بسم الله الرحمن الرحيم
اليك يارسول الله محمد!
اليكَ ياحبيب الله، ياخاتمَ النبيين!
والى آلكَ الطيبيين الطاهرين
اليكَ والى جميع الأنبياءِ والمرسلين، صلوات الله
وسلامهُ عليكم أجمعين
اتقدّمُ الى ساحة قُدسكم المطهّرة
لأهديَكم بضاعتي التي أحملها بين يديَّ المقصّرتين
والتي كتبتها نصرةً لولدكم وحامل لوائكم(منقذ العالم) قرَّبَ الله يومهُ
الشريف المبارك وهو يومُ الله الأعظم
فكونوا شفعاءَنا عند الله
ليغفر لنا ويرحمنا ويقبلنا،
ويكشف عنا وعن أهلنا الضّرَّ والبلاءَ،
ويأخذ بأيدينا الى عالم الحقّ والحقيقة
بلطفه ورحمته التي وَسعت كُلَّ شيءٍ فهو ارحم الراحمين.
كلمة المؤسسة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة على أشرف الخلق محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.
أما بعد:
إن الثقافة نزعة فطرية جُبِل عليها الإنسان منذ بدء الخليفة على يومنا هذا ومن أهم الأنماط الثقافية هي الثقافة الإسلامية وقد حثت مدرسة أهل البيت عليهم السلام على إشاعة تلك الثقافة من خلال تلامذه الأئمة الأطهار في أنحاء المعمورة، من خلال ردفهم بكافة الوسائل التي تهيئ لهم نشر تلك الثقافة، ثم أنشئت من بعد ذلك المؤسسات الثقافية الإعلامية لتعميق الوعي الإسلامي، ومن تلك المؤسسات مؤسستنا (مؤسسة العهد الصادق الثقافية / فرع قم المقدسة) والتي لها حظ المساهمة في نشر الثقافة الإسلامية عموماً وثقافة مدرسة أهل البيت عليهم السلام خصوصاً عبر دعمها للكتّاب والباحثين الإسلاميين من خلال طباعة ونشر مصنفاتهم لتعميق الوعي وتجذير المعارف الإسلامية في العقول والواقع الموضوعي.
شكر وتقدير
نتقدم بالشكر الجزيل لكل من ساهم بتأليف وتحقيق وإخراج وطبع هذا المصنف ونشره وتوزيعه، ونسأل الله تعالى أن يجعلهم مناراً وطريقاً وهداية ونسأل الله أن يحميهم وأن يجعلهم حماة للدين والشرع القويم سائلين المولى (عز وجل) أن يتقبل هذا الجهد وأن يمنَّ على الجميع بالأجر والثواب إنه سميع مجيب.
مؤسسة العهد الصادق الثقافية
فرع قم المقدسة
إنّ من لطف الله تبارك وتعالى بعموم البشر، والعناية التربويّة الالهيّة بالانسان، للأخذ بيده الى أعلى مراتب الكمال والرقيّ؛ حتّمت عدم انقطاع الأمل عنه ولو للحظة واحدة، وأن يكون للبشر في كلّ زمان أملاً حقيقيّاً منشوداً، وحلماً ورجاءاً واقعيّاً منتظراً على مدى تعاقب العصور ومرّ الدهور.
ومعنى هذا: أن تكون هناك بشارة إلهية كبرى في كلّ عصر وزمان محتّمَةَ التَّحقُّق والوقوع لكونها وعداً ربّانيّاً محضاً، قد قطعه الله تبارك وتعالى على نفسه المقدّسة، كما في قوله تعالى بخصوص ظهور المنقذ الموعود:
( وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) .(1)
وقول رسوله الأكرم محمد (ص): « لو لم يبق من الدنيا الاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من اهل بيتي يواطيء اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملا الارض عدلاً وقسطا كماملئت جوراً وظلما».(2)
____________________
(1) سورة النور: آية 55.
(2) الرسائل العشرة: ص 99. الطوسي، الغيبة:ص46. الامامة والتبصرة: ص153.عيون أخبار الرضا (ع): ص297. كمال الدين وتمام النعمة: ص280، وص 372، وص 377. كفاية الأثر:ص266، وص281. روضة الواعظين: ص261. دلائل الامامة: ص469. شرح الأخبار: ص352، وص 356، وص 391. النكت الاعتقادية: ص43.الارشاد: ص340. العمدة،ص433. ذخائر العقبى: ص 136.بحار الأنوار: ج 14، ص33، وج 28 ص46. الغدير: ج7 ص125. التفسيرالكبير، ج2، ص27. وهو حديثٌ نبويٌّ شريفٌ صحيحٌ ومتواترٌ ومشهورٌ عند المسلمين.
ولهذا الوعد الربّاني الصادقُ دورٌ كبيرٌ في حفظ وصون الخطّ الالهيّ المقدّس وامتداده وبقائه غضَّاً طريّاً، وهو بحدّ ذاته علاجاً روحيّاً ناجعاً لعموم البشر(1) ، فضلاً عن العطاء والأجر والثواب الجزيل من الله عزّ وجلّ لكون المُنتظر قد صدّقَ فعلاً بغيب الله تبارك وتعالى والذي هو من أشرف العبادات العالية القدر عند الباريء سبحانه وتعالى حيث قدّمها على الصلاة والزكاة في قوله تبارك وتعالى:
( الم ﴿1﴾ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿2﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) .(2)
وقد ثبت يقينا أنّ العالم بأسره، وما توصّلت اليه جهود البشر من خلال فترات حياتها الطويلة من علوم واسعة، وأبعاد فكر شاسعة، وتكنلوجيا محيّرة، وصناعات متطوّرة؛ لكننا نجد أنّ هذا العالم الكبير بأسره يعاني الظلم والجور، ومصادرة أبسط حقوق الانسان، ويحنّ الى السعادة التي يجهلها الكثير!ٍحنين الطفل الى محالب أمّه، ويحلم أن يعيش يوماً ما الطمأنينةَ الحقّةَ ببعديها المادّي والمعنوي، وأصبحت فكرة (المجتمع السعيد) مستحيلة التحقق إلاّ بتدخّل الهي كبير وتغيير ربّانيّ جذري.(3)
____________________
(1) انظر: سيكلوجية الأنتظار، موضوع الأبعاد النفسية والإيجابية في عقيدة المهدي المنتظر، ص188-260.
(2) سورة البقرة:الآيات 1-3.
(3) انظر: نهاية صراع الأديان بظهور المهدي في آخر الزمان، ص 256 وما بعدها، تحت عنوان: الإمام المنتظر لحدوث التغيير العالمي.
وما نراه من انهيار وانهزام كبير على المستوى الديني و الأخلاقي والإجتماعي، بل وحتّى على مستوى بديهيّات الفطرة الانسانيّة؛ الاّ دليلاً دامغاً وبرهاناً ساطعاً لامحيص عنه لحتميّة التدخّل الالهيّ المؤمّل بواسطة المنقذ والمنقذ للعالم وشعوب الأرض كافّة (قرّب الله يومه المقدّس) واحقاق الحقّ على يديه وازهاق الباطل الذي ملأ الدنيا، وربط الانسان بالسماء ربطا وثيقاً بعد الخلود الى الأرض...(1)
لذا نجد أنّ الأنبياء (عليهم السلام) ومن عهد آدم (عليه السلام) الى روح الله عيسى بن مريم (عليهما السلام) قد بلّغوا وبشّروا أممهم مراراً وتكراراً وبشتّى الوسائل والسبل بحتميّة تشرّف الأرض وتتويج الخلافة الالهية العظمى بـ (محمد وآل محمد) صلوات الله عليهم أجمعين؛ كمرحلة اولى على طريق سعادة جميع البشر، كما وقد بشّروا أيضا بتشرّف الأرض بالمصلح الأعظم والمنقذ والمخلّص والصاحب والقائم (ع) كمرحلة ثانية على ذات الطريق وبها يكون الحكم لله وحده بواسطة خليفته المدّخر وعندها يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
____________________
(1) انظر: المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص 193وما بعدها تحت عنوان: عقائد الأمم في المهدي، في موضوع: عند المسيحيين، أن عموم المسيحيين الغربيين يعتقدون بـ ( FOTORISM ): وتعني الإعتقاد بمرحلة آخر الزمان، وترقب ظهور منقذ... الخ، و انظر: الإمام المهدي في كتب الأُمم السابقة والمسلمين، ص51. ومجلة مجموعة الحكمة، السنة الثالثة، العدد 1-2، مقال السيد هادي الخسروشاهي.
وبعد تحقق المرحلة الأولى على وجه الأرض بمجيء محمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين نجد أنّ القرآ ن الكريم والرسول الخاتم محمد (ص) وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين يبشّرون العالم أجمع بحتميّة مجيء المنقذ المهدي (عج) وهي المرحلة الثانية التي أشرنا اليها؛ وبشّروا بمرحلة ثالثة أيضا وهي (مرحلة الرجعة) التي لها قوانينها الغير طبيعيّة وخصائصها المختصّة بها ووقتها وظرفها وأسبابها....
وهكذا نجد أنّ ألأمل لم ينقطع من حياة البشر ولو لفترة قصيرة، ولكلّ عصر وزمان بشائره وآماله وأحلامه الخاصة به.
ولقد عاش جميع الانبياء (عليهم الصلاة والسلام) في كلّ العصور والأزمنة واتباعهم من المؤمنين والصالحين و الذين لازالوا يعيشون أملاً عظيماً وشوقاً كبيراً وانتظاراً جميلاً، آملين تحقّق البشارة الالهيّة المقدّسة، وذلك بتتويج الخلافة الالهية على الأرض بالقائم المهدي (عج ) من آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) طاووس اهل الجنة.
ومن نعم المولى عزّ وجلّ علينا والطافه بنا، ان نشاركهم نحن هذا الأمل والانتظار ونعيشه معهم، بل تشاركهم جميع الاديان والملل والنحل والعوالم، وكلّ يحمل علوماً وقصصاً وحكاياتٍتخصّ المصلح الاعظم وما يكون من أمره، وصلاح الكون على يديه المباركتين، وتأسيسه لدولة العدل الالهي، التي حَلُمَ بها البشر جميعاً.لذا فقد ضمّت بشارات الانبياء وأوصيائهم وأتباعهم الربانيين عشقاً ابديّاً وذوباناً كلّياً بهذا الرجل الالهي المقدس على مدى العصور.
ونحن في بحثنا هذا نحاول الوصول إن شاء الله تعالى الى أعماق العقائد الحقّة لموضوع (منقذ العالم) سواء فيما ينسب الى الأنبياء السابقين وما يرتبط بهم من آثار مهمة، أوفي القرآن الكريم وبعضِ ما جاء على لسان النبيّالصادق الأمين محمد (ص) وآله الطيبيين (ع) وصحبه المنتجبين (رض). واما ضرورة وأهمية مثل هكذا بحث فهي تكمنُ في أنَّ هذا الموضوع هو (موضوعٌ عالميٌّ) وغير مختص بشعبٍ من الشعوب أو أُمّةٍ من الأُمم، ولهُ جذورهُ العميقة الممتدّدة بقدمِ الإنسانية، وله أثرهُ النفسي والتربوي على الأعم الأغلب من البشر، ولهُ تراثهُ الدّينيّ والعلمي والتأريخيّ والأخلاقيّ، ويملكُ حظّاً وفيراً من القدسيّةِ والإهتمام لدى كلِّ الديانات والفلسفات - لاسيما السماوية منها بشكلٍ خاصّ - والشعوب والأُمم، فيُعدُّ البحث فيه واثبات حقائقه واجباً علميّاً مهماً يخدمُ الجميع.
واما أهداف البحث فهي اظهار العقائد الحقّة لموضوع (منقذ العالم) بثَوبِها الجميل البهيّ في القرآن الكريم وفي الكتب السماوية المقدّسة الأُخرى، وفي غيرها ان وجد ولكن على نحو الإشارة والإجمال، لإثبات أّنَّ تلك العقائد لها من الحقِّ والصدقِ والعمق والأثر البالغ الشيءَ الكثير وإلاّ لما تواترت في جميع الكتب السماوية وصحفِ الأنبياء (ع) وأقوالهم وما تخلَّفَ عنهم من تراثٍ مقدَّس.
واما في مجال سابقة هكذا بحث، فقد تطرّقَ اليه العديد من الأعلام والفضلاء والباحثين، ولكن على نحوٍ جزئيٍّ، وليسَ بمعمَّقٍ في أغلب
الأحيان، بل وسطحيٍّ في بعضها، ويفتقرُ الى الإبتكار والتجديد في بعض آخر، وعلى سبيل المثال، فانَّ من بين من أجاد في هذا المجال هو صاحب كتاب (أهلُ البيت في الكتاب المقدّس) حيث عقد بحثاً هناك بعنوان: الإمام المهدي(عج) في بشارات العهدين. وصاحب كتاب (البحث عن الحقيقة) باللغة الإنكليزية، عقد بحثاً خاصاً بـ (منقذ العالم المنتقم) على ضوء ما جاءَ في التوراة. وكذلك صاحب كتاب (الكتاب المقدس تحت المجهر) فيه بحثٌ عن المنقذ العالمي، وصاحب كتاب (الإمام المهدي في كتب الأُمم السابقة والمسلمين)، وصاحب كتاب(المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري)، وصاحب كتاب(المسيح الموعود والمهدي المنتظر)...الخ، وكلُّ تلك المصادر وغيرها قد اعتمدناها في بحثنا، لأنَّ فيها عظيم الفائدة وللهِ درُّ مؤلِّفيها.
واما بشأن الهيكليّة التي اعتمدناها في هذا البحث، فقد راعينا فيها الإختصار و السهولة والسلاسة، مبتعدين بذلك عن التطويل والتعقيد، لذا وضعنا هذه الدراسةِ في خمسة فصول تحتوي على مجموعةٍ من المباحث، آملين المنفعة، واللهُ وليُّ التوفيق.
الفصل الأوّل:
الكليّات: (حول عقائدِ الأَديانِ السَّماويَّة)
وفيه ثلاث مباحث:
المبحث الأوّل: التعريفُ بعقائد الأديان السماوية
المبحث الثاني: نظرة في القرآن الكريم
المبحث الثالث: نظرة في الكتاب المقدّس (العهدين)
المبحث الأول: التعريف بعقائد الأديان السماويَّةِ
وهذا المبحثُ يُعقدُ في مرحلتين:
العقيدةُ أنواعٌ: هناك العقيدة السياسية وهناك العقيدة الاجتماعية وهناك العقيدة الدينية...؛ وما يعنينا تعريفهُ هنا، هو (العقيدة الدينية)، فهي العقيدة التي تقف على رأس هذه الأنواع من العقائد، وهي العقيدة التي كتب لها الديمومة والبقاء من دون بقية العقائد الأخرى. وإذا كانت العقيدة تنبثق من عمل عقلي اختياري، وللرغبة والوجدان دورهما فيه فهي من ثم تعد عقيدة مكتسبة. والانسان مطبوع على أن يعتقد ومُهيَّأ لقبولِ معتقدٍ ما. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا يختار الإنسان معتقداً دون آخر...؟ البعض يرى الأمر يكمن في الوجدان، والبعض الآخر يرى الأمر يكمن في العقل، بينما يرى آخرون أن الأمر يكمن في الإرادة(1) . وقد تكون هذه العوامل الثلاثة مجتمعةً لها دورها وتأثيرها في عملية اختيار العقيدة وهي عوامل تختلف من فردٍ لفردٍ ومن فئةٍ لفئةٍ.
إلاّ أن لكلِّ عقيدة خصائصها ومميزاتها التي تجعل منها ذات جاذبية خاصة لمعتنقيها وتدعم موقفهم في الثبات عليها. ولا ننسى هنا العامل الوراثي والاجتماعي فكلاهما له دورهُ في شيوع بعض العقائد وتمكنها في نفوس آخرين.
____________________
(1) انظر: عقائد السنة وعقائد الشيعة التقارب والتباعد، ص 9-10، بايجاز وتصرُّف، عن: المختصر في العقيدة والأخلاق.
وهنا لابُدَّ من طرحِ السؤال التالي: ما هي الخصائص والمميزات التي تتصف بها عقيدة ما أو التي يجب أن تحتويها عقيدة ما ليمكن وصفها بأنها عقيدة دينية لا سياسية ولا اجتماعية...؟
والإجابة تكمن في أمرين:
الأول: موضوع الاعتقاد، وهو الشئ المصدق به أو المعتقد به.
والثاني: حقيقة الإذعان لهذا المعتقد أو ذاك.
أي أن الفاصل بين العقيدة الدينية وغيرها يكمن في الموضوع وهو الصلة بين المتديِّن وبين الشئ المقدَّس موضوع الاعتقاد كما يكمن في اختصاصها بالغيب، فالموضوع هو الله، والغيب هو كل ما يتعلق به(1) . وإذا كانت قضية الإيمان بالله هي الركن الأول في العقيدة الدينية، فإن الركن الثاني هو الإيمان بالرسول الذي عرفنا بالله وأبلغنا رسالته. فمن البديهيات المعروفة أن العقيدة إنما تصلنا عن طريق الرُّسلِ (ع) الذين تتركز مهمتهم في إبلاغ العقيدة الإلهية بنصها كما أنزلت عليه. فالرسول لا يملك حق التعبير عن هذه العقيدة إنما يملك حق تفسيرها. والنص الذي يبلغنا هو القرآن بالنسبة لرسولنا صلى الله عليه وآله والتفسير هو السنة؛ فإذا ورد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله يفسر لنا أمراً من أمور العقيدة قبلناه على أساس أنه عقيدة لأن الرسول لا يضيف شيئاً من عنده إنما يبين للناس ما أنزل إليه. أما إذا ورد كلامٌ على لسان الرسول يناقض القرآن أو يضيف مفهوماً جديداً في الاعتقاد رفضناه على الفور واعتبرناه من الموضوعات على لسان الرسول
____________________
(1) عقائد السنة وعقائد الشيعة التقارب والتباعد، ص9-11.بايجاز وتصرُّف.
لأن الرسول لا يناقض القرآن ولا يضيف عليه( مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ) (1) .
وعليه فإنَّ مصادر عقائد الأديان السماوية محصورة في الكتب المنزلة وهي: القرآن الكريم أولاً، والتوراة والإنجيل والزبور وصحف الأنبياء المسمّات بـ (العهدين) ثانياً، كما سيأتي تفصيله.
والمتأمل في القرآن سوف يكتشف أن لغة القرآن خصت العقيدة باسم (الإيمان) وخصت الشريعة باسم (العمل الصالح) أو (الاستقامة). والإيمان لغةً: هو التصديق، واصطلاحاً هو الاعتقادُ بكل ما ثبت بالضرورة؛ وقد رأى العلماء أن الإيمان مركب من فروع هي التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان. وما يطلب الإسلام من المسلم التصديق به كأساس لإيمانه وكمال عقيدته تجمعه كلمة الشهادتين.
ولكن ما هو التصديق؟ وللإجابة نقول، التصديق بالله: أي معرفة الله (الإلهيات)، والتصديق بالرسول: أي معرفة الرسل والملائكة والكتب (النبوات)، والتصديق بالبعث والحساب (السمعيات).
وهذا هو التصديق الذي يلتزم به جميع المسلمين على الإطلاق. وهذا هو التصديق الذي يشكل أركان العقيدة الإسلامية. وهذا هو التصديق الذي يفصل بين الكفر والإيمان والحق والباطل والهداية والضلال. هذا هو
____________________
(1) سورة المائدة: آية 99.
التصديق الذي يقوم على النصوص القطعية التي حملها جميع الرُّسُلِ (ع) إلى البشرِ في كل زمان ومكان(1) .
وعلى ضوءِ ماتقدَّم، يتسنّى لنا تعريف عقائد ألأديان السماوية وعلى النحو التالي:
العقائد: جمعُ عقيدة، ما عقد عليه القلب واطمأنَّ اليه، وما انطوت عليه أساريرُ القلب ورسخَ فيه وانعقدَ عليه، وهو الإذعانُ والتصديقُ والجزمُ والقطعُ بأمرٍ ما أو بالشيء المعتقد بهِ(2) .
والمرادُ بعقائد الأديان السماوية هنا: هو ما أجمعت عليهِ الأديان السماوية بواسطة الوحي الإلهيّ على التبشير والوعدِ الحتميِّ والقطعيِّ بـ (منقذ العالم ومخلِّصِهِ) في آخر الزمان، والذي يقيمُ الحقَّ بتمامهِ ويدحضَ الباطلَ وأتباعِهِ، ويقيمُ دولة العدل الإلهيّ العظمى الموعودة.
هذا وقد أوجبَ اللهُ تبارك وتعالى في كتبِهِ المقدَّسة - التي أَنزلَها على قلوبِ أنبياءِهِ العظام (صلوات الله عليهم أجمعين) - عِبرَ هذهِ العقيدةِ المباركةِ الإيمانَ بوعدِهِ وعهدِهِ المقطوع بهِ في قضائِهِ الحتميّ بخصوصِ وليِّهِ الأعظم المنقذ، والتصديقَ بهِ وارتقابِ مجيئهِ في يوم اللهِ الأَكبر
____________________
(1) عقائد السنة وعقائد الشيعة التقارب والتباعد، ص 11-12.بايجاز وتصرُّف.
(2) معجم ألفاظ الفقه الجعفري، ص 1802، العقيدة، العقائد: العقيدة: المذهب. المعتقد، ما لا يقبل الشك فيه لدى معتقده. في الدين، ما يقصد به الاعتقاد دون العمل، كعقيدة وجود الله، وبعثة الرسل. العقائد: جمع عقيدة. انظر: عقيدة، معجم ألفاظ الفقه الجعفري، العقيدة: بفتح العين جمعها عقائد...الخ. البليغ في المعاني والبيان البديع، هامش ص37. مقارنة الأديان اليهودية، ص284.
المنتظر؛ وجعلَ ذلكَ من الإيمانِ بغيبِهِ، وجعلَ التصديقَ بالغيبِ من أشرفِ العبادات ومن سماتِ المتَّقين، حيث قال عزَّ وجلَّ:( هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿2﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) (1) .
وبما أنَّ للكتبِ السماويّةِ المُنَزَّلة من الله تبارك وتعالى أهميَّتها العظمى من الناحيةِ الدينيَّةِ والتأريخيَّةِ والأخلاقيةِ، بل ومن جميعِ النواحي، وانحصار العقائد الإلهية الموحات فيها، لذا فهي تُعتبرُ المصادرَ الرئيسية لمثل هكذا بحث، وعليه سيكون بحثنا منصبّاً على القرآن الكريم أولاً، باعتبارهِ الكتاب السماويّ الجامعِ والمُهيمن والمحفوظ بواسطة الله سبحانهُ وتعالى من التحريف والتخريب، وعلى التوراة والإنجيل والزبور وبعضِ صُحُفِ الأنبياءِ (عليهم السلام) ثانياً؛ وتجدرُ بنا الإشارة هنا الى أنَّ هذه الكتب ماعدى القرآن الكريم، قد جُمعت في كتابٍ واحدٍ سمِّيَ بـ (الكتاب المقدَّس) أو (العهدين).
وإن كنّا سنشيرُ أيضاً الى شيءٍ مما ورَدَ في عقائد بعضِ الأديان والفلسفات الأُخرى بخصوصِ مايرتبطُ منها بموضوعنا، ولكن على سبيل الإيجاز والإشارة، وذلكَ لإثباتِ أنَّ هذه العقيدة المباركة ليست دينيَّة فحسب، بل وهي فطريَّة أيضاً، لذا فهي تشمُلُ جميعَ البشر ومستقرَّةٌ في جوانحهم.
____________________
(1) سورة البقرة: آية 2-3.
وفي هذا الفصلِ أيضاً، سنبدأُ بالتعريفِ بالقرآنِ الكريم للوقوفِ على بعضِ حقائقهِ ومعالمهِ ومميّزاتهِ، ثم التعريفُ بالكتاب المقدَّس (العهدين) ودراستهِ والتّأمّلِ فيهِ وإعطائهِ مايستحقُّهُ من قيمةٍ علميَّةٍ وأخلاقيَّةٍ وتأريخيَّةٍ. وربَّما توسَّعنا شيئاً قليلاً في الحديثِ عن هذهِ الكتبِ السماويّة المقدَّسة وذلكَ لأهميَّتها وباعتبارها أفضل ما يملكهُ عالمُ الإنسانِ على الإطلاق.
لقد تجلّى الله سبحانهُ وتعالى في كتابه العزيز (القرآن الكريم)، فهو بحقٍّ معجزةُ المعاجز، والمصدِّقُ والمهيمن على كُلِّ ماسبقهُ من كتبٍ سماويَّةٍ مقدسةٍ، فهو كما قالَ فيه النبيُّ الأكرم محمد (ص): (... كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل، هو الذي من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. وهو الذي لم ينته الجن إذ سمعته أن قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا، هو الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به اجر، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم...)(1) . ولابدَّ لنا هنا من وقفةٍ للتعريفِ بهِ أوَّلاً، ومعرفةُ خصائصهِ وامتيازاته عَمَّن سواه ثانياً.
____________________
(1) البيان في تفسير القرآن، ص 18-19.وهكذا في سنن الدارمي ج 2 ص 435. كتاب فضائل القرآن ومع اختلاف يسير في ألفاظه في صحيح الترمذي ج 11 ص 30 أبواب فضائل القرآن. وفي بحار الأنوار ج 9 ص 7 عن تفسير العياشي. من حديث أخذنا منه موضع الحاجة: روى الحارث الهمداني،قال: (دخلت المسجد فإذا أناس يخوضون في أحاديث فدخلت على علي فقلت: ألا ترى أن أناساً يخوضون في الأحاديث في المسجد؟ فقال: قد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ستكون فتن، قلت: وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم...).
قال تعالى:( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ) (1) . وشهر رمضان هو الشهر التاسع من الشهور القمرية العربية بين شعبان وشوال ولم يذكر اسم شئ من الشهور في القرآن الا شهر رمضان.والنزول هو الورود على المحلّ من العلوّ، والفرق بين الانزال والتنزيل أن الانزال دفعي والتنزيل تدريجي(2) ، والقرآن اسم للكتاب المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه واله وسلم باعتبار كونه مقرؤاً كما قال تعالى:( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (3) . ويطلق على مجموع الكتاب وعلى ابعاضه.والآية تدل على نزول القرآن في شهر رمضان... وأمّا قوله تعالى:( وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿2﴾ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ) (4) ، وقوله:( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) (5) ، فإن ظاهر هذه الآيات لا يلائم كون المراد من إنزال القرآن أوّل إنزاله أو إنزال أول بعض من
____________________
(1) سورة لالبقرة: آية 185.
(2) الميزان في تفسير القرآن ، ج 2 ص15. انظر:تاج العرو س ، ج 15 ص 729. تفسير الأمثل، ج 14 ص 15.
(3) سورة الزخرف: آية 3.
(4) سورة الدخان: آية 2 و3.
(5) سورة القدر: آية 1.
أبعاضه ولا قرينة في الكلام تدل على ذلك كما أدّعى البعض. والذي يعطيه التدبر في آيات الكتاب أمر آخر فإن الآيات الناطقة بنزول القرآن في شهر رمضان أو في ليلة منه إنما عبرت عن ذلك بلفظ الانزال الدال على الدفعة دون التنزيل كقوله تعالى:( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) (1) ، وقوله تعالى:( حم ﴿1﴾ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿2﴾ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ) (2) ، وقوله تعالى:( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) (3) ، واعتبار الدفعة أما بلحاظ اعتبار المجموع في الكتاب أو البعض النازل منه كقوله تعالى:( كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ ) (4) ، فإن المطر إنما ينزل تدريجاً لكن النظر هيهنا معطوف إلى اخذه مجموعاً واحداً، ولذلك عبر عنه بالانزال دون التنزيل، وكقوله تعالى:( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ) (5) ، وإما لكون الكتاب ذا حقيقة أخرى وراء ما نفهمه بالفهم العادي الذي يقضى فيه بالتفرق والتفصيل والانبساط والتدريج هو المصحح لكونه واحدا غير تدريجي ونازلاً بالانزال دون التنزيل.وهذا الاحتمال الثاني هو اللائح من الآيات الكريمة كقوله تعالى:( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) (6) .
____________________
(1) سورة البقرة: آية 185.
(2) سورة الدخان: آية 3.
(3) سورة القدر: آية 1.
(4) سورة يونس: آية 24.
(5) سورة ص: آية 29.
(6) انظر: الميزان في تفسير القرآن، ج2، ص14-17، بإيجاز وتصرف.
وأمّا قوله تعالى:( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) ضمير (أنزلناه) للقرآن وظاهره جملة الكتاب العزيز لا بعض آياته ويؤيده التعبير بالانزال الظاهر في اعتبار الدفعة دون التنزيل الظاهر في التدريج. وفي معنى الآية قوله تعالى:( وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿2﴾ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ) (1) .
وظاهره الاقسام بجملة الكتاب المبين ثم الاخبار عن إنزال ما اقسم به جملة. فمدلول الآيات أن للقرآن نزولاً جمليّاً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير نزوله التدريجي الذي تم في مدة ثلاث وعشرين سنة كما يشير إليه قوله:( وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا ) (2) ، وقوله:( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ) (3) . فلا يعبأ بما قيل: إن معنى قوله:( أَنزَلْنَاهُ ) ابتدأنا بإنزاله والمراد إنزال بعض القرآن.وليس في كلامه تعالى ما يبين ان الليلة أية ليلة هي غير ما في قوله تعالى:( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) (4) فإن الآية بانضمامها إلى آية القدر تدل على أن الليلة من ليالي شهر رمضان. وأما تعيينها أزيد من ذلك فمستفاد من الاخبار...
____________________
(1) سورة الدخان: آية 3.
(2) سورة الإسراء: آية 106.
(3) سورة الفرقان: آية 32.
(4) سورة البقرة: آية 185.
وقد سماها الله تعالى ليلة القدر، والظاهر أن المراد بالقدر التقدير فهي ليلة التقدير يقدر الله فيها حوادث السنة من الليلة إلى مثلها من قابل من حياة وموت ورزق وسعادة وشقاء وغير ذلك كما يدل عليه قوله في سورة الدخان في صفة الليلة:( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴿4﴾ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴿5﴾ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ) (1) ، فليس فرق الامر الحكيم إلا إحكام الحادثة الواقعة بخصوصياتها بالتقدير.(2)
قد ذكر للاعجاز في اللغة عدة معان: الفوت. وجدان العجز. إحدائه كالتعجيز. فيقال: أعجزه الامر الفلاني أي فاته، ويقال: أعجزت زيداً أي وجدته عاجزاً، أو جعلته عاجزاً. وهو في الاصطلاح أن يأتي المدعي لمنصب من المناصب الالهية بما يخرق نواميس الطبيعة ويعجز عنه غيره شاهدا على صدق دعواه(3) . وإنما يكون المعجز شاهداً على صدق ذلك المدعي إذا أمكن أن يكون صادقا في تلك الدعوى. وأما إذا امتنع صدقه في دعواه بحكم العقل، أو بحكم النقل الثابت عن نبي، أو إمام معلوم العصمة، فلا يكون ذلك شاهدا على الصدق، ولا يسمى معجزا في الاصطلاح وإن عجز البشر عن أمثاله: مثال الاول: ما إذا ادعى أحد أنه إله،
____________________
(1) سورة الدخان: آية 6.
(2) انظر: الميزان في تفسير القرآن، ج 20، ص330-331بإيجاز وتصرف.
(3) البيان في تفسير القرآن، ص33.انظر: لسان العرب، ج5 ص 37. مجمع البحرين، ج3 ص 124.
فإن هذه الدعوى يستحيل أن تكون صادقة بحكم العقل، للبراهين الصحيحة الدالة على استحالة ذلك.
ومثال الثاني: ما إذا ادعى أحد النبوة بعد نبي الاسلام، فإن هذه الدعوى كاذبة قطعاً بحكم النقل المقطوع بثبوته الوارد عن نبي الاسلام، وعن خلفائه المعصومين بأن نبوته خاتمة النبوات، وإذا كانت الدعوى باطلة قطعاً، فماذا يفيد الشاهد إذا أقامه المدعي؟ ولا يجب على الله جل شأنه أن يبطل ذلك بعدحكم العقل باستحالة دعواه،أو شهادة النقل ببطلانها.(1)
ولذلك اقتضت الحكمة أن يُخَصّ نبي الاسلام بمعجزة البيان، وبلاغة القرآن، فعلم كل عربي أن هذا من كلام الله، وأنه خارج ببلاغته عن طوق البشر، واعترف بذلك كل عربي غير معاند. ويدل على هذه الحقيقة ما روي عن ابن السكيت أنه قال لابي الحسن الرضا عليه السلام: لماذا بعث الله موسى بن عمران عليه السلام بالعصا، ويده البيضاء، وآلة السحر؟ وبعث عيسى بآلة الطب؟ وبعث محمداً - صلى الله عليه واله وسلم وعلى جميع الانبياء - بالكلام والخطب؟. فقال أبو الحسن عليه السلام: «إن الله لما بعث موسى عليه السلام كان الغالب على أهل عصره السحر، فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله، وما أبطل به سحرهم، وأثبت به`الحجة عليهم. وإن الله بعث عيسى عليه السلام في وقت قد ظهرت فيه الزمانات، واحتاج الناس إلى الطب، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيى لهم الموتى، وأبرأ الاكمه والابرص بإذن الله، وأثبت به الحجة عليهم.وإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم في وقت
____________________
(1) البيان في تفسير القرآن، ص 33.
كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام - وأظنه قال: الشعر - فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجة عليهم» (1) .
وقد كانت للنبي معجزات اخرى غير القرآن، كشق القمر، وتكلم الثعبان، وتسبيح الحصى، ولكن القرآن أعظم هذه المعجزات شأناً، وأقومها بالحجة، لان العربي الجاهل بعلوم الطبيعة وأسرار التكوين، قد يشك في هذه المعجزات، وينسبها إلى أسباب علمية يجهلها. وأقرب هذه الاسباب إلى ذهنه هو السحر فهو ينسبها إليه، ولكنه لا يشك في بلاغة القرآن وإعجازه، لانه يحيط بفنون البلاغة، ويدرك أسرارها. على أن تلك المعجزات الاخرى موقتة لا يمكن لها البقاء فسرعان ما تعود خبراً من الاخبار ينقله السابق للاحق، وينفتح فيه باب التشكيك. أما القرآن فهو باقٍ إلى الابد، وإعجازه مستمر مع الاجيال.
قد علم كلُّ عاقل بلغة الدعوة الاسلامية،أن محمداً (ص) بشَّرَ جميع الامم بدعوتهم إلى الاسلام، وأقام الحجة عليهم بالقرآن، وتحدّاهم بإعجازه، وطلب منهم أن يأتوا بمثله وإن كان بعضهم لبعض ظهيراً(2) ، ثم
____________________
(1) اصول الكافي، كتاب العقل والجهل، الرواية 20.
(1) فقال تعالى:( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) سورة الإسراء: آية 88.
تنزّل عن ذلك فطلب منهم أن يأتوا بعشر سور مثله مُفتريات(1) ، ثم تحدّاهم إلى الاتيان بسورة واحدة. وكان من الجدير بالعرب - وفيهم الفصحاء النابغون في الفصاحة - أن يجيبوه إلى ما يريد، ويسقطوا حجته بالمعارضة، لو كان ذلك ممكناً غير مستحيل.
نعم كان من الجدير بهم أن يعارضوا سورة واحدة من سور القرآن، ويأتوا بنظيرها في البلاغة، فيسقطوا حجة هذا المدعي الذي تحدّاهم في أبرع كمالاتهم، وأظهر ميزاتهم، ويسجلوا لانفسهم ظهور الغلبة وخلود الذكر. ولكن العرب فكرت في بلاغة القرآن فأذعنت لإعجازه، وعلمت أنها مهزومة إذا أرادت المعارضة، فخضعوا لدعوة القرآن، وفازوا بشرف الاسلام، وركب آخرون جادة العناد، فاختاروا المقابلة بالسيوف على المقاومة بالحروف، وآثروا المبارزة بالسنان على المعارضة في البيان، فكان هذا العجز والمقاومة أعظم حجة على أن القرآن وحي إلهي خارج عن طوق البشر. ولو ادَّعى مدَّعٍ: أن العرب قد أتت بمثل القرآن وعارضته بالحجة، وقد اختفت علينا هذه المعارضة لطول الزمان؛ وجواب ذلك:
أن هذه المعارضة لو كانت حاصلة لأعلنتها العرب في أنديتها، وشهرتها في مواسمها وأسواقها. ولاخذ منه أعداء الاسلام نشيداً يوقعونه في كل مجلس، وذكراً يردّدونه في كلّ مناسبة، وللقنه السلف للخلف، وتحفظوا عليه تحفظ المدعي على حجته، وكان ذلك أقرّ لعيونهم من
____________________
(1) فقال تعالى:( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) سورة هود: آية 13.
(1) سورة الإسراء: آية 88.
الاحتفاظ بتاريخ السلف، وأشعار الجاهلية التي ملأت كتب التاريخ، وجوامع الادب، مع أنّا لا نرى أثراً لهذه المعارضة، ولا نسمع لها بذكر. على أن القرآن الكريم قد تحدى جميع البشر بذلك، بل جميع الانس والجن، ولم يحصر ذلك بجماعة خاصة. فقال (عزّ من قائل):( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) (1) . ونحن نرى أعداء الاسلام، يبذلون الاموال الطائلة في الحط من كرامة هذا الدين، والنيل من نبيه الاعظم، وكتابه المقدس، ويتكرر هذا العمل منهم مراراً. فلو كان من الميسور لهم أن يعارضوا القرآن، ولو بمقدار سورةٍ منه، لكانَ هذا أعظم لهم في الحجة، وأقرب لحصول الامنية، ولما احتاجوا إلى صرف هذه الاموال، وإتعاب النفوس.
قد عرفنا أن طريق التصديق بالنبوة والايمان بها، ينحصر بالمعجز الذي يقيمه النبي شاهداً لدعواه، ولما كانت نبوءات الانبياء السابقين مختصة بأزمانهم وأجيالهم، كان مقتضى الحكمة أن تكون معاجزهم مقصورة الأمد، ومحدودة، لانها شواهد على نبوءات محدودة، فكان البعض من أهل تلك الازمنة يشاهد تلك المعجزات فتقوم عليه الحجة، والبعض الاخر تنقل إليه أخبارها من المشاهدين على وجه التواتر، فتقوم عليه الحجة أيضاً. أما الشريعة الخالدة، فيجب أن تكون المعجزة التي تشهد بصدقها خالدة أيضاً،
____________________
(1) سورة الإسراء: آية 88.
لان المعجزة إذا كانت محدودة قصيرة الأمد لم يشاهدها البعيد، وقد تنقطع أخبارها المتواترة، فلا يمكن لهذا البعيد أن يحصل له العلم بصدق تلك النبوة،فإذا كلفه الله بالايمان بها كان من التكليف بالممتنع، والتكليف بالممتنع مستحيل على الله تعالى، فلا بد للنبوة الدائمة المستمرة من معجزة دائمة.وهكذا أنزل الله القرآن معجزة خالدة ليكون برهاناً على صدق الرسالة الخالدة، وليكون حجةً على الخلف كما كان حجة على السلف. وقد نتج لنا عما قدمناه أمران:
الاول: تفوق القرآن على جميع المعجزات التي ثبتت للانبياء السابقين، وعلى المعجزات الاخرى التي ثبتت لنبينا محمد صلى الله عليه واله وسلم لكون القرآن باقياً خالداً، وكون إعجازه مستمراً يُسمِعُ الاجيال ويحتجُّ على القرون.
الثاني: إن الشرائع السابقة منتهية منقطعة، والدليل على انتهائها هو انتهاء أمد حجتها وبرهانها، لأنقطاع زمان المعجزة التى شهدت بصدقها.
ثم ان القرآن يختص بخاصيّة اخرى، وبها يتفوّق على جميع المعجزات التي جاء بها الانبياء السابقون، وهذه الخاصة هي تكفله بهداية البشر، وسوقهم إلى غاية كمالهم. فإن القرآن هو المرشد الذي أرشد العرب المعتنقين أقبح العادات والعاكفين على الاصنام، والمشتغلين بالحروب الداخلية، والمفاخرات الجاهلية، فتكونت منهم أمةٌ ذات عظمةٍ في تاريخها، وذات سموٍ في معارفها وعاداتها. ومن نظر في تاريخ الاسلام وسبر تراجم أصحاب النبي(ص) المستشهدين بين يديه، ظهرت له عظمة القرآن في بليغ
هدايته، وكبير أثره، فإنه هو الذي أخرجهم من حضيض الجاهلية إلى أعلى مراتب العلم والكمال، وجعلهم يتفانون في سبيل الدين وإحياء الشريعة.
ولمّا عرفنا أن القرآن معجزة إلهية، في بلاغته وأسلوبه، لذا يجب علينا أن نعلم أيضاً أن اعجازه لا ينحصر في ذلك، بل هو معجزة ربّانيّة، وبرهان صدق على نبوة من انزل إليه من جهات شتى، فيحسن بنا أن نتعرض إلى شيء منها على نحو الاختصار:
صرح الكتاب في كثير من آياته الكريمة بأن محمداً (ص) أميٌّ، وقد جهر النبي بهذه الدعوى بين ملأ من قومه وعشيرته الذين نشأ بين أظهرهم، وتربى في أوساطهم، فلم ينكر أحد عليه هذه الدعوى، وفي ذلك دلالة قطعية على صدقه فيما يدعيه. ومع أُميَّته فقد أتى في كتابه من المعارف بما أبهر عقول الفلاسفة، وأدهش مفكري الشرق والغرب منذ ظهور الاسلام إلى هذا اليوم، وسيبقى موضعاً لدهشة المفكرين، وحيرتهم إلى اليوم الأخير، وهذا من أعظم نواحي الاعجاز. ولنتنازل للخصوم عن هذه الدعوى، ولنفرض أن محمدا (ص) لم يكن أميّاً، ولنتصوره قد تلقن المعارف، وأخذ الفنون والتاريخ بالتعليم، أفليس لازم هذا أنه اكتسب معارفه وفنونه من مثقفي عصره الذين نشأ بين أظهرهم؟ ونحن نرى هؤلاء الذين نشأ محمد (ص) بينهم، منهم وثنيون يعتقدون بالاوهام، ويؤمنون بالخرافات،ومنهم كتابيون يأخذون معارفهم وتأريخهم، وأحكامهم من كتب(العهدين) التى ينسبونها إلى الوحي، ويعزونها إلى الانبياء. وإذ فرضنا أن
محمداً (ص) أخذ تعاليمه من أهل عصره، أفليس لازم هذا أن ينعكس على أقواله ومعارفه ظلال هذه العقائد التي اكتسبها من معلميه ومرشديه ومن هذه الكتب التي كانت مصدر ثقافته وعلومه؟ ونحن نرى مخالفة القرآن لكتب العهدين في جميع النواحي،وتنزيهه لحقائق المعارف عن الموهومات الخرافية التي ملأت مصادر التعلم في ذلك العصر.
وقد تعرض القرآن الكريم الى صفات الله جل شأنه في آيات كثيرة، فوصفه بما يليق بشأنه من صفات الكمال،ونزهه عن لوازم النقص والحدوث. وهذه نماذج منها:
- ( وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّـهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴿116﴾ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) . (1)
- ( وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَـٰنُ الرَّحِيمُ) . (2)
- ( اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) . (3)
- ( إِنَّ اللَّـهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴿5﴾ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) . (4)
____________________
(1) سورة البقرة: 116-117.
(2) سورة البقرة: 163.
(3) سورة البقرة: 255.
(4) سورة آل عمران: 5، 6.
- ( ذَٰلِكُمُ اللَّـهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴿102﴾ لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) . (1)
- ( قُلِ اللَّـهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ) . (2)
- ( اللَّـهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) . (3)
- ( وَهُوَ اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) . (4)
هكذا يصف القرآنُ اللهَ إلى العالمين، ويأتي بالمعارف التي تتمشّى مع البرهان الصريح، ويسير مع العقل الصحيح، وهل يمكن لبشر أميّ نشأ في محيط جاهل أن يأتي بمثل هذه المعارف العالية؟.كما ويتعرض القرآن لذكر الانبياء فيصفهم بكل جميل ينبغي أن يوصفوا به، وينسب إليهم كل مأثرة كريمة تلازم قداسة النبوة، ونزاهة السفارة الالهية، وإليك نماذج منها(5) :
____________________
(1) سورة الأنعام: الآيات 102، 103.
(2) سورة يونس: الآية 34.
(3) سورة الرعد: الآية 2.
(4) سورة القصص: آية 70.
(5) البيان في تفسير القرآن، ص48، بإيجاز وتصرّف.
-( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) .(1)
-( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) .(2)
-( وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴿3﴾ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) .(3)
-( إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) .(4)
-( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿26﴾ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ) .(5)
-( وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) .(6)
____________________
(1) سورة العراف: 157.
(2) سورة الجمعة: 2.
(3) سورة القلم: 3، 4.
(4) سورة آل عمران: 33.
(5) سورة الزخرف: 26، 27.
(6) سورة الأنعام: 75.
-( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿84﴾ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿85﴾ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ) (1) .
تعرض القرآن الكريم لمواضيع كثيرة العدد، متباعدة الاغراض من الآلهيات والمعارف، وبدء الخلق والمعاد، وما وراء الطبيعة من الروح والملك وإبليس والجن، والفلكيات، والارض، والتاريخ، وشؤون فريق من الانبياء الماضين، وما جرى بينهم وبين أممهم، وللامثال والاحتجاجات والاخلاقيات، والحقوق العائلية، والسياسات المدنية، والنظم الاجتماعية والحربية، والقضاء والقدر، والكسب والاختيار، والعبادات والمعاملات، والنكاح والطلاق، والفرائض، والحدود والقصاص وغير ذلك. وقد أتى في جميع ذلك بالحقائق الراهنة، التي لا يتطرق إليها الفساد والنقد في أية جهة من جهاتها، ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وهذا شئ يمتنع وقوعه عادة من البشر - ولا سيما ممن نشأ بين أمة جاهلة لا نصيب لها من المعارف، ولا غيرها من العلوم - ولذلك نجد كل من ألف في علم من العلوم النظرية، لا تمضي على مؤلفه مدة حتى يتضح بطلان كثير من آرائه. فإن العلوم النظرية كلما ازداد البحث فيها وكثر، ازدادت الحقائق فيها
____________________
(1) سورة الأنعام: ألآيات 84، 85، 86.
وضوحاً، وظهر للمتأخر خلاف ما أثبته المتقدم، والحقيقة - كما يقولون - بنت البحث، وكم ترك الاول للآخر، ولهذا نرى كتب الفلاسفة الاقدمين، ومن تأخر عنهم من أهل التحقيق والنظر قد صارت عرضة لسهام النقد ممن تأخر، حتى أن بعض ما اعتقده السابقون برهاناً يقينيّاً، أصبح بعد نقده وهماً من الاوهام، وخيالاً من الاخيلة.والقرآن مع تطاول الزمان عليه، وكثرة أغراضه، وسمو معانيه،لم يوجد فيه ما يكون معرضاً للنقد والاعتراض، اللّهمّ إلاّ أوهام من بعض المكابرين، حسبوها من النقد!.
أخبر القرآن الكريم في عدة من آياته عن امور مهمة، تتعلق بما يأتي من الانباء والحوادث، وقد كان في جميع ما أخبر به صادقاً، لم يخالف الواقع في شئ منها. ولا شك في أن هذا من الاخبار بالغيب، ولا سبيل إليه غير طريق الوحي والنبوة. فمن الايات التي أنبأت عن الغيب قوله تعالى:( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّـهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ) .(1)
وهذه الاية نزلت في وقعة بدر، وقد وعد الله فيها المؤمنين بالنصر على عدوهم وبقطع دابر الكافرين، والمؤمنون على ما هم عليه من قلة العدد والعدة، حتى أن الفارس فيهم كان هو المقداد، أو هو والزبير بن العوام والكافرون هم الكثيرون الشديدون في القوة، وقد وصفتهم الاية بأنهم ذووا شوكة، وأن
____________________
(1) سورة الأنفال: الآية 7.
المؤمنين أشفقوا من قتالهم، ولكن الله يريد أن يحق الحق بكلماته. وقد وفى للمؤمنين بوعده، ونصرهم على أعدائهم، وقطع دابر الكافرين.
ومنها قوله تعالى:( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿94﴾ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴿95﴾ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّـهِ إِلَـٰهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) .(1)
فإن هذه الاية الكريمة نزلت بمكة في بدء الدعوة الاسلامية، وقد أخرج البزار والطبراني في سبب نزولها عن أنس بن مالك: أنها نزلت عند مرور النبي صلى الله عليه واله وسلم على أناس بمكة، فجعلوا يغمزون في قفاه، ويقولون: (هذا الذي يزعم أنه نبي ومعه جبرئيل).(3)
فأخبرت الاية عن ظهور دعوة النبي صلى الله عليه واله وسلم ونصرة الله له، وخذلانه للمشركين الذين ناوأوه واستهزأوا بنبوته، واستخفوا بأمره. وكان هذا الاخبار في زمان لم يخطر فيه على بال أحد من الناس انحطاط شوكة قريش، وانكسار سلطانهم، وظهور النبي صلى الله عليه واله وسلم عليهم. ونظير هذه الاية قوله تعالى:
( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) .(2) ومن هذه الانباء قوله تعالى: ( غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿2﴾ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ) (3) . وقد وقع ما
____________________
(1) سورة الحجر: 94-96.
(2) لباب النقول: 133.
(3) سورة الصف: 9.
(4) سورة الروم: 2-3.
أخبرت به الاية بأقل من عشر سنين، فغلب ملك الروم، ودخل جيشه مملكة الفرس. ومنها قوله تعالى:( أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ ﴿44﴾ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) .(1)
فأخبر عن انهزام جمع الكفار وتفرقهم وقمع شوكتهم، وقد وقع هذا في يوم بدر أيضا حين ضرب أبو جهل فرسه، وتقدم نحو الصف الاول قائلا: (نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه) فأباده الله وجمعه(2) ، وأنار الحق ورفع مناره، وأعلى كلمته، فانهزم الكافرون، وظفر المسلمون عليهم حينما لم يكن يتوهم أحد بأن ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا - ليس لهم عدة، ولا يصحبون غير فرس أو فرسين وسبعين بعيرا يتعاقبون عليها - يظفرون بجمع كبير تام العدة وافر العدد، وكيف يستفحل أمر اولئك النفر القليل على هذا العدد الكثير، حتى تذهب شوكته كرماد اشتدت به الريح، لولا أمر الله وإحكام النبوة وصدق النيات؟!.
ومنها قوله تعالى:( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴿3﴾ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ) (3) . وقد تضمنت هذه السورة نبأ دخول أبي لهب، ودخول زوجته النار. ومعنى ذلك هو الاخبار عن عدم تشرفهما بقبول الاسلام إلى آخر حياتهما، وقد وقع ذلك(4) .
____________________
(1) سورة القمر: ألآيات 44، 45.
(2) الكشاف، ج4 ص 41. تفسير القرطبي، ج 17 ص 146. تفسير جوامع الجامع، ج 3 ص 47. البيان في تفسير القرآن ، ص 70.
(3) سورة المسد: ألآيات 1، 3، 4.
(4) البيان في تفسير القرآن، ص 40-49، بإيجاز وتصرّف.
أخبر القرآن الكريم في غير واحدة من آياته عما يتعلق بسنن الكون، ونواميس الطبيعة، والافلاك، وغيرها مما لا سبيل إلى العلم به في بدء الاسلام إلا من ناحية الوحي الالهي. وبعض هذه القوانين وإن علم بها اليونانيون في تلك العصور أو غيرهم ممن لهم سابق معرفة بالعلوم، إلا أن الجزيرة العربية كانت بعيدة عن العلم بذلك. وإن فريقا مما أخبر به القرآن لم يتضح إلا بعد توفر العلوم، وكثرة الاكتشافات. وهذه الانباء في القرآن كثيرة.وقد أخذ القرآن بالحزم في إخباره عن هذه الامور، فصرح ببعضها حيث يحسن التصريح، وأشار إلى بعضها حيث تحمد الاشارة، لان بعض هذه الاشياء مما يستعصي على عقول أهل ذلك العصر، فكان من الرشد أن يشير إليها إشارة تتضح لاهل العصور المقبلة حين يتقدم العلم، وتكثر الاكتشافات. ومن هذه الاسرار التي كشف عنها الوحي السماوي، وتنبه إليها المتأخرون ما في قوله تعالى:( وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ) (1) . فقد دلت هذه الاية الكريمة على أن كل ما ينبت في الارض له وزن خاص، وقد ثبت أخيراً أن كل نوع من أنواع النبات مركب من أجزاء خاصة على وزن مخصوص، بحيث لو زيد في بعض أجزائه أو نقص لكان ذلك مركبا آخر. وان نسبة بعض الاجزاء إلى بعض من الدقة بحيث لا يمكن ضبطها تحقيقا بأدق الموازين المعروفة للبشر.
____________________
(1) سورة الحجر: ألآية 19.
ومن الاسرار الغريبة - التي أشار إليها الوحي الالهي - حاجة إنتاج قسم من الاشجار والنبات إلى لقاح الرياح. فقال سبحانه:( وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ) (1) . فإن المفسرين الاقدمين وإن حملوا اللّقاح في الاية الكريمة على معنى الحمل، باعتبار أنه أحد معانيه، وفسروا الاية المباركة بحمل الرياح للسحاب، أو المطر الذي يحمله السحاب، ولكن التنبيه على هذا المعنى ليس فيه كبير اهتمام، ولا سيما بعد ملاحظة أن الرياح لا تحمل السحاب، وإنما تدفعه من مكان إلى مكان آخر.
والنظرة الصحيحة في معنى الاية - بعد ملاحظة ما اكتشفه علماء النبات - تفيدنا سراً دقيقا لم تدركه أفكار السابقين، وهو الاشارة إلى حاجة إنتاج الشجر والنبات إلى اللّقاح. وأن اللّقاح قد يكون بسبب الرياح، وهذا كما في المشمش والصنوبر والرمان والبرتقال والقطن، ونباتات الحبوب وغيرها، فإذا نضجت حبوب الطلع انفتحت الاكياس، وانتثرت خارجها محمولة على أجنحة الرياح فتسقط على مياسم الازهار الاخرى عفواً. وقد أشار سبحانه وتعالى إلى أن سنة الزواج لا تختص بالحيوان، بل تعم النبات بجميع أقسامه بقوله:
-( وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) (2) .
-( سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ) (3) .
____________________
(1) سورة الحجر: ألآية 22.
(2) سورة الرعد: ألآية 3.
(3) سورة يس: ألآية 36. البيان في تفسير القرآن، ص 72، بايجاز.
ومن الاسرار التي كشف عنها القرآن هي حركة الارض. فقد قال عز من قائل:( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا ) (1) .
تأمل كيف تشير الاية إلى حركة الارض إشارة جميلة لم تتضح إلا بعد قرون، وكيف تستعير للارض لفظ المهد الذي يعمل للرضيع، يهتز بنعومة لينام فيه مستريحاً هادئاً؟ وكذلك الارض مهد للبشر وملائمة لهم من جهة حركتها الوضعية والانتقالية، وكما أن تحرك المهد لغاية تربية الطفل واستراحته، فكذلك الارض، فإن حركتها اليومية والسنوية لغاية تربية الانسان بل وجميع ما عليها من الحيوان والجماد والنبات. تشير الاية المباركة إلى حركة الارض إشارة جميلة، ولم تصرح بها لانها نزلت في زمان أجمعت عقول البشر فيه على سكونها، حتى أنه كان يعد من الضروريات التي لا تقبل التشكيك. ومن الاسرار التي كشف عنها القرآن قبل أربعة عشر قرناً: وجود قارة اخرى. فقد قال سبحانه وتعالى:( رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ) (2) . وهذه الاية الكريمة قد شغلت أذهان المفسرين قرونا عديدة، وذهبوا في تفسيرها مذاهب شتى. فقال بعضهم: المراد مشرق الشمس ومشرق القمر ومغرباهما، وحمله بعضهم على مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. ولكن الظاهر أن المراد بها الاشارة إلى وجود قارة اخرى تكون على السطح الاخر للارض يلازم شروق الشمس عليها
____________________
(1) سورة طه: ألآية 53.
(2) سورة الرحمن: ألآية 17.
غروبها عنا. وذلك بدليل قوله تعالى:( يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ) .(1)
فإن الظاهر من هذه الاية أن البعد بين المشرقين هو أطول مسافة محسوسة فلا يمكن حملها على مشرقي الشمس والقمر ولا على مشرقي الصيف والشتاء، لان المسافة بين ذلك ليست أطول مسافة محسوسة فلا بد من أن يراد بها المسافة التي ما بين المشرق والمغرب. ومعنى ذلك أن يكون المغرب مشرقا لجزء آخر من الكرة الارضية ليصح هذا التعبير، فالاية تدل على وجود هذا الجزء الذي لم يكتشف إلا بعد مئات من السنين من نزول القرآن. فالايات التي ذكرت المشرق والمغرب بلفظ المفرد يراد منها النوع كقوله تعالى:( وَلِلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّـهِ ) (2) .
والايات التي ذكرت ذلك بلفظ التثنية يراد منها الاشارة إلى القارة الموجودة على السطح الاخر من الارض. والايات التي ذكرت ذلك بلفظ الجمع يراد منها المشارق والمغارب باعتبار أجزاء الكرة الارضية كما نشير إليه. ومن الاسرار التي أشار إليها القرآن الكريم كروية الارض فقال تعالى:
-( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ) (3) .
____________________
(1) سورة الزخرف: ألآية 38.
(2) سورة البقرة: ألآية 115.
(3) سورة الأعراف: ألآية 137.
-( رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ) (1) .
-( فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ ) (2) .
ففي هذه الايات الكريمة دلالة على تعدد مطالع الشمس ومغاربها، وفيها إشارة إلى كروية الارض، فإن طلوع الشمس على أي جزء من أجزاء الكرة الارضية يلازم غروبها عن جزء آخر، فيكون تعدد المشارق والمغارب واضحا لا تكلف فيه ولا تعسف. وقد حمل القرطبي وغيره المشارق والمغارب على مطالع الشمس ومغاربها باختلاف أيام السنة، لكنه تكلّف لا ينبغي أن يصار إليه، لان الشمس لم تكن لها مطالع معينة ليقع الحلف بها، بل تختلف تلك باختلاف الاراضي. فلا بد من أن يراد بها المشارق والمغارب التي تتجدد شيئا فشيئا باعتبار كروية الارض وحركتها. وفي أخبار أئمة الهدى من أهل البيت (عليهم السلام) وأدعيتهم وخطبهم ما يدل على كروية الارض.(3)
والحديثُ عن القرآن لاينتهي لعظمتهِ وعمقهِ، ولكن لعلَّ مما تقدَّم يتَّضِحُ مقامُ القرآن الكريم وأهميَّتهِ العظمى في حياة البشر، وخصائصهِ، وما امتاز بهِ عن الكتب السماويةِ السابقةِ، ونجملُ بعضاً منها مراعين الإختصار في ماهو جديد بمايلي:
____________________
(1) سورة الصافات: ألآية 5.
(2) سورة المعارج: ألآية 40.
(3) البيان في تفسير القرآن، ص67-75، بإيجاز وتصرّف. انظر: الوسائل ج 1 ص 237 باب 116 ان أول وقت المغرب غروب الشمس، وبحار الأنوار، ج57 ص95.
فهو جامعٌ لكلِّ ما ورد في الكتب المقدسة - كما أُنزلت(1) - من حقٍّ وصدقٍ، بل وزيادة(2) ، ومهيمنٌ عليها، قال تعالى:( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ) (3) .
فما بالُكَ بـ (العهدين) اليوم! حيثُ ليسَ فيها إلاّ القليلِ من بقايا الوحي(4) ؟.
____________________
(1) كما أُنزلت كاملة غير ناقصة، وقبل أن تُمَدُّ لها أيادي العبث والتخريب.
(2) انظر: الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص22.
(3) سورة المائدة: آية 48.
(4) وسنقفُ على ذلك في محلّه. لكن لايُتَوهَّمُ أنَّ هذا القليل من بقايا الوحي يستطيعُ انسانٌ مثلنا الوقوف عليه وإحصائه والتمكُّن منهُ، كلاّ وألف كلاّ، لأنّه علمٌ شاسعٌ واسعٌ، دقيقٌ عميقٌ، وربما حيَّرت العلماء والباحثين فقرةٌ واحدةٌ من بقايا الوحي في العهدين فجعلتهم في بالغ الحيرة والدهشة وأُسقطَ ما في أيديهم، وذلك من خلال ربط هذه الفقرة بغيرها وعدم التمكن من تفسيرها على الوجه الصحيح كما في الفقرات الدالة على يوم الله العظيم في آخر الزمان، وخلطها خطئاً بالفقرات الدالة على يوم القيامة والفقرات والدالة على نزول عيسى بن مريم (ع)، وهذه مشكلةٌ لم يواجهها أصحاب الكتاب المقدس فحسب، بل انما وقعت عند العلماء والمفسرين والباحثين المسلمين، فقد خلط الكثير منهم بين يوم القيامة وبين يوم الله الأعظم (يوم منقذ العالم) وذلك واضحٌ في كتبهم.
فقد تكفَّلَ اللهُ بحفظِهِ من ألفهِ الى ياءِهِ من كُلِّ زيادةٍ أو نقصانٍ أو تغييرٍ وتبديلٍ، وأنزلَ في ذلكَ قولاً فصلاً، فقالَ تعالى:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .(1)
وقال الله عزَّ وجلَّ هذا ردَّاً لإنكارهم واستهزائهم في قولهم:( يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ) ولذلك قال:( نَحْنُ ) فأكد عليهم أنه هو المنُزِّل للقرآن على القطع والثبات، وأنه حافظهُ من كل زيادة ونقصان وتغيير وتحريف، بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين ولم يكل القرآن إلى غير حفظه...).(2)
هذا وقد دُوِّنَ القرآن الكريم بخطِّ الإمامِ عليّ بن أبي طالب (ع) وإملاء رسول الله محمد (ص) تدويناً كاملاً ومن غير نقصٍ، كما أشارت الى ذلك الروايات الشريفة الكثيرة وكتب التأريخ العديدة.(3)
أنَّهُ كلامُ الله تباركَ وتعالى الملقى والمنزل على قلبِ رسولهِ الصادق الأمين محمد (ص) من غيرِ واسطةٍ، ولاترجمةٍ، ولانقلٍ بالمعنى،...الخ، وقد
____________________
(1) سورة الحجر: آية 9.
(2) تفسير جوامع الجامع، ج 2، ص 296. تفسير الأصفى، ج1 ص 626.
(3) انظر: مقدمة موسوعة الفقه الاسلامية ص35-40. الكافي، ج1 ص64، ح1، وص63. رجال النجاشي، ص360.امالي الصدوق،ص518.نهج البلاغة، الخطبة رقم 210،ص325-328،تحقيق: د. صبحي الصالح.
تكفَّلَ الله بإنزالهِ بنفسهِ فقال سبحانهُ تعالى:( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ) (1) .( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) (2) .
ولَمّا كان القرآنُ كلامَ الله تعالى - والله هو اسمُ للذات الأحديَّةِ الصمديَّة القدسيَّة التي حارَ وهامَ في خضَمِّ بحرها اللجيِّ جميعُ الأنبياء والرسل (عليهم الصلاةُ والسلام) والملائكة، بل وكلّ مخلوقٍ سوى الله عزَّ وجلَّ، وذلكَ بسببِ استتارها خَلفَ حُجُبِ الغيب(3) التي لم يرشحُ منها اسمٌ للوجود ظاهراً مطلقاً(4) - لذا فقد تجلّى سبحانهُ وتعالى في كتابهِ العزيز لجميعِ خلقِهِ، فهوَ بحقٍّ بيانُ الله ونوره وعلمهُ وحكمهُ وصراطهُ وهُداهُ ومعاجزهُ...الخ، وفيه صبغة الله وعظمتهُ وخُلُقهُ ورحمتهُ وغضبهُ وجمالهُ وجلالهُ...الخ، وقد خاطبَ فيهِ الناسَ على قَدَرِ عقولهم، فالكُلُّ ينتهِلُ من معينِهِ، وهو جديدٌ غضٌ طريٌّ لايَبلى ولاينتهي فهو كلّ يومٍ في شأنٍ كصاحبهِ الناطقِ بهِ سبحانهُ وتعالى.
لذافإنَّ أغراض القرآن الكريم وفوائدهُ لا تنحصر بمرحلةٍ معينة أبداً، والنبي محمد(ص) وهو المعلم الالهي للقرآن يقولُ بحقِّهِ:(ظاهرٌ انيقٌ
____________________
(1) سورة الدخان: آية 3.
(2) سورة القدر: آية 1
(3) وهي الأسماء المستأثرة، وهيَ مفاتيحُ الغيب، واليها أشارَ النبيُّ الأكرم محمد (ص) في دعائه بقوله: (أو استأثرتَ بهِ في علمِ غيبك). بحار الأنوار، ج85، ص 234، ح1. انظر: شرح فصوص الحكم للقيصري، ج1، ص 70.
(4) أما باطناً فانَّ تأثير تلك الأسماء المستأثرة حاصلٌ وفعّالٌ في هذه النشأةِ وغيرها.
وباطنٌ عميقٌ ) (1) ، ويقول أيضاً:«للقرآن بطنٌ وظهرٌ، ولبطنهِ بطنٌ، الى سبعةِ بطونٍ » (2) .
وبعد فان استيعاب الناس للقرآن متفاوتٌ، وقدرتهم على اكتساب المعارف السماوية التي تنير النفوس وتمنحها الحياة فهي متفاوتة، كماقال تعالى:( فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ) (3) .
____________________
(1) تفسير الصافى: ص4.
(2) نفس المصدر، ص15.
(3) انظر: الشيعه فى الاسلام: ص104-105
للوقوف على حقيقةِ الكتابِ المقدّس، وما يستحقُّهُ من قيمةٍ دينيَّةٍ وعلميةٍ وأخلاقيَّةٍ وتأريخيةٍ، لابدَّ لنا من التعريفِ بهِ أوَّلاً، وتقييمهِ تقييماً علميَّاً حديثاً ثانياً:
إنّ الكتاب المقدّس - كما يعتقد المسيحيون - هو مجموع الكتب الموحاة من الله، والمتعلّقة بخلق العالم وتاريخ معاملة الله لشعبه، وكذلك مجموع النبوءات عمّا سيكون حتّى المنتهى، والنصائح الدينية والأدبية التي تناسب جميع بني البشر في كلّ الأزمنة. وفي الكتاب المقدّس جميع أنواع الكتابة من نثر وشعر، وتاريخ وقصص، وحكم وأدب، وتعليم وفلسفة وأمثال وإنذار(1) .
ويبلغ عدد الكتّاب (الملهمين) الذين كتبوا الكتاب المقدّس أربعين كاتباً. وهم من جميع الطبقات، فبينهم الرّاعي والصيّاد وجابي الضرائب والقائد والنبي والسياسي والملك و... وقد إستغرقت مدة كتابة الكتاب المقدّس ألفاً وستمائة سنة، وكان جميع هؤلاء الكتّاب من الامّة اليهودية ماعدا لوقا كاتب الإنجيل الذي دعي باسمه إذ يظن أنه كان أممياً من أنطاكيا، والنسخ الأصليّة للكتاب المقدس ليست موجودة الآن، بل كل ما هو موجود هو نسخ مأخوذة عن ذلك الأصل. ويعتقد المسيحيّون كذلك أنّ
____________________
(1) قاموس الكتاب المقدّس، ص 762.
(5) مقدّمة الكتاب المقدّس، بايجاز.
الكتاب المقدّس - باعتباره أصل الإيمان المسيحي ومصدره - خال من الأخطاء والزلل وفيه كل ما يختص بالإيمان والحياة الروحية، وأنه كلمة الله وقاعدة الإيمان والحياة العمليّة لجميع البشر(1) . وينقسم الكتاب المقدس الى عهدين:
1: العهد القديم.
2: العهد الجديد.
وسوف نعطي نبذة مختصرة عن كلّ واحد من هذين العهدين بشكل مستقل، ولأنّ المسيحيين يعتقدون أنّ العهد القديم كان تمهيداّ للعهد الجديد، وأنّ العهد الجديد هو المتمِّم لهُ، فهو أكثر أهميّة من العهد القديم، لذا فإننا سنعطيه مجالاً أوسع من صاحبه بقليل.(2)
____________________
(1) مقدّمة الكتاب المقدّس، بايجاز.
(2) هبة السماء (رحلتي من المسيحية الى الإسلام)، ص 19-20. بتصرّف.
كتب أكثر العهد القديم باللغة العبرانيّة، وقد وجدت بعض الفصول بالاراميّة وهي لغة شبيهة بالعبرانيّة، والعهد القديم الموجود بين أيدينا مأخوذ من النسخة الماسورية التي أعدتها جماعة من علماء اليهوديّة في طبرية من القرن السادس الى الثاني عشر للميلاد(1) . ويتألّف العهد القديم من (39) سفراً أو (43 - 44) سفراً حسب الكنيسة بإضافة أسفار أو أجزاء أسفار وصفت (بالقانونيّة - اللاحقة)... وقد قسّم اليهود أسفار العهد القديم إلى ثلاثة أقسام وهي:
1- التوراة أو الناموس.
2- ألأنبياء، وهم الأولون والمتأخّرون.
3- الكتب.
وذلك في إجتماع لمعلّمي الشريعة من مختلف البلدان في فلسطين سنة 90 (ب. م).(2)
وأما ترتيبها فهي كالآتي:
أ: التوراة أو الناموس: وهي أسفار موسى عليه السلام الخمسة وهي:
1- تك: لسفر التكوين: وهو الأول من التوراة ويسمّى أيضاً بسفر (الخليفة) بمقتضى تسمية الترجمة السبعينيّة، ويسمّى بالعبرانية (جرنشيت).
____________________
(1) قاموس الكتاب المقدّس، ص 763.
(2) مقدّمة الكتاب المقدّس، بايجاز.
2- خر: لسفر الخروج وهو الثاني بتسمية السبعينية، وفي العبرانيّة يسمى(واله شموت).
3- لا: لسفر اللاويين، وهو الثالث بتسمية السبعينية، وفي العبرانية يسمّى (ويقرا).
4- عد:لسفر العدد،وهو الرابع بتسمية السبعينية، وفي العبرانية يسمّى (ويدبر).
5- تث: لسفر التثنية:، وهو الخامس بتسمية السبعينية، وفي العبرانية يسمّى (اله) ويسمّى أيضاً دباريم.
وأمّا بقيّة الأسفار فهي:
6: يش: لسفر يشوع النبي.
7: قض: لسفر القضاة.
8: (را): لكتاب راعوث.
9: 1، اصم: لسفر صموئيل الأول.
10: 2، اصم: لسفر صموئيل الثاني.
11: 1، امل: لتاريخ الملوك الأول.
12: 2، مل: لتاريخ الملوك الثاني.
13: (1 أي): لتاريخ الأيام الأولى.
14: (2 أي): لتاريخ الأيام الثاني.
15: (عز): لكتاب عزرا.
16: (نح): لكتاب نحيا.
17: (اس): لكتاب استير.
18: (أي): لكتاب أيوب.
19: (مز): لمزامير داود أي الزبور.
20: (ام): لأمثال سليمان.
21: (جا): لكتاب الجامعة المنسوب لسليمان.
22: (نش): لنشيد الانشاد.
23: (اش): لكتاب أشعيا.
24: (ار): لكتاب أرميا.
25: (حرا): لمرائي أرميا.
26: (حز): لكتاب حزقيال.
27: (دا): لكتاب دانيال.
28: (هو): لكتاب هوشع.
29: (يوء): لكتاب يوئيل.
30: (عا): لكتاب عاموس.
31: (عو): لكتاب عوبديا.
32: (يون): لكتاب يونان أي يونس بن متى.
33: (مي): لكتاب ميخا.
34: (نا): لكتاب ناحوم.
35: (حب): لكتاب حبقوق.
36: (صف): لكتاب صنفينا.
37: (حج): لكتاب حجي.
38: (زك): لكتاب زكريا.
39: (مل): لكتاب ملاخي.
ولهذه الكتب في النسخ العبرانيّة ترتيب آخر من حيث التقديم والتأخير(1) . وأمّا الأسفار (القانونية - اللاحقة) فهي:
1: سفر طوبيا.
2: سفر يهوديت.
3: سفر نبوءة باروك.
4: سفر المكابين.(2)
والكنيسة تعتبر أسفار العهد القديم أسفار قد دوّنت بإلهام روح القدس، وعلى هذا فهي تقبله في عداد الكتب المقدسة، مع إنّ هناك إختلافاً بين العهد القديم عند اليهود والذي قبلته الكنيسة، ويعود هذا الإختلاف، الى إختلاف اللاهوتيين اليهود أنفسهم، فالبعض يصرّحون في الواقع أنّ الروح (أي روح الله الذي يوحي) لم ينزل على أحد منذ غياب الأنبياء المتأخرين مثل: حجي وزكريا وملاخي، وبعض الفئات الأخرى من اليهود (الأسانيين في قمران، واليهود المتشتتين في المعمورة) تمسكوا بإستمرارية الوحي. والكنيسة تمسكت بدورها بهذه الإستمرارية مستندة في ذلك الى شهادة المسيح عليه السلام والرسل. وأيضا تتمسك بالترجمة (السبعينيّة)(3) وهي (ترجمة
____________________
(1) الهدى الى دين المصطفى: ص 7.
(2) كتاب (المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية) ص 111.
(1) (الترجمة السبعينيّة):(التي بدأت سنة 250 وانتهت حوالي 150 ق. م وقد بدأت هذه الترجمة بأمر بطليموس فيلادلفوس الذي حكم مصر عام 280 ق. م وقيل إنّ عدد هؤلاء
يهود الإسكندرية للعهد القديم الى اللغة اليونانية ويعتبرونها كتابهم الخاص) لنفس السبب(1) . واعتقاد أرباب الكنيسة بأنّ العهد القديم كتاب سماوي وموحى يستندون فيه الى إستشهاد المسيح عليه السلام والرسل بالعهد القديم فهم كانوا يعتبرونه كتابا ملهماً،روحياً،الهياً والإستشهاد به دليل على ذلك(2) .
ويتّضح من هذه المقدمة أنّ أسفار العهد القديم قد ظهرت للوجود تدريجيّاً ولمدة حوالي خمسة عشر قرناً لتؤلّف لنا العهد القديم، وأنّ المسيحيين يرون أنّ هذا العهد كلّه كان تمهيداً وبشارة بمجيء يسوع المسيح عليه السلام ويستشهدون بنبوءات كثيرة جاءت فيه وتحققت هذه النبوءات في المسيح عليه السلام.
وفي الحقيقة فإنّي لست في صدد البحث في العهد القديم وتأريخه بشكل مفصّل هنا، ولكن لابدّ من الإشارة الى بعض النقاط المهمّة التي أوقفتني من خلال الدراسة والتمعّنِ والتحقيق فيه، ومنها:
1: انّ هذه الأسفار (المقدسة) ، قد كتبت خلال فترة خمسة عشر قرناً تقريباً أو أكثر، ومعظم النصوص الأصلية أو كلها مفقودة الآن، إضافة الى هذا
____________________
= المترجمين كان إثنين وسبعين ولهذا دعيت بالسبعينيّة. وكان اليهود يزعمون أنّ الله أوحى للعلماء الذين قاموا بالترجمة البعينية بكلمات هذه الترجمة، ولكن عندما أخذ المسيحيون يستشهدون بآياتها ضد العادات والتعاليم اليهودية التي كانت سائدة في عصرهم عاد اليهود الى الأصل العبراني وأهملوا هذه الترجمة) قاموس الكتاب المقدس: 768.
(1) المسيح في الفكر الإسلامي: ص 110.
(2) نفس المصدر.
فإنّ الكثير منها لايعرف مؤلفوها فهي مجهولة ولامن هو ناسخها ومتى كتبت، والنسخ المتوفرة مأخوذة عن نسخ أصلية كما يعتقد في أحسن الأحوال، فهل يمكن القول بأنّ الناسخ لهذه الكتب الجديدة لم يخطيء،ولاسيما عندالقول بأن هذه الكتب مترجمة من اللغة العبرية الى اللغات الاخرى؟!
وهل هذه الترجمة - كما يعتقد اليهود في الترجمة السبعينية - أنما تمّت بوحي من الله تعالى؟ ولهذا أعتقد أنّ هذه الكتب والأسفار التي بين أيدينا الآن من العهد القديم لايمكن الإعتماد عليها بشكل قاطع ويقيني ولايمكن الإطمئنان من إنها لم تتسرب اليها الأخطاء اذ ينقل في قاموس الكتاب المقدس مانصّه:
(وكلّ ما وصل الينا هو نسخ مأخوذة عن ذلك الأصل. ومع أن النساخ قد اعتنوا بهذه النسخ إعتناءاً عظيماً فقد كان لابدّ من تسرّب بعض السهوات الإملائية الطفيفة جدّاً اليها)(1) .
فعلى أقلّ تقدير هناك شكّ في أن هذد النسخ الموجودة هي نفس النسخ الأصلية، ولذا نرى الإختلافات القائمة بين علماء الكتاب المقدس حول هذه الأسفار.
2: نحن بإعتبارنا مؤمنون بالله ورسالاته وعلى إختلاف المذاهب والأديان نعتقد بأنّ الأنبياء الإلهيين هم من أفضل البشرية ولهذا نستطيع القول بأنّهم صالحون وعلى الأقل معصومون من الذنوب والخطايا التشريعية، ولكننا للأسف نجد في هذه الأسفار، وفي مواضع كثيرة نسبة
____________________
(1) قاموس الكتاب المقدس: ص 763.
هذه المعاصي والخطايا الكبيرة لهؤلاء الأنبياء العظام، كشربهم للخمر والزنا بالمحارم وغير ذلك من الأمور التي يأبى كل مؤمن شريف التفكير بها فضلاً عن مزاولتها،... ومن أراد التوسّع فليطالع العهد القديم.(1)
3: من المسائل التي يمكن ذكرها أيضاً كثرة التناقضات الموجودة فيها، ففي القصة الواحدة مثلاً نرى أنّ بعض الأسفار تخالف الأسفار الاخرى، بل نجد في السفر الواحد بعض التناقضات...(2)
وكلّ ما تقدّم، يقودنا الى القول بأن هناك تدخّلاً كبيراً للبشر في هذه الأسفار، ويستحيل قبولها على أنّها وحي الهيّ.(3)
____________________
(1) انظر:سفر التكوين 19: 1-38، و(1 ملوك: 11: 1-25)، و (التكوين: 9: 1-29)، و (اصم: 19: 20-24)، وأيضاً أشعيا (20: 1-6).
(2) ففي سفر التكوين ينقل عن قصة نوح والسفينة بأنه أمر أن يأخذ معه من كلّ ذي جسد اثنين ذكراً وانثى. انظر: (تك 6: 19-20)، وفي نفس السفر يأتيه الأمر (أن تأخذ سبعة سبعة ذكراً وانثى) انظر: (تك 7: 2-3) وأمثال هذا كثير في أسفار العهد القديم.
(3) هبة السماء (رحلتي من المسيحية الى الإسلام)، ص 21-30. بإيجاز وتصرّف.
العهد الجديد هو القسم الثاني من الكتاب المقدّس،ويحتوي على كتابات تعود الى النصف الثاني من القرن الأوّل المسيحي، ودوّنت هذه الكتابات باللغة اليونانية التي كانت شائعة آنذاك في حوض البحر البيض المتوسّط(1) . ويوجد هناك قسمان من النسخ للعهد الجديد(2) :
أولا: النسخ الأسفينية: وهي المدوّنة بحروف كبيرة، فحروفها مفردة لاتقطّع فيها تقريبا،وفي أعمدة متساوية العرض، وفي كلّ صحيفة يوجد من عامود الى اربعة عواميد، وهذه نسخ مكتوبة في رقوق على هيئة كتب،وإنّ أحدث النسخ اللأسفينيّة كتبت في القرن العاشرالميلادي،وأقدم النسخ من بعض أسفار العهد الجديد وجدت مكتوبة على البردي وترجع الى القرنين الثاني والثالث الميلاديين مثل بردي بودمر وغيره. أما أمّ النسخ الكاملة من العهد الجديد بجملته فهي النسخة السينائية والنسخة الفاتيكانية وقد كتبتا في القرن الرابع الميلادي، وهناك أيضا النسخة الإسكندرانية التي كتبت في القرن الخامس الميلادي.
____________________
(1) يعتقد بعض علماء الكنيسة أنّ اللغة اليونانية مناسبة جدّا للفلسفة واللاهوت ولذلك إختارها الله لإعطاء وصاياه بواسطتها من جهة التعاليم المسيحيّة، ويونانيّة العهد الجديد هي ما تسمّى (بالكوني) وهي اللغة العاميّة ممزوجة ببعض الإصطلاحات العبرانيّة، ويظهر هذا الإمتزاج بنوع خاص في في إنجيلي متى ومرقس وسفر الرؤيا.
(2) قاموس الكتاب المقدّس، ص 764.
ثانيا: النسخ الجرارة: وهي التي كتبت بالخط الإعتيادي، اذ أخذ النسّاخ منذ القرن الحادي عشر يكتبون على ورق مصنوع من القطن والكتان.
ولقد حاول علماء الكتاب المقدّس وضع نص موحّد للعهد الجديد تتفق عليه كلّ الكنائس المسيحيّة ويكون الأقرب الى النصّ الأصلي، ولكن لايزال يدور الى اليوم جدل حول صحّة بعض القراءات للعهد الجديد والتشكيك قائم الى يومنا هذا لبعض أسفار العهد الجديد وقانونيّتها.
والظاهر أنّ العهد الجديد هو الآخر إستقى كتّابه معلوماتهم من التعاليم الشفاهيّة، وكتب كلّ واحد منهم ماوصل اليه من هذه التقاليد الشفهوية في كتب، وكانت هذه الكتب في بداية القرن الثاني الميلادي تتجاوز المائة، وقد حاولت الكنيسة جمع ماتراه مناسبا لتعاليمها ووضعته في كتاب واحد هو العهد الجديد. ورفضت الكثير من الكتب الأخرى التي كان البعض منها يحتوي على جزئيّات أكثر عن حياة السيد المسيح (عليه السلام) مما ذكره كتّاب الأناجيل الأربعة ولكنها رفضته واعتبرت تلك الكتب أناجيل منحولة لااعتبار لها. وقد عقدت مجامع كنسيّة كثيرة لوضع لائحةللأسفار المقدّسة للعهد الجديد، فقد أمر مجمع لادوكية (363 ب. م) ومجمع هيبون (393 ب. م) ومجمع قرطاجة (397 ب. م) بوضع لائحة لأسفار العهد الجديد مماثلة الى حدّ كبير للعهد الجديد الذي بين أيدينا اليوم.
وأما السؤال عن الدلائل على كيفية جمع هذه الكتب فقط لتكون كتاباً واحداً دون غيرها؟، فيجيب آباء الكنيسة على ذلك: «أن بشائر الاربعة كانت
وحدها قيد الاستعمال الرسمي، ويؤكد ذلك ما ذكره ايريناوس عن «الاناجيل الاربعة» وهو من آباء الكنيسة الاولين، وأيدترتوليان وآباء آخرون في زمانه صحة هذا الأمر ففي نهاية القرن الثاني كانت البشائر الاربعة (الاناجيل) واعمال الرسل (كتباً مقبولة) بلا جدل، كذلك لقيت رسائل بولس في هذا الوقت مالاقَتهُ الاناجيل الاربعة من اعتبار، وهناك دلائل اخرى على قبول رسالة بطرس الأولى ورسالة يوحنا الاُولى، اما باقي كتب العهد الجديد فالدلائل على قبولها قليلة، وفي الواقع أن تاريخ جمع كتب العهد الجديد في كتاب واحد قانوني في القرنين الثالث والرابع الميلادي يدور حول مقام هذه الكتب الباقية، فأن اختيار الكتب «المصادق عليها» تأثر إلى حد كبير بملائمة هذه الكتب للقراءة الجهارية في الكنائس»(1) .
وهنا أيضاً نكتة يجب الالتفات إليها وهي أن اسفار العهد الجديد وحتى نهاية القرن الثاني لم يكن أحد يتكلم بجلاء وصراحة عن الالهام فيها، حتى آباء الكنيسة، بل الكنيسة كانت في القرن الثاني تعتبر العهد القديم فقط كتاباً مقدساً بالدرجة الاُولى، وكانت تسمية العهد الجديد ذاتها لم تكن قد ولدت بعد، بل كان لا بد من انتظار عدة قرون قبل أن نسمع عبارة «الكتاب المقدس الملهم» التي نعت بها العهد الجديد(2) .
وأما لماذا اختارت الكنيسة هذ الكتب دون غيرها، فالجواب هو «أن هذه الكتب تعطينا بشكل أفضل ما كانت تؤمن به الكنيسة الاُولى، فانها
____________________
(1) المرشد إلى الكتاب المقدس ص 73.
(2) المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية ص 117.
(3) نفس المصدر ص 118.
(4) ومن تلك الاسباب: رغبة المسيحيين بالحصول على معلومات أوسع عن حياة وتعاليم المسيح(عليه السلام)، وأيضاً تقدم السن بالرسل الاولين والاضطهادات التي كانت تحيطهم وتهدد حياتهم، وكذلك ظهور الافكار العقائدية الباطلة تحت تأثير الوثنية والعنصرية اليهودية، واخيراً البعد الزمني،لظهور المسيح(عليه السلام)وتعاليمه وكذلك الابتعاد عن مركز المسيحية أي مدينة أورشليم وغيرها من الاسباب: المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية ص 113.
توضح الايمان الرسولي، أي ان اعتقاد الكنيسة هو أن هذه الكتب تمثل العصر الرسولي، فالواضح أن الكنيسة في القرن الرابع هي التي فتحت ميزة الالهام لهذه الكتب، ولكن علماء المسيحية يرفضون هذا القول ويؤكدون: «أن الكنيسة لم تمنح صفة الالهام لهذه الاسفار (العهد الجديد) بل أن محتوى هذه الاسفار ذاته هو الذي دفع بالكنيسة لتميزها عن الكتب الاخرى»(1) وقبل الخوض في البحث عن اسفار العهد الجديد أود الإشارة إلى مسألة الاخرى وهي أن المسيح (عليه السلام) لم يكتب شيئاً ابداً حسب ما تدعيه الكنيسة، بل ولم يأمر أحداً من تلاميذه بتدوين اقواله واعماله، ولكن بعد رفعه إلى السماء ولأسباب عديدة تذكرها الكنيسة(2) بدء المسيحيون الاوائل بكتابة مستندات وكتب ورسائل تشير إلى حياة المسيح وتعاليمه، وكان ذلك بعد منتصف القرن الاول للميلاد.
وهي بهذا الادعاء تريد التأكيد على أنه لم يكن هناك في زمن المسيح (عليه السلام) أو حتى بعد رفعه كتاب خاص به يسمى بالانجيل، بل كانت تعاليمه (عليه السلام) كلها شفاهية ولم تدون ابداً، خلاف ما يدعيه الإسلام والقرآن...
____________________
(1) نفس المصدر ص 118.
(2) ومن تلك الاسباب: رغبة المسيحيين بالحصول على معلومات أوسع عن حياة وتعاليم المسيح(عليه السلام)، وأيضاً تقدم السن بالرسل الاولين والاضطهادات التي كانت تحيطهم وتهدد حياتهم، وكذلك ظهور الافكار العقائدية الباطلة تحت تأثير الوثنية والعنصرية اليهودية، واخيراً البعد الزمني،لظهور المسيح(عليه السلام)وتعاليمه وكذلك الابتعاد عن مركز المسيحية أي مدينة أورشليم وغيرها من الاسباب: المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية ص 113.
وهناك مقولة للمسيحيين تقول أن الانجيل موجود في الاناجيل، أي أن انجيل يسوع له أربع روايات، وسمي كل واحد من كتّاب هذه الروايات إنجيلياً وبالعربية البشير أي مدون الانجيل أو البشارة.وأما كلمة انجيل فقد استعمل المسيحيون منذ ظهور الدين المسيحي كلمة «انجيل» وهي كلمة يونانية تلفظ «ايوانجيليون» وهي اسم جنس واستعملت بمعنى البشرى أو البشارة أي الخبر السار المفرح، وأما عند استعمالها في المسيحية والعهد الجديد تعني بشارة الخلاص التي حملها يسوع المسيح إلى الناس أجمعين(1) .
والظاهر أن الأناجيل الاربعة قد رأت النور في القرن الاول للميلاد، وقد كتبت في فترات مختلفة، فمثلا المشهور أن مرقس دون انجيله نحو سنة 67، ومتى ولوقا بين 80 - 90 وربما قبل ذلك، ويوحنا قبل نهاية القرن الاول، وأما رسائل بولس فهي أقدم من الأناجيل كما هو معروف في التقليد المسيحي، وسفر اعمال الرسل والرسائل العامة الاخرى التي تشكل أسفار العهد الجديد كتبت جميعها قبل نهاية القرن الاول الميلادي، وأسماءها حسب الترتيب الموجود بين ايدينا في جميع نسخ العهد الجديد وهي تشكل:
(27) سفراً، هي كالتالي:
1: انجيل متى.
2: انجيل مرقس.
3: انجيل لوقا.
____________________
(1) المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية ص 120.
4: انجيل يوحنا.
5: اعمال الرسل.
6: رسائل بولس، وهي ثلاث عشر رسالة:
(رومة،كورنيشوس الاُولى، كورنيشوس الثانية، غلاطية، أفسس، فيليبي،كولوسي، نسالونيكي الاُولى، تسالونيكي الثانية، تيموثاوس الاُولى، تيموثاوس الثانية، تيطس، فيلمون)، الرسالة إلى العبرانيين، الرسائل العامة وهي سبعة: (رسالة يعقوب، رسالة بطرس الاُولى، رسالة بطرس الثانية، رسالة يوحنا الاُولى، رسالة يوحنا الثانية، رسالة يوحنا الثالثة، رسالة يهوذا)، رؤيا يوحنا.(1)
وقد سميت الأناجيل الثلاثة الاُولى بـ«الأناجيل المتشابهة »، والعلاقة بين الأناجيل المتشابهة النظرة مسألة حيَّرت العلماء لأجيال عديدة، فقد اعتبر الكثير من العلماء أن المصدر لهذه الأناجيل الثلاثة هو مستند واحد، وهذه الأناجيل تختلف كثيراً عن الانجيل الرابع (انجيل يوحنا)، وليس من السهل مقارنة انجيل يوحنا مع الأناجيل المتشابهة النظرة، وقد قال بعضهم أن يسوع في يوحنا يختلف كثيراً عن يسوع في الأناجيل الاخرى(2) .
ثانياً:التَّقييم العلميّ الحديث للعهدين
وهنا لابدَّ لنا من قولِ كلمةِ حقٍّ وإنصافٍ في العهدين، وبيان واحدةٍ من أهمِّ المسبِّبات التي أدَّت الى الضرَرِ بهما، ألا وهي آفاتُ الترجمة وما يرتبطُ بها، وشيءٍ من الفروقات بين مترجمي العهدين:
____________________
(1) حقيقة المسيح، ص13-17. بتصرّف.
(2) المرشد إلى الكتاب المقدس ص 532.
كلمة إنصاف في العهدين
بعد أن تعرّفنا على الكتاب المقدّس، واطّلعنا عن قربٍ على عهديه (القديم والجديد) وأحطنا بما طَرَأَ عليهما خلال هذه المدّة الطويلة من الزّمن، وعدم توثيقهما علميّاً على إطلاقهما(1) لدى العلماء والباحثين، وكثرة الجدل الدائر حولهما... وما الى ذلك، ولكن يبقى هناك سؤالٌ مهمٌّ يطرحُ نفسه ولابدَّ من الإجابة عليه وهو:
مامعنى أن نَجدَ - من خلال البحث والتدقيق بل وحتى في المطالعة العابرة - مايوافقُ القرآن الكريم والسّنة النبويّة المطهّرة، كما في: (بعض النصوص، أو بعض الفقرات في النصوص) الواردة في أسفار الكتاب المقدس، سواء في العهد القديم أو الجديد؟.
ألا يَدلُّ ذلك على أنّ هناكَ بعضَ النصوص، أوبعضَ الفقرات في تلك النصوص(2) على أقلّ التقديرات، قد وردت بالتواتر مثلاً، وإن نقلت شفاهاً أوبالمعنى أو تُرجمت... وما الى ذلك؟
ألا يدلّ ذلك على أنّ من بين من قاموا بحفظها وكتابتها كانوا رجالاً صالحين مؤمنين، حفظوا الأمانة الدينيَّة والعلمية ورعوها في عهدهم ولو لفترات معيّنة ليست بطويلة نسبيّاً، ولكن حفظت لنا بعض الحقّ والصّدق
____________________
(1) ليس بمقدور أحد أن يوثّق كل ما جاء في العهدين القديم والجديد، ويثبت أنّ كل ماجاء فيهما هو كلام موحى، والعكسُ بالعكس.
(2) يطلقُ عليها ويسميها بعض العلماء والباحثين: (الآيات) أُسوةً بآيات القرآن الكريم، لأنهم يعتقدون أن بعضها من بقايا الوحي!، انظر: الإسلام في الكتب السماوية، ص 237-238. المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص 53-54. المسيح المنتظر ونهاية العالم، ص245... الخ، وستأتي الإشارة الى بعض ذلك في بحثنا هذا انشاء الله تعالى.
الذي ما زالَ يلمعُ نيّراً مشرقاً في العهدين، بل وما أكثر ذلك الحقّ والصدق، لو أمعنّا النظر؟.
ثُمَّ ما معنى أن يحكُمَ علماءُ الإسلام الربانييّنَ، بوجوب أخذ الكتب السماوية من يد الكافر، لأنها تشتملُ على أسماء الله، وأسماء الانبياء (ع)، وعلى أحكامه سبحانه، وقالوا بعدم كونها مفتعلةً بأسرها...، وهذا ما أشارَ اليه أحدُهم بقوله: (أن المصحفَ لو وجب أخذه من يد الكافر بهذا المناط، لوجب أن يؤخذ منهُ غيرهُ من الكتب السماوية كالتوراة وغيرها، لاشتمالها على أسماء الله وأسماء الانبياء بل وعلى أحكامه سبحانه، لعدم كونها مفتعلةً بأسرها فلو بقيت عنده لمسَّها ونجسها وهو حرامٌ).(1)
أَوَ هَل يُعقَلُ أنَّ الصَّرحَ الإلهيَّ المقدَّس، الذي بناهُ قاهرُ الجبّارين وعَلاّمُ الغيوب في التوراة والإنجيل والزبور وصُحُف الأنبياء، قد هَدَّهُ الأشرارُ من خَلقه، واندَثَرَ ولم يبقَ منهُ ما يَبُلُّ الغليلَ؟، وأنَّ من العيبِ المخزي أن يَظُنَّ أحدٌ من الخلقِ ذلك، بل انَّ الذي انهدمَ وتلاشى هو صرحُ فرعونَ وهامان ونمرود وأشباهمم وأمثالهم ومن خلفهم ابليس لعنهُ الله تعالى وأخزاه.
ثُمّ ما معنى أَن يحتجَّ النبيُّ محمد (ص) والأئمّة من أهل البيت (ع) على أهل الكتاب بنصوصٍ من التوراة والإنجيل والزَّبور وصحف الأنبياء، فيُفحمونهم ويُبطلوا حُجَجَهم ويُثبتوا لهم صدقَ ما جاءت به تلكَ الكتب
____________________
(1) فقه السيد الخوئي، كتاب الطهارة-ج 2 ص 317، و ج 3 ص 316، هل يحرم إعطاء المصحف بيد الكافر..:(ثالثاً):... الخ.
السماوية، بل والأعجبُ من ذلك كُلّه أنَّهم (عليهم الصلاةُ والسلامُ) كانوا يحفظونها عن ظهر قلبٍ!،(1) ولم تَصدُرَ عنهم أيّةَ كلمة إهانةٍ أو استهزاءٍ كلاّ وحاشاهم، بل أثبتوا فيها الحقَّ حقّاً والباطلَ باطلاً.
وكثيراً ما احتجَّ علماءُ المسلمين أيضاً بذلك على طول التأريخ، وهي عند الكثير منهم ذات قيمةٍ كبيرةٍ، إذ لايُعقَلُ أن نحتجَّ بها ثُمَّ نشتمها!.
ولو تدبَّرنا في بعض آيات القرآن الكريم، لحلَّت لنا الكثيرَ من العُقَد ولأَزالت عنا الكثيرَ من العناء فقد قال الله تبارك وتعالى:
-( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّـهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴿44﴾ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿45﴾ وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴿46﴾ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿47﴾ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ
____________________
(1) الكلامُ على مستوى الحد الوسط بين معتقدات الجميع، وأمّا عقيدتنا في الأنبياء والأوصياء(عليهم الصلاة والسلام) فهي تفوق ذلك بالكثير الكثير، وهم فوق ذلك بكثير.
(2) سورة المائدة: آية 44-48.
وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّـهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) .(1)
-( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿40﴾ وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴿41﴾ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿42﴾ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴿43﴾ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) .(2)
-( وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّـهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّـهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) .(3)
-( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّـهِ مَفْعُولًا ) .(4)
____________________
(1) سورة المائدة: آية 44-48.
(2) البقرة: 40ـ 44.
(3) البقرة: 101.
(4) النساء: 47
-( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّـهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّـهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَـٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّـهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) .(1)
-( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) .(2)
-( فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) .(3)
-( لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّـهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴿113﴾ يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَـٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿114﴾ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ) (4) .
ويجدُ العلماءُ والباحثُون في (العهدين) أنّ هناكَ نصوصاً صريحةً ودقيقةً وتحملُ نوعاً من الإعجاز الذي لايخفى(5) على كُلّ طالب حقيقةٍ،
____________________
(1) آل عمران: 199.
(2) المائدة: 68
(3) يونس: 94
(4) سورة آل عمران: 113 - 115
(5) وسنمرّ بشيء منها في بحثنا هذا كلٌّ حسب موضوعه و موقعه مع شيء من التحليل للوقوف على جمال ودقّة النص.
وعلى سبيل الثال لا الحصر: ما نلاحظُهُ في ذكر الحوادث المستقبليّة كبعض (النبوءات، وعلامات ظهور المصلح الأعظم في آخر الزمان، وذكر حادثة مهمّة - لها ثقلها في السموات والأرض في قضيّة إمتداد الخطّ الإلهيّ المقدس وتبتني عليها الثورة الإصلاحية الكبرى لمنقذ العالم في آخر الزمان - أعني واقعةكربلاء الأليمة، التي ورد ذكرها على لسان جميع الأنبياء والرّسل (ع) وبكوا لأجلها بحرقةٍ وألمٍ بالغٍ).
ثُمّ أنّ الأعمّ الأغلب من هذه النصوص الواردة في (العهدين) ليس لها دخلٌ بالتشريع الإلهيّ الذي قد يَمقُتُهُ البعضُ، ويحاول الفرارَ أو النيلَ منه، أو إخفاءهُ وطمسهُ، لذا فهي لاتزاحم سياسات الظالمين والمنحرفين على مرّ الدهور لأنّها تتعلّقُ بزمنٍ غير زمنهم وبشعوبٍ وأممٍ غير شعوبهم وأممهم، فعلامَ يتمُّ تحريفَها أو إخفاءَها، ولعلَّ هذا أحد الأسباب المهمّة التي أدّت الى حفظها وعدم ضياعها حتى وصلت الينا بثوبها الجميل البهيّ، وإن شابَها شيءٌ ليسَ من سنخها، بسبب القدَم والنسخ والترجمة...؟
ومع هذا فإننا لانقول مطلقاً بعدم وصول يَد التحريف والتخريب اليها عمداً أو من غير قصد العمد، بسبب الترجمة، أوالنقل بالمعنى، أو تعاقب الترجمات في بعضها...الخ، ولكنّ التمعّن في بعض النصوص يورث الإطمئنان بأنّها ترجمةٌ لنصٍّ مُوحى(1) وإن سَقَطَ منه شيء أو أضيف اليه
____________________
(1) وخير ما عبّرَ به العلماء قولهم هي: من بقايا الوحي، انظر على سبيل المثال لاالحصر: المسيح المنتظر ونهاية العالم، ص245. والنص في سفر إشعياء النبيّ (ع) 11: 1-10. وحواشي الكتاب المقدس، على المجلد الأول، ص 5.
شيءٌ أو حُذفَ منهُ شيءٌ، وذلك لأنّ فيها نفحةٌ من الغيب واضحةٌ، وسُمُوٌّ في نقل الصورة المستقبلية للحدث المنتظر، يصعب جدّاً، بل يستحيلُ على أيّ إنسان مهما كانت درجتُهُ العلميّة الإلمامُ بها والإحاطة بجزئيّاتها، ومن ثمّ تقديمها الى العالم على انّها بشارةٌ سماويّةٌ حتميّة الوقوع، ماخلا الأنبياء وأوصيائهم (عليهم الصلاة والسلام) فهم يُوحى اليهم ويُحدّثون.
آفاتُ الترجمة وما يرتبطُ بها:
إننا إذا قمنا بترجمة القرآن الكريم الى اللغة الإنكليزية مثلاً، فالكتاب الحاصل بعد الترجمة ليس من حقّنا أن نسميه (قرآناً) ولا حتى (ترجمة القرآن)، بل الحقّ أن يسمّى (ترجمةٌ للقرآن)، لأنّهُ سيكون ليس كلام الله تعالى قطعاً، بل كلامنا نحن، نحن الذين قمنا بترجمته الى تلك اللغة؛ ومعنى ذلك: وهذا ما نراه بالوجدان، أنّ القرآن الكريم إذا تُرجمَ الى اللّغات الاخرى فإنه يفقد الكثير من (المعاني المحتملة، والصور المنقولة، والعمق، والبيان، والبلاغة، وبعض نواحي الإعجاز،... الخ). وكذلك ترجمات الكتب المقدّسة الاخرى، مع مابها من علاّتٍ أُخَر. لذلك فقد لعبت الترجمات دوراً كبيراً في التشويش والتشويه، وذلك يرجع الى التفاوت الكبير بين المترجمين أنفسهم علميّاً وعقائديّاً، ومن الجدير بالإهتمام أن نذكر شيئاً من ذلك. علماً إننا سنشير الى بعض الشواهد على هذا المدّعى كلٌّ حسبَ موقعه من هذا البحث.
الفروقات بين مترجمي العهدين:
عند دراسة العهدين نجد هناك فروقاً واضحةً بين مُعظَم الترجمات التي قاربت الألف ترجمة للكتاب المقدّس بكلا عهديه لحدّ الآن، ومن الطبيعي لايمكننا الأحاطة بها في بحثنا هذا، ولكن لوقمنا بدراسة إستقرائية لبعضها يتجلّى ذلك بوضوح؛ وفي البدء لو أننا نظرنا الى المترجمين أنفسهم، على سبيل المثال لاالحصر، ولاحظنا بعض الفروق بين: المترجم (العالم المتخصّص، ذي العقائد الحقّة والمعارف الهيّة)، وبين المترجم (اللّغوي - الأديب -)، في العهدين. مع عظيم إحترمنا لكافة الجهود العلمية التي بُذلت لترجمة الكتاب المقدس والإعتناء به ولازالت تبذل؛ ولنُجمل شيئاً من تلك الفروقات بمايلي:
1: إنّا نجد فرقاً ومميّزاً واضحاً بين المترجم العالم باللغة (الأديب)، وبين المترجم العالم باللغة والعقائد الحقّة والمعارف الإلهية من أتباع مذهب أهل البيت (ع).فالمترجم اللغوي يحاول قدر الإمكان أن يُبرزَ معاني الألفاظ بصورة جيدة فقط؛ فهو مثلاً يُثبتُ معنىً واحداً فقط يراهُ مناسباً إذا كانت الكلمة محتملة لعدّة معاني وهكذا...وهذا يُحدثُ إرباكاًكبيراً في معنى وجوهر النصّ إذا نظر اليه بمجموعه، فقد تُغيّرُ عدّةَ معانٍ في نصّ واحد...! لذا يجد المتتبع والقاريء لنصوص الأسفارالمقدّسة في بعض الأحيان كلاماً يُشبهُ كلام (الطلاسم)!، وربما في كثير منها لايستطيعُ الوقوفَ على المعنى المراد أو الصورة التي يحاول النصُّ رَسمها للقاريء والمستمع على حدٍّ سواءٍ.
2: يتمكّنُ المترجمُ (ذو العقائد الحقّة والمعرفة بالعلوم الإلهية) من إثبات الصورة المرادة من النصّ بجدارة، بعكس المترجم اللّغوي الذي قد يَتيهُ ويتخبّطُ في أكثر الأحيان بين الكلمات التي قد يراها غير منسجمة فيما بينها بحسب أفقه الضيّق، ولكونه من غير أهل ألاختصاص...! ولو سئلَ عمّا ترجم في بعض النصوص المهمّة مثلاً، فإنّه لايستطيع نقل الصورة المرادة حينما يُعملُ عقلَهُ وفكرَهُ، بخلاف الأول، الذي له القدرة واللّياقة أن يُثبتَ المراد من النصّ الوارد في أسفار التوراة مثلاً ويثبته نفسه في الإنجيل وإن إختلفت العبارات والألفاظ...، وهكذا ثمّ يستخرجه من القرآن الكريم والسنّة الشريفة وعقائد أهل بيت النبّوة (ع)، فعندئذٍ يكون مثل هكذا نصّ قد أثبتَ عقيدةً حقّةً واضحةً لاغبارَ عليها في الكتب المقدّسة، لها بعدٌ وعمقٌ شرعيٌّ وتأريخيٌّ وعلميٌّ مهمٌّ؛ والبشريّة بأسرها بحاجةٍ ماسة اليها، إذ رُبَّما أَخرَجت ولو آدميّاً واحداً من الظلمات الى النور، ومن التيه والضلالة الى سراط الله المستقيم، وتلكَ غايةُ الربّانيينَ على مدى التأريخ.
الفصل الثاني:
وفيه مبحثان وتمهيد:
المبحث ألأول:ضرورة وجود المنقذ.
المبحث الثاني:قدسية ومقام منقذ العالم بلسان الأنبياء (ع)
تمهيد: قدسيّةُ ومقامُ منقذ العالم وضرورة وجوده
إنَّ لمنقذ العالم قدسيّةٌ خاصّةٌ ومقامٌ شامخٌ عند الله تباركَ وتعالى وعند جميع الأنبياء والأوصياء والصالحين صلواتُ الله عليهم أجمعين، وأُوضحَ ذلك في جميع الكتب السماويّة المقدّسة وبلسان جميع الأنبياء، ولهُ درجةُ قربٍ من ربّه ليسَ بمقدور الأعمّ الأغلب من البشر الوقوف على كُنهها والإشارة اليها.
ومن ذلك ما أوحى اللهُ عزَّ وجلَّ حسب ما في الكتب المقدسة وما ورد على لسان أنبياءه العظام، أنّ الله سيبدأُ حكمَهُ في الأرض بمجيء المنقذ الذي إدّخَرَهُ ليومه الموعود، ويُظهرُ دينهُ على الدين كلّه، وإنّهُ هو الذي يُطهّرُ الأرضَ من الظلم والجور ويملأُها قسطاً وعدلاً، ويُحقّقُ حُلُمَ الأنبياء، ويسخّرُ الله لهُ الكون، ويعطيه كلَّ العلم الخاص بهذه النشأة فيكتملُ بذلك العلم فيصلُ الناسَ ببركة وجوده الى مرحلة من الكمال فائقةٌ في كُلّ أبعادها.
ولقد ذكرهُ الأنبياءُ والأولياءُ بكلّ جميل(1) وتمنّوا أن يخدموهُ بأنفسهم والحضور في دولته في آخر الزمان وسَلَّوا أنفسهم بذكره، وفدَّوهُ بأرواحهم وأهليهم، وأظهروا بذلك حبَّهم وعشقهم الأبديّ لوريثهم الشرعي، ومكمل
____________________
(1) عن أبي جعفر (ع): يكون هذا الأمر في أصغرنا سنَّاً، وأجملنا ذكراً، يورثهُ اللهُ علماً، لايكلهُ الى نفسه). عقد الدرر: ص42.
مسيرتهم الطويلة الشاقة، ومدرك ثأرهم.(1)
وأما الإشارة الى ضرورة وجوده(2) فتكمن في أنَّ الحكيم المطلق لمّا خَلَقَ الإنسان بأحسن تقويمٍ لحكمةٍ بالغةٍ وأمرٍ عظيمٍ وهدفٍ كبيرٍ وليسَ لأمرٍ عاديٍّ عابرٍ، أو للَهوٍ أولعبٍ كان منه سبحانه وتعالى، وأرادَ لَهُ الكمال، وجب عليه بلطفه أن يُرسلَ الرسل مبشّرين ومنذرين، وينزّلَ الكتب لإخراج الناس من الظلمات الى النور، في كلّ فترات الحيرة والضلالة والبعد عنهُ، وأن يُسعفهم ويُخلّصهم إذا اشتبكت عليهم أغلالُ الظالمين، واشتملت عليهم أصفادُ الكافرين، وأُحكمت عليهم قبضةُ إبليس وجنده المارقين؛ وكلُّ ذلك حادثٌ في آخر الزمان كما ورد بالتواتر في جميع الأديان، لذا وجبَ عليه بلطفه ومنّه وكرمه وكما وَعَدَ هوَ بنفسه تقدّست أسماؤهُ أن يظهرَ المخلّصَ الأعظم، ولعلَّ في المبحث التالي إثباتٌ لتلك الحقيقة.
____________________
(1) انظر: المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص 347 وما بعدها في موضوع: يجب أن يكون امام العصر موجود، وفيه أيضاً استدلالاً لطيفاً لأحد العلماء، عن قصص العلماء، ص100.
(2) انظر: المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص 20، في موضوع ضرورة الإمام واستدلاله اللطيف.
إنّ من أعظم منن الله تبارك وتعالى على خلقه هو الأخذ بأيديهم الى درجات الكمال التي رسمها لهم فاطرُ السموات والأرض ومدبّرها، فهو لا ولن يترك خلقه سداً ولو ليوم واحد أو للحظة واحدة، وهذا واضح لايخفى على كلّ ذي عقل؛ فقد إبتدأ سبحانه وتعالى بلطفه مسيرةً طويلةً، ورسم خطّاً مقدّساً منيراً يستطيع أن يلمسه ويتفحّصه جميع البشر بشكل مباشر ويسيرون عليه وتثبت عليه أقدامهم، وذلك من خلال إرسال الأنبياء والرسل والكتب السماويّة المقدّسة ونصب أعلام الهدى الرّبّانيين منذ الفجر الأول للإنسانية وعلى كرّ الدهور والأيام والى يومنا هذا.
وبفيضه ورأفته ورحمته سدّد أحباءه وأولياءه وأهل الكرامة عليه بالأدلّة الدامغة والبراهين الساطعة والمعجزات الباهرة،ووقف معهم بمقامه الشامخ المنيف في خندق واحد يدافعُ عنهم ويذبُّ عنهم الأعداء، وشدّ أزرهم بقوّته القاهرة وملائكته المسوّمين والمردفين، وأخبرهم بأنّه معهم يسمع ويرى، فهزم بجنده القليلين المستضعفين جيوش الشرّ والمستكبرين الذين كانوا يفوقونهم بالعدّة والعدد وبحشودهم المليونيّة لأنّهم لم يزالوا ملوك الأرض وأسباب الدنيا بأيديهم، فقد هاجم فرعون بكليمه موسى (ع) فانتصر عليه وأكذب ربوبيّته وقتله، وهاجم نمرود بخليله إبراهيم (ع) وفضحه وأخزاه ودمّره، وزحف على جالوت وطواغيته بقائد جيشه الظافر طالوت (ع) فأراح البلاد والعباد من جبروته وغطرسته...الخ.
وهكذا دواليك فهذا ديدنُهُ وخُلُقه، وهكذا هي سنَنُهُ الربانيّه عزّ وجلّ التي ليس لها تبديل وليس لها تحويل وهي جارية في كلّ عصر وزمان. وقد أثبت ذلك بشكل قاطع في القرآن الكريم حيث قال عزّ من قائل:
-( فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّـهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ) .(1)
-( سُنَّةَ اللَّـهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا ) (2) .
-( سُنَّةَ اللَّـهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا ) (3) .
-( فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّـهِ تَحْوِيلًا ) (4) .
ثمّ إنّه تبارك وتعالى في كلّ تلك الأحداث الكبيرة وغيرها من الأحداث المروّعة والمريرة والمنعطفات الخطيرة، نراه يوطّد هذا الخطّ المبارك بشكل يدهش الألباب ويحيّر الأفكار ويلفت الأنظار على طول مسير الحياة الإنسانية بالتسديد الغيبي والنصرة والإنارة والتبيين...، حتى صار هذا السراط الإلهيّ المستقيم صلباً منيعاً وذا جذور عميقة ثابتة يصعب على كلّ الظالمين محوه ودثره أو إزالته أوتجاهله، ولكنّهم وبحسب سجايا الإنحطاط والدّناءة التي تغمرهم يحاولون في كلّ عصرٍ وزمانٍ الإلتفاف عليه لتمويه أفعالهم القبيحة لفترة من الزمن وذلك لنيل مآربهم الخسيسة.
____________________
(1) غافر: 85.
(2) الفتح:23.
(3) الأحزاب: 62.
(4) فاطر: 43.
هذا وقد آلى الله سبحانه وتعالى على نفسه المقدّسة ووعد المؤمنين من عباده وعداً حتميّاً، وعهد اليهم عهداً قطعيّاً، وكتب ذلك على نفسه المقدّسه، وبيّنه لعموم البشريّة عندما أثبته في كتبه المقدّسة وبشّر به على لسان أنبياءه ورسله (ع)؛ بأنّه لابدّ من أن يظهر دينه على الدين كلّه ولو كره المشركون، وينصرَ أولياءه وعباده المستضعفين ويجعلهم أئمّة ويجعلهم الوارثين(1) ، وأنّه يدّخر لذلك خليفته الأعظم وهو المصلح في آخر الزمان الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً وينتقم به لدماء الأنبياء والرسل والشهداء والمظلومين، ويدرك به ثأرَهُ المقدَّس، ويقيم به أحكامه وشرائعه، ويغدق به نعماءه، ولكي يُريَ جميع البشر وغيرهم من عوالم خلقه الأُخرى فَرَجَهُ الأعظم وكيف يكون حكمه تبارك وتعالى(2) بواسطة وليّه وممثله الشرعي وقوانينه الربوبيّة الرائعة التي مارآها البشر ولاغيرهم يوماً ما قطُّ على وجه هذا الكوكب الذي مرَّ بكلّ أنواع الجور والظلم وسفك الدماء والمحن والمآسي...الخ.
هذا وقد أخبر عزّ وجلّ أنبياءه ورسله مراراً وتكراراً، وأثبت ذلك في كتبه المنزلة بأنّه سيستفحل الشر في آخر الزمان(3) حتى يورق ويثمر القتله
____________________
(1) انظر: الطُّورُ المهدوي، ص94-96 في موضوع: قاعدة النصر الحتمي للمؤمنين.
(2) انظر: المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص119- 127، في موضوع: ملكوت الله عند السيد المسيح، يعني حكم الله في آخر الزمان وحتميته ووقت حدوثه وشرحه ومصاديقه...الخ.
(3) انظر: ماقبل نهاية التأريخ، ص108 وما بعدها في موضوع: نموذج الإنحراف البشري قبل الظهور.
والجزّارين والسفاحين والمتشيطنيين العفنيين والجاحدين والمشركين والكافرين،حتى يظهرالتغيُّرُ الفساد في البرّ والبحر وفي كلّ مكان(1) ، وأنَّهُ سيكون هناكَ تصادماً عنيفاً مع الشريعة الإسلامية المقدَّسة والأُمة المؤمنة من جانب وقوى الكفر والإستكبار العالمي(2) ؛ فيستغيث الأنبياء والرسل والأولياء والقديسون والشهداء إستغاثةَ الغريق ببارئهم(3) ليُدرِكَ ثأرهم ويأخُذَ بحقّهم ولينقذ أتباعهم المؤمنين المستضعفين الذين لازالوا يبادون ويُطهّرَ الأرض التي ملئوها ظلماً وجوراً بواسطة رجل الله المقدس الموعود فيملأها عدلاً وقسطاً.(4)
ووعد أنّه سينتقم من اولئك المجرمين جمياً، إنتقاماً مرعباً مخيفاً، ليس له مثيل ولم يكن لهُ نظير بواسطة وليّه وخليفته المنتقم من الظالمين ومصلح الكون ومنقذ المستضعفين ومنقذ المنكوبين وأمل المحرومين، فمن تشرَّفَ برُؤيةِ وجهه المبارك كان كمن رأى وجوه جميع الأنبياء والأوصياء لأنّه وريثهم الشرعي ومكمل بنيانهم الذي أسّسوا، ومن سمعه كان كمن سمع
____________________
(1) للمزيد، انظر: جولةٌ في حكومة الإمام المهدي (ع)، ص 37-51.
(2) انظر: ماقبل نهاية التأريخ، ص 153، وما بعدها في موضوع: (التصادم مع الشريعة الإسلامية والأمة المؤمنة من قبل النظام العالمي).
(3) كما سيمرُّ بنا في الفصل الثالث في موضوع: (دعاء الأنبياء لمنقذ العالم).
(4) للمزيد، انظر: الطُّورُ المهدوي، ص 25 ومابعدها في موضوع: (البعد الكوني للمهدوية)، وص 179، ومابعدها في موضوع: (حتمية الطور المهدوي...الخ).
جميع الرسل والمقدّسين فهو لسانهم الصادق في الآخرين، ومن صلىّ خلفَهُ، يكون قد صلى خلف (رسول الله) صلى الله عليه وآله وسلم لأنه خليفتهُ.(1)
ويحكم بحكم داود (ع) ولايحتاجُ الى بيّنةٍٍٍ أو شهود، بل يلهمهُ اللهُ تعالى فيحكم بعلمهِ(2) ...الخ.
ويجدرُ بنا أن نبيِّنَ هنا شيئاً من العقائد التي يؤمنُ بها البشر في هذا الصدد:
إنّ امرَ منقذ العالم المنتَظر، وقوة ظهوره، وشدّة نوره، قد إخترق جميع العوالم عبر الدهور ولم يقف عند حدٍّ وأمدٍ أبداً! لذا نجد ان جميع البشر(3) على وجه الارض سواء كانوا من اهل الديانات السماوية او من اهل المذاهب والفلسفات بما فيها الوثنية والالحادية وغيرهم، يلهجون بذكر المصلح والمنقذ لسكان العالم.(4)
____________________
(1) الهداية، ص 42-45. الغيبة للنعماني: 75 ضمن ح 9 عن سليم بن قيس: 2/707 عن شيخ من نسل حواري عيسى بن مريم (عليه السلام)، والاعتقادات: 95، وكمال الدين: 1/251 ضمن ح 1، وص 280 ح 27 عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وص 331 ضمن ح 16 عن الباقر (عليه السلام)، وص 345 ضمن ج 31 عن الصادق (عليه السلام)، والغيبة للطوسي: 116، وكفاية الأثر: 80، وص 99 عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثله. كمال الدين: 1/284 ح 36 عن رسول صلى الله عليه وآله وسلم، وص 527 ضمن ح 1 عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وص 332 ح 17 عن الباقر (عليه السلام)، وكفاية الأثر: 225 عن الحسن بن علي (عليه السلام) نحوه. البيان في أخبار صاحب الزمان:ص109، ص110، وص112، وص 113، وص 117، وص 124، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي:ص 191، وص292، وص 293، والعرف الوردي في أخبار المهدي: 64، وص 78، وص 81، وص 86. والبرهان في علامات مهدي آخر الزمان (عليه السلام): 158 ح 1، وص 160 ح 7 وح8 و ح 9 نحوه، وص 176 مثله. انظر صحيح مسلم: 1/94، وص 95، وشرح سنن ابن ماجة: 2/514، ومسند ابن حنبل: 3/345، وص 367، وص 384، و ج 4/217.
(2) قال الصادقُ (ع): «إذا قامَ قائمُ آل محمد (ص) حكمَ بين الناسِ بحكم داود، ولايحتاجُ الى بيّنةٍ، يلهمهُ الله تعالى فيحكم بعلمه». روضة الواعظين، ص 266. بصائر الدرجات، ج5، ص 259.
(3) انظر: المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة،ص 192 وما بعدها في موضوع: (عقائد الأمم في المهدي (ع)). المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص 20، تحت عنوان: (فكرة المخلص المنتظر).
(4) انظر: المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة،ص 191 وما بعدها في موضوع: (عقائد الأمم في المهدي (ع)).
وقد كان للفطرة الإنسانية دورٌ كبيرٌ في ترسيخ هذه العقيدة وغرسها في النفوس، وأنَّ الله تباركَ وتعالى لم يقطع أملَ الإنسانية في كلّ عصرٍ من العصور، وهو نوعٌ من التربية الرَّبّانيَّة لعموم البشر ولطفٌ محضٌ، وقد عبَّر عن هذه الحقيقة أَحدُ أعاظم العلماء يقوله:
(... ليسَ المهدي(1) تجسيداً لعقيدةٍ إسلاميةٍ ذات طابعٍ دينيٍّ فحسب، بل هو عنوانٌ لطموحٍ اتَّجهت اليه البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها، وصياغةٍ لإلهامٍ فطري...) الخ.(2)
وعلى سبيل المثال، فإنّ أصحاب الديانة(البرهمية ) يعتقدون بمخلص الانسان(3) ، ويعتقد البوذيّون بـ (المولود الوحيد ومخلّص العالم )(4) ، وهو: المنتظر عندهم وهو (بوذا الخامس)(5) ، واما العقيدة(المانويّة ) فانها ترى ان المسيح اختفى وسيعود في المستقبل(6) ... وما الى ذلك.
وأما الزرادشتية: فانَّهم (يترقبون موعوداً في كتبهم، ككتاب أوستا
____________________
(1) الإمام المهدي (ع): هو منقذ العالم في عقائد المسلمين.
(2) بحثٌ حول المهدي، ص 7، وما بعدها. وانظر: المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص 20، تحت عنوان: فكرة المخلص المنتظر: سادت هذه الفكرة ومازالت لدى كلّ الأديان المعروفة، وبشكلٍ خاص الأديان السماوية نتيجةً لإخبار أَصحاب الرسالات السماوية بها...الخ.
(3) ألأسفار المقدسه: ص128-130.
(4) ألأسفار المقدسه: ص 130.
(5) المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص 191، في موضوع: عقائد الأمم في المهدي (ع).
(6) الفرق الاسلاميه: ص30.
و زند و رسالة جاماسب و دينيك و زرادشت، وهو الموعود الثالث عندهم ويلقّبونهُ بـ (سوشيانت المنتصر) حيث قالوا:
(إن سوشيانت المزدية بمثابة كريشناي البراهمة، وبوذا الخامس لدى البوذية، والمسيح لدى اليهود، وفارقليط عند العيسوية، وبمنزلة المهدي لدى المسلمين).(1)
وأما الهنود: فقد (ذكروا منقذاً موعوداً في كتبهم، ككتاب (مهابهاراتا) وكتاب (بورانه ها)، وقالوا: (تذهب الأديان جميعاً الى أنه في نهاية كلّ مرحلةٍٍمن مراحل التأريخ يتجهُ البشرُ صوبَ الإنحطاط المعنوي والأخلاقي وحيث يكونون في هبوط فطري وابتعاد عن المبدأ، ويمضون في حركتهم مضيَّ الأحجار الهابطة نحو الأسفل، فلا يمكنهم أنفسهم أن يضعوا نهايةً لهذه الحركة التنازلية والهبوط المعنوي والأخلاقي، إذاً فلابدَّ من يومٍ تظهرُ فيه شخصيةٌ معنويةٌ على مستوىً رفيع تستلهمُ مبدأ الوحي وتنتشلُ العالمَ من ظلمات الجهل والضياع والظلم والجور).(2)
ويعتقدُ اليهود بان المصلح المنتظر في آخر الزمان هو «ايليَّا»، واما المسيحيون فيعتقدون بانه «عيسي بن مريم »(3) . وأنّ (إيليَّا) هذا، وكما يعتقد اليهود هو: نبيٌّ يأتي في آخر الزمان فينصره الله تعالى وينتقم من الظالمين،
____________________
(1) المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص 191.عن دائرة المعارف الفارسية، الجزء الأول، ص1373. انظر: الإمام المهدي في كتب الأُمم السابقة والمسلمين، ص52.
(2) المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص 191.عن شمس المغرب، للحكيمي، ص53. انظر: الإمام المهدي في كتب الأُمم السابقة والمسلمين، ص53-54.
(3) انظر اصول الدين: ص367.
هذا وتضجُّ أسفارُ توراتهم وآثارهم بانتظار موعود مخلّصٍ، كما في كتاب: (نبوءة هيلد) و (بشارات العهدين: 7 وما بعدها)، و (دانيال النبيّ) و (النبيّ حجّي) و (النبيّ صفينا) و (النبيّ إشعيا)، وكلّها مطبوعةٌ ضمن الكتاب المقدّس (التوراة).(1)
فأمّا قولهم بأنّه نبيٌّ فهو باطلٌ بسبب ختم النبوّات والرسالات بالنبيّ والرسول الخاتم محمد (ص) ولانبيّ بعده قطعاً؛ ومادامت هذه البشارة صحيحةٌ وثابةٌ فيبقى لها وجهٌ واحدٌ للحقّ والصدق بعد دراسة هذه العبارة والتمعّن فيها.
فلو قارنّا بين اسمي (ايليَّا) و (عليّا) لفُتحَ لنا عالمٌ آخر، فلعلَّ المراد هو البشارة بمجيء عليّ (ع) سواءٌ بمجيئه الأوّل مع النبيّ محمد (ص) أوالثاني وذلك في زمن الرجعة فقد جاءت بذلك الأخبارالشريفة وليس هنا مجال بحثه، ولكن لو رجعنا الى الإنجيل لسهل الأمر أكثر، حيث جاء في الانجيل قوله:
(وهذه شهادةُ يوحنا، حينَ أرسَلَ اليهودُ من أورشليم كهنةً ولاويّينَ؛ ليسألوه: من انت؟ فاعترف، ولم ينكر، وأقرَّ: أني لستُ أنا المسيح. فسألوه: إذن ماذا؟ إيليَّا؟ فقال: لستُ أنا. النبيُّ أنت؟ فأجاب: لا).(2)
فانَّ المراد بايليَّا ليسَ الياساً - كما ربّما يُدّعى - وذلك لانه قد كان قبل
____________________
(1) المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص 191. انظر: الإمام المهدي في كتب الأُمم السابقة والمسلمين، ص55-57.
(2) انجيل يوحنا:الاصحاح الأول، الفقرات (19-21) الأصل العبري.سفر يوحنا، 1: 19-21، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 125.العهد الجديد، سفر يوحنا، الإصحاح 1، الفقرات 19-21، الكتاب المقدّس باللغة العربية 73 سفراً، مصر.
عيسى بقرون، فلا بد أن يكون المقصود به رجلاً يأتي بعد عيسى. وكذلك الحال بالنسبة الى النبي الذي سألوه عنه.
ومن المعلوم انه لم يأت بعد عيسى غير نبينا محمد (صلّي الله عليه وآله وسلم )،واوصيائه (عليهم السلام) فلعل المقصود بالنبي هو محمد (صلي الله عليه وآله وسلم )وبايليَّا وصيّهُ عليّ (عليه السلام).(1)
ويعتقد النصاري: أن المسيح (ع) قُتلَ وصُلبَ ودٌفنَ ثم قام في اليوم الثالث وصعد الى السماء وجلس عن يمين ابيه وهو مستعد للمجيء تارة اخرى للقضاء بين الاموات والاحياء...)(2) .
وأما بشأن عقيدة المسيحيين بكون المنقذ هو عيسى (ع):فمن المعلوم عند جميع فرق المسلمين وهو حقٌّ لاريبَ فيه: اقتران ظهور المهدي المنتظر(عج ) مع نزول عيسى(ع) من السماء، وقد تواترت(3) روايات المسلمين في ذلك، ومن مضامينها:
(ان عيسى ينزل وقد صلى الامام وهو المهدىُّ بالناس، العصر، وقيل: الصبح، فيتأخر فيقدمه عيسى، ويصلى عيسى خلفه. وما نزل عيسى على
____________________
(1) الصحيح من سيرة النبى ألأعظم (ص):ج2 ص220.
(2) الملل والنحل: ج1 ص227 باختصار شديد من ملخص عقيدة النصارى. و أُنظر: المسيح المنتظر ونهاية العالم، ص 158 في موضوع عودة المسيح (ع)، وكذلك تواتر الأحاديث في نزوله، ص 206، والرجاء المبارك لدى النصارى بنزول عيسى (ع) في ص 250، وأنَّ رجوعهُ ونزولهُ حقٌّ يقينٌ حتميٌّ لاشبهةَ فيه كما في: دانيال: 7/ 13، وإنجيل يوحنا: 4/28، وسفر ألأعمال: 1/10-11، ورؤيا يوحنا: 1/7، ورؤيا يوحنا: 22/ 7، ورؤيا يوحنا: 22/12.
(3) وكونها متواترةٌ تواتراً معنويّاً في نزول المسيح (ع)، أُنظر: المسيح المنتظر ونهاية العالم، ص206.
مقتضى هذه الأخبار الا بعد نفوذ دعوة الامام واجتماع الناس عليه فيكون مصدقا لدعوة الامام في دعواه، وقوة له وعونا...).(1)
من هنا فقد وقع أتباع معظم الديانات التي سبقت الإسلام،وخاصةً المسيحية منها، في إرباكٍ كبير وخلط واسع بين البشارات الخاصة بـ (منقذ العالم) والبشارات الخاصة بـ (نزول عيسى -ع - من السماء ورجوعه الى الأرض مرةً ثانية)،وذلك لكون مجيئهما وحضورهما في عصر واحد، وبسبب التشابه الكبير بين نصوص البشارات الخاصة بكلّ واحدٍ منهما، وعدم إطّلاعهم على بشارات القرآن والنبيّ الأكرم محمد(ص) وأتباعه الصالحين (رض) بخصوص هذا الأمر، وإعتمادهم كليّاً ووقوفهم على ماقاله السلف والآباء حول تفسير هذه البشارات الواردة في كتبهم المقدسة - وهذا موضوعٌ خصبٌ يطول بحثه وليس هنا محلّه - لذا فقد غابت عنهم حقيقةٌ إلهيّةٌمهمةٌ لطالما نادى بها الدين الإسلاميّ الحنيف عبرَ القرآن الكريم والرسول محمد (ص) والأئمَّة الأطهار من أهل بيته (ع) وصحبه أجمعين؛ إذ يملكُ الأسلامُ في هذا الموضوع صورةً ربّانيّةً مشرقةً وواضحةً لها عمقُها وبعدُها التأريخيّ والعقيديّ، فقد قال الله تباركَ وتعالى في كتابه العزيز:( إِذْ قَالَ اللَّـهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ
____________________
(1) العمدة، ص438.
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) .(1)
____________________
(1) سورة آل عمران: آية 55، و(متوفيك) هنا: ليس بمعنى، توفّى الله فلاناً: قبض روحه، انظر القاموس الفقهي، د. سعدي أبو حبيب، ص 384، حرف الواو. ولكن هنا بمعنى إني آخذك إليَّ تاماً وافياً لابعيب ولانقص ورافعك الى سمائي أو الى كرامتي...، أو كما قيل بالتقديم والتأخير وأن المعنى: رافعك ومتوفيك... الخ، وسمى رفعه إلى السماء رفعا إليه: تفخيما لأمر السماء يعني: رافعك لموضع لا يكون عليك إلا أمري... كما قال حكاية عن إبراهيم عليه السلام: (اني ذاهب إلى ربي سيهدين) أي إلى حيث أمرني ربي، سمى ذهابه إلى الشام ذهابا إلى ربه... الخ.وللمزيد انظر: كمال الدين، الصدوق، ص225. بحار الأنوار، المجلسي، ج14 ص 250،و ص 335، و ص 336، و ص 338،و ص 344، و ص 516...الخ. تفسير القمي، ج1 ص 103. الكشاف، الزمخشري، ج1 ص342. تفسير جوامع الجامع، الطبرسي، ج1 ص291. ففي بحار الأنوار، العلامة المجلسي:ج 14، ص 343-344:
(إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي) قيل في معناه أقوال: أحدها أن المراد به أني قابضك برفعك من الأرض إلى السماء من غير وفاة بموت عن الحسن وكعب وابن جريح وابن زيد والكلبي وغيرهم، وعلى هذا القول يكون للمتوفي تأويلان: أحدهما: إني رافعك إلي وافياً لم ينالوا منك شيئاً، من قولهم: توفيت كذا واستوفيته، أي أخذته تاماً. والآخر: إني متسلمك، من قولهم: توفيت منك كذا أي تسلمته. وثانيها: إني متوفيك وفاة نوم، ورافعك إليَّ في النوم، عن الربيع، قال: رفعه نائماً، ويدل عليه قوله: (وهو الذي يتوفاكم بالليل) أي ينيمكم، إن النوم أخو الموت، وقوله: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها). وثالثها: إني متوفيك وفاة موت، عن ابن عباس ووهب، قالا: أماته الله ثلاث ساعات. وأما النحويون فيقولون: هو على التقديم والتأخير، أي إني رافعك ومتوفيك، لان الواو لا توجب الترتيب بدلالة قوله: (فكيف كان عذابي ونذر) والنذر قبل العذاب وهذا مروي عن الضحاك. ويدل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: عيسى عليه السلام لم يمت وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة. وقد صح عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟ رواه البخاري ومسلم في الصحيحين، فعلى هذا يكون تقديره: إني قابضك بالموت بعد نزولك من السماء. وقوله: (ورافعك إلي) فيه قولان: أحدهما: أني رافعك إلى سمائي. =
وجاء في الخبر أيضاً:(... قال تعالى لعيسى: أَرفعُكَ إليَّ ثمَّ أُهبطكَ في آخر الزمان لترى من أُمَّة ذلك النبيّ العجائب، ولتعينهم على اللعين الدَّجال، أُهبطُكَ في وقت الصلاة لتصلّي معهم، إنَّهم أُمَّةٌ مرحومةٌ) .(1)
هذا وقد صرَّحَ عيسى (ع) بأنّه ليسَ هو المنقذ للعالم في آخر الزمان، بل هناك من يأتي ويطلبُ بحقّ الجميع بما فيهم عيسى (ع) نفسه، كما في قوله: (أنا لا أطلُبُ مجداً لي. هناكَ من يطلُبُهُ لي ويحكم).(2) وأمثالُ هذا كثيرٌ لمن تمعَّنَ وتدبَّرَ في الكتب المقدَّسة.
ثمّ (أنَّ المفسّرينَ الإنجيليّينَيقولون: المبشَّر به في هذه الآيات(3) ، لم يولد حتى الآن، ولانعرفُ لها تفسيراً واضحاً، حتى يُولد فنعرف كيف هو وأنّى).(4) بل إنَّ الكثير من سنخ هذه الآيات كما عبَّروا تعتبرُ ألغازاً بالنسبة لهم، ولم يستطيعوا الوقوفَ على تفسيرها لما بيَّنّا ومرَّ آنفاً.
واعتقاد اهل السنة: انه سيظهر في آخر الزمان مهدي يقوم بالسيف وانه: (قد تواترت الاخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى(ص).
____________________
= والآخر أن معناه: رافعك إلى كرامتي، ومطهرك من الذين كفروا، بإخراجك من بينهم فإنهم أرجاس، وقيل: تطهيره منعه من كفر يفعلونه بالقتل الذي كانوا هموا به لان ذلك رجس طهره الله منه... الخ.
(1) كمال الدين وتمام النعمة، ص 160. الجواهر السنية، ص 113. حلية الأبرار، ج 1 ص 169. أمالي الصدوق، ص 160. بحار الأنوار، ج 14 ص 286، وج 16،ص 145 ب 8 ح1، وج 52 ص 181 ب 25 ح 1 آخره. الزام الناصبب، ج 1، ص 160، عن العوالم. اعلام الورى، ج1 ص 60. الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة، ص 300. الإيمان والكفر، ص 137.
(2) انجيل يوحنا 8: 50، العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 169. المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص 60-68. انجيل يوحنا 8: 50، الكتاب المقدّس باللغة العربية 73 سفراً، مصر.
(3) والآيات التي عَنَوها هي في: رؤيا يوحنا 2: 26-29. رؤيا يوحنا 12: 1-17. إنجيل متى: 24. انظر: المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص103-107.
(4) نفس المصدر: 103-108.
بخروجه، وانه من اهل بيته، وانه يملك سبع سنين، وانه يملا الارض عدلاً، وانه يخرج مع عيسى علي نبينا وعليه افضل الصلاة والسلام... وانه يؤمُّ هذه الامة ويصلي عيسى خلفه ).(1)
ويعتقدون أيضاً:
ان المهدي: (من اشراط الساعة وانه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من اهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الاسلامية، ويسمى - المهدي -).(2)
وانهم ليرون في ذلك ما يراه الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الاسلامية في المدينة المنورة اذ يقول: ان (امر المهدي امر معلوم والاحاديث فيه مستفيضة بل متواترة متعاضدة... فهي بحق تدل على ان هذا الشخص الموعود؛ امره ثابت وخروجه حق ).(3)
ولقد لخَّص هذه الحقيقة العالم العراقي السني الشيخ صفاء الدين آل شيخ الحلقة فقال: (واما المهدي المنتظر فقد بلغت الاحاديث الواردة فيه حداً من الكثرة يورث الطمأنينة بان هذا كائن في آخر الزمان، فيعيد للاسلام سلامته وللايمان قوته وللدين نضارته... وهي متواترة بلا شك ولا شبهه، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها، على جميع الاصطلاحات المحررة في الاصول ).(4)
____________________
(1) الصواعق المحرقه:99. أصول الدين: ص383-384.
(2) المهدى والمهدويه:ص110. أصول الدين: ص368
(3) مجلة الجامعه الاسلاميه: العدد 3 ص 161ـ 162، أصول الدين: ص368.
(4) أصول الدين: ص371.
وهكذا فان نور الامام المنتظر (عج) قد إخترق افهام العلماء واستقرّ في جوانحهم منذ احقاب بعيدة جداً، فجعلهم يسارعون في تأليف الكتب والرسائل الخاصة به (عج)،انطلاقاً من ايمانهم به وتصحيحاً للاخبار الواردة فيه، لتعرف الاجيال من بعدهم جلية الامر وواقعه كما ورد في التشريع على لسان النبي الاعظم (ص)، وكان من جملة اولئك على سبيل التمثيل لا الحصر:
1 - عباد بن يعقوب الرواجني المتوفي سنة 250 هـ: له كتاب «اخبار المهدي ».
2 - ابو نعيم الاصبهاني المتوفي سنة 430 هـ: له كتاب (اربعين حديثاً في امرالمهدي »(1) ، وكتاب «مناقب المهدي »، وكتاب «نعت المهدي ».(2)
3 - محمد بن يوسف الكنجي الشافعي المتوفي سنة 658 هـ: له كتاب «البيان في اخبار صاحب الزمان » - مطبوع.
4 - يوسف بن يحيي السلمي الشافعي المتوفي سنة 658 هـ: له كتاب «عقد الدررفي اخبار المهدي المنتظر».(3)
5 - ابن قيم الجوزية المتوفي سنة 751 هـ: له كتاب (المهدي )
6 - ابن حجر الهيتمي الشافعي المتوفي سنة 852 هـ: له كتاب «القول المختصر في علامات المهدي المنتظر».(4)
____________________
(1) روى عنه ابن الصباغ المالكى فى الفصول المهمه:275.
(2) روى عنه الحافظ الكنجى الشافعى كثيرا فى كتابه (البيان).
(3) توجد منه نسخه مصوّره بمعهد المخطوطات العربيه بالقاهره.
(4) وردت نصوص منه فى اسعاف الراغبين: 139، وتوجد نسخ مخطوطه منه فى حلب واستانبول... الخ
(5) توجد منه نسخ خطيه فى استانبول.
(6) ذكره مؤلفه فى كتابه (ألأئمه ألأثنى عشر): ص118
(7) من الكتابين نسخ مخطوطه فى استانبول،... وغيرها.
(8) من ألأول نسخه مخطوطه فى الهند، ومن الثاني باستانبول.
7 - جلال الدين السيوطي المتوفي سنة 911 هـ: له كتاب «العرف الوردي في اخبار المهدي» - مبطوع - وكتاب «علامات المهدي».
8 - ابن كمال باشا الحنفي المتوفي سنة 940 هـ: له كتاب «تلخيص البيان في علامات مهدي آخر الزمان».(1)
9 - محمد بن طولون الدمشقي المتوفي سنة 953 هـ: له كتاب «المهدي الى ما ورد في المهدي».(2)
10 - علي بن حسام الدين المتقي الهندي المتوفي سنة 975 هـ: له كتاب «البرهان في علامات مهدي آخر الزمان »، وكتاب «تلخيص البيان في اخبار مهدي آخرالزمان ».(3)
11 - علي القاري الحنفي المتوفي سنة 1014 هـ: له كتاب: «الرد على من حكم وقضى ان المهدي جاء ومضى»، وكتاب: «المشرب الوردي في اخبار المهدي ».(4)
12 - القاضي محمد بن علي الشوكاني المتوفي سنة 1250 هـ: له كتاب «التوضيح من تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح ».(5)
13 - مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي المتوفي سنة 1031 هـ: له
____________________
(1) توجد منه نسخ خطيه فى استانبول.
(2) ذكره مؤلفه فى كتابه (ألأئمه ألأثنى عشر): ص118
(3) من الكتابين نسخ مخطوطه فى استانبول،... وغيرها.
(4) من ألأول نسخه مخطوطه فى الهند، ومن الثاني باستانبول.
(5) مجلة الجامعه الاسلاميه: العدد 3 ص131.
كتاب «فرائد فوائد الفكر في الامام المهدي المنتظر».(1)
14 - رشيد الراشد التاذفي الحلبي المعاصر: له «تنوير الرجال في ظهور المهدي والدجال »(2) مطبوع.(3)
وما يعتقده أتباع أهل البيت (ع):
أنّ الأرضَ لم تخلو من حجة لله تعالى وهو إمامٌ معصومٌ(4) مفروضُ الطاعةِ، وانه الآن غائبٌ مستور(5) وسيظهَرُ بإذن الله في آخر الزمان ليقيم الحقَّ والعدل واسمه المهدي (عج)(6) .
وهو التاسعُ من وُلد الحسين (ع)المقتول بكربلاء ويرجعُ نَسَبُهُ الى النبيّ محمد (ص) عن طريق ابنته فاطمة الزهراء (ع)(7) .
____________________
(1) توجد منه نسخه خطيّه باستانبول.
(2) انظر: أصول الدين: 372-375.
(3) وذكر الشيخ يوسف محمد عمرو،في كتابه: المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص 140-158، ثمانية وستين عالماً من أهل السنة: وافقوا الشيعة على تطهير الأرض بواسطة المهدي (ع) ويذكر أسمائهم، ص152-158.
(4) انظر: الهداية، ص 45، 38، وفي قول الله تعالى:( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ) فاطر: 24.
(5) مستورأو مغمور. انظر النهاية: 3/384.
(6) الهداية، ص 38 -45:وأنه هو الذي أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم به عن الله عز وجل باسمه ونسبه، وأنه هو الذي يملأ الأض قسطا وعدلا كما ملئت (جورا وظلما).
(7) الغيبة للطوسي: 164 وفي كفاية الأثر: 261 عن أبي عبد الله عليه السلام: «... إن قائمنا يخرج من صلب الحسن والحسن يخرج من صلب علي، وعلي يخرج من صلب محمد، ومحمد =
وأنه هو الذي يظهر الله عز وجل به دينه على الدين كله ولو كره المشركون(1) .
وأنه هو الذي يفتح الله عز وجل على يديه(2) مشارق الأرض ومغاربها حتى لا يبقى في الأرض مكانٌ إلا ينُادى فيه بالأذان، ويكون الدين كلُّهُ لله.
وأنه هو المهدي الذي (أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه) إذا خرج نزل عيسى بن مريم (عليه السلام) فصلى خلفه(3) .
ويكون إذا صلى خلفه مصلياً خلفَ (رسول الله) صلى الله عليه وآله وسلم لأنهُ خليفته.(4)
وأنّه قد وُلد بالفعل، ووافقهم على ذلك عدد غير قليل من المسلمين وعلمائهم الكبار؛ وبذلك جاءت الأخبار عن النبيّ وأئمّة أهل البيت (ع) وسنمرُّ على شيء منها بعد ذكر الآيات الكريمة الآتية في هذا المبحث.
وان الامام المهدي (عج ): وُلدَ في سامراء عند الفجر من يوم الخامس
____________________
= يخرج من صلب علي، وعلي يخرج من صلب ابني هذا - وأشار إلى موسى بن جعفر عليه السلام - وهذا خرج من صلبي نحن اثنا عشر كلنا معصومون مطهرون».
(1) قال الله تبارك وتعالى:( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) التوبة: 33، انظر الكافي 1/432 ح 91.
(2) (يَدَهُ) ب. قال الله تبارك وتعالى( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّـهِ ) الأنفال: 39. الغيبة للطوسي: 283 نحوه.
(3) قال الله تبارك وتعالى:( وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ... ) النساء: 159. البيان في أخبار صاحب الزمان للكنجي الشافعي: 113.
(4) الهداية: ص 42 - 45.
عشر من شهر شعبان سنة 255 هـ(1) وسماه ابوه محمداً، فكان ذلك مصداقاً للحديث النبوي المعروف:«يواطيء اسمه اسمي» (2) وكنّاهُ ابو القاسم .(3) وقد تسالم على هذه الحقيقة رواةُ الشيعة الامامية وكثيرون غيرهم من طوائف الاسلام الاخرى.(4)
والمسلمون - جيلاً بعد جيل - يروون ذلك ويشهدون بصحته، وكان ممن روى خبر هذه الولادة، بالاضافة الى اجماع الشيعة الامامية عليها - من علماء المسلمين عدد غير قليل من المؤرخين والمؤلفين، ومنهم على سبيل التمثيل:
1 - محمد بن طلحة الشافعي المتوفي سنة 652 هـ(5)
2 - سبط ابن الجوزي المتوفي سنة 554 هـ.(6)
3 - الكنجي الشافعي المتوفي سنة 658 هـ.(7)
4 - ابن خلكان الشافعي المتوفي سنة 681 هـ.(8)
____________________
(1) الارشاد: ج2 ص323.
(2) صحيح الترمذى:2 /270.
(3) تذكرة الخواص:377.
(4) اصول الدين: 399.
(5) مطالب السؤول 2: 79.
(6) تذكرة الخواص: 377.
(7) البيان: 102 - 112.
(8) وفياة الأعيان: 3/316.
5 - صلاح الدين الصفدي المتوفي سنة 764 هـ.(1)
6 - ابن حجر الهيتمي الشافعي: المتوفي سنه2 85 هـ.(2)
7 - ابن الصباغ المالكي المتوفي سنة 855 هـ.(3)
8 - ابن طولون الدمشقي المتوفي سنة 953 هـ.(4)
9 - الحسين بن عبد الله السمرقندي المتوفي سنة 1043 هـ تقريبا.(5)
10 - محمد الصبان الشافعي المتوفي سنة 1206 هـ.(6)
11 - سليمان القندوزي الحنفي المتوفي سنة 1294 هـ.(7)
12 - محمد أمين السويدي المتوفي 1246 هـ.(8)
13 - مؤمن الشبلنجي الشافعي المتوفي ق 14 هـ.(9)
14- محيي الدين ابي عبد الله محمد بن علي بن محمد بن عربي، في الفتوحات المكية، وذكر نسب الامام المهدي (عج ) من والده الى رسول الله(ص) في الباب السادس والستين وثلثمائة واطال في ذكره وذكر وقائعه.
____________________
(1) الوفى بالوفيات: 2/336.
(2) الصواعق المحرقه:124.
(3) الفصول المهمه:274
(4) ألأئمه الأثنى عشر:117.
(5) تحفة الطالب: 17/أ (مخطوط بمكتبة الحرم المكى تحت رقم 33/تاريخ /الدهلوى). الصواعق المحرقه:124
(6) اسعاف الراغبين: 140.
(7) ينابيع الموده: 450 - 451.
(8) سبائك الذهب: 78.
(9) نور الأبصار:154.
15 - نور الدين عبد الرحمن بن احمد بن قوام الدين الدشتي الجامي الحنفي وقيل الشافعي، صاحب شرح كافية ابن الحاجب المشهور. روى في كتابه (شواهدالنّبوة ) اخباراً جليلة في ولادة المهدي (ع) وبعض معجزاته.
16 - عبد الوهاب بن احمد بن علي الشعراني المصري العارف المشهور في:اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الاكابر في الجزء الثاني، المبحث الخامس والستون...
17 - السيد جمال الدين عطاء الله بن السيد غياث الدين فضل الله ابن السيد عبدالرحمن المحدّث المعروف في روضة الاحباب في سيرة النبي (ص) والآل والاصحاب.
18 - الحافظ محمد بن محمد بن محمود البخاري المعروف بخواجه بارسا الحنفي في فصل الخطاب.
19 - العارف عبد الرحمن من مشايخ الصوفيّة في: مرآة الاسرار.
20 - ابو محمد احمد بن ابراهيم البلاذري في الحديث المسلسل.
21 - ابو محمد عبد الله بن احمد محمد بن الخشاب، المعروف بابن الخشاب في:كتاب تواريخ مواليد الائمة ووفياتهم... وغيرهم.(1)
يمكن أن نقسم آيات القرآن الكريم في هذا الموضوع الى أربعةِ أقسام:
____________________
راجع المجالس السنيه: ج5 ص713-742.
-( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) .(1)
-( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ) .(2)
-( وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا... ) .(3)
ومن الملاحظ أن هذه الايات الثلاثه قد استدل بها القرطبي وغيره من المفسرين على وجوب الخلافة والامامة(4) في كلّ عصر، وقالوا أنّ هذه الآيات نصٌّ بوجوب وجود خليفة وإمام في كلّ زمان. كما أنّ الآية الثالثة تشيرأيضاً الى وعده الحتمي الذي بشّر به كلّ المؤمنين وعهده الذي قطعه على نفسه المقدّسة بنصرتهم النصر المؤزّر النهائيّ، وهي واضحة الدلالة والمعنى.
-( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) .(5)
____________________
(1) البقرة: 30.
(2) ص: 26.
(3) النور: 55.
(4) الجامع لأحكام القرآن: ج1 ص264.
(5) الرعد: 7.
والآيةُ صريحةٌ بوجوب وجود إمام هاد منصوب ومعيّن من قبل الله تعالى لكلّ قوم ولكلّ زمان.
وقال العلاّمة الطباطبائي:
ومن هنا نصل الى نتيجة: ان ليس هناك ضرورة ان يكون نبيٌّ بين الناس بصورة مستمرة، لكن يستلزم ان يكون امام بينهم، ويستحيل على مجتمع بشري ان يخلو من وجود امام سواء عرفوه ام لم يعرفوه، وقد اشار الحكيم في كتابه:
( فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ) .(1)
-( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) .(2)
والآيةُ صريحةٌ أيضاً بأنّ الله تبارك وتعالى أوصل رسالته المباركة بما فيها من حقّ وصدق وشرع وخُلُق وعظة الى كلّ البشر، وهذا يستدعي وجود إمام معصوم لكلّ عصر وزمان لكي يوصل القول لكلّ الناس.
وكذلك في آيات أُخرى نذكرها على نحو الإختصار:
-( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) .(3)
-( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ) (4) .
-( وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (5) .
____________________
(1) الشيعه فى الاسلام: ص236-237، والآيه: 89 من الأنعام.
(2) القصص: 51.
(3) الأنبياء: 73.
(4) السجدة: 24.
(5) البقرة: 124.
-( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) .(1)
-( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) .(2)
وبالإضافة للآيات المباركة التي تُثبتُ وجوب وضرورة وجودِ إمام هادٍ يأمر بأمر الله وينهى بنهيه لكلّ زمان وكذا في آخر الزمان، فإنّ هناك آيات أُخر وهي آيات العهد والوعد الإلهيّ بتطهير الأرض وتوريثها للمؤمنين، وعلى سبيل المثل قولهُ تعالى:
-( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴿105﴾ إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴿106﴾ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) .(3)
-( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) .(4)
-( وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) .(5)
____________________
(1) الفرقان:74.
(2) الإسراء: 71
(3) سورةُ الأنبياء: 105-107.
(4) سورةُ القصص: 5.
(5) سورة النور: آية 55
-( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّـهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّـهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴿8﴾ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (1) .
-( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ شَهِيدًا ) (2) .
-( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) .(3)
-( قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ) (4) .
-( وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ) (5) .
-( فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ ﴿12﴾ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ) (6) .
ولنكتفي بهذا القدر من الآيات الكريمة، ولإماطة اللثام أكثر نذكرُ باقة من الأحاديث الشريفة في عدم خلوِّ الارض من حجة الله تعالى قطعاً.
____________________
(1) سورة الصف:8-9.
(2) سورة الفتح: آية 28.
(3) سورة الروم: آية 47
(4) سورة السجدة: آية 29
(5) سورة سبأ: آية 51
(6) سورة الأنبياء: 12 و13.
قال النبيُّ الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم):«من مات ولم يعرف امام زمانهِ مات ميتةً جاهليّةً» (1) .
وقال امير المؤمنين علي (ع):«اللّهمَّ بلى لا تخلو الارض من قائم لله بحجّةٍ اما ظاهراً مشهوراً او خائفاً مغموراًلئلاّ تبطل حجج الله وبيّناته...» (2) .
وفي معالم الزلفى عن ابي عبد الله عليه السلام:« لو كان الناسُ رجلين لكانَ احدهما الامام » .
وقال عليه السلام: «آخر من يموت الامام لئلاّ يحتج أحد على الله عزوجل انه تركه بغيرحجة الله عليه» (3) .
وفي الاربعين عن ابي جعفر (ع):«لو بقيت الارض يوماً بلا امام منا لساخت بأهلها ولعذبهم الله بأشد عذابه، ان الله تبارك وتعالى جعلنا حجة في ارضه واماناً في الارض لاهل الارض لن يزالوا في امان من ان تسيخ بهم الارض ما دمنا بين اظهرهم فاذا اراد الله ان يهلكهم ولاينظرهم ذهب بنا من بينهم ورفعنا الله ثم يفعل ما يشاء واحب » .(4)
وفي الكافي عن ابي عبد الله (ع):«ان الحجة لا يقوم لله على خلقه إلاّ بامامٍ حيٍّ حتى يعرف » .
____________________
(1) البحار،ج8 ص 368.
(2) ينابيع الموده: فى الباب المائه ص523.
(3) الزام الناصب 1: 5.
(4) نفس المصدر.
وفيه عن ابي الحسن (ع):« ان الارض لا تخلوا من حجة وانا والله ذلك الحجة » .
وفيه عن ابي عبد الله (ع):« لو بقيت الارض بغير امام لساخت » .
وفيه عن ابي جعفر (ع):«لو ان الامام رُفعَ من الارض ساعةً لماجت بأهلها كما يموجُ البحرُ بأهله» (1) .
وفيه (البحار) عن الاعمش عن الصادق عليه السّلام قال:« لم تخلُ الارض منذ خلق الله آدم من حجةٍ لله فيها ظاهر مشهور او غائب مستور ولا تخلو الى ان تقوم الساعة من حجةٍلله فيها ولولا ذلك لم يُعبد الله...» .(2)
جاء في سفر ملاخي في باب مجيء يوم الربّ الموعود:
(19 وقال الربّ القدير:سيأتي يومٌ يحترق فيه جميع المتجبّرين وفاعلي الشرّ كالقشّ في التنور المتّقد.في ذلك اليوم يحترقون،حتى لايبقى لهم أصلٌ ولا فرع 20 وتشرق لكم أيّها المتّقون لاسمي شمس البرّ والشفاء في أجنحتها، فتسرحون وتمرحون كالعجول المعلوفة،وتدوسون الأشرار وهم رمادٌ تحت أخامص أقدامكم،يوم أعمل عملي، أنا الربّ القدير).(3)
____________________
(1) نفس المصدر: ج1 ص6 - 7.
(2) نفس المصدر: ج1 ص 428.
(3) سفر ملاخي 3: 19-21،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص1248.
هذا وقد بشَّرَ بطرس الرسول ووعد بمجيء يوم الربّ الموعود والحتميّ في رسالته الثانية حيث جاء فيها:
(1 هذه اكتبها الان اليكم رسالة ثانية ايها الاحباء فيهما انهض بالتذكرة ذهنكم النقي* 2 لتذكروا الاقوال التي قالها سابقا الانبياء القديسون و وصيتنا نحن الرسل وصية الرب و المخلص* 3 عالمين هذا اولا انه سياتي في اخر الايام قوم مستهزئون سالكين بحسب شهوات انفسهم* 4 و قائلين اين هو موعد مجيئه لانه من حين رقد الاباء كل شيء باق هكذا من بدء الخليقة* 5 لان هذا يخفى عليهم بارادتهم ان السماوات كانت منذ القديم و الارض بكلمة الله قائمة من الماء و بالماء* 6 اللواتي بهن العالم الكائن حينئذ فاض عليه الماء فهلك* 7 و اما السماوات و الارض الكائنة الان فهي مخزونة بتلك الكلمة عينها محفوظة للنار الى يوم الدين و هلاك الناس الفجار* 8 و لكن لا يخف عليكم هذا الشيء الواحد ايها الاحباء ان يوما واحدا عند الرب كالف سنة و الف سنة كيوم واحد* 9 لا يتباطا الرب عن وعده كما يحسب قوم التباطؤ لكنه يتانى علينا و هو لا يشاء ان يهلك اناس بل ان يقبل الجميع الى التوبة* 10 و لكن سياتي كلص في الليل يوم الرب... * 11 فبما ان هذه كلها تنحل اي اناس يجب ان تكونوا انتم في سيرة مقدسة و تقوى* 12 منتظرين و طالبين سرعة مجيء يوم الرب الذي به تنحل السماوات ملتهبة و العناصر محترقة تذوب* 13 و لكننا بحسب وعده ننتظر سماوات جديدة و ارضا جديدة يسكن فيها البر* 14 لذلك ايها الاحباء اذ انتم منتظرون هذه اجتهدوا لتوجدوا عنده بلا دنس و لا عيب في
سلام* 15 و احسبوا اناة ربنا خلاصا كما كتب اليكم اخونا الحبيب بولس ايضا بحسب الحكمة المعطاة له* 16 كما في الرسائل كلها ايضا متكلما فيها عن هذه الامور التي فيها اشياء عسرة الفهم يحرفها غير العلماء و غير الثابتين كباقي الكتب ايضا لهلاك انفسهم* 17 فانتم ايها الاحباء اذ قد سبقتم فعرفتم احترسوا من ان تنقادوا بضلال الاردياء فتسقطوا من ثباتكم* 18 و لكن انموا في النعمة و في معرفة ربنا ومخلصنا... *).(1)
____________________
(1) العهد الجديد، سفر بطرس الرسول، الإصحاح 3، الفقرات، 1-18.
لقد كان مخلّصُ العالم ومنقذُ البشريّة ويومهِ الإلهيِّ الموعود أنشودةَ الأنبياء المقدّسة بحقٍّ والتي لم يكلّوا ولم يملّوا يوماً من ذكرها والتصريح بها والتسلّي بها عمّا كانوا يعانونه من ظلم واضطهاد، وقد سطّروا بذلك أحرفاً من نور في وصفه وذكره تدهشُ العقول وتحيّرُ ألألباب وهي نابعة من أعماق قلوبهم الطاهرة وتحمل في طيّاتها الشوق الكبير والألم المبرّح جرّاء الإنتظار الطويل والحبّ والعشق العارم لهذا الرجل الإلهيّ الموعود(1) . وفيما يلي نماذج على صدق ماندّعي في القرآن أولاً، وفي العهدين ثانياً:
أنَّهُ صاحبُ (يوم الوقت المعلوم )، في قولهِ تعالى:( قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿36﴾ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ﴿37﴾ إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) (2) .
فقد ذكر ذلكَ السيد ابن طاووس، في كتاب سعد السعود:حيث قال:
____________________
(1) وسيكون جلُّ اهتمامنا ومانأخذه في هذا الباب هو من العهدين، لاعتبار ان ماجاء فيهما من عقائد حقّةٍ اما هو من بقايا الوحي كتبهُ الأنبياء(عليهم السلام)، أو هو تفسيرٌ لنصٍّ موحى أثبتهُ الأنبياء وأوصيائهم (عليهم السلام).
(2) سورة الحجر: الآيات: 36-38.
(اني وجدت في صحف ادريس النبي(ع)، عند ذكر سؤال ابليس، وجواب الله له، قال:( قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) ، قال: لا ولكنك من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم،فانه يوم قضيت وحتمت أن اطهّر الارض ذلك اليوم من الكفر والشرك والمعاصي، وانتخب لذلك الوقت عباداً لي امتحنتُ قلوبهم للايمان وحشوتها بالورع والاخلاص واليقين والخشوع والصدق والحلم والصبر والوقار والتقى والزهد في الدنيا والرغبة فيما عندي، وأجعلهم دعاة الشمس والقمر، واستخلفهم في الارض وامكن لهم دينهم الذي ارتضيته لهم، ثم يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، يقيمون الصلاة لوقتها، ويؤتون الزكاة لحينها، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وألقي في ذلك الزمان الامان على الارض، فلا يضرّ شيء شيئاً، ولا يخاف شيء من شيء، ثم تكون الهوام والمواشي بين الناس فلا يؤذي بعضهم بعضاً، وانزع حمة كل ذي حمة من الهوام وغيرها، واذهب سم كلّ ما يلدغ، وانزل بركات من السماء والارض، وتزهر الارض بحسن نباتها، ويخرج كل ثمارها وانواع طيبها.
والقي الرأفة والرحمة بينهم فيتواسون ويقتسمون بالسويّة، فيستغني الفقير، ولايعلو بعضهم بعضاً، ويرحم الكبير الصغير، ويوقّر الصغير الكبير، ويدينون بالحق وبه يعدلون، ويحكمون أولئك اوليائي اخترت لهم نبيّاً مصطفى وامنياً مرتضى، فجعلته لهم نبيّاً ورسولاً وجعلتهم له اولياء وانصاراً، تلك امة اخترتها للنبي المصطفى وامنية المرتضى، ذلك وقت حجبته في علم غيبي ولا بدّ انه واقع بيدك يومئذ وخيلك ورجلك وجنودك اجمعين،
فاذهب فانك من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم.(1)
حيث جاء في سفر يوئيل النبي (ع):
(1... صوتوا في جبلي المقدَّس ليرتعد جميع سكان الارض لأنَّ يوم الرب قادمٌ لانه قريب* 2 يوم ظلام و قتام يوم غيم و ضباب مثل الفجر ممتداً على الجبال شعب كثير و قوي لم يكن نظيره منذ الازل و لا يكون ايضاً بعده الى سني دور فدور* 3 قدامه نار تاكل و خلفه لهيب يحرق الارض قدامه كجنة عدن و خلفه قفر خرب و لا تكون منه نجاة* 4 كمنظر الخيل منظره و مثل الافراس يركضون* 5 كصريف المركبات على رؤوس الجبال يثبون كزفير لهيب نار تاكل قشاً كقوم اقوياء مصطفين للقتال* 6 منه ترتعد الشعوب كل الوجوه تجمع حمرة* 7 يجرون كابطال يصعدون السور كرجال الحرب و يمشون كل واحد في طريقه و لا يغيرون سبلهم* 8 و لا يزاحم بعضهم بعضاً يمشون كل واحد في سبيله و بين الاسلحة يقعون و لا ينكسرون* 9 يتراكضون في المدينة يجرون على السور يصعدون الى البيوت يدخلون من الكوى كاللص* 10 قدامه ترتعد الارض و ترجف السماء الشمس و القمر يظلمان و النجوم تحجز لمعانها* 11 و الرب يعطي صوته امام جيشه ان عسكره كثير جداً فان صانع قوله قوي
____________________
(1) سعد السعود، ص34. بحار الأنوار، ج 11، ص152، وج52، ص385.
لان يوم الرب عظيم و مخوف جداً فمن يطيقه* 12 و لكن الان يقول الرب ارجعوا الي بكل قلوبكم و بالصوم و البكاء و النوح* 13 و مزقوا قلوبكم، لا ثيابكم، و ارجعوا الى الرب الهكم لانه رؤوف رحيم بطيء الغضب و كثير الرافة...
21 لا تخافي ايتها الارض ابتهجي و افرحي لان الرب يعظم عمله* 22 لا تخافي يا بهائم الصحراء فان مراعي البرية تنبت لان الاشجار تحمل ثمرها التينة و الكرمة تعطيان قوتهما* 23... ابتهجوا و افرحوا بالرب الهكم لانه يعطيكم المطر المبكر على حقه و ينزل عليكم مطراً مبكراً و متأخراً في اول الوقت* 24 فتملأُ البيادر حنطة و تفيض حياض المعاصر خمراً و زيتاً * 25 و اعوض لكم عن السنين التي اكلها الجراد الغوغاء و الطيار و القمص جيشي العظيم الذي ارسلته عليكم* 26 فتاكلون اكلاً و تشبعون و تسبحون اسم الرب الهكم الذي صنع معكم عجباً...
و يكون بعد ذلك اني اسكب روحي على كل بشر فيتنبأُ بنوكم و بناتكم و يحلم شيوخكم احلاماً و يرى شبابكم رؤى* 29 و على العبيد ايضاً و على الاماء اسكب روحي في تلك الايام* 30 و اعطي عجائب في السماء و الارض دماً و ناراً و اعمدة دخان* 31 تتحول الشمس الى ظلمة و القمر الى دم قبل ان يجيء يوم الرب العظيم المخوف* 32 و يكون ان كل من يدعو باسم الرب ينجو...*).(1) ومن المؤسف حقَّاً أنَّ الترجمات قد
____________________
(1) العهد القديم، سفر يوئيل، الإصحاح 2، الفقرات كما مبيَّنة في النص.
شوَّهت هذا النصَّ كغيرهِ الى حدٍّ كبيرٍ، وقد تسامحَ المترجمون في إطلاقِ بعضِ العبارات في غير محلِّها ومن دون مناسبةٍ فغَدت تعني شيئاً آخرَ، فلو أَنا نظرنا الى فقرةٍ واحدة وتأمَّلنا فيها لشعرنا بمظلوميّة الكتاب المقدس، فلنأخذ على سبيل المثال، الفقرة السادسة من هذا الإصحاح، فقد جاءت في ترجمة الكتاب المقدّس باللغة العربية 73 سفراً، الإصدار الثاني، فبراير 2002 م، في مصر، كالآتي: (6 منهُ تَرتَعِدُ الشعوبُ كلّ الوجوه تجمع حمرة *)، بينما جاء في ترجمة الكتاب المقدّس الإصدار الثاني 1995، الطبعة الأولى، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، كالآتي: (6 أمامهم تجبُنُ الشعوب، ومن الخوفِ تصفرُّ جميعُ الوجوهِ)! ولعلَّ المطَّلع يسأَل ألهذا الحدُّ يُغيَّرُ المعنى؟
وفي معرض الجواب نقول: كلاّ، بل الى أبعد من ذلك بكثير!، بل صُرِفَ النصُّ كاملاً عن شكلِهِ الجميلِ الجذّابِ، فماذا لو أنَّنا استعنّا بمترجمين من ذوي الإختصاص والعقائدِ الحقَّةِ ولاندَّعي لهمُ العصمةَ في ذلكَ أَيضاً،لكنَّهم راعوا الدِّقَّة والإختصار قَدَرَ الإمكان، فبدا النصُّ المقدَّس كما يلي:
(ان ارفعوا اصواتكم في جبلي المقدس،لانه الى يوم الصاحب وقرب يوم الظلمة،ويوم تموج الهواء ويوم العجاج والمطر،وفيه تنتشر كثير من الامة والشجعان، لم يكن مثلهم في الاولين ولايأتي كمثلهم في الآخرين، ينتشرون في الجبال، وتكون بين اعينهم نار محرقة، من
ورائهم نار موقدة ذات شفير وشهيق، وتكون بين عينيه الارض كالبساتين المخضرة، ومن وراءه الفقراء ولا يقدر احد على الانهزام منه، ويتراكض جنده كالخيل القوي المسرع، واصواتهم يرى كصوت الجنود العظيمة المرتفعة في قلل الجبال، وهم كالنار المحرقة للقشاش، وهم مستعدون للحرب بين يديه كالامة القوية والشجعان العلية، وتبتلي الامم بغضبه، وتسود به الوجوه، وامة الصاحب يركضون كالشجعان ويعلون الحيطان،آخذون طريقهم نصب اعينهم غير تاركيه، يوم يفر المرأ من اخيه ولا ينجيه، وتتزلزل به الاراضي وتترك به السموات وتظلم الشمس والقمر... الى ان يقول:
فيصيح الصاحب قبالة جنده،لانهم كثيرون وهم الشجعان وهم مطيعوه، فيوم الصاحب يوم عظيم مهول، ومن يطيق على ذلك اليوم).(1)
واشارة(الصاحب ) في هذه الترجمة، هي غايةٌ في الروعة والدقة، لانها من الألقاب المخصوصة لمنقذ العالم والمصلح الأعظم في آخر الزمان كما تواترت بذلك الأخبار الشريفة: فهو الصاحب، وصاحب الكرة البيضاء، وصاحب الدار، وصاحب الرجعة، وصاحب الغيبة، وصاحب الناحية: وهذا يطلق عليه وعلى جده وابيه، وصاحب الزمان، وصاحب الامر، وصاحب
____________________
(1) الزام الناصب في إثبات الحجة الغائب:ج1 ص148 - 149، البشاره الثانيه والعشرون، حيث جاء في الفصل الثاني من كتاب حورل النبي (ع):...الخ.وقد وُضعت كلمة (حورل) بدل (يوئيل) ولعلَّهُ تصحيفٌ أوسهوٌ...والأمر واضح.
العصر، وصاحب الدولة البيضاء، وصاحب الدولة الزهراء.(1) وما دمنا في ذكر المنقذ بلسان الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام)، دعونا نستمعُ الى انشودة العشاق الوالهين، التي كتبها احد أعاظم أنبياء الله السابقين، حيث يُسلّي نفسه المقدسة بذكر حبيبه الموعود،ويبثّ إليه الشكوى والالم، ويخبره بأنّ عشاقه يلهجون بذكره في الشدّة والرخاء،ويتفحصون عنه في كل مكان وزمان، ذلك لانّ المحب الواله لا تهدأ ثورته إلاّ بلقاء محبوبة الاوحد، لتنكشف همومه وغمومه باشراقةِ نور وجه المبارك،كما في النقطة التالية.
حيث قال شعيا(2) النبي (ع) في كتابه:
(2 افتحوا الابواب لتدخل الامة البارة الحافظة الامانة* 3 ذو الراي الممكن تحفظه سالماً سالماً لانه عليك متوكل* 4 توكلوا على الرب الى الابد...* 5 لانه يخفض سكان العلاء يضع القرية المرتفعة يضعها الى الارض يلصقها بالتراب* 6 تدوسها... اقدام المساكين*...
8 ففي طريق احكامك يا رب انتظرناك الى اسمك و الى ذكرك شهوة النفس* 9 بنفسي اشتهيتك في الليل ايضاً بروحي في داخلي اليك ابتكر لانه حينما تكون احكامك في الارض يتعلم سكان المسكونة العدل* 10
____________________
(1) انظر: اليزدي الحائري، الزام الناصب في إثبات الحجة الغائب:ج1 ص482 و ص486.
(2) شعيا: أشعيا: أشعياء: إشعيا: وإشعياء، النبّىّ(ع): من أعاظم أنبياء بنى اسرائيل.
يرحم المنافق و لا يتعلم العدل في ارض الاستقامة يصنع شراً و لا يرى جلال الرب* 11 يا رب ارتفعت يدك و لا يرون يرون و يخزون من الغيرة على الشعب و تاكلهم نار اعدائك* 12 يا رب تجعل لنا سلاماً... * 13 ايها الرب الهنا قد استولى علينا سادةٌ سواك بك وحدك نذكر اسمك* 14 هم اموات لا يحيون اخيلة لا تقوم لذلك عاقبت و اهلكتهم و ابدت كل ذكرهم* 15 زدت الامة يا رب زدت الامة تمجدت وسعت كل اطراف الارض* 16 يا رب في الضيق طلبوك سكبوا مخافتة عند تاديبك اياهم* 17 كما ان الحبلى التي تقارب الولادة تتلوى و تصرخ في مخاضها هكذا كنا قدامك يا رب* 18 حبلنا تلوينا كاننا ولدنا ريحا لم نصنع خلاصاً في الارض و لم يسقط سكان المسكونة* 19 تحيا امواتك تقوم الجثث استيقظوا ترنموا يا سكان التراب لان طلك طل اعشاب و الارض تسقط الاخيلة* 20 هلم يا شعبي ادخل مخادعك و اغلق ابوابك خلفك اختبئ نحو لحيظة حتى يعبر الغضب* 21 لانه هُوَ ذا الرب يخرج من مكانه ليعاقب إثمَسُكان الارض فيهم فتكشف الارض دماءها و لا تغطي قتلاها في ما بعد*).(1)
____________________
(1) العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح 26، الفقرة 2-21، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. سفر أشعيا 26: 2-21،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 938-939.والنصُّ كصاحبه المتقدّم إذ يلاحظ الفرق الواضح في عبارت الترجمة التي قد تشوّش النص، ولكن بالرجوع الى ترجمة أهل الخبرة والعقائد الحقة يظهر جمال ودقة النص، فانظر: الزام الناصب: ج1 ص153-156: عن شعيا النبى (ع): فى السيمان السادس والعشرون (الإصحاح 26)، فى بيان اخباره بالمهدى (عج)، حيث جاء فيه: « يا نور الله! ان ذكرك واسمك اقصى مقاصدنا، وظهورك لنا في الليالي أسنى مرامنا، ولاجله استيقظت في طلوع الصبح أرواحنا. يا نور الله! اذ قلعت من على الارض المجانين، تعلم العدل منك ساكنيها، ولذلك لم ترحم المنافق، لانه حينئذٍ لا يتعلم العدل منك، مع ذلك لمعصية في ارض تسكنها المقدسون. فيانور الله! تعلوا يدك =
فلو نظرنا الى هذا الرجل الالهي العظيم عن قربٍ وتأمّلنا في عشقه المقدس،ولنرمي وراءَنا ماصنعتهُ آفات الترجمة وأيادي العبث، لأنَّهُ
____________________
= القاهرة انشاء الله، فلا يرون ويرون، وتندم حسادك وتحرق اعاديك نار غضبك. فيانور الله!كنا في غيبتك، وعدم حضورك، واستتارك مأسوراً متصرفاً، ومع ذلك كنا نسلّي قلوبنا بذكرك،فلا ترجع اهل النار، فتنكسر وتنعدم، من كنا في تصرفه واذاه حيث يمحي عن الارض ذكره واسمه. يا نور الله! ليست جلالتك بديعة،بل انما هي قديمة، وتابعوك تفحصوا عنك في ضيقهم، وحديثك دينهم وطريقتهم في الشدة،وسيقولون في رخائهم: انا كنا في غيبتك كالمرأة الحامل، المتحملة لضيق المخاض ووجع الارتياض، ونقر بسوء اعمالنا، وان بسببه وادبارنا عن العدل أصابنا ما أصابنا، ولم ينقطع اثار الجبارين عنا، فلو أنا سمعنا ما اقرعت اسماعنا من كلام ربنا ووعينا، لقطعت عنا اذى الجبارين من قبل، ولأدركنا زمان الفرج والراحة، فما جرعناها من أذاهم ليست إلاّ بما كسبت ايدينا، فانا لم نخلص اعمالنا، فأخّرنا ظهورك فنحن السبب في استتارك...الى قوله (ع) في السيمان السادس والعشرين (إصحاح 26) من خطاب شعيا لقومه: « يا قوم ادخلوا مساكنكم، واغلقوا عليكم ابوابكم مدة انقضاء الغضب،فان هذا نور الله، سيظهر لديوان العاصين، وقلعهم من الارض، راداً عصيانهم اليهم، وستظهرالارض حينئذٍ دمائها وقتلاها، وسينتقم يومئذٍ نور الله عنهم، اي الجبابرة والقتلة بسيفه القوي الشديد...». فلننظر الى هذا الرجل الالهي العظيم عن قرب ولنتأمّل في عشقه المقدس، فهو ينظربنور الله ويسمع بسمعه،لذا فهو يشير الى منقذ العالم عن قرب اذ يقول: (...هذا نور الله سيظهر...)، وكأنه يعيش في عصرنا هذا ويتكلم بلغتنا اليوم، بل وكأنه يلقي علينا قصيدة في الحبّ العذري، منظومة كنظم الدرر. ورغم الزمن والترجمات المتعاقبة ورغم كل شيء وصلت الينا غضة طريّة. وهذا ليس بعجيب، لان الله بالغ امره، ولان انبياءه واهل كرامته قد كُشفت لهم الحجب ونظروا الى عالم الملكوت الاعلى كنظرهم الى هذا العالم الأدنى!. ألا ترى انه يخاطب معشوقه وهو في عالم الاشباح، ويتلذذ بمناجاته، ويعرفه المعرفة الحقّة؟.
ينظر بنور الله ويسمع بسمعه، لذا فهو يشير الى منقذ العالم في أكثر من مكانٍ في هذا الإصحاح، فهو يأمرُ في البدءِباستقبال (الأُمَّة البارَّة حافظة الأمانة) والإذن لها بالدخول، فمن يعني بهذه العبارات(1) ؟، ثمَّ يشرعُ بذكرِ وقائع في آخر الزمان، وقد توهَّم المفسِرون من أهل الكتاب، وكذلك المترجمون بوضع كلمة (الربّ) أو مايشاكلها بدلَ الأوصاف الخاصة بمنقذ العالم أو لأمرٍ آخر والله العالم.
قال شعيا النبيُّ (ع) أيضاً مبشراً بأمل الإنسانيّة:
« ان نور الله يقوم لديوان المساكين، وينتقم للمظلومين،متحزّمٌ بالايمان، ومستظهربالعدل، يرعى في زمانه الذئب والشاة على المرعى، والنمر والمعز يتراكضان معاً، والاسد والبقر يأكلان معاً، ويدخل الرضيع يده في جحر الحشرات والحيات ».(2)
وقال (ع) أيضاً:
« ألا انبئكم بحديث الاخبار، واعلمكم بها قبل وقوعها،ستقرّون وتثنون لنور الله ثناء جديداً، ومنتهى الارض في البحر والجزائر عند
____________________
(1) وسنقفُ عندها في موضوع: (النواةُ الأُولى للدولة العالمية). وللمزيد انظر: مزمور 101: 6 (أُمناء الأرض). وأشعيا 30: 18 (منتظروا الربّ). ومزمور 47: 9-10 (شعبُ إله إبراهيم). ومزمور 111: 6 (شعبُ الله)... الخ.
(2) انظر: سفر أشعيا 11:4، 6، 8، تحت عنوان مملكة السلام، والنصُّ أعلاه كما في ترجمة: الزام الناصب:ج1 ص156، عن كتاب شعيا النبى (ع):آخر السيمان الحادى عشر.
سكنة تلك الجزائر » .(1)
وقد ذكرهُ أشعيا النبيّ (ع) بأحد أهمّ القابه المخصوصة وهو (القائم) وأنهُ هو المنتظرُ والمطلوبُ من قبل الشعوب والأُمم بالضرورة حيث قال:
(وفي ذلك اليوم سيرفع «القائم » رايةً للشعوب والامم التي تطلبه وتنتظره ويكون محله مجداً) .(2)
وسيأتي تفصيل ذلك في محلّه إنشاء الله تعالى.
وجاء في سفر حبقوق النبيّ (ع):
1 وأنشدَ حبقوقُ النبيّ هذه الصلاةَ 2 يا ربُّ، سمعتُ بما عملتَ فَخفتُ، أعدهُ في أيامنا وعرّف به، وفي غضَبكَ أذكر رَحمتكَ 3 الله يَجيءُ من تيمان، القدوس من جبل فاران. غطّى جلالُهُ السماوات و امتلات الارضُ من التهلّلُ لهُ 4 يجيءُ كلمعان البرق ومن يده يسطعُ النورُ وفيها تستترُ عزَّتُهُ 5 قدام وجهه يسيرُ الوباء ووراء قدميه الموت 6
____________________
(1) سفر أشعيا 42: 9، 10، تحت عنوان مملكة السلام.
(2) فقد أردف كلمة (يسّي) بالقائم، فقال: يسّي القائم...الخ.سفر أشعيا 11: 10،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 924. وقد تُركت كلمة (يسَّي) على حالها دون ترجمة. ولاحظ النصيين العبري والعربي وترجمة أُستاذ اللغة العبرية المتخصّص في جامعة بغداد (الشيخ كاظم النصيري الواسطي) في: (أهل البيت فى الكتاب المقدس) ص123-127، وكيفيّة حلّه العلمي لهذه المشكلة.
يقفُ فتهتزُّ الأرضُ، وينظرُ فترتعدُ الاممُ.تَتَحطَّمُ جبال الدهر و تنخسفُ تلالُ الأزَل، حيثٌ سارَ في قديم الزمن 7 رايتُ البلاءَ في خيام كوشَ ولإضطرابَ في مساكن مديان 8 أعَلى الانهار يتَّحدُ غَضَبُك؟ أعلى البحار غيظُك ياربُّ؟ حينَ ركبتَ خيلكَ ياربُّ ومركباتكَ المنتصرةَ 9 وشَدَدتَ قوسَكَ شَدّاً، وسدَّدتَ سهامكَ، شّقَّت بُروقُكَ الأرضَ ياربُّ 10 وانحلَّت الجبالُ لرؤياكَ، المياهُ انهمرت وطَمَت والغمرُ أطلَقَ صوتَهُ وارتفعت أمواجُهُ الى العلاء 11 الشمسُ والقمرُ في بُرجيهما وَقَفا لتَطاير سهامكَ وضياء بريق رمحكَ 12 وَطئتَ الأرضَ بسُخطٍ، وبغضبٍ دَعَستَ الأُمم 13 خَرَجتَ لخلاص شعبكَ، لخلاص الملك مسيحكَ، فَهَدَمتَ دَعامةَ بيت الشّرّير وعَرَّيتَ أساسهُ الى الصّخر 14 طَعَنتَ برماحكَ رُؤُوسَ قادَته حينَ جاؤُوا كالزَّوبعَة لتَشتيتنا كَمن يغدُرُ بالمسكين في الخفيَة 15 دُستَ البحرَ ياربُّ بخَيلكَ ورُكامَ المياه الغزيرة 16 سَمعتُ هذا فَخَفَقَت أحشائي وَرَجَفَت شَفَتايَ عندَ سماعه. عظامي دخلها النخرُ، ورَجَفت قدمايَ تحتي. بهُدوءٍ أنتظرُ يومَ الضيق ليحلَّ بالمعتدينَ علينا....(1)
____________________
(1) سفر حبقوق، 3: 1 - 16،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 1224. انظر: العهد القديم، سفر حبقوق النبيّ، الإصحاح 3، الفقرات، 1-16، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. وانظر الى آثار الترجمة كيفَ تلعبُ دورها حيث جاء فيه مايلي وعلى نحو الإختصار:
(3 الله جاء من تيمان و القدوس من جبل فاران... جلاله غطى السماوات و الارض امتلات من تسبيحه 4 و كان لمعان كالنور له من يده شعاع و هناك استتار قدرته 5 قدامه ذهب الوبا =
فإنَّ الذي جاء من جبل فاران ليسَ إلاّ النبيُّ محمد (ص) لاغيرهُ كما سنُبيّن ذلك، لذا يكون هذا النصُّ دلالةً واضحةً على إنتصار دين الله في آخر الزّمان وكما هوَ واضحٌ من عبارات النصّ لكلّ متأملٍ، حيثُ أنَّ النصَّ بعدَ كلمة (فاران) يبدأ برسم صورةٍ مستقبليَّةٍ غاية في الروعة(1) ، ولعلَّ نظير هذا النصّ قوله تعالى في القرآن الكريم:
( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (2) .
____________________
= و عند رجليه خرجت الحمى 6 وقف و قاس الارض نظر فرجف الامم و دكت الجبال الدهرية و خسفت اكام القدم مسالك الازل له...مركباتك مركبات الخلاص 9 عريت قوسك تعرية سباعيات سهام كلمتك...شققت الارض انهارا 10 ابصرتك ففزعت الجبال سيل المياه طما اعطت اللجة صوتها رفعت يديها الى العلاء11 الشمس و القمر وقفا في بروجهما لنور سهامك الطائرة للمعان برق مجدك 12 بغضب خطرت في الارض بسخط دست الامم 13 خرجت لخلاص شعبك لخلاص مسيحك سحقت راس بيت الشرير معريا الاساس حتى العنق... 16 سمعت فارتعدت احشائي من الصوت رجفت شفتاي دخل النخر في عظامي و ارتعدت في مكاني لاستريح في يوم الضيق عند صعود الشعب الذي يزحمنا 17 فمع انه لا يزهر التين و لا يكون حمل في الكروم يكذب عمل الزيتونة و الحقول لا تصنع طعاما ينقطع الغنم من الحظيرة و لا بقر في المذاود 18 فاني ابتهج بالرب و افرح باله خلاصي 19 الرب السيد قُوتي....
(1) ومنها ما أشار النصُّ اليه من تدمير إبليس وجنده بقوله: فَهَدَمتَ دَعامةَ بيت الشّرّير وعَرَّيتَ أساسهُ الى الصّخر. وسنشير الى بعض ماعناهُ هذا النص حسبَ موقعه من البحث.
(2) سورة الصف: 9.
فإنَّ الله تباركَ وتعالى لم يظهر دينهُ على الدين كلّه ويُرغمَ المشركين والمستكبرين في العالم منذُ أن بعث نبيّهُ الخاتم محمد (ص) وحتى هذه اللحظة، لذا فهي دالةٌ على أنَّ هذا الأمر يكون في آخر الزمان، كما تواترت بذلكَ الأخبار الشريفة.
فقدجاء في التوراة المتداولة: ( وهذه هي البركةُ التي باركَ بها موسي رجلُ الله بني اسرائيل قبل موته، فقال: جاءالربُّ من سيناء، واشرف لهم من ساعير، وتلألأَ من جبل فاران ).(1)
فالمجيء من سيناء كناية عن تكليم الله لموسى (ع) في سيناء، وساعير هي جبال فلسطين، وهو اشارة لعيسى (ع) وفاران اسم قديم لارض مكة(2) ، التي لم يظهر فيها إلا نَبيُّنا الاعظم محمد (ص) الذي انزل عليه القرآن.(3)
وقال العلامة العسكري: وجاء هذا النص في طبعة(4) جامعة اكسفورد بلندن، دون تاريخ، ص 184:
)CHAPTER 33 (
and this is theblessing, where with moese the man of god
____________________
(1) سفر التثنيه: الاصحاح 33، الفقره 1- 4، الأصل العبري، العهد القديم.
(2) معجم البلدان: ج4 ص225.
(3) الصحيح من سيرة النبى ألأعظم (ص):ج2 ص219 بايجاز يسير.
(4) امتازت بطبع اللون الأحمر مع الأسودللكلمات-فى العهدالجديد فقط-وسميت بـ. ( RED LETTER EDITION )
blessed the children of Israel before his death
And he said, The Loro from sinai, and rose up from seir unto them, he shined forth from mount paran, and he came with ten thousands of saints:from his right hand went a fiery law for them 3 yea ، he loved the people: all his saints are in they hand: and they sat down at they feet, every one shall receive of the words
moses commanded us a law, even the inheritanceof the congregation of Jacob
وترجمة النصيّن(1) : الى العربية كالآتي: (وهذا دعاءُ الخير الذي تلاهُ موسى رجلُ الله، قبلَ موته على بني اسرائيل وقال: انّ اللهَ استعلى من سيناءَ، وظَهَرَ من ساعير ونَشَرَ النورَ من فاران، وجاءَ مع عشرة آلاف من المقرّبين، وجاءهم من يمينه شريعة ناريّه.
أحبَّ القبائلَ، وجميع مقدساته في يمينك ومقرّبون الى رجليك وتيقبّلون تعاليمك. موسى أَمَرنا بشريعةٍ هي ميراثٌ لجماعة بني يعقوب).
في هذا النص:
(وجاء مع عشرة آلاف من المقرّبين ) مع تعيين عدد الالوف وفي النصّ
____________________
(1) قَصَدَ العلامة العسكري: النص الانكليزى،والنص الفارسى فى ط: رجارد واطس، بلندن1839م.
(3) الذى ذكره العلامه السيد العسكرى، فى كتابه: عقائد الاسلام: الكتاب الأول ص308 عن الاصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنيه: ط،رجارد واطس بلندن 1831م. سفر التثنية 33: 1-4، العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 289. مع فرقٍ يسيرٍ في بعض عبارات المترجمين. وفي سفر التثنية 33: 1-4، العهد القديم، مصر، مانصُّهُ:
(1 و هذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني اسرائيل قبل موته 2 فقال جاء الرب من سيناء و اشرق لهم من سعير و تلالا من جبل فاران و اتى من ربوات القدس و عن يمينه نار شريعة لهم 3 فاحب الشعب جميع قديسيه في يدك و هم جالسون عند قدمك يتقبلون من اقوالك 4 بناموس اوصانا موسى ميراثا لجماعة يعقوب 5).
(4) عقائد الاسلام من القرآن الكريم: الكتاب الأول، ص309.
الاول(1) (ومعه الوف الاطهار) مع عدم تعيين عدد الالوف لانَّ الذي ظهر من غار حراء بفاران ثم جاء الى ارض فاران مكّة مع عشرة آلاف هو خاتم الانبياء محمد (ص) فبادروا الى تحريف هذا النص في عصرنا الحاضر كي يكتموا ما جاء فيه من بشارات ببعثة خاتم الانبياء...(2) ، وهناك المزيد من هكذا أدلَّةٍ لكنا نكتفي بهذا القدر رعايةً للإختصار.
____________________
(1) الذى ذكره العلامه السيد العسكرى، فى كتابه: عقائد الاسلام: الكتاب الأول ص308 عن الاصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنيه: ط،رجارد واطس بلندن 1831م. مانصُّهُ:
(1 و هذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني اسرائيل قبل موته 2 فقال جاء الرب من سيناء و اشرق لهم من سعير و تلالا من جبل فاران و اتى من ربوات القدس و عن يمينه نار شريعة لهم 3 فاحب الشعب جميع قديسيه في يدك و هم جالسون عند قدمك يتقبلون من اقوالك 4 بناموس اوصانا موسى ميراثا لجماعة يعقوب 5).
(2) عقائد الاسلام من القرآن الكريم: الكتاب الأول، ص309.
الفصل الثالث:
حوادث ماقبل ظهور منقذ العالم
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: حالة العالم قبل ظهور المنقذ
المبحث الثاني:آيات وعلامات ما قبل ظهور منقذ العالم
لقد تواترت النّبوءآت والأخبار في القرآن الكريم وفي الكتاب المقدّس (العهدين)، وأثبتت بشكل قاطع حتميّة نضوج فتنة عالميّة كبرى تسود كلّ المجتمعات في العالم، ويكون في الأرض اضطراب كبير وفساد شامل وإستهتار بكلّ القيم والمثل والأخلاق والأعراف والقوانين(1) ، حتى يجعل الظالمون من الحقِّ باطلاً ومن الباطلِ حقاً، ومن المعروف منكراً ومن المنكرِ معروفاً، لذا فحريٌّ بنا أن نقف على شيءٍ منها في القرآن والعهدين.
قوله تعالى:( وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) .(2)
في كتاب كمال الدين وتمام النعمة:
(باسناده الى محمد بن سالم قال: سمعتُ ابا عبد الله (ع) يقول:«ان لقيام القائم (ع) علامات تكون من الله عز وجل للمؤمنين . قلت: وما هي جعلني الله فداك؟ قال:ذلك قول الله عزوجل ( وَلَنَبْلُوَنَّكُم ) يعني المؤمنين قبل خروج القائم بشيء من الخوف والجوع ونقصٍ من الاموال والانفس والثمرات وبشر الصابرين.
____________________
(1) انظر: المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي، ص134-135، تحت عنوان: الفتنة العالمية.
(2) البقره: 155.
قال:نبلونكم بشيء من الخوف من ملوك بني فلان في آخر سلطانهم، والجوع بغلاء اسعارهم، «ونقصٍ من الاموال » قال:كساد التجارات وقلة الفضل ، «ونقصٍ من الانفس » قال:موتٌ ذريع ، «ونقصٍ من الثمرات »لقلة ريع ما يزرع ، «وبشر الصابرين »عند ذلك بتعجيل الفرج ، ثم قال لي،يا محمد هذا تأويله، ان الله عزّوجل يقول :( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّـهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) .(1)
وفي تفسير العياشي:
عن الثمالي قال: سألت أبا جعفر(ع) عن قول الله( وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَـيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ ) قال: «ذلك جوع خاص وجوع عام، فاما بالشام فانه عام، واما الخاص بالكوفة يخصُّ ولا يعم، ولكنه يخصُّ بالكوفة اعداء آل محمد (عليهم السلام) فيهلكهم الله بالجوع، واما الخوف فانه عام بالشام، وذلك الخوف اذا قام القائم (ع)، واما الجوع فقبل قيام القائم (ع) وذلك قوله :( وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ ) »(1) .
جاء في سفر الرؤيا:
(8 فنظرت وإذا فرس أخضر، والجالس عليه اسمه الموت، والهاوية تتبعه، واعطيا سلطاناً على ربع الأرض،أن يقتلا بالسيف والجوع والموت
____________________
(1) تفسير نور الثقلين: ج1 ص142.
(2) تفسير نور الثقلين: ج1 ص142-143.
(2) سفر الرؤيا 6: 8،العهد الجديد، الأصل العبري. رؤيا يوحنا اللاهوتي تحت رقم (27): الإصحاح 6: الفقرة: 8، العهد الجديد، الكتاب المقدس باللغة العربية، مصر. والقول بأنَّ النص يدل على الفترة الزمنية المستقبلية المشار اليها، مثلهُ قد تقدَّم دليلهُ في آخر موضوع: دعاء الأنبياء الملحّ لمنقذ العالم واستجابته، من هذا البحث. وهو جلّيُّ المعنى خاصَّةً إذا قورِنَ مع الآيات التي ذكرناها الخاصة بهذا الموضوع.
وبوحوش الأرض).(1)
وأوضح يوحنا المعمدان في كتابه المقدّس كيفيةإنتقام الله (عزّ وجلّ) من قتلة الأنبياء والقديسين (ع) كما يلي:
(1 و سمعت صوتاً عظيماً من الهيكل قائلاً للسبعة الملائكة امضوا و اسكبوا جامات غضب الله على الارض 2 فمضى الاول و سكب جامه على الارض فحدثت دمامل خبيثة و ردية على الناس الذين بهم سمة الوحش و الذين يسجدون لصورته 3 ثم سكب الملاك الثاني جامه على البحر فصار دما كدم ميت و كل نفس حية ماتت في البحر 4 ثم سكب الملاك الثالث جامه على الانهار و على ينابيع المياه فصارت دماً 5 و سمعت ملاك المياه يقول عادل انت ايها الكائن و الذي كان و الذي يكون لانك حكمت هكذا 6 لانهم سفكوا دم قديسين و انبياء فاعطيتهم دما ليشربوا لانهم مستحقون 7 و سمعت اخر من المذبح قائلا نعم ايها الرب الاله القادر على كل شيء حق و عادلة هي احكامك 8 ثم سكب الملاك الرابع جامه على الشمس فاعطيت ان تحرق الناس بنار 9 فاحترق الناس احتراقاً عظيماً و جدفوا على اسم الله الذي له سلطان على هذه الضربات و لم يتوبوا ليعطوه مجداً 10 ثم سكب الملاك الخامس جامه على عرش الوحش فصارت مملكته مظلمة و كانوا
____________________
(1) سفر الرؤيا 6: 8، والقول بأنَّ النص يدل على الفترة الزمنية المستقبلية المشار اليها، مثلهُ قد تقدَّم دليلهُ في آخر موضوع: (دعاء الأنبياء الملحّ لمنقذ العالم واستجابته)، من هذا البحث. وهو جلّيُّ المعنى خاصَّةً إذا قورِنَ مع الآيات التي ذكرناها الخاصة بهذا الموضوع.
يعضون على السنتهم من الوجع 11 و جدفوا على اله السماء من اوجاعهم و من قروحهم و لم يتوبوا عن اعمالهم 12 ثم سكب الملاك السادس جامه على النهر الكبير الفرات فنشف ماؤه لكي يعد طريق الملوك الذين من مشرق الشمس 13و رايت من فم التنين و من فم الوحش و من فم النبي الكذاب(1) ثلاثة ارواح نجسة شبه ضفادع 14 فانهم ارواح شياطين صانعة ايات تخرج على ملوك العالم و كل المسكونة لتجمعهم لقتال ذلك اليوم العظيم يوم الله القادر على كل شيء 15 ها انا اتي كلص طوبى لمن يسهر و يحفظ ثيابه لئلا يمشي عريانا فيروا عريته 16 فجمعهم الى الموضع الذي يدعى بالعبرانية هرمجدون 17 ثم سكب الملاك السابع جامه على الهواء فخرج صوت عظيم من هيكل السماء من العرش قائلا قد تم 18 فحدثت اصوات و رعود و بروق و حدثت زلزلة عظيمة لم يحدث مثلها منذ صار الناس على الارض زلزلة بمقدارها عظيمة هكذا 19و صارت المدينة العظيمة ثلاثة اقسام و مدن الامم سقطت و بابل العظيمة ذكرت امام الله ليعطيها كاس خمر سخط غضبه 20 و كل جزيرة هربت و جبال لم توجد 21 و برد عظيم نحو ثقل وزنة نزل من السماء على الناس فجدف الناس على الله من ضربة البرد لان ضربته عظيمة جدا).(2)
____________________
(1) وهو إشارة الى المسيح الدجال في عصر ظهور المنقذ،والنصُّ واضح المعنى من حيث تعلّقه بآخر الزمان.
(2) سفر الرؤيا:الأصحاح رقم 16: 1-21، العهد الجديد، الأصل العبري.
هذا وقد أشار يوحنا (ع) الى دمار العراق قبل ظهور منقذ العالم وكيفية إحتلاله وإحراقه وهذا يعَدُّ بدايةَ الفتنة العالمية، وأثبت ذلك في سفره المقدّس بقوله:
(1 ثم بعد هذا رايت ملاكاً اخر نازلاً من السماء له سلطان عظيم و استنارت الارض من بهائه 2 و صرخ بشدة بصوت عظيم قائلاًسقطت سقطت بابل العظيمة وصارت مسكناً لشياطين و محرساً لكل روح نجس و محرساً لكل طائر نجس وممقوت...، 8 من اجل ذلك في يوم واحد ستاتي ضرباتها موت و حزن و جوع و تحترق بالنار لان الرب الاله الذي يدينها قوي 9و سيبكي و ينوح عليها ملوك الارض الذين زنوا و تنعموا معها حينما ينظرون دخان حريقها 10 واقفين من بعيد لاجل خوف عذابها قائلين ويل ويل المدينة العظيمة بابل المدينة القوية لانه في ساعة واحدة جاءت دينونتك 11 و يبكي تجار الارض و ينوحون عليها لان بضائعهم لا يشتريها احد في ما بعد 12 بضائع من الذهب و الفضة و الحجر الكريم و اللؤلؤ والبز و الارجوان و الحرير و القرمز و كل عود ثيني و كل اناء من العاج و كل اناء من اثمن الخشب و النحاس و الحديد و المرمر 13 و قرفة و بخورا و طيبا و لبانا وخمرا و زيتا و سميذا و حنطة و بهائم و غنما و خيلا و مركبات و اجسادا و نفوس الناس 14 و ذهب عنك جنى شهوة نفسك و ذهب عنك كل ما هو مشحم و بهي ولن تجديه في ما بعد 15تجار هذه الاشياء الذين استغنوا منها سيقفون من بعيد من اجل خوف عذابها يبكون و ينوحون 16 و يقولون ويل ويل المدينة العظيمة المتسربلة ببز و ارجوان و قرمز و المتحلية بذهب و حجر
كريم ولؤلؤ 17 لانه في ساعة واحدة خرب غنى مثل هذا و كل ربان و كل الجماعة في السفن و الملاحون و جميع عمال البحر وقفوا من بعيد 17 و صرخوا اذ نظروا دخان حريقها قائلين اية مدينة مثل المدينة العظيمة 19و القوا ترابا على رؤوسهم و صرخوا باكين و نائحين قائلين ويل ويل المدينة العظيمة التي فيها استغنى جميع الذين لهم سفن في البحر من نفائسها لانها في ساعة واحدة خربت...
الى أن يقول:
24 و فيها وجد دم انبياء و قديسين و جميع من قتل على الارض).(1)
هذا وقد أخبر أشعياء (ع) في باب سقوط بابل، بما يصيبها من خرابٍ ونهبٍ ودمارٍ ومايقعُ على أهلها من ظلمٍ وجورٍ:
(1 وحيٌ على بابل: كالزَّوابع تجتاحُ الصحراءَ يجيءُ الخرابُ من أرضٍ مخيفةٍ! 2 رأيتُ رؤياً قاسيةً: الناهبُ ينهبُ والمدمّرُ يدمّرُ...
الى أن يقول:
9... ثمّ عادَ الحارسُ وصاحَ: (سقطت، سقطت بابلُ وتحطَّمت الى الأرض جميعُ أصنام آلهتها 10 فياشعبيَ الـمُداسَ كالحنطة على البيادر! ما سمعتُهُ من الربّ القدير إله إسرائيلَ أخبرتكم به).(2)
____________________
(1) سفر الرؤيا، الأصحاح رقم 18: 1-19،و 24 العهد الجديد، الأصل العبري. ولعلَّ الإشارة واضحة لاسيما في الفقرة الأخيرة الى إدراك ثأر جميع المظلومين الذين سُفك دمهم ظلماً وعدواناً بواسطة منقذ العالم الذي تكون عاصمته الكوفة، وهذا ماجاءت به الأخبار الشريفة.
(2) سفر أشعيا 21: 1، 2، 9، 10،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان.
وكما هو معلومٌ فإنَّ (بابل) تطلَقُ في النبؤآت القديمة ويُرادُ بها (العراق) في العصر الحديث، لأن بابل معقلُ حضارته الكبرى وهي معروفةٌ لدى جميعُ البشر آنذاك بهذا الإسم.
وروى المفيد:
عن الحسين بن سعيد عن المنذر الجوزي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول:«يزجر الناس قبل قيام القائم عليه السلام عن معاصيهم بنار تظهر في السماء وحمرة تجلّل السماء، وخسف ببغداد، وخسف ببلدة البصرة ودماء تسفك بها وخراب دورها وفناء يقع في اهلها وشمول أهل العراق خوفاً لا يكون لهم معه قرار» .(1)
ويحدث ذلك اثرَ الأحداث المريرة التي تقع في الفتنة الكونية الكبرى والتي تسود العالم بأسره، وإن كان هذا يحدث دوماً من الأنبياء (ع) كما سيتبيَّن، ولكن هناك وقتٌ محدَّد ويوم معلوم وساعة معيَّنة يكون فيها الدعاء منهم على أشُدّه واستجابتهُ محتَّمة، كما في القرآن والحديث والعهدين.
ومن ذلك المطالبة بتحقّقِ وَعد الله تعالى في الآية الشريفة:
( وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي
____________________
(1) الارشاد: ص360-361.
ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) (1) .
فقد رويَ عن يونس بن ظبيان عن ابي عبد الله (ع) قال:
«اذا كان ليلةُ الجمعة لأهبط الربُّ تبارك وتعالى ملائكته الى السماء الدنيا، فاذا طلع الفجر نصب لمحمد وعليّ والحسن والحسين منابر من نور عند البيت المعمور، فيصعدون عليها ويجمع الله لهم الملائكة والنبيين والمؤمنين، ويفتح أبواب السماء، فاذا زالت الشمس قال رسول الله (ص): يا رب ميعادك الذي وعدت في كتابك وهو هذه الآية:( وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ) الاية ويقول الملائكة والنبيّون مثل ذلك، ثم يخرُّ محمد وعلي والحسن والحسين سجّداً ويقولون:
يا ربّ اغضب فانه قد هُتِكَ حريمك، وقُتِلَ اصفياؤك، واذلّ عبادك الصالحون، فيفعل ما يشاء وذلك وقت معلوم، وهذا شأنهم ودعاؤهم في كل يوم جمعة الى ان ينجز وعده ويظهر وليّه، فاذا خرج وليّ الله وظهر حجّة الله...»(2) .
حيث جاء في سفر الرؤيا:
____________________
(1) سورة النور: آية 55.
(2) بحار الأنوار، ج 52، ص 297 بإيجاز.
(9 ولما فتح الختم الخامس، رأيت تحت المذبح نفوس الذين قتلوا من أجل كلمة الله، ومن أجل الشهادة التي كانت عندهم 10 وصرخوا بصوت عظيم قائلين: حتّى متى أيّها السيد القدّوس والحق! لاتقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض. 11فاعطوا كلّ واحد ثياباً بيضاً، وقيل لهم أن يستريحوا زماناً يسيراً أيضاً... الى أن يقول:
15وملوك الأرض، والعظماء والأغنياء والأمراء والأقوياء، وكلّ عبد وكلّ حرّ، أخفوا أنفسهم في المغاير وفي صخور الجبال16 وهم يقولون للجبال والصخور: اسقطي علينا واخفينا عن وجه الجالس على العرش وعن غضب الخروف 17 لأنّه قد جاء يوم غضبه العظيم، ومن يستطيع الوقوف).(1)
ولو أمعنّا النظر في النصّين(2) لوجدنا أنّ كلٌ منهما يصدّق الآخر، ويحكي تلك الصورة الجميلة ليوم الفرج الأعظم الموعود والذي جاءَ دعاءُ الأنبياءِ والمقدّسين كأحد الأسباب المهمّة لتعجيل ذلك اليوم.
وربما قد يقال إنَّ هذا النص من سفر الرؤيا قد لايتعلَّق أو لايدلُّ على أنَّهُ بخصوصِ بيان حالةٍ مهمَّةٍ تقعُ قبل ظهور ومجيء منقذ العالم!؟. وفي معرض الجواب على مثل هكذا طرح يجب أن نؤكِّد على مايلي:
1: إنَّ كُلَّ ماوردَ في سفر الرؤيا لايتعلَّق بزمن صدوره قطعاً، وإنَّما
____________________
(1) رؤيا يوحنا اللاهوتي تحت رقم (27): الإصحاح 6: الفقرات 9، 10،11،15، 16، 17، العهد الجديد.
(2) الأوّل في القرآن الكريم والرواية الشريفة، والثاني في سفر الرؤيا.
هو: (بشاراتٌ وتحذيراتٌ وعلومٌ وأحداثٌ مستقبليَّةٍ) وهي تخصُّ جميعَ البشر، وهذا واضحٌ لكلِّ مُطَّلع، ويكفي إلقاء نظرةٍ على أولِّ السفر المقدّس لإثبات ذلك، حيث جاء فيه:
(1 إعلانُ يسوع المسيح الذي اعطاه اياه الله ليُرِيَ عَبيدَهُ ما لا بد ان يكون عن قريبٍ و بَيَّنهُ مُرسلاً بيدِ مَلاكِهِ لعبدِهِ يوحنا* 2 الذي شهد بكلمة الله و بشهادة يسوع المسيح بكل ما راه* 3 طوبى للذي يقرا و للذين يسمعون اقوال النبوة و يحفظون ما هو مكتوب فيها لان الوقت قريب*... الى أن يقول:
7 هوذا ياتي مع السحاب(1) و ستنظرهُ كل عين و الذين طعنوه و ينوح عليه جميع قبائل الارض نعم امين* 8 انا هو الالف و الياء البداية و النهاية يقول الرب الكائن و الذي كان و الذي ياتي القادر على كل شيء* 9 انا يوحنا اخوكم و شريككم في الضيقة و في ملكوت(2) يسوع المسيح و صبره كنت في الجزيرة التي تدعى بطمس من اجل كلمة الله و من اجل شهادة يسوع المسيح* 10 كنت في الروح في يوم الرب و سمعت ورائي صوتاً عظيماًكصوت بوق* 11 قائلا انا هو الالف و الياء الاول و الاخر و الذي تراه اكتب في كتاب و ارسل الى... الى أن يقول:
____________________
(1) إشارة الى رجوع عيسى بن مريم (ع) ونزوله الى الأرض من السماء بأمرِ الله تعالى.
(2) وقد أشرنا الى موضوع الملكوت عند عيسى (ع) والذي يعني حكمُ الله في هذا العالم في بحثنا هذا، وهنا أيضاً إشارة واضحة لرجوع يحيى ابن زكريا (ع) حيّاً من قبره في ذلك الزمن وهو مايُسمّى بزمن الرجعة عند المسلمين.
12 التفتُّ لانظرَ الصوت الذي تكلَّمَ معي و لما التفت رايتُ سبعَ مناير من ذهب* 13 و في وسط السبع المناير شبهُ ابن انسان(1) متسربلاً بثوبٍ الى الرجلين ومتمنطقاً عند ثدييه بمنطقةٍ من ذهب* 14 و اما راسه و شعره فابيضان كالصوف الابيض كالثلج و عيناه كلهيب نار* 15 و رجلاه شبه النحاس النقي كانهما محميتان في اتون و صوته كصوت مياه كثيرة* 16 ومعه في يده اليمنى سبعةُ كواكبٍ و سيفٌ ماضٍ ذو حدين(2) يخرج من فمه و وجهه كالشمس و هي تضيء في قوتها* 17 فلما رايته سقطت عند رجليه كميتٍ فوضع يده اليمنى علي قائلاً لي: لا تخف انا هو الاول و الاخر* 18 و الحي و كنت ميتاً و ها انا حي الى ابد الابدين امين و لي مفاتيح الهاوية و الموت* 19 فاكتب ما رايت و ما هو كائن و ما هو عتيدٌ ان يكون بعد هذا*...).(3)
____________________
(1) لقب (ابن الإنسان) يطلقُ على عيسى (ع) للردِّ على الذين إدَّعوا أنه إله وهو كثيرٌ في الكتاب المقدس، ولعلَّ المعنى: إن هذا الرجلُ المـُشار اليه شبيهٌ بعيسى بن مريم (ع) الى حدٍّ كبير، ولعلَّ هذا ما تواترت به الأخبار من كون منقذ العالم من حيث الشكل والهيئة كأنُّه إسرائيلي... الخ.
(2) يشيرُ بعضُ الباحثين أنَّ هذا إشارةٌ واضحة الى منقذ العالم الذي يأتي بمواريث الأنبياء (ع) ومن بينها سيف رسول الله (ص) ذو الفقار، والذي هو ذو حدّين، الذي أعطاهُ لـ (عليّ بن أبي طالب ع ) ليدافع به عن دين الله الحنيف، وهو مذخورٌ عندهم، وهذا ماجاءت به الروايات الشريفة، وأثبتهُ عدد غير قليلٍ من أهل العلم والتحقيق.
(3) العهد الجديد، سفر الرؤيا (رؤيا يوحنا اللاهوتي)، الإصحاح 1، الفقرات كما مشار اليها في ترقيم النص.
2: أنّهُ رأى - حسب الإطلاق - نفوسَ جميع الشهداء وعلى رأسهم الأنبياء (ع)، وليس النص خاص بشهداء فترة معيَّنةٍ، بل حتى آخر شهيد يسقطُ قبل مجيء منقذ العالم.
3: ثمَّ أنَّ خوف جميع ملوك الأرض ، والعظماء والأغنياء والأمراء والأقوياء، وكلّ عبد وكلّ حرّ، الذين أخفوا أنفسهم في المغاير وفي صخور الجبال وهم يتمنَّونَ الموت بدلَ أنَّهم يشهدون يوم الله الموعود، كُلُّ ذلكَ لم ولن يحدث على وجهِ الأرض إلاّ عندَ مجيء منقذ العالم في يومه الموعود، حيث عبِّرَ عنهُ بيومِ الغضبِ العظيم.
لقد بيَّنَ اللهُ سبحانهُ وتعالى في الكتب السماوية المقدّسة آياتٍ وعلاماتٍ مهمّةٍ تقعُ قبل مجيء يومِهِ المبارك الموعود، وسنذكرُ منها على التوالي نزراً يسيراً مراعاةً للإختصار(1) :
النداء السماوي: هو من العلامات الحتميّة(2) التي بشّر بها القرآن الكريم والنبيّ الأعظم (ص) وآله الطيبين الطاهرين (ع) وصحبه المنتجبين(رض) بالتّبع(3) ؛ الذي يتزامن مع ظهور أمل الانسانية ومُغيثها؛ ويكون مبشّراً وحاثّاً على إتّباعه، ويكون بواسطة أعظم الملائكة المقرَّبين ألا وهو أمين الوحي جبرئيل (ع) وهو دلالةٌ على عظَم ومكانة المهمَّةِ المرسل بها عند الله تباركَ وتعالى. وكذا فقد بشّرت بذلك الكتب المقدسّة والأنبياء والرسل (ع) منذ قديم الزمان كما سيأتي لاحقاً بإذنه تعالى.
حدثني الفضل بن شاذان عمن رواه عن ابي حمزة الثمالي قال:
قلت لابي جعفر (ع)خروج السفياني من المحتوم؟ قال: نعم والنداء
____________________
(1) لأنّ ما ورد في الكتب المقدسة في هذا المجال يدعو الى تأليف كتب ورسائل مطوَّلة.
(2) انظر: المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص 185-190 في موضوع: النداء من السماء باسم المهدي بواسطة جبرئيل.
(3) انظر: ماقبل نهاية التأريخ، ص 165، وما بعدها في موضوع: النداء السماوي باسم المهدي (عج). الإمام المهدي المصلح العالمي المنتظر، ص 85-86.
من المحتوم وطلوع الشمس من مغربها من المحتوم، واختلاف بني العباس في الدولة من المحتوم، وقتل النفس الزكيّة محتوم، وخروج القائم من آل محمد صلّى الله عليه وآله محتوم.
قلت: وكيف يكون النداء؟
قال: ينادي من السماء أول النهار: ألا أنّ الحقّ مع عليّ وشيعته ثم ينادي ابليس في آخر النهار من الارض: الا ان الحقّ مع عثمان وشيعته، فعند ذلك يرتاب المبطلون.(1)
فقد جاء في القرآن الكريم، قوله تعالى:( إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ) (2) .
وقوله (عزوجل):( وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴿41﴾ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ) .(3)
في ينابيع المودة لذوي القربى:
عن الحسن بن خالد قال: قال علي بن موسى الرضا (رض): «لا دين لمن لا ورع له، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم: أي أعملكم بالتقوى . ثم قال:إن الرابع من ولدي ابن سيدة يطهر الله به الارض من كل جور وظلم، وهو الذي يشك الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة، فإذا خرج
____________________
(1) الارشاد: ص358.
(2) سورة الشعراء: آية 4.
(3) سورة ق: 41ـ 42.
أشرقت الارض بنور ربها، ووضع ميزان العدل بين الناس، فلا يظلم أحد أحدا، وهو الذي تطوى له الارض، ولا يكون له ظل، وهو الذي ينادي مناد من السماء يسمعه جميع أهل الارض: ألا إن حجة الله قد ظهر عند بيت الله فاتبعوه، فان الحق فيه ومعه، وهو قول الله (عزوجل) :( إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ) (1) .وقول الله (عزوجل) :( يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴿41﴾ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ) (2) ،أي خروج ولدي القائم المهدي (ع)» .(3)
وفي قولهُ تعالى في سورة (ق) أيضاً:( وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴿41﴾ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ) . مكان قريب. عن الصادق (رض) قال: «ينادي المنادي باسم القائم واسم أبيه (ع)، والصيحة في هذه الآية صيحة من السماء، وذلك يوم خروج القائم (ع) ».(4)
وأيضاً في تفسير القمّي: (ينادي المنادي باسم القائم عليه السلام واسم أبيه عليه السلام. قوله:( يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ) ، قال:
____________________
(1) سورة الشعراء: آية 4.
(2) سورة: ق: آية 41-42.
(3) ينابيع المودة لذوي القربى، ج 3 ص 297.
(4) ينابيع المودة لذوي القربى: ج 3 ص 251-252.
صيحة القائم من السماء ذلك يوم الخروج، قال: هي الرجعة).(1)
وقولهُ تعالى:( إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ) (2) عن عمر بن حنظلة قال: سألت جعفر الصادق (رض) عن علامات قيام القائم. قال: «خمس علامات قبل قيام القائم (ع): الصيحة، وخروج السفياني، والخسف، وقتل النفس الزكية، واليماني . قال: فتلوت هذه الآية، فقلت له: أهي الصيحة؟ قال:نعم، لو كانت الصيحة خضعت أعناق أعداء الله (عزوجل)» .
وعن أبي بصير وأبي الورد، هما، عن الباقر (رض) قال: «هذه الآية نزلت في القائم وينادي مناد باسمه واسم أبيه من السماء ».(3)
قال عمرو بن حنظلة: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: «قبل قيام القائم خمس علامات محتومات: اليماني، والسفياني وقتل النفس الزكية بين الركن والمقام اسمه محمد بن الحسن، ليس بين قيام قائم آل محمد وبين قتل النفس الزكيّة إلا خمس عشرة ليله، والصيحة تكون في شهر رمضان ليلة الجمعة لثلاث وعشرين مضين منه، وهو صوت جبرئيل من السماء ينادي في اول النهار: إنّ فلان بن فلان، أعني الحجة بن الحسن هو الامام، ألا إنّ الحقّ في علي وشيعته، وهو نداءٌ عام يسمع كلّ قوم بلسانهم . قال الراوي: قلت فمن يخالف الامام فقد نودي باسمه؟
____________________
(1) تفسيرالقمي، ج 2، ص 327،قوله( وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ) قال:...الخ. معجم أحاديث الامام المهدي (ع)، ج 5 ص 425، حديث 1861.
(2) سورة الشعراء: آية 4.
(3) ينابيع المودة لذوي القربى: ج 3، ص 245ـ 246.
قال:لا يدعهم ابليس حتى ينادي في آخر النهار: ألا ان الحقّ في السفياني وشيعته، فيرتاب المبطلون عند ذلك ».(1)
وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله (ص): «يخرج المهدي وعلى رأسه غمامة، فيها مناد ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه ».(2)
وعن عبد الله بن عمر أيضاً قال: قال رسول الله (ص): «يخرج المهدي وعلى رأسه ملك ينادي: هذا المهدي فاتبعوه ».(3)
نلاحظ ذلك أيضاً وهو غاية في الوضوح والدقّة، من خلال البشارة الخالدة لـ «يوحنا ع » في موضوع النداءِ السماويّ الخاصّ بمنقذ العالم، فقد جاء في «سفر يوحنا»: (ثم رأيت ملاكاً طائراً في وسط السماء معه بشارة ابديّة ليبشّر الساكنين على الارض وكلّ امةٍ وقبيلةٍ ولسانٍ وشعبٍ منادياً بصوتٍ عظيم: خافوا الله واعطوه مجداً لانه قد جاءت ساعة حكمه واسجدوا لصانع السماء والارض والبحر وينابيع المياه )(4) .
ومن خلال التمعّن في هذا النصّ تتّضح امور عديدة منها:
أوّلا: إنّ كلمة (رأيت) من الفعل وتاء الفاعل تفيد أنّ هذه الرؤية الربانيّة هي بحكم الواقعة والمتحقّقة لامحالة، وإن تأخّر وقت حدوثها بالحسابات الماديّة. وأنّ الملك في وضع الطيران وأنّه قد توسّط السماء،
____________________
(1) نور الأبصار، ص416.
(2) كشف الغمة، ج2 ص970-971.
(3) نفس المصدر.
(4) سفر يوحنا 14: 6-7، العهد الجديد، ألأصل العبرى، ص 474.
يوحي أنّ الملك مرسل من قبل الله عزّ وجلّ وقد بعث لتبليغ أمر مهم جدّاً ماحدث ولن يحدث على وجه الأرض الاّ مرّة واحدة! لذلك فهو يتوسّط السماء لكي يكون بمسمع ومرأى من الجميع!.
ثانيا: إنّ البشارة التي يبشّر بها هذا الملك (أبديّة) بمعنى: أنّها ليست وليدة ساعتها ويومها وعصرها، وليست كشيءٍ سهل يأتي ثمّ يعبر ويمرّ وكأنّه لم يكن في يوم من الأيّام،كلاّ والف كلاّ، بل هي: بشارة مقدّسة وأصيلة حتميّة الوقوع والتحقّق لأنّ المبشّر الأوّل بها هو الله تبارك وتعالى لسكّان السموات والأرض، وأنّ هذه البشارة المباركة كانت موجودة ومعروفة لدى سكّان السموات ولدى شعوب وأمم الأرض منذ الأبد: أي منذ بدء الخليقة أو منذ مجيء الانسان الى الأرض...
ثالثا: إنّ هذا الملك يبشّرُ كلّ الساكنين على وجه الأرض ويتكلّم بلغة كلّ أمة وكلّ شعب وكلّ قبيلة وبكلّ لسان في آن واحد وهذا غاية في الإعجاز والرّوعة.
رابعا: يكون نداء الملك (بصوت عظيم) غير مألوف لدى سكّان الأرض ولم يسمعوا بمثله من قبل، ويوجّب على الناس المخافة من الله تعالى وأن يعطوه مجده وقدره لأنّه قد جاءت لتوّها ساعة حكمه في الأرض بواسطة المنقذ الدّخر لهذا الغرض! وكأنّ الله عزّ وجلّ لم يحكم في الأرض قط(1) ، وهذا حقّ وصدق لأنّ الله عزّ وجلّ بريء من جميع
____________________
(1) انظر: المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص 119- 124.في موضوع: ملكوت الله عند السيد المسيح، يعني حكم الله في آخر الزمان وحتميته ووقت حدوثه.
الأحكام الوضعيّة الجائرة التي حكمت الأرض بأيدي الجبابرة والطغات المجرمين الذين أهانوا وقتلوا ومثّلوا بأنبياءه وأولياءه وأحبّاءه.
وهذا مايُسمى بـ (ملكوت الله عند السيد المسيح -ع-)، ويعني حكم الله في آخر الزمان(1) ، وأنَّ الكتاب المقدس وخاصةً العهد الجديد منهُ مليءٌ بالبشارةِ بملكوت الله تبارك وتعالى على لسان السيد المسيح (ع) حتى ورد ذكر ذلك في الصلوات المسيحية التي تقرأُ كُلَّ يوم.
وأنَّ هذا الملكوت حتميٌّ قطعيٌّ(2) ، كما جاء في البشارة التي دوَّنها (متى) في الإنجيل:
(17 لا تظنوا اني جئت لانقض الناموس او الانبياء ما جئت لانقض بل لاكمل 18 فاني الحق اقول لكم الى ان تزول السماء و الارض لا يزول حرف واحد او نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل 19 فمن نقض احدى هذه الوصايا الصغرى و علم الناس هكذا يدعى اصغر في ملكوت السماوات و اما من عمل و علم فهذا يدعى عظيما في ملكوت السماوات).(3)
وأما وقتُ حدوث هذا الملكوت المنتظر، فقد جاء في إنجيل متى:
12 ويعمُّ الفساد، فتبردُ المحبَّةُ في أكثرِ القلوب 13 ومَن يثبُت إلى
____________________
(1) للمزيد انظر: المهدي والمسيح، في موضوع: ملكوت الله عند السيد المسيح (ع). المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص 119 وما بعدها، وشرح ملكوت الله في ص 126.
(2) انظر: المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص 119-120.
(3) العهد الجديد، متى، الإصحاح 5، الفقرات 17-19، الكتاب المقدّس باللغة العربية 73 سفراً، مصر. مع فرق يسير في العبارات.
النهاية يخلص 14 وتجيءُ النهايةُ بعدما تُعلنُ بشارةُ ملكوت الله هذه في العالم كُلِّه، شهادةً لي عند الأُمم كلّها).(1)
وتفسير هذه النبؤة: (أي نهاية التدبير الإلهي الحاضر، وإقامة ملكوت الله على وجهٍ نهائيّ...).(2)
وأخبر إنجيل لوقا أنَّ ملكوت الله يأتي نتيجةً لإستضعاف المؤمنين والظلم الذي يقع عليهم(3) :
(20 و رفع عينيه الى تلاميذه و قال: طوباكم ايها المساكين لان لكم ملكوت الله 21 طوباكم ايها الجياع الان لانكم تشبعون، طوباكم ايها الباكون الان لانكم ستضحكون 22 طوباكم اذا ابغضكم الناس و اذا افرزوكم و عيروكم و اخرجوا اسمكم كشرير من اجل ابن الانسان 23 افرحوا في ذلك اليوم و تهللوا فهوذا اجركم عظيم في السماء لان اباءهم هكذا كانوا يفعلون بالانبياء).
ويُفصحُ النصُّ المقدَّس عمّا يكونُ من عاقبةُ أهلِ الباطل بقوله:
(24 و لكن ويل لكم ايها الاغنياء لانكم قد نلتم عزاءكم 25 ويل لكم ايها الشباعى لانكم ستجوعون ويل لكم ايها الضاحكون الان لانكم ستحزنون و تبكون 26 ويل لكم اذا قال فيكم جميع الناس...).(4)
____________________
(1) متى، 24: 12-14،العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس،ص 45.
(2) المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص 121 وما بعدها، عن: العهد الجديد، ص 103. الرهبانية اليسوعية، طبعة 1989 م.
(3) للمزيد انظر: المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص 125 وما بعدها.
(4) العهد الجديد، لوقا، الإصحاح 6، الفقرات 20-26، الكتاب المقدّس باللغة العربية 73 سفراً، مصر.
هذا وقد جاء في الصلاة المسيحية:
(ليَتَقَدَّس اسمكَ 10 ليأتِ مَلَكوتُكَ لتكُن مشيئتُكَ في الأرض كما في السماء...).(1)
خامسا: ثمّ يأمر سكّان الأرض بأشرف عبادة ألا وهي السجود (حيث أقرب ما يكون العبد لربّه عند أشتغاله بهذه العبادة)؛ ولكن السجود لمن؟، لصانع السموات والأرض والبحر وينابيع المياه، فقد وردت كلمة (صانع) في غاية الدّقة والبلاغة والإعجاز، لأنّها ملائمة لروح العصرالحديث وما ستصل اليه البشريّة من مستوى علمي الى حين حصول هذا النداء السماويّ، حيث التقدّم الصناعي الهائل لدى البشريّة حتّى يخيّل للبعض أنّهم قادرون على صنع كلّ شيء! ولكنّ هذا الملك المنادي من السماء يوقفهم عند حدّهم ويوقظهم من غفوتهم ويقرّهم بالعجز التّام، ذلك لأنّهم مهما بلغ بهم التطوّر والتقدّم الصناعاتي والتّقنيات والتكنلوجيا... لم ولن يستطيعوا صنع سماء مبنيّة بهذه السعة وبهذه القوانين الكونيّة المرعبة الخارقة لكلّ القوانين الطبيعيّة، بل وحتّى لخيال الانسان وإدراكاته؛ وأرض مدحيّة بهذا الحجم وماتحتويه من مستلزمات العيش على سطحها بكلّ رفاهيّة؛ وبحارا بهذه المساحات الشاسعة والتّنوّع العجيب؛ وينابيع المياه العذبه التي فجّرها الجواد الكريم بهذه الكثرة والإنتشار والسقي المتواصل للحرث والنسل.
سادسا: تعدّ هذه البشارة الإلهيّة بمثابة شرحٍ وافٍ للنداء السماويّ
____________________
(1) متى، 6: نهاية الفقرة: 9-10،العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص10.
المحتوم الذي يتزامن مع ظهور بقيّة الله في أرضه وأمل الانسانية، وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا النداء بـ (الصيحة بالحق ) كما جاء في قوله عزّ وجلّ:( وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴿41﴾ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ) . (1)
لذا فكُلُّ ماتقدَّمَ في هذه البشارة، ثابتٌ في القرآن والسنَّة المطهَّرة، وهو حقٌّ وصدقٌ، لأنَّ منقذَ البشريّة (عجّل الله تعالى فرجه المبارك) يُنادى باسمه واسم ابيه ونسبه الشريف وينوّه عن مقامه الكريم حين ظهوره المبارك بواسطة وحي الله الأمين جبرَئيل (عليه السلام).(2)
قوله تعالى:( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ) (2) .
عن القمّي: عن أبي جعفر عليه السلام: في قوله: هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم هو الدّجال والصّيحة، او من تحت أرجلكم وهو الخسف، او يلبسكم شيعا وهو اختلاف في الدين وطعن بعضكم على بعض، ويذيق بعضكم بأس بعض وهو أن يقتل بعضكم بعضا وكلّ هذا في
____________________
(1) سورة ق: 41 - 42.
(2) للإطلاع انظر: المسيح المنتظر ونهاية العالم، ص 185-190.
(3) سورة الأنعام: آية 65.
أهل القبلة بقول الله أنظر كيف نصرّف الآيات لعلّهم يفقهون.(1)
عن النبيّ (ص):(ليأتيّنَّ على هذه الأُمة يومٌ يُمسون يتساءَلون، بمن خُسِفَ الليلة كما يتساءَلون بمن بقيَ من آل فلان، وهل بقيَ من آل فلان فلان) .(2)
وعن أمير الؤمنين (ع):(... بين يدي القائم موتٌ أحمر، وموتٌ أبيض... فالموت الأحمر السيف، وأما الموت الأبيض فالطاعون) .(3)
وعن الصادق (ع):(قدام القائم موتان، موتٌ أحمر وموتٌ أبيض حتى يذهب من كلِّ سبعةٍ خمسة) .(4)
جاء في رسالة يوحنا الأولى في باب (المُسَحاء الدجالون):
(يا أبنائي الصغار، جاءت الساعة الأخيرة. سمعتم أنَّ مسيحاً دجّالاً سيجيءُ...).(5)
وجاء في سفر الرؤيا:
____________________
(1) تفسير القمي، ج 2،ص 204. بحار الأنوار، ج 9 ص 205، و ج 52 ص 181. الزام الناصب: ج2 ص113-114، وج2 ص98.
(2) الملاحم والفتن، ص 132، نقلاً عن فتن السليلي.
(3) الغيبة للنعماني، ص 277. الإرشاد، ص 359. الغيبة للطوسي، ص 267. بحار الأنوار، ج 52، ص 211. السراط المستقيم، ج 2، ص 249.
(4) كمال الدين، ج2 ص65. بحار الأنوار، ج52، ص207. العدد القوية، ص66.
(5) يوحنا، الرسالة الثانية 2: 18،العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس،ص 386.
(13) ثم بوق الملاك السادس فسمعت صوتاً واحداً من اربعة قرون مذبح الذهب الذي امام الله(14) قائلا للملاك السادس الذي معه البوق فك الاربعة الملائكة المقيدين عند النهر العظيم الفرات (15) فانفك الاربعة الملائكة المعدون للساعة و اليوم و الشهر و السنة لكي يقتلوا ثلث الناس(16) و عدد جيوش الفرسان مئتا الف الف و انا سمعت عددهم (17) و هكذا رايت الخيل في الرؤيا و الجالسين عليها لهم دروع نارية واسمانجونية و كبريتية و رؤوس الخيل كرؤوس الاسود و من افواهها يخرج نار و دخان و كبريت (18) من هذه الثلاثة قتل ثلث الناس من النار والدخان و الكبريت الخارجة من افواهها (19) فان سلطانها هو في افواهها و في اذنابها لان اذنابها شبه الحيات و لها رؤوس و بها تضر...(1)
في قوله تبارك وتعالى:( حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ) (2) .
( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿5﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) (3) .
____________________
(1) العهد الجديد، سفر الرؤيا (رؤيا يوحنا اللاهوتي)، الإصحاح 9، الفقرات 13ـ 19، الكتاب المقدّس باللغة العربية 73 سفراً، مصر.
(2) سورة يوسف: آية 110.
(3) سورة الإنشراح: آية 5.
جاء في الاحكام: باب القول فيما ذكر عن المهدي عليه السلام قال يحيى بن الحسين...: نرجو أن يكون الله قد قرب ذلك وأدناه، وذلك أنا نرى المنكر قد ظهر والحق قد درس وغير وقد قال الله سبحانه:( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿5﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) ، وقال:( حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْـرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:(اشتدي أزمة تنفرجي) ، وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم:(لان أكون في شدة انتظر رخاء أحب إلى من أن أكون في رخاء أنتظر شدة) (1) .
وفي عيون أخبار الرضا (ع): (... فقال المأمون: لله درك أبا الحسن عليه السلام فأخبرني عن قول الله عز وجل:( حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا ) ، قال الرضا عليه السلام يقول الله عز وجل:( حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ) من قومهم وظن قومهم ان الرسل قد كذبوا جاء الرسل نصرنا فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن...)(2) .
وفي كمال الدين وتمام النعمة: (... قال المفضل:فقلت:يا ابن رسول الله فإن (هذه) النواصب تزعم أن هذه الآية(3) نزلت في أبي بكر وعمر، وعثمان، وعلي عليه السلام فقال:لا يهدي الله قلوب الناصبة. متى كان الدين الذي ارتضاه الله ورسوله متمكنا بانتشار الامن في الأمة، وذهاب الخوف من
____________________
(1) الاحكام، ج 2، ص 468.
(2) عيون أخبار الرضا (ع)، ج 2، ص 179-180.
(3)( وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ) ، الآية 55 سورة النور.
قلوبها، وارتفاع الشك من صدورها في عهد واحد من هؤلاء، وفي عهد علي عليه السلام مع ارتداد المسلمين والفتن التي تثور في أيامهم، والحروب التي كانت تنشب بين الكفار وبينهم . ثم تلا الصادق عليه السلام:( حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا ) (1) .
ولعلَّ في قوله سبحانه وتعالى:( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) (2) ، ما يوحي الى ذلك النصر، إذ أنَّهُ عزَّ وجلَّ يتحدَّثُ عن نصرين كبيرين،الأول هو النصر الجماعي للرُّسُلِ(ع) بواسطة المنقذ، وذلك بعد الانتظار الطويل ويأس الشعوب، والثاني هو نصرُ الآخرة، واللهُ العالم.
وفي صحيح البخاري(3) :
(حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة انه سال عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت قوله:( حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) أو كذبوا؟
قالت بل كذبهم قومهم، فقلت: والله لقد استيقنوا ان قومهم كذبوهم وما هو بالظن فقالت: يا عروة لقد استيقنوا بذلك قلت فلعلها أو كذبوا، قالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها واما هذه الآية قالت: هم اتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم
____________________
(1) كمال الدين وتمام النعمة، ص 356-357.
(2) سورة غافر: آية 51.
(3) صحيح البخاري، ج 4، ص 123.
(1) وهذا الحال لايدومُ طويلاً، بل هي فترةٌ مرحلية وليست طويلة الأمد، كما يظهر من الأخبار الشريفة.
(2) ينابيع المودة، ص44. إحقاق الحق، ج13 ص 125.
(3) إبن المنادي، الملاحم، ص64. كنز العمال، ج14 ص 592. إبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج1 ص 276. احقاق الحق، ج13 ص 314. الإرشاد، ص128. بحار الأنوار، ج 32 ص 9. المسترشد، ص 75. غاية المرام، ص 208. منتخب كنز العمال، ج16 ص 35.
النصر حتى إذا استيأست ممن كذبهم من قومهم وظنوا ان اتباعهم كذبوهم جاءهم نصر الله)، انتهى.
وعليهِ، واثرَ تلك الأحداث المروِّعة - التي قد بيَّنّا شيئاً منها في الموضوع السابق: الدجال والخسف وسفك الدماء - يُفقَدُ الأملُ من الشعوب والأُمم ويستشري اليأسُ وسوءُ الظنِّ بعدم الفرج، وينقطعُ الرجاء(1) :
فقد وردَ عن رسول الله (ص):(ياعليّ... وذلك الحين تغيّرت البلاد وضعفَ العباد واليأس من الفرج، فعند ذلك يظهر القائم المهدي من ولدي...) .(2)
وعن عليٍّ (ع):(وليكونن من يخلفني في أهلِ بيتي، وذلك بعدَ زمانٍ كلِحٍ مصفح يشتدُّ فيهِ البلاءِ، وينقطعُ فيه الرجاءُ) .(3)
- وعن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم ذكر الملاحم، وقال في آخرها:(ويباع الأحرار للجهد الذي يحل بهم، يقرون بالعبودية الرجال والنساء، ويستخدم المشركون المسلمين، ويبيعونهم في الأمصار، لا يتحاشى لذلك برّ ولا فاجر، يا حذيفة لا يزال ذلك البلاء على أهل ذلك الزمان حتى إذا أيسوا وقنطوا وأساؤا الظن أن لا يفرَّج عنهم إذ بعث الله رجلاً من أطائبِ عترتي وأبرارِ ذرّيَّتي عدلاً
____________________
(1) وهذا الحال لايدومُ طويلاً، بل هي فترةٌ مرحلية وليست طويلة الأمد، كما يظهر من الأخبار الشريفة.
(2) ينابيع المودة، ص44. إحقاق الحق، ج13 ص 125.
(3) إبن المنادي، الملاحم، ص64. كنز العمال، ج14 ص 592. إبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج1 ص 276. احقاق الحق، ج13 ص 314. الإرشاد، ص128. بحار الأنوار، ج 32 ص 9. المسترشد، ص 75. غاية المرام، ص 208. منتخب كنز العمال، ج16 ص 35.
مباركاً زكياً لا يغادر مثال ذرة، يعز الله به الدين والقرآن والإسلام وأهله، ويذل به الشرك وأهله، يكون من الله على حذرٍ، لا يغتر بقرابته، لا يضع حجراً على حجرٍ، ولا يقرع أحداً في ولايته بسوط إلا في حد، يمحو الله به البدع كلها، ويميت به الفتن كلها، يفتح الله به كل باب حق، ويغلق به كل باب باطل، يرد الله به سَبي المسلمين حيث كانوا قلت: فسمِّ لنا هذا العبد الذي قد اختاره الله لامتك وذريتك، فقال:(اسمه كاسمي، واسم أبيه كاسم أبي، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لجعل الله مقدار ما يكون فيه جميع ما ذكرت) .(1)
حيث أخبر يوحنا (ع) في سفر الرؤيا، أنّ الأنبياء والمقدّسين والمظلومين ينفذُ صبرهم في آخر الزمان ويطلبون من الله عزَّ وجلَّ الإنتقام والنصر:
(10 وصرخوا بصوتٍ عظيمٍ قائلين: حتّى متى أيّها السيد القدّوس والحق! لاتقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض...الى أن يقول حيث يستجيبُ الله لهم: قد جاء يوم غضبه العظيم، ومن يستطيع الوقوف).(2)
وفي بشرى الخلاص: بشَّر اشعياء النبي (ع) في سفره المقدّس، جميع المساكين والبائسين واليائسين:
____________________
(1) الملاحم والفتن، ص 264-265. الأمالي، للشجري، ج2 ص277.
(2) سفر الرؤيا 6: 10، 17،العهد الجديد، الأصل العبري.
(1روحُ السيد الرب عليَّ، لان الرب مسحني لأُبشّرَ المساكين ارسلني لاعصب منكسري القلب لأُنادي للمسبيّين بالعتق و للماسورين بالاطلاق* 2 لأُنادي بسنة مقبولة للرب و بيوم انتقام لالهنا لأُعزّي كل النائحين* 3... لأَعطيهم جمالاً عوضاً عن الرماد، و دهن فرح عوضاً عن النوح، و رداء تسبيح عوضاً عن الروح اليائسة فيدعون اشجار البر غرس الرب للتمجيد* 4 و يبنون الخرب القديمة يقيمون الموحشات الاول و يجددون المدن الخربة موحشات دور فدور*...، 7 عوضاً عن خزيكم ضعفان و عوضاً عن الخجل يبتهجون بنصيبهم لذلك يرثون في ارضهم ضعفين بهجة ابدية تكون لهم* 8 لاني انا الرب محب العدل مبغض المختلس بالظلم و اجعل اجرتهم امينة و اقطع لهم عهدا ابدياً * 9 و يعرف بين الامم نسلهم و ذريتهم في وسط الشعوب كل الذين يرونهم يعرفونهم انهم نسل باركهُ الرب* 10 فرحاً افرح بالرب تبتهج نفسي بالهي لانه قد البسني ثياب الخلاص كساني رداء البر مثل عريس يتزين بعمامة و مثل عروس تتزين بحليها* 11 لانه كما ان الارض تخرج نباتها و كما ان الجنة تنبت مزروعاتها هكذا السيد الرب ينبت براً و تسبيحاً امام كل الامم*)(1) .
____________________
(1) العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح 61، الفقرات كما مبيَّنة في النص، الكتاب المقدّس باللغة العربية 73 سفراً، مصر.
الفصل الرابع:
أحداث ظهور منقذ العالم ومابعد الظهور
المبحث الأول:حالة العالم عند الظهور وكيفية الظهور
المبحث الثاني: أوصاف القائم المنقذ
المبحث الثالث: أوصاف حكومة منقذ العالم ودولته
بما أنَّ ظهور منقذ العالم حدثٌ إلهيٌّ عظيمٌ، وآيةٌ من آياته الكبرى، وشأناً من شؤونه المقدّسة، ويوماً عارماً من أيامه التي لاتُنسى أبداً سواء قبل مجيئه أو بعدهُ؛ لذا فقد أجمعت الكتبُ المقدّسة وعمومُ الأنبياء والرسل (عليهمُ الصلاةُ السلامُ) على أنَّ هناكَ أحداثاً كبيرةً وعجائباً وغرائبأً ومعاجزاً تكونُ عندَ ظهوره وترافقهُ في دولته العالمية الكبرى. ومن المناسب هنا أن نذكُرَ شيئاً عن أحوال العالم قُبيلَ ظهورالمنقذ الموعود وعندَ ظهوره وبعدهُ وكيفية ذلك الظهور المبارك.
المبحث الأول: حالة العالم قُبَيلَ الظهور وعند الظهور وبعدَهُ وكيفية الظهور
ويتضحُ ذلك كله عبر الآيات الكريمة والروايات الشريفة، والنصوص المقدّسة في العهدين، الدالة على مواضيعها الخاصة المتعلّقة بتلك الفترة النيِّرة والمباركة من تاريخ البشرية على سطح هذا الكوكب، ونذكرُ شيئاً منها على نحو الإختصار:
أ : في قوله تعالى:( فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ ) (1) .
____________________
(1) سورة يونس: آية 20.
عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: سألتهُ عن شيءٍ في الفرج فقال:(أوليس تعلمُ أنَّ انتظار الفرج من الفرج، انَّ الله يقول: ( فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ ) ) .(1)
ب : في قوله تعالى:( وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ) (2) .
عن أحمد بن محمد، عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: سمعتهُ يقول:(ما أحسنَ الصبر وانتظار الفرج، أما سمعتَ قولَ العبد الصالح: فـ انتظروا إنّي معكم من المنتظرين. أوليس تعلمُ أنَّ انتظار الفرج من الفرج؟ ثم قال:انَّ الله تبارك وتعالى يقول: واتقبوا انّي معكم رقيبُ) .(3)
ج : في قوله تعالى:( هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ) (4) .
عن الإمام الباقر (ع):(وقولهُ: ( هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ) : من العذاب والموت والقائم،...) .(5)
هذا وقد حثَّ الدين الإسلامي الحنيف على الإنتظار الإيجابي لفرج الله الأعظم بظهور منقذ العالم وعدم الياس من روح الله تعالى(6) ، وأنَّ المنتظر
____________________
(1) تفسير العياشي، ج2 ص 138. كمال الدين، ج2ص645 ز بحار الأنوار، ج 52 ص 128.
(2) سورة هود: آية 93.
(3) تفسير العياشي، ج2ص20 و ج2 ص 159. وعنهُ البرهان ج3 ص 232. والبحار، ج12ص 379.
(4) سورة الأنعام: آية 158.
(5) تفسير القمي، ج1ص 384. وعنه الإيقاظ، ص253.
(6) انظر: الخصال، ج2 ص 610. كمال الدين، ج2 ص 645. تحف العقول، 106.
المحتسب كالمجاهد مع الإمام منقذ العالم(1) ، وأنَّ المنتظر المخلص في ولائه من أهل الجنَّة(2) ، وأنَّ الإيمان في دولة الباطل أفضل منهُ في دولة الحقّ.(3)
د : وفي قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (4) . وجوب الثبات على الاعتقاد بإمامة المهدي عليه السلام وانتظاره وتوقّع ظهوره، فقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام:(اصبروا على أداء الفرائض، وصابروا عدوكم، ورابطوا إمامكم المنتظر) (5) .
«أشعيا» يبشّر الجميع بالقائم المنقذ:
في جانب آخر من (سفر اشعيا -ع -) نجد اشارات صريحة بظهور مُنقذ العالم وكيفية حكمه وارتباطه بالله تعالى، التي لها دلالات لما ورد عن الرسول(ص) والائمة (ع) وعموم المسلمين بخصوص الامام المهدي (عج )، وقد جاءت الاشارة الى الامام (عج ) بأحد القابه المهمّة وهو «القائم »:
(10 وفي ذلك اليوم سَيرفَعُ « القائمُ » رايةً للشعوب والامم التي تَطلبُهُ وتَنتظرُهُ ويكونُ محلُّهُ مَجداً).(6)
____________________
(1) انظر: مجمع البيان ج 9 ص 238. الكافي، ج 2ص 21. المحاسن، ص 173.
(2) انظر: الكافي ج 8 ص 76. البحا ج46 ص 361.
(3) انظر: الكافي، ج1 ص 333. الإختصاص، ص20. كمال الدين، ج2 ص 645.
(4) سورة آل عمران: آية 200.
(5) انظر: معجم أحاديث الإمام المهدي (ع)، ج 5، ص 66-67. الزام الناصب: ج 1 ص53.
(6) سفر أشعيا 11: 10:ألأصل العبرى،العهد القديم، ص625. وسنقف على ترك كلمة (يسَّى) دون ترجمة على التوالي.(أهل البيت فى الكتاب المقدس)، ص 123 - 127.
وكما هو واضح فانّ هذه الفقرة باطلاقها تؤكّدعلى: أنّ كلّ الشعوب والامم تطلبه وتنتظره قبل مجيئه،وليس قسماً من هذه الشعوب والأمم، وهذا يدلّ على معرفة هذه الشعوب والامم بهذا الرجل الالهيّ المقدس، فهي تعرفه بكلّ أبعاد المعرفة: معرفة فطريّة ومعرفة عقلية ومعرفة سماويّة.
حيث زرع الله عزّ وجلّ في فطرتهم معرفة خليفته الأعظم المدّخر، وأوحى اليهم ذلك عبرَ مختلف العصور، وأدركوا ذلك أيضاً بعقولهم من خلال الأدلّة الهائلة التي لاتحدّ ولاتحصى:
ومنها انّ الخالق القادر الحكيم الذي أتقن صنع كلّ شيء في الوجود بدءً بالفيروس الصغير الذي لايُرى بالعين المجرّدة وانتهاءً بأعظم مجرّةٍٍ تمّ أكتشافها لحدّ الآن؛ فمن دواعي حكمته وربوبيّته أن يُمضي حكمَهُ في الأرض، ويُرينا عدلَهُ وقسطَهُ بواسطة ممثّله الشرعي الدّال عليه والحاكم بأسمه، ولايترك الدنيا هكذا على علاّتها، والشعوبَ لقمةً سائغةً لازال يمضغها بفكّيه فرعون وهامان وجنودهما وبقوانين وضعيّة قد تبرّأَ منها كلّ شريف.
فهذه الشعوب والأمم: تطلبُهُ ناصراً ومعيناً ومغيثاً ومنقذاً لما أصابها من حيفٍٍ وظلم على مدى تعاقب العصور!.
وهي تنتظرُهُ: إنتظارَ الحبيب لحبيبه، انتظاراً فيه الأملُ والرجاءُ، كشوق الأرض الجدباء لقطر السماء؛ وتحنّ اليه حنيناً منقطع النظير.
وبعدما بيّنت الفقرة العاشرة انتظار الشعوب والأمم وطلبهم للقائم، ذكرت نتيجة هذا الطلب والانتظار المقدّس عندما يحلّ بينهم حيث قالت: ( ويكونُ محلهُ مجداً): أي يكون وجودُهُ بين شعوب الأرض وأممها مفخرةً
كبرى، وبركةً ونعمةً، وأرتقاءً بمستوى الانسانيّة الى أعلى ذُرى المجد والعزّة والكرامة ومباركة الربّ جلّ وعلا.
وبسبب أهميّة هذا النصّ وهذه الفقرة منه خاصّة فقد عمد (أعداء الحقّ والصّدق) الى طمس الحقيقة الالهية الدامغة وتشويشها لقلب معناها أو لصرفه عن الأذهان قدَرَ الامكان وقد نجحوا في ذلك الى أمد غير بعيد. ولإماطَة اللّثام عن هذه المحاولة البائسة وكشفها، نشير الى أمرين:
الأول: إنّ اللفظة المخصوصة (يسّسي) (1) التي وردت في الفقرة(10) من النصّ العبري، تعني: (سيرفع)، وقد جاءت بصيغة الاستقبال لدخول حرف (الياء) عليها(2) . والماضي منه (ناسا) بمعنى: (رفع)(3) ، ومترجم (العهد القديم) في النسخة العربيّة(4) لم يترجم لفظة (يسّسي) العبريّة والتي تعني: (سيرفع)، بل أبقاها على حالها من غير ترجمة الى اللّغة العربيّة محاولةً منه لبس المعنى واثارة الغموض حول مفهوم - القائم - (عج).
____________________
(1) (اهل البيت (ع ) في الكتاب المقدس ) ص 127-128، عن سفر أشعيا 11: 10، ص 1005، النسخة العربية. وجاءت في المصادر كلمة (يسَّي) بسينٍ واحدةٍ مشدَّدةٍ ومفتوحةٍ، ولعلّ صاحب (أهل البيت في الكتاب المقدس) أثبتها بسينيين للتوضيح فأُضيفت الشدَّة إشتباهاً.
(2) قواعد اللغة العربية، ص98.
(3) المعجم الحديث، عبري - عربي، ص 315.
(4) العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح 11، الفقرة، 10، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر: فقد أردف كلمة (يسّي) بالقائم، فقال: يسّي القائم...الخ.
وأمّا الأمر الثاني: انّ لفظة (عوميد) جاءت (كاسم فاعل)(1) وتعني (القائم)(2) ...الخ.(3)
وأما ما جاء في الكتاب المقدس، طبعة أُولى، بيروت،دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، العهد القديم، الإصدار الثاني 1995، في سفر إشعيا 11: (1 و 10) فهو من الروعة بمكان، ويستحقُّ التأمُّل، وهو كالآتي:
(1 يخرُجُ فرعٌ من جذع يَسَّى(4) وينمو غُصنٌ من أُصوله).ثمّ يبيّن عبر ثمانية فقرات صفات ومؤهلات وخيرات هذا الموعود المبارك، ويخلص في القول الى:
____________________
(1) قواعد اللغة العربية، ص38.
(2) (اهل البيت (ع ) في الكتاب المقدس ) ص 127-128 بتصرّف.
(3) المعجم الحديث: 349.
(4) يسّي: هو والدُ داود (ع)، وقد بشّرت التوراة بأن المنقذ ومخلص العالم هو من نسل داود(ع) حيناً، وحينأً آخر من نسل يوسف (ع)... الخ، غير ان مفسري التوراة يصرون على القول أنَّ هذه الشخصيات تمثّلُ المسيح (ع)...، فهل الحقّ كذلك؟ لكن لو رجعنا على سبيل التمثيل لا الحصر: الى المزمور 72، في الكتاب المقدّس، مصر: حيث جاء فيه:
(1 اللهم اعط احكامك للملك و برك لابن الملك* 2 يدين شعبك بالعدل و مساكينك بالحق* 3 تحمل الجبال سلاما للشعب و الاكام بالبر* 4 يقضي لمساكين الشعب يخلص بني البائسين و يسحق الظالم* 5 يخشونك ما دامت الشمس و قدام القمر الى دور فدور* 6 ينزل مثل المطر على الجزاز و مثل الغيوث الذارفة على الارض* 7 يشرق في ايامه الصديق و كثرة السلام الى ان يضمحل القمر* 8 و يملك من البحر الى البحر و من النهر الى اقاصي الارض* =
(في ذلك اليوم يرتفعُ أصلُ يسَّى رايةً للشعوب. تطلُبُهُ الأُمم ويكونُ موطنهُ مجيداً، 11 وفي ذلك اليوم يعودُ الربُّ فيمُدُّ يدَهُ لافتداء بَقيَّة شعبه في أشُّورَ ومصرَ وفتروسَ وكوشَ وعيلامَ وشنعارَ وحماةَ وفي جُزُر البحر، 12 ويرفعُ الربُّ رايةً في الأُمم...).(1)
وهنا سؤالٌ يطرحُ نفسهُ وهو:
____________________
= 9 امامه تجثو اهل البرية و اعداؤه يلحسون التراب* 10 ملوك ترشيش و الجزائر يرسلون تقدمة ملوك شبا و سبا يقدمون هدية* 11 و يسجد له كل الملوك كل الامم تتعبد له* 12 لانه ينجي الفقير المستغيث و المسكين اذ لا معين له* 13 يشفق على المسكين و البائس و يخلص انفس الفقراء* 14 من الظلم و الخطف يفدي انفسهم و يكرم دمهم في عينيه* 15 و يعيش و يعطيه من ذهب شبا و يصلي لاجله دائما اليوم كله يباركه* 16 تكون حفنة بر في الارض في رؤوس الجبال تتمايل مثل لبنان ثمرتها و يزهرون من المدينة مثل عشب الارض* 17 يكون اسمه الى الدهر قدام الشمس يمتد اسمه و يتباركون به كل امم الارض يطوبونه* 18 مبارك الرب الله اله اسرائيل الصانع العجائب وحده* 19 و مبارك اسم مجده الى الدهر و لتمتلئ الارض كلها من مجده امين ثم امين تمت صلوات داود بن يسى*).مع ملاحظة الإختلاف في ألفاظ الترجمة (وكلا المعنيين واحد) في: الكتاب المقدس، طبعة أُولى، بيروت،دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، العهد القديم، الإصدار الثاني 1995م،ص 787، المزمور 72. ونضيرُ هذا كثير.
فهل يمكن أن يكون هذا المسيح (ع) وهو لم يقم بشيءٍ من هذا؟ انظر: المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص 57 وما بعدها، تحت عنوان: المخلّص في التوراة.
(1) الكتاب المقدس، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، العهد القديم، ص 924، سفر إشعيا 11: (1،10، 11، 12).
من هو القضيب المبارك الذي يخرجُ في آخر الزمان كمنقذٍ لكلّ الشعوب والأُمم وهو من ذريّة الأنبياء (عليهم السلام)، ومن جذع (يَسَّى) كما في هذا النصّ وغيره في الكتاب المقدّس، وتارةً في نصوص أُخر قال إنَّه من نسل يوسف (ع)(1) ، و(يَسَّى) هذا، هل هُوَ (يس) في قوله تعالى:
( يس ﴿1﴾ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ﴿2﴾ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (2) ؟
و(ياسين) (3) في قوله تعالى:( سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ ) (4) ؟
وفي إنجيل برنابا سُمّيَ بـ (مسّيا)؟.(5)
ولو أنا تمعنّا في سفر إشعياء النبيّ (ع)(6) ، الإصحاح 65: 11 - 25، وقارنّاها مع:
____________________
(1) وفي نصوص أُخرى، أنه من نسل يوسف (ع)، انظر: المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص 57.
(2) سورةُ يس: 1- 3.
(3) أحدُ أسماء النبيّ محمد (ص) وقد وردَ في القرآن.
(4) انظر: المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص48، وما بعدها.
(5) وشرحُهُ في انجيل برنابا، في الفصل الثامن والثمانون: 15-18، برنابا: من تلاميذ المسيح (ع)، ونسخة الإنجيل المنسوبة اليه، ترجمها العلامة المسيحي اللبناني الدكتور خليل سعادة من الإنكليزية الى العربية، وهي من خزائن الفاتيكان باللغة الإيطالية.
(6) انظر: العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح 65، الفقرة: 11-25، الكتاب المقدّس باللغة العربية 73 سفراً، مصر. فقد جاءت كما يلي:(11 اما انتم الذين تركوا الرب و نسوا جبل قدسي و رتبوا للسعد الاكبر مائدة و ملاوا للسعد الاصغر خمرا ممزوجة* 12 فاني اعينكم للسيف و تجثون كلكم للذبح لاني دعوت فلم تجيبوا تكلمت فلم تسمعوا بل عملتم =
الآيات المباركة 4 - 8 من سورة الإسراء(1) ، لخلصنا الى نتيجةٍ مهمّةٍ كما أثبتها العلاّمة محمد الصادقي في كتابه (الإسلام في الكتب السماوية)
____________________
= الشر في عيني و اخترتم ما لم اسر به* 13 لذلك هكذا قال السيد الرب هوذا عبيدي ياكلون و انتم تجوعون هوذا عبيدي يشربون و انتم تعطشون هوذا عبيدي يفرحون و انتم تخزون* 14 هوذا عبيدي يترنمون من طيبة القلب و انتم تصرخون من كابة القلب و من انكسار الروح تولولون* 15 و تخلفون اسمكم لعنة لمختاري فيميتك السيد الرب و يسمي عبيده اسما اخر* 16 فالذي يتبرك في الارض يتبرك باله الحق و الذي يحلف في الارض يحلف باله الحق لان الضيقات الاولى قد نسيت و لانها استترت عن عيني* 17 لاني هانذا خالق سماوات جديدة و ارضا جديدة فلا تذكر الاولى و لا تخطر على بال* 18 بل افرحوا و ابتهجوا الى الابد في ما انا خالق لاني هانذا خالق اورشليم بهجة و شعبها فرحا* 19 فابتهج باورشليم و افرح بشعبي و لا يسمع بعد فيها صوت بكاء و لا صوت صراخ* 20 لا يكون بعد هناك طفل ايام و لا شيخ لم يكمل ايامه لان الصبي يموت ابن مئة سنة و الخاطئ يلعن ابن مئة سنة* 21 و يبنون بيوتا و يسكنون فيها و يغرسون كروما و ياكلون اثمارها* 22 لا يبنون و اخر يسكن و لا يغرسون و اخر ياكل لانه كايام شجرة ايام شعبي و يستعمل مختاري عمل ايديهم* 23 لا يتعبون باطلا و لا يلدون للرعب لانهم نسل مباركي الرب و ذريتهم معهم* 24 و يكون اني قبلما يدعون انا اجيب و فيما هم يتكلمون بعد انا اسمع* 25 الذئب و الحمل يرعيان معا و الاسد ياكل التبن كالبقر اما الحية فالتراب طعامها لا يؤذون و لا يهلكون في كل جبل قدسي قال الرب). وللوقوف على النص بجماله وروعته، انظر: سفر أشعيا 65: 11-25،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 990. والفرقُ في الترجمة واضحٌ!
(1) سورة الإسراء: الآيات، 4-10:( وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿4﴾ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ﴿5﴾ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ﴿6﴾ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ =
مفسّراً أقوال إشعياء اللنبيّ (ع) الآنفة الذكر على الشكل التالي: هذه الآياتُ البيّناتُ تُبشّرُ عن زمنٍ منيرٍ تبدَّلت شريعة إسرائيل الى أُخرى، وكذلك خيرةُ الله عن إسرائيل لمختارين آخرين، فلا اسمَ إلاّ اسم القائد الديني ألأخير.(1)
مضافاً الى ذلكَ أنَّ العهد الجديد يذكرُ الى جانب المسيح شخصيةً أُخرى وهي شخصية الأمين الصادق، فقد ورد في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي:
(ثم رأيتُ السماء مفتوحة وإذا فرس أبيض والجالس عليه يُدعى أميناً وصادقاً بالعدل يحكم ويحار، وعيناهُ كليب نارٍ، وعلى رأسه تيجانٌ كثيرةٌ ولهُ اسمٌ مكتوبُ ليسَ أحدٌ يعرفهُ إلاّ هو(2) ، وهو متسربلٌ بثوبٍ مغموس بدمٍ ويدعى أسمهُ كلمةُ الله، والأجناد الذين في السماء كانوا يتبعونهُ على خيلٍ بيضٍ لابسينَ بزاً أبيض ونقيّاً).(3)
____________________
=أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ﴿7﴾ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ﴿8﴾ إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴿9﴾ وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) . ومفاد هذه الآيات المباركة في: الصحيح من سيرة النبى الأعظم (ص): ج3 ص35-36.
(1) انظر: الإسلام في الكتب السماوية، ص 237-238.المسيح الموعود والمهدي النتظر، ص53 وما بعدها.
(2) هذا الاسم: هل هو اسمُ الله الأعظم؟، والذي يحمله هل هو صاحبُ الخلافة ألأسمائية (الخلافة والإمامة التي قال بها القرآن الكريم) عند أهل الله... الخ، للمزيد: دروس السيد كمال الحيدري، شرح فصوص الحكم للقيصري، ص56 وما قبلها وما بعدها.
(3) العهد الجديد، سفر الرؤيا (رؤيا يوحنا اللاهوتي)، الإصحاح 19، الفقرة 11، الكتاب المقدّس باللغة العربية 73 سفراً، مصر.
فمن هو الصادقُ الأمين الراكب على الفرس الأبيض؟، هل هو يسوع المسيح؟، إنّ الكلامَ عن المسيح يسبقُ هذا المقطع، ثم إنَّ يسوع (ع) يُسمّى أحياناً باسمه وأحياناً بابن الإنسان، فيبقى أن يكون النبيُّ محمد (ص) أو المهدي(ع).
ولما كانت الآثار الإسلامية لاتتحدَّث عن قدوم للرسول (ص) وبهذا الشكل، لاعندما جاء أولاً ولا في آخر الزمان، فيبقى أنهُ المهدي (ع) لتطابق هذه الأوصاف مع بعض مايرد في المصادر الإسلامية.(1)
ويكون كلُّ ذلك قبيل الظهور المبارك ويعمُّ جميعَ الموحدين في العالم(2) ، بسبب تسلّط مؤسسات الكفر والجور والظلم العالمية، وطول مدّة الإنتظار المؤلم لمنقذ العالم التي يملُّهاُ الكثيرون بسبب ضعف إيمانهم ووهن عقيدتهم. ولكنَّ الله سبحانه وتعالى تكفَّلَ بلطفهِ وكرمه بتسديد المؤمنين وتثبيتهم على على طريق الحقّ الذي رسمهُ لهم، وذلك في قوله تبارك وتعالى:( يُثَبِّتُ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّـهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّـهُ مَا يَشَاءُ ) (3) .
____________________
(1) المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص 61-62، بإيجاز وتصرّثف.
(2) انظر: المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص 141-143.
(3) سورة ابراهيم: آية 27.
فقد جاء في كمال الدين وتمام النعمة: قال حمّاد بن زياد: سألت موسى بن جعفر: يابن رسول الله! أويكون في الائمة من يغيب؟ قال: نعم، يغيب عن ابصار الناس شخصه، ولا يغيب عن قلوب المؤمنين ذكره، وهو الثاني عشر، يسهّل الله له كل عسير... الى ان يقول (عليه السلام):«وله غيبةٌ يطول أمدها خوفاً على نفسه، يرتدُّ فيها أقوام ويثبت آخرون،فطوبى لشيعتنا المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا والبرائة من اعدائنا، أولئك منا و نحن منهم، فقد رضوا بنا أئمة ورضينا بهم شيعة، فطوبى لهم ثم طوبى لهم، هم والله معنا في درجتنا» (1) .
أقول: ومن اكبر الامتحانات غبيبة الحجة، ليميز الخببيث من الطيّب، والمؤمن من المنافق، والمخلص من المرتاب، فعلى هذا لا يظهر حتى يتميّزوا كما في الخبر:(لا والله لا يأتيكم إلاّ بعد اليأس، ولا والله لا يأتيكم حتى تتميّزوا ولا والله لا يأتيكم حتى تمحّصوا، ولا والله لا يأتيكم حتى يشقى من شقي ويسعد من سعد.) (2) وقوله:(لايأتيكم إلاّ بعد اليأس ) ، يعني بعد أن ينتظره المنتظر حتى ييأس...(3) .
وفي هذه الايام، فان الامتحان يعسرُ شيئاً فشيئاً، وتضيق الحلقة على المؤمنين والموحدين في كل الدنيا، جرّاءَ الهجمة الشرسة لاقطاب الاستكبار والكفر العالمي، وما زالوا يحشّدونَ العُدَّةِ والعدد، ويرصّونَ
____________________
(1) كمال الدين وتمام النعمة، ص 368. كفاية الأثر، ص27. بحار الأنوار، ج 51 ص 150.
(2) غيبة النعماني، ص208-209. الكافي، ج 1، ص 330 و 331.
(3) نور الأبصار: ص350ـ 354.
الصفوفَ، ويبذلون الأموال الطائلة، ويخطِّطونَ ليلَ نهار، لإحكام القبضةِ على العالم كما يزعمون، لذا فانّ الاختبارات القادمة والفتن الآتية ستكون أشدّ وطئةً واقوى من سابقتها، وستكون النجاة لمن إتّقى، وتمسّك بالعروة الوثقى وحبلَ الله المتين، وسيكون المدُّ والتسديد الإلهي بأروع صوره.
في سفر إشعياء (ع): أنَّ المؤمنين يتضرَّرون قبل مجيء يوم الله الأعظم، ويكونون جرّاء الضيق والشدَّة كالمرأة الحامل التي تتلوّى من ألم المخاض:
(16 يا رب في الضيق طلبوك سكبوا مخافتة عند تاديبك اياهم* 17 كما ان الحبلى التي تقارب الولادة تتلوى و تصرخ في مخاضها هكذا كنا قدامك يا رب* 18 حبلنا تلوينا كاننا ولدنا ريحا لم نصنع خلاصاً في الارض...
20 هلم يا شعبي ادخل مخادعك و اغلق ابوابك خلفك اختبئ نحو لحيظة حتى يعبر الغضب* 21 لانه هُوَ ذا الرب يخرج من مكانه ليعاقب إثمَسُكان الارض فيهم فتكشف الارض دماءها و لا تغطي قتلاها في ما بعد*).(1)
____________________
(1) العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح 26، الفقرات 2-18 و 20-21، الكتاب المقدّس باللغة العربية 73 سفراً، مصر. سفر أشعيا 26: 2-18 و 20-21،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 938-939.
لقد أثنى الله تباركَ وتعالى على وليِّهِ وخليفتهِ (منقذ العالم) وذكرهُ بأسماءٍ وصفاتٍ ونعوتٍ تبيِّنُ مقامَهُ ومَنزلتهُ عندَ ربِّهِ عزَّ وجلَّ، وتحكي تلكَ المهمَّة العظمى الملقات على عاتقهِ (عليه الصلاةُ والسلام) والمدَّخر أساساً لأجلها، وجاء ذلكَ في الكتب السماوية المقدَّسة وصحف الأنبياء والروايات الشريفة المباركة على حدٍّ سواء، وبلغَ ذلكَ من الكثرة والسعةِ مالا نستطيع الوقوف عليهِ هنا ولكن نذكرُ شيئاً منها على نحو الإختصارِ والإجمال، حيث نبدأُ اولاً: بأوصافهِ في القرآن والروايات، وثانياً: بأوصافهِ في العهدين.
في قوله تعالى:( اللَّـهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّـهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّـهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (1) .
أن المهدي عليه السلام هو الكوكب الدري في الآية. فعن (أمير المؤمنين عليه السلام):
____________________
(1) سورة النور: آية 35.
النور: القرآن، والنور اسم من أسماء الله تعالى، والنور النورية، والنور ضوء القمر، والنور ضوء المؤمن وهو الموالاة التي يلبس لها نورا يوم القيامة والنور في مواضع من التوراة والإنجيل والقرآن حجة الله على عباده، وهو المعصوم... فقال تعالى:( وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) فالنور في هذا الموضع هو القرآن، ومثله في سورة التغابن قوله تعالى:( فَآمِنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا ) يعني سبحانه القرآن وجميع الأوصياء المعصومين، من حملة كتاب الله تعالى، وخزانه، وتراجمته، الذين نعتهم الله في كتابه فقال:( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّـهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ) فهم المنعوتون الذين أنار الله بهم البلاد، وهدى بهم العباد، قال الله تعالى في سورة النور:( اللَّـهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ) إلى آخر الآية، فالمشكاة رسول الله صلى الله عليه وآله والمصباح الوصي، والأوصياء عليهم السلام والزجاجة فاطمة، والشجرة المباركة رسول الله صلى الله عليه وآله والكوكب الدري القائم المنتظر عليه السلام الذي يملأ الأرض عدلا).(1)
____________________
(1) المحكم والمتشابه، ص 112، عن تفسير النعماني.وعنه البحار، ج 93 ص 3. معجم أحاديث الإمام المهدي (ع)، ج 5، ص 274-275. بحار الأنوار، ج90 ص 21.
في قوله تعالى:( قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ ) (1) .
- (عن الإمام الصادق (ع) في قوله الله: قالَ لو أنَّ لي بكم قوَّةً أو آوي الى ركنٍ شديد: قال قوَّة القائم والركن الشديد: الثلاث مئة وثلاثة عشر أصحابه).(2)
في قوله تعالى:( بَقِيَّتُ اللَّـهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) (3) .
روى محمد بن يحيى، عن جعفر بن محمد قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم الدينوري عن عمر بن زاهر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأله رجل عن القائم يسلم عليه بإمرة المؤمنين؟ قال: لا ذاك اسم سمى الله به أمير المؤمنين عليه السلام، لم يسم به أحد قبله ولا يتسمى به بعده إلا كافر، قلت جعلت فداك كيف يسلم عليه؟ قال: يقولون: السلام عليك يا بقية الله، ثم قرأ:( بَقِيَّتُ اللَّـهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) (4) .
____________________
(1) سورة هود: آية 80.
(2) تفسير العياشي، ج2 ص 156. تفسير القمي، ج1ص 335. البحار، ج 12ص158 وص170. اثبات الهداة، ج3 ص 551.
(3) سورة هود: آية 86.
(4) الكافي، ج1 ص 411. تفسير فرات الكوفي، ص 193.
في قوله تعالى:( فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَىٰ ) (1) .
روى (محمد بن العباس عن محمد بن همام عن محمد بن إسماعيل العلوي عن عيسى بن داود عن موسى بن جعفر عن أبيه عليه السلام في قول الله عز وجل:( فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَىٰ ) قال: الصراط السوي هو القائم عليه السلام، والهدى من اهتدى إلى طاعته، ومثلها في كتاب الله عز وجل:( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ ) (2) قال: إلى ولايتنا)(3) .
في قولهِ تعالى:( وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ) (4) .
عن ابن بكير قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن قوله:( وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ) قال: (أنزلت في القائم عليه السلام إذا خرج (أمرَ) باليهود و النصارى والصابئين والزنادقة وأهل الردة والكفار في شرق الأرض وغربها، فعرض عليهم الاسلام فمن أسلم
____________________
(1) سورة طه:آية 135.
(2) سورة طه: آية 82.
(3) كنز الفوائد: 162. بحار الأنوار، ج 24، ص 150.
(4) سورة آل عمران:آية 83.
طوعا أمره بالصلاة والزكاة وما يؤمر به المسلم ويجب لله عليه، ومن لم يسلم ضرب عنقه حتى لا يبقى في المشارق والمغارب ‹ صفحة 184 › أحد الا وحد الله، قلت له: جعلت فداك ان الخلق أكثر من ذلك؟ فقال: ان الله إذا أراد امرا قلل الكثير وكثر القليل)(1) .
في قوله تعالى:( الم ﴿1﴾ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿2﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) .(3)
في كمال الدين: (حدثنا علي بن أحمد بن موسي - رحمه الله - قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي قال: حدثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد، عن علي بن أبي حمزة عن يحيى بن أبي القاسم قال: سألت الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام عن قول الله عزو جل:( الم ﴿1﴾ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿2﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) فقال: المتقون شيعة علي عليه السلام والغيب فهو الحجة الغائب. وشاهد ذلك قول الله عزو جل:( وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّـهِ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ ) (4) فأخبر (عزّو جلّ)
____________________
(1) تفسير العياشي، ج 1، ص 183-184. البحار ج 13 ص188. اثبات الهداة ج 7 ص 96. البرهان ج 1 ص 296. الصافي ج1 ص276.
(2) أي هو المصداق الأكمل للغيب، وآية من آيات الله الكبرى.
(3) سورة البقرة: 1-3
(4) سورة يونس: آية 20.
أن الآية هي الغيب، والغيب هو الحجة، وتصديق ذلك قول الله (عزو جل):( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) (1) يعني حجة)(2) .
وفي كمال الدين وتمام النعمة أيضاً: (حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل - رحمه الله - قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، عن عمر بن عبد العزيز، عن غير واحد، عن داود ابن كثير الرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل:( هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿2﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) قال: من أقر بقيام القائم عليه السلام أنه حق)(3) .
- (عن حذيفة بن اليمان، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: المهدي من ولدي وجهه كالقمر الدري اللون لون عربي الجسم جسم إسرائيلي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا يرضى بخلافته أهل السماوات وأهل الأرض والطير في الجو يملك عشرين سنة)(4) .
- (عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام - وهو على المنبر -: يخرج رجل من ولدي في
____________________
(1) سورة المؤمنون: آية 50.
(2) كمال الدين وتمام النعمة، ص 17-18.
(3) كمال الدين وتمام النعمة، ص 17.
(4) بحار الأنوار، ج 51، ص 91.
آخر الزمان أبيض اللون، مشرب بالحمرة، مبدح البطن(1) عريض الفخذين، عظيم مشاش المنكبين(2) بظهره شامتان: شامة على لون جلده(3) وشامة على شبه شامة النبي صلى الله عليه وآله، له اسمان: اسم يخفى واسم يعلن، فأما الذي يخفى فأحمد وأما الذي يعلن فمحمد، إذا هز رايته أضاء لها ما بين المشرق والمغرب، و وضع يده على رؤوس العباد فلا يبقى مؤمن إلا صار قلبه أشد من زبر الحديد، و أعطاه الله تعالى قوة أربعين رجلا، ولا يبقى ميت إلا دخلت عليه الفرحة (في قلبه) وهو في قبره، وهم يتزاورون في قبورهم، ويتباشرون بقيام القائم صلوات الله عليه)(4) .
- (عن جابر بن عبد الله، عن النبيِّ (ص): الجنَّةُ تشتاقُ الى أربعةٍ من أهلي، قد أحبَّهم اللهُ وأمرني بحبّهم:عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين والمهدي الذي يصلّي خلفهُ عيسى بن مريم)(5) .
____________________
(1) مبدح البطن أي واسعه وعريضه-والبداح: المتسع من الأرض. والبدح-بالكسر -: الفضاء الواسع وامرأة بيدح أي بادن. والأبدح: الرجل الطويل (السمين والعريض الجنين من الدواب (القاموس).
(2) مشاش: جمع المشاشة-بالضم-وهي رأس العظم الممكن المضغ.
(3) الشامة علامة تخالف البدن الذي هي فيه اما باللون أو التورم، وهي الخال.
(4) كمال الدين وتمام النعمة، ص 653.
(5) كشف اليقين، ص117. كشف الغمة، ج1ص52. المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي، ص274.
- (عن سليمان بن هلال قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن الحسين بن علي عليهم السلام قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: يا أمير المؤمنين نبئنا بمهديكم هذا؟ فقال: إذا درج الدارجون، وقل المؤمنون، وذهب المجلبون، فهناك، فقال: يا أمير المؤمنين عليك السلام ممن الرجل؟ فقال: من بني هاشم من ذروة طود العرب وبحر مغيضها إذا وردت، ومجفو أهلها إذا أتت، ومعدن صفوتها إذا اكتدرت لا يجبن إذا المنايا هلعت، ولا يحور إذا المؤمنون اكتنفت ولا ينكل إذا الكماة اصطرعت مشمر مغلولب طفر ضرغامة حصد مخدش ذكر سيف من سيوف الله رأس قثم نشق رأسه في باذخ السؤدد، وغارز مجده في أكرم المحتد، فلا يصرفنك عن تبعته صارف عارض ينوص إلى الفتنة كل مناص إن قال فشر قائل وإن سكت فذو دعاير.
ثم رجع إلى صفة المهدي عليه السلام فقال: أوسعكم كهفاً، وأكثركم علماً وأوصلكم رحماً اللهم فاجعل بيعته خروجاً من الغمة واجمع به شمل الأمة فأنى جاز لك فاعزم ولا تنثن عنه إن وفقت له ولا تجيزن عنه إن هديت إليه هاه وأومأ بيده إلى صدره شوقاً إلى رؤيته)(1) .
- (عن الإمام الصادق (ع) قال: المهدي محبوبٌ في الخلائق يُطفيء الله بهِ الفتنة الصمّاء)(2) .
____________________
(1) الغيبة، النعماني، ص 212. اثبات الهداة، ج3 ص 537. بحار الأنوار، ج 51، ص 115.
(2) بشارة الإسلام، ص185.
ذكرت الكتب المقدّسة أوصافاً تدلُّ دلالةً مباشرة على رجل الله الموعود المنقذ للعالم وفيا يلي نذكرُ جانباً منها، فيما يتعلَّقُ بعلمهِ و شدتهِ في الله وقوّته الربانية وجمالُ منقذ العالم ظاهراً وباطناً، وكونه عبدُ الله المختار والمسدَّد بروحه... مراعين في ذلك الإختصار:
إنَّ (معرفة منقذ البشرية بجميع العلوم والقوانين والمصالح الإنسانية)(1) أمرٌ لابّدَّ منهُ، لكي يتمكَّن من إدارة العالم إدارةً ربانيةً بأكمل وأحسن صورة، لذا فقد طفحت الكتب المقدسة بذلك.ٍ
في سفر أشعيا:
(2) ويحل عليه روح الرب، وروح الحكمة والفهم، وروح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب. (3) ولذته في مخافة الرب، لا يقضي بحسب مرأى عينيه، ولا بحسب مسمع اذنيه).(2)
إنَّ (وجوب قدرة المصلح العالمي)(3) نستطيع إدراكهُ بالوجدان، لكي يتسنّى له أن يحقَّ الحقَّ ويحييه ويميت الباطل ويدحضهُ، لذلكَ يُعزِّزهُ الله تبارك وتعالى بالإمداد الغيبي والخوف والرعب والملائكة والجن
____________________
(1) المصلح الغيبي والحكومة العالمية الواحدة، ص 30-31.
(2) سفر أشعيا 11: 2، 3:ألأصل العبرى،العهد القديم، ص625.
انظر: العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح 11، الفقرات، 2،3، الكتاب المقدّس باللغة العربية 73 سفراً، مصر. (أهل البيت فى الكتاب المقدس) ص123-127.
(3) المصلح الغيبي والحكومة العالمية الواحدة، ص 32-33.
(4) انظر: جولةٌ في حكومة الإمام المهدي (ع)، ص 201 وما بعدها.
(5) سفر أشعيا 11: 4:ألأصل العبرى،العهد القديم، ص625.انظر: العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح 11، الفقرة: 4، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. (أهل البيت فى الكتاب المقدس) ص123-127.
والمؤمنين...(1) ويقوّي بذلك سلطانه ودولته الإلهية الكبرى:
في سفر أشعيا:
(4 ويحكم بالانصاف لبائسي الارض، ويضرب الارض بقضيب فمه،ويميت المنافق بنفخة شفتيه ).(2)
وفي سفر الرؤيا:
(12) و عيناهُ كلهيب نارٍ و على راسه تيجانٌ كثيرةٌ و لهُ اسمٌ مكتوبٌ ليسَ احد يعرفه الا هو. (13)و هو متسربل بثوب مغموس بدم و يدعى اسمه كلمة الله.(14) والاجناد الذين في السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض لابسين بزا ابيض ونقيا. (15) و من فمه يخرجُ سيفٌ ماضٍ لكي يضرب به الامم و هو سيرعاهم بعصَاً من حديد و هو يدوس معصرة خمر سخط و غضب الله القادر على كل شيء. (16) وله على ثوبه و على فخذه اسم مكتوب ملك الملوك و رب الارباب. (17) و رايتُ ملاكاً واحداً واقفاً في الشمس فصرخ بصوت عظيم قائلاً لجميع الطيور الطائرة في وسط السماء: هلم اجتمعي الى عشاء الاله العظيم. (18) لكي تاكلي لحومَ ملوكٍ و لحومَ قوادٍ و لحومَ اقوياءٍ و لحومَ خيلٍ و الجالسين عليها و لحوم الكل حراً و عبداً صغيراً و كبيراً. (19) و رايت الوحش و ملوك الارض و اجنادهم مجتمعين ليصنعوا حرباً مع الجالس على الفرس و مع جنده.
____________________
(1) انظر: جولةٌ في حكومة الإمام المهدي (ع)، ص 201 وما بعدها.
(2) سفر أشعيا 11: 4:ألأصل العبرى،العهد القديم، ص625.انظر: العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح 11، الفقرة: 4، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. (أهل البيت فى الكتاب المقدس) ص123-127.
(20) فقبض على الوحش و النبي الكذاب معه الصانع قدامه الايات التي بها اضل الذين قبلوا سمة الوحش و الذين سجدوا لصورته و طرح الاثنان حيين الى بحيرة النار المتقدة بالكبريت. (21) و الباقون قتلوا بسيف الجالس على الفرس الخارج من فمه و جميع الطيور شبعت من لحومهم(1) .
وفي سفر حبقوق النبيّ (ع):
(5) قدام وجهه يسيرُ الوباء ووراء قدميه الموت (6) يقفُ فتهتزُّ الأرضُ، وينظرُ فترتعدُ الاممُ.تَتَحطَّمُ جبال الدهر و تنخسفُ تلالُ الأزَل، حيثٌ سارَ في قديم الزمن (7) رايتُ البلاءَ في خيام كوشَ ولإضطرابَ في مساكن مديان (8) أعَلى الانهار يتَّحدُ غَضَبُك؟...(2)
فأما جمالهُ الظاهري فهو أكملُ الناس خَلقاً وخُلُقاً ومنطقاً فيتجلّى فيه نورُ الله للخلق كافةً، وأما الباطني فهو معصومٌ(3) لايتسرَّبُ اليه الرجسُ بكلّ أبعاده ولو حتى يسير الشكّ منهُ، لذا فهو ورقةٌ بيضاء لم يُكتب فيها سوى اسم الله تباركَ وتعالى.
في سفر حبقوق النبيّ:
(4 يجيءُ كلمعان البرق ومن يده يسطعُ النورُ وفيها تستترُ عزَّتُهُ...)(4) .
____________________
(1) سفر الرؤيا، 19: 12-21،العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 415.
(2) سفر حبقوق، 3: 5-8،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس،ص 1224. انظر: العهد القديم، سفر حبقوق النبيّ، الإصحاح 3، الفقرات، 5، 8، الكتاب المقدّس باللغة العربية 73 سفراً، مصر. مع بعض الفروقات في الترجمة.
(3) المصلح الغيبي والحكومة العالمية الواحدة، ص 34- 35، موضوع: عصمة منقذ البشرية.
(4) سفر حبقوق، 3: 4،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس،ص 1224. انظر: العهد القديم، سفر حبقوق النبيّ، الإصحاح 3، الفقرة، 4، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر.
فقد جاءَ هذا، وجملةٌ من أوصافه الشريفة المهمة في سفر أشعيا النبيّ (ع):
(1)هوَ ذا عبدي الذي أَعضدهُ، مختاري الذي سُرَّت به نفسي! وَضَعتُ روحي عليه، فيخرج الحق للامم(2) لا يَصيحُ و لا يَرفعُ(1) و لا يُسمَعُ في الشارع صوتَهُ(3) قصبة مرضوضة لا يقصف و فتيلة خامدة لا يطفئ الى الامان يخرج الحق (4) لا يكل و لا ينكسر حتى يضع الحق في الارض و تنتظر الجزائر شريعته (5) هكذا يقول الله الرب خالق السماوات و ناشرها باسط الارض و نتائجها معطي الشعب عليها نسمة و الساكنين فيها روحا (6) انا الرب قد دعوتك بالبر فامسك بيدك و احفظك و اجعلك عهدا للشعب و نورا للامم (7) لتفتح عيون العمي لتخرج من الحبس الماسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة (8) انا الرب هذا اسمي و مجدي لا اعطيه لاخر و لا تسبيحي للمنحوتات (9) هوذا الاوليات قد اتت و الحديثات انا مخبر بها قبل ان تنبت اعلمكم بها (10) غنوا للرب اغنية جديدة تسبيحه من اقصى الارض ايها المنحدرون في البحر و ملؤه و الجزائر و سكانها (11) لترفع البرية ومدنها صوتها الديار التي سكنها قيدار لتترنم سكان سالع من رؤوس الجبال ليهتفوا (12) ليعطوا الرب مجدا و يخبروا بتسبيحه في الجزائر (13) الرب كالجبار يخرج كرجل حروب ينهض غيرته يهتف و يصرخ و يقوى
____________________
(1) كلمة (صوتهُ) سقطت من هذا المصدر، وهي مثبةٌ في غيره.
على اعدائه (14) قد صمت منذ الدهر سكت تجلدت كالوالدة اصيح انفخ و انخر معا (15) اخرب الجبال و الاكام و اجفف كل عشبها و اجعل الانهار يبسا و انشف الاجام (16) واسير العمي في طريق لم يعرفوها في مسالك لم يدروها امشيهم اجعل الظلمة امامهم نورا و المعوجات مستقيمة هذه الامور افعلها و لا اتركهم (17) قد ارتدوا الى الوراء يخزى خزيا المتكلون على المنحوتات القائلون للمسبوكات انتن الهتنا (18) ايها الصم اسمعوا ايها العمي انظروا لتبصروا (19) من هو اعمى الا عبدي و اصم كرسولي الذي ارسله من هو اعمى كالكامل و اعمى كعبد الرب (20) ناظر كثيرا و لا تلاحظ مفتوح الاذنين و لا يسمع(21) الرب قد سر من اجل بره يعظم الشريعة و يكرمها (22) و لكنه شعب منهوب و مسلوب قد اصطيد في الحفر كله و في بيوت الحبوس اختباوا صاروا نهبا و لا منقذ و سلبا و ليس من يقول رد (23) من منكم يسمع هذا يصغى و يسمع لما بعد (24) من دفع يعقوب الى السلب و اسرائيل الى الناهبين اليس الرب الذي اخطانا اليه و لم يشاءوا ان يسلكوا في طرقه و لم يسمعوا لشريعته (25) فسكب عليه حمو غضبه و شدة الحرب فاوقدته من كل ناحية و لم يعرف و احرقته و لم يضع في قلبه.(1)
____________________
(1) سفر إشعياء، الإصحاح 42، الفقرة:1-25، العهد القديم، الكتاب المقدّس باللغة العربية 73 سفراً، مصر. سفر أشعيا 42: 1-25،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 961. مع فرقٍ يسير بين الترجمات.
إنَّ للحكومة الالهيَّة المقدَّسة ودولة العدل الإلهي المباركة المنتظرة في آخر الزمان ذكراً جميلاً واسعاً ووصفاً مميَّزاً يليق بها وبما ادَّخرهُ الله لها باعتبارها واحدة من غايات الكمال المنشودة التي يصلُ اليها البشر بلطفهِ ومنِّهِ وفضله تعالى وببركة وليّهِ وحبيبهِ الموعود والمعهود، ونذكرُ منها على نحو الإختصار:
عن الباقر (ع): في قوله تعالى:( اعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) (1) ، قال: يحييها اللهُ بالقائم فيعدل فيها، فيحيي الأرض بالعدل بعدَ موتها بالظلم).(2)
وعن الإمام الباقر (ع): في قوله تعالى:( الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ) (3) ، قال: نزلت في المهدي وأصحابه... ويظهر الله بهم الدين حتى لايرى أثر من الظلم والبدع...).(4)
____________________
(1) سورة الحديد: 17.
(2) كمال الدين وتمام النعمة، ص 668. المحجة، ص 429. نور الثقلين، ج5 ص 242. ينابيع المودة، ص 429. بحار الأنوار، ج 51، ص 54. للمزيد انظر: جولةٌ في حكومة الإمام المهدي(ع)، ص 202 وما بعدها.
(3) سورة الحج: آية 41.
(4) تفسير القمي: ج2 ص 87. المحجة، ص 143. إحقاق الحق، ج13، ص 341.
وعن الإمام الرضا (ع): (فإذا خرجَ (ع)... ووضعَ ميزان العدلِ بين الناسِ فلا يظلمُ أحدٌ أحداً).(1)
وروى علي بن عقبة عن ابي عبد الله(ع) قال:
« اذا قام القائم (ع) حكم بالعدل وارتفع في ايامه الجور، وأمنت به السبل،واخرجت الارض بركاتها، ورد كل حق الى اهله، ولم يبق اهل دين حتى يظهروا الاسلام ويعترفوا بالايمان، اما سمعت الله عزوجل يقول:( وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) (2) ، وحكم في الناس بحكم داودوحكم محمد صلّى الله عليهما فيحنئذٍ تظهر الارض كنوزها وتبدي بركاتها، فلايجد الرجل منكم يومئذٍ موضعاً لصدقته ولا لبرّة، لشمول الغنى جميع المؤمنين.
ثم قال: إن دولتنا آخر الدول، ولم يبق اهل بيت لهم دولة إلاّ ملكوا قبلنا لئلاّ يقولوا إذا رأوا سيرتنا اذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله عزوجل:( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) .(3)
ورد التأكيد على هذا المعنى في (سفر زكريا): (ابتهجي كثيراً يا بنت
____________________
(1) كمال الدين، ص 372. كفاية الأثر، ص270. اعلام الورى، ص 408. بحار الأنوار، ج 52 ص321. غاية المرام، ص 696.
(2) آل عمران: 83.
(3) كشف الغمه: ج2ص966. الإرشاد، ص 364. روضة الواعظين، ج2 ص265. إعلام الورى، ص432.
صهيون هو ذا ملك سيأتي اليك عادل ومنصور).(1)
وجاء في سفر اشعيا:
(3 ولذته في مخافة الرب، لا يقضي بحسب مرأى عينيه، ولا بحسب مسمع اذنيه. 4 ويحكم بالانصاف لبائسي الارض، ويضرب الارض بقضيب فمه، ويميت المنافق بنفخة شفتيه).(2)
وقد بشّر إشعيا (ع) بعدله وملكه وكذلك بعموم الرجعة التي تبدأ به وبمن يأتي خلفه من أولياء الله عزّ وجلّ وكما يلي:
(1 سيأتي ملكٌ يملك بالحقّ، وحكّامٌ يحكمون بالعدل 2 ويكون كلّ واحد كمخبأ من الريح وكسدٍّ يقي من السيل، كسواقي ماءٍ في أرض قاحلة وكظلّ صخر عظيم في قفر 3 فلا تنكسف عيون الناظرين، وآذان السامعين تصغي 4 قلوب المتسرّعين تلزم الرّصانة، وألسنة المتلعثمين تنطلق بفصاحة.(3)
وجاء في سفر الرؤيا:
(11ثم رايتُ السماءَ مفتوحةٌ و اذا فرسٌ ابيضٌ و الجالسُ عليه يُدعى اميناً و صادقاً و بالعدل يحكم و يحارب).(4)
____________________
(1) سفر زكريا 9: 9، ألأصل العبرى، العهد القديم، ص134. العهد القديم، سفر زكريا، الإصحاح 9، الفقرة 9، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر: حيث جاء النص كالآتي:
(9 ابتهجي جداً يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت اورشليم هوذا ملكك ياتي اليك هو عادل و منصور وديع...) الخ..للإطلاع على النصين العبري والعربي، انظر: (أهل البيت فى الكتاب المقدس) ص122ـ 123. وللوقوف على جمال النص وتمامه، انظر: سفر زكريا 9: 9، العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 1239. مع فرقٍ يسير في الترجمة.
(2) سفر أشعيا 11: 3، 4:ألأصل العبرى،العهد القديم، ص625. انظر: العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح 11، الفقرات، 3، 4، الكتاب المقدّس باللغة العربية 73 سفراً، مصر. (أهل البيت فى الكتاب المقدس) ص123-127. سفر أشعيا 11: 3، 4،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 924. مع فرقٍ يسير في الترجمة.
(3) سفر أشعيا 32: 1-4، العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 946.انظر: العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح 32، الفقرات، 1-4، الكتاب المقدّس باللغة العربية 73 سفراً، مصر.
(4) سفر الرؤيا، 19: 11،العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 415.
هو المنتصر من الظالمين، في قوله تعالى:( وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ ) (1) .
أ: عن جابر، عن أبي جعفر (ع) في قولهِ:( وَلَمَنِ انتَـصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ ) : قال:(القائم وأصحابه، قال الله: ( فَأُولَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ) : القائم إذا قامَ انتصرَ من بني أُميَّة والمكذبين والنصاب وهو قولهُ: ( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) )(2) .
ب: وهو وعدُ الآخرة لليهود، في قوله تعالى:( إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) (3) .
حيث جاء في تفسير القمي:( إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ ) : يعني القائم صلوات الله عليه وأصحابه(4) .
____________________
(1) سورة الشورى: آية 41.
(2) تفسير فرات الكوفي، ص 150. ومثله في تفسير القمي،ج2 ص278، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر(ع). تأويل الآيات، ج2 ص 549.
(3) سورة الإسراء: آية 7.
(4) تفسير القمي، ج2 ص14.وعنهُ البرهان، ج2ص409. والبحار، ج51 ص45.
ج: وهو وأصحابهُ المظلومون الذين ينصرهم الله تعالى النصرَ الموعود على الظالمين، وذلك في قوله تعالى:( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) (1) .
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع) في قول الله عزَّ وجلَّ:( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) : قال: (هي في القائم(ع) وأصحابه)(2) .
ارميا يبشّر بانتقام المصلح من أعداء الله:
فقد جاء في (سفر ارميا): ان التوراة قد اخبرت بانتقام صاحب الزمان (عج ) من قتلة الحسين سيد الشهداء عليه السلام، حيث قالت:
«... يقول الرب.
6 الخفيف لا ينوص والبطل لا ينجو. في الشمال بجانب نهر الفرات عثروا وسقطوا. من هذا الصاعد كالنيل، كانهار تتلاطم امواجها... »
الى ان تقول:
« 10 فهذا اليوم للسيد ربّ الجنود يوم نقمة، للانتقام من مبغضيه، فيأكل السيف ويشبع ويرتوي من دمهم ».
ثم تذكر التوراة ان السبب في هذا الانتقام من الاعداء هو ما يلي: (ان
____________________
(1) سورة الحج: آية 39.
(2) غيبة النعماني، 241. وعنه البحار، ج51 ص 58. والمحجة، 142.
للسيّد ربّ الجنود ذبيحة في ارض الشمال عند نهر الفرات) (1)
وممن ذكر هذا النص أيضاً كأحد ادلّة التوراة على خروج صاحب الزمان، وقتل اعداء الله صاحب كتاب: (البحث عن الحقيقة )، ص 49، باللغة الانجليزية(2) ، ولأهمية هذا النص لذا سنورد فقراته مع شيء من التحليل في موضوع (قواعد و متبنّيات ثورة المنقذ في العهدين).
وجاء في سفر زكريا:
في باب (الملك العتيد)، في بشارته بالمخلّص الوديع والعادل عن طريق الوحي وكيفيّة نُصرة الله لهُ:
(...سأقضي على مركبات الحرب في أفرايمَ، والخيل وأقواس القتال في أورشليم،...).(3)
في قوله تعالى:( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّـهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّـهُ مُتِمُّ نُورِهِ ) (4) ؟ قال: بالقائم من آل محمد عليهم السلام حتى إذا خرج يظهره الله على الدين كله حتى لآيُعبَدُ غيرُ الله، وهو قولهُ (ص): يملأُ الأرضَ
____________________
(1) سفر ارميا 46: 6، 10، العهد القديم. الكتاب المقدس باللغة العربية، العهد القديم، سفر ارميا تحت رقم 28، الإصحاح 46: الفقرات 6، 10، مصر. الكتاب المقدس تحت المجهر: ص155. سفر إرميا 46: 6، 10،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 1060. مع فرقٍ يسير بين عبارات المترجمين.
(2) الكتاب المقدس تحت المجهر: ص155 بإيجاز وتصرف.
(3) سفر زكريا 9: 9، ألأصل العبرى، العهد القديم، ص134. العهد القديم، سفر زكريا، الإصحاح 9، الفقرة 9، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. وللوقوف على جمال النص وتمامه، انظر: سفر زكريا 9: 9، العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 1239. مع فرقٍ يسير في الترجمة.
(4) سورة الصف: آية 8.
قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(1) .
في قوله تعالى:( حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ) (2) .
جاء في كتاب الكافي:(علي، عن أبيه والقاساني جميعاً، عن الاصفهاني، عن المنقري، عن فضيل بن عياض، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله بخمسة أسياف: ثلاثة منها شاهرة فلا تغمد حتى تضع الحرب أوزارها، ولن تضيع الحرب أوزارها حتى تطلع الشمس من مغربها(3) ، فإذا طلعت الشمس من مغربها أمن الناس كلهم في ذلك اليوم، فيؤمئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً)(4) .
وفي سنن البيهقي:
(أخبرنا) أبو عبد الله الحافظ، أخبرني عبد الرحمن بن الحسن القاضي، ثنا إبراهيم بن الحسين، ثنا آدم بن أبي إياس، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله عز وجل:( حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ) : وذلك في زمن ظهور المهدي(ع)(5) .
____________________
(1) تفسير القمي، ج2 ص 365. البحا، ج 51 ص 49.ونحو ذلك في الكافي، ج1ص 432.
(2) سورة محمد: آية 4.
(3) كنايةٌ عن ظهور منقذ العالم.
(4) بحار الأنوار، ج 6، ص 312-313، عن الكافي.
(5) سنن البيهقي، ج 9 ص 180. بايجاز وتصرف. معجم أحاديث الإمام المهدي (ع)، ج 5، ص 149.
وذلك في قوله تعالى:( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) .(1)
وفي الدر المنثور، وقال: وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر والبيهقي في سننه، عن جابر رضي الله عنه في قوله:( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) : قال: لا يكون ذلك حتى لا يبقى يهودي ولا نصراني (ولا) صاحب ملة إلا الاسلام، حتى تأمن الشاة الذئب، والبقرة الأسد، والانسان الحية، وحتى لا تقرض فأرة جرابا وحتى توضع الجزية، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير وذلك إذا نزل عيسى بن مريم عليه السلام(2) .
جاء في سفر أشعيا:
(6 ويسكن الذئب والخروف، ويربض النمر مع الجدي، والعجل الشبل معاً، وصبي صغير يسوقها.
8 ويلعب الرضيع على سرب الصل، ويمد الفطيم يده على جحر الافعوان.
9 لا يسيئون ولا يفسدون في كل جبل قدسي، لان الارض تمتليء من معرفة الرب، كما تغطي المياه البحر).(3)
____________________
(1) سورة الصف: ألآية 9.
(2) الدر المنثور، ج 3 ص 231. معجم أحاديث الإمام المهدي (ع)، ج 5، ص 149.
(3) سفر أشعيا 11: 6، 8، 9:ألأصل العبرى، العهد القديم، ص625.العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح 11، الفقرات، 6، 8، 9، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. (أهل البيت فى الكتاب المقدس): ص123-127. سفر أشعيا 11: 6، 8، 9، العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 924. مع فرقٍ يسير في الترجمة.
وجاء في سفر زكريا، في باب(الملك العتيد) ، في بشارته بالمخلّص العادل والمنصور:
ها مَلكُك يأتيك عدلاً ومخلّصاً وديعاً... الى أن يقول:
فيتكلّم مَلكُك بالسَّلام للأُمم، ويكون سلطانهُ من البحر الى البحر
ومنَ النهر الى أقاصي الأرض.(4)
إنَّ في القرآن الكريم والروايات الشريفة المباركة مايقطعُ الشكَّ باليقين في مجال علم النبيّ الأكرم والأئمَّةِ من آلهِ الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) وبضمنهم خاتم الأوصياء والأئمة (منقذ العالم) وأن عندهم جميع علوم الملائكة والأنبياء، وأنهم أعطوا ما أعطاه الله الأنبياء، وأن كل إمام يعلم جميع علم الإمام الذي قبله، وأنَّهُ لا تبقى الأرض بغير عالم منهم، وأن عندهم كتب الأنبياء يقرؤونها على اختلاف لغاتها، وأنهم أعلم من الأنبياء السابقين (ع)، وأنَّهم يفيضون ذلك العلم الربَّاني على جميع العباد، وخاصَّةً في آخر الزمان فيكملون بهِ علوم وحلوم البشر...الخ(2) .
وقد عقدَ الكثيرُ من العلماء أبواباً مهمَّةً بهذا الصدد. وفي مايلي بعض الأدلَّةِ والشواهدٌ على صدقِ هذا المدّعى:
____________________
(1) سفر زكريا 9: 9، ألأصل العبرى، العهد القديم، ص134. العهد القديم، سفر زكريا، الإصحاح 9، الفقرة 9، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. للإطلاع على النصين العبري والعربي، انظر: (أهل البيت فى الكتاب المقدس) ص122ـ 123. وللوقوف على جمال النص وتمامه، انظر: سفر زكريا 9: 9،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 1239. مع فرقٍ يسير بين الترجمات.
(2) مستدرك سفينة البحار، ج 6،ص 199-200. بحار الأنوار، ج 26-ص 159.
أ: في قوله تعالى:( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) (1) .
- (... عن أبي عبيدة الحذاء قال: سألت أبا جعفر عليه السلام قلت: قوله:( إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ) ؟ قال: هم شيعتنا ولرحمته خلقهم وهو قوله:( وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ) يقول: لطاعة الامام، الرحمة التي يقول:( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) يقول: علم الإمام ووسع علمه الذي هو من علمه كل شئ هم شيعتنا، ثم قال:( فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) (2) يعني ولاية غير الامام وطاعته، ثم قال:( يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ ) يعني النبي صلى الله عليه وآله والوصي والقائم( يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ ) - إذا قام -( وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ ) (3) .
ب: في قوله تعالى:( تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ) (4) .
في بصائر الدرجات: إبراهيم بن هاشم عن عمرو بن عثمان الخزاز عن عبد الرحمان بن حماد عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى:( أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ) (5) فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله جذرها وأمير المؤمنين عليه السلام ذروها وفاطمة عليها السلام فرعها،
____________________
(1) سورة الأعراف: آية 156.
(2) سورة الأعراف: آية 155.
(3) الكافي، ج 1، ص 429.
(4) سورة ابراهيم: آية 25.
(5) سورة ابراهيم: آية 24.
والأئمة من ذريتها أغصانها، وعلم الأئمة ثمرها، وشيعتهم ورقها، فهل ترى فيهم فضلاً؟ فقلت: لا، فقال: والله إن المؤمن ليموت فتسقط ورقة من تلك الشجرة، وإنه ليولد فتورق ورقة فيها، فقلت: قوله:( تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ) فقال: ما يخرج إلى الناس من علم الإمام في كل حين يسأل عنه(1) .
ج: في قوله تعالى:( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (2) .
في معاني الأخبار: أحمد بن يحيى المكتب عن أحمد بن محمد الوراق عن علي بن هارون الحميري عن علي بن محمد بن سليمان عن أبيه عن علي بن يقطين عن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: والله أوتينا ما أوتي سليمان وما يؤت سليمان وما لم يؤت أحد من العالمين قال الله عز وجل في قصة سليمان:( هَـٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (3) ، وقال في قصة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم):( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (4) .
____________________
(1) بصائر الدرجات: ص18. بحار الأنوار، ج 24، ص 140-141.تفسير فرات: 79 و 80، فيه: النبي صلى الله عليه وآله جذرها، وأمير المؤمنين فرعها، والأئمة عليهم السلام من ذريتهما أغصانها.كمال الدين: 197 و 198، وفي كمال الدين وتمام النعمة، ص345: (... قلت: قوله عز وجل:( تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ) قال: ما يخرج من علم الإمام إليكم في كل سنة من حج وعمرة). تفسير العياشي، ج 2،ص224.
(2) سورة الحشر: آية 7.
(3) سورة ص:آية 39.
(4) معاني الأخبار، ص353.
بيان:
أي كما أنه تعالى فوض إلى سليمان العطاء من المال والمنع منه وأمر الخلق بتسليم ذلك له أعطى الرسول (صلى الله عليه وآله) وسلم أفضل من ذلك فقال: ما آتاكم الرسول من المال والعلم والحكم والامر فخذوا به وارضوا، وما نهاكم عنه من جميع ذلك فانتهوا فهذا أعظم من ذلك، وقد صرح بذلك في كثير من الاخبار.(1)
د: في قول أمير المؤمنين (ع): (أُوتينا فصلَ الخطاب).(2)
وهو في علم الإمام باللغات:
(أبو الصلت الهروي: كان الرضا (عليه السلام) يكلم الناس بلغاتهم، وكان والله أفصح الناس وأعلمهم بكل لسان ولغة، فقلت له يوما: يا بن رسول الله، إني لأعجب من معرفتك بهذه اللغات على اختلافها؟ فقال: يا أبا الصلت، أنا حجة الله على خلقه، وما كان الله ليتخذ حجة على قوم وهو لا يعرف لغاتهم، أوما بلغك قول أمير المؤمنين (عليه السلام):
(أوتينا فصل الخطاب)، فهل فصل الخطاب إلا معرفة اللغات؟.(3)
هـ: أنَّ فيهم روح القدس:
(الحسين بن محمد، عن المعلى بن محمد، عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن
____________________
(1) بحار الأنوار، ج 26-ص 159.
(2) الصدوق، عيون أخبار الرضا 1: 251.
(3) بحار الأنوار، ج60، ص186،ح 17. عيون أخبار الرضا (ع): ج2، ص 228، ح 3. ميزان الحكمة، ج 1، ص 168-169.
علم الإمام بما في أقطار الأرض وهو في بيته مرخى عليه ستره، فقال: يا مفضل إن الله تبارك وتعالى جعل في النبي (صلى الله عليه وآله) خمسة أرواح: روح الحياة فبه دب ودرج، وروح القوة فبه نهض وجاهد، وروح الشهوة فبه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال، وروح الإيمان فبه آمن وعدل، وروح القدس فبه حمل النبوة، فإذا قبض النبي (صلى الله عليه وآله) انتقل روح القدس فصار إلى الإمام، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو، والأربعة الأرواح تنام وتغفل وتزهو وتلهو، وروح القدس كان يرى به)(1) .
وعلى ماتقدَّم وهو غيضٌ من فيض، فانَّ التطوّر الثقافي والأخلاقي والعلمي والصناعي وفي مختلف الميادين سيكون هو السمةَ البارزةَ في عصرمنقذ العالم الموعود(2) وهو أمرٌ ضروري لمن يستطيع أن يديرَ العالم بأسرهِ إدارةً الهيَّةً حَقَّةً لاظلمَ ولاجورَ فيها وذلك بتسديد ومباركة الله عزَّ وجلَّ، لذلكَ ففي عصره تكتملُ العلومُ والحلوم وذلك لأنَّ منقذ العالم هو مصدرُ إفاضتها على الخلق، وكثيراً ماوردَ ذلك في الكتب المقدسة وبذلك جاءت الأخبار الشريفة المباركة وفيها ملا نستطيع الوقوف عليه في هذا البحث، ولكن نشيرُ اليها بالإجمال والإختصار:
فقد وردَ عن موسى بن عمر عن ابن محبوب عن صالح بن حمزة عن أبان عن أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق (ع) قال: (العلمُ سبعةٌ
____________________
(1) شرح أصول الكافي، ج 6، ص 72-73.
(2) للمزيد انظر: جولةٌ في حكومة الإمام المهدي (ع)، ص215-227.
وعشرون حرفاص فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين فإذا قام قائمنا أهل البيت أخرج الخمسة والعشرين حرفاً فبثَّها في الناس وضَمَّ اليها الحرفين حتى يبثُّها سبعةٌ وعشرين حرفاً).(1)
وعن أبي جعفر (ع): (إذا قام قائمنا وضعَ يَدَهُ على رؤوس العباد فَجَمَعَ بهِ عقولهم وأكملَ به أحلامَهُم).(2)
في سفر أشعيا (ع):
(9 لا يسيئون ولا يفسدون في كل جبل قدسي، لانَّ الارضَ تمتليءُ من معرفةِ الرب، كما تغطي المياه البحر).(3)
ومعلومٌ أنَّ عدمَ الإساءة والإفساد، والإمتلاء من معرفة الربِّ سبحانهُ وتعالى، كُلُّها إشاراتٌ واضحةٌ لذلكَ التطوّر العلمي والأخلاقي المشار اليه.
وهو مشروعٌ إنسانيٌّ ذو جذورٍ عميقة وموغلة في القدم(4) ، ولطالما حَلمَ به العلماءُ والفلاسفةُ والمفكرون على مدى مسيرة الحياة الطويلة، وقبل ذلك
____________________
(1) مختصر بصائر الدرجات، ص 117. الخرائج والجرائح، ج 2 ص 841. بحار الأنوار، ج 52، ص336... الخ.وانظر: الطُّورُ المهدوي، ص329. جولةٌ في حكومة الإمام المهدي (ع)، ص215-227.
(2) الكافي، ج 1، ص 25. الخرائج والجرائح، ج 2، ص 840. كمال الدين وتمام النعمة، ج 2، ص 675.
(3) سفر أشعيا 11: 9:ألأصل العبرى، العهد القديم، ص625.العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح 11، الفقرة 9، الكتاب المقدّس باللغة العربية 73 سفراً، مصر. (أهل البيت فى الكتاب المقدس): ص123-127. سفر أشعيا 11: 9،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 924. مع فرقٍ يسير بين الترجمات.
(4) للمزيد من الإطلاع، انظر: الطُّورُ المهدوي، ص156-173، تحت عنوان: الحكومة العالمية والقائد الموعود.
كلّه فهو مشروعٌ ربّانيٌّ حتميٌّ قد بشَّرَ به جميعُ الأنبياء عليهم السلام وكلُّ الكتب السماوية المقدَّسة ويطلقُ عليه عند الربانيين بـ (دولة العدل الإلهي) في آخر الزمان. والمصدر الأول والأخير لهذه الفكرة هو الله عزَّ وجلَّ، وهو مُشَرّع الحكومة العالمية الواحدة.(1)
ومن بين العلماء والفلاسفة الغربيين الذين نادوا وبشّروا بـ (الحكومة العالمية الواحدة): الفيلسوف اليونانيّ زيو (350) قبل الميلاد، والمؤرّخ اليونانيّ بلوتاك (46 - 120) ميلادية، وولتر ليمبيس في كتابه: (الفلسفة الإجتماعية)، ص213.
ويقول الفيلسوف الكبير (برتراند رسل) في كتابه (الآمال الجديدة): (... وربما يستطيع المجتمع الإنساني - بما لديه من تجاربٍ مرة - أن يتعلَّم شيئاً جديداً من كلّ تلك الأحزان، إذا لم يُصَب بلوثة عقليّة وجنون، ولكن هناك الكثيرين الذين يحتفظون بعقولهم سليمةً وآمالهم إيجابيةً. وعلى هذا فطالما كان هناك مفكرون وقادة سياسيون وعسكريون؛ فانَّ الأمل في حكومة عالمية واحدة،يبقى يراودُ تلك العقول والقلوب).(2)
ومن البديهي أنَّ الحكومة العالمية الواحدة العادلة المرجوَّة والتي أشاروا اليها؛ إنّما تستلزمُ مجيء قائد رباني عظيم، للقيام بهذه المهمة الكبرى، وهذا ما صرَّح به وأشار اليه مبشّراً، الفيلسوف (نيتشه) إذ يقول: (من الممكن أن يستطيع أُولئك الذين يحسنون الإدراك أن يكونوا مبشّرين
____________________
(1) انظر: المصلح الغيبي والحكومة العالمية الواحدة، ص 20-23، بايجاز وتصرف.
(2) المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص 213-214، بايجاز وتصرف يسير.
لفردٍ - ونحنُ لسنا سبيلاً للوصول الى حلقة سُلَّمه - ويمهّدون الطريق لظهوره).(1)
وتسمى هذه الدولة العالمية الكبرى الناتجة عن ذلك في الأخبار الشريفة الواردة عن النبيّ الأعظم محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليه أجمعين بـ (دولة الدول، والدولة البيضاء، و الدولة الزهراء...).(2)
ويوجد هناك عدد غير قليلٍ من العلماء والكتّاب الغربيين الذين تعرَّضوا لذكر وسيرة الإمام الغائب(3) ، ومن بينهم نوستر اداموس في تنبُّؤاته(4) ، وللوقوف على أسماء ومؤلفات عددٍ منهم يراجع كتاب: موسوعة العتبات المقدَّسة(5) ، حيث جاء فيه أيضاً: الإمام المهدي المنتظر: لقد كتب عن الإمام المهدي أبي القاسم (ع) عدد غير يسير من كتّاب الغرب، لاسيما عند البحث عن المهدي والمهدوية بوجهٍ عام...الخ)، ويورد الكتاب أسماء عدد من كتاب الغرب الذين تطرَّقوا لسيرة الإمام الغائب (ع).(6)
____________________
(1) المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص 214، بايجاز وتصرف.
(2) انظر: الزام الناصب:ج1 ص482 و ص486. ط أُخرى ج 1 ص 430. والحاشية على أُصول الكافي، رفيع الدين محمد بن حيدر، ص590. والبحار، ج52 ص355، وج 26 ص 148. للمزيد انظر: جولةٌ في حكومة الإمام المهدي(ع)، ص 201-203.
(3) المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص 252، بايجاز وتصرف. والغائب: هو الإمام المهدي (عليه السلام) عند المسلمين وهو المنقذ والمخلّص عندهم.
(4) انظر: المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص 228-247، في موضوع المهدي المنتظر في تنبّؤات نوستر اداموس.
(5) موسوعة العتبات المقدَّسة،الجزء الثاني عشر، قسم سامراء ص6، (بحثٌ حول سامرا قديماً)، كتبهُ الدكتور مصطفى جواد: سامرّا اسمٌ آراميّ... الخ.
(6) نفس المصدر، ص276. انظر: المهدي المنتظر حقيقة أم خرافة،ص 252 وما بعدها. بايجاز.
تعتبرُ النواة الأُولى لدولة منقذ العالم هي: (الأُمَّةُ البارَّةُ حافظةُ الأمانة)، وهذا ماركّزت عليه (التوراة)، وحثَّت وأمرت باستقبال تلك الأُمة والإذن لها بالدخول؛ حيث قالت:
(إفتحوا الأبواب لتدخلَ الأُمَّةُ البارَّةُ حافظةُ الأمانة).(1)
وهذه الأمة المبشّر بها، همُ القلّةُ المظلومة بجميع أنواع الظلم!،كما وصفتهم التوراة بقولها:
(شعبٌ منهوبٌ مسلوبٌ، أُوقعَ بهمَ في الحفر، وخُبّئوا كُلُّهم في الحبوس، يُنهبون وما من مُنقذٍ، ويُسلبونَ ولا يُرَدُّ سَلبُهُم).(2)
أو قُل بحسب المصطلحات الحديثة: أُمَّةٌ مستعمرةٌ لازالَ يمتصُّ خيراتها المستكبرون العالميون، وقد خطَّطوا لها خُطَطاً ومكائدَ غادرةً فَأَوقعوها في فخِّهم، وزُجُّوا كلُّهم في السجون حتى ربما غَدى بلداً بأكمله سجناً كبيراً لأهلهِ وهم يعذَّبونَ فيه آناءَ الليلِ والنهار، ويجري كُلُّ ذلك بمرءً ومسمعٍ من كُلِّ الدنيا ولاأحدَ يقول لِمَ وعلامَ؟، فضلاً عن أن يُحقَّ حقّاً أو يُبطلَ باطلاً.(3)
____________________
(1) سفر أشعيا 26: 2، العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 938. العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح 26، الفقرة، 2، الكتاب المقدّس باللغة العربية 73 سفراً، مصر. مع إختلاف في الألفاظ. وانظر في: مزمور 101: 6 (أُمناء الأرض). وأشعيا 30: 18 (منتظروا الربّ). ومزمور 47: 9-10 (شعبُ إله إبراهيم). ومزمور 111: 6 (شعبُ الله)... الخ. انظر: المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص 142-143.
(2) سفر أشعيا 42: 22،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 961. العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح 42، الفقرة، 22، الكتاب المقدّس باللغة العربية، مصر. مع إختلاف في الألفاظ. انظر: المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص 143.
(3) للمزيد انظر: ماقبل نهاية التأريخ، ص165 وما بعدها في موضوع: الظلم الذي يصيب المسلمين جراء الإنحراف العالمي.
وعلى ما مرَّ من بيان، فمن تكونُ هذه الأُمةُ التي وُصفت بالبرِّ وحفظ الأمانة الإلهية المقدَّسة؟. ولقد بشَّرت الكتب المقدَّسة أعداء هذه الأُمة المذكورة بالقصاص منهم في الدنيا والآخرة وهدَّدتهم تهديداً مرعباً.(1)
أنَّ منقذ العلم باعتباره الوارث الشرعي والقانوني، لكلِّ الأنبياء والرسل عليهم الصلاةُ السلام، لذا فهو وعبرَ المعونةِ الالهية سيأتي بكُلِّ مواريث الأنبياء بما فيها التوراة والإنجيل والزبور وصحف الأنبياء والقرآن الكريم بخطِّ الأنبياء وأوصيائهم الصدّيقين وتواقيعهم وتفاسيرهم لكلام الله تعالى فيها، وأن ليسَ هناك إختلاف ولو يسير بين الأنبياء عموماً ولا بين كتبهم المقدَّسة، وعندها يتيقَّن البشر عموماً أنَّهم لو أجمعواَ مائة وأربعة وعشرين ألفَ نبيٍّ في مكانٍ واحدٍ لما إختلفوا على مسألةٍ واحدةٍ أبداً ولما وجدَوا بيهم تهافتاً في شيءٍ أبداً؛ ومنها أيضاً مايخصُّ الأنبياء (ع) مثل درعِ وسيفِ وعمامةِ النبيِّ محمد (ص) وعصا موسى وخاتم سليمان (عليهم السلام)...الخ!.(2)
ولكلّ ما تقدّم في موضوع الدولة العالميّة الواحدة وجمعُ الإرث الإلهيّ فيها، يمكن أن نقول: أنَّ الآيات المباركةِ المشيرةِ الى توريث المؤمنين الأرضَ في آخر الزمان، هي بذاتها أدلَّةٌ قرآنيَّة على ذلك وعلى رأسها قولهُ
____________________
(1) للمزيد انظر: نهاية صراع الأديان بظهور المهدي في آخر الزمان، ص 269 وما بعدها.
(2) انظر: المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، ص 754 وما بعدها تحت عنوان: إستخراج الكتب السماوية.
عزَّ وجلَّ: -( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴿105﴾ إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴿106﴾ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) .(1)
( ونريدُ أن نَمُنَّ على الذين استُضِعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين ) .(2)
وغيرها من الآيات المباركة، وقد مرَّ الكلامُ فيها فلا نُطيل.
وأما في الكتاب المقدس (العهدين):
فهذا المعنى كثيراً ما وردَ في الأسفار المقدسة، ولو أردنا الوقوف عليها لتطلَّلبَ ذلك رسالةً مستقلَّةً، ولكن على نحو الإشارة والإجمال نقول: وردت تلك المعاني في سفر اشعياء النبي (ع) في الإصحاح (65) في باب (خليقةٌ جديدة)؛ وفي سفر يوئيل في الإصحاح الأول والثاني والثالث والرابع؛ وفي سفر ميخا، الإصحاح الخامس؛ وفي سفر زكريا، الإصحاح العاشر والحادي عشر؛ وفي سفر ملاخي، الإصحاح الثالث في باب (مجيء يوم الربّ)؛ وغير ذلك كثير؛ ولمن أراد المزيد، مراجعةُ الكتاب المقدس، طبعة اولى، بيروت، دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، العهد القديم، الإصدار الثاني 1995.والعهد الجديد، طبعة اولى، الإصدار الرابع 1993 م، فهو مبوَّبٌ ومرتَّبٌ بطريقةٍ حضارية جيّدة.
____________________
(1) سورةُ الأنبياء: 105-107.
(2) سورةُ القصص: 5.
الفصل الخامس: قواعد ومتبنَّيات ثورة المنقذ
في القرآن والعهدين
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الأسس الشرعيّة والتأريخيّة لثورة المصلح العالميّة
المبحث الثاني: المنتقم من الظالمين صنيعةُ ربّ العالمين
إنَّ للثورةِ الإلهيَّةِ العالميةِ التي سيقودها رجلُ الله المقدَّس الموعود في آخر الزمان وفي يوم الله الأعظم قواعِدَ متينةٍ وأُسُسٍ رصينةٍ ممتدَّةٍ عبر التأريخ الطويل لعموم البشريَّة، ثابتة في أعماق قلوب الأنبياء والرسلِ وأتباعهم من المؤمنين، مسطَّرة بأحرفٍ من نور في كتبِ الله المقدَّسةِ؛ وتبتني تلكَ الثورةِ المباركةِ الكبرى على لَبِناتٍ مبنيَّةٍ سَلَفاً وهيَ غاية في الصلابةِ والأصالة والأحقيَّةِ والمشروعيَّة والقانونيَّة الواضحةِ التي ليسَ عليها أَيّ غبار ولا يلحقها شكٌّ ولاريبٌ، ولعلَّنا في هذين المبحثين التاليين نقفُ على شيءٍ من ذلك.
إنّ الثورة الالهية العظمى التي سيقودها المنقذ الموعود (قرّب الله يومه الشريف) لم تكن ثورة إبتدائيّة إجتهاديّة تأتي ردّاً على واقع فاسد معاصر لها لتغيّر تغييراً محدوداً في أمّة من الأمم أو شعب من الشعوب فحسب(1) ، بل لها جذور شرعيّة وتاريخيّة عميقة جدّاً، ولها إرثٌ حقوقيّ وقانونيّ مميّز! فهي امتداد طبيعيّ شرعيّ لثورة الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) ومكملة لها والجانية لثمارها.
____________________
(1) انظر: المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، ص 31، تحت عنوان: ضروب الثورة العالمية: ان الثورة العالمية ضد الظلم هي ثورةٌ لم تدعُ اليها الأديان فقط، بل توصَّل اليها الفكر الإنساني عن طريق معاينة أطوار التأريخ ودراسة سننه. و: ماريا لويزا برنيري، Jourmey theough Utopia ، ترجمة عطيات أبو السعود في عالم المعرفة، وقد لخَّص الكتاب آراء الطوباويات منذ العصر اليوناني القديم حتى يومنا الحاضر، رقم 225 عدد أيلول/سبتمبر 1997 م.
فكانت ثورة سبط رسول الله (ص) وسيّد شباب أهل الجنّة ألإلهيّة الكبرى ضدّ الشياطين المتفرعنين ثورة مُؤَسِّسة!، وجاءت ضمن تخطيط وتقدير ربّانيّ عجيب، وكان بتقدير الله سبحانه وتعالى أن تبقى جذوتها مستعرة في الأرض لاتطفأ ولاتهدأ أبداً برغم الإبادة الجماعيّة لآل رسول الله (ص) وثقله وعائلته الشريفة المقدّسة ورحله المبارك وأتباعهم الأبرار.
ومن خلال الإطّلاع على خصائص ومزايا الثورتين المباركتين يبدو واضحاً أنّ ثورة السبط المستشهد والمصلح الأعظم في آخر الزمان هما كالشيء الواحد، وهما امتداد للخطّ الإلهيّ المقدّس في هذا العالم.
و يتّضح من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة عندّ المسلمين، والنصوص المقدسة في العهدين، ان الذين ذبحوا الحسين واهل بيته الأطهار (عليهم السلام) وصحبه الميامين (رض ) وأتباعهم، والذين اصرّوا على عِدائهم واستمروا في ظلمهم واجتهدوا في ايذائهم الى حين ظهور وقيام منقذ العالمين المنتقم من الظالمين المهدي (عج )، هم اعداء الله تبارك وتعالى، وسينتقمُ الله منهم بصورة مرعبة.
1: قوله تعالى:( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّـهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ) .(1)
- عن الحسن بياع الهروي يرفعه عن أحدهما عليهما السلام في قوله:( فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ) قال: إلا على ذرية قتلة الحسين عليه السلام.(2)
____________________
(1) سورة البقرة: آية 193.
(2) العياشي، 1/86، ح 214. وسائل الشيعة، ج16، ص 142. البحار، 45 /298 ح 8. تفسير الصافي، 1/210. البرهان، 1/191 ح3. العوالم (الامام الحسين ع)، ص 609.
- وعن إبراهيم، عمن رواه، عن أحدهما عليهما السلام قال: قلت:( فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ) قال: لا يعتدي الله على أحد إلا على نسل ولد قتلة الحسين عليه السلام.(1)
- حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله عنه قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: يا بن رسول الله ما تقول في حديث روى عن الصادق عليه السلام: أنه قال: إذا خرج القائم عليه السلام قتل ذراري قتلة الحسين عليه السلام بفعال آبائهم؟ فقال عليه السلام: هو كذلك فقلت: وقول الله عز وجل:( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ) ما معناه؟ قال: صدق الله في جميع أقواله ولكن ذراري قتله الحسين عليه السلام يرضون بأفعال آبائهم ويفتخرون بها ومن رضى شيئاً كان كمن اتاه ولو أن رجلاً قتل بالمشرق فرضى بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله عز وجل شريكُ القاتل وإنما يقتلهم القائم عليه السلام إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم قال: فقلت له: بأي شئ يبدأ القائم عليه السلام منكم إذا قام؟ قال: يبدأ ببني شيبه فيقطع أيديهم لأنهم سراق بيت الله عز وجل.(2)
ـ وعن محمد بن الأرقط، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: قال لي: تنزل الكوفة؟ فقلت: نعم، فقال: ترون قتلة الحسين عليه السلام بين أظهركم؟ قال:
____________________
(1) العياشي، 1/87، ح 216. البحار، 45 /298 ح 9. تفسير الصافي، 1/210. البرهان، 1/191ح 4.
(2) عيون أخبار الرضا (ع)، ج 2، ص 247. علل الشرائع، 229. وسائل الشيعة، ج 11، ص 410. بحار الأنوار، ج45 ص 295 ح1، وج52 ص 313 ح6.
قلت: جعلت فداك ما بقي منهم أحد، قال: فأنت إذا لا ترى القاتل إلا من قتل، أو من ولى القتل؟! ألم تسمع إلى قول الله:( قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) فأي رسول قتل الذين كان محمد صلى الله عليه وآله بين أظهرهم، ولم يكن بينه وبين عيسى رسول، وإنما رضوا قتل أولئك فسموا قاتلين.
- وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل:( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ) قال: إن الله بعث إلى بني إسرائيل نبياً يقالُ له: إرميا (إلى أن قال) فأوحى الله إليه أن قل لهم ان البيت بيت المقدس، والغرس بنو إسرائيل، عملوا بالمعاصي فلأسلطن عليهم في بلدهم من يسفك دماءهم ويأخذ أموالهم، فان بكوا إلي لم أرحم بكاءهم وإن دعوني لم أستجب دعاءهم ثم لأخربنها مأة عام، ثم لأعمرنها، فلما حدثهم اجتمع العلماء فقالوا: يا رسول الله ما ذنبنا نحن ولم نكن نعمل بعملهم؟ فعاود لنا ربك (إلى أن قال) ثم أوحى الله قل لهم: لأنكم رأيتم المنكر فلم تنكروه، فسلط الله عليهم بخت نصر فصنع بهم ما قد بلغك الحديث(1) .
____________________
(1) وسائل الشيعة، ج 11، ص 412-413.
- في عقاب الأعمال: ابن الوليد، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن محمد ابن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: القائم والله يقتل ذراري قتلة الحسين عليه السلام بفعال آبائها.(1)
- روي عن الصادق (ع) قال:
«لما كان من امر الحسين ما كان، ضجّت الملائكة وقالوا: يا ربّنا هذا الحسين صفيّك وابن بنت نبيّك قال: فأقام الله ظل القائم (ع) وقال: بهذا أنتقم لهذا».(2)
كما ان روح الله المسيح(ع) كان يخبر بقتل الحسين (ع) مراراً وتكراراً وفي مناسبات عديدة، ويلعن قاتليه ويأمر بني اسرائيل بلعنهم ويقول:
(من ادرك ايامه فليقاتل معه، فانه كالشهيد مع الانبياء مقبلاً غير مدبر وكأني انظر الى بقعته، وما من نبيّالا وزارها، وقال: إنّكِ لبقعةٌ كثيرة الخير، فيك يدفن القمر الزاهر)(3) .
____________________
(1) العوالم، الإمام الحسين (ع)، ص609.وروى المفيد في الإرشاد، ص361ـ 362: الفضل بن شاذان عن محمد بن عليّ الكوفي عن وهب بن حفص عن ابي بصيرقال: قال ابو عبد الله عليه السلام: (ينادى باسم القائم (عليه السلام) في ليلة ثلاث وعشرين، ويقوم في يوم عاشوراء، وهواليوم الذي قتل فيه الحسين بن عليّ عليهما السلام، لكأني في يوم السبت العاشرمن المحرم قائماً بين الركن والمقام، جبرئيل عليه السلام عن يمينه ينادي البيعة لله،فتصير إليه شيعته من اطراف الارض تطوى لهم طيّاً حتى يبايعوه فيملا الله به الارض عدلاً كما ملئت جوراً وظلما).
(2) الملهوف على قتلى الطفوف، ص176-177.
(3) كامل الزيارات: ص67.
وذكر الصدوق (رض ): ان عيسي (ع) مرّ بأرض كربلاء، وتوقف فوق مطارح الطف ولعن قاتلي الحسين ومهدري دمه الطاهر فوق الثري(1) .
2: قوله تعالى:( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) .(2)
- حدثنا أحمد بن محمد الهيثم العجلي - رضي الله عنه - قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى بن زكريا القطان، قال: حدثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، قال: حدثنا تميم بن بهلول، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله نظر إلى علي والحسن والحسين عليهم السلام فبكى وقال: أنتم المستضعفون بعدي. قال المفضل: فقلت له: ما معنى ذلك يا ابن رسول الله؟ قال: معناه أنكم الأئمة بعدي، إن الله عز وجل يقول:( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) فهذه الآية جارية فينا إلى يوم القيامة.(3)
فقد جاء في (سفر ارميا): ان التوراة قد اخبرت بانتقام صاحب الزمان (عج ) من قتلة الحسين سيد الشهداء عليه السلام، حيث قالت: « اعدّوا المجن
____________________
(1) كمال الدين وتمام النعمة، ص295.
(2) سورةُ القصص: آية 5.
(3) معاني الأخبار، ص79. كنز الدقائق، 10 ح 3. البحار، ج24، ص168 ح1. الميزان، ج16 ص 14. البرهان، ج 3، ص 217 ح2. نور الثقلين، ج 4، ص 110.
والترس وتقدموا للحرب اسرجوا الخيل، واصعدوا ايها الفرسان وانتضبوا بالخوذ اصقلوا الرماح البسوا الدروع، لماذا أراهم مرتعبين ومدبرين الى الوراء، وقد تحطمت
ابطالهم وفرّوا هاربين ولم يلتفتوا. الخوف حواليهم يقول الرب. الخفيف لا ينوص والبطل لا ينجو. في الشمال بجانب نهر الفرات عثروا وسقطوا. من هذا الصاعد كالنيل كانهار تتلاطم امواجها... »
الى ان تقول:
«... اصعدي ايتها الخيل وهيجي المركبات ولتخرج الابطال، كوش وفوط القابضان المجن واللوديون القابضون القوس. فهذا اليوم للسيد ربّ الجنود يوم نقمة للانتقام من مبغضيه فيأكل السيف ويشبع ويرتوي من دمهم ».
ثم تذكر التوراة ان السبب في هذا الانتقام من الاعداء هو ما يلي:
«ان للسيّد ربّ الجنود ذبيحة في ارض الشمال عند نهر الفرات »(1)
وقد اورد صاحب كتاب (البحث عن الحقيقة ) ص 49 بالانجليزية هذا النص أيضاً كأحد ادلّة التوراة على خروج صاحب الزمان، وقتل اعداء الله فراجع(2) .
وأما في مجال الاخبار بالملحمة الالهية العظمى في كربلاء وما يرافقها من فواجع وأنّ المذبوح فيها له شأنٌ عظيم وأنّه استشهد من أجل إنقاذ الشعوب وألأمم.
____________________
(1) سفر ارميا 46: 3-10، العهد القديم. الكتاب المقدس باللغة العربية، العهد القديم، سفر ارميا تحت رقم 28، الإصحاح 46: الفقرات 3-10، مصر. الكتاب المقدس تحت المجهر: ص155. سفر إرميا 46: 3-10،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 1060. مع فرقٍ يسير بين عبارات المترجمين.
(2) الكتاب المقدس تحت المجهر: ص155.
فقد اخبر (يوحنا): بان الحسين(ع) قدم دمه الطاهر قرباناً لله تبارك وتعالى وانه جسدالبطولة والتضيحة باعلى مراتبها. فقد جاء في سفر يوحنا:
(انك الذي ذُبحت، وقدمت دمك الطاهر قرباناً للرب،من اجل انقاذ الشعوب والامم، وسينال هذا الذبيح المجد والعزة والكرامة والى الابد لأنَّهُ جسّد البطولة والتضحية بأعلي مراتبها)(1) .
وأخبر (ارميا): بمعركة كربلاء الدامية قرب نهر الفرات، فقد جاء في سفر (ارميا):
(في ذلك اليوم يسقط القتلي في المعركة، قرب نهر الفرات،وتشبع الحرب والسيوف وترتوي من الدماء التي تسيل في ساحة المعركة، بسبب مذبحة رب الجنود في الارض تقع شمال نهر الفرات)(2) .
ولابدَّ أن نشير هنا الى مسئلةٍ مهمَّةٍ وتستحقُّ الوقوف عندها ولكننا نذكرها بالإشارة خوف الإطالة وهي: أنَّهُ قد أجمعت الأسفار المقدَّسة في العهدين على حقيقةٍٍ مهمَّةٍ وهي من القضايا المحوريَّةِ، وقد وردَ ذكرها كثيراً بطرقِ ومناسباتٍ متعدِّدةٍ، ويَبدو أنَّ لها شأناً ومنزلةً عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ، ألا وهي قضيَّةُ:(الكبشِ المذبوح) !.
وهذا الكبشِ المذبوح بحسب الأسفار المقدَّسة: هو من قدَّمَ دمهُ الطاهر الزكي قرباناً للربِّ تبارك وتعالى من أجلِ انقاذ الشعوب والأُمم، وأنَّهُ هو الذي أُريقَ دمُهُ من أجلِ كلمةِ الربِّ وشهادتهِ للحقِّ سبحانهُ وتعالى، وأنَّهُ
____________________
(1) يوحنا-5: 9-12، ص463 (ألأصل العبرى)، العهد الجديد. للوقوف على النصيين العبري والعربي ومعاينة الترجمه، انظر: (أهل البيت في الكتاب المقدس) ص113-115. رؤيا يوحنا، 5: 9-12،العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 400. مع تقديمٍ وتأخيرٍ في كلمات المترجمين لاتضر بالمعنى.
(2) سفر (ارميا): 46: 6 -10 ص782 (الأصل العبرى)، العهد القديم. وللوقوف على النصيين بالعبريه والعربية، انظر: (أهل البيت في الكتاب المقدس) ص116-118.سفر إرميا 46: 10،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 1060. مع فرقٍ يسير في عبارات الترجمة.
هو الوحيد الذي فكَّ السفر الإلهي المقدَّس وحلَّ رموزَهُ ونظرَ الى مافيهِ(1) وذلكَ حسب استعداده المدهش العجيب لفداء الله ودينهِ وشرائعهِ بكُلِّ مايملك بما في ذلك نفسهُ المقدَّسة العزيزة، وأنَّهُ نالَ بذلكَ الذبحِ المجد والعزَّة والكرامة الى أبد الآبدين، لأنَّه ضَحّى للربِّ بأعلى وأعظم تضحيةٍ والتي ليسَ فوقها تضحيةٌ قط، وأنه يجلس عن يمين العرش...الخ.
وقد فسَّر أهلُ الكتاب أنَّ المعنيّ بذلك كلِّهِ هو (النبيُّ إسحاق -ع-) لاغير، ووافقهم على ذلك بعضُ المسلمين لاستنادهم الى بعض الروايات في هذا المجال(2) ، فيما فسَّرَ الأعمُّ الأغلب من علماء المسلمين ذلكَ بكونهِ (النبيُّ إسماعيل بن إبراهيم - عليهما السلام-)بحسبِ ماعندهم(3) . ولكنَّنا لو أمعنّا النظر وتحقَّقنا من الأمر، لوجدنا أنَّ كلا النَّبيَّينِ الكريمين المشار اليهما، لم يُذبحا حقيقةً، ولم يراق دمهما، ولم يذوقا أَلَمَ السكينِ أو الخنجرِ...الخ.
وكذلك ما جاء في القرآن الكريم، في قوله تعالى:( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) (4) ، فهو يدعو للوقوف عنده والتأمُّل فيهُ!
فأيَّةُ عظمةٍ ومقامٍ لذلك الكبش المقصود، جعلتهُ يذكرُ في الأسفار المقدّسةِ أكثرَ من ذكرِ خاتمِ النبيين وسيّد المرسلين محمد (ص)؟، فقد
____________________
(1) انظر: رؤيا يوحنا، الإصحاح الخامس، العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس،ص 339-400.
(2) انظر: الميزان في تفسير القرآن، ج7 ص 232 وماقبلها ومابعدها: أنَّ روايات أهل السنة انقسمت الى قسمين، فنصفٌ قال: أنه اسحاق (ع) ونصفٌ قال: أنه اسماعيل (ع).
(3) انظر: الميزان في تفسير القرآن، ج7 ص232 وماقبلها ومابعدها، اجماع مذهب أهل البيت (ع) وكثير من اهل السنة.
(4) سورة الصافات: آية 107.وتفسير ذلك في:تفسير مجمع البيان، ج8 ص324. تفسير الميزان، ج17ص153. ولمَ سمّيَ عظيماً في: تفسير الثعلبي، ج8 ص157. وانظر: تأويل الآية والأخذ والردِّ في ذلك، في الإنتصار، العاملي، ج2 ص326-328.
ورد ذكر هذا (الكبش المذبوح) في سفر الرؤيا ليوحنا (ع) لوحدهِ فقط، في أكثر من أربعةٍ وعسرين موضعاً!. فهل يُعقَلُ ذلكَ كلَّه في (خروفٍ) كما سمَّتهُ بعضُ الترجمات، وإذا كان رمزاً، فمن عنت تلكَ البشارات في الكتاب المقدّس(1) ؟. لذا فإنَّ هذا الموضوع جديرٌ بالبحثِ ويستحقُّ أن تُكتبَ فيهِ رسائلَ علميّة.
____________________
(1) للمزيد انظر: الخصال ص59. عيون أخبار الرضا (ع)، ج2ص187- 190. مسند الإمام الرضا (ع)،ج1ص56.وروايات أهل البيت (ع) في ذلك وعلاقته بشهادة الامام الحسين(ع).
يبدو واضحاً أن الله تبارك وتعالى قد كتب على نفسه المقدّسة ان ينتقم من اعداءه المجرمين بواسطة القائم المنتصر في آخر الزمان، وبشّر انبياءه ورسله واهل الكرامة عليه منذُ أمدٍ بعيدٍ جداً وفي مناسباتٍ مختلفةٍ بهذا الامر، وثبّت ذلك في كتبه المنزلة المباركة وأوضحَ ذلك لعموم البشرية على مدى مسيرة حياتها الطويلة.
لذا فان هذا الموضوع، هو عهدٌ ووعدٌ الهيّ حتميّ وقطعيّ، لا يختلف ولا يتخلّف طرفةَ عينٍ أبداً، فان تَخَلَّفَ كان الاحكامُ ناقصاً، والوجود عبثاً، والقضاءُ والحكمُ الالهيّ غير تامٍّ، وذلك لخلوِّ الارضِ من خليفتهِ، وهو ممتنعٌ على ساحةِ قُدسِهِ عزَّ وجلَّ. وقد أوجَبَ ذلكَ الامرَ على نفسهِ القُدسيَّةِ المباركةِ بلطفهِ وفيضهِ ومنِّهِ بقوله عزَّ من قائل:( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) .(1)
____________________
(1) البقرة: 30، وقد أحضر جميع ملائكته وأخبرهم بهذا الأمر الإلهيّ الكبيروالخطير، وذلك واضحٌ في تفاسير المسلمين، انظر مثلاً: التفسيرألكبير:ج2 ص152.
وسنبين ذلك: في القرآن الكريم والروايات الشريفة اولاً، وفي العهدين ثانياً.
في قوله تعالى:( وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا ) (1) .
(عن الحجال، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (ع) قال: سألتهُ عن قول الله عزَّ وجلَّ: ومن قُتلَ مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنَّهُ كان منصورً: قال: نزلت في الحسين (ع)، لو قتلَ وليُّهُ أهلَ الأرض بهِ ما كان سرفاً)(2) .
- روي عن الصادق (ع) قال:
(لماّ كان من أمرِ الحسين ما كان، ضجّت الملائكة وقالوا: يا ربّنا هذا الحسين صفيّك وابن بنت نبيّك قال: فأقام الله ظل القائم (ع) وقال: بهذا أنتقم لهذا).(3)
وروى هلال بن نافع قال:
اني لواقف مع اصحاب عمر بن سعد اذ صرخ صارخ: أبشر أيها الامير، فهذا شمرقد قتل الحسين (ع). قال: فخرجت بين الصفّين، فوقفت عليه، فانه ليجود بنفسه، فوالله ما رأيت قتيلاًمضمّخاً بدمه أحسن منه ولا أنور وجهاً، ولقد شغلني نور وجهه وجمال هيأته عن الفكر في قتله. فاستسقىِ في تلك
____________________
(1) سورة الإسراء: آية 33.
(2) الكافي، ج8 ص255. ومثله: تأويل الآيات، ج1 ص 280.
(3) الملهوف على قتلى الطفوف، ص176-177.
الحال ماء، فسمعت رجلاً يقول له: والله لا تذوق الماء حتى ترد الحامية فتشرب من حميمها!!
فقال له الحسين (ع):« لا، بل ارد على جدي رسول الله (ص) واسكن معه في داره في مقعد صدق عند مليكٍ مقتدر، واشرب من ماء غير آسن،واشكو اليه ما ارتكبتم منّي وفعلتم بي ».
قال: فغضبوا باجمعهم، حتى كأن الله لم يجعل في قلب أحد منهم من الرحمة شيئاً، فاحتزوا رأسه وانه ليكلمهم، فعجبت من قلّة رحمتهم وقلتُ: والله لااجامعكم على امر ابداً.(1)
ومن حقّ كلّ شريف وغيور في العالم أن ينظر بحيرة ودهشة وحزن عميق الى هذه الواقعة المأساوية المروّعة التي يحكيها لنا هذا الفرد الضّال من أعداء الإنسانيّة، وكم يبدو متأثراً!رغم ما به من عوامل النقص والخلود الى الارض،وهذا غيض من فيض.
لهذا ورد في شدّة المنتقم من الظالمين ومنقذ المستضعفين، كما في سفر أشعيا:
(ويحكم بالانصاف لبائسي الارض، ويضرب الارض بقضيب فمه، ويميت المنافق بنفخة شفتيه)(2) .
وقد ورد هذا أيضاً عن لسان النبيّ الأكرم محمد (ص) في وصف القائم المنتقم انه قال:« اسنانه كالمنشار وسيفه كحريق النار » .(3)
____________________
(1) الملهوف على قتلى الطفوف، ص 177.
(2) الملهوف على قتلى الطفوف، ص 177.
(3) الزام الناصب: ج1، ص475. الغيبة للنعماني، ص247. بحار الأنوار، ج 51، ص 77. والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.
ورغم الازمان المتباعدة، وايادي التحريف الآثمة، وما أُخفيَ من الشريعةِ الموسويَّةِ والعيسويةِ (على صاحبيهما آلافُ التحيَّةِ والسلام ) طمعاً في الدنيا الدنيئةِ وزخرفها وزبرجها، اخفاءً لأمرِ الله تعالى ونورهِ، وما عَلِموا أنَّهم( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّـهُ وَاللَّـهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (1) ، وأنَّهم( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّـهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّـهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (2) .
رغم ذلك كلِّهِ، فهناك ما يثبتُ الحقيقةَ الدامغةَ التّي لامفرَّ منها، واللهُ بالغُ أمرهِ وهوَفعّاَلٌُ لما يُريدُ.
فلو انّنا نظرنا بإمعان الى بعض النصوص، لرأينا جمال الصورة التي يرسمها علاّمُ الغيوبِ سبحانه وتعالى عن الملحمة الالهية الماضية(3) (ثورة الحسين الشهيد ع) والآتية (ثورة المصلح والمنقذ) لبدا ذلك رائعاً، ولنبدأ بالفقرات الواردة في (سفرارميا):
« أَعِدّوا المجن والترس وتقدموا للحرب اسرجوا الخيل، واصعدوا ايها الفرسان وانتصبوا بالخوذ اصقلوا الرماح. البسوا الدروع... ».
وهي اوامر(4) من الرب المتعال الى جنوده الابطال الذين يأتمرون بامره وينتهون بنهيه لخوضِ الحرب المشروعة الكبرى والأخيرة بحسب ارادةِ ربِّهم واعدادهِ وامدادهِ لهم والذي يتم عبر مراحل متعددة منها:
____________________
(1) سورة الأنفال، آية 30.
(2) سورة الصف، آية 8.
(3) ماضية بالنسبة لعصرنا، وأما لعصر هذه النصوص فهي قادمة (مستقبلية).
(4) أوامر تكوينيّة وتشريعيّة، فأمّا كونها تكوينيّة: لأنّها أوامر مستقبليّة، يخاطب الله بها جنوده الميامين (جند وأصحاب القائم المنقذ) وهم بعدُ في الأصلاب ليجبلهم على الشجاعة والإقدام =
1 - الاعداد (اعدوا المجن والترس...)
2 - اعطائهم زمام المبادرة (وتقدموا للحرب... ).
3 - التهيؤ للحرب (اسرجوا الخيل، واصعدوا...)
4 - الاستعداد التام والاقتراب من ساعة الصفر وهي ساعة الحسم المبشّر بها (اصقلوا الرماح. البسوا الدروع...).
ثم يطرح الربُّ المتعال ما كان ويكون بسابق علمه الذي احاط بكل شيء، وعلى شكل تساؤل واستفسار عن عاقبه المستكبرين والكافرين بقوله:
«لماذا اراهم مرتعبين ومدبرين الى الوراء، وقد تحطمت ابطالهم وفروا هاربين ولم يلتفتوا. الخوف حواليهم...»
وهي اشارةٌ بليغة الى مسيرةِ الرُّعبِ والخوفِ الذي يسير بين يدي منقذ العالم المنتظر(عج ) مسيرة شهر، وما الى ذلك من الادبارِ، والفرارِ، وعدمِ التفاتِ ومواجهة المصلح الإلهيّ (عج ) وجنودهِ البواسلِ، لانهم مذعورين وأخذهم الخوف من كل جانب ومكان، جرّاء تحطم ابطالهم وفشل خططهم...الخ.
ويتحدث الربّ تعالى بعد ذلك عن سبب هذا الانتقام حسب الاوامر والتخطيط الالهي المسبق بقوله: «في الشمال بجانب نهر الفرات عثروا وسقطوا. من هذا الصاعد كالنيل كانهارتتلاطم امواجها...».
____________________
= المنقطع النظير. وأمّا كونها تشريعيّة: فلأنّ شرع الله واحد قديماً وحاضراً ومستقبلاً،فهو يشرّع لجنده الأبطال تفاصيل تطبيق هذه الأوامر لنيل الإنتصار المحتّم.
وذلك لأنّ أحبّاءَهُ وأولياءَهُ عَثَروا وسَقطوا بجنب نهر الفرات، وكانت عثرتهم وسقوطهم بعينهِ وبمسمعٍ منه وهو عزيزٌ عليهِ تباركَ وتعالى، وهذا بمثابة مجلسِ عزاءٍ من الربّ جلّ وعلا الى كل الاجيال لرثاء اولئك الابطال الذين سطّروا أحرف الملحمة الالهية الخالدة بدمائهم الزكية الطاهرة من أجلِ الربِّ وإنقاذ الشعوبِ والأُمم.
وأنّ من المحزن المشجي لكلِّ غيورِ وشريفِ عبرَ الدُّهور، ان يَعثُرَ الفارسُ الأبيّ الشريف المدافع عن حقّه ومبادئه السامية في الميدان ويكون عثوره مسقطاً له!،فكيف اذا عثر وسقط خليفةَ الله ووصي خاتمِ رُسُلِهِ، وأحبَّ الخلقِ إليهِ، الذي سمّاهُ الجليلُ باجملِ اسماءهِ المباركة (الحسين - ع -)، وهوَ مصغّر حسن ويعني مُنتهى الحسن والجمال، وغاية الاحسان واللطف والكرم، وأَقوى اضداد القبح والشّحّ...؟؛ ولم يكن آنذاك سالماً، بل كانت جراحهُ لا تعدّ ولا تُحصي من كثرةِ الضربِ والطعن، وفي اقصى حالاتِ الظمأ والجُهدِ والغربةِ.
ويُعطي الرب اوامره الى جنده الابطال بطريقة أُخرى بعد تلك الفقرات بقليلٍ كماجاء في (سفر أرميا):
«اصعدي ايتها الخيل وهيجي المركبات ولتخرج الابطال...
الى ان يقول:
« فهذا اليوم للسيد ربّ الجنود يوم نقمةٍ للانتقام من مبغضيه فيأكل السيف ويشبع ويرتوي من دمهم ».
فأن (مبغضيه ) هم مبغضي احباءَهُ واولياءَهُ، فببغضهم لهم أبغضوا المولى تعالى، وبحربهم لهم حاربوهُ ووبإنتهاكِ حرمتهم إنتهكوا حرمته، والامر واضحٌ.
ثم تذكر التوراة كما اسلفنا أن سبب هذا الانتقام العجيب من الاعداء هو:
« لانّ للسيد ربّ الجنود ذبيحة في ارضِ الشمالِ عند نهر الفرات ».(1)
بلي والله ذبيحة وأيّة ذبيحة! في كربلاء، وما ادراك ما كربلاء! ان لهذه الارض ولهذه الذبيحة عند الله وأنبياءه واولياءه الف قصّةٍ وقصّة!.
وبعده الفقرة التي تحمل في طيّاتها رثاءَ الاحبّةِ والاولياءِ، جاءت مباشرةً فقرةٌ تقول:
(من هذا الصاعد كالنيل كانهار تتلاطم امواجها...)
ولعمري إنّ هذا لمن ابلغ التعابير التي وجدناها وأدقّها، ويحمل اسراراً مهمّة ولا نستطيعُ الإلمام إلاّ ببعضها:
فبعد سقوطهم المؤلم مباشرةً عَرَجت ارواحُهُم إليه تبارك وتعالى يقدمهم امامهم الحسين(ع) بروحه الجبارة العظيمة، حيث يزرع الربّ في نفوسنا وعلى مدى العصور تساؤلاً وتعجباً ودهشةً تفوق الخيال، من هذا الامام الذي تعجّبت من صبره ملائكة السماء، ولطمت عليه الحور العين، واقرح قلوب الانبياء والاوصياء،وبكت له الارض والسماء.
فها هو يصعد الى السماء بكلّ ثبات وفي أعلى درجات الانتصار، بشوق كبير ومرأى ومسمع من ربّه الحنان المنان، وبحشود ذلك العالم العلوي،ليتم إستقباله في عالم الملكوت إستقبالاً يليق بمقامه المقدّس. وتشبيه الإمام الحسين(ع) بنهر النيل، كان تشبيها غيبيّاً عجيباً،لأنّ من خواص هذا النهر:
____________________
(1) هذه الفقره والفقرات التى سبقتها فى: سفر أرميا 46: 3-10، الكتاب المقدس تحت المجهر: ص155.
1: انّه أطول نهر في العالم (1) ، وكلّما كان النهر طويلاً زادت بركته وعمّ كرمُهُ وفيضه، لانه سوف يسقي ويروي كل ما يمرّ به من حجرٍ وشجرٍ ومدرٍ، ويغسل درن الاعداد الكبيرة من البشر وغير البشر، فتنموا الحياة وتزدهر ببركة جريانه، ثم ان فيه علاجاً نفسيّاً لكل البشر بلونه الأخّاذ وخرير مياهه العذبة... الخ.
وهذا كلّه ثابت لسيد الشهداء (ع)، بل واكثر من ذلك بكثير، مما لا نستطيع الوقوف عليه بحال من الاحوال، فتأمّل!
2: وان هذا النهر هو النهر الوحيد في العالم الذي ينبع من الجنوب ويصبُّ في الشمال! حيث يخترق الاراضي السودانية والمصريّة ويصبُّ في البحر الابيض المتوسط. ولعمري فانّ الامام الحسين (ع) كذلك، فانّه نبع من مكة والمدينة،وجرى باتجاه الشمال، حتى صبّ جوده وكرمه الاعظم في كربلاء، هذا وقد عبّرت الكتب السماوية السابقة وصحف الانبياء (ع) عن كربلاء بأنّها (أرض الشمال)، وقد مرتّ علينا بعض النصوص بهذا الشأن.
3: وبعدُ فانَّ هذا النهر على كبره وعظمته، ليس بمقدوره تحمّل جود وكرم الحسين(ع)، لذا فانّ هذا التشبيه يكون ناقصاً وغير تام إن بقي كما
____________________
(1) لايخفى؛ أن النيل كان مشهوراً ومعروفاً فى كل البلدان منذ الحظارات الموغله فى القدم، ولطالما قدمت له النذور والقرابين...، وكان يحمل نوعاً من القدسيّة الكبيرة لدى المصريين القدماء خاصّة، وعدد كبير من شعوب العالم عامة...الخ. وكان معروفاً بأنه الأطول فى العالم الى العصر الحديث، حيث تم اكتشاف نهر الأمازون في البرازيل، فكان ألأخير يفوقه بالطول قليلاً. فجاء التشبيه بالأول لشهرته منذ القدم، ولمعرفته بين الشعوب والأمم، بخلاف الأمازون حيث لم يكن معروفاً، فتأمّل!!
هو فقال الربُّ: (...كانهارٍ تتلاطم امواجها...)
أجل، فان صعوده كان كصعود النيل، ولكن كالانهار المتلاطمة الامواج بقوته واقتداره، فانّ النيل وفي مسافات شاسعة يكون ماءهُ فاتراً، والحسين ليس كذلك، فتأمّل!
والانهار المتلاطمة ديدنها الجريان والفيضان والسقي المتواصل بمائها العذب الدّفاق، بخلاف البحار فهي شديدة الملوحة شرسة الطباع...فكان الوصف بالانهارأبلغ.
وكما أنّ الديانة اليهودية بشرت بالمصلح المنقذ للبشرية،حيث نجد الاشارة في (سفر أشعيا) الى كون المبشّر به هو صنيعة الغيرة والشرف والثأر الالهي، فقد تضمنت احدى الفقرات هذا المعنى بقولها:
(ستخرج من القدس، بقية من «جبل صهيون »، غيرةُ ربِّ الجنودِ ستصنع هذا).(1)
وفي سفر إشعياء (ع) أيضاً:
(6 لانَّهُ يُولَدُ لنا ولدٌ، و نُعطى إبناً(2) ، و تكون الرياسةُ على كتفهِ و يدعى اسمه عجيباً مشيراً الهاً قديراً أَباً أَبدياً رئيس السلام 7 لنمو رياسته و للسلام لا نهاية على كرسي داود و على مملكته ليثبتها و يعضدها بالحقِّ و البِّر من الان الى الابد، غيرة رب الجنود تصنع هذا).(3)
____________________
(1) سفر اشعيا 37: 32، الأصل العبرى، العهد القديم، ص612. انظر: العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح 37، الفقرة، 32، الكتاب المقدّس باللغة العربية73 سفراً، مصر. وربما اكتفى المترجمون بوضع (سين المستقبل) في بداية الفقرة في كلمة (ستخرج) ورفعت من كلمة (ستصنع) كما في المصدر الذي نحن بصدده ولاضير في ذلك فكلّ الترجمات تفيد المعنى المستقبلي. وانظر النص العبري والعربي في: (أهل البيت فى الكتاب المقدس)، ص122-123.سفر اشعيا 37: 32،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 954. مع فرقٍ يسير في عبارات الترجمة.
(2) لماذا تفسَّر هذه العبارات ببني إسرائيل دوماً! ماذا لو فُسِّرَ مراد إشعياء النبي (ع) وغيره من الأنبياء بأنَّهُ نحنُ معاشرَ الأنبياء سيولدُ لنا ولدُ من صُلبنا في آخر الزمان...، وأنهُ يحكمُ بحكم داود(ع) كما جاء ذلك متواتراً عند المسلمين؟.
(3) العهد القديم، سفر إشعياء، الإصحاح 9، الفقرة، 6-7، الكتاب المقدّس باللغة العربية 73 سفراً، مصر. سفر اشعيا 9: 5-7،العهد القديم، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس، ص 921. مع فرقٍ لايخفى في عبارات الترجمة.
أجل! فهو غيرة الله، وفي هذا وردت أحاديثٌ جليلةٌ عن أهل بيت النبوة(ع) نتركها للإختصار، هذا وقد تحدَّثَ شاعرُ اهل البيت بمنطقِ التوراة حينما كان يندبُ منقذ العالم بقوله:
يا غيرةَ اللهِ اهتفي |
بحميّة الدين المنيعة(3) |
|
وضُبا انتقامكِ جرِّدي |
لطلا ذوي البغي التليعة |
|
ودعي جنود الله تملأُ |
هذه الأرض الوسيعة |
وورد في (سفر يوحنا)، انه (عجل الله فرجه) في ظهوره يُنادى بصوتٍ عظيمٍ يسمعُهُ كلُّ البشر: « خافوا الله واعطوه مجداً، لانه قد جاءت ساعة حكمه »(4)
والاشارة واضحة في كون حكم الرب بواسطة دولة منقذ العالم (عج )، باعتباره الخليفة الاعظم المنتظر المؤمّل لتجديد الفرائض والسنن وما ضيع من حقٍّ.
والفقرة تشير الى مسألة مهمةٍ أيضاً وهي: كأن الرب تبارك وتعالى لم يحكم قبل ظهور المهدي (عج ) بل يبدأ حكمه بمجيئه وبسط يده على الارض! وهذا حقٌّ وصدق لان الله تبارك وتعالى بريءٌ من جميع الاحكام الوضعية والقوانين المادية التي حكمت ولا زالت تحكم الامم بايدي الجبابرة والظالمين وتجّار الدنيا الذين ملؤا الدنيا رجساً وفساداً، قال تعالى:
____________________
(1) أعيان الشيعة، ج 6، ص 268. عصر الظهور، ص 381. رياض المدح والرثاء، ص 32. ديوان السيد حيدر الحلى، ج 1، ص 37: من قصيدته المعروفه فى ندبة الامام منقذ العالم (عج) والتي مطلعها:
الله يا حامي الشريعة |
أتقرّ وهي كذا مروعة |
(2) سفر يوحنا 14: 6-7 ألأصل العبرى، ص474. أهل البيت فى الكتاب المقدس: ص129ـ 130. رؤيا يوحنا، 14: 6-7، العهد الجديد، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، الكتاب المقدس،ص 409.
( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) .(1)
وفي مستدرك الصحيحين ومسند احمد وغيرهما، عن ابي سعيد الخدري قال:قال رسول الله(ص):
«لا تقوم الساعة حتى تملا الارض ظلماً وجوراً وعدواناً، ثم يخرج من اهل بيتي من يملاها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً».(2)
وعن النبي (ص) قال:
«ويح هذه الامة من ملوك جبابرة، كيف يقتلون ويخيفون المطيعين الاّ من اظهرطاعتهم، فالمؤمن المتقي يصانعهم بلسانه ويفر منهم بقلبه، فاذا اراد الله عزوجل ان يعيد الاسلام عزيزاً قصم كل جبار، وهو القادر على ما يشاء ان يصلح امة بعدفسادها»...
...فقال (عليه السلام): «يا حذيفة لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يملك رجلٌ من اهل بيتي يجري الملاحم على يديه، ويظهر الاسلام، لا يخلف وعده وهو سريع الحساب ».(3)
____________________
(1) سورة الروم: آية 41.
(2) مستدرك الصحيحين 4: 557 ورواه ابونعيم فى حليته 3:101 باختلاف يسير فى اللفظ، وأحمد بن حنبل في مسنده 3: 36 وغيرهم، والسيوطى فى تفسير الآيه (فهل ينظرون الا الساعه...) من سورة محمد (ص) 6: 58.
(3) غاية المرام: ص700، ب 141، ح 99. ينابيع الموده: ص448، ب 78. برهان المتقى:ص92، ب2، ح12. عقد الدرر: ص62، ب 4، ف 1.
في ختام هذا البحث، نشير بعون الله تعالى إلى أهم النتتائج التي توصَّلنا إليها من خلال هذه الدراسة، وبضمنها أهمُّ المشتركات بين القرآن الكريم والكتاب المقدس (العهدين) حول عقيدة منقذ العالم، ونجملُ النتائج بما يلي:
1: لابُدَّ من إنصافِ العهدين والنظر اليهما بعينِ العدلِ والدقّةِ، لكونهما إرثاً دينيَّاً وأخلاقيَّاً وتأريخيّاً وحضاريّاً كبيراً؛ وأنَّ القول بأنّها أسفارٌ محرّفةٌ ولايمكنُ الإعتماد عليها سلاحُ العاجِزِ، وأنَّ بعضَ ما وردَ فيهما هو بلا شكٍّ ولاريبٍ ترجمةٌ أو نقلٌ شفاهيٌّ أو تواترٌ لوحيٍ موحى، نعم وصلت اليها يدُ التحريف و...الخ، ولكنّ التمعّن في بعض النصوص يورث الإطمئنان بأنّها ترجمةٌ لنصٍّ مُوحى وإن سَقَطَ منه شيء أو أ’ضيف اليه شيءٌ أو حُذفَ منهُ شيءٌ، وذلك لأنّ فيها نفحةٌ من الغيب واضحةٌ، وسُمُوٌّ في نقل الصورة المستقبلية للحدث المنتظر، يصعب جدّاً، بل يستحيلُ على أيّ إنسانٍ مهما كانت درجتُهُ العلميّة الإلمامُ بها والإحاطة بجزئيّاتها.
وهذا ما أُطلقَ عليه عندَ العلماء والباحثين بـ (من بقايا الوحي في العهدين)، وهو وإن كان قليلٌ كما يُعبَّر عنهُ، لكنَّهُ كثيرٌ وكثيرٌ جدَّاً، ولايتوهمُ أحدٌ أنَّ هذا القليل من بقايا الوحي يستطيعُ انسانٌ مثلنا الوقوف عليه وإحصائه والتمكُّن منهُ، كلاّ وألف كلاّ، لأنّه علمٌ شاسعٌ واسعٌ، دقيقٌ عميقٌ، ورُبما حيَّرت العلماء والباحثين فقرةٌ واحدةٌ من بقايا الوحي في العهدين فجعلتهم في بالغ الحيرة والدهشة، وأُسقطَ ما في أيديهم، وذلك من خلال ربطِ أو إضافةِ أو مقارنةِ هذه الفقرة بغيرها، وعدم التمكن من
تفسيرها على الوجه الصحيح كما في الفقرات الدالة على (يوم الله العظيم) في آخر الزمان، وخلطها خطئاً بالفقرات الدالة على يوم القيامة والفقرات والدالة على نزول عيسى بن مريم (ع)، وهذه مشكلةٌ لم يواجهها أصحاب الكتاب المقدس فحسب، بل انما وقعت عند العلماء والمفسرين والباحثين المسلمين، فقد خلط الكثير منهم بين يوم القيامة وبين يوم الله الأعظم (يوم منقذ العالم) وذلك واضحٌ في تفاسيرهم وكتبهم الأُخرى.
2: أنَّ للترجمة آفاتٌ خطيرةٌ قد صبَّتها وطَلَت بها الكتاب المقدّس (العهدين)؛ يجبُ الإلتفات اليها والوقوف عليها قبل كيل الشتائم الى (العهدين) بغير علمٍ. فقد لعبت الترجمات دوراً مهماً في التشويش وإخفاءِ الحقائقِ والأعم الأغلب منها جاءت عن غير قصدٍ ولا عمدٍ، بل قصورٌ عند المترجمين أنفسهم؛ وسواء كان هذا الأمر في نطاقه السلبي أوالإيجابي فهو لاينطلي ولا يخفى على الباحثين المنصفين والمدقّقين والعلماء في كُلّ العالم.
هذا وقد شمَّر علماءٌ ربّانيّون عن سواعدهم الشريفة لمحاولة ترجمة العهدين الترجمة المنصفةَ الحقَّةَ، وقد برعوا في ذلك الى حدٍّ كبيرٍ، ولكنهُ جهدٌ فرديٌّ يشكرون عليه، ولكنا نطمحُ الى جهدٍ جماعيٍّ لذلك رسميّاً أو غير رسميٍّ، ومن ثم محاولة عرض تلك الجهود الكبيرةِ على ذوي الشأنِ من الديانات، والتوصُّلِ الى حلٍّ عالميٍّ لذلك، نصرةً لبقايا الوحي في الكتاب المقدَّس، وتتويجاً للعقائد الربانيَّةِ في القرآن الكريم من حيث وجود اصولها في الكتب السماوية الأُخرى.
____________________
(1) سورة آل عمران: الآيات 2-4.
3: أنَّ القرآن الكريم والعهدين (الكتاب المقدّس) كلاهما يصدّقُ الآخرَ في موضوع الإعتقاد بمنقذ العالم، وهذه حقيقةٌ ثابةٌ لاغبارَ عليها، وهي واحدة من الحقائق التي قد بيَّنها الله تباركَوتعالى وأشارَ اليها في القرآن الكريم في آياتٍ عديدةٍ ومنها قوله تَقَدَّست أَسماؤهُ:
-( اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴿2﴾ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ﴿3﴾ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّـهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ) (1) .
-( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّـهِ مَفْعُولًا ) (2) ، وأنَّ القرآن الكريم هو: كنزُ اللهِ الذي لايُقدَّرُ بثمنٍ في هذا العالم أبداً، وسرُّهُ المكنون، وقولهُ الحقّ، ووعدهُ الصدق، وهو يرتكزُ على قواعدَ صُلبَةٍ ومتينةٍ وغايةٍ في الأهميَّة في هذا المجال(3) ، ألا وهي الكتب الإلهيةِ المقدسةِ: التوراة والإنجيل والزبور وصحف الأنبياء عليهم السلام، وإن وَصَلَنا النزرُ اليسير منها، الاّ أنَّهُ ذا قيمةٍ دينيَّةٍ وعلميَّةٍ وعقائديةٍ وأخلاقيَّةٍ وتأريخيَّةٍ... عاليةٍ جدّاً، لايمكن تجاهلها بحالٍ من الأحوالِ أبداً.
____________________
(1) سورة آل عمران: 2 - 4.
(2) سورة النساء: آية 47.
(2) أي في موضوع منقذ العالم في عقائد ي الكتب السماوية.
4: أنَّ الكتب السماوية قد أجمعت على مجيء منقذ العالم ، وإن إختلفت في بعض الشكليّات، وليس هذا بدليلٍ سلبيٍّ بل إيجابي لإثبات هذه الحقيقة الدامغة، وإنّا لنعطي العذرَ للقدماء في بعض التشويش الحاصل حول هذه العقيدة، بسبب عدم وجود مثل ما نمتلكهُ اليوم نحنُ من أجهزة ألإتصال والكتابة والإعلام وغيرها لتثبيت تلك الحقائق كما هي. وأنَّ المنقذ قد ذكرهُ جميعُ الأنبياء والرسل بما هو أهلُهُ وحلموا بيومه الموعود وذابوا اليه شوقاً.
5: أنَّ الأملَ الربّانيَّ موجودٌ ومحققٌ لجميع الإنسانية وعلى مدى جميعِ العصور، والمخطّطَ الإلهيَّ الذي رَسَمَهُ عالمُ الغيب والشهادة سارٍ ومُثبَتٍ، ويجري بدقَّةٍ فائقةٍ واللهُ بالغُ أمرهِ، وأنَّ ذلكَ واقعٌ لامحالةَ، لأنَّهُ وعدٌ وعهدٌ الهيّ حتميّ، ويلكُ من الأدلّة والبراهين العقليةِ والنقليةِ(1) ما لايحصى.
6: أنَّ منقذ العالم ليسَ مُلكاً لطائفةٍ من المسلمين أو طائفةٍ من المسيحيين أو طائفةٍ من اليهود...، وليسَ ملكاً لشعبٍ من الشعوب أو أُمَّةٍ من الأُمم...، بل هو أملُ الإنسانيّة جمعاء، ومنقذُ البشريّة، وهو الذي يصلُ بها الى أعلى مقامِ كمالٍ بمقدورها الوصول اليه في هذه النشأة. وأنَّ كُلَّ الشعوب والأُمم تنتظرهُ كـ (منقذٍ ومخلّصٍ ولكونهِ رجل الله المقدَّس...)، وإن اختلفوا في بعض الشكليّات والإشارات اليه.
____________________
(1) الواردة في الكتب السماوية المقدسة وصحف الأنبياء والروايات الشريفة.
7: أنَّ منقذ العالم سيأتي بالتوراة والإنجيل والزبور وصحف الأنبياء والقرآن الكريم بخطّ الأنبياء وأوصيائهم المعصومين وتواقيعهم وتفاسيرهم لكلام الله تعالى فيها، وأن ليسَ هناك إختلاف ولو يسير بين الأنبياء عموماً وبين كتبهم، وأنَّكَ لو أجمعتَ مائة وأربعة وعشرين ألفَ نبيٍّ في مكانٍ واحدٍ لما اختلفوا على مسألةٍ واحدةٍ أبداً!، ويأتي بما اختصَّ بهِ الأنبياءِ (ع) من آياتٍ وعلاماتٍ، مثل درعِ وسيفِ وعمامة النبيّ محمد (ص) وعصا موسى وخاتم سليمان عليه الصلاةُ والسلام، الخ.
8: أنَّ عالمَ الإنسان سينتصرُ إنتصاراً إلهيّاً ساحقاً لاهزيمةَ بعدَهُ أبداً بمجيء المصلح الأعظم في يوم الله الموعود وهو: (المنقذ والمخلّص والأملُ والرجاء)، وحلول المعاجز الكبيرةَ في عهده، وذلك عندما يرى ألإنسان رأيَ العين أنَّ الله تعالى يقفُ معهُ وفي صفّه وفي خندقه، ويأخذ بيده الى عالم الحقّ والحقيقة والملكوت ويلمسُ ذلك لمسَ اليد. ولعلَّ القرآن الكريم يشيرُ الى ذلك النصر، بحسب مجرى الآيات في وقائع كثيرة فضلاً عن واقعةٍ معيَّنةٍ أو سببٍ للنزول، وكذلك التأويل وبطون التفسير، ومن ذلك قول الله عزَّ وجلَّ:( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) .(1)
-( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّـهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّـهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴿8﴾ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (2) .
____________________
(1) سورة الروم: آية 47.
(2) سورة الصف:8-9. سورة التوبة:33.
-( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ شَهِيدًا ) (1) .
-( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴿105﴾ إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴿106﴾ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) .(2)
-( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) .(3)
-( وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) .(4)
-( كَتَبَ اللَّـهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّـهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (5) .
9: وأنّ منقذ العالم يملكُ قواعدَ ومتبنياتٍ عظيمةٍ، ويستندُ الى أُسُسٍ شرعيّةٍ وقانونيَّةٍ وتأريخيةٍ وأخلاقيَّةٍ مقدَّسةٍ لثورته الإلهيّة العظمى، وأنّهُ صنيعةُ ربّ العالمين الذي ادّخَرَهُ الى مرحلةٍ رائعةٍ من تأريخ الحياة
____________________
(1) سورة الفتح: آية 28.
(2) سورةُ الأنبياء: 105-107.
(3) سورةُ القصص: 5.
(4) سورة النور: آية 55.
(5) سورة المجادلة: آية 21.
البشرية؛ أَرانا اللهُ وإيّاكم وجميع البشريةِ يومهُ المبارك ووجههُ الشريف، انهُ سميعٌ مجيبٌ.
10: انَّ التَّتبع العلمي التحقيقي في موضوع الإعتقاد بمنقذ العالم في القرآن الكريم والروايات الشريفة وفي الكتب السماوية المقدَّسة (العهدين) يقودنا الى حقيقةٍ مهمَّةٍ ناصعة لاغبارَ عليها ولابُدَّ من تثبيتها، وإن قد يعتبرها البعض قاسيةً وليس بمقدوره استساغتها أويصعُبُ عليه الأَخذ بها لضيق أُفقهِ الدّيني والعلمي والنفسي. ولكنَّ الواجب الديني والعلمي والأخلاقي يفرضُ علينا جميعاً تثبيتها سواء كنّا مسلمين أو مسيحيين أو يهود...الخ؛ وهي كون أقرب الناس أو قل الطوائف والمذاهب الدينيَّة الى منقذ العالم وأكثرهم معرفةً بهِ هم أتباع أهل البيت (ع) الذين يسمَّونَ بـ (الشيعة) لأنهم رَوَوا عن منقذ العالم نفسه - أي الإمام المهدي (ع) عند المسلمين - حيث روى عنهُ (52) راوياً، ومعنى ذلك أنَّ رواتهُ (ع) أكثر من روات الإمام الثاني لأتباع أهل البيت(ع) وهو الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) حيث بلغ عدد الروات عنه (41) راوياً فقط(1) ؛ فضلاً عمّا رووهُ عن أئمَّتهم الباقين (ع) عن رسول الله محمد (ص). والعجيبُ في أمرهم أن ليسَ هناك سؤالٌ في هذا الموضوع يوقفهم او لايجدوا لهُ جواباً على عكس الآخرين، بل كلّ ما يخصُّ هذا الموضوع جوابهُ حاضرٌ ومسندٌ الى رسول الله محمد (ص) وآله الطاهرين(ع) ومفسَّرٌ بآيات القرآن الكريم.
____________________
(1) انظر:مقدمة موسوعة الفقه الاسلامية ص 43.الشيعة في مسارهم التاريخي ص 422. وسائل الشيعة ج 30 ص165.
ويأتي من بعهدهم في الدرجة الثانيه اخوانهم (السنَّة) لأنّهم رووا في صحاحهم وكتبهم الأُخرى بأسانيدهم عن رسول الله محمد (ص) الكثير الكثير، وما فسَّروا بهِ من آيات القرآن الكريم، مما جعل علمائهم يقطعون باليقين الغير قابل للشك بظهور منقذ العالم في آخر الزمان وهو المهدي (ع).
ثمَّ يأتي المسيحيُّون من بعدهم بالدرجةِ الثالثةِعلى التوالي، وذلك لأنَّ عقيدتهم ثابتَةٌ قطعيَّةٌ في الإنجيل لغزارة ماورد فيه من نزول عيسى بن مريم(عليهما السلام) في آخر الزمان وحلول ملكوت الله - أي حكمهُ تبارك وتعالى وتطهير الأرض من الظلمِ والفساد - كما نادى وبشَّر بهِ المسيح(ع) نفسهُ، وكلُّ ذلك حقٌّ وصدقٌ؛ الاّ أنَّهُ ليس هو القائم المنقذ للعالم كما جاء في الإنجيل وصرَّح به المسيحُ (ع) جهاراً وعلانيةً، بل وزيرهُ ومساعدهُ وهو الحقُّ اليقينُ المتواترُ عند المسلمين.
ثمَّ يأتي اليهودُ من بعدهم بالدرجة الرابعةِ، لكثرةِ ماورد في أسفارهم المقدَّسة (التوراة) بحتميَّةِ مجيء يوم المنقذ والمخلِّص وانتصاره الكبير في يوم الله الأعظم وتطهيرهِ للأرضِ من الرجسِ والفساد.
وهكذا على التوالي تأتي بقيَّةُ الأديان والفلسفات الأُخرى تباعاً وعلى التوالي من حيث الرصيد الديني والعلمي والتأريخي والأخلاقي.
وليس معنى كلُّ ما تقدَّم وجودُ عيبٍ او نقصٍ في الأديان السماوية، او تفاوتٍ وخللٍ في ثبوت هذه العقيدةِ الربانيَّة الجليلة - عقيدة منقذ العالم- وانما هي حالةٌ طبيعيَّةٌ وترجعُ الى أسبابٍ موضوعيَّةٍ منها:
أ: البعدُ الزمني الكبير ومؤثّراتهِ السلبيّةِ وما طرأَ على الكتبِ المقدّسةِ، وضياعِ كتبِ الأديان الأصليَّة، وعدم وصول الكثير من تراث الرسلِ والأنبياءِ(عليهم السلام) الينا.
ب: كما لايخفى على الجميع حالة التكامل التدريجي للأديان - والمقصود على المستوى البشري وليس التشريعي لأنَّ المشرَّع واحدٌ فردٌ صمدٌ تقدَّست أسماؤهُ - وذلك بتطوّر الإنسان ومدى قربهِ من حلول يوم الله الأعظم وحكمهِ الأتمّ؛ وذلك واضحٌ بيّنٌ اذ أنَّ ما جاءَ به المسيحُ (ع) أشمل وأعظم مما جاء به الكليمُ موسى(ع)، والشريعة الخاتمة التي جاءَ بها الرسول الأكرم محمد (ص) أشمل وأكمل وأعظم من الجميع، وهذه سنَّةٌ الهيَّةٌ ثابتةٌ منذُ فجر الإنسانيةِ الأول والى ظهور منقذ العالم حيث يعطيعه الله تبارك وتعالى ما لم يُعطهِ أيَّ أحدٍ قبلهُ من الخلقِ أبداً:من حيث تمام العلم، وتمامُ السلطةِ الربانيّةِ على الكون، ومظهر الخلافةِ الإلهية الأعظم، وحكمهُ اللدُنيّ المباشر من غير بيّنةٍ يحتاجها، وتجلّي حكمُ الله وملكوتُهُ وجمالهُ وجلالُه بخليفته ووليّه في الأرض (منقذ العالم).
أُقدّمُ اعتذاراً قلبيّاً وروحيّاً عميقاً وحارّاً الى مولانا منقذ العالم عليه الصلاةُ والسلام، لأنَّ ما بذلتُهُ كانَ قليلاً بحقِّهِ، ولايليقُ الاّ بشيءٍ يسيرٍ من مقامهِ الربانيِّ الشامخِ المنيف، ولكنّهُ كانَ بمثابةِ لَبِناتٍ أعتقدُ أني وضعتها في مكانها المناسبِ والصحيح، لكي يستفيد منها من يُحسِنُ البناء؛ والله وليُّ التوفيق.
وآخرُ دعوانا أَنِ الحمدُ للهِ ربّ العالمين، وأفضلُ الصلآة والسلام على محمدٍ وآلهِ الطيبيين الطاهرين وصحبهِ المنتجبين، وعلى معاشرِ الأنبياءِ والمرسلين وأوصيائهم أجمعين والشهداء والصالحين، ورحمةُ الله وبركاته.
فَهْرَسُ مَصادِرِ البَحْثِ
فهرس المصادر
1 - القرآن الكريم، كتاب الله تبارك وتعالى.
2 - الأبطحي، السيد حسن، المصلح الغيبي والحكومة العالمية الواحدة، ترجمة السيد هادي السليماني، مؤسسة البلاغ، ط 1، 1414 هق - 1994 م، بيروت، لبنان.
3 - الخليلي، جعفر الخليلي، موسوعة العتبات المقدَّسة،الجزء الثاني عشر، الطبعة الثانية، 1407 هق - الأعلمي، بيروت، لبنان.
4 - إبن كثير، اسماعيل، البداية والنهاية، ط 1، بيروت، دار احياء التراث العربي، 1997 م.
5 - آل ياسين، الشيخ محمد حسن، أصول الدين، ط 1، مؤسسة قائم آل محمد (عج).
6 - الآلوسي، محمود، تفسير روح المعاني، ط 1،بيروت،دار الكتب العلمية، 1994 م.
7 - آملي، جوادي، التوحيد في القرآن، ط 1، بيروت، دار الصفوة، 1994 م.
8 - أمين، د: أحمد، المهدى والمهدويه
9 - الأميني، الشيخ عبد الحسين أحمد، الغدير في الكتاب والسنة والأدب، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الرابعة 1397 ه - 1977 م.
10 - ابن الاثير، لأبى الحسن على بن أبى الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الاثير، اسد الغابة في معرفة الصحابة، انتشارات اسماعيليان طهران، ايران.
11 - ابن حجر، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، الإصابة في تميز الصحابة، دراسة وتحقيق وتعليق الشيخ عادل أحمد عبدالموجود و الشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، الطبعة الاولى 1415 ه - 1995 م.
12 - ابن طاووس، رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد، التشريف بالمنن في التعريف بالفتن المعروف (بالملاحم والفتن)، ط الأولى، 15 شعبان 1416، نشاط، اصفهان، مؤسسة صاحب الأمر عجل الله فرجه.
13 - ابن طاووس، رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد، سعد السعود، منشورات الرضي، طبعة أمير، قم.
14 - ابن عربي،الشيخ محيي الدين،شرح فصوص الحكم لـ (داوود القيصري)، تحقيق آية الله حسن زادة آملي، بوستان كتاب قم، ط 1، 1424 ق - 1382 ش، قم، ايران.
15 - ابن ماجة - الحافظ ابي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجة، تحقيق وتعليق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
16 - اسكندر، عماد كامل عبده، الكتاب المقدّس باللغة العربية، 73 سفراً، الإصدار الثاني، 26 فبراير 2002 م، مصر.
17 - البحراني، السيد هاشم، غاية المرام.
18 - برنيري، ماريا لويزا برنيري،Jourmey theough Utopi ،ترجمة عطيات أبو السعود في عالم المعرفة، رقم 225 عدد أيلول / سبتمبر 1997 م.
19 - البلاغي، محمد جواد، الرحلة المدرسية، نشر توحيد، 1993 م.
20 - ابن كثير، اسماعيل، قصص الانبياء، ط 1، بيروت، دار ابن كثير، 1992 م.
21 - بنتلي، جيمس اكتشاف الكتاب المقدس، ترجمة آسيا محمد الطريحي، ط 1، مصر، سينا للنشر، 1995 م.
22 - الترمذي، الامام الحافظ أبى عيسى محمد بن سورة الترمذي 209 - 279، سنن الترمذي وهو الجامع الصحيح،حققه وصححه عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الفكر للطباعة والنشر.
23 - الصدوق، أبي جعفر محمد بن علي ابن الحسين بن بابويه القمي، الخصال، تصحيح وتعليق على اكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية قم المقدسة، 18 ذى القعدة الحرام 1403 5 شهريور 1362.
24 - تفسير العهد الجديد، ط 2، القاهرة، دار الثقافة، 1988 م.
25 - تفسير العياشي، محمد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي المعروف بالعياشي، كتاب التفسير،تصحيح وتحقيق وتعليق الفاضل السيد هاشم الرسولي المحلاتي،المكتبة العلمية الاسلامية،تهران.
26 - الحداد، يوسف درّة، الانجيل في القرآن، ط3، بيروت، المكتبة البوليسية، 1993 م.
27 - الحر العاملي، المحدث الشيخ محمد بن الحسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقيق مؤسسة آل بيت (ع) لإحياء التراث 1414 ق- 137. قم، ايران.
28 - الحرانى، أبو محمد الحسن بن على بن الحسين بن شعبة الحرانى، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليهم، تصحيح وتعليق على اكبر الغفاري، الطبعة الثانية 1363 - ش 1404 - ق مؤسسة النشر الاسلامي (التابعه) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (ايران).
29 - الحسكاني، الحافظ الكبير عبيد الله بن احمد المعروف بالحاكم الحسكاني الحنفي النسابوري، شواهد التنزيل، تحقيق وتعليق الشيخ محمد باقر المحمودي،مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والارشاد الاسلامي مجمع أحياء الثقافة الاسلامية،الطبعة الاولى 1411 ه - 1990 م طهران، ايران.
30 - حكيمي، محمد رضا، الإمام المهدي في كتب الأُمم السابقة والمسلمين، الدار الإسلامية، ط 1، 1423 هق - 2003 م، لبنان.
31 - الحيدري، كمال، التوحيد بحوث في مراتبه ومعطياته، ط 2، دار فراقد، 2002 م.
32 - خرازي، محسن، بداية المعارف الإلهية، ط 1، قم، الحوزةالعلمية، 1411 هـ.
33 - الخزاز، ابى القاسم على بن محمد بن على الخزاز القمى الرازي،كفاية الأثر في النص على الائمة الاثني عشر، تحقيق السيد عبد اللطيف الحسينى الكوه كمرى الخوئى، انتشارات بيدار، مطعة الخيام - قم (1401 ه).
34 - الخضري، د. حنّا، تأريخ الفكر المسيحي، ط 1، القاهرة، دار الثقافة، 1981 م.
35 - الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي، فقه السيد الخوئي، كتاب الطهارة.
36 - الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي، البيان في تفسير القرآن،دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة الرابعة، 1395 - 1975 م.
37 - خوّام الأب، د.منير، المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية، ط1، بيروت، 1983 م.
38 - الخونساري، أحمد، العقائد الحقة، ط 1، قم، منشورات الدليل، 1421 هـ.
39 - الراغب الاصفهاني، الحسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، ط 1، بيروت، دار الكتب العلمية، 1997 م.
40 - الزين، محمد فاروق، المسيحية والإسلام والاستشراق، ط 2، دمشق، دار الفكر، 2002 م.
41 - السبحاني، جعفر،مفاهيم القرآن،ط2،قم،انتشارات توحيد،1402 هـ.
42 - السيوطي، أبي الفضل جلال الدين عبد الرحمن أبي بكر السيوطي الشافعي، لباب النقول في أسباب النزول،ضبط وتصحيح الأستاذ احمد عبد الشافي، دار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
43 - السيوطي، الامامين الجليلين العلامة جلال الدين محمد بن أحمد المحلي والعلامة جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تفسير الجلالين- المحلي، دار المعرفة، بيروت. لبنان.
44 - السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن ابن أبى بكر، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار الفكر بيروت - لبنان.
45 - الشهرستاني، أبي الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد، الملل والنحل، تحقيق محمد سيد گيلاني ماچستر من كلية آداب جامعة القاهرة، دار المعرفة،بيروت - لبنان.
46 - الشيخ، علي الشيخ، هبة السماء (رحلتي من المسيحية الى الإسلام)، دار الصادقين، المركز الدولي في ايران، ط 1، 2000 م.
47 - الشيخ الطبرسي، تفسير جوامع الجامع، ط الأولى،1420هق، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم المشرفة، ايران.
48 - الصادقي، العلامة الدكتور محمد، الإسلام في الكتب السماوية.
49 - الصادقي، د.محمد، عقائدنا، ط 2، بيروت، مؤسسة النور للمطبوعات، 1994 م.
50 - الصدوق، أبى جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمى، الخصال،
51 - الصدوق، أبى جعفر محمد بن على بن الحسين بن بابويه القمى،كمال الدين وتمام النعمة، تصحيح وتعليق على اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الاسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (ايران)، محرم الحرام 1405 - الموافق ل: مهر 1363.
52 - الصدوق، أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، معاني الأخبار،تصحيح علي أكبر الغفاري، انتشارات اسلامي، جامعة المدرسين، قم 1361 هـ ش.
53 - الطباطبائي، العلامة السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة.
54 - طباطبائي، محمد حسين، بداية الحكمة، ط 19، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1423 هـ.
55 - الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان، ط 1، بيروت، دار احياء التراث العربي، 1982 م.
56 - الطبري، محمدبن جرير، تاريخ الطبري، ط1، بيروت، مؤسسة الاعلمي، 1998م.
57 - الطبسي، الشيخ محمد جواد، الإمام المهدي المصلح العالمي المنتظر، دار الهدى،ط 1، 1426 هق - 1384 هش، نقله الى العربية عبد السلام الترابي، قم، ايران.
58 - الطبسي، الشيخ نجم الدين، جولةٌ في حكومة الإمام المهدي(ع)، ط 1، 1425هق - 2004م، دار اللواء، بيروت، لبنان.
59 - الطهطاوي، محمد عزت، النصرانية في الميزان، ط 1، دمشق، دار القلم، 1995 م.
60 - طويله، عبد الوهاب عبد السلام، المسيح المنتظر ونهاية العالم، دار السلام، ط 1،1999 م - 1419 هـ، القاهرة، مصر.
61 - طَي، د. محمد، المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري، الغدير للدراسات والنشر، ط 1، 1420 هق - 1999م، بيروت، لبنان.
62 - العاملي، الشيخ محمد بن الحسن الحر، وسائل الشيعة الى تحصيل مسائل الشريعة،تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم المشرفة، 1414 ق = 1372هـ ش، الطبعة الثانية، المطبعة: مهر.
63 - عبد الواحد، د. علي عبد الواحد، الأسفار المقدسة في الأديان السابقة، دار الكتب، القاهرة، مصر.
64 - عتريسي، الشيخ جعفر، ماقبل نهاية التأريخ، دار المحجة البيضاء - دار الرسول الأكرم، ط 1، 1423 هش - 2003 م، بيروت لبنان.
65 - عرب،الأستاذ أمير، المهدي المنتظر حقيقة أم خراقة، دار الرسول الأكرم (ص)، دار المجة البيضاء، ط 1، 1418 هق - 1998 م، بيروت، لبنان.
66 - العلمي، عبد الله، سلاسل المناظرة الإسلامية النصرانية، ط 1، 1970 م.
67 - عمرو، الشيخ يوسف محمد،المسيح الموعود والمهدي النتظر، دار المؤرّخ العربي، بيروت - لبنان، ط 1، 1423 هـ - 2002 م.
68 - الغزالي، أبي حامد، الرد الجميل لالهية عيسى بصريح الانجيل، تركيا، دار الشفقة، 1994 م.
69 - الفخر الرازي، التفسير الكبير، ط 1، بيروت، دار احياء التراث العربي، 1995 م.
70 - فرانس، ر.ت، التفسير الحديث للكتاب المقدس، ط 1، القاهرة، دار الثقافة، 1990 م.
71 - الفغالي، الخوري بولس، المدخل إلى الكتاب المقدس، ط 1، بيروت، المكتبة البوليسية، 1994 م.
72 - القرطبي، لابي عبد الله محمد بن أحمد الانصاري القرطبي، الجامع لاحكام القرآن،طبعه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 ه - 1985 م.
73 - الكتاب المقدس، ط 1، بيروت،دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، العهد القديم، الإصدار الثاني 1995.العهد الجديد، ط 1، الإصدار الرابع 1993 م.
74 - الكليني، ثقة الاسلام الشيخ أبى جعفر محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني الرازي رحمه الله المتوفى سنة 328 / 329 ه،الكافي، تعليق: على اكبر الغفاري، دار الكتب الاسلامية، طهران، الطبعة الثالثة.
75 - الكليني، محمد بن يعقوب، الاصول في الكافي، ط 3، طهران، دار الكتب الاسلامية، 1375 هـ ش.
76 - الكوراني، الشيخ علي العاملي، معجم أحاديث الأمام المهدي.
77 - الكوفي، فرات بن إبراهيم الكوفي، تفسير فرات الكوفي، الطبعة الاولى 1410 ه - 1990 م طهران.
78 - الأصفهاني، ميرزا محمد تقي، مكيال المكارم، قم، ايران.
79 - لوقا، ابراهيم، المسيحية في الإسلام، ط 5، 1995 م.
80 - ماكدويل، جوش، نجار وأعظم، ترجمة سمير الشوملي، حياة المحبة في الشرق الاوسط.
81 - المالكي، أحمد بن ادريس، الاجوبة الفاخرة، ط 1، بيروت، دار الكتب العلمية، 1986 م.
82 - مجلة الجامعه الاسلاميه: العدد 3.
83 - المجلسي، محمد باقر المجلسيى، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية المصححة 1403هـ - 1983 م.
84 - المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ط 3، بيروت، دار إحياء التراث العربي،1983م.
85 - مجموعة علماء، معجم اللاهوت الكتابي، ترجمة المطران انطونيوس نجيب، بيروت، لبنان.
86 - مجموعة علماء، التفسير التطبيقي للكتاب المقدس، القاهرة، 1997 م.
87 - مجموعة علماء، قاموس الكتاب المقدس، ط10، القاهرة، دار الثقافة، 1995م.
88 - مدن، يوسف مدن، سيكلوجية الأنتظار،دار الهادي،ط 1، 1422 هـ - 2002 م، بيروت - لبنان.
89 - مصباح، محمد تقي، معارف القرآن، تعريب عبد المنعم الخاقاني، ط 2، بيروت، 1990 م.
90 - المظفر، محمد رضا، عقائد الإمامية، ط 1، قم، مؤسسة الإمام علي، 1417 هـ.
91 - مفرج، طوني، موسوعة المجتمعات الدينية في الشرق الاوسط، ط 1، بيروت، 1995 م.
92 - المفيد، ألشيخ أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي محمد بن النعمان، الإرشاد، ط 3، 1399هـ - 1979م، ونفس الطبعة لسنة 1410هـ - 1989م، مؤسسة الأعلمي، بيروت، لبنان.
93 - مكدونالد، وليم، تفسير الكتاب المقدس، بيروت، 1998 م.
94 - المندلاوي،محمد محمود، نهاية صراع الأديان بظهور المهدي في آخر الزمان، دار المحجة البيضاء - دار الرسول الأكرم (ص)، ط 1، 1422 هـ - 2001 م.
95 - مهاوش، الاستاذ عوده مهاوش ألأردنى، الكتاب المقدس تحت المجهر، ط أولى، إستان رضوي مقدَّس، مشهد، إيران. ونفس الطبعة الأولى، أنصاريان، قم، ايران.
96 - موسوعة الاديان في العالم (المسيحية)،دار كريبس انترناشيونال،2001 م.
97 - الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، تحقيق دار الحديث،ط1،قم، دارالحديث، 1416 هـ.
98 - نور الأبصار: للعلامه المازندرانى، قم المقدَّسة، ايران.
99 - الهيتمي، ابن حجر، الصواعق المحرقه.
100 - ابو حبيب، د. سعدي، القاموس الفقهي.
101 - زين العابدين، د. محمود، قواعد اللغة العربية.
102 - المازندراني، ملة صالح، شرح اصول الكافي.
103 - كمال، د. ربحي كمال، المعجم الحديث، عبري - عربي
104 - النصيري الواسطي، الأستاذ الشيخ كاظم،أهلُ البيت (ع) في الكتاب المقدس، ط 1، 1997 م.
105 - النمازي، الشيخ علي النمازي الشاهرودي، مستدركات علم رجال الحديث.
106 - النيسابوري، محمد بن الفتال الشهيد، روضة الواعظين، منشورات الرضي قم - إيران.
107 - النّيلي، عالم سبيط، الطُّورُ المهدوي، دار المحجة البيضاء، ط 1، 1424 هق - 2003م، بيروت لبنان.
108 - الهاشمي، العلامة السيد باسم، المهدي والمسيح، دار المحجة البيضاء - دار الرسول الأكرم، 1994م - 1414هـ، بيروت، لبنان.
109 - الهندي، رحمة الله بن خليل الرحمن، اظهار الحق، دار الجيل، بيروت، لبنان.
110 - مجلة مجموعة الحكمة، السنة الثالثة، العدد 1 - 2.
الفهرس
الاهداء: 7
كلمة المؤسسة: 9
المقدّمة 11
الفصل الأوّل: 17
الكليّات: (حول عقائدِ الأَديانِ السَّماويَّة) 17
المبحث الأول: التعريف بعقائد الأديان السماويَّةِ 19
المرحلةُ الأُولى: تمهيدٌ في تعريفِ العقيدةِ 19
المرحلةُ الثانية: عقائد الأديان السماويَّةِ، محاولةُ تعريف: 22
المبحث الثاني: نظرة في القرآن الكريم 25
أوَّلاً: تعريفٌ بالقرآن الكريم 26
نزول القرآن الكريم: 26
إعجاز القرآن وبلاغته: 29
ثانياً: خصائصُ القرآن وامتيازاته عَمَّن سواه من الكتب السماويَّة 31
بلاغة القرآن معجزة إلهية: 31
القرآن معجزة خالدة: 33
القرآن والمعارف: 35
القرآن والاتقان في المعاني: 39
القرآن والاخبار بالغيب: 40
القرآن وأسرار الخليقة: 43
مقام القرآن الكريم وأهميَّته وخصائصهُ: 47
1: جامعيَّتهِ وهيمنتهِ: 48
2: حفظهِ الإلهي من التحريفِ وغيرهِ: 49
3: تقييمهُ العلمي مقارنتةً بالكتب الأُخرى: 49
المبحث الثالث: نظرةٌ في الكتاب المقدّس (العهدين) 53
أوَّلاً: التعريفُ بالكتاب المقدّس (العهدين) 53
1: العهد القديم 55
2: العهد الجديد 62
الفصل الثاني: 77
قدسيّةُ ومقامُ منقذ العالم وضرورة وجوده 77
المبحث ألأول: ضرورة وجود المنقذ 81
اولاً: العقائدُ العامّةُ لجميع البشر بمنقذ العالم وحتميّة مجيء يومه الموعود 85
ثانياً: في القرآن الكريم والروايات الشريفة 100
أ: في القرآن الكريم 100
1: آيات وجوب الخلافة والإمامة في كلّ عصر: 101
2: آيات الوعد الإلهيّ بتطهير الأرض وتوريثها للمؤمنين: 103
3: آيات نصرة الدين الحقّ وأهلهُ: 104
4: آياتٌ، في هزيمة الظالمين: 104
ب: في الروايات الشريفة 105
ثالثاً: في العهدين 106
المبحث الثاني: قُدسيَّةُ ومقامُ مُنقذ العالم بلسان الأنبياء (عليهم السلام) 109
اولاً: في القرآن الكريم 109
ثانياً: في العهدين 111
1: يوم الصاحب (المنقذ) يومٌ عظيمٌ مهولٌ: 111
2: العشقُ والإنتظارُ لحبيبهم المنقذ 115
3: أَنَّهُ المقيمُ لمملكةِ العدل والسلام الإلهيّة الكبرى 118
4: أَنَّهُ القائمُ المنتظرُ المطلوبُ بالضرورة 119
5: أنَّهُ هو المدعو لهُ في صلاةِ الأنبياء (ع) 119
الفصل الثالث: 125
حوادث ماقبل ظهور منقذ العالم 125
المبحث الأول: حالة العالم قبل ظهور المنقذ 127
اولاً: الفتنة الكونيّة الكبرى قبل ظهور مدرك الثأر الإلهي 127
1: في القرآن والحديث 127
2: في العهدين 128
ثانياً: دعاء الأنبياء الملحّ لمنقذ العالم واستجابته 133
1: في القرآن والحديث 133
2: في العهدين 134
المبحث الثاني: آيات وعلامات ما قبل ظهور منقذ العالم 139
أوّلاً: نداء السماء باتّباع منقذ البشريّة 139
1: في القرآن الكريم 140
2: في العهدين 143
ثانياً: الدجّالُ والخسفُ وسفكُ الدماءِ 148
1: في القرآن الكريم 148
2: في العهدين 149
ثالثاً: اليأس الذي يعمُّ العالم 150
1: في القرآن الكريم والروايات الشريفة 150
2: في العهدين 154
الفصل الرابع: 157
أحداث ظهور منقذ العالم ومابعد الظهور 157
المبحث الأول:حالة العالم قُبَيلَ الظهور وعند الظهور وبعدَهُ وكيفية الظهور 159
أولاً: إنتظار القائم وطلب الشعوب لهُ: 159
1: في القرآن الكريم والروايات الشريفة 159
2: في العهدين 161
ثانياً: الضيقُ والحرجُ والعسرُ وتضرُّر المؤمنين 169
1: في القرآن الكريم والروايات الشريفة 169
2: في العهدين 171
المبحث الثاني: أوصافُ القائم المنقذ 173
اولاً: أوصاف القائم المقذ في القرآن والروايات 173
1: أنه الكوكب الدري: 173
2: أنَّهُ القوَّة وأصحابهُ الركن الشديد: 175
3: أنَّهُ بقيَّةُ الله: 175
4: أنَّهُ السراط السوي : 176
5: وأنَّهُ يُسلِمُ لهُ من في السماوات والأرض: 176
6: وأنهُ هو (الغيب والآية): 177
7: ومن بقيَّةِ أسمائهِ وأوصافه ونعوتهِ الشريفة: 178
أ: في جمالهِ وعدلهِ والرِّضى بخلافته: 178
ب: في عددٍ من أوصافهِ وأسمائهِ وكراماتهِ: 178
ج: في إشياق الجنَّة وحبِّ الله ورسولهُ للقائم المنقذ: 179
د: في شجاعتهِ الإلهية وكرمهِ وعلمهِ وخُلُقِهِ: 180
هـ: أنَّه محبوب في عموم الخلائق: 180
ثانياً: أوصاف القائم المنقذ في العهدين 181
1: العلم الرباني لمنقذ العالم 181
2: شدة المنقذ وقوّته الربانيّة 181
3: جمالُ منقذ العالم ظاهراً وباطناً 183
4: عبدُ الله المختار والمسدَّد بروحه 184
المبحث الثالث: أوصاف حكومة منقذ العالم ودولته 187
أوّلاً: حكم منقذ العالم بالعدل والإنصاف 187
1: في القرآن الكريم 187
2: في العهدين: 188
ثانياً: إنتقام المصلح الأعظم من الظالمين 190
1: في القرآن الكريم والروايات الشريفة 190
2: في العهدين 191
ثالثاً: حلول السلام في عهد المنقذ 192
1: في القرآن الكريم والروايات الشريفة 192
أ: اتمام النور وإنتهاء الظلم بالقائم: 192
ب: بخروجه تضع الحرب أوزارها: 193
ج: وفي عصره يعمُّ السلام والإسلام: 194
2: في العهدين 194
رابعاً: سموّ المعارف في عهد منقذ العالم 195
1: في القرآن الكريم والروايات الشريفة 195
2: في العهدين 200
خامساً: الحكومة الإلهية العالمية الواحدة 200
النواةُ الأُولى للدولة العالمية: 203
جمعُ الإرث الإلهي في الدولة العالمية وتوحيده: 204
الدولةُ العالمية والإرث الإلهيّ في القرآن والعهدين 204
الفصل الخامس: قواعد ومتبنَّيات ثورة المنقذ 207
في القرآن والعهدين 207
المبحث الأول: «الأسس الشرعيّة والتأريخيّة لثورة المصلح العالميّة» 209
اولاً: في القرآن الكريم 210
ثانياً: في العهدين 214
المبحث الثاني: المنتقم من الظالمين صنيعةُ ربّ العالمين 219
اولاً: في القرآن والروايات الشريفة 220
ثانياً: في العهدين 222
الخاتمة: 231
وفي الختام: 239
فَهْرَسُ مَصادِرِ البَحْثِ 241