بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والصلوات الدائمة على سيّد أرباب الهجرة وخاتم رسله، وسلام الله على آله المنتجبين الذين خصّهم الله بآية التطهير، وجعلهم أئمّة يهدون إلى الخير، وحججاً على بريته، والشهداء عليهم يوم الدين.
سارَ الحسينُ تاركاً أمّ القرى |
ينحو العراقَ بميامين الورى |
سار: فعل ماضي، أي ذهب في الأرض. والحسين: فاعل. وتاركاً: حال. واُمّ القرى: مفعول. وينحو: فعل مضارع. العراق: مفعول. بميامين الورى: جار ومجرور ومضاف إليه.
الحسينعليهالسلام هو ثاني السبطين الذي قال فيه جدّه الأكرم: « حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله مَنْ أحبّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط »(1) .
وروى ابن حيّان، وابن سعد، وأبو يعلى، وابن عساكر، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « مَنْ سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة - وفي لفظ ( إلى سيّد شباب أهل الجنّة ) - فلينظر إلى الحسين بن علي ».
أبوه أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، ابن عمّ الرسول، وصهره وخليفته على
____________________
(1) أخرجه الحاكم وصححه عن يعلى العامري. من نور الأبصار - للشبلنجي / 170 طبع العثمانية.
أمّته، وأمّه فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين.
ذكر ابن حجر في الإصابة(1) عن ابن حريب قال: بينما عبد الله بن عمر جالس في ظلّ الكعبة إذ رأى الحسين مقبلاً، فقال: هذا أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء اليوم.
وذكر ابن سعد في طبقاته، ونقل عنه سبط ابن الجوزي(2) قال: كان ابن عباس يمسك بركاب الحسن والحسين حتّى يركبا، ويقول: هما ابنا رسول الله. وقال ابن عساكر(3) : وكان الحسين في جنازة فأعيا وقعد في الطريق، فجعل أبو هريرة ينفض التراب عن قدميه بطرف ثوبه، فقال له: « يا أبا هريرة، وأنت تفعل هذا؟! ». فقال: دعني. فوالله لو يعلم الناس منك ما أعلم لحملوك على رقابهم.
وقال الشبراوي(4) في فصل له: وقد حلّ الإمام الحسين (رضياللهعنه ) من هذا البيت الشريف في أوج ذراه، وعلا فيه علوّاً تطامنت الثريا عن أن تصل إلى معناه، ولما انقسمت غنائم المجد كان له منه السهم الأوفر والحظّ الأكبر، وقد انحصرت جرثومة هذا البيت فيه وفي أخيه، فكان لهما من خلال المجد والفضل ما لا خلاف فيه.
كيف لا؟ وهما ابنا فاطمة البتول، والملحوظان بعين الودّ والرأفة والقبول من أشرف نبيّ وأكرم رسول.
نعم، كما ذكر:
نسبٌ كأنّ عليهِ من شمسِ الضحى |
نوراً ومن فُلكِ الصباحِ عمودا |
|
ما فيهِ إلاّ سيّدٌ من سيّدٍ |
حازَ المكارمَ والتقى والجودا |
وقال آخر:
فيا نسباً كالشمسِ أبيضَ مشرقا |
ويا شرفاً من هامةِ النجمِ أرفعُ |
وقال آخر:
ذريةٌ مثلُ ماءِ المزنِ قد طهروا |
وطيّبوا فصفت أخلاقُ ذاتهمُ |
و(اُمّ القرى) من أسماء مكّة المكرّمة (زاد الله شرفها وتعظيمها). وفسّر
____________________
(1) انظر الإصابة - العسقلاني 2 / 15.
(2) انظر التذكرة - سبط ابن الجوزي / 134.
(3) انظر التاريخ الكبير - ابن عساكر 4 / 322.
(4) انظر الإتحاف بحبّ الأشراف - الشبراوي / 57 المطبعة الأدبية - مصر.
قوله تعالى:( وَمَا كَانَ رَبّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمّهَا رَسُولاً ) (1) على وجهين؛ أحدهما: أنّه أراد أعظمها وأكثرها أهلاً، والأخرى: أنّه أراد مكّة.
وقال ابن دريد: سمّيت مكّة (اُمّ القرى)؛ لأنّها توسّطت الأرض والله أعلم. وقيل: سمّيت اُمّ القرى؛ لأنّها تُقصد من كلّ أرض وقرية، أو لأنّها أقدم القرى التي في جزيرة العرب وأعظمها خطراً؛ إمّا لاجتماع أهل القرى فيها كلّ سنة، أو لانكفائهم إليها، وتعويلهم على الاعتصام بها لما يرجونه من رحمة الله تعالى(2) .
وقوله عزّ اسمه:( وَلِتُنذِرَ اُمّ القرى وَمَنْ حَوْلَهَ ) (3) ، أراد تعالى ذكره مكّة.
ومن أسمائها (بكّة)، قال جلّ ذكره:( إِنّ أَوّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِبَكّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ ) (4) ، وقوله عظم شأنه:( وَهُوَ الّذِي كَفّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ) (5) .
وذكر زكريا القزويني قال في ذكر الحجاز: حاجز بين اليمن والشام، وهو مسيرة شهر. قاعدتها مكّة (حرسها الله تعالى)، لا يستوطنها مشرك ولا ذمّي. كانت تُقام للعرب بها أسواق في الجاهلية في كلّ سنة، فإذا اجتمع بها قبائلهم يتفاخرون ويذكرون مناقب آبائهم، وما كان لهم من الأيام، ويتناشدون أشعارهم التي أحدثوا.
وكانت العرب إذا أرادت الحجّ أقامت بسوق عكاظ شهر شوال، ثمّ تنتقل إلى ذي المجاز فتقيم فيه إلى الحجّ. والعرب الذين اجتمعوا في هذه المواسم إذا رجعوا إلى قومهم ذكروا لقومهم ما رأوا وما سمعوا(6) .
ومكة هي البلد الأمين الذي شرّفه الله تعالى وعظّمه، وخصّه بالقسم وبدعاء الخليل( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آَمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ) (7)(8) ، واجعله مثابة للناس، وأمناً
____________________
(1) سورة القصص / 59.
(2) انظر معجم البلدان - للحموي 1 / 337.
(3) سورة الأنعام / 92.
(4) سورة آل عمران / 96.
(5) سورة الفتح / 24.
(6) انظر آثار البلاد وأخبار العباد - زكريا القزويني / 55 طبع أوربا.
(7) سورة البقرة / 126.
(8) انظر آثار البلاد - زكريا القزويني / 74 طبع أوربا.
للخايف، وقبلة للعباد، ومنشأ لرسول اللهصلىاللهعليهوآله .
فهذه أسماء مكّة جاءت في الذكر الحكيم، وقد أجمع أرباب التاريخ على أنّ الحسينعليهالسلام كان قد دخلها ليلة الجمعة، لثلاث مضين من شعبان سنة ستين من الهجرة، وذلك عندما أبى بيعة يزيد بالمدينة، والخنوع تحت غاشية الظلم والجور، وهو ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
ولمّا نزل مكّة المعظّمة أقبل إليه أهلها ومَنْ كان من المعتمرين بها، يسلّمون عليه ويرحبّون بمقدمه، وصار الأشراف من الناس يختلفون إليه. وقد أقام بها بقية شعبان وشهر رمضان، وشوال وذي القعدة، وخرج منها لثمان مضين من ذي الحجّة يوم الثلاثاء. يوم التروية(1) ، وهو اليوم الذي خرج فيه مسلم بن عقيل سفيره بالكوفة.
وكان قد اجتمع إليه مدّة مقامه بمكّة نفر من أهل الحجاز، ونفر من أهل البصرة انضافوا إلى أهل بيته ومواليه. وكان ناديه يضمّ وجوه المسلمين من الصحابة وأعيان أهل الحجاز؛ كعبد الله بن عباس (حبر الأمّة)(2) ، وعبد الله بن جعفر(3) ، ونظائرهما،
____________________
(1) سمّي يوم التروية لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء من منى ويخرجون إلى عرفات.
(2) هو عبد الله بن عباس. كان يكنى أبا العباس. توفى بالطائف سنة ثمان وستين في فتنة بن الزبير. وكان قد كُفّ بصره في أواخر حياته، وعمره سبعون سنة، وصلّى عليه محمد بن الحنفيّة. وضرب على قبره فسطاطا. انظر المعارف لابن قتيبة.
(3) هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالبعليهالسلام ، زوج زينب بنت أمير المؤمنين. قال صاحب الدرجات الرفيعة: إنّ أوّل مَنْ بايع رسول اللهصلىاللهعليهوآله من الصبيان الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر الطيار. ولقد دعا له رسول اللهصلىاللهعليهوآله بقوله: « اللهم بارك له في صفقته ». وكان جواداً كريماً، يعطى العطايا الجزيلة، والأموال الكثيرة، وفيه قال القائل:
ألا كلّ مَنْ يرجو نوالَ ابنِ جعفرٍ |
سيجري لهُ باليمنِ والبشرِ طائره |
وكانت ولادته بأرض الحبشة؛ حيث هاجر أبوه جعفر بأمر من رسول اللهصلىاللهعليهوآله إليه هو وجماعة من المسلمين في إبان الدعوة المحمدية.
ويروى عنه أنّه قال: أتى رسول اللهصلىاللهعليهوآله نعي أبينا جعفر، فدخل علينا، وقال لأمّنا أسماء بنت عميس: « أين بنو أخي؟ ». فدعانا وأجلسنا بين يديه، وذرفت عيناه، فقالت أسماء: هل بلغك يا رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن جعفر شيء؟ قال: « نعم، استشهد رحمه الله ». فبكت =
وأمثال عبد الله بن الزبير(1) وأقرانه.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية في إقامة الحسينعليهالسلام بمكة: عكف الناس على الحسين (رضياللهعنه ) يفدون إليه، ويقدمون عليه، ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه، وينتفعون بما يسمع منه، ويضبطون ما يروون عنه. وقال أبو الفرج الأصبهاني: إنّ عبد الله بن الزبير لم يكن شيء أثقل عليه من مكان الحسين بالحجاز، ولا أحبّ إليه من خروجه إلى العراق؛ طمعاً في الوثوب بالحجاز، وعلماً
____________________
= وولولت، وخرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله . فلمّا كان بعد ثلاثة أيام دخل علينا ودعانا، فأجلسنا بين يديه كأنّنا أفراخ، وقالصلىاللهعليهوآله : « لا تبكي على أخي - يعني جعفراً - بعد اليوم ». ثمّ دعا بالحلاّق فحلق رؤوسنا، وعقّ عنّا، ثمّ أخذ بيد محمد وقال: « هذا شبيه عمّنا أبي طالب ». وقال لعون: « هذا شبيه أبيه خلقاً وخُلقاً ». وأخذ بيدي فشالهما وقال: « اللهم احفظ جعفر في أهله، وبارك لعبد الله في صفقته ». قال: وجاءته أمّنا تبكي وتذكر يتمنا، فقالصلىاللهعليهوآله : « أتخافين وأنا وليّهم في الدنيا والآخرة ».
وفي جود عبد الله أخبار كثيرة. يروى أنّه ليم في جوده، فقال:
لستُ أخشى خلّة العدمِ |
ما اتقيتُ اللهَ في كرمي |
|
كلّما أنفقتُ يخلفهُ |
ليَ ربّ واسعُ النعمِ |
قالوا: ولمّا ورد نعي الحسين إلى المدينة كان عبد الله جالساً في بيته، فدخل عليه الناس يعزّونه، فقال غلامه أبو اللسلاس: هذا ما لقيناه من الحسينعليهالسلام - يعني بقتل ولدي عبد الله (محمد وعون) -.
قال الراوي: فحذفه عبد الله بنعله، وقال: يابن اللخناء! أللحسين تقول هذا؟! والله، لو شهدته لما فارقته حتّى أُقتل معه. والله، إنّهما لمما يُسخى بالنفس عنهما، ويهون عليَّ المصاب بهما أنّهما أُصيبا مع أخي وابن عمّي؛ مواسين له صابرين معه. ثمّ أقبل على الجلساء، وقال: الحمد لله. أعزز عليّ بمصرع الحسين أن لا أكن آسيت حسيناً بيدي فقد آسيته بولدي.
وكانت وفاته سنة ثمانين، وصلّى عليه أبان بن عثمان، ودفن بالبقيع. وقيل: مات بالأبواء، وله من العمر تسعين سنة. وأعقب عشرين ذكراً، وقيل: أربعة وعشرين.
والعقب من جعفر الطيار في عبد الله الأكبر الجواد وحده، ليس له إلاّ عقب منه. انظر عمدة الطالب / 20، 21 طبع الهند.
(1) هو عبد الله بن الزبير بن العوام. كان يُكنى أبا بكر وأبا حبيب. ولد بعد الهجرة بعشرين شهراً. طلب الخلافة لنفسه بالحجاز، فسار إليه الحجّاج فحاصره بمكّة، ثمّ أصابته رمية فمات بها، وكان بخيلاً. وهو صاحب المثل السائر (أكلتم تمري وعصيتم أمري)، حتّى قال فيه الشاعر:
رأيتُ أبا بكرٍ وربّك غالب |
على أمرهِ يبغي الخلافة بالتمرِ |
انظر ابن قتيبة - المعارف - طبع مصر.
منه بأنّ ذلك لا يتمّ له إلاّ بعد خروج الحسينعليهالسلام ، فلقي الحسينعليهالسلام وقال له: على أيّ شيء عزمت يا أبا عبد الله؟ فأخبره برأيه في إتيان الكوفة، وأعلمه بما كتب به مسلم بن عقيل.
فقال له ابن الزبير: فما يحبسك؟ فوالله لو كان لي مثل شيعتك بالعراق ما تلوّمت في شيء. وقوّى عزمه، ثمّ انصرف.
هذا وقد تواردت كتب أهل الكوفة على الحسينعليهالسلام ، وذلك لمّا بلغهم وفاة معاوية(1) ، وعلموا امتناع الحسين من بيعة يزيد ونزوله مكّة.
قال أرباب السير: اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي(2) بالكوفة، فذكروا وفاة معاوية، وخطبهم سُليمان بن صرد، وقال لهم فيما قال: إنّ الحسين قد خرج من مكّة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدوا أعدائه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الفشل والوهن فلا تغرّوه.
قالوا: بل نُقاتل عدوّه، ونقتل أنفسنا دونه، فكتبوا إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم
للحسين بن علي بن أبي طالبعليهماالسلام . من سُليمان بن صرد، والمسيب بن نجبه، ورفاعة بن شداد البجلي، وحبيب بن مظهر الأسدي(3) ،
____________________
(1) كانت وفاة معاوية في النصف من رجب سنة ستين من الهجرة. قال ابن إسحاق: مات وله ثمان وسبعون سنة. انظر ابن قتيبة - المعارف.
(2) سُليمان بن صرد الخزاعي: كان صحابياً، وكان في الجاهلية اسمه يسار، فسمّاه رسول اللهصلىاللهعليهوآله سُليمان، ويُكنى أبا المطرف، وكان له قدر وشرف في قومه. شهد مع عليعليهالسلام مشاهده كلّها، وهو الذي قتل حوشباذا ظليم الألهاني بصفين مبارزة، وقد سجنه ابن زياد لمّا دخل الكوفة فيمَنْ سجنهم، وقد ترأس سُليمان التوّابين بعد مقتل الحسينعليهالسلام ، وسمّوه أمير التوّابين، وكان يُقال له بالكوفة: شيخ الشيعة. ولمّا جاء عبيد الله بن زياد بجيشه يريد العراق، التقوا بعين الوردة من أرض الجزيرة، وهي رأس عين فوقعت الواقعة بين التوّابين وجيش ابن زياد هناك فقُتل سُليمان والمسيب بن نجبة وكثير ممّن معهما، وحُمل رأسيهما إلى مروان بن الحكم إلى الشام، وكان عمر سُليمان يوم قُتل ثلاثاً وتسعين سنة.
(3) هو حبيب بن مظهر الأسدي. كان صحابياً، رأى النبيصلىاللهعليهوآله ، ذكره الكلبي.
قال أرباب التاريخ: إنّ حبيباً نزل الكوفة، وصحب علياً في حروبه كلّها، وكان من خاصّته وحملة علومه، علّمه عليعليهالسلام علم المنايا والبلايا. وكان من جملة الذين كاتبوا الحسينعليهالسلام ووفى له، وعند ورود مسلم بن عقيل الكوفة صار حبيب ومسلم بن عوسجة يأخذان البيعة للحسين، حتّى إذا دخل ابن زياد الكوفة وتخاذل أهل الكوفة عن سفير الحسينعليهالسلام ، اختفيا إلى أن ورد الحسينعليهالسلام =
وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة. سلام عليك. فإنّا نحمد الله الذي لا إله إلاّ هو. أمّا بعد، فالحمد لله الذي قصم عدوّك الجبار العنيد الذي اعتدى على هذه الأمّة، فابتزّها أمرها، وانتزعها حقوقها، وغصبها فيئها، وتأمّر عليها بغير رضاً منها، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها، فبُعداً له كما بعُدت ثمود.
وإنّه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحقّ. والنعمان بن بشير(1) في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا جماعة ولا عيد، وقد حبسنا أنفسنا عليك، ولو أقبلت إلينا أخرجناه حتّى نلحقه بالشام.
ثمّ سرّحوا بالكتاب مع عبد الله بن مسمع الهمداني، وعبد الله بن وآل، فخرجا مسرعين حتّى قدما على الحسينعليهالسلام بمكّة لعشر مضين من شهر رمضان، ولبث أهل الكوفة يومين بعد تسريحهم بالكتاب، وأنفذوا قيس بن مسهر
____________________
= كربلاء خرجا مختفيين ولحقا به، وصارا من أصحابه وقُتلا بين يديه.
ولمّا استأذن الحسينعليهالسلام لصلاة الظهر وطلب منهم المهلة لأداء الفرض، قال له الحصين بن تميم: إنّها لا تُقبل منك. فقال له حبيب: زعمت أنّ الصلاة من آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله لا تُقبل وتُقبل منك يا حمار! فحمل الحصين وحمل عليه حبيب؛ فضرب حبيب وجه فرس الحصين بالسيف، فشبّ به الفرس ووقع عنه فحمله أصحابه واستنقذوه، وجعل حبيب يحمل فيهم ليختطفه منهم، وهو يقول:
ثمّ قاتل القوم، وأخذ يحمل فيهم ويضربهم بسيفه، وهو يقول:
أُقسمُ لو كنّا لكم أعدادا |
أو شطركم ولّيتمُ أكتادا |
يا شرَّ قومٍ حسباً وآدا
أنّا حبيبٌ وأبي مظهّرُ |
فارسُ هيجاءٍ وحربٍ تسعرُ |
|
أنتم أعدُّ عدّةً وأكثرُ |
ونحنُ أوفى منكمُ وأصبرُ |
|
ونحنُ أعلى حجّةً وأظهرُ |
حقّاً وأبقى منكمُ وأعذرُ |
فجالد القوم سويعة حتّى قتل منهم جماعة، فحمل عليه بُديل بن صريم العقفاني فضربه بسيفه، وطعنه آخر برمحه فوقع، فذهب ليقوم فضربه الحصين بن تميم على رأسه بالسيف فسقط، فنزل إليه التميمي فاحتز رأسه.
(1) النعمان بن بشير، كان والياً على الكوفة من قبل معاوية فأقرّه يزيد عليها. واُمّه عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة. قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: كان النعمان بن بشير منحرفاً عنه - يعني علياًعليهالسلام - وعدوّاً لله، خاض الدماء مع معاوية خوضاً. قتله أهل حمص في فتنة ابن الزبير إذ كان والياً عليها.
الصيداوي(1) ، وعبد الله وعبد الرحمن ابني شداد الأرحبي، وعمارة بن عبد الله السلولي إلى الحسينعليهالسلام ، ومعهم نحو مئة وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين والأربعة، ثمّ لبثوا يومين آخرين وسرّحوا إليه هاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي، وكتبوا إلى الحسينعليهالسلام :
بسم الله الرحمن الرحيم
للحسين بن عليعليهماالسلام من شيعته من المؤمنين والمسلمين. أمّا بعد، فحيهلا، فإنّ الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل، ثمّ العجل العجل، والسلام.
ثمّ كتب شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رويم، وعروة بن قيس، وعمرو بن الحجاج الزبيدي، ومحمد بن عمير بن عطارد التميمي: أمّا بعد، فقد اخضرّ الجناب، وأينعت الثمار، فإذا شئت فاقبل على جند لك مجنّدة، والسلام(2) .
وروى ابن جرير الطبري، عن حصين أنّ أهل الكوفة كتبوا إلى الحسينعليهالسلام أنّ معك مئة ألف.
قال أرباب التأريخ: وتلاقت الرسل كلّها عند الحسينعليهالسلام ، فقرأ الكتب وسأل الرسل عن الناس، ثمّ كتب مع هاني بن هاني وسعيد بن عبد الله، وكانا آخر الرسل: « بسم الله الرحمن الرحيم. من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين. أما بعد، فقد فهمت كلّ الذي اقتصصتم، وقد بعثت إليكم بأخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، وأمرته أن يكتب إليّ بحالكم وأمركم ورأيكم؛ فإن كتب إليّ أنّه قد أجمع رأي ملئكم، وذوي الحجى منكم على
____________________
(1) قيس بن مسهر الصيداوي: أحد بني الصيداء، وهي قبيلة من بني أسد، وإيّاهم عنى الشاعر:
يا بني الصيداء ردّوا فرسي |
إنّما يُفعل هذا بالذليل |
قال علماء السير: كان قيس رجلاً شريفاً، شجاعاً مخلصاً في محبّة أهل البيتعليهمالسلام ، وقد بعثه أهل الكوفة بكتبهم إلى الحسينعليهالسلام ، وكذلك بعثه الحسين إلى أهل الكوفة بجوابات الكتب من الحاجر في كتاب جاء به يحمله حتّى ظفر به الحصين قبل أن يدخل الكوفة، وأرسله إلى ابن زياد مخفوراً، وقُتل بالكوفة - يأتي تفصيل خبره في محلّه - انظر الحاجر.
(2) انظر التذكرة طبع إيران - سبط ابن الجوزي / 129. وهؤلاء هم الذين كاتبوا الحسين وقاتلوه يوم الطفّ فقتلوه. انظر الحسين - علي جلال الحسيني 2 / 174.
مثل ما قدمت به رسلكم وقرأت في كتبكم، فإنّي أقدم إليكم وشيكاً إن شاء الله؛ فلعمري، ما الإمام إلاّ العامل بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بالحقّ، الحابس نفسه على ذات الله، والسّلام ».
فسار مسلم بن عقيل من مكّة واجتاز بالمدينة، فصلّى في مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآله وودع أهله، واستأجر منها دليلين فمرّا به في برّية مهجورة المسالك، فأصابهم عطش فحادا عن الطريق فضلاّ وماتا من العطش.
ونجا مسلم ومَنْ معه من خدمه بحشاشة الأنفس حتّى أفضوا إلى الطريق فلزموه، فورد الماء، فأقام مسلم به، وكتب إلى الحسينعليهالسلام مع رسول استأجره من أهل ذلك الماء يخبره خبره، وما لاقى من الجهد، ويستعفيه، ويسأله أن يوجّه غيره.
فأوصل الرسول الكتاب إلى الحسينعليهالسلام فقرأه، وكتب في جوابه: « أمّا بعد، فقد ظننت أنّ الجبن قد قصر بك عمّا وجّهتك به، فامض لما أمرتك به؛ فإنّي غير معفيك، والسّلام ».
فسار مسلم إلى الكوفة، ومكث هو بمكّة بقيّة شهر رمضان وشوال وذي القعدة، وثمان ليال خلون من ذي الحجة.
وفي ذلك الحين ورد إليه كتاب مسلم بن عقيل من الكوفة مع عابس بن شبيب الشاكري(1) ، يقول فيه: أمّا بعد، فإنّ الرائد لا يكذب أهله(2) ،
____________________
(1) عابس بن شبيب الهمداني الشاكري، وبنو شاكر بطن من همدان. ذكر أرباب السير: أنّ عابس كان رئيساً شجاعاً، خطيباً ناسكاً مجتهداً، وكان من رجال الشيعة، وكذلك بنو شاكر كانوا من المخلصين بولاء أمير المؤمنينعليهالسلام .
وفيهم قال عليعليهالسلام يوم صفين: « لو تمّت عدّتهم ألفاً لعبد الله حقّ عبادته ». وكانوا من شجعان العرب وحماتهم، وكانوا يلقّبون (فتيان الصباح)، فنزلوا في بني وداعة من همدان، فقيل لها: فتيان الصباح. وقيل لعابس: الشاكري والوادعي.
وهو الذي قام خطيباً بين يدي مسلم بن عقيل عندما قدم الكوفة واجتمع عليه أهلها، وصار مسلم يقرأ عليهم كتاب الحسينعليهالسلام ، فقام عابس بن شبيب خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد، فإنّي لا أخبرك بما أنا موطن نفسي عليه. والله لأجيبنّكم إذا دعوتم، ولأقاتلنّ معكم عدوّكم، ولأضربنّ بسيفي دونكم حتّى ألقى الله، لا اُريد بذلك إلاّ ما عند الله.
وكان عابس رسولاً لمسلم بن عقيل إلى الحسينعليهالسلام ، وقد أرسله بكتابه إليه وذلك عندما سار من الكوفة إلى الحسينعليهالسلام ، وقد صحبه شوذب مولاه.
=
وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألف، فعجّل الإقبال حين يأتيك كتابي؛ فإنّ الناس كلّهم معك ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى، والسلام.
وكان يزيد آنذاك قد أرسل ثلاثين سيّافاً، وأمرهم أن يقتلوا الحسينعليهالسلام أينما وجدوه بمكّة ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة.
فعلم الحسينعليهالسلام ذلك، فجاء إلى منزله ليلاً، وجمع أصحابه، وخطب فيهم، فقال: « الحمد لله، وما شاء الله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، وصلّى الله على رسوله محمد وآله أجمعين. خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة. وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخُيّر لي مصرع أنا لاقيه؛ كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن منّي أكراشاً جوفا، وأجربة سغبا، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم. رضا الله رضانا أهل البيت؛ نصبر على بلائه، ويوفّينا أجور الصابرين. لن تشذّ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله لحمته، وهي
____________________
= ولما كان يوم عاشوراء، والتحم القتال، وقُتل جلّ أصحاب الحسينعليهالسلام ، قال عابس لشوذب: يا شوذب، ما في نفسك أن تصنع؟ قال: ما أصنع! اُقاتل معك دون ابن بنت رسول الله حتّى أُقتل. فقال: ذلك الظنّ بك. أمّا الآن فتقدّم بين يدي أبي عبد الله الحسينعليهالسلام حتّى يحتسبك كما احتسب غيرك من أصحابه، وحتى أحتسبك أنا؛ فإنّه لو كان معي الساعة أحد أنا أولى به منّي بك لسرني أن يتقدّم بين يدي الحسينعليهالسلام حتّى أحتسبه؛ فإنّ هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب الأجر فيه بكلّ ما نقدر عليه؛ فإنّه لا عمل بعد اليوم، وإنّما هو الحساب.
قال أبو مخنف: وتقدّم عابس إلى الحسينعليهالسلام بعد مقالته لشوذب، فسلّم عليه، وقال: يا أبا عبد الله، أما والله ما أمسى على ظهر الأرض قريب ولا بعيد أعزّ عليّ ولا أحبّ ليّ منك، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم والقتل بشيء أعزّ عليّ من نفسي ودمي لفعلته. السلام عليك يا أبا عبد الله، أشهد أنّي على هداك وهدى أبيك. ثمّ مشى بالسيف مصلتاً نحو القوم وبه ضربة على جبينه فطلب البراز.
قال الربيع بن تميم الهمداني: لمّا رأيت عابساً مقبلاً عرفته، وكنت قد شاهدته في المغازي والحروب، وكان أشجع الناس، فصحت: أيّها الناس، هذا أسد الأسود، هذا ابن شبيب. لا يخرجن إليه أحد منكم. فأخذ عابس ينادي: ألا رجل، ألا رجل. فلم يتقدّم إليه أحد.
فنادى عمر بن سعد: ويلكم! ارضخوه بالحجارة. فرمي بالحجارة من كلّ جانب، فلمّا رأى ذلك ألقى درعه ومغفره خلفه، فصيح به: عابس، جننت؟! قال: نعم، حبّ الحسين أجنّني.
ثمّ شدّ على الناس، فوالله لقد رأيته يطرد أكثر من مئتين من الناس، ثمّ إنّهم تعطّفوا عليه من حواليه فقتلوه واحتزوا رأسه، فرأيت رأسه في أيدي الرجال ذوي عدّة، هذا يقول: أنا قتلته، وهذا يقول: أنا قتلته. فأتوا عمر بن سعد، فقال: لا تختصموا، هذا لم يقتله إنسان واحد، كلّكم قتله. ففرقهم بهذا القول. انظر إبصار العين - السماوي / 74 -.
(2) الرائد: هو الذي يرسلونه أهله أرباب الماشية ليكتشف لهم الأرض الخصبة والمربع والماء؛ فإنّه لا يكذبهم، لأنّ الأمر كما يهمهم يهمّه أيضاً.
مجموعة له في حظيرة القدس؛ تقرّ بهم عينه، وينجز لهم وعده ».
ثمّ قالعليهالسلام : « ألا ومَنْ كان فينا باذلاً مهجته، موطّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا؛ فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى ».
قال أهل السير: ولمّا أراد التوجّه إلى العراق طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، وأحلّ من إحرامه وجعلها عمرة مفردة.
هذا ولم يرد عليه خبر مسلم بن عقيل، وشاع خبر سفره إلى العراق عند الخاصّة.
ذكر ابن الأثير والطبري: إنّ عبد الله بن عباس أتى الحسينعليهالسلام ، وقال: قد أُرجف الناس أنّك سائر إلى العراق، فبيّن لي ما أنت صانع؟
قالعليهالسلام : « قد أجمعت على السير في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالى ». فقال ابن عباس: إنّي أُعيذك بالله من ذلك، وأتخوّف عليك من هذا الوجه الهلاك. إنّ أهل العراق يريدونك كما زعموا، فلينفوا عدوّهم ثمّ أقدم عليهم، فإن أبيت إلاّ أن تخرج فسر إلى اليمن؛ فإنّ بها حصوناً وشعاباً، ولأبيك بها شيعة.
فقال له الحسينعليهالسلام : « يابن عمّ، إنّي أعلم أنّك ناصح مشفق، ولكنّي أزمعت وأجمعت على المسير ».
قال الراوي: وكرر ابن عباس الدخول عليه مرّة ثانية، وقد رأى الحسينعليهالسلام عازماً على الخروج، وحقّقه، فجعل يناشده في المقام، ويعظّم عليه القول في ذم أهل الكوفة، وقال له: إنّك تأتي قوماً قتلوا أباك، وطعنوا أخاك، وما أراهم إلاّ خاذليك.
فقال له: « هذه كتبهم معي، وهذا كتاب مسلم بن عقيل باجتماعهم ».
فقال له ابن عباس: إن كنت لا بدّ فاعلاً فلا تخرج أحداً من ولدك، ولا حرمك، ولا نسائك؛ فخليق أن تُقتل وهم ينظرون إليك كما قُتل ابن عفان. فأبى ذلك ولم يقبله.
قال: فلمّا أبى الحسينعليهالسلام قبول رأي ابن عباس ودّعه وانصرف، ومضى الحسينعليهالسلام لوجهه.
وذكر الطبري عن أبي مخنف: قال أبو جناب يحيى بن أبي حيّة، عن عدي بن حرملة الأسدي، عن عبد الله بن سليم والمنذر بن المشمعل الأسديين، قالا: خرجنا حاجّين من الكوفة حتّى قدمنا مكّة، فدخلنا يوم التروية، فإذا نحن بالحسينعليهالسلام وعبد الله بن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى فيما بين الحجر والباب. قالا: فتقرّبنا منهما، فسمعنا ابن الزبير وهو يقول للحسينعليهالسلام : إن شئت أن تقيم أقمت، فولّيت هذا الأمر، فآزرناك وساعدناك، ونصحنا لك وبايعناك.
فقال له الحسينعليهالسلام : « إنّ أبي حدّثني أنّ بها كبشاً يستحلّ حرمتها، فما أحبّ أن أكون أنا
ذلك الكبش »(1) .
فقال له ابن الزبير: فأقم إن شئت وتولّيني أنا الأمر؛ فتُطاع ولا تُعصى.
فقال: « وما اُريد هذا أيضاً ».
قالا: ثمّ إنّهما أخفيا كلامهما دوننا، فمازالا يتناجيان حتّى سمعنا دعاء الناس متوجّهين إلى منى عند الظهر. قالا: فطاف الحسين بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصّ شعره وحلّ من عمرته، ثمّ توجه نحو العراق وتوجّهنا نحو منى(2) .
قال الاُستاذ علي جلال الحسيني المصري(3) : ولمّا رأى الحسينعليهالسلام أنّه وجب عليه المطالبة بحقّه في الخلافة، والقيام بأمر الأمّة، وأنّه قادر على ذلك، وأنّه بصرف النظر عن طلب الولاية تعيّن عليه إنكار الفسق، والنهي عن المنكر وجهاد الظلم أجاب دعوة أهل العراق.
قال أرباب التأريخ: ولقي عبد الله بن عباس عبد الله بن الزبير بعد خروج الحسين من مكّة، فقال متمثّلاً ومخاطباً له:
يا لكِ من قُبّرةٍ بمعمرِ |
خلا لكِ الجوُّ فبيضي واصفري |
|
ونقِّري ما شئتِ أن تنقّري |
هذا الحسينُ خارجٌ فاستبشري |
وقال له ابن عباس: قد خرج الحسين وخلت لك الحجاز.
أقول: لقد اتّفق المؤرّخون على أنّ الحسين خرج من مكّة يوم التروية لثمان مضين من ذي الحجّة سنة ستين من الهجرة.
ذكر سبط ابن الجوزي(4) قال: وقد ذكر جدّي في كتاب ( التبصرة ) قال: إنّما سار الحسينعليهالسلام إلى القوم؛ لأنّه رأى الشريعة قد دُثرت، فجدّ في رفع قواعد أصلها، فلمّا حصروه قالوا له: انزل على حكم
____________________
(1) هذه من المغيّبات التي ذكرها أمير المؤمنينعليهالسلام وأخبر عنها؛ فإنّ ابن الزبير حوصر بمكّة خمسة أيّام، حاصره الحجاج، ثمّ قُتل في البيت، فكان هو الكبش، وبسببه هُتكت حرمة البيت. وبعد أن قُتل أُمر بصلبه فصُلب بمكّة، وكان يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادي الأولى سنة 73 هـ.
(2) انظر الطبري 6 / 217.
(3) انظر الحسين - علي جلال الحسيني 2 / 172.
(4) انظر تذكرة الخواص - سبط ابن الجوزي / 154.
ابن زياد. فقال: « لا أفعل ». واختار القتل على الذلّ، وهكذا النفوس الأبيّة.
ثمّ أنشد جدّي:
ولمّا رأوا بعضَ الحياةِ مذلةً |
عليهم وعزَّ الموتِ غيرَ مذمّمِ |
|
أبوا أن يذوقوا العيشَ والذلُّ واقعُ |
عليه وماتوا ميتةً لم تذمّمِ |
|
ولا عجبٌ للأسد إن ظفرت بها |
كلابُ الأعادي من فصيحٍ وأعجمِ |
|
فحربةُ وحشيٍّ سقت حمزةَ الردى |
وحتفُ عليٍّ في حسامِ ابن ملجمِ |
قال الاُستاذ محمد عبد الباقي(1) : فلو بايع الحسين يزيد الفاسق المستهتر، والذي أباح الخمر والزنا، وحطّ بكرامة الخلافة إلى مجالسة الغانيات، وعقد حلقات الشراب في مجلس الحكم، والذي ألبس الكلاب والقرود جلاجل من ذهب ومئات الألوف من المسلمين صرعى الجوع والحرمان.
لو بايع الحسين يزيدَ أن يكون خليفة لرسول الله على هذا الوضع لكانت فتياً من الحسين بإباحة هذا للمسلمين، وكان هذا سكوته أيضاً على هذا رضاً، والرضا عن ارتكاب المنكرات ولو بالسكوت إثمٌ وجريمة في حكم الشريعة الإسلاميّة.
والحسين بوضعه الراهن في عهد يزيد هو الشخصية الأولى المسؤولة في جزيرة العرب، بل في البلاد الإسلاميّة كافّة عن حماية التراث الإسلامي؛ لمكانته في المسلمين، ولقرابته من رسول الله، ولكونه بعد موت كبار المسلمين أنّه كبير المسلمين في هذا الوقت؛ علماً وزهداً، وحسباً ومكانة.
فعلى هذا الوضع أحسّ بالمسؤولية تناديه وتطلبه لإيقاف المنكرات عند حدّها، ولا سيما إنّ الذي يرتكب هذه المنكرات ويشجّع عليها هو الجالس في مقعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ،هذا أوّلاً .
وثانياً: أنّه جاءته المبايعات بالخلافة من جزيرة العرب، وجاءه ثلاثون ألفاً من الخطابات من ثلاثين ألفاً من العراقيين من سكان البصرة والكوفة يطلبون فيها منه الشخوص لمشاركتهم في محاربة العربيد يزيد بن معاوية، وألحّوا في تكرار هذه الخطابات، حتّى قال رئيسهم عبد الله بن أبي الحصين الأزدي:
____________________
(1) انظر الثائر الأوّل في الإسلام الحسين - محمد عبد الباقي سرور، من علماء الأزهر / 79. طبع مصر.
يا حسين، سنشكوك إلى الله تعالى يوم القيامة إذا لم تلبِّ طلبنا، وتقوم لنجدة الإسلام. وكيف والحسين ذو حمية دينية ونخوة إسلاميّة، والمفاسد تترى أمام عينه؟ كيف لا ولا يقوم بتلبية النداء؟
وعلى هذا الوضع لبّى النداء كما تأمر به الشريعة الإسلاميّة، فنجا العراق كما قال الشاعر:
فجشّمها نحو العراقِ تحفهُ |
مصاليتُ حربٍ من ذؤابةِ هاشمِ |
قلت: ينحو نحو الشيء: قصده. والعراق: علم لأرض بابل، القطر المعروف.
قال الخليل: العراق: شاطئ البحر. وسمّي العراق عراقاً؛ لأنّه على شاطئ دجلة والفرات مداً حتّى يتّصل بالبحر على طوله. قال: وهو مشبّه بعراق القربة، وهو الذي يُثنى منها فتخرز. وقيل: سمّيت بذلك لاستواء أرضها حين خلت من جبال تعلو وأودية تنخفض. والعراق: الاستواء في كلامهم. قال الشاعر:
سقتم إلى الحقِّ معاً وساقوا |
سياقَ مَنْ ليس لهُ عراقُ |
قال الحموي(1) : والعراق أعدل أرض الله هواء، وأصحّها مزاجاً وماء؛ فلذلك كان أهل العراق هم أهل العقول الصحيحة، والآراء الراجحة، والشهوات المحمودة، والشمائل الظريفة، والبراعة في كلّ صناعة مع اعتدال الأعضاء، واستواء الأخلاط، وسمرة الألوان.
وهم الذين أنضجتهم الأرحام فلم تخرجهم بين أشقر وأصهب وأبرص، كالذي يعتري أرحام النساء الصقالبة في الشقرة، ولم يتجاوز أرحام نسائهم في النضج إلى الحراق كالزنج والنوبة والحبشة الذين حلك لونهم، ونتن ريحهم، وتفلفل شعرهم، وفسدت آراؤهم وعقولهم، فمَن عداهم بين خمير لم ينضج، ومجاوز للقدر حتّى خرج عن الاعتدال.
قال: وأقليم بابل موضع التميمة من العقل، وواسطة القلادة، ومكان اللبة من المرأة الحسناء، والمحّة من البيضة، والنقطة من (البركار).
ولقد أكثر الشعراء في مدح العراق، قال بعضهم:
إلى الله أشكو عبرةً قد أظلّتِ |
ونفساً إذا ما عزّها الشوق ذلّتِ |
|
تحنُّ إلى أرضِ العراقِ ودونها |
تنايفُ لو تسري بها الريحُ ضلّتِ |
____________________
(1) انظر معجم البلدان - الحموي - مادة عراق.
وذكر المسعودي في مروجه(1) قال: ذكر ذوو الدراية أنّ عمر بن الخطاب (رض) حين فتح الله البلاد على المسلمين من العراق والشام ومصر وغير ذلك من الأرض، كتب إلى حكيم من حكماء العصر: إنّا أُناس عرب، وقد فتح الله علينا البلاد، ونريد أن نتبوّأ الأرض، ونسكن البلاد والأمصار، فصف لي المدن وأهويتها ومساكنها، وما تؤثره الترب والأهوية في سكّانها.
فكتب إليه ذلك الحكيم عن وصف الأقطار، وأعطى كلّ قطر صفته، كالشام ومصر، واليمن والحجاز، والمغرب وخراسان، وفارس والجبال، وخوزستان والبر، ووصف له العراق فقال: وأمّا العراق، فمنار الشرق وسرة الأرض، وقلبها إذا تحادرت المياه، وبه اتّصلت النضارة، وعنه وقف الاعتدال؛ فصفت أمزجة أهله، ولطفت أذهانهم، واحتدت خواطرهم، واتّصلت مسراتهم؛ فظهر منهم الدهاء، وقويت عقولهم، وثبتت بصائرهم.
وقلب الأرض العراق، وهو المجتبى من قديم الزمان، وهو مفتاح الشرق، ومسلك النور، ومسرح العينين، ومدنه المدائن وما والاها، ولأهله أعدل الألوان، وأنقى الروائح، وأفضل الأمزجة، وأطوع القرائح، وفيهم جوامع الفضائل، وفوائد المبرات، وفضائله كثيرة؛ لصفاء جوّه، وطيب نسيمه، واعتدال تربته، وإغداق الماء عليه، ورفاهية العيش به.
وسأل عمر (رض) كعب الأحبار عن العراق، فقال: إنّ الله لمّا خلق الأشياء ألحق كلّ شيء بشيء، فقال العقل: أنا لاحق بالعراق، فقال العلم: وأنا معك. فقال المال وأنا لاحق بالشام، فقالت الفتن: وأنا معك. فقال الخصب: وأنا لاحق بمصر، فقال الذلّ وأنا معك. فقال الفقر: وأنا لاحق بالحجاز، فقالت القناعة: وأنا معك. فقال الشقاء: وأنا لاحق بالبوادي، فقالت الصحة: وأنا معك.
وقال المسعودي(2) أيضاً: وأوسط الأقاليم إقليم بابل، وقد كان هذا الإقليم عند ملوك الفرس جليلاً، وقدره عظيماً، وكانت عنايتهم إليه مصروفة، وكانوا يشتّون بالعراق، وأكثرهم
____________________
(1) انظر مروج الذهب المسعودي 1 / 370 و 372، طبع دار الرجاء.
(2) انظر مروج الذهب المسعودي 1 / 374.
يصيّفون بالجبال، وينتقلون في الفصول إلى الصرود من الأرض والحرور.
وقد كان أهل المروءات في الإسلام كأبي دلف القاسم بن علي العجلي وغيره يشتّون في الحرور، وهو العراق. ويصيّفون في الصرود، وهي الجبال، وفي ذلك يقول أبو دلف:
وإنّي امرؤٌ كسروي الفعالِ |
أصيف الجبالَ وأشتو العراقا |
قال أبو القاسم الزجاجي: قال ابن الأعرابي: سمّي عراقاً؛ لأنّه سفل عن نجد، ودنا من البحر. والعراقان: الكوفة والبصرة.
ذكر ابن حوقل(1) قال: وأمّا العراق، فإنّه في الطول من حدّ تكريت إلى عبادان، وعبادان مدينة على نحر بحر فارس، وعرضه من القادسية على الكوفة وبغداد إلى حلوان، وعرضه بنواحي واسط من سواد واسط إلى قرب الطيب.
وبنواحي البصرة، من البصرة إلى حدود جبى، والذي يطيف بحدوده من تكريت فيما يلي المشرق حتّى يجوز بحدود سهرورد وشهرزور، ثمّ يمرّ على حدود حلوان، وحدود السيروان والصيمرة، وحدود الطيب والسوس حتّى ينتهي إلى حدود جبى، ثم البحر تقويس.
ويرجع على حدود المغرب من وراء البصرة في البادية على سواد البصرة وبطائحها إلى واسط، ثمّ على سواد الكوفة وبطائحها إلى الكوفة، ثمّ على ظهر الفرات إلى الأنبار، ثمّ من الأنبار إلى حدّ تكريت بين دجلة والفرات. وفي هذا الحدّ من البحر على الأنبار إلى تكريت تقويس أيضاً.
وجاء في مجلة المقتطف(2) : والعراق أو ما بين النهرين من أخصب بلدان المسكونة تربة؛ فإنّ الفرات ودجلة يحملان إليها بفيضانهما من الطمى (الأبليز) كلّ سنة أربعة أضعاف ما يحمله النيل إلى واديه.
والمرجّح أنّ تلك البلاد بلغت أوج مجدها في عهد بني ساسان؛ لأنّهم بنوا على ما خلّفته لهم العصور السالفة، فإنّ الترع المعروفة باسم نهروان، وعرضها 400 قدم وعمقها 15 قدم، كانت تروي كلّ البلاد شرقي دجلة. والترعة المسمّاة دجيل كانت تروي كلّ البلاد الغربية.
____________________
(1) انظر صورة الأرض - ابن حوقل 1 / 331، طبع ليدن.
(2) المقتطف - المجلة - 44 / 316. اقتطفته من مقال فليراجع.
وكان يتفرّع من الفرات أربع ترع كبيرة تروي سائر البلاد حتّى قال (أمبانوس مرسليانوس) الذي طاف فيها في القرن الخامس: إنّها روضة غنّاء من طرف إلى طرف.
ثمّ دوخ العرب تلك البلاد في القرن السابع فوجدوها لا تزال في أوج مجدها، ومصّروا فيها الكوفة والبصرة وواسط بدل عواصمها القديمة، وبنوا بغداد(1) فصارت دار الخلافة، ولا تزال إلى يومنا هذا أكبر مدن العراق. وفاقت بغداد عواصم الدنيا في زمن الرشيد(2) والمأمون(3) .
ثمّ انحطّ العراق رويداً رويداً، وأجهز عليه المغول في زمن (جنكيز خان)، والتتار في زمن (تيمور لنك)، في القرن الثالث عشر؛ فخربت كلّ أعمال الري العظيمة حتّى لم يبقَ منها واحد، فزال سد نمرود من دجلة، فهبط ماؤه 25 قدماً، وبطل جريان الماء في ترعتي النهروان ودجيل(4) ، وأمست ضفاف دجلة العالية قفاراً قاحلة، سوى التي تُزرع على ماء المطر (ديم)، وخربت ضفته اليسرى فما يلي تخوم العجم، ولم تعد مياهه تنصب في البطائح والمستنقعات، ولولا الاعتماد على زرع الأرز الذي تصلح له الأرض العامرة لما بقي في البلاد زرع يذكر.
ومساحة أراضي العراق 12 ميلون فدان. وإذا جادت السماء بمطرها زرعت السهول على الجانبين شعيراً؛ لأنّها سهول فيحاء لا تحتاج لنمو الزرع فيه إلاّ إلى الماء.
وزد على ذلك فإنّ النخل ينمو في كلّ
____________________
(1) بغداد: بناها المنصور العباسي الدوانيقي. وبدأ بإنشائها سنة 145 هـ. وقد أنفق على بناء المدينة وجامعها، وقصر الذهب فيها، والأبواب والأسواق أربعة آلاف ألف وثمانمئة وثلاثة وثمانين ألف درهم. وللشعراء فيها مدح كثير. انظر تاريخ بغداد - ابن الخطيب.
(2) هو هارون الرشيد بن المهدي، الخليفة العباسي. توفي في طوس 3 جمادي الآخرة سنة 193.
(3) المأمون بن الرشيد، مات على نهر البذندون 17 رجب سنة 218.
(4) حتّى اليوم لم يجرِ فيها الماء، وتظهر للناظر بعض آثارهما، وبعض القناطر على حالتها حتّى اليوم. وقفت على بعضها مراراً، وقد تغيّرت مجاري المياه، وأحدثت حكومتنا العربية بعض السدود والجسور، ولم تزل مديرية الري دائبة بأعمال الري والزراعة.
جزيرة العراق، أي على ضفاف دجلة والفرات. ولا يقلّ عدد ما فيه منها عن عشرة ملايين نخلة(1) . والمواشي كثيرة في العراق، وهي من أجود الأنواع. والأرض منبسطة لا تحتاج إلى تقصيب، وهي صفراء اللون، وفيها كثير من الجير (الكلس)؛ ولذاك يسهل إصلاحها وحرثها وتنعيمها.
وتكثر الآن أنجم عرق السوس، والنباتات الشائكة من الفصيلة القرنية، وفي المستنقعات أشجار الحور والصفصاف.
(الميامين): مفردها ميمون، وهو ذو اليمن والبركة. و (الورى): أي الخلق. وأبو الورى كنية الدهر.
فأصحاب الحسينعليهالسلام - وأيم الحقّ - هم ميامين هذا الخلق، والصفوة من الناس وقتئذ. وقد صحبوا الحسينعليهالسلام في سفره إلى العراق، ولم يفارقوه حتّى رُزقوا الشهادة بين يديه (رضوان الله عليهم).
قال فيهم الأزري (قُدّس سرّه)(2) :
همُ الأسودُ ولكنّ الوغى أجمُ |
ولا مخالبَ غير البيضِ والسمرِ |
وقال آخر:
وإذا الجدبُ جاء كانوا غيوثاً |
وإذا النقعُ ثارَ ثاروا اُسودا |
____________________
(1) إنّ عدد النخل في عصرنا يُعد بأضعاف ما ذكر. وقد أفردت كتاباً فيه أسميته (النخلة)، مخطوط، وقد قرأت في مجلة الزراعة العراقية أنّ في العراق هذا الوقت نحواً من خمس وثلاثين مليون نخلة، وربّما يُعادل ثلث ما في العالم من النخيل. ويذكرون أنّ أكبر بقعة يكثر فيها النخل العراق، ويكثر النخل في وسط العراق وجنوبه.
والألوية التي يكثر فيها النخل هي لواء الحلّة، وكربلاء، والديوانية، والمنتفك، والبصرة، وأكثره في لواء البصرة؛ حيث بها اليوم ما ينوف على العشرة ملايين نخلة، وربما يصدّر العراق إلى الخارج أكثر من ثلاثمئة ألف طن سنوياً من ثمره غير الذي يستهلك داخل القطر.
(2) هو المغفور له الشيخ كاظم ابن الحاج محمد ابن الحاج مراد ابن الحاج مهدي بن إبراهيم بن عبد الصمد بن علي التميمي الأزري البغدادي، شاعر العراق وقتئذ. توفي غرّة جمادي الأولى 1211 هـ، وقبره في الكاظمية في البيت الذي دُفن فيه علم الهدى السيّد المرتضى.
وكأنّ الإله قال لهم في الـ |
ـحربِ كونوا حجارةً أو حديدا |
وللسيّد حيدر الحلّي (ره):
سمةُ العبيدِ من الخشوع عليهمُ |
للهِ أن ضمّتهمُ الأسحارُ |
|
وإذا ترجلّت الضحى شهدت لهمْ |
بيضُ الصوارمِ أنّهم أحرارُ |
وكأنّ الشاعر الأندلسي عناهم بقوله:
ساروا فودّعهم طرفي وأودعهمْ |
قلبي فما بعدوا عنّي ولا قربوا |
|
هم الشموسُ ففي عيني إذا طلعوا |
في القادمينَ وفي قلبي إذا غربوا |
* * *
وقد أتى بسَيره منازلاً |
حصباؤها قد فاخرت شُهبَ السما |
قلت: أتى الحسينعليهالسلام في طريقه إلى العراق منازل مشهورة معروفة محدودة. فبعضها اجتازها ولم ينزل بها، والبعض بات بها ليلته، وبعضها قال بها، أي (حلّ بها وقت القيلولة) وظعن منها إلى غيرها. وعددها كما ذكرناه في (المقصورة).
قال أرباب السير: ولمّا خرج الحسينعليهالسلام من مكّة اعترضه يحيى بن سعيد(1) بن العاص ومعه جماعة كان قد أرسلهم أخوه عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق، فقالوا له: انصرف وإلاّ منعناك. فأبى عليهم الحسينعليهالسلام ومضى.
قال: وتدافع الفريقان، واضطربوا بالسياط، وامتنع الحسينعليهالسلام وأصحابه امتناعاً قوّياً.
وذكر الطبري(2) ، عن أبي مخنف قال: حدّثني الحارث بن كعب الوالبي، عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام قال: لمّا خرجنا من مكّة كتب عبد الله بن جعفر بن أبي طالبعليهالسلام إلى الحسين بن علي مع ابنيه عون ومحمد(3) : أمّا بعد، فإنّي أسألك بالله لما انصرفت عن هذا الوجه حين تنظر في كتابي هذا؛ فإنّي
____________________
(1) يحيى بن سعيد: هو أخو عمرو بن سعيد الأشدق، الوالي على مكّة من قبل يزيد بن معاوية.
(2) انظر ابن جرير الطبري 6 / 219.
(3) عون ومحمد ابنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالبعليهمالسلام ، اُمّهما زينب الكبرى بنت أمير المؤمنينعليهالسلام ، قُتلا مع خالهما الحسين يوم الطفّ.
مشفق عليك من الوجه الذي توجّهت له أن يكون فيه هلاكك، واستئصال أهل بيتك. إن هلكت اليوم طُفئ نور الأرض؛ فإنّك علم المهتدين، ورجاء المؤمنين، فلا تعجل بالمسير فإنّي آثر الكتاب، والسلام.
قال: وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد بن العاص فكلّمه، وقال: اكتب إلى الحسينعليهالسلام كتاباً تجعل فيه الأمان، وتمنّيه فيه البرّ والصلة، وتوثق له في كتابك، وتسأله الرجوع؛ لعله يطمئن إلى ذلك فيرجع.
فقال له عمرو: اكتب ما شئت وائتني به حتّى أختمه. فكتب عبد الله بن جعفر الكتاب ثمّ أتى به عمرو، وقال: اختمه وابعث به مع أخيك يحيى؛ فإنّه أحرى أن تطمئن نفسه إليه، ويعلم أنّه الجدّ منك. ففعل.
قال: فلحقه يحيى وعبد الله بن جعفر، ثمّ انصرفا بعد أن أقرأه يحيى الكتاب. فقالا: أقرأناه الكتاب وجهدنا به، فكان ممّا اعتذر به إلينا أن قال: « إنّي رأيت رؤيا فيها رسول الله، وأُمرت فيها بأمر أنا ماضٍ له عليّ كان أولى ». فقالا له: وما تلك الرؤيا؟ قال: « ما حدّثت أحداً بها، وما أنا محدّث بها حتّى ألقى ربّي ».
قال: وكان كتاب عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم. من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي بن أبي طالب. أمّا بعد، فإنّي أسأل الله أن يصرفك عمّا يوبقك، وأن يهديك لمّا يرشدك.
بلغني أنّك قد توجّهت إلى العراق، وإنّي أُعيذك بالله من الشقاق؛ فإنّي أخاف عليك فيه الهلاك. وقد بعثت إليك عبد الله بن جعفر ويحيى بن سعيد فأقبل إليّ معهما؛ فإنّ لك عندي الأمان والصلة، والبرّ وحسن الجوار. لك الله عليّ بذلك شهيد وكفيل، ومراع ووكيل، والسلام عليك.
قال: فكتب إليه الحسينعليهالسلام : « أمّا بعد، فإنّه لم يشاقق الله ورسوله مَنْ دعا إلى الله (عزّ وجلّ) وعمل صالحاً وقال إنّني من المسلمين. وقد دعوت إلى الأمان والبرّ والصلة، فخير الأمان أمان الله، ولن يؤمن الله يوم القيامة مَنْ لم يخفه في الدنيا، فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمانه في يوم القيامة، فإن كنت نويت بالكتاب صلتي وبرّي، فجزيت خيراً في الدنيا والآخرة، والسّلام ».
ثمّ إنّ الحسينعليهالسلام جدّ بسيره حتّى انتهى إلى بستان بن عامر، وهو أول منزل لمَنْ يفصل من مكّة المكرّمة على هذا الطريق.
فالمنزلُ الأولُ بستانُ ابن عا |
مرٍ وللتنعيمِ مسرعاً أتى |
لمّا فصل الحسينعليهالسلام من مكّة المعظّمة (زاد الله شرفها وتعظيمها) كان أوّل منزل مرّ به هو (بستان ابن عامر)، وقيل: بستان ابن معمّر.
ذكر الحموي(1) في معجمه قال: بستان بن معمر: مجتمع النخلتين؛ النخلة اليمانية، والنخلة الشامية، وهما واديان. والعامّة يسمّونه بستان ابن عامر، وهو غلط.
قال الأصمعي وأبو عبيدة وغيرهما: بستان بن عامر إنّما هو لعمر بن عبيد الله بن معمّر بن عثمان بن عمرو بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب. ولكنّ الناس غلطوا، فقالوا: بستان ابن عامر، وبستان بنى عامر، وإنّما هو بستان بن معمّر. وقوم يقولون: نسب إلى حضرمي بن عامر، وآخرون يقولون: نسب إلى عبد الله بن عامر بن كريز، وكلّ ذلك ظنّ وترجيم.
وذكر أبو محمد عبد الله بن محمد البطليوسي في شرح كتاب (أدب الكاتب)، فقال: وقال - يعني ابن قتيبة(2) : ويقولون بستان ابن عامر، وإنّما هو بستان ابن معمّر.
وقال البطليوسي: بستان ابن معمّر غير بستان ابن عامر، وليس أحدهما الآخر؛ فأمّا بستان ابن معمّر فهو الذي يُعرف ببطن نخلة، وابن معمّر هو عمر بن عبيد الله بن معمّر التيمي؛ وأمّا بستان ابن عامر فهو موضع آخر قريب من الجحفة، وابن عامر هذا هو عبد الله بن عامر بن كريز، استعمله عثمان على البصرة، وكان لا يعالج أرضاً إلاّ أنبط بها الماء.
ويُقال: إنّ أباه أتى به النبيصلىاللهعليهوآله ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « إنّه لمسقي ». فكان لا يُعالج أرضاً إلاّ أنبط فيها الماء.
وقال الأزرقي(3) : فإنّ بستان ابن معمّر في ملتقى النخلتين الشامية واليمانية؛ أمّا البستان القريب من مزدلفة فهو بستان ابن عامر، يتّصل بثنية ابن كريز، ويسمّى (ذو النخيل).
قلت: مرّ الحسينعليهالسلام بظعنه مجدّاً حتّى وافى التنعيم.
____________________
(1) انظر المعجم - ياقوت الحموي 2 / 170.
(2) هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الكوفي المروزي. ولد بالكوفة سنة 213، وتوفي ببغداد سنة 276 هـ.
(3) انظر أخبار مكّة - محمد بن عبد الله بن أحمد الأزرقي 2 / 236. طبع مصر.
(التنعيم ) : بفتح ثمّ السكون وكسر العين المهملة وياء ساكنة وميم، موضع في الحلّ، وهو بين مكّة وسرف(1) على فرسخين من مكّة. وقيل: على أربعة فراسخ. وقال عبد المؤمن مفتي الحنابلة بالشيرية: لا خلاف بين الناس أنّه على ثلاثة أميال من مكّة، وهو أقرب أطراف الحلّ إلى البيت. وسمّي بذلك؛ لأنّ جبلاً عن يمينه يُقال له: نعيم، وآخر عن شماله يُقال له: ناعم، والوادي نعمان.
وبالتنعيم مساجد وسقايا، ومنه يحرم المكّيّون بالعمرة، وكان على نعيم وناعم علمان قديمان. قال الفاسي، بعد أن ذكر أنصاب الحرم: وإن نصبها إسماعيل، ثمّ عدنان بن أدّ، ثمّ نصبها محمد المهدي العباسي، وفي خلافة الراضي العباسي عمر العلمان الكبيران اللذان في جهة التنعيم بالأرض لا بالجبال، وذلك سنة 325 هـ(2) .
وذكره النميري بشعره قال:
فلم ترَ عيني مثلَ سربٍ رأيتُهُ |
خرجنَ من التنعيمِ معتمراتِ |
|
مررنَ بفخٍّ ثمّ رحنَ عشيةً |
يلبّينَ للرحمنِ مؤتجراتِ |
|
فأصبحَ ما بينَ الأراك فحذوه |
إلى الجذعِ جذع النخلِ والعمراتِ |
|
لهُ أرجٌ بالعنبرِ الغضِّ فأغمٌ |
تطلّعُ ريّاه من الكفراتِ |
|
تَضوَّعَ مِسكاً بَطنُ نُعمانَ إِن مَشَتـ |
ـبِهِ زينَبٌ في نِسوَةٍ عَطراتِ |
وقال المهلهل يرثي كليباً، ويذكر الأنعمين(3) :
بات ليلي بالأنعمين طويلا |
أرقبُ النجمَ ساهراً أن يزولا |
|
كيف اُهدى ولا يزال قتيلٌ |
من بني وائلٍ ينسى قتيل(4) |
____________________
(1) قال ياقوت: سرف. موضع على ستة أميال من مكّة. وقيل: سبعة، وتسعة، واثنا عشر. تزوّج به رسول اللهصلىاللهعليهوآله ميمونة بنت الحارث، وهناك بنى بها، وهناك توفّيت.
قال عبيد الله بن قيس الرقيات:
وسرف لا يدخله الألف واللام. انظر معجم البلدان 5 / 71.
لم تكلّم بالجهلتين الرسومُ |
حادثٌ عهدُ أهلها أم قديمُ |
|
سَرفٌ منزلٌ لسلمة فالظّ |
هران منها منازلٌ فالقصيمُ |
(2) انظر تاريخ عمارة المسجد - حسين عبد الله باسلامه - جدّة.
(3) الأنعمان: ثنية أنعم، موضع بناحية نعمان، وهو وادي التنعيم.
(4) انظر نهاية الإرب - النويري 15 / 400.
وللأبيوردي(1) يذكر نعمان بنجدياته، قوله:
نزلنا بنعمان الأراكِ وللندى |
سقيطٌ به ابتلّت علينا المطارفُ |
|
فبتّ أعاني الوجدَ والركبُ نوّمٌ |
وقد أخذت منّي السُّرى والتنائفُ |
|
وأذكر خوداً أن دعاني على النوى |
هواها أجابته الدموعُ الذوارفُ |
|
لها في مغاني ذلك الشعبِ منزلٌ |
لَئن أنكرته العينُ فالقلبُ عارفُ |
|
وقفتُ به والدمعُ أكثره دمٌ |
كأنّيَ من جفني بنعمانَ راعفُ |
وذكر البكري(2) التنعيم على لفظ المصدر؛ من نعمته تنعيماً، وهو بين مرّ وسرف، بينه وبين مكّة فرسخان، ومن التنعيم يحرم مَنْ أراد العمرة. وهو الذي أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله عبد الرحمن بن أبي بكر (رض) أن يعمر منه عائشة.
وإنّما سمّي التنعيم؛ لأنّ الجبل الذي عن يمينه يُقال له: ناعم، والوادي نعمان.
وروى يوسف بن ماهك عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيها: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال له: « يا عبد الرحمن، أردف اُختك عائشة فاعمرها من التنعيم، فإذا هبطت بها من الأكمة فلتحرم؛ فإنّها عمرة متقبّلة ».
وفي مراصد الاطّلاع(3) ، قلت: لا خلاف بين الناس أنّه على ثلاثة أميال من مكّة. وفي التنعيم قُتل زيد بن الدثنة، وصلب خبيب بعد واقعة يوم الرجيع في غزاة هذيل، وكان قد بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآله سرية إلى غزو هذيل.
قال ابن هشام(4) : وأمّا زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن اُميّة ليقتله بأبيه اُميّة بن خلف، وبعث به صفوان بن اُميّة مع مولى له ( نسطاس ) إلى التنعيم، وأخرجوه من الحرم ليقتلوه. واجتمع رهط من قريش منهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قُدّم ليُقتل: أنشدك
____________________
(1) هو أبو المظفر محمد بن العباس، ينتهي نسبه إلى معاوية الأصغر. توفّي في 20 ع 571 هـ بأصفهان -ابن خلكان-.
(2) انظر معجم ما استعجم - الوزير البكري / 200. طبع أوربا.
(3) انظر مراصد الاطّلاع 1 / 216. طبع أوربا.
(4) انظر محمد بن عبد الملك بن هشام 3 / 164.
الله يا يزيد، أتحبّ محمداً عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وإنّك في أهلك؟
قال: والله، ما أحبّ أنّ محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وإنّي جالس في أهلي.
قال: يقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحداً يحبّ أحداً كحبّ أصحاب محمد محمداً. ثمّ قتله نسطاس (يرحمه الله).
وأمّا خبيب: قال ابن هاشم(1) : قال ابن إسحاق: قال عاصم: ثمّ خرجوا بخبيب حتّى إذا جاؤوا به إلى التنعيم ليصلبوه، قال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتّى أركع ركعتين فافعلوا.
قالوا: دونك فاركع. فركع ركعتين أتمّهما وأحسنهما، ثمّ أقبل على القوم، فقال: أما والله، لولا أن تظنّوا أنّي إنّما طوّلت جزعاً من القتل لاستكثرت من الصلاة.
قال: فكان خبيب بن عدي أوّل مَنْ سنّ هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين.
قال: ثمّ رفعوه على خشبة، فلمّا أوثقوه قال: اللّهمّ إنّا قد بلّغنا رسالة رسولك، فبلّغه الغداة ما يُصنع بنا. ثمّ قال: اللّهمّ أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تُغادر منهم أحداً. ثمّ قتلوه (رحمه الله)، فقال الشاعر في ذلك:
والذي حماه الله هو عاصم بن ثابت بن أبي أفلح الأنصاري (رحمه الله)؛ فإنّه لمّا قُتل حماه الدبر.
لَعَمري لَقَد شانَت(2) هُذَيلَ بنَ مُدرِكٍ |
أَحاديثُ كانَت في خُبَيبٍ وَعاصِمِ |
|
فهذا حماهُ اللهُ بالنحلِ منهم |
وهذا أتى من بعدِ بيعِ المغانمِ |
ذكر ابن هشام قال: وكان عاصم بن ثابت يُكنّى أبا سُليمان، ثمّ قاتل القوم حتّى قُتل وقُتل صاحباه، فلمّا قُتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم اُحد: لَئن قدرت على رأس عاصم لتشربنّ في قحفه الخمر، فمنعته الدبر. فلمّا حالت بينهم وبينه الدبر قالوا: دعوه حتّى يُمسي فيذهب عنه فنأخذه، فبعث الله الوادي فاحتمل عاصماً فذهب به.
وكان عاصم قد أعطى الله عهداً أن لا يمسّه مشرك، ولا يمسّ مشركاً أبداً، فكان عمر بن
____________________
(1) انظر محمد بن عبد الملك بن هشام 3 / 165.
(2) وردت المفردة في المصدر الأساس (أبت)، ومعها لا يستقيم الوزن، وما أثبتناه فهو من أصل ديوان حسان بن ثابت؛ حيث إن البيت المذكور له ضمن قصيدة طويلة.(موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
الخطاب (رض) يقول حين بلغه أنّ الدبر منعته: يحفظ الله العبد المؤمن، كان عاصم نذر أن لا يمسّه مشرك ولا يمسّ مشركاً أبداً في حياته، فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته(1) .
وفي كتاب مرآة الحرمين(2) : التنعيم: حدّ الحرم من جهة المدينة، وهو في شمال مكّة الغربي. والمسافة بينه وبين باب العمرة 6148 متراً، والطريق سهل رملي تحفّه الجبال من الجانبين، وبه آبار كثيرة، وفيه تباع المأكولات والقهوة والشاي.
وقد أُقيم عند التنعيم علمان يفصلان الحلّ من الحرم، ارتفاع كلّ منهما ستة أمتار، وعرضه ثلاثة، وهما مبنيّان بالحجر والملاط الجيد، والذي بناهما محمد أو أحمد بن المقتدر الراضي بالله سنة 315 هـ. وبجوار هذين العلمين مسجد عائشة الذي أُقيم في مكان إحرامها بالعمرة بعد أن حجّت مع الرسولصلىاللهعليهوآله حجّة الوداع، وطول هذا المسجد 16 متراً في عرض 15، وارتفاعه 4 أمتار.
وخلف مسجد عائشة حوض أُعدّ لخزن المياه، طوله 24 متراً، وعرضه 19 متراً، وعمقه ثلاثة، وسطحه مواز لسطح الأرض بُني بالحجر والملاط الجيد، وفي كلّ من جهتيه الشمالية والجنوبية سلّم يوصل إلى قاعة، ويتكوّن من سبع درجات، وبأعلى الجهة الشرقية من الخزان حجر سطّر به تاريخه، غير أنّه مقلوب الوضع.
وهناك صهريج كبير كان يمتلئ من السيول، ويتوضأ منه المعتمرون، وهذا الصهريج قديم. ولما حجّ سنان باشا الوزير المجاهد في سنة 978 هـ اعتمر من التنعيم، فرأى هذا الصهريج خاوياً، ورأى ما يعانيه المعتمرون في حمل الماء من مسافات بعيدة ليشربوا منه ويتوضّؤوا، فحرّكته الشفقة إلى بئر قديمة هنالك تبعد عن الخزان بنحو مئتي متر قد ملأها التراب، فأمر بإصلاحها، وأُقيمت هنالك ساقية ومجرى مرتفع مقدار قامة يجري الماء فيه من البئر إلى هذا الصهريج الذي عمّره الوزير المذكور، وإلى الخزان السابق الذي أنشأه، وجعل للقائم بنزح المياه أجراً من ريع أوقاف له بمصر، وذلك في سنة 981 هـ.
وفي غربي الخزان مصلّى صغير ارتفاع جدره 80 سنتيماً، وبه محراب وحجرات عن يمين المحراب، وشماله مكتوب في أحدهما حفر بالخطّ
____________________
(1) ذكر ابن هشام أنّ واقعة يوم الرجيع كانت في سنة ثلاث للهجرة.
(2) انظر مرآة الحرمين - إبراهيم رفعت باشا 1 / 341، مصر.
الكوفي تاريخ سنة 531 هـ، وما وقف عليه، وفي ثانيهما بالحفر أيضاً كتابة بالخطّ المغربي لم أتبين رسمها. ونقلت التاريخ فإذا هو سنة 301 هـ كما تبينته من حضرة الأثري يوسف أفندي.
قال أرباب السير: ولمّا وصل الحسينعليهالسلام بظعنه إلى التنعيم لقى بها عيراً أُقبل بها من اليمن، وقد بعث بها بحير بن ريسان الحميري إلى يزيد بن معاوية، وكان عامله على اليمن، وعلى العير الورس(1) والحلل ينطلق بها إلى يزيد، فأخذها الحسينعليهالسلام فانطلق بها، ثمّ قال لأصحاب الإبل: « لا أُكرهكم؛ مَنْ أحبّ أن يمضي معنا إلى العراق أوفيناه كراه وأحسنّا صحبته، ومَنْ أحبّ أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الأرض ».
قال: فمَنْ فارقه منهم حوسب فأوفى حقّه، ومَنْ مضى منهم معه أعطاه كراه وكساه(2) .
قال أرباب التاريخ: وراح الحسين يواصل السير إلى الصفاح.
ومرّ بالصفاحِ بالأهلِ وبالـ |
ـصَحبِ ويتبعُ الخُطى أثر الخُطى |
(الصفاح ): بالكسر وآخره خاء مهملة، موضع بين حنين وأنصاب الحرم على يسرة الداخل إلى مكّة من مشاش(3) .
قال الأزرقي(4) : القطع أو الصفاح في طريق نجد والعراق، والأنصاب على رأس ثنية الخل منتهى الحرم.
وقال ابن بليهد: الصفاح في اللغة يُطلق على سفح كلّ جبل أو كثيب صفحته؛ فصفحته جانبه، ويُطلق لفظ الصفحة على جانب السيف. والموضع الذي يُقال له الصفاح معروف
____________________
(1) الورس: نبات كالسمسم يصبغ به، ويتّخذ الغمرة منه. والغمرة: الزعفران. قال البروني: الورس يجلب من اليمن، وقيل: يُحمل من أرض الحبش. انظر صفة المعمورة / 140.،طبع استنبول.
(2) انظر الطبري 6 / 218.
(3) مُشاش (بالضم)، قال عرام: ويتصل بجبال عرفات جبال الطائف، وفيها مياه كثيرة أوشال وعظائم قني، منها المشاش وهو الذي يجري بعرفات ويتصل إلى مكة.
(4) انظر أخبار مكّة - محمد بن عبد الله بن أحمد الأزرقي 2 / 251.
في حدود الجبال المشرعة على واد المغمس وهي آخرها، ويتركها قاصد مكّة على شماله(1) .
قال ابن مقبل يرثي عثمان بن عفان لمّا قُتل:
فَنِعْفُ وَدَاع فَالصِّفَاحُ فَمَكَّةٌ |
فَلَيْسَ بِهَا إلاَّ دِمَاءٌ ومَحْرَبُ |
وحدّث غالب بن عبيد الله قال: سمعت مجاهداً يذكر عن ابن عباس (رضياللهعنه ) قال: مرّ بصفاح الروحاء ستون نبيّاً إبلهم مخطّمة بالليف، قاصدين حجّ البيت.
قال أرباب التاريخ: وفي الصفاح لقي الفرزدق الحسينعليهالسلام خارجاً من مكّة. قال الفرزدق: حججت باُمّي سنة ستين، فبينا أنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم، إذ لقيت الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام خارجاً من مكّة مع أسيافه وأتراسه، فقلت: لمَنْ هذا القطار؟ فقيل: للحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام .
قال: فأتيته وسلمت عليه، وقلت له: أعطاك الله سؤلك، وأمّلك في ما تحبّ. بأبي أنت واُمّي يابن رسول الله! ما أعجلك عن الحج؟
فقال: « لو لم أعجل لأُخذت ». ثمّ قال لي: « أخبرني عن الناس خلفك ». فقلت: الخبير سألت؛ قلوب الناس معك وسيوفهم عليك، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء.
فقال: « صدقت، لله الأمر من قبلُ ومن بعدُ، وكلّ يوم هو في شأن. إن نزل القضاء بما نحبّ ونرضى فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يبعد مَنْ كان الحقّ بيّنته، والتقوى سريرته ».
فقلت: أجل، بلغك الله ما تحبّ، وكفاك ما تحذر.
قال: وسألته عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني بها، وحرّك راحلته وقال: « السلام عليك ». ثمّ افترقنا.
وفي ذلك يقول:
لقيتُ الحسينَ بأرضِ الصفاح |
عليهِ اليلامقُ والدرق(2) |
قالوا: وسار الحسينعليهالسلام من الصفاح قاصداً وادي العتيق.
____________________
(1) انظر صحيح الأخبار - محمد بن عبد الله بن بليهد 1 / 227.
(2) اليلامق: مفردها يلمق، وهو القباء. والدرق: مفردها درقة، الترس من جلود ليس فيه خشب ولا عقب. والعقب (بفتح العين): العصب الذي تُعمل منه الأوتار، جمعه أعقاب.
ثمّ إلى وادي العقيق بعدها |
وافى وذات عرقٍ هُضبها علا |
(وادي العقيق ) : بفتح أوله وكسر ثانيه وقافين بينهما ياء مثناة من تحت. ذكر ياقوت، عن أبي منصور قال: والعرب تقول لكلّ مسيل ماء شقه السيل في الأرض فأنهره ووسّعه: عقيق. والأعقة في بلاد العرب كثيرة؛ منها هذا العقيق الذي جاء فيه: إنّك بواد مبارك، وهو الذي ببطن وادي ذي الحليفة، وهو الذي جاء فيه أنّه مهل أهل العراق على ما ذكره الفقهاء في مناسكهم من ذات عرق.
وهو الذي ذكره الشافعي (ره) فقال: لو أهلّوا من العقيق كان أحبّ إليّ.
قال في المشترك: وهو اسم لعدّة أودية؛ فمنها العقيق الأعلى عند مدينة الرسول، وهو ممّا يلي الحرّة إلى منتهى البقيع مقابر المدينة، ومنها العقيق الأسفل، وهو أسفل من ذلك، ومنها عقيق العارض باليمامة.
والعقيق أيضاً: وادٍ يدفق سيله في غور تهامة متّصل بعقيق المدينة، وهو الذي ذكره الشافعي. والعقيق أيضاً: بطن وادي ذي الحليفة(1) .
وقرئ على قصر بالعقيق:
وكم توارثَ هذا القصر من ملكٍ |
فماتَ والوارثُ الباقي على الأثر(2) |
ومن الأعتقة عقيق المدينة الذي ذكره الشاعر بقوله:
إنّي مررتُ على العقيقِ وأهلُهُ |
يشكون من مطرِ الربيعِ نزورا |
|
ما ضرّكم إن كان جعفرُ جارَكُمْ |
ألاّ يكونَ عقيقكم ممطورا |
وإلى هذا العقيق يُنسب محمد بن جعفر بن عبد الله بن الحسين الأصغر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام ، المعروف بالعقيقي. له عقب، وفي ولده رياسة. ومن ولده أحمد بن علي بن محمد العقيقي، أبو القاسم. كان
____________________
(1) انظر تقويم البلدان - الملك المؤيد ابن أيوب صاحب حماة، المتوفّى 732 هـ / 79، طبع باريس.
(2) انظر البلدان - ابن الفقيه، من علماء أواخر القرن الثالث للهجرة / 161، طبع ليدن.
من وجوه الأشراف بدمشق، ومدحه أبو الفرج الوأواء(1) ، ومات بدمشق لأربع خلون من جمادي الأولى 378 هـ، ودُفن بالباب الصغير.
وقال صاحب حماه: ذات عرق: ميقات أهل العراق، وهي عن مكّة على ثمانية وأربعين ميلاً. قال في العزيزي: وبين ذات عرق وغمرة ستة وعشرون ميلاً(2) .
وقال بعض الأعراب يذكر وادي العقيق:
أيا سروَتَيْ وادي العقيقِ سُقيتما |
حياً غضَّةَ الأنفاسِ طيّبةَ الوردِ(3) |
|
تروَّيتما مجَّ النِّدى وتغلغلتْ |
عروقُكُما تحتَ النَّدى في ثرًى جعدِ |
|
ولا يهنأنْ ظلاَّكما إنْ تباعدتْ |
بيَ الدَّارُ مَنْ يرجُو ظلالكُما بعدِي(*) |
ولأبي فرعون الشاشي(4) يخاطب بعض الحجّاج:
يا خيرَ ركبٍ سلكوا طريقا |
ويمّموا مكّةَ والعقيقا |
|
وأطعموا ذا الكعْكِ والسويقا |
والخشكنان اليابس الرقيقا(5) |
وللشريف الرضي (ره) يذكر العقيق(6) :
شموسُ قبابٍ قد رأينا شروقَها |
فياليتَ شعري أين منّا اُفولها |
|
تعالينَ عن بطنِ العقيقِ تيامناً |
يقوّمها قصد السُّرى ويميلها |
____________________
(1) الوأواء: هو محمد بن أحمد (أو ابن محمد) الغساني الدمشقي. شاعر مطبوع، حلو الألفاظ، كان في مبدأ أمره منادياً بدار البطيخ في دمشق. توفّي حدود 385 هـ. طبع ديوانه بعناية المجمع العلمي بدمشق.
(2) انظر البلدان - الملك المؤيد / 82، طبع باريس.
(3) السرو (بفتح السين وسكون الراء والواو): شجر قويم الساق، حسن الهيئة، الواحدة منه سروة.
(*) وردت الأبيات الثلاثة هنا بغير هذا النحو؛ حيث كانت مليئة بالأخطاء والخلل العروضي، وما أثبتناه فهو من كتاب الزهرة لابن أبي داود.(موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
(4) هو الهشيم بن كليب بن شريح بن معقل الشاشي. محدّث ما وراء النهر، ومؤلّف (المسند الكبير). أصله من مرو، وكان مقامه في بخارى. توفّي 335 هـ.
(5) الكعك والخشكنان من أنواع الخبز تُصنع من دقيق البر.
(6) هو أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام . ولد ببغداد سنة 359. أشعر الطالبيِّين، بل إنّه أشعر قريش. ديوانه طبع عدّة طبعات. توفّي سنة 406 هـ.
وقال أيضاً:
وَهَل لِخَشيفٍ بِالعَقيقِ عَلاقَةٌ |
بِقَلبِيَ أَم دانَيتُ غَيرَ مُداني |
وله أيضاً:
هَل ناشِدٌ لي بِعَقيقِ الحِمى |
غُزَيّلاً مَرَّ عَلى الرَكبِ |
وللطغرائي(1) يذكر العقيق:
فيا سروَتَيْ وادي العقيق سقاكما |
وإن لم تظلاّني الغمامُ الرواجسُ |
ولابن سنان الخفاجي(2) في العقيق:
يا حبّذا ذات الأجارع منزلاً |
وجوارنا قبل العقيق جوارا |
وللأمير شكيب أرسلان(3) يذكر العقيق:
ما بينَ غزلانِ العقيقِ وبانه |
حربٌ بها بطلُ الهوى كجبانهِ |
|
حربٌ تضرّم بالحضيض سعيرُها |
ولجاجُها بالجزعِ فوق رعانهِ |
|
عَبَثتُ بِعُشّاقِ العَقيقِ وَأوغِلَت |
فَدِماؤُهُم تُربى عَلى غَدرانِهِ |
|
لم يرهبوا بأساً لقاءَ اُسودهِ |
فأبادهم حتفاً لقاً غزلانهِ |
|
يا زائراً تلك الربوع وسائراً |
بعراصها الفيحاء في ركبانهِ |
|
إن تنزلنْ سفحَ العقيقِ فأشرفنْ |
واسفح عقيقَ الدمعِ معْ عقيانهِ |
|
وَتَأَمَلنَ صَنعَ الهَوى بِفَريقِهِ |
فَإِذا رَضيت فَبَعدَ ذَلِكَ عانِهِ |
|
سُبحانَ مَن خَلَقَ الفُؤادَ وَطامَهُ |
أَبَداً عَلى حُبِّ الحِمى وَحِسانِهِ |
قال أهل السير: ولمّا اجتاز الحسينعليهالسلام وادي العقيق، واصل سيره إلى ذات عرق.
____________________
(1) هو مؤيد الدين أبو إسماعيل الحسين بن علي بن محمد الأصبهاني. قُتل سنة 513، وقيل: 514 هـ.
(2) هو عبد الله بن محمد بن سنان الخفاجي، صاحب سرّ الفصاحة في اللغة. وفاته سنة 466 هـ، فمن شعره في بني اُميّة:
يا أمّةً كفرت وفي أفواهها الـ |
ـقرآنُ فيه ضلالُها ورشادُها |
|
أعلى المنابرِ تُعلنون بسبِّه |
وبسيفهِ نُصبت لكم أعوادُها |
|
تِلكَ الصَّغائِنُ لَم تَزَل بَدرِيَّةً |
قُتِلَ الحُسَينُ وَما خَبَت أَحقادُها |
(3) من ديوانه المطبوع بمطبعة النار بمصر.
(ذات عرق ) : موضع مهلّ أهل العراق أيضاً، وهو الحد بين نجد وتهامة. وقيل: عرق: جبل بطريق مكّة، ومنه ذات عرق.
قال الأصمعي: ما ارتفع من بطن الرمّة فهو نجد إلى ثنايا ذات عرق. وعرق: هو الجبل المشرف على ذات عرق.
قال ابن عيينة: إنّي سألت أهل ذات عرق. أمتهمون أم منجدون؟ فقالوا: ما نحن بمتهمين ولا منجدين. نحن أهل الغور.
وكانت ذات عرق في الجاهلية بها أبيات قليلة، فلمّا كثر الناس تحوّلت. وبنى المهدي العباسي بها مسجد المحرم. ولقد وقّت النبيصلىاللهعليهوآله لأهل العراق ذات عرق. وقيل: وقّت لأهل البصرة ذات عرق.
وعن كيس بن يحيى، عن أبيه قال: أقبل النبيصلىاللهعليهوآله حتّى أشرف على بنية مسجد النجد فصلّى به، وأشرف على قرية ذات عرق، وكان يُقال لها: (رهاط)، فوقفت ناقته فضرب عصاه فأنبط عيناً، فهي تسقي الآن وداي النخل برهاط، وأثر ناقته في صفا.
ثمّ جانب العين من ذات عرق على ليلة ممّا يلي القبلة قطاع لآل الزبير، ولمحمد بن يوسف الجعفري. وعينهم تسمّى عين النبيصلىاللهعليهوآله .
ودون ذات عرق بميلين ونصف مسجد للنبيصلىاللهعليهوآله وهو الميقات للإحرام، وهو أوّل تهامة. سمّي هذا المسجد نجداً، والمسجد الذي في ذات عرق الكبير فيه المنبر، وإلى جنب ذات عرق (الحربة) سمّيت بعرق الجبل. فإذا صرت عند الثامن من البريد رأيت بيوت الحربة في الجبل. وهناك بئر للأعراب يمنة الطريق. وأهل ذات عرق يسمّون الجبل كلّه ذات عرق(1) .
وذكـر الأزرقـي(2) قال: ذات عرق في طريق العراق، وهي الطريق التي يُقال لها اليوم: (الطريق الشرقي). وذات عرق مندثرة. ويحرم الحاج من (الخريبة) التي تُسمّى اليوم (الخريبات)، وهي بين المضيق ووادي العقيق (عقيق الطائف)، وذكروا أوّل تهامة من قبل نجد مدارج ذات عرق.
قال بعض أهل ذات
____________________
(1) عن المخطوط.
(2) انظر أخبار مكّة - محمد بن عبد الله بن أحمد الأزرقي 2 / 251، طبع مصر.
عرق شعراً:
ونحنُ بسهبٍ مشرفٍ غيرِ منجدٍ |
ولامتهم فالعينُ بالدمعِ تذرفُ(1) |
وذكر محمد بن صالح بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ذات عرق في أبيات قالها وهو في سجن المتوكّل العباسي بسرّ مَنْ رأى، قال(2) :
ألم يحزنك يا ذلفاءُ أنّي |
سكنتُ مساكنَ الأمواتِ حيّا |
|
وأنّ حمائلي ونجادَ سيفي |
علون مجدّعاً أشراً سنيّا |
|
فقصرهنّ لمّا طلن حتّى اسـ |
توينَ عليهِ لا أمسي سويّا |
|
أما والراقصاتِ بذاتِ عرقٍ |
تؤمُ البيتَ تحسبها قسيّا |
|
لو أمكنّني غداتئذٍ جلاد |
لألفوني بهِ سمحاً سخيّا |
قال أبو الفرج الأصفهاني(3) : ومحمد هذا حبس بسرّ مَنْ رأى مدّة، ثمّ أُطلق وأقام بها سنين حتّى مات (رحمه الله).
وقال أبو نهشل يُعاتب صديقاً له بشعره، ويذكر ذات عرق(4) :
أما والراقصاتِ بذاتِ عرقٍ |
وربّ البيتِ والركنِ الوثيقِ |
|
لقد أطلقتَ لي تهماً أراها |
ستحملني على مضضِ العقوقِ |
وقال آخر:
كأن المطايا لم تنخ بتهامةٍ |
إذا صعدت من ذاتِ عرقٍ صدورُها |
ذكر الهمداني(5) قال: من بستان بن معمّر إلى ذات عرق أربعة وعشرون ميلاً، وعرض ذات عرق أحد وعشرون جزءاً وثلثا جزء.
____________________
(1) السهب (بضم أوله): جمعها سهوب، من الأرض البعيد المستوى.
(2) انظر مقاتل الطالبيِّين - أبي الفرج الأصبهاني / 609، طبع مصر.
(3) المصدر نفسه / 600.
(4) انظر عيون الأخبار - ابن قتيبة 3 / 28، طبع مصر.
(5) انظر صفة جزيرة العرب - الحسن بن أحمد الهمداني 1 / 185، طبع ليدن.
وذكر المؤرّخون: أنّه لمّا وصل الحسينعليهالسلام بركبه ذات عرق لقيه بشر بن غالب وارداً من العراق، فسأله عن أهلها، فقال: خلّفت القلوب معك، والسيوف مع بني اُميّة.
فقال الحسينعليهالسلام : « صدق أخو بني أسد. إنّ الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد ».
وما زالعليهالسلام يواصل سيره حتّى أتى (غمرة).
وغمرة مرّ بها ومسلحٍ |
ثمّ أفيعيّة فيها ما ونى |
(غمرة ) : بفتح أوّله وسكون ثانيه، وهو منهل من مناهل الطريق، ومنزل من منازلها، وهو فصل بين تهامة ونجد. وكان به يوم من أيامهم، وهي التي عناها الحارث بن ظالم المرّي بقوله:
وإنّي يوم غمرةَ غير فخرٍ |
تركت النهب والأسرى الرغابا |
وهناك موضع يُقال له: (غمرة) في الجهة الشرقية من نجد، وهي التي عناها الشمردل بن شريك بقوله:
سقى جدثاً أعراقُ غمرة دونهُ |
ببيشة ديماتُ الربيع هواطلُهْ |
|
وما بيَ حبُّ الأرض إلاّ جوارُها |
صداه وقولٌ ظُنّ أنّيَ قائلُهْ |
وهي التي عناها عمرو بن قيس المرادي بقوله:
الأ يا بيت بالعلياءِ بيتُ |
ولولا حبُّ أهلك ما أتيتُ |
إلى قوله:
وحيٌّ نازلينَ وهم جميعٌ |
حذار الشرِّ يوماً قد دهيتُ |
|
وقد علمَ المعاشرُ غير فخرٍ |
بأنّي يومَ غمرةَ قد مضيتُ |
|
فوارسُ من بني حجرِ بن عمرٍو |
واُخرى من بني وهبٍ حميتُ |
|
متى ما يأتني يومي تجدني |
شبعتُ من اللذاذة واستقيتُ |
وهناك موضع رابع يُقال له: (غمرة) في جهة خيبر على مسافة يوم أو أكثر شمالاً، وتسمّى (عقيلة غمرة).
وذكر في المخطوط أنّ وجرة بإزاء غمرة.
قال الأعشى:
ظَبيَةٌ مِن ظِباءِ وَجرَةَ أَدما |
ءُ تَسَفُّ الكَباثَ تَحتَ الهَدالِ |
قال الحسن الهمداني(1) : ومناهل الطريق العقبة، وسميراء، وفيد، والنقرة، والحاجر، والعمق، وأفيعية، والمسلح، وغمرة، وغمرة في بلاد غنى.
قال الطفيل:
جَنَبْنَا من الأَعرافِ أَعرافِ غمرةٍ |
ومن هَضْبِ لُبْنَ الخيل يا بُعدَ مَجْنبِ(*) |
قال الحسن الهمداني(2) : كما إنّ حرش ماء لغنى كذلك الفلج، وسمسم، وتبان، وجدود مياه لغنى. ومن غمرة إلى ذات عرق عشرون ميلاً، وعرض غمرة اثنان وعشرون جزءاً. هكذا ذكره الهمداني(3) .
وعلى ثمانية أميال من غمرة عند الحادي عشر من البريد يسرة، وقبل البريد (أمّ خرمان)، ومنه يعدل أهل البصرة. وهو الجبل الذي عليه علم ومنظرة، وعنده بركة أوطاس وآبار ومنازل.
وأمّ خرمان: امرأة كانت في هذا الموضع يُسمّى ذلك الجبال بها. وأوطاس الذي قسم النبيصلىاللهعليهوآله عندها غنائم خيبر حين رجع من الجعرانة. وعند أوطاس قصور وأبيات وحوانيت، وبركة عن يسارها. ويُقال: إنّ النبيصلىاللهعليهوآله كان يرضع في تلك الناحية.
وثمّ مسجد يُقال له: مسجد عائشة، بناه عبد الصمد بن علي، فإذا انحدرت منه صرت إلى تهامة.
ذكر ابن بليهد (غمرة) عند ذكره (غمار) قال: هذا الاسم - أي غمار - يُطلق على موضعين؛ أحدهما جبل محاذ بلد سميراء من الجهة الجنوبية على حدود بني أسد، ويُقال له اليوم: (الغيمار)، وهو جبل أحمر شاهق إلى السماء، وتصطاد منه الصقور، وبه مياه كثيرة، وهناك ماءة يُقال لها: غمرة.
وظنّي أنّها التي عناها زهير في هذين البيتين:
رَعَوا ما رَعَوا مِن ظِمئِهِم ثُمَّ أَورَدوا |
غِماراً تَسيلُ بِالرِماحِ وَبِالدَمِ |
|
فَقَضَّوا مَنايا بَينَهُم ثُمَّ أَصدَروا |
إِلى كَلأٍ مُستَوبِلٍ مُتَوَخَّمِ |
وهي واقعة في بلاد غطفان شمالي النقرة على مسافة يوم.
____________________
(1) انظر صفة جزيرة العرب - الحسن بن أحمد الهمداني 1 / 142، طبع ليدن.
(*) ورد المصراع الثاني من البيت بهذا النحو: وأعرافٍ لبني الخيلِ يا أمّ مجنبِ، والتغيير من رسالة الصاهل والشاحج لأبي العلاء المعري.(موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
(2) انظر صفة جزيرة العرب - الهمداني 1 / 174 و177، طبع ليدن.
(3) المصدر نفسه / 185.
وقد أغزى رسول اللهصلىاللهعليهوآله عكاشة بن محصن حتّى وصل غمرة، وهي باقية بهذا الاسم إلى هذا العهد(1) .
قلت: ولمّا رحل الحسينعليهالسلام من غمرة قصد مسلحاً.
(مسلح ): بضم الميم وسكون السين واللام. قال ابن إسحاق في غزوة بدر: فلمّا استقبل رسول اللهصلىاللهعليهوآله الصفراء، وهي قرية بين جبلين، فسألصلىاللهعليهوآله عن جبليهما ما اسماهما، فقالوا: هذا مسلح، وهذا مخرئ، فكرهصلىاللهعليهوآله المرور بينهما، فسار ذات اليمين.
قال المقدسي(2) : من غمرة إلى مسلح ثمانية عشرة ميلاً(3) . ومثله ذكر الحسن الهمداني(4) قال: ومن غمرة إلى مسلح سبعة عشر ميلاً، وعرض مسلح اثنان وعشرون جزءاً.
وفي المخطوط: عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كان (المسلح) أوّله لبني سليم، وكان الحاج ينزلون (البعث) ويسلكون أسفل المسلح، بينه وبين الجهة المشرقية.
وكان أوّل مَنْ نزل هذا الحائط عيسى بن علي العباسي، فحفر به بركة يُقال لها: بركة عيسى، وبنى هناك قصراً، ثمّ ورد عليه أبو جعفر المنصور فطلب منه البركة أن يهبها له، فقال: إنّها صدقة على ابن السبيل، وهي بأسفل المسلح.
فلمّا أبى أن يهبها له استشار على بلد يحفر فيه بركة، فأشاروا عليه ببطن الوادي، فحفر بركة تُعرف ببركة (أمير المؤمنين)، وقلب الطريق من البعث إلى المسلح، فحوّل به القرية وعمرت. فغالبة القريش لواد طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، ولبني سليم وغيرهم. وقيل: إنّ المهدي طلب من عيسى ذلك.
وبالمسلح قصر ومسجد، وبه بركة مربعة لها مصفاة وسط الطريق، وتُعرف بمسرور الخادم حيال القصر، وبئر من آبار السلطان حلوة الماء، ومن قلب الأعراب عشرون قليباً، وبئر حفرت في خلافة المتوكّل العباسي تُعرف ببئر المعلّى إلى جانب البركة التي لمسرور، وبين
____________________
(1) انظر صحيح الأخبار - ابن بليهد 1 / 116.
(2) انظر أحسن التقاسيم - محمد بن أحمد المقدسي.
(3) وفي المخطوط: من مسلح إلى غمرة سبعة عشر ميلاً.
(4) انظر صفة جزيرة العرب - الحسن بن أحمد الهمداني 1 / 185، طبع ليدن.
أفيعية، وغمرة طريق يختصره مَنْ لا يريد المسلح، يعدل من غمرة على أحد عشر ميلاً عند الميل المكتوب عليه أربعة من البريد، وعلى ستة أميال من المسلح، ويخرج عند الميل الذي عليه خمسة من البريد، قبل المسلح خمسة أميال يسقط من الطريق ثلاثة أميال.
وعلى تسعة أميال من المسلح يمنة عن الطريق بركة يُقال لها: (المعتق)، وتدعى بركة عواذل وآكام صغار. فالحسينعليهالسلام قطع في طريقة إلى العراق من المسلح إلى الأفيعية أحد هذين الطريقين حتّى وصل الاُفيعية.
(اُفيعية ) : بالضم ثم الفتح والعين المهملة، وهي منهل لسليم من أعمال المدينة في الطريق النجدي إلى مكّة من الكوفة.
حدّث عبد الله بن عمرو، عن يعقوب بن حذيفة السلمي قال: سمّيت الاُفيعية لكثرة حيّاتها الأفاعي. قال: وبها بركة مربّعة تعرف ببركة (الوادي)، وبركة مدورة وهي أعلى الجبل على مقدار ميل إلى المنزل تسمّى بركة (هرار)، ولها مصفاة. وبالاُفيعية آبار لجماعة، وهي غليظة الماء؛ فالحسينعليهالسلام تابع سيره من الاُفيعية هذه إلى معدن بني سليم.
وبعدها جاءَ لمعدنِ الذي |
قيل إلى بني سليم يُنتمي |
(معدن بني سليم ) : بفتح الميم وسكون العين. يُقال له: معدن فران، ومعدن بني سليم، وهو منسوب إلى فران بن بلى بن عمرو بن الخفاف بن قضاعة. نزلت على بني سليم فدخلوا فيهم وصاروا منهم، فكان يُقال لهم: بنو القين.
فلذلك قال خفاف بن عمرو:
متى كان للقينين قين طميّة |
وقين بلي معدن بفران! |
وقال حاتم بن رباب السلمي:
أتحسبُ نجداً ما فرانِ إليكمُ |
ليهنك في الدنيا بنجدٍ لَجاهلُ |
|
أفي كلّ عام يضربونَ وجوهكُمْ |
على كلّ نهب وجهته الكواملُ |
أراد أنّك لجاهل إذا تحسب ماء فران نجداً، وهنا قصر ماء وهو ممدود ضرورة.
ومن معدن إلى السليلية ستة وعشرون ميلاً، وبني سليم هم الذين خاطبهم العباس بن مرداس لمّا انصرف من مكّة، فقال: يا بني سليم، إنّي رأيت
أمراً وسيكون خيراً؛ رأيت بني عبد المطلب كأنّ قدودهم الرماح الردينية(1) ، وكأنّ وجوههم بدور الدجنة، وكأنّ عمائمهم فوق الرجال ألوية، وكأنّ منطقهم مطر الوبل على المحلّ. وإنّ الله إذا أراد ثمراً غرس له غرساً، وإنّ اُولئك غرس الله فترقبوا ثمرته، وتوكّفوا غيثه(2) ، وتفيَّؤوا ظلاله، واستبشروا بنعمة الله عليكم.
ويُقال له اليوم: مهد الذهب قريب من سايه الذي لبني سليم أيضاً.
قال في المخطوط: وفي معدن بني سليم قصر ومسجد، وبه بركة مدوّرة زبيدية، وبه آبار كثيرة قديمة وحديثة لها أسماء، وعلى ميلين ونصف من المعدن المنزل الخرب الذي يُقال له: (ريان) كان الرشيد ينزله، وبه قصور له وللقواد والموالي، وحوانيت خربة وآبار وبركة مربعة، وعلى ميل من الريان بركة ومصفاة، ومن ريان إلى السلق سبعة أميال.
والسلق: أرض مستوية، ويُقال لها: الأسلاق، وبها صخرة كبيرة كان عليها البريد الأول يُقال لها: صخرة ريان. وجبل من جانب الغرب ناحية يمنة الطريق مستطيل معه، ومنه إلى جبل معترض الطريق يُقال له: (السويقة)(3) أقل من خمسة أميال، فيه أقلبة، ويهبط في قاع سويقة.
والعقبة التي تسمّى (عقبة كراع) على أحد عشر ميلاً من أفيعية، وبين العقبتين بركتان إحداهما إلى جانب الاُخرى، وهما المتعشى. وبه قصران كبير وصغير، وبئر وأبيات وحوانيت، ودون البركتين بميل خشونة وصعوبة وهبوط، وفي آخر المنزل مثل ذلك.
زعم علي بن محمد أنّ المعدن كان به ذهب كثير يستخرج في قديم الدهر، ويحفر عليه في جبل يمنة الطريق للمصعد، فعظمت فيه المؤنة.
قال علي بن محمد: وتراب البلد مخلوط بالذهب، والذي حملهم على
____________________
(1) الرماح الردينية: نسبة إلى ردينة، وهي امرأة من العرب كانت تقوّم الرماح.
(2) توكّفوا غيثه: أي ارتقبوه وانتظروه.
(3) ولعلها تسمّى السوارقية اليوم. قال ابن بليهد: قرية معروفة إلى هذا العهد، وموقعها في بلاد عبد الله بن غطفان، ورأيت لها ذكر في الجاهلية أنّها لبني سليم.
تركه أنّ المؤنة أكثر ممّا يخرج منه.
وفي هذا المتعشى حرّة يُقال لها: حرّة بني سليم(1) ، وفي حرّة بني سليم (حبس سبل)، والحبس: جمعه أحباس، فلوق في الحرّة تمسك الماء لو وردت عليها اُمّة لوسعتها.
وروى أبو البداح بن عاصم، عن أبيه قال: سألنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله حدثان ما قدم، فقال: « أين حبس سبل؟ ». فقلنا: لا ندري. فمرّ بنا رجل من بني سليم، فقلت له: من أين جئت؟ قال: من حبس سبل. فانحدرت به إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقلت له: زعم هذا أنّ أهله بحبس سبل، فقال له: « أخرج أهلك؛ فيوشك أن يخرج منها نار تضيء أعناق الإبل منها ببصرى »(2) .
قال الهمداني: ومن أفيعية إلى حرّة بني سليم ستة وعشرون ميلاً، وعرض حرّة بني سليم ثلاثة وعشرون جزءاً ونصف، ومن هذا المعدن رحل الحسين بظعنه إلى عمق.
وعُمقٌ مرّ به وصحبُهُ |
تحفّهُ كأنّهم اُسدُ الشرى |
(العمق ) : بوزن زفر، موضع على الطريق. قال البكري: وهذا المنهل هو واقع في بلاد غطفان(3) . قال ابن بليهد: وقد أخطأ الفرّاء بقوله إنّه دون النقرة، والفراء من أهل بغداد، وعلى تحديده يكون العمق شرقاً عن النقرة.
وموضعه الصحيح أنّه بين النقرة ومعدن بني سليم، وهو في بلاد عبد الله بن غطفان معروف، وهو في وسط أملاحها، ولا يُعد منها؛ لأنّ ماءه أحسن من المياه الذي حوله، إلاّ ماء الوبرة كأنّها أعذب منه. وعمق منهل معروف إلى هذا العهد.
وقال أيضاً: اختلف علماء المعاجم في عمق؛ فهذا الاسم يُطلق على موضعين: أحدهما في بلاد غطفان بين أملاحها، وماؤه عذب، والموضع الثاني في سواد باهلة يُقال له: عمق، قريب منهل يُقال له: لجع، ومنهل يُقال له: جفر تبران.
والفرق بينهما: إنّ الواقع في بلاد غطفان منصوب الميم، والثاني ساكنة الميم (عمق)، وهذا معروف
____________________
(1) كل ما ذكرناه آنفاً عن معدن بني سليم مصدره المخطوط.
(2) انظر صحيح الأخبار - ابن بليهد 3 / 186.
(3) انظر البكري 3 / 963.
عند جميع أهل نجد؛ باديتها وحاضرتها(1) .
وقال الفرآء: وهو دون النقرة، والعامة تقول: العمق بضمتين، وهو خطأ. وبه قصر ومسجد وبئر تُعرف بالخضراء من عمل المنصور لا تنزح، وبئر تُعرف بالروحا من عمل البرامكة، وبئر تُعرف لمحمد بن الفضل التاجر، وبئر تُعرف بأبي طاهر الزبيدي، وبئر السدرة ضيّقة الرأس، وبئر الحمام وذات القرنين، واُخرى تُعرف ببئر العلم، وبها بركة نائية عن الطريق مربّعة تُعرف بنعيم.
ومن العمق إلى المعدن اثنان وعشرون ميلاً، والبريد السادس وأربعين قبل الصفحة بأربعة أميال، والصفحة على عشرة أميال من المعدن عند المتعشى، وهي بركة تسمّى الصفحة، وهي صفاح شروري مربّعة. ويقال لهذا الموضع: بهوى؛ وادٍ حسن واسع على ستة أميال من العمق، يسير بين جبلين، يسمّى أحدهما شروري، وهو الجبل الذي فيه الجن، وتسير في أرضه لينة.
أنشد بعض الأعراب:
كأنّها بين شروري والعمقْ |
وقد كساها السيرُ حبلاً من عرقْ |
نواحةً تلوي بجلبابٍ خلقْ
قالوا: زعم جعفر بن الحسين اليقطيني، عن عيسى بن عبيد بن يقطين قال: احتفر يقطين بن موسى بئر العمق من ماله، فخرجت أعذب بئر، فأمر له المهدي بما أنفق عليها فأبى قبوله، وأخبر أنّه فعل ذلك لله (عزّ وجلّ)، فسأله المهدي أن يجعل له حظّاً في أجرها، فجعل له الثلث.
قالوا: وليس في الطريق أعذب من ماء العمق.
وقبل المعدن بثلاثة أميال (يمنة) موضعٌ يُعرف ببستان اُمّ صالح؛ واُمّ صالح: امرأة من أهل المعدن حفرت في هذا الموضع بئرين، وأحدثت عليهما بستاناً، فاشتراه منها ابن نهيك، ثمّ قبضها المهدي. وهي ناحية عن الطريق، وكان الطريق عليها فحوّل؛ لأنّ هذا أقرب بميل(2) .
و(الشرى): مأسدة جانب الفرات يضرب بها المثل، ولقد اجتاز الحسينعليهالسلام هذا المنزل (العمق) إلى السليلية.
____________________
(1) انظر صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار - محمد بن عبد الله بن بليهد 5 / 65.
(2) عن المخطوط.
وواصلَ السيرَ بركبهِ إلى |
ماءِ السّليلية وحاديهِ حَدا |
(السليلية ) : بفتح أوّله وكسر ثانيه، بها آبار عجيبة، والماء غير واسع.
وقال أبو عبيدة: السليلية: ماء لبني برثن من بني أسد، وإليه عنى جرير بقوله:
أيجمعُ قلبهُ طرباً إليكمْ |
وهجراً بيتَ أهلكَ واجتنابا |
|
ووجداً قد طويت يكادُ منه |
ضميرُ القلبِ يلتهبُ التهابا |
|
سألناها الشفاءَ فما شفتنا |
ومنّتنا المواعدَ والخلابا |
|
لشتانِ المجاورُ ديرَ أروى |
ومَنْ سكنَ السليلةَ والجنابا |
ذكر ابن بليهد(1) قال: السليل معروف بهذا الاسم، وهو وادٍ واقع في بلاد غطفان، أعلاه يُقال له: (السليلة)، وفيه ماءة يُقال لها: (السليلة) أيضاً، وماؤها مرّ.
والسليل والسليلة باقيان على اسميهما من الجاهلية إلى هذا العهد. وقد اقتتلت عبس وأسد في السليل. وقال رجل من بني عمرو بن تعين:
لئن ختلتْ بنو عبسٍ بريّا |
بغرّته فلم نختل سويدا |
|
قلعنا رأسَهُ بسقيِّ سُمٍّ |
كلون الملح مذروباً حديدا |
|
فأوجرناهمُ منه فراحوا |
وهم يوم السليلِ نعَوا شهيدا |
وعن روح بن حازم، عن أبيه، عن جدّه: أنّ جدّه كلّم السليل بن زيد وأدركه بالسليلة.
وعن حازم بن قطرى، عن أبيه حدّثه أنّها كانت لرجل من بني سليم يُقال له: السليل بن زيد بن الحرث بن ذكوان، فسمّيت باسمه، وكان أوّل مَنْ اقتطنها.
ومن السليلية إلى العمق ثمانية عشر ميلاً. وبالسليلية قصر ومسجد، وهي للزبير بن العوام، وبها بركة مربّعة، ولها مصفاة، وللمصفاة مسيل ماء، وبها من الآبار الغليظة الماء المعمولة بالحجارة المنقوشة ست آبار، وعلى أحد عشر ميلاً بركة تسمّى ضبّة؛ والضبّة في واد يسرة عن الطريق مربّعة، وإلى جانبها بئر فيه ماء كثير وبناء خرب، وهو المتعشى. والجبل الذي قبالته يُقال له: ذات قرقر(2) .
ومن السليلية سار الحسين بمَنْ معه إلى مغيثة.
____________________
(1) انظر صحيح الأخبار - محمد بن عبد الله بن بليهد النجدي 1 / 137.
(2) عن المخطوط.
وراحَ بالمسرى جدّاً قاصدا |
مغيثةً فالنقرة ثمّ الفضا |
(مغيثة ) : اسم الفاعل من أغاثه يغيثه إذا أغاثه. يُقال: غاث الله البلاد، إذا أنزل بها الغيث. منزل في طريق مكّة.
قال المقدسي: من معدن بني سليم إلى المغيثة ثلاثة وثلاثون ميلاً.
قال الحموي: وكانت أوّلاً مدينة فخربت، وشرب أهله ماء المطر، وهي لبني نبهان، ويُقال لها: مغيثة الماوان.
ذكر ابن بليهد(1) ، قال ياقوت: الجبل إلى جانب الصلعاء. وقال أيضاً: الصلعاء بين الحاجر والنقرة. والذي أعرفه بهذا الاسم موضعين؛ الأولى هضبة صغيرة يُقال لها: الصلعاء، تحمل هذا الاسم إلى هذا العهد، وهي بين ماوان والنقرة، والموضع الثاني قطعة رمل منقطعة من رمال أعفرية يُقال لها: الصلعاء، وهي تحمل هذا الاسم إلى هذا العهد.
وجاء في المخطوط: وبها قصر ومسجد، وهي لبني محارث بن حفصة بن قيس بن غيلان، وبها بركة ومصفاة، وبها خمسة آبار كلّها مالحة.
أنشد بعض الأعراب:
شربنَ بالماوان ماءً مرّا |
وبالسليلِ مثلَه أو شرّا(2) |
وقال عروة بن الورد:
أقولُ لقومٍ بالكنيفِ تروّحوا |
عشيّةَ قلنا عند ماوان رزّحُ |
وقال امرؤ القيس:
عظيمٌ طويلٌ مطمئنٌ كأنّه |
بأسفلِ ذي ماوان سرحةُ مُرقبِ |
وهناك موضع يُقال له: معدن الماوان لرجل من الأعراب، يُقال له: مربع، ويقال للجبل المشرف على المعدن: سقر، والمشرف على جبل يُقال له: فرعون، وقبله بركة زبيدية مدوّرة يسرة الطريق، وعلى ستة أميال من الماوان بركة تسمّى (الحيران)، وهي لحمار اليزيدي مدوّرة، وهي بين الميل التاسع والعاشر، وعندها
____________________
(1) انظر صحيح الأخبار - محمد بن عبد الله 3 / 184.
(2) وقد ذكر ابن بليهد النجدي هذا البيت بتغيير، وهو لأبي محمد الفقعي:
شربنَ من ماوانَ ماءً مرّا |
ومن شبامٍ مثله أو شرّا |
بئر رديئة وقباب وخزانة الخالصة.
وموضع هذه البركة ثلثي طريق الكوفة من مكّة، وخلفها بركة أخرى على عشرة أميال من الماوان تسمّى (أريمة)، وهي المتعشى، وتعرف بالكواذع.
وأريمة: جبل ممتد يمنة الطريق على أرجح من ميل، وقبال المتعشى جبل يُقال له: سنام. وسنام هذا غيره سنام الذي قرب الزبير.
ذكر ابن بليهد قال: سنام: أعرف ثلاثة مواضع يُقال لكل واحد منها سنام؛ اثنان منها في بلاد العرب، والثالث قلعة أحدّتها المقنع الخارجي.
وهي التي عناها مالك بن الريب في قوله حين خرج مع سعيد بن عثمان بن عفان إلى خراسان:
تذكّرني قبابُ التركِ أهلي |
ومبدأهُمْ إذا نزلوا سناما |
|
وصوتُ حمامةٍ بجبالِ كشٍّ |
دعت من مطلعِ الشمسِ الحماما |
|
فبتُّ لصوتها أرقاً وباتتْ |
بمنطقها تراجعني الكلاما |
والموضعان اللذان في بلاد العرب أحدهما جبل مجاور لبلد الزبير يُقال له: (سنام)، وذكروا فيه أخباراً كثيرة أغلبها قريب من الخرافات.
قالوا: إنّ بجنبه ماء كثير السافي، ولا شك أنّه ماءة سفوان(1) .
وقال صاحب معجم البلدان(2) : إنّه أول ماء يرده الدجّال من مياه بلاد العرب. وذكروا في رواية ثانية أنّه سار من الحجاز حتّى وقف مكانه الآن متأخماً لبلد الزبير.
ونباته الذي فيه من نبات جبال الحجاز: القطف والأذخر والقيا، كلّها موجودة فيه.
وقالوا: إنّ ذلك الجبل طريقة وادي الرمّة الذي يصبّ من قريب الحجاز وينتهي قريب الزبير. ولكن هذه خرافات لا يتصوّرها العقل وقد اختصرناها. وهذا الجبل قريب من الزبير، ولم أرَ فيه أشعاراً، وهو أشهر الموضعين المعروفين بهذا الاسم إلى هذا العهد.
والجبل الثاني جبل صغير له رأس في بلاد غطفان، قريب من ماء المرير يُقال له: (سنام)، هو الذي قال فيه شاعر من غطفان:
شربنَ من ماوان ماءً مرّا |
ومن سنامٍ مثله أو شرّا |
وللصمّة بن عبد الله العشيري قالها وهو مريض في طبرستان، ومات بعدها هناك:
____________________
(1) انظر ابن بليهد 2 / 55.
(2) انظر المعجم 5 / 141.
أَحَقاً عِبادَ اللهِ أَن لَستُ رَائياً |
سَنامَ الحِمى أُخرى اللّيَالى الغَوَابرِ |
|
كأَنَّ فُؤَادِى مِن تَذكُّرِهِ الحِمى |
وَأهلَ الحِمى يَهفو بِهِ رِيشُ طائرِ |
وهذا الجبل من الحميين؛ حمى الربذة وحمى ضربة، وبعد أريمة بنحو من أربعة أميال قباب خربة، ودونها بئر رديّة، ووراء ذلك أحسا(1) بموضع يُقال له: (الأمعر)، وقبل الربذة بميل بركة ناحية عن الطريق، وجاء الحسينعليهالسلام بركبه إلى مغيثة الماوان، ثمّ غادرها إلى النقرة.
(النَّقرة ) أو معدن النقرة على ما ذكرها المقدسي: بفتح النون وسكون القاف، ورواها الزهري: بفتح النون وكسر القاف. قال الأعرابي: كلّ أرض منصبّة في وهدة فهي النقرة، وبها سمّيت النقرة بطريق مكّة التي يُقال لها: معدن النقرة(2) .
قال أبو عبد الله السكوني: النقرة: ضبطه ابن أخي الشافعي بكسر القاف، بطريق مكّة، يجيء المصعد إلى مكّة من الحاجر إليه، وفيه بركة وثلاث آبار؛ بئر تُعرف بالمهدي(3) ، وبئران تُعرفان بالرشيد، وآبار صغار للأعراب تنزح عند كثرة الناس. وماؤهن عذب، ورشاؤهنَّ ثلاثون ذراعاً، وبها حصن وماء ضعيف وموضع وحش، هكذا ذكره المقدسي، وعندها مفترق الطريق؛ فمَنْ أراد مكّة نزل المغيثة، ومَنْ أراد المدينة أخذ نحو العسيلة فنزلها.
قال أبو المسوّر:
فصبحّتْ معدنُ سوقِ النقرهْ |
وما بأيديها تحسّ فترهْ |
|
في روحةٍ موصولةٍ ببكرهْ |
من بينِ حرفٍ بازلٍ وبكرهْ |
قال أبو زياد: في بلادهم نقرتان لبني فزاره بينهما ميل(4) .
وذكر ابن بليهد قال:
____________________
(1) الأحسا: وهو الماء تنشفه الأرض من الرمل، فإذا صار إلى صلابة أمسكته، فتحفر عنه العرب فتستخرجه. وهو علم لمواضع من بلاد العرب. انظر المشتركات - ياقوت الحموي / 14، طبع غوتنجن - ألمانيا.
(2) انظر المعجم - ياقوت الحموي 8 / 308.
(3) ذكر السيوطي أنّه في سنة إحدى وستين بعد المئة أمر المهدي بعمارة طريق مكّة وعمل البرك.
(4) انظر ابن بليهد 5 / 17.
النقرة أقرب ما يكون لها من المناهل الحاجر المشهور بهذا الاسم من العهد الجاهلي إلى هذا العهد(1) .
وفي المخطوط، عن سنان المازني - مازن فزارة - عن أبيه، عن جدّه: إنّ النقرة ألحّ عليها النقرين، أنّه حفر فيها قليباً في زمان عطش في صفا، دل عليها مهندس فنقرت في الصفا حتّى أدرك ماءها؛ فسمّيت النقرة. وكانت إذ ذاك لبني فزارة، ثمّ لبطن منهم يُقال لها: ربيعة بن عدي بن فزارة؛ فأمّا اليوم فباديها لهم وحاضرها لقريش والنجار.
وقال في ذلك سويد العبسي:
قد علمت خودٌ تحلّ الأبرقا |
والنقرتين والقصيمَ والنقا |
إنّا نداوي بالسيوف الأحمقا
وعن هاشم بن محمد، عن أبيه قال: سمّي ذو نقرة بنقرين بن جنادة؛ احتفرها فنسبت إليه، وأخوه الرمّة بن جنادة نسبت إليه بطن الرمّة.
ومن النقرة إلى مغيثة الماوان سبعة وعشرون ميلاً. وبالنقرة قصر ومسجد وبركتان وآبار، وبها ثمانية أعلام؛ علمان للدخول، وعلمان للخروج، وعلمان لطريق البصرة، وعلمان لطريق المدينة، وعلى ثمانية أميال منها بئر طيبة الماء وآبار مدفنة يسرة، عندها قباب حضرتها خالصة بين الميل الثالث والرابع، وإذا سال الوادي دخلها.
وعلى اثني عشر ميلاً منها بركة تُدعى (السمط)، وجبل أسود فيه بياض، وعند البريد قبر رجل من أهل الكوفة يُدعى (اليزيدي)، وعلى ثلاثة عشر ميلاً من النقرة بركة تقع عن يمين الطريق عند الجبل والقصر تسمّى (الأقحوانة)، وهي المتعشى.
وعند البريد بئران فيهما ماء غليظ، وبعدها بأربعة أميال بركة الماوان في الوادي عند المتعشى، وقصر ومسجد يسرة الوادي يُقال له: (بنج)، والماوان جبل يسرة، وبقرب العلمين في مواضع أحسا صالحة الماء، ومن الطريق يسرة منابت طرفا، وعلى سبعة أميال من المغيثة بركة مدوّرة خراب يسرة(2) .
وذكر الرحالة ابن جبير قال: ثمّ نزلنا يوم الأربعاء خامس رحيلنا
____________________
(1) انظر صحيح الأخبار - ابن بليهد 4 / 177.
(2) عن المخطوط.
بموضع يعرف بالنقرة، وفيها آبار ومصانع كالصهاريج العظام، وجدنا أحدها مملوءاً بماء المطر فعمّ جميع المحلّة، ولم ينضب على كثرة الاستماحة.
قلت: ومنها سار الحسينعليهالسلام مجدّاً بسيره حتّى وافى الحاجر.
والحاجرُ المعروفُ منهُ سيّر ال |
رسولَ قَيساً ذاك رائدُ الهدى |
(الحاجر ) : بالجيم والراء، وهو لغة عند العرب، ما يمسك الماء من شفة الوادي، وكذلك الحاجور، وهو فاعل؛ موضع قرب معدن النقرة للقادم من العراق.
وقال: دون فيد حاجر، يروى عن كعب بن زهير بن أبي سلمى، عن أبيه، عن جدّه أنّ الحاجر كان اسمه (المنيفة)، وأنه كان لغنى(1) فغلب عليه الحاجر، وإنّما سمّته الحاجر غطفان منذ كان في أيام الجاهلية.
وقال في ذلك الرجل من بني عبد الله بن عفان يُقال له: (سليل بن الحرث): كانت له امرأة من بني سحيم بن عبد الله، فكأنّهم اتّهموه أن يكون سبّ أصهاره فاعتذر من ذلك بقوله:
فمَنْ يذكر بلادَ بني سحيمٍ |
بمقليةٍ فلستُ لمـَنْ قلاها |
|
همُ منعوا المنيفةَ من عليٍّ |
وحاجرَها وهم أحموا حماها |
وذكر ابن بليهد الحاجر قال: خرج وائل بن صريم اليشكري من اليمامة فقتلته بنو أسيد بن عمرو بن تميم، وكانوا أخذوه أسيراً، فجعلوا يغمسونه في الركية ويقولون:
يا أيّها الماتحُ دلوي دونكا |
إنّي رأيتُ الناسَ يحمدونكا |
حتّى قتلوه، ثمّ غزاهم أخوه باعث بن صريم يوم حاجر، وهو موضع بديارهم فقتل منهم مئة، وقال:
سائل اُسيّدَ هل ثأرتُ بوائلٍ |
أم هل أتيتهمُ بأمرٍ مُبْرَمِ |
|
إذ أرسلوني ماتحاً لِدلائهم |
فملأتهنّ إلى العَراقي بالدمِ |
____________________
(1) غنى: قبيلة من قبائل العرب.
ويدل على أنّ حاجر المزينة قول زهير بن أبي سلمى، أو لابنه ضرغام:
إنّي حلفتُ بربِّ مكّة صادقاً |
لولا الحياءُ ونسوةٌ بالحاجرِ |
|
لكسوتُ عقبةَ حلةً مشهورةً |
تردُ المدائنَ من كلامٍ عائرِ |
وبالحاجر قتل حصن بن حذيفة بن بدر؛ وذاك أنّه خرج في غزى من فزارة فالتقوا في هذا الموضع مع غزى من بني عامر التقاطاً، فانهزمت بنو عامر وقُتلت قتلاً ذريعاً، وشدّ كرز العقيلي عن حصن رئيس بني فزارة فقتله، وقال شاعرهم:
يا كرزُ إنّك قد فتكتَ بفارسٍ |
بطلٍ إذا هابَ الكماةَ مجرّبُ |
وقال عيينة بن حصن هذا: قد نهى عمر بن الخطاب (رض) أن يدخل العلوج المدينة، وقال: كأني برجل منهم قد طعنك هنا، ووضع يده تحت سرته، وهو الموضع الذي طعن فيه، فلمّا طعنه أبو لؤلؤة (لعنه الله) قال: إنّ بين النقرة والحاجر لرأياً.
قال ابن بليهد: حاجر: منهل ماء أعرفه إلى هذا العهد، قريب النقرة التي بها المعدن المشهور، وهو يحمل هذا الاسم إلى هذا العهد(1) .
وذكر ابن سنان الخفاجي الحاجر بشعره، فقال في صباه:
تَروحُ بِنَجدٍ تَغصِبُ الذِّئبَ زادَهُ |
وَقَومُكَ بِالرَّوحاءِ في الـمَنزِلِ الرَّحبِ |
|
وَما ذاكَ إِلاّ نَفحَةٌ حاجِرِيَّةٌ |
هَوَيتَ لَها عَيشَ الأَعاريبِ وَالجَدبِ |
وقوله أيضاً بذكر الحاجر:
ماذا عَلى النّاقَةِ مِن غَرامِهِ |
لَو أَنَّهُ أَنصَفَ أَو رَثى لَها |
|
أَرادَ أَن تَشرَبَ ماءَ حاجِرٍ |
أَرِيَّها يَطلُبُ أَم كَلالَها |
|
فَعَلِّلوها بِحَديثِ حاجِرٍ |
وَلتَصنَعِ الفَلاةُ ما بَدا لَها |
ولابن الخياط يذكر الحاجر:
أَلا حَبَّذا عَهْدُ الْكَثِيبِ وَناعِمٌ |
مِنَ الْعَيْشِ مَجْرُورُ الذُّيُولِ لَبِسْناهُ |
|
وَللهِ وادٍ دُونَ مَيْثاءِ حاجِرٍ |
تَصِحُّ إِذا اعْتَلَّ النَّسِيمُ خُزاماهُ |
____________________
(1) صحيح الأخبار - محمد بن عبد الله بن بليهد.
ولفضيلة السيد عباس شبر قاضي لواء العمارة اليوم، يذكر الحاجر:
حجرُ الكرى تذكارُ حاجرْ |
عن مقلتي والذكرُ حاجرْ |
|
أوَ ترتجي الغمضَ الجفو |
نُ وتبتغي النومَ المحاجرْ |
ولعبد المحسن الكاظمي (ره) يذكر الحاجر:
كم بالقبيباتِ على حاجرِ |
من قمرٍ بادٍ ومن حاضرِ |
إلى قوله:
فدى لعينيكِ عيونَ المها |
من رملِ نجرانٍ إلى حاجرِ |
حدّث عبد الله بن أبي سعيد الوراق قال: حدّثني علي بن محمد بن سليمان الهاشمي قال: حدّثني أبي قال: نزلنا النابغة - وهو غلام لم يبلغ الحلم - مع عمّه، الحاجر، وهو ماء لنمر جاهلي على طريق الكوفة، فأخذ عمّه يسقي إبله ومضى النابغة بفخ ينصبه لقنابير رآهن، والفخ عليه حبّاً، فأقبلن يجسن فيلقطن ما حول الفخ، ويهبن الفخ فلا يدنون منه، فقال:
قاتلكنّ اللهُ من قنابرِ |
مهذّباتٍ في الفلا نوافرِ |
|
فلا سقيتنَّ بغيثٍ ماطرِ |
ولا رعيتنَّ بصوبِ الحاجرِ |
وقال علي بن محمد الشاعر:
أقولُ لصاحبي والعيسُ تسري |
بنا بين المنيفةِ والغمارِ(1) |
|
تمتّع من شميمِ عرارِ نجدٍ |
فما بعدَ العشيّةِ من عرارِ(2) |
|
وبينَ قفارها تقفُ المطايا |
فإنّ العيسَ تحبسُ بالقفارِ |
____________________
(1) وادي الغمار: هو الوادي المجاور لبلد سميراء من جهة الجنوب شرقي سلمى وفيد. قال الشاعر:
فما عن قلى سلمى ولا بغضي الملا |
ولا العبدُ من وادي الغمارِ تمارِ |
ولزهير يذكر غمار بقوله:
رعوا ما رعوا من ظمئهمْ ثمّ أوردوا |
غماراً تسيلُ بالرماحِ وبالدمِ |
(2) العرار: بهار البرية، وهو نبت نجدي.
قال الشاعر يذكر العرار:
أشاقتكَ البوارقُ والجنوبُ |
ومِنْ علوى الرِّياحِ لها هبوبُ |
|
أتتكَ بنفحةٍ مِنْ ريحِ نجدٍ |
تضوَّعُ والعرارُ بها مشوبُ |
وجاء في المخطوط: ومن الحاجر إلى النقرة سبعة وعشرون ميلاً ونصف، وطريق العشيرة يعدل المنحدر من الحاجر يمنة حتّى يخرج إلى الأجفر، وإن أحبّ أن يدخل فيدا خرج من البريد الذي قبل فيد بستة أميال.
وبالحاجر بركة مربّعة يمنة عن الطريق على ميل من المنزل، وبئران يُعرفان بالمهديين من آبار المهدي عليهما حوض، وبئران يُعرفان بالحرشى، وبئران يُعرفان برماح، وبئر تُعرف بالضربة، وحسى وطوى يُعرف بالصيري، وبئر بحضرة الحصن يُعرف بالمثلّثة ضيقة الرأس، وبئر يُعرف بالكرادية وبها سوى ذلك من الأحسا المطوية ممّا أحدث في خلافة المتوكّل ثلثة أحسا.
ومن الأحسا التي غير مطوية مئة حسا، وآبار قريبة الماء، والوادي الذي يسبق الحاجر بطن رمّة في طريق المدينة، وهو أيضاً يخرج إلى قريب النباح، ومن حفر فيه ذراعين وجد الماء، والبريد الخارج يُقال له بريد (أكمة المسرف)، والمسرف بموضع يُقال له (القاطة)، وبها قباب دارسة وخزانة يمنة الطريق لخالصة، وبعد الحاجر بميلين أكمة يُقال لها (أكمة العشرق). كان عندها البريد السادس والثلاثون لحاج بغداد(1) . ومن هذا الحاجر سيّر الحسينعليهالسلام رسوله قيس بن مسهر الصيداوي(2) بكتاب إلى أهل الكوفة.
وفي رواية بعث أخاه من الرضاعة عبد الله بن يقطر(3) ، ولم يأته آنذاك خبر مقتل مسلم بن عقيل (ابن عمّه) وقتئذ، وأكثر أرباب السير ينصّون على أنّ الذي أرسله الحسينعليهالسلام من الحاجر إلى أهل الكوفة هو قيس بن مسهر الصيداوي، وكتب معه كتاباً يقول فيه: « بسم الله الرحمن الرحيم. من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلام
____________________
(1) انظر المشترك - شهاب الدين ياقوت بن عبد الله الحموي (المتوفّى 626) / 206، طبع غوتنجن ألمانيا.
(2) هو قيس بن مسهر الصيداوي مرّ ذكره.
(3) كلّ منهم أرسله الحسينعليهالسلام لأهل الكوفة، وكان عبد الله بن يقطر صحابيّاً، وكان لدة الحسينعليهالسلام . واللدة: الذي ولد مع الإنسان في زمن واحد؛ لأنّ يقطر كان خادماً عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وكانت زوجته ميمونة في بيت أمير المؤمنينعليهالسلام ، فولدت عبد الله قبل ولادة الحسين بثلاثة أيام. وكانت حاضنة للحسينعليهالسلام ؛ فلذلك فهو أخ للحسينعليهالسلام من الرضاعة - انظر أسد الغابة - الجزري.
عليكم. فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو. أمّا بعد، فإنّ كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبر فيه بحسن رأيكم، وإجماع ملئكم على نصرنا والطلب بحقّنا، فسألت الله أن يحسن لنا الصنيع، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر. وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجّة (يوم التروية)، فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم وجدّوا؛ فإنّي قادم عليكم في أيامي هذه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ».
ذكر الشيخ المفيد (ره)(1) قال: فأقبل قيس بن مسهر الصيداوي يجدّ السير حتّى إذا انتهى إلى القادسية(2) ، وكان ابن زياد قد بلغه قدوم الحسينعليهالسلام إلى
____________________
(1) انظر الإرشاد - الشيخ المفيد (ره).
(2) القادسية: قيل: سمّيت بقادس هراة. قال المدايني: كانت القادسية تسمّى قدّيساً. وروى أبو عينية قال: مرّ إبراهيم الخليلعليهالسلام بالقادسية فرأى زهرتها، ووجد هناك عجوزاً، فغسلت رأسه، فقال: قُدّست من أرض، فسمّيت القادسية.
وبهذا الموضع كانت وقعة القادسية بين المسلمين والفرس في أيام عمر بن الخطاب (رض)، في سنة ستة عشر من الهجرة، وقاتل المسلمون يومئذ وسعد بن أبي وقاص قائدهم في القصر ينظر إليهم، فنُسب إلى الجبن، فقال: رجل من المسلمين:
ألم ترَ أنّ اللهَ أنزل نصرهُ |
وسعدٌ ببابِ القادسيةِ معصمُ |
|
فاُبنا وقد أمّت نساءٌ كثيرةٌ |
ونسوةُ قيسٍ ليس فيهنَّ آيمُ |
والقادسية: قرية بها الإمام المستعين، وبها الحارث بن مضرس، وسعد بن عبيد. انظر الإشارات - علي بن أبي بكر الهروي (المتوفّى 611) / 84، طبع بحلب. والقادسية: مدينة على شفير البادية صغيرة ذات نخل ومياه، ويزرع بها الرطاب الكثيرة، ويتّخذ منه القت علفاً لجمال الحاج وغيرها، وليس للعراق بعدها من ناحية البادية وجزيرة العرب ماء يجري ولا شجر. انظر صورة الأرض - لابن حوقل / 240، طبع ليدن إلخ.
ومن القادسية إلى الكوفة مرحلتان، ومن القادسية إلى مدينة السلام (بغداد) أحد وستون فرسخاً، ومن القادسية إلى العذيب - وهي أوّل خط البادية - ستة أميال. انظر نزهة المشتاق - الشريف الإدريسي 1 / 138، طبع أوربا.
وقال عبد المؤمن: القادسية: قرية بالكوفة من جهة البرّ، بينها وبين الكوفة خمسة عشر فرسخاً، وبينها وبين العذيب أربعة أميال، عندها كانت الوقعة العظمى بين المسلمين وفارس؛ قُتل فيها أهل فارس وفتحت بلادهم على المسلمين. وكان سعد في قصر هناك هو وأهله، وكان به دماميل قد منعته من الجلوس والركوب، فكان في أعلى القصر منبطحاً على وجهه يُشرف عليهم، وله تحت القصر مَنْ يبلغهم أمره وتدبيره لهم. انظر مراصد الإطلاع - فصي الدين عبد المؤمن 2 / 3767، طبع أوربا.
العراق، وقد أرسل الحصين بن نمير مدير شرطته إلى البادية، ونظم الخيل والمسالح ما بين القادسية إلى خفان(1) ، وما بين القادسية إلى القطقطانية(2) ، وقال للناس: هذا الحسينعليهالسلام يريد العراق. قال: وعندما انتهى قيس إلى القادسية ألقى الشرطة عليه القبض وجيء به إلى الحصين بن نمير فأخرج قيس الكتاب ومزقه بأسنانه، فبعث به الحصين إلى الكوفة.
ولمّا مثل بين يدي ابن زياد سأله عن اسمه وعن الكتاب، فقال: اسمي قيس، والكتاب من الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام . قال: لمَنْ؟ قال: إلى جماعة من أهل الكوفة. فقال له: إذاً لِمَ خرقت الكتاب؟ قال: لئلاّ تعلم ما فيه. فقال: والله لا تفارقني حتّى تخبرني بأسماء القوم، أو تصعد المنبر فتسبّ الحسين وأباه.
فقال: أمّا القوم فلا أخبرك بأسمائهم، وأمّا السبّ فأفعل - وحاشاه -. فأمر بصعوده المنبر، فلمّا تسنّم قيس المنبر حمد الله وأثنى عليه، وذكر النبيصلىاللهعليهوآله فصلّى عليه، ثمّ قال: أيّها الناس، أنا رسول الحسين إليكم، وقد خلّفته بموضع كذا وكذا فأجيبوه، والحسين كما تعلمون خير خلق الله، وابن فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله . ثمّ إنّه لعن عبيد الله بن زياد وأباه، ولعن يزيد بن معاوية، وترحّم على عليعليهالسلام وأصحابه.
فلمّا سمع ابن زياد منه ذلك صاح: أنزلوه من على المنبر. فأنزلته الشرطة، ثمّ أمرهم فصعدوا به فوق القصر ورموه من أعلى القصر إلى الأرض فتقطّع.
ويروى أنّه وقع على الأرض مكتوفاً فتكسّرت عظامه، وكان به رمق الحياة، فجاء إليه رجل يُقال له: عبد الملك بن عمير اللخمي، فذبحه، فقيل له في ذلك، وعيب
____________________
(1) خفان: بالخاء المعجمة والفاء المشددة والألف والنون، موضع فوق الكوفة قرب القادسية. قال أبو عبد الله السكوني: خفان من وراء النسوخ على ميلين أو ثلاثة، عين عليها قرية لولد عيسى بن موسى الهاشمي. وقال البكري: خفان وخفية: أجمتان قريبتان من مسجد سعد بن أبي وقاص بالكوفة، وأنشد:
من المحمياتِ الغيلِ غيلُ خفيةٍ |
ترى تحتَ لحييهِ الفريسَ المعفّرا |
(2) القطقطانية: قال أبو عبد الله السكوني: القطقطانية بينها وبين الرهيمة مغرباً نيف وعشرون ميلاً إذا خرجت من القادسية تريد الشام، ومنه إلى قصر مقاتل. وقال ياقوت في معجمه، ورواه الأزهري بالفتح: موضع قرب الكوفة من جهة البرية بالطفّ كان به سجن النعمان.
عليه، فقال: أردت أن أريحه.
ومن النقرة إلى الحاجر أربعة وثلاثون ميلاً. وذكر الرحالة ابن جبير قال: نزلنا الحاجر والماء فيه في مصانع، وربّما حفروا عليه حفراً قريبة العمق يسمّونها أحفاراً، واحدها حفرة، وكنّا نتخوف في هذا الطريق قلّة الماء، لا سيّما مع عظم هذا الجمع الأنامي، والأنعامي الذين لو وردوا البحر لأنزفوه واستقوه.
وذكر الخوارزمي: أنّه لما سار الحسينعليهالسلام من الحاجر انتهى إلى ماء من مياه العرب، ولا أشك أنّه سميراء الذي وافاه بعد الحاجر.
وسارَ قاصداً سُميراء ومنْ |
ثَمّ أتى توزَ وفَيدَ ما عدا |
(سميراء ) : بفتح أوّله وكسر ثانيه بالمدّ، وقيل بالضم، يسمّى باسم رجل من عاد يُقال له: (سميراء)، وهو منزل بطريق مكة بعد توز مصعداً، وقبل الحاجر.
ومن سميراء إلى توز عشرين ميلاً. قال السكوني: حوله جبال وآكام سود؛ بذلك سمّي سميراء، وأكثر الناس يقولونه بالقصر. وقيل: هما موضعان المقصور منها هو الذي في طريق مكّة، وليس فيه إلاّ الفتح.
وفي حديث طليحة الأسدي لمّا ادّعى النبوّة أنّه عسكر بسميراء هذه بالمدّ(1) .
قال مطير بن أشيم الأسدي:
ألا أيّها الركبانُ إنّ أمامكمْ |
سميراءَ ماءٍ ريّهُ غيرُ مجهلِ |
|
وإنّ عليها إن مررتم عليهمُ |
اُبيّاً وآباءً وقيسَ بنَ نوفلِ |
وقال مرة بن عياش الأسدي:
جلت عن سميراءَ الملوكُ وغادروا |
بها شرُّ قنٍّ لا يضيف ولا يُقري |
|
هجينُ نميرٍ طالباً ومجاهداً |
بني كلّ زحّافٍ إلى عرنِ القدرِ |
|
فلو أنّ هذا الحيَ من آلِ مالكٍ |
إذاً لِمَ اُجلى عن عيالهما الخضرِ |
قال: والذين جلوا عن سميراء هم رهط العلاء بنو حبيب بن أسامة من أسد، وصار فيها بنو حجران الذين هجاهم قبيلة من بني نضر.
ومن الحاجر إلى سميراء ثلاثة وثلاثون ميلاً، وثمّة برك وماء واسع ومزارع، والماء
____________________
(1) ومثله ذكر عبد المؤمن مفتي الحنابلة بالشيرية. مراصد الاطلاع 2 / 53، طبع أوربا.
عذيبي على ما ذكره المقدسي(1) ، ويسمّيها ابن جبير سميرة.
قال: ونزلنا ضحوة النهار سميرة، وهي موضع معمور، وفي بسيطتها شبه حصن يطيف به خلق كبير مسكون، والماء فيه في آبار كثيرة إلاّ إنّها زعاق(2) ومستنقعات وبرك.
وتبايع العرب فيها مع الحاج فيما أخرجوه من لحم وسمن ولبن، ووقع الناس على قرم وعيمة(3) ، فبادروا الابتياع؛ لذلك يشقق الخام التي يستصحبونها لشارات الأعراب لأنّهم لم يبايعونهم إلاّ بها.
وحدّث إبراهيم بن عطارد قال: سميراء لبني نصر بن معين من بني أسد. وحدّث داود بن محمد بن عبد الملك بن حبيب بن تمام الأسدي قال: حفر أبي بئراً بين الحويز عن يسار سميراء، يشرب منه حاج البصرة. بئر حقّ أهل بيته وحقّ عيسى بن بغيض، وكان خاصمه فرجز، وقال:
حفرتُها في منتهى المقيلِ |
في حقّ لامع ولا مسؤولِ |
|
بينَ حلاص وبني المهزولِ |
بذلتُ فيها نفس ذي الحجولِ(4) |
|
ومقبلاً وكان ذا قبولِ |
إذا انتهى للحول بعد الحولِ(5) |
|
ضرباً كضرب الرومِ للطبولِ |
جوباً كجوبِ البرقعِ المنخولِ |
وقال بعض الأعراب:
ترعى سميراء إلى آرامِها |
إلى الطريفاتِ إلى أهضامِها |
|
في خرق تشبع من رمرامها |
حتّى إذا ما فرّ من أوامها |
|
وفاضَ بردُ الماءِ من أجرامِها |
قامَ إلى حمراءَ من كرامِها |
____________________
(1) انظر أحسن التقاسيم - المقدسي.
(2) الزعاق: الماء المرّ لا يُطاق شربه.
(3) القرم: الفحل إذا تُرك عن الركوب والعمل. والعيمة: شهوة اللبن. والعيمة أيضاً: خيار المال.
(4) حلاص: بطن من عبس. وذي الحجول: عبد كان لحبيب بن تمام الأسدي في رجله قيود.
(5) الحول: حول البئر.
بازلُ عامٍ أو سُديسُ عامِها |
كأنّ فوقَ المتنِ من سنامِها |
|
عنقاءُ من طفحةِ أو رجامِها |
مشرفةُ الهادي إلى أعلامِها |
|
قُحّمَ في الحبلة في أخصامِها |
غمامةٌ بيضاء من غمامِها |
|
يُكتشفُ العقبةُ عن لبامِها |
وتذهب العيمة من عيامِها |
قال: وبسميراء قصر ومسجد، وكانت بها آبار؛ بئر تُعرف بأمّ العين، وبئر تُعرف بالشهباء، واُخرى تُعرف بالنجدية، واُخرى تُعرف بالمهدي، واُخرى تُعرف بحويص إلى جانب السوق.
وبها من الأحسا المطويّة الرؤوس داخل بالموضع المعروف بالعريس حسا، وبها بركتان؛ أحدهما زبيدية مدوّرة ولها مصفاة مربّعة. ومن سميراء إلى المشرف أميال طوال يُقال لها: (الحسنات)، وعلى سبعة أميال من سميراء يمنة عن الطريق قباب ومتعشى، وبركة يُقال لها: (الحسنة)، عندها آبار كثيرة، منها بئر يُقال لها: واقصة(1) لبني نعامة عذبة، وأبيات أعراب عن يسار الطريق.
وبعدها بثلاثة مبارك بركة تسمّى العباسيّة، مدوّرة، قطرها خمسون ذراعاً، وعمقها عشرة أذرع، ويُقال: احتفرها رجل من بني أسد في الجاهلية يسمّى العباس تنسب إليه، وبعدها بميل وادي الثلوب، وحذاءها بئر كثيرة الماء يسرة، وعندها قصران ومتعشا.
ومن عندها يُرى الطمنة: الجبل المربّع يسرة. وهو على طريق البصرة، وعند هذا الجبل عيون ومياه ومزارع للأعراب، ويُرى هذا الجبل قريب من المعدن، وعلى ستة عشر ميلاً من سميراء آبار تسمّى حلوة، عذبة الماء شبيهات بالأحسا في قرب مائهن، وهنّ في بطن واد يُقال له: (الثلاثون)، وهي آخر جفير بني أسد.
وبين كلّ واحدة من الآبار ما يقرب من نصف ميل؛ أحداها: بقعا، والاُخرى: قبعا، والاُخرى: الواسطة، والرابعة: حلوة، والوادي ينبت العشير، والمشرف ببطن البراق، وهي آخر ملك بني أسد.
ذكر أرباب التاريخ: أنّه لمّا سار الحسينعليهالسلام من الحاجر انتهى إلى ماء من مياه العرب، فإذا عليه عبد الله بن مطيع العدوي وهو نازل به. فلمّا رأى الحسينعليهالسلام قام
____________________
(1) وهذه غير واقصة التي بحدود العراق من غربه.
إليه، فقال: بأبي أنت وأمي يابن رسول الله! ما أقدمك؟ واحتمله وأنزله. فقال له الحسينعليهالسلام : « كان من موت معاوية ما بلغك، فكتب إليّ أهل العراق يدعونني إلى أنفسهم ».
فقال له عبد الله: اُذكرك الله يابن رسول الله وحرمة الإسلام أن تنتهك. أنشدك الله في حرمة قريش. أنشدك الله في حرمة العرب؛ فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني اُميّة لتقتلن، ولئن قتلوك لا يهابوا بعدك أحداً أبداً. والله، إنّها لحرمة الإسلام تنتهك، وحرمة قريش، وحرمة العرب، فلا تفعل ولا تأتِ الكوفة، ولا تعرّض نفسك لبني أميّة. فأبى الحسينعليهالسلام إلاّ أن يمضي.
وكان عبيد الله بن زياد قد آمر، فأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشام، ثمّ إلى طريق البصرة، فلا يدعونّ أحداً يلج الكوفة، ولا أحداً يخرج منها.
وأقبل الحسينعليهالسلام يسير حتّى لقى جماعة فسألهم، فقالوا: والله ما ندري، غير أنّا لا نستطيع أن نلج ولا أن نخرج. قالوا: وسار الحسينعليهالسلام من سميراء قاصداً توز.
(توز ) : بالضم ثمّ السكون وزاي، منزل في طريق الحاج قبل فيد للقاصد إلى العراق نصف الطريق، وهو جبل مشهور لبني أسد.
قال أبو المسوّر:
فصبّحتْ بالسيرِ أهلَ توزِ |
منزلةً في القدرِ مثل الكوزِ |
|
قليلةَ المأدومِ والمخبوزِ |
شرّاً لعمري من بلادِ الخوزِ |
وقال راجز آخر:
يا رُبِّ جارٍ لكَ بالحريزِ |
بينَ سُميراءَ وبينَ توزِ |
حدّث عبد الله بن عمرو، عن النبراسي إبراهيم بن عطارد قال: توز لبني مرى من بني أسد. ومن توز إلى سُميراء خمسة عشر ميلاً ونصف، وبتوز بركتان إحداهما مدوّرة بنتها زبيدة تُعرف (بالطارفية)، والاُخرى مربّعة تُعرف ببركة القاع، ولها مصفاة، وبها من الآبار الكبار والأوساط تسع آبار. منها: بئر تُعرف (بالمهدي)، وقليب يُعرف (بالمنيف)، وقليب يُعرف (بالزورا)، وقليب يُعرف (بالبحيرة)، وبئر يُعرف (بالمنجدي)، وبئر يُعرف (بالأكره)، ومن الإحسا المطوية الرؤوس مئة حساً.
والجبل الذي بتوز يُقال له: صهبان،
والذي بحذائه (ضلع الماء)، والذي ممّا يلي القبلة منه (مريح) وهو جبل أحمر، ويُقال لموضع البركة التي بتوز: (نوطة مختار)(1) ، ونوطة الطليح كثيرة الظل، ويدفع إليها واد يُقال له: الحوض.
وعلى ميلين من توز يسرة عن الطريق ثلاثة آبار؛ بئر يُقال لها: (الخشبة) حفرها خشين الخادم مربّعة ولها مصفاة، وبئرين وقصر وباب ومسجد يُعرف ذلك الموضع بالراجمة، (والراجمة) ضلع عن يسار الطريق، ويعرف أيضاً (بسعة الوادي الوكار)، امرأة كانت نازلة به.
وبعدها بميلين يسرة عن الطريق بركة (العناية)، وهي زبيدية مدوّرة غليظة الماء، وعندها قليب وآبار وخزانة. وعلى ثمان أميال من توز عند الميل الثالث بركة تُعرف (بالحمة)، وبركة أخرى يُقال لها: (قرقرة)، وهي مربّعة عندها بئر غليظة الماء.
(والجمة): جبل أسود عن يسار الطريق وهو المتعشى، وبه قباب ومسجد، وفوق الجبل عن يمين الطريق وراء المتعشى شجر كثير (أمّ غيلان)، وبعدها حوض يمنة الطريق وبناء خرب بناحية منه، وقصر وبئر تُعرف (بجمة أمير المؤمنين)، وعلى اثنى عشر ميلاً ونصف بئر عبد الله بن مالك يسمّى (السقيا)، كثيرة الماء، عذبة يسرة الطريق، ثمّ (المنصف): وهو موضع العلمين منتصف الطريق بين الكوفة ومكّة (زاد الله شرفها)، والعلمان (بالدرع) دون سُميراء بأربعة أميال، ومن وراء علمي (المنصف) إلى أن يدخل سُميراء طريق وحش ومظلمة لا يلتقي فيه الحجاج. قالوا: فسار الحسينعليهالسلام من توز بركبه إلى فيد.
(فَيد ) : بالفتح ثمّ السكون ودال مهملة. قال الزجاجي: سُميت بفيد بن حام، وهو أوّل مَنْ نزلها، وهي بليدة في نصف طريق مكّة من الكوفة. قال البكـري(2) : يُنسب إلى حمى فيد. قال ابن الأنباري: الغالب على فيد التأنيث.
____________________
(1) مختار هذا رجل من بني أسد. من المخطوط.
(2) انظر معجم ما استعجم - الوزير البكري / 717، طبع أوربا.
قال لبيد:
مُرِّيَّةٌ حَلَّت بِفَيدِ وَجاوَرَت |
أَهلَ العراقِ فَأَينَ مِنكَ مَرامُها |
وأنشد ابن الأعرابي، أو الفقعسي:
سقى اللهُ حيّاً بين صارةَ والحمى |
حمى ( فيد) صوبَ المدجناةِ المواطرِ |
وقال الشماخ:
سرت من أعالي رحرحان وأصبحتْ |
بفيدٍ وباقي ليلها ما تحسّرا |
وقال المقدسي: فيد: مدينة بحصنين عامرة واسعة الماء(1) ، وقال ابن أيوب صاحب حماة: وفيد عن الكوفة مئة وتسعة فراسخ(2) ، وقال الحموي: وهي عامرة إلى الآن يودع الحجاج فيها أزوادهم، وما يثقل من أمتعتهم عند أهلها، فإذا رجعوا أخذوا أزوادهم، ووهبوا لمَنْ أودعوه عنده شيئاً من ذلك، وهم مغوثة للحاج في مثل ذلك الموضع المنقطع.
ومعيشة أهلها من ادّخار العلوفة طول العام إلى أن يقدم الحجاج فيبيعونه عليهم(3) . قالوا: وأوّل مَنْ حفر فيه حفراً في الإسلام أبو الديلم مولى يزيد بن عمر بن هبيرة، فاحتفر المعين التي هي اليوم قائمة وأساحها، وغرس عليها فكانت بيده حتّى قام بنو العباس فقبضوها من يده، هكذا قال السكوني.
وشعر زهير وهو جاهلي يدلّ [على] أنّه كان فيها شرب، وذلك قوله:
ثُمَّ اِستَمَرّوا وَقالوا إِنَّ مَشرَبَكُمْ |
ماءٌ بِشَرقِيِّ سَلمى فَيدُ أَو رَكَكُ |
وفيد بشرقي سلمى كما ذكر، وسلمى جبل طيء؛ ولذلك أقطع رسول اللهصلىاللهعليهوآله زيداً فيد لأنّها بأرضه.
وأوّل أجبله على ظهر طريق الكوفة بين الأجفر وفيد جُبيل عنيزة، وهو في شقّ بني سعد بن ثعلبة من بني أسد بن خزيمة، وإلى جنبه ماءة يُقال لها:
____________________
(1) انظر أحسن التقاسيم - المقدسي.
(2) انظر تقويم البلدان - الملك المؤيد صاحب حماة / 97، طبع باريس.
(3) ومثله جاء في مراصد الاطّلاع. انظر عبد المؤمن 2 / 370، طبع أوربا.
الكهفة، وماءة يُقال لها: البعوضة، وبين فيد والجُبيل ستة وعشرون ميلاً. وقال ابن بليهد(1) : فيد: شهرته تغني عن تحديده، وهو باق باسمه إلى هذا العهد، وهو بين بلاد بني أسد وبلاد طيء، وهو بشرقي سلمى كما ذكره زهير حين قال: ماءٌ بِشَرقِيِّ سَلمى فَيدُ أَو رَكَكُ
ذكر ابن جبير قال: وأصبحنا على فيد يوم الأحد، وهي حصن كبير مبرج مشرف في بسيط من الأرض يمتد حوله ربض يطيف به سور عتيق البنيان. وهو معمور بسكّان من الأعراب يتعيّشون مع الحاج في التجارات والمبايعات وغير ذلك من المرافق، وهناك يترك الحاج بعض أزوادهم إعداداً للأرمال، والزاد عند انصرافهم، ولهم بها معارف يتركون أزوادهم عندهم.
وهذا نصف الطريق من بغداد إلى مكّة(2) على المدينة (شرفها الله)، أو أقل سيراً منها، ومنها إلى الكوفة اثنى عشر يوماً في طريق سهلة طيّبة، والمياه فيها بحمد الله موجودة في مصانع كثيـرة(3) .
وذكر البكري(4) : كان فيد فلاة من الأرض بين أسد وطيء في الجاهلية. فلمّا قدم زيد الخيل على رسول اللهصلىاللهعليهوآله أقطعه فيداً، كذلك روى هشام بن الكلبي، عن أبي مخنف في حديث فيه طول.
وأوّل مَنْ حفر فيه حفراً في الإسلام أبو الديلم مولى يزيد بن عمرو بن هبيرة، فاحتفر العين التي هي اليوم قائمة، وأساحها وغرس عليها فكانت بيده حتّى قام بنو العباس فقبضوها من يده، هكذا قال السكوني.
وشعر زهير، وهو جاهلي يدلّ [على] أنّه كان فيها شرب، وذلك قوله:
ثُمَّ اِستَمَرّوا وَقالوا إِنَّ مَشرَبَكُم |
ماءٌ بِشَرقِيِّ سَلمى فَيدُ أَو رَكَكُ |
____________________
(1) انظر صحيح الأخبار - محمد بن عبد الله بن بليد 3 / 181.
(2) وكذلك ذكر السكوني أنّ فيد نصف طريق الحاج من الكوفة إلى مكّة، وهي أثلاث؛ ثلث للعمريين، وثلث لآل أبي سلامة من همدان، وثلث لبني نبهان من طي. انظر المعجم - للحموي.
(3) انظر رحلة ابن جبير.
(4) انظر معجم ما استعجم - الوزير البكري / 717.
وفيد بشرقي سلمى كما ذكر. وسلمى أحد جبلي طيء؛ ولذلك أقطع رسول اللهصلىاللهعليهوآله زيداً (فيداً) لأنّها بأرضه.
وأوّل أجبلة على ظهر طريق الكوفة بين الأجفر وفيد جُبيل عنيزة، وهو في شق بني سعد بن ثعلبة من بني أسد بن خزيمة، وإلى جنبه ماءة يُقال لها: الكهفة، وماءة يُقال لها: البعوضة، وبين فيد والجبيل ستة عشر ميلاً.
وقد ذكر متمم بن نويرة البعوضة، فقال:
على مثل أصحابِ البعوضة فاخمشي |
لك الويلُ حرّ الوجه أو يبكِ مَنْ بكى |
وذكر الأصطخري(1) : وليس بين المدينة والعراق منزل يستقل بالعمارة والأهل جميع السنة مثل فيد.
ويُنسب إلى فيد جماعة، منهم: أبو محمد يحيى بن ضريس الفندي، وأبو إسحاق عيسى بن إبراهيم الفيدي. يُروى عن موسى الجهني. روى عنه عبد الله بن عامر بن زرارة الكوفي.
وبين فيد (ووادي القرى) ست ليال، وليس من دون فيد طريق إلى الشام، وبتلك المواضع رمال لا تسلك حتّى تنتهي إلى (زبالة)، والعقبة على الحزن، فربّما لم يوجد فيُتجنب سلوكه.
وإلى فيد يُنسب كثير من الرجال، وبينها وبين توز أحد وثلاثون ميلاً(2) . حدّث عبد الله بن عمرو، عن علي بن الصباح، عن هشام بن محمد، عن أبيه قال: سُميت بفايد بن حام من بني عمليق نزلها.
وحدّث أبو محمد الورّاق، عن أبي حذيفة مزبان بن حكيم العضبي - بطن من طي - قال: إنّما سُمّيت فيد؛ لأنّ مَنْ حولها يستفيد منها. وزعم أبو علي إسماعيل بن أبي محمد البريدي قلت: لأبي فيد مدرج بن عمرو العجلي ذلك. قال: الفيد: نور الزعفران.
وأخبرني بن أبي سعيد، عن عنيم بن نوابة الطائي، عن أبيه قال: ولاة فيد من بني بنهان من بني ورد.
وحدّث على بن حارث الموصلي قال: حدّثنا أبو المنذر هاشم بن الكلبي، أو قرأته عليه، عن أبي مخنف قال: وفد زيد
____________________
(1) انظر مسالك الممالك - إبراهيم الأصطخري المعروف بالكرخي / 20، طبع ليدن.
(2) انظر معجم البلدان - الحموي. وفي المخطوط: من فيد إلى توز أربعة وعشرون ميلاً.
الخيل على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فدخل المسجد والنبيصلىاللهعليهوآله يخطب، فقال: « إنّي اُجيركم من العمري ونبهانها، وممّا حازت متاع كلّ مار غير بقاع، ومن الجبل الأسود الذي تعبدونه من دون الله ».
فقال زيد الخيل، وكان من أجمل الرجال وأحسنهم: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّك رسول الله.
قالصلىاللهعليهوآله : « ومَنْ أنت؟ ». قال: أنا زيد الخيل بن مهلهل.
قالصلىاللهعليهوآله : « بل أنت زيد الخير. ما وُصف لي رجل إلاّ رأيته دون ما وُصف لي غيرك؛ فإنّك فوق ما وصف لي ». ثمّ انصرف.
فقالصلىاللهعليهوآله : « أي رجل إن سلم من أطام المدينة! ». وكتب له كتاباً ولبني نبهان فوادى عبد الله بن عمر.
وعن إبراهيم بن أُسامة، عن ثوابة بن سعيد المغني قال: فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « إنّي قد اقتطعتك فيداً وما حازت ». وكتب له الكتاب.
وأخبرني عبد الله بن بشر بن علي بن الصباح، قال غالب: وقيل: لمحمد بن حبيب الفقعسي:
سقى فايداً من أجلِ مَنْ حلَّ فايدا |
إلى ذي سلامان بروقُ اللوامحِ |
|
ربيعاً مريعاً جادَ حيناً ولية |
كأنّ بأيدي الممطرينَ المجادح! |
وجاء ذكر فيد في شعر زهير بن أبي سلمى المزني بقوله من معلّقته:
فَلا لُكانُ إِلى وادي الغِمارِ |
فَلا شَرقِيُّ سَلمى فَلا فَيدٌ فَلا رِهَمُ |
وبفيد قصر للسلطان، وبساتين وحصون وبعضها خربة، ومسجد وجامع ومنبر، وبها بركة مربّعة وثلاث عيون، وآبار ليست بالعذبة، فمن خيارها بئر يُعرف (بمسجد الملافينيين)، وهي بئر عبد الصمد، وبئر الفضل بن الربيع، وبئر عمر بن فرح، وبئر عمران بن عمر، وبئر يُعرف (بالطرخانية)، وثلاث بالعلاقين، وبئر تُعرف (بوهب)، والباردة التي خارج المنزل على الطريق حفرها (المهدي)، وعلى مقدار ميل من فيد على غير الطريق يسرة آبار كثيرة ماؤها طيّب ونخل ومزارع، وبناء يُقال له: (عزيزة).
وعلى ثلاثة أميال من فيد (العقيل)، وهو جبل ليس بالشاخص، وعلى خمسة أميال ونصف من فيد ثلاث آبار يُعرفن (بالمكا الكبار)، وهنّ بموضع يُقال له: (رحبة فروج) ابن حوران الأسدي، ورحبة (بني محاسن وعبد الملك)، وبالميل الأوّل قباب (لخالصة) يُقال لها:
(عشب ): وهو واد يقع يمنة الطريق، وعلى أحد عشر ميلاً ونصف من فيد بركة وحوض وبئر لعبد الله بن عمر يُسمّى (العزيز)، وهو المتعشى يسرة الطريق. والعريان: أكمتان سوداوان عن يسار الطريق وبرك مدوّرة، وبئر كثيرة الماء ليست بعذبة، وبحذاء هذه البركة بركة أخرى يسرة الطريق.
ويُقال للجبل الذي يمنة الطريق حيال هذه البركة (أحول)، وعن يساره جبل يُقال له: (بوص)، وفي هذا المبتدأ آثار ماء وأبيات للأعراب، وعن يسار الطريق وخلفه بركة تسمّى (الحنظلية) على وادٍ أعشب، وخلفها مسجد وقباب، وهو على تسعة أميال من توز يمنة ويسرة بئران لعبد الله بن مالك يُعرفان (بالوبرية)، وهنّ عند الميل التاسع من البريد، والأعراب يسمّونها (الحفرتين)، وهما بوادٍ يُقال له: (وادي البئر) التي يُنسب إليها هذا الوادي، يُقال له: الثبيطا.
(والثبيطا ): جبل يمنة الطريق على نحو ثلاثة أميال، ويُقال لهذا الجبل المشرف على هذا الموضع: (أحول). وقبل توز بأربعة أميال جبل (الأثرم) القريب منه بموضع يُقال له: (أبرق النعجة).
قال السكوني: وبين فيد ووداي القرى ست ليال، وليس من دون فيد طريق إلى الشام. وبتلك المواضيع رمال لا تسلك حتّى تنتهي إلى زبالة. والعقبة على الحزن، فربّما وجد به ماء، وربّما لم يوجد فيجب سلوكه.
قال ابن بلهيد(1) : فيد: بلد قديم جاهلي، وهو باق على اسمه هذا إلى هذا اليوم، وينسب إلى هذا البلد محمد بن يحيى بن ضريس الفيدي، ومحمد بن جعفر بن أبي مواتية الفيدي الكوفي، وهو عالم جليل سكن فيدا، يروي عنه موسى الجهني. روى عنه أبو عبد الله عامر بن فزارة الكوفي وغيره.
وبينها وبين توز أحد وثلاثون ميلاً، فحلّ الحسينعليهالسلام بفيد، ثمّ رحل عنها وقصد الأجفر.
وحلّ بالأجفرِ وهو منزلٌ |
تنزلهُ طيّ لوافرِ الكَلا |
(الأجفر ) : بضم الفاء، جمع جفر، وهو البئر الواسعة لم تطوَ؛ موضع بين
____________________
(1) انظر صحيح الأخبار - محمد بن عبد الله بن بليهد النجدي 1 / 127.
فيد والخزيمية، بينه وبين فيد ستة وثلاثون ميلاً على ما ذكره المقدسي. وقال الحموي: بستة وثلاثين فرسخاً.
وقال الهمداني(1) : ومنها إلى فيد ثمانية وعشرون ميلاً، وعرض الأجفر سبع وعشرون درجة وثلث. وقال الزمخشري: الأجفر: ماء لبني يربوع انتزعته منهم بنو جذيمة. وقال ابن جبر: الأجفر: مشهور عندهم بموضع جميل، وبثنية العذرين.
وفي المخطوط، عن بشر بن إبراهيم بن عطارد قال: الأجفر لسعد بن سواه من بني أسد. وعن داود بن عبد الملك بن حبيب بن تمام الفقسعي، عن أبيه: إنّ الأجفر سمّيت الأجفر لِحُفَرها وسعة قاعها، وكانت فيها في كلّ حفرة أقلبة، لكلّ بطن منها حفرة أكملت الأشياء. وسمّيت الأجفر بعد بني مروان، وكان اسمها في الجاهلية (السرفة)، فيها حفر لسعد بن سواه، وهي وسط البلد، وحفرة لهم أيضاً، وحفرة لبني نصر بن معين.
قال: وكانت حفرة اُخرى قليباً حولها فدفنوها، والحفرة: هي الهوة يحفرون في نواحيها القليبين والثلاثة.
ومن الأجفر إلى فيد سبعة وعشرون ميلاً طوال، وبها قصر ومسجد. وطريق العشيرة لمَنْ أراد أن لا ينزل فيداً، فيعدل من الأجفر، وهي مصعدة يسرة فينزل (المحربة)، وبها آبار ونخل، وبينها نحو من ثلاثين ميلاً. ثمّ يرتحل من المحربة فينزل العشيرة بها آبار عذبة وحصون ومزارع ونخل، وهي لأخلاط من العرب، وبينها نحواً من ثلاثين ميلاً، ثمّ يرتحل من العشيرة فيسير بقيّة يومه وليلته، ويأخذ ذات اليسار حتّى يخرج إلى الطريق الأعظم دون فيد بستة أميال عند البريد.
وبالأجفر بركة مدوّرة قطرها خمسون ذراعاً في عمق ثماني أذرع، وبها عدّة آبار؛ منها: الصادي، والحفرة، والمصبح، والشبرت، واللقماني، والجهمي، والسويدي، والعقيلي، والبحيري، والدبسي، والنخعي، والصهيبي، والمقابلتان، والعزوي، والعمري، والهديان، والمذري،
____________________
(1) انظر صفة جزيرة العرب - الحسن بن احمد الهمداني 1 / 183، طبع أوربا ليدن.
والوزيري، والوتري، والمسروري، والبوصيري، والبرمكي، والكوكبي، والسلامي، والعملي، وبئر، والقصر، وبئر الشجرة، والياقوتة عند النخل خارج المنزل، وهي أعذب الآبار، وبئر الخصى.
وعلى مقدار ميل ونصف من الأجفر ناحية عن الطريق يسرة المصعدة آبار كثيرة، فمن خيارها وكبارها خمس آبار يُعرفن بالحفايا مطوية بالحجارة من عمل المهدي؛ بئر تُعرف بالناشرية، وبئر البستان، وبئران يُعرفان بالفسيلتين. وعلى ثلاثة أميال من الأجفر يسرة بئر يُعرف بالحفايا أيضاً، وبعد ذلك على ستة أميال من الأجفر عادل يمنة الطريق وادٍ يُسمّى دعوة العقدة، ويُقال له: المئزيرة، وهو موضع آبار ليست بطيّبة الماء.
وعلى ستة أميال ونصف من الأجفر يمنة حوض عليه أزج معقود للماء يسمّى (خالصة)(1) ، ويُقال: إنّه هروي، وعنده بناء خرب يسرة. وعلى ثمانية أميال من الأجفر بركة زبيدية يُقال لها: (البله)، وعندها بئر كثيرة الماء وقباب ومسجد، والمنتصف بين وادي السلام ومكّة على طريق الجلدة، وبين الميل الثاني والثالث من البريد التاسع والعشرين، والبريد خلف البردة بميل يُقال له: (بريد السلم)، وخلفها بأربعة أميال ونصف على الطريق قصر، وبناء كبير وهو المتعشى عند بركة مربّعة يُقال لذلك الموضع: (ملك حردام)، وهو رجل داع لبني أسد، وخلفها بميلين ونصف يسرة بركة مربّعة تُسمّى (البرمكية)، بينها وبين فيد اثنى عشر ميلاً، وبحذاء البركة بئر ليس فيها ماء، وهي على وادٍ يُقال له: (سويط)، وهو يدفع ماء البركة.
ومنها يُرى جبلا طي، ومنها يعدل من لم يرد أن ينزل فيها فيأخذ على بطن (عوى)، وثلاثة أميال مبينة كان أبو جعفر يسلكها حتّى يخرج على (العرنين) عند المشرف خلف فيد باثني عشر ميلاً.
وبعضهم يخرج على سُميراء، وهو
____________________
(1) خالصة: بركة بين الأجفر والخزيمية بطريق مكّة، من الكوفة على ميلين من الأغر، وبينها وبين الأجفر أحد عشر ميلاً، منسوبة إلى خالصة من جواري الرشيد. انظر المشترك - شهاب الدين ياقوت بن عبد الله الحموي المتوفي 626 هجـ / 206 طبع ألمانيا غوتنجن.
طريق مختصر؛ كان الأوّل يُعرف (بالثعلبية) بعد قتل البرمكية (يميل عن صحرائها له إلى الثعلبية(1» ، تكون من البرمكية إلى الثعلبية إلى عوى ثلاثة أميال، وفيها آبار عذبة.
ومن العوى إلى العرس خمسة أميال. هذا الطريق أقرب بأربعة أميال، ولكنّه كثير التلال، وعلى ستة أميال من فيد حوض موسى بن عيسى عليه أزج معقود وقباب بين البريد. وقبل أن يدخل فيداً ببضعة عشر ميلاً تبدوا جبلا طي. والبريد الثلاثون عند الحوض يُقال له: (بريد فهدان)، وهو بريد (الكثيل).
والكثيل: جبل عن يسار الطريق. وفهدان: رجل كان يوقد عنده ويغسل.
وقيل: إنّ خالصة اشترت مئة عبد وقالت: انقلوا الحجارة حتّى تجعلوها من الأجفر إلى المنزل رصيفين، فإذا فرغتم فأنتم أحرار، ففعلوا ذلك، وكان الناس يتأذّون من المطر؛ لأنّه كان طيناً أخضراً.
فالحسينعليهالسلام كان طريقه على الأجفر هذا، ثمّ واصل المسرى إلى الخزيميّة.
وللخُزيميّةِ لَمّا أن أتى |
يوماً وليلة عن المسرى ونى |
|
فحدّثته زينبٌ بما وعتْ |
من هاتفٍ لَمّا نعى عند الدجى |
(الخزيميّة ) : بضم أوّله وفتح ثانيه تصغير خزم، منسوبة إلى خزيمة بن خازم فيما أحسب. وهو منزل من مناز الحجّ بعد الثعلبية من الكوفة. وقيل: الخزيميّة بالحاء المهملة، بينها وبين الثعلبية اثنان وثلاثون ميلاً على ما ذكره الحموي.
وذكر ابن قتيبة(2) في باب مضار الأطعمة ومنافعها، قال: بلغني عن فتى من أهل الكتاب أنّه قال: كنّا في طريق مكّة بالخزيمية، فأتانا أعرابي بكمأة في كساء قدر ما أطاق، فقلنا: بكم الكمأة؟ قال: بدرهمين. فاشتريناها منه ودفعنا الثمن، فلمّا نهض قال بعضنا: في است المغبون عود(3) . قال: بل عودان. وضرب
____________________
(1) هكذا في الأصل - المخطوط.
(2) انظر عيون الأخبار - ابن قتيبة 3 / 282، طبع بمصر.
(3) هذا مثل يضرب لمَنْ غبن.
الأرض برجله فإذا نحن على الكمأة.
قال بعض الشعراء:
جنيتها تملأ كفَّ الجاني |
سوداءَ ممّا قد سقى السواني(1) |
كأنّها مدهونةٌ بالبانِ(2)
وفي المخطوط: سمّيت بخزيمية بن خازم بما أحدث فيها من البناء، وهي المنارة والمسجد وهي لبني نهشل وأسد، ويُقال لبني مجاشع.
وبينها وبين الأجفر عشرون ميلاً ونصف، وبها ست آبار غليظة الماء؛ بئر تُعرف (برغوة) عليها حوض، وبئر الحمام عليها حوض، والواثقية عليها حوض، وبئر البستان، وبئر العروس، والخنبثية على مقدار ميل ونصف من الخزيميّة عادل عن الطريق بموضع يُعرف (بالمنتصفة)، وهناك قصر للخلفاء خراب كان الرشيد ربّما نزله، وفيه بئر تُدعى (البرود)، وقبالتها بئر أُخرى مثلها بينها حوض، وبئر أُخرى مثل هاتين البئرين عليها حوض، وبئران أُخريان مثلهما.
ومن المنتصفة إلى مه، وزرود خمسة أميال يُقال لها: السفحة، والبريد بها في تنفذ الرمل، ومن الخزيميّة إليها أربعة أميال ونصف، وزرود العتيقة التي كان الناس نزلوها زمن بني أمية. وعلى مقدار ميلين من الخزيميّة أيضاً موضع يُعرف بالقصر العتيق كان أبو جعفر المنصور بناه، وفيه بركة مربّعة يكون تسعين ذراعاً إلى خمس وأربعين(3) وحوض.
وعلى ستة أميال من الخزيميّة عادل عن الطريق بئر تُعرف بالهاشمية عذبة، والبريد قبل بركة عبد الله بن مالك بثلاثة أميال يُقال لها: سقيفة النهي، وقبل أن يبلغ بطن الأعر يسير من الرمل أكثر من ميلين، وفيه مواضع جدد، وهو جبل الأعر، ودون بطن الأعر طاهر الصفرين، والصفران يدفع ماء بركة عبد الله بن
____________________
(1) السواني: جمع سانية، وهي ما يُسقى عليه الزرع والحيوان من بعير وغيره.
(2) البان: شجر له ثمر يشبه قرون اللوبيا، وإذا انتهى انفتق وانتثر حبّه، ومنه يُستخرج دهن البان.
(3) هكذا في الأصل - المخطوط -.
مالك في بطن الأعر، وهي مربّعة لها مصفاة، وعندها ثلاث آبار، ماؤها عذب، عليها حياض وهو المتعشى، وبه حصن وكان هناك حوانيت يُباع فيها. وعلى ميل من بطن الأعر بئر تُعرف بالعباسيّة، ثمّ تنحدر العقبة على الرصيف، وهي حجارة فرش بها الطريق؛ لكثرة الوحل إلى المنزل من عمل خالصة.
والمسرف على ثلاثة أميال من بطن الأعر، وعقبة الأجفر على أربعة أميال من الأجفر؛ حجارتها مسنان الماء، وبظهر الأعر قباب وخزانة لخالصة وآبار وبيوت خربة. وقبل الأجفر بنحو من ميلين عند الرصيف بركة خالصة، ويقال: هي للخيزران، يمنة عن الطريق مربّعة.
قال الخوارزمي(1) : ولمّا نزل الحسينعليهالسلام الخزيميّة أقام بها يوماً وليلة، فلمّا أصبح جاءت إليه اُخته زينب بنت عليعليهالسلام (2) ، وقالت له:
____________________
(1) انظر مقتل الحسين - الخوارزمي، طبع النجف.
(2) ولدت زينب الكبرى بعد الحسينعليهالسلام في الخامس من شهر جمادي الأولى في السنة الخامسة للهجرة، وإنّما يُقال لها الكبرى للفرق بينها وبين مَنْ سُمّيت باسمها من أخواتها، وكنّيت بكنيتها.
وكانت زينب الكبرى تلقّب بالصدّيقة الصغرى؛ للفرق بينها وبين أمّها الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراءعليهاالسلام .
وألقابها: عقيلة بني هاشم، وعقيلة الطالبيِّين، والموثقة، والعارفة، والعالمة، والفاضلة، والكاملة، وعابدة آل علي. وكانت ذات جلال وشرف، وعلم ودين، وصون وحجاب، حتّى قيل: إنّ الحسينعليهالسلام كان إذا زارته زينب يقوم إجلالاً لها.
وروت الحديث عن جدّها رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وعن أبيها أمير المؤمنينعليهالسلام ، وعن أمّها فاطمة الزهراءعليهاالسلام .
قال ابن حجر: زينب بنت علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمية، سبطة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أمّها فاطمة الزهراءعليهاالسلام .
قال ابن الأثير: إنّها ولدت في حياة النبيصلىاللهعليهوآله ، وكانت عاقلة لبيبة جزلة، زوّجها أبوها من عبد الله بن جعفر فولدت له أولاداً، وكانت مع أخيها لمّا قُتل، فحُملت إلى دمشق، وحضرت عند يزيد بن معاوية. وكلامها ليزيد بن معاوية حين طلب الشامي أختها فاطمة مشهور يدلّ على عقل وقوّة جنان.
ذكر الحجّة سيّدنا هبة الدين الشهرستاني في نهضة الحسين، قال: لزينب أخت الحسينعليهالسلام شأن مهم، ودور كبير النطاق في قضية الحسين.
وذكر الاُستاذ حسن قاسم في كتابه (زينب): السيّدة الطاهرة الزكية زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب ابن عمّ الرسولصلىاللهعليهوآله ، وشقيقة ريحانتيه. لها أشرف نسب، وأجل حسب، وأكمل نفس، وأطهر قلب، فكأنّها صيغت في قالب ضمخ بعطر الفضائل.
فالمستجلي آثارها يتمثّل أمام عينيه رمز الحقّ، ورمز الفضيلة، ورمز الشجاعة، ورمز المروءة، وفصاحة =
يا أخي، ألا اُخبرك بشيء سمعته البارحة؟ قال لها: « وما ذاك يا أختاه؟ ». فقالت: إنّي خرجت البارحة في بعض حاجة، فسمعت هاتفاً يقول:
ألا يا عينُ فاحتفلي بجهدِ |
ومَنْ يبكي على الشهداء بعدي |
|
على قومٍ تسوقهمُ المنايا |
بمقدارٍ إلى إنجازِ وعدِ |
فقال لها الحسينعليهالسلام : « يا أختاه، كلّ ما قضى الله فهو كائن ».
قالوا: وسار الحسينعليهالسلام من الخزيميّة يريد الثعلبية، فمرّ في طريقه بزرود.
وبعدها وافى زرودَ وبها |
وافاه ناعي مسلمٍ ينعى الحجى |
|
تنفّسَ الحسينُ ثَمَّ الصُعدا |
ودمعهُ على ابن عمّه همى |
(زرود) : بفتح الزاء، والزرد: البلع. ولعلها سُمّيت بذلك لابتلاعها الماء التي تمطرها السحائب؛ لأنّها رمال.
قال البكري: زرود: بفتح أوّله وبالدال المهملة في آخره، وقال ابن دريد: زرود: جبل رمل، وهو محدود في رسم عالج، وفي رسم الوقيظ، وهو بين ديار بني عبس وديار بني يربوع، متصل بجدود.
قال أبو دؤاد:
زرودُ جدودٍ خير من أراطى |
ومن طلحِ اللحاءِ ومن أبالِ(1) |
____________________
= اللسان، وقوّة الجنان. مثال الزهد والورع، مثال العفاف والشهامة، إنّ في ذلك لعبرة. وفاتها قيل: سنة 63، وقيل: 65، كما اختلف أرباب التاريخ في قبرها؛ فمنهم من ذكر أنّها في الشام في قرية (راوية) حيث المزار اليوم والمشهد المشهور، يختلف إليه الزوّار من المسلمين لزيارتها من قديم الأحقاب.
والقرية التي فيها القبر الماثل اليوم تُسمّى باسمها (قرية الست زينب)، وقال آخرون، ولا أشك أنّه هو الصحيح: إنّ هذا الذي بدمشق هو قبر شقيقتها اُمّ كلثوم (زينب الصغرى) بنت الإمام عليعليهالسلام ، وأمّا زينب الكبرى فمرقدها في مصر، مشهد معلوم يُزار ويُتبرك به كما حقّقه المؤرّخون.
وقد أُلّفت كتب عديدة في سيرتها وترجمتها، وآخر ما ظهر كتاب (بطلة كربلاء) للفاضلة بنت الشاطئ، إذ قالت في خاتمة كتابها: بطلة استطاعت أن تثأر لأخيها الشهيد العظيم، وأن تسلّط معاول الهدم على دولة بني اُميّة، وأن تغيّر مجرى التاريخ.
(1) انظر معجم ما استعجم - البكري / 436، اللحاء: موضع. والطلح: شجر من العضاة. وأبال: موضع قريب من أراطى.
قال ابن الكلبي، عن الشرفي: زرود، والشقرة، والربذة. بنات يثرب بن قانية بن مهليل بن رخام بن عبيل أخي عوض بن أرم بن سام بن نوح، وتُسمّى زرود العقبة، وفي زرود بركة وقصر وحوض.
قالوا: أوّل الرمال الشيحة، ثمّ رمل الشقيق، وهي خمسة أجبل؛ جبلا زرود، وجبل الغر، ومريخ وهو أشدّها، وجبل الطريدة وهو أهونها حتّى تبلغ جبال الحجاز.
ويوم زرود من أيّام العرب مشهور بين بني تغلب وبني يربوع(1) . ذكر النويري(2) قال: غزا الحوفزان حتّى انتهى إلى زرود خلف جبل من جبالها، فأغار على نعم كثير لبني عبس فاجتازوها، وأتى الصريخ لبني عبس فركبوا، ولحق عمارة بن زياد العبسي الحوفزان فقال: يا بني شريك، قد علمتم ما بيننا وبينكم. قال الحوفزان وهو الحارث بن شريك: صدقت يا عمارة، فانظر كلّ شيء هو لك فخذه. فقال عمارة: لقد علمت نساء بكر بن وائل إنّي لم أملأ أيدي أزواجهن وأبنائهن شفقة عليهنّ من الموت. فحلّ عمارة النعم ليرده، وحال الحوفزان بينه وبين النعم فعثرت بعمارة فرسه فطعنه الحوفزان، وطعنه نعامة بن عبد الله بن شريك، وأُسر ابنا عمارة؛ سنان وشداد.
وكان في بني عبس رجلان من طيء ابنان لأوس بن حارثة مجاورين لهم، وكان لهما أخ أسير في بني يشكر، فلمّا فقدته بنو شيبان نادوا: يا لثارات معدان، فعند ذلك قتلوا ابني عمارة، وهرب الطائيان بأسرهما، فلما برئ عمارة من جراحه أتى طيئاً، فقال: ادفعوا إليّ هذا الكلب الذي قُتلنا به.
فقال الطائي لأوس: ادفع إلى بني عبس صاحبهم. فقال لهم: تأمرونني أن أعطي بني عبس قطرة من دمي، وإنّ ابني أسير في بني يشكر؟! فوالله ما أرجو فكاكه إلاّ بهذا. فلمّا قفل الحوفزان من غزوه بعث إلى بني يشكر في ابن أوس، فبعثوا به إليه، فافتدى به معدان.
وقال نعامة بن شريك:
____________________
(1) انظر معجم البلدان - ياقوت الحموي.
(2) انظر نهاية الأرب - النويري 15 / 415.
استنزلتْ رماحُنا سنانا |
وشيخُنا بطخفةٍ عنانا |
|
ثمّ أخوه قد رأى هوانا |
لمّا فقدنا بيننا معدانا |
هذا يوم زرود الأوّل، وهناك يوم زرود الثاني، وهو لبني يربوع على بني تغلب.
ذكر النويري(1) : أنّه أغار خزيمة بن طارق التغلبي على بني يربوع وهم بزرود، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثمّ انهزمت بنو تغلب، واُسر خزيمة بن طارق، أسره أنيف بن جبلة الضبي، وهو فارس السليط، وكان يومئذ نفيلاً(2) في بني يربوع، وأسيد بن حناءة السليطي فتنازعا فيه، فحكّما بينهما الحارث بن قراد، فحكم بناصية خزيمة للأنيف على أنّ لأسيد على أنيف مئة من الإبل. قال: ففدى خزيمة نفسه بمئتي بعير وفرس.
قال أنيف:
أخذتكَ قسراً يا خزيمُ بنَ طارق |
ولاقيتَ منّي الموتَ يومَ زَرودِ |
|
وعانقتهُ والخيلُ تُدمى نحورُها |
فأنزلته بالقاعِ غيرَ حميدِ |
وقال ابن الكليحة اليربوعي(3) : وكانت كلمت فرسه فتراخت به حتّى إذا أسره أنيف دونه:
تداركَ أرخاءُ العرارةِ دونها |
وقد جعلتني من جذيمةَ أصبعا |
وفيها يقول:.
فقلتُ لكأسٍ ألجميها فإنّما |
حللنا الكثيبَ من زرودٍ لنقرعا |
ذكر ابن بليهد(4) قال: زرود هو مشهور على اسمه إلى هذا العهد لم يتغيّر منه حرف واحد، هو في وسط رمال عالج، وهي محيطة به من كلّ جانب، وطرقه صعبة المنافذ، وفي الجهة الجنوبية منه جبلان من رمل يُقال لهما: الشامات، وفيهم
____________________
(1) انظر نهاية الأرب - النويري 15 / 383.
(2) النفيل: الغريب.
(3) انظر معجم ما استعجم - البكري / 436.
(4) انظر صحيح الأخبار / 249.
مَنْ يضيفها إلى زرود، فيقول: شامات زرود، وهي التي ذكرها عمر بن كلثوم في معلّقته حين قال:
وأنزلنا البيوتَ بذي طلوحِ |
إلى الشامات تنفي الموعدينا |
وزرود هي المحطّة المشهورة في طريق حاج بغداد، وقد ذكر أبو الفرج الأصبهاني في (الأغاني): أنّ أبا جعفر المنصور لمّا نزل زرود، وهو ماء لبني أسد، وعزم على الرحيل، وهو والربيع عديلان على جمل، قال لبني أسد: هل عندكم حادٍ يحدينا هذه الليلة؟
قالوا: نعم يا أمير المؤمنين، عندنا الذي يحدي بالملوك. فقال: عليّ به. فاندفع يتغنّي إلى الصبح، فاستأذن للرجوع إلى أهله، فقال الخليفة للربيع: ادفع له خمسين درهماً. فلمّا دفعها له قال الرجل للربيع: إنّي حدوت بهشام بن عبد الملك في هذا الطريق ودفع لي خمسين ألف درهماً. فأخبر الربيع الخليفة، فقال: اقذفه في السجن حتّى يدفعها إليك يا ربيع؛ فهي من بيت مال المسلمين الذي جمعته بنو اُميّة. فسقط في يد الأسدي، ثمّ جاء الأسديون يستنجدون بالربيع أن يطلق لهم صاحبهم، فكلّم الخليفة وعفا عنه.
وذكر ابن جبير(1) زرود في رحلته، فقال: وهذه في بسيط من الأرض فيها رمال منهالة، وبها خلق كثير داخله ديراوات صغار شبيه بالحصن، يُعرف بهذه الجهات بالقصر، والماء بهذا الموضع في آبار غير عذبة.
وفي المخطوط: حدّث أبو محمد الوراق، عن علي بن الصباح، عن هشام بن محمد، عن أبيه قال: سُمّيت بزرود؛ إنّ زرود وشقرة ابنتي يثرب بن قانية بن مهلهل بن رخام بن عبيل بن عوض بن أرم بن سام بن نوح.
وزرود قبل الخزيميّة بميل ونصف، وهي لبني أسد وبني نهشل أيضاً، وفيها من الآبار العامرة والمدفونة نحواً من عشرين بئراً ماؤها غليظ، وبها قصر وحوانيت وبركة ماء وحوض على بئر كبير.
قال الشماخ بن ضرار:
وراحت رواحاً من زرودٍ فنازعتْ |
زُبالةَ جلباباً من الليلِ أخضرا |
____________________
(1) انظر الرحلة - ابن جبير / 163.
وروي أنّ الرشيد حجّ في بعض الأعوام، فلمّا أشرف على الحجاز تمثّل بقول الشاعر:
أقولُ وقد جزنا زرودَ عشيةً |
وراحت مطايانا تؤمُ بنا نجدا |
|
على أهلِ بغدادَ السلامُ فإنّني |
أزيدُ بسيري عن بلادهمُ بعدا |
ولقد أكثر الشعراء بذكر زرود في أشعارهم، كمهيار الديلمي بقوله:
ولقد أحنُّ إلى زرودَ وطينتي |
من غيرِ ما جُبلت عليهِ زرودُ |
|
ويشوقني عجفُ الحجازِ وقد طفا |
ريفُ العراقِ وظلّهُ الممدودُ |
|
ويغرّدُ الشادي فلا يهتزّني |
وينالُ منّي السائقُ الغرّيدُ |
|
ما ذاك إلاّ أنّ أقمارَ الحمى |
أفلاكهنَّ إذا طلعنَ البيدُ |
وجاء ذكر زرود بشعر بن سنان الخفاجي، قال:
يا زمانُ الخيفِ هل من عودةٍ |
يسمحُ الدهرُ بها من بعدِ ضنِّ |
|
أرضينا بثنيّاتِ اللوى |
عن زرودٍ يا لها صفقةُ غبنِ |
وللشيخ عباس الملا علي (ره) يذكر زرود بقوله(1) :
ضربوا في رُبى زرودٍ خياما |
ألا تناءت تلكَ الرُّبى والخيامُ |
|
ما حنيني إلى زرودٍ ولا را |
مهُ لولاهمُ بهالي مرامُ |
|
أنعموا بالوصالِ عيني زمانا |
ثمّ صدّوا فصدَّ عنها المنامُ |
|
واصلوني حتّى إذا ملكوا القلـ |
ـبَ جفوني فاعتادَ جسمي السقامُ |
|
لم يراعوا يومَ الوداعِ ذماماً |
لمحبٍّ وللمحبِّ ذمامُ |
|
أمنَ العدلِ أنّهم يومَ بانوا |
أيقضوا جفني القريحَ وناموا(2) |
وهناك شعر كثير يذكر، ويترد فيه اسم زرود فليطلب من مضانّه.
____________________
(1) من ديوان الشيخ عباس الملا علي البغدادي النجفي الذي أخرجه حدثاً الاُستاذ اليعقوبي إلى عالم النشر، مع تعاليق مفيدة، وتراجم بعض الممدوحين وغيرهم.
(2) وأرقّ منه قول مهيار:
رحلتم وعمرُ الليلِ فينا وفيكمُ |
سواءٌ ولكن ساهرونَ ونوّمُ |
وفي زرود جاء نعي مسلم بن عقيل للحسينعليهالسلام .
ذكر شيخنا المفيد(1) ، عن عبد الله بن سليمان والمنذر بن المشعل الأسديان قالا: لمّا قضينا حجّنا لم تكن لنا همّة إلاّ اللحاق بالحسينعليهالسلام في الطريق؛ لننظر ما يكون من أمره، فأقبلنا ترقل بنا ناقتانا مسرعين حتّى لحقناه بزرود، فلمّا دنونا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين، ووقف الحسينعليهالسلام كأنّه يريده، ثمّ تركه ومضى ومضينا نحوه، فقال أحدنا لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا الرجل لنسأله، فإنّ عنده خبر الكوفة.
قالا: فمضينا حتّى انتهينا إليه فقلنا: السلام عليك، فردّ علينا السلام، فسألنا: ممّن الرجل؟ فقال: أنا بكر ابن فلان الأسدي، فانتسبنا له وانتسب لنا، ثمّ قلنا: أخبرنا عن الناس وراءك. قال: لم أخرج من الكوفة حتّى قُتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة(2) ، ورأيتهما
____________________
(1) انظر الإرشاد - الشيخ المفيد.
(2) كان هاني بن عروة هو وأبوه من وجوه الشيعة. ويروى أنّه كان كأبيه صحابيّاً، وحضر مع أمير المؤمنينعليهالسلام حروبه الثلاث، وهو القائل يوم الجمل شعراً:
يا لكِ حرباً حثّها جمالُها |
يقودُها لنقصها ضلاّلُها |
هذا عليٌّ حولهُ أقيالُها
وروى المسعودي: أنّه كان شيخ مراد وزعيمها، وكان يركب في أربعة آلاف دراع وثمانية ألف راجل، فإذا تلاها أحلافها من كندة ركب في ثلاثين ألف دراع، وكان معمّراً. وذكر بعضهم: أنّ عمره كان ثلاثاً وثمانين سنة، وقيل: بضع وتسعين سنة.
وكان يتوكأ على عصا بهازج، وهي التي ضربه ابن زياد بها لمّا أُحضر عنده حتّى هشّم أنفه وجبينه، وسمع الناس الهيعة فأطافت مذحج بالدار، فخرج إليهم شريح القاضي، فقال: ما به بأس، وإنّما حبسه أميره، وهو حيّ صحيح. فقالوا: لا بأس بحبس الأمير. وبقي هاني عنده إلى أن قبض على مسلم فقتلهما معاً؛ أمّا مسلم فقد قتله بكير ورمى بجسده من على القصر إلى الأرض؛ وأمّا هاني فإنّه أُخرج إلى السوق التي يُباع فيها الغنم مكتوفاً، فجعل يقول: وا مذحجاه! ولا مذحج لي اليوم. وا مذحجاه! وأين منّي مذحج. فلمّا رأى أنّ أحداً لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف، ثمّ قال: أما من عصا، أو سكين، أو حجر يحاجز به رجل عن نفسه؟! فتواثبوا عليه وشدّوه وثاقاً، ثمّ قيل: مدّ عنقك. فقال: ما أنا بها جدّ سخي، وما أنا معينكم على نفسي.
فضربه رشيد التركي مولى عبيد الله فلم يصنع به شيئاً، فقال هاني: إلى الله المعاد، اللّهمّ إلى رحمتك ورضوانك. ثمّ ضربه آخر فقتله، وكان يوم التروية، وفي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي: =
إن كنتِ لا تدرين ما الموتُ فانظري |
إلى هانئٍ بالسوق وابن عقيلِ |
|
إلى بطلٍ قد هشّم السيفُ وجهَهُ |
وآخر يهوي من طمار قتيلِ |
|
تَري جسداً قد غيّر الموتُ وجهَهُ |
ونضحَ دم قد سال كلَّ مسيلِ |
|
أيركب أسماءُ الهماليجَ آمناً |
وقد طلبتهُ مذحجٌ بذحولِ |
|
تطيفُ حواليه مرادٌ وكلهمْ |
على رقبة من سائلٍ ومسولِ |
يُجرّان من أرجلهما في الأسواق.
قالا: ثمّ ودّعنا ومضى، ورجعنا حتّى لحقنا الحسينعليهالسلام فسلّمنا عليه، فردّ علينا السلام، فقلنا له: رحمك الله، إنّا عندنا خبراً إن شئت أخبرناك به علانية.
قالا: فنظر إلينا وإلى أصحابه، ثمّ قال: « ما دون هؤلاء سرّ ». فقلنا: رأيت الراكب الذي استقبلته عشية أمس؟
قال: « نعم، وقد أردت مسألته ». فقلنا: قد والله استبرأنا لك خبره، وكفيناك مسألته؛ وهو امرؤ منّا ذو رأي وصدق وعقل، وأنّه حدّثنا أنّه لم يخرج من الكوفة حتّى قُتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة، ورآهما يُجرّان من أرجلهما في الأسواق.
فقالعليهالسلام : « إنّا لله وإنّا إليه راجعون، رحمة الله عليهما ». وصار يردّد ذلك مراراً، فقلنا: ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلاّ انصرفت من مكانك هذا من حيث أتيت؛ فإنّه ليس لك بالكوفة ناصر ولا معين ولا شيعة، بل نتخوّف عليك.
فنظر إلى بني عقيل، فقال: « ما ترون وقد قُتل مسلم بن عقيل؟ ». فقالوا: والله لا نرجع حتّى نصيب ثارنا أو نذوق ما ذاق مسلم. فأقبل علينا الحسينعليهالسلام وقال: « لا خير في العيش بعد هؤلاء ». فعلمنا أنّه قد عزم رأيه على المسير، فقلنا: خار الله لك. قال: « رحمكم الله ».
ثمّ قال له أصحابه: إنّك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل، ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع. فسكت، ثمّ انتظر حتّى إذا كان السحر قال لفتيانه وغلمانه: « أكثروا من الماء ». فاستقوا وأكثروا، ثمّ ارتحل من زرود حتّى انتهى به السير إلى الثعلبية.
ثمّ أتى للثعلبيّةِ التي |
بطان بعدها ومن ثمّ سرى |
(الثعلبية ) : بفتح أوّله، من منازل الحجّ من الكوفة بعد الشقوق. قال البكري: منسوبة إلى ثعلبة بن دودان بن أسد، وهو أوّل مَنْ احتفرها، وهي ماء
عوابسُ تقروا الثعلبيةَ ضمّراً |
وهنَّ شواجٌ بالشكيمِ الشواجرِ(1) |
لبني أسد. وقيل الخزيميّة هي ثلثا الطريق، وأسفل منها ماء يُقال له: الضويجعة، على ميل منها مشرف، ثمّ تمضي فتقع في برك يُقال لها: برك حمد السبيل، ثمّ تقع في رمل متّصل بالخزيمية.
وذكر صاحب حماة: أنّ الثعلبية ثلث طريق حجّاج العراق. وذكر في كتاب الأطوال: أنّ طول الثعلبية سحل، وعرضها كحل(2) ، ومن الثعلبية إلى قبر العبادي 29 ميلاً(3) .
قالوا: وإنّما سمّيت بثعلبة بن عمرو بن مزيقياء بن عامر ماء السماء. قيل: لمّا تفرّقت أزد مأرب لحق ثعلبة بهذا الموضع فأقام به فسمّي به، فلمّا كثر ولده وقوّي أمره رجع إلى نواحي يثرب فأجلى اليهود عنها، فولده هم الأنصار.
قال الزجاجي: سمّيت الثعلبية بثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وهو أوّل مَنْ حفرها ونزلها.
وقال ابن الكلبي: سمّيت برجل من بني دودان بن أسد يُقال له: ثعلبة أدركه النوم بها فسمع خرير الماء في نومه فانتبه، وقال: أقسم بالله إنّه لموضع ماء، وأستنبطه وابتناه، وينسب إلى ثعلبة عبد الأعلى بن عامر الثعلبي عداده في الكوفيين.
روى عن محمد بن الحنفيّة(4) ، ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وسعيد بن جبير(5) ، ويُقال
____________________
(1) انظر المعجم - البكري 1 / 241.
(2) انظر تقويم البلدان - الملك المؤيد / 67 طبع باريس.
(3) المصدر نفسه / 101.
(4) انظر كتابنا - محمد بن الحنفيّة / 106 طبع طهران.
(5) سعيد بن جبير (ره) كوفي تابعي، مشهور بالفقه والزهد والعبادة وعلم تفسير القرآن، وكان قد أخذ العلم عن ابن عباس، وكان يُسمّى جهبذ العلماء، ويقرأ القرآن في ركعتين. قيل: وما على وجه الأرض أحد إلاّ وهو محتاج إلى علمه، وكان علي بن الحسين السجّادعليهالسلام يثني عليه.
قال أرباب التاريخ: احتجّ سعيد بن جبير على الحجّاج بأنّ الحسن والحسينعليهماالسلام من أولاد رسول اللهصلىاللهعليهوآله حقيقة؛ لقوله تعالى: ( ووهبنا له إسحاق ويعقوب - إلى قوله تعالى - وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كلّ من الصالحين ).
ولمّا أُدخل على الحجّاج قال له: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير، فقال: بل شقي بن كسير. قال: أمّي
حديثه عن ابن الحنفيّة صحيفته.
وفي الثعلبية أغار الضحّاك على الحاج ونهب أمتعتهم، وذلك إنّ معاوية بن أبي سفيان دعا الضحّاك بن قيس الفهري وقال له: سرّ حتّى تمرّ بناحية الكوفة وترتفع عنها ما استطعت فمَنْ وجدته من الأعراب في طاعة علي فأغر عليه، وإن وجدت مسلحة أو خيلاً فأغر عليها، وإذا أصبحت في بلدة فأمس في أخرى، ولا تقيمن لخيل بلغك أنّها قد سرحت إليك لتلقاها فتقاتلها، فسرحه فيما بين ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف.
فأقبل الضحّاك فنهب الأموال، وقتل مَنْ لقي من الأعراب حتّى مرّ بالثعلبية فأغار على الحاج فأخذ أمتعتهم، ثمّ أقبل فلقي عمرو بن عميس الذهلي، وهو ابن أخي عبد الله بن مسعود صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقتله في طريق الحاج عند القطقطانية(1) ، ومعه اُناس من أصحابه(2) ، وقد نزل الثعلبية سعيد بن عمر وأقام بها ثلاثة أشهر، وذلك قبل وقعة القادسية حتّى تلاحق به الناس
____________________
= كانت أعرف بي إذ سمّتني سعيداً. فقال له: شقيت وشقيت اُمّك، ما تقول في أبي بكر وعمر أفي الجنّة هما أم في النار؟ قال: لو دخلت الجنّة فنظرت إلى أهلها لعلمت مَنْ فيها، ولو دخلت النار ورأيت أهلها لعلمت مَنْ فيها. قال: فما قولك في الخلفاء؟ فقال سعيد: لست عليهم بوكيل. قال: أيهم أحبّ إليكم؟ قال: أرضاهم لخالقي. قال: فأيّهم أرضى للخالق؟ قال: علم ذلك عند الذي يعلم سرّهم ونجواهم. قال: أبيت أن تصدقني؟ قال: بلا، لا اُحبّ أن أكذبك. ثمّ قال له الحجّاج: اختر أي قتلة شئت أن أقتلك؟ قال: اختر لنفسك فإنّ القصاص أمامك.
ولمّا أُحضر له النطع وأرادوا قتله استقبل القبلة قائلاً:( وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ) . فقال الحجّاج: وجّهوا وجهه على غير القبلة. فقال:( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) . قال: كبّوه على وجهه. فقال:( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ) . ثمّ ذُبح على النطع (رحمه الله).
قيل: لم يبقَ بعده الحجّاج إلاّ خمس عشرة ليلة، ولم يقتل بعده أحداً؛ لدعائه، حيث قال: اللّهمّ لا تسلّطه على أحد يقتله بعدي. وكان قتله سنة 95 هـ وهو ابن تسع وأربعين سنة.
(1) القطقطانة: تقع قرب قصر مائل، وتُسمّى اليوم الحياضية، فيها مخفر شرطة عراقية.
(2) انظر الطبري 6 / 78.
بعدها الوقعة الميمونة، وفتح الله على المسلمين(1) .
وقال ابن جبير(2) يصف الثعلبية: ولها مبنى شبه الحصن خرب لم يبقَ منه إلاّ الحلق، وبإزائه مصنع عظيم كبير الدور من أوسع ما يكون من الصهاريج وأعلاها، والمهبط إليه بأدراج كثيرة من ثلاث جهات، وكان فيه من ماء المطر ما عمّ جميع المحلّة، ووصل إلى هذا الموضع جمع كثير من العرب رجالاً ونساءً، واتّخذوا به سوقاً عظيمة حفيلة للجمال والكباش، والسمن واللبن وعلف الإبل، فكان يوم سوق نافقة.
وفي المخطوط: حدّث عبد الله بن عمرو قال: حدّثني عبّاد بن إبراهيم بن إسماعيل بن عطا الثعلبي قال: سمعت حازم بن محراس يخبر عن أبيه: أنّ رجلين مرّا فاستسقى أحدهما فلم يسقَ، فلمّا جازا قال أحدهما للآخر: والله، لو سقوني لدللتهم على ماء لا ينزف. قال: فسمعها عقبة بن سهل من بني ثعلبة بن مالك، وكان يقال له: العوّاء؛ وذلك إنّه عوى عليها حين أُخذت منه.
وهو الذي سمّى الأسامي فيها من جمادها وشعابها وأوديتها، وإنّ مالكاً كان في منزل يُقال له: الطريقين، من الثعلبية على ميلين، وهي على غير منقب - ومنقب: الطريق - وكان في غنمه، فورد عليه رجلان من الشمامين وطلبا السقي، فتثاقل عنهما، ومضيا حتّى إذا كانا بالسامة من وراء الجبل، والجبل رمل وراه شقيقة جلد، قال أحدهما للآخر: لو سقانا لدللناه على ماء لا ينزف.
وكان منخرق السمع، فسمعهما وهو على ثلاثة أميال، فلحقهما بأداوة من ماء، فاعتذر إليهما وسقاهما، فأخبراه عن الثعلبية، ووصفا له الوادي، وقالا له: عليك بلسان الطريق فاحتفر فيه. فأوّل ما حفر فيه (الزوراء) من ذلك حتّى أنبط الماء - والزوراء وراء الحصن - ثمّ حفر (الجوفاء)، ثمّ حفر (العسيل) التي إلى جانب عسيلة أبي جعفر، ثم حفر (الحلقا)، ويُقال: إنّ الذي حفر العسيلة هو أبو جعفر بعد ذلك، وحفر أهل بيت عتبة بنو سريح وبنو عويمر أكثر من أربعمئة ركية، وانتقل عقبة إلى الرقة.
وعسيلة أبي جعفر هي أطيّب ركية بالثعلبية، وذكروا إنّ الثعلبية كانت ذات شجر، ولم يكن بها ماء، وكانت لبني ثعلبة بن مالك بن
____________________
(1) انظر فتوح البلدان - البلاذري / 255.
(2) انظر رحلة ابن جبير / 163.
ثعلبة، وإليهم نسبت الثعلبية، وكانت مياه الحرث بن سعد محيطة بها، وكان الزبير بن مالك بن سريح منخرق السمع يسمع الكلام من مسيرة ثلاثة أميال، وكان يرعى غنماً له بموضع يُقال له: حمد السيل من الثعلبية على ثمانية أميال، وكان أهلها على ثمد لهم يُقال له: الطريقة، من الثعلبية على ثلاثة أيّام، فمرّ رجلان من الشمامين الذين يعرفون مواضع الماء فقالوا لأهل الزبير بن مالك: اسقونا الماء. ثمّ ذكروا نحواً من الأحاديث المارة الذكر، إلاّ إنّه قال: فجاءت بنو ثعلبة مالك أبى الزبير فاشتجروا في الماء كلّ يدّعيه، فتحاكموا إلى والي المدينة فقضى أنّ الماء لمَنْ احتفره.
حدّثني أبو محمد الوراق، عن عقيل بن محمد بن شمردل الأسدي قال: قال رجل نعامي من نعامة بن صعب بن أسد بن خزيمة: ومرّ على ماء الشقوق فمنعوه ماءها، فقال:
قد قلتُ للعيسِ افردي بالبردِ |
الماءُ ماءُ الحرثِ بنِ سعدِ |
هناك تروينَ بغيرِ نقدِ
يعني ماء الثعلبية.
وحدث بن أبي السعد، عن داود بن محمد بن عبد الملك الأسدي، عن أبيه، عن جدّه: أنّ الثعلبية أُحدثت في زمن عبد الملك بن مروان.
قالت ليلى الأخيلية(1) :
عَوابِسَ تَعْدُو الثّعْلَبِيَّةَ ضُمَّراً |
وَهُنَّ شَواحٍ بالشّكِيمِ الشَّواجِرِ |
وقال عمرو بن شأس الأسدي:
أتعرفُ منزلاً من آل ليلى |
أبى بالثعلبيّةِ أن يريما |
وذكر ابن بليهد(2) قال: ولمّا خرجت أياد من تهامة نزلوا ناحية نجد، ثمّ ساروا قبل العراق حتّى نزلوا الشقيقة، فتواثقوا هناك مع مرزبان من مرازبة الفرس، وأتوا حتّى أقاموا بالثعلبية، فلمّا انقضى أمد العهد أجلهم أياد عن الثعلبية، ثمّ ساروا حتّى نزلوا الجبل من السواد وهزموا هنالك جيشاً للفرس، ثم ساروا
____________________
(1) انظر معجم ما استعجم - البكري / 220 طبع أوربا.
(2) انظر صحيح الأخبار - محمد بن عبد الله بن بليهد 3 / 182.
حتّى نزلوا الجزيرة ونفوا قوماً من العماليق كانوا بها، ونزلوا الموصل وتكريت، فلمّا ملك كسرى أنوشروان بعث إليهم ناساً من بكر بن وائل مع الفرس فهزموا أياداً ونفوهم إلى قرية يُقال لها: الحرجية، بينها وبين الحصنين فرسخان فالتقوا بالحرجية وقتلت، وقبورهم بها إلى اليوم، وسارت بقيّتهم إلى أرض الروم وبعضها إلى حمص.
وذكر ابن بليهد أيضاً(1) (الثعلبية): تحمل هذا الاسم إلى هذا العهد، وهي لبني أسد في الجاهلية وفي صدر الإسلام. ويُقال لها في هذا العهد: (الثعيلبي)، سكنته شمّر وبنوا به قصوراً، وحفروا به آباراً، وغرسوا فيه نخيلاً.
وبين الثعلبية والخزيمية ثلاث وعشرون ميلاً، وبها بئر تُعرف ببئر (النسبان)، وبئر أخرى تُعرف (بالمنصور)، وبئر أُخرى تُعرف ببئر (عقبة) عليها حوض، وبئر تُعرف (بالمخالصية)، وبئر تُعرف (بالمطهرية)، وبئر تُعرف ببئر (آس)، وبئر تُعرف (بأبي المحسر)، وبئر تُعرف لمحمد بن الربيع، وآبار متفرّقة كثيرة العدد.
وبالثعلبية قصر ومسجد جامع، وبركتان مربّعتان؛ أحدهما تُعرف (بالكبرى) وهي المهدية، ولها مصفاة وبركة حيال القصر تُعرف (بالخالصة) مربعة.
ومن الآبار الكبار والصغار أكثر من ثلاثين بئراً تُعرف بالكرارير والموالي، وثلاث آبار يُقال لها: الوطاء، والجوفاء، والزوراء. وبين السابع من البريد إلى الخزيميّة شقائق رمل يُقال له: الوعساء، ودون الميرا بثلاثة أميال رمل يُقال له: جبلا زرود. والمسرف بطرف الوعساء على ميل ونصف من العميس.
قال الشاعر يذكر الوعساء، وذكره ابن بليهد أنّه صاحبه ذو الرمة.
أَيا ظَبيَةَ الوَعساءِ بَينَ جُلاجِلٍ |
وَبَينَ النَقا أَأَنتِ أَم أُمُّ سالِمِ |
ذكر ابن بليهد جلاجل، وقال: لا أعلم اليوم موضعاً بهذا الاسم(2) .
____________________
(1) انظر صحيح الأخبار - محمد بن عبد الله بن بليهد 3 / 182.
(2) المصدر نفسه 1 / 79.
وقبل أن تصل إلى الخزيميّة بأربعة أميال مفرق الطريق الأيمن إلى الهاشمية وهو المنتصف، والطريق الأوسط قصر أمّ جعفر، والطريق الثالث إلى الخزيميّة وهي المجاشعية، وليس في طريق الخزيميّة من حدّ الرمل الذي قبلها بثلاثة أميال، إنّما الأميال في الطريق الأول عن يمين نراها من بعد الخزيميّة، دونها البريد بسبعة أميال موضع يُقال له: داره.
وعلى مقدار ميلين من الثعلبية بئر تُعرف بالبرمكي، وبئر تُعرف بالبستان. وعلى ثلاثة أميال من الثعلبية بركة وقباب ومسجد، والبركة مدوّرة تسمّى القبعة، وهي قبعة حفاف؛ وإنّما سمّيت قبعة لأنّها تقبع من الرمل - وهي الحزن - وهي تُزرع، وعند بركة القبعة عند الأميال الثلاثة المتفرّقة.
والطريق العتيق يسرة الطريق الآخر، وهي أقرب الطريقين بميل وأسهلها، تخرج عند بركة العميس. وأوّل الرمل الغليظ عند القصر يسرة بركة يُقال لها: العميس.
قال أرباب السير: كان نزول الحسينعليهالسلام الثعلبية وقت الظهيرة، فوضع رأسه فرقد، ثمّ استيقظ وقال: « قد رأيت هاتفاً يقول: أنتم تسيرون والمنايا تسرع بكم إلى الجنّة ».
ولقد نظم هذا المعنى المغفور له الشيخ حسن الدمستاني (ره)(1) ، قال:
بينما السبطُ بأهليهِ مجدّاً بالمسيرْ |
وإذا الهاتفُ ينعاهم ويدعو ويشيرْ |
|
إنّ قدّام مطاياهم مناياهُم تسيرْ |
ساعة إذ وقفَ الطرفُ الذي تحت الحسينْ |
قال أبو محنف: ولمّا نزل الحسينعليهالسلام الثعلبية أقبل إليه رجل نصراني ومعه أمّه، فأسلما على يد الحسينعليهالسلام وصارا في ظعينته(2) .
ويروى أنّ الحسينعليهالسلام بات بالثعلبية، حتّى إذا أصبح الصباح وإذا برجل من أهل الكوفة يُكنّى أبا هرّة الأزدي قد أتاه وسلّم عليه، ثم قال له: يابن رسول الله، ما الذي أخرجك عن حرم الله وحرم جدّك محمدصلىاللهعليهوآله ؟
فقال: « ويحك يا أبا هرّة! إنّ بني اُميّة أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت. وأيمُ الحقّ،
____________________
(1) من فحول شعراء البحرين.
(2) انظر الأمالي - شيخنا الصدوق (ره) / 93.
لتقتلني الفئة الباغية، وليلبسهم الله ذلاً شاملاً، ويسلّ عليهم سيفاً قاطعاً، وليسلّطنَّ عليهم مَنْ يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهم، فحكمت في أموالهم ودمائهم ».
وذكر الشيخ الصدوق قال: لمّا نزل الحسين الثعلبية أتاه رجل وسأله عن قوله تعالى:( يَوْمَ نَدْعُو كُلّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) (1) ، فقالعليهالسلام : « إمام دعا إلى هدى فأجابوا إليه، وإمام دعا إلى ضلالة فأجابوا إليه؛ هؤلاء في الجنّة وهؤلاء في النار، وهو قوله تعالى:( فَرِيقٌ فِي الْجَنّةِ وَفَرِيقٌ فِي السّعِيرِ ) (2) ».
ويروى عن الطرماح بن حكيم قال: لقيت حسيناً وقد امترت لأهلي، فقلت: أذكّرك الله في نفسك، فلا يغرّنك أهل الكوفة، والله إن دخلتها لتقتلن، وإنّي أخاف أن لا تصل إليها؛ فإن كنت مجمعاً على الحرب فانزل (أجا)(3) ؛ فإنّه جبل منيع. والله ما لنا فيه ذلّ قط، وعشيرتي جميعاً يرون نصرتك ما أقمت فيهم، فإن هاجك هايج فأنا زعيم لك بعشرين ألف فارس يضربون بين يديك بأسيافهم، فوالله لا يصل إليك أحد أبداً وفيهم عين تطرف.
فقال له: « جزاك الله خيراً، إنّ بيني وبين القوم مواعيد أكره أن أخلفها، وقولاً لسنا نقدر معه إلاّ على الانصراف، ولا ندري على مَ تتصرف بنا وبهم الأمور في عاقبة؛ فإن يدفع الله فقديماً ما أنعم الله علينا وكفى، وإن يكن ما لا بدّ منه ففوز وشهادة إن شاء الله ».
قال: فودّعته، وقلت له: دفع الله عنّك شرّ الإنس والجن. إنّي قد امترت لأهلي ميرة من الكوفة، ومعي نفقة لهم فآتيهم فأضع ذلك فيهم، ثم آتيك إن شاء الله، فإن لحقتك لأكوننَّ من أنصارك. فقالعليهالسلام : « إن كنت فاعلاً فعجّل رحمك الله ». قال: فعلمت أنّه مستوحش إلى الرجال حتّى إنّه يسألني التعجيل.
قال: ولمّا بلغت أهلي وضعت عندهم ما يصلحهم وأوصيت، فأخذ أهلي يقولون ما بك؟
____________________
(1) سورة الإسراء / 71.
(2) سورة الشورى / 7.
(3) أجا وسلمى: يسمّيان في الوقت الحاضر مع المنطقة المجاورة لهما بجبل شمر. انظر قلب جزيرة العرب - فؤاد حمزة / 12.
إنّك تصنع أشياءً ما كنت تصنعها قبل اليوم، فأخبرتهم بما أُريد، ثمّ فارقتهم، وأقبلت حتّى إذا دنوت من عذيب الهاجانات استقبلني سماعة بن بدر فنعاه إليّ، وأخبرني بقتله فرجعت مغموماً.
قال المؤرّخون: ورحل الحسين من الثعلبية، وواصل سيره إلى بطان.
(بطان ): قال ياقوت الحموي: بكسر أوّله، منزل بطريق الكوفة بعد الشقوق من جهة مكّة دون الثعلبية(1) ، وهي لبني ناشرة من بني أسد.
أقولُ لصاحبيَّ من التأسي |
وقد بلغت نفوسُهُما الحلوقا |
|
إذا بلغَ المطيُّ بنا بطانا |
وجزنا الثعلبيةَ والشقوقا |
|
وخلّفنا زُبالة ثمّ رحنا |
فقد وأبيكَ خلّفنا الطريقا |
وذكر المقدسي أنّ من الثعلبية إلى بطان تسعة وعشرون ميلاً. والبطان، على مثال فعال بكسر أوّله: موضع قد حدّدته في رسم ضرية.
ورحا بطان هذا تزعم العرب أنّه معمور لا يخلو من السعالى والغول، ورحاه وسطه. ويزعمون أنّ الغول تعرّضت فيه لتأبّط شراً فقتلها، وأتى قومه يحمل رأسها متأبطاً له حتّى أرسله بين أيديهم، فبذلك سمّي تأبّط شراً، وفي ذلك يقول:
أَلا مَن مُبلِغٌ فِتيانَ فَهمٍ |
بِما لاقَيتُ عِندَ رَحا بِطانِ |
|
بِأَنّي قَد لَقيتُ الغولَ تَهوي |
بِسَهبٍ كَالصَحيفَةِ صَحصَحانِ(2) |
وقال القزويني(3) : رحا بطان موضع بالحجاز، زعم تأبّط شراً أنّه لقى الغول هناك ليلاً، وجرى بينه وبينها محاربة، وفي الأخير قتلها، وحمل رأسها إلى الحي وعرضها عليهم حتّى عرفوا شدّة جأشه وقوّة جنانه، وهو يقول:
أَلا مَن مُبلِغٌ فِتيانَ فَهمٍ |
بِما لاقَيتُ يومَ رَحا بِطانِ |
|
بِأَنّي قَد لَقيتُ الغولَ تَهوي |
بِسَهبٍ كَالصَحيفَةِ صَحصَحانِ |
____________________
(1) انظر المشترك - شهاب الدين ياقوت الحموي / 58، طبع أوربا.
(2) انظر معجم ما استعجم - أبو عبد الله البكري / 152، طبع أوربا.
(3) انظر آثار البلاد وأخبار العباد - زكريا القزويني / 61، طبع أوربا.
فَقُلتُ لَها كِلانا نِضوُ أَينٍ |
أَخو سَفَرٍ فَخَلّي لي مَكاني |
|
فشدّت شدّة نحوي فأهوى |
لها كفّي بمصقولٍ يمانِ |
|
فأضربها بلا دهشٍ فخرّتْ |
صريعاً لليدينِ وللجرانِ |
|
فقالت عُد فقلتُ لها رويداً |
مكانكِ إنّني ثبتُ الجنانِ |
|
فلم أنفكُّ متّكياً لديها |
لأنظرَ مصبحاً ماذا أتاني |
|
إذا عينانِ في رأسٍ قبيح |
كرأس الهرِّ مسترقِ اللسانِ |
|
وَساقا مُخدَجٍ وَشَواةُ كَلبٍ |
وَثَوبٌ مِن عَباءٍ أَو شَنانِ |
وفي المخطوط: حدّث عبد الله بن عمرو بن بشر، عن إبراهيم بن عطارد الأسدي قال: سمعت تميم بن نبهان الياسري يخبر عن جدّه أرطاة الياسري: أنّ بطاناً إنّما سُمّيت بطاناً لأنّها بأسفل الهبير الذي يُسمّى بُطين. والهبير: وادٍ بنجد، وفيها نُفيل من العرب، وهي لبني ناشرة بن سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد، عمّ جعفر بن الحسين اليقطيني.
قالوا: احتفر أبو موسى أخو يقطين بئراً بالبطان، ما طال الحفر حتّى كانوا ينزلون بالسرج يحفرون، فخرجت عليهم ريح من جانبها فلم يمكنهم الحفر ولا النزول، فهابوا ذلك وأخبر أبو موسى، وكان شديد القلب والبدن، فنزل فيها فدخل في النقب الذي خرجت منه الريح، فأخبر أنّه خرج إلى شبيه بالمدينة، وإذا فيها قوم عظيم خلقهم موتى عليهم ثيابهم، فإذا أمسّ الواحد منهم انتثروا، وأخرج معه سيفاً ووجّه به إلى المهدي.
ومن بطان إلى الثعلبية اثنان وعشرون ميلاً ونصف، وبها قصر ومسجد. وقالوا: هي لبني أسد، للقاسم بن منيع، وبحضرة المنزل بركة تُدعى الخالصة ولها مصفاة.
وعلى مقدار ميل ونصف من البركة يسرة بركة تُعرف بالمهدي، وخزانة للماء في وسط الوادي من عمل عمير بن فرج، وفيها بئر لأمّ المتوكل فيها ماء عذب، وفي بيوت النجّار نحو من عشرين حوضاً، وقبر العبادي خارج من بطان على أقل من ميل على الطريق.
بلغني عن أبي بكر بن عياش أنّ اسمه ساسان بن روزبة، كان نصرانياً فأسلم ومات هناك.
فزعم إبراهيم بن الجنيد، عن أبي بكر بن عفّان قال: سمعت أبا بكر بن عباس يقول: وجاء رجل خراساني،
فقال: يا أبا بكر، حججت فلم أرمِ قبر العبادي. قال: ولِمَ ترمه (رحمه الله)؟! كان رجلاً صالحاً، أمر بمعروف فقُتل فهذا قبره.
ويسمّيه ابن جبير في رحلته(1) : المرجوم، قال: نزلنا بموضع يُعرف ببركة المرجوم، وهي مصنع، وقد بُني له ما يعلوه من الأرض مصبّ يؤدّي الماء إليه على بعد، وأحكم ذلك إحكاماً يدلّ على قدرة الاتّساع وقوّة الاستطاعة. ولهذا المرجوم المذكور مشهد على قارعة الطريق، وقد علا كأنّه هضبة شمّاء، وكلّ مجتاز عليه لا بدّ أن يُلقي عليه حجراً. ويُقال: إنّ أحد الملوك رجمه لأمر استوجب به ذلك، والله أعلم.
وبهذا الموضع بيوت كثيرة للعرب، وبادروا للحين بما لديهم من مرافق الأدم يبيعونها من الحاج، وكان هذا المصنع مملوءاً من ماء المطر، فغمر الناس وعمّهم والحمد لله.
وهذه المصانع والبرك والآبار والمنازل التي من بغداد إلى مكّة من آثار زبيدة ابنة أبي جعفر ابن المنصور، زوج هارون الرشيد وابنة عمّه. انتدبت لذلك مدّة حياتها، فأبقت في هذا الطريق مرافق ومنافع تعمّ وفد الله تعالى كلّ سنة من لدن وفاتها إلى الآن، ولو لا آثارها الكريمة في ذلك لما سلكت هذا الطريق، والله كفيل بمجازاتها والرضا عنها.
وجاء في المخطوط: حدّثني محمد بن موسى، عن محمد بن السري، عن هشام بن محمد الكلبي قال: أخبرني أبو بكر بن عباس، عن أخيه عمرو بن عباس، عن ابن كثير: أنّ روزبة بن بوذر جمهري بن ساسان كان همذانيّاً، وكان على فرج من فروج الروم فأدخل عليهم سلاحاً فأخافه الأكاسرة، فلحق بالروم فلم يأمن حتّى قدم سعد بن أبي وقاص فبنى له القصر والمسجد، وكتب معه إلى عمر فأخبره بحاله فأسلم، وفوّض له عمر في الديوان، وأعطاه وصرفه إلى سعد مع أكرياء له.
والأكرياء يومئذ هم العباد، حتّى إذا كان بهذا الموضع مات فحفروا له، ثمّ انتظروا مَنْ يمرّ بهم فليشهدونه على موته؛ ليبرؤوا من دمه، فمرّ قوم من الأعراب وقد حفروا له على الطريق فأشهدوهم على ذلك، وأوردوهم إيّاه ودفنوه، فقالوا بعد ذلك: قبر العبادي؛ لمكان
____________________
(1) انظر رحلة ابن جبير / 163.
الأكرياء الذي يسمّونه العباد.
قال أبو بكر: أي هو والله، فقلت: ألا تخبر الناس بحاله؟ قال: لا.
وعند البريد من بطان قصر لأمّ جعفر خرب. قالوا: وقد اجتازها الحسينعليهالسلام وواصل سيره إلى الشقوق.
حيث الشقوقُ وبها لاقى الذي |
حدّثه بما بكوفانَ جرى |
(شقوق ) : جمع شوق أو شق، وهو الناحية، منزل بطريق مكّة بعد واقصة من الكوفة، وبعدها تلقاء مكّة بطان وقبر العبادي، وهو لبني سلامة بن بني أسد.
وفي المخطوط: من الشقوق إلى بطان اثنان وعشرون ميلاً ونصف، وبه بركة تُعرف بالعقبة مربعة، ولها مصفاة وبركة مدوّرة تُعرف بالزبيدية ولها مصفاة، ومقر يُقال له: المشرف، ومقر لماء السواني ومصفاة له، وبها بئر تُعرف بالبرود، وبئر تُعرف بالرزبون، وبئر تُعرف بالرمادي، وبئر تُعرف بغنيمة، وخزانة للماء.
ومَنْ أراد طريق سحمة، وهو طريق سهل عدل من بركة الشقوق الداخلة يسرة وهو مصعد فيخرج عند المشرف يمنة. وسحمة: بئر احتفرها المهدي، بينها وبين الطريق ميلاً وقد طمست وعطلت، وعلى ثلاثة أميال من الشقوق قصر خرب لأمّ جعفر، وعلى ستة أميال يمنة على الطريق بركة زبيدية وقباب ومسجد، ويُدعى الرستمية.
وهذا الموضع أوّل الردى، والردى: عقاب صغار، وأرض خشنة صعوداً وهبوطاً إلى بطان. ويُقال: إنّها نيف وسبعون عقبة، وفيه رمل كثير، ثمّ بركة السحنة وقصر وقباب وهو المتعشى.
(الطليح) و(الطليحة) على اثني عشر ميلاً من بطان وليس ببركة، وكان فيها شجر الطلح، وقباب لخالصة وخزانة للماء، والبريد دون البطان بسبعة أميال، والرمل المذكور بالحجاز هو الرمل الذي عرضه من الشقوق إلى الأجفر، وطوله من وراء جبلي طي إلى أن يتّصل مشرقاً بالبحر، وهو رمل أصفر لين ألمس(1) .
وذكر ابن جبير(2) قال: ونزلنا بالشقوق وفيه مصفاتان ألفيناهما مملؤين
____________________
(1) انظر مسالك الممالك - الإصطخري / 23، طبع ليدن.
(2) انظر رحلة ابن جبير.
ماءً عذباً صافياً، فأراق الناس مياههم وجدّدوا مياهاً طيّبة، واستبشروا بكثرة الماء، وجدّدوا شكر الله على ذلك. وأحد هاتين المصفاتين صهريج عظيم الدائرة كبيرها لا يكاد يقطعه السابح إلاّ عن جهد ومشقّة، وكان الماء قد علا فيه أزيد من قامتين، فتنعّم الناس من مائه سباحة واغتسالاً وتنظيفاً للثياب، وكان يومهم فيه من أيام راحة السفر.
وذكر ابن شهر آشوب(1) : وفي الشقوق رأى الحسينعليهالسلام رجلاً مقبلاً من الكوفة فسأله عن أهل العراق، فأخبره أنّهم مجتمعون عليه، فقالعليهالسلام : « إنّ الأمر لله يفعل ما يشاء، وربّنا تبارك وتعالى هو كلّ يوم في شأن ». ثمّ أنشد:
فإن تكنْ الدنيا تعدُّ نفيسةً |
فدارُ ثوابِ اللهِ أعلا وأنبلُ |
|
وإن تكنْ الأموالُ للتركِ جمعها |
فما بالُ متروكٍ بهِ المرءُ يبخلُ |
|
وإن تكنْ الأرزاقُ قسماً مقدّراً |
فقلّةُ حرصِ المرءِ في الكسبِ أجملُ |
|
وإن تكنْ الأبدانُ للموتِ أُنشأتْ |
فقتلُ امرئ بالسيفِ في اللهِ أفضلُ |
|
عليكم سلامُ اللهِ يا آلَ أحمدٍ |
فإنّي أراني عنكمُ سوفَ أرحلُ |
قالوا: ومن الشقوق سار بظعينته إلى زُبالة.
حتّى أتى زُبالةً حطّ السرى |
وجاءهُ الكوفي في جنحِ الدجى |
|
نعى لهُ ابنَ يقطرٍ رسولَه |
فيا لهُ على الحسينِ من نبا |
(زُبالة ): بضم أوّله، منزل معروف بطريق مكّة من الكوفة.
ذكر المقدسي: من زبالة - وهي عامرة واسعة الماء - إلى الشقوق أحد وعشرون ميلاً.
قال ابن الكلبي: سمّيت زبالة باسم زبالة بنت مسعر، امرأة من العمالقة نزلتها، وقيل: سمّيت بزبالة بزبلها الماء، أي بضبطها له وأخذها منه. وهي قرية عامرة بها أسواق بين واقصة والثعلبية.
قال السكوني: زبالة بعد القاع من الكوفة، وقبل الشقوق فيها حصن وجامع لنبي غاضرة من بني أسد. ويوم زبالة من أيام العرب، وفي زبالة استنقذ بنو نبهان أو الغاضريون جماعة من الطالبيِّين الذين ثاروا مع
____________________
(1) انظر المناقب - ابن شهر آشوب 2 / 213.
محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام بالمدينة أيّام المأمون العباسي، وكان محمد قد دعا لنفسه.
ذكر ابن الخطيب(1) قال: وبايعوا - أي أهل المدينة - محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام بالخلافة يوم الجمعة لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة مئتين، فلم يزل يُسلّم عليه بالخلافة حتّى كان يوم الثلاثاء لخمس خلون من جمادى الأولى سنة مئتين، ثم صاروا إلى مكّة وقاتلوا هارون بن المسيّب قتالاً شديداً.
ثمّ إنّ محمد بن جعفر سأله الأمان لأصحابه الباقين بعد أن حوصر وهرب أكثر أصحابه، فأمنهم الجلودي، وبعدها حملهم مقيّدين في محامل بلا وطاء ليمضي بهم إلى خراسان إلى المأمون، فلمّا وصلوا بهذا الحال زبالة خرجت عليهم بنو نبهان فاستنقذوهم منه بعد حرب طويلة صعبة(2) .
قالوا: وفي زبالة مات موسى بن عبد الله بن موسى بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليهالسلام مسموماً.
ذكر المسعودي(3) قال: وحمل سعيد الحاجب من المدينة موسى بن عبد الله، وكان من النسك والزهد في نهاية الوصف، وكان معه إدريس بن موسى، فلمّا صار سعيد بناحية زبالة من جادة الطريق اجتمع خلق من العرب من بني فزارة وغيرهم لأخذ موسى من يده، فسمّه ومات هناك، وخلّصت بنو فزارة ابنه إدريس بن موسى.
وذكر الشبلنجي(4) كرامة للإمام موسى بن جعفر في زبالة، قال: من كتاب الدلائل للحميري، روى أحمد بن محمد، عن أبي قتادة، عن أبي خالد الزبالي قال: قدم علينا أبو الحسن موسى الكاظم زبالة ومعه جماعة من أصحاب المهدي بعثهم في إحضاره لديه إلى العراق من المدينة، وذلك في مسكنه الأوّل، فأتيته وسلّمت عليه، فسرّ برؤيتي، وأوصاني بشراء حوائج وتبقيتها
____________________
(1) انظر تاريخ بغداد - ابن الخطيب البغدادي 2 / 113 - 114.
(2) انظر مقاتل الطالبيِّين - أبو الفرج الأصبهاني / 541، طبع مصر.
(3) انظر مروج الذهب - علي بن الحسين المسعودي 4 / 123.
(4) انظر نور الأبصار - الشبلنجي / 202، طبع مصر العثمانية.
عندي له، فرآني غير منسبط، فقال لي: « ما لي أراك منقبضاً؟ ». فقلت: كيف لا أنقبض وأنت سائر إلى هذه الفئة الطاغية، ولا آمن عليك؟
فقالعليهالسلام : « يا أبا خالد، ليس عليّ بأس، فإذا كان في شهر كذا يوم الفلاني منه فانتظرني آخر النهار مع دخول الليل فإنّي أوافيك إن شاء الله تعالى ».
قال أبو خالد: فما كان لي همّ إلاّ إحصاء تلك الشهور والأيام إلى ذلك اليوم الذي وعدني المجيء به، فخرجت عند غروب الشمس فلم أرَ أحداً، فلمّا كان دخول الليل إذا بسواد قد أقبل من ناحية العراق فقصدته، فإذا هو على بغلة أمام القطار فسلمت عليه، وسررت بمقدمه وتخلّصه(1) ، فقال لي: « أداخلك الشك يا أبا خالد؟ ». فقلت: الحمد لله الذي خلّصك من هذا الطاغية. فقال: « يا أبا خالد، إنّ لهم إليّ عودة لا أتخلّص منها ».
وفي المخطوط: حدّث محمد بن عمرو بن بشر، عن إبراهيم بن عطارد قال: زبالة لبني غاضرة.
وحدّث أبو محمد الورّاق، عن علي بن الصباح، عن هشام بن محمد السائب، عن أبيه قال: سمّيت ببلى وأبلى والتلبوت ومناله وزبالة بهم، وهم بنو حرث بن مكنف من بني عمليق.
وحدّث أبو محمد الورّاق، عن علي بن الصباح، عن هشام بن أبيه قال: ويُقال: سمّيت زبالة بزبالة لأنّه احتفرها زبالة بن حرث فنُسبت إليه.
ومن زبالة إلى الشقوق سبعة عشر ميلاً، وبها قصر ومسجد. ويُقال: إنّ الحسين بن علي (رضوان الله عليه) صلّى فيه.
وبزبالة ثلاث برك؛ إحداهن تُعرف بالعتيقة، والاُخرى تُعرف بالكبيرة ولها مصفاة، ولهذه المصفاة مصفاة صغيرة، وبزبالة من الآبار التي تُسقى منها بئر تُعرف بالمقعد مدوّرة، وبئر تُعرف بالريان مدوّرة، وبئر تُعرف بالصبي مربّعة عندها بركة وحوض، وبئر تُعرف بالبرمكية مربّعة عليها حوض يُعرف بالعتيق وبركة أخرى.
وبزبالة من القلب في بطن الوادي وغيره ثلاثمئة وخمسون قليباً، وبها بئر أخرى تُعرف ببئر الشجرة. وعلى ستة أميال ونصف من زبالة بركة مدوّرة يسرة، وهي إحدى الرضمتين، وهي رضم أبي جعفر يُعرف بالقيصوم، لها مصفاة ومسجد وقباب
____________________
(1) الرضم على ستة أميال من زبالة والشقوق، انظر المشترك - ياقوت الحموي / 207، طبع غوتنجن.
(2) هكذا مرقوم بالنسخة المخطوطة.
وعلى ثلاثة أميال من زبالة في موضع الزرع نبات شيح وغيره يُقال له: (العثيران) ورقه أكبر من ورق (السنخ) عيدانه بيض، وعلى أربعة أميال من زبالة علم للخيزران البطن الذي فيه النبات، ومنه يعدل يسرة إلى التنانير حتّى يبلغ إلى أميال يسيرة على الطريق، وبناء خرب يُقال له: ذات التنانير، وهو على اثني عشر ميلاً من زبالة بالأميال الصغار، وهو قاع كثير السدر.
وذكر ابن جبير قال: زبالة: هي قرية معمورة وفيها قصر مشيد من قصور الأعراب ومصنعان للماء وآبار، وهي من مناهل الطريق الشهيرة، ونزلنا عندما ارتفع النهار من اليوم المذكور.
ولزبالة ذكر كثير في أشعار الشعراء. قال بعض الأعراب:
ألا هل إلى نجدٍ وماء بقاعِها |
سبيلٌ وأرواحٌ بها عطراتِ |
|
وهل لي إلى تلكَ المنازلِ عودةٌ |
على مثلِ تلكَ الحالِ قبلَ مماتي |
|
فأشربُ من ماءِ الزلالِ وأرتوي |
وأرعى مع الغزلان في الفلواتِ |
|
وألصقُ أحشائي برملِ (زُبالةٍ) |
وآنسُ بالظلماتِ والظبياتِ |
ويُنسب إلى زبالة جماعة منهم حسّان الزبالي حدّث عن زيد بن الحباب(1) .
قال أرباب السير: وعندما حطّ الحسينعليهالسلام رحله في زبالة أتاه نعي رسوله إلى أهل الكوفة (عبد الله بن يقطر)، فعندها خطب الناس، وقال: « بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد، فإنّه أتانا خبر فظيع؛ قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر، وقد خذلتنا شيعتنا، فمَنْ أحبّ منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج ليس معه ذمام ».
قال أهل السير: فتفرّق الناس عنه وأخذوا يميناً وشمالاً حتّى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة، ونفر يسير ممّن انضموا إليه.
وإنّما فعل ذلك؛ لأنّهعليهالسلام علم أنّ الأعراب الذين اتّبعوه إنّما اتّبعوه بظنّهم أنّه يأتي إلى بلد قد استقامت له طاعة أهله، فكره أن يسيروا معه إلاّ وهم يعلمون على ما يقدمون عليه.
ولمّا كان السحر أمر أصحابه فاستسقوا ماءً وأكثروا، ثمّ رحل بظعنه من زبالة متوجّهاً إلى القاع.
____________________
(1) انظر اللباب في تهذيب الأنساب - ابن الأثير 1 / 493.
وراحَ للقاعِ يوالي سيرهُ |
وبعده إلى العقبة انتحى! |
(القاع ) : هو ما انبسط من الأرض الحرّة، السهلة الطين التي لا يخالطها رمل فيشرب ماءها، وهي مستوية ليس فيها تطامن ولا ارتفاع.
والقاع: منزل بطريق مكّة بعد العقبة لمَنْ يتوجّه إلى مكّة تدّعيه أسد وطي، ومنه يُرحل إلى زبالة. ويوم القاع من أيام العرب(1) .
قال أبو أحمد: يوم كان بين بكر بن وائل وبني تميم، وفي هذا اليوم أُسر أوس بن حجر، أسره بسطام بن قيس الشيباني، وأنشد الشاعر:
بقاعٍ منعناهُ ثمانينَ حجّةً |
وبضعاً لنا إخراجه ومسائلُهْ |
وفي المخطوط: من القاع إلى زبالة ثمانية عشر ميلاً ونصف. وبالقاع مسجدان وقصر، وهو أحسن منازل الطريق بناء، وبه نخلة في وسطه، وبه بركة تُعرف بالقصرى وبالشهابية، وإلى جانبها بركة تُعرف بالمصفاة، وبركة تُعرف بالعتيقة، وبئر فتحتها أربعة أذرع، وطول رشائها ثمان وثمانون قامة ليس في الطريق أطول منها.
وعلى ثلاثة أميال ونصف من القاع قباب مبنيّة عن يسرة الطريق لخالصة، وعندها أرح(2) يجتمع فيه ماء السماء. وعلى ستة أميال من القاع قبل المشرق يسرة الطريق بركة زبيدية وقباب ومسجد، وهي (الهيثم) ولها مصفاة. وعلى مقدار ثمانية أميال يخرجه هذا الطريق عن يسار البيوت بزبالة، وبعد الهيثم بأقل من ميل يمنة الطريق بركة (الحريش) وقباب ومسجد وقصر وبئر جاهلية عميقة.
وإنّما سمّي الحريش؛ لأنّه كان لقوم يُقال لهم: (بنو حريش)، ذُكر أنّهم من عجل، وذُكر أنّهم من سعد بن زيد بن مناة.
وبعد الحريش بخمسة أميال قباب يسرة الطريق يُقال لموضعها: القبيبات. وقبل زبالة بثلاثة أميال موضع يُقال له: الخيلان، وإنّما سمّي الخيلان؛ لأنّها
____________________
(1) ذكر مثله صاحب مراصد الاطلاع، انظر عبد المؤمن مفتي الحنابلة بالشبرية. مراصد الاطلاع 2 / 329.
(2) هكذا مرقوم بالنسخة المخطوطة.
أرض بيضاء وفيها حجارة سود، ولمع من سواد وغيره.
وللشعراء في أشعارهم ذكر للقاع. قال الشريف الرضي (ره)(1) :
أَيا أَثَلاتِ القاعِ كَم نَضحُ عَبرَةٍ |
لِعَيني إِذا مَرَّ المَطيُّ بِذي الأَثلِ |
|
وَيا عَقَداتِ الرَملِ كَم لِيَ أَنَّةٌ |
إِذا ما تَذَكَّرتُ الشَقيقَ مِنَ الرَّملِ |
وقال الطغرائي يذكر القاع والأثلات(2) :
أيا أثلاتِ القاعِ أمّا عروقُها |
فَريَّا وأمَّا ظِلُّها فظليلُ |
|
لكِ اللّهُ هل مرَّتْ بقُربكِ رُفقةٌ |
وأنضاءُ عِيسٍ سيرُهنَّ ذميلُ |
وللأرجاني يذكر القاع بقوله(3) :
صلي حبلَنا يا ظبيةَ القاعِ أو قفي |
قليلاً ولا تخشي تعرّض نابلِ |
|
فما يطمعُ القنّاصُ فيكِ وإنّما |
تعلّمَ من عينيكِ رمي المقاتلِ |
وعلى ثلاثة أميال من العقبة بينها وبين القاع شعب غير مضاف كما ذكره السكوني هو ماء(4) .
قلت: وانتحى في الأمر: جدّ فيه. قالوا: وأقلع الحسين بركبه مجدّاً بالسير إلى العقبة.
(العقبة ) : بالتحريك، وهو الجبل الطويل يعرض للطريق فأخذ فيه، وهو طويل صعب إلى صعود الجبل، والعقبة: منزل في طريق مكّة بعد واقصة. وبين العقبة والقاع بقرب الجادة قصر يُقال له: قصر حمران(5) .
قال ابن جبير(6) عند ذكر العقبة: صعدنا العقبة وليست بالطويلة الكؤود، ولكن ليس بالطريق وعر غيرها، فهي شهيرة بهذا السبب. ونزلنا عند ارتفاع النهار على مصنع دون ماء، وجزنا مانع كثيرة، وما منها مصنع إلاّ وإلى جانبه قصر مبني من قصور الأعراب
____________________
(1) انظر ديوان الشريف الرضي.
(2) انظر ديوان الطغرائي.
(3) انظر ديوان الأرجاني.
(4) انظر المشترك - الحموي / 274، طبع غوتنجن، ألمانيا.
(5) المصدر نفسه / 145.
(6) انظر رحلة ابن جبير.
والطريق كلّها مصانع.
ويروى أنّ الحسينعليهالسلام كان قد نزل العقبة في طريقه إلى الكوفة، وهناك لقيه شيخ من بني عكرمة يُقال له: عمرو بن لوذان، فسأله أين تريد؟ فقال الحسينعليهالسلام : « الكوفة ». فقال الشيخ: أُنشدك الله لما انصرفت؛ فوالله ما تقدم إلاّ على الأسنّة وحدّ السيوف، وإنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال، ووطؤوا لك الأشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأيّاً، فأمّا على هذا الحال التي تذكر فإنّي لا أرى لك أن تفعل.
فقال: « يا عبد الله، ليس يخفى عليّ الرأي، وإنّ الله تعالى لا يُغلب على أمره ». ثمّ قال: « والله لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلّط الله عليهم مَنْ يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ فرق الأمم ».
ثمّ إنّ الشيخ صار يخبر بتوطيد ابن زياد الخيل ما بين القادسية إلى العذيب رصداً له، ثمّ قال له: انصرف بنفسي أنت! فوالله ما تسير إلاّ على الأسنّة والسيوف، ولا تتّكلنَّ على الذين كتبوا إليك؛ فإنّ اُولئك أوّل الناس مبادرة إلى حربك. فقال الحسينعليهالسلام : « قد ناصحت وبالغت، فجزيت خيراً ». ثمّ سلم عليه ومضى(1) .
ويروى عن الصادقعليهالسلام أنّ الحسين لمّا صعد عقبة البطن، قال لأصحابه: « ما أراني إلاّ مقتولاً ». قالوا: وما ذاك يا أبا عبد الله؟ قال: « رؤيا رأيتها في المنام ». قالوا: وما هي يابن رسول الله؟ قال: « رأيت كأنّ كلاباً تنهشني، وأشدّها عليّ كلب أبقع ».
قالوا: ثمّ سار من العقبة قاصداً واقصة.
وثَمّ قد نحبَ بالسيرِ إلى |
واقصةٍ يطوي السهولَ والرُّبى |
(واقصة ) : بكسر القاف والصاد المهملة، منزل بطريق مكّة بعد القرعاء نحو مكّة يُقال لها: واقصة الحزون، وهي دون زبالة بمرحلتين، وإنّما قيل لها واقصة الحزون؛ لأنّ الحزون أحاطت بها من كلّ جانب، والمصعد إلى مكّة ينهض في أوّل الحزن من العذيب في أرض يُقال لها: البيضة حتّى يبلغ مرحلة العقبة في أرض يُقال لها: البسيطة، ثمّ يقع في ارتفاع وهو سهل.
____________________
(1) انظر الأخبار الطوال - الدينوري / 223 طبع الأعظمي.
ويُقال: زبالة أسهل منه، فإذا جاوزت ذلك استقبلت الرمل، فأوّل رمل تلقاه يُقال لها: الشيخة(1) .
قال الأعشى:
أَلا تَقنى حَياءَكَ أَو تَناهى |
بُكاءَكَ مِثلَ ما يَبكي الوَليدُ |
|
أَرَيتُ القَومَ نارِكَ لَم أُغَمِّض |
بِواقِصَةٍ وَمَشرَبُنا زَرودُ |
|
فَلَم أَرَ مِثلَ مَوقِدِها وَلَكِن |
لأَيَّةِ نَظرَةٍ زَهَرَ الوَقودُ |
وفي واقصة شاهد شقيق البلخي كرامة من الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام ، كما ذكرها صاحب مطالب السؤول(2) ، قال: عن هشام بن حاتم الأصم، قال لي أبي حاتم: قال شقيق البلخي: خرجت حاجّاً في سنة تسع وأربعين ومئة فنزلت القادسية، فبينا أنا أنظر إلى الناس في زينتهم وكثرتهم، فنظرت إلى فتى حسن الوجه، شديد السمرة ضعيف، فوق ثيابه ثوب من صوف مشتمل بشملة وفي رجليه نعلان، وقد جلس منفرداً، فقلت في نفسي: إنّ هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كلاً على الناس في طريقهم، والله لأمضينّ إليه ولأوبّخنّه.
فدنوت منه، فلمّا رأني مقبلاً قال: « يا شقيق،( اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظّنّ إِنّ بَعْضَ الظّنّ إِثْمٌ ) (3) ». قال: ثمّ تركني ومضى، فقلت في نفسي: إنّ هذا لأمر عظيم؛ قد تكلّم بما في نفسي، ونطق باسمي، ما هذا إلاّ عبد صالح، لألحقنّه ولأسألنّه أن يعفو عنّي. فأسرعت في أثره فلم ألحقه وغاب عنّي، فلمّا نزلنا واقصة إذا به يصلّي وأعضاؤه تضطرب، ودموعه تجري.
فقلت: هذا صاحبي أمضي إليه وأستحلّه. فصبرت حتّى جلس، وأقبلت نحوه، فلمّا رآني مقبلاً قال لي: « يا شقيق، اتلُ:( وَإِنّي لَغَفّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمّ اهْتَدَى ) (4) ». ثمّ تركني ومضى، فقلت في نفسي: إنّ هذا الفتى لَمن الأبدال؛ قد تكلّم بسرّي مرّتين.
فلمّا نزلنا زبالة وإذا بالفتى
____________________
(1) انظر معجم البلدان - ياقوت الحموي 8 / 388.
(2) انظر مطالب السؤول - محمد بن طلحة الشافعي / 83، والتذكرة - سبط ابن الجوزي / 196، والكتابان طبع إيران.
(3) سورة الحجرات / 12.
(4) سورة طه / 82.
قائم على بئر وبيده ركوة أن يستسقي الماء، فسقطت الركوة من يده في البئر، وأنا أنظر أليه، فرأيته وقد رمق السماء بطرفه، وسمعته يقول: «
أنتَ ريّي إذا ظمئتُ إلى الما |
ء وقوّتي إذا اشتهيتُ الطعاما |
اللّهم سيّدي، ما لي سواها فلا تحرمنيها ».
قال شقيق: فوالله لقد رأيت البئر وقد ارتفع ماؤه، فمدّ يده فأخذ الركوة وملأها ماءً، فتوضأ وصلّى أربع ركعات، ثمّ مال إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده من ذلك الرمل ويطرحه في الركوة ويرحكه ويشرب، فأقبلت إليه وسلّمت عليه، فردّ السلام، فقلت: أطعمني من فضل ما أنعم الله به عليك.
قال: «يا شقيق، لم تزل نعم الله علينا ظاهرة وباطنة، فأحسن ظنّك بربّك». ثمّ ناولني الركوة فشربت منها فإذا هو سويق وسكر، فوالله ما شربت قطّ ألذّ منه ولا أطيب ريحاً، فشبعت وارتويت وأقمت أياماً لا أشتهي طعاماً ولا شراباً، ثمّ لم أره حتّى دخلنا مكّة، فرأيته في ليلة إلى جنب قبّة الشراب في نصف الليل قائماً يصلّي بخشوع وخضوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك حتّى ذهب الليل، فلمّا رأى الفجر جلس في مصلاه يسبّح، ثمّ قام يصلّي الغداة، ولمّا فرغ من صلاته طاف بالبيت سبعاً وخرج فتبعته، وإذا له حاشية وموالي، وهو على خلاف ما رأيته في الطريق، ودار به الناس من حوله يسلّمون عليه. فقلت لبعض مَنْ يقرب منه: مَنْ هذا الفتى؟ فقال: هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام . فقلت: قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلاّ لمثل هذا السيد.
فنظم بعضهم هذه الكرامات شعراً فقال:
سل شقيقَ البلخي عنهُ وما شا |
هدَ منهُ وما الذي كان أبصرْ |
|
قالَ لما حججتُ عاينتُ شخصاً |
شاحبَ اللونِ ناحلَ الجسمِ أسمرْ |
|
سايراً وحدهُ وليس لهُ زادٌ |
فمازلتُ دائماً أتفكرْ |
|
وتوهّمت أنّه يسألُ الناس |
ولم أدرِ أنّه الحجُّ الأكبرْ |
|
ثمّ عاينتُهُ ونحنُ نزولٌ |
دونَ فيدٍ على الكثيبِ الأحمرْ |
|
يضعُ الرملَ في الإناءِ ويحسو |
هُ فناديتهُ ولبّي تحيرْ |
|
أسقني شربةً فناولني منـ |
ـهُ فعاينتهُ سويقاً وسكرْ |
|
فسألتُ الحجيجَ مَنْ يكُ هذا |
قيلَ هذا الإمامُ موسى بن جعفرْ |
قال ابن جبير(1) : ثمّ نزلنا بواقصة، وهي وهدة من الأرض منفسحة، فيها مصانع للماء مملوءة، وقصر كبير وبأزائه أثر بناء، وهي معمورة بالأعراب، وهي آخر مناهل الطريق، وليس بعدها إلى الكوفة منهل مشهور إلاّ مشارع الفرات. ومنها إلى الكوفة ثلاثة أيّام، ومن يريد الكوفة يسير مستقيماً إلى القرعاء، فالمغيثة، فالقادسية مشرقاً.
(ونحب) يُقال: نحبَ القومُ في سيرهم، أي جدّوا وأسرعوا. قلت: وسار الحسين من واقصة حتّى انتهى إلى القرعاء بسيره، فمرّ بها ولم ينزلها حتّى أتى مغيثة.
ثمّ إلى القرعاء وافى وإلى |
مغيثةٍ غوث الورى حثّ السُّرى |
(القرعاء ) : تأنيث الأقرع، كأنّها سمّيت بذلك لقلّة نباتها، وهو منزل في طريق مكّة من الكوفة بعد المغيثة، وقبل واقصة إذا كنت متوجّها إلى مكّة. وبين المغيثة والقرعاء الزبيدية ومسجد سعد والخبراء، وبين القرعاء وواقصة على ثلاثة أميال بئر بالمرعى، وبين القرعاء وواقصة ثمانية فراسخ.
وفي القرعاء بركة وركايا لبني غدانة، وكانت به وقعة بين بني دارم بن مالك وبني يربوع بسبب هيج جرى بينهم على الماء، فقُتل رجل من غدانة يُقال له: أبو بدر، وأراد بنو دارم أن يدّوا فلم يقبل بنو يربوع، فهاجت الحرب بين القبيلتين(2) .
وهناك أحساء بني وهب بين القرعاء وواقصة تسع آبار كبار على طريق الحجّ. قلت: فوصل الحسين القرعاء في طريقه إلى الكوفة ومنها توجّه إلى مغيثة.
(مغيثة) : هذه غير مغيثة الماوان التي مرّ ذكرها، والتي بين السليلة والنقرة؛ أمّا هذه فهي بين القرعاء وشراف. قال في المشترك(3) : المغيثة: منزل في طريق مكّة بعد العذيب من جهة مكّة، وهي لبني نبهان من طي، وقد وصلها الحسين بركبه ولم ينزل بها، فاجتازها إلى شراف.
____________________
(1) انظر رحلة ابن جبير / 165.
(2) انظر معجم البلدان 7 / 55.
(3) انظر المشترك - الحموي شهاب الدين ياقوت / 402، طبع غوتنجن ألمانيا.
ومذ أتى شرافَ في طريقهِ |
وحطّ ظعنُ المجدِ في تلك الفلا |
|
قال أيا أحبّتي تزوّدوا |
من مائهِ وأكثروا من الروى |
|
ثمّ سرى وصحبُه في إثرِه |
تسري إذا هُمْ بأسنّة القنا |
(شراف ) : بفتح أوّله وآخره فاء، وثانية مخفف فعال، من الشرف وهو العلوّ. ماء بين واقصة والقرعاء على ثمانية أميال من أحساء التي لبني وهب، ومن شراف إلى واقصة ميلاً.
وذكر صفي الدين عبد المؤمن(1) قال: شراف: ما بين واقصة والقرع فيها ثلاث آبار كبار وقلب كثيرة طيّبة، وهناك بركة تُعرف باللوزة، وفي شراف ثلاث آبار كبار رشاؤها أقل من عشرين قامة، وماؤها عذب كثير، وبها قلب كثيرة طيّبة الماء يدخلها ماء المطر.
وقيل: شراف: استنبطه رجل من العماليق اسمه شراف فسمّي به. وقيل: شراف وواقصة ابنتا عمرو بن معتق بن زمرة بن عبيل بن عوض بن أرم بن سام بن نوح.
ومن شراف إلى الشبكة ستة وعشرون كيلو متراً، ومن شراف إلى واقصة سبع كيلو مترات أرض وعرة جدّاً. قال المثقب العبدي في شراف(2) :
مَرَرنَ عَلى شَرافِ فَذاتِ هَجلٍ |
وَنَكَّبنَ الذَرانِحَ بِاليَمينِ |
(الروى ): الماء الغزير المروي. قال أهل السير: ولمّا أتى الحسينعليهالسلام وصحبه شراف أمسوا هناك، فلمّا كان السحر أمر الحسينعليهالسلام فتيانه فاستسقوا الماء فأكثروا، وأكّد عليهم بالإكثار من حمل الماء، فملأ أصحابه القرب والأواني وجميع ما كان عندهم من الطسوت.
ثمّ سارعليهالسلام حتّى انتصف النهار، فبينا هم يسيرون إذ كبّر رجل من أصحابه، فقال الحسينعليهالسلام : « الله أكبر، ممّ كبرت؟ ». قال: سيّدي،
____________________
(1) انظر مراصد الاطلاع - عبد المؤمن 2 / 100 طبع أوربا.
(2) انظر ديوان المثقب العبدي الذي نشره حديثاً وعلّق عليه العلاّمة الجليل الشيخ محمد حسن آل يس في سلسلة (نفائس المخطوطات).
رأيت النخل. وفي رواية: رأيت السواد، أي نخلة الكوفة(1) .
فقال له جماعة من أصحابه: والله، إنّ في هذا المكان ما رأينا نخلة قطّ! فقال الحسينعليهالسلام : « فما ترونه؟ ». قالوا: نراه والله آذان الخيل. قالعليهالسلام : « وأنا أرى ذلك ».
ثمّ قال: « ما لنا ملجأ نلجأ إليه فنجعله خلف ظهورنا ونستقبل القوم بوجه واحد؟ ». فقلنا له: بلى، هذا ذو حسم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك، فإن سبقت إليه فهو كما تريد. فأخذ يسير إليه متياسراً حتّى وصل إليه.
فمالَ بالركبِ إلى ذي حُسمِ |
وجاءهُ الحرُّ فكان الملتقى |
(حُسَم ) : بالضم ثم الفتح، مثل جرذ وصرد، كأنّه معدول من حاسم، وهو المانع، اسم موضع. ويروى بضمتين، هضبة منيعة.
وقيل: جبل كان النعمان بن المنذر يصطاد به. وفيه للنابغة أبيات، وقد ذكرها أيضاً يحيى المعروف بالمهلهل(2) بشعره:
أليلتنا بذي حُسمٍ أنيري |
إذا أنت انقضيت فلا تحوري(3) |
|
فإن يكُ بالذنائب طال ليلي |
فقد أبكي من الليل القصيرِ(4) |
قلت: يروى أنه لمّا بانت للحسينعليهالسلام طلايع الخيل مال بأصحابه إلى ذي حسم.
قال الراوي: فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي الخيل(5)
____________________
(1) كان قد كثر النخل آنذاك في طفّ العراق بسبب العيون التي فيه.
ذكر البلاذري قال: حدّثني الأثرم، عن عبيدة، عن عمرو بن العلاء قال: لمّا رأت العرب كثرة القرى والنخل والشجر قالوا: ما رأينا سواداً أكثر. والسواد: الشخص؛ فلذلك سمّي السواد سواداً.
(2) وقيل: المهلهل هو كليب، واسمه عدي بن ربيعة، وإنّما قيل له: المهلهل لأنّه أوّل مَنْ هلهل الشعر، أي أرقّه. ولمّا قُتل أخوه كليب شمّر المهلهل فترك النساء والغزل، وحرّم القمار والشراب، واستعدّ لحرب بكر آخذاً بثأر أخي كليب، فدارت من ذلك حروب طاحنة ووقائع عديدة.
(3) تحوري: أي ترجعي.
(4) انظر نهاية الأرب - النويري 15 / 401.
(5) يُقال: أقبلت هاديات الخيل، وهو أديها، أي مقدماتها. مفردها الهادية.
فتبينّاها وعدلنا. فلمّا رأونا عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا، كأنّ أسنتهم اليعاسيب(1) ، وكان راياتهم أجنحة الطير، فاستبقنا إلى ذي حسم فسبقناهم إليه، وأمر الحسينعليهالسلام بأبنيته فضُربت، وجاء القوم زهاء ألف فارس مع رئيسهم الحر بن يزيد التميمي الرياحي(2) حتّى وقف هو وخيله مقابل الحسينعليهالسلام في حرّ الظهيرة، وقد
____________________
(1) اليعاسيب: مفردها يعسوب، ذكر النحل وأميرها، تشبه بها لبريق أجنحتها في أشعة الشمس.
(2) هو الحرّ بن يزيد الرياحي الذي جعجع بالحسينعليهالسلام ، وكان أوّل خارج عليه، ثمّ بعد ذلك أدركته السعادة وحظي بشرف الشهادة، فكان أوّل قتيل بين يدي الحسين يوم الطفّ.
ذكر أرباب التاريخ: أنّه لمّا صمّم ابن سعد على حرب الحسينعليهالسلام ، خرج الحسينعليهالسلام وقد ضرب بيده على كريمته المباركة، وقال: « اشتدّ غضب الله على اليهود والنصارى؛ إذ جعلوا له ولداً، واشتدّ غضب الله على المجوس؛ إذ عبدت الشمس والقمر والنار من دونه، واشتدّ غضب الله على قوم اتّفقت آراؤهم على قتل ابن بنت نبيّهم. والله، لا أجيبهم على شيء يريدونه أبداً حتّى ألقى الله ». فلمّا سمع الحرّ بن يزيد هذا الكلام اضطرب قلبه، ودمعت عيناه، فخرج باكياً متضرّعاً مع غلام له تركي.
وكان كيفية انتقاله إلى الحسينعليهالسلام : أنّه لمّا سمع هذا الكلام أتى عمر بن سعد، وقال له: أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: أي والله، قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس، وتطيح الأيدي فيه.
فقال: أما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضا؟ فقال: والله، لو كان الأمر لي لفعلت، ولكن أميرك - يعني ابن زياد - قد أبى ذلك.
فأقبل الحرّ حتّى وقف عن الناس جانباً ومعه رجل من قومه يُقال له: قرّة بن قيس، فقال له: يا قرّة، هل سقيت فرسك اليوم ماء؟ قال: لا. قال: أما تريد أن تسقيه؟ قال قرة: فظننت والله أنّه يريد أن ينتحي فلا يشهد القتال، ويكون أن لا أراه يصنع ذلك مخافة أن أرفع عليه، فقلت له: لم أسقه، وأنا منطلق فأسقيه.
قال: فاعتزلت ذلك المكان الذي كان فيه. والله، لو أطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسينعليهالسلام . فأخذ يدنو قليلاً قليلاً، فقال له رجل من قومه: يا أبا يزيد، إنّ أمرك لمريب، فما الذي تريد؟
قال: والله، إنّي أُخيّر نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قطّعت وحرقت. ثمّ ضرب فرسه ولحق بالحسينعليهالسلام مع غلامه التركي، فقال: يابن رسول الله، جعلني الله فداك! إنّي صاحبك الذي حبسك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان. والله الذي لا إله إلاّ هو ما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضت عليهم، ولا يبلغون بك هذه المنزلة، وإنّي لو سولت لي نفسي أنّهم يقتلونك ما ارتكبت هذا منك، وإنّي قد جئتك تائباً إلى ربّي ممّا كان منّي، ومواسيك بنفسي حتّى أموت بين يديك، أفترى ذلك توبة؟ قال: « نعم، يتوب الله عليك، ويغفر لك ». =
أخذ العطش منهم ما أخذ، هذا والحسين وأصحابه معتمّون متقلدون أسيافهم.
____________________
= ثمّ قال له: « انزل ». قال: أنا لك فارساً خير منّي لك راجلاً؛ اُقاتلهم على فرسي ساعة وإلى النزول ما يصير آخر أمري. ثمّ قال: يابن رسول الله، كنت أوّل خارج عليك فأذن لي أن أكون أوّل قتيل بين يديك؛ فلعلي أكون ممّن يصافح جدّك محمداً غداً في القيامة.
فقال له الحسينعليهالسلام : « إن شئت فأنت ممّن تاب الله عليه، وهو التواب الرحيم ».
قال أهل السير: فكان أوّل مَنْ تقدّم إلى البراز، فأنشأ يقول:
إنّي أنا الحرّ ومأوى الضيفِ |
أضربُ في أعناقكم بالسيفِ |
|
عن خيرِ مَنْ حلّ بأرضِ الخيفِ |
أضربكم ولا أرى من حيفِ |
ويروى أنّ الحرّ لمّا لحق بالحسينعليهالسلام قال له رجل من بني تميم يُقال له يزيد بن سفيان الثغري: أما والله لو لقيته حين خرج لأتبعته السنان. فبينا هو يُقاتل وإنّ فرسه لمضروب على أذنه وحاجبه، وإنّ الدماء لتسيل منه، إذ قال الحصين بن نمير: يا يزيد، هذا الحرّ الذي كنت تتمنّاه فهل لك به. قال: نعم. وخرج إليه، فما لبث الحرّ أن قتله، وقتل أربعين فارساً وراجلاً، وهو يتمثّل بقول عنترة:
ما زلتُ أرميهمْ بثغرةِ نحرِه |
ولبانه حتّى تسربلَ بالدمِ |
ولم يزل يُقاتل حتّى عرقب فرسه، فوثب عنه الحرّ كأنّه الليث، والسيف بيده، وهو يقول:
إن تعقروا بي فأنا ابنُ الحرّ |
أشجعُ من ذي لبدٍ هزبرِ |
وراح يُقاتل راجلاً، وهو يقول:
آليتُ لا اُقتلُ حتّى أقتلا |
ولا اُصابُ اليومَ إلاّ مقبلا |
|
أضربكم بالسيفِ ضرباً معضلا |
لا ناكلاً فيكم ولا مهللا |
فلم يزل يُقاتل حتّى تعطّفوا عليه وقتلوه.
فمشى لمصرعه الحسينعليهالسلام وأبّنه بكلمته المعروفة. وقف عليه قائلاً: « أنت حرّ كما سمّتك أمك، حرّ في الدنيا وسعيد في الآخرة ». ورثاه علي بن الحسينعليهالسلام بقوله:
لنعمَ الحرُّ حرّ بني رياحِ |
صبورٌ عند مشتبكِ الرماحِ |
|
ونعمَ الحرُّ إذ واسى حسيناً |
وجادَ بنفسهِ عند الصياحِ |
وذكروا أنّ الحسينعليهالسلام أخرج منديله وعصب به رأس الحرّ.
وذكر شيخنا السماوي، ومثله العلاّمة المظفري، قال: وإنّما دفنت بنو تميم الحرّ بن يزيد الرياحي نحو ميل من الحسينعليهالسلام حيث قبره الآن؛ اعتناءً به.
ويذكر أنّ بعض ملوك الشيعة استغرب من ذلك، فكشف عن قبر الحرّ فوجده على صفته التي ذكرها التاريخ، وأنّ رأس الحرّ غير مقطوع، وهو معصّب بعصابة، فطمع بها وراح ليحلها ويأخذها تبرّكاً بها، فانبعث الدم من جبينه فشدّها على حالها، وعمل على قبره صندوقاً.
ولعل بنو تميم هم الذين تكتّلوا يوم الحادي عشر =
قابلهمْ بخلقِهِ السامي كما |
سقاهمُ من غبِّ ذلك الظما |
|
وعندها أسمعهم خطابَهُ |
وأعلم الحرَّ بما به أتى |
|
أجابه الحرُّ بلطفٍ وغدا |
كالعبدِ من مولاه يطلب الرضا |
قال أهل السير: ولمّا رآهم الحسينعليهالسلام ، وقد أثّر العطش بهم في تلك الظهيرة، وحرّ البادية والهجير. هذا والشمس في كبد السماء ترسل أشعتها الوقّادة عليهم وهم من غير ماء، أمرعليهالسلام أصحابه وفتيانه، وقال: « اسقوهم الماء، ورشّفوا الخيل ترشيفاً ».
قال: فأقبل أصحاب الحسينعليهالسلام يملؤون القصاع والطساس من الماء ثمّ يدنونها من الفرس، فإذا عبّ الرجل فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت، وربّما يُسقى الفارس قبلها، وسقى الآخر وفرسه حتّى سقوهم عن آخرهم.
قال علي بن الطعّان المحاربي: كنت مع الحرّ يومئذ فجئت في آخر مَنْ جاء من أصحابه، فلمّا رأى الحسينعليهالسلام ما بي وبفرسي من العطش، قال: « أنخ الرواية ». والراوية عندي السقاء، ثمّ قال: « يابن الأخ، أنخ الجمل ». فأنخته، فقال: « اشرب ». فجعلت كلّما أشرب سال الماء من السقاء، فقال الحسينعليهالسلام : « اخنث
____________________
= من المحرّم، ومنعوا من قطع رأس الحرّ وحمله كما فعلوا بالرؤوس، إذ قطعوها من الأبدان وحملوها على أطراف الرماح. وله اليوم مشهد يزار خارج كربلاء في الموضع الذي كان قديماً يُقال له: النواويس.
قال شيخنا المظفّري: وفي قبر الحرّ في النواويس، النائي عن مرقد الحسينعليهالسلام ، ومراقد الشهداء أقوال:
قول: إنّه سقط هناك فلم يحمل إلى خيمة القتلى من الشهداء؛ لحيلولة القوم بينهم وبينه مع اشتغالهم بالحرب.
وقول: إنّ عمر بن سعد لمّا أراد أن يقطع الرؤوس أبت بنو تميم أن يُقطع رأس الحرّ، فحملوه ودفنوه هناك.
ويقال: إنّما حملوه لأنّ عمر بن سعد أمر بوطء جثث القتلى؛ امتثالاً لأمر ابن زياد، فقامت بنو تميم وحامت عنه ومنعت منه، ثمّ حملته إلى هذا الموضع. ومنعت كلّ قبيلة عن وطء جثة رجلها، لكنّهم لم يحملوهم ولم يدفنوهم، وهذا ضعيف؛ لأنّ المأمور به ابن سعد وطء جسد الحسينعليهالسلام خاصة، فوطأته الخيل دون سائر الشهداء من الهاشميِّين وغيرهم كما صرّحت بذلك كتب المقاتل.
وهناك قول آخر يُعدّ رابعاً: إنّ الإمام زين العابدينعليهالسلام أمر بني أسد بنقله هناك، وهذا بعيد جداً.
السقاء ». أي اعطفه، فلم أدرِ كيف أفعل، فقامعليهالسلام بنفسه فخنثه، فشربت وارتويت وسقيت فرسي.
قالوا: وكان مجيء الحرّ بن يزيد من القادسية، وقد كان عبيد الله بن زياد بعث الحصين بن نمير وأمره أن ينزل القادسية، وتقدّم الحرّ بين يديه في ألف فارس يستقبل بهم الحسينعليهالسلام .
قال الراوي: فلمّا شرب الحرّ الماء ومَنْ معه، وتغمرت(1) خيلهم، جلسوا جميعاً في ظلّ خيولهم وأعنّتها في أيديهم حتّى حضرت صلاة الظهر.
صلّى الحسينُ الظهرَ فأتمّ بهِ |
الجيشانِ والحرُّ بمولاه اقتدى |
قال أرباب التاريخ: ولمّا حضرت صلاة الظهر أمر الحسينعليهالسلام الحجاج بن مسروف الجعفي أن يؤذن فأذن، فلمّا حضرت الإقامة خرج الحسينعليهالسلام من خبائه في إزار ونعلين، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال(2) : « إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفها، فلم يبقَ منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل. ألا ترون إلى الحق لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برماً ».
قال: فقام زهير بن القين البجلي(3) فقال لأصحابه: تتكلّمون أم أتكلم؟ قالوا: بل تكلّم. فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: قد سمعنا هداك الله يابن رسول الله مقالتك، والله لو كانت الدنيا لنا باقية، وكنّا فيها مخلّدين إلاّ أنّ فراقها في نصرتك ومواساتك لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها.
قال: فدعا الحسينعليهالسلام [ له ].
ثمّ التفت إلى أصحاب الحرّ، وقال: « أيها الناس، إنّي لم آتيكم حتّى أتتني كتبكم، وقدمت على رسلكم أن أقدم علينا؛ فإنّه ليس لنا إمام غيرك لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى
____________________
(1) يُقال: غمر فرسه، سقاه قليلاً.
(2) هذه الخطبة ذكرها الطبري، عن عقبة بن أبي العيزار 6 / 229.
(3) هو زهير بن القين البجلي (ره). وقد ترجمناه مفصلاً.
والحق. فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فأعطوني ما أطمئن إليكم من عهودكم ومواثيقكم، وإن لم تفعلوا وكنتم لقدومي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم ». فسكتوا عنه ولم يتكلّم أحد منهم بكلمة، فقال للمؤذن: « أقم ». فأقام الصلاة، فالتفت الحسينعليهالسلام إلى الحرّ وقال له: « أتريد أن تصلّي بأصحابك؟ ». قال: لا، بل تصلّي أنت ونصلّي بصلاتك. فصلّى الحسين بهم جميعاً.
ولمّا فرغ من صلاته دخل خباءه فاجتمع إليه أصحابه، وانصرف الحرّ إلى مكانه المعدّ له فدخل خيمته واجتمع إليه جماعة من أصحابه، وعاد الباقون إلى صفّهم الذي كانوا فيه فأعادوه، ثمّ أخذ كلّ رجل منهم بعنان دابته وجلس في ظلّها.
ولمّا كان وقت العصر أمر الحسينعليهالسلام أصحابه أن يتهيؤوا للصلاة ففعلوا، ثمّ أمر مناديه فنادى بالعصر وأقام، فتقدّم الحسينعليهالسلام فصلّى، ثمّ سلّم وانصرف إليهم بوجهه فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: « أمّا بعد أيها الناس، فإنّكم إن تتّقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله تكن أرضى لله عليكم، ونحن أهل بيت محمدصلىاللهعليهوآله ، وأولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان، وإن أبيتم إلاّ كراهية لنا والجهل بحقّنا، وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم، وقدمت به عليّ رسلكم انصرفت عنكم ».
فقال الحرّ: أنا والله ما أدري ما هذه الكتب والرسل التي تذكرها.
فنادى الحسينعليهالسلام برجل من أصحابه، « يا عقبة بن سمعان، اخرج الخرجين الذين فيهما كتبهم إليّ ». فأخرج عقبة خرجين مملؤين صحفاً فنثرت بين يديه، فقال الحرّ: إنّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أُمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتّى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد.
فقال الحسينعليهالسلام : « الموت أدنى إليك من ذلك ». ثمّ قال لأصحابه: « قوموا واركبوا ». فركبوا وانتظروا حتّى ركبت العائلة، فقالعليهالسلام لأصحابه: « انصرفوا ». فلمّا ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف، فقال الحسينعليهالسلام للحرّ: « ثكلتك أمّك! ما تريد؟ ». فقال الحرّ: أما لو غيرك من العرب قالها لي وهو على مثل هذا الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر اُمّه بالثكل كائناً مَنْ كان، ولكن والله، ما لي إلى ذكر اُمّك من سبيل إلاّ بأحسن ما نقدر عليه.
فقال الحسينعليهالسلام : « ما تريد؟ ». قال: أريد أن أنطلق بك إلى الأمير عبيد الله.
قال: « إذاً والله لا أتبعك ». قال: إذاً والله لا أدعك، فترادّا القول ثلاث مرّات، فلمّا كثر الكلام بينهما قال له الحرّ: إنّي لم اُؤمر بقتالك، إنّما اُمرت أن لا اُفارقك حتّى أقدمك الكوفة، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يردّك إلى المدينة، فيكون بيني وبينك نصفاً حتّى أكتب إلى الأمير عبيد الله بن زياد، فلعل الله أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلي بشيء من أمرك؛ فخذ ها هنا. فتياسر عن طريق العذيب والقادسية.
قال أرباب التاريخ: ثمّ سار الحسينعليهالسلام وجعل يسايره الحرّ وهو يقول له: يا حسين، إنّي اُذكّرك الله في نفسك، فإنّي أشهد لئن قاتلت لتقتلنّ.
فقال له الحسينعليهالسلام : « أفبالموت تخوفني؟! وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني؟! وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه وهو يريد نصرة رسول اللهصلىاللهعليهوآله فخوّفه ابن عمّه، وقال: أين تذهب فإنّك مقتول؟ فقال:
سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتى |
إذا ما نوى حقّاً وجاهدَ مُسلما |
|
وواسى الرجالَ الصالحينَ بنفسِهِ |
وفارقَ مثبوراً وخالفَ مُجرما |
|
فإن عشتُ لم أندمْ وإن متُّ لم أُذمْ |
كفى بكَ فخراً أن تعيشَ وترغم» |
فلمّا سمع الحرّ منه ذلك تنحى عنه، وصار يسير بأصحابه ناحية والحسين في ناحية حتّى وافى البيضة.
وحينَ بالبيضةِ حلّ وغدا |
يخطبُ بالجمعِ وكلّهم صغى |
|
فعندها نادوا جميعاً إنّنا |
نكونَ يومَ الملتقى لكَ الفدا |
|
أنتَ ابنُ بنت المصطفى وخيرُ مَنْ |
طافَ ببيتِ اللهِ طوعاً وسعى |
|
وخامسُ الأشباحِ مَنْ قد وجبتْ |
طاعتُه بأمرِ جبّارِ السما |
(البيضة ) : موضع بين العذيب وواقصة في أرض الحزون من ديار بني يربوع
ابن حنظلة. وقيل: ماء(1) .
وفي مراصد الاطّلاع(2) : بيضة: واحدة البيض لبني دارم، وهي بالكسر ما بين واقصة إلى العذيب متّصلة بالحزن لبني يربوع.
وذكر الطبري(3) ، عن أبي مخنف، عن عقبة بن العيزار: أنّ الحسينعليهالسلام خطب أصحابه وأصحاب الحرّ بالبيضة، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أيّها الناس، إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: مَنْ رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله.
ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرموا حلاله، وأنا أحقّ من غيري، وقد أتتني كتبكم، وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم أنّكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فإن أقمتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم؛ فأنا الحسين بن علي وابنُ فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، فلكم فيّ اُسوة.
وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم، وخلعتم بيعتي من أعناقكم، فلعمري ما هي لكم بنكر؛ لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم بن عقيل، والمغرور مَنْ اغتر بكم، فحظّكم أخطأتم، ونصيبكم ضيّعتم، ومَنْ نكث فإنّما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
قال: ولمّا فرغ الحسينعليهالسلام من خطبته قام إليه نافع بن هلال الجملي(4) ، وقال: يابن رسول الله، أنت تعلم أنّ جدّك رسول اللهصلىاللهعليهوآله
____________________
(1) انظر معجم البلدان - ياقوت الحموي 2 / 339.
(2) انظر مراصد الاطلاع - عبد المؤمن مفتي الحنابلة 1 / 191، طبع أوربا.
(3) انظر محمد بن جرير الطبري 6 / 229.
(4) هو نافع بن هلال المذحجي الجملي، كان نافع سيّداً شريفاً، سرياً شجاعاً، وكان قارئاً كاتباً، ومن حملة الحديث، وكان من أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام ، شهد حروبه الثلاث: الجمل، وصفين، والنهروان. وعندما بلغه امتناع الحسينعليهالسلام من البيعة خرج إليه فاستقبله في الطريق، وكان قد أوصى أن يتبع بفرسه المسمّى بالكامل، فأتبع مع جماعة من أصحابه.
قال أبو مخنف: كان نافع قد كتب اسمه على أفواق نبله، فكان يرمي بها أهل الكوفة [ وهو يقول: ]
لم يقدر أن يشرب الناس محبته، ولا أن يرجعوا إلى ما كان أحبّ، فكان منهم منافقون يعدونه بالنصر، ويضمرون له الغدر، يلقونه بأحلى من العسل، ويخلفونه بأمرّ من الحنظل حتّى قبضه الله تبارك وتعالى إليه.
وأنّ أباك علياً (صلوات الله عليه) قد كان في مثل ذلك، فقوم قد أجمعوا على نصرته وهم المؤمنون، وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين، وقوم قعدوا عنه وخذلوه حتّى مضى إلى رحمة الله وروحه وريحانه، وأنت اليوم يابن رسول الله على مثل تلك الحال، فمَنْ نكث عهده وخلع بيعته فلن يضرّ إلاّ نفسه، والله تبارك وتعالى مغنٍ عنه؛ فسر بنا يابن رسول الله راشداً معافى، مشرقاً إن شئت أو مغرباً، فوالله الذي لا إله إلاّ هو، ما أشفقنا من قدر الله، ولا كرهنا لقاء ربّنا، وإنّا على نيّاتنا وبصائرنا، نوالي مَنْ والاك، ونعادي مَنْ عاداك.
وقام إليه برير بن خضير الهمداني(1) ، فقال: يابن رسول الله، لقد مَنْ الله تعالى علينا بك أن
____________________
أرمي بها معلمةً أفواقُها |
مسمومةً تجري بها أخفاقُها |
|
ليملأنَّ أرضها إرشاقُها |
والنفسُ لا يمنعها إشفاقُها |
حتّى إذا نفذت سهامه جرّد سيفه وحمل عليهم، وهو يقول:
أنا الهزبرُ الجملي |
ديني على دينِ علي |
فقتل اثني عشر رجلاً غير الذين جرحهم، وصار أهل الكوفة يُضاربونه بالحجارة والنضال حتّى كسروا عضديه، واجتمعوا عليه فأخذوه أسيراً، وقد أمسكه شمر بن ذي الجوشن، وراحوا يسوقونه حتّى جاؤوا به عمر بن سعد، فقال له عمر: ويحك يا نافع! ما حملك على ما صنعت بنفسك؟ قال: إنّ ربّي يعلم ما أردت. فقال له رجل، وقد نظر الدماء تسيل على لحيته: أما ترى ما بك؟ قال: والله، لقد قتلت منكم اثني عشر رجلاً سوى مَنْ جرحت، وما ألوم نفسي على الجهد، ولو بقيت لي عضد وساعد ما أسرتموني.
فقال شمر لابن سعد: اقتله أصلحك الله. قال: أنت جئت به فإن شئت فاقتله. فانتضى شمر سيفه، فقال له نافع: أما والله، لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا، فالحمد لله الذي جعل منايانا على يدي شرار خلقه. ثمّ قتله شمر.
(1) هو برير بن خضير الهمداني المشرقي، وبنو مشرق بطن من همدان. قالوا: كان برير شيخاً تابعياً ناسكاً، قارئاً للقرآن، من شيوخ القرّاء، وكان من أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام ، وكان من أشراف أهل الكوفة من الهمدانيين.
ذكر أرباب السير أنّ بريراً لمّا بلغه امتناع الحسين من البيعة ليزيد الطاغية خرج من الكوفة =
نقاتل بين يديك، وتقطع فيك أعضاؤنا، ثمّ يكون جدّك رسول اللهصلىاللهعليهوآله شفيعاً
____________________
= حتّى أتى مكّة وصحب الحسينعليهالسلام .
روى الضحّاك بن قيس المشرقي، قال: وكان برير قد بايع الحسين على أن يحامي عنه ما ظنّ أنّ المحاماة تدفع عن الحسينعليهالسلام ، فإن لم يجد بداً فهو في حلّ.
قال أبو مخنف: أمر الحسينعليهالسلام في اليوم التاسع من المحرّم بفسطاط فضرب، ثمّ أمر بمسك فميث في جفنة عظيمة فأطلى بالنورة، وعبد الرحمن بن عبد ربّه، وبرير على باب الفسطاط تختلف مناكبهما، فازدحما أيّهما يطلي على إثر الحسينعليهالسلام ، فجعل برير يهازل عبد الرحمن ويضاحكه، فقال عبد الرحمن: دعنا، فوالله ما هذه بساعة باطل. فقال برير: والله، لقد علم قومي أنّي ما أحببت الباطل شاباً ولا كهلاً، ولكنّي والله لمستبشر بما نحن لاقون؛ والله إنّ بيننا وبين الحور العين إلاّ أن نحمل على هؤلاء فيميلون علينا بأسيافهم، ولوددت أن مالوا بها الساعة.
وروى بعض المؤرّخين أنّه لمّا بلغ من الحسينعليهالسلام العطش ما شاء الله أن يبلغ، استأذن برير الحسينعليهالسلام في أن يكلّم القوم، فأذن له، فوقف قريباً منهم ونادى: يا معشر الناس، إنّ الله بعث بالحق محمداً بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابها، وقد حيل بينه وبين ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أفجزاء محمد هذا؟! فقالوا: يا برير، أكثرت الكلام فاكفف، فوالله ليعطش الحسين كما عطش مَنْ كان قبله. فقال الحسينعليهالسلام : « اكفف يا برير ».
قال: وخرج يزيد بن معقل من بني عميرة بن ربيعة، فقال: يا برير بن خضير، كيف ترى صنع الله بك؟ قال: صنع الله لي والله خيراً، وصنع بك شراً. فقال: قد كذبت، وقبل اليوم ما كنت كذّاباً. أتذكر وأنا أُماشيك في سكة بني دودان وأنت تقول: إنّ عثمان كان كذا، وإنّ معاوية ضال مضل، وإنّ علي بن أبي طالب إمام الحق والهدى؟
قال برير: أشهد أنّ هذا رأيي وقولي. فقال يزيد: فإنّي أشهد أنّك من الضالّين. قال برير: فهل لك أن اُباهلك، ولندع الله أن يلعن الكاذب، وأن يقتل المحقّ المبطل، ثمّ اخرج لأبارزك؟
قال: فخرجا، فرفعا أيديهما بالمباهلة إلى الله يدعوانه أن يلعن الكاذب، وأن يقتل المحقّ المبطل، ثمّ برز كلّ واحد منهما لصاحبه، فاختلفا ضربتين، فضرب يزيد بريراً ضربة خفيفة لم تضرّه شيئاً، وضرب برير يزيد ضربة قدّت المغفر وبلغت إلى الدماغ، فخرّ كأنّما هوى من حالق، وإنّ سيف برير لثابت في رأسه، فكأنّي أنظر إليه ينضنضه من رأسه حتّى أخرجه، وهو يقول:
أنا بريرٌ وأبي خضيرُ |
وكلُّ خيرٍ فلهُ بريرُ |
ثمّ حمل على أهل الكوفة وقاتل، فبرز إليه رضي بن منقذ العبدي وكعب بن جابر بن عمرو الأزدي فقتلاه، ولمّا رجع كعب إلى الكوفة قالت له اُخته النوار بنت جابر: أعنت على ابن فاطمة، وقتلت سيّد القرّاء؟! لقد أتيت عظيماً من الأمر. والله لا اُكلّمك من رأسي كلمة أبداً. وله في ذلك شعر يذكر.
يوم القيامة لنا، فلا أفلح قوم ضيّعوا ابن بنت نبيّهم، أفٍ لهم غداً ما يلاقون! سينادون بالويل والثبور في نار جهنم وهم فيها خالدون.
قال الراوي: فجزاهم الحسين خيراً.
قال: وخرج ولد الحسينعليهالسلام وإخوته وأهل بيته حين سمعوا الكلام، فنظر إليهم وجمعهم عنده فبكى، ثمّ قال: « اللّهمّ إنّا عترة نبيّك محمد (صلواتك عليه) قد أُخرجنا وأُزعجنا وطُردنا عن حرم جدّنا، وتعدّت بنو اُميّة علينا، اللّهمّ فخذ لنا بحقّنا وانصرنا على القوم الظالمين ». ثمّ نادى بأعلى صوته: « الرحيل الرحيل ». ورحل من موضعه المسمّى بالبيضة إلى العذيب، والحرّ يسايره، وكان كلّ فريق منهم على غلوة من الآخر(1) .
مرّوا جميعاً بالعُذيب والردى |
يطوفُ بالخامسِ من آلِ العبا |
(العذيب ): تصغير العذب، وهو الماء الطيّب، وهو ما بين القادسية والمغيثة. بينه وبين القادسية أربعة أميال، وإلى المغيثة اثنان وثلاثون ميلاً، وقيل: هو وادٍ لبني تميم، وهو من منازل الحجّ من الكوفة، وقيل: هو حدّ السواد.
قال في المشترك: والعذيب: بضم العين المهملة وفتح الذال المعجمة ثمّ مثناة من تحتها في آخرها باء موحدّة. قال: وهو ماء لبني تميم، وهو أوّل ماء يلقاه الإنسان بالبادية إذا سار من قادسية الكوفة يريد مكّة. والعذيب: اسم لعدّة مياه بالبرية(2) ، وهناك عين شمس ما بين العذيب والقادسية له ذكر في الفتوح(3) ، وفي العذيب قصر للفرس يسمّى (قديس)(4) .
قال السماوي: وأضيف إلى الهجانات؛ لأنّ النعمان بن المنذر ملك الحيرة كان يجعل فيه إبله(5) ، ولهم عذيب القوادس، وهو غربي
____________________
(1) انظر الأخبار الطوال - الدينوري / 225.
(2) انظر تقويم البلدان - الملك المؤيد بن أيوب صاحب حماه، (المتوفي 732) / 79، طبع باريس.
(3) انظر المشترك - شهاب الدين الحموي / 321، طبع غوتنجن ألمانيا.
(4) انظر مراصد الإطلاع - السمعاني 2 / 376.
(5) انظر إبصار العين - السماوي / 68.
عذيب الهجانات فيما أفهمه من حديث سعد بن أبي وقاص.
وللعماد الأصبهاني(1) من قصيدة يمدح المستضيء العباسي(2) ، ويذكر العذيب بقوله:
يا حبّذا ماءُ العذيب وحبّذا |
بنطافهِ الغزرِ العذاب تمضمضى |
وجاء ذكر العذيب في شعر المتنبي(3) ، وهي مطلع قصيدته التي يمدح بها سيف الدولة الحمداني(4) يقول:
تَذَكَّرتُ ما بَينَ العُذَيبِ وَبارِقِ |
مَجَرَّ عَوالينا وَمَجرى السَوابِقِ |
فصدرهما الشاعر الفحل ابن مطروح(5) فقال:
إذا ما سقاني ريقَه وهو باسمٌ |
تذكّرت ما بين العُذيب وبارقِ |
|
ويذكرني من قدّه ومدامعي |
مجرّ عوالينا ومجرى السوابقِ |
____________________
(1) انظر خريدة القصر وجريدة المصر - العماد الأصبهاني 1 / 18، قسم العراق.
(2) هو أبو محمد، اسمه حسن، الثالث والثلاثون من الخلفاء العباسيين. ولد سنة ست وثلاثين وخمسمئة، أمّه أمّ ولد أرمنية اسمها غضة، خلافته تسع سنين ونصف، عاش تسعاً وعشرين سنة، وتوفّي سنة 575 هـ.
(3) هو أحمد بن محمد بن الحسين، أبو الطيّب المتنبي الجعفي الكوفي، مفخرة من مفاخر الأدب العربي، وشاعر حكيم، لولا الشريف الرضي لكان أشعر العرب جمعاء. ولد بالكوفة ونشأ بالشام، مدح الملوك والأمراء، وهجا مَنْ هجا منهم بشعره. قيل: لمّا رجع من فارس قاصداً بغداد فالكوفة، عرض له فاتك بن أبي جهل الأسدي في الطريق بجماعة من أصحابه، ومع المتنبي جماعة، فاقتتلوا فقُتل أبو الطيّب وابنه محسد وغلامه مفلح بالقرب من دير العاقول.
(4) هو سيف الدولة علي بن عبد الله، أبو الهيجاء بن حمدان. وآل حمدان أمراء حلب.
قال الثعالبي: كان بنو حمدان ملوكاً وأمراء، أوجههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وأيديهم للسماحة، وعقولهم للرجاحة. وسيف الدولة مشهور بسيادتهم، وواسطة قلادتهم.
وكان شاعره المتنبي، وكاتبه كشاجم، وخطيبه ابن نباتة، وكان مؤدّبه ابن خالويه، وكان قائد جيشه وأميري السيف والقلم ابن عمّه أبو فراس الحمداني (ره).
كانت ولادة سيف الدولة سنة ثلاث وثلاثمئة، ووفاته سنة سبع وخمسين وثلاثمئة، ودفن عند أمّه بميافادفين (رحمه الله).
(5) هو يحيى بن عيسى، جمال الدين بن مطروح، ولد بأسيوط، =
وقال بشر بن ربيعة بن عمرو الخثعمي يوم القادسية:
أَلَم خيالٌ مِن اُميمة موهِناً |
وَقَد جَعَلت أَولى النُجومِ تَغورُ |
|
وَنَحنُ بِصَحراءِ العَذيب وَدارُها |
حِجازيَةٌ إِن المـَحلَّ شَطيرُ |
وجاء ذكر العذيب في شعر ابن سنان الخفاجي قوله:
أَعَرَفتَ مِن عَبقِ النَّسيمِ الفائِحِ |
خَبَرَ العُذَيبِ وَبانه المتَناوِحِ |
|
وَاقتادَ طَرفَكَ بارِقٌ مَلَكَت بِهِ |
ريحُ الجَنوبِ عَنانَ أَشقَرَ رامِحِ |
وللأرجاني يذكر العذيب قائلاً:
إن تبلغا شرفَ العذيبِ عشيةً |
فتيامنا عنه إلى الوعساءِ |
|
وقِفا لصائدةِ الرّجال بدَلّها |
فَصفا جِنايةَ عينها الحوراءِ |
وللأبيوردي(1) في العذيب:
فثمّ عرارٌ يُستطاب شميمُه |
وظلٌّ لخيطان الأراكِ صفيقُ |
|
أرى السيرَ منهم عامريّاً وكلّ مَنْ |
ثوى من هلالٍ بالعُذيبِ صديقُ |
وللحاجري(2) ذكر العذيب من أبيات له:
ذكرَ العُذيبَ فظلّ من أشواقهِ |
يتنفسُ الصعداءَ دونَ رفاقهِ |
وللسيّد شبر البحراني(3) من ديوانه المخطوط يذكر العذيب:
فمَنْ لي بليلاتِ العُذيبِ وحاجرٍ |
ولذّات عصرٍ فيهما لي تقدما |
|
سقاه الحيا عهداً تزاهت رياضُهُ |
وهبّ بهِ ريحُ التهاني نسما |
____________________
= ونشأ بها، واتّصل بالملك الصالح أيوب وكان ناظراً على الخزائن بمصر، ثمّ نقله إلى دمشق، وبعد موت الملك الصالح عاد إلى مصر، وتوفي بالقاهرة، وديوانه طبع بمطبعة الجوائب.
(1) هو أبو المظفر محمد بن العباس الأموي، المتوفّى 10 ع 2 سنة 557 بإصبهان.
(2) هو حسام الدين عيسى بن سنجر بن بهرام الأربلي المعروف بالحاجري، وفاته سنة 632 هـ.
(3) هو السيّد شبر الموسوي البحراني، له ديوان مخطوط لدى حفيده السيّد حسن آل السيد عدنان.
ولشكيب أرسلان(1) من مطلع قصيدة له:
أَمَعلَمُها بَينَ العَذيبِ وَبارِقِ |
تَغَزَّلتُ مِن غَزلانِهِ بِالحَقائِقِ |
|
فَدَيتُكَ رَبعاً قَد تَرَحَّلَ آلَهُ |
بِكُلِّ إِمامٍ لِلمَآثِرِ سابِقِ |
قال الهروي في الإشارات(2) : العذيب: موضع ينزل به الحاج، به قبر الحصين بن وحوح، ومسجد سعد بن أبي وقّاص، وهناك بركة أمّ جعفر في طريق مكّة بين المغيثة والعذيب(3) .
ذكر أرباب التاريخ، قالوا: وبالعذيب لقى المختار بن أبي عبيدة الثقفي (رحمه الله)(4) لاقياً حين توجّه إلى الكوفة من الحجاز، فقال له المختار أخبرنا عن الناس، فقال: تركت الناس كالسفينة تجول بلا ملاّح لها، فقال المختار: أنا ملاّحها الذي يقيمها(5) . وفي العذيب كانت مسلحة.
قال البلاذري(6) ، عن يزيد بن نبيشة العامري، قال: قدمنا العراق مع خالد بن الوليد فانتهينا إلى مسلحة العذيب.
قال أبو عبد الله السكوني: العذيب يخرج من قادسية الكوفة إليها، وكانت مسلحة للفرس، بينها وبين القادسية حائطان متّصلان بينهما نخل، وهي ستة أميال، فإذا خرجت منه دخلت البادية إلى مغيثة.
وكتب عمر بن الخطاب
____________________
(1) من ديوانه المطبوع بمطبعة النار - مصر / 1354 هـ.
(2) انظر الإشارات - علي بن أبي بكر الهروي - طبع دمشق.
(3) انظر المشترك - ياقوت الحموي / 53، طبع غوتنجن ألمانيا.
(4) هو أبو إسحاق المختار بن أبي عبيدة الثقفي، كان شجاعاً مقداماً، عالماً مفكّراً، ومن الثائرين على بني اُميّة. حبسه ابن زياد بالكوفة، وذلك قبل أن يصل الحسين إلى العراق، وبقي في السجن حتّى قُتل الحسينعليهالسلام ، فشفع فيه عبد الله بن عمر بن الخطاب زوج اُخته صفية لدى يزيد بن معاوية، فأُطلق من السجن بأمر من يزيد، ثمّ نهض بالكوفة مشمّراً عن ساعده على الحكم الأموي، واجتمع عليه أهل الكوفة وبايعوه، فاستتب له الأمر، وذلك لمّا استولى على الكوفة وضواحيها.
ثمّ امتلك الموصل وعظم شأنه، وراح يطلب بثأر الحسين، وقتل جلّ مَنْ حضر الطفّ، وهدم دورهم، وجدّ مصعب بن الزبير في خضد شوكته فقاتله، ونشبت الحرب بينهما أسفرت عن قتل المختار (رحمه الله) سنة 67 هـ.
(5) انظر الطبقات الكبرى - ابن سعد 5 / 71، طبع ليدن.
(6) انظر فتوح البلدان - البلاذري / 245.
إلى سعد بن أبي وقاص: إذا كان يوم كذا فارتحل بالناس حتّى تنزل فيما بين عذيب الهجانات وعذيب القوادس، وشرّق بالناس وغرّب بهم.
وهذا دليل على أنّ هناك عذيبين.
قال ابن بليهد(1) : والعذيب الثالث في بالد عذرة، وهو الذي عناه كثير في شعره حين قال:
خَليلَيَّ إِن أُمُّ الحَكيمِ تَحَمَّلَت |
وَأَخلَت لِخَيماتِ العُذَيبِ ظِلالَها |
|
فَلا تَسقِياني مِن تِهامَةَ بَعدَها |
بِلالاً وَإِن صَوبُ الرَبيعِ أَسالَها |
|
وَكُنتُم تَزينونَ البَلاطَ فَفارَقَت |
عَشِيَّةَ بِنتُم زَينَها وَجَمالَها |
هناك عذيب رابع، بئر جاهلية قديمة يُقال لها العذيب من آبار أثيفية، وهي معروفة إلى اليوم عند أهل تلك النواحي.
فالحسينعليهالسلام مرّ على عذيب الهجانات لا على عذيب القوادس، ومعه الحرّ يسايره.
ذكر الخوارزمي(2) قال: لمّا وصل الحسينعليهالسلام إلى عذيب الهجانات ورد كتاب من ابن زياد إلى الحرّ بن يزيد الرياحي يلومه في أمر الحسينعليهالسلام ، ويأمره بالتضييق عليه.
فلمّا أصبح الحسينعليهالسلام وأراد أن يسير عارضه الحرّ أيضاً بجيشه، ومنعه من المسير، فقال له الحسينعليهالسلام : « ويلك ما دهاك؟! ألست قلت نأخذ على غير الطريق فأخذنا وقبلنا مشورتك؟ ». فقال الحرّ: صدقت يابن رسول الله، ولكن هذا كتاب الأمير ورد عليّ يؤنّبني ويضعفني في أمرك، ويأمرني بالتضييق عليك.
فقال الحسينعليهالسلام : « فذرنا إذاً أن ننزل بقرية نينوى أو الغاضريات ». فقال الحرّ: لا والله يا أبا عبد الله، لا أستطيع ذلك، فقد جعل عليّ عيناً يطالبني ويؤاخذني بذلك.
فقال للحسينعليهالسلام رجل من أصحابه يُقال له زهير بن القين البجلي: يابن رسول الله، ذرنا نقاتل هؤلاء؛ فإنّ قتالنا إيّاهم الساعة أهون علينا من قتال مَنْ يأتينا معهم بعد هذا.
فقال الحسينعليهالسلام : « صدقت يا زهير، ولكن ما كنت لأبدأهم بالقتال حتّى يبدؤوني ».
فقال زهير: فسيّر بنا حتّى ننزل كربلاء؛ فإنّها على شاطئ الفرات فنكون هنالك،
____________________
(1) انظر صحيح الأخبار - محمد بن عبد الله بن بليهد 1 / 22.
(2) انظر المقتل - الخوارزمي - طبع النجف.
فإن قاتلونا قاتلناهم، واستعنا الله عليهم.
فدمعت عينا الحسينعليهالسلام حين ذكر له كربلاء، وقال: « اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الكرب والبلاء ».
[ قال ] الطبري(1) : ولمّا انتهى الحسينعليهالسلام إلى عذيب الهجانات، فإذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجبنون فرساً لنافع بن هلال يُقال له: الكامل، ومعهم دليلهم. قال: فأقبل إليهم الحرّ بن يزيد فقال: إنّ هؤلاء النفر الذين هم من أهل الكوفة ليسوا ممّن أقبل معك، وأنا حابسهم أو رادّهم.
فقال له الحسينعليهالسلام : « لأمنعنَّهم ممّا أمنع منه نفسي، إنّما هؤلاء أنصاري وأعواني، وقد كنت أعطيتني أن لا تعرض لي بشيء حتّى يأتيك كتاب من ابن زياد ». فقال: أجل، لكن لم يأتوا معك. قال: « هم أصحابي، وهم بمنزلة مَنْ جاء معي، فإن تممت عليّ ما كان بيني وبينك وإلاّ أجزتك ».
قال: فكفّ عنهم الحرّ، ثمّ قال لهم الحسينعليهالسلام : « أخبروني خبر الناس وراءكم ». فقال له مجمع بن عبد الله العائذي، وهو أحد النفر الأربعة الذين جاؤوا: أمّا الأشراف فقد عظمت رشوتهم، وملئت غرائزهم، يستمال ودّهم، ويستخلص به نصيحتهم، فهم إلب واحد عليك؛ وأمّا سائر الناس بعد، فإنّ أفئدتهم تهوي إليك، وسيوفهم غدال مشهورة عليك.
قال: « أخبرني، فهل لكم برسولي علم؟ ». قالوا: ومَنْ هو؟ قال: « قيس بن مسهر الصيداوي ». فقالوا: نعم، أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى ابن زياد، فأمره ابن زياد أن يلعنك ويلعن أباك، فصلّى عليك وعلى أبيك، ولعن ابن زياد وأباه، ودعا إلى نصرتك، وأخبرهم بقدومك، فأمر ابن زياد (لع) فأُلقي من طمار القصر.
فترقرقت عينا الحسينعليهالسلام ولم يملك دمعه، ثم قال: «( فَمِنْهُم مّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً ) (2) . اللّهمّ اجعل لنا ولهم الجنّة نُزلاً، واجمع بيننا وبينهم في مستقر رحمتك، ورغائب مذخور ثوابك ».
____________________
(1) انظر الطبري 6 / 230.
(2) سورة الأحزاب / 23.
وأهل العبا هم: رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعلي وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام ، فالحسينعليهالسلام خامس أهل العبا.
قال ابن جرير الهيثمي في شرح همزية البوصيري(1) عند قوله:
وهم: النبيصلىاللهعليهوآله وفاطمة وعلي وابناهما الحسن والحسينعليهمالسلام .
وفي نيل المراد عند ذكر بيت البوصيري: ومَنْ حوته العباء: هم النبيصلىاللهعليهوآله وعلي وفاطمة وابناهماعليهمالسلام ، ويُقال: هم أهل العبا وأهل الكساء.
قال ديك الجن:
والخمسةُ الغرُّ أصحابُ الكساءِ ومَنْ |
خيرُ البريةِ من عُجمٍ ومن عربِ |
وقال ابن تيمية في جواب مَنْ سأله عن دخول عليعليهالسلام في أهل البيت: ممّا لا خلاف فيه بين المسلمين، وهو أظهر عندهم من أن يحتاج إلى دليل، بل هو أفضل أهل البيت، وأفضل بني هاشم بعد النبيصلىاللهعليهوآله . إنّه أدار كساه على علي وفاطمة وحسن وحسين، فقال: « اللّهم هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً »(2) .
وبأمِّ السِّبْطَيْنِ زَوْجِ عَلِيٍّ |
وَبَنِيها وَمَنْ حَوَتْهُ العَبَاءُ |
وذكر علي جلال الحسيني(3) قال: وروى الترمذي في جامعة هذا الحديث في مناقب أهل البيت في آخر ج2، عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبيصلىاللهعليهوآله قال: نزلت هذه الآية على النبيصلىاللهعليهوآله ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (4) في بيت اُمّ سلمة، فدعا النبيصلىاللهعليهوآله فاطمة وحسناً وحسيناً وعليّاًعليهمالسلام خلف ظهره، فجلّلهم بكساء، ثمّ قال: « اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ». قالت اُمّ سلمة: أنا معهم يا رسول الله؟ قال: « أنتِ على مكانك، وأنتِ إلى خير ».
____________________
(1) انظر شرح همزية البوصيري / 319.
(2) انظر الفتاوى - ابن تيمية 1 / 230.
(3) انظر الحسين - علي جلال الحسيني 1 / 188.
(4) سورة الأحزاب / 33.
لكن ابن تيمية قال في أوّل ج3 من كتاب منهاج السنّة النبويّة ص4: أمّا حديث الكساء فهو صحيح، وروى الحديث، ثمّ قال: وغاية ذلك أن يكون دعا لهم بأن يكونوا من المتّقين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم، واجتناب الرجس واجب على المؤمنين، والطهارة مأمور بها كلّ مؤمن... إلخ.
وابن تيمية (رحمه الله) في رأيه هذا تعدّى حدّ الإنصاف، وعطّل الآية وحديث الكساء من المعنى؛ إذ لم يجعل لأهل البيتعليهمالسلام فضلاً على غيرهم، مع أنّه واضح أنّ الكتاب والحديث يخصّانهم بالفضل. انتهى كلام الحسيني.
أقول: أحسب أنّ ابن تيمية لو استطاع أن يحذف ويمحو هذه الآية من القرآن، أو يحرّفها ويأوّلها في أبناء الطلقاء لفعل، ولقبلها منه أتباعه السذّج بأحسن قبول؛ لأنّه ابن تيمية.
روى السيوطي(1) عن ابن جرير وابن حاتم، عن قتادة (رضياللهعنه ) في قوله:( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) قال: هم أهل بيت طهّرهم الله من السوء، واختصّهم برحمته.
قال: وحدّث الضحاك بن مزاحم (رضياللهعنه ) أنّ نبي اللهصلىاللهعليهوآله كان يقول: « نحن أهل بيت طهّرهم الله. من شجرة النبوّة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وبيت الرحمة، ومعدن العلم ».
وقد ذكر خبر الكساء جمع من العلماء والمؤرخين، كالترمذي(2) ، ومسلم(3) ، وصاحب المستدرك(4) ، ومعالم التنزل بهامش الخازن(5) ، إلى غير ذلك من المصادر الوثيقة، فاطلبها من مضانّها.
قال الشاعر:
إنّ النبيَّ محمداً ووصيَّه |
وابنيه وابنته البتولَ الطاهرهْ |
|
أهلُ العباءِ وإنّني بولائهمْ |
أرجو السلامةَ والنجا في الآخرهْ |
قلت: ثمّ سرى والحرّ يسير إلى جنبه.
____________________
(1) انظر الدر المنثور - جلال الدين السيوطي 5 / 199.
(2) انظر الترمذي 4 / 204.
(3) انظر صحيح مسلم 4 / 127.
(4) انظر الحاكم في المستدرك 2 / 416.
(5) انظر هامش الخازن / 213.
ثمّ سرى والحرُّ يسري جانباً |
واتّفقَ الكلُّ على هذا السرى |
|
وصوتُ حاديهِ يدوّي في الفضا |
والكلّ للحادي وللرجزِ صغى |
|
يا ناقتي لا تذعري بل شمّري |
للسيرِ في ركبِ شقيقِ المجتبى |
|
هذا الإمامُ ابنُ الإمام مَنْ بهِ |
استقامَ هذا الدينُ والشركُ انمحى |
|
يا مالكَ النفعِ والضرِّ معاً |
أيّد حسينَ السبطِ خيرةَ الملا |
|
واخذل يزيدَ الجورِ والعهرِ الذي |
أولدهُ الشركُ وغذّاهُ الخنا |
قال أرباب السير: وأخذ الحسينعليهالسلام يسرة الطريق واتّجه نحو الشمال، فقال لأصحابه: « مَنْ منكم يعرف الطريق على غير الجادة ». فقال الطرمّاح بن عدي(1) : أنا يابن رسول الله. فقال: « تقدّم الظعينة ».
فتقدّم الطرمّاح شأن الأدلّة، وجعل يرفع صوته بالحداء قائلاً:
يا ناقتي لا تذعري من زجري |
واسري بنا قبلَ طلوعِ الفجرِ |
|
بخيرِ فتيانٍ وخيرِ سفرِ |
آلِ رسولِ اللهِ أهلِ الفخرِ |
|
السادةِ البيضِ الوجوهِ الزُّهرِ |
الضاربينَ بالسيوفِ البترِ |
|
الطاعنينَ بالرماحِ السمرِ |
المطعمينَ الضيفَ عامَ العسرِ |
|
يا مالكَ النفعِ معاً والضرِّ |
أيّد حسيناً سيّدي بالنصرِ |
على الطغاةِ من بقايا الكفرِ
قال الراوي: فانتهى بهم المسرى إلى أقساس مالك.
____________________
(1) الطرماح: بزنت سنمار. قال السماوي (رحمه الله) في أبصار العين: الطويل، وهو هنا علم لرجل طائي، وليس بابن عدي بن حاتم المعروف بالجود؛ فإنّ ولد عدي الطرفات قتلوا مع أمير المؤمنينعليهالسلام في حروبه، ومات عدي بعدهم، وكان يعيّر بذلك، فيقال له: اذهب على الطرفات. فيقول: وددت أنّ لي ألفاً مثلهم لاُقدّمهم بين يدي عليعليهالسلام إلى الجنّة. والطرفات هم: طرفة، وطريف، ومطرف (رحمهم الله).
ومرّ بالأقساس لم يقِل بها |
وكان جلّ القَس منه للردى |
(أقساس ) : قرية بالكوفة، أو كورة يُقال لها: أقساس مالك، منسوبة إلى مالك بن عبد هند ابن [نجم، بالجيم بوزن زفر، بن منعة بن برجان بن الدوس] ابن الديل بن أميّة بن حذافة بن زهر بن أياد بن نزار.
وذكر ابن الفقيه قال: أقساس مالك تنسب إلى مالك بن قيس(1) ، والقس في اللغة تتبع الشيء وتطلبه. وجمعه: أقساس، فيجوز أن يكون مالك تطلب هذا الموضع، وتتبع عمارته فسمّي بذلك.
قال السمعاني(2) : أقساس: هي قرية بالكوفة، نزلت في صحرائها منصرفي من الكوفة في النوبة الخامسة، وقرأت بها خبراً على شيخنا أبي سعد ابن البغدادي الحافظ. وينسب إلى هذا الموضع أبو محمد يحيى(3) بن محمد بن الحسن بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الأقساسي، وجماعة من العلويّين ينسبون كذلك إليها(4) كالأقساسي.
قال شيخنا الأميني(5) : آل الأقساسي من أرفع البيوت العلويّة، لها أغصان باسقة موصولة بالدوح النبوي اليانع، بزغت بهم العراق عصوراً متطاولة، وإن كان مبعث غرسهم الزاكي الكوفة من قرية كبيرة، أو كورة يُقال لها: أقساس مالك، وهم بين عالم متبحّر، ومحدّث ثقة، ولغوي متظلّع، وشاعر متأنّق، وأمير ظافر، ونقيب فاضل.
وأوّل مَنْ عرف بهذه النسبة محمد الأصغر بن يحيى، وأولاده تتشعّب عدّة شعب؛ منهم بنو جوذاب وهم من أولاد علي بن محمد الأصغر، وبنو الموضح أولاد أحمد بن محمد الأصغر، وبنو قرّة العين أولاد أحمد بن علي الزاهد بن محمد الأصغر،
____________________
(1) انظر ابن الفقيه من علماء أواخر القرن الثالث للهجرة / 182.
(2) انظر الأنساب - السمعاني / 47.
(3) كانت ولادته في شوال سنة 395، وتوفّي في نيف وسبعين وأربعمئة.
(4) انظر - اللباب 1 / 64.
(5) انظر الغدير - الشيخ عبد الحسين الأميني 5 / 3.
وبنو صعوة أولاد أحمد بن محمد بن علي الزاهد بن محمد الأصغر.
ومن بني صعوة: طاهر بن أحمد، ذكره السمعاني في الأنساب، فقال: طاهر بن أحمد بن محمد بن علي الأقساسي كان يلقّب بصعوة، وكان ديّناً ثقة. يروي عن أبي علي الحسن بن محمد بن سليمان العربي العدوي، عن خراش، عن أنس بن مالك.
ومنهم: محمد بن علي(1) بن فخر الدين أبي الحسين حمزة بن كمال الشرف أبي الحسن محمد بن أبي القاسم الحسن الأديب بن أبي جعفر محمد بن علي الزاهد بن محمد الأصغر (الأقساسي) بن يحيى بن الحسين ذي العبرة بن زيد الشهيد ابن الإمام علي بن الحسينعليهماالسلام .
وله شعر رائق، فمن قوله:
رُبّ قومٍ في خلائقهمْ |
غررٌ قد صيّروا غررا |
|
سترَ المالُ القبيحَ لهم |
سترى إن زال ما سترى |
والأقساسيون هم سلسلة المترجم له، جدّه الأعلى أبو القاسم الحسن الأقساسي المعروف بالأديب، ابن أبي جعفر محمد(2) .
قال ابن عساكر: قدم دمشق، وكان أديباً شاعراً، في المحرّم سنة 347 هـ، ونزل في الحرمين، وكان شيخاً مهاباً نبيلاً، حسن الوجه والشيبة، بصيراً بالشعر واللغة، يقول الشعر، من أجود آل أبي طالب حظّاً، وأحسنهم خلقاً، وكان يُعرف بالأقساسي نسبة إلى موضع نحو الكوفة.
ومنهم: كمال الدين الشرف أبو الحسن(3) محمد بن أبي القاسم، ولاّه الشريف علم الهدى نقابة الكوفة، وإمارة الحاج، فحجّ بالناس مراراً(4) . ولمّا مات رثاه الشريف المرتضى بقوله:
____________________
(1) المتوفّى سنة 575 هـ.
(2) ترجمه ابن عساكر في تاريخ الشام 4 / 247.
(3) كنّاه العلم الحجّة ابن طاووس في كتاب اليقين بأبي يعلى.
(4) كانت وفاته سنة 415، انظر المنتظم - لابن الجوزي 8 / 19، وكامل ابن الأثير 9 / 127، وتاريخ ابن كثير 12 / 18، ومجالس المؤمنين / 211.
عرفتُ ويا ليتني ما عرفتُ |
فمرُّ الحياةِ لمَنْ قد عرفْ |
وقال ابن الأثير في الكامل(1) : حجّ بالناس أبو الحسن الأقساسي سنة 412 هجـ، فلمّا بلغوا فيد(2) حصرهم العرب، فبذل لهم الناصحي (أبو محمد قاضي القضاة) خمسة آلاف دينار فلم يقنعوا، وصمّموا العزم على أخذ الحاج، وكان مقدمهم رجلاً يُقال له: حمار بن عدي (بضم العين)، من بني نبهان، فركب فرسه وعليه درعه وسلاحه وجال جولة يرهب بها، وكان من سمرقند شاب يوصف بجودة الرمي، فرماه بسهم فقتله وتفرّق أصحابه، وسلم الحاج فحجّوا وعادوا سالمين.
ومن آل الأقساسي: فخر الدين أبو الحسين حمزة بن كمال الشرف محمد. ذكره النسابة العمري في المجدي، وقال: هو نقيب الكوفة، وكان لفخر الدين أخ يسمّى أبو محمد يحيى ذكره السمعاني في الأنساب، وقال: كان ثقة نبيلاً، سمع أبا عبد الله القاضي الجعفري.
روى لنا عنه أبو القاسم إسماعيل بن أحمد السمرقندي(3) ، وأبو الفضل محمد بن عمر الأرموي(4) ببغداد، وأبو البركات عمر بن إبراهيم الحسني(5) ، وكان بالكوفة.
ومن آل الأقساسي علم الدين أبو محمد الحسن النقيب الطاهر بن علي بن حمزة، كان شيخاً مهاباً، جاوز الثمانين، وقد أورد له ابن الساعي أشعاراً كثيرة، منها:
اصبر على كيدِ الزما |
نِ فما يدومُ على طريقهْ |
|
سبقَ القضاءُ فكن بهِ |
راضٍ ولا تطلب حقيقهْ |
____________________
(1) انظر الكامل - ابن الأثير 9 / 121.
(2) فيد: منزل في طريق مكة مرّ ذكره آنفاً.
(3) كان مكثراً من الحديث، عالي الرواية، ولد بدمشق 454، وتوفّى 563.
(4) الأرموي من أهل أرمية، إحدى بلدان آذربايجان. سكن بغداد، وتخرّج عليه كثير من أعلامها، ولد سنة 457، وتوفّي سنة 547.
(5) مفتي الكوفة، كان مشاركاً في العلوم، ولد سنة 442، وتوفّي 539، وصلّى عليه ثلاثون ألفاً. حسيني النسب من ذرية زيد الشهيد. وذكره الحموي في معجمه 1 / 312.
كم قد تغلّب مرّةً |
وأراكَ من سعةٍ وضيقهْ |
|
ما زالَ في أولادهِ |
يجري على هذي الطريقهْ |
كان (الناصر) قد ولاّه النقابة، وكانت ولادته ونشأته بالكوفة، توفّي سنة 593 هـ.
وعلى ما ذكره ابن كثير(1) قال: كان شاعراً مطبقاً، امتدح الخلفاء والوزراء، وهو من بيت مشهور بالأدب والرياسة والمروّة.
وخلّف علم الدين ولده قطب الدين أبا عبد الله الحسين نقيب نقباء العلويّين في بغداد، وكان عالماً شاعراً، متطّلعاً على السير والتواريخ. قلد النقابة بعد عزل قوام الدين (أبي علي الحسن بن معد) المتوفّى 636 عن النقابة سنة 642 هـ.
وجاء في الحوادث الجامعة(2) : توفّي فيها - يعني 645 - النقيب قطب الدين أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن علي المعروف بالأقساسي العلوي ببغداد، وكان أديباً فاضلاً، يقول شعراً جيداً. بدرت منه كلمة في أيام الخليفة الناصر على وجه التصحيف، وهي (أردنا خليفة جديداً)، فبلغت الناصر، فقال: لا يكفي حلقة لكن حلقتين، وأمر بتقييده وحمله إلى الكوفة، فحمل وسجن فيها، فلم يزل محبوساً إلى أن استخلف الظاهر سنة 623 فأمر بإطلاقه، فلمّا استخلف المنتصر بالله 624 رفق عليه فقرّبه وأدناه، ورتّبه نقيباً، وجعله من ندمائه، وكان ظريفاً خليعاً، طيّب الفكاهة، حاضر الجواب.
وجاء في التاريخ أنّه وصل الملك الناصر (ناصر الدين) داود بن عيسى في المحرّم 633 إلى بغداد، واجتاز الحلّة السيفية وبها الأمير شرف الدين علي، ثمّ توجّه منها إلى بغداد، فخرج إلى لقائه النقيب الطاهر قطب الدين أبو عبد الله الحسين بن الأقساسي، وفي سلخ ربيع الأول من السنة المذكورة وصل الأمير ركن الدين إسماعيل صاحب الموصل إلى بغداد، وخرج إلى لقائه النقيب الحسين بن الأقساسي وخادماً من خدم الخليفة.
وجاء أنّ الخليفة المستنصر بالله قصد سنة 634 مشهد الإمام موسى بن جعفرعليهماالسلام في ثالث رجب،
____________________
(1) انظر البداية والنهاية - ابن كثير 13 / 16.
(2) انظر الحوادث الجامعة / 220.
فلمّا عاد أبرز ثلاثة آلاف دينار إلى أبي عبد الله الحسين الأقساسي نقيب الطالبيِّين، وأمره أن يفرّقها على العلويّين المقيمين في مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام والحسين وموسى بن جعفرعليهمالسلام (1) .
وذكر اُستاذنا الشيخ الأميني(2) أفرد العلاّمة سيّدنا المرعشي في (مجالس المؤمنين)(3) ترجمة باسم عز الدين بن الأقساسي، وقال: إنّه من أشراف الكوفة ونقبائها، كان فاضلاً أديباً، له في قرض الشعر يد غير قصيرة.
روى أنّ الخليفة المستنصر العباسي خرج يوماً إلى زيارة قبر سلمان الفارسي (سلام الله عليه) ومعه السيّد المذكور ابن الأقساسي، فقال له الخليفة في الطريق: إنّ من الأكاذيب ما يرويه غلاة الشيعة من مجيء علي بن أبي طالبعليهالسلام من المدينة إلى المدائن لمّا توفّى سلمان، وتغسيله إيّاه، ورجوعه في ليلته إلى المدينة، فأجابه الأقساسي بالبديهة بقوله:
أنكرتَ ليلةَ إذ سارَ الوصيُّ إلى |
أرضِ المدائنِ لمّا أن لها طلبا |
|
وغسّلَ الطهرَ سلماناً وعاد إلى |
عراصِ يثربَ والإصباحُ ما وجبا |
|
وقلتَ ذلكَ من قولِ الغلاةِ فما |
ذنبُ الغلاةِ إذا لم يوردوا كذبا |
|
فآصفُ قبلَ ردِّ الطرفِ من سبأٍ |
بعرشِ بلقيسَ وافى يخرقُ الحُجبا |
|
فأنتَ في آصفٍ لم تغلُ فيهِ بلى |
في حيدرٍ أنا غالٍ إنّ ذا عجبا |
|
إن كانَ أحمدُ خيرَ المرسلينَ فذا |
خيرُ الوصيينَ أو كلُّ الحديثِ هبا |
وقد نسب السماوي هذه الأبيات في كتابه (الطليعة) - مخطوط - إلى السيد محمد الأقساسي.
قال شيخنا الأميني: ذكر ابن شهر آشوب هذه الأبيات بتغيير يسير وزيادة، ونسبها إلى أبي الفضل التميمي، أو لغيره من أسلاف آل الأقساسي الأوّلين، وأنشدها قطب الدين للمستنصر.
نعم، إنّ أقساس مالك قرية من قرى الكوفة، وإن لم يحقّق المؤرّخون موقعها غير أنّا نرى أنّ الحسينعليهالسلام مرّ بها
____________________
(1) انظر الحوادث الجامعة ص 77 و79.
(2) انظر الغدير - موسوعة الشيخ الأميني 5 / 13.
(3) انظر مجالس المؤمنين - السيد المرعشي / 212.
في طريقه إلى كربلا، فهي لا شك من قرى سواد العراق، أي حدّ العراق من الغرب، ومنها سار الحسين إلى الرهيمة فوافاها.
ومُذ أتى عينَ الرُهيمة التقى |
بالرجلِ الكوفي في رأدِ الضحى |
(الرهيمة ): بلفظ التصغير، ويجوز أن يكون تصغير رهمة، وهي المطرة الضعيفة الدائمة، وهي ضيعة قرب الكوفة.
قال السكوني: هي عين بعد خفية إذا أردت الشام من الكوفة. بينها وبين خفية ثلاثة أميال، وبعدها إلى القطيفة مغرباً.
وذكر المتنبّي في مقصورته التي يهجو في آخرها كافو الأخشيدي، ويعدّد فيها المنازل التي مرّ عليها في طريقه إلى العراق قوله:
فيا لكَ ليلاً على أعكشِ |
أحمّ البلادِ خفيّ الصوى |
|
وردنَ الرهيمةَ في جوزهِ |
وباقيهِ أكثرُ ممّا مضى |
فزعم قوم أنّ المتنبي أخطأ في قوله (جوزه)، ثمّ قوله (وباقيه أكثر ممّا مضى)؛ لأنّ الجوز وسط الشيء.
ولتصحيحه تأويل وهو: أنّ أعكش اسم صحراء، والرهيمة عين وسطه، فتكون الهاء في جوزه راجعة إلى أعكش فيصح المعنى(1) .
ذكر محمد بن نما(2) أنّ الحسينعليهالسلام لمّا وصل إلى الرهيمة لقيه رجل من أهل الكوفة يُقال له: أبو هُرم، فقال: يابن رسول الله، ما الذي أخرجك عن حرم جدّك؟ فقالعليهالسلام : « يا أبا هرم، إنّ بني اُميّة شتموا عرضي فصبرت، وأخذوا مالي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيمُ الله ليقتلونني فيلبسهم الله ذلاً شاملاً، ويريهم سيفاً قاطعاً، ويسلّط عليهم مَنْ يذلّهم(3) حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة فحكمت في أموالهم ودمائهم ».
ورأد الضحى: أي وقت ارتفاع الشمس وانبساط الضوء.
فالحسينعليهالسلام سار من الرهيمة، وواصل سيره إلى قصر مقاتل فنزل عنده.
____________________
(1) انظر معجم البلدان - ياقوت الحموي 4 / 344.
(2) انظر مقتل الحسين - محمد بن نما / 23.
(3) ومثله ذكر الصدوق، انظر الأمالي / 93.
حتّى أتى قصرَ بني مُقاتلٍ |
رأى بهِ الجُعفيَّ ضارباً خبا |
|
ناشدهُ الحسينُ أمراً فأبى |
والفتحُ معْ سبطِ النبيِّ ما هوى |
(قصر مقاتل ) : قصر كان بين عين التمر والشام. وقال السكوني: هو قرب القطقطانة وسلام، ثمّ القريات، وهو منسوب إلى مقاتل بن حسان بن ثعلبة بن أوس بن إبراهيم بن أيوب بن مجروف بن عامر بن عصية بن امرئ القيس بن زيد بن مناة بن تميم.
قال ابن الكلبي: لا أعرف في العرب الجاهلية مَنْ اسمه إبراهيم بن أيوب غيرهما، وإنّما سمّيا بذلك للنصرانية، وخرّبه عيسى بن علي بن عبد الله، ثمّ جدّد عمارته فهو له.
وقال ابن طخماء الأسدي:
كأن لمْ يكن بالقصرِ قصرِ مقاتلٍ |
وزورةَ ظلٌّ ناعمٌ وصديقُ(1) |
وفي قصر مقاتل آراء المؤرّخين متضاربة؛ فمنهم مَنْ يسمّيه قصر مقاتل، والبعض يذكره قصر بني مقاتل، وربّما يكون وجه تسميته ببني مقاتل نسبته إلى أولاد مقاتل وأحفاده، وصحيحه قصر مقاتل، وموقعه شرقي الأخيضر(2) الذي يذكره
____________________
(1) انظر معجم البلدان - ياقوت الحموي 7 / 111.
(2) الأخيضر: قصر عظيم يدلّ على عظمة بانيه. ذكر بعض المؤرّخين أنّه من بنايات الفرس، أشبه ما يكون بالمسلحة، والبعض الآخر يوعزه إلى الأراميين، وإن ذكر بعضهم أنّ بناءه إسلامي؛ لوجود المسجد الذي فيه، وهذا لا ينافي من أنّ القصر بُني قبل الإسلام، وبعد أن استولى المسلمون على هذه المناطق شيّدوا فيه مسجداً للصلاة.
يقع هذا القصر (الأخيضر) قرب هور أبو دبس من الأراضي التابعة إلى لواء كربلاء؛ ولارتفاعه يُرى من مسافة بعيدة. وفي هذه المنطقة سلسلة قصور شمال الأخيضر وجنوبه؛ أمّا التي في جنوبه فهي متّصلة ببحر النجف، كقصر الحياضية والرهيمة والعزية والرحبة وغيرها، وقد درس علماء الآثار هذا القصر درساً مفصّلاً حيث أمّه كثير من الأوروبيّين والمستشرقين؛ ففي أوائل القرن السابع عشر جاءه (بيترودي لافاله)، وفي أوسط القرن الثامن عشر جاءه (نيبهور)، وقصده (ماسنيون) سنة 1908، و (ألمس بل) جاءته سنة 1909، وويوله، وديولافوا، وموزيل. وأوسكار رويتر بين سنة 1910 - 1912.
لقد قام (أوسكار رويتر) بدرس الأخيضر دراسة تفصيلية؛ فإنّه مسح أقسامه المختلفة بدقة كبيرة، فرسم مخططاتها ومقطعها، وصوّر مناظرها المختلفة - انظر الآثار القديمة في العراق - الأخيضر - فقد استوفى البحث عن هذا القصر الأثري. =
المستشرقون (باكيدر)، وقد ألّفت (ألمس بل) كتاباً ضخماً أسمته (القصر والجامع في الأخيضر)(1) ، ذكرت فيه: (هنالك بناية أو قرية تُدعى المقاتل، وقد أشار إليه ياقوت بكونها إمّا بين عين التمر ودمشق، أو قرب القطقطانة وسلام)(2) .
ثمّ ذكرت: (وحالة قصر المقاتل، وقد عدّ خطأ بكونه الأخيضر)(3) ، وأيضاً ذكرت: (وهذا يقضي بي مرّة أخرى إلى القول أنّ قصر المقاتل قد كان يقوم في ما قبل الإسلام، وفي العصر الأموي، ثمّ خرب واستعاد بناءه عيسى بن علي. إنّ قصر المقاتل أُعيد بناؤه في مطلع العصر العباسي)(4)(5) .
وربّما يبعد عن الأخيضر اثنى عشر كيلو متراً، وقد اندثر القصر ولم يبقَ من أثره إلاّ شبه تل، وبالقرب من هذا التل عين نابعة تميل إلى الملوحة تسمّيها العرب (الأخيضرة)، وهذه الأرض كلّها تسمّى طفّ العراق، وأهالي النجف يسمّون المرتفع عليها شرقاً والمشرف على الطفّ (الطارات).
وقال عبيد الله بن الحرّ الجعفي يذكر قصر مقاتل:
وبالقصرِ ما جرّبتموني فلم أخم |
ولم أكُ وقّافاً ولا طائشاً فشلْ |
|
وبارزتُ أقواماً بقصرِ مقاتلٍ |
وضاربتُ أبطالاً ونازلتُ مَنْ نزلْ |
____________________
= ذكر صاحب كتاب (البادية) أنّ الناظر لهذه القصور يخيّل إليه أنّها بُنيت لغاية واحدة قد تكون مسالح، أو مراكز دفاعية، فإذا حدث اعتداء على أحد هذه القصور يكفي أن يشعل ساكنوها النار على سطح أحد القصور إيذاناً بالخطر، فيأخذ سكّان القصر الثاني، أو القلعة الثانية الحذر فيشعلون النار أيضاً؛ تنبيهاً للقصر الثاني، وهي طريقة دفاعية في غاية الإحكام. انظر كتاب البادية / 14.
قلت: وكلّ هذه القصور موقعها في طفّ العراق المعروف اليوم عند أهالي النجف (بأرض البحر)، وتوجد هناك آثار بعض الأديرة القديمة، وسلسلة البنايات منها موجدة، والعطشان في الجنوب، وقلعة شمعون وبرداويل من جهة الشمال.
(1) - القصر والجامع في الأخيضر - باللغة الإنكليزية - ألمس بل - طبع انكلترا. أوكسفورد سنة 1914 م.
(2) انظر القصر والجامع في الأخيضر - ألمس بل / 162.
(3) المصدر نفسه / 164.
(4) المصدر نفسه / 168.
(5) ترجم لي هذه الكلمات الاُستاذ الكبير (كوركيس عوّاد) مدير مكتبة المتحف العراقي ببغداد.
فَلا كوفَةٌ أُمّي وَلا بَصرَةٌ أَبي |
وَلا أَنا يثنيني عَنِ الرِّحلَةِ الكَسَلْ |
|
فَلا تَحسبني اِبنَ الزُّبَير كَناعِسٍ |
إِذا حَلَّ أَغفى أَو يُقالُ لَهُ اِرتَحَلْ |
|
فَإِن لَم أزرك الخَيل تردي عَوابِساً |
بِفُرسانِها حَولي فَما أَنا بِالبَطَلْ |
وهذا هو عبيد الله بن الحرّ الجعفي الذي التقى به الحسينعليهالسلام في قصر مقاتل.
ذكر صاحب در النظيم في بعض فصوله، راوياً عن أبي مخنف أنّه قال: لمّا نزل الحسينعليهالسلام قصر بني مقاتل رأى فسطاطاً مضروباً، فقال: « لمَنْ هذا الفسطاط؟ ».
فقيل: لعبيد الله بن الحرّ الجعفي، وكان معه الحجّاج بن مسروق الجعفي، وزيد بن معقل الجعفي، فأرسل الحسينعليهالسلام الحجّاج إليه يدعوه، فلمّا أتاه قال له: يابن الحرّ، أجب الحسين بن علي بن أبي طالب. فقال له: أبلغ الحسين عنّي وقل له: إنّي لم أخرج من الكوفة إلاّ فراراً من دمك، ولئلاّ أعين عليك، والحسين ليس له ناصر بالكوفة ولا شيعة.
فجاء الحجّاج وبلّغ الحسين مقالته، فعظم ذلك على الحسينعليهالسلام ، ثمّ إنّه دعا بنعليه فركبهما، وأقبل يمشي حتّى دخل على عبيد الله وهو في الفسطاط، وكان الحسينعليهالسلام عليه جبّة خز وكساء وقلنسوة(1) ، فلمّا رأى الحسين مقبلاً قام إليه إجلالاً، وأوسع له عن صدر المجلس حتّى أجلسه بمكانه.
قال يزيد بن مرّة: حدّثني ابن الحرّ قال: دخل على الحسينعليهالسلام ولحيته كأنّها جناح غراب، ما رأيت أحداً قطّ أحسن ولا أملا للعين من الحسينعليهالسلام ، ولا رققت لأحد قطّ كرقّتي على الحسين حين رأيته يمشي وأطفاله حواليه، فالتفت الحسينعليهالسلام إلى عبيد الله وقال له: « ما يمنعك يابن الحرّ أن تخرج معي؟ ».
فقال: لو كنت ممّن كتب لك لكنت معك، ولكن هذه خيلي المعدّة والأدلاّء من أصحابي، وهذه فرسي الملحقة، فوالله ما طلبت عليها شيئاً إلاّ أدركته، وما طلبني أحد إلاّ فتّه، فدونكها فاركبها حتّى تلحق بمأمنك، وأنا ضمين لك بالعيالات حتّى أؤدّيهم إليك أو أموت أنا وأصحابي دونهم. وأنا كما تعلم إذا دخلت في أمر لا يضمّني فيه أحد.
فقال الحسينعليهالسلام : « هذه نصيحة
____________________
(1) انظر الحسين - علي جلال الحسيني 1 / 97.
منك لي؟ ». قال: نعم، فوالله الذي لا إله فوقه. فقال الحسينعليهالسلام : « إنّي سأنصحك كما نصحتني؛ مهما استطعت أن لا تشهد وقعتنا ولا تسمع واعيتنا؛ فوالله لا يسمع اليوم واعيتنا أحد ثمّ لا ينصرنا إلاّ أكبه الله على منخريه في النار ».
وفي الأمالي(1) : فقال له الحسينعليهالسلام : « لا حاجة لنا فيك، ولا في فرسك ». ثمّ تلا قوله تعالى:( وَمَا كُنتُ مُتّخِذَ الْمُضِلّينَ عَضُداً ) (2) ، ثمّ فارقه الحسينعليهالسلام .
قال أهل السير: ولمّا قُتل الحسينعليهالسلام ندم عبيد الله على عدم نصرته للحسين، وصار يتحسّر لذلك ويتأسف بقوله:
فيا لكِ حسرةً ما دمتُ حيّاً |
تَردّدُ بينَ حلقي والتراقِ |
|
حسينٌ حينَ يطلبُ بذلَ نصري |
على أهلِ الضلالةِ والنفاقِ |
|
غداةَ يقولُ لي بالقصرِ قولاً |
أتتركُنا وتزمعُ بالفراقِ |
|
ولو أنّي اُواسيهِ بنفسي |
لنلتُ كرامةً يومَ التلاقِ |
|
مع ابن المصطفى روحي فداهُ |
تولّى ثمّ ودّعَ بانطلاقِ |
|
فلو فلقَ التلهفُ قلبَ حيٍّ |
لهمَّ اليومَ قلبي بانفلاقِ |
|
لقد فازَ الاُلى نصرَوا حسيناً |
وخابَ الآخرونَ ذوو النفاقِ |
وقال أيضاً يصف حزنه على الحسينعليهالسلام :
يبيتُ النشاوي من اُميّةَ نوّماً |
وبالطفِّ قتلى لا ينامُ حميمُها |
|
وأضحت قناةُ الدينِ في كفِّ ظالمٍ |
إذا اعوجّ منها جانبٌ لا يقيمُها |
|
فأقسمتُ لا تنفكُّ نفسي حزينةً |
وعينيَّ تبكي لا يجفُّ سجومُها |
|
حياتيَ أو تلقى اُميّةُ خزيةً |
يذلُّ بها حتّى المماتِ قرومُها |
وذكر الطبري(3) أنّ عبيد الله بن زياد تفقّد أشراف أهل الكوفة فلم يرَ عبيد الله بن الحرّ الجعفي، ثمّ جاءه بعد أيام حتّى دخل عليه، فقال له: أين
____________________
(1) انظر أمالي الصدوق (ره).
(2) سورة الكهف.
(3) انظر ابن جرير الطبري 6 / 270.
كنت يابن الحرّ؟ قال: كنت مريضاً. قال: مريض القلب أم مريض البدن؟ قال: أمّا قلبي فلم يمرض، وأمّا بدني فقد مَنَّ الله عليَّ بالعافية. قال له ابن زياد. كذبت، ولكنّك كنت مع عدوّنا. قال: لو كنت مع عدوك لرؤي مكاني، وما كان مثل مكاني يخفى.
قال: وغفل عنه ابن زياد غفلة فخرج ابن الحرّ فقعد على فرسه، فقال ابن زياد: أين ابن الحرّ؟ قالوا: خرج الساعة. قال: عليّ به. فأحضرت الشرطة فقالوا له: أجب الأمير ابن زياد. فدفع فرسه، ثمّ قال: أبلغوه عنّي أنّي لا آتيه طايعاً أبداً.
ثمّ خرج حتّى أتى منزل أحمر بن أياد الطائي، فاجتمع في منزله أصحابه، ثمّ خرج حتّى أتى كربلاء فنظر إلى مصارع القوم فاستغفر لهم هو وأصحابه، ثمّ مضى حتّى نزل المدائن، وقال في ذلك:
يقولُ أميرٌ غادرٌ وابنُ غادرِ |
ألا كنتَ قاتلتَ الحسينَ بنَ فاطمهْ |
|
فيا ندمي أن لا أكونَ نصرتُهُ |
ألا كلُّ نفسٍ لا تسدّدُ نادمهْ |
|
وإنّي لأنّي لم أكن من حماتِهِ |
لذو حسرةٍ ما أن تفارق لازمهْ |
|
سقى اللهُ أرواحَ الذينَ تآزروا |
على نصرهِ سُقياً من الغيثِ دائمهْ |
|
وقفتُ على أجداثهِم ومحالِهِمْ |
فكادَ الحشا ينقضُّ والعينُ ساجمهْ |
|
لَعمري لقد كانوا مصاليتَ في الوغى |
سراعاً إلى الهيجا حماةً ضراغمهْ |
|
فإن يقتلوهُم كلُّ نفسٍ تقيةٍ |
على الأرضِ قد أضحت لذلكَ واجمهْ |
|
وما أن رأى الراؤون أفضلَ منهمُ |
لدى الموتِ ساداتٍ وزهرٍ قماقمهْ(1) |
|
أتقتلهُم ظلماً وترجو ودادَنا |
فدعْ خطّةً ليست لنا بملائمهْ |
|
لَعمري لقد راغمتمونا بقتلهِمْ |
فكم ناقمٌ منّا عليكم وناقمهْ |
|
أهمُّ مراراً أن أسيرَ بجحفلٍ |
إلى فئةٍ زاغت عن الحقِّ ظالمهْ(2) |
|
فكفّوا وإلاّ ذدتُكمْ في كتائبٍ |
أشدُّ عليكم من زحوفِ الديالمهْ |
____________________
(1) قماقمه: مفردها قمقام، السيد الكثير العطاء.
(2) زاغت: أي مالت عن الحقّ.
وهذه الكلمة قالها الحسينعليهالسلام بكتابه إلى أخيه محمد بن الحنفيّة، كتب إليه: « أمّا بعد، فمَنْ لحق بي منكم استشهد، ومَنْ لم يلحق بي لم يبلغ الفتح، والسلام »(1) ، فأنزل الحسينعليهالسلام الشهادة بمنزلة الفتح، وأي فتح أعظم من هذا؟
فقد ورد في الزيارة: « أخرج عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة ». وقد هدّ عرش اُميّة، وجدّد دين جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله بشهادتهعليهالسلام .
قال أرباب التاريخ: ولمّا كان في آخر الليل أمر الحسينعليهالسلام بالرحيل، فسار من قصر مقاتل، ولمّا طلع الفجر نزل وصلّى بأصحابه، ثمّ ركب وأخذ يتياسر بهم، وكلّما أراد أن يميل نحو البادية يمنعه الحرّ بن يزيد ويردّه وأصحابه نحو الكوفة(2) جهة الشرق حتّى وافى كربلاء.
ولم يفارقهُ (الرياحيُّ) إلى |
أن وقفَ الطرفُ بسبطِ المصطفى |
|
فضيّقَ الحرُّ عليهِ قائلاً |
حطّ عصا الترحالِ يابنَ المرتضى |
|
فقالَ دعنا أن نسري غلوةً! |
فقالَ لا تنزلُ إلاّ بالعرا |
الرياحي: هو (الحرّ بن يزيد الرياحي)، وقد مرّت ترجمته مفصّلاً. والغلوة: رمية سهم، وعن الليث: الفرسخ التام خمسة وعشرون غلوة(3) .
قال أرباب التاريخ: ولمّا حاذى الحسين بسيره نينوى إذا براكب على نجيب عليه السلاح متنكباً قوسه مقبلاً، فوقفوا ينتظرونه، فلمّا انتهى إليهم سلّم على الحرّ ولم يسلّم على الحسينعليهالسلام ، فدفع إلى الحرّ كتاباً من ابن زياد، وإذا فيه: أمّا بعد، فجعجع بالحسين حتّى يبلغك كتابي، ويقدم عليك رسولي، فلا تنزله إلاّ بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتّى يأتيني بإنفاذك أمري، والسلام.
فلمّا قرأ الكتاب، قال لهم الحرّ: هذا كتاب الأمير عبيد الله يأمرني
____________________
(1) انظر محمد بن الحنفيّة للمؤلّف.
(2) انظر الحسين بن علي حفيد محمد بن عبد الله - عمر أبو النصر / 107.
(3) انظر لسان العرب - ابن منظور - مادة: غلو.
أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابه، وقد أمر رسوله أن لا يفارقني حتّى أنفذ أمره.
وأخذهم الحرّ بالنزول على غير ماء ولا في قرية، فقالوا: دعنا ننزل في نينوى، أو ننزل بالغاضرية، أو شفية. فقال: لا أستطيع، هذا الرجل قد بُعث عيناً عليَّ، فقال زهير بن القين للحسينعليهالسلام : أنّه لا يكون والله بعد ما ترون إلاّ ما هو أشدّ منه يابن رسول الله، أنّ قتال هؤلاء أهون علينا من قتال مَنْ يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا بعدهم ما لا قبل لنا به، فهلم نناجز هؤلاء.
فقال الحسينعليهالسلام : « إنّي أكره أن أبدأهم بالقتال ». قالوا: وصار الحسينعليهالسلام يسأل عن اسم هذه الأرض.
فسألَ الحسينُ ما اسمُ هذهِ الـ |
ـأرضِ فقالَ القومُ تُدعى نينوى |
(نينوى ) : بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح النون، بوزن طيطوى، وهي قرية يونس بن متّى.
قال الحموي(1) : وبسواد الكوفة ناحية يُقال لها: نينوى، منها كربلاء التي قُتل بها الحسينعليهالسلام .
ذكر ابن أبي طاهر أنّ الشعراء اجتمعوا بباب عبد الله بن طاهر فخرج إليهم رسوله، وقال: مَنْ يضف إلى هذا البيت على حروف قافيته بيتاً؟ وهو:
لم يصح للبينِ منهم صردٌ |
وغرابٌ لا ولكن طيطوى |
فقال رجل من أهل الموصل:
فاستقلّوا بكرةً يقدمهمْ |
رجلٌ يسكنُ حصنَي نينوى |
فقال عبد الله بن طاهر للرسول: قل له تصنع شيئاً، فهل عنده غيره؟ فقال أبو سناء القيسي:
وبنبطيَّ طفا في لجةٍ |
قالَ لمـّا كظّه التغطيطُ وى |
فصوّبه، وأمر له بخمسين ديناراً.
ونينوى تقع شرقي كربلاء، وهي الآن سلسلة تلول أثرية ممتدّة منها، من جنوب سدّة الهندية حتّى مصبّ نهر العلقمي في الأهوار، وتعرف بتلول نينوى.
____________________
(1) انظر معجم البلدان - ياقوت الحموي 8 / 368.
ويتفرّع منها نهر العلقمي هذا من نهر الفرات الذي كأن يجري من أعالي الأنبار إلى بابل في نقطة تقع شمال نينوى.
قال شيخنا المظفّري(1) : كانت قرية مسكونة، وأراد الحسينعليهالسلام النزول بها عندما قال للحرّ: « دعنا ننزل القرية - يعني نينوى - أو هذه - يعني الغاضرية - أو هذه - يعني شفية - ». فأجابه الحرّ: هذا رجل قد بُعث عيناً عليَّ... إلخ.
وذكر الشيخ الطوسي، وتابعه الشيخ النوري: أنّها قرية إلى جنب حائر الحسينعليهالسلام ، ولكن الشيخ المفيد (ره) يذكر أنّ نزول الحسينعليهالسلام بنفس نينوى، وإنّه لم ينزل القرية العامرة.
وذكر الطبري(2) قال: حتّى انتهوا إلى نينوى، المكان الذي نزل به الحسينعليهالسلام ، وهي تمتدّ من أراضي السليمانية اليوم إلى سور بلدة كربلاء المعروف (بباب طويريج) اليوم، كما تمتدّ الغاضرية من سور كربلاء من الموضع المعروف (بباب الحسينية) إلى قرب مرقد (عون)، أو إلى (خان العطيشي).
ونينوى هي اليوم الموضع المعروف (بباب طويريج) شرقي كربلاء كما حقّقها وأثبتها العلاّمة المظفّري، وحتى ناقش بإثباته وتحقيقاته سيّدنا الحجّة الشهرستاني (أيّده الله)؛ إذ قال: إنّها السدّة الهندية اليوم، وربّما تكون هي أقرب المواضع إلى مصرع الحسينعليهالسلام .
وفي حديث أبي بكر بن عيّاش: أنّه خرج من قنطرة الكوفة حتّى انتهى إلى نينوى، وقد ذكرها الشعراء بمراثيهم منها قول بعضهم يصف أصحاب الحسينعليهالسلام :
ومذ أخذتْ في نينوى منهمُ النوى |
ولاحَ بها للغدرِ بعضُ العلائمِ |
|
غدا ضاحكاً هذا وذا متبسّماً |
سروراً وما ثغرُ المنونِ بباسمِ |
|
لقد صبروا صبرَ الكرامِ وقد قضوا |
على رغبةٍ منهم حقوقَ المكارمِ |
ولشيخنا المظفّري مطلع قصيدته ذكر نينوى، قال:
قف على نينوى وحيي رُباها |
بقعة شرُفتْ فطاب ثراها |
____________________
(1) انظر بطل العلقمي - الشيخ عبد الواحد المظفري 3 / 351.
(2) انظر ابن جرير الطبري 6 / 232.
قالوا: فقال الحسينعليهالسلام : « هل لها اسم غير هذا؟ ». فقالوا: العقر.
أغير ذا اسمٌ لها قالوا بلى |
العَقرُ فاستعوذَ من كلِّ بلا |
(العقر ) : بفتح أوله وسكون ثانيه. قال الخليل: سمعت أعرابياً من أهل (الصمان) يقول: كلّ فرجة تكون بين شيئين فهو عقر. قال: ووضع يديه على قائمتي المائدة ونحن نتغدى فقال: ما بينهما عقر.
قال علماء الجغرافية: وهناك عقر يُقال له: عقر سلمى لبني نبهان عن يسار المصعد إلى مكّة، هذا بالحجارة ذكره البكري(1) قال: ثمّ يلي الجبل العقر.
وذكر الدينوري(2) عند وصول الحسين إلى كربلاء، قال: فقال زهير بن القين: فهاهنا قرية بالقرب منّا على شطّ الفرات، وهي عاقول(3) حصينة الفرات، يحدق بها إلاّ من وجه واحد. فقال الحسينعليهالسلام : « وما اسم تلك القرية؟ ». فقال: العقر. فقال الحسينعليهالسلام : « نعوذ بالله من العقر ».
والذي يتتبّع آثار العراق القديمة يجد أنّ هناك عدّة قرى ومدن كانت تسمّى (بالعقر)؛ منها قرية تقع على شطّ دجلة فوق تكريت، وقد مرّ بها الرحالة ابن بطوطة عام 727 هـ(4) ، فقال عنها ما نصه: ثمّ رحلنا - أي من تكريت - منها مرحلتين، ووصلنا إلى قرية تُعرف بالعقر على شطّ دجلة، وبأعلاها ربوة كان بها حصن، وبأسفلها الخان المعروف (بخان الحديد)، له أبراج، وبناؤه حافل.
والقرى والعمارة متّصلة من هناك إلى الموصل، ومنها قرية بالقرب من كربلاء، وهذه التي أشار أحد أصحاب الحسينعليهالسلام عليه بأن يسير وينزل لحصانتها، ثمّ نجد هناك آثار قريتين مندرستين تقعان على الفرات جنوب الأنبار - الفلوجة اليوم - يُقال لهما: عقر الغربي، وهي التي أشار إليها زهير على الحسين أن ينزلها(5) .
____________________
(1) انظر معجم ما استعجم - البكري / 718، طبع أوربا.
(2) انظر الأخبار الطوال - الدينوري / 226.
(3) العاقول: منعطف الوادي والنهر.
(4) انظر ابن بطوطة - رحلته / 148.
(5) انظر وادي الفرات - أحمد سوسه - ج2 منه.
وفي بدرة في الجانب الثاني تل يُقال له: العقر، وإلى جانبه شيّدت حكومتنا العراقية دوراً للموظّفين، ويوجد أيضاً تل كبير في قضاء الشامية من أراضي (عشيرة الكرد) يسمّى (عقر)، وهذا الاسم يشمل جميع الأراضي الزراعية المحيطة به.
وقد مررت عليه عام 1347 هجـ، وشاهدت عليه بعض البيوت مقامة، وهي من سعف النخل والقصب لم يزل حتّى اليوم حواليه الأرض الزراعية التي قد أوقفها السيد عماد الدين وبهاء الدين على أبنائهما ذكوراً وإناثاً، وقد أثبتا تلك الوقفية بخطّ ابن إختهما العلاّمة الحلّي، ولم يزل حتّى الآن السادة المعروفون (بـ آل بهية)، والعماديون يتصرّفون ببعض العقر، وإن ابتزّ بعض ذوي السلطة قسماً منها.
وعقر بابل ينسب إليها أبو الدرّ لؤلؤ بن أبي الكرم بن فارس العقري.
قال صاحب اللباب(1) : هذه النسبة إلى العقر، وهي قرية على طريق بغداد إلى الدسكرة، وعقر كربلاء غيره عقر بابل. ففي عقر بابل قُتل يزيد بن المهلّب بن أبي صفرة سنة 102 هـ، وكان قد خلع طاعة بني مروان، ودعا إلى نفسه فأطاعه أهل البصرة والأهواز وفارس وواسط، فخرج في مئة وعشرين ألفاً، فندب له يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة فوافقه بالعقر من أرض بابل، فأجلت الحرب عن قتل ابن المهلّب. وكانوا يقولون: ضحّى بنو حرب بالدين يوم كربلاء، وضحّى بنو مروان بالمروءة يوم العقر.
وقال الفرزدق يشبب بعاتكة بنت عمرو بن يزيد الأسدي، زوج يزيد بن المهلّب:
إذا ما المزونيّات أصبحنَ حسّراً |
وبكينَ أشلاءً على عقرِ بابلِ |
|
وكم طالبٍ بنتَ الملاءةِ إنّها |
تذكّرُ ريعانَ الشبابِ المزايلِ |
وذكرها الشعراء بمراثيهم للحسينعليهالسلام ، فللعلاّمة المظفّري قوله:
فسل عقرَ الطفوفِ تجد لديهِ |
تفاصيلاً لفاجعةِ الطفوفِ |
فسأل الحسينعليهالسلام : « هل لها اسم غيره؟ ». فأخبروه يُقال لها: كربلاء.
____________________
(1) انظر اللباب 6 / 145، طبع القاهرة.
قالَ أجل فهل تُسمّى غير ذا |
قالوا بلى هذي تسمّى كربلا |
(كربلاء ): بالمدّ، موضع في طرق البريّة عند الكوفة. فأمّا اشتقاقها فمن كربلة، والكربلة: رخاوة القدمين، يُقال: جاء يمشي مكربلاً، فيجوز أن تكون أرض هذا الموضع رخوة فسمّيت بذلك. والكربل: اسم نبت (الحماض)، فيجوز أن يكون هذا الصنف من النبت يكثر هناك.
وتقع كربلاء على خطّ الطول 43 درجة و55 دقيقة شرقي (غرنج)، وعلى خطّ العرض 34 درجة و45 دقيقة تقريباً شمال خطّ الاستواء، وفي المنطقة المعتدلة الشمالية.
ذكر المؤرّخون أنّ كربلاء كانت في عهد البابليّين معبداً لسكان بلدتي نينوى وعقر بابل الكلدانيتين الواقعتين بالقرب منها، والاسم محرّف من كلمتي (كرب) بمعنى مصلّى، أو معبد، أو حرم، و (أبلا) بمعنى إله باللغة الآرامية، أي حرم الإله(1) .
ولمّا فتح الساسانيون العراق على عهد (شابور ذي الأكتاف) قسّموا العراق إلى إستانات(2) ، وكلّ إستانة إلى (طسج)(3) ، وهذه الطساسيج إلى رساتيق(4) ، فأصبحت الأراضي الواقعة بين (عين التمر)(5) والفرات طسجاً من طساسيج الإستانة، وسمّيت (بهفباد الأوسط). وكانت تتألف من ستة طساسيج: طسج بابل، طسج خطرنية، طسج فلوجة السفلى، طسج فلوجة العليا، عين التمر، طسج النهرين.
وفي طسج النهرين يقول دعبل بن علي الخزاعي(6) في قصيدته التائية:
____________________
(1) خطط الكوفة - للمستشرق ماسنيون الإفرنسي - ترجمة تقي الدين المصعبي.
(2) الإستانة: ولاية.
(3) الطسج: أي قضاء.
(4) رساتيق: [ جمع ] رستاق، أي الناحية.
(5) المعروفة اليوم بشفاثة.
(6) هو دعبل بن علي بن رزين بن سليمان بن تميم الخزاعي، ويكنّى أبا علي، وهو شاعر مطبوع، وكان شاعر الرضاعليهالسلام ، والمنشد له قصيدته التي يقول في مطلعها: =
نفوسٌ لدى النهرينِ من أرضِ كربلا |
معرّسهم فيها بشطِّ فراتِ |
|
مدارسُ آياتٍ خلت من تلاوةٍ |
ومنزلُ وحي مقفرُ العرصاتِ |
____________________
وهذه القصيدة من أروع ما نظم، فكافأه الرضاعليهالسلام عليها عشرة آلاف درهم ممّا ضرب باسمهعليهالسلام ، وكان (رحمه الله) يهجو بحقّ؛ حيث يشاهد المنكرات من أصحاب السلطة والأمراء، ولم يقف عند حدّه في هجائهم، بل صار يهجو الخلفاء كالرشيد والمأمون والمعتصم، وكان هجاؤه من باب الاحتجاج عليهم، وإظهار منكراتهم للناس، وتلاعبهم بالشريعة والأحكام، فمن هجائه للمعتصم قوله:
بَكى لِشَتاتِ الدينِ مُكتَئِبٌ صَبُّ |
وَفاضَ بِفَرطِ الدَمعِ مِن عَينِهِ غَربُ |
|
وقامَ إمامٌ لم يكن ذا هدايةٍ |
فليسَ لهُ دينٌ وليسَ لهُ لبُّ |
|
وَما كانَتِ الأَنباءُ تَأتي بِمِثلِهِ |
يُمَلَّكُ يَوماً أَو تَدينُ لَهُ العُربُ |
|
وَلَكِن كَما قالَ الَّذينَ تَتابَعوا |
مِنَ السَلَفِ الماضي الَّذي ضَمَّهُ التُربُ |
|
ملوكُ بني العباسِ في الكتبِ سبعةٌ |
ولم تأتنا عن ثامنٍ لهمُ كتبُ |
|
كذلكَ أهلُ الكهفِ في العدِّ سبعةٌ |
خيارٌ إذا عُدّوا وثامنهم كلبُ |
|
وَإِنّي لأُعلي كَلبَهُم عَنكَ رِفَعَةً |
لأَنَّكَ ذو ذَنبٍ وَلَيسَ لَهُ ذَنبُ |
|
لَقَد ضاعَ أَمرُ الناسِ إِذ ساسَ مُلكَهُم |
وَصَيفٌ وَأَشناسٌ وَقَد عَظُمَ الكَربُ |
وعندما بلغه نعي المعتصم قال:
قد قلتُ إذ غيّبوه وانصرفوا |
في شرِّ قبرٍ لشرِّ مدفونِ |
|
اِذهَب إِلى النارِ وَالعَذابِ فَما |
خِلتُكَ إِلاّ مِنَ الشَياطينِ |
|
ما زلتَ حتّى عقدتَ بيعةَ من |
أضرّ بالمسلمينَ والدينِ |
ومن شعره يهجو المتوكّل بقوله:
وَلَستُ بِقائِلٍ قَذَعاً وَلَكِن |
لأَمرٍ ما تَعَبَّدَكَ العَبيدُ |
قالوا: يرميه في هذا البيت بالإبنة:
يا معشرَ الأجنادِ لا تقنطوا |
وارضوا بما كانَ ولا تسخطوا |
|
فسوفَ تُعطونَ حُنينيةً |
يلتذّها الأمردُ والأشمطُ |
|
والمعبدّياتُ لقوّادكمْ |
لا تدخلُ الكيسَ ولا تربطُ |
|
وهكذا يرزقُ قوادَهُ |
خليفةٌ مصحفهُ البربطُ |
وقوله في المأمون:
أيسومني المأمونُ خطّةَ عاجزٍ |
أوَ ما رأى بالأمسِ رأسَ محمّدِ |
|
إنّي من القومِ الذين عهدتهمْ |
قتلوا أخاكَ وشرّفوكَ بمقعدِ |
|
شادوا بذكركَ بعد طولِ خمولهِ |
واستنقذوكَ من الحضيضِ الأوهدِ |
قُتل (رحمه الله) بناحية الأهواز في قرية قرب السوس ودفن بها، وذلك في سنة أربعين ومئتين، وكان حينذاك توفّى أبو تمام بالموصل، فرثاهما صديقهما البحتري بقوله: =
وقد سمّي الطسج السادس (بطسج النهرين)؛ لوقوعه بين (خندق شابور ونهر العلقمي).
ولمّا فتح المسلمون العراق في عهد عمر بن الخطاب (رض) سنة 14 هـ بقيادة سعد بن أبي وقّاص الذي أمر ابن عرفطة بفتح طسج النهرين ففتحه، اتّخذ كربلاء بادئ ذي بدء مأوى لجيوش المسلمين ومركزاً لقيادتهم، ثمّ بعد ذلك رحلوا عنها إلى الكوفة؛ لوخامتها ورداءة مناخها وقتئذ، فاستبدل الإسلام اسم الإستانة إلى (كور)، وعرف هذا الطسج السادس (بكور بابل).
وقد أخطأ بعض المؤرّخين بتسميتها (بكور بابل)، والصحيح كما مرّ اسمها (كربلاء)، وقسّم الإسلام أيضاً طسج النهرين إلى عدّة قرى، فسمّيت كلّ قرية باسمها الخاصّ منها نينوى.
(نينوى ): تقع شرقي كربلاء اليوم، وهي الآن سلسلة تلول أثرية ممتدّة من جنوب سدّة الهندية حتّى مصبّ نهر العلقمي في الأهوار، وتعرف (بتلول نينوى)، ويتفرّع منها نهر العلقمي هذا من نهر الفرات الذي كان يجري من أعالي الأنبار إلى بابل في نقطة تقع شمال نينوى، والعقر وعين التمر يقعان غربي كربلاء.
قال شيخنا المظفّري(1) في تحقيقاته عن بلاد كربلاء: الاسم الحائز على الشهرة العظيمة التي طويت الأجيال، ولفت العصور لقداستها بما حوته من جثمان سيّد شباب أهل الجنة، سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآله وريحانته الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام .
هي بالأصل اسم لموضع خاصّ من مواضع هذه الأرض الواسعة الفسيحة غلب على الصقع بأسره، وهو من دونها موضع قاحل، أرضه جرداء لا نبات بها سوى الحلفاء وبعض الأدغال، وليس فيها ماء في ذلك الوقت ولا سكّان، وبهذا الموضع نزل الحسينعليهالسلام أوّلاً، ثمّ تركه ونزل المخيّم المعروف الآن (بالخيمكاه) بلسان الفرس، فإنّهم أنزلوه به كرها؛ امتثالاً
____________________
=
قَد زادَ في كَمَدي وَأَضرَمَ لَوعَتي |
مَثوى حَبيبٍ يَومَ بانَ وَدِعبِلِ |
|
أَخَوَيَّ لا تَزَلِ السَماءُ مُخيلَةً |
تَغشاكُما بِسَماءِ مُزنٍ مُسبِل |
|
جَدَثٌ عَلى الأَهوازِ يَبعُدُ دونَهُ |
مَسرى النَعِيِّ وَرَمَّةٌ بِالمـَوصِلِ |
(1) انظر بطل العلقمي - المظفّري 3 / 324.
لأمر اللعين ابن زياد في أن ينزلوه بالعراء على غير ماء ولا كلاء.
ولمّا علم منهم التصميم على قتاله، واختبر الأرض فوجدها لا تصلح للحرب؛ إذ إنّها مكشوفة. وليس بها ملجأ، ولا لأصحابه وعيالاته من مكان يعتصمون به من غارة العدو، ورأى قريباً منها تلك التلاع الثلاث التي يتمكّن لو جعلها خلف ظهره، ويحتمي بها وقت المصاولة، فارتحل من منزله الأوّل وبه استشهد.
وموضع نزوله الأوّل معروف لحد الآن، وعوام أهل كربلاء من القرويين يعرفونه باسم (كربلة) مفخّماً، ولأجل نزول الحسينعليهالسلام به غلب اسمه على تلك المنطقة بأسرها فسمّيت به عامّة المواضع.
وقد ظهر لي بالسؤال من أهل تلك النواحي، والنقل عن أهل الخبرة من أهل العلم أنّ بها موضعين، كلّ واحد منهما يُقال له: كربلة (بالتفخيم)؛أحدهما : ما وصفه لي بعض المطّلعين أنّه في بادية كربلاء، يبعد عن البلدة مقدار ستة أميال تقريباً إلى الجنوب الشرقي من قرية (الرزّازة) (قرية ابن هذّال) أحد زعماء عنزة (اعنزة).
والثاني : ما وصفه الميرزا النوري (ره) في كتابه (نفس الرحمن)، ولفظه: وأمّا كربلاء: فالمعروف عند أهل تلك النواحي أنّها قطعة من الأرض الواقعة في جنب نهر يجري من قبلي سور البلد، يمر بالمزار المعروف (بابن حمزة) منها بساتين ومزارع، والبلد واقع بينها، انتهى. يعني مزار ابن حمزة وكربلاء.
ثمّ تحقّقنا من بعض الخبراء المطّلعين من أهل البلد، فقال: نعم، كربلة مقاطعة على طريق المتّجه إلى بغداد، مجاورة للوند مقاطعة (السيد قاسم الرشتي)(1) ؛ فعلى هذا يجوز أن تكون الأرض كلّها من الوند إلى ما فوق الرزّازة تسمّى كربلاء، وهو اسمها اليوم عند أهل البادية والقرويين، وسمّيت به البلدة للمجاورة.
روى الجنابذي(2) مرفوعاً إلى الأصبغ بن نباتة، عن علي بن أبي طالب (رضياللهعنه ) قال: أتينا مع علي (رضياللهعنه )
____________________
(1) السيد قاسم الرشتي، كان علماً من أعلام كربلاء، وشخصيّة علميّة، وملاّكاً في الوقت نفسه.
(2) انظر معالم العترة - الحافظ عبد العزيز الجنابذي.
في سفره فمررنا بأرض كربلاء، فقال عليعليهالسلام : « ها هنا مناخ ركابهم، وموضع رحالهم، ومهراق دمائهم؛ فئة من آل محمدصلىاللهعليهوآله يُقتلون في هذه العرصة تبكي عليهم السماء والأرض »(1) .
وروى الشيخ فخر الدين الطريحي(ره)(2) قال: كربلاء موضع معروف، وبها قبر الحسين بن عليعليهالسلام ، وروى أنّه اشترى النواحي التي فيها قبره من أهل (نينوى، والغاضرية) بستين ألف درهم، وتصدّق بها عليهم، واشترط عليهم بأن يرشدوا إلى قبره، ويضيّفوا مَنْ زاره ثلاثة أيّام، وقد رووه عن الأئمة الطاهرين، فهم لا يتردّدون في صحته، ولا يرتابون فيه.
أقول: إنّي لا أشك أنّ الحسينعليهالسلام لما علم أنّ القوم غير تاركيه، وأنّهم سوف يقتلونه وينتهبون ثقله كما جرى ذلك، فكلّ ما كان يحمله من النقد دفعه إلى بني أسد من أهل السواد، وطلبعليهالسلام ابتياع هذه البقعة منهم.
والذي يحقّق ذلك أنّ أهل الكوفة بعد مقتله حصلوا على غنائم وافرة، بل على كلّ متاع الحسينعليهالسلام نهباً، وذكروا أشياء منه حتّى الورس وغيره، ولم يذكروا هناك أنّهم عثروا على نقود في متاعه عندما انتهبوه؛ فعلى هذا صح أنّ الحسينعليهالسلام دفع لبني أسد كلّ ما كان في خزانته، وابتاع منهم هذه الأرض كي لا تضيع معالم قبره؛ لعلمهعليهالسلام أنّ قبره سوف يكون مزاراً لشيعته من أمّة جدّه محمدصلىاللهعليهوآله ، وقد ذكرها الشعراء بأشعارهم.
هذه عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل ترثي الحسينعليهالسلام ، وتذكر كربلاء، وقولها:
وا حسيناً فلا نسيتُ حسينا |
أقصدتهُ أسنّةُ الأعداءِ |
|
غادروه بكربلاءَ صريعاً |
لا سقى الغيثُ جانبي كربلاء |
وذكر سبط ابن الجوزي في تذكرته أنّه قال السدي: أوّل مَنْ رثى الحسينعليهالسلام عقبة بن عمرو العبسي قال:
إذا العينُ قرّت في الحياةِ وأنتمُ |
تخافونَ في الدنيا فأظلمَ نورُها |
____________________
(1) انظر الشبلنجي 2 / 171.
(2) انظر مجمع البحرين - فخر الدين الطريحي.
وهناك كثير ممّن نظم في مراثي الحسينعليهالسلام ، وذكر بشعره كربلاء.
مررتُ على قبرِ الحسينِ بكربلا |
ففاضت عليهِ من دموعي غزيرُها |
|
وما زلتُ أبكيهِ وأرثي لشجوهِ |
ويسعدُ عيني دمعُها وزفيرُها |
|
وناديتُ من حولِ الحسينِ عصائباً |
أطافت بهِ من جانبيهِ قبورُها |
|
سلامٌ على أهلِ القبورِ بكربلا |
وقلْ لها منّي سلامٌ يزورُها |
|
سلامٌ بآصالِ العشيِّ وبالضحى |
تؤدّيهِ نكباءُ الرياحِ ومورُها |
|
ولا برحَ الزوّارُ زوارُ قبرهِ |
يفوحُ عليهم مسكُها وعبيرُها |
(النواويس ) : تقع شمال غربي كربلاء. والنواويس: جمع ناووس، من القبر ما سدّ لحده(1) . كانت بها مجموعة مقابر للنصارى في قديم العهد، وللذين سكنوا هذه الأراضي في الأحقاب السالفة، واليوم يُقال لها: أراضي (الجمالية)، وفي شمال شرقها أراضي الفراشية.
قالوا: وكانت النواويس قبل الإسلام مقبرة للأنباط والمسيحيين.
وجاء ذكر النواويس في (مَنْ لا يحضره الفقيه)(2) ، قال الصادقعليهالسلام : « إنّ النواويس شكت إلى الله (عزّ وجلّ) شدّة حرِّها، فقال لها (عزّ وجلّ): اسكتي، فإنّ مواضع القضاء أشدّ حرّاً منك ».
قال الحموي في معجمه: الناووس والقبر واحد، ولم يذكر نواويس كربلاء، وقد ذكرها الحسينعليهالسلام في خطبته التي خطبها بمكة قبل خروجه منها، قالعليهالسلام : « كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء ».
وجاء في (نفس الرحمن) للشيخ النوري: والنواويس مقابر النصارى كما في حواشي الكفعمي، وسمعنا أنّها في المكان الذي فيه مزار (الحرّ بن يزيد الرياحي) من شاطئ الطفّ، وهي ما بين الغرب وشمال البلد - يعني كربلاء -، وقد ذكرها الشعراء بمراثيهم.
ولشيخنا المظفّري من قصيدة له يرثي الحسينعليهالسلام ويذكر النواويس:
____________________
(1) انظر القاموس - للفيروز آبادي.
(2) انظر من لا يحضره الفقيه - الشيخ الصدوق ابن بابويه القمي محمد بن علي بن الحسين المتوفّى سنة 381 هـ.
عند النواويس أجسادٌ موزّعةٌ |
من آلِ يس في صالٍ من البيدِ |
(الطفّ ) : بالفتح والفاء المشدّدة، وهو في اللغة ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق.
قال الأصمعي: وإنّما سمّيت طفّاً؛ لأنّه دنا من الريف، من قولهم: خذ ما طفّ لك واستطفّ، أي ما دنا وأمكن.
قال أبو سعيد: سمّي الطفّ؛ لأنّه مشرف على العراق، من أطفّ على الشيء بمعنى أطلّ. والطفّ: طفّ الفرات، أي الشاطئ، به قُتل الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام وأصحابه(1) ، وهي أرض بادية قريب من الريف.
ذكر شيخنا السماوي (رحمه الله) في أرجوزته التاريخية بعض الأسماء الواردة في مواقع (كربلاء)، قال:
(الطفُّ) ما أطلَّ بالإشرافِ |
على العراقِ وعلى الأريافِ |
|
أو ما علا فراتهُ من شطِّ |
واختصّ في مثوى الحسينِ السبطِ |
|
وسمّي (الحائرُ) وهو الدائرُ |
إذ دارَ فيهِ الماءُ وهو حائرُ |
|
لدن رأى هارون ثمّ جعفرُ |
أن يُحرثَ القبرُ كما سنذكرُ |
|
وذاك عشرونَ ذراعاً تضربُ |
بمثلها فعمّ أقصى أقربُ |
|
و(نينوى) لَقريةٍ قديمهْ |
جدّد فيها يونسٌ أديمهْ |
|
إذ قذفتهُ (النون) عاري البشرهْ |
فأنبت اللهُ عليه الشجرهْ |
|
وذاك في روايةٍ معروفهْ |
قيل بها وقيل بل بالكوفهْ |
|
لكنّما التسميةُ المذكورهْ |
دلّت على الطرفةِ والباكورهْ |
|
و(كربلا) لأنّ فيها رخوا |
أو أنّها تنبت ورداً أحوى |
|
أو (كورُ بابلٍ) كما يُقالُ |
وخفّف اللفظةَ الاستعمالُ |
|
و(الغاضرياتٌ) لأنّ غاضرهْ |
من أسدٍ قد تخذته حاضرهْ |
|
وفيه نهرٌ لهمُ أو أنهرُ |
تُعرف في نسبتهمْ وتشهرُ |
|
و(مشهدُ الحسين) حيث استشهدا |
أو حيث ما يشهده مَنْ شهدا |
____________________
(1) ذكر نظيره ابن بليهد، انظر صحيح الأخبار 5 / 237.
و(شاطئُ الفرات) عمّ ثمّ خصْ |
لكنّ هذا نادرٌ لمَنْ فحصْ |
|
وطوله (لج نه) والعرض (لدم) |
لأحدث الأرصاد لا لذي قدم(1و2) |
|
والحدّ منه خمسة الفراسخْ |
في مثلها حرمة قبر شامخْ |
|
وحدّ في أربعة بالمثلِ |
ووجّهوه بازدياد الفضلِ |
|
وذاك مثلُ ما يوجّه الخبرْ |
بالحائرِ المحدودِ سبعة عشرْ |
قال أبو دهبل الجمحي يرثي الحسينعليهالسلام ومَنْ قُتل معه بالطفّ، وقيل: لسليمان بن قتة(3) .
مررتُ على أبياتِ آلِ محمدٍ |
فلم أرها أمثالها يوم حلّتِ |
|
ألم ترَ أنّ الشمسَ أضحت مريضةً |
لفقدِ حسين والبلادَ اقشعرّتِ |
|
وكانوا رجالاً ثمّ صاروا رزيةً |
ألا عظمت تلكَ الرزايا وجلّتِ |
|
أتسألنا قيسٌ فنعطي فقيرَها |
وتقتلُنا قيسٌ إذا النعلُ زلّتِ |
|
وعند غنيٍّ قطرةٌ من دمائنا |
سنطلبُها يوماً بها حيث حلّتِ |
|
فلا يبعدُ اللهُ الديارَ وأهلَها |
وإن أصبحت منهم برغمي تخلّتِ |
|
فإنّ قتيلَ الطفِّ من آلِ هاشمٍ |
أذلَّ رقابَ المسلمينَ فذلّتِ |
|
وجا فارسُ الأشقينَ بعدُ برأسهِ |
وقد نَهِلت منه الرياحُ وعلّتِ(4) |
وقال أيضاً يذكر الطفّ:
تبيتُ النشاوى من اُميّة نوّماً |
وبالطفِّ قتلى ما ينامُ حميمُها |
|
وما أفسدَ الإسلامَ إلاّ عصابةٌ |
تأمّر نوكاها فدامَ نعيمُها(5) |
|
فصارت قناةُ الدينِ في كفِّ ظالمٍ |
إذا اعوجّ منها جانبٌ لا يقيمُها |
____________________
(1) أي 33 درجة و55 دقيقة.
(2) أي 34 درجة وأربعين دقيقة.
(3) انظر مقاتل الطالبيِّين - الإصبهاني / 121، مصر.
(4) لم يذكر الإصبهاني في مقاتله هذا البيت، وقد ذكره غيره من المؤرّخين.
(5) نوكى: مفردها أنوك. والأنوك: الأحمق، والأشد حمقاً، والجاهل.
وذكر يحيى بن الحكم الطفّ بقوله:
لهامٌ بجنبِ الطفِّ أدنى قرابةً |
من ابنِ زيادِ النغلِ ذي الحسبِ الوغلِ(1) |
|
سميةُ أضحى نسلُها عددَ الحصى |
وبنتُ رسولِ اللهِ ليست بذي نسلِ(2) |
وذكر مصعب بن الزبير الطفّ بقوله:
وإنّ الاُلى بالطفِّ من آلِ هاشمٍ |
تأسّوا فسنّوا للكرامِ التآسيا |
ولآخر يرثي الحسينعليهالسلام ويذكر الطفّ:
ابكِ حسيناً ليومِ مصرعِهِ |
بالطفِّ بين الكتائبِ الخرسِ |
|
أضحت بناتُ النبي إذ قتلوا |
في مأتمٍ والسباعُ في عرسِ(3) |
ومن رثاء عقيلة الهاشميين زينب بنت الإمام عليعليهالسلام ، ترثي أخاها وتذكر الطفّ:
على الطفِّ السّلامُ وساكنيهِ |
وروحُ اللهِ في تلكَ القبابِ |
ولشقيقتها اُمّ كلثوم ترثي أخاها وتذكر الطفّ:
وإنّ رجالنا بالطفِّ صرعى |
بلا دفنٍ وقد ذبحوا البنينا |
وللسوسي يذكر الطفّ بشعره:
أأنسى حسيناً بالطفوفِ مجدّلاً |
ومن حولهِ الأطهارُ كالأنجمِ الزُّهرِ |
وللعوني أيضاً يذكر الطفّ:
فيا بضعةً من فؤادِ الرسولِ |
بالطفِّ أضحى كثيباً مهيلا |
ولابن جمال يذكر الطفّ:
وذكّرني بالنوحِ والحزنِ والبكا |
غريبٌ بأكنافِ الطفوفِ فريدُ |
____________________
(1) الوغل: المدّعي نسباً كاذباً، يشير بهذا إلى زياد بن أبيه ونغله. والوغل: الدنيء أيضاً.
(2) سمية: هي أم زياد، كانت ذات علم في الجاهلية، ومن العواهر الشهيرات.
(3) انظر عيون الأخبار - ابن قتيبة الدينوري 1 / 212.
وللخليعي ذكر الطفّ بشعره:
أم كيف لا أبكي الحسينَ وقد غدا |
شلواً بأرضِ الطفِّ وهو ذبيحُ |
وللشرف الرضي يرثى جدّه الحسينعليهالسلام ويذكر الطفّ:
إنّ يومَ الطفِّ يومٌ |
كانَ للدينِ عصيبا |
|
لم يدع للقلبِ منّي |
في المسرّاتِ نصيبا |
|
لعنَ اللهُ رجالاً |
ملؤوا الدنيا عيوبا |
|
سالموا عجزاً ولما |
قدروا شنّوا حروبا |
|
طلبوا أوتارَ بدرٍ |
عندنا ظلماً وحوبا |
وجاء ذكر الطفّ في قصيدة مهيار الديلمي قائلاً:
نقضتم عهودهُ في أهلهِ |
وجزتم عن سننِ المرسامِ |
|
وقد شهدتم مقتلَ ابن عمّهِ |
خيرُ مصلٍّ بعدهُ وصائمِ |
|
وما استحلَّ باغياً إمامُكم |
يزيدُ بالطفِّ من ابنِ فاطمِ |
|
وها إلى اليومِ الظّبا خاضبةٌ |
من دمهم مناسرَ القشاعمِ |
وذكر ابن عساكر في ترجمة خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد من كلامه في قتل الحسينعليهالسلام :
أبني أميّةَ هل علمتُمُ أنّني |
أحصيتُ ما بالطفِّ من قبرِ |
|
صبَّ الإلهُ عليكُمُ عُصباً |
أبناءَ جيشِ الفتحِ أو بدرِ |
وأكثر الشعراء الذين رثوا الحسينعليهالسلام ذكروا الطفّ بشعرهم.
قال شيخنا المظفّري: وأمّا طفّ الكوفة، وتسمّيه عوام هذا العصر بـ (الطارات)، فيمتد من قرية (الشنّافية)(1) مجتازاً (بالحيرة) فالنجف الأشرف،
____________________
(1) بلدة الشنّافية: هي إحدى بلدان العراق الواقعة على شطّ الفرات الأوسط، وزعماؤها السادة آل (مقوطر)، فمن مشاهيرهم السيد هادي مقوطر أحد أركان الثورة العراقية، وكان من رجالها المرموقين (رحمه الله).
ويستمر مغرباً إلى عين التمر (شفاثة)، ومن القطقطانية ينعطف إلى كربلاء.
قلت: وفي هذا الطفّ عيون كثيرة، منها باقية حتّى اليوم.
قال ابن الفقيه: وعيون الطفّ منها مثل عين الصيد، والقطقطانة، والرهيمة، وعين جمل، وعين الرحبة(1) .
أقول: والتي وقفت عليها من تلك العيون؛ الرحبة(2) ، وعيـن الهـارمية(3) ، وعين الحسن(4) ، وهناك عين آل (الحياضية)، وعين (العزية).
وذكر البلاذري(5) قال: كانت عيون الطفّ مثل عين الصيد(6) ، والقطقطانة،
____________________
(1) انظر البلدان - ابن الفقيه / 187 طبع ليدن.
(2) قال البلاذري: كانت عين الرحبة ممّا طمّ قديماً، فرآها رجل من حجّاج أهل كرمان وهي تنبض، فلمّا انصرف من حجّه أتى عيسى بن موسى متنصّحاً فدلّه عليها، فاستقطعها وأرضها، واستخرجها له الكرماني، فاعتمل ما عليها من الأرضين، وغرس النخل الذي في طريق العذيب.
(3) عين الهارمية: وقفت عليها غير مرّة، وهي عين نابعة رائحتها نتنة. ماؤها يميل إلى السواد لشدّة زرقته. موقعها بين قطعة من النخيل تُعزى إلى (آل عنوز) جيراننا بالنجف، ولن يُستفاد منها، وهي غربي أراضي الهارمية ملك السيد عبد الله السيد عبد الزهرة، متّصلة بمقاطعة أمّ حريجة.
(4) عين الحسن: كان كثيراً ما يطرق سمعي اسمها، فمررت عليها عام 1355 هـ، وذلك عندما ارتأت الحكومة العراقية أن يعود طريق الحجّ على ما كان أيّام الأمويّين والعباسيّين على النجف والرحبة، خرجت لأشايع بعض الحجّاج إلى الرحبة، ثمّ كان رجوعنا على طريق (الدسم)، فمررنا على ضحضاح في سبخة وعليه لمّة من الناس، فسألت، فقالوا لي: هذه عين الحسنعليهالسلام ، وهم يتبرّكون بذلك الماء.
(5) انظر فتوح البلدان - البلاذري / 296 طبع الأزهرية.
(6) عين صيد: قال البلاذري: أخبرني بعض الكريزين أنّ عين الصيد كانت ممّا طمّ، فبينا رجل من المسلمين تحوّل فيها هناك إذ ساخت قوائم فرسه فيها فنزل عنه فحفر فظهر الماء، فجمع قوماً عاونوه على كشف التراب والطين عنها وتنقيتها حتّى عادت إلى ما كانت عليه.
ثمّ إنّها صارت بعد إلى عيسى بن علي ابتاعها من ولد الحسن بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وكانت عنده منهم اُمّ كلثوم بنت الحسين بن الحسن، وكان معاوية أقطع الحسن بن علي عين صيد هذه عام تنازله من الخلافة مع غيرها، وإنّما سمّيت عين صيد؛ لأنّ السمك يجتمع فيها.
والرهيمة(1) ، وعين جمل(2) ، وذواتها للموكّلين بمسالح الخندق(3) وغيرهم؛ وذلك إنّ سابور أقطعهم أرضاً فاعتملوها من غير أن يلزمهم لها خراجاً، فلمّا كان يوم ذي قار ونصر الله العرب بنبيّه محمدصلىاللهعليهوآله غلبت العرب على طائفة من تلك العيون، وبقي في أيدي الأعاجم بعضها.
ثمّ لمّا قدم المسلمون (الحيرة) هرب الأعاجم بعد أن طمت عامّة ما في أيديهم منها، وبقي الذي في أيدي العرب فأسلموا عليه، وصار ما عمروه من الأرضين عشريّاً. ولمّا مضى أمر القادسية والمدائن دفع ما جلا عنه أهلها من أراضي تلك العيون إلى المسلمين، فأقطعوه فصارت عشريّاً أيضاً.
وكذلك مجرى عيون الطفّ وأراضيها مجرى أعراض المدينة وقرى نجد، وكلّ صدقتها إلى أعمال المدينة، فلمّا ولّى إسحاق بن إبراهيم بن مصعب السواد للمتوكّل على الله ضمّها إلى ما في يده، فتولّى عمالة عشرها وصيّرها سوادية، وهي على ذلك إلى اليوم، وقد استخرج عيوناً إسلاميّة مجرى ما سقت عيونها من الأرضين هذا المجرى.
قال الأقيشر الأسدي من قصيدة له:
إِنّي يُذَكِّرُني هِنداً وَجارَتَها |
بِالطَفِّ صَوتُ حَماماتٍ عَلى نيقِ |
|
بَناتُ ماءٍ مَعاً بيضٌ جآجِئُها |
حُمرٌ مَناقيرُها صُفرُ الحَماليقِ |
|
أبدى السقاةُ بهنَّ الدهرَ معلمة |
كأنّما لونها رجعُ المخانيقِ |
|
أَفنى تِلادي وَما جَمَّعتُ مِن نَشَبٍ |
قَرعُ القَواقيزِ أَفواهَ الأَباريقِ |
وذكر ابن بليهد(4) الطفّ قد ذكره ياقوت وحدّده، وأجاد في
____________________
(1) القطقطانة والرهيمة ذكرنا كلاّ منهما في محلّها من هذا الكتاب.
(2) عين جمل: قال البلاذري: وحدّثني بعض المشايخ أنّ جملاً مات عند عين الجمل فنُسبت إليه. وقال بعض أهل واسط: إنّ المستخرج لها كان يسمّى جملاً.
(3) الخندق: هو خندق سابور، المعروف عندنا اليوم (كرى سعده)، موقعه بين النجف والكوفة.
(4) انظر صحيح الأخبار - ابن بليهد 5 / 239.
تحديده، ولكن هناك جهة يُطلق عليها هذا الاسم وهي ساحل الخليج الفارسي الذي يمتدّ من بلد الكويت إلى قطر.
وأنا ليس عندي دليل واضح بما ذكرت إلاّ ما سمعته من أفواه أعراب نجد وغيرهم، إذا جاءت قافلة ممتارة من عينين أو من القطيف، وسألناهم من أين امترتم؟ قالوا: من الطفّ. ثم نقول: من أي نواحيه أتيتم؟ ثم يخبرونك بالجهة التي أتوها.
وأمّا رواية ياقوت التي أوردها عن أبي سعيد حين قال: من أطفّ على الشيء بمعنى أطلّ، وهذه اللغة مستفيضة عند أهل نجد يطلقون على أعلى الجبل (طفته)، وعلى أعالي الجبال طفافها، وهذا هو المشهور عندهم.
(شفية ) : ومن كربلاء شفية. ذكرها ابن الأثير في الكامل، وسمّاها الدينوري (السقبة)، وسمّاها بعضهم (شفيته)، وفي الأخبار الطوال بعد أن ذكر ملاقاة الحسينعليهالسلام والحرّ، وما جرى بينهما من الكلام، قال: انتهينا في مسايرتنا إلى نينوى، وجاء الراكب إلى الحرّ بكتاب من ابن زياد فانزل بهذا المكان، ولا تجعل للأمير عليّ علّة.
فقال الحسينعليهالسلام : « تقدّم بنا قليلاً إلى هذه القرية التي منّا على غلوة، وهي الغاضرية، أو هذه الاُخرى التي تسمّى السقبة فننزل في أحدهما ». فقال الحرّ: إنّ الأمير كتب إليّ أن أحلك على غير ماء، ولا بدّ من الانتهاء إلى أمره.
فنزل الحسينعليهالسلام بتلك الأرض، وهي كربلاء، يوم الأربعاء غرّة محرّم سنة 61 هجـ(1) ، أو يوم الخميس الثاني من المحرّم(2) .
____________________
(1) انظر الأخبار الطوال - الدينوري / 251.
(2) انظر الطبري 6 / 232؛ وابن الأثير 4 / 23.
قالَ انزلوا هنا أرى مجدّلاً |
وها هنا أحبّتي تلقى الردى |
|
وها هنا تُشبّ نيران الوغى |
وها هنا يُنهب رحلي والخبا |
أمر ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أصحابه بالنزول في تلك البقعة القاحلة الماحلة، والتي تعرت من الكلا وعلى غير ماء، وصار يخبر أهل بيته وأصحابه أنّ هذه تربتي التي أُقتل وأُدفن فيها.
ذكر القرماني(1) ، عن الدميري: أنّه لمّا وصل الحسينعليهالسلام بركبه إلى هذه البقعة سأل عن اسم المكان، فقيل له: كربلاء، فقال: « كرب وبلاء، لقد مرّ أبي بهذا المكان عند مسيره إلى صفين وأنا معه، فوقف وسأل عن هذا المكان، وقال: ها هنا محطّ ركابهم، وها هنا مهراق دمائهم. فسُئل عن ذلك، فقال: نفر من آل محمدصلىاللهعليهوآله يُقتلون ها هنا ». ثمّ أمر بأثقاله فحطّت في ذلك المكان.
والأحاديث في ذلك مستفيضة، والتي سمعها من جدّه المصطفى بقتله في كربلاء أكّدت له ذلك؛ هذا جابر بن عبد الله الأنصاري سمع من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ذلك، ومثله اُمّ سلمة (رضياللهعنه ا)، وهكذا أبوه عليعليهالسلام سمع من النبيصلىاللهعليهوآله ، وحدّث هو بقتله.
وتخبرنا اُمّ الفضل كما هو المروي عنها، قالت: دخلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقصصت عليه حلماً منكراً في ليلتها، فقالصلىاللهعليهوآله : « ما هو يا اُمّ سلمة؟ ». قلت: إنّه شديد. قالصلىاللهعليهوآله : « ما هو؟ ». قالت: رأيت قطعة من جسدك قُطعت ووضعت في حجري. فقالصلىاللهعليهوآله : « خيراً رأيت، تلد فاطمة إن شاء الله غلاماً فيكون في حجرك ».
قالت: فولدت فاطمة الحسينعليهالسلام فكان في حجري كما قالصلىاللهعليهوآله . قالت: فدخلت يوماً عليهصلىاللهعليهوآله وأنا أحمل الحسينعليهالسلام فوضعته في حجره، ثمّ حانت منّي التفاته فإذا عيناه تهرقان دموعاً، فقلت: يا نبي الله، بأبي أنت واُمّي! ما بالك؟ فقالصلىاللهعليهوآله : « أتاني جبرئيل فأخبرني أنّ أمّتي ستقتل ابني هذا بالطفّ ». فقلت: هذا؟ قال: « نعم،
____________________
(1) انظر أخبار الدول - القرماني / 107، طبع بغداد.
وأتاني جبرئيل بتربة حمراء»(1) .
قال الراوي: وفي رواية اُمّ سلمة: « أخبرني جبرئيل أنّ هذا يُقتل بأرض العراق، فقلت: يا جبرئيل، أرني تربة الأرض التي يُقتل بها ». قال: « فهذه تربتها ».
وعن أبي سلمة، عن عائشة: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أجلس حسيناً على فخذه، فجاء جبرئيل إليه، فقال: هذا ابنك؟ قال: « نعم ». قال: أما إنّ أمّتك ستقتله بعدك. فدمعت عينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال جبرئيل: إن شئت أريتك الأرض التي يُقتل فيها. قال: « نعم ». فأراه جبرئيل تراباً من تراب الطفّ.
وعن ابن عباس قال: ما كنّا نشكّ وأهل البيت وهم متوافرون أنّ الحسين بن عليعليهالسلام يُقتل بالطفّ. وعن معاذ بن جبلة قال: خرج علينا رسول الله مصفرّ اللون، فقال: « أنا محمد اُوتيت جوامع الكلم؛ فواتحها وخواتيمها، فأطيعوني ما دمت بين أظهركم، فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله (عزّ وجلّ)؛ أحلّوا حلاله وحرّموا حرامه. أتتكم الموتة، أتتكم بالروح والراحة، كتاب من الله سبق، أتتكم فتن كقطع الليل المظلم كلّما ذهبت رسل جاءت رسل، تناسخت النبوّة فصارت ملكاً. رحم الله مَنْ أخذها بحقّها وخرج منها كما دخلها. أمسك يا معاذ، أحصِ ».
قال: فلمّا بلغت خمسة بالإحصاء، قالصلىاللهعليهوآله : « يزيد، لا بارك الله في يزيد ». ثمّ ذرفت عيناه بالدموع، ثمّ قال: « نُعي إليّ الحسين، ثمّ اُوتيت بتربة وأُخبرت بقتله وقاتله. والذي نفسي بيده لا يُقتل بين ظهراني قوم لا يمنعونه إلاّ خالف الله بين صدورهم وقلوبهم، وسلّط عليهم شرارهم، وألبسهم الذلّ، وجعلهم شيعاً ».
ثمّ قالصلىاللهعليهوآله : « آه لفراخ آل محمد من خليفة مستخلف مترف، يقتل خَلفي وخلف الخلف. أمسك يا معاذ ». فلمّا بلغت عشرة قال: « الوليد، اسم فرعون هادم شرايع الإسلام، يبوء بدمه رجل من أهل بيته، يسلّ الله سيفه فلا غماد له، ويختلف الناس فكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه، ثمّ قال: وبعد العشرين والمئة موت سريع، وقتل ذريع فيه هلاكهم، ويلي عليهم رجل من ولد العباس ».
وعن اُمّ سلمة قالت: قال
____________________
(1) انظر أخبار الدول - القرماني / 107.
رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « يُقتل الحسين على رأس ستين من مهاجري »(1) . ولقد أخبر أبوه أمير المؤمنينعليهالسلام بمقتله والموضع الذي يُقتل فيه.
ذكر ابن أبي الحديد(2) بحذف سنده، عن هرثمة بن سليم قال: غزونا مع عليعليهالسلام صفين، فلمّا نزلنا بكربلاء صلّى بنا، فلمّا سلم رفع إليه من ترابها فشمها، ثمّ قال: « واهاً لك يا تربة! ليُحشرنَّ منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب ».
قال: فلمّا رجع هرثمة من غزاته إلى امرأته جرداء بنت سمير، وكانت من شيعة عليعليهالسلام ، حدّثها هرثمة فيما حدث، فقال لها: ألا أعجبك من صديقك أبي حسن؟ لمّا نزلنا كربلاء وقد أخذ حفنة من ترابها فشمّها، وقال: « واهاً لك أيتها التربة! ليُحشرنَّ منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب »، وما علمه بالغيب؟! فقالت المرأة: دعنا منك أيها الرجل؛ فإنّ أمير المؤمنينعليهالسلام لم يقل إلاّ حقّاً.
قال: فلمّا بعث عبيد الله بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسينعليهالسلام كنت في الخيل التي بعث إليهم، فلمّا انتهيت إلى الحسينعليهالسلام وأصحابه عرفت المنزل الذي نزلنا فيه مع عليعليهالسلام ، والبقعة التي رفع إليه من تربتها والقول الذي قاله، فكرهت مسيري، فأقبلت على فرسي حتّى وقفت عندهعليهالسلام فسلّمت عليه، وحدّثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل.
فقال الحسينعليهالسلام : « أمعنا أم علينا؟ ». فقلت: يابن رسول الله، لا معك ولا عليك؛ تركت ولدي وعيالي بالكوفة وأخاف عليهم من ابن زياد. فقال الحسينعليهالسلام : « إذاً، فولّي هارباً حتّى لا ترى مقتلنا؛ فوالذي نفس حسين بيده لا يرى اليوم مقتلنا أحد، ثمّ لا يعيننا إلاّ دخل النار ». قال: فأقبلت في الأرض أشتدّ هرباً حتّى خفي عليّ مقتلهم.
قال نصر: وحدّثنا مصعب قال: حدّثنا الأجلح بن عبد الله الكندي، عن أبي جحفة قال: جاء عروة البارقي إلى سعد بن وهب فسأله، فقال: حديث حدّثناه عن علي بن أبي طالبعليهالسلام . قال: نعم، بعثني محنف بن سليم إلى عليعليهالسلام عند توجهه إلى صفين، فأتيته
____________________
(1) انظر مقتل الخوارزمي.
(2) انظر شرح النهج - عبد الحميد بن أبي الحديد 1 / 278.
بكربلاء فوجدته يشير بيده، ويقول: « ها هنا ها هنا ». فقال له رجل: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ فقال: « ثقل لآل محمدصلىاللهعليهوآله ينزل ها هنا، فويل لهم منكم، وويل لكم منهم ». فقال له الرجل: ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟ قال: « ويل لهم منكم تقتلونهم، وويل لكم منهم يدخلكم الله بقتلهم النار ».
قال نصر: وقد روي هذا الكلام على وجه آخر، أنّه قال: « فويل لكم منهم، وويل لهم عليكم ». فقال الرجل: أما ويل لنا منهم فقد عرفناه، فويل لنا عليهم ما معناه؟ فقال: « ترونهم يُقتلون لا تستطيعون لنصرتهم ».
قال نصر: وحدّثنا سعيد بن حكيم العبسي، عن الحسن بن كثير، عن أبيه: أنّ علياًعليهالسلام أتى كربلاء فوقف بها، فقيل له: يا أمير المؤمنين، هذه كربلاء. فقال: « ذات كرب وبلاء ». ثمّ أومأ بيده إلى مكان، فقال: « ها هنا موضع رحالهم، ومناخ ركابهم ». ثمّ أومأ بيده إلى مكان آخر، فقال: « ها هنا مهراق دمائهم ». ثمّ مضى إلى ساباط.
فهذه الأحاديث وهذه الأخبار تروي عن جدّه وعن أبيه من قبل أن يأتي إلى العراق، ويحطّ رحله في كربلاء، فهو أدرى من غيره بما يجري عليه وعلى أصحابه؛ ولهذا صار يخبر أصحابه وأهل بيته وشيعته عن مقتله بهذه البقعة، وأمرهم فنزلوا وضربوا أخبيتهم امتثالاً لأمره، فضربوا خيامهم قبالة الشمال الشرقي أبوابها.
وأوّل خيمة نصبوها خيمة الحسينعليهالسلام العظمى، حيث هي محلّ مجتمعهم وناديهم، ثمّ ضربوا أخبية عيالات الحسينعليهالسلام بمسافة خمسين ذراعاً غربي الخيمة العظمى، وحجبوها بالزقاقات والأستار المزركشة بالإبريسم، ثمّ خيم أهل بيته خلف الخيمة العظمى، أي قبلتها متّصلة بخيم الهاشميات، ثمّ خيم الأنصار، ونصبوا خيامهم شرقي خيم الهاشميين، فكانت الخيم كلّها كنصف دائرة محيطة بخيمة الحسين العظمى (مجلسه)، ومن وراء الخيم مرابط الخيول ومعاطن الإبل.
ووقف أصحاب الحسينعليهالسلام وإخوته، وأولاده وأولاد أعمامه جعفر وعقيل، متقلّدين صوارمهم، مشرعين رماحهم أمام الخيم حتّى بقيّة يومهم ذاك.
هم المغاوير إ ذا حُمّ القضا |
هم المصاليت إذا اشتدّ الوغى |
(المغاوير ) : مفردها مغوار، من الرجال الكثير الغارات. وحُمّ القضاء، وحم الأمر (بضم الحاء): أي قضى. وحم الله (بالفتح) له كذا: قدر وقضاه له. المصاليت من الرجال: الشجعان منهم. والوغى: الحرب.
وهذا الوصف اتّصفت به إخوة الحسين وأنصاره الذين أبلوا بلاء حسناً يوم كربلاء، وراحت البشرية تفخر بهم جيلاً بعد جيل.
ذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر(1) ، راوياً عن الحسن البصري: إنّ الذين قُتلوا مع الحسينعليهالسلام من أهل بيته رجال ما على وجه الأرض يومئذ لهم شبه.
وذكر ابن أبي الحديد(2) : أنّه قيل لرجل شهد يوم الطفّ مع عمر بن سعد: ويحك! أقتلتم ذرية رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ فقال: عضضت بالجندل(3) ! إنّك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا؛ ثارت علينا عصابة، أيديها في مقابض سيوفها، كالأسود الضارية تحطم الفرسان يميناً وشمالاً، وتلقي أنفسها على الموت، لا تقبل الأمان ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنية، أو الاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويداً لآتت على نفوس العسكر بحذافيرها، فما كنّا فاعلين لا اُمّ لك؟!
وهم الذين وصفهم عميدهم وسيّدهم الحسينعليهالسلام بخطبته الشهيرة التي قال فيها بعدما جمعهم: « أثني على الله أحسن الثناء، وأحمده على السرّاء والضرّاء. اللّهمّ إنّي أحمدك على ما أكرمتنا بالنبوّة، وعلّمتنا القرآن، وفقّهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، ولم تجعلنا من المشركين.
أمّا بعد، فإنّي لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي جميعاً خيراً. ألا وإنّي أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، وإنّي قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم منّي ذمام، وهذا
____________________
(1) انظر الاستيعاب - عبد البر 1 / 147.
(2) انظر شرح النهج - عبد الحميد بن أبي الحديد 3 / 307 مصر.
(3) انظر ابن جرير الطبري 6 / 239.
الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً، وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعاً خيراً، وتفرّقوا في سوادكم ومدائنكم؛ فإنّ القوم إنّما يطلبونني، ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري ».
فقال له إخوته وأبناؤه، وبنو أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر: لِمَ نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك! لا أرانا الله ذلك أبداً. بدأهم بهذا القول العباس بن عليعليهالسلام ، وتابعه الهاشميون.
والتفت الحسينعليهالسلام إلى بني عقيل، وقال: « حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا قد أذنت لكم ». فقالوا: إذاً ما يقول الناس وما نقول لهم؟ إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام، ولم نرمِ معهم بسهم، ولم نطعن برمح، ولم نضرب بسيف، ولا ندري ما صنعوا. لا والله لا نفعل، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا، نقاتل معك حتّى نرد موردك، فقبّح الله العيش بعدك.
وابتدر مسلم بن عوسجة الأسدي قائلاً: أنحن نخلي عنك؟ وبماذا نعتذر إلى الله في أداء حقّك؟! أما والله لا أفارقك حتّى أطعن في صدورهم برمحي، وأضرب بسيفي ما ثبت قائمه بيدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة. والله لا نخليك حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسوله فيك. أما والله لو علمت أنّي اُقتل ثمّ أحيا، ثمّ أحرق ثمّ أحيا، ثمّ أحرق ثمّ أذرّى، يفعل بي هكذا سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك، وكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة، ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً؟
ثمّ أعقبه زهير بن القين قائلاً: يا أبا عبد الله، وددت أنّي اُقتل، ثمّ اُنشر، ثمّ اُقتل، يفعل بي هكذا ألف مرّة وإنّ الله (عزّ وجلّ) يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك.
وتكلّم بقية أصحابه بما يشبه بعضه بعضاً، فجزاهم الحسينعليهالسلام خيراً(1) ، وفي ذلك الحين قيل لمحمد بن بشير الحضرمي: قد أُسر ابنك بثغر الري، فقال: ما أحبّ أن يؤسر وأنا أبقى بعده حيّاً.
فقال له الحسينعليهالسلام : « أنت في حلّ من بيعتي، فاعمل في فكاك ولدك ».
قال: لا والله لا أفعل ذلك، أكلتني السباع حيّاً إن فارقتك.
فقالعليهالسلام : « إذاً
____________________
(1) انظر الإرشاد - الشيخ المفيد (ره).
أعطِ ابنك هذه الأثواب الخمسة ليعمل في فكاك أخيه ». وكان قيمتها ألف دينار(1) .
ولمّا تحقّق الحسين منهم الإخلاص، وعلم منهم التوطّن على المفادات دونه أوقفهم على حقيقة ما عنده، وأخبرهم بعزمه على منازلة القوم، ثمّ صار يوضّح لهم ما يجري عليه من القتل، فصاحوا بأجمعهم صيحة واحدة: الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك، وشرّفنا بالقتل معك، أو لا ترضى أن نكون معك في درجتك يابن رسول الله؟
قال أرباب السير: فدعا لهم الحسين بالخير(2) ، وكشف لهم عن أبصارهم فرأوا ما حباهم الله من نعيم الجنة، وعرفهم منازلهم فيها(3) ، وليس ذلك على الله بعزيز، ولا في تصرّفات الإمام بغريب(4) ؛ فإنّ سحرة فرعون لمّا آمنوا بموسىعليهالسلام وأراد فرعون قتلهم أراهم النبي موسى منازلهم في الجنة، فهم كما وصفهم المرحوم كاشف الغطاء(5) بقوله:
وأتت بنو حربٍ ترومُ ودون ما |
رامت تخرُّ من السما طبقاتُها |
|
رامت بأن تعنو لها سفهاً وهل |
تعنو لشرِّ عبيدها ساداتُها |
|
وتسومها إمّا الخضوعَ أو الردى |
عزّاً وهل غيرُ الإباءِ سماتُها |
|
فأبوا وهل من عزّةٍ أو ذلّةٍ |
إلاّ وهم آباؤها وأُباتُها |
|
وتقحّموا ليلَ الحروبِ فأشرقت |
بوجوهِهم وسيوفِهم ظلماتُها |
|
وبدت علوجُ أميّةٍ فتعرّضتْ |
للاُسدِ في يومِ الهياجِ شياتُها |
|
تعدوا لها فتميتُها رعباً وذا |
يومُ اللقا بعداتِها عاداتُها |
|
فتخرُّ بعد قلوبِها أذقانُها |
وتفرُّ قبلَ جسومِها هاماتُها |
|
وباُسرتي من آلِ أحمدَ فتيةٌ |
صينت ببذلِ نفوسِها فتيانُها |
____________________
(1) انظر اللهوف - السيد علي بن طاووس / 53.
(2) انظر نفس المهموم - الشيخ عباس القمي.
(3) انظر الخرائج والجرائح - الراوندي.
(4) انظر أخبار الزمان - علي بن الحسين المسعودي / 247.
(5) هو المغفور له الحجّة الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، من مجموعة بخطّه.
يتضاحكونَ إلى المنونِ كأنّ في |
راحاتِها قد أترعت راحاتُها |
|
وترى الصهيلَ مع الصليلِ كأنّه |
فيهم قيانٌ رجّعت نغماتُها |
|
وكأنّما سمر الرماحِ معاطفٌ |
فتمايلت لعناقِها قاماتُها |
|
وكأنّما بيض الظُّبا بيضُ الدُمى |
ضمنت لمى رشفاتها شفراتُها |
|
وكأنّما حمر النصولِ أناملٌ |
قد خضّبتها عندها كاساتُها |
|
ومذ الوغى شبتّ لظى وتقاعست |
دونَ الشدائدِ نكّصاً شدّاتُها |
|
وغدت تعومُ من الحديدِ بلجّةٍ |
قد أنبتت شجرَ القنا حافاتُها |
|
خلعوا لها جننَ الدروعِ ولاحَ من |
نيرانِها لجنانِهم جنّاتُها |
|
وتزاحفوا يتنافسونَ على لقى الـ |
آجالِ تحسبُ أنّها غاداتُها |
|
بأكفّها عوجُ الأسنةِ ركّعٌ |
ولها الفوارسُ سجّدٌ هاماتُها |
|
حتى إذا وافت حقوقَ وفائِها |
وعلت بفردوسِ العُلا درجاتُها |
|
شاء الإله فنُكّست أعلامُها |
وجرى القضاءُ فنُكّصت راياتُها |
|
وهوت كما انهالت على وجهِ الثرى |
من شمِّ شاهقةِ الذُرى هضباتُها |
|
وغدت تُقسّمُ بالظُّبا أشلاؤها |
لكن تزيدُ طلاقةً قسماتُها |
نكتفي بوصفهم عن أقوال الشعراء لهم بهذه القصيدة الرائعة؛ واختصاراً للموضوع لم نثبت أكثر ممّا ذكرناه في وصفهم من الأخبار، وما سجّله التاريخ عن يومهم الأغر، وهاك أسماؤهم:
1 - العباس بن علي بن أبي طالبعليهالسلام . 2 - أبو بكر بن عليعليهالسلام .
3 - جعفر بن عليعليهالسلام . 4 - عبد الله بن عليعليهالسلام .
5 - عثمان بن عليعليهالسلام . 6 - أبو بكر بن الحسن بن عليعليهالسلام .
7 - عبد الله بن الحسنعليهالسلام . 8 - القاسم بن الحسنعليهالسلام .
9 - علي بن الحسين الأكبرعليهالسلام . 10 - عبد الله بن الحسينعليهالسلام .
11 - مسلم بن عقيلعليهالسلام - قتيل الكوفة(10) . 12 - جعفر بن عقيلعليهالسلام .
____________________
(1) قتل بالكوفة يوم الثامن من ذي الحجّة سنة ستين، وكان يوم خروج الحسينعليهالسلام من مكّة المكرّمة.
13 - عبد الرحمن بن عقيلعليهالسلام . 14 - محمد بن سعيد بن عقيلعليهالسلام .
15 - محمد بن مسلم بن عقيلعليهالسلام .
16 - عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالبعليهالسلام .
17 - محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالبعليهالسلام .
1 - أبو الحتوف الأنصاري. 2 - الأدهم بن أميّة العبدي.
3 - أسلم مولى الحسين. 4 - اُميّة بن سعد الطائي.
5 - أنس بن حرث الكاهلي. 6 - برير بن خضير الهمداني.
7 - بشر بن عمرو الحضرمي. 8 - بكر بن حي التميمي.
9 - جابر بن حجّاج التميمي. 10 - جبلة بن علي الشيباني.
11 - جنادة بن حرث السلماني. 12 - جنادة بن كعب الأنصاري.
13 - جندب بن حجير الخولاني. 14 - جون مولى أبي ذر الغفاري.
15 - الحرث بن امرئ القيس الكندي. 16 - الحرث مولى حمزة.
17 - الحباب مولى عامر التميمي. 18 - حبشي بن قيس النهمي.
19 - حبيب بن مظهر الأسدي(1) . 20 - الحجّاج بن بدر السعدي.
21 - الحجّاج بن مسروق الجعفي. 22 - الحرّ بن يزيد الرياحي.
23 - الحلاس بن عمرو الراسبي. 24 - حنظلة بن أسعد الشبامي.
25 - رافع مولى مسلم الأزدي. 26 - زاهر بن عمر الكندي.
27 - زهير بن سليم العبدي. 28 - زهير بن القين البجلي.
29 - زياد بن عريب الصائدي. 30 - سالم مولى عامر العبدي.
31 - سالم مولى بني المدينة الكلبي. 32 - سعد بن الحرث الأنصاري.
____________________
(1) يجري على ألسن العوام حبيب بن مظاهر، وهو غلط صرف، وصحيحه مظهّر.
33 - سعد مولى عليعليهالسلام . 34 - سعد مولى عمر بن خالد.
35 - سعيد بن عبد الله الحنفي. 36 - سلمان بن مضارب البجلي.
37 - سليمان مولى الحسينعليهالسلام . 38 - سوار بن منعم النهمي.
39 - سويد بن أبي المطاع الخثعمي. 40 - سيف بن الحرث الجابري.
41 - سيف بن مالك العبدي. 42 - شبيب مولى الحرث الجابري.
43 - شوذب الشاكري. 44 - ضرغام بن مالك الثعلبي.
47 - عامر بن مسلم العبدي. 48 - عباد بن المهاجر الجهيني.
49 - عبد الله بن بشر الخثعمي. 50 - عبد الله بن عمير الكلبي.
51 - عبد الله بن عروة الغفاري. 52 - عبد الله بن يقطر(1) .
53 - عبد الله بن يزيد العبدي. 54 - عبيد الله بن يزيد العبدي.
55 - عبد الأعلى بن يزيد الكلبي. 56 - عبد الرحمن بن عبد ربّه الأنصاري.
57 - عبد الرحمن بن عروة الغفاري. 58 - عبد الرحمن الأرحبي.
59 - عبد الرحمن بن مسعود التيمي. 60 - عقبة بن الصلت الجهيني.
61 - عمر بن جنادة الأنصاري. 62 - عمر بن ضبيعة الضبعي.
63 - عمرو بن خالد الصيداوي. 64 - عمرو بن عبد الله الجندعي.
65 - عمرو بن قرضة الأنصاري. 66 - عمرو بن كعب أبو ثمامة الصيداوي.
69 - عمّار بن صخلب الأزدي. 70 - قارب مولى الحسينعليهالسلام .
71 - القاسم بن حبيب الأزدي. 72 - قاسط بن زهير التغلبي.
73 - قعنب النمري. 74 - قيس بن مسهر الصيداوي(2) .
75 - كردوس التغلبي. 76 - كنانة التغلبي.
____________________
(1) عبد الله بن يقطر هذا أخو الحسينعليهالسلام من الرضاعة، ورسوله إلى أهل الكوفة. مرّت ترجمته.
(2) قيس بن مسهر الصيداوي هذا رسول الحسينعليهالسلام الذي أرسله بكتابه إلى أهل الكوفة. مرّ ذكره.
77 - مالك بن سريع الجابري. 78 - مجمع العائذي.
79 - مجمع الجهني. 80 - مسلم بن عوسجة الأسدي.
81 - مسلم بن كثير الأزدي. 82 - مسعود بن الحجاج التيمي.
83 - مسقط بن زهير التغلبي. 84 - منجح مولى الحسينعليهالسلام .
85 - الموقع بن ثمامة الأسدي. 86 - نافع بن هلال الجملي.
87 - نصر مولى عليعليهالسلام . 88 - النعمان الراسبي.
89 - نعيم الأنصاري. 90 - واضح مولى الحرث السلماني.
91 - هاني بن عروة المرادي(1) . 92 - يزيد بن ثبيط العبدي.
93 - يزيد بن زياد الكندي. 94 - يزيد بن مغفل الجعفي.
فهؤلاء هم أصحاب الحسينعليهالسلام الذين حضروا بالطفّ؛ سواء من استشهد منهم بالطفّ، أو بالكوفة وإن فارقه البعض منهم ليلة العاشرة من المحرّم لكنّهم حضروا الطفّ لمّا نزله.
وقد أحصى المؤرّخون الذين رزقوا الشهادة منهم اثنين وسبعين رجلاً، جاء ذكرهم بزيارة الناحية، وفي إبصار العين لشيخنا السماوي (ره).
(الغاضريات ) ، أو الغاضرية: نسبة إلى غاضرة، وهي امرأة من بني عامر، وهم بطن من بني أسد كانوا يسكنون هذه الأرض، وتقع اليوم شمالي (الهيابي) التي فيها مصانع الآجر، وتبعد عن بلدة كربلا كيلو متر تقريباً، وهي من أقربها إلى منزل الحسينعليهالسلام بعد نينوى.
قال شيخنا المظفّري(2) : وقد يراها بعض المحققين إنّها أراضي الحسينية، أو على مقربة من خان العطيشي اليوم، مركز الشرطة الحالي. ويعرّفها البحاثة الشهرستاني بأراضي الحسينية، يعني بها المقاربة لخان العطيشي، لكنّني أجزم أنّها (الجنقنة) فما دونها إلى بلدة كربلاء.
وقد صرّح لي أبو حنيفة أحمد بن ثابت
____________________
(1) هاني بن عروة: زعيم مذحج، قُتل بالكوفة، وقد مرّ ذكره.
(2) انظر بطل العلقمي - الشيخ عبد الواحد المظفري ج3.
الدينوري، وهو من علماء الجغرافية: أنّها بمقدار غلوة من منزل الحسينعليهالسلام .
ونحن نضمّ صوتنا إلى صوت العلاّمة المظفّري؛ إذ ما نقله هو عين الصواب، كما وقفنا على ذلك في مصادر وثيقة.
قال الدينوري(1) : حتّى انتهى الحسين إلى نينوى، فإذا هو براكب على نجيب مقبل من الكوفة، فوقفوا جميعاً ينتظرونه، فلمّا انتهى إليهم سلّم على الحرّ ولم يسلّم على الحسينعليهالسلام ، ثمّ ناول الحرّ كتاباً من عبيد الله بن زياد فقرأه فإذا فيه: أمّا بعد، فجعجع بالحسين بن علي وأصحابه بالمكان الذي يوافقك كتابي، ولا تحلّه إلا بالعراء، على غير خمر ولا ماء، وقد أمرت حامل كتابي هذا أن يخبرني بما يشاهده منك في ذلك، والسلام.
فقرأ الحرّ الكتاب، ثمّ ناوله الحسينعليهالسلام ، وقال: لا بدّ من إنفاذ أمر الأمير عبيد الله بن زياد، فانزل بهذا المكان، ولا تجعل للأمير عليّ علّة. فقال الحسينعليهالسلام : « تقدّم بنا قليلاً إلى هذه القرية التي هي على غلوة، وهي الغاضرية، أو هذه الاُخرى التي تسمّى (السقبة) فننزل في أحدهما ». فقال: إنّ الأمير كتب إليّ أن أحلّك على غير ماء، ولا بدّ من الانتهاء إلى أمره.
فقال زهير بن القين للحسين: بأبي واُمي يابن رسول الله! لو لم يأتنا غير هؤلاء لكان لنا بهم كفاية، فكيف بمَنْ سيأتينا من غيرهم؟ فقال الحسينعليهالسلام : « فإنّي أكره أن أبدأهم بقتال حتّى يبدؤونا ». فقال له زهير: فها هنا قرية بالقرب منّا على شطّ الفرات (وهي في عاقول) حصينة، والفرات يحدق بها إلاّ من وجه واحد.فقال الحسينعليهالسلام : « وما اسم تلك القرية؟ ». فقال: العقر، فقال الحسينعليهالسلام : نعوذ بالله من العقر.
فقال للحرّ: « سر بنا قليلاً ثمّ ننزل ». فسار معه حتّى أتوا إلى كربلاء، فوقف الحرّ وأصحابه أمام الحسينعليهالسلام ومنعوهم من المسير، وقال: انزل بهذا المكان، فالفرات منك قريب. فقال الحسينعليهالسلام : « وما اسم هذا المكان؟ ». قالوا له: كربلاء. فقال: « ذات كرب وبلاء، ولقد مرّ أبي بهذا المكان عند مسيره إلى صفين وأنا
____________________
(1) انظر الأخبار الطوال - أحمد بن ثابت الدينوري / 225.
معه، فوقف، فسأل عنه فاُخبر باسمها، فقال: ها هنا محطّ ركابهم، وها هنا مهراق دمائهم، فسُئل عن ذلك فقال: ثقل لآل محمد ينزلون ها هنا ».
(الحائر ) ، أو الحير: هي الأرض المنخفظة. والحائر الحسيني: موضع قبر الحسينعليهالسلام ، وقد حار الماء حوله في عهد المتوكّل العباسي سنة 236 هـ.
ويذكرون أنّه اسم حادث سمّي بالحائر؛ لأنّ الماء حار على قبر الحسينعليهالسلام عندما أراد المتوكّل العباسي درس آثاره.
وذكر ابن بليهد(1) ، قال الأصمعي: يُقال للموضع المطمئن الوسط المرتفع الحروف حائر. وجمعه: حيران وحوران، وأكثر الناس يسمّون الحائر الحير، كما يقولون لعائشة عيشة، والحائر قبل الحسين بن علي (رضياللهعنه ). وقيل: يجمع على حيران وحوران.
وهناك مواضع أسماؤها الحائر والحير والحوير، ويسمّون الحديقة حير كما يسمّون النخل حير.
وقال أبو القاسم: هو الحائر إلاّ إنّه لا جمع له؛ لأنّه اسم لموضع قبر الحسين بن علي (رضياللهعنه ).
ذكر المسعودي(2) في خلافة المنتصر بالله، قال: كان آل أبي طالب قبل خلافته في محنة عظيمة وخوف على دمائهم، قد منعموا زيارة قبر الحسين والغري من أرض الكوفة، وكذلك منع غيرهم من شيعتهم حضور هذه المشاهد، وكان الأمر بذلك من المتوكّل سنة 236.
وفيها أمر (الديزج) بالمسير إلى قبر الحسين (رضي الله تعالى عنهما) وهدمه، ومحو أرضه وإزالة أثره، وأن يُعاقب مَنْ وجد به، فبذل لمَنْ تقدّم على هذا القبر، فكلّ خشى العقوبة وأحجم، فتناول الديزج مسحاة وهدم أعالي قبر الحسينعليهالسلام ، فحينئذ أقدم الفعلة فيه.
وإنّهم انتهوا إلى الحفرة وموضع اللّحد فلم يروا فيه أثر رمّة ولا غيرها، ولم تزل الأمور على ما ذكرنا إلى أن استخلف المنتصر فأمّن الناس، وتقدّم بالكفّ عن آل أبي طالبعليهمالسلام ، وترك البحث عن أخبارهم، وأن لا يمنع أحداً زيارة الحير لقبر الحسين (رضي الله تعالى عنه)، ولا قبر غيره من آل أبي طالب، يعني مرقد أمير المؤمنينعليهالسلام .
وذكر شيخ
____________________
(1) انظر صحيح الأخبار - محمد بن عبد الله بن بليهد 4 / 145.
(2) انظر مروج الذهب - المسعودي ج2.
الطائفة في أماليه(1) ، عن محمد بن جعفر بن محمد بن فرج الرخجي قال: حدّثني أبي عن عمّه عمر بن فرج الرخجي قال: أنفذني المتوكّل في تخريب قبر الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، فصرت إلى الناحية، فأمرت بالبقر فمرّ بها على القبور فمرّت عليها كلّها، فلمّا بلغت إلى قبر الحسين فلم تمرّ عليه.
قال عمّي عمر بن فرج: فأخذت العصا بيدي فمازلت أضربها حتّى تكسّرت العصا في يدي، فوالله ما جازت على قبر الحسينعليهالسلام ولا تخطّته، فقال لنا محمد بن جعفر: كان عمّي عمر بن فرج شديد الانحراف عن آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فأنا أبرأ إلى الله تعالى منه، وكان جدّي محمد بن فرج شديد المودّة لهم (رحمه الله ورضي عنه)، فأنا أتولاه لذلك، وأفرح بولادته.
وعن عبد الله بن أذينة الطهوي قال: حججت سنة سبع وأربعين ومئتين، فلمّا صدرت من الحج صرت إلى العراق فزرت أمير المؤمنينعليهالسلام على خيفة من السلطان، ثمّ توجّهت إلى زيارة الحسينعليهالسلام فإذا هو قد حُرث أرضه، ومُخر فيه الماء، واُرسلت الثيران تُساق في الأرض فتنساق لهم، حتّى إذا حاذت مكان القبر حادت عنه يمنة وشمالاً، فُتضرب العصا الضرب الشديد فلا ينفع ذلك، ولا تطأ القبر بوجه ولا سبب، فما أمكنتني الزيارة، فتوجّهت إلى بغداد وأنا أقول في ذلك:
تاللهِ إن كانت اُميّة قد أتتْ |
قتلَ ابن بنتِ نبيّها مظلوما |
|
فلقد أتاه بنو أبيهِ بمثلهِ |
هذا لعمركَ قبرُهُ مهدوما(2) |
|
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا |
في قتلهِ فتتبّعوه رميما(3) |
فلمّا قدمت بغداد سمعت الهائعة، فقلت: ما الخبر؟ قالوا: سقط الطائر بقتل جعفر المتوكّل. فعجبت لذلك، وقلت: لهي ليلة بليلة.
وقال ابن الرومي في قصيدته
____________________
(1) انظر الأمالي - شيخنا الجليل محمد بن الحسن الطوسي / 206.
(2) هكذا ذكره ابن خلكان، ونسب الأبيات الثلاثة للشاعر البسامي.
(3) انظر ابن خلكان 1 / 388.
التي يرثي بها يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن أبي طالب، وقد ذكر حادثة الحرب لقبر الحسينعليهالسلام منها:
ولم تقنَعوا حتّى استثارت قبورَهمُ |
كلابُكُمُ منها بهيمٌ وديزجُ(1) |
وقال شيخنا المظفّري(2) : فالمتوكّل شبيه أبرهة الأثرم صاحب جيش الفيل، وحبس الله بقر هذا الشقي كما حبس الله فيلة ذلك التعس عن الكعبة، وإنّ قبر الحسينعليهالسلام يشبه الكعبة، والمتوكّل يشبه أبا كيسوم الأثرم، والبقر تشبه الفيلة؛ إذ كانت الفيلة تُضرب ضرباً شديداً فلا تنبعث للكعبة.
وذكر ابن خلكان بعد ذكر الأبيات الآنفة الذكر، قال: وكان المتوكّل كثير التحامل على عليعليهالسلام وولديه الحسن والحسينعليهماالسلام ، فهدم هذا المكان بأصوله ودوره، وجميع ما يتعلّق به - يعني مرقد الحسين -، وأمر أن يُبذر ويُسقى موضع قبره، ومنع الناس من إتيانه، ولقد قتله الله على يد - باغر التركي -، فقلت في ذلك:
يا سيفَ (باغرَ) لا عرا |
كَ تكهّمٌ أبدَ الدهورِ |
|
وبحدّكَ المصقولِ تر |
دي كلّ جبّارٍ كفورِ |
|
لما لمعتَ أريتنا |
قتلَ الخليفةِ والوزيرِ |
|
في ليلةٍ حكمَ القضا |
لهما بخاتمةِ السرورِ |
|
سكرا وما صحَوَا معاً |
إلاّ بملتهبِ السعيرِ |
وقد انتقم الله تعالى من المتوكّل وهتك ستره، فقتله ابنه (المنتصر) في مجلس شرابه هو ووزيره الفتح بن خاقان.
قال المسعودي ما ملخصه: إنّ المتوكّل قُتل في سنة 247 هـ، وفي ليلة قتله سكر سكراً شديداً، وكان معه الفتح بن خاقان، فأقبل عليه (باغر) ومعه عشرة من الأتراك، فضربه (باغر) بالسيف فقتله، وقتل أحد العشرة الفتح بن خاقان، ولُفّا في البساط الذي قُتلا عليه، وطُرحا ناحية
____________________
(1) انظر فضل الخيل - الدمياطي / 42، الأخضر في كلام العجم: الديزج، وهو من الحمير الأدغم.
(2) انظر بطل العلقمي - الشيخ عبد الواحد المظفّري.
ليلتهما وعامة نهارهما.
وذكر سيّدنا الحجّة الشهرستاني(1) عند ذكره لمواقع كربلاء وما يليها، قال: ثمّ الحير، ويسمّي (الحائر) وهو موضع قبر الحسينعليهالسلام إلى حدود رواق بقعته الشريفة، أو إلى حدود الصحن، وكان لهذا الحائر وهدة فسيحة بسلسلة تلال محدودة، وربوات تبدأ من الشمال الشرقي حيث منارة العبد(2) متّصلة بباب السدرة(3) في الشمال، وهكذا إلى موضع باب الزينبية(4) من جهة الغرب، ثمّ تنزل إلى باب القبلة من جهة الجنوب.
وكانت هذه التلال المتقاربة تشكّل للناظرين نصف دائرة على شاكلة نون، مدخلها الجبهة الشرقية حيث يتوجّه منها الزائر إلى مثوى سيّدنا العباسعليهالسلام ، ويجد المنقّبون حتّى يومنا في أثافي البيوت المحدقة بقبر الحسينعليهالسلام آثار ارتفاعها القديم في أراضي جهات الشمال والغرب، ولا يجدون في الجبهة الشرقية سوى تربة رخوة واطئة؛ الأمر الذي يرشد العرفاء إلى أنّ وضعيّة هذه البقعة كانت منذ عصرها القديم واطئة من جهة الشرق، ورابية من جهتي الشمال والغرب على شكل هلالي. وفي هذه الدائرة الهلالية حوصر ابن الزهراء في حربه حين قُتل.
وأورد فخر الدين الطريحي(5) في مجمعه ذكر الحائر، قال: وهو [في] الأصل
____________________
(1) انظر نهضة الحسين - هبة الدين الشهرستاني.
(2) منارة العبد: كانت أفخم وأجمل مأذنة بالعراق، وكان موقعها في الصحن الشريف على يمين الداخل من باب الشهداء، ولجدار الصحن أقرب من جدار الرواق.
وسبب هدمها: هو أنّ متصرّف اللواء وقتئذ كان فخامة (صالح جبر) أراد توسعة الصحن، فأخذ موافقة الحكومة ومديرية الأوقاف العامة فهدمها ووسّع الصحن الشريف من الجهة الشرقية سنة1354 هـ.
(3) إحدى أبواب الصحن الشريف من جهة الشمال، وكانت هناك سدرة داخل الصحن يستظل تحتها الزاور.
(4) إحدى أبواب الصحن الشريف، ونسبتها إلى التل المعروف حتّى اليوم بالتل الزينبي، نسبته إلى زينب بنت عليعليهالسلام ، حيث وقفت عليه بعد قتل شقيقها وصارت تستنجد به لمّا هجم الجيش على المخيّم، وراح ينتهبها وأشعل النار بها، وعلى التل شباك ومزار يُتبرّك به حتّى اليوم.
(5) انظر مجمع البحرين - فخر الدين الطريحي.
مجمع الماء، ويُراد به حائر الحسينعليهالسلام ، وهو ما حواه سور المشهد الحسيني (على مشرّفه السلام).
وهناك أسماء سمّي به هذا الموضع قديمة وحديثة؛ فالقديمة منها: (عمور)، (مارية)، (صفوراء)، (شفيته)، والحديثة منها: (مشهد الحسين)، (مدينة الحسين)، (البقعة المباركة)، (موضع الابتلاء)، (محلّ الوفاء)، (النوائح) وهي مشتقّة من النوح، ولعل هذه التسمية جاءت لكثرة النائحة والعويل الذي يُشاهد في ذلك المكان منذ أن نزل الحسينعليهالسلام فيه حتّى قتله وبعد شهادته حتّى اليوم.
حتّى إذا ما حطّ رحله أتتْ |
لحربهِ جيوشُهمْ تحكي الدّبى |
(الدبى ): أوّل ما يكون الجراد، ثم يكون غوغاء إذا هاج بعضه في بعض، ثمّ يكون كتفاناً، ثمّ يصير خيفاناً إذا صارت فيه خطوط مختلفة، الواحدة (خيفانة)، ثمّ يكون جراداً(1) ، ويضرب المثل بالدبى لكثرته.
وقد اختلف المؤرّخون في عدد الجيش الذي زحف نحو الحسين؛ فقائل يقول: كان عدد الجيش سبعين ألفاً، وقيل: مئة ألف وعشرين ألف، وقيل: ثلاثين ألفاً.
والرواية التي نرويها عن الصادقينعليهماالسلام إنّ جيش عمر بن سعد كان ثلاثين ألفاً، وهذا هو الصحيح.
وقد بالغ الشعراء في وصف هذا الجيش، قال الشيخ حمّادي نوح (رحمه الله)(2) :
جاءت وقائدُها العمى وإلى |
حربِ الحسينِ يقودُها الجهلُ |
|
بجحافلٍ بالطفِّ أوّلُها |
وأخيرُها بالشامِ متّصلُ |
|
ملَؤوا القفارَ على ابنِ فاطمة |
جندٌ وملءُ صدورِهمْ دحلُ |
وللسيّد حيدر الحلّي (ره) قال(3) :
____________________
(1) انظر فقه اللغة - للثعالبي.
(2) من ديوانه المخطوط في مكتبة الشيخ كاظم آل نوح الخطيب بالكاظميّة.
(3) ديوانه طبع عدّة طبعات.
بجمعٍ من الأرضِ سدّ الفرو |
جَ وغطّى النجودَ وغيطانَها |
|
وطى الوحش إذ لم يجد مهرباً |
ولازمت الطيرُ أوكانَها |
ولشيخنا المظفّري(1) قال:
إلى أن أناخت في النواويسِ عيسُهمْ |
أتتهم جيوشٌ من اُميّةَ كالنملِ |
وللمرحوم السيد رضا الهندي قال(2) :
هب أنّ جندكَ معدودٌ فجدّكَ قد |
لاقى بسبعينَ جيشاً ما لهُ عددُ |
وللفاضل الشيخ أحمد الشيخ محمد السماوي:
تردُ الجيوشُ الزاحفاتُ كأنّها |
سحبٌ ملبّدةٌ وليلٌ مفعمُ |
* * *
يا بأبي ضيفاً كريماً حلّ في |
ساحتهم رمز الفخارِ والندى |
سبق هذا المعنى لسيدنا الشريف الرضي (ره)، إذ قال من بعض مقصورته الشهيرة التي نظمها ارتجالاً وهو يطوف على ضريح جدّه الحسينعليهالسلام :
وَضُيوفٍ لِفَلاةٍ قَفرَةٍ |
نَزَلوا فيها عَلى غَيرِ قِرى |
|
لَم يَذوقوا الماءَ حَتّى اِجتَمَعوا |
بِحِدى السَيفِ عَلى وِردِ الرَدى |
نعم، إنّ الحسينعليهالسلام هو أكرم ضيف نزل بساحتهم، كريم الشيم والسجايا، ورث هذه الأخلاق من جدّه فهو ثاني السبطين، أمّا جدّه فسيّد البشر رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأبوه سيّد الأوصياء، وأمّه الصديقة الزهراء، وجدّته أمّ المؤمنين حقّاً خديجة بنت خويلد، أضف إلى ذلك إنّه خامس الخمسة من أصحاب العبا.
ولقد سجّل أرباب السير والتاريخ في أسفارهم ما يعجز الرواة عن حصر بعض ما كان يتزيّا به الحسينعليهالسلام من الفضائل الجمّة، والأخلاق السامية.
وهناك تآليف لا تحصر في أخلاقه المحمدية والمثل العليا للفضائل، حتّى قيل فيه: جمع الحسين بن علي الفضائل
____________________
(1) هو العلاّمة الشيخ عبد الواحد آل مظفر نزيل النجف اليوم، صاحب المؤلّفات القيّمة، وله ديوان شعر لم يطبع.
(2) للمرحوم السيد رضا الهندي شعر رائق، ومن غرر الشعر، غير أنّه لم يجمع كديوان حتّى الآن.
جمعاء؛ العلم وأسراره، وفصاحة اللسان وبيانه، ومنتهى الشجاعة، وأقصى غاية الجود، والعدل والصبر، والحلم والعفاف، والمروءة والورع، والزهد ومكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال. أضف إلى هذه المحامد كلّها كثرة العبادة، وأفعال الخير كالصلاة والصوم، والحجّ، والجهاد في سبيل الله، والإحسان للناس.
وكانعليهالسلام سخيّاً بماله، متواضعاً للفقراء، معظّماً عند الخلفاء، مواصلاً للصدقة على الأيتام والمساكين، منتصفاً للمظلومين، وكان علم المهتدين، وهدى للمسترشدين بأنوار محاسنه وآثار فضله إلى غير ذلك الكثير من مزاياه وكرم أخلاقه.
(أمّا علمه): فإنّه كان يغر العلم غراً، وإنّه ورث العلم من جدّه رسول الله صلىاللهعليهوآله ، ومن أبيه علي عليهالسلام . ومَنْ كان النبي معلّمه، ومَنْ كان أبوه علي بن أبي طالب عليهالسلام وأمّه فاطمة الزهراء، وناشئاً في أصحاب جدّه رسول الله صلىاللهعليهوآله وتلامذة أبيه فلا شك إنّه عليهالسلام كان يغر العلم غراً، ومنه أُخذ علم الجفر والجامعة (1) الأئمّة التسعة (صلوات الله عليهم).
____________________
(1) الجفر لغة: هو الجلد المعمول، إذ كان الناس قبل هذا يعملون جلود الأنعام ويرققونها ليكتبوا عليها، ثمّ تقدّمت هذه الصناعة حتّى صاروا يرققون جلد الغزال.
أطلقوا عليه اسم (رقّ الغزال)، وإلى الآن نجد بعض الكتب والحروز مكتوبة على هذا النوع، والكتّاب يجلدون كتبهم ويذهّبونها، وربّما كانوا يُغالون في ثمنها.
والجفر: صار يعرفونه بعلم من العلوم (علم الجفر)، وهذا العلم كما ذكره المؤرّخون اختصّ به الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام بادئ بدء كما اختصّ بغيره من العلوم، وربّما يكون هذا من العلوم التي لم يطّلع عليها أحد حتّى أيام الإمام الصادقعليهالسلام أفضى بهعليهالسلام على خواصّ أصحابه.
وقد ذكره كمال الدين محمد بن طلحة في (الدر المنظم في السرّ الأعظم) قال: جفر الإمام علي بن أبي طالب ألف وسبعمئة مصدر من مفاتيح العلوم ومصابيح النجوم، المعروف عند علماء الحروف بالجفر الجامع والنور اللامع، وهو عبارة عن لوح الفضاء والقدر عند الصوفية.
وقيل: العلم المكنون والسرّ المصون، وقيل باللغة الخفية عند السادة الحرفية، وهو عبارة عن أسرار الغيوب، وقيل: مفتاح اللوح والقلم.
وقال أهل الملاحم: هو عبارة عن سرّ حوادث الكون، وقيل: مفتاح العلم اللدني، وهما كتابان جليلان؛ أحدهما ذكره الإمام علي (رضياللهعنه ) على المنبر وهو قائم يخطب بالكوفة، والآخر أمره رسول اللهصلىاللهعليهوآله بكتابته في هذا العلم المكنون، وهو المشار إليه بقولهعليهالسلام : « أنا مدينة العلم وعلي بابها ». فكتبه الإمام علي (رضياللهعنه ) حروفاً =
وكان الناس يقدمون على الحسينعليهالسلام وينتفعون بما يُسمع منه، ويضبطون ما يروون عنه من الأحاديث والفتيا.
وأمّا (فصاحته): فناهيك عن خطبته التي خطبها بالمدينة، وخطبته الشهيرة التي خطبها بمكّة قبيل خروجه منها، وخطبته يوم عاشوراء، وخطبته التي تُعرب عن نفسه الكريمة وإبائه العظيم التي قال فيها: « ألا وإنّ الدعي ابن الدعي (1) قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منّا الذلة؛ يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبيّة من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ».
قال ابن أبي الحديد يصف الحسينعليهالسلام : سيّد أهل الإباء الذي علّم الناس الحمية، والموت تحت ظلال السمهرية اختياراً له على الدنية. أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالبعليهماالسلام عُرض عليه الأمان وأصحابه فأنف من الذلّ، وخاف من ابن زياد أن يناله بنوع من الهوان، مع أنّه لا يقتله، فاختار الموت على ذلك.
قال: وسمعت النقيب أبا زيد يحيى بن زيد العلوي البصري يقول: كأنّ أبيات أبي تمّام في محمد بن حميد الطائي ما قيلت إلاّ في الحسينعليهالسلام :
وَضُيوفٍ لِفَلاةٍ قَفرَةٍ |
نَزَلوا فيها عَلى غَيرِ قِرى |
|
لَم يَذوقوا الماءَ حَتّى اِجتَمَعوا |
بِحِدى السَيفِ عَلى وِردِ الرَدى |
____________________
= مفرقة على طريقة سفر آدمعليهالسلام إلخ.
وتوجد في مخازن الكتب نوادر مخطوطة في هذا العلم، فإنّ في دار الكتب المصرية كتاب مخطوط اسمه (الجفر الجامع والنور الساطع) للإمام العظيم ابن عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله في مجلدين ضخمين كما ذكر ذلك علي جلال الحسيني في كتابه (الحسين).
وأطلعني الدكتور حسين على محفوظ على كتاب من خزانة كتبه مخطوط اسمه (الدرّ المنظم في السرّ الأعظم) في الجفر الجامع والنور اللامع لمؤلفه كمال الدين أبو سالم محمد بن طلحة النصيبي الشافعي المتوفّى سنة 652 هـ، وتاريخ كتابة النسخة 1273 هـ.
وفي مكتبتي نسخة خطيّة، عنوان النسخة: الجفر الجامع؛ جفر علي وجفر جعفر الصادق، مؤلّفه العلاّمة محي الدين بن العربي. أوّله الحمد لله الذي أودع السرّ المكتوم في طي الحروف المرقوم إلخ.
(1) يريد بالدعي ابن الدعي عبيد الله بن زياد، ابن مرجانة. كان والياً على الكوفة من قبل يزيد حينذاك.
فأثبت في مستنقعِ الموتِ رجلَه |
وقالَ لها من تحت أخمصكِ الحشرُ |
|
تَرَدّى ثِيابَ المَوتِ حُمراً فَما أَتى |
لَها اللَيلُ إلاّ وَهيَ مِن سُندُسٍ خُضرُ |
قال الشبراوي (1) : والحسين ( رضياللهعنه ) أقدم بقوّة الجنان إلى مقارعة الأبطال والشجعان، ومنازلة السيف والسنان، فكان ( رضياللهعنه ) في حرب أعدائه كرّاراً صباراً، يرى الفرار دناءة وعاراً، فلم يزل خائضاً غمرات الأهوال بنفس مطمئنة، وعزيمة مرجحنة، يرى مصافحة الصفاح غنيمة، ومراوحة الرماح فائدة جسيمة، وبذل المهج والأرواح في نيل العزّ ثمناً قيلاً، ويأبى الدنية وإن تركته قتيلاً.
يرى الموتَ أحلى من ركوب دنيةٍ |
وليس بعيشٍ عيشُ مَنْ ركبَ الذلا |
وللمغفور له السيّد حيدر الحلّي (ره):
كريمٌ أبى شمَّ الدنية أنفُهُ |
فأشمّه شوكَ الوشيجِ المسددِ |
|
وقال قفي يا نفسُ وقفةَ واردٍ |
حياضَ الردى لا وقفةَ المتردّدِ |
|
رأى أنّ ظهرَ الذلِّ أخشنَ مركباً |
من الموتِ حيث الموتُ منه بمرصدِ |
|
فآثر أن يسعى على جمرةِ الوغى |
برجلٍ ولا يُعطي المقادةَ عن يدِ |
وقال أيضاً:
وسامتهُ يركبُ إحدى اثنتينْ |
وقد صرّت الحربُ أسنانَها |
|
فإمّا يُرى مذعناً أو تموت |
نفسٌ أبى العزُّ اذعانَها |
|
فقالَ لها اعتصمي بالإبا |
فنفسُ الأبي وما زانَها |
|
إذا لم تجد غيرَ لبسِ الهوا |
نِ فبالموتِ تنزعُ جثمانَها |
|
رأى القتلَ صبراً شعارَ الكرام |
وفخراً يزينُ لها شانَها |
|
فشمّرَ للحربِ في معركٍ |
بهِ عركَ الموتُ فرسانَها |
|
وأضرمها لعنانِ السماء |
حمراءَ تلفحُ أعنانَها |
|
ركينٌ وللأرضِ تحتَ الكماة |
رجيفٌ يزلزلُ ثهلانَها |
____________________
(1) انظر الإتحاف بحبّ الأشراف - الشبراوي / 59 طبع الأردنية.
أقرّ على الأرضِ من ظهرها |
إذا ململَ الرعبُ أقرانَها |
|
تزيدُ الطلاقةُ في وجههِ |
إذا غيّرَ الخوفُ ألوانَها |
|
ولما قضى للعُلا حقّها |
وشيّدَ بالسيفِ بنيانَها |
|
ترجّلَ للموتِ عن سابحٍ |
لهُ أخلتِ الخيلُ ميدانَها |
|
ثوى زايدُ البشرِ في صرعةٍ |
لهُ العزُّ حبّبَ لقيانَها |
|
كأنَّ المنيّةَ كانت لديه |
فتاةٌ تواصلُ خلصانَها |
|
جلتَها لهُ البيضُ في موقفٍ |
بهِ أنكلَ السمرُ خرصانَها |
|
وأصبحَ مشتجراً للرماح |
تُحلّي الدما منهُ مرّانَها |
|
عفيراً متى عاينتهُ الكماة |
يختطفُ الرعبُ ألوانَها |
|
فما أجلت الحربُ عن مثلهِ |
صريعاً يجبّنُ شجعانَها |
|
تريبُ المحيّا تظنُّ السما |
بأنَّ على الأرضِ كيوانَها |
ذكر الحسيني (1) قال: ومَنْ يطلب ما طلبه الحسين عليهالسلام ، ويجاهد لأمّته تقرّباً إلى الله وإعلاء لكلمته، يوطن النفس على الموت، والحسين أولى بعزّة النفس من سواه، وفي كلّ حال فالحسين مجتهد في دينه، مجاهد لأمّة جدّه، عاش سيّدا زكيّاً حميداً، ومات بأجله كريماً شهيداً، وإذا لم يصل إلى غرضه فقد قضى ما عليه.
وَمَبلَغُ نَفسٍ عُذرَها مِثلُ مَنجَحِ |
ويغلب المقدار على التقديرِ! |
كما قال أبوه (كرّم الله وجهه).
وللسيد ابن شهاب من قصيدة له يرثي الحسينعليهالسلام بقوله:
أجلْ قدرةُ المولى تبارك أنفذت |
إرادته طبقَ القضاءِ المحتّمِ |
وإليك ما قاله في شجاعته صاحب (إسعاف الراغبين): كان الحسينعليهالسلام شجاعاً مقداماً من حين كان طفلاً.
وذكر ابن أبي الحديد قال: فيما افتخرت
____________________
(1) انظر الحسين - علي جلال الحسيني 2 / 175.
لا تعرْ أهلَ كوفةَ الجندِ سمعاً |
يابن مَنْ جاز في علاه السماءا |
|
فاله عنهمْ ولا تعدهمْ بماءٍ |
ودع القومَ يهلكون ظماءا |
|
كيف تسقي يابن الجوادِ اُناساً |
سقوا المرهفاتِ منكم دماءا |
|
فحرامٌ عليهم الماءَ لمّا |
منعوا جدّكَ الحسينَ الماءا |
به بنو هاشم على بني اُميّة قولهم: مَنْ مثل الحسين بن علي عليهماالسلام يوم الطفّ، ما رأينا مكثوراً قطّ قد فرّق من إخوته وأهله وأنصاره أشجع منه، كان كالليث الجائب (1) يحطم الفرسان حطماً، وما ظنّك برجل أبت نفسه الدنية أن يعطي بيده، فقاتل حتّى قُتل هو وبنوه وإخوته وبنو عمّه بعد بذل الأمان لهم والتوثقة بالأيمان المغلّظة، وهو الذي سنّ للعرب الإباء، واقتدى به أبناء الزبير وبنو المهلّب وغيرهم.
قلت: شجاعته يوم الطفّ ذكّرتهم بصولات أبيه عليعليهالسلام ، وكان المتنبي عناه بقوله:
واستعارَ الحديدَ لوناً فألقى |
لونهُ في ذوائبِ الأطفالِ |
أو كما قال أبو بكر الرصافي:
لو كنتَ شاهدهُ وقد غشى الوغى |
يختالُ في درعِ الحديدِ المسبلِ |
|
لرأيتَ منهُ والحسامُ بكفّهِ |
بحراً يُريقُ دمَ الكماةِ بجدولِ |
وللآشني مثله:
ما لاحَ في درعٍ يصولُ بسيفهِ |
والوجهُ منهُ يُضيء تحتَ المغْفَرِ |
|
إلاّ حسبتَ البحرَ مدّ بجدولٍ |
والشمسُ تحتَ سحائبٍ من عثيرِ |
____________________
(1) الجائب: الجافي.
(وأمّا سخاؤه وجوده ) : فإنّهعليهالسلام كان يهبّ الألوف، بل وعشرات الألوف من الدنانير والدراهم حتّى عُدّ من سادات أجواد العرب. روى ابن عساكر في تاريخه، عن أبي هشام القباذ أنّه كان يحمل إلى الحسينعليهالسلام بالمتاع من البصرة، ولعله لا يقوم حتّى يهب عامته. وقصّته مع أسامة بن زيد مدوّنة في كتب السير والتواريخ، إذ وفى عنه ستين ألف درهم. وناهيك عن عبادته وما جاء في الأثر عنه، كان كثير العبادة والصلاة، ولقد حجّ خمساً وعشرين حجّة ماشياً على قدميه، والنجائب تُقاد بين يديه. أمّا تواضعه: يكفيك ما ذكره ابن عساكر في تاريخه، قال: إنّ الحسينعليهالسلام مرّ بمساكين يأكلون في الصفة، فقالوا: الغذاء. فنزلعليهالسلام وقال: « إنّ الله لا يحبّ المتكبرين ». فتغدّى معهم، ثمّ قال لهم: « قد أجبتكم فأجيبوني ». قالوا: نعم. فمضى بهم إلى منزله، وقال للرباب خادمته: « أخرجي ما كنت تدّخرين »... إلخ.
وأيمُ الحقّ إنّ الحسينعليهالسلام كان أكرم أهل زمانه شيماً وأخلاقاً كما قال الشريف الرضي (ره):
كَريمٌ لَهُ يَومانِ قَد كَفِلا لَهُ |
بِنَيلِ العُلا مِن بَأسِهِ وَسَخائِهِ |
|
فَيَومُ نِزالٍ مُشمِسٌ مِن سُيوفِهِ |
وَيَومُ نَوالٍ ماطِرٌ مِن عَطائِهِ |
* * *
فما رعت كوفان حرمةً له |
ولا وعتْ بما أتى في هل أتى |
المراد هنا: أهل كوفان، حذف المضاف للإيجاز والاختصار. قال الفخر الرازي(1) في تفسير قوله تعالى:( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الّتِي كُنّا فِيهَا ) (2) : والمراد واسأل أهل القرية، إلاّ إنّه حذف المضاف للإيجاز والاختصار، وهذا نوع من المجاز مشهور في لغة العرب. قال أبو علي الفارسي: ودافع جواز هذا في اللغة كدافع الضروريات وجاحد المحسوسات، ومثله قول الشاعر:
أرى أَجَأٌ لم يُسلِمِ العامَ جارَه(3)
كأنّه يقول: إنّ أهل أجأ أو سكان جبل أجأ لم يسلموا جاره. وإنّ أجأ ذكره امرؤ القيس بشعره مؤنثاً بقوله:
أَبَت أَجَأٌ أَن تُسلِمَ العامَ جارَها |
فَمَن شاءَ فَليَنهَض لَها مِن مُقاتِلِ |
وهذا غلط صرف؛ فإنّ أجأ مذكّر، وهو اسم جبل طي. نعم، إنّ أهل الكوفة ما رعت للحسينعليهالسلام حرمة حين أقدمت على قتله وقتل ذويه وأنصاره، وذبح أطفاله، ونهب رحله، وسبي عياله. ذكر الحسيني(4) قال: والحقيقة أنّ الذين أشاروا على الحسين بعدم الخروج أرادوا أن يصرفوه عن المسير إلى الكوفة؛ لعدم ثقتهم بأهل العراق، وترجيحهم عدم ثباتهم في تأييد إمامهم، وصدق ظنّ مَنْ وصفهم بالغدر، وعدم الثبات.
____________________
(1) انظر فخر الدين الرازي التفسير / 154. (2) سورة يوسف.
(3) أجأ وسلمى: جبلان عن يسار سميراء. المعجم لياقوت 1 / 113. (4) انظر الحسين - علي جلال الحسيني 2 / 173.
وصادف حدسهم الواقع فيمَنْ فشل من أهل العراق عن نصرة الحسين، حتّى كان من عجيب أمرهم أنّ ابن زياد يدخل الكوفة مع نفر من أهل البصرة، ثمّ يتحصّن من مسلم بن عقيل بالقصر ومعه خمسون رجلاً جلّهم من الشرط، وقد أحاط به منهم أربعة آلاف رجل فيتفرّقون عن مسلم ويتركونه وحده غريباً، ولا رموا عن قوس ولا ضربوا بعصا، ولم يبقَ معه من يدلّه على منزل، أو يرشده إلى طريق؛ فلاذ بامرأة لا تعرفه فكانت خيراً من رجالهم، وهي (طوعة) زوج أسيد الحضرمي (رحمها الله).
وغاية ما كان يخمّنه العاقل ويراه البصير أنّ أهل العراق يعدون فيخلفون، ويبايعون فينكثون؛ أما إنّهم قاتلوا أنفسهم دون الحسينعليهالسلام فلا يكتفون بخذلانه وتركه يقاتل أخصامه، بل يكون منهم جيش يحيط به ويقاتله حتّى يقتله دون أن يحدث منه أمر ينكرونه، فلذلك غدر لم يسمع بمثله، ولم يخطر ببال إنسان؛ فضرب المثل بهم في الغدر، فقيل:(أغدر من كوفي) كما في كتاب البغدادي(1) ، وقيل:الكوفي لا يوفي ، من ذلك غدرهم بأمير المؤمنين والحسن والحسين، وشكايتهم للعمّال.
شكوا سعد بن أبي وقاص، فدعا عليهم ألاّ يرضيهم الله بوالٍ، ولا يرضى عليهم والٍ، وشكوا عمّار بن ياسر فقالوا: لا يعقل، وشكوا المغيرة بن شعبة، والوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص وأخرجوه من الكوفة، وغروا زيد بن علي، وخذلوا مسلم بن عقيل، وقتلوا المختار بن أبي عبيدة.
وقال عمر بن الخطاب: أعضل بي أهل الكوفة، لا يرضون بأمير ولا يرضاهم أمير.
وقال قوم من أهل الكوفة للوليد بن عقبة لمّا عُزل عنهم: جزاك الله خيراً يا أبا وهب، فما رأينا بعدك خيراً منك. قال: لكنّي بحمد الله لم أرَ بعدكم شرّاً منكم، وإنّ بغضكم لتلف، وحبّكم لكلف.
وقال النجاشي:
إذا سقى الله أرضاً صوب غاديةٍ |
فلا سقى الله أهلَ الكوفةِ المطرا |
|
التاركينَ على طهرٍ نساءَهمُ |
والنائكينَ بشاطي دجلةَ البقرا |
____________________
(1) انظر الفرق بين الفرق - عبد القاهر بن طاهر البغدادي / 26.
والسارقينَ إذا ما جنّ ليلهمُ |
والدارسينَ إذا ما أصبحوا السورا |
|
ألقِ العداوةَ والبغضاءَ بينهم |
حتّى يكونوا لمَنْ عاداهم جزرا |
وقال أيضاً:
لعنَ اللهُ ولا يغفر لهمْ |
ساكني الكوفةَ من حيّي مضرْ |
|
واليمانيينَ فلا يحفل بهمْ |
فهمُ من شرّ مَنْ فوق الغبرْ |
|
جلدوني ثمّ قالوا قدرٌ |
قدّر اللهُ بهم سوءَ القدرْ |
وادّعى النبوّة من أهل الكوفة غير واحد، منهم المختار بن أبي عبيد(1) كتب إلى الأحنف بن قيس: بلغني أنّكم تكذّبونني، وقد كذّبت الأنبياء من قبلي، ولست خيراً من كثير منهم، وكان منهم أبو منصور الخناق، وكان يتولّى سبعة أنبياء من قريش، وسبعة من بني عجل، وكان منهم راشد الهجري(2) ، وكانت منهم هندة الأفّاكة. وقال أمير المؤمنينعليهالسلام لأهل الكوفة: « اللّهمّ كلّما نصحتهم فغشوني، وائتمنتهم فخانوني، فسلّط عليهم فتى ثقيف، الذيّال الميّال، يأكل خضرتها، ويحكم فيها بحكم الجاهليّة ». ولمّا قُتل مصعب بن الزبير خرجت سكينة بنت الحسين بن علي، فقال لها أهل الكوفة: يا بنت رسول الله، أحسن الله صحابتك. فقالت: يا أهل الكوفة، لا أحسن الله صحابتكم؛ لقد قتلتم جدّي علياً، وعمّي الحسن كانت تنتقض جراحته حتّى مات، وقتلتم أبي الحسين، وقتلتم مصعباً، والله لقد أيتمتموني صغيرة، وأيتمتموني كبيرة، فلا أحسن الله عليكم الخلافة، ولا دفع عنكم السوء(3) .
وإليك البيتين الذين نظمهما الشيخ كاظم السوداني خاطب بهما سعادة الاُستاذ عباس البلداوي عندما كان حاكماً في النجف، ويحضر محكمة الكوفة في يوم السبت من كلّ أسبوع، وقد زاره السوداني في المحكمة بالنجف فأخبر أنّه مضى إلى الكوفة، فكتب له هذين البيتين:
____________________
(1) لا يمكن أن يصدر هذا منه؛ فهو الذي طلب بثأر الإمام الحسينعليهالسلام كما أوضح ذلك الإمام زين العابدينعليهالسلام ، ولم تتحنَ امرأة من نساء أهل البيت، ولا أجالت في عينها مروداً، ولا امتشطت حتّى بعث المختار برأس عبيد الله بن زياد كما ورد ذلك عن بنت أمير المؤمنينعليهالسلام . كما إنّ حبر الأمة (عبد الله بن عباس) قد ترحّم عليه عندما أجاب على كتاب عبد الله بن الزبير وقد أخبره بقتل المختار. راجع كتاب الدعوات للراوندي / 162، أصدق الأخبار للسيد محسن الأمين / 91، الفتوح لأحمد بن أعثم الكوفي 6 / 294.
(2) لا نعلم بأيّ دليل أثبت صاحب الكتاب ما يدّعيه، خصوصاً على الصحابي الجليل لأمير المؤمنينعليهالسلام راشد أو رشيد الهجري - على اختلاف النسخ - الذي قتله الدعي ابن زياد (لعنه الله) بعد أن طلب منه البراءة من أمير المؤمنينعليهالسلام فأبى. =
زرتُ المقامَ فلم أجدكَ ممثّلاً |
فيه وشوقاً قد أطلتُ وقوفي |
|
فسألتُ عنكَ فقيلَ كوفيّاً غدا |
كرمتَ عن سبتٍ ونسبةِ كوفي |
فلمّا حضر وقرأها البلداوي طلب من الشيخ علي البازي الجواب؛ دفاعاً عن بلدته الكوفة، فقال:
يا هاجياً كوفانَ موطنَ حيدرٍ |
هلاّ رعيتَ حفيظةَ الإيمانِ |
|
تهجو بلا سببٍ ودونَ هدايةٍ |
كيما تعدّ لنا من الأقرانِ |
|
فبنا أتى عن جعفرِ بن محمدٍ |
خبرٌ روتهُ نخبةُ الأعيانِ |
|
أعلامُ شيعتنا وجلّ رواتُنا |
ومنارنا الوضاءُ في كوفانِ |
|
قدماً سبقتَ إلى الهجا وهجوتَ مَنْ |
منها تنبّى في بني قحطانِ |
|
شيخ القريضِ ابن الحسينِ ومَنْ بهِ |
شهدت أقاصي يعربٍ والداني |
|
أصبحتَ تخبطُ كالذي لا يرعوي |
عن غيّهِ ويبوءُ بالخسرانِ |
|
لقد ارتكبتَ جريمةً وجنايةً |
سوّدت حتّى أوجهَ السودانِ |
وذكر اليعقوبي(1) في تاريخه أنّ أهل الكوفة شكوا سعد بن أبي وقاص واليهم إلى عمر بن الخطاب، وقالوا: لا يحسن يصلّي. فعزله عمر عنهم وولّى عليهم عمّار بن ياسر. ثمّ قدم عليه أهل الكوفة، فقال: كيف خلفتم عمّار بن ياسر أميركم؟ فقالوا: مسلم ضعيف. فعزله ووجّه جبير بن مطعم، فمكر به المغيرة وحمل عنه خبراً إلى عمر، وقال له: ولّني يا أمير المؤمنين.
قال: أنت رجل فاسق. قال: وما عليك منّي؟ كفايتي ورجلتي لك، وفسقي على نفسي. فولاّه الكوفة، فسألهم عن المغيرة، قالوا: أنت أعلم به وبفسقه. فقال: ما لقيت منكم يا أهل الكوفة؛ إن وليتكم مسلماً تقيّاً قلتم ضعيف، وإن وليتكم مجرماً قلتم هو فاسق.
ذكر سبط ابن الجوزي(2) ، قال عامر الشعبي: لمّا بلغ عبد الله بن الزبير قتل
____________________
= راجع الاختصاص للشيخ المفيد / 77 تحت عنوان (ما جاء في رشيد الهجري)، الأمالي للشيخ الصدوق / 165، ح28 تحت عنوان (كيفية شهادة رشيد الهجري)، أعيان الشيعة 7 / 6 تحت عنوان رشيد الهجري.(موقع معهد الإمامين الحسنين) .
(3) انظر ابن الفقيه - البلدان / 184 - 186، طبع ليدن.
(1) انظر أحمد بن أبي واضح، الكاتب الشهير باليعقوبي، المتوفّى سنة 292 هـ 2 / 133، مطبعة الغري.
(2) انظر تذكرة الخواص - سبط ابن الجوزي أبو المظفر يوسف بن قزغلي البغدادي، المتوفّى سنة 654 بدمشق، ودفن في جبل قاسيون / 152، طبع إيران.
الحسينعليهالسلام خطب بمكة، وقال: ألا إنّ أهل العراق قوم غدر فجر، ألا وإنّ أهل الكوفة شرارهم؛ إنّهم دعوا الحسين ليولّوه عليهم، ليقيم أمورهم، وينصرهم على عدوهم، ويعيد معالم الإسلام، فلمّا قدم عليهم ثاروا عليه يقتلوه، قالوا له: إن لم تضع يدك في يد الفاجر ابن زياد الملعون فيرى فيك رأيه، فاختار الوفاة الكريمة على الحياة الذميمة، فرحم الله حسيناً وأخزى قاتله، ولعن الله مَنْ أمر بذلك ورضي به.
أفبعد ما جرى على أبي عبد الله ما جرى يطمئن أحد إلى هؤلاء، أو يقبل عهود الفجرة الغدرة؟!
أما والله، لقد كان صوّاماً بالنهار، قوامّاً بالليل، وأولى بينهم من الفاجر ابن الفاجر. والله، ما كان يستبدل بالقرآن الغناء، ولا بالبكاء من خشية الله الحداء، ولا بالصيام شرب الخمور، ولا بقيام الليل الزمور، ولا بمجالس الذكر الركض في طلب الصيود، واللعب بالقرود. قتلوه فسوف يلقون غيّاً، ألا لعنة الله على الظالمين، ثم نزل.
وذكر القزويني(1) ، ومثله محمد بن أبي طلحة(2) قال: وكان أكثر هؤلاء الخارجين لقتاله قد شايعوه وكاتبوه، وطاوعوه وعاهدوه وبايعوه، فلمّا جاءهم كذّبوه ما وعدوه، وأنكروه وجحدوه، ومالوا إلى السحت العاجل فعبدوه، وخرجوا إلى قتاله رغبة في عطاء ابن زياد فقصدوه.
قال الشاعر:
إذا ما سقى الله البلادَ فلا سقى |
معاهدَ كوفانٍ بنوءِ المرازمِ |
|
أتتْ كتبهم في طيّهنَّ كتائبٌ |
وما رقمتْ إلاّ بسمِّ الأراقمِ |
|
لخير إمامٍ قامَ في الأمرِ فانبرتْ |
له نكباتٌ أقعدت كلّ قائمِ |
|
إذا ذكرت للطفلِ حلّ برأسهِ |
بياضٌ مشيبٌ قبل شدّ التمائمِ |
|
أن اقدم إلينا يابن أكرم مَنْ مشى |
على قدمٍ من عربِها والأعاجمِ |
____________________
(1) انظر أثار البلاد - زكريا بن محمد القزويني / 167، طبع كوتنجن.
(2) انظر مطالب السؤول - محمد بن أبي طلحة الشافعي.
فودّعَ مأمونُ الرسالةِ وامتطى |
متونَ الرماسي لا الهجانِ الرواسمِ |
|
وجشّمها نحو العراقِ تحفّهُ |
مصاليتُ حربٍ من ذؤابةِ هاشمِ |
نعم، إنّ أهل الكوفة عُرفوا بالغدر والخيانة، ومَنْ سبر تاريخهم وقف على غدرهم آنفاً بخليفتهم أمير المؤمنينعليهالسلام ، وما ذكر عنهم في مشاهير خطبه ومطوّلات كتبه، وهكذا غدروا بأولاده وأحفاده بحيث منعوهم شرب الماء الذي لا يُصدّ عنه كلّ ذي روح.
ومن النوادر الطريفة التي جرت في الكوفة: احتفل أهل الكوفة بقائمقام النجف وقتئذ السيد حسن جواد الحسيني البغدادي، فألقى في ذلك الحفل صديقنا الخطيب الشيخ علي بازي قصيدة تكريماً للقائمقام، وقد طالب بقصيدته إنشاء إسالة ماء الكوفة، وبعد انتهاء الحفل وانفضاض الجمع إلاّ القليل من النجفيّين المدّعوين وأشراف أهل الكوفة ناول أستاذنا اليعقوبي رقعة للقائمقام، وقد كتب فيها بيتين على سبيل المداعبة والظرافة، والبيتان:
لا تُعر أهلَ الكوفةِ الجند سمعاً |
ودع القومَ يهلكونَ ظماءا |
|
كيف تسقي يابن الجواد اُناساً |
منعوا جدّكَ الحسينَ الماءا |
فقامت قيامة الشيخ البازي، وصار يزبد ويرعد، وراح يشطّرهما معارضاً، وإليك تشطيره:
لا تُعر أهلَ كوفةَ الجندَ سمعاً |
عجباً منكَ يطلبونَ جفاءا |
|
ويقولونَ لا تُجبهم بشيءٍ |
ودع القومَ يهلكونَ ظماءا |
|
كيف تسقي بابنَ الجواد اُناساً |
وسواهم يكابدونَ العناءا |
|
أو ترضى تُعدّ من حزبِ قومٍ |
منعوا جدّكَ الحسينَ الماءا |
ولقد شطّرها الأدباء، وخمّسها الشعراء، وإليك تشطيري(1) :
____________________
(1) لا يوجد تشطير صاحب الكتاب يرجى التحقّق من ذلك.
وجاء في (كتاب البلدان)(1) ، قال قطرب: سمّيت الكوفة من قولهم: تكوف الرمل، أي ركب بعضه بعضاً. والكوفان: الاستدارة.
وقال أبو حاتم السجستاني: الكوفة رملة مستديرة، يقال: كأنّهم في كوفان. وقال المغيرة بن شعبة: أخبرنا الفرس الذين كانوا بالحيرة، قالوا: رأينا قبل الإسلام في موضع الكوفة فيما بين الحيرة إلى النخيلة ناراً تُأجّج، فإذا أتينا موضعها لم نرَ شيئاً، فكتب في ذلك صاحب الحيرة إلى كسرى، فكتب إليه: أن ابعث إليّ من تربتها.
قال: فأخذنا من حواليها ووسطها وبعثنا به إليه، فأراه علماءه وكهنته، فقالوا: يُبنى في هذا الموضع قرية يكون على يد أهلها هلاك الفرس. قال: فرأينا والله الكوفة في ذلك الموضع.
قالوا: أوّل مَنْ اختطّ مسجد الكوفة سعد بن أبي وقّاص، وقال غيره: اختطّ الكوفة السائب بن الأقرع، وأبو الهياج الأسدي، وكانت العرب تقول: أدلع البرّ لسانه في الريف فما كان يلي الفرات فهو (الملطاط)، وما كان يلي الطين فهو النجف.
ويروى عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال: « الكوفة كنز الإيمان، وجمجمة الإسلام، وسيف الله ورمحه يضعه حيث يشاء. والذي نفسي بيده لينصرنَّ اللهُ (جلّ وعزّ) بأهلها في شرق الأرض وغربها كما انتصر بالحجاز ».
وكانعليهالسلام يقول: « إنّ موضع الكوفة اليوم كانت سورستان ».
وكان سلمان يقول: أهل الله، وهي قبة الإسلام يحنّ إليها كلّ مسلم.
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : « ليأتينَّ على الكوفة زمان وما من مؤمن ولا مؤمنة إلاّ بها، أو قلبه يحنّ إليها ».
وقال ابن الكلبي: وفد الحجّاج على عبد الملك بن مروان ومعه أشراف العراق، فلمّا دخلوا عليه تذاكروا أمر الكوفة والبصرة، فقال محمد بن عمير العطاردي: إنّ أرض الكوفة أرض سفلت عن الشام وعملها ووبائها، وارتفعت عن البصرة وحرّها وعمقها، وجاورها الفرات فعذب ماؤها وطاب ثمرها، وهي مريئة مريعة.
فقال عبد الله بن الأهتم
____________________
(1) انظر كتاب البلدان - ابن الفقيه، من علماء أواخر القرن الثالث للهجرة / 163، طبع ليدن.
السعدي: نحن والله يا أمير المؤمنين أوسع منهم تربة، وأكثر منهم دربة، وأعظم منهم برية، وأغذ منهم في السرية، وأكثر منهم قنداً ونقداً. يأتينا ما يأتينا عفواً صفواً، ولا يخرج من عندنا إلاّ سائق أو قائد أو ناعق.
فقال الحجّاج: إنّ لي بالبلدين خبراً يا أمير المؤمنين. قال: هات، فأنت غير متّهم فيهم. قال: أمّا البصرة فعجوز شمطاء بخراء ذفراء، أوتيت من كلّ حليّ وزينة، وأمّا الكوفة فبكر عاطل لا حليّ لها ولا زينة.
فقال عبد الملك: ما أراك إلاّ وقد فضلّت الكوفة، وكان عمر بن الخطاب يكتب إلى سيّد الأمصار، وجمجمة العرب، يعني الكوفة.
وكان عبد الله بن عمر يقول: يا أهل الكوفة، أنتم أسعد الناس بالمهدي.
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام للكوفة: « ويحك يا كوفة واُختك البصرة! كأنّي بكما تمدّان مدّ الأديم، وتعركان عرك العكاظي، ألا إنّي أعلم فيما أعلمني الله (عزّ وجلّ) أنّه ما أراد بكما جبّار سواءً إلاّ ابتلاه الله بشاغل ».
وكان محمد بن عمير بن عطارد يقول: الكوفة سفلت عن الشام ووبائها، وارتفعت عن البصرة وعمقها، فهي مريئة مريعة، برية بحرية، إذا أتتنا الشمال هبّت مسيرة شهر على مثل رضراض الكافور، وإذا هبّت الجنوب جاءتنا بريح السواد وورده وياسمينه، وخيريه وأترجه، ماؤنا عذب، ومحتشنا خصب.
وكتب إليهم عمر بن الخطاب: إنّي اختبرتكم فأحببت النزول بين أظهركم؛ لما أعرف من حكم لله ولرسوله، وقد بعثت إليكم عمّار بن ياسر أميراً، وعبد الله بن مسعود مؤذّناً ووزيراً، وهما من النجباء من أهل بدر، فخذوا عنهما واقتدوا بهما، وقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي.
وكان زياد يقول: الكوفة جارية حسناء تضع لزوجها، فكلّما رآها يُسر بها.
قالوا: ولنا فتوح وأيام، فمن فتوحنا الحيرة، وبانقيا، والفلوجتين، وتستر، وبغداد، وعين التمر، ودومة، والأنبار. وما فتحوا مع خالد بن الوليد في مسيرهم إلى الشام: المضيح، وحصيد، وبشر، وقراقر، وسوى، وأراك، وتدمر، ثمّ شاركوا أهل الشام في بصرى ودمشق.
هذا كلّه في خلافة أبي بكر،
ثمّ كان من آثارهم في خلافة عمر يوم جسر أبي عبيد، ويوم مهران، ويوم القادسية، ويوم المدائن، وجلولاء وحلوان.
هذا كلّه قبل أن ينزلوا الكوفة، ثمّ نزلوها ففتحوا الموصل، وآذربايجان، وتستر، وما سبذان، ورامهرمز، وجرجان، والدينور. ولهم مع أهل البصرة نهاوند، ولهم بعض الري، وبعض إصبهان، ولهم طميس، ونامية من طبرستان.
ونزل الكوفة من الخلفاء والأئمّة علي والحسنعليهماالسلام ، ومن الملوك والخلفاء معاوية وعبد الملك، وأبو العباس وأبو جعفر المنصور، والمهدي وهارون الرشيد، وكان بها عمّال العراق، والدعوة لهم في العطاء قبل أهل البصرة.
عدّة أهل الكوفة ثمانون ألفاً، ومقاتلتهم أربعون ألفاً، وكان زياد يقول: أهل الكوفة أكثر طعاماً، وأهل البصرة أكثر دراهم.
وقال الأحنف بن قيس: نزل أهل الكوفة في منازل كسرى بن هرمز بين الجنان اللتفة والمياه الغزيرة والأنهار المطّردة، تأتيهم ثمارهم غضّة لم تخضد ولم تفسد، ونزلنا أرضاً هشاشة في طرف فلاة، وطرف ملح أُجاج في سبخة نشاشة لا يجفّ ثراها، ولا ينبت مرعاها، يأتينا ما يأتينا في مثل مرء النعامة.
قال: ولمّا ظهر أمير المؤمنينعليهالسلام على أهل البصرة قال أعشى همدان:
أكسع البصريَّ إن لاقيته |
إنّما يُكسع من قلّ وذلْ |
|
واجعل الكوفيَّ في الخيلِ ولا |
تجعل البصريَّ إلاّ في النفلْ |
|
وإذا فاخرتمونا فاذكروا |
ما فعلنا بكمُ يوم الجملْ |
|
بينَ شيخٍ خاضبٍ عثنونه |
وفتىً أبيضَ وضاحٍ رفلْ |
|
جاءنا يخطر في سابغةٍ |
فذبحناه ضحىً ذبح الحملْ |
|
وعفونا فنسيتم عفونا |
وكفرتم نعمة الله الأجلْ |
وقال قطرب بن خليفة: نازعني قتادة في الكوفة والبصرة، فقلت: دخل الكوفة سبعون بدريّاً، ودخل البصرة عتبة بن غزوان. فسكت.
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : « قبّة الإسلام الكوفة، والهجرة بالمدينة، والأبدال بالشام، والنجباء بمصر وهم قليل ».
وقالوا: مَنْ نزل الكوفة فلم يقرّ بفضل ثلاث فليست له بدار؛ بفضل ماء الفرات، ورطب المشان، وفضل أمير المؤمنين عليعليهالسلام . ومَنْ نزل البصرة فلم يقرّ لهم بثلاث فليست له بدار؛ بفضل عثمان، وفضل الحسن البصري، ورطب الأزاذ.
قالوا: ومن أسخياء الكوفة هلال بن عتاب، وأسماء بن خارجة، وعكرمة بن ربعي الفيّاض. ومن فتيانها؛ خالد بن عتاب، وأبو سفيان بن عروة بن المغيرة بن شعبة، وعمرو بن محمد بن حمزة.
قال سعيد بن مسعود المازني لسليمان بن عبد الملك: منّا أحلم الناس الأحنف، وأحلمهم بحلمه أياس بن قتادة، وأسخاهم طلحة بن عبد الله بن خلف، وأشجعهم عبّاد بن حصين والحريش، وأعبدهم ابن قيس.
فقال نظّار الكوفة: منّا أشجع الناس الأشتر، وأسخاهم خالد بن عتاب، وأحلمهم عكرمة الفيّاض، وأعبدهم عمرو بن عتبة بن فرقد.
وقالوا: إذا كان علم الرجل حجازيّاً، وطاعته شاميّاً، وسخاؤه كوفيّاً فقد كمل.
قال: اجتمع عند أبي العباس أمير المؤمنين عدّة من بني علي وعدّة من بني العباس، وفيهم بصريون وكوفيون. منهم أبو بكر الهذلي وكان بصريّاً، وابن عيّاش وكان كوفيّاً.
فقال أبو العباس: تناظروا حتّى نعرف لمَنْ الفضل منكم.
قال بعض بني علي: إنّ أهل البصرة قاتلوا عليّاً يوم الجمل، وشقّوا عصا المسلمين.
قال أبو العباس: ما تقول يا أبا بكر؟ قال: معاذ الله أن يُجهل أهل البصرة! إنّما كانت شرذمة منها شذّت عن سبل المنهج واستحوذ عليها الشيطان، وفي كلّ قوم صالح وطالح؛ فأمّا أهل البصرة فهم أكثر أموالاً وأولاداً، وأطوع للسلطان، وأعرف برسوم الإسلام.
قال ابن عياش: نحن أعلم بالفتوح منكم؛ نحن نفينا كسرى عن البلاد، وأبرنا جنوده، وأبحنا ملكه، وفتحنا الأقاليم، وإنّما البصرة من العراق بمنزلة المثانة من الجسد ينتهي إليها الماء بعد تغييره وفساده؛ مضغوطة قبل ظهرها بأخشن أحجار وأقلّها خيراً، مضغوطة من فوقها ببطيحتها وإن
____________________
(1) انظر كتاب البلدان - ابن الفقيه / 167، طبع ليدن.
كانوا يستعذبون ماءهم، ولولا ذلك ما انتفعوا بالعيش، ومضغوطة بالبحر الأخضر من أسفلها، ونحن قللناهم على وجه المعزاء، وبعثنا إليهم من جندنا ما كان منه قوامهم.
وإنّما أهل البصرة بمنزلة الرسل لنا، ومحلّ الكوفة محلّ اللهوات واللسان من الجسد، وموضعها على صدور الأرضين، ينتهي إليها الماء ببرده وعذوبته، ويتفرّق في بلادنا، ويجوز بالعذبة الزكية الفرات ودجلة، والبصرة من العراق بمنزلة المثانة من الجسد.
قال أبو بكر: أنتم مهما وصفت أكثر أنبياء، وما لنا إلاّ نبي واحد وهو محمدصلىاللهعليهوآله ، وعامّة أنبيائكم الحاكة.
فضحك أبو العباس حتّى كاد يسقط عن السرير، ثم قال له: لله درّك يا أبا بكر! فقال أبو بكر: وما رأيت الأنبياء مصلوبين إلاّ ببلاد الكوفة.
فقال ابن عيّاش: عيّرت أهل الكوفة بثلثة مجانين من السفلة ادّعوا النبوّة بالجنون؛ فصلبهم الله بالكوفة، فمَنْ يعيّر به أهل البصرة من المدّعين للعقول والشرف؟ والروايات للحديث كثير كلّهم يزعم أنّه يهدي نفسه ويضلّها، والمتنبئ بالجنون أيسر خطباً من ادّعاء الصحيح هدى نفسه وضلالها، فلقد ادّعوا الربوبية في قول بعضهم.
فقال أبو العباس: هذه بتلك أو أشدّ يا أبا بكر، فاعترض عليهم بعض العلوية وهو الحسن بن زيد، فقال: يا أبا بكر، أما قتلتم عليّاً يوم الجمل؟ فقال: بلى، قاتله شرذمة وكفّ الله (عزّ وجلّ) أيدينا وسلاحنا عن قتله نظراً منه لنا، ثمّ رجع إلى الكوفة فقتلوه وولده، وولد ولده وبني عمّه، وأخرجوا الحسين بن علي بعد بيعتهم له حتّى هرب منهم.
فقال ابن عياش: بل قصّر الله أيديكم بطول أيدي الكوفة، وبنصرتهم عليكم، وكيف تعيّرنا بباطل رجل واحد منّا يبلغ بباطله ما عجز عنه عامّتكم، ولقد حدّثني أشياخ من النخع أنّ أهل الكوفة كانوا يوم الجمل تسعة آلاف رجل مع أمير المؤمنينعليهالسلام ، وكان عليه ثلاثون ألفاً مع طلحة والزبير وعائشة، فلمّا التقوا لم يكن أهل البصرة إلاّ كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف.
فقال أبو بكر: ومتى كان أهل البصرة ثلاثين ألفاً يقاتلون أمير المؤمنينعليهالسلام ، وقد اعتزلهم الأحنف بن قيس في سعد والرباب؟! وقد دخلنا بعد ذلك الكوفة فذبحنا بها ستة آلاف رجل من أصحاب نبيّهم المختار كما يذبح
الحملان، سوى من هرب بعد أن جاء أسماء بن خارجة الفزاري، ومحمد بن الأشعث الكندي، وشبث بن ربعي التميمي، واستعانوا بأهل البصرة، وشكا إليهم المختار وأصحابه، وما قتل من رجالهم واستباح من حريمهم، فخرجنا مع مصعب ابن الزبير حتّى قتلنا نبيّهم المختار، ومَنْ قدرنا عليه من أصحابه، واعتقناهم من الرق، فلنا الفضل على أهل الكوفة، ولنا المنّة عليهم، وعلى أعقابهم لو كانوا يشكرون.
قال ابن عياش: أتاكم أهل الكوفة يوم الجمل مع علي فقتلوكم، فأرى أهل الكوفة غالبين ومغلوبين على الحقّ، وأرى أهل البصرة غالبين ومغلوبين على الباطل.
فقال أبو العباس: يا أبا بكر، دونك فإنّي أرى ابن عيّاش مفوّهاً جدلاً.
قال أبو بكر: ما لهم بنا طاقة.
قال ابن عياش: لسنا في حرب فيرى مغالبنا، وإنّما نحن في كلام فأحسن الكلام أوضحه حجّة.
فقال الحسن بن زيد: يا أبا بكر، لا تغالب أهل الكوفة، ولا تفاخرهم؛ فإنّهم أكثر فقهاء وأشرافاً منكم.
فقال أبو بكر: معاذ الله، أنّى يكون هذا! وما كان فيهم شريف إلاّ وفينا أشرف منه، وما كان في تميم الكوفة مثل الأحنف في تميم البصرة، ولا في عبد القيس الكوفة مثل الحكم بن الجارود في عبد القيس البصرة، ولا كان في بكر الكوفة مثل مالك بن مسمع في بكر البصرة، ولا كان في قيس الكوفة من قتيبة بن مسلم في قيس البصرة.
قال ابن عياش: زدنا يا أبا بكر إن وجدت مزيداً، فعندنا أضعاف ما ذكرت، ومن أنت ذاكره إن شاء الله.
قال أبو بكر: كفى بهذا فخراً وعزّاً وشرفاً.
فقال ابن عياش: قطع بك يا أبا بكر، إنّما أهل البصرة مثل نظام البعر المستوي واسطته درة فهي فيهم مشهورة، وأهل الكوفة مثل نظيم الدرّ فواسطته منه لها أشباه كثيرة؛ ذكرت الأحنف في تميم البصرة، وفي تميم الكوفة محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس رهن قوسه عن جميع العرب، والنعمان بن مقرن صاحب النبيصلىاللهعليهوآله المقدّم على جميع جيوش المسلمين أيام عمر بن الخطاب، وحسان بن المنذر بن ضرار من بيت ضبّة وسيّدها عتاب بن ورقاء جواد العرب.
وشبث بن ربعي التميمي قائد أهل البصرة وسائقهم مع
مصعب بن الزبير، وعكرمة بن ربعي التميمي الذي قيل فيه:
وعكرمة الفيّاض ربّ الفضائلِ
فهؤلاء سادة تميم الكوفة.
والعجب لفخرك بمالك بن مسمع في بكر بن وائل على مصقلة بن هبيرة وقد أقرّ بين يدي علي بن أبي طالب بشرفه وفضله، ومنهم خالد بن معمر وشقيق بن نثور السدوسي، وسويد بن منجوف وحريث بن جابر، والحضين بن منذر ومحدوج المخزومي، ويزيد بن رويم الشيباني والقعقاع بن شور الذهلي!
وأمّا فخرك بقتيبة بن مسلم فما أنت وذاك؟! إنّما هو رجل من باهلة صنعه الحجّاج، والشرف من قيس في عامر بن صعصعة من بني لبيد بن ربيعة الشاعر جاهليّاً وإسلاميّاً، وإنّما فخرت بواحد من مئة، ألا إنّي أجمل لك: أميرنا علي بن أبي طالب، ومؤذننا عبد الله بن مسعود، وقاضينا شريح، فهات في أهل البصرة واحداً من هؤلاء الثلاثة.
قال أبو بكر: أميرنا عبد الله بن عباس.
قال ابن عياش: نحن بطانة عبد الله وظهارته، وأنصاره وجنده عليكم، ونحن أحقّ به منكم.
فقال ابو بكر: فإن كان مؤذّنكم عبد الله بن مسعود فمنّا أنس بن مالك خادم النبيصلىاللهعليهوآله .
فقال ابن عياش: وأين أنس من ابن مسعود فتقيسه به؟! ولقد نزل الكوفة سوى من سمّيت لك سبعون رجلاً من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله فنقيم لك واحداً بأنس، ثمّ نفتخر عليك بتسعة وستين باقين.
فقال أبو بكر: فإن كان شريح قاضيكم ففينا الحسن البصري سيّد التابعين، وابن سيرين في فضلهما وفقههما.
فقال ابن عياش: إن عددت هذين وباهيت بهما عددنا لك أويساً القرني الذي يشفع في مثل ربيعة ومضر، وربيع بن خيثم والأسود بن يزيد، وعلقمة ومسروقاً، وهبيرة بن يريم وأبا ميسرة، وسعيد بن جبير والحارث الأعور صاحب علي بن أبي طالب وراويته، وأين أنت عمّن لم ترَ عينك مثله في زمانه من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله ، ولا أحفظ لما سمع، ولا أفقه في الدين، ولا أصدق في الحديث، ولا أعرف بمغازي النبيصلىاللهعليهوآله وأيّام العرب، وحدود الاسلام والفرائض، والغريب والشعر، ولا أوصف لكلّ أمر من عامر بن شراحيل الشعبي؟!
فقال: كلّ مَنْ حضر لقد كان كذلك، وبالكوفة بيوتات العرب الأربعة؛
فحاجب بن زرارة بيت تميم، وآل زيد بيت قيس، وآل ذي الجدين بيت ربيعة، وآل قيس بن معدي كرب الزبيدي بيت اليمن، وبالكوفة فرسان العرب الأربعة في الجاهلية والإسلام؛ عمرو بن معدي كرب، والعباس بن مرداس السلمي، وطليحة بن خويلد الأسدي، وأبو محجن الثقفي.
وأهل الكوفة جند سعد بن أبي وقاص يوم القادسية، وأصحاب الجمل وصفين، وخانقين وجلولاء ونهاوند، وفرسانهم المعدودون في الإسلام؛ مالك بن الحارث الأشتر النخعي، وسعد بن قيس الهمداني، وعروة بن زيد الطائي صاحب وقعة الديلم، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي.
فقال أبو بكر: هذا الذي سلب الحسين بن علي قطيفته فسمّاه أهل الكوفة عبد الرحمن قطيفة، فقد كان ينبغي أن لا تذكره.
فضحك أبو العباس من قول أبي بكر، فقال ابن عيّاش: والذي سار تحت لوائه أهل الكوفة والبصرة وجماعة أهل العراق، وبالكوفة من أحياء العرب بأسرهم ما ليس بالبصرة منهم إلاّ أهل بيت واحد، وهم الذين يقول فيهم علي بن أبي طالب:
فَلو كُنتَ بَوّاباً عَلى بابِ جَنَةٍ |
لَقُلتُ لِهَمدانَ اِدخلوا بِسلامِ |
فقال أبو بكر: فهل فيمَنْ سمّيت أحد إلاّ قاتل الحسين بن علي وأهل بيته، أو خذلهم أو سلبهم وأوطأ الخيل صدورهم.
فقال ابن عيّاش: تركت الفخر وأقبلت على التعبير، أنتم قتلتم أباه علي بن أبي طالب، فأمّا أهل الكوفة فكان منهم مع الحسين يوم قتل أربعون رجلاً، وإنّما كان معه سبعون رجلاً فماتوا كلّهم دونه، وقتل كلّ واحد منهم عدوّه قبل أن يُقتل.
فقال أبو بكر: إنّ أهل الكوفة قطعوا الرحم، ووصلوا المثانة؛ كتبوا إلى الحسين بن علي إنّا معك مئة ألف وغرّوه، حتّى إذا جاء خرجوا إليه فقتلوه وأهل بيته صغيرهم وكبيرهم، ثمّ ذهبوا يطلبون دمه، فهل سمع السامعون بمثل هذا؟!
فقال ابن عيّاش. ومن أهل الكوفة أبو عبد الله الجدلي الذي صار ناصراً لبني هاشم حين حصرهم ابن الزبير، وكتب ابن الحنفيّة يستنصرهم، فسار في عدّة ممّن كان مع ابن الزبير حتّى صيّر الله بني هاشم حيث أحبّوا، فهل كان فيهم بصري؟!
فنهض أبو العباس وهو يقول: الكوفة
بلاد الأدب، ووجه العراق، ومبزغ أهله، وعليها الجحاش، وهي غاية الطالب، ومنزل خيار الصحابة وأهل الشرق، وإنّ أهل البصرة لأشبه الناس بهم، ثمّ قام.
قال أمير المؤمنينعليهالسلام : « لقد صلّى في هذا البيت - يعني مسجد الكوفة - تسعون نبيّاً، وألف وصي، وفيه فار التنور، وخرجت منه السفينة، وفيه عصا موسى، وخاتم سليمان بن داود، والبركة منه على اثني عشر ميلاً، وهو أحد المساجد الأربعة التي تعظّم، ولأن أُصلّي فيه ركعتين أحبّ إليّ من أن أصلّي عشراً في غيره، إلاّ في المسجد الحرام ومسجد الرسول ».
وقال ليث بن أبي سليم: بلغني أنّ المكتوبة في مسجد الكوفة تعدل حجّة، والتطوّع يعدل عمرة.
ويقال: إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام قال: « إنّ بالكوفة أربع بقاع قدس مقدّسة، فيها أربع مساجد ». قيل: سمّها يا أمير المؤمنين. قال: « أحدها: مسجد ظفر، وهو مسجد السهلة، إنّ أطنابها من الأرض لعلى ياقوته خضراء، ما بعث الله نبيّاً إلاّ صورة وجهه فيها. والثاني: مسجد جعفي، لا تذهب الأيّام والليالي حتّى تنبع منه عين. والثالث: مسجد غنى، لا تذهب الليالي والأيّام حتّى تنبع منه عين، وحوله جنينة. والرابع: مسجد الحمراء، وهو في موضع بستان، لا تذهب الليالي والأيّام حتّى تنبع منه عين تنطف ماء حواليه، وفيه قبر أخي يونس بن متّى ».
ويُقال: إنّ مسجد السهلة مناخ الخضر، وما أتاه مغموم إلاّ فرج الله عنه. قال: ونحن نسمّي مسجد السهلة مسجد القرى.
وقد نظم ثلاثة من الأفاضل الولائية هذه القصيدة، عنوانها (من وحي مسجد الكوفة ):
هنا تنشقُ النفسُ إيمانَها |
فخلِّ الحياةَ وأشجانَها |
|
هنا يعذبُ الشعرُ والعاطفات |
تردّدُ بالاُفقِ ألحانَها |
____________________
(1) انظر البلدان - ابن الفقيه / 173، طبع ليدن.
هنا يستشفُ الأديبُ البيان |
من الخلدِ ينشدُ تحنانَها |
|
هنا الروحُ تلهبها الذكريات |
فتطلقُ بالشجو بركانَها |
|
هنا دكّةُ الحقِّ فيها القضاء |
توقّعُ بالعدلِ تبيانَها(1) |
|
هنا منبرُ اللهِ فيه الولاء |
علي يرتّلُ قرآنَها |
|
هنا حيدرُ يرشدُ العالمين |
فكان مع الحقِّ عنوانَها |
|
هنا صادقُ القولِ في علمه |
يخرجُ بالدرسِ نعمانَها(2،3) |
|
هنا يرتقي منبراً للحديث |
يقرّرُ للخلقِ عرفانَها |
|
هنا مضجعٌ للسفيرِ الشهيد |
(ونفسُ الأبى وما زانَها)(4) |
____________________
(1) دكّة القضاء: يريد بها الدكّة التي كان أمير المؤمنينعليهالسلام يجلس عليها ويقضي بين الناس، ويحكم فيهم بحكم الله. وموقعها في وسط مسجد الكوفة للجدار الشرقي أقرب حيث شباك قبر هاني بن عروة (رحمه الله)، وتحتها السرداب الذي جُدّد بناؤه قبل بضعة أعوام.
(2) هو جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام ، ولد (صلوات الله عليه) في السابع والعشرين من ربيع الأول سنة ثمانين من الهجرة، وقيل: قبل الثمانين. وقد عاصر الحكومتين الأموية والعباسيّة حتّى اغتاله عامل المنصور بالمدينة فدس إليه السمّ - قيل: بالعنب بأمر المنصور الدوانيقي - وتوفّي في الخامس والعشرين من شهر شوال سنة 154 هجـ وقد جاور السبعين سنة، ودفن بجنب والده الإمام الباقر، وجدّه السجّاد زين العابدين، وعمّه الحسن السبطعليهمالسلام في بقيع الغرقد.
(3) هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي. كان من الموالي، وأصله من بلدة كابل (أفغانستان). ولد بالكوفة ونشأ ودرس بها، ثمّ انتقل إلى دار السلام (بغداد). أحد المذاهب الأربعة، ولقد أخذ العلم عن الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام كما صرّح بذلك أرباب التاريخ والسير، كابن الصبّاغ في (الفصول)، وابن تيميّة في (الصواعق)، والشبلنجي في (نور الأبصار)، والشيخ سليمان الحنفي في (ينابيع المودّة).
وقد ذكر الآلوسي في (مختصر التحفة الاثني عشرية / 8، قال: وهذا أبو حنيفة وهو بين أهل السنة، كان يفتخر ويقول بأفصح لسان: (لولا السنتان لهلك النعمان)، يريد السنتين اللتين صحب فيهما لأخذ العلم من الإمام جعفر الصادقعليهالسلام . توفّي (ره) في بغداد سنة 150 هجـ، وقبره شمالي الرصافة بالأعظمية، وعلى باب المسجد قد كتب بالقاشاني المشجر:
سلوه تضرّعاً وادعوه خيفهْ |
وبعد استرحموا لأبي حنيفهْ |
(4) سفير الحسين إلى أهل الكوفة هو ابن عمّه مسلم بن عقيل ذكرناه آنفاً.
هنا ساعدٌ للحسينِ القتيل |
أبادَ الطغاةَ وفرسانَها |
|
هنا مسلمٌ باعثُ المكرمات |
يحطّمُ بالسيفِ أوثانَها |
|
هنا هانئ ذو الفداءِ الذي |
أخافَ العداةَ وسلطانَها(1) |
|
هنا ميثمٌ ينشدُ العالمين |
على منبرِ الشتقِ فرقانَها(2) |
|
هنا كوفةُ الجندِ فيها الطغاة |
أطاعت على البغي شيطانَها |
|
هنا حلّقت أنفسُ الطاهرين |
فأعلت بذلك برهانَها |
|
هنا تغمرُ الروحُ نفسَ الأديب |
فتلهبُ بالشعرِ إيمانَها |
|
هنا رفرفت أكبدُ المؤمنين |
لتظهرَ للآلِ أحزانَها |
لقد أفاضت الأخبار في فضل الكوفة ومسجدها.
وفي البحار عن الرضاعليهالسلام ، عن آبائهعليهمالسلام ، قال: « ذكر علي الكوفة فقال: يُدفع البلاء عنها كما يُدفع عن أخبية النبيصلىاللهعليهوآله ».
وعن ابن نباتة قال: بينا نحن ذات يوم حول أمير المؤمنينعليهالسلام في مسجد الكوفة إذ قال: « يا أهل الكوفة، لقد حباكم الله (عزّ وجلّ) بما لم يحبُ به أحداً؛ ففضّل مصلاّكم وهو بيت آدم، وبيت نوح، وبيت إدريس، ومصلّى إبراهيم الخليل، ومصلّى أخي الخضر، ومصّلاي.
وإنّ مسجدكم هذا أحد المساجد الأربعة التي اختارها الله (عزّ وجلّ) لأهلها، وكأنّي به يوم القيامة في ثوبين أبيضين شبيه بالمحرم، يشفع لأهله ولمَنْ صلّى فيه فلا تردّ شفاعته، ولا تذهب الأيّام حتّى ينصب الحجر الأسود فيه(3) ، وليأتين زمان يكون مصلّى المهدي من ولدي، ومصلّى كلّ
____________________
(1) هو هاني بن عروة زعيم مذحج، مرّت ترجمته.
(2) كان ميثم التمار من أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام ، وكان أولاً عبداً لامرأة من بني أسد فاشتراه أمير المؤمنينعليهالسلام وأعتقه، وهو من خلّص أصحابه الذين علّمهم علم المنايا والبلايا، وقد أخبرهعليهالسلام بكيفية قتله، وأنّه يُصلب عاشر عشرة، وأراه النخلة التي يُصلب على جذعها، وحدّثه كيفية إلجامه بلجام من حديد، وطعنه بالحربة ووفاته.
وقد طلبه ابن زياد وسجنه، ثمّ أخرجه وصلبه كما ذكر أمير المؤمنينعليهالسلام له من قبل، وكان قتله قبل قدوم الحسينعليهالسلام العراق بعشرة أيام سنة 60 هجـ.
(3) هذه من مغيّباته التي ذكرهاعليهالسلام قبل وقوعها، ويشير بكلامه هذا إلى القرامطة ورئيسهم أبو طاهر سليمان بن الحسن القرمطي؛ فإنّه أظهر أمره =
مؤمن، ولا يبقى مؤمن إلاّ كان به، أو حنّ قلبه إليه، فلا تهجروه، وتقرّبوا إلى الله (عزّ وجلّ) بالصلاة فيه، وارغبوا إليه في قضاء حوائجكم، فلو يعلم الناس ما فيه من البركة لأتوه من أقطار الأرض ولو حبواً على الثلج ».
ومن أبيات نظمتها في فضل مسجد الكوفة، وهي:
كوفانَ ما أسما وأعلى مسجداً |
بكِ مَنْ أتاه مؤمّلاً لا يُحرمُ |
|
للهِ من بيتٍ تعالى رفعةً |
فلهُ على سمكِ الضراحِ تقدّمُ |
|
بيتٌ أتاهُ آدمُ من غابرِ الـ |
أزمانِ حيثُ بفضلهِ هو أعلمُ |
|
بيتٌ لهُ الروحُ الأمينُ وأحمدٌ |
وجميعُ رسلِ اللهِ قدماً يمّموا |
|
وأتاهُ شيخُ المرسلينَ مصلّياً |
فيهِ وكلٌّ للإلهِ يُعظّمُ |
|
ولكم بهِ كان الإمامُ المرتضى |
يقضي بحكمِ اللهِ لمّا يحكمُ |
|
فكأنّه فلكٌ لرفعةِ شأنه |
وكأنّما هذي المحارب أنجمُ |
|
وكأنّ جلَّ الأنبياءِ برحبهِ |
قاموا إلى فرضِ الصلاةِ وأحرموا |
|
وعليُّ في محرابهِ متقدّمُ |
إنّ الإمامَ إلى الصلاةِ يقدمُ |
وروي بحذف السند عن أسامة، عن أبي عبد الله الصادقعليهالسلام قال: سمعته يقول: « الكوفة روضة من رياض الجنّة ».
وجاء إليه رجل قال له: سيدي، إنّي قد ضربت على كلّ شيء لي ذهباً وفضّة، وبعت ضياعي فقلت أنزل مكّة. فقالعليهالسلام : « لا تفعل؛ فإنّ أهل مكّة يكفرون بالله جهرة ». قال: أنزل بالمدينة؟ قال: « هم شرّ منهم ». قال: فأين أنزل؟ قالعليهالسلام : « عليك بالعراق الكوفة؛ فإنّ البركة منها على اثنى عشر ميلاً هكذا وهكذا، وإلى جانبها قبر ما أتاه مكروب قطّ إلاّ وكشف الله كربته،
____________________
= بالبحرين سنة 258 هجـ، وجاء بأصحابه القرامطة إلى مكّة فدخلوها يوم الإثنين لسبع خلون من ذي الحجة سنة 307 هجـ وهم سبعمئة رجل، فخرج إليه والي مكة في جماعة من الأشراف فقتلهم القرامطة جميعاً، ودخلوا المسجد بخيولهم وسلاحهم، ووضعوا السيف في الطائفين والمصلّين والمحرمين إلى أن قتلوا في المسجد وشعاب مكة زهاء ثلاثين ألف إنسان.
وركض أبو طاهر بفرسه في المسجد وسيفه مشهور بيده، وأمر بالقتلى فرموهم في بئر زمزم وبقيّة الآبار، وأقام بمكة أحد عشر يوماً ينهب ويقتل، ثمّ اقتلع الحجر وأخذه معه، وجاء به إلى الكوفة كما أخبر أمير المؤمنينعليهالسلام من قبل... إلخ.
ولا ملهوف إلاّ وفرج الله عنه، وهو قبر أمير المؤمنينعليهالسلام ».
وقالعليهالسلام : « حرمت النار على قدم تغبّرت في زيارة جدّي أمير المؤمنينعليهالسلام »... إلخ.
قلت: ولا وعت: أي ما حفظت ولا تدبّرت، وكأنّ ما سمعت بما جاء بمدحه في الذكر الحكيم في قوله تعالى:( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً ) (1) .
ذكر الفخر الرازي(2) ، والزمخشري(3) ، والطبرسي(4) أنّ هذه الآيات نزلت في عليعليهالسلام . والرواية عن ابن عباس، ومجاهد، وأبي صالح: أنّ الحسن والحسينعليهماالسلام مرضا فعادهما رسول اللهصلىاللهعليهوآله في ناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن، لو نذرت على ولديك نذراً، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما إن برءا ممّا بهما أن يصوموا ثلاثة أيام.
فشفيا وما معهم شيء، فاستقرض عليعليهالسلام من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعاً، واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال: أطعمكم الله من موائد الجنّة.
فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلاّ الماء وأصبحوا صياماً، فلمّا أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك، فلمّا أصبحوا أخذ علي (رضياللهعنه ) بيد الحسن والحسينعليهالسلام وأقبلوا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فلمّا أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع قالصلىاللهعليهوآله : « ما أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم! ».
وقام فانطلق معهم فرأى فاطمةعليهاالسلام في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها، وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبرئيل وقال: خذ يا محمد، هنّاك الله في أهل بيتك. فأقرأه السورة.
ولبعد الباقي العمري في ذلك:
____________________
(1) سورة الإنسان / 7 - 9.
(2) انظر تفسير الفخر الرازي 8 / 295.
(3) انظر تفسير الكشاف - للزمخشري 2 / 511.
(4) انظر مجمع البيان - للطبرسي 5 / 404.
وسائلٍ هل أتى نصٌّ بحقِّ علي |
أجبتهُ (هل أتى) نصٌّ بحقِّ علي |
|
فظنّني مذ غدا منّي الجوابُ لهُ |
عينُ السؤالِ صدى من صحفةِ الجبلِ |
|
وما درى لا درى جدّاً ولا هزلاً |
أنّي أريدُ بذاكَ الجدّ لا الهزلِ |
وقال من قصيدة أخرى:
ومَنْ أتى في حقّهِ (هل أتى) |
نعم وفي أولادهِ ( قل لا) |
وفي هذا البيت اكتفاء، وهو من أنواع البديع، ومثله قولي: في فتى قد ربط يده إلى عنقه.
رؤياكَ للسادةِ تُغني عن فدك |
فاسمح لنا اليوم (ولا تجعل يدك) |
أراد المغفور له العمري قوله تعالى:( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (1) ، وأردت قوله تعالى:( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلّ الْبَسْطِ ) (2) .
فأهل الكوفة ما رعت حرمة للحسين سبط نبيهمصلىاللهعليهوآله ، ولا وعت بما جاء في حقّه بالذكر الحكيم.
قال الشاعر:
إذا اللهُ أثنى بالذي هو أهُلهُ |
عليهِ فما مقدارُ ما تمدحُ الورى |
|
وكأنّ أجرَ المصطفى في آلهِ |
أن يمنعوهُ وردَ ماءٍ قد طما |
أجر: أجر الرجل على كذا، كافأه وأثابه عليه. وطما الماء: أي كثر.
قال أرباب السير: منع أهل الكوفة الحسين وصبيانه من الماء ثلاثة أيام. وذكر سبط ابن الجوزي(3) عند ذكره للجيش الكوفي قال: فنزلوا مقابلهم ومنعوهم الماء ثلاثة أيّام، فناداه عبد الله بن حصير الأزدي: يا حسين، ألا تنظر إلى الماء كأنّه كبد السماء؟ ووالله، لا تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشاً.
فقال الحسينعليهالسلام : « اللهم اقتله عطشاً، ولا تغفر له أبداً ». فكان بعد ذلك يشرب الماء ولا يروى حتّى مات عطشاً.
وناداه عمرو بن الحجّاج: يا حسين، هذا الماء تلغ فيه
____________________
(1) سورة الشورى / 23.
(2) سورة الإسراء / 29.
(3) انظر التذكرة - سبط ابن الجوزي / 141.
الكلاب، وتشرب منه خنازير أهل السواد، والحمر والذئاب، ولن تذوق منه والله قطرة حتّى تذوق الحميم في نار جهنم.
فكان سماع هذا الكلام على الحسينعليهالسلام أشدّ من منعهم إيّاه الماء، وهذا جزاؤه منهم إذ سقاهم الماء في تلك الصحراء القاحلة، وكانوا قد أشرفوا على الهلاك يوم أن جاؤوا مع الحرّ بن يزيد الرياحي، وعددهم ألف فارس.
وقديماً قيل: لا ينكر المعروف إلاّ اللئيم.
ذكر ابن خلّكان(1) ، قال نصر الله بن مجلي مشارف الصناعة بالمخزن، وكان من ثقات أهل السنّة: رأيت في المنام علي بن أبي طالب (عليه الصلاة والسلام)، فقلت له: يا أمير المؤمنين، تفتحون مكّة فتقولون: « مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن »(2) ، ثمّ يتمّ على ولدك الحسينعليهالسلام يوم الطفّ ما تمّ؟!
فقال لي: « أما سمعت أبيات ابن الصيفي في هذا؟ ». فقلت: لا. فقال: « اسمعها منّه ». ثمّ استيقضت فبادرت إلى دار حيص بيص، فخرج إليّ، فذكرت له الرؤيا، فشهق وأجهش بالبكاء، وحلف بالله إن كانت خرجت من فمه، أو خطى إلى أحد، وإن كنت نظمتها إلاّ في ليلتي هذه، ثمّ أنشدني:
ملكنا وكانَ العفو منّا سجيةً |
ولمّا ملكتم سالَ بالدمِ أبطحُ |
|
وحلّلتمُ قتلَ الاُسارى وطالما |
غدونا عن الأسرى نعفُّ ونصفحُ |
|
فحسبكمُ هذا التفاوتُ بيننا |
وكلُّ إناءٍ بالذي فيهِ ينضحُ |
فالحسينعليهالسلام سقى أهل الكوفة الماء، وهم منعوه شرب الماء يوم الطفّ. الماء الذي هو عنصر حيوي لجميع الخليقة، وكافة الموجودات على الكرة الأرضية، ولن يستغني عنه أي أحد وكلّ شيء، قال (عزّ ذكره):( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) .
فهو في الحقيقة أصل لكلّ الموجودات، وبه حياة كلّ دابة، وبه قوامها واستدامتها، وقد جعله الله مباحاً لكلّ وارد إليه، ولا يجوز صدّ أيّاً كان عنه؛ ولذا قالصلىاللهعليهوآله : « الناس شرع سواء في الماء والكلاء ». فلا يمنع من ورده أحد؛ سواء من البشر أو الحيوانات.
وجاء في الحديث أيضاً: « ثلاثة لا ملكية فيها؛ الماء
____________________
(1) انظر ابن خلكان 1 / 220.
(2) يشير هنا إلى يوم الفتح، واليد التي أسداها رسول اللهصلىاللهعليهوآله على أبي سفيان خاصّة.
والنار والكلاء ».
ولم يذكر التاريخ أحداً منع الماء من أبناء جنسه إلاّ أهل الشام في واقعة صفين، وأهل الكوفة يوم الطفّ.
فأهل الشام منعوا أهل العراق الماء بأمر من معاوية، ولكن فرسان أهل العراق ساموه الفشل وأصحابه الزعانف فكشفوهم عن الفرات.
قال نصر بن مزاحم(1) : عندما غلب معاوية على الماء وحال بين أهل العراق وبينه، وأقبل عليعليهالسلام حتّى إذا أراد المعسكر إذا القوم قد حالوا بينه وبين الماء.
قال: وذهب شباب من الناس وغلمانهم يستقون فمنعهم أهل الشام. قال: ففزعنا إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فأخبرناه بذلك، فدعا (صعصعة بن صوحان) فقال: « ائتِ معاوية فقل: إنّا سرنا مسيرنا هذا وأنا أكره قتالكم قبل الإعذار إليكم، وإنّك قد قدمت بخيلك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك، وبدأتنا بالقتال، ونحن من رأينا الكفّ حتّى ندعوك ونحتجّ عليك.
وهذه اُخرى قد فعلتموها حتّى حلتم بين الناس وبين الماء، فخلِّ بينهم وبينه حتّى ننظر فيما بيننا وبينكم، وفيما قدمنا له وقدمتم، وإن كان أحب إليك أن ندع ما جئنا له، وندع الناس يقتتلون على الماء حتّى يكون الغالب هو الشارب فعلنا ».
فقال معاوية لأصحابه: ما ترون؟
قال الوليد بن عقبة: امنعهم الماء كما منعوه ابن عفان؛ حصروه أربعين يوماً يمنعونه برد الماء ولين الطعام، اقتلهم عطشاً قتلهم الله(2) .
قال عمرو: خلِّ بين القوم وبين الماء، لن يعطشوا وأنت ريّان، ولكن لغير الماء فيما بينك وبينهم.
فأعاد الوليد مقالته، وقال عبد الله بن أبي سرح، وهو أخو عثمان من الرضاعة: امنعهم الماء، منعهم الله يوم القيامة.
فقال صعصعة بن صوحان: إنّما يمنع الله يوم القيامة الفجرة، شربة الخمر، ضرْبَك وضرْب هذا الفاسق - يعني الوليد -. فتواثبوا يشتمونه ويتهدّدونه، فقال معاوية: كفّوا عن الرجل؛ فإنّه رسول.
قال: وبقي أصحاب علي يوماً وليلة - يوم الفرات - بلا ماء.
هذا وخاطب رجل من السكون من أهل الشام يُقال له: سليل بن عمرو، معاوية قائلاً:
____________________
(1) انظر وقعة صفين - نصر بن مزاحم المنقري 3 / 175، طبع مصر.
(2) كذب اللعين؛ فإنّ أمير المؤمنينعليهالسلام أمر ولديه حسن وحسين بحمل الماء والطعام يوم حاصره المسلمون، وهذا شيء لا ينكر ذكره أرباب التاريخ.
اسمع اليوم ما يقولُ السليلُ |
إنّ قولي قولٌ لهُ تأويلُ |
|
امنع الماءَ من صحابِ عليٍّ |
أن يذوقوهُ والذليلُ ذليلُ |
|
واقتل القومَ مثلَ ما قُتلَ الشيـ |
ـخُ ظماً والقصاصُ أمرٌ جميلُ |
|
فوحقِّ الذي يساقُ لهُ البد |
ن هدايا لنحرها تأجيلُ |
|
لو عليٌّ وصحبهُ وردوا الما |
ء لما ذقتموهُ حتّى تقولوا |
|
قد رضينا بما حكمتم علينا |
بعدَ ذاك الرضا جلادٌ ثقيلُ |
|
فامنع القومَ ماءكم ليس للقو |
مِ بقاءٌ وأنّا يكن فقليلُ |
فقال معاوية: الرأي ما تقول، ولكن عمراً لا يدعني.
قال عمرو: خلِّ بينهم وبين الماء؛ فعلي لم يكن ليظمأ وأنت ريّان وفي يده أعنّة الخيل، وهو ينظر إلى الفرات حتّى يشرب أو يموت. وأنت تعلم أنّه الشجاع المطرق، ومعه أهل العراق وأهل الحجاز، وقد سمعته أنا وأنت وهو يقول: « لو استمكنت من أربعين رجلاً ». فذكر أمراً - يعني لو أنّ معي أربعين رجلاً يوم فُتّش البيت: يعني بيت فاطمة -.
وذكروا أنّه لمّا غلب أهل الشام على الفرات فرحوا بالغلبة، فقال معاوية: يا أهل الشام هذا والله أوّل الظفر، لا سقاني الله ولا سقى أبا سفيان إن شربوا منه أبداً حتّى يُقتلوا بأجمعهم عليه(1) .
وتباشر أهل الشام، فقام إلى معاوية رجل من أهل الشام (همداني ناسك) يُقال له: المعري بن الأقبل، وكان ناسكاً، وكان له (فيما يذكر همدان) لسان، وكان صديقاً ومواخياً لعمرو بن العاص، فقال: يا معاوية، سبحان الله! الآن سبقتم القوم إلى الفرات فغلبتموهم عليه تمنعونهم عنه، أما والله لو سبقوكم إليه لسقوكم منه.
أليس أعظم ما تنالون من القوم أن تمنعوهم الفرات فينزلون على فرضة أخرى فيجازوكم بما صنعتم؟! أما تعلمون أنّ فيهم العبد والأمة، والأجير والضعيف، ومَنْ لا ذنب له؟! هذا والله أول الجور. لقد شجّعت الجبان، وبصّرت المرتاب، وحملت مَنْ لا يريد
____________________
(1) انظر وقعة صفين - نصر بن مزاحم / 182 طبع مصر.
قتالك على كتفيك.
فأغلظ له معاوية، وقال لعمرو: اكفني صديقك. فأتاه عمرو فأغلظ له، فقال الهمداني في ذلك:
لعمر أبي معاويةَ بن حربٍ |
وعمرٍو ما لدائهما دواءُ |
|
سوى طعنٍ يُحارُ العقلُ فيهِ |
وضربٍ حينَ يختلطُ الدماءُ |
|
فلستُ بتابعٍ دينَ ابن هندٍ |
طوالَ الدهرِ ما أرسى حراءُ |
|
لقد ذهبَ العتابُ فلا عتابٌ |
وقد ذهبَ الولاءُ فلا ولاءُ |
|
وقولي في حوادث كلِّ أمرٍ |
على عمرٍو وصاحبهِ العفاءُ |
|
ألا للهِ درّكَ يابنَ هندٍ |
لقد برحَ الخفاءُ فلا خفاءُ |
|
أتحمونَ الفراتَ على رجالٍ |
وفي أيديهمُ الأسلُ الظماءُ |
|
وفي الأعناقِ أسيافٌ حدادٌ |
كأنَّ القومَ عندهمُ نساءُ |
|
فترجو أن يجاوركم عليٌّ |
بلا ماءٍ وللأحزابِ ماءُ |
|
دعاهم دعوةً فأجابَ قومٌ |
كجُرْبِ الإبلِ خالطها الهناءُ |
قال نصر: ثمّ سار الهمداني في سواد الليل فلحق بعليعليهالسلام .
قال: ومكث أصحاب علي يوماً وليلة بغير ماء، واغتمّ علي بما فيه أهل العراق من العطش، وإذا برجل قبل رايات مذحج ينادي:
أيمنعنا القومُ ماءَ الفراتْ |
وفينا الرماحُ وفينا الحَجفْ(1) |
|
وفينا الشوازبُ مثلُ الوشيجْ |
وفينا السيوفُ وفينا الزغفْ(2) |
|
وفينا عليٌّ لهُ سورةٌ |
إذا خوّفوه الردى لم يخَفْ |
|
فنحنُ الذينَ غداة الزبير |
وطلحةَ خضنا غمارَ التلفْ(3) |
____________________
(1) الحَجف: جمع حجفة، وهي الترس من جلود الإبل يطارق بعضها ببعض.
(2) الشوازب: الخيل الضامرة. والوشيج: أراد به الرماح، وأصل الوشيج شجر الرماح، وشبه الخيل بالرماح في دقتها وضمرها. والزغف: جمع زغفة، وهي الدرع الطويلة الواسعة، والغين تحرك في الجمع والمفرد.
(3) يشير إلى وقعة الجمل بالبصرة.
فما بالنا أمسُ أسدُ العرينْ |
وما بالنا اليوم شاءُ النجفْ(1) |
|
فما للعراقِ وما للحجاز |
سوى اليومَ يومٌ فصكّوا الهدفْ(2) |
|
فدبّوا إليهم كبزلِ الجمال |
دُوَيْنَ الذميلَ وفوقَ القَطَفْ(3) |
|
فإمّا تحلّوا بشطِ الفرات |
ومنّا ومنهم عليهِ الجيفْ |
|
وإمّا تموتوا على طاعةٍ |
تحلّوا الجنان وتحبوا الشرفْ |
|
وإلاّ فأنتم عبيدُ العصا |
وعبدُ العصا مستذَلٌّ نطفْ(4) |
وأتى الأشعث علياً من ليلته، فقال: يا أمير المؤمنين، أيمنعنا القوم ماء الفرات وأنت فينا، ومعنا السيوف؟! خلِّ عنّا وعن القوم، فوالله لا نرجع حتّى نرده أو نموت، ومر الأشتر فليعل بخيله فيقف حيث تأمره. فقالعليهالسلام : « ذاك إليكم ».
فرجع الأشعث فنادى بالناس: مَنْ كان يريد الماء أو الموت فميعاده الصبح؛ فإنّي ناهض إلى الماء. فأتاه من ليلته اثنا عشر ألف رجل، فقال شاعر أهل العراق:
ألا يتقونَ اللهَ أن يمنعوننا الـ |
فراتَ وقد يروي الفراتُ الثعالبْ |
|
وقد وعدونا الأحمرين فلم نجد |
لهم أحمراً إلاّ قراع الكتائبْ |
|
إذا خفقت راياتنا طحنت لها |
رحىً تطحنُ الأرحاء والموتُ طالبْ |
|
فنعطي إلهَ الناسِ عهداً نفي به |
لصهرِ رسولِ اللهِ حتّى نضاربْ |
وكان الأشتر قد تعالى بخيله حيث أمره عليعليهالسلام ، ونادى الأشعث: ويحك يابن العاص! خلِّ بيننا وبين الماء، فوالله لئن لم تفعل لتأخذنا وإيّاكم السيوف.
فقال عمرو: والله لا نخلي عنه حتّى تأخذنا السيوف وإيّاكم، فيعلم ربّنا أينا اليوم أصبر.
فترجّل الأشعث والأشتر، وذوو البصائر من أصحاب عليعليهالسلام ، وترجّل معهما اثنا عشر ألفاً، فحملوا على عمرو ومَنْ معه من أهل الشام فأزالوهم عن الماء حتّى
____________________
(1) النجف: بفتح النون والجيم. قال ابن الأعرابي: هو الحلب الجيد حتّى ينفض الضرع، أو أراد النجف الذي بظهر الكوفة.
(2) الصك: الضرب.
(3) الذميل والقطف: ضربان من السير.
(4) عبيد العصا: يُقال للقوم إذا استذلوا. قال امرؤ القيس:
قولا لدودانَ عبيدِ العصا |
ما غرّكم بالأسد الباسلِ |
والنطف: المريب المعيب.
غست خيل على سابكها في الماء.
قال: فلمّا غلب علي على الماء فطرد عنه أهل الشام بعث إلى معاوية: « إنّا لا نكافيك بصنعك، هلمّ إلى الماء فنحن وأنتم فيه سواء ». فأخذ كلّ واحد منهما بالشريعة ممّا يليه.
فهذا ما كان من معاوية حين سبق إلى الفرات إذ منع علياً وأصحابه منه، وانظر إلى فعل أمير المؤمنين مع أهل الشام حين كشفهم عن المشرعة بأبطاله وذي النجدة، ثمّ بعث إليهم دونكم الماء فاشربوا منه.
واقتدى به شبله الحسينعليهالسلام حين سقى أعداءه الماء في تلك الصحراء، وهم زهاء ألف فارس غير أنهم أبوا إلاّ أن يفعلوا فعل الأراذل؛ إذ منعوه الماء وأطفاله، وكان هذا جزاء المصطفى جدّه أن يجفون عترته!
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله حين قدم المدينة واستحكم الإسلام، قالت الأنصار فيما بينها: نأتي رسول اللهصلىاللهعليهوآله فنقول له: إن تعروك أمور فهذه أموالنا تحكّم فيها غير حرج ولا محظور عليك.
فأتوه في ذلك، فنزلت هذه الآية:( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (1) . فقرأها عليهم، وقالصلىاللهعليهوآله : « تودّون قرابتي من بعدي ». فخرجوا عنده مسلّمين لقوله، فقال المنافقون: إنّ هذا لشيء افتراه في مجلسه، أراد بذلك أن يدللنا لقرابته من بعده. فنزلت قوله تعالى:( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ) .
فأرسل إليهم فتلاها عليهم، فبكوا واشتدّ عليهم، فأنزل الله تعالى:( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ) الآية، فأرسلصلىاللهعليهوآله في أثرهم فبشّرهم، وقال:( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا ) ، وهم الذين سلّموا لقولهصلىاللهعليهوآله ، ثمّ قال سبحانه:( وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ) ، أي مَنْ فعل طاعة نزد له في تلك الطاعة حسناً بأن يوجب له الثواب.
وذكر أبو حمزة، عن السدي قال: إنّ اقتراف الحسنة المودة لآل محمدصلىاللهعليهوآله ، وصحّ عن الحسن بن عليعليهالسلام أنّه خطب الناس وقال في خطبته: « أنا من أهل البيت الذين افترض الله مودّتهم على كلّ مسلم، فقال سبحانه:( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ) ، فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت ».
وبحذف السند عن ابن عباس قال: لما نزلت
____________________
(1) سورة الشورى / 23.
( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) الآية، قالوا: يا رسول الله، مَنْ هؤلاء الذين أُمرنا بمودتهم؟ قالصلىاللهعليهوآله : « علي وفاطمة وولدهما ».
وفي شواهد التنزيل لقواعد التفضيل مرفوعاً إلى أبي ثمامة الباهلي قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « إنّ الله تعالى خلق الأنبياء من أشجار شتى، وخُلقت أنا وعلي من شجرة واحدة؛ فأنا أصلها، وعلي فرعها، وفاطمة لقاحها، والحسن والحسين ثمارها، وأشياعنا أوراقها؛ فمَنْ تعلّق بغصن من أغصانها نجا، ومَنْ زاغ(1) عنها هوى.
ولو أنّ عبداً عبد الله بين الصفا والمروة ألف عام ثمّ ألف عام حتّى يصير كالشن البالي(2) ، ثمّ لم يدرك محبّتنا أكبّه الله على منخريه في النار ». ثمّ تلاصلىاللهعليهوآله ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) .
وروى زاذان، عن عليعليهالسلام قال: « فينا في آل حم آية لا يحفظ مودّتنا إلاّ كلّ مؤمن ». ثمّ قرأ هذه الآية.
وإلى هذا أشار الكميت بن زيد الأسدي(3) بقوله:
وَجَدنَا لَكُم فِي آلِ حَامِيمَ آيةً |
تَأوَّلَهَا مِنَّا تَقِيُّ وَمُعرِبُ |
____________________
(1) زاغ: أي مال. والزيغ: الميل عن الحق.
(2) الشن: الجلد إذا يبس وتشنّج.
(3) هو الكميت بن زيد الأسدي، ينتهي نسبه إلى نصر بن نزار بن عدنان. من أشعر شعراء الكوفة المتقدّمين في عصره، عالم بلغات العرب، خبير بأيامها، ومن شعراء القرن الأول من الهجرة.
ولد سنة ستين هجـ، وكان معروفاً بالتشيّع لبني هاشم مشهوراً بذلك. مدح السجّاد زين العابدينعليهالسلام ، والإمام الباقرعليهالسلام ، وابنه جعفر الصادقعليهالسلام . قال أبو عبيدة: لو لم يكن لبني أسد منقبة غير الكميت لكفاهم. وقال أبو عكرمة الضبّي: لولا شعر الكميت لم يكن للغة ترجمان، ولا للبيان لسان.
وسُئل أبو معاذ الهراء: مَنْ أشعر الناس؟ قال: من الجاهليين أم من الإسلاميين؟ قيل: من الجميع. قال: الفرزدق، وجرير، والأخطل، والراعي. فقيل له: ما رأيناك ذكرت الكميت فيمَنْ ذكرت؟ قال: ذاك أشعر الأولين والآخرين.
ويُقال: ما مع أحد من علم العرب ومناقبها ومعرفة أنسابها ما جمع الكميت، فمَنْ صح الكميت نسبه صح، ومَنْ طعن فيه وهن. وقيل: كان في الكميت عشر خصال لم تكن في شاعر؛ كان خطيب بني أسد، وفقيه الشيعة، وحافظ القرآن، كان حسن الخطّ، نسّابة، فارساً، شجاعاً، ديّناً، سخيّاً، رامياً لم يكن في عشيرته أرمى منه، وكان جدليّاً، وهو أول مَنْ ناظر في التشيّع مجاهراً بذلك.
قال الحاحظ: ما فتح للشيعة الحِجاج إلاّ الكميت بقوله:
فإن هي لم تصلح لحيٍّ سواهمُ |
فإنّ ذوي القربى أحقّ وأوجبُ |
|
يقولون لم يورثْ ولولا تراثُهُ |
لقد شركت فيها بكيل وأرحبُ |
وقال محي الدين بن عرب(1) :
أرى حبّ آلِ البيتِ عندي فريضةً |
على رغمِ أهلِ البعدِ يورثني القربى |
|
فما اختارَ خيرُ الخلقِ منّا جزاءَه |
على هديهِ إلاّ المودةَ في القربى |
وللسيد مهدي آل بحر العلوم(2) :
هم آلُ بيتٍ رسولُ اللهِ جدّهمُ |
أجرُ الرسالةِ عندَ اللهِ ودّهمُ |
|
هم الأئمّةُ دانَ العالمونَ لهم |
حتى أقرَّ لهم بالفضلِ ضدّهمُ |
|
سعت أعاديهمُ في حطِّ قدرهمُ |
فازدادَ شأناً ومنه ازدادَ حقدهمُ |
|
كأنّ قربهمُ من جدّهم سببٌ |
للبعدِ عنهُ وإنّ البعدَ قربهمُ |
|
لو أنّهم أُمروا بالبغضِ ما صنعوا |
فوقَ الذي صنعوا لو جد جدّهمُ |
|
أوصى النبي برفدِ الآلِ اُمّتهُ |
فاستأصلوهم فبئسَ الرفدُ رفدهمُ |
وكأنّ أجر النبي الأعظم من أمته له أن استأصلوا عترته، وأوردوهم كؤس الحتوف عن الماء القراح.
وللشريف الرضي (رحمه الله) قال:
____________________
= توفي (رحمه الله) سنة ست وعشرين ومئة في أيام مروان بن محمد، ولم يدرك الدولة العباسيّة.
روى عن المستهل بن الكميت أنّه قال: حضرت أبي عند الموت وهو يجود بنفسه، ثمّ أفاق ففتح عينيه، ثمّ قال: اللّهمّ آل محمد، اللّهمّ آل محمد، اللّهمّ آل محمد، ثلاثاً (رحمه الله تعالى).
(1) هو أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد المغربي الأندلسي، المكي الشامي، المشهور بمحي الدين، صاحب الفتوحات المكية والفصوص. توفّي ابن العربي سنة 638 هجـ وقبره مشيد بالشام زرته هذه السنة.
قال الشعراني كما في العبقات: وقد بنى عليه بقعة عظيمة، وتكية شريفة بالشام فيها طعام وخيرات إلخ.
(2) هو المغفور له السيد مهدي الطباطبائي بحر العلوم، جدّ الأسرة آل بحر العلوم. كانت ولادته في كربلا سنة 1155 هجـ، صاحب الكرامات المدوّنة في الكتب والمؤلفات القيمة، إليه انتهت الزعامة الدينية.
وكان (رحمه الله) ذا همّة قعساء، له الآثار الخالدة في بيت الله الحرام بمكة المكرّمة (زاد الله شرفها وتعظيمها)، وهو الذي بنى مأذنة مسجد الكوفة، وملأ المسجد وعلاه بعد أن كان الناس ينزلون إليه في سلّم، كما ويصعدون إلى قبر مسلم بن عقيل بسلّم أيضاً. وتصرفاته بالمسجدين مقبولة سجّلها له التاريخ بيراع الشكر. توفّى سنة 1212 هجـ ودفن بالنجف في مقبرته المجاورة لقبر الشيخ الطوسي (رحمهما الله).
ليس هذا لرسولِ الله يا |
أمّةَ الطغيانِ والبغي جزا |
|
غارسٌ لم يألُ في الغرس لهم |
فأذاقوا أهله مرّ الجنا |
ولعبد الباقي العمري(1) قوله يخاطب الفرات:
بعداً لشطكَ يا فرات فمرّ لا |
تحلو فماؤكَ لا هنيّ ولا مري |
|
أيسوغُ لي منك الورودُ وعنك قد |
صدرَ الإمامُ سليلُ ساقي الكوثرِ |
* * *
إيهٍ بني صخرِ بن حربٍ كم لكمْ |
من نارِ حربٍ لم تكن نارَ قرى |
|
تُصلى بها مهجةُ طه وفؤا |
دُ حيدرٍ وقلبُ اُمّ النجبا |
|
جزرتم السادةَ في مهمهةٍ |
وسقتمُ نساءَهمْ سوقَ الإما |
إيهٍ: اسم فعل يأتي للتوجّع والتفجّع من حديث أو فعل. وبنو صخر بن حرب: هم بنو أميّة، وصخر هو أبو سفيان صخر بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي.
وكم: تأتي أولاً: استفهامية عددية نحو: كم درهم لك. ثانياً: تأتي خبرية بمعنى كثير، نحو: كم عبد، أو كم عبيد ملكت، أي كثير، والمراد هنا الثانية.
القرى: الضيافة، ونار القرى: نار الضيافة، كناية عن الكرم والجود.
ونيران الحروب التي أججتها بنو أميّة في بدأ الإسلام كثيرة حاربت محمداً وأصحابه، وحزّبت قريشاً واليهود مناضلة عن أصنامها وأربابها.
وفي وقايعهم مع آل النبي الأعظم قال الشاعر:
آلُ صخرٍ بكم أضرمتْ نارَ حربٍ |
لبني هاشمٍ لظاها يزيدُ |
|
فابنُ حربٍ للمصطفى وابنُ هندٍ |
لعلي وللحسين يزيدُ |
____________________
(1) هو عبد الباقي بن سليمان بن أحمد العمري، الفاروقي الموصلي، شاعر مؤرخ، ولد بالموصل سنة 1204 هجـ، انتقل إلى بغداد. حقّاً إنّه كان شاعر العراق الفحل، اتصل بجماعة من أدباء النجف والحلّة، وثمّة توجد بعض المساجلات الشعرية والنثرية بينهم في عدّة مجاميع اطّلعت عليها.
له مؤلفات قيّمة في التاريخ والأدب، ورجالات الموصل، وديوان شعره يزين المكتبات. توفي (رحمه الله) سنة 1278 هجـ، وقد زرت مرقده وموقعه خلف مرقد الشيخ عبد القادر، وبالقرب من قبره دفن عبد المحسن السعدون أحد أرباب الفخامة.
فمن النيران التي أضرمتها بنو أميّة؛ نار واقعة بدر الكبرى، وأحد، والأحزاب؛ إذ إنّ قريش تحزّبت مع اليهود، وقاد أبو سفيان الجيوش حتّى وافى المدينة فكانت واقعة الأحزاب، وبعدها الجمل وصفين، وواقعة الحرّة وواقعة اُمّ القرى(1) ، وواقعة الطفّ والحروب التي كانت بعد واقعة الطفّ، والتي سجّلها التاريخ كواقعة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالكوفة(2) إلى غير ذلك من الوقائع.
ولكن لا كواقعة الطفّ التي راحت تصلي بشواظها مهجة سيّد البشر (الحسين بن علي)، وفؤاد سيّد الوصيين حيدرة الكرار، وقلب بضعة الرسول الأعظم فاطمة الزهراء، أمّ النجباء الأئمّة الأطهارعليهمالسلام ، وسبعة عشر بطلاً من آل أبي طالب، واثنين وسبعين من أصحابه صفوة الخليقة وقتئذ، فجزروا تلكم السادة في الطفّ، وساقوا عقائل الرسول ومخدرات بني هاشم أسارى كسوق الإماء من الكوفة إلى الشام في أسر الذلّة، وحملوا رؤوس الشهداء على أطراف الأعواد.
قال الشريف الرضي (ره):
وَضُيوفٍ لِفَلاةٍ قَفرَةٍ |
نَزَلوا فيها عَلى غَيرِ قِرى |
|
لم يذوقوا الماءَ حتّى اجتمعوا |
بحدا السيفِ على وردِ الردى |
|
يا رَسولَ اللَهِ لَو عايَنتَهُم |
وَهُمُ ما بَينَ قَتلى وَسِبا |
|
من رميضٍ يُمنعُ الظلّ ومن |
عاطشٍ يُسقى أنابيبُ القنا |
|
مُتعَبٍ يَشكو أَذى السَيرِ عَلى |
نَقِبِ المنسِمِ مَجزولِ المطا |
|
لَرَأَت عَيناكَ مِنهُم مَنظَراً |
لِلحَشى شَجواً وَلِلعَينِ قَذى |
ذكر السبط ابن الجوزي(3) قال: ذكر الواقدي وهشام وابن إسحاق وغيرهم:
____________________
(1) واقعة ابن الزبير كان من جرّائها أن سالت الدماء في بيت الله الحرام، وأُحرقت أستار الكعبة.
(2) هو زيد بن علي السجّاد، قتل في أيام هشام بن عبد الملك بالكوفة، وصلب على جذع نخلة أربع سنوات، وبعدها أُنزل وأُحرق بالنار، وسحنت عظامه بالهواوين وذرّى باليم والفضاء.
(3) انظر تذكرة الخواص - سبط ابن الجوزي / 155، طبع إيران.
أنّه لمّا قتل الحسينعليهالسلام بعث عبد الله بن الزبير إلى عبد الله بن عباس ليابيعه، وقال: أنا أولى من يزيد الفاسق الفاجر، وقد علمت سيرتي وسيرته، وسوابق أبي الزبير مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله وسوابق معاوية.
فامتنع ابن عباس، وقال: الفتنة قائمة، وباب الدماء مفتوح، وما لي ولهذا؟ إنّما أنا رجل من المسلمين.
فبلغ ذلك يزيد بن معاوية، فكتب إلى ابن عباس: سلام عليك. أمّا بعد، فقد بلغني أنّ الملحد في حرم الله دعاك لتبايعه فأبيت عليه وفاء منك لنا، فانظر مَنْ بحضرتك من أهل البيت، ومَنْ يرد عليك من البلاد فأعلمهم حسن رأيك فينا وفي ابن الزبير، وأنّ ابن الزبير إنّما دعاك لطاعته والدخول في بيعته؛ لتكون له على الباطل ظهيراً، وفي المآثم شريكاً، وقد اعتصمت في بيعتنا طاعة منك لنا، ولما تعرف من حقّنا، فجزاك الله من رحم خير ما جازى به الواصلين أرحامهم، الموفين بعهودهم.
فما أنس من الأشياء ما أنا بناس برّك، وتعجيل صلتك بالذي أنت أهله، فانظر مَنْ يطلع عليك من الآفاق فحذّرهم زخارف ابن الزبير، وجنّبهم لقلقة لسانه؛ فإنّهم منك أسمع، ولك أطوع، والسلام.
فكتب إليه ابن عباس: بلغني كتابك تذكر أنّي تركت بيعة ابن الزبير وفاء منّي لك، ولعمري ما أردت حمدك ولا ودّك، تراني كنت ناسياً قتلك حسيناً وفتيان بني عبد المطلب، مضرّجين بالدماء، مسلوبين بالعراء، تسفي عليهم الرياح، وتنتابهم الضباع حتّى أتاح الله لهم قوماً واروهم؟! فما أنس لا أنس طردك حسيناً من حرم الله وحرم رسوله، وكتابك إلى ابن مرجانة تأمره بقتله، وإنّي لأرجو من الله أن يأخذك عاجلاً حيث قتلت عترة نبيّه محمدصلىاللهعليهوآله ورضيت بذلك.
وأمّا قولك: إنّك غير ناس برّي، فاحبس أيّها الإنسان برّك عنّي وصلتك؛ فإنّي حابس عنك ودّي، ولعمري إنّك ما تؤتينا ممّا لنا من في قبلك إلاّ اليسير، وإنّك لتحبس عنّا منه العرض الطويل. ثمّ إنّك سألتني أن أحثّ الناس على طاعتك، وأن آخذ لهم عن ابن الزبير، فلا مرحباً ولا كرامة! تسألني نصرتك ومودّتك وقد قتلت ابن عمّي وأهل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، مصابيح الهدى،
ونجوم الدجى، غادرتهم جنودك بأمرك صرعى في صعيد واحد قتلى؟!
أنسيت إنفاذ أعوانك إلى حرم الله لتقتل الحسينعليهالسلام ، فمازلت وراءه تخيفه حتّى أشخصته إلى العراق [ فخرج خائفاً يترقب، فنزلت به خيلك؛ عداوة منك لله ولرسوله ولأهل بيته اللذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، (وذلك قوله:) ](*) ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .
فنحن اُولئك لا آباؤك الجفاة الطغاة، الكفرة الفجرة، أكباد الإبل والحمير الأجلاف، أعداء الله وأعداء رسوله الذين قاتلوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله في كلّ موطن. وجدّك وأبوك هم الذين ظاهروا على الله وعلى رسوله، ولكن إن سبقتني قبل أن آخذ منك ثاري في الدنيا فقد قُتل النبيّون قبلي، وكفى بالله ناصراً( وَلَتَعْلَمُنّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ) (2) .
ثمّ إنّك تطلب مودّتي وقد علمت لمّا بايعتك ما فعلت ذلك إلاّ وأنا أعلم أنّ ولدا أبي وعمّي أولى بهذا الأمر منك ومن أبيك، ولكنكم معتدين مدّعين، أخذتم ما ليس لكم بحق، وتعدّيتم إلى مَنْ له الحق، وإنّي على يقين من الله أن يعذّبكم كما عذّب قوم عاد وثمود، وقم لوط وأصحاب مدين.
يا يزيد، وإنّ أعظم الشماتة حملك بنات رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأطفاله وحرمه من العراق إلى الشام أسارى مجلوبين، ترى الناس قدرتك علينا، وإنّك قد قهرتنا واستوليت على آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وفي ظنّك أنّك أخذت بثأر أهلك الكفرة الفجرة يوم بدر، وأظهرت الانتقام الذي كنت تخفيه، والأضغان الذي تكمن في قلبك كمون النار في الزناد، وجعلت أنت وأبوك دم عثمان وسيلة إلى إظهارها، فالويل لكما من ديّان يوم الدين!
ووالله لئن أصبحت آمناً من جراحة يدي فما أنت بآمن من جراحة لساني، بفيك الكثكث(3) وأنت المفند المثبور، ولك الأثلب(4) وأنت المذموم، ولا يغرّنك أن ظفرت بنا اليوم، فوالله لئن لم نظفر بك اليوم لتظفرنَّ غداً بين يدي الحاكم العدل، الذي لا يجور
____________________
(*) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، وقد اُضيف من الكامل في التاريخ 4 / 128.(موقع معهد الإمامين الحسنَين)
(1) سورة الأحزاب / 33.
(2) سورة ص / 88.
(3) الكثكث: بكسر الكاف، فتاة الحجارة والتراب.
(4) الأثلب: التراب أيضاً.
في حكمه، وسوف يأخذك الله سريعاً أليماً، ويخرجك من الدنيا مذموماً مدحوراً أثيماً، فعش لا أباً لك ما استطعت، فقد ازداد عند الله ما اقترفت، والسلام على من اتّبع الهدى.
قال الواقدي: فلمّا قرأ يزيد كتابه أخذته العزّة بالإثم، وهمّ بقتل ابن عباس فشغله عنه أمر ابن الزبير، ثمّ أخذه الله بعد ذلك بيسير أخذاً عزيزاً.
هذا يزيد، وهذه أعماله مع العترة، وقد نسج على منواله آل مروان، وعتاة بني اُميّة.
هاك واقرأ ما كتبه أبو بكر الخوارزمي إلى الشيعة بنيسابور(1) ، وقد اقتطفت نبذاً من كتابه، قوله: اعلموا رحمكم الله، أنّ بني اُميّة الشجرة الملعونة في القرآن، وأتباع الطاغوت والشيطان، جهدوا في دفن محاسن الوصي، واستأجروا مَنْ كذب في الأحاديث على النبيصلىاللهعليهوآله ، وحوّلوا الجوار إلى بيت المقدس عن المدينة، والخلافة زعموا إلى دمشق عن الكوفة، وبذلوا في طمس هذا الأمر الأموال، وقلّدوا عليه الأعمال، واصطنعوا فيه الرجال، فما قدروا على دفن حديث من أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولا على تحريف آية من كتاب الله تعالى، ولا على دس أحد من أعداء الله في أولياء الله.
ولقد كان ينادي على رؤوسهم بفضائل العترة، ويبكت بعضهم بعضاً بالدليل والحجّة، لا تنفع في ذلك هيبة، ولا يمنع منه رغبة ولا رهبة، والحقّ عزيز وإن استذل أهله، وكثير وإن قلّ حزبه، والباطل ذليل وإن رصع بالشبهة، وقبيح وإن غطى وجهه بكلّ مليح.
قال الكميت بن زيد، وهو جار خالد بن عبد الله القسري:
فقل لبني أميّةَ حيث حلّوا |
وإن خفت المهندَ والقطيعا |
|
أجاعَ اللهُ مَنْ أشبعتموهُ |
وأشبعَ مَنْ بجوركم أُجيعا |
داس عثمان بن عفان بطن عمّار بن ياسر بالمدينة، ونفى أبا ذر الغفاري إلى الربذة، وأشخص عامر بن عبد قيس التميمي، وغرّب الأشتر النخعي وعدي بن
____________________
(1) انظر رسائل أبي بكر الخوارزمي - الخوارزمي / 130، طبع الجوائب - قسطنطنية.
حاتم الطائي، وسيّر عمر بن زرارة إلى الشام، ونفى كميل بن زياد إلى العراق، وجفا أبي بن كعب وأقصاه، وعادى محمد بن حذيفة وناواه، وعمل في دم محمد بن سالم ما عمل، وفعل مع كعب ذي الخطبة ما فعل.
واتّبعه في سيرته بنو أميّة يقتلون مَنْ حاربهم، ويغدرون بمَنْ سالمهم، لا يحلفون المهاجري، ولا يصونون الأنصاري، ولا يخافون الله، ولا يحتشمون الناس. قد اتّخذوا عباد الله خولاً، ومال الله دولاً. يهدمون الكعبة، ويستعبدون الصحابة، ويعطّلون الصلاة الموقوتة، ويختمون أعناق الأحرار، ويسيرون في حرم المسلمين سيرتهم في حرم الكفّار، وإذا فسق الأموي فلم يأت بالضلالة عن كلالة.
قتل معاوية حِجرَ بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي بعد الأيمان المؤكّدة، والمواثيق المغلّظة. وقتل زياد بن سمية الألوف من شيعة الكوفة، وشيعة البصرة صبراً، وأوسعهم حبساً وأسراً حتّى قبض الله معاوية على أسوأ أعماله، وختم عمره بشرّ أحواله، فأتبعه ابنه يجهز على جرحاه، ويقتل أبناء قتلاه، إلى أن قتل هاني بن عروة المرادي، ومسلم بن عقيل الهاشمي أولاً، وعقب بالحرّ بن يزيد الرياحي، وبأبي موسى عمرو بن قرظة الأنصاري، وحبيب بن مظهر الأسدي، وسعيد بن عبد الله الحنفي، ونافع بن هلال الجملي، وحنظلة بن أسعد الشبامي، وعابس بن شبيب الشاكري في نيف وسبعين من جماعة الشيعة.
وأمر بالحسينعليهالسلام يوم كربلاء ثانياً، ثمّ سلّط عليهم الدّعي بن الدّعي عبيد الله بن زياد يصلبهم على جذوع النخل، ويقتلهم ألوان القتل حتّى اجتثّ الله دابره، ثقيل الظهر بدمائهم التي سفك، وعظيم التبعة بحريمهم الذي انتهك؛ فانتبهت لنصرة أهل البيت طائفة أراد الله أن يخرجهم من عهدة ما صنعوا، ويغسل عنهم وضر ما اجترحوا.
فصمدوا صمد الفئة الباغية، وطلبوا بدم الشهيد الدين ابن الزانية، لا يزيدهم قلّة عددهم، وانقطاع مددهم، وكثرة سواد أهل الكوفة بإزائهم إلاّ إقداماً على القتل والقتال، وسخاء بالنفوس والأموال حتّى قُتل سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيّب بن نجيّة الفزاري، وعبد الله بن وال التيمي في رجال من خيار المؤمنين، وعلية التابعين، ومصابيح الأنام، وفرسان الإسلام.
ولمّا خلت البلاد لآل مروان
سلّطوا الحجّاج على الحجازيين، ثمّ على العراقيين، فتلعّب بالهاشميين، وأخاف الفاطميين، وقتل شيعة عليعليهالسلام ، ومحا آثار بيت النبيصلىاللهعليهوآله ، وجرى منه ما جرى على كميل بن زياد النخعي (رحمه الله)، واتصال البلاء مدّة ملك المروانية إلى أيام العباسيّة، حتّى إذا أراد الله أن يختم مدّتهم بأكثر آثامهم، ويجعل أعظم ذنوبهم في آخر أيامهم بعث على بقيّة الحقّ المهمل والدين المعطّل زيد بن عليعليهالسلام ، فخذله منافقو أهل العراق، وقتله أحزاب أهل الشام، وقُتل معه من شيعته نصر بن خزيمة الأسدي، ومعاوية بن إسحاق الأنصاري، وجماعة مَنْ شايعه وبايعه، وحتى مَنْ زوّجه وأدناه، وحتى مَنْ كلّمه وماشاه. فلمّا انتهكوا ذلك الحريم، واقترفوا ذلك الإثم العظيم غضب الله عليهم، وانتزع الملك منهم.
ولقد كانت في بني اُميّة مخازي تذكر ومعايب تؤثر؛ كان معاوية قاتل الصحابة والتابعين، وأمّه آكلة الأكباد الشهداء الطاهرين، وابنه يزيد القرود، مربّي الفهود، وهادم الكعبة، ومنهب المدينة، وقاتل العترة، وصاحب يوم الحرّة.
وكان مروان الوزغ ابن الوزغ لعن النبي (صلّى عليه وعلى آله) أباه وهو في صلبه، فلحقته لعنة الله ربّه.
وكان عبد الملك صاحب الخطيئة التي طبقت الأرض وشملت، وهي توليته الحجّاج بن يوسف الثقفي فاتك العباد، وقاتل العبّاد، ومبيد الأوتاد، ومخرّب البلاد، وخبيث أمّة محمد الذي جاء به النذر، وورد فيه الأثر.
وكان الوليد جبّار بني اُميّة، وولّي الحجّاج على المشرق، وقرّة بن شريك على المغرب، وكان سليمان صاحب البطن الذي قتله بطنه كظّة، ومات سمناً وتخمة.
وكان يزيد صاحب سلامة وحبابة، الذي نسخ الجهاد بالخمر، وقصر أيام خلافته على العود والزمر، وأوّل مَنْ أغلى سعر المغنّيات، وأعلن بالفاحشات.
وماذا أقول بمَنْ أعرق في مروان من جانب، ويزيد بن معاوية من جانب، فهو ملعون بين ملعونين، وعريق بالكفر بين كافرين.
وكان هشام قاتل زيد بن علي، مولى يوسف بن عمرو الثقفي، وكان الوليد بن يزيد خليع بني مروان، الكافر بالرحمن، الممزق بالسهام القرآن، وأول مَنْ قال الشعر في نفي الإيمان، وجاهر بالفسوق
والعصيان، والذي غشى أمّهات أولاد أبيه، وقذف بغشيان أخيه.
وهذه المثالب مع عظمها وكثرتها، ومع قبحها وشنعتها، صغيرة وقليلة في جنب مثالب بني العباس الذين بنوا مدينة الجبّارين، وفرّقوا في الملاهي والمعاصي أموال المسلمين.
هؤلاء أرشدكم الله الأئمّة المهديون الراشدون الذين قضوا بالحقّ وبه يعدلون، بذلك يقف خطيب جمعتهم، وبذلك تقوم صلاة جماعتهم إلخ.
لعنَ اللهُ مَنْ يسبُ علياً |
وحسيناً من سوقةٍ وأمامِ |
وقال آخر:
لعنَ اللهُ أعظماً حملوها |
لديارِ البلى على الخشباتِ |
|
أعظماً تكرهُ النبي وأهل البيـ |
تِ والطيبينَ والطيباتِ |
أميّةَ غوري في الخمولِ وأنجدي |
فما لكِ في العلياءِ فوزةُ مشهدِ |
|
هبوطاً إلى أحسابكمْ وانخفاضها |
فلا نسبٌ زاكٍ ولا طيبُ مولدِ |
|
تطاولتمُ لا عن عُلا فتراجعوا |
إلى حيثُ أنتم واقعدوا شرَّ مقعدِ |
|
قديمكمُ ما قد علمتم ومثلُهُ |
حديثكمُ في خزيةِ المتجدّدِ |
|
فماذا الذي أحسابُكمْ شرفت به |
فأصعدكمْ في الملكِ أشرفَ مصعدِ |
|
صلابةُ أعلاكِ الذي بللُ الحيا |
به جفَّ أم في لين أسفلُك الندي |
|
بني عبد شمسٍ لا سقى اللهُ حفرةً |
تضمّكِ والفحشاءُ في شرِّ ملحدِ |
|
ألما تكوني في فجوركِ دائماً |
بمشغلةٍ عن غصبِ أبناءِ (أحمدِ) |
|
وراءك عنها لا أبا لك إنّما |
تقدّمتها لا عن تقدّمِ سؤددِ |
|
عجبتُ لمَنْ في ذلةِ النعلِ رأسُهُ |
بهِ يتراءى عاقداً تاجَ سيّدِ |
|
دعوا هاشماً والفخر يعقدُ تاجهُ |
على الجبهاتِ المستنيراتِ في الندي |
|
ودونكموا والعارُ ضمّوا غشاءهُ |
إليكم إلى وجهٍ من العارِ أسودِ |
|
يرشّحُ لكن لا لشيء سوى الخنا |
وليدُكمُ فيما يروحُ ويغتدي |
|
وتترفُ لكن للبغاءِ فتاتُكمْ |
فيدنسُّ منها في الدُّجا كلّ مرقدِ |
|
ويسقي بماءٍ حرثكم غيرُ واحدٍ |
فكيف لكم تُرجى طهارةُ مولدِ |
|
ذهبتم بها شنعاءَ أبقت وصومَها |
بأحسابكم خزياً لدى كلّ مشهدِ |
وللمرحوم السيد حيدر الحلّي (رحمه الله):
فسل (عبدَ شمس) هل يرى جرمَ هاشمٍ |
إليهِ سوى ما كان أسداهُ من يدِ |
|
وقل (لأبي سفيان) ما أنتَ ناقمٌ |
أأمنك يوم الفتحِ ذنبُ (محّمدِ) |
|
فكيف جزيتم (أحمداً) عن صنيعهِ |
بسفكِ دمِ الأطهارِ من آلِ (أحمدِ) |
أميّة هم أئمّة الكفر الذين نزل فيهم قوله تعالى:( فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ ) ؛ لأنّ أبا سفيان كان إمام الكفر، وقائد المشركين في وقعة بدر وأحد والأحزاب، ومعه أولاده ورهطه، وفيهم نزل قوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ) .
قال الرازي فيمَنْ يعني بالذين كفروا بعد كلام له: وقيل: هم مشركوا قريش عامّة، وقيل: بل هم أبو سفيان ورهطه خاصّة، ووجهوه بما نقل من إنفاقه المال الكثير على المشركين يوم بدر وأحد.
وهم أيضاً الشجرة الملعونة في القرآن، قال تعالى:( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيَاناً كَبِيراً ) .
قال الفخر الرازي في تفسيره: عن سعيد بن المسيب أنّه قال: إنّ النبيصلىاللهعليهوآله رأى في منامه أنّ بني اُميّة ينزون على منبره كما تنز القردة، فساءه ذلك.
وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وفيه عن ابن عباس: إنّ الشجرة الملعونة هم بنو أميّة، يعني الحكم بن أبي العاص وأولاده.
ومثله قال النيسابوري في تفسيره، ونظير ذلك في البيضاوي، إلاّ إنّه زاد أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال بعد ذلك: « هذا حظّهم في الدنيا يعطونه جزاء عن إسلامهم ».
وكأنّه كناية عن أنّه لاحظ لهم في الآخرة، وقريب من ذلك في الكشّاف، وأشار إلى ذلك المعتضد العباسي من منشوره حيث قال: ولا خلاف في أنّ الشجرة الملعونة هم بنو أميّة، وممّا يؤكّد هذا التأويل قول عائشة لمروان: لعن الله أباك وأنت في صلبه، فأنت بعض مَنْ لعنه الله.
وعن صاحب كتاب (الهاوية)، عن ابن مسعود أنّه قال: لكلّ لشيء آفة، وآفة هذا الدين بنو أمية؛ حارب أبو سفيان النبي، وحرّض عليه اليهود والمشركين حتّى أسلم عام الفتح كرهاً، وبقي يكيد للإسلام سرّاً وجهراً إلى أن انتهى الأمر إلى عثمان، فقال: تلقّفوها يا بني اُميّة تلقّف الكرة؛
فإنّه لا جنّة ولا نار، ولا ثواب ولا عقاب.
روى البيهقي والزمخشري وكثير من الرواة: أنّ أبا سفيان كان راكباً حماراً، وابنه معاوية يقوده، ويزيد(*) يسوقه، فلمّا نظر إليهم النبيصلىاللهعليهوآله قال: « لعن الله الراكب والقائد والسائق ». وكان أبو سفيان رأس بني أمية في الجاهلية، وقائد المشركين، ورأس الأحزاب.
فقال حسان يعرّض بنسب ابنه زياد على ادّعاء معاوية:
عضضتَ بأيرٍ من أبيكَ وخالِهِ |
وعضّت بنو النجّارِ بالسكرِ والرطبِ |
|
فلستَ بخيرٍ من أبيهِ وخاله |
ولستَ بخيرٍ من معاظلةِ الكلبِ |
|
ولستَ بذي دينٍ ولا ذي أمانةٍ |
ولستَ بخيرٍ من لؤيٍّ ولا كلبِ |
|
ولكن هجينٌ ذو دناةٍ لمغرفٍ |
مجاجة ملحٍ غير صافٍ ولا عذبِ |
وقال أيضاً:
ولستَ من المعشرِ الأكرمينْ |
ولا عبد شمسٍ ولا نوفلِ |
|
وليسَ أبوكَ بساقي الحجيج |
فاقع على الحسبِ الأرذلِ |
|
ولكن هجينٌ منوطٌ بهم |
كما نوّطت حلقةُ المحملِ |
|
تجيش من اللؤمِ أحسابكم |
كجيش المشاشةِ في المرجلِ |
تشير هذه الأبيات إلى أنّ أبا سفيان ابن زنى كما جاء في كتب التاريخ؛ إذ إنّ أمّه صفية بنت مزن الهلالية كانت معروفة بالزنى، وكانت ولدته سرّاً بعشر سنين قبل عام الفيل.
قال الجاحظ في رسالة (مفاخرة بني هاشم وبني أميّة): فأميّة ظلمت العباد، وأكثرت الفساد، وأخربت البلاد، واتّبعت الشهوات، وانتهكت الحرمات، وأذاعت الخمور، وهتكت الستور، وارتكبت الفجور، وجرت على خلاف ما أمر به الإسلام، وعادت العلم، وعطّلت الأحكام.
فعمد معاوية إلى هدم أساس الدين باستلحاقه زياداً، والردّ بذلك على القرآن وعلى النبيصلىاللهعليهوآله ، وبجعله الخلافة إرثاً، وقتله المسلمين من الصحابة، وأبطال العراق في صفين حرباً، وعلى يد زياد، وسمرة بن جندب، والمغيرة بن شعبة صبراً إلى غير ذلك من أعماله.
وخلفه يزيد نغله قتل الذرية الطاهرة وفي طليعتها سيّد شباب أهل الجنّة، الحسين بن علي ريحانة رسول الله، وكانت أعماله لطخة سوداء في جبين التاريخ، يشرب
____________________
(*) تجدر الإشارة إلى أن يزيد هذا هو ابن أبي سفيان وليس ابن معاوية؛ إذ كانت ولادة هذا الأخير سنة 25 للهجرة، أي بعد شهادة الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله بأربعة عشر سنة.(موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
الخمر، وكان مولعاً بالقرود والفهود، حتّى أباح مدينة الرسول، وكانت هناك من المنكرات ما يندى لها الجبين، وأعماله كلّها في مدّة خلافته كانت مضادة للإسلام.
قال الشعبي: كانت ليزيد أخت تسمّى هنداً، فلمّا رأت أسرى أهل البيت، قالت: أيّها الأسرى أيكنّ اُمّ كلثوم أخت الحسين؟
فقالت اُمّ كلثوم: ويلك! ها أنا ابنة الإمام الزكي، والهمام التقي، والصمصام النقي، أمير المؤمنين، وقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين، الذي قرن الله طاعته بطاعته، وعقابه بمعصيته، والذي فرض الله تعالى ولايته على البدوي والحضري، فهو مبيد الأقران والفرسان، والمتوّج بتاج الولاية والسلطان، وهو الذي كسر اللات والعزّى، وطهّر البيت والصفا.
فلمّا سمعت أخت يزيد ذلك قالت: يا اُمّ كلثوم، ولأجل ذلك أُخذتم، وبمثله طُلبتم، وهو أنتم يا بني عبد المطلب، بمثل ربيعة وأبي جهل وأضرابهم تُسفك دماؤكم، أنسينا أباكِ يوم بدر وما قتل من رجالنا؟!
فقالت أم كلثوم: يا بنت مَنْ خبث من الولادة والأولاد، ويا ابنة آكلة الأكباد، لسنا كنسائهم المشهورات بالزنى والخنا، ولا رجالنا العاكفون على اللات والعزّى، أليس جدّك أبو سفيان الذي حزّب على الرسول الأحزاب؟ أليست أمّك هند باذلة نفسها لوحشي وآكلت كبد حمزة جهراً؟ أليس أبوك الضارب في وجه إمامه بالسيف؟ أليس أخوك قاتل أخي ظلماً، وهو سيّد شباب أهل الجنّة وابن بنت الرسول؟ وكثر ما ملكتموه في الدنيا فإنّه في الآخرة قليل.
وهذا عبد الملك بن مروان أوّل مَنْ نهى عن الأمر بالمعروف في الإسلام؛ فإنّه أتى المدينة بعد قتل ابن الزبير فصعد المنبر، فقال: لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلاّ ضربت عنقه. وأتبعه على ذلك سائر الملوك.
ولكن أولاده كانوا أكثر الناس اتّباعاً له عملاً بالمنكر، وبعداً عن المعروف، فقد كان الوليد اسمه جبّاراً عنيداً، وكان يرغب في بناء القصور، فكان حديث الناس في أيامه البناء، ولم يكن للوليد حظّ من العلم؛ صعد المنبر يوماً فقال: إنّ علي بن أبي طالب لصّ وابن لصّ بكسر الصاد فيهما.
وصعد المنبر يوماً فقال في خطبته: يا ليتها كانت القاضية. بضم التاء، فقال ابن عبد العزيز: يا ليتها كانت القاضية، تعريضاً بالدعاء
عليه، وجميع ما اقترفه الحجّاج في عنق الوليد وعبد الملك؛ لأنّه كان والياً من قبلهما.
قال أبو العطاء السندي من شعراء الحكومة الأمويّة والعباسيّة:
إنّ الخيارَ من البريةِ هاشمٌ |
وبنو أميّة أرذلُ الأشرارِ |
|
وبنو أميّة عودُهم من خروعٍ |
ولهاشمٍ في المجدِ عودُ نضارِ |
|
أمّا الدعاةُ إلى الجنانِ فهاشمٌ |
وبنو أميّةَ من دعاةِ النارِ |
|
وبهاشمٍ زكت البلادُ وأعشبتْ |
وبنو أميّةَ كالسرابِ الجاري |
وكان حديث الناس في زمن سليمان بن عبد الملك الطعام والنكاح؛ لأنّه كان لا يرغب في سواهما حتّى قيل: إنّه أكل يوماً أحشاء ثلاثين حملاً في ثلاثين رغيفاً، ولمّا حضرت المائدة أكل مع الناس كأنّه لم يكن قد أكل قبل.
وأكل يوماً مئة رطل من الطعام، وكان لشرهه لا يصبر إذا أُتي له بالدجاج المشوي وهو حار، فكان يتناوله بكمّه ويأكله، وكان إذا نام توضع عند رأسه أطباق الحلوى ليأكل منها إذا استيقظ في أثناء الليل.
وقد سبقه إلى هذا معاوية بن أبي سفيان، وهذه الخلّة لا تناسب الخلافة التي قوامها المواساة للناس.
وانظر إلى يزيد بن عبد الملك واستهتاره بالدين والصلاة، يروى أنّه طرب يوماً وعنده حبابة جاريته وسلامة القس، فقال: دعوني أطير. فقالت حبابة: على مَنْ تدع هذه الأمّة يا أمير المؤمنين؟ قال: عليكِ. وغنّته بهذا البيت:
وبين التراقي واللهاتِ حرارةٌ |
وما ظمأت ماء يسوغُ فتبردا |
فأهوى ليطير، فقالت: يا أمير المؤمنين، إنّ لنا فيك حاجة، فقال: والله لأطيرنَّ.
فقالت: على مَنْ تخلف الأمّة والملك؟ قال: عليكِ والله. وقبّل يدها، فخرج بعض خدمه وهو يقول: سخنت عينك فما أسخفك.
وخرجت يوماً تتنزه معه إلى ناحية الأردن فرماها بحبّة عنب، فدخلت حلقها فشرقت ومرضت وماتت، فتركها أسبوعاً لم يدفنها حتّى أنتنت، وهو يشمّها ويقبّلها وينظر إليها ويبكي، فكلّم في أمرها حتّى أذن في دفنها، وعاد إلى قصره كئيباً حزيناً.
وسمع جارية تتمثّل بعدها:
كفى حزناً بالهائم الصبِّ أن يرى |
منازلَ مَنْ يهوي معطّلة قفرا |
فبكى وبقي بعد موتها سبعة أيام لا يظهر للناس، فأشار عليه أخوه (مسلمة) بذلك مخافة أن يظهر منه ما يسفهه عندهم.
وقال آخر: ووجد يزيد بعد موت حبابة وجداً شديداً، فخرج مشيّعاً لجنازتها، ومعه أخوه مسلمة بن عبد الملك؛ ليسليه ويعزيه فلم يجبه بكلمة، ولم يطلق الركوب من الجزع، وعجز عن المشي، فأمر مسلمة فصلّى عليها، ولمّا دُفنت بقي بعدها خمسة عشر يوماً ومات ودُفن إلى جانبها. وأخبار يزيد مع حبابة كثيرة تدلّ على ما بلغت به أميّة من الدعارة، وترويج الزنا والفجور، ومخالفة أحكام الإسلام.
وإليك ما يُروى من أخبار هشام: اشترى هشام جارية بمال جزيل اسمها صدوف، فعتب عليها في شيء ذات يوم فحلف أن لا يبدأها بكلام، فجلس مغموماً، فدخل عليه الكميت فقال له: ما لي أراك مغموماً يا أمير المؤمنين؟ فأخبره بالقصة، فأنشأ استرضاء له:
أعتبتَ أم عتبت عليكَ صدوفُ |
وعتابُ مثلكَ مثلُها تشريفُ |
|
لا تقعدنَّ للومِ نفسكَ دائماً |
فيها وأنتَ بحبّها مشغوفُ |
|
إنّ العزيمةَ لا تقوم بمثلها |
إلاّ القوي بها وأنتَ ضعيفُ |
فقال هشام: صدقت والله. فقام من مجلسه ودخل عليها، ونهضت إليه فاعتنقته، وأعطى هشام الكميت ألف دينار.
وعندما اشترى يزيد بن عبد الملك سلامة القس التي كانت بارعة بالجمال، قال للشاعر صفها، فقال:
هي شمسُ النهارِ في الحسنِ إلاّ |
إنّها فضلت بفتكِ الطرافِ |
|
غضةٌ بضةٌ رخيمٌ لعوبُ |
وعثةُ المتنِ نحثةُ الأطرافِ |
|
خُلقت فوقَ منيةِ المتمني |
فاقبل النصحَ يابن عبد منافِ |
هذه خلافة بني اُميّة ودعارتها، وهي تدّعي الخلافة على المسلمين، ويدعى لها على المنابر، تعالوا على الإسلام نبكي ونلطم.
والوليد بن يزيد بن عبد الملك كان ماجناً مولعاً بشرب الخمر، فقال له
هشام يوماً: ما أدري، أعلى الإسلام أنت أم لا؛ ما تدع شيئاً من المنكرات إلاّ أتيته غير متحاشٍ!
فأجابه الوليد:
يا أيّها السائلُ عن ديننا |
نحنُ على دين أبي شاكرِ |
|
نشربها صرفاً وممزوجةً |
بالسخنِ أحياناً وبالفاترِ |
وأبو شاكر هو مسلمة بن هشام، وكان شريباً للخمر كالوليد، ولمّا مات هشام كان الوليد بالأردن، فجاءته الرسل تهنئه بالخلافة، وحمل إليه الخاتم والقضيب، فقال غنّوا بهذه الأبيات:
طابَ يومي ولذَّ شربُ السلافهْ |
وأتانا نعي مَنْ بالرصافهْ(1) |
|
وأتانا البريدُ ينعى هشاماً |
وأتانا بخاتمٍ للخلافهْ |
|
فاصطبحنا من خمرِ عانة صرفاً |
ولهونا بقنيةٍ عزّافهْ |
وحلف أن لا يبرح من موضعه حتّى يغنّي في هذا الشعر ويشرب عليه، ففعلوا ذلك، ولم يزالوا يغنّون إلى الليل.
وكان مدّة خلافته مدمنا للخمر واللهو، منادماً للفساق، ولم يبالِ بانتهاك الحرمات، وكان يغشى أمّهات أولاد أبيه غير مبالٍ بما نهى الله عنه في الذكر الحكيم، وقوله:( وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ ) ، حتّى قال فيه الشاعر:
يا وليد الخنا تركتَ الطريقا |
واضحاً وارتكبت فجّاً عميقا |
|
وتماديتَ واعتديتَ وأسرفـ |
تَ وأغويتَ وأبتغيتَ فسوقا |
|
أبداً هات ثمّ هات وهات |
ثمّ هات حتّى تخرّ صعيقا |
|
أنتَ سكرانُ ما تفيقُ فما تر |
تق فتقاً وقد فتقتَ فتوقا |
وذكر الأنطاكي(2) أنّ الوليد عشق فتاة نصرانية، فقصدها في يوم عيد بغير زيّه؛ لأنّ معشوقته أبت مواصلته، ودخل بستاناً كانت قد مضين بنات النصارى للتنزّه فيها، فالتفتت معشوقته إلى صاحب البستان وقالت: مَنْ هذا؟ فقال: مصاب.
____________________
(1) الرصافة: أراد بها رصافة الشام.
(2) انظر تزيين الأسواق.
فرحمته ممازحة حتّى سكن، فقيل لمعشوقته: هل تعرفينه؟ قالت: لا. قيل لها: هذا الخليفة. فمكّنته من نفسها وتزوّجها، فقال فيها:
أضحى فؤادكَ يا وليدُ عميدا |
صبّاً قديماً للحسانِ صيودا |
|
من حبِّ واضحةِ العوارضِ طفلةٌ |
برزت لنا نحو الكنيسةِ عيدا |
|
مازلتَ ترمقها بعيني وامقٍ |
حتى بصرت بها تقبّلُ عودا |
|
عودُ الصليبِ فويحَ نفسي مَنْ رأى |
منكم صليباً مثلهِ معبودا |
|
فسألتُ ربّي أن أكونَ مكانهُ |
وأكونُ في لهبِ الجحيمِ وقودا |
ولما اشتهر أمره فيها قال:
ألا حبّذا سعدي وإن قيلَ إنّني |
كلفتُ بنصرانيةٍ تشربُ الخمرا |
|
يهونُ علينا أن نظلّ نهارنا |
إلى الليلِ لا اُولى نصلّي ولا عصرا |
وفي تاريخ الخميس: إنّ الوليد أتى منزله فرأى بنتاً له مع مرضعتها، فجلس على فخذها ولم يفارقها حتّى افتضّ بكارتها.
فقالت المرضعة: اخترت دين المجوس؟!
فقال الوليد:
مَنْ راقبَ الناس ماتَ هماً |
وفازَ باللذةِ الجسورُ |
قال ابن أبي الحديد، وجلال الدين السيوطي: إنّ سليمان عبد الملك قال: لعن الله الوليد كان فاسقاً، وقد دعاني يوماً إلى الفاحشة - أي اللواط -.
فقال بعض قومه: اسكت لو أراد ذلك لفعل. وأذّن مؤذن للصلاة، وكان الوليد سكرانَ، فخرج مع جارية له وحلف لتصلّين بالناس، فمضت إلى المسجد وصلّت بالناس وهي سكرانة في جنابتها.
وذكر المسعودي أنّ ابن عائشة المغني جاء يوماً إلى الوليد فغنّاه بقوله:
إنّي رأيتُ صبيحةَ النحرِ |
حوراً تعينُ عزيمةَ الصبرِ |
|
مثلَ الكواكبِ في مطالعها |
عند الغناءِ أطفنَ بالبدرِ |
|
وخرجتُ أبغي الأجرَ محتسباً |
فرجعتُ موفوراً من الوزرِ |
قال الوليد: أحسنت. وعزم عليه بحقّ عبد شمس لما أعادها، فأعاد، ثمّ عزم عليه بحقّ أميّة فأعادها، وهكذا عزم عليه بواحد واحد من بني اُميّة وهو
يستعيدها فيعيد حتّى وصل إلى نفسه، فقال: بحقّي عليك لما أعدتها. فأعادها، فأخذه الطرب ووقع على ابن عائشة، وجعل يقبّل أعضاء بدنه عضواً عضواً حتّى وصل إلى مذاكيره فانحنى ليقبّلها، فجمع ابن عائشة فخذيه فسترها.
فحلف الوليد ليقبّلها فقبّل حشفته، فنادى وهو سكران: وا طرباه! وا طرباه! وخلع لباسه عنه وخلعه على ابن عائشة، وبقي عريان حتّى جيء له بلباس فلبسه، وأمر له بألف دينار ذهباً، وجيء له ببغل فأركب ابن عائشة وقال: لا بدّ أن تطأ فراشي ببغلك فقد أضرمت قلبي ناراً.
قال المسعودي: وكان ابن عائشة قد غنّى يزيد أبا الوليد بهذه الأبيات قبل ذلك وأطربه، وقيل: إنّه ألحد في طربه، وفاه بكلمة الكفر، وقال للساقي: اسقني الشراب؛ فإنّي في السماء الرابعة.
وفي مروج الذهب، والكامل للمبرّد: إنّ الوليد أظهر كفره وإلحاده في قوله:
تلعّبَ بالخلافةِ هاشميٌّ |
بلا وحيٍ أتاه ولا كتابِ |
|
فقل لله يمنعني طعامي |
وقل لله يمنعني شرابي |
هذه أعمال أميّة، فكان منهم مَنْ أدمن الخمر كيزيد بن معاوية الذي يقول في الخمرة:
وَشَمسَةُ كَرمٍ بُرجُها قَعرُ دَنِّها |
وَمَطلَعُها الساقي وَمَغرِبُها فَمي |
|
فَإِن حُرِّمَت يَوماً عَلى دينِ أَحمَدٍ |
فَخُذها عَلى دينِ المَسيحِ بنِ مَريَمِ |
ويزيد بن عبد الملك والوليد ابنه، وتكتم بها من أقل مَنْ شرب الخمر منهم، ولقد سبق يزيد إلى ذلك الوليد بن عقبة، وكان والياً في خلافة عثمان بن عفان على الكوفة فخرج إلى المسجد سكراناً وصلّى الصبح أربع ركعات، ثمّ التفت إلى الناس وقال: لو شئتم أن أزيدكم ركعة أزدتكم، ولم يقم عثمان عليه الحد لقرابته منه، فعيب على عثمان بذلك، وكان من أسباب قتل عثمان.
وفيهم قال الكميت:
لا كعبد الملك أو كوليدِ |
أو سليمان بعده أو هشامِ |
|
مَنْ يمت لا يمت فقيداً وإن يح |
يا فلا ذو إلٍّ ولا ذو ذمامِ |
وللسيد علي جليل الوردي رادّاً بقصيدته على قصيدة شوقي؛ إذ راح يشيد بذكرهم الخامل:
بنو أميّةَ للشيطانِ ما صنعوا |
وللضلالةِ ما شادوا وما دانوا |
|
القردُ أشرفُ منهم في سجيّته |
إذ توّجوه فهم للقردِ عبدانُ |
|
بوركتَ (شوقي) هل أغراكَ بارقهمْ |
فرحتَ تبكي ودمعُ العينِ هتّانُ |
|
مررتَ بالمسجدِ المحزونِ تسألهُ |
هل في المصلّى أو المحرابِ مروانُ |
|
أأنتَ أعمى فيا عوفيتَ من عمهٍ |
فكيف يوجدُ في المحرابِ شيطانُ |
|
شدوتَ في ملكهم هدلاً إنّ ملكهمُ |
إلاّ ضلالٌ وتدليسٌ وبهتانُ |
|
من كلّ محتقرٍ في زي محترمٍ |
ومبصرينَ وهم تاللهِ عميانُ |
|
أهؤلاءِ يسودونَ الأنامَ هدىً |
وهؤلاءِ لدينِ اللهِ أعوانُ |
|
أنّا لهم باُصولِ الدينِ معرفةٌ |
هل يعرفُ الدينَ خمّارٌ ودنّانُ |
|
الطاسُ والكأسُ والطنبورُ دينهمُ |
فجدّهمْ ناقرٌ والابنُ سكرانُ |
|
فلا الأذان أذانٌ في ديارهمُ |
فقد تعالى ولا الآذان آذانُ |
|
وقيلَ قد فتحَ الأنصارُ جيشَهمُ |
وامتدَّ منهم على الآفاقِ سلطانُ |
|
فقلتُ وا عجباً فتحٌ ولا خُلقٌ |
ومجدُ سيفٍ ولا عدلٌ وإيمانُ |
|
ما قيمةُ الفتحِ إن سادَ الفسادُ به |
وعمَّ في ظلّهِ ظلمٌ وطغيانُ |
|
ما الفتحُ أن تخضعَ الأقطارُ عن جشعٍ |
الفتحُ عدلٌ وأخلاقٌ وعمرانُ |
|
يا مَنْ قد ارتابَ فيما قلتُ معترضاً |
الحقُّ للحقِّ تأييدٌ وبرهانُ |
|
فتلكَ يثربُ سلها عن مثالبهمْ |
تُنبئكَ يثربُ والأنباءُ أشبحانُ |
|
كم هُتّكت من بناتِ الخدرِ محصنةٌ |
وريعُ غيدٍ وأطفالٌ ورضعانُ |
|
حمى النبيِّ أباحوهُ فوا عجباً |
كيفَ استقرّت على الأقذاءِ أجفانُ |
|
وذلكَ البيتُ بيتُ اللهِ قد نُسفتْ |
جوانبُ منهُ حيثُ اندكَّ أركانُ |
|
مجانقُ آلِ سفيانٍ رموهُ بها |
لا كانَ سفيانُ في الدنيا ولا كانوا |
|
طغت علوجهمُ من فرطِ ما غصبوا |
حتى كأن جميعَ الناسِ عبدانُ |
|
ونكلّوا بدعاةِ الحقِّ جهدهمُ |
فضجَّ منهم محاريبٌ وقرآنُ |
* * *
ليتَ المشرّعُ الذي أنقذنا |
من ظلمةِ الغي إلى أسنى هدى |
|
يرى بناتهُ تُساقُ حُسّراً |
تُساقطُ الدمعَ كهطّالِ السما |
ليت : حرف تمنّي متعلّق بالمستحيل غالباً، وعلى الرجاء قليلاً، نحو: ليت العليل الصحيح، وهي تنصب الاسم وترفع الخبر.
والمشرّع: هو سيّد الكائنات، نبي هذه الأمّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي أخرج الأمّة من هوّة الضلالة فأنقذها إلى سمو الهداية والرشاد.
قلت: ليته يرى كرائمه سبايا تُساق حسّراً، وهي تساقط الأدمع كالمطر.
قال الشريف الرضي:
ومسوقٍ عاثرٍ يسعى به |
إثرَ محمولٍ على غيرِ وطا |
|
متعبٍ يشكو أذى السيرِ على |
نقبِ المنسمِ مجزولِ المطا(1) |
وقال ابن هاني الأندلسي(2) :
وقد غصّت البيداءُ بالعيسِ فوقها |
كرائمُ أبناءِ النبيِّ المـُكرّمِ |
|
ذعرنَ بأبناءِ الضبابِ وأعوجٍ |
فأبكينَ أبناءِ الجديلِ وشدقمِ |
|
يشلونها في كلّ غاربِ دوسرٍ |
عليهِ الولايا بالخشاشِ مخزّمِ |
|
فما في حريمٍ بعدها في تحرّجٍ |
ولا هتكِ سترٍ بعدها بمحرّمِ |
والهطال : على وزن فعال، مثل قتال، من أمثلة المبالغة، اسم مجرور بكاف التشبيه. والسما: اسم للسحاب.
قال السيد حيدر (رحمه الله):
سبقَ الدمعُ حين قلتُ سقتها |
فتركتُ السما وقلتُ الدموعُ |
ذكر الشبراوي(3) بعد كلام له: وأخذ عمر بن سعد بنات الحسين وأخواته، ومَنْ كان معه من الأطفال، وعلي بن الحسين مريض، فأدخلهم على ابن زياد، وطيف
____________________
(1) المنسم: خفّ البعير. ونقب المنسم: أي رقّ وثقب. والجزل: حدوث درّة في الغارب تهجم على الجوف فتهلكه. والمطا: الظهر.
(2) انظر ديوان ابن هاني الأندلسي / 684، مطبعة المعارف بمصر.
(3) انظر الإتحاف - الشبراوي / 55.
برأس الحسينعليهالسلام في الكوفة على خشبة، ثمّ أرسل به إلى يزيد بن معاوية، وأرسل معه الصبيان والنساء مشدودين على أقتاب الجمال، موثوقين بالحبال، والنساء مكشّفات الوجوه والرؤوس(1) .
ويُقال: إنّ الذي حضر بالرأس إلى الشام عمر بن سعد بن أبي وقاص، وفي عنق علي بن الحسين ويديه الغل.
فدخل بعض بني اُميّة على يزيد فقال: ابشر يا أمير المؤمنين، فقد أمكنك الله من عدوك، قد قُتل الحسين، ووجّه برأسه إليك، فلم يلبث إلاّ أياماً قلائل حتّى جيء برأس الحسين.
قال الشاعر:
رأسُ ابن بنتِ محمدٍ ووصيّهِ |
للناظرينَ على قناةٍ يُرفعُ |
|
والمسلمونَ بمنظرٍ وبمسمعٍ |
لا منكرٌ منهم ولا متفجّعُ |
* * *
وينظرُ الرجسَ يزيدَ ناكثاً |
بعودهِ ثغرَ الحسينِ ذي العُلا |
|
أبدى لذاكَ الحقدِ ما لم يُبدهِ |
طالبُ وترٍ قطّ من كلِّ الملا |
|
عليهِ دامَ اللعنُ كلّما جرى |
دمٌ على الأرضِ وغصنٌ التوى |
الواو عاطفة، وينظر: الضمير يعود إلى المشرّع الأعظم وهو رسول اللهصلىاللهعليهوآله . والرجس: هنا القبيح، وهو يزيد بن معاوية. ونكت: ضرب بقضيبه، يُقال: نكت الأرض بقضيبه حال التفكّر فأثّر فيها. والثغر: مقدّم الأسنان.
قال الشبراوي(2) : فوضع، أي رأس الحسينعليهالسلام بين يدي يزيد بن معاوية، فأمر الغلام فرفع الثوب الذي كان عليه، فحين رآه غطّى وجهه بكمّه، كأنّه شمّ رائحة(3) . وقال
____________________
(1) أمّا الوجوه فنعم، وأمّا الرؤوس فما كان لطغاة بني اُميّة وغيرهم ذلك؛ لعظم منزلة أهل البيتعليهمالسلام عند الله تعالى.(موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
(2) انظر الإتحاف - الشبراوي / 55.
(3) أقول: إنّ اللعين لمّا رفع المنديل من على رأس الحسينعليهالسلام شمّ رائحة طيّبة، وإنّما غطّى وجهه بكمّه أراد أن يموّه على الجلاّس؛ لئلاّ يشمّه الحاضرون فيفتتنوا به.
الحمد لله الذي كفانا المؤن بغير مؤونة( كُلّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ ) (1) .
قالت ديا حاضنة يزيد: دنوت من رأس الإمام الحسينعليهالسلام حين شمّ يزيد منه رائحة لم تعجبه، فإذا تفوح منه رائحة من روح الجنّة كالمسك الأذفر(2) ، بل أطيب، والذي ذهب بنفسه وهو قادر أن يغفر لي لقد رأيت يزيد وهو يقرع ثناياه بقضيب في يده، ويقول: ليت أشياخي ببدر شهدوا.
قال الشبراوي: وأصل هذه الأبيات لابن الزبعرى كما في الصواعق، وزاد يزيد فيها بيتين مشتملتين على الكفر.
أقول: لقد أبدى يزيد في ذلك اليوم الشماتة برسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأظهر حقده الذي كان قد أوغر صدره على النبي وأبنائه، واشتفى غليله بقتل سبطه وريحانته، وأخذ ثارات عتبة بن ربيعة وشيبة أخوه والوليد بن عتبة؛ إذ قتلهم عليعليهالسلام في واقعة بدر، ألا تراه كيف راح يتمثّل بشعر المشرك ابن الزبعرى الذي كان ممّن هجا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ويذكر قتلاه ببدر إذ قال:
يا غرابَ البَينِ أَسمَعتَ فَقُل |
إِنَّما تَنطِقُ شَيئاً قَد فُعِلْ |
|
إِنَّ لِلخَيرِ وَلِلشَّرِّ مَدىً |
وَكِلا ذَلِكَ وَجهٌ وَقبلْ |
|
وَالعَطياتُ خِساسٌ بَينَهُم |
وَسَواءٌ قَبرُ مُثرٍ وَمُقِلْ |
|
كُلُّ عَيشٍ وَنَعيمٍ زائِلٌ |
وَبَناتُ الدَهرِ يَلعَبنَ بِكُلْ(3) |
|
أَبلِغا حسّانَ عَنّى آيَةً |
فَقَريضُ الشِعرِ يِشفى ذا الغُلَلْ(4) |
|
كَم تَرى بِالجَرِّ مِن جُمجُمَةٍ |
وَأَكُفٍّ قَد أُتِرّت وَرِجِلْ(5) |
|
وسرابيلٌ حسانٌ سربت |
من كماةٍ أهلكوا في المنتزلْ(6) |
____________________
(1) سورة المائدة / 64.
(2) الأذفر: صفة للمسك، أي الشديد الرائحة.
(3) بنات الدهر: حوادثه.
(4) هو حسان بن ثابت شاعر النبيصلىاللهعليهوآله . والآية: العلامة. والغلل: جمع غلّة، وهي الحرارة والعطش.
(5) الجر: أصل الجبل.
(6) السرابيل: يريد هنا الدروع. وسربت: أي جردت. والمنتزل: موضع الحرب.
كم قتلنا من كريمٍ سيدٍ |
ماجدِ الجدّين مقدامٌ بطلْ |
|
صادِقِ النَجدَةِ قَرمٍ بارِعٍ |
غَيرِ مُلتاثٍ لَدى وَقع الأَسَلْ(1) |
|
فسل (المهراس) من ساكنه |
بين أقحاف وهام كالحجلْ(2) |
|
ليتَ أشياخي ببدرٍ شهدوا |
جزعَ الخزرجِ من وقعِ الأسلْ |
|
حين حكّت بقباءِ بركها |
واستحرّ القتلُ في عبد الأشلْ(3) |
|
ثُمَ خَفّوا عِندَ ذاكُم رُقَّصاً |
رَقَصَ الحَفّانِ يَعلو في الجَبَلْ(4) |
|
فقتلنا الضعفَ من أشرافهم |
وعدلنا ميلَ بدرٍ فاعتدلْ |
|
لا ألومُ النفسَ إلاّ أنّنا |
لو كررنا لفعلنا المفتعلْ |
|
بسيوفِ الهندِ تعلو هامهمْ |
عللاً تعلوهم بعد نهلْ(5) |
وقد أضاف إليها يزيد بيتين وهما:
لعبت هاشمُ بالملكِ فلا |
خبرٌ جاءَ ولا وحي نزلْ(6) |
|
لستُ من خندفَ إن لم أنتقمْ |
من بني أحمدَ ما كانَ فعلْ |
قال الشبراوي: أخزاه الله في هذه الأبيات إن كانت صحيحة عنه؛ فقد كفر فيها بإنكار الرسالة، ولا ريب إنّ الله سبحانه قضى على يزيد بالشقاء، فقد تعرّض لآل البيت الشريف بالأذى، فأرسل جنده لقتل الحسينعليهالسلام وقتله وسبى حريمه وأولاده، وهم أكرم أهل الأرض حينئذ على الله سبحانه.
ولقد أبدى ابن ميسون في ذلك اليوم الشماتة بآل الرسول، وأظهر كلّ ما كان يكنّه ضميره من الحقد الجاهلي كما قال ابن هاني الأندلسي (رحمه الله تعالى):
____________________
(1) الملتاث: الضعيف.
(2) المهراس: ماء بأحد بالقرب من قبر الحمزة عمّ النبيصلىاللهعليهوآله .
(3) قوله عبد الأشل: أي عبد الأشهل. والبرك: الصدر.
(4) الرقص: المشي السريع. والحفان: النعام.
(5) العلل والعل: الشرب بعد الشرب. والنهل: الشرب الأول. والعل: الشرب الثاني.
(6) وهاشم: هنا أراد به بني هاشم، كناية عن النبي الهاشمي.
والحقدُ حقدُ الجاهليّةِ أنّهُ |
إلى الآن لم يظعن ولم يتضررِ |
|
وبالثأرِ في بدرٍ أُريقت دماؤكمْ |
وقيدَ إليكم كلّ أجردِ صلدمِ(1) |
اللعن: العذاب، جمعه لعان ولعنات. والملعون: المسيّب المطرود. المشؤوم: الممسوخ المخزي. المهلك: الشيطان.
ذكر سبط ابن الجوزي(2) في باب كفر يزيد: قال ابن عقيل: وممّا يدلّ على كفره وزندقته فضلاً عن سبّه ولعنه أشعاره التي أفصح بها بالإلحاد، وأبان عن خبث الضمائر، وسوء الاعتقاد في قصيدته التي أولها:
عليةَ هاتي واعلني وترنّمى |
بذلك إنّي لا اُحبُّ التناجيا |
|
حديثُ أبي سفيان قدماً سما به |
إلى أحدٍ حتى أقامَ البواكيا |
|
ألا هاتِ أسقيني على ذاكَ قهوةً |
تخيّرها العنسيُّ كرماً شئاميا |
|
إذا ما نظرنا في اُمورٍ كثيرةٍ |
وجدنا حلالاً شربها متواليا |
|
وإن متّ يا اُمّ الاُحمير فانكحي |
ولا تأملي بعد الفراقِ تلاقيا |
|
فإنّ الذي حدّثت عن يومِ بعثنا |
أحاديثَ طسمٍ تجعلُ القلبَ ساهيا |
|
ولا بدّ لي من أن أزورَ محمداً |
بمشمولةٍ صفراءَ تروي عظاميا |
ومن قوله (لعنه الله):
معشرَ الندمانِ قوموا |
واسمعوا صوتَ الأغاني |
|
واشربوا كأسَ مدامٍ |
واتركوا ذكرَ المغاني |
|
شغلتني نغمةُ العي |
دان عن صوتِ الأذانِ |
|
وتعوّضت عن الحو |
رِ عجوزاً في الدنانِ |
وقال محمد بن نظام الدين الأنصاري(3) ، (وكان الأكثر) من الناس
____________________
(1) انظر ديوان ابن هاني الأندلسي (ره).
(2) انظر التذكرة - سبط ابن الجوزي / 146.
(3) انظر فواتح الرحموت - محمد بن نظام الدين - وشرحه لمحب الله بن مشكور والمتن بين قوسين.
(في زمان بني اُميّة على إمامة معاوية) مع إنّ الحقّ كان بيد أمير المؤمنين علي (كرّم الله وجهه) من غير ريبة، (و) على إمامة (يزيد) ابنه مع إنّه كان من أخبث الفسّاق، وكان بعيداً بمراحل من الإمامة، بل الشك في إيمانه خذله الله تعالى.
والصنيعات التي صنعها معروفة من أنواع الخبائث، (وأشباهها) من الظلمة والفسقة.
وذكر المسعودي(1) قال: شمل الناس جور يزيد وعمّاله، وعمّهم ظلمه، وما ظهر من فسقه من قتل ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وما ظهر من شرب الخمر وسيرته سيرة فرعون، بل كان فرعون أعدل منه في رعيته.
وروى الطقطقي(2) قال: إنّ يزيد بن معاوية كان موفر الرغبة في اللهو والقنص، والخمر والنساء والشعر إلخ:
فمن شعره:
جاءت بوجهٍ كأنّ البدرَ برقعُهُ |
نوراً على مائسٍ كالغصنِ معتدلِ |
|
إحدى يديها تعاطيني مشعشعةً |
كخدّها عصفرتهُ صفحةُ الخجلِ |
|
ثمّ استبدّت وقالت وهي عالمةٌ |
بما تقولُ وشمسُ الراحِ لم تقلِ |
|
لا ترحلنَّ فما أبقيتَ من جَلدي |
ما أستطيعُ بهِ توديعُ مرتحلِ |
|
ولا من النومِ ما ألقى الخيالُ بهِ |
ولا من الدمعِ ما أبكى على الطللِ |
وذكر ابن سعد في طبقاته في ترجمة حنظلة: أنّه لمّا بايع أهل المدينة ليالي الحرّة على الموت، وقال: يا قوم، اتقوا الله وحده لا شريك له، فوالله ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء؛ إنّ رجلاً ينكح الأمّهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت لله فيه بلاءً حسناً.
وذكر صاحب البداية والنهاية(3) عن الطبراني، عن محمد بن زكريا الغلابي، عن أبي عائشة، عن أبيه قال: كان يزيد في حداثته صاحب شراب، يأخذ مأخذ الأحداث، فأحس معاوية بذلك
____________________
(1) انظر مروج الذهب - المسعودي 2 / 75 بولاق.
(2) انظر محمد بن علي بن طباطبا المعروف بالطقطقي - الفخري / 103.
(3) انظر البداية والنهاية - ابن كثير / قسم 4 ج 2.
فأحبّ أن يعظه في رفق، فقال: يا بُني، ما أقدرك على أن تصير إلى حاجتك من غير تهتّك يذهب بمروءتك وقدرك. وأنشده:
انصب نهاراً في طلابِ العُلا |
واصبر على هجرِ الحبيبِ القريب |
|
حتى إذا الليلُ أتى بالدجى |
واكتحلت بالغمضِ عينُ الرقيب |
|
فباشرِ الليلَ بما تشتهي |
فإنّما الليلُ نهارُ الأريب |
|
كم فاسقٍ تحسبهُ ناسكاً |
قد باشرَ الليلَ بأمرٍ عجيب |
قال سبط ابن الجوزي(1) : لهذا تطرق إلى هذه الأمّة العارُ بولايته عليها حتّى قال أبو العلاء المعرّي:
أرى الأيامَ تفعلُ كلّ نكرٍ |
فما أنا في العجائبِ مستزيدُ |
|
أليسَ قريشكمْ قتلت حسيناً |
وكانَ على خلافتكم يزيدُ(2) |
قال سبط ابن الجوزي(3) : قلت: ولمّا لعنه جدّي أبو الفرج على المنبر ببغداد بحضرة الإمام الناصر وأكابر العلماء قام جماعة من الجفاة من مجلسه، فقال: جدّي:( أَلاَ بُعْداً لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ) (4) .
وحكى لي بعض أشياخنا عن ذلك اليوم أنّ جماعة سألوا جدّي عن يزيد، فقال: ما تقولون في رجل ولّى ثلاث سنين؛ في السنّة الأولى قتل الحسينعليهالسلام ، وفي الثانية أخاف المدينة وأباحها(5) ، وفي الثالثة رمى الكعبة بالمجانيق وهدمها(6) ؟ فقالوا: نلعنه.
____________________
(1، 2، 3) انظر التذكرة - سبط ابن الجوزي / 164.
(4) سورة هود / 95.
(5) أشار إلى واقعة الحرّة. ذكر المدايني في كتاب الحرّة عن الزهري قال: كان القتلى يوم الحرّة سبعمئة من وجوه الناس؛ من قريش، والأنصار، والمهاجرين، ووجوه الموالي. وأمّا مَنْ لم يُعرف من عبد أو حرّ أو امرأة فعشرة آلاف، وخاض الناس في الدماء إلى قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومنبره والسيف يعمل فيهم.
وعن أبي قرّة قال: قال هشام بن حسّان: ولدت ألف امرأة بعد وقعة الحرّة من غير زوج. وقال المدائني: عشرة آلاف امرأة.
وكانت وقعة الحرّة سنة ثلاث وستين في ذي الحجّة من الأشهر الحرم.
(6) إشارة إلى ما فعله الحصين بن نمير، فإنّه رمى الكعبة بالمجانيق.
فقال: العنوه.
وقال جدّي في كتاب الردّ على المتعصّب العنيد: قد جاء في الحديث لعن مَنْ فعل ما لا يقارب معشار عشر فعل يزيد، وذكر الأحاديث التي ذكرها البخاري في صحيحه، ومسلم في صحيحه؛ مثل حديث ابن معسود، عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه لعن الواشمات والمتوشّمات. وحديث ابن عمر: لعن الله الواشمة والمتوشّمة، ولعن الله المصوّرين. وحديث جابر: لعن رسول اللهصلىاللهعليهوآله آكل الربا وموكله (الحديث). وحديث ابن عمر في مسند أحمد: لُعنت الخمر على عشرة وجوه (الحديث). وأورد أخباراً كثيرة في هذا الباب.
وهذه الأشياء دون فعل يزيد في قتله الحسينعليهالسلام وإخوته وأهله، ونهب المدينة وهدم الكعبة، وضربها بالمجانيق، وأشعاره الدالة على فساد عقيدته. ومَنْ أراد الزيادة على هذا فليقف على كتابه المسمّى (بالردّ على المتعصّب العنيد).
وحكى جدّي أبو الفرج، عن القاضي أبي يعلى بن الفرّاء في كتابه (المعتمد) في الأصول بإسناده إلى صالح بن أحمد بن حنبل، قال: قلت لأبي: إنّ قوماً ينسبونا إلى تولّي يزيد!
فقال: يا بُني، وهل يتولّى يزيد أحد يؤمن بالله؟!
فقلت: فلِمَ لا تلعنه؟!
فقال: ومتى رأيتني لعنت شيئاً؟ يا بُني، لِمَ لا نلعن مَنْ لعنه الله في كتابه؟
فقلت: وأين لعن الله يزيد في كتابه؟
فقال: في قوله تعالى( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطّعُوا أَرْحَامَكُمْ * اُولئك الّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ فَأَصَمّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) (1) . فهل يكون فساد أعظم من قتل الحسينعليهالسلام ؟
وصنّف القاضي أبو يعلى كتاباً ذكر فيه بيان مَنْ يستحق اللعن، وذكر منهم يزيد(2) .
قلت: أجمع المؤرّخون على أن يزيد بن معاوية حكم ثلاث سنين وتسعة أشهر؛ ففي السنّة الأولى كانت باكورة أعماله قتل ريحانة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وقتل أصحابه الصفوة وأهل بيته البررة، والذين ما كان لهم على وجه الأرض من شبيه حينذاك، وسبى حرائر الرسالة من قطر إلى قطر.
____________________
(1) سورة محمد / 22 - 23.
(2) انظر تذكرة خواص الأمّة - سبط ابن الجوزي / 162.
وفي السنة الثانية حارب أهل المدينة، وقتل مَنْ كان فيها من الصحابة، وأباحها لجيشه يفعل فعل الوحوش حتّى أكثر النهب والهتك والسفك.
قيل: كان جابر بن عبد الله الأنصاري يومئذ قد ذهب بصره، فجعل ينادي في أزقّة المدينة: تعس مَنْ أخاف الله ورسوله! قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « مَنْ أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبي ».. فحمل رجل عليه بالسيف فترامى عليه مروان فأجاره، وأمره أن يدخله منزله ويغلق عليه بابه.
قال ابن كثير في البداية والنهاية: وقد أخطأ يزيد في أمر مسلم بن عقبة بإباحته المدينة ثلاثة أيام خطأ كبيراً؛ فإنّه وقع في هذه الأيام الثلاثة من المفاسد العظيمة في المدينة النبويّة ما لا يحدّ ولا يوصف ممّا لا يعلمه إلاّ الله عزّ وجلّ، وقد أراد بإرسال مسلم بن عقبة توطيد سلطانه، ودوام أيامه فعوقب بنقيض قصده فقصمه الله قاصم الجبابرة، وأخذه أخذ عزيز مقتدر.
قال شاعر أهل المدينة مخاطباً بني اُميّة وهو محمد بن أسلم:
فإن تقتلونا يوم حرّة وأقمِ |
فنحن على الإسلام أولُ مَنْ قتلْ |
|
ونحن تركناكم ببدرٍ أذلّةً |
واُبنا بأسيافٍ لنا منكم تحلْ |
وفي السنة الثالثة هدم الكعبة، وأشعل النار بأستارها، وذلك لما حوصر بها ابن الزبير وقتله، كلّ هذا بأمر من يزيد الفاجر؛ ثائراً لآلهته التي كان يعبدها آباؤه، وهي اللات والعزى وهبل.
وختاماً أقول:
عليه دامَ اللعنُ كلّما جرى |
دمٌ على الأرضِ وغصنٌ التوى |
ألا لعنة الله على القوم الظالمين.
كان الانتهاء منه في 3 رجب سنة 1375 هجـ.
والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسّلام على محمّد وآله الطاهرين
الفهرس
(المقصورة وشرحها) 1
(التنعيم) 22
(الصفاح): 26
(وادي العقيق) 28
(ذات عرق) 31
(غمرة) 33
(مسلح): 35
(اُفيعية) 36
(معدن بني سليم) 36
(العمق) 38
(السليلية) 40
(مغيثة) 41
(النَّقرة) 43
(الحاجر) 45
(سميراء) 51
(توز) 54
(فَيد) 55
(الأجفر) 60
(الخزيميّة) 63
(زرود) 66
(الثعلبية) 72
(بطان): 80
(شقوق) 83
(زُبالة): 84
(القاع) 88
(العقبة) 89
(واقصة) 90
(القرعاء) 93
(مغيثة) 93
(شراف) 94
(حُسَم) 95
(البيضة) 101
(العذيب): 105
(أقساس) 114
(الرهيمة): 119
(قصر مقاتل) 120
الفتح ما هو؟ الشهادة 125
(نينوى) 126
(العقر) 128
(كربلاء): 130
(النواويس) 135
(الطفّ) 136
(شفية) 142
(المغاوير) 147
آل أبي طالب عليهمالسلام 150
أسماء أنصار الحسين عليهالسلام 151
(الغاضريات) 153
(الحائر) 155
(الدبى): 159
(وأمّا سخاؤه وجوده) 166
افتخار الكوفيّين والبصريّين 175
وعكرمة الفيّاض ربّ الفضائلِ 178
ذكر ما جاء في مسجد الكوفة(1) 180
ليت 211
والهطال 211