بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدالله الذي يؤتي الحكمة من يشاء ، وم يؤت الحكمة أوتى خيراً كثيراً. من الصلاة والسلام على من بعثه رسولاً يعلّم الكتاب والحكمة ، ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والمؤعظة الحسنة وعلى وصيّه وباب مدينة علمه وكلمته ، وعلى سائر خلفائه المعصومين الهداة المهديين ، لاسيّما الذي لبس للحكة جنتها وأخذها بجميع أدبها من الاقبال عليها ، والمعرفة بها ، والتفرغ لها ، وهى عند نفسه ضالّته التي يطلبها ، وحاجته التي يسأل عنها. فهو مغترب إذا اغترب الاسلام وضرب بعسيب ذنبه وألصق الأرض بجرانه ، بقية حججه ، خليفة من خلائف أنبيائه ، عجل الله تعالى فرجه ووفقنا لطاعته وزادنا معرفة به ، ومحبه له ، ومنّ علينا برضاه ، آمين.

أمّا بعد ، فانّ موقف المعاهد الثقافية الاسلامية ، بوصفها جهازاً مرشداً في بنية المجتمع ، لا يزال يشتدّ خطورة ، تجاه الظروف القاسية التي تتجد ، يوماً فيوماً. وخاصة بالنظر إلى ما أتحفه التقدم الصناعي للعالم الانساني وللشعوب الاسلامية بوجه خاص ، من الكوارث والماسي الصخمة التي لا تكاد تحصى وإنّ من أعظم تلك الكوارث شيوع نزعات مادية إلحادية ، واخرى دينيّة محرّفة تنبثق من الجهل ، وترتضع من ثدى الأخلاد إلى أرض الطبيعة ، وتتبلور في ما ترتضيه الأهواء. ومن جرّاء ذلك ما يستثار من الشبهات والوساوس حول


المعارف الحقة ، وما يبتدع من الاراء والمقاييس في حقل المسائل الشرعية ، وما إليها ممّا يوقع ضعفاء الايمان في مهابط الغي والعمى ، ومهاوي الضلال والهلاك.

وبالرغم من اشتداد خطورة الموقف ، فان انتهاج المناهج الراقية الرصينة ، واتخاذ السبل القيمة المرضية يترائى في غاية الصعوبة ، كأنّ المسالك لاتزال تتضاعف وعورة! والسالك استيئاسه ، لولا ومضات تشعّ حيناً بعد حنين ، ونفحات من روح ربّ العالمين.

والذي لا يرتاب فيه أنّ ذلك التقدم المادي بحاجة شديدة إلى تقدم معنوي بازائه ، يعالج إصلاح ما يفسده ، وترويج ما يكسده ، وتعمير ما يخرجه ، وإتمام ما ينقصه ، ولايكاد يوجد للإبطاء والتساهل والتأخر والتكاسل ، فى السعي وراءه ، والكفاح أمامه ، إلّا ما ربما يعتذر به من إعواز الوسائل وفقد الأسباب وعدم مساعدة الظروف!

ولعمري إنّ من يعد بتيسر جميع الأسباب ومساعدة كافّة الظروف لمغرور منخدع ، إن لم يكن غاراً خادعاً!

فعلى كلّ عالم واع ، ومتعلم ساع ، ومسلم بصير في دينه عارف بواجبه ، أن يسعى بكلّ طاقاته وراء الحركة الثقافية الاسلامية لتسريعها وإنجاحها ، حتّى يؤدى بعض بعض ما لعيه من حق الدين ، ومن الله التوفيق.

ثمّ إنّ من أهمّ ما يهمنا ـ ونحن في الخطواة الأولى من حركتنا الحديثة ـ وضع برامج قومية ، وكتب دارسية مهذّبه ، لا مخلة ولا مملة.

وبهذا الصدد ، فقد مددنا يد الحاجة إلى سماحة العلامة الأوحدى ، السيد محمد حسين الطباطبائي ـ أدام الله ظلاله ـ ليتمعنا بكتبابين في الحكمة الإلهيّة ، للدارسة في صفوف المنتظرية ، فمن علينا ـ بحمدالله تعالى ـ باسعاف حاجتنا وإجابة مسؤولنا. فجاء الكتاب الأوّل ـ كما كان المرجوّ


منه ـ بديعاً رائعاً ، قويم المنهج ، سهل المخرج وافر الفوائد على إيجازه ، واضح المطالب على إتقانه ، فلسماحة الشكر الواصب والثناء العاطر.

ونسأل الله تعالى تأييده لانجاز ما وعدنا من إتمام إحسانه ، وتعزيز إنعامه بثاني الكتابين ، ونسأل له مزيد التوفيق لسائر ما يقدمه إلى المجتمع الثقافي من خدمات هامّة ، وما يبذله من جهود جبّارة ، ابتغاء وجه ربه الأعلى. والله تعالى هو المسؤول لتوفيقه أجره وإيصاله إلى مبتغاه ، وهو المسؤول لأنّ يمتّعنا ببقائه ، ويعززنا بأمثاله ، والله ذوالفضل العظيم.

وله الحمد أوّلاً وآخراً ، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين

المدرسة المنتظرية ـ بـ (قم)


بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

في تعريف هذا الفن وموضوعه وغايته

الحمد لله وله الثناء بحقيقته ، والصلاة والسلام على رسوله محمد ، خير خليقته وآله الطاهرين من أهل بيته وعترته.

الحكمة الإلهية علم يبحث فيه ، عن أحوال الموجود بما هو موجود ، وموضوعها الذي يبحث فيه عن أعراضه الذاتية ، هو الموجود بما هو موجود ، وغايتها معرفة الموجودات على وجه كلي ، وتمييزها مما ليس بموجود حقيقي.

توضيح ذلك ، أن الإنسان يجد من نفسه ، أن لنفسه حقيقة وواقعية ، وأن هناك حقيقة وواقعية وراء نفسه ، وأن له أن يصيبها ، فلا يطلب شيئا من الأشياء ، ولا يقصده إلا من جهة ، أنه هو ذلك الشيء في الواقع ، ولا يهرب من شيء ولا يندفع عنه ، إلا لكونه هو ذلك الشيء في الحقيقة.

فالطفل الذي يطلب الضرع مثلا ، إنما يطلب ما هو بحسب الواقع لبن ، لا ما هو بحسب التوهم والحسبان كذلك.

والإنسان الذي يهرب من سبع ، إنما يهرب مما هو بحسب الحقيقة ، سبع لا بحسب التوهم والخرافة.

لكنه ربما أخطأ في نظره ، فرأى ما ليس بحق حقا واقعا في الخارج ،


كالبخت والغول ، أو اعتقد ما هو حق واقع في الخارج ، باطلا خرافيا كالنفس المجردة والعقل المجرد ، فمست الحاجة ، بادئ بدء إلى معرفة أحوال الموجود ، بما هو موجود الخاصة به ، ليميز بها ما هو موجود في الواقع ، مما ليس كذلك ، والعلم الباحث عنها هو الحكمة الإلهية.

فالحكمة الإلهية هي ، العلم الباحث عن أحوال الموجود ، بما هو موجود ، ويسمى أيضا الفلسفة الأولى ، والعلم الأعلى ، وموضوعه الموجود بما هو موجود ، وغايته تمييز الموجودات الحقيقية من غيرها ، ومعرفة العلل العالية للوجود ، وبالأخص العلة الأولى ، التي إليها تنتهي سلسلة الموجودات ، وأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، وهو الله عز إسمه.



المرحلة الأولى

في كليات مباحث الوجود

وفيها اثنا عشر فصلا ً


الفصل الأول

في بداهة مفهوم الوجود

مفهوم الوجود بديهي معقول بنفس ذاته ، لا يحتاج فيه إلى توسيط شيء آخر ، فلا معرف له من حد أو رسم ، لوجوب كون المعرف أجلى وأظهر من المعرف ، فما أورد في تعريفه ، من أن الوجود أو الموجود بما هو موجود ، هو الثابت العين أو الذي يمكن أن يخبر عنه ، من قبيل شرح الاسم دون المعرف الحقيقي ، على أنه سيجيء(1) أن الوجود ، لا جنس له ولا فصل له ولا خاصة له ، بمعنى إحدى الكليات الخمس ، والمعرف يتركب منها فلا معرف للوجود

الفصل الثاني

في أن مفهوم الوجود مشترك معنوي

يحمل الوجود على موضوعاته ، بمعنى واحد اشتراكا معنويا.

ومن الدليل عليه ، أنا نقسم الوجود إلى أقسامه المختلفة ، كتقسيمه إلى وجود الواجب ووجود الممكن ، وتقسيم وجود الممكن إلى وجود الجوهر ووجود العرض ، ثم وجود الجوهر إلى أقسامه ، ووجود العرض إلى أقسامه ، ومن المعلوم أن التقسيم يتوقف في صحته ، على وحدة المقسم ووجوده في الأقسام.

__________________

(1) في الفصل السابع.


ومن الدليل عليه ، أنا ربما أثبتنا وجود شيء ثم ترددنا في خصوصية ذاته ، كما لو أثبتنا للعالم صانعا ، ثم ترددنا في كونه واجبا أو ممكنا ، وفي كونه ذا ماهية أو غير ذي ماهية ، وكما لو أثبتنا للإنسان نفسا ، ثم شككنا في كونها مجردة أو مادية وجوهرا أو عرضا ، مع بقاء العلم بوجوده على ما كان ، فلو لم يكن للوجود معنى واحد ، بل كان مشتركا لفظيا متعددا معناه بتعدد موضوعاته ، لتغير معناه بتغير موضوعاته ، بحسب الاعتقاد بالضرورة.

ومن الدليل عليه ، أن العدم يناقض الوجود وله معنى واحد ، إذ لا تمايز في العدم ، فللوجود الذي هو نقيضه معنى واحد ، وإلا ارتفع النقيضان وهو محال.

والقائلون باشتراكه اللفظي بين الأشياء ، أو بين الواجب والممكن ، إنما ذهبوا إليه حذرا من لزوم السنخية ، بين العلة والمعلول مطلقا(1) ، أو بين الواجب والممكن(2) ، ورد بأنه يستلزم تعطيل العقول عن المعرفة ، فإنا إذا قلنا الواجب موجود ، فإن كان المفهوم منه المعنى ، الذي يفهم من وجود الممكن ، لزم الاشتراك المعنوي ، وإن كان المفهوم منه ما يقابله وهو مصداق نقيضه ، كان نفيا لوجوده تعالى عن ذلك ، وإن لم يفهم منه شيء كان تعطيلا للعقل عن المعرفة ، وهو خلاف ما نجده من أنفسنا بالضرورة.

الفصل الثالث

في أن الوجود زائد على الماهية عارض لها

بمعنى أن المفهوم من أحدهما غير المفهوم من الآخر ، فللعقل أن يجرد الماهية ، وهي ما يقال في جواب ما هو عن الوجود ، فيعتبرها وحدها فيعقلها ، ثم

__________________

(1) هذا على القول باشتراكه اللفظي بين الاشياء ـ منه دام ظله.

(2) هذا على القول باشتراكه اللفظي بين الواجب والممكنه ـ منه دام ظله.


يصفها بالوجود وهو معنى العروض ، فليس الوجود عينا للماهية ولا جزءا لها.

والدليل عليه أن الوجود يصح سلبه عن الماهية ، ولو كان عينا أو جزءا لها لم يصح ذلك ، لاستحالة سلب عين الشيء وجزئه عنه.

وأيضا حمل الوجود على الماهية يحتاج إلى دليل ، فليس عينا ولا جزءا لها لأن ذات الشيء ، وذاتياته بينة الثبوت له لا تحتاج فيه إلى دليل.

وأيضا الماهية متساوية النسبة في نفسها ، إلى الوجود والعدم ، ولو كان الوجود عينا أو جزءا لها ، استحالت نسبتها إلى العدم الذي هو نقيضه

الفصل الرابع

في أصالة الوجود واعتبارية الماهية

إنا لا نرتاب في أن هناك أمورا واقعية ، ذات آثار واقعية ليست بوهم الواهم ، ثم ننتزع من كل من هذه الأمور المشهودة لنا ، في عين أنه واحد في الخارج مفهومين اثنين ، كل منهما غير الآخر مفهوما وإن اتحدا مصداقا ، وهما الوجود والماهية ، كالإنسان الذي في الخارج ، المنتزع عنه أنه إنسان وأنه موجود.

وقد اختلف الحكماء في الأصيل منهما ، فذهب المشاءون ، إلى أصالة الوجود ، ونسب إلى الإشراقيين ، القول بأصالة الماهية ، وأما القول بأصالتهما معا فلم يذهب إليه أحد منهم ، لاستلزام ذلك كون كل شيء شيئين اثنين ، وهو خلاف الضرورة.

والحق ما ذهب إليه المشاءون ، من أصالة الوجود.

والبرهان عليه أن الماهية من حيث هي ليست إلا هي ، متساوية


النسبة إلى الوجود والعدم ، فلو لم يكن خروجها من حد الاستواء إلى مستوى الوجود ، بحيث تترتب عليها الآثار بواسطة الوجود ، كان ذلك منها انقلابا وهو محال بالضرورة ، فالوجود هو المخرج لها عن حد الاستواء فهو الأصيل.

وما قيل إن الماهية بنسبة مكتسبة من الجاعل ، تخرج من حد الاستواء ، إلى مرحلة الأصالة فتترتب عليها الآثار ، مندفع بأنها إن تفاوتت حالها بعد الانتساب ، فما به التفاوت هو الوجود الأصيل ، وإن سمي نسبة إلى الجاعل ، وإن لم تتفاوت ومع ذلك حمل عليها أنها موجودة ، وترتبت عليها الآثار كان من الانقلاب كما تقدم.

برهان آخر الماهيات مثار الكثرة والاختلاف بالذات ، فلو لم يكن الوجود أصيلا ، لم تتحقق وحدة حقيقية ولا اتحاد بين ماهيتين ، فلم يتحقق الحمل الذي هو الاتحاد في الوجود ، والضرورة تقضي بخلافه ، فالوجود هو الأصيل الموجود بالذات ، والماهية موجودة به.

برهان آخر الماهية توجد بوجود خارجي ، فتترتب عليها آثارها وتوجد بعينها بوجود ذهني ، كما سيأتي ، فلا يترتب عليها شيء من تلك الآثار ، فلو لم يكن الوجود هو الأصيل ، وكانت الأصالة للماهية وهي محفوظة في الوجودين ، لم يكن فرق بينهما والتالي باطل فالمقدم مثله.

برهان آخر الماهية من حيث هي ، تستوي نسبتها إلى التقدم والتأخر ، والشدة والضعف والقوة والفعل ، لكن الأمور الموجودة في الخارج ، مختلفة في هذه الأوصاف ، فبعضها متقدم أو قوي كالعلة ، وبعضها بخلاف ذلك كالمعلول ، وبعضها بالقوة وبعضها بالفعل ، فلو لم يكن الوجود هو الأصيل ، كان اختلاف هذه الصفات مستندة إليها ، وهي متساوية النسبة إلى الجميع هذا خلف ، وهناك حجج أخرى مذكورة في المطولات.

وللقائلين بأصالة الماهية ، واعتبارية الوجود حجج مدخولة ، كقولهم لو كان الوجود أصيلا كان موجودا في الخارج ، فله وجود ولوجوده وجود


فيتسلسل وهو محال.

وأجيب عنه بأن الوجود موجود ، لكن بنفس ذاته لا بوجود آخر ، فلا يذهب الأمر إلى غير النهاية.

ويظهر مما تقدم ، ضعف قول آخر في المسألة منسوب إلى المحقق الدواني ، وهو أصالة الوجود في الواجب تعالى ، وأصالة الماهية في الممكنات ، وعليه فإطلاق الموجود على الواجب ، بمعنى أنه نفس الوجود ، وعلى الماهيات بمعنى أنها منتسبة إلى الوجود ، كاللابن والتامر بمعنى المنتسب إلى اللبن والتمر ، هذا وأما على المذهب المختار فالوجود موجود بذاته ، والماهية موجودة بالعرض.

الفصل الخامس

في أن الوجود حقيقة واحدة مشككة

اختلف القائلون بأصالة الوجود ، فذهب بعضهم إلى أن الوجود حقيقة واحدة مشككة ، وهو المنسوب إلى الفهلويين ، من حكماء الفرس ، فالوجود عندهم ، لكونه ظاهرا بذاته مظهرا لغيره من الماهيات ، كالنور الحسي الذي هو ظاهر بذاته مظهر لغيره ، من الأجسام الكثيفة للأبصار.

فكما أن النور الحسي نوع واحد ، حقيقته أنه ظاهر بذاته مظهر لغيره ، وهذا المعنى متحقق في جميع مراتب الأشعة والأظلة ، على كثرتها واختلافها ، فالنور الشديد شديد في نوريته ، التي يشارك فيها النور الضعيف ، والنور الضعيف ضعيف في نوريته ، التي يشارك فيها النور الشديد ، فليست شدة الشديد منه جزءا مقوما للنورية ، حتى يخرج الضعيف منه ، ولا عرضا خارجا عن الحقيقة ، وليس ضعف الضعيف قادحا في نوريته ، ولا أنه مركب من النور والظلمة لكونها أمرا عدميا ، بل شدة الشديد في أصل النورية وكذا ضعف الضعيف ،


فللنور عرض عريض ، باعتبار مراتبه المختلفة بالشدة والضعف ، ولكل مرتبة عرض عريض ، باعتبار القوابل المختلفة من الأجسام الكثيفة.

كذلك الوجود حقيقة واحدة ذات مراتب مختلفة ، متمايزة بالشدة والضعف والتقدم والتأخر وغير ذلك ، فيرجع ما به الامتياز فيها إلى ما به الاشتراك ، وما به الاختلاف إلى ما به الاتحاد ، فليست خصوصية شيء من المراتب جزءا مقوما للوجود ، لبساطته كما سيجيء(1) ولا أمرا خارجا عنه ، لأن أصالة الوجود تبطل ما هو غيره الخارج عنه ، بل الخصوصية في كل مرتبة مقومة لنفس المرتبة ، بمعنى ما ليس بخارج منها.

ولها كثرة طولية باعتبار المراتب المختلفة ، الآخذة من أضعف المراتب ، وهي التي لا فعلية لها إلا عدم الفعلية ، وهي المادة الأولى الواقعة في أفق العدم ، ثم تتصاعد(2) المراتب ، إلى أن تنتهي إلى المرتبة الواجبة لذاتها ، وهي التي لا حد لها إلا عدم الحد ، ولها كثرة عرضية ، باعتبار تخصصها بالماهيات المختلفة ، التي هي مثار الكثرة.

وذهب قوم من المشاءين ، إلى كون الوجود حقائق متباينة بتمام ذواتها ، أما

__________________

(1) في الفصل السابع

(2) توضيحه : أنا إذا اعتبرنا مراتب هذه الحقيقة آخذة من أضعف المراتب ، كانت المرتبة الثانية التي فوقها أشد منها وأقوى ، وكانت الثالثة التي فوق الثانية أشد مما تحتها وأقوى ، وهكذا حتى تنتهي إلى المرتبة العليا التي فوق الجميع.

ثم إذا أخذنا بعض المراتب المتوسطة وقسناها إلى ما فوقها ، كانت التي فوقها مشتملة على ما فيها من الكمال وزيادة ، بخلاف التي تحتها ، فإذن التي تحتها محدودة بالنسبة إلى ما فوقها فاقدة لتمام كمالها ، ثم إذا قسنا التي فوق إلى التي فوقها كانت أيضا محدودة بالنسبة إلى ما فوقها.

وعلى هذا القياس ، حتى تنتهي إلى المرتبة التي هي فوق الجميع ، فما دونها محدودة بالنسبة إليها ، وهي مطلقة غير محدودة بحد عدمي ، وإن شئت فقل : «حدها أنه لا حد لها».

وأما المرتبة التي تحت الجميع ، ففيها كل حد عدمي ، وليس لها من الكمال إلا أنها تقبل الكمال ، وهي الهيولى الأولى ـ منه رحمه الله.


كونه حقائق متباينة فلاختلاف آثارها ، وأما كونها متباينة بتمام الذوات فلبساطتها ، وعلى هذا يكون مفهوم الوجود المحمول عليها ، عرضيا خارجا عنها(1) لازما لها.

والحق أنه حقيقة واحدة مشككة ، أما كونها حقيقة واحدة فلأنه لو لم تكن كذلك ، لكانت حقائق مختلفة متباينة بتمام الذوات ، ولازمه كون مفهوم الوجود وهو مفهوم واحد كما تقدم(2) ، منتزعا من مصاديق متباينة بما هي متباينة وهو محال ، بيان الاستحالة أن المفهوم والمصداق واحد ذاتا ، وإنما الفارق كون الوجود ذهنيا أو خارجيا ، فلو انتزع الواحد بما هو واحد من الكثير بما هو كثير ، كان الواحد بما هو واحد كثيرا بما هو كثير وهو محال.

وأيضا لو انتزع المفهوم الواحد بما هو واحد ، من المصاديق الكثيرة بما هي كثيرة ، فإما أن تعتبر في صدقه خصوصية هذا المصداق ، لم يصدق على ذلك المصداق ، وإن اعتبر فيه خصوصية ذاك لم يصدق على هذا ، وإن اعتبر فيه الخصوصيتان معا لم يصدق على شيء منهما ، وإن لم يعتبر شيء من الخصوصيتين ، بل انتزع من القدر المشترك بينهما ، لم يكن منتزعا من الكثير بما هو كثير بل بما هو واحد ، كالكلي المنتزع من الجهة المشتركة بين الأفراد ، الصادق على الجميع هذا خلف.

وأما أن حقيقته مشككة ، فلما يظهر من الكمالات الحقيقية المختلفة ، التي هي صفات متفاضلة ، غير خارجة(3) عن الحقيقة الواحدة كالشدة والضعف ، والتقدم والتأخر والقوة والفعل وغير ذلك ، فهي حقيقة واحدة متكثرة في

__________________

(1) اذ لو كان داخلا ، كان جزءاً ؛ وينافي ذلك البساطة ـ منه دام ظله.

(2) في الفصل الثاني

(3) اذ لو كانت خارجة من حقيقة الوجود ، كانت بالطلة ، لانحصار الأصالة في الوجود ـ منه دام ظله.


ذاتها ، يرجع فيها كل ما به الامتياز إلى ما به الاشتراك ، وبالعكس وهذا هو التشكيك.

الفصل السادس

في ما يتخصص به الوجود

تخصص الوجود بوجوه ثلاثة ، أحدها تخصص حقيقته الواحدة الأصلية ، بنفس ذاتها القائمة بذاتها ، وثانيها تخصصها بخصوصيات مراتبها ، غير الخارجة عن المراتب ، وثالثها تخصص الوجود ، بإضافته إلى الماهيات المختلفة الذوات ، وعروضه لها فيختلف باختلافها بالعرض.

وعروض الوجود للماهية وثبوته لها ، ليس من قبيل العروض المقولي ، الذي يتوقف فيه ثبوت العارض على ثبوت المعروض قبله ، فإن حقيقة ثبوت الوجود للماهية هي ثبوت الماهية به ، لأن ذلك هو مقتضى أصالته واعتباريتها ، وإنما العقل لمكان أنسه بالماهيات ، يفترض الماهية موضوعه ، ويحمل الوجود عليها وهو في الحقيقة من عكس الحمل.

وبذلك يندفع الإشكال ، المعروف في حمل الوجود على الماهية ، من أن قاعدة الفرعية أعني أن ، ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له ، توجب ثبوتا للمثبت له قبل ثبوت الثابت ، فثبوت الوجود للماهية يتوقف على ثبوت الماهية قبله ، فإن كان ثبوتها عين ثبوته لها ، لزم تقدم الشيء على نفسه ، وإن كان غيره توقف ثبوته لها على ثبوت آخر لها ، وهلم جرا فيتسلسل.

وقد اضطر هذا الإشكال بعضهم إلى القول ، بأن القاعدة مخصصة بثبوت الوجود للماهية ، وبعضهم إلى تبديل الفرعية بالاستلزام ، فقال الحق أن


ثبوت شيء لشيء ، مستلزم لثبوت المثبت له ولو بهذا الثابت ، وثبوت الوجود للماهية مستلزم لثبوت الماهية ، بنفس هذا الوجود فلا إشكال.

وبعضهم إلى القول بأن الوجود ، لا تحقق له ولا ثبوت في ذهن ولا في خارج ، وللموجود معنى بسيط يعبر عنه بالفارسية ب‍ هست ، والاشتقاق صوري فلا ثبوت له ، حتى يتوقف على ثبوت الماهية.

وبعضهم إلى القول بأن الوجود ، ليس له إلا المعنى المطلق وهو معنى الوجود العام ، والحصص وهو المعنى العام مضافا إلى ماهية ماهية ، بحيث يكون التقييد داخلا والقيد خارجا ، وأما الفرد وهو مجموع المقيد والتقييد والقيد ، فليس له ثبوت.

وشيء من هذه الأجوبة(1) على فسادها لا يغني طائلا ، والحق في الجواب ما تقدم ، من أن القاعدة إنما تجري في ثبوت شيء لشيء ، لا في ثبوت الشيء ، وبعبارة أخرى مجرى القاعدة هو الهلية المركبة ، دون الهلية البسيطة كما في ما نحن فيه

الفصل السابع

في أحكام الوجود السلبية

منها أن الوجود لا غير له ، وذلك لأن انحصار الأصالة في حقيقته ، يستلزم بطلان كل ما يفرض غيرا له أجنبيا عنه ، بطلانا ذاتيا.

ومنها أنه لا ثاني له لأن أصالة حقيقته الواحدة ، وبطلان كل ما يفرض غيرا له ، ينفى عنه كل خليط داخل فيه أو منضم إليه ، فهو صرف في

__________________

(1) والأبحاث السابقة تكفى مؤونة إبطال هذه الأجوبة ـ منه دام ظله.


نفسه وصرف الشيء لا يتثنى ولا يتكرر ، فكل ما فرض له ثانيا عاد أولا ، وإلا امتاز عنه بشيء غيره داخل فيه أو خارج عنه ، والمفروض انتفاؤه هذا خلف.

ومنها أنه ليس جوهرا ولا عرضا ، أما أنه ليس جوهرا فلأن الجوهر ماهية ، إذا وجدت في الخارج وجدت لا في الموضوع ، والوجود ليس من سنخ الماهية ، وأما أنه ليس بعرض ، فلأن العرض متقوم الوجود بالموضوع ، والوجود متقوم بنفس ذاته وكل شيء متقوم به.

ومنها أنه ليس جزءا لشيء ، لأن الجزء الآخر المفروض غيره والوجود لا غير له.

وما قيل إن كل ممكن زوج تركيبي من ماهية ووجود ، فاعتبار عقلي ، ناظر إلى الملازمة بين الوجود الإمكاني والماهية ، لا أنه تركيب من جزءين أصيلين.

ومنها أنه لا جزء له ، لأن الجزء إما جزء عقلي كالجنس والفصل ، وإما جزء خارجي كالمادة والصورة ، وإما جزء مقداري ، كأجزاء الخط والسطح والجسم التعليمي ، وليس للوجود شيء من هذه الأجزاء.

أما الجزء العقلي ، فلأنه لو كان للوجود جنس وفصل ، فجنسه إما الوجود فيكون فصله المقسم مقوما ، لأن الفصل بالنسبة إلى الجنس ، يفيد تحصل ذاته لا أصل ذاته ، وتحصل الوجود هو ذاته هذا خلف ، وإما غير الوجود ولا غير للوجود.

وأما الجزء الخارجي وهو المادة والصورة ، فلأن المادة والصورة هما الجنس والفصل ، مأخوذين بشرط لا ، فانتفاء الجنس والفصل يوجب انتفاءهما.

وأما الجزء المقداري فلأن المقدار من عوارض الجسم ، والجسم مركب من المادة والصورة ، وإذ لا مادة ولا صورة للوجود فلا جسم له ، وإذ لا


جسم له فلا مقدار له.

ومما تقدم يظهر أنه ليس نوعا ، لأن تحصل النوع بالتشخص الفردي ، والوجود متحصل بنفس ذاته.

الفصل الثامن

في معنى نفس الأمر

قد ظهر مما تقدم(1) ، أن لحقيقة الوجود ثبوتا وتحققا بنفسه ، بل الوجود عين الثبوت والتحقق ، وأن للماهيات وهي التي تقال في جواب ما هو ، وتوجد تارة بوجود خارجي فتظهر آثارها ، وتارة بوجود ذهني فلا تترتب عليها الآثار ، ثبوتا وتحققا بالوجود لا بنفس ذاتها ، وإن كانا متحدين في الخارج ، وأن المفاهيم الاعتبارية العقلية ، وهي التي لم تنتزع من الخارج ، وإنما اعتبرها العقل بنوع من التعمل ، لضرورة تضطره إلى ذلك ، كمفاهيم الوجود والوحدة والعلية ونحو ذلك ، أيضا لها نحو ثبوت بثبوت مصاديقها المحكية بها ، وإن لم تكن هذه المفاهيم مأخوذة في مصاديقها ، أخذ الماهية في أفرادها وفي حدود مصاديقها.

وهذا الثبوت العام الشامل لثبوت الوجود والماهية ، والمفاهيم الاعتبارية العقلية ، هو المسمى بنفس الأمر ، التي يعتبر صدق القضايا بمطابقتها فيقال ، إن كذا كذا في نفس الأمر.

توضيح ذلك أن من القضايا ، ما موضوعها خارجي بحكم خارجي ، كقولنا الواجب تعالى موجود ، وقولنا خرج من في البلد ، وقولنا

__________________

(1) الفصل الرابع


الإنسان ضاحك بالقوة ، وصدق الحكم فيها بمطابقته للوجود العيني.

ومنها ما موضوعها ذهني بحكم ذهني ، أو خارجي مأخوذ بحكم ذهني ، كقولنا الكلي إما ذاتي أو عرضي والإنسان نوع ، وصدق الحكم فيها بمطابقته للذهن ، لكون موطن ثبوتها هو الذهن ، وكلا القسمين صادقان بمطابقتهما لنفس الأمر ، فالثبوت النفس الأمري أعم مطلقا ، من كل من الثبوت الذهني والخارجي.

وقيل إن نفس الأمر عقل مجرد فيه صور المعقولات عامة ، والتصديقات الصادقة في القضايا الذهنية والخارجية ، تطابق ما عنده من الصور المعقولة.

وفيه أنا ننقل الكلام إلى ما عنده من الصور العلمية ، فهي تصديقات تحتاج في صدقها ، إلى ثبوت لمضامينها خارج عنها تطابقه.

الفصل التاسع

الشيئية تساوق الوجود

الشيئية تساوق الوجود والعدم لا شيئية له ، إذ هو بطلان محض لا ثبوت له ، فالثبوت والنفي في معنى الوجود والعدم.

وعن المعتزلة أن الثبوت أعم مطلقا من الوجود ، فبعض المعدوم ثابت عندهم وهو المعدوم الممكن ، ويكون حينئذ النفي أخص من العدم ، ولا يشمل إلا المعدوم الممتنع.

وعن بعضهم أن بين الوجود والعدم واسطة ، ويسمونها الحال ، وهي صفة الموجود التي ليست بموجودة ولا معدومة ، كالعالمية والقادرية والوالدية ، من الصفات الانتزاعية التي لا وجود منحازا لها ، فلا يقال إنها موجودة ، والذات الموجودة تتصف بها فلا يقال إنها معدومة ، وأما الثبوت والنفي


فهما متناقضان لا واسطة بينهما ، وهذه كلها أوهام يكفي في بطلانها قضاء الفطرة ، بأن العدم بطلان لا شيئية له.

الفصل العاشر

في أنه لا تمايز ولا علية في العدم

أما عدم التمايز فلأنه فرع الثبوت والشيئية ، ولا ثبوت ولا شيئية في العدم ، نعم ربما يتميز عدم من عدم ، بإضافة الوهم إياه إلى الملكات وأقسام الوجود ، فيتميز بذلك عدم من عدم ، كعدم البصر وعدم السمع وعدم زيد وعدم عمرو ، وأما العدم المطلق فلا تميز فيه.

وأما عدم العلية في العدم ، فلبطلانه وانتفاء شيئيته ، وقولهم عدم العلة علة لعدم المعلول ، قول على سبيل التقريب والمجاز(1) ، فقولهم مثلا لم يكن غيم فلم يكن مطر معناه بالحقيقة ، أنه لم يتحقق العلية التي بين وجود الغيم ووجود المطر ، وهذا كما قيل ، نظير إجراء أحكام القضايا الموجبة في السالبة ، فيقال سالبة حملية وسالبة شرطية ونحو ذلك ، وإنما فيها سلب الحمل وسلب الشرط.

__________________

(1) فإن قلت : فعلى هذا ، ما ذكرتم مثالا للقضية التي موضوعها المفهوم الاعتباري العقلي أيضا يكون على سبيل التقريب والمجاز.

قلت : إنما مثلنا بها للقضية النفس الأمرية ، وكون الحمل في القضية على التقريب والمجاز لا يخرجها عن الصدق ولا يلحقها بالكواذب ، وحقيقتها التي هي قولنا : " لم تتحقق العلية التي بينهما " قضية نفس الأمرية أيضا. – منه دام ظله ـ


الفصل الحادي عشر

في أن المعدوم المطلق لا خبر عنه

ويتبين ذلك بما تقدم(1) ، أنه بطلان محض لا شيئية له بوجه ، وإنما يخبر عن شيء بشيء.

وأما الشبهة بأن قولهم ، المعدوم المطلق لا يخبر عنه يناقض نفسه ، فإنه بعينه إخبار عنه بعدم الإخبار فهي مندفعة ، بما سيجيء في مباحث الوحدة والكثرة(2) ، من أن من الحمل ما هو أولي ذاتي ، يتحد فيه الموضوع والمحمول مفهوما ، ويختلفان اعتبارا ، كقولنا الإنسان إنسان ، ومنه ما هو شائع صناعي ، يتحدان فيه وجودا ويختلفان مفهوما ، كقولنا الإنسان ضاحك ، والمعدوم المطلق ، معدوم مطلق بالحمل الأولي ولا يخبر عنه ، وليس بمعدوم مطلق بل موجود من الموجودات الذهنية ، بالحمل الشائع ، ولذا يخبر عنه بعدم الإخبار عنه فلا تناقض.

وبهذا التقريب يندفع الشبهة ، عن عدة قضايا توهم التناقض ، كقولنا الجزئي جزئي وهو بعينه كلي يصدق على كثيرين ، وقولنا شريك الباري ممتنع مع أنه معقول في الذهن ، فيكون موجودا فيه ممكنا ، وقولنا الشيء إما ثابت في الذهن أو لا ثابت فيه ، واللا ثابت في الذهن ثابت فيه لأنه معقول.

وجه الاندفاع أن الجزئي ، جزئي بالحمل الأولي كلي بالشائع ، وشريك الباري شريك الباري بالحمل الأولي ، وممكن مخلوق للباري

__________________

(1) الفصل التاسع

(2) الفصل الثالث من المرحلة الثامنة.


بالشائع ، واللا ثابت في الذهن كذلك بالحمل الأولي ، وثابت فيه بالشائع.

الفصل الثاني عشر

في امتناع إعادة المعدوم بعينه

قالت الحكماء إن إعادة المعدوم بعينه ممتنعة ، وتبعهم فيه بعض المتكلمين وأكثرهم على الجواز.

وقد عد الشيخ ، امتناع إعادة المعدوم ضروريا ، وهو من الفطريات ، لقضاء الفطرة ببطلان شيئية المعدوم ، فلا يتصف بالإعادة.

والقائلون بنظرية المسألة احتجوا عليه بوجوه ، منها أنه لو جاز للمعدوم في زمان ، أن يعاد في زمان آخر بعينه ، لزم تخلل العدم بين الشيء ونفسه وهو محال ، لأنه حينئذ يكون موجودا بعينه ، في زمانين بينهما عدم متخلل.

حجة أخرى ، لو جازت إعادة الشيء بعينه بعد انعدامه ، جاز إيجاد ما يماثله من جميع الوجوه ، ابتداء واستئنافا وهو محال ، أما الملازمة فلأن ، حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد ، ومثل الشيء ابتداء ومعاده ثانيا لا فرق بينهما بوجه ، لأنهما يساويان الشيء المبتدأ من جميع الوجوه ، وأما استحالة اللازم ، فلاستلزام اجتماع المثلين في الوجود ، عدم التميز بينهما وهو وحدة الكثير ، من حيث هو كثير وهو محال.

حجة أخرى إن إعادة المعدوم ، توجب كون المعاد هو المبتدأ وهو محال ، لاستلزامه الانقلاب أو الخلف ، بيان الملازمة أن إعادة المعدوم بعينه ، يستلزم كون المعاد هو المبتدأ ذاتا ، وفي جميع الخصوصيات المشخصة حتى الزمان ،


فيعود المعاد عين المبتدأ وهو الانقلاب أو الخلف.

حجة أخرى لو جازت الإعادة لم يكن عدد العود ، بالغا معينا يقف عليه ، إذ لا فرق بين العودة الأولى والثانية ، وهكذا إلى ما لا نهاية له ، كما لم يكن فرق بين المعاد والمبتدإ ، وتعين العدد من لوازم وجود الشيء المتشخص.

احتج المجوزون بأنه لو امتنعت إعادة المعدوم ، لكان ذلك إما لماهيته وإما للازم ماهيته ، ولو كان كذلك لم يوجد ابتداء وهو ظاهر ، وإما لعارض مفارق فيزول الامتناع بزواله.

ورد بأن الامتناع لأمر لازم ، لكن لوجوده وهويته لا لماهيته ، كما هو ظاهر من الحجج المتقدمة.

وعمدة ما دعاهم إلى القول بجواز الإعادة ، زعمهم أن المعاد وهو مما نطقت به الشرائع الحقة ، من قبيل إعادة المعدوم.

ويرده أن الموت نوع استكمال لا انعدام وزوال.

__________________

(1) ولا مرجح لبعض تلك الأعداد ، فالحاصل حينئذ : أن التعين ، أي التشخص ، مما لا بد منه في الوجود ، لأن الشئ ما لم يتشخص لم يوجد ، مع أنه لا مرجح لتعين عدد خاص منها.

(2) فإن قيل : هذا إنما يتم لو كان الموت استكمالا للروح والبدن جميعا وهو غير مسلم ، وأما لو كان استكمالا للروح فقط ، فالإشكال على حاله ، لأن إعادة البدن حينئذ من إعادة المعدوم.

قيل : شخصية الانسان بنفسه ، دون بدنه المتغير دائما ، فالإنسان العائد في المعاد بالنفس والبدن عين الانسان الذي كان في الدنيا ، سواء كان الموت استكمالا للروح فقط ، وكان البدن العائد معها بايجاد جديد ، أو كان الموت استكمالا للروح والبدن ، وكان البدن العائد مع الروح هو البدن الدنيوي المستكمل ، فالإنسان بنفسه وبدنه هو الذي كان في الدنيا بعينه *. ـ منه (رحمه الله) ـ.



المرحلة الثانية

في انقسام الوجود إلى خارجي وذهني

وفيها فصل واحد


الفصل الأول

في الوجود الخارجي والوجود الذهني

المشهور بين الحكماء أن للماهيات ، وراء الوجود الخارجي ، وهو الوجود الذي ، يترتب عليها فيه الآثار(1) المطلوبة منها ، وجودا آخر لا يترتب عليها فيه الآثار ، ويسمى وجودا ذهنيا ، فالإنسان الموجود في الخارج قائم لا في موضوع ، بما أنه جوهر ، ويصح أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة بما أنه جسم ، وبما أنه نبات وحيوان وإنسان ، ذو نفس نباتية وحيوانية وناطقة ، ويظهر معه آثار هذه الأجناس والفصول وخواصها ، والإنسان الموجود في الذهن المعلوم لنا إنسان ذاتا ، واجد لحده ، غير أنه لا يترتب عليه شيء من تلك الآثار الخارجية.

وذهب بعضهم إلى أن المعلوم لنا ، المسمى بالموجود الذهني شبح الماهية لا نفسها ، والمراد به عرض وكيف قائم بالنفس ، يباين المعلوم الخارجي في ذاته ، ويشابهه ويحكيه في بعض خصوصياته ، كصورة الفرس المنقوشة على الجدار ، الحاكية للفرس الخارجي ، وهذا في الحقيقة سفسطة ،(2)

__________________

(1) المراد بالأثر في هذا المقام هو كمال الشئ ، سواء كان كمالا أولا تتم به حقيقة الشئ كالحيوانية والنطق في الانسان ، أو كمالا ثانيا مترتبا على الشئ بعد تمام ذاته ، كالتعجب والضحك للانسان. ـ منه (رحمه الله) ـ.

(2) لمغايرة الصور الحاصلة عند الانسان لما في الخارج مغايرة مطلقة ، فلا علم بشئ مطلقا وهو السفسطة. ـ منه (رحمه الله) ـ.


ينسد معها باب العلم بالخارج من أصله.

وذهب بعضهم إلى إنكار الوجود الذهني مطلقا ، وأن علم النفس بشيء إضافة خاصة منها إليه ، ويرده العلم بالمعدوم ، إذ لا معنى محصلا للإضافة إلى المعدوم.

واحتج المشهور على ما ذهبوا إليه ، من الوجود الذهني بوجوه :

الأول أنا نحكم على المعدومات بأحكام إيجابية ، كقولنا بحر من زيبق كذا ، وقولنا اجتماع النقيضين غير اجتماع الضدين(1) ، إلى غير ذلك والإيجاب إثبات ، وإثبات شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له ، فلهذه الموضوعات المعدومة وجود ، وإذ ليس في الخارج ففي موطن آخر ونسميه الذهن.

الثاني أنا نتصور أمورا تتصف بالكلية والعموم ، كالإنسان الكلي والحيوان الكلي ، والتصور إشارة عقلية لا تتحقق إلا بمشار إليه موجود ، وإذ لا وجود للكلي بما هو كلي في الخارج ، فهي موجودة في موطن آخر ونسميه الذهن.

الثالث أنا نتصور الصرف من كل حقيقة ، وهو الحقيقة ، محذوفا عنها ما يكثرها بالخلط والانضمام ، كالبياض المتصور بحذف جميع الشوائب الأجنبية ، وصرف الشيء لا يتثنى ولا يتكرر ، فهو واحد وحدة جامعة لكل ما هو من سنخه ، والحقيقة بهذا الوصف غير موجودة في الخارج ، فهي موجودة في موطن آخر نسميه الذهن.

__________________

(1) فإن قيل : إن أدلة الوجود الذهني مصبها إثبات الوجود الذهني للماهيات ، والممتنعات باطلة الذوات ليست لها ماهيات وإنما يختلق العقل مفهوما لأمر باطل الذات ، كشريك البارئ واجتماع النقيضين وغيرهما.

قلنا : إن لهذا الذي يختلقه العقل ثبوتا ما ، لمكان الحمل ، وإذ ليس في الخارج ففي موطن آخر ، نسميه الذهن. ـ منه (رحمه الله) ـ.


تتمة

، قد استشكل على وجود الماهيات في الذهن ، بمعنى حصولها بأنفسها فيه إشكالات ، الإشكال الأول ، أن القول بحصول الماهيات بأنفسها في الذهن ، يستلزم كون الشيء الواحد جوهرا وعرضا معا وهو محال ، بيان الملازمة أن الجوهر المعقول في الذهن جوهر ، بناء على انحفاظ الذاتيات ، وهو بعينه عرض لقيامه بالنفس قيام العرض بمعروضه ، وأما بطلان اللازم ، فللزوم كونه قائما بالموضوع وغير قائم به.

الإشكال الثاني ، أن الماهية الذهنية مندرجة تحت مقولة الكيف ، بناء على ما ذهبوا إليه ، من كون الصور العلمية كيفيات نفسانية ، ثم إنا إذا تصورنا جوهرا ، كان مندرجا تحت مقولة الجوهر لانحفاظ الذاتيات ، وتحت مقولة الكيف كما تقدم ، والمقولات متباينة بتمام الذوات فيلزم التناقض في الذات ، وكذا إذا تصورنا مقولة أخرى غير الجوهر ، كانت الماهية المتصورة مندرجة تحت مقولتين ، وكذا لو تصورنا كيفا محسوسا ، كان مندرجا تحت الكيف المحسوس والكيف النفساني ، وهو اندراج شيء واحد تحت نوعين متباينين من مقولة ، واستحالته ضرورية.

قالوا وهذا الإشكال أصعب من الأول ، إذ لا كثير إشكال في كون شيء واحد جوهرا وعرضا ، لأن التباين الذاتي الذي بين المقولات ، إنما هو بين الجوهر والكيف والكم وغيرها ، وأما مفهوم العرض بمعنى القائم

__________________

(1) وهو عرض لا يقبل قسمة ولا نسبة لذاته. ـ منه (رحمه الله) ـ.

(2) إذ لو لم تكن متباينة بتمام الذات ، كانت مشتركة في بعض الذات ، فكان لها جنس فوقها والمفروض أنها أجناس عالية ليس فوقها جنس ، هذا خلف ، فهي بسائط متباينة بتمام الذات. ـ منه (رحمه الله) ـ.


بالموضوع ، فهو عرض عام صادق على تسع من المقولات ، ومن الجائز أن يعم الجوهر الذهني أيضا ويصدق عليه ، لأن المأخوذ في رسم الجوهر أنه ، ماهية إذا وجدت في الخارج وجدت لا في موضوع ، فمن الجائز أن يقوم في الذهن في موضوع ، وهو إذا وجد في الخارج كان لا في موضوع هذا.

وأما دخول الماهية الواحدة تحت مقولتين ، كالجوهر والكيف وكالكم والكيف ، والمقولات متباينات بتمام الذوات ، فاستحالته ضرورية لا مدفع لها.

وبالتوجه إلى ما تقدم من الإشكال ونحوه ، ذهب بعضهم إلى إنكار الوجود الذهني من أصله ، بالقول بأن العلم بإضافة من النفس إلى الخارج ، فالمعلوم مندرج تحت مقولته الخارجية فقط ، وقد عرفت ما فيه.

وبعضهم إلى أن الماهيات الخارجية ، موجودة في الذهن بأشباحها لا بأنفسها ، وشبح الشيء يغاير الشيء ويباينه ، فالصورة الذهنية كيفية نفسانية ، وأما المقولة الخارجية فغير باقية فيها ، فلا إشكال وقد عرفت ما فيه.

وقد أجيب عن الإشكال بوجوه ، منها ما عن بعضهم أن العلم غير المعلوم ، فعند حصول ماهية من الماهيات الخارجية ، في الذهن أمران أحدهما ، الماهية الحاصلة نفسها على ما كانت عليه في الخارج ، وهو المعلوم وهو غير قائم بالنفس بل قائم بنفسه ، حاصل فيه حصول الشيء في الزمان والمكان ، والآخر صفة حاصلة للنفس قائمة بها ، يطرد بها عنها الجهل وهو العلم ، وعلى هذا فالمعلوم مندرج تحت مقولته الخارجية ، من جوهر أو كم أو غير ذلك ، والعلم كيف نفساني ، فلا اجتماع أصلا لا لمقولتين ولا لنوعين من مقولة.

وفيه أنه خلاف ما نجده من أنفسنا عند العلم ، فإن الصورة الحاصلة في نفوسنا عند العلم بشيء ، هي بعينها التي تطرد عنا الجهل ، وتصير وصفا لنا


نتصف به.

ومنها ما عن بعض القائلين بأصالة الماهية ، أن الصورة الحاصلة في الذهن ، منسلخة عن ماهيتها الخارجية ، ومنقلبة إلى الكيف ، بيان ذلك أن موجودية الماهية متقدمة على نفسها ، فمع قطع النظر عن الوجود لا ماهية أصلا ، والوجود الذهني والخارجي مختلفان بالحقيقة ، فإذا تبدل الوجود بصيرورة الوجود الخارجي ذهنيا ، جاز أن تنقلب الماهية ، بأن يتبدل الجوهر أو الكم أو غير ذلك كيفا ، فليس للشيء بالنظر إلى ذاته حقيقة معينة ، بل الكيفية الذهنية إذا وجدت في الخارج ، كانت جوهرا أو غيره ، والجوهر الخارجي إذا وجد في الذهن ، كان كيفا نفسانيا ، وأما مباينة الماهية الذهنية للخارجية ، مع أن المدعى حصول الأشياء بأنفسها في الذهن ، وهو يستدعي أصلا مشتركا بينهما ، فيكفي في تصويره أن يصور العقل ، أمرا مبهما مشتركا بينهما ، يصحح به أن ما في الذهن هو الذي في الخارج ، كما يصور المادة المشتركة ، بين الكائن والفاسد الماديين.

وفيه أولا أنه لا محصل لما ذكره ، من تبدل الماهية واختلاف الوجودين في الحقيقة ، بناء على ما ذهب إليه ، من أصالة الماهية واعتبارية الوجود.

وثانيا أنه في معنى القول بالشبح ، بناء على ما التزم به من المغايرة الذاتية ، بين الصورة الذهنية والمعلوم الخارجي ، فيلحقه ما لحقه من محذور السفسطة ومنها ما عن بعضهم ، أن العلم لما كان متحدا بالذات مع المعلوم بالذات ، كان من مقولة المعلوم إن جوهرا فجوهر ، وإن كما فكم وهكذا ، وأما تسميتهم العلم كيفا ، فمبني على المسامحة في التعبير ، كما يسمى كل وصف ناعت للغير كيفا في العرف العام ، وإن كان جوهرا.

وبهذا يندفع إشكال اندراج المقولات الآخر تحت الكيف.

وإما إشكال كون شيء واحد جوهرا وعرضا معا ، فالجواب عنه


ما تقدم ، أن مفهوم العرض عرض عام ، شامل للمقولات التسع العرضية وللجوهر الذهني ، ولا إشكال فيه.

وفيه أن مجرد صدق مفهوم مقولة من المقولات على شيء ، لا يوجب اندراجه تحتها كما ستجيء الإشارة إليه.

على أن كلامهم صريح ، في كون العلم الحصولي كيفا نفسانيا ، داخلا تحت مقولة الكيف حقيقة من غير مسامحة.

ومنها ما ذكره صدر المتألهين ، ره في كتبه ، وهو الفرق في إيجاب الاندراج ، بين الحمل الأولي وبين الحمل الشائع ، فالثاني يوجبه دون الأول ، بيان ذلك ، أن مجرد أخذ مفهوم جنسي أو نوعي ، في حد شيء وصدقه عليه ، لا يوجب اندراج ذلك الشيء تحت ذلك الجنس أو النوع ، بل يتوقف الاندراج تحته على ترتب آثار ، ذلك الجنس أو النوع الخارجية على ذلك الشيء.

فمجرد أخذ الجوهر والجسم مثلا في حد الإنسان ، حيث يقال ، الإنسان جوهر جسم نام حساس متحرك بالإرادة ناطق ، لا يوجب اندراجه تحت مقولة الجوهر أو جنس الجسم ، حتى يكون موجودا لا في موضوع باعتبار كونه جوهرا ، ويكون بحيث يصح أن يفرض فيه ، الأبعاد الثلاثة باعتبار كونه جسما وهكذا.

وكذا مجرد أخذ الكم والاتصال في حد السطح حيث يقال ، السطح كم متصل قار منقسم في جهتين ، لا يوجب اندراجه تحت الكم والمتصل مثلا ، حتى يكون قابلا للانقسام بذاته من جهة أنه كم ، ومشتملا على الفصل المشترك من جهة أنه متصل وهكذا.

ولو كان مجرد صدق مفهوم على شيء موجبا للاندراج ، لكان كل مفهوم كلي فردا لنفسه ، لصدقه بالحمل الأولي على نفسه ، فالاندراج يتوقف على ترتب الآثار ، ومعلوم أن ترتب الآثار ، إنما يكون في الوجود الخارجي دون الذهني.


فتبين أن الصورة الذهنية ، غير مندرجة تحت ما يصدق عليها من المقولات ، لعدم ترتب آثارها عليها ، لكن الصورة الذهنية ، إنما لا تترتب عليها آثار المعلوم الخارجي من حيث هي وجود ، مقيس إلى ما بحذائها من الوجود الخارجي ، وأما من حيث إنها حاصلة للنفس ، حالا أو ملكة تطرد عنها الجهل ، فهي وجود خارجي موجود للنفس ناعت لها ، يصدق عليه حد الكيف بالحمل الشائع ، وهو أنه عرض لا يقبل قسمة ولا نسبة لذاته ، فهو مندرج بالذات تحت مقولة الكيف ، وإن لم يكن من جهة كونه وجودا ذهنيا ، مقيسا إلى الخارج داخلا تحت شيء من المقولات ، لعدم ترتب الآثار ، اللهم إلا تحت مقولة الكيف بالعرض.

وبهذا البيان يتضح اندفاع ما أورده بعض المحققين ، على كون العلم كيفا بالذات ، وكون الصورة الذهنية كيفا بالعرض ، من أن وجود تلك الصور في نفسها ووجودها للنفس واحد ، وليس ذلك الوجود والظهور للنفس ، ضميمة تزيد على وجودها تكون هي كيفا في النفس ، لأن وجودها الخارجي لم يبق بكليته ، وماهياتها في أنفسها كل من مقولة خاصة ، وباعتبار وجودها الذهني لا جوهر ولا عرض ، وظهورها لدى النفس ، ليس سوى تلك الماهية وذلك الوجود ، إذ ظهور الشيء ليس أمرا ينضم إليه ، وإلا لكان ظهور نفسه ، وليس هناك أمر آخر والكيف من المحمولات بالضميمة ، والظهور والوجود للنفس لو كان نسبة مقولية ، كان ماهية العلم إضافة لا كيفا ، وإذا كان إضافة إشراقية كان وجودا ، فالعلم نور وظهور وهما وجود ، والوجود ليس ماهية.

وجه الاندفاع ، أن الصورة العلمية هي الموجودة للنفس الظاهرة لها ، لكن لا من حيث كونها موجودا ذهنيا ، مقيسا إلى خارج لا تترتب عليها آثاره ، بل من حيث كونها حالا أو ملكة للنفس تطرد عنها عدما ، وهي كمال للنفس زائد عليها ناعت لها ، وهذا أثر خارجي مترتب عليها ، وإذا كانت النفس


موضوعة لها مستغنية عنها في نفسها ، فهي عرض لها ويصدق عليها حد الكيف ، ودعوى أن ليس هناك أمر زائد على النفس ، منضم إليها ممنوعة.

فظهر أن الصورة العلمية من حيث كونها ، حالا أو ملكة للنفس كيف حقيقة وبالذات ، ومن حيث كونها موجودا ذهنيا ، كيف بالعرض وهو المطلوب.

الإشكال الثالث ، أن لازم القول بالوجود الذهني ، وحصول الأشياء بأنفسها في الأذهان كون النفس ، حارة باردة عريضة طويلة ، متحيزة متحركة مربعة مثلثة مؤمنة كافرة وهكذا ، عند تصور الحرارة والبرودة إلى غير ذلك ، وهو باطل بالضرورة بيان الملازمة ، أنا لا نعني بالحار والبارد والعريض والطويل ونحو ذلك ، إلا ما حصلت له هذه المعاني وقامت به.

والجواب عنه ، أن المعاني الخارجية كالحرارة والبرودة ونحوهما ، إنما تحصل في الأذهان بماهياتها لا بوجوداتها العينية ، وتصدق عليها بالحمل الأولي دون الشائع ، والذي يوجب الاتصاف حصول هذه المعاني ، بوجوداتها الخارجية وقيامها بموضوعاتها ، دون حصول ماهياتها لها وقيام ما هي هي بالحمل الأولي.

الإشكال الرابع أنا نتصور المحالات الذاتية ، كشريك الباري واجتماع النقيضين وارتفاعهما ، وسلب الشيء عن نفسه ، فلو كانت الأشياء حاصلة بأنفسها في الأذهان ، استلزم ذلك ثبوت المحالات الذاتية.

والجواب عنه ، أن الحاصل من المحالات الذاتية في الأذهان ، مفاهيمها بالحمل الأولي دون الحمل الشائع ، فشريك الباري في الذهن شريك الباري بالحمل الأولي ، وأما بالحمل الشائع فهو كيفية نفسانية ممكنة مخلوقة للباري ، وهكذا في سائر المحالات.

الإشكال الخامس أنا نتصور الأرض ، بما رحبت بسهولها وجبالها و


براريها وبحارها ، وما فوقها من السماء بأرجائها البعيدة ، والنجوم والكواكب بأبعادها الشاسعة ، وحصول هذه المقادير العظيمة في الذهن ، بمعنى انطباعها في جزء عصبي أو قوة دماغية كما قالوا به ، من انطباع الكبير في الصغير وهو محال ، ودفع الإشكال بأن المنطبع فيه ، منقسم إلى غير النهاية لا يجدي شيئا ، فإن الكف لا تسع الجبل ، وإن كانت منقسمة إلى غير النهاية.

والجواب عنه أن الحق كما سيأتي(1) ، أن الصور الإدراكية الجزئية غير مادية ، بل مجردة تجردا مثاليا ، فيها آثار المادة من مقدار وشكل وغيرهما ، دون نفس المادة ، فهي حاصلة للنفس في مرتبة تجرده المثالي ، من غير أن تنطبع في جزء بدني أو قوة متعلقة بجزء بدني.

وأما الأفعال والانفعالات الحاصلة في مرحلة المادة ، عند الإحساس بشيء أو عند تخيله ، فإنما هي معدات تتهيأ بها النفس ، لحصول الصور العلمية الجزئية المثالية عندها.

الإشكال السادس أن علماء الطبيعة بينوا ، أن الإحساس والتخيل بحصول صور الأجسام المادية ، بما لها من النسب والخصوصيات الخارجية ، في الأعضاء الحاسة وانتقالها إلى الدماغ ، مع ما لها من التصرف فيها بحسب طبائعها الخاصة ، والإنسان ينتقل إلى خصوصية ، مقاديرها وأبعادها وأشكالها بنوع من المقايسة ، بين أجزاء الصورة الحاصلة عنده ، على ما فصلوه في محله ، ومع ذلك لا مجال للقول ، بحضور الماهيات الخارجية بأنفسها في الأذهان.

والجواب عنه ، أن ما ذكروه من الفعل والانفعال المادي ، عند حصول العلم بالجزئيات في محله ، لكن هذه الصور المنطبعة ، المغايرة للمعلومات الخارجية ، ليست هي المعلومة بالذات ، بل هي معدات تهيىء النفس ، لحضور الماهيات الخارجية عندها ، بوجود مثالي غير مادي ، وإلا لزمت السفسطة لمكان

__________________

(1) في المرحلة الحادية عشرة الفصل الأول والثاني.


المغايرة بين الصور ، الحاصلة في أعضاء الحس والتخيل وبين ذوات الصور.

بل هذا من أقوى الحجج على حصول الماهيات ، بأنفسها عند الإنسان بوجود غير مادي ، فإن الوجود المادي لها كيفما فرض ، لم يخل عن مغايرة ما بين الصور الحاصلة ، وبين الأمور الخارجية ذوات الصور ، ولازم ذلك السفسطة ضرورة.

الإشكال السابع ، أن لازم القول بالوجود الذهني ، كون الشيء الواحد كليا وجزئيا معا وبطلانه ظاهر ، بيان الملازمة أن ماهية الإنسان المعقولة مثلا ، من حيث تجويز العقل صدقها على كثيرين كلية ، ومن حيث حصولها لنفس عاقلها الشخصية ، وقيامها بها جزئية متشخصة بتشخصها ، متميزة من ماهية الإنسان المعقولة ، لغير تلك النفس من النفوس ، فهي كلية وجزئية معا.

والجواب عنه أن الجهة مختلفة ، فهي من حيث إنها وجود ذهني مقيس إلى الخارج كلية ، تقبل الصدق على كثيرين ، ومن حيث إنها كيفية نفسانية ، من غير مقايسة إلى الخارج جزئية.



المرحلة الثالثة

في انقسام الوجود

إلى ما في نفسه وما في غيره وانقسام ما في نفسه إلى ما لنفسه وما لغيره

وفيها ثلاثة فصول


الفصل الأول

[الوجود في نفسه والوجود في غيره]

من الوجود ما هو في غيره ومنه خلافه ، وذلك أنا إذا اعتبرنا القضايا الصادقة ، كقولنا الإنسان ضاحك ، وجدنا فيها وراء الموضوع والمحمول أمرا آخر ، به يرتبط ويتصل بعضهما إلى بعض ، ليس يوجد إذا اعتبر الموضوع وحده ولا المحمول وحده ، ولا إذا اعتبر كل منهما مع غير الآخر فله وجود ، ثم إن وجوده ليس ثالثا لهما ، واقعا بينهما مستقلا عنهما ، وإلا احتاج إلى رابطين آخرين يربطانه بالطرفين ، فكان المفروض ثلاثة خمسة ، ثم الخمسة تسعة وهلم جرا وهو باطل.

فوجوده قائم بالطرفين موجود فيهما ، غير خارج منهما ولا مستقل بوجه عنهما ، لا معنى له مستقلا بالمفهومية ، ونسميه الوجود الرابط ، وما كان بخلافه كوجود الموضوع والمحمول ، وهو الذي له معنى مستقل بالمفهومية ، نسميه الوجود المحمولي والوجود المستقل ، فإذن الوجود منقسم إلى مستقل ورابط وهو المطلوب.

ويظهر مما تقدم أولا ، أن الوجودات الرابطة لا ماهية لها ، لأن الماهية ما يقال في جواب ما هو ، فلها لا محالة وجود محمولي ذو معنى مستقل بالمفهومية ، والرابط ليس كذلك.

وثانيا أن تحقق الوجود الرابط بين أمرين ، يستلزم اتحادا ما بينهما ، لكونه


واحدا غير خارج من وجودهما.

وثالثا أن الرابط ، إنما يتحقق في مطابق الهليات المركبة ، التي تتضمن ثبوت شيء لشيء ، وأما الهليات البسيطة ، التي لا تتضمن إلا ثبوت الشيء ، وهو ثبوت موضوعها فلا رابط في مطابقها ، إذ لا معنى لارتباط الشيء بنفسه ونسبته إليها

الفصل الثاني

[كيفية اختلاف الرابط والمستقل]

اختلفوا في أن الاختلاف بين الوجود الرابط والمستقل ، هل هو اختلاف نوعي ، بمعنى أن الوجود الرابط ذو معنى تعلقي ، لا يمكن تعقله على الاستقلال ، ويستحيل أن يسلخ عنه ذلك الشأن ، فيعود معنى اسميا بتوجيه الالتفات إليه ، بعد ما كان معنى حرفيا ، أو لا اختلاف نوعيا بينهما.

والحق هو الثاني ، لما سيأتي في مرحلة العلة والمعلول(1) ، أن وجودات المعاليل رابطة بالنسبة إلى عللها ، ومن المعلوم أن منها ما وجوده جوهري ، ومنها ما وجوده عرضي ، وهي جميعا وجودات محمولية مستقلة ، تختلف حالها بالقياس إلى عللها وأخذها في نفسها ، فهي بالنظر إلى عللها وجودات رابطة ، وبالنظر إلى أنفسها وجودات مستقلة ، فإذن المطلوب ثابت.

ويظهر مما تقدم ، أن المفهوم تابع في استقلاله بالمفهومية وعدمه ، لوجوده الذي ينتزع منه وليس له من نفسه إلا الإبهام.

__________________

(1) المرحلة السابعة الفصل الثالث.


الفصل الثالث

من الوجود في نفسه ما هو لغيره ومنه ما هو لنفسه

والمراد بكون وجود الشيء لغيره ، أن يكون الوجود الذي له في نفسه ، وهو الذي يطرد عن ماهيته العدم ، هو بعينه يطرد عدما عن شيء آخر ، لا عدم ذاته وماهيته ، وإلا كان لوجود واحد ماهيتان ، وهو كثرة الواحد ، بل عدما زائدا على ذاته وماهيته ، له نوع مقارنة له ، كالعلم الذي يطرد بوجوده العدم عن ماهيته الكيفية ، ويطرد به بعينه عن موضوعه الجهل ، الذي هو نوع من العدم يقارنه ، وكالقدرة فإنها كما تطرد عن ماهية نفسها العدم ، تطرد بعينها عن موضوعها العجز.

والدليل على تحقق هذا القسم وجودات الأعراض ، فإن كلا منها كما يطرد عن ماهية نفسه العدم ، يطرد بعينه عن موضوعه نوعا من العدم ، وكذلك الصور النوعية الجوهرية ، فإن لها نوع حصول لموادها ، تكملها وتطرد عنها نقصا جوهريا ، وهذا النوع من الطرد هو المراد بكون ، الوجود لغيره وكونه ناعتا.

ويقابله ما كان طاردا لعدم نفسه فحسب ، كالأنواع التامة الجوهرية كالإنسان والفرس ، ويسمى هذا النوع من الوجود وجودا لنفسه ، فإذن المطلوب ثابت وذلك ما أردناه.

وربما يقسم الوجود لذاته ، إلى الوجود بذاته والوجود بغيره ، وهو بالحقيقة راجع إلى العلية والمعلولية ، وسيأتي(1) البحث عنهما.

__________________

(1) في المرحلة السابعة.


المرحلة الرابعة

في المواد الثلاث الوجوب والإمكان والامتناع

والبحث عنها في الحقيقة بحث عن انقسام الوجود

إلى الواجب والممكن والبحث عن الممتنع تبعي

وفيها تسعة فصول


الفصل الأول

في تعريف المواد الثلاث وانحصارها فيها

كل مفهوم إذا قيس إلى الوجود ، فإما أن يجب له فهو الواجب ، أو يمتنع وهو الممتنع ، أو لا يجب له ولا يمتنع وهو الممكن ، فإنه إما أن يكون الوجود له ضروريا وهو الأول ، أو يكون العدم له ضروريا وهو الثاني ، وإما أن لا يكون شيء منهما له ضروريا وهو الثالث.

وأما احتمال كون الوجود والعدم كليهما ضروريين ، فمرتفع بأدنى التفات.

وهي بينة المعاني لكونها من المعاني العامة ، التي لا يخلو عن أحدها مفهوم من المفاهيم ، ولذا كانت لا تعرف إلا بتعريفات دورية ، كتعريف الواجب بما يلزم من فرض عدمه محال ، ثم تعريف المحال وهو الممتنع بما يجب أن لا يكون ، أو ما ليس بممكن ولا واجب ، وتعريف الممكن بما لا يمتنع وجوده وعدمه.

الفصل الثاني

انقسام كل من المواد إلى ما بالذات وما بالغير وما بالقياس

كل واحدة من المواد ثلاثة أقسام ، ما بالذات وما بالغير وما بالقياس


إلى الغير ، إلا الإمكان فلا إمكان بالغير ، والمراد بما بالذات ، أن يكون وضع الذات كافيا في تحققه ، وإن قطع النظر عن كل ما سواه ، وبما بالغير ما يتعلق بالغير ، وبما بالقياس إلى الغير ، أنه إذا قيس إلى الغير كان من الواجب أن يتصف به.

فالوجوب بالذات كما في الواجب الوجود تعالى ، فإن ذاته بذاته يكفي في ضرورة الوجود له ، من غير حاجة إلى شيء غيره.

والوجوب بالغير كما في الممكن ، الموجود الواجب وجوده بعلته.

والوجوب بالقياس إلى الغير ، كما في وجود أحد المتضائفين إذا قيس إلى وجود الآخر ، فإن وجود العلو إذا قيس إليه وجود السفل ، يأبى إلا أن يكون للسفل وجود ، فلوجود السفل وجوب بالقياس إلى وجود العلو ، وراء وجوبه بعلته.

والامتناع بالذات كما في المحالات الذاتية ، كشريك الباري واجتماع النقيضين والامتناع بالغير ، كما في وجود المعلول الممتنع لعدم علته ، وعدمه الممتنع لوجود علته ، والامتناع بالقياس إلى الغير ، كما في وجود أحد المتضائفين إذا قيس إلى عدم الآخر ، وفي عدمه إذا قيس إلى وجود الآخر.

والإمكان بالذات كما في الماهيات الإمكانية ، فإنها في ذاتها لا تقتضي ضرورة الوجود ولا ضرورة العدم ، والإمكان بالقياس إلى الغير ، كما في الواجبين بالذات المفروضين ، ففرض وجود أحدهما لا يأبى وجود الآخر ولا عدمه ، إذ ليس بينهما علية ومعلولية ، ولا هما معلولا علة ثالثة.

وأما الإمكان بالغير فمستحيل ، لأنا إذا فرضنا ممكنا بالغير ، فهو في ذاته إما واجب بالذات ، أو ممتنع بالذات أو ممكن بالذات ، إذ المواد منحصرة في الثلاث ، والأولان يوجبان الانقلاب ، والثالث يوجب كون اعتبار الإمكان بالغير لغوا.


الفصل الثالث

[واجب الوجود ماهيته إنيته]

واجب الوجود ماهيته إنيته ، بمعنى أن لا ماهية له وراء وجوده الخاص به ، وذلك أنه لو كانت له ماهية ، وذات وراء وجوده الخاص به ، لكان وجوده زائدا على ذاته عرضيا له ، وكل عرضي معلل بالضرورة فوجوده معلل.

وعلته إما ماهيته أو غيرها ، فإن كانت علته ماهيته ، والعلة متقدمة على معلولها بالوجود بالضرورة ، كانت الماهية متقدمة عليه بالوجود ، وتقدمها عليه إما بهذا الوجود ، ولازمه تقدم الشيء على نفسه وهو محال ، وإما بوجود آخر وننقل الكلام إليه ويتسلسل ، وإن كانت علته غير ماهيته ، فيكون معلولا لغيره وذلك ينافي وجوب الوجود بالذات ، وقد تبين بذلك ، أن الوجوب بذاته وصف منتزع من حاق وجود الواجب ، كاشف عن كون وجوده بحتا ، في غاية الشدة غير مشتمل على جهة عدمية ، إذ لو اشتمل على شيء من الأعدام ، حرم الكمال الوجودي الذي في مقابله ، فكانت ذاته مقيدة بعدمه ، فلم يكن واجبا بالذات صرفا له كل كمال.

الفصل الرابع

واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات

إذ لو كان غير واجب بالنسبة إلى شيء من الكمالات ، التي تمكن له بالإمكان العام ، كان ذا جهة إمكانية بالنسبة إليه ، فكان خاليا في ذاته عنه ، متساوية نسبته إلى وجوده وعدمه ، ومعناه تقيد ذاته بجهة عدمية ، وقد


عرفت في الفصل السابق استحالته.

الفصل الخامس

في أن الشيء ما لم يجب لم يوجد وبطلان القول بالأولوية

لا ريب أن الممكن ، الذي يتساوى نسبته إلى الوجود والعدم عقلا ، يتوقف وجوده على شيء يسمى علة وعدمه على عدمها.

وهل يتوقف وجود الممكن على أن يوجب العلة وجوده ، وهو الوجوب بالغير أو أنه يوجد بالخروج عن حد الاستواء ، وإن لم يصل إلى حد الوجوب ، وكذا القول في جانب العدم وهو المسمى بالأولويه ، وقد قسموها إلى الأولوية الذاتية ، وهي التي يقتضيها ذات الممكن وماهيته ، وغير الذاتية وهي خلافها ، وقسموا كلا منهما إلى ، كافية في تحقق الممكن وغير كافية.

والأولوية بأقسامها باطلة.

أما الأولوية الذاتية ، فلأن الماهية قبل الوجود باطلة الذات ، لا شيئية لها حتى تقتضي أولوية الوجود ، كافية أو غير كافية وبعبارة أخرى ، الماهية من حيث هي ليست إلا هي ، لا موجودة ولا معدومة ولا أي شيء آخر.

وأما الأولوية الغيرية ، وهي التي تأتي من ناحية العلة ، فلأنها لما لم تصل إلى حد الوجوب ، لا يخرج بها الممكن من حد الاستواء ، ولا يتعين بها له الوجود أو العدم(1) ، ولا ينقطع بها السؤال ، إنه لم وقع هذا دون ذاك ، وهو الدليل على أنه لم تتم بعد للعلة عليتها.

__________________

(1) وليس بين استواء الطرفين وتعيّن أحدهما واسطة ـ منه.


فتحصل ، أن الترجيح إنما هو بإيجاب العلة وجود المعلول ، بحيث يتعين له الوجود ويستحيل عليه العدم ، أو إيجابها عدمه فالشيء ، أعني الممكن ما لم يجب لم يوجد.

خاتمة ، ما تقدم من الوجوب ، هو الذي يأتي الممكن من ناحية علته ، وله وجوب آخر يلحقه بعد تحقق الوجود أو العدم ، وهو المسمى بالضرورة بشرط المحمول ، فالممكن الموجود محفوف بالضرورتين ، السابقة واللاحقة.

الفصل السادس

في معاني الإمكان

الإمكان المبحوث عنه هاهنا هو ، لا ضرورة الوجود والعدم بالنسبة إلى الماهية ، المأخوذة من حيث هي ، وهو المسمى بالإمكان الخاص والخاصي.

وقد يستعمل الإمكان بمعنى ، سلب الضرورة عن الجانب المخالف ، سواء كان الجانب الموافق ضروريا أو غير ضروري ، فيقال الشيء الفلاني ممكن أي ليس بممتنع ، وهو المستعمل في لسان العامة ، أعم من الإمكان الخاص ، ولذا يسمى إمكانا عاميا وعاما.

وقد يستعمل في معنى أخص من ذلك ، وهو سلب الضرورات الذاتية والوصفية والوقتية ، كقولنا الإنسان كاتب بالإمكان ، حيث إن الإنسانية لا تقتضي ضرورة الكتابة ، ولم يؤخذ في الموضوع وصف يوجب الضرورة ، ولا وقت كذلك ، وتحقق الإمكان بهذا المعنى في القضية ، بحسب


الاعتبار العقلي ، بمقايسة المحمول إلى الموضوع ، لا ينافي ثبوت الضرورة بحسب الخارج بثبوت العلة ، ويسمى الإمكان الأخص.

وقد يستعمل بمعنى سلب الضرورة من الجهات الثلاث ، والضرورة بشرط المحمول أيضا ، كقولنا زيد كاتب غدا بالإمكان ، ويختص بالأمور المستقبلة التي لم تتحقق بعد ، حتى يثبت فيها الضرورة بشرط المحمول ، وهذا الإمكان إنما يثبت بحسب الظن والغفلة ، عن أن كل حادث مستقبل إما واجب أو ممتنع ، لانتهائه إلى علل موجبة مفروغ عنها ، ويسمى الإمكان الاستقبالي.

وقد يستعمل الإمكان بمعنيين آخرين ، أحدهما ما يسمى الإمكان الوقوعي ، وهو كون الشيء بحيث لا يلزم من فرض وقوعه محال ، أي ليس ممتنعا بالذات أو بالغير ، وهو سلب الامتناع عن الجانب الموافق ، كما أن الإمكان العام سلب الضرورة عن الجانب المخالف.

وثانيهما الإمكان الاستعدادي وهو كما ذكروه ، نفس الاستعداد ذاتا وغيره اعتبارا ، فإن تهيؤ الشيء لأن يصير شيئا آخر ، له نسبة إلى الشيء المستعد ، ونسبة إلى الشيء المستعد له ، فبالاعتبار الأول يسمى استعدادا ، فيقال مثلا النطفة لها استعداد أن تصير إنسانا ، وبالاعتبار الثاني يسمى الإمكان الاستعدادي فيقال ، الإنسان يمكن أن يوجد في النطفة.

والفرق بينه وبين الإمكان الذاتي ، أن الإمكان الذاتي كما سيجيء(1) ، اعتبار تحليلي عقلي ، يلحق الماهية المأخوذة من حيث هي ، والإمكان الاستعدادي صفة وجودية ، تلحق الماهية الموجودة ، فالإمكان الذاتي يلحق الماهية الإنسانية ، المأخوذة من حيث هي ، والإمكان الاستعدادي ، يلحق

__________________

(1) في الفصل الآتي.


النطفة الواقعة في مجرى تكون الإنسان.

ولذا كان الإمكان الاستعدادي قابلا للشدة والضعف ، فإمكان تحقق الإنسانية في العلقة أقوى منه في النطفة ، بخلاف الإمكان الذاتي فلا شدة ولا ضعف فيه.

ولذا أيضا ، كان الإمكان الاستعدادي يقبل الزوال عن الممكن ، فإن الاستعداد يزول بعد تحقق المستعد له بالفعل ، بخلاف الإمكان الذاتي فإنه لازم الماهية ، هو معها حيثما تحققت.

ولذا أيضا كان الإمكان الاستعدادي ، ومحله المادة بالمعنى الأعم(1) ، يتعين معه الممكن المستعد له ، كالإنسانية التي تستعد لها المادة ، بخلاف الإمكان الذاتي الذي في الماهية ، فإنه لا يتعين معه لها الوجود أو العدم.

والفرق بين الإمكان الاستعدادي والوقوعي ، أن الاستعدادي إنما يكون في الماديات ، والوقوعي أعم موردا.

الفصل السابع

في أن الإمكان اعتبار عقلي وأنه لازم للماهية

أما أنه اعتبار عقلي ، فلأنه يلحق الماهية المأخوذة عقلا ، مع قطع النظر عن الوجود والعدم ، والماهية المأخوذة كذلك اعتبارية بلا ريب ، فما يلحق بها بهذا الاعتبار كذلك بلا ريب ، وهذا الاعتبار العقلي لا ينافي كونها ، بحسب نفس الأمر إما موجودة أو معدومة ، ولازمه كونها محفوفة بوجوبين أو امتناعين ،

__________________

(1) المادة بالمعنى الأعم تشمل المادة بالمعنى الأخص ، وهي الجوهر القابل للصور المنطبعة فيها ، كمادة العناصر لصورها ، وتشمل متعلق النفس المجردة ، كالبدن للنفس الناطقة ، وتشمل موضوع العرض ، كالجسم للمقادير والكيفيات. ـ منه (رحمه الله) ـ.


وأما كونه لازما للماهية ، فلأنا إذا تصورنا الماهية من حيث هي ، مع قطع النظر عن كل ما سواها ، لم نجد معها ضرورة وجود أو عدم ، وليس الإمكان إلا سلب الضرورتين فهي بذاتها ممكنة ، وأصل الإمكان وإن كان هذين السلبين ، لكن العقل يضع لازم هذين السلبين ، وهو استواء النسبة مكانهما ، فيعود الإمكان معنى ثبوتيا ، وإن كان مجموع السلبين منفيا.

الفصل الثامن

في حاجة الممكن إلى العلة وما هي علة احتياجه إليها

حاجة الممكن إلى العلة من الضروريات الأولية ، التي مجرد تصور موضوعها ومحمولها ، كاف في التصديق بها ، فإن من تصور الماهية الممكنة ، المتساوية النسبة إلى الوجود والعدم ، وتصور توقف خروجها من حد الاستواء إلى أحد الجانبين ، على أمر آخر يخرجها منه إليه ، لم يلبث أن يصدق به.

وهل علة حاجة الممكن إلى العلة هي الإمكان ، أو الحدوث الحق هو الأول وبه قالت الحكماء.

واستدل عليه بأن الماهية ، باعتبار وجودها ضرورية الوجود ، وباعتبار عدمها ضرورية العدم ، وهاتان الضرورتان بشرط المحمول ، وليس الحدوث إلا ترتب إحدى الضرورتين على الأخرى ، فإنه كون وجود الشيء بعد عدمه ، ومعلوم أن الضرورة ، مناط الغنى عن السبب وارتفاع الحاجة ، فما لم تعتبر الماهية بإمكانها لم يرتفع الوجوب ، ولم تحصل الحاجة إلى العلة.

برهان آخر ، إن الماهية لا توجد إلا عن إيجاد من العلة ، وإيجاد العلة


لها متوقف على وجوب الماهية ، المتوقف على إيجاب العلة ، وقد تبين مما تقدم ، وإيجاب العلة متوقف على حاجة الماهية إليها ، وحاجة الماهية إليها متوقفة على إمكانها ، إذ لو لم تمكن بأن وجبت أو امتنعت ، استغنت عن العلة بالضرورة ، فلحاجتها توقف ما على الإمكان بالضرورة ، ولو توقفت مع ذلك على حدوثها ، وهو وجودها بعد العدم ، سواء كان الحدوث علة والإمكان شرطا ، أو عدمه مانعا ، أو كان الحدوث جزء علة والجزء الآخر هو الإمكان ، أو كان الحدوث شرطا ، أو عدمه الواقع في مرتبته مانعا ، فعلى أي حال يلزم تقدم الشيء على نفسه بمراتب ، وكذا لو كان وجوبها ، أو إيجاب العلة لها هو علة الحاجة بوجه.

فلم يبق إلا أن يكون الإمكان وحده علة للحاجة ، إذ ليس في هذه السلسلة المتصلة المترتبة عقلا ، قبل الحاجة إلا الماهية وإمكانها.

وبذلك يندفع ما احتج به بعض القائلين ، بأن علة الحاجة إلى العلة هو الحدوث دون الإمكان ، من أنه لو كان الإمكان هو العلة دون الحدوث ، جاز أن يوجد القديم الزماني ، وهو الذي لا أول لوجوده ولا آخر له ، ومعلوم أن فرض دوام وجوده يغنيه عن العلة ، إذ لا سبيل للعدم إليه حتى يحتاج إلى ارتفاعه.

وجه الاندفاع ، أن المفروض أن ذاته هو المنشأ لحاجته ، والذات محفوظة مع الوجود الدائم ، فله على فرض دوام الوجود حاجة دائمة في ذاته ، وإن كان مع شرط الوجود له بنحو الضرورة ، بشرط المحمول مستغنيا عن العلة ، بمعنى ارتفاع حاجته بها.

وأيضا سيجيء أن وجود المعلول ، سواء كان حادثا أو قديما وجود رابط ، متعلق الذات بعلته غير مستقل دونها ، فالحاجة إلى العلة ذاتية

__________________

(1) في الفصل الثالث من المرحلة السابعة.


ملازمة له.

الفصل التاسع

الممكن محتاج إلى علته بقاء كما أنه محتاج إليها حدوثا

وذلك لأن علة حاجته إلى العلة ، إمكانه اللازم لماهيته ، وهي محفوظة معه في حال البقاء ، كما أنها محفوظة معه في حال الحدوث ، فهو محتاج إلى العلة حدوثا وبقاء ، مستفيض في الحالين جميعا.

برهان آخر أن وجود المعلول ، كما تكررت الإشارة إليه وسيجيء(1) بيانه ، وجود رابط متعلق الذات بالعلة ، متقوم بها غير مستقل دونها ، فحاله في الحاجة إلى العلة ، حدوثا وبقاء واحد والحاجة ملازمة.

وقد استدلوا على استغناء الممكن ، عن العلة في حال البقاء بأمثلة عامية ، كمثال البناء والبناء ، حيث إن البناء يحتاج في وجوده إلى البناء ، حتى إذا بناه استغنى عنه في بقائه.

ورد بأن البناء ليس علة موجدة للبناء ، بل حركات يده علل معدة لحدوث الاجتماع بين أجزاء البناء ، واجتماع الأجزاء علة لحدوث شكل البناء ، ثم اليبوسة علة لبقائه مدة يعتد بها.

خاتمة

قد تبين من الأبحاث السابقة ، أن الوجوب والإمكان والامتناع ،

__________________

(1) في الفصل الثالث من المرحلة السابعة.


كيفيات ثلاث لنسب القضايا ، وأن الوجوب والإمكان أمران وجوديان ، لمطابقة القضايا الموجهة بهما للخارج ، مطابقة تامة بما لها من الجهة ، فهما موجودان لكن بوجود موضوعهما ، لا بوجود منحاز مستقل ، فهما كسائر المعاني الفلسفية ، من الوحدة والكثرة والقدم والحدوث ، والقوة والفعل وغيرها ، أوصاف وجودية موجودة للموجود المطلق ، بمعنى كون الاتصاف بها في الخارج وعروضها في الذهن ، وهي المسماة بالمعقولات الثانية باصطلاح الفلسفة.

وذهب بعضهم إلى كون الوجوب والإمكان ، موجودين في الخارج بوجود منحاز مستقل ولا يعبؤ به ، هذا في الوجوب والإمكان ، وأما الامتناع فهو أمر عدمي بلا ريب.

هذا كله بالنظر إلى اعتبار العقل الماهيات ، والمفاهيم موضوعات للأحكام ، وأما بالنظر إلى كون الوجود ، هو الموضوع لها حقيقة لأصالته ، فالوجوب كون الوجود في نهاية الشدة ، قائما بنفسه مستقلا في ذاته على الإطلاق ، كما تقدمت(1) الإشارة إليه ، والإمكان كونه متعلق النفس بغيره ، متقوم الذات بسواه كوجود الماهيات ، فالوجوب والإمكان وصفان قائمان بالوجود ، غير خارجين من ذات موضوعهما.

__________________

(1) في الفصل الثالث.


المرحلة الخامسة

في الماهية وأحكامها

وفيها ثمانية فصول


الفصل الأول

[الماهية من حيث هي ليست إلا هي]

الماهية وهي ما يقال في جواب ما هو ، لما كانت تقبل الاتصاف بأنها موجودة أو معدومة ، أو واحدة أو كثيرة أو كلية أو فرد ، وكذا سائر الصفات المتقابلة ، كانت في حد ذاتها ، مسلوبة عنها الصفات المتقابلة.

فالماهية من حيث هي ليست إلا هي ، لا موجودة ولا لا موجودة ولا شيئا آخر ، وهذا معنى قولهم ، إن النقيضين يرتفعان عن مرتبة الماهية ، يريدون به أن شيئا من النقيضين غير مأخوذ في الماهية ، وإن كانت في الواقع غير خالية عن أحدهما بالضرورة.

فماهية الإنسان وهي الحيوان الناطق ، مثلا وإن كانت إما موجودة وإما معدومة ، لا يجتمعان ولا يرتفعان ، لكن شيئا من الوجود والعدم غير مأخوذ فيها ، فللإنسان معنى ولكل من الوجود والعدم معنى آخر ، وكذا الصفات العارضة حتى عوارض الماهية ، فلماهية الإنسان مثلا معنى ، وللإمكان العارض لها معنى آخر ، وللأربعة مثلا معنى وللزوجية العارضة لها معنى آخر.

ومحصل القول إن الماهية ، يحمل عليها بالحمل الأولى نفسها ، ويسلب عنها بحسب هذا الحمل ما وراء ذلك.


الفصل الثاني

في اعتبارات الماهية وما يلحق بها من المسائل

للماهية بالإضافة إلى ما عداها ، مما يتصور لحوقه بها ثلاث اعتبارات ، إما أن تعتبر بشرط شيء أو بشرط لا ، أو لا بشرطي شيء والقسمة حاصرة ، أما الأول فإن تؤخذ بما هي ، مقارنة لما يلحق بها من الخصوصيات ، فتصدق على المجموع كالإنسان ، المأخوذ مع خصوصيات زيد فيصدق عليه.

وأما الثاني ، فإن يشترط معها أن لا يكون معها غيرها ، وهذا يتصور على قسمين أحدهما ، أن يقصر النظر في ذاتها ، وأنها ليست إلا هي وهو المراد من كون الماهية ، بشرط لا في مباحث الماهية كما تقدم ، وثانيهما أن تؤخذ الماهية وحدها ، بحيث لو قارنها أي مفهوم مفروض كان زائدا عليها غير داخل فيها ، فتكون إذا قارنها جزء من المجموع ، مادة له غير محمولة عليه.

وأما الثالث فأن لا يشترط معها شيء ، بل تؤخذ مطلقة ، مع تجويز أن يقارنها شيء أو لا يقارنها.

فالقسم الأول هو الماهية بشرط شيء وتسمى المخلوطة ، والقسم الثاني هو الماهية بشرط لا وتسمى المجردة ، والقسم الثالث هو الماهية لا بشرط وتسمى المطلقة.

والماهية التي هي المقسم للأقسام الثلاثة ، هي الكلي الطبيعي

__________________

(1) في الفصل السابق.


وهي التي تعرضها الكلية في الذهن ، فتقبل الانطباق على كثيرين ، وهي موجودة في الخارج لوجود قسمين من أقسامها ، أعني المخلوطة والمطلقة فيه ، والمقسم محفوظ في أقسامه موجود بوجودها.

والموجود منها في كل فرد ، غير الموجود منها في فرد آخر بالعدد ، ولو كان واحدا موجودا بوحدته في جميع الأفراد ، لكان الواحد كثيرا بعينه وهو محال ، وكان الواحد بالعدد متصفا بصفات متقابلة وهو محال.

الفصل الثالث

في معنى الذاتي والعرضي

المعاني المعتبرة في الماهيات المأخوذة في حدودها ، وهي التي ترتفع الماهية بارتفاعها تسمى الذاتيات ، وما وراء ذلك عرضيات محمولة ، فإن توقف انتزاعها وحملها على انضمام ، سميت محمولات بالضميمة ، كانتزاع الحار وحملها ، على الجسم من انضمام الحرارة إليه ، وإلا فالخارج المحمول كالعالي والسافل.

والذاتي يميز من غيره بوجوه من خواصه ، منها أن الذاتيات بينة ، لا تحتاج في ثبوتها لذي الذاتي إلى وسط ، ومنها أنها غنية عن السبب ، بمعنى أنها لا تحتاج إلى سبب وراء سبب ذي الذاتي ، فعله وجود الماهية بعينها علة أجزائها الذاتية.

ومنها أن الأجزاء الذاتية متقدمة على ذي الذاتي.

والإشكال في تقدم الأجزاء على الكل ، بأن الأجزاء هي الكل بعينه فكيف تتقدم على نفسها ، مندفع بأن الاعتبار مختلف ، فالأجزاء بالأسر متقدمة ، على الأجزاء بوصف الاجتماع والكلية ، على أنها إنما


سميت أجزاء ، لكون الواحد منها جزءا من الحد ، وإلا فالواحد منها عين الكل أعني ذي الذاتي.

الفصل الرابع

في الجنس والفصل والنوع وبعض ما يلحق بذلك

الماهية التامة التي لها آثار خاصة حقيقية ، من حيث تمامها تسمى نوعا كالإنسان والفرس.

ثم إنا نجد بعض المعاني الذاتية التي في الأنواع ، يشترك فيه أكثر من نوع واحد ، كالحيوان المشترك بين الإنسان والفرس وغيرهما ، كما أن فيها ما يختص بنوع كالناطق المختص بالإنسان ، ويسمى المشترك فيه جنسا والمختص فصلا ، وينقسم الجنس والفصل إلى قريب وبعيد ، وأيضا ينقسم الجنس والنوع إلى عال ومتوسط وسافل ، وقد فصل ذلك في المنطق ، ثم إنا إذا أخذنا ماهية الحيوان مثلا ، وهي مشترك فيها أكثر من نوع ، وعقلناها بأنها جسم نام حساس متحرك بالإرادة ، جاز أن نعقلها وحدها ، بحيث يكون كل ما يقارنها من المفاهيم ، زائدا عليها خارجا من ذاتها ، وتكون هي مباينة للمجموع غير محمولة عليه ، كما أنها غير محمولة على المقارن الزائد ، كانت الماهية المفروضة ، مادة بالنسبة إلى ما يقارنها وعلة مادية للمجموع ، وجاز أن نعقلها مقيسة إلى عدة من الأنواع ، كان نعقل ماهية الحيوان بأنها ، الحيوان الذي هو إما إنسان ، وإما فرس وإما بقر وإما غنم ، فتكون ماهية ناقصة غير محصلة ، حتى ينضم إليها فصل أحد تلك الأنواع ، فيحصلها نوعا تاما فتكون هي ذلك النوع بعينه ، وتسمى الماهية المأخوذة بهذا الاعتبار ، جنسا والذي يحصله فصلا.

__________________

(1) في الفصل الرابع من المرحلة السادسة.


والاعتباران في الجزء المشترك ، جاريان بعينهما في الجزء المختص ، ويسمى بالاعتبار الأول صورة ، ويكون جزءا لا يحمل على الكل ولا على الجزء الآخر ، وبالاعتبار الثاني فصلا يحصل الجنس ، ويتمم النوع ويحمل عليه حملا أوليا.

ويظهر مما تقدم أولا أن الجنس هو النوع مبهما ، وأن الفصل هو النوع محصلا ، والنوع هو الماهية التامة ، من غير نظر إلى إبهام أو تحصيل.

وثانيا أن كلا من الجنس والفصل ، محمول على النوع حملا أوليا ، وأما النسبة بينهما أنفسهما ، فالجنس عرض عام بالنسبة إلى الفصل ، والفصل خاصة بالنسبة إليه.

وثالثا أن من الممتنع أن يتحقق جنسان في مرتبة واحدة ، وكذا فصلان في مرتبة واحدة لنوع ، لاستلزام ذلك كون نوع واحد نوعين.

ورابعا أن الجنس والمادة متحدان ذاتا ، مختلفان اعتبارا ، فالمادة إذا أخذت لا بشرط كانت جنسا ، كما أن الجنس إذا أخذ بشرط لا كان مادة ، وكذا الصورة فصل إذا أخذت لا بشرط ، كما أن الفصل صورة إذا أخذ بشرط لا.

واعلم أن المادة في الجواهر المادية ، موجودة في الخارج على ما سيأتي ، وأما الأعراض فهي بسيطة غير مركبة في الخارج ، ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز ، وإنما العقل يجد فيها مشتركات ومختصات ، فيعتبرها أجناسا وفصولا ، ثم يعتبرها بشرط لا فتصير مواد وصورا عقلية.


الفصل الخامس

في بعض أحكام الفصل

ينقسم الفصل نوع انقسام إلى المنطقي والاشتقاقي.

فالفصل المنطقي هو أخص اللوازم ، التي تعرض النوع وأعرفها ، وهو إنما يؤخذ ويوضع في الحدود ، مكان الفصول الحقيقية لصعوبة الحصول غالبا ، على الفصل الحقيقي الذي يقوم النوع ، كالناطق للإنسان والصاهل للفرس ، فإن المراد بالنطق مثلا ، إما النطق بمعنى التكلم وهو من الكيفيات المسموعة ، وإما النطق بمعنى إدراك الكليات ، وهو عندهم من الكيفيات النفسانية ، والكيفية كيفما كانت من الأعراض ، والعرض لا يقوم الجوهر وكذا الصهيل ، ولذا ربما كان أخص اللوازم أكثر من واحد ، فتوضع جميعا موضع الفصل الحقيقي ، كما يؤخذ الحساس ، والمتحرك بالإرادة جميعا فصلا للحيوان ، ولو كان فصلا حقيقيا لم يكن إلا واحدا كما تقدم(1) .

والفصل الاشتقاقي مبدأ الفصل المنطقي ، وهو الفصل الحقيقي المقوم للنوع ، ككون الإنسان ذا نفس ناطقة في الإنسان ، وكون الفرس ذا نفس صاهلة في الفرس.

ثم إن حقيقة النوع هي فصله الأخير ، وذلك لأن الفصل المقوم هو محصل نوعه ، فما أخذ في أجناسه وفصوله الآخر ، على نحو الإبهام مأخوذ فيه على وجه التحصل.

ويتفرع عليه أن هذية النوع به ، فنوعية النوع محفوظة به ولو تبدل بعض

__________________

(1) في الفصل السابق.


أجناسه ، وكذا لو تجردت صورته ، التي هي الفصل بشرط لا عن المادة ، التي هي الجنس بشرط لا بقي النوع على حقيقة نوعيته ، كما لو تجردت النفس الناطقة عن البدن.

ثم إن الفصل غير مندرج تحت جنسه ، بمعنى أن الجنس غير مأخوذ في حده ، وإلا احتاج إلى فصل يقومه ، وننقل الكلام إليه ويتسلسل بترتب فصول غير متناهية.

الفصل السادس

في النوع وبعض أحكامه

الماهية النوعية توجد أجزاؤها في الخارج بوجود واحد ، لأن الحمل بين كل منها وبين النوع أولي ، والنوع موجود بوجود واحد ، وأما في الذهن فهي متغايرة بالإبهام والتحصل ، ولذلك كان كل من الجنس والفصل ، عرضيا للآخر زائدا عليه كما تقدم(1) .

ومن هنا ما ذكروا ، أنه لا بد في المركبات الحقيقية ، أي الأنواع المادية المؤلفة من مادة وصورة ، أن يكون بين أجزائها فقر وحاجة ، من بعضها إلى بعض حتى ترتبط وتتحد حقيقة واحدة ، وقد عدوا المسألة ضرورية لا تفتقر إلى برهان.

ويمتاز المركب الحقيقي من غيره بالوحدة الحقيقية ، وذلك بأن يحصل من تألف الجزئين مثلا أمر ثالث ، غير كل واحد منهما ، له آثار خاصة غير آثارهما الخاصة ، كالأمور المعدنية التي لها آثار خاصة ، غير آثار عناصرها ، لا

__________________

(1) في الفصل الرابع.


كالعسكر المركب من أفراد ، والبيت المؤلف من اللبن والجص وغيرهما.

ومن هنا أيضا ، يترجح القول بأن التركيب ، بين المادة والصورة اتحادي لا انضمامي كما سيأتي(1) .

ثم إن من الماهيات النوعية ما هي كثيرة الأفراد ، كالأنواع التي لها تعلق ما بالمادة مثل الإنسان ، ومنها ما هو منحصر في فرد ، كالأنواع المجردة تجردا تاما من العقول ، وذلك لأن كثرة أفراد النوع إما أن تكون تمام ماهية النوع ، أو بعضها أو لازمة لها ، وعلى جميع هذه التقادير لا يتحقق لها فرد ، لوجوب الكثرة في كل ما صدقت عليه ، ولا كثرة إلا مع الآحاد هذا خلف ، وإما أن تكون لعرض مفارق ، يتحقق بانضمامه وعدم انضمامه الكثرة ، ومن الواجب حينئذ أن يكون في النوع ، إمكان العروض والانضمام ، ولا يتحقق ذلك إلا بمادة كما سيأتي(2) ، فكل نوع كثير الأفراد فهو مادي ، وينعكس إلى أن ما لا مادة له ، وهو النوع المجرد ليس بكثير الأفراد ، وهو المطلوب.

الفصل السابع

في الكلي والجزئي ونحو وجودهما

ربما ظن أن الكلية والجزئية إنما هما في نحو الإدراك ، فالإدراك الحسي لقوته يدرك الشيء بنحو ، يمتاز من غيره مطلقا ، والإدراك العقلي لضعفه يدركه بنحو لا يمتاز مطلقا ، ويقبل الانطباق على أكثر من واحد ، كالشبح المرئي من

__________________

(1) في الفصل السادس من المرحلة السادسة.

(2) في الفصل الرابع من المرحلة السادسة.


بعيد ، المحتمل أن يكون هو زيدا ، أو عمرا أو خشبة منصوبة أو غير ذلك وهو أحدها قطعا ، وكالدرهم الممسوح القابل الانطباق على دراهم مختلفة.

ويدفعه أن لازمه أن لا يصدق المفاهيم الكلية ، كالإنسان مثلا على أزيد من واحد من أفرادها حقيقة ، وأن يكذب القوانين الكلية ، المنطبقة على مواردها اللا متناهية إلا في واحد منها ، كقولنا الأربعة زوج وكل ممكن فلوجوده علة ، وصريح الوجدان يبطله ، فالحق أن الكلية والجزئية نحوان من وجود الماهيات.

الفصل الثامن

في تميز الماهيات وتشخصها

تميز ماهية من ماهية أخرى بينونتها منها ، ومغايرتها لها بحيث لا تتصادقان ، كتميز الإنسان من الفرس باشتماله على الناطق ، والتشخص كون الماهية بحيث يمتنع صدقها على كثيرين ، كتشخص الإنسان الذي هو زيد.

ومن هنا يظهر أولا أن التميز وصف إضافي للماهية ، بخلاف التشخص فإنه نفسي غير إضافي.

وثانيا أن التميز لا ينافي الكلية ، فإن انضمام كلي إلى كلي لا يوجب الجزئية ، ولا ينتهي إليها وإن تكرر بخلاف التشخص.

ثم إن التميز بين ماهيتين إما بتمام ذاتيهما ، كالأجناس العالية البسيطة ، إذ لو كان بين جنسين عاليين مشترك ذاتي ، كان جنسا لهما واقعا فوقهما ، وقد فرضا جنسين عاليين هذا خلف.

وإما ببعض الذات وهذا فيما كان بينهما جنس مشترك ، فتتمايزان


بفصلين كالإنسان والفرس.

وإما بالخارج من الذات ، وهذا فيما إذا اشتركتا في الماهية النوعية ، فتتمايزان بالأعراض المفارقة ، كالإنسان الطويل المتميز بطوله من الإنسان القصير.

وهاهنا قسم رابع أثبته من جوز التشكيك في الماهية ، وهو اختلاف نوع واحد بالشدة والضعف والتقدم والتأخر وغيرها ، في عين رجوعها إلى ما به الاشتراك ، والحق أن لا تشكيك إلا في حقيقة الوجود ، وفيها يجري هذا القسم من الاختلاف والتمايز.

أما التشخص ، فهو في الأنواع المجردة من لوازم نوعيتها ، لما عرفت أن النوع المجرد منحصر في فرد ، وهذا مرادهم بقولهم ، إنها مكتفية بالفاعل توجد بمجرد إمكانها الذاتي ، وفي الأنواع المادية ، كالعنصريات بالأعراض اللاحقة ، وعمدتها الأين ومتى والوضع ، وهي تشخص النوع ، بلحوقها به في عرض عريض ، بين مبدإ تكونه إلى منتهاه ، كالفرد من الإنسان الواقع بين حجم كذا وحجم كذا ، ومبدأ زماني كذا إلى مبدإ زماني كذا ، وعلى هذا القياس هذا هو المشهور عندهم.

والحق كما ذهب إليه المعلم الثاني ، وتبعه صدر المتألهين ، أن التشخص بالوجود ، لأن انضمام الكلي إلى الكلي لا يفيد الجزئية ، فما سموها أعراضا مشخصة ، هي من لوازم التشخص وأماراته.



المرحلة السادسة

في المقولات العشر

وهي الأجناس العالية التي إليها تنتهي أنواع الماهيات

وفيها أحد عشر فصلا


الفصل الأول

[تعريف الجوهر والعرض عدد المقولات]

تنقسم الماهية انقساما أوليا إلى جوهر وعرض ، فإنها إما أن تكون بحيث إذا وجدت في الخارج ، وجدت لا في موضوع مستغن عنها في وجوده ، سواء وجدت لا في موضوع أصلا ، كالجواهر العقلية القائمة بنفسها ، أو وجدت في موضوع لا يستغني عنها في وجوده ، كالصور العنصرية المنطبعة في المادة المتقومة بها ، وإما أن تكون بحيث ، إذا وجدت في الخارج وجدت في موضوع مستغن عنها ، كماهية القرب والبعد بين الأجسام ، وكالقيام والقعود والاستقبال والاستدبار من الإنسان.

ووجود القسمين في الجملة ضروري ، فمن أنكر وجود الجوهر لزمه جوهرية الأعراض ، فقال بوجوده من حيث لا يشعر.

والأعراض تسعة هي المقولات والأجناس العالية ، ومفهوم العرض عرض عام(1) لها لا جنس فوقها ، كما أن المفهوم من الماهية(2) عرض عام لجميع المقولات العشر ، وليس بجنس لها.

والمقولات التسع العرضية هي ، الكم والكيف والأين ومتى

__________________

(1) وإلا انحصرت المقولات في مقولتين ، والعرض قيام وجود شئ بشئ آخر يستغني عنه في وجوده ، فهو نحو الوجود. ـ منه (رحمه الله) ـ.

(2) وهو ما يقال في جواب ما هو ـ منه (رحمه الله) ـ.


والوضع والجدة والإضافة ، وأن يفعل وأن ينفعل هذا ما عليه المشاءون ، من عدد المقولات ، ومستندهم فيه الاستقراء.

وذهب بعضهم إلى أنها أربع ، بجعل المقولات النسبية ، وهي المقولات السبع الأخيرة واحدة ، وذهب شيخ الإشراق ، إلى أنها خمس ، وزاد على هذه الأربعة الحركة(1) .

والأبحاث في هذه المقولات ، وانقساماتها إلى الأنواع المندرجة تحتها ، طويلة الذيل جدا ، ونحن نلخص القول ، على ما هو المشهور من مذهب المشائين ، مع إشارات إلى غيره.

الفصل الثاني

[في أقسام الجوهر]

قسموا الجوهر تقسيما أوليا إلى خمسة أقسام ، المادة والصورة والجسم والنفس والعقل ، ومستند هذا التقسيم في الحقيقة ، استقراء ما قام على وجوده البرهان من الجواهر ، فالعقل هو الجوهر المجرد عن المادة ذاتا وفعلا ، والنفس هي الجوهر المجرد ، عن المادة ذاتا المتعلق بها فعلا ، والمادة هي الجوهر الحامل للقوة ، والصورة الجسمية هي الجوهر ، المفيد لفعلية المادة من حيث الامتدادات الثلاث ، والجسم هو الجوهر الممتد في جهاته الثلاث.

ودخول الصورة الجسمية في التقسيم دخول بالعرض ، لأن الصورة هي الفصل مأخوذا بشرط لا ، وفصول الجواهر غير مندرجة تحت مقولة الجوهر ،

__________________

(1) فالد


وإن صدق عليها الجوهر كما عرفت(1) في بحث الماهية ، ويجري نظير الكلام في النفس(2) .

الفصل الثالث

في الجسم

لا ريب أن هناك أجساما مختلفة تشترك في أصل الجسمية ، التي هي الجوهر الممتد في الجهات الثلاث ، فالجسم بما هو جسم ، قابل للانقسام في جهاته المفروضة ، وله وحدة اتصالية عند الحس ، فهل هو متصل واحد في الحقيقة كما هو عند الحس ، أو مجموعة أجزاء ذات فواصل على خلاف ما عند الحس.

وعلى الأول فهل الأقسام ، التي له بالقوة متناهية أو غير متناهية ، وعلى الثاني فهل الأقسام التي هي بالفعل ، وهي التي انتهى التجزي إليها لا تقبل الانقسام خارجا ، لكن تقبله وهما وعقلا ، لكونها أجساما صغارا ذوات حجم ، أو أنها لا تقبل الانقسام لا خارجا ولا وهما ولا عقلا ، لعدم اشتمالها على حجم ، وإنما تقبل الإشارة الحسية ، وهي متناهية أو غير متناهية ، ولكل من الشقوق المذكورة قائل.

فالأقوال خمسة.

الأول إن الجسم متصل واحد بحسب الحقيقة ، كما هو عند الحس وله أجزاء بالقوة متناهية ، ونسب إلى الشهرستاني.

__________________

(1) الفصل الخامس من المرحلة الخامسة.

(2) لأنّ النفس ، فيماله نفس ، صورة للنوع الجوهري ، وفصول الجواهر ليست مندرجة تحت مقولة الجوهر. منه رحمه الله.


الثاني : أنه متصل حقيقة كما هو متصل حسا ، وهو منقسم انقسامات غير متناهية بمعنى لا يقف ، أي أنه يقبل الانقسام الخارجي ، بقطع أو باختلاف عرضين ونحوه ، حتى إذا لم يعمل الآلات القطاعة ، في تقسيمه لصغره قسمة الوهم ، حتى إذا عجز عن تصوره لصغره البالغ ، حكم العقل كليا بأنه كلما قسم إلى أجزاء كان الجزء الحاصل ، لكونه ذا حجم له طرف غير طرف ، يقبل القسمة من غير وقوف ، فإن ورود القسمة لا يعدم الحجم ونسب إلى الحكماء.

الثالث أنه مجموعة أجزاء صغار صلبه لا تخلو من حجم ، يقبل القسمة الوهمية والعقلية دون الخارجية ، ونسب إلى ذي مقراطيس.

الرابع أنه مؤلف من أجزاء لا تتجزأ ، لا خارجا ولا وهما ولا عقلا ، وإنما تقبل الإشارة الحسية وهي متناهية ، ذوات فواصل في الجسم تمر الآلة القطاعة من مواضع الفصل ، ونسب إلى جمهور المتكلمين.

الخامس تأليف الجسم منها كما في القول الرابع ، إلا أنها غير متناهية ، ويدفع القولين الرابع والخامس ، أن ما ادعى من الأجزاء التي لا تتجزأ ، إن لم تكن ذوات حجم ، امتنع أن يتحقق من اجتماعها جسم ذو حجم بالضرورة ، وإن كانت ذوات حجم ، لزمها الانقسام الوهمي والعقلي بالضرورة ، وإن فرض عدم انقسامها الخارجي لنهاية صغرها.

على أنها لو كانت غير متناهية ، كان الجسم المتكون من اجتماعها ، غير متناهي الحجم بالضرورة ، وقد أقيمت على بطلان الجزء الذي لا يتجزى ، وجوه من البراهين مذكورة في المطولات.

ويدفع القول الثاني ، وهن الوجوه التي أقيمت على كون الجسم البسيط(1) ، ذا اتصال واحد جوهري ، من غير فواصل كما هو عند الحس ، وقد

__________________

(1) وهو الجسم غير المؤلف من أجسام مختلفة الطبائع ، كأجسام العناصر الأولية ـ منه دام ظله.


تسلم علماء الطبيعة أخيرا ، بعد تجربات علمية ممتدة ، أن الأجسام مؤلفة من أجزاء صغار ذرية ، مؤلفة من أجزاء أخرى ، لا تخلو من نواة مركزية ذات جرم ، وليكن أصلا موضوعا لنا.

ويدفع القول الأول أنه يرد عليه ، ما يرد على القول الثاني والرابع والخامس ، لجمعه بين القول باتصال الجسم بالفعل ، وبين انقسامه بالقوة إلى أجزاء متناهية ، تقف القسمة دونها على الإطلاق.

فالجسم الذي هو جوهر ذو اتصال ، يمكن أن يفرض فيه الامتدادات الثلاث ثابت لا ريب فيه ، لكن مصداقه الأجزاء الأولية ، التي يحدث فيها الامتداد الجرمي ، وإليها تتجزأ الأجسام النوعية دون غيرها ، على ما تقدمت الإشارة إليه ، وهو قول ذي مقراطيس ، مع إصلاح ما.

الفصل الرابع

في إثبات المادة الأولى والصورة الجسمية

إن الجسم من حيث هو جسم ، ونعني به ما يحدث فيه الامتداد الجرمي ، أولا وبالذات أمر بالفعل ، ومن حيث ما يمكن أن يلحق به ، شيء من الصور النوعية ولواحقها أمر بالقوة ، وحيثية الفعل غير حيثية القوة ، لأن الفعل متقوم بالوجدان والقوة متقومة بالفقدان ، ففيه جوهر هو قوة الصور الجسمانية ، بحيث إنه ليس له من الفعلية إلا فعلية أنه قوة محضة ، وهذا نحو وجودها ، والجسمية التي بها الفعلية صورة مقومة لها ، فتبين أن الجسم مؤلف من مادة وصورة جسمية ، والمجموع المركب منهما هو الجسم.


تتمة

فهذه هي المادة الشائعة ، في الموجودات الجسمانية جميعا ، وتسمى المادة الأولى والهيولى الأولى.

ثم هي مع الصورة الجسمية مادة ، قابلة للصور النوعية اللاحقة ، وتسمى المادة الثانية.

الفصل الخامس

في إثبات الصور النوعية

الأجسام الموجودة في الخارج ، تختلف اختلافا بينا من حيث الأفعال والآثار ، وهذه الأفعال لها مبدأ جوهري لا محالة ، وليس هو المادة الأولى ، لأن شأنها القبول والانفعال دون الفعل ، ولا الجسمية المشتركة لأنها واحدة مشتركة ، وهذه الأفعال كثيرة مختلفة ، فلها مباد مختلفة ، ولو كانت هذه المبادي أعراضا مختلفة ، وجب انتهاؤها إلى جواهر مختلفة ، وليست هي الجسمية لما سمعت من اشتراكها بين الجميع ، فهي جواهر متنوعة تتنوع بها الأجسام ، تسمى الصور النوعية.

تتمة

، أول ما تتنوع الجواهر المادية ، بعد الجسمية المشتركة ، إنما هو بالصور النوعية التي تتكون بها العناصر ، ثم العناصر مواد لصور أخرى تلحق بها ، وكان القدماء من علماء الطبيعة ، يعدون العناصر أربعا ، وأخذ الإلهيون ذلك أصلا


موضوعا ، وقد أنهاها الباحثون أخيرا ، إلى ما يقرب من مائة وبضع عنصر.

الفصل السادس

في تلازم المادة والصورة

المادة الأولى والصورة متلازمتان ، لا تنفك إحداهما عن الأخرى.

أما أن المادة لا تتعرى عن الصورة ، فلأن المادة الأولى حقيقتها ، أنها بالقوة من جميع الجهات ، فلا توجد إلا متقومة بفعلية جوهرية متحدة بها ، إذ لا تحقق لموجود إلا بفعلية ، والجوهر الفعلي الذي هذا شأنه هو الصورة ، فإذن المطلوب ثابت.

وإما أن الصور التي من شأنها أن تقارن المادة ، لا تتجرد عنها ، فلأن شيئا من الأنواع التي ينالها الحس والتجربة ، لا يخلو من قوة التغير وإمكان الانفعال ، وهذا أصل موضوع مأخوذ من العلوم الطبيعية ، وما فيه القوة والإمكان لا يخلو من مادة ، فإذن المطلوب ثابت.

الفصل السابع

في أن كلا من المادة والصورة محتاجة إلى الأخرى

بيان ذلك أما إجمالا ، فإن التركيب بين المادة والصورة ، تركيب حقيقي اتحادي ذو وحدة حقيقية ، وقد تقدم(1) أن بعض أجزاء المركب ، الحقيقي محتاج إلى بعض.

__________________

(1) في الفصل السادس من المرحلة الخامسة.


وأما تفصيلا فالصورة محتاجة إلى المادة في تعينها ، فإن الصورة إنما يتعين نوعها ، باستعداد سابق تتحمله المادة ، وهي تقارن صورة سابقة وهكذا.

وأيضا هي محتاجة إلى المادة في تشخصها ، أي في وجودها الخاص بها ، من حيث ملازمتها للعوارض ، المسماة بالعوارض المشخصة ، من الشكل والوضع والأين ومتى وغيرها.

وأما المادة فهي متوقفة الوجود حدوثا وبقاء ، على صورة ما من الصور الواردة عليها تتقوم بها ، وليست الصورة علة تامة ولا علة فاعلية لها ، لحاجتها في تعينها وفي تشخصها إلى المادة ، والعلة الفاعلية إنما تفعل بوجودها الفعلي ، فالفاعل لوجود المادة جوهر ، مفارق للمادة من جميع الجهات ، فهو عقل مجرد أوجد المادة ، وهو يستحفظها بالصورة ، بعد الصورة التي يوجدها في المادة.

فالصورة جزء للعلة التامة ، وشريكة العلة للمادة وشرط لفعلية وجودها.

وقد شبهوا استبقاء العقل المجرد المادة بصورة ما ، بمن يستحفظ سقف بيت بأعمدة متبدلة ، فلا يزال يزيل عمودا وينصب مكانه آخر.

واعترض عليه بأنهم ذهبوا إلى كون هيولى ، عالم العناصر واحدة بالعدد ، فكون صورة ما وهي واحدة بالعموم شريكة العلة لها ، يوجب كون الواحد بالعموم علة للواحد بالعدد ، وهو أقوى وجودا من الواحد بالعموم ، مع أن العلة يجب أن تكون أقوى من معلولها.

ولو أغمضنا عن ذلك فلا ريب ، أن تبدل الصور يستوجب بطلان الصورة السابقة ، وتحقق حقه في محلها ، وإذ فرض أن الصورة جزء العلة التامة للمادة ، فبطلانها يوجب بطلان الكل أعني العلة التامة ، ويبطل بذلك المادة ، فأخذ صورة ما شريكة العلة لوجود المادة ، يؤدى إلى نفي المادة.

والجواب أنه سيأتي في مرحلة القوة والفعل(1) ، أن تبدل الصور في

__________________

(1) في الفصل الحادي عشر من المرحلة العاشرة.


الجواهر المادية ، ليس بالكون والفساد وبطلان صورة وحدوث أخرى ، بل الصور المتبدلة موجودة بوجود واحد ، سيال يتحرك الجوهر المادي فيه ، وكل واحد منها حد من حدود هذه الحركة الجوهرية ، فهي موجودة متصلة واحدة بالخصوص ، وإن كانت وحدة مبهمة ، تناسب إبهام ذات المادة التي هي قوة محضة ، وقولنا إن صورة ما واحدة بالعموم ، شريكة العلة للمادة ، إنما هو باعتبار ما يطرأ عليها من الكثرة بالانقسام.

الفصل الثامن

النفس والعقل موجودان

أما النفس ، وهي الجوهر المجرد من المادة ذاتا ، المتعلق بها فعلا ، فلما نجد في النفوس الإنسانية من خاصة العلم وسيأتي ، في مرحلة العاقل والمعقول(1) ، أن الصور العلمية مجردة من المادة ، موجودة للعالم حاضرة عنده ، ولو لا تجرد العالم ، بتنزهه عن القوة ومحوضته في الفعلية ، لم يكن معنى لحضور شيء عنده ، فالنفس الإنسانية العاقلة مجردة من المادة ، وهي جوهر لكونها صورة لنوع جوهري ، وصورة الجوهر جوهر على ما تقدم(2) .

وأما العقل فلما سيأتي(3) ، أن النفس في مرتبة العقل الهيولاني ، أمر بالقوة بالنسبة إلى الصور المعقولة لها ، فالذي يفيض عليها الفعلية فيها ، يمتنع أن يكون نفسها وهي بالقوة ، ولا أي أمر مادي مفروض ، فمفيضها جوهر مجرد ، منزه عن القوة والإمكان وهو العقل.

__________________

(1) في الفصل الأول والثاني من المرحلة الحادي عشرة.

(2) في الفصل الثاني.

(3) في فصل الخامس من المرحلة الحادية عشرة.


وأيضا تقدم أن مفيض الفعلية للأنواع المادية ، بجعل المادة والصورة واستحفاظ المادة بالصورة ، عقل مجرد فالمطلوب ثابت.

وعلى وجودهما براهين كثيرة آخر ستأتي الإشارة إلى بعضها.

خاتمة

، من خواص الجوهر أنه لا تضاد فيه ، لأن من شرط التضاد تحقق موضوع يعتوره الضدان ، ولا موضوع للجوهر.

الفصل التاسع

في الكم وانقساماته وخواصه

الكم عرض يقبل القسمة الوهمية(1) بالذات ، وقد قسموه قسمة أولية إلى المتصل والمنفصل.

والمتصل ما يمكن أن يفرض فيه أجزاء بينها حد مشترك ، والحد المشترك ما إن اعتبر بداية لأحد الجزءين ، أمكن أن يعتبر بداية للآخر ، وإن اعتبر نهاية لأحدهما أمكن أن يعتبر نهاية للآخر ، كالنقطة بين جزئي الخط والخط بين جزئي السطح ، والسطح بين جزئي الجسم التعليمي ، والان بين جزئي الزمان.

والمنفصل ما كان بخلافه كالخمسة مثلا ، فإنها إن قسمت إلى ثلاثة واثنين ، لم يوجد فيها حد مشترك ، وإلا فإن كان واحدا منها عادت الخمسة أربعة ، وإن كان واحدا من خارج عادت ستة هذا خلف.

__________________

(1) واما القسمة الخارجية ، فهي تعدم الكم وتفنيه ـ منه.


الثاني أعني المنفصل ، هو العدد الحاصل من تكرر الواحد ، وإن كان الواحد نفسه ليس بعدد ، لعدم صدق حد الكم عليه ، وقد عدوا كل واحدة من مراتب العدد نوعا على حدة ، لاختلاف الخواص.

والأول أعني المتصل ينقسم إلى قار وغير قار ، والقار ما لأجزائه المفروضة اجتماع في الوجود ، كالخط مثلا ، وغير القار بخلافه وهو الزمان ، فإن كل جزء منه مفروض ، لا يوجد إلا وقد انصرم السابق عليه ، ولما يوجد الجزء اللاحق.

والمتصل القار على ثلاثة أقسام ، جسم تعليمي وهو الكمية السارية في الجهات الثلاث ، من الجسم الطبيعي المنقسمة فيها ، وسطح وهو نهاية الجسم التعليمي المنقسمة في جهتين ، وخط وهو نهاية السطح المنقسمة في جهة واحدة.

وللقائلين بالخلاء ، بمعنى الفضاء الخالي من كل موجود شاغل يملؤه ، شك في الكم المتصل القار ، لكن الشأن في إثبات الخلاء بهذا المعنى.

تتمة

يختص الكم بخواص ، الأولى أنه لا تضاد بين شيء من أنواعه ، لعدم اشتراكها في الموضوع ، والاشتراك في الموضوع من شرط التضاد.

الثانية قبول القسمة الوهمية بالفعل كما تقدم.

الثالثة وجود ما يعده ، أي يفنيه بإسقاطه منه مرة بعد مرة ، فالكم المنفصل وهو العدد مبدؤه الواحد ، وهو عاد لجميع أنواعه ، مع أن بعض أنواعه عاد لبعض ، كالإثنين للأربعة والثلاثة للتسعة ، والكم المتصل منقسم ذو أجزاء فالجزء منه يعد الكل.

الرابعة المساواة واللا مساواة ، وهما خاصتان للكم وتعرضان غيره


بعروضه.

الخامسة النهاية واللا نهاية وهما كسابقتيهما.

الفصل العاشر

في الكيف

وهو عرض لا يقبل القسمة ولا النسبة لذاته ، وقد قسموه بالقسمة الأولية إلى أربعة أقسام ، أحدها الكيفيات النفسانية ، كالعلم والإرادة والجبن والشجاعة واليأس والرجاء.

وثانيها الكيفيات المختصة بالكميات ، كالاستقامة والانحناء والشكل ، مما يختص بالكم المتصل ، وكالزوجية والفردية في الأعداد ، مما يختص بالكم المنفصل.

وثالثها الكيفيات الاستعدادية ، وتسمى أيضا القوة واللا قوة ، كالاستعداد الشديد نحو الانفعال كاللين ، والاستعداد الشديد نحو اللا انفعال كالصلابة ، وينبغي أن يعد منها مطلق الاستعداد القائم بالمادة ، ونسبة الاستعداد إلى القوة الجوهرية ، التي هي المادة ، نسبة الجسم التعليمي ، الذي هو فعلية الامتداد في الجهات الثلاث ، إلى الجسم الطبيعي الذي فيه إمكانه(1) .

ورابعها الكيفيات المحسوسة بالحواس الخمس الظاهرة ، وهي إن كانت سريعة الزوال ، كحمرة الخجل وصفرة الوجل سميت انفعالات ،

__________________

(1) راجع أيضاً : الفصل الأول والفصل الثالث عشر ، من المرحلة العاشرة.


وإن كانت راسخة كصفرة الذهب وحلاوة العسل ، سميت انفعاليات.

ولعلماء الطبيعة اليوم تشكيك ، في كون الكيفيات المحسوسة موجودة في الخارج ، على ما هي عليه في الحس مشروح في كتبهم.

الفصل الحادي عشر

في المقولات النسبية

وهي الأين ومتى والوضع والجدة ، والإضافة والفعل والانفعال ، أما الأين فهو هيئة ، حاصلة من نسبة الشيء إلى المكان.

وأما متى فهو هيئة ، حاصلة من نسبة الشيء إلى الزمان ، وكونه فيه أعم من كونه في نفس الزمان كالحركات ، أو في طرفه وهو الان كالموجودات الانية الوجود ، من الاتصال والانفصال والمماسة ونحوها ، وأعم أيضا من كونه على وجه الانطباق ، كالحركة القطعية ، أو لا على وجهه كالحركة التوسطية.

وأما الوضع فهو هيئة حاصلة ، من نسبة أجزاء الشيء بعضها إلى بعض ، والمجموع إلى الخارج ، كالقيام الذي هو هيئة حاصلة للإنسان ، من نسبة خاصة بين أعضائه نفسها ، وبينها وبين الخارج ، من كون رأسه إلى فوق وقدميه إلى تحت.

وأما الجدة ويقال له ، الملك فهو هيئة حاصلة من إحاطة شيء بشيء ، بحيث ينتقل المحيط بانتقال المحاط ، سواء كانت الإحاطة إحاطة تامة كالتجلبب ، أو إحاطة ناقصة كالتقمص والتنعل.

وأما الإضافة ، فهي هيئة حاصلة من تكرر النسبة بين شيئين ، فإن مجرد النسبة لا يوجب إضافة مقولية ، وإنما تفيدها نسبة الشيء الملحوظ ، من حيث


أنه منتسب إلى شيء هو منتسب إليه لهذا المنتسب ، كالأب المنسوب من حيث أنه أب لهذا الابن ، إليه من حيث إنه ابن له.

وتنقسم الإضافة إلى متشابهة الأطراف كالأخوة والأخوة ، ومختلفة الأطراف ، كالأبوة والبنوة والفوقية والتحتية.

ومن خواص الإضافة ، أن المضافين متكافئان وجودا وعدما وفعلا وقوة ، لا يختلفان من حيث الوجود والعدم والفعل والقوة.

واعلم أن المضاف ، قد يطلق على نفس الإضافة كالأبوة والبنوة ، ويسمى المضاف الحقيقي ، وقد يطلق على معروضها كالأب والابن ، ويسمى المضاف المشهوري.

وأما الفعل فهو الهيئة ، الحاصلة من تأثير المؤثر ما دام يؤثر ، كالهيئة الحاصلة من تسخين المسخن ما دام يسخن.

وأما الانفعال فهو الهيئة ، الحاصلة من تأثر المتأثر ما دام يتأثر ، كالهيئة الحاصلة من تسخن المتسخن ما دام يتسخن ، واعتبار التدرج في تعريف الفعل والانفعال ، لإخراج الفعل والانفعال إلا بداعيين ، كفعل الواجب تعالى ، بإخراج العقل المجرد من العدم إلى الوجود ، وانفعال العقل بخروجه من العدم إلى الوجود ، بمجرد إمكانه الذاتي.



المرحلة السابعة

في العلة والمعلول

وفيها أحد عشر فصلا


الفصل الأول

في إثبات العلية والمعلولية وأنهما في الوجود

قد تقدم(1) أن الماهية في ذاتها ، ممكنة تستوي نسبتها إلى الوجود والعدم ، وأنها في رجحان أحد الجانبين محتاجة إلى غيرها ، وعرفت(2) أن القول بحاجتها ، في رجحان عدمها إلى غيرها نوع تجوز ، وإنما الحاجة في الوجود فلوجودها توقف على غيرها.

وهذا التوقف لا محالة على وجود الغير ، فإن المعدوم من حيث هو معدوم لا شيئية له ، فهذا الموجود المتوقف عليه في الجملة ، هو الذي نسميه علة ، والماهية المتوقفة عليه في وجودها معلولتها.

ثم إن المجعول للعلة والأثر الذي تضعه في المعلول ، إما أن يكون هو وجوده أو ماهيته ، أو صيرورة ماهيته موجودة ، لكن يستحيل أن يكون المجعول هو الماهية ، لما تقدم(3) أنها اعتبارية ، والذي للمعلول من علته أمر أصيل ، على أن الذي تستقر فيه حاجة الماهية المعلولة ، ويرتبط بالعلة هو وجودها لا ذاتها(4) .

__________________

(1) في الفصل السابع من المرحلة الرابعة.

(2) في الفصل العاشر من المرحلة الاولى.

(3) في الفصل الرابع من المرحلة الاولى.

(4) لأنّ الماهية في حدّ نفسها هى هى ، من غير أن ترتبط بشئ وراء نفسها. منه.


ويستحيل أن يكون المجعول هو الصيرورة ، لأنها معنى نسبي قائم بطرفيه ، ومن المحال أن يقوم أمر أصيل خارجي ، بطرفين اعتباريين غير أصيلين ، فالمجعول من المعلول والأثر الذي تفيده العلة هو وجوده ، لا ماهيته ولا صيرورة ماهيته موجودة وهو المطلوب.

الفصل الثاني

في انقسامات العلة

تنقسم العلة إلى تامة وناقصة ، فإنها إما أن تشتمل ، على جميع ما يتوقف عليه وجود المعلول ، بحيث لا يبقى للمعلول معها إلا أن يوجد ، وهي العلة التامة ، وإما أن تشتمل على البعض دون الجميع ، وهي العلة الناقصة ، وتفترقان من حيث إن العلة التامة ، يلزم من وجودها وجود المعلول ، ومن عدمها عدمه ، والعلة الناقصة لا يلزم من وجودها وجود المعلول ، ولكن يلزم من عدمها عدمه.

وتنقسم أيضا إلى الواحدة والكثيرة ، وتنقسم أيضا إلى البسيطة وهي ما لا جزء لها ، والمركبة وهي بخلافها ، والبسيطة إما بسيطة بحسب الخارج ، كالعقل المجرد والأعراض ، وأما بحسب العقل ، وهي ما لا تركيب فيه خارجا من مادة وصورة ، ولا عقلا من جنس وفصل ، وأبسط البسائط ما لم يتركب من وجود وماهية ، وهو الواجب عز اسمه.

وتنقسم أيضا إلى قريبة وبعيدة ، والقريبة ما لا واسطة بينها وبين معلولها ، والبعيدة بخلافها كعلة العلة.

وتنقسم العلة إلى داخلية وخارجية ، والعلل الداخلية وتسمى أيضا علل القوام ، هي المادة والصورة المقومتان للمعلول ، والعلل الخارجية


وتسمى أيضا علل الوجود ، وهي الفاعل والغاية ، وربما سمي الفاعل ما به الوجود ، والغاية ما لأجله الوجود.

وتنقسم العلة إلى العلل الحقيقية والمعدات ، وفي تسمية المعدات عللا تجوز ، فليست عللا حقيقية ، وإنما هي مقربات تقرب المادة إلى إفاضة الفاعل ، كورود المتحرك في كل حد من حدود المسافة ، فإنه يقربه إلى الورود في حد يتلوه ، وكانصرام القطعات الزمانية ، فإنه يقرب موضوع الحادث إلى فعلية الوجود.

الفصل الثالث

في وجوب المعلول عند وجود العلة التامة ووجوب وجود العلة

عند وجود المعلول

إذا كانت العلة التامة موجودة وجب وجود معلولها ، وإلا جاز عدمه مع وجودها ، ولازمه تحقق عدمه المعلول لعدم العلة من دون علة.

وإذا كان المعلول موجودا وجب وجود علته ، وإلا جاز عدمها مع وجود المعلول ، وقد تقدم(1) أن العلة ، سواء كانت تامة أو ناقصة يلزم من عدمها عدم المعلول.

ومن هنا يظهر ، أن المعلول لا ينفك وجوده عن وجود علته ، كما أن العلة التامة لا تنفك عن معلولها.

فلو كان المعلول زمانيا موجودا في زمان بعينه ، كانت علته موجودة واجبة في ذلك الزمان بعينه ، لأن توقف وجوده على العلة في ذلك الزمان ،

__________________

(1) في الفصل السابق.


فترجيح العلة لوجوده وإفاضتها له في ذلك الزمان ، ولو كانت العلة موجودة في زمان آخر ، معدومة في زمان وجود المعلول ، والإفاضة قائمة بوجودها ، كانت مفيضة للمعلول وهي معدومة هذا محال(1) .

برهان آخر :

، حاجة الماهية المعلولة إلى العلة ، ليست إلا حاجة وجودها إلى العلة ، وليست الحاجة خارجة من وجودها ، بمعنى أن يكون هناك وجود وحاجة ، بل هي مستقرة في حد ذات وجودها ، فوجودها عين الحاجة والارتباط ، فهو وجود رابط بالنسبة إلى علته ، لا استقلال له دونها وهي مقومة له ، وما كان هذا شأنه استحال أن يوجد إلا متقوما بعلته ، معتمدا عليها ، فعند وجود المعلول يجب وجود علته وهو المطلوب.

الفصل الرابع

[قاعدة الواحد ]

الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد وذلك ، أن من الواجب أن يكون بين العلة ومعلولها ، سنخية ذاتية ليست بين الواحد منهما وغير الآخر ، وإلا جاز كون كل شيء علة لكل شيء ، وكل شيء معلولا لكل شيء ، ففي العلة جهة مسانخة لمعلولها ، هي المخصصة لصدوره عنها ، فلو صدرت عن العلة الواحدة ، وهي

__________________

(1) الفرق بين هذه المسألة ومسألة : أنّ الشئ ما لم يجب لم يوجد ، أنّ المراد بالوجوب ههنا ، الوجوب بالقياس إلى الغير ، وفي تلك المسألة ، الوجوب بالغير. منه دام ظله.


التي ليست لها في ذاتها إلا جهة واحدة ، معاليل كثيرة بما هي كثيرة متباينة ، غير راجعة إلى جهة واحدة بوجه من الوجوه ، لزمه تقرر جهات كثيرة في ذاتها وهي ذات جهة واحدة ، وهذا محال.

ويتبين بذلك ، أن ما يصدر عنه الكثير من حيث هو كثير ، فإن في ذاته جهة كثرة ، ويتبين أيضا أن العلل الكثيرة ، لا تتوارد على معلول واحد.

الفصل الخامس

في استحالة الدور والتسلسل في العلل

أما استحالة الدور وهو توقف وجود الشيء ، على ما يتوقف عليه وجوده ، إما بلا واسطة وهو الدور المصرح ، وإما بواسطة أو أكثر وهو الدور المضمر ، فلأنه يستلزم توقف وجود الشيء على نفسه ، ولازمه تقدم الشيء على نفسه بالوجود ، لتقدم وجود العلة على وجود المعلول بالضرورة.

وأما استحالة التسلسل ، وهو ترتب العلل لا إلى نهاية ، فمن أسد البراهين عليها ، ما أقامه الشيخ ، في إلهيات الشفاء ، ومحصله أنا إذا فرضنا معلولا وعلته ، وعلة علته وأخذنا هذه الجملة ، وجدنا كلا من الثلاثة ذا حكم ضروري يختص به ، فالمعلول المفروض معلول فقط ، وعلته علة لما بعدها معلولة لما قبلها ، وعلة العلة علة فقط غير معلولة ، فكان ما هو معلول فقط طرفا وما هو علة فقط طرفا آخر ، وكان ما هو علة ومعلول معا وسطا بين طرفين ، ثم إذا فرضنا الجملة أربعة مترتبة ، كان للطرفين ما تقدم من حكم الطرفين ، وكان الاثنان الواقعان ، بين الطرفين مشتركين في حكم الوسط ، وهو أن لهما العلية والمعلولية معا ، بالتوسط بين طرفين ، ثم كلما زدنا في عدد الجملة إلى ما لانهاية له ، كان الأمر جاريا على مجرى واحد ، وكان مجموع ما بين


الطرفين ، وهي العدة التي كل واحد من آحادها ، علة ومعلول معا وسطا له حكمه.

فلو فرضنا سلسلة من العلل مترتبة إلى غير النهاية ، كان ما وراء المعلول الأخير من الجملة غير المتناهية ، وسطا لا طرف له وهو محال.

وهذا البرهان يجري ، في كل سلسلة مترتبة من العلل ، التي لا تفارق وجودها وجود المعلول ، سواء كانت تامة أو ناقصة دون العلل المعدة.

ويدل على وجوب تناهي العلل التامة خاصة ، ما تقدم(1) أن وجود المعلول ، وجود رابط بالنسبة إلى علته ، فإنه لو ترتبت العلية والمعلولية ، في سلسلة غير متناهية ، من غير أن تنتهي إلى علة غير معلولة ، كانت وجودات رابطة متحققة من غير وجود نفسي ، مستقل تقوم به وهو محال.

ولهم على استحالة التسلسل حجج أخرى ، مذكورة في المطولات.

الفصل السادس

[العلة الفاعلية وأقسامها]

العلة الفاعلية وهي ، التي تفيض وجود المعلول وتفعله على أقسام ، وقد ذكروا في وجه ضبطها ، أن الفاعل إما أن يكون له علم بفعله أو لا ، والثاني إما أن يلائم فعله طبعه وهو الفاعل بالطبع ، أو لا يلائم وهو الفاعل بالقسر ، والأول وهو الذي له علم بفعله ، إن لم يكن فعله بإرادته فهو الفاعل بالجبر ، وإن كان بها فإما أن يكون علمه بفعله ، في مرتبة فعله بل عين فعله ، وهو الفاعل بالرضا ، وإما أن يكون علمه بفعله قبل فعله ،

__________________

(1) في الفصل الثالث.


وحينئذ إما أن يكون علمه مقرونا بداع زائد ، وهو الفاعل بالقصد ، وإما أن لا يكون علمه مقرونا بداع زائد ، بل يكون نفس العلم فعليا منشأ لصدور المعلول ، وحينئذ فإما أن يكون علمه زائدا على ذاته ، وهو الفاعل بالعناية ، أو غير زائد على ذاته وهو الفاعل بالتجلي ، والفاعل في ما تقدم إذا نسب إلى فعله ، من جهة أنه وفعله فعل لفاعل آخر ، كان فاعلا بالتسخير.

فللفاعل أقسام ثمانية ، أحدها الفاعل بالطبع وهو الذي لا علم له بفعله ، مع كون الفعل ملائما لطبعه ، كالنفس في مرتبة القوى البدنية الطبيعية ، تفعل أفعالها بالطبع.

الثاني الفاعل بالقسر ، وهو الذي لا علم له بفعله ولا فعله ملائم لطبعه ، كالنفس في مرتبة القوى عند المرض ، فإن الأفعال تنحرف فيه عن مجرى الصحة لعوامل قاسرة.

الثالث الفاعل بالجبر وهو ما له علم بفعله ، وليس بإرادته كالإنسان يكره على فعل ما لا يريده.

الرابع الفاعل بالرضا وهو الذي له إرادة ، وعلمه التفصيلي بالفعل عين الفعل ، وليس له قبل الفعل إلا علم إجمالي به بعلمه بذاته ، كالإنسان يفعل الصور الخيالية وعلمه التفصيلي بها عينها ، وله قبلها علم إجمالي بها بعلمه بذاته ، وكفاعلية الواجب للأشياء عند الإشراقيين.

الخامس الفاعل بالقصد ، وهو الذي له إرادة وعلم بفعله قبل الفعل ، بداع زائد كالإنسان في أفعاله الاختيارية.

السادس الفاعل بالعناية ، وهو الذي له إرادة وعلم ، سابق على الفعل زائد على ذات الفاعل ، نفس الصورة العلمية منشأ لصدور الفعل ، من غير داع زائد ، كالإنسان الواقع على جذع عال ، فإنه بمجرد توهم السقوط يسقط على الأرض ، وكالواجب في إيجاده على قول المشائين.

السابع الفاعل بالتجلي وهو الذي يفعل الفعل ، وله علم سابق


تفصيلي به هو عين علمه الإجمالي بذاته ، كالنفس الإنسانية المجردة ، فإنها لما كانت الصورة الأخيرة لنوعها ، كانت على بساطتها هي المبدأ ، لجميع كمالاتها وآثارها الواجدة لها في ذاتها ، وعلمها الحضوري بذاتها علم بتفاصيل كمالاتها ، وإن لم يتميز بعضها من بعض ، وكالواجب تعالى بناء على ما سيجيء(1) ، من أن له تعالى علما إجماليا ، في عين الكشف التفصيلي.

الثامن الفاعل بالتسخير ، وهو الفاعل إذا نسب إليه فعله ، من جهة أن لنفس الفاعل فاعلا آخر ، إليه يستند هو وفعله فهو فاعل مسخر في فعله ، كالقوى الطبيعية والنباتية والحيوانية ، المسخرة في أفعالها للنفس الإنسانية ، وكالفواعل الكونية المسخرة للواجب ، تعالى في أفعالها.

وفي كون الفاعل بالجبر والفاعل بالعناية ، مباينين للفاعل بالقصد مباينة نوعية ، على ما يقتضيه التقسيم كلام.

الفصل السابع

في العلة الغائية

وهي الكمال الأخير الذي يتوجه إليه الفاعل في فعله.

فإن كان لعلم الفاعل دخل في فاعليته ، كانت الغاية مرادة للفاعل في فعله ، وإن شئت فقل كان الفعل مرادا له لأجلها ، ولهذا قيل إن الغاية متقدمة ، على الفعل تصورا ومتأخرة عنه وجودا.

وإن لم يكن للعلم دخل في فاعلية الفاعل ، كانت الغاية ما ينتهي إليه الفعل ، وذلك أن لكمال الشيء نسبة ثابتة إليه ، فهو مقتض لكماله ، ومنعه

__________________

(1) في الفصل الخامس من المرحلة الثانية عشرة.


من مقتضاه دائما أو في أكثر أوقات وجوده ، قسر دائمي أو أكثري ، ينافي العناية الإلهية بإيصال كل ممكن إلى كماله ، الذي أودع فيه استدعاؤه ، فلكل شيء غاية هي كماله الأخير الذي يقتضيه ، وأما القسر الأقلي فهو شر قليل ، يتداركه ما بحذائه من الخير الكثير ، وإنما يقع فيما يقع في نشأة المادة ، بمزاحمة الأسباب المختلفة.

الفصل الثامن

في إثبات الغاية فيما يعد لعبا أو جزافا أو باطلا

والحركات الطبيعية وغير ذلك

ربما يظن أن الفواعل الطبيعية ، لا غاية لها في أفعالها ، ظنا أن الغاية يجب أن تكون معلومة مرادة للفاعل ، لكنك عرفت(1) أن الغاية أعم من ذلك ، وأن للفواعل الطبيعية غاية في أفعالها ، هي ما ينتهى إليه حركاتها.

وربما يظن أن كثيرا من الأفعال الاختيارية لا غاية لها ، كملاعب الصبيان بحركات لا غاية لهم فيها ، وكاللعب باللحية وكالتنفس ، وكانتقال المريض النائم من جانب إلى جانب ، وكوقوف المتحرك إلى غاية عن غايته ، بعروض مانع يمنعه عن ذلك ، إلى غير ذلك من الأمثلة.

والحق أن شيئا من هذه الأفاعيل لا يخلو عن غاية ، توضيح ذلك أن في الأفعال الإرادية مبدأ قريبا للفعل ، هو القوة العاملة المنبثة في العضلات ، ومبدأ متوسطا قبله ، وهو الشوق المستتبع للإرادة والإجماع ، ومبدأ بعيدا قبله ، هو العلم وهو تصور الفعل على وجه جزئي ، الذي ربما قارن التصديق بأن

__________________

(1) في الفصل السابق.


الفعل خير للفاعل.

ولكل من هذه المبادي الثلاثة غاية ، وربما تطابقت أكثر من واحد منها في الغاية ، وربما لم يتطابق.

فإذا كان المبدأ الأول وهو العلم فكريا ، كان للفعل الإرادي غاية فكرية ، وإذا كان تخيلا من غير فكر ، فربما كان تخيلا فقط ثم تعلق به الشوق ، ثم حركت العاملة نحوه العضلات ، ويسمى الفعل عندئذ جزافا ، كما ربما تصور الصبي حركة من الحركات ، فيشتاق إليها فيأتي بها ، وما انتهت إليه الحركة حينئذ غاية للمبادي كلها.

وربما كان تخيلا مع خلق وعادة ، كالعبث باللحية ويسمى عادة ، وربما كان تخيلا مع طبيعة كالتنفس ، أو تخيلا مع مزاج كحركات المريض ، ويسمى قصدا ضروريا ، وفي كل من هذه الأفعال لمباديها غاياتها ، وقد تطابقت في أنها ما انتهت إليه الحرة ، وأما الغاية الفكرية فليس لها مبدأ فكري ، حتى تكون له غايته.

وكل مبدإ من هذه المبادي إذا لم يوجد غايته ، لانقطاع الفعل دون البلوغ إلى الغاية ، بعروض مانع من الموانع ، سمي الفعل بالنسبة إليه باطلا ، وانقطاع الفعل بسبب مانع ، يحول بينه وبين الوصول إلى الغاية ، غير كون الفاعل لا غاية له في فعله.

الفصل التاسع

في نفي القول بالاتفاق وهو انتفاء الرابطة بين

ما يعد غاية للأفعال وبين العلل الفاعلية

ربما يظن أن من الغايات المترتبة على الأفعال ، ما هي غير مقصودة


لفاعلها ولا مرتبطة به ، ومثلوا له بمن يحفر بئرا ، ليصل إلى الماء فيعثر على كنز ، والعثور على الكنز ، ليس غاية لحفر البئر مرتبطة به ، ويسمى هذا النوع من الاتفاق بختا سعيدا ، وبمن يأوي إلى بيت ليستظل فينهدم عليه فيموت ، ويسمى هذا النوع من الاتفاق بختا شقيا.

وعلى ذلك بنى بعض علماء الطبيعة كينونة العالم ، فقال إن عالم الأجسام مركبة من أجزاء ، صغار ذرية مبثوثة في خلاء غير متناه ، وهي دائمة الحركة فاتفق أن تصادمت جملة منها ، فاجتمعت فكانت الأجسام فما صلح للبقاء بقي ، وما لم يصلح لذلك فنى سريعا أو بطيئا.

والحق أن لا اتفاق في الوجود ، ولنقدم لتوضيح ذلك مقدمة ، هي أن الأمور الكائنة ، يمكن أن تتصور على وجوه أربعة ، منها ما هو دائمي الوجود ، ومنها ما هو أكثري الوجود ، ومنها ما يحصل بالتساوي ، كقيام زيد وقعوده مثلا ، ومنها ما يحصل نادرا وعلى الأقل ، كوجود الإصبع الزائد في الإنسان.

والأمر الأكثري الوجود يفارق الدائمي الوجود ، بوجود معارض يعارضه في بعض الأحيان ، كعدد أصابع اليد فإنها خمسة على الأغلب ، وربما أصابت القوة المصورة للإصبع مادة زائدة صالحة لصورة الإصبع ، فصورتها إصبعا ومن هنا يعلم ، أن كون الأصابع خمسة مشروط بعدم مادة زائدة ، وأن الأمر بهذا الشرط دائمي الوجود لا أكثريه ، وأن الأقلي الوجود مع اشتراط المعارض ، المذكور أيضا دائمي الوجود ، لا أقليه وإذا كان الأكثري والأقلي دائميين بالحقيقة ، فالأمر في المساوي ظاهر ، فالأمور كلها دائمية الوجود ، جارية على نظام ثابت لا يختلف ولا يتخلف.

وإذا كان كذلك ، فلو فرض أمر كمالي مترتب على فعل فاعل ، ترتبا دائميا لا يختلف ولا يتخلف ، حكم العقل حكما ضروريا فطريا بوجود رابطة وجودية ، بين الأمر الكمالي المذكور وبين فعل الفاعل ، رابطة تقضي بنوع من الاتحاد الوجودي بينهما ، ينتهي إليه قصد الفاعل لفعله وهذا هو الغاية.


ولو جاز لنا أن نرتاب ، في ارتباط غايات الأفعال بفواعلها ، مع ما ذكر من دوام الترتب ، جاز لنا أن نرتاب في ارتباط الأفعال ، بفواعلها وتوقف الحوادث والأمور على علة فاعلية ، إذ ليس هناك إلا ملازمة وجودية وترتب دائمي ، ومن هنا ما أنكر كثير من القائلين بالاتفاق ، العلة الفاعلية كما أنكر العلة الغائية ، وحصر العلية في العلة المادية ، وستجيء(1) الإشارة إليه.

فقد تبين من جميع ما تقدم ، أن الغايات النادرة الوجود المعدودة من الاتفاق ، غايات دائمية ذاتية لعللها ، وإنما تنسب إلى غيرها بالعرض ، فالحافر لأرض تحتها كنز يعثر على الكنز دائما ، وهو غاية له بالذات ، وإنما تنسب إلى الحافر للوصول إلى الماء بالعرض ، وكذا البيت الذي اجتمعت عليه أسباب الانهدام ، ينهدم على من فيه دائما ، وهو غاية للمتوقف فيه بالذات ، وإنما عدت غاية للمستظل بالعرض ، فالقول بالاتفاق من الجهل بالسبب.

الفصل العاشر

في العلة الصورية والمادية

أما العلة الصورية فهي الصورة ، بمعنى ما به الشيء هو هو بالفعل ، بالنسبة إلى النوع المركب منها ومن المادة ، فإن لوجود النوع توقفا عليها بالضرورة ، وأما بالنسبة إلى المادة ، فهي صورة وشريكة العلة الفاعلية على ما تقدم(2) ، وقد تطلق الصورة على معان أخر خارجة من غرضنا.

وأما العلة المادية فهي المادة ، بالنسبة إلى النوع المركب منها ومن الصورة ، فإن لوجود النوع توقفا عليها بالضرورة ، وأما بالنسبة إلى الصورة فهي ،

__________________

(1) في الفصل الآتي.

(2) في الفصل السابع من المرحلة السادسة.


مادة قابلة معلولة لها على ما تقدم.

وقد حصر قوم من الطبيعيين العلة في المادة ، والأصول المتقدمة ترده ، فإن المادة سواء كانت الأولى أو الثانية ، حيثيتها القوة ولازمها الفقدان ، ومن الضروري أنه لا يكفي ، لإعطاء فعلية النوع وإيجادها ، فلا يبقى للفعلية إلا أن توجد من غير علة وهو محال.

وأيضا قد تقدم أن الشيء ما لم يجب لم يوجد ، والوجوب الذي هو الضرورة واللزوم ، لا مجال لاستناده إلى المادة ، التي حيثيتها القبول والإمكان ، فوراء المادة أمر يوجب الشيء ويوجده ، ولو انتفت رابطة التلازم ، التي إنما تتحقق بين العلة والمعلول ، أو بين معلولي علة ثالثة وارتفعت من بين الأشياء ، بطل الحكم باستتباع أي شيء لأي شيء ، ولم يجز الاستناد إلى حكم ثابت ، وهو خلاف الضرورة العقلية ، وللمادة معان أخر غير ما تقدم خارجة من غرضنا.

الفصل الحادي عشر

في العلة الجسمانية

العلل الجسمانية متناهية أثرا ، من حيث العدة والمدة والشدة ، قالوا لأن الأنواع الجسمانية ، متحركة بالحركة الجوهرية ، فالطبائع والقوى التي لها ، منحلة منقسمة إلى حدود وأبعاض ، كل منها محفوف بالعدمين محدود ذاتا وأثرا.

وأيضا العلل الجسمانية لا تفعل ، إلا مع وضع خاص بينها وبين المادة ، قالوا لأنها لما احتاجت في وجودها إلى المادة ، احتاجت في إيجادها إليها ، والحاجة إليها في الإيجاد هي ، بأن يحصل لها بسببها وضع خاص مع المعلول ، ولذلك كان للقرب والبعد والأوضاع الخاصة ، دخل في تأثير العلل الجسمانية.


المرحلة الثامنة

في انقسام الموجود إلى الواحد والكثير

وفيها عشرة فصول


الفصل الأول

في معنى الواحد والكثير

الحق أن مفهومي الوحدة والكثرة ، من المفاهيم العامة التي تنتقش في النفس انتقاشا أوليا ، كمفهوم الوجود ومفهوم الإمكان ونظائرهما ، ولذا كان تعريفهما بأن ، الواحد ما لا ينقسم من حيث إنه لا ينقسم ، والكثير ما ينقسم من حيث إنه ينقسم تعريفا لفظيا ، ولو كانا تعريفين حقيقيين ، لم يخلوا من فساد ، لتوقف تصور مفهوم الواحد على تصور مفهوم ما ينقسم ، وهو مفهوم الكثير ، وتوقف تصور مفهوم الكثير على تصور مفهوم المنقسم ، الذي هو عينه ، وبالجملة الوحدة هي حيثية عدم الانقسام ، والكثرة حيثية الانقسام.

تنبيه

، الوحدة تساوق الوجود مصداقا ، كما أنها تباينه مفهوما ، فكل موجود فهو من حيث إنه موجود واحد ، كما أن كل واحد فهو من حيث إنه واحد موجود ، فإن قلت انقسام الموجود المطلق ، إلى الواحد والكثير يوجب كون الكثير موجودا كالواحد ، لأنه من أقسام الموجود ، ويوجب أيضا كون الكثير غير الواحد مباينا له ، لأنهما قسيمان والقسيمان متباينان بالضرورة ، فبعض


الموجود وهو الكثير من حيث هو كثير ليس بواحد ، وهو يناقض القول بأن كل موجود فهو واحد.

قلت للواحد اعتباران ، اعتباره في نفسه من دون قياس الكثير إليه ، فيشمل الكثير فإن الكثير من حيث هو موجود فهو واحد ، له وجود واحد ولذا يعرض له العدد ، فيقال مثلا ، عشرة واحدة وعشرات وكثرة واحدة وكثرات ، واعتباره من حيث يقابل الكثير فيباينه.

توضيح ذلك أنا كما نأخذ الوجود ، تارة من حيث نفسه ووقوعه قبال مطلق العدم ، فيصير عين الخارجية وحيثية ترتب الآثار ، ونأخذه تارة أخرى فنجده في حال تترتب عليه آثاره ، وفي حال أخرى لا تترتب عليه تلك الآثار ، وإن ترتبت عليه آثار أخرى ، فنعد وجوده المقيس وجودا ذهنيا لا تترتب عليه الآثار ، ووجوده المقيس عليه ، وجودا خارجيا تترتب عليه الآثار ، ولا ينافي ذلك قولنا ، إن الوجود يساوق العينية والخارجية ، وإنه عين ترتب الآثار.

كذلك ربما نأخذ مفهوم الواحد ، بإطلاقه من غير قياس ، فنجده يساوق الوجود مصداقا ، فكل ما هو موجود فهو من حيث وجوده واحد ، ونجده تارة أخرى وهو متصف بالوحدة في حال ، وغير متصف بها في حال أخرى ، كالإنسان الواحد بالعدد ، والإنسان الكثير بالعدد المقيس إلى الواحد بالعدد ، فنعد المقيس كثيرا مقابلا للواحد الذي هو قسيمه ، ولا ينافي ذلك قولنا ، الواحد يساوق الموجود المطلق ، والمراد به الواحد بمعناه الأعم المطلق من غير قياس.

الفصل الثاني

في أقسام الواحد

الواحد إما حقيقي وإما غير حقيقي ، والحقيقي ما اتصف بالوحدة


بنفسه ، من غير واسطة في العروض كالإنسان الواحد ، وغير الحقيقي بخلافه ، كالإنسان والفرس المتحدين في الحيوانية.

والواحد الحقيقي إما ذات متصفة بالوحدة ، وإما ذات هي نفس الوحدة ، الثاني هي الوحدة الحقة ، كوحدة الصرف من كل شيء ، وإذا كانت عين الذات ، فالواحد والوحدة فيه شيء واحد ، والأول هو الواحد غير الحق كالإنسان الواحد.

والواحد بالوحدة غير الحقة ، إما واحد بالخصوص وإما واحد بالعموم ، والأول هو الواحد بالعدد ، وهو الذي يفعل بتكرره العدد ، والثاني كالنوع الواحد والجنس الواحد.

والواحد بالخصوص ، إما أن لا ينقسم من حيث الطبيعة ، المعروضة للوحدة أيضا ، كما لا ينقسم من حيث وصف وحدته ، وإما أن ينقسم والأول ، إما نفس مفهوم الوحدة وعدم الانقسام ، وإما غيره ، وغيره إما وضعي كالنقطة الواحدة ، وإما غير وضعي كالمفارق ، وهو إما متعلق بالمادة بوجه كالنفس ، وإما غير متعلق كالعقل ، والثاني وهو الذي يقبل الانقسام ، بحسب طبيعته المعروضة ، إما أن يقبله بالذات كالمقدار الواحد ، وإما أن يقبله بالعرض ، كالجسم الطبيعي الواحد من جهة مقداره.

والواحد بالعموم إما واحد بالعموم المفهومي ، وإما واحد بالعموم بمعنى السعة الوجودية ، والأول إما واحد نوعي كوحدة الإنسان ، وإما واحد جنسي كوحدة الحيوان ، وإما واحد عرضي كوحدة الماشي والضاحك ، والواحد بالعموم بمعنى السعة الوجودية كالوجود المنبسط.

والواحد غير الحقيقي ما اتصف بالوحدة بعرض غيره ، بأن يتحد نوع اتحاد مع واحد حقيقي كزيد وعمرو ، فإنهما واحد في الإنسان ، والإنسان والفرس فإنهما واحد في الحيوان ، وتختلف أسماء الواحد غير الحقيقي ،


باختلاف جهة الوحدة بالعرض ، فالوحدة في معنى النوع تسمى تماثلا ، وفي معنى الجنس تجانسا ، وفي الكيف تشابها ، وفي الكم تساويا ، وفي الوضع توازيا وفي النسبة تناسبا ، ووجود كل من الأقسام المذكورة ظاهر كذا قرروا.

الفصل الثالث

الهوهوية وهو الحمل

من عوارض الوحدة الهوهوية ، كما أن من عوارض الكثرة الغيرية ، ثم الهوهوية هي الاتحاد في جهة ما ، مع الاختلاف من جهة ما وهذا هو الحمل ، ولازمه صحة الحمل في كل مختلفين بينهما اتحاد ما ، لكن التعارف خص إطلاق الحمل ، على موردين من الاتحاد بعد الاختلاف.

أحدهما أن يتحد الموضوع والمحمول مفهوما وماهية ، ويختلفا بنوع من الاعتبار ، كالاختلاف بالإجمال والتفصيل في قولنا ، الإنسان حيوان ناطق فإن الحد عين المحدود مفهوما ، وإنما يختلفان بالإجمال والتفصيل ، وكالاختلاف بفرض انسلاب الشيء عن نفسه ، فتغاير نفسه نفسه ، ثم يحمل على نفسه لدفع توهم المغايرة ، فيقال الإنسان إنسان ، ويسمى هذا الحمل بالحمل الذاتي الأولي(1) .

وثانيهما أن يختلف أمران مفهوما ويتحدا وجودا ، كقولنا الإنسان ضاحك وزيد قائم ، ويسمى هذا الحمل بالحمل الشائع

__________________

(1) سمّي ذاتياَ ، لكون المحمول فيه ذاتياً للموضوع وأوليّاً ، لأنّه من الضروريات الأولية ، التى لا يتوقف التصديق بها على أزيد من تصوّر الموضوع والمحمول منه.


الصناعي(1) .

الفصل الرابع

تقسيمات للحمل الشائع

وينقسم الحمل الشائع إلى حمل هو هو ، وهو أن يحمل المحمول على الموضوع ، بلا اعتبار أمر زائد ، نحو الإنسان ضاحك ، ويسمى أيضا حمل المواطاة وحمل ذي هو ، وهو أن يتوقف اتحاد المحمول مع الموضوع ، على اعتبار زائد كتقدير ذي ، أو الاشتقاق كزيد عدل أي ذو عدل أو عادل.

وينقسم أيضا إلى بتي وغير بتي ، والبتي ما كانت لموضوعه أفراد محققة ، يصدق عليها عنوانه ، كالإنسان ضاحك والكاتب متحرك الأصابع ، وغير البتي ، ما كانت لموضوعه أفراد مقدرة غير محققة ، كقولنا كل معدوم مطلق فإنه لا يخبر عنه ، وكل اجتماع النقيضين محال.

وينقسم أيضا إلى بسيط ومركب ، ويسميان الهلية البسيطة والهلية المركبة ، والهلية البسيطة ما كان المحمول فيها وجود الموضوع ، كقولنا الإنسان موجود ، والمركبة ما كان المحمول فيها أثرا من آثار وجوده ، كقولنا الإنسان ضاحك.

وبذلك يندفع ما استشكل على قاعدة الفرعية ، وهي أن ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له ، بأن ثبوت الوجود للإنسان مثلا في قولنا ، الإنسان موجود فرع ثبوت الإنسان قبله ، فله وجود قبل ثبوت الوجود له ، وتجري فيه قاعدة الفرعية وهلم جرا فيتسلسل.

__________________

(1) سمّي شائعاً لأنه الشائع في المحاورات وصناعياً لأنّه المعروف والمستعمل في الصناعات والعلوم ـ منه.


وجه الاندفاع أن قاعدة الفرعية ، إنما تجري في ثبوت شيء لشيء ، ومفاد الهلية البسيطة ثبوت الشيء ، لا ثبوت شيء لشيء ، فلا تجري فيها القاعدة.

الفصل الخامس

في الغيرية والتقابل

قد تقدم أن من عوارض الكثرة الغيرية ، وهي تنقسم إلى غيرية ذاتية وغير ذاتية ، والغيرية الذاتية هي ، كون المغايرة بين الشيء وغيره لذاته ، كالمغايرة بين الوجود والعدم وتسمى تقابلا ، والغيرية غير الذاتية ، هي كون المغايرة لأسباب أخر غير ذات الشيء ، كافتراق الحلاوة والسواد في السكر والفحم ، وتسمى خلافا.

وينقسم التقابل وهو الغيرية الذاتية ، وقد عرفوه بامتناع اجتماع شيئين في محل واحد ، من جهة واحدة في زمان واحد ، إلى أربعة أقسام ، فإن المتقابلين إما أن يكونا وجوديين أو لا ، وعلى الأول إما أن يكون كل منهما ، معقولا بالقياس إلى الآخر ، كالعلو والسفل فهما متضائفان ، والتقابل تقابل التضايف ، أو لا يكونا كذلك كالسواد والبياض ، فهما متضادان والتقابل تقابل التضاد ، وعلى الثاني يكون أحدهما وجوديا والآخر عدميا ، إذ لا تقابل بين عدميين ، وحينئذ إما أن يكون هناك موضوع قابل لكل منهما ،

__________________

(1) هذا الجواب لصدر المتألهين (رحمه الله) *. وقد تخلص الدواني عن الإشكال بتبديل الفرعية بالاستلزام ، فقال : " ثبوت شئ لشئ مستلزم لثبوت المثبت له ، فلا إشكال في الهلية البسيطة ، لأن ثبوت الوجود للماهية مستلزم لثبوت الماهية بهذا الوجود ". وفيه : أنه تسليم لورود الإشكال على القاعدة. وعن الإمام الرازي أن القاعدة مخصصة بالهلية البسيطة. وفيه : أنه تخصيص في القواعد العقلية. ـ منه (رحمه الله) ـ.


كالعمى والبصر ويسمى تقابلهما ، تقابل العدم والملكة ، وإما أن لا يكون كذلك كالنفي والإثبات ، ويسميان متناقضين ، وتقابلهما تقابل التناقض كذا قرروا.

ومن أحكام مطلق التقابل ، أنه يتحقق بين طرفين ، لأنه نوع نسبة بين المتقابلين ، والنسبة تتحق بين طرفين(1) .

الفصل السادس

في تقابل التضايف

من أحكام التضايف ، أن المتضايفين متكافئان وجودا وعدما وقوة وفعلا ، فإذا كان أحدهما موجودا ، كان الآخر موجودا بالضرورة ، وإذا كان أحدهما معدوما كان الآخر معدوما بالضرورة ، وإذا كان أحدهما بالفعل أو بالقوة ، كان الآخر كذلك بالضرورة ، ولازم ذلك أنهما معان ، لا يتقدم أحدهما على الآخر لا ذهنا ولا خارجا.

الفصل السابع

في تقابل التضاد

التضاد على ما تحصل من التقسيم السابق ، كون أمرين وجوديين غير

__________________

(1) اي : إنّ مفهوم التقابل بما هو وإن كان يعم التضائف وغيره ، ولكن مصداقه مندرج تحت خصوص التضائف. منه دام ظله.


متضائفين ، متغايرين بالذات أي غير مجتمعين بالذات.

ومن أحكامه ، أن لا تضاد بين الأجناس العالية من المقولات العشر ، فإن الأكثر من واحد منها تجتمع في محل واحد ، كالكم والكيف وغيرهما في الأجسام ، وكذا أنواع كل منها مع أنواع غيره ، وكذا بعض الأجناس المندرجة تحت الواحد منها ، مع بعض آخر كاللون مع الطعم مثلا ، فالتضاد بالاستقراء إنما يتحقق بين نوعين أخيرين ، مندرجين تحت جنس قريب ، كالسواد والبياض المندرجين تحت اللون كذا قرروا.

ومن أحكامه ، أنه يجب أن يكون هناك موضوع يتواردان عليه ، إذ لو لا موضوع شخصي مشترك ، لم يمتنع تحققهما في الوجود ، كوجود السواد في جسم والبياض في آخر.

ولازم ذلك أن لا تضاد بين الجواهر ، إذ لا موضوع لها توجد فيه ، فالتضاد إنما يتحقق في الأعراض ، وقد بدل بعضهم الموضوع بالمحل حتى يشمل مادة الجواهر ، وعلى هذا يتحقق التضاد ، بين الصور الجوهرية الحالة في المادة.

ومن أحكامه ، أن يكون بينهما غاية الخلاف ، فلو كان هناك أمور وجودية متغايرة ، بعضها أقرب إلى بعضها من بعض ، فالمتضادان هما الطرفان اللذان ، بينهما غاية البعد والخلاف كالسواد والبياض ، الواقع بينهما ألوان أخرى متوسطة ، بعضها أقرب إلى أحد الطرفين من بعض ، كالصفرة التي هي أقرب إلى البياض من الحمرة مثلا.

ومما تقدم يظهر معنى تعريفهم المتضادين بأنهما ، أمران وجوديان متواردان على موضوع واحد ، داخلان تحت جنس قريب بينهما غاية الخلاف.


الفصل الثامن

في تقابل العدم والملكة

ويسمى أيضا تقابل العدم والقنية ، وهما أمر وجودي لموضوع من شأنه أن يتصف به ، وعدم ذلك الأمر الوجودي في ذلك الموضوع ، كالبصر والعمى الذي هو فقد البصر ، للموضوع الذي من شأنه أن يكون ذا بصر.

فإن أخذ موضوع الملكة هو الطبيعة ، الشخصية أو النوعية أو الجنسية التي من شأنها ، أن تتصف بالملكة في الجملة من غير تقييد بوقت خاص ، سميا ملكه وعدما حقيقيين ، فعدم البصر في العقرب عمى وعدم ملكة ، لكون جنسه وهو الحيوان موضوعا قابلا للبصر ، وإن كان نوعه غير قابل له كما قيل ، وكذا مرودة الإنسان قبل أوان التحائه من عدم الملكة ، وإن كان صنفه غير قابل للالتحاء قبل أوان البلوغ.

وإن أخذ الموضوع هو الطبيعة الشخصية ، وقيد بوقت الاتصاف سميا عدما وملكة مشهوريين ، وعليه فقد الأكمه وهو الممسوح العين للبصر ، وكذا المرودة ليسا من العدم والملكة في شيء.

الفصل التاسع

في تقابل التناقض

وهو تقابل الإيجاب والسلب ، بأن يرد السلب على نفس ما ورد عليه الإيجاب ، فهو بحسب الأصل في القضايا ، وقد يحول مضمون القضية إلى


المفرد فيقال ، التناقض بين وجود الشيء وعدمه ، كما قد يقال نقيض كل شيء رفعه(1) .

وحكم النقيضين أعني الإيجاب والسلب ، أنهما لا يجتمعان معا ولا يرتفعان معا ، على سبيل القضية المنفصلة الحقيقية(2) ، وهي من البديهيات الأولية التي ، عليها يتوقف صدق كل قضية مفروضة ، ضرورية كانت أو نظرية ، إذ لا يتعلق العلم بقضية إلا بعد العلم بامتناع نقيضها ، فقولنا الأربعة زوج إنما يتم تصديقه ، إذا علم كذب قولنا ليست الأربعة زوجا ، ولذا سميت قضية ، امتناع اجتماع النقيضين ، وارتفاعهما أولى الأوائل.

ومن أحكام التناقض ، أنه لا يخرج عن حكم النقيضين شيء البتة ، فكل شيء مفروض ، إما أن يصدق عليه زيد أو اللا زيد ، وكل شيء مفروض ، إما أن يصدق عليه البياض أو اللا بياض وهكذا.

وأما ما تقدم(3) في مرحلة الماهية ، أن النقيضين مرتفعان عن مرتبة الذات ، كقولنا الإنسان من حيث إنه إنسان ، ليس بموجود ولا لا موجود ، فقد عرفت أن ذلك ، ليس بحسب الحقيقة من ارتفاع النقيضين في شيء ، بل مآله إلى خروج النيقضين معا ، عن مرتبة ذات الشيء ، فليس يحد الإنسان بأنه حيوان ناطق موجود ، ولا يحد بأنه حيوان ناطق معدوم.

ومن أحكامه أن تحققه في القضايا ، مشروط بثمان وحدات معروفة ، مذكورة في كتب المنطق ، وزاد عليها صدر المتألهين ، ره وحدة الحمل ، بأن يكون الحمل فيهما جميعا حملا أوليا ، أو فيهما معا حملا شايعا من غير اختلاف ،

__________________

(1) فالمراد برفع الشئ طرده وإبطاله ، فرفع الانسان ، اللا انسان ، كما أن طرد اللا انسان ، الانسان. لا كما توهمه بعضهم : أن رفع الشئ نفيه وأن نقيض الانسان اللا انسان ، ونقيض اللا انسان اللا لا انسان ، وأن الانسان لازم النقيض وليس به * ـ منه (رحمه الله) ـ.

(2) وهي قولنا : إما أن يصدق الإيجاب أو يصدق السلب. ـ منه (رحمه الله) ـ.

(3) في الفصل الأول من المرحلة الخامسة.


فلا تناقض بين قولنا ، الجزئي جزئي أي مفهوما ، وقولنا ليس الجزئي بجزئي أي مصداقا.

الفصل العاشر

في تقابل الواحد والكثير

اختلفوا في تقابل الواحد والكثير ، هل هو تقابل بالذات أو لا ، وعلى الأول ذهب بعضهم إلى أنهما متضائفان ، وبعضهم إلى أنهما متضادان ، وبعضهم إلى أن تقابلهما نوع خامس ، غير الأنواع الأربعة المذكورة.

والحق أن ما بين الواحد والكثير من الاختلاف ، ليس من التقابل المصطلح في شيء ، لأن اختلاف الموجود المطلق ، بانقسامه إلى الواحد والكثير اختلاف تشكيكي ، يرجع فيه ما به الاختلاف إلى ما به الاتفاق ، نظير انقسامه إلى الوجود الخارجي والذهني ، وانقسامه إلى ما بالفعل وما بالقوة ، والاختلاف والمغايرة التي في كل من أقسام التقابل الأربع ، يمتنع أن يرجع إلى ما به الاتحاد ، فلا تقابل بين الواحد والكثير ، بشيء من أقسام التقابل الأربعة.

تتمة ، التقابل بين الإيجاب والسلب ، ليس تقابلا حقيقيا خارجيا ، بل عقلي بنوع من الاعتبار ، لأن التقابل نسبة خاصة بين المتقابلين ، والنسب وجودات رابطة قائمة بطرفين موجودين محققين ، واحد الطرفين في التناقض هو السلب ، الذي هو عدم وبطلان ، لكن العقل يعتبر السلب طرفا للإيجاب ، فيرى عدم


جواز اجتماعهما لذاتيهما.

وأما تقابل العدم والملكة ، فللعدم فيه حظ من التحقق ، لكونه عدم صفة من شأن الموضوع أن يتصف بها ، فينتزع عدمها منه ، وهذا المقدار من الوجود الانتزاعي ، كاف في تحقق النسبة.



المرحلة التاسعة

في السبق واللحوق والقدم والحدوث

وفيها ثلاثة فصول


الفصل الأول

في معنى السبق واللحوق وأقسامهما والمعية

إن من عوارض الموجود بما هو موجود السبق واللحوق ، وذلك أنه ربما كان لشيئين بما هما موجودان ، نسبة مشتركة إلى مبدإ وجودي ، لكن لأحدهما منها ما ليس للآخر ، كنسبة الاثنين والثلاثة إلى الواحد ، لكن الاثنين أقرب إليه فيسمى سابقا ومتقدما ، وتسمى الثلاثة لاحقة ومتأخرة ، وربما كانت النسبة المشتركة ، من غير تفاوت بين المنتسبين ، فتسمى حالهما بالنسبة إليه معية وهما معان.

وقد عدوا للسبق واللحوق أقساما عثروا عليها بالاستقراء.

منها السبق الزماني ، وهو السبق الذي لا يجامع فيه السابق اللاحق ، كتقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض ، كالأمس على اليوم ، وتقدم الحوادث الواقعة في الزمان السابق ، على الواقعة في الزمان اللاحق ، ويقابله اللحوق الزماني.

ومنها السبق بالطبع ، وهو تقدم العلة الناقصة على المعلول ، كتقدم الاثنين على الثلاثة.

ومنها السبق بالعلية ، وهو تقدم العلة التامة على المعلول.

ومنها السبق بالماهية ، ويسمى أيضا التقدم بالتجوهر ، وهو تقدم علل القوام على معلولها ، كتقدم أجزاء الماهية النوعية على النوع ، وعد منه تقدم


الماهية على لوازمها ، كتقدم الأربعة على الزوجية ، ويقابله اللحوق والتأخر بالماهية والتجوهر.

وتسمى هذه الأقسام الثلاثة ، أعني ما بالطبع وما بالعلية ، وما بالتجوهر سبقا ولحوقا بالذات.

ومنها السبق بالحقيقة ، وهو أن يتلبس السابق بمعنى من المعاني بالذات ، ويتلبس به اللاحق بالعرض ، كتلبس الماء بالجريان حقيقة وبالذات ، وتلبس الميزاب به بالعرض ، ويقابله اللحوق بذاك المعنى ، وهذا القسم مما زاده صدر المتألهين.

ومنها السبق والتقدم بالدهر ، وهو تقدم العلة الموجبة على معلولها ، لكن لا من حيث إيجابها ، لوجود المعلول وإفاضتها له كما في التقدم بالعلية ، بل من حيث انفكاك ، وجودها وانفصاله عن وجود المعلول ، وتقرر عدم المعلول في مرتبة وجودها ، كتقدم نشأة التجرد العقلي على نشأة المادة ، ويقابله اللحوق والتأخر الدهري.

وهذا القسم قد زاده السيد الداماد ، ره ، بناء على ما صوره من الحدوث والقدم الدهريين ، وسيجيء بيانه(1) .

ومنها السبق والتقدم بالرتبة ، أعم من أن يكون الترتيب بحسب الطبع ، أو بحسب الوضع والاعتبار ، فالأول كالأجناس والأنواع المترتبة ، فإنك إن ابتدأت آخذا من جنس الأجناس ، كان سابقا متقدما على ما دونه ثم الذي يليه ، وهكذا حتى ينتهي إلى النوع الأخير ، وإن ابتدأت آخذا من النوع الأخير ، كان الأمر في التقدم والتأخر بالعكس.

والثاني كالإمام والمأموم ، فإنك إن اعتبرت المبدأ هو المحراب ، كان الإمام هو السابق على من يليه من المأمومين ، ثم من يليه على من يليه ، وإن

__________________

(1) في الفصل الثالث.


اعتبرت المبدأ هو الباب ، كان أمر السبق واللحوق بالعكس.

ويقابل السبق والتقدم بالرتبة ، اللحوق والتأخر بالرتبة.

ومنها السبق بالشرف وهو السبق في الصفات الكمالية ، كتقدم العالم على الجاهل والشجاع على الجبان.

الفصل الثاني

في ملاك السبق في أقسامه

وهو الأمر المشترك فيه بين المتقدم والمتأخر ، الذي فيه التقدم.

ملاك السبق في السبق الزماني هو النسبة إلى الزمان ، سواء في ذلك نفس الزمان والأمر الزماني ، وفي السبق بالطبع هو النسبة إلى الوجود ، وفي السبق بالعلية هو الوجوب ، وفي السبق بالماهية والتجوهر هو تقرر الماهية ، وفي السبق بالحقيقة هو مطلق التحقق ، الأعم من الحقيقي والمجازي ، وفي السبق الدهري هو الكون بمتن الواقع ، وفي السبق بالرتبة النسبة إلى مبدإ محدود ، كالمحراب أو الباب في الرتبة الحسية ، وكالجنس العالي أو النوع الأخير في الرتبة العقلية ، وفي السبق بالشرف هو الفضل والمزية.

الفصل الثالث

في القدم والحدوث وأقسامهما

كانت العامة تطلق اللفظتين ، القديم والحادث على أمرين ، يشتركان في الانطباق على زمان واحد ، إذا كان زمان وجود أحدهما ، أكثر من


زمان وجود الآخر ، فكان الأكثر زمانا هو القديم ، والأقل زمانا هو الحادث والحديث ، وهما وصفان إضافيان ، أي إن الشيء الواحد ، يكون حادثا بالنسبة إلى شيء ، وقديما بالنسبة إلى آخر ، فكان المحصل من مفهوم الحدوث هو ، مسبوقية الشيء بالعدم في زمان ، ومن مفهوم القدم عدم كونه مسبوقا بذلك.

ثم عمموا مفهومي اللفظين ، بأخذ العدم مطلقا يعم العدم المقابل ، وهو العدم الزماني الذي لا يجامع الوجود ، والعدم المجامع الذي هو عدم الشيء في حد ذاته ، المجامع لوجوده بعد استناده إلى العلة.

فكان مفهوم الحدوث مسبوقية الوجود بالعدم ، ومفهوم القدم عدم مسبوقيته بالعدم ، والمعنيان من الأعراض الذاتية لمطلق الوجود ، فإن الموجود بما هو موجود ، إما مسبوق بالعدم وإما ليس بمسبوق به ، وعند ذلك صح البحث عنهما في الفلسفة.

فمن الحدوث الحدوث الزماني ، وهو مسبوقية وجود الشيء بالعدم الزماني ، كمسبوقية اليوم بالعدم في أمس ، ومسبوقية حوادث اليوم بالعدم في أمس ، ويقابله القدم الزماني ، وهو عدم مسبوقية الشيء بالعدم الزماني ، كمطلق الزمان الذي لا يتقدمه زمان ولا زماني ، وإلا ثبت الزمان من حيث انتفى هذا خلف.

ومن الحدوث الحدوث الذاتي ، وهو مسبوقية وجود الشيء بالعدم في ذاته ، كجميع الموجودات الممكنة ، التي لها الوجود بعلة خارجة من ذاتها ، وليس لها في ماهيتها وحد ذاتها إلا العدم.

فإن قلت الماهية ليس لها في حد ذاتها إلا الإمكان ، ولازمه تساوي نسبتها إلى الوجود والعدم ، وخلو الذات عن الوجود والعدم جميعا ، دون التلبس بالعدم كما قيل.

قلت الماهية وإن كانت في ذاتها ، خالية عن الوجود والعدم ، مفتقرة في


تلبسها بأحدهما إلى مرجح ، لكن عدم مرجح الوجود وعلته كاف في كونها معدومة ، وبعبارة أخرى خلوها في حد ذاتها ، عن الوجود والعدم وسلبهما عنها ، إنما هو بحسب الحمل الأولى ، وهو لا ينافي اتصافها بالعدم حينئذ بحسب الحمل الشائع.

ويقابل الحدوث بهذا المعنى القدم الذاتي ، وهو عدم مسبوقية الشيء بالعدم في حد ذاته ، وإنما يكون فيما كانت الذات ، عين حقيقة الوجود الطارد للعدم بذاته ، وهو الوجود الواجبي الذي ماهيته إنيته.

ومن الحدوث الحدوث الدهري ، الذي ذكره السيد المحقق الداماد ، ره ، وهو مسبوقية وجود مرتبة من مراتب الوجود ، بعدمه المتقرر في مرتبة ، هي فوقها في السلسلة الطولية ، وهو عدم غير مجامع ، لكنه غير زماني ، كمسبوقية عالم المادة بعدمه المتقرر في عالم المثال ، ويقابله القدم الدهري وهو ظاهر.


المرحلة العاشرة

في القوة والفعل

وفيها ستة عشر فصلا


المرحلة العاشرة في القوة والفعل وجود الشيء في الأعيان ، بحيث يترتب عليه آثاره المطلوبة منه يسمى فعلا ، ويقال إن وجوده بالفعل ، وإمكانه الذي قبل تحققه يسمى قوة ، ويقال إن وجوده بالقوة بعد ، وذلك كالماء يمكن أن يتبدل هواء ، فإنه ما دام ماء ماء بالفعل وهواء بالقوة ، فإذا تبدل هواء صار هواء بالفعل وبطلت القوة ، فمن الوجود ما هو بالفعل ومنه ما هو بالقوة ، والقسمان هما المبحوث عنهما في هذه المرحلة ، وفيها ستة عشر فصلا

الفصل الأول

كل حادث زماني مسبوق بقوة الوجود

كل حادث زماني فإنه مسبوق بقوة الوجود ، لأنه قبل تحقق وجوده ، يجب أن يكون ممكن الوجود ، يجوز أن يتصف بالوجود كما يجوز أن لا يوجد ، إذ لو كان ممتنع الوجود استحال تحققه ، كما أنه لو كان واجبا لم يتخلف عن الوجود ، لكنه ربما لم يوجد ، وإمكانه هذا غير قدرة الفاعل عليه ، لأن إمكان وجوده وصف له بالقياس إلى وجوده ، لا بالقياس إلى شيء آخر كالفاعل.


وهذا الإمكان أمر خارجي ، لا معنى عقلي اعتباري لاحق بماهية الشيء ، لأنه يتصف بالشدة والضعف والقرب والبعد ، فالنطفة التي فيها إمكان أن يصير إنسانا ، أقرب إلى الإنسانية من الغذاء الذي يتبدل نطفة ، والإمكان فيها أشد منه فيه.

وإذ كان هذا الإمكان أمرا موجودا في الخارج ، فليس جوهرا قائما بذاته وهو ظاهر ، بل هو عرض قائم بشيء آخر ، فلنسمه قوة ولنسم موضوعه مادة ، فإذن لكل حادث زماني ، مادة سابقة عليه تحمل قوة وجوده.

ويجب أن تكون المادة ، غير آبية عن الفعلية التي تحمل إمكانها ، فهي في ذاتها قوة الفعلية التي فيها إمكانها ، إذ لو كانت ذات فعلية في نفسها ، لأبت عن قبول فعلية أخرى ، بل هي جوهر فعلية وجوده أنه قوة الأشياء ، وهي لكونها جوهرا بالقوة قائمة بفعلية أخرى ، إذا حدثت الفعلية التي فيها قوتها ، بطلت الفعلية الأولى ، وقامت مقامها الفعلية الحديثة ، كالماء إذا صار هواء بطلت الصورة المائية ، التي كانت تقوم المادة الحاملة لصورة الهواء ، وقامت الصورة الهوائية مقامها ، فتقومت بها المادة التي كانت تحمل إمكانها.

ومادة الفعلية الجديدة الحادثة ، والفعلية السابقة الزائلة واحدة ، وإلا كانت حادثة بحدوث الفعلية الحادثة ، فاستلزمت إمكانا آخر ومادة أخرى وهكذا ، فكانت لحادث واحد ، مواد وإمكانات غير متناهية وهو محال ، ونظير الإشكال لازم فيما لو فرض للمادة حدوث زماني.

وقد تبين بما مر أيضا أولا ، أن كل حادث زماني ، فله مادة تحمل قوة وجوده.

وثانيا أن مادة الحوادث الزمانية ، واحدة مشتركة بينها.

وثالثا أن النسبة بين المادة وقوة الشيء ، التي تحملها نسبة الجسم الطبيعي والجسم التعليمي ، فقوة الشيء الخاص تعين قوة المادة المبهمة ، كما أن الجسم التعليمي تعين ، الامتدادات الثلاث المبهمة في الجسم الطبيعي.

ورابعا أن وجود الحوادث الزمانية ، لا ينفك عن تغير في صورها إن


كانت جواهر ، أو في أحوالها إن كانت أعراضا.

وخامسا أن القوة تقوم دائما بفعلية ، والمادة تقوم دائما بصورة تحفظها ، فإذا حدثت صورة بعد صورة ، قامت الصورة الحديثة مقام القديمة وقومت المادة.

وسادسا يتبين بما تقدم ، أن القوة تتقدم على الفعل الخاص تقدما زمانيا ، وأن مطلق الفعل يتقدم على القوة ، بجميع أنحاء التقدم ، من علي وطبعي وزماني وغيرها.

الفصل الثاني

في تقسيم التغير

قد عرفت أن من لوازم خروج الشيء ، من القوة إلى الفعل حصول التغير ، إما في ذاته أو في أحوال ذاته ، فاعلم أن حصول التغير إما دفعي وإما تدريجي ، والثاني هو الحركة وهي نحو وجود تدريجي للشيء ، ينبغي أن يبحث عنها من هذه الجهة في الفلسفة الأولى.

الفصل الثالث

في تحديد الحركة

قد تبين في الفصل السابق ، أن الحركة خروج الشيء من القوة إلى الفعل تدريجا ، وإن شئت فقل هي تغير الشيء تدريجا ، والتدريج معنى بديهي التصور بإعانة الحس عليه ، وعرفها المعلم الأول ، بأنها ، كمال أول لما بالقوة من حيث إنه بالقوة ، وتوضيحه أن حصول ، ما يمكن أن يحصل


للشيء كمال له ، والشيء الذي يقصد بالحركة حالا من الأحوال ، كالجسم مثلا ، يقصد مكانا ليتمكن فيه فيسلك إليه ، كان كل من السلوك والتمكن في المكان الذي يسلك إليه ، كمالا لذلك الجسم ، غير أن السلوك كمال أول لتقدمه والتمكن كمال ثان ، فإذا شرع في السلوك فقد تحقق له كمال لكن لا مطلقا ، بل من حيث إنه بعد بالقوة ، بالنسبة إلى كماله الثاني ، وهو التمكن في المكان الذي يريده ، فالحركة كمال أول لما هو بالقوة ، بالنسبة إلى الكمالين ، من حيث إنه بالقوة بالنسبة إلى الكمال الثاني.

وقد تبين بذلك ، أن الحركة تتوقف في تحققها على أمور ستة ، المبدأ الذي منه الحركة ، والمنتهى الذي إليه الحركة ، والموضوع الذي له الحركة وهو المتحرك ، والفاعل الذي يوجد الحركة وهو المحرك ، والمسافة التي فيها الحركة ، والزمان الذي ينطبق عليه الحركة نوعا من الانطباق ، وسيجيء توضيح ذلك.

الفصل الرابع

في انقسام الحركة إلى توسطية وقطعية

تعتبر الحركة بمعنيين أحدهما ، كون الجسم بين المبدإ والمنتهى ، بحيث كل حد فرض في الوسط ، فهو ليس قبله ولا بعده فيه ، وهو حالة بسيطة ثابتة لا انقسام فيها ، وتسمى الحركة التوسطية.

وثانيهما الحالة المذكورة ، من حيث لها نسبة إلى حدود المسافة ، من حد تركها ومن حد لم يبلغها ، أي إلى قوة تبدلت فعلا ، وإلى قوة باقية على حالها بعد ، يريد المتحرك أن يبدلها فعلا ، ولازمه الانقسام إلى الأجزاء ، والانصرام والتقضي تدريجا ، كما أنه خروج من القوة إلى الفعل تدريجا ، وتسمى الحركة


القطعية ، والمعنيان جميعا موجودان في الخارج ، لانطباقهما عليه بجميع خصوصياتهما.

وأما الصورة التي يأخذها الخيال من الحركة ، بأخذ الحد بعد الحد من الحركة وجمعها فيه ، صورة متصلة مجتمعة منقسمة إلى الأجزاء ، فهي ذهنية لا وجود لها في الخارج ، لعدم جواز اجتماع الأجزاء في الحركة ، وإلا كان ثباتا لا تغيرا.

وقد تبين بذلك ، أن الحركة ونعني بها القطعية ، نحو وجود سيال منقسم إلى أجزاء ، تمتزج فيه القوة والفعل ، بحيث يكون كل جزء مفروض فيه ، فعلا لما قبله من الأجزاء وقوة لما بعده ، وينتهي من الجانبين إلى قوة لا فعل معها ، وإلى فعل لا قوة معه.

الفصل الخامس

في مبدإ الحركة ومنتهاها

قد عرفت(1) أن في الحركة انقساما لذاتها ، فاعلم أن هذا الانقسام لا يقف على حد ، نظير الانقسام الذي في الكميات المتصلة القارة ، من الخط والسطح والجسم ، إذ لو وقف على حد كان جزءا لا يتجزأ ، وقد تقدم بطلانه(2) .

وأيضا هو انقسام بالقوة لا بالفعل ، إذ لو كان بالفعل بطلت الحركة ، لانتهاء القسمة إلى أجزاء دفعية الوقوع.

وبذلك يتبين ، أنه لا مبدأ للحركة ولا منتهى لها ، بمعنى الجزء الأول

__________________

(1) في الفصل السابق.

(2) في الفصل الثالث من المرحلة السادسة.


الذي لا ينقسم ، من جهة الحركة والجزء الآخر الذي كذلك ، لما عرفت آنفا أن الجزء بهذا المعنى ، دفعي الوقوع غير تدريجية ، فلا ينطبق عليه حد الحركة ، لأنها تدريجية الذات.

وأما ما تقدم(1) ، أن الحركة تنتهي من الجانبين ، إلى قوة لا فعل معها وفعل لا قوة معه ، فهو تحديد لها بالخارج من ذاتها.

الفصل السادس

في موضوع الحركة وهو المتحرك الذي يتلبس بها

قد عرفت(2) أن الحركة ، خروج الشيء من القوة إلى الفعل تدريجا ، وأن هذه القوة يجب أن تكون محمولة ، في أمر جوهري قائمة به ، وهذا الذي بالقوة كمال بالقوة للمادة متحد معها ، فإذا تبدلت القوة فعلا ، كان الفعل متحدا مع المادة مكان القوة ، فمادة الماء مثلا هواء بالقوة ، وكذا الجسم الحامض حلو بالقوة ، فإذا تبدلت الماء هواءا والحموضة حلاوة ، كانت المادة التي في الماء هي المتلبسة بالهوائية ، والجسم الحامض هو المتلبس بالحلاوة ، ففي كل حركة موضوع ، تنعته الحركة وتجري عليه.

ويجب أن يكون موضوع الحركة أمرا ثابتا ، تجري وتتجدد عليه الحركة ، وإلا كان ما بالقوة غير ما يخرج إلى الفعل ، فلم تتحقق الحركة التي هي ، خروج الشيء من القوة إلى الفعل تدريجا.

ويجب أن لا يكون موضوع الحركة ، أمرا بالفعل من كل جهة ، كالعقل

__________________

(1) في الفصل السابق.

(2) مرّ الأول في الفصل الثالث ، والثاني في الفصل الأول.


المجرد إذ لا حركة إلا مع قوة ما ، فما لا قوة فيه فلا حركة له ، ولا أن يكون بالقوة من جميع الجهات ، إذ لا وجود لما هو كذلك ، بل أمرا بالقوة من جهة وبالفعل من جهة ، كالمادة الأولى التي لها قوة الأشياء ، وفعلية أنها بالقوة ، وكالجسم الذي هو مادة ثانية ، لها قوة الصور النوعية والأعراض المختلفة ، وفعلية الجسمية وبعض الصور النوعية.

الفصل السابع

في فاعل الحركة وهو المحرك

يجب أن يكون المحرك غير المتحرك ، إذ لو كان المتحرك ، هو الذي يوجد الحركة في نفسه ، لزم أن يكون شيء واحد ، فاعلا وقابلا من جهة واحدة وهو محال ، فإن حيثية الفعل هي حيثية الوجدان ، وحيثية القبول هي حيثية الفقدان ، ولا معنى لكون شيء واحد ، واجدا وفاقدا من جهة واحدة.

وأيضا المتحرك هو بالقوة بالنسبة إلى الفعل ، الذي يحصل له بالحركة وفاقد له ، وما هو بالقوة لا يفيد فعلا.

ويجب أن يكون الفاعل القريب للحركة ، أمرا متغيرا متجدد الذات ، إذ لو كان أمرا ثابت الذات من غير تغير وسيلان ، كان الصادر منه أمرا ثابتا في نفسه ، فلم يتغير جزء من الحركة إلى غيره من الأجزاء ، لثبات علته من غير تغير في حالها ، فلم تكن الحركة حركة هذا خلف.


الفصل الثامن

في ارتباط المتغير بالثابت

ربما قيل إن وجوب استناد المتغير المتجدد ، إلى علة متغيرة متجددة مثله ، يوجب استناد علته المتغيرة المتجددة أيضا ، إلى مثلها في التغير والتجدد وهلم جرا ، ويستلزم ذلك أما التسلسل أو الدور ، أو التغير في المبدإ الأول تعالى عن ذلك.

وأجيب بأن التجدد والتغير ، ينتهي إلى جوهر متحرك بجوهره ، فيكون التجدد ذاتيا له ، فيصح استناده إلى علة ثابتة توجد ذاته ، لأن إيجاد ذاته عين إيجاد تجدده

الفصل التاسع

في المسافة التي يقطعها المتحرك بالحركة

مسافة الحركة هي ، الوجود المتصل السيال ، الذي يجري على الموضوع المتحرك ، وينتزع منه لا محالة مقولة من المقولات ، لكن لا من حيث إنه متصل واحد متغير ، فإن لازمه وقوع التشكيك في الماهية وهو محال ، بل من حيث إنه منقسم إلى أقسام آنية الوجود ، كل قسم منه نوع من أنواع المقولة مبائن لغيره ، كنمو الجسم مثلا فإنه حركة منه في الكم ، يرد عليه في كل آن من آنات الحركة ، نوع من أنواع الكم المتصل ، مبائن للنوع الذي ورد عليه في الآن السابق ، والنوع الذي سيرد عليه في اللاحق.


فمعنى حركة الشيء في المقولة ، أن يرد على الموضوع في كل آن ، نوع من أنواع المقولة ، مبائن للنوع الذي يرد عليه في آن غيره.

الفصل العاشر

في المقولات التي تقع فيها الحركة

المشهور بين قدماء الفلاسفة ، أن المقولات التي تقع فيها الحركة أربع مقولات ، الأين والكيف والكم والوضع.

أما الأين فوقوع الحركة فيه ظاهر ، كالحركات المكانية التي في الأجسام ، لكن في كون الأين مقولة برأسها كلام ، وإن كان مشهورا بينهم ، بل الأين ضرب من الوضع ، وعليه فالحركة الأينية ضرب من الحركة الوضعية.

وأما الكيف فوقوع الحركة فيه ، وخاصة في الكيفيات غير الفعلية ، كالكيفيات المختصة بالكميات ، كالاستواء والاعوجاج ونحوهما ظاهر ، فإن الجسم المتحرك في كمه ، يتحرك في الكيفيات القائمة بكمه.

وأما الكم فالحركة فيه ، تغير الجسم في كمه ، تغيرا متصلا بنسبة منتظمة تدريجا ، كالنمو الذي هو زيادة الجسم في حجمه ، زيادة متصلة منتظمة تدريجا.

وقد أورد عليه ، أن النمو إنما يتحقق بانضمام ، أجزاء من خارج إلى أجزاء الجسم ، فالكم الكبير اللاحق هو الكم العارض ، لمجموع الأجزاء الأصلية والمنضمة ، والكم الصغير السابق ، هو الكم العارض لنفس الأجزاء الأصلية ، والكمان متباينان غير متصلين لتباين موضوعيهما ، فلا حركة في كم بل هو زوال كم وحدوث آخر.


وأجيب عنه أن انضمام الضمائم لا ريب فيه ، لكن الطبيعة تبدل الأجزاء المنضمة بعد الضم ، إلى صورة الأجزاء الأصلية ، ولا تزال تبدل وتزيد كمية الأجزاء الأصلية تدريجا ، بانضمام الأجزاء وتغيرها إلى الأجزاء الأصلية ، فيزداد الكم العارض للأجزاء الأصلية ، زيادة متصلة تدريجية وهي الحركة.

وأما الوضع فالحركة فيه أيضا ظاهر ، كحركة الكرة على محورها ، فإنه تتبدل بها نسبة النقاط ، المفروضة عليها إلى الخارج عنها ، وهو تغير تدريجي في وضعها.

قالوا ولا تقع حركة في باقي المقولات ، وهي الفعل والانفعال ، ومتى والإضافة والجدة والجوهر.

أما الفعل والانفعال ، فإنه قد أخذ في مفهوميهما التدريج ، فلا فرد آني الوجود لهما ، ووقوع الحركة فيهما يقتضي الانقسام ، إلى أقسام آنية الوجود وليس لهما ذلك.

وكذا الكلام في متى فإنه ، الهيأة الحاصلة من نسبة الشيء إلى الزمان ، فهي تدريجية تنافي وقوع الحركة فيها ، المقتضية للانقسام إلى أقسام آنية الوجود.

وأما الإضافة فإنها انتزاعية تابعة لطرفيها ، فلا تستقل بشيء كالحركة ، وكذا الجدة فإن التغير فيها تابع لتغير موضوعها ، كتغير النعل أو القدم عما كانتا عليه.

وأما الجوهر فوقوع الحركة فيه ، يستلزم تحقق الحركة من غير موضوع ثابت ، وقد تقدم(1) أن تحقق الحركة موقوف ، على موضوع ثابت باق ما دامت الحركة.

__________________

(1) في الفصل السادس.


الفصل الحادي عشر

في تعقيب ما مر في الفصل السابق

ذهب صدر المتألهين ، ره إلى وقوع الحركة في مقولة الجوهر ، واستدل عليه بأمور أوضحها ، أن وقوع الحركة في المقولات الأربع العرضية ، يقضي بوقوعها في مقولة الجوهر ، لأن الأعراض تابعة للجواهر ، مستندة إليها استناد الفعل إلى فاعله ، فالأفعال الجسمانية مستندة إلى الطبائع والصور النوعية ، وهي الأسباب القريبة لها ، وقد تقدم(1) أن السبب القريب للحركة ، أمر تدريجي كمثلها ، فالطبائع والصور النوعية في الأجسام المتحركة ، في الكم والكيف والأين والوضع متغيرة ، سيالة الوجود كأعراضها ، ولو لا ذلك لم يتحقق سبب لشيء من هذه الحركات.

وأورد عليه أنا ننقل الكلام إلى الطبيعة المتجددة ، كيف صدرت عن المبدإ الثابت وهي متجددة.

وأجيب عنه بأن الحركة لما كانت في جوهرها ، فالتغير والتجدد ذاتي لها والذاتي لا يعلل ، فالجاعل إنما جعل المتجدد لا أنه جعل المتجدد متجددا.

وأورد عليه أنا نوجه استناد ، الأعراض المتجددة إلى الطبيعة بهذا الوجه بعينه ، من غير حاجة إلى جعل الطبيعة متجددة ، فالتجدد ذاتي للعرض المتجدد ، والطبيعة جعلت العرض المتجدد ، ولم تجعل المتجدد متجددا.

وأجيب عنه بأن الأعراض ، مستندة في وجودها إلى الجوهر وتابعة له ،

__________________

(1) في الفصل السابع.


فالذاتية لا بد أن تتم في الجواهر.

وأورد عليه أيضا ، أن القوم صححوا ارتباط ، هذه الأعراض المتجددة إلى المبدإ الثابت ، من طبيعة وغيرها بنحو آخر ، وهو أن التغير لاحق لها من خارج ، كتجدد مراتب قرب وبعد ، من الغاية المطلوبة في الحركات الطبيعية ، وكتجدد أحوال أخرى في الحركات القسرية ، التي على خلاف الطبيعة ، وكتجدد إرادات جزئية منبعثة من النفس ، في كل حد من حدود الحركات النفسانية ، التي مبدؤها النفس.

وأجيب عنه بأنا ننقل الكلام ، إلى هذه الأحوال والإرادات المتجددة ، من أين تجددت ، فإنها لا محالة تنتهي ، في الحركات الطبيعية إلى الطبيعة ، وكذا في القسرية ، فإن القسر ينتهي إلى الطبيعة ، وكذا في النفسانية فإن الفاعل المباشر ، للتحريك فيها أيضا الطبيعة كما سيجيء(1) .

ويمكن أن يستدل على الحركة في الجوهر بما تقدم(2) : أن وجود العرض من مراتب وجود الجوهر ، من حيث كون وجوده في نفسه عين وجوده للجوهر ، فتغيره وتجدده تغير للجوهر وتجدد له.

ويتفرع على ما تقدم أولا ، أن الصور الطبيعية المتبدلة ، صورة بعد صورة على المادة بالحقيقة ، صورة جوهرية واحدة سيالة ، تجري على المادة ، وينتزع من كل حد من حدودها ، مفهوم مغاير لما ينتزع من غيره.

هذا في تبدل الصور الطبيعية بعضها من بعض ، وهناك حركة اشتدادية جوهرية أخرى ، هي حركة المادة الأولى إلى الطبيعية ، ثم النباتية ثم الحيوانية ثم الإنسانية.

وثانيا أن الجوهر المتحرك في جوهره ، متحرك بجميع أعراضه ، لما سمعت

__________________

(1) في الفصل السادس عشر.

(2) في الفصل الثالث من المرحلة الثالثة.


من حديث كون وجود الأعراض ، من مراتب وجود الجوهر الموضوع لها.

ولازم ذلك كون حركة الجوهر ، في المقولات الأربع أو الثلاث(1) من قبيل الحركة في الحركة ، وعلى هذا ينبغي أن تسمى هذه الحركات الأربع ، أو الثلاث حركات ثانية ، وما لمطلق الأعراض من الحركة ، بتبع الجوهر لا بعرضه حركات أولى.

وثالثا أن العالم الجسماني بمادته الواحدة ، حقيقة واحدة سيالة ، متحركة بجميع جواهرها وأعراضها قافلة واحدة ، إلى غاية ثابتة لها الفعلية المحضة.

الفصل الثاني عشر

في موضوع الحركة الجوهرية وفاعلها

قالوا إن موضوع هذه الحركة ، هو المادة المتحصلة بصورة ما من الصور ، المتعاقبة المتحدة بالاتصال والسيلان ، فوحدة المادة وشخصيتها محفوظة ، بصورة ما من الصور المتبدلة ، وصورة ما وإن كانت مبهمة ، لكن وحدتها محفوظة بجوهر مفارق ، هو الفاعل للمادة ، الحافظ لها ولوحدتها وشخصيتها بصورة ما ، فصورة ما شريكة العلة للمادة ، والمادة المتحصلة بها هي موضوع الحركة.

وهذا كما أن القائلين بالكون والفساد ، النافين للحركة الجوهرية قالوا ، أن فاعل المادة هو صورة ما ، محفوظة وحدتها بجوهر مفارق ، يفعلها ويفعل المادة بواسطتها ، فصورة ما شريكة العلة بالنسبة إلى المادة ، حافظة لتحصلها ووحدتها.

والتحقيق أن حاجة الحركة ، إلى موضوع ثابت باق ما دامت الحركة ، إن كانت لأجل أن تنحفظ به وحدة الحركة ، ولا تنثلم بطرو الانقسام عليها ،

__________________

(1) والتثليث باعتبار رجوع الأين إلى الوضع.


وعدم اجتماع أجزائها في الوجود ، فاتصال الحركة في نفسها ، وكون الانقسام وهميا غير فكي كاف في ذلك ، وإن كانت لأجل أنها معنى ناعتي ، يحتاج إلى أمر موجود لنفسه ، حتى يوجد له وينعته ، كما أن الأعراض والصور الجوهرية المنطبعة ، في المادة تحتاج إلى موضوع كذلك ، توجد له وتنعته ، فموضوع الحركات العرضية أمر جوهري غيرها ، وموضوع الحركة الجوهرية نفس الحركة ، إذ لا نعني بموضوع الحركة ، إلا ذاتا تقوم به الحركة وتوجد له ، والحركة الجوهرية لما كانت ذاتا جوهرية سيالة ، كانت قائمة بذاتها موجودة لنفسها ، فهي حركة ومتحركة في نفسها.

وإسناد الموضوعية إلى المادة التي ، تجري عليها الصور الجوهرية على نحو الاتصال والسيلان ، لمكان اتحادها معها ، وإلا فهي في نفسها عارية عن كل فعلية.

الفصل الثالث عشر

في الزمان

إنا نجد الحوادث الواقعة ، تحت الحركة منقسمة إلى قطعات ، لا تجامع قطعة منها القطعة الأخرى في فعلية الوجود ، لما أن فعلية وجود القطعة المفروضة ثانيا ، متوفقة على زوال الوجود الفعلي للقطعة الأولى ، ثم نجد القطعة الأولى المتوقف عليها ، منقسمة في نفسها إلى قطعتين كذلك ، لا تجامع إحداهما الأخرى ، وهكذا كلما حصلنا قطعة ، قبلت القسمة إلى قطعتين كذلك ، من دون أن تقف القسمة على حد.

ولا يتأتى هذا إلا بعروض امتداد كمي على الحركة ، تتقدر به وتقبل الانقسام ، وليس هذا الامتداد نفس حقيقة الحركة ، لأنه امتداد متعين ، وما


في الحركة في نفسها امتداد مبهم ، نظير الامتداد المبهم الذي في الجسم الطبيعي ، وتعينه الذي هو الجسم التعليمي.

فهذا الامتداد الذي به تعين امتداد الحركة ، كم متصل عارض للحركة نظير الجسم التعليمي الذي به تعين امتداد الجسم الطبيعي ، للجسم الطبيعي ، إلا أن هذا الكم العارض للحركة ، غير قار ولا يجامع بعض أجزائه المفروضة بعضا ، بخلاف كمية الجسم التعليمي ، فإنها قارة مجتمعة الأجزاء.

وهذا هو الزمان العارض للحركة ومقدارها ، وكل جزء منه من حيث أنه ، متوقف عليه الآخر متقدم بالنسبة إليه ، ومن حيث إنه متوقف متأخر بالنسبة إلى ما توقف عليه ، والطرف منه الحاصل بالقسمة هو الآن.

وقد تبين بما تقدم أولا ، أن لكل حركة زمانا خاصا بها ، هو مقدار تلك الحركة ، وقد أطبق الناس على تقدير عامة الحركات ، وتعيين النسب بينها بالزمان العام ، الذي هو مقدار الحركة اليومية ، لكونه معروفا عندهم مشهودا لهم كافة ، وقد قسموه إلى القرون والسنين والشهور والأسابيع ، والأيام والساعات والدقائق والثواني وغيرها ، لتقدير الحركات بالتطبيق عليها.

والزمان الذي له دخل في الحوادث الزمانية ، عند المثبتين للحركة الجوهرية ، هو زمان الحركة الجوهرية.

وثانيا أن التقدم والتأخر ، ذاتيان بين أجزاء الزمان ، بمعنى أن كون وجود الزمان سيالا غير قار ، يقتضي أن ينقسم لو انقسم ، إلى جزء يتوقف على زواله وجود جزء آخر بالفعل ، والمتوقف عليه هو المتقدم والمتوقف هو المتأخر ، وثالثا أن الآن ، وهو طرف الزمان والحد الفاصل ، بين الجزءين لو انقسم هو أمر عدمي ، لكون الانقسام وهميا غير فكي.

ورابعا أن تتالي الآنات ، وهو اجتماع حدين عدميين أو أكثر ، من غير تخلل جزء من الزمان ، فاصل بينهما محال وهو ظاهر ، ومثله الكلام في تتالي الآنيات ، المنطبقة على طرف الزمان كالوصول والافتراق.


وخامسا أن الزمان لا أول له ولا آخر له ، بمعنى الجزء الذي لا ينقسم من مبتدئه أو منتهاه ، لأن قبول القسمة ذاتي له.

الفصل الرابع عشر

في السرعة والبطؤ

إذا فرضنا حركتين واعتبرنا النسبة بينهما ، فإن تساوتا زمانا ، فأكثرهما قطعا للمسافة أسرعهما ، وإن تساوتا مسافة فأقلهما زمانا أسرعهما ، فالسرعة قطع مسافة كثيرة في زمان قليل ، والبطؤ خلافه.

قالوا إن البطؤ ليس بتخلل السكون ، بأن تكون الحركة ، كلما كان تخلل السكون فيها أكثر كانت أبطأ ، وكلما كان أقل كانت أسرع ، وذلك لاتصال الحركة بامتزاج القوة والفعل فيها ، فلا سبيل إلى تخلل السكون فيها.

وقالوا إن السرعة والبطؤ ، متقابلان تقابل التضاد ، وذلك لأنهما وجوديان ، فليس تقابلهما تقابل التناقض ، أو العدم والملكة وليسا بالمتضائفين ، وإلا كانا كلما ثبت أحدهما ، ثبت الآخر وليس كذلك ، فلم يبق إلا أن يكونا متضادين ، وهو المطلوب.

وفيه أن من شرط المتضادين ، أن يكون بينهما غاية الخلاف ، وليست بمتحققة بين السرعة والبطؤ ، إذ ما من سريع ، إلا ويمكن أن يفرض ما هو أسرع منه ، وكذا ما من بطيء ، إلا ويمكن أن يفرض ما هو أبطأ منه.

والحق أن السرعة والبطؤ وصفان إضافيان ، فسرعة حركة بالنسبة إلى أخرى ، بطؤ بعينها بالنسبة إلى ثالثة ، وكذلك الأمر في البطؤ ، والسرعة بمعنى الجريان والسيلان خاصة لمطلق الحركة ، ثم تشتد وتضعف ، فيحدث بإضافة بعضها إلى بعض السرعة والبطؤ الإضافيان.


الفصل الخامس عشر

في السكون

يطلق السكون على ، خلو الجسم من الحركة قبلها أو بعدها ، وعلى ثبات الجسم على حاله التي هو عليها ، والذي يقابل الحركة هو المعنى الأول ، والثاني لازمه وهو معنى عدمي ، بمعنى انعدام الصفة عن موضوع قابل هو الجسم ، فيكون هو عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك ، فالتقابل بينه وبين الحركة تقابل العدم والملكة ، ولا يكاد يخلو عن الحركة جسم أو أمر جسماني ، إلا ما كان آني الوجود ، كالوصول إلى حد المسافة ، وانفصال شيء من شيء ، وحدوث الأشكال الهندسية ونحو ذلك.

الفصل السادس عشر

في انقسامات الحركة

تنقسم الحركة ، بانقسام الأمور الستة التي تتعلق بها ذاتها.

فانقسامها بانقسام المبدإ والمنتهى ، كالحركة من مكان كذا إلى مكان كذا ، والحركة من لون كذا إلى لون كذا ، وحركة النبات من قدر كذا إلى قدر كذا.

وانقسامها بانقسام الموضوع ، كحركة النبات وحركة الحيوان وحركة الإنسان.

وانقسامها بانقسام المقولة كالحركة في الكيف ، والحركة في الكم


والحركة في الوضع.

وانقسامها بانقسام الزمان ، كالحركة الليلية والحركة النهارية ، والحركة الصيفية والحركة الشتوية.

وانقسامها بانقسام الفاعل ، كالحركة الطبيعية والحركة القسرية ، والحركة الإرادية ويلحق بها بوجه الحركة بالعرض ، فإن الفاعل إما أن يكون ذا شعور وإرادة ، بالنسبة إلى فعله أم لا ، والأول هو الفاعل النفساني والحركة نفسانية ، كالحركات الإرادية التي للإنسان والحيوان ، والثاني إما أن تكون الحركة ، منبعثة عن نفسه لو خلي ونفسه ، وإما أن تكون منبعثة عنه ، لقهر فاعل آخر إياه على الحركة ، والأول هو الفاعل الطبيعي والحركة طبيعية ، والثاني هو الفاعل القاسر والحركة قسرية ، كالحجر المرمي إلى فوق.

قالوا إن الفاعل القريب للحركة ، في جميع هذه الحركات هو طبيعة المتحرك ، عن تسخير نفساني أو اقتضاء طبيعي ، أو قهر الطبيعة القاسرة ، لطبيعة المقسور على الحركة ، والمبدإ المباشر المتوسط ، بين الفاعل وبين الحركة هو مبدأ الميل ، الذي يوجده الفاعل في طبيعة المتحرك ، وتفصيل الكلام فيه في الطبيعيات.

خاتمة

، ليعلم أن القوة أو ما بالقوة ، كما تطلق على حيثية القبول ، كذلك تطلق على حيثية الفعل إذا كانت شديدة ، وكما تطلق على مبدإ القبول القائم به ذلك ، كذلك تطلق على مبدإ الفعل ، كما تطلق القوى النفسانية ويراد بها ، مبادي الآثار النفسانية ، من إبصار وسمع وتخيل وغير ذلك ، وكذلك القوى الطبيعية لمبادي الآثار الطبيعية.

وهذه القوة الفاعلة إذا قارنت العلم والمشية ، سميت قدرة الحيوان ،


وهي علة فاعلة ، تحتاج في تمام عليتها ، ووجوب الفعل بها إلى أمور خارجة ، كحضور المادة القابلة ، وصلاحية أدوات الفعل وغيرها ، تصير باجتماعها علة تامة ، يجب معها الفعل.

ومن هنا يظهر أولا ، عدم استقامة تحديد بعضهم للقدرة بأنها ، ما يصح معه الفعل والترك ، فإن نسبة الفعل والترك إلى الفاعل ، إنما تكون بالصحة والإمكان ، إذا كان جزءا من العلة التامة ، لا يجب الفعل به وحده ، بل به وببقية الأجزاء التي تتم بها العلة التامة ، وأما الفاعل التام الفاعلية ، الذي هو وحدة علة تامة كالواجب تعالى ، فلا معنى لكون نسبة الفعل والترك إليه بالإمكان.

ولا يوجب كون فعله واجبا أن يكون موجبا ، مجبرا على الفعل غير قادر عليه ، إذ هذا الوجوب لاحق بالفعل من قبله ، وهو أثره فلا يضطره إلى الفعل ، ولا أن هناك فاعلا آخر يؤثر فيه ، بجعله مضطرا إلى الفعل.

وثانيا بطلان ما قال به قوم ، إن صحة الفعل ، متوقفة على كونه مسبوقا بالعدم الزماني ، فالفعل الذي لا يسبقه عدم زماني ممتنع ، وهو مبني على القول بأن علة الاحتياج إلى العلة ، هي الحدوث دون الإمكان ، وقد تقدم(1) إبطاله وإثبات أن علة الحاجة إلى العلة ، هو الإمكان دون الحدوث ، على أنه منقوض بنفس الزمان.

وثالثا بطلان قول من قال ، إن القدرة إنما تحدث مع الفعل ، ولا قدرة على فعل قبله ، وفيه أنهم يرون أن القدرة ، هي كون الشيء بحيث يصح منه الفعل والترك ، فلو ترك الفعل زمانا ثم فعل ، صدق عليه قبل الفعل ، أنه يصح منه الفعل والترك وهي القدرة.

__________________

(1) في الفصل الثامن من المرحلة الرابعة.


المرحلة الحادية عشر

في العلم والعالم والمعلوم

وفيها اثنا عشر فصلا


المرحلة الحادية عشر

في العلم والعالم والمعلوم

قد تحصل مما تقدم ، أن الموجود ينقسم إلى ما بالقوة وما بالفعل ، والأول هو المادة والماديات ، والثاني غيرهما وهو المجرد ، ومما يعرض المجرد عروضا أوليا ، أن يكون علما وعالما ومعلوما ، لأن العلم كما سيجيء بيانه ، حضور وجود مجرد لوجود مجرد ، فمن الحري أن نبحث عن ذلك في الفلسفة الأولى ، وفيها اثنا عشر فصلا.

الفصل الأول

في تعريف العلم وانقسامه الأولى

حصول العلم لنا ضروري ، وكذلك مفهومه عندنا ، وإنما نريد في هذا الفصل ، معرفة ما هو أظهر خواصه ، لنميز بها مصاديقه وخصوصياتها.

فنقول قد تقدم في بحث الوجود الذهني ، أن لنا علما بالأمور الخارجة عنا في الجملة ، بمعنى أنها تحصل لنا وتحضر عندنا بماهياتها ، لا بوجوداتها الخارجية التي تترتب عليها الآثار ، فهذا قسم من العلم ، ويسمى علما حصوليا.


ومن العلم علم الواحد منا بذاته ، التي يشير إليها بأنا ، فإنه لا يغفل عن نفسه في حال من الأحوال ، سواء في ذلك الخلاء والملاء ، والنوم واليقظة وأية حال أخرى.

وليس ذلك بحضور ماهية ذاتنا ، عندنا حضورا مفهوميا وعلما حصوليا ، لأن المفهوم الحاضر في الذهن ، كيفما فرض لا يأبى الصدق على كثيرين ، وإنما يتشخص بالوجود الخارجي ، وهذا الذي نشاهده من أنفسنا ونعبر عنه بأنا ، أمر شخصي لذاته لا يقبل الشركة ، والتشخص شأن الوجود ، فعلمنا بذواتنا إنما هو بحضورها لنا بوجودها الخارجي ، الذي هو ، ملاك الشخصية وترتب الآثار ، وهذا قسم آخر من العلم ، ويسمى العلم الحضوري.

وهذان قسمان ينقسم إليهما العلم قسمة حاصرة ، فإن حصول المعلوم للعالم ، إما بماهيته أو بوجوده ، والأول هو العلم الحصولي ، والثاني هو العلم الحضوري.

ثم إن كون العلم حاصلا لنا ، معناه حصول المعلوم لنا ، لأن العلم عين المعلوم بالذات ، إذ لا نعني بالعلم إلا حصول المعلوم لنا ، وحصول الشيء وحضوره ليس إلا وجوده ، ووجوده نفسه.

ولا معنى لحصول المعلوم للعالم ، إلا اتحاد العالم معه ، سواء كان معلوما حضوريا أو حصوليا ، فإن المعلوم الحضوري ، إن كان جوهرا قائما بنفسه كان وجوده لنفسه ، وهو مع ذلك للعالم ، فقد اتحد العالم مع نفسه ، وإن كان أمرا وجوده لموضوعه ، والمفروض أن وجوده للعالم ، فقد اتحد العالم مع موضوعه ، والعرض أيضا ، من مراتب وجود موضوعه غير خارج منه ، فكذلك مع ما اتحد مع موضوعه ، وكذا المعلوم الحصولي موجود للعالم ، سواء كان جوهرا موجودا لنفسه ، أو أمرا موجودا لغيره ، ولازم كونه موجودا للعالم اتحاد العالم معه.

على أنه سيجيء ، أن العلم الحصولي علم حضوري في الحقيقة.


فحصول العلم للعالم من خواص العلم ، لكن لا كل حصول كيف كان ، بل حصول أمر بالفعل فعلية محضة ، لا قوة فيه لشيء مطلقا ، فإنا نشاهد بالوجدان ، أن المعلوم من حيث هو معلوم ، لا يقوى على شيء آخر ، ولا يقبل التغير عما هو عليه ، فهو حصول أمر مجرد عن المادة خال من غواشي القوة ، ونسمي ذلك حضورا.

فحضور المعلوم يستدعي كونه أمرا تاما في فعليته ، من غير تعلق بالمادة والقوة ، يوجب نقصه وعدم تمامه ، من حيث كمالاته التي بالقوة.

ومقتضى حضور المعلوم ، أن يكون العالم الذي يحصل له العلم ، أمرا فعليا تام الفعلية ، غير ناقص من جهة التعلق بالقوة ، وهو كون العالم مجردا عن المادة خاليا عن القوة.

فقد بان أن العلم حضور موجود ، مجرد لموجود مجرد ، سواء كان الحاصل عين ما حصل له ، كما في علم الشيء بنفسه أو غيره بوجه ، كما في علم الشيء بالماهيات الخارجة عنه.

وتبين أيضا أولا أن المعلوم ، الذي هو متعلق العلم ، يجب أن يكون أمرا مجردا عن المادة ، وسيجيء(1) معنى تعلق العلم بالأمور المادية.

وثانيا أن العالم الذي يقوم به العلم ، يجب أن يكون مجردا عن المادة أيضا.

الفصل الثاني

ينقسم العلم الحصولي إلى كلي وجزئي

والكلي ما لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين ، كالعلم بماهية الإنسان

__________________

(1) في الفصل الثاني.


ويسمى عقلا وتعقلا ، والجزئي ما يمتنع فرض صدقه على كثيرين ، كالعلم بهذا الإنسان ، بنوع من الاتصال بمادته الحاضرة ، ويسمى علما إحساسيا ، وكالعلم بالإنسان الفرد من غير حضور مادته ، ويسمى علما خياليا ، وعد هذين القسمين ممتنع الصدق على كثيرين ، إنما هو من جهة اتصال أدوات الإحساس ، بالمعلوم الخارجي في العلم الإحساسي ، وتوقف العلم الخيالي على العلم الإحساسي ، وإلا فالصورة الذهنية كيفما فرضت ، لا تأبى أن تصدق على كثيرين.

والقسمان جميعا مجردان عن المادة لما تقدم(1) ، من فعلية الصورة العلمية ، في ذاتها وعدم قبولها للتغير.

وأيضا الصورة العلمية كيفما فرضت ، لا تمتنع عن الصدق على كثيرين ، وكل أمر مادي متشخص ، ممتنع الصدق على أزيد من شخص واحد.

وأيضا لو كانت الصورة الحسية أو الخيالية مادية ، منطبعة بنوع من الانطباع في جزء بدني ، لكانت منقسمة بانقسام محلها ، ولكان في مكان وزمان وليس كذلك ، فالعلم لا يقبل القسمة ، ولا يشار إليه إشارة وضعية مكانية ، ولا أنه مقيد بزمان ، لصحة تصورنا الصورة المحسوسة في وقت ، بعد أمد بعيد على ما كانت عليه ، من غير تغير فيها ، ولو كانت مقيدة بالزمان لتغيرت بتقضيه.

وما يتوهم من مقارنة حصول العلم للزمان ، إنما هو مقارنة شرائط حصول الاستعداد له ، لا نفس العلم.

وأما توسط أدوات الحس في حصول الصورة المحسوسة ، وتوقف الصورة الخيالية على ذلك ، فإنما هو لحصول الاستعداد الخاص للنفس ، لتقوى به على تمثيل الصورة العلمية ، وتفصيل القول في علم النفس ، ومما تقدم يظهر أن قولهم ،

__________________

(1) في الفصل السابق.


إن التعقل إنما هو بتقشير المعلوم ، عن المادة والأعراض المشخصة له ، حتى لا يبقى إلا الماهية المعراة عن القشور ، كالإنسان المجرد عن المادة الجسمية ، والمشخصات الزمانية والمكانية والوضعية وغيرها ، بخلاف الإحساس المشروط بحضور المادة ، واكتناف الأعراض والهيئات الشخصية ، والخيال المشروط ببقاء الأعراض والهيئات المشخصة ، من دون حضور المادة ، قول على سبيل التمثيل للتقريب ، وإلا فالمحسوس صورة مجردة علمية ، واشتراط حضور المادة والاكتناف بالأعراض ، المشخصة لحصول الاستعداد في النفس للإحساس ، وكذا اشتراط الاكتناف بالمشخصات للتخيل ، وكذا اشتراط التقشير في التعقل ، للدلالة على اشتراط تخيل أزيد من فرد واحد ، في حصول استعداد النفس لتعقل الماهية الكلية ، المعبر عنه بانتزاع الكلي من الأفراد.

وتبين مما تقدم أيضا أن الوجود ينقسم ، من حيث التجرد عن المادة وعدمه ، إلى ثلاثة عوالم كلية ، أحدها عالم المادة والقوة ، والثاني عالم التجرد عن المادة دون آثارها ، من الشكل والمقدار والوضع وغيرها ، ففيه الصور الجسمانية وأعراضها وهيئاتها الكمالية ، من غير مادة تحمل القوة والانفعال ، ويسمى عالم المثال والبرزخ ، بين عالم العقل وعالم المادة ، والثالث عالم التجرد عن المادة وآثارها ، ويسمى عالم العقل.

وقد قسموا عالم المثال إلى ، المثال الأعظم القائم بذاته ، والمثال الأصغر القائم بالنفس ، الذي تتصرف فيه النفس كيف تشاء ، بحسب الدواعي المختلفة الحقة والجزافية ، فتأتي أحيانا بصور حقة صالحة ، وأحيانا بصور جزافية تعبث بها.

والعوالم الثلاثة المذكورة مترتبة طولا ، فأعلاها مرتبة وأقواها وأقدمها وجودا ، وأقربها من المبدإ الأول تعالى ، عالم العقول المجردة ، لتمام فعليتها وتنزه ذواتها عن شوب المادة والقوة ، ويليه عالم المثال المتنزه عن المادة دون آثارها ، ويليه عالم المادة موطن كل نقص وشر ، ولا يتعلق بما فيه علم ، إلا من


جهة ما يحاذيه من المثال والعقل.

الفصل الثالث

ينقسم العلم انقساما آخر إلى كلي وجزئي

والمراد بالكلي ما لا يتغير بتغير المعلوم بالعرض ، كصورة البناء التي يتصورها البناء ، في نفسه ليبنى عليها ، فالصورة عنده على حالها قبل البناء ، ومع البناء وبعد البناء وإن خرب وانهدم ، ويسمى علم ما قبل الكثرة ، والعلوم الحاصلة من طريق العلل ، كلية من هذا القبيل دائما ، كعلم المنجم بأن القمر منخسف ، يوم كذا ساعة كذا إلى مدة كذا ، يعود فيه الوضع السماوي ، بحيث يوجب حيلولة الأرض بينه وبين الشمس ، فعلمه ثابت على حاله قبل الخسوف ومعه وبعده.

والمراد بالجزئي ما يتغير بتغير المعلوم بالعرض ، كما إذا علمنا من طريق الإبصار بحركة زيد ، ثم إذا وقف عن الحركة ، تغيرت الصورة العلمية من الحركة إلى السكون ، ويسمى علم ما بعد الكثرة.

فإن قلت التغير لا يكون إلا بقوة سابقة ، وحاملها المادة ولازمه كون العلوم الجزئية مادية لا مجردة.

قلنا العلم بالتغير غير تغير العلم ، والمتغير ثابت في تغيره لا متغير ، وتعلق العلم به أعني حضوره عند العالم ، من حيث ثباته لا تغيره وإلا لم يكن حاضرا ، فلم يكن العلم حضور شيء لشيء هذا خلف.


الفصل الرابع

في أنواع التعقل

ذكروا أن التعقل على ثلاثة أنواع ، أحدها أن يكون العقل بالقوة ، أي لا يكون شيئا من المعقولات بالفعل ، ولا له شيء من المعقولات بالفعل ، لخلو النفس عن عامة المعقولات.

الثاني أن يعقل معقولا ، أو معقولات كثيرة بالفعل ، مميزا لبعضها من بعض مرتبا لها ، وهو العقل التفصيلي.

الثالث أن يعقل معقولات كثيرة عقلا ، بالفعل من غير أن يتميز بعضها من بعض ، وإنما هو عقل بسيط إجمالي فيه كل التفاصيل ، ومثلوا له بما إذا سألك سائل ، عن عدة من المسائل التي لك علم بها ، فحضرك الجواب في الوقت ، فأنت في أول لحظة تأخذ في الجواب ، تعلم بها جميعا علما يقينيا بالفعل ، لكن لا تميز لبعضها من بعض ، ولا تفصيل وإنما يحصل التميز والتفصيل بالجواب ، كان ما عندك منبع تنبع وتجري منه التفاصيل ، ويسمى عقلا إجماليا.

الفصل الخامس

في مراتب العقل

ذكروا أن مراتب العقل أربع ، إحداها كونه بالقوة بالنسبة إلى جميع المعقولات ، ويسمى عقلا


هيولانيا ، لشباهته في خلوه عن المعقولات الهيولى ، في كونها بالقوة بالنسبة إلى جميع الصور ، وثانيتها العقل بالملكة ، وهي المرتبة التي تعقل فيها الأمور البديهية ، من التصورات والتصديقات ، فإن تعلق العلم بالبديهيات ، أقدم من تعلقه بالنظريات.

وثالثتها العقل بالفعل ، وهو تعلقه النظريات بتوسيط البديهيات ، وإن كانت مرتبة بعضها على بعض.

ورابعتها عقله لجيمع ما استفاده ، من المعقولات البديهية والنظرية ، المطابقة لحقائق العالم العلوى والسفلى ، باستحضاره الجميع والتفاته إليها بالفعل ، فيكون عالما علميا مضاهيا للعالم العيني ، ويسمى العقل المستفاد.

الفصل السادس

في مفيض هذه الصور العلمية

أما الصور العقلية الكلية فإن مفيضها ، المخرج للإنسان مثلا من القوة إلى الفعل ، عقل مفارق للمادة ، عنده جميع الصور العقلية الكلية ، وذلك أنك قد عرفت أن هذه الصور ، بما أنها علم مجردة عن المادة ، على أنها كلية تقبل الاشتراك بين كثيرين ، وكل أمر حال في المادة ، واحد شخصي لا يقبل الاشتراك ، فالصورة العقلية مجردة عن المادة ، ففاعلها المفيض لها أمر مجرد عن المادة ، لأن الأمر المادي ضعيف الوجود ، فلا يصدر عنه ما هو أقوى منه وجودا ، على أن فعل المادة مشروط بالوضع الخاص ، ولا وضع للمجرد.

وليس هذا المفيض المجرد هو النفس ، العاقلة لهذه الصور المجردة العلمية ،


لأنها بعد بالقوة بالنسبة إليها ، وحيثيتها حيثية القبول دون الفعل ، ومن المحال أن يخرج ما بالقوة ، نفسه من القوة إلى الفعل.

فمفيض الصورة العقلية جوهر عقلي مفارق للمادة ، فيه جميع الصور العقلية الكلية ، على نحو ما تقدم من العلم الإجمالي العقلي ، تتحد معه النفس المستعدة للتعقل ، على قدر استعدادها الخاص ، فيفيض عليها ما تستعد له ، من الصور العقلية وهو المطلوب.

وبنظير البيان السابق يتبين ، أن مفيض الصور العليمة الجزئية ، جوهر مثالي مفارق ، فيه جميع الصور المثالية الجزئية ، على نحو العلم الإجمالي ، تتحد معه النفس على قدر ما لها من الاستعداد.

الفصل السابع

ينقسم العلم الحصولي إلى تصور وتصديق

لأنه إما صورة حاصلة من معلوم واحد أو كثير ، من غير إيجاب أو سلب ، ويسمى تصورا ، كتصور الإنسان والجسم والجوهر ، وإما صورة حاصلة من معلوم معها ، إيجاب شيء لشيء أو سلب شيء عن شيء ، كقولنا الإنسان ضاحك وقولنا ليس الإنسان بحجر ، ويسمى تصديقا ، وباعتبار حكمه قضية.

ثم إن القضية بما تشتمل ، على إثبات شيء لشيء أو نفي شيء عن شيء ، مركبة من أجزاء فوق الواحد.

والمشهور أن القضية الموجبة مؤلفة ، من الموضوع والمحمول والنسبة الحكمية ، وهي نسبة المحمول إلى الموضوع ، والحكم باتحاد الموضوع مع المحمول ، هذا في الهليات المركبة ، التي محمولاتها غير وجود الموضوع ، وأما


الهليات البسيطة التي محمولها وجود الموضوع ، كقولنا الإنسان موجود ، فأجزاؤها ثلاثة ، الموضوع والمحمول والحكم إذ لا معنى لتخلل النسبة ، وهي الوجود الرابط بين الشيء ونفسه.

وأن القضية السالبة مؤلفة ، من الموضوع والمحمول ، والنسبة الحكمية الإيجابية ولا حكم فيها ، لا أن فيها حكما عدميا ، لأن الحكم جعل شيء شيئا ، وسلب الحكم عدم جعله لا جعل عدمه.

والحق أن الحاجة إلى تصور النسبة الحكمية ، إنما هي من جهة الحكم ، بما هو فعل النفس لا بما هو جزء القضية ، أي إن القضية إنما ، هي الموضوع والمحمول والحكم ، ولا حاجة في تحقق القضية ، بما هي قضية إلى تصور النسبة الحكمية ، وإنما الحاجة إلى تصورها ، لتحقق الحكم من النفس ، وجعلها الموضوع هو المحمول ، ويدل على ذلك ، تحقق القضية في الهليات البسيطة ، بدون النسبة الحكمية التي تربط المحمول بالموضوع.

فقد تبين بهذا البيان ، أولا أن القضية الموجبة ذات أجزاء ثلاثة ، الموضوع والمحمول والحكم ، والسالبة ذات جزءين الموضوع والمحمول ، وأن النسبة الحكمية ، تحتاج إليها النفس في فعلها الحكم ، لا القضية بما هي قضية في انعقادها.

وثانيا أن الحكم فعل من النفس ، في ظرف الإدراك الذهني ، وليس من الانفعال التصوري في شيء ، وحقيقة الحكم في قولنا زيد قائم مثلا ، أن النفس تنال من طريق الحس موجودا واحدا ، هو زيد القائم ثم تجزئه إلى مفهومي زيد ، والقائم وتخزنهما عندها ، ثم إذا أرادت حكاية ما وجدته في الخارج ، أخذت صورتي زيد والقائم من خزانتها ، وهما اثنتان ثم جعلتهما واحدا ذا وجود واحد ، وهذا هو الحكم الذي ذكرنا ، أنه فعل للنفس تحكى به الخارج على ما كان.

فالحكم فعل للنفس ، وهو مع ذلك من الصور الذهنية الحاكية لما


وراءها ، ولو كان الحكم تصورا مأخوذا من الخارج ، كانت القضية غير مفيدة لصحة السكوت ، كما في كل من المقدم والتالي في القضية الشرطية ، ولو كان تصورا أنشأته النفس من عندها ، من غير استعانة من الخارج ، لم يحك الخارج وثالثا ، أن التصديق يتوقف على تصور الموضوع والمحمول ، فلا تصديق إلا عن تصور.

الفصل الثامن

وينقسم العلم الحصولي إلى بديهي ونظري

والبديهي منه ما لا يحتاج ، في تصوره أو التصديق به ، إلى اكتساب ونظر ، كتصور مفهوم الشيء والوحدة ونحوهما ، وكالتصديق بأن الكل أعظم من جزئه ، وأن الأربعة زوج ، والنظري ما يتوقف ، في تصوره أو التصديق به على اكتساب ونظر ، كتصور ماهية الإنسان والفرس ، والتصديق بأن الزوايا الثلاث من المثلث ، مساوية لقائمتين ، وأن الإنسان ذو نفس مجردة.

والعلوم النظرية ، تنتهي إلى العلوم البديهية وتتبين بها ، وإلا ذهب الأمر إلى غير النهاية ، ثم لم يفد علما على ما بين في المنطق.

والبديهيات كثيرة مبينة في المنطق ، وأولاها بالقبول الأوليات ، وهي القضايا التي يكفي في التصديق بها ، تصور الموضوع والمحمول ، كقولنا الكل أعظم من جزئه ، وقولنا الشيء لا يسلب عن نفسه.

وأولى الأوليات بالقبول ، قضية استحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما ، وهي قضية منفصلة حقيقية ، إما أن يصدق الإيجاب أو يصدق السلب ، ولا تستغنى عنها في إفادة العلم ، قضية نظرية ولا بديهية حتى الأوليات ، فإن قولنا الكل أعظم من جزئه ، إنما يفيد علما إذا كان نقيضه ، وهو قولنا


ليس الكل بأعظم من جزئه كاذبا.

فهي أول قضية مصدق بها لا يرتاب فيها ذو شعور ، وتبتنى عليها العلوم فلو وقع فيها شك ، سرى ذلك في جميع العلوم والتصديقات.

تتمة

السوفسطي المنكر لوجود العلم ، غير مسلم لقضية أولى الأوائل ، إذ في تسليمها اعتراف ، بأن كل قضيتين متناقضتين ، فإن إحداهما حقة صادقة.

ثم السوفسطي ، المدعي لانتفاء العلم والشاك في كل شيء ، إن اعترف بأنه يعلم أنه شاك ، فقد اعترف بعلم ما ، وسلم قضية أولى الأوائل ، فأمكن أن يلزم بعلوم كثيرة ، تماثل علمه بأنه شاك ، كعلمه بأنه يرى ويسمع ، ويلمس ويذوق ويشم ، وأنه ربما جاع فقصد ما يشبعه ، أو ظمأ فقصد ما يرويه ، وإذا ألزم بها ألزم بما دونها من العلوم ، لأن العلم ينتهي إلى الحس ما تقدم(1) .

وإن لم يعترف بأنه يعلم أنه شاك ، بل أظهر أنه شاك في كل شيء ، وشاك في شكه لا يدري شيئا ، سقطت معه المحاجة ولم ينجع فيه برهان ، وهذا الإنسان إما مبتلى بمرض ، أورثه اختلالا في الإدراك ، فليراجع الطبيب ، وإما معاند للحق يظهر ما يظهر لدحضه ، فليضرب وليؤلم وليمنع مما يقصده ويريده ، وليؤمر بما يبغضه ويكرهه ، إذ لايرى حقيقة لشيء من ذلك.

نعم ربما راجع بعضهم هذه العلوم العقلية ، وهو غير مسلح بالأصول المنطقية ، ولا متدرب في صناعة البرهان ، فشاهد اختلاف الباحثين في المسائل بين الإثبات والنفي ، والحجج التي أقاموها على كل من طرفي النقيض ،

__________________

(1) في الفصل الثاني.


ولم يقدر لقلة بضاعته على تمييز الحق من الباطل ، فتسلم طرفي النقيض في مسألة بعد مسألة ، فأساء الظن بالمنطق ، وزعم أن العلوم نسبية غير ثابتة ، والحقيقة بالنسبة إلى كل باحث ما دلت عليه حجته.

وليعالج أمثال هؤلاء بإيضاح القوانين المنطقية ، وإراءة قضايا بديهية لا تقبل الترديد في حال من الأحوال ، كضرورة ثبوت الشيء لنفسه ، واستحالة سلبه عن نفسه وغير ذلك ، وليبالغ في تفهيم معاني أجزاء القضايا ، وليؤمروا أن يتعلموا العلوم الرياضية.

وهاهنا طائفتان أخريان من الشكاكين ، فطائفة يتسلمون الإنسان وإدراكاته ، ويظهرون الشك في ما وراء ذلك ، فيقولون نحن وإدراكاتنا ونشك فيما وراء ذلك ، وطائفة أخرى تفطنوا بما في قولهم ، نحن وإدراكاتنا من الاعتراف بحقائق كثيرة ، من أناسي وإدراكات لهم ، وتلك حقائق خارجية ، فبدلوا الكلام بقولهم ، أنا وإدراكاتي وما وراء ذلك مشكوك.

ويدفعه أن الإنسان ربما يخطي في إدراكاته ، كما في موارد أخطاء الباصرة واللامسة ، وغيرها من أغلاط الفكر ، ولو لا أن هناك حقائق ، خارجة من الإنسان وإدراكاته ، تنطبق عليها إدراكاته أو لا تنطبق ، لم يستقم ذلك بالضرورة.

وربما قيل ، إن قول هؤلاء ليس من السفسطة في شيء ، بل المراد أن من المحتمل ، أن لا تنطبق الصور الظاهرة للحواس ، بعينها على الأمور الخارجية ، بما لها من الحقيقة كما قيل ، إن الصوت بما له من الهوية الظاهرة على السمع ، ليس له وجود في خارجه ، بل السمع إذا اتصل بالارتعاش بعدد كذا ، ظهر في السمع في صورة الصوت ، وإذا بلغ عدد الارتعاش كذا ارتعاشا ، ظهر في البصر في صورة الضوء واللون ، فالحواس التي هي مبادي الإدراك ، لا تكشف عما وراءها من الحقائق ، وسائر الإدراكات منتهية إلى الحواس.


وفيه أن الإدراكات ، إذا فرضت غير كاشفة عما وراءها ، فمن أين علم أن هناك حقائق وراء الإدراك ، لا يكشف عنها الإدراك ، ثم من أدرك أن حقيقة الصوت في خارج السمع ، ارتعاش بعدد كذا ، وحقيقة المبصر في خارج البصر ارتعاش بعدد كذا ، وهل يصل الإنسان إلى الصواب الذي يخطى فيه الحواس ، إلا من طريق الإدراك الإنساني.

وبعد ذلك كله تجويز ، أن لا ينطبق مطلق الإدراك على ما وراءه ، لا يحتمل إلا السفسطة ، حتى أن قولنا ، يجوز أن لا ينطبق شيء من إدراكاتنا على الخارج ، لا يؤمن أن لا يكشف ، بحسب مفاهيم مفرداته والتصديق ، الذي فيه عن شيء.

الفصل التاسع

وينقسم العلم الحصولي إلى حقيقي واعتباري

والحقيقي هو المفهوم الذي يوجد ، تارة بوجود خارجي فيترتب عليه آثاره ، وتارة بوجود ذهني لا يترتب عليه آثاره ، وهذا هو الماهية ، والاعتباري ما كان بخلاف ذلك ، وهو إما من المفاهيم التي حيثية مصداقها ، حيثية أنه في الخارج ، كالوجود وصفاته الحقيقية ، كالوحدة والفعلية وغيرهما ، فلا يدخل الذهن وإلا لانقلب ، وإما من المفاهيم التي حيثية مصداقها ، حيثية أنه في الذهن ، كمفهوم الكلي والجنس والنوع ، فلا يوجد في الخارج وإلا لانقلب.

وهذه المفاهيم إنما يعملها الذهن بنوع من التعمل ، ويوقعها على مصاديقها ، لكن لا كوقوع الماهية وحملها على أفرادها ، بحيث تؤخذ في حدها.

ومما تقدم يظهر أولا ، أن ما كان من المفاهيم ، محمولا على الواجب


والممكن معا ، كالوجود والحياة فهو اعتباري ، وإلا لكان الواجب ذا ماهية تعالى عن ذلك.

وثانيا أن ما كان منها ، محمولا على أزيد من مقولة واحدة ، كالحركة فهو اعتباري ، وإلا كان مجنسا بجنسين فأزيد وهو محال.

وثالثا أن المفاهيم الاعتبارية لا حد لها ، ولا تؤخذ في حد ماهية من الماهيات.

وللاعتباري معان أخر خارجة عن بحثنا ، منها الاعتباري مقابل الأصيل كالماهية مقابل الوجود ، ومنها الاعتباري بمعنى ما ليس له وجود منحاز ، مقابل ما له وجود منحاز ، كالإضافة الموجودة بوجود طرفيها ، مقابل الجوهر الموجود بنفسه(1) ، ومنها ما يوقع ويحمل على الموضوعات ، بنوع من التشبيه والمناسبة ، للحصول على غاية عملية ، كإطلاق الرأس على زيد ، لكون نسبته إلى القوم كنسبة الرأس إلى البدن ، حيث يدبر أمرهم ويصلح شأنهم ، ويشير إلى كل بما يخصه من واجب العمل.

الفصل العاشر

في أحكام متفرقة

منها أن المعلوم بالعلم الحصولي ينقسم ، إلى معلوم بالذات ومعلوم بالعرض ، والمعلوم بالذات هو ، الصورة الحاصلة بنفسها عند العالم ، والمعلوم بالعرض هو ، الأمر الخارجي الذي يحكيه الصورة العلمية ، ويسمى معلوما بالعرض والمجاز ، لاتحاد ما له مع المعلوم بالذات.

__________________

(1) وفي نهاية الحكمة : في نفسه.


ومنها أنه تقدم أن كل معقول فهو مجرد ، كما أن كل عاقل فهو مجرد ، فليعلم أن هذه المفاهيم الظاهرة للقوة العاقلة ، التي تكتسب بحصولها لها الفعلية ، حيث كانت مجردة ، فهي أقوى وجودا من النفس العاقلة ، التي تستكمل بها وآثارها مترتبة عليها ، فهي في الحقيقة موجودات مجردة ، تظهر بوجوداتها الخارجية للنفس العالمة ، فتتحد النفس بها إن كانت صور جواهر ، وبموضوعاتها المتصفة بها إن كانت أعراضا ، لكنا لاتصالنا من طريق أدوات الإدراك بالمواد ، نتوهم أنها نفس الصور القائمة بالمواد ، نزعناها من المواد من دون آثارها ، المترتبة عليها في نشأة المادة ، فصارت وجودات ذهنية للأشياء ، لا يترتب عليها آثارها.

فقد تبين بهذا البيان ، أن العلوم الحصولية في الحقيقة علوم حضورية.

وبان أيضا أن العقول المجردة عن المادة ، لا علم حصوليا عندها ، لانقطاعها عن المادة ذاتا وفعلا.

الفصل الحادي عشر

كل مجرد فهو عاقل

لأن المجرد تام ذاتا لا تعلق له بالقوة ، فذاته التامة حاضرة لذاته موجودة لها ، ولا نعني بالعلم إلا حضور شيء لشيء ، بالمعنى الذي تقدم(1) ، هذا في علمه بنفسه وأما علمه بغيره ، فإن له لتمام ذاته ، إمكان أن يعقل كل ذات تام يمكن أن يعقل ، وما للموجود المجرد بالإمكان فهو له بالفعل ، فهو عاقل بالفعل لكل مجرد تام الوجود ، كما أن كل مجرد فهو معقول بالفعل وعقل بالفعل.

__________________

(1) في الفصل الأول.


فإن قلت مقتضى ما ذكر ، كون النفس الإنسانية عاقلة لكل معقول ، لتجردها وهو خلاف الضرورة.

قلت هو كذلك ، لكن النفس مجردة ذاتا لا فعلا ، فهي لتجردها ذاتا تعقل ذاتها بالفعل ، لكن تعلقها فعلا ، يوجب خروجها من القوة إلى الفعل تدريجا ، بحسب الاستعدادات المختلفة ، فإذا تجردت تجردا تاما ، ولم يشغلها تدبير البدن ، حصلت لها جميع العلوم حصولا بالعقل الإجمالي ، وتصير عقلا مستفادا بالفعل.

وغير خفي أن هذا البرهان ، إنما يجري في الذوات المجردة الجوهرية ، التي وجودها لنفسها ، وأما أعراضها التي وجودها لغيرها ، فلا بل العاقل لها موضوعاتها.

الفصل الثاني عشر

في العلم الحضوري وأنه لا يختص بعلم الشيء بنفسه

قد تقدم أن الجواهر المجردة ، لتمامها وفعليتها حاضرة في نفسها لنفسها ، فهي عالمة بنفسها علما حضوريا ، فهل يختص العلم الحضوري بعلم الشيء بنفسه ، أو يعمه وعلم العلة بمعلولها إذا كانا مجردين ، وبالعكس المشاءون ، على الأول ، والإشراقيون ، على الثاني وهو الحق.

وذلك لأن وجود المعلول كما تقدم(1) ، رابط لوجود العلة قائم به غير مستقل عنه ، فهو إذا كانا مجردين ، حاضر بتمام وجوده عند علته لا حائل بينهما ، فهو بنفس وجوده معلوم لها علما حضوريا.

وكذلك العلة حاضرة بوجودها ، لمعلولها القائم بها المستقل باستقلالها ، إذا كانا مجردين من غير حائل يحول بينهما ، فهي معلومة لمعلولها علما حضوريا ، وهو المطلوب.

__________________

(1) في الفصل الثالث من المرحلة السابعة.


المرحلة الثانية عشر

فيما يتعلق بالواجب تعالى

من إثبات ذاته وصفاته وأفعاله

وفيها أربعة عشر فصلا


الفصل الأول

في إثبات ذاته تعالى

حقيقة الوجود التي هي أصيلة لا أصيل دونها ، وصرفة لا يخالطها غيرها ، لبطلان الغير فلا ثاني لها ، كما تقدم في المرحلة الأولى(1) واجبة الوجود ، لضرورة ثبوت الشيء لنفسه ، وامتناع صدق نقيضه وهو العدم عليه ، ووجوبها إما بالذات أو بالغير ، لكن كون وجوبها بالغير خلف ، إذ لا غير هناك ولا ثاني لها ، فهي واجبة الوجود بالذات.

حجة أخرى

الماهيات الممكنة المعلولة موجودة ، فهي واجبة الوجود ، لأن الشيء ما لم يجب لم يوجد ووجوبها بالغير ، إذ لو كان بالذات لم يحتج إلى علة ، والعلة التي بها يجب وجودها موجودة واجبة ، ووجوبها إما بالذات ، أو بالغير وينتهي إلى الواجب بالذات ، لاستحالة الدور والتسلسل.

__________________

(1) في الفصل الرابع والفصل السابع.


الفصل الثاني

في إثبات وحدانيته تعالى

كون واجب الوجود تعالى ، حقيقة الوجود الصرف التي لا ثاني لها ، يثبت وحدانيته تعالى بالوحدة الحقة ، التي يستحيل معها فرض التكثر فيها ، إذ كل ما فرض ثانيا لها عاد أولا ، لعدم الميز بخلاف الوحدة العددية ، التي إذا فرض معها ثان عاد مع الأول اثنين وهكذا.

حجة أخرى

، لو كان هناك واجبان فصاعدا ، امتاز أحدهما من الآخر ، بعد اشتراكهما في وجوب الوجود ، وما به الامتياز غير ما به الاشتراك بالضرورة ، ولازمه تركب ذاتهما مما به الاشتراك وما به الامتياز ، ولازم التركب الحاجة إلى الأجزاء ، وهي تنافي الوجوب الذاتي ، الذي هو مناط الغنى الصرف.

تتمة

أورد ابن كمونة ، على هذه الحجة ، أنه لم لا يجوز أن يكون هناك هويتان بسيطتان ، مجهولتا الكنه مختلفتان بتمام الماهية ، يكون كل منهما واجب الوجود بذاته ، ويكون مفهوم واجب الوجود منتزعا منهما ، مقولا عليهما قولا عرضيا.

وأجيب عنه ، بأن فيه انتزاع مفهوم واحد من مصاديق مختلفة ، بما هي


مختلفة وهو غير جائز.

على أن فيه إثبات الماهية للواجب ، وقد تقدم(1) إثبات أن ماهيته تعالى وجوده ، وفيه أيضا اقتضاء الماهية للوجود ، وقد تقدم أصالته واعتباريتها ، ولا معنى لاقتضاء الاعتباري للأصيل.

ويتفرع على وحدانيته تعالى بهذا المعنى ، أن وجوده تعالى ، غير محدود بحد عدمي يوجب انسلابه عما وراءه.

ويتفرع أيضا أن ذاته تعالى بسيطة ، منفي عنها التركيب بأي وجه فرض ، إذ التركيب بأي وجه فرض ، لا يتحقق إلا بأجزاء يتألف منها الكل ، ويتوقف تحققه على تحققها ، وهو الحاجة إليها ، والحاجة تنافي الوجوب الذاتي.

الفصل الثالث

في أن الواجب تعالى هو المبدأ المفيض لكل

وجود وكمال وجودي

كل موجود غيره تعالى ممكن بالذات ، لانحصار الوجوب بالذات فيه تعالى ، وكل ممكن فإن له ماهية ، هي التي تستوي نسبتها إلى الوجود والعدم ، وهي التي تحتاج في وجودها إلى علة ، بها يجب وجودها فتوجد ، والعلة إن كانت واجبة بالذات فهو ، وإن كانت واجبة بالغير انتهى ذلك إلى الواجب بالذات ، فالواجب بالذات هو الذي يفيض عنه ، وجود كل ذي وجود من الماهيات.

__________________

(1) في الفصل الثالث من المرحلة الرابعة.


ومن طريق آخر:

ما سواه تعالى من الوجودات الإمكانية ، فقراء في أنفسها متعلقات في حدود ذواتها ، فهي وجودات رابطة ، لا استقلال لها حدوثا ولا بقاء وإنما تتقوم بغيرها ، وينتهي ذلك إلى وجود مستقل في نفسه غني في ذاته ، لا تعلق له بشيء تعلق الفقر والحاجة ، وهو الواجب الوجود تعالى وتقدس.

فتبين أن الواجب الوجود تعالى ، هو المفيض لوجود ما سواه ، وكما أنه مفيض لها مفيض لآثارها القائمة بها ، والنسب والروابط التي بينها ، فإن العلة الموجبة للشيء المقومة لوجوده ، علة موجبة لآثاره والنسب القائمة به ومقومة لها.

فهو تعالى وحده المبدأ الموجد لما سواه ، المالك لها المدبر لأمرها ، فهو رب العالمين لا رب سواه.

تتمة

، قالت الثنوية ، إن في الوجود خيرا وشرا ، وهما متضادان لا يستندان إلى مبدإ واحد ، فهناك مبدئان مبدأ الخيرات ومبدأ الشرور.

وعن أفلاطون ، في دفعه ، أن الشر عدم والعدم لا يحتاج إلى علة فياضة ، بل علته عدم الوجود ، وقد بين الصغرى بأمثلة جزئية ، كالقتل الذي هو شر مثلا ، فإن الشر ليس هو قدرة القاتل عليه فإنه كمال له ، ولا حدة السيف مثلا وصلاحيته للقطع فإنه كمال فيه ، ولا انفعال رقبة المقتول من الضربة ، فإنه من كمال البدن ، فلا يبقى للشر إلا بطلان حياة المقتول بذلك ، وهو أمر عدمي وعلى هذا القياس في سائر الموارد.

وعن أرسطو ، أن الأقسام خمسة ، ما هو خير محض وما خيره كثير وشره

__________________

(1) في الفصل السابق.


قليل ، وما خيره وشره متساويان ، وما شره كثير وخيره قليل ، وما هو شر محض ، وأول الأقسام موجود ، كالعقول المجردة التي ليس فيها إلا الخير ، وكذا القسم الثاني كسائر الموجودات المادية ، التي فيها خير كثير بالنظر إلى النظام العام ، فإن في ترك إيجاده شرا كثيرا ، وأما الأقسام الثلاثة الباقية فهي غير موجودة ، إما ما خيره وشره متساويان ، فإن في إيجاده ترجيحا بلا مرجح ، وأما ما شره كثير وخيره قليل ، فإن في إيجاده ترجيح المرجوح على الراجح ، وأما ما هو شر محض فأمره واضح ، وبالجملة لم يستند بالذات إلى العلة ، إلا الخير المحض والخير الكثير ، وأما الشر القليل ، فقد استند إليها بعرض الخير الكثير الذي يلزمه.

الفصل الرابع

في صفات الواجب الوجود تعالى ومعنى اتصافه بها

تنقسم الصفات الواجبية بالقسمة الأولية ، إلى ما تكفي في ثبوته الذات المتعالية ، من غير حاجة إلى فرض أمر خارج ، كحياته تعالى وعلمه بنفسه ، وتسمى الصفة الذاتية ، وما لا يتم الاتصاف به إلا مع فرض أمر خارج من الذات ، كالخلق والرزق والإحياء وتسمى الصفة الفعلية.

والصفات الفعلية كثيرة ، وهي على كثرتها منتزعة من مقام الفعل ، خارجة عن الذات ، والكلام في هذه الفصول في الصفات الذاتية ، فنقول قد عرفت أنه تعالى ، هو المبدأ المفيض لكل وجود وكمال وجودي ، وقد ثبت في المباحث السابقة ، أن العلة المفيضة لشيء ، واجدة


لحقيقة ذلك الشيء بنحو أعلى وأشرف ، فمعطي الشيء غير فاقد له ، فله سبحانه اتصاف ما بصفات الكمال ، كالعلم والقدرة والحياة ، فلننظر في أقسام الصفات ونحو اتصافه بها فنقول ، تنقسم الصفة إلى ثبوتية كالعالم والقادر ، وسلبية تفيد معنى سلبيا ، لكنك عرفت آنفا ، أنه لا يجوز سلب كمال من الكمالات منه تعالى ، لكونه مبدأ كل كمال ، فصفاته السلبية ما دل على سلب النقص والحاجة ، كمن ليس بجاهل ومن ليس بعاجز وما ليس بجوهر ، ولما كان النقص والحاجة في معنى سلب الكمال ، كانت الصفة السلبية المفيدة لسلب النقص ، راجعة إلى سلب سلب الكمال وهو إيجاب الكمال ، فمعنى ليس بجاهل سلب سلب العلم ، ومعناه إيجاب العلم.

ثم الصفات الثبوتية تنقسم إلى حقيقية كالعالم ، وإضافية كالقادرية والعالمية ، وتنقسم الحقيقية إلى حقيقية محضة كالحي ، وحقيقية ذات إضافة كالعالم بالغير.

ولا ريب في زيادة الصفات الإضافية ، على الذات المتعالية لأنها معان اعتبارية ، وجلت الذات أن تكون مصداقا لها ، والصفات السلبية ترجع إلى الثبوتية الحقيقية ، فحكمها حكمها.

وأما الصفات الحقيقية ، أعم من الحقيقية المحضة ، والحقيقية ذات الإضافة ففيها أقوال ، أحدها أنها عين الذات المتعالية ، وكل منها عين الأخرى ، وثانيها أنها زائدة على الذات لازمة لها ، فهي قديمة بقدمها ، وثالثها أنها زائدة على الذات حادثة ، ورابعها أن معنى اتصاف الذات بها ، كون الفعل الصادر منها فعل من تلبس بها ، فمعنى كونها عالمة ، أنها تفعل فعل العالم في إتقانه وإحكامه ودقة جهاته ، وهكذا فالذات نائبة مناب الصفات.


والحق هو الأول المنسوب إلى الحكماء ، لما عرفت أن ذاته المتعالية مبدأ لكل كمال وجودي ، ومبدأ الكمال غير فاقد له ، ففي ذاته حقيقة كل كمال يفيض عنه وهو العينية.

ثم حيث كانت كل من صفات كماله ، عين الذات الواجدة للجميع ، فهي أيضا واجدة للجميع وعينها ، فصفات كماله مختلفة بحسب المفهوم ، واحدة بحسب المصداق الذي هو الذات المتعالية.

وقول بعضهم ، إن علة الإيجاد مشيئته وإرادته تعالى دون ذاته ، كلام لا محصل له ، فإن الإرادة عند هذا القائل ، إن كانت صفة ذاتية هي عين الذات ، كانت نسبة الإيجاد إلى الإرادة عين نسبته إلى الذات ، فلم يأت بطائل ، وإن كانت من صفات الفعل المنتزعة من مقام الفعل ، فللفعل تقدم عليها ، واستناده في وجوده إليها ، تقدم المعلول على العلة وهو محال ، على أن لازم هذا القول ، كون نسبة الإيجاد والخلق إليه تعالى مجازا.

وأما القول الثاني وهو منسوب إلى الأشاعرة ، ففيه أن هذه الصفات وهي على ما عدوها ، الحياة والقدرة والعلم والسمع والبصر والإرادة والكلام ، إما أن تكون معلولة أو غير معلولة لشيء.

فإن لم تكن معلولة لشيء ، وكانت موجودة في نفسها واجبة في ذاتها ، كانت هناك واجبات ثمان ، وهي الذات والصفات السبع ، وأدلة وحدانية الواجب تبطله.

وإن كانت معلولة فإما أن تكون معلولة ، لغير الذات المتصفة بها أو معلولة لها.

وعلى الأول كانت واجبة بالغير ، وينتهي وجوبها بالغير إلى واجب بالذات ، غير الواجب بالذات الموصوف بها ، وأدلة وحدانية الواجب تبطله كالشق السابق ، على أن فيه حاجة الواجب الوجود لذاته ، في اتصافه بصفات كماله إلى غيره وهو محال.

وعلى الثاني ، يلزم كون الذات المفيضة لها متقدمة عليها بالعلية ، وهي


فاقدة لما تعطيه من الكمال وهو محال.

على أن فيه ، فقدان الواجب في ذاته صفات الكمال ، وقد تقدم أنه صرف الوجود ، الذي لا يشذ عنه وجود ولا كمال وجودي هذا خلف.

وأما القول الثالث وهو منسوب إلى الكرامية ، فلازم ما فيه من كون الصفات زائدة حادثة ، كون الذات المتعالية ذات مادة ، قابلة للصفات التي تحدث فيها ، ولازمة تركب الذات وهو محال ، وكون الذات خالية في نفسها عن الكمال وهو محال.

وأما القول الرابع وهو منسوب إلى المعتزلة ، فلازم ما فيه من نيابة الذات عن الصفات خلوها عنها ، وهو كما عرفت وجود صرف ، لا يشذ عنه وجود ولا كمال وجودي هذا خلف.

الفصل الخامس

في علمه تعالى

قد تقدم(1) أن لكل مجرد عن المادة علما بذاته ، لحضور ذاته عند ذاته وهو علمه بذاته.

وتقدم أيضا أن ذاته المتعالية صرف الوجود ، الذي لا يحده حد ، ولا يشذ عنه وجود ولا كمال وجودي ، فما في تفاصيل الخلقة ، من وجود أو كمال وجودي بنظامها الوجودي ، فهو موجود عنده بنحو أعلى وأشرف ، غير متميز بعضها من بعض ، فهو معلوم عنده علما إجماليا ، في عين الكشف التفصيلي.

ثم إن الموجودات بما هي معاليل له ، قائمة الذوات به قيام الرابط

__________________

(1) في الفصل الحادي عشر من المرحلة الحادية عشر.


بالمستقل ، حاضرة بوجوداتها عنده ، فهي معلومة له علما حضوريا في مرتبة وجوداتها ، المجردة منها بأنفسها ، والمادية منها بصورها المجردة.

فقد تحقق أن للواجب تعالى علما حضوريا بذاته ، وعلما حضوريا تفصيليا بالأشياء ، في مرتبة ذاته قبل إيجادها ، وهو عين ذاته ، وعلما حضوريا تفصيليا بها في مرتبتها ، وهو خارج من ذاته ، ومن المعلوم أن علمه بمعلولاته ، يستوجب العلم بما عندها من العلم.

تتمة

، ولما كانت حقيقة السمع والبصر ، هي العلم بالمسموعات والمبصرات ، كانا من مطلق العلم وثبتا فيه تعالى ، فهو تعالى سميع بصير ، كما أنه عليم خبير.

تنبيه وإشارة

، للناس في علمه تعالى ، أقوال مختلفة ومسالك متشتتة أخر ، نشير إلى ما هو المعروف منها ، أحدها أن لذاته تعالى علما بذاته ، دون معلولاته ، لأن الذات أزلية ولا معلول إلا حادثا.

وفيه أن العلم بالمعلول في الأزل ، لا يستلزم وجوده في الأزل ، بوجوده الخاص به كما عرفت.

الثاني ما نسب إلى المعتزلة ، أن للماهيات ثبوتا عينيا في العدم ، وهي التي تعلق بها علمه تعالى قبل الإيجاد.

وفيه أنه تقدم بطلان القول بثبوت المعدومات.

__________________

(1) في الفصل التاسع من المرحلة الأولى.


الثالث ما نسب إلى الصوفية ، أن للماهيات الممكنة ثبوتا علميا بتبع الأسماء والصفات ، هو المتعلق لعلمه تعالى قبل الإيجاد.

وفيه أن القول بأصالة الوجود ، واعتبارية الماهيات ينفي أي ثبوت ، مفروض للماهية قبل وجودها العيني الخاص بها.

الرابع ما نسب إلى أفلاطن ، أن علمه تعالى التفصيلي بالأشياء ، هو المفارقات النورية والمثل الإلهية ، التي تتجمع فيها كمالات الأنواع.

وفيه أن ذلك على تقدير ثبوتها ، إنما يكفي لتصوير العلم التفصيلي بالأشياء في مرتبتها ، لا في مرتبة الذات ، فتبقى الذات خالية من الكمال العلمي ، وهو وجود صرف لا يشذ عنه كمال وجودي ، هذا خلف.

الخامس ما نسب إلى شيخ الإشراق ، وتبعه جمع من المحققين ، أن الأشياء بأسرها ، من المجردات والماديات حاضرة بوجودها عنده تعالى ، غير غائبة عنه وهو علمه التفصيلي بالأشياء.

وفيه أن المادية لا تجامع الحضور ، كما تقدم(1) في مباحث العلم والمعلوم ، على أنه إنما يكفي ، لتصوير العلم التفصيلي في مرتبة الأشياء ، فتبقى الذات خالية في نفسها عن الكمال العلمي ، كما في القول الرابع.

السادس ما نسب إلى ثاليس المطلي ، وهو أنه تعالى يعلم العقل الأول ، وهو المعلول الأول ، بحضور ذاته عنده ، ويعلم سائر الأشياء بارتسام صورها في العقل الأول.

وفيه أنه يرد عليه ما ورد على سابقه.

السابع قول بعضهم إن ذاته تعالى ، علم تفصيلي بالمعلول الأول وإجمالي بما دونه ، وذات المعلول الأول علم تفصيلي بالمعلول الثاني ، وإجمال بما دونه وهكذا.

وفيه ما في سابقه.

__________________

(1) في الفصل الفصل الاول والثامن من المرحلة الحادية عشر.


الثامن ما نسب إلى فرفوريوس ، أن علمه تعالى باتحاده مع المعقول.

وفيه أنه إنما يكفي لبيان نحو تحقق العلم ، وأنه بالاتحاد دون العروض ونحوه ، وأما كونه علما تفصيليا بالأشياء ، قبل الإيجاد مثلا فلا ، ففيه ما في سابقه.

التاسع ما نسب إلى أكثر المتأخرين ، أن علمه بذاته علم إجمالي بالأشياء ، فهو تعالى يعلم الأشياء كلها إجمالا بعلمه بذاته ، وأما علمه بالأشياء تفصيلا فبعد وجودها ، لأن العلم تابع للمعلوم ولا معلوم قبل وجود المعلوم.

وفيه ما في سابقه ، على أن كون علمه تعالى ، على نحو الارتسام والحصول ممنوع كما سيأتي.

العاشر ما نسب إلى المشاءين ، أن علمه تعالى بالأشياء قبل إيجادها ، بحضور ماهياتها على النظام الموجود ، في الوجود لذاته تعالى ، لا على نحو الدخول فيها والاتحاد بها ، بل على نحو قيامها بها بالثبوت الذهني ، على وجه الكلية ، بمعنى عدم تغير العلم بتغير المعلوم ، فهو علم عنائي حصوله العلمي مستتبع لحصوله العيني ، وقد جرى على هذا القول أكثر المتكلمين ، وإن خطئوه وطعنوا فيه من حيث إثبات الكلية في العلم ، فإنهم جروا على كونه علما حصوليا قبل الإيجاد ، وأنه على حاله قبل وجود الأشياء وبعده.

وفيه ما في سابقه ، على أن فيه إثبات العلم الحصولي ، لموجود مجرد ذاتا وفعلا ، وقد تقدم(1) في مباحث العلم والمعلوم ، أن الموجود المجرد ذاتا وفعلا ، لا يتحقق فيه علم حصولي ، على أن فيه إثبات وجود ذهني ، من غير وجود عيني يقاس إليه ، ولازمه أن يعود وجودا عينيا آخر للموجود الخارجي ، قبل وجوده العيني الخاص به ومنفصلا عنه تعالى ، ويرجع لا محالة إلى القول الرابع.

__________________

(1) في خاتمة المرحلة العاشرة.


الفصل السادس

في قدرته تعالى

قد تقدم(1) أن القدرة ، كون الشيء مصدرا للفعل عن علم ، ومن المعلوم أن الذي ، ينتهي إليه الموجودات الممكنة ، هو ذاته المتعالية ، إذ لا يبقى وراء الوجود الممكن ، إلا الوجود الواجبي من غير قيد وشرط ، فهو المصدر للجميع ، وعلمه عين ذاته ، التي هي المبدأ لصدور المعاليل الممكنة ، فله القدرة وهي عين ذاته.

فإن قلت ، أفعال الإنسان الاختيارية مخلوقة لنفس الإنسان ، لأنها منوطة باختياره ، إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، ولو كانت مخلوقة لله سبحانه مقدورة له ، كان الإنسان مجبرا على الفعل لا مختارا فيه ، فأفعال الإنسان الاختيارية خارجة عن تعلق القدرة ، فالقدرة لا تعم كل شيء.

قلت ليس معنى كون الفعل اختياريا ، تساوى نسبته إلى الوجود والعدم حتى حين الصدور ، فمن المحال صدور الممكن ، من غير ترجح وتعين لأحد جانبي وجوده وعدمه ، بل الفعل الاختياري لكونه ممكنا في ذاته ، يحتاج في وجوده إلى علة تامة لا يتخلف عنها ، نسبته إليها نسبة الوجوب ، وأما نسبته إلى الإنسان الذي هو جزء من أجزاء علته التامة ، فبالإمكان كسائر الأجزاء التي لها ، من المادة القابلة وسائر الشرائط ، الزمانية والمكانية وغيرها.

فالفعل الاختياري لا يقع إلا واجبا بالغير ، كسائر المعلولات ، ومن المعلوم أن الوجوب بالغير لا يتحقق ، إلا بالانتهاء إلى واجب بالذات ، ولا واجب

__________________

(1) في الفصل العاشر من المرحلة عشر.


بالذات إلا هو تعالى ، فقدرته تعالى عامة حتى للأفعال الاختيارية.

ومن طريق آخر ، الأفعال كغيرها من الممكنات معلولة ، وقد تقدم(1) في مرحلة العلة والمعلول ، أن وجود المعلول رابط بالنسبة إلى علته ، ولا يتحقق وجود رابط إلا بالقيام بمستقل يقومه ، ولا مستقل بالذات إلا الواجب بالذات ، فهو مبدأ أول لصدور كل معلول متعلق الوجود بعلة ، وهو على كل شيء قدير.

فإن قلت الالتزام بعموم القدرة ، للأفعال الاختيارية التزام بكونها جبرية ، فإن لازمه القول بتعلق الإرادة الإلهية ، بالفعل الاختياري ، وهي لا تتخلف عن المراد ، فيكون ضروري الوقوع ، ويكون الإنسان مجبرا عليه لا مختارا فيه ، وبوجه آخر ما وقع من الفعل ، متعلق لعلمه تعالى فوقوعه ضروري ، وإلا عاد علمه جهلا ، تعالى عن ذلك فالفعل جبري لا اختياري.

قلت كلا فالإرادة الإلهية ، إنما تعلقت بالفعل على ما هو عليه في نفسه ، والذي عليه الفعل هو أنه منسوب إلى الإنسان ، الذي هو جزء علته التامة بالإمكان ، ولا يتغير بتعلق الإرادة عما هو عليه ، فقد تعلقت الإرادة بالفعل من طريق اختيار الإنسان ، ومراده تعالى أن يفعل الإنسان الفعل الفلاني باختياره ، ومن المحال أن يتخلف مراده تعالى عن إرادته.

والجواب عن الاحتجاج بتعلق العلم الأزلي ، بالفعل كالجواب عن تعلق الإرادة به ، فالعلم إنما تعلق بالفعل على ما هو عليه ، وهو أنه فعل اختياري ، يتمكن الإنسان منه ومن تركه ، ولا يخرج العلم المعلوم عن حقيقته ، فلو لم يقع اختياريا كان علمه تعالى جهلا.

فإن قلت ، السلوك إلى بيان عموم القدرة من طريق ، توقف وجود المعلول الممكن على وجوبه بالغير ، وانتهاء ذلك إلى الواجب بالذات ، ينتج خلاف

__________________

(1) في الفصل الثالث من المرحلة السابقة.


المطلوب ، فإن كون فعله تعالى واجبا ، يستلزم كونه تعالى موجبا بفتح الجيم ، أي واجبا عليه الفعل ممتنعا عليه الترك ، ولا معنى لعموم القدرة حينئذ.

قلت الوجوب كما تعلم منتزع من الوجود ، فكما أن وجود المعلول من ناحية العلة ، كذلك وجوبه بالغير من ناحيتها ، ومن المحال أن يعود الأثر المترتب على وجود الشيء ، مؤثرا في وجود مؤثرة ، فالإيجاب الجائي من ناحيته تعالى إلى فعله ، يستحيل أن يرجع فيوجب عليه تعالى فعله ، ويسلب عنه بذلك عموم القدرة وهي عين ذاته.

ويتبين بما تقدم ، أنه تعالى مختار بالذات ، إذ لا إجبار إلا من أمر وراء الفاعل ، يحمله على خلاف ما يقتضيه أو على ما لا يقتضيه ، وليس وراءه تعالى إلا فعله والفعل ملائم لفاعله ، فما فعله من فعل ، هو الذي تقتضيه ذاته ويختاره بنفسه.

الفصل السابع

في حياته تعالى

الحي عندنا هو الدراك الفعال ، فالحياة مبدأ الإدراك والفعل ، أي مبدأ العلم والقدرة ، أو أمر يلازمه العلم والقدرة ، وإذ كانت الحياة تحمل علينا ، والعلم والقدرة فينا زائدتان على الذات ، فحملها على ما كانتا فيه موجودتين ، للذات على نحو العينية ، كالذات الواجبة الوجود بالذات ، أولى وأحق فهو تعالى حياة وحي بالذات.

على أنه تعالى مفيض لحياة كل حي ، ومعطي الشيء غير فاقد له.


الفصل الثامن

في إرادته تعالى وكلامه

قالوا إرادته تعالى علمه بالنظام الأصلح ، وبعبارة أخرى علمه بكون الفعل خيرا ، فهي وجه من وجوه علمه تعالى ، كما أن السمع بمعنى العلم بالمسموعات ، والبصر بمعنى العلم بالمبصرات ، وجهان من وجوه علمه فهو عين ذاته تعالى.

وقالوا الكلام فيما نتعارفه ، لفظ دال على ما في الضمير كاشف عنه ، فهناك موجود اعتباري وهو اللفظ الموضوع ، يدل دلالة ، وضعية اعتبارية على موجود آخر ، وهو الذي في الذهن ، ولو كان هناك موجود حقيقي ، دال بالدلالة الطبعية على موجود آخر كذلك ، كالأثر الدال على مؤثره ، وصفة الكمال في المعلول ، الكاشفة عن الكمال الأتم في علته ، كان أولى وأحق بأن يسمى كلاما لقوة دلالته ، ولو كان هناك موجود ، أحدي الذات ذو صفات كمال في ذاته ، بحيث يكشف بتفاصيل كماله ، وما يترتب عليه من الآثار عن وجوده الأحدي ، وهو الواجب تعالى ، كان أولى وأحق باسم الكلام ، وهو متكلم لوجود ذاته لذاته.

أقول فيه إرجاع تحليلي ، لمعنيي الإرادة والكلام ، إلى وجه من وجوه العلم والقدرة ، فلا ضرورة تدعو إلى إفرادهما عن العلم والقدرة ، وما نسب إليه تعالى في الكتاب والسنة ، من الإرادة والكلام أريد به صفة الفعل ، بالمعنى الذي سيأتي إن شاء الله.


الفصل التاسع

في فعله تعالى وانقساماته

لفعله تعالى بمعنى المفعول وهو الوجود الفائض منه ، انقسامات بحسب ما تحصل من الأبحاث السابقة ، كانقسامه إلى مجرد ومادي ، وانقسامه إلى ثابت وسيال وإلى غير ذلك ، والمراد في هذا الفصل الإشارة إلى ما تقدم سابقا ، أن العوالم الكلية ثلاثة ، عالم العقل وعالم المثال وعالم المادة.

فعالم العقل مجرد عن المادة وآثارها.

وعالم المثال مجرد عن المادة دون آثارها ، من الأبعاد والأشكال والأوضاع وغيرها ، ففيه أشباح جسمانية متمثلة في صفة الأجسام ، التي في عالم المادة على نظام ، يشبه نظامها في عالم المادة ، غير أن تعقب بعضها لبعض ، بالترتب الوجودي بينها ، لا بتغير صورة إلى صورة أو حال إلى حال ، بالخروج من القوة إلى الفعل من طريق الحركة ، على ما هو الشأن في عالم المادة ، فحال الصور المثالية في ترتب بعضها على بعض ، حال الصور الخيالية من الحركة والتغير ، والعلم مجرد لا قوة فيه ولا تغير ، فهو علم بالتغير لا تغير في العلم ، وعالم المادة بجواهرها وأعراضها مقارن للمادة.

والعوالم الثلاثة مترتبة وجودا ، فعالم العقل قبل عالم المثال ، وعالم المثال قبل عالم المادة وجودا ، وذلك لأن الفعلية المحضة التي لا تشوبها قوة ، أقوى وأشد وجودا مما هو بالقوة محضا أو تشوبه قوة ، فالمفارق قبل المقارن للمادة ،

__________________

(1) في الفصل الثاني من المرحلة الحادية عشرة.


ثم العقل المفارق أقل حدودا وقيودا ، وأوسع وأبسط وجودا من المثال المجرد ، وكلما كان الوجود أقوى وأوسع ، كانت مرتبته في السلسلة المترتبة ، من حقيقة الوجود المشككة أقدم ، ومن المبدإ الأول ، الذي هو وجود صرف ، ليس له حد يحده ولا كمال يفقده ، أقرب فعالم العقل أقدم وجودا من الجميع ، ويليه عالم المثال ويليه عالم المادة.

ويتبين بما ذكر ، أن الترتيب المذكور ترتيب في العلية ، أي إن عالم العقل علة مفيضة لعالم المثال ، وعالم المثال علة مفيضة لعالم المادة.

ويتبين أيضا بمعونة ما تقدم ، من أن العلة مشتملة على كمال المعلول ، بنحو أعلى وأشرف ، أن العوالم الثلاثة متطابقة متوافقة ، ففي عالم المثال نظام مثالي يضاهي النظام المادي ، وهو أشرف منه وفي عالم العقل ما يطابقه ، لكنه موجود بنحو أبسط وأجمل ، ويطابقه النظام الربوبي ، الموجود في علم الواجب تعالى.

الفصل العاشر

في العقل المفارق وكيفية حصول

الكثرة فيه لو كانت فيه كثرة

وليعلم أن الماهية ، لا تتكثر تكثرا إفراديا إلا بمقارنة المادة ، والبرهان عليه ، إن الكثرة العددية ، إما أن تكون تمام ذات الماهية ، أو بعض ذاتها ، أو خارجة من ذاتها إما لازمة أو مفارقة ، والأقسام الثلاثة الأول يستحيل أن يوجد لها فرد ، إذ كلما وجد لها فرد كان كثيرا ، وكل كثير مؤلف من آحاد ، والواحد منها يجب أن يكون كثيرا ، لكونه مصداقا للماهية ، وهذا الكثير أيضا مؤلف من آحاد ، فيتسلسل ولا ينتهي إلى واحد ، فلا يتحقق لها واحد ، فلا يتحقق كثير هذا خلف ، فلا تكون الكثرة إلا خارجة مفارقة ، يحتاج لحوقها


إلى مادة قابلة ، فكل ماهية كثيرة الأفراد فهي مادية ، وينعكس عكس النقيض ، إلى أن كل ماهية غير مادية ، وهي المجردة وجودا ، لا تتكثر تكثرا إفراديا وهو المطلوب.

نعم تمكن الكثرة الأفرادية في العقل المفارق ، فيما لو استكملت أفراد من نوع مادي كالإنسان ، بالحركة الجوهرية من مرحلة المادية والإمكان ، إلى مرحلة التجرد والفعلية ، فتستصحب التميز الفردي ، الذي كان لها عند كونها مادية.

ثم إنه ، لما استحالت الكثرة الأفرادية في العقل المفارق ، فلو كانت فيه كثرة فهي الكثرة النوعية ، بأن توجد منه أنواع متباينة ، كل نوع منها منحصر في فرد ، ويتصور ذلك على أحد وجهين ، إما طولا وإما عرضا والكثرة طولا ، أن يوجد هناك عقل ثم عقل إلى عدد معين ، كل سابق منها علة فاعلة للاحقه مباين له نوعا ، والكثرة عرضا ، أن يوجد هناك أنواع كثيرة متباينة ، ليس بعضها علة لبعض ولا معلولا ، وهي جميعا معلولات عقل واحد فوقها.

الفصل الحادي عشر

في العقول الطولية وأول ما يصدر منها

لما كان الواجب تعالى ، واحدا بسيطا من جميع الجهات ، امتنع أن يصدر منه الكثير ، سواء كان الصادر مجردا كالعقول العرضية ، أو ماديا كالأنواع المادية ، لأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد ، فأول صادر منه تعالى عقل واحد ، يحاكي بوجوده الواحد الظلي ، وجود الواجب تعالى في وحدته.

ولما كان معنى أوليته هو تقدمه في الوجود ، على غيره من الوجودات الممكنة ، وهو العلية ، كان علة متوسطة بينه تعالى ، وبين سائر الصوادر منه ، فهو الواسطة في صدور ما دونه ، ما ليس في ذلك تحديد القدرة المطلقة الواجبية ،


التي هي عين الذات المتعالية ، على ما تقدم(1) البرهان عليها ، وذلك لأن صدور الكثير من حيث هو كثير ، من الواحد من حيث هو واحد ممتنع ، على ما تقدم(2) ، والقدرة لا تتعلق إلا بالممكن ، وأما المحالات الذاتية الباطلة الذوات ، كسلب الشيء عن نفسه ، والجمع بين النقيضين ورفعهما مثلا ، فلا ذات لها حتى تتعلق بها القدرة ، فحرمانها من الوجود ، ليس تحديدا للقدرة وتقييدا لإطلاقها.

ثم إن العقل الأول ، وإن كان واحدا في وجوده بسيطا في صدوره ، لكنه لمكان إمكانه ، تلزمه ماهية اعتبارية غير أصيلة ، لأن موضوع الإمكان هي الماهية ، ومن وجه آخر ، هو يعقل ذاته ويعقل الواجب تعالى ، فيتعدد فيه الجهة ، ويمكن أن يكون لذلك مصدرا ، لأكثر من معلول واحد.

لكن الجهات الموجودة في عالم المثال ، الذي دون عالم العقل ، بالغة مبلغا لا تفي بصدورها الجهات القليلة ، التي في العقل الأول ، فلا بد من صدور عقل ثان ثم ثالث وهكذا ، حتى تبلغ جهات الكثرة عددا ، يفي بصدور العالم الذي يتلوه من المثال.

فتبين أن هناك عقولا طولية كثيرة ، وإن لم يكن لنا طريق إلى إحصاء عددها.

الفصل الثاني عشر

في العقول العرضية

أثبت الإشراقيون ، في الوجود عقولا عرضية ، لا علية ولا معلولية بينها ، هي

__________________

(1) في الفصل السادس.

(2) في الفصل


بحذاء الأنواع المادية التي في هذا العالم المادي ، يدبر كل منها ما يحاذيه من النوع ، وتسمى أرباب الأنواع والمثل الأفلاطونية ، لأنه كان يصر على القول بها ، وأنكرها المشاءون ، ونسبوا التدابير المنسوبة إليها ، إلى آخر العقول الطولية ، الذي يسمونه العقل الفعال.

وقد اختلفت أقوال المثبتين في حقيقتها ، وأصح الأقوال فيها على ما قيل ، هو أن لكل نوع من هذه الأنواع المادية ، فردا مجردا في أول الوجود ، واجدا بالفعل جميع الكمالات الممكنة لذاك النوع ، يعتني بأفراده المادية ، فيدبرها بواسطة صورته النوعية ، فيخرجها من القوة إلى الفعل ، بتحريكها حركة جوهرية ، بما يتبعها من الحركات العرضية.

وقد احتجوا لإثباتها بوجوه ، منها أن القوى النباتية ، من الغاذية والنامية والمولدة ، أعراض حالة في جسم النبات متغيرة بتغيره ، متحللة بتحلله ليس لها شعور وإدراك ، فيستحيل أن تكون هي المبادئ الموجدة ، لهذه التراكيب والأفاعيل المختلفة ، والأشكال والتخاطيط الحسنة الجميلة ، على ما فيها من نظام ، دقيق متقن تتحير فيه العقول والألباب ، فليس إلا أن هناك جوهرا مجردا عقليا ، يدبر أمرها ويهديها إلى غايتها فتستكمل بذلك.

وفيه أن من الجائز ، أن ينسب ما نسبوه إلى رب النوع إلى غيره ، فإن أفعال كل نوع مستندة إلى صورته النوعية ، وفوقها العقل الأخير الذي يثبته المشاءون ، ويسمونه العقل الفعال.

ومنها أن الأنواع الواقعة في عالمنا هذا ، على النظام الجاري في كل منها ، دائما من غير تبدل وتغير ، ليست واقعة بالاتفاق ، فلها ولنظامها الدائمي المستمر علل حقيقية ، وليست إلا جواهر مجردة ، توجد هذه الأنواع وتعتني بتدبير أمرها ، دون ما يتخرصون به من نسبة الأفاعيل والآثار ، إلى الأمزجة ونحوها


من غير دليل ، بل لكل نوع مثال كلي يدبر أمره ، وليس معنى كليته جواز صدقه على كثيرين ، بل إنه لتجرده تستوي نسبته إلى جميع الأفراد.

وفيه أن الأفعال والآثار ، المترتبة على كل نوع مستندة إلى صورته النوعية ، ولو لا ذلك لم تتحقق نوعية لنوع ، فالأعراض المختصة بكل نوع ، هي الحجة على أن هناك صورة جوهرية ، هي المبدأ القريب لها ، كما أن الأعراض المشتركة ، دليل على أن هناك موضوعا مشتركا.

ففاعل النظام الجاري في النوع هو صورته النوعية ، وفاعل الصورة النوعية كما تقدم(1) ، جوهر مجرد يفيضها على المادة المستعدة ، فتختلف الصور باختلاف الاستعدادات ، وإما أن هذا الجوهر المجرد ، عقل عرضي يخص النوع ويوجده ويدبر أمره ، أو أنه جوهر عقلي من العقول الطولية ، إليه ينتهي أمر عامة الأنواع ، فليست تكفي في إثباته هذه الحجة.

ومنها الاحتجاج على إثباتها ، بقاعدة إمكان الأشرف ، فإن الممكن الأخس إذا وجد ، وجب أن يوجد الممكن الأشرف قبله ، وهي قاعدة مبرهن عليها ، ولا ريب في أن الإنسان المجرد ، الذي هو بالفعل في جميع الكمالات الإنسانية مثلا ، أشرف وجودا من الإنسان المادي ، الذي هو بالقوة في معظم كمالاته ، فوجود الإنسان المادي ، الذي في هذا العالم دليل على وجود مثاله العقلي ، الذي هو رب نوعه.

وفيه أن جريان قاعدة إمكان الأشرف ، مشروط بكون الأشرف والأخس ، مشتركين في الماهية النوعية ، حتى يدل وجود الأخس في الخارج ، على إمكان الأشرف بحسب ماهيته ، ومجرد صدق مفهوم على شيء ، لا يستلزم كون المصداق فردا نوعيا له ، كما أن صدق مفهوم العلم على العلم الحضوري ، لا يستلزم كونه كيفا نفسانيا ، فمن الجائز أن يكون مصداق مفهوم الإنسان الكلي ،

__________________

(1) في الفصل السابع من المرحلة السادسة.


الذي نعقله مثلا عقلا كليا من العقول الطولية ، عنده جميع الكمالات الأولية والثانوية ، التي للأنواع المادية ، فيصدق عليه مفهوم الإنسان مثلا ، لوجدانه كماله الوجودي ، لا لكونه فردا من أفراد الإنسان.

وبالجملة صدق مفهوم الإنسان مثلا ، على الإنسان الكلي المجرد الذي نعقله ، لا يستلزم كون معقولنا ، فردا للماهية النوعية الإنسانية ، حتى يكون مثالا عقليا للنوع الإنساني.

الفصل الثالث عشر

في المثال

ويسمى البرزخ ، لتوسطه بين العقل المجرد والجوهر المادي ، والخيال المنفصل ، لاستقلاله عن الخيال الحيواني المتصل به.

وهو كما تقدم مرتبة من الوجود ، مفارق للمادة دون آثارها ، وفيه صور جوهرية جزئية ، صادرة من آخر العقول الطولية ، وهو العقل الفعال عند المشاءين ، أو من العقول العرضية على قول الإشراقيين ، وهي متكثرة حسب تكثر الجهات في العقل المفيض لها ، متمثلة لغيرها بهيئات مختلفة ، من غير أن ينثلم باختلاف الهيئات ، في كل واحد منها وحدته الشخصية.

الفصل الرابع عشر

في العالم المادي

وهو العالم المشهود ، أنزل مراتب الوجود وأخسها ، ويتميز من غيره بتعلق


الصور الموجودة فيه ، بالمادة وارتباطها بالقوة والاستعداد ، فما من موجود فيه إلا وعامة كمالاته ، في أول وجود بالقوة ، ثم يخرج إلى الفعلية بنوع من التدريج والحركة ، وربما عامة من ذلك عائق ، فالعالم عالم التزاحم والتمانع.

وقد تبين بالأبحاث الطبيعية والرياضية ، إلى اليوم شيء كثير من أجزاء هذا العالم ، والأوضاع والنسب التي بينها ، والنظام الحاكم فيها ، ولعل ما هو مجهول منها أكثر مما هو معلوم.

وهذا العالم ، بما بين أجزائه من الارتباط الوجودي ، واحد سيال في ذاته متحرك بجوهره ويتبعه أعراضه ، وعلى هذه الحركة العامة حركات جوهرية ، خاصة نباتية وحيوانية وإنسانية ، والغاية التي تقف عندها هذه الحركة ، هي التجرد التام للمتحرك ، كما تقدم(1) في مرحلة القوة والفعل.

ولما كان هذا العالم ، متحركا بجوهره سيالا في ذاته ، كانت ذاته عين التجدد والتغير ، وبذلك صح استناده إلى العلة الثابتة ، فالجاعل الثابت جعل المتجدد ، لا أنه جعل الشيء متجددا ، حتى يلزم محذور استناد ، المتغير إلى الثابت وارتباط الحادث بالقديم.

تم الكتاب والحمد لله ، ووقع الفراغ من تأليفه ، في اليوم السابع

من شهر رجب ، من شهور سنة ألف وثلاث مائة

وتسعين ، قمرية هجرية في العتبة

المقدسة الرضوية ، على صاحبها

أفضل السلام والتحية.

__________________

(1) في الفصل الحادي عشر.


فهرس الكتاب

مقدمة 6

المرحلة الأولى 9

في كليات مباحث الوجود9

المرحلة الثانية27

في انقسام الوجود إلى خارجي وذهني 27

المرحلة الثالثة39

في انقسام الوجود39

المرحلة الرابعة43

في المواد الثلاث الوجوب والإمكان والامتناع43

المرحلة الخامسة55

في الماهية وأحكامها55

المرحلة السادسة67

في المقولات العشر67

المرحلة السابعة83

في العلة والمعلول 83

المرحلة الثامنة97

في انقسام الموجود إلى الواحد والكثير 97

المرحلة التاسعة111

في السبق واللحوق والقدم والحدوث 111

المرحلة العاشرة117

في القوة والفعل 117

المرحلة الحادية عشر137


في العلم والعالم والمعلوم137

المرحلة الحادية عشر138

في العلم والعالم والمعلوم138

المرحلة الثانية عشر155

فيما يتعلق بالواجب تعالى 155

فهرس الكتاب 179