بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
به نستعين
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين ، ورضي الله عن الصحابة المهتدين المرضيين ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.
وبعد فهذا هو الجزء الثاني من الحلقة الاُولى من (موسوعة عبد الله بن عباس) حبر الاُمة وترجمان القرآن ، وهو يتضمن فترة ربع قرن من تاريخه ، وهي فترة الشباب ، مليئة بالحيوية والنشاط ، وتبدأ من بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، سنة 11 من الهجرة وتنتهي بسنة 35 من الهجرة وفيها من الأحداث المريرة التي عاشها ، وقاسى مرارتها طيلة عهود الثلاثة الخالفين من بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما رأئ وما جرى ، منه وله وعليه ، أيام تلك الحكومات ، وسنقرأ له مواقف جريئة ، تنبئ عن قابليات تميّز بها ، فكان على صغر سنّه ، فاق أكابر الشيوخ من الصحابة ، فكانت له مكانته المتميزة في مجتمع الصحابة.
وسنبدأ حديثنا عنه من فترة بين عهدين :
فترة بين عهدين
لقد طالت واستطالت مع قِصر بُعدها الزماني ، إلاّ أنها كانت بالغة التأثير في بصماتها على تاريخ الإسلام الكبير الخطير. فقد وقعت فيها حوادث جسام ، كان شخوصها من الصحابة العظام ، لذلك تغيّرت الموازين عند المحدثين من كتاب محققين.
فهم بين عاملَين قويين ، عامل القداسة لكل الصحابة ، وعامل الحقيقة الّتي عمدوا على تجاهلها وتُنازِعهُم على ذكرها ، فشطّت بهم السبل إلا القليل منهم.
فيا لها من فترة لم تتجاوز اليوم والليلة ، بل الأصح أنها كانت بعض يوم. وإن حاول بعض الكتاب تحديدها بثماني وأربعين ساعة. ولكن ما زعمه لا يتفق ـ مهما حاول ـ مع واقع الحالِ. فهو تحديد غير دقيق.
قال عمر أبو النصر في كتابه فاطمة بنت محمّد : « إنّ بين وفاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وبين بيعة أبي بكر بالخلافة ثمانية وأربعين ساعة »(1) . وهذا التحديد لا يتفق مع بيعة السقيفة لأنّها كانت يوم وفاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قبل أن تغرب شمسه كما لا تتفق مع بيعة أبي بكر في المسجد فإنها كانت في اليوم الثاني وهي دون الثماني والأربعين ساعة. ولعل الاُستاذ عبد الفتاح مقصود الكاتب المصري الشهير كان أصوب منه
__________________
(1) فاطمة بنت محمّد / 115ط الأولى (الأهلية بيروت).
حين قال في كتابه السقيفة والخلافة في تحديدها بيوم : « لم يكن بعدُ قد ولّى عمره أو بلغت شمسه المنكودة حافة الغروب »(1) .
ومهما يكن بُعدها الزماني فتلكم هي الفترة الّتي عاشها حبر الاُمة عبد الله ابن عباس وهو الحزين المصاب بفقد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو الكئيب الأسيف لما حَدَث في تلك الفترة.
فقد ابتدأت بإعلان نبأ وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإنتهت بإعلان بيعة أبي بكر خليفة بعد ملاحاة طويلة مع الأنصار في السقيفة ، وتمت البيعة ، وقد كانت فلتة ـ كما قال عمر بن الخطاب عنها ـ وقى الله المسلمين شرّها(2) .
وقد سماها الدكتور أحمد أمين المصري : (غلطة)! ، فقال : « ولذلك قال عمر : انّها غلطة وقى الله المسلمين شرّها » ، ثم قال أحمد أمين : « وكذلك كانت غلطة بيعة أبي بكر لعمر الخ »(3) .
وقال عبد الفتاح عبد المقصود في كتابه السقيفة والخلافة عن السقيفة وأحداثها : « وكفاها خطورة أن عاشت في الأذهان والأخيلة كما عاشت فوق ألسنة الأفواه وأسنة الأقلام نحو ألف ونصف ألف من الأعوام.
كفاها خطورة ان جعلت المسلمين فرقتين متقابلتين ، تتحاوران وتتحاجان وإن كنت اُعيذهما اليوم من لدد العداء وعنف الخصام.
كفاها خطورة أن غيّرت اتجاه تاريخ الإسلام ، أو لوّنت صورته السياسية بغير ما كان ينبغي أو ـ بأرفق تعبير ـ بغير ما كان يظن أن تكون الصورة وتكون الألوان.
__________________
(1) السقيفة والخلافة / 116.
(2) صحيح البخاري كتاب الحدود باب رجم الحبلى من الزنا 8 / 169ط بولاق سنة 1312 هـ.
(3) يوم الإسلام / 53.
وقال : السقيفة معروفة لا يخفى أمرها عمن ألقى بنظرة عابرة عجلى على غرة الإسلام »(1) .
وقال أيضاً : « والسقيفة (الحدث) ـ في رأي المؤرخين كافة ـ هي أبرز المعالم على طريق التاريخ المبكر للإسلام وفي رأي جم غفير من المسلمين ومن أهل الفكر نقطة تحول خطيرة ومنعطف شديد الإلتواء ، لا في التاريخ الإسلامي وحده ، بل في التاريخ الإنساني كله من لحظة أن حوّلت أولها عن مجراه وخرجت على خلاف المنتظر أو المظنون بتراث رسول الله من حوزة الأعزة الكرام من آل بيته الأطهار ، إلى حوزة رفيق الغار! »(2) .
ولمّا كان تاريخ الحاكمين سجّل الأحداث بأقلام مأجورة لهم. فقلّ أن تجد حَدَثاً سجلته الأقلام بأمانة تامة ، وإذا وجدت ذلك القليل فهو أيضاً فلتة ، وإلاّ فتشويه الحقيقة وتلميع الصورة شأن جل رواة الأحداث. وأهم حَدَث تعرّض إلى كثير من اللف والتشويش هو حدث السقيفة. وتجد الدمدمة والهمهمة الّتي لا تفصح ببيان لمعرفة الجواب على تلك التساؤلات الّتي تفرض نفسها. وتجيش بها نفس القارئ :
1 ـ لماذا في السقيفة أجتمع الأنصار يأتمرون ، والنبي الكريم في آخر يوم من حياته؟ وكان الأحرى بهم الحضور عند بيته.
2 ـ ثم لماذا بقوا في السقيفة بعد وفاته؟ ألم يبلغهم نبأ ذلك وكان الأحرى بهم أن يحضروا تجهيزه.
__________________
(1) السقيفة والخلافة / 30.
(2) نفس المصدر / 31.
3 ـ ثم لماذا جاء أبو بكر وعمر وأبو عبيدة إلى السقيفة سراعاً وابتداراً خوف الفتنة كما يقولون؟ ألم يسعهم تأخير ذلك إلى ما بعد مواراة الجثمان الطاهر؟
وليس لنا أن نقول فيهم إلا ما قاله أحمد أمين حيث قال : « وكان هذا ضعف لياقة منهم ، إذ اختلفوا قبل أن يدفن الرسول ، ولكن كان عذرهم في ذلك العمل على ضمّ الشمل وجمع الكلمة »(1) ؟!
وليس لنا أن نقول إلاّ كما قال الاُستاذ محمّد ضياء الدين الريّس في كتابه النظريات السياسية الإسلامية : « وتوحي مبادرتهم بالإسراع في عقد هذا الأجتماع في نفس اليوم الّذي توفيّ فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقبل انهاء مراسم الدفن ، توحي إلى المؤرخ بفكرة قوية : هي أنهم كانوا لا بد قد فكّروا في هذا الأمر قبل الأجتماع ولو ببضعة أيام »(2) .
ولعل طموح سعد بن عبادة كبير الخزرج هو الّذي جعله يسرع إلى تكوين جبهة ليظفروا بقرار تأييد قبل أن يظهر من يزاحمه.
وهناك دلائل على أن هذه الفكرة قد جالت بخاطر آخرين إلى جانب الأنصار :
فيروي ابن هشام في سيرته ، عن عبد الله بن عباس : « أنّ عليّاً خرج من عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في وجعه الّذي توفي فيه ، فقال له الناس : يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله؟ فقال : أصبح بحمد الله بارئاً.
فأخذ العباس بيده ثم قال : يا عليّ إنّي والله لأرى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سوف يتوفى من وجعه هذا ، إنّي لأعرف وجوه عبد المطلب عند الموت ، فانطلق إلى
__________________
(1) يوم الإسلام / 54.
(2) النظريات السياسية الإسلامية / 26 و 27 ط الثانية.
رسول الله ، فإن كان هذا الأمر فينا عرّفناه ، وان كان في غيرنا كلّمناه فأوصى بنا الناس ، فقال له عليّ : إنّي والله لا أفعل ، والله لئن منَعنَاه لا يؤتيناه أحد بعده »(1) . وذكره البخاري أيضاً ببعض تغيير في اللفظ(2) .
وروى ابن سعد في طبقاته ، عن عبد الله بن عباس أنّه قال : « اشتد برسول الله وجعه فقال : (إئتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً) ، فأختلف أهل البيت واختصموا ، فلمّا أكثروا اللغو والأختلاف أمرهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالإنصراف »(3) . وذكر ذلك البخاري ببعض تغيير في اللفظ(4) ، والشهرستاني أيضا(5) .
وأوضحت بعض الروايات انّ هذا كان بناءً على طلب بعض الصحابة ، ممّا يشعر أنهم تباحثوا في هذا الأمر ، ولسبب ما لم تتم كتابة الوثيقة(6) .
__________________
(1) سيرة ابن هشام 4 / 332 و 333 ط المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة.
(2) صحيح البخاري 3 / 61 مطبعة التقدم العلمية 1320. وليس من الغريب أن لا ينقل الريّس عن صحيح البخاري نص الحديث بلفظه ، ما دام جاهداً في التعتيم على رموز المعارضة ، والحديث قد مرّ بتمام صوره عند البخاري وعند غيره ، ورأينا تصريحاً وتلويحاً من هم الذين كان يخشى العباس أن يدفعوهم عن الأمر ، وهم الذين قد عناهم الأستاذ الريّس في أول كلامه بقوله : وهناك دلائل على أن هذه الفكرة قد جالت بخاطر آخرين إلى جانب الأنصار ، ولكن عامل القداسة للصحابة يمنعه عن أن يفصح بأسمائهم ، كما أن عامل الحقيقة الّتي يعلمها وتجيش بها نفسه ، يدفعه أن يقولها ، لهذا أختار طريقاً وسطاً فيما رأى. وان لم يكن ذلك بالسبيل الأوسط الأقوم.
(3) طبقات ابن سعد 4 / 58 ط لجنة نشر الثقافة بالقاهرة 1358.
(4) صحيح البخاري 3 / 60.
(5) نهاية الاقدام في علم الكلام / 404 ، والملل والنحل / 18 ـ 19 ط الأزهر الحديثة.
(6) لقد تسامح الريّس في تعبيره وأوضحت بعض الروايات الخ فليس ذلك بصحيح ولم يرد في رواية واحدة تصريح بذلك ، وانما ذلك كان من توجيهات علماء التبرير لدفع غائلة السماجة عن كلمة عمر (إن النبيّ ليهجر) فطرحوا تصور الاستفهام الإنكاري وعليه بنوا أوهامهم.
ومهما يكن فهذا التفكير كله ما كان قد تجاوز الأيام القليلة قبيل وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يزد على انّه كان خواطر جالت ببعض الأذهان ، وكان التفكير في هذا طبيعياً لشعور المسلمين بقرب الساعة الّتي سيخلو فيها مكان القيادة ، ولم يصل الأمر إلى درجة الإتفاق ، أو وضع الخطط أو التآمر ـ كما ادعى الأب أو القس لامانس ، وردد قوله بعض المستشرقين ارنولد ـ زاعماً أنّ اتفاقاً قد تم بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة على الاستئثار بهذا الأمر ، وتداوله فيما بينهم ، فانه لا يقول هذا إلاّ رجل يريد أن يطعن في شخصيات الصحابة وأخلاقهم ، ويغمز في إيمانهم ، ورجل لا يفهم روح العصر ، ولا يدرك سمو هذه النفوس العالية الّتي بلغت مرتبة القديسين أو جاوزتها ، وان هذا كلام ليس له أي دليل من عقل أو تاريخ ، بل انّ حقائق التاريخ المجمع عليها تثبت انّه ليس اكثر من بهتان أهـ.
عجيب أمر هذا الاُستاذ حين يزعم أنّ حقائق التاريخ تثبت عكس ذلك ، وهذا الّذي يقوله الأستاذ الريّس يعبّر عن رأي الكثير الكثير من المحدثين ممن يزعمون توخي الحقائق في كتاباتهم. ولو أنصفوا أنفسهم وجرّدوها عن العواطف ، لأذعنوا للحقيقة.
فإنّ الأحداث المتتابعة منذ مرض النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى وفاته وما حدث بعدها من حوادث ، لتوحي للباحث بأنه من الواضح كانت هناك ـ وبلا شك ـ فكرة تجول في أذهان الصحابة من مهاجرين وأنصار حول موضوع ولاية الأمر بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولم تنشأ تلك الفكرة من فراغ ، بل كانت مستوحاة من مواقف الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم السابقة سلباً وأيجاباً ، ولا بد لنا أن نقول ذلك بصراحة ، نعم لا نستبعد أن يكون بروز آثارها كانت بوضوح بعد الحدث المشؤوم في ذلك اليوم العبوس الكالح
وهو يوم الخميس ، وبينه وبين وفاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أربعة أيام. وهذه الأيام كانت كافية للأنصار للمداولة والتفكير في التخطيط وبالتالي إلى التصميم على الفعل ، فما دام أمر الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم في آخر عمره لم يمتثل في حياته ، ولو أمتثل لحسم كلّ نزاع يحتمل أن يحصل ، وكانوا على حد قول دعبل الخزاعي :
ولو قلدوا الموصى إليه أمورهم |
لَزُّمت بمأمون عن العثرات |
لكن عمر منع من امتثاله ، فما الّذي يمنع الأنصار أن يفكّروا في أمرهم وقد علموا أن المهاجرين قد أصروا في أيام مرض النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم على أن يحوزوا سلطان محمّد ، فأدركوا تلك الحقيقة فخافوا على مراكزهم إذا تولى الأمر من المهاجرين من لا يرعى فيهم إلاً ولا ذمة ، ما دام لهم متسّع من الوقت لتكوين جبهة قويّة تصد عنهم أو تحفظ لهم حقوقهم ، ولهم بعدُ حجتهم فهم أهل الدار ، وهم الذين آووا ونصروا ، وبذلك يكونّوا جبهة قوية في وجه المهاجرين الذين بدت من بعضهم فلتات توحي بما يبيّتون من نوايا.
فاتخذوا قرارهم واجتمعوا في سقيفتهم لكسب التأييد والنظر في مستقبلهم. وليس يعني ذلك إضفاء الشرعية على فعلهم ، بل يدل على العكس مهما تعاظمت أقدارهم ، وتعالت درجاتهم ومهما ومهما وإلا فأي عذر مقبول لهم بعدما عاهدوا الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم عليه من أمتثال أوامره ، فأين الوفاء بعهده؟ وأين ميثاق بيعة الشجرة والرضوان؟ وأين عهود ليلة العقبة؟ وأين وأين؟
وأمّا المهاجرون ومنذ ذلك الحدث أيضاً فقد بان انقسامهم إلى فريقين : فريق أهل البيت ومن شايعهم وعلى رأسه الإمام عليّ وعمّه العباس ، فهم حين يرون أن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قد حيل بينه وبين ما أراد أن يكتبه لأمته لئلا يضلوا بعده فحال عمر دون ذلك وقال ما قال ممّا لا ينبغي له أن يقوله. فهم أيضاً كان لهم الحق في التفكير
بمصائر الأمور بعد ما رأوا مكاشفة بقية من حضر في بيت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في استبعادهم عن الساحة ، بل أحسّوا بالعمل الدائب على منع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من كلّ ما من شأنه تهيئة الأجواء الصالحة لمصير الأمة ، فأتخذوا هم أو بعضهم ما يمليه الموقف في تلك الساعات الحرجة ، ومن ذلك ما قاله العباس لعليّعليهالسلام انّي لأرى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سوف يموت الخ. وستأتي في مواقف العباس في تلك الفترة شواهد تكشف عن مدى القلق الّذي ساور نفوس الهاشميين ـ رجالاً ونساء ً ـ فأصابهم بالإحباط ، فتوجّسوا الشر وما سوف يلحقهم من الأذى بعد فقد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
لذلك قال العباس لعليّعليهالسلام : « أنتَ بعد ثلاث عبد العصا »(1) . وقالت أم الفضل وقد دخلت على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في مرضه فبكت ، فقال : (ما يبكيكِ؟) قالت : خفنا عليك وما ندري ما نلقى بعدك يا رسول الله. فقال : (أنتم المستضعفون بعدي)(2) ـ (إنكم مقهورون مستضعفون بعدي)(3) ـ.
ولم يغب كلّ ذلك عن سيّد بني هاشم ووليّ الأمر من بينهم الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام الّذي كان يقول : (انّ ممّا عهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ الأمة ستغدر بي)(4) .
وأمّا الفريق الثاني من المهاجرين وهم الذين كانوا يمثلون المعارضة بأظهر أشكالها ، وكان أبرز رموزها من المهاجرين أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح ومعهم من الأنصار أسيد بن حضير وبشير بن سعد يشدان أمرهم ، فقد كانوا يعملون جاهدين على أحتجان الأمر دون بقية المسلمين سواء من أهل البيت أو الأنصار. فقاموا بما قاموا من أعمال كلها توحي أنها لم تكن وليدة الساعة بل كانت عن سابق تفكير وتخطيط ، وإن شئت قل إنّها كانت
__________________
(1) طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 38 ، والمصنف لعبد الرزاق 5 / 435.
(2) كما في رواية أحمد في مسنده 6 / 339.
(3) كما في رواية ابن سعد في الطبقات 8 / 204.
(4) مستدرك الحاكم 3 / 140.
مؤامرة مدبّرة أحكمت خيوطها منذ أمد ليس بالقريب ، وقد يستفزّك هذا التعبير ، ولكن لو تجرّدت عن الرواسب ورجعت إلى ما قبل ذلك التاريخ ، فلا تعدم ـ وأنت الباحث ـ الشواهد على ذلك.
فمثلاً في غزوة الطائف حين كانت مناجاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّعليهالسلام وأطال نجواه ، فورمت آناف ناس لذلك فقالوا ناقمين : لقد أطال نجواه لأبن عمه فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : (ما أنا أنتجيته ، بل الله أنتجاه). وحين تنقب عن أولئك الناس الناقمين تجد أسم أبي بكر لامعاً دون غيره!(1)
وأيضاً في تلك الغزاة قامصلىاللهعليهوآلهوسلم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : (يا أيها الناس انّي فَرَط لكم وأوصيكم بعترتي خيراً ، وإن موعدكم الحوض ، والذي نفسي بيده ليقيمنّ الصلاة وليؤتينّ الزكاة ، أو لأبعثن اليهم رجلاً منّي أو كنفسي ، فليضربنّ أعناق مقاتليهم وليسبينّ ذراريهم) ، قال عبد الرحمن بن عوف ـ وهو راوي الحديث ـ : فرأى الناس انّه أبو بكر أو عمر فأخذ بيد عليّ فقال : (هو هذا)(2) . وهنا أيضاً أبهم أسماء الناس الذين رأوا أنّ المعنيّ للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم هو أبو بكر أو عمر ، لكنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أخذ بيد عليّعليهالسلام فقال : (هو هذا).
__________________
(1) أخرج الترمذي في صحيحه 2 / 300 ، والخطيب البغدادي في تاريخه 7 / 402 ، وابن الأثير في أسد الغابة 4 / 27 ، وغيرهم انّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنتجى عليّاً فأطال مناجاته فقال الناس : لقد طال نجواه لأبن عمه ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (ما أنا أنتجيته ولكن الله أنتجاه). واذا كان الناس مبهمين في هذا الحديث فانّهم عرفوا كما في حديث جابر بن عبد الله ، وقد أخرجه الطبراني في معجمه الكبير 2 / 186 ط الثانية ، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال 15 / 122 ط الثانية حيدر آباد ، قال : لمّا كان يوم غزوة الطائف قام النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مع عليّ ملياً من النهار ، فقال له ابو بكر يا رسول الله لقد طالت مناجتك عليّاً منذ اليوم؟! فقال رسول الله : (ما أنا أنتجيته ولكن الله أنتجاه).
(2) المطالب العالية لأبن حجر 4 / 56 ، والصواعق المحرقة / 75 ط الاُولى ، ومجمع الزوائد 9 / 134 ، وكنز العمال 15 / 144 ط حيدر آباد الثانية ، والفصول المهمة لأبن الصباغ المالكي / 11 وغيرها.
فهذا يدل على أنّ ثمّة دواعي للتفكير فيمن سيكون خليفة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حيث يقول الناس في طول المناجاة ما قالوا ، وحيث رأوا ان ليس أبو بكر أو عمر هو المعنيّ بقول الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم : (رجلاً مني أو كنفسي) ، إذ أوضح ذلك بأتم توضيح ، وفيه دلالة ليس على الترشيح بل بالنص الصريح فأخذ بيد عليّعليهالسلام فقال : (هو هذا).
ثم تلاحقت الأيام فتكشفت الحقائق ، وجاء موسم الحج عام تسع من الهجرة فدعا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أبا بكر وأرسله بتبليغ آيات من سورة براءة ، ثم سرعان ما أتبعه بعليّعليهالسلام ليستعيد منه ما أمره بتبليغه ويتولى عليّعليهالسلام ذلك ، فرجع أبو بكر إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال : هل نزل فيّ شيء؟ قال : (لا ولكني أمرت أن أبلغها أنا ورجل من أهل بيتي ، ولا يؤدي عني إلاّ أنا أو عليّ ، عليّ مني وأنا من عليّ)(1) .
وجاءت السنة العاشرة وفيها حجة الوداع فخطبصلىاللهعليهوآلهوسلم في عرفات وفي منى وفي مكة وفي كلها يذكر الناس بالتمسك بالثقلين.
وأخيراً لا آخراً كان يوم الغدير بعد رجوعهصلىاللهعليهوآلهوسلم من حجة الوداع ، فقد أمر بالإجتماع وصعد منبراً من حدوج الإبل وأخذ بضبع ابن عمه ـ حتى بان بياض أبطيهما ـ فأقامه للناس إماماً وهادياً وعلماً وخليفة من بعده وقال : (من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه)(2) .
فكلّ ما مرّ ويأتي من المواقف الّتي أوحت إلى فريق المعارضة بأنه سوف لن يحصلوا على شيء ما دام النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مستمراً في التأكيد على ذلك المنهج الّذي يُوحى إليه به من السماء وهو التنويه بابن عمه خليفة من بعده( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ
__________________
(1) مصادر حديث تبليغ براءة فيما أحصاها بعض الباحثين بلغت 85 مصدراً من كتب التفسير والحديث والسيرة والتاريخ ولم يسلم هذا الحديث من جنايات الرواة ، ويكفي مراجعة صحيح البخاري 1 / 671 ط دهلي الهند إذ يجد من رواته أبا هريرة ، ودسّه أنفه في أمر التبليغ ، وهو لم يكن حينئذٍ في الحجاز بل كان في البحرين؟!
(2) يكفي مراجعة كتاب الغدير للمرحوم الحجّة الأميني.
مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) (1) ، فأيّ مانع لهم من التفكير في السُبل الّتي تضمن لهم أحتجان الأمر من بعده ، فقدّروا ودبّروا ـ والآن فقل وتآمروا ـ لذلك تحيّنوا الفرص وتربّصوا ، فبدأوا يصارحونه بالخلاف وجهاً لوجه ، وبدت مواقفهم تتكشف شيئاً فشيئاً.
وخذ على ذلك شاهداً قضية بعث اُسامة ، حيث أمرهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يخرج أميراً على جيش إلى مؤتة وسمّى أشخاصاً بأعيانهم للخروج في جيشه كان منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص واسيد بن حضير وبشر بن سعد والزبير بن العوام(2) . لكنهم لم يخرجوا ولم يستجيبوا لأمره ، وصعد المنبر يخطب في المسلمين قائلا : (نفذّوا جيش اُسامة ، لعن الله من تخلّف عن جيش اُسامة)(3) . فمهما كانت نوايا الذين كانوا يتملصون من الخروج بأعذار فلم يقبلها منهمصلىاللهعليهوآلهوسلم وسكت على مضض. لذلك أرادصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يكبح جماح تلك
__________________
(1) المائدة / 67.
(2) راجع طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 41 ط ليدن ، ومهذب تاريخ ابن عساكر لابن بدران الدمشقي 2 / 391 في ترجمة اُسامة ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 53 و 2 / 20 و 459 و 4 / 173 ، ومقدمة الملل والنحل للشهرستاني ، وشرح المواقف في أول تذييل المواقف نقلاً عن الترمذي ، ونقل بعضهم ذلك عن البلاذري وغيره.
وقد علّق الدكتور صبحي الصالح على اللعن في كتابه النظم الإسلامية نشأتها وتطوّرها / 79 ط دار العلم للملايين ، فقال : وكان الرسولعليهالسلام كان يستشف حجب الغيب ويدرك ما يكون من أمر المسلمين لو تهاونوا في مثل هذا الأمر الخطير ، فهو أمر ترتب عليه نتائج حاسمة في علاقات المسلمين بالدول الأجنبية ، لذلك لم يستنكف أن يستخدم عبارة (اللعن) ولكن هل أستجاب القوم أستجابة متماثلة؟
لقد تخلف عن الغزوة قوم ورغب فيها آخرون ـ ثم حكى مقالة الفريقين نقلاً عن الشهرستاني ـ وقال : ولقد يخيّل إلى كثير من مؤرخي الفكر الإسلامي أن لا ضير فيما قالته الفئة المتخلفة ولكن مجرد إقدامهم على التخلف قد يعدّ دون شك ثغرة من الثغرات لا ندري من أي مكان أتوها. ونحن أيضاً نقول له :
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
(3) المصدر السابق.
النزوات بأن يكتب لهم كتاباً لئلا يضلوا من بعده ، فبدت البغضاء من أفواههم ، فكانت الرزية كلّ الرزية ـ كما يقول ابن عباس ـ وتتابعت الأحداث سراعاً بالمواقف النابية من المعارضة ، وكلها توحي بتأكيد التآمر. وإلاّ بماذا يفسّر موقف عمر وعثمان ـ الشديد ـ من إنكارهما موت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى مُنع أهله من تجهيزه ودفنه ، وتذرّعا بما لا يقوله أي انسان حتى المخبول.
قال الجاحظ في رسالته العثمانية : « وكان عثمان بن عفان وعمر بن الخطاب يرددا هذه الآيات يعني :( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) (1) وتوعدّا أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من قال إنه مات. وثاروا في حجرة عائشة وعلى الباب لم يمت وكان أول من رآه مسجّى فأنكر موته عثمان وقال : انّه والله ما مات ولكنّ الله رفعه إليه كما رفع عيسى بن مريم ، والله لا نسمع أحداً يقول مات إلاّ قطعنا لسانه.
واضطرب الناس وماجوا وقام عمر في الناس خطيباً فقال : لا أسمعنّ أحداً يقول إن محمّداً مات »(2) .
وتدافع عمر هو والعباس بالقول ، هو يقول : ما مات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بل غاب كما غاب موسى عن قومه وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون انّه مات ، فجعل لا يمر بأحد يقول انّه مات إلاّ ويخبطه ويتوعده(3) .
وذكر الزمخشري في الفائق : « انّ عمر مانعهم في دفن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال : انّه لم يمت ولكنه صعق كما صعق موسى ، فقال العباس : انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يمت حتى ترككم على طريق ناجحة وان يك ما تقول يابن الخطاب حقاً فإنّه لن يعجز أن يحثو عنه ، فخلّ بيننا وبين صاحبنا فإنه يأسن كما يأسن الناس »(4) .
__________________
(1) التوبة / 33.
(2) الرسالة العثمانية / 79 ـ 80 تح ـ عبد السلام محمّد هارون.
(3) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 60.
(4) الفائق 4 / 34.
وفي السيرة النبوية لابن كثير : « أنّ العباس خرج على الناس فقال : يا أيها الناس هل عند أحد منكم عهد من رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم في وفاته فليحدثنا؟ قالوا : لا قال : هل عندك يا عمر من علم؟ قال : لا. فقال العباس : اشهدوا أيّها الناس أن أحداً لا يشهد على رسول الله بعهد عهده إليه في وفاته والله الّذي لا إله إلا هو لقد ذاق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الموت »(1) .
وتبقى لهجة عمر المحمومة ويبقى العباس يقول : إن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد مات وإنّه لبشر وإنه يأسن كما يأسن البشر ، أي قوم فأدفنوا صاحبكم فإنه أكرم على الله من أن يميته الميتتين أيميت أحدكم إماتة ويميته إماتتين وهو أكرم على الله من ذلك ، أي قوم فأدفنوا صاحبكم إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والله ما مات حتى ترك السبيل نهجاً واضحاً ، فأحلّ الحلال ، وحرّم الحرام ، ونكح وطلق وحارب وسالم ، ما كان راعي غنم يتبع بها صاحبها رؤوس الجبال يخبط عليها العصاة بمخبطه ويمور حوضها بيده بأنصب ولا أدأب من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان فيكم أي قوم فأدفنوا صاحبكم(2) .
ولم يزل العباس يقول : « ترككم على المحجة البيضاء ».
واشتدت الخصومة ، وحدثت البلبلة ولم تهدأ حتى جاء أبو بكر من السنح ـ وكان في منزله لم يحضر موت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ فلمّا جاء دخل على الجثمان الطاهر ، وكشف عنه ثم قال : « طبت حياً وميتاً » ـ ولسنا في مقام تفسير ذلك وانه جزء من مؤامرة أحكمت حبكاً ـ فخطب الناس ، وخطب عمر معتذراً بأن مقالته
__________________
(1) السيرة النبوية 4 / 481.
(2) أنظر سنن الدارمي / 42 ، طبقات ابن سعد 2 / 266 ، أنساب الأشراف 2 / 243 عن ابن عباس ، كنز العمال 7 / 244.
الاُولى كانت منه على غير هدى وصواب ، ثم أسرعا ومعهما أبو عبيدة إلى السقيفة حين أخبرهم مخبر ـ لم يسمه المؤرخون ولماذا؟ ـ باجتماع الأنصار في السقيفة ، فجرى ما جرى من تراشق كاد أن يلفح الفتنة بين المسلمين ، فقائل الأنصار : منا أمير ومنكم أمير ، وقائل المهاجرين : نحن الأمراء وأنتم الوزراء ، ويحسم الموقف أبو بكر بقوله : « إنّي رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر وأبا عبيدة ». ثم قول عمر لأبي عبيدة : « أمدد يدك أبايعك » ، ثم تمنّع أبي عبيدة من ذلك مع وجود أبي بكر ، ثم مبادرة عمر لمبايعة أبي بكر ، ثم بايعه أبو عبيدة. هذا وأشباهه وكثرة شواهده في التاريخ مذكور ، لا يسع أحد أن ينكره.
وبعد هذا أليس من اللافت للنظر حقاً أن تلمع هذه الأسماء الثلاثة أبو بكر ، عمر ، أبو عبيدة من بين المهاجرين إلى جانب أسيد بن حضير وبشير بن سعد من دون بقية الأنصار ، في قائمة المعارضة ، وكأنهم هم رأس الأمر ، وعقله المدبّر والمفكّر ، وان كانت هناك أسماء نفر آخرين كانوا يعضدونهم ، ولعل أبرزهم كانت أم المؤمنين عائشة الّتي ليس ينكر دورها في موضوع الصلاة ، كما لا ينكر دورها بعد ذلك في دعم ذلك الثالوث المقدّس ، وإلى القارئ شاهداً على ذلك.
فقد ذكر ابن تيمية في منهاج السنة نقلاً عن صحيح مسلم عن ابن أبي مليكة قال : « سمعت عائشة وسئلت من كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مستخلفاً لو أستخلف؟ قالت : أبو بكر ، فقيل لها ثم من بعد أبي بكر؟ قالت : عمر ، قيل لها : ثم من بعد عمر؟ قالت أبو عبيدة بن الجراح. ثم أنتهت إلى هذا أهـ »(1) .
فممّا تقدم وغيره ممّا لم أذكره أتخذ الأب أو القس (لامانس) وتبعه بعض المستشرقين مثل (أرنولد) حجة إلى القول بان هناك تآمراً بين الثلاثة على
__________________
(1) منهاج السنّة 3 / 135 ط الاُولى.
الخلافة كما حكاه الريس في كتابه(1) ، وليس كلّ التثريب على أولئك الأجانب ، إنمّا كلّ اللوم والتثريب على من فتح لهم باب الخلاف في الخلافة حتى تصيّد الأغيار في الماء العكر حتى تجرأ المستشرق الهولندي (ولهاوزن) في كتابه تاريخ الدولة العربية فقال : « وكان أبو بكر وعمر يعلمان أنهما لم يتوليا الخلافة بفضل حق شرعي ، بل من طريق الاغتصاب ، وهما لم يستطيعا أن يسبغا على رياستهما الّتي كانت غير شرعية في أول الأمر ثوباً شرعياً إلاّ فيما بعد ».
وقال : « فهما لم يريدا سوى أن يكونا خليفتين لرئيس الحكومة التيوقراطية الشرعي الحقيقي الوحيد ، وهو النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد عبّرا عن ذلك باللقب الّذي اختاراه لأنفسهما وهو لقب الخليفة. وقد سمى أبو بكر نفسه خليفة رسول الله وسمّى عمر نفسه خليفة خليفة رسول الله ، حتى بدا في ذلك شيء من التكلف والتطويل في التسمية ، فصار لقب الخليفة مع إسقاط المضاف إليه لقباً قائماً بذاته أهـ »(2) .
أقول : لسنا في مقام تحقيق اللقب الّذي حصل عليه أبو بكر ، وكيف ثَم له ، وهل كان خليفة أم خالفة؟ كما رواه جمع من أن أعرابياً سأل أبا بكر فقال له : (أنت خليفة رسول الله (صلّى الله عليه (وآله) وسلّم)؟
قال : لا ، قال : فما أنت؟ قال : أنا الخالفة بعده(3) .
__________________
(1) النظريات السياسية الإسلامية / 27.
(2) تاريخ الدولة العربية (ترجمة عبد الهادي أبو ريدة) / 34 ، وورد نحو ذلك في ترجمة يوسف العش لنفس الكتاب أيضاً / 34 ، ومن الغريب ـ والمؤسف ـ لم يعلّق أيّ من المترجمين على ذلك بشيء ، وكأنهما يشاركان ولها وزن فيما ذهب إليه فيريان نفس الرأي.
(3) كنز العمال 14 / 173 نقلاً عن ابن عساكر ، والنهاية في اللغة لابن الأثير 2 / 69 الطناحي والزاوي ، والفائق للزمخشري 1 / 391 تح ـ إبراهيم والبجاوي ، والجمهرة لابن دريد 2 / 37 مح ط حيدرآباد (أفست) والدر المنير للسيوطي. وغير ذلك.
ولسنا في مقام تحقيق المعنى اللغوي للخالفة بعدما ذكر علماء اللغة أربعة معاني لها :
أ ـ العمود من أعمدة البيت في مؤخره.
ب ـ القاعدة في الدار من النساء ج خوالف.
ج ـ الفاسد من الناس.
د ـ الّذي لا غناء عنده ولا خير فيه ، والهاء للمبالغة(1) .
ومن البديهي فانّ أبا بكر لم يكن بالمعنيين الأوليين قطعاً ، فهو مردّد بين المعنيين الآخرين لا محال وهذا ما دفع باللغويين إلى الاعتذار عنه بأنّه قال ذلك تواضعاً. ونحن سواء قبلنا ذلك عن رضىً أو لم نقبله فهو بلا خلاف (أوّل ملك إسلامي بعد رسول الله (صلّى الله عليه (وآله) وسلّم). كما يقول محمّد فريد وجدي(2) في حديث عن حكومة أبي بكر الّتي قال فيها : (فجاءت حكومتهم فذّة في بابها ، غريبة في تركيبها ، وبيان غرابتها إنّها لا تسمى حكومة مطلقة ، لأن الحكومة المطلقة هي الّتي يرأسها رجل مستبد لا دستور له إلاّ رأيه وهواه ، والحكومة العربية كان لهادستور وهو القرآن ، فلا تسمى مطلقة ، ثمّ لا تسمى دستورية ، لأنّ الحكومة الدستورية هي الّتي يكون لها مجلسان نيابيان أو مجلس نيابي واحد ، ولم تكن الحكومة العربية الإسلامية كذلك ثمّ لم تكن حكومة جمهورية لأنّها وإن كانت منتخب رئيسها كما هو الحال في الاُمم الجمهورية ، إلاّ أن ذلك الرئيس فيما ليس لرئاسته حد محدود تنتهي إليه كأربع أو ست سنين.
__________________
(1) المعجم الوسيط 1 / 250 ط مجمع اللغة العربية.
(2) دائرة معارف القرن العشرين 2 / 322 ط دار الفكر بيروت.
الخلاصة أن حكومة الصحابة كانت حكومة فريدة في بابها ، لا إستبدادية ولا دستورية ولا ملكية ولا جمهورية(1) .
وأعود الآن فأقول : لم يكن الكاتب الريّس وحده الّذي تنازعه العاملان ، عامل احترام الصحابة ، وعامل إظهار الحقيقة فربما غلب الثاني فأظهره ، كما صنعه كثير من الكتّاب المحدَثين وانّهم على ما بينهم من تفاوت في مراتب الشجاعة والجرأة على الصراحة لا تخلو كلماتهم من إشارة أو تلميح ، وربما جاء ذلك منهم بالقول الفصيح بأن ثمة تصميماً مسبقاً وعن سبق إصرار وعمد لإبعاد بني هاشم عن الأمر ، فهذا الدكتور طه حسين ـ عميد الأدب العربي وصاحب الفتنة الكبرى ـ يقول : « فكان بنو هاشم قد أبعدوا عن هذا الأمر عمداً ، أبعدتهم عنه قريش مخافة أن تظل لبني هاشم رعية ، وألا تكون الخلافة في حي آخر من أحيائها »(2) ، ولم يكن ذلك بدعاً من قول الدكتور طه حسين فقد كان ذلك من قبل هو رأي المغيرة بن شعبة القائل لأبي بكر وعمر : « ما لكم أتريدون أن تنتظروا وصل الحبلة من أهل هذا البيت ، وسّعوها في قريش تتسع »(3) ، ولسنا بصدد تفصيل جميع ما جرى في السقيفة وكيف جرى؟ ولماذا غلب المهاجرون على الأنصار؟ وما هي حجتهم؟ فكل ذلك يستدعي الخروج بنا إلى أبحاث طويلة تبعدنا عن صلب الموضوع ولكنا سوف لا نبعد عنها كثيراً ما دمنا بصدد معرفة رأي ابن عباسرضياللهعنه في أحداث تلك الفترة بين العهدين ، والتي عايشها وعاش مرارتها أسوة بأهل بيته وموقفه يتبين بوضوح عندما نقرأ مواقف أبيه
__________________
(1) نفس المصدر 2 / 323 ـ 324.
(2) الفتنة الكبرى 1 / 152 ط دار المعارف بمصر.
(3) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 18 ط الأولى بمصر.
العباس بن عبد المطلبرضياللهعنه ، وكان من الطبيعي أن يكون ابن عباس وهو في سنّه الفتي يومئذ تبعاً لأبيه الّذي كان في سنّه شيخاً لبني هاشم ، وكان هو من رواة بعضها فلنقرأ مواقف العباس إذن ، فهي تعكس مواقف أبنه يومئذ ، وأكد عليها بعد ذلك ، ولنطويَ الحديث عن كيفية تولي أبي بكر للخلافة ، وحسبنا ما قاله أحمد شوقي أمير الشعراء :
سبحان ربّي ينعم كيف شاء |
ساس الورى من كان يرعى الشاء |
|
يـقـود بعد إبل ابن عامر |
مـا دبّ فـي غامرها والعامر(1) |
مهما كانت فداحة الخطب الموجع الّذي نزل بالمسلمين عامة وبأهل البيت خاصة ، فلم يكن العباس بن عبد المطلبرضياللهعنه ، ليذهل غماً وحزناً عما كان يتوجسه خيفة من وقوع أمر كان يحسب له حسابه منذ أمد غير قريب ، لأنه كان يقرأ في قسمات الوجوه ما تكنّ القلوب ويسمع من فلتات الألسن ما تضمره النفوس الحاقدة الحاسدة. وقد مرت بنا شواهد على ذلك في ترجمته لذلك نرى كلّ مواقفه في فترة مرض النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وبعد موته ، متشابهة يشد بعضها بعضاً ، وتلتقي عند تهيأة الجو المناسب لتوطيد بيعة الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
أولاً : ففي مرض النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد كان مع الحاضرين حين دعا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالدواة والكتف ومنع منه عمر وقال : « انّه ليهجر » ، فوقع الخصام وتراشق الكلام بأحد من حد الحسام ، وطرد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الذين شاقّوه ، فلمّا خرجوا قال العباس
__________________
(1) دول العرب وعظماء الإسلام / 35.
للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنأتيك بالذي طلبت وان رغمت فيه معاطس ، فأبى وقال : (أبعد الّذي قال قائلكم).
وفي مرض النبيّ أيضاً وقد عرف ما يحاك ضد الخلافة الشرعية من تخلّف المتخلفين عن جيش اُسامة ، ومن اعتراض المعترضين على كتابة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وكثرة الهمز واللمز حول وصية النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لغير عليّ ، فقد بادر بإحباط ذلك التآمر ، فقال لعليّ : هل تعلم أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أوصى لغيرك بشيء؟ فقال عليّعليهالسلام : (اللّهم لا) فخرج على بغلة حتى أتى معسكر أسامة ، فلقى أبا بكر وعمر وغيرهما ، فقال : هل أوصاكم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بشيء؟ قالوا : لا ، فرجع إلى عليّ فقال : إن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مقبوض فأمدد يدك أبايعك فيقال عم رسول الله بايع ابن عم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويبايعك أهل بيتك وإنّ مثل هذا الأمر لا يؤخّر(1) ، ولكن الإمام يأبى عليه ، ويكرر حواره مع الإمام وقد رأى نُذُر الشر تترى ، حرصاً منه على أغتنام الفرصة قبل أن تقع الواقعة ، ويلتحق النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالرفيق الأعلى فيقول للإمام : يا عليّ أحلف بالله لقد عرفت الموت في وجه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما كنت أعرفه في وجوه بني عبد المطلب ، فانطلق بنا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم واسأله عن الأمر هل هو فينا فتطمئن قلوبنا؟ أم هو في غيرنا فيوصى بنا ، ويأبى الإمام ، ويصر العباس ويدخل على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ويقول له ذلك فيجيبه : (إنكم المقهورون وأنتم المضطهدون) وفي رواية : (أنتم المستضعفون بعدي).
ثانياً : وفي يوم موت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال للإمام : « أمدد يدك أبايعك فيقول الناس عم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بايع ابن عم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ ابن أخيه ـ فلا يختلف عليك
__________________
(1) أنطر النزاع والتخاصم للمقريزي / 49 ط مصر سنة 1937 م ، وقارن الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 56 سنة 1328 بمصر.
أثنان ». وفي رواية ابن سعد في الطبقات : « يا عليّ قم حتى أبايعك ومن حضر ، فإنّ هذا الأمر إذا كان لم يردّ مثله ، والأمر في أيدينا.
فقال عليّعليهالسلام : (يا عم إنّ لي برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أعظم شغل عن ذلك؟) ثم تريّث وقال : (وأحد يطمع فيه غيرنا؟)
فقال العباس : أظن والله سيكون. ثم سكت »(1) .
ثالثاً : وعاد العباس غارقاً في بحر همومه ، وقد أضطرب عليه وجه الحيلة في الخلاص من ذلك الخطر المحدق بالأمة. وبينا تتنازعه الهواجس والوساوس ، وتتقاذفه الأحزان والأحلام ، من فقد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأمر الخلافة وأمتناع عليّعليهالسلام عن المبادرة ، وتوجسه فتنة القوم الذين عرفهم بالتمالؤ على أقتناص الخلافة دون أهلها. بينا هو في تلك الدوامة المقلقة المحزنة يصك سمعه صوت يتهدّد ويتوعد.
يقول ابن كثير في سيرته وروى الحافظ البيهقي من طريق ابن لهيعة ، حدثنا أبو الأسود عن عروة بن الزبير في ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال : وقام عمر بن الخطاب يخطب الناس ويتوعد من قال مات بالقتل والقطع ويقول : إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم في غشية لو قد قام قتل وقطع. وعمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم ابن أم مكتوم في مؤخّر المسجد يقرأ :( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) (2) الآية والناس في المسجد يبكون ويموجون لا يسمعون.
__________________
(1) طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 49 ط أفست ليدن.
(2) آل عمران / 144.
فخرج عباس بن عبد المطلب على الناس فقال : يا أيها الناس هل عند أحد منكم من عهدٍ من رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم في وفاته فليحدثنا؟ قالوا : لا. قال : هل عندك يا عمر من علم؟ قال : لا.
فقال العباس : أشهدوا أيها الناس انّ أحداً لا يشهد على رسول الله بعهد عهده إليه في وفاته. والله الّذي لا إله إلا هو لقد ذاق رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم الموتَ(1) .
وروى ذلك غير ابن كثير من المؤرخين. ومنهم من ذكر أنّ العباس كان يقول يومئذ : « ترككم على المحجة البيضاء » وقد مرّ ذلك.
ولم تهدأ ثائرة عمر إلا بعد أن أقبل أبو بكر من السُنح حيث منزله هناك ودخل على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وكشف عن وجهه وقال : « طبت حياً وميتاً » ، ثم خرج إلى المسجد وعرّف الناس بموت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وتلا الآية الّتي كان ابن أم مكتوم يتلوها في مؤخرة المسجد والناس يموجون فقرأ :( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) (2) .
فقال عمر : « أو أنها في كتاب الله؟ ما شعرت انها في كتاب الله ». ثم قال عمر : « يا أيها الناس هذا أبو بكر وهو ذو شيبة المسلمين ، فبايعوه. فبايعوه »(3) .
هكذا روى ابن كثير في سيرته نقلاً عن الإمام أحمد ، وعقب على ذلك بقوله : وقد روى أبو داود والترمذي في الشمائل من حديث مرحوم بن عبد العزيز العطار عن أبي عمران الجوفي به ببعضه.
__________________
(1) السيرة النبوية 4 / 481.
(2) ال عمران / 144.
(3) السيرة النبوية لأبن كثير 4 / 480.
ومهما تكن ألفاظ الرواية متفاوتة فانها متفقة على أنّ عمر هو الّذي أنكر موت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم تهدأ ثائرته إلا بعد ما جاء أبو بكر فقرأ الآية. لماذا لم تهدأ ثائرته حين خرج إليه العباس وساءله خاصة عن عهد عنده بوفاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فأنكر أن يكون معه عهد؟
ولماذا لم تهدأ ثائرته حين كان ابن ام مكتوم يقرأ تلك الآية بعينها في المسجد؟
وكيف لم يعلم أنها آية من كتاب الله وهو الّذي قال حسبنا كتاب الله؟ فان كان لا يعلم ما فيه كيف يدعو إلى الأكتفاء به وهو يجهل منه أكثر ممّا يعلم؟
ويبقى العباس يتوجس أمراً يحدث بعد ما ذهب الشيخان إلى السقيفة ، وقد حدث الّذي حدث بما كان يتوجّس منه خيفة ، ويشاركه في ذلك الهاجس عامة المهاجرين وجل الأنصار الذين كانوا لا يشكّون أن عليّاً هو صاحب الأمر بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى أنّ المنذر بن الأرقم قال في السقيفة رداً على كلام أبي عبيدة وعبد الرحمن بن عوف : فقال ما ندفع فضل من ذكرت وان فيهم رجلاً لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد يعني عليّ بن أبي طالب(1) .
رابعاً : قال البراء بن عازب : « لم أزل لبني هاشم محباً فلمّا قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خفت أن تتمالأ قريش على أخراج هذا الأمر عنهم ، فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول مع ما في نفسي من الحزن لوفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فكنت أتردد إلى بني هاشم وهم عند النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في الحجرة وأتفقد وجوه قريش فإني كذلك فقدت أبا بكر وعمر واذا قائل يقول القوم في سقيفة بني ساعدة ، واذا قائل آخر يقول : قد بويع أبو بكر فلم ألبث واذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 102 ـ 103 ط الحيدرية ، وانظر الموفقيات / 380 ، وتاريخ الطبري 3 / 198 ، وابن أبي الحديد 2 / 8 وسمى القائل زيد بن أرقم.
وجماعة من أصحاب السقيفة وهم محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمرون بأحد إلا خبطوه وقدّموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أبى ، فانكرت عقلي ، وخرجت أشتد حتى أنتهيت إلى بني هاشم والباب مغلق فضربت عليهم الباب ضرباً عنيفاً ، وقلت قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة.
فقال العباس تربت أيدكم إلى آخر الدهر ، أمّا اني قد أمرتكم فعصيتموني »(1) .
خامساً : قال ابن أبي الحديد في شرح النهج : « لمّا اجتمع المهاجرون على بيعة أبي بكر أقبل أبو سفيان وهو يقول : أما والله إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلاّ الدم ، يا لعبد مناف فيم أبو بكر من أمركم ، أين المستضعفان؟ أين الأذلان ـ يعني عليّاً والعباس ـ ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش؟
ثم قال لعليّ : ابسط يدك أبايعك فوالله ان شئت لأملأنها على أبي فضيل ـ يعني أبا بكر ـ خيلاً ورجلاً »(2) . وقد روى مثل هذا غير واحد من المؤرخين. ورووا أنّ العباس لمّا سمع ذلك من أبي سفيان قال لعليّ : يابن أخي هذا شيخ قريش قد أقبل فأمدد يدك أبايعك ويبايعك معي ، فانا ان بايعناك لم يختلف عليك أحد من بني عبد مناف ، واذا بايعك بنو عبد مناف لم يختلف عليك قرشي ، واذا بايعتك قريش لم يختلف عليك بعدها أحد من العرب.
فقال الإمام لعمه : (لا والله يا عم إني أحب أن أصحر بها ، فأكره ان أبايع من وراء رتاج. وان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أوصاني أن لا أجرّد سيفاً بعده حتى يأتيني الناس طوعاً. وأمرني بجمع القرآن ، والصمت حتى يجعل الله (عزّ وجلّ) لي مخرجاً).
__________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 73 ـ 74.
(2) نفس المصدر.
سادساً : وروى سبط ابن الجوزي كلاماً للعباس في موقف آخر غير مواقفه السابقة رواه عنه ولده عبد الله بن عباس قال : « لمّا دفن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جاء العباس وأبو سفيان ابن حرب وجماعة من بني هاشم إلى عليّعليهالسلام فقالوا : مد يدك نبايعك وحرّضوه فأمتنع ، وقال له العباس : أنت والله بعد اليوم عبد العصا(1) »(2) .
سابعاً : روى أبو بكر الجوهري في كتابه السقيفة عن المغيرة بن محمّد المهلبي من حفظه ، وعمر بن شبة من كتابه باسناد رفعه إلى أبي سعيد الخدري قال : « سمعت البراء بن عازب ـ وذكر ماتقدم من حديثه إلى أن قال ـ : فمكثت أكابد ما في نفسي ، فلمّا كان بليل خرجت إلى المسجد ، فلمّا صرت فيه تذكرت إني كنت اسمع همهمة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالقرآن ، فامتنعت من مكاني ، فخرجت إلى الفضاء ـ فضاء بني بياضة ـ وأجد نفراً يتناجون فلمّا دنوت منهم سكتوا فأنصرفت عنهم ، فعرفوني وما أعرفهم فدعوني اليهم فأتيتهم ، فأجد المقداد بن الأسود ، وعبادة بن الصامت ، وسلمان الفارسي ، وأبا ذر ، وحذيفة ، وعمار وأبا الهيثم بن التيهان. واذا حذيفة يقول لهم والله ليكونن ما اخبرتكم به والله ما كَذبتُ ولا كُذّبت ، واذا القوم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين ، ثم قال : إئتوا أبيّ بن كعب فقد علم كما علمتُ.
قال ـ البراء ـ فانطلقنا إلى أبيّ فضربنا عليه بابه ، حتى صار خلف الباب ، فقال : من أنتم ، فكلّمه المقداد ، فقال : ما حاجتكم؟ فقال له : افتح عليك بابك فإنّ الأمر أعظم من أن يجري من وراء حجاب.
__________________
(1) مثل يضرب لمن يستذّل فيكون تابعا ً (بتصرف عن المضاف والمنسوب للثعالبي / 628 ط دار نهضة مصر سنة 384).
(2) تذكرة خواص الأمة / 137.
قال : ما أنا بفاتح بابي وقد عرفت ماجئتم له ، كأنكم أردتم النظر في هذا العقد؟ فقلنا : نعم.
فقال : افيكم حذيفة؟ فقلنا : نعم ، قال : فالقول ما قال ، وبالله مايفتح عني بابي حتى تجري على ما هي عليه جارية ، ولما يكون بعدها شرّ منها ، والى الله المشتكى »(1) .
وروى ابن أبي الحديد قال : « لمّا توفي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم واشتغل عليّعليهالسلام بغسله ودفنه وبويع أبو بكر خلا الزبير وابو سفيان وجماعة من المهاجرين بعباس وعليعليهالسلام لإجالة الرأي ، وتكلموا بكلام يقتضي الأستنهاض والتهييج فقال العباسرضياللهعنه :
قد سمعنا قولكم فلا لقلة نستعين بكم ، ولا لظنّة نترك آراءكم لكن لالتماس الحق فأمهلونا نراجع الفكر ، فإن يكن لنا من الإثم مخرج يصرّ بنا وبهم الحق صرير الجُدجُد(2) نبسط إلى المجد أكفاً لا نقبضها او نبلغ المدى ، وان تكن الأخرى فلا لقلة في العدد ، ولا لوهن في الأيد(3) والله لولا أنّ الإسلام قيد الفتك لتدكدكت جنادل صخر(4) يسمع اصطكاكها من المحل العلّي.
قال : فحلّ عليّ حبوته وقال : الصبر حلم ، والتقوى دين ، والحجة محمّد ، والطريق الصراط. أيها الناس شقوا أمواج الفتن بسُفن النجاة ، وعرّجوا عن طريق المنافرة ، وضَعَوا عن تيجان المفاخرة. أفلح من نهض بجناح أو استلم فأراح ، هذا
__________________
(1) أنظر شرح النهج لابن ابي الحديد 1 / 74 و 132.
(2) بضم الجيمين : دويبة على خلقة الدبا وتسمى : صرار الليل.
(3) الأيد : القوة.
(4) الجنادل جمع جندلة وهي الصخرة العظيمة.
ماء آجن(1) ، ولقمة يغصّ بها آكلها ، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه ، فانّ أقل يقولوا حرص على الملك ، وان أسكت يقولوا جزع من الموت ، هيهات بعد اللتيا والتي والله لابن أبي طالب آنسُ بالموت من الطفل بثدي أمه ، بل اندمجت على مكنون علم لو بحتُ به لاضطربتم اضطراب الأرشية(2) في الطوى(3) البعيدة »(4) .
ثامناً : وذكر الجوهري في كتابه السقيفة باسناده المتقدم إلى البراء بن عازب ، وابن قتيبة في كتابه الإمامة والسياسة(5) واللفظ للأوّل قال ـ بعد ذكره تشاور رجال من المهاجرين والأنصار في أن يعيدوا الأمر شورى بين المسلمين المهاجرين ـ : وبلغ ذلك أبا بكر وعمر فأرسلا إلى أبي عبيدة والى المغيرة بن شعبة فسألاهما عن الرأي.
فقال المغيرة : الرأي أن تلقوا العباس فتجعلوا له ولولده في هذا الأمر نصيباً لتقطعوا بذلك ناحية عليّ بن أبي طالب ويكون لكما الحجة عند الناس على عليّ وبني هاشم إذا مال العباس معكم.
فأنطلق أبو بكر وعمر وابو عبيدة والمغيرة حتى دخلوا على العباس ـ وذلك في الليلة الثانية من وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ فحمد الله أبو بكر واثنى عليه وقال : إن الله ابتعث لكم محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم نبياً وللمؤمنين ولياً ، فمنّ الله عليهم بكونه بين ظهرانيهم ، حتى أختار له ما عنده ، فخلّى على الناس أمورهم ليختاروا لأنفسهم
__________________
(1) الآجن : الفاسد المتغير.
(2) الارشية جمع رشاء وهو الحبل.
(3) الطوى جمع طوية وهي البئر البعيدة القعر.
(4) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 73 ، وراجع نزهة الناظر للحلواني / 18.
(5) الإمامة والسياسة 1 / 15 ط سنة 1328 بمصر.
متفقين غير مختلفين ، فاختاروني عليهم والياً ، ولأمورهم راعياً ، فتوليت ذلك ، وما أخاف بعون الله وتسديده وهناً ولا حيرة ولا جُبناً ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب.
وما انفكّ يبلغني عن طاعن يقول بخلاف قول عامة المسلمين ، يتخذكم لجأ ، فتكونوا حصنه المنيع ، وخطبه البديع فأما دخلتم فيما دخل فيه الناس ، أو صرفتموهم عما مالوا اليه.
وقد جئناك ونحن نريد ان نجعل لك في هذا الأمر نصيباً ولمن بعدك من عقبك ، إذ كنت عم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإن كان المسلمون قد رأوا مكانك من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومكان أهلك ثم عدلوا بهذا الأمر عنكم. وعلى رسلكم بني هاشم فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم منا ومنكم.
فاعترض كلامه عمر وخرج إلى مذهبه في الخشونة والوعيد واتيان الأمر من أصعب جهاته فقال أي والله وأخرى إنا لم نأتكم حاجة اليكم ، ولكن كرهنا أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم ، فيتفاقم الخطب بكم وبهم فأنظروا لأنفسكم ولعامتهم. ثم سكت.
فتكلم العباس فحمد الله واثنى عليه ثم قال : انّ الله ابتعث محمداً نبياً كما وصفت وولياً للمؤمنين ، فمنّ الله به على أمته حتى اختار له ما عنده ، فخلى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم مصيبين للحق لا مائلين عنه بزيغ الهوى ، فان كنت برسول الله طلبت فحقّنا اخذت ، وان كنت بالمؤمنين فنحن منهم ، ما تقدمنا في أمركم فرطاً ، ولا حللنا وسطاً ، ولا نزحنا شحطاً ، فإن يكن هذا الأمر يجب لك بالمؤمنين ، فما وجب إذ كنا كارهين ، وما أبعد قولك : إنّهم طعنوا من قولك إنّهم مالوا إليك.
وأمّا ما بذلت فان يكن حقك أعطيتناه فامسكه عليك ، وان يكن حق المؤمنين فليس لك أن تحكم فيه ، وان يكن حقنا لم نرض لك ببعضه دون بعض. وما أقول هذا أروم صرفك عما دخلت فيه ، ولكن للحجة نصيبها من البيان.
وأمّا قولك أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم منا ومنكم ، فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها.
وأمّا قولك ياعمر انك تخاف الناس علينا ، فهذا الّذي قدّمتموه أول ذلك وبالله المستعان أهـ. فخرجوا يتعثرون بأذيال الخيبة والفشل ، ورأوا أن يرسلوا إليه المغيرة بن شعبه ثانية يعتذر لهم ، فأتاه فثار العباس متميزاً غيظاً وقال له : لا عذر الله من عذرك ، أعزب عنا لعنة الله عليك وله أبيات من الشعر قالها حين بويع أبو بكر ويمدح ابن أخيه الإمام وقد أعرب فيها عن بليغ حجته ومدى تأثره وعميق حزنه ، ولاشك أنّ ابن عباس سمعها من أبيه ووعاها ، ولست استبعد انّه ممن رواها ، وهي :
ما كنت أحسب أن الأمر منصرف |
عن هاشم ثم منها عن أبي حسن |
|
ألـيـس أول مـن صـلّى لقبلتكم |
وأعلـم النـاس بالآثار والسنن |
|
وأقـرب النـاس عهداً بالنبي ومَن |
جبريل عونٌ له في الغسل والكفن |
|
مَن فـيه ما في جميع الناس كلّهم |
وليس في الناس ما فيه من الحسن |
|
مـاذا الـذي ردّكـم عـنه فنعرفه |
هـا إن بيعتكم من أول الفتن(1) |
ولمّا كانت هذه هي مواقف العباس من أحداث تلك الفترة ، فكلها بمرأى وبمسمع من ابنه عبد الله الّذي حدّث هو عن بعضها ، وعلى أساسها يمكننا تقييم
__________________
(1) أنظر شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 74. ولقد تقدم ذكر الاختلاف في نسبت هذه الابيات في المصادر فراجع (أدب العباس).
مواقفه في تلك الفترة ، وان ظهرت آثارها بوضوح أيام عمر حين كان يواجهه ـ على ما فيه من غلظة وعنجهية خلق ـ بكلّ صراحة وصرامة ، وستأتي صفحات احتجاجاته عليه في أمر الخلافة. وسنقرأ فيها نحو قوله : وأنت وصاحبك ـ يعني أبا بكر ـ اللذان انتزعتما الأمر منا دون الناس.
ونحو قوله : في حوار جرى بينهما قال فيه عمر : ما أرى صاحبك إلا مظلوماً ـ يعني عليّاً ـ فقال له ابن عباس : أردد إليه ظلامته.
ونحو قوله : حين قال عمر انّه استصغره قومه فقال ابن عباس : والله ما استصغره الله ورسوله حين أمره أن يأخذ براءة من صاحبك.
ونحو قوله : هلا استحدثتم سنه يوم الخندق اذ خرج عمرو بن عبد ودّ وقد كعم عنه الأبطال وتأخرت عنه الأشياخ ويوم بدرٍ اذ كان يقط الأقران قطا؟
ونحو قوله : هلا سبقتموه بالإسلام؟
ويكفي أن يقرأ الباحث حواره مع عمر حين احتج عمر بالاختيار والإجماع على بيعة أبي بكر. فكان جواب ابن عباس له : وأمّا قولك أنّ قريشاً اختارت فأصابت ووُفقت. فإنّ الله يقول :( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ ) (1) وقد علمت أن الله اختار من خلقه لذلك من اختاره ، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها واختارت لأنفسها من حيث اختار الله لها ، لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود ولوفقت وأصابت.
إلى غير ذلك ممّا ظهرت آثاره وسرت اخباره بعد تلك الفترة. وسنوافي في صفحات احتجاجاته بمزيد من الشواهد على أن آراءُه في احداث تلك الفترة كانت متطابقة تماماً مع آراء أبيه مع قوة الحجة ووضوح البيان وصدق البرهان ،
__________________
(1) القصص / 68.
على أنّ من نافلة القول الخوض في تحديد رأي الحبر في موضوع الخلافة ، أليس هو الّذي كان يروي وصايا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم له أو لجماعة خاصة أو للمسلمين عامة ، في حق الخليفة الشرعي وقد مرت بنا شواهد على ذلك في عهد النبيّ الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فراجع.
وممّا فاتنا ذكره في محله حديثه الّذي رواه عنه التابعي الجليل سليم بن قيس الهلالي وأثبته في كتابه السقيفة واليك نصه : قال سليم قلت لعبد الله بن العباس ـ وجابر بن عبد الله الانصاري إلى جنبه ـ شهدتَ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عند موته؟ قال : نعم ، لمّا ثقل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جمع كلّ محتلم من بني عبد المطلب وامرأة وصبي قد عقل ، فجمعهم جميعاً فلم يدخل معهم غيرهم إلاّ الزبير ـ فانما دخل لمكان صفية ـ وعمر بن أبي سلمة(1) وأسامة بن زيد ثم قال : إنّما هؤلاء الثلاثة منا أهل البيت ، أسامة مولانا ومنا وقد كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم استعمله على جيش وعقد له. وفي ذلك الجيش أبو بكر وعمر ، فقال كلّ واحد منهما : لا ينتهي أمره ، فإنّه ـ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ يستعمل علينا هذا الصبي.
فاستأذن اسامة رسول الله ليودّعه ويسلّم عليه ، فوافق ذلك اجتماع بني هاشم فدخل معهم ، واستأذن أبو بكر وعمر أسامة ليسلّما على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فأذن لهما.
فلمّا دخل أسامة معنا وكان من أوسط بني هاشم وكان شديد الحبّ له. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لنسائه قمن عني فأخلينني وأهل بيتي ، فقمن كلهن إلاّ عائشة وحفصة ، فنظر إليها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال : أخلياني وأهل بيتي. فقامت عائشة آخذة بيد حفصة وهي تذمر غضباً وتقول : قد أخليناك وإياهم فدخلتا بيتاً من خشب. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يا أخي اقعدني ، فأقعده عليّعليهالسلام وأسنده إلى نحره. فحمد الله
__________________
(1) وهذا لمكان أمه ام سلمة زوج الرسول الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم واحدى امهات المؤمنين.
وأثنى عليه ثم قال : يابني عبد المطلب اتقوا الله واعبدوه واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا ولا تختلفوا ، إن الإسلام بُني على خمس : على الولاية ، والصلاة ، والزكاة ، وصوم رمضان ، والحج.
فأمّا الولاية : فللّه ولرسوله وللمؤمنين الذين يؤتون الزكاة وهم راكعون ، ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون.
قال ابن عباس : فجاء سلمان والمقداد وأبو ذر ، فأذن لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مع بني عبد المطلب فقال سلمان : يا رسول الله للمؤمنين عامة أو خاصة لبعضهم؟ ـ يعني الولاية ـ.
قال : بل خاصة لبعضهم الذين قرنهم الله بنفسه ورسوله في غير آية من القرآن.
قال : من هم؟
قال : أولهم وأفضلهم وخيرهم هذا أخي عليّ بن أبي طالب ـ ووضع يده على رأس عليّ ـ ثم ابني هذا من بعده ـ ووضع يده على رأس الحسن بن عليّ ابن أبي طالب ـ ثم ابني هذا من بعده ـ ووضع يده على رأس الحسين ـ والأوصياء تسعة من ولد الحسين واحداً بعد واحد ، حبل الله المتين ، وعروته الوثقى ، هم حجة الله على خلقه ، وشهداؤه في ارضه ، من اطاعهم فقد أطاع الله ، ومن عصاهم فقد عصى الله وعصاني ، هم مع الكتاب ، والكتاب معهم لا يفارقهم ولا يفارقونه حتى يردوا عليّ الحوض(1) .
__________________
(1) وصايا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كثيرة وردت بالفاظ متفاوتة ومناسبات شتى ، وأحاديثها مروية عند الفريقين ، وحسبك منها حديث الثقلين الّذي قرن فيه بين الكتاب والعترة كما في المتن وحديث الثقلين من الأحاديث المتواترة ، اخرجه من ائمة الصحاح والسنن : مسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي والحاكم ورزين العبدي والحميدي وابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن حبان وأحمد وابن سعد والذهبي والسمعاني والطبراني وابن المغازلي والحمويني وأخطب خوارزم والمحب الطبري والسيوطي والسمهودي وابن حجر وغيرهم وغيرهم وقد جمعت مصادره في بعض ما كتبت فنافت على المائة. وقد كتب فيه غير واحد من الاعلام كتاباً خاصاً وأوفى من استوفى الحجة الكبير صاحب كتاب العقبات فقد خصه بمجلد كبير من مؤلّفه القيّم.
وعلى ضوء ذلك كان ابن عباس يصف عليّاً بأنه سيد الأوصياء(1) كما في كلامه مع معاوية بعد موت الامام الحسنعليهالسلام كما سيأتي.
وعلى ضوء ذلك أيضاًَ كان يقول : « ولقد عاتب الله أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في غير موضع وما ذكر عليّاً إلاّ بخير »(2) ، وفي هذا كناية أبلغ من التصريح بأنّ عليّاً هو لا غير الأحق بالأمر دون غيره ممن تولى وسعى فيها سعيها والقرآن المجيد يقول لإبراهيمعليهالسلام :( قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) (3) .
__________________
(1) مروج الذهب 3 / 8 ط مصر تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.
(2) تاريخ الخلفاء للسيوطي / 171.
(3) البقرة / 124.
حبر الأمة في عهد أبي بكر
لاشك أنّ ابن عباس وهو الّذي عاش أحداث الفترة بين العهدين ـ عهد الرسالة وقد غربت شمسه بالأمس عن اُفق المسلمين فأخلفهم حلك الظلام في عهد أبي بكر الّذي كثر فيه الخصام ـ قد وعى جميع الملابسات الّتي أحاطت بمسألة الخلافة. بدءاً من حديث الرزية ومقولة : « حسبنا كتاب الله » فكانت الصدمة الّتي لم ينسها طيلة حياته ، وكان يعبّر عنها بالرزية كلّ الرزية ، ويبكي حتى يبل دمعه الحصباء وقد مر بنا تفصيل ذلك. وها هو اليوم في عهد أبي بكر يسمع البيان الخليفي بمنع الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وطرح مقولة مشابهة لما مرّ وهي قولوا : « بيننا وبينكم كتاب الله » ولئن تمّ هذا فيعني الحصار التام على السنّة النبوية في أطار ما يراه الحاكم. فلابدّ من مواجهة لتلك المعضلة ، وهذا ما قام به حبر الأمة بكل جرأة فلنقرأ البيان الخليفي أولاً ثم نقرأ ما قام به هذا الحبر. وبالتالي استبعاد الحديث الّذي عند أهل البيت.
روى الذهبي في تذكرة الحفاظ فقال : « ومن مراسيل ابن أبي ملكية أن الصدّيق جمع الناس بعد وفاة نبيّهم فقال : إنّكم تحدّثون عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشدّ اختلافاً ، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً ، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرّموا حرامه أهـ »(1) .
__________________
(1) تذكرة الحفاظ 1 / 2 ـ 3.
ثم قال الذهبي : فهذا المرسل يدلّك انّ مراد الصدّيق التثبت في الأخبار والتحرّي ، لا سدّ باب الرواية.
ونقول له ولغيره من علماء التبرير : النص المنقول لا يحتمل التأويل (فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله) هذا ما قاله أبو بكر للمسلمين بعد وفاة نبيّهم!
فلنقرأ ما قام به ابن عباس لردّ عادية الحصار :
فقد أخرج ابن سعد في طبقاته وفي ترجمة ابن عباس(1) خبراً بسند قال عنه السلمي : « إسناده صحيح » والخبر عن ابن عباس قال : « لمّا قبض رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قلت لرجل من الأنصار هلمّ فلنسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم إنهم اليوم كثير ، فقال : واعجباً لك يا بن عباس أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم من فيهم؟
قال فتركت الرجل ذاك ، وأقبلت أسأل أصحاب رسول ألله صلى الله عليه (وآله) وسلم عن الحديث ، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل(2) فأتوسّد ردائي على بابه تسفي الريح عليّ من التراب ، فيخرج فيراني فيقول يا بن عم رسول الله ما جاء بك ألاّ أرسلت إليّ فآتيك.
فأقول : لا أنا أحق أن آتيك ، فأسأله عن الحديث.
فعاش ذلك الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألوني ، فيقول : هذا الفتى كان أعقل مني »(3) .
__________________
(1) طبقات ابن سعد 1 / 137 تح ـ محمّد حامد السُلمي الطبعة الخامسة.
(2) في المعرفة والتاريخ للفسوي 1 / 541 : كان ابن عباس يقول لأخ له من الأنصار اذهب بنا إلى أصحابه وقائل يعني نائم القيلولة.
(3) طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 121 ط ليدن.
وهذا الخبر قبل التعليق عليه ننبّه القارئ إلى أنّه رواه كلّ من أحمد بن حنبل(1) ، والفسوي(2) ، والحاكم(3) وصححه على شرط الشيخين ، وأقره الذهبي في التلخيص ، ورواه الهيثمي(4) وقال رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ، والطبراني(5) ، والدارمي(6) ، والذهبي(7) . وغيرهم وغيرهم. فهذا الخبر عنه مرويّ لاشك فيه.
والآن إلى قراءة متأنية في جملاته لنعرف مغزى ذلك منه :
1 ـ تصريحه بأن بداية نشاطه في طلب الحديث كانت بعدما قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهذا يعني انّه نشط متزامناً مع منع البيان الخليفي من التحديث ، فهل يعني ذلك منه عملية تحدٍ وخوف ضياع الحديث لو كمّت الأفواه خوفاً. فنشط لجمع ما يمكنه جمعه؟ ولم لا يكون ذلك كذلك.
2 ـ محاورته الرجل الأنصاري ليشاركه في طلب الحديث وسماعه من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولابد أن يكون ذلك الرجل من أسنانه من صغار الصحابة(8) فدعاه لما يحييه فأبى عليه ساخراً ، فلماذا دعاه؟ ألمجرّد الطلب فحسب؟ أم أنه أراده شريكاً في السماع ليكون معه شاهداً على ذلك في المستقبل المجهول وغير المنظور لو دعت الحاجة إلى الإستشهاد به؟
__________________
(1) فضائل الصحابة / رقم 1925.
(2) المعرفة والتاريخ 1 / 542.
(3) مستدرك الحاكم 3 / 538.
(4) مجمع الزوائد 9 / 277.
(5) المعجم الكبير 10 / 244 ط الثانية بالموصل.
(6) سنن الدارمي 1 / 141.
(7) سير أعلام النبلاء 4 / 446.
(8) جاء في المعرفة للفسوي 1 / 541 : كان ابن عباس يقول لأخ له من الأنصار : اذهب بنا إلى أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
3 ـ إصراره على المضي في عزمه الّذي لم يثبطه تواني الرجل الأنصاري ولا سخريته ، فأقبل وحده يستقريء من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ممن يبلغه عنه الحديث فيأتي بابه ، ويتوسد رداءه حتى يخرج إليه ، فهل كانت تلك العملية مجرد طلب حديث عند ذلك الصحابي ، ومجرّد أدب من ابن عباس فلم يزعجه ويخرجه بل يتوسد رداءه وتسفي عليه الريح بالتراب؟ إنها لسذاجة في التفسير ، واستغفال في التفكير ، فهو وإن نمّ فعله عن أدب جم وتواضع للعلم ، ولكنه لا يخلو من وسيلة إعلامية نقدية للبيان الخليفي المانع من التحديث ، فمن يراه على باب الصحابي بتلك الصفة يثير تساءله ماذا يصنع هنا؟ ويكون الجواب : لاشك إنه جاء يطلب الحديث عند صاحب الدار ، كيف هذا والخليفة قد جمع الناس ومنعهم من التحديث! إذن فابن عباس وهو في سنّه الفتيّة ، وألمعيته الغنيّة قام بدور مناهض للسلطة من دون أن يثير حوله الشكوك المريبة : وهذا منه عمل يستحق الإمعان فيه.
وليس من المرجوّ للباحث في تاريخ تلك الحقبة أن يجد الشيء الكثير ممّا يخص عبد الله بن عباس حبر الأمة خصوصاً وهو بعد في سنّ الشباب الفتية وثمة من أهل بيته من هم أكبر سناً وأكثر فضلاً وشأناً مثل الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ومثل أبيه العباس بن عبد المطلب الشخصية الثانية بعد الإمام المنظور إليه في أسرته. وهم جميعاً من المعارضة الّتي نقمت تولية أبي بكر ولم تبايعه إلاّ بعد موت السيدة فاطمةعليهاالسلام .
وإذا عرّفنا التاريخ أن ثمة نفثات لبعض بني هاشم أعلنوا فيها سخطهم كما مر عن الإمام عليّعليهالسلام وعن العباس فليس يعني ذلك أن نجد الكثير لابن عباس وهو في سنّه ممّا يظهر شخصيته ، ويثبت لنا استقلاله وذاتيته في ذلك ويكفي أنا
عرفنا كما سبق أنّه كان من أبناء العباس الذين لم يبايعوا إلاّ بعد أن بايع أبوهم العباس ، وأبوهم العباس لم يبايع إلاّ بعد أن بايع الإمامعليهالسلام ، والإمام لم يبايع إلاّ بعد موت الصديقة فاطمةعليهاالسلام ، وبعد أن انصرفت وجوه الناس عنه(1) .
إذن ليس من عجب إذا لم نجد لابن عباس كثيراً ممّا يخصه حول تلك الحوادث سوى ما هو معلوم وثابت لسائر أبناء الهاشميين من إتـّباعهم لآبائهم في آرائهم حول الخليفة والخلافة والتي كانت تحظى بتوجيه أو مباركة من الإمامعليهالسلام ، وما نجده لغيره من أولئك الأبناء في بعض المواقف ما يظهر ذاتيتهم الشخصية المستقلّة ، كما يروى عن موقف لأخيه الفضل بن العباس حين خرج إلى المسجد بعد بيعة السقيفة وقال : « يا معشر قريش انّه ما حقت لكم الخلافة بالتمويه ، ونحن أهلها دونكم ، وصاحبنا أولى بها منكم ». فهو لم يكن ليتكلم لو لم يأذن له الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ، وكذلك جميع بني هاشم لم يكونوا يتكلمون إلاّ بأمره ، ويسكتون عند نهيه.
وإليك ما يؤكد ذلك :
فقد روى الزبير بن بكار عن ابن إسحاق انّ أبا بكر لمّا بويع افتخرت تيم ابن مرة ، قال : وكان عامة المهاجرين وجلّ الأنصار لا يشكون انّ عليّاً هو صاحب
__________________
(1) روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة ـ حديث مطالبة فاطمة الزهراءعليهاالسلام لأبي بكر بميراثها من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إلى أن قالت عائشة : فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك ، فهجرته ولم تكلّمه حتى توفيت وعاشت بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ستة أشهر ، فلمّا توفيت دفنها زوجها عليّ ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة ، فلمّا توفيت أستنكر عليّ وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته وروى ذلك ابن الديبع الشيباني في تيسير الوصول إلى جامع الأصول 2 / 55 عن الشيخين وفيه فقال رجل للزهري فلم يبايعه عليّ ستة أشهر؟ فقال : والله ولا أحد من بني هاشم.
الأمر بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال الفضل بن العباس : يامعشر قريش وخصوصاً يا بني تيم انكم إنّما أخذتم الخلافة بالنبوة ونحن أهلها دونكم ، ولو طلبنا هذا الأمر الّذي نحن أهله لكانت كراهية الناس أعظم من كراهتهم لغيرنا ، حسداً منهم لنا وحقداً علينا ، وانا لنعلم انّ عند صاحبنا عهداً هو ينتهي إليه.
وقال بعض ولد أبي لهب بن عبد المطلب شعراً :
ما كنت احسب أنّ الأمر منصرف |
عن هاشم ثم منها عن أبي حسن |
|
أليس أول من صلّى لقبلتكم |
وأعلم الناس بالقرآن والسنن |
|
وأقرب الناس عهداً بالنبيّ ومَن |
جبريل عون له في الغسل والكفن |
|
من فيه ما فيهم لا يمترون به |
وليس في القوم ما فيه من الحَسَن |
|
ماذا الذي ردّهم عنه فنعلمه |
ها ان ذا غبن من أعظم الَََغَبن |
قال الزبير : فبعث إليه عليّ فنهاه وأمره ان لا يعود وقال : سلامة الدين أحب إلينا(1) .
وروى الزبير أيضاً حديث الفتنة الّتي ألقحها عمرو بن العاص بين المهاجرين والأنصار حين نال من الأنصار في المسجد وأفحش القول ، ثم رأى الفضل بن العباس فندم على ما قال للخؤولة الّتي بين ولد عبد المطلب وبين الأنصار ، ولأنّ الأنصار كانت تعظم عليّاً وتهتف بإسمه حينئذٍ ، فقال الفضل : يا عمرو انه ليس لنا أن نكتم ماسمعنا منك ، وليس لنا أن نجيبك وأبو الحسن شاهد بالمدينة ، إلاّ أن يأمرنا فنفعل(2) .
__________________
(1) أنظر شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 8 ـ 9.
(2) نفس المصدر 2 / 14 ، والموفقيات / 595 ـ 598.
وروى الزبير أيضاً قال : وقال عليّ للفضل يا فضل انصر الأنصار بلسانك ويدك ، فإنّهم منك وإنّك منهم ، ثم ذكر أشعاراً في مدحهم قالها الفضل ، أعجزت حسان بن ثابت أن يتحرى قوافيه فقال وقد طلبوا منه أن يمدح بني هاشم رداً للإحسان : كيف أصنع بجوابه إن لم أتحرّ قوافيه فضحني فرويداً حتى أقفوا أثره في القوافي(1) .
وعلى ضوء هذا النمط من الالتزام ، وعدم جواز الكلام ، إلاّ بموافقة من الإمام. يمكننا تفسير ما نجده عن حبر الأمة عبد الله بن عباسرضياللهعنهما من حضور منظور ، ومقام ٍ له فيه مقال ، ورأي تستتبعه فعال.
وهذا كما يدل على أنّ لعبد الله بن عباسرضياللهعنهما كانت مواقف مشهودة وان كانت محدودة فهو يدل على قوة شخصية ذلك الغلام ، في ثبات جنانه وقوة إيمانه ، ممّا ميّزه على الكثير ممن هم اكبر منه سناً من سائر الصحابة ، ويكشف عن جرأة في إسماع كلمة الحق مع ما أوتي من فهم وعلم.
وهلمّ فأقـرأ مـا رواه كـل مـن ابن دريـد(2) ، والمـقـري الكبيـر(3) ، والـفتـوني العـامـلـي(4) ، وابـن شـاذان(5) ، والديلمي(6) ، والبياضي(7) ، والمجلسي(8) ، وابن بابويه(9) ، والعاصمي(10) .
__________________
(1) نفس المصدر.
(2) المجتنى / 35 ط حيدر اباد.
(3) نفح الطيب 7 / 212 ط مصر نقلاً عن محاضرات المقري الكبير.
(4) ضياء العالمين للفتوني (نسخة مصورة) بمكتبتي.
(5) الفضائل / 122 ط حجرية.
(6) إرشاد القلوب 2 / 118 ط النجف.
(7) الصراط المستقيم 2 / 14 مط الحيدري بايران.
(8) بحار الأنوار 8 / 191 ط الكمباني حجرية؟
(9) التوحيد / 385 ط الحجرية سنة 1321 بسنده عن الإمام الحسينعليهالسلام .
(10) زين الفتى للعاصمي بمكتبة المرحوم الشيخ الأمينيقدسسره .
واللفظ للأول برواية أنس بن مالك قال : « أقبل يهودي بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى دخل المسجد فقال : أين وصي رسول الله؟ فأشار القوم إلى أبي بكر ، فوقف عليه فقال له أريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبي أو وصي نبي؟
قال أبو بكر : سل عما بدا لك.
قال اليهودي : اخبرني عما ليس لله ، وعما ليس عند الله ، وعما لا يعلمه الله.
فقال أبو بكر : هذه مسائل الزنادقة يا يهودي ، وهمّ أبو بكر والمسلمونرضياللهعنهم باليهودي.
فقال ابن عباسرضياللهعنهما : ما أنصفتم الرجل.
فقال أبو بكر : أما سمعت ما تكلّم به؟
فقال ابن عباس : إن كان عندكم جوابه وإلا فاذهبوا به إلى عليّرضياللهعنه يجيبه ، فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول لعليّ بن أبي طالب : اللّهم اهد قلبه ، وثبّت لسانه.
قال : فقام أبو بكر ومن حضره حتى أتوا عليّ بن أبي طالب فاستأذنوا عليه. فقال أبو بكر : يا أبا الحسن إنّ هذا اليهودي سألني مسائل الزنادقة. فقال عليّ : ما تقول يا يهودي؟ قال أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ ، فقال له : قل ، فردّ اليهودي المسائل.
فقال عليّرضياللهعنه : أمّا ما لا يعلمه الله ، فذلك قولكم يا معشر اليهود : إنّ العزير ابن الله ، والله لا يعلم أنّ له ولداً. وأمّا قولك : اخبرني بما ليس عند الله ، فليس عنده ظلم للعباد. وأمّا قولك : اخبرني بما ليس لله فليس له شريك.
فقال اليهودي : أشهد أن لا اله إلاّ الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، وأنك وصي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . فقال أبو بكر والمسلمون لعليّعليهالسلام : يا مفرّج الكرب ».
وممّا يدل على نحو ما سبق أيضاً ما أخرجه الشيخ ابن بابويه الصدوق في كتابه الخصال(1) ، والديلمي في الإرشاد(2) واللفظ لهما معاً وباسناد الأوّل عن ابن عباس قال : « قدم يهوديان أخوان من رؤساء اليهود بالمدينة فقالا : يا قوم إنّ نبينا حُدّثنا عنه انه يظهر نبي بتهامة يسفـّه احلام اليهود ، ويطعن في دينهم ، ونحن نخاف أن يزيلنا عما كان عليه آباؤنا ، فأيكم هذا النبيّ؟ فإن يكن الّذي بشّر به داود آمنّا به وأتبعناه ، وإن لم يكن وكان يورد الكلام على ائتلافه ويقول الشعر ، ويقهرنا بلسانه ، جاهدناه بأنفسنا وأموالنا ، فأيكم هذا النبيّ؟
فقال المهاجرون والأنصار : إنّ نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم قد قبض.
فقالا : الحمد لله ، فأيكم وصيّه؟ فما بعث (عزّ وجلّ) نبيّاً إلى قوم إلاّ وله وصيّ يؤدي عنه من بعده ، ويحكي عنه ما أمره ربّه.
فأومأ المهاجرون والانصار إلى أبي بكر فقالوا : هو وصيه.
فقالا لأبي بكر : إنا نلقي عليك من المسائل ما يلقى على الأوصياء ، ونسألك عما تسأل الأوصياء عنه.
فقال لهما أبو بكر : ألقيا ما شئتما أخبركما بجوابه إن شاء الله.
فقال أحدهما : ما أنا وأنت عند الله (عزّ وجلّ)؟
وما نفس في نفس ليس بينهما رحم ولا قرابة؟
وما قبر سار بصاحبه؟
ومن أين تطلع الشمس وفي أين تغرب؟
وأين طلعت الشمس ثم لم تطلع فيه بعد ذلك؟
__________________
(1) الخصال / 560 باب الواحد إلى المائة ط الحيدرية.
(2) إرشاد القلوب 2 / 119 ط الحيدرية ط الاولى.
وأين تكون الجنة؟
وأين تكون النار؟
وربك يَحمل أو يُحمل؟
وأين يكون وجه ربك؟
وما اثنان شاهدان؟
وما اثنان غائبان؟
وما اثنان متباغضان؟
وما الواحد؟ وما الاثنان؟ وما الثلاثة؟ وما الأربعة؟ وما الخمسة؟ وما الستة؟ وما السبعة؟ وما الثمانية؟ وما التسعة؟ وما العشرة؟ وما الأحد عشر؟ وما الاثنا عشر؟ وما العشرون؟ وما الثلاثون؟ وما الأربعون؟ وما الخمسون؟ وما الستون؟ وما الستون؟ وما السبعون؟ وما الثمانون؟ وما التسعون؟ وما المائة؟
قال ابن عباس : فبقى أبو بكر لا يرد جواباً ، فتخوّفنا أن يرتد القوم عن الإسلام ، فأتيت منزل عليّ ابن أبي طالبعليهالسلام ، فقلت له : يا عليّ أن رؤساء اليهود قد قدموا المدينة وألقوا على أبي بكر مسائل فبقي أبو بكر لا يرد جواباً. فتبسم عليّعليهالسلام ضاحكاً ، ثم قال : هو اليوم الّذي وعدني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأقبل يمشي أمامي وما أخطأت مشيتُه من مشية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم شيئأ حتى قعد في الموضع الّذي كان يقعد فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثم التفت إلى اليهوديين فقال : يا يهوديان أدنوا مني وألقيا عليَّ ما ألقيتماه على الشيخ.
فقالا : ومن أنت؟ فقال لهما : أنا عليّ ابن أبي طالب بن عبد المطلب أخو النبيّ وزوج ابنته فاطمة وأبو الحسن والحسين ، ووصيه في حالاته كلها ، وصاحب كلّ منقبة وعز ، وموضع سر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فقال له أحد اليهوديين : ما أنا وأنت عند الله؟
قال : أنا مؤمن منذ عرفتُ نفسي ، وأنت كافر منذ عرفتَ نفسك ، فما أدري ما يحدث الله فيك يا يهودي بعد ذلك.
فقال اليهودي : فما نفس في نفس ليس بينهما رحم ولا قرابة؟
قال : ذاك يونسعليهالسلام في بطن الحوت.
قال فما قبر سار بصاحبه؟
قال : يونس حين طاف به الحوت في سبعة أبحر.
قال له : فالشمس من أين تطلع؟
قال : من بين قرني الشيطان.
قال : فأين تغرب؟
قال : في عين حمئة ، وقال لي حبيبي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (لا تصل في إقبالها ولا في إدبارها حتى تصير مقدار رمح أو رمحين).
قال : فأين طلعت الشمس لم تطلع في ذلك الموضع؟
قال : في البحر حين فلقه الله تعالى لبني اسرائيل لقوم موسىعليهالسلام .
قال : فربك يَحمل؟ أو يُحمل؟
قال : إنّ ربي (عزّ وجلّ) يحمل كلّ شيء بقدرته ولا يحمله شيء.
قال : فكيف قوله (عزّ وجلّ)( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة ) (1) ؟
قال : يا يهودي ألم تعلم أنّ لله ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ، فكل شيء على الثرى ، والثرى على القدرة ، والقدرة تحمل كلّ شيء.
__________________
(1) الحاقة / 17.
قال : فأين تكون الجنة؟ وأين تكون النار؟
قال : أمّا الجنة ففي السماء وأمّا النار ففي الأرض.
قال : فأين يكون وجه ربك؟
فقال عليّ بن أبي طالبعليهالسلام لي : يا بن عباس إئتني بنار وحطب ، فأتيته بنار وحطب فأضرمهما ثم قال : يا يهودي أين يكون وجه هذه النار؟
قال : لا أقف لها على وجه.
قال : فان ربّي (عزّ وجلّ) عن هذا المثل ، وله المشرق والمغرب ، فأينما تولوا فثمّ وجه الله.
فقال له : ما اثنان شاهدان؟
قال : السماوات والأرض لا يغيبان ساعة.
قال : فما اثنان غائبان؟
قال : الموت والحياة لا يوقف عليهما.
قال : فما اثنان متباغضان؟
قال : الليل والنهار.
قال : فما الواحد؟
قال : الله (عزّ وجلّ).
قال : فما الاثنان؟
قال : آدم وحواء.
قال : فما الثلاثة؟
قال : كذبت النصارى على الله (عزّ وجلّ) فقالوا :( ثَالِثُ ثَلاثَةٍ ) (1) عيسى ابن مريم ابن الله ، والله لم يتخذ صاحبة ولا ولداً.
قال : فما الأربعة؟
قال : التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم.
قال : فما الخمسة؟
قال : خمس صلوات مفترضات.
قال : فما الستة؟
قال : خلق الله السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش.
قال : فما السبعة؟
قال : سبعة أبواب النار متطابقات.
قال : فما الثمانية؟
قال : ثمانية أبواب الجنة.
قال : فما التسعة؟
قال : تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
قال : فما العشرة؟
قال : عشرة أيام العشر.
قال : فما الأحد عشر؟
قال : قول يوسف لأبيه( يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ) (2) .
__________________
(1) المائدة / 73.
(2) يوسف / 4.
قال : فما الاثنا عشر؟
قال : شهور السنة.
قال : فما العشرون؟
قال : بيع يوسف بعشرين درهماً.
قال : فما الثلاثون؟
قال : ثلاثون يوماً شهر رمضان ، وصيامه فرض واجب على كلّ مؤمن إلاّ من كان مريضاً أو على سفر.
قال : فما الأربعون؟
قال : كان ميقات موسىعليهالسلام ثلاثون ليلة فأتمها الله (عزّ وجلّ) بعشرٍ ، فتمّ ميقات ربه أربعين ليلة.
قال : فما الخمسون؟
قال : دعا نوح قومه لبث ألف سنة إلاّ خمسين عاماً.
قال : فما الستون؟
قال : قول الله (عزّ وجلّ) في كفارة الظهارَ (فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكيناً إذا لم يقدر على صيام شهرين متتابعين).
قال : فما السبعون؟
قال : اختار موسى من قومه سبعين رجلاً لميقات ربّه (عزّ وجلّ).
قال : فما الثمانين؟
قال : قرية بالجزيرة يقال لها ثمانون ، منها قعد نوحعليهالسلام في السفينة واستوت على الجودي ، وأغرق الله القوم.
قال : فما التسعون؟
قال : الفلك المشحون اتخذ نوحعليهالسلام تسعين بيتاً للبهائم.
قال : فما المائة؟
قال : كان أجل داودعليهالسلام ستين سنة فوهب له آدمعليهالسلام أربعين عاماً سنة من عمره ، فلمّا حضرت آدمعليهالسلام الوفاة جحد ، فجحد ذريته.
فقال له : يا شاب صف لي محمّداً كأني أنظر إليه ، حتى أومن به الساعة.
فبكى أمير المؤمنينعليهالسلام ثم قال : يا يهودي هيّجت أحزاني ، كان حبيبي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم صلت الجبين ، مقرون الحاجبين ، أدعج العينين ، سهل الخدين ، أقنى الأنف ، دقيق المسربة ، كث اللحية ، برّاق الثنايا ، كأن عنقه ابريق فضة ، كان له شعيرات من لبتـّه إلى سرّته ملفوفة كأنها قضيب كافور ، لم يكن في بدنه شعيرات غيرها ، لم يكن بالطويل الذاهب ولا بالقصير النزر ، كان إذا مشى مع الناس غمرهم بنوره وكان إذا مشى كأنه يتقلع من صخر أو ينحدر من صبب ، كان مدور الكعبين ، لطيف القدمين ، دقيق الخصر ، عمامته السحاب ، وسيفه ذوالفقار ، وبغلته دلدل ، وحماره اليعفور ، وناقته العضباء ، وفرسه لزاز ، وقضيبه الممشوق. وكانعليهالسلام أشفق الناس على الناس ، وأرأف الناس بالناس ، كان بين كتفيه خاتم النبوة ، مكتوب على الخاتم سطران : أمّا أول سطر فلا إله إلاّ الله ، وأمّا الثاني فمحمد رسول الله. هذه صفته يا يهودي.
فقال اليهوديان : نشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله ، وأنك وصي محمّد حقاً فأسلما وحسن إسلامهما ولزما أمير المؤمنينعليهالسلام فكانا معه حتى كان من أمر الجمل ما كان فخرجا معه إلى البصرة ، فقتل أحدهما في وقعة الجمل وبقي الآخر حتى خرج معه إلى صفين فقتل بصفين أهـ ».
فظهر لنا بوضوح أنّ حبر الأمة عبد الله بن عباس كان في فترة حكم أبي بكر ممن يحضر المسجد مع علية الصحابة ، ويرى ما يحدث ، ويسمع ما يقال ، وربما شارك عند الحاجة على صغر سنه في قولٍ كما في الشاهد الأوّل ، أو عمل كما في الشاهد الثاني. ومن خلال ذلك نعرف معنى قوله لابن الزبير بعد ما يقرب من نصف قرن : « والله مانطقت عند وال قط من الولاة أخسّ عندي ولا أصغر حظاً منك ، قد والله نطقت غلاماً عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعند أبي بكر وهو يتعجب لتوفيق الله إياي »(1) .
إذن فمن يتكلم عند أبي بكر فيعجبه ويتعجب منه كيف كان نطقه وهو غلام؟ وعلى ضوء هذا نستطيع أن نحدد أولى نشاطاته السياسية بتلك الفترة. وهذا يدل على ما تمتع به من حصافة الرأي وتمام الوعي وتكامل الشخصية. ولا يفوتنا أن نشير إلى ما يدل على نحو استقلال مكانته بشكل وبآخر. وذلك نحو ما ورد في وصية الصديقة فاطمة الزهراءعليهاالسلام عند وفاتها. فقد أوصت الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام بعدة وصايا ومنها ما يتعلق بمن يشهد جنازتها ومن لا يشهد. وكان من بين الذين سمتهم بأن يحضروا هو الحبر عبد الله بن عباس كما روى ذلك الطبري الإمامي(2) ، وورد نحو ذلك في ناسخ التواريخ(3) .
__________________
(1) أخبار الدولة العباسية / 116 ، وأنساب الأشراف 3 / 199 ـ 200 ط القاهرة وسيأتي الحوار في صفحة احتجاجاته.
(2) دلائل الإمامة / 14 ط النجف 124.
(3) ناسخ التواريخ 4 / 192 في أحوال الزهراءعليهاالسلام .
أمّا عن رأيه الشخصي في أبي بكر وولايته ، فهو وإن لم يفصح عنه في حينه ، إلا أنه أفصح عنه بعد ذلك حسب الظروف المؤاتية لذلك. وقد سبق أن قلنا انّه أيام ولايـة أبي بكـر كان هو وسائر بني هاشم تبعاً للإمام أمير المؤمنينعليهالسلام .
ولولا أستباق ذكر الأحداث الّتي عايشها حبر الأمة عبد الله بن عباسرضياللهعنهما بعد عهد أبي بكر وأفصح فيها عن رأيه الشخصي في أبي بكر وولايته ، لذكرت الشواهد على ذلك ، ولكن لنا أن نشير إلى بعضها :
1 ـ من ذلك ما جرى بينه وبين عبد الله بن صفوان بن أمية ، وكان ذلك في أيام عمر ، فقد سأله ابن صفوان وقال له : كيف ترون ولاية هذا الأحلافي؟ فقال ابن عباس : ولاية صاحبه المطيبي خيراً من ولايته.
وقد أشار كلّ منهما إلى حَدَث مهم من الأحداث قبل الإسلام ، كان فيه تحالف بين بعض بطون قريش ضد بعضها الآخر.
وذلك أنّ الرياسة كانت في بني عبد مناف ، والحجابة كانت في بني عبد الدار ، فأراد بنو عبد مناف أن يأخذوا ما لبني عبد الدار ، فحالف بنو عبد الدار بني سهم ليمنعوهم ، فعمدت أم حكيم بنت عبد المطلب إلى جفنة فملأتها خلوقاً. وهو الطيب. ووضعتها في الحِجر ، وقالت : من تطيّب بهذا فهو منا ، فتطيّبت به بنو عبد مناف وأسد وزهرة وتيم ، فسمّوا المطيبين ، فالمطيبي أبو بكر لأنه من تيم.
ونحر بنو سهم جزوراً وقالوا : من أدخل يده في دمها فهو منا ، فأدخـلت أيديها بنو سهم وبنو عبـد الدار وجـمح وعدي ومخزوم ، وتـحالفوا ، فسـمّوا الأحلاف ولعقة الدم فالأحلافي هو عمر لأنه من عدي(1) .
__________________
(1) راجع بشأن ذلك كتب السيرة لابن هشام وابن كثير والحلبي وزيني دحلان ، ولاحظ الفائق للزمخشري 1 / 145 ط حيدر اباد ، وجمل أنساب الأشراف للبلاذري 1 / 63 تح ـ سهيل زكار ورياض زركلي ط بيروت سنة 1417 هـ ، وبلوغ الأرب للألوسي 1 / 248 و 277 ، وأنساب الأشراف 1 / 56 تح ـ الدكتور محمّد حميد الله ط ذخائر العرب.
فهذا شاهد له دلالته في تفضيل ولاية أبي بكر على ولاية عمر ، بالرغم ممّا كان لابن عباس عند عمر من مكانة مرموقة أغضبت بعض شيوخ المهاجرين حتى قالوا لعمر في ذلك وعاتبوه ، فقال لهم : ذاك فتى الكهول ، له لسان سؤول وقلب عقول. وسيأتي الحديث بتمامه في محله.
وما ذكرناه من شاهد على رأيه في تفضيل ولاية أبي بكر على ولاية عمر ، لا يعني بالضرورة أن يكون.
2 ـ رأيه الشخصي في أبي بكر نفسه كذلك. فقد ورد في حديث جرى بينه وبين عائشة بنت أبي بكر بعد أكثر من ربع قرن ، وكان حديثاً موجعاً للطرفين ، حيث نفثت عائشة بما كشف عن دخيلة نفسها أزاء بني هاشم وبغضها حتى للبلد الّذي هم فيه. وكانت تلك نفثة موجعة لقلب ابن عباس فردّ عليها قائلا : فوالله ماذا بلاءنا عندك ، ولا بصنيعتنا إليك.
إنّا جعلناك للمؤمنين أماً وأنت بنت أم رومان ، وجعلنا أباك صدّيقاً وهو ابن أبي قحافة ، فأوجعها ذلك فبكت حتى سمع نشيجها(1) .
3 ـ وله كلام وصف فيه أبا بكر بقوله : كان كالطائر الحذر ، له في كلّ وجه جسد ، وكان يعمل لكل يوم بما فيه(2) .
وإنّ ما يروى عنه من كلام وصف فيه أبا بكر وعمر وعثمان والإمام وأباه العباس. فأحسن الوصف والثناء عليهم فهو على ذمة الرواة(3) .
__________________
(1) ستأتي المحاورة مفصلة بعد ذكر حرب الجمل مع ذكر مصادرها.
(2) محاضرات الراغب 2 / 178 ط مصر الأولى.
(3) مروج الذهب للمسعودي 3 / 60 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد وأخبار الدولة العباسية / 69 ـ 72 بتحقيق الدكتورين الدوري والمطلبي.
وهذه الشواهد لا تعني أيضاً بالضرورة أنّه يرى صحة خلافة الشيخين ، بل أنه كان يجهر برأيه خصوصاً في أيام عمر وأيام معاوية وستأتي محاججاته وفيها الشيء الكثير ما يدل على ذلك.
وبحسبي أن أشير إلى فقرة من كلام له طويل جرى بينه وبين معاوية جاء فيه :
4 ـ « أمّا تيم وعدي فقد سلبونا سلطان نبيناصلىاللهعليهوآلهوسلم ، عدوا علينا فظلمونا ، وشفوا صدور أعداء النبوة منا »(1) .
وستأتي احتجاجاته وفيها الشواهد الكثيرة الكثيرة.
ذكر الطبري(2) باسناده عن محمّد بن إبراهيم بن الحارث قال : « دعا أبو بكر عثمان خالياً فقال : اكتب :
بسم الله الرحمن الرحيم : هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين. أمّا بعد.
ثم أغمي عليه ، فذهب عنه ، فكتب عثمان : أمّا بعد فاني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيراً منه. ثم أفاق أبو بكر ، فقال : اقرأ عليّ ، فقرأ عليه. فكبّر أبو بكر وقال : أراك خفتَ أن يختلف الناس إن اُفلِتت نفسي في غشيتي! قال : نعم ، قال جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله ، وأقرّها أبو بكررضياللهعنه من هذا الموضع.
__________________
(1) أنظر أخبار الدولة العباسية / 49 تح الدوري والمطلبي.
(2) تاريخ الطبري 3 / 429 تح ـ محمّد أبو الفضل إبراهيم ط دار المعارف ط الثالثة.
ويدخل عليه جماعة من الصحابة فيهم عثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وآخرون. فيقول له ابن عوف أصبحت بارئاً ، فقال أبو بكر : أتراه؟ قال : نعم ، قال أبو بكر : أما اني على ذلك لشديد الوجع ، ولما لقيت منكم معشر المهاجرين أشد عليّ من وجعي ، ولّيت أموركم خيركم في نفسي ، فكلكم ورم أنفه من ذلك ، يريد أن يكون الأمر له دونه ثم أنهى كلامه وأنتم أول ضال بالناس غداً فتصدونهم عن الطريق يميناً وشمالاً ، يا هادي الطريق جرت إنما هو الفجر أو البجر(1) قال ذلك معرّضاً بمن نقم عهده إلى عمر ، وكان منهم طلحة إذ قال له تستخلف علينا عمر فظاً غليظاً ، فلو قد ولينا كان أفظ وأغلظ ، فما تقول لربك إذ لقيته(2) .
أمّا عمر فقد كان هو يجلس الناس بجريدته وفي لفظ وبيده عسيب نخل وهو يقول : أيها الناس أسمعوا وأطيعوا لقول خليفة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إنّه يقول لكم إني لم آلكم نصحاً.
قال قيس ـ راوي الحديث ـ ومعه مولى لأبي بكر يقال له شديد معه الصحيفة التي فيها استخلاف عمر »(3) .
وممّا يثير التساؤل حول موقف عمر عند موت أبي بكر وإجباره الناس على السمع والطاعة وضربهم بالجريدة. وبعسيب النخل على قبول ما جاء في
__________________
(1) في بعض الروايات (أو البحر) بالمهملة (الفائق للزمخشري 1 / 45) ، والبجر : الأمر العظيم ، والمعنى ان أنتظرت حتى يضيء لك الفجر أبصرت الطريق ، وان خبطت الظلماء أفضت بك إلى المكروه.
(2) كنز العمال 3 / 146 ، وراجع كتاب الخراج لأبي يوسف وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري 3 / 433 ط دار المعارف والعقد الفريد والزمخشري في الفائق وغيرها من المصادر تجد نحو ذلك نصاً أو مضموناً.
(3) تاريخ الطبري 3 / 429 ، ومناقب عمر لأبن الجوزي / 55 ط بيروت.
وصية أبي بكر من استخلافه ، ولم يرمه بالهجر كما رمى به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عند موته ، على أنّ أبا بكر غشي عليه ولم يأمر بكتابة أسم عمر ، وإنّما كتبه عثمان ، ولمّا أفاق أبو بكر وقرأ عليه عثمان أمضى ما كتبه ، وقد رعى عمر له ذلك الجميل فرده حين أحكم له أمره بالشورى.
ثم ما بال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا تسمع وصيته عند موته؟ وتسمع وصية أبي بكر؟
وما بال أبي بكر الّذي أغمي عليه فذهب عنه ، لا يوصف بالهجر وما يشينه؟
تناقضات في المواقف ، ليس لها جواب عند المؤالف فضلاً عن المخالف.
ثم ما بال البيعة الّتي لا تتم إلا بسوق الناس بالجريد يقال عنها تمت بالإختيار ففي يوم السقيفة كان عمر ومن معه يسوقون الناس بعسيب النخل ، واليوم يسوقهم بجريدته وبعسيب النخل مع ذلك يقال للأجيال إنّها تمت بالاختيار ، ومهما يكن فقد مات أبو بكر ، وتولى الأمر بعده عمر بالصورة الّتي رواها المؤرخون. واستفتح خلافته بخطبة قال فيها : إنّي قائل كلمات فأمنّوا عليهن ، فكان أول منطق نطق به حين أستخلف قال : إنّما مثل العرب مثل جمل أنِف أتـّبع قائده ، فلينظر قائده حيث يقود ، وأمّا أنا فوربّ الكعبة لأحملنّهم على الطريق(1) وهنا موطن الغرابة والعجب. ولقد قال الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام . فيا عجباً بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته ، لشدّ ما تشطّرا ضرعيها ، فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ، ويخشن مسّها ، ويكثر العثار فيها ، والإعتذار منها ، فصاحبها كراكب
__________________
(1) نفس المصدر 3 / 333.
الصعبة ، إن أشنق لها خَرم ، وإن أسلس لها تقحّم ، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس ، وتلون واعتراض(1) .
وخير ما نختم به كلامنا ما صح عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من قوله : (من أستعمل رجلاً من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه ، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين)(2) ، وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم الآخر : (من استعمل عاملا على المسلمين وهو يعلم أن فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنّة نبيّه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين)(3) .
__________________
(1) نهج البلاغة بشرح محمّد عبده 1 / 25 ـ 26 ط دار الاستقامة.
(2) كنز العمال 3 / 192.
(3) نفس المصدر 3 / 203.
حبر الأمة في عهد عمر
قبل الدخول في الحديث عن حياة حبر الأمة عبد الله بن عباسرضياللهعنهما في عهد عمر بن الخطاب ، لا بد لنا من مقدمة نستوحي منها بعض المؤشرات على قوة نشاط الحبر في ذلك العهد. ونتعرف من خلالها أسباب ذلك التمازج العملي ـ إن صح التعبير ـ مع شدة التنافر الفكري بين الشخصين ، خصوصاً في أمر الخلافة الّتي هي بداية الخلاف في الأمة ، والتي كان ابن عباس يقول فيها بالنص ، وكان عمر يقول فيها بالاختيار. فهما على طرفي نقيض في تلك النقطة المهمة ، ومن ذلك نعرف مدى التباعد بين الرؤى في العقيدة عند الرجلين مع شدة التقارب بين الشخصين في الحضر والسفر بينما يرى عمر ما رآه أبو بكر ، ورأيهما رأي المخالفين التابعين لهما والقائلين بالإختيار.
يرى ابن عباس ما يراه أهل البيت جميعاً من قبل ومن بعد وهم القائلون بالنص.
وما دام الحال كذلك فلماذا فضّل ابن عباس إمرة المطيّبي ـ وهو أبو بكر ـ على إمرة الأحلافي ـ وهو عمر ـ كما مرّ آنفاً ففرّق بينهما مع أنهما في الهوى والرؤى سواء؟
ثم ما هي العوامل الّتي أدت إلى التناغم وتبادل الثقة بين ابن عباس وبين عمر حتى صارت صداقة ، وكل منهما لا يزال على رأيه وعند موقفه في مسألة الخلافة؟ إلا أن اختلاف الرأي لا يفسد في الود قضية؟ كما يقول أحمد شوقي.
وأخيراً كيف رضي بنو هاشم وعلى رأسهم سيدهم أمير المؤمنينعليهالسلام أن يكون ابن عباس لصيقاً بعمر في ورده وصدره ، ورفيقاً له في حاضره وسفره؟
هذه ثلاث مسائل يجب أن نبحثها ، ونتعرف الجواب عليها ، قبل الحديث عن حياة ابن عباس في عهد عمر.
في تفضيل ابن عباس ولاية أبي بكر على ولاية عمر ، وهما معاً متفقان رأياً في الخلافة ، وخلافة الثاني إنّما هي فرع خلافة الأوّل. ورأي ابن عباس على خلافهما في مسألة الخلافة ، لماذا اذن ذلك التفضيل لولاية الأوّل على ولاية الثاني ، مع أنّه حصلت له الحضوة عند الثاني أكثر ممّا كانت له عند الأوّل؟
ولمعرفة الجواب لابدّ لنا من المام بمقارنة عابرة بين فترتي العهدين ، ومعايشة ابن عباس فيهما لكلّ واحد من الشيخين. فنقول : لقد مرّت بنا معرفة حياته في عهد أبي بكر ، فهو لم يكن فيها إلاّ واحداً من سائر بني هاشم ـ وهم وشيعتهم كانوا جبهة المعارضة ـ وكان يومئذ منضوياً تحت لواء أبيه العباس كسائر أخوته وأهل بيته ، وهم جميعاً انّما يضمهم كَنفَ الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام الرحب ، فهم جميعاً له تبع فعن رأيه يصدرون ، وبأمره يعملون.
أمّا في عهد عمر فقد كانت حياته أكثر انفتاحاً وأوسع انفساحاً ، وكان أكثر التصاقاً بعمر منه بأبي بكر وله عند عمر حضور ووجود ، مشهود ومعدود ، بل وعليه محسود ، من قبل بعض شيوخ المهاجرين ، كما ستأتي الإشارة إلى ذلك في محلها.
فقد احتل مكانة في نفس عمر لم يحصل عليها ولا ابنه عبد الله بن عمر ، فقد كان هو الوحيد من بين أقرانه سناً الّذي يحضر مجلس شورى عمر (الخاص) ، وهو المفضّل رأياً في مجلس شوراه (العام) ، وهو صاحبه في الحضر ، وهو رفيقه في السفر ، وكان عمر يعتدّ برأيه ويأخذ بقوله.
وكذلك كان ابن عباس مطمئناً ـ باعتداد ـ إلى رسوخ مكانته عند عمر ، فكان يجرأ على مخاصمته ، ويقوى على مجادلته ، ويوسعه من الحجة ما يضيق معها صدره ، ومع ذلك يحتمل منه عمر ما لم يحتمل من غيره؟!
فمن كان بهذه المثابة والمنزلة لماذا يفضل ولاية أبي بكر على ولاية عمر ، وهو لم يحصل في ولاية أبي بكر على مثل ذلك؟ ويكون جوابه لابن صفوان : لإمرة المطيبين كانت أفضل من إمرة الأحلاف(1) لماذا ذلك؟
قد يقول قائل : إنّ ابن عباس إنّما فضّل ولاية أبي بكر ، لأنّهما كانا معاً من المطيّبين ، وذلك حسب الأعراف القبلية السائدة يومئذ ، وهي نزعة كانت قبل الإسلام على أساس التحالف ، ثم بقيت آثارها تظهر بين حينٍ وآخر حين تشتد الخصومات ، وتتعالى الأصوات في المنازعات. وقد بقيت آثارها حتى بعد ذلك العهد ، ويجد الباحث أثراً لها في خصومة وقعت وللهاشميين حضور في مجلس معاوية وذلك ما جرى بين أُسامة بن زيد وعمرو بن عثمان في حائط من حيطان المدينة وادعاه كلّ منهما ، فتلاحيا وتفاخرا ، حتى أنشطر الحاضرون فقام مروان وسعيد بن العاص وجلسا إلى جنب عمرو بن عثمان وقام الحسن بن عليّ وعبد الله بن جعفر وجلسا إلى جنب أُسامة ، وحسم النزاع معاوية وحكم بالحائط لأسامة خشية من بني هاشم أن يتفاقم الخطب(2) .
__________________
(1) جمل أنساب الأشراف للبلاذري 1 / 163 تح ـ. د سهيل زكارود. رياض زركلي ط بيروت.
(2) أمالي المفيد كما في بحار الأنوار 44/ 107 ط الحديثة.
وفي نظري أنّ هذا التصور ليس كافياً وحده أن يكون سبب التفضيل بشيء ولا لأنّ ابن عباس كان أسمى من أن ينصاع لمثل تلك الأعراف ، بل لأجل ما رأى من قلة المفارقات والتناقضات في الأحكام في إمرة المطيبي ، لقصر مدتها وتفاقمها أضعاف مضاعفة في إمرة الأحلافي لطول المدة ، مضافاً إلى ما بين طبيعة كلّ من الرجلين من تفاوت في اللين عند الأوّل والشدة عند الثاني. وما أكثر شواهد ذلك ، وبحسب القارئ أن يعرف أنّ لعمر كانت درّة يخفق بها الرؤوس حتى صارت مضرب المثل بأنها أهيب في صدور الناس من سيف الحجاج(1) بينما لم يكن لأبي بكر درّة ولا ذرّة ، فسالمته نفوس كثيرة ، بينما كان عمر يأخذ الناس بالشدة والعنف ، وقليل ما هم الذين كانوا يجرأون فيقولون له ابتداءً ما ينبغي وما لا ينبغي.
فهذا الجانب فيما أحسبه هو الّذي جعل ابن عباس يفضّل إمرة أبي بكر على إمرة عمر ، لأنّه كان يعاني من عمر شدته مع افتقاره العلمي خصوصاً في الأحكام ، فكان يغيّر ويبدّل بما جرى على لسانه ، حتى حفظ عنه راوٍ واحد وهو عبيدة السلماني مائة قضية في الجد كلّها ينقض بعضها بعضاً(2) وهذا ليس افتئات أو افتراء منه على عمر. فان عمر نفسه كان يقول : « إنّي قضيت في الجد قضايا مختلفة كلها لا آلو فيه عن الحق ، ولئن عشت إن شاء الله إلى الصيف لأقضين فيها قضية تقضي به المرأة وهي على ذيلها »! وسيأتي مزيد بيان عن تناقضات عمر في الأحكام وموقف ابن عباس منها.
__________________
(1) كلمة قالها الشعبي كما في ثمار القلوب للثعالبي / 85 ، ونقلها الدميري في حياة الحيوان في ترجمة عمر.
(2) السنن الكبرى للبيهقي 6 / 245 ط حيدر اباد ، ومصنف عبد الرزاق 10 / 262.
وهذا الجانب هو الّذي أشار إليه الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام بقوله في الشقشقية : « فمُني الناس لعمر الله بخبط وشماس وتلوّن واعتراض ، فصبرت على طول المدة وشدة المحنة »(1) .
وقد ذكر ابن عبد البر ، وابن حجر ، وابن عبد ربه ، وغيرهم : « أنّ عمر خرج من المسجد ومعه الجارود العبدي ، فإذا بامرأة برزة. ضخمة الجثة. على الطريق ، فسلّم عليها عمر ، فردتعليهالسلام . وقالت : هيهاً يا عمر ، عهدتك تسمى عُميراً في سوق عكاظ تـُرع الصبيان بعصاك ، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر ، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين ، فأتق الله في الرعية ، واعلم أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد ، ومن خاف الموت خشي الفوت »(2) .
فهذا شاهد آخر على شدّة المحنة في أيام عمر وهذا الجانب الّذي يسترعي انتباه امرأة من المسلمين كيف لا يسترعي انتباه حبر الأمة وهو يقاسي معاناة صحبة الرجل مع شعوره بالمسؤولية.
لذلك كانت امرة المطيبي ـ وهو أبو بكر ـ أفضل من امرة الأحلافي ـ وهو عمر ـ لقلة المفارقات في الأولى وكثرتها في الثانية.
في معرفة الدواعي الّتي توفرت لدى ابن عباس ولدى عمر حتى بدا بينهما التآلف ظاهراً في بعض المجالات ، مع بينهما من تفاوت في السن فان سنّ عمر يوم تولى الحكم يزيد على الأربعين بسنين ، وسنّ ابن عباس لم يبلغ العشرين
__________________
(1) نهج البلاغة (الخطبة الشقشقية).
(2) أُنظر الاستيعاب 1 / 291 ، والإصابة 4 / 290 ، والعقد الفريد 1 / 322.
بسنين ومن البدهي اختلاف الإدراك لدى الشاب والكهل ، مضافاً إلى اختلاف النشأة والتربية ، ولا ننسى الشعور بالتفاضل بين البيتين ، فهذا من بني هاشم صفوة الخلائق وذاك من بني عدي ، والأهم من هذا كله هو الخلاف في مسألة الخلافة ، وما هي الأسباب الّتي جعلت عمر يثق بابن عباس فيختصه دون غيره ، فيتخذ منه المستشار المؤتمن ومفزعه عند المحن ، فيقول له إذا أعضله أمر : غص يا غواص. مع علمه بان ابن عباس هو من الهاشميين وابن شيخهم ، ولا يزال يراهم العنصر المعارض لإمرته وإمرة صاحبه من قبل ، وهو الّذي كان قد أستبعدهم عن الساحة فأبعد الخلافة عنهم بكلّ جهد مستطاع ، وبتعبير أصح حتى أبعدهم عن الخلافة ، فكيف والحال هذه يطمئن إلى واحد منهم مثل ابن عباس وهو في فقهه وعلمه وحصافة رأيه ، فيقرّبه ويثق به؟
ثم ما هي العوامل الّتي فرضت نفسها على ابن عباس أن يكون مع عمر بالمنزلة الّتي بلغها ، وهو من بني هاشم الذين كانوا جميعاً وبلا استثناء يرون في عمر وصاحبه من قبل ظالمَينَ لهم وغاصبَين لحقهم ، وقد كشف لعمر مراراً عن دخيلة نفسه وحقيقة رأيه ، وقد مرت الإشارة إلى ذلك ، وسيأتي مزيد من احتجاجاته عليه الّتي بقي فيها عمر مخصوماً لا يدري ما يأخذ وما يذر؟
والجواب على كلّ تلك التساؤلات يبدو واضحاً لمن عرف الرجلين أيام تعايشهما : فقد كانت هناك مصالح متبادلة بينهما ـ وتبادل المصلحة يجمع بين المتضادين رأياً وعقيدة في سبيل تحقيق مصلحة ما تعود على كلّ منهما بالنفع ، فيتفقان على العمل لبلوغ الهدف المنشود ، مع أن لكل وجهة هو مولّيها ـ وهكذا كان ابن عباس وعمر. فابن عباس رأى في عمر الخليفة الّذي بيده مقاليد الأمور ، فمن الخير له ولمصلحة الأمة أن يكون معه بالموضع الّذي يمكنّه من قولة الحق
وأداء ما يجب عليه ممّا أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم وإن عانى ما عانى.
كما أنّ عمر رأى في ابن عباس من القابليات والمؤهلات ما تحمله على أن يقرّبه ويصطفيه صاحباً ناصحاً يسدّده عند الحاجة ، وما أكثر الحاجات يومئذ فقد اتسعت رقعة البلاد الإسلامية ، وكثرت الوفادة على مركز الخلافة ، ثم بحبحة المسلمين في معايشهم ، كلّ ذلك فيه دواع ليكون مع عمر من يستعين به في سد العوَز الّذي كان عنده من الجانب العلمي ، فان قدرته العلمية كانت محدودة. فهو بقدر ما أوتي من حول وطول ، وقوة في السياسة ، وحنكة وحزم في الإدارة ، إلاّ أنّه كان ضعيفاً أمام المعضلات الفقهية فلا يجد لها حلاً دون الاستعانة بالصحابة ، وليس في ذلك تجنّ عليه ، وقد مرّ بنا قوله : « كلّ الناس أعلم من عمر »(1) ، وقوله : « كلّ الناس أفقه من عمر »(2) ، وقوله : « كلّ أحد أفقه منّي » قال ذلك ثلاثاً(3) ، ومر قريباً بعض آرائه في مسألة ميراث الجد الّتي قضى فيها ـ مراراً ـ أقضية ينقض بعضها بعضاً(4) حتى قال السيوطي في الأشباه والنظائر : « وعلته أنّه ليس الاجتهاد الثاني بأقوى من الأوّل ، فإنّه يؤدي إلى أنّه لا يستقر حكم ، وفي ذلك مشقـّة شديدة ، فإنه إذا نقض هذا الحكم نقض ذلك النقض وهلمّ جراً »(5) .
__________________
(1) تفسير الكشاف 2 / 445.
(2) شرح النهج 1 / 61.
(3) الرياض النضرة 2 / 57.
(4) قال عبيدة السلماني : لقد حفظت من عمر بن الخطاب فيها ـ مسألة الجدّ ـ مائة قضية مختلفة. راجع المصنف لعبد الرزاق 10 / 262 فقال ابن سيرين متعجباً : عن عمر؟ قال عن عمر أخرجه الدارمي في سننه / 389 ، والبيهقي في سننه 6 / 242.
(5) الأشباه والنظائر / 101.
وتبقى حاجة عمر إلى ابن عباس لكفاءته العلمية وقابليته على تسديده حتى اعترف هو له بذلك ، وأخذ ذلك الجاحظ فقال في رسالة نفي التشبيه : « ولو لم يعرف ـ عمر ـ ذلك ـ نفي التشبيه ـ إلاّ بعبد الله بن العباس وحده كان ذلك كافياً ، وبرهاناً شافياً ، فإن الأعجوبة فيه أربت على كلّ عجب ، وقطعت كلّ سبب ، وقد رأيتم حاجة عمر إليه ، واستشارته إياه ، وتقويمه لعثمان وتغييره عليه. ولو لم يكن للفضيلة من بين أقرانه مستحقاً ، وبها مخصوصاً ما خصّه الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بالدعوة المستجابة ، ولما خصّه بعلم الكتاب والسنّة ، وهما أرفع العلم وأشرف الفكر. ويدلك على تقديمه للغاية ، وايثاره للتعلم والإستبانة قوله حين قيل له في حداثته وقبل البلوغ في سنّه : ما الّذي آتاك هذا العلم وهذا البيان والفهم؟ قال : قلب عقول ولسان سؤول »(1) .
لذلك لا عجب أن اتخذ له مجالس شورى من الصحابة من أهل بدر يسألهم عندما تضيق به السُبل ، وتتوالى عليه العُضل. ولما كان أولئك الصحابة لم يكونوا كلهم كما ينبغي ، كان عليه أن يختار منهم من يثق بعلمه وفهمه فيختصه ليكون عنده ومعه في غالب أوقاته حضراً وسفراً. فكان ذلك هو ابن عباس فلم يرَ مانعاً من تقريبه ، على ما بينهما من إختلاف في الرأي في مسألة الخلافة. وتفاوت في الأخلاق من الفظاظة إلى الوداعة.
ولعل هناك جانباً آخر كان له حسابه في نفس عمر فهو يرى في تقريبه لابن عباس إجراء فيه تطييب لقلوب الهاشميين ونحو تخفيف لما في نفوسهم من معاناة فوت الخلافة ، وعلى كلّ تقدير فهو إجراء فيه حنكة سياسية لا تخلو من أثر فاعل.
__________________
(1) رسائل الجاحظ 1 / 300 تح ـ عبد السلام محمّد هارون.
ولعل ابن عباس نفسه أيضاً كان كذلك إذ لم يكن عازفاً كلّ العزوف عن ذلك التقريب ، بل لعله كان راغباً في تقوية أواصر تلك العلاقة مع عمر ، يستحوذ على شعوره بتبادل المودة ليتسنى له أن يقول لذلك الخليفة القوي المهاب والفظ الغليظ ما يسعه أن يقوله أحياناً في أمر الخلافة وغيرها ، فهو ينفـّس عن نفسه وبنفس الوقت يُشعر عمر بأنه لا يزال عند رأيه فيه وانه غاصب لحق بني هاشم ، ولا ننسى جوابه لعمر حين قال له : ما أرى صاحبك إلا مظلوماً : قال ابن عباس : فاردد إليه ظلامته. إلى غير ذلك من احتجاجات سوف يأتي ذكرها إن شاء الله.
إذن فثمة تبادل مصالح عامة ومصالح خاصة هي الّتي قربت بين الرجلين ، فحصل تناغم وليس بتفاهم ، وكان كلّ منهما مغبوطاً على صحبة الآخر ، وان لم يكن ابن عباس مغتبطاً بعمر كما كان عمر مغتبطاً به. لكنها المصالح المتبادلة تجمع بين المتضادين ، كما يقولون.
في معرفة موقف بني هاشم وعلى رأسهم أمير المؤمنينعليهالسلام من تقريب عمر لابن عباس ، وقبول الثاني بذلك التقريب. وحضوره عنده ربما يعني حضوراً لهم ـ ولو على أضعف الوجوه ـ وبالتالي سيكون رصيداً لعمر يستفيد منه في ولايته ، وإن لم يضفِ عليه الشرعية الكاملة ، فهل رضي بنو هاشم بذلك؟
والجواب لا يخفى على من له إلمام بتاريخ الهاشميين في عهد أبي بكر ، فهم جميعاً لم يبايعوه إلاّ بعد أن ضرع الإمام لمبايعته وذلك بعد موت فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، وحدد ذلك غير واحد انّه بعد ستة أشهر.
ومن عرف سيرتهم في فترة حكم أبي بكر عرف أنّهم لم يكونوا في آرائهم يعدون رأي الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام .
فهم على شاكلته وطوع أمره ونهيه في تعاملهم مع أبي بكر ، فإذا نطقوا فبأمره ينطقون ، وإذا سكتوا فبنهيه يسكتون ، ولم يكن لأيّ منهم نحو إستقلال تام يخالف به الإمامعليهالسلام . وقد مرت بنا شواهد على ذلك ، فليستذكرها القارئ ويقرأ ما قاله الإمام للفضل بن العباس ولبعض ولد عتبة بن أبي لهب ، من أمر ونهي.
إذن هل من المعقول أو المقبول أن يكون ابن عباس بدعاً من أهله في تعامله مع الخالفين!
أليس هو واحداً من تلك الدوحة الهاشمية ، إن لم يكن مميزاً على كثير من أهل بيته سيرة ومنهاجاً ، وقوة وحجاجاً. فلماذا لا يكون تعامله مع عمر عن رضا الإمامعليهالسلام ؟ خصوصاً وإنّه لم يرد في شيء من التاريخ ما ينبيء عن سخط أو عدم رضا عن ذلك التصرف والتعامل.
ولماذا لا يكون ذلك فوق الرضا بل عن إذن الإمامعليهالسلام وبأمره؟ فابن عباس لديه قابليات ومواهب حصلت ببركة دعاء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم له بالحكمة والتأويل والفقه والفهم ، وقد مرّ ذلك فيما سبق.
وأيضاً فهو ممّن أولاه الإمامعليهالسلام عناية خاصة حيث كان يخصه في مسجد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بمحاضراته في التفسير والفقه(1) وهو ممن يعتمد عليه ، وفيه صلاحية لأن يكون مع عمر ليسدّده فيما يحتاج إلى التسديد ، ولا يعني في حضوره عنده التأييد.
__________________
(1) مختصر تاريخ العرب ط التمدن الإسلامي للسيد أمير عليّ.
وكم قرأنا من شواهد في تسديد الإمامعليهالسلام لعمر حين يكون في المسجد وتحدث حادثة لم يعرف عمر حكمها فيرجع إلى الإمام إذ يحضره فيستفتيه ، ويكفينا شهرة ما قاله عمر : « لا أبقاني الله بعد ابن أبي طالب »(1) و « لولا عليّ لهلك عمر »(2) وغير ذلك ، أمّا حين لا يكون عليّ حاضراً ، فلابدّ له من بديل عنه ليعتمد عليه لسد ذلك الفراغ عند الخليفة ، فمن هو إن لم يكن عبد الله بن عباس في علمه وألمعيته ، وفهمه ولوذعيته ، ليسد تلك الفجوة ، على ما بين بني هاشم وبينه من الجفوة.
ولأنّ مصلحة الإسلام فوق كلّ شيء في معايير أهل البيت وحسبنا ما مرّ من قول الإمامعليهالسلام : سلامة الدين أحب إلينا.
وستأتي شواهد تدل على أنّ الإمامعليهالسلام أمر ابن عباس مرة بالقيام مع عمر ومصاحبته حين مرّ بهما بمفرده وأنّه بلغه محاججة له معه فسرّه ذلك. ويؤكد ما أراه من أنّ ابن عباس كان عند رضا أهل البيت في مصاحبته لعمر. وصية أبيه العباس له فقد قال له : أنت أعلم مني ولكني أشدّ تجربة للأمور منك وأنّ هذا الرجل ـ يعني عمر ـ قد قرّبك وقدّمك ، فلا تفش له سراً. ولا تغتب عنده مسلماً ، ولا تحدثه بشيء حتى يسألك عنه.
لقد مرّت هذه الوصية في أواخر ترجمة العباس مع ذكر مصادرها ، فراجع.
__________________
(1) ذخائر العقبى / 80 ، والرياض النضرة 2 / 197 ، والأذكياء لابن الجوزي / 18 ، ومناقب الخوارزمي / 60 ط حجرية ، وتذكرة سبط ابن الجوزي / 87.
(2) الأربعين للفخر الرازي / 466 ، ومناقب الخوارزمي / 48 ط حجرية ، والرياض النضرة 2 / 192 ، وذخائر العقبى / 80 كلاهما للمحب الطبري.
بعد ما قدّمناه من المسائل الثلاث بين يدي البحث عن تاريخ حبر الأمة في عهد عمر. فعلينا أن نستعرض الجوانب ذات الدلالة على مكانته عند عمر ، في الحضر وفي السفر.
أمّا في معايشته له في الحضر ـ وهي أكثر مدة خلافة عمر ـ فقد كان ملازماً له كثيراً حتى أتخذه أحد مستشاريه في مجلس الشورى ـ كما سيأتي ـ وحتى قال بعضهم عنه : « وكان الغالب على عمر »(1) ، وقال بعضهم : « وكان على شرطته »(2) وهو قول ليس له نصيب من الصحة ، ويكذبه ما رواه محمّد بن حبيب الهاشمي : « إنّ أول من اتخذ صاحب شرطة هو عثمان بن عفان »(3) .
ولعل السبب في ذلك الوهم هو ما يجده الباحث في تاريخهما متصاحبين من اتصال وثيق وحضور فاعل لابن عباس على الصعيدين العلمي والعملي ، بحيث كان غيابه يؤثر على المؤسسة الحاكمة.
والآن إلى قراءة بعض النصوص الدالة على ذلك :
1 ـ عن ابن عمر قال : إنّ عمر دعا ابن عباس فقرّبه ، وكان يقول : إنّي رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم دعاك يوماً فمسح على رأسك وتفل في فيك وقال : (اللّهمّ فقهه في الدين وعلّمه التأويل)(4) .
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 137 ط الحيدرية.
(2) نفس المصدر 2 / 137.
(3) المحبر / 373 ط حيدر آباد.
(4) الإصابة 2 / 322 ط مصطفى محمّد بمصر.
2 ـ عن عمر إنّه قال له : « والله إنك لأصبح فتياننا وجهاً ، وأحسنهم عقلاً ، وأفقههم في كتاب الله (عزّ وجلّ) »(1) .
3 ـ عن سعد بن أبي وقاص : « ولقد رأيت عمر بن الخطاب يدعوه ـ لابن عباس ـ للمعضلات ثم يقول : عندك قد جاءتك معضلة ، ثم لا يجاوز قوله ، وانّ حوله لأهل بدر من المهاجرين والأنصار »(2) .
4 ـ عن أبي الزناد : « أنّ عمر بن الخطاب دخل على ابن عباس يعوده وقد حُمّ فقال له عمر : أخلّ بنا مرضك فالله المستعان »(3) .
5 ـ إنّ عمر قال له : « قد طرأت علينا عُضلُ أقضية أنت لها ولأمثالها ، فإذا قال فيها رضي قوله »(4) .
6 ـ عن ابن عباس قال : « دعاني عمر فإذا حصير بين يديه عليه الذهب منثوراً كثير الحثا فأمرني بقسمه »(5) . وقال : « هلمّ فاقسم هذا بين قومك »(6) .
7 ـ عن ابن عباس قال : « دخلت على عمر بن الخطاب يوماً فسألني عن مسألة كتب إليه بها يعلى بن أمية من اليمن ، وأجبته فيها ، فقال عمر : أشهد أنك تنطق عن بيت نبوّة »(7) .
__________________
(1) المعرفة والتاريخ للفسوي 1 / 535.
(2) طبقات ابن سعد 2 ق2 / 122 ط ليدن.
(3) طبقات ابن سعد 2 ق2 / 123 ، وكنز العمال / 7 / 53 ط الأولى حيدر آباد.
(4) أنساب الأشراف (ترجمة ابن عباس) ، اعلام الموقعين 1 / 14ط المنيرية ، وزاد أحمد في فضائل الصحابة / 1913 : (وما كان يدعو لذلك أحداً سواه إذا كانت تلك العَضل).
(5) الفائق للزمخشري 1 / 121 ط حيدر آباد. والحثا هو دقائق التبن لأن الريح تحثوه حثواً.
(6) طبقات ابن سعد 2 ق1 / 218.
(7) طبقات ابن سعد 2 ق2 / 122 ط ليدن.
8 ـ عن يعقوب بن يزيد قال : « كان عمر بن الخطاب يستشير عبد الله بن عباس في الأمر إذا أهمّه ويقول : غص غوّاص »(1) .
9 ـ أخرج أحمد بن حنبل في فضائله بسنده : « كان عمر يوماً جالساً وعنده العباس فسئل عمر عن مسألة فقال فيها ، فقام إليه ابن عباس فسارّه فقال : يا أمير المؤمنين ليس الأمر هكذا ، فأقبل عمر على العباس فقال : يا أبا الفضل بارك الله لك في عبد الله ، إنّي قد أمّرته على نفسي ، فإذا أخطأت فليأخذ عليَّ »(2) .
10 ـ وعزّى عبد الله بن عباس عمر بن الخطاب في بُنيّ له صغير فقال : « عوّضك منه ما عوّضه الله منك »(3) . وقد أخذ ابن عباس التعزية من كلمة الإمام عليّ له بمولود له صغير قد مات فقالعليهالسلام : (لمصيبة في غيرك لك أجرها أحبّ إليّ من مصيبة فيك لغيرك ثوابها ، فكان لك الأجر لا بك ، وحسن لك العزاء لا عنك ، وعوّضك الله عنه مثل الّذي عوّضه منك)(4) .
1 ـ أخرج الفسوي بسنده عن ابن عباس قال : « دعاني عمر وكان يدعوني مع أشياخ أصحاب محمّد حتى كان بعضهم يجد من ذلك في نفسه ، وقد كان أمرني أن لا أتكلم حتى يتكلموا.
قال : فدعاني وهم عنده فقال : إنكم قد علمتم ما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في ليلة القدر اطلبوها في العشر الأواخر وتراً. ففي أيّ العشر ترونها؟
__________________
(1) نفس المصدر (الطبقة الخامسة / ترجمة ابن عباس) 1 / 141 تح ـ السُلمي.
(2) فضائل الصحابة 2 / 982 برقم 1942ط مؤسسة الرسالة 1403 بيروت تح ـ وصي الله محمّد عباس.
(3) العقد الفريد 3 / 304 تح ـ أحمد أمين ورفاقه.
(4) تحف العقول / 209 ط الإسلامية.
قال : فلم يتركوا شيئاً في وتر العشرة إلا ذكروه. فقال لي : ما لك لا تتكلم يابن عباس؟ قال : قلت إن شئت تكلّمت. قال : ما دعوتك إلا لتتكلم »(1) .
وفي لفظ عند ابن سعد : « فقال عمر لابن عباس ألا تتكلم؟ قال الله أعلم قال قد نعلم إن الله أعلم ، إنّما نسألك عن علمك فقال ابن عباس : الله وتر يحب الوتر ، خلق من خلقه سبع سموات فاستوى عليهن ، وخلق الأرض سبعاً وخلق عدة الأيام سبعاً ، وجعل طوافاً بالبيت سبعاً ورمي الجمار سبعاً ، وبين الصفا والمروة سبعاً ، وخلق الإنسان من سبع ، وجعل رزقه من سبع.
قال فقال عمر : فكيف خلق الإنسان من سبع؟ وجعل رزقه من سبع فقد فهمت من هذا أمراً ما فهمتـُه.
قال ابن عباس : إنّ الله يقول :( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ) حتى بلغ إلى قوله :( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (2) ثـم قـرأ :( أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) (3) .
فأمّا السبعة فلبني آدم ، وأمّا الأبّ فما أنبتت الأرض للأنعام ، وأمّا ليلة القدر فأراها ـ إن شاء الله ـ إلاّ ليلة ثلاث وعشرين يمضين وسبع يبقين »(4) .
__________________
(1) المعرفة والتاريخ 1 / 519 ـ 520.
(2) المؤمنون / 12 ـ 14.
(3) عبس / 26 ـ 31.
(4) طبقات ابن سعد 1 / 140 ط 5 تح ـ السُلمي وإسناده حسن ، وأورده السيوطي في الدر المنثور نقلا عن ابن سعد وعبد بن حميد ، وأورد الحاكم في المستدرك جزءا منه في 3 / 39 وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وصححه الذهبي في التلخيص أيضا.
فقال عمر : « أعجزتم أن تقولوا مثل ما قال هذا الغلام الّذي لم تستو شؤون رأسه. ثم قال : إنّي نهيتك أن تتكلم فذا دعوتك معهم فتكلم »(1) .
ولئن كنّى ابن عباس من أدبه عن الذين وجدوا في أنفسهم من حضوره بكلمة (بعضهم) ، فإن ابن حجر حكى عن عبد الرزاق في حديثه : أن الساخطين هم جماعة المهاجرين ولفظه : قال المهاجرون لعمر ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ فقال : ذاكم فتى الكهول له لسان سؤول وقلب عقول(2) .
أمّا البخاري فقد روى في صحيحه بسنده قال : « كان عمررضياللهعنه يدني ابن عباس فقال عبد الرحمن بن عوف : إن لنا أبناء مثله؟ فقال : انه من حيث تعلم »(3) .
ومهما يكن الساخط واحداً أو أكثر فليس بعجيب لو تسخط ، إنّما العجب أن يكون عبد الرحمن بن عوف ساخطاً ويبدي سخطه ، وهو الّذي بعدُ لم يزل يقرأ القرآن عند ابن عباس.
ألم يروِ لنا البخاري في صحيحه حديث الفلتة في باب رجم الحبلى. وفيه : « أنّ ابن عباس كان يُقريء جماعة من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف »(4) وذلك في آخر حجة حجّها عمر من سنّي ولايته.
2 ـ أخرج ابن سعد(5) والفسوي واللفظ له عن ابن عباس قال : « كان عمر يأذن لأهل بدر ويأذن لي معهم فقال بعضهم : أتأذن لهذا الفتى ومن أبنائنا مَن هو
__________________
(1) قارن الفقيه والمتفقه للخطيب 2 / 132 ، ومستدرك الحاكم 3 / 539 ، وسنن البيهقي 4 / 313 ، وتفسير ابن كثير 4 / 533 ، وتفسير الدر المنثور للسيوطي 6 / 374 ، وفتح الباري لابن حجر 4 / 211.
(2) الإصابة 2 / 325 ط مصطفى محمّد.
(3) صحيح البخاري 4 / 204 ط بولاق باب علامات النبوة في الإسلام.
(4) نفس المصدر 8 / 168 ط بولاق.
(5) طبقات ابن سعد 2ق2 / 120.
مثله؟ فقال : فيه ممن قد علمتم ، فأذن لهم يوماً وأذن لي معهم ، فسألهم عن هذه السورة( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ) (1) فقالوا : أمر الله (عزّ وجلّ) نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا فتح الله (عزّ وجلّ) عليه أن يستغفره وأن يتوب عليه.
فقال لي : ما تقول يا بن عباس؟ فقلت ليس كذلك ، ولكنه أخبر نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بحضور أجله فقال :( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح ـ فتح مكة ـوَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ـ أي فعند ذلك علامة موتك ـفَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ) (2) .
فقال لهم : كيف تلومونني عليه بعد ما ترون »(3) .
3 ـ أخرج الحاكم والطبري عن ابن أبي مليكة وعطاء : « انّ عمر بن الخطابرضياللهعنه تلا هذه الآية :( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ) إلى ها هنا( فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ) (4) ، فسأل عنها القوم وقال : فيما ترون أنزلت( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ ) ؟ فقالوا : الله ورسوله أعلم ، فغضب عمر وقال : قولوا نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس : في نفسي شيء منها يا أمير المؤمنين. قال : يا بن أخي قل ولا تحقـّر نفسك ، قال ابن عباس : ضربت مثلا لعمل »(5) ، وفي رواية الطبري عن عطاء : « هذا مثل ضربه الله (عزّ وجلّ) فقال : أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير
__________________
(1) النصر / 1 ـ 3.
(2) النصر / 1 ـ 5.
(3) المعرفة والتاريخ 1 / 515.
(4) البقرة / 266.
(5) مستدرك الحاكم 3 / 542.
وأهل السعادة حتى إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختمه بخير حين فني عمره وأقترب أجله ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء فأفسده كله فحرقه. أحوج ما كان إليه »(1) .
وهذا الحضور البارز هو الدافع لحسد المهاجرين ، أو بعض أشياخ أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو خصوص عبد الرحمن بن عوف ، وهو اللافت لنظر الحطيئة الشاعر وقد مرّ على مجلس عمر فنظر إلى ابن عباس وقد قرع القوم بكلامه غالباً عليهم ، فسأل عنه وقال : من هذا الّذي برع الناس بعلمه ، وعلاهم في قوله ونزل عن القوم بسنّه؟ قالوا : هذا ابن عباس فقال أبياتاً منها :
إنّي وجدت بيان المرء نافلة |
تُهدى له ووجدت العيّ كالصمم |
|
والمرء يبلى ويبقى الكلم سائرة |
وقد يلام الفتى يوماً ولم يلم(2) |
وبقي حضور ابن عباس بين شيوخ المهاجرين والأنصار ماثلاً ومؤثراً عند عمر فقد كان عند الخلاف يرجع إلى قوله ويعتدّ به على حداثة سنّه على حد قول يحيى بن أبي بكر العامري(3) ولم يمنع ذلك التقريب والتقريض ، وذلك الإختصاص من ظهور مواقف متضادة بين الرجلين ، إذ لم يكن ابن عباس موائماً لعمر في مزاجه ، ولا موافقاً له على جميع تصرفاته ، بل كانت تحدث بينهما محاورات إحتجاجية ربما وصلت إلى حدّ المشادّة العنيفة ، لكنها لم تصل إلى حدّ القطيعة التامة ، والآن إلى شواهد تلك.
__________________
(1) تفسير الطبري 3 / 47 ط الميمنية.
(2) عيون الأخبار لابن قتيبة 1 / 229 ط دار الكتب ، والأصابة 2 / 325 ط مصطفى محمّد ، والأستيعاب بهامش الإصابة 2 / 346 ، وأنباء نجباء الأبناء لابن ظفر المكي ط مصر. ومن الغريب أن هذين البيتين لم يذكرا في ديوان الحطيئة بتحقيق نعمان أمين طه (ماجستير في الأدب العربي ـ جامعة القاهرة) ط مصطفى البابي الحلبي سنة 1378 هـ.
(3) الرياض المستطابة / 52 ط الشاهجاني بهوبال الهند سنة 1303 هـ.
بالرغم من ذلك التقارب الحضوري فلم يمنع من ظهور خلافات ذات دلالة عميقة تعتمل في صدر كلّ منهما ، تكاد تطغى على ما يقال في سبب ذلك إلى التفاوت بينهما سنّاً ومكانة ، والإختلاف بين المزاجين شدّة ووداعة ، ولنقرأ بعض الشواهد :
1 ـ أخرج الفسوي بسنده عن ابن عباس قال : [ قدم على عمر بن الخطاب رجل فجعل عمر يسأله عن الناس ، فقال : يا أمير المؤمنين قرأ منهم القرآن كذا كذا. فقال ابن عباس : والله ما أحبّ أن يسارعوا يومهم هذا في القرآن هذه المسارعة قال : فزبرني عمر ثم قال : ـ وفي لفظ الحاكم : « قال : كنت قاعداً عند عمر بن الخطاب إذ جاءه كتاب أن أهل الكوفة قد قرأ منهم القرآن كذا وكذا فكبّر (ره) فقلت أختلفوا. فقال : أف وما يدريك قال : فغضب فأتيت منزلي قال فأرسل إليَّ بعد ذلك فاعتللت » ـ فينا أنا كذلك إذ أتاني رجل فقال : أجب أمير المؤمنين ـ وفي لفظ الحاكم : « عزمت عليك إلاّ جئت » ـ.
قال : فخرجت فإذا هو قائم قريباً ينتظرني ، فأخذ بيدي ثم خلا بي فقال : ما كرهتَ ممّا قال الرجل؟ قال : قلت : يا أمير المؤمنين إن كنت أسأت فأستغفر الله (عزّ وجلّ) وأتوب إليه « لا أعود إلى شيء بعدها » ، فقال : عزمت عليك إلاّ أعدت عليَّ الّذي قلتَ. قلتُ قلتَ كتب إليَّ انّه قد قرأ القرآن كذا وكذا فقلت اختلفوا. قال : ومن أي شيء عرفت؟
قلت : قرأت( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ) حتى انتهيت إلى( وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) (1) فإذا فعلوا ذلك لم يصبر صاحب القرآن. ثم قرأت( وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (2) قال : صدقت والّذي نفسي بيده.
فقلت : يا أمير المؤمنين إنّهم متى ما يسارعوا هذه المسارعة تحنّقوا ، ومتى تحنقوا اختلفوا ، ومتى اختلفوا يفشلوا. قال : لله أبوك والله لقد كنت أكاتمها الناس حتى جئت بها ](3) .
2 ـ أخرج الحاكم بسنده عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال : « بينما ابن عباس مع عمررضياللهعنه وهو آخذ بيده ، فقال عمر : أرى القرآن قد ظهر في الناس ، فقلت ما أحب ذاك يا أمير المؤمنين.
قال : فاجتذب يده من يدي وقال : لم؟ قلت : لأنهم متى يقرؤا يتقرّوا ، ومتى ما يتقرّوا اختلفوا ومتى ما يختلفوا يضرب بعضهم رقاب بعض. قال : فجلس عني وتركني ، فظللت عنه بيوم لا يعلمه إلاّ الله ثم أتاني رسوله الظهر فقال : أجب أمير المؤمنين فأتيته فقال : كيف قلت؟ فأعدت مقالتي قال عمررضياللهعنه إن كنت لأكتمها الناس »(4) .
__________________
(1) البقرة / 204.
(2) البقرة / 206 ـ 207.
(3) المعرفة والتاريخ 1 / 516 ـ 517 ط الارشاد بغداد سنة 1394 هـ ، وما بين القوسين من المستدرك على الصحيحين للحاكم 3 / 540 ، وقارن الإصابة في ترجمة ابن عباس وتلخيص الذهبي بهامش المستدرك.
(4) مستدرك الحاكم 3 / 541 وتلخيص الذهبي بهامش المستدرك.
3 ـ روى الشاطبي في الموافقات عن إبراهيم التيمي قال : « خلا عمر ذات يوم فجعل يحدّث نفسه كيف تختلف هذه الأمة ونبيّها واحد وقبلتها واحدة؟ فقال ابن عباس : يا أمير المؤمنين إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه ، وعلمنا فيم أنزل ، وإنّه سيكون بعدنا أقوام يقرؤن القرآن ولا يدرون فيم نزل ، فيكون لهم فيه رأي ، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا ، فإذا اختلفوا إقتتلوا.
قال : فزجره عمر وانتهى ، فانصرف ابن عباس ، ونظر عمر فيما قال فعرفه ، فأرسل إليه فقال : أعد عليّ ما قلتَ ، فأعاده عليه ، فعرف عمر قوله وأعجبه. وما قاله صحيح في الاعتبار »(1) .
هذه ثلاثة شواهد دلّت على شدة في خُلق عمر وتسرّع في الغضب دون التروّي فيما قاله ابن عباس بدلالة إسراعه في استدعائه بعد مغاضبة وطلب إعادة ما قاله ثم سرعان ما صدّقه.
وفي مقابل ذلك نسوق مثلها شواهد على مواقف لابن عباس متصلباً فيها حتى ليمكن أن تعدّ تلك مشادّة نعجب كيف قبلها عمر وأغضى عنها ، ولم تصل إلى حد القطيعة بينهما.
1 ـ روى عبد الرزاق في المصنف أن ابن عباس قال : « إنّي لصاحب المرأة الّتي أتي بها عمر وضعت لستة أشهر فأنكر الناس ذلك ، فقلت لعمر : لم تظلم(2) ؟ فقال : كيف؟ قال : قلت له اقرأ( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ) (3) وقال :( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ) (4) كم الحول؟ قال : سنة ،
__________________
(1) الموافقات 3 / 348 ط الرحمانية بمصر.
(2) في الدر المنثور 6 / 40 (لا تظلم).
(3) الأحقاف / 15.
(4) البقرة / 233.
قال : قلت كم السنة؟ قال : اثني عشر شهراً. قال : قلت : فأربعة وعشرون شهراً حولان كاملان ، ويؤخر من الحمل ما شاء الله ويقدّم. فاستراح عمر إلى قولي »(1) .
2 ـ أرسل عمر إلى ابن عباس فقال : « يا بن عباس إن عامل حمص هلك وكان من أهل الخير ، وأهل الخير قليل ، وقد رجوتُ أن تكونَ منهم (فدعوتك لأستعملك عليها) وفي نفسي منك شيء (أخافه) لم أره منك وأعياني ذلك (أنا أخشاه عليك) فما رأيك في العمل؟
قال : لن أعمل حتى تخبرني بالذي في نفسك؟ قال : وما تريد إلى ذلك؟
قال : أريده فإن كان شيء أخاف منه على نفسي خشيتُ منه عليها الّذي خشيتَ ، وإن كنت بريئاً من مثله علمت أنّي لست من أهله فقبلت عملك هنالك ، فإنّي قلّ ما رأيت أو ظننت شيئاً إلاّ عاينته.
فقال : يا بن عباس (إنّي أطمح حالك أنّك لا تجدني قريب الجد) وإنّي أخشى أن يأتي عليَّ الّذي هو آت وأنت في عملك فتقول : هلمّ إلينا ولا هلمّ إليكم دون غيركم ، إنّي رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم استعمل الناس وترككم.
قال : والله قد رأيت من ذلك فلم تراه فعل ذلك؟
قال : والله ما أدري أضنّ بكم عن العمل فأهل ذلك أنتم؟ أم خشي أن تبايعوا بمنزلتكم منه فيقع العقاب (عليكم) ولابدّ من عتاب ، فقد قرعت لك (وفرغت لي وفرغت لك) فما رأيك؟
قال ابن عباس : قلت أراني أن لا أعمل لك؟ قال : ولم؟ قال : قلت إن عملت لك وفي نفسك ما فيها لم أبرح قذى في عينك.
__________________
(1) المصنف 7 / 352 برقم 13449.
قال : فأشر عليَّ ، قلت : إنّي أرى أن تستعمل صحيحاً منك صحيحاً لك.
(قال : فكن أنت ذلك الرجل ، قال : لا تنتفع بي مع سوء ظني بك وسوء ظنك بي) »(1) .
وليتدبر القارئ هذا التصريح الّذي ختم به ابن عباس تلك المحاورة من تبادل سوء الظن بينه وبين عمر ، وسكوت عمر على ذلك اقرار لما قاله ابن عباس.
3 ـ أخرج الفسوي(2) بسنده عن ابن عباس قال : « كان عمر بن الخطاب إذا صلى صلاة جلس للناس ، فمن كان له حاجة كلّمه ، وإن لم تكن لأحد حاجة قام ودخل ، فصلى صلوات لا يجلس للناس فيهنّ.
قال ابن عباس : فحضرت الباب فقلت : يا يرفأ ـ غلام عمر وحاجبه ـ أتى أمير المؤمنين شكاة؟ فقال : ما بأمير المؤمنين من شكاة. قال : فجلست فجاء عثمان ابن عفان فجلس ، فخرج يرفأ فقال : قم يا بن عفان قم يا بن عباس ، قال : فدخلنا على عمر فاذا بين يديه صُبَرٌ من مال على كلّ صُبرة منها كرفة(3) فقال عمر : إنّي نظرت في أهل المدينة فوجدتكما من أكثر أهلها عشيرة فخذا هذا المال فاقسماه فما كان من فضل فرُدّا. قال : فأمّا عثمان فحثا ، وأمّا أنا فجثوت على ركبتي وقلت : وإن كان نقصاناً رددتَ علينا؟
__________________
(1) راجع عن هذه المحاورة مروج الذهب للمسعودي 1 / 427 ط البهية سنة 1346 ، وكتاب الخراج لأبي يوسف ط السلفية ، وكتاب البديع لابن المعتز / 54 ط أوربا ، وأدب الدنيا والدين للماوردي / 187 وغيرها.
(2) المعرفة والتاريخ 1 / 521 ـ 522.
(3) الكرفة : لم أقف على معناها ولعل الكلمة مصحفة خطأ عن (الكرنفة) وهي أصول الكرب ، وكانوا يكتبون عليها وجاء في مناقب عمر / 166 (على كلّ صبرة منها كنيف) وفي الهامش عن اللسان : الكنيف الساتر. ولكن ابن سعد روى القصة في الطبقات 3 ق1 / 207 (على كلّ صبرة كتف) وهو الأصح.
فقال عمر : شنشنة أعرفها من أخزم ، أما كان هذا عند الله ، ومحمد وأصحابه يأكلون القدّ؟ فقلتُ بلى والله لقد كان هذا عند الله (عزّ وجلّ) ومحمد حي ، ولو عليه فتح صنع فيه غير الّذي تصنع. قال : فغضب عمر وقال : إذاً صنع ماذا؟ قال : قلت إذاً أكل وأطعمنا. قال : فنشج عمر حتى أختلفت أضلاعه ثم قال : وددتُ أني خرجت منها كفافاً لا عليَّ ولا لي »(1) .
هذه ثلاثة شواهد فيها دلالة على جرأة ابن عباس في قولة الحق وإن أغضبت عمر ، فلم يمتنع في الأوّل من أن يقول له : (لم تظلم أو لا تظلم) ، وهي كلمة لا شك بأنّها كانت كبيرة على عمر ، ولولا استدلال ابن عباس على صحة رأيه لما غفر له عمر تلك الجرأة.
كما أنّه في الشاهد الثاني طالت المحاورة ، وتبدّى بعض ما يجد كلّ منهما على صاحبه ، وحسبنا ما جاء في ختامها من تبادل سوء الظن بينهما كلٌ بصاحبه.
أمّا الشاهد الثالث فقد أدرك فيه عمر ما يعني ابن عباس. فآلمه حتى نشج باكياً وودّ لو أنه خرج من الخلافة كفافاً لا عليه ولا له ، وأنى له بذلك ، وهنا لابدّ لنا من تعقيب على المثل الّذي أستشهد به عمر ، فإن ذكره له يدّل على ما في نفسه من كوامن غيظ على العباس تنازعه نفسه لإظهار تلك الكوامن ، متى حدثت؟
قال أبو عبيد البكري في فصل المقال عند شرحه المثل (شنشنة أعرفها من أخزم) : « وهذا المثل يروى أن عمر بن الخطاب قاله في ابن عباسرضياللهعنهما يشبّهه في رأيه بأبيه أهـ »(2) .
__________________
(1) قارن مناقب عمر لابن الجوزي / 166ط بيروت تجد حذف ما بعد كلمة عمر (فردّا) إلى قوله شنشنة أعرفها من أخزم.
(2) فصل المقال في شرح كتاب الأمثال / 219 ط دار الأمانة بيروت.
وقال سفيان ـ أحد الرواة ـ : « يعني حجراً من جبل ».
وقال الميداني : « وفي الحديث أنّ عمر قال لابن عباسرضياللهعنه حين شاوره فأعجبه إشارته شنشنة أعرفها من أخزم ، وذلك أنّه لم يكن لقرشي مثل رأي العباسرضياللهعنه فشبهه بأبيه في جودة الرأي »(1) .
وإذا لاحظنا أصل المثل نجد أن قائله كان له ابن عاق اسمه أخزم فمات وخلف أبناءه فعقـّوا جدهم وزملوه بدمه فقال :
إنّ بَني زمّلوني بالدم |
شنشنة أعرفها من أخزم(2) |
وذكر الجاحظ في البيان والتبيين فقال : « ومن الخطباء الذين لا يضاهون ولا يجارون عبد الله بن عباس ونظر إليه ـ عمر ـ يتكلم فقال : شنشنة أعرفها من أخزم.
والشعر لأبي أخزم الطائي وهو جد أبي حاتم طيء أو جدّ جدّه ، وكان له ابن يقال له أخزم ، فمات وترك بنين فتوثبوا يوماً على جدّهم أبي أخزم فأدموه فقال :
إنّ بَني زمّلوني بالدم |
شنشنة أعرفها من أخزم |
أي أنّهم أشبهوا أباهم في طبيعته وخلقه ، وأحسبه كان به عاقاً ، هكذا ذكر ابن الكلبي ، والشنشنة مثل الطبيعة والسجّية فأرادرحمهالله إنّي أعرف فيك مَشابـِهَ من أبيك في رأيه وعقله ، ويقال : انّه لم يكن لقرشي مثل رأي العباس »(3) .
إذا لاحظنا ذلك عرفنا إنّه يقال في قرب الشبه في الفعل ذماً وتبرماً ، وفي المقام كذلك فقد قال ابن عباس لعمر قولاً يعني به ما هو من رأي أبيه وأهل بيته
__________________
(1) مجمع الأمثال 1 / 330 ط مصر.
(2) نفس المصدر.
(3) البيان والتبيين 1 / 330 ـ 331 تح ـ هارون.
بالنسبة للمال وحقهم فيه : لذلك تمثّل عمر بالمثل متبرّماً وهو مصيب في ذلك ، وليس كما يقول الميداني بانّه قاله حيث شاوره فأعجبه اشارته ، فليست ثمة مشاورة ، وإنّما كانت من ابن عباس مبادرة ومن عمر مناورة ، طفح بها كيله فتمثل بالمثل.
وقد روى الزمخشري هذا الخبر وفيه : « فقال عمر : نشنشة من أخشن يعني حجر من جبل ثم قال الزمخشري : هكذا جاء في الحديث مع التفسير ، وكأن الحجر سُمّي نشنشة من نشنشه ونصنصه إذا حركه.
والأخشن الجبل الغليظ كالأخشب
وفيه معنيان : أحدهما أن يشبّهه بأبيه العباس في شهامته ورميه بالجوابات المصيبة ، ولم يكن لقريش مثل رأي العباس.
والثاني أن يريد أن كلمته هذه منه حجر من جبل ، يعني أن مثلها يجيء من مثله ، وأنه كالجبل في الرأي والعلم وهذه قطعة منه »(1) .
والآن إلى معرفة المواقف الّتي أغاظ فيها العباس عمر فاضطغنها عليه :
1 ـ موقف في حياة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث جاء عمر ساعياً يطلب صدقة العباس فطرده وأغلظ له لأنّه كان قد دفعها ، فأتى عمر عليّاً وذكر ذلك له ليذكره للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فأتاه عليّ فأخبره فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم لعمر : تربت يداك ، أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه ، إن العباس أسلفنا زكاة العام عام الأوّل(2) .
2 ـ موقف بعد موت الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم حين أراد عمر توسعة المسجد النبوي الشريف ، واشترى ما حوله من الدور إلاّ دار العباس فكلمه عمر أن يبيعها له بما
__________________
(1) الفائق في غريب الحديث 2 / 279 ط حيدر آباد ، و 3 / 429 ط دار الفكر.
(2) المعرفة والتاريخ للفسوي 1 / 500 ، وطبقات ابن سعد 4 ق1 / 17.
شاء من مال المسلمين ، فأبى فقال له عمر اختر مني إحدى ثلاث : إمّا أن تبيعنيها بما شئت من مال المسلمين وإمّا أن أخطط لك حيث شئت من المدينة وأبنيها لك وإمّا أن تتصدّق بها على المسلمين
فقال العباس : لا ولا واحدة منها ، فقال عمر : اجعل بيني وبينك من شئت. فقال أبيّ بن كعب فانطلقا إلى أبي وحدّثهما بحديث داود وبناء بيت المقدس وفي خطته دار إسرائيلي أبى أن يبيعها فأراد داود أن يأخذها بالقوة فأوحى الله إليه وليس من شأني الغصب
فأخذ عمر بمجامع ثياب أبيّ وقال جئتك بشيء فجئت بما هو أشدّ لتحرجنّ ممّا قلت ، فجاء يقوده حتى أدخله المسجد فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيهم أبو ذر فأستنشدهم أبي بالله من سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يذكر حديث بناء بيت المقدس ، فقال أبو ذر : أنا سمعته من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال آخر : أنا سمعته ، فأرسل عمر أبيّا ، فقال له أبيّ أتتهمني على حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟! فقال عمر : يا أبا المنذر لا والله ما أتهمتك عليه ، ولكن كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله ظاهراً (؟) وقال للعباس : اذهب فلا أعرض لك في دارك.
فقال العباس : أمّا إذا فعلت هذا فإني تصدّقتُ بها على المسلمين أوسّع بها عليهم في مسجدهم فأمّا وأنت تخاصمني فلا(1) .
3 ـ وموقف ثالث : ليس دون ما سبق في غلظة العباس مع عمر وإغاظته حتى ضاق به ذرعاً فقال لعبد الله : خذ بيد أبيك. وهذا ما رواه ابن سعد في طبقاته عن أبي جعفر محمّد بن عليّ ـ يعني الإمام الباقرعليهالسلام ـ قال : « أنّ العباس جاء
__________________
(1) طبقات ابن سعد 4 ق1 / 13باقتضاب ، وجاء في تاريخ اليعقوبي 2 / 126 ط الغري بالنجف : ان ذلك كان في توسعة المسجد الحرام بمكة ولا مانع من التعدد ، فراجع.
إلى عمر فقال له : إنّ النبيّ أقطعني البحرين ، قال : من يعلم ذلك؟ قال : المغيرة بن شعبة ، فجاء به فشهد له ، قال : فلم يُمض له عمر ذلك كأنه لم يقبل شهادته. فأغلظ له العباس. فقال عمر : يا عبد الله خذ بيد أبيك »(1) .
4 ـ وموقف رابع : يزيد على ما سبق وذلك حين أقبل العباس وعليّ يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير فقال عمر يذكر ما صنعه أبو بكر في ذلك إلى أن أقبل على عليّ والعباس فقال : « وأنتما تزعمان إنّه فيها ظالم جائر ثم قال : وأنتما تزعمان أنّي فيها ظالم جائر إلى آخر ما قاله ».
ففي هذا الموقف يقول عمر لعليّ والعباس أنّهما يقولان فيه وفي أبي بكر ظالم جائر ، ولم ينكرا ذلك من قوليهما وهذا الحديث أخرجه البخاري(2) ومسلم(3) وعبد الرزاق(4) وغيرهم. وقد تلاعب الرواة فيه كما ذكر ابن حجر في فتح الباري(5) فراجع تجد « تزعمان أنّ أبا بكر كذا وكذا » وفي رواية مسلم من الزيادة « فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً » وقال : وكان الزهري كان يحدّث به تارة فيصرح وتارة فيكني ، وكذلك مالك إلى آخر ما نقل وحكاه ، فراجع.
وقد مرت بنا قصة الميزاب وقلع عمر له وما جرى له حتى أعاده (راجع ترجمة العباس في أول الكتاب) فليس غريباً من عمر أن يستشهد بالمثل المذكور مشيراً إلى ما تكنّه الصدور ، ممّا لا تزيله الأعوام والشهور.
__________________
(1) طبقات ابن سعد 4 ق1 / 14 ، وقارن تاريخ ابن خلكان 2 / 456 في ترجمة يزيد بن ربيعة.
(2) صحيح البخاري 6 / 124.
(3) صحيح مسلم 2 / 90.
(4) المصنف 5 / 470.
(5) فتح الباري 7 / 13 ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1378 هـ.
وهكذا تبقى تلك الشنشنة يعرفها عمر وغير عمر بما لها من تراكمات وتداعيات تطفو على السطح حين تجد إلى البثّ سبيلاً ، وكم يجد الباحث من الشواهد على ذلك. خاصة بين ابن عباس حين يستفزّه عمر بكلام عن الإمام والخلافة ، وكأن عمر في محاوراته مع ابن عباس يروم أستخراج خبيئة أسراره ، فيستدرجه إلى حيث يستثيره ، فيقول له ابن عباس ما يكشف له عن تمسّكه بالمواقف المبدئية العامة للهاشميين جميعاً من الخلافة وصاحبها وأنّه الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ، كما أنه يصارحه بجرأة منقطعة النظير أنّه هو الّذي صرف الأمر عنه ، ويعترف له عمر بتلك الحقيقة لمصلحة زعم أنّه رآها ، ولأن قريشاً تأبى أن تجتمع النبوة والخلافة لبني هاشم ، وهذا كله وأكثر منه يجده القارئ في صفحة إحتجاجاته في الحلقة الثالثة تاريخه العلمي دراسة وعطاء. فقد وجدت فيما بحثت ـ حتى الآن ـ ثلاثة عشر موقفاً صارماً حضراً وسفراً فعشرة منها في الحضر وثلاثة في السفر كانت نتائجها متشابهة وحسبنا ما جاء.
في المحاورة الأولى ، دخل عليه ابن عباس في أول خلافته وقد ألقي له صاع من تمر على خصفة فدعاه إلى الأكل فأكل تمرة واحدة وأكل عمر الباقي حتى أتى عليه ، ثم شرب من جرّ كان عنده ، وأستلقى على مرفقة يحمد الله ، ثم سأله عن ابن عمه أين خلّفه فتجاهل ـ ربما متعمداً ـ فأجابه عن ابن جعفر ، فأفصح له عمر في سؤاله وانه يريد عظيم أهل البيت ـ يعني عليّاً ـ فأجابه ابن عباس بانّه يمتح بالغرب ـ أي بالدلو ـ على نخيلات من فلان وهو يقرأ القرآن.
ومن هنا بدأ الإستدراج فيقول له : يا عبد الله عليك دماء البُدن إن كتمتنيها ، هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة؟ فأجابه نعم. فيقول له عمر : أيزعم أنّ
رسول الله نص عليه؟ فقال ابن عباس : نعم وأزيدك سألت أبي عما يدّعيه فقال صدق.
وهنا تكمن الإثارة فقال عمر : لقد كان من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في أمره ذرواً من قول ، لا يثبت حجة ولا يقطع عذراً ، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما. ولقد أراد في مرضه أن يصرّح بأسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام (؟!).
وهنا طغت الضغائن فصارت تبدو فيقول عمر : لا وربّ هذه البنّية لا تجتمع عليه قريش أبداً ، ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها. فعلم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّي علمتُ ما في نفسه فأمسك وأبى الله إلاّ إمضاءَ ما حتم.
وقس على هذه المحاورة ما سواها ، فستجد فيها مرة ثانية يطرقه عمر بعد هدأة من الليل ليخرجه معه إلى بعض نواحي المدينة ، فيخرج معه ويأتي البقيع وهناك يتأوّه عمر الصعداء ، ويستفهمه ابن عباس سبب ذلك فيقول له عمر : أمر الله يا بن عباس. فيقول له ابن عباس إن شئت أخبرتك بما في نفسك؟ فقال : غص يا غواص ، إن كنت تقول فتحسن.
ويبدأ ابن عباس بغوصه في نفس عمر ، وأنّه يفكر فيمن يجعل له الأمر من بعده ثم يسمّي له ابن عوف وسعداً وطلحة والزبير وعثمان فيطعنهم عمر بما يبعدهم عن أهلية الولاية ثم يسكت فيقول لابن عباس : أمضها يا بن عباس أترى صاحبكم لها موضعاً؟ فيجيبه ابن عباس بفضله وسابقته وقرابته وعلمه ، ويصدّقه عمر وأنّه لو وليهم لحملهم على منهج الطريق إلا أنّ فيه خصالاً : الدعابة ، واستبداد الرأي ، والتبكيت للناس مع حداثة السنّ.
وهذا هو الإستفزاز ، فيقول له ابن عباس : هلاّ أستحدثتم سنّه يوم الخندق وهلاّ سبقتموه بالإسلام. فقال : إليك يا بن عباس أتريد أن تفعل بي كما فعل أبوك وعليّ بأبي بكر يوم دخلا عليه(1) .
وتنتهي المحاورة بقول عمر : والله يا بن عباس إنّ عليّاً ابن عمك لأحقّ الناس بها ولكنّ قريشاً لا تحتمله
كما تجده تارة أخرى يماشيه في سكة من سكك المدينة ، فيبدأ عمر بالقول : ما أرى صاحبك إلا مظلوماً. يقول ابن عباس : فقلت في نفسي والله لا يسبقني بها. فقلت : يا أمير المؤمنين فأردد إليه ظلامته.
فانتزع يده من يدي ومضى وهو يهمهم ساعة ثم وقف فلحقته ، فقال : ما أظن القوم منعهم عنه إلاّ أنّهم أستصغره قومه. فقلت في نفسي : هذه والله شرٌ من الأولى ، فقلت : والله ما أستصغره الله ورسوله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من صاحبك أبي بكر.
قال : فأعرض عني وأسرع فرجعت عنه.
وروي عن ابن عباس قال : « حضرت مسألة فعجز عمر عن ردّها فقال : ما تقولون يا صحابة رسول الله؟ من ترون يقوم بجواب هذه المسألة؟ قالوا : أنت أعرف منا.
قال : كلنا والله يعلم ابن بجدتها والخبير بها ، فقالوا : لعلك أردت عليّ بن أبي طالب؟ قال : وأنى يعدل بي عنه. قالوا : لو بعثت إليه لأتاك ، قال : هيهات هناك شمخ من هاشم وإثرة من علم يؤتى ولا يأتي ، قوموا بنا إليه ، فقام القوم بأجمعهم فإذا هوعليهالسلام في حايط له متكٍ على مسحاة في يده يتلو قوله تعالى :( أَيَحْسَبُ
__________________
(1) قريباًًً ترى الموقف الرابع ما أشار إليه عمر هنا فراجع.
الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ) (1) ودموعه تجري على خديه ، فأجهش القوم لبكائه ثم سكت وسكتوا ، فأصدر إليه عمر مسألته وأدى على جوابها ، فقال له عمر : يا أبا الحسن لقد أرادك الحق ولكن أبى قومك : فقال : يا أبا حفص احفظ عليك من هنا ومن هنا ، إن يوم الفصل كان ميقاتا ، فلمّا أراد عمر الإنصراف قال : ألا اُونسك يا بن عباس؟
قال ابن عباس : فأخذ بيدي وقال : يا ابن عباس لقد كان ابن عمك أحق بهذا الأمر لولا ثلاث.
قلت : وما هي؟ قال : حداثة سنه ، ومحبته لأهل بيته ، وبغض قريش له.
قال : فقلت يا أميرالمؤمنين أتأذن في الجواب؟ فقال : قل ، قلت : أمّا حداثة سنه فوالله ما استحدثه الله حين جعله أخاً لنبيه وجعل نفسه كنفسه ، وأمّا محبته لأهل بيته فقد عمل بقول الله تعالى فيهم :( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (2) ، وأمّا بغض قريش له ، فعلى من نقمت قريش؟! أعلى الله حيث أمر رسوله بحربها؟ أم على رسوله حيث أمر عليّاً بقتالها؟ أم على عليّ حيث أطاع الله ورسوله فيها؟ قال : فجذب يده من يدي وقال : يابن عباس إنك لتغرف مـن بحر »(3) .
وعلى هذا النمط تأتي بقية المحاورات حيث تبدأ باستدراج من عمر ، ثم إثارة ، ثم استفزاز ، ثم إظهار الكوامن ، وبالتالي اعتراف بالحقيقة. ومع ذلك كله فلا تصل النتائج إلى القطيعة التامة بين الصاحبَين غير المتصافيَين. بل كان عمر
__________________
(1) القيامة / 36 ـ 37.
(2) الشورى / 23.
(3) أنظر المنتخب للطريحي / 33 ـ 34 ط الثالثة بالحيدرية سنة 1369 هـ ـ 1949م.
يصطحبه حتى في أسفاره وكان ابن عباس يوافيه في ليله ونهاره. وربما سَمّر عنده كما في المحاورة رقم (7) من صفحة إحتجاجاته.
والآن إلى معرفة شيء عن صحبتهما في السفر ، لأن السفر محكّ أخلاق الرجال ، فربّ أخوين متقاربَين حَضَرا يصطحبان في السفر يختلفان فيعودان متباعدَين. ورب بعيدَين حَضَرا جمع بينهما السفر فاصطحبا وأئتلفا فعادا متآخيَين ، وكلما طال السفر ظهرت دخائل النفوس أكثر ، ومهما تكرّر السفر تبيّن حال المتصاحبيَن أظهر.
وإنّ صحبة ابن عباس لعمر في السفر طالت وتكررت ، لكثرة أسفار عمر للحج وللشام ، وخلال قراءة ما جرى بينهما في تلك الأسفار ، لم نجد تغييراً في الطباع فهما في السفر كما هما في الحضر. فربما أشتدّ أحدهما على الآخر حتى يُظنّ أن لا تلاقي بعده. وربّما لان وأطمأن أحدهما للآخر فباح له بسرّه وبثـّه ما يجده في نفسه.
أمّا أسفار عمر إلى الحجّ فانه حجّ بالناس جميع سنيّ خلافته إلا السنة الأولى فقد حجّ بالناس عبد الرحمن بن عوف بأمره. ولا يصح ما في الرياض النضرة من انه حج جميع سنيّه إلاّ سنتين متواليتين(1) . كما لا يصح ما في نور الأبصار عن ابن عباس قال : « حججت مع عمر احدى عشرة حجة ، إلاّ أن يكون قد حج واحدة معه قبل ولايته »(2) .
__________________
(1) الرياض النضرة 2 / 77.
(2) نور الأبصار للشبلنجي / 60 ط الميمنية سنة 1312 هـ.
قال ابن عمر : استعمل عمر على الحج عبد الرحمن بن عوف في السنة الّتي ولي فيها فحج بالناس ، ثم حجّ سنيّه كلها بعد ذلك بنفسه(1) ، وكانت تلك عشر حجج من سنة 14 هـ حتى سنة 23 هـ وهي سنة مقتله كما أنه أعتمر في خلافته ثلاث مرات في رجب سنة 20 هـ و 21 هـ و 22 هـ(2) .
وفي إحدى سفرات الحج الأوائل كان سؤال ابن عباس عن المرأتين اللتين تظاهرا على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أخرج البخاري في صحيحه في كتاب التفسير (سورة المتحرم) بسنده عن ابن عباسرضياللهعنه يحدث أنه قال : « مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجاً فخرجت معه فلمّا رجعت وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له فوقفت له حتى فرغ ثم سرت معه فقلت يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من أزواجه؟ فقال : تلك حفصة وعائشة ، فقلت والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك ، قال : فلا تفعل ما ظننت أن عندي من علم فاسألني فان كان لي علم خبرتُك به »(3) . ثم استمر عمر يحدّثه عن حالة المرأة في الجاهلية وما أنعم الله به عليها في الإسلام والحديث طويل فيه قصة حفصة وعائشة بالتفصيل(4) .
__________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 479 ط دار المعارف ، وقارن طبقات ابن سعد 3 ق1 / 503 ط ليدن.
(2) أنظر الطبقات لابن سعد 3 ق 1 / 203 ـ 204.
(3) صحيح البخاري 6 / 156 ط بولاق وقد سمى البخاري (سورة التحريم) سورة المتحرم كما ذكرنا أعلاه.
(4) سيأتي مزيد تحقيق حول هذا الحديث في الحلقة الثانية (تاريخه العلمي) هل أخذ ابن عباس في التفسير من عمر؟ قال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية : (وفي ضمن هذين التمثيلين تعريض باُمي المؤمنين وهما حفصة وعائشة لما فرط منهما واتخذا بدلهما على أغلظ وجه وأشده لما في التمثيل من ذكر الكفر) تفسير الرازي 30 / 49 ونحوه في روح المعاني للألوسي 28 / 163.
أمّا عن سفراته إلى الشام فقد سافر مع عمر أربع مرات ، وهي كما يلي :
قال الطبري : « وجميع ما خرج عمر إلى الشام أربع مرات ، فأمّا الأولى فعلى فرس ، وأمّا الثانية فعلى بعير ، وأمّا الثالثة فقصّر عنها لأن الطاعون مستعر ، وأمّا الرابعة فدخلها على حمار ، فاستخلف عليها وخرج »(1) .
أمّا الأولى : فكانت سنة 15 هـ وذلك لفتح بيت المقدس ، فخرج معه كثير من المهاجرين والأنصار حتى انتهى إلى الجابية ، وكان قد كتب إلى أمراء الأجناد أن يوافوه بها ليوم سمّاه لهم ، فتلقـّوه وقد ظهرت عليهم الإثرة فلبسوا الديباج والحرير ، فلمّا رآهم عمر نزل عن فرسه ورماهم بالحجارة وقال : سرَع ما لـُفتـّم عن رأيكم ، إياي تستقبلون في هذا الزيّ ، وإنما شبعتم منذ سنتين ، سرَع ما ندّت بكم البطنة
وفي هذه المرّة طلب ابن عباس ليلة فأتي به فشكا إليه تخلّف عليّ بن أبي طالب عنه. قال ابن عباس : فقلت له : أو لم يعتذر إليك؟ قال : بلى ، قلت : هو ما أعتذر به.
قال ـ ابن عباس ـ ثم أنشأ يحدثني فقال : إنّ أول من راثكم(2) عن هذا أبو بكر ، إنّ قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوة.
قال أبو الفرج الأصبهاني : « ثم ذكر قصة طويلة ليس من هذا الباب فكرهت ذكرها » (؟)(3) . ولا غرابة من أبي فرج الأموي الهوى والولاء الخائن المائن أن يحذف ما له مساسٌ بالخلافة تتمة لما جرى من كلام بين عمر وابن عباس ، ظناً منه أنه بتركه ذكر تمام القصة الطويلة ـ على حد تعبيره ـ ستر ما
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 158 ط الحسينية ، 3 / 607 ط دار المعارف محققة.
(2) راث بالأمر أبطأ به من التريث.
(3) الأغاني 9 / 39 ط الساسي ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 497 ط مصر الأولى.
جرى ، ولم يفطن إلى أنّ ما ذكره من قول عمر : أول من راثكم عن هذا ـ أمر الخلافة ـ أبو بكر ، هو كاف في الدلالة على مضمون الحذف لمن ألقى السمع وهو شهيد.
وأمّا الثانية : فكانت سنة 17 هـ خرج عمر مغيثاً لأبي عبيدة بن الجراح حيث قصده الروم ومعه المسلمون بحمص فكتب إلى عمر يستنجده ، فخرج ومعه جمع من المسلمين وكان راكباً على بعير ـ كما قاله الطبري في تاريخه وزيني دحلان في سيرته ـ ولمّا وصل الجابية أتاه الخبر بالفتح وقدوم المدد عليهم(1) .
وفي هذه المرّة كان حديث ابن عباس قال : خرجت مع عمر إلى الشام في إحدى خرجاته ، فانفرد يوماً يسير على بعيره فاتبعته ، فقال لي يا بن عباس أشكو إليك ابن عمك سألته أن يخرج معي فلم يفعل ، ولم أزل أراه واجداً فيم تظن موجدته؟ قلت : يا أمير المؤمنين إنك لتعلم. قال : أظنه لا يزال كئيباً لفوت الخلافة ، قلت : هو ذاك إن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أراد الأمر له. فقال : يا بن عباس وأراد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الأمر له فكان ماذا إذا لم يرد الله تعالى؟
إنّ رسول الله أراد ذلك وأراد الله غيره ، فنفذ مراد الله ولم ينفذ مراد رسوله ، أو كلّ ما أراد رسول الله كان؟
وهذه المحاورة مرّ شرح هذا القسم منها في حديث الكتف والدواة ، كما ستأتي بتمامها في صفحة احتجاجاته في الحلقة الثانية مع ذكر مصادرها.
وأمّا الثالثة : فكانت سنة 18 هـ خرج إلى الشام غازياً وكان راكباً على بغل وكان معه ابن عباس أيضاً حتى إذا وصل إلى سرغ ـ موضع في طريق الشام بين
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 199ط الحسينية حوادث سنة 17. وفي الفتوحات الاسلامية لزيني دحلان 1 / 45 في حوادث سنة 18.
المغيثة وتبوك ـ لقيه أمراء الأجناد وفيهم أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة فأخبروه بالوباء وشدّته.
فدعا عمر بابن عباس وقال : اجمع لي المهاجرين الأولين. قال ابن عباس : فجمعتهم له فاستشارهم فاختلفوا عليه ـ وذكر شيئاً من أقوالهم ـ فلمّا رأى عمر اختلافهم قال : قوموا عني. ثم قال : اجمع لي الأنصار فجمعتهم له فاستشارهم فسلكوا طريق المهاجرين ، فكأنما سمعوا ما قالوا فقالوا مثله. فلمّا أختلفوا عليه ، قال : قوموا عني ، ثم قال : اجمع لي مهاجرة الفتح من قريش فجمعتهم له فاستشارهم فلم يختلف عليه منهم اثنان وقالوا : ارجع بالناس فإنّه بلاء وفناء.
فقال عمر : يا بن عباس اخرج في الناس فقل : إنّ أمير المؤمنين يقول لكم إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه. فأصبح عمر على ظهر وأصبح الناس عليه ، فلمّا اجتمعوا عليه قال : أيها الناس إنّي راجع فارجعوا ، ثم رجع إلى المدينة(1) .
وفي هذه المرّة ـ فيما أظن قوياً ـ كان حديث ابن عباس مع عمر حيث يقول : كنت أسير مع عمر بن الخطاب في ليلة وعمر على بغل وأنا على فرس. فقرأ عمر آية فيها ذكر عليّ بن أبي طالب ، فقال : أما والله يا بني عبد المطلب لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر مني ومن أبي بكر.
فقال ابن عباس : فقلت في نفسي لا أقالني الله إن أقلته ، فقلت : أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين وأنت وصاحبك اللذان وثبتما وانتزعتما وأفرغتما الأمر منا دون الناس؟!
فقال : إليكم يا بني عبد المطلب ، أمّا إنكم أصحاب عمر بن الخطاب ، فتأخرت وتقدم هنيهة فقال : سر لا سرتَ ، وقال : أعد عليّ كلامكَ. فقلت : إنّما
__________________
(1) نفس المصدر.
ذكرت شيئاً فرددت عليه ولو سكتّ سكتنا. وستأتي المحاورة بتمامها في صفحة احتجاجاته في الحلقة الثانية مع ذكر مصادرها.
وأمّا الرابعة : فقد كانت بعد شهور من الطاعون الّذي أهلك خلقاً كثيراً ، ولمّا أرتفع الوباء والبلاء كتب أمراء الأجناد إلى عمر فيما بأيدهم من الأسلاب والمواريث فخرج ومعه ابن عباس أيضاً ، فدخل الشام على حمار له فقسّم المواريث والأرزاق وسدّ فروج الشام ورجع إلى المدينة في ذي القعدة(1) وقيل في ذي الحجة. وفي هذه السفرة كان العباس أيضاً قد خرج معه وله وصية يوصي بها عمر تنبئ عن غمز في سلوكية الحاكم قال له : أربعٌ من عمل بهنّ استوجب العدل : الأمانة في المال ، والتسوية في القِسمَ ، والوفاء بالعدة ، والخروج من العيوب ، نظـّف نفسك وأهلك(2) فهذه الوصية لا تخلو من أيماءة غمز ونقد لتصرفات عمر.
ولابن عباس محاورة مع عمر في بعض أسفاره ـ ولعلها في أحدى سفرات الشام أيضاً ـ أخرجها الطبري عن ابن عباس قال : « خرجتُ مع عمر في بعض أسفاره فإنا لنسير ليلة وقد دنوت منه إذ ضرب مقدّم رحله بسوطه وقال :
كذبتم وبيت الله يُقتَل أحمدٌ |
ولما نطاعِن دونه ونناضل |
|
ونُسلمهُ حتى نصرَعَ حولَه |
ونَذهَل عن ابنائنا الحلائل(3) |
ثم قال : استغفر الله ، ثم سار فلم يتكلم قليلاً ، ثم قال :
وما حملت من ناقة فوق رحلها |
أبرّ وأوفى ذمةً من محمّد |
__________________
(1) نفس المصدر.
(2) تاريخ الطبري 4 / 203 ط الحسينية ، و 4 / 64 ط محققة.
(3) ديوان أبي طالب / 110 بتفاوت.
وأكسى لبُرد الخال قبل ابتذاله |
وأعطى لرأس السابق المتجرّد(1) |
ثم قال : استغفر الله يا بن عباس ما منع عليّاً من الخروج معنا؟
قلت لا أدري ، قال : يا بن عباس أبوك عم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنت ابن عمه فما منع قومكم منكم؟ قلت لا أدري ، قال : لكني أدري ، يكرهون ولايتكم (!) قلت : لِم؟ ونحن لهم كالخير ، قال : اللّهمّ غفراً يكرهون أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة ، فيكون بجحا بجحا(2) لعلكم تقولون : أنّ أبا بكر فعل ذلك ، لا والله ولكن أبا بكر أتى أحزم ما حضره ، ولو جعلها لكم ما نفعكم مع قربكم ، انشدني لشاعر الشعراء زهير قوله :
إذا ابتدرت قيس بن عيلان غايةً |
من المجد من يسبق إليها يسوّد(3) |
فأنشدته وطلع الفجر فقال : اقرأ (الواقعة) فقرأتها ، ثم نزل فصلى وقرأ بالواقعة »(4) .
والآن وقد تبيّن بعد هذه القراءة فيما مرّ من النصوص أن العلاقة بين الرجلين كانت علاقة قوية ، دلت على قوة الحضور الفاعل والمؤثـّر لشخصية حبر الأمة لدى عمر بن الخطاب ، فهو عنده ومعه في الحضر والسفر ، بدءاً من مجلس الشورى الّذي يضم أشياخ الصحابة ومعهم ابن عباس وهو في سنّ أبنائهم ، ومروراً بحضوره المتكرّر في بيته ، فتارة يدخل عليه وقد ألقي له صاع
__________________
(1) نسب الشعر إلى عدة شعراء قاربوا العشرة سيأتي ذكرهم مع المصادر في الحلقة الثالثة في احتجاجات ابن عباس مع عمر ، وقد قيل في البيت الأول هـو أصدق بيت قالته العرب.
(2) البجح التعاظم والفخر.
(3) ديوان زهير بشرح ثعلب / 234 ط مصر.
(4) تاريخ الطبري 4 / 222 ط محققة.
من تمر يأكل منه كما مرت الإشارة إليه ، وأخرى يسهر عنده ليلاً ، وثالثة يستدعيه عمر ليلاً يصطحبه لبعض نواحي المدينة لحراستها ، وطوراً يأخذ معه إلى العالية ، أو مماشاته في سكك المدينة ، وانتهاءً بيوم مقتل عمر وقوة العلاقة لا تغيّر الثوابت.
فلقد قرأنا كثيراً من الشواهد على عمق الصلة بين عمر وابن عباس ، ولكن لم يغير ذلك الاتصال الوثيق شيئاً من الثوابت عند الطرفين ، فكان في نفس كلّ منهما مرتكزات ثابتة لم تتغير بشيء من المواقف الظاهرة ، بل وربّما طفحت بعض آثارها عند ساعة غضبٍ أو إثارة استفزاز.
فموقف عمر أزاء بني هاشم ـ ومنهم ابن عباس ـ لم يزل هو موقفه الأوّل وهو موقفه الأخير ، وهو استبعاد بني هاشم عن مراكز القوة في الدولة الإسلامية. بل وحتى مجرد الترشيح كما سنرى ذلك. كما أن موقف ابن عباس ـ وبني هاشم مثله ـ لم يزل هو موقفهم الأوّل والأخير يرون أنّهم أصحاب الحق في الخلافة ، وأن قريشاً ـ ومنهم عمر ـ اغتصبت حقهم.
وإذا تأملنا في تاريخ عمر أيام ولايته الّتي جاوزت عقداً من الزمن لا نجده فضّل أحداً على بني هاشم في العطاء ، كما نجد منه أحياناً وابلاً من الإطراء لهم والثناء عليهم ، ولكن كلّ ذلك لا يعني تغيير شيء من الثوابت عنده وما ذلك ـ إن صح التعبير ـ إلاّ بعواطف نواشف أزاء ما هو الخلاف عليه وفيه ، إذ ليس لها أي تأثير على الصعيد العملي. فهو لم يرشّح أيّ إنسان منهم لأمر ولاية أو قيادة جيش أو سرية ، وحسبنا من حديثه ما ذكره محمّد بن سليمان : أن عمر سئل عن استعماله المؤلفة قلوبهم من الطلقاء وأبناء الطلقاء ، وإعراضه عن تولية عليّ
والعباس والزبير وطلحة. فقال : أمّا عليّ فأنبه من ذلك ، وإنما هؤلاء النفر من قريش ، فإنّي أخاف أن ينتشروا في البلاد فيكثروا فيها الفساد (؟)(1) ، مع أنّ عمر كان يستعمل المنافق والفاجر ويقول استعين بقوته(2) وثمة ما هو أصرح مقالة وأوضح دلالة. وذلك قول عمر لأصحاب الشورى روحوا إليَّ ، فلمّا نظر إليهم قال : قد جاءني كلّ واحد منهم يهزّ عفريته يرجو أن يكون خليفة ، أمّا أنت ياطلحة أفلست القائل إن قبض النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنكح أزواجه من بعده فما جعل الله محمّداً أحق ببنات أعمامنا منّا ، فأنزل الله تعالى فيك :( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ) (3) .
وأمّا أنت يا زبير فوالله ما لان قلبك يوماً ولا ليلة ، ومازلت جلفاً جافياً.
وأمّا أنت يا عثمان فوالله لروثة خير منك.
وأمّا أنت يا عبد الرحمن فأنت رجل عاجز تحب قومك جميعاً.
وأمّا أنت يا سعد فصاحب عصبية وفتنة.
وأمّا أنت يا عليّ فوالله لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض لرجحهم. فقام عليّ مولياً يخرج فقال عمر : والله إني لأعلم مكان رجل لو وليتموه أمركم لحملكم على المحجة البيضاء.
قالوا : من هو؟ قال : هذا المولي بينكم ، قالوا : فما يمنعك من ذلك؟ قال : ليس إلى ذلك سبيل(4) .
__________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 9 / 29 ط محققة.
(2) كنز العمال 4 / 614 ، و 5 / 771 ط مؤسسة الرسالة.
(3) الأحزاب / 53.
(4) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 170 ط الأولى.
وفي حديث له مع المغيرة بن شعبة قال : أما والله لولا دعابة فيه ما شككت في ولايته ، وان نزلت على رغم أنف قريش(1) .
وما قوله لابنه عبد الله أقل دلالة ممّا سبق. فقد روى البلاذري في أنساب الأشراف : « إنّ عمر لمّا خرج أهل الشورى من عنده قال : إن ولـّوها الأجلح سلك بهم الطريق.
فقال عبد الله بن عمر : فما يمنعك منه يا أمير المؤمنين؟ قال أكره أن أتحملها حياً وميتاً »(2) .
ولقد دعا الناس إلى الرجوع إلى أناس سماهم عند احتياجهم في أمور دينهم ، فخطب قائلاً : « من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبيّ بن كعب ، ومن أراد أن يسأل عن الحلال والحرام فليأت معاذ بن جبل ، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت ، ومن أراد المال فليأتني فأني له خازن »(3) .
فأنظر إلى هذه الكلمات القصيرة الّتي جعلت هؤلاء النفر الّذي سماهم هم مراجع للناس في القرآن والحلال والحرام والفرائض ، واحتجن لنفسه خزانة المال فهو بيده يعطي من يشاء مايشاء.
ومن اللافت للنظر أن النفر المسمّين كلهم من الأنصار فما بال المهاجرين؟
أليس فيهم من يضارع هؤلاء فيما عندهم من مؤهلات علمية ودينية؟
والجواب ليس فيهم من عيب ، وإن بقي السرّ في ضمير الغيب ، لكن مهما كان من السر المكتوم فقد كان من الواضح والمعلوم لدى جميع المسلمين من
__________________
(1) العقد الفريد 4 / 282 ط لجنة التأليف والترجمة والنشر.
(2) أنساب الأشراف 1 ق 4 / 501 ط بيروت ، وأنظـر شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 170ط بيروت.
(3) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 272 ، وقال صحيح عليّ شرط الشيخين ولم يخرّجاه.
أنصار ومهاجرين أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال في عليّعليهالسلام : (أنا مدينة العلم وعليّ بابها) ، وقال : (عليّ عيبة علمي) ، ولم يرد مثل ذلك في حقّ أي إنسان آخر من الصحابة ، فلماذا لم ينوّه عمر بالرجوع إليه كما نوّه باُولئك النفر. مع انّه هو الّذي كان يفزع إليه عند عضل المسائل ويقول : « لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن » ، وكثيراً ما قال : « لولا عليّ لهلك عمر » ، فهو لا يجهل مقام الإمام العلمي ولكن لم ينوّه به. ويأمر بالرجوع إليه ، لأن التنويه بالرجوع إليه يستتبع الإقرار بحقه فيما يقول ويطلب من أمر الخلافة. وهذا ما لا تريده قريش ـ ومنهم عمر ـ ولتبقى معرفة الفضل له شيء ، والتنويه بذلك الفضل في الإرجاع إليه شيء آخر.
ولقد أخرج أحمد في فضائل الصحابة بسنده عن أبي هبيرة أنّ عمر بن الخطاب كان يقول : « من كان سائلاًَ عن شيء من القرآن فليسأل عبد الله بن عباس »(1) .
هذا إن صح سنده فربما كان ذلك يوماً ما في حديث خاص وليس في خطبة على الناس كما مر في شأن النفر الأنصار.
وهلمّ إلى مواقف أخر له مع ابن عباس ، وهي متأخرة زماناً عما سبق منها :
ما أخرج ابن سعد في الطبقات في ترجمة ابن عباس بسنده عن مجاهد قال : « سمعت ابن عباس يقول : خدمت عمر خدمة لم يخدمه إياه أحد من أهله ، ولطفت به لطفاً لم يلطف به أحد من أهله ، فخلوت معه ذات يوم في بيته ـ وكان يجلّني ويكرمني ـ فشهق شهقة ظننت أن نفسه سوف تخرج منها ، فقلت : أمن جزع يا أمير المؤمنين؟ فقال : لا أجد لهذا الأمر أحداً. قلت : فأين أنت عن فلان ، وفلان ، وفلان ، وفلان ، وفلان ، وفلان ـ فسمّى له الستة أهل الشورى ـ فأجابه في
__________________
(1) فضائل الصحابة / 1893.
كلّ واحد منهم بقول. ثم قال : انه لا يصلح لهذا الأمر إلاّ قويّ في غير عُنف ، ليّن في غير ضعف ، جواد في غير سرف ، ممسك في غير بُخل أهـ »(1) .
وهذا الخبر لا شك قد اعتراه تعتيم متعمد بكتمان أقوال عمر في كلّ من فلان وفلان الستة أصحاب الشورى كما لم يذكر لنا مجاهد ماذا كان رأي ابن عباس في تلك الأقوال. ولا نبرئ مجاهد من تبعة ذلك التكتم. ومهما يكن فثمة ما هو صريح الدلالة على استبعاد عمر لبني هاشم ـ ومنهم ابن عباس ـ عن كلّ ما يمكنّهم من ممارسة أي دور قيادي. فهلمّ الآن إلى حديث :
1 ـ روى ابن سعد في الطبقات والبخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون قال : « وما كان بيني وبينه ـ يعني عمر ـ حين طعن إلاّ ابن عباس فأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فقدّمه فصلّوا الفجر يومئذ صلاة خفيفة »(2) .
2 ـ وفي حديث الطبري رواه عن المسور بن مخرمة قال : « فلمّا وجد عمر حر السلاح سقط وقال : أفي الناس عبد الرحمن بن عوف؟ قالوا : نعم يا أمير المؤمنين هو ذا ، قال تقدم فصل بالناس. قال : فصلّى عبد الرحمن بن عوف وعمر طريح »(3) .
3 ـ وفي رواية البخاري في صحيحه : « فتناول يد عبد الرحمن بن عوف فقدّمه »(4) .
__________________
(1) طبقات ابن سعد 1 / 142 الطبقة الخامسة.
(2) نفس المصدر 3 ق 1 / 244.
(3) تاريخ الطبري 4 / 191 ط محققة.
(4) فتح الباري 8 / 63.
4 ـ ثم حُمل عمر إلى منزله وكان ممن حمله عبد الله بن عباس(1) ولم يزل عنده حتى أسفر الصبح وأفاق عمر من غشيته فقال : اخرج يا عبد الله بن عباس فسل من قتلني؟ فخرج وسأل ثم عاد إليه فإذا هو يبدّ النظر فيه ـ أي يحدّق ـ يستأني خبر ما عنده فأخبره أنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة(2) .
5 ـ ويبدو من بعض مرويّات ابن سعد في ذلك أنّ عمر كان يتهم في نفسه أناساً لم يكشف عن هويّاتهم فقال لابن عباس : اخرج إليهم ـ يعني المهاجرين والأنصار الذين اجتمعوا ببابه ـ فسلهم عن ملأ منكم ومشورة كان هذا الّذي أصابني؟ فخرج ابن عباس فسألهم فقال القوم : لا والله ما علّمنا ولا أطلّعنا(3) ، فقال عمر لابن عباس : قد كنت أنت وأبوك تحبّان أن تكثر العلوج بالمدينة ـ وكان العباس أكثرهم رقيقاً ـ فقال : إن شئت فعلتُ ـ أي إن شئت قتلنا ـ فقال : كذبت ، بعد ما تكلموا بلسانكم وصلّوا قبلتكم وحجوا حجكم(4) .
__________________
(1) طبقات ابن سعد 3 ق1 / 244.
(2) نفس المصدر 3 ق1 / 251.
(3) نفس المصدر 3 ق1 / 252.
(4) فتح الباري 8 / 64 ، ولابن حجر توجيه غير وجيه لقول عمر لابن عباس (كذبت) فقال : هو على ما ألف من شدة عمر في الدين ، لأنه فهم من ابن عباس من قوله : إن شئت فعلنا أي قتلناهم فأجابه بذلك ، وأهل الحجاز يقولون : كذبت في موضع أخطأت (؟) وإنما قال له بعد أن صلوا لعلمه أن المسلم لا يحل قتله ، ولعل ابن عباس أراد قتل مـن لم يسلم منهم.
أقول : وليس لي إلاّ أن أقول لابن حجرـ على حد ممّا زعم من لغة أهل الحجاز ـ كذبت أي أخطأتَ فأيّ معنى لتحامل عمر على ابن عباس وأبيه وأنهما أحبّا أن تكثر العلوج في المدينة بينما كان العلج الّذي طعنه غلاماً للمغيرة بن شعبة ، فلماذا الحملة على ابن عباس لـو لم يكن في نفس عمـر ما يستفزه فيستوفزه ، وكل الحديث يبقى على ذمة الرواة.
6 ـ وكان مستنداً في يوم من أيام طعنته إلى ابن عباس مع وجود ابنه عبد الله وقريبه سعيد بن زيد ـ وكانا عنده ـ فقال : « اعلموا أنّي لم أقل في الكلالة شيئاً ، ولم أستخلف بعدي أحداً ، وأن من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو حرّ من مال الله »(1) .
7 ـ وأثنى عليه في يوم من أيامه الثلاثة قبل موته فقال له : « بأي شيء تثني عليَّ بالإمـرة أو بغيرها؟ قال له : بكلّ. قال : ليتني أخـرج منها كفافاً لا أجـر ولا وزر والله لو أن لي ما في الأرض من شيء لافتديت به من هول المطـّلع »(2) .
8 ـ وقال له : « أعقل عني ثلاثاً : الإمارة شورى ، وفي فداء العرب مكان كلّ عبدٍ عبد وفي ابن الأمة عبدان » وكتم ابن طاووس الثالثة(3) .
أقول : يبدو كتمان آخر الوصايا سنة متبعة لرواة السوء. لقد مرّ في حديث البخاري عن اخبار ابن طاووس كتمانهم لوصية النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الثالثة في حديث الكتف والدواة ، فراجع.
9 ـ قال ابن عباس : « قلت لعمر : لقد أكثرت التمني للموت حتى خشيتُ أن يكون عليك غير سهل عند أوانه فماذا سئمت من رعيتك إمّا أن تعيّن صالحاً أو تقوّم فاسداً؟ قال يا بن عباس إنّي قائل قولاً فخذه إليك ، كيف لا أحب فراقهم وفيهم مَن هو فاتح فاه للشهوة من الدنيا إمّا لحقٍ لا ينويه وإمّا لباطل لا يناله ، والله لولا أن أسأل عنكم لبرئت منكم ، فأصبحت الأرض مني بلاقع ولم أقل ما فعل فلان وفلان »(4) .
__________________
(1) طبقات ابن سعد 3 ق1 / 248.
(2) نفس المصدر 3 ق1 / 255.
(3) المصنف لعبد الرزاق 5 / 446 ، وقارن طبقات ابن سعد 3 ق1 / 256.
(4) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 105 ط مصر الأولى.
10 ـ قال ابن عباس : « كنت عند عمر فتنفس نفساً ظننت أن أضلاعه قد انفرجت. فقلت له ما أخرج هذا النفس منك يا أمير المؤمنين إلا همّ شديد؟ قال : أي والله يا بن عباس إني فكرت فلم أدر فيمن أجعل هذا الأمر بعدي. ثم قال : لعلك ترى صاحبك لها أهلاً؟ قلت وما يمنعه من ذلك مع جهاده وسابقته وقرابته وعلمه. قال : صدقت ، ولكنه امرؤ فيه دعابة ، قلت : فاين أنت من طلحة؟ قال ذو البأو باصبعه المقطوعة قلت : فعبد الرحمن؟ قال : رجل ضعيف لو صار الأمر إليه لوضع خاتمه في يد امرأته. قلت : فالزبير؟ قال : شكس لقس يلاطم في البقيع في صاع من بُرّ ، قلت : فسعد بن أبي وقاص؟ قال : صاحب سلاح ومقنب ، قلت : فعثمان؟ قال : أوه ـ ثلاثاً ـ والله لئن وليها ليحملنّ بني أبي معيط على رقاب الناس ، ثم لتنهض إليه العرب فتقتله.
ثم قال : يا بن عباس انّه لا يصلح لهذا الأمر إلاّ خصيف العُقدة ، قليل العزّة ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، يكون شديداً من غير عنف ، ليناً من غير ضعف ، سخياً من غير سرف ، ممسكاً من غير وكف
قال ـ ابن عباس ـ : ثم أقبل عليّ بعد أن سكت هنيهة وقال : أجرؤهم والله إن وليها أن يحملهم على كتاب ربّهم وسنّة نبيّه لصاحبك ، أما إن ولي أمرهم حملهم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم »(1) إلى غير ذلك من الشواهد الّتي تدل على إصرار عمر على استبعاد بني هاشم.
وفي مسألة تقديم عبد الرحمن بن عوف للصلاة أوضح دلالة على ذلك. فإنّ عبد الرحمن بن عوف لم يكن أقرب مكاناً من ابن عباس حينئذ. فان رواية عمرو بن ميمون ـ وقد تقدمت أولاً ـ دلت على قرب ابن عباس المكاني ،
__________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 106 ط مصر الاولى.
ورواية المسور بن مخرمة ـ وقد تقدمت ثانياً ـ دلت على بُعد عبد الرحمن مكاناً حتى جعل يسأل عنه. وقد كان ابن عباس أولى أن يقدّمه للصلاة لأنه أقرأ من عبد الرحمن وهو أستاذه في القراءة ـ كما في حديث الفلتة ـ الّذي رواه البخاري في باب رجم الحبلى فقد جاء فيه : « إنّ ابن عباس كان يقرئ عبد الرحمن بن عوف وجماعة من المهاجرين »(1) ، فما دام ابن عباس هو الأقرأ لكتاب الله تعالى والرسول الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يقول : (وليؤمكم أقرؤكم)(2) ، وكان يقول ـ كما في حديث أبي مسعود ـ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)(3) .
وهذا حكم لا يجهله عمر مهما جهل من الأحكام غيره ، فقد كان في جملة المهاجرين الذين كان سالم مولى أبي حذيفة يؤمهم من مكة حتى قدم المدينة لأنه كان أقرأهم ، وبقي يؤمهم بقباء وفيهم عمر بن الخطاب قبل أن يقدم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (4) ، ثم هل غاب عن علم عمر قول النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ كما رواه عثمان بن عفان ـ : (أفضلكم من تعلّم القرآن وعلّمه)(5) ، ومن المتيقن كان ابن عباس هو الأفضل من عبد الرحمن بن عوف لأنّه كان معلّمه في القرآن والفرائض.
إذن فقد كان ابن عباس هو الأولى بأن يقدمه عمر للصلاة بالناس ، هذا إذا كنّا لم نتيقن حضـور الإمام عليّعليهالسلام ساعتئذ ، وإلاّ فهو الأولـى من الجميع بالإمامة.
__________________
(1) وبقي هو استاذه حتى آخر ايام حياته حين منع عثمان الناس من الدخول عليه فلم يكن يدخل عليه إلاّ ابن عباس فيتعلم منه القرآن والفرائض كما في شرح النهج 1 / 66.
(2) أنظر سنن أبي داود 1 / 174.
(3) نفس المصدر 1 / 173.
(4) طبقات ابن سعد 3 ق1 / 61 ط ليدن أفست ، وصحيح سنن أبي داود 1 / 175.
(5) وهذا أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن باب خيركم من تعلم القرآن وعلّمه 752 ط الهند ، والترمذي 4 / 53 ، وعبد الرزاق في المصنف 3 / 367 ـ 368.
أفلا يدّل ذلك العدول عن ابن عباس إلى عبد الرحمن على اصرار عمر أن لايولي هاشمياً مقاماً دينياً أو دنيوياً؟! وستأتي شواهد تؤكد على ذلك في عملية الشورى.
ليس بخاف على الباحث موقف أهل البيت ـ ومنهم ابن عباس ـ في منظورهم إلى الخلافة وأنها من حق عليّ خاصة ، وأن أبا بكر وعمر استحوذا عليها ، كما في حديث لابن عباس مع عمر قال له ذلك صراحةً.
روى الحافظ ابن مردويه والراغب الأصفهاني عن ابن عباس قال : « كنت أسير مع عمر بن الخطاب في ليلة وعمر على بغل وأنا على فرس ، فقرأ آية فيها ذكر عليّ بن أبي طالب ، فقال : أما والله يا بني عبد المطلب لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر مني ومن أبي بكر.
فقلت في نفسي : لا أقالني الله إن أقلته ، فقلت : أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين وأنت وصاحبك اللذان وثبتما وانتزعتما وأفرغتما الأمر منا دون الناس.
فقال : إليكم يا بني عبد المطلب ، أمّا إنكم أصحاب عمر بن الخطاب ، فتأخرت وتقدم هنيهة فقال : سر لا سرت وقال : أعد عليَّ كلامك.
فقلت : إنّما ذكرت شيئاً فرددتُ عليه جوابه ولو سكت سكتنا »(1)
ذكر اليعقوبي في تاريخه أمر توسعة عمر للمسجد الحرام وهدم بيت العباس لذلك وما جرى بينهما من كلام ثم قال : « وانصرف عمر بعد عشرين يوماً ، وكان العباس يسايره وتحت العباس دابة مُصعَب ، فتقدّمه عمر ثم وقف له
__________________
(1) أنظر اليقين لابن طاووس / 205 ، محاضرات الراغب 2 / 213.
حتى لحقه فقال : قدمتك وما لأحد أن يتقدمكم معشر بني هاشم. ولكنكم قوم فيكم ضعف. قال : رآنا الله نقوى على النبوة ونضعف عن الخلافة »(1) ؟!
فبنو هاشم يرون أنّ حقهم مضاع وفيأهم مشاع. ومسألة الفيء والخمس كانت ذات أهمية خاصة لدى الشيخين ولدى أهل البيت على السواء ، فإن حرمان أهل البيت منهما يعني تجريدهم ممّا هو حق لهم وقد فرضه الله سبحانه لهم في كتابه لسد حاجاتهم المادية ، لذلك لم يبرح الطاعن منهم في ولاية الشيخين يذكر ذلك بألم ولو بعد حين.
لقد روى السيوطي في الدر المنثور عن ابن المنذر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : « سألت عليّاًرضياللهعنه فقلت : يا أمير المؤمنين أخبرني كيف كان صنع أبي بكر وعمررضياللهعنهما في الخمس نصيبكم؟
فقال : أمّا أبو بكررضياللهعنه فلم تكن في ولايته أخماس ، وأمّا عمررضياللهعنه فلم يزل يدفعه إليّ في كلّ خمس حتى كان خمس السوس وجند يسابور فقال : وأنا عنده هذا نصيبكم أهل البيت من الخمس وقد أحلّ ببعض المسلمين واشتدت حاجاتهم. فقلت : نعم ، فوثب العباس بن عبد المطلب فقال : لا تعرّض في الّذي لنا.
فقلت : ألسنا أحق من أرفق المسلمين وشفـّع أمير المؤمنين؟
فقبضه ، فوالله ما قبضناه ولا قدرت عليه في ولاية عثمان »(2) .
وروى ذلك البيهقي في السنن وابن أبي شيبة في المصنف وفي آخر الحديث قول عليّ عن العباس : (وكان رجلاً داهياً)(3) .
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 127.
(2) الدر المنثور 3 / 186 ط أفست الإسلاميةً.
(3) السنن الكبرى 9 / 343 ، المصنف 12 / 470 ط باكستانً.
روى البيهقي عن عبد الرحمن بن أبي يعلى قال : « لقيت عليّاً عند أحجار الزيت فقلت له بأبي أنت وأمي ما فعل أبو بكر وعمر في حقكم أهل البيت من الخمس؟ قال عليّ : إنّ عمر قال : لكم حق ولا يبلغ علمي إذا كثر يكون لكم كله ، فإن شئتم أعطيتكم منه بقدر ما أرى لكم. فأبينا عليه إلاّ كله ، فأبى أن يعطينا كله »(1) .
وهلم لنقرأ ماذا عن ابن عباس في ذلك :
روى الذهبي عن ابن عباس يقول : « كان عمر عرض علينا أن يعطينا من الفيء(2) بحق مايرى أنّه لنا من الحق ، فرغبنا عن ذلك وقلنا : لنا ما سمّى الله من حق ذي القربى وهو خمس الخمس فقال عمر : ليس لكم ما تدّعون أنّه لكم حق ، إنّما جعل الله الخمس لأصناف سماهم ، فأسعدهم فيه حظاً أشدهم فاقة وأكثر عيالاً ، قال فكان عمر يعطي من قبل منا من الخمس والفيء نحو ما يرى أنّه لنا ، فأخذ ذلك منا ناس وتركه ناس »(3) .
وروى الفسوي عن سماك الحنفي قال سمعت ابن عباس يقول : « الخمس لنا ولكن ظُلمنا فقال أبو مريم ـ وهو معي ـ صدق »(4) .
وأخرج أحمد في مسنده عن يزيد بن هرمز : « أن نجدة الحروري حين خرج من فتنة ابن الزبير أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذوي القربى لمن تراه؟ قال : هو لنا لقربى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قسمه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لهم ، قد كان عمر عرض علينا منه شيئا رأيناه دون حقنا فرددناه عليه وأبينا أن نقبله ، وكان الّذي
__________________
(1) السنن الكبرى 6 / 344 (مسند الشافعي باب الفيء).
(2) الفيء : ما أخذ من أموال الكفار بغير حرب ولم يوجف عليه بخيل ولا ركاب.
(3) سير أعلام النبلاء 1 ـ 2 / 491 ط دار الفكر بيروت.
(4) المعرفة والتاريخ للفسوي 3 / 68.
عرض عليهم أن يعين ناكحهم وأن يقضي عن غارمهم وأن يعطي فقيرهم ، وأبى أن يزيدهم على ذلك »(1) .
وثمة مكاتبات من نجدة بن عويمر الخارجي إلى ابن عباس يسأله فيها عن عدة مسائل ، ومنها مسألة الخمس وجواب ابن عباس فيها يطفح بالألم ، ويعبّر عن الشعور بالاحباط لما لحقهم من حيف.
ولم تكن مسألة الخمس هي الأولى والأخيرة في مسائل عن ابن عباس الّتي كان ينعاها على الحاكمين ، فثمة مسائل فقهية كانت له آراء تختلف مع آرائهم كمسألة المتعة والعول في الفرائض ودية الأصابع وميراث البنت وغيرها ممّا يأتي الحديث عنها في الحلقة الثالثة (فقهه).
وحتى حديث الشورى وما جرى لها وفيها من تحضير ، نجد الهاشميين ـ ومنهم ابن عباس طبعاً ـ مستبعدين عنها تماماً ، وأنهم يرون في تسمية الإمام ضمن النفر الذين عيّنهم عمر هي حبكة بحنكة ، وهذا هو منظور أهل البيت ، وليس بخافٍ على الباحث أن عمر كان يريد الأمر لعثمان إمّا رداً لجميله السابق حين كتب اسمه في عهد أبي بكر وأبو بكر مغشي عليه هذا على أحسن تقدير ، وإلاّ فمن أين لحاديه يحدو به ويسمى الأمير بعده عثمان.
أخرج المحب الطبري في الرياض النضرة عن حارثة بن مضرب قال : « حججت مع عمر فكان الحادي يحدو : إن الأمير بعده عثمان »(2) . وهذا عين ما رواه البلاذري أيضاً في أنساب الأشراف(3) .
__________________
(1) مسند أحمد 1 / 320.
(2) الرياض النضرة 2 / 116.
(3) أنساب الأشراف 1 / 494 من القسم الرابع تح ـ احسان عباس بلفظ (إنّ الأمير بعده ابن عفان).
ولم يكن الحادي ليقول ذلك من نفسه لو لم يكن سمع ذلك من عمر كما سمع حذيفة ذلك منه فقد روى حذيفة قال : « قيل لعمر وهو بالموقف : مَن الخليفة بعدك؟ قال : عثمان بن عفان ». قال المحب الطبري : خرّجه خيثمة بن سليمان وهذا خبر عن كشف واطلاع لا عن عهد(1) (!؟).
يقول الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام في الخطبة الشقشقية الّتي تفجّر فيها غضباً وتميّز غيضاً : « حتى إذا مضى ـ يعني عمر ـ لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم فيا لله وللشورى؟ متى اعترض الريب فيَّ مع الأوّل منهم ، حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر؟ لكنّي أسففتُ إذ أسفـّوا وطرت إذ طاروا فصغى رجل منهم لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، مع هن وهن ».
بهذه الكلمات الحارة اختصر الحدَثَ في الحديث عن الشورى ، ولسنا بصدد الحديث عنها ولكننا بصدد ذكر ما له دور في استبعاد الهاشميين ـ ومنهم ابن عباس طبعاً ـ عن القيادة.
فلننظر أوّلاً إلى الأدوار الّتي وزّعها عمر بعدما طعن ، فهو قد سمّى النفر الستة عليّاً وعثمان وطلحة والزبير وسعداً وعبد الرحمن بن عوف. على أن يختاروا أحدهم فيكون هو الخليفة. ثم ضيّق دائرة الاختيار وجعله لخمسة إن اتفقوا وقتل السادس ، ثم جعله لأربعة إن اتفقوا وقتل الاثنين وأخيراً جعله لثلاثة فيهم ابن عوف إن اتفقوا وقتل الثلاثة الآخرين.
__________________
(1) الرياض النضرة 2 / 116 ط النعساني بمصر سنة 1327 هـ.
وحدّد الفترة الانتخابية بثلاثة أيام ، وجعل لابنه عبد الله حق الحضور ليكون حَكَماً فإن لم يرضوا بحكمه فالفوز لمن كان عبد الرحمن بن عوف معه. ومن أبى تضرب عنقه كائناً من كان يتولى ذلك أبو طلحة الأنصاري.
فهو بهذا الإجراء التعسفي فيما يراه الهاشميون قد استبعدهم عن أيّ دور فاعل في عملية الشورى حتى عليّ ـ كما سيأتي تصريحه بذلك ـ.
وما رواه ابن قتيبة في الإمامة والسياسة من أنّ عمر قال : « واحضروا معكم الحسن بن عليّ وعبد الله بن عباس فإن لهما قرابة وأرجو لكم البركة في حضورهما وليس لهما من أمركم شيئاً »(1) ، فهذا شيء انفرد بروايته ولم أقف عليه عند غيره ، وربما كان من تزيّد الرواة بعد ذلك. وإلاّ فلا معنى لأن يذكر الحسن ولا يذكر أخاه الحسين وهما معاً سيدا شباب أهل الجنة ، وهما معاً ريحانتا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهما معاً سبطاه وهما معاً فالبركة بحضورهما معاً أتم وأكمل إن كانت البركة هي الداعي للحضور ، كما إن حضور العباس بن عبد المطلب كان أولى من حضور ابنه عبد الله فإنه الّذي استسقى به عام الرمادة ، فبركته أكثر من بركة ابنه عبد الله وان كانت صلته بهذا أوثق.
ومهما يكن نصيب رواية ابن قتيبة من الصحة ـ نظراً لإرسالها سنداً ثم إعلالها متناً ـ فهي على فرض صحتها فلا يغير حضور الحسن وابن عباس شيئاً في ميزان القوى المتصارعة عند التعادل في الاختلاف. ما دام حضورهما لمجرد البركة الّتي يرجوها عمر للمتشاورين.
أمّا الاحتكام والاستشارة فهي لابنه عبد الله أوّلاً ، وما أدري كيف رشّحه لذلك وهو الّذي ردّ على المغيرة بن شعبة بعُنف حين قال له لو استخلفته. فقال :
__________________
(1) الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 23.
« قاتلك الله والله ما الله أردت بها »(1) ، « ويحك كيف استخلف رجلاً عجز عن طلاق امرأته »(2) .
وأمّا الدور الفاعل والقاتل فهو لعبد الرحمن بن عوف فقط وفقط حيث جعل الرجحان في كفـّته كما جعل أمر الصلاة بالناس إلى صهيب الرومي طيلة أيام المشاورة فقال : « وليصل بكم صهيب هذه الثلاثة أيام الّتي تتشاورون فيها فإنه رجل من الموالي لا ينازعكم أمركم »(3) .
وأعطى للمقداد بن الأسود دوراً بجمع النفر في بيت حتى يختاروا رجلا منهم(4) .
كما أبقى زمام القوة التنفيذية بيد أبي طلحة الأنصاري حين أمره بأن يجمع خمسين رجلاً من الأنصار ليقف على باب البيت الّذي فيه النفر ، فإذا مضت الثلاثة أيام ولم يختاروا ضرب أعناقهم جميعاً.
فأنظر إلى الأدوار الّتي وزّعها في عملية الشورى فلم يجعل لابن عباس ولا لغيره من الهاشميين أي دور يذكر.
كما صنع مع عبد الرحمن بن عوف حين جعل الرجحان في كفته.
أو مع ابنه عبد الله حين جعله مستشاراً ومشيراً.
أو مع صهيب الرومي حين ولاه أمر الصلاة.
أو مع المقداد حين أمره أن يجمع النفر في بيت حتى يختاروا أحدهم.
__________________
(1) أنساب الأشراف للبلاذري 1ق4 / 502 تح ـ احسان عباس ط بيروت.
(2) تاريخ الطبري 4 / 227 ط محققة دار المعارف.
(3) الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 23.
(4) تاريخ الطبري 4 / 229 ط محققة.
أو مع أبي طلحة الأنصاري حين أوكل إليه رقابة الموقف لمدة ثلاثة أيام فإن اتفق النفر على أحدهم وإلاّ ضرب أعناق الجميع.
كلّ هذا يوحي بأن عمر لازال ـ وهو في آخر حياته كما كان أيامها ـ ثابتاً على موقفه في استبعاد بني هاشم عن أي دور قيادي فيه نحو ترشيح لهم. وأمّا ذكره لعليّ ضمن أصحاب الشورى ، فهو لا يعني شيئاً ايجابياً بقدر ما هو استبعاد له بكلّ المعايير الّتي وضعها من رجحان كفة ابن عوف ، والإمام كان يعلم ذلك مسبقاً ، وإنّما رضي بالدخول في الشورى ليبرهن للناس تناقض عمر في أقواله فبالأمس كان يقول : « لا تجتمع الخلافة والنبوة في بيت واحد » ، واليوم رشحه للخلافة ، ولم يكن يخفي ذلك على بني هاشم. ومن هنا عرف الهاشميون أنهم قد استبعدوا عن القيادة ، بل وحتى عن الحضور الفاعل وان لم يغيبّوا عن الساحة كما يتضح ذلك ممّا رواه المفيد في الارشاد بسنده عن أبي صادق قال : « لمّا جعلها عمر شورى في ستة فقال : إن بايع اثنان لواحد واثنان لواحد فكونوا مع الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن واقتلوا الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمن ، خرج أمير المؤمنينعليهالسلام من الدار وهو معتمد على يد عبد الله بن العباس فقال : يابن العباس إن القوم قد عادوكم بعد نبيكم كمعاداتهم لنبيكمصلىاللهعليهوآلهوسلم في حياته. أم والله لا ينيب بهم إلى الحق إلاّ السيف. فقال له ابن عباس : وكيف ذاك؟ قال : أما سمعت قول عمر : إن بايع اثنان لواحد واثنان لواحد فكونوا مع الثلاثة الذين عبد الرحمن فيهم واقتلوا الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمن؟ قال ابن عباس : بلى ، قال : أو لا تعلم أنّ عبد الرحمن ابن عم سعد وأنّ عثمان صهر عبد الرحمن؟ قال : بلى ، قال : فإنّ عمر قد علم أنّ سعداً وعبد الرحمن وعثمان لا يختلفون في الرأي ، وانه من بويع منهم كان اثنان معه ،
وأمر بقتل من خالفهم ، ولم يبال أن يقتل طلحة إذا قتلني وقتل الزبير ، أم والله لئن عاش عمر لأعرفنّه سوء رأيه فينا قديماً وحديثاً ، ولئن مات ليجمعني وإياه يوم يكون فيه فصل الخطاب اهـ »(1) .
« وتلقاه العباس وصار يمشي إلى جانبه فقال : عُدلت عنا. فقال : وما علمك؟ قال : قِـُرن بي عثمان. وقال : كونوا مع الأكثر ، فإن رضي رجلان رجلاً ، ورجلان رجلاً فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف ، فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن ، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون فيولـّيها عبد الرحمن عثمان ، أو يوليها عثمان عبد الرحمن ، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني ، بله إنّي لا أرجو إلاّ أحدهما. ومع ذلك فقد أحب عمر أن يعلمنا أن لعبد الرحمن عنده فضلاً علينا لعمر والله ما جعل الله ذلك لهم علينا كما لم يجعله لأولادهم على أولادنا. فقال له العباس : الزم بيتك ولا تدخل في الشورى فلا يختلف عليك اثنان »(2) .
وفي لفظ آخر قال : « قد أطلق الله يديك فليس لأحدً عليك تبعة. بيعة ظ. فلا تدخل في الشورى عسى ذلك أن يكون خيراً »(3) .
ولست بحاجة إلى التعليق على كلمة العباس ، فقد كان رجلاً داهياً كما يقول الإمام فيه وهو يعرف نفسيات النفر المرشحين ، فقد أحسّ بأن القوم سيعدلون عن ابن أخيه إلى غيره ، وإذا حدث ذلك مع حضوره معهم ، كان عليه غضاضة وأشد مضاضة بخلاف لو لم يحضر وحدث ذلك ، فلذلك حاول محتاطاً بهذا التدبير أن يخفف من ألم المعاناة الّتي ستلحق الإمام بحضوره معهم.
__________________
(1) الإرشاد / 151.
(2) أنساب الاشراف 5 / 23 ط أفست المثنى.
(3) نفس المصدر 1ق 4 / 509 تح ـ د : إحسان عباس ط بيروت.
ومهما كان نوايا العباس فقد مرت الأيام سراعاً ومات عمر واجتمع النفر فقال العباس لعليّ : « لم أدفعك في شيء إلاّ رجعت إليَّ مستأخراً بما أكره : أشرت عليك عند وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن تسأله فيمن هذا الأمر فأبيت ، وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت. وأشرت عليك حين سمّاك عمر في الشورى ألاّ تدخل معهم فأبيت ، إحفظ عني واحدة كلما عرض عليك القوم فقل : لا ، إلاّ أن يولّوك ، وأحذر هؤلاء الرهط فإنّهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر ، حتى يقوم لنا به غيرُنا ، وأيم الله لا نناله إلاّ بشرّ لا ينفع معه خير.
فقال عليّ : أما لئن بقي عثمان لأذكرنه ما أتى ، ولئن مات ليتداولنّها بينهم ، ولئن فعلوا ليجدنّي حيث يكرهون » هكذا رواية الطبري(1) .
ولعل ذكر عثمان من سهو الرواة والصحيح عمر صاحب الوصية كما أن في رواية ابن أبي الحديد في شرح النهج : (أما والله لئن عمر لم يمت لأذكرنه ما أتى إلينا قديماً ، ولأعلمنّه سوء رأيه فينا وما أتى إلينا حديثاً ، ولئن مات. وليموتنّ. ليجتمعنّ هؤلاء القوم على أن يصرفوا هذا الأمر عنا ولئن فعلوها وليفعلن ليروني حيث يكرهون والله ما بي رغبة في السلطان ولا حب الدنيا ولكن لإظهار العدل والقيام بالكتاب والسنة)(2) .
وقالعليهالسلام : (أمّا إني أعلم أنهم سيولون عثمان وليحدثنّ البدع والأحداث ، ولئن بقي لأذكرنّك ، وإن قتل أو مات ليتداولونّها بنو أمية ، وإن كنتَ حيّاً لتجدنّي حيث يكرهون ، ثم تمثل :
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 230 ط محققة.
(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 409 ـ 410 و 1 / 64 ط مصر الأولى.
حلفتُ بربّ الراقصات عشيةً |
غـدَونَ خِفافا فـابتدرنّ المحصّبا |
|
ليحتلبن رهطُ ابن يعمر مارِئا |
نجيعاً بنو الشدّاخ وِرداً مصلّبا(1) |
فعرفنا ممّا مرّ موقف الإمام وموقف عمه العباس من تلك الشورى ، أمّا عن مواقف بقية الهاشميين فحسبنا معرفة رأي ابن عباس ، فقد روى ابن أبي الحديد انّه قال للإمام بعد ماسمع كلام عمر : « ذهب الأمر منا. الرجل يريد أن يكون الأمر في عثمان ، فقال له الإمام : أنا أعلم ذلك ولكني أدخل معهم في الشورى لأنّ عمر قد أهّلني الآن للخلافة ، وكان قبل يقول : إن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : إن النبوة والإمامة لا يجتمعان في بيت ، فانا أدخل في ذلك لأظهر للناس مناقضة فعله لروايته »(2) .
فعلى هذا النحو غير المؤثر كان دخول الإمام.
وعلى هذا النحو في الجو المحموم جرت عملية الاقتراع فكان الجدل وكانت الخصومة.
وفي ذلك الجو الصاخب كان احتجاج الإمام بحديث المناشدة بفضائله المؤهلة له دون بقية النفر.
وفي ذلك كان التحرك اليائس من بعض الصحابة حين رأى التدافع.
فقال عمار لعبد الرحمن بن عوف : إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليّاً.
وصدّقه المقداد فقال : صدق عمار إن بايعتَ عليّاً قلنا سمعنا وأطعنا.
__________________
(1) نفس المصدر 1 / 64.
(2) نفس المصدر 1 / 63
وقال ابن أبي سرح : إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان ، إن بايعت عثمان قلنا سمعنا وأطعنا ، فشتم عمّار ابن أبي سرح وقال : متى كنت تنصح المسلمين.
فتكلم بنو هاشم وتكلم بنو أمية.
فقال عمّار : أيها الناس إنّ الله أكرمنا بنبينا وأعزنا بدينه ، فأنّى تصرفون هذا الأمر عن بيت نبيّكم.
فقال رجل من بني مخزوم(1) : لقد عدوت طورك يا بن سميّة وما أنت وتأمير قريش لأنفسها.
فقال سعد لعبد الرحمن بن عوف : افرغ قبل أن يفتتن الناس.
فقال عبد الرحمن : إنّي نظرت وشاورت فلا تجعلنّ أيها الرهط على أنفسكم سبيلاً. ودعا عليّاً فقال : عليك عهد الله وميثاقه لتعملنّ بكتاب الله وسنّة نبيّه وسيرة الخليفتين من بعده؟ قال : أعمل بمبلغ علمي وطاقتي.
ثم دعا عثمان فقال له كما قال لعليّ فقال عثمان : نعم فبايعه.
فقال عليّعليهالسلام : حبوته محاباة (حبو دهر) ليس هذا بأول يوم تظاهرتم فيه علينا من دفعنا عن حقنا والاستئثار علينا وانّها لسنّة علينا وطريقة تركتموها ، أما والله ما وليت عثمان إلاّ ليردّ الأمر إليك والله كلّ يوم هو في شأن. دق الله بينكما عطر منشم. فخرج وهو يقول : سيبلغ الكتاب أجله.
__________________
(1) لئن تكتم علماء التبرير على اسم الرجل المخزومي في بعض المصادر غير ان ابن أبي الحديد في شرح النهج 9 / 58 ط محققة أفصح في رواية له وأنه هاشم بن الوليد بن المغيرة والصواب هشام بن الوليد وهو أخ لخالد بن الوليد. وقد سبق لخالد ملاحاة مع عمار أيام النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فنهاه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأثنى على عمار ثناءً بالغاً وقال : من سبّ عماراً سبّه الله ومن أبغض عمارا أبغضه الله ، وهذا مارواه خالد نفسه (راجع مجمع الزوائد 9 / 294) تجد الحديث بأوسع من هذا كما رواه أحمد والطبراني.
فهشام بن الوليد هو الّذي تعدى طوره حين اعترض عماراً في مقالته.
فقال عبد الرحمن : يا عليّ لا تجعل على نفسك سبيلاً ، فإني قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان أحداً.
فقال المقداد : يا عبد الرحمن أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحقّ وبه يعدلون.
ثم قال : ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم ، إنّي لأعجب من قريش انّهم تركوا رجلاً ما أقول إن أحدا اعلم ولا أقضى منه بالعدل ، أما والله لو أجد عليه أعواناً.
فقال عبد الرحمن : يا مقداد اتق الله فإنّي خائف عليك الفتنة.
فقال رجل للمقداد : رحمك الله مَن اهل هذا البيت؟ ومَن هذا الرجل؟
قال : أهل البيت بنو عبد المطلب والرجل عليّ بن أبي طالب.
وقال عليّ : إنّ الناس ينظرون إلى قريش ، وقريش تنظر إلى بيتها فتقول : إن وُلي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبداً ، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم(1) .
وروى الطبري عن المسور بن مخرمة قال : « وتلكأ عليّ فقال عبد الرحمن( فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) (2) »(3) .
إلاّ أنّ البلاذري روى : « إنّ عبد الرحمن قال لعليّ : بايع وإلاّ ضربت عنقك »(4) ـ ولم يكن مع أحدٍ يومئذ سيف غيره ـ فيقال : أنّ عليّاً خرج مغضباً
__________________
(1) أنظر تاريخ الطبري 4 / 232 ـ 233 ، شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 410.
(2) الفتح / 10.
(3) أنظر تاريخ الطبري 4 / 238.
(4) انساب الاشراف 1ق 4 / 508.
فلحقه أصحاب الشورى وقالوا : بايع وإلاّ جاهدناك ، فأقبل معهم يمشي حتى بايع عثمان وهو يقول ـ كما في الطبري ـ : (خدعة وأيّما خدعة)(1) .
وهكذا تمت البيعة لعثمان وسمّاها الإمام خدعة وأيّما خدعة ، فإن الشورى بدءاً من وصية عمر ومروراً بما قام به عبد الرحمن وانتهاء بتهديد الإمام إن لم يبايع ، كلها أدوار لمسألة محبوكة بحنكة لتولية عثمان دون غيره.
وحسبنا ما مرّ من قول عمر نفسه : « والذي نفسي بيده لأردنّها إلى الّذي دفعها إليّ أول مرّة »(2) ، ومن هو ذاك إلاّ عثمان. هذا وغيره ما يؤكد استبعاد بني هاشم عمداً ، فلا غرابة إذن فيما إذا روى البياضي في كتابه الصراط المستقيم كلاماً لابن عباس في ذلك اليوم فقال : « وأسند الحاجب إلى ابن عباس أنه قال يوم الشورى : كم تمنعون حقنا؟ وربّ البيت إن عليّاً هو الإمام والخليفة ، وليملكنّ من ولده أئمّة أحد عشر يقضون بالحقّ : أولهم الحسن بوصية أبيه إليه ، ثم الحسين بوصية أخيه إليه ، ثم ابنه عليّ بوصية أبيه إليه ، ثم ابنه محمّد بوصية أبيه إليه ، ثم ابنه جعفر بوصية أبيه إليه ، ثم ابنه موسى بوصية أبيه إليه ، ثم ابنه عليّ بوصية أبيه إليه ، ثم ابنه محمّد بوصية أبيه إليه ، ثم ابنه عليّ بوصية أبيه إليه ، ثم ابنه الحسن بوصية أبيه إليه ، فإذا مضى فالمنتظر صاحب الغيبة ، قال عليم ـ الراوي ـ لابن عباس من أين لك هذا؟ قال : إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم علم عليّاً ألف باب فتح له من كلّ باب ألف باب ، وإنّ هذا من ثَمّ »(3) .
وأخيراً فقد قرأنا فيما مرّ حقبة من تاريخ حبر الأمة عبد الله بن عباس في أيام عمر ، وهي حقبة مليئة بالمفاجآة والمحاورات ، كشفت لنا خبايا وزوايا في
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 238 ـ 239 ط محققة ، وسير اعلام النبلاء 2 / 579 ط دار الفكر.
(2) أنظر الرياض النضرة 2 / 74.
(3) الصراط المستقيم 2 / 151.
التاريخ قد يجهلها الكثيرون ممن هم عمريون أكثر من عمر وقد تحرّيت ما وسعني البحث الدقة في إبراز الصورة لهما بكل جوانبها سواء المضيء الناصع والمعتم المظلم ، دون حسابات التعظيم والتفخيم للأشخاص ، فإنهم بشر مثلنا وكلهم من بني ادم. فهم يحسنون ويسيئون ، وطباعهم كطبائع الناس ، يغضبون عند الاثارة والاستفزاز ويثورون لحدّ الاشمئزاز ، وما في ذلك من نقد أو تجريح ، بل ذلك هو المنظار الصحيح ويبقى عمر في نظر ابن عباس وقد أجاب من سأله عنه فقال : « كان كالطير الحذر الّذي يرى أن له بكلّ طريق شركاً يأخذه »(1) .
كما كان ابن عباس في نظر عمر وقد قال لمن تسخّط تقريبه من المهاجرين : « ذاكم فتى الكهول ، له لسان سؤول ، وقلب عقول »(2) .
كما تبقى الشورى سلعة بائرة في سوق الاستخلاف ، ومجرد اسم تلعب به الشفاه أفرغ منه مضمونه كما يقول عبد الفتاح عبد المقصود(3) .
ولم يكتب لهذه الطريقة حظ في الحياة ، فإنّ أحداً من الخلفاء لم يلجأ إليها بعد عمر كما يقول الدكتور منير العجلاني(4) .
وما من شك في أن النظام الّذي وضعه للشورى قد كان نظاماً لا يخلو من نقص ، ولعله لا يخلو من نقص شديد كما يقول الدكتور طه حسين(5) .
فممّا لا ريب فيه إنّ عدم النص على الخليفة أو تعيين الانتخاب في عدد مخصوص أوجد حزبية وبيلة وهيأ لها أن تعمل أسوأ أعمالها ولم تقف عند
__________________
(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي / 82 ط المنيرية سنة 1351 هـ.
(2) الإصابة 2 / 325 ط مصطفى محمّد.
(3) السقيفة والخلافة / 264.
(4) عبقرية الإسلام ونظام الحكم / 150 ط دار الكتاب الجديد بيروت.
(5) الفتنة الكبرى 1 / 60 ط دار المعارف بمصر.
حدود النجاح في الانتخاب فحسب ، بل استقرت على وجه دائم لتقضي على الخصوم والأحزاب المناوئة. كما يقول الشيخ العلائلي(1) .
وقال معاوية : وانّه لم يشتت بين المسلمين ولا فرّق أهواءهم ولا خالف بينهم إلاّ الشورى الّتي جعلها عمر إلى ستة نفر ، وذلك إنّ الله بعث محمّداً بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون فعمل بما أمره الله به ، ثم قبضه الله إليه. وقدّم أبا بكر للصلاة فرضوه لأمر دنياهم إذ رضيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأمر دينهم ، فعمل بسنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسار بسيره حتى قبضه الله إليه. واستخلف عمر فعمل بمثل سيرته ، ثم جعلها شورى بين ستة نفر ، فلم يكن رجل منهم إلاّ رجاها لنفسه ورجاها له قومه ، وتطلعت إلى ذلك نفسه ، ولو أن عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك اختلاف(2) .
ولو اختير عليّ أو الزبير بن العوام لتغير وجه التاريخ ولكنهم اختاروا ألينهم ناظرين في اختياره إلى أن العرب كانوا قد سئموا حكم عمر في شدته وهراوته. هكذا يقول أحمد أمين(3) .
إلى غير ذلك من آراء حول الشورى ورجالها ، من بدايتها إلى مآلها ، وقد يكون بعضها أصوب من بعض ، إلاّ أن من الباحثين المحدثين يرون في فعلة عبد الرحمن بن عوف خدعة لإقصاء الإمام عن الخلافة.
فقد ذهب الدكتور جمال سرور إلى أن طلب عبد الرحمن من الإمام عليّ أن يتعهد بأن يسير بسيرة الخليفتين ـ أبي بكر وعمر ـ وهو يعلم أن عليّاً لا
__________________
(1) سمو المعنى في سمو الذات / 32 ط عيسى البابي الحلبي بمصر سنة 1358 هـ.
(2) أنظر العقد الفريد 4 / 281 ط لجنة التأليف والترجمة والنشر سنة 1363 هـ.
(3) كتابه يوم الإسلام / 57.
يرضى أن يتقيّد بسياستهما ، إنّما أراد أن يحرجه ليفسح المجال لاختيار عثمان ، وسرعان ما تحقق غرضه(1) .
وذهب الدكتور أحمد صبحي إلى أنّ عبد الرحمن قد بنى اختياره على قاعدة غير معروفة في الشرع ، إذ قرن سيرة الشيخين ـ أبي بكر وعمر ـ بكتاب الله وسنّة رسوله ، شرطاً على كلّ من عليّ وعثمان ، ولم يقل أحد من قبلُ ولا من بعدُ ، أنّ سيرة الشيخين تقترن بكتاب الله وسنّة رسوله في المسائل السياسية ، وحين أراد الإمام عليّ أن ينبهه إلى ذلك ـ كتاب الله وسنّة رسوله فقط ، وإن اجتهد كما اجتهدا ـ نحّاه عبد الرحمن ليختار عثمان ، حتى إذا اعترض الإمام عليّ قال عبد الرحمن :( فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ ) (2) فأضاف خطأ آخر باستشهاده بالآية الشريفة في غير موضعها ، فضلاً عن أنّها لا تقال لمثل الإمام عليّ(3) .
وأخيراً قال الدكتور محمّد بيومي مهران : « وهكذا كان انتخاب عثمان مصطبغاً بصبغة التحيّز للأمويين ، وقد وجدت هذه النتيجة من أول الأمر ـ معارضة من الهاشميين فضلاً عن أهل الورع والسبق في الإسلام مثل سلمان وعمّار وأبي ذر والمقداد وغيرهم من رواد شيعة الإمام »(4) .
__________________
(1) بتوسط الإمامة وأهل البيت 1 / 368.
(2) الفتح / 10.
(3) بتوسط الإمامة وأهل البيت 1 / 368.
(4) نفس المصدر.
حبر الأمة في عهد عثمان
لمّا كانت أيام عثمان تعدّ نقطة تحوّل في تاريخ المسلمين الذين عاشوا أيام عمر ولم ينسوا درّته الّتي يخفق بها الرؤوس ، ولا شدّته وصرامته الّتي حكمت الرأس والمرؤوس. فهم بعد على ذكر ذلك النمط الّذي ألفوه ، ولا أقل من أنهم تهضّموه فتألـّفوه.
ولكنهم أضحوا في أيام عثمان على خلاف ذلك النمط ، لاختلاف المزاجَين بين الرجلين الحاكمَين وتفاوت السيرتين في الحكومتين ، كما سيتضح ذلك فيما يأتي من الفوارق بين النموذجَين.
إذن لابدّ لنا ونحن نتطلع إلى معرفة حياة حبر الأمة عبد الله بن عباس في أيام عثمان ، ودوره الفاعل فيما له دورٌ فيه ، من معالجته تلك الأزمات الّتي حاقت بالمسلمين ، من مسيرة متأنية مع تاريخ تلك الأحداث عند عرضها دون تشنّج أو تبرير. ودون برم أو سأم لو طال المشوار ، كما لابدّ لنا أيضاً من قراءة فاحصة للنصوص التاريخية الّتي تلقي أضواءً كاشفة على مواقف المسلمين ـ ومنهم ابن عباس ـ أزاء عثمان وممارساته أيام حكومته حين حاقت به فأردته في النهاية قتيلاً. وأورثت المسلمين حروباً طاحنة لم تخمد جذوتها أحياناً لا حيناً من الدهر ، وأصبح المثل لكل بلاء مستطيل وشرّ مستطير فيقولوا : (قميص عثمان).
ولا نيأس في سلوك هذا الطريق الوعر الشاق من نتائج مرضية ، وإن كانت أقلام المؤرخين باللجلجة الخرساء كتمت الكثير ممّا لو قالوه لتبيّن لنا وجه الحقّ من دون عناء.
قال الطبري : « وأمّا الواقدي فأنه ذكر في سبب مسير المصريين إلى عثمان ونزولهم ذا خشب أموراً كثيرة ، منها ما تقدم ذِكريه ، ومنها ما أعرضتُ عن ذكره كراهة مني لبشاعته »(1) .
وقال : « فقد ذكرنا كثيراً من الأسباب الّتي ذكر قاتلوه أنهم جعلوها ذريعة إلى قتله ، فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعلل دعت إلى الإعراض عنها »(2) .
وقال : « انّ محمّد بن أبي بكر كتب إلى معاوية بن أبي سفيان لما وُلّي فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهتُ ذكرها لما فيه ممّا لا يحتمل سماعها العامة »(3) .
فإذا كان مثل الطبري وهو شيخ المؤرخين يكتم الكثير فما ظنك بمن أتى بعده وأخذ ما عنده. إنها بليّة التاريخ ومع صرامة الحقّ ، فصار التزوير وكثر التحوير ، وتناغم علماء التبرير ، فغاب الكثير من النصوص ، ومع ذلك فلا نيأس من معرفة تاريخ حبر الأمة عبد الله بن عباس في أيام عثمان وهي أيام طالت سنيّ 24 هـ ـ 35 هـ.
ولكن قبل هذا وذاك يجب علينا أن لا نغفل الإشارة إلى وشائج الأرحام الّتي تجمع بين الرجلين ـ ابن عباس وعثمان ـ فإنّ معرفة تلك الوشائج قد تفسّر لنا بعض المواقف من الطرفين أزاء كلّ منهما الآخر.
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 356.
(2) نفس المصدر 4 / 365.
(3) نفس المصدر 4 / 557.
لقد كان كلاً من ابن عباس وعثمان تجمعهما وسائر أقربائهما القرشية أوّلاً ، ثمّ المنافية ثانياً ، فالقرشية هي النسبة إلى النضر بن كنانة وهو جدهم الأعلى ، أمّا المنافية فهي النسبة إلى جدهم الأدنى وهو عبد مناف فهو الجد الرابع لعبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بينما هو الجد الخامس لعثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. فابن عباس هو الأقرب إلى المنافية من عثمان نسباً ، لكنه الأبعد عنها عملاً كما سنرى ، وما من شك أن النوازع القبلية الّتي كانت تتحكم في المجتمع العربي قبل الإسلام بقرب الأنساب وبُعدها ، لم يقض عليها الإسلام تماماً. فبالرغم من ذمّه العصبية الجاهلية ، إلاّ أنّه لم يمنع من حبّ المرء قومه ما لم يصادم حبّه العقيدة ، فقد قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لمن سأله : أمن العصبية أن يحبّ الرجل قومه؟ قال : (لا ، ولكن من العصبية أن يعين الرجل قومه على الظلم)(1) ، كما أنّه ما من شك أن التنافس بين المتفاضلين مدعاة لإثارة كوامن الشحناء وتوريث العداوة بين الأخوين فضلاً عن الحيَين.
وهذا ما كان بين أبناء عبد مناف ـ منذ منافرة عبد المطلب وحرب ـ ثمّ تراكمت دواعي الأنفصام والخصام ، فكلما ازداد شرف الهاشميين ازداد حسد العبشميين ـ أبناء عبد شمس ـ لهم ، حتى إذا جاء الإسلام كانوا الكثير منهم من ألدّ أعداء الإسلام عداوة منهم لنبيّه محمّد بن عبد الله الهاشمي المحتد. ولم يذعنوا إلاّ بعد أن رأوا لا مناص لهم من إظهار كلمة الإسلام ليحقنوا بها دماءَهم.
وقد منّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عليهم كما منّ على بقية مسلمة الفتح وسمّاهم الطلقاء وجعل لهم سهماً من المؤلفة قلوبهم ، وزاد في تفضّله عليهم أن صاهر إليهم
__________________
(1) مصنف أبي شيبة 15 / 101 ط باكستان.
وأصهر فيهم ، فعل الأكفاء وليسوا هناك ، على حد تعبير الإمام(1) . ومع ذلك الفضل والتفضل لم تزل تطفو على السطح كوامن النفوس بين الحين والحين ما يميّز بين الحييَن.
وكان عثمان بن عفان تشدّه إلى بني هاشم قربى هي أدنى من المنافية وأقوى عرىً وهي خؤولة كريمة لاُمه أروى بنت كريز فقد كانت أمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب ، وهي توأمة عبد الله والد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم (2) وزاد أيضاً في توثيق عرى وشائجه مصاهرته للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث تزوج بأبنتيه رقية وأم كلثومعليهماالسلام فصار له شأن يذكر في قريش وبين قومه بعد أن لم يكن لأبيه عفـّان من قبل ما يرفع بضبعه حتى بين قومه الأمويين إذ كانت رئاستهم إلى أبي سفيان بن حرب. وقد روى المدائني : أن عفان لم يكن له نباهة في قريش حتى قال الشاعر :
عفان أوّل حائك لثيابكم |
قدماً وقد يدعى أخا الأشرار(3) |
فكلّ هذه الوشائج سنجدها غير مؤثرة في سلوك عثمان أيام حكومته مع الهاشميين ، ولم تمنعه من التنكر لهم والتنمّر عليهم حين يكون التنافس والتعالي. لكنه كان يلوذ بهم ويستفزّهم بالمنافية فعل قومه حين لا يجدون مناصاً لجلب مصلحة أو دفع مفسدة ، فهم وبني هاشم على حدّ قول القائل :
فإذا تكون كريهة ادعى لها |
وإذا يحاس الحيس يدعى جندب |
__________________
(1) في كتاب له إلى معاوية وهو من محاسن الكتب راجع شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 445 ـ فما بعد.
(2) أنساب الأشراف للبلاذري 1ق4 / 481 تح ـ أحسان عباس ، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم 1 / 15 ط دار المعارف بمصر ، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم 1 / 235.
(3) أنساب الأشراف 1ق4 / 480 وجاء في ص 518 منه نقلاً عن المدائني قال : قال المطرف ـ وهو عبد الله بن عمرو بن عثمان ـ أنا أبو العاص فقال له محمّد بن المنذر بن الزبير : دون ذلك ما يدقّ عنقك ، يعني عفـّان كان موضَّعاً.
ولا تعزّ الشواهد على ذلك ، بخلاف الهاشميين الذين لم يستغلـّوا المنافية لمصلحتهم يوماً لا في جاهلية ولا في إسلام ففي الجاهلية مثلاً ذكروا أنّ حمزة بن عبد المطلب مرّ بنفر من بني مخزوم فلاحاه رجل منهم فذكر المخزومي نساء من نساء بني عبد مناف فضربه الحمزة فقتله ، وأتى أبا سفيان فأخبره ، وحيث انّ الرواة لم يذكروا عن النساء شيئاً ، إلاّ أنّ ذكر البلاذري(1) لهذا الخبر في أخبار هند بن عتبة زوجة أبي سفيان وإتيان الحمزة أبا سفيان بالخبر ، ينمّ على أنّ الأمر يتعلـّق بها وأضرابها.
فهذا الفعل من الحمزة كان بدافع الغَيرة على المنافية وليس استغلالها.
وفي الإسلام ذكر المؤرخون عن موقف العباس مع عمر حين أتى بأبي سفيان مستأمناً له النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وعمر يريد قتله فقال له العباس : « مهلاً يا عمر فوالله ما تصنع هذا إلاّ لأنّه رجل من بني عبد مناف ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا »(2) .
فهذا الموقف مثل سابقه كان بدافع الغيرة على المنافية.
أمّا استغلال المنافية من قبل الأمويين لمصالحهم خصوصاً في الإسلام فأكثر الشواهد على ذلك وحسبنا الآن منها ما يأتي :
1 ـ روى المؤرخون ومنهم الطبري واللفظ بسنده عن عوانة قال : « لمّا أجتمع الناس على بيعة أبي بكر أقبل أبو سفيان وهو يقول : والله إنّي لأرى عجاجة لا يطفئها إلاّ دم. يا آل عبد مناف فيم أبو بكر من أموركم؟ أين
__________________
(1) أنساب الأشراف 1ق4 / 7 تح ـ احسان عباس بيروت.
(2) تاريخ الطبري 3 / 53 ط دار المعارف بمصر.
المستضعفان؟ أين الأذلان؟ عليّ والعباس فزجره عليّ وقال والله ما أردت بهذا إلاّ الفتنة ، وإنك طالما بغيت الإسلام شراً. لا حاجة لنا في نصيحتك »(1) .
وفي حديث ثابت قال أبو سفيان : « ما لنا ولأبي فصيل انما هي بنو عبد مناف ، فقيل له انّه قد ولى إبنك قال : وصلته رحم »(2) .
2 ـ روى الطبري وابن الأثير وغيرهما واللفظ للأوّل ان خالد بن سعيد ـ ابن العاصي ـ لمّا قدم من اليمن بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تربّص ببيعته شهرين وقد لقي عليّ بن أبي طالب وعثمان بن عفان فقال : « يا بني عبد مناف لقد طبتم نفساً عن أمركم يليه غيركم ».
قال الراوي : « فأما أبو بكر فلم يحفلها ـ يحقدها ـ عليه ، وأمّا عمر فاضطغنها عليه »(3) .
3 ـ روى الطبري بسنده انّه لما حصر عثمان كان عليّ بخيبر فلمّا قدم أرسل إليه عثمان يدعوه فانطلق إليه فكلّمه وذكر له ما له من حقوق عليه أن يرعاها منها حقّ الإسلام وحقّ الإخاء وحقّ القرابة وحقّ الصهر ثمّ قال له : « فلو لم يكن من هذا شيء ثمّ كنّا إنما نحن في جاهلية لكان مبطئاً على بني عبد مناف أن يبتزّهم أخو بني تيم ملكهم ـ ويعني به طلحة ـ »(4) .
4 ـ روى الطبري في تاريخه والثقفي في تاريخه أن عائشة جاءت إلى عثمان فقالت : أعطني ما كان يعطيني أبي وعمر قال : لا أجد له موضعاً في كتاب الله ولا في السنة ، ولكن كان أبوك وعمر يعطيانك عن طيبة أنفسهما وأنا لا أفعل.
__________________
(1) نفس المصدر 3 / 209.
(2) نفس المصدر.
(3) نفس المصدر 3 / 387.
(4) نفس المصدر 4 / 430.
قالت : فأعطني ميراثي من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . قال : أو لم تجيء فاطمة تطلب ميراثها من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فشهدتِ أنتِ ومالك بن أوس النضري أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يورث ، وأبطلت حقّ فاطمة وجئتِ تطلبينه. لا أفعل.
وزاد الطبري : وكان عثمان متكئاً فأستوى جالساً وقال : ستعلم فاطمة أيّ ابن عم لها مني اليوم.
ألستِ وأعرابي يتوضأ ببوله شهدتِ عند أبيك.
قالا جميعاً ـ الطبري والثقفي ـ في تاريخيهما : فكان إذا خرج عثمان إلى الصلاة أخرجت قميص رسول الله وتنادي أنّه قد خالف صاحب هذا القميص.
وزاد الطبري يقول : هذا قميص رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يبلَ وقد غيّر عثمان سنتّه ، اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا(1) .
5 ـ وروى الطبري حديث سعيد بن العاص مع طلحة والزبير بذات عرق وقد لقيهما مع جماعة الأمويين وغيرهم ممن لم يبايعوا الإمام فقال لهما : « إن
__________________
(1) بحار الأنوار 8 / 320 ط الكمپاني الحجري. وجاء في الإيضاح للفضل بن شاذان / 258 ـ 262 تفاوت في هذا الخبر فقد روى شريك عن عبد الله إن عائشة وحفصة أتتا عثمان حين نقص اُمهات المؤمنين ما كان يعطيهن عمر ، فسألتاه أن يعطيهما ما فرض عمر فقال : لا والله ما ذاك لكما عندي. فقالتا له : فآتنا ميراثنا من رسول الله من حبطانه وكان عثمان متكئاً فجلس ، وكان عليّ بن أبي طالبعليهالسلام جالساً عنده ـ فقال : ستعلم فاطمة أي ابن عم لها اليوم ، ألستما اللتين شهدتما عند أبي بكر ولفقتما ومعكما أعرابي يتطهر ببوله مالك بن الحويرث بن الحدثان فشهدتم أن النبيّ قال : إنا معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة ، فإن كنتما شهدتما بحقّ ، فقد أجزت شهادتكما على أنفسكما ، وإن كنتما شهدتما بباطل ، فعلى من شهد بالباطل لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
فقالا له : يا نعثل والله لقد شبّهك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بنعثل اليهودي.
فقال لهما :( ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط ) فخرجتا من عنده.
ظفرتما لمن تجعلان الأمر؟ أصدقاني ، قالا : لأحدنا أيّنا اختاره الناس. قال : بل أجعلوه لولد عثمان فإنّكم خرجتم تطلبون بدمه ، قالا : ندع شيوخ المهاجرين ونجعلها لأبنائهم قال : فلا أراني أسعى لأخرجها من بني عبد مناف فرجع.
ورجع عبد الله بن خالد بن أسيد. فقال المغيرة بن شعبة : الرأي ما رأى سعيد مَن كان هاهنا من ثقيف فليرجع ورجع »(1) .
هذه نماذج من استغلال نغمة المنافية عند الأمويين لمصالحهم الذاتية. فهي عندهم الورقة الرابحة يظهرونها عند الحاجة في تهديد خصومهم تحقيقاً لمآربهم المشبوهة. فهم يستنجدون بالهاشميين ويستفزونهم لنصرتهم كما رأينا في حديث أبي سفيان وحديث خالد بن سعيد (الشاهد 1 و 2).
وليس في حديث سعيد بن العاص (الشاهد 5) دلالة على رعاية المنافية للمنافية ، بل إنّما هو لمصلحة بقاء الأمر في بني عبد مناف عسى أن ينعم بها سعيد وقومه كما كانوا أيام عثمان يخضمون مال الله.
ولكن هلمّ إلى النظر في حديثي عثمان (الشاهد 3 و 4) ففي الأوّل يستنجد بالإمام ويطلب منه نصرته لحقوق ذكرها ثمّ حاول أستفزازه بنخوة الجاهلية بان العيب على بني عبد مناف أن يبتزّهم ملكهم أخو بني تيم. ويعني به طلحة لأنه كان قد أستولى على بيوت المال ومعه الثوار
فهل يحق لسائل أن يسأل أين كان عثمان من الحمية المنافية يوم تولّى أبو بكر الأمر وهو أيضاً أخو بني تيم ، وهو أيضاً قد أبتزّ ملكهم كما قال أبو سفيان ، فهلاّ كان مع عليّ يومئذ فيمن كان معه؟ فذلك أولى بالعيب عليه وعلى
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 453 ط دار المعارف بمصر.
بني عبد مناف وفي الشاهد الثاني أيضاً استوى جالساً وقال : ستعلم فاطمة أيّ ابن عم لها مني اليوم.
ولسائل يسأل أيّ نخوة ابن عم هذه بعد فوات الأوان هلاّ كانت يوم جاءت فاطمة تطلب أبا بكر بفدك وغيرها من النحلة فأبى عليها فطالبته بالميراث فزعم لها ما ذكره عثمان لعائشة؟ فهلاّ نصر فاطمة يومئذ؟
لا ألفينّك بعد الموت تندبني |
وفي حياتي ما زودتني زادي |
ثمّ هلاّ استفزته الحميّة المنافية حين تولى الحكم فأرجع فدكاً إلى ولد فاطمة بدلا من أن يعطيها لمروان صهره وابن عمه؟ إنّها المنافية الأموية المزوّرة تطفو عند الحاجة وتغيب عند المغانم حسب المنظور النفعي عند أصحابها.
أمّا منظور بني هاشم يأبى عليهم التعامل بكل تزوير. فلهم من عقيدتهم الإسلامية رصيد يأبى عليهم التعامل بالنخوة الجاهلية فإسلامهم ـ شرعة ومنهاجاً ـ يمنعهم من العصبية الجاهلية ، وهم أشدّ تمسكاً بتعاليمه وقيمه.
كما أنّ طباعهم تأبى عليهم دنايا التحالفات المشبوهة خصوصاً مع الأحلاف ومنهم بنو أمية لأنّ بني هاشم من المطيّبين ، وقد مرّ بنا تفضيل ابن عباس إمارة المطيبي وهو أبو بكر لأنّه من تيم ، وتيم من جملة القبائل المطيّبين ـ على إمارة الأحلافي ـ وهو عمر لأنّه من بني عدي بن كعب ، وهؤلاء كانوا من جملة قبائل الأحلاف.
والآن وبعد هذه المقدمة تبيّن لنا من معرفة الوشائج بين بني هاشم ـ ومنهم ابن عباس ـ وبين بني أمية ـ ومنهم عثمان ـ أن لا سبيل إلى توقع التأثير الحسن على العلاقات في مستقبل الأيام بين ابن عباس وبين عثمان.
بل المتوقع هو العكس من ذلك ، لأنّ أسباب التفاضل الموروثة كافية ، مضافاً إلى أثر التنافس الحادّ الّذي أوقدت جذوته خدعة الشورى ـ كما يراها ابن عباس وسماها الإمام ـ كفيلة بإلغاء الدور الفاعل والمؤثر لتلك الوشائج ، فضلاً عمّا ستأتي به الأيام من مفاجئات.
فلنقرأ الآن النصوص التاريخية الّتي قلنا لا بدّ لنا من قراءتها لمعرفة دور ابن عباس في أيام عثمان ، وها نحن ننقلها كما رواها المؤرخون فهي على عهدتهم ـ عن رواتهم ـ وهي على ذمتهم ، فيما كان فيها من إدانة أو تبرير ، وليس لأحد علينا فيها من سبيل مهما طالت رموز الصحابة ، فمنهم النقد وعليهم الإجابة. فمن البداية :
هكذا قال الإمام أبو الحسنعليهالسلام ، وهو يتميز غيظاً ، ويتفجر غضباً في خطبته الشقشقية الّتي قالها في الكوفة بعد سبعة عشر عاماً من حبكة الشورى ، ولم لا يتميّز غيظاً ويتفجر غضباً؟ وهو الّذي يرى انّه صاحب الحقّ ، وحقّ له أن يرى ذلك ، فقد أقامه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في حياته مقامه في أكثر من موطن ، بدءاً من المبيت على فراشه ليلة الهجرة ومروراً بتبليغ براءة وحديث المنزلة الّذي قاله في أكثر من موطن : (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هرون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي) ، وبحكم عموم المنزلة فهو خليفته حقاً ، ولا نطيل الوقوف عند هذا الحديث فهو ثابت عند عموم المسلمين وانّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعليّ ذلك ، إنما أفترقوا في مدى صلاحية الدلالة وشمول المنزلة لرتبة الخلافة. ومن نظر إلى حديث الثقلين وحديث الغدير وحديث الكتف والدواة وسواها من أحاديث وجد فيها من
الدلالة عليه ما لم يجد بعض ذلك عند غيره. وقد مرت بنا في بيعة أبي بكر الإشارة إلى ثبوت الولاية لصاحب الولاية سلام الله عليه.
والآن هلمّ إلى قولهعليهالسلام في بيعة الشورى ، ولنقرأ ما قاله متميزاً غضباً :
(حتى إذا مضى ـ يعني عمر ـ إلى سبيله جعلها في جماعة زعم أنّي أحدهم فيا لله وللشورى ، متى اعترض الريب فيَّ مع الأوّل منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر ، لكنني أسففت إذ أسفـّوا ، وطرت إذ طاروا ، فصغى رجل منهم لضغنه ، ومال الآخر لصهره مع هن وهن)(1) .
ولم تخف عليه أنّ الشورى كانت حبكة مدبّرة فسماها خدعة كما رآها ابن عمه عبد الله بن عباس كذلك.
لقد مرّ بنا ما رواه البلاذري والطبري وغيرهما من قول الإمام عند بيعة عثمان وبعد تهديد ابن عوف له بالقتل إن لم يبايع ، قال : (خدعة وأيّما خدعة).
وهذا القول من الإمام يشاركه فيه بقية بني هاشم وربما آخرون غيرهم. ومن بني هاشم الّذي يعنينا معرفة رأيه في المقام هو عبد الله بن عباس ، فقد روى لنا عبد الرزاق في المصنف(2) ، والزمخشري حديث مبايعة عبد الرحمن بن عوف لعثمان ، قال الزمخشري : « وثبت عليّ وعبد الله بن عباس ، فقال له عبد الله ابن
__________________
(1) يقول شارحو كلامهعليهالسلام أراد بالذي صغى لضغنه سعد بن أبي وقاص لأن عليّاً قتل أخواله من بني أمية. وبالذي مال لصهره ، عبد الرحمن بن عوف لأنه زوج أم كلثوم بنت أبي معيطة أخت عثمان لأمه.
وأمّا قوله : مع هن وهن : فهو كناية عن أمور لا يريد التصريح بها لأنه يكره ذكرها.
(2) المصنف 5 / 478.
عباس : خُدعتَ يا عليّ؟ فقال : وأيّ خدعة!! فسمعتها فاطمة بنت قيس فقالت : أنّ عبد الرحمن طلب الوثيقة لنفسه فأعطاه عثمان الثقة وأخذ عبد الرحمن لنفسه بالوثقى. فتكلمت بثلاث لغات في لغة واحدة اهـ »(1) .
والذي يعنينا من حديث الزمخشري هو تأكيد الرأي عند أهل البيت بخدعة الشورى ، فابن عباس حين يخاطب الإمام بأنك خُدعتَ ، لا يريد دخوله الشورى أوّل مرة ، فليست ثمة خدعة ، إنّما دخل وهو يعلم ـ كما يعلم ذلك أيضاً ابن عباس ـ أن شورى عمر حبكة الأمر لعثمان ، وقد قال للإمام منذ اللحظة الأولى : ذهب الأمر منّا فالرجل ـ يعني عمر ـ يريد أن يكون الأمر في عثمان ، وقد مرّ ذلك فراجع.
إذن ليست الخدعة الّتي عناها ابن عباس سوى محاورة عبد الرحمن للإمام ولعثمان في البيعة على كتاب الله وسنة نبيه وسيرة الشيخين فتلك المناورة هي أولى من تسميتها بالمحاورة. هي الخدعة الّتي أرادها ابن عباس بقوله ، ولا تخفى لهجة الدفاع الحادّ في كلام المرأة ـ فاطمة بنت قيس ـ الّتي كان إجتماع أصحاب الشورى في بيتها(2) ، وقد مرّ بنا كلام لابن عباس في يوم الشورى بدأه بمرارة وحرارة : « كم تمنعون حقنا؟ وربّ البيت إنّ عليّاً هو الإمام والخليفة » ، فلعل ذلك كان منه بعد سماعه قول فاطمة بنت قيس.
ومهما يكن فقد كان ابن عباس يعلم أن قريشاً ـ ومنهم عثمان ـ لا تحبّ عليّاً ولا بني هاشم لأنّهم كانوا ينظرون إلى عليّ وإليهم نظر الثور إلى جازره
__________________
(1) مختصر كتاب الموافقة بين أهل البيت والصحابة للحافظ إسماعيل بن عليّ بن الحسن ابن زنجويه الرازي السمّان المتوفى سنة 445 هـ وأختصره جار الله أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري المتوفى سنة 538 هـ تحقيق السيد يوسف أحمد ، منشورات محمّد عليّ بيضون دار الكتب العلمية بيروت لبنان.
(2) أسد الغابة 5 / 527 ط أفست الإسلامية ، تهذيب الأسماء للنووي ط المنيرية بمصر.
كما قال له عمر(1) . ولكنه سلّم إلى الأمر الواقع تبعاً للإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ، وكيف لا يسلّم وهو يسمعه يقول لأهل الشورى : (ولقد علمتم أنّي أحق بها من غيري ، والله لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين ، ولم يكن فيها جور إلاّ عليّ خاصة ، التماساً لأجر ذلك وفضله وزهداً فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه)(2) .
ورحم الله الإمام كاشف الغطاء حيث يقول : « الشورى بجوهرها وحقيقتها مؤامرة واقعية ، وشورى صورية وهي مهارة بارعة لفرض عثمان على المسلمين رغماً عليهم ، ولكن بتدبير بارع ، عاد على الإسلام والمسلمين بشرِ ما له دافع » ، فهو لم يعدو الحقيقة الّتي كشف عنها الإمامعليهالسلام منذ اللحظة الأولى بقوله لمن معه من الهاشميين : (ذهب الأمر منا ، فالرجل ـ يعني عمر ـ يريد أن يكون الأمر في عثمان).
أ ـ قال الشعبي في كتاب الشورى ومقتل عثمان : « واجتمع أهل الشورى على أن تكون كلمتهم واحدة على من لم يبايع ، فقاموا إلى عليّ فقالوا قم فبايع عثمان. قال : فان لم أفعل؟ قالوا : جاهدناك. قال : فمشى إلى عثمان حتى بايعه وهو يقول : صدق الله ورسوله »(3) .
ب ـ قال الشعبي : « فخرج عثمان على الناس ووجهه متهلل ، وخرج عليّ وهو كاسف البال مظلم وهو يقول : يا بن عوف ليس هذا بأول يوم تظاهرتم علينا من دفعنا عن حقنا والأستئثار علينا ، وإنها لسنّة علينا وطريقة تركتموها »(4) .
__________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 63 ط مصر الأولى.
(2) نفس المصدر 2 / 60 ، و 1 / 120 شرح محمّد عبده ط الأستقامة.
(3) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 410 ـ 411 ط مصر الأولى.
(4) نفس المصدر.
ج ـ قال : « فلمّا بايع أتاه عبد الرحمن بن عوف فأعتذر إليه وقال : إنّ عثمان أعطانا يده ويمينه ولم تفعل أنت ، فأحببت أن أتوثق للمسلمين فجعلتها له. فقال : إيهاً عنك إنما آثرته بها لتنالها بعده. دقّ الله بينكما عطر منشم »(1) .
جاء في جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري : « دقوا بينهم عطر منشم »(2) ، قال الأصمعي : « هي أمرأة كانت تبيع العطر وكانوا إذا قصدوا الحرب غمسوا أيديهم في طيبها وتحالفوا عليه ». وقال ابن السكيت : « العرب تكنى عن الحرب بثلاثة أشياء : عطر منشم ، وثوب محارب وبُرد فاخر » ، وقال أبو هلال العسكري في كتاب الأوائل : « استجيبت دعوة عليّعليهالسلام في عثمان وعبد الرحمن فما ماتا إلاّ متهاجرَين متعاديَين ».
د ـ فقال المغيرة بن شعبة لعثمان : « أما والله لو بويع غيرك لما بايعناه. فقال عبد الرحمن بن عوف : كذبت والله لو بويع غيره لبايعته ، وما أنت وذاك يا بن الدّباغة ، والله لو وليها غيره لقلت له مثل ما قلت الآن تقرّباً إليه وطمعاً في الدنيا فاذهب إليك.
فقال المغيرة : لولا مكان أمير المؤمنين لأسمعتك ما تكره. ومضيا »(3) .
هـ ـ قال الشعبي : « فلمّا دخل عثمان رحله دخل إليه بنو أمية حتى أمتلأت بهم الدار ثمّ أغلقوها عليهم فقال أبو سفيان بن حرب : أعندكم أحد من غيركم؟ قالوا : لا. قال : يا بني أمية تلقفوها تلقـّف الكرة ، فوالّذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا حساب ، ولا جنة ولا نار ولا بعث ولا قيامة.
__________________
(1) نفس المصدر.
(2) جمهرة الأمثال 1 / 445 تح ـ محمّد أبو الفضل إبراهيم وعبد المجيد قطامش ط الاُولى بمصر سنة 1384 هـ.
(3) نفس المصدر.
قال : فأنتهره عثمان وساءه بما قال وأمر بإخراجه »(1) .
و ـ قال الشعبي : « فدخل عبد الرحمن بن عوف على عثمان فقال له ما صنعت؟! فوالله ما وفـّقت حيث تدخل رحلك قبل أن تصعد المنبر ، فتحمد الله وتثني عليه وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتعد الناس خيراً »(2) .
ز ـ قال : « فخرج عثمان فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : هذا مقام لم نكن نقومه ولم نعدّ له من الكلام الّذي يقال به في مثله ، وسأهيء ذلك إن شاء الله ، ولن آلو أمة محمّد خيراً والله المستعان ، ثمّ نزل »(3) .
وفي حديث عند البلاذري في الأنساب رواه عن الواقدي قال : « انّ عثمان لمّا بويع خرج إلى الناس فخطب فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : أيها الناس : ان أوّل مركب صعب ، وإن بعد اليوم أياماً ، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها فما كنا خطباء وسيعلمنا الله »(4) .
وفي حديث آخر له عن أبي مخنف قال : « ان عثمان لما صعد المنبر قال : أيّها الناس هذا مقام لم أزوّر له خطبة ، ولا أعددت له كلاماً وسنعود فنقول إن شاء الله »(5) .
وفي ثالث برواية المدائني أنّه قال : « أيها الناس ، إنا لم نكن خطباء وإن نعش تأتكم الخطبة على وجهها إن شاء الله »(6) ، ثمّ قال البلاذري : « وروي
__________________
(1) نفس المصدر 410 / 411.
(2) نفس المصدر.
(3) نفس المصدر.
(4) أنساب الأشراف 1ق4 / 510.
(5) نفس المصدر.
(6) نفس المصدر.
أنّ عثمان خطب فقال انّ أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالاً وسيأتي الله به »(1) .
فكل هذه الروايات دلت على أن المسلمين قد خابت آمالهم في بيان خليفتهم الجديد ، فهو حين أشرأبت إليه الأعناق تتطلع إلى بيانه الخليفي الّذي سيعد فيه المسلمين خيراً ، لكنه أحصر وأرتج عليه ولم يزد على ما قاله من بضع كلمات.
ومهما تفنّن رواة التفخيم بعد ذلك في تزويق المقال فزادوا وبدلوا ، ولكن ذلك لم يغيّر من الواقع شيئاً فقد أرتج عليه باتفاق ، والناس بما فيهم بنو هاشم تضاءل تفاؤلهم بالحسنى الّتي كانوا يأملون سماعها في الخطاب الخليفي. فهم حديثو عهد بصرامة عمر وشدته عليهم وحتى على ذويه ، وهم بانتظار الجديد من خليفتهم ما يفي بتطلعاتهم المستقبلية في ظل الحكومة الجديدة. ولكن ذلك الّذي لم يحصل ، فعليهم إذن الانتظار لما تتمخض عنه الأيام. ونحن كذلك علينا قراءة ما حمله الرواة من أحداث المستجدات.
ح ـ فقد صعد عثمان المنبر وجلس في الموضع الّذي كان يجلس فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يجلس أبو بكر ولا عمر فيه. جلس أبو بكر دونه بمرقاة ، وجلس عمر دون أبي بكر بمرقاة ، فتكلم الناس في ذلك فقال بعضهم : « اليوم ولد الشرّ »(2) ، ولمّا خطب الخطبة الّتي قال فيها : « انّكم في دار قلعة وفي بقية أعمار » إلى آخر خطبته ، لم تسفر عن نتائج متوقعة ولربما ولّدت اليأس في نفوس مستمعيه لأنها جاءت خلاف ما يأملون.
__________________
(1) نفس المصدر / 511.
(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 140 مط الغري.
ط ـ خرج عثمان من الليلة الّتي بويع له في يومها لصلاة العشاء الآخرة وبين يديه شمعة فلقيه المقداد بن عمرو فقال : « ما هذه البدعة »(1) .
ي ـ قال الدكتور حسن إبراهيم حسن : « وهذه الخطبة لا تبين لنا السياسة الّتي عوّل عثمان على انتهاجها في إدارة شؤون دولته ، وإنما هي عبارة عن نصائح تتعلق بالدين لا بالسياسة وكأن عثمان لا يريد أن يلزم نفسه بسياسة خاصة يطمئن إليها المسلمون وغيرهم من أهالي الدولة الإسلامية في عهده »(2) .
من هم أولئك؟ ولماذا؟
روى البلاذري في الأنساب ، وابن سعد في الطبقات عن الزهري قال : « وإنّه لأحبّ إلى قريش من عمر ، لشدة عمر ولين عثمان لهم ، ورفقه بهم ، ثمّ توانى في أمرهم ، واستعمل أقاربه وأهل بيته في الست الأواخر وأهملهم »(3) .
هذا قول الزهري وهو ممن لا يتهم في حديثه عند العثمانيين وعليهم ، لأنّه كان من الضالعين معهم ، وتولى لهم بعض المناصب ، فروايته مقبولة فيهم وعليهم.
ومقولته على إيجازها تستبطن معاني أكثر من كلماتها ، فقد بيّنت علة حبّ القرشيين لعثمان أكثر من حبهم لعمر ، لشدة عمر ولين عثمان ، وإن هي أشارت على استحياء إلى النفعية الّتي كانت تلازم اللين باسم الرفق بهم. بيد أنّها
__________________
(1) نفس المصدر 2 / 140.
(2) تاريخ الإسلام 1 / 276 ط الثالثة سنة 1935.
(3) أنساب الأشراف 1ق4 / 512 تح ـ احسان عباس ، طبقات ابن سعد 3 ق 1 / 44.
أصحرت بتواني عثمان في أمرهم حين أستعمل أقاربه وأهل بيته ، ثمّ كشفت دخائل الرجال بتحديد السنين والحساب فقالت في الست الأواخر حين أهملهم.
ومن الطبيعي أن تكون نتيجة الأهمال تجنيد القوى النفعية ضده ، ما دامت المنفعة مفقودة فالسيرة غير محمودة ، وهي مقولة مَن يتصاحبون على غير تقى. وهذا لا ريب فيه. لكن يبقى الأمر المعمّى في مقولة الزهري ، فلم يكشف عنه هو تعيين مَن هم أولئك من قريش الذين لان لهم عثمان فأحبّوه ، ورفق بهم فأعزّوه ، وتوانى في أمرهم وأهملهم فناصبوه. وكانت النتيجة ثاروا عليه فقتلوه؟
هذا هو السؤال الّذي يجب أن لا يبقى بلا جواب ، فلنبحث عنه ولا بد من خلال عرض شامل لرموز قريش الذين تعاونوا مع عثمان حتى كسب الفوز بنتيجة الشورى ، فلان لهم وأغدق عليهم العطاء ، وحباهم بالإقطاع جزيل الحباء ، نجدهم لا يمثـّلون جميع البطون القرشية بل نجد بعض البطون مستبعَدة تماماً عن نيل تلك المغانم ، وإن أصابهم رذاذ المغارم.
مثل بني هاشم ، وهم سادات قريش لم ينل أحد منهم من لين عثمان ورفقه ، إلاّ ما هو مقرّر له من عطائه ورزقه ، ويلحق بهم بنو المطلب بن عبد مناف وهم إخوة بني هاشم في الجاهلية والإسلام.
وعثمان يعرف تلك الصلة جيّداً وربما كان يحقدها عليهم ـ على أكثر تقدير ـ أو يحسدها ـ على أقل تقدير ـ فقد روى أبو داود في سننه بسنده عن سعيد بن المسيب قال : « أخبرني جبير بن مطعم قال : لما كان يوم خيبر وضع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سهم ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب ، وترك بني نوفل وبني عبد شمس. قال : فانطلقت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقلنا :
يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم للموضع الّذي وضعك الله به منهم ، فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا ، وقرابتنا واحدة ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (إنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام ، وإنما نحن وهم شيء واحد) وشبك بين أصابعه »(1) .
وفي لفظ آخر : « قال جبير : ولم يقسم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل من ذلك الخمس »(2) .
وهذا الحديث يرفع شأن بني المطلب فيساويهم ببني هاشم ، ويترفع بهم عن غسالة الأيدي ـ الصدقات ـ فأشركهم في الخمس ، وهذا الرفع مدعاة لتوريث الحسد في نفس المفضول. فإن متسافل الدرجات يحسد من علا.
إذن فهذان بطنان من قريش لم يكن لهما في لين عثمان ورفقه من نصيب ، إذ لم أقف على اسم واحد من رجال الحيّين مَن كانت لعثمان عنده يد تذكر ، أو له عليه دالة تشكر. اللّهمّ إلاّ ما قد يتخيل ذلك مع العباس بن ربيعة بن الحارث ابن عبد المطلب ، وسيأتي بيان ذلك في موقف عثمان مع بني هاشم فانتظر. فقريش الذين أرادهم الزهري ليس فيهم من بني هاشم ولا من بني المطلب أحد. فكان عليه أن يقول بعض قريش.
والآن فمن هم أولئك؟ والجواب نقرأ عنه في قائمة أسماء المحظيين بعطايا عثمان وهباته ، ومن خلال إنتمائهم القبلي. وهم كما يلي :
من بني تيم ـ رهط أبي بكر ـ طلحة وعائشة بنت أبي بكر.
__________________
(1) سنن أبي داود 3 / 149 تح ـ محمد محي الدين عبد الحميد ط دار الفكر.
(2) سنن أبي داود 3 / 106 ـ 107 ، المحلى لابن حزم 7 / 327 ـ 328 ، الدر المنثور للسيوطي 3 / 186.
ومن بني عدي ـ رهط عمر ـ عبد الله وعبيد الله وحفصة أبناء عمر ، وأبو الجهم بن حذيفة ممّن تولى الصلاة على عثمان ودفنه(1) .
ومن بني أسد بن عبد العزى : الزبير بن العوام وابنه عبد الله ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن العوام المقتول مع عثمان يوم الدار(2) ، وعبد الله الأكبر بن وهب ابن زمعة المقتول أيضاً مع عثمان يوم الدار(3) ، وعدي بن نوفل والي عثمان على حضرموت(4) ، وحكيم بن حزام بن خويلد أحد المصلين على عثمان(5) .
ومن بني زهرة : سعد بن أبي وقاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأخوه عبد الله بن عوف قتل مع عثمان(6) ، وعبد الله بن الأرقم ولاه عثمان بيت المال ثمّ عزله(7) ، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث(8) ، والمسور بن مخرمة ومن بني نوفل : جبير بن مطعم ـ وقد مرّ ذكره ـ وهو الّذي صلّى على عثمان(9) .
ومن بني مخزوم : عبد الله بن عياش.
ومن بني سهم : عمرو بن العاص.
__________________
(1) جمهرة أنساب العرب لابن حزم / 156.
(2) نفس المصدر / 125.
(3) نفس المصدر / 119 ، وهذا هو الّذي ضرب بابن مسعود الأرض (أنساب الأشراف 1ق4 / 525 تح ـ احسان عباس).
(4) نفس المصدر / 120.
(5) أنساب الأشراف 1ق4 / 593.
(6) جمهرة أنساب العرب لابن حزم / 571.
(7) نفس المصدر / 129 ، وسيأتي حديث عزله وهو في أنساب الأشراف 1ق4 / 547 تح ـقيق إحسان عباس.
(8) أنساب الأشراف 1ق4 / 544.
(9) نفس المصدر 1ق4 / 593.
ومن بني عبد العزّى بن عبد شمس : عليّ بن عدي بن ربيعة والي عثمان على مكة(1) .
ومن بني ربيعة بن عبد شمس : محمّد بن أبي حذيفة فقد ربّاه عثمان(2) ، أضف إليهم بني أمية رهط عثمان وأهل بيته.
فكلّ هؤلاء هم من قريش الّتي أحبّت عثمان بن عفان حتى قال القائل :
أحبّك والرحمن حبّ قريش عثمان إذا دعا بالميزان(3)
ولم يكتم القائل سبب الحب القاتل ، فقد جعله مشروطاً بشرطه وهو عدم عند عدمه ، فما دام الميزان يزن الأصفر الرنان فقريش تحب عثمان. ولكن سوف نعرف سرعان ما ضاع الوزن والوزّان. فانقلب السحر على الساحر ولم يجد منهم عاذر ، ولا قوة ولا ناصر.
وستأتي قائمة بأسماء المحظيين الصفوة وما نالهم من حظوة وحبوة ، وبعد ذا انقلبت الموازين إلى الجفوة. وقبل ذلك ينبغي التنبيه إلى أن عثمان لما حمى الحمى وثارت عليه زوبعة الناقدين له. وجاءه الناس وكان لسانهم سعد بن أبي وقاص فعددوا ما ينقمون عليه إلى أن قالوا : ننقم عليك إنّك حميت الحمى. قال : جاءتني قريش فقالت : إنّه ليس من العرب قوم إلاّ لهم حمىً يرعون فيه غيرنا. فقلت : ذلك لهم(4) .
__________________
(1) جمهرة أنساب العرب / 78.
(2) نفس المصدر / 77 ، وأنساب البلاذري 1ق4 / 539.
(3) أنساب الأشراف 1ق4 / 495 تح ـ إحسان عباس ، المعارف لابن قتيبة / 192 تح ـ ثروت عكاشة ، العقد الفريد 4 / 285 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه.
(4) المصنف لابن أبي شيبة 15 / 221 ط باكستان.
فمن هذا النص تبين أن ثمة قريش طلبت من عثمان أن يحمي لهم حمىً لأنعامهم ، فحماه وباء بآثامهم ، وهؤلاء ليسوا كلّ من ذكرناه آنفاً لخروج سعد وقومه بني زهرة من قريش الحمى ـ لا أقل ـ ولدى الفحص في هويّات المنتفعين بالحمى نراهم بني أمية ومن والاهم.
وهؤلاء هم قريش الذين عناهم عثمان في قوله للإمام عليّ ما ذنبي إليك إذا لم تحبّك قريش وقد قتلت منهم سبعين كأن وجوههم سيوف الذهب ، كما سيأتي في موقف عثمان من بني هاشم.
ثمّ هؤلاء هم قريش الذين حذّر عمر عثمان منهم حين قال له : « فإن وليت هذا الأمر فاتق الله ولا تحمل آل أبي مُعيط على رقاب الناس »(1) .
قال الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام في خطبته الشقشقية : (إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه ، بين نثيله ومعتلفَه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع ، إلى أن انتكث فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته).
وقال من خطبة لهعليهالسلام في معنى قتل عثمان : (وأنا جامع لكم أمره : أستأثر فأساء الإثرة ، وجزعتم فأسأتم الجزع ، ولله حكم واقع في المستأثر والجازع)(2) .
وفي قولي الإمامعليهالسلام كان جماع أمر السخط أسبابه ونتائجه. أمّا تفصيل ذلك فهو على النحو التالي في محاور ثلاثة :
الأوّل : (أسباب السخط).
الثاني : (معرفة الساخطين).
الثالث : (نتائج السخط).
__________________
(1) أنساب الأشراف 1ق4 / 501.
(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 157 ط مصر الاُولى.
فإلى معرفة الأسباب وإنّها لكثيرة أنهاها المحبّ الطبري في الرياض النضرة(1) إلى تسعة عشر يمكن إرجاع أمرها إلى أربعة :
1 ـ ما يتعلق بمخالفة الشريعة في الأحكام.
2 ـ ما يتعلق بمخالفة الشريعة في الأموال.
3 ـ ما يتعلق بمخالفة الشريعة في الولايات.
4 ـ ما يتعلق بمخالفة السيرة العمرية.
فإلى معرفة الأسباب :
1 ـ فمن المخالفات في الأحكام تعطيله الحدّ في عبيد الله بن عمر قاتل الهرمزان وابنة أبي لؤلؤة وجفينة :
قال ابن سعد في الطبقات : بعد ذكره قتل عبيد الله بن عمر للهرمزان وابنة أبي لؤلؤة : « وأراد عبيد الله ألاّ يترك سبياً بالمدينة يومئذ إلاّ قتله ، فاجتمع المهاجرون الأولون فأعظموا ما صنع عبيد الله من قتل هؤلاء ، واشتدوا عليه وزجروه عن السبي فقال : والله لأقتلنّهم وغيرهم يعرّض ببعض المهاجرين(2) فلم يزل عمرو بن العاص يرفق به حتى دفع إليه سيفه ، فأتاه سعد فأخذ كلّ واحد منهما برأس صاحبه يتناصيان ـ أي يأخذ كلّ واحد بناصية الآخر ـ حتى حجز بينهما الناس ، فأقبل عثمان وذلك في الثلاثة الأيام الشورى قبل أن
__________________
(1) الرياض النضرة 2 / 137.
(2) وتعريضه هـذا يوجه أصابع الإتهام إلى اشتراك بعض المهاجرين فـي التآمر على قتل أبيه.
يبايع له حتى أخذ برأس عبيد الله بن عمر وأخذ عبيد الله برأسه ، ثمّ حُجز بينهما »(1) .
وقال أيضاً عن أبي وجرة عن أبيه قال : « رأيت عبيد الله بن عمر يومئذ وإنه ليناصي عثمان وان عثمان ليقول : قاتلك الله قتلتَ رجلاً يصلي وصبيته صغيرة وآخر من ذمة رسول الله (صلعم) ما في الحقّ تركك.
قال : فعجبت لعثمان حين ولي كيف تركه ، ولكن عرفت أن عمرو بن العاص كان دخل في ذلك فلفته عن رأيه »(2) .
وقال أيضاً عن محمود بن لبيد قال : « ما كان عبيد الله يومئذ إلاّ كهيئة السبع الحَرب يعترض العجم بالسيف حتى حبس في السجن ، فكنت أحسب أن عثمان إن ولي سيقتله ، لما كنت أراه صنع به كان هو وسعد أشدّ أصحاب رسول الله (صلعم) عليه »(3) .
وقال أيضاً عن عبد المطلب بن عبد الله بن حنطب قال : « قال عليّ لعبيد الله ابن عمر ما كان ذنب بنت أبي لؤلؤة حتى قتلتها ، قال : فكان رأي عليّ حين أستشاره عثمان ورأي الأكابر من أصحاب رسول الله على قتله ، لكن عمرو بن العاص كلّم عثمان حتى تركه. فكان عليّ يقول : لو قدرتُ على عبيد الله بن عمر ولي سلطان لأقتصصت لله »(4) .
__________________
(1) طبقات ابن سعد 5 / 8 ، وقارن المصنف لعبد الرزاق 5 / 479 ، وتاريخ الإسلام للذهبي 2 / 71 ط القدسي.
(2) طبقات ابن سعد 5 / 9.
(3) نفس المصدر.
(4) نفس المصدر.
وفي حديث له عن الزهري قال : « لمّا أستخلف عثمان دعا المهاجرين والأنصار فقال أشيروا عليّ في قتل هذا الّذي فتق في الدين ما فتق؟ فأجمع رأي المهاجرين والأنصار على كلمة واحدة يشجّعون عثمان على قتله »(1) .
وروى عبد الرزاق في المصنف في حديث له : « قال الزهري وأخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر قال : يرحم الله حفصة إن كانت لممن شجّع عبيد الله على قتل الهرمزان وجفينة »(2) .
وأخرج البيهقي في سننه حديثاً عن عبيد الله بن عبيد بن عمير جاء فيه : « فقيل لعمر إنّ عبيد الله قتل الهرمزان قال : ولم قتله؟ قال انّه قتل أبي قال عمر ما أدري ما هذا؟ انظروا إذا أنا متّ فأسألوا عبيد الله البينة على الهرمزان هو قتلني؟ فإن أقام البيّنة فدمه بدمي ، وإن لم يقم البيّنة فأقيدوا عبيد الله من الهرمزان. فلمّا ولي عثمان قيل له : ألا تمضي وصية عمر في عبيد الله؟ »(3) .
وذكر اليعقوبي : انّه أكثر الناس في دم الهرمزان وإمساك عثمان عبيد الله بن عمر ، فصعد المنبر فخطب الناس ثمّ قال : ألا إنّي ولي دم الهرمزان وقد وهبته لله ولعمر وتركته لدم عمر.
فقام المقداد بن عمرو فقال : إن الهرمزان مولى لله ولرسوله ، وليس لك أن تهب ما كان لله ولرسوله قال : فننظر وتنظرون. ثمّ أخرج عثمان عبيد الله بن عمر من المدينة إلى الكوفة وأنزله داراً فنسب الموضع إليه (كويفة بن عمر) وروى غير واحد أبيات زياد بن لبيد البياضي وهو من الأنصار :
__________________
(1) نفس المصدر.
(2) المصنف لعبد الرزاق 5 / 480.
(3) السنن الكبرى 8 / 61.
أبا عمروٍ عبيد الله رهـن |
فلا تـشكك بقتل الهرمزان |
|
فإنّك إن غفرت الجرم عنه |
وأسباب الخطا فرسا رهان |
|
أتعفو إذ عفوتَ بغير حقّ |
فما لك بالذي تحكي يدان(1) |
إلى آخر ما هنالك من ملابسات القضية ، وكلّ ما حيك لها من أعذار بعد ذلك لم ترفع عن عثمان إصر إهدار الدم كما لم تمحُ إصرار المسلمين على أخذ القصاص من عبيد الله نحو ما روى البلاذري في الأنساب : « عن المدائني عن غياث بن إبراهيم أن عثمان صعد المنبر فقال : أيها الناس إنا لم نكن خطباء وان نعش تأتكم الخطبة على وجهها إن شاء الله ، وقد كان من قضاء الله أن عبيد الله ابن عمر أصاب الهرمزان ، وكان الهرمزان من المسلمين ولا وارث له إلاّ المسلمون عامة ، وأنا أمامكم وقد عفوتُ أفتعفون؟ قالوا : نعم فقال عليّ : أقد الفاسق فإنه أتى عظيماً ، قتل مسلماً بلا ذنب. وقال لعبيد الله يا فاسق لئن ظفرت بك يوماً لأقتلنك بالهرمزان »(2) .
2 ـ مخالفة عثمان للحكم الشرعي في تعطيله الحد على الوليد :
وأعطف على موقف عثمان في تعطيله الحد على عبيد الله بن عمر تعطيله الحد على أخيه الوليد بن عتبة عامله على الكوفة لما شرب الخمر بالكوفة وقاءها في المحراب ، فخرج في أمره إلى عثمان أربعة نفر : أبو زينب وجندب بن زهير وأبو حبيبة الغفاري والصعب بن جثامة. فأخبروه خبره. فقال عبد الرحمن بن عوف : ما له أجُنّ؟ قالوا : لا ولكنه سكر. فأوعدهم عثمان وتهددهم وقال
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 141.
(2) أنساب الأشراف 1ق4 / 510 تح ـ احسان عباس.
لجندب : أنت رأيت أخي يشرب الخمر؟ قال : معاذ الله ، ولكني أشهد أنّي رأيته سكران يقلسها من جوفه ، وأني أخذت خاتمه من يده وهو سكران لا يعقل.
قال أبو إسحاق الهمداني : فأتى الشهود عائشة فأخبروها بما جرى بينهم وبين عثمان ، وأنّ عثمان زبَرهم فنادت عائشة : إن عثمان أبطل الحدود وتوعّد الشهود(1) ، ويقال : أن عائشة أغلظت لعثمان وأغلظ لها وقال : وما أنتِ وهذا ، إنما أمرتِ أن تقرّي في بيتك ، فقال قوم مثل قوله ، وقال آخرون : ومن أولى بذلك منها ، فاضطربوا بالنعال ، وكان ذلك أوّل قتال بين المسلمين بعد النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم(2) ، وأستنكر المسلمون ذلك على عثمان. فقد أتاه عليّ بعد ما أتاه الشهود وشكوا إليه ضرب عثمان لبعضهم. فقال له : عطلت الحدود وضربت قوماً شهدوا على أخيك فقلبت الحكم ، وقد قال عمر : لا تحمل بني أمية وآل أبي معيط خاصة على رقاب الناس. قال : فما ترى؟ قال : أرى أن تعزله ولا توليه شيئاً من أمور المسلمين وأن تسأل عن الشهود ، فإن لم يكونوا أهل ظنّة ولا عداوة أقمت على صاحبك الحدّ(3) إلى أخر ما هنالك.
3 ـ ومن أسباب السخط على عثمان في مخالفته فيما يتعلق بأمور الشريعة أيضاً إتمامه الصلاة بمنى :
قال الطبري في تاريخه آخر حوادث سنة 29 : وحج بالناس في هذه السنة عثمان ، فضرب بمنى فسطاطاً ، فكان أوّل فسطاط ضربه عثمان بمنى ، وأتم الصلاة بها وبعرفة.
__________________
(1) نفس المصدر 1ق4 / 521.
(2) أنساب الأشراف 1ق4 / 522 ، وقارن بالأغاني 5 / 119.
(3) أنساب الأشراف 1ق4 / 522.
فذكر الواقدي عن عمر بن صالح بن نافع عن صالح مولى التوءمة قال سمعت ابن عباس يقول : إن أوّل ما تكلم الناس في عثمان ظاهراً أنّه صلّى بالناس بمنى في ولايته ركعتين ، حتى إذا كانت السنة السادسة أتمها ، فعاب ذلك غير واحد من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم ، وتكلّم في ذلك من يريد أن يكثـّر عليه ، حتى جاءه عليّ فيمن جاءه ، فقال : والله ما حدث أمر ولا قدَم عهد ، ولقد عهدتَ نبيّك صلّى الله عليه (وآله) وسلّم يصلي ركعتين ، ثمّ أبا بكر ثمّ عمر ، وأنت صدراً من ولايتك ، فما أدري ما ترجع إليه؟ فقال : رأيٌ رأيته.
قال الواقدي : وحدثني داود بن خالد عن عبد الملك بن عمرو بن أبي سفيان الثقفي عن عمه قال : صلّى عثمان بالناس بمنى أربعاً. فأتى آتِ عبد الرحمن بن عوف فقال : هل لك في أخيك؟ قد صلّى بالناس أربعاً ، فصلّى عبد الرحمن بأصحابه ركعتين ، ثمّ خرج حتى دخل على عثمان فقال له : ألم تصلّ في هذا المكان مع رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم ركعتين؟ قال : بلى. قال : أفلم تصل مع أبي بكر ركعتين؟ قال : بلى ، قال : أفلم تصل مع عمر ركعتين؟ قال : بلى قال : ألم تصل صدراً من خلافتك ركعتين؟ قال : بلى ، قال فاسمع مني أبا محمّد إنّي أخبرت أن بعض من حج من أهل اليمن وجفاة الناس. قد قالوا في عامنا الماضي : ان الصلاة للمقيم ركعتان ، هذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين ، وقد أتخذت بمكة أهلاً ، فرأيت أن أصلي أربعاً لخوف ما أخاف على الناس ، وأخرى قد أتخذت بها زوجة ، ولي بالطائف مال. فربّما أطلعته فأقمت فيه بعد الصَدرَ.
فقال عبد الرحمن بن عوف : ما من هذا شيء لك فيه عُذر. أمّا قولك : أتخذتَ أهلاً ، فزوجتك بالمدينة تخرج بها إذا شئت وتقدم بها إذا شئت ، إنّما تسكن بسكناك.
وأمّا قولك : ولي مال بالطائف ، فإن بينك وبين الطائف مسيرة ثلاث ليال ، وأنت لست من أهل الطائف. وأمّا قولك رجع من حج من أهل اليمن وغيرهم فيقولون : هذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين وهو مقيم ، فقد كان رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم ينزل عليه الوحي والناس يومئذ الإسلام فيهم قليل ، ثمّ أبو بكر مثل ذلك ثمّ عمر ، فضرب الإسلام بجرانه فصلّى بهم عمر حتى مات ركعتين ، فقال عثمان : هذا رأي رأيته. قال : فخرج عبد الرحمن فلقي ابن مسعود فقال : أبا محمّد غيّر ما يُعلم قال : لا ، قال : فما أصنع؟ قال : إعمل أنت بما تعمل فقال ابن مسعود : الخلاف شرّ ، قد بلغني أنّه صلّى أربعاً فصليت بأصحابي أربعاً.
فقال عبد الرحمن بن عوف : قد بلغني أنّه صلّى أربعاً ، فصليت بأصحابي ركعتين ، وأمّا الآن فسوف يكون الّذي تقول. يعني نصلي معه أربعاً(1) .
ذكر البلاذري في حديث له عن ابن عمر قال : « صليت مع رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم بمنى ركعتين ومع أبي بكر وعمر ومع عثمان صدراً من خلافته ، ثمّ أتمها أربعاً فتكلّم الناس في ذلك فأكثروا ، وسئل أن يرجع عن ذلك فلم يرجع »(2) .
وأخيراً سأل حميد الضمري ابن عباس فقال : إنّي أسافر فأقصّر الصلاة في السفر أم أتمها؟ فقال ابن عباس : لست تقصرها ولكن تتمها وسنة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم آمناً لا يخاف إلاّ
__________________
(1) قارن تواريخ ابن الأثير 3 / 42 ط بولاق ، وابن كثير 7 / 154 ط السعادة ، وابن خلدون 2 / 386 ط مصر الأولى.
(2) أنساب الأشراف 1ق4 / 527 تح ـ إحسان عباس.
الله فصلّى اثنتين حتى رجع. ثمّ خرج أبو بكر لا يخاف إلاّ الله فصلّى ركعتين حتى رجع ، ثمّ خرج عمر آمناً لا يخاف إلاّ الله فصلّى اثنتين حتى رجع ، ثمّ فعل ذلك عثمان ثلثي إمارته أو شطرها ثمّ صلاها أربعاً ، ثمّ أخذ بها بنو أمية(1) .
وقول ابن عباس : « لست تقصرها ولكن تتمها » استفسار منه لتسمية السائل الصلاة في السفر بالقصر ، بينما التمام الآن الفريضة في السفر أن يصلي ركعتين ركعتين فهي التمام.
4 ـ ومن مخالفته للشريعة استحداثه الأذان الثالث بعد الأذان والإقامة :
أخرج البخاري في صحيحه باب الأذان في يوم الجمعة عن السائب بن يزيد أنّ الّذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان وأيضاً في باب التأذين عند الخطبة بسنده عن السائب بن يزيد قال : « أنّ الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر في عهد رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم وأبي بكر وعمررضياللهعنهما فلمّا كان في خلافة عثمانرضياللهعنه وكثروا ، أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث ، فأذن به على الزوراء ، فثبت الأمر على ذلك »(2) ، وهذا أخرجه أصحاب السنن الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم.
5 ـ ومن مخالفته للشريعة أخذ الزكاة من الخيل ولم يوجبها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولا من بعده لكن عثمان أوجبها على الناس فنقموا ذلك عليه :
روى البلاذري بسنده عن الزهري ان عثمان كان يأخذ من الخيل الزكاة ، فأنكر ذلك من فعله الصحابة ومنهم ابن عباس فقد روى عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : « عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق وليس فيما دون المائتين زكاة »(3) .
__________________
(1) كنز العمال 4 / 240 ط الأولى و 8 / 154 ط الثانية بحيدر آباد.
(2) صحيح البخاري 2 / 8 و 9 ط بولاق كتاب الجمعة.
(3) أنساب الأشراف 1ق4 / 513 تح ـ إحسان عباس ، ومجمع الزوائد 3 / 69 نقلا عن الطبراني في الصغير والأوسط.
6 ـ ومن مخالفته للشريعة في مسائل الصلاة تقديمه الخطبة على الصلاة في العيدين :
وهو أوّل من فعل ذلك وقد عدّه السيوطي والسكتواري من أولياته في كتابيهما في الأوائل. وجاء في نيل الأوطار للشوكاني عن أبي غسان قال : « أوّل من خطب الناس في المصلى على منبر عثمان بن عفان ، ويبدو ممّا ذكره ابن حجر في فتح الباري انّه كان أولاً يصلي ثمّ يخطب ، ثمّ غيّر ذلك بعد فعيب عليه »(1) .
قال ابن حجر في فتح الباري : « روى ابن المنذر عن عثمان بإسناد صحيح إلى الحسن البصري قال : أوّل من خطب قبل الصلاة عثمان صلّى بالناس ثمّ خطبهم ، فرأى أناساً لم يدركوا الصلاة ففعل ذلك ، أي صار يخطب قبل الناس وهذه العلة غير الّتي أعتل بها مروان ، لأن عثمان رأى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصلاة ، وأمّا مروان فراعى مصلحتهم في اسماعهم الخطبة ، لكن قيل : إنّهم كانوا في زمن مروان يتعمدون ترك سماع خطبته لما فيها من سبّ ما لا يستحق السبّ ، والافراط في مدح بعض الناس. فعلى هذا إنّما راعى مصلحة نفسه ، ويحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحياناً بخلاف مروان فواظب عليه اهـ »(2) .
ولا يخفى تصوير التعذير من علماء التبرير ، وحسبنا في إنكار ذلك بقول ابن عباس : وقد أخرجه البخاري باب الخطبة بعد العيد عن ابن عباس قال : « شهدت العيد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي بكر وعمر وعثمانرضياللهعنهم فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة »(3) .
__________________
(1) نيل الأوطار 3 / 376.
(2) فتح الباري 2 / 361.
(3) صحيح البخاري 2 / 18.
وفي كتاب الزكاة باب العرض في الزكاة عن ابن عباس قال : « أشهد على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يصلي قبل الخطبة »(1) .
7 ـ ومن مخالفته للشريعة في مسائل الحج نهيه عن متعة الحج :
أخرج أحمد في مسنده بإسناده عن عبد الله بن الزبير قال : « والله إنا لمع عثمان بن عفان بالجحفة ، ومعه رهط من أهل الشام فيهم حبيب بن سلمة الفهري إذ قال عثمان وذكر له التمتع بالعمرة إلى الحج ، إنّ أتمّ للحج والعمرة أن لا يكونا في أشهر الحج ، فلو أخّرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زورتين كان أفضل فإنّ الله تعالى قد وسّع في الخير. وعليّ بن أبي طالب في بطن الوادي يعلف بعيراً له ، قال : فبلغه الّذي قال عثمان ، فأقبل حتى وقف على عثمان فقال : أعمدت إلى سنّة سنّها رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم ، ورخصة رخّص الله تعالى بها للعباد وفي كتابه تضيّق عليهم فيها وتنهى عنها. وقد كانت لذي الحاجة ولنائي الدار؟ ثمّ أهّل بحجة وعمرة معاً »(2) .
وأخرج أحمد أيضاً الحديث بأخصر ممّا مرّ عن مروان بن الحكم وفيه : « كنّا نسير مع عثمان فإذا رجل يلبّي بهما جميعاً فقال عثمان من هذا؟ فقالوا عليّ. فقال : ألم تعلم أنّي قد نهيت عن هذا؟ قال : بلى ، ولكن لم أكن لأدع قول رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم لقولك »(3) .
وفي حديث ثالث لأحمد عن عبد الله بن شقيق : « كان عثمان ينهي عن المتعة وعليّ يأمر بها فقال عثمان لعليّ : أنّك كذا وكذا (؟) »(4) .
__________________
(1) نفس المصدر 2 / 116.
(2) مسند أحمد 2 / 90 ح 707 تح ـ أحمد محمّد شاكر.
(3) نفس المصدر 2 / 102 ح 733.
(4) نفس المصدر 2 / 102 ح 756.
وفي حديث لأحمد عن سعيد بن المسيب قال : « اجتمع عليّ وعثمان بعُسفان فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة فقال عليّ : ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم تنهى عنها فقال عثمان دعنا منك »(1) .
8 ـ ومن مخالفته للشريعة في مسائل الحج أيضاً :
أخرج أحمد في مسنده : « انّ عثمان نزل قُديداً فأتي بالحَجَل في الجفان شائلة بأرجلها ، فأرسل إلى عليّ وهو يضفز(2) بعيراً له فجاء والخبط يتحاتّ من يديه ، فأمسك عليّ وأمسك الناس فقال عليّ : من هنا من أشجع؟ هل تعلمون أن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم جاءه أعرابي ببيضات نعام وتتمير(3) وحش فقال : أطعمهن أهلك فإنا حُرَم؟ فقالوا بلى فتورّك عثمان عن سريره فقال : خبثت علينا »(4) .
وفي حديث ذكره ابن حزم في المحلى عن سعيد بن منصور : « انّ عثمان ابن عفان كان يصاد له الوحش على المنازل ثمّ يذبح فيأكله وهو محرم سنتين من خلافته ، ثمّ أن الزبير كلّمه فقال : ما أدري ما هذا يُصاد لنا ومن أجلنا »(5) .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف بسنده عن معمر وابن عيينة عن يزيد بن أبي زياد قال : « سمعت عبد الله بن الحارث بن نوفل يقول : كنت مع عثمان بين مكة والمدينة ونحن محرمون ، فأصطيدت له ، فأمر أصحابه أن يأكلوا ولم يأكل
__________________
(1) نفس المصدر 2 / 266 ح 1146.
(2) أي يعلفه الضفائز وهي اللقم الكبار ومن الضفيز وهو الشعير المجروش تعلفه الأبل (راجع النهاية ضفز) ، ووقع مصحفاً في مجمع الزوائد (يصفن) ، وفي تفسير الطبري (يضفر) والصواب ما قدمناه.
(3) التتمير : اللحم المقطّع صغاراً وتتمير اللحم تقطيعه وتجفيفه.
(4) مسند أحمد 2 / 139ح 814 ، وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 3 / 229 وقال : رواه أحمد وفيه عليّ بن زيد وفيه كلام وقد وثـّق وبقية رجاله رجال الصحيح.
(5) المحلى 7 / 254 محقق.
هو قال : أصطيدت أو أميتت بأسمي ، قال فقام عليّ فقيل لعثمان أنّه كره أكلها فأرسل إليه فقال عليّ( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ) (1) فقال له عمرو في فيك التراب فقال له عليّ بل في فيك التراب »(2) .
أقول : هكذا روى عبد الرزاق ، وأحسب أنّ كلمة (ولم يأكل هو) إقحام لحفظ ماء الوجه ، كما أن كلمة عمرو أحسبها كذلك والصواب : عثمان ، فهو صاحب الأمر منه بدء المشادّة حين أرسل إلى عليّ ومرّ في حديث ابن حزم أنّه أكل من الصيد وهو محرم إلى غير ذلك من مخالفات الأحكام.
ومن مفارقات عثمان العجيبة الغريبة انّه سُمع وهو يخطب الناس فيقول : « أجتنبوا الخمر فإنّها أم الخبائث ـ ثمّ ضرب لهم مثلاً برجل عابد عشقته إمرأة فاحتالت عليه حتى أحضرته في بيتها ودعته إلى نفسها أو يشرب الخمر أو يقتل غلاماً كان عندها وإلاّ فضحته فشرب الخمر فقتل الغلام ووقع على المرأة ـ ثمّ قال : فاجتنبوا الخمر ، فوالله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر في قلب رجل إلاّ أوشك أن يخرج صاحبه الّذي كان يشرب الخمر ».
فهو مع هذا التحذير الشديد للناس ، لم يردع تحذيره ابنه الوليد بن عثمان فكان ينادم الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو الّذي جاء إليه بابن سيحان حليف بني صرب فشربوا حتى أصاب الوليد بن عتبة خمار فقال لابن سيحان أشرب فأتي بأداوة فيها فضلة شراب فشربها ثمّ أنشده شعراً(3) .
فهؤلاء ثلاثة كلّ اسمه الوليد شربوا الخمر أيام عثمان : ابنه الوليد ينادم ابن عمه الوليد بن عتبة ، أضف إليهم أخاه الوليد بن عقبة الّذي هو أخو عثمان لأمه ،
__________________
(1) المائدة / 96.
(2) المصنف لعبد الرزاق 4 / 434.
(3) أنظر أنساب الأشراف 1ق4 / 613 تح ـ إحسان عباس.
وواليه على الكوفة فشرب الخمر وقاءها في المحراب ، بينما هو ينهى الناس ويحذرهم من شرب الخمر( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ ) (1) .
ومن المحزن أن نقرأ ما رواه مصعب الزبيري في نسب قريش(2) عن أبي الزنّاد ، والبلاذري في الأنساب بسنده عن محمّد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزنّاد عن أبيه : أنّ رجلاً كان آنس بعثمان ، وكان الرجل من ثقيف ، فحدّ في الشراب. فقال له عثمان لن تعود والله إلى مجلسي والخلوة معي (؟) ما لم يكن معنا ثالث(3) .
فشرّيبو الخمر أحبابه ومن جلاّسه فبعد أيّ موعظة منه للناس تنفعهم؟
وقد يفاجأ القارئ إذا ما قرأ عن الوليد بن عثمان : وكان صاحب شراب وفتوة. وقتل أبوه عثمان وهو مخلّق في حَجلـَته(4) .
وقال المسعودي : « وكان الوليد صاحب شراب وفتوة ومجون ، وقتل أبوه وهو مخلّق الوجه سكران عليه مصبّغات واسعة »(5) .
أمّا مخالفته للشريعة في الأموال ومخالفته في المحاباة بالولايات فتلك هي الّتي أثارت عليه الزوابع من هنا وهناك ، فتعالى النكير وكثر النفير ، حتى انتهى به إلى سوء المصير. وكانت عمدة الحجة عليه مخالفته للشريعة في تلك الهبات
__________________
(1) البقرة / 44.
(2) نسب قريش / 102 ـ 103ط دار المعارف.
(3) أنساب الأشراف 1ق4 / 493.
(4) المعارف لابن قتيبة / 208ط دار الكتب سنة 1960.
(5) مروج الذهب 2 / 341ط الثالثة سنة 1377 هـ 1958م ط السعادة تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.
والمحاباة مضافاً إلى مخالفته لسيرة من كان قبله وقد أخذ عليه عبد الرحمن شرط العمل بسيرة الشيخين.
ولابدّ لنا من عرض نصوص تدل على ما قلناه :
1 ـ قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج : « لمّا بنى عثمان قصره طمار الزوراء وضع طعاماً كثيراً ودعا الناس إليه كان فيهم عبد الرحمن ، فلمّا نظر إلى البناء والطعام قال : يابن عفـّان لقد صدّقنا عليك ما كنا نكذّب فيك ، وإني أستعيذ بالله من بيعتك ، فغضب عثمان وقال : أخرجه عني يا غلام ، فأخرجوه وأمر الناس أن لا يجالسوه فلم يكن يأتيه أحد إلاّ ابن عباس كان يأتيه فيتعلم منه القرآن والفرائض(1) ومرض عبد الرحمن فعاده عثمان وكلـّمه فلم يكلـّمه حتى مات »(2) .
2 ـ قال ابن عبد ربه في العقد الفريد : « لمّا أحدث عثمان ما أحدث من تأمير الأحداث من أهل بيته على الجلّة من أصحاب محمّد قيل لعبد الرحمن هذا عملك قال : ما ظننت هذا ، ثمّ مضى ودخل عليه وعاتبه وقال إنّما قدّمتك على ان تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر فخالفتهما وحابيت أهل بيتك وأوطأتهم رقاب المسلمين. فقال : انّ عمر كان يقطع قرابته في الله وأنا أصل قرابتي في الله. قال عبد الرحمن : لله عليَّ أن لا أكلمك أبداً ، فلم يكلّمه حتى مات وهو مهاجر لعثمان ، ودخل عليه عثمان عائداً له في مرضه فتحوّل عنه إلى الحائط ولم يكلّمه »(3) .
__________________
(1) لقد مرّ بنا في ذكر حديث الفلتة ، ان ابن عباس كان يقريء جماعة من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف ، فراجع.
(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 66ط مصر الاُولى.
(3) العقد الفريد 2 / 280ط محققة لجنة التأليف والترجمة والنشر بمصر.
3 ـ روى البلاذري في أنساب الأشراف ، وقال أبو مخنف والواقدي في روايتيهما : « أنكر الناس على عثمان إعطاءه سعيد بن العاص مائة ألف درهم. وكلّمه عليّ والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن بن عوف في ذلك ، فقال : إنّ له قرابة ورَحماً قالوا أما كان لأبي بكر وعمر قرابة ورحم؟ فقال : إن أبا بكر وعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي. قالوا : فهديهما والله أحب إلينا من هديك ، فقال : لا حول ولا قوة إلّا بالله »(1) .
4 ـ روى البلاذري في كتابه أنساب الأشراف بإسناده عن محمّد بن سهل ابن سعد الساعدي قال : « تنازع عليّ وطلحة في شِرب(2) فكان عليّ يحب إقرارَه ، وكان طلحة يُحبّ إبطاله ، فاختصما إلى عثمان ، فركب معهما إلى الشِرب ، ووافاهم معاوية قادماً من الشام فأدركته المنافية فقال : إن كان هذا الشِرب مُقرّاً في خلافة عمر فمن ذا يغيّر شيئاً أقرّه عمر؟ فلقنها عثمان فقال : هذا شِرب لم يغيّره عمر ولسنا بمغيّري ما أقره عمر.
فقال طلحة : وما الّذي أنت عليه من أمر عمر؟ اهـ »(3) .
فماذا تعني كلمة طلحة : « وما الّذي أنت عليه من أمر عمر »؟ إن هي إلاّ نقد لاذع لعثمان في وجهه بأنّه تخلّف عما اشترطه عليه عبد الرحمن بن عوف من السير بسيرة الشيخين فأنعم له فبايعه وتابعه الناس على ذلك ، ومقارنة بسيطة بين السيرتين نجد البـون شاسعاً وحسبنا عرضاً عابراً فـي موضوع الإدارة والمال فحسب.
__________________
(1) أنساب الأشراف 1ق 4 / 515 تح ـ إحسان عباس ط بيروت.
(2) الشرِب : الماء المشروب والحوض المورود.
(3) أنساب الأشراف 1ق4 / 499.
قال طه حسين في الفتنة الكبرى : « وأنكر المسلمون على عثمان موقفه من ناقديه ومعارضيه فهو قد انحرف عن سيرة عمر في ذلك انحرافاً عظيماً ، فعمر لم يَنهَ عمّاله عن شيء كما نهاهم عن أن يستعبدوا الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ، ولم يحذّرهم من شيء كما حذّرهم من العنف بالرعية ، والاعتداء على أبشارها وأشعارها ، فلم يكن عمر إذن يبيح ضرب الناس إلاّ في الحدود ، ولم يكن يعفي عمّاله من القصاص إن تعدّوا على الرعية بالضرب في غير حدّ ، او في غير حقّ من الحقوق ، فأمّا عثمان فمهما يكن اعتذار أهل السنّة والمعتزلة عنه ، فإّنه قد أسرف وترك عمّاله يسرفون في العنف بالرعية ضرباً ، ونفياً ، وحبساً ، وهو نفسه قد ضرب أو أمر بضرب رجلين من أعلام أصحاب النبيّ : ضرب عمّار بن ياسر حتى اصابه الفتق ، وأمر من أخرج عبد الله بن مسعود من مسجد النبيّ إخراجاً عنيفاً حتى كسر بعض أضلاعه »(1) .
وقال أيضاً : « فهذه السياسة العنيفة الّتي تسلّط الخليفة وعمّاله على أبشار الناس وأشعارهم وعلى أمنهم وحريتهم ، ليست من سيرة النبيّ ولا من سيرة الشيخين في شيء اهـ »(2) .
والآن إلى شيء من سيرة عمر الّتي خالفها عثمان عملاً واحتج بها قولاً كما مرّ في قوله لطلحة : « ولسنا بمغيّري ما أقره عمر » ، فقال طلحة : « وما الّذي أنت عليه من أمر عمر ». فقد كان لعمر عمالاً على البلاد جلّهم ممّن رضي المسلمون
__________________
(1) الفتنة الكبرى 1 / 198.
(2) نفس المصدر 1 / 199.
هديه وسمته مثل سلمان وابن مسعود وعمار بن ياسر وسعد بن أبي وقاص ، وغيرهم آخرون فإن هم لم يبلغوا صلاح هؤلاء ولكنهم لرقابة عمر وتطلّع أخبارهم ، كانوا أطوع له من يرفأ غلامه ، كما انّه كان يسمع من الناس شكايتهم من عماله فيحاسبهم ، وما حديث مقاسمته لعماله إلاّ نتيجة رسالة أبي المختار يزيد بن قيس بن يزيد إليه ، فقد أرسل إليه شعراً يقول فيه شاكياً عمال عمر على كور الأهواز :
أبـلـغ أمـيـر المـؤمنـين رسالة |
فـأنـت أمـين فـي الـنـهي والأمر |
|
وأنت أمـيـن الله فـيـنا ومـن يكن |
أمـيـنـاً لرب العرش يسلم له صدري |
|
فـلا تـدعـن أهل الرساتيق والقرى |
يسـيـغون مال الله فـي الأدم والـوفر |
|
فأرسل إلى الحجاج(1) فأعرف حسابه |
وأرسل الى جزء(2) وأرسل الى بشر(3) |
|
ولا تـنـسـين النـافعـين(4) كليهما |
وَلا ابـن غلاب(5) من سراة بني نصر |
|
ومـا عـاصم(6) مـنها بصفر عيابه |
وذاك الّذي في السوق مولى بني بدر(7) |
|
وأرسل إلى النعمان(8) اعرف حسابه |
وصـهـر بني غزوان(9) إنّي لذو خُبر |
__________________
(1) الحجاج بن عتيك وكان على الفرات.
(2) جزء بن معاوية عم الأحنف كان على سرّق.
(3) بشر بن المحتفز كان على جندي سابور.
(4) هما نافع ونفيع ابني الحرث بن كلدة الثقفي.
(5) خالد بن الحرث من دهمان كان على بيت المال باصبهان.
(6) عاصم بن قيس بن الصلت السلمي كان على مناذر.
(7) سمرة بن جندب كان على سوق الأهواز.
(8) النعمان بن عدي بن نضلة الكعبي كان على كور دجلة.
(9) مجاشع بن مسعود السلمي صهر بني غزوان كان على البصرة وصدقاتها.
وشبل(1) فسله المال وابن محرّش(2) |
فـقـد كـان في أهل الرساتيق ذا ذكر |
|
فـقـاسمـهم أهـلي فداؤك إنّهم |
سـيـرضون إن قاسمتهم منك بالشطر |
|
ولا تـدعوني للشـهـادة إنني |
أغـيـب ولكني أرى عـجـب الدهر |
|
نؤوب إذا آبوا ونغزوا إذا غـزوا |
فـأنّى لـهـم وفرٌ ولـسنا أولي وفر |
|
إذا الـتـاجر الداريّ جـاء بفارة |
من المسك راحت في مفارقهم تـجري |
ولمّا وصلت إليه الرسالة ، أرسل عليهم وحاققهم محاسبة شديدة ثمّ شاطرهم حتى روى البلاذري أنّه أخذ نعلاً وترك نعلاً(3) .
وروى عمارة بن خزيمة بن ثابت قال : « كان عمر بن الخطاب إذا استعمل عاملاً كتب عليه كتاباً وأشهد عليه رهطاً من الأنصار : أن لا يركب برذوناً ، ولا يأكل نقيّاً ، ولا يلبس رقيقاً ، ولا يغلق باباً دون حاجات المسلمين ، ثمّ يقول : اللّهمّ اشهد »(4) .
وكان يخطب ويقول : « أيّها الناس انّي والله ما أرسل إليكم عمّالاً ليضربوا أبشاركم ، ولا ليأخذوا أموالكم ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم ، فمن فُعِل به شيء سوى ذلك فليرفعه إليّ ، فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه منه »(5) .
ألم يغلظ في حسابه مع عمرو بن العاص وأبي هريرة وأبي موسى الأشعري وخالد بن الوليد وغيرهم من عمّاله؟.
__________________
(1) شبل بن معبد البجلي ثمّ الأحمسي كان على قبض المغانم.
(2) أبو مريم ابن محرّش الحنفي كان على رامهرمز.
(3) أنظر فتوح البدان / 391 ـ 392 ط مصر سنة 1319.
(4) تاريخ عمر لابن الجوزي / 85 ، وقارن تاريخ الطبري 4 / 207.
(5) تاريخ الطبري 4 / 204.
ألم يعزل عامله الّذي أنفق عشرة دراهم لاتخاذ بيت لقضاء الحاجة أخذها من بيت المال وقال : « أما وجدت موضعاً تقضي فيه الحاجة حتى أخذت عشرة دراهم من بيت المال اتخذت بها خلاءً لقضاء حاجتك »(1) .
ألم يبعث محمّد بن سلمة الأنصاري من المدينة إلى الكوفة ليحرق باب قصر سعد والخص من قصب الّذي حوله(2) .
أليس هو القائل : « لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسّمتها على فقراء المهاجرين؟ »(3) .
ثمّ هو القائل : « لئن عشت ـ إن شاء الله ـ لأسيرنّ في الرعية حولاً ، فإنّي أعلم أنّ للناس حوائج تقطع دوني ، أمّا عمالهم فلا يرفعونها إليّ ، وأمّا هم فلا يصلون إليَّ. فأسير إلى الشام فأقيم بها شهرين ، ثمّ أسير إلى الجزيرة فأقيم بها شهرين ، ثمّ أسير إلى مصر فاُقيم بها شهرين ، ثمّ أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين ، ثمّ أسير إلى الكوفة فأقيم بها شهرين ، ثمّ أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين. والله لنعم الحول هذا »(4) .
هذه نبذه مقتطفة من سيرة عمر مع عماله ومراقبتهم في الشؤون المالية والإدارية. وعلى هذه السيرة كان شرط ابن عوف على عثمان. ولمّا تخلف عن شرطه أدى ذلك إلى قتله. حكى الجاحظ في رسالته العثمانية قول القائل : « ماقتل عثمان غير عمر »(5) .
__________________
(1) الفتوحات الاسلامية زيني رحلان 2 / 301.
(2) فتوح البلدان / 286.
(3) تاريخ الطبري 4 / 226 ط دار المعارف.
(4) سيرة عمر لابن الجوزي / 90 ، وقارن تاريخ الطبري 4 / 201.
(5) الرسالة العثمانية / 184.
لقد كان من سوء التدبير عند عثمان تقديمه بني أمية ـ الذين لسوء حظهم ـ كانوا من أواخر المعترفين بالإسلام ، ومع ذلك شملهم بعطفه مع أنهم الأوائل الذين قاوموه وحاربوه ، والناس على ذُكر ممّا قاله نبي الإسلام فيهم حين قال لهم : (الطلقاء) ، وجعلهم من المؤلفة قلوبهم ، وحذّر منهم المسلمين ، وقال أبو برزة الأسلمي : « كان أبغض الأحياء إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بنو اُمية وبنو حنيفة وثقيف »(1) ، ولكن عثمان بسوء تقديره وتدبيره خضع لأسباب القرابة حتى أورثه ذلك نقمة الصحابة والمسلمين ، فأسمعوه الكلمات الجارحة في وجهه ، والنقد المرير في غيبته ، لأنهم لم يكونوا قد عرفوا مثل ذلك من قبل أيام عمر.
قال الشيباني : « أوّل من آثر القرابة والأولياء عثمان بن عفان »(2) .
وإلى القارئ أسماء بعضهم ممّن حباهم بالمال والولايات ، حتى انتكث عليه فتله :
1 ـ الحكم بن أبي العاص وهو عم عثمان ، قال الحلبي في سيرته : « كان قال له طريد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولعينه ، وقد كانصلىاللهعليهوآلهوسلم طرده الى الطائف ومكث به مدة رسول الله ومدة أبي بكر بعد أن سأله عثمان في إدخاله المدينة فأبى فقال له عثمان : عمي. فقال : عمك إلى النار ، هيهات هيهات أن أغيّر شيئاً فعله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والله لا رددته أبداً. فلمّا توفي أبو بكر وولى عمر كلمه عثمان في ذلك فقال له : ويحك ياعثمان تتكلم في لعين رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وطريده وعدو الله وعدو رسوله؟.
__________________
(1) مستدرك الحاكم 4 / 480 وصححه مع الذهبي على شرط الشيخين.
(2) العقد الفريد 2 / 365 ط لجنة التأليف والترجمة والنشر.
فلمّا ولي عثمان ردّه الى المدينة فاشتد ذلك على المهاجرين والأنصار فأنكر ذلك عليه أعيان الصحابة ، فكان ذلك من أكبر الأسباب على القيام عليه اهـ »(1) .
وروت عائشة : « إنّ قوله تعالى :( وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ) (2) الآية نزلت فيه »(3) ، وقالت لمروان بن الحكم : « سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول لأبيك وجدك ـ أبي العاص بن أمية ـ انكم الشجرة الملعونة في القرآن »(4) ، وقالت أيضاً لمروان في كلام بينهما : « ولكن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعن أبا مروان ومروان في صلبه ، فمروان فضض من لعنة الله »(5) .
ولمّا رد عثمان عمه الحكم بن أبي العاص طريد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وطريد أبي بكر وعمر إلى المدينة تكلم الناس في ذلك فقال عثمان : « ماينقم الناس مني؟ إنّي وصلت رحماً وقرّبت قرابة »(6) ، ولقد رآه بعضهم يوم قدم المدينة عليه فزر(7) خلق وهو يسوق تيساً حتى دخل دار عثمان والناس ينظرون إلى سوء حاله وحال من معه ، ثمّ خرج وعليه جبة خزّ وطيلسان(8) ؟ ولم يكتف بارجاعه بل ولاه صدقات
__________________
(1) السيرة الحلبية 2 / 85.
(2) القلم / 10 ـ 11.
(3) تفسير الدر المنثور 6 / 41 و 251 ، وتفسير الشوكاني 5 / 263 ، وتفسير الآلوسي 29 / 28 ، والسيرة الحلبية 1 / 337 ، وسيرة زيني دحلان بهامش الحلبية 1 / 245.
(4) الدر المنثور 4 / 191 ، وتفسير الآلوسي 15 / 107 ، وتفسير الشوكاني 3 / 231 وغيرها.
(5) تفسير القرطبي 16 / 197 ، وتفسير ابن كثير 4 / 159 ، وتفسير الرازي 7 / 491 ، وتفسير الآلوسي 26 / 20 وغيرها وجاء في الفائق للزمخشري (فضض) قالت لمروان : فأنت فظاظة لعنة الله ولعنة رسوله. وقال الزمخشري : افتظظت الكرش إذا اعتصرت ماءها كأنه عصارة قذرة من اللعنة.
(6) العقد الفريد 4 / 305 ط محققة.
(7) تفزر الثوب وأنفزر أنشق وتقطّع وبلي. (قطر المحيط ـ فزر).
(8) تاريخ اليعقوبي 2 / 141.
قضاعة فبلغت ثلثمائة ألف درهم فوهبها له حين أتاه بها(1) . وقال عبد الرحمن بن يسار : « رأيت عامل صدقات المسلمين على سوق المدينة إذا أمسى أتاها عثمان فقال له ادفعها إلى الحكم بن أبي العاص »(2) ، ولمّا مات صلّى عليه وضرب على قبره فسطاطاً(3) .
2 ـ أبو سفيان بن حرب ، وهذا هو رأس المنافقين والقائل حين قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « تلقفـّوها الآن تلقـّف الكرة فما من جنة ولا نار »(4) .
ولم يزل على تلك المقولة حتى قالها وهو أعمى البصر والبصيرة حين دخل على عثمان يوم بويع بالخلافة فقال : « تلقفوها يا بني أمية تلقف الكرة فو الّذي يحلف به أبو سفيان مازلت ارجوها لكم ولتصيرنّ إلى صبيانكم وراثة »(5) ، وفي لفظ الطبري : « تلقفوها تلقف الكرة فما هناك جنة ولا نار »(6) .
وروى ابن عساكر في تاريخه عن أنس أن أبا سفيان دخل على عثمان بعد ماعمي فقال : « هل هنا أحد؟ فقالوا لا : فقال : اللّهمّ اجعل الأمر أمر جاهلية ، والملك ملك غاصبية ، واجعل أوتاد الارض لبني أمية »(7) . وفي رواية ابن عبد البر عن الحسن : أنّه قال لعثمان : « صارت إليك بعد تيم وعدي فأدرها كالكرة ، واجعل أوتادها بني اُمية فإنما هو الملك؟ ولا أدري ما جنة ولا نار »(8) ، فهذا شيخ
__________________
(1) أنساب الأشراف 1ق4 / 515.
(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 145.
(3) أنساب الأشراف 1ق4 / 514.
(4) نفس المصدر 1ق4 / 13 تح ـ إحسان عباس بيروت.
(5) مروج الذهب 1 / 440.
(6) تاريخ الطبري 11 / 357.
(7) تهذيب تاريخ ابن عساكر لابن بدران 6 / 407.
(8) الاستيعاب 2 / 690.
بني أمية المائن أعطاه عثمان مائتي ألف من بيت المال في اليوم الّذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف من بيت المال أيضاً(1) .
3 ـ مروان بن الحكم ، طريد رسول الله وابن طريده ولعينه وابن لعينه كما روت ذلك عائشة وقد مرّ آنفاً ، زوّجه عثمان ابنته اُم أبان وأعطاه مائة ألف يوم أعطى أبا سفيان مائتي ألف وذلك كلّه من بيت المال. فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان وبكى. فقال عثمان : أتبكي أن وصلت رحمي؟ قال : لا ولكن أبكي لأنّي أظنك أنّك أخذت هذا المال عوضاً عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والله لو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيراً. فقال : ألق المفاتيح يا بن أرقم فإنّا سنجد غيرك(2) .
روى البلاذري بسنده عن خالد مولى أبان بن عثمان قال : « كان مروان قد ازدرع بالمدينة في خلافة عثمان على ثلاثين جملاً فكان يأمر بالنوى أن يشترى له فيُنادى : ان أمير المؤمنين يريده ، وعثمان لايشعر بذلك ، فدخل عليه طلحة وكلّمه في امر النوى فحلف أنّه لم يأمر بذلك ، فقال طلحة : هذا أعجب أن يُفتات عليك بمثل هذا ، فهلاّ صنعت كما صنع ابن حنتمة ـ يعني عمر بن الخطاب ـ خرج يرفأ بدرهم يشتري به لحماً فقال للـّحام : إنّي أريده لعمر. فبلغ ذلك عمر فأرسل إلى يرفأ فأتي به وقد برك عمر على ركبتيه وهو يفتل شاربه ، فلم أزل أكلّمه فيه حتى سكّنته فقال له : والله لئن عُدت لأجعلنّك نكالاً ، أتشتري السلعة ثمّ تقول هي لأمير المؤمنين؟ »(3) .
__________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 67ط الأولى.
(2) نفس المصدر.
(3) أنساب الأشراف 1ق4 / 516.
وروى المؤرخون أنّ عثمان أعطى مروان خمس غنائم افريقية بعد أن فرّقها كلّها في آل الحكم وخص مروان بخمسها(1) ، ثمّ زاده فدكاً.
قال أبو الفداء في تاريخه : « وأقطع مروان بن الحكم فدك وهي صدقة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الّتي طلبتها فاطمة ميراثاً فروى أبو بكر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نحن معاشر الانبياء لانورّث ماتركناه صدقة. ولم تزل فدك في يد مروان وبنيه إلى أن تولى عمر بن عبد العزيز فانتزعها من أهله وردّها صدقة »(2) .
4 ـ سعيد بن العاص ، زوجه ابنته أم عمرو فهلكت عنده فتزوج اختها مريم الكبرى(3) ، وأعطاه عثمان مائة الف درهم ، فأنكر الناس ذلك عليه ، فكلّمه عليّ والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن بن عوف ـ وهم أهل الشورى ـ في ذلك ، فقال : « إنّ له قرابة ورحماً ، قالوا : أفما كان لأبي بكر وعمر قرابة وذو رحم؟ فقال : إنّ أبا بكر وعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما وأنا احتسب في إعطاء قرابتي ، قالوا : فهديهما والله أحبّ إلينا من هديك. فقال : لا حول ولا قوة إلاّ بالله »(4) ثمّ ولاّه الكوفة بعد الوليد بن عقبة بن أبي معيط.
5 ـ الحارث بن الحكم بن أبي العاص ، صهر عثمان على ابنته عائشة ، أعطاه ثلثمائة ألف درهم(5) وقدمت عليه إبل الصدقة فوهبها له(6) ، وزاده بأن
__________________
(1) أنظر تاريخ الطبري 5 / 50ط الحسينية بمصر و 4 / 256ط محققة ، وتاريخ ابن الأثير 3 / 38 ، وطبقات ابن سعد 3ق1 / 44 ، وأنساب الأشراف للبلاذري 1ق4 / 514 تح ـ إحسان عباس ، وتاريخ ابن كثير 7 / 152ط السعادة بمصر ، والنجوم الزاهرة ط ليدن 1 / 80 ط دار الكتب.
(2) تاريخ أبي الفداء 1 / 168 ، وقارن المعارف لابن قتيبة / 195 ط محققة ، والعقد الفريد ط محققة 4 / 283 ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 67 ، وسنن البيهقي 6 / 301.
(3) أنساب الأشراف 1ق4 / 601.
(4) نفس المصدر 1ق4 / 515.
(5) نفس المصدر1ق4 / 541.
(6) نفس المصدر 1ق4 / 515.
أقطعه سوق المدينة يعرف بمهزور وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تصدق به على المسلمين(1) .
قال الحلبي في سيرته : « اعطى الحارث عشر مايباع في السوق »(2) .
6 ـ عبد الله بن خالد بن أسيد ، طلب منه صلة فأعطاه أربعمائة ألف درهم(3) وزوجه ابنته أم سعيد وأمر له بستمائة ألف درهم وكتب إلى عبد الله بن عامر أن يدفعها إليه من بيت مال البصرة(4) ، وقدم عليه مرة وناس غزاة معه فأمر لعبد الله بثلثمائة ألف درهم ، ولكل رجل من القوم بمائة ألف درهم ، وصكّ بذلك إلى ابن أرقم ـ خازن بيت المال ـ فاستكثره ورد الصكّ له ـ ويقال انّه سأل عثمان أن يكتب عليه به ذكر حقّ فأبى ذلك ـ فامتنع ابن الأرقم من أن يدفع المال إلى القوم ، فقال له عثمان إنما أنت خازن لنا فما حملك على ما فعلت؟ فقال ابن الأرقم : كنت أراني خازناً للمسلمين ، وإنما خازنك غلامك والله لا ألي لك بيت المال أبداً ، وجاء بالمفاتيح فعلـّقها على المنبر ـ ويقال بل ألقاها إلى عثمان ـ فدفعها عثمان إلى نافل مولاه ، ثمّ ولى زيد بن ثابت الأنصاري بيت المال وأعطاه المفاتيح ـ ويقال : انّه ولى بيت المال معيقيب بن أبي فاطمة ـ وبعث إلى عبد الله ابن الأرقم ثلاثمائة ألف درهم فلم يقبلها(5) ، وقال ـ فيما رواه الواقدي ـ : ما لي إليه حاجة ، وما عملت لأن يثيبني عثمان ، والله لئن كان هذا من مال المسلمين ما
__________________
(1) المعارف لابن قتيبة / 195 ط محققة ، والعقد الفريد4 / 283 ط محققة ، شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 67 ط الاولى ، ومحاضرات الراغب 2 / 212.
(2) السيرة الحلبية 2 / 82.
(3) المعارف لابن قتيبة / 195 ط محققة.
(4) تاريخ اليعقوبي 2 / 145ط النجف.
(5) انساب الاشراف 1ق4 / 548 تح ـ احسان عباس.
بلغ قدر عملي أن أعطى ثلاثمائة ألف درهم ، ولئن كان من مال عثمان ما أحب أن آخذ من ماله شيئاً(1) .
7 ـ عبد الله بن سعد بن أبي سرح ـ أخوه من الرضاعة ـ المرتدّ عن الإسلام وقد أهدر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم دمه يوم فتح مكة وان وجد متعلقاً بأستار الكعبة ، فغيبّه عثمان عنده ثمّ أتى به النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مستأمناً له ، فصمتصلىاللهعليهوآلهوسلم طويلاً رجاء أن يقوم إليه من المسلمين من يقتله(2) .
فهذا المرتد أعطاه عثمان جميع ما أفاء الله عليه من فتح أفريقية بالمغرب وهي من طرابلس الغرب إلى طنجة من غير أن يشركه فيه أحدٌ من المسلمين كما يقول ابن أبي الحديد المعتزلي(3) . قال ابن الأثير : « أعطى عبد الله خمس الغزوة الأولى وأعطى مروان خمس الغزوة الثانية الّتي افتتحت فيها جميع أفريقية »(4) .
لئن كان هؤلاء هم القرابة المحظيين بالعطاء والاقطاع فدع عنك حديث الآخرين من بني أمية الذين تملكوا البلاد فساسوا العباد فأكثروا فيها الفساد ، أمثال معاوية وعبدالله بن عامر ويعلى بن أمية وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وأضرابهم ممن هدموا بناء الإسلام ، وبثوا التفرقة بين المسلمين فمزّقوا وحدتهم بسوء أعمالهم ، إذ كانوا يحكمون الناس كأمويين حاقدين على الإسلام ونبيّه ، فهيّج ذلك حقد الصدور ، وهيّأ أسباب الثورة على عثمان ، ثمّ هم لم يغنوا عنه شيئاً في حياته ، بل استغلّوا دمه وقميصه بعد وفاته.
__________________
(1) أنظر الاستيعاب والإصابة في ترجمة عبد الله بن الأرقم.
(2) اُنظر سنن أبي داود 2 / 220 ، ومستدرك الحاكم 3 / 100 ، وتفسير القرطبي 7 / 40 ، وتفسير الشوكاني 2 / 1134 ، والاستيعاب والاصابة واُسد الغابة في ترجمته.
(3) شرح النهج لاين أبي الحديد 1 / 67.
(4) تاريخ ابن الأثير 3 / 38.
وحسبنا حديث استنصاره بهم وهو محصور في حصره الأوّل ، فلم يغثه منهم أحـد ، وهاك حديث معاوية وهـو أهمّهم أمراً ، وأعظمهم قطراً ، وأكبرهم عمراً.
روى الذهبي في سير أعلام النبلاء نقلاً عن ابن سعد بأسانيده الثلاثة إلى المسور بن مخرمة وابن الزبير وابن عباس قالوا : « بعث عثمان المسور بن مخرمة إلى معاوية يُعلمه أنّه محصور ، ويأمره أن يجهّز إليه جيشاً سريعاً ، فلمّا قدم على معاوية ، ركب معاوية لوقته هو ومسلم بن عتبة وابن حديج فساروا من دمشق إلى عثمان عشراً. فدخل معاوية نصف الليل ، وقبّل رأس عثمان فقال : أين الجيش؟ قال : ماجئت إلاّ في ثلاثة رهط. فقال عثمان : لا وصل الله رحمك ، ولا أعزّ نصرك ، ولا جزاك خيراً ، فوالله لا أقتل إلاّ فيك ، ولا ينقم عليَّ إلاّ من أجلك. فقال : بأبي أنت وأمي لو بعثت إليك جيشاً فسمعوا به عاجلوك فقتلوك. ولكن معي نجائب فاخرج معي فما يشعر بي أحد ، فوالله ما هي إلاّ ثلاث حتى نرى معالم الشام ، فقال : بئس ما أشرت به ، وأبى أن يجيبه. فأسرع معاوية راجعاً. وورد المسور يريد المدينة بذي المروة راجعاً وقدم على عثمان وهو ذامّ لمعاوية غير عاذرٍ له. فلمّا كان حصره الآخر ، بعث المسور ثانياً إلى معاوية ليُنجده. فقال : ان عثمان أحسن أحسن الله به ، ثمّ غيّر فغيّر الله به ، فشددت عليه. فقال : تركتم عثمان حتى إذا كانت نفسه في حنجرته قلتم : اذهب فادفع عنه الموت. وليس ذلك بيدي ، ثمّ انزلني في مشربة على رأسه ، فما دخل عليّ داخل حتى قتل عثمان »(1) .
__________________
(1) سير أعلام النبلاء 1 ـ 2 / 606 ط دار الفكر.
فهؤلاء هم بنو أمية الذين تمنّى عثمان لو أنّ بيده مفاتيح الجنة لأعطاها بني أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم ، وقد أخرج ذلك أحمد في مسنده(1) .
ولقد صدق فيهم قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ فساد اُمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش » كما أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الفتن باب قول النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : (هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء)(2) .
وصدق ظنّ عمر بعثمان حين قال لابن عباس : « لو وليها عثمان لحمل بني أبي معيط على رقاب الناس ولو فعلها لقتلوه »(3) .
وقال طه حسين في الفتنة الكبرى : « والسياسة المالية الّتي اصطنعها عثمان منذ نهض بالخلافة كلّها موضوع النقمة والإنكار من أكثر الذين عاصروا عثمان ومن أكثر الرواة والمؤرخين.
وقال أيضاً : وكذلك دفعت سياسة عثمان المالية هؤلاء الثائرين إلى أن يلحّوا على عثمان في تغيير سياسة عمر نفسها ، وما دام عثمان قد ذهب إلى سياسة تنحرف عن سياسة عمر حتى أبعد ، وأنشأ طبقة الرأسماليين الذين أسرفوا على أنفسهم في الملك والتوسّع فيه. فليس ما يمنع الثائرين من أن يكفـّوا يد عثمان وعماله عن هذه السياسة وإن اقتضى ذلك الانحراف عن سيرة عمر
وقال أيضاً : ولو قد سار عثمان في الأموال العامة سيرة عمر فلم ينفق المال إلاّ بحقـّه ، لجنـّب نفسه وجنـّب المسلمين شراً عظيماً ، ولكان من الممكن أن
__________________
(1) مسند أحمد 1 / 62 ط الاُولى و 1 / 217 برقم 439 تح ـ أحمد شاكر.
(2) صحيح البخاري 9 / 46 ط بولاق.
(3) أنساب الأشراف 1ق4 / 502 تح ـ إحسان عباس.
ينشيء الإسلام للإنسانية نظاماً سياسياً واجتماعياً صالحاً يجنبها كثيراً من الإضطراب الّذي اضطرت إليه ، والفساد الّذي تورطت فيه »(1) .
أقول : وهذا فيما يراه طه حسين ويراه غيره من بني قومه ، ولكن الرأي الآخر يقول :
ولو قلّدوا الموصَى إليه أمورهم |
لزُمّت بمأمون عن العثرات |
روى البلاذري بسنده عن سعيد بن المسيّب قال : « لمّا ولي عثمان كره ولايته نفرٌ من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأن عثمان كان يحب قومه ، فولي الناس اثنتي عشرة حجة ، وكان كثيراً ما يولي من بني أمية من لم يكن له مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم صحبة ، فكان يجيء من أمرائه ما ينكره أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان يُستعتب فيهم فلا يعزلهم ، فلمّا كان في الست الأواخر استأثر ببني عمه فولاّهم ، وولي عبد الله ابن أبي سرح مصر فمكث عليها سنين فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه ، وقد كانت من عثمان قبلُ هنات إلى عبد الله بن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر فكان في قلوب هذيل وبني زهرة وبني غفار وأحلافها من غضب لأبي ذر ما فيها. وحنقت بنو مخزوم لحال عمّار بن ياسر.
فلمّا جاء أهل مصر يشكون ابن أبي سرح كتب إليه كتاباً يتهدده فيه ، فأبى أن ينزع عما نهاه عثمان عنه ، وضرب بعض من كان شكاه الى عثمان من أهل مصر حتى قتله. فخرج سبعمائة إلى المدينة فنزلوا المسجد وشكوا ماصنع بهم
__________________
(1) الفتنة الكبرى 1 / 190 و 197.
ابن أبي سرح في مواقيت الصلاة إلى أصحاب محمّد. فقام طلحة إلى عثمان فكلّمه بكلام شديد. وأرسلت إليه عائشةرضياللهعنها تسأله أن ينصفهم من عامله.
ودخل عليه عليّ بن أبي طالب. وكان متكلم القوم. فقالوا إنما يسألك القوم رجلاً مكان رجل ، وقد ادعوا قبله دماً فاعزله عنهم واقض بينهم ، فإن وجب عليه حقّ فأنصفهم منه.
فقال لهم : اختاروا رجلاً أولـّيه عليكم مكانه ، فأشار الناس عليهم بمحمّد بن أبي بكر الصدّيق ، فقالوا : استعمل علينا محمّد بن أبي بكر ، فكتب عهده على مصر ووجّه معهم عدة من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرح »(1) .
وقبل الإنسياق مع مداليل النص ، لابدّ من تعريف القارئ بصاحبه لطمأنته بوثاقته في حديثه عند العثمانيين فهو سعيد بن المسيّب من أعيان التابعين ، وكان صهراً لأبي هريرة الّذي كان مع عثمان ويحدّث عن دوره في الدفاع عنه ، وسيأتي مزيد بيان عن ذلك ، ومهما شككننا في مبلغ صدق أبي هريرة ، فلا شك في صدق صهره سعيد بن المسيّب فهو أشد ورعاً منه ، وبالتالي فغير متهم في قوله على عثمان.
ونعود إلى فحوى مقاله : « فثمّ نفر من الصحابة كرهوا ولاية عثمان ، لأنّه كان يحب قومه » أمّا مَن هم أولئك النفر؟ فلم يفصح عنهم ، لماذا؟ ولا يعسر على الباحث والقارئ التعرّف عليهم من خلال الأسماء الذين ذكرهم.
فمنهم ابن مسعود وأبو ذر وعمار. واضطغنت على عثمان عشائر هؤلاء النفر وهم من عليّة الصحابة. ومنهم طلحة ومنهم عائشة. وهما من قبيلة تيم.
__________________
(1) أنساب الأشراف 1ق4 / 512.
ومقام عائشة في المسلمين أنّها أم المؤمنين. ومنهم عليّ بن أبي طالب. وهو الّذي كان يفزع إليه عثمان في التوسّط بينه وبين الساخطين من أهل الأمصار.
فهذه أسماء ستة نفر من أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم عرفناها وفيهم من كره ولاية عثمان أوّلاً وأخيراً ، كعليّ وعمّار وأبي ذر ومنهم من كرهها أخيراً كابن مسعود وطلحة وعائشة ، سوى من كان في السبعمائة من أهل مصر من الصحابة. فكل هؤلاء من الساخطين.
ولنكتف بمعرفة مواقف هؤلاء عن معرفة سائر الناس الآخرين الذين ذكرهم ابن المسيب من دون تسمية. ونذكرهم حسب ماذكرهم ابن المسيب في الترتيب :
الّذي قال فيهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (رضيت لأمتي مارضي الله لها وابن أم عبد وسخطت لأمتي ماسخط الله لها وابن اُم عبد)(1) ، وفيه وفي عمّار وسلمان نزل قوله تعالى :( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ) (2) .
روى البلاذري في حديثه عن أبي مخنف بإسناده قال : « لمّا قدم الوليد الكوفة ألفى ابن مسعود على بيت المال فاستقرضه مالاً ـ وقد كانت الولاة تفعل ذلك ثمّ تردّ ما تأخذ ـ فأقرضه عبد الله ماسأله ، ثمّ انّه اقتضاه إياه فكتب الوليد في ذلك إلى عثمان ، فكتب عثمان إلى عبد الله بن مسعود : إنّما أنت خازنٌ لنا فلا تعرض للوليد فيما أخذ من المال. فطرح ابن مسعود المفاتيح وقال : كنت أظنّ
__________________
(1) مستدرك الحاكم 3 / 317 ـ 318 ، مجمع الزوائد 9 / 290 ، الاستيعاب 1 / 371.
(2) راجع تفاسير الخازن والألوسي والسيوطي وغيرها.
أنّي خازن للمسلمين ، فأما إذا كنتُ خازناً لكم فلا حاجة لي في ذلك ، وأقام بالكوفة بعد إلقائه مفاتيح بيت المال »(1) .
وروى أيضاً في حديثه عن أبي مخنف وعوانة بإسنادهما : « أنّ عبد الله بن مسعود حين القى مفاتيح المال الى الوليد بن عقبة قال : من غيّر غيّر الله ما به ، ومن بدّل أسخط الله عليه ، وما أرى صاحبكم إلاّ وقد غيّر وبدّل ، أيعزل مثل سعد ابن أبي وقاص ويُولي الوليد؟ ».
وكان يتكلم بكلام لا يدعه وهو : « إن أصدق القول كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمّد صلّى الله عليه (وآله) وسلّم وشرّ الأمور مُحدثاتها ، وكلّ مُحدَث بدعة ، وكلّ بدعة ضلالة ، وكلّ ضلالة في النار ».
فكتب الوليد إلى عثمان بذلك وقال : إنّه يعيبك ويطعن عليك ، فكتب إليه عثمان يأمره بإشخاصه ، وشيّعه أهل الكوفة ، فأوصاهم بتقوى الله ولزوم القرآن. فقالوا له : جزيت خيراً ، فلقد علـّمتَ جاهلنا ، وثبتَّ عالمنا ، وأقرأتنا القرآن ، وفقهتَنا في الدين ، فنعم أخو الإسلام أنت ، ونعم الخليل ، ثمّ ودّعوه وانصرفوا.
وقدم ابن مسعود المدينة وعثمان يخطب على منبر رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم ، فلمّا رآه قال : ألا إنّه قدمت عليكم دُويّبة سوء ، من تمشِ على طعامه يقيء ويسلح.
فقال ابن مسعود : لستُ كذلك ، ولكني صاحب رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم يوم بدر ويوم بيعة الرضوان(2) .
__________________
(1) أنساب الاشراف 1ق4 / 518 تح ـ إحسان عباس ، وفي تاريخ الطبري 4 / 251 ـ 252 ذكر نحو ذلك بين ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص فكان ذلك سبب عزل سعد عن الكوفة وتوليته أخاه الوليد. فراجع.
(2) وهذا تعيير مبطـّن لعثمان إذ كان لم يحضرهما فكان يعاني منهما عقدة النقص حيث كان يعيّر بذلك وسيأتي تعيير عبد الرحمن بن عوف له بذلك أيضا.
ونادت عائشة : أي عثمان أتقول هذا لصاحب رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم؟
ثمّ أمر عثمان به فأخرج من المسجد إخراجاً عنيفاً ، وضرب به عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ الأرض ، ويقال : بل احتمله يحموم غلام عثمان ، ورجلاه تختلفان على عنقه حتى ضرب به الأرض فدق ضلعه.
فقال عليّ : ياعثمان أتفعل هذا بصاحب رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم بقول الوليد بن عقبة؟
فقال : ما بقول الوليد فعلتُ هذا ، ولكن وجّهت زبيد بن الصلت الكندي إلى الكوفة. فقال له ابن مسعود : إن دم عثمان حلال.
فقال عليّ : أحلتَ من زبيد على غير ثقة (وقال ابن الكلبي : زبيد بن الصلت أخو كثير بن الصلت الكندي)(1) .
وقام عليّ بأمر ابن مسعود حتى أتى به منزله ، فأقام ابن مسعود بالمدينة لا يأذن له عثمان في الخروج منها الى ناحية من النواحي ، وأراد حين برئ الغزو فمنعه من ذلك. وقال له مروان : انّ ابن مسعود أفسد عليك العراق أفتريد أن يفسد عليك الشام؟ فلم يبرح المدينة حتى توفي قبل مقتل عثمان بسنتين. وكان مقيماً بالمدينة ثلاث سنين ، وقال قوم : إنّه كان نازلاً على سعد بن أبي وقاص.
ولمّا مرض ابن مسعود مرضه الّذي مات فيه أتاه عثمان عائداً فقال : ما تشتكي؟ قال : ذنوبي قال : فما تشتهي؟ قال : رحمة ربي ، قال : ألا أدعو لك طبيباً؟
__________________
(1) أحسب أن البلاذري أدرج كلام ابن الكلبي ليعرّف القرّاء بزبيد وانه أخو كثير بن الصلت الّذي كان كاتباً لعبد الملك بن مروان (تهذيب التهذيب ترجمته).
قال : الطبيب أمرضني ، قال : أفلا آمر لك بعطائك؟ قال : منعتنيه وأنا محتاج إليه ، وتعطنيه وأنا مستغن عنه. قال : يكون لولدك. قال رزقهم على الله. قال : استغفر لي يا أبا عبد الرحمن قال : أسأل الله أن يأخذ لي منك بحقي.
وأوصى أن لا يصلي عليه عثمان ، فدفن بالبقيع وعثمان لا يعلم. فلمّا علم غضب وقال : سبقتموني به. فقال له عمّار بن ياسر : إنّه أوصى أن لا تصلي عليه. وقال الزبير :
لأعرفنّك بعد الموت تندبني |
وفي حياتي ما زوّدتني زادي |
وكان الزبير وصي ابن مسعود في ماله وولده ، وهو كلّم عثمان في عطائه بعد وفاته حتى أخرجه لولده. وأوصى ابن مسعود أن يصلي عليه عمّار بن ياسر.
قال البلاذري وقوم يزعمون : أنّ عمّاراً كان وصيّه. ووصية الزبير أثبت اهـ(1) .
رابع المسلمين وأوّل من حيا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بتحية الإسلام فقال : « السلام عليك فقال : وعليك السلام »(2) .
روى البلاذري عن رجاله قالوا : « لمّا أعطى عثمان مروان بن الحكم ما أعطاه ، وأعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص ثلثمائة ألف درهم ، وأعطى زيد بن ثابت الأنصاري مائة ألف درهم ، جعل أبو ذر يقول : بشـّر الكانزين
__________________
(1) نفس المصدر.
(2) راجع طبقات ابن سعد 4ق1 / 161 ، وصحيح مسلم في المناقب ، وحلية الأولياء 1 / 159 ، والاستيعاب 2 / 664 ط حيدر آباد.
بعذاب أليم ويتلو قول الله (عزّ وجلّ) :( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ) (1) ، فرفع ذلك مروان بن الحكم إلى عثمان. فأرسل إلى أبي ذر ناتلا مولاه أن إنتهِ عمّا يبلغني عنك. فقال : أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله وعيب من ترك أمر الله ، فوالله لأن أرضي الله بسخط عثمان أحبّ إليَّ وخيرٌ لي من أن أسخط الله برضاه.
فأغضب عثمان ذلك وأحفظه »(2) .
قال اليعقوبي : « وبلغ عثمان أن أبا ذر يقعد في مجلس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويجتمع إليه الناس فيحدّث بما فيه الطعن عليه ، وأنه وقف بباب المسجد فقال : أيّها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري ، أنا جندب ابن جنادة الربذي ،( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (3) محمّد الصفوة من نوح فالأوّل من إبراهيم ، والسلالة من إسماعيل ، والعترة الهادية من محمّد ، إنّه شرف شريفهم واستحقوا الفضل في قوم هم فينا كالسماء المرفوعة ، وكالكعبة المستورة ، أو كالقبلة المنصوبة ، أو كالشمس الضاحية أو كالقمر الساري ، أو كالنجوم الهادية ، أو كالشجرة الزيتونة أضاء زيتها وبورك زندها. ومحمّد وارث علم آدم وما فضّلت به النبيّون. وعليّ بن أبي طالب وصي محمّد ووارث علمه.
أيتها الاُمة المتحيّرة بعد نبيّها أما لو قدمتم من قدّم الله وأخرتم من أخّر الله ، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم لأكلتم من فوق رؤوسكم ومن تحت أقدامكم ، ولمّا عال ولي الله ولاطاش سهم من فرائض الله ، ولا اختلف
__________________
(1) التوبة / 34.
(2) أنساب الأشراف 1ق4 / 541.
(3) آل عمران / 33.
اثنان في حكم الله إلاّ وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب الله وسنّة نبيّه. فأمّا إذا فعلتم ما فعلتم فذوقوا وبال أمركم( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (1) »(2) .
قال البلاذري : « وقال عثمان يوماً : أيجوز للإمام أن يأخذ من المال فإذا أيسر قضى؟ فقال كعب الأحبار : لابأس بذلك فقال أبو ذر : يا بن اليهوديَين أتعلّمنا ديننا؟ فقال عثمان : ما أكثر أذاك لي وأولعك بأصحابي. إلحق بمكتبك. وكان مكتبه بالشام إلاّ انّه كان يقدم حاجاً ويسأل عثمان الإذن له في محاورة قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيأذن له في ذلك ، وإنّما صار مكتبه بالشام لأنّه قال لعثمان حين رأى البناء قد بلغ سلعاً إنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : إذا بلغ البناء سلعاً فالهرب ، فاذن لي آت الشام فأغزو هناك فأذن له.
وكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها ، وبعث إليه معاوية بثلثمائة دينار فقال : ان كانت من عطائي الّذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها ، وان كانت صلة فلا حاجة لي فيها. وبعث إليه حبيب بن مسلمة الفهري بمائتي دينار فقال : أما وجدت أهون عليك مني حين تبعث إليَّ بمال؟ وردّها.
وبنى معاوية الخضراء بدمشق فقال يا معاوية إن كانت هذه الدار من مال الله فهي الخيانة وان كانت من مالك فهذا الإسراف ، فسكت معاوية.
وكان أبو ذر يقول : والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله ماهي في كتاب الله ولاسنّة نبيّه ، والله إنّي لأرى حقاً يطفأ ، وباطلاً يُحيى ، وصادقاً يكذَّب وإثرة بغير تـُقى ، وصالحاً مستأثراً عليه »(3) .
__________________
(1) الشعراء / 227.
(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 148 ط الغري.
(3) أنساب الأشراف 1ق4 / 542.
روى ابن سعد بسنده عن الأحنف بن قيس قال : « أتيت المدينة ثمّ أتيت الشام فجمّعت ـ أي صليت الجمعة ـ فإذا أنا برجل لا ينتهي إلى سارية إلاّ خرّ أهلها يصلي ويُخفّ صلاته. قال فجلست إليه فقلت له ياعبد الله من أنت؟ قال : أنا أبو ذر فقال لي فأنت من أنت؟ قال قلت : أنا الأحنف بن قيس ، قال : قم عني لا أعدك بشرّ ، فقلت له كيف تعدني بشر؟ قال : انّ هذا ـ يعني معاوية ـ نادى مناديه ألاّ يُجالسني أحد »(1) .
قال البلاذري : « فكتب معاوية الى عثمان فيه ، فكتب عثمان إلى معاوية : أمّا بعد فاحمل جُندباً إليَّ على أغلظ مركب وأوعره ، فوجّه معاوية من سار به الليل والنهار »(2) .
قال المسعودي : « فحمله على بعير عليه قتب يابس معه خمسة من الصقالبة يطيرون به حتى أتوا به المدينة وقد تسلـّخت بواطن أفخاذه وكاد أن يتلف. فقيل له : إنّك تموت من ذلك. فقال : هيهات لن أموت حتى أنفى ، وذكر جوامع ماينزل به بعد ومن يتولى دفنه
ثمّ دخل إليه فجلس على ركبتيه وتكلم بأشياء (؟) وذكر الخبر في ولد أبي العاص إذا بلغوا ثلاثين رجلاً اتخذوا عباد الله خولاً ومرّ في الخبر بطوله وتكلـّم بكلام كثير » (؟)(3) .
وذكر البلاذري قول قتادة : « تكلم أبو ذر بشيء كرهه عثمان فكذّبه ـ أقول : سيأتي في كلام الجاحظ ما كتمه البلاذري وكرهه عثمان ـ فقال : ماظننت أنّ أحداً يكذبني بعد قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (ما أقلت الغبراء ولا أطبقت الخضراء
__________________
(1) طبقات ابن سعد 4ق1 / 168.
(2) أنساب الأشراف 1ق4 / 543.
(3) مروج الذهب 2 / 329 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.
على ذي لهجة أصدق من أبي ذر). ثمّ سيّره إلى الربذة فكان أبو ذر يقول : ما ترك الحقّ لي صديقاً ، فلمّا سار إلى الربذة قال : ردّني عثمان بعد الهجرة اعرابياً »(1) .
وفي حديث الجاحظ في كتاب السفيانية في رواية الواقدي : « أن أبا ذر لمّا دخل على عثمان قال له : لا أنعم الله بك عيناً يا جنيدب ، فقال أبو ذر : أنا جندب وسماني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عبد الله فاخترت اسم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الّذي سماني به على اسمي. فقال له عثمان : أنت الّذي تزعم أنا نقول يد الله مغلولة وان الله فقير ونحن اغنياء؟ فقال أبو ذر : لو كنتم لا تقولون هذا لأنفقتم مال الله على عباده ، ولكني أشهد أنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : (إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً جعلوا مال الله دولاً ، وعباده خِولاً ، ودينه دخلاً).
فقال عثمان لمن حضر : أسمعتموها من رسول الله؟ قالوا : لا ، قال عثمان : ويلك يا أبا ذر أتكذب على رسول الله. فقال أبو ذر لمن حضر : أما تدرون أنّي صدقت؟ قالوا : لا والله ما ندري. فقال عثمان : اُدعوا لي عليّاً ، فلمّا جاء قال عثمان لأبي ذر : أقصص عليه حديثك في بني أبي العاص ، فأعاده. فقال عثمان لعليّعليهالسلام : أسمعت هذا من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قال : لا وقد صدق أبو ذر. فقال : كيف عرفت صدقه؟ قال : لأنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : (ما أظلـّت الخضراء ولا أقلـّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر). فقال من حضر : أمّا هذا فسمعناه كلنا من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . فقال أبو ذر : أحدّثكم أنّي سمعت هذا من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فتتهمونني ، ما كنت أظن انّي أعيش حتى أسمع هذا من أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم »(2) .
__________________
(1) أنساب الأشراف 1ق4 / 544.
(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 377 ط مصر الأولى.
وقد منعه عثمان من الفتيا والحديث بل حضر حتى مجالسته ، لكنه لم يعبأ بذلك كلّه ، فقال كما أخرج البخاري : « وقال أبو ذر : لو وضعتم الصمصامة على هذه ـ وأشار إلى قفاه ـ ثمّ ظننت أنّي أنفذ كلمة سمعتها من النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم قبل أن تجيزوا عليَّ لأنفذتها »(1) .
وفي حديث المسعودي في مروج الذهب(2) وقد ساق خروج أبي ذر وتوديع الإمام له وما جرى له مع مروان قال : « فلمّا رجع عليّ استقبله الناس فقالوا له : إنّ أمير المؤمنين عليك غضبان لتشييعك أبا ذر ، فقال عليّ : غَضَبَ الخيل على
__________________
(1) صحيح البخاري 1 / 21ط بولاق في كتاب العلم باب العلم قبل القول.
أقول : لم يذكر البخاري تمام ما قاله أبو ذر ، وغضّ الطرف عن سبب ذلك لما فيه من تحريج وتهريج. وإليك ما قاله أبو ذر برواية حميد بن زنجويه في كتابه الأموال ـ وهذا من معاصري البخاري ، فإنه مات سنة 251 قبل وفاة البخاري بخمس سنين ـ روى في كتابه الأموال برقم 1578 / 892 ط مركز الملك فيصل سنة 1406 هـ بسنده عن أبي ذر أن رجلاً أتاه فقال : إن مصدّقي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أتونا فصدّقونا ثمّ أتانا مصدّقو (أبا بكر) فصدّقونا كما صدّقنا مصدّقو رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمّ أتانا مصدّقو عمر فصدّقونا كذلك. ثمّ أتى مصدّقو عثمان فصدّقونا كذلك صدراً من خلافته ، ثمّ ازدادوا علينا ، أفأغيّّّب عنهم من مالي بقدر ما ازدادوا علينا؟ فقال : لا قف بمالك عليهم ، وقل : ما كان لكم من حقّ فخذوه ، وما كان باطلاً فذروه ، فما تعدّوا عليك ، جعل في ميزانك يوم القيامة. وعلى رأسه فتى من قريش فقال : ما نهاك أمير المؤمنين عن الفتيا. قال : أرقيبٌ أنت عليّ؟ فوالذي نفسي بيده ، لو وضعتم الصمصامة ها هنا ثمّ ظننت أنّي منفذ كلمة سمعتها من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قبل أن تجيزوا عليّ لأنفذتها.
وكذلك أخرجه الدارمي في سننه 1 / 112ط دار المحاسن للطباعة سنة 1386 هـ موصولاً من طريق الأوزاعي حدثني أبو كثير ـ يعني مالك بن مرتد ـ عن أبيه قال أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى ، وقد اجتمع عليه الناس يستفتونه ، فأتاه رجل فوقف عليه ثمّ قال : ألم تنه عن الفتيا؟ فرفع رأسه إليه فقال : أرقيب أنت عليّ. لو وضعتم فذكر مثله.
وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 1 / 160 ط السعادة بمصر.
وأخرجه ابن حجر في فتح الباري 1 / 171 ط مصطفى البابي الحلبي سنة 1378 هـ.
(2) مروج الذهب 2 / 350.
اللـُجُم : فلمّا كان بالعشيّ جاء إلى عثمان فقال له : ما حملك على ما صنعت بمروان؟ ولم اجترأت عليّ ورددت رسولي وأمري؟ قال : أمّا مروان فأنه استقبلني يردني فرددته عن ردي ، وأمّا أمرك فلم أردُه ، قال عثمان : ألم يبلغك أنّي قد نهيت الناس عن أبي ذر وعن تشييعه؟ فقال عليّ : أو كلّ ما أمرتنا به من شيء نرى طاعة الله والحقّ في خلافه اتبّعنا أمرك؟ بالله لا نفعل.
قال عثمان : أقد مروان ، قال : ومم أقيده؟ قال : ضربت بين أذني راحلته وشتمه فهو شاتمك وضارب بين أذني راحلتك. قال عليّ : أمّا راحلتي فهي تلك فإن أراد أن يضربها كما ضربت راحلته فليفعل. وأمّا أنا فوالله لئن شتمني لأشتمنّك أنت مثلها بما لا أكذب فيه ، ولا أقول إلاّ حقاً.
قال عثمان : ولم لا يشتمك إذا شتمته ، فوالله ما أنت عندي بأفضل منه؟
فغضب عليّ بن أبي طالب وقال : ألي تقول هذا القول؟ وبمروان تعدلني؟
فأنا والله أفضل منك ، وأبي أفضل من أبيك ، وأمي أفضل من أمك ، وهذه نبلي قد نثلتها. وهلمّ فانثل بنبلك ، فغضب عثمان واحمرّ وجهه ، فقام ودخل داره ، وانصرف عليّ واجتمع إليه أهل بيته ورجال من المهاجرين والأنصار.
فلمّا كان من الغد واجتمع الناس إلى عثمان شكا إليهم عليّاً وقال : إنّه يعيبني ويظاهر من يعيبني يريد بذلك أبا ذر وعمّار وغيرهما. فدخل الناس بينهما حتى اصطلحا وقال له عليّ : والله ما أردت بتشييع أبي ذر إلاّ الله تعالى اهـ »(1) .
قال ابن أبي الحديد في تتمة حديثه الآنف الذكر : « فأرسل عثمان إلى وجوه المهاجرين والأنصار وإلى بني أمية يشكو إليهم عليّاًعليهالسلام . فقال القوم : أنت الوالي عليه وإصلاحه أجمل ، قال : وددت ذلك ، فأتوا عليّاًعليهالسلام ، فقالوا : لو اعتذرت إلى
__________________
(1) مروج الذهب 2 / 350.
مروان وأتيته ، فقال : كلا ، أمّا مروان فلا آتيه ولا أعتذر منه ، ولكن ان أحبّ عثمان أتيته. فرجعوا إلى عثمان فأخبروه ، فأرسل عثمان إليه ، فأتاه ومعه بنو هاشم ، فتكلم عليّعليهالسلام فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : أمّا ما وجدتَ عليّ من كلام أبي ذر ووداعه فوالله ما أردت مساءتك ولا الخلاف عليك ، ولكن أردت به قضاء حقه ، وأمّا مروان فانه اعترض يريد ردّي عن قضاء حقّ الله (عزّ وجلّ) فرددته ، ردّ مثلي مثله. وأمّا ما كان مني إليك فإنك أغضبتني فأخرج الغضب مني ما لم أرده.
فتكلم عثمان فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : أمّا ما كان منك الي فقد وهبته لك ، وأمّا ماكان منك إلى مروان فقد عفا الله عنك ، وأمّا ما حلفت عليه فأنت البرّ الصادق ، فأدن يدك ، فأخذ يده فضمّها إلى صدره. فلمّا نهض قالت قريش وبنو أمية لمروان : أأنت رجل! جبهك عليّ وضرب راحلتك ، وقد تفانت وائل في ضرع ناقة ، وذبيان وعبس في لطمة فرس ، والأوس والخزرج في نِسعة ، أفتحمل لعليّ ما أتاه اليك؟ فقال مروان : والله لو أردت ذلك لما قدرت عليه »(1) .
روى الشيخ المفيد بسنده عن أبي جهضم الأزدي عن أبيه ـ وذكر حديث تسيير عثمان أبا ذر إلى الشام ثمّ تسييره من الشام إلى المدينة ـ إلى أن قال ـ : « فلمّا دخل عليه قال له : لا قرّ الله بعمرو عينا. فقال أبو ذر : والله ما سمّاني أبواي عمروا ، ولكن لا قرّب الله من عصاه وخالف أمره وارتكب هواه ، فقام إليه كعب الأحبار فقال له : ألا تتقي الله يا شيخ وتجيب أمير المؤمنين بهذا الكلام ، فرفع أبو ذر عصا كانت في يده فضرب بها رأس كعب ثمّ قال : يا بن اليهوديَين ما كلامك مع المسلمين فوالله ما خرجت اليهودية من قلبك بعد ، فقال عثمان : والله لا
__________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 375 / 376.
جمعتني وإياك دار ، قد خرفت وذهب عقلك ، أخرجوه من بين يدي حتى تركبوه قتب ناقة بغير وطاء ، ثمّ انخسوا به الناقة وتعتعوه حتى توصلوه الربذة فأنزلوه بها من غير أنيس حتى يقضي الله فيه ما هو قاضِ ، فأخرجوه متعتعاً موهوناً بالعصا ، وتقدّم ان لا يشيّعه أحد من الناس ، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام فبكى حتى بلّ لحيته بدموعه ثمّ قال : هكذا يصنع بصاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثمّ نهض ومعه الحسن والحسينعليهماالسلام وعبد الله بن العباس والفضل(1) وقثم وعبيد الله حتى لحقوا أبا ذر فشيّعوه ، فلمّا بصر بهم أبو ذررضياللهعنه حنّ إليهم وبكى عليهم وقال : بأبي وجوه إذا رأيتها ذكرت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وشملتني البركة برؤيتها ، ثمّ رفع يديه إلى السماء وقال : أحبّهم ولو قطعت إرباً إربا في محبتهم مازلت عنها ، أبتغي وجهك والدار الآخرة. فارجعوا رحمكم الله ، والله أسأل أن يخلفني فيكم أحسن الخلافة ، فودّعه القوم فرجعوا وهم يبكون على فراقه »(2) .
2 ـ قال ابن أبي الحديد : « واقعة أبي ذر وإخراجه إلى الربذة أحد الأحداث الّتي نقمت على عثمان ، وقد روى هذا الكلام ـ يعني كلام الإمام في توديعه كما مرّ ـ أبوبكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة عن عبد الرزاق عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال : لمّا أُخرج أبو ذر إلى الربذة ، أمر عثمان فنودي في الناس : أن لا يكلـّم أحدٌ أبا ذر ولا يشيّعه ، وأمر مروان بن الحكم أن يخرج به فخرج به وتحاماه الناس إلاّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وعقيلاً أخاه وحسناً وحسيناًعليهماالسلام وعماراً ، فإنّهم خرجوا معه يشيّعونه فجعل الحسنعليهالسلام
__________________
(1) لا يتوهم انّه ابن العباس بن عبد المطلب فإنه مات في أيام عمر في طاعون عمواس ، بل هذا هو الفضل بن العباس اللهبي.
(2) أمالي المفيد / 89 ط الحيدرية سنة 1367 هـ.
يُكلم أبا ذر ، فقال له مروان : إيها يا حسن ألا تعلم أن أمير المؤمنين قد نهى عن كلام هذا الرجل؟ فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك ، فحمل عليّعليهالسلام على مروان فضرب بالسوط بين أذني راحلته وقال : تنحّ نحّاك الله إلى النار.
فرجع مروان مغضباً إلى عثمان فأخبره الخبر ، فتلظـّى على عليّعليهالسلام ووقف أبو ذر فودّعه القوم ومعه ذكوان مولى أم هاني بنت أبي طالب قال ذكوان : فحفظت كلام القوم وكان حافظاً.
فقال عليّعليهالسلام : يا أبا ذر إنّك غضبت لله ، إنّ القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينهم ، فامتحنوك بالقلى ونفوك إلى الفلا ، والله لو كانت السموات والأرض على عبد رَتقاً ثمّ اتقى الله لجعل له منها مخرجاً ، يا أبا ذر لا يؤنسنّك إلاّ الحقّ ولا يوحشنّك إلاّ الباطل.
ثمّ قال لأصحابه : ودّعوا عمّكم وقال لعقيل : ودّع أخاك ، فتكلم عقيل فقال : ما عسى ما نقول يا أبا ذر وأنت تعلم أنا نحبّك وأنت تحبّنا فاتق الله ، فإنّ التقوى نجاة ، واصبر فإنّ الصبر كرم ، واعلم انّ استثقالك الصبر من الجزع ، واستبطاءك العافية من اليأس ، فدع اليأس والجزع.
ثمّ تكلم الحسنعليهالسلام فقال : يا عمّاه لولا أنّه لا ينبغي للمودّع أن يسكت وللمشيّع أن ينصرف لقصر الكلام وإن طال الأسف وقد أتى من القوم إليك ما ترى ، فضع عنك الدنيا بتذكّر فراغها ، وشدة ما اشتدّ منها برجاء ما بعدها ، واصبر حتى تلقى نبيّكصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو عنك راضِ.
ثمّ تكلم الحسينعليهالسلام فقال : يا عماه إن الله تبارك وتعالى قادر أن يغيّر ما قد ترى ، الله كلّ يوم هو في شأن ، وقد منعك القوم دنياهم ومنعتهم دينك ، فما أغناك عمّا منعوك وأحوجهم إلى ما منعتهم ، فاسأل الله الصبر والنصر ، واستعذ به من
الجشع والجزع ، فإن الصبر من الدين والكرم ، وإن الجشع لا يُقدّم رزقاً ، والجزع لا يؤخر أجلاً.
ثمّ تكلم عمّار ـ مغضباً ـ فقال : لا آنس الله من أوحشك ، ولا آمن من أخافك ، أما والله لو أردت دنياهم لأمّنوك ، ولو رضيت أعمالهم لأحبّوك ، وما منع الناس أن يقولوا بقولك إلاّ الرضا بالدنيا والجزع من الموت ، ومالوا إلى سلطان جماعتهم عليه ، والملك لمن غلب ، فوهبوا لهم دينهم ، ومنحهم القوم دنياهم ، فخسروا الدنيا والآخرة. ألا ذلك هو الخسران المبين.
فبكى أبو ذررحمهالله ـ وكان شيخاً كبيراً ـ وقال : رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة ، إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما لي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم ، إنّي ثقلت على عثمان بالحجاز كما ثقلت على معاوية بالشام ، وكره أن أجاور أخاه وابن خاله بالمصرين(1) فأفسد الناس عليهما فسيّرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلاّ الله ، والله ما أريد إلاّ الله صاحباً ، وما أخشى مع الله وحشة.
ورجع القوم إلى المدينة ، فجاء عليّ إلى عثمان ، فقال له ما حملك على ردّ رسولي وتصغير أمري؟
فقال عليّعليهالسلام أمّا رسولك فأراد أن يردّ وجهي فرددته ، وأمّا أمرك فلم أصغـّره.
قال : أما بُلـّغت نهيي عن كلام أبي ذر؟ قال : أو كلـّما أمرت بأمر معصية أطعناك فيه؟
__________________
(1) يريد بهما الكوفة والبصرة ، فقد كان واليه على الكوفة الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخاً عثمان لأمه ، وعلى البصرة عبد الله بن عامر وهو ابن خاله.
قال عثمان : أقد مروان من نفسك ، قال : ممّ ذا؟ قال : من شتمه وجذب راحلته. قال : أمّا راحلته فراحلتي بها ، وأمّا شتمه إياي فوالله لا يشتمني شتمة إلاّ شتمتك مثلها ، لا أكذب عليك ، فغضب عثمان وقال : لم لا يشتمك كأنك خير منه؟ قال عليّ : إي والله ومنك ، ثمّ قام فخرج »(1) .
3 ـ قال الواقدي : ثمّ إنّ عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذر ويكلـّموه ، فمكث كذلك أياماً ، ثمّ اتي به فوقف بين يديه. فقال أبو ذر : ويحك يا عثمان أما رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ورأيت أبا بكر وعمر ، هل هديك كهديهم؟ أما إنّك لتبطش بي بطش جبّار ، فقال عثمان : أخرج عنا من بلادنا فقال أبو ذر : ما أبغض إليَّ جوارك فإلى أين أخرج؟ قال : حيث شئت ، قال : أخرج إلى الشام أرض الجهاد ، قال : إنّما جلبتك من الشام لما قد أفسدتها أفاردّك إليها؟ أفأخرج إلى العراق؟ قال : لا ، إنّك إن تخرج إليها تقدم على قوم أولى شقة وطعن على الأئمّة والولاة. قال : أفأخرج إلى مصر؟ قال : لا. قال : فإلى أين أخرج؟ قال : إلى البادية قال أبو ذر : أصير بعد الهجرة أعرابياً؟ قال : نعم. قال أبو ذر فأخرج إلى بادية نجد؟ قال عثمان : بل إلى الشرق الأبعد أقصى فأقصى ، امض على وجهك هذا فلا تعدونّ الربذة ، فخرج إليها(2) .
فلمّا طلع عن المدينة ومروان يسيّره ، إذ طلع عليه ابن أبي طالبرضياللهعنه ومعه إبناه وعقيل أخوه وعبد الله بن جعفر وعمّار بن ياسر فاعترض مروان فقال : يا عليّ إنّ أمير المؤمنين قد نهى الناس أن يصحبوا أبا ذر في مسيره ويشيّعوه ، فان كنت لم تدر بذلك فقد أعلمتك ، فحمل عليه عليّ بن أبي طالب بالسوط بين
__________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 375 ط مصر الأولى.
(2) نفس المصدر 2 / 377.
أذني راحلته وقال : تنحّ نحّاك الله إلى النار ، ومضى مع أبي ذر فشيّعه ثمّ ودّعه وانصرف فلمّا أراد الانصراف بكى أبو ذر وقال : رحمكم الله أهل البيت إذا رأيتك يا أبا الحسن وولدك ذكرت بكم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ومن كلام لهعليهالسلام لأبي ذررحمهالله لمّا أخرج إلى الربذة : « يا أبا ذر إنّك غضبت لله فارج من غضبت له ، إنّ القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك ، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه ، واهرب منهم بما خفتهم عليه ، فما أحوجهم إلى ما منعتهم ، وما أغناك عمّا منعوك وستعلم من الرابح غداً ، والأكثر حسداً ، ولو أن السموات والأرض كانتا على عبد رتقاً ثمّ اتقى الله لجعل الله منهما مخرجاً ، لا يؤنسك إلاّ الحقّ ، ولا يوحشنّك إلاّ الباطل ، فلو قبلتَ دنياهم لأحبّوك ، ولو قرضتَ منها لأمّنوك »(1) . وإلى تمام الحديث في النهاية المروعة.
وفي نهاية المطاف كانت مأساة وفاته بالربذة ، وحديثها فيما رواه ابن سعد في طبقاته بسنده قال : « لمّا نفى عثمان أبا ذر إلى الربذة وأصابه فيها قدره ، ولم يكن معه أحدٌ إلاّ إمرأته وغلامه ، فأوصاهما أن أغسلاني وكفناني وضعاني على قارعة الطريق ، فأوّل ركب يمرّ بكم فقولوا هذا أبو ذر صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأعينونا على دفنه فلمّا مات فعلا ذلك به ، ثمّ وضعاه على قارعة الطريق ، وأقبل عبد الله بن مسعود في رهط من أهل العراق عُمّاراً فلم يرعهم إلاّ بالجنازة على ظهر الطريق قد كادت الإبل أن تطأها ، فقام إليه الغلام فقال هذا أبو ذر صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأعينونا على دفنه ، فاستهل عبد الله يبكي ويقول : صدق رسول الله تمشي وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك ، ثمّ نزل هو وأصحابه فواروه ،
__________________
(1) نفس المصدر / 374.
ثمّ حدثهم عبد الله بن مسعود حديثه وما قال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في مسيره إلى تبوك »(1) .
4 ـ وروى البلاذري : « انّه لمّا بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة قال : رحمه الله ، فقال عمّار بن ياسر : نعم فرحمه الله من كلّ أنفسنا ، فقال عثمان : يا عاض أير أبيه أتراني ندمت على تسييره؟ وأمر فدُفع في قفاه ، وقال : إلحق بمكانه ، فلمّا تهيأ للخروج جاءت بنو مخزوم إلى عليّ فسألوه أن يكلم عثمان فيه ، فقال له عليّ : يا عثمان أتق الله فإنك سيّرت رجلاً صالحاً من المسلمين فهلك في تسييرك ، ثمّ أنت الآن تريد أن تنفي نظيره وجرى بينهما كلام (؟) حتى قال عثمان أنت أحق بالنفي منه ، فقال عليّ : رُم ذلك إن شئت.
واجتمع المهاجرون فقالوا : إن كنت كلما كلمك رجل سيّرته ونفيته ، فإنّ هذا شيء لا يسوغ ، فكفّ عن عمّار »(2) .
3ـ عمّار بن ياسر :
(مليء إيماناً من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه)(3) كما في حديث ابن عباس عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم . وقال فيه أيضاً : (إنّ عماراً مع الحقّ والحقّ معه يدور عمّار مع الحقّ أينما دار وقاتل عمّار في النار)(4) .
وروى البلاذري من حديث أبي مخنف بإسناده قال : كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلي وجوهر فأخذ منه عثمان ما حلـّى به بعض أهله ، فأظهر
__________________
(1) طبقات ابن سعد 4ق1 / 173.
(2) أنساب الأشراف 1ق4 / 544 تح ـ إحسان عباس بيروت.
(3) أنظر تفسير الزمخشري والرازي والخازن والبيضاوي والآلوسي في تفسير قوله تعالى :( إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) .
(4) طبقات ابن سعد 3 / 187.
الناس الطعن عليه في ذلك وكلموه فيه بكلام شديد حتى أغضبوه ، فخطب فقال : لنأخذنّ حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت أنوف أقوام.
وفي رواية البلاذري عن الزهري قال : هذا مال الله أعطيه من شئت وأمنعه من شئت ، فأرغم الله أنف من رغم. فقال عليّ ـ كما في حديث أبي مخنف السابق ـ إذاً تـُمنع من ذلك ويُحال بينك وبينه.
وقال عمّار بن ياسر : أشهد الله أن أنفي أوّل راغم من ذلك.
فقال عثمان : أعليَّ يا بن المتكاءِ(1) تجترئ؟ خذوه ، فأخذ ودخل عثمان فدعا به فضربه حتى غشي عليه ثمّ أخرج فحمل حتى أتى به منزل أم سلمة زوج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلم يصلّ الظهر والعصر والمغرب ، فلمّا أفاق توضأ وصلـّى وقال : الحمد لله ليس هذا أوّل يوم أوذينا فيه في الله.
وقام هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي. وكان عمّار حليفاً لبني مخزوم. فقال : يا عثمان أمّا عليّ فاتقيتـّه وبني أبيه. وأمّا نحن فاجترأت علينا وضربت أخانا حتى أشفيت به على التلف ، أمّا والله لئن مات لأقتلنّ به رجلاً من بني أمية عظيم السرّة. فقال عثمان : وإنّك لههنا يا بن القسرية ، قال : فإنهما قسريتان ـ وكانت أمه وجدته قسريتين من بجيلة ـ فشتمه عثمان وأمر به فأخرج ، فأتى أم سلمة وإذا هي غضبت لعمّار.
__________________
(1) المتكاء. البظراء فحش لا ينبغي لمثل عثمان في سنّه وشأنه أن يقوله ، ولكن يبدو أنّه كان يستمرئ الفحش فقد مرّ قوله لعمار أيضاً يا عاض أير أبيه. وهذا يأبى التصديق بما يصفه به علماء التفخيم ورواة المناقب بأنه كان حيياً فأين الحياء من قائل هذا الفحش؟ ولقد أنكر الزهري حديث تستحي منه الملائكة فقد روى عبد الرزاق في المصنف 11 / 233 حديث عائشة ودخول أبي بكر وعمر وعثمان متعاقبين وهي مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في مرط واحد وانهصلىاللهعليهوآلهوسلم أصلح عليه ثيابه وجلس لمّا دخل عليه عثمان فسألته عن ذلك فقال أن عثمان رجل حيي قال الزهري : وليس كما يقول الكذابون : ألا استحيي من رجل تستحي منه الملائكة.
وبلغ عائشة ما صنع بعمّار فغضبت وأخرجت شعراً من شعر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وثوباً من ثيابه ونعلاً من نعاله ثمّ قالت : ما أسرع ما تركتم سنّة نبيّكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد.
وفي رواية أبي هلال العسكري في كتابه الأوائل انّها قالت له : « إنّك بريء من صاحب هذه الحجرات. فقال عثمان : من لي بهذه الحميراء ، انّها لمن شر بيت من قريش »(1) .
وقال عمرو بن العاص ـ كما في حديث الزهري ـ : « هذا منبر نبيّكم وهذه ثيابه وهذا شعره لم يبل فيكم وقد بدلتم وغيرّتم فغضب عثمان غضباً شديداً حتى مادرى ما يقول ، فارتجّ المسجد وقال الناس سبحان الله سبحان الله ».
واغتنمها عمرو بن العاص وقد كان عثمان قال لعمرو قبل ذلك وقد عزله عن مصر : إنّ اللقاح بمصر قد درّت بعدك أبدانها ، فقال : لأنكم أعجفتم أولادها فقال له عثمان : قملت جبتك مذ عُزلت عن مصر ، فقال : يا عثمان إنّك قد ركبت بالناس نهابير وركبوها بك فإمّا أن تعدل وإمّا أن تعتزل ، فقال : يا بن النابغة وأنت أيضاً تتكلم بهذا لأنّي عزلتك عن مصر وتوعدّه.
قال أبو مخنف في حديثه : وبلغ عثمان مصير هشام بن الوليد ومن مشى معه من مخزوم إلى أم سلمة وغضبُها لعمّار فأرسل اليها : ما هذا الجمع؟ فأرسلت إليه : دع ذا عنك يا عثمان ولا تحمل الناس في أمرك على مايكرهون. واستقبح الناس فعله بعمّار ، وشاع فيهم فاشتد انكارهم له(2) .
__________________
(1) الأوائل / 133ط دار المعرفة.
(2) أنساب الأشراف 1ق4 / 537 ـ 538 و 580 ـ 581.
وذكر المحبّ الطبري في الرياض النضرة في الطعن الثاني عشر : « ان أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اجتمع منهم خمسون رجلاً من المهاجرين والأنصار فكتبوا أحداث عثمان وما نقموا عليه في كتاب ، وقالوا لعمّار أوصل هذا الكتاب إلى عثمان ليقرأه فلعله يرجع عن هذا الّذي ينكر ، وخوّفوه فيه بأنّه إن لم يرجع خلعوه واستبدلوا غيره.
قالوا : فلمّا قرأ عثمان الكتاب طرحه ، فقال له عمّار : لا ترم بالكتاب وانظر فيه فإنه كتاب أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنا والله ناصح لك وخائف عليك ، فقال : كذبت يا بن سميّة ، وأمر غلمانه فضربوه حتى وقع لجنبه وأغمي عليه وزعموا انّه قام بنفسه فوطأ بطنه ومذاكيره حتى أصابه الفتق وأغمي عليه أربع صلوات ، فقضاها بعد الأفاقة واتخذ لنفسه تبّاناً تحت ثيابه ، وهو أوّل من لبس التبّان لأجل الفتق ، فغضب لذلك بنو مخزوم وقالوا والله لئن مات عمّار من هذا لنقتلن من بني أمية شيخاً عظيماً يعنون عثمان ، ثمّ أن عمّاراً لزم بيته إلى أن كان من الفتنة ما كان اهـ »(1) .
وهذا ذكره أيضاً البلاذري في أنسابه بصورة مختصرة ، وذكر من أسماء الساخطين الذين كتبوا الكتاب مضافاً إلى عمّار المقداد وطلحة والزبير في عدة من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (2) ، وسنأتي على معرفة مواقفهم بعد ذلك.
لعل الكثير من الناس الذين لا يعلمون سبب النفرة بين عائشة وعثمان ، وكلّ ماعرفوه عنهما ، أنّها كانت تشنّع عليه في حياته كثيراً ، ثمّ صارت مطالبة بدمه بعد موته.
__________________
(1) الرياض النضرة 2 / 140.
(2) أنساب الأشراف 1ق4 / 539.
أمّا لماذا كانت قبل ذلك كذلك؟ ولماذا صارت بعد ذلك كذلك؟ فقد لا يعرفون جواب ذلك. وهو باختصار ، إنّما هو المال أوّلاً وأخيراً. فقد كان عمر بن الخطاب قد فضّل عائشة وحفصة واُم حبيبة على بقية نساء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في العطاء ففرض للثلاثة في اثنتي عشرة والبقية أمهات المؤمنين ستة آلاف ستة آلاف ولصفية وجويرية في خمسة آلاف خمسة آلاف(1) .
وهذا التفضيل لا يخلو من التدليل على مدى التوافق في السلوك المرضي لعمر ، خصوصاً إذا عرفنا أن عائشة وحفصة كانتا من حزب واحد على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما أخرج ذلك البخاري في صحيحه عن عائشة : « إنّ نساء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كنّ حزبين ، فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسوده ، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اهـ »(2) .
ولم يغب عن الذاكرة ما مرّ في فترة بين عهدين عن المرأتين من مواقف خدمت الخالفين بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قال اليعقوبي في تاريخه : « وكان بين عثمان وعائشة منافرة ، وذلك أنّه نقصها ممّا كان يعطيها عمر بن الخطاب وصيّرها أسوة غيرها من نساء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . ونادت يا معشر المسلمين هذا جلباب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يبل وقد أبلى عثمان سنته. فقال عثمان : ربِّ اصرف عني كيدهنّ إنّ كيدهنّ عظيم اهـ »(3) .
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 1 / 130 ط الغري.
(2) صحيح البخاري كتاب الهبة باب من أهدى إلى صاحبه وتحرّى بعض نسائه دون بعض 3 / 156 ط بولاق.
(3) تاريخ اليعقوبي 2 / 152.
وقد مرّ بنا في معرفة الوشائج ما حكاه المجلسي عن تاريخ الطبري وتاريخ الثقفي أن عائشة جاءت إلى عثمان فقالت أعطني ما كان يعطيني أبي وعمر ، قال : لا أجد له موضعاً في كتاب الله ولا في السنة ، ولكن كان أبوك وعمر يعطيانك عن طيبة أنفسهما وأنا لا أفعل. قالت : فأعطني ميراثي من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال : أو لم تجيء فاطمة تطلب ميراثها من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فشهدتِ أنتِ ومالك بن أوس النضري : أن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يورث ، وأبطلتِ حقّ فاطمة ، وجئتني تطلبينه لا أفعل(1) . فكان تنقيص العطاء ، هو بدء العناء ، وبالتالي انتهى إلى مزيد من البلاء ، وهو ممّا حمل العقاد على نقد موقف عثمان في ذلك فقال : جاء الخطأ الأوّل في هذه السياسة من القائمين بالأمر في حكومة عثمان ، وكان خطأً عجيباً حقاً ، لأنه لا يفهم على وجه من وجوه المصلحة ، ولا تدعو إليه ضرورة من ضرورات الدولة ، ونعني به نقص العطاء الّذي كان مقدوراً للسيدة عائشة في عهد الفاروق ، أعدل من لاحظ العدل في تقسيم الأعطية على حسب المراتب والحقوق انّ نقص عطاء السيدة كان يكون سائغاً عندها وعند المسلمين والمسلمات إذا دعت إليه حاجة في خزانة الدولة ، ولكنه لا يسوغ ولا تستريح إليه النفس ، والأموال تتدفـّق على خزانة الدولة بالألوف الّتي يحار فيها الإحصاء ، وغنائم افريقية وحدها تبلغ مليونين ونصف مليون من الدنانير ، فيعطى خمسها لبنت الخليفة وزوجها مروان ابن الحكم ، وغير ذلك من القطائع والأعطية الّتي يخص بها القريبات والقريبين ولا يضبط لها حساب(2) .
__________________
(1) بحار الأنوار 8 / 320 ط الكمپاني الحجري.
(2) الصديقة بنت الصديق / 138 سلسلة الهلال.
والآن وقد عرفنا الجواب ، كان من الطبيعي أن تستغلّ عائشة الأحداث الّتي أدين فيها عثمان ، فيرتفع صوتها معلنة سخطها تضامناً مع الساخطين حتى صارت من أشدّ المحرّضين ، وإلى بعض مواقفها :
1 ـ لمّا استدعي ابن مسعود من الكوفة إلى المدينة فدخل المسجد وعثمان على المنبر فقال في ابن مسعود منكراً من القول ، وما كان ينبغي له ، قال : « دويّبة سوء من يمشي على طعامه يقيء ويسلح ».
فنادته عائشة : « أي عثمان أتقول هذا لصاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم » ، وقد مرّ بنا ذكر ابن مسعود في أوّل قائمة الساخطين.
2 ـ موقفها في حادثة سكر الوليد بن عقبة والي عثمان بالكوفة وخرج الشهود إلى عثمان يشكونه فلم يشكهم بل ضرب بعض الشهود أسواطاً ، فأتى الشهود عائشة فأخبروها بما جرى بينهم وبين عثمان ، وأنه زبرهم فنادت عائشة : إن عثمان أبطل الحدود وتوعد الشهود ـ كما مرّ في أسباب السخط ـ وان الشهود إنّما لجأوا إلى بيت عائشة لأن عثمان توعدهم بالتنكيل بهم.
فقد روى أبو الفرج في الأغاني عن الزهري قال : « خرج رهط من أهل الكوفة إلى عثمان في أمر الوليد فقال : أكلـّما غضب رجل منكم على أميره رماه بالباطل؟ لئن اصبحت لأنكلنّ بكم. فاستجاروا بعائشة ، وأصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتاً وكلاماً فيه بعض الغلظة ، فقال : أما يجد مرّاق اهل العراق وفسّاقهم ملجأ إلاّ بيت عائشة فسمعت فرفعت نعل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقالت : تركتَ سنة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم صاحب هذا النعل.
فتسامع الناس فجاؤا حتى ملأوا المسجد ، فمن قائل : أحسنت ، ومن قائل ما للنساء ولهذا؟ حتى تحاصبوا وتضاربوا بالنعال »(1) .
وقال البلاذري في حديثه : « إنّ عائشة أغلظت لعثمان ، وأغلظ لها وقال : وما أنتِ وهذا؟ إنما أَمرتِ أن تقرّي في بيتكِ. فقال قوم مثل قوله ، وقال آخرون : ومن أولى بذلك منها ، فاضطربوا بالنعال ، وكان ذلك أوّل قتال بين المسلمين بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم »(2) .
3 ـ موقفها من حادثة ضرب عمّار حتى أغمي عليه وفاتته أربع صلوات فبلغ ذلك عائشة فغضبت وأخرجت شعراً من شعر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وثوباً من ثيابه ونعلاً من نعاله ثمّ قالت : ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعده. كما مرّ في ذكر عمّار من الساخطين.
4 ـ موقفها من حصار عثمان فقد روى البلاذري وقال : « وحاصر الناس عثمان وأجلب محمّد بن أبي بكر ببني تيم وغيرهم ، وأعانه على ذلك طلحة بن عبيد الله ، وكانت عائشة تقرصه كثيراً »(3) .
5 ـ موقفها وقد استنجد بها عثمان وهو محصور فارسل إليها مروان بن الحكم وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فأتياها وهي تريد الحج فقالا لها : لو أقمت فلعلّ الله يدفع بك عن هذا الرجل ، فقالت : قد قرّبت ركابي وأوجبت الحج على نفسي والله لا أفعل. فنهض مروان وصاحبه ومروان يقول :
حتى إذا أضطرمت أجذما وحرّق قيس عليّ البلاد
__________________
(1) الأغاني 4 / 180.
(2) أنساب الأشراف 1ق4 / 522.
(3) أنساب الأشراف 1ق4 / 557.
فقالت عائشة : يا مروان وددت والله انّه في غرارة من غرائري هذه ، وأني طـُوّقت حمله حتى ألقيه في البحر. هذا ما رواه البلاذري في الأنساب(1) .
إلاّ أنّ ابن سعد روى في الطبقات أن عائشة قالت : « أيّها المتمثـّل عليّ بالأشعار وددت انّك وصاحبك هذا الّذي يعنيك أمره في رجل كلّ واحد منكما رحىً وأنكما في البحر ، وخرجت إلى مكة »(2) .
6 ـ موقفها مع ابن عباس وقد ولاه عثمان الموسم ، فقد روى البلاذري في الأنساب قال : « ومرّ عبد الله بن عباس بعائشة ـ وقد ولاه عثمان الموسم ـ وهي بمنزل من منازل الطريق فقالت : يا بن عباس إن الله قد آتاك عقلاً وفهماً وبياناً ، فإيّاك أن تردّ الناس عن هذا الطاغية »(3) .
وفي حديث الطبري في تاريخه قال : « فمرّ بعائشة في الصلصل فقالت : يا ابن عباس أنشدك الله فإنك قد أعطيت لساناً إزعيلاً ـ أي ذلقاً ـ أن تخذل عن هذا الرجل وأن تشكك فيه الناس ، فقد بانت لهم بصائرهم ، وأنهجت ورفعت لهم المنار ، وتحلّبوا عن البلدان لأمر قد حمّ. وقد رأيت طلحة بن عبيد الله قد اتخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح ، فان يل يسر بسيرة ابن عمه أبي بكر.
قال : يا أمه لو حدث بالرجل حدثٌ ما فزع الناس إلاّ إلى صاحبنا.
فقالت : إيهاً عنك ، إنّي لست أريد مكابرتك ولا مجادلتك »(4) .
7 ـ موقفها في مكة المكرمة : قال البلاذري في الأنساب : « وكانت عائشة تؤلب على عثمان فلمّا بلغها أمره وهي بمكة أمرت بقبتها فضربت في
__________________
(1) نفس المصدر / 565.
(2) طبقات ابن سعد 5 / 25.
(3) أنساب الأشراف 1ق4 / 565.
(4) تاريخ الطبري 4 / 407.
المسجد الحرام وقالت : إنّي أرى عثمان سيشأم قومه كما شأم أبو سفيان قومه يـوم بـدر »(1) .
8 ـ وأخيراً موقفها في شراف في الطريق عند عودتها من الحجّ وقد بلغها مقتل عثمان فقالت : « بُعداً(2) لنعثل وسحقاً ، وقالت : أبعده الله ذلك بما قدمت يداه وما الله بظلامٍ للعبيد(3) وقالت : أبعده الله قتله ذنبه وأقاده الله بعمله. يا معشر قريش لا يسومنكم قتل عثمان كما سام أحمر ثمود »(4) ، إلى غير ذلك من المواقف الّتي أثارت الغضب على عثمان حتى أنّها فيما روى الرواة قالوا : « أوّل من سمى عثمان نعثلاً عائشة وكانت تقول : اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلاً »(5) .
بقي الكلام عن موقف طلحة ، وهذا سيأتي في قائمة الصحابة الذين حظوا من عثمان بالحباء والعطاء ولم يحسنوا له الجزاء.
أمّا الكلام عن موقف الإمام عليّعليهالسلام فكذلك يأتي في موقف بني هاشم من عثمان.
وهذه هي الأسماء الواردة في قول سعيد بن المسيب ، أمّا ما ورد عند غيره ، فقد عرفنا من خلال معرفة مواقف ابن مسعود وأبي ذر وعمّار وعائشة الآنفة الذكر مجموعة أسماء وقبائل سخطت ولاية عثمان وولاته.
فقد عرفنا أنّ بني هذيل وبني زهرة وبني غفّار وأحلافها كلّها غضبت لما جرى على ابن مسعود وأبي ذر.
__________________
(1) أنساب الأشراف 1ق4 / 583.
(2) أنظر شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 77.
(3) نفس المصدر.
(4) نفس المصدر.
(5) نفس المصدر.
وعرفنا أن بني مخزوم كذلك حنقت على عثمان لحال عمّار حتى قالوا لئن مات عمّار لنقتلن به رجلاً من بني أمية. وكانوا يعنون به عثمان.
وعرفنا سخط الشهود الوافدين من الكوفة يشهدون على الوليد أفعاله المنكرة وما لحقهم من وعيد عثمان حتى استجاروا بعائشة.
وعرفنا ثمة سبعمائة وفد أهل مصر جاؤا يشكون ما يلقون من ظلم ابن أبي سرح.
وعرفنا ثمة أناس من أهل المدينة أيّدوا عائشة في استنكارها فعل عثمان مع أهل العراق ، واضطربوا بالنعال مع أنصار عثمان وكان ذلك أوّل قتال بين المسلمين.
وعرفنا سخط بني تيم وغيرهم ممن أجلب بهم محمّد بن أبي بكر ، وأعانه طلحة بن عبيد الله ومن ورائهما عائشة حيث كانت تقرص عثمان كثيراً.
وعرفنا أنّ المهاجرين اجتمعوا على عثمان فأنكروا عليه صنعه مع عمّار.
وعرفنا أنّ خمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار كتبوا أحداث عثمان وما نقموا عليه ، منهم المقداد وطلحة والزبير.
وأخيراً عرفنا أنّ الناس استقبحوا ما فعله بعمّار وشاع فيهم فاشتد إنكارهم له.
ولم يكن الساخطون من ذكرناهم فقط ، بل هناك آخرون كثيرون حتى جاء في حديث للواقدي : ولا ينكر ما يقال فيه إلاّ نُفَير. وجاء في حديث المسعودي : وغير هؤلاء ممّن لا يحمل كتابنا ذكره ، فلنقرأ ما قاله الواقدي والمسعودي.
قال الواقدي بإسناده : « لمّا كانت سنة 34 كتب أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعضهم إلى بعض يتشاكون سيرة عثمان وتغييره وتبديله ، وما الناس فيه من عمّاله ويكثرون عليه ، ويسأل بعضهم أن يقدموا المدينة إن كانوا يريدون الجهاد. ولم يكن أحد من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يدفع عن عثمان ، ولا ينكر ما يقال فيه (إلاّ نفير منهم)(1) زيد بن ثابت وأبو أسيد الساعدي وكعب بن مالك بن أبي كعب من بني سلمة من الأنصار وحسان بن ثابت الأنصاري »(2) .
وقال المسعودي في مروج الذهب في حديث حصار الثوار ومقتل عثمان بداره : « وأحدقوا بداره بالسلاح وطالبوه بمروان ، فأبى أن يتخلى عنه ، وفي الناس بنو زهرة لأجل عبد الله بن مسعود لأنّه كان من أحلافها ، وهذيل لأنّه كان منها ، وبنو مخزوم وأحلافها لعمّار ، وغفار وأحلافها لأجل أبي ذر ، وتيم بن مرّة مع محمّد بن أبي بكر وغير هؤلاء ممّن لا يحمل كتابنا ذكره »(3) .
قال طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى عثمان : « فسياسة عثمان في العزل والتولية لم تكن ملائمة للعهد الّذي أعطاه ، وليس من شك في أنّ الذين ضاقوا بهؤلاء العمّال وثاروا عليهم ونقموا من عثمان توليتهم لم يكونوا مخطئين »(4) .
فالآن إلى معرفة مواقف عثمان من الساخطين :
ونقتصر أوّلاً على ذكر موقفه من الصحابة ، ثمّ نتبعه بموقفه من بني هاشم ، أمّا موقفه من سائر الناس الساخطين فسيأتي عند ذكر مأساة الحصارَين.
__________________
(1) في الطبري وابن الأثير والنويري.
(2) أنساب الأشراف 1ق4 / 549 ، وتاريخ الطبري 4 / 336.
(3) مروج الذهب 2 / 353 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد ط مصر.
(4) الفتنة الكبرى 1 / 189 ط دار المعارف.
لقد كان من أسباب السخط على عثمان عزله كبار الصحابة عن مراكزهم القيادية ، وتوليتها أحداث بني أمية ، فنقم الناس ذلك عليه ، وزاد في الكراهية انقطاع درّ الحلوبة عمّن كانوا يرتضعونها حيث وفرة العطاء والإقطاع على حساب المسلمين ، ولمّا كان إحسان عثمان لمن أغدق عليهم في غير محلـّه ، لذلك انقلب الحباء والعطاء إلى سخط وجفاء ، فقوبل على ذلك بعدم الوفاء وهكذا تكون الخدمات مهدورة ، ما دامت الصحبة على غير تقى.
والآن إلى معرفة من حباهم وأعطاهم ، ثمّ قلاهم وبتعبير أصحّ هم كافئوه شرّ مكافأة :
ذكر ابن سعد في الطبقات : « فلمّا ظن ـ عمر ـ أنّه الموت قال : ياعبد الله ابن عمر أنظر كم عليّ من الدين؟ قال : فحسبه ، فوجده ستة وثمانين ألف درهم ، قال : يا عبد الله إن وفـّى لها مال آل عمر فأدّها عني من أموالهم ، وإن لم تف أموالهم فاسأل فيها بني عدي بن كعب ، فان لم تفِ من أموالهم فاسأل فيها قريشاً ولا تعدهم إلى غيرهم »(1) .
وكان عمر إذا احتاج إلى صاحب بيت المال فأستقرضه فربما أعسر فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه فيحتال له عمر ، وربما خرج عطاؤه فقضاه(2) .
__________________
(1) راجع طبقات ابن سعد 3ق1 / 244 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 137 ط الغري ، سير أعلام النبلاء 2 / 528 ط دار الفكر بيروت ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي / 91 ط المنيرية وغيرها ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / ط مصر الأُولى ، والفتوح لابن أعثم 2 / 91.
(2) تاريخ ابن الأثير 3 / 24 ط بولاق.
فهذه الديون الّتي استدانها وأوصى ابنه بوفائها ، لم يذكر أن ابنه وفاها إلى بيت المال ، بل المذكور في المصادر ذكر وصية عمر بها ، أمّا الوفاء فبقي في الخفاء ، ولا أظن إلاّ أنّ عثمان أغضى عن المطالبة ، فإنّ من يغضي عن دم عبيد الله بن عمر يهون عليه الإغضاء عن مال بذمة عمر. مع ان عمر ـ كما في الفتوح لابن أعثم ـ قال لابنه : « واجعل ذلك في بيت المال ، فإن سألك الخليفة من بعدي أن لا تأتيه بذلك المال فلا تفعل فإن وهبه لك فلا تقبل واذهب به حتى تضعه في بيت المال كما أخذته منه »(1) .
لقد مرّ بنا في أوّل مخالفات عثمان لأحكام الشريعة ، درؤه الحد عن عبيد الله بن عمر ، ومرّ بنا استنكار المسلمين لذلك فلم يعبأ عثمان بذلك ولم يكتف بدرء الحد عنه ، بل أنزله الكوفة وأقطعه داراً عرفت باسم (كويفة بن عمر) وفي ظني أن هناك تزوج بحرية بنت هاني المرادي ، الّتي كانت معه حتى في صفين يوم قتل ، وهي الّتي استوهبت من جيش الإمام جثته ، فأعطوها وحملتها إلى معاوية فصلّى عليها ودفنها.
فعثمان بعد أن كان من أشدّ المنكرين لجريمة عبيد الله لم يعاقبه ثمّ لم يرضَ بذلك حتى أكرمه بإقطاعه في الكوفة ومع هذا الإحسان فلم نسمع عنه حضوراً فاعلاً في الكوفة أو في المدينة نفع به عثمان. فأين كان؟ ولماذا سكت؟
أمّا أخوه عبد الله بن عمر فهذا كان مع عثمان حتى يوم الدار ، ولكنه لم يغن عنه شيئاً ، إذ لم يعرف المصلحة على حقيقتها ـ على أحسن تقدير ـ إذ غشه ـ على أسوء تقدير ـ حين استشاره فيما أشار به المغيرة بن الأخنس ، وإليك
__________________
(1) الفتوح 2 / 91.
حديثه يقول : « قال لي عثمان وهو محصور في الدار : ما ترى فيما أشار به عليَّ المغيرة بن الأخنس؟ قال : قلت : وما أشار به عليك؟ قال : قال : إن هؤلاء القوم يريدون خلعي ، فان خَلعتُ تركوني ، وإن لم أخلع قتلوني.
قال : قلت : أرأيت إن خلعت تترك مخلداً في الدنيا؟ قال : لا ، قال : فهل يملكون الجنة والنار؟ قال : لا : قال : فقلت : ارأيت ان لم تخلع هل يزيدون على قتلك؟ قال : لا.
قال : فقلت : فلا أرى أن تسنّ هذه السنّة في الإسلام ، فكلـّما سخط قوم أميرهم خلعوه. لا تخلع قميصاً قمصكّه الله اهـ »(1) .
ولولا أنّ ابن عمر لقـّن عثمان حجة قميص الله ، لمّا كان في التاريخ قميص عثمان. فلو أنّه أخذ برأي المغيرة ـ وكان له من الناصحين ـ فخلع نفسه لتفادى القتل ، وجنّب المسلمين ما حاق بهم من شرور الفتنة الكبرى. ولتغير وجه التاريخ. غير ان ابن عمر أشار عليه أن لا يخلع نفسه ولقـّنه حجته لا تخلع قميصاً قمّصكه الله ، فكان عثمان يقول : « لا أنزع قميصاً ألبسنيه الله (عزّ وجلّ) »(2) .
وليتني كنت أدري كيف لم يعِ قول أبيه في قتل الحاكم إذا جنف! روى الطبري بسنده عن موسى بن عقبة يحدّث أن رهطاً أتوا عمر فقالوا : « كثر العيال واشتدت المؤونة فزدنا في أعطائنا قال : فعلتموها ، جمعتم بين الضرائر ، واتخذتم الخدم في مال الله (عزّ وجلّ)! أما والله لوددت أنّي وإياكم في سفينة في لجة البحر ، تذهب بنا شرقاً وغرباً ، فلن يُعجز الناس أن يولوا رجلاً منهم ، فان استقام اتبعوه وإن جنَفَ قتلوه ، فقال طلحة : وما عليك لو قلت : إن تعوّج عزلوه! فقال : لا ، القتل أنكل لمن بعده.
__________________
(1) طبقات ابن سعد 3ق1 / 45.
(2) تاريخ الطبري 4 / 375 ط دار المعارف.
احذروا فتى قريش وابن كريمها الّذي لا ينام إلاّ على الرضا ، ويضحك عند الغضب ، وهو يتناول مَن فوقه ومَن تحته »(1) .
روى الذهبي قال : « ودخل ابن عمر على عثمان وهو محصور فقال : ما ترى؟ قال : أرى أن تعطيهم ما سألوك من وراء عتبة بابك غير أن لا تخلع نفسك فقال : دونك عطاءَكَ ـ وكان واجداً عليه ـ فقال : ليس هذا يوم ذاك ، ثمّ خرج ابن عمر إليهم ـ الثوار ـ فقال : إياكم وقتل هذا الشيخ ولقد رأيتنا وأصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم متوافرون نقول : أبو بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان »(2) .
وهكذا بدأ ابن عمر يحتل مكانة عند الأمويين فينفحونه بعطاياهم وينفحهم هو على بلاياهم. ألم يرسل إليه معاوية مائة الف لما أراد البيعة لأبنه يزيد(3) ، فكانت هذه النفحة من معاوية هي الّتي أخرجت النفحة من ابن عمر فقال في بيعة يزيد : « إن كان خيراً رضينا وإن كان بلاءً صبرنا »(4) .
وزاد في نفحته حين دعا بنيه وجمعهم وذلك عند خلع أهل المدينة ليزيد فقال : « إنا بايعنا هذا الرجل ـ ويعني به يزيد ـ فلا يخلعنّ أحدٌ منكم يزيد ولا يسرعنّ أحدٌ منكم في هذا الأمر ، فتكون الصيلم بيني وبينه »(5) .
إذن فابن عمر لم ينصر عثمان بما ينفعه يوم الدار فينجيه من القتل ، بل على أحسن تقدير كانت مشورته على عثمان بأن لا يخلع نفسه هي الّتي أودت بحياة عثمان ، ولا يبعد سيء الظن به في التقدير ، لو قال إنّه غشه في ذلك التدبير.
__________________
(1) نفس المصدر 4 / 213.
(2) سير أعلام النبلاء 3 / 604 ط دار الفكر.
(3) أُنظر طبقات ابن سعد 4ق1 / 134.
(4) نفس المصدر.
(5) نفس المصدر.
وأمّا أختهما حفصة بنت عمر فحسبنا أن نعرف أنّها كانت المحرّضة لأخيها عبيد الله على قتل الهرمزان وجفينة كما مرّ في مخالفات أحكام الشريعة ، ثمّ إنّها هي الّتي أنكرت على عثمان ما كان منه من مخالفات.
فقد روى عبد الرزاق في المصنف من حديث أبي كعب الحارثي وهو ذو الأداوة(1) قال : « ثمّ أقيمت الصلاة فتقدم عثمان فصلـّى فلمّا كبّر قامت امرأة من حجرتها فقالت : أيها الناس اسمعوا : قال : ثمّ تكلـّمت فذكرت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وما بعثه الله به ، ثمّ قالت تركتم أمر الله وخالفتم رسوله. أو نحو هذا. قال : ثمّ صمتت. فتكلمت أخرى مثل ذلك ، فإذا هي عائشة وحفصة قال : فلمّا سلم عثمان اقبل على الناس فقال : إن هاتان الفتآنتان فتنتا الناس في صلاتهم ، وإلاّ تنتهيان أو لأسبنّكما ما حلّ لي السباب وإنّي لأصلِكما لعالِم. فقال له سعد بن أبي وقاص أتقول هذا لحبائب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قال : وفيما أنت وما ها هنا؟ الخ »(2) .
كان حيناً من الدهر من أصهار عثمان على أخته لأمه اُم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط وتعدّ هذه من المردفات من قريش ، وإليك حديث هذه المصاهرة فهو غير معروف لدى كثير من الباحثين ، فضلاً عن غيرهم.
قال المدائني : « تزوّجها ـ أم كلثوم ـ زيد بن حارثة ، ثمّ خلف عليها الزبير ابن العوام فحملت ، وكان الزبير شديداً على النساء ، فأقام عندها سبعة أيام ،
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 375 ط دار المعارف.
(2) المصنف لعبد الرزاق 11 / 355 هكذا النص والصواب : هاتين الفتّانتين إن لا تنتهيا ، وقارن شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 394 ط مصر الأُولى ففيه إنّ هاتين لفتانتان.
فولدت له أبنة ، وقالت له حين ضربها المخاض ، طيّب نفسي بتطليقة فطلـّقها وخرج إلى الصلاة ، فلحقه رجل فقال : قد ولدت أم كلثوم ، فقال : خدعتني خدَعَها الله : ولم يكن له عليها رجعة ، وخطبها فأبت أن تزوّجه ، ويقال : أتى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فأخبره ، فقال : قد مضى فيه القرآن ، ولكن إن شئت خطبتها إلى نفسها. قال : لا ترجع إليَّ أبداً.
قال المدائني وابنتها من الزبير : زينب »(1) .
هذا بعض حديث المصاهرة ممّا يتعلق بالزبير وسيأتي تمامه في عبد الرحمن بن عوف وعمرو بن العاص.
وإذ عرفنا انّ الزبير كان حيناً من الدهر من أصهار عثمان فلا غرابة إذا قرأنا إنّ عثمان قضى له في خصومة له مع رافع بن خديج في مواليه أشترى الزبير أباهم ثمّ أعتقه ليخرج أبناءه من مال رافع ويجعلهم في ماله ، فاختصم إلى عثمان فقضى له بولائهم(2) .
ولا غرابة أيضاً لو قرأنا أن عثمان نفحه أيام خلافته بستمائة ألف فنزل على أخواله بني كاهل فقال : أيّ المال أجود؟ فقالوا : مال اصبهان قال : أعطوني من مال أصبهان(3) . فلا غرابة في ذلك فقد كان عثمان سخياً مع أقربائه وأنسبائه ، كما لا غرابة في تصديقه له ولصهره الآخر عبد الرحمن بن عوف في زعمه أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أقطعه وعمر بن الخطاب أرض كذا وكذا.
__________________
(1) نوادر المخطوطات. كتاب المردفات من قريش للمدائني 1 / 61 تح ـ عبد السلام هارون ط مصر سنة 1370 الأُولى.
(2) المصنف لعبد الرزاق 9 / 41.
(3) طبقات ابن سعد 3ق1 / 75 ط أفست ليدن.
وقد اشترى الزبير نصيب آل عمر فقال عثمان : عبد الرحمن بن عوف جائز الشهادة له وعليه(1) .
ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء : « انّ الزبير قدم الكوفة وعليها سعيد بن العاص فبعث إلى الزبير سبعمائة ألف فقبلها ، ولكن سرعان ما انقلبت الأحوال حتى آلت إلى شر مآل »(2) .
فقد روى البلاذري في أنساب الأشراف عن ابن عباس قال : « تدارأ(3) عثمان والزبير في شيء ، فقال الزبير : أنا ابن صفية.
فقال عثمان : هي أدنتك من الظل ولولا هي كنت ضاحياً »(4) .
وروى أيضاً أنّ عثمان نازع الزبير فقال الزبير : « إن شئت تقاذفنا. فقال عثمان : بماذا؟ بالبعر يا أبا عبد الله.
قال : لا والله ولكن بطبع خبّاب وريش المقعد.
قال : وكان خبّاب يطبع السيوف ، وكان المقعد يريش السهام »(5) .
وروى أيضاً : « انّ الزبير جاء إلى عثمان فقال له : أنّ في مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جماعة يمنعون من ظلمك ويأخذونك بالحقّ ، فاخرج فخاصم القوم إلى أزواج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فخرج معه ، فوثب الناس عليه بالسلاح.
فقال : يا زبير ما أرى أحداً يأخذ بحقّ ولا يمنع من ظلم. ودخل ومضى الزبير إلى منزله »(6) .
__________________
(1) الرياض النضرة للطبري 2 / 285 نقلاً عن أحمد.
(2) سير أعلام النبلاء 4 / 519 ط دار الفكر.
(3) تدارأ القوم تدارأوا تدافعوا في الخصومة واختلفوا (قطر المحيط ـ درأ).
(4) أنساب الأشراف 1ق4 / 488 تح ـ إحسان عباس.
(5) نفس المصدر / 499.
(6) نفس المصدر / 567.
وكانت للزبير مواقف في خذلان عثمان وتأليب الناس عليه لعل من آخرها وأقساها قوله يوم الدار للثوار : « اقتلوه فقد بدّل دينكم. فقالوا : إن ابنك يحامي عنه بالباب. فقال : ما أكره أن يقتل عثمان ولو بدئ بابني ، إنّ عثمان لجيفة على الصراط غداً »(1) .
1 ـ روى البلاذري عن موسى بن طلحة قال : « أعطى عثمان طلحة في خلافته مائتي ألف دينار »(2) .
2 ـ وعن موسى بن طلحة أيضاً قال : « كان لعثمان على طلحة خمسون ألفاً ، فخرج عثمان يوماً إلى المسجد فقال له طلحة قد تهيأ مالك فاقبضه قال : هو لك يا أبا محمّد معونة لك على مروءتك »(3) ، وفي ذيل هذا عند ابن أبي الحديد نقلاً عن الطبري : « فكان عثمان يقول وهو محصور : جزاء سنمار ».
3 ـ روى البلاذري بإسناده قال : « ولم يزل عثمان مكرماً لطلحة حتى حصر فكان طلحة أشد الناس عليه »(4) .
4 ـ روى الطبري بسنده عن حكيم بن جابر قال : « قال عليّ لطلحة : أنشدك الله إلاّ رددت الناس عن عثمان ، قال : لا والله حتى تعطي بنو أمية الحقّ من أنفسها »(5) .
__________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 404 ط مصر الأولى.
(2) أنساب الأشراف 1ق4 / 490 تح ـ إحسان عباس.
(3) تاريخ الطبري 4 / 405.
(4) أنساب الأشراف 1ق4 / 506 تح ـ إحسان عباس.
(5) تاريخ الطبري 4 / 405 ط محققة ، ومصنف ابن أبي شيبة 15 / 210 ط باكستان.
5 ـ وفي حديث أبي مخنف بإسناده قال أشرف عثمان على الناس فسمع بعضهم يقول : « لا نقتله ولكن نعزله. فقال : أمّا عزلي فلا ، وأمّا قتلي فعسى ، وسلـّم على جماعة فيهم طلحة فلم يردّوا عليه فقال : يا طلحة ما كنت أرى أنّي أعيش إلى أن أسلـّم عليك فلا ترد عليَّ السلام »(1) .
6 ـ روى البلاذري ان مجمّع بن جارية الأنصاري مرّ بطلحة بن عبيد الله فقال : « يا مجمّع ما فَعَل صاحبك؟ قال : أظنكم والله قاتليه ، فقال طلحة : فإن قتل فلا ملك مقرب ولا نبيّ مرسل »(2) .
7 ـ روى عبد الله بن أحمد بن حنبل في زيادات مسند أبيه بسنده عن زيد ابن أسلم عن أبيه قال : « شهدت عثمان يوم حوصر في موضع الجنائز. ولو ألقي حجر لم يقع إلاّ على رأس رجل ، فرأيت عثمان أشرف من الخوخة الّتي تلي مقام جبريلعليهالسلام فقال أيها الناس ، أفيكم طلحة؟ فسكتوا ، ثمّ قال : أيها الناس أفيكم طلحة؟ فسكتوا ، ثمّ قال : أيها الناس أفيكم طلحة؟ فقام طلحة بن عبيد الله فقال له عثمان : ألا أراك ههنا؟ ما كنت أرى أنّك تكون في جماعة تسمع ندائي آخر ثلاث مرات ثمّ لا تجيبني »(3) .
8 ـ وقال ابن أبي الحديد : « وكان طلحة من أشد الناس تحريضاً عليه ، وكان الزبير دونه في ذلك. روي ان عثمان قال : ويلي على ابن الحضرمية ـ يعني طلحة ـ أعطيته كذا وكذا بهاراً ذهباً وهو يروم دمي يحرّض على نفسي اللّهم لا تمتـّعه به ولقـّه عواقب بغيه »(4) .
__________________
(1) أنساب الأشراف 1ق4 / 567 تح ـ إحسان عباس.
(2) نفس المصدر / 565.
(3) زيادات مسند أحمد 2 / 12 تح ـ أحمد محمّد شاكر ، وقارن مجمع الزوائد 7 / 227 ـ 228 و 9 / 91 ، ومستدرك الحاكم 3 / 97 ـ 98.
(4) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 404.
9 ـ وروى الناس الذين صنفوا في واقعة الدار : « إنّ طلحة كان يوم قتل عثمان مقنّعاً بثوب قد استتر به عن أعين الناس يرمي الدار بالسهام »(1) .
10 ـ وروى البلاذري في حديث له قول عثمان لطلحة : « يا بن الحضرمية ألـّبت عليّ الناس ودعوتهم إلى قتلي حتى إذا فاتك ما تريد جئت معتذراً؟ لا قبل الله ممّن قبل عذرك »(2) .
11 ـ وروى المدائني بسنده عن ابن سيرين قال : « لم يكن أحد من أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أشدّ على عثمان من طلحة »(3) .
12 ـ وروى الطبري في تاريخه بسنده عن ابن عيّاش المخزومي قال : « دخلت على عثمان فتحدثت عنده ساعة فقال : يا بن عيّاش تعال فأخذ بيدي فاسمعني كلام من على باب عثمان ، فسمعنا كلاماً منهم من يقول ما تنتظرون به؟ ومنهم من يقول : انظروا عسى أن يراجع ، فبينا أنا وهو واقفان إذ مرّ طلحة بن عبيد الله فوقف فقال أين ابن عُديس؟ فقيل : ها هو ذا ، قال فجاءه ابن عديس فناجاه بشيء ثمّ رجع ابن عديس فقال لأصحابه : لا تتركوا أحداً يدخل على هذا الرجل ولا يخرج من عنده : قال فقال لي عثمان : هذا ما أمر به طلحة بن عبيد الله ثمّ قال عثمان : اللّهمّ أكفني طلحة بن عبيد الله ، فإنّه حمل عليّ هؤلاء وألـّبهم ، والله إنّي لأرجو أن يكون منها ـ الخلافة ـ صفراً وأن يُسفك دمه ، انّه انتهك مني ما لا يحلّ له »(4) .
13 ـ وروى الواقدي بسنده عن محمّد بن زيد في حديث له قال : « ولم يزل عثمان مكرماً لطلحة حتى حصر ، فكان طلحة أشدّ الناس عليه »(5) .
__________________
(1) نفس المصدر / 220 ـ 404.
(2) أنساب الأشراف 1ق4 / 569 تح ـ احسان عباس.
(3) أنساب الأشراف 1ق4 / 572 ، والعقد الفريد 4 / 299 ط محققة.
(4) تاريخ الطبري 4 / 379 ط محققة.
(5) أنساب الاشراف 1ق4 / 506.
14 ـ وفي حديث الطبري بسنده عن ابن الزبير جاء في آخره : « فحصروه أربعين ليلة وطلحة يصلي بالناس »(1) .
15 ـ وفي حديث آخر عنده بسنده عن عبد الرحمن بن ابزي قال : « فوالله ما نسينا أن خرج سودان بن حمران فأسمعه يقول : أين طلحة بن عبيد الله؟ قد قتلنا ابن عفان »(2) .
وهو صهر عثمان على اُخته لاُمه اُم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط خلف عليها بعد الزبير فولدت له محمّد وإبراهيم وحميد وإسماعيل(3) وهو واهب الخلافة لعثمان ليليها من بعده على ما جاء في قول الإمام عليّ له. إنما آثرته بها لتنالها بعده ، فلنقرأ ما رواه الشعبي وهو غير متهم على عبد الرحمن ولا عثمان وقد كان من المنحرفين عن الإمام.
فقد روى الشعبي في كتاب الشورى ومقتل عثمان قال : « فلمّا بايع ـ عليّ عثماناً ـ أتاه عبد الرحمن بن عوف فاعتذر إليه وقال : إن عثمان أعطانا يده ويمينه ولم تفعل أنت ، فأحببت أن أتوثق للمسلمين فجعلتها له. فقال : إيهاً عنك إنّما آثرته بها لتنالها بعده ، دقّ الله بينكما عطر منشم(4) »(5) .
__________________
(1) الطبري 4 / 371 ط محققة.
(2) نفس المصدر / 379.
(3) كـتاب المردفات من قريش للمدائني. نـوادر المخطوطات 1 / 61 تح ـ عبد السلام هارون ط مصر.
(4) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 411 ط مصر الأولى.
(5) مثل يضرب للشر. قال الأصمعي هي ـ منشم ـ امرأة كانت تبيع العطر وكانوا إذا قصدوا الحرب غمسوا أيديهم في طيبها وتحالفوا عليه. وقال ابن السكيت : العرب تكني عن الحرب بثلاثة أشياء : عطر منشم وثوب محارب ، وبرد فاخر جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري 1 / 445 تح ـ محمّد أبو الفضل إبراهيم وعبد المجيد قطامش ط الأولى بمصر سنة 1384 هـ.
وقال أبو هلال العسكري في كتاب الأوائل : استجيبت دعوة عليّ في عثمان وعبد الرحمن ، فما ماتا إلاّ متهاجرين متعاديين .
وهذا ما حصل فعلاً ، حيث استجيبت دعوة الإمام ، كما تكشّف المكنون من السرّ المصون في تداول الخلافة فقد ذكر اليعقوبي في تاريخه : « ان عثمان اعتل علة اشتدت به ، وكتب عهداً لمن بعده ، وترك موضع الاسم. ثمّ كتب بيده : عبد الرحمن بن عوف ، وربطه وبعث به إلى اُم حبيبة بنت أبي سفيان ، فقرأه حمران في الطريق ، فأتى عبد الرحمن فأخبره.
فقال عبد الرحمن : وغضب غضباً شديداً : استعمله علانية ويستعملني سراً. ونمى الخبر وانتشر بذلك في المدينة ، وغضب بنو أمية ، فدعا عثمان بحمران مولاه فضربه مائة سوط وسيّره إلى البصرة. فكان سبب العداوة بينه وبين عبد الرحمن بن عوف. ووجّه إليه عبد الرحمن بابنه فقال : قل له : والله لقد بايعتك وإنّ فيَّ ثلاث خصال أفضلك بهنّ ، إنّي حضرت بدراً ولم تحضرها. وحضرت بيعة الرضوان ولم تحضرها ، وثبتّ يوم أحد وانهزمت.
فلمّا أدى ابنه الرسالة قال : قل له : أمّا غيبتي عن بدر فإنّي أقمت على بنت رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم فضرب لي رسول الله سهمي وأجري ، وأمّا بيعة الرضوان فقد صفق لي رسول الله بيمينه على شماله ، فشمال رسول الله خير من أيمانكم ، وأمّا يوم أحد فقد كان ما ذكرت ، إلاّ ان الله قد عفا عني ، ولقد فعلنا أفعالاً لا ندري أغفرها الله أم لا؟ »(1)
وفي هذا الخبر نقرأ اعتراف خطير ، وتعيير لا يحتاج إلى تفسير ، وثـَمّ اعتذار بعد إقرار. ثمّ ختامٌ يدين صاحبه بالملام. وأهم ما فيه عقدة النقص الّتي كانت
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 146 ط الغري سنة 1358 هـ.
تساور عثمان حين يعيّرونه بأنه ليس من البدريين الّذي اطـّلع الله عليهم فقال لهم اعملوا ما شئتم ـ هكذا يزعمون من يفخّمون ـ وقد كان عثمان مصرّاً على زجّ نفسه معهم.
فقد روى المحبّ الطبري في الرياض النضرة : « أن عبد الرحمن بن عوف مرض فأوصى بثلث ماله فصحّ فتصدق بذلك بيد نفسه. ثمّ قال يا أصحاب رسول الله كلّ من كان من أهل بدر له عليّ أربعمائة دينار فقام عثمان وذهب مع الناس فقيل له يا أبا عمر ألست غنيّاً؟ قال هذه وصلة من عبد الرحمن لا صدقة اهـ »(1) .
وقد تفسر على أنّ تلهفه كان ليحسب من أهل بدر ، وهذا ما كان يشعره بمركب النقص بين الصحابة ومع ذلك فلم يجده نفعاً ، فقد بقي ابن عوف يعيّر عثمان بذلك كلما سنحت له الفرصة! فقد روى البزار ـ بإسناد جيد ـ : « انّه ـ عثمان ـ عاتب عبد الرحمن بن عوف فقال له : لم ترفع صوتك عليّ؟ فذكر الأمور الثلاثة. فأجابه عثمان بنحو ما مرّ »(2) .
قال طه حسين : « ويقول الرواة : إنّ عبد الرحمن بن عوف كان أوّل من اجترأ على عثمان ، فألفى بعض أمره وأطمع الناس فيه وذلك أن بعض السعاة أقبلوا بإبل الصدقة ، فوهبها عثمان لبعض أهل الحكم ، فلمّا بلغ ذلك عبد الرحمن دعا بعض أصحاب النبيّ وأرسلهم فأستردّوا له الإبل وقسّمها بين الناس ، وعثمان في الدار لم ينكر ذلك ولم يغيّره ، بل لم يكلّم فيه عبد الرحمن وأصحابه
وقـد جعل الناس بعد ذلك يظهرون إنكارهم لما يكـرهون من سياسة عثمان
__________________
(1) الرياض النضرة 2 / 288.
(2) فتح الباري 8 / 60 ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1378 هـ.
ثمّ لم يتحرج بعضهم من أن يواجه عثمان بالمعارضة على ملأ من الناس.
ولم يتحرج بعضهم الآخر من أن يعصي أمر عثمان إذا صدر اليه »(1) .
أقول : ولم يتحرج جبلة بن عمرو الساعدي. من الأنصار. أن يقوم إلى عثمان وهو على المنبر في المسجد فيقول له : « إنزل ندرّعك عباءة ونحملك على شارف من الإبل إلى جبل الدخان »(2) .
ولم يتحرّج جهجاه بن سعيد الغفاري ، أن يثب إلى عثمان وهو على المنبر في المسجد فيأخذ العصا الّتي كانت بيده فيكسرها على ركبته فما ردّ أحدٌ عليه ولا منعه(3) ، (ويقول علماء التفخيم : أصابت ركبته أكلة منذ ذلك اليوم).
ولم يتحرّج المسلمون يومئذ أن يثوروا بعثمان وبني أمية فتحاصبوا وحُصب عثمان حتى صرع وحمل مغشياً عليه(4) .
إذن فليتحمل عبد الرحمن بن عوف وزر تولية عثمان الخلافة ، وليتحمّل وزر ما لحق به من نكير لسوء التدبير ، وليجنِ ثمار ما صنعت يداه.
فقد رووا : « أن عثمان لمّا بنى داره بالزوراء وصنع طعاماً دعا الناس إليه ومنهم عبد الرحمن بن عوف ، فلمّا نظر إلى البناء والطعام قال : يا بن عفان لقد صدّقنا عليك ما كنا نكذّب فيك ، وإنّي أستعيذ بالله من بيعتك.
فغضب عثمان وقال : أخرجه عني يا غلام ، فأخرجوه وأمر الناس أن لا يجالسوه فلم يكن يأتيه أحد إلاّ ابن عباس كان يأتيه فيتعلم منه القرآن والفرائض ، ومرض عبد الرحمن فعاده عثمان وكلمه فلم يكلمه حتى مات »(5) .
__________________
(1) الفتنة الكبرى طه حسين 1 / 201.
(2) نفس المصدر / 211.
(3) أنساب الأشراف 1ق4 / 537 و 582 تح ـ احسان عباس.
(4) الكامل لابن الأثير 3 / 67 ط بولاق.
(5) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 65 ـ 66.
وروى ابن أبي شيبة في المصنف بسنده عن عمرو بن دينار قال : « لمّا ذكروا من شأن عثمان الّذي ذكروا ، أقبل عبد الرحمن بن عوف في نفر من أصحابه حتى دخلوا على عبد الله بن عمر فقالوا : يا أبا عبد الرحمن. ألا ترى ما قد أحدث هذا الرجل فقال : بخٍ بخ فما تأمروني؟ تريدون أن تكونوا مثل الروم وفارس إذا غضبوا على ملك قتلوه ، قد ولاه الله الّذي ولاّه فهو أعلم ، لستُ بقائل في شأنه شيئاً »(1) .
وحاول الوليد بن عقبة التقريب بين الرجلين لكنه لم يفلح فقد جاء في مسند أحمد عن شقيق قال : « لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد مالي أراك قد جفوت أمير المؤمنين عثمان؟
فقال له عبد الرحمن : أبلغه أنّي لم أفرّ يوم عينيين. قال عاصم يقول : يوم أحد. ولم أتخلف يوم بدر ، ولم أترك سنّة عمر.
فانطلق فخبّر ذلك عثمان فرد عليه بنحو ما مرّ في الأوليين ، ثمّ قال : إنّي لم أترك سنّة عمر فإني لا أطيقها ولا هو فأتِه فحدّثه بذلك »(2) .
وليس مزيد نكير على عثمان من قول عبد الرحمن بن عوف بعد وفاة أبي ذر بالربذة فتذاكر هو وعليّ في فعل عثمان فقال عليّ : « هذا عملك. فقال عبد الرحمن : إذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي ، إنّه قد خالف ما أعطاني »(3) . وثمة كلمة للإمام أمير المؤمنينعليهالسلام قالها لعبد الرحمن بن عوف تصلح أن تكون جواباً له على ما مرّ ، فقد قال له : « يا بن عوف كيف رأيتَ صنيعَك مع
__________________
(1) المصنف لابن أبي شيبة 1 / 223.
(2) مسند أحمد 1 / 241 تح ـ أحمد محمّد شاكر.
(3) أنساب الأشراف 1ق4 / 546.
عثمان؟ ربّ واثق خَجِلَ ، ومن لم يتوخّ بعمله وجه الله عاد مادحه من الناس له ذامّاً »(1) .
وليس بدون ذلك قوله ـ وقد ذكر عنده عثمان ـ في مرضه الّذي توفى فيه : « عاجلوه قبل أن يتمادى ملكه ، فبلغ ذلك عثمان فبعث إلى بئر كان يسقى منها نَعَم عبد الرحمن بن عوف ، فمنعه إياها ، فقال عبد الرحمن : اللّهمّ اجعل ماءها غوراً ، فما وجدت فيها »(2) .
وأخيراً حلف أن لا يكلـّم عثمان ، وأوصى أن لا يصلي عليه ، فصلّى عليه الزبير أو سعد بن أبي وقاص(3) . وقد يفاجأ القارئ بالمفارقة الكبرى إذا أخبرته أنّ عبد الله بن عوف أخا عبد الرحمن بقي مع عثمان يوم الدار ودافع عنه حتى قتل كما في أنساب الأشراف(4) ، وكلا الأخوين أسرف في أمر عثمان ، ولكن عبد الله أسرف من أخيه. وقد خلـّف من الأموال القناطير المقنطرة بأرقام خيالية كماً وكيفاً ، وحسب القارئ أن يقرأ ما قاله المسعودي في مروج الذهب : « وفي أيام عثمان اقتنى جماعة من الصحابة الضياع والدور منهم
وكذلك عبد الرحمن بن عوف الزهري ، ابتنى داره ووسّعها ، وكان على مربطه مائة فرس ، وله ألف بعير وعشرة آلاف شاة من الغنم ، وبلغ ربع ثمن ماله : أربعة وثمانين ألفاً »(5) .
وقال ابن سعد في الطبقات : « وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحاً.
__________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 558 ط مصر الأُولى.
(2) نفس المصدر / 547.
(3) نفس المصدر.
(4) اُنظر أنساب الأشراف 1ق4 / 571.
(5) مروج الذهب 2 / 342 ط السعادة بمصر تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.
وقال : وكان فيما خلـّفه ذهب قطـّع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال منه »(1) .
ومع هذا الثراء العجيب الغريب فقد وقف على رأسه سائل وبين يديه طبق فيه عنب فأعطاه عنبة ، فقيل له : أنّى تقع هذه منه؟ فقال : فيها مثاقيل ذرّ كثير(2) ، وليتني أدري كيف نصدّق بعد هذا ما يرويه له علماء التفخيم من أحاديث سخائه الحاتمي؟!
ولاّه عثمان الكوفة ست سنين فعمل له سنة وأشهراً ثمّ عزله لأنّه استقرض مالاً من بيت المال ولم يؤده ، فطالبه ابن مسعود وكان على بيت المال ، وجرى بينهما كلام تسابّا فيه ، ووصل الخبر إلى عثمان فعزله وولّى أخاه لاُمه الوليد بن عقبة الفاسق بنص القرآن المجيد ، وذلك في سنة 26.
وقد روى البلاذري في فتوح البلدان : « أن عثمان أقطع سعداً قرية هرمز »(3) .
وروى ابن زنجويه في كتاب الأموال عن موسى بن طلحة قال : « أقطع عثمان سعد بن مالك وعدّ نفراً آخرين »(4) .
وروى ابن سعد في الطبقات عن عائشة بنت سعد قالت : « أرسل سعد بن أبي وقاص إلى مروان بن الحكم بزكاة عين ماله خمسة آلاف درهم وترك سعد يوم مات مائتي ألف وخمسين ألف درهم »(5) .
__________________
(1) طبقات ابن سعد 3 / 96.
(2) راجع كتاب الأموال لابن زنجويه / 770 تح ـ د شاكر ذيب فياض.
(3) فتوح البلدان / 282.
(4) الأموال / 626.
(5) طبقات ابن سعد 3ق1 / 105.
على أنّ عمر كان قد قاسم سعد ماله حين عزله عن العراق(1) ، وإنّما تنامى ماله في عهد عثمان الّذي أقطعه مع آخرين الاقطاعات وحباه بجزيل الهبات. ومع ذلك المال الوفير كان على شفا جرف هارِ من البخل فانهار به. فقد وقف عليه سائل وبين يديه طبق عليه تمر ، فأعطاه تمرة فقبض يده فقال : إنّ الله تعالى يقبل منّا الذرة والخردلة ، فكان في هذه ـ التمرة ـ مثاقيل ذرّ(2) .
أمّا موقفه من عثمان فقد كان من الخاذلين ، فقد مرّ ذكر اسمه فيمن كتب كتاب الأحداث الّتي مارسها عثمان فأنكر الصحابة عليه ذلك. كما أنّه ورد ذكره في حديث أبي كعب الحارثي وقد مرّ جزء منه فيما يتعلق بإنكار عائشة وحفصة في أوّل موقف عثمان من الصحابة ، فقد جاء فيه قول عثمان لعائشة وحفصة بعد أن أنكر عليه وأسمعا المسلمين استنكارهما ، وسماهما بالفتّانتين فقال مهدداً لهما : « وإلاّ تنتهيان أو لأسبنّكما ما حلّ لي السباب ، وإنّي لأصلكما لعالِم. فقال له سعد بن أبي وقاص : أتقول هذا لحبائب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قال : وفيما أنت وما هاهنا؟ قال : ثمّ أقبل على سعد عامداً إليه ليضربه قال : وانسلّ سعد فخرج من المسجد فاتبعه عثمان فلقي عليّاً بباب المسجد ، فقال له عليّ : أين تريد؟ قال : أريد هذا الّذي كذا وكذا ـ يعني سعداً ـ فشتمه.
فقال له عليّ : أيّها الرجل دع هذا عنك ». وستأتي بقية الحديث في موقف عثمان من بني هاشم(3) .
__________________
(1) طبقات ابن سعد 3ق1 / 105 ، روى البلاذري في فتوح البلدان / 286 من حديث محمّد بن إسحاق قال : اتخذ سعد بن أبي وقاص باباً مبوباً من خشب وخصّ على قصره خصاً من قصب ، فبعث عمر بن الخطاب محمّد بن سلمة الأنصاري حتى أحرق الباب والخصّ.
(2) كتاب الأموال لابن زنجويه تح ـ شاكر ذيب فياض ط مركز الملك فيصل للبحوث.
(3) المصنف لعبد الرزاق 11 / 355 و 356.
وقد روى الطبري حديث دخوله على عثمان يوم قتل ثمّ خرج وهو يسترجع ممّا يرى على الباب فقال له مروان : « الآن تندم أنت أشهرته(1) »(2) .
ولم يكن ينكر ذلك فقد كتب إليه عمرو بن العاص يسأله عن قتل عثمان ومن قتله وتولى كبره ، فكتب إليه سعد : « إنّك سألتني من قتل عثمان وإنّي أخبرك إنّه قتل بسيف سلّته عائشة ، وصقله طلحة ، وسمّه ابن أبي طالب وسكت الزبير وأشار بيده ، وأمسكنا نحن ، ولو شئنا دفعناه عنه ، ولكن عثمان غيّر وتغيّر وأحسن وأساء ، فإن كنا أحسنّا فقد أحسنا ، وإن كنا أسأنا فنستغفر الله »(3) .
وقد كان صهراً لعثمان على أخته أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط. وهذه المصاهرة ، قد لا يعلمها كثير من الباحثين فضلاً عن سائر القرّاء. وقد مرّت منا الإشارة إلى أنّ أم كلثوم هذه من المردفات من قريش(4) .
قال المدائني : « ثمّ تزوجها عمرو بن العاص فأخرجها معه إلى مصر ، فقالت يوماً لخبّاز عمرو : لا تهيء له اليوم طعاماً فإنّي قد هيأت له غداءه ، ودعا عمرو بالغداء ، فقال الخبّاز : أرسلت إليّ أم كلثوم : لا تكلـّف شيئاً فقد هيأت له غداءه.
__________________
(1) أي شهرته بالقول حتى صار كالبدنة الّتي يشعر جنبها علامة لها وكلّ ما ألصقته بشيء فقد أشهرته.
(2) تاريخ الطبري 4 / 377 ط دار المعارف.
(3) الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1ق1 / 43.
(4) راجع رقم (2) الزبير ، ورقم (4) عبد الرحمن بن عوف من (مواقف سنمّارية من بعض الصحابة).
قال : فغدّتنا ، فتغدّى ، فلمّا فرغوا وخرج من حضر قال لأم كلثوم : لا تعودي ، فإني لم أتزوّجك لتطعميني ، وإنما تزوّجتك لأطعمك. فماتت عنده »(1) ، وسيأتي في آخر حديث عند الطبري : ففارقها حين عزله ـ يعني عثمان ـ.
ومهما يكن فلم تنفع هذه المصاهرة عثمان شيئاً ، فكلّ أصهاره ـ هؤلاء ـ كانوا له أوّلاً أولياء ثمّ صاروا عليه أخيراً من الأعداء ، وقد مرت بعض مواقف الزبير وابن عوف معه.
أمّا عمرو بن العاص فهو الّذي أوجد لعثمان مخرجاً من تبعة قتل عبيد الله ابن عمر حين قتل الهرمزان فلقنّه الحجة وقال له : « يا أمير المؤمنين إن هذا الأمر قد كان قبل أن يكون لك سلطان على الناس فأعرض عنه »(2) .
ومرت بنا كلمات الإدانة والخيانة الّتي رواها ابن سعد. وفيها ، فلفته ـ عمرو ـ عن رأيه ، وفيها : لكن عمرو بن العاص كلـّم عثمان حتى تركه. حتى كان موقف عثمان الخانع المائع بعد تصلبه مثار عجب الراوي فقال : عجبت لعثمان حين ولي كيف تركه ، ولكن عرفت أنّ عمرو بن العاص كان دخل في ذلك فلفته عن رأيه.
فعمرو بن العاص فتح للخليفة باباً للخلاص من العتاب ، كما فتح باباً للمجرمين للإفلات من العقاب ، ما دامت الجناية وقعت في زمان الحاكم السابق ، ولم يتخذ إجراء العقوبة في حينه لموت الحاكم ، فلا إصر على الحاكم اللاحق لو عفا عن المجرمين إنها حجة غريبة وعجيبة تفتقت عنها ذهنية ابن النابغة ، لتبرئة عثمان من تبعة قتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان وبقية الدماء البريئة.
__________________
(1) اُنظر كتاب المردفات من قريش (نوادر المخطوطات 1 / 61 تح ـ عبد السلام محمّد هارون).
(2) طبقات ابن سعد 5 / 10 ط أفست ليدن.
وما أدري كيف تبدّل بالمنطق المعكوس ما أحتج به ولقنه لعثمان. فصار بعد ذلك يدين الإمام بدم عثمان لأنه لم يقتص من قتلته في حين كان قتله يوم لا سلطان للإمام ، ولكنّ ازدواجية ابن النابغة والأنتهازية بلا حدود جعلته في مرابع الضلال يغدو ويروح.
والآن إلى بعض مواقفه من عثمان :
فلنقرأ ما ذكره الطبري من حديث الواقدي عن أبي عون مولى المسور قال : « كان عمرو بن العاص على مصر عاملاً لعثمان ، فعزله عن الخراج واستعمله على الصلاة ، واستعمل عبد الله بن سعد على الخراج ، ثمّ جمعهما لعبد الله بن سعد ، فلمّا قدم عمرو بن العاص المدينة جعل يطعن على عثمان فأرسل إليه يوما عثمان خالياً به. قال : يا بن النابغة ما أسرع ما قمِل جرُّبان جبتـّك؟ إنما عهدك بالعمل عاماً أوّل ، أتطعن عليّ وتأتيني بوجه وتذهب عني بآخر. والله لولا أكلةٌ ما فعلتَ ذلك.
قال : فقال عمرو : إنّ كثيراً ممّا يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل ، فاتـّق الله يا أمير المؤمنين في رعيّتك.
فقال عثمان : والله لقد استعملتك على ظـَلـَعِكَ وكثرة المقالة فيك.
فقال عمرو : قد كنت عاملاً لعمر بن الخطاب ، ففارقني وهو عني راض ِ.
قال : فقال عثمان : وأنا والله لو آخذتك بما آخذك به عمر لأستقمت. ولكني لنتُ عليك فاجترأت عليّ ، أما والله لأنا أعزّ منك نفراً في الجاهلية ، وقبل أن ألي هذا السلطان.
فقال عمرو : دع عنك هذا ، فالحمد لله الّذي اكرمنا بمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وهدانا به. قد رأيتَ العاص بن وائل ورأيت أباك عفـّان ، فوالله للعاصُ كان أشرف من أبيك.
قال : فانكسر عثمان. وقال : ما لنا ولذكر الجاهلية.
قال : وخرج عمرو ودخل مروان ، فقال : يا أمير المؤمنين وقد بلغتَ مبلغاً يذكر عمرو بن العاص أباك ، فقال عثمان : دع هذا عنك ، مَن ذكر آباء الرجال ذكروا أباه.
قال : فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه ، يأتي عليّاً مرة فيؤلـّبه على عثمان ، ويأتي الزبير مرة فيؤلـّبه على عثمان ، ويأتي طلحة مرة فيؤلـّبه على عثمان. ويعترض الحاجّ فيخبرهم بما أحدث عثمان فلمّا كان حصر عثمان الأوّل خرج من المدينة ، حتى انتهى إلى أرض له بفلسطين يقال لها السبع ، فنزل في قصر له يقال له العجلان وهو يقول : العجب ما يأتينا عن ابن عفان.
قال : فبينا هو جالس في قصره ذلك ومعه ابناه محمّد وعبد الله وسلامة بن روح الجذامي ، إذ مرّ بهم راكب فناداه عمرو : من أين قدم الرجل؟ فقال من المدينة ، قال : ما فعل الرجل؟ يعني عثمان. قال : تركته محصوراً شديد الحصار. قال عمرو : أنا أبو عبد الله ، قد يضرط العير والمكواة في النار(1) .
فلم يبرح مجلسه ذلك حتى مرّ به راكب آخر. فناداه عمرو ما فعل الرجل؟ يعني عثمان. قال : قـُتل. قال : أنا أبو عبد الله إذا حككت قرحة نكأتها ، إن كنتُ لأحرّض عليه ، حتى إنّي لأحرّض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل.
فقال له سلامة بن روح : يا معشر قريش إنّه كان بينكم وبين العرب باب وثيق فكسرتموه ، فما حملكم على ذلك؟ فقال : أردنا ان نخرج الحقّ من حافرة
__________________
(1) مثل يضرب للرجل يخاف الأمر فيجزع قبل وقوعه. مجمع الأمثال 2 / 95.
الباطل ، وأن يكون الناس في الحقّ شرعاً سواء. وكانت عند عمرو أخت عثمان لأمه ، أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، ففارقها حين عزله »(1) .
ذكر اليعقوبي في تاريخه في أحداث عثمان : « وقدم عليه أهل البلدان فتكلموا. وبلغ عثمان إنّ أهل مصر قدموا عليهم بالسلاح ، فوجّه إليهم عمرو بن العاص وكلـّمهم ، فقال لهم : انّه يرجع إلى ماتحبون ، ثمّ كتب لهم بذلك وانصرفوا فقال لعمرو بن العاص : أخرج فأعذرني عند الناس ، فخرج عمرو وصعد المنبر ونادى الصلاة جامعة فلمّا اجتمع الناس حمد الله وأثنى عليه ثمّ ذكر محمداً بما هو أهله وقال : بعثه الله رأفةً ورحمة فبلـّغ الرسالة ونصح الأمة وجاهد في سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، أفليس ذلك كذلك؟ قالوا : بلى فجزاه الله خير ما جزى نبيّاً عن أمته.
ثمّ قال : وولي من بعده رجل عدَلَ في الرعية وحكم بالحقّ ، أفليس ذلك كذلك؟ قالوا : بلى فجزاه الله خيراً قال : ثمّ ولي الأعسر الأحول ابن حنتمة فأبدت له الأرض أفلاذ كبدها ، وأظهرت له مكنون كنوزها فخرج من الدنيا وما أنبل عصاه ، أفليس ذلك كذلك؟ قالوا بلى فجزاه الله خيراً.
قال : ثمّ ولي عثمان فقلتم وقال ، تلومونه ويعذر نفسه ، أفليس ذلك كذلك؟ قالوا : بلى.
قال : فاصبروا لله فان الصغير يكبر ، والهزيل يسمن ، ولعل تأخير أمر خير من تقديمه. ثمّ نزل.
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 356 ـ 357 ط دار المعارف بمصر سنة 1970م.
فدخل أهل عثمان عليه ، فقالوا له هل عابك أحد بمثل ما عابك به عمرو. فلمّا دخل عليه عمرو قال : يا بن النابغة والله ما زدتَ أن حرّضت الناس عليّ ، قال : والله لقد قلت فيك أحسن ما علمت ، ولقد ركبت من الناس وركبوها منك فأعتزل ان لم تعتدل ، فقال : يا بن النابغة ، قمل درعُك مذ عزلتك عن مصر »(1) .
وفي تاريخ الطبري : « انّ عمرو بن العاص قال ذلك حين استشاره عثمان فيمن استشار من ولاته وقد جمعهم عنده فقال له ما رأيك؟ قال : أرى أنّك قد ركبت الناس بما يكرهون ، فأعتزم أن تعتدل ، فإن أبيت فاعتزم أن تعتدل ، فإن أبيت فاعتزم أن تعتزل فإن أبيت فاعتزم عزماً وأمضِ قدماً. فقال عثمان : مالك قمل فرُوك؟ أهذا الجدّ منك؟ فأسكت عنه دهراً. حتى إذا تفرّق القوم قال عمرو : لا والله يا أمير المؤمنين ، لأنت أعزّ عليّ من ذلك ولكن قد علمت أن سيبلغ الناس قول كلّ رجل منا ، فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي ، فأقود إليك خيراً ، أو ادفع عنك شراً اهـ »(2) .
ولقد كذب فإنه كان مراوغاً في أمر عثمان وحسبنا ما كان يُعيّر به في ذلك.
فقد قال له الإمام الحسن السبطعليهالسلام في حديث طويل جاء فيه : « وأمّا ما ذكرت من أمر عثمان فأنتَ سعّرت عليه الدنيا ناراً ثمّ لحقت بفلسطين ، فلمّا أتاك قتله قلتَ : أنا أبو عبد الله إذا نكأت قرحة أدميتها ، ثمّ وبالله ما نصرتَ عثمان حياً ، ولا غضبتَ له مقتولا »(3) .
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 151 ط الغري ، وشرح النهج 2 / 103 ، وجمهرة خطب العرب 3 / 21.
(2) تاريخ الطبري 4 / 334 ط دار المعارف.
(3) رواه الزبير بن بكار في الموفقيات / 496 ـ 497 ط الأوقاف بغداد بتفاوت يسير.
روى البلاذري في فتوح البلدان : « انّ عمر أوصى القائم بالخلافة بتولية سعد الكوفة ، وتولية أبي موسى البصرة ، فولاهما ثمّ عزلهما »(1) .
روى ابن سعد في الطبقات بسنده عن أبي بريدة قال : « لمّا قدم أبو موسى الأشعري لقي أبا ذر فجعل أبو موسى يلزمه. ويقول أبو ذر إليك عني ، ويقول الأشعري مرحباً بأخي ، ويدفعه أبو ذر ويقول : لست بأخيك ، إنما كنت أخاك قبل أن تـُستعمل. ولأبي ذر قول مثل ذلك مع أبي هريرة حين ألتزمه ، فقال له أبو ذر إليك عني هل كنتَ عملتَ لهؤلاء؟ قال نعم »(2) .
روى المحب الطبري في الرياض النضرة عن أبي موسى قال : « كنت إذا أتيت عمر بالمال والحلية من الذهب والفضة لم يلبث أن يقسمه بين المسلمين حتى لا يبقى منه شيء ، فلمّا ولي عثمان أتيت به فكان يبعث به إلى نسائه وبناته فلمّا رأيت ذلك أرسلت دمعي وبكيت. فقال لي ما يبكيك؟ فذكرت له صنيعه وصنيع عمر فقال : رحم الله عمر كان حسنة وأنا حسنة ، ولكل ما أكتسب. قال أبو موسى : ان عمر كان ينزع الدرهم الفرد من الصبي من أولاده فيرده في مال الله ويقسمه بين المسلمين ، فأراك قد أعطيت إحدى بناتك مجمراً من ذهب مكللاً باللؤلؤ والياقوت ، وأعطيت الأخرى درّتين لا يُعرف كم قيمتهما. فقال : ان عمر عمل برأيه ولا يألو عن الخير ، وأنا أعمل برأي ولا آلو عن الخير ، وقد أوصاني الله تعالى بذوي قراباتي ، وأنا مستوص بهم أبرّهم »(3) .
__________________
(1) فتوح البلدان / 334.
(2) طبقات ابن سعد 4ق1 / 169.
(3) الرياض النضرة 2 / 138 ط النعساني بمصر.
وروى البلاذري في حديث أبي مخنف قال : « أنكر الناس على عثمان مع ما أُنكر أن حمى الحمى وأن أعطى زيد بن ثابت مائة ألف درهم من ألف ألف درهم حملها أبو موسى الأشعري وقال له هذا حقّك »(1) .
ولم يحمد له معاوية موقفه من عثمان ، فقد قدم عليه ودخل عليه برنس أسود فلمّا خرج من عنده قال : « قدم الشيخ لأولّيه والله لا وليتـَه »(2) .
روى ابن كثير في البداية والنهاية قال : « لمّا نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبو هريرة فقال : أصبت ووفقت. أشهد لسمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : (إن أشد أمتي حباً لي قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ، يعملون بما في الورق المعلق) ، فقلت : أي ورق؟ حتى رأيت المصاحف. قال : فأعجب ذلك عثمان وأمر لأبي هريرة بعشرة آلاف وقال : والله ما علمت أنّك لتحبس علينا حديث نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم »(3) .
وهنا استشعر أبو هريرة الضوء الأخضر بزخّ الأحاديث من جرابه المنفوخ بعشرات الالآف ، فكان يزعم لنفسه مقاماً يوم الدار في نصرة عثمان ، فقد روى ابن سعد عنه قال : « دخلت على عثمان يوم الدار فقلت يا أمير المؤمنين طابٌ أم ضربٌ؟ فقال : يا أبا هريرة أيسرّك أن تقتل الناس جميعاً وإياي؟ قال : قلت : لا ، قال : فإنك والله ان قتلتَ رجلاً واحداً فكأنما قـُتل الناس جميعاً. قال : فرجعتُ ولم
__________________
(1) أنساب الأشراف 1ق4 / 546.
(2) أنساب الأشراف 1ق4 / 43.
(3) البداية والنهاية 7 / 216 ط السعادة بمصر.
أقاتل »(1) هذا موقفه في نصرته بروايته وليتني أدري كيف فقد سيفه يومئذ؟ وكيف أنقطع مزوده المعلق بحقوه ما دام قد رجع ولم يقاتل(2) .
__________________
(1) طبقات ابن سعد 3ق 1 / 48 ، وتاريخ خليفة بن خياط / 129 ، وسير أعلام النبلاء 3 / 608 ط دار الفكر.
(2) وحديث المزود لا يخلو من طرافة للتسلي فقد رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء 4 / 205 ط دار الفكر : عن أبي هريرة قال : أتيت رسول الله بتمرات فقلت أدع لي فيهنّ يا رسول الله بالبركة ، فقبضهنّ ثمّ دعا فيهنّ بالبركة ثمّ قال : خذهنّ فاجعلهنّ في مزود ، فإذا أردت أن تأخذ منهنّ ، فأدخل يدك فخذ ولا تنثرهنّ نثراً. فقال : فحملت من ذلك التمر كذا وكذا وسقا في سبيل الله ، وكنا نأكل ونـُطعِم وكان المزود معلقاً بحقوي ، لا يفارق حقوي ، فلمّا قتل عثمان انقطع.
وهذا أخرجه أحمد في المسند 16 / 258 تح ـ أحمد محمّد شاكر والترمذي في سننه في المناقب باب مناقب لأبي هريرة وقال : هذا حديث حسن غريب. ونحن لا يهمّنا ذكر مخرجّيه ، بقدر ما يهمنا معرفة مصدّقيه. فان أبا هريرة أسلم عام سبعة للهجرة بعد فتح خيبر ، ولا شك أنّه لم يأت في ذلك التاريخ بتمراته من اليمن يطلب لها البركة. وهو قد خرج إلى البحرين مع العلاء الحضرمي عام ثمان ولم يعد إلى ان أستدعاه عمر للشهادة على قدامة بن مظعون عام / 20 أو 21. فلابد أن تكون التمرات المباركات أتى بهنّ فيما بين سنة إسلامه وسنة خروجه إلى البحرين ، واذا عرفنا أن البركة في مزوده المبارك دامت حتى قتل عثمان سنة / 35 فتكون سنيّ البركة 28 سنة أو أزيد من ذلك ، وإذا نظرنا إلى بركة التمر حتى أخذ منه أكثر من200 وسق كما في رواية أبي رية في شيخ المضيرة / 224 ط الثالثة دار المعارف بمصر ، وثمة تحقيق حول رواية أبي هريرة لمنقبة المزود ، لكنه لم يحاسبه على الأوساق فإن الوسق ستون صاعاً أو حمل بعير ، وقيل الوسق عند أهل الحجاز / 320 رطلاً وعند أهل العراق / 480 رطلاً. (قطر المحيط).
فإذا أردنا حساب ذلك يكون ما أخذه منه في كلّ عام أكثر من 2240 رطلا بحساب أهل الحجاز كما نفترض ذلك لأن المباركة حجازية وحصة اليوم الواحد من تلك البركة في حدود / 75 رطلاً يا سلام. فما دامت البركة معلـّقة بحقوه فلا تفارقه حضراً وسفراً لماذا إذن كان يخدم عثمان وأبنة غزوان على طعام بطنه ، ولماذا يقول : كانت لي خمس عشرة تمرة فأفطرت على خمس وتسحرت بخمس وأبقيت خمساً لفطري (تاريخ ابن كثير 1 / 112 (ولماذا ولماذا؟ فأين عنه المزود ، فأقرأ ولك أن لا تصدّق المزايدة بالمزود ولكن لا شك أنّه بعد مقتل عثمان حسنت حاله وكثر ماله فقد أخرج ابن سعد في الطبقات 4 ق2 / 53 ط أفست ليدن : بسنده عن محمّد قال : تمخط أبو هريرة وعليه ثوب من كتان ممشّق ،
قال أبو عمر : « كان عثمان يحب زيد بن ثابت وكان زيد عثمانياً »(1) . ولعله المدافع الوحيد عن عثمان من الأنصار ولقد مرّ بنا أن عثمان أعطاه مائة ألف من مال أتى به أبو موسى الأشعري ، ولقد ذكر الطبري في تاريخه موقفه يوم الجمعة حين رجع المصريون ومعهم غلام عثمان والكتاب الّذي فيه قتلهم : « وخرج عثمان للصلاة وخطب مندّداًً بالثوار ، ومستشهداً على ذلك من حضر. فقام محمّد بن مسلمة فقال : أنا أشهد بذلك فأخذه حكيم بن جبلة فأقعده ، فقام
__________________
فتمخّط فيه ، فقال : بخ بخ يتمخط أبو هريرة في الكتان ، لقد رأيتني أخرّ فيما بين منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وحجرة عائشة يجيء الجائي يرى أن بي جنوناً وما بي إلاّ الجوع ، ولقد رأيتني واني لأجير لابن عفـّان وابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رحلي أسوق بهم إذا أرتحلوا ، وأخدمهم إذا نزلوا. فقالت يوماً : لتردّنه حافياً ولتركبّنه قائماً ـ تعني البعير ـ قال : فزوجنيها الله بعد ذلك فقلت لها : لتردّنه حافية ، ولتركِبنّه قائمة. ويبدو أنّه بصص بعينيه الأميرة يوم كان يخدمها فأعجبته وتمناها فصارت إليه ولكنه لم يخف تشفـّيه منها.
روى البلاذري قال : وخلف أبو هريرة على فاختة بنت غزوان وهي بسرة فكان يقول كنت أجير ابن عفان بطعام بطني وعقبة رحلي ، أخدمهم إذا نزلوا وأسوق بهم إذا ركبوا ، فغضب عليّ يوماً فقال : لتمشينّ حافياً ، ثمّ تزوجت أمرأته (أنساب الأشراف 1ق4 / 593).
ولا تخفى لغة التشفي عند أبي هريرة بالرغم من إحسان الزوجين عثمان وأبنة غزوان إليه فلم يكن وفياً لهما ولا للأمويين بقدر ما كانوا هم له في حياته كما مرّ ، وحتى بعد وفاته. فقد كان ولد عثمان هم الذين يحملون سريره ـ عند موته ـ ومن قصره بالعقيق حتى بلغوا البقيع حفظاً لحقه بما كان من رأيه في عثمان (طبقات ابن سعد 4ق2 / 63) وكتب الوليد بن عتبة إلى معاوية يخبره بموت أبي هريرة ، فكتب إليه أنظر من ترك فأدفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم وأحسن جوارهم ، وأفعل إليهم معروفاً ، فإنه كان ممن نصر عثمان وكان معه في الدار فرحمه الله (طبقات ابن سعد 4ق2 / 63). وكلّ إناء بالذي فيه ينضح.
(1) الاستيعاب بهامش الإصابة 1 / 534.
زيد بن ثابت فقال : أبغني الكتاب ، فثار إليه من ناحية أخرى محمّد بن أبي قتيرة فأقعده وقال : فأفظع وحصبوا عثمان حتى صُرع عن المنبر »(1) .
وقد روى البلاذري من حديث أبي مخنف : « انّه أجتمع عليه الأنصار فقالوا : ماذا ترى يا أبا سعيد؟ فقال : أتطيعوني؟ قالوا : نعم ان شاء الله ، فقال : إنكم نصرتم الله ونبيّه فانصروا خليفته ، فأجابه قوم منهم.
فقال سهل بن حنيف : يا زيد أشبعك عثمان من عضدات المدينة ـ العضيدة نخلة قصيرة يُنال حملها ـ فقال زيد : لا تقتلوا الشيخ ودعوه يموت فما أقرب أجله.
فقال الحجاج بن غزية الأنصاري ـ أحد بني النجار ـ : والله لو لم يبق من عمره إلاّ ما بين الظهر والعصر لتقرّبنا إلى الله بدمه »(2) .
وفي حديث الواقدي : « أنّ زيد بن ثابت أجتمع عليه عصابة من الأنصار وهو يدعوهم إلى نصرة عثمان فوقف عليه جبلّة بن عمرو بن حبّة المازني فقال له : وما يمنعك يا زيد أن تذبّ عنه؟ أعطاك عشرة آلاف دينار وحدائق من نخل لم ترث عن أبيك بمثل حديقة منها »(3) .
وروى البلاذري عن رجاله قالوا : « لمّا أعطى عثمان مروان بن الحكم ما أعطاه وأعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص ثلثمائة ألف درهم ، وأعطى زيد ابن ثابت الأنصاري مائة ألف درهم. جعل أبو ذر يقول : بشّر الكافرين بعذابٍ أليم ».
وروى ابن أعثم في الفتوح : « انّ زيد بن ثابت كان إلى جانب عثمان يوم أشرف على الناس وكلمهم ، فلمّا سكت عثمان تكلم زيد بن ثابت فقال :( إِنَّ الَّذِينَ
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 353 ط دار المعارف.
(2) أنساب الأشراف 1ق4 / 569 تح ـ إحسان عباس.
(3) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 225 ط مصر الأُولى.
فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إلى اللَّهِ ) (1) فصاح به الناس يا زيد انّ عثمان قد أشبعك من أموال الأرامل ولابدّ لك من نصره »(2) .
وروى المسعودي عن سعيد بن المسيب : « أنّ زيد بن ثابت حين مات خلّف من الذهب والفضة ما كان يكسّر بالفؤوس ، غير ما خلّف من الأموال والضَياع بقيمة مائة ألف دينار »(3) .
ولم لا يخلّف ذلك وقد كان خازن بيت المال ولاّه عثمان بعد عزل عبد الله ابن الأرقم وقال له يوماً ، وقد فضل في بيت المال فضلة خذها فهي لك فأخذها زيد فكانت أكثر من مائة ألف ، فكم من فضلة حواها بلا كدّ ولا نصَب وقس على زيد بن ثابت حسان بن ثابت الّذي كان عثمان محسناً إليه. كما يقول المسعودي في المروج(4) . وكان إحسان عثمان إلى حسّان قد غمره حتى صيّره عثمانياً منحرفاً عن غيره ، وهو القائل فيمن تخلّف عن عثمان وخذله من الأنصار وغيرهم ، وأعان عليه وعلى قتله :
خذلته الأنصار إذ حضر المو |
ت وكانت ثقاته الأنصار |
|
أين أين الوفاء إذ مُنع الما |
ء فدته النفوس والأبصار |
|
مَن عذيري من الزبير ومن طلحة |
هاجا له أمراً له إعصار |
|
ثم قالا أراد يستبدل الدين |
اعتذرا وللأمور قرار |
|
فتولى محمد بن أبي بكـ |
ر جهاراً وبعده عمّار الخ. |
__________________
(1) الأنعام / 159.
(2) أنساب الأشراف 1ق4 / 541 تح ـ إحسان عباس.
(3) مروج الذهب 2 / 342 ط 3 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد بمصر.
(4) المصدر السابق 2 / 356.
وهذه الأبيات ذكرها ابن أعثم في الفتوح(1) ، وورد منها الأوّل والثالث والخامس في مروج الذهب(2) ، ولم ترد في ديوان حسان المطبوع.
فحسان لم ينصر عثمان بسوى اللسان ، لأنه كان الجبان ، ويكفيه شاهداً يوم الأحزاب حيث كان في أطم مع النساء والصبيان(3) .
فالأرض إلاّ على ملاكها سعة |
والمال إلاّ على أربابه ديم |
قال الدكتور طه حسين في الفتنة الكبرى (عثمان) : « والسياسة المالية الّتي اصطنعها عثمان منذ نهض بالخلافة كلّها موضوع للنقمة والإنكار من أكثر الذين عاصروا عثمان ، ومن أكثر الرواة والمؤرخين. وإن أصبحت فيما بعدُ موضوعاً للجدل بين المتكلمين يدافع عنها أهل السنة والمعتزلة. وينكرها الشيعة والخوارج جميعاً اهـ »(4) .
__________________
(1) الفتوح 2 / 239.
(2) مروج الذهب 2 / 355 و 356 بتفاوت.
(3) ذكر الذهبي في ترجمة حسان في كتابه سير أعلام النبلاء 4 / 135 ط دار الفكر قال : لما خلّف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نساءه في حصن فارع وفيهن صفية بنت عبد المطلب وخلّف فيهنّ حسان ، فأقبل رجل من المشركين ليدخل عليهن فقالت صفية لحسان عليك الرجل ، فجبن وأبى عليها فتناولت السيف فضربت به المشرك حتى قتلته ، فقطعت رأسه ، وقالت لحسان قم فأطرحه على اليهود وهم تحت الحصن قال :
والله ما ذلك فيّ ، فأخذت هي رأسه فرمت به عليهم ، فقالوا : قد علمنا والله ، ان هذا لم يكن ليترك أهله خلوفاً ليس معهم أحد فتفرقوا. وذكر أيضاً أن صفية قالت لحسان قم فأسلبه فإني امرأة وهو رجل ، فقال : ما لي بسلبه يا بنت عبد المطلب من حاجة. وهذا مروي في سيرة ابن هشام ومستدرك الحاكم وتاريخ دمشق وغيرها. ولا عَجَبَ ، إنما العجَبَ من الذهبي أن يذكره في سير أعلام النبلاء ، وكان عليه أن يجعله في (سير أعلام الجبناء) ولعل الرجل لم يجد لحسان ثانياً في الجُبن.
(4) الفتنة الكبرى 1 / 190.
فمن بواعث النقمة على عثمان بعثرة الأموال بسخاء هنا وهناك في غير مستحقيها ، ثمّ حرمان ناقديه حتى من عطائهم كما مرّ في صنعه ذلك مع أبي ذر وابن مسعود ، ولما كان بنو هاشم وعلى رأسهم الإمام عليّعليهالسلام وعمه العباس وابنه عبد الله من جملة الناصحين لعثمان في تطبيع سيرته مع الساخطين ، فقد غاظه أن يكونوا من الناقدين فصنع معهم ما وسعه أن يفعل بهم ومعهم ، فلم يمنحهم إقطاعاًَ ، ولم ينفحهم إشباعاً ، بل كان تفويقاً وترشيفاً كسائر الناس وكان ذلك ما أحنقهم عليه ، كيف وهم يرون فيأهم في غيرهم متقسماً وأيديهم من فيئهم صفرات وحسبنا في المقام قول الإمام : « إنّ بني أمية ليفوقونني تراث محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم تفويقاً ، لأنفضنّهم نفض اللـّحام الوِذام التَرِبَةَ »(1) .
قال الشريف الرضي : « وقولهعليهالسلام : (ليفوقونني) أي : يعطونني من المال قليلاً قليلاً كفواق الناقة ، وهو الحلبة الواحدة من لبنها ، والوِذام : جمع وذمة وهي : الحزّة من الكرش أو الكبد تقع في التراب فتـُنفض ».
قال ابن أبي الحديد : « إعلم أن أصل هذا الخبر قد رواه أبو الفرج عليّ بن الحسين الأصفهاني في كتاب الأغاني بإسناد رفعه إلى الحرب بن جيش قال : بعثني سعيد بن العاص وهو يومئذ أمير الكوفة من قبل عثمان بهدايا إلى المدينة ، وبعث معي هدية إلى عليّعليهالسلام ، وكتب إليه إنّي لم أبعث إلى أحد أكثر ممّا بعثت به إليك إلاّ إلى أمير المؤمنين ، فلمّا أتيت عليّاًعليهالسلام وقرأ كتابه قال : لشدّ ما يحظر عليّ بنو أمية تراث محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أما والله لأنفضنها نفض القصاب التراب الوذمة. قال أبو الفرج وهذا خطأ إنّما هو الوذام التربة. قال : وحدثني بذلك أحمد بن عبد
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 1 / 123 شرح محمّد عبده.
العزيز الجوهري عن أبي يزيد عمر بن شبة باسناد ذكره في الكتاب أن سعيد بن العاص حيث كان أمير الكوفة بعث مع ابن أبي عائشة مولاه إلى عليّ بن أبي طالبعليهالسلام بصلة ، فقال عليّعليهالسلام : والله لا يزال غلام من غلمان بني أمية يبعث إلينا ممّا أفاء الله على رسوله بمثل قوت الأرملة ، والله لئن بقيت لأنفضنها نفض القصّاب الوذام التربة »(1) .
ولقد بحثت كثيراً عسى أجد خبراً يُذكر فيه منحةً من عثمان لأحد الهاشميين ولو لمرة واحدة ، فلم أقف على ذلك إلاّ في خبر رواه البلاذري في أنسابه قال : « وكان ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب شريك عثمان في الجاهلية ، فقال العباس بن ربيعة بن الحارث لعثمان : أكتب إلى ابن عامر يُسلفني مائة ألف درهم ، فكتب له فأعطاه مائة ألف درهم صلة ، وأقطعه دار العباس بن ربيعة فهي تعرف به »(2) .
فهذا هو الوحيد الّذي نال صلة ابن عامر أتته رمية من غير رام ، من غير كدٍّ وجهد ، ولم يكن قد أستجدى من عثمان أو عامله ابن عامر ، بل طلب أن يسلفه ابن عامر ، إلاّ أنّ ابن عامر هزّته الأريحيّة فسخا له بمائة ألف درهم من بيت المال وزاد على ذلك أقطعه داراً فهي تعرف به؟ وستأتي رواية الزبير بن بكار وفيها إرسال عثمان على الإمام عليّعليهالسلام وقت الهاجرة فأتاه وبين يديه مال دثر صرتان من وَرِق وذهب ، فقال دونك خذ من هذا حتى تملأ بطنك فقد أحرقتني. فأبى أن يأخذ منه لأنه من مال المسلمين وليس لعثمان حقّ بعثرته كيف شاء. فانتظر تمام الحديث في محله.
__________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 63 ط مصر الاُولى.
(2) أنساب الأشراف 1ق4 / 528.
والآن وبعد مسيرة مع جانب من الأحداث عبر أكثر من عقد من الزمن طالت أيام حكومة عثمان ، فقد رأينا كيف استطالت فيها أعناق رجالٍ لم يكونوا لولاه إلاّ في غيابات التاريخ ، ومع لعنات الذكر السيء ، وقد جعلوا من حكومة عثمان ـ الواهي المستضعف أمام نزواتهم وشهواتهم ـ حكومة تسلط وجبرية ، بينما هم من اللعناء والطلقاء والفسّاق ، فساموا المسلمين سوء العذاب قتلاً وتشريداً وتطريداً ونهباً بلا خوف من عثمان ، بل على رضى منه أحياناً ، فارتفع النكير والتشهير ، وبدت نذر الشرّ المستطير ، لأنّ عثمان أوّل من آثر القرابة والأولياء كما مرّ ذلك عن الشيباني. ورأينا أيضاً إلى جانب ما سبق كيف تنكر لعثمان بعض المنتفعين به ، ممّن كانوا ينعمون بعطائه ويحبوهم جزيل حبائه ، لكنهم أساؤا إليه إساءة لا تغتفر بمعيار الأخلاق العربية وهم جميعاً من أبنائها ، فضلاً عن الشريعة الإسلامية وكلهم يعيشون في أجوائها. فكانوا من أشدّ المحرّضين عليه كطلحة والزبير وعائشة وغيرهم ممن جازوه جزاء سنّمار.
ثمّ رأينا من خلال تلك الأحداث إطلالة لبني هاشم ، فقرأنا اسم عليّ واسم العباس واسم ابنه عبد الله في أسباب السخط وأسماء الساخطين ، وهذا يحملنا على الاعتقاد في تصنيفهم بالرأي مـع الساخطين ، إذ لم يكونوا يوماً ما مـن النفعيين.
وهذا ما يلزمنا أيضاً بالوقوف عنده لقراءة بعض النصوص قراءة تدبّر وتمحيص لنعرف لماذا كانوا رأياً مع الساخطين؟ فهل نالهم عثمان بأذاه كما نال أبا ذر وابن مسعود وعمّار وأضرابهم من نفي أو ضرب فأعلنوا سخطهم لما لحقهم من الأذى؟
أم أنّهم أفقدهم عثمان منافعهم الشخصية ، فأثار ذلك حفائظهم عليه ، فأعلنوا سخطهم لفقدانهم منافعهم. أم أنّهم كانوا ضحية الاستجابة لسماع شكاوى المحرومين الذين لحقهم حيف وعسف عثمان وولاته ، فأتخذوا من بني هاشم لجأ وكهفاً لرفع الضيم عنهم ، فأعلنوا هم سخطهم تضامناً مع المحرومين؟
ربّما كان ذلك كلّه مجتمعاً ، وإن كان تأثير آخرها أقوى من تأثير البعض الآخر ، مضافاً إلى التداعيات الّتي تجمّعت في خزين ترات التراكمات ، فصارت النفرة بين الطرفين معلنة دون حجاب ، حتى أسفرت بينهما بمواجهة الخطاب ، ومع ذلك فتبقى الفوارق بين المواقف حسب تصرفات عثمان أزاء الأقطاب الثلاثة ، فهو على ما وصفه علماء التبجيل بالحياء والدعة في السلوك والسيرة ، إلاّ أنّه كانت له مواقف متشنّجة بل ومتنمّرة مع الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام فمن المنتظر أن تكون مواقف الإمام مماثلة ، إلاّ إنا لدى المقارنة نجد اللين وسلامة الطوية والنصح له أكثر شواهد من الشدّة من جانب الإمام.
أمّا موقف عثمان من العباس وابنه فإنه كان مع الأب أكثر أدباً وألين عريكة ربّما لأنّه من أخواله ، وليس يعني ذلك تخلصه من عقدة النقص الّتي كانت قريش تشعر بها ـ ومنهم عثمان ـ أزاء بني هاشم حيث يرون أسباب الفضل بأيديهم ، وهذا الشعور الموروث عند عامة القرشيين وعند الأمويين خاصة ، لم تمحه الأيام ، فكان يثير كامن أحقادهم فيظهرونه عند مواتاة الفرص. كما ستأتي كلمات عثمان المسعورة الّتي تنم عن حقدٍ دفين.
فلنقرأ بعض النصوص الجارحة من عثمان له وعليه أزاء بني هاشم وفي مقدمتهم الأقطاب الثلاثة خصوصاً الإمام عليّعليهالسلام لنعرف مدى المعاناة الّتي كانوا يعيشونها :
1 ـ أخرج الهيثمي في مجمع الزوائد عن سعيد بن المسيّب قال : « كان لعثمان آذن فكان يخرج بين يديه للصلاة. قال : فخرج يوماً فصلّى والآذن بين يديه ثمّ جاء ـ فجلس الآذن ناحية ـ ولفّ ـ عثمان ـ رداءه فوضعه تحت رأسه وأضطجع ووضع الدرة بين يديه ، فأقبل عليّ في إزار ورداء وبيده عصاً ، فلمّا رآه الآذن من بعيد قال : هذا عليّ قد أقبل فجلس عثمان فأخذ عليه رداءه ، فجاء عليّ حتى قام على رأسه فقال : اشتريت ضيعة آل فلان ولوقف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فـي مائها حقّ؟ أمـا إنّـي قد علمت أنّه لا يشتريها غيرك.
فقام عثمان وجرى بينهما كلام ، حتى ألقى الله (عزّ وجلّ) العباس فدخل بينهما ، ورفع عثمان على عليّ الدرة ، ورفع عليّ على عثمان العصا ، فجعل العباس يسكّتهما ويقول لعليّ : أمير المؤمنين ، ويقول لعثمان : ابن عمك.
فلم يزل حتى سكّتهما ، فلمّا أن كان من الغد رأيتهما وكلّ واحد منهم آخذ بيد صاحبه وهما يتحدثان اهـ ».
قال الهيثمي : « رواه الطبراني في الأوسط وفيه جماعة لم أعرفهم »(1) .
2 ـ أخرج الهيثمي في مجمع الزوائد عن ابن عباس قال : « كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أعطانا نصيباً من خيبر ، وأعطاناه أبو بكر ، فلمّا كان عمر وكثر عليه الناس ، أرسل إلينا ثمّ قال : إنّ الناس قد كثروا عليَّ فإن شئتم أن أعطيكم مكان نصيبكم من خيبر مالاً؟ فنظر بعضنا إلى بعض ، فقلنا : نعم ، فطـُعن عمر ولم يعطنا شيئاً ، فأخذها عثمان فأبى أن يعطينا وقال : قـد كان عمر أخذها منكم ».
__________________
(1) مجمع الزوائد 7 / 266.
قال الهيثمي : « رواه البزار وفيه حكيم بن جبير وهو متروك »(1) (2) .
3 ـ أخرج عبد الرزاق في المصنف عن معمّر عن أبي إسحاق قال : « جاء أبو ذر إلى عثمان فعاب عليه شيئاً ثمّ قام. فجاء عليّ معتمداً على عصاً حتى وقف على عثمان ، فقال له عثمان : ما تأمرنا في هذا الكذّاب على الله وعلى رسوله؟ فقال عليّ : أنزله منزلة مؤمن آل فرعون( إِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ) (3) .
فقال له عثمان : أسكت في فيك التراب.
فقال عليّ : بل في فيك التراب(4) إستأمرتنا فأمرناك »(5) .
أقول : لئن تستـّر عبد الرزاق أو أحد رواته فلم يذكر ما عاب به أبو ذر على عثمان ، فلا نعدم من ذكره بأمانته ، ممّن لا يخشى بطش عثمان وبطانته.
فقد روى عبد الله بن أبي عمرة الأنصاري قال : « لمّا قدم أبو ذر على عثمان قال : أخبرني أيّ البلاد أحبّ إليك؟ قال : مهاجري ، قال : لستَ بمجاوري.
__________________
(1) نفس المصدر 6 / 6.
(2) من المضحك ـ وشر البلية ما يضحك ـ أن حكيم بن جبير من رجال الصحاح كما رمز له الذهبي في ميزان الاعتدال 1 / 583 وفي نظري إنما جرحوه بالترك والضعف ونكران الحديث ، لأنه روى بسنده عن سلمان قلت يا رسول الله إن الله لم يبعث نبياً إلاّ بيّن له من يلي بعده ، فهل بيّن لك؟ قال : نعم ، عليّ.
وكذلك روى بسنده عن عليّ : أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين ، راجع ميزان الاعتدال 1 / 584 ولهذا ونحوه قال فيه أبو حاتم : ضعيف الحديث له رأي غير محمود نسأل الله السلامة غال في التشيّع ، تهذيب التهذيب 2 / 446.
(3) غافر / 28.
(4) لقد مرت شتيمة مماثلة متبادلة بين عثمان أو عمرو وبين عليّ في مخالفات شرعية في مسائل الحج في أكل المحرم الصيد فراجع.
(5) المصنف لعبد الرزاق 11 / 349.
قال : فألحق بحرم الله فأكون فيه؟ قال : لا ، قال : فالكوفة أرض بها أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قال : لا ، قال : فلست بمختار غيرهنّ ، فأمره بالمسير إلى الربذة. فقال : إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لي أسمع وأطع وأنقد حيث قادوك ولو لعبد حبشي مجدوع ، فخرج إلى الربذة ، فأقام هناك مدة ، ثمّ دخل المدينة فدخل على عثمان والناس عنده سماطين. فقال : يا أمير المؤمنين انّك أخرجتني من أرض ليس لي بها زرع ولا ضرع إلاّ شويهات ، وليس لي خادم إلاّ ممررة (كذا) ولا ظل يظلني إلاّ ظل شجرة ، فأعطني خادماً وغنيمات (أعِش) فيها ، فحوّل وجهه عنه ، فتحول إلى السماط الآخر فقال : مثل ذلك.
فقال حبيب بن سلمة : لك عندي يا أبا ذر ألف درهم وخمسمائة شاة ، قال أبو ذر : أعط خادمك ألفك وشويهاتك من هو أحوج إلى ذلك مني ، فإني إنما أسأل حقي في كتاب الله.
فجاء عليّعليهالسلام فقال له عثمان : ألا تغني عنا سفيهك هذا. قال : أيّ سفيه؟ قال : أبو ذر.
قال عليّ : ليس بسفيه سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على أصدق لهجة من أبي ذر ، أنزله بمنزلة مؤمن آل فرعون( إِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ) (1) . قال عثمان : التراب في فيك ، قال عليّعليهالسلام : بل التراب في فيك ، أنشد الله من سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول ذلك لأبي ذر؟ فقام أبو هريرة وعشرة فشهدوا بذلك على قول عليّ »(2) .
__________________
(1) غافر / 28.
(2) بحار الأنوار 8 / 346 ط الكمپاني على الحجر نقلاً عن أمالي الطوسي.
4 ـ روى الثقفي في تاريخه بإسناده عن ابن عباس قال : « استأذن أبو ذر على عثمان فأبى أن يأذن له ، فقال لي : استأذن لي عليه ، قال ابن عباس : فرجعت إلى عثمان فاستأذنت له ، قال : إنّه يؤذيني ، قلت : عسى أن لا يفعل ، فأذن له من أجلي ، فلمّا دخل عليه قال له : اتق الله يا عثمان ، فجعل يقول : اتق الله وعثمان يتوعده قال أبو ذر : انّه قد حدّثني نبيّ الله انّه يجاء بك وبأصحابك يوم القيامة فتبطحون على وجوهكم فتمر عليكم البهائم فتطأكم كلما مرت أخراها ردّت أولاها حتى يفصل بين الناس »(1) .
5 ـ وذكر الثقفي في تاريخه عن ثعلبة بن حكيم قال : « بينا أنا جالس عند عثمان وعنده أناس من أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم من أهل بدر وغيرهم ، فجاء أبو ذر يتوكأ على عصاه فقال : السلام عليكم فقال : اتق الله يا عثمان إنّك تسمع كذا وكذا وتصنع كذا وكذا ـ وذكر مساويه ـ فسكت عثمان حتى إذا انصرف قال : مَن يعذرني من هذا الّذي لا يدع مساءة إلاّ ذكرها؟ فسكت القوم فلم يجيبوه ، فأرسل إلى عليّ فجاء فقام مقام أبي ذر ، فقال : يا أبا الحسن ما ترى أبا ذر لا يدع لي مساءة إلاّ ذكرها.
فقال : يا عثمان أنّي أنهاك عن أبي ذر ، يا عثمان أنهاك عن أبي ذر ثلاث مرات ، أتركه كما قال الله تعالى لمؤمن آل فرعون( إِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) (2) قال له عثمان : بفيك التراب ، قال له عليّ : بل بفيك التراب ثمّ انصرف »(3) .
__________________
(1) نفس المصدر / 316.
(2) غافر / 28.
(3) بحار الأنوار 8 / 346 ط الكمپاني.
6 ـ وذكر الثقفي في تاريخه عن عبد الملك ابن أخي أبي ذر ـ وذكر حديث أبي ذر بالشام ثمّ جلبه إلى المدينة وما لاقاه من عنف المسير ـ : « ثمّ حجبه عثمان جمعة وجمعة حتى مضت عشرون ليلة أو نحوها وأفاق أبو ذر ثمّ أرسل إليه وهو معتمد على يدي ، فدخلنا عليه وهو متكيء فاستوى قاعداً ، فلمّا دنا أبو ذر منه قال عثمان :
تحية السخط إذا ألتقينا |
لا أنعم الله بعمرو عيناً |
فقال له أبو ذر : فوالله ما سمّاني الله عمروا ، ولا سماني أبواي عمروا ، وإني على العهد الّذي فارقت عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما غيّرت ولا بدّلت ، فقال له عثمان : كذبت ، لقد كذبت على نبيّنا ، وطعنت في ديننا ، وفارقت رأينا ، وضغنت قلوب المسلمين علينا ثمّ قال لبعض غلمانه : ادع لي قريشاً ، فانطلق رسوله ، فما لبثنا أن امتلأ البيت من رجال قريش فقال لهم عثمان : إنا أرسلنا اليكم في هذا الشيخ الكذاب الّذي يكذب على نبينا وطعن في ديننا وضغن قلوب المسلمين علينا. وإنّي قد رأيت أن أقتله وأصلبه أو أنفيه من الأرض. فقال بعضهم : رأينا لرأيك تبع وقال بعضهم : لا تفعل فإنّه صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وله حقّ ، فما منهم أحدٌ أدّى الّذي عليه ، فبينا هم كذلك اذ جاء عليّ بن أبي طالبعليهالسلام يتوكأ على عصاً سراً ، فسلّم عليه ونظر ولم يجد مقعداً ، فأعتمد على عصاه. فما أدري أتخلّف عمداً؟ أم يظن به غير ذلك. قال عليّ : فيم أرسلتم إلينا ، فقال عثمان : أرسلنا إليكم في هذا الشيخ الّذي قد كذب على نبيّنا وطعن في ديننا وخالف رأينا ، وضغن قلوب المسلمين علينا ، وقد رأينا أن نقتله أو نصلبه أو ننفيه من الأرض.
قال عليّ : أفلا أدلكم على خير من ذلكم وأقرب رشداً؟ تتركونه بمنزلة مؤمن آل فرعون( إِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) (1) .
قال له عثمان : بفيك التراب ، فقال له عليّ : بل بفيك التراب ، وسيكون ، فأمر بالناس فاخرجوا »(2) .
7 ـ وذكر الثقفي في تاريخه عن المعرور بن سويد قال : « كان عثمان يخطب ، فأخذ أبو ذر بحلقة الباب فقال : أنا أبو ذر من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا جندب سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : (إنّما مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح في قومه من تخلّف عنها هلك ، ومن ركبها نجا).
قال له عثمان : كذبت.
فقال له عليّعليهالسلام : إنما كان عليك أن تقول كما قال العبد الصالح( إِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ) (3) فما أتمّ حتى قال عثمان : بفيك التراب.
فقال عليّعليهالسلام : بل بفيك التراب »(4) .
أقول : يبدو أن شتم عثمان للإمام « بفيك التراب » وردّ الإمام عليه بمثلها ، كانت في مواطن عديدة ، فقد مرّت آنفاً في مخالفات شرعية في مسائل الحج في أكل المحرم الصيد فراجع. وجاءت أيضاً قريباً ففي المسجد وفـي بيت عثمان مكرراً.
__________________
(1) غافر / 28.
(2) بحار الأنوار 8 / 317 ط الكمپاني على الحجر نقلاً عن تاريخ الثقفي.
(3) غافر / 28.
(4) بحار الأنوار 8 / 317 ط الكمپاني.
8 ـ أخرج عبد الرزاق في المصنف بسنده إلى أبي كعب الحارثي وهو ذو الأداوة ـ وقد مرّ بعض حديثه في حفصة وسعد بن أبي وقاص ـ قال : « فلقي ـ عثمان ـ عليّاً بباب المسجد فقال له عليّ أين تريد؟
قال : أريد هذا الّذي كذا وكذا. يعني سعد بن أبي وقاص فشتمه. فقال له عليّ : أيها الرجل دع هذا عنك.
قال : فلم يزل بهما الكلام حتى غضب عثمان فقال : ألست المتخلـّف عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم تبوك (؟!).
قال عليّ : ألستَ الفارّ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم أحد قال : ثمّ حجز بينهما الناس »(1) .
أقول : إنّ من السخرية بمكان ، أن يقول ذلك عثمان ، وهو يعلم أن ذلك كان من قول المنافقين في يوم تبوك(2) كما يعلم هو وغيره أن ذلك كان سبب قول النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّ يومئذ : (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي) فعرف ذلك بحديث المنزلة ، وقد أستوفى ابن عساكر طرقه في تاريخه.
وقال : وقد رواه جمع كثير من الصحابة والأنصار والتابعين ، وذكر من رواته عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص بطرق عنه كثيرة ، ثمّ ذكر أسماء ما يزيد على عشرين صحابياً ممّن روى الحديث المذكور(3) .
__________________
(1) المصنف لعبد الرزاق 11 / 356.
(2) جاء في كلام الإمام الحسن الزكيعليهالسلام قال لمعاوية وأصحابه : أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أستخلفه على المدينة في غزوة تبوك ولاسخطه ذلك ولا كرهه ، وتكلّم فيه المنافقون (بحار الأنوار 44 / 78 ط الإسلامية ، وراجع الاحتجاج للطبرسي).
(3) تاريخ مدينة دمشق دمشق (ترجمة الإمام) 1 / 281 ـ 364 ط بيروت.
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب في أوائل ترجمة الإمام بعد أن ذكر الحديث : « هو من أثبت الآثار وأصحها رواه عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم سعد بن أبي وقاص ، وطرق حديث سعد فيه كثيرة جداً ، وقد ذكرها ابن أبي خثيمة وغيره ، ورواه ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأم سلمة وأسماء بنت عميس وجابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة يطول ذكرهم »(1) .
هذا الحديث أخرجه جميع أصحاب الصحاح الستة كما أخرجه الكثيرون من المحدّثين والمؤرخين وأرباب السير ، ومنهم ابن سعد في الطبقات بسنده عن البرّاء بن عازب وزيد بن أرقم قالا : « لمّا كان عند غزوة جيش العسرة وهي تبوك قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّ بن أبي طالب : إنّه لا بدّ من أن أقيم أو تقيم فخلّفه ، فلمّا نَصَل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم غازياً قال ناس : ما خلّف عليّاً إلاّ لشيء كرهه منه ، فبلغ ذلك عليّاً فاتـّبع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى انتهى إليه فقال له : ما جاء بك يا عليّ؟ قال : لا يا رسول الله إلاّ إنّي سمعت ناساً يزعمون أنّك إنّما خلّفتني لشيء كرهته مني! فتضاحك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال : (يا عليّ أما ترضى أن تكون مني كهارون من موسى غير أنّك لستَ بنبيّ؟ قال : بلى يا رسول الله قال : فإنّه كذلك) »(2) .
وذكر ابن سعد الحديث برواية سعد بن أبي وقاص وفيه : « فأدبر عليّ مسرعاً كأنّي أنظر إلى غبار قدميه يسطح »(3) .
ولا يبعد من مناوئي الإمام من العثمانية أنهم أختلقوا لعثمان تجهيز جيش العسرة في مقابل حديث المنزلة يومئذ. هذا عن تعيير عثمان للإمام بتخلّفه يوم
__________________
(1) الاستيعاب 2 / 459 ط حيدر آباد.
(2) طبقات ابن سعد 3ق1 / 15.
(3) نفس المصدر.
تبوك. أمّا عن جواب الإمام وتعييره لعثمان بفراره يوم أحد فهو ممّا ثبت عنه وكان يعيّر به دائماً ولم يستطع إنكاره مرة واحدة بل كان يقول لمن عيّره به كعبد الرحمن بن عوف : أتعيّرني بذنب قد عفا الله لي عنه. فهو من المنهزمين في يوم أحد ولم يعد إلاّ بعد ثلاثة أيام ذكر الرازي في تفسير قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ) (1) : « إنّ من المنهزمين عمر ومنهم عثمان أنهزم مع رجلين من الأنصار يقال لهما سعد وعقبة ، انهزموا حتى بلغوا موضعاً بعيداً ثمّ رجعوا بعد ثلاثة أيام »(2) .
9 ـ وروى البلاذري في الأنساب قال : « حدثني عباس بن هشام عن أبيه عمّن حدثه عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن أبيه عن عبد الله بن عباس : ان عثمان شكا عليّاً إلى العباس فقال له : يا خال إنّ عليّاً قد قطع رحمي وألّب الناس عليّ ، والله لئن كنتم يا بني عبد المطلب أقررتم هذا الأمر في أيدي بني تيم وعدي فبنو عبد مناف أحق أن لا تنازعوهم فيه ولا تحسدوهم عليه.
قال عبد الله بن العباس : فأطرق أبي طويلاً ثمّ قال : يا ابن أخت لئن كنت لا تحمدُ عليّاً فما نحمدك له ، وإن حقّك في القرابة والإمامة لـَلحقّ الّذي لا يُدفع ولا يُجحد ، فلو رقيت فيما نطأطأ ، أو تطأطأت فيما رقى تقاربتما ، وكان ذلك أوصل وأجمل.
قال : قد صيّرت الأمر عن ذلك إليك فقرّب الأمر بيننا.
__________________
(1) آل عمران / 155.
(2) راجع أيضاً الإصابة لابن حجر في ترجمة رافع بن المعلّى الأنصاري وسعيد بن عثمان الأنصاري فقد ذكر نزول الآية في الرجلين ومعهما عثمان بن عفان.
قال : فلمّا خرجنا من عنده دخل عليه مروان فأزاله عن رأيه ، فما لبثنا أن جاء أبي رسول عثمان بالرجوع إليه فلمّا رجع قال : يا خال أحبّ أن تؤخر النظر في الأمر الّذي ألقيت إليك حتى أرى من رأيي.
فخرج أبي من عنده ثمّ التفت إليّ فقال : يا بُني ليس إلى هذا الرجل من أمره شيء. ثمّ قال : اللّهمّ أسبق بي الفتن ولا تبقني إلى ما لا خير لي في البقاء إليه. فما كانت جمعة حتى هلك »(1) .
10 ـ وروى الزبير بن بكار في كتابه الموفقيات عن عبد الله بن عباس قال : « ما سمعت من أبي شيئاً قط في أمر عثمان يلومه فيه ولا يعذره ، ولا سألته عن شيء من ذلك مخافة أن أهجم منه على ما لا يوافقه ، فأنا عنده ليلة ونحن نتعشى إذ قيل هذا أمير المؤمنين عثمان بالباب ، فقال أئذنوا له ، فدخل فأوسع له على فراشه وأصاب من العشاء معه ، فلمّا رفع قام من كان هناك وثبتّ أنا ، فحمد الله عثمان وأثنى عليه ثمّ قال :
أمّا بعد يا خال فإني قد جئتك أستعذرك من ابن أخيك عليّ سبّني وشهر أمري وقطع رحمي وطعن في ديني ، وإني أعوذ بالله منكم يا بني عبد المطلب إن كان لكم حقّ تزعمون أنكم غُلبتم عليه فقد تركتموه في يدي مَن فعل ذلك بكم ، وأنا أقرب إليكم رحماً منه ، وما لمت منكم أحداً إلاّ عليّاً ، ولقد دعيت أن أبسط عليه فتركته لله والرحم وأنا أخاف أن لا يتركني فلا أتركه.
قال ابن عباس : فحمد أبي الله وأثنى عليه ثمّ قال : أمّا بعد يا بن أختي فإن كنت لا تحمد عليّاً لنفسك فإنّي لأحمدك لعليّ وما عليّ وحده قال فيك بل
__________________
(1) أنساب الأشراف 1ق4 / 498.
غيره ، فلو أنّك أتهمت نفسك للناس أتهم الناس أنفسهم لك ، ولو أنّك نزلت ممّا رقيت وأرتقوا ممّا نزلوا فأخذت منهم وأخذوا منك ما كان بذلك بأس.
قال عثمان : فذلك إليك يا خال وأنت بيني وبينهم. قال : أفأذكر لهم ذلك عنك؟ قال : نعم ، وأنصرف. فما لبثنا أن قيل : هذا أمير المؤمنين قد رجع بالباب ، قال أبي : أئذنوا له فدخل فقام قائماً ولم يجلس وقال : لا تعجل يا خال حتى أوذنك. فنظرنا فإذا مروان بن الحكم كان جالساً بالباب ينتظره حتى خرج فهو الّذي ثناه عن رأيه الأوّل.
فأقبل عليَّ أبي وقال : يا بني ما إلى هذا من أمره شيء ، ثمّ قال : يا بني أملك عليك لسانك حتى ترى ما لابدّ منه. ثمّ رفع يديه فقال : اللّهمّ اسبق بي ما لا خير لي في إدراكه ، فما مرّت جمعة حتى ماترحمهالله »(1) .
11 ـ وروى البلاذري في أنساب الأشراف بإسناده عن صهيب مولى العباس : « ان العباس قال لعثمان : أذكّرك الله في أمر ابن عمك وابن خالك وصهرك وصاحبك مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقد بلغني أنّك تريد أن تقوم به وبأصحابه. فقال : أوّل ما أجيبك به أنّي قد شفـّعتك ، إنّ عليّاً لو شاء لم يكن أحد عندي إلاّ دونه ولكن أبى إلاّ رأيه.
ثمّ قال لعليّ : مثل قوله لعثمان فقال عليّ : لو أمرني عثمان أن أخرج من داري لخرجت »(2) .
__________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 397. وهذه الواقعة غير الّتي سبقتها وان عاصرتها زماناً ففي الاُولى كانت الشكوى في دار عثمان والعباس حاضر عنده. أمّا هذه فهي في دار العباس وعثمان حاضر عنده ، ولا مانع من تعدّدهما إذا عرفنا تخبّط السياسة يومئذ في معالجة مشاكل الناس وأستحواذ مروان على عثمان في تدبير أُموره.
(2) أنساب الأشراف 1ق 4 / 498 و 499.
12 ـ روى الواقدي في كتاب الشورى عن ابن عباسرحمهالله قال : « شهدت عتاب عثمان لعليّعليهالسلام يوماً فقال له في بعض ما قاله : نشدتك الله أن تفتح للفرقة بأباً فلعهدي بك وأنت تطيع عتيقاً وابن الخطاب طاعتك لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولستُ بدون واحد منهما ، وأنا أمسّ بك رحماً وأقرب إليك صهراً ، فإن كنت تزعم أنّ هذا الأمر جعله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لك ، فقد رأيناك حين توفي نازعت ثمّ أقررت ، فإن كانا لم يركبا من الأمر جَداً فكيف أذعنت لهما بالبيعة وبخعت بالطاعة ، وإن كانا أحسنا فيما وليا ولم أقصر عنهما في ديني وحسبي وقرابتي فكن لي كما كنت لهما.
فقال عليّعليهالسلام : أمّا الفرقة فمعاذ الله أن أفتح لها بأباً وأسهّل إليها سبيلاً ، ولكني أنهاك عمّا ينهاك الله ورسوله عنه ، وأهديك إلى رشدك. وأمّا عتيق وابن الخطاب فان كانا أخذا ما جعله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لي فأنت أعلم بذلك والمسلمون ، وما لي ولهذا الأمر وقد تركته منذ حين.
فأمّا أن لا يكون حقي بل المسلمون فيه شرع فقد أصاب السهم الثغرة ، وأمّا أن يكون حقي دونهم ، فقد تركته لهم طبت به نفساً ، ونفضت يدي عنه استصلاحاً.
وأمّا التسوية بينك وبينهما فلست كأحدهما ، إنّهما وليا هذا الأمر فطلقا أنفسهما وأهلهما عنه. وعُمتَ فيه وقومك عوم السابح في اللجة ، فارجع إلى الله أبا عمرو وانظر هل بقي من عمرك إلاّ كظم الحمار فحتى متى وإلى متى؟ ألا تنهى سفهاء بني أمية عن أعراض المسلمين وأبشارهم وأموالهم؟ والله لو ظلم عامل من عمالك حيث تغرب الشمس لكان أثمه مشتركاً بينه وبينك.
قال ابن عباس : فقال عثمان : لك العتبى ، وافعل وأعزل من عمالي كلّ من تكرهه ويكرهه المسلمون. ثمّ أفترقا فصدّه مروان بن الحكم عن ذلك ، وقال يجتريء عليك الناس فلا تعزل أحداً منهم »(1) .
13 ـ وروى الزبير بن بكار في كتابه الموفقيات بسنده عن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام قال : « أرسل إليَّ عثمان في الهاجرة فتقنعت بثوبي وأتيته ، فدخلت عليه وهو على سريره وفي يده قضيب وبين يديه مال دثر ، صُبرتان من وَرِق وذهب. فقال : دونك خذ من هذا حتى تملأ بطنك فقد أحرقتني ، فقلت : وصلتك رحم إن كان هذا المال ورثته أو اعطاكه معطِ أو أكتسبته من تجارة. كنتُ أحد رجلين إما آخذ وأشكر ، أو أوفر وأجهد ، وإن كان من مال الله وفيه حقّ المسلمين واليتيم وابن السبيل ، فوالله ما لك أن تعطينيه ، ولا لي أن آخذه. فقال أبيت والله إلاّ ما أبيت ، ثمّ قام إليَّ بالقضيب فضربني ، والله ما رددت يده حتى قضى حاجته ، فتقنعت بثوبي ورجعت إلى منزلي ، وقلت : الله بيني وبينك إن كنت أمرتك بمعروف ونهيت عن منكر »(2) .
14 ـ وروى الزبير بن بكار في كتاب الموفقيات عن ابن عباسرحمهالله قال : « صليت العصر يوماً ثمّ خرجت فإذا أنا بعثمان في أيام خلافته في بعض أزقة المدينة وحده ، فأتيته إجلالاً وتوقيراً لمكانه ، فقال لي : هل رأيت عليّاً؟ قلت : خلّفته في المسجد ، فإن لم يكن الآن فيه فهو في منزله. قال : أمّا منزله فليس فيه فابغه لنا في المسجد ، فتوجهنا إلى المسجد ، وإذا عليّعليهالسلام يخرج منه.
__________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 398 ط مصر الأولى.
(2) نفس المصدر.
ـ قال ابن عباس : وقد كنت أمس ذلك اليوم عند عليّ فذكر عثمان وتجرّمه عليه ، وقال : أما والله يا بن عباس أن من دوائه لقطع كلامه وترك لقائه ، فقلت له يرحمك الله كيف لك بهذا ، فإن تركته ثمّ أرسل إليك فما أنت صانع؟ قال : أعتلّ واعتلّ فمن يضرّني؟ قال : لا أحد ـ قال ابن عباس : فلمّا تراء يناله وهو خارج من المسجد ظهر منه من التفات والطلب للأنصراف ما أستبان لعثمان ، فنظر إليّ عثمان وقال : يا بن عباس أما ترى ابن خالنا يكره لقاءنا؟ فقلت : ولِمَ وحقك ألزم وهو بالفضل أعلم. فلمّا تقاربا رماه عثمان بالسلام فردّ عليه ، فقال عثمان : إن تدخل فإياك أردنا ، وإن تمض فإياك طلبنا. فقال عليّ : أيّ ذلك أحببت قال : تدخل ، فدخلا وأخذ عثمان بيده فأهوى به إلى القبلة فقصر عنها وجلس قبالتها ، فجلس عثمان إلى جانبه ، فنكصت عنهما ، فدعواني جميعاً فأتيتهما.
فحمد الله عثمان وأثنى عليه وصلّى على رسوله ثمّ قال : أمّا بعد يا بني خاليّ وابنيّ عمّي فإذ جمعتكما في النداء فاستجمعكما في الشكاية على رضائي عن أحدكما ووجدي على الآخر ، إنّي أستعذركما من أنفسكما وأسألكما فيأتكما وأستوهبكما رجعتكما ، فوالله لو غالبني الناس ما أنتصرت إلاّ بكما ، ولو تهضّموني ما تعززت إلاّ بعزّكما ، ولقد طال هذا الأمر بيننا حتى تخوّفت أن يجوز قدره ويعظم الخطر فيه. ولقد هاجني العدو عليكما وأغراني بكما ، فمنحني الله والرحم ممّا أراد ، وقد خلونا في مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإلى جانب قبره ، وقد أحببت أن تظهرا لي رأيكما وما تنطويان لي عليه وتصدقا فان الصدق أنجى وأسلم وأستغفر الله لي ولكما.
قال ابن عباس : فأطرق عليّعليهالسلام وأطرقت معه طويلاً. أمّا أنا فأجللته أن أتكلّم قبله وأمّا هو فأراد أن أجيب عني وعنه ، ثمّ قلت له : أتتكلم أم أتكلم أنا عنك؟
قال : بل تكلم عني وعنك.
فحمدت الله وأثنيت عليه ، وصليت على رسوله ثمّ قلت : أمّا بعد يا بن عمنا وعمتنا فقد سمعنا كلامك لنا وخلطك في الشكاية بيننا على رضاك ـ زعمت ـ عن أحدنا ووجدك على الآخر ، وسنفعل في ذلك فنذمّك ونحمدك ، اقتداء منك بفعلك فينا ، فانا نذمّ مثل تهمتك إيانا على ما أتهمتنا عليه بلا ثقة إلاّ ظناً ، ونحمد منك غير ذلك من مخالفتك عشيرتك ، ثمّ نستعذرك من نفسك استعذارك إيانا من أنفسنا ، ونستوهبك فيأتك استيهابك إيانا فيأتنا ، ونسألك رجعتك مسألتك إيانا رجعتنا ، فإنا معاً أيّما حمدت وذممت منا كمثلك في أمر نفسك ، ليس بيننا فرق ولا اختلاف ، بل كلانا شريك صاحبه في رأيه وقوله ، فوالله ما تعلمنا غير معذرّين فيما بيننا وبينك ، ولا تعرفنا غير قانتين عليك ولا تجدنا غير راجعين اليك ، فنحن نسألك من نفسك مثل ما سألتنا من أنفسنا.
وأمّا قولك : لو غالبتني الناس ما أنتصرت إلاّ بكما أو تهضّموني ما تعزّزت إلاّ بعزّكما ، فأين بنا وبك عن ذلك ونحن وأنت كما قال أخو كنانة :
بدا بخير ما رام نال وان يرم |
نخض دونه غمرا من اللغر رائمه |
|
لنا ولهم منا ومنهم على العدى |
مراتب عـزّ مصعـدات سلالـمه |
وأمّا قولك في هيج العدو إياك وإغرائه لك بنا ، فوالله ما أتاك العدو من ذلك شيئاً إلاّ وقد أتانا بأعظم منه فمنعناه ما أراد ما منعك من مراقبة الله والرحم ،
وما أبقيت أنت ونحن إلاّ على أدياننا وأعراضنا ومروآتنا ، ولقد لعمري طال بنا وبك هذا الأمر حتى تخوّفنا منه على أنفسنا وراقبنا منه ما راقبت.
وأمّا مساءلتك إيانا عن رأينا فيك وما ننطوي عليه لك ، فإنا نخبرك ان ذلك إلى ما تحبّ لا يعلم واحد منا من صاحبه إلاّ ذلك ، ولا يقبل منه غيره ، وكلانا ضامن على صاحبه ذلك وكفيل به ، وقد برّأت أحدنا وزكّيته وأنطقت الآخر وأسكته ، وليس السقيم منا ممّا كرهت بأنطق من البري فيما ذكرت ، ولا البري منا ممّا سخطت بأظهر من السقيم فيما وصفت ، فإما جمعتنا في الرضا وإما جمعتنا في السخط ، لنجازيك بمثل ما تفعل بنا في ذلك مكايلة الصاع بالصاع ، فقد أعلمناك رأينا وأظهرنا لك ذات أنفسنا وصدقناك ، والصدق ـ كما ذكرت ـ أنجى وأسلم ، فأجب إلى ما دعوت إليه ، وأجلل عن النقص والعذر مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وموضع قبره ، وأصدق تنج وتسلم ونستغفر الله لنا ولك.
قال ابن عباس : فنظر إليّ عليّعليهالسلام نظر هيبة ، وقال : دعه حتى يبلغ رضاه فيما هو فيه. فوالله لو ظهرت له قلوبنا وبدت له سرائرنا حتى رآها بعينه كما يسمع الخبر عنها بإذنه ما زال متجرّماً منتقماً ، والله ما أنا ملقى على وضمة ، وإني لمانع ما وراء ظهري ، وان هذا الكلام لمخالفة منه وسوء عشرة. فقال عثمان : مهلاً أبا حسن فوالله إنّك لتعلم ان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وصفني بغير ذلك يوم يقول وأنت عنده : إنّ من أصحابي لقوماً سالمين لهم وانّ عثمان لمنهم انّه لأحسنهم بهم ظناً وأنصحهم لهم حبّاً.
فقال عليّعليهالسلام : فصدّق قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم بفعلك ، وخالف ما أنت الآن عليه ، فقد قيل لك ما سمعت وهو كاف إن قبلت ، قال عثمان : تثق يا أبا الحسن؟ قال : نعم أثق ولا أظنك فاعلاً.
قال عثمان : قد وثقت وأنت ممن لا يخفر صاحبه ولا يكذّب لقيله.
قال ابن عباس : فأخذت بأيديهما حتى تصافحا وتصالحا وتمازحا ، ونهضت عنهما فتشاورا وتآمرا وتذاكرا ، ثمّ افترقا : فوالله ما مرّت ثالثة حتى لقيني كلّ واحد منهما يذكر من صاحبه ما لا تبرك عليه الإبل ، فعلمت أن لا سبيل إلى صلحهما بعدها »(1) .
15 ـ وروى الزبير بن بكار في كتاب الموفقيات عن عمه عن عيسى بن داود عن رجاله قال : « قال ابن عباسرحمهالله : لما بنى عثمان داره بالمدينة أكثر الناس عليه في ذلك فبلغه ، فخطبنا في يوم جمعة ثمّ صلّى بنا ثمّ عاد إلى المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على رسوله ثمّ قال :
أمّا بعد فانّ النعمة إذا حدثت حدث لها حسّاد حسبها وأعداء قدرها ، وإنّ الله لم يحدث لنا نعماً ليحدث لها حسّاد عليها ومنافسون فيها ، ولكنه قد كان من بناء منزلنا هذا ما كان أرادة جمع المال فيه وضم القاصية إليه. فأتانا عن أناس منكم أنّهم يقولون أخذ فيأنا وأنفق شيأنا واستأثر بأموالنا ، يمشون خمراً ، وينطقون سراً ، كأنا غيّب عنهم ، وكأنّهم يهابون مواجهتنا ، معرفة منهم بدحوض حجتهم ، فاذا غابوا عنا يروح بعضهم إلى بعض يذكرنا ، وقد وجدوا على ذلك أعواناً من نظرائهم ومؤازرين من شبهائهم ، فبُعداً بُعداً ، ورغماً رغماً ، ثمّ أنشد بيتين كأنه يوميء فيهما إلى عليّعليهالسلام :
توقـّد بنار أينما كنت وأشتعـل |
فلست ترى ممّا تعالج شافـياً |
|
تشط فيقصي الأمر دونك أهلـُه |
وشيكاً ولا تدعى إذا كنت نائياً |
__________________
(1) نفس المصدر 2 / 399.
ما لي ولفيئكم وأخذ مالكم ، ألست من أكثر قريش مالاً وأظهرهم من الله نعمة؟ ألم أكن على ذلك قبل الإسلام وبعده؟ وهبوني بنيت منزلاً من بيت المال أليس هو لي ولكم؟ ألم أقم أموركم ، واني من وراء حاجاتكم؟ فما تفقدون من حقوقكم شيئاً؟ فلم لا أصنع في الفضل ما أحببت؟ فلِمَ كنت إماماً إذاً؟ ألا وإن من أعجب العجب انّه بلغني عنكم أنّكم تقولون : لنفعلن به ولنفعلن ، فبمن تفعلون؟ لله آباؤكم ، أبنقد البقاع أم بفقع القاع؟ ألست أحراكم إن دعا أن يجاب؟ وأقمنكم إن أمر أن يطاع؟ لهفي على بقائي فيكم بعد أصحابي ، وحياتي فيكم بعد أترابي ، يا ليتني تقدمت قبل هذا ، لكني لا أحبّ خلاف ما أحبّه الله لي (عزّ وجلّ). إذا شئتم ، فانّ الصادق المصدّق محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم قد حدثني بما هو كائن من أمري وأمركم ، وهذا بدء ذلك وأوله ، فكيف الهرب ممّا حتم وقدّر ، أما انّهعليهالسلام قد بشّرني في آخر حديثه بالجنة دونكم إذا شئتم فلا أفلح من ندم.
قال : ثمّ همّ بالنزول فبصر عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ومعه عمّار بن ياسررضياللهعنه وناس من أهل هواه يتناجون فقال : أيهاً أيهاً أسراراً لا جهاراً ، أما والذي نفسي بيده ما أحنق على جرة ولا أوتى على ضعف مرة ، ولولا النظر لي ولكم والرفق بي وبكم لعاجلتكم فقد أغتررتم ، وأقلتم من أنفسكم ، ثمّ رفع يديه يدعو ويقول : اللّهمّ قد تعلم حبي للعافية فألبسنيها ، وإيثاري للسلامة فاتنيها.
قال : فتفرق القوم عن عليّعليهالسلام ، وقام عدي بن الخيار فقال : أتم الله عليك يا أمير المؤمنين النعمة وزادك في الكرامة ، والله لأن تـُحسد أفضل من أن تحسد ، ولأن تُـنافس أجل من أن تنافِس ، أنت والله في حبنا الصميم ومنصبنا الكريم ، إن دعوت أُجبت ، وأن أمرت أُطعت ، فقل نفعل وادع نجب. جُعلت الخيرة والشورى إلى أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ليختاروا لهم ولغيرهم ، وانّهم ليـرون مكانك
ويعرفون مكان غيرك ، فاختاروك منيبين طائعين غير مكرهين ولا مجبرين ، ما غيّرت ولا فارقت ولا بدّلت ولا خالفت ، فعلام يقدمون عليك ، وهذا رأيهم فيك ، أنت والله كما قال الأوّل :
اذهب إليك فـما للحسود |
طـلابـك تحت العـثار |
|
حكمتَ فما جُرت في خُلةٍ |
فحكمك بالحقّ بادي المنار |
|
فإن يسبعـوك قـسراً وقد |
جهرتَ بسيفك كلّ الجهار |
قال : ونزل عثمان فاتى منزله ، وأتاه الناس وفيهم ابن عباس فلمّا أخذوا مجالسهم أقبل على ابن عباس فقال : مالي ولكم يا بن عباس؟ ما أغراكم بي وأولعكم بتعقـّب أمري؟ أتنقمون عليّ أمر العامة أتيت من وراء حقوقهم أم أمركم ، فقد جعلتهم يتمنون منزلتكم ، لا والله لكن الحسد والبغي وتثوير الشر وإحياء الفتن والله لقد ألقى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إليَّ ذلك ، وأخبرني عن أهله واحداً واحداً ، والله ما كذبت ولا أنا بمكذوب.
فقال ابن عباس : على رسلك يا أمير المؤمنين ، فوالله ما عهدتك جَهِراً بسرّك ولا مظهراً ما في نفسك فما الّذي هيّجك وثوّرك؟ إنا لم يولعنا بك أمر ، ولم نتعقب أمرك بشيء ، أُتيت بالكذب وتـُسوّق عليك بالباطل ، والله ما نقمنا عليك لنا ولا للعامة ، قد أوتيت من وراء حقوقنا وحقوقهم ، وقضيت ما يلزمك لنا ولهم ، فأمّا الحسد والبغي وتثوير الفتن وإحياء الشرّ فمتى رضيت به عترة النبيّ وأهل بيته ، كيف وهم منه واليه ، على دين الله يثورون الشر؟ أم على الله يحيون الفتن؟
كلا ليس البغي ولا الحسد من طباعهم ، فاتئد يا أمير المؤمنين وأبصر أمرك وأمسك عليك ، فان حالتك الأولى خير من حالتك الأخرى ، لعمري إن كنت
لأثيراً عند رسول الله وإن كان ليفضي إليك بسره ما يطويه عن غيرك ولا كذبت ولا أنت بمكذوب ، أخسىء الشيطان عنك ولا يركبك ، وأغلب غضَبك ولا يغلبك ، فما دعاك إلى هذا الأمر الّذي كان منك؟
قال : دعاني إليه ابن عمك عليّ بن أبي طالب.
فقال ابن عباس : وعسى أن يكذب مبلّغك؟
قال عثمان : إنّه ثقة.
قال ابن عباس : إنّه ليس بثقة من بلّغ وأغرى.
قال عثمان : يا بن عباس ألله انّك ما تعلم من عليّ ما شكوت منه؟
قال : اللّهمّ لا ، إلاّ أن يقول كما يقول الناس ينقم كما ينقمون ، فمن أغراك به وأولعك بذكره دونهم؟
فقال عثمان : إنّما آفتي من أعظم من الداء الّذي ينصب نفسه لرأس الأمر وهو عليّ ابن عمك ، وهذا والله كلّه من نكده وشؤمه.
قال ابن عباس : مهلاً أستثن يا أمير المؤمنين قل إن شاء الله.
فقال : إن شاء الله ، ثمّ قال : إنّي أنشدك يا بن عباس الإسلام والرحم فقد والله غُلبت وابتليت بكم والله لوددت أن هذا الأمر كان صار إليكم دوني ، فحملتموه عني وكنت أحد أعوانكم عليه ، إذاً والله لوجدتموني لكم خيراً ممّا وجدتكم لي. ولقد علمتُ أن الأمر لكم ولكن قومكم دفعوكم عنه وأختزلوه دونكم ، فوالله ما أدري أرفعوه عنكم ، أم رفعوكم عنه؟
قال ابن عباس : مهلاً يا أمير المؤمنين فانا ننشدك الله والإسلام والرحم مثل ما نشدتنا أن تطمع فينا وفيك عدواً ، وتشمت بنا وبك حسوداً ، ان أمرك إليك ما
كان قولاً ، فإذا صار فعلاً فليس إليك ولا في يديك ، وانا والله لنخالفنّ إن خولفنا ولننازعنّ إن نوزعنا ، وما تمنيك أن يكون الأمر صار إلينا دونك إلاّ أن يقول قائل منا ما يقوله الناس ، ويعيب كما عابوا.
فأمّا صرف قومنا عنا الأمر فعن حسدٍ قد والله عرفته ، وبغيٍ قد والله علمتَه ، فالله بيننا وبين قومنا.
وأمّا قولك : إنّك لا تدري أرفعوه عنا أم رفعونا عنه ، فلعمري إنّك لتعرف إنّه لو صار إلينا هذا الأمر ما ازددنا به فضلاً إلى فضلنا ، ولا قدراً إلى قدرنا ، وإنا لأهل الفضل وأهل القدر ، وما فضل فاضل إلاّ بفضلنا ، ولا سبق سابق إلاّ بسبقنا ، ولولا هدينا ما أهتدى أحد ، ولا أبصروا من عمىً ولا قصدوا من خور.
فقال عثمان : حتى متى يا بن عباس يأتيني عنكم ما يأتيني ، هبوني كنت بعيداً ما كان لي من الحقّ عليكم أن أراقب وأن أناظر ، بلى ورب الكعبة ، ولكن الفرقة سهّلت لكم القول فيّ وتقدّمت لكم إلى الإسراع إليَّ والله المستعان.
قال ابن عباس : مهلاً حتى ألقى عليّاً ثمّ أحمل إليك على قدر ما أرى.
قال عثمان : افعل فقد فعلت ، وطالما طلبت فلا أطلب ولا أجاب ولا أعتب.
قال ابن عباس : فخرجت فلقيت عليّاً وإذا به من الغضب والتلظي أضعاف ما بعثمان ، فأردت تسكينه فأمتنع ، فأتيت منزلي وأغلقت بابي وأعتزلتهما. فبلغ ذلك عثمان فأرسل إليَّ فأتيته وقد هدأ غضبه ، فنظر إليّ ثمّ ضحك وقال : يا بن عباس ما أبطأ بك عنا؟ إنّ تركك العَود إلينا لدليل على ما رأيت عند صاحبك ، وعرفت من حاله فالله بيننا وبينه خذ بنا في غير ذلك.
قال ابن عباس : فكان عثمان بعد ذلك إذا أتاه عن عليّ فأردت التكذيب عنه يقول : ولا يوم الجمعة أبطأت عنا وتركتَ العود إلينا ، فلا أدري كيف أردّ عليه اهـ »(1) .
16 ـ وروى الزبير بن بكار أيضاً في الموفقيات عن ابن عباسرحمهالله قال : « خرجت من منزلي سحراً أسابق إلى المسجد وأطلب الفضيلة فسمعت خلفي حساً وكلاماً فتسمعته فإذا حس عثمان وهو يدعو ولا يرى أنّ أحداً يسمعه ويقول : اللّهمّ قد تعلم نيّتي فأعنّي عليهم ، وتعلم الذين أبتليت بهم من ذوي رحمي وقرابتي فأصلحني لهم وأصلحهم لي.
قال : فقصّرت من خطوتي واسرع في مشيته فألتقينا فسلّم فرددت عليه. فقال : انّي خرجت ليلتنا هذه أطلب الفضل والمسابقة إلى المسجد ، فقلت : إنّه أخرجني ما أخرجك ، فقال : والله لئن سابقت إلى الخير انّك لمن سابقين مباركين ، وإنّي لأحبكم وأتقرب إلى الله بحبكم.
فقلت : يرحمك الله يا أمير المؤمنين إنا لنحبّك ونعرف سابقتك وسنّك وقرابتك وصهرك.
قال : يا بن عباس فما لي ولأبن عمك وابن خالي ، قلت : أي بني عمومتي وبني أخوالك؟ قال : اللّهم غفراً تسأل مسألة الجاهل ، قلت : إنّ بني عمومتي من بني خؤلتك كثير فأيهم تعني؟ قال : أعني عليّاً لا غيره. فقلت لا والله يا أمير المؤمنين ما أعلم منه إلاّ خيراً ولا أعرف له إلاّ حسناً.
قال : والله بالحري أن يستر دونك ما يظهره لغيرك ، ويقبض عنك ما يبسط به إلى سواك.
__________________
(1) نفس المصدر.
قال : ورمينا بعمّار بن ياسر فسلّم فرددت عليه سلامه ثمّ قال : من معك؟ قلت أمير المؤمنين عثمان. قال نعم وسلّم بكنيته ولـم يسلّم عليه بالخلافة فـردّ عليه.
ثمّ قال عمّار : ما الّذي كنتم فيه فقد سمعت ذرواً منه؟ قلت : هو ما سمعت ، فقال عمّار : رب مظلوم غافل وظالم متجاهل. قال عثمان : أما إنّك من شناتنا وأتباعهم ، وأيم الله إنّ اليد عليك منبسطة ، وإنّ السبيل إليك لسهلة ، ولولا إيثار العافية ولمّ الشعث لزجرتك زجرة تكفي ما مضى وتمنع ما بقي.
فقال عمّار : والله ما أعتذر من حبي عليّاً وما اليد بمنبسطة ولا السبيل بسهلة ، إنّي لازم حجة ومقيم على سنّة ، وأمّا إيثارك العافية ولمّ الشعث فلازم لك ذلك ، وأمّا زجري فأمسك عنه فقد كفاك معلّمي تعليمي.
فقال عثمان : أما والله إنّك ما علمت من أعوان الشر الحاضين عليه الخذلة عند الخير والمثبطين عنه.
فقال عمّار : مهلاً يا عثمان فقد سمعتَ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يصفني بغير ذلك.
قال عثمان : ومتى؟
قال يوم دخلت عليه منصرفه عن الجمعة وليس عنده غيرك وقد ألقى ثيابه وقعد في فضله فقبّلت صدره ونحره وجبهته.
فقال : يا عمّار إنّك لتحبّنا وإنا لنحبّك ، وانك لمن الأعوان على الخير المثبّطين عن الشرّ.
فقال عثمان : أجل ولكنك غيّرت وبدّلت.
قال : فرفع عمّار يده يدعو وقال : أمّن يا بن عباس : اللّهم مَن غيّر فغيّر به. ثلاث مرات.
قال : ودخلنا المسجد ، فأهوى عمّار إلى مصلاه ومضيت مع عثمان إلى القبلة فدخل المحراب وقال : تلبث عليّ إذا أنصرفنا فلمّا رآني عمّار وحدي أتاني فقال : أما رأيت ما بلغ بي آنفاً.
قلت : أما والله لقد أصعبتَ به وأصعب بك وان له لسنّه وفضله وقرابته.
قال : إنّ له ذلك ، ولكن لا حقّ لمن لا حقّ عليه. وانصرف ، وصلّى عثمان وأنصرفت معه يتوكأ عليّ. فقال : هل سمعت ما قال عمّار؟ قلت : نعم فسرّني ذلك وساءني ، أمّا مساءته اياي فما بلغ بك وأمّا مسرّته لي فحملك واحتمالك. فقال : انّ عليّاً فارقني منذ أيام على المقاربة ، وان عماراً آتيه فقائل له وقائل ، فابدره إليه فإنّك اوثق عنده منه وأصدق قولاً فألق الأمر إليه على وجهه. فقلت : نعم وأنصرفت أريد عليّاًعليهالسلام في المسجد فإذا هو خارج منه ، فلمّا رآني تفجّع لي من فوت الصلاة وقال : ما أدركتها؟ قلت : بلى ولكني خرجت مع أمير المؤمنين ، ثمّ أقتصصت عليه القصة.
فقال : أما والله يا بن عباس إنّه ليقرف قرحة ليحورنّ عليه ألمها.
فقلت : إن له سنّه وسابقته وقرابته وصهره.
قال : إن ذلك له ولكن لا حقّ لمن لا حقّ عليه. قال : ثمّ رهقنا عمّار فبشّ به عليّ وتبسّم في وجهه وسأله ، فقال عمّار : يا بن عباس هل ألقيت إليه ما كنا فيه؟ قلت : نعم ، قال : أما والله إذاً لقد قلت بلسان عمّار ونطقت بهواه. قلت : ما عدوت الحقّ جهدي ، ولا ذلك من فعلي وانك لتعلم أيّ الحظين أحبّ إليَّ ، وأيّ الحقين أوجب عليّ.
قال : فظن عليّ انّ عند عمّار غير ما ألقيت إليه ، فأخذ بيده وترك يدي ، فعلمت إنّه يكره مكاني فتخلّفت عنهما وأنشعب بنا الطريق فسلكاه ولم يدعني ،
فأنطلقت إلى منزلي ، فاذا رسول عثمان يدعوني فأتيته ، فأجد ببابه مروان وسعيد ابن العاص في رجال من بني أمية ، فأذن لي وألطفني وقرّبني وأدنى مجلسي ثمّ قال : ما صنعت؟ فأخبرته الخبر على وجهه وما قال الرجل وقلت له وكتمته قوله إنّه ليقرف قرحة ليحورنّ عليه ألمها ، إبقاءً عليه وإجلالاً له ، وذكرت مجيء عمّار وبشّ عليّ له وظن عليّ أن قِبلـَه غير ما ألقيت عليه ، وسلوكهما حيث سلكا. قال : وفعلا؟ قلت : نعم. فأستقبل القبلة ثمّ قال : اللّهم ربّ السموات والأرض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم أصلح لي عليّاً وأصلحني له ، أمّن يا بن عباس ،
فأمّنت ، ثمّ تحدثنا طويلاً وفارقته وأتيت منزلي اهـ »(1) .
17 ـ ذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة وابن عبد ربه في العقد الفريد : « وكان عليّ كلما اشتكى الناس إليه أمر عثمان أرسل أبنه الحسن إليه ، فلمّا أكثر عليه قال له : إنّ أباك يرى أنّ أحداً لا يعلم ما علم ، ونحن أعلم بما نفعل ، فكفّ عنّـا ، فلم يبعث عليّ ابنه في شيء بعد ذلك.
وذكروا انّ عثمان صلّى العصر ثمّ خرج إلى عليّ يعوده في مرضه ومروان معه ، فرآه ثقيلاً ، فقال : أما والله لولا ما أرى منك ما كنت أتكلم بما أريد أن أتكلّم به ، والله ما أدري أيّ يوميك أحبّ إليَّ أو أبغض؟ أيوم حياتك؟ أو يوم موتك؟ أما والله لئن بقيت لا أعدم شامتاً يعدّك كهفاً ، ويتخذك عضداً ، ولئن متّ لأفجعنّ بك ، فحظـّي منك حظّ الوالد المشفق من الولد العاقّ ، إن عاش عقـّه ، وان مات فجعه ، فليتك جعلت لنا من أمرك لنا علماً نقف عليه ونعرفه ، إما صديق مسالم ، وإما عدو مُعاني ، ولا تجعلني كالمختنق بين السماء والأرض ، لا يرقى بيد
__________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 396.
ولا يهبط برجل ، أما والله لئن قتلتك لا أصيب منك خَلـَفاً ، ولئن قتلتني لا تصيب مني خلفاً ، وما أحب أن أبقى بعدك.
قال مروان : إي والله وأخرى إنّه لا ينال ما وراء ظهورنا حتى تكسّر رماحنا وتقطع سيوفنا ، فما خير العيش بعد هذا. فضرب عثمان في صدره وقال : ما يدخلك في كلامنا؟
فقال عليّ : إنّي والله في شغل عن جوابكما ولكني أقول كما قال أبو يوسف( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) »(1) .
18 ـ ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد : وقال عبد الله بن العباس : أرسل إليّ عثمان فقال لي : إكفني ابن عمك. فقلت : إن ابن عمي ليس بالرجل يُرى له ولكنه يرى لنفسه فأرسلني إليه بما أحببت. قال : قل له فليخرج إلى ما له بينبع فلا أغتمّ به ولا يغتمّ بي ، فأتيت عليّاً فأخبرته ، فقال : ما اتخذني عثمان إلاّ ناضحاً ثمّ أنشد يقول :
فكيف به أنّى أداوي جراحَه |
فيَدوى فلا مُلّ الدواء ولا الداء |
أما والله أنّه ليختبر القوم ، فأتيت عثمان فحدثته الحديث كلّه إلاّ البيت الّذي أنشده وقوله أنّه ليختبر القوم. فأنشد عثمان :
فكيف به أنّى أداوي جراحَه |
فيَدوى فلا مُلّ الدواء ولا الداء |
وجعل يقول : يا رحيم أنصرني ، يا رحيم أنصرني.
قال : فخرج عليّ إلى ينبع فكتب إليه عثمان حين أشتد الأمر : أمّا بعد فقد بلغ السيل الزُبى ، وجاوز الحزام الطبيين ، وطمع فيّ من كان يضعف عن نفسه.
__________________
(1) الإمامة والسياسة 1 / 30 ، والعقد الفريد ط لجنة التاليف والترجمة والنشر بمصر ، والآية من سورة يوسف / 18.
فإنّك لم يفخر عليك كفاخر |
ضعيف ولم يغلبك مثلُ مغلّبِ |
فأقبل إليَّ علـى أيّ أمر يك أحببت ، وكن لـي أم عليّ ، صديقاً كنت أم عدواً :
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل |
وإلاّ فأدركني ولمّا أمزّق(1) |
19 ـ روى الشريف الرضي في نهج البلاغة قال : « ومن كلام لهعليهالسلام قال لعبد الله بن عباس وقد جاءه برسالة من عثمان وهو محصور يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع ليقل هتف الناس بأسمه للخلافة ، بعد أن كان سأله مثل ذلك من قبل. فقالعليهالسلام :
يا بن عباس ما يريد عثمان إلاّ أن يجعلني جملاً ناضحاً بالغَرب ، اقبل وأدبر ، بعث إليَّ أن أخرج ثمّ بعث إليَّ أن أقدم ، ثمّ هو الآن يبعث إليَّ أن أخرج ، والله لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثماً »(2) .
لا شك أن الحبّ والبغض لهما من المظاهر ما لا يخفى أثره مهما حاول صاحبهما الكتمان ومنها الرضا والسخط ، كما أن لهما نوازع نفسية تدفع بصاحبها إلى تلك المظاهر.
__________________
(1) العقد الفريد 4 / 309.
وجاء في أنساب الأشراف 1ق4 / 568 تح ـ إحسان عباس بيروت عن يحيى بن سعيد قال : كان طلحة قد استولى على أمر الناس في الحصار فبعث عثمان عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب إلى عليّ بهذا البيت. وذكر في حديث أبي مخنف قال صلّى عليّ بالناس يوم النحر وعثمان محصور فبعث عثمان ببيت المزق وسيأتي تمام الحديث في محله.
(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 282 ط مصر الأولى.
فمن كانت نوازعه خيّرة كانت مظاهره كذلك تدعو إلى الخير ـ والعكس بالعكس ـ.
وإذا أردنا أن نعرف مدى صحة ذلك عند بني هاشم وسائر الناس ومنهم قريش ، نجد لبني هاشم ضوابط أخلاقية من قبل الإسلام حددتها وثيقة حلف المطيبين ووثيقة حلف الفضول ، وزادت في توثيق عراها تعاليم الإسلام الّتي جاءهم بها النبيّ الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو منهم ، فكانت موازين الحبّ والبغض ـ كما في حديث ابن عباس مرفوعاً وموقوفاً ـ قال : « عادِ في الله ، ووالِ في الله. فإنّه لا ينال ولاية الله إلاّ بذاك ، ولا يجد رجل طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك »(1) ، وعلى ضوء ذلك كانت مظاهر حبّهم وسخطهم.
أمّا عن قريش سواء الحاكمين منهم والمحكومين ، عدا بني المطلب ـ كما مرّ ويأتي ، فإنّهم كانوا وبني هاشم يداً واحدة في الجاهلية وفي الإسلام ـ فإنّهم كانوا يبغضون بني هاشم بدءاً من الرسول الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم ومروراً بأقرب الناس إليه وانتهاءً بأحفاده وذراريه من بعده.
فالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم صاحب الخلق الرفيع آذوه في بدء الدعوة ولم يقف أذاهم حتى يوم وفاته ، وما حديث الكتف والدواة وبعث أسامة ولعن من تخلـّف عنه من القارئ ببعيد.
ومع ذلك كلّه فقد كان يريدهم أن يكونوا كما أراد الله يسيروا على هديه فتركهم وسائر أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها. فهو لهم من الناصحين ، ولكن قريشاً لا تحب الناصحين.
__________________
(1) كنز العمال 1 / 288 ط مؤسسة الرسالة في حلب.
ثمّ عليّعليهالسلام كذلك أحبّ لهم ما أحبّه لهم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ولكنهم ما أحبّوه بل أبغضوه ، ولهم تبريرات سيأتي ذكرها ، وخذ بعدُ سائر وجوه بني هاشم كالعباس وابنه عبد الله وأضرابهما ، ممن أحبّوا لقريش الخير ولكن قريش كانت تكنّ لهم بغضها ، وتظهره حين توافيها الفرصة. فيعمل ذلك في تبدّل المظاهر ، فيكون السخط وتكون النقمة. والآن لابدّ لنا من معرفة دور الهاشميين في أيام عثمان من أحداثه ، فهو واحد من القرشيين ، وهو واحد من الخالفين فهل كان عليّ من الساخطين ومع الساخطين؟
وهل كانت كذلك بقية الهاشميين؟
سؤال يفرض نفسه حين نقرأ تناقضات قرشية مبعثرة هنا وهناك. وللإجابة على السؤال علينا أن نقرأ بعض ما مرّ في حياة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم حول الموضوع ، فانّه من ذلك اليوم معه تجذرت الأصول ثمّ تنامت مع الزمن الفروع ، فأثمرت مُرّاً بعد وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم . ولم يزل أهل البيت يتجرعون مرارة الإقصاء عن مراتبهم الّتي رتبهم الله فيها ، مع ما كان عليه الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم من عطف وحنان على جميع الأمة وقريش منها ، ثمّ هو الّذي فضّلهم على سائر العرب. فكانوا يفخرون بذلك ، لكن قريشاً تأبى أن تخضع لبني هاشم فتقرّ لهم بالفضل عليهم. فإلى تلك النصوص :
أخرج ابن سعد في الطبقات بسنده عن عبد الله بن حارثة انّه قال : « لمّا قدم صفوان بن أمية بن خلف الجمحي قال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (على من نزلتَ يا أبا وهب)؟ قال : نزلت على العباس بن عبد المطلب.
قال : (نزلت على أشدّ قريش لقريش حبّاً) »(1) .
__________________
(1) طبقات ابن سعد 4ق1 / 15.
وقد مرّ بنا في ترجمة العباس موقفه في فتح مكة وأتيانه بأبي سفيان حتى أسلم بعد جهدٍ من العباس. فلنقرأ ماذا كان جزاؤه من قريش! وهو الّذي كان كما في حديث رواه الحاكم في المستدرك : « قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : (العباس عم نبيكم أجود قريشاً كفاً وأحناه عليكم) »(1) ، وفي لفظ آخر : (أوصلها لها).
فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه : « أن العباس دخل على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مَن أغضبك؟ قال : يا رسول الله ما لنا ولقريش إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة ، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك. قال : فغضب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى أحمرّ وجهه وحتى أستدر عرقٌ بين عينيه ـ وكان إذا غضب أستدرّ ـ فلمّا سرّي عنه قال : والذي نفس محمّد بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله. ثمّ قال : أيها الناس من آذى عمي العباس فقد آذاني ، إن عم الرجل صنو أبيه »(2) .
ولم يقف بغضهم عند حدّ حتى كان رجل من المهاجرين يلقى العباس فيقول له يا أبا الفضل أرأيت عبد المطلب بن هاشم والغيطلة كاهنة بني سهم جمعهما الله جميعاً في النار ، فصفح عنه ، ثمّ لقيه الثانية فقال له مثل ذلك فصفح عنه ، ثمّ لقيه الثالثة فقال له مثل ذلك ، فرفع العباس يده فوجأ أنفه فكسره ، فأنطلق الرجل كما هو إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فلمّا رآه قال : ما هذا؟ قال : العباس ، فأرسل إليه فجاءه فقال : ما أردت إلى رجل من المهاجرين؟ فقال : يا رسول الله والله لقيني فقال ـ وذكر مقالته ـ فصفحت عنه مراراً ، ثمّ والله ما ملكت نفسي ، وما إياه أراد ولكنه أرادني.
__________________
(1) مستدرك الحاكم 3 / 328.
(2) مصنف ابن أبي شيبة 12 / 108ط باكستان ، وقارن سنن الترمذي (المناقب) ، ومستدرك الحاكم 3 / 333.
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : (ما بال أحدكم يؤذي أخاه في الأمر ...)(1) ، وكأن المهاجرين لم يسمع قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء)(2) .
ولئن تكتم الراوي على اسم الرجل من المهاجرين في هذا الحديث ، إلاّ أنّ قتادة نمّ على استحياء على اسمه فقال : كان بين عمر وبين العباس قول فأسرع إليه العباس ، فجاء عمر إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : « ألم تر عباساً فعل بي كذا وكذا وفعل فأردت أن أجيبه فذكرت مكانه منك فكففتَ عنه ، فقال : يرحمك الله إن عمّ الرجل صنو أبيه »(3) .
وفي حديث آخر كشف العباس السبب في تمعّر الوجوه عند ملاقاتهم فقال : « يا رسول الله إنا لنرى وجوه قوم من وقائع أوقعتها فيهم. فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : (لن يصيبوا خيراً حتى يحبوكم لله ولقرابتي. ترجو سلهف شفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطلب) »(4) .
والآن فقد تبيّن سبب انقباض قريش من بني هاشم فكانت تلاقيهم بوجوه عليها غبرة ترهقها قترة. لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أوقع فيهم وقائع أورثتهم البغضاء وملأت قلوبهم الشحناء.
وإذا رجعنا إلى تاريخ تلك الوقائع نجد الإمام عليّعليهالسلام هو فارسها المقدّم في جميع الحروب فبدءاً من وقعة بدر وهي الّتي أعز الله بها المسلمين وأذل قريش المشركين ، نجد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ندب عمه الحمزة وعبيدة بن الحارث من بني
__________________
(1) طبقات ابن سعد 3 ق 1 / 16.
(2) مجمع الزوائد 8 / 76.
(3) طبقات ابن سعد 3 ق 1 / 17.
(4) المصنف لابن أبي شيبة 12 / 109 ، وتهذيب ابن عساكر لابن بدران 7 / 239. وسلهف حي من أحياء العرب.
المطلب وابن عمه عليّ بن أبي طالب فكانوا أوّل المجاهدين من المسلمين في تلك الوقعة وقد قتلوا ثلاثة من صناديد قريش وكلّهم من بني أمية ، وهم عتبة وشيبة والوليد ، وفي هذه الوقعة مات عبيدة مرتثاً بجراحه ، فبقي الحمزة وعليّ ، حتى إذا كان يوم أحد واستشهد الحمزة بتحريض هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان وأم معاوية فقد أغرت وحشياً على أن يقتل لها أحد الثلاثة محمّداً أو الحمزة أو عليّ ، فأصاب الحمزة ، ومثلـّت به هند حتى استخرجت كبده فلاكتها ، وبقي عارها عليها وعلى ابنها معاوية فكان يعيّر بابن آكلة الأكباد ، فبنو حرب لم ينسوا ما كان من حمزة وعليّ وعبيدة في يوم بدر ، كما ان بني هاشم لم ينسوا ما كان من هند يوم أحد ، وبعد يوم أحد لم يبق من الثلاثة الذين عضدوا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من بني هاشم يوم بدر إلاّ عليّ ، فكان يخوض غمار الوقائع فكان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كلما فغرت فاغرة للمشركين قذف أخاه في لهواتها ، فلا ينكفيء حتى يطأ صماخها بأخمصه مكدوداً دؤباً في سبيل الله ، فانظر تاريخ الوقائع في الأحزاب ، وخيبر وحنين وغيرها تجد شواهد الصدق ، فتلكم هي الوقائع الّتي أورثت الأضغان في القرشيين ، فكانوا لا يحبون الهاشميين ، ومنهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فكانوا وهم يظهرون الإسلام ويخرجون مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في حروبه ، إلاّ أنّهم يسرّون حسواً في أرتغاء ، وما دحرجة الدباب ليلة العقبة إلاّ دليل ذلك الحقد الدفين والكاشف عن النفاق.
ففي صحيح مسلم بسنده عن أبي الطفيل قال : « كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة ما يكون بين الناس ، فقال : أنشدك الله كم كان أصحاب العقبة؟ فقال له القوم : أخبره إذ سألك.
قال : كنا نجد أنّهم أربعة عشر ، فإن كنت فيهم فقد كان القوم خمسة عشر ، وأشهد بالله أن إثني عشر منهم حرب لله ولرسوله ويوم يقوم الأشهاد ، وعذر
ثلاثة ، وقالوا : ما سمعنا منادي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولا علمنا بما أراد القوم ، وقد كان في حرّة فمشى فقال : إن الماء قليل فلا يسبقني إليه أحد ، فوجد قوماً قد سبقوه فلعنهم يومئذ »(1) فأنجاه الله ممّا مكروا وأرادوا به كيداً فجعلهم الأخسرين.
__________________
(1) جاء في هامش صحيح مسلم 8 / 123 قولهعليهالسلام في أمتي اثنا عشر منافقاً وهم الذين قصدوا قتل النبيّعليهالسلام ليلة العقبة مرجعه من تبوك ، حين أخذ النبيّعليهالسلام مع عمّار وحذيفة طريق الثنيّة والقوم بطن الوادي ، فطمع أثنا عشر رجلاً في المكر به فاتبعوه ساترين وجوههم غير أعينهم ، فلمّا سمع رسول الله خشفة القوم من ورائه أمر حذيفة أن يردّهم ، فخوّفهم الله حين أبصروا حذيفة ، فرجعوا مسرعين على أعقابهم حتى خالطوا الناس ، فأدرك حذيفة النبيّعليهالسلام فقال لحذيفة : هل عرفت أحداً منهم؟ قال : لا فإنهم كانوا متلثمين ، ولكن أعرف رواحلهم ، فقالعليهالسلام : إن الله أخبرني بأسمائهم وأسماء آبائهم ، وسأخبرك بهم إن شاء الله عند الصباح ، فمن ثمة كان الناس يراجعون حذيفة في أمر المنافقين ، قيل : أسرّه النبيّ أمر هذه الفئة المشؤمة لئلا تهيج الفتنة من تشهيرهم أهـ مبارق. ولم يرق لابن حزم ذلك فقال : وأمّا حديث حذيفة فساقط ، لأنه من طريق الوليد ابن جميع وهو هالك ولا نراه يعلم من وضع الحديث ، فانه قد روى أخباراً فيها أن أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة وسعد بن أبي وقاصرضياللهعنه أرادوا قتل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والقاءه من العقبة في تبوك. وهذا هو الكذب الموضوع الّذي يطعن الله واضعه.
أقول : وما ذكره ابن حزم في توهين الوليد بن جميع إنما هو دفع بالصدور وليس بشيء ، ويبدو التشنج في كلامه واضحاً حيث رماه بالهلكة وليس هو كذلك ، فقد ذكره رجال الجرح والتعديل من العامة فأثنوا عليه وقالوا : هو الوليد بن عبد الله بن جميع الزهيري وقد ينسب إلى جده. قال ابن سعد كان ثقة له أحاديث قال أحمد وأبو داود : ليس به بأس ، وقال ابن معين والعجلي : ثقة ، وقال أبو زرعة : لا بأس به ، وقال أبو حاتم صالح الحديث. وقال عمرو بن عليّ : كان يحيى بن سعيد لا يحدثنا عنه ، فلمّا كان قبل موته بقليل حدثنا عنه. وذكره ابن حبان في الثقات قال ابن حجر : وذكره أيضاً في الضعفاء وقال : ينفرد عن الأثبات بما لا يشبه حديث الثقات فلمّا فحش ذلك منه بطل الإحتجاج به.
وقال البزار : أحتملوا حديثه وكان فيه تشيّع ، وقال العقيلي في حديثه أضطراب ، وقال الحاكم : لو لم يخرج له مسلم لكان أولى. راجع ميزان الأعتدال4 / 337 ، وتهذيب التهذيب 11 / 138.
أقول : فتبيّن بعد عرض هذه الأقوال ان الرجل لم يكن من الهالكين كما قال ابن حزم ، كما لم يكن فحش تفرّده فبطل الأحتجاج به كما قال ابن حبان في الضعفاء ، وانما
تلكم قريش الّتي كانت تتجهم في وجوه أهل البيت ، وهي الّتي ظاهرت وتظاهرت بالعداوة لهم في حياة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وبعد وفاته ، كلّ ذلك لما أصابها من خذلان وخسران في الوقائع على يد الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام قالعليهالسلام : (ما لي ولقريش ، والله لقد قاتلتهم كافرين ، ولأقاتلنّهم مفتونين ، وإني لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم)(1) .
(اللّهمّ إنّي أستعينك على قريش ومن أعانهم ، فإنهم قطعوا رحمي ، وصغّروا عظيم منزلتي ، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي ، ثمّ قالوا : إلاّ إنّ في الحقّ أن تأخذه ، وفي الحقّ أن تتركه).
قال الشيخ محمّد عبده في شرحه : « ثمّ قالوا أي أنّهم أعترفوا بفضله ، وأنّه أجدرهم بالقيام به ففي الحقّ أن يأخذه ، ثمّ لمّا اختار المقدّم في الشورى غيره ، عقدوا له الأمر وقالوا للإمام : في الحقّ أن تتركه ، فتناقض حكمهم بالحقية في القضيتين ، ولا يكون الحقّ في الأخذ إلاّ لمن توفرت فيه الشروط »(2) .
وقالعليهالسلام :
تلكم قريش تمناني لتقتلني |
فلا وربّك ما برّوا وما ظفروا |
__________________
قال ذلك ـ فيما أحسب ـ لأنه يروي حديث حذيفة وأمثال ذلك مما فيه أسماء رموز القرشيين ، ثمّ ما قاله الحاكم لو لم يخرّج له مسلم لكان أولى ، أفلا عطف على مسلم أبا داود والترمذي والنسائي فكلّهم أخرج له في سننه ، فالرجل معدود من رجال الصحاح ، الّذين قالوا بوثاقتهم حيّ على الفلاح ، فليس هو بهالك وحديثه يصح أعتباره من المدارك. وقد أخرجه أحمد في مسنده عن أبي الطفيل ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد وقال : رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. فسقط التعلق به والحمد لله رب العالمين.
اُنظر المحلى لابن حزم 11 / 221 ـ 224 وراجع منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5 / 91 نقلاً عن ابن أبي شيبة في المصنف.
(1) شرح نهج البلاغة لمحمّد عبده 1 / 77 ط الإستقامة.
(2) نفس المصدر 2 / 103 وفي بعض الروايات اللّهم إنّي أستعديك على قريش.
فإن هلكت فرهن ذمتي لهم |
بذات روقين ما يعفو لها أثر(1) |
وقد مرت بعض كلمات عمر مع ابن عباس وتأتي كاملة في صفحة أحتجاجاته ، وفيها أقواله المعربة عن كراهية قريش للإمام نحو قوله : « ولكن قريش لا تحتمله » ، وقوله : « وقريش لما قد وترها » ، وقوله : « وبغض قريش له ».
وقد ردّ ابن عباس على عمر أقواله كلّها فمن ذلك قوله : « وأمّا بغض قريش له ، فوالله ما يبالي ببغضهم له بعد أن جاهدهم في الله حين أظهر الله دينه ، فقصم أقرانها ، وكسر آلهتها ، وأثكل نساءها في الله ، لامه من لامه »(2) .
وإنّ أبلغ تمثيل قاله عمر في تصوير منتهى حقد قريش وكراهيتهم للإمام وتصويره : « إنّ قريشاً ينظرون إلى الإمام نظر الثور إلى جازره » ، ولم أقف على هذا التشبيه عند غيره ، وهو تشبيه بالغ الدقة في التصوير والتعبير. فهو قد جزر منهم سبعين.
قال عمر بن الخطاب لابن عباس. في حديث سيأتي بطوله في صفحة احتجاجاته. : « ما منع قومكم منكم؟
قال : لا أعلم يا أمير المؤمنين ، قال : اللّهمّ اغفر إنّ قومكم كرهوا أن تجتمع لكم النبوة والخلافة فتذهبون في السماء بذخاً وشمخاً ، لعلكم تقولون : انّ أبا بكر أراد الإمرة عليكم وهضمكم ، قال : لكنه حضره أمر لم يكن عنده أحزم ممّا فعل ، ولولا رأي أبي بكر فيّ بعد موته لأعاد أمركم إليكم ، ولو فعل ما هنأكم مع قومكم ، إنّهم لينظرون إليكم نظر الثور إلى جازره »(3) .
__________________
(1) الفائق للزمخشري (روق) وذات الروقين أي الداهية العظيمة قال أبو عثمان المازني : لم يصح عندنا أن عليّاً تكلم من الشعر بشيء إلاّ هذين البيتين.
(2) فرائد السمطين 1 / 335 تح ـ المحمودي.
(3) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 63 ط مصر الأولى.
ولايتهم عمر في ذلك على قريش وهو منهم ، أمّا عثمان فهو الأوهن من عمر عند الناس ، لكنه الأكثر شدة مع بني هاشم.
فاقرأ ما قاله عثمان لابن عباس ـ في حديث سيأتي بطوله في صفحة احتجاجاته ـ : « الله إنّك ما تعلم من عليّ ما شكوتُ منه؟ قال : اللّهمّ لا إلاّ أن يقول كما يقول الناس ، ينقم كما ينقمون فمن أغراك به وأولعك بذكره دونهم؟ فقال عثمان : إنّما آفتي من أعظم الداء الّذي ينصب نفسه لرأس الأمر وهو عليّ ابن عمك. وهذا والله كلّه من نكده وشؤمه.
قال ابن عباس : مهلا استثن يا أمير المؤمنين قل ان شاء الله. فقال : إن شاء الله ثمّ قال إنّي أنشدك يا بن عباس الإسلام والرحم فقد والله غلبتُ وابتليت بكم ، والله لوددت ان هذا الأمر كان صار إليكم دوني فحملتموه عني ، وكنت أحد أعوانكم عليه ، اذاً والله لوجدتموني لكم خيراً ممّا وجدتكم لي. ولقد علمت أنّ الأمر لكم ولكن قومكم دفعوكم عنه وأختزلوه دونكم ، فوالله ما أدري أرفعوه عنكم أم رفعوكم عنه؟
قال ابن عباس : مهلاً يا أمير المؤمنين فإنا ننشدك الله والإسلام والرحم مثل ما نشدتنا أن تطمع فينا وفيك عدواً ، وتشمت بنا وبك حسوداً ، إنّ أمرك إليك ما كان قولا ، فإذا صار فعلا فليس إليك ولا في يديك ، وإنا والله لنخالفنّ إن خولفنا ، ولننازعنّ إن نوزعنا ، وما تمنّيك أن يكون الأمر صار إلينا دونك إلاّ أن يقول قائل منا ما يقوله الناس ، ويعيب كما عابوا.
فأمّا صرف قومنا عنّا الأمر فعن حسد قد والله عرفته ، وبغي قد والله علمته ، فالله بيننا وبين قومنا.
وأمّا قولك : إنّك لا تدري أرفعوه عنا أم رفعونا عنه؟ فلعمري إنّك لتعرف أنّه لو صار إلينا هذا الأمر ما أزددنا به فضلاً إلى فضلنا ، ولا قدراً إلى قدرنا ، وإنا لأهل الفضل والقدر ، وما فضل فاضل إلاّ بفضلنا ، ولا سبق سابق إلاّ بسبقنا ، ولولا هدينا ما أهتدى أحد ، ولا أبصروا من عمى ، ولا قصدوا من خور.
فقال عثمان : حتى متى يا ابن عباس يأتيني عنكم ما يأتيني هبوني كنت بعيداً ما كان لي من الحقّ عليكم أن أراقـَب وأن أناظر ، بلى ورب الكعبة ولكن الفـُرقة سهّلت لكم القول فيّ ، وتقدمت إلى الإسراع إليّ والله المستعان »(1) .
وروى أبو سعد الآبي في كتابه(2) عن ابن عباس قال : « وقع بين عثمان وعليّعليهالسلام كلام فقال عثمان : ما أصنع إن كانت قريش لا تحبكم وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين كأن وجوههم شنوف(3) الذهب تصرع أنـُفـُهُم قبل شفاههم »(4) .
ومن حقّ السائل أن يسأل عثمان وشيعته عن المقتولين ببدر أليس كانوا مستحقين للقتل؟ فإن كانوا فما ذنب مَن قتلهم ما داموا كفاراً والإسلام أمر بقتلهم لأنهم هم الذين جاؤا لحربه؟
ثمّ ما بال عثمان يتحرق ـ وهو خليفة المسلمين ـ لقتل الكافرين ، ثمّ يصفهم وصف المتلهف عليهم؟ إنّ ذلك معيب عليه لكن الرجل لم يتخل عن أمويته وتعصبه لقومه جميعاً كافرهم ومسلمهم ، ميتهم وحيّهم ، فهو يحقد على
__________________
(1) نفس المصدر 2 / 395 ـ 396 ط الأولى بمصر.
(2) اسم كتابه نثر الدرر وقد طبع منه سابقاً بعضاً بمصر وطبع حديثاً في بيروت على ما بلغني.
(3) الشنوف والشَنف وهو القرط الأعلى ، أو معلاق في قوف الأذن ، أو ما علق في أعلاها ، وأمّا ما علّق في أسفلها فقرط (قطر المحيط ـ شنف).
(4) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 400.
من قتل الكافر منهم كما يحقد على من عاب عليه من نصحه في عميته مع قومه الأحياء حتى تمنى لو بيده مفاتيح الجنة لأدخل جميع بني أمية فيها(1) .
وما قريش الّتي لا تحب عليّاً ولا بني هاشم وينظرون إليهم نظر الثور إلى جازره كما مرّ عن عمر إلاّ وهم قريش الّتي ذكرها عثمان بقوله لعليّ : « ما أصنع إن كانت قريش لا تحبكم الخ ». رواه أبو نعيم في كتابه معرفة الصحابة ولفظه عن ابن عباس : « قال عثمان لعليّرضياللهعنهما : ما ذنبي إن لم يحبك قريش وقد قتلت منهم سبعين رجلا كأن وجوههم سيوف الذهب »(2) .
وأحسب أن المعني لعثمان أوّلاً وآخراً هو الإمام عليّعليهالسلام لأنّه قاتل المشركين والكفار ، فأوردهم النار وألزم آخرهم العار. لذلك عظمت بليّته ، فكانت قريش بجميع بطونها ومنهم بنو أمية تحقد على بني هاشم ونبيها ـ كما مرّ عن عمر ذلك ـ ولا تحبّهم ـ كما قال عثمان ـ فكان سهم الإمام عظيماً كعظمته ، وكثيراً كثرة جهاده.
روى ابن عساكر بسنده : « انّ رجلا سأل أحمد بن حنبل عن قول النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : (عليّ قسيم النار) فقال : هذا حديث يضطرب طريقه عن الأعمش ولكن الحديث الّذي ليس عليه لبس قول النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : (يا عليّ لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق) وقال الله (عزّ وجلّ) :( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ ) (3) ؟ فمن أبغض عليّاً فهو في الدرك الأسفل من النار »(4) .
__________________
(1) مسند أحمد 1 / 217 ط محققة ، 1 / 62 ط أفست مصر الأولى.
(2) معرفة الصحابة 1 / 300 ـ 301 ط الأولى أطروحة دكتوراه تح ـ د محمّد راضي بن حاج عثمان سنة 1408.
(3) النساء / 145.
(4) تاريخ مدينة دمشق (ترجمة الإمام عليّ) 2 / 253.
ومن راجع كتاب (السفيانية) للجاحظ و (النزاع والتخاصم) للمقريزي وأضرابهما يجد جذور العداوة بين بني أمية وهم من قريش وبين بني هاشم ضاربة في أصولها متنامية في فروعها ، ولم يخف ذلك على الباحثين من قدامى ومحدثين.
فإلى ما قاله واحد منهم وهو محمّد بن سليمان(1) حاجب الحجاب ، وهذا الرجل لم يكن يتعصب لمذهب بعينه كما قال ابن أبي الحديد وقد رآه ، فلنقرأ ما يقول : « وقد سأله جعفر بن مكي الحاجب عما عنده في أمر عليّ وعثمان فقال : هذه عداوة قديمة النسب بين عبد شمس وبين بني هاشم ، وقد كان حرب بن اُمية نافر عبد المطلب بن هاشم ، وكان أبو سفيان يحسد محمّداًصلىاللهعليهوآلهوسلم وحاربه ، ولم تزل الثنتان متباغضتين وإن جمعتهما المنافية ، ثمّ إن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم زوّج عليّاً بابنته ، وزوّج عثمان بابنته الاُخرى وكان اختصاص رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لفاطمة أكثر من اختصاصه للبنت الأخرى ، وللثانية الّتي تزوجها عثمان بعد وفاة الأولى. واختصاصه أيضاً لعليّ وزيادة قربه منه وامتزاجه به واستخلاصه إياه لنفسه ، أكثر وأعظم من اختصاصه لعثمان ، فَنَفَس عثمان ذلك عليه فتباعد ما بين قلبيهما ».
إلى أن قال : « ثمّ أتفق أن عليّاًعليهالسلام قتل جماعة كثيرة من بني عبد شمس في حروب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فتأكد الشنآن ، واذا أستوحش الإنسان من صاحبه أستوحش صاحبه منه.
ثمّ مات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فصبا إلى عليّ جماعة يسيرة لم يكن عثمان منهم ، ولا حضر في دار فاطمة مع مَن حضر من المخلّفين عن البيعة ، وكانت في نفس عليّعليهالسلام أمور من الخلافة لم يمكنه إظهارها في أيام أبي بكر وعمر لقوة عمر وشدّته ، وانبساط يده ولسانه.
__________________
(1) وصفه ابن أبي الحديد بأنه حاجب الحجاب وقال : وكان ظريفاً أديباً وقد أشتغل بالرياضيات من الفلسفة ولم يكن يتعصب لمذهب بعينه.
فلمّا قتل عمر وجعل الأمر شورى بين الستة ، وعدل بها عبد الرحمن عن عليّ إلى عثمان ، لم يملك عليّ نفسه فأظهر ما كان كامناً ، وأبدى ما كان مستوراً ، ولم يزل الأمر يتزايد بينهما حتى شرف وتفاقم.
ومع ذلك فلم يكن عليّعليهالسلام لينكر من أمره إلاّ منكراً ، ولا ينهاه إلاّ عما تقتضي الشريعة نهيه عنه.
وكان عثمان مستضعفاً في نفسه ، رخواً ، قليل الحزم ، واهي العقدة ، وسلّم عنانه إلى مروان يصرّفه كيف شاء ، فالخلافة له في المعنى ولعثمان في الإسم ، فلمّا انتقض على عثمان أمره استصرخ عليّاً ولاذ به ، وألقى زمام أمره إليه ، فدافع عنه حيث لا ينفع الدفاع ، وذبّ عنه حين لا يغني الذبّ ، فقد كان الأمر فسد فساداً لا يرجى صلاحه »(1) .
ومع هذه العداوة المتأصلة في جذورها كيف يبرئ معاوية وبنو اُمية الإمام وبني هاشم ، مع أنّهم وأعوانهم كانوا يشهدون ببراءته وبراءتهم ، ولكنها الأحقاد الأموية فاقرأ ما قاله عبد الله بن عمر لمن سأله هل شرك عليّ في دم عثمان؟ فقال : « لا والله ما علمت ذلك في سر ولا علانية ، ولكنه كان رأساً يفزع إليه فألحق به ما لم يكن »(2) .
واقرأ لابن عمر كلمته الاُخرى في حقّ ابن عباس وبراءته من دم عثمان قال : « ما زال ابن عباس ينهى عن قتل عثمان ويعظّم شأنه حتى جعلت ألوم نفسي على أن لا أكون قلت مثل ما قال »(3) .
__________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 401 ط مصر الأولى.
(2) أنساب الأشراف 1 ق 4 / 593.
(3) نفس المصدر 1 ق 4 / 595.
وقال ابن سيرين : « لقد قتل عثمان يوم قتل وما أحد يتهم عليّاً في قتله »(1) .
ولكن معاوية قال لابن عباس في كتاب كتبه إليه بعد صلح الإمام الحسنعليهالسلام . جاء فيه : « لعمري لو قتلتك بعثمان رجوت أن يكون ذلك لله رضا ، وأن يكون رأياً صواباً ، فإنّك من الساعين عليه ، والخاذلين له ، والسافكين دمه ، وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك مني ولا بيدك أمان ».
فأجابه بجواب طويل جاء فيه : « وأمّا قولك إنّي من الساعين على عثمان والخاذلين والسافكين له وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك مني ، فأقسم بالله لأنت المتربّص بقتله والمحبّ لهلاكه ، والحابس الناس قبلك عنه على بصيرة من أمره ، ولقد أتاك كتابه وصريخه يستغيث بك ويستصرخ ، فما حفلت به حتى بعثت إليه معذراً بأمر أنت تعلم أنّهم لن يتركوه حتى يقتل ، فقتل كما كنت أردت ، ثمّ علمت عند ذلك أن الناس لن يعدلوا بيننا وبينك فطفقت تنعى عثمان وتلزمنا دمه ، وتقول قتل مظلوماً ، فإن يك قتل مظلوماً فأنت أظلم الظالمين ، ثمّ لم تزل مصوّباً ومصعّداً وجاثماً ورابضاً تستغوي الجهّال ، وتنازعنا حقنا بالسفهاء حتى أدركت ما طلبت ، وان أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين »(2) .
نعم أنّ بني هاشم كانوا من الكارهين لولاية عثمان أولاً لأنهم يرون أن الحقّ لهم ، وكانوا من الساخطين على سيرته ثانياً حين أسخط المسلمين عملُه ، ولم يكونوا وحدهم قد سخطوا سيرته ، بل جميع الصحابة في المدينة وخارجها كانوا كذلك.
فقد روى شعبة بن الحجاج عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال : « قلت له : كيف لم يمنع أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن عثمان؟
__________________
(1) نفس المصدر 1 ق 4 / 594.
(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 58.
فقال : إنّما قتله أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم »(1) .
وروى عن أبي سعيد الخدري أنّه سئل عن مقتل عثمان هل شهده أحد من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ فقال : « نعم شهده ثمانمائة »(2) .
فهذان القولان وإن لم يعيّنا بالاسم مَن هم أولئك الصحابة الذين شهدوا مقتل عثمان ولم يمنعوا عنه ، بل إن منهم من قتله ، لكن لم يكن عليّ ولا ابن عباس ولا بقية بني هاشم مع أولئك الصحابة القاتلين لعثمان وإذ لم يكونوا معهم ، فما بال بني أمية عصبوا قتله بهم؟ انهم لم يكونوا مع القاتلين ولا مع المحرّضين عليه ، بل كانوا من المدافعين عنه ، وقد ردّوا عنه كثيراً حتى أعجزهم هو حين لم يأخذ بنصائحهم وكان يتـّهمهم لما في نفسه من جذور العداوة المتأصلة بين بيتي عبد مناف ـ بني هاشم وبني أمية ـ.
والآن إلى ما رواه البلاذري والطبري وابن الأثير وابن كثير والنويري نقلاً عن الواقدي من نصائح الإمام أمير المؤمنين لعثمان ، ننقلها بلفظ الطبري قال ـ بعد ذكر نقمة الناس وتداعي الأمصار بالنكير على سيرة عثمان ـ : « فاجتمع الناس وكلّموا عليّ بن أبي طالب ، فدخل على عثمان فقال : الناس ورائي وقد كلّموني فيك والله ما أدري ما أقول لك ، وما أعرف شيئاً تجهله ، ولا أدلـّك على أمر لا تعرفه ، إنّك لتعلم ما علمنا ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ، ولا خلونا بشيء فنبلّغكه ، وما خصصنا بأمر دونك ، وقد رأيتَ وسمعتَ وصحبتَ رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم ونلتَ صهره.
وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحقّ منك ، ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك ، وإنّك أقرب إلى رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم رَحِماً ،
__________________
(1) نفس المصدر 1 / 231.
(2) نفس المصدر.
ولقد نلتَ من صهر رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم ما لم ينالا. ولا سبقاك إلى شيء ، فالله الله في نفسك ، فإنك والله ما تـُبصّر من عَمى ، ولا تعلّم من جهل ، وإنّ الطريق لواضح بيّن ، وإن أعلام الدين لقائمة ، تعلم يا عثمان انّ أفضل عباد الله عند الله إمام عادل ، هُدي وهَدىَ ، فأقام سنة معلومة ، وأمات بدعة متروكة ، فوالله إن كلاً لبيّن وإن السنن لقائمة لها أعلام ، وإنّ البدع لقائمة لها أعلام ، وإن شرّ الناس عند الله إمام جائر ضلَّ وضُلّ به ، فأمات سنّة معلومة ، وأحيا بدعة متروكة. وإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم يقول : (يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر ، فيلقى في جهنم ، فيدور في جهنم كما تدور الرحا ، ثمّ يرتطم في غمرة جهنم).
وإنّي أحذّرك الله ، وأحذّرك سطوته ونقماته ، فإن عذابه شديد أليم. وأحذّرك أن تكون إمام هذه الأمة المقتول ، فإنّه يقال : يقتل في هذه الأمة إمام ، فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة ، وتـُلبّس أمورُها عليها ، ويتركهم شيعاً ، فلا يبصرون الحقّ لعلوّ الباطل ، يموجون فيها موجاً ، ويمرجون فيها مرجاً. فلا تكونن لمروان سيّقة يسوقك حيث شاء بعد جلال السنّ وتقضّي العمر.
فقال عثمان : قد والله علمتُ ، ليقولـُنّ الّذي قلتَ ، أما والله لو كنتَ مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ، ولا عبت عليك ، ولا جئت مُنكراً أن وصلتَ رحماً ، وسددت خلّة ، وآويت ضائعاً ، ووليت شبيهاً بمن كان عمر يولّي.
أنشدك الله يا عليّ هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال : نعم ، قال : فتعلم أن عمـر ولاّه؟ قال : نعم ، قال : فلـم تلومني أن ولّيت ابن عامر فـي رحمه وقرابته؟
قال عليّ : سأخبرك ، انّ عمر بن الخطاب كان كلّ من ولّى فإنّما يطأ على صماخه ، إن بلغه عنه حرف جلبه ثمّ بلغ به أقصى الغاية وأنت لا تفعل ، ضعفتَ ورقـَقتَ على أقربائك.
قال عثمان : هم أقرباؤك أيضاً. فقال عليّ : لعمري إن رحمهم مني لقريبة ، ولكن الفضل في غيرهم.
قال عثمان : هل تعلم إنّ عمر ولّى معاوية خلافته كلّها؟ فقد وليته.
فقال عليّ : أنشدك الله هل تعلم إنّ معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه؟ قال : نعم.
قال عليّ : فإن معاوية يقتطع الأمور دونك وأنت تعلمها ، فيقول للناس : هذا أمر عثمان فيبلغك فلا تغيّر على معاوية. ثمّ خرج عليّ من عنده.
وخرج عثمان على أثره ، فجلس على المنبر فقال : أمّا بعد ، فإن لكل شيء آفة ، ولكلّ أمر عاهة ، وإن آفة هذه الأمة ، وعاهة هذه النعمة عيّابون طعّانون ، يُرونكم ما تحبون ، ويُسرّون ما تكرهون ، يقولون لكم وتقولون ، أمثال النعام يتبعون أوّل ناعق ، أحبّ مواردها إليها البعيد ، لا يشربون إلاّ نَغَصاً ، ولا يردون إلاّ عكَراً ، لا يقوم لهم رائد ، وقد أعيتهم الأمور ، وتعذّرت عليهم المكاسب.
ألا فقد والله عبتم عليّ بما أقررتم لابن الخطاب بمثله ، ولكنه وطأكم برجله ، وضربكم بيده ، وقمعكم بلسانه ، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم ، ولنتُ لكم ، وأوطأت لكم كنفي ، وكففت يدي ولساني عنكم ، فأجترأتم عليَّ. أما والله لأنا أعزّ نفراً ، وأقرب ناصراً ، وأكثر عدداً ، وأقمن إن قلت هلمّ أُتي إليّ ، ولقد أعددت لكم أقرانكم ، وأفضلت عليكم فضولها ، وكشّرت لكم عن نابي وأخرجتم مني خُلـُقاً لم أكن أحسِنَه ، ومنطقاً لم أنطق به ، فكفـّوا عليكم ألسنتكم
وطعنكم وعيبكم على ولاتكم ، فاني قد كففت عنكم مَن لو كان هو الّذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا.
ألا فما تفقدون من حقّكم؟ والله ما قصّرت في بلوغ ما كان يبلغ مَن كان قبلي ، ومن لم تكونوا تختلفون عليه. فَضَل فضلٌ من مال ، فما لي لا أصنع في الفضل ما أريد! فلمَ كنت إماماً؟!
فقام مروان بن الحكم فقال : إن شئتم حكّمنا والله بيننا وبينكم السيف نحن وأنتم كما قال الشاعر :
فرشنا لكم أعراضَنا فنبت بكم |
معارسُكم تبنون في دمن الثرى |
فقال عثمان : أسكت لا سكتّ ، دعني وأصحابي ، ما منطقك في هذا؟ ألم أتقدّم إليك ألا تنطق! فسكت مروان ونزل عثمان »(1) .
وختاماً فإنّ لابن عباس مواقف مع الشانئين من قريش سنأتي على ذكرها في صفحة احتجاجاته ، كما أنّ له أحاديث مرفوعة يرويها للمسلمين حرصاً على هدايتهم أن يخدعهم الإعلام الكاذب من حكام قريش.
فمن الأحاديث ما رواه مرفوعاً عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : (يا بني عبد المطلب إنّي سألت الله لكم أن يعلّم جاهلكم وأن يثبّت قائمكم ، وأن يهدي ضالكم ، وأن يجعلكم نجداء جوداء رحماء ، أما والله لو أن رجلاً صفّ قدميه بين الركن والمقام مصلياً ، ولقي الله وهو يبغضكم أهل البيت لدخل النار)(2) .
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 337 ـ 339 ط دار المعارف. وأنظر أنساب الأشراف 1 ق4 / 549 تح ـ احسان عباس ، تاريخ الكامل 3 / 62 ـ 64 ط بولاق ، والبداية والنهاية 7 / 168 ط السعادة ، ونهاية الإرب 19 / 470.
(2) أمالي المفيد / 134 ط الحيدرية سنة 1367.
ومن بعض المواقف مع الشانئين ما رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج نقلاً عن الزبير بن بكار بسنده عن عثمان بن عبد الرحمن قال : « قال عبد الله بن عباس : والله لقد علمت قريش إن أوّل من أخذ الإيلاف وأجاز لها العيرات لهاشم. والله ما شدّت قريش رحالاً ولا حبلاً بسفر ، ولا أناخت بعيراً لحضر إلاّ بهاشم. والله ان أوّل من سقى بمكة ماءً عذباً ، وجعل باب الكعبة ذهباً لعبد المطلب »(1) .
فلنقرأ منها أوّلاً ما كتبه طه حسين في الفتنة الكبرى قال : « ويكاد المؤرخون يجمعون على أنّ الأعوام الستة الأولى من خلافة عثمان مرّت بسلام ، فلمّا أستقبل عثمان الشطر الثاني من خلافته ظهرت المصاعب وقامت المشكلات. ويخيّل إليَّ أنّ المسلمين رضوا بخلافة عثمان ست سنين ، ثمّ أحتملوها أربع سنين ، فلمّا جاوز عثمان بخلافته الأعوام العشرة ، جعل المسلمين يضيقون به ويستطيلون خلافته ، يظهرون ذلك في شيء من الرفق أوّل الأمر ، ثمّ في شيء من الحِدّة بعد ذلك ، ثمّ في عنف جعل يتزايد شيئاً فشيئاً حتى أنتهى إلى غايته المنكرة وهي قتل الإمام.
وليس معنى ذلك انّ عثمان لم يلق معارضة أثناء هذه الأعوام العشرة ، فقد ظهرت المعارضة منذ اليوم الأوّل لخلافته بالقياس إلى قضية عبيد الله بن عمر ، وإنّما معناه انّ المعارضة لم تبلغ طور الخطورة إلاّ في العامين الأخيرين من حياة عثمان
ويقول الرواة : انّ عبد الرحمن بن عوف كان أوّل من اجترأ على عثمان ، فألغى بعض أمره وأطمع الناس فيه. وذلك ان بعض السعاة أقبلوا بإبل الصدقة ،
__________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 458.
فوهبها عثمان لبعض أهل الحَكَم ، فلمّا بلغ ذلك عبد الرحمن دعا بعض أصحاب النبيّ وأرسلهم فأستردّوا له هذه الإبل وقسّمها في الناس. وعثمان في الدار لم يُنكر ذلك ولم يغيّره ، بل لم يكلّم فيه عبد الرحمن وأصحابه.
فكان اجتراء عبد الرحمن وأصحابه خطراً في نفسه لأنه تغيير لأمر السلطان.
وكان سكوت عثمان على هذا الإجتراء أشد منه خطراً ، لأنّه اعتراف بالخطأ ونقص من هيبة السلطان »(1) .
وقال أيضاً : « ثمّ جعلت المعارضة تشتد في الأمصار وتصل أصداؤها إلى المدينة ، حتى اضطر عثمان إلى أصطناع النفي الإداري ، وجعلت المعارضة تشتد في المدينة وتصل أصداؤها إلى الأمصار فتزيد المعارضين في الأقاليم شدة وأجتراء. حتى أضطر عثمان إلى أن يصطنع الشدة مع معارضيه أنفسهم ، فيوعد وينذر ، ولا يملك نفسه أحياناً من البطش ببعض المعارضين وقد روى المؤرخون : أن الناس كثروا على عثمان ونالوا منه أشنع ما نيل من أحد سنة أربع وثلاثين. وكان أصحاب النبيّ يرون ويسمعون ثمّ لا ينهون ولا يذبّون إلاّ جماعة ضئيلة : زيد بن ثابت وأبو أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسان بن ثابت.
بل كان من أصحاب النبيّ الذين أقاموا بالمدينة يكتبون إلى أصحاب النبيّ الذين تفرّقوا في الثغور يستقدمونهم إلى المدينة لتقويم ما أعوجّ من أمر الخلافة ، يقولون لهم : إنكم خرجتم تطلبون الجهاد ، وانما الجهاد وراءكم ، فارجعوا إلى المدينة لإقامة الدين وصيانته ، فقد عرّضه السلطان لشر عظيم ، واجتمع الناس فتذاكروا الأحداث والخطوب ، ولاموا عثمان فأكثروا لومه ثمّ كلّفوا عليّاً أن يدخل على عثمان فيكلّمه.
__________________
(1) الفتنة الكبرى 1 / 200.
قال المؤرخون : فدخل عليّ على عثمان فقال له : الناس ورائي وقد كلموني فيك »(1) .
ثمّ ذكر ما مرّ بنا ذكره في آخر مظاهر الحب والبغض.
وقال أيضاً : « تلقـّى أهل الأمصار وعداً من إمامهم فأطمأنوا إليه ، ثمّ تبينوا أنّ الخليفة لم يصدق وعده فأقبلوا ثائرين يريدون أن يفرغوا من هذا الأمر ، وألاّ يعودوا حتى يفرغوا
إنّما كانوا يريدون أن يحاصروا الإمام ويعاجلوه حتى يصلوا إلى خلعه أو إلى قتله ، وقد بلغوا ما أرادوا فدخلوا المدينة وحاصروا الإمام
يريد الثائرون أن يخلع نفسه ، ويأبى هو أن ينزع قميصاً قد كساه الله (عزّ وجلّ) إياه ولكن الأمور تتعقد فجأة فقد عرف الثائرون أن عثمان قد أرسل إلى العمّال في الأمصار يأمرهم بأن يرسلوا إليه الجند لينصروه
وما يكاد الثائرون يعرفون هذا النبأ حتى يتغير الحصار وتتغير معه سيرتهم مع عثمان »(2) .
وقال أيضاً : « ثمّ ثار الناس فتحاصبوا وحُصب عثمان حتى صُرع ، وأحتمل مغشياً عليه ، فأدخل داره فلم يخرج منها إلاّ مقتولا اهـ »(3) .
هذه كانت نتائج السخط العارم الّذي اجتاح حكومة عثمان حتى أودى بحياته ، فأعقب الأمة شراً مستطيراً ، وكان الصحابة الّذي عاشوا تلك الأيام من الساخطين إلاّ نفر يسير لم يتجاوزوا عدد الأصابع وهم لم يغنوا عنه شيئاً.
__________________
(1) نفس المصدر 1 / 202.
(2) نفس المصدر 1 / 210.
(3) نفس المصدر 1 / 212.
ومرّ بنا حضور حبر الاُمة عبد الله بن عباس في أكثر من موقف مع عثمان ، حيث أطلّ علينا باسمه عاتباً ومستعتباً ، ورسولا وعاذلا ، ولم نجد لعثمان عنده يداً تذكر له فتشكر ، وكان نصيبه ـ كسائر بني هاشم ـ الحرمان حتى ممّا أفاء الله على رسوله ممّا لهم فيه الحقّ. وبقيت له مشاركات يمكن أن نتعرّف فيها المزيد من أخباره ، مع عثمان في محنته بإختباره ، سيأتي الحديث عنها.
كما مرت بنا مواقف الصحابة مع عثمان خصوصاً أولئك الذين أغدق عليهم العطاء فكان الجزاء منهم له شر جزاء. وهي الّتي سميتها بمواقف سنّمارية ، ولم تقصر عنها مواقف بني أمية الذين قتل عثمان من أجلهم ، فقد كانوا معه يوم قتله ولم يدافعوا عنه فلمّا قتل لجأوا إلى أم حبيبة وتركوه جثة هامدة بين زوجتيه نائلة وأم البنين ، فجعلت أم حبيبة آل العاص والحرب وآل أبي العاص وآل أسيد في كندوج ـ مخزن الغِلال ـ وجعلت سائرهم في مكان آخر(1) .
قال المسعودي : « فإذا كان بنو أمية لم يغنوا عنه شيئاً فما الّذي يرجى من غيرهم إذا كان مثل عمرو بن العاص وهو من الساخطين فكان يقول : أسخط عثمان قوماً وآثرهم فأنكر ذلك أهل السخط فغلبوا أهل الأثرة فقتل ، ولمّا بلغه مقتل عثمان وهو بفلسطين فقال : أنا أبو عبد الله إنّي إذا حككت قرحة أدميتها ونكأتها »(2) .
وهذا حذيفة بن اليمان قال لمّا بلغه قتل عثمان : « إنّ عثمان استأثر فأساء الأثرة ، وجزعنا فأسأنا الجزع ، رأوا منه أشياء أنكروها ، وليرونّ أنكرَ منها فلا ينكرونها »(3) .
__________________
(1) نظر معاوية يوماً إلى عمرو بن سعيد يختال في مشيته فقال : بأبي وأمي أم حبيبة ما كان أعلمها بهذا الحيّ حين جعلتك في كندوج ، أنساب الأشراف 1 ق4 / 571.
(2) مروج الذهب 2 / 355 ، واُنظر أنساب الأشراف 1 ق 4 / 579.
(3) أنساب الأشراف 1 ق 4 / 579.
ولم تقف نتائج السخط عند القتل والشماتة ، بل بلغت أسوأ ما ارتكبوه منه.
فقد روى البلاذري عن أبي مخنف : « إنّ عثمان قتل يوم الجمعة فترك في داره قتيلاً ، فجاء جبير بن مطعم وعبد الرحمن بن أبي بكر ومسور بن مخرمة الزهري وأبو الجهم بن حذيفة العدوي ليصلّوا عليه ويُجنّوه ، فجاء رجال من الأنصار فقالوا لا ندعكم تصلون عليه ، فقال أبو الجهم : إلاّ تدعونا نصلّي عليه فقد صلت عليه الملائكة ، فقال الحجاج بن غزيّة : إن كنت كاذباً فأدخلك الله مدخله قال نعم حشرني الله معه ، قال ابن غزية : ان الله حاشرك معه ومع الشيطان والله إنّ تركي الحاقك به لخطأ وعجز ، فسكت أبو الجهم »(1) .
وفي حديث المدائني عن الوقاصي عن الزهري قال : « إمتنعوا من دفن عثمان فوقفت أم حبيبة بباب المسجد ثمّ قالت : لتخلّن بيننا وبين دفن هذا الرجل أو لأكشفنّ ستر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فخلوا بينه وبين دفنه »(2) .
وروى ابن أعثم في الفتوح قال : « ثمّ أمر عليّ بدفن عثمان فحمل ، وقد كان مطروحاً على مزبلة ثلاثة أيام حتى ذهبت الكلاب بفرد رجليه ، فقال رجل من المصريين وأمه : لا ندفنه إلاّ في مقابر اليهود. قال حكيم بن حزام : كذبت أيها المتكلم لا يكون ذلك أبداً ما بقي رجل من ولد قصي.
قال : فحمل عثمان رحمة الله عليه على باب صغير قد جازت رجلاه من الباب وانّ رأسه ليتقعقع وأوتى به إلى حفرته »(3) .
__________________
(1) نفس المصدر / 575.
(2) نفس المصدر / 577.
(3) الفتوح 2 / 247.
وقال أبو مخنف في حديثه : « ثمّ أنّ القوم أغفلوا أمر عثمان وشغلوا عنه ، فعاد هؤلاء النفر فصلوا عليه وحمل على باب صغير من جريد قد خرجت منه رجلاه »(1) . وفي ذلك قال أحمد شوقي بك في دول العرب وعظماء الإسلام(2) :
من كقتيل بالسَفا مكفّنِ |
مرّت به ثلاثةٌ لم يدفن |
|
تعرضُه نوادبا أرامله |
ويشفق النعش ويأبى حامله |
|
قد حيل بين الأرض وابن آدما |
ونوزعت دار البقاء قادما |
|
مُثّلَ بالمهاجر المُثنّي |
على علوّ شأنه والسنّ |
|
تنبوا العيون اليوم عنه جيفة |
وأمس كانَ نورها خليفة |
لقد قرأنا الكثير ـ فيما مرّ ـ من نصائح للإمام وللعباس ولابنه عبد الله نصحوا بها عثمان في الإقلاع عن سياسته الّتي أثارت عليه سخط المسلمين ، لكنهم لم يجدوا عنده أذناً صاغية ، بل كان يتهمهم في نصحهم ، وبعد أن أعجزهم صاروا يقلـّلون من تحمّل المسؤولية أزاءه ما وسعهم ذلك. وقد مرّت بنا في مواقف عثمان من بني هاشم في الفقرتين (3 ، 4) آخر محاولات العباس في نصح عثمان ، ولما لم يجد منه قبولاً تاماً ودائماً دعا ربّه أن لا يبقيه لأيام الفتن ، فما دارت عليه الجمعة حتى مات.
__________________
(1) أنساب الأشراف 1 ق 4 / 575.
(2) دول العرب وعظماء الإسلام / 48.
ولعل آخر ما ورد عنه في ذلك وصيته لعثمان تلك الوصية الّتي تبارى لها جماعة فنظموها شعراً لنفاستها وما تضمنته من نصائح قيّمة(1) .
وله وصية مماثلة ومتزامنة مع سابقتها أوصى بها الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام :
قال الجاحظ : « إنّ العباس بن عبد المطلب أوصى عليّ بن أبي طالبعليهالسلام في علته الّتي مات فيها ، فقال : أي بُني إنّي مشفٍ على الظعن عن الدنيا إلى الله الّذي فاقتي إلى عفوه وتجاوزه أكثر من حاجتي إلى ما أنصحك فيه ، وأشير عليك به ، ولكن العرق يبوض(2) والرحم عروض ، وإذا قضيت حقّ العمومة فلا أبالي بعد ، إنّ هذا الرجل ـ يعني عثمان ـ قد جاءني مراراً بحديثك وناظرني ملايناً ومخاشناً في أمرك ، ولم أجد عليك إلاّ مثل ما أجد منك عليه ، ولا رأيت منه إلاّ مثل ما أجد منك له
إلى أن قال : لا تشار هذا الرجل ولا تماره ، ولا يبلغنّه عنك ما يحنقه عليك ، فإنه إن كاشفك أصاب أنصاراً ، وإن كاشفته لم تر إلاّ ضراراً ، ولم تستلج إلاّ عثاراً ، واعرف مَن هو بالشام له ، ومَن ههنا حوله ممن يطيع أمره ويمتثل قوله
__________________
(1) ذكر السخاوي في ذيل التبر المسبوك / 372 ط مصر ان العباس أوصى عثمان نقلا عن ابن سعد ، ثمّ ذكر أربعة ممن نظموا تلك النصائح باختصار. منهم شيخه أبو نعيم العقبي بقوله :
واظب على الخمس الّتي أوصى بها الـ |
ـعباس عم المصطفى عثمانا |
|
أصفح ودار أكتم تحبّب واصبرنّ |
تزدد بها يا مؤمنا إيمانا |
وقول ابن حسان الموصلي الشافعي :
أصفح تحبّب ودار أصبرن تجد شرفا |
وأكتم لسرٍّ فهذي الخمس قد أوصَى |
|
بهن عثمانَ عباس فدع جدلا |
وأنظر إلى قدر من أوصى وما الموصَى |
(2) يبوض الرجل حسن وجهه بعد كَلَفٍ ، وبالمكان أقام به ولزمه.
فعليك الآن بالعزوف عن شيء عرضّك له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلم يتم ، وتصديت له مرة بعد مرة فلم يستقم ، ومن ساور الدهر غُلب ، ومن حرص على ممنوع تعب ، فعلى ذلك أوصيت عبد الله بطاعتك ، وبعثته على متابعتك ، وأوجرته محبتك ، ووجدت عنده من ذلك ظنّي به لك ، لا توتر قوسك إلاّ بعد الثقة بها ، وإذا أعجبتك ، فانظر إلى سيتها ثمّ لا تفوّق إلاّ بعد العلم ، ولا تغرق في النزع إلاّ لتصيب الرميّة ، وأنظر لا تطرف يمينُك عينك ، ولا تجن شمالك شينَك ، ودّعني بآيات من آخر سورة الكهف وقم إذا بدا لك(1) .
والآن إلى مزيد من مواقف حبر الأمة مع عثمان ، وما قام به من خدمات لمصلحة الإسلام في أيامه سوى ما تقدم :
ولمّا كان ابن عباس يشعر بواجبه الديني كمسلم تام الإسلام ، وكهاشمي من سدنة الشريعة وحماة الإسلام ، فهو يرى من واجبه إسداء النصح لعامة المسلمين ، ولولاة أمورهم خاصة ، وقد مرت بنا شواهد على ذلك أيام عمر ، حين كان يستشيره فيشير عليه ، وينصح له فيقبل منه نصيحته ، أمّا في أيام عثمان وقد تغيّر الحال معه ، إذ لم يكن أثيراً عنده كما كان عند عمر ، فلا هو مستشار لديه فيشر عليه. بل كان عثمان ـ كما مر ـ يتهم بني هاشم ـ ومنهم ابن عباس طبعاً ـ بالوقيعة فيه ، والتحريض عليه ، وقد مرّت بعض الشواهد على ذلك ، فراجع مواقف عثمان مع بني هاشم.
__________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 282 ـ 283.
ولكن كلّ ذلك لم يصدّ ابن عباس عن القيام بواجبه ما وسعه ، فكانت له مواقف مذكورة وخدمات مشكورة ، منها مشاركة جهادية مع المجاهدين ، ووساطة إصلاحية شأن المصلحين ، وإمامة في الولاية للمصلين ، وإمامة الحج في الموسم للمسلمين ، وغير ذلك ممّا قام به في أيام عثمان ولمصلحته.
لقد ذكر بعض المؤرخين في أخبار الفتوح : أنّه شارك في غزاة افريقية ، وشارك في غزاة طبرستان ، وشارك في غزو القسطنطينية ، وهذه كلّها كانت فيما ذكروا في السنيّ الست الأولى من خلافة عثمان ، أمّا الست الأخرى وهي سنيّ إعلان السخط والنقمة ، فلم يشارك في أمر خارج الحجاز ، بل كان في مواقفه الإصلاحية داخل الحرمين الشريفين ـ مكة والمدينة ـ : فلننظر أوّلا إلى ما ذكروه من مشاركته في بعض الغزوات ، هل يصح ذلك؟
لا ريب انّه في عهد عمر اتسعت رقعة الفتوحات الإسلامية ، فضربت أطنابها في الشرق والغرب ، وقوّضت دعائم الامبراطوريتين الفارسية والرومانية ، حين داست خيول المسلمين بحوافرها أرضاً لم تطأها من قبل ، فجاس المسلمون خلال الديار ، وغنموا فيها خيراً كثيراً ، ممّا جعل القبائل العربية يتهافتون على الإنضمام إلى الجندية في أيّ من الجناحين ، ضمن جرائد فيها أسماؤهم تحت إشراف عرفائهم ورؤساء عشائرهم. وبالتالي يعيّن عمر لهم الجهة الّتي يجاهدون ، والقائد الّذي ينضمّون تحت لوائه. فهو الّذي نظم ديوان الجند ورتّب الأموال لتزويدهم بالسلاح والخيل والميرة.
أمّا عن قريش وخاصة وجوههم ، فليس لهم أن يشاركوا إلاّ بعد أن يأذن لهم عمر فقد أخذ بأكظامهم وضيّق الخناق عليهم وهو القائل : وقد استأذن قوم
من قريش منه في الخروج للجهاد فقال : قد تقدّم لكم مع رسول الله ، ثمّ قال : إنّي آخذ بحلاقيم قريش على أفواه هذه الحرّة ، لا تخرجوا فتسلـّلوا بالناس يميناً وشمالاً ، فقال له عبد الرحمن بن عوف ـ وكان هذا أحد الثلاثة الغالبين عليه(1) ـ : نعم يا أمير المؤمنين ولم تمنعنا من الجهاد؟ فقال : لأن أسكت عنك فلا أجيبك خير لك من أن أجيبك ، ثمّ أندفع يحدّث عن أبي بكر حتى قال : كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها فمن عاد لمثلها فاقتلوه »(2) .
قال ابن قتيبة : « وكان عمر رجلاً شديداً ، قد ضيّق على قريش أنفاسها ، لم يُنِل أحداً معه من الدنيا شيئاً »(3) . وفي عهد عمر لم يأذن لبني هاشم بالخروج مع المجاهدين ، فلم يذكر التاريخ أحداً منهم كان قائداً أو أميراً أو عريفاً ، بل وحتى جندياً كسائر المقاتلين. وقد مرّت بنا في مواقف ثابتة في عهده ما يوضّح ذلك.
نعم ذكر المؤرخون الفضل بن العباس كان مع المجاهدين فقال بعضهم : « استشهد يوم اليرموك »(4) ، وقال آخر : « استشهد يوم أجنادين »(5) ، وقال ثالث : « استشهد يوم مرج الصفراء »(6) ، وقال آخر : « مات بطاعون عمواس زمن عمر بن الخطاب »(7) ، فإن صحت الأقوال الثلاثة الأولى فهي في أيام أبي بكر ـ وهو قد مات سنة ثلاث عشرة ـ وليس في عهد عمر ، وإلاّ فيكون هو الوحيد الّذي
__________________
(1) وهم عبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن عوف ويرفأ مولاه.
(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 135 ط الغري.
(3) الإمامة والسياسة 1 / 27 ط مصطفى محمّد.
(4) البدء والتاريخ 5 / 185.
(5) طبقات خليفة بن خياط / 766 تح ـ سهيل زكار ط الشام ، وتاريخ خليفة بن خياط 1 / 87 ـ 88 تح ـ أكرم ضياء العمري.
(6) طبقات خليفة بن خياط / 766 تح ـ سهيل زكار.
(7) نسب قريش لمصعب الزبيري / 25.
ذكروه مع المجاهدين في أيام عمر ، وهذا هو قول ابن سعد والزبير بن بكار وأبي حاتم وابن البرقي حكاه الذهبي في تاريخ الإسلام(1) وقال : وهو الصحيح. ومهما كان نصيب ذلك من الصحة ، فإنّي لم أقف على أسماء آخرين غيره ، ولو كان عمر قد أذن لأناس من بني هاشم بالخروج لأذن لعبد الله بن عباس الّذي كان أكثرهم اختصاصاً به وتقريباً له منهم ، وقد مرّ ذكر ما يوضّح الأسباب في مواقف ثابتة في عهد عمر.
أمّا في عهد عثمان فقد تغيّرت الموازين في نواحي الحياة ومنها الجهاد والمجاهدين ، فبعد أن كان الجهاد في العهد النبوي وإلى فترة من بعده معتمداً على الرغبة في نشر الإسلام تحدو المقاتلين عاطفة دينية صادقة ، وقل رغبة في الشهادة في سبيل الله. لكن تبدّلت تلك النوايا لدى الكثير من المقاتلين بدءاً من القادة وحتى سائر الناس وغلبة الأطماع في المغانم تحدو الكثيرين. وفيما يخص حديثنا عن ابن عباس وحضوره بعض الغزوات بقيادة المنبوذين في سلوكهم ، مع انّه لم يسبق له أن خاض حرباً قبل ذلك ، فلابدّ من وقفة تحقيق في صحة ما ذكر.
إنّ المصادر الّتي ذكرت الفتوحات الإسلامية في عهد عثمان وأشارت إلى حضور عبد الله بن عباس أو أحد أخوته فيها علينا أن نوازن بينها ومؤلفيها زماناً وضبطاً. وتقسيمها إلى ثلاث مراتب حسب تسلسلها الزمني فـي وفيات أصحابها :
__________________
(1) تاريخ الإسلام 2 / 25 ط القدسي.
المرتبة الاُولى : وتشمل :
1 ـ جمهرة النسب لابن الكلبي المتوفى سنة 204 هـ ، قال : « ومعبد قتل بأفريقية زمن عثمان »(1) ، وهو أقدم نص ومصدر وصلت نسخته إلينا يمكن الرجوع إليه في المقام.
2 ـ كتاب الطبقات الكبير لمحمد بن سعد المتوفى سنة 231 هـ ، قال : « ومعبد بن العباس قتل بأفريقية شهيداً »(2) .
3 ـ نسب قريش لمصعب الزبيري المتوفى سنة 236 هـ ، فقد ذكر الفضل بن العباس : « ومات بطاعون عمواس زمن عمر بن الخطاب » ، وذكر أيضاً بعده عبد الله بن عباس ـ ولم يذكر شيئاً عن مشاركته في أي غزاة ـ ، وذكر أيضاً قثم ابن العباس : « استشهد بسمرقند ، وكان قد خرج مع سعيد بن عثمان زمـن معاوية ».
وذكر معبد بن العباس : « ومعبد بن العباس مات بأفريقية شهيداً »(3) .
4 ـ تاريخ خليفة بن خياط المتوفى سنة 240 هـ قال : « فغزا ابن أبي سرح أفريقية ومعه العبادلة عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن زبير فلقي جرجير »(4) .
وقال في كتابه الطبقات : « واستشهد قثم بسمرقند ومعبد بأفريقية »(5) .
__________________
(1) جمهرة النسب 1 / 137 تح ـ فراج ط الكويت.
(2) طبقات ابن سعد 4ق1 / 2.
(3) نسب قريش / 25 ـ 27 تح ـ بروفنسال.
(4) تاريخ خليفة بن خياط 1 / ، 134 ، وقارن تاريخ الإسلام للذهبي 2 / 79 ط القدسي بمصر.
(5) طبقات خليفة / 581 ، وذكره أيضاً في / 747 مرة اُخرى. ولقد ورد في كتاب نسب معدّ واليمن الكبير ، المنسوب لأبي المنذر هشام بن محمّد الكلبي تح ـ الدكتور ناجي حسن ط عالم الكتب ومكتبة النهضة العربية بيروت سنة 1408 هـ ـ 1988م : وأفريقش بن قيس بن صيفي ، وهو الّذي أفتتح إفريقية ، وسُمّيت به ، وقتل ملكها جرجير ويومئذ سُميت البربر ، قال لهم : ما أكثر بربرتكم.
5 ـ الأخبار الموفقيات للزبير بن بكار الزبيري المتوفى سنة 256 وقد كتبه بأسم الموفق العباسي ، ومهما ظننا فيه الزلفى فيما يورده من أخبار تتعلق بآباء الموفـّق وأجداده ، لكن أخباره تبقى مقبولة إلى حدّ ما مادامت من دون تفخيم الأجداد ، وقد وجدت فيه خبراً مسنداً عن ابن عباس يتحدث فيه عن غزاة أفريقية ، وما جرى بينه وبين جرجير هناك. وسنأتي على ذكره بتمامه.
6 ـ فتوح البلدان للبلاذري المتوفى سنة 279 هـ فقد ذكر في فتح إفريقية فقال : « وكان عثمان بن عفانرضياللهعنه متوقفاً عن غزوها ـ يعني إفريقية ـ ثمّ إنّه عزم على ذلك بعد أن استشار فيه بعض الصحابة فنهوه لكنه كتب إلى عبد الله في سنة 27 ويقال : في سنة 28 ، ويقال : في سنة 29 يأمره بغزوها وأمدّه بجيش عظيم فيه : معبد بن العباس بن عبد المطلب ، ومروان بن الحكم والحارث بن الحكم أخوه ، وعبد الله بن الزبير والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعاصم بن عمر ، وعبيد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وبسر بن أرطاة وأبو ذؤيب الهذلي وخـرج في هـذه الغزاة ممن حول المدينة من العرب خلق كثير »(1) .
ثمّ قال نقلاً عن الواقدي : « وبإفريقية أستشهد معبد بن العباسرحمهالله في غزاة ابن أبي سرح في خلافة عثمان. ويقال : بل مات فـي أيام القتال ، واستشهاده أثبت »(2) .
__________________
(1) فتوح البلدان / 234 ط الأولى بالقاهرة المعزّية سنة 1319 هـ.
(2) نفس المصدر / 236.
والآن لدى المقارنة بين ما جاء في المصادر المذكورة ، لا نجد اسم عبد الله بن عباس إلاّ في واحد منها ، وهو كتاب الأخبار الموفقيات أمّا الخمسة الباقية لم تذكره في إفريقية ، وهذا ما يثير الشك في رواية الموفقيات ، خصوصاً إذا نظرنا حديث البلاذري الّذي استعرض أسماء جماعة ممن حضروا غزاة أفريقية وعدّ في أوّلهم : معبد بن العباس ، ولو كان أخوه عبد الله بن عباس معهم لذكر في مقدمتهم ، فمثله لا يجهل مقامه ولا يُنسى أسمه.
المرتبة الثانية : وهي تضم :
1 ـ تاريخ الطبري المتوفى سنة 1310 هـ قال : « لمّا نزع عمرو بن العاص عن مصر غضب عمرو غضباً شديداً وحقد على عثمان ، فوجّه عبد الله بن سعد وأمره أن يمضي إلى إفريقية ، وندب عثمان الناس إلى إفريقية ، فخرج إليها عشرة الآف من قريش والأنصار والمهاجرين »(1) .
وهذا النص خلو من ذكر أيّ اسم ، ولكنا نعتمده ـ على إجماله ـ لتوثيق ما ورد مفصلاً في فتوح ابن أعثم الآتي وهو من معاصري الطبري.
2 ـ كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي المتوفى نحو سنة 314 هـ قال في ذكر فتح أفريقية على يدي عبد الله بن سعد بن أبي سرح ـ إشارة عثمان للصحابة في ذلك ـ : « فدعا له عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه وطلحة والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وغيرهم من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . فلمّا علم عثمان أنهم قد أجتمعوا في المسجد خرج إليهم بعد طلوع الشمس ، فشاورهم في أمر إفريقية حتى أرتفع النهار ، فكأنهم كرهوا ذلك ، وأكثر من كره
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 256 ط دار المعارف.
ذلك سعيد بن زيد عمرو بن نفيل ، فقال له عثمان : ما الّذي كرهت من أمر أفريقية؟ فقال سعيد : كرهت ذلك لما سمعت من عمر بن الخطابرضياللهعنه وهو يقول : لا أُقربها أحداً من المسلمين ما حملت عيني الماء ، ولا أرى لك مخالفة عمر ، فذرهم ولا تغزهم ، فإنك لن تخافهم على الإسلام ، وإنهم راضون منك أن تقرّهم في أماكنهم. قال : ثمّ قام سعيد بن زيد فخرج.
وألتفت عثمان إلى مولى له يقال له نائل فقال له : يا نائل إذهب فادع لي زيد بن ثابت ومحمّد بن مسلمة.
قال : فخرج نائل فدعاهما ، فاستشارهما عثمان بن عفان في بعثة الجيوش إلى أفريقية فأشارا عليه بذلك فقال عثمان بن عفان : الله أكبر قد أبهج لي رأي. ثمّ ندب الناس إلى ذلك فأجابوه سراعاً ، فأول من أجابه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديقرضياللهعنه وعبد الله وعاصم ابنا عمر بن الخطابرضياللهعنه ، وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث ، وبسر بن أرطأة ، والمسور بن مخرمة وجماعة من أولاد الصحابة.
قال : ثمّ أجتمع الناس إلى عثمان بن عفان بعد ذلك ، فعرضهم بالمدينة وعدّهم فكانوا أربعة الآف وثمانمائة من أخلاط القبائل فتجهزوا ما أمكنهم من الجهاز.
قال : وأعانهم عثمان بألف بعير بآلتها ، وفتح بيوت السلاح فأعطاهم وقوّاهم ، وأمّر على الناس مروان بن الحكم فجعله على الجند ، وجعل أخاه الحارث بن الحكم على الرجالة
قال : فسار المسلمون من المدينة حتى قدموا أرض مصر فسار بهم عبد الله بن سعد في ثلاثة وعشرين ألفاً يريدون إفريقية.
قال : وطاف بإفريقية ملك عظيم يقال له جرجين من قبل ملك الروم ، وفي يده من طرابلس المغرب إلى طنجة قال : وسار المسلمون حتى توسطوا بلاد أفريقية ودنوا من أرضها فنزلوا هناك ، وبعث عبد الله بن سعد إلى جرجين ملك أفريقية يدعوه إلى الإسلام وصالحه على ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار ورجع بالمسلمين إلى أرض مصر وكتب إلى عثمان يخبره بفتح إفريقية ، ووجّه إليه بالخمس من أموال إفريقية فقسمه عثمان في أهل المدينة »(1) .
هذا ما ذكره ابن أعثم على تفصيله لم يرد فيه أي ذكر لهاشمي سوى اسم الإمام عليّعليهالسلام في المستشارين الذين كرهوا تلك الغزاة وفي هذا ما يحملنا على التريث في قبول النص على ما فيه. فأين صار معبد الّذي تكاد المصادر تجمع على وجوده في الجيش واستشهاده هناك؟ ثمّ أي خمس قسّمه عثمان في أهل المدينة ، وهو قد أعطاه لمروان بن الحكم؟ وكان ذلك أحد أسباب النقمة عليه.
قال ابن عبد ربّه في العقد الفريد : وممّا نقم الناس على عثمان وأفتتح أفريقية وأخذ خمسه فوهبه لمروان فقال عبد الرحمن بن حنبل الجمحي :
فأحلف بالله ربّ الأنا |
م ما كتب الله شيئاً سدى |
|
ولكن خُلقت لنا فتنة |
لكي نُبتلى بك أو تُبتلى |
|
فان الأمينين قد بيّنا |
مناراً لحقٍ عليه الهدى |
|
فما أخذا درهماً غيلة |
وما تركا درهماً في هوى |
__________________
(1) الفتوح 2 / 132 ـ 137 ط أفست دار الندوة الجديدة بيروت.
وأعطيت مروان خمس العبا |
د هيهات شأوك ممن شأى(1) |
3 ـ أبو سعيد بن يونس المتوفى سنة 347 هـ له (تاريخ مصر) أختصره الذهبي وعلق منه أحاديث كما في تذكرة الحفاظ(2) وحكى عنه في سير أعلام النبلاء في ترجمة ابن عباس فقال : « وقال أبو سعيد بن يونس : غزا ابن عباس أفريقية مع ابن أبي سرح ، وروى عنه من أهل مصر خمسة عشر نفساً »(3) .
4 ـ محمّد بن أحمد بن تميم (أبو العرب) المتوفى سنة 333 هـ له كتاب (طبقات أهل أفريقية) وعنه حكى الأسيدي الدباغ في معالم الإيمان ـ كما سيأتي ـ : أنّ ابن عباس كان فيمن دخل أفريقية من الصحابة.
المرتبة الثالثة :
وهي المصادر المتأخرة زماناً عما سبق ، وهي اجترار لما كتب فيما سبقها ، وهي بحاجة إلى تمحيص يقوّم أودّها ويقوي عمدها ، وان تكثـّر عددها فالغالب على أخبارها الإرسال ، والمسند فيها قليل. لذلك أذكر منها لإطلاع القارئ عليها وله رأيه فيها :
1 ـ كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب لأبي عمر ابن عبد البر المتوفى سنة 463 هـ في ترجمة معبد بن العباس قال : « قتل بأفريقية شهيداً سنة 35 هـ(4) في زمن عثمان وكان غزاها مع ابن أبي سرح »(5) .
__________________
(1) العقد الفريد 2 / 283 ط تح ـ أحمد أمين ورفيقيه.
(2) تذكرة الحفاظ / 898 ط أفست حيدر آباد.
(3) سير أعلام النبلاء 4 / 442.
(4) قال ابن نغري بردي في النجوم الزاهرة 1 / 80 : ثمّ غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح المذكور افريقية ثانية في سنة 33 حين نقض أهلها العهد وأستشهد معه في هذه المرة بافريقية جماعة منهم : معبد بن العباس بن عبد المطلب وغيره.
(5) الاستيعاب في معرفة الأصحاب 1 / 275 ط حيدر آباد.
2 ـ كتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير المتوفى سنة 630 هـ قال في ترجمة معبد بن العباس : « قتل بأفريقية شهيداً سنة 35 هـ زمن عثمان بن عفانرضياللهعنه وكان غزاها مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح. أخرجه أبو عمر ».
وقال في ترجمة عبد الله بن سعد بن أبي سرح وذكر فتح أفريقية : « وشهد معه هذا الفتح عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص »(1) .
3 ـ وقال في تاريخه الكامل حوادث سنة 26 هـ وهو يذكر فتح أفريقية : « فجهز ـ عثمان ـ إليه ـ ابن أبي سرح ـ العساكر من المدينة وفيهم جماعة من أعيان الصحابة منهم عبد الله بن عباس وغيره »(2) .
4 ـ كتاب الحلة السيراء لابن الأبّار المتوفى سنة 658 هـ قال في ذكر الصحابة الذين دخلوا أفريقية : « عبد الله بن عباس أبو العباس. غزا أفريقية مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح في خلافة عثمان سنة 27 هـ وشهد فتحها ، ذكر ذلك أبو سعيد بن يونس في تاريخه »(3) .
5 ـ كتاب معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان لأبي زيد الأسيدي الدبّاغ المتوفى سنة 696 هـ قال : « غزا ابن عباسرضياللهعنهما أفريقية مع عبد الله بن أبي سرح ، وهو الّذي تولى قسم الفيء بها بين المسلمين ، قاله أبو سعيد ابن يونس ومحمّد ابن أحمد بن تميم »(4) . (وأشار المحقق في الهامش : طبقات علماء أفريقية ج17 مقتصراً على تسميته فيمن دخل أفريقية من الصحابة).
__________________
(1) اُسد الغابة ط أفست ايران.
(2) الكامل في التاريخ 3 / 36 ط بولاق.
(3) الحلة السيراء 1 / 20 تح ـ د. حسين مؤنس ط الأُولى بالقاهرة سنة 1963 م.
(4) معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان 1 / 111 تح ـ. إبراهيم شبوح ط الخانجي بمصر سنة 1968.
وهناك نقول في نهاية الأرب للنويري المتوفى سنة 732 هـ ، والإصابة لابن حجر المتوفى سنة 853 هـ ، وغيرهما أضربنا عنهما صفحاً إذ لا جديد فيهما سوى إنّها أكدت حضور ابن عباس في فتح أفريقية ، هذه جملة ما وقفت عليه من النصوص الّتي أشارت إلى فتح أفريقية ، وفي جملة منها تصريح بحضور ابن عباس في ذلك الفتح ، ولدى المقارنة بين الجميع نخلص إلى القول بصحة حضوره ، اعتماداً على ما رواه الزبير بن بكّار في كتاب الأخبار الموفقيات وهو من المرتبة الأولى ، مضافاً إلى ما ذكره أبو سعيد بن يونس في تاريخه ، ومحمّد بن أحمد بن تميم (أبو العرب) في طبقات أهل أفريقية وهما من المرتبة الثانية ، ومؤيداً بما جاء في الحلة السيراء لابن الأبّار وبقية المرتبة الثالثة وما يتبعها فهي قد نقلت ما مرّ عن أبي سعيد بن يونس ومحمّد بن أحمد بن تميم ، ولم تعقـّب عليه بشيء ممّا دلّ على إمضائهما ذلك.
فعلينا الآن أن نعود إلى الأخبار الموفقيات :
لنقرأ ما رواه الزبير بن بكار قال : « حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي ، حدثني عبد الله بن أبي عبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر عن أبيه أبي عبيدة قال قال عبد الله بن عباس : خرجت مع عبد الله بن أبي سرح في غزوة أفريقية فلمّا دنا من جرجير ـ ملك المغرب ـ وهو رجل من الروم نصراني ، وكان يذكر بعقل ، قلت لعبد الله بن سعد : لو بعثت إليه من يكلّمه ، فبعثني وبعث عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم وعبد الله بن عامر بن ربيعة.
قال عبد الله بن عباس : ـ وأنا أسنّ القوم(1) ـ فلمّا جئنا وضعت لنا وسائد ، وإذا الصُلـُب حولها ، فجاء القوم وليس هناك جُرجير ، فجلسوا دون الصُلب ، وأبوا أن يجلسوا وهي حولهم ، فجئت وجلست على تلك الوسائد والصُلب حولي. وجُرجير ينظر إلينا من منظر لا نراه ، فمكثنا ساعة ، ثمّ أذن لنا جماعة ، فجعلوا يزاحموني على المدخل ، فتأخرت عنهم ، حتى كنت وراءهم ، فلمّا دخلوا عليه ودخلنا ، ولي جمال ليس لهم ، نظر إليَّ فرماني بطرفه ، فلم يبرح يتطرّح بنظره إليّ حين جلست دونهم ، وهم أقرب إليه. فرأوا نظره فرابهم بذلك في أمره ، فانتحى
__________________
(1) لقد كانت ولادة ابن عباس قبل الهجرة بثلاث سنين كما مر ذلك فهو يومئذ ابن ثلاثين سنة أمّا ولادة عبد الله بن الزبير فهي بالمدينة سنة اثنتين من الهجرة وقيل سنة أحدى كما في سير أعلام النبلاء للذهبي 4 / 460 ط دار الفكر ، فهو يومئذ ابن خمس وعشرين سنة.
وأمّا ولادة مروان بن الحكم فهي بمكة وهو أصغر من ابن الزبير بأربعة أشهر فيما رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمته 5 / 3. وقال ابن حجر في الإصابة : يقال : ولد بعد الهجرة بسنتين ، وقيل بأربع وقال ابن شاهين مات النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو ابن ثمان سنين فيكون مولده بعد الهجرة بسنتين ، وقد ذكره ابن حجر في الإصابة ضمن تراجم من له رؤية ، لكن النووي نفى أن تكون له رؤية قال في تهذيب الأسماء واللغات 1 / 87 ط المنيرية بمصر في ترجمته : لم يسمع من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ولا رآه ، لأنه خرج إلى الطائف طفلا لا يعقل حين نفى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أباه الحكم ، فكان مع أبيه بالطائف حتى أستخلف عثمانرضياللهعنه فردّهما. وقد حكى عن مالك أنّه قال : ولد يوم أحد. وقيل يوم الخندق وبناءً على قول مالك تكون ولادته في السنة الثالثة من الهجرة لأن يوم أحد كان بعد وقعة بدر بسنة وهي كانت في السنة الثانية من الهجرة. وأمّا إذا كانت ولادته في يوم الخندق فهي في السنة السادسة من الهجرة فهو يومئذ ابن احدى وعشرين سنة.
وأمّا ولادة عبد الله بن عامر بن ربيعة فهي عام الحديبية كما في سير أعلام النبلاء في ترجمته ، وقيل ولد سنة ست وتوفي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو ابن أربع سنين وقال ابو نعيم : كان ابن خمس سنين كما في أسد الغابة في ترجمته ، فهو يومئذ في سنّ مروان تقريباً أو يزيد قليلاً.
فكل هؤلاء الثلاثة دون حبر الأمة سناً كما هم دونه شأناً.
ابن الزبير فبدأ بالكلام ، والترجمان وجُرجير يفهم من ذلك كثيراً ، وهو على ذلك ينظر إليَّ ويرمقني.
فلمّا فرغ ابن الزبير تكلم مروان بن الحكم. ثمّ أقبل عليّ عبد الله بن عامر فقال : أأتكلم؟ فقلت : تكلـّم ما بدا لك. فتكلم.
ثمّ أقبل عليَّ الترجمان فقال : ما تقول أنت يا عربيّ؟
قلت : ما أقول إلاّ ما قالوا ، فليجب صاحبك ما بدا له ، وقد دعوه.
فقال : أخبروني عن هذا الرجل الّذي أراه أسنّكم وأجملكم ، وأراكم تقدّمونه (تتقدمونه) أمولاكم هو؟
قالوا : لا والله بل هو منّا ومن أنفسنا.
قال : فضعيف هو فلا تثقون بعقله؟ فلم أرسله ملككم؟
قالوا : لا والله بل هو عاقل.
قال : فما أنتم بحلماء ، هو أحدكم ، وله عقل مثل عقولكم ، وهو أجملكم وأسنّكم ، وملككم الّذي أرسلكم أضعف منكم وهو يعرف هذا منكم.
فسكتوا ، فقلت للترجمان : قل لصاحبك : أجبنا بما تريد فنحن أعلم بأمرنا وبما نصنع بيننا.
قال : يقول الملك : حلمك هذا يزيدني بصيرة في حُمق أصحابك.
فرطن الملك ، فأقبل علينا الترجمان فقال الملك يقول : ما يمنعني من جوابكم إلاّ أنا لا نضع جوابنا إلاّ في موضعه ، أخبروني أيّكم أقرب بالملك الأكبر؟
قالوا : هذا لمروان.
قال : ثمّ من؟
قالوا : هذا ، لابن الزبير.
قال : فأيكم أقرب بنبيكم؟
قالوا : هذا.
قال : يقول الملك : هو أقربكم بنبيكم وأسنكم وأجملكم وجلستم فوقه ، وتقدمتم قبله!! لا تلبثون إلاّ قليلاً حتى يتفرّق أمركم ، لا أراجعكم بشيء حتى يتقدّم إليّ وتتكلمون بعده.
فقال القوم : تقدم يا أبا العباس وتكلـّم حتى ننظر ما يُرجع الينا ويقول لنا.
فقلت للترجمان : أجب صاحبك إنّي لا أقوم من مجلسي ، ولا أعيه بكلامي ، ولا أبتديء أصحابي.
فقال : فلا أكلمكم كلمة ، قد قلت : لا أفعل ، فهل أنت يا رجل معتزلي حتى ألقاكم ، فإنّي لا أحب أصيبك.
قال : قلت : ما يحلّ لي أن أعتزلك.
قال : أتقبل كرامتي من بينهم؟
قال : قلت : لا ، إلاّ أن تكرمهم مثلي.
قال : هل أحد أقرب بنبيك منك؟
قلت : نعم ، ففرح بذلك وقال : من؟
قلت : أبي ، قال : وحيّ هو أبوك؟ قلت : نعم ، قال : ما هو من نبيكم؟
قلت : عمّه ، ففسّر له الترجمان كيف العم ومن ابنه.
قال : فما شأن المُلك في غيره؟
قلت : كان هذا الملك واللذان قبله خرجوا مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حين خرج من أرضه ، ولم يخرج أبي.
ونحن نرى لذلك فضل وتقدّم من كان كذلك.
قال : بئسما صنعتم ، ولا يصح أمركم أبداً ، حتى يخرج إلى أهل بيت النبيّ ، قوموا ولا أراجعكم بكلمة ممّا تريدون ، إلاّ أن تخبرني ما شأنك جلست بين الصُلب من بين أصحابك وأنت عدوّ لها وأجتنبها أصحابك؟
قلت : لم يسيئوا بما صنعوا ، ولم اَسِئ أيضاً ، أمّا هم فتأذوا بها ، وأمّا أنا فعلمت مجلسي لا يضرّ ديني ، ولست منها ، وليست مني.
قال : ما ينبغي إلاّ أن تكون حبر العرب. قال. الراوي. فسُمّي عبد الله من ذلك اليوم الحبر »(1) .
فهذا الخبر الّذي رواه الزبير قد نميل إلى تصديقه ، لأنّ الزبير بن بكار مهما قلنا بتزلـّفه في تأليفه الأخبار الموفقيات للموفق العباسي ، فلا نرى فيما رواه من حضور عبد الله بن عباس في الجيش بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وما جرى له مع جُرجير ، أيّ زلفى تحملنا على التشكيك فيه وما ذكر فيه من حوار دلّ على مكانة ابن عباس المرموقة يومئذ وقد لفت نظر جُرجير ، لم يضف عليه ما يتزلف به إلى الموفق العباسي لأنّه من أحفاده. وكلّ ما ورد في الخبر غير مستبعد وقوعه ، خصوصاً إنا قرأنا آنفاً بعض النصوص الّتي ذكرت ان عثمان ندب الناس ، وجهّز جيشاً حشر فيه رجالا من المهاجرين والأنصار ، فلا بُعد في أنّه أمره أو طلب ـ على أحسن تقدير ـ من ابن عباس أن يكون مع الجيش ضمن الصحابة المجاهدين ولعله ولاّه قسمة الفيء. إن صح ما رواه محمّد بن أحمد بن تميم (أبو العرب) فقد كان عمر قبله أرسل السائب بن الأقرع لذلك ، فقد ذكر تاريخ الطبري : « ان عمر بن الخطاب بعث السائب بن الأقرع ـ مولى
__________________
(1) الأخبار الموفقيات / 116 تح ـ د سامر مكي العاني مط العاني بغداد.
ثقيف وكان رجلاً كاتباً حاسباً ـ فقال : الحقّ بهذا الجيش فكن فيهم فإن فتح الله عليهم فاقسم على المسلمين فيئهم وخذ خمس الله وخمس رسوله »(1) .
فلعل عثمان هو الّذي أمره بالذهاب لهذا الغرض. ثمّ من يسعه يومئذ التخلف عن أمر عثمان وهو بعدُ في أوّل حكومته وعنفوان سلطته ومن يسعه التخلف عن جهاد الكفار ، والجهاد باب من أبواب الجنة ، فمن ذا الّذي يرغب عن الدخول في ذلك الباب؟
ولعل ما يقرّبنا إلى التصديق بحضوره ذكر بعض المؤرخين ـ كما مرّ ـ وجود بعض أسرته كأخيه معبد وان ذكر ابن خلدون ـ وقد أبعد ـ انّ الحسن والحسين وابن جعفر أيضاً كانوا في ذلك الجيش.
قال ابن خلدون في تاريخه : « فجهز ـ عثمان ـ العساكر من المدينة وفيهم جماعة من الصحابة منهم ابن عباس وابن عمرو بن العاص وابن جعفر والحسن والحسين وابن الزبير وساروا مع عبد الله بن أبي سرح سنة ست وعشرين »(2) .
وإنّي في شك من رواية ابن خلدون لحشره أسماء الحسن والحسين وابن جعفر في قائمة المجاهدين ، ولم أجدهم عند غيره(3) على ان الفتح المذكور كان سنة 27 هـ كما مرّ عن الطبري في تاريخه وفيها ، أو 28 هـ أو 29 هـ كما مر عن البلاذري في فتوح البلدان. فمن وهم في تحديد التاريخ لا يستبعد عليه الوهم في حشر الأسماء.
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 116.
(2) تاريخ ابن خلدون 2 / 1003 ط دار الكتاب اللبناني.
(3) سوى السلاري في كتابه الاستقصا لأخبار الغرب الأقصى 1 / 39. وهذا الرجل متأخر عصراً عن ابن خلدون بعدة قرون ، وقد أعتمد تاريخه من مصادره.
بقي علينا التنبيه على ما هو أهم ممّا توهمّه ابن خلدون ، وذلك ما مرّ بنا من قول أبي زيد الأسيدي الدّباغ في معالم الإيمان : غزا ابن عباسرضياللهعنه إفريقية مع عبد الله وهو الّذي تولـّى قسم الفيء بها بين المسلمين. قاله أبو سعيد ابن يونس ومحمّد بن أحمد بن تميم.
أقول : إن صح ما حكاه من تولي ابن عباس قسمة الفيء ، فلا بدّ أن تكون قسمته صحيحة وعادلة ، واذا كانت كذلك ، فلماذا نقم المسلمون على ابن أبي سرح وامتدت النقمة حتى طالت عثمان بسبب قسمة تلك الغنائم؟ ولو صح ما حكاه كان اللوم على ابن عباس أولى ، وكان لعثمان وابن أبي سرح حجة في دفع المعرّة عنهما.
قال الطبري في تاريخه في حديث الواقدي : « وكان الّذي صالحهم عليه عبد الله بن سعد ثلثمائة قنطار ذهب ، فأمر بها عثمان لآل الحكم ، قلت ـ والقائل هو الطبري ـ أو لمروان ، لا أدري اهـ »(1) .
فأين الفيء الّذي تولـّى قسمته ابن عباس بين المسلمين ، وأحسب أن الّذي حكاه أبو زيد الأسيدي الدباغ غير مستساغ لأنّه دفاع ـ على استحياء ـ عن عثمان وآل الحكم ومروان ، فقد ذكر الطبري في تاريخه فقال : « وقسم عبد الله ما أفاء الله عليهم على الجند ، وأخذ خمس الخمس وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان مع ابن وثيمة النصري ووفـّد وفداً فشكوا عبد الله فيما أخذ ، فقال لهم : أنا نفـّلته. وكذلك كان يصنع وقد أمرت له بذلك ، وذاك إليكم الآن ، فان رضيتم فقد جاز ، وان سخطتم فهو ردّ ، قالوا : فإنا نسخطه.
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 256 ط دار المعارف.
قال : فهو رد ، وكتب إلى عبد الله بردّ ذلك واستصلاحهم قالوا : فاعزله عنا ، فانّا لا نريد أن يتأمّر علينا وقد وقع ما وقع ، فكتب إليه أن استخلف على أفريقية رجلاً ممن ترضى ويرضون واقسم الخمس الّذي نفلتك في سبيل الله ، فإنّهم قد سخطوا النفل ففعل »(1) .
قال الطبري في تاريخه : « غزا سعيد بن العاص من الكوفة سنة ثلاثين يريد خراسان ومعه حذيفة بن اليمان وناس من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومعه الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير ».
ثمّ ذكر انّ عبد الله بن عامر والي عثمان على البصرة سبق إليها فعدل إلى جرجان وطبرستان فقال : « بسنده عن حنش بن مالك التغلبي فأتى جرجان وطبرستان ومعه عبد الله بن العباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ، فحدّثني علج كان يخدمهم قال : كنت آتيهم بالسفرة ، فاذا أكلوا امروني فنفضتها وعلـّقتها ، فاذا أمسوا أعطوني باقيه ».
ثمّ ذكر مصالحة سعيد أهل البلاد المفتوحة ، ثمّ قال : « ثمّ قفل سعيد إلى الكوفة »(2) .
ولم يبعد ابن الأثير عما ذكره الطبري في تاريخه الكامل(3) . كما لم يشذ عنهما ابن خلدون في تاريخه(4) فقد ذكر أسماء الصحابة الذين كانوا مع سعيد
__________________
(1) نفس المصدر 4 / 254.
(2) نفس المصدر 4 / 269.
(3) الكامل في التاريخ 3 / 45 ط بولاق.
(4) تاريخ ابن خلدون 2 / 1018 ط دار الكتب اللبناني.
كما مر ، وكذلك النويري في نهاية الأرب(1) . وحذا حذو أولئك المؤرخين زيني دحلان في الفتوحات الإسلامية(2) .
هذا كلّ ما وقفت عليه في سطور التاريخ حول مشاركة ابن عباس في غزاة جرجان وطبرستان. فهل يسعنا أن لا نصدّق بذلك لندرة ما ورد عنه في تلك الغزاة الّتي قطع سبيلها المفاوز والفدافد ، ثمّ لم يحفظ له وعنه من مقام أو مقال سوى حديث السفرة الّذي رواه الطبري وهو لا يغني ولا يشبع الزاد الّذي كان فيها؟
أكاد أبقى متحيراً في قبول ذلك الخبر إذ بين المدينة المنورة وبين الأقطار المذكورة خراسان أو جرجان وطبرستان مسافات طويلة ، والرحلة ليست رحلة نزهة وحتى لو كانت فلابدّ انها استغرقت شهوراً ، فكيف لا يحفظ عنه العلج سوى حديث الصحب والسفرة؟ ثمّ تزداد الحيرة ، حين أجد سعيد بن العاص ـ أمير الجيش ـ لا يعرف حكماً شرعياً هو يكون محل ابتلاء أمثاله من قادة الجيوش غالباً عند المنازلة واشتداد القتال. وذلك حكم صلاة الخوف فهو لا يعرف كيفيتها فيسأل من المسلمين عنها من شهدها مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال حذيفة : أنا ، فأمرهم حذيفة فلبسوا السلاح ، ثمّ قال : إن هاجكم هيج فقد حل لكم
__________________
(1) نهاية الأرب 19 / 418.
(2) الفتوحات الإسلامية 1 / 175 ط مصطفى محمّد.
وقد أغرب في القول الدكتور حسن إبراهيم حسن في كتابه تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والإجتماعي 1 / 277 ط الثالثة بمصر سنة 1953 حين قال : ففي عهد عثمان فتحت بلاد طبرستان على يد سعيد بن العاص ، وقد قيل : إن جيش المسلمين كان يضم الحسن والحسين ابني عليّ وعبد الله بن العباس وعمرو بن العاص والزبير بن العوام فذكره لابن العاص وللزبير لم أقف عليه عند غيره وأظنه سها أراد أن يذكر ابنيهما فذكرهما.
القتال فصلّى بإحدى الطائفتين ركعة والأخرى مواجهة العدو ثمّ انصرف هؤلاء فقاموا مقام أولئك وجاء أولئك فصلّى بهم ركعة أخرى ثمّ سلّم عليهم(1) .
ولا نجد لأيّ من العبادلة الذين كانوا يومئذ معه ما يتصل بذلك ، بينما نجد لابن عباس روايات في صلاة الخوف(2) ، وأنّه صلّى مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم صلاة الخوف(3) .
فأنا ـ كما قلت مراراً ـ أذكر ما وجدته مرويّاً على ذمة الرواة. فما وسعني التصديق به ذكرته مؤمناً بصحته. وما لم يسعني ذلك ذكرتُه وناقشتـُه ، وهذا منه.
وما ينبغي أن نصدّق كلّ ما يُروى أو نكذّب كلّ ما يروى ، وإنّما الرواة أنفسهم ناسٌ يجوز عليهم الخطأ والصواب ، ويجوز عليهم الصدق والكذب.
لقد كان حبر الأمة قد جمع المحكم(4) على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وحفظه(5) كما حدّث بذلك عن نفسه ـ ويعني بالمحكم المفصّل وهو قصار السور لكثرة الفصول الّتي بين السور بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) ـ قال : « انّ الّذي تدعونه المفصّل هو المحكم ، توفي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم » وأتمّ تعلمه
__________________
(1) أنظر كنز العمال 8 / 267 ط حيدر آباد الثانية نقلاً عن عبد الرزاق في المصنف ، وابن أبي شيبة في المصنف ، وعبد بن حميد في مسنده ، وأبي داود في سننه ، والنسائي في سننه ، وابن جرير في تهذيب الآثار ، والبيهقي في شعب الإيمان ، والحاكم في المستدرك ، والبخاري في صحيحه ، ومسلم في صحيحه.
(2) نفس المصدر 8 / 268 ـ 269.
(3) نفس المصدر / 269.
(4) سير أعلام النبلاء للذهبي 4 / 441 ط دار الفكر ، ومصنف ابن أبي شيبة 10 / 501 ، وكنز العمال 2 / 373 ط حيدر آباد والثانية ط باكستان.
(5) مسند أحمد ط محققة برقم / 2283.
تنزيلاً وتأويلاً على ابن عمه الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام حتى قال : « ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ بن أبي طالب »(1) .
كما أخذ أيضاً عن أبيّ بن كعب ، وقد مرّ بنا في عهد عمر ما تلاه وسمعه عمر فسأله عن ذلك فقال سمعته من أبيّ وذهب إليَّ أبيّ وحاققه.
فلمّا كان في عهد عثمان وقد أصبح من عليّة القراء والمفسّرين ، فكان لا يجد في نفسه حرجاً أن يقول لعثمان فيما أحدثه في مسائل القرآن ، سواء في كتابته وتعميم نسخته ، أو تحريقه مصاحف الآخرين ، أو جمع المسلمين على قراءة واحدة.
وربّما كان يجد في نفسه على عثمان حيث تجاهله فلم يذكره ولم يشاوره فيمن ذكر وشاور ، وكان خليقاً بعثمان أن يجمع القرآء الذين في المدينة فيشاورهم في الأمر ، كما كان خليقاً بعثمان أن يستشير الإمام وابن عباس وهما من يعرف مكانتهما عند المسلمين ، لكنه لم يفعل وأحضر أناساً وهم ممّن لم يبلغوا شأوه ، لذلك لا يخلو كلامه معه من نقدٍ هاديء وهادف ، كما لم يخل من تعبير عما يكنّه الضمير من شعور بالمرارة.
فلنقرأ حديثه حول جمع القرآن :
أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حيان والحاكم وابن المنذر وابن أبي داود وابن الأنباري معاً في المصاحف والنحاس في ناسخه وأبو نعيم في المعرفة وابن مردويه وغيرهم عن ابن عباس قال : « قلت لعثمان بن
__________________
(1) مناهل العرفان للزرقاني 1 / 456.
عفان : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني(1) وإلى براءة وهي من المئين(2) فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموهما في السبع الطوال ، ما حملكم على ذلك؟
فقال عثمان : إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان ممّا يأتي عليه الزمان تنزل عليه السور ذوات العدد ، وكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول : ضعوا هذه في السورة الّتي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال من أوّل ما أنزل بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولا ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها ، فظننت أنّها منها ، وقبض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يبيّن لنا أنّها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتهما في السبع الطوال »(3) .
قال الطبري : « فهذا الخبر ينبيء عن عثمان بن عفانرحمهالله انّه لم يكن تبيّن له أنّ الأنفال وبراءة من السبع الطوال ويصرّح عن ابن عباس أنّه لم يكن يرى ذلك منها »(4) .
وهذا الخبر من جملة النصوص الّتي استدل بها السيوطي في كتابه الأتقان بعد أن نقل عن الحارث المحاسبي انّ القرآن كان مجموعاً على عهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم
__________________
(1) سميت بالمثاني : فإنها ما ثنّى المئين فتلاها ، وكان المئون لها أوائل وكان المثاني لها توالي ، وقد قيل إن المثاني سُمّيت مثاني ، لتثنية الله جل ذكره فيها الأمثال والخبر والعبر ، وهو قول ابن عباس (تفسير الطبري 1 / 103 ط محققة).
(2) ما كان من سور القرآن عدد آيه مئة آية أو تزيد عليها شيئاً أو تنقص منها شيئاً يسيرا ً(تفسير الطبري 1 / 103 ط محققة).
(3) الاتقان للسيوطي 1 / 62 النوع / 18 ط حجازي بالقاهرة سنة 1368 هـ ، وكنز العمال 2 / 367 ط حيدر آباد الثانية.
(4) تفسير الطبري 1 / 102 ط محققة.
وقال : « المشهور عند الناس أنّ جامع القرآن عثمان وليس كذلك ، إنّما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد ، على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لمّا خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراآت ، فأمّا قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراآت المطلقات على الحروف السبعة الّتي أنزل بها القرآن
ثمّ قال السيوطي : (فصل) : الإجماع والنصوص المترافدة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك أمّا الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركشي في البرهان وأبو جعفر بن الزبير في مناسبه وعبارته : ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين اهـ.
وسيأتي من نصوص العلماء ما يدل عليه. ثمّ قال : وأمّا النصوص فمنها ومنها ما أخرجه »(1) . وذكر الحديث عن ابن عباس كما مرّ.
ويبدو فيما أظن أن الخبر لم يسلم من عبث الرواة ، فقد ورد في آخره جواب عثمان ، ولم يذكر فيه لابن عباس رأيه في الجواب مقتنعاً أو مفنّداً ، وهذا هو مبعث الريبة والشك أوّلاً ، وثانياً إنّ ترتيب السور إنّما ثبت بالتواتر ، وثالثاً فإنّ ابن عباس سأل الإمام أمير المؤمنين فقال سألته لِمَ لم تكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال : لأنّها أمان ، وبراءة نزلت بالسيف(2) .
نعم لا شك أنّه كان لابن عباس مصحفه الخاصّ به ، وفيه بعض القراءات الّتي تخالف قراءة عثمان كما في آية المتعة بالنساء حيث كان يقرأ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنّ ) (3) وهذه توافق قراءة ابن مسعود أيضاً كما يروى.
__________________
(1) الاتقان للسيوطي 1 / 62 ط حجازي.
(2) نفس المصدر 1 / 67.
(3) النساء / 24.
وسيأتي مزيد بيان عن ذلك في الحلقة الثالثة إن شاء الله تعالى. ومن تعجّل فعليه مراجعة كتاب المصاحف لابن أبي داود السجستاني(1) .
إنّ حرق عثمان للمصاحف الّتي كانت عند الناس أمر أثار السخط والنقمة عليه حتى عُدّ ذلك من جملة أسباب الثورة عليه حتى أودت بحياته. وقد كان حذيفة بن اليمان صاحب السرّ قد ذكر ذلك في نبوءة مستقبلية كما أخرج ابن أبي داود في كتاب المصاحف بسنده عن أبي البختري(2) قال : « قال حذيفة : أرأيتم لو حدثتكم أن أمّكم تخرج في فئة تقاتلكم أكنتم مصدّقي؟
قال : قلنا سبحان الله يا أبا عبد الله ولم تفعل؟
قال : أرأيتم لو قلت لكم تأخذون مصاحفكم فتحرقونها وتلقونها في الحشوش ، أكنتم مصدّقي؟
قالوا : سبحان الله ولم نفعل؟
قال : أرأيتم لو حدثتكم أنكم تكسرون قبلتكم أكنتم مصدّقي؟
قالوا : سبحان الله ولم نفعل؟
قال : أرأيتم لو قلت لكم انّه يكون منكم قردة وخنازير أكنتم مصدّقي؟
قال رجل : يكون فينا قردة وخنازير؟
قال : وما يؤمنك لا أمّ لك »(3) .
__________________
(1) المصاحف / 73.
(2) هو سعيد بن فيروز الطائي مولاهم الكوفي ذكره ابن حبان في الثقات وقال العجلي تابعة ثقة فيه تشيّع ، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير ، وقال أبو أحمد الحاكم في الكنى : ليس بالقوي عندهم كذا قال وهو سهو كما قاله ابن حجر في تهذيب التهذيب 4 / 73.
(3) المصاحف / 17 ط أفست الرحمانية سنة 355 هـ ـ 1936 تح ـ اثر جفري.
فهذا الخبر على ما فيه من نقد لاذع لفعلة التحريق وأفعال أخرى ، فيه تحذير من فعل ذلك.
وليس من العجيب أن يقول ذلك حذيفة فقد كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أطلعه على أسماء المنافقين ، وكان يقال له صاحب السرّ.
ولكن العجيب أن يكون حذيفة هو الّذي حدا بعثمان على جمع الناس على قراءة واحدة وحذّره مغبة الاختلاف في القراءات. ثمّ يكون عثمان هو الّذي أحرق المصاحف ، فصدّق الخبَر.
وأعجب من ذلك ما رواه بن أبي داود في كتاب المصاحف : « قال ابن شهاب : ثمّ أخبرني أنس بن مالك الأنصاري إنّه إجتمع لغزوة أذربيجان وأرمينية أهل الشام وأهل العراق. قال : فتذكروا القرآن فاختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة ، قال : فركب حذيفة بن اليمان لمّا رأى من اختلافهم في القرآن إلى عثمان فقال : انّ الناس قد اختلفوا في القرآن حتى والله لأخشى أن يصيبهم ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف. قال : ففزع لذلك عثمان فزعاً شديداً ، فأرسل إلى حفصة فاستخرج الصحيفة الّتي كان أبو بكر أمر زيداً بجمعها فنسخ منها مصاحف ، فبعث بها إلى الآفاق.
فلمّا كان مروان أمير المدينة أرسل إلى حفصة يسألها عن الصحف ليحرقها وخشي أن يخالف بعض الكتـّاب بعضاً فمنعته إياها.
قال ابن شهاب فحدّثني سالم بن عبد الله قال : لمّا توفيت حفصة أرسل إلى عبد الله بعزيمة ليرسلنّ بها ، فساعة رجعوا من جنازة حفصة أرسل بها عبد الله بن
عمر إلى مروان ففشاها وحرّقها مخافة أن يكون في شيء من ذلك اختلاف لما نسخ عثمانرحمهالله »(1) .
فهذا الخبر دلّ على ان عثمان استحضر صحيفة أبي بكر فنسخ منها مصاحف. ثمّ بعد ذلك طلبها مروان من حفصة فمنعته إياها ، لماذا طلبها ليحرقها؟ وحقّ لها لو منعته ما دامت مصاحف الآفاق مأخوذة عنها. فلا معنى لإحراقها ثمّ لمّا ماتت أرسل مروان إلى ابن عمر بعزيمة (؟ وربّما معها ضميمة) فبادر ابن عمر ساعة رجعوا من دفنها فأرسل بها ففشاها مروان وأحرقها
وهذا لا يعنينا تحقيقه والدوافع الّتي كانت وراء الأخذ والمنع. ولكن الّذي يعنينا هو أمر عثمان بإحراق المصاحف الأخرى ، وقد كان بإمكانه تفادي النقمة ، إمّا بدفنها ، أو بإماثتها بالماء ، إن لم يشأ الاحتفاظ بها كنصوص فيها لغات ولهجات يُرجع إليها عند الحاجة.
لكنه لم يصنع شيئاً من ذلك ، فأثار النقمة عليه ، وقد ندم ـ فيما يبدو ـ ولات حين مندم فقد ذكر البلاذري في أنساب الأشراف قال : « وروى أبو مخنف : إنّ المصريين وردوا المدينة فأحاطوا وغيرُهم بدارعثمان في المرة الأولى فأشرف عليهم عثمان فقال : أيها الناس ما الّذي نقمتم عليَّ فإنّي معتبكم ونازل عند محبتكم. فقالوا أحرقت كتاب الله.
قال : اختلف الناس في القراءة فقال هذا : قرآني خير من قرآنك. وقال هذا : قرآني خير من قرآنك. وكان حذيفة أوّل من أنكر ذلك وأنهاه إليّ فجمعت الناس على القراءة الّتي كتبت بين يدي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قالوا : فلم حرقت
__________________
(1) نفس المصدر / 21.
المصاحف؟ أما كان فيها ما يوافق هذه القراءة الّتي جمعت الناس عليها؟ أفهلاّ تركت المصاحف بحالها؟
قال : أردت أن لا يبقى إلاّ ما كتب بين يدي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنا أستغفر الله »(1)
قال طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى : « وربما تحرّج بعض المسلمين من تحريق ما حرّق عثمان من الصُحف ، ولم يقبلوا اعتذاره بحسم الفتنة وقطع الخلاف ، ولو قد كانت الحضارة تقدمت بالمسلمين شيئاً لكان من الممكن أن يحتفظ عثمان بهذه الصحف الّتي حرّقها على أنها نصوص محفوظة لا تتاح للعامة ، بل تكاد تتاح للخاصة ، وانما هي صحف تحفظ ظناً بها على الضياع
وإذا لم يكن على عثمان جناح فيما فعل لا من جهة الدين ولا من جهة السياسة ، فقد يكون لنا أن نأسى لتحريق تلك الصحف ، لأنه إن لم يكن قد أضاع على المسلمين شيئاً من دينهم فقد أضاع على العلماء والباحثين كثيراً من العلم بلغات العرب ولهجاتها »(2) .
وهكذا كانت مسألة حرق المصاحف ذات انتقاد من المسلمين قديماً وحديثاً.
قال المغفور له سيّدنا الأستاذ الخوئيقدسسره : « ولكن الأمر الّذي أنتقد عليه هو إحراقه لبقية المصاحف ، وأمره أهالي الأمصار بإحراق ما عندهم من المصاحف ، وقد اعترض على عثمان في ذلك جماعة من المسلمين ، حتى سمّوه بحرّاق المصاحف »(3) .
__________________
(1) أنساب الأشراف 1ق4 / 551 تح ـ احسان عباس.
(2) الفتنة الكبرى / 183 ط دار المعارف.
(3) البيان للسيد الخوئي / 277 ط الثانية سنة 1385.
أقول : ولا شك أنّ ثمة مصاحف لبعض الصحابة بقيت عند أصحابها لم يستطع عثمان ولا ولاته من السيطرة عليها فهي لم تحرق ، وأحسب انّ اختلاف القراءات إنّما نشأ من تلك المصاحف الّتي بقيت حتى تداول الرواة ما فيها ، إمّا عن أصحابها مباشرة أو بالواسطة عنهم كما هو واضح في كتب القراءات. ومن أولئك كان الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري وأبيّ بن كعب وأم سلمة وعائشة وحفصة. وفي مصاحفهن خاصة تفاوت في الصلاة الوسطى(1) وربّما آخرون غيرهم كلّ أولئك كانت عندهم مصاحف خاصة بهم ، لماذا لم تصبها نار التحريق؟ فهل كانت العملية على نحو الانتقاء؟ وهذا غير مقبول. أم أنّ عثمان لم يقدر عليها؟ وهذا أيضاً غير مقبول ولا أقل في مصحف حفصة الّذي كان عنده برهة أيام الجمع ثمّ أعاده إليها كما يروون وفي مصحفها بعض ما يخالف ما بأيدي المسلمين اليوم.
كانت القراءة موحدّة على عهد الرسول الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم ولكن طرأ نحو من التغيير في الأداء عند بعض المسلمين تبعاً إلى لهجاتهم القبلية ، وذلك على عهده ، فنهىصلىاللهعليهوآلهوسلم عن القراءة بغير ما أنزل عليه وعلـّمهم به ، فعن الطبري بسنده عن عبد الله بن مسعود قال : « تمارينا في سورة من القرآن فقلنا : خمس وثلاثون أو ست وثلاثون قال : فأنطلقنا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ فوجدنا عليّاً يناجيه ـ قال فقلنا : إنما اختلفنا في القراءة قال : فاحمرّ وجه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال : (إنّما هلك من كان قبلكم باختلافهم بينهم).
__________________
(1) أنظر المصنف لعبد الرزاق 1 / 578 ـ 579.
قال : ثمّ أسرّ إلى عليّ شيئاً ، فقال لنا عليّ : إنّ رسول الله يأمركم أن تقرأوا كما عُلـّمتم »(1) .
وسيأتي بأوسع من هذا ، وهو لا يدل إلاّ على وحدة التنزيل ، وعدم جواز الاختلاف في القراءة وهذا يعني (أنّ القرآن واحد ، نزل من عند الواحد ، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة) ، ورد ذلك عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام (2) .
وقد سأل الفضيل بن يسار أبا عبد اللهعليهالسلام فقال : « إنّ الناس يقولون : انّ القرآن نزل على سبعة أحرف : فقال أبو عبد اللهعليهالسلام : كذبوا أعداء الله ، ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد »(3) .
نعم لا شك أنّ عثمان قد جمع الناس على قراءة واحدة وجعلها هي قراءة الإمام وكتب بها المصاحف الإمام الّتي أرسل عنه نسخاً إلى البلدان ، وأمر بإحراق المصاحف الأُخرى الّتي تخالف ذلك المصحف الإمام ، ونهى عن القراءة بغير ما أمر ، وقد مرّت كلمة الحارث المحاسبي في معنى جمع عثمان للقرآن ، وانّه ليس كذلك ، إنّما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد
أقول : وهذا العمل من عثمان لم ينتقده عليه أحد من المسلمين ، وذلك لأنّ الاختلاف في القراءة سيؤدي حتماً إلى الاختلاف بين المسلمين كما مرّ من حكاية عثمان قول : هذا قرآني خير من قرآنك ، وقول : هذا قرآني خير من قرآنك
__________________
(1) تفسير الطبري 1 / 12 ط مصر مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1373 هـ و 1 / 23 ط دار المعارف.
(2) أُصول الكافي في كتاب فضل القرآن ـ باب النوادر ، الرواية / 12.
(3) نفس المصدر ، الرواية / 13.
وبالتالي إلى التنازع وربّما إلى تكفير بعضهم بعضاً. وهذا ما حذّر منه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله : (ألا لاترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)(1) .
وقد قالصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ كما في حديث ابن مسعود ـ : « قال أقرأني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سورة من الثلاثين من آل حم ـ يعني الأحقاف ـ قال : وكانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سُميت الثلاثين.
قال : فرحت إلى المسجد ، فإذا رجل يقرؤها على غير ما أقرأني فقلت : من أقرأك؟ فقال : رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : فقلت لآخر : إقرأها ، فقرأها على غير قراءتي وقراءة صاحبي ، فانطلقت بهما إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقلت يا رسول الله إنّ هذين يخالفاني في القراءة ، قال : فغضب وتمعّر وجهه وقال : (إنّما أهلك من كان قبلكم الاختلاف ...).
قال : وقال زرّ : وعنده رجل قال فقال الرجل : إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يأمركم أن يقرأ كلّ رجل منكم كما أقريء ، (فإنّما أهلك من كان قبلكم الاختلاف) ، قال : وقال عبد الله : فلا أدري أشيئاً أسرّه إليه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أو علم ما في نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال : والرجل هو عليّ بن أبي طالب »(2) .
فهذا هو الخبر السابق أوّلاً غير أنّه أوسع تفصيلاً ، يبقى علينا أن نعرف الوجه في تعدّد القراءات أو قل بتعبير أوضح وجه الاختلاف بين مصحف ابن عباس ومصحف (الإمام) الّذي جمع عثمان الناس على القراءة بما فيه. وهذا ما سنبحثه في الحلقة الثالثة إن شاء الله تعالى ، وقد مرّ بنا في أيام عمر حديث دار
__________________
(1) جمع الفوائد 2 / 446 نقلا عن أبي داود والنسائي عن ابن عمر مرفوعاً.
(2) مسند أحمد 6 / 35 برقم 3981 ط محققة ، وقارن الطبري 1 / 23 ط محققة ومستدرك الحاكم 2 / 223 / 224.
بينه وبين ابن عباس حول سبب الاختلاف في الأمة وكتابها واحد ، ونبيّها واحد ، وقبلتها واحدة ، فراجع تجد ذلك بسبب تعدد الآراء في القراءة.
1 ـ تنبيه ابن عباس لعثمان على الحكم الشرعي فيمن وضعت حملها لستة أشهر.
ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام بعض أقضيته في الأحكام فقال : « وقال في المجنونة الّتي أمر برجمها ، وفي الّتي وضعت لستة أشهر فأراد عمر رجمها ، فقال له عليّ : إنّ الله تعالى يقول :( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ) (1) الحديث. وقال له : إنّ الله رفع القلم عن المجنون الحديث ، فكان عمر يقول : لولا عليّ لهلك عمر ».
ثمّ قال ابن عبد البر : « وقد روي مثل هذه القصة لعثمان مع ابن عباس ، وعن عليّ أخذها ابن عباس ، والله أعلم »(2) .
أقول : روى السيوطي في الدرّ المنثور عن عبد الرزاق وعبد بن حميد عن أبي عبيدة مولى عبد الرحمن بن عوف قال : « رفعت امرأة إلى عثمانرضياللهعنه ولدت لستة أشهر فقال عثمان : إنّها قد رُفعت إليّ امرأة ألا جاءت بشرّ. فقال ابن عباس : إذا أكملت الرضاعة كان الحمل ستة أشهر وقرأ( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ) (3) فدرأ عثمان عنها »(4) .
__________________
(1) الأحقاف / 15.
(2) الاستيعاب 2 / 461 ط حيدر آباد.
(3) الأحقاف / 15.
(4) الدر المنثور 6 / 40.
2 ـ استنكار ابن عباس على عثمان في عدم ميراث الأم مع الأخوين :
أخرج الطبري في تفسيره(1) ، والحاكم في المستدرك على الصحيحين واللفظ له بسنده : « عن شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس انّه دخل على عثمان بن عفانرضياللهعنه فقال : إن الأخوين لا يردّان الأم عن الثلث (؟) قال الله (عزّ وجلّ) :( فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ ) (2) فالأخوان بلسان قومك ليسا بأخوة (؟) فقال عثمان بن عفان : لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي ومضى في الأمصار وتوارث به الناس. وفي لفظ الطبري : هل أستطيع نقض أمرٍ كان قبلي وتوارثه الناس(3) .
قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه »(4) ، وتبعه الذهبي في تلخيصه وقال : صح.
أقول : لقد وهم الطبري وغيره من الفقهاء وأئمة الحديث في نسبة مسألة عدم حجب الأخوين الى ابن عباس ، حيث ظنوا أنّ الاستفهام كان حقيقياً ، بينما كان استفهاماً إنكارياً كما هو ظاهر من لغة ابن عباس ومن جواب عثمان. وهذا ما فهمه جماعة من الفقهاء ، كما سيأتي في فقه ابن عباس في (الحلقة الثالثة) إن شاء الله تعالى مزيد بيان.
3 ـ خلافات فقهية بينهما :
لقد كان بين ابن عباس وبين عثمان خلافٌ في بعض الأحكام الشرعية قولاً وعملاً :
__________________
(1) تفسير الطبري 4 / 188.
(2) آل عمران / 11.
(3) قارن السنن الكبرى للبيهقي 6 / 227.
(4) مستدرك الحاكم 4 / 335.
أ ـ فعثمان توضأ فغسل كفيه ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً وغسل قدميه ثلاثاً(1) .
بينما ابن عباس توضأ فغسل كلّ عضو منه غسلة واحدة ، ثمّ ذكر أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يفعله(2) .
ب ـ وعثمان توضأ فمسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما وقال : « رأيت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يفعله »(3) .
بينما ابن عباس كان يقول : « الأذنان ليستا من الوجه وليستا من الرأس ، ولو كانتا من الرأس لكان ينبغي أن يحلق ما عليهما من الشعر ، ولو كانتا من الوجه لكان ينبغي أن يغسل ظهورهما وبطونهما مع الوجه »(4) .
ج ـ وعثمان قال في ميراث جد وأم وأخت : « للأم الثلث ، وللأخت الثلث ، وللجد الثلث »(5) .
بينما قال ابن عباس : « للأم الثلث ، وما بقي فللجد وليس للأخت شيء »(6) .
د ـ وعثمان كان ينهى عن متعة الحج تبعاً لعمر وكان مصراً على نهيه عنها قولا وعملا ، وقد مرّ بعض ما يتعلق بذلك في مخالفات عثمان لأحكام الشريعة ونزيد على ذلك ما أخرجه أحمد في مسنده عن مروان قال : « كنا نسير مع عثمانرضياللهعنه فاذا رجل يلبّي بهما جميعاً فقال عثمانرضياللهعنه : مَن هذا؟ فقالوا : عليّ. فقال :
__________________
(1) المصنف 1 / 41.
(2) نفس المصدر.
(3) نفس المصدر 1 / 13.
(4) نفس المصدر.
(5) نفس المصدر 10 / 269.
(6) نفس المصدر 10 / 270.
ألم تعلم أنّي قد نهيتُ عن هذا؟ قال : بلى ، ولكن لم أكن لأدع قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لقولك »(1) .
وفي حديث ابن المسيب قال : « خرج عثمان حاجاً حتى إذا كان ببعض الطريق قيل لعليّ : إنّ عثمان قد نهى أصحابه عن التمتع بالعمرة إلى الحج ، فقال عليّ لأصحابه : إذا راح فروحوا ، فأهلّ عليّ وأصحابه بعمرة ، فلم يكلّمهم عثمان ، فقال له عليّ : ألم أخبر أنّك نهيت عن التمتع بالعمرة؟ فقال : بلى ، قال : فلم تسمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تمتع؟ قال : بلى »(2) .
وفي حديث شعبة عن قتادة عن عبد الله بن شقيق وفيه : « قال عثمان : أجل ولكنّا كنّا خائفين قال شعبة فقلت لقتادة : ما كان خوفهم؟ قال : لا أدري »(3) .
أقول : ليس قتادة وحده لا يدري كلا ولا المنجم يدري أيّ خوفٍ كان يوم أمر بها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حجة الوداع ومعه مائة ألف أو يزيدون؟ وقد مرت بعض الأحاديث في أسباب السخط فراجع.
أمّا موقف ابن عباس في هذه المسألة فكان هو موقف عليّعليهالسلام ، فقد أهلّ كما أهلّ بقية أصحاب عليّعليهالسلام ، وهذا هو الموقف الثابت له ، حتى كان يقول لمن يعارضه في ذلك بأبي بكر وعمر : « يُوشك أن يُنزل عليكم حجارة من السماء ، أقول : ما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتقولون : قال أبو بكر وعمر »(4) .
وقد روى عنه سعيد بن جبير : « أنّه قال : تمتـّع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال عروة : نهى أبو بكر وعمر عن المتعة.
__________________
(1) مسند أحمد 3 / 102 برقم 733 تح ـ أحمد محمّد شاكر.
(2) نفس المصدر 1 / 200 و 210.
(3) نفس المصدر 1 / 213.
(4) زاد المعاد لابن قيم الجوزية 1 / 215.
فقال ابن عباس : أراهم سيهلكون ، أقول : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويقولون أبو بكر وعمر »(1) .
وقال لعروة : « يا عريّة سل أمك ، أليس قد جاء أبوك مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأحلّ. وأمّا المتعة فسل أمك إذ نزلت عن بردي عوسجة ، فإن أوّل متعة سطع مجمرها لمجمر سطع بين أمك وأبيك »(2) .
ولاشتهار فتياه تلك قال له رجل من بلجهيم : « ما هذه الفتيا الّتي تفشغت ـ انتشرت ـ في الناس : إنّ من طاف بالبيت فقد حلّ؟
فقال : سنّة نبيّكمصلىاللهعليهوآلهوسلم وإن رغمتم »(3) .
وستأتي في الحلقة الثالثة في (فقهه) بعض موارد الخلاف بينه وبين عثمان.
لقد كان لابن عباس مع عثمان مواقف إصلاحية إلى جانب مواقفه النقدية ، وكان عثمان يستجيب له أحياناً إذا لزمته الحجة ، فقد روى مصعب الزبيري في نسب قريش قال : وقال أبو الزنّاد : كانت بين حسّان بن ثابت شاعر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبين بعض الناس منازعة عند عثمان بن عفان ، فقضى عثمان على حسّان ، فجاء حسّان إلى عبد الله بن عباس فشكا ذلك إليه. فقال له ابن عباس : الحقّ حقّك ولكن أخطأتََ حجتك ، انطلق معي ، فخرج به حتى دخلا على عثمان ، فاحتج له
__________________
(1) مسند أحمد 1 / 337 ط محققة.
(2) نفس المصدر 4 / 352 و 5 / 119.
(3) نفس المصدر 4 / 176 و 184 ، و 5 / 66.
ابن عباس حتى تبيّن عثمان الحقّ ، فقضى به لحسّان بن ثابت فخرج آخذاً بيد ابن عباس حتى دخلا المسجد ، فجعل حسّان بن ثابت ينشد الحَلـَق ويقول :
إذا ما ابن عباس بدا لك وجهُه |
رأيتَ له في كلّ مجمعة فضلا |
|
إذا قال لم يترك مقالاً لقائل |
بمنتظمات لا ترى بينها فصلا |
|
كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع |
لذي إربة في القول جداً ولا وهزلا(1) |
وذكر الطبراني والهيثمي وابن عبد البر وابن حجر هذه القصة بتفاوت في ألفاظها وأشعارها وزيادة لبيتين عند بعضهم وهما كما في الطبراني :
سموت إلى العليا بغير مشقة |
فنلتَ ذراها لا جباناً ولا وغلا |
|
خُلقتَ حليفاً للمودة والندى |
مليحاً ولم تخلق كهاماً ولا خبلا |
فقال الوالي : والله ما أراد بالكهام الخبل غيري والله بيني وبينه(2) .
روى ابن قتيبة في كتابه الإمامة والسياسة في حديث طويل جاء فيه : « وأمسك عثمان ابن عباس فقال له عثمان : يا بن عمي ويا بن خالي فإنّه لم يبلغني عنك في أمري شيء أحبّه ولا أكرهه عليّ ولا لي ، وقد علمتُ أنّك رأيت بعض ما رأى الناس ، فمنعك عقلك وحلمك من أن تـُظهر ما أظهروا ، وقد أحببتُ أن تعلمني رأيك فيما بيني وبينك فاعتذر. قال ابن عباس : فقلت : يا أمير المؤمنين إنّك قد أبتليتني بعد العافية ، وأدخلتني في الضيق بعد السعة ، ووالله إن رأيي لك
__________________
(1) نسب قريش / 26.
(2) المعجم الكبير للطبراني 4 / 42 ـ 43 ط الموصل ، وقارن مجمع الزوائد 9 / 284 ـ 285 ، والاستيعاب والإصابة في ترجمة ابن عباس.
أن يُجلّ سنّك ، ويُعرَف قدرُك وسابقتك ، ووالله لوددتُ أنّك لم تفعل ما فعلتَ ممّا ترك الخليفتان قبلك ، فإن كان شيئاً تركاه لمّا رأيا أنّه ليس لهما علمتَ أنّه ليس لك كما لم يكن لهما ، وإن كان ذلك لهما فتركاه خيفة أن يُنال منهما مثل الّذي ينل منك تركتَه لما تركاه له ، ولم يكونا أحقّ بإكرام أنفسهما منك باكرام نفسك.
قال : فما منعك أن تشير عليَّ بهذا قبل أن افعل ما فعلتَ؟
قال : وما علمي أنّك تفعل ذلك قبل أن تفعل؟
قال : فهب لي صمتاً حتى ترى رأيي »(1) .
روى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة قال : « وقدم معاوية بن أبي سفيان على أثر ذلك من الشام فأتى مجلساً فيه عليّ بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وعمار بن ياسر فقال لهم : يا معشر الصحابة أوصيكم بشيخي هذا خيراً ، فوالله لئن قتل بين أظهركم لأملأنها عليكم خيلا ورجالا ، ثمّ أقبل على عمّار بن ياسر ، فقال : يا عمّار انّ بالشام مائة ألف فارس كلّ يأخذ العطاء مع مثلهم من أبنائهم وعبد انهم لا يعرفون عليّاً ولا قرابته ، ولا عمّاراً ولا سابقته ، ولا الزبير ولا صحابته ، ولا طلحة ولا هجرته ، ولا يهابون ابن عوف ولا ماله ولا يتقون سعداً ولا دعوته فإياك يا عمّار أن تقع غداً في فتنة تنجلي فيقال هذا قاتل عثمان وهذا قاتل عليّ.
__________________
(1) الإمامة والسياسة 1 / 29 مط الأُمة سنة 1928 م.
ثمّ أقبل على ابن عباس فقال : يا ابن عباس إنّا كنا وإياكم في زمان لا نرجوا فيه ثوأباً ولا نخاف عقاباً ، وكنا أكثر منكم فوالله ما ظلمناكم ولا قهرناكم ولا أخرناكم عن مقام تقدّمناه ، حتى بعث الله رسوله منكم فسبق إليه صاحبكم فوالله ما زال يكره شركنا ويتغافل به عنا حتى ولي الأمر علينا وعليكم ، ثمّ صار الأمر إلينا وإليكم ، فأخذ صاحبنا على صاحبكم لسنّه ، ثمّ غيّر فَنَطق ونُطقَ على لسانه ، فقد أوقدتم ناراً لا تطفأ بالماء.
فقال ابن عباس : كنا كما ذكرت حتى بعث الله رسوله منا ومنكم ثمّ ولي الأمر علينا وعليكم ، ثمّ صار الأمر إلينا وإليكم ، فأخذ صاحبكم على صاحبنا لسنّه ولما هو أفضل من سنّه ، فوالله ما قلنا إلاّ ما قال غيرنا ، ولا نطقنا إلاّ بما نطق به سوانا ، فتركتم الناس جانباً وصيّرتمونا بين إن أقمنا متهمّين ، أو نزعنا مُعتَبن ، وصاحبنا من قد علمتم والله لا يهجهج مهجهج إلاّ ركبه ، ولا برد حوضاً إلاّ أفرطه ، وقد أصبحتُ أحبُ منك ما أحببت وأكره ما كرهت ، ولعلّي لا ألقاك إلاّ في خير »(1) .
كان عقيل بن أبي طالب قد تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة ـ برغبة منها فيه ـ فقالت له : « تصير لي وأنفق عليك ، فكان إذا دخل عليها قالت : أين عتبة بن ربيعة؟ وشيبة بن ربيعة؟ ـ وكانا من المقتولين ببدر ـ فيسكت عنها ، حتى إذا دخل عليها يوماً وهو بَرِم قالت : أين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة! قال : عن يسارك في النار إذا دخلتِ ، فشدّت عليها ثيابها فجاءت عثمان فذكرت ذلك له ،
__________________
(1) نفس المصدر 1 / 27 ، وأنظر مسند أحمد 1 / 57 وهو أوّل حديث فيه من مسند عثمان ، فراجع ، ومرة أخرى / 69.
فضحك فأرسل إلى ابن عباس ومعاوية ـ وكان يومئذ بالمدينة ـ فقال ابن عباس : لأفرقنّ بينهما ، وقال معاوية : ما كنت لأفرّق بين شيخين من بني عبد مناف فأتيا فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما وأصلحا أمرهما فرجعا »(1) .
ذكر المؤرخون أن الحصار كان مرتين :
فالحصار الأوّل قالوا ـ باختلاف ـ استمر أربعين يوماً. وذكروا أنّ عثمان لم يستطع الخروج إلى الصلاة بالناس ، كما ذكروا أسماء جماعة من الصحابة تولوا أمر الصلاة بالناس :
أ ـ فذكر ابن جرير طلحة بن عبيد الله(2) .
ب ـ وذكر ابن كثير فقال : « كان يصلي بالناس في هذه الأيام الغافقي بن حرب »(3) .
ج ـ وذكر البخاري وغيره عن عبد الله بن سلام ، قال : « لمّا حصر عثمان ولى أبا هريرة الصلاة »(4) .
وفي الحصار الثاني ، وهو أقصر زماناً من الحصار الأوّل لكنه أشد تضييقاً :
د ـ فقد روى ابن جرير قال : « جاء المؤذن سعد القرظ إلى عثمان فاذنه بالصلاة ، فقال : لا أنزل أصلي ، اذهب إلى من يصلي ، فجاء إلى عليّ فأمر سهل بن حنيف ، فصلّى اليوم الّذي حصر فيه عثمان الحصر الآخر ، وهو ليلة رؤي هلال
__________________
(1) المصنف لعبد الرزاق 6 / 512 / 513 ، وقارن تفسير الطبري 5 / 45 باختصار.
(2) تاريخ ابن كثير 7 / 177.
(3) نفس المصدر.
(4) نفس المصدر.
ذي الحجة فصلّى بهم ، حتى إذا كان يوم العيد صلّى عليّ بهم العيد ثمّ صلّى بهم حتى قتل »(1) .
هـ ـ وروى الطبري أيضاً عن ابن عمر قال : « لمّا حصر عثمان صلّى بالناس أبو أيوب أياماً ، ثمّ صلّى بهم عليّ الجمعة والعيد حتى قتل »(2) .
و ـ وروى ابن الديبع الشيباني في تيسير الوصول نقلا عن عبد الله بن سلام قال : « وكان ابن عباس يصلي أحياناً »(3) .
وأمّا ما ذكره فلهاوزن في كتاب (الدولة العربية وسقوطها)(4) وكذلك في ترجمته الأخرى باسم (تاريخ الدولة العربية من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة العربية)(5) : « إنّ الإمام أمَّ الناس في صلاتهم عندما كان عثمان محاصراً ـ كما في الترجمة الأولى ـ وكان في أثناء حصار الدار هو الّذي يصلي بالناس ـ كما في الترجمة الثانية ـ » ، فإن ما ذكره هذا المستشرق الألماني إنّما يعني تلك الأيام الّتي أشتد فيها الحصار من بعد صلاة العيد في 10 ذي الحجة وحتى يوم 18 يوم قتل عثمان.
ز ـ وورد في المحبر ممّن صلّى بالناس في حصار عثمان : « صلّى بالناس عبيد الله بن عدي بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف »(6) .
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 423.
(2) نفس المصدر 4 / 433.
(3) تيسير الوصول 2 / 63.
(4) الدول العربية وسقوطها / 46 ترجمة الدكتور يوسف العش.
(5) تاريخ الدول العربية من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة العربية / 51 ترجمة محمّد عبد الهادي أبو ريدة.
(6) المحبر لمحمد بن حبيب الهاشمي / 357 ط حيدر آباد.
حوصر عثمان في داره من جراء تلك الأزمات الّتي أحاقت بالمسلمين بسبب سياسته ، وإثر تصاعد السخط والنكير عليه ، صار لا يستطيع الخروج إلى المسجد النبوي الشريف. فضلاً عن إقامة شعائر الحج كما كان يفعله من قبل. وها هو الموسم أقبل ، فماذا عليه ان يفعل؟ فرأى أن يولـّي أمر الموسم عبد الله ابن عباس فله من مكانته وعلمه ما يؤهله لإقامة المناسك في شعائرها بيسرٍ وأمان ، ولنترك الحديث للطبري. قال : ذكر الخبر عن السبب الّذي من أجله أمر عثمانرضياللهعنه عبد الله بن عباسرضياللهعنه أن يحج بالناس في هذه السنة 35. ذكر محمّد بن عمر الواقدي أن أسامة بن زيد حدّثه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما حُصِر عثمان الحصرَ الآخر ـ قال عكرمة : فقلت لابن عباس : أو كانا حَصرَين؟ فقال ابن عباس : نعم ، الحصر الأوّل ، حصر أثنتي عشرة ـ وقدم المصريون فلقيهم عليّ بذي خشب ، فردّهم عنه. وقد كان والله عليّ له صاحب صدق ، حتى أوغر نفسَ عليّ عليه ، جعل مروان وسعيد وذووهما يحملونه على عليّ فيتحمل ويقولون : لو شاء ما كلّمك أحد ، وذلك أن عليّاً كان يكلّمه وينصحه ، ويغلظ عليه في المنطق في مروان وذويه.
فيقولون لعثمان هكذا يستقبلك وأنت إمامه وسِلفه وابن عمه وابن عمته؟ فما ظنك بما غاب عنك منه؟ فلم يزالوا بعليّ حتى أجمع الاّ يقوم دونه.
فدخلتُ عليه الّذي خرجت فيه إلى مكة ، فذكرت له أنّ عثمان دعاني إلى الخروج.
فقال لي : ما يريد عثمان أن ينصحه أحد ، اتخذ بطانة أهل غشٍّ ، ليس منهم أحد إلاّ قد تسبّب بطائفة من الأرض يأكل خراجها ويستذل أهلها.
فقلت له : أن له رحِماً وحقاَ ، فإن رأيت ان تقوم دونه فعلتَ ، فإنك لا تـُعذر إلاّ بذلك.
قال ابن عباس : فالله يعلم أنّي رأيت فيه الإنكسار والرقة لعثمان ، ثمّ أنّي لأراه يؤتى إليه عظيم.
ثمّ قال عكرمة : وسمعت ابن عباس يقول : قال لي عثمان : يابن عباس ، اذهب إلى خالد بن العاص بمكة فقل له : يقرأ عليك أمير المؤمنين السلام ، ويقول لك : إنّي محصور منذ كذا وكذا يوماً لا أشرب إلاّ من الأجاج من داري ، وقد مُنعتُ بئراً اشتريتها من صلب مالي رُومة ، فإنما يشر بها الناس ولا أشرب منها شيئاً ، ولا آكل إلاّ ممّا في بيتي ، مُنعتُ أن آكل ممّا في السوق شيئاً وأنا محصور كما ترى ، فأمره وقل له : فليحج بالناس ، وليس بفاعل ، فإن أبى فأحجج أنت بالناس.
هذه رواية الطبري(1) .
وأقدم منه البلاذري في روايته عن عمرو بن دينار قال : « كلـّم أهل المدينة ابن عباس في أن يحج بهم وعثمان محصور فاستأذنه في ذلك فقال : حجّ بهم »(2) .
وأقدم منهما معاً ابن سعد فقد روى في الطبقة الخامسة من طبقاته رواية عمرو بن دينار الآنفة الذكر. ثمّ اتبعها برواية ابن عباس نفسه قال : « دعاني عثمان فاستعملني على الحج فخرجت إلى مكة فأقمت للناس الحج »(3) .
ولا مانع من الجمع بين الجميع ، كما لا بُعد فيما قاله المستشرق الألماني ولهاوزن في كتابه الدولة العربية وسقوطها قال : « أمّ ـ عليّ ـ الناس في صلاتهم
__________________
(1) أنظر تاريخ الطبري 4 / 05 ط دار المعارف.
(2) أنساب الأشراف 1ق4 / 588.
(3) طبقات ابن سعد 1 / 173 تح ـ السُلمي.
عندما كان عثمان محاصراً ، وعيّن أميراً للحج من عنده »(1) . وهذا يمكن قبوله إذا تذكرنا ما مرّ من دخول ابن عباس على الإمام في أوّل حديثنا عن إمارة الموسم ، فيكون هو الّذي عينه أو فلنقل أمضى تعيينه(2) .
ومهما يكن فقد حمد الناس ذلك ، حتى أن عائشة قالت : « من جعل على الموسم العام؟ قالوا : ابن عباس ، قالت : هو أعلم الناس بالحج »(3) .
وروى الذهبي بسنده عن عمرو بن دينار : « إنّ أهل المدينة كلموا ابن عباس أن يحج بهم ، فدخل على عثمان فأمره »(4) .
ومهما يكن نصيب ذلك من الصحة فهو لم يزد على تأمير عثمان له إلاّ بذكر السبب ، حيث كان بطلب من أهل المدينة ، وكان هذا آخر اللقاء بين الرجلين كما سيأتي بيانه.
روى الطبري في تاريخه بسنده عن عكرمة قال : « فخرج ابن عباس فمرّ بعائشة في الصُلصُل(5) فقالت يابن عباس أنشدك الله. فإنك قد أعطيت لساناً
__________________
(1) الدول العربية وسقوطها / 46 ترجمة الدكتور يوسف العش.
(2) وهذا اولى بالقبول من قوله كما في الترجمة الثانية لكتابه ترجمة الدكتور محمّد عبد الهادي ابو ربده ، ومراجعة الدكتور حسين مؤنس للترجمة ، فقد جاء في صفحة 51 قوله : (وكان ـ عليّ ـ في اثناء حصار الدار هو الّذي يصلي بالناس ، كما انّه هو الّذي حج بهم ، وهذا من هفوات الترجمة إذ لم يحج الامام بالناس في تلك السنة ، ولا في غيرها سوى في السنة التاسعة الّتي بعثه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لتبليغ سورة براءة فقد أقام للناس حجهم وبلغهم ما أمر بتبليغه.
(3) طبقات ابن سعد في ترجمة ابن عباس في الطبقة الخامسة تح السلمي ، والمعرفة والتاريخ للفسوي 1 / 495.
(4) سير أعلام النبلاء 4 / 450.
(5) الصلصل : موضع على 7 أميال من المدينة.
إزعيلاً(1) . أن تخذل عن هذا الرجل وأن تشكّك فيه الناس ، فقد بانت لهم بصائرهم ، وأنهجت(2) ورفعت لهم المنار ، وتحلـّبوا من البلدان لأمر قد حُمّ ، وقد رأيت طلحة بن عبيد الله قد اتخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح ، فإن يل يسر بسيرة ابن عمه أبي بكر.
قال ابن عباس. قلت : يا أمّه لو حدث بالرجل حَدَث مافزع الناس إلاّ إلى صاحبنا.
فقالت : إيهاً عنك إنّي لست أريد مكابرتك ولا مجادلتك »(3) .
وفي رواية ابن أعثم في الفتوح قالت له : « يا بن عباس إنّك قد أوتيت عقلاً وبياناً ، فإياك أن ترد الناس عن قتل هذا الطاغي عثمان فإنّي أعلم أنّه سيشأم قومه كما شأم أبو سفيان قومه يوم بدر »(4) .
وفي رواية الشيخ المفيد : « قالت له : يا بن عباس إنّك قد أوتيت عقلاً وبياناً وإياك أن تردّ الناس عن قتل الطاغية »(5) .
وفي رواية ابن أبي الحديد نقلاً عن الطبري نجد تفاوتاً في الخبر ، فقد قال : « وروى الطبري أيضاً قال قال ابن عباسرحمهالله : لما حججت بالناس نيابة عن عثمان وهو محصور مررت بعائشة بالصُلصُل ، فقالت : يا بن عباس أنشدك الله فإنك قد أعطيت فهماً ولساناً وعقلاً أن لا تخذّل الناس عن طلحة فقد بانت لهم بصائرهم في عثمان وأنهجت ، ورفعت لهم المنابر ، وجلبوا من البلدان لأمر عظيم قد حُمّ ،
__________________
(1) الازعيل : الذلق.
(2) أنهج الطريق : وضُح وبان.
(3) تاريخ الطبري 4 / 407 ط محقق.
(4) الفتوح 2 / 226.
(5) النصرة في حرب البصرة / 61 ط الثانية بالحيدرية سنة 1368.
وإنّ طلحة قد أتخذ رجالاً على بيوت الأموال وأخذ مفاتيح الخزائن وأظنه يسير إن شاء الله بسيرة ابن عمه أبي بكر.
فقال : يا امّه لو حدث بالرجل حدث ما فزع الناس إلاّ الى صاحبنا.
فقالت : إيهاً عنك يا بن عباس إنّي لست أريد مكابرتك ولا مجادلتك »(1) .
ذكرت مصادر الأحكام السلطانية وظائف أمير الموسم فكان منها :
1 ـ حضوره بمكة قبل اليوم السابع ، فإنّ ولاية الأمير تبدأ بعد صلاة الظهر من ذلك اليوم.
2 ـ إمامة الحاج في الصلاة.
3 ـ إشعار الناس بوقت إحرامهم ، والخروج إلى مشاعرهم ليكونوا له متبعين وبأفعاله مقتدين.
4 ـ تعليمهم المناسك على ما استقرّ عليه الشرع لأنّه متبوع فيها.
5 ـ إتباعه في إقامة الأركان في المشاعر. والتأمين على أدعيته فيها ، ليكونوا متبعين له قولاً وعملاً.
6 ـ تقدير المواقف بمقامه فيها وسيره عنها ، فيفيضون بإفاضته.
7 ـ حكمه بين الحاج فيما اختلفوا فيه.
8 ـ إقامة الحدّ والتعزير على ولمن وجب عليه ذلك.
9 ـ وعليه أن يكون نفره النفر الآخر ولا يتعجل في اليومين.
10 ـ وعليه أن لا يخرج من مكة إلاّ بعد اليوم الثالث عشر وهو آخر يوم من ولايته ، وكلّ هذه الوظائف كان حبر الأمة القدير على تنفيذها مع علم وعدالة.
__________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 506.
ولمّا دخل مكة في جو ملتهب بالمشاعر الساخطة على عثمان ، وها هو أمير الحاج من قبله فعليه أن يتجنب كلّ ما يشتـّت الكلمة ويوري نار الفتنة ، لذلك لم يتعرض لأمر عثمان من قريب أو بعيد ، وكأنّه لم يكن خليفته في أمر المناسك ، بل بلغ من إعراضه عن أمره ، أن عثمان بعث معه كتاباً الى الحجاج يدعوهم الى نصرته ليتلوه في مكة قبل التروية بيوم ، فتلاه دون التعليق عليه بقليل أو كثير. وكان كتاباً طويلاً(1) تستدعي فيه بعض الفصول إثارة الفضول ، والتساؤل حول أفعال عثمان وولاة عثمان ، وهو حديث الساعة يومئذ بين الحجاج. لكنه لم يدع مجالاً للخوض في ذلك ، حفظاً للنظام وحفاظاً على إقامة المناسك دون بلبلة.
وزاد من إعراضه أنّ عثمان بعث كتابا مع نافع بن طريف إلى أهل مكة ومن حضر الموسم يستغيثهم ، فوافى به نافع يوم عرفة ، وابن عباس يخطب ، فقام نافع إليه ليقرأ الكتاب ، فلم يقرأه وقطع خطبته وترك نافع يقرأ كتاب عثمان ولمّا أتم قراءته ، عاد ابن عباس فأتم خطبته ولم يعرض لشيء من شأنه(2) .
وهكذا أقام للناس مناسك حجّهم ، ومضت أيام الحج المعلومات ، وألسنة الثناء تطري حبر الأمة وتمجّده ، اذ سحر الناس ببيانه خطيباً ، ومعلماً للأحكام مصيباً ، كما هو شأنه في كلّ عام حتى بلغ من افتتان الناس بكلامه ، قول بعضهم : يا سبحان الله ماذا يخرج من رأس هذا الرجل ، لو سمعت هذا الترك لأسلمت.
وقال الآخر ـ وقد سمعه يفسّر سورة النور وهو على المنبر ـ لو فسح لي المجال لقبـّلت رأسه لحلو منطقه. وروى أبو عثمان الجاحظ قول الناس :
__________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 140 ـ 142 ط الحسينية.
(2) تاريخ المدينة المنورة لعمر بن شبة / 1166 تح ـ فهيم محمّد شلتوت ، تاريخ الإمامة والسياسة 1 / 33 ـ 34.
« خطبنا عبد الله بن عباس خطبة بمكة أيام حصار عثمان لو شهدتها الترك والديلم لأسلموا »(1) .
أمّا الآخر من المعجبين الذين لم يخفوا إعجابهم حين سماعه خطبته فكان يقول : ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله ، لو سمعته فارس والروم لأسلمت.
وما كادت تنقضي أيام الموسم حتى أقلّ العُرجة وأسرع العودة ، ليتطلـّع إلى أخبار المدينة وما خلـّفه بها من اضطراب في الأمر والأمن ينذر بالخطر المحدق بالأمة. وما إن ودّع البيت الحرام حتى خرج عائداً إلى المدينة مسرعاً فبلغها بعد مقتل عثمان بخمس ليال ـ كما سيأتي ذلك عنه ـ ولما كان مقتله لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة ـ على أصح الأقوال ـ وعرفنا ان المسافة بين الحرمين ـ مكة والمدينة ـ فيما قدّرها علماء الجغرافية والبلدان ـ كابن رستة في الأعلاق النفيسة(2) والاصطخري في المسالك والممالك(3) وياقوت في معجم البلدان(4) وغيرهم ـ قالوا : ان بين مكة والمدينة نحو من عشر مراحل في طريق الجادة ، وعرفنا ان المرحلة ما يقطعها المسافر في يومه ـ كما يقولون ـ وتقدر بثمانية فراسخ كما في البلدان لليعقوبي.
وعرفنا ـ كما مرّ ـ أن أمير الحاج لا يخرج إلاّ بعد الثالث عشر من ذي الحجة فإذا أضفنا مدة المسافة وهي عشرة أيام لعشر مراحل فينبغي أن يكون وصوله ليس في أخر الشهر بيوم أو يومين. كما حدّث بنفسه ، حيث قال :
__________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 472.
(2) الأعلاق النفيسة / 180 ط ليدن.
(3) المسالك والممالك / 27 ط ليدن.
(4) معجم البلدان 7 / 300 ط مصر.
قدمتُ من مكة بعد مقتل عثمان بخمس ليال ـ وذلك آخر الشهر ـ وإذا عثمان قد قتل وإذا الناس يتواثبون على رقبة عليّ بن أبي طالب
وسيأتي بقية كلامه في الحديث عن خلافة الإمام.
إذا عرفنا ذلك كلّه عرفنا أنّه ربّما كان يطوي المراحل فلا يقيم بمكان ولا يلوي على شيء فدخل المدينة في الثالث والعشرين أو تاليه بعد مقتل عثمان بخمس ليال.
وبهذا انتهت آخر صفحة من الفترة الّتي عاشها حبر الامة في أيام عثمان ، فرأى منه كما رأى الناس ، وقال فيه كما كان يقول الناس ، ولكن ذلك لم يكن له معذراً عند بني أمية فيما يستقبل في ايام حياته معهم كما سنرى الإتهامات زوراً وبهتاناً ونقرأ الوعيد ظلماً وعدواناً.
وحسبنا في المقام أن نستبق الأحداث فنروي للقاريء ما رواه البلاذري في أنساب الأشراف : « انّ عمرو بن العاص قال لعبد الله بن عباس : يا بني هاشم أما والله لقد تقلـّدتم من دم عثمان كفَرَم الإماء العوارك(1) وأطمعتم فسّاق أهل العراق في عيبه ، وأجزرتموه مرّاق أهل مصر وآويتم قتَلتَه ، وإنما نظر الناس الى قريش ، ونظرت قريش إلى بني عبد مناف ، ونظر بنو عبد مناف الى بني هاشم.
فقال ابن عباس لمعاوية : ما تكلـّم عمرو إلاّ عن رأيك ، وإن أحقّ الناس أن لا يتكلم في قتل عثمان لأنتما ، أمّا أنت يا معاوية فزيّـنت له ما صنع ، حتى إذا حُصِرَ طلب نصرَك فأبطأتَ عنه وتثاقلتَ وأحببتَ قتله ، وتربّصت لتنال ما نلتَ.
__________________
(1) الفرم والفرام والفرامة خرقة الحيض. والعوارك جمع عارك وهي المرأة الحائض.
وأمّا أنت يا عمرو فأضرمتَ المدينة عليه ناراً ، ثمّ هربتَ إلى فلسطين ، فأقبلت تحرّض عليه الوارد والصادر ، فلمّا بلغك قتله دعتك عداوة عليّ الى أن لحقت بمعاوية ، فبعتَ دينك منه بمصر.
فقال معاوية : حسبك يرحمك الله ، عرّضني لك ونفسَه فلا جُزي خيراً »(1) .
ولنختم الكلام في هذا المقام ، ونجعله نهاية الجزء الثاني من الحلقة الأولى من (موسوعة عبد الله بن عباس حبر الأمة) وقد تناولنا فيها حياته قرابة نصف قرن من عمره ، بدءاً من ولادته ومروراً بمراحل حياته في عهد الرسول الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم وأيام أبي بكر وأيام عمر وأيام عثمان ، والحمد لله رب العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين.
(نجز تبييضه بعد تغيير وتطوير من النسخة الاُولى ضحى يوم الثامن والعشرين من ذي الحجة الحرام سنة 1421 هـ بجوار مولاي أمير المؤمنينعليهالسلام ، أسأل الله بحقّه أن يعينني على الإتمام والإكمال بالتمام)
__________________
(1) أنساب الأشراف 1ق 4 / 94 تح ـ إحسان عباس ، وذكر هذا الذهبي في تاريخ الإسلام 2 / 238 ط القدسي ، وسير أعلام النبلاء 4 / 252 / 253 ط دار الفكر إلاّ قول معاوية : فلا جزي خيرا ، نحن نقول للقاريء فظن خيرا.
فهرس الجزء الثاني
تقديم 7
الفصل الأول : 9
فترة بين عهدين 9
فترة بين عهدين : 11
مواقف العباس في تلك الفترة : 28
الفصل الثاني : 43
حبر الأمة في عهد أبي بكر 43
حبر الأمة في عهد أبي بكر : 45
إستخلاف أبي بكر لعمر : 63
الفصل الثالث : 67
حبر الأمة في عهد عمر 67
ثلاث مسائل بين يدي البحث : 69
المسألة الأولى : 70
المسألة الثانية : 73
المسألة الثالثة : 77
الحبر مع عمر : 80
نصوص ذات دلالة : 80
الحبر في مجلس شورى عمر : 82
شواهد الصرامة من الطرفين : 87
تعقيب بلا تثريب : 92
الحبر مع عمر في أسفاره : 101
لم تغيّر العلاقة الوطيدة في ثوابت الطرفين شيئا : 108
حضور الحبر مقتل عمر وآخر أيامه : 112
ثوابت أهل البيت ومنهم ابن عباس : 117
فيا لله وللشورى : 121
الفصل الرابع : 135
حبر الأمة في عهد عثمان 135
حبر الأمة في أيام عثمان : 137
معرفة الوشائج : 139
فيا لله وللشورى : 146
خدعة الشورى : 147
بدايات غير متفائلة : 149
عثمان أحبّ إلى قريش من عمر : 153
السخط والساخطون أسباب ونتائج : 158
مخالفاته للشريعة في الأحكام : 159
مخالفاته للشريعة في الأموال والمحاباة بالولايات : 171
مخالفته للسيرة العمرية : 174
محاباة عثمانية للقرابة : 178
معرفة الساخطين : 187
تبادل السخط بين الصحابة وبين عثمان : 187
1ـ عبد الله بن مسعود رضياللهعنه : 189
2ـ أبو ذر الغفاري (رضوان الله تعالى عليه) : 192
نهاية مروّعة ومفزعة : 199
4 ـ عائشة اُمّ المؤمنين : 208
مواقف سنمّارية من بعض الصحابة : 217
أوّلاً ـ أبناء عمر بن الخطاب (عبيد الله ـ عبد الله ـ حفصة) : 217
ثانياً ـ الزبير بن العوام : 221
ثالثاً ـ طلحة بن عبيد الله : 224
رابعاً ـ عبد الرحمن بن عوف : 227
خامساً ـ سعد بن أبي وقاص : 233
سادساً ـ عمرو بن العاص : 235
سابعاً ـ أبو موسى الأشعري : 241
ثامناً ـ أبو هريرة الدوسي : 242
تاسعاً ـ زيد بن ثابت الأنصاري : 244
سخاء عثمان إلاّ مع بني هاشم! 247
مواقف عثمان مع بني هاشم : 250
مظاهر الحب والبغض بين قريش وبين بني هاشم : 278
معرفة نتائج السخط : 297
مواقف محنة واختبار لابن عباس : 302
أوّلاً : مواقف جهادية بحدّ السنان واللسان 304
1 ـ غزاة أفريقية : 307
2 ـ غزاة جرجان وطبرستان : 322
ثانياً : مواقف قرآنية 324
1 ـ جمع القرآن : 325
2 ـ تـحريـق المـصاحـف : 328
3 ـ توحيد القراءة : 332
ثالثاً : مواقف شرعية في الأحكام 335
رابعاً : مواقف اصلاحية 339
1 ـ إلزام ابن عباس لعثمان بالحجة : 339
2 ـ استكشاف للرأي وصراحة نقدية هادئة : 340
3 ـ كبرياء معاوية في عتابه وأعتداد ابن عباس في جوابه : 341
4 ـ حَكَماً من أهله وحَكَماً من أهلها : 342
5 ـ إمامة الصلاة أيام الحصار : 343
خامساً : إمارة الموسم 345
سادساً : مع عائشة في الصُلصُل 347
سابعاً : إقامة المناسك 349
فهرس الجزء الثاني 354