بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين.
إلى الذين جعلوا الحسينعليهالسلام عنوان مسيرتهم إلى الله تعالى، وحملوا تراث النبوّة الخاتمة عن الأئمّة التسعة من ذرّية الحسينعليهالسلام .
وإلى شيعة عليعليهالسلام في العراق خاصّة الذين أثبتوا للعالم أجمع اليوم، وخلال العهود المتطاولة، أنّهم أوفياء لهذا المنهج، ودفعوا الثمن غالياً لأجله.
أهدي هذا الجهد المتواضع أبتغي به الإسهام في خدمتهم، وبلسمة جراحاتهم قربة إلى ربِّ الحسين، ورغبة في شفاعة الحسين وجدّه وأبيه واُمّه وأخيه والتسعة من بنيه (صلوات الله عليهم أجمعين).
صغير شيعة عليعليهالسلام
سامي البدري
عن أبي حمزة الثمالي، قال الصادقعليهالسلام : « قل إذا زرت الحسينعليهالسلام : اللّهمّ إنّي أَشهَدُ أنّ هذا قبرُ ابنِ حبيبِك، وصَفوتِك من خلقِك، وأنّه الفائزُ بكرامتِك، أكرمتَه بكتابِك، وخصَصْتَه وائتمَنْتَه على وحيك، وأعطيتَه مواريثَ الأنبياء، وجعلته حجّة على خلقِك، فأعذرَ في الدعاء، وبذَل مُهجتَه فيك؛ ليستنقذ عبادَك من الضلالة والجهالة والعَمى، والشك والارتياب إلى باب الهدى ».
رواه ابن قولويه في كتابه كامل الزيارات (ص:223)، قال: حدّثني أبو عبد الرحمن محمّد بن أحمد بن الحسين العسكري، ومحمد بن الحسن جميعاً عن الحسن بن علي بن مهزيار، عن أبيه علي بن مهزيار، عن محمّد بن أبي عمير، عن محمّد بن مروان: ( وأعطيته مواريث الأنبياء ): أي تسلّم الحسينعليهالسلام مواريث الأنبياء بعد موت أخيه الحسنعليهالسلام ، فهو وأخوه وأبوهما من قبل والتسعة من ذرّيتهعليهمالسلام من بعدهم المذكورون في قوله تعالى:( ثمّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُو الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) (فاطر / 32).
( فأعذر في الدعاء ): أي بذل جهده في الدعوة إلى الله تعالى.
نظرة إجمالية لبحوث الكتاب
الباب الأوّل: بحوث تمهيديّة
1 - الاُطروحات الأساسية التي عرّفت بالحسينعليهالسلام .
2 - كتاب أبي مخنف حول قتل الحسينعليهالسلام وحركة المختار.
3 - الوظيفة الإلهيّة للأئمّة الاثني عشرعليهمالسلام .
4 - خلاصة بالواقع التاريخي لسير النبي وعلي والحسن (صلوات الله عليهم أجمعين) في أداء وظيفتهم الإلهيّة قبل حركة الحسينعليهالسلام .
الباب الثاني: الانقلاب الاُموي
الفصل الأوّل: معاوية ينقض عهده مع الحسنعليهالسلام .
الفصل الثاني: خطّة معاوية لتصفية التشيّع في الكوفة.
الفصل الثالث: مقتل حجر بن عدي وأصحابه (رضوان الله عليهم).
الفصل الرابع: اُطروحة معاوية للحكم.
الباب الثالث: حركة الحسينعليهالسلام في مواجهة الانقلاب الاُموي
الفصل الأوّل: السكوت والعمل السري في عهد معاوية.
الفصل الثاني: نهضة الحسينعليهالسلام للتغيير بعد موت معاوية.
الفصل الثالث: طرف من أخبار شهادة الحسينعليهالسلام وأصحابه وأهل بيته.
الباب الرابع: آثار نهضة الحسينعليهالسلام وشهادته
الفصل الأوّل: ردود الفعل السريعة لمقتل الحسينعليهالسلام .
الفصل الثاني: تتابع الثورات وانهيار الحكم الاُموي.
الفصل الثالث: إعادة انتشار أحاديث النبيِّصلىاللهعليهوآله في أهل بيتهعليهمالسلام ، والروايات الصحيحة عن السيرة والتاريخ.
الفصل الرابع: حركة الأئمّة من ذرّية الحسينعليهمالسلام .
الباب الخامس: خلاصة وخاتمة
المقدّمة
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمّد وعلى آله الطاهرين.
قارئي الكريم، بين يديك المجموعة الاُولى من البحوث عن الإمام الحسينعليهالسلام ، ويليها إن شاء الله تعالى مجموعة ثانية أعتبرها حصيلة عهد تمَّ بيني وبين نفسي عندما اقتربت من العشرين، حيث عزمت على أن أتعامل مع موسم المحرّم، وبخاصّة الأيام العشرة الأولى، على أنّها موسم تفكير وبحث في قضية الحسينعليهالسلام ، وآثارها الفكرية والسياسية والاجتماعية التي امتدّت إلى أربعة عشر قرناً تقريباً وإلى ما شاء الله.
ويكفينا ما يمكن تسميته بالظاهرة الحسينيّة التي يشهدها المسلمون كلّ عام، وبدأ يشهدها العالم كلّه من خلال انتشار الشيعة في العالم، ومن خلال القنوات الفضائية التي تبنّت نشر بعض أخبارها في الموسم نفسه.
فإنّ أيّ مشاهد لما يبديه الشيعة يوم العاشر من المحرّم من مظاهر الحزن، والتفاعل العميق مع الحدث الذي مضى عليه أربعة عشر قرناً تقريباً يفرض عليه أن يفكّر، ويتساءل عن سرّ هذا الارتباط ودوافعه، وبالتالي لا بد من البدء بدراسة الحدث وكما ترويه كتب التاريخ، ثمّ تقييم الظاهرة بعد ذلك، وما تكشف عنه من حقائق.
إنّ المجموعة الأولى من البحوث استهدفت دراسة الحدث الحسيني، وأحسبني أنّني آثرت بعض الأفكار الجديدة على الرغم من كثرة البحوث التي أُنجزت من باحثين قبلي، وأنا على يقين أنّ الباب سيبقى مفتوحاً للجديد في هذا الموضوع.
لقد استهدفتُ أساساً
أن اُسلّط الضوء على الأثر الفكري للحركة الحسينيّة الذي كان انبعاثاً لتراث النبوّة الخاتمة من جديد بعد أن بذل الاُمويّون كلّ جهدهم لتحريفه؛ حيث فرّغوا الإسلام من محتواه الأصيل، واستبدلوه بكذب في الطعن على عليعليهالسلام ، ليس فقط لتغييب إمامته الدينية بل لتحويله إلى رمز للإلحاد يُلعن ويُتبرأ منه، وفي قباله يكون القائد إلى الله الذي تكون طاعته قربى وزلفى تقود إلى الجنّة هم بنو اُميّة.
وقد تناولت بحوث الكتاب هذه المسألة بشكل تفصيلي، وأثبتت انبعاث التراث النبوي الصحيح من جديد بنهضة الحسينعليهالسلام ، وأنّ شهادته كانت الباب الأوسع لكي يكتمل انبعاث ذلك التراث، وتنكشف تلك الضلالة، ويكون رموزها موضع لعن وبراءة إلى يوم الدين.
أمّا المجموعة الثانية فهي لا تدخل ضمن هذه السلسلة من البحوث التاريخيّة، وإنّما هي بحوث تتصل بعلم الأديان المقارن والعقيدة الإسلاميّة والفكر الإسلامي، من قبيل: بحث خبر الحسينعليهالسلام في القرآن والتوراة والإنجيل، بحث مجالس العزاء الحسيني تأسيس إلهي، بحث الظاهرة الحسينية قراءة دلالية، بحث النهضة الحسينيّة رؤى وتقييم، وغيرها من البحوث، وهي ناجزة، أرجو أن تجد طريقها إلى النور قريباً.
وأودّ أنّ اُبيّن للقارئ الكريم أنّ هذا الجهد الذي يراه كما هو كان جاهزاً للطبع قبل أربع سنين تقريباً، غير أنّي كنت أرغب في مراجعته لاستكمال النقص في بعض فصوله التي سوف يلتفت القارئ إلى أنّها بحاجة إلى استيعاب أكثر وتنظيم أدق، ولكنّي رأيت أنّني لو بقيت أسيراً لهذه الرغبة فإنّ الكتاب سوف لن يشقّ طريقه إلى النور.
وأخيراً لا يفوتني أن أشكر ولدي وقرّة عيني السيد حسين على همّته في إخراج هذا الكتاب إلى النور.
الباب الأوّل
بحوث تمهيديّة
1 - الأطروحات الأساسية التي عرّفت بالحسينعليهالسلام
2 - كتاب أبي مخنف حول قتل الحسينعليهالسلام وحركة المختار.
3 - الوظيفة الإلهية للأئمّة الاثني عشرعليهمالسلام .
4 - خلاصة بالواقع التاريخي لسيرة النبيصلىاللهعليهوآله
علي والحسنعليهماالسلام في أداء وظيفتهم الإلهية قبل حركة الحسينعليهالسلام .
1 - الاُطروحات الأساسيّة التي عرَّفت بالحسينعليهالسلام
وجدت من الناحية التاريخيّة ثلاث أطروحات تُعرّف بالحسينعليهالسلام ونهضته تبعاً للنظرة إليهعليهالسلام .
تبنّى الإعلام الاُموي عرض الحسينعليهالسلام على أنّه خارج على الدين، وخارج على الخليفة الشرعي. وقد تبنّى بعض الكتّاب المعاصرين هذه الاُطروحة نظير الشيخ الخضري قال: وعلى الجملة، فإنَّ الحسين أخطأ خطأً عظيماً في خروجه هذا الذي جرَّ على الأمّة وبالَ الفُرقة والاختلاف، وزعزع عماد إلفتِها إلى يومنا هذا... غاية الأمر أنّ الرجل طلب أمراً لم يتهيأ له، ولم يعدّ له عدّته، فحِيل بينه وبين ما يشتهي، وقُتِل دونه(1) .
وذكر أحمد العسيري نظير هذا الكلام، ثمّ ختمه بكلام الدكتور أحمد شلبي(2) ولم ينسبه إليه، قائلاً: وكانت هذه فتنة أيسر ما نقول عنها أنّها وسّعت باب الفرقة، والتهمت الآلاف والملايين من المسلمين، ولا يزال بابها مفتوحاً حتّى كتابة هذه السطور(3) .
____________________
(1) الدولة الاُمويّة - الشيخ محمّد الخضري / 327، دار المعرفة بيروت 1418هجرية. والكتاب محاضرات في تاريخ الإسلام أُلقيت على طلاب الجامعة المصرية بطلب من مجلس إدارة الجامعة المصرية، ورأت إدارة الجامعة أن تُجمع وتُطبع.
(2) موسوعة التاريخ الإسلامي 7 / 208 ط7 - القاهرة / 1984.
(3) موجز التاريخ الإسلامي - أحمد محمود العسيري / 152 ط 1 - الدمام / 1417هجرية.
تبنّى الإعلام العباسي عرض الحسينعليهالسلام على أنّه ثائر من أجل الملك، وكان من حقّه الثورة وطلب الخلافة، غير أنّه أخطأ مرتين:
الأولى: حين اختار الكوفة غاية لحركته من مكة رغم كثرة الناصحين له.
والثانية: حين اصطحب الأطفال والنساء معه، وأنَّ مسؤولية قتل الحسينعليهالسلام تقع على ابن زياد والكوفيِّين من شيعة عليعليهالسلام .
وقد كرّس أبو مخنف ونظراؤه من الرواة المعاصرين له رواياتهم لهذا التفسير، وقد تبنّى العباسيّون هذه الاُطروحة للنهضة الحسينيّة بعد أن تعمّق الصِّراع بين الطالبيِّين والعباسيِّين، واستحكم بعد قيام ثورة محمّد وإبراهيم ولدي عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن عليعليهماالسلام ، ثمّ القضاء عليها سنة 144 هجرية.
وقد تبنّى أغلب المؤرّخين الذين كتبوا التاريخ في العهد العباسي هذه النظرة؛ أمثال الطبري وغيره، وحذا حذوهم أمثال الذهبي وابن كثير وغيره من القدامى، وكثير من المعاصرين.
عرض الأئمّة من ذرّية الحسينعليهمالسلام الحسينعليهالسلام على أنّه وارث الأنبياء، وإمام الهدى، وحجّة الله على خلقه. وهذا الموقع للحسينعليهالسلام هو الذي نصَّت عليه الأحاديث النبويّة الصحيحة في الحسينعليهالسلام ، وأنّهعليهالسلام نهض لأجل هداية الناس بعد أن عمَّت ضلالة بني اُميّة.
هذه الضلالة التي تمثّلت بتحريف الدين، وطمس أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في أهل بيتهعليهمالسلام ، وعرض عليٍّعليهالسلام على أنّه رمز للفساد في الإسلام، وعرض بني اُميّة على أنّهم أئمّة هدى، وحجج الله على عباده.
وهذا التفسير للحركة الحسينيّة يجده الباحث واضحاً جلياً في تراث أهل البيتعليهمالسلام .
روى ابن قولويه بسنده عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال الصادقعليهالسلام : « قُل... اللّهمّ إنّي أَشهَدُ أنّ هذا قبرُ ابنِ حبيبِك وصَفوتِك من خلقِك، وأنّه الفائزُ بكرامتِك، أكرمتَه بكتابِك، وخصَصْتَه وائتمَنْتَه على وحيك، وأعطيتَه مواريثَ الأنبياء، وجعلته حجةً على خَلقِك، فأعذَرَ في الدعاء، وبذَل مُهجتَه فيكَ؛ ليستنقذَ عبادَك من الضَّلالة والجهالة، والعَمى والشَّكِ والارتياب إلى باب الهدى.
السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله، السلام عليك يا وارث محمّد حبيب اللهصلىاللهعليهوآله ، السلام عليك يا وارث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وصي رسول الله، وولي الله، السلام عليك يا وارث الحسن بن علي الزكي، السلام عليك يا وارث فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، السلام عليك أيها الصِّدِّيق الشهيد، السلام عليك أيها الوصيّ، السلام عليك أيها الوفيّ، أشهد أنّك قد أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وعبدت الله مخلِصاً حتّى أتاك اليقين، السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته »(1) .
وكتابنا هذا يقوم على الاُطروحة الثالثة، فيتناول بالتفصيل: كيف حرّف بنو اُميّة دين الله وسنّة نبيّه، وكيف نهض الحسينعليهالسلام بوجههم، وكيف وفّق لتكون حركته وشهادتُهعليهالسلام سبباًَ لهداية الناس إليه، وسنّة النبيصلىاللهعليهوآله الصحيحة، ولولا ذلك لكانت الأمّة إلى اليوم تعيش ضلالة بني اُميّة.
وفي ضوء هذا التفسير تأتي ضرورة مواصلة إحياء ذكرى هذه الشهادة؛ لأنّها مَعْلَمٌ ورايةٌ تنبِّه الغافلين من المسلمين والباحثين عن الحقيقة في تاريخ الإسلام:( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) .
____________________
(1) رواه ابن قولويه في كتابه كامل الزيارات / 223، قال: حدّثني أبو عبد الرحمن محمّد بن أحمد بن الحسين العسكري ومحمد بن الحسن جميعاً، عن الحسن بن علي بن مهزيار، عن أبيه علي بن مهزيار، عن محمّد بن أبي عمير، عن محمّد بن مروان.
2 - كتاب أبي مخنف حول مقتل الحسينعليهالسلام وحركة المختار
قال فلهاوزن: وأَثْبَتُ حجّة... في تاريخ الشيعة طالما اتصل بالكوفة هو أبو مخنف، والطبري يكاد لا يعتمد على غيره في ذكر أخبارهم، وما أطولها(1) .
أقول: الطبري ليس حجّة حين يكثر من راوٍ معين في موضوع معين، فلقد أكثَرَ في تاريخه من روايات سيف بن عمر في حروب الردّة ومقتل عثمان وحرب الجمل، وتبيّن لدى التحقيق أنّ أكثر أخبار سيف في هذه المواضيع إمّا محرّفة، أو موضوعة(2) .
والباحث في تاريخ الطبري يستطيع أن يكتشف أنّ الطبري كمؤرخ راعى في تأليفه لتاريخه أن يأتي منسجماً مع السياسة العباسيّة؛ ولذا نراه يذكر الرواية العباسيّة الرسمية لقصة وفاة الإمام علي الرضاعليهالسلام وهي: أنّه أكثر من أكل العنب فمات فجأة(3) .
____________________
(1) الخوارج والشيعة - يوليوس فلهوزن، ترجمه عن الألمانية الدكتور عبد الرحمن بدوي / 113 ط 3، الكويت 1978.
(2) انظر كتب العلامة العسكري: خمسون ومئة صحابي مختلق (ثلاثة مجلدات)، وعبد الله بن سبأ (مجلدان)؛ فإنّها مكرّسة لدراسة أخبار سيف بن عمر وكشف الوضع والتحريف فيها.
(3) تاريخ الطبري 7 / 15. علّق اُستاذنا العلاّمة المحقّق السيد مرتضى العسكري حين قرأ هذه الصفحة من الكتاب عند زيارته إلى العراق سنة 2003، وكان نازلاً عندنا مدّة تلك الزيارة: لا يوجد مؤرخ من المتقدّمين والمتأخرين أكثر جناية على الحقّ والحقيقة عالماً عامداً مثل الطبري؛ فقد قال في ذكر ما =
تُعدُّ كتب أبي مخنف لوط بن يحي الأزدي (ت ما قبل 170هجرية) في مقتل الحسينعليهالسلام ، وحركة التوابين، وحركة المختار من أقدم وأشهر المصادر في موضوعه، وقد تبنّى روايتها محمّد بن سعد في الطبقات الكبرى، والطبري في التاريخ، وابن أعثم في الفتوح، والبلاذري في أنساب الأشراف، وروى المسعودي طُرفاً منها في مروج الذهب، ثمّ أخذ ابن الأثير في كتابه الكامل، وابن كثير، وابن خلدون، والذهبي برواية الطبري؛ لأنّه أوردها كاملة، وعن هؤلاء أخذ المعنيون بالتاريخ الإسلامي من القدامى والمعاصرين؛ شيعة كانوا أو سنّة.
لم يكن أبو مخنف من القائلين بالنصّ على عليعليهالسلام ، فهو ليس شيعياً بالمعنى الخاصّ للتشيع. قال ابن أبي الحديد: وأبو مخنف من المحدّثين، وممّن يرى صحة الإمامة بالاختيار، وليس من الشيعة ولا معدوداً من رجالها(1) .
وأكَّد ذلك الشيخ المفيد في كتابه عن حرب الجمل، وقد أورد أخبار حرب الجمل عن أبي مخنف والواقدي وغيرهما، قال بعدها: فهذه جملة من أخبار البصرة، وسبب فتنتها، ومقالات أصحاب الآراء في حكم الفتنة بها، قد أوردناها على سبيل الاختصار، وأثبتنا ما أثبتنا من الأخبار عن رجال العامّة دون الخاصّة، ولم نثبت في ذلك ما روته كتب الشيعة(2) .
هذا وقد عاصر أبو مخنف أربعة من الأئمّة؛ وهم السجاد والباقر والصادق
____________________
= جرى بين الصحابي البر أبي ذر والخليفة الداهية معاوية:... ذكروا اُموراً كثيرة كرهت ذكر أكثرها، أمّا العاذرون معاوية فقد ذكروا قصة رواها.... وقال في ذكر ما جرى بين معاوية ومحمد بن أبي بكر...: لا تتحمّل سماعها العامّة. أقول: فصّلنا الحديث عن منهج الطبري في كتابنا المدخل إلى دراسة مصادر السيرة والتاريخ.
(1) شرح نهج البلاغة 1 / 147.
(2) الجمل / 225.
والكاظمعليهمالسلام ، ولم يروِ عن واحد منهم بشكل مباشر. نعم، روى عن بعض أصحابهم بعض الروايات.
وقد وثَّقَ أبا مخنف في النقل عددٌ من أعلام الشيعة(1) ، إلاّ إنّ ذلك قابل للمناقشة، ونحن نتَّئد على الأقل، بل نرفض قبول فقرات مبثوثة في رواياته التي ترتبط بسيرة بعض الأئمّةعليهمالسلام ، أو سيرة شيعتهم في الكوفة، أو علاقة الأئمّة بهم في الفترة الواقعة من سنة حكم عليعليهالسلام سنة 35 هجرية وحروبه إلى مقتل المختار سنة 67 هجرية؛ وذلك لأنّها تُعطي رؤية تخالف الثابت عن أهل البيتعليهمالسلام ، أو الثابت من التاريخ عن شيعتهم في الكوفة وعلاقتهم بهم.
من قبيل: أنّ الحسينعليهالسلام ندم على أخذ نسائه وبناته معه، وأنّه تذكَّر نصيحة ابن عباس يوم العاشر لمّا ارتفعت أصواتهن يوم العاشر من المحرّم عند احتدام القتال وسقوط القتلى(2) .
أو أنّ يزيد قال لعلي بن الحسين لمّا أمر بإرجاعه والسبايا إلى المدينة: لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أنّي صاحبه ما سألني خصلة أبداً إلاّ أعطيتها إيّاه، ولدفعت الحتف عنه بكلّ ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن الله قضى ما رأيت(3) .
____________________
(1) انظر معجم رجال الحديث وقاموس الرجال.
(2) قال أبو مخنف: حدّثني عبد الله بن عاصم، قال: حدّثني الضحاك المشرقي قال: لمّا سمع أخوات الحسين كلام الحسين يخاطب القوم يوم العاشر صحن وبكين وبكى بناته، فارتفعت أصواتهن، فأرسل إليهنّ أخاه العباس بن علي وعلياً ابنه، وقال لهما: « أسكتاهنّ؛ فلعمري ليكثرنّ بكاؤهنّ ». قال: فلمّا ذهبا ليسكتاهنّ، قال: « لا يبعد ابن عباس ».
قال: فظننا أنّه إنّما قالها حين سمع بكاؤهنّ؛ لأنّه قد كان نهاه أن يخرج بهنّ. الطبري 4 / 321.
وقال أبو مخنف: وحدّثني الحارث بن كعب الوالبي، عن عقبة بن سمعان: أنّ حسيناً لمّا أجمع المسير إلى الكوفة أتاه عبد الله بن عباس وقال له: فإن كنت سائراً فلا تسر بنسائك وصبيتك، فوالله إنّي لخائف أن تُقتل كما قُتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه. الطبري 4 / 287.
(3) تاريخ الطبري 4 / 353.
وهناك من الرواة من أسفَّ إلى أكثر من هذا كما فعل يزيد بن روح بن زنباغ الجذامي المعاصر لأبي مخنف؛ [حيث] يروي عن الغاز بن ربيعة الجرشي من حمير، قال: والله إنّا لعند يزيد بن معاوية بدمشق إذ أقبل زُحَر بن قيس حتّى دخل على يزيد بن معاوية، فقال له يزيد: ويلك! ما وراءك وما عندك؟
فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره؛ ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر من أهل بيته، وستين من شيعته، فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال، فاختاروا القتال على الاستسلام، فَعَدَوْنا عليهم مع شروق الشمس، فأحطنا بهم من كلّ ناحية، حتّى إذا أخذت السيوف مأخذها من هام القوم أخذوا يهربون إلى غير وَزَر، ويلوذون منّا بالآكام والحفر؛ لواذاً كما لاذ الحمائم من صقر. فوالله يا أمير المؤمنين ما كان إلاّ جَزْرَ جَزور، أو نومةََ قائل حتّى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم مجرّدة، وثيابهم مرمّلة، وخدودهم معفّرة، تصهرهم الشمس، وتسفي عليهم الريح، زوارهم العقبان والرخم....
قال: فدمعت عين يزيد، وقال: قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن سمية، أما والله لو أنّي صاحبه لعفوت عنه، فرحم الله الحسين(1) .
أو أنّ شيعة علي في الكوفة أمثال سليمان بن صرد والمسيب بن نجية وغيرهما كتبوا للحسين بالقدوم ثمّ خذلوه حتّى قُتل، ثمّ ندموا بعد ذلك ونهضوا للأخذ بثأره، وغير ذلك.
أقول: إنّ الرؤية السلبية عن شيعة الكوفة رُسمت خطوطها من قبل أبي جعفر المنصور خاصّة ضمن مخطّط شامل لتطويق الكوفة وأهلها، وتغيير الرؤية عن تاريخ علي والحسن والحسينعليهمالسلام ؛ نكاية بالحسنيِّين الثائرين، حيث كان هوى الثوّار من الكوفيِّين مع الحسنيِّين، وهوى مَنْ يرى العلم والحديث مع الإمام جعفر الصادق وآبائه الأئمّةعليهمالسلام .
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 351.
ثمّ تحرّك الإعلام العباسي من خلال روايات الرواة الذين سايروا العباسيِّين في مخطّطهم رغبة في دنياهم، فوضعوا وحرّفوا ما شاؤوا من الروايات.
أمّا كون هوى الكوفيِّين مع الحسنيِّين، فقد قال الطبري: لمّا ظهر محمّد وإبراهيم ابنا عبد الله، أرسل أبو جعفر (المنصور) إلى (عمّه) عبد الله بن علي وهو محبوس عنده: أنّ هذا الرجل قد خرج، فإن كان عندك رأي فأشر به علينا، وكان ذا رأى عندهم.
فقال: ارتحل الساعة حتّى تأتي الكوفة، فاجثُم(1) على أكبادهم فإنّهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارُهم، ثمّ احفُفْها بالمسالح، فمَنْ خرج منها إلى وجه من الوجوه أو أتاها من وجه من الوجوه فاضرب عنقه(2) .
وأمّا كونهم في الفقه والحديث والعلم يتبعون للإمام جعفر الصادق وآبائهعليهمالسلام ، فقد روى القاضي عياض(3) الحوارَ الذي دار بين أبي جعفر المنصور ومالك بن أنس؛ حيث عرض عليه أن يجعله مرجعاً فقهيّاً للدولة آنذاك.
قال مالك: فقلت له: ولأهل العراق قولاً تعدَّوْا فيه طورَهم.
فقال: أمّا أهل العراق فلست أقبل منهم صرفاً ولا عدلاً، وإنّما العلم علم أهل المدينة، فضع للناس العلم.
وفي رواية فقلت له: إنّ أهل العراق لا يرضون عِلمَنا.
فقال أبو جعفر: يضرب عليه عامَّتهم بالسيف، وتقطع عليه ظهورهم بالسياط(4) .
وقد خطب المنصور في الكوفة سنة 144هجرية بعد أن قبض على عبد الله بن الحسن والد محمّد وإبراهيم قبيل أن ينهضا ويثورا.
____________________
(1) جثُم يجثُم: لصق ولزم.
(2) تاريخ الطبري 6 / 194.
(3) انظر تفصيل ذلك في كتابنا المدخل إلى مصادر السيرة والتاريخ / 470.
(4) وكان المنصور قبل ذلك قد قال لأبي حنيفة: يا أبا حنيفة، إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمّد فهيئ له من مسائلك الصعاب. الكامل في الضعفاء - ابن عدي 2 / 132.
قال المسعودي: ولمّا أخذ المنصور عبد الله بن الحسن وإخوته والنفر الذين كانوا معه من أهل بيته، صعد المنبر بالهاشمية، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على محمّدصلىاللهعليهوآله ، ثمّ قال: يا أهل خراسان، أنتم شيعتنا وأنصارنا، وأهل دعوتنا، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا خيراً منّا.
إنَّ ولد أبي طالب تركناهم - والذي لا إله إلاَّ هو - والخلافة، فلم نعرض لهم لا بقليل ولا بكثير؛ فقام فيها علي بن أبي طالبعليهالسلام فما أفلح، وحكَّم الحكمين، فاختلفت عليه الأمّة وافترقت الكلمة، ثمّ وثب عليه شيعته وأنصاره وثقاته فقتلوه.
ثمّ قام بعدَهُ الحسن بن عليعليهالسلام ، فوالله ما كان برجل، عرضت عليه الأموال فقبلها، ودسَّ إليه معاوية أنِّي أجعلك ولي عهدي، فخلع نفسه وانسلخ له ممَّا كان فيه وسلَّمه إليه، وأقبل على النساء يتزوّج اليوم واحدة ويطلّق غداً اُخرى، فلم يزل كذلك حتّى مات على فراشه.
ثمّ قام من بعده الحسين بن عليعليهماالسلام ، فخدعه أهل العراق وأهل الكوفة، أهل الشقاق والنِّفاق والإغراق في الفتن، أهل هذه المدرة السوء - وأشار إلى الكوفة - فوالله ما هي لي بحرب فأُحاربها، ولا هي لي بسلم فأُسالمها، فرَّق الله بيني وبينها، فخذلوه وأبرؤوا أنفسهم منه، فأسلموه حتّى قُتل.
ثمّ قام من بعده زيد بن علي، فخدعه أهل الكوفة وغرّوه، فلمَّا أظهروه وأخرجوه أسلموه، وقد كان أبي محمّد بن علي ناشده الله في الخروج، وقال له: لا تقبل أقاويل أهل الكوفة، فإنّا نجد في علمنا أنَّ بعض أهل بيتنا يصلب بالكناسة، وأخشى أن تكون ذلك المصلوب. وناشده الله بذلك عمّي داود وحذَّره (رحمه الله) غدر أهل الكوفة فلم يقبل، وتمَّ على خروجه، فقُتل وصُلب بالكناسة(1) .
____________________
(1) مروج الذهب - المسعودي 3 / 301، وكانت بوادر التحسّس من الكوفيِّين قبل ذلك، روى البلاذري =
ولمّا قُتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسنعليهالسلام ، أمر المنصور أن يُطاف برأسه بالكوفة سنة 145 هجرية، وخطب قائلاً: يا أهل الكوفة، عليكم لعنة الله، وعلى بلد أنتم فيه... سبئية(1) ، خشبية(2) ؛ قائل يقول: جاءت الملائكة، وقائل يقول: جاء جبريل... لَلَعجب لبني اُميّة وصبرهم عليكم! كيف لم يقتلوا مقاتلتكم، ويسبوا ذراريكم، ويخربوا منازلكم! أما والله يا أهل المَدَرَة الخبيثة، لئن بقيتُ لكم لأذلّنكم(3) .
أقول: وفي ضوء ذلك كان من الضروري التحقيق في الرواية التاريخيّة التي ظهرت في هذه الفترة الخطيرة؛ سواء كانت رواية أبي مخنف أو رواية غيره، وتجزئة الرواية إلى أجزاء،
____________________
= في أنساب الأشراف 3 / 150، قال: قال المدائني: كتب أبو مسلم إلى أبي العباس: أنّ أهل الكوفة قد شاركوا شيعة أمير المؤمنين في الاسم، وخالفوهم في الفعل، ورأيهم في آل علي الذي يعلمه أمير المؤمنين، يؤتى فسادهم من قبلهم بإغوائهم إيّاهم، وإطماعهم فيما ليس لهم، فألحظهم يا أمير المؤمنين بلحظة بوار، ولا تؤهّلهم لجوارك؛ فليست دارهم لك بدار.
وأشار عليه أيضاً عبد الله بن علي بنحو من ذلك، فابتنى مدينته بالأنبار وتحول إليها، وبها توفي.
(1) أيّ أتباع عبد الله بن سبأ الذي ادّعي له أنّه مبتدع الوصية لعليعليهالسلام ، المشابهة لوصية موسى ليوشععليهالسلام ، الذي يترتّب عليها البراءة ممّن تجاوز على موقعه.
(2) في النهاية - لابن الأثير: الخشبية: هم أصحاب المختار بن أبي عبيد، ويُقال لضرب من الشيعة: الخشبية. وفي المشتبه - للذهبي: الخشبي: هو الرافضي في عرف السلف.
أقول: وسيأتي في ترجمة المختار الروايات التي وضعوها في حقّه للغضّ من شخصيته.
(3) أنساب الأشراف 3 / 269.
واستبعاد الجزء الذي يلتقي مع الهدف الإعلامي للعباسيِّين إن لم يكن لدينا غيرها.
إنّ كُتّاباً وباحثين معاصرين أمثال الشيخ محمود شاكر(1) ، والدكتور أحمد شلبي(2) ، والشيخ الخضري ونظرائهم قد يكونون معذورين حين يعتمدون على رواية أبي مخنف دون أن يحقّقوا فيها؛ بسبب خلفيّتهم العقائدية التي تسوّغ لهم قبول ذلك أو الأنس به، أمّا أن يعتمد الكاتب الشيعي الإمامي(3) على رواية أبي مخنف دون تحقيق أو دون تجزئة فليس معذوراً(4) .
____________________
(1) كاتب مصري ألّف موسوعة في التاريخ الإسلامي في عدّة مجلّدات.
(2) كاتب مصري ألّف موسوعة التاريخ الإسلامي في عدّة مجلّدات وطبعت طبعات عديدة، آخر ما رأيته هو الطبعة السابعة سنة 1984م، وعنها ننقل في كتابنا هذا.
(3) قد يعترض البعض علينا باعتماد مرجع الشيعة في وقته الشيخ المفيد (رحمه الله) على رواية أبي مخنف في كتابه الإرشاد، أو في كتابه الجمل، ولكنّه اعتراض غير وارد؛ لأنّ الشيخ المفيد في الجمل يُصرّح أنّه إنّما أورد أخبار الجمل من مصادر غير إمامية لأجل الاحتجاج.
(4) أشرنا إلى طرف من هذا الموضوع في كتابنا المدخل إلى دراسة مصادر السيرة النبويّة / 469 - 480، نرجو أن نوفّق إلى تفصيلها في دراسة مستقلة.
3 - الوظيفة الإلهيّة للأئمّة الاثني عشرعليهمالسلام
إمامة أهل البيت الإلهيّة بعد النبيصلىاللهعليهوآله التي يحصرها الشيعة بعليعليهالسلام والطاهرين من ذرّية النبيصلىاللهعليهوآله والحسن والحسين والتسعة من ذرّية الحسينعليهمالسلام ، هي امتداد لإمامة النبيصلىاللهعليهوآله الإلهيّة، نظير إمامة لوط وإسماعيل وإسحاق ويعقوب التي كانت امتداداً لإمامة إبراهيم الإلهيّة، ووارثة لها بأمر إلهي، كما في قوله تعالى:( وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إلى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) الأنبياء / 71 - 73.
وهي أيضاً نظير إمامة هارون وآل هارون الإلهيّة، التي هي امتداد لإمامة موسى الإلهيّة، المشار إليها في قوله تعالى:( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) السجدة / 23 - 24، وقوله تعالى:( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ) البقرة / 248، وقوله تعالى:( وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ) المائدة / 12.
ويعتقد الشيعة تبعاً للرواية عن الأئمّةعليهمالسلام : أنّ الشهداء على الناس في قوله تعالى:( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُو اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُو سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) الحج / 78، هم هؤلاء الاثنا عشر فقط، وقد جعلهم النبيصلىاللهعليهوآله عدلَ القرآن بقوله: « إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً؛ كتاب الله وعِترتي أهل بيتي ».
وأنّ الآية الكريمة:( فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ ) الأنعام / 89 - 90، تشير إليهم وإلى وظيفتهم، والكفر بالرسالة هو رفضها أو تحريفها.
لقد وكّل الله تعالى بدينه ورسالته بعد النبيصلىاللهعليهوآله هؤلاء الاثني عشر من أهل بيته؛ ليدافعوا عنها ويحفظوها في المجتمع إذا تعرّضت لتحريفٍ ماحِقٍ يستلزم بطلان حجّة الله تعالى على الناس.
وقد شاءت حكمة الله تعالى أن يكون هناك تناظر تكويني بين الأئمّة من أهل البيتعليهمالسلام والأئمّة من بني إسرائيل؛ فجعل الله تعالى الأئمّة من أهل البيتعليهمالسلام اثني عشر، نظير جعل الأئمّة من بني إسرائيل بعد موسى اثني عشر، قال تعالى:( وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ) المائدة / 12.
وقد أكّد النبيصلىاللهعليهوآله هذه المقارنة حين سُئل عن عدد الأئمّة من بعده، قال: « عدّة نقباء بني إسرائيل اثني عشر، لا يضرّهم مَنْ عاداهم ». وجعل أغلب أوصياء محمّدصلىاللهعليهوآله من ذرّية أخيه ووزيره وأوّل أوصيائه عليعليهالسلام ، نظير جعله أغلب أوصياء موسىعليهالسلام بعده في ذرّية أخيه ووزيره هارونعليهالسلام ، وهم (آل هارون)(1) .
____________________
(1) قضية التناظر بين آل محمّدصلىاللهعليهوآله وآل عمران وآل هارون والحجج الإلهيين في الأمم الماضية مسألة ملفتة =
وجعل من بينهم مَنْ يتبّوأ موقع الإمامة وهو دون العاشرة؛ كالجواد والهادي والمهديعليهمالسلام ، نظير يحيى الذي اُوتي النبوة والكتاب وهو صبي.
وشاءت حكمة الله تعالى أن يجعل المهديعليهالسلام من آل محمّدصلىاللهعليهوآله نظيراً لعيسى من آل عمران من ناحية الاختلاف في ولادته والامتحان بغيبته؛ فقد اختلف بنو إسرائيل في ولادة المسيح بعد أن كانوا ينتظرونه جميعاً للنصوص الثابتة عن أنبيائهم وفي كتبهم(1) ؛ فآمنت طائفة لمّا ولد، وأنكرت طائفة ذلك إلى اليوم.
واختلفت أمّة محمّدصلىاللهعليهوآله في ولادة المهدي المنتظرعليهالسلام من ولد فاطمةعليهاالسلام بعد أن أخبر النبيصلىاللهعليهوآله عنه، وبشَّر به(2) ؛ فآمنت طائفة لمّا ولد سنة 255 هجـ، وهي لا تزال مؤمنة به إلى اليوم، وأنكرت طائفة ذلك إلى اليوم أيضاً.
وشاءت حكمة الله تعالى أن يجعل في الحجج من بعد محمّدصلىاللهعليهوآله في اُمّته امرأة حجّة، وهي فاطمة بنت محمّدصلىاللهعليهوآله ، كما جعل بعد موسى في أمّته امرأة حجّة وهي مريم بنت عمرانعليهاالسلام .
يمكننا تلخيص وظيفة أهل البيتعليهمالسلام بوصفهم أئمّة إلهيين بعد النبيصلىاللهعليهوآله بأمرين أساسيين هما:
____________________
= للنظر، جعلها الله تعالى من المعالم الهادية إلى حقّانية حركة الأئمّة الاثني عشرعليهمالسلام ، وبخاصّة بعد أن أصبحت حركتهمعليهمالسلام بما فيها غيبة المهديعليهالسلام واقعاً تاريخياً ناجزاً ثابتاً تسهل مقارنته مع الواقع التاريخي لحركة الحجج في الأمم السابقة، كما ذكرها القرآن الكريم والنصوص الموافقة له من أسفار التوراة والإنجيل المتداولة، وقد درسنا ذلك مفصّلاً وأعددناه في كتاب خاص.
(1) ذكرنا مصادر ذلك في موضعه في الحلقة الثانية من كتابنا شبهات وردود.
(2) روى أبو داود في سننه عن أبي الطفيل، عن عليعليهالسلام ، عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: « لو لم يبقَ من الدهر إلاّ يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما مُلئت جوراً ». وفيه أيضاً عن اُمِّ سلمة قالت: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « المهدي من عترتي من ولد فاطمة » ج2 / 422 ط 1.
الأمر الأوّل: المحافظة على سنّة النبيصلىاللهعليهوآله في المجتمع من الضياع والتحريف، ومواجهة الضلالات والفتن الأساسية التي يُخشى منها على الإسلام، وبالتالي مواصلة الهداية الخاصة، والشهادة والحجّة على الناس التي أسسها النبيصلىاللهعليهوآله ، قال الله تعالى:( فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ ) الأنعام / 89 - 90، [وقال أيضاً:]( مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُو سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) الحج / 78.
قال النبيصلىاللهعليهوآله : « إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي ».
الأمر الثاني: إعطاء سيرة وتجارب ومواقف معصومة هادية في الجانب الشخصي والاجتماعي والسياسي، كالدعوة والثورة والحكم والصلح والتعايش مع المخالفين بالرأي داخل المجتمع الإسلامي، بحسب الموقع الذي يحتله المعصوم في المجتمع، إلى جنب ما أعطاه النبيصلىاللهعليهوآله من مواقف معصومة هادية في الدعوة والثورة والحكم والصلح مع المجتمع المشرك بحسب المواقع التي تبوّأها.
تقوم نظرية الحكم الإسلامي في الفكر الإمامي الاثني عشري على النص والبيعة والشورى؛ أمّا النصّ فيعيّن المؤهلين الذين لهم حقّ الحكم بالاسم أو بالمواصفات، وأشهر النصوص قوله تعالى في سورة المائدة الآية 44:( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَْحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ ) .
وهذا النص من أوضح النصوص وأشملها في بيان ذلك، والربانيون في الآية هي منزلة الأئمّة(1) .
____________________
(1) وقد فصّلنا البحث في الآية في كتابنا شبهات وردود.
أمّا البيعة فتمكن المنصوص عليه من النهوض بالحكم فعلاً، وسيرة النبيصلىاللهعليهوآله والأئمّةعليهمالسلام توضّح دور البيعة وأهميّتها في التمكين والقدرة، وليس في تأسيس الحقّ.
أمّا الشورى فهي اُسلوب ممارسة الحكم من الحاكم فيما لا نصّ فيه، وسيرة النبيصلىاللهعليهوآله والإمام عليعليهالسلام غنية بالشواهد على ذلك،( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَْحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ ) المائدة / 44. فالحكم في زمن النبيصلىاللهعليهوآله مختصّ به ومَنْ يأذن له فيه، وفي زمن أوصيائهعليهمالسلام مختصّ بهم ومَنْ يأذنوا له فيه، وفي عصر الغيبة مختصّ بالفقهاء العدول.
إنّ مسألة إقامة الحدود في عصر الغيبة مسألة فقهية لا ربط بها بغيبة الإمامعليهالسلام ، فلا تتعطل الأحكام عند غيبته نظير وفاة النبيصلىاللهعليهوآله ، وقد أفتى الشيخ المفيد (رحمه الله) منذ القرن الرابع الهجري أنّها للقادر من الفقهاء العدول في عصر الغيبة.
قال في كتابه المقنعة: أمّا إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل الله تعالى، وهم أئمّة الهدى من آل محمّدعليهمالسلام ، ومَنْ نصّبوه لذلك من الأمراء والحكّام، وقد فوّضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان... ولهم أن يقضوا بينهم بالحقّ، ويصلحوا بين المختلفين في الدعاوى عند عدم البيّنات، ويفعلوا جميع ما جعل إلى القضاة في الإسلام؛ لأنّ الأئمّةعليهمالسلام قد فوّضوا إليهم ذلك عند تمكّنهم منه بما ثبت عنهم فيه من الأخبار، وصحّ به النقل عند أهل المعرفة به من الآثار(1) .
____________________
(1) الشيخ المفيد المقنعة / 810.
أخبر القرآن الكريم بوقوع انقلاب على الأعقاب، وفتن وضلالات بعد النبيصلىاللهعليهوآله :( وما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) آل عمران / 144، وقوله:( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ) الانشقاق / 19.
وأكَّد النبيصلىاللهعليهوآله ذلك بأحاديث كثيرة، اختصر في بعضها وفصَّل في بعضها الآخر؛ وممّا فصّل فيه إخبارهصلىاللهعليهوآله بانقلاب بني اُميّة ودولة بني مروان ومُدَّتهم، وانقلاب بني العباس على أهل البيتعليهمالسلام ، وفتنة الدَّجّال في آخر الزمان والسفياني.
وقد أكَّد النبيصلىاللهعليهوآله أنّ النجاة من هذه الفتن وضلالاتها الناتجة عنها هو التمسك بالقرآن والعترة، ذكرهما مقترنين مرّة كما في حديث الثقلين، وذكر أهل بيته عاصمين من الضلالة منفردين أخرى كما في حديث السفينة: « مثل أهل بيتي كسفينة نوح مَنْ ركبها نجا »...
ونحن في دراستنا لواقع الفتن من الناحية التاريخيّة، ومواجهة أهل البيتعليهمالسلام لها، وتطويقها وتأصيل خطّ الهدى لتبقى معالمه واضحة لمَنْ أراد أن يهتدي بهديهم، نجد أنّ حركة الهداية التي اضطلع بها الأئمّة الاثنا عشرعليهمالسلام يمكن تقسيمها إلى أربعة مراحل(1) :
المرحلة الأولى: ورجالها علي والحسنعليهماالسلام ، ومعهم الزهراءعليهاالسلام .
استهدفت حركتهم الهادية مواجهة انقلاب قريش المسلمة (وآثاره المباشرة)، وقد توفيت الزهراء المطهّرةعليهاالسلام وهي غاضبة على رجالات الانقلاب؛ لكي لا يتصور أحد أنَّ بإمكانه الاستدلال بشيء من سيرتهم على شيء من مفاهيم الإسلام وأحكامه.
وفارق علي والحسنعليهماالسلام الحياة بعد أن أكملا نشر سنّة النبيصلىاللهعليهوآله في المجتمع الإسلامي كلّه، وحفظاً لوحدته ووحدة
____________________
(1) هناك تقسيمات اُخرى لمراحل عمل الأئمّة سوف نتناولها إن شاء الله تعالى في دراستنا التفصيلية في هذا الموضوع.
القبلة ووحدة الكتاب من خطر تعدّد محتم، وتربّى على يدهم جيل جديد من حَمَلَة السنّة النبويّة الصحيحة.
المرحلة الثانية: ورجالها الحسين والسجّاد والباقر والصادقعليهمالسلام .
وقد استهدفت مواجهة فتنة بني اُميّة وآثارها، فأنتجت حركة الحسينعليهالسلام تهديم الإمامة الدينية لبني اُميّة، وإعادة انتشار الأحاديث النبويّة التي تدعو إلى إمامة أهل البيتعليهمالسلام في المجتمع من جديد، ثمّ استطاع من بعده ولده السجّاد ثمّ الباقر والصادق أن ينشروا السنّة النبويّة بتدوين عليعليهالسلام وإملاء النبيصلىاللهعليهوآله ، وتأسيس كيان علمي يحملها للأمّة رواية وفقهاً وتاريخاً.
المرحلة الثالثة: ورجالها الكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري والمهدي في الغيبة الصغرىعليهمالسلام .
وقد استهدفت مواجهة فتنة بني العباس وآثارها، فأنتجت تهديم الإمامة الدينية لبني العباس، والمحافظة على التأسيس الشيعي الذي بناه الإمام الصادقعليهالسلام ، كوجود في الأمّة له محدّثوه وفقهاؤه ومراجعه، وله عقيدته باثني عشر إماماً آخرهم المهديعليهالسلام صاحب الغيبتين.
المرحلة الرابعة: ورجلها المهديعليهالسلام ومعه المسيحعليهالسلام بعد ظهوره؛ لمواجهة فتنة الدجّال والسفياني، وتحقيق ما وعد الله تعالى أنبياءه من انتصار الحقّ في الأرض كلّها، ووراثة الصالحين لها.
4- خلاصة بالواقع التاريخي لسيرة النبي وعلي والحسن (صلوات الله عليهم أجمعين)
في أداء وظيفتهم الإلهيّة قبل حركة الحسينعليهالسلام
قال تعالى:( هُو الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُو الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثمّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) الجمعة / 2 - 5.
الاُمّيون هم (قريش) ساكنو مكّة ومَنْ دانَ بدينهم من القبائل العربية في الحجاز، ودينهم هو دين إبراهيم، وقد حُرِّف على مراحل كان أخطرها نصب الأصنام على الكعبة، وتحويل بيت إبراهيم الذي شُيِّد على التوحيد إلى بيت عبادة للأصنام.
وكان آخر مراحل التحريف لدين إبراهيم هو ما قامت به قريش بعد حادثة الفيل من ابتداعها بدعة الحُمْس، وفصلها بين العمرة والحج، وفرضها على الناس أن يحجّوا بثياب قريش ليُقبَل حجُّهم، وتسمَّوْا جميعاً باسم (آل الله) بدلاً من حصر ذلك في بيت عبد المطلب، الذي أجرى الله تعالى على يده آياته ليميّزه بها عن بقية قريش.
وإلى جانب الأمِّيين هؤلاء حرَّف اليهود من أهل الكتاب كتاب الله (التوراة)، وأدخلوا فيه الأساطير، وكذلك حرَّف المسيحيون الإنجيل، واتّخذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله. وكذلك القبائل العربية في الحجاز اتّخذت قريشاً أرباباً من دون الله حين كانوا يشرعون لهم من الدين ما فيه تحريف لشريعة إبراهيم، ويقبلون ذلك منهم.
بعث الله تعالى محمداًصلىاللهعليهوآله وأنزل عليه القران كتاب هدى، ونسخ به كتب أهل الكتاب، كما هدم به الإمامة الدينية لهم ولقريش. وشاءت حكمة الله أن يجعل القرآن بحاجة إلى شرح وتفصيل:( فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثمّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) القيامة / 18 - 19، وشاءت حكمته تعالى أن يكون النبيصلىاللهعليهوآله مصدر البيان:( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِم ) النحل / 44.
وبعبارة اُخرى: أن يؤخذ تفصيل القرآن وبيانه من سنة النبي (قوله وفعله وتقريره)، وبذلك صار الإسلام عبارة عن كتاب الله وسنة النبيصلىاللهعليهوآله .
بلَّغ النبيصلىاللهعليهوآله القرآن وبيانه، وقام المجتمع الإسلامي على اتّباع كتاب الله وسنة النبيصلىاللهعليهوآله .
وكَتَبَ عليعليهالسلام بأمر النبيصلىاللهعليهوآله كلَّ السنّة النبوية المطهّرة من خلال لقاءات خاصّة بينهما، وجعلها في صُحُف لتكون تراثاً إلهياً للأئمّة الاثني عشرعليهمالسلام ، نظير تراث آل هارون المذكور في القرآن(1) ؛ وبذلك صار عليعليهالسلام والطاهرون من ذرّيتهعليهمالسلام المدخلَ الأمين والوحيد إلى سنة النبيصلىاللهعليهوآله الكاملة، والعِدلَ الوحيد للقرآن لتحقيق الهداية
____________________
(1) قال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ... وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً... إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ) البقرة / 246 - 248.
التفصيلية التي جاء بها النبيصلىاللهعليهوآله .
وقد أشار النبيصلىاللهعليهوآله إلى ذلك بقوله: « إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي أبداً؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي »، وقولهصلىاللهعليهوآله : « أنا مدينة العلم وعلي بابها »، وقولهصلىاللهعليهوآله : « يا علي، أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ إنّه لا نبي بعدي »، وقولهصلىاللهعليهوآله : « يا علي، لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق »، وجعل النبيصلىاللهعليهوآله ولاية أوّل أهل بيته عليعليهالسلام هي ولايته إلى آخر الدنيا حين قال: « مَنْ كنت مولاه فعلي مولاه ».
وهكذا صار الدين عبارة عن الولاية لله تعالى وللرسولصلىاللهعليهوآله ولعليعليهالسلام ، ثمّ الأئمّة من ولدهعليهمالسلام ، وولاية الله عز وجل تعني اتّباع كتابه، وولاية الرسولصلىاللهعليهوآله تعني اتّباع سنّته والاقتداء به، وولاية عليعليهالسلام والأئمّة من ولدهعليهمالسلام تعني أخذ سنّة النبيصلىاللهعليهوآله منهم، والاقتداء بهم، والاحتكام إليهم في زمانهم.
حاربت قريش المشركة بكلّ قواها دعوة النبيعليهالسلام ، وعاونها في ذلك يهود المدينة، واستغلّت قريش حروب النبيصلىاللهعليهوآله التي كانت دفاعاً عن نفسه وعن أصحابه؛ لتشويه صورته لدى القبائل العربية على أنّه رجل أساء إلى البيت الحرام، وقطع الطرق الآمنة وسفك الدماء، وأنّها تريد الأمن وخدمة البيت الحرام وخدمة الحجيج، ونجحت قريش في تحشيد عشرة آلاف إنسان لحرب النبيصلىاللهعليهوآله في غزوة الأحزاب المعروفة بغزوة الخندق، وباءت جهودها بالفشل، ورجعت تلك الأحلاف والأحزاب منهزمة.
ثمّ رأى النبيصلىاللهعليهوآله بعد فشل قريش في الأحزاب أنّ استمرار أسلوب الحرب معها ومع حلفائها لا ينفع، فعدَلَ عنه إلى الصلح، وفاجأ قريشاً في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة بقدومهصلىاللهعليهوآله ومعه ألف وخمسمئة من أصحابه، وقد ساقوا معهم الهدي ليعتمروا ويصالحوا قريشاً، ولكن قريش أخذتها حمية الجاهليّة فأصرَّت على رفض دخوله مكة ذلك العام، وصالحته على الأمان عشر سنين، وعلى أن يرجع تلك السنة ويعتمر العام القادم، وبذلك افتضحت قريش عند القبائل بكونها هي التي تصدّ عن البيت الحرام وليس النبيصلىاللهعليهوآله .
وانتشر الإسلام في قبائل الجزيرة العربية، وبلغ عدد المسلمين
خلال سنتين ونصف عشرة آلاف، ثمّ غدرت قريش بشروط الصلح، وفاجأها النبيصلىاللهعليهوآله بجيش قوامه عشرة آلاف مسلم، ونصر الله تعالى نبيّه ودخلت قريش الإسلام وهي راغمة.
خطّطت قريش المسلمة للالتفاف على الإسلام واحتوائه بعد النبيصلىاللهعليهوآله تحت شعار (حسبنا كتاب الله) في حياة النبيصلىاللهعليهوآله من أجل فصل الكتاب عن السنّة. ونجحت في استلاب السلطة من صاحبها الشرعي الإمام عليعليهالسلام ،( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) آل عمران / 144، وفرضت على المسلمين أن تكون الإمامة الدينية والسياسية في رجالات قريش وليست في أهل البيتعليهمالسلام ، وأعادت الأمر جاهليّة باسم الإسلام.
وقال رجالاتها في السقيفة: إنّ العرب لا ترضى أن يكون هذا الأمر في غير قريش. ثمّ فرضت بيعة أبي بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان بالقوّة(1) ، وكانت سياستهم هي أن تتداول بطون قريش وقبائلها الإمامة الدينية
____________________
(1) روى البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب وهو يتحدّث عن مجريات الاُمور في السقيفة قال: فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتّى فرّقت من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته وبايعه المهاجرون، ثمّ بايعته الأنصار. ونَزَوْنا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة! فقلت: قتل الله سعد بن عبادة.
وروى الطبري في تاريخه 4 / 224، عن عمر بن شبة بسنده عن عمر بن ميمون: قال عمر لأبي طلحة الأنصاري: اختر خمسين رجلاً من الأنصار، فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتّى يختاروا رجلاً منهم، فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلاً وأبى واحد فاشدخ رأسه، وإن اتّفق أربعة فرضوا رجلاً منهم وأبى اثنان فاضرب [رأسيهما]، فإن رضي ثلاثة رجلاً منهم وثلاثة رجلاً منهم فحكّموا عبد الله بن عمر، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلاً منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس.
وفي طبقات ابن سعد 3 / 342 بسنده عن سماك: أنّ عمر قال للأنصار: ادخلوهم بيتاً ثلاثة أيام، فإن استقاموا وإلاّ فادخلوا عليهم فاضربوا أعناقهم.
وفي أنساب الأشراف للبلاذري 4 / 503، قال عمر: ليتبع الأقل الأكثر، فمَنْ خالفكم فاضربوا عنقه. ومثله في كنز العمال 12 / 681. =
والسياسية ويمنعونها بني هاشم(1) .
رفع الخلفاء القرشيّون الثلاثة شعار (حسبنا كتاب الله)، وأنَّ العرب لا ترضى أن يكون هذا الأمر في غير قريش، في قبال شعار النبيصلىاللهعليهوآله : « إنّي تارك فيكم الثقلين؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي ».
واجتهد الخلفاء القرشيون الثلاثة بأمور خالفوا فيها سنّة النبيصلىاللهعليهوآله ، وكان من أكثر اجتهاداتهم ضرراً على الإسلام والمسلمين منعهم نشر حديث النبيصلىاللهعليهوآله وتفسير القرآن، وإحراقهم مدوّنات الصحابة في الحديث، وفسح المجال لعلماء أهل الكتاب الذين أسلموا من نشر أساطيرهم بين المسلمين باسم الإسلام. وكان من أبرز مخالفاتهم لسنّة النبيصلىاللهعليهوآله بعد نكثهم وصيتهصلىاللهعليهوآله في عليعليهالسلام هو تحريمهم متعة الحج.
وفي ضوء هذه الاجتهادات الخاطئة فتحت البلاد شرقاً وغرباً، وتعلّم أهل البلاد المفتوحة الإسلام على
____________________
= وقال عبد الرحمن لعلي: بايع وإلاّ ضربت عنقك. أنساب الأشراف 4 / 508. واللفظ في صحيح البخاري 9 / 98، فلا تجعل على نفسك سبيلاً.
(3) قال الطبري: حدَّثني ابن حميد قال: حدَّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بينما عمر بن الخطاب وبعض أصحابه يتذاكرون الشعر، فقال بعضهم: فلان أشعر. وقال بعضهم: بل فلان أشعر.
قال: فأقبلتُ، فقال عمر: قد جاءكم أعلم الناس بها. فقال عمر: مَنْ شاعر الشعراء يابن عباس؟ قال: فقلت: زهير بن أبي سلمى. فقال عمر: هلمّ من شعره ما نستدلّ به على ما ذكرت. فقلت: امتدح قوماً من بني عبد الله بن غطفان، فقال:
لو كانَ يقعدُ فوقَ الشمسِ من كرمٍ |
قومٌ بأوّلهم أو مجدهم قعدوا |
|
قومٌ أبوهم سنانٌ حين تنسِبُهم |
طابوا وطابَ من الأولادِ ما ولدوا |
|
إنسٌ إذا أمنوا، جنٌ إذا فزعوا |
مرزَّؤونَ بهاليلٌ إذا حشدوا |
|
محسَّدونَ على ما كانَ من نعمٍ |
لا ينزع اللهُ منهم ما لهُ حُسِدوا |
فقال عمر: أحسن، وما أعلم أحداً أولى بهذا الشعر من هذا الحي من بني هاشم؛ لفضل رسول الله وقرابتهم منه.
فقلت: وُفّقت يا أمير المؤمنين، ولم تزل موفّقاً.
فقال: يابن عباس، أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمّد؟ فكرهت أن أجيبه، فقلتُ: إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني.
فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخلافة، فتبجّحوا على قومكم بجحاً بجحاً، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت. الطبري 4 / 222 - 224.
أنّه ولاء لله وللخليفة من قريش، وأنّ الدين هو كتاب الله وما شرّعه الخليفة القرشي، ومن هنا عَرَضَ عبد الرحمن بن عوف على عليعليهالسلام أن يبايعه على كتاب الله والعمل بسيرة الشيخين، ورفض عليعليهالسلام ذلك قائلاً: « إنّ سيرة النبيصلىاللهعليهوآله لا تحتاج إلى إجّيرى أحد »(1) ، وبويع عثمان على ذلك(2) .
وهكذا عاش الناس خمساً وعشرين سنة بعد النبيصلىاللهعليهوآله في جاهليّة وضلالة مقنَّعة باسم الإسلام.
خالف عثمان سيرة الشيخين في قضية الولايات حيث آثر أقاربه بها؛ فقد بدأ عهده باستقدام عمّه الحكم والد مروان، وكان النبيصلىاللهعليهوآله قد نفاه إلى الطائف، ثمّ جعل مروان بن الحكم(3) كاتبه الخاصّ بعد أن زوّجه ابنته، ثمّ عزل سعد بن أبي وقاص عن الكوفة سنة
____________________
(1) الإجّيرى بالكسر والتشديد: العادة. انظر تاج العروس مادة (أجر).
(2) قال اليعقوبي في تاريخه 2 / 162: وكان عبد الرحمن بن عوف الزهري لمّا توفي عمر واجتمعوا للشورى سألهم أن يخرج نفسه منها على أن يختار منهم رجلاً، ففعلوا ذلك، فأقام ثلاثة أيام، وخلا بعلي بن أبي طالبعليهالسلام ، فقال: لنا الله عليك إن ولّيت هذا الأمر أن تسير فينا بكتاب الله وسنّة نبيّه وسيرة أبي بكر وعمر.
فقالعليهالسلام : « أسير فيكم بكتاب الله وسنّة نبيّه ما استطعت ».
فخلا بعثمان فقال له: لنا الله عليك إن ولّيت هذا الأمر أن تسير فينا بكتاب الله وسنّة نبيّه وسيرة أبي بكر وعمر.
فقال: لكم أن أسير فيكم بكتاب الله وسنّة نبيّه وسيرة أبي بكر وعمر.
ثمّ خلا بعليعليهالسلام فقال له مثل مقالته الأولى، فأجابه مثل الجواب الأوّل، ثمّ خلا بعثمان فقال له مثل المقالة الأولى، فأجابه مثل ما كان أجابه، ثمّ خلا بعليعليهالسلام فقال له مثل المقالة الأولى، فقال: « إنّ كتاب الله وسنّة نبيّه لا يحتاج معهما إلى إجّيرى أحد، أنت مجتهد أن تزوي هذا الأمر عنّي ». فخلا بعثمان فأعاد عليه القول، فأجابه بذلك الجواب، وصفّق على يده.
(3) قال ابن حجر: مروان بن الحكم بن أبي العاص بن اُميّة بن عبد شمس، وهو ابن عمّ عثمان وكاتبه في خلافته، يُقال: ولد بعد الهجرة بسنتين، وقيل: بأربع.
وقال ابن شاهين: مات النبيصلىاللهعليهوآله وهو ابن ثمان سنين، فيكون مولده بعد الهجرة بسنتين.
وكان مع أبيه بالطائف إلى أن أذن عثمان للحكم في الرجوع إلى المدينة فرجع مع أبيه، ثمّ كان من أسباب قتل عثمان، ثمّ شهد الجمل مع عائشة، ثمّ صفين مع معاوية، ثمّ ولي إمرة المدينة لمعاوية، ثمّ لم يزل بها إلى أن أخرجهم ابن الزبير في أوائل إمرة يزيد بن معاوية، فكان ذلك من أسباب وقعة الحرّة. وبقي بالشام إلى أن مات معاوية بن يزيد بن معاوية فبايعه بعض أهل الشام في قصّة طويلة.
ثمّ كانت الوقعة بينه وبين الضحاك بن قيس، وكان أميراً لابن الزبير، فانتصر مروان وقتل الضحاك، واستوثق له ملك الشام، ثمّ توجّه إلى مصر فاستولى عليها، =
25 هجرية وعيَّن أخاه لاُمّه الوليد بن عقبة الفاسق بنص القرآن.
وفي سنة 26 هجرية جمع الشام كلّها لمعاوية، وفي سنة 27 هجرية جمع مصر كلّها لأخيه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان النبيصلىاللهعليهوآله قد أهدر دمه في فتح مكّة وأجاره عثمان.
وفيها أيضاً عزل أبا موسى الأشعري عن البصرة وولّى مكانه عبد الله بن عامر بن كريز بن حبيب بن عبد شمس، وهو ابن أربع وعشرين سنة، وضم إليه ولاية فارس؛ وبسبب ذلك شاع التذمّر في قريش، وصار المتذمّرون وهم عبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وعمرو بن العاص وعائشة حزباً، وعثمان ومعه بنو أبيه بنو اُميّة حزباً.
وتعاظم الخلاف بين الحزبين القرشيين سنة 28 هجرية حين أعلن عبد الرحمن بن عوف المرشّح الأكيد لخلافة عثمان قطيعته لعثمان، وبدأ الخصوم يذكرون من سيرة النبيصلىاللهعليهوآله وأحاديثه ما يضعِّفون به جانب عثمان وبني اُميّة، وبذلك انكسرت سياسة منع الحديث، وضعفت سيطرة السلطة.
في مثل هذا الظرف السياسي قرَّر عليعليهالسلام البدء بحركته الإحيائية لسنّة النبيصلىاللهعليهوآله في المجتمع، وأعلن عن عزمه الحجّ تلك السنّة، ولبّى بحج التمتّع الذي أمر به النبي وحرَّمته الخلافة القرشية(1) ، وأوعز إلى أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله الذين على رأيه، وهم أبو ذر وعمّار
____________________
= ثمّ بغته الموت فعهد إلى ولده عبد الملك.
وفي التعديل والتجريح للحافظ الباجي 2 / 804، قال عمرو بن علي: بويع مروان بن الحكم وهو ابن إحدى وستين سنة، في النصف من ذي القعدة سنة أربع وستين، فعاش خليفة تسعة أشهر وثماني عشرة ليلة، ومات لثلاث خلون من رمضان سنة خمس وستين.
(1) روى مالك في الموطّأ: أنّ المقداد بن الأسود دخل على عليعليهالسلام بالسُقْيا وهو يُنجِع بَكرات له دقيقاً وخبطاً، فقال: هذا عثمان بن عفان ينهى أن يُقرن بين الحجّ والعمرة، فخرج عليعليهالسلام وعلى يديه أثر الدقيق والخبط، فما أنسى أثر الدقيق والخبط على ذراعيه حتّى دخل على عثمان، فقال: « أنت تنهى عن أن يُقْرَنَ بين الحجّ والعمرة؟! ». فقال عثمان: ذلك رأيي. فخرج عليٌّعليهالسلام مغضباً وهو يقول: « لبيك اللّهمّ لبيك بحجّة وعمرة معاً ».
وفي سنن النسائي، ومستدرك الصحيحين، ومسند أحمد - واللفظ للأول -
والمقداد ونظراؤهم أن يبدؤوا نشر الحديث النبوي، ويعرِّفوا الناس بمفتاح العلم والهداية بعد النبيصلىاللهعليهوآله وهم أهل بيتهعليهمالسلام .
انتهى الانشقاق الداخلي لقريش بنجاح طرف عائشة وطلحة في التحريض على عثمان، ثمّ نجاحهم في قتل عثمان، وكانوا يترقّبون أن يتّجه الناس إلى طلحة ليبايعوه، غير أنّهم فوجئوا أنّ الناس اتّجهوا إلى عليعليهالسلام ، يقودهم عمّار وأبو الهيثم بن التّيهان وأبو سعيد الخُدري وغيرهم من الصحابة الأنصار، ومعهم مالك الأشتر ونظراؤه من التابعين، وأصرّوا على عليعليهالسلام أن يبايعوه.
وقام عليعليهالسلام بواجبه كوصي للنبيصلىاللهعليهوآله ، وإمام هدى بأمر الله تعالى، وشاهد إلهي على الناس، مسؤول عن حفظ الرسالة ونشرها في المجتمع خير قيام؛ [حيث] نهض بالأمر بعد قتل عثمان وبيعة الأمّة له، فأكمل عمله الذي بدأه في اُخريات عهد عثمان؛ أكمل نشر سنّة النبيصلىاللهعليهوآله وإحياء العمل بها، والحثّ على تدوينها، والمنع من التحديث بالأساطير الإسرائيلية، وتثقف الناس ثقافة إسلاميّة صحيحة.
ولم تطب قريش بذلك نفساً فنكثت بيعة علي، وعملت على تفريق الأمّة، وتصدّى لذلك وجوه قريش آنذاك، وهم؛ عائشة وطلحة، والزبير ومعاوية، وحاربوه في البصرة في الحرب المعروفة بحرب الجمل.
ولمّا انكسروا فيها التفّوا حول معاوية في الشام وحاربه في صفّين، ثمّ وقعت الفتنة
____________________
= عن سعيد بن المسيب قال: حجّ علي وعثمان، فلمّا كنّا ببعض الطريق نهى عثمان عن التمتّع، فقال عليعليهالسلام : « إذا رأيته ارتحل فارتحلوا ». فلبّى علي وأصحابه بالعمرة....
قال الإمام السندي بهامشه: قال: « إذا رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا »، أي ارتحلوا معه ملبّين بالعمرة؛ ليعلم أنّكم قدّمتم السنّة على قوله، وأنّه لا طاعة له في مقابل السنّة.
وفي صحيح البخاري، وسنن النسائي، وسنن الدارمي، وسنن البيهقي، ومسند أحمد، ومسند الطيالسي وغيرها، عن علي بن الحسينعليهماالسلام ، عن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان وعلياً، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلمّا رأى عليعليهالسلام أهلّ بهما « لبيك بعمرة وحجّة معاً ». قال: « ما كنت لأدع سنّة النبيصلىاللهعليهوآله لقول أحد ».
وفي لفظ النسائي: فقال عثمان: أتفعلها وأنا أنهى عنها؟ فقال عليعليهالسلام : « لم أكن لأدع سنّة رسول الله لأحد من الناس ». انظر تفصيل المصادر في كتابنا شبهات وردود ط4 / 214 - 224 بحث متعة الحج.
في جيش عليعليهالسلام وتجمهر الأوفياء لسنن عمر في العبادة وغيرها(1) فحاربوه في النهروان.
استطاع معاوية أن يطوّق نهضة عليعليهالسلام ، وحُصرت عملية إحياء سنّة النبيصلىاللهعليهوآله ونشرها بين أهل البلاد المفتوحة في الجانب الشرقي من البلاد الإسلاميّة، وصارت الكوفة مركز تلك النهضة الإحيائية لسنّة النبيصلىاللهعليهوآله والعمل بها.
____________________
(1) افتتن قسم من المسلمين الذين في جيش عليعليهالسلام بعد أن رفع معاوية وأصحابه القرآن داعين إلى الاحتكام إليه، وانطلت عليهم حيلة معاوية وعمرو بن العاص.
وهذا القسم كان قد تعوَّد على السنن التي أجراها عمر وخالف فيها الرسول، ولم يستجيبوا للتصحيح الذي قاده عليعليهالسلام في إحياء السنّة النبويّة، وقد روى لنا الكليني في الكافي 8 / 59 قطعة من كلام عليعليهالسلام يتحدّث عن هؤلاء: « قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ متعمّدين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيّرين لسنّته، ولو حملت الناس على تركها وحوّلتها إلى مواضعها، وإلى ما كانت في عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله لتفرّق عنّي جندي حتّى أبقى وحدي، أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي، وفرض إمامتي من كتاب الله عزّ وجل وسنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيمعليهالسلام فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ورددت فدك إلى ورثة فاطمةعليهاالسلام ، ورددت صاع رسولصلىاللهعليهوآله كما كان...، ورددت دار جعفر إلى ورثته وهدمتها من المسجد، ورددت قضايا من الجور قضي بها، ونزعت نساء تحت رجال بغير حقّ فرددتهنّ إلى أزواجهن، واستقبلت بهنّ الحكم في الفروج والأرحام،... ومحوت دواوين العطايا، وأعطيت كما كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يعطي بالسوية، ولم أجعلها دولة بين الأغنياء... وسوّيت بين المناكح، وأنفذت خمس الرسول كما أنزل الله عزّ وجل وفرضه، ورددت مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى ما كان عليه، وسددت ما فتح فيه من الأبواب، وفتحت ما سدّ منه، وحرّمت المسح على الخفّين، وحددت على النبيذ، وأمرت بإحلال المتعتين، وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات، وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم...، وحملت الناس على حكم القرآن، وعلى الطلاق على السنّة، وأخذت الصدقات على أصنافها وحدودها، ورددت الوضوء والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشرائعها ومواضعها،... إذاً لتفرقوا عنّي!
والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلاّ في فريضة، وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض أهل عسكري ممّن يُقاتل معي: يا أهل الإسلام، غُيّرت سنّة عمر؛ ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوّعاً! ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري.
ما لقيت من هذه الأمة... ».
أقول: كلامهعليهالسلام في أواسط خلافته قبل قصة النهروان.
أمّا الجانب الغربي من البلاد الإسلاميّة فقد بقيت منغلقة على هذه النهضة، وتبنّت الشام محاربة علي والكيد له، ومحاربة الأحاديث النبويّة الصحيحة، وشوََّه معاوية عن طريق الأخبار الكاذبة صورة علي لدى الشاميين، وصوَّره لهم شخصاً مجرماً بحقّ الإسلام، وأنّ دم عثمان بعهدته، وسوَّغ لهم لعنه ومحاربته، نظير ما فعلت قريش المشركة مع النبيصلىاللهعليهوآله لمّا هاجر إلى المدينة.
وصار يشنّ الغارات على أطراف بلاد عليعليهالسلام لسلب الأموال وإرعاب الناس؛ ليطوّق تجربة عليعليهالسلام الإحيائية للسنّة النبويّة، ويحدّها من الانتشار. واستشهد عليعليهالسلام وهو يعبِّئ الناس لخوض معركة جديدة مع معاوية.
بايع أهل العراق الحسنعليهالسلام تبعاً للنصوص النبويّة الواردة في حقّ أهل البيتعليهمالسلام التي تعيّنهم أئمّة هدى وحجج إلهيين بعد النبيصلىاللهعليهوآله التي أحيا نشرها عليعليهالسلام ، وكانت حكومته مشروعة؛ لأنّ بيعة الأمّة وقعت في محلّها الشرعي، وبايع أهل الشام معاوية، ولم تكن بيعة مشروعة؛ لأنّها انقسمت [ فيها ] الأمّة بذلك إلى كيانين سياسيين:
أحدهما: كيان سياسي عراقي يرأسه الحسنعليهالسلام الموصول بكتاب الله وسنّة نبيّه، وهو عازم على مواصلة مسيرة أبيه في إحياء السنّة النبوية، والعمل بها ونشرها بين المسلمين.
وثانيهما: كيان سياسي شامي يرأسه معاوية الموصول بسيرة أبي بكر وعمر وعثمان، وهو عازم على إحيائها من جديد.
عرض معاوية الصلح على الحسنعليهالسلام لحقن الدماء، وأن يبقى كلّ طرف على البلاد التي بايعته واقتنعت به، وكان الحسنعليهالسلام أمام هذا العرض بين إحراجين:
[الأوّل:] فهو إن رفض اُطروحة الصلح يكون قد سجّل على نفسه أمام الشاميين مخالفة لقوله تعالى:( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُو اللَّهِ
وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ... وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا ) الأنفال / 60 - 61، ويكون بذلك قد أمدَّهم بمبرر قويّ لحربه.
[الثاني:] وهو إن أقرَّ اُطروحة معاوية في الصلح يكون قد كرَّس جهلَ أهل الشام بالأحاديث النبويّة في حقّ عليعليهالسلام ، وجهلهم بسيرته التي هي سيرة رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
مضافاً إلى ذلك، فإنّ اُطروحة معاوية في الصلح تستبطن إجراءً سوف يتّخذه معاوية مستقبلاً يقضي بمنع أهل الشام من الذهاب إلى مكة حتّى لا يختلطوا بالعراقيين ويتعلّموا منهم أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في حقّ عليعليهالسلام ، ولا يتعرّفوا على سيرته المشرقة.
وهذه الخطوة سوف تجرّ إلى تبنّي القبلة الأولى (بيت القدس) في قبال مكة، وحذف آيات نسخها من القرآن، وبذلك تعدّد القبلة ويتعدّد الكتاب، وكذلك تجرّ إلى أمور أخرى(1) .
ومن هنا قدّم الحسنعليهالسلام اُطروحة جديدة للصلح تستند إلى اُطروحة جدّه النبيصلىاللهعليهوآله في صلحه مع قريش، مع تطوير يناسب المقام ويحقّق الأهداف كاملة.
وتمثّلت هذه الاُطروحة الحسنية بأن يسلّم الأمر كلّه لمعاوية لقاء شروط يصوغها الحسنعليهالسلام ، وفوجئ معاوية بهذه الاُطروحة وطار لها فرحاً، لم يكن يصدِّق ذلك.
أرسل معاوية للحسنعليهالسلام صحيفة بيضاء موقعة من طرفه يكتب شروطه عليها، وكان من هذه الشروط:
أن يكون الأمر للحسنعليهالسلام بعد معاوية.
ومنها: أن يترك لعن عليعليهالسلام .
ومنها: أن يسير معاوية بالكتاب والسنّة.
ومنها: أمان كلّ شيعة علي، وغير ذلك.
وحاول معاوية أن يستثني عشرة من شيعة علي من الأمان، ولكن الحسنعليهالسلام رفض
____________________
(1) من قبيل الاقتتال فيما بينهم، ثمّ طمع الروم فيهم وزوال الدولة الإسلاميّة مبكّراً.
ذلك، واستجاب معاوية أخيراً للشروط، واتّضح لأهل الشام جليّاً أنّ معاوية كان يُقاتل على الملك وليس من أجل دم عثمان؛ بدليل أنّه لمّا عرض عليه الملك بشرط أمان الناس كلّهم بما فيهم مَنْ هو متّهم من قبل الإعلام الاُموي في دم عثمان، رضيَ به، بل طار له فرحاً(1) .
عاشت الاُمّة عشر سنوات من الصلح سنوات أمان تامّ، وتحرَّك أصحاب عليعليهالسلام من العراقيين ينشرون سُنّة النبيصلىاللهعليهوآله ، واختلطوا بأهل الشام في موسم الحجّ والعمرة، ومن خلال الوفود إلى الشام نفسها، وانتشرت أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في عليعليهالسلام ، وعرف الشاميُّون موقعه في الإسلام، وعرفوا سيرته المشرقة المتطابقة مع سيرة النبيصلىاللهعليهوآله ، وأحبّ الناس جميعاً الحسنعليهالسلام ؛ لِما حقّق لهم من الأمان، ولِما رأوا من أخلاقه وعبادته وعلمه من خلال موسم الحجّ الذي أحياه بالحجّ ماشياً عشر سنوات بعد الصلح(2) ، ومن خلال سفراته إلى الشام، وأدرك الناس بعمق كلمة النبيصلىاللهعليهوآله في حقّ الحسنعليهالسلام حين قال: « إنّ ابني هذا سيّد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين »(3) .
لم يرُق لمعاوية أن يموت ويترك الاُمور ممهَّدة للحسن بن عليعليهماالسلام ، الذي برَّزته الأحداث أعظم مصلح في الأمّة، ثمّ يستمر الأمر من بعده للحسين بن عليعليهماالسلام والأئمّة من ذرّيتهعليهمالسلام شهداء على الناس، وأئمّة هدى يقودون الناس إلى الله تعالى.
____________________
(1) روى... أنّ معاوية حجّ سنة 44، ولمّا دخل المدينة وزار بيت عثمان استقبلته عائشة بنت عثمان صائحة وا عثماناه...!
(2) يذكر المترجمون للحسنعليهالسلام أنّه حجّ خمساً وعشرين حجّةً ماشياً على قدميه، فتكون هذه في السنوات الماضية من حياتهعليهالسلام .
(3) أوردتها كتب الصحاح والمسانيد.
وخطّط معاوية ليستولي على الاُمور، وليكون هو ونسله أولى بالنبيصلىاللهعليهوآله وبدين إبراهيم، وأن يعرضوا أنفسهم على الناس أنّهم أئمّة الهدى، وخلفاء الله وشفعاؤه في خلقه، وأن يعرض علياًعليهالسلام وأهل بيتهعليهمالسلام ملحدين في الدين، استوجبوا اللعنة والبراءة على لسان النبيصلىاللهعليهوآله ، وبذلك يثأر لأسلافه الذين قُتِلوا في معركة بدر على الشرك، ويحقّق ما لم يخطر على بال أمّه هند من صور الانتقام.
كانت العقبة الكؤود أمام هذا المخطّط الرهيب هو وجود الحسنعليهالسلام ، ومحبّة الناس له، والكوفة قلعة الولاء لعليعليهالسلام ، والأحاديث النبويّة الصحيحة في حقّ علي وأهل بيتهعليهمالسلام ، وتاريخ بني اُميّة في حرب النبيصلىاللهعليهوآله ، ومخالفات الخلفاء السابقين لسنّة النبيصلىاللهعليهوآله التي انتشرت أخبارها بين المسلمين جميعاً.
كانت ركائز خطّة معاوية هي:
[أوّلاً:] اغتيال الحسنعليهالسلام بالسم.
[ثانياً:] المنع من رواية فضائل علي وأهل بيتهعليهمالسلام .
[ثالثاً:] وضع أحاديث تطعن بعليعليهالسلام وتشوّه سيرته، وتسوّغ لعنه والبراءة منه.
[رابعاً:] وضع أحاديث في فضائل معاوية والخلفاء السابقين توجب الولاء لهم والتقرب بهم إلى الله تعالى، والطاعة المطلقة لهم.
[خامساً:] قتل وجوه أصحاب علي باعتبارهم سيقفون معارضين لتلك السياسة، وتفريغ الكوفة من شيعة علي بإشغالهم بالفتوح، وتحويل الكوفة إلى بلد مطيع لبني اُميّة.
وجدَّ معاوية وصرف كلّ قدراته في تنفيذ تلك الخطوات.
شهد الحسينعليهالسلام نقض معاوية لشروط الحسنعليهالسلام بعد وفاته، وحركته التحريفية التي استهدفت تفريغ الإسلام من محتواه المحمدي الأصيل الذي يقوم على الولاء لله ولرسوله ولعلي والأئمّةعليهمالسلام من ولده؛ بصفتهم أولى بالنبيصلىاللهعليهوآله وبدين إبراهيم، واستبداله بمحتوى اُمويّ يقوم على البراءة من عليعليهالسلام ، ولعنه بصفته ملحداً في الدين،
ثمّ الولاء لبني اُميّة بصفتهم أولى بالنبيصلىاللهعليهوآله وبدين إبراهيمعليهالسلام ، وأنّهم أئمّة هدى، وأنّهم خلفاء الله وشفعاؤه في خلقه.
جدَّد وجوه الكوفيِّين العهد مع الحسينعليهالسلام بعد وفاة الحسنعليهالسلام ، وعرضوا عليه النهوض في وجه معاوية لنقضه الشروط.
أجابهم الحسينعليهالسلام أنّ رأيه أن يكونوا أحلاس بيوتهم ريثما يموت معاوية(1) ، وطلب منهم العمل سرّاً على مواصلة نشر الحديث النبوي الصحيح، وتكررت لقاءاتهم مع الحسينعليهالسلام لأخذ التوجيه منه، وكان آخر لقاء له معهم هو قبل موت معاوية بسنة حيث جمعهم في مؤتمر سرّي تدارس فيه معهم الخطّة بعد موت معاوية.
عيَّن معاوية ولده يزيد خليفة من بعده، وأخذ البيعة له من الناس، وحاول أخذ البيعة له من وجوه كان يخشى أن لا تبايعه بعده، منها الحسينعليهالسلام وعبد الله بن الزبير وغيرهما، ولم ينجح معهم.
يتّضح من ذلك أنَّ المعركة الأساسية بين الحسينعليهالسلام وبين يزيد لم تكن معركة حول السلطة بل كانت حول الهداية، نظير المعركة بين النبيصلىاللهعليهوآله وقريش لمّا بعث في مكة حيث
____________________
(13) روى اليعقوبي في تاريخه قال: ولمّا توفّي الحسنعليهالسلام وبلغ الشيعة ذلك اجتمعوا بالكوفة في دار سليمان بن صرد، وفيهم بنو جعدة بن هبيرة، فكتبوا إلى الحسين بن علي يعزّونه على مصابه بالحسن:
بسم الله الرحمن الرحيم
للحسين بن علي من شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنينعليهالسلام ، سلام عليك، فإنّا نحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو. أمّا بعد، فقد بلغنا وفاة الحسن بن علي... ما أعظم ما أصيب به هذه الأمّة عامّة، وأنت وهذه الشيعة خاصّة بهلاك ابن الوصي وابن بنت النبيصلىاللهعليهوآله ؛ علم الهدى، ونور البلاد، المرجو لإقامة الدين وإعادة سير الصالحين، فاصبر رحمك الله...
فإنّ فيك خلفاً ممّن كان قبلك، وإنّ الله يؤتي رشده مَنْ يُهدى بهديك، ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك، المحزونة بحزنك، المسرورة بسرورك، السائرة بسيرتك، المنتظرة لأمرك، شرح الله صدرك، ورفع ذكرك، وأعظم أجرك، وغفر ذنبك، وردّ عليك حقّك.
كانت قريش بعد وفاة عبد المطلب بعد أن ميَّزه الله تعالى بقصّة الفيل، وأبرزه أولى بإبراهيم ودينه قد عرضت نفسها على أنّها أولى الناس بمقام إبراهيم وبدينه، ومن ثمّ يتعين على الناس أخذ أحكام الحجّ من قريش، وخضعت الناس لقريش في ذلك حتّى بعث الله تعالى محمداًصلىاللهعليهوآله وميّز بني هاشم على غيرهم مرّة أخرى.
وهي أيضاً نظير المعركة بين موسى وفرعون في مصر، معركة حول التوحيد وليست حول السلطة، فقد عرض فرعون نفسه على أنّه خليفة الله وشفيعه والهادي إلى دينه ورضاه في قبال آل يعقوب، واستضعف ذرّية يعقوب لأجل عدم خضوعهم له في ذلك، وبعث الله تعالى موسى ليميّز آل يعقوب من جديد ولينقذهم من العذاب المهين ويفتح الطريق لإمامتهم الهادية.
وكذلك المعركة الأساسية بين عليعليهالسلام والخلفاء القرشيين الثلاثة، فقد كانت حول الهداية وليس حول السلطة، علي يرفض بيعة أبي بكر، ولو وجد أربعين ذوي عزم لجاهد، وكذلك ليس لأجل الملك بل لأجل حفظ رسالة النبيصلىاللهعليهوآله من أن تعبث بها قريش المسلمة، قريش التي جعلت من سيرة أبي بكر وعمر في عداد كتاب الله وسيرة النبيصلىاللهعليهوآله .
وقد رفض علي أن يبايع ويصبح حاكماً على أساس ذلك، ولمّا وجد الأنصار نهض وقاتل كما فعل النبيصلىاللهعليهوآله ، وانتشرت سنّة النبيصلىاللهعليهوآله من جديد في الجيل الذي حُرم منها، ولولا عليعليهالسلام لم تنتشر.
وكذلك المعركة بين معاوية والحسنعليهالسلام لم تكن حول السلطة، بمعنى إنّ الحسنعليهالسلام لم يصالح معاوية من أجل أن يرجع إليه الملك، وإن كان هذا الملك من حقّه، ولكنّه صالح حتّى يعالج انشقاق معاوية الذي كان يستبطن تحريف الدين، إذ لولا الصلح لتعدّدت القبلة وتعدّد الكتاب.
وكذلك الأمر بين الحسينعليهالسلام ومعاوية ويزيد لم يكن رفض البيعة من الحسينعليهالسلام ثمّ أخذ البيعة من أهل الكوفة لأجل الملك، كما فعل ابن الزبير حين رفض بيعة يزيد
وأخذ البيعة من أهل مكة لأجل الملك بل رفض الحسينعليهالسلام البيعة ليزيد، وقال: « لو لم يكن لي ملجأ لما بايعت يزيد »؛ لأنّ البيعة ليزيد تعني السكوت عن أخطر عملية تحريف للسنّة النبويّة، حيث تجعل من عليٍّعليهالسلام رمزاً للإلحاد في الإسلام والانحراف عنه، ويكون لعنه من أفضل القربات عند الله، ويجعل من الخليفة الاُموي رمزاً للهداية، وتكون طاعته من أفضل الطاعات.
وبقي الحسينعليهالسلام على موقفه حتّى حين حوصر وفُصِل بينه وبين أنصاره، وهذا النوع من الانحراف لم يكن حتّى زمن الخلفاء الثلاثة.
وفيما يلي تفصيل جهود معاوية في تحريف سنّة النبيصلىاللهعليهوآله ، وجهود الحسينعليهالسلام لإنقاذها، والتأييد الإلهي الذي حظيت به حركة الحسينعليهالسلام .
الباب الثاني
الانقلاب الأموي
الفصل الأوّل: معاوية ينقض عهده مع الحسنعليهالسلام
الفصل الثاني: خطة معاوية لتصفية التشيّع في الكوفة
الفصل الثالث: مقتل حجر بن عدي وأصحابه (رضوان الله عليهم)
الفصل الرابع: أطروحة معاوية للحكم
الفصل الأول
معاوية ينقض عهده مع الحسنعليهالسلام
قال تعالى:( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيَاناً كَبِيراً ) الإسراء / 60.
قال السيوطي: أخرج ابن جرير عن سهل بن سعد قال: رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بني فلان ينزون على منبره نزو(1) القردة، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكاً حتّى مات، وأنزل الله:( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يعلى بن مرّة قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « رأيت بني اُميّة على منابر الأرض، وسيتملكونكم فتجدونهم أرباب سوء ». واهتم رسول اللهصلىاللهعليهوآله لذلك، فأنزل الله:( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) .
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال: رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بني اُميّة على المنابر فساءه ذلك، فأوحى الله: إنّما هي دنيا
____________________
(1) النزو: الوثوب، ينزون على منبره: أي يصعدون عليه.
أعطوها. فقرَّت عينه، وهي قوله:( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) ، يعني بلاء للناس.
وأخرج ابن مردويه عن عائشة (رضي الله عنها) أنّها قالت لمروان بن الحكم: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول لأبيك وجدّك: « إنّكم الشجرة الملعونة في القرآن ».
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر (رضي الله عنهما) أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: « رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنّهم القردة، وأنزل الله في ذلك( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) »، يعنى الحكم وولده(1) .
وقال السيوطي أيضاً: أخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس قال: رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بني اُميّة على منبره فساءه ذلك، فأوحى الله إليه إنّما هو ملك يصيبونه، ونزلت( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) القدر / 1 - 3، وأخرج مثله عن ابن المسيب.
وأخرج الترمذي وضعَّفه، وابن جرير والطبراني، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن يوسف بن مازن الرؤاسي قال: قام رجل إلى الحسن بن عليعليهالسلام بعدما بايع معاوية، فقال: سوّدت وجوه المؤمنين، فقال: « لا تؤنّبني رحمك الله، فإنّ النبيصلىاللهعليهوآله رأى بني اُميّة يخطبون على منبره فساءه ذلك، فنزلت( إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ) يا محمّد، ونزلت( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) القدر / 1 - 3، يملكها بعدك بنو اُميّة يا محمّد »(2) .
____________________
(1) الدر المنثور 4 / 191.
(2) جامع الترمذي 5 / 444، المعجم الكبير 3 / 89.
قال الحاكم: هذا إسناد صحيح، وهذا القائل للحسن بن علي هذا القول هو سفيان بن الليل صاحب أبيه(1) .
أقول: من الجدير ذكره أنّنا إذا حسبنا ملك بني اُميّة من سنة الصلح الذي تمّ بين الحسنعليهالسلام ومعاوية يكون مجموع الأشهر ألفاً واثنين وتسعين شهراً. وإذا حسبناها من بعد وفاة الحسنعليهالسلام وقد توفي آخر سنة 49 يكون مجموع الأشهر تسعمئة وست وتسعين شهراً، وهي أقرب إلى الألف من الأولى.
في ضوء ذلك تكون الألف شهر التي تملكها بنو اُميّة هي الفترة من وفاة الحسنعليهالسلام بداية سنة 50 هجرية، وليس من بداية الصلح وحتّى سنة 132هجرية.
____________________
(1) المستدرك على الصحيحين 3 / 186. أقول: وفي ضعفاء العقيلي 2 / 175: سفيان بن الليل: كوفي، كان ممّن يغلو في الرفض ولا يصح حديثه. حدّثني يحيى بن عثمان بن صالح قال: حدّثنا نعيم بن حماد قال: حدّثنا محمّد بن فضيل، عن السري بن إسماعيل، عن الشعبي قال: حدّثني سفيان بن الليل قال: لمّا قدم الحسن بن على من الكوفة إلى المدينة أتيته، فقلت: يا مذلّ المؤمنين.
قال: « لا تقل ذاك يا سفيان، فإنّي سمعت أبي يقول: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: لا تذهب الأيام والليالي حتّى يملك رجل، وهو معاوية، والله ما أحب أنّ لي الدنيا وما فيها وأنّه يهراق فيَّ محجمة من دم. وسمعت أبي يقول: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: مَنْ أحبّنا بقلبه وأعاننا بيده ولسانه كنت أنا وهو في عليِّين، ومَنْ أحبّنا بقلبه وأعاننا بلسانه وكفَّ يده فهو في الدرجة التي تليها، ومَنْ أحبّنا بقلبه وكف عنّا لسانه ويده فهو في الدرجة التي تليها ».
قال البدري: الشعبي متّهم بالوضع على الشيعة. وقال في لسان الميزان في ترجمة سفيان: إنّ حديثه انفرد به السري بن إسماعيل أحد الهلكى عن الشعبي.
وقال أبو الفتح الأزدي: سفيان بن الليل له حديث لا تمضي الأمّة حتّى يليها رجل واسع البلعوم، قال: وفي لفظ آخر واسع السرم (بالسين)، يأكل ولا يشبع، قال: وسفيان مجهول، والخبر منكر، انتهى. وبقيّة كلام الأزدي: وسفيان مجهول لا يحفظ له غير هذا.
قال النباتي: حديثه لا يرويه إلاّ السري وهو لا شيء. وفي الطبقات 6 / 369: السري بن إسماعيل الهمداني، من الصائديين من أنفسهم، وكان كاتباً للشعبي، وروى عنه الفرائض وغير ذلك، وولي السري قضاء الكوفة، وكان قليل الحديث.
قال ابن حبّان في المجروحين 1 / 355، قال: كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل.
قال تعالى:( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمْ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَلَو شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُو خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) النحل / 90 - 96.
لقد كان معاوية مصداقاً لنقض الأيمان المؤكدة التي أشارت إليها الآيات الكريمة، إذ يعلم الجميع أنّ معاوية كان قد أعطى للحسنعليهالسلام عهداً غليظاً أنّه يلتزم الشروط التي يطلبها، ولم يشترط الحسنعليهالسلام على معاوية إلاّ ما كان فيه لله ولرسوله رضاً وللمؤمنين صلاح.
وقد أظهر معاوية التزامه بهذه الشروط على كُرهٍ منه مدّة عشر سنوات تقريباً، وعاش المجتمع الإسلامي في ظل هذه الشروط حياة حرّة كريمة آمنة، وقد فصلنا في معالمها وأحداثها في كتابنا عن صلح الحسنعليهالسلام ، ولكن معاوية أبت أصولُه التي تربى في
ظلها إلاّ الغدر(1) ؛ فأقدم على نقض كلّ شرط أعطاه للحسنعليهالسلام ، ووضع خطّة تحقّق له ذلك، وكان مفتاح الأمر هو أن يغتال الحسنعليهالسلام ؛ إذ لم يكن باستطاعته نقض الشروط والحسنعليهالسلام حي، فاحتال ودسَّ السُّم بواسطة بنت الأشعث إحدى زوجات الإمام الحسن(2) .
ثمّ تحرك معاوية وفق سياسة عامّة، وكانت أهم بنودها ما يلي:
1 - لعن عليعليهالسلام وشتمه على منابر المسلمين ليربو عليه الصغير ويهرم عليه الكبير،
____________________
(1) حيث نقض أبوه أبو سفيان عهد الحديبيّة مع النبيصلىاللهعليهوآله .
(2) قال في الاستيعاب في ترجمة الحسنعليهالسلام : قال قتادة وأبو بكر بن حفص: سُمّ الحسن بن علي، سمّته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي، وقالت طائفة: كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذله لها في ذلك، وكان لها ضرائر.
وروى الذهبي عن الواقدي قال: وقد سمعت مَنْ يقول: كان معاوية قد تلطّف لبعض خدم الحسن أن يسقيه سمّاً.
وروى أيضاً عن أبي عوانة، عن مغيرة، عن أمّ موسى: أنّ جعدة بنت الأشعث بن قيس سقت الحسن السمّ. سير أعلام النبلاء 3 / 274.
قال البدري: وقد عُرف معاوية أنّه كان يستعمل السمّ للتخلّص من خصومه، فقد روى الطبري 5 / 96 في حوادث سنة 38: أنّ معاوية طلب من الحايستار رجل من أهل الخراج أن يحتل لقتل مالك الأشتر لمّا بعثه عليعليهالسلام والياً إلى مصر فدسّ له السمّ.
وروى الطبري أيضاً 5 / 227، حوادث سنة 46 قال: حدّثني عمر قال: حدّثني علي، عن مسلمة بن محارب: أنّ عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان قد عظم شأنه بالشام، ومال إليه أهلها لِما كان عندهم من آثار أبيه خالد بن الوليد، ولغنائه عن المسلمين في أرض الروم وبأسه حتّى خافه معاوية وخشي على نفسه منه لميل الناس إليه، فأمر ابن أثال أن يحتال في قتله، وضمن له إن هو فعل ذلك أن يضع عنه خراجه ما عاش، وأن يولّيه جباية خراج حمص.
فلمّا قدم عبد الرحمن بن خالد حمص منصرفاً من بلاد الروم دسّ إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه، فشربها فمات بحمص، فوفّى له معاوية بما ضمن له، وولاّه خراج حمص ووضع عنه خراجه.
قال: وقدم خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المدينة، فجلس يوماً إلى عروة بن الزبير فسلّم عليه، فقال له عروة: مَنْ أنت؟ قال: أنا خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد. فقال له عروة: ما فعل ابن أثال؟
فقام خالد من عنده وشخص متوجّهاً إلى حمص، ثمّ رصد بها ابن أثال فرآه يوماً راكباً، فاعترض له خالد بن عبد الرحمن فضربه بالسيف فقتله، فرفع إلى معاوية فحبسه أياماً، وأغرمه ديته ولم يقده منه، ورجع خالد إلى المدينة، فلمّا رجع إليها أتى عروة فسلّم عليه، فقال له عروة: ما فعل ابن أثال؟ فقال: قد كفيتك ابن أثال، ولكن ما فعل ابن جرموز؟ فسكت عروة.
ويستهدف هذا البند تهديم موقع علي كإمام هدى وحجّة على الناس معيّن من الله ورسوله بشكل مباشر.
2 - المنع من رواية فضائل علي وأهل بيتهعليهمالسلام ، ويستهدف هذا البند تغييب الآيات القرآنية والأحاديث النبويّة التي أشادت بعليعليهالسلام وبيّنت إمامته الهادية بإذن الله ورسوله.
3 - اختلاق أخبار قبيحة في علي وأهل بيتهعليهمالسلام ، ويستهدف هذا البند بناء قاعدة فكرية تبرر لعن عليعليهالسلام .
4 - اختلاق الفضائل للخلفاء وبني اُميّة، ويستهدف هذا الأساس بناء القاعدة الفكرية التي تطرح الخلفاء وبني اُميّة على أنّهم أئمّة هدى والحجّة على الناس بعد الرسول.
5 - ترويع شيعة عليعليهالسلام قتلاً وسجناً ونفياً وتهجيراً، ويستهدف هذا البند تصفية نخبة الأمّة التي حملت أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله وأخبار سيرة عليعليهالسلام ونشرها بين الناس، وكذلك تصفية الوجود البشري الواسع الذي انفتح على عليعليهالسلام بصدق وإخلاص، وتعلّم منه وجعله الحجّة بينه وبين الله تعالى بعد النبيصلىاللهعليهوآله ، ثمّ خصَّ العراق بسياسة معينة.
وكان قبل ذلك قد اعتمد على رجال ركنوا إلى الدنيا، أمثال عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومروان بن الحكم، والضحاك بن قيس الفهري، وزياد بن عبيد الثقفي الذي ألحقه بنسبه فقيل زياد بن أبي سفيان، وسمرة بن جندب، وعمرو بن حريث، وغيرهم حيث ولاّهم أهم البلدان والمناصب؛ لكي يضبط تطبيق هذه السياسة.
ونحن حين نمعن النظر في بنود تلك السياسة نجدها جميعاً ممّا خالف فيه معاوية الكتاب وسنّة النبيصلىاللهعليهوآله ؛ فَلَعْنُ عليعليهالسلام ، وتربيةُ الناس على بغضه مخالفةٌ صريحة لما أَمَرَ به الله ورسوله في إيجاب مودّته وولايته.
والنهيُّ عن رواية أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في فضل عليٍّعليهالسلام ومنزلته مخالفة صريحة لأمر النبيصلىاللهعليهوآله بتبليغ سنّته إلى مَنْ لم يسمعها.
ووضعُ الحديث في ذمّ عليعليهالسلام ، ومدح أناس لم يمدحهم النبيصلىاللهعليهوآله كذبٌ متعمَّدٌ على الرسولصلىاللهعليهوآله يستحق فاعله النار؛ لقول النبيصلىاللهعليهوآله : « مَنْ كذب عليَّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار »(1) .
وترويعُ المؤمنين وإخافتهم، وسجنهم وقتُّهم لأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر مخالفة لكتاب الله ورسوله، استحق فاعلها النار بنصّ من القرآن( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) آل عمران / 21.
هذا مضافاً إلى مخالفات صريحة اُخرى لكتاب الله وسنّة نبيّهصلىاللهعليهوآله ، من قبيل: استلحاقِه زياد بن عبيد، وهو ردٌ صريحٌ لقضاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
ومن قبيل أمره بترك التلبية نهارَ عرفة قبل الزوال(2) ، وهو ردٌ صريحٌ لسنّة النبي في التلبية في الحج.
____________________
(1) صحيح البخاري 2 / 81، و7 / 118 طبعة دار الفكر، صحيح مسلم 1 / 8 طبعة دار الفكر.
(2) روى النسائي في السنن الكبرى، والحاكم في المستدرك 1 / 636: عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: كنّا مع ابن عباس بعرفات فقال: ما لي لا أسمع الناس يلبّون؟ فقلت: يخافون من معاوية، فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال: لبيك اللّهمّ لبيك؛ فإنّهم قد تركوا السنّة من بعد علي.
قال في تقريب التهذيب: ميسرة بن حبيب النهدي بفتح النون أبو حازم الكوفي صدوق من السابعة بخ د ت س.
ومن قبيل أمره بتحريم متعة الحج، وهو مخالفةٌ صريحةٌ لكتاب الله وسنّة النبي.
ومن قبيل تعطيله حدّ السرقة في سارق لتشفّع أمّ السارق فيه(1) .
ومن قبيل حرمان قربى النبيصلىاللهعليهوآله من خمس الغنائم وهو مخالفة صريحة للقرآن وسنّة النبيصلىاللهعليهوآله .
ومن قبيل أمره لقادة الفتوح بأن يستصفوا له ذهب الغنائم وفضّتها قبل القسمة، وغير ذلك.
وفيما يلي الحديث عن بنود تلك السياسة، وجملة من تلك المخالفات.
قال محمود أحمد شاكر في كتابه العهد الاُموي / 24 - 27: واتُّهم معاوية بادّعاء زياد بن أبيه ونسبته إلى أبي سفيان، فكيف قَبِلَ زياد هذا الكلام أمامه؟ وكيف قبِل معاوية؟ وكيف رضي المسلمون بهذه المخالفة الصريحة من الإمام؟ فهل ضاع الإحساس وضاع الدين ولا يزال الصحابة أحياء؟!(2)
وهذا الكاتب كما نلاحظ يحاول أن ينكر مسألة استلحاق معاوية لزياد، وجعلها تهمة عليه وليست حقيقة.
وقد ردَّ عليه أحد الباحثين المعاصرين(3) من أبناء مذهبه قائلاً: إنّ استلحاق زياد ثابت عند أهل العلم والمحدّثين. ثمّ أورد كلام ابن حجر وكلام الشوكاني.
قال ابن حجر وهو يشرح ما ورد في البخاري (قوله: أنّ زياد بن أبي سفيان): كذا وقع في الموطأ، وكأنّ شيخ مالك حدّث به كذلك في زمن بني اُميّة، وأمّا بعدهم فما كان
____________________
(1) روى البلاذري ق4 ج1 / 123 قال: أتي معاوية بشاب قد سرق، فأمر بقطع يده، فقال شعراً يستعطفه، ثمّ جاءت أمّه وهي تبكي وتطلب منه أن يعفو عنه فخلى سبيله.
(2) إنقاذ التاريخ الإسلامي / 30.
(3) هو الأستاذ حسن فرحان المالكي في كتابه نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي.
يُقال له إلاّ زياد بن أبيه(1) ، وقبل استلحاق معاوية له كان يُقال له: زياد بن عبيد، وكانت أمّه سمية مولاة الحارث بن كلدة الثقفي تحت عبيد المذكور، فولدت زياداً على فراشه فكان ينسب إليه، فلمّا كان في خلافة معاوية شهد جماعة على إقرار أبي سفيان بأنّ زياداً ولده، فاستلحقه معاوية لذلك وزوّج ابنه ابنته، وأمّر زياداً على العراقين البصرة والكوفة جمعهما له، ومات في خلافة معاوية سنة ثلاث وخمسين(2) .
قال الشوكاني بعد أن أورد نظير كلام ابن حجر: وقد أنكر هذه الواقعة على معاوية مَنْ أنكرها... وقد أجمع أهل العلم على تحريم نسبته إلى أبي سفيان، وما وقع في زمان بني اُميّة فإنّما هو تقية(3) .
أقول: قال العلاّمة عبد الرحمن بن أبي بكر (ت911هجرية) في شرحه لصحيح مسلم: (لمّا ادُّعي زياد) بضم الدال مبني للمجهول، أي ادّعاه معاوية وألحقه بأبيه أبي سفيان بعد أن كان يُعرف بزياد بن أبيه؛ لأنّ أمّه ولدته على فراش عبيد، وهذه أوّل قضية غُيِّرَ فيها الحكم الشرعي في الإسلام(4) .
وقوله (أوّل قضية غُيِّرَ فيها الحكم الشرعي): إشارة إلى ما عُرِف من قضاء النبيصلىاللهعليهوآله في مثل هذه القضية حيث هدم حكم الجاهليّة.
قال الخطابي وتبعه عياض والقرطبي وغيرهما: كان أهل الجاهليّة يقتنون الولائد
____________________
(1) بقي بعضهم يسمّيه زياد بن أبي سفيان من قبيل يحيى بن معين في تاريخه 3 / 345 في ترجمة أبي الحواري. قال يحيى: مولى لولد زياد بن أبي سفيان. والمزي في تهذيب الكمال في ترجمة قزعة بن يحيى، ويُقال: ابن الأسود أبو الغادية البصري مولى زياد بن أبي سفيان.
(2) فتح الباري 3 / 547.
(3) نيل الأوطار - للشوكاني.
(4) الديباج على صحيح مسلم 1 / 84 طبعة السعودية 416. أقول: يصدق كلامه إذا قيدناه بفترة ما بعد علي والحسن وإلاّ فإنّ قبلهما قد غيّرت أحكام كثيرة علناً من قبل السلطة، من قبيل تغيير حكم متعة الحجّ وغيره.
ويقرّرون عليهنّ الضرائب، فيكتسبن بالفجور، وكانوا يلحقون النسب بالزناة إذا ادّعوا الولد. وكان لزمعة أمّة وكان يلمّ بها، فظهر بها حمل زعم عتبة بن أبي وقاص أنّه منه، وعهد إلى أخيه سعد أن يستلحقه، فخاصم فيه عبد بن زمعة، فقال له سعد: هو ابن أخي على ما كان عليه الأمر في الجاهليّة.
وقال عبد: هو أخي على ما استقر عليه الأمر في الإسلام، فأبطل النبيصلىاللهعليهوآله حكم الجاهليّة وألحقه بزمعة، وقال: « الولد للفراش وللعاهر الحجر »(1) .
____________________
(1) روى البخاري قال: حدّثنا يحيى بن قزعة، حدّثنا مالك، عن بن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) قالت: كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أنّ ابن وليدة زمعة منّي فاقبضه.
قالت: فلمّا كان عامّ الفتح أخذه سعد بن أبي وقاص وقال: ابن أخي قد عهد إليّ فيه.
فقام عبد بن زمعة فقال: أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه.
فتساوقا إلى النبيصلىاللهعليهوآله ، فقال سعد: يا رسول الله، ابن أخي كان قد عهد إليّ فيه. فقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « هو لك يا عبد بن زمعة ». ثمّ قال النبيصلىاللهعليهوآله : « الولد للفراش وللعاهر الحجر ». ثم قال لسودة بنت زمعة زوج النبيصلىاللهعليهوآله : « احتجبي منه »؛ لِما رأى من شبهه بعتبة، فما رآها حتّى لقي الله (مختصر صحيح البخاري 2 / 724).
وروى أبو داود حدّثنا موسى بن إسماعيل، ثنا مهدي بن ميمون أبو يحيى، ثنا محمّد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه)، عن رباح قال: زوّجني أهلي أمة لهم رومية، فوقعت عليها فولدت غلاماً أسود مثلي فسمّيته عبد الله، ثمّ وقعت عليها فولدت غلاماً أسود مثلي فسمّيته عبيد الله.
ثمّ طبن لها غلام لأهلي رومي يُقال له: يوحنه، فراطنها بلسانه فولدت غلاماً كأنّه وزغة من الوزغات، فقلت لها: ما هذا؟ فقالت: هذا ليوحنه. فرفعنا إلى عثمان - أحسبه قال: مهدي - قال: فسألهما فاعترفا، فقال لهما: أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قضى أنّ الولد للفراش، وأحسبه قال: فجلدها وجلده وكان مملوكين. (سنن أبي داود 2 / 283).
وروى أحمد قال: حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا محمّد بن جعفر، ثنا سعيد ويزيد بن هارون، عن سعيد، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة قال: خطبنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله بمنى وهو على راحلته... فقال: «... الولد للفراش وللعاهر الحجر، ألا ومَنْ ادّعى إلى غير أبيه أو تولّى غير مواليه رغبة عنهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً » (مسند أحمد 4 / 238).
قال ابن الأثير: كان استلحاق معاوية لزياد أوّل ما رُدّت أحكام الشريعة علانية...، ثمّ ذكر اعتذار البعض عن معاوية، ثمّ علق عليه قائلاً: وهذا مردود لاتّفاق المسلمين على إنكاره(1) .
روى ابن عساكر عن سعيد بن المسيب أنّه قال: أوّل مَنْ ردّ قضاء رسول الله دعوة معاوية في زياد(2) .
روى الطبراني(3) قال: استعمل الغفاري على خراسان، فبلغ ذلك عمران بن الحصين، فطلب الحكم حتّى لقيه، فقال: ما زلت أطلبك منذ اليوم؛ إنّك بعثت على أمر عظيم، أتذكر يوم قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « لا طاعة لمخلوق في معصية الله »؟ قال: نعم. قال عمران: الله أكبر! حسبت نسيت.
وفي رواية أحمد، عن الحسن: أنّ زياداً استعمل الحكم بن عمرو الغفاري على جيش، فلقيه عمران بن حصين في دار الإمارة بين الناس، فقال: هل تدري فيما جئتك؟ أما تذكر أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله لمّا بلغه الذي قال له أميره: فقم فقع في النار، فقام الرجل ليقع فاُدرك فأمسك، فقال النبيصلىاللهعليهوآله : « لو وقع فيها لدخلا النار؛ لا طاعة لمخلوق في معصية الله تبارك وتعالى »(4) .
ويتضح الهدف من تذكير عمران للحكم من الرواية التالية:
روى الحاكم قال: حدّثني أبو بكر بن بالويه، ثنا محمّد بن أحمد بن النضر، ثنا معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن هشام، عن الحسن قال: بعث زياد الحكم بن
____________________
(1) الكامل في التاريخ 3 / 445.
(2) مختصر تاريخ دمشق 9 / 78.
(3) في المعجم الكبير 18 / 184.
(4) المسند أحمد بن حنبل 5 / 66، 3 / 501.
عمرو الغفاري على خراسان، فأصابوا غنائم كثيرة فكتب إليه: أمّا بعد، فإنّ أمير المؤمنين كتب أن يصطفي له البيضاء والصفراء، ولا تقسم بين المسلمين ذهباً ولا فضة. فكتب إليه الحكم: أمّا بعد، فإنّك كتبت تذكر كتاب أمير المؤمنين، وإنّي وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين، وإنّي أقسم بالله لو كانت السماوات والأرض رتقاً على عبد فاتقى الله، لجعل له من بينهم مخرجاً، والسلام.
ثمّ أمر الحكم منادياً فنادى: أن اغدوا على فيئكم فقسمه بينهم. وأنّ معاوية لمّا فعل الحكم في قسمة الفيء ما فعل وجّه إليه مَنْ قيده وحبسه، فمات في قيوده ودفن فيها، وقال: إنّي مُخاصِم(1) .
قال ابن حجر في الإصابة: الحكم بن عمرو أبو عمرو الغفاري أخو رافع، ويُقال له: الحكم بن الأقرع. روى عن النبيصلىاللهعليهوآله ، وحديثه في البخاري والأربعة. روى عنه أبو الشعثاء، وأبو حاجب، وعبد الله بن الصامت، والحسن، وابن سيرين وغيرهم.
قال ابن سعد: صحب النبيصلىاللهعليهوآله حتّى مات، ثمّ نزل البصرة وولاّه زياد خراسان فمات بها. وروي عن أوس بن عبد الله بن بريدة، عن أبيه: أنّ معاوية عتب عليه في شيء، فأرسل عاملاً غيره فقيّده، فمات في القيد سنة خمس وأربعين.
وقال المدائني: مات سنة خمسين. وقال العسكري: سنة إحدى وخمسين.
قال ابن حبان في مشاهير علماء الأمصار1 / 60: الحكم بن عمرو بن مجدع الغفاري له صحبة، خرج إلى خراسان غازياً، وله قصّة طويلة ليس غرض الكتاب يحتملها، حتّى أمر معاوية بقيده فقيّد بمرو، فبقي في قيده حتّى مات سنة خمسين في ولاية معاوية، وأوصى أن يدفن بقيده ليخاصِم أبا عبد الرحمن (أي معاوية) في القيامة، فدفن بقيده بمرو، وقبره بجنب بريدة الأسلمي.
____________________
(3) المستدرك 1 / 501.
أوردت الصحاح - كتب الحديث المعتبرة - أحاديث نبويّة صحيحة تفرض حبّ عليعليهالسلام وولايته، وتنهى عن إيذائه وبغضه، وتصف فاعل ذلك بالنفاق والحرب لله ولرسوله، وفيما يلي بعضها:
روى الطبراني: عن أبي عبد الله الجدلي قال: قالت لي اُمّ سلمة: أيُسبّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيكم على رؤوس الناس؟ فقلت: سبحان الله! وأنّى يُسبّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟! فقالت: أليس يُسبّ علي بن أبي طالب ومَنْ يُحبّه؟ فأشهد أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يُحبّه(1) .
وفي رواية قالت: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « مَنْ سبّ علياً فقد سبّني »(2) .
روى أحمد في مسنده: عن عمرو بن شاس الأسلمي قال، وكان من أصحاب الحديبية، قال: خرجت مع علي إلى اليمن، فجفاني في سفري ذلك، حتّى وجدت في نفسي عليه، فلمّا قدمت أظهرت شكايته في المسجد حتّى بلغ ذلك رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فدخلت المسجد ذات غدوة ورسول اللهصلىاللهعليهوآله في ناس من أصحابه، فلمّا رآني أبدني عينيه، يقول: حدَّدَ إلي النظر حتّى إذا جلست، قال: « يا عمرو، والله لقد آذيتني ». قلت: أعوذ بالله أن اُوذيك يا رسول الله! قال: « بلى، مَنْ آذى علياً فقد آذاني »(3) .
وروى أبو يعلى: عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: كنت جالساً في المسجد أنا ورجلين معي، فنلنا من علي، فأقبل رسول اللهصلىاللهعليهوآله غضبان يُعرف في وجهه الغضب، فتعوذت بالله من غضبه، فقال: « ما لكم وما لي؟! مَنْ آذى علياً فقد آذاني »(4) .
____________________
(1) المعجم الصغير 2 / 83، السنن الكبرى 5 / 133، مسند أبي يعلى 12 / 444، المستدرك على الصحيحين3 / 130.
(2) مسند أحمد 6 / 323، فضائل الصحابة 2 / 594.
(3) مسند أحمد 3 / 483.
(4) مسند أبي يعلى 2 / 109.
وروى أحمد عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: نظر النبيصلىاللهعليهوآله إلى علي والحسن والحسين وفاطمةعليهمالسلام فقال: « أنا حرب لمَنْ حاربكم، وسلم لمَنْ سالمكم »(1) .
ورواه الطبراني عن صبيح مولى اُمّ سلمة، عن زيد بن أرقم(2) .
وروى مسلم عن عدي بن ثابت، عن زر قال: قال عليعليهالسلام : « والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النبي الأمي إليَّ، أن لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق »(3) .
وروى الطبراني عن فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل قال: سمعت اُمّ سلمة تقول: أشهد أنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « مَنْ أحبّ علياً فقد أحبّني، ومَنْ أحبّني فقد أحبّ الله، ومَنْ أبغض علياً فقد أبغضني، ومَنْ أبغضني فقد أبغض الله »(4) .
وروى أبو يعلى عن أبي الجارود، عن الحارث الهمداني قال: رأيت علياً جاء حتّى صعد فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: « قضاء قضاه الله على لسان نبيّكمصلىاللهعليهوآله النبي الأمي، أنّه لا يحبّني إلاّ مؤمن، ولا يبغضني إلاّ منافق، وقد خاب مَنْ افترى ».
قال: قال النضر: وقال عليعليهالسلام : « أنا أخو رسول اللهصلىاللهعليهوآله وابن عمّه، لا يقولها أحد بعدي »(5) .
وقد روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « مَنْ عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب »(6) .
وروى أحمد عن عائشة قالت: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « قال الله عزّ وجلّ: مَنْ أذلّ لي ولياً فقد استحلّ محاربتي »(7) .
____________________
(1) مسند أحمد 2 / 442، المعجم الكبير - للطبراني 3 / 40، 5 / 184.
(2) المعجم الصغير 2 / 53.
(3) صحيح مسلم 1 / 86، السنن الكبرى 5 / 47، مسند أبي يعلى 1 / 251.
(4) المعجم الكبير 23 / 380.
(5) مسند أبي يعلى 1 / 347.
(6) الجامع الصحيح المختصر 5 / 2384.
(7) مسند أحمد 6 / 256.
أقول: وإذا ضممنا إلى هذه النصوص الأحاديث التي ترفع من شأن الصحابة ككل، المنتشرة في كتب الحديث، لم يكن من السهل على الكثير من المعاصرين أن يقبل ما يعتقده الشيعة في بني اُميّة من اُمور:
منها: أنّهم كانوا قد سنُّوا سنّة لعن عليعليهالسلام وسبِّه، وغفل هؤلاء عن حقيقة: أنّ الأخبار والروايات في هذه القضية بالذّات من الكثرة بحيث لم يستطع أن يغفلها أصحاب الصحاح أنفسهم.
قال الدكتور عبد الحليم عويس: لا يُعقل ما يُشاع عن بني اُميّة من أنّهم كانوا يسبّون علياً على المنابر(1) . وقد وافقه آخرون أمثال محبّ الدين الخطيب(2) ، ومحمود شاكر(3) ، وإبراهيم شعوط(4) وغيرهم، وزاد بعضهم قوله: ولم يردنا بطريق صحيح(5) .
وقد ردّ على هؤلاء أناس من غير الشيعة أيضاً(6) بذكر أخبار من كتب الصحاح، وفيما يلي بعضها:
روى البخاري قال: حدّثنا عبد الله بن مسلمة، حدّثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه (سلمة بن دينار)، أنّ رجلاً جاء إلى سهل بن سعد فقال: هذا فلان لأمير المدينة يدعو علياً عند المنبر. قال: فيقول ماذا؟ قال: يقول له: أبو تراب! فضحك، قال: والله ما سمّاه إلاّ النبيصلىاللهعليهوآله ، وما كان والله له اسم أحبّ إليه منه(7) .
____________________
(1) نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي حسن فرحان المالكي (20عن صحيفة مرآة الجامعة العدد 110).
(2) في تعليقاته على كتاب العواصم من القواصم.
(3) في موسوعته التاريخ الإسلامي المجلد الخاص بالخلفاء الراشدين والعهد الاُموي.
(4) كقوله: فلم يصح أبداً عن معاوية أنّه سبّ علياً، أو لعنه مرّة واحدة فضلاً عن التشهير به على المنابر. (أباطيل يجب أن تُمحى من التاريخ / 204).
(5) نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي / 27.
(6) منهم الاُستاذ حسن فرحان المالكي الحجازي، وهو سنّي المذهب بالأحاديث التي أوردناها في المتن.
(7) الجامع المختصر 3 / 1358، صحيح البخاري 4 / 207.
وهذه الرواية عند مسلم في صحيحه أكثر وضوحاً، قال سهل بن سعد: إنّ رجلاً أتاه فقال: هذا فلان - لأمير من أمراء المدينة - يدعوك غداً فتسبّ علياً على المنبر. قال: فأقول ماذا؟ قال: تقول: أبو تراب. فضحك سهل، ثمّ قال: والله ما سمّاه إيّاه الاّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، والله ما كان من اسم أحبّ إليه منه(1) .
قال في فتح الباري: قوله: (هذا فلان لأمير المدينة)، أي عنى أمير المدينة، ولم أقف على اسمه صريحاً(2) .
وروى مسلم قال: حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا عبد العزيز يعني ابن أبي حازم، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: استعمل على المدينة رجل من آل مروان، قال: فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم علياً. قال: فأبى سهل، فقال له: أما إذا أبيت فقل: لعن الله أبا التراب. فقال سهل: ما كان لعلي اسم أحبّ إليه من أبي التراب، وإن كان ليفرح إذا دُعي بها(3) .
وقال في إرشاد الساري: إنّ هذا الوالي هو مروان بن الحكم(4) .
وروى مسلم أيضاً قال: حدّثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن عباد، وتقاربا في اللفظ قالا:
____________________
(1) مسلم 4 / 1871، المعجم الكبير6 / 150، الآحاد والمثاني 1 / 167، صحيح ابن حبان 15 / 368.
(2) فتح الباري 7 / 72.
(3) صحيح مسلم 4 / 1874، سنن البيهقي 2 / 446. وتكملة الرواية: فقال له: أخبرنا عن قصته، لِمَ سمّي أبا تراب؟ قال: جاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله بيت فاطمةعليهاالسلام فلم يجد علياًعليهالسلام في البيت، فقال: « أين ابن عمّك؟ ». فقالت: « كان بيني وبينه شيء فغاضبني فلم يقل عندي ». فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لإنسان: « انظر أين هو؟ ». فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد. فجاءه رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقّه فأصابه تراب، فجعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله يمسحه عنه ويقول: « قم أبا التراب، قم أبا التراب ».
قال ابن حجر: وروى ابن أبي إسحاق من طريقه، وأحمد من حديث عمّار بن ياسر قال: نمت أنا وعلي في غزوة العشيرة في نخل، فما أفقنا إلاّ بالنبيصلىاللهعليهوآله يحرّكنا برجله يقول لعليعليهالسلام : « قم يا أبا تراب »؛ لما يرى عليه من التراب. (فتح الباري 7 / 72).
(4) إرشاد الساري 6 / 112.
حدّثنا حاتم وهو ابن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً(1) فقال: ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟
فقال: أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول اللهصلىاللهعليهوآله فلن أسبّه(2) ، لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم؛ سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه، فقال له علي: « يا رسول الله، خلّفتني مع النساء والصبيان؟! ». فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ إنّه لا نبوّة بعدي؟ ».
وسمعته يقول يوم خيبر: « لأعطين الراية رجلاً يحبّ اللهَ ورسولَه، ويُحبّه اللهُ ورسولُه ». قال: فتطاولنا لها، فقال: « ادعو لي علياً ». فأُتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه.
ولمّا نزلت هذه الآية:( تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) ، دعا رسول اللهصلىاللهعليهوآله علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: « اللّهمّ هؤلاء أهلي »(3) .
وروى أحمد بن حنبل قال: حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا محمّد بن جعفر، ثنا شعبة، عن حصين، عن هلال بن يساف، عن عبد الله بن ظالم قال: خطب المغيرة بن شعبة فنال من علي، فخرج سعيد بن زيد فقال: ألا تعجب من هذا يسبّ علياً (رحمه الله)؟!(4)
وروى النسائي عن شقيق بن أبي عبد الله قال: حدّثنا أبو بكر بن خالد بن عرفطة قال: رأيت سعد بن مالك بالمدينة فقال: ذُكر أنّكم تسبّون علياً؟ قلت: قد فعلنا. قال: لعلك سببته؟ قلت: معاذ الله! قال: لا تسبه، فإن وضع المنشار على مفرقي على أن أسبّ علياً ما سببته بعد ما سمعت من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما سمعت(5) .
____________________
(1) الذي يظهر أنّ هذا كان سنة خمسين لمّا حجّ معاوية بعد وفاة الحسنعليهالسلام ، وهي السنة التي توفي فيها سعد أيضاً (انظر ابن الأثير 3 / 471).
(2) وفي مسند أبي يعلى 2 / 114 قال: والذي نفس سعد بيده، لقد سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول في علي شيئاً لو وضع المنشار على مفرقي على أن أسبّه ما سببته أبداً.
(3) صحيح مسلم 4 / 1871، الترمذي 5 / 638.
(4) مسند أحمد بن حنبل 1 / 188، السنن الكبرى - للنسائي 5 / 58.
(5) السنن الكبرى 5 / 133.
أقول: يتّضح من هذه الروايات الصحيحة وفق مسلك أهل السنّة في تصحيح الرواية، وقد وردت في أهم مصادرهم الحديثية أنّ معاوية وولاته (مروان والمغيرة) كانوا يسبّون علياًعليهالسلام على المنابر.
وفي المصادر التاريخيّة تفصيل أكثر نورد طرفاً منه فيما يلي:
قال ابن عبد ربه: لمّا مات الحسن بن علي حجّ معاوية(1) ، فدخل المدينة وأراد أن يلعن علياً على منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقيل له: إنّ ها هنا سعد بن أبي وقاص ولا نراه يرضى بهذا، فابعث إليه وخذ رأيه.
فأرسل إليه وذكر له ذلك، فقال: إن فعلت لأخرجنّ من المسجد، ثمّ لا أعود إليه. فأمسك معاوية عن لعنه حتّى مات سعد، فلمّا مات لعنه على المنبر، وكتب إلى عمّاله أن يلعنوه ففعلوا، فكتبت اُمّ سلمة زوج النبيصلىاللهعليهوآله : إنّكم تلعنون علي بن أبي طالب ومَنْ أحبّه، وأنا أشهد أنّ الله أحبّه ورسوله. فلم يُلتفت إلى كلامها(2) .
وفي مقاتل الطالبيِّين: إنّ الحسن وسعد ماتا في نفس السنّة، ويرى الناس أنّ معاوية سقاهما السمّ(3) .
وفي تاريخ ابن الأثير سنة 51 قال: وفيها توفي سعد بن أبي وقاص، وقيل: توفي سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة خمس وخمسين(4) .
قال أبو عثمان الجاحظ(5) : إنّ معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة: اللّهمّ إنّ أبا تراب ألحدّ في دينك، وصدَّ عن سبيلك، فالعنه لعناً وبيلاً، وعذّبه عذاباً أليماً.
____________________
(1) قال المسعودي (3 / 25): وقد كان معاوية حجّ سنة خمسين.
(2) العقد الفريد 4 / 366.
(3) مقاتل الطالبيِّين / 48.
(4) تاريخ ابن الأثير 3 / 471.
(5) هو عمرو بن بحر الليثي البصري اللغوي النحوي، كان مائلاً إلى النصب.
وكتب بذلك إلى الآفاق، فكانت هذه الكلمات يُشار بها على المنابر، وصار ذلك سنّة في أيّام بني اُميّة إلى أن قام عمر بن عبد العزيز فأزاله(1) .
وقال أيضاً: وما كان عبد الملك مع فضله وأناته وسداده ورجحانه ممّن يخفى عليه فضل علي، وأنّ لعنه على رؤوس الأشهاد، وفي أعطاف الخطب، وعلى صهوات المنابر ممّا يعود عليه نقصه، ويرجع إليه وهنه؛ لأنّهما جميعاً من بني عبد مناف، والأصل واحد، ولكنّه أراد تشييد الملك، وتأكيد ما فعله الأسلاف، وأن يقرّر في أنفس الناس أنّ بني هاشم لا حَظَّ لهم في هذا الأمر، وأنّ سيدهم الذي يصولون به ويجولون، وبفخره يفخرون هذا حاله وهذا مقداره، فيكون مَنْ انتمى إليه ويدلي به عن الأمر أبعد، وعن الوصول إليه أشحط(2) .
وقد بلغ الأمر ببني اُميّة أنّهم لا يحتملون لشخص أن يجمع بين اسم علي وكنيته.
____________________
(1) شرح النهج 4 / 56 الخطبة 57. قال كثير بن عبد الرحمن يمدح عمر ويذكر قطعه للسبّ:
وليتَ فلم تشتم عليّاً ولم تخف |
بريّاً ولم تقبل إساءةَ مجرمِ |
(الأغاني 9 / 258 طبعة الدار).
وقال الشريف الرضي:
ياِبنَ عَبدِ العَزيزِ لَو بَكَتِ العَيـ |
ـنُ فَتىً مِن أُمِيَّةٍ لَبَكَيتُكْ |
|
غَيرَ أَنّي أَقولُ إِنَّكَ قَد طِبـ |
ـتَ وَإِن لَم يَطِب وَلَم يَزكُ بَيتُكْ |
|
أَنتَ نَزَّهتَنا عَنِ السَبِّ وَالقَذ |
فِ فَلَو أَمكَنَ الجَزاءُ جَزَيتُكْ |
(ديوانه).
وقد ذكر البلاذري في أنساب الأشراف 8 / 195 رواية المدائني عن عمر بن عبد العزيز قوله: نشأت على بغض علي لا أعرف غيره، وكان أبي يخطب فإذا ذكر علياً ونال منه تلجلج، فقلت: يا أبه، إنّك تمضي في خطبتك فإذا أتيت على ذكر علي عرفت منّك تقصيراً! قال: أفطنت لذلك؟ قلت: نعم. قال: يابُني، إنّ الذين من حولنا لو نعلّمهم من حال علي ما نعلم تفرّقوا عنّا.
وفي ج8 / 184 قال: كتب عمر إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب عامله على الكوفة: أمّا بعد، فقد بلغني أنّ من قبلك يسبّون الحجّاج فانههم عن ذلك.
(2) شرح النهج 4 / 57.
روى ابن سعد في ترجمة علي بن عبد الله بن عباس قال: ويُكنّى أبا محمّد، ولد ليلة قُتل علي بن أبي طالب (رحمة الله عليه) في شهر رمضان سنة أربعين، فسمّي باسمه وكنّي بكنيته أبي الحسن، فقال له عبد الملك بن مروان: لا والله لا أحتمل لك الاسم والكنية جميعاً، فغيّر أحدهما. فغيّر كنيته فصيرها أبا محمد(1) .
ثمّ تمادى بهم الأمر إلى أنّهم صغَّروا كلّ عَلِيٍّ فقالوا: عُلَيّ.
قال ابن حبان في ترجمة علي بن رباح اللخمي(2) : وهو الذي يُقال له عُلَيّ بن رباح، وكان يقول: مَنْ قال لي عَلِيّ ليس منّي في حلّ؛ وذاك أنّ أهل الشام كانوا يصغِّرون كلّ علي؛ لِما في قلوبهم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(3) .
ونقل العلاّمة ابن عقيل (رحمه الله) عن الحافظ السيوطي: أنّه كان في أيّام بني اُميّة أكثر من سبعين ألف منبر يُلعن عليها علي بن أبي طالب بما سنّه لهم معاوية من ذلك(4) .
____________________
(1) الطبقات الكبرى 5 / 312. أقول: كان هذا من عبد الملك في أيّام خلافته، وتوفي علي بن عبد الله بن عباس سنة 118.
(2) علي بن رباح (بخ م 4 البخاري في الأدب المفرد ومسلم والأربعة) روى عن عمرو بن العاص، وسراقة بن مالك بن جعشم، وفضالة بن عبيد، والمستورد بن شداد، وعتبة بن النذر، ومعاوية بن أبي سفيان، ومعاوية بن حديج. وفد على معاوية وعلى عبد الملك بن مروان، ذكره خليفة بن خياط في الطبقة الأولى من أهل مصر، وقال: عمّر.
وذكره محمّد بن سعد في الطبقة الثانية وقال: كان ثقة. وقال سلمة بن شبيب: سمعت أبا عبد الرحمن المقرئ يقول: كانت بنو اُميّة إذا سمعوا بمولود اسمه علي قتلوه، فبلغ ذلك رباحاً، فقال: هو عُلَيّ. وكان يغضب من عَلِيّ ويحرّج على مَنْ سمّاه به.
وقال أبو سعيد بن يونس: ولد سنة خمس عشرة عام اليرموك، وكان أعور، ذهبت عينه يوم ذي الصواري في البحر مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح سنة أربع وثلاثين، وكان يفد لليمانية من أهل مصر على عبد الملك بن مروان، وكانت له من عبد العزيز بن مروان منزلة، وهو الذي زفّ أمّ البنين ابنة عبد العزيز بن مروان إلى الوليد بن عبد الملك. مات سنة 114. (تهذيب التهذيب). أقول: والظاهر أنّ قوله: قتلوه، مصحّف غيروه.
(3) مشاهير علماء الأمصار - لابن حبّان.
(4) النصائح الكافية / 104، وفيه: وفي ذلك يقول العلاّمة أحمد الحفظي الشافعي في اُرجوزته:
سبعون ألف منبرٍ وعَشَرَهْ |
من فوقهنّ يلعنونَ حيدرهْ |
=
وقد بقيت أثار هذه التربية عند بعض أتباع بني اُميّة من حملة الحديث حتّى بعد زوال حكم بني اُميّة كما يذكر أصحاب التراجم عن حريز بن عثمان.
قال ابن حجر: حريز بن عثمان أبو عون الحمصي(1) (خ 4 البخاري والأربعة).
قال أحمد: حريز صحيح الحديث إلاّ إنّه يحمل على عليعليهالسلام .
وقال المفضل بن غسان: يُقال في حريز مع تثبته أنّه كان سفيانياً.
وقال العجلي: شامي، ثقة، وكان يحمل على علي.
وقال عمرو بن علي: كان ينتقص علياً وينال منه. وقال في موضع آخر: ثبت شديد التحامل على علي.
وقال ابن عمار: يتّهمونه أنّه كان ينتقص علياً، ويروون عنه، ويحتجّون به ولا يتركونه.
وقال أحمد بن سعيد الدارمي: عن أحمد بن سليمان المروزي: سمعت إسماعيل بن عياش، قال: عادلت حريز بن عثمان من مصر إلى مكة، فجعل يسبّ علياً ويلعنه. قال إسماعيل بن عياش: سمعت حريز بن عثمان يقول: هذا الذي يرويه الناس عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال لعلي: « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» حقّ، ولكن أخطأ السامع. قلت: فما هو؟ فقال: إنّما هو أنت منّي بمنزلة قارون من موسى. قلت: عمّن ترويه؟ قال: سمعت الوليد بن عبد الملك يقوله وهو على المنبر!
وقال ابن عدي: وحريز من الأثبات في الشاميين، ويحدّث عن الثقات منهم، وقد وثّقه القطان وغيره، وإنّما وُضَع منه ببغضه لعلي.
قال يزيد بن عبد ربه(2) : قال ابن حجر: وحكى الأزدي في الضعفاء أنّ حريز بن عثمان
____________________
=
وهذه في جنبها العظائمُ |
تصغر بل توجّه اللوائمُ |
|
فهل ترى مَنْ سنّها يعادى |
أم لا وهل يستر أم يهادى |
|
أو عالمٌ يقولُ عنه نسكتُ |
أجب فإنّي للجواب منصتُ |
|
وليت شعري هل يقال اجتهدا |
كقولهم في بغيه أم ألحدا |
|
أليس ذا يؤذيه أم لا فاسمعنْ |
إنّ الذي يؤذيه يؤذي مَنْ ومَنْ |
|
بل جاء في حديث اُمّ سلمه |
هل فيكم اللهُ يُسبّ مه لمه |
|
عاون أخا العرفان بالجوابِ |
وعاد مَنْ عادى أبا ترابِ |
|
وقد حكى الشيخ السيوطي أنّه |
قد كان فيما جعلوه سُنَّه |
(1) ولد سنة 80 وتوفي في سنة 163.
(2) مولده سنة 80 ومات سنة 163.
روى أنّ النبيصلىاللهعليهوآله لمّا أراد أن يركب بغلته جاء علي بن أبي طالب فحلّ حزام البغلة ليقع النبيصلىاللهعليهوآله . قال الأزدي: مَنْ كانت هذه حاله لا يُروى عنه.
قال ابن حجر: لعله سمع هذه القصة أيضاً من الوليد.
وقال غنجار: قيل ليحيى بن صالح: لِمَ لم تكتب عن حريز؟ فقال: كيف أكتب عن رجل صلّيت معه الفجر سبع سنين فكان لا يخرج من المسجد حتّى يلعن علياً سبعين مرّة!
وقال ابن حبان: كان يلعن علياً بالغداة سبعين مرّة، وبالعشي سبعين مرّة، فقيل له في ذلك، فقال: هو القاطع رؤوس آبائي وأجدادي، وكان داعية إلى مذهبه يتنكب حديثه انتهى.
قال ابن حجر: وإنّما أخرج له البخاري لقول أبي اليمان(1) أنّه رجع عن النصب كما مضى نقل ذلك عنه، والله أعلم(2) .
أقول: وقد بقيت آثار التربية أيضاً في بعض البلدان فلم يعد أهلها يتحمّلون سماع فضيلة لعليعليهالسلام حتّى من محدِّثيهم.
روى الذهبي في ترجمة ابن السقّاء: الحافظ الإمام محدِّث واسط أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن عثمان الواسطي، وقال علي بن محمّد الطيّب الجلابي في تاريخه: ابن السقاء من أئمّة الواسطيين والحفّاظ المتقنين، توفي في جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين وثلاثمئة.
قال السلفي: سألت الحافظ خميساً الحوزي عن ابن السقاء؟ فقال: هو من مزينة مضر، ولم يكن سقّاء بل لقب له من وجوه الواسطيين وذوي الثروة والحفظ، رحَل به أبوه فأسمعه من أبي خليفة وأبي يعلى، وابن زيدان البجلي والمفضل بن الجندي، وبارك الله في سنّه وعلمه، واتّفق أنّه أملى حديث الطير فلم تحتمله نفوسهم، فوثبوا به وأقاموه وغسلوا
____________________
(1) أبو اليمان الحكم بن نافع البهراني الحمصي، ولد في حمص سنة 221 وتوفي وهو ابن 83 سنة.
قال الذهبي: روى عن إسماعيل بن عياش، وحريز بن عثمان وآخرين، وعنه البخاري والدارمي، وأبو زرعة وأبو حاتم، استقدمه المأمون ليوليه قضاء حمص. وروايته أنّ حريزاً رجع عن النصب من أجل أن يبرئ ساحة شيخه في الرواية، وقد أثبتنا في كتابنا علم الرجال المقارن أنّه لم يرجع عن النصب.
(2) تهذيب التهذيب ترجمة حريز.
موضعه فمضى ولزم بيته، فكان لا يحدّث أحداً من الواسطيين؛ فلهذا قلّ حديثه عندهم، وتوفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمئة.
قال الذهبي: حدّثني ذلك شيخنا أبو الحسن المغازلي(1) .
وقد بقيت تربية الانحراف في دمشق عن عليعليهالسلام بشكل ظاهر بعد أكثر من قرن ونصف من قيام الدولة العباسيّة.
قال الإمام النسائي(2) لمّا سُئل عن سبب تصنيف كتابه الخصائص، قال: دخلت دمشق والمنحرف بها عن علي كثير. وصنف كتاب الخصائص رجاء أن يهديهم الله(3) .
قال المدائني: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد وفاة الحسنعليهالسلام سنة 51: ألا برئت الذمّة ممّن روى حديثاً في مناقب علي وأهل بيته(4) .
وروى سليم بن قيس قال: مرّ معاوية بحلقة من قريش، فلمّا رأوه قاموا إليه غير عبد الله بن عباس، فقال له: يابن عباس، ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلاّ لموجدة عليّ بقتالي إيّاكم يوم صفين؟ يابن عباس، إنّ ابن عمّي عثمان قُتل مظلوماً.
قال ابن عباس: فعمر بن الخطاب قد قُتل مظلوماً، فسلّم الأمر إلى ولده؟ وهذا ابنه.
قال: إنّ عمر قتله مشرك.
قال ابن عباس: فمَنْ قتل عثمان؟
قال: قتله المسلمون.
قال: فذلك ادحض لحجّتك؛ إن كان المسلمون قتلوه وخذلوه فليس إلاّ بحق.
قال: فإنّا كتبنا إلى الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته، فكفّ لسانك يابن عباس.
____________________
(1) تذكرة الحفاظ 3 / 965.
(2) كتابه في الحديث يعتبر أحد الكتب الستة المعتبرة عن أهل السنّة. توفي سنة 303 هجرية.
(3) انظر ابن حجر في تهذيب التهذيب (ج 1 ص 33) ترجمة النسائي.
(4) شرح النهج 11 / 44.
قال: فتنهانا عن قراءة القرآن؟
قال: لا.
قال: فتنهانا عن تأويله؟
قال: نعم.
قال: فنقرأه ولا نسأل عمّا عنى الله به؟
قال: نعم.
قال: فأيهما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟
قال: العمل به.
قال: فكيف نعمل به حتّى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا؟
قال: سل عن ذلك من يتأوّله على غير ما تتأوّله أنت وأهل بيتك.
قال: إنّما أنزل القرآن على أهل بيتي، فأسأل عنه آل أبي سفيان وآل أبي معيط؟!
قال: فاقرؤوا القرآن ولا ترووا شيئاً ممّا أنزل الله فيكم، وممّا قال رسول الله، وارووا ما سوى ذلك.
قال ابن عباس: قال الله تعالى:( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأبَى اللَّهُ إِلاّ إنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوكَرِهَ الْكَافِرُونَ ) التوبة / 32.
قال معاوية: يابن عباس، اكفني نفسك وكفّ عنّي لسانك، وإن كنت لا بد فاعلاً فليكن سرّاً، ولا تسمعه أحداً علانية(1) .
قال أبو جعفر الإسكافي (ت220): إنّ معاوية وضع قوماً من الصحابة، وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليعليهالسلام تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جُعَلاً يُرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه؛ منهم أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير(2) .
____________________
(1) كتاب سليم بن قيس 2 / 782.
(2) ومرة الهمداني، والأسود بن يزيد، ومسروق الأجدع، وأبو وائل شقيق ابن سلمة، وأبو عبد الرحمن السُّلمي =
أقول: وفيما يلي نماذج من هذه الأحاديث:
روى الزهري أنّ عروة بن الزبير حدّثه، قال: حدّثتني عائشة، قالت: كنت عند رسول اللهعليهالسلام إذ أقبل العباس وعلي، فقال: يا عائشة، إنّ هذين يموتان على غير ملّتي، أو قال: ديني.
وروى عبد الرزاق عن معمر، قال: كان عند الزهري حديثان عن عروة، عن عائشة في عليعليهالسلام ، فسألته عنهما يوماً، فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما؟ الله أعلم بهما، إنّي لأتهمهما في بني هاشم.
قال ابن أبي الحديد: فأمّا الحديث الأول فقد ذكرناه.
وأمّا الحديث الثاني فهو: إنّ عروة زعم أنّ عائشة حدّثته، قالت: كنت عند النبيصلىاللهعليهوآله إذ أقبل العباس وعلي، فقال: يا عائشة، إنّ سَرَّكِ أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا. فنظرتُ فإذا العباس وعلي بن أبي طالب.
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما مسنداً متّصلاً بعمرو بن العاص، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: إنّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنّما وليي الله وصالح المؤمنين(1) .
____________________
= القارئ، وقيس بن حازم، وسعيد بن المسيب، والزهري، ومكحول، وحريز بن عثمان وغيرهم، انظر شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد 4 / 67 - 110.
(1) رواه البخاري 5 / 2233 (ط الموسوعة الذهبية)، مسلم 1 / 197، مسند أحمد 4 / 203 وفيها (آل أبي فلان)، قال ابن حجر في فتح الباري 10 / 423 قال أبو بكر بن العربي في سراج المريدين: كان في أصل حديث عمرو بن العاص أنّ آل أبي طالب، فغيّر آل أبي فلان، كذا جزم به.
وتعقّبه بعض الناس وبالغ في التشنيع عليه، ونسبه إلى التحامل على آل أبي طالب، ولم يصب هذا المنكر؛ فإنّ هذه الرواية التي أشار إليها ابن العربي موجودة في مستخرج أبي نعيم من طريق الفضل بن الموفق، عن عنبسة بن عبد الواحد بسند البخاري عن بيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم، عن عمرو بن العاص رفعه: أنّ لبني أبي طالب رحماً أبلهاً ببلالها.
وقد أخرجه الإسماعيلي من هذا الوجه أيضاً، لكن أبهم لفظ طالب، وكأنّ الحامل لمَنْ أبهم هذا الموضع ظنّهم أنّ ذلك يقتضي نقصاً في آل أبي طالب، وليس كما توهّموه كما سأوضحه إن شاء الله تعالى.
قوله (ليسوا بأوليائي) كذا للأكثر، وفي نسخة من رواية أبي ذر (بأولياء)، فنقل ابن التين
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة الحديث الذي معناه أنّ علياًعليهالسلام خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فأسخطه، فخطب على المنبر وقال: لاها الله، لا تجتمع ابنة ولي الله وابنة عدو الله أبي جهل؛ إنَّ فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما يؤذيها، فإن كان علي يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي وليفعل ما يريد. (أو كلاماً هذا معناه)(1) .
قال ابن أبي الحديد: هذا الحديث مخرَّج في صحيحي مسلم والبخاري عن المسور بن مخرمة الزهري.
ولشياع هذا الخبر وانتشاره ذكره مروان بن أبي حفصة(2) في قصيدة يمدح بها الرشيد،
____________________
= عن الداودي أنّ المراد بهذا النفي مَنْ لم يسلم منهم، أي فهو من إطلاق الكلّ وإرادة البعض، والمنفي على هذا المجموع لا الجميع.
وقال الخطّابي: الولاية المنفية ولاية القرب والاختصاص لا ولاية الدين، ورجّح ابن التين الأول وهو الراجح، فإنّ من جملة آل أبي طالب علياً وجعفر، وهما من أخصّ الناس بالنبيصلىاللهعليهوآله لما لهما من السابقة والقدم في الإسلام ونصر الدين، وقد استشكل بعض الناس صحة هذا الحديث لما نسب إلى بعض رواته من النصب، وهو الانحراف عن علي وآل بيته.
قال ابن حجر: أمّا قيس بن أبي حازم فقال يعقوب بن شيبة: تكلّم أصحابنا في قيس، فمنهم مَنْ رفع قدره وعظّمه، وجعل الحديث عنه من أصح الأسانيد حتّى قال بن معين: هو أوثق من الزهري، ومنهم مَنْ حمل عليه، وقال: له أحاديث مناكير، وأجاب مَنْ أطراه بأنّها غرائب وأفراده لا يقدح فيه، ومنهم مَنْ حمل عليه في مذهبه وقال: كان يحمل على علي؛ ولذلك تجنّب الرواية عنه كثير من قدماء الكوفيِّين.
وأجاب مَنْ أطراه بأنّه كان يقدّم عثمان على علي فقط. قال ابن حجر: والمعتمد عليه أنّه ثقة ثبت مقبول الرواية، وهو من كبار التابعين، سمع من أبي بكر الصديق فمَنْ دونه. وقد روى عنه حديث الباب إسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر، وهما كوفيان، ولم ينسبا إلى النصب، لكن الراوي عن بيان وهو عنبسة بن عبد الواحد، اُموي قد نسب إلى شيء من النصب، وأمّا عمرو بن العاص وإن كان بينه وبين علي ما كان، فحاشاه أن يتهم.
وللحديث محمل صحيح لا يستلزم نقصاً في مؤمني آل أبي طالب، وهو: أنّ المراد بالنفي المجموع كما تقدّم، ويحتمل أن يكون المراد بآل أبي طالب أبو طالب نفسه، وهو إطلاق سائغ.
(1) انظر البخاري المختصر 4 / 1364، مسلم 4 / 1903.
(2) مروان بن أبي حفصة، ولد سنة 105 هجرية، شاعر، كان جدّه أبو حفصة مولى لمروان بن الحكم أعتقه يوم الدار، أدرك زمناً من العهد العباسي، فقدم بغداد ومدح المهدي والرشيد. توفّي ببغداد سنة 182 هجرية.
ويذكر فيها ولد فاطمةعليهاالسلام وينحى عليهم ويذمّهم، وقد بالغ حين ذمّ علياًعليهالسلام ونال منه، وأوّلها:
ويا حبذا جُمْلٌ وإن صُرِمَتْ حبلي |
سلام على جُمْلٍ وهيهات من جُمْلِ |
ثم يقول فيها:
أبوكمُ عليٌّ كان أفضلَ منكمُ |
أباه ذوو الشورى وكانوا ذوي عدلِ |
|
وساء رسولَ الله إذ ساء بنتَهُ |
بخطبته بنتَ اللعين أبي جهلِ |
|
أراد على بنت النبي تزوُّجاً |
ببنت عدوِّ الله يا لك من فعلِ |
|
فذمَّ رسولُ الله صهرَ أبيكمُ |
على منبر الإسلام بالمنطق الفصلِ |
|
وحكَّم فيها حاكمَيْنِ أبوكُمُ |
هما خلعاه خلع ذي النعل للنعلِ |
|
وقد باعها من بعده الحسنُ ابنُهُ |
فقد أُبطلت دعواكم الرثة الحبلِ |
|
وخلَّيتموها وهي في غير أهلِها |
وطالبتموها حين صارت إلى أهلِ(1) |
____________________
(1) الأغاني - لأبي الفرج الأصفهاني 23 / 214 - 215، والأصفهاني يرويها لمروان بن أبي حفصة الأصغر، وهو مروان بن أبي الجنوب بن مروان الأكبر بن أبي حفصة، وأنّه أنشدها للمتوكّل العباسي، وأنّها من مشهور شعره.
أمّا ابن أبي الحديد في شرح النهج 4 / 63 - 64، فيرويها لجدّه مروان الأكبر، والذي يظهر أنّها للجدّ؛ إذ إنّ الحفيد كان يروي شعر جدّه ويتشبه به في الشعر، ويتقرّب إلى المتوكّل بهجاء آل أبي طالب كما ذكر الأصفهاني، ولمّا أفضت الخلافة إلى المنتصر تجنّب مذهب أبيه وطرد مروان الأصغر، وقال: والله لا أذنت للكافر ابن الزانية، أليس هو القائل:
وحكّم فيها حاكمَين أبوكُمُ |
هما خلعاه خلع ذي النعلِ للنعل؟! |
الأغاني 23 / 214 و 219.
قال المسعودي في مروج الذهب 4 / 51 - 52: وكان آل أبي طالب قبل خلافة المنتصر في محنة عظيمة وخوف على دمائهم، قد مُنعوا زيارة قبر الحسين والغري من أرض الكوفة، وكذلك مُنع غيرهم من شيعتهم حضور هذه المشاهد، وكان الأمر بذلك من المتوكِّل سنة ست وثلاثين ومئتين، وفيها أمر المعروف باذيريج بالسير إلى قبر الحسين بن علي (رضي الله تعالى عنهما) وهدمه ومحو أرضه وإزالة أثره، وأن يعاقب مَنْ وجد به. فبذل الرغائب لمَنْ تقدّم على هذا القبر، فكلٌّ خشي العقوبة وأحجم، فتناول الباذيريج مسحاة وهدم أعالي قبر الحسينعليهالسلام ، فحينئذ أقدم الفعلة فيه...
ولم تزل الاُمور على ما ذكرنا إلى أن استخلف المنتصر سنة 247 هجرية، فأمن الناس وتقدَّم بالكفِّ عن آل أبي طالب، وترك البحث عن أخبارهم، =
قال ابن أبي الحديد: قد روى ابن عرفة المعروف بـ (نفطويه)(1) ، وهو من أكابر المحدّثين وأعلامهم في تاريخه، قال: إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني اُميّة(2) .
قال المدائني: كتب معاوية إلى عمّاله: انظروا من قبلكم من شيعة عثمان الذين يروون فضائله ومناقبه، فادنوا مجالسهم، وقرّبوهم وأكرموهم، واكتبوا إليّ بما يروي كلّ رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته.
ففعلوا ذلك حتّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه؛ لِما كان يبعث إليهم معاوية من الصلات والكُسا، والحباء والقطائع، ويفضيه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كلّ مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملاً من عمّال
____________________
= وأن لا يمنع أحد زيارة الحيرة لقبر الحسين (رضي الله تعالى عنه)، ولا قبر غيره من آل أبي طالب، وأمر بردِّ فدك إلى ولد الحسن والحسين، وأطلق أوقاف آل أبي طالب، وترك التعرُّض لشيعتهم ودفع الأذى عنهم،....
وفي ذلك يقول يزيد بن محمّد المهلبي، وكان من شيعة آل أبي طالب، وما كان امتحن به الشيعة في ذلك الوقت، وأغريت بهم العامة:
ولقد بررتَ الطالبيةَ بعدما |
ذمّوا زماناً بعدها وزمانا |
|
ورددتَ اُلفةَ هاشمٍ فرأيتهم |
بعد العداوةِ بينهم إخوانا |
|
آنستَ ليلهمُ وجدتَ عليهمُ |
لرأوك أثقل مَنْ بها ميزانا |
|
لو يعلمُ الأسلافُ كيفَ بررتهمْ |
حتّى نسوا الأحقادَ والأضغانا |
(1) قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 5 / 75: هو الإمام الحافظ النحوي العلاّمة الإخباري إبراهيم بن محمّد بن عرفة بن سليمان العتكي الأزدي الواسطي، ولد سنة 244 وتوفي سنة 323 هجـ، صاحب التصانيف، وكان ذا سنّة ودين، من تصانيفه (تاريخ الخلفاء).
(2) شرح النهج 11 / 44.
معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلاّ كتب اسمه وقرّبه وشفّعه، فلبثوا في ذلك حيناً.
قال المدائني: ثمّ كتب إلى عمّاله: إنّ الحديث في عثمان قد كثر، وفشا في كلّ مصر، وفي كلّ وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة، والخلفاء الأوّلين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ واتوني بمناقض له في الصحابة؛ فإنّ هذا أحبّ إليّ وأقرّ لعيني، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدّ عليهم من مناقب عثمان وفضله.
فقُرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجرى الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وألقي إلى معلمي الكتاتيب فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتّى رووه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن، وحتى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم... ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة(1) .
أقول: وممّا وضع في فضل معاوية ما رواه أحمد قال: حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا علي بن بحر، ثنا الوليد بن مسلم (ت سنة 195)، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة الأزدي، عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه ذكر معاوية وقال: اللّهمّ اجعله هادياً مهديّاً واهدِ به(2)
____________________
(1) المصدر نفسه..
(2) مسند أحمد 4 / 216، جامع الترمذي 5 / 687، المعجم الأوسط 1 / 380، الآحاد والمثاني 2 / 358، مسند الشاميين 1 / 181.
قال المدائني: كتب معاوية إلى قضاته وولاته في الأمصار أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي الذين يروون فضله ويتحدّثون بمناقبه شهادة.
ثمّ كتب أيضاً: انظروا مَنْ قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان.
ثمّ كتب كتابا آخر: مَنْ اتهمتموه ولم تقم عليه بيّنة فاقتلوه(1) .
____________________
(1) شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد 11 / 45.
الفصل الثاني: خطّة معاوية لتصفية التشيّع في الكوفة
كان للكوفة في نظر معاوية أكثر من جُرم، فقد انطلقت منها الشرارة الأولى في الاعتراض على سياسة ولاة عثمان، ثمّ هي مركز أنصار علي وشيعته، وهي القاعدة الصلبة التي استند إليها الحسنعليهالسلام لتحقيق أهدافه في الصلح، وجعلت معاوية يعاني جهداً نفسياً كبيراً مدّة تسع سنوات ليظهر بمظهر الحليم، ويتحمّل انتشار أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في حقّ عليعليهالسلام ، وانتشار سيرته المشرقة في الشام وغيرها، ويكرم وجوه أصحابه وهم ألدّ أعدائه.
وضع معاوية في حسابه أن يبذل كلّ جهده لتغيير وجهة الولاء الفكري والسياسي في الكوفة الذي كان لصالح علي وولده الطاهرينعليهمالسلام ، وتحويلها إلى مدينة موالية لبني اُميّة، وليس من شك أنّه أمر عسير جداً، ودونه عقبات كؤود أهمّها عقبتان اثنتان بعد أن تخلّص من الحسنعليهالسلام ، وهما:
1 - الجيش(1) والشرطة؛ فإنّ النسبة الغالبة منهم إن لم يكونوا كلّهم شيعة عليعليهالسلام .
2 - الوجوه البارزة في المجتمع، واغلبهم من الشيعة، وفيهم رموز العلم والتقوى؛ أمثال: حجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وغيرهما من الصحابة والتابعين.
____________________
(1) كانت مجموع المقاتلة ستّين ألف، وكان المقاتلة الفعليّون كلّ سنة عشرة آلاف.
اعتمد معاوية في خطته لغربلة الجيش وقوى الأمن الداخلي في الكوفة من كلّ شيعي فيه، واستبداله بشيعة بني اُميّة بمرحلتين أساسيتين:
المرحلة الأولى: في حياة الإمام الحسنعليهالسلام
ويبدو أنّ أهم وسيلة اعتمدها معاوية في هذه المرحلة هي مقاتلة الخوارج وملاحقتهم؛ فإنّ المخلصين والواعين من الشيعة كانوا يمتنعون من مقاتلة الخوارج؛ للكلام المأثور عن عليعليهالسلام : « لا تقاتلوا الخوارج بعدي؛ فإنّه ليس مَنْ طلب الحقّ فأخطأه كمَنْ عرف الباطل وأصابه »(1) .
وقالعليهالسلام : « إن خرجوا على إمام عادل فقاتلوهم، وإن خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم؛ فإنّ لهم بذلك مقالاً »(2) .
المرحلة الثانية: بعد وفاة الإمام الحسنعليهالسلام
وكان اُسلوب الغربلة في هذه المرحلة يعتمد على سياسة الدولة في لعن عليعليهالسلام
____________________
(1) قال ابن عبد البر في الاستيعاب بترجمة خالد بن عرفطة: لمّا سلّم الأمر الحسن لمعاوية خرج عليه عبد الله بن أبي الحوساء في جمادى سنة 41 بالنخيلة، فبعث إليه معاوية خالد بن عرفطة العذري حليف بني زهرة في جمع من أهل الكوفة (أيضاً تاريخ خليفة بن خياط / 203)، ثمّ خرج حوثرة بن وداع، فسرح إليه معاوية عبد الله بن عوف بن أحمر في ألف، فقُتل حوثرة في جمادي الآخرة سنة41 (تاريخ ابن خياط / 204).
ثمّ خرج فروة بن نوفل على المغيرة بعد رحيل معاوية، فوجّه إليه المغيرة شبث بن رِبعي، ويُقال: معقل بن قيس، فقتله، ثمّ خرج شبيب بن بَجَرَة، خرج على المغيرة بالقُفِّ قريب الكوفة، فبعث إليه المغيرة خالد بن عرفطة فقتله (وفي رواية ابن خياط وجّه إليه كثير بن شهاب الحارثي فقتله في أذربيجان).
ثمّ خرج أبو مريم مولى بني الحارث بن كعب، فوجّه إليه المغيرة جابراً البجلي فقتله، ثمّ خرج أبو ليلى ومعه ثلاثون من الموالي، بعث إليه المغيرة معقل بن قيس الرياحي فقتله (ابن الأثير 3 / 411 - 412)، ثمّ خرج المستورد بن عُلِّفَة غرة شعبان سنة 43، فبعث إليه المغيرة معقل بن قيس فقتله (ابن الأثير 3 / 421)، ثمّ خرج سهم بن غالب الهجيمي ومعه زياد بن مالك الخطيم بناحية البصرة، فخرج إليهم عبد الله بن عامر (تاريخ ابن خياط / 204).
(2) مصنف ابن أبي شيبة 8 / 738.
والبراءة منه، فمَنْ يرفض لعن عليعليهالسلام وسبّه كان نصيبه أن يسقط اسمه من ديوان العطاء، بل كان نصيب كلّ متّهم بحبّ علي هو أن يسقط اسمه من ديوان العطاء.
وليس من شك أنّ المخلصين والواعين من الشيعة لا تطيب نفوسهم بسبّ عليعليهالسلام حتّى في حالات الضرورة المسموح بها، فضلاً عن البراءة وهي غير مسموح بها؛ لأنّها أمر قلبي.
وقد كان هذا الاُسلوب الذي استخدمه معاوية أقوى اُسلوب لتصفية الجيش وقوى الأمن الداخلي من الشيعة، بل من كلّ متّهم بحبّ عليٍّعليهالسلام .
كان زياد بن عبيد الثقفي الذي غيَّرَ نَسَبَه معاوية في قصة معروفة إلى زياد بن أبي سفيان، يعتبر بحقّ باني الجيش الاُموي في العراق وقوى الأمن الداخلي فيه. وكانت من أهم إجراءاته في هذا السبيل - إلى جنب صرامته في تطبيق السياسة العامّة التي أشرنا إليها آنفاً - أربعة اُمور أساسيّة هي:
الأوّل: إحياء الخروج الإلزامي للغزو، وهو أوّل إجراء اتّخذه عند قدومه الكوفة. قال البلاذري: لمّا استعمل معاوية زياداً حين هلك المغيرة(1) على الكوفة جاء حتّى دخل المسجد ثمّ خطب، فقال:... وأيّ رجل مكتبه بعيد فأجله سنتان، ثمّ هو أمير نفسه، وأيّ رجل مكتبه قريب فأجله سنة، ثم هو أمير نفسه(2) .
____________________
(1) هلك سنة 50 هجرية، وقيل: سنة 51 هجرية.
(2) أنساب الأشراف ق4 ج1 / 198. كان نظام التجنيد على عهد الرسولصلىاللهعليهوآله اختيارياً، وكذلك في عهد أبي بكر، وشطراً من عهد عمر، ثمّ صيّره عمر إلزامياً.
ونقل الطبري (3 / 478) عن عمر قوله: ولا تدعو في ربيعة أحداً، ولا مضر ولا حلفائهم أحداً من أهل النجدات، ولا فارساً إلاّ اجتلبتموه، فإن جاء طائعاً وإلاّ حشرتموه.
وذكر المقريزي: أنّ الأمير قبل ذلك كان يقري البعوث على قدر المسافة؛ إن كان بعيداً فسنة، وإن كان دون ذلك فستّة أشهر، فإذا أخلّ الرجل بثغره نزعت عمامته واُقيم في مسجد حيّه، فقيل: هذا فلان قد أخلّ. (الإدارة في العصر الاُموي - نجدت خماش / 268، عن المقريزي 1 / 172).
الثاني: تغيير نظام الأسباع الذي كان على عهد الإمام عليعليهالسلام (1) إلى نظام الأرباع، وفي هذا النظام جعل تعبئة قبيلة همدان مع قبيلة تميم ربعاً وعليهم خالد بن عرفطة(2) ، وربيعة وكندة ربعاً وعليهم قيس بن خالد، ومذحج وأسد ربعاً وعليهم أبو بردة بن أبي موسى الأشعري(3) ، وأهل المدينة ربعاً وعليهم عمرو بن حريث المخزومي.
____________________
(1) كان ترتيب الأسباع على عهد عليعليهالسلام كما يلي:
1 - همدان وحمير.
2 - مذحج وأشعر، ومعهم طي (ولكن رايتهم خاصة بهم).
3 - قيس وعبس وذبيان، ومعهم عبد القيس.
4 - كندة وحضرموت وقضاعة ومهرة.
5 - الأزد وبجيلة وخثعم والأنصار.
6 - بكر وتغلب وبقيّة بطون ربيعة (عدا عبد القيس).
7 - قريش وكنانة وأسد وتميم وضبّة والرباب. (البلاذري في فتوح البلدان، الطبري 4 /317، وأيضاً الدينوري في الأخبار الطوال، ونصر بن مزاحم في وقعة صفين).
(2) قال ابن حجر في الإصابة في ترجمته: خالد بن عرفطة (بضم المهملة والفاء بينهما راء ساكنة) ابن أبرهة (بفتح الهمزة والراء بينهما موحدة ساكنة) ابن سنان الليثي، ويُقال: العذري، وهو الصحيح. وهو حليف بني زهرة، وولاّه سعد القتال يوم القادسية. أخرج حديثه الترمذي بإسناد صحيح، روى عنه أبو عثمان النهدي، وعبد الله بن يسار، ومسلم مولاه، وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم. وكان خالد مع سعد بن أبي وقاص في فتوح العراق، وكتب إليه عمر يأمره أن يؤمّره واستخلفه سعد على الكوفة. ولمّا بايع الناس لمعاوية ودخل الكوفة خرج عليه عبد الله بن أبي الحوساء بالنخيلة، فوجّه إليه خالد بن عرفطة هذا فحاربه حتّى قتله. وعاش خالد إلى سنة ستين، وقيل: مات سنة إحدى وستين. قال في تهذيب الكمال في ترجمته: وقال أبو القاسم الطبراني: كان خليفة سعد بن أبي وقاص على الكوفة، ثمّ استعمله زياد على الكوفة.
قال ابن حجر: وذكر بن المعلم المعروف بالشيخ المفيد الرافضي في مناقب علي من طريق ثابت الثمالي، عن أبي إسحاق، عن سويد بن غفلة، قال: جاء رجل إلى عليعليهالسلام فقال: إنّي مررت بوادي القرى فرأيت خالد بن عرفطة بها مات فاستغفر له. فقال: « إنّه لم يمت ولا يموت حتّى يقود جيش ضلالة، ويكون صاحب لوائه حبيب بن حمار ».
فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي لك محبٌّ، وأنا حبيب بن حمار. فقال: « لتحملنّها وتدخل بها من هذا الباب »، وأشار إلى باب المقبل. فاتفق أن ابن زياد بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن عليعليهالسلام ، فجعل خالداً على مقدّمته وحبيب بن حمار صاحب رايته، فدخل بها المسجد من باب المقبل.
(3) قال ابن سعد (في الطبقات 6 / 268): أبو بردة بن أبي موسى الأشعري واسمه عامر بن عبد الله بن قيس، قال: أخبرنا محمّد بن حميد العبدي، عن معمر، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبي بردة، قال: أرسلني أبي إلى عبد الله بن سلام أتعلّم منه، فجئته فسألني: مَنْ أنت؟ فأخبرته فرحبّ بي، فقلت: إنّ أبي أرسلني إليك لأسألك وأتعلّم منك.
وقال أبو نعيم: قد ولي أبو بردة قضاء الكوفة بعد شريح.
قال محمّد بن عمر: وقد =
ومن الواضح أنّ الهدف من هذا التغيير هو تطويق القبائل المعروفة بتشيّعها(1) .
الثالث: تسيير خمسين ألف مقاتل عراقي مع عوائلهم إلى خراسان(2) ، منهم خمس وعشرون ألف من الكوفة، عيَّن عليهم عبد الله بن عقيل، والباقون من البصرة، عيَّن عليهم الربيع بن زياد الحارثي(3) ، كما عيَّنه على الجميع(4) ، وكان فيهم بريدة بن الحصيب الأسلمي، وبمرو توفي أيّام يزيد بن معاوية، وكان فيهم أيضاً أبو برزة الأسلمي عبد بن نضلة، وبها مات وأسكنهم دون النهر(5) .
الرابع: اعتماد الحمراء مادة أساسية في قوى الأمن الداخلي، والحمراء كانوا يعملون مع الجيش الفارسي، وأصلهم من الديلم(6) ، كان منهم مع رستم يوم القادسية
____________________
= روى أبو بردة عن أبيه، وقد ولي قضاء الكوفة.
وقال محمّد بن عمر وغيره: توفي أبو بردة بالكوفة سنة ثلاث ومئة.
(1) وقد التفت إلى هذا الهدف أيضاً المستشرق (لامانس) المعروف بميوله للاُمويِّين. انظر خطط الكوفة للعلاّمة ماسينيون، ترجمة المصعبي / 16.
(2) قال الخربوطلي في كتابه العراق في العهد الاُموي في ص298، وهو رسالة دكتوراه: ولا شك أنّ معظمهم من الشيعة الذين أراد زياد التخلّص من معارضتهم الدائمة.
(3) قال في الإصابة: الربيع بن زياد الحارثي، قال أبو عمر: له صحبة، ولا أعرف له رواية، كذا قال. وقال أبو أحمد العسكري: أدرك الأيام النبويّة ولم يقدم المدينة إلاّ في أيام عمر. وذكره البخاري، وابن أبي حاتم، وابن حبّان في التابعين.
وقال ابن حبّان: ولاّه عبد الله بن عامر سجستان سنة تسع وعشرين ففتحت على يديه. وقال المبرّد في الكامل: كان عاملاً لأبي موسى على البحرين، وفد على عمر فسأله عن سنّه، فقال: خمس وأربعون. وقصّ قصّة في آخرها أنّه كتب إلى أبي موسى أن يقرّه على عمله، واستخلفه أبو موسى على حرب مناذر سنة تسع عشرة فافتتحها عنوة، وقُتل بها أخوه المهاجر بن زياد، وله مع عمر أخبار كثيرة؛ منها: أنّ عمر قال لأصحابه: دلّوني على رجل إذا كان في القوم أميراً فكأنّه ليس بأمير، وإذا لم يكن بأمير فكأنّه أمير.
فقالوا: ما نعرفه إلاّ الربيع بن زياد.
قال: صدقتم. ذكرها ابن الكلبي، وكان الحسن البصري كاتبه، وولي خراسان لزياد إلى أن مات.
(4) إدارة العراق في صدر الإسلام لرمزية عبد الوهاب الخيرو / 143 و 239 نقلاً عن الطبري 4 /170، عن المدائني.
(5) فتوح البلدان / 507.
(6) فتوح البلدان / 344.
أربعة آلاف، ويسمّون جند شاهنشاه، فاستأمنوا على أن ينزلوا حيث أحبّوا، ويحالفوا مَنْ أحبّوا، فأعطاهم سعد ذلك، وحالفوا زهرة بن حوية السعدي من بني تميم ونزلوا الكوفة(1) .
قال المرحوم آية الله الشيخ راضي آل ياسين في كتابه صلح الحسنعليهالسلام : والحمراء: شرطة زياد الذين فعلوا الأفاعيل بالشيعة سنة 51 وحواليها(2) .
ونقل الجاحظ عن زياد قوله: ينبغي أن يكون صاحب الشرطة زميتاً قطوباً، أبيض اللحية، أقنى، أحنى، ويتكلّم بالفارسية(3) .
وذكر الطبري: أنّ الشرطة في عهد زياد في البصرة قد بلغ عددهم أربعة آلاف(4) .
أقول: من المؤكد أنّ عددهم في الكوفة أكثر من ذلك.
وفي قصّة عبد الله بن خليفة الطائي من أصحاب حجر لمّا طلبه زياد، قال الطبري: فبعث إليه الشُّرط وهم أهل الحمراء يومئذ فأخذوه(5) .
وفي قصّة حجر بن عدي الكندي قال ابن سعد: فأرسل ابن زياد إلى حجر الشُّرط والبخارية، وأُتي به إلى زياد وبأصحابه(6) .
قال عمر بن شبّة: وكان زياد أوّل مَنْ شدّ أمر السلطان، وأكّد الملك لمعاوية، وألزم الناس الطاعة، وتقدّم في العقوبة، وجرّد السيف، وأخذ بالظنّة، وعاقب على الشبهة، وخافه الناس في سلطانه خوفاً شديداً(7) .
____________________
(1) فتوح البلدان / 343 - 344.
(2) صلح الإمام الحسن / 72.
(3) العراق في العهد الاُموي / 62 عن الجاحظ في البيان والتبيين 1 / 95.
(4) تاريخ الطبري 5 / 222.
(5) تاريخ الطبري 5 / 281.
(6) الطبقات الكبرى 6 / 217، سير أعلام النبلاء 3 / 464.
(7) تاريخ الطبري 5 / 222.
استعان زياد في البصرة بعدّة من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله ، منهم: سمرة بن جندب(1) ، وأنس
____________________
(1) قال في تهذيب الكمال: سمرة بن جندب الفزاري، صاحب النبيصلىاللهعليهوآله ، نزل البصرة، حليف الأنصار، روى عن النبيصلىاللهعليهوآله ، وعن أبي عبيدة بن الجراح. روى عنه الحسن البصري، وابناه سعد بن سمرة بن جندب، وسليمان بن سمرة بن جندب، وعامر الشعبي.
قال أبو عمر بن عبد البر: وكان زياد يستخلفه عليها ستة أشهر، وعلى الكوفة ستة أشهر. وكان شديداً على الحرورية. كان إذا أُتي بواحد منهم قتله ولم يقله. فالحرورية ومَنْ قاربهم من مذهبهم يطعنون عليه وينالون منه.
قال الطبري: فحدّثني عمر قال: حدّثني إسحاق بن إدريس قال: حدّثني محمّد بن سليم قال: سألت أنس بن سيرين: هل كان سمرة قتل أحداً؟
قال: وهل يُحصى مَنْ قتل سمرة بن جندب؟ استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس.
فقال له: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً؟
قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت، أو كما قال.
وروى أيضاً عن عمر قال: حدّثني موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا نوح بن قيس، عن أشعث الحداني، عن أبي سوار العدوي قال: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن. وروى أيضاً عن عمر قال: حدّثني علي بن محمّد، عن جعفر الصدفي، عن عوف قال: أقبل سمرة من المدينة، فلمّا كان عند دور بني أسد خرج رجل من بعض أزقتهم ففجأ أوائل الخيل، فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة.
قال: ثم مضت الخيل، فأتى عليه سمرة بن جندب وهو متشحّط في دمه فقال: ما هذا؟ قيل: أصابته أوائل خيل الأمير، قال: إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنّتنا (تاريخ الطبري 5 / 237 سنة 50).
قال الطبري: فحدّثني عمر بن شبّة قال: حدّثني علي قال: مات زياد وعلى البصرة سمرة بن جندب خليفة له، وعلى الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، فأقرّ معاوية سمرة على البصرة ثمانية عشر شهراً. قال عمر: وبلغني عن جعفر بن سليمان الضبعي قال: أقرّ معاوية سمرة بعد زياد ستة أشهر ثمّ عزله، فقال سمرة: لعن الله معاوية، والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذّبني أبداً (تاريخ الطبري 5 / 291).
قال في تهذيب الكمال: وكان الحسن وابن سيرين وفضلاء أهل البصرة يثنون عليه ويحملون عنه، وقال عبد الله بن صبيح، عن محمّد بن سيرين: كان سمرة فيما علمت عظيم الأمانة، صدق الحديث، يحبّ الإسلام وأهله.
قال أبو عمر: وكان سمرة من الحفّاظ المكثرين عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، مات في آخر خلافة معاوية آخر سنة تسع وخمسين أو أول سنة ستين بالكوفة، وقيل: بالبصرة سنة ثمان وخمسين. كان أصابه قزاز شديد وكان لا يكاد أن يدفأ فأمر بقدر عظيمة فملئت ماء وأوقد تحتها، واتّخذ فوقها مجلساً، فكان يصعد إليه بخارها فيدفأه، فبينا هو كذلك إذ خسف به (فسقط فيها) فمات، فكان ذلك تصديقاً لقول رسول اللهصلىاللهعليهوآله له ولأبي هريرة وثالث معهما: « آخركم موتاً في النار ». روى له الجماعة.
بن مالك(1) .
أمّا في الكوفة فقد استعان بالصحابي عمرو بن حريث المخزومي(2) وغيره.
قال الطبري: وقيل: إنّ زياداً أوّل مَنْ سيّر بين يديه بالحراب، ومشى بين يديه بالعمد، واتّخذ الحرس رابطة خمسمئة، واستعمل عليهم شيبان صاحب مقبرة شيبان من
____________________
(1) قال الطبري: حدّثني عمر بن شبّة قال: حدّثنا علي بن محمّد قال: استعان زياد بعدّة من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله ، منهم: عمران بن الحصين الخزاعي ولاّه قضاء البصرة، والحكم بن عمرو الغفاري ولاّه خراسان، وسمرة بن جندب، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سمرة، فاستعفاه عمران فأعفاه، واستقضى عبد الله بن فضالة الليثي، ثمّ أخاه عاصم بن فضالة، ثمّ زرارة بن أوفى الحرشي، وكانت اُخته لبابة عند زياد.
(2) قال المزي في تهذيب الكمال: عمرو بن حريث القرشي المخزومي أبو سعيد الكوفي له صحبة. روى عن النبيصلىاللهعليهوآله ، وعن أخيه سعيد بن حريث، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الله بن مسعود، وعدي بن حاتم، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وأبي بكر الصديق.
روى عنه إسماعيل بن أبي خالد، ومولاه أصبغ، وابنه جعفر بن عمرو بن حريث، والحسن العرني، وخلف بن خليفة، ثمّ رآه رؤية وخليفة والد فطر بن خليفة، وسعيد بن مردانبة، وسوقة والد محمّد بن سوقة، وأبو همام عبد الله بن يسار الكوفي، وعبد الملك بن عمير، وعطاء بن السائب، وابن أخيه عمرو بن عبد الملك بن حريث، والمغيرة بن سبيع، ومولاه أبو موسى هارون بن سلمان الفراء الكوفي، والوليد بن سريع، وأبو الأسود المحاربي.
قال الواقدي: توفي النبيصلىاللهعليهوآله وهو ابن اثنتي عشرة سنة. وعن محمّد بن سيرين: أنّ عمرو بن حريث تزوّج بنت عدي بن حاتم على حكم عدي، فندمه الناس وقالوا: لعله يحكم فيكثر، فحكم عدي اثنتي عشرة أوقية، فأرسل إليه عمرو ببدرة فيها عشرة آلاف.
قال البخاري وغيره: توفي سنة خمس وثمانين. روى له الجماعة. وقال ابن حجر في الإصابة: قال ابن حبان: ولد في أيام بدر. وقال غيره: قبل الهجرة بسنتين. وعند ابن أبي داود عنه: خطّ لي رسول اللهصلىاللهعليهوآله داراً بالمدينة. وهذا يدلّ على أنّه كان كبيراً في زمانه.
وقد روى عن النبيصلىاللهعليهوآله ، وأبي بكر وعمر، وعليعليهالسلام ، وابن مسعود وغيرهم. روى عن أخيه سعيد بن حريث، وله صحبة، وروى عنه ابنه جعفر وآخرون من أهل الكوفة، من أصغرهم فطر بن خليفة، وكان قد ولي إمرة الكوفة نيابة لزياد ولابنه عبد الله بن زياد.
بني سعد، فكانوا لا يبرحون المسجد(1) .
أقول: مراد مَنْ قال ذلك [ في ] العراق، وإلاّ فإنّ أوّل مَنْ سيّر الحراب بين يديه هو معاوية في الشام.
____________________
(1) المصدر السابق.
الفصل الثالث: مقتل حجر بن عدي وأصحابه (رضوان الله عليهم)
ذكر أصحاب التراجم عن حجر: أنّه وَفَدَ على النبيصلىاللهعليهوآله هو وأخوه هانئ بن عدي(1) ، وشهد واقعة القادسية، وشهد مع مالك الأشتر موت أبي ذر بالربذة، وأنّه شهد بعد ذلك حروب الجمل وصفين والنهروان، وأنّه قُتل صبراً بمرج عذراء(2) بأمر معاوية(3) . وكان له ابنان: عبد الله وعبد الرحمن، كانا مع المختار، قتلهما مصعب بن الزبير صبراً(4) . قال ابن عساكر: وكانا يتشيّعان(5) .
____________________
(1) وشهد حجر حجّة الوداع كما يظهر من رواية الحاكم: حدّثنا أبو علي الحافظ، أنا محمّد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني، ثنا محمّد بن مسكين اليمامي، ثنا عباد بن عمر، ثنا عكرمة بن عمار، ثنا مخشي بن حجر بن عدي، عن أبيه: أنّ النبيصلىاللهعليهوآله خطبهم فقال: « أيّ يوم هذا؟ ». قالوا: يوم حرام. قال: « فأيّ بلد هذا؟ ». قالوا: البلد الحرام. قال: « فأيّ شهر؟ ». قالوا: شهر حرام. قال: « فإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، كحرمة شهركم هذا، كحرمة بلدكم هذا. ليبلّغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ».
أقول: ومعنى ذلك أنّه شهد حادثة الغدير.
(2) مرج راهط: بمقربة من دمشق، بينهما اثنا عشر ميلاً. (الروض المعطار - للحميري).
(3) انظر الإصابة - لابن حجر.
(4) المستدرك 3 / 531، الإصابة.
(5) تاريخ ابن عساكر - ترجمة حجر.
وقال ابن سعد: كان ثقة عيناً، ولم يروِ عن غير علي شيئاً(1) .
أقول: أي لم يرو عن الصحابة الآخرين، فهو إمّا يروي عن النبيصلىاللهعليهوآله أو عن عليعليهالسلام .
وقال ابن عبد البر: كان من فضلاء الصحابة، وصغر سنه عن كبارهم، وكان على كندة يوم صفين، وكان على الميسرة يوم النهروان(2) .
وقال أحمد: قلت ليحيى بن سليمان: أبَلَغَك أنّ حجراً كان مستجاب الدعوة؟
قال: نعم، وكان من أفاضل أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله (3) .
وقال ابن الأثير: وكان من فضلاء الصحابة وأعيانهم.
وقال ابن كثير: وفد إلى رسول الله وكان من عبّاد الله وزهّادهم، وكان بارّاً باُمّه(4) ، وكان كثير الصلاة والصيام، وما أحدث إلاّ توضأ، وما توضأ إلاّ صلّى.
وقال الذهبي: لحجر صحبة ووفادة، وكان صالحاً عابداً. يلازم الوضوء، ويكثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كان شريفاً مطاعاً، من شيعة علي، شهد صفين أميراً(5) .
قال الحاكم النيسابوري: سمعت أبا علي الحافظ يقول: سمعت ابن قتيبة يقول: سمعت إبراهيم بن يعقوب(6) يقول: قد أدرك حجر بن عدي الجاهليّة وأكل الدم فيها، ثمّ صحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله وسمع منه، وشهد مع علي بن أبي طالبعليهالسلام الجمل وصفين، وقُتل في موالاة علي(7) .
____________________
(1) الطبقات الكبرى - ترجمة حجر.
(2) الاستيعاب - ترجمة حجر.
(3) الاستيعاب - ترجمة حجر.
(4) قال عبد الكريم بن رشيد: كان حجر يلمس فراش أمّه بيده، فيتهم غلظ يده، فينقلب على ظهره، فإذا أمن أن يكون عليه شيء أضجعها. تاريخ ابن عساكر - ترجمة حجر.
(5) سير أعلام النبلاء، وتاريخ الإسلام.
(6) هو المعروف بالجوزجاني على الأكثر.
(7) المستدرك 3 / 534.
أقول: قوله (وقُتل في موالاة علي) يريد ما ورد في كتب التاريخ من أنّ جلاوزة معاوية قالوا لحجر وأصحابه: إنّا قد أُمِرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له؛ فإن فعلتم تركناكم، وإن أبيتم قتلناكم. فقالوا: إنّا لسنا فاعلي ذلك. فقُتِلوا.
أمّا قول الذهبي في حجر: إنّه (كان يكثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، فهو السبب المباشر الذي جعل معاوية وزياد لا يتورّعان عن قتل حجر.
وملخّص ذلك ما رواه الطبري عن أبي مخنف قال: كان المغيرة إذا لعن علياًعليهالسلام على المنبر قام حجر، وقال: بل إيّاكم فذمم الله ولعن. ثم قام فقال: إنّ الله عزّ وجلّ يقول:( كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ) . وأنا أشهد أنّ مَنْ تذمّون وتعيّرون لأحقُّ بالفضل، وأنّ مَنْ تزكّون وتطرون أولى بالذمّ(1) .
وكانت سياسة الدولة هي عدم استخدام العنف مع المنكرين في المرحلة الأولى من أجل تشخيص أبعاد ردود الفعل والقائمين بها؛ ليتسنى تصفيتهم بشكل هادئ ومدروس، ومن هنا لم يتورَّط المغيرة بأيّ ردّ فعل قاس إزاء حجر وأصحابه.
ومات المغيرة اُخريات سنة خمسين أو أوائل سنة 51 هجرية، (والانقلاب الاُموي بعد وفاة الحسن في أيّامه الأولى)، وضم معاوية الكوفة إلى زياد بعد ما أثبت كفاءة خاصّة في إدارة البصرة. وجاء زياد واتّخذ إجراءاته التي ذكرناها آنفاً، واستعد لخوض مرحلة المواجهة الحادة مع حجر وأصحابه المنكرين على بني اُميّة سياستهم.
ولم يسجّل حجر ولا أصحابه طوال هذه المدّة أي موقف يسوِّغ للسلطة قتلهم من قبيل خلع الحاكم وحمل السيف ضدّه، واكتفوا بالمواجهة اللسانية والفكرية استجابة لتوجيه الإمام الحسينعليهالسلام لهم كما سيأتي بيانه.
ولم يكن أمام زياد والحالة هذه إلاّ أن
____________________
(1) الطبري 4 / 188.
يلفّق على حجر وأصحابه تهمة نكث بيعة معاوية، والخروج عليه بشهادات الزور، ولم يكن معاوية بعيداً عن مثل هذه الخطّة.
قال الطبري: حدّثنا مسلم الجرمي قال: حدّثنا مخلّد بن الحسن، عن هشام، عن محمّد بن سيرين قال: خطب زياد يوماً في الجمعة فأطال الخطبة، وأخّر الصلاة، فقال له حجر بن عدي: الصلاة. فمضى في خطبته، ثمّ قال: الصلاة. فمضى في خطبته، فلمّا خشي حجر فوت الصلاة ضرب بيده إلى كفّ من الحصا وثار إلى الصلاة وثار الناس معه.
فلمّا رأى ذلك زياد نزل فصلى بالناس، فلمّا فرغ من صلاته كتب إلى معاوية في أمره وكثَّر عليه، فكتب إليه معاوية: أن شدّه في الحديد ثمّ احمله إليّ. فلمّا أن جاء كتاب معاوية أراد قوم حجر أن يمنعوه، فقال: لا، ولكن سمعاً وطاعةً. فشُدَّ في الحديد ثمّ حُمِل إلى معاوية(1) .
قال هشام بن محمّد، عن أبي مخنف، وحدّثني المجالد بن سعيد، عن الشعبي، وزكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق: أنّ حجراً لمّا قُفِي به من عند زياد نادى بأعلى صوته: اللّهمّ إنّي على بيعتي لا أقيلها ولا أستقيلها سماع الله والناس. وكان عليه بُرْنُس في غداة باردة، فحبس عشر ليال، وزياد ليس له عمل إلاّ طلب رؤساء أصحاب حجر حتّى جمع اثني عشر رجلاً في السجن.
ثمّ إنّه دعا رؤوس الأرباع فقال: اشهدوا على حجر بما رأيتم منه. وكان رؤوس الأرباع يومئذ:
عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة.
وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان.
وقيس بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة على ربع ربيعة وكندة.
____________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 257 سنة 51.
وأبو بردة بن أبي موسى على مذحج وأسد.
فشهد هؤلاء الأربعة أنّ حجراً جمع إليه الجموع، وأظهر شتم الخليفة، ودعا إلى حرب أمير المؤمنين، وزعم أنّ هذا الأمر لا يصلح إلاّ في آل أبي طالب، ووثب بالمصر وأخرج عامل أمير المؤمنين، وأظهر عذر أبي تراب والترحم عليه، والبراءة من عدوّه وأهل حربه، وأنّ هؤلاء النفر الذين معه هم رؤوس أصحابه وعلى مثل رأيه وأمره.
ونظر زياد في شهادة الشهود فقال: ما أظنّ هذه الشهادة قاطعة، وإنّي لأحبّ أن يكون الشهود أكثر من أربعة.
قال المدائني: شهدوا أنّ حجراً وأصحابه شتموا عثمان ومعاوية وبرئوا منهما، فقال: ما هذه بقاطعة. فقام أبو بردة فشهد أنّهم خلعوا الخليفة، وفارقوا الجماعة، ودعوا إلى الحرب، وكفروا بالله، وشهد رؤساء الأرباع على مثل شهادته.
وفي رواية أبي مخنف: فحدّثني الحارث بن حصيرة، عن أبي الكنود، وهو عبد الرحمن بن عبيد، وأبو مخنف عن عبد الرحمن بن جندب، وسليمان بن أبي راشد عن أبي الكنود بأسماء هؤلاء الشهود: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى لله ربّ العالمين؛ شهد أنّ حجر بن عدي خلع الطاعة، وفارق الجماعة، ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة، وخلع أمير المؤمنين معاوية، وكفر بالله عزّ وجلّ كفرة صلعاء.
فقال زياد: على مثل هذه الشهادة فاشهدوا، أما والله لأجهدنّ على قطع خيط عنق الخائن الأحمق، فشهد رؤوس الأرباع الثلاثة الآخرون على مثل شهادته، وكانوا أربعة.
ثمّ إنّ زياداً دعا الناس فقال: اشهدوا على مثل شهادة رؤوس الأرباع. فقرأ عليهم الكتاب، فقام أوّل الناس عناق بن شرحبيل بن أبي دهم التيمي تيم الله بن ثعلبة فقال: بيّنوا اسمي.
فقال زياد: ابدؤوا بأسامي قريش، ثمّ اكتبوا اسم عناق في الشهود، ومَنْ نعرفه ويعرفه أمير المؤمنين بالنصيحة والاستقامة.
فشهد إسحاق بن طلحة بن عبيد الله (التيمي)(1) ، وموسى بن طلحة(2) ، وإسماعيل بن
____________________
(1) قال المزي (في تهذيب الكمال 2 / 362): إسحاق بن طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي المدني أخو إسماعيل بن طلحة ويعقوب بن طلحة، وأمّهم أمّ أبان بنت عتبة بن ربيعة، خالة معاوية بن أبي سفيان. روى عن أبيه طلحة بن عبيد الله، وعبد الله بن عباس، وعائشة زوج النبيصلىاللهعليهوآله . روى عنه ابنا أخيه إسحاق بن يحيى بن طلحة، وطلحة بن يحيى بن طلحة، وابنه معاوية بن إسحاق بن طلحة.
ذكره محمّد بن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة، وذكر محمّد بن جرير الطبري عن عمر بن شبة، عن علي بن محمّد المدائني، عن محمّد بن حفص: أنّ معاوية بن أبي سفيان ولّى سعيد بن عثمان بن عفان حرب خراسان، وولّى إسحاق بن طلحة خراجها. قال: وكان إسحاق بن خالة معاوية، فلمّا صار بالرّي مات إسحاق بن طلحة فولّي سعيد خراج خراسان وحربها، وكان ذلك في سنة ست وخمسين على ما ذكر الطبري.
وقال خليفة بن خياط في سنة ست وخمسين: وفيها مات إسحاق بن طلحة بن عبيد الله بخراسان، وقال في موضع آخر: ولي سعيد بن عثمان إسحاق بن طلحة بن عبيد الله الخراج، فمات إسحاق بالري. وذكر الزبير بن بكار أنّه بقي إلى زمن يزيد بن معاوية، فالله أعلم. روى له الترمذي وابن ماجة.
(2) قال ابن حجر (في تهذيب التهذيب 6 / 266): موسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي، يُكنّى أبا عيسى، وقيل: كنيته أبو محمّد، نزل الكوفة، واُمّه خولة بنت القعقاع بن معبد بن زرارة. قال ابن عساكر: ولد في عهد النبيصلىاللهعليهوآله فسمّاه.
وأخرج البخاري في التاريخ الصغير من طريق العقدي عن إسحاق بن يحيى، عن موسى بن طلحة قال: صحبت عثمان اثنتي عشرة سنة، ولموسى رواية في الصحيح والسنن عن أبيه، وعثمان، وعلي، والزبير، وأبي ذر، وأبي أيوب وغيرهم. روى عنه ابنه عمران وحفيده سليمان بن عيسى، وابن أخيه إسحاق بن يحيى، وابن أخيه الآخر موسى بن إسحاق. وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير، وسماك بن حرب، وآخرون.
قال الزبير: كان من وجوه آل طلحة. وقال العجلي: تابعي ثقة، وكان خياراً. قال المزي (في تهذيب الكمال 29 / 82): وقال الأسود بن شيبان عن خالد بن سمير: لمّا ظهر الكذّاب بالكوفة (يعني المختار بن أبي عبيد) هرب منه ناس من وجوه أهل الكوفة، فقدموا علينا البصرة، وكان فيمَنْ قدم موسى بن طلحة بن عبيد الله (وكان في زمانه يرون أنّه المهدي)، فغشيه الناس، وغشيته فيمَنْ يغشاه من الناس، فغشينا رجلاً طويل السكوت، شديد الكآبة والحزن.
وقال عبد الملك بن عمير: كان فصحاء الناس (يعني في عصرهم) أربعة، =
طلحة بن عبيد الله.
والمنذر بن الزبير بن العوام(1) .
وعمارة بن عقبة بن أبي معيط(2) .
وعبد الرحمن بن هناد.
وعمر بن سعد بن أبي وقاص(3) .
____________________
= فعدّ منهم موسى بن طلحة. قال بن أبي شيبة، وابن أبي عاصم: مات سنة ست ومئة. وقال الهيثم بن عدي وابن سعد: مات سنة ثلاث. وقال أبو نعيم وأحمد: مات سنة أربع.
(1) قال ابن حجر (في تعجيل المنفعة 1 / 411): المنذر بن الزبير بن العوام الأسدي أبو عثمان، شقيق عبد الله وعروة. وروى عن أبيه، وعنه ابنه محمّد وفليح بن محمّد بن المنذر. ذكره بن حبّان في ثقات، التابعي. وذكر مصعب الزبيري: أنّ المنذر غاضب أخاه عبد الله فخرج عن مكة إلى معاوية، فأجازه بجائزة عظيمة، واقطعه أرضاً بالبصرة.
وروى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: أنّ عائشة (رضي الله تعالى عنها) زوّجت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر المنذر بن الزبير وعبد الرحمن غائب، فلمّا قدم أنكر ذلك ثمّ أقرّه.
وذكر الزبير أنّ المنذر فارقها وتزوّجها الحسن بن علي (رضي الله تعالى عنهما)، فاحتال المنذر عليه حتّى طلّقها، فتزوّجها عاصم بن عمر، فاحتال عليه المنذر حتّى طلّقها، فأعادها المنذر، وأنّ المنذر بن الزبير كان عند عبيد الله بن زياد لمّا امتنع عبد الله بن الزبير من بيعة يزيد، فكتب يزيد إلى عبيد الله أن يقبض على المنذر، فبلغ المنذر فهرب إلى مكة، فقُتل المنذر في الحصار الأول بعد وقعة الحرّة سنة أربع وستين.
(2) قال ابن حجر: عمارة بن عقبة بن أبي معيط القرشي الاُموي، أخو الوليد، قال أبو عمر: كان هو وأخوه الوليد وخالد من مسلمة الفتح (الإصابة). وقال أبو مخنف: ولمّا قدم زياد الكوفة أتاه عمارة بن عقبة بن أبي معيط فقال: إنّ عمرو بن الحمق يجتمع إليه من شيعة أبي تراب.
قال: ويُقال: إنّ الذي رفع على عمرو بن الحمق وقال له: قد أنغل المصرين يزيد بن رويم. فقال عمرو بن الحريث: ما كان قطّ أقبل على ما ينفعه منه اليوم. فقال زياد ليزيد بن رويم: أمّا أنت فقد أشطت بدمه، وأمّا عمرو فقد حقن دمه، ولو علمت أنّ مخّ ساقه قد سال من بغضي ما هجته حتّى يخرج عليّ (تاريخ الطبري 5 / 236 سنة 50).
(3) قال المزي في تهذيب الكمال 21 / 356: عمر بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري، أبو حفص المدني، سكن الكوفة، أخو عامر بن سعد وإخوته. روى عن أبيه سعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري.
روى عنه ابنه إبراهيم بن عمر بن سعد، ويزيد بن أبي مريم السلولي، وسعد بن عبيدة، والعيزار بن حريث، =
____________________
= وقتادة، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، والمطلب بن عبد الله بن حنطب، ويزيد بن أبي حبيب المصري، وأبو إسحاق السبيعي، وابن ابنه أبو بكر بن حفص بن عمر بن سعد.
قال خليفة بن خياط: اُمّه ماوية بنت قيس بن معدي كرب بن الحارث من كندة. وقال بعضهم: مارية (بالراء). وقال ابن البرقي: اُمّه رملة بنت أبي الأنياب من كندة. وذكره محمّد بن سعد في الطبقة الثانية من أهل الكوفة. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: كان يروي عن أبيه أحاديث، وروى الناس عنه، وهو الذي قتل الحسينعليهالسلام ، وهو تابعي ثقة.
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سألت يحيى بن معين عن عمر بن سعد أثقة هو؟ فقال: كيف يكون مَنْ قتل الحسينعليهالسلام ثقة؟!
وقال الحاكم أبو أحمد: سمعت أبا الحسين الغازي يقول: سمعت أبا حفص عمرو بن علي يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: حدّثنا العيزار بن حريث، عن عمر بن سعد، فقال له رجل من بني ضبيعة (يُقال له: موسى): يا أبا سعيد، هذا قاتل الحسينعليهالسلام ؟ فسكت. فقال: عن قاتل الحسين تحدّثنا فسكت.
وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: حدّثنا أبو حفص هو الفلاس، قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان، وحدّثنا عن شعبة وسفيان، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن عمر بن سعد، فقام إليه رجل فقال: أما تخاف الله تروي عن عمر بن سعد؟! فبكى وقال: لا أعود أحدّث عنه أبداً.
وقال الحميدي: حدّثنا سفيان، عن (سالم إن شاء الله) قال: قال عمر بن سعد للحسينعليهالسلام : إنّ قوماً من السفهاء يزعمون أنّي أقتلك! فقال الحسينعليهالسلام : « ليسوا بسفهاء، ولكنّهم حلماء ». ثمّ قال: « والله إنّه ليقرّ بعيني أنّك لا تأكل برّ العراق بعدي إلاّ قليلاً ».
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدّثنا عبد السلام بن صالح قال: حدّثنا بن عيينة، عن عبد الله بن شريك قال: أدركت أصحاب الأردية المعلّمة، وأصحاب البرانس من أصحاب السواري إذا مرّ بهم عمر بن سعد قالوا: هذا قاتل الحسينعليهالسلام . وذلك قبل أن يقتله. وروي عن محمّد بن سيرين، عن بعض أصحابه قال: قال عليعليهالسلام لعمر بن سعد: « كيف أنت إذا قمت مقاماً تخيّر فيه بين الجنّة والنار فتختار النار؟! ».
روى له النسائي، قال ابن سعد (في الطبقات 5 / 168): فكان عمر بن سعد بالكوفة قد استعمله عبيد الله بن زياد على الري وهمذان، وقطع معه بعثاً، فلمّا قدم الحسين بن عليعليهالسلام العراق أمر عبيد الله بن زياد عمر بن سعد أن يسير إليه، وبعث معه أربعة آلاف من جنده، وقال له: إن هو خرج إليّ ووضع يده في يدي وإلاّ فقاتله. فأبى عمر عليه، فقال: إن لم تفعل عزلتك عن عملك، وهدمت دارك.
فأطاع بالخروج إلى الحسينعليهالسلام ، فقاتله حتّى قتل الحسينعليهالسلام ، فلمّا غلب المختار بن أبي عبيد على الكوفة قتل عمر بن سعد وابنه حفصاً. (تهذيب التهذيب - لابن حجر ترجمة عمر بن سعد).
قال ابن حبان (في معرفة الثقاة 2 / 166): عمر بن سعد بن أبي وقاص، مدني ثقة، كان يروي عن أبيه أحاديث، وروى الناس عنه. وهو الذي قتل الحسينعليهالسلام . قال ابن حبان: كان أمير الجيش ولم يباشر
وعامر بن مسعود بن اُميّة بن خلف(1) .
ومحرز بن جارية بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس.
وعبيد الله بن مسلم بن شعبة الحضرمي.
وعناق بن شرحبيل بن أبي دهم.
ووائل بن حجر الحضرمي(2) .
وكثير بن شهاب بن حصين الحارثي(3) .
____________________
= قتله. وفي الجرح والتعديل (6 / 111) قال بكر بن أبي خيثمة: سألت يحيى بن معين عن عمر بن سعد أثقة هو؟ فقال: كيف يكون مَنْ قتل الحسين بن علي (رضي الله تعالى عنه) ثقة؟!
(1) قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: الترمذي، عامر بن مسعود بن اُميّة بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح الجمحي، مختلف في صحبته، كان عاملاً لابن الزبير على الكوفة. قال في الإصابة: وكان عامر يلقّب دحروجة الجعل؛ لأنّه كان قصيراً، ثمّ اتفق عليه أهل الكوفة بعد موت يزيد بن معاوية فأقرّه ابن الزبير قليلاً، ثمّ عزله بعد ثلاثة أشهر وولاّها عبد الله بن يزيد الخطمي، ويقال: إنّه خطب أهل الكوفة فقال: إنّ لكل قوم شراباً فاطلبوه في مظانه، وعليك بما يحلّ ويحمد، واكسروا شرابكم بالماء. وفي ذلك يقول الشاعر:
مَنْ ذا يحرّم ماء المزن خالطهُ |
في قعر خابيةٍ ماء العناقيدِ |
|
إنّي لأكره تشديدَ الرواةِ لنا |
فيها ويعجبني قولُ ابن مسعودِ |
وكثير من الناس يظنّ أنّ الشاعر عنى عبد الله بن مسعود، وليس كذلك، وإنّما عنى هذا.
وقال في ترجمة أبيه مسعود بن اُميّة بن خلف الجمحي: قُتل أبوه يوم بدر، ولولده عامر بن مسعود رواية عن النبيصلىاللهعليهوآله ، والأكثرون قالوا: إنّ حديثه مرسل، فتكون الصحبة لأبيه. وكان من مسلمة الفتح، أو مات على كفره قبيل الفتح، وولد له عامر قبل الفتح بقليل؛ فلذلك لم يثبت له صحبة السماع من النبيصلىاللهعليهوآله وإن كان معدوداً في الصحابة؛ لأنّ له رؤية.
(2) قال ابن حبان (في مشاهير علماء الأمصار 1 / 44): وائل بن حجر الحضرمي، مات في آخر ولاية معاوية. قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: سكن الكوفة وعقبه بها، وذكره بن سعد فيمَنْ نزل الكوفة من الصحابة.
(3) قال ابن سعد (في الطبقات الكبرى 6 / 149): كثير بن شهاب بن الحصين، ذي الغصة، سمّي بذلك لغصة كانت في حلقه من مذحج، وكان سيد مذحج بالكوفة، وكان بخيلاً، وقد روى عن عمر بن الخطاب، =
وقطن بن عبد الله بن حصين الحارثي(1) .
والسري بن وقاص الحارثي، وكتب شهادته وهو غائب في عمله.
والسائب بن الأقرع الثقفي(2) .
وشبث بن ربعي(3) .
وعبد الله بن أبي عقيل الثقفي.
ومصقلة بن هبيرة الشيباني.
____________________
= وولي الري لمعاوية بن أبي سفيان. وفي الطبري: كان من رجال عبيد الله بن زياد في التعبئة العامة ضدّ الحسينعليهالسلام .
(1) ذكره الطبري ضمن المروانية في الكوفة الذين كتب إليهم عبد الملك(6 / 156).
(2) قال (في تاريخ بغداد 1 / 202): السائب بن الأقرع الثقفي، ولاّه عمر قبض الأخماس من غنائم الفرس، وورد المدائن والياً عليها.
(3) قال ابن حجر في الإصابة: شبث (بفتح أوله والموحدة ثم مثلثة) ابن ربعي التميمي اليربوعي، أبو عبد القدوس، له إدراك ورواية عن حذيفة وعلي. روى عنه محمّد بن كعب القرظي، وسليمان التيمي. قال الدار قطني: يُقال: إنّه كان مؤذن سجاح التي ادعت النبوّة ثمّ راجع الإسلام.
وقال ابن الكلبي: كان من أصحاب علي، ثمّ صار مع الخوارج، ثمّ تاب ثمّ كان فيمَنْ قاتل الحسين. وقال المدائني: ولي بعد ذلك شرطة القباع بالكوفة. والقباع: هو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي أخو عمر الشاعر. كان والياً على الكوفة لعبد الله بن الزبير قبل أن يغلب عليها المختار. وقال العجلي: كان أوّل مَنْ أعان على قتل عثمان، وبئس الرجل هو. وقال معتمر، عن أبيه، عن أنس، قال شبث: أنا أوّل مَنْ حرر الحرورية. ومات شبث في حدود السبعين.
أقول: وفي المستدرك على الصحيحين 3 / 130، بكير بن عثمان البجلي قال: سمعت أبا إسحاق التميمي يقول: سمعت أبا عبد الله الجدلي يقول: حججت وأنا غلام، فمررت بالمدينة وإذا الناس عنق واحد، فأتبعتهم فدخلوا على اُمّ سلمة زوج النبيصلىاللهعليهوآله فسمعتها تقول: يا شبث بن ربعي. فأجابها رجل جلف جاف: لبيك يا أمتاه. قالت: أيُسب رسول اللهصلىاللهعليهوآله في ناديكم؟ قال: وأنّى ذلك؟! قالت: فعلي بن أبي طالب؟ قال: إنّا لنقول أشياء نريد عرض الدنيا. قالت: فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، يقول: « مَنْ سبّ علياً فقد سبّني، ومَنْ سبّني فقد سبّ الله تعالى ».
قال أبو مخنف: جعله عمر بن سعد في واقعة الطفِّ على الرجّالة.
والقعقاع بن شور الذهلي(1) .
وحجار بن أبجر العجلي(2) .
وعمرو بن الحجاج الزبيدي(3) .
ولبيد بن عطارد التميمي(4) .
ومحمد بن عمير بن عطارد التميمي(5) .
وسويد بن عبد الرحمن التميمي من بني سعد.
وشمر بن ذي الجوشن العامري(6) .
____________________
(1) ذكره أبو مخنف في قصة مسلم من رجالات عبيد الله بن زياد.
(2) أحد الستة الذين كتبوا للحسينعليهالسلام ، وكان في جيش عمر بن سعد، ثمّ كان أحد قادة الجيش الذي قاتل المختار، ثمّ فرّ إلى مصعب وصار في جيشه، وكان عبد الملك قد كاتبه واستجاب له.
(3) قال في الإصابة: عمرو بن الحجاج الزبيدي، ذكره وثيمة في كتاب الردّة وقال: كان مسلماً في عهد النبيصلىاللهعليهوآله وله مقام محمود حين أرادت زبيد الردّة؛ إذ دعاهم عمرو بن معد يكرب إليها، فنهاهم عمرو بن الحجاج وحثّهم على التمسّك بالإسلام. وقال أبو مخنف: كان أحد الستة الذين كتبوا للحسين، جعله عمر بن سعد في واقعة الطفِّ على ميمنة الجيش.
(4) قال في الإصابة: لبيد بن عطارد بن حاجب التميمي. قال ابن عبد البر: كان أحد الوفد القادمين على رسول اللهصلىاللهعليهوآله من بني تميم، وأحد وجوههم، أسلم سنة تسع، ولا أعلم له خبراً غير ذلك.
وذكر الآمدي في كتاب الشعراء: إنّ لبيد بن عطارد بن حاجب أدرك الجاهليّة، وأنشد له في ذلك شعراً. وقال ابن عساكر: كان من وجوه أهل الكوفة، ولم يذكر أنّ له صحبة.
(5) أحد الستة الذين كتبوا إلى الحسينعليهالسلام وكان آخر مَنْ كتب، وزملاؤه الخمسة كانوا من قادة جيش عمر بن سعد. كان أحد المروانية في الكوفة الذين كتب إليهم عبد الملك وأجابه، وشرط عليه ولاية أصفهان.
(6) قال ابن حجر في لسان الميزان: شمر بن ذي الجوشن أبو السابغة الضبابي، روى عن أبيه، وعنه أبو إسحاق السبيعي، ليس بأهل للرواية؛ فإنّه أحد قتلة الحسين (رضي الله تعالى عنه)، وقد قتله أعوان المختار.
روى أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق قال: كان شمر يصلّي معنا، ثمّ يقول: اللّهمّ إنّك تعلم أنّي شريف فاغفر لي.
قلت: كيف يغفر الله لك وقد أعنت على قتل ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟!
قال: ويحك! فكيف نصنع؟ إنّ اُمراءنا هؤلاء أمرونا بأمر فلم نخالفهم، ولو خالفناهم كنّا شرّاً من هذه الحمر الشقاء. =
وشداد ومروان ابنا الهيثم الهلاليان.
ومحفز بن ثعلبة من عائذة قريش(1) .
وعبد الرحمن بن قيس الأسدي.
والحارث وشداد ابنا الأزمع الهمدانيان، ثمّ الوادعيان.
وكريب بن سلمة بن يزيد الجعفي.
وعبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي(2) .
وزحر بن قيس الجعفي(3) .
وقدامة بن العجلان الأزدي.
____________________
= قال ابن حجر: قلت: إنّ هذا لعذر قبيح؛ فإنّما الطاعة في المعروف. انتهى.
قال أبو مخنف: جعله عمر بن سعد في واقعة الطفِّ على ميسرة الجيش.
(1) قال أبو مخنف: ثمّ إنّ عبيد الله أمر بنساء الحسينعليهالسلام وصبيانه فجهّزن، وأمر بعلي بن الحسينعليهماالسلام فغلّ بغلٍّ إلى عنقه، ثمّ سرّح بهم مع محفز بن ثعلبة العائذي، عائذة قريش، ومع شمر بن ذي الجوشن، فانطلقا بهم حتّى قدموا على يزيد. (تاريخ الطبري 5 / 460).
(2) كان على ربع مذحج وأسد في معسكر عمر بن سعد يوم العاشر من المحرم.
(3) قال أبو مخنف: ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد نصب رأس الحسينعليهالسلام بالكوفة، فجعل يُدار به في الكوفة، ثمّ دعا زحر بن قيس فسرّح معه برأس الحسينعليهالسلام ورؤوس أصحابه إلى يزيد بن معاوية، وكان مع زحر أبو بردة بن عوف الأزدي، وطارق بن أبي ظبيان الأزدي، فخرجوا حتّى قدموا بها الشام على يزيد بن معاوية.
قال هشام: فحدّثني عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع الجذامي، عن أبيه، عن الغاز بن ربيعة الجرشي من حمير قال: والله إنّا لعند يزيد بن معاوية بدمشق إذ أقبل زحر بن قيس حتّى دخل على يزيد بن معاوية، فقال له يزيد: ويلك! ما وراءك وما عندك؟
فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره؛ وردّ علينا الحسين بن عليعليهالسلام في ثمانية عشر من أهل بيته وستين من شيعته، فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال، فاختاروا القتال على الاستسلام... (تاريخ الطبري 5 / 460 سنة 61). وكان أحد المروانية في الكوفة الذين كاتبهم عبد الملك.
وفي الإصابة: زحر بن قيس بن مالك بن معاوية بن سعنة (بمهملة ونون) الجعفي له إدراك وكان من الفرسان.
وعزرة بن عزرة الأحمسي(1) .
وعمر بن قيس ذي اللحية، وهانئ بن أبي حية الوادعيان.
فشهد عليه سبعون رجلاً.
وكتبت شهادة هؤلاء الشهود في صحيفة، ثمّ دفعها إلى وائل بن حجر الحضرمي وكثير بن شهاب الحارثي، وبعثهما عليهم، وأمرهما أن يخرجا بهم.
وكتب في الشهود شريح بن الحارث القاضي، وشريح بن هانئ الحارثي؛ فأمّا شريح فقال: سألني عنه فأخبرته أنّه كان صوّاماً قوّاماً؛ وأمّا شريح بن هانئ الحارثي فكان يقول: ما شهدت، ولقد بلغني أن قد كتبت شهادتي فأكذبته ولمته.
وجاء وائل بن حجر وكثير بن شهاب فأخرج القوم عشية، وسار معهم صاحب الشرطة حتّى أخرجهم من الكوفة.
فلمّا انتهوا إلى جبانة عرزم نظر قبيصة بن ضبيعة العبسي إلى داره، وهي في جبانة عرزم، فإذا بناته مشرفات، فقال لوائل وكثير: ائذنا لي فأوصي أهلي. فأذنا له، فلمّا دنا منهنّ وهن يبكين سكت عنهنّ ساعة، ثمّ قال: اسكتن. فسكتن، فقال: اتقينَ الله عزّ وجلّ واصبرنَ؛ فإنّي أرجو من ربّي في وجهي هذا إحدى الحسنيِّين؛ إمّا الشهادة وهي السعادة؛
____________________
(1) في رواية البلاذري عن المدائني عزرة بن قيس الأحمسي وهو الصحيح. قال أبو مخنف: قال حبيب بن مظاهر: أما والله لبئس القوم عند الله غداً قوم يقدمون عليه قد قتلوا ذرّية نبيّهصلىاللهعليهوآله وعترته وأهل بيتهعليهمالسلام ، وعباد أهل هذا المصر المجتهدين بالأسحار، والذاكرين الله كثيراً.
فقال له عزرة بن قيس: إنّك لتزكّي نفسك ما استطعت.
فقال له زهير: يا عزرة، إنّ الله قد زكّاها وهداها، فاتق الله يا عزرة فإنّي لك من الناصحين. أنشدك الله يا عزرة أن تكون ممّن يعين الضلال على قتل النفوس الزكية.
قال: يا زهير، ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنما كنت عثمانياً!
قال: أفلست تستدل بموقفي هذا أنّي منهم؟ أما والله ما كتبت إليه كتاباً قط، ولا أرسلت إليه رسولاً قط، ولا وعدته نصرتي قط، ولكن الطريق جمع بيني وبينه، فلمّا رأيته ذكرت به رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومكانه منه، وعرفت ما يقدم عليه من عدوّه وحزبكم، فرأيت أن أنصره وأن أكون في حزبه، وأن أجعل نفسي دون نفسه؛ حفظاً لما ضيّعتم من حقّ الله وحقّ رسولهصلىاللهعليهوآله . وكان على الخيل في المعركة. (تاريخ الطبري 5 / 417 سنة 61).
وإمّا الانصراف إليكنَّ في عافية، وإنّ الذي كان يرزقكنّ ويكفيني مؤنتكنّ هو الله تعالى، وهو حيٌّ لا يموت، أرجو ألاّ يضيعكنّ وأن يحفظني(1) .
كان الذين مع حجر بن عدي بن جبلة الكندي هم:
الأرقم بن عبد الله الكندي من بني الأرقم.
وشريك بن شداد الحضرمي.
وصيفي بن فسيل.
وقبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي(2) .
وكريم بن عفيف الخثعمي من بني عامر بن شهران، ثمّ من قحافة.
وعاصم بن عوف البجلي.
وورقاء بن سمي البجلي.
وكدام بن حيان، وعبد الرحمن بن حسان العنزيان من بني هميم.
ومحرز بن شهاب التميمي من بني منقر.
وعبد الله بن حوية السعدي من بني تميم.
فمضوا بهم حتّى نزلوا مرج عذراء فحبسوا بها. ثمّ إنّ زياداً أتبعهم برجلين آخرين مع عامر بن الأسود العجلي، بعتبة بن الأخنس من بني سعد بن بكر بن هوازن، وسعيد بن نمران الهمداني، ثمّ الناعطي، فتمّوا أربعة عشر رجلاً.
فبعث معاوية إلى وائل بن حجر وكثير بن شهاب فأدخلهما وفضّ كتابهما، فقرأه على أهل الشام، فإذا فيه: بسم الله
____________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 269 سنة 51.
(2) قال ابن سعد (في الطبقات 6 / 231): قبيصة بن ضبيعة العبسي، روى عن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وكان قليل الحديث.
أقول: كل أصحاب حجر من الرواة عن عليعليهالسلام غير أنّ كتب التراجم أهملت ترجمتهم.
الرحمن الرحيم. لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من زياد بن أبي سفيان. أمّا بعد، فإنّ الله قد أحسن عند أمير المؤمنين البلاء، فكاد له عدوه، وكفاه مؤنة مَنْ بغى عليه.
إنّ طواغيت من هذه الترابية السبئية(1) رأسهم حجر بن عدي خالفوا أمير المؤمنين، وفارقوا جماعة المسلمين، ونصبوا لنا الحرب، فأظهرنا الله عليهم وأمكننا منهم، وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم، وذوي السن والدين منهم فشهدوا عليهم بما رأوا وعملوا، وقد بعثت بهم إلى أمير المؤمنين، وكتبت شهادة صلحاء أهل المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا.
فلمّا قرأ الكتاب وشهادة الشهود عليهم قال: ماذا ترون في هؤلاء النفر الذين شهد عليهم قومهم بما تستمعون؟ فقال له يزيد بن أسد البجلي: أرى أن تفرّقهم في قرى الشام فيكفيكهم طواغيتها.
ودفع وائل بن حجر كتاب شريح بن هانئ إلى معاوية فقرأه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من شريح بن هانئ. أمّا بعد، فإنّه بلغني أنّ زياداً كتب إليك بشهادتي على حجر بن عدي، وأن شهادتي على حجر أنّه ممّن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويديم الحج والعمرة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال، فإن شئت فاقتله وإن شئت فدعه.
فقرأ كتابه على وائل بن حجر وكثير فقال: ما أرى هذا إلاّ قد أخرج نفسه من شهادتكم، فحبس القوم بمرج عذراء، وكتب معاوية إلى زياد: أمّا بعد، فقد فهمت ما اقتصصت به من أمر حجر وأصحابه، وشهادة مَنْ قبلك عليهم، فنظرتُ في ذلك؛ فأحياناً أرى قتلهم أفضل من تركهم، وأحياناً أرى العفو عنهم أفضل من قتلهم. والسلام(2) .
فكتب إليه زياد مع يزيد بن حجية بن ربيعة التيمي: أمّا بعد، فقد قرأت كتابك،
____________________
(1) الترابية: نسبة إلى أبي تراب، وهو لقب علي الذي أشاعه الاُمويّون. والسبائية هنا تشير إلى القبائل اليمانية.
(2) تاريخ الطبري 5 / 273 سنة 51.
وفهمت رأيك في حجر وأصحابه، فعجبت لاشتباه الأمر عليك فيهم وقد شهد عليهم بما قد سمعت مَنْ هو أعلم بهم، فإن كانت لك حاجة في هذا المصر فلا تردّن حجراً وأصحابه إليّ.
فأقبل يزيد بن حجية حتّى مرّ بهم بعذراء، فقال: يا هؤلاء، أما والله ما أرى براءتكم، ولقد جئت بكتاب فيه الذبح، فمروني بما أحببتم ممّا ترون أنّه لكم نافع أعمل به لكم وأنطق به. فقال حجر: أبلغ معاوية أنّا على بيعتنا لا نستقيلها ولا نقيلها، وأنّه إنّما شهد علينا الأعداء والأظنّاء.
فقدم يزيد بالكتاب إلى معاوية فقرأه، وبلغه يزيد مقالة حجر، فقال معاوية: زياد أصدق عندنا من حجر.
وأقبل عامر بن الأسود العجلي وهو بعذراء يريد معاوية؛ ليعلمه علم الرجلين اللذين بعث بهما زياد، فلمّا ولّى ليمضي قام إليه حجر بن عدي يرسف في القيود، فقال: يا عامر، اسمع منّي (أبلغ معاوية أنّ دماءنا عليه حرام، وأخبره أنّا قد أومنّا، وصالحنا وصالحناه، وأنّا لم نقتل أحداً من أهل القبلة فيحلّ له دماؤنا)(1) ، فليتق الله ولينظر في أمرنا.
فقال له نحواً من هذا الكلام، فأعاد عليه حجر مراراً.
فجاء رسول معاوية إليهم بتخلية ستة وبقتل ثمانية، فقال لهم رسول معاوية: إنّا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له، فإن فعلتم تركناكم، وإن أبيتم قتلناكم، وإنّ أمير المؤمنين يزعم أنّ دماءكم قد حلّت له بشهادة أهل مصركم عليكم، غير أنّه قد عفا عن ذلك، فابرؤوا من هذا الرجل نخلّ سبيلكم.
قالوا: اللّهمّ إنّا لسنا فاعلي ذلك.
____________________
(1) ابن الأثير 3 / 484.
فأمر بقبورهم فحُفرت، وأُدنيت أكفانهم، وقاموا الليل كلّه يصلّون، فلمّا أصبحوا قال أصحاب معاوية: يا هؤلاء، لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة وأحسنتم الدعاء، فأخبرونا ما قولكم في عثمان؟ قالوا: هو أوّل مَنْ جار في الحكم، وعمل بغير الحق.
فقال أصحاب معاوية: أمير المؤمنين كان أعلم بكم.
ثمّ قاموا إليهم فقالوا: تبرؤون من هذا الرجل؟
قالوا: بل نتولاّه ونتبرأ ممّن تبرّأ منه.
فأخذ كلّ رجل منهم رجلاّ ليقتله، ووقع قبيصة بن ضبيعة في يدي أبي شريف البدّي، فقال له قبيصة: إنّ الشرّ بين قومي وقومك آمن، فليقتلني سواك.
فقال له: برَّتك رحِم. فأخذ الحضرمي فقتله، وقتل القضاعي قبيصة بن ضبيعة.
وقال عبد الرحمن بن حسان العنزي، وكريم بن عفيف الخثعمي: ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته. فبعثوا إلى معاوية يخبرونه بمقالتهما، فبعث إليهم: أن ائتوني بهما. فلمّا دخلا عليه قال الخثعمي: الله الله يا معاوية! فإنّك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة، ثمّ مسؤول عمّا أردت بقتلنا، وفيم سفكت دماءنا.
فقال معاوية: ما تقول في علي؟
قال: أقول فيه قولك، أتبرأ من دين علي الذي كان يدين الله به؟
فسكت، وكره معاوية أن يجيبه، وقام شمر بن عبد الله من بني قحافة فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي ابن عمّي. قال: هو لك، غير أنّي حابسه شهراً. فكان يرسل إليه بين كلّ يومين فيكلّمه، وقال له: إنّي لأنفس بك على العراق أن يكون فيهم مثلك.
ثمّ إنّ شمراً عاوده فيه الكلام، فقال: نمرُّك على هبة ابن عمّك. فدعاه فخلّى سبيله على ألاّ يدخل إلى الكوفة ما كان له سلطان. فقال: تخيَّر أي بلاد العرب أحبّ إليك أن أسيّرك إليها؟
فاختار الموصل، فكان يقول: لو قد مات معاوية قدمت المصر. فمات قبل معاوية بشهر.
ثمّ أقبل على عبد الرحمن العنزي فقال: إيه يا أخا ربيعة! ما قولك في علي؟
قال: دعني ولا تسألني فإنّه خير لك.
قال: والله لا أدعك حتّى تخبرني عنه.
قال: أشهد أنّه كان من الذاكرين الله كثيراً، ومن الآمرين بالحقّ، والقائمين بالقسط، والعافين عن الناس.
قال: فما قولك في عثمان؟ قال: هو أوّل مَنْ فتح باب الظلم، وارتج أبواب الحقّ.
قال: قتلت نفسك.
قال: بل إياك قتلت ولا ربيعة بالوادي - يقول حين كلم شمر الخثعمي في كريم بن عفيف الخثعمي، ولم يكن له أحد من قومه يكلمه فيه - فبعث به معاوية إلى زياد، وكتب إليه: أمّا بعد، فإنّ هذا العنزي شرّ مَنْ بعثت، فعاقبه عقوبته التي هو أهلها، واقتله شرّ قتلة. فلمّا قدم به على زياد بعث به زياد إلى قس الناطف فدُفن به حيّاً(1) .
قال أبو مخنف: ولمّا حمل العنزي والخثعمي إلى معاوية قال العنزي لحجر: يا حجر، لا يبعدنّك الله، فنعم أخو الإسلام كنت. وقال الخثعمي: لا تبعد ولا تفقد، فقد كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. ثمّ ذُهب بهما.
وروى أحمد في الزهد والحاكم(2) من طريق ابن سيرين أنّ حجراً قال: لا تطلقوا عنّي حديداً، ولا تغسلوا عنّي دماً؛ فإنّي لاق معاوية بالجادة وإنّي مخاصم.
قال البلاذري: حدّثني هشام بن عمّار، عن شرحبيل بن مسلم قال: أوصى حجر، قال: ادفنوني وما أصاب الأرض من دمي، ولا تطلقوا حديدي؛ فإنّي سألقى معاوية غداً، إنّي والله ما قتلت أحداً، ولا أحدثت حدثاً، ولا آويت محدِثاً(3) .
روى ابن أبي الدنيا والحاكم، وعمر بن شبة من طريق ابن عون، عن نافع، قال: لمّا
____________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 277، حوادث سنة 51.
(2) في المستدرك 3 / 533.
(3) أنساب الأشراف / القسم الرابع، الجزء الأول / 262.
انطُلق بحجر بن عدي كان ابن عمر يتخبّر عنه، فأُخبر بقتله وهو بالسوق، فأطلق حبوته وولّى وهو يبكي(1) .
وروى الطبري وغيره: أنّ معاوية حين حجّ سنة 56 هجرية مرّ على عائشة، فاستأذن عليها فأذنت له، فلمّا قعد قالت له: يا معاوية، أأمنت أن اُخبِّئ لك مَنْ يقتلك؟! قال: بيت الأمن دخلت. قالت: يا معاوية، أما خشيت الله في قتل حجر وأصحابه؟! قال: لست أنا قتلتهم، إنّما قتلهم مَنْ شهد عليهم.
وفي رواية ابن عساكر: فقال لها: يا أمّ المؤمنين، إنّي رأيت قتلهم صلاحاً للأمّة، وأنّ بقاءهم فساداً للأمّة. فقالت: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « سيُقتل بعذراء أُناس يغضب الله لهم وأهل السماء »(2) .
وكانت عائشة تقول في حجر: أما والله، إن كان ما علمت لمسلماً حجاجاً معتمراً(3) .
وروى عن عثمان البري قال: كان الحسن (البصري) إذا ذكر معاوية قال: ويل معاوية من حجر وأصحاب حجر! يا ويله(4) !
قال ابن سيرين: بلغنا أنّ معاوية لمّا حضرته الوفاة جعل يقول: يومي منك يا حجر طويل(5) .
وقال سفيان الثوري: قال معاوية: ما قتلت أحداً إلاّ وأنا أعلم فيم قتلته إلاّ حجر
____________________
(1) الاستيعاب - ترجمة حجر.
(2) أنساب الأشراف - القسم الرابع، الجزء الأوّل / 266، تهذيب تاريخ دمشق - لابن عساكر 6 / 241، ترجمة حجر. وفيه أيضاً وفي دلائل البيهقي، وتاريخ يعقوب بن سفيان عن عبد الله بن زرير الغافقي قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: « يا أهل العراق، سيُقتل منكم سبعة نفر بعذراء، مثلُهم كمثل أصحاب الاُخدود ».
(3) تاريخ الطبري 5 / 279.
(4) البلاذري ق4ج1 / 265، الطبري، ابن الأثير.
(5) ابن الأثير 3 / 488.
فإنّي لا أعرف فيم قتلته(1) .
قيل لأبي إسحاق السبيعي: متى ذلّ الناس؟ قال: حين مات الحسن وادّعي زياد وقّتل حجر(2) .
أقول: بموت الحسنعليهالسلام دخل الذلّ على كلّ الأقطار حين سنّ معاوية سنّة لعن عليعليهالسلام وسبّه على المنابر، والكوفة عاشت الذلّ الخاصّ بكونها مركز نصرة عليعليهالسلام .
أمّا الذلّ الذي دخل الكوفة بسبب استلحاق زياد، فهو أن يكون الوالي عليها، وإمام جمعتها ابن زنا، وهذا الذلّ تشترك فيه مع البصرة.
أمّا الذلّ الذي دخل عليها بعد قتل حجر، فهو لعن عليعليهالسلام أو القتل صبراً، وهو أشدّ أنواع الذلّ التي مرّت به الكوفة، وقد بدأ بقتل حجر إذ لم يقُتل أحد بسبب ذلك قبله.
قال البلاذري: قال الربيع بن زياد وكان بناحية خراسان لمّا قُتل حجر: هل من ثائر؟ هل من معين؟ هل من منكر؟ قال ذلك مراراً فلم يجبه أحد، فقال: أمّا إذا أبيتم فستبتلون بالقتل صبراً على الظلم(3) .
قال الطبري: قال علي: وأخبرني محمّد بن الفضل، عن أبيه، قال: بلغني أنّ الربيع بن زياد ذكر يوماً بخراسان حجر بن عدي، فقال: لا تزال العرب تُقتل صبراً بعده، ولو نفرت عند قتله لم يُقتل رجل منهم صبراً، ولكنّها أقرّت فذلّت. فمكث بعد هذا الكلام جمعة(4) ومات في العام الذي مات فيه ابن زياد.
أقول: كلام الربيع كلام مَنْ لم يعرف خطّة معاوية، ولا خطّة الحسينعليهالسلام في مواجهتها.
____________________
(1) تاريخ دمشق 6 / 242.
(2) شرح النهج، الطبري.
(3) أنساب الأشراف / القسم الرابع، الجزء الأوّل / 267.
(4) تاريخ الطبري 5 / 279.
أمّا معاوية: فقد كان يريد بكلّ وسيلة أن يتورّط المخلصون من شيعة علي في الكوفة بشيء من هذا القبيل حتّى يقتلهم بتهمة الخروج(1) ، وتطغى على تهمة الولاء لعليعليهالسلام .
وقد كانت خطّة الحسينعليهالسلام في قبال ذلك أن يصبر الشيعة، ويواصلون نشر فضائل عليعليهالسلام ولو كانوا على أعواد المشانق(2) ، وأن يفوِّتوا على معاوية خطّته في استدراج الشيعة؛ ليكونوا خوارج على السلطة، ومن ثمّ يسفك دماءهم بلا كلفة عليه، وسيأتي تفصيل ذلك.
بقي زياد بعد قتل حجر وأصحابه ما يقرب من ثلاث سنوات، جَدَّ فيها بوحشية منقطعة النظير في تصفية الوجوه البارزة من شيعة عليعليهالسلام التي تصدّت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لسانيّاً، تنكر اللعن، وتنشر فضائل عليعليهالسلام ، وتترحّم عليه.
قال سُلَيم: اشتدّ البلاء بالأمصار كلّها على شيعة عليعليهالسلام وأهل بيته، وكان أشدّ الناس بليّة أهل الكوفة؛ لكثرة مَنْ بها من الشيعة. واستعمل عليها زياداً وجمع له العراقين، كان يتتبّع الشيعة... فقتلهم على التّهم والظنّ والشبهة تحت كلّ كوكب، وتحت كلّ حجر ومدر، وأحلأهم وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل منهم، وصلبهم على جذوع النخل، وسمل أعينهم، وطردهم وشرّدهم(3) .
____________________
(1) خرج على زياد سنة 52 زياد بن خراش العجلي في ثلاثمئة، فأتى أرض مسكن من السواد، فسيّر إليه زياد سعد بن حذيفة أو غيره فقتلوهم. وخرج عليه أيضاً معاذ الطائي، فأتى نهر عبد الرحمن بن أمّ الحكم سنة 52، فبعث إليه زياد مَنْ قتله. (ابن الأثير) وفي سنة 53 خرج قريب وزحاف في سبعين بالكوفة، وزياد بالبصرة، وخرج آخرون....
(2) كما صنع مع رشيد الهجري، وميثم التمار، وجويرية بن مسهر ونظرائهم.
(3) شرح النهج 15 / 43.
قال ابن أبي الحديد: وقد روي عن أبي جعفر محمّد الباقرعليهالسلام أنّه قال لبعض أصحابه: « يا فلان، قُتلت شيعتنا بكلّ بلدة، وقُطعت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكان مَنْ يُذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سُجن، أو نُهب ماله، أو هُدمت داره »(1) .
بدأ ابن زياد بالذين حصبوه في صلاة الجمعة يوم كان حجر على رأسهم، وقطع أيدي ثلاثين، وقيل: ثمانين(2) ، ثمّ نفى صعصعة بن صوحان إلى الجزيرة أو إلى البحرين، وقيل: إلى جزيرة بني كاوان فمات بها(3) .
وسيَّرَ آمنة بنت الشريد زوجة عمرو بن الحمق الخزاعي(4) إلى معاوية فسجنها، ولمّا أُلقي القبض على عمرو بن الحمق في الموصل بعد اختفاء طويل وقُتل، أرسل زياد رأسه
____________________
(1) شرح النهج 15 / 43.
(2) تاريخ ابن الأثير 3 / 462، الطبري 5 / 235.
(3) الإصابة - ترجمة صعصعة. وفيه: إنّ الذي نفاه هو المغيرة، ولكنّا نرجح أنّ الذي نفاه بأمر معاوية هو ابن زياد؛ لِما ذكرناه من أنّ مرحلة القتل والنفي والتشريد بُدئ بها في عهد زياد لا المغيرة.
(4) قال في الإصابة: عمرو بن الحمق (بفتح أوّله وكسر الميم بعدها قاف) ابن كاهل - ويُقال: الكاهن - ابن حبيب بن عمرو بن القين بن رزاح بن عمرو بن سعد بن كعب بن عمرو الخزاعي الكعبي.
قال ابن السكن: له صحبة. وقال أبو عمر: هاجر بعد الحديبية، وقيل: بل أسلم بعد حجّة الوداع، والأول أصح.
قال ابن حجر: قد أخرج الطبراني من طريق صخر بن الحكم، عن عمّه، عن عمرو بن الحمق قال: هاجرت إلى النبيصلىاللهعليهوآله ، فبينا أنا عنده، فذكر قصّة في فضل علي، وسنده ضعيف.
قال أبو عمر: سكن الشام، ثمّ كان يسكن الكوفة، ثمّ كان ممّن قام على عثمان مع أهلها، وشهد مع علي حروبه، ثمّ قدم مصر.
وذكر الطبري، عن أبي مخنف: أنّه كان من أعوان حجر بن عدي، فلمّا قبض زياد على حجر بن عدي وأرسله مع أصحابه إلى الشام هرب عمرو بن الحمق.
وقال خليفة: قُتل سنة إحدى وخمسين، وأنّ عبد الرحمن بن عثمان الثقفي قتله بالموصل وبعث برأسه.
وذكر ابن السكن بسند جيد إلى أبي إسحاق السبيعي، عن هنيدة الخزاعي قال: أوّل رأس أُهدي في الإسلام رأس عمرو بن الحمق؛ بعث به زياد إلى معاوية.
إلى معاوية، وهو أوّل رأس يحمل في الإسلام، بعث به معاوية إلى آمنة، فقالت: لقد نفيتموه (الصحيح غيبتموه) طويلاً، وأهديتموه قتيلاً، فمرحباً به من هدية غير مقلية. ونفاها معاوية إلى حمص فماتت بحمص(1) .
وكان آخر ما عزم على فعله زياد في الكوفة سنة ثلاث وخمسين، هو أن جمع الناس فملأ منهم المسجد والرحبة والقصر؛ ليعرضهم على البراءة من عليعليهالسلام (2) ، فمَنْ أبى ذلك عرضه على السيف(3) .
ولكن الله تعالى قد سلط عليه الطاعون أشغله عنهم، ومات بعدها بأيّام(4) .
كان ممّن صلبه زياد على باب دار عمرو بن حريث، وقطع لسانه(5) .
____________________
(1) أنساب الأشراف - القسم الرابع، الجزء الأوّل / 273.
(2) مختصر تاريخ دمشق 9 / 88 ترجمة زياد.
(3) مروج الذهب - للمسعودي 3 / 26.
(4) قال البلاذري (في أنساب الأشراف ق4ج1 / 278): كان زياد عند معاوية وقد وقع الطاعون بالعراق، فقال له: إنّي أخاف عليك يا أبا المغيرة الطاعون. فلمّا صار إلى العراق طعن، فمكث شهراً فمات.
قال عبد الرحمن بن السائب: فإنّي لمع نفر من الأنصار والناس في أمر عظيم، قال: فهوّمت تهويمة (التهويم: أن يأخذ الرجل النعاس حتّى يهتز الرأس)، فرأيت شيئاً مثل عنق البعير، أهدب أهدل (الأهدل: الساقط الشفة، وبعير هدِل إذا كان طويل المشفر مسترخيه)، فقلت: ما أنت؟ قال: أنا النقّاد ذو الرقبة بُعثت إلى صاحب هذا القصر.
فاستيقظت فزعاً، فقلت لأصحابي: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا: لا. فأخبرتهم. قال: ويخرج علينا خارج من القصر، فقال: إنّ الأمير يقول لكم: انصرفوا عنّي فإنّي عنكم مشغول. وإذا الطاعون قد ضربه، فأنشأ عبد الرحمن بن السائب يقول:
ما كان منتهياً عمّا أراد بنا |
حتّى تناولهُ النقّادُ ذو الرقبهْ |
|
فأثبتَ الشقّ منه ضربةً ثبتتْ |
كما تناول ظلماً صاحب الرحَبهْ |
قال المسعودي: يعني بصاحب الرحبة علي بن أبي طالبعليهالسلام (مروج الذهب 3 / 6).
(5) قاموس الرجال - ترجمة رشيد الهجري. أنساب السمعاني: قال الهجري (بفتح الهاء والجيم) هذه النسبة إلى هجر بلدة من اليمن معروفة يُنسب إليها كثير، منهم رشيد الهجري، كان يؤمن بالرجعة، قطع زياد لسانه وصلبه. وكذلك لسان الميزان - لابن حجر. وفي تذكرة الحفّاظ - للذهبي قال: قتل زياد رشيداً الهجري لتشيّعه، فقطع لسانه وصلبه.
روى ابن أبي الحديد قال: قال إبراهيم: وحدّثني إبراهيم بن العباس النهدي، حدّثني مبارك البجلي، عن أبي بكر بن عياش، قال: حدّثني المجالد، عن الشعبي، عن زياد بن النضر الحارثي، قال: كنت عند زياد وقد أُتي برشيد الهجري، وكان من خواص أصحاب عليعليهالسلام ، فقال له زياد: ما قال خليلك لك إنّا فاعلون بك؟ قال: تقطعون يدي ورجلي وتصلبونني.
فقال زياد: أما والله لأكذِّبَنَّ حديثه، خلّوا سبيله. فلمّا أراد أن يخرج قال: ردّوه؛ لا نجد شيئاً أصلح ممّا قال لك صاحبك، إنّك لا تزال تبغي لنا سوءاً إن بقيت؛ اقطعوا يديه ورجليه. فقطعوا يديه ورجليه، وهو يتكلّم، فقال: اصلبوه خنقاً في عنقه.
فقال رشيد: قد بقي لي عندكم شيء ما أراكم فعلتموه.
فقال زياد: اقطعوا لسانه.
فلما أخرجوا لسانه ليقطع قال: نفّسوا عنّي أتكلّم كلمة واحدة، فنفّسوا عنه، فقال: هذا والله تصديق خبر أمير المؤمنين، أخبرني بقطع لساني. فقطعوا لسانه وصلبوه.
وروى إبراهيم بن ميمون الأزدي، عن حبّة العُرَني، قال: كان جويرية بن مسهر العبدي صالحاً، وكان لعلي بن أبي طالبعليهالسلام صديقاً، وكان علي يحبّه، ونظر يوماً إليه وهو يسير، فناداه: « يا جويرية، الحق بي؛ فإنّي إذا رأيتك هويتك ».
قال: فركض نحوه، فقال
له: « إنّي محدّثك باُمور فاحفظها ». ثمّ اشتركا في الحديث سرّاً، فقال له جويرية: يا أمير المؤمنين، إنّي رجل نسيّ. فقال له: « إنّي أُعيد عليك الحديث لتحفظه ». ثمّ قال له في آخر ما حدّثه إيّاه: « يا جويرية، أحبب حبيبنا ما أحبّنا، فإذا أبغضنا فابغضه، وابغض بغيضنا ما أبغضنا، فإذا أحبّنا فأحبه ».
قال حبّة: دخل جويرية على عليعليهالسلام يوماً وهو مضطجع، وعنده قوم من أصحابه، فناداه جويرية: أيها النائم استيقظ، فلتضربنَّ على رأسك ضربة تُخضّب منها لحيتك.
قال: فتبسّم أمير المؤمنينعليهالسلام ، قال: « واُحدّثك يا جويرية بأمرك، أما والذي نفسي بيده لتعتلنَّ(1) إلى العتلّ الزنيم، فليقطعنَّ يدك ورجلك، وليصلبنَّك تحت جذع كافر ».
قال: فوالله ما مضت الأيام على ذلك حتّى أخذ زياد جويرية، فقطع يده ورجله، وصلبه إلى جانب جذع بن مكعبر(2) ، وكان جذعاً طويلاً، فصلبه على جذع قصير إلى جانبه(3) .
نجح تخطيط معاوية في الكوفة من خلال ابن زياد، وكُبِتَ الحقّ وأهله فيها، وتحقّق ما
____________________
(1) يُقال: عتله عتلاً، إذا أخذه بمجامعه وجرّه جرّاً عنيفاً.
(2) قال ابن أبي الحديد (في شرح نهج البلاغة 5 / 31): وحكى أبو عبيدة، قال: بينا نحن على أشراف الكوفة وقوف إذ جاء أسماء بن خارجة الفزاري فوقف، وأقبل ابن مكعبر الضبّي فوقف متنحيّاً عنه، فأخذ أسماء خاتماً كان في يده، فصه فيروزج أزرق، فدفعه إلى غلامه، وأشار إليه أن يدفعه إلى ابن مكعبر، فأخذ ابن مكعبر شسع نعله، فربطه بالخاتم وأعاده إلى أسماء، فتمازحا ولم يفهم أحد من الناس ما أرادا، أراد أسماء بن خارجة قول الشاعر:
لقد زرقت عيناك يابن مكعبرٍ |
كذا كلّ ضبيٍّ من اللؤم أزرقُ |
(3) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد 2 / 290.
أخبر عنه عليعليهالسلام حين قال لخواص أصحابه: « أَلا وَإِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي أُمَيَّةَ؛ فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ، عَمَّتْ خُطَّتُهَا، وَخَصَّتْ بَلِيَّتُهَا، وَأَصَابَ البَلاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا، وَأَخْطَأَ الْبَلاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا.
وَايْمُ اللَّهِ لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ أَرْبَابَ سُوءٍ بَعْدِي؛ كَالنَّابِ الضَّرُوسِ تَعْذِمُ بِفِيهَا، وَتَخْبِطُ بِيَدِهَا، وَتَزْبِنُ بِرِجْلِهَا، وَتَمْنَعُ دَرَّهَا. لا يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لا يَتْرُكُوا مِنْكُمْ إِلاّ نَافِعاً لَهُمْ، أَوْ غَيْرَ ضَائِرٍ بِهِمْ، وَلا يَزَالُ بَلاؤُهُمْ عَنْكُمْ حَتَّى لا يَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ إِلاّ كَانْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ، وَالصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ. تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ مَخْشِيَّةً، وَقِطَعاً جَاهِلِيَّةً، لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدًى، وَلا عَلَمٌ يُرَى نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْهَا بِمَنْجَاةٍ، وَلَسْنَا فِيهَا بِدُعَاةٍ »(1) .
عادت الكوفة بعد تهجير الآلاف، وتصفية البارزين من شيعة عليعليهالسلام أمثال أو كحجر وأصحابه، بقوّة السيف بستاناً لقريش كما كانت على عهد عثمان، وولاّها معاوية بعد ابن زياد لصديقه وخليله الضحّاك بن قيس الفهري القرشي(2) الشامي الذي
____________________
(1) نهج البلاغة / الخطبة 93. وأوّلها قولهعليهالسلام : « أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنِّي فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا وَاشْتَدَّ كَلَبُهَا، فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّاعَةِ، وَلا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِئَةً وَتُضِلُّ مِئَةً إِلاّ أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا، وَقَائِدِهَا، وَسَائِقِهَا، وَمُنَاخِ رِكَابِهَا، وَمَحَطِّ رِحَالِهَا، وَمَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلاً، وَمَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً...
إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ، يُنْكَرْنَ مُقْبِلاتٍ وَيُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ، يَحُمْنَ حَوْمَ الرِّيَاحِ؛ يُصِبْنَ بَلَداً وَيُخْطِئْنَ بَلَداً... وآخرها قوله: ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللَّهُ عَنْكُمْ كَتَفْرِيجِ الأَدِيمِ بِمَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً، وَيَسُوقُهُمْ عُنْفاً، وَيَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ، لا يُعْطِيهِمْ إِلاّ السَّيْفَ، وَلا يُحْلِسُهُمْ إِلاّ الْخَوْفَ؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَدُّ قُرَيْشٌ بِالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لَوْ يَرَوْنَنِي مَقَاماً وَاحِداً، وَ لَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ لأَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أَطْلُبُ الْيَوْمَ بَعْضَهُ فَلا يُعْطُونِيهِ ».
(2) قال ابن حجر في الإصابة: الضحّاك بن قيس الفهري، أبو أنيس وأبو عبد الرحمن، أخو فاطمة بنت قيس. قال البخاري: له صحبة، وروى له النسائي حديثاً صحيح الإسناد من رواية الزهري، عن محمّد بن =
كان مع معاوية في صفين يُقاتل ضدّ علي، ويشنّ الغارات على أطراف الكوفة.
دامت ولايته على الكوفة أربع سنوات، واصل فيها سياسة معاوية وزياد، وهو الخبير بهذه السياسة، ثم احتاج إليه ليولّيه شرطته في دمشق فعزله وولّى الكوفة بعده لابن أخته عبد الرحمن بن اُمّ الحكم، وأعاد هذا إلى ذاكرة الناس بسيرته الفاجرة إلى ذاكرة الناس سيرة الوليد بن عقبة والي عثمان من قبل ممّا فرض على معاوية أن يعزله سريعاً.
قال هشام بن الكلبي، والهيثم بن عدي: كان سبب عزل معاوية ابن أخته اُمّ الحكم، وهو عبد الرحمن بن عبد الله الثقفي، أنّه قيل لمعاوية: إنّ ابن أختك خطب في يوم الجمعة
____________________
= سويد الفهري عنه، استبعد بعضهم صحة سماعه من النبيصلىاللهعليهوآله ، ولا بعد فيه؛ فإنّ أقلّ ما قيل في سنّه عند موت النبيصلىاللهعليهوآله أنّه كان ابن ثمان سنين.
وقال الطبري: مات النبيصلىاللهعليهوآله وهو غلام يافع. وقول الواقدي: وزعم غيره أنّه سمع من النبيصلىاللهعليهوآله . قال المزي: وشهد فتح دمشق، وسكنها إلى حين وفاته، وشهد صفين مع معاوية، وكان على أهل دمشق يومئذ وهم القلب.
وفي تاريخ الطبري 5 / 135، وفيها أيضاً (أي في سنة 39) وجّه معاوية الضحّاك بن قيس وأمره أن يمرّ بأسفل (واقصة) تشرح: منزل في طريق مكة بعد القرعاء نحو مكة، وأن يغير على كلّ مَنْ مرّ به ممّن هو في طاعة علي من الأعراب، ووجّه معه ثلاثة آلاف رجل، فسار فأخذ أموال الناس، وقتل مَنْ لقي من الأعراب، ومرّ بالثعلبية فأغار على مسالح علي، وأخذ أمتعتهم، ومضى حتّى انتهى إلى القُطقُطانة (موقع قرب الكوفة)، فأتى عمرو بن عميس بن مسعود، وكان في خيلٍ لعليعليهالسلام ، وأمامه أهله، وهو يريد الحجّ، فأغار على مَنْ كان معه، وحبسه عن المسير، فلمّا بلغ ذلك علياً سرّح حجر بن عدي الكندي في أربعة آلاف، وأعطاهم خمسين خمسين، فلحق الضحّاك بتدمر فقتل منهم تسعة عشر رجلاً، وقُتل من أصحابه رجلان، وحال بينهم الليل فهرب الضحّاك وأصحابه، ورجع حجر ومَنْ معه.
قال ابن حجر: قال الزبير: كان الضحّاك بن قيس مع معاوية بدمشق، وكان ولاّه الكوفة ثمّ عزله، ثمّ ولاّه دمشق، وحضر موت معاوية فصلّى عليه وبايع الناس ليزيد، فلمّا مات يزيد بن معاوية، ثمّ معاوية بن يزيد، دعا الضحّاك إلى نفسه.
وقال خليفة: لمّا مات زياد سنة ثلاث وخمسين استخلف على الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، فعزله معاوية وولّى الضحاك بن قيس، ثمّ عزله وولّى عبد الرحمن بن اُمّ الحكم، ثمّ ولّى معاوية الضحّاك دمشق، فأقرّه يزيد حتّى مات، فدعا الضحّاك إلى ابن الزبير وبايع له حتّى مات معاوية بن يزيد.
وقال غيره: خدعه عبيد الله بن زياد، فقال: أنت شيخ قريش وتبايع لغيرك؟! فدعا إلى نفسه فقاتله مروان، ثمّ دعا إلى ابن الزبير فقاتله مروان، فقتل الضحّاك بمرج راهط سنة أربع وستين أو سنة خمسين.
وقال الطبري: كانت الوقعة في نصف ذي الحجّة سنة أربع، وبه جزم ابن مندة.
قاعداً، وإنّ كعب بن بجرة رآه، فقال: ألا ترون إلى هذا الأحمق وما فعل والله يقول:( وتركوك قائماً ) (1) ؟!
وإنّه أشتدّ في أمر الخراج حتّى قتل ابن صلوبا. وكان صاحب شراب يشرب مع سعد بن هبار من ولد أسد بن عبد العزى بن قصي، فقال حارثة بن بدر الغداني فيه:
نهارهُ في قضايا غيرُ عادلةٍ |
وليلُهُ في هوى سعدِ بن هبّارِ |
|
لا يسمعُ الناسَ أصواتاً لهم خفيتْ |
إلاّ دويّاً دويِّ النحلِ في الغارِ |
|
فيصبحُ القومُ أطلاحاً أضرَّ بهمْ |
سيرُ المطيِّ وما كانوا بسفّارِ |
|
لا يرقدونَ ولا تُغضي عيونُهمُ |
ليلَ التمامِ وليلَ المدلجِ الساري |
فبلغ الشعر خاله معاوية، وقدم أبو بردة بن أبي موسى الأشعري على معاوية، فقال له: أيشرب عبد الرحمن؟ فقال: لا. قال: أفيسمع الغناء؟ قال: لا. قال: فما تنقمون عليه؟ قال: إنكاره بيعة يزيد ابن أمير المؤمنين، وظنّه أنّ الفيء له، وأنّه أحقّ به.
قال معاوية: فما تصنع بأبيات ابن همام؟ قال: كذب عليه. قال: أنشدني إيّاها إن كنت ترويها. فأنشده، فقال معاوية: شربها والله، أراد الخبيث، وعزله وولّى النعمان بن بشير الأنصاري الكوفة(2) .
والنعمان بن بشير الأنصاري(3) هذا كان معروفاً بعثمانيته، فهو من آحاد الأنصار
____________________
(1) سورة الجمعة / 11.
(2) أنساب الأشراف ق4ج1 / 137.
(3) قال ابن سعد في الطبقات 6 / 53: وكان النعمان بن بشير والي الكوفة لمعاوية بن أبي سفيان، وأقام بها وكان عثمانياً.
قال في الإصابة: قال أبو مسهر: عن شعبة بن عبد العزيز: كان قاضي دمشق بعد فضالة بن عبيد. وقال سماك بن حرب: استعمله معاوية على الكوفة. (في الجرح والتعديل: كانت ولايته لها تسعة أشهر، وقيل: سبعة أشهر). وقال الهيثم: نقله معاوية من إمرة الكوفة إلى إمرة حمص، وضمّ الكوفة إلى عبيد الله بن زياد.
وفي تاريخ الطبري 4 /430 سنة 35، قال الطبري: حدّثني عمر قال: حدّثنا أبو الحسن قال: أخبرنا شيخ من بني هاشم، عن عبد الله بن الحسن قال: لمّا قُتل عثمان بايعت الأنصار علياً إلاّ نفيراً يسيراً منهم حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد =
الذين لم يبايعوا علياً، والتحق بمعاوية حاملاً معه قميص عثمان وأصابعه، وكان أيضاً أحد القادة الذين دفع بهم معاوية ليغيروا على أطراف الكوفة سنة39 قتلاً ونهباً ثمّ الهروب. وكما عادت الكوفة بستاناً لقريش كذلك عادت كما كانت على عهد عمر منطقة سامعة مطيعة للخليفة تعمل بأمره وترى رؤيته.
روى الطبري قال: ودنا عمرو بن الحجّاج من أصحاب الحسين (والمعركة دائرة) يقول: يا أهل الكوفة، ألزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا ترتابوا في قتل مَنْ مرق من الدين وخالف الإمام(1) .
أقول: ومراده بالإمام: الخليفة يزيد.
وروى أيضاً: أنّ أصحاب الحسينعليهالسلام طلبوا من جيش عمر بن سعد أن يكفّوا عنهم حتّى يصلّوا، فقال لهم الحصين بن تميم: إنّها لا تُقبل(2) .
وروى أيضاً: أنّ يزيد بن معقل أحد جنود معسكر ابن سعد قال لبرير بن خضير: هل تذكر وأنا اُماشيك في بني لوذان، وأنت تقول: إنّ عثمان بن عفان كان على نفسه مسرفاً، وإنّ معاوية بن أبي سفيان ضالٌّ مضل، وإنّ إمام الهدى والحقّ علي بن أبي طالب؟ فقال برير: أشهد أنّ هذا رأيي وقولي. فقال له يزيد بن معقل: فإنّي أشهد أنّك من الضالّين(3) .
وفي البحث الآتي توضيح أكثر عن هذه المسألة.
____________________
= الخدري، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة كانوا عثمانية.
(وفي 5 / 133): ثمّ دخلت سنة تسع وثلاثين، ذكر ما كان فيها من الأحداث، فممّا كان فيها من الأحداث المذكورة، تفريق معاوية جيوشه في أطراف علي، فوجّه النعمان بن بشير فيما ذكر علي بن محمّد بن عوانة في ألفي رجل إلى عين التمر، وبها مالك بن كعب مسلحة لعلي في ألف رجل، فأذن لهم، فأتوا الكوفة وأتاه النعمان.
(1) تاريخ الطبري 4 / 331، طبعة الأعلمي - بيروت.
(2) تاريخ الطبري 4 / 334.
(3) تاريخ الطبري 4 / 328.
الفصل الرابع: اُطروحة معاوية للحكم
من الحقائق الثابتة التي اتفقت كتب التاريخ على روايتها، هي: أنّ عبد الملك ومَنْ بعده من الخلفاء الاُمويِّين وصفوا أنفسهم بأنّهم خلفاء الله في الأرض، وفيما يلي طرف من هذه النصوص:
روى أبو داود عن سليمان الأعمش، قال: جمَّعتُ مع الحجّاج فخطب خطبة قال فيها: فاسمعوا وأطيعوا لخليفة الله وصفيِّه عبد الملك بن مروان(1) .
قال قيس بن عبد الله الرقيات يمدح عبد الملك:
وقال الفرزدق يمدح عبد الملك بن مروان:
خليفةُ اللهِ فوقَ منبرِهِ |
جفّت بذلكَ الأقلامُ والكتبُ(2) |
وقال جرير:
فالأرضُ للهِ ولاّها خليفتَهُ |
وصاحبُ اللهِ فيها غيرُ مغلوبِ |
|
فأصبحَ اللهُ ولي الأمرَ خيرَهمُ |
بعد اختلافٍ وصدعٍ غيرِ مَشعوبِ |
____________________
(1) الفرق الإسلاميّة في بلاد الشام - حسن عطوان / 218.
(2) طبقات فحول الشعراء 2 / 655.
اللهُ طوّقكَ الخلافةَ والهدى |
واللهُ ليسَ لِما قضى تبديلُ |
|
ولّى الخلافةَ والكرامةَ أهلَها |
فالملكُ أفْيَحُ والعطاءُ جزيلُ |
وقال:
أنتَ الأمينُ أمينُ اللهِ لا سرفٌ |
فيما وليتَ ولا هيّابة وَرَعُ |
|
أنت المباركُ يهدي اللهُ شيعتَه |
إذا تفرّقت الأهواءُ والشيعُ |
|
يا آل مروانَ إنّ اللهَ فضّلكم |
فضلاً عظيماً على مَنْ دينه البدعُ(1) |
وقال جرير للوليد بن عبد الملك:
يكفي الخليفةَ أنّ اللهَ سربلَهُ |
سربالَ ملكٍ به تزجى الخواتيمُ(2) |
|
يا آلَ مروانَ إنّ اللهَ فضّلكم |
فضلاً قديماً وفي المسعاةِ تقديمُ |
وقال يمدح أيوب بن سليمان بن عبد الملك:
إنّ الإمامَ الذي تُرجى نوافله |
بعد الإمامِ ولي العهدِ أيوبُ |
|
أنتَ الخليفةَ للرحمنِ يعرفه |
أهلُ الزبورِ وفي التوراةِ مكتوبُ(3) |
ومن أفضل الوثائق في هذا الموضوع كتاب الوليد بن يزيد بن عبد الملك إلى رعيته، [قال]: أمّا بعد، فإنّ الله تعالى اختار الإسلام ديناً لنفسه، وجعله دين خيرته من خلقه، ثمّ اصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس، فبعثهم به وأمرهم به، وكان بينهم وبين مَنْ مضى من الأمم، وخلا من القرون قرناً فقرناً، يدعون إلى التي هي أحسن، ويهدون إلى صراط مستقيم، حتّى انتهت كرامة الله في نبوّته إلى محمّدصلىاللهعليهوآله على حين دروس من العلم، وعمى من الناس، وتشتيت من الهوى، وتفرّق من السبل، وطموس من أعلام الحقّ،
____________________
(1) الفرق الإسلاميّة في بلاد الشام - حسن عطوان / 218.
(2) تُزجى: تُيَسَّر.
(3) انظر كتاب الفرق الإسلاميّة في بلاد الشام - د. حسين عطوان، فقد ورد في كتابه الكثير من ذلك.
فأبان الله به الهدى، وكشف به العمى، واستنقذ به من الضلالة والردى، وأبهج به الدين، وجعله رحمة للعالمين، وختم به وحيه.
ثمّ استخلف خلفاءه على منهاج نبوّته حين قبض نبيهصلىاللهعليهوآله ، وختم به وحيه لإنفاذ حكمه، وإقامة سنّته وحدوده... فتتابع خلفاء الله على ما أورثهم الله عليه من أمر أنبيائه، واستخلفهم عليه منه لا يتعرّض لحقّهم أحد إلاّ صرعه الله، ولا يُفارق جماعتهم أحد إلاّ أهلكه الله، ولا يستخفّ بولايتهم ويتّهم قضاء الله فيهم أحد إلاّ أمكنهم الله منه، وسلّطهم عليه، وجعله نكالاً وموعظة لغيره، وكذلك صنع الله بمَنْ فارق الطاعة التي أمر بلزومها والأخذ بها.
فبالخلافة أبقى الله مَنْ أبقى في الأرض من عباده، وإليها صيّره، وبطاعة مَنْ ولاّه إيّاها سعد مَنْ أكرمها ونصرها؛ فمَنْ أخذ بحظّه منها كان لله وليّاً، ولأمره مطيعاً... ومَنْ تركها ورغب عنها، وحاد الله فيها أضاع نصيبه، وعصى ربّه، وخسر دنياه وآخرته، وكان ممّن غلبت عليه الشقوة، واستحوذت عليه الاُمور الغاوية التي تورد أهلها أفظع المشارع، وتقودهم إلى شرّ المصارع فيما يحلّ الله بهم في الدنيا من الذلّة والنقمة، وصيّرهم فيما عندهم من العذاب والحسرة.
والطاعة رأس هذا الأمر، وذروته وسنامه، وملاكه وزمامه، وعصمته وقوامه بعد كلمة الإخلاص التي ميّز الله بها بين العباد. وبالطاعة نال المفلحون من الله منازلهم، واستوجبوا عليه ثوابهم... وبترك الطاعة والإضاعة لها، والخروج منها، والإدبار عنها، والتبذّل للمعصية بها أهلك الله مَنْ ضلّ وعتا، وعمي وغلا، وفارق مناهج البرّ والتقوى.
فالزموا طاعة الله فيما عراكم ونالكم وألمَّ بكم من الاُمور، وناصِحوها واستوثقوا عليها، وارعوا إليها وخالصوها، وابتغوا القربة إلى الله بها؛ فإنّكم قد رأيتم مواقع الله
لأهلها في إعلائه إيّاهم، وإفلاجه حجّتهم، ودفعه باطل مَنْ حادهم وناواهم وساماهم، وأراد إطفاء نور الله الذي معهم، وخبرتم مع ذلك ما يصير إليه أهل المعصية من التوبيخ لهم، والتقصير بهم، حتّى يؤول أمرهم إلى تبار وصغار وذلّة وبوار، وفي ذلك لمَنْ كان له رأي وموعظة عبرة ينتفع بواضحها، ويتمسّك بحظوتها، ويعرف خيرة قضاء الله لأهلها.
ثمّ إنّ الله وله الحمد والمنّ والفضل هدى الأمّة لأفضل الاُمور عاقبة لها في حقن دمائها، والتئام ألفتها، واجتماع كلمتها، واعتدال عمودها، وإصلاح دهمائها، وذخر النعمة عليها في دنياها، بعد خلافته التي جعلها لهم نظاماً، ولأمرهم قواماً.
وهو العهد الذي ألهم الله خلفاءه(1) توكيده، والنظر للمسلمين في جسيم أمرهم فيه؛ ليكون لهم عند ما يحدث بخلفائهم ثقة في المفزع، وملتجأ في الأمر، ولمّاً للشعث، وصلاحاً لذات البين، وتثبيتاً لأرجاء الإسلام، وقطعاً لنزغات الشيطان فيما يتطلّع إليه أولياؤه، ويوثبهم عليه من تلف هذا الدين، وانصداع شعب أهله، واختلافهم فيما جمعهم الله عليه منه.
فلا يريهم الله في ذلك إلاّ ما ساءهم، وأكذب أمانيهم، ويجدون الله قد أحكم بما قضى لأوليائه من ذلك عقد اُمورهم، ونفى عنهم مَنْ أراد فيها إدغالاً... فأكمل الله بها لخلفائه وحزبه البررة الذين أودعهم طاعته أحسن الذي عوَّدهم...
فأمْرُ هذا العهد من تمام الإسلام، وكمال ما استوجب الله على أهله من المنن العظام، وممّا جعل الله فيه لمَنْ أجراه على يديه، وقضى به على لسانه، ووفقه لمَنْ ولاّه هذا الأمر عنده أفضل الذخر، وعند المسلمين أحسن الأثر فيما يؤثر بهم من منفعته، ويتسع لهم من نعمته، ويستندون إليه من عزّه، ويدخلون فيه من وزره، الذي يجعل الله لهم به منعة، ويحرزهم به من كلّ مهلكة، ويجمعهم به من كلّ فرقة، ويقمع به أهل النفاق، ويعصمهم به من كلّ اختلاف وشقاق.
____________________
(1) يريد به ما صنعه أبو بكر حين استخلف، وما صنعه معاوية حين استخلف، وجرى الخلفاء من بعده على منواله.
فاحمدوا الله ربّكم الرؤوف بكم، الصانع لكم في أموركم على الذي دلكم عليه من هذا العهد، الذي جعله لكم سكناً ومعولاً تطمئنون إليه، وتستظلّون في أفنانه في أمر دينكم ودنياكم؛ فإنّ لذلك خطراً عظيماً من النعمة... فأنتم حقيقون بشكر الله فيما حفظ به دينكم، وأمر جماعتكم من ذلك، جديرون بمعرفة كنه واجب حقّه فيه، وحمده على الذي عزم لكم منه، فلتكن منزلة ذلك منكم وفضيلته في أنفسكم على قدر حسن بلاء الله عندكم فيه، إنّ شاء الله ولا قوّة إلاّ بالله(1) .
1 - إنّ الحاكم خليفة الله تعالى ووارث أمر النبيصلىاللهعليهوآله .
2 - بوجود الخليفة يبقى مَنْ يبقى من الناس.
3 - طاعة الحاكم رأس الطاعات بعد كلمة التوحيد.
4 - مَنْ يطع الحاكم كان لله وليّاً، واستحق من الله ثوابه، ومَنْ يعصه كان لله عدوّاً، واستحق من الله نقمته وسخطه.
5 - إنّ مَنْ عصى خليفة الله وخرج عليه أمكنه الله منه، وجعله نكالاً لغيره.
6 - إنّ نظام تولية العهد إلهام من الله تعالى لخلفائه في حفظ الدين والأمّة من الاختلاف.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل إنّ مبتدع هذه البدعة بتسمية الحاكم خليفة الله هو عبد الملك، ومن جاء بعده، أم إنّ المسألة تتجاوزهم إلى معاوية مؤسس الدولة الاُمويّة؟
وإذا رجعنا إلى كتب التاريخ وكتب الشعر نجد ما يلي:
____________________
(1) تاريخ الطبري 7 / 223 (سنة 125).
روى البلاذري قال: حدّثني محمّد بن سعد، عن الواقدي، عن يزيد بن عياض، قال: قال معاوية: الأرض لله، وأنا خليفة الله، فما أخذت فلي، وما تركته للناس، فبفضل منّي(1) .
وقال مسكين الدارمي يخاطب معاوية يستحثّه على ترشيح يزيد:
وقال عبد الله بن همام السلولي ليزيد بن معاوية:
بني خلفاء اللهِ مهلاً فإنّما |
يبوؤها الرحمنُ حيث يريدُ |
|
إذا المنبرُ الغربي خلاَّهُ ربُّه |
فإنّ أميرَ المؤمنين يزيدُ(2) |
اصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقةٍ |
واشكر عطاءَ الذي بالملك أصفاكا |
|
اُعطيتَ طاعةَ أهل الأرض كلِّهمُ |
فأنتَ ترعاهم واللهُ يرعاكا |
وقال أيضاً(3) :
خلافةُ ربِّكم حاموا عليها |
إذا غُمِزت خَنابِسة اُسودا(4) |
وفي ضوء ذلك يتّضح: أنّ معاوية هو المؤسس لهذه البدعة في الحكم، وقد استفاد من أصل أسلامي صحيح أشار إليه القرآن في قوله تعالى:( يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ) (5) . وأشارت إليه الأحاديث النبويّة الصحيحة التي انتشرت في عهد عليعليهالسلام وولده الحسنعليهالسلام ، وهو توصيف الأنبياء وأوصيائهم بكونهم خلفاء الله في الأرض، يبيّنون للناس دينه نيابة عنه؛ ومن هنا كانت طاعة هؤلاء الأنبياء وأوصيائهم
____________________
(1) أنساب الأشراف ق4ج1 / 20.
(2) الفرق الإسلاميّة في بلاد الشام / 249 عن الشعر والشعراء 1 / 544، الأغاني 2 / 212، خزانة الأدب 3 / 59، شعر مسكين الدارمي / 33.
(3) الفرق الإسلاميّة في بلاد الشام / 217عن طبقات فحول الشعراء / 627.
(4) يريد إذا استضعفها مجترئ فطمع في أن ينال منها، والخَنابِسة: جمع خُنْبَسة، وهو الجري الشديد الثابت. المصدر السابق (حسن عطوان).
(5) سورة ص / 26.
رأس الدين، سواء كانوا في موقع الحكم والسلطة فعلاً أم لم يكونوا؛ لأنّهم المفتاح إلى معرفة دين الله تعالى، وصار المطيع لهم وليّاً لله، والعاصي لهم عاصيّاً لله تعالى.
حرَّف معاوية ومَنْ جاء بعده هذا المفهوم الإسلامي الصحيح حين جعلوا الحاكم بمجرد كونه حاكماً خليفة لله تعالى، وطاعته رأس الدين(1) .
وقد أُسنِد هذا الطرح الاُموي بأحاديث وضُعت على لسان النبيصلىاللهعليهوآله ضمن الثورة الثقافية المضادة التي أرسى دعائمها معاوية، وفيما يلي طرف من هذه الأحاديث:
روى مسلم في صحيحه عن حذيفة قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنّون بسنّتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس.
قال: قلت: كيف أصنع يا رسول اللّه إن أدركت ذلك؟
قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك فاسمع وأطع(2) .
وفي رواية الطيالسي وأحمد بن حنبل أنّهصلىاللهعليهوآله قال: فإن رأيت يومئذ لله عزّ وجلّ في الأرض خليفة فألزمه وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك(3) .
روى البخاري: قال حدّثنا عثمان بن صالح قال: أخبرنا عبد الله بن وهب قال: حدّثنا أبو هانئ الخولاني، عن أبي علي الجنبي، عن فضالة بن عبيد(4) ، عن النبيصلىاللهعليهوآله قال:
____________________
(1) تماماً كما صنع السامري في بني إسرائيل، وأشار إليه قوله تعالى: ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا ) طه 96، أي حرفتها.
(2) مختصر صحيح البخاري 3 / 1319، صحيح مسلم 3 / 1476.
(3) مسند أبي داود الطيالسي / 59، مسند أحمد 5 / 403.
(4) قال ابن حجر في الإصابة: فضالة بن عبيد الأنصاري الأوسي، أبو محمّد، أسلم قديماً ولم يشهد بدراً، وشهد أحداً فما بعدها، وشهد فتح مصر والشام قبلها، ثمّ سكن الشام وولّى الغزو، وولاّه معاوية قضاء دمشق بعد أبي الدرداء.
وقال ابن حبان: مات في خلافة معاوية، وكان معاوية ممّن حمل سريره، وكان
ثلاثة لا تسأل عنهم؛ رجل فارق الجماعة وعصى إمامه فمات عاصياً فلا تسأل عنه، وأمة أو عبد أبق من سيده، وامرأة غاب زوجها وكفاها مؤنة الدنيا فتبرّجت وتمرّجت بعده(1) .
أقول: المراد بالإمام في الرواية الحاكم الأعلى للمسلمين.
وروى مسلم عن أبي قيس بن رياح، عن أبي هريرة، عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال: مَنْ خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهليّة(2) .
وروى أحمد بن حنبل عن ابن عمر، عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: مَنْ نزع يداً من طاعة فلا حجّة له يوم القيامة، ومَنْ مات مفارقاً للجماعة فقد مات ميتة جاهليّة(3) .
وروى أيضاً عن عبد الله بن عامر بن ربيعة العدوي، عن أبيه قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : مَنْ مات وليست عليه طاعة مات ميتة جاهليّة، فإن خلعها من بعد عقدها في عنقه لقي الله تبارك وتعالى وليست له حجّة(4) .
____________________
= معاوية استخلفه على دمشق في سفرة سافرها. وأرّخ المدائني وفاته سنة ثلاث وخمسين. وكذا قال ابن السكن، وقال: مات بدمشق.
قال المزي في تهذيب الكمال: صاحب النبيصلىاللهعليهوآله ، شهد أحداً وبايع تحت الشجرة، وشهد خيبر مع النبيصلىاللهعليهوآله ، وولاّه معاوية على الغزو ثمّ ولاّه قضاء دمشق، وكان خليفة معاوية على دمشق إذا غاب عنها، روى له البخاري في المفرد والباقون.
(1) الأدب المفرد / 207، مسند أحمد 6 / 19، صحيح ابن حبان 10 / 422، المستدرك على الصحيحين 1 / 206، المعجم الكبير - للطبراني 18 / 306.
(2) صحيح مسلم 3 / 1476.
(3) مسند أحمد بن حنبل 2 / 70.
(4) مسند أحمد 2 / 93. وقال النووي في شرحه بباب لزوم طاعة الأُمراء في غير معصية: وقال جماهير أهل السنّة من الفقهاء والمحدّثين والمتكلّمين: لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه؛ للأحاديث الواردة في ذلك.
وقال قبله: وأمّا الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنّة أنّه لا ينعزل السلطان بالفسق. =
فتوح البلدان غطاء عام للانقلاب الاُموي
تعطلّت حركة الفتوح في عهد عليعليهالسلام بسبب حرب الجمل وصفين والنهروان، وغارات معاوية بعد التحكيم على الأطراف التابعة لعليعليهالسلام ، وكان أهم ما نهض به معاوية بعد إبرام الصلح مع الحسنعليهالسلام هو إحياء حركة الفتوح لتحقيق مكاسب عديدة منها:
1 - إقناع الناس أنّ السلطة الاُمويّة تعمل من أجل إعلاء كلمة الإسلام ونشره إلى بلاد جديدة.
2 - إشغال المعارضة عن متابعة السلطة، ومراقبة أعمالها الداخلية، وتوجيه النقد إليها، وكذلك إبعاد مَنْ تريد إبعاده بطريقة ذكية غير مثيرة.
3 - الحصول على موارد جديدة من المال والثروات، أو القوّات الخاصة لحفظ الأمن الداخلي(1) .
قال سعيد بن عبد العزيز: لمّا قُتل عثمان ووقع الاختلاف لم يكن للناس غزو حتّى اجتمعوا على معاوية فأغزاهم مرات(2) .
____________________
= قال القاضي أبو بكر محمّد بن الطيّب الباقلاني (ت: 403 هـ) في كتاب التمهيد في باب ذكر ما يوجب خلع الإمام وسقوط فرض طاعته ما ملخّصه: قال الجمهور من أهل الإثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه بغصب الأموال، وضرب الأبشار، وتناول النفوس المحرّمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه بل يجب وعظه وتخويفه، وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي اللّه. واحتجّوا في ذلك بأخبار كثيرة متظافرة عن النبيّصلىاللهعليهوآله ، وعن الصحابة في وجوب طاعة الأئمّة وإن جاروا واستأثروا بالأموال.
(1) روى الطبري عن المدائني أنّ البخارية الذين قدم بهم عبيد الله بن زياد البصرة ألفان، كلّهم جيد الرمي بالنشّاب.
أقول: وهم من نتائج فتح بخارى على يده حينما كان والياً على خراسان سنة 53، ولمّا ولاّه معاوية البصرة اصطحبهم معه، وكانوا حرسه الخاص، وهؤلاء أُضيفوا إلى الأربعة آلاف الذين اصطنعهم أبوه زياد شرطة للبصرة. وفي أنساب الأشراف (ق4ج1 / 179): لمّا خرج طوّاف بن علاّق بالبصرة ندب عبيد الله الشرط والبخارية، فأتوهم وواقعوهم وهزموهم وقتلوهم.
(2) سير أعلام النبلاء 3 / 150، تاريخ دمشق - لأبي زرعة 1 / 188 و 346، تاريخ دمشق - لابن عساكر 16 / 2.
ومن الطبيعي أن يأمر معاوية القصاصين في المساجد وخطباء الجمعة بالتركيز على أحاديث الجهاد والغزو؛ لجعل الاشتراك بالغزو هو المقياس الأعلى للأعمال الصالحة.
روى البخاري ومسلم، والدارمي والترمذي وغيرهم عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله سُئل: أي العمل أفضل؟ فقال: « إيمان بالله ورسوله ». قيل: ثمّ ماذا؟ قال: « الجهاد في سبيل الله ». قيل: ثمّ ماذا؟ قال: « حجّ مبرور »(1) .
وفي رواية اُخرى عن أبي هريرة أيضاً: قال سُئل رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أيّ الأعمال أفضل؟ وأيّ الأعمال خير؟ قال: « إيمان بالله ورسوله ». قال: ثم أيّ يا رسول الله؟ قال: « الجهاد في سبيل الله سنام العمل ». قال: ثم أيّ يا رسول الله؟ قال: « حجّ مبرور »(2) .
وفي رواية اُخرى عنه أيضاً قال: جاء رجل إلى النبيصلىاللهعليهوآله فقال: يا رسول الله، علمني عملاً يعدل الجهاد. قال: « لا أجده ». قال: « هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجداً فتقوم لا تفتر، وتصوم لا تفطر؟ ». قال: لا أستطيع. قال: قال أبو هريرة: إنّ فرس المجاهد يستن(3) في طوله فيكتب له حسنات(4) .
____________________
(1) البخاري المختصر 1 / 18، صحيح مسلم 1 / 88. وكذلك رواية عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي المراوح، عن أبي ذر (الدارمي 2 / 397)، بينما الرواية عن غيره تجعل الجهاد بعد الصلاة وبر الوالدين (انظر المجتبى من السنن للنسائي 1 / 292).
وفي مسند أحمد 2 / 163: حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا محمّد بن عبيد، ثنا محمّد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ناعم مولى اُمّ سلمة، عن عبد الله بن عمرو قال: حججت معه حتّى إذا كنّا ببعض طرق مكة رأيته تيمم، فنظر حتّى إذا استبانت جلس تحتها، ثمّ قال: رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله تحت هذه الشجرة إذ أقبل رجل من هذا الشعب فسلّم على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ثمّ قال: يا رسول الله، إنّي قد أردت الجهاد معك ابتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة. قال: « هل من أبويك حيٌّ؟ » قال: نعم يا رسول الله كلاهما. قال: « فارجع ابرر أبويك ». قال: فولّى راجعاً من حيث جاء.
وفي (2 / 165) حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا يزيد، أنا مسعر، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمرو، قال: جاء رجل إلى النبيصلىاللهعليهوآله يستأذنه في الجهاد، فقال: « أحي والداك؟ ». قال: نعم. قال: « ففيهما فجاهد ».
(2) مسند أحمد 2 / 287.
(3) استن الفرس: أي عدا في مرحه شوطاً أو شوطين ولا راكب عليه.
(4) مسند أحمد 2 / 344.
وفي رواية مسلم عنه أيضاً: عن أبي هريرة قال: قيل للنبيصلىاللهعليهوآله : ما يعدل الجهاد في سبيل الله عز وجل؟ قال: « لا تستطيعوه ». قال: فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثاً كلّ ذلك يقول لا تستطيعونه، وقال في الثالثة: « مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم، القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة حتّى يرجع المجاهد في سبيل الله تعالى »(1) .
وروى أحمد عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن أبي سعيد الخدري قال: أخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بيدي فقال: « يا أبا سعيد، ثلاثة مَنْ قالهنّ دخل الجنة ». قلت: ما هنّ يا رسول الله؟ قال: « مَنْ رضي بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمّد رسولاً ». ثمّ قال: « يا أبا سعيد، والرابعة لها من الفضل كما بين السماء إلى الأرض، وهي الجهاد في سبيل الله »(2) .
وروى البخاري عن أبي هريرة أيضاً: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: « تكفّل الله لمَنْ جاهد في سبيله لا يخرجه إلاّ الجهاد في سبيله وتصديق كلماته بأن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة »(3) .
روى أحمد عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله ما أقعد بن عمر عن الغزو؟ فكتب إليّ: إنّ ابن عمر قد كان يغزو ولده، ويحمل على الظهر، وكان يقول: إنّ أفضل العمل بعد الصلاة الجهاد في سبيل الله تعالى، وما أقعد ابن عمر عن الغزو إلاّ وصايا لعمر، وصبيان صغار، وضيعة كثيرة(4) .
وجعل معاوية ابنه يزيد سنة خمسين على رأس جيش لغزو القسطنطينية، وبعد رجوعه من الغزو وضع عمير بن الأسود العنسي الشامي حديثا على لسان اُمّ حرام زوجة عبادة بن الصامت سنة 34 تقول: أنّها سمعت النبيصلىاللهعليهوآله يقول: أوّل جيش من أمّتي يغزون البحر قد أوجبوا. قالت أم حرام قلت: يا رسول الله أنا فيهم؟ قال:
____________________
(1) صحيح مسلم 3 / 1498.
(2) مسند أحمد 3 / 14.
(3) الجامع المختصر 2 / 344.
(4) مسند أحمد 2 / 32، سنن البيهقي 9 / 48.
أنت فيهم. ثمّ قال النبيصلىاللهعليهوآله : أوّل جيش من أمّتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم. فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا(1) .
قال العيني في شرحه للحديث: قوله: ( أوّل جيش من أمّتي يغزون البحر ): أراد به جيش معاوية. وقال المهلّب: معاوية أوّل مَنْ غزا البحر، وهي غزوة قبرص زمن عثمان سنة 27 أو 28 أو33، وكانت اُمّ حرام معهم. وقال ابن الجوزي في جامع المسانيد: أنّها غزت مع عبادة بن الصامت، فوقصتها بغلة لها فوقعت فماتت(2) .
قال ابن حجر في شرحه للحديث: قوله: ( يغزون مدينة قيصر ) يعني القسطنطينية.
وقال ابن تيمية: ويزيد أوّل مَنْ غزا القسطنطينية، غزاها في خلافة أبيه معاوية، ثمّ ذكر رواية البخاري(3) .
وقال ابن حجر: قال المهلّب(4) : في هذا الحديث منقبة لمعاوية؛ لأنّه أوّل مَنْ غزا
____________________
(1) صحيح البخاري المختصر 3 / 1069. قال البخاري: حدّثنا إسحاق بن يزيد الدمشقي، حدّثنا يحيى بن حمزة قال: حدّثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، أنّ عمير بن الأسود العنسي حدثه أنّه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل في ساحة حمص، وهو في بناء له، ومعه (امرأته) اُمّ حرام، قال عمير: فحدّثتنا اُمّ حرام أنّها …
قال ابن حجر (في فتح الباري 6 / 103) قوله: عن خالد بن معدان (بفتح الميم وسكون المهملة) والإسناد كلّه شاميون، وإسحاق بن يزيد شيخ البخاري، فيه وهو إسحاق بن إبراهيم بن يزيد الفراديسي، نسب لجدّه قوله: عمير بن الأسود العنسي بالنون والمهملة وهو شامي قديم، يُقال: اسمه عمرو، وعمير بالتصغير لقبه، وكان عابداً مخضرماً، وكان عمر يثني عليه، ومات في خلافة معاوية.
قال ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة عمرو بن الأسود العنسي: قال ابن حبان في الثقاة: كان من عبّاد أهل الشام وزهّادهم، وكان يقسم على الله فيبرّه. (وروى الطبراني) في مسند الشاميين: أنّ عمرو بن الأسود قدم المدينة فرآه عبد الله بن عمر يصلّي، فقال: مَنْ سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله فلينظر إلى هذا.
(2) عمدة القاري في شرح صحيح البخاري 14 / 198.
(3) سؤال في يزيد بن معاوية لابن تيمية مجلة المجمع العلمي بدمشق العدد 134 / 455.
(4) أقول: لعله المهلب بن الأخطل بن المهلب بن الرواد بن عبدة بن أيوب بن جابر الأزدي العتكي أبو محمّد من أهل تست، أوّل مَنْ أظهر السنة بتست، ودعا إليها الناس على عبادة دائمة وورع شديد، سمع أبا =
البحر، ومنقبة لولده يزيد؛ لأنّه أوّل مَنْ غزا مدينة قيصر(1) .
قال ابن حجر: كان يزيد أمير ذلك الجيش بالاتفاق، وكانت غزوة يزيد المذكورة في سنة اثنتين وخمسين من الهجرة.
وقوله: ( قد أوجبوا ): أي فعلوا فعلاً وجبت لهم به الجنة.
وتوجد بعض الأخبار تشير إلى تسمية جيش الغزو بـ ( خيل الله ):
روى أبو داود قال: حدّثنا محمّد بن داود بن سفيان، حدّثني يحيى بن حسان، أخبرنا سليمان بن موسى أبو داود، ثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدّثني حبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب: أمّا بعد، فإنّ النبيصلىاللهعليهوآله سمّى خيلنا خيل الله إذا فزعنا، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يأمرنا إذا فزعنا بالجماعة والصبر والسكينة وإذا قاتلنا(2) .
وروى الطبري عن أبي مخنف قال: إنّ عمر بن سعد نهض عشية الخميس لتسع من المحرم ونادى: يا خيل الله اركبي وابشري. وزحف نحو الحسينعليهالسلام (3) .
جيش خليفة الله
ومن المفيد أن نتذكر هنا أنّ خيل الله هذه وجيش الفتوح هذا قد أولاه معاوية وولاته عناية خاصة؛ ليكون جيشاً مطيعاً للخليفة الاُموي، يسمع كلمته، ويرى رؤيته في الحكّام وفي بني اُميّة من جهة بصفتهم أئمّة هدى، وحماة الدين، وأولياء النبيصلىاللهعليهوآله ، وفي علي وأهل بيتهعليهمالسلام بصفتهم أئمّة ضلالة، وأعداء الله ورسوله؛ جيشاً خالياً من أيّ متّهم بحبّ عليعليهالسلام فضلاً عن كونه من شيعته.
____________________
= نعيم وعبد الرزاق بن همام وغيرهما، مات بتست في سنة تسع وخمسين ومئتين.
(1) قال العيني يرد على المهلب: وأيّ منقبة كانت ليزيد وحاله مشهور؟ الثقاة - لابن حِبّان 3 / 208.
(2) سنن أبي داوود 3 / 25، أيضاً المعجم الكبير - للطبراني 7 / 269.
(3) تاريخ الطبري4 / 315.
وكان هذا الأمر في مدينة كالشام أمراً سهلاً لم يكلّف معاوية كثير جهد، ولم يحبس أو يقتل من أجله أحداً، وبخلاف ذلك كان الأمر في الكوفة، وهي مركز شيعة عليعليهالسلام ، حيث لم يستطع زياد أن ينجح في بناء جيش للدولة الاُمويّة إلاّ بعد بذل ما ذكرناه من خطط، وبعد ما قام به من قتل مثل حجر وعمرو بن الحمق الخزاعي، ونفي مثل صعصة بن صوحان، وما قام به من قتلٍ على التّهم والظنّ والشبهة تحت كلّ كوكب، وتحت كلّ حجر ومدر، وقطع الأيدي والأرجل منهم، وصلبهم على جذوع النخل، وسمل أعينهم، وطردهم وشردهم.
وفي ضوء هذه التربية لم يكن مستغرباً ما صدر من جيش الشام بقيادة مسلم بن عقبة إزاء أهل المدينة بعد واقعة الحرّة، وكذلك ما صدر من جيش الدولة الاُمويّة في الكوفة إزاء الحسينصلىاللهعليهوآله وأصحابه؛ وذلك لأنّ التربية واحدة والقيادة واحدة.
روى أحمد بن أعثم في فتوحه: أنّ مسلم بن عقبة(1) قائد الجيش الاُموي الذي بعثه يزيد إلى مدينة الرسولصلىاللهعليهوآله ، وأباحها ثلاثة أيام للجند بعد واقعة الحرّة، قال في وصيته عند موته: اللّهمّ إنّك تعلم أنّي لم أعصِ خليفة قط. اللّهمّ إنّي لم أعمل عملاً أرجو به النجاة
____________________
(1) قال ابن حجر في الإصابة: مسلم بن عقبة المري، أبو عقبة، الأمير من قبل يزيد بن معاوية على الجيش الذين غزوا المدينة يوم الحرّة، ذكره ابن عساكر وقال: أدرك النبيصلىاللهعليهوآله ، وشهد صفين مع معاوية، وكان على الرجّالة.
وعمدته في إدراكه أنّه استند إلى ما أخرجه محمّد بن سعد في الطبقات عن الواقدي بأسانيده قال: لمّا بلغ يزيد بن معاوية أنّ أهل المدينة أخرجوا عامله من المدينة وخلعوه، وجّه إليهم عسكراً أمر عليهم مسلم بن عقبة المري، وهو يومئذ شيخ ابن بضع وتسعين سنة، فهذا يدلّ على أنّه كان في العهد النبوي كهلاً.
وقد أفحش مسلم القول والفعل بأهل المدينة، وأسرف في قتل الكبير والصغير حتّى سمّوه مسرفاً، وأباح المدينة ثلاثة أيّام لذلك، والعسكر ينهبون ويقتلون ويفجرون، ثمّ رفع القتل وبايع مَنْ بقي على أنّهم عبيد ليزيد بن معاوية، وتوجّه بالعسكر إلى مكة ليحارب ابن الزبير لتخلّفه عن البيعة ليزيد، فعوجل بالموت فمات بالطريق، وذاك سنة ثلاث وستين، واستمر الجيش إلى مكّة فحاصروا ابن الزبير ونصبوا المنجنيق على أبي قبيس، فجاءهم الخبر بموت يزيد بن معاوية وانصرفوا، والقصّة معروفة في التواريخ.
قط إلاّ ما فعلت بأهل المدينة(1).
وفي رواية اليعقوبي: اللّهمّ إن عذّبتني بعد طاعتي لخليفتك يزيد بن معاوية، وقتل أهل الحرّة، فإنّي إذن لشقي(2) !
قال ابن حجر: روى أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق قال: كان شمر يصلّي معنا، ثمّ يقول: اللّهمّ إنّك تعلم أنّي شريف فاغفر لي. قلت: كيف يغفر الله لك وقد أعنت على قتل ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟! قال: ويحك! فكيف نصنع؟ إنّ أمراءنا هؤلاء أمرونا بأمر فلم نخالفهم، ولو خالفناهم كنّا شرّاً من هذه الحمر الشقاء(3) .
وقد انتهت هذه التربية في العراق بعد مقتل الحسينعليهالسلام ، ولم يستطع بنو اُميّة فرضها من جديد على أهل العراق حين حكموا العراق بعد قتل مصعب بن الزبير إلى تمام ستين سنة من ملك بني مروان، ولكنّها استمرت في الشام من خلال إصرار خلفاء بني اُميّة على عرض أنفسهم على أنّهم أئمّة مقرّبون عند الله تعالى، يشفعون لأوليائهم.
روى البلاذري عن المدائني: أنّه لمّا مات الحجّاج ذكره الوليد، وذكر قرّة بن شريك فترحم عليهما، وقال: كانا منقادين لأمرنا، والله لأشفعنّ لهما عند ربّي، ولأسألنّه أن يدخلهما الجنة. يا أهل الشام، أحبّوا الحجّاج؛ فإنّ حبّه إيمان وبغضه كفر(4) .
ويتّضح من ذلك أيضاً: أنّ ما جرى من قتل الحسينعليهالسلام ، وحمل رأسه ورؤوس أهل بيته وأصحابه مع عياله أسرى إلى الشام، وما جرى من قتل أهل مدينة النبيصلىاللهعليهوآله في واقعة
____________________
(1) فتوح ابن أعثم 5 / 301.
(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 251.
(3) لسان الميزان ترجمة شمر بن ذي الجوشن.
(4) الحجّاج بن يوسف الثقفي - إحسان صدقي العمد / 536، نقلاً عن مخطوطة أنساب البلاذري (م 78 ورقة 1247وورقة 1219مصوّرة دار الكتب المصرية رقم 1103)، رسالة ماجستير من كلّية الآداب جامعة الكويت، بإشراف الدكتور حسين مؤنس، أُجيزت سنة 1972، طبعت سنة 1973 بيروت.
الحرّة، وإباحة المدينة ثلاثة أيام للجند، وضرب بيت الله بالمنجنيق، كان نتيجة طبيعية للتربية المنحرفة التي أرسى دعائمها معاوية وولاته، ومن سار في ركبه من وضّاعي الحديث، وخطباء الجمعة والقصّاصين(1).
خلاصة بما قام به معاوية وولاته
1 - بنى معاوية بشكل عام قوّة عسكرية، وأجهزة ضبط داخلي (الشرطة) خالصة الولاء له، معادية لعلي وأهل بيتهعليهمالسلام .
2 - عني بالكوفة مركز التشيع لعليعليهالسلام عناية خاصّة، فغيّر نظام الأسباع فيها إلى نظام الأرباع، وأخلاها من وجوه أصحاب علي البارزين قتلاً وسجناً ونفياً، وصفّاها من كثافتها الشيعية بتهجير خمس وعشرين ألف بعوائلهم، كما صفّى جيشها من كلّ متّهم بحبّ علي فضلاً عن كلّ شيعي، واعتمد الحمراء والبخارية مادة أساسية لجهاز الشرطة فيها.
3 - أوجد حركة دينية فكرية وسياسية واجتماعية مضادّة لعلي وأهل بيتهعليهالسلام تقوم على أساسين:
الأوّل: لعن عليعليهالسلام والبراءة منه بعد كلّ صلاة جمعة بصفته ملحداً في الدين (أي محرفاً فيه)، والمنع من ذكر أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في علي وأهل بيتهعليهمالسلام في المدارس والمحافل العامة والمساجد، والحثّ على وضع روايات على لسان النبيصلىاللهعليهوآله تمدح معاوية وعثمان وبني اُميّة وغيرهم، ووضع أحاديث كاذبة في علي وأهل بيتهعليهمالسلام تسوّغ لعنهم والبراءة منهم.
____________________
(1) لم يكن يسمح معاوية لقاصّ يقصّ من دون إجازة منه، روى البلاذري (ق4ج1 / 45) بسنده عن أبي عامر الهوزني قال: حججنا مع معاوية، فلمّا قدمنا مكة أخبر برجل قاصّ يقصّ على أهل مكة، وكان مولى لبني مخزوم، فقال له معاوية: أمرت بالقصص؟ قال: لا. قال: فما حملك على أن تقصّ بغير إذن؟ قال: إنّما ننشر علماً علّمناه الله. قال: لو كنت تقدّمت إليك لقطعت طابقاً منك.
الثاني: الحطّ من مقام شيعة عليعليهالسلام اجتماعياً، فلا تُقبل شهادة لشيعي، ويُحرم من العطاء؛ ليكون فقيراً ويخمل ذكره، وفي المقابل تُقبل شهادة المحبّ لعثمان ويزاد في عطائه؛ ليشرف في المجتمع ويعلو ذكره.
4 - عرض الحاكم الاُموي على أنّه خليفة الله، وأنّ طاعته رأس الدين ومفتاحه، وكون المطيع له ولي الله، والعاصي له عدو الله.
5 - غالى في أمر الجهاد والغزو، وعرضه على أنّه أفضل عمل بعد الإيمان بالله ورسوله، أي جعله المقياس الأعلى للأعمال الصالحة والدخول للجنة، وأمات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووضع الأحاديث في ذلك.
6 - عين ابنه يزيد ولي عهده؛ من أجل أن يواصل رعاية مشروعه التحريفي للإسلام على الأصول التي بناها عليه.
خلاصة بمعالم الضلال الاُموي
1 - إظهار حجج الله تعالى الذين نصّ عليهم الرسول بأمر الله تعالى على أنّهم أعداء لله ولرسوله، وأنّهم أئمّة ضلال، وذلك من خلال لعن أوّل هؤلاء الحجج، وهو عليعليهالسلام ، وسبّه في خطب الجمعة على منابر المسلمين، والنهي عن ذكر فضائله، ورواية أحاديث وضعت على لسان النبيصلىاللهعليهوآله تطعن فيه.
2 - سجن ونفي وقتل أبرار الصحابة والتابعين من شيعة عليعليهالسلام ، وكذلك سجن ونفي النساء المؤمنات لا لشيء إلاّ لأنّهم لم يوافقوا معاوية على لعن علي والبراءة منه، كحجر بن عدي، وعمرو بن الحمق الخزاعي وزوجته آمنة بنت الشريد، وصعصعة بن صوحان العبدي وأمثالهم (رضوان الله عليهم).
3 - إظهار بني اُميّة على أنّهم أئمّة الهدى بعد النبي، وفرض طاعتهم وولايتهم، ووضع الأحاديث الكاذبة فيهم تمدحهم وتثني عليهم، بينما كان بنو اُميّة الأعداء الألداء للرسول،
وقد دخلوا الإسلام بعد الفتح، وجعلهم القرآن كطبقة ثانية(1) ، ولعن الرسول رموزهم بعد دخولهم الإسلام لما ظهر منهم(2) .
____________________
(1) قال تعالى:( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) الحديد /10.
(2) قال في الإصابة: الحكم بن أبي العاص بن اُميّة بن عبد شمس القرشي الاُموي، عم عثمان بن عفان ووالد مروان. قال ابن سعد: أسلم يوم الفتح وسكن المدينة، ثمّ نفاه النبيصلىاللهعليهوآله إلى الطائف، ثمّ أعيد إلى المدينة في خلافة عثمان ومات بها.
روى الفاكهي من طريق حمّاد بن سلمة، حدّثنا أبو سنان، عن الزهري وعطاء الخراساني أنّ أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله دخلوا عليه وهو يلعن الحكم بن أبي العاص، فقالوا: يا رسول الله، ما له؟ قال: « دخل على شقّ الجدار وأنا مع زوجتي فلانة فكلح في وجهي ». فقالوا: أفلا نلعنه نحن؟ قال: « كأنّي أنظر إلى بنيه يصعدون منبري وينزلونه ». فقالوا: يا رسول الله، ألا نأخذهم؟ قال: « لا ». ونفاه رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
وروى الطبراني من حديث حذيفة قال: لمّا ولي أبو بكر كُلّم في الحكم أن يردّه إلى المدينة، فقال: ما كنت لأحلّ عقدة عقدها رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
وروى أيضاً من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كان الحكم بن أبي العاص يجلس عند النبيصلىاللهعليهوآله ، فإذا تكلّم اختلج، فبصر به النبيصلىاللهعليهوآله ، فقال: « كن كذلك ». فما زال يختلج حتّى مات. في إسناده نظر. وأخرجه البيهقي في الدلائل من هذا الوجه، وفيه ضرار بن صرد وهو منسوب للرفض.
وأخرج أيضاً من طريق مالك بن دينار حدّثني هند بن خديجة زوج النبيصلىاللهعليهوآله : مرّ النبيصلىاللهعليهوآله بالحكم، فجعل الحكم يغمز النبيصلىاللهعليهوآله بأصبعه، فالتفت فرآه، فقال: « اللّهمّ اجعله وزغاً ». فزحف مكانه.
وقال الهيثم بن عدي، عن صالح بن حسان قال: قال الأحنف لمعاوية: ما هذا الخضوع لمروان؟ قال: إنّ الحكم كان ممّن قدم مع اُختي أمّ حبيبة لمّا زفت إلى النبيصلىاللهعليهوآله ، وهو يتولّى نعلها، فجعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله يحدّ النظر إلى الحكم، فلمّا خرج من عنده قيل له: يا رسول الله، أحددت النظر إلى الحكم! فقال: « ابن المخزومية، ذاك رجل إذا بلغ ولده ثلاثين أو أربعين ملكوا الأمر ».
وروينا في جزء بن نجيب من طريق زهير بن محمّد، عن صالح بن أبي صالح، حدّثني نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: كنّا مع النبيصلىاللهعليهوآله فمرّ الحكم بن أبي العاص، فقال النبيصلىاللهعليهوآله : « ويل لأمّتي ممّا في صلب هذا! ».
وروى بن أبي خيثمة من حديث عائشة أنّها قالت لمروان (في قصّة أخيها عبد الرحمن لمّا امتنع من البيعة ليزيد بن معاوية): أمّا أنت يا مروان، فأشهد أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعن أباك وأنت في صلبه.
وفي مسند أحمد 4 / 421، ومسند أبي يعلى، عن أبي برزة قال: كنّا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله في سفر، فسمع رجلين يتغنيان وأحدهما يجيب الآخر، وهو يقول:=
4 - عرض الحاكم على أنّه خليفة الله في الأرض، وأنّ طاعته وولايته رأس الدين، وأنّ معصيته والخروج عليه مهما كانت سيرته سيئة محبطة للأعمال، يموت صاحبها ميتة جاهليّة، ووضع الأحاديث النبويّة الكاذبة في ذلك.
5 - تفسير القرآن بما يوافق البنود الآنفة الذكر، وتثقيف الأمّة صغاراً وكباراً على ذلك؛ فأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم هم أزواج النبيصلىاللهعليهوآله ، وليس علياً وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام ، وقرابة النبيصلىاللهعليهوآله الذين أوجب الله تعالى مودّتهم أجراً للرسالة هم بنو اُميّة وليس أهل البيتعليهمالسلام ، والشاهد في قوله تعالى:( وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) ليس علياًعليهالسلام بل جبرئيلعليهالسلام ، وغير ذلك.
وقد تحقّق ما قاله عليعليهالسلام لخاصّة أصحابه يخبرهم عن هذا العهد: « إِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ، وَلا أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ، وَلا أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرَ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاوَتِهِ (أي إذا فسّر تفسيراً صحيحاً)، وَلا أَنْفَقَ مِنْهُ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ (أي فسّر تفسيراً باطلاً )...
كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَلَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلا اسْمُهُ، وَلا يَعْرِفُونَ إِلا خَطَّهُ وَزَبْرَهُ »(1) .
____________________
=
يـزالُ حـواريٌّ تلوحُ عظامُهُ |
زوى الحربَ عنه أن يجنّ فيقبرا |
فقال النبيصلىاللهعليهوآله : « انظروا مَنْ هما؟ ». قال: فقالوا: فلان وفلان. قال: فقال النبيصلىاللهعليهوآله : « اللّهمّ أركسهما ركساً، ودعهما إلى النار دعّاً ».
وفي المعجم الكبير - للطبراني 11 / 38 عن ابن عباس (رضي الله تعالى عنه) قال: سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله صوت رجلين وهما يقولان:
يـزالُ حـواريٌّ تلوحُ عظامُهُ |
زوى الحربَ عنه أن يجنّ فيقبرا |
فسأل عنهما، فقيل معاوية وعمرو بن العاص، فقال: « اللّهمّ أركسهما في الفتنة ركساً، ودعهما إلى النار دعّاً ».
(1) شرح نهج البلاغة / خ 147.
الباب الثالث
حركة الحسينعليهالسلام في مواجهة الانقلاب الأموي
الفصل الأوّل
المرحلة الاُولى: السكوت والعمل السرّي في زمن معاوية
الفصل الثاني
المرحلة الثانية: النهضة للتغيير بعد موت معاوية
الفصل الثالث
طرف من أخبار شهادة الحسين وأهل بيته وأصحابهعليهمالسلام
الفصل الأوّل
المرحلة الاُولى: السكوت والعمل السري في عهد معاوية
استهدف معاوية من انقلابه أساساً أمرين اثنين:
الأمر الأوّل: دمج موقع الإمامة الدينية في موقع الحاكمية؛ ليصبح حاكماً له سلطة تشريعية كالتي برز بها عمر في خلافته حين كان ينهى عن كثير من سنن النبيصلىاللهعليهوآله فيطاع(1) ، ثمّ أراد معاوية أن يضمن استمرار الخلافة بهذه الصفة لولده يزيد وذريته.
الأمر الثاني: محو الذكر الطيّب والموقع الهدايتي الخاص الذي منحه الله ورسوله لعليٍّ ولأهل بيته المعصومينعليهمالسلام من بعده؛ بغضاً وحقداً، ولكونه يتعارض مع هدفه الأوّل.
وكانت أمامه ثلاث عقبات لتحقيق ذلك، وهي:
1 - وجود الحسنعليهالسلام : وقد برزته سنوات الصلح مصلحاً رسالياً بمستوى جدهّ النبيصلىاللهعليهوآله ، بما أعاد لذاكرة المسلمين من تشابه بين صلحه وصلح الحديبية من جهات عديدة مرّ ذكرها، وبما أخبر النبيصلىاللهعليهوآله من حدث الصلح، وبما ظهر من مكنون أخلاق الحسنعليهالسلام وسيرته من خلال معاشرته للناس في موسم الحجّ للسنوات العشر ماشياً، وفي غير موسم الحجّ، وقبل ذلك بما انتشر من أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله فيه وفي أخيه الحسينعليهماالسلام .
____________________
(1) انظر معالم المدرستين ج1 - للسيد مرتضى العسكري.
هذا مضافاً إلى أن أحد بنود الصلح الذي ينصّ على أن الأمر للحسنعليهالسلام بعد موت معاوية، فإنْ حدث بالحسنعليهالسلام فإنّ الأمر للحسينعليهالسلام ، وليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده.
2 - الكوفة بوصفها مركز شيعة عليعليهالسلام ، وبوصفها مركز الثقل في أهل العقد والحلّ الذين بايعوا الحسنعليهالسلام بيعة مشروعة قامت على إيمانهم بالنصّ، ومن ثمّ كانت هذه البيعة عُدَّةَ الحسنعليهالسلام في مشروع صلحه العظيم، كما كانت بيعة أهل المدينة مع النبيصلىاللهعليهوآله عُدَّتَه في مشروع صلحه العظيم مع قريش.
3 - انتشار الأحاديث النبويّة في فضل علي وأهل بيتهعليهمالسلام ، وفي ذمّ معاوية وبني أميّة في الشام مركز شيعة معاوية فضلاً عن غيرها. ومن جانب آخر انتشار أخبار سيرة النبيِّصلىاللهعليهوآله وسيرة عليعليهالسلام الشخصية، وأخبار سيرتهما في الحكم والحروب، وهي سيرة واحدة ونور واحد « علي منّي وأنا منه »، « أنا من رسول الله كالصنو من الصنو، وكالذراع من العضد ». وفي قبالها انتشار سيرة الخلفاء الثلاثة في الحكم وفي الحروب، وهي سيرة مغايرة لسيرة النبيِّصلىاللهعليهوآله وعليعليهالسلام : ( متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أحرمهما ).
وكانت إجراءات معاوية التي اتّخذها لتحقيق هدفيه الآنفي الذكر كما يلي:
الإجراء الأوّل: التخلّص من الحسنعليهالسلام بدسّ السمّ إليه عن طريق زوجته بنت الأشعث، وكذلك التخلّص من بعض الشخصيات التي تشكّل عقبة، كعبد الرحمن بن خالد بن الوليد في الشام، وسعد بن أبي وقاص في المدينة.
الإجراء الثاني: لعن عليعليهالسلام وسبّه على منابر المسلمين بعد صلاة الجمعة؛ لتربية الناشئة عليه.
الإجراء الثالث: تغيير نظام التعبئة من الأسباع إلى الأرباع، وتغيير الكثافة السكانية الشيعية بتسيير خمسين ألف من أهل الكوفة والبصرة بعيالاتهم إلى خراسان وإشغالهم بالغزو.
الإجراء الرابع: قتل حجر وأصحابه بتلفيق التهم عليهم بأنّهم خلعوا معاوية، وخرجوا على واليه في الكوفة.
الإجراء الخامس: تصفية الجيش في الكوفة من خلال عرض الناس على البراءة من علي ولعنه، وقتل مَنْ يأبى ذلك، وإسقاط اسم المتّهم بحبّ علي من ديوان العطاء، واعتماد الحمراء والبخارية ليكونوا شرطة بدلاً من أهل القبائل.
الإجراء السادس: المنع من نشر أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في فضل علي وأهل بيتهعليهمالسلام ، وكلّ حديث فيه ذمّ لبني أميّة، وحثّ الطامعين في الدنيا في الكذب على النبيصلىاللهعليهوآله ، ووضع أحاديث تمدح بني أميّة وغيرهم وتطعن في علي وأهل بيتهعليهمالسلام ، وكذلك وضع أحاديث تنزل من شخصية الرسول لتجعله بمستوى الإنسان الذي تصدر منه الأخطاء الفاضحة.
الإجراء السابع: إطلاق صفة خليفة الله (الخاصة بالمعصومين من الأنبياء وأوصيائهم) على الحاكم الأموي، ووضع الأحاديث الكاذبة في السكوت على الظلم والجور، وتحريف الوصية الخاصة بالأوصياء واستبدالها بولاية العهد، وإلغاء دور الكتاب والسنّة في تشخيص مَنْ له حقّ الحكم، ومصادرة دور الأمّة في ممارسة البيعة لمَنْ نصّ عليه الكتاب والسنّة.
الإجراء الثامن: تولية العهد لولده يزيد المعروف بفسقه وفجوره، وأخذ البيعة من الأمّة له قهراً.
حكم معاوية عشرين سنة، كانت السنوات العشر الأولى منها في ظلّ حياة الحسنعليهالسلام ، وكان معاوية فيها مجبوراً على العودة بأهل الشام إلى جسم الأمّة والتقيّد بالشروط التي اشترطها للحسنعليهالسلام ، وبسبب ذلك لم يروِّع معاوية أي شيعي في هذه السنوات العشر بل كان يكرم وجوه الشيعة، ويتحمّل صراحتهم ويظهر التودّد والترحّم
على عليعليهالسلام في المجالس العامّة كما في قصة ضرار وغيره، وليس من شكٍّ أنّه كان يستبطن غير ذلك(1) .
وكانت السنوات العشر الثانية بعد وفاة الحسنعليهالسلام ، سنوات نقض الشروط، وتعطيل الحدود، وقتل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وقد تدرج معاوية بخطّة مدروسة نَفَّذَ مقدّماتها في السنوات العشر الأولى التي كانت تستهدف تثبيت دعائم السلطة وملاحقة الخوارج، وتعبئة الجو العام باتّجاه الفتوح.
كان الناس على أصناف أربعة إزاء إعلان السبّ لعليعليهالسلام ؛ بوصفه رأس الحربة في الانقلاب:
الصنف الأوّل: الخوارج، وهؤلاء كانوا مسرورين من ذلك؛ لأنّهم ممّن يعلن البراءة من عليعليهالسلام أيضاً، إلاّ إنّهم يرون معاوية امتداداً لعثمان الذي يتبرؤون منه كما يتبرؤون من علي بل يرون مواصلة الخروج على معاوية، وقد توالى خروجهم عليه منذ بداية الصلح ولم ينقطع.
الصنف الثاني: قريش وأنصارها، ويتوزّع قريشاً محوران هما:
1 - بنو اُميّة وكلّهم موتور من عليعليهالسلام ، مبغض له.
2 - عبد الله بن الزبير وشيعته، وهو معروف ببغضه علياًعليهالسلام ، وقد تناول علياً وتنقّصه في فترة حكمه للحجاز.
الصنف الثالث: الحسينعليهالسلام وبنو هاشم ومركزهم المدينة، وشيعة علي الذين تربّوا على يديه، أمثال حجر وعمرو بن الحمق وحبيب بن مظاهر وغيرهم، ومركزهم الكوفة، وهذا الصنف يدرك تخطيط معاوية بعمق، ويعمل على إحباطه بحكمة، ويقدّم من أجل ذلك أغلى التضحيات.
____________________
(1) وقد فصّلنا ذلك في كتابنا (صلح الإمام الحسنعليهالسلام قراءة جديدة).
الصنف الرابع: مَنْ عرف فضل عليعليهالسلام ووجوب محبته وحرمة بغضه من خلال أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله التي انتشرت، ولكنّه لم يكن راسخاً في موالاته. وأكثر هذا الصنف من عامّة الناس ورعاعهم، وأغلبهم يتأثر بالجو العام، وينعق مع الناعق المتسلط فيه، وبشكل عام فإنّ أفاضل هذا الصنف من الصحابة والتابعين لم يكونوا يفطنون إلى الأبعاد الكاملة لخطّة معاوية، وظنّوا أنّ إعلان السبّ لعلي هو فورة سرعان ما تهدأ.
كان أمام الحسينعليهالسلام أحد موقفين إزاء معاوية:
الموقف الأوّل: أن يتعامل مع معاوية في ضوء معرفته الخاصّة، ومعرفة خُلَّص أصحابه بتخطيط معاوية ونواياه، وبخاصّة بعد أن دسّ السمّ للحسنعليهالسلام ، فيبادر إلى الكوفة مركز شيعة أبيه ويعلن عن تمرّد عسكري، ثمّ يخوض معركة الجهاد ضدّ معاوية، وكان هذا الموقف قد عرضه وجوه أصحاب أبيه وأخيه الحسنعليهالسلام بعد وفاته.
والذي لا شك فيه أنّ هذا الموقف سابق لأوانه وتواجهه مشكلات كثيرة، بسبب عدم وضوح مبرّر هذا الفعل لدى الأمّة ككل، وقدرة معاوية على احتوائه؛ سواء انتهى بقتل الحسينعليهالسلام ، أو انتهى بانتصاره المحدود وتأسيسه دولة في الكوفة؛ وذلك لأنّه في حالة انتهائه بالقتل سيكون مشابهاً لخرجات الخوارج التي تكرّرت في السنوات العشر الأولى (خاصّة من حكم معاوية)، وانتهت بقتل قادتها، ويستطيع معاوية هنا معالجة كون المقتول هو الحسينعليهالسلام حفيد النبيِّصلىاللهعليهوآله بوضع أحاديث كذب تبرّر لمعاوية قتله.
أمّا إذا انتهى بالانتصار المحدود فإنّ هذا الانتصار له حالتان معقولتان:
الأولى: انتصار يملك مقوّمات استمرار دولة الكوفة إلى جنب دولة الشام، وهذا سوف يعيد للواقع الخطر الذي دفعه الحسنعليهالسلام بصلحه، وهو خطر انشقاق الأمّة إلى أمّتين ودولتين، ثمّ
إلى قبلتين وكتابين، ولا يترقّب من الحسينعليهالسلام أن يرضى بذلك، شأنه شأن أخيه الحسنعليهالسلام (1) .
الثانية: انتصار مؤقت ينتهي بقتل الحسينعليهالسلام على يد معاوية كما قتل ابن الزبير على يد عبد الملك بعد سبع سنوات من حكمه، وهذا القتل تؤكّده الأخبار الغيبية الواردة عن النبيصلىاللهعليهوآله .
وخلاصة القول في الموقف الأوّل: أنّه إمّا أن ينتهي إلى عودة انشقاق الأمّة وما يستلزمه من اختلاف القبلة والكتاب، أو ينتهي بقتل الحسينعليهالسلام مع قدرة معاوية على تشويه حركة الحسينعليهالسلام ، وخلط أوراقها يساعده على ذلك الجو العام الذي صنعه معاوية لإحياء حركة الفتوح والغزو وتعبئة الأمّة بشكل عام إزاءه هذا، مع عدم ظهور كلّ نوايا معاوية العدوانية وأضغانه وموبقاته.
الموقف الثاني: أن يؤجّل الحسينعليهالسلام قيامه وتصدّيه إلى ما بعد وفاة معاوية، ويكتفي بقيام وجوه شيعة أبيه كحجر بن عدي وعمرو بن الحمق وأصحابهما بالإنكار اللساني، ثمّ ممارسة التبليغ الفكري سرّاً، وهذا الموقف هو الذي اختاره الحسينعليهالسلام وأمر به غالبية أصحابه حين قال لهم: « كونوا أحلاس بيوتكم »(2) .
وبعبارة اُخرى: فإنّ هذا الموقف يتكوّن من مرحلتين:
الاُولى: تسجيل الإنكار اللساني من قبل الوجوه كحجر وأمثاله، ومواصلة التبليغ الفكري سرّاً.
الثانية: المواجهة الفكرية والسياسية المعلنة من الحسينعليهالسلام بعد وفاة معاوية، وطلب النصرة من المسلمين لحمايته حتى يواصل تبليغه والإطاحة بسلطة بني أميّة كما صنع جده النبيصلىاللهعليهوآله مع قريش.
____________________
(1) وقد تناولنا الحديث مفصلاً عن هذا الاحتمال في بحثنا عن صلح الحسنعليهالسلام .
(2) كونوا أحلاس بيوتكم: أي الزموها ولا تبرحوها.
وليس من شك أنّ الموقف الثاني هذا سوف يجنّب الحسينعليهالسلام المشكلات التي يثيرها له الموقف الأوّل، ويفتح أمامه عطاءات وآثار مهمّة للقيام والنهوض غير قابلة للاحتواء؛ سواء انتهت حركته بشهادته، أو انتهت بالنصر المؤزر؛ وذلك لاتّضاح مبرّرات قيام الحسينعليهالسلام ، وأنّ قيامه ليس من أجل الملك بل من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبليغ حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله في أهل بيته الذي مُحي من الساحة العامّة في المجتمع وحلّ محلّه الكذب على النبيصلىاللهعليهوآله ، وتحرير الإسلام والأمّة من أخطر عدوّ أخبر عنه الله ورسولهصلىاللهعليهوآله .
وسيأتي كيف أنّ الله تعالى جعل البركة والعطاء العظيم في هذه الشهور الخمسة من حركة الحسينعليهالسلام التبليغية العامّة التي انتهت بشهادته.
وفيما يلي الحديث عن هذه الخطّة وآثارها.
ليس من شك أنّ خروج الحسينعليهالسلام وثورته وقيامه لا يشبه خروج طلحة والزبير؛ لأنّه لم يرتبط بعهد بيعة ثمّ نقضه، ولا تشبه خروج وثورة الخوارج؛ لأنّه لا يكفّر المسلمين، ولا يبادئ أهل القبلة بقتال كما كان يصنعون، وإنّما الذي تبنّاه من نشاطات وأهداف هو الاُمور التالية:
1 - العمل السرّي بين الأمّة لنشر الأحاديث الصحيحة التي عمل النظام الأموي على طمسها وإماتتها في المجتمع، وكان آخر نشاط في هذا الصدد هو المؤتمر السرّي الذي عقده في موسم الحجّ قبل موت معاوية بسنة، وسيأتي الحديث عنه.
2 - كسر الطوق الاجتماعي والسياسي المفروض على الأحاديث النبويّة الصحيحة بالمبادرة إلى التحديث بها علناً من قبل الحسينعليهالسلام بعد موت معاوية؛ لإسماع مَنْ لم يسمعها، وتذكير مَنْ كان قد سمعها ثمّ تناساها صاحبها خشية أن تناله أعظم العقوبة بسببها.
وهذا الهدف يناسبه أن يمارسه الحسينعليهالسلام في بقعة يتواجد فيها المسلمون من كلّ الأطراف، وليس مثل مكة بلد في هذه الصفة؛ إذ هي قبلة المسلمين جميعاً، ومهوى أفئدتهم في موسم العمرة والحج.
3 - إفهام المسلمين جميعاً أنّ السلطة الأموية مصمّمة على قتله؛ لأنّه مصمّم على عدم الاستجابة لسياستها في كتمان الحقّ بل مصمّم على توعية الأمّة بأحاديث جدّهصلىاللهعليهوآله فيه وفي أبيهعليهالسلام ، وفي بني أميّة وفي أحكام الإسلام التي غيّروها، ثمّ يعرض عليهم أن يحموه وتُحمى عملية التبليغ عن جدّه.
وليس من شك أنّ أفضل مكان يستطيع الحسينعليهالسلام فيه أن يلتقي بأخيار المسلمين من كلّ الأقطار هو مكّة، وبخاصة في موسم العمرة والحج.
4 - أن تتوفّر له حماية أولية تسمح له أن يمارس في ظلّها حركته التبليغية المعلنة في مرحلتها الأولى ريثما يحصل على أنصار في بلد يتبنّى نصرته وحمايته. وقد تمثّلت هذه
الحماية ببني هاشم؛ ( حيث هم للحسينعليهالسلام في هذه المرحلة كما كان آباؤهم للنبيصلىاللهعليهوآله من قبل ).
5 - أن يهاجر إلى بلد النصرة والحماية؛ ليقوم بتوعية أهله بأحاديث النبيصلىاللهعليهوآله الصحيحة وإقامة العدل فيهم، ثمّ جهاد السلطة الأموية وتطويق سياستها الضالّة الظالمة ومن ثمّ الإطاحة بها.
وقد تمثّل هذا البلد بالكوفة، حيث وجد فيها أنصار للحسينعليهالسلام قادرون على حمايته ويقاتلون دونه، كما وجد للنبيصلىاللهعليهوآله من قبل أنصار في المدينة حموه وقاتلوا دونه.
6 - باعتبار الأخبار الإلهية بواسطة النبيصلىاللهعليهوآله أنّ الحسينعليهالسلام سوف يستشهد في خروجه ذاك، وهو أمر معروف عند الأمّة، وقد أخبر به الحسينعليهالسلام في مواطن عدّة، فهوعليهالسلام لا بدّ أن يُطلع خواص أصحابه على خطّته، ويعهد إلى بعضهم بمواصلة تنفيذ ما بقي منها. وسيأتي الحديث عن هذا الجزء.
من المؤسف أنّنا لا نملك معلومات كثيرة عن نشاط الحسينعليهالسلام في هذه المرحلة، ولعل مردّ ذلك إلى السرّية التامّة التي طبعت أغلب نشاطاته فيها، إلاّ إنّ المحفوظ منها على قلّته كاف في تسليط الضوء على طبيعة موقف الحسينعليهالسلام ونشاطه في هذه المرحلة.
روى البلاذري قال: لمّا توفي الحسن بن عليعليهالسلام اجتمعت الشيعة ومعهم بنو جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي - واُمّ جعدة هي اُمّ هانئ بنت أبي طالب - في دار سليمان بن صرد، فكتبوا للحسين كتاباً بالتعزية، وقالوا في كتابهم: إنّ الله قد جعل فيك أعظم الخلف ممّن مضى، ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك، المحزونة بحزنك، المسرورة بسرورك، المنتظرة لأمرك.
وكتب إليه بنو جعدة يخبرونه بحسن حال رأي أهل الكوفة فيه، وحبّهم لقدومه، وتطلّعهم إليه، وأن قد لقوا من أنصاره وإخوانه مَنْ يرضى هديه، ويطمئن إلى قوله، ويعرف
نجدته وبأسه، فأفضوا إليهم ما هم عليه من شنآن ابن أبي سفيان والبراءة منه، ويسألونه الكتابة إليهم برأيه.
فكتب الحسينعليهالسلام إليهم: « إنّي لأرجو أن يكون رأي أخي (رحمه الله) في الموادعة، ورأيي في جهاد الظلمة رشداً وسداداً؛ فالصقوا بالأرض، واخفوا الشخص، واكتموا الهوى، واحترسوا من الأظنّاء(1) ما دام ابن هند حيّاً؛ فإن يحدث به حدث وأنا حيٌّ يأتكم رأيي إن شاء الله »(2) .
وفي كلام لهعليهالسلام مع محمد بن بشر الهمداني وسفيان بن ليلى الهمداني: « ليكن كلّ امرئ منكم حِلساً من أحلاس بيته ما دام هذا الرجل حيّاً، فإن يهلك (ونحن) وأنتم أحياء رجونا أن يخير الله لنا، ويؤتينا رشدنا، ولا يكلنا إلى أنفسنا؛ فإنّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون »(3) .
روى ابن قتيبة والكشي: أنّ مروان بن الحكم كتب إلى معاوية (وهو عامله على المدينة) أنّ رجالاً من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن علي، وأنّه لا يُؤمن وثوبه. وقال: وقد بحثت عن ذلك فبلغني أنّه يريد الخلافة...(4) .
وفي رواية البلاذري: وكان رجال من أهل العراق وأشراف أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين يجلّونه ويعظّمونه، ويذكرون فضله ويدعونه إلى أنفسهم، ويقولون إنّا لك عضد ويد؛ ليتّخذوا الوسيلة إليه، وهم لا يشكّون في أنّ معاوية إذا مات لم يعدل الناس بحسين
____________________
(1) جمع الظنين، وهو المتّهم الذي تظنّ به التّهمة، ومصدرها الظِّنة. يُقال منه: أظنّه وأطنه (بالطاء والظاء) إذا اتّهمه. ورجل ظنين: متّهم من قوم أظنّاء. (لسان العرب).
(2) أنساب الأشراف - تحقيق المحمودي 3 / 151 - 152، الأخبار الطوال - للدينوري / 222.
(3) أنساب الأشراف 3 / 150.
(4) الإمامة والسياسة - لابن قتيبة، اختيار معرفة الرجال للطوسي.
أحداً، فلمّا كثر اختلافهم إليه أتى عمرو بن عثمان بن عفان مروان بن الحكم وهو إذ ذاك عامل معاوية على المدينة، فقال له: قد كثر اختلاف الناس إلى الحسينعليهالسلام ، والله لأرى أنّ لكم منه يوماً عصيباً.
فكتب مروان ذلك إلى معاوية، فكتب إليه معاوية: أن اترك حسيناً ما تركك ولم يظهر لك عداوته، ولم يبد لك صفحته، واكمن له كمون الشرى(1) .
وكتب معاوية إلى الحسينعليهالسلام : قد انتهت إليَّ اُمور عنك إن كانت حقّاً فإنّي أرغب بك عنها، وإن كانت باطلاً فأنت أسعد الناس بمجانبتها، وبحظّ نفسك تبدأ، وبعهد الله توفي، فلا تحملني على قطيعتك والإساءة إليك. فمتى تنكرني أنكرك، ومتى تكدني أكدك، فاتق الله في شقّ عصا هذه الأمّة، وأن تردهم إلى فتنة.
فكتب إليه الحسينعليهالسلام : «... أمّا ما ذكرت أنّه رقي إليك عنّي فإنّه إنّما رقاه إليك الملاّقون المشّاؤون بالنميمة... ما أردت لك حرباً ولا عليك خلافاً، وإنّي لأخشى الله في ترك ذلك منك، ومن الأعذار فيه إليك وإلى أوليائك الفاسقين الملحدين حزب الظلمة.
ألَست القاتل حجر بن عدي أخا كنده وأصحابه المصلّين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستفضعون البدع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يخافون في الله لومة لائم، ثمّ قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم الأيمان المغلّظة، والمواثيق المؤكّدة؛ جرأة على الله، واستخفافاً بعهده؟!
أوَ لَست القاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، العبد الصالح الذي أبلته العبادة؛ فنحل جسمه واصفرّ لونه، فقتلته بعدما أمنته وأعطيته ما لو فهمته العصم لنزلت من رؤوس الجبال؟!
____________________
(1) أي راقبه في خفاء.
أوَ لَست المدّعي زياد بن سُميّة المولود على فراش عبيد بن ثقيف، فزعمت أنّه ابن أبيك، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : الولد للفراش وللعاهر الحجر. فتركت سنّة الرسول تعمّداً وتبعت هواك بغير هدى من الله، ثمّ سلّطته على أهل الإسلام يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم، ويسمل أعينهم، ويصلبهم على جذوع النخل، كأنّك لست من هذه الأمّة وليسوا منك؟!
أوَ لَست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم أنّهم على دين عليعليهالسلام ، فكتبت إليه: أن اقتل كلّ مَنْ كان على دين علي، فقتلهم ومثَّل بهم بأمرك، ودين علي هو دين ابن عمّهصلىاللهعليهوآله الذي كان يضرب عليه أباك، وضربك عليه، وبه جلست مجلسك الذي أنت فيه؟!
وقلت فيما قلت: انظر لنفسك ودينك ولأمّة محمّدصلىاللهعليهوآله ، واتّق شقّ عصا هذه الأمّة، وأن تردهم إلى فتنة، وإنّي لا أعلم فتنة على هذه الأمّة أعظم من ولايتك عليها، ولا أعظم نظراً لنفسي ولديني ولأمّة محمد أفضل من أن أجاهدك؛ فإن فعلت فإنّه قربة إلى الله تعالى، وإن تركته فإنّي استغفر الله لديني، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري.
وقلت فيما قلت: إنّي إن أنكرتك تنكرني، وإن أكدك تكدني، فكدني ما بدا لك؛ فإنّي أرجو أن لا يضرّني كيدك، وأن لا يكون على أحد أضرّ منه على نفسك؛ لأنّك قد ركبت جهلك، وتحرّصت على نقض عهدك.
ولعمري ما وفيت بشرط، ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان، والعهود والمواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوك ونقضوا عهدك، ولم تفعل ذلك بهم إلاّ لذكرهم فضلنا وتعظيمهم حقّنا؛ فقتلتهم مخافة أمر لعلك لو لم تقتلهم متّ قبل أن يفعلوا، أو ماتوا قبل أن يُدركوا.
فابشر يا معاوية بالقصاص، وأيقن بالحساب، وليس الله بناس لأخذك بالظنّة، وقتلك أولياءه على التهم، ونفيك إيّاهم من دورهم إلى دار الغربة، وأخذك الناس ببيعة ابنك غلام حدث، يشرب الشراب، ويلعب بالقرود »(1) .
____________________
(1) رجال الكشي - ترجمة عمرو بن الحمق، طبقات ابن سعد - ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام ، أنساب الأشراف =
روى البلاذري عن العتبي قال: حجب الوليد بن عتبة بن أبي سفيان(1) أهل العراق عن الحسين، فقال له الحسين: « يا ظالماً لنفسه، عاصياً لربّه، علامَ تحول بيني وبين قوم عرفوا من حقّي ما جهلته أنت وعمّك؟ ».
فقال الوليد: ليت حلمنا عنك لا يدعو جهل غيرنا إليك، فجناية لسانك مغفورة ما سكنت يدك، فلا تخطر بها فنخطر بك(2) .
وروى سليم بن قيس: لما كان قبل موت معاوية بسنة حجّ الحسين بن عليعليهماالسلام وعبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن جعفر، فجمع الحسين بني هاشم ثمّ رجالهم ونساءهم ومواليهم ومَنْ حجّ من الأنصار ممّن يعرفه الحسين وأهل بيتهعليهمالسلام ، ثمّ أرسل رسلاً لا تدعون أحداً حجّ العام من أصحاب رسول اللّهصلىاللهعليهوآله المعروفين بالصلاح والنسك إلاّ اجمِعوهم لي، فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمئة رجل وهم في سرادقه، عامّتهم من التابعين ونحو من مئتي رجل من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله .
فقام فيهم خطيباً، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: « أمّا بعد، فإنّ الطاغية قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم، وعلمتم وشهدتم، وإنّي اُريد أن أسألكم عن شيء، فإن صدقت فصدّقوني، وإن كذبت فكذّبوني. اسمعوا مقالتي واكتبوا قولي، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم؛ فمَنْ أمنتم من الناس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقّنا؛ فإنّي أتخوّف أن يُدْرس(3) هذا الأمر، ويذهب الحقّ ويُغلب، واللّه متمّ نوره ولو كره الكافرون ».
____________________
= ترجمة معاوية، مختصر تاريخ دمشق - ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام .
(1) كان أميرا على المدينة لمعاوية سنة 57 - 60.
(2) أنساب الأشراف - ترجمة الحسين 3 / 157، وأنساب الأشراف - ترجمة معاوية 4ق 1 / 302.
(3) دروس الشيء: انمحاؤه.
وما ترك شيئاً ممّا أنزله الله فيهم من القرآن إلاّ تلاه وفسّره، ولا شيئاً ممّا قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في أبيه وأخيه وأمّه وفي نفسه وأهل بيته إلاّ رواه...، وفي كلّ ذلك يقول أصحابه: اللّهمّ نعم، وقد سمعنا وشهدنا. ويقول التابعي: اللهمّ قد حدّثني به مَنْ أثق به وائتمنه من الصحابة.
فقال: « أنشدكم الله إلاّ حدّثتم به مَنْ تثقون به وبدينه »(1) .
____________________
(1) كتاب سليم بن قيس.
الفصل الثاني: نهضة الحسينعليهالسلام للتغيير بعد موت معاوية
أقول: الثابت في كلّ كتب التاريخ أنّ الحسينعليهالسلام خرج من المدينة إلى مكّة مع أهل بيته ولم يعطِ بيعة ليزيد.
وممّا لا شك فيه أنّ إعطاء البيعة كمفهوم عام معناه الموافقة على سياسة الدولة، والطاعة لرأس الهرم وامتداداته فيها. وعدم إعطاء البيعة يعني أحد حالتين:
الاُولى: رفض سياسة الدولة، ورفض الطاعة لرأس الدولة معاً.
الثانية: عدم منح الثقة لرأس الدولة، وعدم الموافقة على سياسة الدولة ونظامها الفكري المتّبع.
ومن المهمّ جدّاً أن نعرف موقف الحسينعليهالسلام الرافض للبيعة من أيّ حالة هو؟
وهذا لا يتيسّر لنا إلاّ إذا تذكّرنا على الأقل بعض بنود السياسة العامّة، والنظام الفكري المتّبع في الدولة الاُمويّة، وهي كما يلي:
دين الدولة الرسمي هو الإسلام، والإسلام يؤخذ من كتاب الله وسنّة الرسولصلىاللهعليهوآله ، وهذا ممّا لا خلاف فيه، ولكنّها تبنّت سياسة لعن عليعليهالسلام وسبّه على المنابر بصفته رجلاً ملحداً في الدين، وهي سياسة مخالفة لقوله تعالى:( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) الشورى / 23، وكذلك مخالفة لقولهصلىاللهعليهوآله لعليعليهالسلام : « لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق » ( 1)
ومن أجل أن تضلّل الدولة شعبها عن هذه المخالفة الشرعية تتبنّى سياسة أخرى، وهي المنع من ذكر أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في بيان منزلة عليعليهالسلام وفضله، وافتعال أحاديث كاذبة على لسان النبيصلىاللهعليهوآله تبرّر للدولة لعنه وسبّه والبراءة منه.
وتبنّت سياسة أن يلقّب الحاكم بألقاب، منها لقب خليفة النبيصلىاللهعليهوآله ، وهذا اللقب يقتضي أن يكون الحاكم مقتدياً بهدي النبيصلىاللهعليهوآله وسيرته، ولكن الحاكم الأموي يصعب عليه ذلك، أو لا يريد ذلك أساساً، فتتبنّى الدولة سياسة منع الأحاديث الصحيحة في سيرة النبيصلىاللهعليهوآله ، وافتعال أحاديث كاذبة تظهر النبيصلىاللهعليهوآله كأيّ شخص عادي في سلوكه يسب ويشتم حين يغضب، ولا يصبر عن النساء فيصطحب زوجة من زوجاته في الحروب. ومنها سياسة تلقيب الحاكم بخليفة الله؛ لتكون طاعته طاعة لله ومعصيته معصية لله.
وتبنّت الدولة سيرة الجور وهدر كرامة الإنسان واستلاب حقوقه؛ سواء كان معارضاً، أم لم يكن، والقرآن والسنة يأمران بالإنكار على الحاكم الجائر جوره في كلّ ذلك؛ ومن أجل أن تتقِ الدولة الأثر السلبي لذلك تنهى عن رواية الأحاديث النبوية الصحيحة، وتعمل على افتعال أحاديث كذب تأمر المسلم المظلوم بالسكوت والصبر وانتظار ثواب الآخرة، وتجعل ظلم الحاكم من قضاء الله وقدره لتبرّر الظلم والسكوت.
وخلاصة الكلام في السياسة الاُمويّة: أنّها سياسة تقوم على الكذب على الله ورسوله، وتشويه الإسلام وتاريخه، والمنع من ذكر عليعليهالسلام بخير في المجتمع، عليعليهالسلام
____________________
(1) صحيح مسلم 1 / 86، السنن الكبرى 5 / 47، مسند أبي يعلى 1 / 251.
الذي له أروع السابقات في الإسلام، وأعظم المنزلة عند الله ورسوله، وملاحقة مَنْ يُعرف بحبّه وولائه له. وأقلّ ما يُقال في يزيد بن معاوية: إنّه رجل طالب ملك ودنيا، ورجل شهوات وملذّات.
وتعتبر هذه السياسة هي الطريق الوحيد لكي يتبوّأ موقع الحكم في المجتمع الإسلامي والدولة الإسلاميّة المترامية الأطراف، وبالتالي فهو سوف لن يتساهل في تطبيق هذه السياسة؛ لأنّ الملك عقيم كما يُقال، وسوف يقتل أيّ شخص معارض لتلك السياسة مهما كانت منزلته. وبين يديه تجربة أبيه حين قتل الصحابي حجر بن عدي جهاراً، وحجر قد أجمعت كلمة علماء المسلمين قاطبة على إجلاله واحترامه، ولم يكن له ذنب سوى أنّه عارض هذه السياسة بلسانه لا غير.
وليس من شك أنّ الحسينعليهالسلام وهو في منزلته المعروفة من النبيصلىاللهعليهوآله الذي يقول فيه: « حسين منّي وأنا من حسين »، لا يترقّب منه أن يقرّ تلك السياسة، أو يقف منها موقفه زمن معاوية بل المترقّب منه هو رفضها، والعمل على كسرها مهما كان ثمن الرفض غالياً؛ ومن هنا كان موقفه واضحاً من اليوم الأوّل، وهو رفض بيعة يزيد « لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد » ( 1)
وممّا لا شك فيه أنّ ثمن هذا الموقف الرافض للبيعة هو القتل، إلاّ أن يتوفّر له أهل بلد من البلدان الإسلاميّة يبايعونه على حمايته ونصرته، وهذا معناه أن يتعرّض ذلك البلد إلى جيش أهل الشام، ويجري عليه ما جرى على أهل المدينة حين ثاروا بقيادة عبد الله بن حنظلة على يزيد، وأخرجوا واليه ومَنْ كان بالمدينة من بني اُميّة، أو ينصره الله تعالى كما نصر نبيّه على قريش بعد عدّة وقائع جرت بينه وبينها.
____________________
(1) فتوح ابن أعثم 5 / 32، مقتل الخوارزمي.
ويتّضح من ذلك أنّ الحسينعليهالسلام أمام ثورة على السلطة - كما يعبّر بلغة العصر -، أو خروج - كما يعبّر بلغة تاريخية - فما هو يا ترى هدفه من الثورة أو الخروج؟ وما هي خطّته لتحقيق ذلك، وبخاصّة وقد سبقه خروج الخوارج المتكرّر على معاوية خلال عشرين سنة من حكمه؟
أشرنا فيما مضى إلى الهدف والخطّة ولا بأس باستذكارها هنا:
1 - استهدف الحسينعليهالسلام من خروجه كسر الطوق الاجتماعي والسياسي المفروض على الأحاديث النبوية الصحيحة بالمبادرة إلى التحديث بها علناً؛ لإسماع مَنْ لم يسمعها، وتذكير مَنْ كان قد سمعها ثمّ تناساها صاحبها خشية أن تناله أعظم العقوبة بسببها.
وهذا الهدف يناسبه أن يمارسه الحسينعليهالسلام في بقعة يتواجد فيها المسلمون من كلّ الأطراف، وليس مثل مكّة بلد في هذه الصفة إذ هي قبلة المسلمين آنذاك جميعاً، ومهوى أفئدتهم في موسم العمرة والحجّ.
2 - إفهام المسلمين جميعاً أنّ السلطة الاُمويّة مصمّمة على قتله؛ لأنّه مصمّم على عدم الاستجابة لسياستها، وهو مصمّم على توعية الأمّة بأحاديث جدّهصلىاللهعليهوآله فيه وفي أبيه، وفي بني اُميّة وفي أحكام الإسلام التي غيّروها، ثمّ يعرض عليهم أن يحموه ليواصل التبليغ عن جدّه النبيصلىاللهعليهوآله .
وليس من شك أنّ أفضل مكان يستطيع الحسينعليهالسلام فيه أن يلتقي بأخيار المسلمين من كلّ الأقطار هو مكّة، وبخاصّة في موسم العمرة والحجّ.
3 - أن تتوفّر له حماية أولية تسمح له أن يمارس في ظلّها حركته التبليغيّة المعلنة في مرحلتها الأولى، ريثما يحصل على أنصار في بلد يتبنّى نصرته وحمايته؛ ليحقق أهدافه كاملة من تبليغ الإسلام الصحيح والتربية عليه وإقامة دولة الحق.
وقد تمثّلت هذه الحماية ببني هاشم حيث صاروا للحسينعليهالسلام في هذه المرحلة كما كان آباؤهم للنبيصلىاللهعليهوآله من قبل.
4 - أن يهاجر إلى بلد النصرة والحماية؛ ليقوم بتوعية أهله بأحاديث النبي الصحيحة،
وإقامة العدل فيهم، ثمّ جهاد السلطة الاُمويّة وتطويق سياستها الضالة الظالمة ومن ثمّ الإطاحة بها.
وقد تمثّل هذا البلد بالكوفة حيث وجد فيها أنصار للحسينعليهالسلام قادرون على حمايته ويقاتلون دونه، كما وجد للنبيصلىاللهعليهوآله من قبل أنصار في المدينة حموه وقاتلوا دونه.
وعند استشهاده كما [ هو ] المتوقّع في ضوء أخبار النبيصلىاللهعليهوآله يواصل خواصّ أصحابه تنفيذ ما بقي من الخطّة، وقد وردت الأخبار أنّها تشخّص المختار لهذا الدور كما سيأتي.
قال الطبري: ولي يزيد في هلال رجب سنة ستين، وأمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وأمير الكوفة النعمان بن بشير الأنصاري، وأمير البصرة عبيد الله بن زياد، وأمير مكّة عمرو بن سعيد بن العاص.
وكتب يزيد إلى الوليد يحثّه على أخذ البيعة ممّن لم يبايع، ومنهم الحسينعليهالسلام ، وبعث الوليد إلى الحسينعليهالسلام ليأخذ منه البيعة.
روى خليفة بن خياط في تاريخه قال: حدّثني وهب قال: حدّثني جويرية بن أسماء قال: سمعت أشياخنا من أهل المدينة ما لا أُحصي يحدّثون: أنّ معاوية توفي وفي المدينة يومئذ الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، فأتاه موته، فبعث إلى مروان بن الحكم واُناس من بني اُميّة فأعلمهم الذي أتاه، فقال مروان: ابعث الساعة إلى الحسين وابن الزبير؛ فإن بايعا وإلاّ فاضرب أعناقهما - وقد هلك عبد الرحمن بن أبي بكر قبل ذلك - فأتاه ابن الزبير فنعى له معاوية وترحّم عليه، وجزاه خيراً، فقال له: بايع.
قال: ما هذه ساعة مبايعة، ولا مثلي يبايعك هاهنا، فترقى المنبر فأبايعك ويبايعك الناس علانية غير سرّ.
فوثب مروان فقال: اضرب عنقه؛ فإنّه صاحب فتنة وشرّ.
قال: إنّك لهتّاك يابن الزرقاء! واستبّا، فقال الوليد: أخرجوهما (عنّي، وكان رجلاً رفيقاً سرياً كريماً). فاُخرجا عنه.
فجاء الحسين بن عليعليهماالسلام على تلك الحال فلم يكلم في شيء حتّى رجعا جميعاً... وخرج الحسينعليهالسلام من ليلته(1) .
____________________
(1) تاريخ خليفة بن خياط / 232 - 233.
وفي رواية الطبري عن أبي مخنف: أنّ الوليد طلب من الحسينعليهالسلام البيعة، فقال له الحسينعليهالسلام : « إنّ مثلي لا يُعطي بيعته سرّاً، ولا أراك تجتزئ بها منّي سرّاً دون أن نظهرها على رؤوس الناس علانية ».
قال: أجل.
قال: « فإذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس فكان أمراً واحداً ».
فقال له الوليد، وكان يحب العافية: فانصرف على اسم الله حتّى تأتينا مع جماعة الناس.
فقال له مروان: والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتّى تكثر القتلى بينكم وبينه، احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتّى يبايع أو تضرب عنقه.
فوثب عند ذلك الحسينعليهالسلام فقال: « يابن الزرقاء! أنت تقتلني أم هو؟ كذبت والله وأثمت ». ثمّ خرج فمرّ بأصحابه فخرجوا معه حتّى أتى منزله.
فقال مروان للوليد: عصيتني! لا والله، لا يمكّنك من مثلها من نفسه أبداً.
قال الوليد: وبّخ غيرك يا مروان، إنّك اخترت لي التي فيها هلاك ديني. والله ما أحبّ أنّ لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وإنّي قتلت حسيناً. سبحان الله! أقتل حسيناً أن قال لا اُبايع! والله إنّي لا أظنّ امرأً يُحاسب بدم حسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة(1) .
وفي رواية البلاذري: إنّ الوليد لمّا بعث إلى الحسينعليهالسلام لم يأته الحسينعليهالسلام وامتنع بأهل بيته وبمَنْ كان على رأيه، وفعل ابن الزبير مثل ذلك، وبعث الحسينعليهالسلام أن كُفّ حتّى ننظر وتنظروا ونرى وتروا. وخرج الحسينعليهالسلام ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب سنة ستين(2) .
وفي رواية الواقدي قال: لمّا دُعي الحسينعليهالسلام وابن الزبير إلى البيعة ليزيد أبيا، وخرجا من ليلتهما إلى مكّة...(3) .
____________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 340.
(2) أنساب الأشراف ق4، 1 / 300.
(3) تاريخ الطبري 5 / 343.
روى أبو مخنف عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن أبي سعيد المقبري قال: لمّا سار الحسينعليهالسلام نحو مكّة قال:( فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) . فلمّا دخل مكّة قال:( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ) (1) .
قال الطبري: وعزل يزيد الوليد بن عتبة عن المدينة، عزله في شهر رمضان فأقرّ عليها عمرو بن سعيد الأشدق.
بيت بني هاشم زمن الحسينعليهالسلام له موقع متميّز في المجتمع الإسلامي بحكم كونه البيت الذي أنجب النبيصلىاللهعليهوآله ، وهو كباقي البيوت الشاخصة له قدرة على حماية الفرد المنتسب إليه، شأنه في ذلك شأن البيوتات المعروفة، وكانوا آنذاك أكثر من أربعين رجلاً، وكان البارزون في هذا البيت زمن الحسينعليهالسلام عدّة، منهم:
وهو أبرز شخصية علمية إسلاميّة بعد الحسينعليهالسلام ، وقد كان من المقرّبين إلى الخليفة عمر، وعيَّنه في وقته مقرئاً لكبار الصحابة، أمثال عبد الرحمن بن عوف وغيره. ثمّ برز على عهد عليعليهالسلام حين كان واليه على البصرة طيلة عهده، ثمّ كانت له بعد وفاة عليعليهالسلام مع معاوية صلات قوية ومحاورات ذكرتها كتب التاريخ.
من الشخصيات الاجتماعية البارزة آنذاك المعروفة بالكرم وقضاء الحوائج، وكانت له علاقات قوية جدّاً مع معاوية(2) ويزيد ورجالات بني اُميّة.
____________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 343.
(2) روى البلاذري 2 / 312، قال: قدم معاوية المدينة، فأمر حاجبه أن يأذن للناس، فخرج فلم يرَ أحداً =
من الشخصيات العلمية الإسلاميّة البارزة، كان صاحب راية جيش أبيه في حرب الجمل.
أمّه أمّ البنين بنت حزام بن ربيعة، أخي الشاعر لبيد بن ربيعة، والعباس يُعرف مكانته من موقعه في جيش الحسينعليهالسلام ، حيث كان حامل اللواء، ولا يحمل اللواء إلاّ الأشجع عادة، ومن قول الإمام السجّادعليهالسلام : « كان عمّي العباس نافذ البصيرة ».
كان أبوه عقيل أسن من عليعليهالسلام بعشرين سنة، وكان شخصية جاهلية وإسلاميّة بارزة، وكان أحد أربعة في قريش يوقف عند قولهم في النسب، وكانت قريش تهابه لذكره مثالبها.
أمّا مسلم فقد ذكروا عنه أنّه أرجل ولد عقيل، ولجلالة قدره اعتمده الحسينعليهالسلام سفيراً عنه إلى الكوفة، ولوعيه بأهداف الحسينعليهالسلام وتقواه رفض أن يغتال عبيد الله حين زار شريكاً في بيت هاني لمّا أمكنته الفرصة منه.
وهؤلاء نظراء الرعيل الأوّل من بني هاشم؛ أبي طالب والعباس وحمزة وعبيد الله بن الحارث بن المطلب بن هاشم يوم وقفوا مع الرسول يحمونه في حركته التبليغيّة في مكّة.
ولمّا وصل الحسينعليهالسلام إلى مكّة نزل دار العباس بن عبد المطلب، واتّخذها مقرّاً له يحفّه بنو هاشم لا يفارقه عدّة منهم؛ كالعباس وإخوته، وأولاد عبد الله بن جعفر، وأولاد عقيل؛ خوفاً عليه وحماية له.
قال ابن كثير: لمّا أُخِذت البيعة ليزيد في حياة معاوية كان الحسينعليهالسلام ممّن امتنع من
____________________
= فأعلمه، قال: فأين الناس؟ قيل: عند عبد الله بن جعفر في مأدبة له، فأتاه معاوية... إلى آخر الخبر.
مبايعته هو وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر وابن عباس، ثمّ مات عبد الرحمن ابن أبي بكر وهو مصمّم على ذلك، فلمّا مات معاوية سنة ستين وبويع ليزيد بايع ابن عمر وابن عباس، وصمّم على المخالفة الإمام الحسينعليهالسلام وابن الزبير وخرجا فارين إلى مكّة فقاما بها.
ونزل الحسينعليهالسلام دار العباس(1) ، فعكف الناس على الحسينعليهالسلام يفدون إليه، ويقدمون عليه ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه حين سمعوا بموت معاوية وخلافة يزيد.
وأمّا ابن الزبير فإنّه لزم مصلاّه عند الكعبة، وجعل يتردّد في غبون(2) ذلك إلى الحسينعليهالسلام في جملة الناس، ولا يمكنه أن يتحرّك بشيء ممّا في نفسه مع وجود الحسينعليهالسلام ؛ لما يعلم من تعظيم الناس له وتقديمهم إياه(3) .
وفي رواية الطبري عن أبي مخنف: فأقبل الحسينعليهالسلام حتّى نزل مكّة، فأقبل أهلها يختلفون إليه ويأتونه، ومَنْ كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق.
أقول: بقي الحسينعليهالسلام في مكّة شهر شعبان ورمضان وشوال وذي القعدة وثمانية أيام من ذي الحجّة، وممّا لا شك فيه أنّ الحسينعليهالسلام في هذه الفترة، وفي حلقاته مع المعتمرين وأهل الآفاق كان قد كسر الطوق الذي فرضه معاوية على الحديث النبوي الصحيح في علي وأهل بيتهعليهمالسلام ، أو في ذمّ بني اُميّة، أو في بيان أحكام متعة الحجّ وغير ذلك.
وبدأ يذكِّر الناس، ويُسْمِع مَنْ لم يَسْمَع منهم أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في تفسير القرآن، وفي فضل أبيه عليعليهالسلام ، وفي فضله وفضل أخيه الحسنعليهالسلام ، وفي ذمّ بني اُميّة ونزوهم على منبر الرسولصلىاللهعليهوآله ، وفي الموقف الصحيح عند ظهور الظلم والبدع وغير ذلك من قبيل:
____________________
(1) البداية والنهاية 8 / 162.
أقول: هي دار هاشم وعبد المطلب، وهي أشهر دار في مكّة، تقع في قبال زمزم وباب البيت، ثمّ سميّت بدار العباس في عهد العباسيِّين.
(2) غبن الرجل يغبنه غبناً: مرّ به وهو مائل فلم يرَ ولم يفطن له (لسان العرب - مادة غبن).
(3) البداية والنهاية 8 / 151.
حديث الغدير(1) .
وحديث الدار.
وحديث المنزلة.
وحديث الثقلين.
وحديث الكساء.
وحديث رؤيا النبيصلىاللهعليهوآله والشجرة الملعونة في القرآن.
وقولهصلىاللهعليهوآله : « مَنْ رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يُغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله »(2) .
ثمّ يذكّرهم بجرائم بني اُميّة ومخالفاتهم لأحكام الله وسنّة رسولهصلىاللهعليهوآله ، وتعطيلهم الحدود، وقتلهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، كحجر بن عدي، وعمرو بن الحمق، ونفي الأخيار والنساء كصعصعة بن صوحان العبدي، وآمنة بنت الشريد زوجة عمرو بن الحمق بعد أن كانت رهينة الحبس لحين يسلّم زوجها نفسه.
ومن ذلك قولهعليهالسلام : « ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ مَنْ غَيَّر(3) »(4) .
____________________
(1) روى ابن عساكر في ترجمة عليعليهالسلام من تاريخه، بسنده عن أحمد بن علي بن مهدي، عن أبيه، عن علي بن موسى الرضاعليهالسلام : « أنبأنا أبي، عن أبيه جعفر الصادق، حدّثني أبي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه علي بن أبي طالبعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : مَنْ كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهمّ وال مَنْ والاه، وعاد مَنْ عاداه، وانصر مَنْ نصره، واخذل مَنْ خذله ».
(2) تاريخ الطبري 5 / 403.
(3) هكذا وردت العبارة في الأصل، ولعلّها (أحقّ مِنْ غيري) كما ذكر ذلك ابن الأثير في الكامل في التاريخ 4 / 48.(موقع معهد الإمامين الحسنَين) .
(4) تاريخ الطبري 5 / 403.
وقوله: « ألا ترون إلى الحقّ لا يُعْملُ به، وإلى الباطل لا يُتَناهى عنه، لَيَرْغبَ المؤمن في لقاء الله؛ فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً »(1) .
وقوله: « إنّي أدعوكم إلى إحياء معالم الحقّ، وإماتة البدع »(2) .
ثمّ يذكّرهم بقول النبيصلىاللهعليهوآله فيه: « حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله مَنْ أحبّ حسيناً »، وقولهصلىاللهعليهوآله فيه وفي أخيه: « الحسن والحسين سبطان من الأسباط، الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ».
ولا بدّ إنّهصلىاللهعليهوآله قد ذكّرهم وأخبرهم بما أعلنه النبيصلىاللهعليهوآله منذ ولادة الحسينعليهالسلام بأنّه يُقتل بأرض العراق، فمَنْ أدركه فلينصره(3) .
وكانعليهالسلام يقول: « وأيم الله، لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقضوا فيَّ حاجتهم، ووالله لَيَعْتَدُنَّ عليَّ كما اعتدت اليهود في السبت »(4) .
أقول: وذلك لمّا قتلوا يحيىعليهالسلام ، وقد قال لعبد الله بن عمر: « أما علمت أنّ من هوان الدنيا على الله أن رأس يحيى بن زكريا اُهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل... فلم يعجّل عليهم بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر؟! ». ثمّ قال له: « اتق الله يا أبا عبد الرحمن، ولا تدعنّ نصرتي »(5) .
____________________
(1) تاريخ ابن عساكر14 / 217 عن الزبير بن بكار، تاريخ الطبري 5 / 404.
(2) الأخبار الطوال - للدينوري / 321.
(3) انظر رواية أنس بن الحارث وغيره في ذخائر العقبى - لأحمد بن محمد الكبري المكي (ت694 هجرية)، تحقيق أكرم البوشي، طبع مكتبة الصحابة - جدّة / 1415هجرية، وفي مجمع الزوائد 9 / 19، ومعجم الطبراني 3 / 120. قال النبيصلىاللهعليهوآله : « واهاً لفراخ آل محمد من خليفة مستخلف مترف، يقتل خلفي وخلف الخلف! ». وأحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في قتل الحسينعليهالسلام في المصادر السنيّة والشيعيّة، بل والكتابية كثيرة جدّاً.
(4) تاريخ الطبري 4 / 289 طبعة الأعلمي، تاريخ ابن الأثير 4، الناقص من طبقات ابن سعد 1 / 433 عن معاوية بن قرة، تاريخ ابن عساكر 14 / 216 عن معاوية بن قرة.
(5) فتوح ابن أعثم 5 / 42.
وممّا اُثر عنهعليهالسلام قوله أيضاً: « كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن منّي أكراشاً جوفاً، وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، [نصبر على بلائه] ويوفّينا أجور الصابرين. لن تشذّ عن رسول الله لحمته... »(1) .
لقد كان الحسينعليهالسلام يحدّث بهذا وأمثاله، ويبصّر المسلمين، ويستنهض به هممهم، ويطلب نصرتهم، ويذكّرهم بتكليفهم الشرعي سرّاً وعلانية في جو من الاستضعاف والخوف والإرهاب، نظير ما عاشه جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله في مكّة يوم استضعفته قريش وعذّبت أصحابه، فقُتل مَنْ قُتل، وسُجن مَنْ سُجن، وتشرّد مَنْ تشرّد.
وليس من شك أنّ هذه الحركة التبليغيّة العامّة من الحسينعليهالسلام تقوم على أساس ما أمر به النبيصلىاللهعليهوآله من تبليغ حديثه إلى الناس، وما أمر به الله تعالى ورسولهصلىاللهعليهوآله من إظهار العلم عند ظهور البدع، وقد تخيَّر لها الحسينعليهالسلام بتوفيق إلهي خاصّ ظرفها المناسب، وهذا يعني في الوقت نفسه كما بيّنا أنّ السلطة الاُمويّة في الشام سوف لن تسكت على مثل هذه الحركة، بل سيكون موقفها منها هو العمل على القضاء عليها، وبكلّ وسيلة ممكنة، وبأقسى ما يتصوّر من العقوبة؛ لتكون نكالاً للآخرين وعبرة.
إنّ السلطة حين أرادت من الحسينعليهالسلام أن يُبايع يعني إنّها أرادت منه أن يوافق على سياستها وضلالها وإضلالها للناس، وهذا الأمر لا يقرُّه الدين للعالم القادر على التغيير، والحسينعليهالسلام لا ينافسه أحد ممّن هو في عصره في العلم بالشريعة والقدرة على التغيير، وفي ضوء ذلك فليس من المترقّب من الحسين المطهّر الذي قال فيه النبيصلىاللهعليهوآله : « حسين منّي وأنا من حسين » أن يُبايع ليزيد ويقرّه على سياسة تحريف الدين، وإضلال الأمّة حتّى لو كلّفه ذلك دمه الزكي، بل شعاره في ذلك « لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد »(2) .
وهو في ذلك نظير جدّه النبيصلىاللهعليهوآله حين قال لعمّه أبي طالب: « ياعم، والله لو وضعوا
____________________
(1) اللهوف - لابن طاووس / 38.
(2) فتوح ابن أعثم 5 / 23.
الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتّى يظهره الله، أو أهلك دونه »(1) .
والقضية واحدة عند النبيصلىاللهعليهوآله وعند الحسينعليهالسلام ، قريش أرادت من النبيصلىاللهعليهوآله أن يترك دعوة التوحيد ويقرّ عبادة الأصنام، وبنو أميّة يريدون من الحسينعليهالسلام أن يترك أحاديث جدّه في أهل بيته الذين عيّنهم بأمر الله تعالى حججاً على الناس وأئمّة هدى لتموت، وتحلّ بدلها أحاديث كاذبة قيلت على لسانه في خلفاء بني اُميّة على أنّهم حجج الله وأئمّة الهدى ليتديَّن بها الناس على أنّها الحقّ.
وكما كان جدّ الحسينعليهالسلام النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله يعرض نفسه على القبائل في موسم الحجّ فلم يستجب له غير أهل المدينة وفازوا بنصرته، وبعث النبيصلىاللهعليهوآله معهم مصعباً، فأوجد جوّاً عاماً في المدينة، وجاء وجوههم وبايعوا النبيصلىاللهعليهوآله على النصرة والقتال ودعوه إلى المدينة، ولمّا عرفت قريش بذلك صمّمت على قتل النبيصلىاللهعليهوآله غيلة، وأوحى الله تعالى له بذلك فترك مكّة ليلاً وسار أياماً، وبعثت قريش خلفه أُناساً ليقتلوه، ثمّ أدركه الطلب فالتجأ إلى غار ثور، وبعث الله تعالى الحمامة والعنكبوت لتنسج على باب الغار، وبذلك أنقذ الله تعالى نبيّه من قتل محتّم، ووصل النبيصلىاللهعليهوآله إلى أنصاره وقاتل بهم قريشاً حتّى نصره الله تعالى وبلّغ رسالته.
كذلك قيَّض الله تعالى للحسينعليهالسلام بقايا وجوه شيعة أبيه من أهل الكوفة، هؤلاء الذين كانوا عماد حركته التبليغيّة السرّية زمن معاوية، وتحمّلوا القتل والسجن والتشريد من أجلها، دعوه إلى بلدهم، وبعث معهم ابن عمّه مسلم بن عقيل يتحرّك باسمه بين الناس سرّاً(2) ، وأوجد جوّاً عاماً لنصرة الحسينعليهالسلام ، ثمّ خرج إلى مكّة وجوه منهم يبايعون
____________________
(1) تاريخ الطبري 2 / 67.
(2) قال ابن سعد (في الناقص من الطبقات 1 / 458): فقدم مسلم بن عقيل الكوفة مستخفياً، وأتته الشيعة. وأكّد ذلك القاضي النعمان المغربي في كتابه (شرح الأخبار 3 / 143)، قال: وكان مسلم بن عقيل (رحمه الله) قد بايع له جماعة من أهل الكوفة في استتارهم.
الحسينعليهالسلام عن إخوانهم، ويرافقونه في هجرته إليهم، أمثال: برير الهمداني(1) ، وعابس بن حبيب الشاكري الهمداني، وشوذب مولى عابس، وحجّاج بن مسروق الجعفي(2) ، ويزيد بن مغفل المذحجي الجعفي، والصحابي أنس بن الحارث(3) وغيرهم، وبقيت وجوه
____________________
(1) من بقايا أصحاب عليعليهالسلام ، ومن شيوخ القراء في الكوفة، له كتاب القضايا والأحكام، يرويه عن علي وعن الحسنعليهماالسلام ، وكتابه من الأصول المعتبرة، سار من الكوفة إلى مكّة، وجاء مع الحسينعليهالسلام إلى كربلاء.
(2) كان من أصحاب عليعليهالسلام ، أقبل مع الحسينعليهالسلام من مكّة إلى كربلاء.
(3) قال ابن حجر في الإصابة: أنس بن الحارث بن نبيه، قال بن منده: عداده في أهل الكوفة. وقال البخاري: أنس بن الحارث قُتل مع الحسين بن عليعليهالسلام ، سمع النبيصلىاللهعليهوآله ، قاله محمد، عن سعيد بن عبد الملك الحرّاني، عن عطاء بن مسلم، حدّثنا أشعث بن سحيم، عن أبيه: سمعت أنس بن الحارث.
ورواه البغوي وابن السكن وغيرهما من هذا الوجه، ومتنه: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « إنّ ابني هذا (يعني الحسينعليهالسلام يُقتل بأرض يُقال لها: كربلاء، فمَنْ شهد ذلك منكم فلينصره ». قال: فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقُتل بها مع الحسينعليهالسلام .
قال البخاري: يتكلّمون في سعيد، يعني راويه.
وقال البغوي: لا أعلم رواه غيره. وقال ابن السكن: ليس يروى إلاّ من هذا الوجه، ولا يُعرف لأنس غيره.
قال ابن حجر: وسيأتي ذكر أبيه الحارث بن نبيه في مكانه، ووقع في التجريد للذهبي: لا صحبة له وحديثه مرسل.
وقال المزي: له صحبة فوهم، انتهى.
ولا يخفى وجه الردّ عليه ممّا أسلفناه وكيف يكون حديثه مرسلاً وقد قال: سمعت، وقد ذكره في الصحابة البغوي وابن السكن، وابن شاهين والدغولي، وابن زبر والباوردي، وابن منده وأبو نعيم وغيرهم؟
قال البدري: تكلّموا في سعيد بسبب رواياته الأخرى. قال ابن حجر في لسان الميزان: سعيد بن عبد الملك بن واقد الحرّاني، عن أبي المليح الرقي، قال أبو حاتم: يتكلّمون فيه. روى أحاديث كذب، أخبرنا بن علان كتابة أخبرنا أبو اليمان الكندي، أنا أبو منصور الفزاز، أنا الخطيب، أنا أبو العلاء الواسطي، أنا الدار قطني وعمر بن شاهين قالا: حدّثنا محمد بن مخلد، ثنا الحسن بن موسى بن ناصح الرسغني، ثنا سعيد بن عبد الملك الحرّاني، ثنا الوليد بن مسلم، عن أبي إسحاق الفزاري، عن بن جريج، عن عطاء، عن بن عمر (رضي الله تعالى عنهما) قال: خرج رسول اللهعليهالسلام وبلال، فقال: ناد في الناس أنّ الخليفة أبو بكر، وأنّ الخليفة من بعده عمر، ثمّ عثمان. ثمّ قال: يا بلال، امضِ أبى الله إلاّ ذاك. فهذا موضوع، والرسغني محلّه إن شاء الله الصدق، انتهى. قال المؤلِّف: من المحتمل أنّ الوضع في هذه الرواية وأمثالها من إبراهيم بن محمد أبي إسحاق الفزاري، كوفي. قالوا في ترجمته: ثقة، وكان رجلاً صالحاً قائماً بالسنة. وقال في موضع آخر: إبراهيم بن محمد أبو إسحاق الفزاري، كوفى،
اُخرى مع مسلم بن عقيل التحقت بالحسينعليهالسلام وهو في الطريق، أو أيام المهادنة بينه وبين عمر بن سعد، منهم: أبو الشعثاء يزيد بن زياد بن مهاصر البهدلي الكندي(1) ، وعمرو بن خالد الصيداوي(2) ، وحبيب بن مظاهر الأسدي(3) ، ومسلم بن عوسجة الأسدي، وأبو ثمامة الصائدي(4) ، ونافع بن هلال الجملي وغيرهم(5) .
____________________
نزل الثغر بالمصيصة وكان ثقة، رجلاً صالحاً، صاحب سنّة، وهو الذي أدّب أهل الثغر، وعلمهم السنّة، وكان يأمرهم وينهاهم، وإذا دخل الثغر رجل مبتدع أخرجه، وكان كثير الحديث، أمر سلطاناً يوماً ونهاه، فضربه مئة سوط، فغضب له الأوزاعي فتكلّم في أمره.
(1) خرج من الكوفة إلى الحسينعليهالسلام فصادفه في الطريق قبل أن يلاقيه الحرّ.
(2) خرج بعد قتل مسلم هو ومولاه سعد بن مجمع بن عبد الله وابنه عائذ ودليلهم الطرماح. قال ابن الأثير: لمّا رآهم الحرّ حجزهم. فقال له الحسينعليهالسلام : «هؤلاء أصحابي، ولأمنعنهم ممّا أمنع منه نفسي». فكفّ عنهم الحرّ.
(3) قال ابن حجر في لسان الميزان: حبيب بن مظاهر الأسدي، روى عن علي بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه)، ذكره الطوسي في رجال الشيعة، وقال أبو عمرو الكشي: كان من أصحاب علي، ثمّ كان من أصحاب الحسن والحسينعليهمالسلام ، وذكر له قصة مع ميثم التمّار. ويقال: أنّ حبيب بن مظاهر قُتل مع الحسين بن علي (رضي الله تعالى عنهم).
(4) كان من أصحاب عليعليهالسلام الذين شهدوا معه مشاهده كلّها، وبعده صحب الحسن، ثمّ بقي في الكوفة إلى أن هلك معاوية، ثمّ بعد اجتمع مع مَنْ اجتمع من وجوه الشيعة في دار سليمان بن صرد، خرج مع نافع بن هلال بعد قتل مسلم والتحق بالحسينعليهالسلام .
(5) ويذكر الطبري (5 / 354) عن أبي مخنف أنّه قال: قد بلغ ابن زياد إقبال الحسين، فكتب إلى عامله بالبصرة أن يضع المناظر، وقال: خرج يزيد بن نبيط - وهو من عبد القيس - إلى الحسينعليهالسلام ، وكان له بنون عشرة، فقال: أيكم يخرج معي؟ فانتدب معه ابنان له عبد الله وعبيد الله، فتقدّى في الطريق حتّى انتهى إلى الحسينعليهالسلام ، فدخل في رحله بالأبطح، وبلغ الحسينعليهالسلام مجيئه فجعل يطلبه، وجاء الرجل إلى رحل الحسينعليهالسلام فقيل له: قد خرج إلى منزلك. فأقبل في أثره، ولمّا لم يجده الحسينعليهالسلام جلس في رحله ينتظره، وجاء البصري فوجده في رحله جالساً، فقال: بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا. قال: فسلّم عليه وجلس إليه، فخبّره بالذي جاء له، فدعا له بخير، ثمّ أقبل معه حتّى أتي فقاتل معه فقُتل معه هو وابناه. (تقدى في الطريق: أي لزم سنن الطريق جادته).
نُمي خبر حركة الحسينعليهالسلام في مكّة إلى يزيد، ودسَّ للحسينعليهالسلام مَنْ يقتله فيها غيلة، ووصل الخبر للحسينعليهالسلام عن طريق شخص نظير مؤمن آل فرعون حين أوصل خبر عزم فرعون على قتل موسى إلى موسى، وخرج الحسينعليهالسلام في الثامن من ذي الحجة متوجّهاً إلى الكوفة.
روى ابن قولويه بسنده عن أبي عبد الله الصادقعليهالسلام ، قال: «قال عبد الله بن الزبير للحسينعليهالسلام : ولو جئت(1) إلى مكّة فكنت بالحرم. فقال الحسينعليهالسلام : لا نستحلّها ولا تُستحلّ بنا، ولَئن اُقتل على تل أعفر(2) أحبّ إليَّ من أن اُقتل بها». وعن أبي سعيد عقيصا(3) قال: سمعت الحسين بن عليعليهماالسلام يقول: «يقول لي ابن الزبير: كن حماماً من حمام الحرم، ولئن اُقتل وبيني وبين الحرم باع أحبّ إليَّ من أن اُقتل وبيني وبينه شبرّ، ولئن اُقتل بالطفّ أحبّ إليَّ من أن اُقتل بالحرم»(4) . وفي رواية القاضي أبي حنيفة النعمان: ثمّ قالعليهالسلام : «والله، لو كنت في حجر هامة لأخرجوني حتّى يقضوا فيَّ حاجتهم، والله ليعتدوا فيَّ كما اعتدت اليهود في السبت»(5) .
وروى ابن قولويه بسنده عن زرارة، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «كتب الحسين بن علي من مكّة إلى محمد بن علي: بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى محمد بن
____________________
(1) الذي أحتمله جدّاً أنّه مصحفة عن رجعت أي لو رجعت إلى مكّة والتزمت الحرم لا تخرج منه.
(2) الأعفر: الرمل الأحمر. (يشير إلى كربلاء) كما في الرواية التي بعدها.
(3) عقيصا: أبو سعيد التيمي (التميمي)، اسمه دينار، يروي عن عليعليهالسلام ، يعد في موالى بني تيم. ذكره ابن حبان في الثقات في عقيصا، فقال صاحب الكرابيسى: روى عن علي وعمّار، وعنه محمد بن جحادة. وقد أخرج له الحاكم في المستدرك وقال: ثقة مأمون. وقال أبو حاتم: هو لين، وهو أحبّ إليّ من أصبغ بن نباتة. لسان الميزان، ميزان الاعتدال.
(4) كامل الزيارات - جعفر بن محمد بن قولويه / 150.
(5) شرح الأخبار - للقاضي أبي حنيفة النعمان المغربي 3 / 14، تحقيق السيد الجلالي، طبعة مؤسسة النشر الإسلامي - قم.
علي ومَنْ قبله من بني هاشم. أمّا بعد، فإنّ مَنْ لحق بي استشهد، ومَنْ لم يلحق بي لم يدرك الفتح، والسّلام»(1) .
قال أبو مخنف: حدّثني الحارث بن كعب الوالبي، عن عقبة بن سمعان قال: لمّا خرج الحسين من مكّة اعترضته رسل عمرو بن سعيد بن العاص، عليهم يحيى بن سعيد، فقالوا له: انصرف أين تذهب؟ فأبى عليهم ومضى، وتدافع الفريقان، فاضطربوا بالسياط، ثمّ إنّ الحسين وأصحابه امتنعوا منهم امتناعاً قوياً، ومضى الحسينعليهالسلام على وجهِهِ، فنادوه: يا حسين، ألا تتقي الله؟! تخرج من الجماعة وتفرّق بين هذه الأمّة؟ فتأوَّل حسين قول الله عزّ وجلّ:( وإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) يونس / 41(2) .
روى الطبري، قال هشام، عن عوانة بن الحكم، عن لَبَطَة بن الفرزدق بن غالب، عن أبيه قال: حججت بأمّي، فأنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم في أيام الحجّ وذلك في سنة ستين إذ لقيت الحسين بن عليعليهالسلام خارجاً من مكّة معه أسيافه وأتراسه(3) ، فقلت: لمَنْ هذا القطار؟ فقيل: للحسين بن عليعليهالسلام . فأتيته فقلت: بأبي واُمّي يابن رسول الله! ما أعجلك عن الحج؟ فقال: «لو لم أعجل لأُخذت»(4) .
____________________
(1) كامل الزيارات / 157.
(2) قال أبو مخنف بعد هذه الرواية: ثمّ إنّ الحسينعليهالسلام أقبل حتّى مرّ بالتنعيم، فلقى بها عيراً قد أُقبل بها من اليمن بعث بها بحير بن ريسان الحميري إلى يزيد بن معاوية، وكان عامله على اليمن، وعلى العير الورس والحلل ينطلق بها إلى يزيد، فأخذها الحسينعليهالسلام ، فانطلق [بها، ثمَّ] قال لأصحاب الإبل: «لا أكرهكم، مَنْ أحبّ أن يمضي معنا إلى العراق أوفينا كراءه وأحسنّا صحبته، ومَنْ أحبّ أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الأرض»، قال: فمَنْ فارقه منهم حوسب فأوفى حقّه، ومَنْ مضى منهم معه أعطاه كراءه وكساه. (تاريخ الطبري 4 / 290) أقول: يبعد جدّاً أن يتصرّف الحسينعليهالسلام مثل هذا التصرّف.
(3) حملة هذه الأسياف والأتراس هم بنو هاشم، وممّن بايعه على النصرة من أصحابه لحمايته في الطريق.
(4) تاريخ الطبري 5 / 386.
وروى البسوي كتاب ابن عباس إلى يزيد بعد قتل الحسين وواقعة الحرّة جاء فيه:... فما أنس من الأشياء فلست بناسٍ اطِّرادَك حسيناً رحمهالله من حرم رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى حرم الله تعالى(1) ، وتسييرَك إليه الرجال لتقتله في الحرم، فما زلتَ بذلك وعلى ذلك حتّى أشخصته إلى العراق، فخرج خائفاً يترقّب، فتزلزلتْ به خيلُك عداوةً لله ولرسوله ولأهل بيتهعليهمالسلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً(2) .
وفي رواية اليعقوبي: فما زلتَ بذلك كذلك حتّى أخرجته من مكّة إلى أرض الكوفة، تزأر به خيلك وجنودك زئير الأسد؛ عداوةً منك لله ولرسوله ولأهل بيتهعليهمالسلام ، ثمّ كتبت إلى ابن مرجانة أن يستقبله بالخيل والأسنَّةِ والسيوف(3) .
لمّا بلغ يزيد حركة مسلم بن عقيل في الكوفة وضعف واليها النعمان بن بشير في مواجهة حركة الثورة فيها، عزله عنها وضمّها إلى عبيد الله بن زياد والي البصرة، وكلّفه بالبحث عن مسلم ومَنْ معه وسجنهم أو قتلهم.
وجاء ابن زياد إلى الكوفة وهو وارث خبرة أبيه وقسوته ودرايته، واجتمع بالعرفاء والمناكب(4) والشُّرْطة(5) ، وشدَّدَ عليهم وهدَّدَهم، ودَسَّ الرجال ليتعرَّفوا له خبر مسلم،
____________________
(1) يفيد هذا النص أنّ الحسينعليهالسلام لو كان قد بقي في المدينة لأخذته جلاوزة السلطة الاُمويّة هناك، ويؤكّد ذلك ما رواه الطبري أنّ يزيد كتب إلى والى المدينة الوليد بن عتبة رسالة خاصة يقول له فيها: أمّا بعد، فخذ حسيناً، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً، ليست فيه رخصة حتّى يبايعوا والسلام.
(2) المعرفة والتاريخ / 532.
(3) تاريخ اليعقوبي 2 / 247.
(4) جاء في لسان العرب لابن منظور مادة (نكب): منكب القوم: رأس العرفاء على كذا وكذا، عريفاً منكب، ويُقال له: النكابة في قومه. والنكابة: كالعرافة والنقابة.
(5) الشُّرْطة، والشُّرَطة: سمّوا بذلك لأنّهم أُعدوا لذلك وأعدوا أنفسهم بعلامات، وهم أوّل كتيبة تشهد الحرب وتتهيَّأ للموت، ومنه شرطة الخميس: أي مقدّمة الجيش. لسان العرب.
وقطع الطريق إلى الحج(1) ، ثمّ سجن على التهمة والظن ما يزيد على عشرة آلاف(2) ، وكان منهم المختار بن أبي عبيد الثقفي(3) ، ثمّ استطاع أن يمسك بمسلم وهاني ويقتلهما(4) ، ثمّ وضع المسالح(5) على منافذ العراق المؤدّية إلى الكوفة، وسرح بالكتائب لتستقبل ركب الحسينعليهالسلام وأهل بيته الآتي من مكّة.
قال ابن سعد: وجمع ابن زياد المقاتلة وأمر لهم بالعطاء، وأعطى الشُّرَط (6).
قال الطبري: كتب ابن زياد بعد أن قتل مسلماً وهانئاً: أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أنّ مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المرادي، وإنّي جعلت عليهما العيون ودسست إليهما الرجال (7) وكدتهما حتّى استخرجتهما، وأمكن الله تعالى منهما، فقدّمتهما فضربت أعناقهما، وقد بعثت إليك [برأسيهما] مع هانئ بن أبي حية الهمداني،
____________________
(1) لم تذكر لنا كتب المقاتل ولا كتب التاريخ حوادث التقاء بين الحجّاج من الكوفيين والبصريين وغيرهم من أهل العراق إلاّ ما جرى بين زهير بن القين مع الحسينعليهالسلام ،، وهو يفيد أنّ ابن زياد كان قد اتّخذ إجراء منع أهل الكوفة والبصرة من الحجّ وهو ما تقتضيه طبيعة الأشياء أيضاً.
(2) قال الدكتور الخربوطلي في كتابه المختار ابن أبي عبيد الثقفي / 74: سجن ابن زياد اثني عشر ألفاً من الشيعة، ولم يترك واحداً من زعمائهم طليقاً.
(3) قال اليعقوبي: أقبل المختار في جماعة يريدون نصر الحسينعليهالسلام فأخذه عبيد الله بن زياد فحبسه، وضربه بالقضيب حتّى شتر عينه، فكتب فيه عبد الله بن عمر إلى يزيد، وكتب يزيد إلى عبيد الله فخلّى سبيله ونفاه، فخرج المختار إلى الحجاز فكان مع ابن الزبير. تاريخ اليعقوبي 2 / 7، طبعة النجف.
(4) لم نتطرق إلى قصة مسلم في الكوفة وشهادته؛ لأنّها تحتاج إلى بحث تفصيلي خاص بها، لعلنا نفرد لها كتاباً في مستقبل الأيام إن شاء الله تعالى.
(5) جمع مسلحة، وهم القوم على الثغور وعلى مفاصل الطرق الكبيرة يحفظونها. سمّوا مسلحة؛ لأنّهم يحملون السلاح.
(6) الطبقات لابن سعد 1 / 462.
(7) وذلك لأنّ حركة مسلم لم تكن حركة علنية بل كانت سرية، روى الطبري 5 / 354 قال: ثمّ دعا مسلم بن عقيل فسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي، وعمارة بن عبيد السلولي وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي، فأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف، فإن رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجّل إليه بذلك.
والزبير بن الأروح التميمي، وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة، فليسألهما أمير المؤمنين عمّا أحبّ من أمر؛ فإنّ عندهما علماً وصدقاً وفهماً وورعاً، والسّلام(1) .
قال الطبري: ولمّا بلغ عبيد الله إقبال الحسينعليهالسلام من مكّة إلى الكوفة كتب إلى عامله بالبصرة أن يضع المناظر(2) ويأخذ الطرق(3) .
قال ابن سعد: ووجَّه حصين بن تميم الطُّهَوي(4) إلى القادسية، وقال له: أقم بها، فمَنْ أنكرته فخذه. وكان الحسينعليهالسلام قد وجّه قيس بن مُسْهِر الأسدي إلى مسلم بن عقيل قبل أن يبلغه قتله، فأخذه حصين فوجّه به إلى عبيد الله، فقال له عبيد الله: قد قتل الله مسلماً، فقم في الناس فاشتم الكذّاب ابن الكذّاب. فصعد قيس المنبر، فقال: أيّها الناس، إنّي تركت الحسين بالحاجِر(5) ، وأنا رسوله إليكم، وهو يستنصركم (6). فأمر به عبيد الله فطرح من فوق القصر فمات (7).
وروى البلاذري عن هلال بن يساف قال: أمر ابن زياد فأخذ ما بين واقِصة إلى طريق الشام إلى طريق البصرة (8).
____________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 380.
(2) المناظر: هي التلال والروابي في الأراضي المنبسطة لمراقبة الطرق.
(3) تاريخ الطبري 5 / 353.
(4) صاحب شرطة عبيد الله بن زياد. وفي الإرشاد واللهوف: هو حصين بن نمير.
(5) الحاجِر (من بطن الرَّمَّة): واد معروف لعالية نجد.
(6) في الطبري عن أبي مخنف: أنّ قيساً قال: أيّها الناس، إنّ هذا الحسين بن علي خير خلق الله ابن فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأنا رسوله إليكم، وقد فارقته بالحاجر فأجيبوه، ثمّ لعن عبيد الله بن زياد وأباه، واستغفر لعلي بن أبي طالب.
(7) الطبقات 1 / 463، وفي رواية الطبري عن أبي مخنف: فأمر به عبيد الله فأُلقي من فوق القصر إلى الأرض، فكُسرت عظامه وبقي به رمق، فأتاه رجل يُقال له: عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه، فلمّا عيب ذلك عليه قال: إنّما أردت أن أريحه.
(8) أنساب الأشراف - تحقيق المحمودي 3 / 173.
قال ابن سعد: وجعل الرجل والرجلان والثلاثة يتسللون إلى الحسينعليهالسلام من الكوفة فبلغ، ذلك عبيد الله فخرج وعسكر بالنخيلة، واستعمل على الكوفة عمرو بن حريث، وأخذ الناس بالخروج إلى النخيلة، وضبط الجسر فلم يترك أحداً يجوزه(1) .
وروى البلاذري أيضاً قال: ووضع ابن زياد المناظر(2) على الكوفة؛ لئلاّ يجوز أحد من العسكر مخافة لأن يلحق الحسين مغيثاً له، ورتّب المسالح(3) حولها، وجعل على حرس الكوفة زحر بن قيس الجعفي(4) .
قال أبو مخنف:... ثمّ أقبل الحسين سيراً إلى الكوفة... حتّى كان بالماء فوق زرود.
قال أبو مخنف: فحدّثني السدي عن رجل من بني فزارة قال: كنّا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكّة نساير الحسينعليهالسلام ، فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن نسايره في منزل، فإذا سار الحسينعليهالسلام تخلّف زهير بن القين، وإذا نزل الحسينعليهالسلام تقدّم زهير، حتّى نزلنا يومئذ في منزل لم نجد بداً من أن ننازله فيه، فنزل الحسينعليهالسلام في جانب ونزلنا في جانب، فبينا نحن جلوس نتغدى من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسينعليهالسلام حتّى سلّم، ثمّ دخل، فقال: يا زهير بن القين، إنّ أبا عبد الله الحسين بن علي بعثني إليك لتأتيه.
قال: فطرح كلّ إنسان ما في يده حتّى كأنّنا على رؤوسنا الطير.
____________________
(1) الطبقات 1 / 466.
(2) المناظر: أشراف الأرض لأنّه ينظر منها، المنظرة المرقبة. (لسان العرب).
(3) المسلحة: قوم في عدّة بموضع رصد قد وكّلوا به بإزاء ثغر واحد هم مسلحي، والجمع المسالح. والمسلحة: كالثغر والمرقب. قال ابن شميل: مسلحة الجند: خطاطيف لهم بين أيديهم ينفضون لهم الطريق، ويتجسسون خبر العدو، ويعلمون علمهم لئلاّ يهجم عليهم، ولا يدعون واحداً من العدو يدخل بلاد المسلمين، وإن جاء جيش أنذروا المسلمين. المسلحة: القوم الذين يحفظون الثغور من العدو، سمّوا مسلحة؛ لأنّهم يكونون ذوي سلاح، أو لأنّهم يسكنون المسلحة، وهي كالثغر والمرقب يكون فيها أقوام يرقبون العدو لئلاّ يطرقهم على غفلة، فإذا رأوه أعلموا أصحابهم ليتأهبوا له. (لسان العرب).
(4) أنساب الأشراف 3 / 178.
قال أبو مخنف: فحدّثتني دلهم بنت عمرو امرأة زهير بن القين قالت: فقلت له: أيبعث إليك ابن رسول الله ثمّ لا تأتيه؟! سبحان الله! لو أتيته فسمعت من كلامه ثمّ انصرفت.
قالت: فأتاه زهير بن القين، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أسفر وجهه.
قالت: فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه فقُدّم وحُمل إلى الحسينعليهالسلام ، ثمّ قال لامرأته: أنت طالق، الحقي بأهلك؛ فإنّي لا أحبّ أن يصيبك من سببي إلاّ خير، ثمّ قال لأصحابه: مَنْ أحبّ منكم أن يتبعني وإلاّ فإنّه آخر العهد؛ إنّي سأحدّثكم حديثاً: غزونا بَلَنْجَر(1) ، ففتح الله علينا وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان الباهلي(2) : أفرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من الغنائم؟! فقلنا: نعم. فقال لنا: إذا أدركتم شباب آل محمّد فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معهم منكم بما أصبتم من الغنائم. فأمّا أنا فإنّي أستودعكم الله.
قال: ثمّ والله ما زال في أوّل القوم حتّى قُتل(3) .
قال أبو مخنف: وفي الثعلبية(4) بلغه خبر قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة، ثمّ
____________________
(1) قال الحموي: بلنجر (بفتحتين، وسكون النون، وجيم مفتوحة): مدينة ببلاد الخزر خلف باب الأبواب. قالوا: فتحها عبد الرحمن بن ربيعة واستشهد، ثمّ أخذ الراية أخوه سليمان بن ربيعة الذي رجع ببقية المسلمين على طريق جيلان.
(2) الإصابة - ابن حجر 3 / 117: سلمان بن ربيعة بن يزيد بن عمرو بن سهم بن ثعلبة الباهلي، مختلف في صحبته. قال أبو حاتم: له صحبة، يُكنى أبا عبد الله. وقال أبو عمر: ذكره العقيلي في الصحابة وهو عندي كما قال أبو حاتم. شهد فتوح الشام ثمّ سكن العراق، وولي غزو أرمينية في زمن عثمان فاستشهد قبل الثلاثين أو بعدها (الإصابة ترجمة سلمان بين ربيعة).
قال المؤلِّف: بلنجر: من أعمال أرمينية. قال البلاذري (في فتوح البلدان / 240 - 241): قُتل سلمان بن ربيعة الباهلي خلف نهر البلنجر في أربعة آلاف من المسلمين، وكان مع سلمان ببلنجر قرضة بن كعب الأنصاري، وهو جاء بنعيه إلى عثمان. والظاهر من رواية سيف أنّ استشهاده سنة 33هجرية. انظر الردّة والفتوح - لسيف بن عمر.
قال المؤلِّف: وفي ضوء ذلك يتّضح أنّ رواية سلمان عن النبيصلىاللهعليهوآله : « خير قتل شباب آل محمد في كربلاء »(*)، إنّما كان في النصف الثاني من عهد عثمان حين ضعفت سياسة المنع من نشر الحديث، وتصدّي أبي ذر ونظرائه لإحياء أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في أهل بيتهعليهمالسلام .
(3) تاريخ الطبري 5 / 397 سنة 60.
(4) الثعلبية: منزل من منازل مكّة كانت قرية فخربت، وهي بعد زود وقبل زُبالة.
____________________
(*) هكذا ورد الحديث، ولم نعثر عليه في جلِّ كتب التاريخ والرواية، ولعلَّ المؤلِّف كتبه بالمعنى.(موقع معهد الإمامين الحسنين)
ارتحل الحسينعليهالسلام حتّى انتهى إلى زُبالة وفيها سقط إليه(1) مقتل رسوله عبد الله بن بُقْطُر، ثمّ سار حتّى مرّ ببطن العقبة فنزل بها، ثمّ سار حتّى نزل شَراف(2) ، فلمّا كان في السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء فأكثروا، ثمّ ساروا منها حتّى التقى مع الحرّ بن يزيد التميمي اليربوعي في ألف فارس مع الحرّ، وكان مجيء الحرّ بن يزيد ومسيره إلى الحسينعليهالسلام من القادسية؛ وذلك أنّ عبيد الله بن زياد لمّا بلغه إقبال الحسين بعث الحصين بن تميم التميمي - وكان على شرطه - فأمره أن ينزل القادسية، وأن يضع المسالح فينظم ما بين القُطْقُطانة إلى خَفّان، وقدّم الحرّ بن يزيد بين يديه في هذه الألف من القادسية فيستقبل حسيناًعليهالسلام .
وقال الحرّ للحسينعليهالسلام : قد أُمرنا إذا نحن لقيناك ألاّ نفارقك حتّى نقدمك على عبيد الله بن زياد، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا تدخلك الكوفة ولا تردّك إلى المدينة تكون بيني وبينك نصفاً؛ حتّى أكتب إلى ابن زياد وتكتب أنت إلى يزيد بن معاوية إن أردت أن تكتب إليه، أو إلى عبيد الله بن زياد إن شئت، فلعل الله إلى ذاك أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلى بشيء من أمرك، ثمّ إنّ الحسينعليهالسلام سار في أصحابه والحرّ يسايره.
قال أبو مخنف عن عُقْبَة بن أبي العَيْزار: إنّ الحسينعليهالسلام خطب أصحابه وأصحاب الحرّ بالبَيْضَة، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: « أيّها الناس، إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: مَنْ رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله. ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ مَنْ غيَّر »(3) .
وقالعليهالسلام في ذي حُسُم: « إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإنّ الدنيا قد تغيّرت
____________________
(1) أي بلغه.
(2) ما بين واقصة والقرعاء.
(3) اجتزأنا من الخطبة ما نراه صحيحاً منها وقد بيّنا تقييمنا لكتاب أبي مخنف وما نأخذه منه وما ندع.
وتنكّرت، وأدبر معروفها، واستمرت جدّاً، فلم يبق منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل. ألا ترون أنَّ الحقّ لا يُعمل به، وأنَّ الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقّاً؛ فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة ولا الحياة مع الظالمين إلاّ برماً ».
قال أبو مخنف: فقام زهير بن القين البجلي فقال لأصحابه: تكلّمون أم أتكلّم؟ قالوا: لا بل تكلّم. فحمد الله فأثنى عليه، ثمّ قال: قد سمعنا هداك الله يابن رسول الله مقالتك، والله لو كانت الدنيا لنا باقية، وكنّا فيها مخلّدين إلاّ أنّ فراقها في نصرك ومواساتك لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها. قال: فدعا له الحسينعليهالسلام ثمّ قال له خيراً.
وأقبل الحرّ يسايره وهو يقول له: يا حسين، إنّي أذكّرك الله في نفسك؛ فإنّي أشهد لئن قاتلت لتُقتلنّ، ولئن قوتلت لتهلكنّ فيما أرى.
فقال له الحسينعليهالسلام : « أفبالموت تخوفني؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني؟! ما أدري ما أقول لك، ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه ولقيه وهو يريد نصرة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال له: أين تذهب فإنّك مقتول؟ فقال:
سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتى |
إذا ما نوى حقّاً وجاهدَ مسلما |
|
وآسى الرجالَ الصالحين بنفسه |
وفارقَ مثبوراً يغشّ ويرغما » |
قال: فلمّا سمع ذلك منه الحرّ تنحّى عنه، وكان يسير بأصحابه في ناحية، وحسين في ناحية أخرى حتّى انتهوا إلى عُذيب الهِجّانات، وكان بها هجائن(1) النعمان ترعى هنالك، فإذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرساً(2) لنافع بن هلال يُقال له: الكامل، ومعهم دليلهم الطرماح بن عدي على فرسه.
قال: فلمّا انتهوا إلى الحسينعليهالسلام أنشدوه هذه الأبيات، فقال: « أما والله إنّي لأرجو أن يكون خيراً ما أراد الله بنا، قُتلنا أم ظفرنا ».
قال: وأقبل إليهم الحرّ بن يزيد فقال: إنّ هؤلاء
____________________
(1) الهجائن: هي الابل البيض الكريمة.
(2) اي يسيرون بجانبهم فرسا لنافع ليس عليه راكب.
النفر الذين من أهل الكوفة ليسوا ممّن أقبل معك، وأنا حابسهم أو رادّهم.
فقال له الحسينعليهالسلام : « لأمنعنهم ممّا أمنع منه نفسي؛ إنّما هؤلاء أنصاري وأعواني، وقد كنت أعطيتني ألاّ تعرض لي بشيء حتّى يأتيك كتاب من ابن زياد ».
فقال: أجل، لكن لم يأتوا معك.
قال: « هم أصحابي، وهم بمنزلة مَنْ جاء معي، فإن أتممت على ما كان بيني وبينك وإلاّ ناجزتك ».
قال: فكفَّ عنهم الحرّ.
قال: ثم قال لهم الحسينعليهالسلام : « أخبروني خبر الناس وراءكم؟ ».
فقال له مجمع بن عبد الله العائذي، وهو أحد النفر الأربعة الذين جاؤوه: أمّا أشراف الناس فقد اُعظمت رشوتهم، ومُلئت غرائرهم، يُستمال ودّهم، ويُستخلص به نصيحتهم، فهم (ألب واحد عليك)(1) .
قال: « أخبروني فهل لكم برسولي إليكم؟ ».
قالوا: مَنْ هو؟
قال: « قيس بن مسهر الصيداوي ».
فقالوا: نعم، أخذه الحصين بن تميم فبعث به إلى ابن زياد، فأمره ابن زياد أن يلعنك ويلعن أباك، فصلّى عليك وعلى أبيك، ولعن ابن زياد وأباه، ودعا إلى نصرتك، وأخبرهم بقدومك، فأمر به ابن زياد فأُلقي من طَمارِ القصر(2) .
فترقرقت عينا الحسينعليهالسلام ولم يملك دمعه، ثمّ قال: «( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) . اللّهمّ اجعل لنا ولهم الجنّة نُزُلاً، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك، ورغائب مذخور ثوابك ».
قال أبو مخنف: حدّثني جميل بن مرثد من بني معن، عن الطرماح بن عدي: أنّه دنا من
____________________
(1) ألب واحد عليك: أي مجتمعين عليك. أشراف الكوفة في عهد ابن زياد هم الوجوه الاجتماعية التي كانت ركائز النفاق على عهد عليعليهالسلام ، ولم تستجب لهديه؛ ومن ثَمّ اعتمدها زياد في تنفيذ مخطّط معاوية لتصفية التشيّع في الكوفة، وهم رؤوس الجيش الذي حارب الحسينعليهالسلام .
(2) أي أعلى القصر.
الحسينعليهالسلام فقال له: والله، إنّي لأنظر فما أرى معك أحداً، ولو لم يقاتلك إلاّ هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفي بهم، وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة إليك بيوم ظهر الكوفة وفيه من الناس ما لم ترَ عيناي في صعيد واحد جمعاً أكثر منه، فسألت عنهم فقيل: اجتمعوا ليُعْرَضوا ثمّ يُسْرَحون إلى الحسين.
فأنشدك الله إن قدرت على ألاّ تقدم عليهم شبراً إلاّ فعلت، فإن أردت أن تنزل بلداً يمنعك الله به حتّى ترى من رأيك، ويستبين لك ما أنت صانع فسر حتّى اُنزلك مناع جبلنا الذي يُدعى أَجَأ، امتنعنا والله به من ملوك غسّان وحمير، ومن النعمان بن المنذر، ومن الأسود والأحمر. والله إن دخل علينا ذلّ قط فأسير معك حتّى أنزلك القُرَيَّةَ، ثمّ نبعث إلى الرجال ممّن بأجأ(1) وسلمى من طيء، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتّى تأتيك طيء رجالاً وركباناً، ثمّ أقم فينا ما بدا لك؛ فإن هاجك هَيْج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم، والله لا يصلوا إليك أبداً وفيهم عين تَطْرِف.
فقال له: « جزاك الله وقومك خيراً، إنّه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف، ولا ندري علامَ تنصرف بنا وبهم الاُمور في عاقبة ».
قال أبو مخنف: ومضى الحسينعليهالسلام حتّى انتهى إلى قصر بني مقاتل فنزل به.
قال أبو مخنف: حدّثني عبد الرحمن بن جندب، عن عقبة بن سمعان قال: لمّا كان في آخر الليل أمر الحسينعليهالسلام بالاستقاء من الماء، ثمّ أمرنا بالرحيل، ففعلنا. قال: فلمّا ارتحلنا من قصر بني مقاتل وسرنا ساعة خَفَق الحسينعليهالسلام برأسه خفْقَة ثمّ انتبه وهو يقول: « إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين ». قال: ففعل ذلك مرتين أو ثلاثاً.
فأقبل إليه ابنه علي بن الحسينعليهالسلام على فرس له فقال: يا أبت جعلت فداك، ممَّ حمدت الله واسترجعت؟!
____________________
(1) ممّن بأجأ: أي ممّن هم في طريقة واحدة ونهج واحد.
قال: « يا بني، إنّي خفقت برأسي خفقة فعنَّ لي فارس على فرس فقال: القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم، فعلمت أنّها أنفسنا نُعيت إلينا ».
قال له: يا أبت، لا أراك الله سوءاً، ألسنا على الحقّ؟
قال: « بلى والذي إليه مرجع العباد ».
قال: يا أبت، إذاً لا نبالي نموت محقّين.
فقال له: « جزاك الله من ولد خير ما جزى ولداً عن والده ».
قال أبو مخنف: فلمّا انتهوا إلى نينوى ( المكان الذي نزل به الحسينعليهالسلام ) قال: فإذا راكب على نجيب له وعليه السلاح، متنكب قوساً مقبل من الكوفة، فدفع إلى الحرّ كتاباً من عبيد الله بن زياد، فإذا فيه: أمّا بعد، فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي، ويقدم عليك رسولي، فلا تنزله إلاّ بالعَراء في غير حُصن وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتّى يأتيني بإنفاذك أمري، والسلام.
فلمّا قرأ الكتاب، قال لهم الحرّ: هذا كتاب الأمير عبيد الله بن زياد يأمرني فيه أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابه، وهذا رسوله وقد أمره ألاّ يفارقني حتّى أنفذ رأيه وأمره.
وأخذ الحرّ بن يزيد القوم بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا في قرية، فقالوا: دعنا ننزل في هذه القرية (يعنون نِينَوى)(1) ، أو هذه القرية (يعنون الغاضرية)، أو هذه الأخرى (يعنون شُفَيَّة).
فقال: لا والله، ما أستطيع ذلك هذا رجل قد بُعث إلي عيناً.
فقال له زهير بن القين: يابن رسول الله، إنّ قتال هؤلاء أهون من قتال مَنْ يأتينا من بعدهم، فلعمري! ليأتينا من بعد مَنْ ترى ما لا قبل لنا به.
____________________
(1) قال الحموي في معجم البلدان: نينوى بسواد الكوفة منها كربلاء التي قُتل بها الحسينعليهالسلام .
قال المؤلِّف: ورد اسم نينوى لمدينة في جنوب العراق في الكتابات المسمارية المكتشفة في وادي الرافدين قبل نينوى الموصل بقرون.
فقال له الحسينعليهالسلام : « ما كنت لأبدأَهم بالقتال ».
وفي رواية ابن عساكر: وعدل الحسين إلى كربلاء(1) .
ثمّ نزل، وذلك يوم الخميس، وهو اليوم الثاني من المحرّم سنة إحدى وستّين(2) .
روى السيد ابن طاووس قال: قال الحسينعليهالسلام لمّا نزل كربلاء: « انزلوا، هاهنا محطّ رحالنا، ومسفك دمائنا، وهنا محلّ قبورنا، بهذا حدّثني جدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ». فنزلوا جميعاً(3) .
قال أبو مخنف: فلمّا كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف.
قال: وكان سبب خروج ابن سعد إلى الحسينعليهالسلام ، أن عبيد الله بن زياد بعثه على
____________________
(1) تاريخ ابن عساكر ترجمة الحسينعليهالسلام .
(2) هذا هو المشهور بين المؤرخين، وفي الأخبار الطوال - للدينوري / 253. قال: إنّ الحسينعليهالسلام نزل كربلاء يوم الأربعاء غرّة شهر المحرّم سنة إحدى وستين.
(3) اللهوف في قتلى الطفوف - السيد ابن طاووس الحسني / 49.
أقول: وقد تواترت الأخبار بذلك عن النبيصلىاللهعليهوآله ، منها ما روي عن عليعليهالسلام . قال ابن كثير: قال الإمام أحمد: حدّثنا محمد بن عبيد، ثنا شراحيل بن مدرك، عن عبد الله بن نجيى، عن أبيه أنّه سار مع عليعليهالسلام ، وكان صاحب مطهرته، فلمّا جاؤوا نينوى وهو منطلق إلى صفين نادى علي: « صبراً أبا عبد الله، صبراً أبا عبد الله بشط الفرات ».
قلت: وماذا تريد؟
قال: « دخلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ذات يوم وعيناه تفيضان، فقلت: ما أبكاك يا رسول الله؟! قال: بلى، قام من عندي جبريل قبل، فحدّثني أنّ الحسين يُقتل بشط الفرات ».
قال: « فقال: هل لك أن أشمّك من تربته؟ ».
قال: « فمدّ يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا ».
قال ابن كثير: تفرّد به أحمد. البداية والنهاية 8 / 217، مسند أحمد 1 / 85، الآحاد والمثاني 1 / 308.
قال ابن كثير: وروى محمد بن سعد، عن علي بن محمد، عن يحيى بن زكريا، عن رجل، عن عامر الشعبي، عن علي مثله. وروى نصر بن مزاحم في كتابه وقعة صفين / 142، عن سعيد بن حكيم العبسى، عن الحسن بن كثير، عن أبيه: أنّ علياً أتى كربلاء فوقف بها، فقيل: يا أمير المؤمنين، هذه كربلاء. قال: « ذات كرب وبلاء ». ثمّ أومأ بيده إلى مكان فقال: « هاهنا موضع رحالهم ومناخ ركابهم ». وأومأ بيده إلى موضع آخر فقال: « هاهنا مهراق دمائهم ».
أربعة آلاف من أهل الكوفة يسير بهم إلى دَسْتَبَى(1) ، وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها، فكتب إليه ابن زياد عهده على الري وأمره بالخروج. فخرج معسكراً بالناس بحمام أعْيَن(2) ، فلمّا كان من أمر الحسينعليهالسلام ما كان، وأقبل إلى الكوفة دعا ابن زياد عمر بن سعد فقال: سرّ إلى الحسين، فإذا فرغنا ممّا بيننا وبينه سرت إلى عملك. فأقبل في أربعة آلاف حتّى نزل بالحسينعليهالسلام من الغد من يوم نزل الحسينعليهالسلام نينوى.
قال: فبعث عمر بن سعد إلى الحسينعليهالسلام عَزْرَة بن قيس الأحمسي فقال: ائته فسله ما الذي جاء به، وماذا يريد؟ وكان عَزرة ممّن كتب إلى الحسينعليهالسلام ، فاستحيا منه أن يأتيه.
قال: فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه فكلّهم أبى وكرهه.
قال: وقام إليه كثير بن عبد الله الشعبي، وكان فارساً شجاعاً ليس يردّ وجهه شيء، فقال: أنا أذهب إليه، والله لئن شئت لأفتكنَّ به. فقال له عمر بن سعد: ما اُريد أن يُفتك به، ولكن ائته فسله ما الذي جاء به؟
قال: فأقبل إليه، فلمّا رآه أبو ثمامة الصائدي قال للحسينعليهالسلام : أصلحك الله أبا عبد الله، قد جاءك شرّ أهل الأرض وأجرؤهم على دم وأفتكه. فقام إليه فقال: ضع سيفك. قال: لا والله ولا كرامة؛ إنّما أنا رسول، فإن سمعتم منّي أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، وإن أبيتم انصرفت عنكم. فقال له: فإنّي آخذ بقائم سيفك ثمّ تكلّم بحاجتك. قال: لا والله لا تمسّه. فقال له: أخبرني ما جئت به وأنا أبلغه عنك، ولا أدعك تدنو منه فإنّك فاجر. قال: فاستبّا، ثم انصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر.
قال: فدعا عمر قُرَّةَ بن قيس الحنظلي، فقال له: ويحك يا قرّة القَ حسيناً فسله ما جاء به، وماذا يريد؟ فأتاه قرّة بن قيس فلمّا رآه الحسينعليهالسلام مقبلاً قال: أتعرفون هذا؟ فقال حبيب بن مظاهر: نعم، هذا رجل من حنظلة تميمي، وهو ابن أختنا، ولقد كنت أعرفه
____________________
(1) منطقة كبيرة كانت مقسومة بين الري وهمذان. أودستوا: بلدة بفارس، وقيل: بلدة بالأهواز.
(2) منطقة مشهورة بالكوفة، وأعين مولى سعد بن أبي وقاص.
بحسن الرأي، وما كنت أراه يشهد هذا المشهد، فجاء حتّى سلّم على الحسينعليهالسلام وأبلغه رسالة عمر بن سعد إليه له.
فقال الحسينعليهالسلام : «كتب إليّ أهل مصركم هذا أن أقدم، فأمّا إذا كرهوني فأنا أنصرف عنهم».
قال: ثمّ قال له حبيب بن مظاهر: ويحك يا قرّة بن قيس! أنى ترجع إلى القوم الظالمين، انصر هذا الرجل الذي بآبائه أيدّك الله بالكرامة وإيانا معك.
فقال له قرّة: ارجع إلى صاحبي بجواب رسالته وأرى رأيي.
قال: فانصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر.
فقال له عمر بن سعد: إنّي لأرجو أن يعافيني الله من حربه وقتاله.
قال هشام عن أبي مخنف قال: حدّثني النضر بن صالح بن حبيب بن زهير العبسي، عن حسّان بن فائد بن بكير العبسي قال: أشهد أنّ كتاب عمر بن سعد جاء إلى عبيد الله بن زياد وأنا عنده، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فإنّي حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي فسألته عمّا أقدمه، وماذا يطلب ويسأل، فقال: كتب إليّ أهل هذه البلاد، وأتتني به رسلهم، فسألوني القدوم ففعلت، فأمّا إذ كرهوني فبدا لهم غير ما أتتني به رسلهم فأنا منصرف عنهم.
فلمّا قُرئ الكتاب على ابن زياد قال:
الآن إذ علِقت مخالبُنا به |
يرجو النجاة ولاتَ حينَ مناصِ |
وكتب إلى عمر بن سعد: بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت، فأعرض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية هو وجميع أصحابه، فإذا فعل ذلك رأَينا رأيَنا، والسلام.
فلمّا أتى عمر بن سعد الكتاب قال: قد حسبت ألا يقبل ابن زياد العافية.
قال أبو مخنف: حدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم الأزدي قال: جاء من عبيد الله بن زياد كتاب إلى عمر بن سعد: أمّا بعد، فَحُل بين الحسين وأصحابه وبين الماء ولا يذوقوا منه قطرة، كما صنع بالتقي الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان.
فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجّاج على خمسمئة فارس، فنزلوا على الشريعة وحالوا بين حسين وأصحابه وبين الماء أن يسقوا منه قطرة، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث.
قال: ونازله عبد الله بن أبي حصين الأزدي وعِدادُه في بَجيلة، فقال: يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنّه كبد السماء؟ والله لا تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشاً.
فقال الحسينعليهالسلام : «اللّهمّ اقتله عطشاً، ولا تغفر له أبداً».
قال حميد بن مسلم: والله، لعُدْتُه بعد ذلك في مرضه، فوالله الذي لا إله إلاّ هو لقد رأيتُه يشرب حتّى بَغَرَ، ثمّ يقيء ثمّ يعود فيشرب حتّى يَبْغُرُ(1) فما يروى، فما زال ذلك دأبه حتّى لفظ عصبه(2) ، يعني نفسه.
قال حميد: ولمّا اشتدّ على الحسين وأصحابه العطش، دعا العباس بن علي بن أبي طالبعليهالسلام أخاه، فبعثه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً، وبعث معهم بعشرين قربة، فجاؤوا حتّى دنوا من الماء ليلاً، واستقدم أمامهم باللواء نافع بن هلال الجملي، فقال عمرو بن الحجّاج الزبيدي: مَنْ الرجل؟ فجئ، فقال: ما جاء بك؟ قال: جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا(3) عنه. قال: فاشرب هنيئاً. قال: لا والله لا أشرب منه قطرة وحسين عطشان، ومَنْ ترى من أصحابه، فطلعوا عليه.
فقال: لا سبيل إلى سقي هؤلاء؛ إنّما وُضِعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء. فلمّا دنا منه أصحابه قال لرجاله: املؤوا قِرَبكم، فشدَّ الرجَّالة فملؤوا قِرَبهم، وثار إليهم عمرو بن الحجّاج وأصحابه، فحمل عليهم العباس بن علي ونافع بن هلال فكفَوْهم، ثمّ انصرفوا إلى رِحالهم، وجاء أصحاب حسين بالقِرب فأدخلوها عليه.
قال أبو مخنف: حدّثني أبو جناب عن هانئ بن ثبيت الحضرمي وكان قد شهد قتل الحسين، قال: بعث الحسينعليهالسلام إلى عمر بن سعد عمرو بن قرظة بن كعب الأنصاري: « أن
____________________
(1) بَغَر الرجل يبغُر: إذا أكثر من شرب الماء ولم يرو لداء به.
(2) في لسان العرب: لفظ عصبه أي ريقه.
(3) يُقال: حلأه عن الماء أي طرده ومنعه منه.
الْقَني الليل بين عسكري وعسكرك ». فخرج عمر بن سعد في نحو من عشرين فارساً، وأقبل حسين في مثل ذلك، فلمّا التقوا أمر حسين أصحابه أن يتنحوا عنه، وأمر عمر بن سعد أصحابه بمثل ذلك.
قال: فانكشفنا عنهما بحيث لا نسمع أصواتهما ولا كلامهما، فتكلّما فأطالا حتّى ذهب من الليل هزيع، ثمّ انصرف كلّ واحد منهما إلى عسكره بأصحابه، وتحدّث الناس فيما بينهما ظنّاً يظنونه أن حسيناً قال لعمر بن سعد: اخرج معي إلى يزيد بن معاوية وندع العسكرين. قال عمر: إذن تُهدم داري. قال: أنا أبنيها لك. قال: إذن تؤخذ ضياعي. قال: إذن أعطيك خيراً منها من مالي بالحجاز. قال: فتكره ذلك عمر. قال: فتحدّث الناس بذلك وشاع فيهم من غير أن يكونوا سمعوا من ذلك شيئاً ولا علموه.
قال أبو مخنف: وأمّا ما حدّثنا به المجالد بن سعيد، والصقعب بن زهير الأزدي وغيرهما من المحدّثين فهو ما عليه جماعة المحدّثين، قالوا: إنّه قال: اختاروا منّي خصالاً ثلاثاً؛ إمّا أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه، وإمّا أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه، وإمّا أن تسيّروني إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم فأكون رجلاً من أهله، لي ما لهم وعليّ ما عليهم.
قال أبو مخنف: فأمّا عبد الرحمن بن جندب فحدّثني، عن عقبة بن سمعان قال: صحبت حسيناً فخرجت معه من المدينة إلى مكّة، ومن مكّة إلى العراق، ولم أفارقه حتّى قُتل، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلاّ وقد سمعتها. لا والله، ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية، ولا أن يسيّروه إلى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنّه قال: « دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتّى ننظر ما يصير أمر الناس ».
الفصل الثالث:
طرف من أخبار شهادة الحسينعليهالسلام وأهل بيته وأصحابه (رضوان الله عليهم)
شاء الله تعالى أن يحبس النصر عن الحسينعليهالسلام ، وخُيِّر الحسين بين البيعة ليزيد أو القتال، واختار القتال، وآثر أن يخوض معركة غير متكافئة مع عُسلان الفلوات، ذئاب الفرات، وطلائع جيش بني اُميّة، وهو جيش الكوفة الذي نجح زياد في تصفيته من كلّ متّهم بحبّ عليعليهالسلام فضلاً عن تشيّعه، ونجح معاوية في تربيته على البغض والحقد على علي وأهل بيتهعليهمالسلام ، ومحض المودّة والطاعة لمعاوية ويزيد.
ويسقط الحسينعليهالسلام قتيلاً بعد أن وفى أصحابه بما بايعوه عليه من القتال بين يده، ووفى أهل بيته حين قُتِلوا بين يديه، ويبدي بنو اُميّة وشيعتهم أبشع مستوى من الحقد والبغض لآل الرسول، وفيما يلي طرف من أخبار هذه المعركة:
روى الطبري عن أبي مخنف قال: نهض عمر بن سعد إلى الحسينعليهالسلام عشية الخميس لتسع مضين من المحرّم، وجاء شمر حتّى وقف على أصحاب الحسين، فقال: أين بنو أختنا؟ فخرج إليه العباس وجعفر وعثمان بنو علي، فقالوا له: ما لك وما تريد؟ قال: أنتم يا بني اُختي آمنون، وكان قد أخذ لهم أماناً من ابن زياد.
فقال له الفتية: لعنك الله ولعن أمانك لئن كنت خالنا! أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له؟!
قال: ثمّ إن عمر بن سعد نادى: يا خيل الله اركبي وأبشري.
فركب في الناس، ثمّ زحف نحوهم بعد صلاة العصر، فبعث إليهم الحسينعليهالسلام أخاه العباسعليهالسلام في نحو من عشرين فارساً، فيهم زهير بن القين، وحبيب ابن مظاهر، وقال لهم العباس: ما بدا لكم، وما تريدون؟ قالوا: جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم.
قال: فلا تعجلوا حتّى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم، فانصرف العباس راجعاً إلى الحسين يخبره بالخبر، ووقف أصحابه يخاطبون القوم.
فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين: كلّم القوم إن شئت. وإن شئت كلّمتهم. فقال له زهير: أنت بدأت بهذا فكن أنت تكلّمهم.
فقال لهم حبيب بن مظاهر: أما والله لبئس القوم عند الله غداً قوم يقدمون عليه قد قتلوا ذرية نبيّهصلىاللهعليهوآله وعترته وأهل بيتهعليهمالسلام ، وعبّاد أهل هذا المصر، المجتهدين بالأسحار، والذاكرين الله كثيراً.
فقال له عزرة بن قيس: إنّك لتزكّي نفسك ما استطعت.
فقال له زهير: يا عزرة، إنّ الله قد زكّاها وهداها، فاتق الله يا عزرة؛ فإنّي لك من الناصحين. أنشدك الله يا عزرة أن تكون ممّن يعين الضلاّل على قتل النفوس الزكية.
قال: يا زهير، ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنّما كنت عثمانياً.
قال: أما والله قد جمع الطريق بيني وبينه، ودعاني إلى نصرته، وتذكّرت حديث سلمان الباهلي، وذكرت بالحسين رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومكانه منه، فرأيت أن أنصره، وأن أكون في حزبه، وأن أجعل نفسي دون نفسه؛ حفظاً لما ضيّعتم من حقّ الله وحقّ رسولهصلىاللهعليهوآله .
وأقبل العباس بن عليعليهالسلام حتّى انتهى إليهم فقال: يا هؤلاء، إنّ أبا عبد الله يسألكم أن تنصرفوا هذه العشية حتّى ينظر في هذا الأمر، فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله؛ فإمّا رضيناه فأتينا بالأمر الذي تسألونه وتسومونه، أو كرهنا فرددناه.
فلمّا أتاهم العباس بن عليعليهالسلام بذلك، قال عمر بن سعد: ما ترى يا شمر؟ قال: ما ترى أنت، أنت الأمير والرأي رأيك. قال: قد أردت ألاّ أكون. ثمّ أقبل على الناس فقال: ماذا ترون؟ فقال عمرو بن الحجّاج بن سلمة الزبيدي: سبحان الله! والله لو كانوا من الديلم ثمّ سألوك هذه المنزلة لكان ينبغي لك أن تجيبهم إليها.
وقال قيس بن الأشعث: أجبهم إلى ما سألوك، فلعمري ليصبحنّك بالقتال غدوة. فقال: والله لو أعلم أن يفعلوا ما أخّرتهم العشية.
قال: وكان العباس بن عليعليهالسلام حين أتى حسيناً بما عرض عليه عمر بن سعد قال: « ارجع إليهم، فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غدوة، وتدفعهم عنّا العشية؛ لعلّنا نصلّي لربّنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أنّي قد كنت أحبّ الصلاة له، وتلاوة كتابه، وكثرة الدعاء والاستغفار ».
قال أبو مخنف: حدّثني الحارث بن حصيرة، عن عبد الله بن شريك العامري(1) ، عن
____________________
(1) قال الذهبي في ميزان الاعتدال 2 / 439: عبد الله بن شريك العامري حدّث عن ابن عمر وجماعة، وكان في أوائل أمره من أصحاب المختار، ولكنّه تاب. وثّقه أحمد وابن معين وغيرهما، وليّنه النسائي. وقال الجوزجاني: كذّاب. وقال ابن عيينة: جالسنا عبد الله بن شريك وهو ابن مئة سنة، وكان ممّن جاء إلى ابن الحنفيّة، عليهم أبو عبد الله الجدلي.
الحميدى، حدّثنا سفيان، عن عبد الله بن شريك قال: قال =
علي بن الحسينعليهالسلام (1) قال: « جمع الحسين أصحابه بعدما رجع عمر بن سعد، وذلك عند قرب المساء ».
قال علي بن الحسينعليهالسلام : « فدنوت منه لأسمع وأنا مريض، فسمعت أبي وهو يقول لأصحابه: أثني على الله تبارك وتعالى أحسن الثناء، وأحمده على السرّاء والضرّاء. اللّهمّ إنّي أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة، وعلّمتنا القرآن، وفقّهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، ولم تجعلنا من المشركين.
أمّا بعد، فإنّي لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي جميعاً خيراً، ألا وإنّي أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، ألا وإنّي قد رأيت لكم، فانطلقوا جميعاً في حلٍّ ليس عليكم منّي ذمام؛ هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً، ثمّ ليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي وتفرّقوا في سوادكم ومدائنكم حتّى يفرّج الله؛ فإنّ القوم إنّما يطلبوني، ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري.
فقال له إخوته وأبناؤه، وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر: لِمَ نفعل؟! لنبقى بعدك! لا أرانا الله ذلك أبداً. بدأهم بهذا القول العباس بن علي، وقام مسلم بن عوسجة الأسدي فقال: أنحن نخلِّي عنك ولمّا نعذر إلى الله في أداء حقّك؟! أما والله حتّى أكسر في صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولا أفارقك، ولو لم يكن معي سلاح اُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتّى أموت معك.
وقال سعيد بن عبد الله الحنفي: والله لا نخليك حتّى يعلم الله أنا حفظنا غيبة رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيك. والله لو علمت أنّي اُقتل ثمّ اُحيا ثمّ اُحرق حياً ثمّ اُذرّ، يُفعل ذلك بي سبعين
____________________
= الحسين: « نُبعث نحن وشيعتنا كهاتين »، وأشار بالسبابة والوسطى.
وقال إبراهيم بن عرعرة، عن سفيان: كان مختارياً، وأن لا يحدّث عنه. قال: وكان عبد الرحمن بن مهدى قد ترك الحديث عنه.
(1) قال الطبري في ذيل المذيل: وشهد علي بن الحسين الأصغر وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وكان مريضاً نائماً على فراش.
مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة، ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً؟!
وقال زهير بن القين: والله لوددت أنّي قُتلت ثمّ نُشرت ثمّ قتلت حتّى اُقتل كذا ألف قتلة وإنّ الله يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك.
وتكلّم جماعة من أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً في وجه واحد، فقالوا: والله لا نفارقك، ولكن أنفسنا لك الفداء، نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا، فإذا نحن قُتلنا كنّا وفينا وقضينا ما علينا ».
قال أبو مخنف: عن عبد الله بن عاصم، عن الضحاك بن عبد الله المشرقي قال: فلمّا أمسى الحسينعليهالسلام وأصحابه قاموا الليل كلّه يصلّون ويستغفرون، ويدعون ويتضرّعون.
قال أبو مخنف: فلمّا صلّى عمر بن سعد الغداة يوم السبت، وقد بلغنا أيضاً أنّه كان يوم الجمعة(1) ، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء، خرج فيمَنْ معه من الناس.
قال أبو مخنف: أمر الحسينعليهالسلام بفُسطاط فَضُرِب، ثمّ أمر بِمِسك فَميثَ في جَفنة عظيمة أو صحفة، قال: ثمّ دخل الحسينعليهالسلام ذلك الفُسطاط فتطلى بالنورة.
قال: وكان عبد الرحمن بن عبد ربّه(2) وبرير بن خضير الهمداني على باب الفُسطاط تحتك مناكبهما،
____________________
(1) المشهور أنّ يوم العاشر سنة 61 كان يوم الجمعة، ويؤيد روايات السبت ما ورد في كامل الزيارات عن صفوان، عن يعقوب بن شعيب، عن حسين بن أبي العلاء:... وقُتل يوم السبت يوم عاشوراء. وما ورد في التهذيب 4 / 334 للطوسي، عن الباقرعليهالسلام قال: « يخرج القائمعليهالسلام يوم السبت يوم عاشوراء، اليوم الذي قُتل فيه الحسينعليهالسلام ».
(2) عبد الرحمن بن عبد ربّه الأنصاري صحابي، ذكره ابن عقدة في كتاب الموالاة فيمَنْ روى حديث « مَنْ كنت مولاه فعلى مولاه »، وساق من طريق الأصبغ بن نباتة قال: لمّا نشد علي الناس في الرحبة مَنْ سمع =
فازدحما أيّهما يطلي على أثره، فجعل برير يهازل عبد الرحمن، فقال له عبد الرحمن: دعنا فوالله ما هذه بساعة باطل. فقال له برير: والله، لقد علم قومي أنّي ما أحببت الباطل شاباً ولا كهلاً، ولكن والله إنّي لمستبشر بما نحن لاقون، والله إنّ بيننا وبين الحور العين إلاّ أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم، ولوددت أنّهم قد مالوا علينا بأسيافهم.
قال: وعبّأ الحسينعليهالسلام أصحابه وصلّى بهم صلاة الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً، وأربعون راجلاً(1) ؛ فجعل زهير بن القَين في ميمنة أصحابه، وحبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه، وأعطى رايته العباس بن علي أخاه، وجعلوا البيوت في ظهورهم، وأمر بحطب وقصب كان من وراء البيوت يحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم.
قال: وكان الحسينعليهالسلام أُتي بقصب وحطب إلى مكان من ورائهم منخفض كأنّه ساقية، فحفروه في ساعة من الليل، فجعلوه كالخندق، ثمّ ألقوا فيه ذلك الحطب والقصب،
____________________
= النبيصلىاللهعليهوآله يقول يوم غدير خم ما قال إلاّ قام ولا يقوم إلاّ مَنْ سمع، فقام بضعة عشر رجلاً، منهم: أبو أيوب، وأبو زينب، وعبد الرحمن بن عبد ربّه، فقالوا: نشهد أنا سمعنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « إنّ الله وليي وأنا ولي المؤمنين، فمَنْ كنت مولاه فعلي مولاه ». وفي سنده مَنْ لا يُعرف. الإصابة 4 / 328.
(1) وفي رواية عمار الدهني (الطبري 4 / 292): أنّهعليهالسلام كان معه خمسة وأربعين فارساً، ومئة راجل.
قال المؤلِّف: هؤلاء الرجالة سواء كانوا أربعين أو مئة فهم الذين خرجوا من الكوفة بشِقِّ الأنفس خُفية أيام المهادنة، وهذا قرينة أكيدة على أنّ خطّة مسلمعليهالسلام مع أنصار الحسينعليهالسلام بعد اعتقال هانئ بن عروة في الكوفة هي اللحاق بالحسينعليهالسلام ، كلّ بحسب قدرته وتمكّنه، ولم تكن خطّته أن يثور بأهل الكوفة ضدّ ابن زياد.
وقالوا: إذا عَدَوا علينا فقاتلونا ألقينا فيه النار كيلا نؤتى من ورائنا، وقاتلنا القوم من وجه واحد. ففعلوا وكان لهم نافعاً.
قال أبو مخنف: حدّثني فضيل بن خديج الكندي، عن محمد بن بشر عن عمرو الحضرمي قال: لمّا خرج عمر بن سعد بالناس، كان على ربع أهل المدينة يومئذ عبد الله بن زهير بن سليم الأزدي، وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي، وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث بن قيس، وعلى ربع تميم وهمدان الحرّ بن يزيد الرياحي، فشهد هؤلاء كلّهم مقتل الحسينعليهالسلام إلاّ الحرّ بن يزيد؛ فإنّه عدل إلى الحسينعليهالسلام وقُتل معه.
وجعل عمر على ميمنته عمرو بن الحجّاج الزبيدي، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن، وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجَّالة شَبَث بن رَبعي الرياحي، وأعطى الراية دويداً(1) مولاه.
قال أبو مخنف عن بعض أصحابه، عن أبي خالد الكاهلي قال: لمّا أصبحت خيل الحسينعليهالسلام رفع الحسينعليهالسلام يديه فقال: « اللّهمّ أنت ثقتي في كلّ كرب، ورجائي في كلّ شدّة، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة. كم من همٍّ يضعف فيه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة،
____________________
(1) دويد: تصغير داود.
ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، أنزلته بك وشكوته إليك؛ رغبة منّي إليك عمّنْ سواك ففرَّجته وكشفته، فأنت ولي كلّ نعمة، وصاحب كلّ حسنة، ومنتهى كلّ رغبة ».
ثمّ اتّجه إلى القوم وخاطبهم: « أيّها الناس، اسمعوا قولي ولا تعجلوني حتّى أعظكم بما لحقّ لكم عليَّ، وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم؛ فإن قبلتم عذري، وصدّقتم قولي، وأعطيتموني النصف كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليّ سبيل، وإنْ لم تقبلوا منّي العذر، ولم تعطوا النصف من أنفسكم، فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة ثمّ اقضوا إليّ ولا تنظرون، إنّ وليي الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين... ».
وحمد الله وأثنى عليه، وذكر الله بما هو أهله، وصلى على محمدصلىاللهعليهوآله وعلى ملائكته وأنبيائه، فذكر من ذلك ما الله أعلم، وما لا يحصى ذكره.
قال: فوالله ما سمعت متكلّماً قطّ قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه.
ثمّ قال: « عباد الله، اتقوا الله وكونوا من الدنيا على حذر؛ فإنّ الدنيا لو بقيت لأحد وبقي عليها أحد كانت الأنبياء أحقّ بالبقاء، وأولى بالرضا، وأرضى بالقضاء، غير أنّ الله تعالى خلق الدنيا للبلاء، وخلق أهلها للفناء؛ فجديدها بالٍ، ونعيمها مضمحلّ، وسرورها مكفهر، والمنزل بلغة، والدار قلعة، فتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى، واتقوا الله لعلكم تفلحون »(1) .
ثمّ قال: « أمّا بعد، فانسبوني فانظروا مَنْ أنا؟ ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكمصلىاللهعليهوآله وابن وصيه وابن عمّه، وأوّل المؤمنين بالله، والمصدق لرسوله بما جاء به من عند ربّه؟
____________________
(1) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر 41 / 218.
أوَ ليس حمزة سيد الشهداء عمّ أبي؟ أوَ ليس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمّي؟ أوَ لم يبلغكم قول مستفيض فيكم أنّ رسول الله (صلى الله تعالى عليه وآله) قال لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة(1) ؟ فإن صدقتموني بما أقول وهو الحقّ، والله ما تعمّدت كذباً مذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله، ويضرّ به مَنْ اختلقه، وإن كذبتموني فإنّ فيكم مَنْ إن سألتموه عن ذلك أخبركم؛ سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، أو أبا سعيد الخدري، أو سهل بن سعد الساعدي، أو زيد بن أرقم، أو أنس بن مالك يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول اللهصلىاللهعليهوآله لي ولأخي، أفما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟ ».
فقال له شمر بن ذى الجوشن: هو يعبد الله على حرف إن كان يدرى ما تقول.
فقال له حبيب بن مظاهر: والله إنّي لأَراك تعبد الله على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنّك صادق ما تدرى ما يقول، قد طبع الله على قلبك.
ثمّ قال لهم الحسينعليهالسلام : « فإن كنتم في شك من هذا القول، أفتشكّون أثراً ما أنّي ابن بنت نبيكم؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم، أنا ابن بنت نبيّكم خاصة.
أخبروني، أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو مال لكم استهلكته، أو بقصاص من جراحة؟ ».
قال: فأخذوا لا يكلّمونه.
قال: فنادى: « يا شبث بن ربعي، ويا حجّار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليّ أن قد أينعت الثمار، واخضرّ الجناب، وطُمَّت الجِمام(2) ، وإنّما تقدم على جندك لك مجند فأقبل؟ ».
____________________
(1) من المؤكد أنّ الحسينعليهالسلام قد ذكر لهم حديث الغدير، وحديث الثقلين، وحديث الكساء، وقول النبيصلىاللهعليهوآله : « رحم الله مَنْ أحبّ حسيناً، حسين منّي وأنا من حسين ». ولكنّ أبا مخنف لم تكن سياسته في وضع كتابه أن يذكر ذلك؛ مسايرة لهدف بني العباس.
(2) طم الماء: علا وغمر. والجمام: جمع جمّة، وهو المكان الذي يجتمع فيه الماء.
قالوا له: لم نفعل.
فقالعليهالسلام : « سبحان الله! بلى والله لقد فعلتم ».
ثمّ قال: « أيّها الناس، إذ كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الأرض ».
قال: فقال له قيس بن الأشعث: أوَ لا تنزل على حكم بني عمّك، فإنّهم لن يروك إلاّ ما تحبّ، ولن يصل إليك منهم مكروه.
فقال له الحسين: « أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟ لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرّ إقرار العبيد، عباد الله إنّي عذت بربّي وربّكم أن ترجمون، أعوذ بربّي وربّكم من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب »(1) .
ثمّ قال: « لا والله، لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد »(2) .
ثمّ التفت إلى العسكر قائلاً: « تبّا لكم أيتها الجماعة وترحاً... تداعيتم إلينا كتداعي الفراش هلعاً وذلّة لطواغيت الأمّة، وشذّاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، وغضبة الآثام، وبقيّة الشيطان، ومحرّفي الكلام، ومطفئي السنن... الذين جعلوا القرآن عضين. لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون!
فهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون؟ ألا وإنّ (ابن الدعي) قد ركن (ركز) بين اثنتين؛ بين المسألة والذلّة، وهيهات منّا الدنية (الذلّة)، يأبى الله (لنا) ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت (وطهرت)...، واُنوف حميّة، ونفوس أبيّة أن تؤثر مصارع الكرام على ظئار اللئام »(3) .
ثم تمثّل:
فإن نَهزِم فهزّامون قدماً |
وإن نُهزَم فغير مُهزّمينا |
|
وما إن طبّنا جُبنٌ ولكن |
منايانا وطعمة آخرينا(4) |
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 322.
(2) تاريخ ابن عساكر 14 / 219.
(3) ظئار: اللئام إظهار حبّهم وعطفهم.
(4) يختلف نصّ الخطبة عند أبي مخنف عن نصّها عند ابن عساكر في تاريخ دمشق 14 / 219، وقد اخترنا من الخطبتين المقاطع التي نرى أنّها صحيحة.
قال أبو مخنف: عن أبي جناب الكلبي، عن عدي بن حرملة قال: ثمّ إنّ الحرّ بن يزيد لمّا زحف عمر بن سعد، قال له: أصلحك الله، مقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: إي والله قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي.
قال: فأقبل حتّى وقف من الناس موقفاً ومعه رجل من قومه يُقال له قرّة بن قيس، فقال: يا قرّة هل سقيت فرسك اليوم؟ قال: لا. قال: أما تريد أن تسقيه؟ قال: فظننت والله أنّه يريد أن يتنحّى فلا يشهد القتال، وكره أن أراه حين يصنع ذلك فيخاف أن أرفعه عليه، فقلت له: لم أسقه، وأنا منطلق فساقيه.
قال: فاعتزلت ذلك المكان الذي كان فيه. قال: فوالله لو أنّه أطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسينعليهالسلام .
قال: فأخذ يدنو من الحسينعليهالسلام قليلاً قليلاً، فقال له رجل من قومه يُقال له: (المهاجر) ابن أوس: ما تريد يابن يزيد؟ أتريد أن تحمل؟ فسكت، وأخذه مثل العرواء، فقال له: يابن يزيد، والله إنّ أمرك لمريب، والله ما رأيت منّك في موقف قطّ مثل شيء أراه الآن، ولو قيل لي: مَنْ أشجع أهل الكوفة رجلاً؟ ما عدوتك، فما هذا الذي أرى منك؟!
قال: إنّي والله اُخير نفسي بين الجنّة والنار، ووالله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قُطِّعت وحُرِّقت. ثمّ ضرب فرسه فلحق بالحسينعليهالسلام ، فقال له: جعلني الله فداك يابن رسول الله! أنا صاحبك الذي حبستُك عن الرجوع، وسايرتُك في الطريق، وجعجعتُ بك في هذا المكان. والله الذي لا إله إلاّ هو، ما ظننت أن القوم يبلغون منك هذه المنزلة، وإنّي قد جئتك تائباً ممّا كان منّي إلى ربّي، ومواسياً لك بنفسي حتّى أموت بين يديك، أفترى لي توبة؟
قال: « نعم، إن تبت يتوب الله عليك ويغفر لك ».
فاستقدم أمام أصحابه ثمّ قال: أيّها القوم، بئسما خلفتم محمّداً في ذريته! ها هم أولاء قد صرعهم العطش، حلأتموهم عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهود والمجوس والنصارى، وتمرّغ فيه خنازير السواد وكلابه.
فحملت عليه رجّالة لهم ترميه بالنبل، فأقبل حتّى وقف أمام الحسينعليهالسلام .
قال أبو مخنف: فحدّثني عبد الله بن عاصم، قال: حدّثني الضحّاك المشرقي، قال: لمّا أقبلوا نحونا فنظروا إلى النار تضطرم في الحطب والقصب الذي كنّا ألهبنا فيه النار من ورائنا لئلا يأتونا من خلفنا، إذ أقبل إلينا منهم رجل يركض على فرس كامل الأداة، فلم يكلّمنا حتّى مرّ على أبياتنا، فنظر إلى أبياتنا فإذا هو لا يرى إلاّ حطباً تلتهب النار فيه، فرجع راجعاً فنادى بأعلى صوته: يا حسين، استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة.
فقال الحسينعليهالسلام : « مَنْ هذا؟ كأنّه شمر بن ذي الجوشن ».
فقالوا: نعم، أصلحك الله هو هو.
فقال: « يابن راعية المعزى! أنت أولى بها صليّاً ».
فقال له مسلم بن عوسجة: يابن رسول الله جعلت فداك، ألا أرميه بسهم؛ فإنّه قد أمكنني، وليس يسقط منّي سهم، فالفاسق من أعظم الجبّارين.
فقال له الحسينعليهالسلام : « لا ترمه؛ فإنّي أكره أن أبدأهم ».
قال أبو مخنف: خرج يسار مولى زياد بن أبي سفيان، وسالم مولى عبيد الله بن زياد فقالا: مَنْ يبارز؟ ليخرج إلينا بعضكم.
قال: فوثب حبيب بن مظاهر وبرير بن خضير.
فقال لهما الحسينعليهالسلام : « اجلسا ».
فقام عبد الله بن عمير الكلبي فقال: أبا عبد الله، رحمك الله، ائذن لي لأخرج إليهما.
فرأى الحسين رجلاً آدم طويلاً، شديد الساعدين، بعيد ما بين المنكبين، فقال الحسينعليهالسلام : « إنّي لأحسبه للأقران قتّالاً، اخرج إن شئت ». فخرج إليهما وقتلهما، فأخذت أمّ وهب امرأته عموداً ثمّ أقبلت نحو زوجها تقول له: فداك أبي وأمّي! قاتل دون الطيبين ذرّيّة محمد.
فأقبل إليها يردّها نحو النساء، فأخذت تجاذب ثوبه،
ثمّ قالت: إنّي لن أدعك دون أن أموت معك. فناداها حسينعليهالسلام فقال: « جزيتم من أهل بيت خيراً، ارجعي رحمك الله إلى النساء فاجلسي معهنّ؛ فإنّه ليس على النساء قتال ». فانصرفت إليهنّ.
قال أبو مخنف: وحدّثني يوسف بن يزيد، عن عفيف بن زهير بن أبي الأخنس، وكان قد شهد مقتل الحسينعليهالسلام قال: وخرج يزيد بن معقل من بني عميرة بن ربيعة، وهو حليف لبني سليمة من عبد القيس فقال: يا برير بن خضير، كيف ترى الله صنع بك؟
قال: صنع الله والله بي خيراً وصنع الله بك شرّاً.
قال: كذبت، وقبل اليوم ما كنت كذّاباً. هل تذكر وأنا أماشيك في بني لوذان وأنت تقول: إنّ عثمان بن عفّان كان على نفسه مسرفاً، وإنّ معاوية بن أبي سفيان ضالّ مضلّ، وإنّ إمام الهدى والحقّ علي بن أبي طالب؟
فقال له برير: أشهد أنّ هذا رأيي وقولي.
فقال له يزيد بن معقل: فإنّي أشهد أنّك من الضالين.
فقال له برير بن خضير: هل لك فلاُباهلك، ولندعُ الله أن يلعن الكاذب، وأن يقتل المبطل، ثمّ اخرج فلاُبارزك؟
قال: فخرجا فرفعا أيديهما إلى الله يدعوانه أن يلعن الكاذب، وأن يقتل المحقُّ المبطلَ، ثمّ برز كلّ واحد منهما لصاحبه فاختلفا ضربتين؛ فضرب يزيد بن معقل برير بن خضير ضربة خفيفة لم تضرّه شيئاً، وضربه برير بن خضير ضربة قدّت المغفر وبلغت الدماغ، فخرّ كأنّما هوى من حالق، وإنّ سيف ابن خضير لثابت في رأسه، فكأنّي أنظر إليه ينضنضه من رأسه، وحمل عليه رضي بن منقذ العبدي واعتركا ووقعا على الأرض، فجاء كعب بن جابر بن عمرو الأزدي وطعنه بالرمح حتّى وضعه في ظهره، ثمّ أقبل عليه يضربه بسيفه حتّى قتله.
قال عفيف: كأنّي أنظر إلى العبدي الصريع قام ينفض التراب عن قبائه ويقول: أنعمت عليَّ يا أخا الأزد نعمة لن أنساها أبداً.
وخرج عمرو بن قرظة الأنصاري يُقاتل دون الحسينعليهالسلام وهو يقول:
قد علمت كتيبةُ الأنصارِ |
إنّي سأحمي حوزةَ الذمّارِ |
|
ضربَ غلامٍ غيرَ نكسٍ شاري |
دونَ حسينٍ مهجتي وداري |
قال أبو مخنف عن ثابت بن هبيرة: فقُتل عمرو بن قرظة بن كعب، وكان مع الحسينعليهالسلام ، وكان علي أخوه مع عمر بن سعد، فنادى علي بن قرظة: يا حسين، يا كذّاب ابن الكذّاب، أضللت أخي وغررته حتّى قتلته.
قالعليهالسلام : « إنّ الله لم يضلّ أخاك، ولكنّه هدى أخاك وأضلّك ».
قال: قتلني الله إن لم أقتلك أو أموت دونك. فحمل عليه فاعترضه نافع بن هلال المرادي فطعنه فصرعه، فحمله أصحابه فاستنقذوه، فدووي بعد فبرأ.
قال: ثمّ إنّ عمرو بن الحجّاج حمل على الحسينعليهالسلام في ميمنة عمر بن سعد من نحو الفرات، فاضطربوا ساعة، فصرع مسلم بن عوسجة الأسدي أوّل أصحاب الحسينعليهالسلام ، ثمّ انصرف عمرو بن الحجّاج وأصحابه وارتفعت الغبرة، فإذا هم به صريع، فمشى إليه الحسينعليهالسلام فإذا به رمق، فقال: « رحمك ربّك يا مسلم بن عوسجة،فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً »(1) .
ودنا منه حبيب بن مظاهر فقال: عزَّ عليَّ مصرعك يا مسلم، أبشر بالجنّة.
فقال له مسلم قولاً ضعيفاً: بشّرك الله بخير.
____________________
(1) سورة الأحزاب / 23.
فقال له حبيب: لولا أنّي أعلم أنّي في أثرك، لاحق بك من ساعتي هذه لأحببت أن توصيني بكلّ ما أهمَّك؛ حتّى أحفظك في كلّ ذلك بما أنت أهل له في القرابة والدين.
قال: بل أنا أوصيك بهذا رحمك الله - وأهوى بيده إلى الحسينعليهالسلام - أن تموت دونه.
قال: أفعل وربّ الكعبة.
وجاء عابس بن أبي شبيب الشاكري ومعه شوذب مولى شاكر.
فقال: يا شوذب، ما في نفسك أن تصنع؟
قال: ما أصنع؟ أقاتل معك دون ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتّى أُقتل.
قال: ذلك الظنّ بك أملاً، فتقدّم بين يدي أبي عبد الله حتّى يحتسبك كما احتسب غيرك من أصحابه، وحتى أحتسبك أنا؛ فإنّه لو كان معي الساعة أحد أنا أولى به منّي بك لسرّني أن يتقدم بين يدي حتّى أحتسبه، فإنّ هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب الأجر فيه بكلّ ما قدرنا عليه؛ فإنّه لا عمل بعد اليوم وإنّما هو الحساب.
قال: فتقدّم، فسلّم على الحسينعليهالسلام ثمّ مضى فقاتل حتّى قُتل.
ثمّ قال عابس بن أبي شبيب: يا أبا عبد الله، أما والله ما أمسى على ظهر الأرض قريب ولا بعيد أعزّ عليَّ ولا أحبّ إليَّ منك، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم والقتل بشيء أعزّ عليّ من نفسي ودمي لفعلته. السلام عليك يا أبا عبد الله، أشهد الله أنّي على هديك وهدي أبيك. ثمّ مشى بالسيف مصلتاً نحوهم وبه ضربه على جبينه.
قال أبو مخنف: حدّثني نمير بن وعلة، عن رجل من بني عبد من همدان يُقال له: ربيع بن تميم (شهد ذلك اليوم)، قال: لمّا رأيته مقبلاً عرفته، وقد شاهدته في المغازي وكان أشجع الناس، فقلت: أيّها الناس، هذا الأسد الأسود، هذا ابن أبي شبيب لا يخرجنّ إليه أحد منكم.
فأخذ ينادي: ألا رجل لرجل؟
فقال عمر بن سعد: أرضخوه بالحجارة. قال: فرمي بالحجارة من كلّ جانب.
فلمّا رأى ذلك ألقى درعه ومغفره ثمّ شدّ على الناس، فوالله
لرأيته يطرد أكثر من مئتين من الناس، ثمّ إنّهم تعطّفوا عليه من كلّ جانب فقُتل.
قال: فرأيت رأسه في أيدي رجال ذوي عدّة. هذا يقول: أنا قتلته، وهذا يقول: أنا قتلته، فأتوا عمر بن سعد فقال: لا تختصموا، هذا لم يقتله سنان واحد، ففرق بينهم بهذا القول.
قال هشام بن محمد، عن أبي مخنف قال: حدّثني يحيى بن هانئ بن عروة أنّ نافع بن هلال كان يُقاتل يومئذ وهو يقول:أنا الجملي، أنا على دين علي .
قال: فخرج إليه رجل يُقال له: مزاحم بن حريث، فقال: أنا على دين عثمان. فقال له: أنت على دين شيطان. ثمّ حمل عليه فقتله، ثمّ حمل فقتل اثني عشر من أصحاب عمر بن سعد سوى مَنْ جرح، ثمّ تكاثروا عليه وأخذوه أسيراً حتّى أتي به عمر بن سعد، فقال له عمر بن سعد: ويحك يا نافع! ما حملك على ما صنعت بنفسك؟
قال: إنّ ربّي يعلم ما أردت. ثمّ قال له والدماء تسيل على لحيته: والله، لقد قتلت منكم اثني عشر سوى مَنْ جرحت، وما ألوم نفسي على الجهد، ولو بقيت لي عضد وساعد ما أسرتموني.
قال له شمر: أقتله أصلحك الله. قال: أنت جئت به، فإن شئت فاقتله.
قال: فانتضى شمر سيفه، فقال له نافع: أما والله، أن لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا، فالحمد لله الذي جعل منايانا على يدي شرار خلقه. فقتله.
ثمّ صاح عمرو بن الحجّاج بالناس: يا حمقى! أتدرون مَنْ تقاتلون؟ تقاتلون فرسان المصر، قوماً مستميتين لا يبرزنّ لهم منكم أحد؛ فإنّهم قليل وقلّما يبقون، والله لو لم ترموهم إلاّ بالحجارة لقتلتموهم.
فقال عمر بن سعد: صدقت، الرأي ما رأيت، وأرسل إلى الناس
يعزم عليهم ألاّ يبارز رجل منكم رجلاً منهم.
قال أبو مخنف: حدّثني الحسين بن عقبة المرادي، قال الزبيدي: إنّه سمع عمرو بن الحجّاج حين دنا من أصحاب الحسين يقول: يا أهل الكوفة، ألزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا ترتابوا في قتل مَنْ مرق من الدين، وخالف الإمام.
فقال له الحسينعليهالسلام : « يا عمرو بن الحجّاج، أعليَّ تحرّض الناس؟ أنحن مرقنا وأنتم ثبتم عليه؟ أما والله لتعلمنّ لو قد قبضت أرواحكم ومتّم على أعمالكم أيّنا مرق من الدين، ومَنْ هو أولى بصلي النار ».
قال أبو مخنف: وقاتلوهم حتّى انتصف النهار أشدّ قتال خلقه الله، وأخذوا لا يقدرون أن يأتوهم إلاّ من وجه واحد؛ لاجتماع أبنيتهم، وتقارب بعضها مع بعض، فلا يزال الرجل من أصحاب الحسينعليهالسلام قد قُتل، فإذا قُتل منهم الرجل والرجلان تبيّن فيهم وأولئك كثير لا يتبيّن فيهم ما يُقتل منهم.
قال: فلمّا رأى ذلك أبو ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي قال للحسينعليهالسلام : يا أبا عبد الله، نفسي لك الفِداء! إنّي أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا والله لا تُقتل حتّى اُُقتل دونك إن شاء الله، وأحبّ أن ألقى ربّي وقد صلّيت هذه الصلاة التي دنا وقتها.
قال: فرفع الحسينعليهالسلام رأسه، ثمّ قال: « ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلّين الذاكرين. نعم، هذا أوّل وقتها ». ثمّ قال: « سلوهم أن يكفّوا عنّا حتّى نصلّي ».
فقال لهم الحصين بن تميم: إنّها لا تُقبل.
فقال له حبيب بن مظاهر: لا تُقبل زعمت الصلاة من آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله وتُقبل منك يا حمار؟
ثمّ صلّوا الظهر، وصلّى بهم الحسينعليهالسلام صلاة الخوف.
وحمل حصين بن تميم على أصحاب الحسينعليهالسلام ، فخرج إليه حبيب بن مظاهر فضرب وجه فرسه بالسيف فشبّ ووقع عنه، وحمله أصحابه فاستنقذوه، وأخذ حبيب يقول:
أنا حبيبٌ وأبي مظاهرْ |
فارسُ هيجاءٍ وحربٍ تسعَرْ |
|
أنتمْ أعدُّ عدّة وأكثرْ |
ونحن أوفى منكمُ وأصبَرْ |
|
ونحن أعلى حجّة وأظهرْ |
حقّاً وأتقى منكمُ وأعذَرْ |
وقاتل قتالاً شديداً، فحمل عليه رجل من بني تميم فضربه بالسيف على رأسه فقتله، وكان يُقال له: بديل بن صريم من بني عقفان، وحمل عليه آخر من بني تميم فطعنه فوقع، فذهب ليقوم فضربه الحصين بن تميم على رأسه بالسيف فوقع، ونزل إليه التميمي فاحتز رأسه.
فقال له الحصين: إنّي لشريكك في قتله. فقال الآخر: والله ما قتله غيري. فقال الحصين: أعطنيه أعلقه في عنق فرسي كيما يرى الناس ويعلموا أنّي شركت في قتله، ثمّ خذه أنت بعدُ فامض به إلى عبيد الله بن زياد، فلا حاجة لي فيما تعطاه على قتلك إيّاه.
قال: فأبى عليه، فأصلح قومه فيما بينهما على هذا، فدفع إليه رأس حبيب بن مظاهر، فجال به في العسكر قد علّقه في عنق فرسه، ثمّ دفعه بعد ذلك إليه.
قال أبو مخنف: حدّثني محمد بن قيس قال: لمّا قُتل حبيب بن مظاهر هدَّ ذلك حسيناً، وقال عند ذلك: « أحتسب نفسي وحماة أصحابي ».
ثمّ اقتتلوا بعد الظهر، فاشتدّ قتالهم، ووصل إلى الحسينعليهالسلام ، فاستقدم الحنفي أمامه، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل يميناً وشمالاً قائماً بين يديه، فما زال يُرمى حتّى سقط.
وقاتل زهير بن القين قتالاً شديداً، وأخذ يقول:
أنا زهيرٌ وأنا ابنُ القينِ |
أذودهم بالسيفِ عن حسينِ |
قال: وأخذ يضرب على منكب الحسينعليهالسلام ويقول:
أقدِم هُدِيت هادياً مهديّا |
فاليوم تلقى جدَّكَ النبيّا |
|
وحسَناً والمرتضى عليّا |
وذا الجناحين الفتى الكميّا |
قال: فشدّ عليه كثير بن عبد الله الشعبي ومهاجر بن أوس فقتلاه.
قال: فلمّا رأى أصحاب الحسينعليهالسلام أنّهم قد كُثِروا، وأنّهم لا يقدرون على أن يمنعوا حسيناً ولا أنفسهم تنافسوا في أن يُقتلوا بين يديه، وجاء الفتيان الجابريان؛ سيف بن الحارث بن سريع ومالك بن عبد بن سريع، وهما ابنا عمّ وأخوان لأمّ، فأتيا حسيناً فدنوا منه وهما يبكيان، فقال: « أي ابنَي أخي، ما يبكيكما؟ فوالله إنّي لأرجو أن تكونا عن ساعة قريرَي عين ».
قالا: جعلنا الله فداك! لا والله ما على أنفسنا نبكي، ولكنّا نبكي عليك؛ نراك قد أُحيط بك ولا نقدر على أن نمنعك.
فقال: « جزاكما الله يا بني أخي بوجدكما من ذلك، ومواساتكما إيّاي بأنفسكما أحسن جزاء المتقين ».
قال: وجاء حنظلة بن أسعد الشبامي فقام بين يدي الحسينعليهالسلام فأخذ ينادي:( وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَْحْزابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ * ويا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ) غافر / 30 - 33. يا قوم، لا تقتلوا حسيناً فيسحتكم الله بعذاب، وقد خاب مَنْ افترى.
فقال له الحسينعليهالسلام : « يابن أسعد رحمك الله، إنّهم قد استوجبوا العذاب حين ردّوا عليك ما دعوتهم إليه من الحقّ، ونهضوا إليك ليستبيحوك وأصحابك، فكيف بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصالحين؟ ».
قال: صدقت، جُعلت فداك، أنت أفقه منّي وأحقّ بذلك، أفلا نروح إلى الآخرة ونلحق بإخواننا؟
فقال: « رُح إلى خير من الدنيا وما فيها، وإلى ملك لا يبلى ».
فقال: السلام عليك أبا عبد الله، صلى الله عليك وعلى أهل بيتك، وعرّف بيننا وبينك في جنته.
فقال: « آمين آمين ».
فاستقدم فقاتل حتّى قُتل.
قال: وكان أوّل قتيل من بني أبي طالب يومئذ علي الأكبر بن الحسين بن عليعليهمالسلام ، وأمّه ليلى ابنة أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي، وذلك أنّه أخذ يشدّ على الناس، وهو يقول:
أنا علي بن الحسين بن علي |
نحنُ وربِّ البيتِ أولى بالنبي |
تالله لا يحكم فينا ابنُ الدَّعي
ففعل ذلك مراراً، فبصر به مرّة بن منقذ العبدي فقال: عليَّ آثام العرب إن مرّ بي يفعل مثل ما كان يفعل إن لم أثكل أباه. فمرّ يشدّ على الناس بسيفه، فاعترضه مرّة بن منقذ فطعنه فصُرع، واحتوشه الناس فقطّعوه بأسيافهم.
قال أبو مخنف: حدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم الأزدي قال: سماع أذني يومئذ من الحسينعليهالسلام يقول: « قتل الله قوماً قتلوك يا بُنَيَّ، ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول! على الدنيا بعدك العفاء ».
وأقبل الحسينعليهالسلام إلى ابنه، وأقبل فتيانه إليه فقال: « احملوا أخاكم ». فحملوه من مصرعه حتّى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه.
قال: ثمّ إنّ عمرو بن صبيح الصائدي رمى عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم، فوضع كفّه على جبهته، فأخذ لا يستطيع أن يحرّك كفيه، ثمّ انتحى له بسهم آخر ففلق قلبه، فاعتَوَرَهم الناس من كلّ جانب؛ فحمل عبد الله بن قطبة الطائي على عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقتله.
وخرج محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهو يقول:
نشكو إلى اللهِ من العدوانِ |
فعالَ قومٍ في الردى عميانِ |
|
قد بدلّوا معالمَ الفرقانِ |
ومحكم التنزيلِ والتبيانِ(1) |
فحمل عليه عامر بن نهشل التيمي فقتله، وشدّ عثمان بن خالد بن أسير الجهني وبشر بن سوط الهمداني ثمّ القابضي على عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب فقتلاه، ورمى عبد الله بن عزرة الخثعمي جعفر بن عقيل بن أبي طالب فقتله.
قال أبو مخنف: حدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: خرج إلينا غلام كان وجهه شقّة قمر، في يده السيف، عليه قميص وإزار ونعلان، قد انقطع شسع أحدهما ما أنسى أنّها اليسرى.
فقال لي عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي: والله لأشدنّ عليه. فقلت له: سبحان الله! وما تريد إلى ذلك؟ يكفيك قتله هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه.
____________________
(1) وردت الأشطر في الأصل بهذا النحو:
قد بدلّوا معالمَ الفرقانِ |
فعال قومٍ في الردى عميانِ |
|
نشكو إلى اللهِ من العدوانِ |
ومحكمِ التنزيلِ والتبيانِ |
وهي واضحة الخلل في التركيب، والصحيح ما أثبتناه؛ تساوقاً مع بعض المصادر الاُخرى.(موقع معهد الإمامين الحسنين)
قال: فقال: والله لأشِدَّن عليه. فشدَّ عليه، فما ولّى حتّى ضرب رأسه بالسيف فوقع الغلام لوجهه، فقال: يا عمّاه!
قال: فجلى الحسينعليهالسلام كما يجلي الصقر، ثمّ شدَّ شّدة ليث غضب، فضرب عمراً بالسيف فاتقاه بالساعد فأطنَّها من لدن المرفق، فصاح ثمّ تنحى عنه، وحملت خيل لأهل الكوفة ليستنقذوا عمراً من الحسينعليهالسلام ، فاستقبلت عمراً بصدورها، فحرّكت حوافرها وجالت الخيل بفرسانها عليه فوطئته حتّى مات.
وانجلت الغبرة، فإذا أنا بالحسينعليهالسلام قائم على رأس الغلام، والغلام يفحص برجليه، والحسينعليهالسلام يقول: « بُعداً لقومٍ قتلوك! ومَنْ خصمهم يوم القيامة فيك جّدك ». ثمّ قال: « عزَّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ثمّ لا ينفعك، صوت واللهِ كثُرَ واترُه، وقلَّ ناصرُه ». ثمّ احتمله، فكأنّي أنظر إلى رجلي الغلام يخطان في الأرض، وقد وضع الحسينعليهالسلام صدره على صدره، فجاء به حتّى ألقاه مع ابنه علي بن الحسينعليهالسلام وقتلى قد قُتلت حوله من أهل بيته.
قال: فسألتُ عن الغلام، فقيل: هو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام .
قال: وشدّ هانئ بن ثبيت الحضرمي على عبد الله بن علي بن أبي طالب فقتله، ثمّ شدّ على جعفر بن علي فقتله، ورمى خَوَلّي بن يزيد الأصبحي عثمان بن علي بن أبي طالب بسهم، ثمّ شدّ عليه رجل من بني أبان بن دارم فقتله، ورمى رجل من بني أبان بن دارم محمد بن علي بن أبي طالب فقتله.
وبقي العباس بن عليعليهالسلام قائماً أمام الحسينعليهالسلام يُقاتل دونه، ويميل معه حيث مال، وكان لواء الحسين بيده، فخرج فحملوا عليه، وحمل عليهم وهو يقول:
لا أرهبُ الموت إذا الموت رَقى |
حتى أُوارى في المصاليتِ لَقى |
|
نفسي لنفس المصطفى الطهر وِقا |
إنّي أنا العباس أغدوا بالسِّقا |
ولا أخافُ الشرّ يوم الملتقى(1)
ففرّقهم، فكمن له زيد بن الورقاء الجهني من وراء نخلة، وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي فضربه على يمينه، فأخذ السيف بشماله وحمل عليه وهو يرتجز:
واللهِ إن قطعتمُ يميني |
إنّي اُحامي أبداً عن ديني |
|
وعن إمامٍ صادقِ اليقين |
نجلِ النبيِّ الطاهرِ الأمينِ |
فقاتل حتّى ضعف، وضربه حكيم بن الطفيل على شماله فقطعها وضربه بعمود من حديد فقتله.
وقال الحسينعليهالسلام : « الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي ».
قال أبو مخنف: قال عقبة بن بشير الأسدي: قال لي أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين: « وأُتيَ الحسين بصبي له في الرضاع، فهو في يده إذ رماه أحدكم يا بني أسد بسهم فذبحه، فتلقّى الحسينعليهالسلام دمه، فلمّا ملأ كفيه صبّه في الأرض، ثم قال: ربّ إن تكُ حبستَ عنّا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير، وانتقم لنا من هؤلاء الظالمين ».
قال أبو مخنف: عن الحجّاج، عن عبد الله بن عمّار بن عبد يغوث البارقي، عن عبد الله بن عمّار قال: فوالله ما رأيت مكثوراً قطّ قد قُتِل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً، ولا أمضى جناناً، ولا أجرأ
____________________
(1) ورد الرجز بهذا النحو:
لا أرهبُ الموت إذا الموت رَقى |
إنّي أنا العباس أغدوا بالسِّقا |
|
نفسي لنفس المصطفى الطهر وِقا |
حتى أُوارى في المصاليتِ لَقى |
ولا أخافُ الشرّ يوم الملتقى
والصحيح ما أثبتناه كما عليه جلّ المصادر.(موقع معهد الإمامين الحسنين)
مَقدَماً منه. والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله؛ إن كانت الرجّالة لتنكشف عن يمينه وشماله انكشاف الِمعزى إذا شدَّ فيها الذئب.
قال هشام: حدّثني عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي قال: عطش الحسينعليهالسلام حتّى اشتدّ عليه العطش، فدنا ليشرب من الماء، فرماه حصين بن تميم بسهم فوقع في فمه، فجعل يتلقّى الدم من فمه ويرمي به إلى السماء، ثمّ حمد الله وأثنى عليه، ثمّ جمع يديه فقال: « اللّهمّ أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذر على الأرض منهم أحداً ».
قال هشام، عن أبيه محمد بن السائب، عن القاسم بن الأصبغ بن نباتة قال: حدّثني مَنْ شهد الحسينعليهالسلام في عسكره، أنّ حسيناً حين غُلب على عسكره ركب المُسنّاة يريد الفرات، فضربه رجل من بني أبان بن دارم بسهم فأثبته في حنك الحسينعليهالسلام ، فانتزع الحسين السهم، ثم بسط كفيه فامتلأت دماً، ثمّ قال الحسينعليهالسلام : « اللّهمّ إنّي أشكو إليك ما يُفعل بابن بنت نبيّك ».
قال أبو مخنف في حديثه: إنّ شمر بن ذي الجوشن أقبل في نفر نحو من عشرة من رجّالة أهل الكوفة قِبَلَ منزل الحسينعليهالسلام الذي فيه ثقله وعياله، فمشى نحوه، فحالوا بينه وبين رحله.
قال الحسينعليهالسلام : « ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان! إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون يوم المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم، هذه ذوي أحساب، امنعوا عتاتكم وطغاتكم (طغامكم) عن التعرّض لحرمي »(1) .
____________________
(1) الفتوح - لابن أعثم 5 / 214.
فقال ابن ذي الجوشن: ذلك لك يابن فاطمة، وأقدم عليه بالرَّجّالة فأخذ الحسينعليهالسلام يشدّ عليهم فينكشفون عنه.
ثمّ إنّهم أحاطوا به إحاطة وقد أوثقته السهام، فحملوا عليه من كلّ جانب.
قال: ومكث الحسينعليهالسلام طويلاً من النهار، كلّما انتهى إليه رجل من الناس انصرف عنه، وكره أن يتولّى قتله، وعظيم إثمه عليه.
قال: وإنّ رجلاً من كندة يُقال له مالك بن النسير من بني بداء أتاه فضربه على رأسه بالسيف، وعليه برنس له فقطع البرنس وأصاب السيف رأسه فأدمى رأسه، فامتلأ البرنس دماً، فقال له الحسينعليهالسلام : « لا أكلت بها ولا شربت، وحشرك الله مع الظالمين ».
قال أبو مخنف: فوالله إنّه لكذلك، إذ خرجت زينب ابنة فاطمة، أخته (سلام الله عليها)، وهي تقول: ليت السماء تطابقت على الأرض. وقد دنا عمر بن سعد من الحسينعليهالسلام ، فقالت: يا عمر بن سعد، أيُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟!
قال: فكأنّي أنظر إلى دموع عمر وهي تسيل على خديه ولحيته.
قال: وصرف بوجهه عنها.
قال: ولقد مكث طويلاً من النهار، ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا، ولكنّهم كان يتقي بعضهم ببعض، ويحبّ هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء.
قال: فنادى شمر في الناس: ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل؟ اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم. قال: فحُمل عليه من كلّ جانب، فضُربت كفّه اليسرى ضربة ضربها زرعة بن شريك التميمي، وضُرب على عاتقه، ثمّ انصرفوا وهو ينوء ويكبو. قال: وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس بن عمرو النخعي فطعنه بالرمح فوقع.
قال: ثمّ قال شمر لِخَوَلّي بن يزيد الأصبحي: احتز رأسه، فأراد أن يفعل فضعف فأَرْعَد. فنزل إليه سنان بن أنس فذبحه واحتزّ رأسه، ثمّ دفعه إلى خولّي بن يزيد، وقد ضُرب قبل ذلك بالسيوف.
قال علي بن أسباط، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام : « لقد قتلوه قتلة نهى
رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن يُقتل بها الكلاب؛ لقد قُتل بالسيف وبالحجارة، والخشب وبالعصا »(1) .
قال أبو مخنف، عن جعفر بن محمد بن علي قال: « وجد بالحسينعليهالسلام حين قُتل ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة ».
قال أبو مخنف: ثمّ إنّ عمر بن سعد نادى في أصحابه: مَنْ ينتدب للحسين ويوطئه فرسه؟ فانتدب عشرة، فأتوا فداسوا الحسينعليهالسلام بخيولهم حتّى رضّوا ظهره وصدره.
وصلى عمر بن سعد على قتلاه ودفنهم، وترك الحسينعليهالسلام وأهل بيته وأصحابه.
وأقام عمر بن سعد يومه ذلك والغد، ثمّ أمر حميد بن بكير الأحمري فأذّن في الناس بالرحيل إلى الكوفة، وحمل معه بنات الحسين وأخواته، ومَنْ كان معه من الصبيان، وعلي بن الحسينعليهالسلام وهو مريض.
قال أبو مخنف: ولمّا مرّت النسوة بالحسين وأهله وولده صحن ولطمن وجوههن، فما نسيت من الأشياء لا أنسَ قول زينب ابنة فاطمة (عليها السلام) حين مرّت بأخيها الحسين صريعاً وهي تقول: يا محمّداه! يا محمّداه! صلّى عليك ملائكة السماء، هذا الحسين بالعراء، مرمّل بالدماء، مقطّع الأعضاء. يا محمّداه! وبناتك سبايا، وذريتك مقتلة تسفي عليها الصبا.
قال: فأبكت والله كلّ عدوّ وصديق.
____________________
(1) بحار الأنوار 45 / 91.
قال: وقطف رؤوس الباقين، فسرح باثنين وسبعين رأساً مع شمر بن ذي الجوشن، وقيس بن الأشعث، وعمرو بن الحجّاج، وعزرة بن قيس. فأقبلوا حتّى قدموا بها على عبيد الله بن زياد.
وروى نوح بن درّاج، قال: حدّثني قدامة بن زائدة، عن أبيه، قال: قال علي بن الحسينعليهماالسلام : «... إنّه لمّا أصابنا بالطفّ ما أصابنا، وقُتل أبيعليهالسلام ، وقُتل مَنْ كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله، وحُملت حرمه ونساؤه على الأقتاب يراد بنا الكوفة، فجعلت انظر إليهم صرعى ولم يوارَوْا، فعظم ذلك في صدري، واشتدّ لِما أرى منهم قلقي، فكادت نفسي تخرج، وتبيّنت ذلك منّي عمّتي زينب الكبرى بنت عليعليهالسلام ، فقالت: ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدّي وأبي وأخوتي؟!
فقلت: وكيف لا أجزع وأهلع وقد أرى سيّدي وإخوتي وعمومتي وولد عمّي وأهلي مضرّجين بدمائهم، مرمّلين بالعرى، مسلّبين لا يكفّنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم أحد، ولا يقربهم بشر، كأنّهم أهل بيت من الديلم والخزر؟!
فقالت: لا يجزعنّك ما ترى، فو الله إنّ ذلك لعهد من رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى جدّك وأبيك وعمّك، ولقد أخذ الله ميثاق أُناس من هذه الأمّة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمّة، وهم معروفون في أهل السماوات أنّهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرّقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرّجة وينصبون لهذا الطفّ علماً لقبر أبيك سيّد الشهداء لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجتهدنّ أئمّة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلاّ ظهوراً، وأمره إلاّ علوّاً »(1) .
____________________
(1) كامل الزيارات - جعفر بن محمد بن قولويه / 444. وفي الرواية بقية، تقول زينب: إنّ أمّ أيمن حدّثتها أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله زار منزل فاطمة (عليها السلام) في يوم من الأيام، فعملت له حريرة، وأتاه عليعليهالسلام بطبق فيه تمر، ثمّ قالت أمّ أيمن: فأتيتهم بعسّ فيه لبن وزبد، فأكل رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليها السلام) من تلك الحريرة، وشرب رسول اللهصلىاللهعليهوآله وشربوا من ذلك اللبن، ثمّ أكلّ وأكلوا من ذلك التمر والزبد، ثمّ غسل رسول اللهصلىاللهعليهوآله يده وعلي يصبّ عليه الماء، فلمّا فرغ من غسل يده مسح وجهه، =
واُدخِلت السبايا على عبيد الله بن زياد، والتفت عبيد الله إلى زينب فقال لها: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم، وأكذب أحدوثتكم.
____________________
= ثمّ نظر إلى علي وفاطمة والحسن والحسين نظراً عرفنا به السرور في وجهه، ثمّ رمق بطرفه نحو السماء ملياً، ثمّ وجّه وجهه نحو القبلة وبسط يديه ودعا، ثمّ خرّ ساجداً وهو ينشج، فأطال النشوج، وعلا نحيبه وجرت دموعه، ثمّ رفع رأسه وأطرق إلى الأرض ودموعه تقطر كأنّها صوب المطر، فحزنت فاطمة وعلي والحسن والحسينعليهمالسلام ، وحزنت معهم؛ لِما رأينا من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهبناه أن نسأله، حتّى إذا طال ذلك قال له علي، وقالت له فاطمة: « ما يبكيك يا رسول الله لا أبكى الله عينيك؟ فقد أقرح قلوبنا ما نرى من حالك ».
فقال: « يا أخي، سررت بكم سروراً ما سررت مثله قطّ، وإنّي لأنظر إليكم وأحمد الله على نعمته فيكم، إذ هبط عليّ جبرئيل فقال: يا محمّد، إنّ الله تبارك وتعالى اطّلع على ما في نفسك، وعرف سرورك بأخيك وابنتك وسبطيك، فأكمل لك النعمة وهنّاك العطية بأن جعلهم وذرّيّاتهم ومحبّيهم وشيعتهم معك في الجنّة، لا يفرّق بينك وبينهم، يُحبَوْن كما تُحبى، ويُعطَون كما تُعطى حتّى ترضى وفوق الرضا على بلوى كثيرة تنالهم في الدنيا، ومكاره تصيبهم بأيدي أناس ينتحلون ملّتك، ويزعمون أنّهم من أمّتك، براء من الله ومنك، خبطاً خبطاً، وقتلاً قتلاً، شتى مصارعهم، نائية قبورهم، خيرة من الله لهم ولك فيهم، فاحمد الله عزّ وجلّ على خيرته، وارضَ بقضائه، فحمدت الله ورضيت بقضائه بما اختاره لكم.
ثمّ قال لي جبرئيل: يا محمّد، إنّ أخاك مضطهد بعدك، مغلوب على أمّتك، متعوب من أعدائك، ثمّ مقتول بعدك، يقتله أشرّ الخلق والخليقة، وأشقى البرية، يكون نظير عاقر الناقة، ببلد تكون إليه هجرته، وهو مغرس شيعته وشيعة ولده...
وإنّ سبطك هذا - وأومي بيده إلى الحسينعليهالسلام - مقتول في عصابة من ذريّتك وأهل بيتك، وأخيار من أمّتك، بضفة الفرات بأرض يُقال لها: كربلاء، وهي أطيب بقاع الأرض وأعظمها حرمة، وإنّها من بطحاء الجنة... ثمّ يبعث الله قوماً من أمّتك لا يعرفهم الكفّار، لم يشركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولا نيّة، فيوارون أجسامهم، ويقيمون رسماً لقبر سيّد الشهداء بتلك البطحاء، يكون علماً لأهل الحقّ، وسبباً للمؤمنين إلى الفوز.
وتحفّه ملائكة من كلّ سماء مئة ألف ملك في كلّ يوم وليلة، ويصلّون عليه ويسبحون الله عنده، ويستغفرون الله لمَنْ زاره، ويكتبون أسماء مَنْ يأتيه زائراً من أمّتك، متقرّباً إلى الله تعالى وإليك بذلك، وأسماء آبائهم وعشائرهم وبلدانهم... وسيجتهد أناس ممّن حقّت عليهم اللعنة من الله والسخط أن يعفوا رسم ذلك القبر ويمحوا أثره، فلا يجعل الله تبارك وتعالى لهم إلى ذلك سبيلاً ».
ثمّ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « فهذا أبكاني وأحزنني ».
فقالت: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمدصلىاللهعليهوآله وطهّرنا تطهيراً، لا كما تقول أنت، إنّما يفُتَضَحُ الفاسق، ويكذب الفاجر.
قال: فكيف رأيتِ صُنعَ الله بأهل بيتك؟
قالت: كتب عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم، فتحاجّون إليه، وتخاصمون عنده.
قال: فغضب ابن زياد واستشاط.
قال: فقال له عمرو بن حريث: أصلح الله الأمير إنّما هي امرأة، وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها، إنّها لا تؤاخذ بقول ولا تُلام على خَطَل.
فقال لها ابن زياد: قد أشفى الله نفسي من طاغيتك، والعصاة المردة من أهل بيتك.
قال: فبكت، ثمّ قالت: لعمري، لقد قتلت كهلي، وأبرت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن يُشفِكَ هذا فقد اشتفيت.
قال أبو مخنف، عن المجالد بن سعيد: أنّ عبيد الله بن زياد لمّا نظر إلى علي بن الحسينعليهالسلام قال لشرطي: انطلقوا به فاضربوا عنقه. فقال له عليعليهالسلام : إن كان بينك وبين هؤلاء النسوة قرابة فابعث معهنّ رجلاً يحافظ عليهنّ. فتعلّقت به عمّته زينب، وقالت لزياد: حسبك منّا ما رويت من دمائنا؟ وهل أبقيت منّا أحداً؟
فقال ابن زياد: عجباً للرحم! والله إنّي لأظنّها ودّت لو أنّي لو قتلته قتلتها معه، دعوا الغلام(1) .
قال حميد بن مسلم: لمّا دخل عبيد الله القصر، ودخل الناس نودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس في المسجد الأعظم، فصعد المنبر ابن زياد فقال: الحمد لله الذي أظهر الحقّ وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه، وقتل الكذّاب ابن الكذّاب الحسين بن علي وشيعته.
____________________
(1) كانعليهالسلام ابن خمس وعشرين، ولكن مرض الإسهال جعله بمنظر الغلمان.
فلمّا فرغ ابن زياد من مقالته وثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ثمّ الغامدي ثمّ أحد بني والبة ( وكان من شيعة علي، وكانت عينه اليسرى ذهبت يوم الجمل مع علي، فلمّا كان يوم صفين ضُرب على رأسه ضربة وأخرى على حاجبه فذهبت عينه الأخرى، فكان لا يكاد يُفارق المسجد الأعظم يصلي فيه إلى الليل ثمّ ينصرف )، فلمّا سمع مقالة ابن زياد قال: يابن مرجانة، إنّ الكذّاب ابن الكذّاب أنت وأبوك والذي ولاّك وأبوه. يابن مرجانة، أتقتلون أبناء النبيين وتتكلّمون بكلام الصديقين؟!
فقال ابن زياد: عليَّ به.
فوثبت عليه الجلاوزة فأخذوه: فنادى بشعار الأزد: يا مبرور.
قال: وعبد الرحمن بن مخنف الأزدي جالس فقال: ويح غيرك! أهلكت نفسك وأهلكت قومك.
قال: وحاضر الكوفة يومئذ من الأزد سبعمئة مقاتل، قال: فوثب إليه فِتية من الأزد فانتزعوه، فأتوا به أهله، فأرسل إليه مَنْ أتاه به فقتله، وأمر بصلبه في السَّبخة فَصُلِب هنالك.
قال الطبري: لمّا وضِع رأس الحسينعليهالسلام بين يدي ابن زياد أخذ ينكت بقضيب بين ثنيتيه ساعة، فلمّا رآه زيد بن أرقم لا ينجُم(1) عن نكته بالقضيب، قال له: اعلُ بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فوالذي لا إله غيره، لقد رأيت شفتي رسول اللهصلىاللهعليهوآله على هاتين الشفتين يقبّلهما، ثمّ انفضخ الشيخ يبكي.
وفي رواية الذهبي، عن أبي داود السبيعي، فقال له ابن زياد: ما يبكيك أيّها الشيخ؟ قال: يبكيني ما رأيت من رسول اللهصلىاللهعليهوآله رأيته يمصّ موضع هذا القضيب ويلثمه، ويقول: « اللّهمّ إنّي أحبّه فأحبّه »(2) .
فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك، فوالله لولا أنّك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك. قال: فنهض فخرج.
____________________
(1) لا ينجُم: أي استمر ينكته بالقضيب.
(2) سير أعلام النبلاء 3 / 315.
قال أبو مخنف: ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد نصب رأس الحسينعليهالسلام بالكوفة، فجعل يُدار به في الكوفة، ثمّ دعا زُحَر بن قيس فسرَّح معه برأس الحسين ورؤوس أصحابه إلى يزيد بن معاوية، وكان مع زحر أبو بردة بن عوف الأزدي وطارق بن أبي ظبيان الأزدي، فخرجوا حتّى قدموا بها الشام على يزيد بن معاوية.
قال هشام: فحدّثني عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع الجذامي، عن أبيه، عن الغاز بن ربيعة الجرشي من حمير قال: والله، إنّا لعند يزيد بن معاوية بدمشق إذ أقبل زحر بن قيس حتّى دخل على يزيد بن معاوية، فقال له يزيد: ويلك ما وراءك وما عندك؟
فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره.
قال: ثمّ إنّ عبيد الله أمر بنساء الحسين وصبيانه، فجُهِّزْنَ وأمر بعلي بن الحسينعليهالسلام فغُلَّ بِغِلٍّ إلى عنقه، ثمّ سُرِّح بهم مع مُحَفِّز بن ثعلبة العائذي عائذة قريش، ومع شمر بن ذي الجوشن، فانطلقا بهم حتّى قدموا على يزيد.
روى ابن أعثم الكوفي قال: وأُتي بحرم رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتّى أُدخلوا مدينة دمشق من باب يُقال له: باب توما، ثمّ أُتي بهم حتّى وقفوا على درج باب المسجد حيث يُقام السبي، وإذا شيخ قد أقبل حتّى دنا منهم، وقال: الحمد لله الّذي قتلكم وأهلككم، وأراح الرجال من سطوتكم، وأمكن أمير المؤمنين منكم.
فقال له عليّ بن الحسينعليهالسلام : « يا شيخ هل قرأت القرآن؟ ».
فقال: نعم، قد قرأته.
قال: « فعرفت هذه الآية:قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ؟ ».
قال الشيخ: قد قرأت ذلك.
قال علي بن الحسينعليهالسلام : « فنحن القربى يا شيخ ».
قال: « فهل قرأت في سورة بني إسرائيل:وآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّه ؟ ».
قال الشيخ: قد قرأت ذلك.
فقال عليّعليهالسلام : « نحن القربى يا شيخ. ولكن هل قرأت هذه الآية:واعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى؟ ».
قال الشيخ: قد قرأت ذلك.
قال عليعليهالسلام : « فنحن ذو القربى يا شيخ، ولكن هل قرأت هذه الآية:إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً؟ ».
قال الشيخ: قد قرأت ذلك.
قال عليعليهالسلام : « فنحن أهل البيت الذين خصّصنا بآية التطهير ».
قال: فبقي الشيخ ساعة ساكتاً نادماً على ما تكلّمه، ثمّ رفع رأسه إلى السماء، وقال: اللّهمّ إنّي تائب إليك ممّا تكلّمته، ومن بغض هؤلاء القوم، اللّهمّ إنّي أبرأ إليك من عدو محمّد وآل محمّد من الجنّ والإنس(1) .
____________________
(1) الفتوح - أحمد بن أعثم 5 / 242 - 243، وذكرها الطبري متفرّقة في تفسير الآيات بتفسيره. جامع البيان 10 / 8: قال: حدّثني محمد بن عمارة، قال: ثنا إسماعيل بن أبان، قال: ثنا الصباح بن يحيى المزني، عن السدي، عن ابن الديلمي، قال: قال علي بن الحسينعليهالسلام لرجل من أهل الشام: « أما قرأت في الأنفال:(واعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ...) ؟ » الأنفال / 41. قال: نعم. قال: فإنّكم لأنتم هم؟ قال: « نعم ».
وفي 22 / 12: قال: حدّثني محمد بن عمارة، قال: ثنا إسماعيل بن أبان، قال: ثنا الصباح بن يحيى المري، عن السدي، عن أبي الديلم، قال: قال علي بن الحسين لرجل من أهل الشام: « أما قرأت في الأحزاب:(إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) ؟ ». قال: ولأنتم هم؟ قال: « نعم ». وفي 25 / 33: قال: حدّثني محمد بن عمارة، قال: ثنا إسماعيل بن أبان، قال: ثنا الصباح بن يحيى المري، عن السدي، عن أبي الديلم قال: لمّا جيء بعلي بن الحسينعليهماالسلام أسيراً، فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم، =
وجلس يزيد بن معاوية لاستقبالهم، ودعا أشراف أهل الشام فأجلسهم حوله، ثمّ دعا بعليّ بن الحسينعليهالسلام وصبيان الحسين ونسائه فاُدخوا عليه، والناس ينظرون.
وروى سبط ابن الجوزي وغيره، وقالوا: إنّ الصبيان والصبيات من بنات رسول الله كانوا موثّقين في الحبال(1) .
قال أبو مخنف: حدّثني الصقعب بن زهير، عن القاسم بن عبد الرحمن مولى يزيد بن معاوية قال: لمّا وضِعت الرؤوس بين يدي يزيد، رأس الحسينعليهالسلام وأهل بيته وأصحابه قال يزيد:
يفلقنّ هاماً من رجال أعزّةٍ |
علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما |
فقال يحيى بن الحكم أخو مروان:
لهامٌ بجنبِ الطفِّ أدنى قرابةً |
من ابن زياد العبد ذي الحسبِ الوغلِ |
|
سميّة أمسى نسلُها عدد الحصى |
وبنتُ رسولِ اللهِ ليسَ لها نسلُ(2) |
فضرب يزيد في صدر يحيى وقال: اسكت(3) .
في فتوح ابن أعثم، قال: فالتفت حبر من أحبار اليهود، وكان حاضراً، فقال: مَنْ هذا الغلام يا أمير المؤمنين؟
فقال: هذا، صاحب الرأس أبوه.
____________________
= وقطع قرني الفتنة، فقال له علي بن الحسينعليهالسلام : « أقرأت القرآن؟ ». قال: نعم. قال: « أقرأت أل حم؟ ». قال: قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم. قال: « ما قرأت:(قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى) ؟ »(الشورى / 23). قال: وإنّكم لأنتم هم؟ قال: « نعم ».
(1) تذكرة خواص الأمّة / 149، وفي اللهوف، ومثير الأحزان / 79، واللفظ للتذكرة.
(2) لا يخفى ما في البيتين من اختلاف حركة حرف الروي.(موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
(3) الطبري 4 / 352.
قال: ومَنْ هو صاحب الرأس يا أمير المؤمنين؟
قال: الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
قال: فمَنْ أمّه؟
قال: فاطمة بنت محمّدصلىاللهعليهوآله .
فقال الحبر: يا سبحان الله! هذا ابن (بنت) نبيّكم قتلتموه في هذه السرعة؟ بئس ما خلّفتموه في ذريته،... فارقكم نبيّكم بالأمس فوثبتم على ابن نبيّكم فقتلتموه؟! سوءة لكم من أمّة!
قال: فأمر يزيد بكرٍّ(1) في حلقه.
فقال الحبر: إن شئتم فاضربوني، أو فاقتلوني، أو قرّروني؛ فإنّي أجد في التوراة أنّه مَنْ قتل ذريّة نبي لا يزال مغلوباً أبداً ما بقي، فإذا مات يصليه الله نار جهنّم(2) .
روى ابن أعثم والخوارزمي وابن كثير وغيرهم، أنّ خليفة المسلمين يزيد جعل يتمثّل بأبيات ابن الزبعرى:
ليتَ أشياخي ببدرٍ شهِدوا |
جزعَ الخزرج من وَقْع الأسلْ |
|
لأَهلّوا واستهلّوا فرَحاً |
ثمّ قالوا يا يزيد لا تُشَلْ |
|
قد قتلنا القَرْمَ(3) من ساداتهم |
وعدلنا مَيْلَ بدر فاعتدلْ |
قال ابن أعثم: ثمّ زاد فيها هذا البيت من نفسه:
لستُ من عتبة إن لم أنتقمْ |
من بني أحمدَ ما كان فعلْ |
وفي تذكرة خواصّ الأمّة: المشهور عن يزيد في جميع الروايات أنّه لمّا حضر الرأس
____________________
(1) الكر: الحبل الغليظ.
(2) فتوح ابن أعثم 5 / 246.
(3) القرم: السيد المعظم.
بين يديه جمع أهل الشام، وجعل ينكت عليه بالخيزران، ويقول أبيات ابن الزبعرى:
ليتَ أشياخي ببدرٍ شهِدوا |
جزعَ الخزرج من وَقْع الأسلْ |
|
قد قتلنا من ساداتهمْ |
وعدلنا ميل بدرٍ فاعتدلْ |
وقال: قال الشعبي: وزاد عليها يزيد فقال:
لعبت هاشمُ بالملكِ فلا |
خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزلْ |
|
لستُ من خِندفَ إنْ لم أنتقمْ |
من بني أحمدَ ما كان فعلْ(1) |
قال العلاّمة العسكري: لمّا كانت أبيات ابن الزِّبَعرَى مشهورة ترويها الرواة قبل تمثّل يزيد ببعضها، ثمّ تمثّل بها يزيد وأضاف إليها الأبيات الثاني والرابع والخامس فأخذها الرواة عنه، وأحياناً أضافوا إلى ما أنشده يزيد ما كان في ذاكرتهم من أصل الأبيات، ومن ثمّ حصل بعض الاختلاف في ألفاظ الروايات(2) .
روى ابن طيفور(3) قال: فلمّا مثُلوا بين يديه أمر برأس الحسين فأُبرز في طست، فجعل ينكت ثناياه بقضيب في يده(4) وهو يقول:
____________________
(1) إنّ أبيات ابن الزبعرى جاءت في سيرة ابن هشام 3 / 97، وشرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد 2 / 382.
(2) معالم المدرستين 3 / 162.
(3) بلاغات النساء / 20 - 23.
(4) روى قصة نكت يزيد رأس الحسينعليهالسلام بقضيبه الذهبي في سير أعلام النبلاء 3 / 319. عن أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، عن أبيه، عن جدّه قال: أخبرني أبي حمزة بن يزيد الحضرمي، قال: رأيت امرأة من أجمل النساء وأعقلهن يُقال لها: ريا، حاضنة يزيد، يُقال: بلغت مئة سنة. قال: دخل رجل على يزيد فقال: أبشر فقد أمكنك الله من الحسين وجيء برأسه.
قال: فوضع في طست، فأمر غلام فكشف، فحين رآه خمَّرَ وجهه كأنّه شمَّ منه، فقلت لها: أَقَرَعَ ثناياه بقضيب؟ قالت: أي والله. ثمّ قال حمزة: وقد حدّثني بعض أهلنا أنّه رأى رأس الحسينعليهالسلام مصلوباً بدمشق ثلاثة أيام.
وروى ( ص 320 ) عن كثير بن هشام قال: =
يا غرابَ البين أسمعت فقلْ |
إنّما تذكر شيئاً قد فُعلْ |
|
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا |
جزعَ الخزرج من وقع الأسلْ |
|
حين حكّت بقباءٍ بركها |
واستحرَّ القتلُ في عبد الأشلْ |
|
لأهلّوا واستهلوا فرحاً |
ثمّ قالوا يا يزيد لا تُشلْ |
|
فجزيناهم ببدرٍ مثلها |
وأقمنا ميلَ بدر فاعتدلْ |
|
لستُ للشيخين إن لم أثأَرِ |
من بني أحمدَ ما كان فعلْ |
فقالت زينب بنت عليعليهالسلام : صدق الله سبحانه حيث يقول:( ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ ) . ثم أورد ابن طيفور تمام خطابها (رضي الله عنها)، ونحن نورد الخطبة برواية ابن طاووس؛ لأنّها أفصح وأتمّ في بعض الموارد.
أظننتَ يا يزيد حيث أخذتَ علينا أقطارَ الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نُساق كما تُساق الأسارى، أنّ بنا على الله هواناً، وبك عليه كرامة، وأنّ ذلك لعظم خطرك عنده، فشمختَ بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسروراً، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأمور متّسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا؟ فمهلاً مهلاً! أنسيت قول الله تعالى:( ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَِنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ) ؟
أمن العدل يابن الطلقاء تخديرَك حرائرَك وإماءَك، وسَوْقَك بنات رسول الله سبابا، قد هتكت ستورهنّ، وأبديت وجوههنّ، تحدو بهنَّ الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهنّ أهل المناهل والمعاقل، ويتصفّح وجوههنَّ القريب والبعيد، والدنيّ والشريف، ليس معهنّ من حُماتهنّ حمي، ولا من رجالهنّ ولي؟
وكيف يرتجى مراقبة مَنْ
____________________
= حدّثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن أبي زياد، قال: لمّا أُتي يزيد برأس الحسين جعل ينكت سِنَّه ويقول: ما كنت أظنّ أبا عبد الله بلغ هذا السن، وإذا لحيته ورأسه قد نصل من الخضاب.
لفظ فوهُ أكباد الأزكياء، ونبت لحمُه من دماء الشهداء؟ وكيف يُستبطأ في بغضنا أهل البيت مَنْ نظر إلينا بالشَّنَف والشَّنَآن، والإحَنِ والأضغان؟ ثمّ تقول غير متأثم ولا مستعظم:
لأهلّوا واستهلوا فرحا |
ثمّ قالوا يا يزيد لا تَشلْ |
منحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنّة تنكتها بمخصرتك! وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة، وأستأصلت الشأفة بإراقتك دماء ذريّة محمّدصلىاللهعليهوآله ، ونجوم الأرض من آل عبد المّطلب؟ وتهتف بأشياخك زعمت أنّك تناديهم! فلتردنّ وشيكاً موردهم، ولتودّنّ أنّك شُلِلْت وبَكُمت، ولم تكن قلت ما قلت، وفعلت ما فعلت.
اللّهمّ خذ لنا بحقّنا، وانتقم مّمن ظلمنا، واحلل غضبك بمَنْ سفك دماءنا، وقتل حماتنا. فوَالله ما فريت إلاّ جلدك، ولا حززت إلاّ لحمك، ولتردنّ على رسول اللهصلىاللهعليهوآله بما تحمّلت من سفك دماء ذرّيتّه، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلمّ شعثهم، ويأخذ بحقّهم،( ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) .
وحسبك بالله حاكما ً، وبمحمّدصلىاللهعليهوآله خصيماً، وبجبريل ظهيراً، وسيعلم مَنْ سوّل لك ومكَّنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلاً! وأيّكم شرّ مكاناً وأضعف جنداً!
ولئن جرّت عليّ الدواهي مخاطبتك، إنّي لأستصغر قدرَك، واستعظم تقريعَك، واستكثر توبيخَك، ولكن العيون عبرى، والصدور حرّى. ألا فالعجب كلّ العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء! فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تتحلّب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل، وتعفّرها اُمّهات الفراعل، ولئن اتخذتنا مَغنماً لتجدنا وشيكاً مَغرماً، حين لا تجد إلاّ ما قدّمت يداك، وما ربُّك بظلاّم للعبيد، وإلى الله المشتكى وعليه المعوّل.
فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فَوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يَرحض عنك عارها، وهل رأيك إلاّ فند، وأيّامك إلاّ عدد، وجمعك إلاّ بدد؟ يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين.
والحمد لله ربّ العالمين الذي ختم لأوّلنا بالسعادة والمغفرة، ولأخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد، ويحسن علينا الخلافة، إنّه رحيم ودود، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فقال يزيد:
يا صيحةً تُحمد من صوائح |
ما أهون النوح على النوائح |
وفي سِيَرِ أعلام النبلاء وتاريخ ابن كثير وغيرهما: أنّ رأس الحسينعليهالسلام صُلب بمدينة دمشق ثلاثة أيّام(1) .
وفي فتوح ابن أعثم ومقتل الخوارزمي: أنّ يزيد أمر الخطيب أن يرقى المنبر ويثني على معاوية ويزيد، وينال من الإمام عليّ والإمام الحسينعليهماالسلام ، فصعد الخطيب المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وأكثر الوقيعة في عليّ والحسينعليهماالسلام ، وأطنب في تقريظ معاوية ويزيد.
فقال علي بن الحسين: « يا يزيد، ائذن لي حتّى أصعد هذه الأعواد فأتكلّم بكلمات فيهّن لله رضاً، ولهؤلاء الجالسين أجر وثواب ». فأبى يزيد.
____________________
(1) سير أعلام النبلاء 3 / 216، مقتل الخوارزمي 2 / 75، تاريخ ابن كثير 8 / 204، تاريخ ابن عساكر - الحديث 296. وراجع خطط المقريزي 2 / 289، والإتحاف بحبّ الأشراف / 23.
فقال الناس: يا أمير المؤمنين، ائذن له ليصعد، فعلّنا نسمع منه شيئاً.
فقال لهم: إن صعد المنبر هذا لم ينزل إلاّ بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان.
فقالوا: وما قدر ما يحسن هذا؟
فقال: إنّه من أهل بيت قد زقّوا العلم زقّاً.
ولم يزالوا به حتّى أذن له بالصعود، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: « أيّها النّاس، أُعطينا ستّاً وفُضّلنا بسبع؛ أُعطينا العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة، والمحبّة في قلوب المؤمنين، وفُضّلنا بأنّ منّا النبي المختار محمّداًصلىاللهعليهوآله ، ومنّا الصدّيق، ومنّا الطيار، ومنّا أسد الله وأسد الرسول، ومنّا سيّدة نساء العالمين فاطمة البتول، ومنّا سبطا هذه الأمّة وسيّدا شباب أهل الجنّة، فمَنْ عرفني فقد عرفني، ومَنْ لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي:
أنا ابن مكّة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حُمل الركن بأطراف الرداء، أنا ابن خير مَنْ ائتزر وارتدى، أنا ابن خير مَنْ انتعل واحتفى، أنا ابن خير مَنْ طاف وسعى، أنا ابن مَنْ حجّ ولبّى، أنا ابن مَنْ حُمل على البراق في الهواء، أنا ابن مَنْ أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فسبحان مَنْ أسرى! أنا ابن مَنْ بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن مَنْ دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن محمّد المصطفى.
أنا ابن مَنْ ضرب خراطيم الخلق حتّى قالوا لا إله إلاّ الله، أنا ابن مَنْ بايع البيعتين، وصلّى القبلتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين، يعسوب المسلمين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، سمح سخي، بهلول زكي، ليث الحجاز، وكبش العراق، مكيّ مدنيّ، أبطحيّ تهاميّ، خيفيّ عقبيّ، بدريّ اُحديّ، شجريّ مهاجري، أبي السبطين الحسن والحسين علي بن أبي طالب.
أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيّدة النساء، أنا ابن بضعة الرسول... ».
قال: ولم يزل يقول أنا أنا حتّى ضجّ الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد أن تكون فتنة،
فأمر المؤذّن أن يؤذّن، فقطع عليه الكلام وسكت، فلمّا قال المؤذن: الله أكبر، قال علي بن الحسينعليهالسلام : « كبّرت كبيراً لا يقاس، ولا يدرك بالحواس، ولا شيء أكبر من الله ».
فلمّا قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، قال علي: « شهد بها شعري وبشري، ولحمي ودمي، ومُخّي وعظمي ».
فلمّا قال: أشهد أن محمّداً رسول الله، التفت عليعليهالسلام من أعلى المنبر إلى يزيد وقال: « يا يزيد، محمّد هذا جدّي أم جدّك؟ فإن زعمت أنّه جدّك فقد كذبت، وإن قلت أنّه جدّي فلِمَ قتلت عترته؟ ».
قال: وفرغ المؤذّن من الأذان والإقامة فتقدّم يزيد وصلّى الظهر(1) .
قال ابن أعثم: خرج علي بن الحسينعليهالسلام ذات يوم، فجعل يمشي في أسواق دمشق، فاستقبله المنهال بن عمرو الصحابي، فقال له: كيف أمسيت يابن رسول الله؟
قال: « أمسينا كبني إسرائيل في آل فرعون، يذبّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم. يا منهال، أمست العرب تفتخر على العجم بأنّ محمّداً منهم، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأنّ محمّداً منها، وأمسينا أهل بيت محمّد ونحن مغصوبون مظلومون، مقهورون مقتّلون، مثبورون مطرّدون، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون على ما أمسينا فيه يا منهال »(2) .
قال ابن الأثير وروى الأوزاعي، عن شداد بن عبيد الله قال: سمعت واثلة بن الأسقع
____________________
(1) فتوح ابن أعثم 5 / 247 - 249، ومقتل الخوارزمي 2 / 69 - 71، وقد أوجزنا لفظ الخطبة.
(2) فتوح ابن أعثم 5 / 249 - 250.
وقد جيء برأس الحسين، فلعنه رجل من أهل الشام ولعن أباه، فقام واثلة وقال: والله، لا أزال أحبّ علياً والحسن والحسين وفاطمة بعد أن سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول فيهم ما قال، لقد رأيتني ذات يوم وقد جئت إلى النبيصلىاللهعليهوآله في بيت أمّ سلمة، فجاء الحسن فأجلسه على فخذه اليمنى وقبّله، ثمّ جاء الحسين فأجلسه على فخذه اليسرى وقبّله، ثمّ جاءت فاطمة فأجلسها بين يديه، ثم دعا بعلي، ثمّ قال: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ».
قال شداد: قلت لواثلة: ما الرجس؟
قال: الشك في الله عز وجل(1) .
قال هشام: حدّثني عوانة بن الحكم قال: لمّا قتل عبيد الله بن زياد الحسين بن عليعليهالسلام وجيء برأسه إليه، دعا عبد الملك بن أبي الحارث السلمي فقال: انطلق حتّى
____________________
(1) أسد الغابة 2 / 19. وفي مصنّف ابن أبي شيبة 12 / 72، شواهد التنزيل - الحسكاني 2 / 42، مسند أحمد 4 / 104، واللفظ للأخير: حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا محمد بن مصعب قال: ثنا الأوزاعي، عن شداد أبي عمّار قال: دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم، فذكروا عليّاً، وفي رواية ابن أبي شيبة والحسكاني: فشتموا، فشتمته معهم، فلما قاموا قال: شتمت هذا الرجل؟ قلت: رأيت القوم شتموه فشتمته معهم. فلمّا قاموا قال لي: ألا أخبرك بما رأيت من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ قلت: بلى.
قال: أتيت فاطمة (رضي الله تعالى عنها) أسألها عن علي، قالت: « توجه إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ». فجلست انتظر حتّى جاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ومعه علي وحسن وحسين (رضي الله تعالى عنهم)، آخذ كل واحد منهما بيده حتّى دخل، فأدنى علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه، وأجلس حسناً وحسيناً كلّ واحد منهما على فخذه، ثمّ لفّ عليهم ثوبه ( أو قال: كساء )، ثمّ تلا هذه الآية:« إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً » ، وقال: « اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق ».
قال ابن أبي شيبة: قال أبو أحمد العسكري: يُقال أن الأوزاعي لم يرو في الفضائل حديثاً غير هذا، والله أعلم. قال: وكذلك الزهري لم يرو فيها إلاّ حديثاً واحداً، كانا يخافان بني اُميّة.
تقدم المدينة على عمرو بن سعيد بن العاص فبشّره بقتل الحسينعليهالسلام ، (وكان عمرو بن سعيد بن العاص أمير المدينة يومئذ).
قال: فذهب ليعتل له، فزجره وكان عبيد الله لا يصطلي بناره، فقال: انطلق حتّى تأتي المدينة ولا يسبقك الخبر، وأعطاه دنانير وقال: لا تعتل وإن قامت بك راحلتك فاشتر راحلة.
قال عبد الملك: فقدمت المدينة فلقيني رجل من قريش فقال: ما الخبر؟ فقلت: الخبر عند الأمير. فدخلت على عمرو بن سعيد فقال: ما وراءك؟
فقلت: ما سرَّ الأمير؛ قُتل الحسين بن عليعليهالسلام .
فقال: ناد بقتله. فناديت بقتله، فلم أسمع والله واعية قطّ مثل واعية نساء بني هاشم في دورهنّ على الحسينعليهالسلام . فقال عمرو بن سعيد، وضحك:
عجّت نساءُ بني زياد عجّةً |
كعجيج نسوتنا غداةَ الأرنبِ |
والأرنب: وقعة كانت لبني زبيد على بني زياد من بني الحارث بن كعب من رهط عبد المدان، وهذا البيت لعمرو بن معد يكرب.
ثم قال عمرو: هذه واعية بواعية عثمان بن عفان. ثمّ صعد المنبر فأعلم الناس بقتله(1) .
روى الطبري: إنّ يزيد بن معاوية كلَّف النعمان بن بشير بأن يجهِّزهم بما يصلحهم، ويبعث معهم رجلاً من أهل الشام أميناً صالحاً، وبعث معه خيلاً وأعواناً فيسير بهم إلى المدينة.
____________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 466 سنة 61.
وفي مثير الأحزان واللهوف: إنّ آل الرسول لمّا بلغوا العراق طلبوا من الدليل أن يمرّ بهم على كربلاء، فلمّا وصلوا مصرع الشهداء وجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وجماعة من بني هاشم قدموا لزيارة قبر الحسينعليهالسلام ، فوافَوا في وقت واحد، فتلاقوا بالحزن والبكاء، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد، وأقاموا على ذلك أيّاماً، ثمّ انفصلوا من كربلاء قاصدين مدينة جدّهم.
روى بشير بن حذلم قال: لمّا قرُبنا من المدينة حطَّ علي بن الحسينعليهالسلام رحله، وضرب فسطاطه وأنزل نساءه، وقال: « يا بشير، رحم الله أباك لقد كان شاعراً، فهل تقدر على شيء منه؟ ».
فقال: بلى يابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، إنّي لشاعر.
فقالعليهالسلام : « ادخل المدينة وانع أبا عبد الله ».
قال بشير: فركبت فرسي وركضت حتّى دخلت المدينة، فلمّا بلغت مسجد النبيصلىاللهعليهوآله رفعت صوتي بالبكاء، وأنشأت أقول:
يا أهلَ يثربَ لا مقامَ لكم بها |
قُتل الحسينُ فأدمعي مدرارُ |
|
الجسمُ منه بكربلاء مضرّجٌ |
والرأسُ منه على القناةِ يدارُ |
قال: ثمّ قلت: هذا علي بن الحسينعليهالسلام مع عمّاته وأخواته قد حلّوا بساحتكم، ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم أعرّفكم مكانه.
قال: فلم يبقَ في المدينة مخدّرة ولا محجّبة إلاّ برزنَ من خدورهنّ، وهنّ بين باكية ونائحة ولاطمة، فلم يُرَ يوم أمّر على أهل المدينة منه، وسألوه: مَنْ أنت؟ قال: فقلت: أنا بشير ابن حذلم، وجَّهني علي بن الحسين، وهو نازل في موضع كذا وكذا مع عيال أبي عبد الله ونسائه.
قال: فتركوني مكاني وبادروني، فضربت فرسي حتّى رجعت إليهم فوجدت
الناس قد أخذوا الطرق والمواضع، فنزلت عن فرسي وتخطَّيتُ رقاب الناس حتّى قربت من باب الفسطاط، وكان علي بن الحسينعليهالسلام داخلاً فخرج وبيده خرقة يمسح بها دموعه وخادم معه كرسيّ، فوضعه وجلس وهو مغلوب على لوعته، فعزّاه الناس.
فأومأ إليهم أن اسكتوا، فسكنت فورتهم، فقال: « الحمد لله ربّ العالمين، مالك يوم الدين، بارئ الخلائق أجمعين، الذي بَعُد فارتفع في السماوات العلى، وقرب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأمور، وفجائع الدهور، وجليل الرزء، وعظيم المصائب.
أيّها القوم، إنّ الله وله الحمد ابتلانا بمصيبة جليلة، وثلمة في الإسلام عظيمة، قُتل أبو عبد الله وعترته، وسبي نساؤه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان من فوق عالي السنان.
أيّها الناس، فأيّ رجالات يسرّون بعد قتله؟ أيّة عين تحبس دمعها وتضن عن انهمالها؟ فلقد بكت السبع الشداد لقتله، وبكت البحار والسماوات والأرض والأشجار والحيتان، والملائكة المقرّبون وأهل السماوات أجمعون.
أيّها الناس، أيّ قلب لا ينصدع لقتله؟ أم أيّ فؤاد لا يحنّ إليه؟ أم أيّ سمع يسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام فلا يُصَمُّ؟
أيّها الناس، أصبحنا مطرودين مشرّدين، كأنّا أولاد ترك أوكابل، من غير جرم اجترمناه، ولا مكروه ارتكبناه، والله لو أنّ النبيصلىاللهعليهوآله تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدّم إليهم في الوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوه، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ».
فقام صوحان بن صعصعة بن صوحان، وكان زمِناً فاعتذر إليه فقبل عذره وشكر له، وترحّم على أبيه(1) .
____________________
(1) مثير الأحزان / 90 - 91، واللهوف / 76 - 77.
الباب الرابع
آثار نهضة الحسينعليهالسلام وشهادته
مقدّمة الباب:
الفصل الأوّل: ردود الفعل السريعة
الفصل الثاني: تتابع الثورات وانهيار الحكم الأموي
الفصل الثالث: إعادة انتشار أحادي النبيصلىاللهعليهوآله في أهل بيتهعليهمالسلام ، والروايات الصحيحة في السيرة والتاريخ
الفصل الرابع: حركة الأئمّة من ذرّية الحسينعليهمالسلام
كانت حركة الحسينعليهالسلام نوراً هادياً لمَنْ أراد الهداية، وزلزالاً مدمّراً لكيان بني اُميّة، ولخطّتهم في تحريف دين محمدصلىاللهعليهوآله .
وقد ظنّوا أنّهم باعتقال أنصار الحسينعليهالسلام في الكوفة، على الشبهة والظنّ، ومن ثمّ محاصرتهعليهالسلام وقتله وسبي نسائه سوف يطفئون النور، ويوقفون الزلزال، ويقضون عليه، وما دَرَوْا أنّ القيام المخلص لله والقتل في سبيله هو من أعظم الوسائل التي يتألق بها نور الهداية، ويستحكم بها الزلزال على المنحرفين، وتظهر معالمه جليّة واضحة في كلّ البلاد الإسلاميّة.
فقد ثار أهل المدينة على يزيد بعد سنتين (63هجرية) من قتل الحسينعليهالسلام ، وأعلن أهل مكّة تمرّدهم في غضون ذلك، وعاجل الله تعالى يزيد فأماته مبكّراً، واستقال ولده معاوية الثاني ومات بعد استقالته بأيام، وتمزّقت الدولة الاُمويّة شرّ ممزّق؛ فاقتتل أهل الشام بينهم من أجل الملك حتّى صفا الأمر لمروان بن الحكم بعد وقعة مرج راهط التي أهلكت آلاف الناس، ومن بعده لابنه عبد الملك، واقتتل أهل خراسان.
قال المدائني: لمّا مات يزيد بن معاوية، وثب أهل خراسان بعمّالهم فأخرجوهم، وغلب كلّ قوم على ناحية، ووقعت الفتنة، وغلب عبد الله بن
خازم على خراسان، ووقعت الحرب(1) ، وأقرَّ عبد الله بن الزبير عبد الله بن خازم على خراسان، وكاتَبَه عبد الملك ليبايع له فرفض، فثار عليه وكيع بن الدورقية وقتله(2) .
وفي البصرة، روى أبو مخنف قال: وثب الناس بعبيد الله بن زياد، وكسر الخوارج أبواب السجون، وخرجوا منها(3) ، وقادهم نافع بن الأزرق، ومن بعده عبيد الله بن الماحوز، وجرت بينهم وبين أهل البصرة حروب كثيرة، ثمّ هزمهم المهلّب بن أبي صفرة عن الأهواز.
وفي الكوفة وثب رؤساء الجيش والشرط بعمرو بن حريث خليفة ابن زياد ومدير شرطته، وكان هواهم مع ابن الزبير، فأخرجوه من القصر، واصطلحوا على عامر بن مسعود بن أميّة الجمحي القرشي، وبايعوا لابن الزبير، ثمّ كُسرت السجون وخرج الشيعة، واقتتل أهل اليمن فيما بينهم كذلك.
وكان البلد الوحيد الذي وجدت فيه حركة تحمل خطّ الحسينعليهالسلام ونهجه، هو الكوفة بزعامة سليمان بن صرد، ثمّ بزعامة المختار الثقفي، ولكن عبد الله بن الزبير لا يحتمل ذلك، وبخاصة وأنّ الكوفة كانت تابعة له، فبعث أخاه مصعب بأهل البصرة وبقايا
____________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 546.
(2) قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: عبد الله بن خازم السلمي أبو صالح البصري، أمير خراسان، يُقال: له صحبة ورواية. روى عنه سعد بن عثمان الرازي، وسعيد بن الأزرق.
قال أبو أحمد العسكري: كان من أشجع الناس، ولي خراسان عشر سنين، وافتتح الطبسين، ثمّ ثار به أهل خراسان فقتلوه، وكان الذي تولّى قتله وكيع بن الدورقية، وحمل رأسه إلى عبد الملك بن مروان. وقال صالح بن الرحبية: قُتل سنة 71.
وقال السلامي في تاريخه: لمّا وقعت فتنة ابن الزبير كتب إليه بن خازم بطاعته، فأقرّه على خراسان، فبعث إليه عبد الملك بن مروان يدعوه إلى طاعته فلم يقبل، فلمّا قتل مصعب بعث إليه عبد الملك برأسه، فغسله وصلّى عليه، ثمّ ثار عليه وكيع بن الدورقية وغيره فقتلوه، وبمعنى ذلك حكى أبو جعفر الطبري، وزاد: وكان قتله في سنة 72.
(3) تاريخ الطبري 5 / 567، عن أبي مخنف.
الجيش الذي قاتل الحسينعليهالسلام الذي خرج من الكوفة فارّاً من المختار، وطوّق الكوفة وقتل المختار، وقتل بعد ذلك زوجة المختار؛ لأنّها لم تتبرّأ منه، ومعها ستة آلاف صبراً ممّن كان مع المختار في القصر.
ولئن استطاع عبد الملك بعد عشرين سنة أن ينتصر على المعارضة والثوار في أنحاء البلاد الإسلاميّة، وأن يستعيد وحدة الدولة الاُمويّة، وفرض السياسة التي اختطّها معاوية من جديد، فإنَّ حرارة الزلزال في الكوفة والمغتربين من أبنائها في خراسان لم تكن قد انتهت، فكانت ثورة زيد في الكوفة، وكان قدره فيها كقدر جدّه الحسينعليهالسلام أن يكون وقوداً وزيتاً للثائرين.
ثمّ كانت ثورة العباسيِّين بالكوفيين المغتربين ومَنْ معهم من أهل خراسان، وانهار على أيديهم الحكم الأموي، والأطروحة الاُمويّة للإسلام المبني على لعن عليعليهالسلام إلى غير رجعة، حيث لم يجئ حكم بعد ذلك يتبنّى لعن عليعليهالسلام إلى اليوم، ولن يجيء إلى آخر الدنيا.
وانتشرت الأحاديث النبويّة التي عمل بنو اُميّة على طمسها، وكتمانها وتحريفها، واهتدى بها مَنْ أراد الهداية من الأمّة، وهي محفوظة في كتب المسلمين جميعاً إلى اليوم.
وأيّد الله تعالى الحسين تأييداً خاصاً حين بتر نسل يزيد فلا يوجد اليوم مَنْ ينتسب إليه، وبارك الله تعالى في نسل الحسينعليهالسلام فهو يملأ الدنيا، ورزقه منهم تسعة أئمّة هدى أسباطاً، أعلام هداية، نشروا ما كان يحمله الحسينعليهالسلام من تراث نبوي كتبه عليعليهالسلام بيده الكريمة الطاهرة، وأملاه النبيصلىاللهعليهوآله من فيه الشريف المطهّر، والتفّ حولهم شيعة يأخذون عنهم هذا التراث الإلهي، ويحملون ظلامة الحسينعليهالسلام غضّة طرية كلّ عام في عاشوراء؛ ليهتدي بهديها مَنْ شاء من الناس.
وفيما يلي الحديث عن طرف من أخبار الذين استاؤوا لقتله، أو ندموا على مقاتلته، أو ندموا لخذلانه، ثمّ الحديث عن أهم الثورات التي توالت على الحكم الأموي حتّى أطاحت به،
ثمّ الحديث عن انتشار أحاديث النبي في أهل بيته، وفشل خطّة بني اُميّة في طمسها، ثمّ الحديث عن الأئمّة من ذرية الحسينعليهالسلام : السجّاد، والباقر، والصادقعليهمالسلام ، ونشرهم التراث النبوي الذي وصلهم من خلال أبيهم الحسينعليهالسلام ، وتأسيس الشيعة عليه، حيث برزوا كياناً علمياً متزامناً مع انهيار دولة بني اُميّة استطاع أن يشقّ طريقه إلى اليوم، رغم خطّة بني العباس في تذويبه واحتوائه.
الفصل الأول: ردود الفعل السريعة لمقتل الحسينعليهالسلام
أمّا الناصرون: فكان غالبيتهم من أهل الكوفة، وقد سُجن منهم ما يقرب من اثني عشر ألف(1) ، واختفى عدد آخر، ولم يمكنه أن يخترق المفارز التي وضعت على الطرق ليلحق بالحسينعليهالسلام .
وكان قد سبق وجوه منهم إلى الحسين وبقوا معه في مكّة، ثمّ رافقوه حتّى وصوله كربلاء، فقاتلوا بين يديه حتّى قُتل.
وهؤلاء لم يتجاوزوا الستين رجلاً، بعد أن إنضاف إليهم ما دون العشرة ممّن لم يسجن، واستطاع أن يخترق المفارز التي وضِعت على الطرق، وليس من شك أنّ هؤلاء المسجونين والمختفين حين بلغهم قتل الحسينعليهالسلام عاشوا في حزن عميق، وأسى ملأ عليهم كيانهم ووجودهم.
وقد سارع بعضهم للاستنكار على ابن زياد ممّن كان معذوراً من اللحاق بالحسينعليهالسلام لفقدانه البصر، ولازم المسجد للعبادة كعبد الله بن عفيف الأزدي، فقُتِل ومضى شهيداً على ما مضى عليه الحسينعليهالسلام .
أمّا بقيتهم كالمختار، وسليمان بن صرد، والمسيّب بن نجية، ورفاعة بن شداد وغيرهم فقد
____________________
(1) قال المظفر في تاريخ الشيعة / 34: إنّ عبيد الله بن زياد سجن اثني عشر ألفاً من الشيعة، ولم يترك واحداً (من زعمائهم طليقاً). انظر أيضاً المختار بن عبيد الثقفي - للدكتور علي حسني الخربوطلي / 74 - 75.
تريث حتّى تتهيأ أسباب القيام بعمل نافع في الظرف المناسب، وفق خطّة الحسينعليهالسلام التي اطّلعوا عليها مسبقاً حين التقوا الحسين وهو في مكّة.
أمّا الخاذلون: فهم كلّ المسلمين الذين كانوا في مكّة ممّن بلغته حركة الحسينعليهالسلام ، ووصلهم نداؤه ولم يجيبوه. نعم، يوجد منهم مَنْ أجازه الحسينعليهالسلام بالبقاء كابن عباس وابن الحنفيّة ونظرائهم من حملة الحديث النبوي الصحيح.
وممّا لا شك فيه أنّ قسماً من الخاذلين؛ سواء من الكوفيين، أو من غيرهم حين بلغهم نبأ شهادة الحسينعليهالسلام قد ندموا ندماً شديداً، ونموذجهم ولسان حالهم عبيد الله بن الحرّ، وسيأتي الحديث عنه.
أمّا القاتلون: فهم جيش بني اُميّة من أبناء الكوفة، هذا الجيش الذي بناه معاوية بشكل خاصّ في فترة حكمه بعد وفاة الحسنعليهالسلام ، وقد مرّ الحديث عنه وعن تربيته في الباب الأوّل، ووجوه هؤلاء شبث بن ربعي، وحجّار بن أبجر، ومحمد بن الأشعث، وعمر بن سعد، وشمر بن ذي الجوشن وغيرهم.
وهم المعروفون بأشراف الكوفة في لغة أبي مخنف وغيره ممّن كتب عن الحسين من الرواة في العهد العباسي. ولم يندم من هؤلاء الوجوه أحد. نعم، ندم البعض ممّن كان في الجيش ولم يشترك بقتال وهم قليل.
وفيما يلي طرف من أخبار مَنْ استاء لقتله، ومَنْ ندم على خذلانه:
زوجة خَوَلِّي
قال هشام: فحدّثني أبي عن النوار بنت مالك قالت: أقبل خولّي برأس الحسين فوضعه تحت إجّانة في الدار، ثمّ دخل البيت فآوى إلى فراشه، فقلت له: ما الخبر ما عندك؟
قال: جئتُكِ بِغِنَى الدهر، هذا رأس الحسين معكِ في الدار.
قالت: فقلت: ويلك! جاء الناس بالذهب والفضة وجئت برأس ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟! لا والله، لا يجمع رأسي ورأسك بيت أبداً.
زوجة كعب بن جابر
قال الطبري: لمّا رجع كعب بن جابر قالت له امرأته (أو أخته النوار بنت جابر): أعنت على ابن فاطمة وقتلت سيّد القراء؟! لقد أتيت عظيماً من الأمر. والله، لا أكلمك من رأسي كلمة أبداً. فقال كعب بن جابر:
سلي تُخبَري عني وأنت ذميمةٌ |
غَداة حسينٍ والرماحُ شوارعُ |
|
ألم آتِ أقصى ما كرِهتِ ولم يُخِلْ |
عليَّ غداة الروعِ ما أنا صانعُ |
|
معي يَزَنيٌّ لم تخُنه كُعوبه |
وأبيضُ مخشوبُ الغِرارين قاطعُ |
|
فجرَّدتُه في عُصبة ليس دينُهم |
بديني وإنّي بابن حربٍ لقانعُ |
|
ولم ترَ عيني مثلَهم في زمانهم |
ولا قبلَهم في الناس إذ أنا يافعُ |
|
أشدَّ قِراعاً بالسيوف لدى الوغى |
ألا كلُّ مَنْ يحمي الذمارَ مقارعُ |
|
وقد صبروا للطعنِ والضربِ حُسَّراً |
وقد نازلوا لو أنَّ ذلك نافعُ |
|
قتلتُ بُريراً ثمّ حَمَّلتُ نعمة |
أبا منقذٍ لمّا دعا مَنْ يماصعُ |
قال أبو مخنف: حدّثني عبد الرحمن بن جندب قال: سمعته في إمارة مصعب بن الزبير وهو يقول: يا ربّ إنّا قد وفينا، فلا تجعلنا يا ربّ كمَنْ قد غدر.
أقول: يريد كعب بقوله: إنّه وفى ببيعته للخليفة يزيد، ويريد بمَنْ غدر ببيعته ليزيد أنصار الحسينعليهالسلام الذين قُتلوا بين يديه، والذين سجنهم ابن زياد، ثمّ خرجوا من السجن بعد ذلك وتحرّكوا مع سليمان بن صرد والمختار.
مرجانة أمّ عبيد الله
قالت لابنها حين قتل الحسينعليهالسلام : ويلك ماذا صنعت؟! وماذا ركبت؟!
عبد الله بن الزبير
روى الطبري عن هشام، عن أبي مخنف، عن عبد الملك بن نوفل قال: حدّثني أبي قال:
لمّا قُتل الحسينعليهالسلام قام ابن الزبير في أهل مكّة وعظّم مقتله، وقال: رحم الله حسيناً، وأخزى قاتل الحسينعليهالسلام ، لقد اختار الحسين الميتة الكريمة على الحياة الذميمة. أفبعد الحسينعليهالسلام نطمئن إلى هؤلاء القوم، ونصدّق قولهم، ونقبل لهم عهداً؟! لا ولا نراهم لذلك أهلاً.
أما والله لقد قتلوه، طويلاً بالليل قيامه، كثيراً في النهار صيامه، أحقّ بما هم فيه منهم، وأولى به في الدين والفضل. أما والله ما كان يبدِّل بالقرآن الغناء، ولا بالبكاء من خشية الله الحداء، ولا بالصيام شرب الحرام، ( ولا بالمجالس في حلق الذكر الركض في تطلاب الصيد - يعرِّض بيزيد - فسوف يلقون غيّاً ).
فثار إليه أصحابه فقالوا له: أيّها الرجل، أظهر بيعتك؛ فإنّه لم يبقَ أحد إذ هلك الحسين ينازعك هذا الأمر. وقد كان يبايع الناس سرّاً ويظهر أنّه عائذ بالبيت.
فقال لهم: لا تعجلوا(1) .
عثمان بن زياد أخو عبيد الله
قال الطبري: قال عثمان بن زياد أخو عبيد الله: والله، لوددت أنّه ليس من بني زياد رجل إلاّ وفي أنفه خزامة إلى يوم القيامة، وأنّ حسيناً لم يُقتل.
ممّن ندم على خذلانه عبيد الله بن الحرّ
قال الطبري: روى أحمد بن زهير، عن علي بن محمد، عن علي بن مجاهد: أنّ عبيد الله بن الحرّ كان رجلاً من خيار قومه صلاحاً وفضلاً، وصلاة واجتهاداً، فلمّا قُتل عثمان وهاج الهَيج بين علي ومعاوية قال: أما إنّ الله ليعلم أنّي اُحبُّ عثمان ولأنصرنّه ميتاً.
____________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 475.
فخرج إلى الشام فكان مع معاوية، وخرج مالك بن مسمع إلى معاوية على مثل ذلك الرأي في العثمانية، فأقام عبيد الله عند معاوية وشهد معه صفين، ولم يزل معه حتّى قُتل عليعليهالسلام ، فلمّا قُتل علي قدم الكوفة.
أقول: قدم الكوفة بعد أن تمّ الصلح بين معاوية والحسنعليهالسلام وصارت الكوفة تابعة لمعاوية.
قال ابن سعد: لقي عبيد الله بن الحرّ الحسين بن علي عند قصر مقاتل، فدعاه حسين إلى نصرته والقتال معه، فأبى وقال: قد أبيت أباك قبلك(1) .
قال ابن سعد: فندم عبيد الله بن الحرّ على تركه نصرة حسينعليهالسلام (2) .
قال أبو مخنف: حدّثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي أنّ عبيد الله بن زياد بعد قتل الحسينعليهالسلام تفقّد أشراف أهل الكوفة فلم يرَ عبيد الله بن الحرّ، ثمّ جاءه بعد أيام حتّى دخل عليه فقال: أين كنت يابن الحرّ؟
قال: كنت مريضاً.
قال: مريض القلب، أو مريض البدن؟
قال: أمّا قلبي فلم يمرض، وأمّا بدني فقد منَّ الله عليَّ بالعافية.
فقال له ابن زياد: كذبت، ولكنّك كنت مع عدوّنا.
قال: لو كنت مع عدوّك لرُئي مكاني، وما كان مثل مكاني يخفى.
قال: وغفل عنه ابن زياد غفلة، فخرج ابن الحرّ فقعد على فرسه، فقال ابن زياد: أين ابن الحرّ؟ قالوا: خرج الساعة.
قال: عليّ به. فحضرته الشرطة، فقالوا له: أجب الأمير، فدفع فرسه ثمّ قال: أبلغوه أنّي لا آتيه والله طائعاً أبداً. ثمّ خرج حتّى أتى منزل أحمر بن زياد الطائي، فاجتمع إليه في منزله أصحابه، ثمّ خرج حتّى أتى كربلاء، فنظر إلى مصارع القوم، فاستغفر لهم هو وأصحابه، ثمّ مضى حتّى نزل المدائن،
____________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 407.
(2) طبقات ابن سعد المفقود 1 / 513.
وقال في ذلك:
يقول أميرٌ غادرٌ حقَّ غادرٍ |
ألا كنتُ قاتلتَ الشهيدَ ابن فاطمهْ |
|
فيا ندمي إلاّ أكونَ نصرتُه |
ألا كلُّ نفسٍ لا تُسددُ نادمهْ |
|
وإنّي لأنّي لم أكن من حُماتِه |
لذو حسرةٍ ما إن تُفارِق لازمهْ |
|
سقى اللهُ أرواحَ الذين تآزروا |
على نصرهِ سُقيَاً من الغيثِ دائمهْ |
|
وقفتُ على أجداثهم ومجالِهمْ |
فكادَ الحشا ينفضُّ والعينُ ساجمهْ |
|
لَعمري لقد كانوا مصاليتَ في الوغى |
سِراعاً إلى الهيجا حماةً خضارمهْ |
|
تآسَوْا على نصرِ ابنِ بنتِ نبيّهم |
بأسيافهمِ آسادُ غيلٍ ضراغمهْ |
|
فإن يُقتَلوا فكلّ نفسٍ تقيّةٍ |
على الأرضِ قد أضحت لذلك واجمهْ |
|
وما أن رأى الراؤون أفضلَ منهمُ |
لدى الموتِ ساداتٍ وزُهراً قماقمهْ |
|
أتقتلهم ظلماً وترجو وِدادَنا |
فَدَع خُطّةً ليست لنا بملائمهْ |
|
لَعمري لقد راغمتُمونا بقتلهم |
فكم ناقمٍ منّا عليكم وناقمهْ |
|
أهُمُّ مِراراً أن أسيرَ بجحفلٍ |
إلى فئةٍ زاغت عن الحقِّ ظالمهْ |
|
فكُفُّوا وإلاّ ذُدتُكم في كتائبٍ |
أشدَّ عليكم من زُحوفِ الديالمهْ(1) |
وقال أيضاً:
أيرجو ابنُ الزبيرِ اليومَ نصري |
بعاقبةٍ ولم أنصر حسينا |
|
وكان تخلُّفي عنه تَباباً |
وتَركي نصرَهُ غُبناً وحَيْنا(2) |
|
ولو أنّي اُواسيه بنفسي |
أصبتُ فضيلةً وقَرَرْتُ عينا |
وقال أيضاً:
يا لكِ حسرةً ما دمتُ حيّاً |
تَردَّدُ بين حلقي والتراقي |
____________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 470، الطبقات 1 / 515.
(2) التباب: الخسران. الحين بفتح الحاء: الهلاك.
حسينٌ حين يطلبُ بذلَ نَصري |
على أهلِ العداوةِ والشقاقِ |
|
ولو أنّي أُواسيهِ بنفسي |
لَنِلْتُ كرامةً يومَ التلاقِ |
|
مع ابن المصطفى نفسي فداهُ |
فولّى ثمّ ودَّع بالفراقِ |
|
غداةَ يقولُ لي بالقَصرِ قولاً |
أتتركُنا وتُزمِعُ بانطلاقِ |
|
فلو فَلَقَ التلَهُّفُ قلبَ حيٍّ |
لهَمَّ اليومَ قلبي بانفلاقِ |
|
فقد فازَ الأُلى نصروا حسيناً |
وخابَ الآخرونَ اُولي النفاقِ(1) |
( ومن الجدير ذكره أنّ حسرة عبيد الله بن الحرّ وندمه على ترك نصرة الحسينعليهالسلام لم ترتفع به إلى وعي هدف حركة الحسينعليهالسلام وشهادته )، ومن هنا لم يصبح في صف الشيعة الثائرين لمواصلة خطّة الحسينعليهالسلام ، بل اختار عبد الله بن الزبير مرّة، وعبد الملك بن مروان أخرى، ثمّ قُتل وهو من أنصار عبد الملك بن مروان(2) .
ممّن ندم على مقاتلته
حفظت لنا كتب التاريخ كلمات وأبيات للمشاركين في قتل الحسينعليهالسلام تكشف لنا عن ندمهم، منهم رضي بن منقذ العبدي، وينسب إليه قوله:
لو شاء ربّي ما شهدتُ قتالهمْ |
ولا جعلَ النعماء عندي ابن جابرِ |
|
لقد كانَ ذاك اليوم عاراً وسُبَّة |
يعيِّره الأبناء بعد المعاشرِ |
|
فيا ليت أنّي كنت من قبل قتلِهِ |
ويوم حسين كنت في رمس قابر(3) |
كانت هذه ردود فعل سريعة وانتهت سريعاً أيضاً.
____________________
(1) الطبقات 1 / 516.
(2) انظر تفاصيل ذلك في تاريخ الطبري 6 / 129 - 136.
(3) تاريخ الطبري 5 / 433.
قال ابن أعثم: لمّا قُتل الحسينعليهالسلام استوسق العراقان جميعاً (الكوفة والبصرة) لعبيد الله بن زياد وأوصله يزيد بألف ألف درهم جائزة، ثمّ علا أمره، وارتفع قدره، وانتشر ذكره، وبذل الأموال، واصطنع الرجال، ومدحته الشعراء حتّى قال فيه المليح بن الزبير الأسدي:
إليك عبيد الله تهوى ركابنا |
تسعفُ إخوانَ الفلاةِ وتدأبُ |
|
إذا ذكروا فضل امرئ ونوالَهُ |
ففضلُ عبيد الله أسنى وأطيبُ(1) |
أقول: استمر الحال كذلك إلى قريب من سنتين حتّى ثار أهل المدينة، ولم تكن ثورتهم لأجل إحياء خطّة الحسينعليهالسلام ، بل كانت تأثّراً بثورته وشهادته. واقتص منهم يزيد بقسوة متناهية.
ثمّ غزا البيت الحرام، حيث كان عبد الله بن الزبير قد أعلن ثورته هناك، ورماه بالمنجنيق، ثمّ بتر الله عمر يزيد( هُو يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) يونس / 56، فمات بعد قتل الحسين بثلاث سنوات.
واستقال ابنه معاوية الثاني بعد أن جاءته البيعة من الآفاق:( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِه ) الأنفال / 24.
واقتتل أهل الشام على السلطة، وتزلزلت الأرض تحت بني اُميّة حتّى انهار حكمهم سنة 132هجرية كما سنبيّنه في الفصل الآتي.
____________________
(1) الفتوج 5 / 252.
الفصل الثاني: تتابع الثورات وانهيار الحكم الأموي
1 - عهد يزيد
عاش يزيد بعد قتل الحسينعليهالسلام ثلاث سنوات وشهر وبضعة أيام، كانت أهم أعماله فيها غزو المدينة وإباحتها ثلاثة أيام للجند الشامي، غزو الكعبة ورميها بالمنجنيق حتّى أصابها الضرر.
2 - بعد موت يزيد
بويع لمعاوية بن يزيد بعد موت أبيه، غير أنّه استقال، ثمّ توفي بعد ذلك بمدّة يسيرة، وبذلك انتهت أسرة معاوية، وتصدّعت الدولة وتمزّقت وعاشت (من سنة 64 هجرية إلى سنة 83 هجرية) حالة من التمزّق والحروب الداخلية، ثمّ استقر الأمر لعبد الملك بن مروان سنة 83 هجرية.
- اقتتال أهل الشام بعد موت يزيد واستقالة ابنه معاوية(1) .
____________________
(1) انتهى آخر اختلاف لأهل الشام وفلسطين آخر سنة 66. قال المسعودي في مروج الذهب 3 / 97 - 98: =
- اقتتال أهل الحجاز مع أهل الشام، وانتصار ابن الزبير لمدّة سنوات. ثمّ انتصار عبد الملك عليه سنة 73.
- اقتتال أهل البصرة، ثمّ استقرار الأمر لابن الزبير.
- ثورة المختار وقتالهم لأهل الشام، ثمّ قتال مصعب للمختار وانتصاره عليه، ثمّ قتل عبد الملك لمصعب وانتصاره عليه.
- اختلاف أهل اليمن واقتتالهم وانتصار خط ابن الزبير، ثمّ البيعة لعبد الملك بن مروان. - اختلاف أهل خراسان واقتتالهم والبيعة لابن الزبير، ثمّ لعبد الملك بن مروان سنة.
3 - عهد عبد الملك بن مروان وولده الوليد (72 - 86)
- ثورة ابن الأشعث.
4 - الدولة الإسلاميّة في عهد عمر بن عبد العزيز (99 - 101)
5 - الوضع السياسي في عهد هشام بن عبد الملك (101 - 123)
____________________
= وقد كان عبد الملك بن مروان سار في جيوش أهل الشام فنزل بطنان (من أعيان قرى مصر قريبة من الفسطاط - معجم البلدان) ينتظر ما يكون من أمر ابن زياد، فأتاه مقتله ومقتل مَنْ كان معه، وهزيمة الجيش بالليل. وأتاه في تلك الليلة مقتل حبيش بن دلجة، وكان على الجيش بالمدينة لحرب ابن الزبير.
( ثمّ جاءه خبر دخول ناتل بن قيس فلسطين من قبل ابن الزبير، ومسير مصعب بن الزبير من المدينة إلى فلسطين )، ثمّ جاءه خبر دمشق وأن عبيدها وأوباشها ودعارها قد خرجوا على أهلها ونزلوا الجبل، ثمّ أتاه أنّ مَنْ في السجن بدمشق فتحوا السجن وخرجوا منه مكابرة، وأنّ خيل الأعراب أغارت على حمص وبعلبك والبقاع، وغير ذلك من المفظعات في تلك الليلة، فلم يرَ عبد الملك في ليلة قبلها أشدّ ضحكاً، ولا أحسن وجهاً، ولا أبسط لساناً، ولا أثبت جناناً منه تلك الليلة؛ تجلّداً وسياسة للملوك، وترك إظهار الفشل.
وبعث بأموال وهدايا إلى ملك الروم فشغله وهادنه، وسار إلى فلسطين وبها ناتل بن قيس على جيش ابن الزبير، فالتقوا بأجنادين (موضع معروف بالشام من فلسطين من الرملة من كورة ببيت جبرين، وبه للمسلمين مع الروم يوم مشهور)، فقتل ناتل بن قيس وعامّة أصحابه، وانهزم الباقون، ونمي خبر مقتله وهزيمة الجيش إلى مصعب بن الزبير وهو في الطريق، فولّى راجعاً إلى المدينة، ورجع عبد الملك على دمشق فنزلها.
أ - ثورة زيد بن علي، ثمّ ثورة ولده يحيى.
ب - موت هشام 125 سنة واختلاف بني اُميّة.
ج - حركة أبي حمزة الخارجي في المدينة.
د - حركة عبد الله بن معاوية بن جعفر.
6 - ثورة العباسيِّين وسقوط بني اُميّة
روى أحمد بن زهير بن أبي خيثمة(1) قال: حدّثنا أبي زهير(2) قال: حدّثنا وهب بن جرير:
____________________
(1) قال ابن حجر في لسان الميزان: (أحمد بن زهير بن حرب بن شدّاد النسائي الأصل البغدادي، أبو بكر بن أبي خيثمة الحافظ الكبير ابن الحافظ)، ولد سنة خمس ومئتين، سمع أباه، وأبا نعيم، وعفّان، ومسلم بن إبراهيم، وأبا سلمة التبوذكي في عدد كثير، وصنّف التاريخ فجرّده.
روى عنه أبو القاسم البغوي، وأبو محمد بن صاعد، ومحمد بن مخلّد، وأبو بكر بن كامل، وإسماعيل الصفّار، وأبو زياد القطّان، وقاسم بن أصبغ وآخرون.
قال الخطيب: كان ثقة عالماً، متقناً حافظاً، بصيراً بأيام الناس وأئمّة الأدب، أخذ علم الحديث عن أبيه ويحيى بن معين فأكثر عنه، وعن أحمد بن حنبل وغيرهم، وأخذ علم النسب عن مصعب الزبيري، وأيام الناس عن أبي الحسن المدائني، والأدب عن محمد بن سلام الجمحي.
قال الخطيب: ولا أعرف أغزر فوائد من تاريخه، وكان لا يحدّث به إلاّ كاملاً، وقد أجاز روايته لجمع كبير.
وقال الفرغاني: مات في آخر سنة 98 بعد مئتين، وكانت له معرفة بأيام الناس وأخبارهم، وله مذهب، كان الناس ينسبونه إلى القول بالقدر، وكان مختصّاً بعلي بن عيسى، انتهى كلامه.
وأرّخ غيره وفاته في جمادى الأولى.
(2) قال ابن حجر في التهذيب: زهير بن حرب بن شدّاد الحرشي، أبو خيثمة النسائي (خ م د س ق البخاري ومسلم، وأبي داود والنسائي وابن ماجة)، نزيل بغداد، مولى بني الحريش بن كعب، وكان اسم جدّه (اشتال) فعرب شداداً.
روى عنه البخاري ومسلم، وأبو داود وابن ماجة. وروى له النسائي بواسطة أحمد بن علي بن سعيد المروزي، وابنه أبو بكر بن أبي خيثمة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وبقي بن مخلد، وإبراهيم الحربي، وموسى بن هارون، وابن أبي الدنيا، ويعقوب بن شيبة، وأبو يعلى الموصلي، وجماعة.
قال معاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة. وقال علي بن الجنيد عن ابن معين: يكفي قبيلة.
وقال أبو حاتم: صدوق. =
وروى خليفة بن خياط(1) قال: حدّثنا وهب بن جرير(2) ، قال: حدّثنا جويرية بن أسماء(3) ، قال: سمعت أشياخ أهل المدينة يحدّثون أنّ معاوية لمّا حضرته الوفاة دعا يزيد،
____________________
= وقال الآجري: قلت لأبي داود: كان أبو خيثمة حجة في الرجال؟ قال: ما كان أحسن علمه. وقال النسائي: ثقة مأمون. وقال الحسين بن فهم: ثقة ثبت. وقال أبو بكر الخطيب: كان ثقة ثبتاً، حافظاً متقناً. قال محمد بن عبد الله الحضرمي وغيره: مات سنة 234.
وقال أبو القاسم البغوي: كتبت عنه. وقال ابن قانع: كان ثقة ثبتاً. وقال صاحب الزهرة: روى عنه مسلم ألف حديث، ومئتي حديث، وإحدى وثمانين حديثاً. وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: سُئل أبي عنه، فقال: ثقة صدوق. وقال ابن وضاح: ثقة من الثقات، لقيته ببغداد. وقال ابن حبان في الثقات: كان متقناً ضابطاً من أقران أحمد ويحيى بن معين.
(1) قال ابن حجر في تقريب التهذيب: خليفة بن خياط العصفري (بضم العين المهملة وسكون الصاد المهملة وضم الفاء) أبو عمر البصري، لقبه شباب (بفتح المعجمة وموحدتين الأولى خفيفة)، صدوق ربّما أخطأ، وكان أخباريّاً، علاّمة من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين، روى له البخاري.
(2) قال الذهبي في تذكرة الحفاظ 1 / 336: وهب بن جرير بن حازم المحدّث الحافظ، أبو العباس الأزدي، مولاهم البصري، أحد الأثبات.
وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب: روى له الستة، روى عنه أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وأبو خيثمة، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وآخرون.
وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال العجلي: بصري ثقة، كان عفّان يتكلّم فيه.
وقال ابن سعد: مات سنة ست ومئتين. قلت: وقال: كان ثقة.
وقال في التقريب: وهب بن جرير بن حازم بن زيد، أبو عبد الله الأزدي البصري، ثقة من التاسعة، مات سنة ست ومئتين، روى له الستة.
(3) قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: جويرية بن أسماء بن عبيد بن مخارق، ويُقال: مخراق الضبعي، أبو مخارق، ويُقال: أبو أسماء البصري، م د س ق البخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجة.
روى عن أبيه ونافع والزهري، وبديح مولى عبد الله بن جعفر، ومالك بن أنس، وهو من أقرانه، وغيرهم. وعنه حبّان بن هلال، وحجّاج بن منهال، وابن اُخته سعيد بن عامر الضبعي، وابن أخيه عبد الله بن محمد بن أسماء، وأبو عبد الرحمن المقري، وأبو سلمة، ويحيى القطّان، ويزيد بن هارون، ومسدّد، وأبو الوليد، وغيرهم.
قال ابن معين: ليس به بأس. وقال أحمد: ثقة ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح.
قال ابن حجر: أرّخ البخاري وغيره وفاته سنة 173، وكذلك ابن حبان في الثقات.
وقال ابن سعد: كان صاحب علم كثير، وذكره ابن المديني في الطبقة السابعة من أصحاب نافع.
وقال ابن حبّان في مشاهير الأمصار 1 / 159: جويرية بن أسماء بن عبيد، من متقني البصريين، كنيته أبو مخراق، مات سنة ثلاث وسبعين ومئة، وكان متقناً.
فقال له: إنّ لك من أهل المدينة يوماً، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة؛ فإنّه رجل قد عرفت نصيحته.
فلمّا هلك معاوية وفد إليه وفد من أهل المدينة(1) ، وكان ممّن وفد عليه عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، وكان شريفاً فاضلاً، سيّداً عابداً، معه ثمانية بنين له، فأعطاه مئة ألف درهم، وأعطى بنيه لكلّ واحد منهم عشرة آلاف سوى كسوتهم وحملانهم، فلمّا قدم المدينة عبد الله بن حنظلة أتاه الناس، فقال له أهل المدينة: ما وراءك؟
قال: جئتكم من عند رجل، والله لو لم أجد إلاّ بنيَّ هؤلاء لجاهدته بهم.
قالوا: قد بلغنا أنّه أجداك وأعطاك وأكرمك.
قال: قد فعل، وما قبلت منه إلاّ لأَتقوّى به.
وحضض الناس فبايعوه، فبلغ ذلك يزيد، فبعث مسلم بن عقبة إليهم، فقتل عبد الله بن حنظلة وبنوه، وانهزم الناس.
ودخل مسلم بن عقبة المدينة، ( فدعا الناس للبيعة على أنّهم خول ليزيد بن معاوية يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء )(2) .
وقال ابن سعد في ترجمة عبد الله بن حنظلة الغسيل: هو ابن أبي عامر الراهب، من الأوس، واُمّه جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول. وكان حنظلة بن أبي عامر لمّا أراد
____________________
(1) كان ذلك بعد قتل الحسينعليهالسلام ، حيث عزل يزيد الوليد بن عتبة وعيّن بدله عثمان بن محمد بن أبي سفيان.
(2) تاريخ الطبري 5 / 495، تاريخ خليفة بن خياط / 237.
الخروج إلى أُحد وقع على امرأته جميلة بنت عبد الله بن أبي سلول، فعلقت بعبد الله بن حنظلة في شوال على رأس اثنين وثلاثين شهراً من الهجرة، وقُتل حنظلة بن أبي عامر يومئذ شهيداً، وولدت جميلة عبد الله بن حنظلة بعد ذلك بتسعة أشهر، فقبض رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو ابن سبع سنين.
وذكر بعضهم أنّه قد رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأبا بكر وعمر، وقد روى عن عمر.
قال: وحدّثنا سعيد بن محمد، عن عمرو بن يحيى، عن عبّاد بن تميم، عن عمّه عبد الله بن زيد وعن غيرهم أيضاً كلّ قد حدّثني، قالوا: لمّا وثب أهل المدينة ليالي الحرّة فأخرجوا بني اُميّة عن المدينة، وأظهروا عيب يزيد بن معاوية وخلافه، أجمعوا على عبد الله بن حنظلة، فأسندوا أمرهم إليه، فبايعهم على الموت، وقال:
يا قوم، اتقوا الله وحده لا شريك له، فو الله ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء، إنّ رجلاً ينكح الأمّهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت لله فيه بلاءً حسناً.
فتواثب الناس يومئذ يبايعون من كلّ النواحي، وما كان لعبد الله بن حنظلة تلك الليالي مبيت إلاّ المسجد، وما كان يزيد على شربة من سويق يفطر عليها إلى مثلها من الغد يؤتى بها في المسجد يصوم الدهر، وما رُئي رافعاً رأسه إلى السماء إخباتاً. فلمّا دنا أهل الشام من وادي القرى صلّى عبد الله بن حنظلة بالناس الظهر، ثمّ صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:
أيّها الناس، إنّما خرجتم غضباً لدينكم فابلوا لله بلاءً حسناً؛ ليوجب لكم به مغفرته، ويحلّ به عليكم رضوانه، قد خبّرني مَنْ نزل مع القوم السويداء وقد نزل القوم اليوم ذا خشب ومعهم مروان بن الحكم، والله إن شاء الله محينه بنقضه العهد والميثاق عند منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
فتصايح الناس وجعلوا ينالون من مروان ويقولون: الوزغ ابن الوزغ.
وجعل بن حنظلة يهدّئهم ويقول: إنّ الشتم ليس بشيء، ولكن أصدقوهم اللقاء، والله ما صدق قوم قطّ إلاّ حازوا النصر بقدرة الله.
ثمّ رفع يديه إلى السماء واستقبل القبلة، وقال: اللّهمّ إنّا بك واثقون، بك آمنّا، وعليك توكلّنا، وإليك ألجأنا ظهورنا.
ثمّ نزل وصبح القوم المدينة، فقاتل أهل المدينة قتالاً شديداً (حتى كثرهم أهل الشام)، ودخلت المدينة من النواحي كلّها، فلبس عبد الله بن حنظلة يومئذ درعين وجعل يحضّ أصحابه على القتال، فجعلوا يقاتلون وقتل الناس، فما ترى إلاّ راية عبد الله بن حنظلة ممسكاً بها مع عصابة من أصحابه وحانت الظهر، فقال لمولى له: احمِ لي ظهري حتّى اُصلّي. فصلّى الظهر أربعاً متمكّناً، فلمّا قضى صلاته، قال له مولاه: والله يا أبا عبد الرحمن ما بقي أحد، فعلامَ نقيم؟! ولواؤه قائم ما حوله خمسة.
فقال: ويحك! إنّما خرجنا على أن نموت، ثمّ انصرف من الصلاة وبه جراحات كثيرة، فتقلّد السيف ونزع الدرع ولبس ساعدين من ديباج، ثمّ حثّ الناس على القتال وأهل المدينة كالأنعام الشُّرُد، وأهل الشام يقتلونهم في كلّ وجه، فلمّا هُزم الناس طرح الدرع وما عليه من سلاح وجعل يقاتلهم وهو حاسر حتّى قتلوه.
ولمّا قُتل عبد الله بن حنظلة لم يكن للناس مقام فانكشفوا في كلّ وجه، وكان الذي ولي قتل عبد الله بن حنظلة رجلان شَرَعا فيه جميعاً، وحزّا رأسه، وانطلق به أحدهما إلى مسرف وهو يقول: رأس أمير القوم، فأومأ مسرف بالسجود وهو على دابته.
وكانت الحرّة في ذي الحجّة سنة ثلاث وستين(1) .
قال هشام(2) : قال أبو مخنف: ثمّ إنّ خيل مسلم ورجاله أقبلت نحو عبد الله بن
____________________
(1) طبقات ابن سعد 5 / 65.
(2) تاريخ الطبري 5 / 490 سنة 63.
حنظلة الغسيل ورجاله بعده كما حدّثني عبد الله بن منقذ حتّى دنوا منه، وركب مسلم بن عقبة فرساً له، فأخذ يسير في أهل الشام ويحرّضهم ويقول: يا أهل الشام، إنّكم لستم بأفضل العرب في أحسابها ولا أنسابها، ولا أكثرها عدداً ولا أوسعها بلداً ولم يخصصكم الله بالذي خصّكم به من النصر على عدوّكم، وحسن المنزلة عند أئمّتكم إلاّ بطاعتكم واستقامتكم، وإنّ هؤلاء القوم وأشباههم من العرب غيّروا فغيّر الله بهم، فتمّوا على أحسن ما كنتم عليه من الطاعة يتمم الله لكم أحسن ما ينيلكم من النصر والفلج.
ثمّ جاء حتّى انتهى إلى مكانه الذي كان فيه، وأمر الخيل أن تقدم على ابن الغسيل وأصحابه، فأخذت الخيل إذا أقدمت على الرجال فثاروا في وجوهها بالرماح.
قال الحاكم في مستدرك الصحيحين 3 / 533: كان معقل بن سنان بن مطهر بن عركي بن فتيان بن سبيع بن بكر بن أشجع شهد الفتح مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فحدّثني أبو عبد الرحمن بن عثمان بن زياد الأشجعي، عن أبيه قال: كان معقل بن سنان الأشجعي قد صحب النبيصلىاللهعليهوآله ، وحمل لواء قومه يوم الفتح، وكان شاباً طرياً، وبقي بعد ذلك حتّى بعثه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكان على المدينة، فاجتمع معقل بن سنان ومسلم بن عقبة الذي يعرف بمسرف، ( فقال معقل لمسرف، وقد كان آنسه وحادثه إلى أن ذكر معقل يزيد بن معاوية ).
فقال معقل: إنّي خرجت كُرها لبيعة هذا الرجل، وقد كان من القضاء والقدر خروجي إليه؛ هو رجل يشرب الخمر ويزني بالحرم. ثمّ نال منه وذكر خصالاً كانت فيه، ثمّ قال لمسرف: أحببت أن أضع ذلك عندك.
فقال مسرف: أما أن أذكر ذلك لأمير المؤمنين يومي هذا فلا والله لا أفعل، ولكن لله عليّ عهد وميثاق لا تمكنني يداي منك ولي عليك مقدرة إلاّ ضربت الذي فيه عيناك.
فلمّا قدم مسرف المدينة وأوقع بهم أيام الحرّة، (وكان معقل بن سنان يومئذ صاحب المهاجرين)، فأتي به مسرف مأسوراً، فقال له: يا معقل بن سنان، أعطشت؟
قال: نعم، أصلح الله الأمير. قال: خوضوا له مشربة بلور. قال: فخاضوها له. فقال: أشربت ورويت؟ قال: نعم.
قال: أما والله لا تشتهي بعدها بما يفرح، يا نوفل بن مساحق(1) ، قم فاضرب عنقه. فقام إليه فقتله صبراً، وكانت الحرّة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين.
وروى الطبري(2) قال: قال هشام: وأمّا عوانة بن الحكم فذكر أنّ مسلم بن عقبة بعث عمرو بن محرز الأشجعي، فأتاه بمعقل بن سنان، فقال له مسلم: مرحباً بأبي محمد، أراك عطشانَ؟!
قال: أجل. قال: شوبوا له عسلاً بالثلج الذي حملتموه معنا (وكان له
____________________
(1) في تهذيب التهذيب: هو نوفل بن مساحق بن عبد الله الأكبر بن مخرمة بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشي العامري أبو سعد. ويُقال: أبو مساحق المدني القاضي.
روى عن أبيه وعمر وسعيد بن زيد، وعثمان بن حنيف وأمّ سلمة. وعنه ابنه عبد الملك وسالم أبو النضر، وعمر بن عبد العزيز وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، وصالح بن كيسان ومنذر بن الجهم.
ذكره بن سعد في الطبقة الثانية من المدنيين، وقال: ولي القضاء بالمدينة. وقال النسائي: ثقة. وذكره بن حبان في الثقات، وقال: إنّه مات في إمرة عبد الملك بن مروان سنة أربع وسبعين. وفيه نظر لأن الزبير بن بكار حكى أنّ الوليد بن عبد الملك قدم المدينة وهو خليفة فأجلس نوفلاً معه على السرير.
قال: وحدّثني عمّي مصعب قال: كان نوفل من أشراف قريش، وكانت له ناحية من الوليد، وكان الوليد يطير الحمام، فأدخل نوفلاً عليه، وقال له: خصصتك بهذا المدخل. فقال: بل خسستني، إنّما هذه عروة. فغضب عليه وسيّره إلى المدينة، وكان يلي المساعي ولا يرفع إلى الأمراء منها شيئاً، يقسّمها ويطعمها.
قال: وقد ذكر البخاري وأبو حاتم الرازي أنّ نوفلاً هذا مات في أوّل ولاية عبد الملك، وهذا موافق لما قال ابن حبان؛ ( لأنّ ابن الزبير قُتل في أواخر سنة ثلاث وسبعين، واجتمع الناس إذ ذاك على عبد الملك )، ولعل الذي اتفق لنوفل مع الوليد كان في حياة عبد الملك، ( ويكون قول الزبير في خلافته وهماً ).
وزعم الواقدي أنّ نوفلاً هذا كان على شرطة مسلم بن عقبة المري في وقعة الحرّة، وأنّه قتل معقل بن سنان الأشجعي صبراً بأمر مسلم، والله تعالى أعلم.
أقول: ونوفل هذا والد عبد الملك أحد رواة أبي مخنف الأزدي.
(2) تاريخ الطبري 5 / 494 سنة 63.
صديقاً قبل ذلك) فشابوه له، فلمّا شرب معقل قال له: سقاك الله من شراب الجنّة.
فقال له مسلم: أمّا والله لا تشرب بعدها شراباً أبداً حتّى تشرب من شراب الحميم.
قال: أنشدك الله والرحم.
فقال له مسلم: أنت الذي لقيتني بطبرية ليلة خرجت من عند يزيد فقلت: (سرنا شهراً ورجعنا من عند يزيد صفراً، نرجع إلى المدينة فنخلع هذا الفاسق ونبايع لرجل من أبناء المهاجرين فيم غطفان وأشجع من الخلع والخلافة) إنّي آليت بيمين لا ألقاك في حرب أقدر فيه على ضرب عنقك إلاّ فعلت، ثمّ أمر به فقتل.
قال هشام: قال عوانة: وأتى يزيد بن وهب بن زمعة فقال: بايع.
قال: أبايعك على سنّة عمر. قال: اقتلوه. قال: أنا أبايع. قال: لا والله، لا أقيلك عثرتك. فكلّمه مروان بن الحكم لصهر كان بينهما، فأمر بمروان (فوجئت) عنقه، ثم قال: بايعوا على أنّكم خول ليزيد بن معاوية، ثمّ أمر به فقتل(1) .
روى الطبري(2) عن أبي مخنف قال: قال عبد الملك بن نوفل: وفصل ذلك الجيش من عند يزيد، وعليهم مسلم بن عقبة، وقال له: إن حدث بك حدث فاستخلف على الجيش حصين بن نمير السكوني، وقال له: ادع القوم ثلاثاً، فإن هم أجابوك وإلاّ فقاتلهم، فإذا أظهرت عليهم فأبحها ثلاثاً، فما فيها من مال أو رقّة، أو سلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس، وانظر علي بن الحسينعليهالسلام فاكفف عنه، واستوص به خيراً وادن مجلسه؛ فإنّه لم يدخل في شيء ممّا دخلوا فيه، وقد أتاني كتابه.
وعليعليهالسلام لا يعلم بشيء ممّا أوصى به يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة، وقد كان علي بن الحسينعليهالسلام
____________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 493 سنة 63.
(2) تاريخ الطبري 5 / 485 سنة 63.
لمّا خرج بنو اُميّة نحو الشام آوى إليه ثقل مروان بن الحكم وامرأته عائشة بنت عثمان بن عفّان، وهي أمّ أبان بن مروان.
قال الطبري: وقد حُدِّثْتُ عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر قال: لمّا أخرج أهل المدينة عثمان بن محمد من المدينة كلّم مروان بن الحكم ابن عمر أن يغيب أهله عنده، فأبى ابن عمر أن يفعل، وكلّم علي بن الحسينعليهالسلام ، وقال: يا أبا الحسن، إنّ لي رحماً، وحرمي تكون مع حرمك. فقال: « افعل ».
فبعث بحرمه إلى علي بن الحسينعليهالسلام ، فخرج بحرمه وحرم مروان حتّى وضعهم بينبع، وكان مروان شاكراً لعلي بن الحسينعليهالسلام مع صداقة كانت بينهما قديمة(1) .
وروى الطبري قال: قال هشام: قال عوانة عن أبي مخنف قال: قال عبد الملك بن نوفل بن مساحق: ثمّ إنّ مروان أتى بعلي بن الحسينعليهالسلام ، وقد كان علي بن الحسينعليهالسلام حين أُخرجت بنو اُميّة منع ثقل مروان وامرأته وآواها، ثمّ خرجت إلى الطائف فهي أمّ أبان ابنة عثمان بن عفّان فبعث ابنه عبد الله معها، فشكر ذلك له مروان...
قال هشام: وقال عوانة بن الحكم: لمّا أُتي بعلي بن الحسينعليهالسلام إلى مسلم قال: مَنْ هذا؟ قالوا: هذا علي بن الحسين. قال: مرحباً وأهلاً. ثمّ أجلسه معه على السرير والطنفسة، ثمّ قال: إنّ أمير المؤمنين أوصاني بك قبلاً، وهو يقول: إنّ هؤلاء الخبثاء شغلوني
____________________
(1) أقول: لعلها محرّف حميمة، أو صميمة: أي صداقة قوية وشديدة، وسرّ هذه الصداقة يوضحه قول الراوي ( وكان مروان شاكراً لعلي بن الحسينعليهالسلام )؛ إذ لم يجد مروان لعائلته مأمناً في قضية الحرّة، ولم يقبلها حتّى ابن عمر، وقبلها الإمام السجّادعليهالسلام ، وقد استغلّ الإمام السجّادعليهالسلام هذه العلاقة فيما بعد لينتزع بعض الروايات المهمّة من مروان، من قبيل ما رواه البخاري عن علي بن الحسينعليهالسلام عن مروان، قال: اختلف عليعليهالسلام وعثمان في متعة الحجّ...
وكذلك قوله ما رواه الماوردي بسنده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه علي بن الحسينعليهمالسلام قال: « دخل عليَّ مروان فقال لي: ما رأيت أكرم غلبة من أبيك؛ ما كان إلاّ أن ولينا يوم الجمل حتّى نادى مناديه، ألا لا يُتبع مدبر، ولا يُذفف على جريح ». كتاب قتال أهل البغي من كتاب الحاوي الكبير - للماوردي / 111.
عنك وعن وصلتك، ثمّ قال لعليعليهالسلام : لعل أهلك فزعوا؟ قال: « إي والله ». فأمر بدابته فاُسرجت، ثمّ حمله فردّه عليها.
روى الذهبي عن الواقدي، عن أبي بكر بن أبي سبرة، عن يحيى بن شبل، عن أبي جعفر سأله عن يوم الحرّة هل خرج فيها أحد من بني عبد المطلب؟ قال: « لا، لزموا بيوتهم، فلمّا قدم مسرف وقتل الناس سأل عن أبي أحاضر هو؟ قالوا: نعم. قال: ما لي لا أراه؟ فبلغ ذلك أبي فجاءه ومعه ابنا محمد بن الحنفيّة، فرحّب بهم وأوسع لأبي على سريره، وقال: كيف أنت؟ إنّ أمير المؤمنين أوصاني بك خيراً »(1) .
قال الطبري: ثمّ دخلت سنة أربع وستين، ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث، قال أبو جعفر: فمن ذلك مسير أهل الشام إلى مكّة لحرب عبد الله بن الزبير، ومَنْ كان على مثل رأيه في الامتناع على يزيد بن معاوية. ولمّا فرغ مسلم بن عقبة من قتال أهل المدينة، وإنهاب جنده أموالهم ثلاثاً، شخص بمَنْ معه من الجند متوجهاً إلى مكّة.
قال أبو مخنف: حتّى إذا انتهى مسلم بن عقبة إلى المشلَّل ( ويُقال: إلى قفا المشلل )، نزل به الموت، وذلك في آخر المحرّم من سنة أربع وستين، فدعا حصين بن نمير السكوني فقال له: يابن برذعة الحمار، أما والله لو كان هذا الأمر إليّ ما ولّيتك هذا الجند، ولكن أمير المؤمنين ولاّك بعدي، وليس لأمر أمير المؤمنين مرد. خذ عنّي أربعاً: أسرع السير، وعجّل الوقاع، وعمّ الأخبار، ولا تمكن قرشياً من إذنك. ثمّ إنّه مات فدفن بقفا المشلل.
قال هشام بن محمد الكلبي: وذكر عوانة أنّ مسلم بن عقبة شخص يريد ابن الزبير حتّى إذا بلغ ثنية (هِرشى) نزل به الموت، فبعث إلى رؤوس الأجناد فقال: إنّ أمير
____________________
(1) في تاريخ الإسلام 5 / 28.
المؤمنين عهد إليّ إن حدث بي حدث الموت أن أستخلف عليكم حصين بن نمير السكوني، والله، لو كان الأمر إليّ ما فعلت، ولكن أكره معصية أمر أمير المؤمنين عند الموت.
ثمّ دعا به فقال: انظر يابن برذعة الحمار، فاحفظ ما أوصيك به؛ عمّ الأخبار، ولا ترع سمعك قريشاً أبداً، ولا تردّنّ أهل الشام عن عدوّهم، ولا تقيمنّ إلاّ ثلاثاً حتّى تناجز ابن الزبير الفاسق. ثمّ قال: اللّهمّ إنّي لم أعمل عملاً قطّ بعد شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله أحبّ إليّ من قتلي أهل المدينة، ولا أرجى عندي في الآخرة.
ولمّا مات خرج حصين بن نمير بالناس، فقدم على ابن الزبير مكّة وقد بايعه أهلها وأهل الحجاز.
وفي فتوح ابن أعثم: أنّ مسلم بن عقبة قال في وصيته للحصين بن نمير: فانظر أن تفعل في أهل مكّة، وفي عبد الله بن الزبير كما رأيتني فعلت بأهل المدينة. ثمّ جعل يقول: اللّهمّ إنّك تعلم أنّي لم أعص خليفة قطّ، اللّهمّ إنّي لا أعمل عملاً أرجو به النجاة إلاّ ما فعلت بأهل المدينة.
ثمّ اشتدّ به الأمر فمات. فغسّلوه وكفّنوه ودفنوه، وبايع الناس للحصين بن نمير السكوني من بعده، وسار القوم يريدون مكّة، وخرج أهل ذلك المنزل فنبشوه من قبره وصلبوه على نخلة. وبلغ ذلك أهل العسكر، فرجعوا إلى أهل ذلك المنزل، فوضعوا السيف فيهم، فقُتل منهم مَنْ قُتل وهرب الباقون، ثمّ أنزلوه من النخلة فدفنوه، ثمّ أجلسوا على قبره مَنْ يحفظه(1) .
____________________
(1) فتوح ابن أعثم 5 / 301.
قال المسعودي: فسار الحصين حتّى أتى مكّة وأحاط بها، وعاذ ابن الزبير بالبيت الحرام، ونصب الحصين في مَنْ معه من أهل الشام المجانيق والعرّادات على البيت، ورُمي مع الأحجار بالنار والنفط، ومشّاقات الكتّان، وغير ذلك من المحروقات، فانهدمت الكعبة واحترقت البنيّة.
ووقعت صاعقة فأحرقت من أصحاب المنجنيق أحد عشر رجلاً، فكان ذلك يوم السبت لثلاث خلون من ربيع الأوّل، وقبل وفاة يزيد بأحد عشر يوماً، واشتدّ الأمر على أهل مكّة وابن الزبير(1) .
وقال اليعقوبي: رمى حصين بن نمير بالنيران حتّى أحرق الكعبة، وكان عبيد الله بن عمير الليثي قاصّ ابن الزبير إذا تواقف الفريقان قام على الكعبة فنادى بأعلى صوته: يا أهل الشام! هذا حرم الله الذي كان مأمننا في الجاهلية، يأمن فيه الطير والصيد، فاتّقوا الله يا أهل الشام.
فيصيح الشاميّون: الطاعة الطاعة، الكرّ الكرّ، الرواح قبل المساء، فلم يزل على ذلك حتّى احترقت الكعبة.
فقال أصحاب ابن الزبير: نطفئ النار، فمنعهم وأراد أن يغضب الناس للكعبة.
فقال بعض أهل الشام: إنّ الحرمة والطاعة اجتمعتا فغلبت الطاعة الحرمة(2) .
وفي تاريخ الخميس، وتاريخ الخلفاء للسيوطي: واحترقت من شرارة نيرانهم أستار الكعبة وسقفها، وقرنا الكبش الذي فدى الله إسماعيل، وكان معلّقاً في الكعبة(3) .
وقال الطبري وغيره: أقاموا عليه يقاتلونه بقيّة المحرّم وصفر كلّه، حتّى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الأوّل يوم السبت (سنة 64 هـ)، قذفوا البيت بالمجانيق وحرّقوه
____________________
(1) مروج الذهب 3 / 71 - 72.
(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 251 - 252.
(3) تاريخ الخميس 2 / 303، تاريخ السيوطي / 9.
بالنار... قالوا: واستمرّ الحصار إلى مستهلّ ربيع الآخر حين جاءهم نعي يزيد، وأنّه قد مات لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل(1) .
وفي تاريخ الطبري وغيره: بينا حصين بن نمير يُقاتل ابن الزبير إذ جاء موت يزيد، فصاح بهم ابن الزبير، وقال: إنّ طاغيتكم قد هلك ; فمَنْ شاء منكم أن يدخل في ما دخل فيه الناس فليفعل، فمَنْ كره فليلحق بشامه، فغدوا عليه يُقاتلونه.
فقال ابن الزبير للحصين بن نمير: أُدنُ منيّ أحدّثك. فدنا منه فحدّثه فجعل فرس أحدهما يجفل (الجفل: الروث)، فجاء حمام الحرم يلتقط من الجفل فكفّ الحصين فرسه عنهّنّ، فقال له ابن الزبير: ما لك؟
قال: أخاف أن يقتل فرسي حمام الحرم.
فقال له ابن الزبير: أتحرّج من هذا وتريد أن تقتل المسلمين؟!
فقال: لا اُقاتلك، فأذن لنا نطوف بالبيت وننصرف عنك. ففعل.
قالوا: فأقبل الحصين بمَنْ معه نحو المدينة.
قالوا: واجترأ أهل المدينة وأهل الحجاز على أهل الشام، فذلّوا حتّى كان لا ينفرد منهم رجل إلاّ أخذ بلجام دابّته ثمّ نكس عنها، فكانوا يجتمعون في معسكرهم فلا يفترّقون.
وقالت لهم بنو اُميّة: لا تبرحوا حتّى تحملونا معكم إلى الشام ففعلوا، فمضى ذلك الجيش حتّى دخل الشام(2) .
____________________
(1) تاريخ الطبري 7 / 14 - 15، وابن الأثير 4 / 49، وابن كثير 8 / 225. قال الطبري: حدّثني عمر بن شبة قال: حدّثنا محمد بن يحيى، عن هشام بن الوليد المخزومي: أنّ الزهري كتب لجدّه (أسنان الخلفاء)، فكان فيما كتب من ذلك: ومات يزيد بن معاوية وهو ابن تسع وثلاثين، وكانت ولايته ثلاث سنين وستة أشهر في قول بعضهم، ويُقال: ثمانية أشهر.
(2) تاريخ الطبري 7 / 16 - 17.
قال ابن عبد البر: قال علي بن زيد الجُدْعاني: كان عبد الله بن الزبير كثير الصلاة، كثير الصيام، شديد البأس، كريم الجدّات والأمّهات والخالات، إلاّ أنّه كانت فيه خلال لا تصلح معها الخلافة؛ لأنّه كان بخيلاً ضيّق العطاء، سيّء الخلق، حسوداً، كثير الخلاف.
أخرج محمد بن الحنفيّة وعبد الله بن عباس إلى الطائف، وكانت بيعته بعد موت معاوية بن يزيد، واجتمع على طاعته أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان.
وحجّ بالناس ثماني حجج، وقُتل (رحمه الله) في أيام عبد الملك، يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى. وقيل: جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وصلب بعد قتله بمكة، وبدأ الحجّاج بحصاره من أوّل ليلة من ذي الحجّة سنة اثنتين وسبعين، فحاصره ستة أشهر وسبعة عشر يوماً إلى أن قُتل في النصف من جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين.
وقال ابن عبد البرّ: قال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): « ما زال الزبير يُعدُّ منّا أهلَ البيت حتّى نشأ عبدُ الله ».
وبويع لعبد الله بن الزبير بالخلافة سنة أربع وستين. هذا قول أبي معشر، وقال المدائني: بويع له بالخلافة سنة خمس وستين(1) .
____________________
(1) الاستيعاب - ترجمة عبد الله بن الزبير.
قال ابن أبي الحديد: وكان شيخنا أبو القاسم البلخي إذا ذكر عنده عبد الله بن الزبير يقول: لا خير فيه. وقال مرّة: لا يعجبني صلاته وصومه، وليسا بنافعين له مع قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعليعليهالسلام : « لا يبغضك إلاّ منافق ».
وقال أبو عبد الله البصري (رحمه الله) لمّا سُئل عنه: ما صح عندي أنّه تاب من يوم الجمل، ولكنّه استكثر ممّا كان عليه(1) .
وقال: توصل عبد الله بن الزبير إلى امرأة عبد الله بن عمر، وهي أخت المختار بن أبي عبيد الثقفي، في أن تكلّم بعلها عبد الله بن عمر أن يبايعه، فكلّمته في ذلك، وذكرت صلاته وقيامه وصيامه، فقال لها: أما رأيتِ البغلات الشُّهُب(2) التي كنّا نراها تحت معاوية بالحجر إذا قدم مكّة؟ قالت: بلى. قال: فإياها يطلب ابن الزبير بصومه وصلاته(3) .
وقال ابن أبي الحديد: لمّا نزل عليعليهالسلام بالبصرة ووقف جيشه بإزاء جيش عائشة، قال الزبير: والله ما كان أمر قطّ إلاّ عرفت أين أضع قدمي فيه إلاّ هذا الأمر؛ فإنّي لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر! فقال له ابنه عبد الله: كلا، ولكنّك فرقت سيوف ابن أبي طالب، وعرفت أنّ الموت الناقع تحت راياته. فقال الزبير: ما لك! أخزاك الله من ولد، ما أشأمك!
وكان عبد الله بن الزبير يبغض علياًعليهالسلام وينتقصه، وينال من عِرضه(4) .
وقال: وروى عمر بن شبة وابن الكلبي والواقدي وغيرهم من رواة السير أنّه مَكَثَ أيام ادعائه الخلافة أربعين جمعة لا يصلّي فيها على النبيصلىاللهعليهوآله ، وقال: لا يمنعني من ذكره إلاّ أن تشمخ رجالٌ بآنافها.
وفى رواية محمد بن حبيب وأبي عبيدة معمر بن المثنى أنّ له اُهَيل سوء يُنغِضِون رؤوسهم(5) عند ذكره.
____________________
(1) شرح نهج البلاغة 1 / 326.
(2) الشهبة في لون الخيل هي أن تشقّ معظم لونه خيط من الشعر الأبيض.
(3) شرح نهج البلاغة 1 / 326.
(4) شرح نهج البلاغة 2 / 166.
(5) يغضون رؤوسهم: أي يحركونها.
وروى سعيد بن جبير أنّ عبد الله بن الزبير قال لعبد الله بن عباس: ما حديث أسمعه عنك؟ قال: وما هو؟ قال: تأنيبي وذمي؟
فقال: إنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « بئس المرء المسلم يشبع ويجوع جاره ».
فقال ابن الزبير: إنّي لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة...(1) .
وقال: روى عمر بن شبة أيضاً عن سعيد بن جبير قال: خطب عبد الله بن الزبير فنال من عليعليهالسلام ، فبلغ ذلك محمد بن الحنفيّة، فجاء إليه وهو يخطب، فوضع له كرسي فقطع عليه خطبته، وقال: يا معشر العرب، شاهت الوجوه! أينتقص علي وأنتم حضور؟!
إنّ علياً كان يد الله على أعداء الله، وصاعقة من أمره، أرسله على الكافرين والجاحدين لحقِّه، فقتلهم بكفرهم؛ فشنئوه وأبغضوه، وأضمروا له الشَّنَف والحسد وابنُ عمِّهصلىاللهعليهوآله حي بعدُ لم يمت، فلمّا نقله الله إلى جواره، وأحبّ له ما عنده، أظهرت له رجال أحقادها، وشفت أضغانها؛ فمنهم مَنْ ابتزَّ حقَّه، ومنهم مَنْ ائتمر به ليقتله، ومنهم مَنْ شتمه وقذفه بالأباطيل... والله ما يشتم علياً إلاّ كافر يُسِرّ شتمَ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ويخاف أن يبوح به، فيكنّي بشتم عليعليهالسلام عنه.
أما إنّه قد تخطّت المنيّة منكم مَنْ امتدّ عمره وسمع قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيه: « لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق »،( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) .
فعاد ابن الزبير إلى خطبته وقال: عَذَرْتُ بني الفواطم يتكلّمون فما بال ابن الحنفيّة؟ فقال محمد: يابن اُمّ رومان، وما لي لا أتكلّم؟! وهل فاتني من الفواطم إلاّ واحدة؟ ولم يفتني فخرها لأنّها اُمّ أخوي؛ أنا ابن فاطمة بنت عمران بن عائذ بن مخزوم جدّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأنا ابن فاطمة بنت أسد بن هاشم كافلة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، والقائمة مقام اُمّه. أما والله، لولا خديجة بنت خويلد ما تركت في بني أسد بن عبد العزى عظماً إلاّ هشمته. ثمّ قام فانصرف(2) .
____________________
(1) شرح نهج البلاغة 4 / 62 - 63.
(2) المصدر نفسه.
وقال: إنّ عبد الله بن الزبير استنصر على يزيد بن معاوية بالخوارج واستدعاهم إلى ملكه، فقال فيه الشاعر:
يابن الزبير أتهوى فتية قتلوا |
ظلماً أباك ولمّا تُنزع الشُّكَكُ(1) |
|
ضحّوا بعثمان يوم النحر ضاحيةً |
أطيب ذاك الدم الزاكي الذي سفكوا |
فقال ابن الزبير: لو شايعني الترك والديلم على محاربة بني اُميّة لشايعتهم وانتصرت بهم(2) .
قال ابن أبي الحديد: روى أبو الفرج علي بن الحسين الإصبهاني في كتاب مقاتل الطالبيِّين أنّ يحيى بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليهالسلام لمّا آمنه الرشيد بعد خروجه بالديلم وصار إليه، بالغ في إكرامه وبرّهُ، فسعى به بعد مدّة عبد الله بن مصعب الزبيري(3) إلى الرشيد، وكان يبغضه، وقال له: إنّه قد عاد يدعو إلى نفسه سرّاً. وحسّن له
____________________
(1) الشكك: الأدعياء.
(2) شرح نهج البلاغة 5 / 131.
(3) عبد الله بن مصعب الزبيري، مبغض للطالبيِّين، أحد بطانة هارون الرشيد، وقد استغل هذه العلاقة للوقيعة بمَنْ قدر عليه منهم، وابنه مصعب كان على سرّ أبيه أيضاً. قال ابن الأثير (في حوادث سنة 236): كان مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام منحرفاً عن علي.
قال العلاّمة المقرّم (رحمه الله) ( في كتابه السيدة سكينة / 44 ): إنّ أوّل مَنْ وضع الأحاديث الشائنة في ابنة الحسين سكينة مصعب الزبيري ( المتوفى سنة 236 هجرية ) في كتابه نسب قريش؛ لينصرف المغنّون والشعراء عن ابنتهم سكينة بنت خالد بن مصعب بن الزبير التي تجتمع مع ابن أبي ربيعة الشاعر والمغنّيات يغنين لهم، وزاد عليها الزبير بن بكار وابنه.
وقال العلاّمة الحلّي ( في كشف اليقين / 94، ط إيران ): كان الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام من أشدّ الناس عداوة لأمير المؤمنين وولده.
وقال الشيخ المفيد ( في المسائل السروية / 61 ): لم يكن الزبير بن بكار مأموناً في الحديث، ولا موثوق النقل فيما يرويه من القذائف في حقّ أهل البيتعليهمالسلام ، ومنه تزويج عمر بأمّ كلثوم؛ لبغضه أمير المؤمنينعليهالسلام وتحامله عليه.
نقض أمانه، فأحضره وجمع بينه وبين عبد الله بن مصعب ليناظره فيما قذفه به، ورفعه عليه، فجبهه ابن مصعب بحضرة الرشيد وادّعى عليه الحركة فى الخروج وشقّ العصا، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، أتصدَّق هذا عليَّ وتستنصِحُه وهو ابن عبد الله بن الزبير الذي أدخل أباك عبد الله وولده الشعب، وأضرم عليهم النار حتّى خلَّصه أبو عبد الله الجدلي صاحب علي بن أبي طالبعليهالسلام منه عنوة؟!
وهو الذي ترك الصلاة على رسول اللهصلىاللهعليهوآله أربعين جمعة في خطبته، فلمّا التاث(1) عليه الناس قال: إنّ له أُهيل سوء، إذا صلّيت عليه أو ذكرته أتلعوا(2) أعناقهم، واشرأبّوا لذكره، فأكره أن أسُرَّهُم أو أُقِرَّ أعينهم.
وهو الذي كان يشتم أباك ويلصق به العيوب حتّى ورم كبده، ولقد ذُبحت بقرة يوماً لأبيك فوجدت كبدها سوداء قد نقبت، فقال علي ابنه: أما ترى كبد هذه البقرة يا أبتِ؟ فقال: يا بني، هكذا ترك ابن الزبير كبد أبيك. ثمّ نفاه إلى الطائف، فلمّا حضرته الوفاة قال لابنه علي: يا بُني، إذا متّ فالحق بقومك من بني عبد مناف بالشام، ولا تقم في بلد لابن الزبير فيه إمرة، فاختار له صحبة يزيد بن معاوية على صحبة عبد الله بن الزبير.
ووالله إنّ عداوة هذا يا أمير المؤمنين لنا جميعاً بمنزلة سواء، ولكنه قوي عليّ بك، وضعف عنك، فتقرّب بي إليك ليظفر منك بي بما يريد؛ إذ لم يقدر على مثله منك، وما ينبغي لك أن تسوِّغه ذلك فيَّ؛ فإنّ معاوية بن أبي سفيان وهو أبعد نسباً منك إلينا ذكر الحسن بن عليعليهالسلام يوماً فسبّه، فساعده عبد الله بن الزبير على ذلك، فزجره وانتهره، فقال: إنّما ساعدتك يا أمير المؤمنين! فقال: إنّ الحسن لحمي، آكُلُه ولا أوكَلُه(3) .
____________________
(1) التاث: أي هاج عليه الناس.
(2) أتلعوا أعناقهم: أي مدّوها.
(3) شرح نهج البلاغة 19 / 91، وبقيّة كلامه قوله: ومع هذا فهو الخارج مع أخي محمد على أبيك المنصور أبي جعفر، والقائل لأخي في قصيدة طويلة أوّلها: =
____________________
=
إنّ الحمامةَ يوم الشعبِ من وثنٍ |
هاجت فؤادَ محبّ دائمِ الحزنِ |
يحرّض أخي فيها على الوثوب والنهوض إلى الخلافة، ويمدحه ويقول له:
لا عزّ ركنا نزارٍ عند سطوتها |
إنْ أسلمتك ولا ركنا ذوي يمنِ |
|
ألست أكرمهم عوداً إذا انتسبوا |
يوماً وأطهرهم ثوباً من الدرنِ |
|
وأعظمَ الناسِ عند الناسِ منزلةً |
وأبعدَ الناسِ من عيبٍ ومن وهنِ |
|
قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتها |
إنّ الخلافةَ فيكم يا بني حسنِ |
|
إنّا لنأمل أن ترتدّ اُلفتنا |
بعد التدابرِ والبغضاءِ والإحنِ |
|
حتّى يثار على الإحسانِ محسننا |
ويأمن الخائفُ المأخوذ بالدمنِ |
|
وتنقضي دولةٌ أحكام قادتها |
فينا كأحكام قومٍ عابدي وثنِ |
|
فطالما قد بروا بالجور أعظمنا |
بري الصناعِ قداحَ النبعِ بالسفنِ |
فتغيّر وجه الرشيد عند سماع هذا الشعر، وتغيّظ على ابن مصعب، فابتدأ ابن مصعب يحلف بالله الذي لا إله إلاّ هو، وبأيمان البيعة أنّ هذا الشعر ليس له، وإنّه لسديف، فقال يحيى: والله يا أمير المؤمنين ما قاله غيره، وما حلفت كاذباً ولا صادقاً بالله قبل هذا، وإنّ الله عزّ وجلّ إذا مجّده العبد في يمينه فقال: والله الطالب الغالب الرحمن الرحيم، استحيا أن يعاقبه، فدعني أن اُحلّفه بيمين ما حلف بها أحد قطّ كاذباً إلاّ عوجل.
قال: فحلّفه. قال: قل برئت من حول الله وقوّته، واعتصمت بحولي وقوّتي، وتقلّدت الحول والقوّة من دون الله استكباراً على الله، واستعلاء عليه، واستغناء عنه إن كنت قلت هذا الشعر. فامتنع عبد الله من الحلف بذلك، فغضب الرشيد وقال للفضل بن الربيع: ما له لا يحلف إن كان صادقاً؟! هذا طيلساني عليّ، وهذه ثيابي لو حلّفني بهذه اليمين إنّها لي لحلفت.
فوكز الفضل عبد الله برجله، وكان له فيه هوى، وقال له: احلف ويحك! فجعل يحلف بهذه اليمين ووجهه متغيّر، وهو يرعد، فضرب يحيى بين كتفيه وقال: يابن مصعب، قطعت عمرك، لا تفلح بعدها أبداً.
قالوا: فما برح من موضعه حتّى عرض له أعراض الجذام، واستدارت عيناه، وتفقّأ وجهه، وقام إلى بيته، فتقطّع وتشقّق لحمه، وانتثر شعره، ومات بعد ثلاثة أيام.
وحضر الفضل بن الربيع جنازته، فلمّا جُعل في القبر انخسف اللّحد به حتّى خرجت منه غبرة شديدة، وجعل الفضل يقول: التراب! التراب! فطرح التراب وهو يهوى فلم يستطيعوا سدّه حتّى سُقّف بخشب وطم عليه، فكان الرشيد يقول بعد ذلك للفضل: أرأيت يا عبّاسي ما أسرع ما اُديل ليحيى من ابن مصعب؟!
قال ابن الأثير: أرسل عبد الملك بن مروان الحجّاج لحرب ابن الزبير بمكة، فنزل الطائف، وأمدّه بطارق، فقدم المدينة في ذي القعدة سنة 72 هـ وأخرج عامل ابن الزبير عنها، وجعل عليها رجلاً من أهل الشام اسمه ثعلبة(1) .
وقال: قدم الحجّاج مكّة في ذي القعدة وقد أحرم بحجّة فنزل بئر ميمون، وحجّ بالناس في تلك السنّة الحجّاج إلاّ أنّه لم يطف حول الكعبة، ولا سعى بين الصفا والمروة؛ منعه ابن الزبير من ذلك.
قال: ولم يحجّ ابن الزبير ولا أصحابه؛ لأنّهم لم يقفوا بعرفة ولم يرموا الجمار.
قال: ولمّا حَصَرَ الحجّاج ابن الزبير، نصب المنجنيق على أبي قبيس ورمى به الكعبة، وكان عبد الملك ينكر ذلك أيّام يزيد بن معاوية، ثمّ أمر به(2) .
وقال الذهبي: وألحّ عليه الحجّاج بالمنجنيق، وبالقتال من كلّ وجه، وحبس عنهم الميرة فجاعوا، وكانوا يشربون من زمزم فتعصمهم، وجعلت الحجارة تقع في الكعبة(3) .
قال ابن كثير: وكان معه خمس مجانيق، فألحّ عليها بالرمي من كلّ مكان. ثمّ ذكر مثل قول الذهبي(4) .
وفي فتوح ابن أعثم: أمر الحجّاج أصحابه أن يتفرّقوا من كلّ وجه؛ من ذي طوى، ومن أسفل مكّة، ومن قبل البطح، فاشتدّ الحصار على عبد الله بن الزبير وأصحابه، فنصبوا المجانيق وجعلوا يرمون البيت الحرام بالحجارة وهم يرتجزون بالأشعار.
قال: فلم يزل الحجّاج وأصحابه يرمون بيت الله الحرام بالحجارة حتّى انصدع
____________________
(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 135.
(2) تاريخ ابن الأثير 4 / 136.
(3) تاريخ الإسلام - للذهبي 3 / 114.
(4) ابن كثير 8 / 329.
الحائط الذي على بئر زمزم عن آخره، وانتقضت الكعبة من جوانبها(1) .
قال الطبري: فلم تزل الحرب بين ابن الزبير والحجّاج حتّى كان قبيل مقتله، وقد تفرّق عنه أصحابه، وخرج عامّة أهل مكّة إلى الحجّاج في الأمان، وخذله مَنْ معه خذلانا شديداً، حتّى خرج إلى الحجّاج نحو من عشرة آلاف، وفيهم ابناه حمزة وخبيب، فأخذا منه لأنفسهما أماناً.
وبعث الحجّاج برأس ابن الزبير، ورأس عبد الله بن صفوان، وعمارة بن عمرو بن حزم إلى المدينة فنُصبت بها، ثمّ ذهب بها إلى عبد الملك بن مروان(2) .
وفي تاريخ ابن كثير: وأرسل بالرؤوس مع رجل من الأزد، وأمرهم إذا مرّوا بالمدينة أن ينصبوا الرؤوس بها، ثمّ يسيروا بها إلى الشام، ففعلوا ما أمرهم، وأعطاهم عبد الملك خمسمئة دينار، ثمّ دعا بمقراض فأخذ من ناصيته ونواصي أولاده فرحاً بمقتل ابن الزبير.
قال: ثمّ أمر الحجّاج بجثّة ابن الزبير فصلبت على ثنيَّة كَداء عند الحُجون، يُقال: منكَّسة، ثمّ أنزل عن الجذع ودفن هناك(3) .
قال الذهبي: واستوسق الأمر لعبد الملك بن مروان، واستعمل على الحرمين الحجّاج بن يوسف، فنقض الكعبة التي من بناء ابن الزبير وكانت تشعّثت من المنجنيق، وانفلق الحجر الأسود من المنجنيق فشعَبوه(4) .
____________________
(1) فتوح ابن أعثم 6 / 275 - 276.
(2) تاريخ الطبري 8 / 202 - 205.
(3) تاريخ ابن كثير 8 / 332، وفي فتوح ابن أعثم 6 / 279 أكّد أنّه صلبه منكوساً.
(4) تاريخ الإسلام - للذهبي 3 / 115، وشعَّبوه هنا بمعنى ضمّوا أجزاءه بعضها إلى بعض.
وقال الطبري بعده: ثمّ انصرف إلى المدينة في صفر، فأقام بها ثلاثة أشهر يتعبَّثُ بأهل المدينة ويتعنَّتهم، وبنى بها مسجداً في بني سلمة فهو ينسب إليه، واستخفَّ فيها بأصحاب رسولصلىاللهعليهوآله فختم في أعناقهم، وكان جابر بن عبد الله مختوماً في يده، وأنس مختوماً في عنقه يريد أن يذلّه بذلك.
وأرسل إلى سهل بن سعد فدعاه فقال: ما منعك أن تنصر أمير المؤمنين عثمان بن عفّان؟ قال: قد فعلت. قال: كذبت. ثمّ أمر به فختم في عنقه برصاص(1) .
____________________
(1) تاريخ الطبري 7 / 206 في ذكر حوادث سنة 74 هـ.
كان عبيد الله بن زياد حين يذهب إلى البصرة يستخلف على الكوفة الصحابي عمرو بن حريث، وكان مدير شرطته فيها، ومعاونه في ملاحقة أنصار الحسينعليهالسلام وسجنهم قبل مجيئه إلى كربلاء.
مات يزيد في ربيع الأوّل سنة 64 هجرية، وكان عبيد الله بن زياد في البصرة، وعلى الكوفة خليفته عمرو بن حريث، ولمّا بايع أهل البصرة لعبيد الله ريثما يجتمع الناس على خليفة(1) ، كتب إلى ابن حريث يأمره بالدعوة إلى بيعته، غير أنّ يزيد بن رويم الشيباني أحد رؤوس الجيش الكوفي قال: لا حاجة لنا في بني اُميّة ولا في ابن مرجانة، وهي أمّ عبيد الله؛ إنّما البيعة لأهل الحِجْر، يعني أهل الحجاز.
فخلع أهل الكوفة ولاية بني اُميّة وإمارة ابن زياد، وأرادوا أن ينصّبوا لهم أميراً، فقال جماعة(2) : عمر بن سعد بن أبي وقاص يصلح لها. فلمّا همّوا بتأميره أقبل نساء همدان وغيرهن من نساء كهلان والأنصار، وربيعة والنخع حتّى دخلنَ المسجد الجامع؛ صارخات باكيات مُعوِلات، يندبن الحسينعليهالسلام ويقلنَ: أما رضي عمر بن سعد بقتل الحسينعليهالسلام
____________________
(1) روى المسعودي في مروج الذهب 3 / 84: أنّ أشراف البصرة؛ منهم الأحنف بن قيس التميمي، وقيس بن الهيثم السلمي، ومسمع بن مالك العبدي بايعوا عبيد الله، وتبعهم أهل البصرة.
(2) هم زملاء يزيد بن رويم؛ أمثال شبث بن ربعي، وحجّار بن أبجر، ومحمد بن الأشعث، وكان عمر بن سعد قائدهم العام.
حتّى أراد أن يكون أميراً علينا!
فبكى الناس وأعرضوا عن عمر، وكان المبرزات في ذلك نساء همدان، وقد كان عليعليهالسلام مائلاً إلى همدان، مؤثراً لهم، وهو القائل:
فلو كنتُ بوّاباً على بابِ جنّة |
لقلتُ لهمدان ادخلوا بسلامِ(1) |
ثمّ اصطلحوا على عامر بن مسعود بن أميّة بن خلف الجمحي القرشي وبايعوا لابن الزبير.
قال ابن حجر: وكان عامر يلقّب دُحروجَة الجُعَل؛ لأنّه كان قصيراً، ثمّ اتفق عليه أهل الكوفة بعد موت يزيد بن معاوية، فأقرَّه ابن الزبير قليلاً، ثمّ عزله بعد ثلاثة أشهر، وولاّها عبد الله بن يزيد الخطمي.
ويُقال: إنّ دُحروجة الجُعل هذا خطب أهل الكوفة فقال: إنّ لكلّ قوم شراباً فاطلبوه في مظانّه، وعليكم بما يحِل ويُحمَد، واكسروا شرابكم بالماء.
وفي ذلك يقول الشاعر:
مَنْ ذا يحرّمُ ماءَ المزنِ خالطه |
في قعرِ خابيةٍ ماءُ العناقيدِ |
|
إنّي لأكرهُ تشديدَ الرواةِ لنا |
فيها ويعجبني قولُ ابنِ مسعودِ |
وكثير من الناس يظنّ أنّ الشاعر عنى عبد الله بن مسعود وليس كذلك، وإنّما عنى هذا(2) .
قال ابن أبي الحديد: وكان عامر بن مسعود مع عائشة في حرب الجمل، وهرب فنجا من القتل، وله ولغيره من بني جمح يقول عليعليهالسلام : « وأفلتتني أعيارُ بني جمح ». (والعير: الحمار)(3) .
وقد عاش حتّى ولاّه زياد صدقات بكر بن وائل، وولاّه عبد الله بن الزبير بن العوّام الكوفة، فكان يصلّي بالناس.
____________________
(1) مروج الذهب 3 / 85.
(2) الإصابة 3 / 603.
(3) جاء في شرح نهج البلاغة 11 / 126 أنّ عامر بن مسعود بن أميّة بن خلف كان يسمّى دُحروجة الجُعل؛ لقصره وسواده.
أقول: ودُحروجة الجُعَل هذا هو أحد شهود الزور على حجر بن عدي (رحمه الله) في الرسالة التي بعثها زياد إلى معاوية.
قال ابن أبي الحديد: وقَدِم عبد الله بن يزيد الأنصاري الخطمي(1) من قِبَل عبد الله بن الزبير أميراً على الكوفة على حربها وثغرها، وقدم معه من قبل ابن الزبير إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله الأعرج أميراً على خراج الكوفة، وكان قدوم عبد الله بن يزيد الأنصاري الخطمي يوم الجمعة لثمان بقين من شهر رمضان سنة أربع وستين.
يتّضح ممّا مضى أنّ الشيعة ( أصحاب علي وأولادهعليهمالسلام ) كانوا قد أكلتهم المحنة والسجون، والتشرّد والتهجير، فلم يبقَ منهم وجود ظاهر، فصار حالهم كما أخبر عنه عليعليهالسلام : « ألا وإنّ أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني اُميّة؛ فإنّها فتنة عمياء مظلمة، عمت خطّتها، وخُصّت بليتها، وأصاب البلاء مَنْ أبصر فيها، وأخطأ البلاء مَنْ عمي عنها.
وأيم اللّه، لتجدنَّ بني اُميّة لكم أرباب سوء بعدي كالنّاب الضروس؛ تعذم بفيها، وتخبط بيدها، وتزبن برجلها، وتمنع درّها، لا يزالون بكم حتّى لا يتركوا منكم إلاّ نافعاً لهم، وغير
____________________
(1) ابن حجر في الإصابة 4 / 267، والمزي في تهذيب الكمال 16 / 301. عبد الله بن يزيد بن زيد بن حصن بن عمرو بن الحارث بن خطمة بن جشم بن مالك بن الأوس الأنصاري الخطمي، له ولأبيه صحبة، وشهد بيعة الرضوان وهو صغير، وكان يُكنّى أبا موسى.
روى عن النبيصلىاللهعليهوآله ، وشهد الجمل وصفين والنهروان مع علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وحديثه عنه في الترمذي وغيره. وعن البراء بن عازب وحديثه عنه في الصحيحين، وعن أبي أيوب وأبي مسعود وحذيفة، وقيس بن سعد وزيد بن ثابت وغيرهم.
روى عنه ابنه موسى، وسبطه عدي بن ثابت، والشعبي، وأبو إسحاق، وابن سيرين، وآخرون. وولى إمرة مكّة من عبد الله بن الزبير يسيراً، واستمر مقيماً بها، وكان شهد قبل ذلك مع علي مشاهده.
وقال ابن حبان: كان الشعبي كاتبه لمّا كان أمير الكوفة. قال البغوي: سكن الكوفة وابتنى بها داراً، ومات في زمن ابن الزبير.
ضائر بهم، ولا يزال بلاؤهم عنكم حتّى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلاّ كانتصار العبد من ربّه، والصاحب من مستصحبه ».
وإنّما كانت حركة الحسينعليهالسلام بالبقيّة الباقية المستترة؛ ليبعث الحياة في الكوفة من جديد، وينقذها من مخطّط التذويب الذي وضعه لها معاوية ونفّذه ابن زياد.
من المؤسف جدّاً أنّ المصادر المتوفّرة لدينا التي تتحدّث عن شيعة الكوفة في هذه الفترة تكاد تنحصر بروايات أبي مخنف، وهي غير كافية لتكوين صورة صادقة عن واقع شيعة الكوفة بعد مقتل الحسينعليهالسلام ، ولا بعد وفاة يزيد؛ لكثرة التحريف الذي أصابها؛ فهي تذكر أنّ حركة سليمان كانت منفصلة عن حركة المختار بل تفيد أنّ المختار كان يخذل عن حركة سليمان في أوّل أمرها.
إنّ الذي تقتضيه طبيعة الحوادث والأوضاع أن يُطلع الحسينعليهالسلام خواص أصحابه على خطّتة؛ ليواصلوا الحركة بعد استشهاده، وإقامة الحكم في الكوفة حين يتيسر أسبابه لهم ومقاتلة بني اُميّة.
وتفيد الأخبار أنّ ميثم التمّار كان قد أخبر المختار أنّه سوف يفلت من السجن ويقتل ابن زياد، وسيأتي الحديث عن ذلك، ونحن نحتمل (والله العالم) أنّ خطّة الثورة في الكوفة بعد الحسينعليهالسلام تقاسمها سليمان بن صُرَد والمختار على محورين:
المحور الأوّل: أن يتحرّك سليمان بعدد من الشيعة باتّجاه الشام تنفيذاً لخطّة الحسينعليهالسلام فيما لو كان قد قدم الكوفة، نظير ما فعل النبيصلىاللهعليهوآله حين قدم المدينة؛ لتثبيت أنّ العدو المركزي هم أهل الشام، ولطمأنة ابن مطيع والي عبد الله بن الزبير، ورؤساء الجيش الذين كانوا أداة زياد وابنه في قمع أصحاب عليعليهالسلام ، وأنّ الشيعة لا يستهدفونهم في خروجهم وثورتهم.
المحور الثاني: أن يبقى المختار في الكوفة ينظّم بقيّة الشيعة ويهيئ للثورة على ابن الزبير.
روى البلاذري 6 / 381، عن أبي مخنف: أنّ عمر بن سعد، ويزيد بن الحارث بن رديم،
وشبث بن ربعي قالوا لعبد الله بن يزيد الخطمي وإبراهيم الأعرج: أنّ سليمان بن صرد يريد قتال أعدائكما، وأنّ المختار يريد الوثوب بكما والإفساد عليكما، فأخذاه فحبساه وقيّداه.
والذي تجدر الإشارة إليه هو أنّ هناك تشويهاً لحق بحركة سليمان بن صرد وزملائه؛ فالعبارة حين نسبت إليه بعض الروايات كلمات من قبيل ما نسب إلى المسيَّب بن نجبة قوله: أمّا بعد، فقد ابتلينا بطول العمر... وقد بلا الله أخبارنا فوجدنا كاذبين في أمر ابن ابنة نبيّنا، وقد بلغتنا كتبه، وقد أتتنا رسله، وسألنا نصره عوداً وبدءاً، وعلانية وسرّاً، فبخلنا بأنفسنا حتّى قُتل إلى جانبنا، فلا نحن نصرناه بأيدينا، ولا جادلنا عنه بألسنتنا، ولا قويناه بأموالنا، ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا....
وما نسب إلى سليمان بن صرد بعد أن قلّده الثائرون رئاستهم قوله: إنّي أخاف ألاّ نكون أُخِّرنا إلى هذا الدهر الذي نكدت فيه المعيشة، وعظمت فيه الرزية لما هو خير لنا، إنّا كنّا نمد أعناقنا إلى آل بنيّنا ونمنّيهم النصر، ونحثّهم على القدوم، فلمّا قدموا علينا ونينا وعجزنا، وداهنّا وتربصنا حتّى قُتل... وأنّهم بكوا عند قبر الحسينعليهالسلام ، ونادوا: يا لثارات الحسينعليهالسلام ، وأظهروا التوبة من خِذلانه.
إنّ هذه الروايات والكلمات وغيرها التي أكثر منها أبو مخنف في كتابه، وعنه انتشرت، ممّا ينبغي التريُّث في قبوله؛ إذ أنّ أبا مخنف ألَّف كتابه هذا في زمن تبنى فيه أبو جعفر المنصور حملة إعلامية كالتي تبنّاها معاوية في زمانه، استهدفت حملة معاوية تكريس النيل من عليعليهالسلام ، وهذه استهدفت النيل من شيعة علي في الكوفة خاصّة، وقد أشرنا إلى ذلك في المقدّمة(1) .
____________________
(1) أشرنا إلى طرف من هذا الانقلاب في كتابنا (المدخل إلى دراسة مصادر السيرة والتاريخ) - الباب الثالث - الفصل السادس: العوامل المؤثرة في التدوين التاريخي عند المسلمين / 469 - 489.
قال الطبري: وفي هذه السنة (سنة 64 هجرية) تحرّكت الشيعة بالكوفة، واستعدوا للاجتماع بالنخيلة في سنة خمس وستين للمسير إلى أهل الشام للطلب بدم الحسين بن عليعليهماالسلام ، وتكاتبوا في ذلك(1) .
قال المزي: سليمان بن صرد الخزاعي، أبو مُطرِّف الكوفي، له صحبة. روى عن النبيصلىاللهعليهوآله ، وعن أبي بن كعب (دسي)، وجبير بن مطعم (خ م د س ق)، والحسن بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وأبيه علي بن أبي طالبعليهالسلام .
روى عنه تميم بن سلمة، وشقير العبدي، وشمر، وضبثم الضبي، وعبد الله بن يسار الجهني (س)، وعدي بن ثابت (خ م د سي)، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، وأبو الضحى مسلم بن صبيح، ويحيى بن يعمر (د)، وأبو حنيفة والد عبد الأكرم بن أبي حنيفة (ق)، وأبو عبد الله الجدلي(2) .
قال أبو عمر بن عبد البرّ: كان خيِّراً فاضلاً، له دين وعبادة. كان اسمه في الجاهلية يساراً فسمّاه رسول اللهصلىاللهعليهوآله سليمان. سكن الكوفة وابتنى بها داراً في خزاعة، وكان
____________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 552 سنة 64، أنساب الأشراف 6 / 366، وفيه: أنّ ابتداء أمر التوابين كان في آخر سنة إحدى وستين، وكان مهلك يزيد في شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستين، وكان أجل الشيعة الذي ضربوه لمَنْ كتبوا إليه في شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين.
(2) تهذيب الكمال - ترجمة سليمان بن صرد.
نزوله بها في أوّل ما نزلها المسلمون، وكانت له سِنٌّ عالية، وشرف في قومه، وشهد مع عليعليهالسلام صفين(1) .
قال ابن حجر: وكان خيِّراً فاضلاً، شهد صفين مع عليعليهالسلام ، وقَتَلَ حوشباً مبارزة، ثمّ كان ممّن كاتب الحسينعليهالسلام ثمّ تخلّف عنه، ثمّ قدم هو والمسيّب بن نجبة في آخرين، فخرجوا في الطلب بدمه، وهم أربعة آلاف، فالتقاهم عبيد الله بن زياد بعين الوردة بعسكر مروان، فقُتل سليمان ومَنْ معه، وذلك في سنة خمس وستين في شهر ربيع الآخر.
وكان لسليمان يوم قُتل ثلاث وتسعون سنة، وكان الذي قتل سليمان يزيد بن الحصين بن نمير، رماه بسهم فمات، وحُمِل رأسه ورأس المسيّب إلى مروان(2) .
أقول: قول ابن حجر (كان ممّن كاتب الحسينعليهالسلام ثمّ تخلّف عنه): تعليقنا عليه هو: إنّ الذين كاتبوا الحسينعليهالسلام قسمان:
الأوّل: شيعة عليعليهالسلام
وهؤلاء لم يتخلّفوا، وإنّما سُجن أغلبهم على التهمة والظنّ في الفترة التي قُتل فيها مسلم وهانئ، واختفى بعضهم محاولاً اللحاق بالحسينعليهالسلام ، وقد وفق بعضهم في اللحاق كحبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وغيرهما، ولم يوفق القسم الآخر بسبب قطع الطرق فبقي مختفياً، وكان منهم سليمان بن صرد والمسيّب بن نجبة وغيرهما.
الثاني: وجوه الجيش
أمثال حجّار بن أبجر، وشبث بن ربعي، ويزيد بن الحارث بن رويم، وقطن بن عبد الله بن حصين، ومحمد بن قيس بن الأشعث وغيرهم، وهؤلاء عُرِفوا بِنِفاقهم وميلهم إلى الدنيا عندما اشتركوا في شهادة الزور على حجر؛ إرضاءً لعبيد الله بن زياد، ولم يكونوا محسوبين من شيعة عليعليهالسلام وحملة علمه وحديثه، وقد كتبوا
____________________
(1) الاستيعاب - ترجمة سليمان بن صرد.
(2) الإصابة في معرفة الصحابة - ترجمة سليمان بن صرد.
للحسينعليهالسلام - إن صدّقنا رواية الكتب - لمّا نُمي إليهم أنّ حركة مسلم آخذة بالاتّساع، وقدَّروا أنّ حركة الحسين سوف تنجح، وهم طلاب دنيا، وعندما استطاع ابن زياد أن يقضي على حركة مسلم، ويسجن الناس على التهم والظنّ، أنكر هؤلاء أنّهم كتبوا للحسينعليهالسلام ، وأخذوا مواقعهم في الجيش الذي قاتل الحسينعليهالسلام .
وقد بقي هؤلاء على موقفهم وإصرارهم على الإثم حتّى بعد قتل الحسينعليهالسلام وموت يزيد، وقد كان هواهم مع ابن الزبير وبايعوا له، ولم يتُب منهم أحد، وقد قاتلوا المختار عند قيامه، ثمّ انهزموا إلى البصرة ولجؤوا إلى مصعب، وجاؤوا معه لقتال المختار وقضوا عليه.
توجد في التراث الشيعي في حقّ المختار روايات تمدح وأخرى تقدح؛ فمن الروايات التي تمدح: ما رواه الكشي عن حمدويه قال: حدّثني يعقوب، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن المثنى، عن سدير، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: « لا تسبّوا المختار؛ فإنّه قتل قتلتنا، وطلب بثأرنا، وزوّج أراملنا، وقسّم فينا المال على العسرة ».
وأيضاً ما رواه عن محمد بن الحسن، وعثمان بن حامد، قالا: حدّثنا محمد بن يزداد، عن محمد بن الحسين، عن موسى بن يسار، عن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن شريك، قال: دخلنا على أبي جعفرعليهالسلام يوم النحر وهو متّكئ، وقد أرسل إلى الحلاّق، فقعدت بين يديه، إذ دخل عليه شيخ من أهل الكوفة، فتناول يده ليقبّلها فمنعه، ثمّ قال: « مَنْ أنت؟ ».
قال: أنا أبو محمد الحكم بن المختار بن أبي عبيدة الثقفي، وكان متباعداً من أبي جعفرعليهالسلام ، فمدّ يده إليه حتّى كاد يقعده في حجره بعد منعه يده، ثمّ قال: أصلحك الله، إنّ الناس قد أكثروا في أبي وقالوا، والقول والله قولك.
قال: « وأيّ شيء يقولون؟ ».
قال: يقولون كذّاب، ولا تأمرني بشيء إلاّ قبلته.
فقال: « سبحان الله! أوَ لم يبنِ دورنا، وقتل قاتلينا، وطلب بدمائنا؟! رحم الله أباك، رحم الله أباك، ما ترك لنا حقّاً عند أحد إلاّ طلبه؛ قتل قتلتنا، وطلب بدمائنا ».
ومن الروايات التي تقدح وتطعن: ما رواه الكشي أيضاً عن محمد بن الحسن، وعثمان بن حامد، قالا: حدّثنا محمد بن يزداد الرازي، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن عبد الله المزخرف، عن حبيب الخثعمي، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: كان المختار يكذب على علي بن الحسينعليهالسلام .
وعن جبرئيل بن أحمد، حدّثني العبيدي، قال: حدّثني محمد بن عمرو، عن يونس بن يعقوب، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: كتب المختار بن أبي عبيدة إلى علي بن الحسينعليهالسلام ، وبعث إليه بهدايا من العراق، فلمّا وقفوا على باب علي بن الحسين دخل الآذن يستأذن لهم، فخرج إليهم رسوله فقال: أميطوا عن بابي؛ فإنّي لا أقبل هدايا الكذّابين...(1) .
قال السيد الخوئي (رحمه الله): وأمّا الروايات الذامّة فهي ضعيفة الإسناد جدّاً، ولو صحّت فهي لا تزيد على الروايات الذامّة الواردة في حقّ زرارة ومحمد بن مسلم وبريد وأضرابهم، ويكفي في حسن حال المختار إدخاله السرور في قلوب أهل البيت (سلام الله عليهم) بقتله قَتَلة الحسينعليهالسلام ، وهذه خدمة عظيمة لأهل البيتعليهمالسلام يستحق بها الجزاء من قبلهم.
ثمّ إنّ خروج المختار وطلبه بثأر الحسينعليهالسلام كان قد أخبره ميثم التمّار(2) لمّا كانا في حبس عبيد الله بن زياد، بأنّه يفلت
____________________
(1) اختيار معرفة رجال الكشي 1 / 34.
(2) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 2 / 293: وروى إبراهيم في كتاب الغارات عن أحمد بن الحسن الميثمي، قال: كان ميثم التمّار مولى علي بن أبي طالبعليهالسلام عبداً لامرأة من بني أسد (رحمه الله)، فاشتراه عليعليهالسلام منها وأعتقه... وقد أطلعه عليعليهالسلام على علم كثير وأسرار خفية من أسرار الوصية، فكان ميثم يحدّث ببعض ذلك، فيشك فيه قوم من أهل الكوفة، وينسبون عليّاًعليهالسلام في ذلك إلى المخرقة والإيهام والتدليس، حتّى قال له يوماً بمحضر من خلق كثير من أصحابه، وفيهم الشاك والمخلص: « يا ميثم، إنّك تؤخذ بعدي وتُصلب، فإذا كان اليوم الثاني ابتدر منخراك وفمك دماً حتّى تخضب لحيتك، فإذا كان اليوم الثالث طعنت بحربة يقضى عليك، فانتظر ذلك. والموضع الذي تُصلب فيه على باب دار عمرو بن حريث، إنّك لعاشر عشرة أنت أقصرهم خشبة، وأقربهم من المطهّرة (يعنى الأرض)، ولأرينك النخلة التي تُصلب على جذعها ».
ثم أراه إياها بعد ذلك بيومين، وكان ميثم يأتيها، =
____________________
= فيصلّي عندها، ويقول: بوركت من نخلة، لك خلقت، ولي نبتِ. فلم يزل يتعاهدها بعد قتل عليعليهالسلام حتّى قُطعت، ( فكان يرصد جذعها ويتعاهده ويتردد إليه، ويبصره )، وكان يلقى عمرو بن حريث فيقول له: إنّي مجاورك فأحسن جواري. فلا يُعلم عمرو ما يريد، فيقول له: أتريد أن تشتري دار ابن مسعود، أم دار ابن حكيم؟
قال: وحجّ في السنة التي قُتل فيها، فدخل على اُمّ سلمة (رضي الله عنها)، فقالت له: مَنْ أنت؟ قال: عراقي. فاستنسبته، فذكر لها أنّه مولى علي بن أبى طالب، فقالت: أنت هيثم؟ قال: بل أنا ميثم. فقالت: سبحان الله! والله لربّما سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوصي بك علياً في جوف الليل. فسألها عن الحسين بن علي، فقالت: هو في حائط له.
قال: أخبريه أنّي قد أحببت السلام عليه، ونحن ملتقون عند ربّ العالمين إن شاء الله، ولا أقدر اليوم على لقائه، واُريد الرجوع. فدعت بطيب فطيّبت لحيته، فقال لها: أما إنّها ستخضب بدم. فقالت: مَنْ أنباك هذا؟ قال: أنبأني سيّدي.
فبكت اُمّ سلمة وقالت له: إنّه ليس بسيّدك وحدك، هو سيّدي وسيّد المسلمين. ثمّ ودّعته، فقدم الكوفة، فأُخذ وأُدخل على عبيد الله بن زياد، وقيل له: هذا كان من آثر الناس عند أبي تراب. قال: ويحكم! هذا الأعجمي؟! قالوا: نعم. فقال له عبيد الله: أين ربّك؟ قال: بالمرصاد. قال: قد بلغني اختصاص أبي تراب لك. قال: قد كان بعض ذلك، فما تريد؟ قال: وإنّه ليُقال إنّه قد أخبرك بما سيلقاك. قال: نعم، إنّه أخبرني أنّك تصلبني عاشر عشرة، وأنا أقصرهم خشبة، وأقربهم من المطهّرة. قال: لاُخالفنّه. قال: ويحك! كيف تخالفه، إنّما أخبر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأخبر رسول الله عن جبرائيل، وأخبر جبرائيل عن الله، فكيف تخالف هؤلاء؟! أما والله، لقد عرفت الموضع الذي أُصلب فيه أين هو من الكوفة، وإنّي لأوّل خلق الله أُلجم في الإسلام بلجام كما يُلجم الخيل.
فحبسه وحبس معه المختار بن أبي عبيدة الثقفي، فقال ميثم للمختار وهما في حبس ابن زياد: إنّك تفلت وتخرج ثائراً بدم الحسينعليهالسلام ، فتقتل هذا الجبّار الذي نحن في سجنه، وتطأ بقدمك هذا على جبهته وخدّيه.
فلما دعا عبيد الله بن زياد بالمختار ليقتله طلع البريد بكتاب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد يأمره بتخلية سبيله، وذاك أنّ أخته كانت تحت عبد الله بن عمر بن الخطاب، فسألت بعلها أن يشفع فيه إلى يزيد فشفع، فأمضى شفاعته وكتب بتخلية سبيل المختار على البريد، فوافى البريد وقد أُخرج ليُضرب عنقه فأُطلق.
وأمّا ميثم فأُخرج بعده ليُصلب، وقال عبيد الله: لأمضينّ حكم أبي تراب فيه. فلقيه رجل فقال له: ما كان أغناك عن هذا يا ميثم! فتبسّم وقال: لها خُلقت، ولي غذيت. فلمّا رُفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على باب عمرو بن حريث، فقال عمرو: لقد كان يقول لي: إنّي مجاورك. فكان يأمر جاريته كلّ عشية أن تكنس تحت خشبته وترشه، وتجمر بالمجمر تحته، فجعل ميثم يحدّث بفضائل بني هاشم ومخازي بني اُميّة، وهو مصلوب على الخشبة، فقيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد.
فقال: ألجموه. فأُلجم، فكان أوّل خلق الله أُلجم في الإسلام، فلمّا كان في اليوم الثاني فاضت منخراه وفمه دماً، فلمّا كان في اليوم الثالث طُعن بحربة فمات. وكان قتل ميثم قبل قدوم الحسينعليهالسلام العراق بعشرة أيام.
ويخرج ثائراً بدم الحسينعليهالسلام (1) .
أقول: أمّا في كتب الرجال السنّية فإنّ المختار مذموم جدّاً، ولا توجد رواية واحدة تُثني عليه.
قال ابن الأثير(2) ، وقد نقل كلام ابن عبد البرّ القرطبي: المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي أبو إسحاق، كان أبوه من أجلّة الصحابة. ولد المختار عام الهجرة. وأخباره أخبار غير مرضية، وذلك مذ طلب الإمارة إلى أن قتله مصعب بن الزبير بالكوفة سنة سبع وستين. وكان قبل ذلك معدوداً في أهل الفضل والخير، يرائي بذلك كلّه ويكتم الفسق، فظهر منه ما كان يضمر، والله أعلم(3) .
قال ابن حجر في الإصابة: روى موسى بن إسماعيل، عن أبي عوانة، عن مغيرة، عن ثابت بن هرمز، قال: حمل المختار مالاً من المدائن من عند عمّه إلى علي، فأخرج كيساً فيه خمسة عشر درهماً، فقال: هذا من اُجور المومسات. فقال له علي: ويلك! ما لي وللمومسات؟! ثمّ قام وعليه مقطعة حمراء، فلمّا سلّم قال علي: ما له قاتله الله؟! لو شقّ عن قلبه الآن لوجد ملآن من حبّ اللات والعزّى.
وممّا ورد في ذلك: ما أخرجه أحمد في مسند عمرو بن الحمق من طريق السدي، عن رفاعة القتباني قال: دخلت على المختار فألقى إليَّ وسادة، وقال: لولا أنّ أخي جبرائيل قام عن هذه، وأشار إلى أخرى عنده، لألقيتها لك(4) .
وقال ابن حبّان في ترجمة صفية بنت أبي عبيد في كتابه الثقات: هي أخت المختار المتنبي(5) بالعراق.
____________________
(1) معجم رجال الحديث - السيد الخوئي 91 / 102.
(2) أُسد الغابة - ترجمة المختار بن أبي عبيد الثقفي.
(3) الاستيعاب 4 / 1465.
(4) رواها ابن عدي في الكامل 4 / 172، قال: أخبرنا الفضل بن الحباب، ثنا مسلم بن إبراهيم، عن عبد الله بن ميسرة الحارثي الواسطي، ثنا أبو عكاشة أنّ رفاعة دخل على المختار بن أبي عبيد فقال: انصرف عنّي جبريل آنفاً.
(5) المتنبّي: أي الذي ادّعى النبوّة.
قال ابن حجر: وأقوى(1) ما ورد في ذمّه، ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أسماء بنت أبي بكر: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: يكون في ثقيف كذّاب ومبير، فشهدت أسماء أنّ الكذّاب هو المختار المذكور.
وذكر ابن سعد عن الواقدي بأسانيده: أنّ أبا عبيد والد المختار قدم من الطائف في زمن عمر حين ندب الناس إلى العرق، فخرج أبو عبيدة فاستشهد يوم الجسر، وبقي ولده بالمدينة، وتزوّج عبد الله بن عمر صفية بنت أبي عبيد، وأقام المختار بالمدينة منقطعاً إلى بني هاشم، ثمّ كان مع علي بالعراق، وسكن البصرة بعد علي، وله قصّة مع الحسن بن علي لمّا ولّي الخلافة(2) .
أقول: يريد بقصته مع الحسنعليهالسلام ما رواه الطبري، قال: حدّثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: حدّثنا عثمان بن عبد الحميد، أو ابن عبد الرحمن المجازي الخزاعي أبو عبد الرحمن، قال: حدّثنا إسماعيل بن راشد، قال: بايع الناس الحسن بن عليعليهالسلام بالخلافة، ثمّ خرج بالناس حتّى نزل المدائن، وبعث قيس بن سعد على مقدّمته في اثني عشر ألفاً، وأقبل معاوية في أهل الشام حتّى نزل مسكن(3) .
فبينا الحسن في المدائن إذ نادى مناد في العسكر: ألا إنّ قيس بن سعد قد قُتل فانفروا. فنفروا ونهبوا سرادق الحسنعليهالسلام حتّى نازعوه بساطاً كان تحته، وخرج الحسن حتّى نزل المقصورة البيضاء بالمدائن، وكان عمّ المختار بن أبي عبيد عاملاً على المدائن، وكان اسمه سعد بن مسعود، فقال له المختار (وهو غلام شاب): هل لك في الغنى والشرف؟
قال: وما ذاك؟
قال: توثق الحسن وتستأمن
____________________
(1) أي أقوى سنداً.
(2) الإصابة - ابن حجر 6 / 275.
(3) اسم للطسوج الذي منه أوانا من أعمال دجيل، والموضع الذي به قبر مصعب على جانب الآن (مراصد الاطلاع).
به إلى معاوية.
فقال له سعد: عليك لعنة الله! أثب على ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله فأوثقه! بئس الرجل أنت!(1)
وروى ابن عساكر: بسنده عن يعقوب بن سفيان (صاحب كتاب المعرفة والتاريخ)، حدّثني أبو عثمان (يحيى بن سعيد الأموي ت سنة 194هجرية)، أخبرنا أبي سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص الأموي، أخبرنا مجالد (ت سنة 144 هجرية)، عن عامر الشعبي قال: كنت أجالس الأحنف بن قيس فاُفاخر أهل البصرة بأهل الكوفة، فبلغ منه كلامي ذات يوم وأنا لا أدري، فقال: يا جارية، هاتي ذلك الكتاب. فجاءت به، فقال: اقرأ، ( وما يدري أحد من القوم ما فيه ).
قال: فقرأته فإذا فيه، بسم الله الرحمن الرحيم، من المختار بن أبي عبيد إلى الأحنف بن قيس ومَنْ قبله من ربيعة ومضر... ولقد بلغني أنّكم تكذّبوني وتؤذون رُسلي، وقد كُذّبت الأنبياء واُوذوا من قبلي، فلست بخير من كثير منهم، والسلام.
فلمّا قرأته قال: أخبرني عن هذا، من أهل البصرة أو من أهل الكوفة؟
قلت: يغفر الله لك أبا بحر، إنّما كنّا نمزح ونضحك.
قال: لتخبرني مَنْ هو؟
قلت: يغفر الله لك يا أبا بحر.
قال: لتخبرني.
قلت: من أهل الكوفة.
قال: فكيف تفاخر أهل البصرة وهذا منكم؟!(2)
وقال الذهبي: المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذّاب، كان من كبراء ثقيف، وذوي الرأي والفصاحة، والشجاعة والدهاء وقلّة الدين، وقد قال النبيصلىاللهعليهوآله : يكون في ثقيف كذّاب ومبير(3) ، فكان الكذّاب هذا. ادّعى أنّ الوحي يأتيه، وأنّه يعلم الغيب، (وكان المبير الحجّاج) قبحهما الله(4) .
____________________
(1) تاريخ الطبري - الطبري 4 / 121.
(2) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر 43 / 484.
(3) أخرجه مسلم (2545) في فضائل الصحابة من حديث أسماء بنت أبي بكر، وأخرجه أحمد 2 / 62، والترمذي (2220) و(3944) من حديث ابن عمر.
(4) سير أعلام النبلاء - الذهبي 3 / 538.
وقال: المختار بن أبي عبيد الثققي الكذّاب، لا ينبغي أن يروى عنه شيء؛ لأنّه ضالّ مضلّ، كان يزعم أنّ جبرائيلعليهالسلام ينزل عليه، وهو شرّ من الحجاج أو مثله(1) .
قال أحمد بن حنبل: حدّثنا ابن نمير، حدّثنا عيسى بن عمر، حدّثنا السدي، عن رفاعة الفِتْياني قال: دخلت على المختار، فألقى لي وسادة، وقال: لولا أنّ جبريل قام عن هذه، لألقيتها لك، فأردت أن أضرب عنقه، فذكرت حديثاً حدثنيه عمرو بن الحمق، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « أيّما مؤمن أمّن مؤمناً على دمه فقتله، فأنا من القاتل برئ »(2) .
إنّ الروايات الآنفة الذكر وأمثالها التي تطعن بالمختار كلّها مطعون بسندها، ومضامينها افتراء مبيناً. إنّ سبب هذا التشويه على المختار هو أنّه (رحمه الله) وفِّق لإكمال شوطين مقطعيين مهمّين في خطّة الحسينعليهالسلام ، الخطّة التي كانت ترمي إلى إحياء مدرسة عليعليهالسلام الفكرية والسياسية في الأمّة.
نظير حكم النبيصلىاللهعليهوآله وعليعليهالسلام في الكوفة؛ لينفتح الجيل الجديد فيها، الذي حُرم في عهد معاوية من معرفة السنّة النبويّة الصحيحة، وحقائق التاريخ الإسلامي.
ومن الطبيعي إنّ الحسينعليهالسلام كان قد أطلع خواص أصحابه، ومنهم المختار وسليمان بن صرد على مفاصل خطّته، وأشواطها العملية، كما أطلعهم على مصير الشهادة المحتوم له
____________________
(1) في ميزان الاعتدال - الذهبي 4 / 80.
(2) المسند 5 / 223، وأخرجه أحمد 5 / 222، وابن ماجة (2688) من طريقين، عن عبد الملك بن عمير، عن رفاعة بن شداد الفتياني.
ولأهل بيته وأصحابه الذي يكونون معه، كما أطلع المختار وبقيّة الخواص على دوره في إنفاذ الشوطين الباقيين، وإنّ الخطّة لا تتعطّل بشهادتهعليهالسلام .
وقد مرّ علينا آنفاً قول ميثم التمّار للمختار لمّا كانا في حبس عبيد الله بن زياد بأنّه يفلت، ويخرج ثائراً بدم الحسينعليهالسلام (1) ، وأنّه يقتل عبيد الله.
وقد نهض المختار بالشوط الثاني، وقدِّر له أن يقتل قتلة الحسينعليهالسلام ، ويقتص منهم فعلاً بفعل، وحركة بحركة، ويحقّق انتصاراً عظيماً لمدرسة عليعليهالسلام في الكوفة ومدنها، والجزيرة، وفي شمال العراق وقراها مدّة ستة عشر شهراً، انبعثت فيها أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله الصحيحة في أهل بيته، وانتشرت الحقائق الصحيحة عن السيرة وتاريخ الخلفاء وسيرة عليعليهالسلام . وكان هذا النصر على حساب حركة عبد الله بن الزبير وأطروحته الفكرية والسياسية، وموقفها من علي ومدرسته في غنىً عن البيان، وقد مرّت الإشارة إلى طرف منها.
لقد اقتطع المختار الكوفة وما يتبعها من القرى والمدن من مملكة ابن الزبير، مضافاً إلى أنّه نصر ابن الحنفيّة وابن عباس لمّا حصرهما ابن الزبير في الحرم ليضرم عليهما الحطب.
وكان أيضاً على حساب عبد الملك بن مروان في الشام وأطروحته الفكرية والسياسية، وهي أطروحة معاوية، وكان المختار قد بعث جيشاً لقتال أهل الشام الذين بعثهم عبد الملك بقيادة عبيد الله بن زياد، فهزم الجيش وقتل ابن زياد.
وقد قُدِّر لابن الزبير أن يقضي على المختار وحركته، ويقتل سبعة آلاف صبراً من الشيعة كما سيأتي، وصارت الكوفة كلّها لابن الزبير من النصف من رمضان سنة 67 هجرية إلى جمادى الأولى سنة 72، وتحرّك الإعلام الزبيري لمدّة خمس سنوات في
____________________
(1) كما في خبر ميثم التمّار وقوله للمختار في السجن أنّه سوف يفلت ويقتل عبيد الله، وأنّ ميثم يُرزق الشهادة.
ثمّ واصل الإعلام الأموي منذ قتل مصعب حتّى نهاية بني اُميّة تلك المسيرة الإعلامية بشكل أشدّ، ثمّ انضاف إلى ذلك الإعلام العباسي في عهد المنصور، وبخاصّة بعد تحرّك محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن المثنى (رحمهم الله).
قال المنصور يخاطب أهل الكوفة بعد قتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن سنة (145) هجرية: يا أهل الكوفة، عليكم لعنة الله وعلى بلد أنتم فيه... سبئية(1) ، خشبية(2) ؛ قائل يقول: جاءت الملائكة، وقائل يقول: جاء جبريل...(3) .
ومن ثمّ تكرّست الصورة السيئة على المختار في كتب الرواية التاريخية التي ظهرت في العهد العباسي، وتبنت في قليل أو كثير سياسة الإعلام آنذاك، ثمّ أخذ بتلك الروايات الكثير ممّن جاء بعدهم إلى اليوم من دون نقد وتمحيص.
وفيما يلي طرف من أخبار حركة المختار، تنخّلناها من مجموع روايات الطبري بعد أن استبعدنا ما تحتويه من التهم والافتراءات ممّا لا نطمئن إلى صحته:
قال الطبري: ثمّ دخلت سنة ست وستين، ذكر الخبر عن الكائن الذي كان فيها من الأمور الجليلة، فممّا كان فيها من ذلك وثوب المختار بن أبي عبيد بالكوفة طالباً بدم الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وإخراجه منها عامل ابن الزبير عبد الله بن مطيع العدوي.
____________________
(1) أي أتباع عبد الله بن سبأ الذي ادّعي له أنّه مبتدع الوصية لعليعليهالسلام المشابهة لوصية موسى ليوشععليهالسلام ، الذي يترتب عليها البراءة ممّن تجاوز على موقعه.
(2) في النهاية - لابن الأثير: الخشبية: هم أصحاب المختار بن أبي عبيد، ويُقال لضرب من الشيعة: الخشبية. وفي المشتبه - للذهبي: الخشبي: هو الرافضي في عرف السلف.
(3) مرّت فقرات أخرى من خطبة المنصور، ومصدرها في البحوث التمهيديّة.
ذكر هشام بن محمد عن أبي مخنف: أنّ فضيل بن خديج حدّثه عن عبيدة بن عمرو وإسماعيل بن كثير من بني هند أنّ أصحاب سليمان بن صرد ( رفاعة بن شداد، والمثنى بن مخربة العبدي، وسعد بن حذيفة بن اليمان، ويزيد بن أنس، وأحمر بن شميط الأحمسي، وعبد الله بن شداد البجلي، وعبد الله بن كامل )، لمّا قدموا الكوفة من عين الوردة، كتب المختار إليهم وهو محبوس:
أمّا بعد، فمرحباً بالعصبة الذين حكم الله لهم بالأجر حين رحلوا، ورضي انصرافهم حين أقبلوا، إنّ سليمان بن صرد (رحمه الله) قضى ما عليه وتوفّاه الله إليه، فجعل روحه مع أرواح الأنبياء والصدّيقين والشهداء والصالحين... أعدّوا واستعدوا؛ فإنّي أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، والطلب بدماء أهل البيت، والدفع عن الضعفاء، وجهاد المحلّين.
فأجابوه إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: إن شئت أخرجناك من محبسك. فقال: أنا أخرج من محبسي في أيامي هذه. وكانت صفية بنت عبيد أخته امرأة عبد الله بن عمر، فكتب إلى عبد الله بن عمر يعلمه أنّ عبد الله بن يزيد وابن محمد بن طلحة حبساه لغير جناية، فكتب إليهما يسألهما إخراجه فأخرجاه(1) .
قال الطبري: ولمّا نزل المختار داره عند خروجه من السجن اختلف إليه الشيعة، واجتمعت عليه واتفق رأيها على الرضا به، وكان الذي يبايع له الناس وهو في السجن خمسة نفر؛ السائب بن مالك الأشعري، ويزيد بن أنس، وأحمر بن شميط، ورفاعة بن شداد الفتياني، وعبد الله بن شداد الجشمي.
قال: فلم تزل أصحابه يكثرون وأمره يقوى ويشتدّ حتّى عزل ابن الزبير عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة، وبعث عبد الله بن مطيع على عملهما إلى الكوفة.
قال: وقدم عبد الله بن مطيع الكوفة في رمضان سنة خمس وستين يوم الخميس لخمس بقين من شهر رمضان، وأقام على الصلاة والخراج، وبعث على شرطته إياس بن مضارب العجلي.
____________________
(1) أنساب الأشراف 6 / 374.
وجاء إياس بن ضارب إلى ابن مطيع فقال له: لست آمن المختار، فابعث إليه فليأتك، فإذا جاءك فاحبسه في سجنك حتّى يستقيم أمر الناس، فإنّ عيوني قد أتتني فخبّرتني أنّ أمره قد استجمع له، وكأنّه قد وثب بالمصر.
قال: فبعث إليه ابن مطيع زائدة بن قدامة، وحسين بن عبد الله البرسمي من همدان فدخلا عليه فقالا: أجب الأمير. فتعلل لهما بوعكة أصابته، فأقبلا إلى ابن مطيع فأخبراه بعلّته وشكواه، فصدقهما ولَها عنه.
قال الطبري: وفي هذه السنة (سنة 66) وثب المختار بمَنْ كان بالكوفة من قتلة الحسينعليهالسلام والمشايعين على قتله، فقتل مَنْ قدر عليه منهم، وهرب من الكوفة بعضهم فلم يقدر عليه.
اجتمع رأي المختار وأصحابه على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة من ربيع الأوّل سنة ست وستين. نُمِّي الخبر إلى إياس بن مضارب العجلي، وهو صاحب شرطة عبد الله بن مطيع، فدخل عليه وقال له: إنّ المختار خارج عليك لا محالة، فأرسل ابن مطيع إلى قواده وجمعهم، وطلب منهم أن يكفي كلّ رجل منهم ناحيته.
بعث زحر بن قيس إلى جبَّانة كندة، وبعث شمر بن ذي الجوشن إلى جبَّانة سالم، وبعث يزيد بن الحارث بن رويم (أبو حوشب) إلى جبَّانة مراد، وبعث شبث بن ربعي إلى السَّبخة، وبعث غيرهم إلى أماكن أُخرى.
وأمر المختار بلأن ينادى بشعار: يا لثارات الحسين.
وخرج إبراهيم بن الأشتر بكتيبة وهو يقول:
اللّهمّ إنّك تعلم أنّا غضبنا لأهل بيت نبيّك، وثرنا لهم فانصرنا على مَنْ قتلهم، وتمّم لنا دعوتنا.
وأقبل إبراهيم في أصحابه حتّى مرّ بمسجد الأشعث، ثمّ مضى حتّى أتى دار المختار، فوجد الأصوات عالية والقوم يقتتلون، وقد جاء شبث بن ربعي من قبل السبخة، فعبّى له المختار يزيد بن أنس.
وجاء حجَّار بن أبجر العجلي فجعل المختار في وجهه أحمر بن شميط، فالناس يقتتلون، وجاء إبراهيم من قبل القصر، فبلغ حَجَّاراً وأصحابه أنّ إبراهيم قد جاءهم من ورائهم، فتفرّقوا قبل أن يأتيهم إبراهيم وذهبوا في الأزقة والسكك، وجاء قيس بن طهفة في قريب من مئة رجل من بني نهد من أصحاب المختار، فحمل على شبث بن ربعي وهو يقاتل يزيد بن أنس، فخلى لهم الطريق حتّى اجتمعوا جميعاً.
ثمّ إنّ شبث بن ربعي ترك لهم السكة، وأقبل حتّى لقي ابن مطيع فقال: ابعث إلى اُمراء الجبابين فمرهم فليأتوك، فاجمع إليك جميع الناس، ثمّ انهدّ إلى هؤلاء القوم فقاتلهم، وابعث إليهم مَنْ تثق به فليكفك قتالهم؛ فإنّ أمر القوم قد قوي، وقد خرج المختار وظهر واجتمع له أمره.
خرج المختار في جماعة من أصحابه حتّى نزل في ظهر دير هند ممّا يلي بستان زائدة في السبخة، ثمّ لحق به بقية أصحابه، فاستجمعوا له قبل انفجار الفجر، فأصبح قد فرغ من تعبيته.
بعث ابن مطيع إلى أهل الجبابين، فأمرهم أن ينضمّوا إلى المسجد، وقال لراشد بن إياس بن مضارب: ناد في الناس فليأتوا المسجد، فنادى المنادي: ألا برئت الذمّة من رجل لم يحضر المسجد الليلة، فتوافى الناس في المسجد، فلمّا اجتمعوا،
بعث ابن مطيع شبث بن ربعي في نحو من ثلاثة آلاف، وبعث راشد بن إياس في أربعة آلاف من الشرط، وحجّار بن أبجر العجلي في ثلاثة آلاف، والشمر بن ذي الجوشن في ثلاثة آلاف.
وجاء شبث حتّى أحاط بالمختار وأصحابه، وبعث ابن مطيع يزيد بن الحارث بن رؤيم في ألفين من قبل سكّة لحام جرير، فوقفوا في أفواه تلك السكك، وولّى المختار يزيد بن أنس خيله، وخرج هو في الرجّالة وهو يقول: يا معشر الشيعة، قد كنتم تُقتلون، وتقطع أيديكم وأرجلكم، وتسمل أعينكم، وتُرفعون على جذوع النخل في حبّ أهل بيت نبيّكم، وأنتم مقيمون في بيوتكم وطاعة عدوّكم، فما ظنّكم بهؤلاء القوم إن ظهروا عليكم اليوم؟ إذاً والله لا يدعون منكم عيناً تطرف، ويقتلونكم صبراً، ولترون منهم في أولادكم وأزواجكم وأموالكم ما الموت خير منه. والله، لا ينجيكم منهم إلاّ الصدق والصبر، والطعن الصائب في أعينهم، والضرب الدراك على هامهم، فتيسروا للشدّة، وتهيَّؤوا للحملة.
واقتتل الناس فاشتدّ قتالهم، وقُتل راشد بن إياس وانهزم أصحابه، وأقبل إبراهيم بن الأشتر وخزيمة بن نصر ومَنْ كان معهم بعد قتل راشد نحو المختار، وبعث النعمان بن أبي الجعد يبشّر المختار بالفتح عليه وبقتل راشد.
قال الحارث بن كعب: إنّ إبراهيم لمّا أقبل نحونا رأينا شبثاً وأصحابه ينكصون وراءهم رويداً(1) رويداً، فلمّا دنا إبراهيم من شبث وأصحابه حمل عليهم، وأمرنا يزيد بن
____________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 28 سنة 66.
أنس بالحملة عليهم فحملنا عليهم، فانكشفوا حتّى انتهوا إلى أبيات الكوفة.
قال عمرو بن الحجّاج الزبيدي لابن مطيع: أيّها الرجل، لا يسقط في خلدك، ولا تلق بيدك، اخرج إلى الناس فاندبهم إلى عدوّك فاغزهم؛ فإنّ الناس كثير عددهم، وكلّهم معك إلاّ هذه الطاغية التي خرجت على الناس، والله مخزيها ومهلكها، وأنا أوّل منتدب، فاندب معي طائفة ومع غيري طائفة.
فخرج ابن مطيع، فقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها الناس، إنّ من أعجب العجب عجزكم عن عصبة منكم قليل عددها، خبيث دينها، ضالة مضلّة.
قال حصيرة بن عبد الله، قال: إنّي لأنظر إلى ابن الأشتر حين أقبل في أصحابه حتّى إذا دنا منهم، قال لهم: لا يهولنكم أن يُقال: جاءكم شبث بن ربعي وآل عتيبة بن النهاس وآل الأشعث وآل فلان وآل يزيد بن الحارث...
قال: فسمّى بيوتات من بيوتات أهل الكوفة، ثمّ قال: إنّ هؤلاء لو قد وجدوا لهم حَرَّ السيوف قد انصفقوا عن ابن مطيع انصفاق المعزى عن الذئب. وانتهت المعارك بهرب شبث بن ربعي ومحمد بن الأشعث ونظرائهم إلى البصرة، وقتل المختار ثلّة من قتلة الحسين؛ شمر وعمر بن سعد وخولّي وغيرهم، وأخرج ابن مطيع إلى الحجاز.
قال الطبري وابن أعثم: ثمّ نادى المختار في الناس: الصلاة جامعة. فاجتمعت الناس إلى المسجد الأعظم، وخطب فيهم وبايعوه على كتاب الله وسنّة نبيّه والطلب بدماء أهل البيت، وجهاد المحلّين، والدفع عن الضعفاء.
قال أبو مخنف: حدّثني حصيرة بن عبد الله الأزدي، وفضيل بن خديج الكندي، والنضر بن صالح العبسي، قالوا: أوّل رجل عقد له المختار راية عبد الله بن الحارث أخو الأشتر، عقد له على أرمينية، وبعث محمد بن عمير بن عطارد على آذربيجان، وبعث عبد الرحمن بن سعيد بن قيس على الموصل، وبعث إسحاق بن مسعود على المدائن وأرض جوخى، وبعث قدامة بن أبي عسى بن ربيعة النصري، وهو حليف لثقيف على بِهقُباذ الأعلى، وبعث محمد بن كعب بن قرظة على بهقباذ الأوسط، وبعث حبيب بن منقذ الثوري على بهقباذ الأسفل، وبعث سعد بن حذيفة بن اليمان على حُلوان.
قال ابن أبي الحديد: لمّا قام المختار بن أبي عبيد، قال لشريح: ما قال لك أمير المؤمنينعليهالسلام يوم كذا؟
قال: إنّه قال لي: كذا. قال: فلا والله، لا تقعد حتّى تخرج إلى بانقيا تقضي بين اليهود، فسيره إليها فقضى بين اليهود شهرين(1) .
قال الطبري: وفي هذه السنة قدمت الخشبية مكّة، ووافوا الحجّ وأميرهم أبو عبد الله الجدلي(2) .
____________________
(1) شرح نهج البلاغة 4 / 98.
(2) قال في الإصابة 5 / 111: أبو عبد الله الجدلي مشهور بكنيته، وقيل اسمه: عبد الرحمن.
قال ابن منده: هو قديم، ثمّ ذكر في الصحابة ولا يصح. قال ابن حجر: أرسل شيئاً وهو معدود في التابعين، ذكره ابن =
وكان السبب في ذلك فيما ذكر هشام عن أبي مخنف، وعلي بن محمد، عن مسلمة بن محارب: أنّ عبد الله بن الزبير حبس محمد بن الحنفيّة ومَنْ معه من أهل بيته، وسبعة عشر رجلاً من وجوه أهل الكوفة بزمزم، وكرهوا البيعة لمَنْ لم تجتمع عليه الأمّة، وهربوا إلى الحرم، وتوعّدهم بالقتل والإحراق، وأعطى الله عهداً إن لم يبايعوا أن ينفذ فيهم ما توعّدهم به، وضرب لهم في ذلك أجلاً.
فأشار بعض مَنْ كان مع ابن الحنفيّة عليه أن يبعث إلى المختار، وإلى مَنْ بالكوفة رسولاً يعلمهم حالهم وحال مَنْ معهم، وما توعّدهم به ابن الزبير؛ فوجّه ثلاثة نفر من أهل الكوفة إلى المختار وأهل الكوفة يعلمهم حاله وحال مَنْ معه، وما توعّدهم به ابن الزبير من القتل والتحريق بالنار، فقدموا على المختار.
فوجّه المختار أبا عبد الله الجدلي في سبعين راكبا من أهل القوة، ووجه ظبيان بن عمارة أخا بني تميم ومعه أربعمئة وأبا المعتمر في مئة، وهانئ بن قيس في مئة، وعمير بن طارق في أربعين، ويونس بن عمران في أربعين، وكتب إلى محمد بن علي مع الطفيل بن عامر ومحمد بن قيس بتوجيه الجنود إليه.
فخرج الناس بعضهم في أثر بعض، وجاء أبو عبد الله حتّى نزل ذات عرق في سبعين راكباً، ثمّ لحقه عمير بن طارق في أربعين راكباً، ويونس بن عمران في أربعين راكباً، فتمّوا خمسين ومئة، فسار بهم حتّى دخلوا المسجد الحرام، وهم ينادون: يا لثارات الحسين! حتّى انتهوا إلى زمزم، وقد أعدّ ابن الزبير الحطب ليحرقهم، وكان قد بقي من الأجل يومان.
فطردوا الحرس وكسروا أعواد زمزم، ودخلوا على ابن الحنفيّة، فقالوا له: خلّ بيننا
____________________
= سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وروى عن سلمان الفارسي، وعن عليعليهالسلام ، وعائشة وغيرهم. روى عنه الشعبي، وأبو إسحاق السبيعي، وسعيد بن خالد الجدلي وآخرون. ووثقه أحمد وابن معين والعجلي.
وبين عدوّ الله ابن الزبير.
فقال لهم: إنّي لا أستحلّ القتال في حرم الله.
فقال ابن الزبير: أتحسبون أنّي مخلّ سبيلهم دون أن يبايع ويبايعوا؟
فقال أبو عبد الله الجدلي: إي وربّ الركن والمقام، وربّ الحلّ والحرام، لتخلينّ سبيله أو لنجالدنك بأسيافنا جلاداً يرتاب منه المبطلون.
فقال ابن الزبير: والله ما هؤلاء إلاّ أكلة رأس، والله لو أذنت لأصحابي ما مضت ساعة حتّى تقطف رؤوسهم.
فقال له قيس بن مالك: أما والله إنّي لأرجو أن رمت ذلك أن يوصل إليك قبل أن ترى فينا ما تحبّ.
فكفّ ابن الحنفيّة أصحابه وحذّرهم الفتنة، ثمّ قدم أبو المعتمر في مئة، وهانئ بن قيس في مئة، وظبيان بن عمارة في مئتين ومعه مال حتّى دخلوا المسجد فكبّروا: يا لثارات الحسين! فلما رآهم ابن الزبير خافهم، فخرج محمد بن الحنفيّة ومَنْ معه إلى شعب علي وهم يسبّون ابن الزبير، ويستأذنون ابن الحنفيّة فيه، فيأبى عليهم، فاجتمع مع محمد بن علي في الشعب أربعة آلاف رجل، فقسّم بينهم ذلك المال.
روى الطبري عن هشام بن محمد، عن عوانة بن الحكم: أنّ مروان بن الحكم لمّا استوسقت له الشام بالطاعة، بعث جيشين؛ أحدهما إلى الحجاز عليه حبيش بن دلجة القيني، وقد ذكرنا أمره وخبر مهلكه قبل، والآخر منهما إلى العراق عليهم عبيد الله بن زياد، وقد ذكرنا ما كان من أمره وأمر التوابين من الشيعة بعين الوردة.
وكان مروان جعل لعبيد الله بن زياد إذ وجّهه إلى العراق ما غلب عليه، وأمره أن ينهب الكوفة إذا هو ظفر بأهلها ثلاثاً.
قال الطبري: ثمّ دخلت سنة سبع وستين، ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث فممّا كان فيها من ذلك مقتل عبيد الله بن زياد ومَنْ كان معه من أهل الشام.
ذكر هشام بن محمد عن أبي مخنف قال: حدّثني أبو الصلت، عن أبي سعيد الصيقل قال: مضينا مع إبراهيم بن الأشتر ونحن نريد عبيد الله بن زياد ومَنْ معه من أهل الشام، فخرجنا مسرعين لا ننثني، نريد أن نلقاه قبل أن يدخل أرض العراق.
قال المسعودي: ثمّ التقى الجيشان بالخازر، فكانت بينهم وقعة عظيمة قُتل فيها عبيد الله بن زياد، والحصين بن نمير السكوني، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وابن حوشب ذي الظليم، وعبد الله بن إياس السلمي، وأبو أشرس، وغالب الباهلي، وأشراف أهل الشام.
قال الطبري: قال ابن الأشتر لأصحابه: قتلت رجلاً وجدت منه رائحة المسك، شرقت يداه وغربت رجلاه، تحت راية منفردة على شاطئ نهر خازر، فالتمسوه فإذا هو عبيد الله بن زياد.
ثار المختار في 14 ربيع الأوّل سنة 66، وقُتل (رحمه الله) في 14 رمضان سنة 67، وقال ابن خياط: سنة 68 هـ، فكانت مدّة ولايته ثمانية عشر شهراً(1) ، وهي قصيرة جدّاً، غير أنّها حقّقت أعظم الإنجازات على مستوى خطّة الحسينعليهالسلام :
1 - فقد أقامت تجربة حكم عادلة في الكوفة، استعادت فيها مدرسة علي في الكوفة والبلاد التابعة لها شمالاً وشرقاً أنفاسها بعد اختناق كاد يقضي عليها دام خمس عشرة سنة تقريباً، ونشطت البقية الباقية من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله الذي اتبعوا علياً، والبقية الباقية ممّن تربّى على يد علي ونهل من علمه؛ ليثقفوا الجيل الجديد بأحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في أهل بيتهعليهمالسلام ، وبسيرة النبيصلىاللهعليهوآله الصحيحة وسيرة عليعليهالسلام .
وبسبب هذه الفترة القصيرة امتد البناء الثقافي العلوي للكوفة، وعبر أخطر عملية تذويب واحتواء قام بها ابن الزبير والحجّاج من بعده في العراق، وبقيت الكوفة تحتل الثقل الأكبر في رواية أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في فضل أهل البيتعليهمالسلام ، ورواية تراث عليعليهالسلام وخطبه.
____________________
(1) تاريخ خليفة بن خياط.
2 - الاقتصاص من قتلة الحسينعليهالسلام ؛ عمر بن سعد وشمر وخولّي وعبيد الله بن زياد ونظرائهم، ولم يفلت منهم القليل.
3 - حرب رأس ضلالة بني اُميّة في الشام، وقتل عبيد الله بن زياد، وهزيمة الجيش الشامي.
4 - نصرة ابن الحنفيّة وابن عباس في الحجاز، وإنقاذهم من القتل الذي كان ينتظرهم؛ وذلك لأنّ ابن الزبير كانت أطروحته الفكرية هي إحياء سيرة الشيخين في الحجّ وغيره، وكان ابن عباس وابن الحنفيّة يفتيان بمتعة الحجّ إحياء لمدرسة علي وسنّة النبيصلىاللهعليهوآله ، ولم يجد ابن الزبير طريقاً لتطويق ابن عباس وابن الحنفيّة إلاّ أن يفرض عليهما بيعته ليتقيدا بسياسته، ولم يعطياه ذلك، فحصرهم عند زمزم، وأمهلهم لمدّة معينة، ثمّ فُكّ الحصار عنهما كما مرّ علينا.
وفيما يلي بعض شواهد إحياء مدرسة عليعليهالسلام :
قال المسعودي: حدّثنا ابن عمّار، عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال: حدّثني ابن عائشة والعتبي جميعاً عن أبويهما (وألفاظهما متقاربة) قالا: خطب ابن الزبير فقال: ما بال أقوام يفتون في المتعة، وينتقصون حواري الرسول، واُمّ المؤمنين عائشة؟ ما بالهم أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم؟ يعرض بابن عباس.
فقال ابن عباس: يا غلام، أصمدني صِمْدَه. فقال: يابن الزبير:
قد أنصف القَارةَ مَن راماها |
إنّا إذا ما فئة نلقاها |
نردّ اُولاها على أُخراها
أمّا قولك في المتعة، فسل اُمّك تخبرك؛ فإنّ متعة سطع مجمرها لمجمر سطع بين اُمّك وأبيك، (يريد متعة الحج)؛ وأمّا قولك: (اُمّ المؤمنين) فبنا سمّيت اُمّ المؤمنين، وبنا ضرب الله عليها الحجاب؛
وأمّا قولك: (حواري رسول الله) فقد لقيت أباك في الزحف مع أمام هدى، فإن يكن على ما أقول فقد كفر بقتالنا، وإن يكن على ما تقول فقد كفر بهربه عنّا.
فانقطع ابن الزبير ودخل على اُمّه أسماء فأخبرها، فقالت: صدق(1) .
تربّى زيد بن أرقم الأنصاري الخزرجي في حجر عبد الله بن رواحة، وتوفي النبي وهو ابن العشرينات، شهد مع النبي سبع عشرة غزوة. (أبو عمرو، ويُقال: أبو عامر، ويُقال: أبو عمارة، ويُقال: أبو أنيسة، ويُقال: أبو حمزة، ويُقال: أبو سعد، ويُقال: أبو سعيد المدني)، نزل الكوفة، شهد صفين مع عليعليهالسلام .
قال ابن عبد البر: وكان من خواص أصحاب علي.
قال خليفة بن خياط: مات بالكوفة أيام المختار سنة ست وستين. وقال الهيثم بن عدي وغير واحد: مات سنة ثمان وستين. قال المزي: روى عن النبيصلىاللهعليهوآله ، وعن علي بن أبي طالب.
روى عنه: أنس بن مالك خ فيما كتب إليه، وإياس بن أبي رملة الشامي د س ق، وثمامة بن عقبة المحلمي س، وحبيب بن أبي ثابت (ت 119)، وحبيب بن يسار الكندي ت س، وأبو عمر وسعد بن إياس الشيباني خ م د ت س، وصبيح مولى اُمّ سلمة ت ق، ويُقال: مولى زيد بن أرقم، وطاووس بن كيسان م س، وأبو حمزة طلحة بن يزيد مولى الأنصار خ د ت س، وأبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي ت س (ت100) روى حديث الثقلين، وعبد الله بن الحارث البصري نسيب بن سيرين م س، وعبد الله بن الخليل الحضرمي الكوفي د س، وعبد خير الهمداني د س ق، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ع، وأبو المنهال عبد الرحمن بن مطعم خ م س، وأبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي م ت، وعطاء بن أبي رباح د س، وعطية العوفي، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي خ م د ت س،
____________________
(1) مروج الذهب 3 / 81.
والقاسم بن عوف الشيباني م سي ق، ومحمد بن كعب القرظي خ ت س، وميمون أبو عبد الله ت س ق، والنضر بن أنس بن مالك م د ت سي ق، ونفيع أبو داود الأعمى ق، ويزيد بن حيان التيمي م د س روى حديث الثقلين، وأبو سعيد الأزدي ت، وأبو مسلم البجلي د سي، وأبو وقاص د ت أحد المجهولين(1) .
انطلق زيد وهو ابن الثمانينات في عهد المختار يحدّث عن النبيصلىاللهعليهوآله وعن عليعليهالسلام ، وفيما يلي طرف ممّا عثرنا على أحاديثه:
قال الطبراني: حدّثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، ثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن علي بن ربيعة، قال: لقيت زيد بن أرقم داخلاً على المختار أو خارجاً(2) ، قال: قلت: حديثاً بلغني عنك، سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ». قال: نعم(3) .
وقال أيضاً: حدّثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا جعفر بن حميد، ح حدّثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا النضر بن سعيد أبو صهيب قالا: ثنا عبد الله بن بكير، عن حكيم بن جبير، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم قال: نزل النبيصلىاللهعليهوآله يوم الجحفة، ثمّ أقبل على الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: « إنّي لا أجد لنبي إلاّ نصف عمر الذي قبله، وإنّي أوشك أن أُدعى فأجيب، فما أنتم قائلون؟ ».
قالوا: نصحت.
قال: « أليس تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأنّ الجنّة حقّ، والنار حقّ، وأنّ البعث بعد الموت حقّ؟ ».
قالوا: نشهد.
قال: فرفع يديه فوضعهما على صدره، ثمّ قال: « وأنا أشهد معكم ». ثمّ قال: « ألا تسمعون؟ ».
قالوا: نعم.
قال: « فإنّي فرطكم على الحوض، وأنتم واردون عليّ الحوض، وإنّ عرضه أبعد ما بين صنعاء وبُصرى، فيه أقداح عدد النجوم من فضة، فانظروا كيف
____________________
(1) تهذيب الكمال.
(2) المعرفة والتاريخ، مسند أحمد 4 / 371، مشكل الآثار 4 / 368، ينابيع المودّة 1 / 368.
(3) المعجم الكبير 5 / 186.
تخلفوني في الثقلين؟ ».
فنادى مناد: وما الثقلان يا رسول الله؟
قال: « كتاب الله طرف بيد الله عزّ وجلّ وطرف بأيديكم، فاستمسكوا به لا تضلوا، والآخر عترتي، وإنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض، وسألت ذلك لهما ربّي؛ فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم ». ثمّ أخذ بيد علي (رضي الله تعالى عنه) فقال: « مَنْ كنت أولى به من نفسي فعلي وليّه، اللّهمّ وال مَنْ والاه، وعاد مَنْ عاداه »(1) .
وقال أيضاً: حدّثنا أبو حصين القاضي، ثنا يحيى الحماني، ثنا أبو إسرائيل الملائي، عن الحكم، عن أبي سلمان المؤذّن، عن زيد بن أرقم قال: نشد علي الناس: « أُنشد الله رجلاً سمع النبيصلىاللهعليهوآله يقول: مَنْ كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهمّ وال مَنْ والاه، وعاد مَنْ عاداه ». فقام اثنا عشر بدريّاً، فشهدوا بذلك. قال زيد: وكنت أنا فيمَنْ كتم، فذهب بصري(2) .
وقال أيضاً: حدّثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا العلاء بن صالح، ثنا أبو سلمان المؤذّن أنّه صلّى مع زيد بن أرقم على جنازة فكبّر عليها خمس تكبيرات، فقلت: أوهمت أم عمداً؟ فقال: بل عمداً؛ إنّ النبيصلىاللهعليهوآله كان يصلّيها(3) .
أقول: كان ذلك أيّام المختار، وذلك لمّا ذكروا أنّ أبا سلمان هذا هو مؤذّن الحجّاج.
وروى أيضاً قال: حدّثنا علي بن عبد العزيز، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا شعبة، عن الحكم، عن بن أبي ليلى قال: صلّيت خلف زيد بن أرقم على جنازة فكبّر عليها أربعاً، ثمّ صلّيت خلفه على اُخرى فكبّر عليها خمساً، فسألته، فقال: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يكبّرها(4) .
____________________
(1) المعجم الكبير 5 / 166.
(2) المعجم الكبير 5 / 175.
(3) المعجم الكبير 5 / 174.
(4) المعجم الكبير 5 / 168.
أقول: كان يصلّي أربعاً أيام زياد وغيره لفتوى السلطة، وصلاّها خمساً أيام المختار إحياءً للسنّة النبويّة.
روى أحمد، حدّثنا إبراهيم، ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة عن عمر (ويعني ابن مرّة) قال: سمعت أبا حمزة يقول: سمعت زيد بن أرقم يقول: أوّل مَنْ صلى مع النبيصلىاللهعليهوآله علي بن أبي طالب(1) .
وقال: حدّثنا علي بن الحسين، ثنا إبراهيم بن إسماعيل، ثنا أبي، عن أبيه، عن سلمة بن كهيل، عن أبي ليلى الكندي(2) أنّه حدّثه قال: سمعت زيد بن أرقم يقول ونحن ننتظر جنازة، فسأله رجل من القوم، فقال: أبا عامر، أسمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول يوم غدير خم لعلي: « مَنْ كنت مولاه فعلي مولاه؟ ». قال: نعم.
قال أبو ليلى: فقلت لزيد بن أرقم: قالها رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ قال: نعم، قد قالها له أربع مرّات.
____________________
(1) الفضائل 2 / 609.
(2) قال ابن حجر في تقريب التهذيب: أبو ليلى الكندي، مولاهم الكوفي، يُقال: هو سلمة بن معاوية، وقيل بالعكس، وقيل: سعيد بن بشر، وقيل: المعلّى. ثقة من الثانية بخ د ق. تهذيب الكمال: بخ د ق أبو ليلى الكندي، يُقال: مولاهم الكوفي، قيل: اسمه سلمة بن معاوية، وقيل: معاوية بن سلمة.
وقال أبو حاتم، عن زكريا بن عدي: اسمه سعيد بن أشرف بن سنان، وقيل عن أبي سعيد الأشج: اسمه المعلّى.
روى عن حجر بن عدي بن الأدبر وحريز، (أو أبي) حريز، وله صحبة، وخباب بن الأرت ق، وسويد بن غفلة د ق، وسلمان الفارسي بخ، وعثمان بن عفان، وأمّ سلمة زوج النبيصلىاللهعليهوآله .
روى عنه عبد الملك بن أبي سليمان، وعثمان بن أبي زرعة الثقفي د ق، وأبو إسحاق السبيعي ق، وأبو جعفر الفرّاء بخ.
قال أحمد بن سعد بن أبي مريم، عن يحيى بن معين: ثقة مشهور.
وفرّق الحاكم أبو أحمد بين أبي ليلى الكندي سلمة بن معاوية، ويُقال: معاوية بن سلمة. روى عن سلمان وروى عنه أبو إسحاق، وبين أبي ليلى الكندي، روى عن سويد بن غفلة، وروى عنه عثمان بن أبي زرعة.
وذكر الراوي عن سويد بن غفلة، فيمَنْ لم يقف على اسمه، وقال: ضعّفه يحيى بن معين، وقال: حدّثني علي بن محمد بن سختويه قال: سمعت محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: سمعت يحيى (يعني ابن معين)، وسُئل عن أبي ليلى الكندي، فقال: كان ضعيفاً.
روى له البخاري في الأدب، وأبو داود وابن ماجة. قال ابن حجر في التهذيب: قلت: وقال العجلي: أبو ليلى الكندي كوفي تابعي ثقة.
وروى الطبراني قال: حدّثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا كامل أبو العلاء قال: سمعت حبيب بن أبي ثابت يحدّث عن يحيى بن جعدة(1) ، عن زيد بن أرقم قال: خرجنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتّى انتهينا إلى غدير خم، أمر بدوح فكسح في يوم ما أتى علينا يوم كان أشدّ حرّاً منه، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: « يا أيّها الناس، إنّه لم يُبعث نبي قطّ إلاّ عاش نصف ما عاش الذي كان قبله، وإنّي أوشك أن أُدعى فأجيب، وإنّي تارك فيكم ما لن تضلوا بعده كتاب الله ».
ثمّ قام وأخذ بيد علي (رضي الله تعالى عنه) فقال: « يا أيّها الناس، مَنْ أولى بكم من أنفسكم؟ ».
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: « مَنْ كنت مولاه فعلي مولاه »(2) .
أقول: لم يذكر الراوي قول النبيصلىاللهعليهوآله : « وعترتي » بعد قوله « كتاب الله »، على سبيل الإشارة للحديث؛ إذ لم يكن بصدد ذكر تمام الرواية، وهذا ديدن لأهل الرواية معروف.
وروى الحاكم قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر البزاز ببغداد، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، ثنا عوف عن ميمون أبي عبد الله، عن زيد بن أرقم قال: كانت لنفر من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله أبواب شارعة في المسجد،
____________________
(1) تهذيب الكمال: د تم س ق يحيى بن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، وأمّ هانئ بنت أبي طالب أخت علي بن أبي طالب جدّته أمّ أبيه.
روى عن خباب بن الأرت، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن عمرو بن عبد القاري س ق، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عبد القارئ، وكعب بن عجرة، وأبي الدرداء، وأبي هريرة د، وجدّته أمّ هانئ بنت أبي طالب تم س ق.
روى عنه ثوير بن أبي فاختة، وحبيب بن أبي ثابت، وعلي بن زيد بن جدعان، وعمرو بن دينار مد س ق، ومجاهد بن جبر المكي، ومحمد بن الحارث بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي، وأبو العلاء هلال بن خباب تم س ق، وأبو الزبير المكي د.
قال أبو حاتم والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات. روى له أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة.
(2) المعجم الكبير 5 / 171.
فقال يوماً: « سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب علي ».
قال: فتكلم في ذلك ناس. فقام رسول اللهصلىاللهعليهوآله فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: « أمّا بعد، فإنّي اُمرت بسدّ هذه الأبواب غير باب علي، فقال فيه قائلكم. والله ما سددت شيئاً ولا فتحته، ولكن أمرت بشيء فاتبعته ». هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(1) .
المعجم الكبير 3 / 40 حدّثنا محمد بن راشد، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا حسين بن محمد، ثنا سليمان بن قرم، عن أبي الجحاف، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن صبيح مولى اُمّ سلمة (رضي الله تعالى عنها)، عن جدّه، عن زيد بن أرقم قال: مرّ النبيصلىاللهعليهوآله على بيت فيه فاطمة وعلي وحسن وحسين (رضي الله تعالى عنهم)، فقال: « أنا حرب لمَنْ حاربتم، وسلم لمَنْ سالمتم ».
الترمذي 5 / 699 حدّثنا سليمان بن عبد الجبار البغدادي، حدّثنا علي بن قادم، حدّثنا أسباط بن نصر الهمداني، عن السدي، عن صبيح مولى اُمّ سلمة، عن زيد بن أرقم: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين: « أنا حرب لمَنْ حاربتم، وسلم لمَنْ سالمتم ».
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، إنّما نعرفه من هذا الوجه، وصبيح مولى اُمّ سلمة ليس بمعروف.
أقول: (روى أحمد في مسنده) حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا تليد بن سليمان قال: ثنا أبو الحجاف، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: نظر النبيصلىاللهعليهوآله إلى علي والحسن والحسين وفاطمة فقال: « أنا حرب لمَنْ حاربكم، وسلم لمَنْ سالمكم ».
المستدرك 3 / 139 حدّثنا بكر بن محمد الصيرفي بمرو، ثنا إسحاق، ثنا القاسم بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن يعلى الأسلمي، ثنا (تاريخ دمشق 42 / 242 بسنده عن) عمار بن زريق، عن أبي إسحاق (المعجم الكبير 5 / 194)، عن زياد بن مطرف، عن زيد بن أرقم (رضي الله تعالى عنه)
____________________
(1) المستدرك 3 / 135، السنن الكبرى 5 / 118، فضائل الصحابة 2 / 581.
قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « مَنْ يريد أن يحيا حياتي، ويموت موتي، ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي فليتولّ علي بن أبي طالب؛ فإنّه لن يخرجكم من هدى، ولن يدخلكم في ضلالة ». (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه).
الطبقات الكبرى 3 / 23 روح بن عبادة قال: أخبرنا عون، عن ميمون، عن البرّاء بن عازب وزيد بن أرقم قالا: لمّا كان عند غزوة جيش العسرة وهي تبوك، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعلي بن أبي طالب: « إنّه لا بدّ من أن اُقيم أو تُقيم ». فخلّفه، فلمّا فصل رسول اللهصلىاللهعليهوآله غازياً قال ناس: ما خلّف علياً إلاّ لشيء كرهه منه. فبلغ ذلك علياً، فأتبع رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتّى انتهى إليه، فقال له: « ما جاء بك يا علي؟ ».
قال: « لا يا رسول الله، إلاّ إنّي سمعت ناساً يزعمون أنّك إنّما خلّفتني لشيء كرهته منّي ».
فتضاحك رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقال: « يا علي، أما ترضى أن تكون منّي كهارون من موسى غير أنّك لست بنبي؟ ».
قال: « بلى يا رسول الله ».
قال: « فإنّه كذلك ».
الفضائل 2 / 645 حدّثنا الفضل بن الحباب، ثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، نا سفيان، ثنا الأجلح بن عبد الله الكندي، عن الشعبي، عن عبد الله بن الخليل، عن زيد بن أرقم قال: أتى علي باليمن بثلاثة نفر وقعوا على جارية في طهر واحد، فولدت ولداً فادعوه، فقال علي لأحدهم: «تطيب به نفساً لهذا؟ ». قال: لا. وقال لآخر: « تطيب به نفساً لهذا؟ ». قال: لا. وقال للآخر: « تطيب به نفساً لهذا؟ ». قال: لا.
فقال: « أراكم شركاء متشاكسون. إنّي مقرع بينكم فأيّكم أصابته القرعة أغرمته ثلثي القيمة، وألزمته الولد ». فذكروا ذلك للنبيصلىاللهعليهوآله ، فقال: « ما أجد فيها إلاّ ما قال علي ».
الفضائل 2 / 664 حدّثنا الحسن، ثنا الحسن بن علي بن راشد، نا شريك، ثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « مَنْ أحبّ أن يستمسك بالقضيب الأحمر الذي غرسه الله عزّ وجلّ في جنّة عدن بيمينه، فليتمسّك بحبّ علي بن أبي طالب ».
وروى ابن ديزيل، قال: حدّثنا يحيى بن زكريا، قال: حدّثنا على بن القاسم، عن سعيد بن طارق، عن عثمان بن القاسم، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « ألا أدلّكم على ما إن تساءلتم عليه لم تهلكوا؟ إنّ وليكم الله، وإنّ إمامكم علي بن أبى طالب، فناصحوه وصدّقوه؛ فإنّ جبريل أخبرني بذلك »(1) .
وعن إسماعيل السدي، عن زيد بن أرقم، قال: كنّا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو في الحجرة يوحى إليه، ونحن ننتظره حتّى اشتدّ الحرّ، فجاء علي بن أبي طالب ومعه فاطمة وحسن وحسينعليهمالسلام ، فقعدوا في ظلّ حائط ينتظرونه، فلمّا خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، رآهم فأتاهم ووقفنا نحن مكاننا، ثمّ جاء إلينا وهو يظلهم بثوبه، ممسكاً بطرف الثوب، وعلي ممسك بطرفه الآخر، وهو يقول: « اللّهمّ إنّي أحبّهم فأحبّهم، اللّهمّ إنّي سلم لمَنْ سالمهم، وحرب لمَنْ حاربهم ».
قال: فقال ذلك ثلاث مرّات(2) .
وروى المدائني، عن زيد بن أرقم قال: خرج الحسنعليهالسلام وهو صغير، وعليه بردة ورسول اللهصلىاللهعليهوآله يخطب، فعثر فسقط، فقطع رسول اللهصلىاللهعليهوآله الخطبة ونزل مسرعاً إليه، وقد حمله الناس، فتسلّمه وأخذه على كتفه، وقال: « إنّ الولد لفتنة، لقد نزلت إليه وما أدرى ». ثمّ صعد فأتمّ الخطبة(3) .
قال الواقدي: فحدّثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن رافع بن إسحاق، عن زيد بن أرقم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله خطبهم فأوصاهم، فقال: « أوصيكم بتقوى الله، وبمَنْ معكم من المسلمين خيراً؛ اغزو باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا مَنْ كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث، فأيّتهنّ أجابوك إليها فاقبل منهم، واكفف عنهم.
ادعهم إلى الدخول في
____________________
(1) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد 3 / 98.
(2) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد 3 / 208.
(3) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد 61 / 27.
الإسلام، فإن فعلوا فاقبل واكفف، ثمّ ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى المهاجرين، فإن فعلوا فأخبرهم أنّ لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين. وإن دخلوا في الإسلام واختاروا دارهم فأخبرهم أنّهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله، ولا يكون لهم في الفيء ولا في الغنيمة شيء إلاّ أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم.
وإن أنت حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوا أن تستنزلهم على حكم الله فلا تستنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنّك لا تدرى أتصيب حكم الله فيهم أم لا، وإن حاصرت أهل حصن أو مدينة وأرادوا أن تجعل لهم ذمّة الله وذمّة رسول الله فلا تجعل لهم ذمّة الله وذمّة رسول الله، ولكن اجعل لهم ذمّتك وذمّة أبيك وأصحابك؛ فإنّكم إن تخفروا(1) ذممكم وذمم آبائكم خير لكم من أن تخفروا ذمّة الله وذمّة رسوله »(2) .
قال ابن أبي الحديد: وروى عن زيد بن أرقم من طرق مختلفة أنّه قيل له: بأيّ شيء كفّرتم عثمان؟ فقال: بثلاث؛ جعل المال دولة بين الأغنياء، وجعل المهاجرين من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله بمنزلة مَنْ حارب الله ورسوله، وعمل بغير كتاب الله(3) .
وكذلك روايات عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعامر بن واثلة وعطية ونظرائهم، وستأتي في فصل قادم من هذا الكتاب.
قال الطبري: وفي هذه السنة (67هـ) سار مصعب بن الزبير إلى المختار فقتله.
قال هشام بن محمد، عن أبي مخنف، حدّثني حبيب بن بديل قال: لمّا قدم شبث على مصعب بن الزبير البصرة، وتحته بغلة له قد قطع ذنبها، وقطع طرف اُذنها، وشقّ قباءه
____________________
(1) الأخفار: عدم الوفاء للمجير. والخفارة: الذمّة. (كتاب العين - مادة خَفَر).
(2) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد 15 / 64.
(3) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد 3 / 51.
وهو ينادي: يا غوثاه! يا غوثاه! فأتى مصعب، فقيل له: إنّ بالباب رجلاً ينادي: يا غوثاه! يا غوثاه! مشقوق القباء، من صفته كذا وكذا، فقال لهم: نعم، هذا شبث بن ربعي، لم يكن ليفعل هذا غيره، فأدخلوه. فأُدخل عليه، وجاءه أشراف الناس من أهل الكوفة فدخلوا عليه، فأخبروه بما أُصيبوا به، وسألوه النصر لهم والمسير إلى المختار معهم.
أقول: ولا بدّ أنّ شبثاً وأصحابه قالوا لمصعب: إنّ المختار وأصحابه قد أظهر هو وسبائيته البراءة من الأسلاف الصالحين(1) .
قال أبو مخنف: فحدّثني أبو يوسف بن يزيد أنّ مصعب لمّا أراد المسير إلى الكوفة حين أكثر الناس عليه قال لمحمد بن الأشعث: إنّي لا أسير حتّى يأتيني المهلّب بن أبي صفرة. فكتب مصعب إلى المهلّب وهو عامله على فارس: أن أقبل إلينا لتشهد أمرنا، فإنّا نريد المسير إلى الكوفة. فخرج المهلّب وأقبل بجموع كثيرة وأموال عظيمة معه.
وخرج مصعب، فقدّم أمامه عبّاد بن الحصين الحبطي من بني تميم على مقدّمته، وبعث عمر بن عبيد الله بن معمر على ميمنته، وبعث المهلّب بن أبي صفرة على ميسرته، وجعل مالك بن مسمع على خمس بكر بن وائل، ومالك بن المنذر على خمس عبد القيس،
____________________
(1) روى الطبري قال: قال أبو مخنف: فحدّثني قدامة بن حوشب قال: جاء شبث بن ربعي، وشمر بن ذي الجوشن، ومحمد بن الأشعث، وعبد الرحمن بن سعيد بن قيس، حتّى دخلوا على كعب بن أبي كعب الخثعمي، فتكلّم شبث وقال فيما يعتب المختار: إنّه زعم أنّ ابن الحنفيّة بعثه إلينا، وقد علمنا أنّ ابن الحنفيّة لم يفعل، وأظهر هو وسبائيته البراءة من أسلافنا الصالحين (تاريخ الطبري 4 / 518).
أقول: إنّ أبا مخنف يجعل هذه الواقعة في الكوفة بعد روايته قيام ثورة ضدّ المختار من قِبل شبث وأصحابه من قَتَلة الحسين، ولم يكن قد بدأ بقتلهم، غير أننا نرى أنّ المختار حين قام وجرت معركة بينه وبين شبث وأصحابه وابن مطيع مع المختار وأصحابه لم يؤمن قتلة الحسينعليهالسلام ، بل قتلهم في تلك الواقعة واقتصّ منهم، ثمّ هرب شبث وأصحابه إلى البصرة، وشبث يعرف أنّ اُطروحة المختار وأصحابه هي أطروحة علي، (وموقف عليعليهالسلام من الحكّام الذين قبله معروف).
والسبائية في النصّ لقب ظهر في العهد العباسي الأوّل يشير إلى الشيعة القائلين بالنصّ لعليعليهالسلام ، الذي يترتّب عليه البراءة من عدوّه.
والأحنف بن قيس على خمس تميم، وزياد بن عمرو الأزدي على خمس الأزد، وقيس بن الهيثم على خمس أهل العالية. ومعهم بقيّة الجيش الذي قاتل الحسينعليهالسلام الذين فرّوا إلى البصرة؛ منهم شبث بن ربعي، ومحمد بن الأشعث، وزحر بن قيس، وحجّار بن أبجر وغيرهم، ومنهم أيضاً عبيد الله بن الحرّ الجعفي.
وبلغ ذلك المختار، فقام في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: يا أهل الكوفة، يا أهل الدين وأعوان الحقِّ، وأنصار الضعيف، وشيعة الرسول وآل الرسول، إنّ فُرّارَكم الذين بغوا عليكم أتوا أشباههم من الفاسقين فاستغووهم عليكم؛ ليمصح(1) الحق وينتعش الباطل، ويقتل أولياء الله، والله لو تهلكون ما عبد الله في الأرض إلاّ بالفري على الله واللعن لأهل بيت نبيّهصلىاللهعليهوآله .
ثمّ التقى أصحاب مصعب مع أصحاب المختار، وجرت بينهما وقعات كثيرة انتهت بقتل المختار، وقتل سبعة آلاف من المقاتلين وغيرهم ممّن تحصّنوا بالقصر، ثمّ استؤمنوا ثمّ قُتلوا جميعاً.
قال بجير بن عبد الله المسلي، أحد المحصورين في القصر حين اُتي به مصعب ومعه منهم ناس كثير يخاطب مصعباً: الحمد لله الذي ابتلانا بالإسار وابتلاك بأن تعفو عنّا، وهما منزلتان إحداهما رضا الله والاُخرى سخطه. مَنْ عفا عفا الله عنه وزاده عزّاً، ومَنْ عاقب لم يأمن القصاص.
____________________
(1) مصح الشيء يمصح مصوحاً، إذا رسخ. (كتاب العين)
يابن الزبير، نحن أهل قبلتكم وعلى ملّتكم، ولسنا تركاً ولا ديلماً؛ فإن خالفنا إخواننا من أهل مصرنا؛ فإمّا أن نكون أصبنا وأخطئوا، وإمّا أن نكون أخطأنا وأصابوا، فاقتتلنا كما اقتتل أهل الشام بينهم، فقد اختلفوا واقتتلوا ثمّ اجتمعوا، وكما اقتتل أهل البصرة بينهم فقد اختلفوا واقتتلوا، ثم اصطلحوا واجتمعوا، وقد ملكتم فأسجحوا(1) ، وقد قدرتم فاعفو.
فما زال بهذا القول ونحوه حتّى رقَّ لهم الناس، ورقَّ لهم مصعب، وأراد أن يخلّي سبيلهم، فقام عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقال: تخلّي سبيلهم؟! اخترنا يابن الزبير أو اخترهم.
ووثب محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني فقال: قتل أبي وخمسمئة من همدان، وأشراف العشيرة، وأهل المصر، ثمّ تخلّي سبيلهم ودماؤنا ترقرق في أجوافهم؟! اخترنا أو اخترهم.
ووثب كلّ قوم وأهل بيت كان أُصيب منهم رجل، فقالوا نحواً من هذا القول، فلمّا رأى مصعب بن الزبير ذلك أمر بقتلهم، فنادوه بأجمعهم: يابن الزبير، لا تقتلنا، اجعلنا مقدّمتك إلى أهل الشام غداً، فوالله ما بك ولا بأصحابك عنّا غداً غنى إذا لقيتم عدوّكم؛ فإن قتلنا لم نقتل حتّى نرقهم لكم، وإن ظفرنا بهم كان ذلك لك ولمَنْ معك.
فأبى عليهم وتبع رضا العامّة.
قال أبو مخنف: وحدّثني أبي قال: حدّثني أبو روق: أنّ مسافر بن سعيد بن نمران قال لمصعب بن الزبير:
____________________
(1) الأسجاح: حسن العفو. (كتاب العين)
يابن الزبير، ما تقول لله إذا قدمت عليه وقد قتلت أمّة من المسلمين صبراً؟ حكموك في دمائهم فكان الحقّ في دمائهم ألاّ تقتل نفساً مسلمة بغير نفس مسلمة؛ فإن كنّا قتلنا عدّة رجال منكم فاقتلوا عدّة مَنْ قتلنا منكم وخلّوا سبيل بقيتنا، وفينا الآن رجال كثير لم يشهدوا موطناً من حربنا وحربكم يوماً واحداً، كانوا في الجبال والسواد يجبون الخراج ويؤمنون السبيل. فلم يستمع له.
قال أبو جعفر: وحدّثني عمر بن شبة قال: حدّثنا علي بن محمد قال: لمّا قُتل المختار شاور مصعب أصحابه في المحصورين الذين نزلوا على حكمه. فقال عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، ومحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس وأشباههم ممّن وترهم المختار: اقتلهم.
وضجّت ضجّة وقالوا: دم منذر بن حسان.
فقال عبيد الله بن الحرّ: أيّها الأمير، ادفع كلّ رجل في يديك إلى عشيرته تمنّ عليهم بهم؛ فإنّهم إن كانوا قتلونا فقد قتلناهم، ولا غنى بنا عنهم في ثغورنا. فأمر مصعب بالقوم جميعاً فقتلوا، وكانوا ستة آلاف، فقال عقبة الأسدي:
قتلتم ستةَ الآلاف صبراً |
مع العهدِ الموثّقِ مكتفينا |
|
وما كانوا غداةَ دعوا فغروا |
ذلولاً ظهره للواطئينا |
|
جعلتم ذمّةَ الحبطي جسراً |
بعهدهمُ بأوّلِ خائنينا |
قال أبو مخنف: حدّثني محمد بن يوسف أنّ مصعباً لقي عبد الله بن عمر، فسلّم عليه وقال له: أنا ابن أخيك مصعب.
فقال له ابن عمر: نعم، أنت القاتل سبعة آلاف(1) من أهل القبلة في غداة واحدة، عش ما استطعت.
فقال مصعب: إنّهم كانوا كفرة سحرة.
فقال ابن عمر: والله، لو قتلت عدّتهم غنماً من تراث أبيك لكان ذلك سرفاً.
ثمّ إنّ مصعب أمر بكفّ المختار فقطعت، ثمّ سمرت بمسمار حديد إلى جنب المسجد، فلم يزل على ذلك حتّى قدم الحجّاج بن يوسف فنظر إليها، فقال: ما هذه؟ قالوا: كفّ المختار. فأمر بنزعها.
قال المسعودي: وكان من جملة مَنْ أدركه الإحصاء ممّن قتله مصعب مع المختار سبعة آلاف رجل، كلّ هؤلاء طالبون بدم الحسينعليهالسلام وقتلة أعدائه، فقتلهم مصعب وسمّاهم الخشبية. وتتبّع مصعب الشيعة بالقتل بالكوفة وغيرها.
اُتي بحرم المختار فدعاهنّ إلى البراءة منه ففعلنّ، إلاّ حرمتين له: إحداهما بنت سمرة بن جندب الفزاري، والثانية ابنة النعمان بن بشير الأنصاري، وقالتا: كيف نبرأ من رجل يقول ربّي الله؟! كان صائماً نهاره، قائماً ليله، قدّم دمه لله ولرسوله في طلب قتلة ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأهله وشيعته، فأمكنه الله منهم حتّى شفى النفوس.
فكتب مصعب إلى أخيه عبد الله بخبرهما وما قالتاه، فكتب إليه: إنْ هما رجعتا عمّا هما عليه وتبرّأتا منه وإلاّ فاقتلهما. فعرضهما مصعب على السيف، فرجعت بنت سمرة ولعنته وتبرّأت منه، وقالت:
____________________
(1) قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة 2 / 20: إنّهم كانوا ثمانية آلاف.
لو دعوتني إلى الكفر مع السيف لكفرت، أشهد أنّ المختار كافر.
وأبت ابنة النعمان بن بشير، وقالت: شهادة أُرزقها فأتركها؟ كلاّ، إنّها موتة ثمّ الجنّة والقدوم على الرسول وأهل بيته. والله، [ لا ] يكون آتي مع ابن هند فاتبعه وأترك علي بن أبي طالب. اللّهمّ اشهد أنّي متّبعة لنبيّك وابن بنته وأهل بيته وشيعته، ثمّ قدّمها فقُتلت صبراً(1) .
فقال عمر بن أبي ربيعة القرشي في قتل مصعب عمرة بنت النعمان بن بشير:
إنّ من أعجبِ العجائب عندي |
قتلَ بيضاءَ حرّةٍ عطبولِ |
|
قُتلت هكذا على غيرِ جرمٍ |
إنّ لله درَّها من قتيلِ |
|
كُتب القتلُ والقتالُ علينا |
وعلى المحصناتِ جرُّ الذيولِ |
فقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في ذلك:
ألم تعجب الأقوامُ من قتلِ حرّةٍ |
من المحصناتِ الدينِ محمودةِ الأدبْ |
|
من الغافلاتِ المؤمناتِ بريئةٍ |
من الذمِّ والبهتانِ والشكِ والكذبْ |
|
عجبتُ لها إذ كُفّنت وهي حيّة |
ألا إنّ هذا الخطب من أعجبِ العجبْ |
بعث مصعب عمّاله على الجبال والسواد، ثمّ إنّه كتب إلى ابن الأشتر يدعوه إلى طاعته ويقول له: إن أنت أجبتني ودخلت في طاعتي فلك الشام وأعنّة الخيل، وما غلبت عليه من أرض المغرب ما دام لآل الزبير سلطان.
وكتب عبد الملك بن مروان من الشام إليه يدعوه إلى طاعته ويقول: إن أنت أجبتني ودخلت في طاعتي فلك العراق.
فدعا إبراهيم أصحابه، فقال: ما ترون؟ فقال بعضهم: تدخل في طاعة عبد الملك. وقال بعضهم: تدخل مع ابن الزبير في طاعته. فقال ابن الأشتر: ذاك لو لم أكن أصبت عبيد الله بن زياد ولا رؤساء أهل الشام تبعت عبد الملك، مع أنّي لا أحبّ أن أختار على أهل مصري مصراً، ولا على عشيرتي عشيرة. فكتب إلى مصعب، فكتب إليه مصعب: أن اقبل، فأقبل إليه بالطاعة.
____________________
(1) مروج الذهب 3 / 99 - 100.
استخلف مصعب على الكوفة القُباع، وكان والياً من قبله على البصرة، وأمره أن يجعل عمرو بن حريث خليفته، وولّى القُباع شُرَطَه شبث بن رِبعي.
صفا الجو لعبد الله بن الزبير في الحجاز والعراق واليمن وجزء من فارس مدّة خمس سنوات، ونفّذ سياسته الإعلامية(1) التي يريد ضدّ عليعليهالسلام وشيعته بأسلوبين:
الاُسلوب الأوّل: استخدمه في الحجاز، وهو المنع من العمل بمدرسة علي في إحياء السنّة النبويّة، والمنع من نشر أحاديث النبي في أهل بيته، وتطويق ابن عباس وابن الحنفيّة وأصحابهم، ثمّ إبعادهم أخيراً إلى الطائف.
وقد استمرت هذه السياسة بعد قتل ابن الزبير حين حكم بنو اُميّة الحجاز... وفي ضوء ذلك كان محبّو أهل البيت في الحجاز في تلك الفترة قليلين.
روى أبو عمر النهدي قال: سمعت علي بن الحسينعليهالسلام يقول: « ما بمكة والمدينة عشرون رجلاً يحبّنا »(2) .
____________________
(1) كانت سياسة عبد الله بن الزبير الإعلامية ذات شقين؛ الأوّل: يرتبط بالموقف من مدرسة علي، وهو ما ذكرناه في المتن. الثاني: يرتبط بالموقف من بني اُميّة ويرتكز على تبنّي نشر أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في بني اُميّة.
(2) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 4 / 101 كان سعيد بن المسيب منحرفاً عن أمير المؤمنين، وجبهه محمد بن علي في وجهه بكلام شديد. روى عبد الرحمن بن الأسود، عن أبي داود الهمداني قال: شهدت سعيد بن المسيب، وأقبل عمر بن علي بن أبي طالب، فقال له سعيد: يابن أخي، ما أراك تكثر غشيان مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآله كما تفعل إخوتك وبنو عمك؟
فقال عمر: يابن المسيّب، أكلّما دخلت المسجد أجيء فأشهدك؟
فقال سعيد: ما أحبّ أن تغضب. سمعت أباك يقول: « إنّ لي من الله مقاماً لهو خير لبني عبد المطلب ممّا على الأرض من شيء ».
فقال عمر: وأنا سمعت أبي يقول: « ما كلمة حكمة في قلب منافق فيخرج من الدنيا حتّى يتكلّم بها ». فقال سعيد: يابن أخي، جعلتني منافقاً؟!
فقال: هو ما أقول. ثمّ انصرف.
وكان الزهري من المنحرفين عنه. وروى جرير بن عبد الحميد، عن محمد بن شيبة قال: شهدت مسجد المدينة، فإذا الزهري وعروة بن الزبير جالسان يذكران علياً فنالا منه، فبلغ ذلك علي بن الحسينعليهالسلام =
الاُسلوب الثاني: استخدمه في العراق وبخاصّة في الكوفة، وهو إعلان البراءة من المختار، ووضع الأحاديث الكاذبة ضدّه، ثم عرض الناس على البراءة أو القتل، وقد افتتح ابن الزبير عهده في الكوفة بعد قتل المختار بقتل سبعة آلاف من الشيعة صبراً بعد أن آمنهم على نفوسهم، ولم يتورّع عبد الله بن الزبير أن يأمر أخاه مصعباً بعرض زوجتي المختار على البراءة من المختار أو القتل، فتبرّأت ابنة سمرة بن جندب خوفاً، ولم تتبرّأ ابنة النعمان بن بشير؛ رغبة في الشهادة.
لقد أعادت ولاية مصعب وسياسته إلى الذاكرة في الكوفة عهد زياد وابنه عبيد الله فيها.
بقي ابن الزبير يكره أهل العراق ولا يخفي ذلك عنهم.
قال ابن قتيبة: قدم مصعب على أخيه عبد الله بن الزبير في سنة إحدى وسبعين ومعه رؤساء أهل العراق ووجوهم وأشرافهم، فقال: يا أمير المؤمنين، قد جئتك برؤساء أهل العراق وأشرافهم، كلّ مطاع في قومه، وهم الذين سارعوا إلى بيعتك، وقاموا بإحياء دعوتك، ونابذوا أهل معصيتك، وسعوا في قطع عدوّك(1) .
فقال له عبد الله بن الزبير: اسكت، فوالله، لوددت أنّ لي بكلّ عشرة من أهل العراق واحداً من أهل الشام، صرف الدينار بالدراهم.
فقال أبو حاضر الأسدي: يا أمير المؤمنين، إنّ لنا ولك مثلاً، أفتأذن في ذكره؟
قال: نعم.
____________________
= فجاء حتّى وقف عليهما، فقال: « أمّا أنت يا عروة، فإنّ أبي حاكم أباك إلى الله فحكم لأبي على أبيك، وأمّا أنت يا زهري، فلو كنت بمكة لأريتك كرامتك ». (بحار الأنوار - العلامة المجلسي 64 / 143).
(1) الإمامة والسياسة 2 / 20.
قال: مَثَلُنا ومثَلُك ومَثَل أهل الشام، قول الأعشى:
عُلِّقْتُها عَرَضاً وعُلِّقت رجلاً |
غيري وعُلِّقَ اُخرى غيرَها الرَّجُلُ |
أحبَّك أهلُ العراق وأحببتَ أهل الشام، وأحبَّ أهلُ الشام عبدَ الملك، فما تصنع؟(1)
أقول: يريد المتكلّم بأهل العراق في حديثه: أهل البصرة، ورؤوس الجيش الكوفي الذين قاتلوا الحسين؛ شبث بن ربعي، وحجّار بن أبجر، ومحمد بن الأشعث، ونظراءهم الذين بايعوا لدُحروجة الجُعل والياً لعبد الله بن الزبير بعد موت يزيد.
قال البلاذري: ولمّا جاء عبد الله بن الزبير خبر مقتل أخيه مصعب أضرب عن ذكره أياماً، ثمّ صعد المنبر فجلس عليه مليّاً لا يتكلّم، والكآبة بادية في وجهه، ثمّ قال:... إنّه أتانا خبر من العراق أحزننا... إنّ أهل العراق أهل الغدر والنفاق، أسلموه وباعوه بأقل ثمن وأخَسِّه...(2) .
أقول: إنّ أهل الغدر هؤلاء الذين يشير إليهم ابن الزبير هم الذين عُرِفوا بنفاقهم وارتباطهم ببني اُميّة أيام عليعليهالسلام ، ثمّ تولّوا الأمور بعد وفاة الحسنعليهالسلام ، ونفّذوا خطّة معاوية وابنه يزيد في تصفية مدرسة عليعليهالسلام ، كما مرّ بحثه في فصل خطّة معاوية في تصفية التشيّع في الكوفة.
وهل يترقّب عبد الله بن الزبير من الوجوه التي شهدت على حجر بن عدي زوراً لقتله، أو قتلت الحسينعليهالسلام وصحبه وأهل بيته أن تكون وفيّة له ولأخيه مصعب، وهي ترى مصعباً لا يتوّرع عن قتل سبعة آلاف من المسلمين صبراً، ولا يتوّرع عن قتل زوجة المختار؛ لأنّها لم تتبرأ من زوجها، وشهدت بقيامه الليل وصيامه النهار؟
____________________
(1) شرح نهج البلاغة 7 / 75.
(2) أنساب الأشراف 7 / 103.
وليس من شك أنّ التعميم ليس في محلّه؛ لأنّ إبراهيم الأشتر الذي وفى بعهده مع مصعب وقُتل معه، وقد نبّه مصعباً بأنّ الوجوه التي معه سوف يغدرون به، هو من وجوه العراق، وغالبية مَنْ قُتل من أصحاب الحسينعليهالسلام هم من وجوه أهل العراق، وسليمان بن صرد وصحبه الذين استشهدوا في عين الوردة هم من وجوه أهل العراق، والمختار ومَنْ استشهد معه هم من وجوه أهل العراق.
قال عوانة: لمّا صح عند مصعب وصول عبد الملك يريده، بعث إلى ابن الأشتر فأقدمه عليه وجعله على مقدّمته، وكاتب عبد الملك وجوه أهل الكوفة والبصرة ورغّبهم في الأموال والأعمال، وكتب عبد الملك إلى إبراهيم بن الأشتر فجعل له ولاية العراقين، فأخذ كتابه فدفعه إلى مصعب، وقال له: إنّ عبد الملك لم يكتب إليّ إلاّ وقد كتب إلى هؤلاء الوجوه بمثله وقد أفسدهم عليك، فأنا أرى أن تأخذ وجوه أهل المصرين فتشدّهم بالحديد.
فقال له: يا أبا النعمان، أتأخذ الناس بالظنّة؟
قال: فأجمعهم في أبيض المدائن؛ لئلاّ يشهدوا الحرب معك.
قال: إذاً أفسد قلوب عشائرهم.
قال: فابعثهم إلى أخيك بمكة.
فقال: ليس هذا برأي.
قال: فإن لقيت العدو فلا تمدّني بواحد منهم، واتّهمهم(1) .
وقال الهيثم بن عدي: كتب عبد الملك إلى إبراهيم بن الأشتر - وهو مع مصعب - كتاباً، فأتى به إلى مصعب قبل أن يقرأه، فلمّا قرأه مصعب قال له: يا أبا النعمان، أتدري ما فيه؟ قال: لا. قال: يعرض عليك ما سقت دجلة، أو ما سقى الفرات، فإن أبيت جمعهما لك، وإنّ هذا لما يرغب فيه.
فقال إبراهيم: ما كنت لأتقلّد الغدر والخيانة، وما عبد الملك من أحد بأياس منه منّي، وما ترك أحداً ممّن معك إلاّ وقد كتب إليه... وذكر مثل خبر عوانة، ولم يقبل مصعب برأي إبراهيم فيهم، وقال له: ووالله، لو لم أجد إلاّ النمل لقاتلت به أهل الشام.
____________________
(1) أنساب الأشراف 7 / 90، طبعة دار الفكر - بيروت.
فلمّا اصطفّ الناس مال عتاب بن ورقاء فذهب، وكان على خيل أهل الكوفة، وجعل إبراهيم يقول لرجل رجل: تقدّم فيأبون عليه، فتقدّم هو وقاتل حتّى قُتل.
ثمّ تقدّم مصعب فقال لحجّار بن أبجر: تقدّم يا أبا أسيد إلى هؤلاء الأنتان. قال: ما تتأخّر إليه أنتن. ثمّ قال للغضبان بن القَبَعْثَرى: تقدم يا أبا السِّمط. فقال: ما أرى. ثمّ التفت إلى قطن بن عبد الله الحارثي وهو على مذحج وأسد، فقال: تقدّم. فقال: أسفك دماء مذحج في غير شيء(1) .
قال المدائني: سار مصعب وحوله نفر يسير، وقد خذله أهل العراق لعِدَة عبد الملك إيّاهم، ووعد حجّار بن أبجر ولاية إصبهان، ووعدها غضبان بن القَبْعَثرَى، وعتاب بن ورقاء، وقطن بن عبد الله الحارثي، ومحمد بن عمير بن عطارد(2) .
قال عروة بن المغيرة: خرج مصعب يسير، فوقعت عينه عليَّ. فقال: ياعروة، كيف صنع الحسينعليهالسلام ؟ فأخبرته بإبائه النزول على حكم ابن زياد، وعزمه على الحرب، فقال:
إنّ الاُلى بالطفّ من آلِ هاشمٍ |
تآسوا فسنُّوا للكرامِ التآسيا |
والبيت لسليمان بن قتة.
فقاتل مصعب حتّى قُتل(3) . كان ذلك سنة اثنتين وسبعين، قُتل في مسكن.
قال أبو نعيم: قُتل مصعب وهو ابن ست وثلاثين سنة.
ثمّ وجّه عبد الملك الحجّاج إلى عبد الله بن الزبير، وجعل على شُرَط الكوفة قطن بن
____________________
(1) أنساب الأشراف 7 / 94.
(2) ونقل البلاذري في أنساب الأشراف أنّ عمرو بن حريث، وكان خليفة مصعب على الكوفة، ممّن كاتب عبد الملك، وكان مائلاً إليه.
(3) أنساب الأشراف 7 / 98.
عبد الله بن الحصين الحارثي وكان عثمانياً لم يمِل إلى عبد الملك أحدٌ مَيلَه (أقول: وكان أحد شهود الزور على حجر أيام ولاية زياد)، وجعل ولايتها لبشر بن مروان، وولّى عبد الله بن خالد بن أسيد من بني اُميّة البصرة، ثمّ عزله عنها وضمّها إلى بشر، ثمّ جمع العراقين لبشر(1) .
وروى الذهبي في ميزان الاعتدال 4 / 146 في ترجمة عمّار الدهني، قال: قال علي بن المديني: قال سفيان بن عيينة: قطع بشر بن مروان عرقوبيه(2) في التشيّع.
وهذا يفيدنا أنّ عبد الملك بدأ بمواصلة خطّة سلفه معاوية، وخطّة عبد الله بن الزبير في اضطهاد الشيعة بمجرّد استلامهم الحكم في العراق.
____________________
(1) أنساب الأشراف 7 / 106، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (وتوفي بالبصرة وله نيف وأربعون سنة).
(2) عرقوبيه: تثنية عرقوب وهو العصبة الناتئة من القصب إلى الساق.
قُتل عبد الله بن الزبير على يد الحجّاج، وولّى عبد الملك الحجّاج الحجاز واليمن واليمامة مدّة سنتين، ابتدأت بقتل ابن الزبير في 17 جمادى الثانية سنة 73 هجرية، وانتهت برجب سنة 75 هجرية، وبعدها جعله عبد الملك والياً على العراق بعد وفاة أخيه بشر بن مروان في رجب سنة 75 هجرية، واستمرت ولايته إلى شوال سنة 95 هجرية.
روى اليعقوبي أنّ عبد الملك كتب إلى الحجّاج: أمّا بعد يا حجّاج، فقد ولّيتك العراقين صدقة، فإذا قدمت الكوفة فطَأْها وطأة يتضاءل منها أهل البصرة(1) .
ولمّا قدم الحجّاج العراق استعان بوُلد المغيرة بن شعبة، فولّى عروة بن المغيرة الكوفة، وولّى حمزة بن المغيرة همدان، وولّى مُطرِّف بن المغيرة المدائن.
وفي أوّل خطّبة خطبها الحجّاج بالكوفة قال لهم:... إنّكم أهل بغي وخلاف، وشقاق ونفاق، طالما أوضعتم في الضلال، وسننتم سنن البغي... وإيّاي وهذه الزرافات والجماعات، وكان ويكون، وما أنتم وذاك؟ إنّي أرى الدماء بين العمائم واللحى. والذي نفس الحجّاج بيده، لتسلكنّ طريق الحقّ
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 273.
ولتستقيمنّ عليه أو لأجعلنّ لكلّ امرئ منكم شغلاً في جسده...
ألا لا يركبنّ أحد منكم إلاّ وحده... وقد بلغني رفضكم للمهلّب، وإقبالكم إلى مصركم عصاة مخالفين. وأقسم بالله لا أجد رجلاً بعد ثلاثة ممّن أخلّ بمركزه إلاّ ضربت عنقه. ثمّ دعا بالعرفاء فقال لهم: الحقوا الناس بالمهلّب، وأتوني بكتبه بموافاتهم، ولا أستبطئكم فأضرب أعناقكم(1) .
قال البلاذري: ثمّ أمر مناديه أن برئت الذمّة من عاصٍ مخلٍ بمركزه وجدناه بالكوفة بعد ثلاث، فالحقوا ببعث المهلّب وبمكاتبكم من الثغور، ومغازيكم للخوارج.
وجاء عمير بن ظابئ بن الحارث البرجمي التميمي (وكان سيد الحي)(2) فقال: أصلح الله الأمير، إنّي شيخ كبير عليل، وهذا ابني حنظلة وليس في بني تميم رجل أشدّ منه ظهراً وبطشاً، فإن رأيت أن تخرجه مكاني بديلاً فافعل. فقال الحجّاج: اضربوا عنقه. فضربوا عنقه، فلمّا ضُربت عنق عمير تطايرت عُصاة الجيوش إلى مكاتبهم التي رفضوها، ولحق كلّ مخل بثغره ومركزه. وكان الحجّاج أوّل مَنْ ضرب أعناق العصاة.
ثمّ عيَّن أخاه لأمّه عروة بن المغيرة بن شعبة نائباً عنه طوال مدّة غيابه، وخرج إلى البصرة وخطب وهدَّد بذلك أيضاً، فأتاه شريك بن عمرو اليشكري (وكان به فتق، وكان أعور يضع على عينه قطنة فسُمّي ذا الكرسف)، فقال له: أصلح الله الأمير، إنّي عرضت على بشر بن مروان فأمر العراض أن يوقعوا على اسمي (زمناً) وأعطوني، فهذا عطائي قد جئتك به لتردّه إلى بيت المال. فأمر به فضُربت عنقه لاستعفائه، وكان عريفاً، فلم يبقَ بالبصرة عاص إلاّ لحق بالمهلّب وبمكتبه.
وجيء برجل وقت غداء الناس عند الحجّاج، فقيل له: هذا عاص. فقال الرجل: والله
____________________
(1) أنساب الأشراف 7 / 274.
(2) تاريخ الطبري 6 / 208.
ما شهدت عسكراً قط، ولا أُثبت لي اسم قطّ في ديوان، وإنّما أنا نسّاج. فضرب عنقه(1) .
ثار على الحجّاج جنده من أهل البصرة سنة 76 هجرية بقيادة عبد الله بن الجارود، ثمّ ثار عليه جنده من أهل الكوفة سنة 77 هجرية بقيادة مطرف بن المغيرة، ثمّ ثار عليه جنده من المصرين في البصرة والكوفة بقيادة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث سنة 81 هجرية، ولم يستطع الحجّاج إخضاع التمرّد الأخير إلاّ بواسطة جند أهل الشام، وبقي محتفظاً بجند أهل الشام ليضبط ولايته، وبنى لهم مدينة واسط لكي لا يختلطوا بالعراقيين فيتأثّروا بهم.
وفيما يلي موجز عنها:
كان هذا التمرّد محدوداً، وكان يستهدف الحجّاج خاصّة دون خلع بني اُميّة، وانتهى التمرّد بقتل ابن الجارود. ولمّا كتب الحجّاج إلى عبد الملك بخبره أجابه: إذا رابَكَ من أهل العراق ريب فاقتل أدناهم يُرعَب منك أقصاهم(2) .
حاول مطرف في ثورته أن يحيي منهج ابن الزبير بشكل عام، فقد أعلن ثورته عام 77 هجرية وخلع عبد الملك والحجّاج، ويروي البلاذري عن أبي عبيدة وابن الهيثم أنّ مطرفاً سمع الحجّاج يقول: أرسول أحدكم أكرم أم خليفته؟ فوجم، وقال: كافر، والله والله إنّ قتله حلال.
____________________
(1) أنساب الأشراف 7 / 280.
(2) أنساب الأشراف 7 / 292.
وكان ممّا خطب به مطرِّف أصحابه: إنّ الله كتب الجهاد على خلقه وأمر بالعدل والإحسان، وقال فيما أنزل علينا:( وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الإِْثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ) المائدة / 2، وإنّي أُشهد الله أنّي قد خلعت عبد الملك بن مروان والحجّاج بن يوسف، فمَنْ أحبّ منكم صحبتي، وكان على مثل رأيي فليتابعني؛ فإنّ له الأسوة وحسن الصحبة، ومن أبى فليذهب حيث شاء؛ فإنّي لست أحبّ أن يتبعني مَنْ ليست له نيّة في جهاد أهل الجور.
أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه وإلى قتال الظلمة، فإذا جمع الله لنا أمرنا كان هذا الأمر شورى بين المسلمين يرتضون لأنفسهم مَنْ أحبّوا.
وكان ممّا يكتبه إلى الآخرين: أمّا بعد، فإنّا ندعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، وإلى جهاد مَنْ عَنِدَ عن الحقّ واستأثر بالفيء، وترك حكم الكتاب(1) .
انتهت هذه الثورة بمقتل مطرف على يد قوات الحجّاج على مقربة من أصفهان.
في عام 78 جعل عبد الملك بن مروان إقليمي خراسان وسجستان ولايتين تابعتين للحجّاج، وعيَّن الحجّاج المهلّب بن أبي صفرة على خراسان، وعيَّن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي البصري عاملاً على سجستان. ولمّا قدم عبيد الله بن أبي بكرة سجستان امتنع زونبيل صاحب الترك عن دفع الجزية، فأمره الحجّاج أن يغزوه، فقاد ابن أبي بكرة جيشاً قوامه عشرين ألفاً من أهل الكوفة والبصرة الذين كانوا يرابطون في سجستان، ولمّا وصلوا على مقربة من كابل وقعوا في كمائن نُصبت لهم، ولم ينج منهم سوى خمسة آلاف رجل (وذلك عام 79 هجرية)،
____________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 111.
وكان بضمنهم عبيد الله بن أبي بكرة نفسه، وكان معظم القتلى من أهل الكوفة.
وبعث الحجّاج بعد أن أخذ موافقة عبد الملك جيشاً آخر قوامه أربعين ألفاً؛ عشرين ألف من الكوفة، ومثلهم من البصرة بقيادة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، وقدم ابن الأشعث سجستان (أواخر عام 79 هجرية)، ونجح في فتح المدن التابعة لزونبيل، وآثر ابن الأشعث الاكتفاء بذلك لسنته تلك، وكتب إلى الحجّاج بذلك، غير أنّ الحجاج لم يوافقه، وبعث إليه بكتاب يسفِّه رأيه ويأمره بالتوغّل في أرض زونبيل، وقرر ابن الأشعث عدم تنفيذ أمر الحجّاج، واتهمه بالعمل على التغرير به كما غرّر بجيش عبيد الله بن أبي بكرة، وانبرى عدد من الخطباء يذمّون الحجّاج ويتّهمونه بالعمل على هلاكهم.
قال أبو مخنف(1) : فحدّثني مطرِّف بن عامر بن واثلة الكناني أنّ أباه كان أوّل متكلّم يومئذ، وكان شاعراً خطيباً، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أمّا بعد، فإنّ الحجّاج والله ما يرى بكم إلاّ ما رأى القائل الأوّل، إذ قال لأخيه: احمل عبدك على الفرس؛ فإنّ هلك هلك، وإن نجى فلك.
إنّ الحجاج والله ما يبالي أن يخاطر بكم فيقحمكم بلاداً كثيرة اللهوب واللصوب(2) ، فإن ظفرتم فغنمتم كلّ البلاد وحاز المال، وكان ذلك زيادة في سلطانه، وإن ظفر عدوّكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذي لا يبالي عنتهم، ولا يبقي عليهم. اخلعوا عدوّ الله الحجّاج وبايعوا عبد الرحمن، فإنّي أُشهدكم أنّي أوّل خالع.
فنادى الناس من كلّ جانب: فعلنا فعلنا، قد خلعنا عدوّ الله. فوثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه، فقال: تبايعوني على خلع الحجّاج عدوّ الله، وعلى النصرة لي وجهاده معي حتّى ينفيه الله من أرض العراق. فبايعه الناس.
ولمّا دخل الناس فارس اجتمع الناس بعضهم إلى بعض وقالوا: إنّا إذا خلعنا
____________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 146.
(2) اللهوب: الجبال الوعرة. واللصوب: المسالك الضيقة بين الجبال.
الحجّاج عامل عبد الملك فقد خلعنا عبد الملك. فاجتمعوا إلى عبد الرحمن فبايعوه، وكانت بيعته: تبايعون على كتاب الله وسنّة نبيّه، وخلع أئمّة الضلالة، وجهاد المحلّين، فإذا قالوا: نعم، بايع، فلمّا بلغ الحجّاج خلعه كتب إلى عبد الملك يخبره خبر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، ويسأله أن يعجّل بعثه الجنود إليه.
قال أبو مخنف: حدّثني فضيل بن خديج أنّ مكتبه كان بكرمان، وكان بها أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة وأهل البصرة، فلمّا مرّ بهم ابن محمد بن الأشعث انجفلوا معه.
وعزم الحجّاج رأيه على استقبال ابن الأشعث، فسار بأهل الشام حتّى نزل تستر، وقدم بين يديه مطهر بن حرّ العكّي أو الجذامي، وعبد الله بن رميثة الطائي، ومطهر على الفريقين، فجاؤوا حتّى انتهوا إلى دجيل وقد قطع عبد الرحمن بن محمد خيلاً له عليها عبد الله بن أبان الحارثي في ثلاثمئة فارس، وكانت مسلحة له وللجند، فلمّا انتهى إليه مطهر بن حرّ أمر عبد الله بن رميثة الطائي فأقدم عليهم.
قال أبو مخنف: فحدّثني أبو الزبير الهمداني قال: كنت في أصحاب ابن محمد إذ دعا الناس وجمعهم إليه، ثمّ قال: اعبروا إليه من هذا المكان. فأقحم الناس خيولهم دجيل من ذلك المكان الذى أمرهم به، فوالله ما كان بأسرع من أن عبر معظم خيولنا، فما تكاملت حتّى حملنا على مطهر بن حرّ والطائي فهزمناهما يوم الأضحى في سنة 81، وقتلناهم قتلاً ذريعاً، وأصبنا عسكرهم.
وأتت الحجّاج الهزيمة وهو يخطب، فصعد إليه أبو كعب بن عبيد بن سرجس فأخبره بهزيمة الناس، فقال: أيّها الناس، ارتحلوا إلى البصرة، إلى معسكر ومقاتل وطعام ومادة؛ فإنّ هذا المكان الذي نحن به لا يحمل الجند. ثمّ انصرف راجعاً، وتبعته خيول أهل العراق، فكلّما أدركوا منهم شاذاً قتلوه، وأصابوا ثقلاً حووه.
ومضى الحجّاج لا يلوى على شيء
حتى نزل الزاوية، وبعث إلى طعام التجّار الكلاء فأخذه، فحمله إليه وخلى البصرة لأهل العراق، وكان عامله عليهم الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي، وجاء أهل العراق حتّى دخلوا البصرة، وقد كان الحجّاج حين صدم تلك الصدمة، وأقبل راجعاً، دعا بكتاب المهلّب فقرأه، ثمّ قال: لله أبوه! (أي صاحب حرب هو)، أشار علينا بالرأي ولكنّا لم نقبل.
وقال غير أبي مخنف: كان عامل البصرة يومئذ الحكم بن أيوب على الصلاة والصدقة، وعبد الله بن عامر بن مسمع على الشرط، فسار الحجّاج في جيشه حتّى نزل رستقباذ(1) ، وهي من دسبتي من كور الأهواز، فعسكر بها، وأقبل ابن الأشعث فنزل تستر وبينهما نهر، فوجّه الحجّاج مطهر بن حرّ العكي في ألفي رجل فأوقعوا بمسلحة لابن الأشعث، وسار ابن الأشعث مبادراً فواقعهم، وهي عشية عرفة من سنة 81، فيقال: إنّهم قتلوا من أهل الشام ألفاً وخمسمئة، وجاءه الباقون منهزمين، ومعه يومئذ مئة وخمسون ألف، ففرّقها في قوّاده وضمّنهم إياها، وأقبل منهزماً إلى البصرة.
وخطب ابن الأشعث أصحابه فقال: أمّا الحجّاج فليس بشيء ولكنّا نريد غزو عبد الملك. وبلغ أهل البصرة هزيمة الحجّاج، فأراد عبد الله بن عامر بن مسمع أن يقطع الجسر دونه، فرشاه الحكم بن أيوب مئة ألف فكفّ عنه، ودخل الحجّاج البصرة فأرسل إلى ابن عامر فانتزع المئة ألف منه، فلمّا دخل عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث البصرة بايعه على حرب الحجّاج، وخلع عبد الملك جميع أهلها من قرّائها وكهولها، وخندق الحجّاج عليه، وخندق عبد الرحمن على البصرة، وكان دخول عبد الرحمن البصرة في آخر ذي الحجة من سنة 81.
قال أبو مخنف: حدّثني أبو الزبير الهمداني: وخرج أهل الكوفة يستقبلون ابن الأشعث حين أقبل، فاستقبلوه بعد ما جاز قنطرة زُبارة(2) ، فلمّا دخل الكوفة مال إليه أهل الكوفة
____________________
(1) موضع من أرض دستوا (مراصد الاطلاع).
(2) ناحية بالكوفة.
كلّهم وبايعوه، وسقط إليه أهل البصرة، وتقوّضت إليه المسالح والثغور، وجاءه فيمَنْ جاءه من أهل البصرة عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وعرف بذلك، وكان قد قاتل الحجّاج بالبصرة بعد خروج ابن الأشعث ثلاثاً، وأقبل الحجّاج من البصرة فسار في البرّ حتّى مرَّ بين القادسية والعذيب، ومنعوه من نزول القادسية، وبعث إليه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث عبد الرحمن بن العباس في خيل عظيمة من خيل المصرين فمنعوه من نزول القادسية، ثمّ سايروه حتّى ارتفعوه على وادي السباع، ثمّ تسايروا حتّى نزل الحجّاج دير قُرَّة ونزل عبد الرحمن بن العباس دَير الجماجم، ثمّ جاء ابن الأشعث فنزل بدير الجماجم والحجّاج بدير قُرَّة.
وجاءت الحجّاج أيضاً إمدادات من قبل عبد الملك من قبل أن ينزل دير قرّة، جاءه عبد الله بن عبد الملك بن مروان في عشرين ألف من أهل الشام، ومحمد بن مروان في عشرين ألف من أهل الجزيرة(1) .
وبعث ابن الأشعث عبد الله بن إسحاق بن الأشعث لحشر الناس من الكوفة، وأمر كميل بن زياد أن يحرّض الناس، فأُخرج وهو شيخ كبير، فحُمل حتّى أُقعد على المنبر، فخطب خطبة طويلة منها قوله: إنّه والله لا ينفي عنكم الظلم والعدوان إلاّ التناصح والتآسي، واجتماع الكلمة، وصلاح ذات البين، والصبر على الطعان بالرماح والضرب بالسيوف(2) .
واجتمع أهل الكوفة وأهل البصرة، وأهل الثغور والمسالح بدَيْر الجماجم، والقرّاء من أهل المصرين (الكوفة والبصرة)، فاجتمعوا جميعاً على حرب الحجّاج، وجمعهم عليه
____________________
(1) أنساب الأشراف 7 / 336.
(2) أنساب الأشراف 7 / 339.
بغضهم والكراهية له، وهم إذ ذاك مئة ألف مقاتل ممّن يأخذ العطاء، ومعهم مثلهم من مواليهم، فكانوا يخرجون في كلّ يوم فيقتتلون، واشتدّ القتال بينهم.
فلمّا بلغ ذلك رؤوس قريش وأهل الشام قِبَل عبد الملك ومواليه قالوا: إن كان إنّما يرضي أهل العراق أن تنزع عنهم الحجّاج [فانزعه]؛ فإنّ نزع الحجّاج أيسر من حرب أهل العراق، فانزعه عنهم تخلص لك طاعتهم، وتحقن به دماءنا ودماءهم.
فبعث ابنه عبد الله بن عبد الملك، وبعث إلى أخيه محمد بن مروان بأرض الموصل يأمره بالقدوم عليه، فاجتمعا جميعاً عنده كلاهما في جنديهما، فأمرهما أن يعرضا على أهل العراق نزع الحجّاج عنهم، وأن يجري عليهم اُعطياتهم كما تجري على أهل الشام، وأن ينزل ابن محمد أيّ بلد من العراق شاء يكون عليه والياً ما دام حياً، (وكان عبد الملك والياً)، فإن هم قبلوا ذلك عزل عنهم الحجّاج، (وكان محمد بن مروان أمير العراق)، وإن أبوا أن يقبلوا فالحجّاج أمير جماعة أهل الشام وولي القتال، ومحمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك في طاعته.
فلم يأت الحجّاج أمر قط كان أشدّ عليه ولا أغيظ له ولا أوجع لقلبه منه؛ مخافة أن يقبلوا فيُعزل عنهم. فكتب إلى عبد الملك: يا أمير المؤمنين، والله لئن أعطيت أهل العراق نزعي لا يلبثون إلاّ قليلاً حتّى يخالفوك ويسيروا إليك، ولا يزيدهم ذلك إلاّ جرأة عليك. ألم ترَ وتسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر على ابن عفّان، فلمّا سألهم ما يريدون، قالوا: انزع سعيد بن العاص، فلمّا نزعه لم تتم لهم السنة حتّى ساروا إليه فقتلوه؟ إنّ الحديد بالحديد يفلح، خار الله لك فيما ارتأيت، والسلام عليك.
فأبى عبد الملك إلاّ عرض هذه الخصال على أهل العراق؛ إرادة العافية من الحرب، فلمّا اجتمعا مع الحجّاج خرج عبد الله بن عبد الملك فقال: يا أهل العراق، أنا عبد الله ابن أمير المؤمنين، وهو يعطيكم كذا وكذا، فذكر هذه الخصال التي ذكرنا.
وقال محمد بن مروان:
أنا رسول أمير المؤمنين إليكم، وهو يعرض عليكم كذا وكذا، فذكر هذه الخصال.
قالوا: نرجع العشية. فرجعوا، فاجتمعوا عند ابن الأشعث، فلم يبق قائد ولا رأس قوم ولا فارس إلاّ أتاه، فحمد الله ابن الأشعث وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد، فقد أعطيتم أمراً انتهازكم اليوم إياه فرصة، ولا آمن أن يكون على ذي الرأي غداً حسرة، وإنّكم اليوم على النصف، وإن كانوا اعتدوا بالزاوية فأنتم تعتدون عليهم بيوم تستر، فاقبلوا ما عرضوا عليكم وأنتم أعزّاء أقوياء، والقوم لكم هائبون.
فوثب الناس من كلّ جانب فقالوا: إنّ الله قد أهلكهم، فأصبحوا في الضنك والمجاعة والقلّة والذلّة، ونحن ذووا العدد الكثير والمادة القريبة، لا والله لا نقبل، فأعادوا خلعه ثانية - وكان اجتماعهم على خلعه بالجماجم أجمع من خلعهم إيّاه بفارس - فرجع محمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك إلى الحجّاج فقالا: شأنك بعسكرك وجندك، فاعمل برأيك فإنّا قد اُمرنا أن نسمع لك ونطيع.
وبرزوا للقتال، فجعل الحجّاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليم الكلبي، وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللخمي، وعلى خيله سفيان بن الأبرد الكلبي، وعلى رجاله عبد الرحمن بن حبيب الحكمي.
وجعل ابن الأشعث على ميمنته الحجّاج بن جارية الخثعمي، وعلى ميسرته الأبرد بن قرّة التميمي، وعلى خيله عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث الهاشمي، وعلى رجاله محمد بن سعد بن أبي وقاص، وعلى مجففته عبد الله رزام الحارثي، وجعل على القرّاء جبلة بن زحر بن قيس الجعفي. وكان معه خمسة عشر رجلاً من قريش، وكان فيهم عامر الشعبي، وسعيد بن جبير، وأبو البختري الطائي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى.
ثمّ إنّهم أخذوا يتزاحفون في كلّ يوم ويقتتلون، وأهل العراق تأتيهم موادهم من
الكوفة ومن سوادها فيما شاؤوا من خصبهم وإخوانهم من أهل البصرة، وأهل الشام في ضيق شديد، قد غلت عليهم الأسعار، وقلّ عندهم الطعام، وفقدوا اللحم، وكانوا كأنّهم في حصار، وهم على ذلك يغادون أهل العراق ويراوحونهم، فيقتتلون أشدّ القتال، وكان الحجّاج يدني خندقه مرّة وهؤلاء أخرى حتّى كان اليوم الذي أُصيب فيه جبلة بن زحر.
ثمّ إنّ ابن الأشعث بعث إلى كميل بن زياد النخعي، وكان رجلاً ركيناً وقوراً، عند الحرب له بأس وصوت في الناس، وكانت كتيبته تُدعى كتيبة القرّاء، يحمل عليهم فلا يكادون يبرحون، ويحملون فلا يكذبون، فكانوا قد عرفوا بذلك.
قال الطبري: ثمّ دخلت سنة ثلاث وثمانين: ذكر الأحداث التي كانت فيها، فما كان فيها من ذلك هزيمة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بدير الجماجم.
ذكر هشام بن محمد، عن أبى مخنف قال: حدّثني أبو الزبير الهمداني قال: كنت في خيل جبلة بن زحل، فلمّا حمل عليه أهل الشام مرّة بعد مرّة نادانا عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه فقال: يا معشر القرّاء، إنّ الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح منه بكم؛ إنّي سمعت علياً رفع الله درجته في الصالحين، وأثابه أحسن ثواب الشهداء والصدّيقين يقول يوم لقينا أهل الشام: « أيّها المؤمنون، إنّه مَنْ رأى عدواناً يُعمل به، ومنكراً يُدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ، ومَنْ أنكر بلسانه فقد أجر، وهو أفضل من صاحبه، ومَنْ أنكر بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى،
ونوّر في قلبه باليقين ». فقاتلوا هؤلاء المحلِّين المحدِثين المبتدِعين الذين قد جهلوا الحقّ فلا يعرفونه، وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه.
وقال أبو البختري: أيّها الناس، قاتلوهم على دينكم ودنياكم، فوالله لئن ظهروا عليكم ليفسدنّ عليكم دينكم، وليغلبنّ على دنياكم.
وقال سعيد بن جبير: قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنيّة ويقين، وعلى آثامهم قاتلوهم؛ على جورهم في الحكم، وتجبّرهم في الدين، واستذلالهم الضعفاء، وإماتتهم الصلاة.
أقول: وقُدِّر لأهل العراق في هذه المعركة - التي استمرت أكثر من ثلاثة شهور، ابتداء من مطلع ربيع الأوّل إلى الرابع عشر من جمادى الآخرة - الهزيمة، ومضى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث مع ابن جعدة بن هبيرة ومعه اُناس من أهل بيته، ثمّ جاء حتّى انتهى إلى بيته وعليه السلاح وهو على فرسه لم ينزل عنه، ثمّ ودّع أهله وخرج من الكوفة.
(قال هشام): حدّثني أبو مخنف، عن أبى يزيد السكسكي قال: خرج محمد بن سعد بن أبي وقاص بعد وقعة الجماجم حتّى نزل المدائن، واجتمع إليه ناس كثير، وخرج الحجّاج فبدأ بالمدائن فأقام عليها خمساً حتّى هيّأ الرجال في المعابر، فلمّا بلغ محمد بن سعد عبورهم إليهم خرجوا حتّى لحقوا بابن الأشعث جميعاً، وأقبل نحوهم الحجّاج، فخرج الناس معه إلى مَسْكَن على دُجيل، وأتاه أهل الكوفة والفلول من الأطراف وتلاوم الناس على الفرار، وبايع أكثرهم بسطام بن مصقلة على الموت، وانهزم أهل العراق أيضاً(1) ، وقُتل أبو البختري الطائي، وعبد الرحمن بن أبى ليلى، ومضى ابن الأشعث والفَلُّ(2) من المنهزمين معه، وتجمّعت بعض فلول ابن الأشعث، وحاربوا المهلّب في خراسان
____________________
(1) قال خليفة: قال أبو الحسن: قال عوانة: قتل الحجّاج بمسكن خمسة آلاف أسير، أو أربعة آلاف.
(2) الفل: المنهزم، والجمع الفلول. (كتاب العين)
وانهزموا أيضاً(1) .
وأُخذ عدد من الأسرى فيهم محمد بن سعد بن أبي وقاص، وعمرو بن موسى بن عبيد الله بن معمر، وعياش بن الأسود بن عوف الزهري، والهلقام بن نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وفيروز حصين، وأبو العلج مولى عبيد الله بن معمر، ورجل من آل أبي عقيل، وسوار بن مروان، وعبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن خلف، وعبد الله بن فضالة الزهراني، ولحق الهاشمي بالسند، وأتى ابن سمرة مرو، ثمّ انصرف يزيد إلى مرو وبعث بالأسرى إلى الحجّاج مع سبرة بن نخف بن أبى صفرة، وخلى عن ابن طلحة وعبد الله بن فضالة، وقال محمد بن سعد بن أبي وقاص ليزيد أن يخلي سبيله، فلم يستجب له.
وقيل: إنّ الحجّاج لمّا أتى بهؤلاء الأسرى من عند يزيد بن المهلب قال لحاجبه: إذا دعوتك بسيدهم فأتني بفيروز، فأبرز سريره، (وهو حينئذ بواسط القصب قبل أن تُبنى مدينة واسط)، ثمّ قال لحاجبه: جئني بسيدهم. فقال لفيروز: قم.
فقال له الحجّاج: أبا عثمان، ما أخرجك مع هؤلاء، فوالله ما لحمك من لحومهم، ولا دمك من دمائهم؟ قال: فتنة عمّت الناس فكنّا فيها. قال: اكتب لي أموالك. قال: ثمّ ماذا؟ قال: اكتبها أوّل. قال: ثمّ أنا آمن على دمي؟ قال: اكتبها ثمّ أنظر.
قال: اكتب يا غلام ألف ألف ألفي ألف (فذكر مالاً كثيراً)، فقال الحجّاج: أين هذه الأموال؟ قال: عندي. قال: فأدّها. قال: وأنا آمن على دمي؟ قال: والله لتؤدّينها ثمّ لأقتلنك. قال: والله لا تجمع مالي ودمي. فقال الحجّاج للحاجب: نحّه. فنحاه، ثمّ قال: ائتني بمحمد بن سعد بن أبي وقاص، فدعاه، فقال له الحجّاج: ( إيهاً باطل
____________________
(1) اختلفت المصادر في ذكر الطريقة التي لقي فيها ابن الأشعث مصرعه بعد أن أجمعت أنّه لجأ إلى رتبيل في سجستان، وأنّ الأخير استجاب لضغوط الحجّاج وإغراءاته بتسليم ابن الأشعث.
تذكر بعض المصادر أنّه بعث به مقيّداً، وأنّ ابن الأشعث رمى بنفسه من فوق جبل فمات، ثمّ احتز رأسه وبعث به إلى الحجّاج، وبعضها تذكر أنّ رتبيل قتله وبعث برأسه سنة 84 هجرية.
الشيطان! ) أعظم الناس تيهاً وكبراً، تأبى بيعة يزيد بن معاوية تشبهاً بحسين، ثمّ تتابع حوالك كندة؟ وجعل يضرب بعود في يده رأسه حتّى أدماه، فقال له محمد: أيّها الرجل، ملكت فأسجح. فضرب عنقه.
ثمّ أمر بفيروز فعُذّب، فكان فيما عذّب به أن كان يشدّ عليه القصب الفارسي المشقوق ثمّ يجر عليه حتّى يخرق جسده، ثمّ ينضح عليه الخلّ والملح، فلمّا أحسّ بالموت قال لصاحب العذاب: إنّ الناس لا يشكّون أنّي قد قُتلت، ولي ودائع أموال عند الناس لا تؤدّى إليكم أبداً، فأظهروني للناس ليعلموا أنّي حي فيؤدّوا المال.
فأعلم الحجّاج، فقال: أظهروه. فاُخرج إلى باب المدينة، فصاح في الناس: مَنْ عرفني فقد عرفني، ومَنْ أنكرني فأنا فيروز حصين، إنّ لي عند أقوام مالاً، فمَنْ كان لي عنده شيء فهو له، وهو منه في حلّ، فلا يؤدّينّ منه أحد درهماً، ليبلغ الشاهد الغائب. فأمر به الحجّاج فقُتل(1) .
قال البلاذري: وكان ممّن خرج مع ابن الأشعث هو عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فلحق بعمّان وهو شيخ كبير، فمات بها.
وجاء الحجّاج حتّى دخل الكوفة، وخطب فيها قائلاً: يا أهل العراق، إنّ الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم منكم والعصب، والأعضاء والأطراف. ألستم أصحابي بالأهواز حين رمتم النكر، وسعيتم بالغدر، ويوم الزاوية بما كان من فشلكم وتخاذلكم، ويوم دير الجماجم؟ فما الذي أذكر منكم يا أهل العراق، وما الذي أتوقع، وما الذي أستبقيكم له؟
إن بُعثتم إلى
____________________
(1) تاريخ الطبري. أقول: وقد روى عن النضر بن شميل، تاريخ الطبري 5 / 182 عن هشام بن حسان أنّه قال: بلغ ما قتل الحجّاج صبراً مئة وعشرين، أو مئة وثلاثين ألفاً.
الثغور جبنتم، وإن أمنتم رجعتم، وإن خفتم نافقتم. هل استنبحكم نابح، واستغواكم غاوٍ، واستخفكم ناكث، واستفزّكم عاص إلاّ بايعتموه وتابعتموه؟ وهل شغب شاغب، ونعب ناعب، وظهر كاذب إلاّ كنتم أشياعه وأنصاره؟ ثمّ يا أهل الشام، أنا لكم كالظليم المحافظ على فراخه، ينفي عنهنّ القذر، ويباعد المدر، ويحرسهنّ من الذباب. أنتم العُدَّة والجُنَّة إنّ حارب محارب، وجانب مجانب(1) .
وكتب: عبد الملك إلى الحجّاج: أن ادعُ الناس إلى البيعة، فمَنْ أقرّ بالكفر فخلّ سبيله، إلاّ رجلاً نصب راية أو شتم أمير المؤمنين(2) .
وأجلس مصقلة بن كرب بن رقبة العبدي إلى جنبه، وكان خطيباً فقال: اشتم كلّ امرئ بما فيه ممّن كنّا أحسنّا إليه، فاشتمه بقلّة شكره، ولؤم عهده، ومَنْ علمت منه عيباً فعبه بما فيه، وصغِّر إليه نفسه، وكان لا يبايعه أحد إلاّ قال له: أتشهد أنّك قد كفرت؟ فإذا قال: نعم، بايعه وإلاّ قتله، فجاء إليه رجل من خثعم (قد كان معتزلاً للناس جميعاً من وراء الفرات)، فسأله عن حاله، فقال: ما زلت معتزلاً وراء هذه النطفة، منتظراً أمر الناس حتّى ظهرت فأتيتك لأبايعك مع الناس.
قال: أمتربّص؟ أتشهد أنّك كافر؟
قال: بئس الرجل أنا إن كنت عبدت الله ثمانين سنة، ثمّ أشهد على نفسي بالكفر!
____________________
(1) أنساب الأشراف 7 / 345، شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد 1 / 344، والخطبة في البيان والتبيين 2 / 138، العقد 4 / 115، نهاية الإرب 7 / 245.
(2) تاريخ خليفة بن خياط العصفري / 217.
قال: إذاً أقتلك.
قال: وإن قتلتني فوالله ما بقي من عمري إلاّ ظمأ حمار(1) ، وإنّي لأنتظر الموت صباح مساء.
قال: اضربوا عنقه. فضربت عنقه.
قال ابن أبي الحديد(2) : هو كميل بن زياد بن سهيل بن هيثم بن سعد بن مالك بن الحارث بن صهبان بن سعد بن مالك بن النخع، كان من أصحاب عليعليهالسلام وشيعته وخاصته، وقتله الحجّاج على المذهب فيمَنْ قُتل من الشيعة.
وقال ابن حجر(3) : كميل بن زياد النخعي التابعي الشهير، له إدراك، قال ابن أبي خيثمة وخليفة بن خياط: مات سنة اثنتين وثمانين من الهجرة، زاد بن أبي خيثمة: وهو ابن سبعين سنة بتقديم السين فيكون قد أدرك من الحياة النبويّة ثماني عشرة سنة. وروى عن عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم.
قال ابن سعد: شهد صفين مع علي، وكان شريفاً مطاعاً، ثقة قليل الحديث، ووثقه ابن معين وجماعة.
وقال ابن عمار: كان من رؤساء الشيعة.
وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق الأعمش قال: دخل الهيثم بن الأسود على الحجّاج، فقال له: ما فعل كميل بن زياد؟ قال: شيخ كبير في البيت. قال: فأين هو؟ قال: ذلك شيخ كبير خرِف. فدعاه، فقال له: أنت صاحب عثمان؟ قال: ما صنعت بعثمان لطمني فطلبت القصاص فأقادني فعفوت. قال: فأمر الحجّاج بقتله.
وقال جرير عن مغيرة: طلب الحجّاج كميل بن زياد فهرب منه، فحرم قومه عطاءهم، فلمّا رأى كميل ذلك قال: أنا شيخ كبير قد نفد عمري، لا ينبغي أن أحرم قومي
____________________
(1) ظمأ حمار: أي شيء يسير، وإنّما خصّ الحمار؛ لأنّه أقل الدواب صبراً عن الماء.
(2) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد 17 / 149.
(3) الإصابة - ابن حجر 5 / 485.
عطاءهم. فخرج إلى الحجّاج، فلما رآه قال له كميل: إنّه ما بقي من عمري إلاّ القليل، فاقض ما أنت قاض، فإنّ الموعد الله، وقد أخبرني أمير المؤمنين علي أنّك قاتلي. قال: بلى، قد كنت فيمَنْ قتل عثمان، اضربوا عنقه. فضُربت عنقه(1) . وهرب عبد الرحمن بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب إلى السدّ(2) فمات بها(3) .
قال خليفة بن خياط: كانت بينهم بالجماجم إحدى وثمانين وقيعة، كلّها على الحجّاج إلاّ آخر وقعة كانت على ابن الأشعث، فانهزم. وقُتل من القرّاء بدير الجماجم؛ أبو البختري سعد مولى حذيفة، وأبو البختري الطائي. وانكشف ابن الأشعث من دير الجماجم، فأتى البصرة وتبعه الحجّاج، فخرج منها إلى مسكن من أرض دجيل الأهواز، وأتبعه الحجّاج فالتقوا بمسكن، فانهزم ابن الأشعث، وقُتل من أصحابه ناس كثير وغرق ناس كثير.
افتقد ليلة دجيل بمسكن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود. وأسر الحجّاج ناساً كثيراً منهم: عمران بن عصام العنزي، وعبد الرحمن بن ثروان، وأعشى همدان، وفيروز حصين.
قال أبو اليقظان: حدّثني سلم بن الجارود بن أبي سبرة الهذلي، قال: أتي الحجّاج بعمران بن عصام العنزي، فقال: عمران؟ قال: نعم. قال: ألم أقدم العراق فأوفدتك إلى أمير المؤمنين، ولا يوفد مثلك؟ قال: بلى. قال: وزوّجتك سيدة قومها ماوية بنت مسمع ولم تكن لها بأهل؟ قال: بلى. قال: فما حملك على الخروج مع عدو الله ابن الأشعث؟ قال: أخرجني باذان. قال: فأين كنت عن حجلة أهلك؟ قال: أخرجني باذان. قال: فأين كنت على خرب البصرة؟ فأمر به فضُربت عنقه.
ثمّ سار ابن الأشعث يريد خراسان، وتبعه الفل فتركهم، وسار إلى رتبيل
____________________
(1) الإصابة 5 / 653. أقول: تهمة كميل بن زياد بعثمان أصلها من رواية سيف بن عمر. انظر تاريخ الطبري 3 / 430.
(2) وهو اسم لماء سماء في حزم بني عوال، جبيل لغطفان.
(3) أنساب الأشراف 7 / 351.
بسجستان، فقام بأمر الناس عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فلقيه المفضّل بن المهلّب بهراة، وهو وال لأخيه يزيد فهزمه، وأسر ناساً من أصحابه منهم محمد بن سعد بن مالك والهلقام بن نعيم.
أوّل وقعة كانت بينهم يوم تستر، يوم النحر آخر سنة إحدى وثمانين، والوقعة الثانية بالزاوية في المحرّم أوّل سنة اثنتين وثمانين، والوقعة الثالثة بظهر المربد في صفر يوم الأحد سنة اثنتين وثمانين، والوقعة الرابعة بدير الجماجم، كانت الهزيمة في جمادى لأربع عشرة ليلة خلت منه سنة اثنتين وثمانين، والوقعة الخامسة في شعبان سنة اثنتين وثمانين ليلة دجيل.
قال خليفة: تسمية القرّاء الذين خرجوا مع ابن الأشعث؛ مسلم بن يسار مزني، وعقبة بن عبد الغافر العوذي قُتل في المعركة، وعقبة بن وساج البرساني قُتل في المعركة، وعبد الله بن غالب الجهضمي قُتل في المعركة، والنضر بن أنس بن مالك، وأبو الجوزاء قُتل في المعركة، وعمران بن عصام الضبعي قُتل صبراً، وسيار بن سلامة أبو المنهال الرياحي، ومالك بن دينار، ومرّة بن دباب الهرادي، وأبو نجيد الجهضمي، وأبو شيخ الهنائي، والحسن بن أبي الحسن اُخرج كرهاً لم يُقتل. ومن أهل الكوفة سعيد بن جبير، وعامر الشعبي، وعبد الله بن شداد بن الهادي فُقد ليلة دجيل، وعبد الرحمن بن أبي ليلى فُقد ليلة دجيل.
وحدّثني غندر قال: حدّثني شعبة، عن حصين قال: رأيت ابن أبي ليلى يحضض الناس ليالي الجماجم. وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، والمعرور بن سويد، ومحمد بن سعد بن مالك قُتل صبراً، وطلحة بن مصرف الأيامي، وزبيد بن الحارث الأيامي، وعطاء بن السائب مولى ثقيف، وأبو البختري الطائي قُتل في المعركة.
قال خليفة: عن الحسن الجفري، عن مالك بن دينار قال: خرج مع ابن الأشعث خمسمئة من القرّاء كلّهم يرون القتال، وقتل طفيل بن عامر بن واثلة(1) .
____________________
(1) تاريخ خليفة بن خياط / 216 - 222.
وكتب عبد الملك إلى الحجّاج أيضاً: أن جمِّر أهل العراق، وتابع عليهم البعوث، واستعن عليهم بالفقر؛ فإنّه جند الله الأكبر. ففعل ذلك بهم سنتين، ثمّ أعطاهم بعد ذلك عطاءهم(1) .
قال اليعقوبي: وكتب الوليد إلى خالد بن عبد الله القسري (عامله على الحجاز) يأمره بإخراج مَنْ بالحجاز من أهل العراقين وحملهم إلى الحجّاج بن يوسف، فبعث خالد إلى المدينة عثمان بن حيان المري لإخراج مَنْ بها من أهل العراقين، فأخرجهم جميعاً - وجماعاتهم في الجوامع - إلى الحجّاج، ولم يترك تاجراً ولا غير تاجر، ونادى: ألا برئت الذمّة ممّن آوى عراقياً. وكان لا يبلغه أنّ أحداً من أهل العراق في دار أحد من أهل المدينة إلاّ أخرجه(2) .
قال ابن عساكر: أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، عن أبي محمد الجوهري، عن أبي عمر بن حيوية، أنا سليمان بن إسحاق، نا الحارث بن أبي أسامة، نا محمد بن سعد، أنا محمد بن عمر الواقدي، قال: فحدّثني محمد بن عبد الله بن أبي حرّة عن عمّه قال: رأيت عثمان بن حيان أخذ عبيدة بن رباح ومنقذ العراقي في أناس من أهل العراق فحبسهم، ثمّ بعث بهم في جوامع إلى الحجّاج بن يوسف، ولم يترك بالمدينة أحداً من أهل العراق تاجراً ولا غير تاجر من كلّ بلد إلاّ أُخرجوا، فرأيتهم في الجوامع.
وسمعته يخطب على المنبر وهو يقول بعد حمد الله: أيّها الناس، إذا وجدنا أهل غش لأمير المؤمنين في قديم الدهر وحديثه، وقرضوا إليكم مَنْ لا يزيدكم إلاّ خبالاً أهل العراق؛ هم أهل الشقاق والنفاق، وهم والله عش النفاق، وبيضته التي انفلقت عنه. والله ما سبرت عراقياً قطّ فوجدت عنده
____________________
(1) أنساب الأشراف 7 / 358.
(2) لا نعلم في أيّ سنة، ولكنّ اليعقوبي كان قد ذكر قبله حوادث سنة 92، وذكر بعده حوادث سنة 95 هجرية.
ديناً، وإنّ أفضلهم حالاً عند نفسه الذي يقول في آل أبي طالب ما يقول، وما هم لهم بشيعة، إنّهم لأعداء لهم ولغيرهم، ولكن لما يريد الله من سفك دمائهم، والتقرّب إليه بذلك منهم. وإنّي والله لا اُؤتى بأحد منكم أكرى أحداً منهم منزلاً ولا أنزله إلاّ هدمت منزله، وأحللت به ما هو أهله. إنّ البلدان مصّرها عمر بن الخطاب وهو مجتهد على ما يصلح رعيته، فجعل يمرّ عليه مَنْ يريد الجهاد فيستشيره: الشام أحبّ إليك أمّ العراق؟ فيقول: الشام أحبّ إليّ.
إنّي رأيت العراق داء عضالاً، وبها فرّخ الشيطان. والله [ لقد أعضلوا بي ](1) وإنّي لأراني ساُفرّقهم في البلدان، ثمّ أقول: لو فرّقتهم لأفسدوا مَنْ دخلوا عليه مع جدل وحجاج، وكيف ولم، وسرعة وجيف(2) في الفتنة، فإذا خبروا عند السيف لم يخبر منهم طائل، ولم يصلحوا على عثمان، وهو من بعد الإمام المظلوم الشهيد فلقي منهم الأمرين، وكانوا هم أوّل الناس فتق هذا الفتق، ونقضوا عرى الإسلام عروة عروة، وأنفلوا البلدان.
والله إنّي لأتقرّب إلى الله بكلّ ما أفعل بهم؛ لما أعرف من رأيهم ومذاهبهم، ثمّ وليهم أمير المؤمنين فلم يصطلحوا عليه، ثمّ يزيد بن معاوية فلم يصطلحوا، ووليهم رجل الناس جلداً (يعني عبد الملك)، فبسط عليهم السيف وأخافهم، فاستقاموا له، أحبّوا أو كرهوا؛ وذلك أنّه خبرهم فعرفهم(3) .
قال ابن عساكر: وأنا محمد بن عمر، حدّثني خالد بن القاسم، عن سعيد بن عمرو قال: رأيت منادي عثمان بن حيّان ينادي: برئت ذمّة آله ممّن آوى عراقياً، وكان عندنا رجل من أهل البصرة له فضل يُقال له: سوادة، من العبّاد، فقال: والله ما أحبّ أن اُدخل عليكم مكروهاً، بلّغوني مأمني.
قال: قلت: لا خير لك في الخروج؛ إنّ الله يدفع عنّا وعنك.
____________________
(1) وردت العبارة في المصدر الأساس ( والله لو عضلوا أبي )، وما أثبتناه بين المعقوفتين هو من تاريخ الطبري.(موقع معهد الإمامين الحسنَين)
(2) وجفَ: الوجف: سرعة السير. (كتاب العين)
(3) تاريخ مدينة دمشق 38 / 344.
قال: فأدخلته بيتي، وبلغ عثمان بن حيّان فبعث أحراساً، فأدخلته إلى بيت آخر، فما قدروا على شيء (وكان الذي سعى بي عدوّاً)، فقلت: أصلح الله الأمير! تؤتي بالباطل فلا تعاقب عليه؟! قال: فضرب الذي سعى بي عشرين سوطاً.
وأخرجنا العراقي، فكان يصلّي معنا، ما يغيب عنّا يوماً واحداً، وحدب عليه أهل دارنا وقالوا: نموت دونك. فما برح معنا في بني اُميّة بن زيد حتّى عُزل الخبيث(1) .
أقول: نزع سليمان عثمان بن حيّان عن المدينة لتسع ليال بقين من رمضان سنة ست وتسعين، وكانت إمارته على المدينة ثلاث سنين إلاّ سبع ليال، وولّى سليمان بن حزم على المدينة(2) .
قال إسحاق بن الأشعث بن قيس الكندي: قال: كنت في صحابة عمر بن عبد العزيز فاستأذنته في الانصراف إلى أهلي بالكوفة، فقال لي عمر: إذا أتيت العراق فأقرّهم ولا تستقرّهم، وعلّمهم ولا تتعلّم منهم، وحدّثهم ولا تسمع حديثهم.
قال المؤلِّف: وكان من بين هؤلاء العراقيين المختفين في الحجاز سعيد بن جبير، الذي قتله الحجّاج بعد [أن] سلّمه إليه خالد القسري.
____________________
(1) تاريخ دمشق - لابن عساكر 38 / 345.
(2) قال ابن عساكر: وفي سنة أربع وتسعين نزع الوليد عمر بن عبد العزيز عن أهل المدينة وولاّها عثمان بن حيّان القرشي. قال: وفي سنة ست وتسعين نزع عثمان بن حيّان عن أهل المدينة وأمّر أبا بكر بن حزم الأنصاري.
وقال: كان عثمان بن حيّان أميراً على المدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك. قال: وكان ابن حزم يومئذ قاضياً. قال: فعزل عثمان بن حيّان بعد ذلك وولي أبا بكر بن حزم بعده.
قال البلاذري وهو يترجم لزيد بن علي (رحمه الله): وقرأت في كتب سالم كاتب هشام كتاباً نسخته: أمّا بعد، فقد عرفت حال أهل الكوفة في حبِّهم أهل البيت، ووضعهم إيّاهم في غير مواضعهم؛ لافتراضهم على أنفسهم طاعتهم، ووظَّفوا عليهم شرائع دينهم، ونحلتهم إيّاهم عظيم ما هو كائن ممَّا استأثر الله بعلمه دونهم، حتّى حملوهم على تفريق الجماعة والخروج على الأئمة.
وقد قَدِم زيد بن علي على أمير المؤمنين في خصومة، فرأى رجلاً جدلاً لسناً، حوَّلاً قُلَّباً(1) ، خليقاً بصوغ الكلام وتمويهه، واجترار الرجال بحلاوة لسانه، وكثرة مخارجه في حججه، وما يدلي به عند الخصام من العلو على الخصم بالقوَّة المؤدّية إلى الفلج (رحمه الله)، فعجِّل إشخاصه إلى الحجاز، ولا تدعه المقام قِبَلك؛ فإنَّه إن أعاره القوم أسماعهم فحشاها من لين لفظه، وحلاوة منطقه مع ما يدلي به من القرابة برسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وجدهم مُيَّلاً إليه(2) ، غير مُتَّئِدة قلوبهم، ولا ساكنة أحلامهم، ولا مصونة عندهم أديانهم، وبعض التحامل عليه فيه أذى له، وإخراجه وتركه مع السلامة للجميع، والحقن للدماء، والأمن للفرقة أحبُّ إليَّ من أمر فيه سفك دمائهم، وانتشار كلمتهم، وقطع نسلهم.
والجماعة حبل الله المتين، ودين الله القويم، وعروته الوثقى، فادع إليك أشراف أهل المصر، وأوعدهم العقوبة
____________________
(1) رجل حوَّل: ذو حيل، كتاب العين.
(2) إلى هنا ينتهي نصّ الكتاب لدى البلاذري 3 / 434.
في الأبشار، واستصفاء الأموال؛ فإنَّ مَنْ له عقد أو عهد منهم سيبطئ عنه، ولا يخف معه إلاَّ الرعاع وأهل السواد، ومَنْ تنهضه الحاجة استلذاذاً للفتنة، واُولئك ممَّن يستعبد إبليس وهو يستعبدهم، فبادرهم بالوعيد، واعضضهم بسوطك، وجرِّد فيهم سيفك، وأخف الأشراف قبل الأوساط، والأوساط قبل السفلة.
واعلم أنَّك قائم على باب اُلفة، وداع إلى طاعة، وحاضّ على جماعة، ومشمِّر لدين الله، فلا تستوحش لكثرتهم، واجعل معقلك الذي تأوي إليه، وصغوك الذي تخرج منه الثقة بربِّك، والغضب لدينك، والمحاماة عن الجماعة، ومناصبة مَنْ أراد كسر هذا الباب الذي أمرهم الله بالدخول فيه، والتشاح عليه؛ فإنَّ أمير المؤمنين قد أعذر إليه، وقضى من ذمامه، فليس له منزى إلى ادّعاء هو له ظلمة من نصيب نفسه، أو فيء، أو صلة لذي قربى إلاَّ الذي خاف أمير المؤمنين من حمل بادرة السفلة على الذي عسى أن يكونوا به أشقى وأضلَّ.
ولهم أمر، ولأمير المؤمنين أعزّ وأسهل إلى حياطة الدين والذبِّ عنه؛ فإنَّه لا يحبُّ أن يرى في أمَّته حالاً متفاوتاً، نكالاً لهم مفنياً، فهو يستديم النظرة، ويتأتى للرشاد، ويجتنبهم على المخاوف، ويستجرهم إلى المراشد، ويعدل بهم عن المهالك، فعل الوالد الشفيق على ولده، والراعي الحدب على رعيته.
واعلم أنَّ من حجّتك عليهم في استحقاق نصر الله لك عند معاندتهم توفيتك أطماعهم واُعطية ذرّيتهم، ونهيك جندك أن ينزلوا حريمهم ودورهم، فانتهز رضا الله فيما أنت بسبيله؛ فإنَّه ليس ذنب أسرع تعجيل عقوبة مَنْ بغى، وقد أوقعهم الشيطان، ودلاّهم فيه، ودلَّهم عليه، والعصمة بتارك البغي أولى، فأمير المؤمنين يستعين الله عليهم، وعلى غيرهم من رعيته، ويسأل إلهه ومولاه ووليه أن يصلح منهم ما كان فاسداً، وأن يسرع بهم إلى النجاة والفوز إنَّه سميع قريب(1) .
قال البلاذري: وكتب زيد إلى أهل الآفاق كتباً يصف فيها جور بني اُميّة، وسوء سيرتهم، ويحضهم على الجهاد، ويدعوهم إليه، وقال: لا تقولوا خرجنا غضباً لكم، ولكن قولوا خرجنا غضباً لله ودينه.
____________________
(1) تاريخ الطبري 7 / 170 - 171، ولم يذكر الطبري مصدره الذي أخذ الرواية عنه.
وكان زيد إذا بويع قال: أدعوكم إلى كتاب الله، وسنّة نبيّه، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسم هذا الفيء على أهله، ورد المظالم، وإقفال الُمجَمَّرة، ونصرنا أهل البيت على مَنْ نصب لنا الحرب، أتبايعون على هذا؟ فيبايعونه ويضع يده على يد الرجل ثمّ يقول: عليك عهد الله وميثاقه لتفينَّ لنا، ولتنصحنَّ في السرّ والعلانية، والرخاء والشدّة، والعسرة واليسرة. فيماسح على ذلك(1) .
قال البلاذري: وبعث يوسف بن عمر إلى اُمّ امرأة لزيد أزدية، فهدم دارها وحُملت إليه، فقال لها: أزوَّجتِ زيداً؟ قالت: نعم، زوّجته وهو سامع مطيع، ولو خطب إليك إذ كان كذلك لزوَّجته. فقال: شُقّوا عليها ثيابها. فجلدها بالسياط وهي تشتمه وتقول: ما أنت بعربي، تعرِّيني وتضربني لعنك الله! فماتت تحت السياط، ثمّ أمر بها فأُلقيت في العراء، فسرقها قومها ودفنوها في مقابرهم.
وأخذ امرأة قوَّت زيداً على أمره فأمر بها أن تُقطع يدها ورجلها، وضرب عنق زوجها، وضرب امرأة أشارت على اُمّها أن تؤوي ابنة لزيد خمسمئة سوط، وهدم دوراً كثيرة.
وأُتِيَ يوسف بعبد الله بن يعقوب السلمي من ولد عتبة بن فرقد (وكان زوَّجَ ابنته من يحيى بن زيد)، فقال له يوسف: ائتني بابنتك. قال: وما تصنع بها؟ جارية عاتق(2) في البيت. قال: أقسم لتأتيني بها أو لأضربنَّ عنقك. (وقد كان كتب إلى هشام يصف طاعته) فأبى أن يأتيه بابنته، فضرب عنقه، وأمر العريف أن يأتيه بابنة عبد الله بن يعقوب فأبى، فأمر به فدُقَّت.
قال البلاذري: ولمّا فرغ يوسف من أمر زيد صعد منبر الكوفة فشتم أهلها، وقال: يا
____________________
(1) أنساب الأشراف 3 / 434 - 435.
(2) العاتق: الجارية أوّل ما أدركت.
أهل المِدْرَة الخبيثة، (والله ما يقعقع لي بالشِّنان ولا تقرن بي الصعبة) لقد هممت أن أخرب بلدكم، وأن أحربكم بأموالكم، والله ما أطلت منبري إلاّ لأسمعكم عليه ما تكرهون، فإنّكم أهل بغي وخلاف، ولقد سألت أمير المؤمنين أن يأذن لي فيكم، ولو فعل لقتلت مقاتلتكم، وسبيت نساءكم. إنّ يحيى بن زيد(1) ليتنقل في حجال نسائكم كما كان أبوه يفعل، وما فيكم مطيع إلاّ حكيم بن شريك المحاربي. والله لو ظفرت بيحياكم لعرقت خصييه كما عرقت خصيتي أبيه(2) .
قال الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب: لمّا قُتل زيد بن عليعليهالسلام في سنة اثنتين وعشرين ومئة في خلافة هشام بن عبد الملك، وذلك أنّ هشاماً كتب إلى عامله بالبصرة - وهو القاسم بن محمد الثقفي - أن يشخص كلّ مَنْ بالعراق من بني هاشم إلى المدينة خوفاً من خروجهم.
وكتب إلى عامل المدينة أن يحبس قوماً منهم، وأن يعرضهم في كلّ أسبوع مرّة، ويقيم لهم الكفلاء على ألا يخرجوا منها، فقال الفضل بن عبد الرحمن من قصيدة له طويلة:
كلّما حُدِّثوا بأرض نقيقا |
ضمَّنونا السجون أو سيَّرونا |
|
أشخصونا إلى المدينة أسرى |
لا كفاهمُ ربّي الذي يحذرونا |
|
خلّفوا أحمد المطهَّر فينا |
بالذي لا يحبّ واستضعفونا |
|
قتلونا بغير ذنب إليهمْ |
قاتلَ اللهُ أمةً قتّلونا |
____________________
(1) ترجم البلاذري ليحيى بن زيد وحركته ومقتله في الجوزجان في أنساب الأشراف 3 / 453 - 458.
(2) أنساب الأشراف 3 / 448 - 450.
ما رعَوْا حقّنا ولا حفظوا في |
نا وصاة الإله بالأقربينا |
|
جعلونا أدنى عدوّ إليهم |
فهمُ في دمائنا يسبحونا |
|
أنكروا حقّنا وجاروا علينا |
وعلى غير إحنة أبغضونا |
|
غير أنّ النبي منّا وأنّا |
لم نزل في صِلاتهم راغبينا |
|
إن دعونا إلى الهدى لم يجيبو |
نا وكانوا عن الهدى ناكبينا |
|
أو أمرنا بالعرف لم يسمعوا منْ |
نا وردّوا نصيحة الناصحينا |
|
ولقِدْماً ما ردّ نصح ذوي الرأ |
ي فلم يتبعهمُ الجاهلونا |
|
فعسى الله أن يُديل أناساً |
من اُناسٍ فيصبحوا ظاهرينا |
|
فتقرّ العيونُ من قوم سوء |
قد أخافوا وقتّلوا المؤمنينا |
|
ليت شعري هل توجِفَنْ بيَ الخي |
لُ عليها الكماة مستلئِمينا(1) |
|
من بني هاشم ومن كلّ حيٍّ |
ينصرون الإسلام مستنصرينا |
|
في اُناس آباؤهم نصروا الديـ |
ـن وكانوا لربّهم ناصرينا |
|
تحكم المرهفات في الهامِ منهم |
بأكفّ المعاشر الثائرينا(2) |
|
أين قتلى منّا بغيتم عليهم |
ثمّ قتّلتموهم ظالمينا |
|
ارجعوا هاشماً وردّوا أبا اليقـ |
ظان وابن البديل في آخرينا |
|
وارجعوا ذا الشهادتين وقتلى |
أنتمُ في قتالهم فاجرونا |
|
ثمّ ردّوا حجراً وأصحاب حجرٍ |
يوم أنتم في قتلهم معتدونا |
|
ثمّ ردّوا أبا عمير وردّوا لي |
رُشيداً وميثماً والذينا |
|
قُتلوا بالطفّ يوم حسينٍ |
من بني هاشمٍ وردّوا حسينا |
|
أين عمرو وأين بشرٌ وقتلى |
معهم بالعراء ما يدفنونا |
____________________
(1) الكماة: الشجعان. والمستلئم: لابس اللامة، وهي الدرع في الحرب.
(2) المرهفات: السيوف. والهام: الرؤوس.
ارجعوا عامراً وردّوا زهيراً |
ثمّ عثمان فارجعوا عازمينا |
|
وارجعوا الحرّ وابن قينٍ وقوماً |
قتلوا حين جاوزوا صفّينا |
|
وارجعوا هانئاً وردّوا إلينا |
مسلماً والرواع في آخرينا |
|
ثمّ ردّوا زيداً إلينا وردّوا |
كلّ مَنْ قد قتلتمُ أجمعينا |
|
لن تردّوهم إلينا ولسنا |
منكمُ غير ذلكم قابلينا |
سار عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس للقاء مروان بن محمد بن مروان، (وهو آخر خلفاء الاُمويِّين)، فالتقيا بالزاب(1) من أرض الموصل فهزم مروان، واستولى عبد الله بن علي على عسكره، وقتل من أصحابه خلقاً عظيماً، فأتى مروان حرّان(2) ، وكانت داره ومقامه، ثمّ هرب منها ونزلها عبد الله بن علي، فهدم قصر مروان بها، وكان قد أنفق على بنائه عشرة آلاف ألف درهم، واحتوى على خزائن مروان وأمواله.
وعبر مروان الفرات حتّى أتى الشام وعبد الله يتبعه، فسار مروان بأهله وعترته من بني اُميّة وخواصه، حتّى نزل بنهر أبي فطرس(3) من بلاد فلسطين، ثمّ عبر إلى مصر. وسار عبد الله بن علي حتّى نزل دمشق ونواحيها، وقتل من بني اُميّة قريباً من ثمانين رجلاً، قتلهم مُثلة(4) .
____________________
(1) هو الزاب الأعلى بين الموصل وأربل.
(2) مدينة قديمة قصبة ديار مضر، بينها وبين الرها يوم (مراصد الاطلاع).
(3) فطرس: ضبطه صاحب مراصد الاطلاع بضم الفاء وسكون الطاء وضم الراء وسين مهملة، وقال: موضع قرب الرملة من أرض فلسطين.
(4) يُقال: مثل فلان بالقتيل مثلة ومثلاً، أي جدعه وظهرت آثار فعله عليه.
وعبر مروان الفرات حتّى أتى الشام وعبد الله يتبعه، فسار مروان بأهله وعترته من بني اُميّة وخواصه حتّى نزل بنهر أبي فطرس من بلاد فلسطين.
وقتل عبد الله بن علي بدمشق خلقاً كثيراً من أصحاب مروان وموالي بني اُميّة وأتباعهم، ونزل عبد الله على نهر أبي فطرس، فقتل من بني اُميّة هناك بضعاً وثمانين رجلاً، قتلهم مُثلة، وذلك في ذي القعدة من سنة ثنتين وثلاثين ومئة(1) . واحتذى أخوه داود بن علي بالحجاز فعله، فقتل منهم قريباً من هذه العدّة بأنواع المثل.
وصل مروان إلى مصر، فاتبعه عبد الله بجنوده، فقتله (ببوصير(2) الأشمونين) من صعيد مصر، وقتل خواصّه وبطانته، وشاهد مَنْ بقي منهم أنواع الشدائد وضروب المكاره، ووقع عبيد الله بن مروان في عدّة ممّن نجا معه في أرض البجة(3) ، وقطعوا البحر إلى ساحل جدّة، وتنقّل فيمن نجا معه من أهله ومواليه في البلاد مستترين راضين أن يعيشوا سَوَقة بعد أن كانوا ملوكاً، فظُفِر بعبيد الله أيام السفاح، فحبس فلم يزل في السجن بقية أيام السفاح وأيام المنصور وأيام المهدي وأيام الهادي وبعض أيام الرشيد.
وأخرجه الرشيد وهو شيخ ضرير، فسأله عن خبره، فقال: يا أمير المؤمنين، حبست غلاماً بصيراً، واُخرجت شيخاً ضريراً! فقيل: إنّه هلك في أيام الرشيد، وقيل: عاش إلى أن أدرك خلافة الأمين.
وروى أبو الفرج أيضاً، عن محمد بن خلف وكيع، قال: دخل سديف مولى آل أبي لهب على أبي العباس بالحيرة، وأبو العباس جالس على سريره، وبنو هاشم دونه على
____________________
(1) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد 7 / 120.
(2) اسم لأربع قرى بمصر ( مراصد الاطلاع).
(3) البجة: مدينة بين فارس وإصبهان (مراصد الاطلاع)، التنبيه والإشراف - للمسعودي / 285.
الكراسي، وبنو أمية حوله على وسائد قد ثنيت لهم، وكانوا في أيام دولتهم يجلسونهم والخليفة منهم على الأسرّة، ويجلس بنو هاشم على الكراسي، فدخل الحاجب، فقال: يا أمير المؤمنين، بالباب رجل حجازي أسود راكب على نجيب متلثّم، يستأذن ولا يخبر باسمه، ويحلف لا يحسر اللثام عن وجهه حتّى يرى أمير المؤمنين.
فقال: هذا سديف مولانا، أدخله. فدخل فلمّا نظر إلى أبي العباس وبنو أمية حوله حسر اللثام عن وجهه، ثم أنشد:
أصبحَ الملكُ ثابتَ الآساس |
بالبهاليل من بني العباسِ(1) |
|
بالصدورِ المقدّمين قديماً |
والبحورِ القماقمِ الرؤّاسِ |
|
يا إمامَ المطهّرين من الذمِّ |
ويا رأسَ منتهى كلّ راسِ |
|
أنتَ مهدي هاشم وفتاها |
كم اُناسٍ رجوكَ بعدَ اُناسِ |
|
لا تقيلنَّ عبد شمس عثاراً |
واقطعن كلّ رقلةٍ وغراسِ |
|
أنزلوها بحيث أنزلها اللـ |
ـهُ بدارِ الهوانِ والإنعاسِ |
|
خوفُها أظهرَ التودّدَ منها |
وبها منكمُ كحزِّ المواسي |
|
أقصهم أيّها الخليفة واحسم |
عنك بالسيفِ شأفةَ الأرجاسِ |
|
واذكرن مصرعَ الحسينِ وزيدٍ |
وقتيلاً بجانبِ المهراسِ |
|
والقتيل الذي بحرّان أمسى |
ثاوياً بين غربةٍ وتناسِ(2) |
|
فلقد ساءني وساءَ سوائي |
قربُهم من نمارقٍ وكراسي(3) |
|
نعمَ كلبُ الهراشِ مولاك شبلٌ |
لو نجا من حبائلِ الإفلاسِ |
____________________
(1) قال في الكامل: الآساس: جمع أس، وتقديرها (فعل) (بضم العين وسكون اللام)، و (إفعال)، وقد يُقال: للواحد أساس، وجمعه اُسس. والبهلول: الضحّاك. وقال المرصفي: الأجود تفسيره بالعزيز الجامع لكلّ خير.
(2) القتيل الذي بحرّان: هو إبراهيم بن محمد بن علي، وهو الذي يُقال له الإمام.
(3) سوائي: أي سواي. والنمارق: واحدتها نمرقة، وهي الوسائد.
قال: فتغيّر لون أبي العباس، وأخذه زمع(1) ورعدة، فالتفت بعض ولد سليمان بن عبد الملك إلى آخر فيهم كان إلى جانبه، فقال: قتلنا والله العبد!
فأقبل أبو العباس عليهم، فقال: يا بني الزواني، لا أرى قتلاكم من أهلي قد سلفوا وأنتم أحياء تتلذذون في الدنيا، خذوهم. فأخذتهم الخراسانية (بالكافر كوبات) فأهمدوا إلاّ ما كان من عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، فإنّه استجار بداود بن علي وقال: إنّ أبي لم يكن كآبائهم، وقد علمت صنيعته إليكم. فأجاره واستوهبه من السفاح، وقال له: قد علمت صنيع أبيه إلينا. فوهبه له وقال: لا يريني وجهه، وليكن بحيث نأمنه. وكتب إلى عمّاله في الآفاق بقتل بني اُميّة(2) .
فأمّا أبو العباس المبرّد، فإنّه روى في الكامل(3) هذا الشعر على غير هذا الوجه، ولم ينسبه إلى سديف، بل إلى شبل مولى بني هاشم.
قال أبو العباس: دخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي، وقد أجلس ثمانين من بني اُميّة على سمط الطعام، فأنشده:
أصبحَ الملكُ ثابتَ الآساس |
بالبهاليلِ من بني العباسِ |
|
طلبوا وترَ هاشم وشفوها |
بعد ميلٍ من الزمانِ وياسِ |
|
لا تقيلنّ عبدَ شمسٍ عثاراً |
واقطعن كلّ رقلةٍ وأواسي |
|
ذلُّها أظهرَ التودّدَ منها |
وبها منكمُ كحزِّ المواسي(4) |
|
ولقد غاظني وغاظَ سوائي |
قربُها من نمارقٍ وكراسي |
|
أنزلوها بحيث أنزلها اللـ |
ـهُ بدارِ الهوانِ والإتعاسِ |
____________________
(1) الزمع: شدّة الرعدة.
(2) الأغاني 4 / 244 - 246.
(3) الكامل 8 / 134 - 135 بشرح المرصفي.
(4) مروج الذهب 3 / 261 وما بعدها.
واذكروا مصرعَ الحسينِ وزيدٍ |
وقتيلاً بجانبِ المهراسِ |
|
والقتيل الذي بحرّان أضحى |
ثاوياً بين غربةٍ وتناسي |
|
نعمَ شبلُ الهراش مولاك شبلٌ |
لو نجا من حبائلِ الإفلاسِ(1) |
فأمر بهم عبد الله فشدخوا بالعمد، وبسطت البسط عليهم وجلس عليها، ودعا بالطعام وأنّه ليسمع أنين بعضهم حتّى ماتوا جميعاً، وقال لشبل: لولا أنّك خلطت شعرك بالمسألة لأغنمتك أموالهم، ولعقدت لك على جميع موالى بني هاشم.
قال أبو العباس: فأمّا سديف، فإنّه لم يقم هذا المقام، وإنّما قام مقاماً آخر، دخل على أبي العباس السفاح، وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقد أعطاه يده فقبلها وأدناه، فأقبل على السفاح، وقال له:
لا يغرنّك ما ترى من رجالٍ |
إنّ تحتَ الضلوعِ داءً دويّا |
|
فضع السيفَ وارفعِ السوطَ حتى |
لا ترى فوقَ ظهرها اُمويّا |
فقال سليمان: ما لي ولك أيّها الشيخ؟! قتلتني قتلك الله!
فقام أبو العباس فدخل، وإذا المنديل قد ألقى في عنق سليمان ثمّ جرّ فقُتل.
فأمّا سليمان بن يزيد بن عبد الملك بن مروان فقُتل بالبلقاء، وحُمل رأسه إلى عبد الله بن علي.
وذكر صاحب مروج الذهب أنّه أرسل عبد الله أخاه صالح بن علي ومعه عامر بن إسماعيل، أحد الشيعة الخراسانية إلى مصر، فلحقوا مروان ببوصير، فقتلوه وقتلوا كلّ مَنْ
____________________
(1) قال أبو العباس: الرقلة: النخلة الطويلة. والأواسي: جمع آسية، وهي أصل البناء كالأساس. وقتيل المهراس: حمزةعليهالسلام ، والمهراس: ماء باُحد. وقتيل حرّان: إبراهيم الإمام.
كان معه من أهله وبطانته، وهجموا على الكنيسة التي فيها بناته ونساؤه، فوجدوا خادماً بيده سيف مشهور يسابقهم على الدخول، فأخذوه وسألوه عن أمره، فقال: إنّ أمير المؤمنين أمرني إن هو قُتل أن أقتل بناته ونساءه كلّهنّ قبل أن تصلوا إليهن. فأرادوا قتله، فقال: لا تقتلوني، فإنّكم إن قتلتموني فقدتم ميراث رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
فقالوا: وما هو؟ فأخرجهم من القرية إلى كثبان من الرمل، فقال: اكشفوا ها هنا. فإذا البردة والقضيب وقعب(1) (ومخصر)(2) مخضب قد دفنها مروان؛ ضنّاً بها أن تصير إلى بني هاشم. فوجّه به عامر بن إسماعيل إلى صالح بن علي، فوجّه به صالح إلى أخيه عبد الله، فوجّه به عبد الله إلى أبي العباس، وتداوله خلفاء بني العباس من بعد.
واُدخل بنات مروان وحرمه ونساؤه على صالح بن علي، فتكلّمت ابنة مروان الكبرى فقالت: يا عمّ أمير المؤمنين، حفظ الله لك من أمرك ما تحبّ حفظه، وأسعدك في أحوالك كلّها، وعمّك بخواص نعمه، وشملك بالعافية في الدنيا والآخرة، نحن بناتك وبنات أخيك وابن عمّك، فليسعنا من عدلكم ما وسعنا من جوركم.
قال: إذاً لا نستبقي منكم أحداً؛ لأنّكم قد قتلتم إبراهيم الإمام، وزيد بن علي، ويحيى بن زيد، ومسلم بن عقيل، وقتلتم خير أهل الأرض حسيناً وإخوته وبنيه وأهل بيته، وسقتم نساءه سبايا - كما يُساق ذراري الروم - على الأقتاب إلى الشام.
فقالت: يا عمّ أمير المؤمنين، فليسعنا عفوكم إذاً.
قال: أمّا هذا فنعم، وإن أحببت زوّجتك من ابني الفضل بن صالح.
قالت: يا عمّ أمير المؤمنين، وأي ساعة عرس ترى؟! بل تلحقنا بحرّان. فحملهنّ إلى حرّان(3) ، فعلت أصواتهن عند دخولهن بالبكاء على مروان، وشققن جيوبهن، وأعولن
____________________
(1) القعب: القدح الغليظ. (كتاب العين)
(2) المخصرَةُ: عصاً أو نحوها بيد صاحبها. (كتاب العين)
(3) مروج الذهب 3 / 261 - 263.
بالصياح والنحيب حتّى ارتج العسكر بالبكاء منهنّ على مروان.
كان عبد الرحمن بن حبيب بن مسلمة الفهري عامل إفريقية لمروان، فلمّا حدثت الحادثة هرب عبد الله والعاص ابنا الوليد بن يزيد بن عبد الملك إليه، فاعتصما به، فخاف على نفسه منهما، ورأى ميل الناس إليهما فقتلهما.
وكان عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك يريد أن يقصده ويلتجئ إليه، فلمّا علم ما جرى لابني الوليد بن يزيد خاف منه، فقطع المجاز بين إفريقية والأندلس، وركب البحر حتّى حصل بالأندلس، فالأمراء الذين ولوها كانوا من ولده. ثمّ زال أمرهم ودولتهم على أيدي بني هاشم أيضاً، وهم بنو حمود الحسنيّون، من ولد إدريس بن الحسنعليهالسلام .
ولمّا أتى أبو العباس برأس مروان، سجد فأطال، ثمّ رفع رأسه، وقال: الحمد لله الذي لم يبقِ ثأرنا قبلك وقبل رهطك، الحمد لله الذي أظفرنا بك، وأظهرنا عليك. ما أبالي متى طرقني الموت، وقد قتلت بالحسينعليهالسلام ألفاً من بني اُميّة، وأحرقت شلو هشام بابن عمّي زيد بن علي كما أحرقوا شلوه، وتمثل(1) :
لو يشربونَ دمي لم يرو شاربهمْ |
ولا دماؤهم جمعاً ترويني |
ثمّ حوّل وجهه إلى القبلة فسجد ثانية، ثمّ جلس فتمثل:
أبى قومُنا أن ينصفونا فأنصفت |
قواطعُ في أيماننا تقطرُ الدما |
|
إذا خالطت هامَ الرجالِ تركتها |
كبيضِ نعامٍ في الثرى قد تحطّما |
ثمّ قال: أمّا مروان، فقتلناه بأخي إبراهيم، وقتلنا سائر بني اُميّة بحسين، ومَنْ قُتل معه وبعده من بني عمّنا أبي طالب(2) .
وروى المسعودي في كتاب مروج الذهب عن الهيثم بن عدي قال: حدّثني عمرو بن هانئ الطائي قال: خرجت مع عبد الله بن علي لنبش قبور بني اُميّة في أيّام أبي العباس
____________________
(1) مروج الذهب 3 / 271 - 272.
السفاح، فانتهينا إلى قبر هشام بن عبد الملك فاستخرجناه صحيحاً، ما فقدنا منه إلاّ عرنين أنفه، فضربه عبد الله بن علي ثمانين سوطاً ثمّ أحرقه، واستخرجنا سليمان بن عبد الملك من أرض دابق فلم نجد منه شيئاً إلاّ صلبه ورأسه وأضلاعه فأحرقناه، وفعلنا مثل ذلك بغيرهما من بني اُميّة، وكانت قبورهم بقنسرين.
ثمّ انتهينا إلى دمشق، فاستخرجنا الوليد بن عبد الملك، فما وجدنا في قبره قليلاً ولا كثيراً، واحتفرنا عن عبد الملك فما وجدنا إلاّ شئون(1) رأسه، ثمّ احتفرنا عن يزيد بن معاوية فلم نجد منه إلاّ عظماً واحداً، ووجدنا من موضع نحره إلى قدمه خطّاً واحداً أسود كأنّما خطّ بالرماد في طول لحده، وتتبعنا قبورهم في جميع البلدان، فأحرقنا ما وجدنا فيها منهم.
قال ابن أبي الحديد: قرأت هذا الخبر على النقيب أبي جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي بن عبد الله في سنة خمس وستمئة، وقلت له: أمّا إحراق هشام بإحراق زيد فمفهوم، فما معنى جلده ثمانين سوطاً؟ فقال رحمه الله تعالى: أظنّ عبد الله بن علي ذهب في ذلك إلى حدّ القذف؛ لأنّه يُقال: إنّه قال لزيد: يابن الزانية لمّا سبّ أخاه محمداً الباقرعليهالسلام ، فسبّه زيد وقال له: سمّاه رسول اللهصلىاللهعليهوآله الباقر وتسميه أنت البقرة! لشدّ ما اختلفتما! ولتخالفنّه في الآخرة كما خالفته في الدنيا، فيرد الجنة وترد النار. وهذا استنباط لطيف.
قال مروان لكاتبه عبد الحميد بن يحيي حين أيقن بزوال ملكه: قد احتجت إلى أن تصير مع عدوّي وتظهر الغدر بي؛ فإنّ إعجابهم ببلاغتك، وحاجتهم إلى كتابتك تدعوهم إلى اصطناعك وتقريبك، فإن استطعت أن تسعى لتنفعني في حياتي، وإلاّ فلن تعجز عن حفظ حرمي بعد وفاتي.
لمّا أشرف عبد الله بن على يوم الزاب في المسودة، وفي أوائلهم البنود السود تحملها الرجال على الجمال البخت، وقد جعل لها بدلاً من القنا خشب الصفصاف(2) والغرب،
____________________
(1) الشئون: موصل قبائل الرأس، واحد شأن.
(2) الصفصاف: نوع من الشجر.
قال مروان لمَنْ قرب منه: أما ترون رماحهم كأنّها النخل غلظاً؟! أما ترون أعلامهم فوق هذه الإبل كأنّها قطع الغمام السود؟!
فبينما هو ينظرها ويعجب، إذ طارت قطعة عظيمة من الغربان السود، فنزلت على أوّل عسكر عبد الله بن علي، واتصل سوادها بسواد تلك الرايات والبنود ومروان ينظر، فازداد تعجّبه وقال: أما ترون إلى السواد قد اتصل بالسواد، حتّى صار الكل كالسحب السود المتكاثفة! ثمّ أقبل على رجل إلى جنبه فقال: ألا تعرّفني مَنْ صاحب جيشهم؟
فقال: عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب.
قال: ويحك! أمن ولد العباس هو؟
قال: نعم.
قال: والله لوددت أن علي بن أبي طالبعليهالسلام مكانه في هذا الصف.
قال: يا أمير المؤمنين، أتقول هذا لعلي مع شجاعته التي ملأ الدنيا ذكرها؟!
قال: ويحك! إنّ علياً مع شجاعته صاحب دين، وإنّ الدين غير الملك، وإنّا نروي عن قديمنا أنّه لا شيء لعلي ولا لولده في هذا.
ثمّ قال: مَنْ هو من ولد العباس؟
قال: لمّا كان ساير عبد الله بن علي في آخر أيام بني اُميّة عبد الله بن حسن بن حسن، ومعهما داود بن علي، فقال داود لعبد الله بن الحسن: لِمَ لا تأمر ابنيك بالظهور؟
فقال عبد الله بن حسن: لم يأن لهما بعد.
فالتفت إليه عبد الله بن علي، فقال: أظنّك ترى أنّ ابنيك قاتلا مروان؟!
فقال عبد الله بن حسن: إنّه ذلك.
قال: هيهات! ثمّ تمثل:
سيكفيكَ الجعالة مستميتٌ |
خفيفُ الحاذِ من فتيانِ جرمِ |
أنا والله أقتل مروان وأسلبه ملكه، لا أنت ولا ولداك.
وروى أبو الفرج أيضاً: أنّ أبا العباس دعا بالغداء حين قتلوا، وأمر ببساط فبسط عليهم، وجلس فوقه يأكل وهم يضطربون تحته، فلمّا فرغ قال: ما أعلم أنّي أكلت أكلة
قطّ كانت أطيب، ولا أهنأ في نفسي من هذه.
فلمّا فرغ من الأكل قال: جرّوا بأرجلهم وألقوهم في الطريق ليلعنهم الناس أمواتاً، كما لعنوهم أحياء.
قال: فلقد رأينا الكلاب تجرّهم بأرجلهم، وعليهم سراويلات الوشى حتّى أنتنوا، ثمّ حفرت لهم بئر فألقوا فيها.
وروى أبو الفرج في الكتاب المذكور أنّ سديفاً أنشد أبا العباس وعنده رجال من بني اُميّة، فقال:
يابنَ عمِّ النبي أنتَ ضياءٌ |
استبنّا بكَ اليقينَ الجليّا |
|
جرّدِ السيفَ وارفعِ العفو حتى |
لا ترى فوقَ ظهرها اُمويّا |
|
قطن البغض في القديمِ وأضحى |
ثابتاً في قلوبهم مطويّا |
وهي طويلة، فقال أبو العباس: يا سديف، خُلق الإنسان من عجل! ثمّ أنشد أبو العباس متمثّلاً:
أحيا الضغائنَ آباءٌ لنا سلفوا |
فلن تبيدَ وللآباءِ أبناءُ |
ثمّ أمر بمَنْ عنده فقتلوا.
وروى أبو الفرج أيضاً، عن على بن محمد بن سليمان النوفلي، عن أبيه، عن عمومته، أنّهم حضروا سليمان بن علي بالبصرة، وقد حضر جماعة من بني اُميّة عنده، عليهم الثياب الموشاة(1) المرتفعة - قال أحد الرواة المذكورين: فكأنّي أنظر إلى أحدهم وقد أسودّ شيب في عارضيه من الغالية - فأمر بهم فقتلوا وجرّوا بأرجلهم، فألقوا على الطريق، وأنّ عليهم لسراويلات الوشى، والكلاب تجرّهم بأرجلهم.
وروى أبو الفرج الأصفهاني، قال: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، عن عمر بن شبة، قال: قال سديف لأبي العباس يحضّه على بني اُميّة، ويذكر مَنْ قتل مروان وبنو أميّة من أهله:
____________________
(1) الموشاة: الوشي هو نقش الثوب، ويكون كلّ من لون.
كيف بالعفو عنهم وقديماً |
قتلوكم وهتّكوا الحرماتِ |
|
أين زيدٌ وأين يحيى بن زيدٍ |
يا لها من مصيبةٍ وتراتِ |
|
والإمام الذي أُصيب بحرّان |
إمامُ الهدى ورأسُ الثقاتِ |
|
قتلوا آلَ أحمد لا عفى الذنـ |
ب لمروان غافرُ السيئاتِ |
قال أبو الفرج: وأخبرني علي بن سليمان الأخفش، قال: أنشدني محمد بن يزيد المبرّد لرجل من شيعة بني العباس يحضّهم على بني اُميّة:
إياكم أن تلينوا لاعتذارهمُ |
فليسَ ذلك إلاّ الخوفُ والطمعُ |
|
لو أنّهم أمنوا أبدوا عداوتهمْ |
لكنّهم قمعوا(1) بالذلِّ فانقمعوا |
|
أليسَ في ألفِ شهرٍ قد مضت لهم |
سُقيتمُ جرعاً من بعدها جرعُ |
|
حتّى إذا ما انقضت أيامُ مدّتهمْ |
متّوا إليكم بالارحامِ التي قطعوا |
|
هيهات لا بدّ أن يسقوا بكأسهمُ |
ريّاً وأن يحصدوا الزرع الذي زرعوا |
|
إنّا وإخواننا الأنصار شيعتُكمْ |
إذا تفرّقت الأهواءُ والشيعُ(2) |
قال أبو الفرج: وروى ابن المعتز في قصّة سديف مثل ما ذكرناه من قبل، إلاّ أنّه قال فيها: فلمّا أنشده ذلك التفت إليه أبو الغمر سليمان بن هشام، فقال: يا ماص بظر اُمّه! أتجبهنا بمثل هذا ونحن سروات الناس؟!
فغضب أبو العباس، وكان سليمان بن هشام صديقه قديماً وحديثاً، يقضي حوائجه في أيامهم ويبرّه، فلم يلتفت إلى ذلك، وصاح بالخراسانية: خذوهم(3) . فقتلوهم جميعاً إلاّ سليمان بن هشام فأقبل عليه أبو العباس، فقال: يا أبا الغمر، ما أرى لك في الحياة بعد هؤلاء خيراً.
____________________
(1) قمعت فلاناً فانقمع: أي ذللته فذلّ.
(2) بعده في الأغاني 4 / 351
إيّاكمُ أن يقول الناسُ إنّهمُ |
قد مُلّكوا ثمّ ما ضروا ولا نفعوا |
(3) من الأغاني 4 / 351، وانظر طبقات الشعراء لابن المعتز / 39 - 40.
قال: لا والله.
قال: فاقتلوه. (وكان إلى جنبه) فقُتل، وصُلبوا في بستانه حتّى تأذّى جلساؤه بريحهم، فكلّموه في ذلك فقال: والله، إنّ ريحهم عندي لألذّ وأطيب من ريح المسك والعنبر؛ (غيظاً عليهم وحنقاً).
لمّا ضرب عبد الله بن علي أعناق بني اُميّة، قال له قائل من أصحابه: هذا والله جهد البلاء. فقال عبد الله: كلاّ، ما هذا وشرطة حجّام إلاّ سواء، إنّما جهد البلاء فقر مدقع، بعد غنى موسع.
خطب سليمان بن علي لمّا قتل بني اُميّة بالبصرة، فقال:( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (الأنبياء / 105) قضاء فصل، وقول مبرم، فالحمد لله الذي صدق عبده، وأنجز وعده، وبعداً للقوم الظالمين الذين اتّخذوا الكعبة غرضاً، والدين هزواً، والفيء إرثاً، والقرآن عضين، لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون، ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ.
أمهلهم حتّى اضطهدوا العترة، ونبذوا السنّة، ثمّ أخذهم، فـ( هلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ) . ضرب الوليد بن عبد الملك علي بن عبد الله بن العباس بالسياط، وشهره بين الناس يدار به على بعير، ووجهه ممّا يلي ذنب البعير، وصائح يصيح أمامه: هذا علي بن عبد الله الكذّاب. فقال له قائل (وهو على تلك الحال): ما الذي نسبوك إليه من الكذب يا أبا محمد؟ قال: بلغهم قولي: أنّ هذا الأمر سيكون في ولدي، والله ليكونن فيهم حتّى يملكه عبيدهم الصغار العيون، العراض الوجوه، الذين كأنّ وجوههم المجان المطرقة(1) .
وروي أنّ علي بن عبد الله دخل على هشام ومعه ابنا ابنه الخليفتان: أبو العباس
____________________
(1) المجان المطرقة: ما يكون بين جلدين أحدهما فوق الآخر، والذي جاء في الحديث: « كأنّ وجوههم المجان المطرقة »، أيّ التراس التي ألبست العقبة شيئاً فوق الشيء، أراد أنّهم عراض الوجوه غلاظها. لسان العرب 10 / 220.
وأبو جعفر، فكلّمه فيما أراد ثمّ ولّى، فقال هشام: إنّ هذا الشيخ قد خرف وأهترّ؛ يقول: إنّ هذا الأمر سينتقل إلى ولده! فسمع علي بن عبد الله كلامه، فالتفت إليه وقال: إي والله ليكونن ذلك، وليملكن هذان.
وقد روى أبو العباس المبرّد في كتاب (الكامل) هذا الحديث، فقال: دخل علي بن عبد الله بن العباس على سليمان بن عبد الملك فيما رواه محمد بن شجاع البلخي، ومعه ابنا ابنه الخليفتان بعد: أبو العباس وأبو جعفر، فأوسع له على سريره وبرّه، وسأله عن حاجته، فقال: ثلاثون ألف درهم عليّ دين، فأمر بقضائها. قال: واستوص بابني هذين خيراً، ففعل، فشكره علي بن عبد الله، وقال: وصلتك رحم، فلمّا ولّى قال سليمان لأصحابه: إنّ هذا الشيخ قد اختلّ وأسن وخلط، وصار يقول: إنّ هذا الأمر سينتقل إلى ولده! فسمع ذلك علي بن عبد الله، فالتفت إليه وقال: إي والله ليكونن ذلك، وليملكن هذان.
قال أبو العباس المبرّد: وفي هذه الرواية غلط؛ لأنّ الخليفة في ذلك الوقت لم يكن سليمان، وإنّما ينبغي أن يكون دخل على هشام؛ لأنّ محمد بن علي بن عبد الله بن العباس كان يحاول التزويج في بني الحارث بن كعب، ولم يكن سليمان بن عبد الملك يأذن له، فلمّا قام عمر بن عبد العزيز جاء فقال: إنّي أردت أن أتزوّج ابنة خالي من بني الحارث بن كعب، فتأذن لي؟ فقال عمر بن عبد العزيز: تزوّج يرحمك الله مَنْ أحببت. فتزوّجها فأولدها أبا العباس السفاح.
وعمر بن عبد العزيز بعد سليمان، وأبو العباس ينبغي ألا يكون تهيّأ لمثله أن يدخل على خليفة حتّى يترعرع، ولا يتمّ مثل هذا إلاّ في أيام هشام بن عبد الملك.
قال أبو العباس المبرّد: وقد جاءت الرواية أنّ أمير المؤمنين علياًعليهالسلام لمّا ولد لعبد الله بن العباس مولود فقده وقت صلاة الظهر، فقال: « ما بال ابن العباس لم يحضر؟ ».
قالوا: ولد له ولد ذكر يا أمير المؤمنين.
قال: « فامضوا بنا إليه ». فأتاه فقال له: « شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب. ما سمّيته؟ ».
فقال: يا أمير المؤمنين، أو يجوز لي أن اُسمّيه حتّى تسمّيه؟
فقال: « أخرجه إلي ». فأخرجه، فأخذه فحنّكه ودعا له ثمّ ردّه إليه، وقال: « خذ إليك أبا الأملاك، قد سمّيته علياً، وكنّيته أبا الحسن ».
قال: فلمّا قدم معاوية خليفة قال لعبد الله بن العباس: لا أجمع لك بين الاسم والكنية، قد كنيته أبا محمد، فجرت عليه.
قلت: سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن محمد بن أبي زيد (رحمه الله تعالى)، فقلت له: من أي طريق عرف بنو اُميّة أنّ الأمر سينتقل عنهم، وأنّه سيليه بنو هاشم، وأوّل مَنْ يلي منهم يكون اسمه عبد الله؟ ولِمَ منعوهم عن مناكحة بني الحارث بن كعب؛ لعلمهم أنّ أوّل مَنْ يلي الأمر من بني هاشم تكون اُمّه حارثية؟ وبأيّ طريق عرف بنو هاشم أنّ الأمر سيصير إليهم، ويملكه عبيد أولادهم حتّى عرفوا صاحب الأمر بعينه كما قد جاء في الخبر؟
فقال: أصل هذا كلّه محمد بن الحنفيّة، ثمّ ابنه عبد الله المكنّى أبا هاشم.
قلت له: أفكان محمد بن الحنفيّة مخصوصاً من أمير المؤمنينعليهالسلام بعلم يستأثر به على أخويه حسن وحسينعليهماالسلام ؟
قال: لا، ولكنّهما كتما وأذاع.
ثمّ قال: قد صحت الرواية عندنا عن أسلافنا، وعن غيرهم من أرباب الحديث أنّ علياًعليهالسلام لمّا قبض أتى محمد ابنه أخويه حسناً وحسيناًعليهماالسلام ، فقال لهما: أعطياني ميراثي من أبي. فقالا له: « قد علمت أنّ أباك لم يترك صفراء ولا بيضاء ». فقال: قد علمت ذلك، وليس ميراث المال أطلب، إنّما أطلب ميراث العلم.
قال أبو جعفر (رحمه الله تعالى): فروى أبان بن عثمان عمّن يروي له ذلك، عن جعفر بن محمدعليهالسلام ، قال: فدفعا إليه صحيفة، لو أطلعاه على أكثر منها لهلك، فيها ذكر دولة بني العباس.
قال أبو جعفر: وقد روى أبو الحسن على بن محمد النوفلي، قال: حدّثني عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس، قال: لمّا أردنا الهرب من مروان بن محمد، لمّا قبض على إبراهيم الإمام جعلنا نسخة الصحيفة - التي دفعها أبو هاشم بن محمد بن الحنفيّة إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وهي التي كان آباؤنا يسمونها صحيفة الدولة - في صندوق من نحاس صغير، ثمّ دفناه تحت زيتونات بالشراة(1) لم يكن بالشراة من الزيتون غيرهن، فلمّا أفضى السلطان إلينا وملكنا الأمر، أرسلنا إلى ذلك الموضع، فبحث وحفر فلم يوجد فيه شيء، فأمرنا بحفر جريب من الأرض في ذلك الموضع حتّى بلغ الحفر الماء ولم نجد شيئاً.
قال أبو جعفر: وقد كان محمد بن الحنفيّة صرّح بالأمر لعبد الله بن العباس وعرفه تفصيله، ولم يكن أمير المؤمنينعليهالسلام قد فصل لعبد الله بن العباس الأمر، وإنّما أخبره به مجملاً، كقوله في هذا الخبر: « خذ إليك أبا الأملاك ». ونحو ذلك ممّا كان يعرض له به، ولكن الذي كشف القناع وأبرز المستور عليه هو محمد بن الحنفيّة.
وكذلك أيضاً ما وصل إلى بني اُميّة من علم هذا الأمر؛ فإنّه وصل من جهة محمد بن الحنفيّة، وأطلعهم على السرّ الذي علمه، ولكن لم يكشف لهم كشفه لبني العباس؛ فإنّ كشفه الأمر لبني العباس كان أكمل.
قال أبو جعفر: فأمّا أبو هاشم؛ فإنّه قد كان أفضى بالأمر إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وأطلعه عليه، وأوضحه له، فلمّا حضرته الوفاة عقيب انصرافه من عند الوليد بن عبد الملك مرّ بالشراة، وهو مريض ومحمد بن علي بها، فدفع إليه كتبه وجعله وصيه، وأمر الشيعة بالاختلاف إليه.
قال أبو جعفر: وحضر وفاة أبي هاشم ثلاثة نفر من بني هاشم؛ محمد بن علي هذا،
____________________
(1) الشراة: صقع بالشام بين المدينة ودمشق، ومن بعض نواحيه القرية المعروفة بالحميمة. ياقوت / 150 مجملاً.
ومعاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فلمّا مات خرج محمد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر من عنده وكل واحد منهما يدّعي وصايته؛ فأمّا عبد الله بن الحارث فلم يقل شيئاً.
قال أبو جعفر (رحمه الله تعالى): وصدق محمد بن علي، أنّه إليه أوصى أبو هاشم، وإليه دفع كتاب الدولة، وكذب معاوية بن عبد الله بن جعفر، لكنّه قرأ الكتاب، فوجد لهم فيه ذكراً يسيراً، فادعى الوصية بذلك، فمات وخرج ابنه عبد الله بن معاوية يدّعي وصاية أبيه، ويدّعي لأبيه وصاية أبي هاشم، ويظهر الإنكار على بني اُميّة، وكان له في ذلك شيعة يقولون بإمامته سرّاً حتّى قُتل.
دخلت إحدى نساء بني اُميّة على سليمان بن علي وهو يقتل بني اُميّة بالبصرة، فقالت: أيّها الأمير، إنّ العدل ليملّ من الإكثار منه والإسراف فيه، فكيف لا تملّ أنت من الجور وقطيعة الرحم؟!
فأطرق ثمّ قال لها:
سننتم علينا القتلَ لا تنكرونهُ |
فذوقوا كما ذقنا على سالفِ الدهرِ |
ثمّ قال: يا أمة الله، وأوّل راض سنّة مَنْ يسيرها، ألم تحاربوا علياً وتدفعوا حقّه؟ ألم تسمّوا حسناً وتنقضوا شرطه؟ ألم تقتلوا حسيناً وتسيّروا رأسه؟ ألم تقتلوا زيداً وتصلبوا جسده؟ ألم تقتلوا يحيى وتمثّلوا به؟ ألم تلعنوا علياً على منابركم؟ ألم تضربوا أبانا علي بن عبد الله بسياطكم؟
ألم تخنقوا الإمام بجراب النورة في حبسكم؟ ثمّ قال: ألك حاجة؟ قالت: قبض عمّالك أموالي. فأمر بردّ أموالها عليها.
كان مروان سديد الرأي، ميمون النقيبة، حازماً، فلمّا ظهرت المسودة ولقيهم، كان ما يدبر أمراً إلاّ كان فيه خلل، ولقد وقف يوم الزاب وأمر بالأموال فأُخرجت، وقال للناس: اصبروا وقاتلوا، وهذه الأموال لكم، فجعل ناس يصيبون من ذلك المال ويشتغلون به عن الحرب، فقال لابنه عبد الله: سر في أصحابك فامنع مَنْ يتعرّض لأخذ المال، فمال عبد الله برايته ومعه أصحابه، فتنادى الناس: الهزيمة! الهزيمة! فانهزموا، وركب أصحاب عبد الله بن علي أكتافهم.
لمّا قتل مروان ببوصير، قال الحسن بن قحطبة: أخرجوا إليّ إحدى بنات مروان. فأخرجوها إليه وهي ترعد، قال: لا بأس عليك. قالت: وأي بأس أعظم من إخراجك إياي حاسرة ولم أرَ رجلاً قبلك قطّ! فأجلسها، ووضع رأس مروان في حجرها، فصرخت واضطربت، فقيل له: ما أردت بهذا؟ قال: فعلت بهم فعلهم بزيد بن علي، لمّا قتلوه جعلوا رأسه في حجر زينب بنت علي بن الحسينعليهالسلام .
بويع أبو العباس السفاح بالخلافة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلون من شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وثلاثين ومئة، فصعد المنبر بالكوفة فخطب، فقال: الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه، وكرّمه وشرّفه وعظّمه، واختاره لنا، وأيّده بنا، وجعلنا أهله وكهفه، وحصنه والقوام به، والذّابين عنه، والناصرين له، وخصّنا برحم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأنبتنا من شجرته، واشتقّنا من نبعته، وأنزل بذلك كتاباً يُتلى، فقال سبحانه:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (الشورى / 23 ).
فلمّا قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآله قام بالأمر أصحابه( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) (الشورى / 38) فعدلوا، وخرجوا خماصاً(1) ، ثمّ
____________________
(1) خماصاً: جياعاً.
وثب بنو حرب وبنو مروان فابتزّوها وتداولوها، واستأثروا بها، وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حيناً، فلمّا آسفوه(1) انتقم منهم بأيدينا، وردّ علينا حقّنا، فأنا السفاح المبيح، والثائر المبير(2) .
وكان موعوكاً فاشتدت عليه الوعكة، فجلس على المنبر ولم يستطع الكلام، فقام عمّه داود بن علي (وكان بين يديه)، فقال: يا أهل العراق، إنّا والله ما خرجنا لنحفر نهراً، ولا لنكنز (لجيناً ولا عقياناً)، وإنّما أخرجتنا الأنفة من ابتزاز الظالمين حقّنا. ولقد كانت اُموركم تتصل بنا فترمضنا ونحن على فرشنا، لكم ذمّة الله وذمّة رسوله وذمّة العباس أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل فيكم بكتاب الله، ونسير فيكم بسنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله . واعلموا أنّ هذا الأمر ليس بخارج عنّا حتّى نسلّمه إلى عيسى بن مريم.
يا أهل الكوفة، إنّه لم يخطب على منبركم هذا خليفة حقّ إلاّ علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين هذا، فاحمدوا الله الذي ردّ إليكم أموركم. ثمّ نزل.
وقد روى حديث خطبة داود بن علي برواية أخرى، وهي الأشهر، قالوا: لمّا صعد أبو العباس منبر الكوفة، حصر فلم يتكلّم، فقام داود بن علي، وكان تحت منبره حتّى قام بين يديه تحته بمرقاة، فاستقبل الناس، وقال: أيّها الناس، إنّ أمير المؤمنين يكره أن يتقدّم قوله فعله، ولأثر الفعال أجدى عليكم من تشقيق المقال، وحسبكم كتاب الله تمثلاً فيكم، وابن عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله خليفة عليكم. أقسم بالله قسماً برّاً، ما قام هذا المقام أحد بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله أحقّ به من علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين هذا، فليهمس هامسكم، ولينطق ناطقكم. ثمّ نزل.
ومن خطب داود التي خطب بها بعد قتل مروان: شكراً شكراً! أظنّ عدو الله أن لن يظفر به، أرخى له في زمامه حتّى عثر في فضل
____________________
(1) آسفوه: أغضبوه.
(2) المبير: المهلك، وقد وردت هذه الخطبة برواية أوسع من هذه في الطبري.
خطامه، فالآن عاد الحقّ إلى نصابه، وطلعت الشمس من مطلعها، وأخذ القوس باريها، وصار الأمر إلى النزعة(1) ، ورجع الحقّ إلى مستقرّه، أهل بيت نبيّكم، أهل الرأفة والرحمة.
وخطب عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس، لمّا قُتل مروان، فقال: الحمد لله الذي لا يفوته مَنْ طلب، ولا يعجزه مَنْ هرب، خدعت والله الأشقر نفسه، إذ ظنّ أنّ الله ممهله، ويأبى الله إلاّ أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
فحتى متى وإلى متى؟! أما والله لقد كرهتهم العيدان(2) التي افترعوها(3) ، وأمسكت السماء درها(4) ، والأرض ريعها(5) ، وقحل(6) الضرع، وحفز الفنيق(7) ، وأسمل(8) جلباب الدين، وأُبطلت الحدود، وأُهدرت الدماء، وكان ربّك بالمرصاد، فدمدم(9) عليهم ربّهم بذنبهم فسوّاها، ولا يخاف عقباها، وملكنا الله أمركم.
عباد الله، لينظر كيف تعملون، فالشكر الشكر؛ فإنّه من دواعي المزيد، أعاذنا الله وإياكم من مضلاّت الأهواء، وبغتات الفتن، فإنّما نحن به وله.
لمّا أمعن داود بن علي قتل بني اُميّة بالحجاز قال له عبد الله بن الحسن: يابن عمّي، إذا أفرطت في قتل أكفائك فمَنْ تباهي بسلطانك؟! وما يكفيك منهم أن يروك غادياً ورائحاً فيما يسرّك ويسوؤهم؟!
كان داود بن علي مثل ببني اُميّة، يسمل العيون، ويبقر البطون، ويجدع الأنوف، ويصطلم الآذان.
____________________
(1) النزعة: جمع نازع، وهو الرامي يشدّ إليه السهم، يريد: رجع الحقّ إلى أهله.
(2) العيدان: يريد أعواد المنابر.
(3) وافترعوا: اعتلوها.
(4) درّها، أي مطرها.
(5) الريع: النماء.
(6) قحل: يبس جلده على لحمه.
(7) الفنيق: الفحل المكرم لا يؤذي لكرامته، والحفز: السرعة في المشي.
(8) أسمل: خلق وبلى.
(9) دمدم عليهم: طحنهم فأهلكهم.
وكان عبد الله بن علي بنهر أبي فطرس يصلبهم منكسين، ويسقيهم النورة والصبر، والرماد والخل، ويقطع الأيدي والأرجل. وكان سليمان بن علي في البصرة يضرب الأعناق.
خطب السفاح في الجمعة الثانية بالكوفة، فقال: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، والله لا أعدكم شيئاً ولا أتوعدكم إلاّ وفيت بالوعد والوعيد، ولأعملنّ اللين حتّى لا تنفع إلاّ الشدّة، ولأغمدنّ السيف إلاّ في إقامة حدّ، أو بلوغ حقّ، ولأعطينكم حتّى أرى العطية ضياعاً.
إنّ أهل بيت اللعنة والشجرة الملعونة في القرآن كانوا لكم أعداء، لا يرجعون معكم من حالة إلاّ إلى ما هو أشدّ منها، ولا يلي عليكم منهم والٍ إلاّ تمنيتم مَنْ كان قبله، وإن كان لا خير في جميعهم، منعوكم الصلاة في أوقاتها، وطالبوكم بأدائها في غير وقتها، وأخذوا المدبر بالمقبل والجار بالجار، وسلّطوا شراركم على خياركم، فقد محقّ الله جورهم، وأزهق باطلهم بأهل بيت نبيّكم، فما نؤخر لكم عطاء، ولا نضيع لأحد منكم حقّاً، ولا نجهزكم في بعث، ولا نخاطر بكم في قتال، ولا نبذلكم دون أنفسنا، والله على ما نقول وكيل بالوفاء والاجتهاد، وعليكم بالسمع والطاعة. ثمّ نزل.
لمّا صعد السفّاح منبر الكوفة يوم بيعته وخطب الناس، قام إليه السيد الحميري فأنشده:
دونكموها يا بني هاشمٍ |
فجدّدوا من آيها الطامسا(1) |
|
دونكموها لا علا كعبُ مَن |
أمسى عليكم مُلكَها نافسا |
|
دونكموها فالبسوا تاجَها |
لا تعدموا منكم له لابسا |
|
خلافةُ الله وسلطانُه |
وعنصرٌ كان لكم دارسا |
|
قد ساسها من قبلكم ساسةٌ |
لم يتركوا رطباً ولا يابسا |
____________________
(1) الأبيات في الأغاني 7 / 240، طبع الدار.
لو خُيّر المنبرُ فرسانَه |
ما اختار إلاّ منكم فارسا |
|
والملك لو شوور في سائسٍ |
لما ارتضى غيركم سائسا |
|
لم يُبقِ عبد الله بالشام من |
آل أبي العاص امرأً عاطسا |
|
فلست من أن تملكوها إلى |
هبوط عيسى منكم آيسا |
لمّا استوثق الأمر لأبي العباس السفّاح وفد إليه عشرة من أمراء الشام فحلفوا له بالله، وبطلاق نسائهم، وبأيمان البيعة بأنّهم لا يعلمون - إلى أن قُتل مروان - أنّ لرسول اللهصلىاللهعليهوآله أهلاً ولا قرابة إلاّ بني اُميّة.
وروى أبو الحسن المدائني، قال: حدّثني رجل قال: كنت بالشام، فجعلت لا أسمع أحداً يسمّي أحداً أو يناديه: يا علي، ويا حسن، أو يا حسين، وإنّما أسمع معاوية، والوليد، ويزيد، حتّى مررت برجل فاستسقيته ماء، فجعل ينادي: يا علي، يا حسن، يا حسين. فقلت: يا هذا، إنّ أهل الشام لا يسمّون بهذه الأسماء!
قال: صدقت، إنّهم يسمّون أبناءهم بأسماء الخلفاء، فإذا لعن أحدهم ولده أو شتمه فقد لعن اسم بعض الخلفاء، وأنا سمّيت أولادي بأسماء أعداء الله، فإذا شتمت أحدهم أو لعنته فإنّما ألعن أعداء الله.
كانت أمّ إبراهيم بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس اُمويّة من ولد عثمان بن عفان، قال إبراهيم: فدخلت على جدّي عيسى بن موسى مع أبي موسى، فقال لي جدّي: أتحبّ بني اُميّة؟ فقال له موسى (أبي): نعم، إنّهم أخواله.
فقال: والله لو رأيت جدّك علي بن عبد الله بن العباس يضرب بالسياط ما أحببتهم، ولو رأيت إبراهيم بن محمد يُكره على إدخال رأسه في جراب النورة لما أحببتهم، وسأحدّثك حديثاً إن شاء الله أن ينفعك به نفعك: لمّا وجّه سليمان بن عبد الملك ابنه أيوب بن سليمان إلى الطائف وجّه معه جماعة، فكنت أنا ومحمد بن علي بن عبد الله جدّي معهم، وأنا حينئذ حديث السنّ، وكان مع أيوب مؤدّب له يؤدّبه، فدخلنا عليه
يوماً أنا وجدّي، وذلك المؤدّب يضربه، فلمّا رآنا الغلام، أقبل على مؤدّبه فضربه، فنظر بعضنا إلى بعض، وقلنا: ما له قاتله الله؟! حين رآنا كره أن نشمت به، ثمّ التفت أيوب إلينا، فقال: ألا أخبركم يا بني هاشم بأعقلكم وأعقلنا؟!
أعقلنا مَنْ نشأ منّا يبغضكم، وأعقلكم مَنْ نشأ منكم يبغضنا، وعلامة ذلك أنّكم لم تسمّوا بمروان، ولا الوليد، ولا عبد الملك، ولم نسمِّ نحن بعلي ولا بحسن ولا بحسين(1) .
خطب أبو مسلم بالمدينة في السنّة التي حجّ فيها في خلافة السفّاح، فقال: الحمد لله الذي حمد نفسه، واختار الإسلام ديناً لعباده، ثمّ أوحى إلى محمد رسول اللهصلىاللهعليهوآله من ذلك ما أوحى، واختاره من خلقه، نفسه من أنفسهم، وبيته من بيوتهم، ثمّ أنزل عليه في كتابه الناطق الذي حفظه بعلمه، وأشهد ملائكته على حقّه، قوله:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (2) ، ثمّ جعل الحقّ بعد محمدصلىاللهعليهوآله في أهل بيته، فصبر مَنْ صبر منهم بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله على اللأواء والشدّة، وأغضى على الاستبداد والأثرة.
ثمّ إنّ قوماً من أهل بيت الرسولصلىاللهعليهوآله ، جاهدوا على ملّة نبيّه وسنّته بعد عصر من الزمان مَنْ عمل بطاعة الشيطان وعداوة الرحمن، بين ظهراني قوم آثروا العاجل على الآجل، والفاني على الباقي، إن رتق جور فتقوه، أو فتق حقّ رتقوه، أهل خمور وماخور(3) ، وطنابير(4) ومزامير، إن ذكّروا لم يذكروا، أو قدّموا إلى الحقّ أدبروا، وجعلوا الصدقات في الشبهات، والمغانم في المحارم، والفيء في الغي.
هكذا كان زمانهم، وبه كان يعمل سلطانهم، وزعموا أنّ غير آل محمد أولى بالأمر منهم،
____________________
(1) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد 7 / 160.
(2) سورة الأحزاب / 33.
(3) الماخور: بيت الريبة.
(4) والطنابير: جمع طنبور، وهو آلة من آلات الطرب، ذو عنق طويل، وستة أوتار من نحاس.
فلِمَ وبِمَ أيّها الناس؟! ألكم الفضل بالصحابة دون ذوي القرابة؟ الشركاء في النسب، والورثة في السلب(1) مع ضربهم على الدين جاهلكم، وإطعامهم في الجدب جائعكم.
والله، ما اخترتم من حيث اختار الله لنفسه ساعة قط، وما زلتم بعد نبيّه تختارون تيميّاً مرّة، وعدويّاً مرّة، واُمويّاً مرّة، وأسديّاً مرّة، وسفيانيّاً مرّة، ومروانيّاً مرّة، حتّى جاءكم مَنْ لا تعرفون اسمه ولا بيته، يضربكم بسيفه، فأعطيتموها عنوة وأنتم صاغرون.
ألا إنّ آل محمد أئمّة الهدى، ومنار سبيل التقى، القادة الذادة السادة، بنو عمّ رسول الله، ومنزل جبريل بالتنزيل. كم قصم الله بهم من جبار طاغ، وفاسق باغ. شيّد الله بهم الهدى، وجلا بهم العمى، لم يسمع بمثل العباس، وكيف لا تخضع له الأمم لواجب حقّ الحرمة؟ أبو رسول الله بعد أبيه، وإحدى يديه، وجلدة بين عينيه.
أمينه يوم العقبة، وناصره بمكة، ورسوله إلى أهلها، وحاميه يوم حنين عند ملتقى الفئتين، لا يخالف له رسماً، ولا يعصي له حكماً، إنّ في هذا أيّها الناس لعبرة لأولي الأبصار باستدراج الله إيّاهم آمنين مكره، مطرحين صيانة الخلافة، مستخفين بحقّ الرياسة، ضعيفين عن رسوم السياسة، فسلبهم الله العزّة، وألبسهم الذلّة، وأزال عنهم النعمة.
وقد جاءنا في بعض الروايات أنّ السفّاح لمّا أراد أن يقتل القوم الذين انضمّوا إليه من بني اُميّة جلس يوماً على سرير بهاشمية الكوفة(2) ، وجاء بنو اُميّة وغيرهم من بني هاشم والقوّاد والكتّاب، فأجلسهم في دار تتصل بداره، وبينه وبينهم ستر مسدول، ثمّ أخرج إليهم أبا الجهم بن عطية وبيده كتاب ملصق، فنادى بحيث يسمعون: أين رسول الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ؟ فلم يتكلّم أحد.
فدخل ثمّ خرج ثانية فنادى: أين رسول زيد بن علي بن الحسين؟ فلم يجبه أحد. فدخل ثمّ خرج ثالثة فنادى: أين رسول يحيى بن زيد بن علي؟ فلم يردّ أحد عليه. فدخل ثمّ خرج رابعة فنادى: أين رسول
____________________
(1) السلب: ما يسلب.
(2) هاشمية الكوفة: مدينة بناها السفّاح.
إبراهيم بن محمد الإمام؟ والقوم ينظر بعضهم إلى بعض، وقد أيقنوا بالشرّ، ثمّ دخل وخرج، فقال لهم: إنّ أمير المؤمنين يقول لكم: هؤلاء أهلي ولحمي، فماذا صنعتم بهم؟ ردّوهم إليَّ، أو فأقيدوني من أنفسكم. فلم ينطقوا بحرف، وخرجت الخراسانية بالأعمدة فشدخوهم عن آخرهم(1) .
____________________
(1) شرح نهج البلاغة 7 / 164.
الفصل الثالث
إعادة انتشار أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في أهل بيتهعليهمالسلام
والروايات الصحيحة في السيرة والتاريخ
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ) (الصف / 14).
قال الحسينعليهالسلام يوم عاشوراء: « اللّهمّ إن كنتَ حَبَسْتَ عنّا النصر، فاجعلْ ذلك لما هو خير في العاقبة، وانتقم لنا من القوم الظالمين »(1) .
شاء الله أن يحبس النصر عن الحسينعليهالسلام ، فيُسْجَنَ أنصاره في الكوفة، ويُقتل مسلم وهانئ، ثمّ يُحاصر هو وأهل بيته وأنصاره، ويُقتل مظلوماً مدافعاً عن نفسه وعياله، ويُقتل معه أهل بيته وأنصاره الذين بايعوه على النصرة بين يديه، وقد ضربوا أروع المثل في الوفاء، ثمّ سيقت الرؤوس ونساء الحسينعليهالسلام سبايا إلى الكوفة ثمّ إلى الشام.
____________________
(1) الطبقات 1 / 471.
وفي قبال ذلك استوسق الملك ليزيد، وصفا له الجو سنتان إلاّ سبعاً وثلاثين يوماً بعد قتل الحسين(1) .
وظاهر ذلك أنّ الحسينعليهالسلام قد فشل في تحقيق ما كان يستهدفه من هدف، فهل كان الأمر كذلك؟ أم أنّ الحسينعليهالسلام كان قد نجح كلّ النجاح في حركته، وتحقّق له هدفه في حركته تلك، واستجيبَ دعاؤه بأن يكون الخير كلّ الخير في عاقبة الحركة التي بدأها وقتل من أجلها، مضافاً إلى انتقام الله له من الظالمين؟
ونرى من الضروري قبل الإجابة على السؤال أن نستذكر الأمر الذي استهدفه من حركته، ودفع الحسينعليهالسلام حياته ثمناً له، وهو قضيتان:
كسر الطوق المفروض على الحديث النبوي الصحيح في أهل بيتهعليهمالسلام ، وبيان عظيم منزلتهم عند الله ورسوله، والحديث النبوي الصحيح في توهين بني اُميّة، وكذلك الحديث الصحيح في السنن والأحكام التي خالفها الخلفاء بعد النبيصلىاللهعليهوآله ، ثمّ انتشار تلك الأحاديث من جديد ليأخذ أهل البيتعليهمالسلام مقامهم في المجتمع بوصفهم أئمّة هدى منصوص عليهم؛ ليتمكّنوا من نشر حديث النبيصلىاللهعليهوآله الذي كتبه عليعليهالسلام بيده، ثمّ ليلتفّ حولهم ويواليهم، ويأخذ عنهم معالم الدين مَنْ شاء أن يفعل ذلك دون حرج أو خوف.
إفهام المسلمين جميعاً أنّ طاعة بني اُميّة ليست من الدين في شيء بل على العكس من ذلك؛ فإنّ الدين يدعو إلى البراءة منهم، والوقوف بوجههم، ومجاهدتهم والإطاحة بهم.
ونحن حين ننظر إلى مجريات الحوادث في الواقع التاريخي خلال سبعين سنة بعد قتل الحسينعليهالسلام ، نجد أنّ كلا القضيتين قد حقّق الحسينعليهالسلام بداياتها الأساسية في الشهور
____________________
(1) قتل الحسينعليهالسلام في 10محرّم سنة 61 هجرية، وكانت وقعة الحرّة في الثالث من ذي الحجّة سنة 63 هجرية.
الخمسة من تصدّيه المعلن، الذي انتهى بشهادته المرتقبة من قِبَله ومن قِبَل الأمّة، ثمّ جعل الله تعالى شهادة الحسينعليهالسلام وظلامته أوسع الأبواب لتتحرّك تلك البدايات باتّجاه تحقيق تينك القضيتين بأتمّ درجة مرجوّة.
وفيما يلي بيان مختصر عن ذلك، ونفضّل البدء بالحديث عن القضية الثانية أوّلاً:
يتّضح تحقّق هذا الهدف من معرفة حال حركة الأمّة، ووضع الدولة الاُمويّة خلال السنوات السبعين التي تلت قتل الحسينعليهالسلام .
لقد كان حال الأجيال الجديدة آنذاك - وهم أكثرية الأمّة - قبل حركة الحسينعليهالسلام هو التأثر بالضلال الأموي، ومن ثمّ التعامل مع الحاكم الأموي على أنّه خليفة الله وحجّته، وأنّ طاعته هي الدين، ومن هؤلاء مَنْ هو رعية، ومنهم مَنْ هو في الجيش والشرطة والإدارة.
ونموذج هذا القسم الثاني شمر بن ذي الجوشن، إذ كان يدعو الله بعد الصلاة ليغفر له، فيقول له صاحبه: كيف يغفر لك وقد أعنت على قتل ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟! قال: ويحك! فكيف نصنع؟ إنّ أمراءنا هؤلاء أمرونا بأمر فلم نخالفهم، ولو خالفناهم كنّا شرّاً من هذه الحمر الشقاء(1) ، (يريد إنّ معصية خليفة الله توجب النار).
وأمّا حال الأجيال السابقة فإنّ أكثرهم يفهم الانحراف على أنّه تعطيل الأحكام والاستئثار بالفيء، غير أنّهم يخشون صولة النظام وبطشه، وقلّة منهم - وهم شيعة علي الذين صبَّ النظام الأموي جام غضبه عليهم - يفهمون أنّ الذي يجري إنّما هو محق لرسالة النبيصلىاللهعليهوآله .
وبإزاء هذا الوضع ليس من راية للتغيير، أو ثائر على النظام إلاّ الخوارج، وهؤلاء لا يتعاطف معهم أحد؛ لأنّهم يكفِّرون كلّ الناس من جهة، ويبادئون الأبرياء بالقتال من جهة أخرى.
____________________
(1) لسان الميزان (ترجمة شمر بن ذي الجوشن).
هذا مضافاً إلى أنّ النظام الأموي كان قد تبنّى نشر أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله التي تدين الخوارج الذين خرجوا على عليعليهالسلام خاصة في النهروان، وترفع من شأن مَنْ يقاتلهم مع حذف ما يرتبط بعليعليهالسلام بصفته المحور في تلك الأحاديث، وجعلها أحاديث عامّة موجّهة إلى كلّ مَنْ يخرج على الخليفة(1) .
____________________
(1) من قبيل ما رواه البخاري في المختصر 6 / 3541 قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا عبد الواحد، حدّثنا الشيباني، حدّثنا يسير بن عمر، وقال: قلت لسهل بن حنيف: هل سمعت النبيصلىاللهعليهوآله يقول في الخوارج شيئاً؟ قال: سمعته يقول - وأهوى بيده قبل العراق -: « يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية ».
وما رواه الطبراني في المعجم الكبير 8 / 268 قال: حدّثنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي، ثنا سفيان، ثنا أبو غالب قال: رأيت أبا اُمامة الباهلي أبصر رؤوس الخوارج على درج دمشق، فقال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: كلاب أهل النار! كلاب أهل النار! كلاب أهل النار! ثمّ بكى وقال: شرّ قتلى تحت أديم السماء، وخير قتلى مَنْ قتلوه.
والرواية الأولى محرّفة بالنقيصة، والثانية محرّفة بالزيادة.
أمّا أصل الرواية فهي ما رواه أبو داود في سننه 4 / 244 قال: حدّثنا الحسن بن عليعليهالسلام ، ثنا عبد الرزاق، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سلمة بن كهيل قال: أخبرني زيد بن وهب الجهني أنّه كان في الجيش الذين كانوا مع عليعليهالسلام الذين ساروا إلى الخوارج، فقال عليعليهالسلام : « أيّها الناس، إنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: يخرج قوم من أمّتي يقرؤون القرآن، ليست قراءتكم إلى قراءتهم شيئاً، ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئاً، ولا صيامكم إلى صيامهم شيئاً، يقرؤون القرآن يحسبون أنّه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيّهمصلىاللهعليهوآله لنكلوا على العمل.
وآية ذلك أنّ فيهم رجلاً له عضد وليست له ذراع على عضده، مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض، أفتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم؟ والله إنّي لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم؛ فإنّهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله ».
قال سلمة بن كهيل: فنزلني زيد بن وهب منزلاً منزلاً حتّى مرّ بنا على قنطرة، قال: فلمّا التقينا وعلى الخوارج عبد الله بن وهب الراسبي، فقال لهم: ألقوا الرماح وسلّوا السيوف من جفونها؛ فإنّي أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء. قال: فوحشوا برماحهم، واستلّوا السيوف، وشجرهم الناس برماحهم. قال: وقتلوا بعضهم على بعضهم. قال: وما أصيب من الناس يومئذ إلاّ رجلان، فقال عليعليهالسلام : « التمسوا فيهم المخدّج ». فلم يجدوا.
قال: فقام عليعليهالسلام بنفسه حتّى أتى ناساً قد قُتل بعضهم على بعض، فقال: « أخرجوهم ». فوجدوه ممّا يلي الأرض، فكبّر وقال: « صدق الله، وبلغ رسوله ». فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين، والله الذي لا إله إلاّ هو، لقد سمعت هذا من رسول اللهصلىاللهعليهوآله . فقال: « إي والله الذي لا إله إلاّ هو » حتّى استحلفه ثلاثاً وهو يحلف.
والذي حصل بعد حركة الحسينعليهالسلام وشهادته هو اتضاح حقيقة الحاكم الأموي، وأنّ طاعته ليست من الدين في شيء بل الدين يدعو إلى القيام والثورة بوجهه، وذلك من خلال أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله الصحيحة التي انتشرت، واقترافه الجريمة البشعة بقتل الحسينعليهالسلام ، الذي أخبر النبيصلىاللهعليهوآله عنه وبكاه منذ ولادته.
ومن هنا نجد ثورة أهل المدينة ضدّ يزيد، ثمّ ثورة أهل مكّة، وقد جاءت الطريقة المروعة التي تعامل بها الاُمويّون مع ثوار المدينة ومكة، وغزوهم مكّة، ورمي البيت الحرام بالمنجنيق، ووقوع الحريق فيه مؤكّدة؛ لما بدأه الحسينعليهالسلام مع بني اُميّة أنّهم ليسوا من أهل الدين، وأنّ الدين يأمر بحربهم والنهوض ضدّهم.
واستمرت الثورات بعد ذلك على بني اُميّة بعد يزيد من قبل أهل العراق خاصّة كثورة سليمان بن صرد، ثمّ ثورة المختار، ثمّ ثورة زيد بن علي، ثمّ ثورة عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب، ثمّ ثورة العباسيِّين أخيراً الذين استطاعوا القضاء على حكم بني اُميّة بشعار الثار للحسينعليهالسلام سنة 132.
لقد كسر الحسينعليهالسلام بنفسه هذا الطوق في مكّة مدّة أربعة أشهر وأيام حين لم يُعِر أهمية لقرار السلطة بالمنع عن نشر أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في أهل بيتهعليهمالسلام ، حيث أخذ يذكِّر ويُسمِع القادمين من الآفاق للعمرة أو للحجّ، ثمّ يدفعهم ليسألوا من بقايا أخيار صحابة النبيصلىاللهعليهوآله الذين بين أظهرهم بما قاله النبيصلىاللهعليهوآله في أهل البيتعليهمالسلام بشكل عام، أو ما قاله في أبيه عليعليهالسلام ، أو في أخيه الحسنعليهالسلام ، أو فيه خاصة؛ سواء في بيان عظيم منزلتهم عند الله ورسوله، أو في بيان شهادتهعليهالسلام ، وما يجري عليه من بني اُميّة وأعوانهم الظلمة، والثواب العظيم لمَنْ يوفّق لنصرته والقتل بين يديه.
ثمّ ختمت تلك الأيام العامرة بنشاط الحسينعليهالسلام وأصحابه فكريّاً وسياسيّاً بالخروج من مكّة اضطراراً حين علم أنّ السلطة قد دسّت إليه مَنْ يقتله في مكّة، وكره الحسينعليهالسلام أن تستباح به حرمة الحرم.
وليس من شك فإنّ قضية إخبار النبيصلىاللهعليهوآله بشهادة الحسينعليهالسلام ، وما يرتبط بها من أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في أهل بيتهعليهمالسلام ، سوف تكون الشغل الشاغل لهؤلاء الحجّاج، حيث سينقلونها إلى قرباهم ومَنْ يثقون به من أصدقائهم، ومن ثمّ سوف يترقّب الجميع تحقق النبوءة؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله لا يكذب، وحين يصلهم خبر تحقّقها وبشاعة ما جرى على الحسينعليهالسلام من قبل بني اُميّة وجندهم، وما ظهر من الحسينعليهالسلام من إصرار على موقفه في إحياء أحاديث جدّه وتوعية الأمّة بها، ثمّ تضحيته بكلّ غال ونفيس من أجل ذلك، أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، ليس من شك أنّ ذلك سيؤدي إلى انتشار أكبر لتلك الأحاديث.
ومن الطبيعي أن يكون ذلك سرّاً في بادئ الأمر؛ تفادياً لعقوبة النظام وشراسته في هذه المسألة خاصة، أمّا حين تتصدّع وحدة الدولة بعد موت يزيد، ويختلف أهل الشام، ويقتتلون فيما بينهم كما حصل بين مروان بن الحكم ومَنْ معه، والضحاك بن قيس الفهري ومَنْ معه، وهما من أبرز وجوه النظام العاملين على تقويمه.
ويضاف إلى ذلك استقلال الحجاز والبصرة بقيادة ابن الزبير، واستقلال الكوفة وما والاها بقيادة المختار، واستقلال اليمن بقيادة نجدة الخارجي، واستقلال خراسان بقيادة عبد الله بن خازم، ليس من شك أنّ وضعاً كهذا سوف تغيب فيه رقابة السلطة على الحديث النبوي الصحيح، ويبدأ الناس يحدّثون بما عندهم.
ومن الطبيعي أن يكون الحديث المرتبط بأهل البيت وعليعليهمالسلام الذي كانت الدولة تلعنه على المنابر، والحسينعليهالسلام الذي قُتل وسُيِّر رأسه ورؤوس أهل بيته وأصحابه إلى الشام، وإخبار النبيصلىاللهعليهوآله بشهادة الحسينعليهالسلام وبكائه عليه منذ ولادته هو من أهم تلك الأحاديث.
وإذا عرفنا أنّ الدولة الاُمويّة لم تسترجع قوتها ووحدتها، ومن ثمّ فرض سياستها السابقة كما كانت عليه زمن معاوية ويزيد إلاّ بعد عشرين سنة تقريباً، استطعنا أن ندرك بسهولة كيف أنّ الله تعالى هيّأ لحركة الحسينعليهالسلام التبليغيّة القصيرة جدّاً الظرف المناسب؛ لتمتدّ وتتسع بعد شهادته مدّة عشرين سنة تقريباً في ظلّ الاختلاف السياسي الشامل
الذي عمّ البلاد الإسلاميّة بعد موت يزيد.
حيث أتيحت الفرصة لصحابة النبيصلىاللهعليهوآله ممّن حمل حديثه عنه وعن عليعليهالسلام في مدن إقامتهم أن ينشروا أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في أهل بيتهعليهمالسلام خاصّة، وكذلك الأحاديث الصحيحة في متعة الحجّ وغيرها، وكذلك سيرة عليعليهالسلام :
فمن الصحابة في المدينة: اُمّ سلمة (ت61)، وأبو سعيد الخدري (ت64)، وعبد الله بن عباس (ت68) بالمدينة ومكة والطائف وتوفي بها وله نيف وسبعون سنة، وجابر بن عبد الله الأنصاري (ت74) عن (94) سنة، وسلمة بن الأكوع (ت74)، وسهل بن سعد الساعدي (ت91).
وفي الكوفة: سليمان بن صرد قُتل سنة (66)، وزيد بن أرقم (ت 68)، وعدي بن حاتم (ت67)، والبرّاء بن عازب (ت72)، وعامر بن واثلة (ت110) بمكة منفيّاً من الكوفة منذ تولّي الحجّاج الكوفة، وهو آخر مَنْ توفي من الصحابة.
وفي البصرة: مالك بن الحويرث (ت74)، وأنس بن مالك أخذ يحدّث بفضائل علي لمّا أصابته دعوة عليعليهالسلام (ت90).
وفي مرو وخراسان: بريدة بن الحصيب (ت62)، وأبي برزة الأسلمي (ت64).
وفي الشام: واثلة بن الأسقع (ت85) عن ثمان وتسعين سنة، وهو آخر مَنْ مات من الصحابة بدمشق.
ومن التابعين، وهم بقية أصحاب علي، وأغلبهم كوفيون، أمثال: الحارث الأعور الهمداني (ت65)، وسعد بن حذيفة بن اليمان (من رجال عهد المختار)، والأصبغ بن نباتة (ت بعد سنة70)، وحَبّة بن جوين (ت76)، أبي البختري قُتل (82)، زاذان (ت82)، زر بن حبيش (ت81)، عبد الله بن الحارث بن نوفل (ت84)، عبد الرحمن بن أبي ليلى (ق82)، فضالة بن أبي فضالة (ت70 - 80)، كميل بن زياد (قتله الحجّاج 82)، قيس بن عبّاد (قتله الحجّاج 83)، وزيد بن وهب الجهني (ت84 وقيل 96)، ومسلم بن صبيح (ت100) (رحمهم الله).
ومنهم بصريون، مثل: أبي الأسود الدؤلي، وخِلاس الهَجَري(1) .
ومنهم مدنيون، أمثال: عمر بن أبي سلمة (ت83)، وإياس بن سلمة بن الأكوع (ت119)، ويزيد بن أميّة (ت70 - 80).
وهكذا يتّضح أنّ الهدف الأساس للحسينعليهالسلام في ثورته، وهو كسر الطوق المفروض على الحديث النبوي الصحيح، وإنقاذه من الاندثار في المجتمع بتهيئة الجو الذي يسمح لرواتها المسنّين من الصحابة والتابعين بنشرها من جديد في الأمّة قد تحقّق على مرحلتين:
الأولى: في عهد الحسينعليهالسلام مدّة خمسة شهور.
الثانية: بعد شهادتهعليهالسلام مدّة عشرين سنة تقريباً.
وفيما يلي نماذج ممّن نهض بإحياء حديث النّبيصلىاللهعليهوآله في أهل بيتهعليهمالسلام خاصّة:
فضائل الصّحابة (لأحمد بن حنبل) 2 / 648: حدّثنا عبد الله، قثنا أحمد بن عمران الأخنسي قال: سمعت محمّد بن فضيل، قثنا أبو نضر(2) عبد الله بن عبد الرّحمن الأنصاري، عن مساور الحميري، عن أمّه، عن اُمّ سلمة قالت: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول لعليّعليهالسلام : « لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق ».
السنن الكبرى 4 / 261: أنبأ محمّد بن قدامة قال: جرير، عن المغيرة، عن أمّ موسى قالت: قالت اُمّ سلمة: والّذي تحلف به اُمّ سلمة إن كان لأقرب النّاس عهداً برسول اللهصلىاللهعليهوآله عليّعليهالسلام . قالت: لمّا كان غداة قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآله أرسل إليه رسول الله وكأن أرى في حاجة أظنّه، بعثه فجعل يقول: « جاء عليّ » ثلاث مرّات، فجاء قبل طلوع الشّمس، فلمّا أن جاء عرفنا أنّ له إليه حاجة، فخرجنا من البيت، وكنّا عدنا
____________________
(1) كان من شرطة عليعليهالسلام ، وله صحيفة كتبها عنه يحدّث بها، توفي قبيل المئة بتقدير الذهبي، نقلاً عن ابن حجر في تهذيب التهذيب.
(2) في كتاب السنّة - لابن مخلّد / 1319: عن أبي نصر عبد الله بن عبد الرّحمن...: « لا يبغض عليّاً مؤمن، ولا يحبّه منافق ».
رسول اللهصلىاللهعليهوآله يومئذ في بيت عائشة، فكنت في آخر مَنْ خرج من البيت، ثمّ جلست أدناهنّ من الباب فأكبّ عليه عليّعليهالسلام فكان آخر النّاس عهداً جعل يسارّه ويناجيه.
التّرمذي 5 / 352: حدّثنا عبد بن حميد، حدّثنا عفّان بن مسلم، حدّثنا حمّاد بن سلمة، أخبرنا عليّ بن زيد، عن أنس بن مالك: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يمرّ بباب فاطمة (عليها السلام) ستّة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: « الصّلاة يا أهل البيت،إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ».
قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، إنّما نعرفه من حديث حمّاد بن سلمة. قال: وفي الباب عن أبي الحمراء، ومعقل بن يسار، واُمّ سلمة.
سنن البيهقي 7 / 56: أخبرنا أبو الحسن عليّ بن أحمد بن عبدان، أنبأ أحمد بن عبيد الصفّار، نا محمّد بن يونس، ثنا الفضل بن دكين، نا ابن أبي غنية، عن أبي الخطّاب الهجري، عن محدوج الذهلي، عن جسرة، عن اُمّ سلمة (رضي الله تعالى عنها) قالت: خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله فوجه هذا المسجد، فقال: « ألا لا يحلّ هذا المسجد لجنب، ولا لحائض إلاّ لرسول الله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين؛ ألا قد بيّنت لكم الأسماء أن لا تضلّوا ».
المعجم الكبير 23 / 308: حدّثنا إبراهيم بن دحيم، ثنا موسى بن يعقوب، حدّثني هاشم بن هاشم(1) ، عن وهب بن
____________________
(1) مشاهير علماء الأمصار 1 / 138: هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص من سادات المدنيين، وقدماء مشايخهم، مات سنة أربع وأربعين ومئة. وفي تهذيب التهذيب ع الستة: هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص الزّهري المدني، ويُقال: هاشم بن هاشم بن هاشم وهو أصحّ؛ لأنّ هاشم بن عتبة قُتل بصفّين سنة سبع وثلاثين، فيبعد أن يكون صاحب التّرجمة ابنه؛ لبعد ما بين وفاتيهما.
روى عن سعيد بن المسيّب وعامر وعائشة ابني سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن وهب بن زمعة، وعبد الله بن نسطاس، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة، وأبي صالح مولى السّعديين.
وعنه مالك والداروردي، ويحيى بن أبي زائدة، وموسى بن يعقوب الزّمعي، وأبو أسامة وأبو ضمرة، وشجاع بن الوليد وعبد الله بن نمير، ومروان بن =
عبد الله بن زمعة(1) قال: أخبرتني اُمّ سلمة أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله اضطجع ذات يوم للنوم، فاستيقظ وهو خائر النفس، فاضطجع فرقد، فاستيقظ وفي يده تربة حمراء يقبّلها، فقلت: ما هذه التربة يا رسول الله؟ قال: « أخبرني جبريل أن هذا يُقتل بأرض العراق - وأشار إلى الحسينعليهالسلام - فقلت لجبريل: أرني تربة الأرض التي يُقتل فيها، فهذه تربتها ».
روى القندوزي والسمهودي بسنده قال: أخرج بن عقدة من طريق عمرو بن سعيد بن عمرو بن جعدة بن هيبرة، عن أبيه، عن جدّه، عن اُمّ سلمة قالت: أخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بيد عليّعليهالسلام بغدير خمّ، فرفعها حتّى رأينا بياض إبطيه، فقال: « مَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه ». ثمّ قال: « أيّها النّاس، إنّي مخلّف فيكم الثّقلين؛ كتاب الله وعترتي، ولن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض ».
ورواه عنها السّمهودي الشّافعي في جواهر العقدين كما في ينابيع المودّة / 40.
المستدرك 4 / 20: أخبرنا أبو عبد الله الصفّار، ثنا أحمد بن مهران، أنبأ عبد الله بن موسى، أنبأ إسماعيل بن نشيط قال: سمعت شهر بن حوشب قال: أتيت اُمّ سلمة أعزّيها بقتل الحسين بن عليّ.
التاريخ الكبير 3 / 324، تهذيب الكمال 9 / 186: واللّفظ الأخير عن أبي سعيد
____________________
= معاوية وصفوان بن عيسى وإبراهيم بن حميد الرّاسبي، وأحمد بن بشير الكوفي ومكّي بن إبراهيم. قال صالح بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس. وقال بن معين والنسائي: ثقة، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة أربع وأربعين ومئة.
وقال البخاري، عن مكي: سمعت منه سنة أربع. وقال أحمد بن حنبل، عن مكي: سمعت منه سنة سبع وأربعين، قلت: (وقال ابن سعد في الطبقة الخامسة من أهل المدينة: هاشم بن هاشم بن عتبة أمّه أمّ ولد، فولد هاشم بن هاشم هاشماً، واُمّه أمّ عمرو بنت سعد، وقد روى هاشم عن عامر بن سعد وغيره، وروى عنه ابن نمير وأبو ضمرة) انتهى.
فكلامه محتمل لأن يكون الراوي هو هاشم بن هاشم، أو ابنه، وهو الأقرب، ويترجّح ما ظنّه المؤلّف.
وقال العجلي: هاشم بن هاشم بن عتبة، مدنيّ ثقة. وقال البزّار: ليس به بأس.
(1) قال في مشاهير علماء الأمصار 1 / 71: وهب بن عبد الله بن زمعة بن الأسود من عبّاد أهل المدينة قُتل يوم الحرّة.
الأشج قال: حدّثنا أبو خالد الأحمر قال: حدّثني رزين(1) قال: حدّثتني سلمى قالت: دخلت على اُمّ سلمة وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: « شهدت قتل الحسينعليهالسلام آنفاً ».
معرفة الثقات 5 / 411: مصعب بن عبد الرّحمن بن عوف الزّهري القرشي، كنيته أبو زرارة، يروي عن أبيه، روى عنه أهل المدينة، قُتل يوم الحرّة سنة ثلاث وستين، وكان على قضاء مكّة، أمّه أمّ ولد.
الطبقات الكبرى 5 / 175: مصعب بن عبد الرّحمن بن عوف... وكانت وفاة مصعب بن عبد الرّحمن بمكة في سنة أربع وستين، وكان ثقة قليل الحديث.
مصنّف ابن أبي شيبة 12 / 65 الحديث رقم 12135: عن عبيد الله عن طلحة بن جبير، عن المطلّب بن عبد الله بن مصعب بن عبد الرّحمن، عن عبد الرّحمن بن عوف قال: لمّا افتتح رسول اللهصلىاللهعليهوآله مكّة انصرف إلى الطائف، فحاصرها تسع عشرة، أو ثمان عشرة فلم يفتحها، ثمّ ارتحل روحة أو غدوة فنزل ثمّ هجر، ثمّ قال: « أيّها النّاس، إنّي فرط لكم،
____________________
(1) رزين بن حبيب الجهني، ويُقال: البكري الكوفي الرّماني، ويُقال: التمّار، ويُقال: البزاز، بياع الأنماط.
روى عن الأصبغ بن نباتة، وعامر الشعبي، وأبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين، وأبي الرقاد العبسي، وسلمى البكرية.
روى عنه إسماعيل بن زكريا، وحبان بن عليّ العنزي، وسفيان الثوري، وأبو خالد سليمان بن حيان الأحمر، وعبد الله بن المبارك، وعبيد الله بن موسى، وعيسى بن يونس، وأبو نعيم الفضل بن دكين، ومروان بن معاوية الفزاري، ووكيع بن الجراح.
قال أبو بكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: رزين بيّاع الرّمان ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ليس به بأس، وهو أحبّ إليّ من إسحاق بن خليد مولى سعيد بن العاص.
ومنهم مَنْ فرّق بين رزين بياع الأنماط يروي عن الأصبغ بن نباته، ويروي عنه عيسى بن يونس، وبين رزين بن حبيب الجهني بياع الرّمان. ومنهم مَنْ جعلهما واحداً، والله أعلم. روى له التّرمذي حديثاً واحداً.
واُوصيكم بعترتي خيراً، وإنّ موعدكم الحوض. والذي نفسي بيده لتقيمنّ الصّلاة، ولتؤتنّ الزكاة، أو لأبعثنّ إليكم رجلا منّي أو لنفسي فليضربنّ أعناق مقاتليهم، وليسبينّ ذراريهم ». فرأى النّاس أنّه أبو بكر أو عمر، فأخذ بيد عليّعليهالسلام فقال: « هذا ».
الكامل في الضعفاء 1 / 169: معمّر بن سهل حدّثنا أبو سمرة أحمد بن سالم، حدّثنا شريك، عن الأعمش، عن عطيّة، عن أبي سعيد، عن النّبيصلىاللهعليهوآله قال: « عليّ خير البريّة ».
الكامل في الضّعفاء 2 / 144: ثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس، ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: كان لعليّ - أحسبه (قال) - من النّبيصلىاللهعليهوآله مدخلاً لم يكن لأحد من النّاس.
الصّواعق المحرقة / 89: قال أخرج الدّيلمي، عن أبي سعيد الخدري أنّ النّبيصلىاللهعليهوآله قال: «وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئوُلُونَ عن ولاية عليّ ». قال الواحدي: روي في قوله تعالى:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئوُلُونَ ) ، أي عن ولاية عليّ.
المستدرك على الصحيحين للحسكاني / 307: بسنده عن خلف عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: سألت رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن قوله تعالى:( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) قال: « ذاك أخي عليّ بن أبي طالب ».
المستدرك للحسكاني / 338: بسنده عن فضيل بن مرزوق، عن عطيّة، عن أبي سعيد قال: لمّا نزلت( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) ، أعطى رسول اللهصلىاللهعليهوآله لفاطمة (عليها السلام) فدكاً.
شواهد التنزيل للحسكاني / 365: بسنده عن الفضيل بن مرزوق، عن عطيّة العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعليّ: « يا أبا الحسن، قل: اللّهمّ اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة ». فنزلت هذه الآية:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدّاً ) . قال: « لا تلقى رجلاً مؤمناً إلاّ في قلبه حبّاً لعليّ بن أبي طالب ».
الدّرّ المنثور 2 / 298: أخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) على رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم غدير خم في عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
الدّرّ المنثور 3 / 259: تفسير قوله تعالى:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) ، أخرج ابن مردويه، وابن عساكر كلاهما عن أبي سعيد الخدري قال: لمّا نصّب رسول الله عليّاً يوم غدير خمّ فنادى له بالولاية، هبط جبرائيل بهذه الآية:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ... ) .
الحافظ أبو نعيم الإصبهاني المتوفّى 430، روى في كتابه ( ما نزل من القرآن في عليّعليهالسلام ) قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن عليّ بن مخلّد (المحتسب المتوفى 357) قال: حدّثنا محمّد بن عثمان بن أبي شيبة قال: حدّثني يحيى الحماني قال: حدّثني قيس بن الربيع، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري (رحمه الله): أن النّبيصلىاللهعليهوآله دعا النّاس إلى عليّعليهالسلام في غدير خمّ، فأمر بما تحت الشّجرة من الشوك فقمّ وذلك يوم الخميس، فدعا عليّاًعليهالسلام فأخذ بضبعيه فرفعهما حتّى نظر النّاس إلى بياض إبطي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ثمّ لم يتفرّقوا حتّى نزلت هذه الآية:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) الآية.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « الله أكبر على إكمال الدّين، وإتمام النّعمة، ورضا الرّب برسالتي، وبالولاية لعليّعليهالسلام من بعدي ». ثم قال: « مَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال مَنْ والاه، وعاد مَنْ عاداه، وانصر مَنْ نصره، واخذل مَنْ خذله ».
فقال حسّان: ائذن لي يا رسول الله أن أقول في عليّعليهالسلام أبياتاً تسمعهن.
فقال: « قل على بركة الله ».
فقام حسّان فقال: يا معشر مشيخة قريش، أتبعها قولي بشهادة من رسول الله في الولاية ماضية. ثمّ قال:
يناديهم يُوم الغدير نبيُّهمْ |
بخمّ فاسمع بالرسول مناديا |
|
يقول فمَنْ مولاكمُ ووليّكم |
فقالوا ولم يبدوا هناكَ التّعاميا |
|
إلهكَ مولانا وأنت وليّنا |
ولم تَرَ مِنّا في الولاية عاصيا |
|
فقال له قم يا عليّ فإنّني |
رضيتك من بعدي إماماً وهاديا |
فمَنْ كنت مولاه فهذا وليُّه |
فكونوا له أنصارَ صدقٍ مواليا |
|
هناك دعا اللّهمّ والِ وليّه |
وكن للذي عادا عليّاً معاديا |
الحافظ ابن مردويه الإصفهاني المتوفى (410 هـ)، روى من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري: إنّها نزلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم غدير خمّ حين قال لعليّ: « مَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه ». ثمّ رواه عن أبي هريرة وفيه: إنّه اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة، يعني مرجعهصلىاللهعليهوآله من حجّة الوداع(1) .
المعجم الكبير 3 / 52: حدّثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطيّة العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن اُمّ سلمة قالت: نزلت هذه الآية في بيتي( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (الأحزاب / 33) وهي جالسة على الباب، فقلت: يا رسول الله، ألست من أهل البيت؟ قال: « أنتِ إلى خير ».
مسند أحمد 3 / 14: عن أسود بن عامر، عن أبي إسرائيل إسماعيل بن أبي إسحق الملاّئي، (3 / 7) عن أبي النّضر، عن محمّد بن أبي طلحة، عن الأعمش، (3 / 26، 3 / 59) عن أبن نمير عبد الملك بن أبي سليمان، كلّهم عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « إنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا بعدي، الثّقلين أحدهما أكبر من الآخر؛ كتاب الله حبل ممدود من السّماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عَلَيَّ الحوض ».
الدّرّ المنثور 3 / 209: وأخرج ابن حبّان، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري (رحمه الله) قال: بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآله أبا بكر (رحمه الله) يؤدّي عنه براءة، فلمّا أرسله بعث إلى عليّعليهالسلام فقال: « يا عليّ، إنّه لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو أنت ».
فحمله على ناقته العضباء، فسار حتّى لحق بأبي بكر (رحمه الله) فأخذ منه براءة، فأتى أبو بكر النّبيصلىاللهعليهوآله وقد دخله من ذلك مخافة أن يكون
____________________
(1) تفسير ابن كثير 2 / 14.
قد أنزل فيه شيء، فلمّا أتاه قال: ما لي يا رسول الله؟ قال: « خير، إنّه لا يبلّغ عنّي غيري، أو رجل منّي ».
الدّرّ المنثور 6 / 66: أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري (رحمه الله) في قوله:( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) قال: ببغضهم عليّ بن أبي طالب.
الدّرّ المنثور 6 / 66: وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود (رحمه الله) قال: ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلاّ ببغضهم عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
المعجم الكبير 6 / 221: حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي، ثنا إبراهيم بن الحسن الثعلبي، ثنا يحيى بن يعلى، عن ناصح بن عبد الله، عن سماك بن حرب(1) ، عن أبي سعيد الخدري، عن سلمان قال: قلت: يا رسول الله لكلّ نبيّ وصيّ فمَنْ وصيّك؟ فسكت عنّي، فلمّا كان بعد رآني، فقال: « يا سلمان ». فأسرعت إليه، قلت: لبّيك. قال: « تعلم مَنْ وصيّ موسى؟ ». قلت: نعم يوشع بن نون. قال: « لِمَ؟ ». قلت: لأنّه كان أعلمهم. قال: « فإنّه وصيّي، وموضع سرّي، وخير مَنْ أترك بعدي، وينجز عدتي، ويقضي ديني عليّ بن أبي طالب ».
قال أبو القاسم: قوله: « وصيّي » يعني أنّه أوصاه في أهله لا بالخلافة، وقوله: « خير مَنْ أترك بعدي » يعني من أهل بيتهصلىاللهعليهوآله .
السنن الكبرى 5 / 158: أخبرنا عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى قال: حدّثنا
____________________
(1) مشاهير علماء الأمصار: سماك بن حرب أبو المغيرة، مات في آخر ولاية هشام بن عبد الملك. طبقات خليفة: سماك بن حرب الذهلي أيضاً ابن أوس بن خالد بن نزار بن معاوية بن حارثة بن ربيعة بن عامر بن ذهل بن ثعلبة. يُكنّى: أبا المغيرة. مات في ولاية يوسف بن عمر.
قال ابن عدي في الكامل 3 / 460: أخبرنا أبو خليفة، ثنا محمّد بن عبد الله الخزاعي، ثنا حمّاد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن أنس: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعث ببراءة مع أبي بكر إلى مكّة، فلمّا بلغ ذي الحليفة بعث إليه فردّه فقال: « لا يذهب بها إلاّ رجل من أهل بيتي ». فبعث عليّاً.
قال ابن عدي: لا أعلم يرويه عن سماك غير حمّاد بن سلمة، قال ابن عدي: ولسمّاك حديث كثير مستقيم إن شاء الله كلّها، وقد حدّث عنه الأئمّة وهو من كبار تابعي الكوفيين، وأحاديثه حسان عن مَنْ روى عنه، وهو صدوق لا بأس به.
محاضر بن المورع قال: حدّثنا الأجلح ن عن حبيب أنّه سمع الضّحاك المشرقي يحدّثهم ومعهم سعيد بن جبير وميمون بن أبي شبيب، وأبو البختري وأبو صالح، وذرّ الهمداني والحسن العرني أنّه سمع أبا سعيد الخدري يروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله في قوم يخرجون من هذه الأمّة، فذكر من صلاتهم وزكاتهم وصومهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السّهم من الرّمية، لا يجاوز القرآن تراقيهم، يخرجون في فرقة من النّاس يقاتلهم أقرب النّاس إلى الحقّ.
مسند أحمد 3 / 33: حدّثنا عبد الله، حدّّثني أبي، ثنا وكيع، ثنا عكرمة بن عمّار، عن عاصم بن شميخ، عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا حلف واجتهد في اليمين قال: « لا والذي نفس أبي القاسم بيده، ليخرجنّ قوم من اُمّتي تحقّرون أعمالكم مع أعمالهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السّهم من الرمية ».
قالوا: فهل من علامة يُعرفون بها؟
قال: « فيهم رجل ذو يديه أو ثديه، محلقي رؤوسهم ».
قال أبو سعيد: فحدّثني عشرون أو بضع وعشرون من أصحاب النّبيصلىاللهعليهوآله أنّ عليّاً (رضي الله تعالى عنه) ولي قتلهم.
قال: فرأيت أبا سعيد بعد ما كبر ويداه ترتعش يقول: قتالهم أحلّ عندي من قتال عدّتهم من التّرك.
السنن الكبرى 5 / 154: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ومحمّد بن قدامة واللفظ له، عن جرير، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري قال: كنّا جلوساً ننتظر رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فخرج إلينا قد انقطع شسع نعله، فرمى بها إلى عليّ فقال: « إنّ منكم مَنْ يُقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ». فقال أبو بكر: أنا؟ قال: « لا ». قال عمر: أنا؟ قال: « لا، ولكن صاحب النعل ».
مسند أبي الجعد / 301: وبه قال: نا فضيل، عن عطية قال: أنا أبو سعيد قال: غزا رسول اللهصلىاللهعليهوآله غزاة تبوك وخلّف عليّاً في أهله، فقال بعض النّاس: ما منعه أن يخرج به إلاّ أنّه كره صحبته، فبلغ ذلك عليّاً، فذكر ذلك للنبيصلىاللهعليهوآله ،
فقال: « يابن أبي طالب، أما ترضى أن تنزل منّي بمنزلة هارون من موسى؟ ».
السنن الكبرى 5 / 149: أخبرنا عمرو بن منصور قال: حدّثنا أبو نعيم قال: حدّثنا يزيد بن مردانية، عن عبد الرّحمن بن أبي أنعم(1) ، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ».
سنن التّرمذي 5 / 663: محمّد بن فضيل، عن الأعمش، عن عطيّة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال النّبي: « إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر؛ كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما ».
سنن التّرمذي 5 / 635: حدّثنا قتيبة، حدّثنا جعفر بن سليمان، عن أبي هارون، عن أبي سعيد الخدري قال: إنا كنّا لنعرف المنافقين نحن معشر الأنصار ببغضهم عليّ بن أبي طالب. قال: هذا حديث غريب إنّما نعرفه من حديث أبي هارون، وقد تكلّم شعبة في أبي هارون.
وقد روي هذا عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، حدّثنا واصل بن عبد الأعلى، حدّثنا محمّد بن فضيل، عن عبد الله بن عبد الرّحمن أبي النصر، عن المساور الحميري، عن أمّه قالت: دخلت على اُمّ سلمة فسمعتها تقول: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « لا يحبّ عليّاً منافق، ولا يبغضه مؤمن ». قال: وفي الباب عن عليّ، وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وعبد الله بن عبد الرّحمن هو أبو نصر الوراق، وروى عنه سفيان الثوري.
ابن عساكر - تاريخ دمشق 38 / 33: بسنده عن جعفر بن سليمان قال: سمعت أبا هارون العبدي يحدّث عن أبي سعيد الخدري قال: كانت لعليّ من رسول الله دخلة لم
____________________
(1) المعجم الكبير 3 / 39: حدّثنا محمّد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا منجاب بن الحارث، ثنا عليّ بن مسهر، عن عبد الرّحمن بن زياد بن أنعم، عن معاوية بن قرة، عن أبيه قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، وأبوهما خير منهما ».
تكن لأحد من النّاس.
أحمد في الفضائل 2 / 661: حدّثنا محمّد بن هشام بن البختري، قثنا الحسين بن عبيد الله العجلي، قثنا الفضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « اُعطيت في عليّ خمساً هنّ أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها؛ أمّا واحدة فهو تكأتي بين يدي الله عزّ وجلّ حتّى يفرغ من الحساب؛ وأمّا الثّانية فلواء الحمد بيد آدمعليهالسلام ومَنْ ولد تحته؛ وأمّا الثّالثة فواقف على عقر حوضي يسقي مَنْ عرف من أمّتي؛ وأمّا الرّابعة فساتر عورتي ومسلّمي إلى ربّي عزّ وجلّ؛ وأمّا الخامسة فلست أخشى عليه أن يرجع زانياً بعد إحصان، ولا كافراً بعد إيمان ».
التّاريخ الكبير 4 / 193: سهم بن حصين الأسدي، حدّثني يوسف بن راشد، نا عليّ بن قادم الخزاعي، أنا إسرائيل، عن عبد الله بن شريك، عن سهم بن حصين الأسدي: قدمت مكّة أنا وعبد الله بن علقمة(1) . قال ابن شريك: وكان ابن علقمة سبّاباً لعليّ، فقلت: هل لك في هذا (يعني أبا سعيد الخدري).
فقلت: هل سمعت لعليّ منقبة؟ قال: نعم، فإذا حدّثتك فسل المهاجرين والأنصار وقريشاً؛ قام النّبيصلىاللهعليهوآله يوم غدير خمّ فأبلغ، فقال: « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ ادنُ يا عليّ ». فدنا، فرفع يده ورفع النّبيصلىاللهعليهوآله يده حتّى نظرت إلى بياض إبطيه، فقال: « مَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه ». سمعته أذناي.
قال ابن شريك: فقدّم عبد الله بن علقمة وسهم، فلمّا صلّينا الفجر قام ابن علقمة قال: أتوب إلى الله من سبّ عليّ. قال أبو عبد الله: وسهم مجهول ولا يدري.
شرح نهج البلاغة 4 / 110: قال ابن أبي الحديد: روى جعفر بن زياد، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: كنّا بنور إيماننا نحبّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فمَنْ
____________________
(1) الإصابة: علقمة بن خالد بن الحارث بن أبي أسيد بن رفاعة بن ثعلبة بن هوازن بن أسلم، أبو أوفى الأسلمي، مشهور بكنيته وهو والد عبد الله، له صحبة.
قال ابن مندة: كان أبو أوفى من أصحاب الشجرة.
أحبّه عرفنا أنّه منّا.
المطالب العالية بالزّوائد الثّمانية (3974): عن أبي يعلى بسنده عن أبي سعيد: كنت عند النّبي في نفر من المهاجرين والأنصار، فخرج علينا رسول الله فقال: « ألا أخبركم بخياركم؟ ». قالوا: بلى. قال: « فإنّ خياركم الموفون المطيبون... ». قالوا: مرّ عليّ بن أبي طالب فقال: « إنّ الحقّ مع ذا، إنّ الحقّ مع ذا ».
المعجم الكبير 22 / 405: حدّثنا محمّد بن حيّان المازني، ثنا كثير بن يحيى، ثنا سعيد بن عبد الكريم بن سليط وأبو عوانة، عن داود بن أبي عوف أبي الجحاف، عن عبد الرّحمن بن أبي زنّاد أنّه سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل يقول: ثنا أبو سعيد الخدري: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله دخل على فاطمة ذات يوم وعليّ نائم، وهي مضطجعة وأبنائها إلى جنبها، فاستسقى الحسن، فقام رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى لقحة فحلب لهم فأتى به، فاستيقظ الحسين فجعل يعالج أن يشرب قبله حتّى بكى.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « إنّ أخاك استسقى قبلك ». فقالت فاطمة: « كأنّ الحسن آثر عندك ». قال: « ما هو بآثر عندي منه، وإنّما هما عندي بمنزلة واحدة، وإنّي وإيّاكِ وهما وهذا النائم لفي مكان واحد يوم القيامة ».
ذخائر العقبى محبّ الدين الطبري / 25: عن أبي سعيد (رحمه الله): لمّا نزلت هذه الآية:( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) دعا رسول الله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، وقال: « اللّهمّ هؤلاء أهلي ».
تاريخ بغداد 6 / 221: إسماعيل بن محمّد بن عبد الرّحمن المدائني حدّث عن جويبر بن سعيد، روى عنه سلام بن سليمان المدائني، أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد الوكيل، حدّثنا كوهي بن الحسن الفارسي، حدّثنا أحمد بن القاسم أخو أبي الليث
الفرائضي، حدّثنا محمّد بن حبش المأموني، حدّثنا سلام بن سليمان الثقفي، حدّثنا إسماعيل بن محمّد بن عبد الرّحمن المدائني، عن جويبر، عن الضحاك، عن بن عبّاس قال: نزلت في عليّ ثلاثمئة آية.
الدّرّ المنثور 6 / 379: وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال: « قال لي رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ألم تسمع قول الله( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ؟ أنت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض، إذا جاءت الأمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين ».
الدر المنثور 3 / 389:( اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) قال: وأخرج ابن زردويه عن ابن عبّاس في قوله:( اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) قال: مع عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
شواهد التنزيل - الحسكاني 1 / 483: بسنده عن حصين(1) وابن عبّاس قال: سمعت أسماء بنت عميس تقول: سمعت رسول الله يقول: « اللّهمّ إنّي أقول كما قال أخي موسى بن عمران: اللّهمّ اجعل لي وزيراً من أهلي عليّ بن أبي طالب ».
تاريخ بغداد 5 / 15 روى الخطيب بسنده عن ابن عبّاس:( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ) بفضل الله عليّ، وبرحمته عليّ.
الدّرّ المنثور 2 / 100: وأخرج عبد الرزّاق وعبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطّبراني وابن عساكر من طريق عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عبّاس في قوله:( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً ) . قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب، كانت له أربعة دراهم؛ فأنفق بالليل درهماً، وبالنهار درهماً، وسرّاً درهماً، وعلانية درهماً.
____________________
(1) الجرح والتعديل - للرازي 3 / 198: حصين بن يزيد التغلبي أو الثعلبي، روى عن ابن مسعود وأسماء بنت عميس، روى عنه أبو اليقظان وعمران بن سليمان المرادي، سمعت أبي يقول ذلك.
شواهد التنزيل - الحسكاني 1 / 174: عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس في قول الله:( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ ) نزلت في عليّ.
الواحدي - أسباب النزول / 331: عن عطاء، عن ابن عبّاس، المحبّ الطبري في الرياض النّضرة 2 / 227 [ نزلت ] سورة هل أتى في عليّ.
الدّرّ المنثور 4 / 45: وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، والديلمي، وابن عساكر، وابن النّجار قال: لمّا نزلت( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) وضع رسول اللهصلىاللهعليهوآله يده على صدره فقال: « أنا المنذر ». وأومأ بيده إلى منكب عليّ (رضي الله عنه)، فقال: « أنت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون من بعدي ».
الدر المنثور 5 / 178: أخرج أبو الفرج الإصبهاني في كتاب الأغاني والواحدي، وابن عدي وابن مردويه، والخطيب وابن عساكر من طرق عن ابن عبّاس (رضي الله عنهما) قال: قال الوليد بن عقبة لعلي بن أبي طالب (رحمه الله): أنا أحدّ منك سناناً، وأبسط منك لساناً، وأملأ للكتيبة منك. فقال له علي (رحمه الله): « اسكت! فإنّما أنت فاسق ». فنزلت:( أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ) يعني بالمؤمن عليّاً، وبالفاسق الوليد بن عقبة بن أبي معيط.
معرفة علوم الحديث - للحاكم النيسابوري / 49: حدّثنا عليّ بن عبد الرّحمن بن عيسى الدهقان بالكوفة قال: حدّثنا الحسين بن الحكم الحبري قال: ثنا الحسن بن الحسين العرني قال: ثنا حبان بن عليّ العنزي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن بن عبّاس وفي قوله عزّ وجلّ:( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ... الْكاذِبِينَ ) (نزلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعلى نفسه، ونساءنا ونساءكم في فاطمة، وأبناءنا وأبناءكم في الحسن والحسين، والدعاء على الكاذبين نزلت في العاقب والسيد وعبد المسيح وأصحابهم).
قال الحاكم: وقد تواترت الأخبار في التفاسير عن عبد الله بن عبّاس وغيره أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أخذ يوم المباهلة بيد عليّ والحسن والحسين، وجعلوا
فاطمة وراءهم، ثمّ قال: « هؤلاء أبناؤنا وأنفسنا ونساؤنا، فهلمّوا أنفسكم وأبناءكم ونساءكم ثمّ نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ».
الدّرّ المنثور 3 / 290: أخرج ابن مردويه عن ابن عبّاس في قوله:( اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) قال: مع عليّ بن أبي طالب.
الدّرّ المنثور 6 / 203: أخرج ابن مردويه عن ابن عبّاس (رضي الله عنهما) في قوله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ ) الآية. قال: نزلت في رجل كان مع النبيصلىاللهعليهوآله بالمدينة من قريش كتب إلى أهله وعشيرته بمكة يخبرهم وينذرهم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله سائر إليهم، فأخبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله بصحيفته، فبعث عليّ بن أبي طالب (رحمه الله) فأتاه بها.
الدّرّ المنثور 6 / 244: أخرج ابن أبى حاتم بسند ضعيف عن علي قال: « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في قوله:( وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) قال: هو علي بن أبي طالب ».
الدّرّ المنثور 5 / 199: أخرج ابن مردويه عن ابن عبّاس (رضي الله عنهما) قال: شهدنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله تسعة أشهر يأتي كلّ يوم باب علي بن أبي طالب (رحمه الله) عند وقت كلّ صلاة فيقول: « السّلام عليّكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت( إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، الصّلاة رحمكم الله ». كلّ يوم خمس مرّات.
الدّرّ المنثور 5 / 220: أخرج الحاكم عن ابن أبي مليكة قال: جاء رجل من أهل الشام فسبّ عليّا (رحمه الله) عند ابن عبّاس (رضي الله عنهما)، فحصبه ابن عبّاس (رضي الله عنهما) وقال: يا عدو الله! آذيت رسول الله،( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) ، لو كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله حيّاً لآذيته.
الدّرّ المنثور 6 / 7: أخرج ابن المنذر وابن أبى حاتم، والطبراني وابن مردويه بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: لمّّا نزلت هذه الآية:( قُلْ لا
أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) قالوا: يا رسول الله، مَنْ قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودّتهم؟ قال: « علي وفاطمة وولداها ».
المستدرك 3 / 162: حدّثنا مكرم بن أحمد القاضي، ثنا أحمد بن عليّ الأبار، ثنا إسحاق بن سعيد بن أركون الدمشقي، ثنا خليد بن دعلج أبو عمرو السدوسي أظنّه عن قتادة، عن عطاء، عن بن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما) قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « النّجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمّتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس ». هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
المعجم الكبير 3 / 46: حدّثنا عليّ بن عبد العزيز، حدّثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا الحسن بن أبي جعفر، عن أبي الصهباء، عن سعيد بن جبير، عن بن عبّاس (رضي الله تعالى عنه) قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح مَنْ ركب فيها نجا، ومَنْ تخلّف عنها غرق ».
الدّرّ المنثور 3 / 180: وأخرج الحاكم وصحّحه عن ابن عبّاس (رضي الله عنهما) قال: شرى عليّ (رحمه الله) نفسه ولبس ثوب النّبيصلىاللهعليهوآله ، ثمّ نام مكانه، وكان المشركون يحسبون أنّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وكانت قريش تريد أن تقتل النّبيصلىاللهعليهوآله ، فجعلوا يرمقون عليّاً ويرونه النّبيصلىاللهعليهوآله ، وجعل عليّ (رحمه الله) يتصوّر فإذا هو علي (رحمه الله)، فقالوا: إنّك للئيم! إنّك لتتصوّر وكان صاحبك لا يتصوّرك، ولقد استنكرناه منك.
الدّرّ المنثور 3 / 210: أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة، وأحمد والترمذي، وصحّحه ابن المنذر والنحاس والحاكم، وصحّحه ابن مردويه والبيهقي في الدّلائل عن زيد بن تبيع (رحمه الله) قال: سألنا عليّاً (رحمه الله) بأيّ شيء بعثت مع أبي بكر (رحمه الله) في الحجّ؟ قال: « بعثت بأربع؛ لا يدخل الجنّة إلاّ نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مؤمن وكافر
بالمسجد الحرام بعد عامه هذا، ومَنْ كان بينه وبين رسول اللهصلىاللهعليهوآله عهد فعهده إلى مدّته، ومَنْ لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر ».
المعجم الكبير 11 / 73: حدّثنا الحسن بن علوية القطان، ثنا أحمد بن محمّد السكري، ثنا موسى بن أبي سليم البصري، ثنا مندل، ثنا الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما) قال: خرجت أنا والنّبيصلىاللهعليهوآله وعليّ (رضي الله تعالى عنه) في حشان المدينة، فمررنا بحديقة، فقال عليّ (رضي الله تعالى عنه): « ما أحسن هذه الحديقة يا رسول الله! ».
فقال: « حديقتك في الجنّة أحسن منها ». ثم أومأ بيده إلى رأسه ولحيته ثمّ بكى حتّى [ بكينا ] على بكائه. قيل: ما يبكيك؟ قال: « ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتّى يفقدوني ».
البزار في كشف الأستار 2646: عن الحسين بن عيسى، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: كان الحسين (رحمه الله) جالساً في حجر رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال جبريل: أتحبّه؟ فقال: « وكيف لا أحبّه وهو ثمرة فؤادي؟ » فقال: أما إنّ أمّتك ستقتله، لأريك من موضع قبره، فقبض قبضة فإذا هي تربة حمراء.
المجتبى من السنن 5 / 153: أخبرنا محمّد بن عليّ بن الحسين بن شقيق قال: أنبأنا أبي قال: أنبأنا أبو حمزة، عن مطرف، عن سلمة بن كهيل، عن طاوس، عن بن عبّاس قال: سمعت عمر يقول: والله إنّي لأنهاكم عن المتعة وإنّها لفي كتاب الله، ولقد فعلها رسول اللهصلىاللهعليهوآله (يعني العمرة في الحج).
صحيح مسلم 2 / 1110: وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، واللفظ لأبي بكر قالا: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد سمع عبيد بن حنين، وهو مولى العباس قال: سمعت بن عبّاس يقول: كنت أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فلبثت سنة ما أجد له موضعاً حتّى صحبته إلى مكّة، فلمّا كان بمرّ الظهران ذهب يقضي حاجته، فقال: أدركني بإداوة من ماء، فأتيته بها،
فلمّا قضى حاجته ورجع، ذهبت أصبّ عليه، وذكرت فقلت له: يا أمير المؤمنين، مَنْ المرأتان؟ فما قضيت كلامي حتّى قال: عائشة وحفصة.
سنن التّرمذي 5 / 642: حدّثنا محمّد بن حميد، حدّثنا إبراهيم بن المختار، عن شعبة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عبّاس قال: أوّل مَنْ صلّى عليّ.
قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه من حديث شعبة، عن أبي بلج إلاّ من حديث محمّد بن حميد، وأبو بلج اسمه يحيى بن سليم.
وقد اختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: أوّل مَنْ أسلم أبو بكر الصديق، وقال بعضهم: أوّل مَنْ أسلم عليّ، وقال بعض أهل العلم: أوّل مَنْ أسلم من الرّجال أبو بكر، وأسلم عليّ وهو غلام بن ثمان سنين، وأوّل مَنْ أسلم من النساء خديجة.
المستدرك 4 / 99: أخبرنا حمزة بن العباس العقبي ببغداد، ثنا العباس بن محمّد الدوري، ثنا شبابة بن سوار، ثنا ورقاء بن عمر، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما) قال: بعث النّبيصلىاللهعليهوآله إلى اليمن عليّاً، فقال: « علّمهم الشرائع، واقضِ بينهم ». قال: « لا علم لي بالقضاء ». فدفع في صدره فقال: « اللّهمّ أهده للقضاء ». هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
السنن الكبرى 5 / 112: أخبرنا محمّد بن المثنى قال: حدّثنا يحيى بن (حمّاد قال: مسند أحمد 1 / 330 المعجم الكبير 12 / 97)، حدّثنا الوضّاح، وهو أبو عوانة قال: حدّثنا يحيى قال: حدّثنا عمرو بن ميمون قال: إنّي لجالس إلى ابن عبّاس إذ أتاه تسعة رهط (فقالوا: إمّا أن تقوم معنا، وإمّا أن تخلونا يا هؤلاء)، وهو يومئذ صحيح قبل أن يُعمى قال: أنا أقوم معكم، فتحدّثوا فلا أدري ما قالوا، فجاء وهو ينفض ثوبه وهو يقول: اُفٍّ وتفٍّ، يقعون في رجل له عشر! وقعوا في رجل قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « لأبعثنّ رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، لا يخزيه الله أبداً ». فأشرف مَنْ استشرف، فقال: « أين عليّ؟ ». فقالوا: هو في الرحى يطحن، وما كان أحدكم ليطحن، فدعاه وهو أرمد ما يكاد أن يبصر، فنفث في عينيه
ثمّ هزّ الراية ثلاثاً فدفعها إليه، فجاء بصفية بنت حيي.
وبعث أبا بكر بسورة التوبة، وبعث عليّاً خلفه فأخذها منه، فقال: « لا يذهب بها إلاّ رجل هو منّي وأنا منه ».
ودعا رسول اللهصلىاللهعليهوآله الحسن والحسين وعليّاً وفاطمة، فمدّ عليهم ثوباً فقال: « اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً ».
وكان أوّل مَنْ أسلم من النّاس بعد خديجة، ولبس ثوب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ونام، فجعل المشركون يرمون كما يرمون رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهم يحسبون أنّه نبي اللهصلىاللهعليهوآله ، فجاء أبو بكر فقال: يا نبيّ الله، فقال عليّ: « إنّ نبي اللهصلىاللهعليهوآله قد ذهب نحو بئر ميمون ». فأتبعه فدخل معه الغار، وكان المشركون يرمون عليّاً حتّى أصبح.
وخرج بالناس في غزوة تبوك فقال عليّ: « أخرج معك؟ ». فقال: « لا ». فبكى، فقال: « أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّك لست بنبي. إنّه لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي ».
قال: وقال له رسول الله: « أنت وليي في كلّ مؤمن بعدي ».
وقال: « سدوا أبواب المسجد غير باب عليّ ». فكان يدخل المسجد وهو جنب وهو في طريقه ليس له طريق غيره.
وقال (فيه)صلىاللهعليهوآله : « مَنْ كنت وليّه فعليّ وليّه، مَنْ كنت مولاه فإنّ مولاه عليّ ».
قال ابن عبّاس: وقد أخبرنا الله في القرآن أنّه قد رضي عن أصحاب الشجرة، فهل حدّثنا بعد أنّه سخط عليهم(1) ؟
قال: وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعمر حين قال: ائذن لي فلأضرب عنقه - يعني حاطباً - قال: « ما يدريك لعل الله قد اطّلع على أهل بدر
____________________
(1) لا يبعد أنّ هذا المقطع ليس من كلام ابن عباس، بل هو من إضافة بعض الرواة، وتفصيل الكلام ليس هذا محله.
فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ».
السنن الكبرى 5 / 119: أخبرني محمّد بن وهب قال: حدّثنا مسكين قال: حدّثنا شعبة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن بن عبّاس، وأبو بلج هو يحيى بن أبي سليمان قال: أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله بأبواب المسجد فسدّت إلاّ باب عليّ.
المعجم الكبير 10 / 282: حدّثنا عبيد العجلي، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا حسين بن محمّد المروذي، عن سليمان بن قرم، عن محمّد بن سعيد، عن داود بن عليّ بن عبد (الله بن عبّاس)، عن أبيه، عن ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنه) قال: أتى النّبيصلىاللهعليهوآله بطير، فقال: « اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك ». فجاء عليّ، فقال: « اللّهمّ وإليّ ».
المعجم الكبير 12 / 122: حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي، ثنا عون سلام، ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك(1) ، عن ابن عبّاس في قوله:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
____________________
(1) الضعفاء العقيلي 2 / 218: الضحاك بن مزاحم خرساني، حدّثنا محمّد بن موسى قال: حدّثنا صالح بن أحمد قال: حدّثنا على بن عبد الله قال: سمعت يحيى يقول: كان شعبة ينكر أن يكون الضحاك بن مزاحم لقي بن عبّاس قط.
قال يحيى: وكان الضحاك بن مزاحم عندنا ضعيف، حدّثنا محمّد قال: حدّثنا صالح قال: سمعت يحيى قال: كان شعبة لا يحدّث عن الضحاك بن مزاحم.
حدّثنا محمّد قال: حدّثنا صالح، حدّثنا علي قال: سمعت أبا داود قال: أخبرنا شعبة قال: سمعت عبد الملك بن ميسرة يقول: الضّحاك بن مزاحم لم يلقَ ابن عبّاس، إنما لقي سعيد بن جبير فأخذ عنه التفسير.
حدّثنا محمّد قال: حدّثنا صالح قال: حدّثنا علي قال: سمعت سلم بن قتيبة قال: حدّثني شعبة قال: قلت لمشاش الضحاك: سمع من ابن عبّاس؟ قال: لا، ولا كلمة.
مشاهير علماء الأمصار 1 / 194: الضحاك بن مزاحم الهلالي أبو القاسم، وقد قيل: أبو محمّد. مولده ببلخ، وكان يقيم بمرو مدّة وببلخ زماناً، وربما أقام ببخارى وبسمرقند حيناً، وهم إخوة ثلاثة: مسلم ومحمّد والضحاك.
فأمّا الضحاك فإنّ أمّه كانت حاملاً به سنتين، وولد وله سنتان اثنتان، وكان ممّن عنى بعلم القرآن عناية شديدة مع لزوم الورع، وكان معلّم كتاب يعلّم الصبيان فلا يأخذ منهم شيئاً، إنما يحتسب في تعليمهم. مات سنة خمس ومئة، لم يسمع من ابن عبّاس ولا من أحد من الصّحابة شيئاً.
ورواية أبي إسحاق السبيعي عن الضّحاك قال: قلت لابن عبّاس: وهم، وهم فيه شريك. كيف يقول لابن عبّاس ولم يره؟ وإنّما لقي سعيد بن جبير بالرّي فأخذ عنه التفسير. الكامل في الضعفاء 4 / 94: حدّثنا محمّد بن أحمد بن حمّاد، حدّثني صالح، ثنا عليّ: سمعت يحيى يقول: كان شعبة =
الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ) قال: المحبّة في صدور المؤمنين، نزلت في عليّ بن أبي طالب (كرّم الله وجهه).
شواهد التنزيل - للحسكاني 1 / 365: بسنده عن يعقوب بن جعفر بن سليمان قال: حدّثني أبي، عن أبيه عليّ بن عبد الله، عن ابن عبّاس في قوله:( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ) قال النّبي( وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ) قال: هو عليّ بن أبي طالب.
المعجم الكبير 12 / 122: حدّثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا يوسف بن محمّد بن سابق، ثنا أبو مالك الجنبي، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عبّاس قال: لمّا عقد رسول اللهصلىاللهعليهوآله اللواء لعليّ يوم خيبر، دعا له هنيهة فقال: « اللّهمّ أعنه، وأعزّ به، وارحمه وارحم به، وانصره به. اللّهمّ والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه ».
المعجم الكبير 11 / 66: حدّثنا عبد الرّحمن بن خلاّد الدورقي، ثنا ملحان بن سليمان الدورقي، ثنا عبد الله بن داود الخريببي، ثنا الأعمش، عن مجاهد، عن بن عبّاس قال: دخل رسول اللهصلىاللهعليهوآله على عليّ وفاطمة وهما يضحكان، فلمّا رأيا النّبي سكتا، فقال لهما النّبيصلىاللهعليهوآله : « ما لكما كنتما تضحكان فلمّا رأيتماني سكتّما؟ ». فبادرت فاطمة فقالت: « بأبي أنت يا رسول الله! قال هذا: أنا أحبّ إلى رسول الله منكِ، فقلتُ: بل أنا أحبّ إلى رسول الله منكَ ». فتبسم رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقال: « يا بُنية، لك رقّة الولد، وعليٌّ أعزّ عليّ منك ».
____________________
= لا يحدّث عن الضّحاك بن مزاحم قال: وكان شعبة ينكر أن يكون الضّحاك بن مزاحم لقي بن عبّاس قط. ثنا بن حمّاد، ثنا صالح، ثنا عليّ قال: سمعت أبا داود يقول: ثنا شعبة سمعت عبد الملك بن ميسرة يقول: الضحاك بن مزاحم لم يلقَ ابن عبّاس إنّما لقي سعيد بن جبير بالرّي وأخذ عنه التفسير.
الكاشف 1 / 509: الضحاك بن مزاحم الهلالي الخراساني، عن أبي هريرة، وابن عبّاس، وابن عمر، وأنس وطاووس، وعنه عليّ بن الحكم البناني، وقرّة بن خالد، ومقاتل بن حيان. وثّقه أحمد وابن معين. قال عبد الملك بن ميسرة: قلت له: أسمعت من ابن عبّاس؟ قال: لا.
وقال شعبة: كان عندنا ضعيفاً، وأمّا أبو جناب الكلبي فروى عن الضحاك قال: جاورت ابن عبّاس سبع سنين. مات (105).
المعجم الكبير 11 / 65: حدّثنا المعمري ومحمّد بن عليّ الصائغ المكي قالا: ثنا عبد السّلام بن صالح الهروي، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمَنْ أراد العلم فليأته من بابه ».
البزار في كشف الأستار / 2525: عن محمّد بن المثنى، عن يحيى بن حمّاد، عن أبي عوانة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عبّاس: أنّ النّبي قال لعليّ: « أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ».
الرياض النضرة 2 / 166: عن ابن عبّاس أنّه مرّ بعد ما حُجب بصره بمجلس من مجالس قريش وهم يسبّون عليّاً، فقال لقائده: ما سمعت هؤلاء يقولون؟ قال: يسبّون عليّاً، فرجع إليهم وقال لهم: أيّكم السّاب الله؟ قالوا: سبحان الله! مَنْ سب الله فقد أشرك. قال: أيّكم السّاب لرسول الله؟ قالوا: سبحان الله! من سبّ رسول الله فقد كفر.
قال: فأيّكم السّاب لعليّ؟ قالوا: أمّا هذا فقد كان. قال: فأنا أشهد بالله لسمعت رسول الله يقول: « مَنْ سبّ عليّاً فقد سبّني، ومَنْ سبّني فقد سبّ الله، ومَنْ سبّ الله أكبه الله على منخره ». ثمّ تولّى عنهم... قال: أخرجه أبو عبد الله الملاّ.
المستدرك 3 / 120: حدّثني أبو عمرو محمّد بن عبد الواحد الزاهد صاحب (ثعلب إملاء ببغداد)، ثنا محمّد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا زكريا بن يحيى المصري، حدّثني المفضل بن فضالة، حدّثني سماك بن حرب، عن عكرمة، عن بن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما) قال: لعليّ أربع خصال ليست لأحد؛ هو أوّل عربيّ وأعجمي صلّى مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهو الذي كان لواؤه معه في كلّ زحف، والذي صبر معه يوم المهراس، وهو الذي غسلّه وأدخله قبره.
مسند أحمد 1 / 368: عن مقسم، عن ابن عبّاس قال: راية النّبي كانت مع عليّ. قال ابن حجر في التهذيب 3 / 475 عن مقسم، عن ابن عبّاس: كانت راية النّبي في المواطن كلّها مع عليّ.
مصنف ابن أبي شيبة 12 / 86 رقم 12190: عبد الله بن نمير، عن حجّاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عبّاس: أنّ النّبي قال لعليّ: « أنت أخي وصاحبي ».
المعجم الصغير 2 / 161: حدّثنا محمّد بن سهل بن الصباح الصفّار الإصبهاني، حدّثنا أحمد بن الفرات الرازي، حدّثنا سهل بن عبد ربّه السندي الرازي، حدّثنا عمرو بن أبي قيس، عن مطرف، عن طريف، عن المنهال بن عمرو، عن التميمي، عن ابن عبّاس قال: كنّا نتحدث أنّ النّبيصلىاللهعليهوآله عهد إلى عليّعليهالسلام سبعين عهداً لم يعهدها إلى غيره، (لم يروه عن مطرف إلاّ عمرو بن قيس، ولا عن عمرو بن سهل) تفرّد به أحمد بن الفرات، واسم التميمي أربدة.
تاريخ بغداد 4 / 218: عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الرّحمن بن بهمان قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو آخذ بضبع عليّ يوم الحديبية وهو يقول: « هذا أمير البررة، قاتل الفجرة، منصور مَنْ نصره، مخذول مَنْ خذله ». (مدّ بها صوته).
قال أبو الفتح: تفرّد به عبد الرزّاق وحده، قلت: ولم يروه عن عبد الرزّاق غير أحمد بن عبد الله هذا، وهو أنكر ما حفظ عليه، والله أعلم(1) .
تاريخ بغداد 4 / 39: أبو الأزهر أحمد بن الأزهر، وأخبرنا محمّد بن عمر بن بكير المقرئ واللفظ له، حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، حدّثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزّهري، عن عبيد الله بن عبد الله
____________________
(1) قال المحدّث أحمد بن محمّد الحسني في فتح الملك العليّ / 58: وليس كما قال الخطيب، بل تابعه عليه أحمد بن طاهر بن حرملة بن يحيى بن عبد الرزاق كما ذكره ابن عدي وابن الجوزي، ثمّ إنّه لإنكاره في تفرّد أبي جعفر السّامري عن عبد الرزاق مثل هذا الحديث؛ فإنّ عبد الرزاق كان يعلم أنّ مَنْ حدّث بفضائل عليّ يُجرح ويُبدع ويُتّهم ويُكذب، فكان لا يحدّث بها إلاّ أهلها، وقد قال في حقّه الذهبي (ميزان الاعتدال 2 / 609): إنّه كان يعرف الأمور فلا يتجاسر أن يحدّث بها. سامح الله الذهبي يسمّي التحديث بفضائل عليّ جسارة!
عن ابن عبّاس قال: نظر النّبيصلىاللهعليهوآله إلى عليعليهالسلام فقال: « أنت سيّد في الدّنيا سيّد في الآخرة، ومَنْ أحبّك فقد أحبّني، وحبيبي حبيب الله، وعدوّك عدوّي وعدوّ الله، والويل لمَنْ أبغضك من بعدي ».
قال أبو الفضل: فسمعت أبا حاتم يقول: سمعت أبا الأزهر يقول: خرجت مع عبد الرزّاق إلى قريته فكنت معه في الطريق، فقال لي: يا أبا الأزهر، أفيدك حديثاً ما حدّثت به غيرك، قال: فحدّثني بهذا الحديث: أخبرني محمّد بن أحمد بن يعقوب، أخبرنا محمّد بن نعيم الضبي قال: سمعت أبا عليّ الحسين بن عليّ الحافظ يقول: سمعت أحمد بن يحيى بن زهير التستري يقول: لمّا حدّث أبو الأزهر النيسابوري بحديثه عن عبد الرزاق في الفضائل أخبر يحيى بن معين بذلك، فبينا هو عنده في جماعة أهل الحديث إذ قال يحيى بن معين: مَنْ هذا الكذّاب النيسابوري الذي حدّث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟ فقام أبو الأزهر فقال: هو ذا أنا. فتبسّم يحيى بن معين وقال: أما إنّك لست بكذّاب (وتعجّب من سلامته) وقال: الذنب لغيرك في هذا الحديث.
قال ابن نعيم وسمعت أبا أحمد الحافظ يقول: سمعت أبا حامد الشرقي وسُئل عن حديث أبي الأزهر، عن عبد الرزاق، عن معمر في فضائل عليّ. فقال أبو حامد: هذا حديث باطل؛ والسبب فيه أنّ معمراً كان له ابن أخ رافضي، وكان معمر يمكّنه من كتبه فأدخل عليه هذا الحديث، وكان معمر رجلاً مهيباً لا يقدر عليه أحد في السؤال والمراجعة، فسمعه عبد الرزاق في كتاب ابن أخي معمر.
قال ابن نعيم: فسمعت محمّد بن حامد البزار يقول: سمعت مكي بن عبدان يقول: سمعت أبا الأزهر يقول: خرج عبد الرزاق إلى قريته فبكّرت إليه يوماً حتّى خشيت على نفسي من البكور، فوصلت إليه قبل أن يخرج لصلاة الصبح، فلمّا خرج رآني فقال: كنت البارحة ها هنا؟ قلت: لا ولكنّي خرجت في الليل، فأعجبه ذلك، فلمّا فرغ من صلاة الصبح دعاني وقرأ عليّ هذا الحديث، وخصّني به دون أصحابي.
قلت: وقد رواه محمّد بن حمدون النيسابوري، عن محمّد بن علي بن سفيان النجّار، عن عبد الرزّاق، فبرئ أبو الأزهر من عهدته إذ قد توبع على روايته، والله أعلم.
الاستيعاب 3 / 1104 بسنده عن جويبر، عن الضحاك بن مزاحم، عن عبد الله بن عبّاس قال: والله لقد أعطي عليّ بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شارككم في العشر العاشر.
الاستيعاب 3 / 40 عن طاووس، عن ابن عبّاس: كان عليّ والله قد مُلئ علماً وحلماً.
المستدرك 3 / 119 حدّثنا محمّد بن صالح بن هانئ، ثنا أحمد بن نصر، أخبرنا محمّد بن عليّ الشيباني بالكوفة، ثنا أحمد بن حازم الغفاري، وأنبأ محمّد بن عبد الله العمري، ثنا محمّد بن إسحاق، ثنا محمّد بن يحيى وأحمد بن يوسف قالوا: ثنا أبو نعيم، ثنا بن أبي غنية، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، عن بريدة الأسلمي (رضي الله تعالى عنه) قال: غزوت مع عليّ إلى اليمن، فرأيت منه جفوة فقدمت على رسول الله فذكرت عليّاً فتنقصته فرأيت وجه رسول يتغيّر فقال: « يا بُريدة، ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ ». قلت: بلى يا رسول الله. فقال: « مَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه ». وذكر الحديث. هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
الكامل في الضعفاء 4 / 228: ثنا عليّ، ثنا عبد الله، ثنا أبي، عن الأعمش، عن عباية الأسدي، عن ابن عبّاس قال: ستكون فتنة، فإن أدركها أحد منكم فعليه بخصلتين؛ كتاب الله وعليّ بن أبي طالب؛ فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول (وهو آخذ بيد عليّ): « هذا أوّل مَنْ آمن بي، وأوّل مَنْ يصافحني، وهو فاروق هذه الأمّة، يفرق بين الحقّ والباطل، وهو يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظلمة، وهو الصّديق الأكبر، وهو بابي الذي اُوتى منه، وهو خليفتي من بعدي ».
المستدرك 3 / 197: حدّثني أبو بكر محمّد بن أحمد بن بالويه، ثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله، ثنا حجّاج بن نصير، ثنا قرّة بن خالد، ثنا عامر بن عبد الواحد، عن أبي الضحى، عن ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما) قال: ما كنّا نشك وأهل البيت متوافرون أنّ الحسين بن عليّ يُقتل بالطفّ.
شواهد التنزيل - الحسكاني / 52: بسنده عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبّاس قال: ما أنزل الله آية( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلاّ وعليّ رأسها وأميرها. وفي رواية: ولقد عاتب الله أصحاب محمّد في غير مكان، وما ذكر عليّاً إلاّ بخير.
الحسكاني / 58: عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله لعليّ بن أبي طالب: « أنت الطريق الواضح، وأنت الصراط المستقيم، وأنت يعسوب المؤمنين ».
الدّرّ المنثور مجلد 3 / 210: أخرج إسحاق بن راهويه والدارمي، والنسائي وابن خزيمة، وابن حبّان وأبو الشيخ، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن جابر (رحمه الله): أنّ النّبيصلىاللهعليهوآله بعث أبا بكر على الحجّ، ثمّ أرسل عليّاً (رحمه الله) ببراءة فقرأها على النّاس في موقف الحجّ حتّى ختمها.
الدّرّ المنثور 6 / 18: أخرج ابن مردويه من طريق محمّد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن جابر بن عبد الله، عن النّبيصلىاللهعليهوآله في قوله تعالى:( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ ) الزخرف / 41 نزلت في علي بن أبي طالب أنّه ينتقم من الناكثين والقاسطين بعدي.
تفسير ابن كثير: قال جابر: وفيهم نزلت:( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ... ) قال جابر:( أنفسنا وأنفسكم ) رسول الله وعليّ بن أبي طالب، و( أَبْناءَنا ) الحسن والحسين، و( نساءنا ) فاطمة(1) .
____________________
(1) أقول: وقال في فتح القدير - للشوكاني 1 / 316. قال جابر: أنفسنا وأنفسكم رسول الله وعليّ...، ورواه الحاكم من وجه آخر عن جابر وصحّحه، وأخرج مسلم والتّرمذي، وابن المنذر والحاكم والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص قال: لمّا نزلت: ( قل تعالوا... الآية ) دعا رسول الله عليّاً وفاطمةً وحسناً وحسيناً وقال: « اللّهمّ هؤلاء أهلي ».
الدّرّ المنثور 6 / 379: وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: كنّا عند النبيصلىاللهعليهوآله فأقبل علي، فقال النبيصلىاللهعليهوآله : « والّذي نفسي بيده، إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ». ونزلت:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ، فكان أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله إذا أقبل علي قالوا: جاء خير البريّة.
أحمد بن حنبل في الفضائل 2 / 564 عن وكيع، عن الأعمش، عن عطية بن سعد العوفي قال: دخلنا على جابر بن عبد الله وقد سقط حاجباه على عينيه فسألناه عن عليّ، فقلت: أخبرني عنه، قال: فرفع حاجبيه بيده فقال: ذاك من خير البشر.
أحمد بن حنبل فضائل الصّحابة 2 / 671: حدّثنا الهيثم بن خلف، قثنا عبد الملك بن عبد ربّه أبو إسحاق الطائي، نا معاوية بن عمّار، عن أبي الزبير قال: قلت لجابر: كيف كان عليّ فيكم؟ قال: ذلك من خير البشر، ما كنّا نعرف المنافقين إلاّ ببغضهم إيّاه.
الحسكاني في شواهد التنزيل 3 / 417: بسنده عن وكيع بن الجراح، حدّثنا الأعمش، عن عطية العوفي قال: دخلنا على جابر بن عبد الله الأنصاري وقد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فقلنا: أخبرنا عن عليّ، فرفع حاجبيه بيده ثمّ قال: ذاك من خير البريّة(1) .
فضائل الصّحابة 2 / 665: حدّثنا أبو يعليّ حمزة بن داود الأبلي بالأبلة، قثنا سليمان بن الربيع النهدي الكوفي، قثنا كادح بن رحمة قال: حدّثنا مسعر، عن عطية عن جابر قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « رأيت على باب الجنّة مكتوباً لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله عليّ أخو رسول الله ».
مسند أحمد بن حنبل فضائل الصّحابة 2 / 666: حدّثنا أبو يعلى حمزة، قثنا سليمان
____________________
(1) رواه البلاذري 3 / 113 عن المدائني، عن يونس بن أرقم، عن محمّد بن عبد الله بن عطية العوفي.
ابن الربيع، قثنا كادح قال: نا الحسن بن أبي جعفر، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : (فذكر الحديث وقال في آخره): « عليّ أخي وصاحب لوائي ».
المستدرك 3 / 138: حدّثني أبو بكر محمّد بن عليّ الفقيه الإمام الشاشي القفال ببخارى، وأنا سألته حدّثني النعمان بن الهارون البلدي ببلد من أصل كتابه، ثنا أحمد بن عبد الله بن يزيد الحراني، ثنا عبد الرزاق، ثنا سفيان الثوري، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرّحمن بن عثمان التيمي قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمَنْ أراد العلم فليأت الباب ».
المستدرك 3 / 140: حدّثني أبو بكر محمّد بن عليّ الفقيه الإمام الشاشي ببخارى، ثنا النعمان بن هارون البلدي، ثنا أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن يزيد الحراني، ثنا عبد الرزاق، ثنا سفيان الثوري، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم(1) ،
____________________
(1) مشاهير الأمصار 1 / 87: عبد الله بن عثمان بن خثيم من القارة، أبو عثمان، ممّن صحب أبا الطفيل عامر بن واثلة زماناً، وكان من أهل الفضل والنسك، والفقه والحفظ. مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة. تهذيب الكمال، خت م 4 عبد الله بن عثمان بن خثيم القاري من القارة، أبو عثمان المكي حليف بني زهرة.
روى عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة بخ ت ق، وسعيد بن جبير خت 4، وسعيد بن أبي راشد ت ق، وشهر بن حوشب بخ ت ق، وطلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، وأبي الطفيل عامر بن واثلة د ت ق، وعبد الله بن سلمان الأغر، وعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة م، وعبد الله بن كثير الداري، وعبد الرّحمن بن بهمان ق، وعبد الرّحمن بن سابط ت، وعبد الرّحمن بن نافع بن لبينة الطائفي، وعبيد الله بن عياض عخ، وعثمان بن جبير ق، وعطاء بن أبي رباح خت، وعليّ الأزدي، وعمرو بن عبد الله بن عمرو بن عبد القاري، والقاسم بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن مسعود ق، ومجاهد بن جبر المكي سي، ومحمّد بن الأسود بن خلف الخزاعي، وأبي الزبير محمّد بن مسلم المكي 4، ونافع بن سرجس مولى بن سباع، ونافع مولى بن عمر ت، ووهب بن منبه، ويوسف بن ماهك المكي د ت ق، ويونس بن خباب ق، وصفية بنت شيبة د، وقيلة أمّ بني أنمار ق، ولها صحبة.
روى عنه إسماعيل بن عليّة، وإسماعيل بن عياش ت ق، وبشر بن المفضل بخ ت، وجرير بن عبد الحميد ت، وحفص بن غياث، وحمّاد بن سلمة د ق، وداود بن عبد الرّحمن العطار د س، وروح بن القاسم، وزائدة بن قدامة، وزهير بن معاوية بخ د، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن إدريس، وعبد الله بن رجاء المكي ر د ق، وعبد ربّه بن عطاء القرشي صد، وعبد =
عن عبد الرّحمن بن عثمان(1) قال: سمعت جابر بن عبد الله (رضي الله تعالى عنهما) يقول: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو آخذ بضبع عليّ بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه) وهو يقول: « هذا أمير البررة، قاتل الفجرة، منصور مَنْ نصره، مخذول مَنْ خذله ». ثمّ مدّ بها صوته. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(جامع التّرمذي 5 / 662: حدّثنا نصر بن عبد الرّحمن الكوفي. المعجم الكبير3 / 66): حدّثنا زيد بن الحسن هو الأنماطي، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حجّته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: « يا أيّها النّاس، إنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي ».
قال: وفي الباب عن أبي ذر وأبي سعيد، وزيد بن أرقم وحذيفة بن أسيد قال: وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
قال: وزيد بن الحسن قد روى عنه سعيد بن سليمان وغير واحد من أهل العلم.
قال في كنز العمال: أخرجه ابن أبي شيبة، والخطيب في المتّفق والمفترق عن جابر.
بقي بن مخلد / 1356: أبو بكر بن أبي شيبة، عن المطلب بن زياد، عن عبد الله بن محمّد
____________________
= الرّحمن بن عبد الله المسعودي، وعبد الرحيم بن سليمان خت ق، وعبد الملك بن حريج س، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ت، وعدي بن الفضل، وعليّ بن صالح المكي ت، وعليّ بن عاصم، وفضيل بن سليمان ت ق، والقاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم خت، ومحمّد بن أبي الضيف ق، ومعمر بن راشد د ت ق، والوضاح أبو عوانة، ووهيب بن خالد سي، ويحيى بن سليم الطائفي عخ م د ق، ويعليّ بن شبيب ق، قال: أحمد بن سعد بن أبي مريم، عن يحيى بن معين: ثقة، حجّة.
وقال العجلي: ثقة. وقال أبو حاتم: ما به بأس صالح الحديث. وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر ليس بالقوي. وذكره ابن حبّان في كتاب الثقات قال: عمرو بن عليّ مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة، استشهد به البخاري في الصحيح، وروى له في القراءة خلف الإمام وغيره، وروى له الباقون.
(1) (أقول: عثمان تصحيف بهمان كما في تهذيب التهذيب) عبد الرّحمن بن بهمان حجازي، روى عن جابر وعبد الرّحمن بن حسان بن ثابت. وعنه عبد الله بن عثمان بن خثيم.
قال ابن المديني: لا نعرفه، وذكره ابن حبان في الثقات. له حديث يأتي في ابن حسان. قلت: ووثقه العجلي.
ابن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: « مَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه ».
ذخائر العقبى - للمحبّ الطبري / 18: عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: « لا يحبّنا أهل البيت إلاّ مؤمن تقي، ولا يبغضنا إلاّ منافق شقي ».
المعجم الكبير 3 / 39: وحدّثنا أحمد بن عمرو القطراني، ثنا محمّد بن الطفيل، حدّثنا شريك، عن جابر، عن عبد الرّحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ».
سنن البيهقي 7 / 206: أخبرنا محمّد بن عبد الله الحافظ، أنبأ عبد الله بن محمّد بن موسى، ثنا محمّد بن أيوب، أنبأ موسى بن إسماعيل، ثنا همّام، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن جابر (رضي الله تعالى عنه) قال: قلت: إنّ ابن الزبير ينهى عن المتعة، وأنّ ابن عبّاس يأمر بها.
قال: على يدي جرى الحديث؛ تمتّعنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ومع أبي بكر (رضي الله تعالى عنه)، فلمّا ولي عمر خطب النّاس فقال: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله هذا الرسول، وإنّ هذا القرآن هذا القرآن، وإنّهما كانتا متعتان على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأنا أنهى عنهما واُعاقب عليهما؛ إحداهما متعة النساء، ولا أقدر على رجل تزوّج امرأة إلى أجل إلاّ غيّبته بالحجارة، والأخرى متعة الحجّ، أفصلوا حجكم من عمرتكم؛ فإنّه أتمّ لحجّكم وأتمّ لعمرتكم. أخرجه مسلم في الصحيح من وجه آخر عن همام.
قال الشيخ: ونحن لا نشكّ في كونها على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، لكنّا وجدناه نهى عن نكاح المتعة عام الفتح بعد الإذن فيه، ثمّ لم نجده أذن فيه بعد النهي عنه حتّى مضى لسبيلهصلىاللهعليهوآله ، فكان نهي عمر بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه) عن نكاح المتعة موافقاً لسنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله فأخذنا به.
ولم نجدهصلىاللهعليهوآله نهى عن متعة الحجّ في رواية صحيحة عنه، ووجدنا في قول عمر (رضي الله تعالى عنه) ما دلّ على أنّه أحبّ أن يفصل بين الحجّ والعمرة ليكون أتمّ لهما، فحملنا نهيه عن متعة الحجّ عن التنزيه وعلى اختيار الأفراد على غيره لا على التحريم، وبالله التوفيق.
التّرمذي 5 / 640: حدّثنا خلاّد بن أسلم أبو بكر البغدادي، حدّثنا النضر بن شميل، أخبرنا عوف الأعرابي، عن عبد الله بن عمرو بن هند الجملي قال: قال عليّ: « كنت إذا سألت رسول اللهصلىاللهعليهوآله أعطاني، وإذا سكت ابتدأني ».
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وفي الباب عن جابر وزيد بن أسلم وأبي هريرة واُمّ سلمة.
مسند أبي يعلى 4 / 118: حدّثنا أبو هشام، حدّثنا بن فضيل ( كتاب السنّة بقي بن مخلد 1321، عن وهبان بن بقية، عن خالد ) حدّثنا الأجلح، عن أبي الزبير، عن جابر: قال لمّا كان يوم الطائف ناجى رسول اللهصلىاللهعليهوآله عليّاً فأطال نجواه، فقال بعض أصحابه: لقد أطال نجوى بن عمّه، فبلغه ذلك فقال: « ما أنا انتجيته بل الله انتجاه ».
مسند أحمد بن حنبل في الفضائل 2 / 775: حدّثنا عبد الله، قثنا أبي، قثنا وكيع، عن ربيع بن سعيد، عن بن سابط قال: دخل الحسين بن عليّعليهماالسلام المسجد، فقال جابر بن عبد الله: مَنْ أحبّ أن ينظر إلى سيّد شباب الجنّة فلينظر إلى هذا، سمعته من رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
الكامل في الضعفاء 3 / 255: نا عليّ بن أحمد يعرف بابن أبي قرية، ثنا عباد بن يعقوب، أخبرنا عليّ بن هاشم، عن سليمان بن قرم، عن يزيد بن أبي زياد، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « أنا وهذا - يعني عليّاً - نجيء يوم القيامة كهاتين »، وجمع بين أصبعيه السبابتين.
المستدرك 2 / 163: أخبرني الحسين بن عليّ التميمي، حدّثنا أبو العباس أحمد بن محمّد، حدّثنا هارون بن حاتم، أنبأ عبد الرّحمن بن أبي حمّاد، حدّثني إسحاق بن يوسف، عن عبد الله بن محمّد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله (رضي الله تعالى عنه) قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول لعليّ: « يا عليّ، النّاس من شجر شتّى، وأنا وأنت من شجرة واحدة ». ثمّ قرأ رسول اللهصلىاللهعليهوآله :( وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ
صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ) . هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
مجمع الزوائد 4 / 33: عن البزار، عن عبّاد بن يعقوب، حدّثنا عليّ بن هاشم بن البريد، عن محمّد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن عبد الرّحمن، عن جابر: أنّ رسول الله قال لعليّ: « إنّ الله أمرني أن أعلّمك ولا أجفوك، وأن أدنيك ولا أقصيك ».
المطالب العالية (3977): عن أحمد بن منيع بسنده إلى جابر قال: جاء رسول الله ونحن مضطجعون في المسجد، فضربنا بعسيب كان بيده رطباً وقال: « ترقدون في المسجد؟! إنّه لا يُرقَدُ فيه ». فانجفلنا وانجفل معنا عليّ، فقال له رسول الله: « تعال يا عليّ، إنّه يحلّ لك في المسجد ما يحلّ لي. والذي نفسي بيده، إنّك لتذود عن حوضي يوم القيامة كما يُذاد البعير الضّال عن الماء بعصا من عوسج، ولكأنّي أنظر مقامك من حوضي ».
الحسكاني - شواهد التنزيل 1 / 76: بسنده عن جابر بن يزيد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: « إنّ الله جعل عليّاً وزوجته وأبناءه حجج الله على خلقه، وهم أبواب العلم في أمّتي، مَنْ اهتدى بهم هُدي إلى صراط مستقيم ».
المعجم الكبير 7 / 13: حدّثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا أبو حذيفة ح، وحدّثنا أبو خليفة، ثنا أبو الوليد الطيالسي قالا: ثنا عكرمة بن عمار(1) ، ثنا إياس بن سلمة، عن أبيه قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم خيبر: « لأعطينّ الراية اليوم رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ». قال: فبعثني إلى عليّ وهو أرمد، فجئت به أقوده، فتفل في عينه، فبرأ وأعطاه الراية.
المعجم الكبير7 / 22: المصنف لابن أبي شيبة، ومسند أبي يعلى واللفظ للأوّل: حدّثنا
____________________
(1) لسان الميزان: عكرمة بن عمّار الحنفي العجلي، أبو عمار اليمامي البصري، أحد الأئمّة، عن عطاء وطاووس، وعنه شعبة والسفيانان. قال خليفة: توفي 159 أو 169.
حفص بن عمر الرقي، ثنا قبيصة بن عقبة، ثنا سفيان، عن موسى بن عبيدة الربذي، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، عن النّبيصلىاللهعليهوآله قال: « النّجوم جعلت أماناً لأهل السّماء وإنّ أهل بيتي أمان لأمّتي ».
البخاري 3 / 1096: حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا يعقوب بن عبد الرّحمن بن محمّد بن عبد الله بن عبد القاري (مسلم 4 / 1872)، عن أبي حازم قال: أخبرني سهل (رضي الله تعالى عنه) (يعني ابن سعد) قال: قال النّبيصلىاللهعليهوآله يوم خيبر: « لأعطينّ الرّاية غداً رجلاً يفتح على يديه، يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله ».
فبات النّاس ليلتهم أيّهم يُعطي، فغدوا كلّهم يرجونه، فقال: « أين عليّ؟ ». فقيل: يشتكي عينيه. فبصق في عينيه ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه، فقال: « اُقاتلهم حتّى يكونوا مثلنا؟ ». فقال: « أنفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم، ثمّ ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم؛ فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من أن يكون لك حمر النعم ».
الفضائل 2 / 609: حدّثنا إبراهيم، قثنا أبو الوليد، قثنا شعبة، عن عمرو يعني بن مرّة قال: سمعت أبا حمزة يقول: سمعت زيد بن أرقم يقول: أوّل مَنْ صلّى مع النّبيصلىاللهعليهوآله عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
الفضائل 2 / 613: حدّثنا عليّ بن الحسين، قثنا إبراهيم بن إسماعيل، قثنا أبي، عن أبيه، عن سلمة بن كهيل، عن أبي ليلى الكندي(1) أنّه حدّثه قال: سمعت زيد بن أرقم يقول:
____________________
(1) قال ابن حجر في تقريب التهذيب: أبو ليلى الكندي مولاهم الكوفي يُقال: هو سلمة بن معاوية، وقيل: بالعكس، وقيل: سعيد بن بشر، وقيل: المعلى، ثقة من الثانية بخ د ق. تهذيب الكمال: بخ د ق أبو ليلى الكندي يُقال: مولاهم الكوفي. قيل: اسمه سلمة بن معاوية، وقيل: معاوية بن سلمة. وقال أبو حاتم عن =
ونحن ننتظر جنازة فسأله رجل من القوم، فقال أبا عامر: أسمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول يوم غدير خم لعليّ: « مَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه »؟ قال: نعم. قال أبو ليلى: فقلت لزيد بن أرقم: قالها رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ قال: نعم. (قلت: قد قالها له أربع مرات)، فقال: نعم.
المعجم الكبير 5 / 171: حدّثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا كامل أبو العلاء قال: سمعت حبيب بن أبي ثابت يحدّث عن يحيى بن جعدة(1) عن زيد بن أرقم قال: خرجنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتّى انتهينا إلى غدير خم، أمر بدوح فكسح،
____________________
= زكريا بن عدي: اسمه سعيد بن أشرف بن سنان، وقيل: عن أبي سعيد الأشج اسمه المعلّى.
روى عن حجر بن عدي بن الأدبر، وحريز، أو أبي حريز، وله صحبة، وخباب بن الأرت ق، وسويد بن غفلة د ق، وسلمان الفارسي بخ، وعثمان بن عفّان، واُمّ سلمة زوج النّبيصلىاللهعليهوآله .
روى عنه عبد الملك بن أبي سليمان، وعثمان بن أبي زرعة الثقفي د ق، وأبو إسحاق السبيعي ق، وأبو جعفر الفرّاء بخ. قال أحمد بن سعد بن أبي مريم عن يحيى بن معين: ثقة مشهور. وفرّق الحاكم أبو أحمد بين أبي ليلى الكندي سلمة بن معاوية.
ويُقال: معاوية بن سلمة روى عن سلمان، وروى عنه أبو إسحاق، وبين أبي ليلى الكندي روى عن سويد بن غفلة، وروى عنه عثمان بن أبي زرعة. وذكر الراوي عن سويد بن غفلة فيمَنْ لم يقف على اسمه، وقال: ضعّفه يحيى بن معين، وقال: حدّثني عليّ بن محمّد بن سختويه قال: سمعت محمّد بن عثمان بن أبي شيبة قال: سمعت يحيى - يعني بن معين - وسُئل عن أبي ليلى الكندي فقال: كان ضعيفاً، روى له البخاري في الأدب، وأبو داود وابن ماجة.
قال ابن حجر في التهذيب: قلت: وقال العجلي: أبو ليلى الكندي كوفي تابعي ثقة.
(1) تهذيب الكمال: د تم س ق يحيى بن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، وأمّ هانئ بنت أبي طالب أخت عليّ بن أبي طالب جدّته أمّ أبيه.
روى عن خباب بن الأرت، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن عمرو بن عبد القاري س ق، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرّحمن بن عبد القارئ، وكعب بن عجرة، وأبي الدرداء، وأبي هريرة د، وجدّته أمّ هانئ بنت أبي طالب تم س ق.
روى عنه ثوير بن أبي فاختة، وحبيب بن أبي ثابت، وعليّ بن زيد بن جدعان، وعمرو بن دينار مد س ق، ومجاهد بن جبر المكي، ومحمّد بن الحارث بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي، وأبو العلاء هلال بن خباب تم س ق، وأبو الزبير المكي د.
قال أبو حاتم والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، روى له أبو داود والتّرمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة.
في يوم ما أتى علينا يوم كان أشدّ حرّاً منه، فحمد الله وأثنى عليه وقال: « يا أيّها النّاس، إنّه لم يبعث نبيّ قط إلاّ عاش نصف ما عاش الذي كان قبله، وإنّي أوشك أن اُدعى فاُجيب، وإنّي تارك فيكم ما لن تضلّوا بعده كتاب الله ». ثمّ قام وأخذ بيد عليّ (رضي الله تعالى عنه) فقال: « يا أيّها النّاس، مَنْ أولى بكم من أنفسكم؟ » قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: « مَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه ».
أقول: لم يذكر الرّاوي قول النّبي (وعترتي بعد قوله وكتاب الله) على سبيل الإشارة للحديث؛ إذ لم يكن بصدد ذكر تمام الرّواية، وهذا ديدن لأهل الرّواية معروف.
المستدرك 3 / 135: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر البزاز ببغداد، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا محمّد بن جعفر، ثنا عوف (عن السنن الكبرى 5 / 118، فضائل الصّحابة 2 / 581) ميمون أبي عبد الله، عن زيد بن أرقم قال: كانت لنفر من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله أبواب شارعة في المسجد، فقال يوماً: « سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب عليّ ».
قال: فتكلّم في ذلك النّاس. فقام رسول اللهصلىاللهعليهوآله فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: « أمّا بعد، فإنّي أُمرت بسد هذه الأبواب غير باب عليّ، فقال فيه قائلكم، والله ما سددت شيئاً ولا فتحته، ولكن أُمرت بشيء فاتّبعته ». هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
المعجم الكبير 5 / 186: حدّثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، ثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن عليّ بن ربيعة قال: لقيت زيد بن أرقم داخلاً على المختار أو خارجاً(1) ، قال: قلت: حديثاً بلغني عنك سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « إنّي تارك فيكم الثّقلين؛ كتاب الله وعترتي »؟ قال: نعم.
المعجم الكبير 5 / 166: حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي، ثنا جعفر بن حميد ح، حدّثنا محمّد بن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا النضر بن سعيد أبو صهيب قالا: ثنا عبد الله بن
____________________
(1) المعرفة والتاريخ، مسند أحمد 4 / 371، مشكل الآثار 4 / 368، ينابيع المودة 1 / 368.
بكير، عن حكيم بن جبير، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم قال: نزل النّبيصلىاللهعليهوآله يوم الجحفة، ثمّ أقبل على النّاس فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: « إنّي لا أجد لنبي إلاّ نصف عمر الذي قبله، وإنّي اُوشك أن أُدعى فأُجيب، فما أنتم قائلون؟ ». قالوا: نصحت.
قال: « أليس تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ الجنّة حقّ، والنّار حقّ، وأنّ البعث بعد الموت حقّ؟ ». قالوا: نشهد.
قال: فرفع يديه فوضعهما على صدره ثمّ قال: « وأنا أشهد معكم ». ثمّ قال: « ألا تسمعون؟ ». قالوا: نعم. قال: « فإنّي فرطكم على الحوض، وأنتم واردون عليّ الحوض، وإنّ عرضه أبعد ما بين صنعاء وبُصرى، فيه أقداح عدد النجوم من فضة، فانظروا كيف تخلفوني في الثّقلين ».
فنادى مناد: وما الثقلان يا رسول الله؟ قال: « كتاب الله طرف بيد الله عزّ وجلّ وطرف بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلّوا، والآخر عترتي، وإنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض، وسألت ذلك لهما ربّي؛ فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم ».
ثمّ أخذ بيد عليّ (رضي الله تعالى عنه) فقال: « مَنْ كنت أولى به من نفسي فعليّ وليه، اللّهمّ والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه ».
المعجم الكبير 5 / 175: حدّثنا أبو حصين القاضي، ثنا يحيى الحماني، ثنا أبو إسرائيل الملائي، عن الحكم، عن أبي سلمان المؤذّن(1) ، عن زيد بن أرقم قال: نشد عليّ النّاس: « أنشد
____________________
(1) تهذيب الكمال 33 / 368 أبو سلمان المؤذّن مؤذّن الحجّاج اسمه يزيد بن عبد الله، يروي عن زيد بن أرقم، ويروي عنه الحكم بن عتيبة، وعثمان بن المغيرة الثقفي، ومسعر بن كدام.
ومن عوالي حديثه ما أخبرنا به أبو الحسن بن البخاري، وأحمد بن شيبان، وإسماعيل ابن العسقلاني، وفاطمة بنت عليّ بن القاسم ابن الحافظ أبي القاسم بن عساكر، وزينب بنت مكي، قالوا: أخبرنا أبو حفص بن طبرزد قال: أخبرنا أبو القاسم بن الحصين قال: أخبرنا أبو طالب بن غيلان قال: أخبرنا أبو بكر الشافعي قال: حدّثنا محمّد بن سليمان بن الحارث قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى قال: حدّثنا أبو إسرائيل الملائي، عن الحكم، عن أبي سلمان المؤذّن، عن زيد بن أرقم: أنّ عليّاً أنشد النّاس: « مَنْ سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: مَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه؟ ». فقام ستة عشر رجلاً فشهدوا بذلك وكنت فيهم، ذكرناه للتمييز بينهما.
أقول: لم يذكر المزّي بقيّة الرواية، وهي قول زيد: وكنت أنا فيمَنْ كتم فذهب بصري.
الله رجلاً سمع النّبيصلىاللهعليهوآله يقول: مَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه ». فقام اثنا عشر بدريّاً فشهدوا بذلك. قال زيد: وكنت أنا فيمَنْ كتم فذهب بصري.
المعجم الكبير5 / 174: حدّثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا العلاء بن صالح، ثنا أبو سلمان المؤذّن أنّه صلّى مع زيد بن أرقم على جنازة فكبّر عليها خمس تكبيرات، فقلت: أوهمت أم عمداً؟ فقال: بل عمداً، إنّ النّبيصلىاللهعليهوآله كان يصلّيها.
أقول: كان ذلك أيام المختار، وذلك لمّا ذكروا أنّ أبا سلمان هذا هو مؤذّن الحجّاج.
المعجم الكبير 5 / 168: حدّثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى قال: صلّيت خلف زيد بن أرقم على جنازة فكبّر عليها أربعاً، ثمّ صلّيت خلّفه على أخرى فكبّر عليه خمساً، فسألته، فقال: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يكبّرها.
أقول: كان يصلي أربعاً أيّام زياد وغيره، وصلاّها خمساً أيّام المختار.
المعجم الكبير 3 / 40: حدّثنا محمّد بن راشد، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا حسين بن محمّد، ثنا سليمان بن قرم، عن أبي الجحاف، عن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن صبيح مولى اُمّ سلمة (رضي الله تعالى عنها)، عن جدّه، عن زيد بن أرقم قال: مرّ النّبيصلىاللهعليهوآله على بيت فيه فاطمة وعليّ والحسن والحسين (رضي الله تعالى عنهم) فقال: « أنا حرب لمَنْ حاربتم، وسلم لمَنْ سالمتم ».
التّرمذي 5 / 699: حدّثنا سليمان بن عبد الجبار البغدادي، حدّثنا عليّ بن قادم، حدّثنا أسباط بن نصر الهمداني، عن السدي، عن صبيح مولى اُمّ سلمة، عن زيد بن أرقم: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لعليّ وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام : « أنا حرب لمَنْ حاربتم، وسلم لمَنْ سالمتم ».
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، إنّما نعرفه من هذا الوجه، وصبيح مولى اُمّ سلمة
ليس بمعروف.
أقول: روى مسند أحمد 2 / 442 حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا تليد بن سليمان قال: ثنا أبو الحجاف، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: نظر النّبيصلىاللهعليهوآله إلى عليّ والحسن والحسين وفاطمة فقال: « أنا حرب لمَنْ حاربكم، وسلم لمَنْ سالمكم ».
شرح نهج البلاغة 3 / 207: وروى ابن ديزيل، عن يحيى، عن يعلى بن عبيد الحنفي، عن إسماعيل السدي، عن زيد بن أرقم قال: كنّا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله في الحجرة يوحى إليه، ونحن ننتظره حتّى اشتدّ الحرّ، فجاء علي بن أبي طالب ومعه فاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام ، فقعدوا في ظلّ حائط ينتظرونه، فلمّا خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله رآهم، فأتاهم ووقفنا نحن مكاننا، ثمّ جاء إلينا وهو يظلّهم بثوبه ممسكاً بطرف الثوب وعلي ممسك بطرفه الآخر، وهو يقول: « اللّهمّ إنّي أحبّهم فأحبّهم، اللّهمّ إنّي سلم لمَنْ سالمهم، وحرب لمَنْ حاربهم ». قال: فقال: ذلك ثلاث مرّات.
المستدرك 3 / 139: حدّثنا بكر بن محمّد الصيرفي بمرو، ثنا إسحاق، ثنا القاسم بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن يعلى الأسلمي، ثنا (تاريخ دمشق 42 / 242 بسنده عن) عمّار بن زريق، عن أبي إسحاق (المعجم الكبير 5 / 194)، عن زياد بن مطرف، عن زيد بن أرقم (رضي الله تعالى عنه) قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « مَنْ يريد أن يحيا حياتي، ويموت موتي، ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي، فليتولَّ عليّ بن أبي طالب؛ فإنّه لن يخرجكم من هدى، ولن يدخلكم في ضلالة ». هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
الطبقات الكبرى 3 / 23: روح بن عبادة قال: أخبرنا عون، عن ميمون، عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم قالا: لمّا كان عند غزوة جيش العسرة، وهي تبوك، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعليّ بن أبي طالب: « إنّه لا بدّ من أن اُقيم أو تقيم ».
فخلفه، فلمّا فصل رسول اللهصلىاللهعليهوآله غازياً قال ناس: ما خلّف عليّاً إلاّ لشيء كرهه منه، فبلغ ذلك عليّاً، فاتبع رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتّى انتهى إليه فقال له: « ما جاء بك يا
عليّ؟ ». قال: « لا يا رسول الله، إلاّ أنّي سمعت ناساً يزعمون أنّك إنّما خلّفتني لشيء كرهته منّي ». فتضاحك رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقال: « يا عليّ، أما ترضى أن تكون منّي كهارون من موسى غير أنّك لست بنبي؟ ». قال: « بلى يا رسول الله ». قال: « فإنّه كذلك ».
الفضائل 2 / 645: حدّثنا الفضل بن الحباب، قثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، نا سفيان، قثنا الأجلح بن عبد الله الكندي، عن الشعبي، عن عبد الله بن الخليل، عن زيد بن أرقم قال: أتى عليّ باليمن بثلاثة نفر وقعوا على جارية في طهر واحد فولدت ولداً فادعوه، فقال عليّ لأحدهم: « تطيب به نفساً لهذا؟ ».
قال: لا. وقال لآخر: « تطيب به نفساً لهذا؟ ». قال: لا. وقال للآخر: « تطيب به نفساً لهذا؟ ». قال: لا. فقال: « أراكم شركاء متشاكسون، إنّي مقرع بينكم، فأيّكم أصابته القرعة أغرمته ثلثي القيمة وألزمته الولد ». فذكروا ذلك للنبيصلىاللهعليهوآله فقال: « ما أجد فيها إلاّ ما قال عليّ ».
الفضائل 2 / 664: حدّثنا الحسن، قثنا الحسن بن عليّ بن راشد، نا شريك، قثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « مَنْ أحبّ أن يستمسك بالقضيب الأحمر الذي غرسه الله عزّ وجلّ في جنّة عدن بيمينه فليتمسك بحبّ عليّ بن أبي طالب ».
مسند أحمد 4 / 281: حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عفّان، ثنا حمّاد بن سلمة، أنا عليّ بن زيد عن عدي بن ثابت، عن البرّاء بن عازب قال: كنّا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله في سفر، فنزلنا بغدير خم، فنودي فينا الصلاة جامعة، وكسح لرسول اللهصلىاللهعليهوآله تحت شجرتين، فصلّى الظهر وأخذ بيد عليّ (رضي الله تعالى عنه) فقال: « ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ ».
قالوا: بلى. قال: « ألستم تعلمون أنّي أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟ ». قالوا: بلى. قال: فأخذ بيد علي فقال: « مَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه اللّهمّ
والِ مَنْ ولاه، وعادِ مَنْ عاداه ». قال: فلقيه عمر بعد ذلك فقال له: هنيئاً يابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة.
سنن البيهقي 2 / 369: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن يحيى المزكي، أنبأ أبو عبد الله أحمد بن على الجوزجاني، ثنا أبو عبيدة بن أبي السفر ح، وأخبرنا أبو عمرو الأديب، أنبأ أبو بكر الإسماعيلي، أخبرني عبد الله بن زيدان ومحمّد بن إبراهيم بن محمّد بن خالد أبو جعفر القماط الكوفيان قالا: ثنا أبو عبيدة بن أبي السفر.
قال: سمعت إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البرّاء قال: بعث النّبيصلىاللهعليهوآله خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، ثمّ إنّ النّبيصلىاللهعليهوآله بعث عليّ بن أبي طالب وأمره أن يقفل خالداً ومَنْ كان معه، إلاّ رجلاً ممّن كان مع خالد أحبّ أن يعقب مع عليّ (رضي الله تعالى عنه) فليعقب معه.
قال البرّاء: فكنت ممّن عقب معه، فلمّا دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلّى بنا عليّ (رضي الله تعالى عنه) وصفّنا صفّاً واحداً، ثم تقدم بين أيدينا فقرأ عليهم كتاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فأسلمت همدان جميعاً، فكتب عليّ (رضي الله تعالى عنه) إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بإسلامهم، فلمّا قرأ رسول اللهصلىاللهعليهوآله الكتاب خرّ ساجداً، ثم رفع رأسه فقال: « السّلام على همدان، السّلام على همدان ».
أخرج البخاري صدر هذا الحديث عن أحمد بن عثمان، عن شريح بن مسلمة، عن إبراهيم بن يوسف، فلم يسبقه بتمامه، وسجود الشكر في تمام الحديث، صحيح على شرطه.
سنن التّرمذي 5 / 635: حدّثنا سفيان بن وكيع، حدّثنا أبي، عن إسرائيل، وحدّثنا محمّد بن إسماعيل، حدّثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البرّاء بن عازب أنّ النّبيصلىاللهعليهوآله قال لعليّ بن أبي طالب: « أنت منّي وأنا منك ». وفي الحديث قصّة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.
قال ابن كثير في التفسير 1 / 372: وقد روي عن البرّاء نحو ذلك ( أي نزول آية
المباهلة في النّبيصلىاللهعليهوآله وعليّ والحسن والحسين وفاطمةعليهمالسلام ).
الطبقات الكبرى 3 / 23: روح بن عبادة قال: أخبرنا عون، عن ميمون، عن البرّاء بن عازب وزيد بن أرقم قالا: لمّا كان عند غزوة جيش العسرة (وهي تبوك) قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعليّ بن أبي طالب: « إنّه لا بدّ من أن أقيم أو تقيم ». فخلّفه.
فلمّا فصل رسول اللهصلىاللهعليهوآله غازياً قال ناس: ما خلّف عليّاً إلاّ لشيء كرهه منه. فبلغ ذلك عليّاً، فأتبع رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتّى انتهى إليه، فقال له: « ما جاء بك يا عليّ؟ ». قال: « لا يا رسول الله، إلاّ أنّي سمعت ناساً يزعمون أنّك إنّما خلّفتني لشيء كرهته منّي ». فتضاحك رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقال: « يا عليّ، أما ترضى أن تكون منّي كهارون من موسى غير أنّك لست بنبي؟ ». قال: « بلى يا رسول الله ». قال: « فإنّه كذلك ».
الحسكاني / 360: بسنده عن حمزة الزيّات، عن أبي إسحاق السبيعي، عن البرّاء بن عازب قال: قال رسول الله لعليّ: « يا عليّ، قل: اللّهمّ اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة ». فأنزل الله:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ) قال: نزلت في عليّ.
تاريخ دمشق، الحسكاني / 420: عن زكريا بن ميسرة، عن أبي إسحاق، عن البرّاء قال: لمّا نزلت:( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَْقْرَبِينَ ) جمع رسول الله بني عبد المطلّب...: « مَنْ يؤاخيني منكم ويؤازرني ويكون وليّي ووصيّي من بعدي، وخليفتي في أهلي، ويقضي ديني؟ ».
ابن عساكر في تاريخ دمشق عن أبي الطفيل عنه، وابن كثير في البداية والنهاية 5 / 209 و7 / 348 قال: وقد رواه معروف بن خربوذ، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد قال: لمّا قفل رسول اللهصلىاللهعليهوآله من حجّة الوداع نهى أصحابه عن
شجرات بالبطحاء متقاربات أن ينزلوا حولهن، ثمّ بعث إليهنّ فصلّى تحتهنّ، ثمّ قام فقال: « أيّها النّاس، قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لم يعمّر نبيّ إلاّ مثل نصف عمر الذي قبله، وإنّي لأظنّ أن يوشك أن أُدعى فأُجيب، وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟ ». قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت ونصحت وجهدت، فجزاك الله خيراً.
قال: « ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ جنّته حقّ، وأنّ ناره حقّ، وأنّ الموت حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث مَنْ في القبور؟ ». قالوا: بلى نشهد بذلك. قال: « اللّهمّ اشهد ».
ثمّ قال: « يا أيّها النّاس، إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم؛ مَنْ كنت مولاه فهذا مولاه، اللّهمّ والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه ».
ثمّ قال: « أيّها النّاس، إنّي فرطكم، وإنّكم واردون عليّ الحوض؛ حوض أعرض ممّا بين بُصرى وصنعاء، فيه آنية عدد النّجوم، قدحان من فضّة، وإنّي سائلكم حين تردون عليّ عن الثّقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟ الثقل الأكبر كتاب الله سبب طرفه بيد الله وطرف بأيديكم، فاستمسكوا به لا تضلّوا ولا تبدّلوا، والثّقل الأصغر عترتي أهل بيتي؛ فإنّه قد نبّأني اللّطيف الخبير أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ». رواه ابن عساكر بطوله من طريق معروف.
مسند أحمد 4 / 370: حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا حسين بن محمّد وأبو نعيم المعنى قالا: ثنا فطر عن أبي الطفيل قال: جمع عليّ (رضي الله تعالى عنه) النّاس في الرحبة ثم قال لهم: « أنشد الله كلّ امرئ مسلم سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام ». فقام ثلاثون من النّاس.
وقال أبو نعيم: فقام ناس كثير، فشهدوا حين أخذه بيده، فقال للناس: « أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ ». قالوا: نعم يا رسول الله. قال: « مَنْ كنت مولاه فهذا مولاه، اللّهمّ والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه ».
قال: فخرجت وكأنّ في نفسي شيئاً، فلقيت زيد بن أرقم فقلت له: إنّي سمعت عليّاً (رضي الله تعالى عنه) يقول كذا وكذا! قال: فما تنكر؟ قد سمعت رسول الله (صلى الله عليه آله) يقول ذلك له.
المعجم الكبير 3 / 67: حدّثنا محمّد بن الفضل السقطي، ثنا سعيد بن سليمان، وحدّثنا
محمّد بن عبد الله الحضرمي وزكريّا بن يحيى السّاجي قالا: ثنا نصر بن عبد الرّحمن الوشاء، ثنا زيد بن الحسن الأنماطي، ثنا معروف بن خربوذ(1) ، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد الغفاري: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: « أيّها النّاس، إنّي فرط لكم، [وإنّكم] واردون عليّ الحوض؛ حوض أعرض ما بين صنعاء وبُصرى، فيه عدد النجوم قدحان من فضة، وإنّي سائلكم حين تردون عليّ عن الثّقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟ السبب الأكبر كتاب الله عزّ وجلّ سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به ولا تضلّوا ولا تبدلّوا، وعترتي أهل بيتي؛ فإنّه قد نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن ينقضيا حتّى يردا عليّ الحوض ».
المعجم الكبير 23 / 380: حدّثنا يحيى بن عبد الباقي الأذني، ثنا محمّد بن عوف الحمصي، ثنا أبو جابر محمّد بن عبد الملك، ثنا الحكم بن محمّد شيخ مكي، عن فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل قال: سمعت اُمّ سلمة تقول: أشهد أنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « مَنْ أحبّ عليّاً فقد أحبّني، ومَنْ أحبّني فقد أحبّ الله، ومَنْ أبغض عليّاً فقد أبغضني، ومَنْ أبغضني فقد أبغض الله ».
شرح نهج البلاغة 4 / 83: روى عبد الكريم بن هلال، عن أسلم المكي، عن أبي الطفيل قال: سمعت عليّاًعليهالسلام وهو يقول: « لو ضربت خياشيم المؤمن بالسيف ما أبغضني، ولو نثرت على المنافق ذهباً وفضة ما أحبّني؛ إنّ الله أخذ ميثاق المؤمنين بحبّي، وميثاق المنافقين ببغضي، فلا يبغضني مؤمن ولا يحبّني منافق أبداً ».
وفي رواية الأزرقي في تاريخ مكّة 1 / 18: عن وهب بن عبد الله، عن أبي الطفيل قال: شهدت عليّ بن أبي طالب وهو يخطب على المنبر، وهو يقول: « سلوني، فوالله لا تسألوني عن
____________________
(1) قال العقيلي في الضعفاء 4 / 220: حدّثنا محمّد بن إسماعيل قال: حدّثنا الحسن بن عليّ قال: سمعت أبا عاصم قال: معروف بن خربوذ شيعياً يحبّ عليّاً، وكان شيخاً قديماً، وكان أبو جعفر يطلبه، وهذا من قوله: ما أنا إلاّ بين حاذف وقاذف، وبين ستوق وبين زائف.
وفي الكاشف 2 / 280: معروف بن خربوذ المكي عن أبي الطفيل والباقر، وعنه أبو داود وأبو عاصم وعدّة. ضعفه ابن معين وقوّاه غيره. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه خ م د ق.
شيء يكون إلى يوم القيامة إلاّ أخبرتكم به، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما منه آية إلاّ وأنا أعلم بليل نزلت أم بنهار، أم بسهل أم بجبل ».
تفسير ابن جرير الطبري 26 / 117: روى بسنده عن أبي الطفيل قال: سمعت عليّاً يقول: « لا تسألوني عن كتاب ناطق، ولا سنة ماضية إلاّ حدّثتكم ».
وفي رواية أبي الصهباء: « لا يسألني أحد عن آية من كتاب الله إلاّ أخبرته ». فقام ابن الكوّاء فسأله عن( وَالذَّارِياتِ ذَرْواً ) ، قال: « الرياح ».
الكامل في الضعفاء ابن عدي 2 / 436: ثنا محمّد بن عليّ بن مهدي، ثنا الحسن بن سعد بن عثمان، ثنا أبو مريم - يعني عبد الغفار بن القاسم -، ثنا حمران بن أعين(1) ، ثنا أبو الطفيل عامر بن واثلة قال: خطب عليّ بن أبي طالب في عامّة فقال: « يا أيّها النّاس، إنّ العلم ليقبض قبضاً سريعاً، وإنّي أوشك أن تفقدوني فسلوني، فلن تسألوني عن آية من كتاب الله إلاّ نبّأتكم بها، وفيما أنزلت، وإنّكم لن تجدوا واحداً من بعدي يحدّثكم ».
شرح نهج البلاغة 4 / 104: روى جابر عن أبي الطفيل قال: سمعت عليّاًعليهالسلام يقول: « اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش؛ فإنّهم قطعوا رحمي، وغصبوني حقّي، وأجمعوا على منازعتي أمراً كنت أولى به، ثمّ قالوا: إنّ من الحقّ أن نأخذه، ومن الحقّ أن تتركه ».
المطالب العالية (4004): أبو الطفيل إنّه رأى أبا ذرّ قائماً على الباب وهو ينادي: يأيّها النّاس، أتعرفوني؟ مَنْ عرفني فقد عرفني، ومَنْ لم يعرفني فأنا جندب صاحب رسول الله، أبو ذر الغفاري، سمعت يقول: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، مَن ركبها نجا، ومَنْ تخلّف عنها غرق، وإنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة بني إسرائيل ».
____________________
(1) الكامل في الضعفاء 2 / 436: حمران بن أعين كوفي، مولى لبني شيبان، حدّثنا محمّد بن عليّ، ثنا عثمان بن سعيد سألت يحيى عن حمران بن أعين كيف هو؟ قال: ضعيف. ثنا ابن حمّاد وابن أبي بكر عن ابن عباس قال: سمعت يحيى يقول: حمران بن أعين ليس بشيء. وحمران هذا له غير ما ذكرنا من الحديث، وليس بالكثير، ولم أرَ له حديثاً منكراً جدّاً فيسقط من أجله، وهو غريب الحديث ممّن يكتب حديثه.
شواهد التنزيل 1 / 39: بسنده عن جابر، عن أبي الطفيل، عن أنس قال: قال النّبي: « عليّ [يعلّم] النّاس بعدي من تأويل القرآن ما لا يعلمون ».
المعجم الكبير 3 / 125: حدّثنا أبو مسلم الكشي، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حمّاد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، عن أنس بن مالك قال: لمّا أتي برأس الحسين بن عليّ إلى عبيد الله بن زياد جعل ينكت بقضيب في يده ويقول: إن كان لحسن الثغر! فقلت: والله لأسوءنّك، لقد رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقبل موضع قضيبك من فيه.
التّرمذي 5 / 352: حدّثنا عبد بن حميد، حدّثنا عفّان بن مسلم، حدّثنا حمّاد بن سلمة، أخبرنا عليّ بن زيد(1) ، عن أنس بن مالك: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يمرّ بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر، يقول: « الصلاة يا أهل البيت،إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ».
قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، إنّما نعرفه من حديث حمّاد بن سلمة. قال: وفي الباب عن أبي الحمراء ومعقل بن يسار واُمّ سلمة.
التّرمذي 5 / 275: حدّثنا محمّد بن بشار، حدّثنا عفّان بن مسلم وعبد الصمد بن عبد الوارث قالا: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن أنس بن مالك قال: بعث النّبيصلىاللهعليهوآله ببراءة مع أبي بكر، ثمّ دعاه فقال: « لا ينبغي لأحد أن يبلّغ هذا إلاّ
____________________
(1) عليّ بن زيد بن جدعان، الإمام أبو الحسن التيمي القرشي البصري الأعمى، عالم البصرة، عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب، وأبي عثمان النهدي وعروة بن الزبير وخلق. وعنه قتادة وشعبة، والسفيانان والحمّادان، وعبد الوارث وإسماعيل بن عليّة. ولد أعمى، وهو من أوعية العلم، وفيه تشيّع.
قال أبو زرعة وأبو حاتم: ليس بقوي. وقال أحمد ويحيى: ضعيف. وقال التّرمذي: صدوق، ربما رفع الموقوف. قال منصور بن زاذان: قلنا لعليّ بن زيد: لمّا مات الحسن أجلس موضعه. قلت: لم يحتج به الشيخان لكن قرنه مسلم بغيره، ومات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل: سنة إحدى وثلاثين ومئة (رحمه الله تعالى) (تذكرة الحفاظ 1 / 140).
رجل من أهلي ». فدعا عليّا فأعطاه إيّاه. قال: هذا حديث حسن غريب من حديث أنس بن مالك.
التّرمذي 5 / 636: حدّثنا سفيان بن وكيع، حدّثنا عبيد الله بن موسى، عن عيسى بن عمر، عن السدي، عن أنس بن مالك قال: كان عند النّبيصلىاللهعليهوآله طير، فقال: « اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير ». فجاء عليّ فأكل معه.
قال أبو عيسى هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث السدي إلاّ من هذا الوجه، وقد روي من غير وجه عن أنس وعيسى بن عمر هو كوفي، والسدي إسماعيل بن عبد الرّحمن وسمع من أنس بن مالك، ورأى الحسين بن عليّ. وثقه شعبة وسفيان الثوري وزائدة، ووثقه يحيى بن سعيد القطان.
المستدرك على الصحيحين 3 / 141: حدّثني أبوعليّ الحافظ، أنبأ أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن أيوب الصفّار، وحميد بن يونس بن يعقوب الزيات قالا: ثنا محمّد بن أحمد بن عياض بن أبي طيبة، ثنا أبي، ثنا يحيى بن حسان، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك (رضي الله تعالى عنه) قال: كنت أخدم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقدّم لرسول الله فرخ مشوي، فقال: « اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير ».
قال: فقلت: اللّهمّ اجعله رجلاً من الأنصار، فجاء عليّ (رضي الله تعالى عنه) فقلت: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله على حاجة، ثمّ جاء فقلت: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله على حاجة، ثمّ جاء فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « افتح ».
فدخل، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « ما حبسك عليّ؟ ». فقال: « إنّ هذه آخر ثلاث كرّات يردّني أنس يزعم أنّك على حاجة ». فقال: « ما حملك على ما صنعت؟ ». فقلت: يا رسول الله، سمعت دعاءك فأحببت أن يكون رجلاً من قومي. فقال رسول الله: « إنّ الرجل قد يحبّ قومه ».
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد رواه عن أنس جماعة من أصحابه زيادة على ثلاثين نفساً، ثمّ صحت الرواية عن عليّ وأبي سعيد الخدري وسفينة، وفي
حديث ثابت البناني عن أنس زيادة ألفاظ.
المعجم الكبير 3 / 106: حدّثنا بشر بن موسى، ثنا عبد الصمد بن حسان المروذي ح، وحدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي، ومحمّد بن محمّد التمّار البصري، وعبدان بن أحمد قالوا: ثنا شيبان بن فروخ قال: ثنا عمارة بن زاذان الصيدلاني قال: ثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: استأذن ملك المطر ربّه عزّ وجلّ أن يزور النّبيصلىاللهعليهوآله فأذن له، فجاءه وهو في بيت اُمّ سلمة، فقال: « يا اُمّ سلمة، احفظي علينا الباب لا يدخل علينا أحد ».
فبينما هم على الباب إذ جاء الحسين، ففتح الباب فجعل يتقفز على ظهر النّبيصلىاللهعليهوآله والنّبيصلىاللهعليهوآله يلتئمه ويقبله، فقال له الملك: تحبّه يا محمّد؟
قال: « نعم ». قال: أما إنّ أمّتك ستقتله، وإن شئت أن أريك من تربة المكان الذي يُقتل فيها. قال: فقبض قبضة من المكان الذي يُقتل فيه فأتاه بسهلة حمراء، فأخذته اُمّ سلمة فجعلته في ثوبها. قال ثابت: كنّا نقول: إنّها كربلاء.
المعجم الكبير 3 / 265: حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عبد الصمد بن حسان قال: أنا عمارة - يعني ابن زاذان - عن ثابت، عن أنس قال: استأذن ملك المطر أن يأتي النّبيصلىاللهعليهوآله فأذن له، فقال لاُمّ سلمة: « احفظي علينا الباب لا يدخل أحد ».
فجاء الحسين بن عليّ (رضي الله تعالى عنهما) فوثب حتّى دخل، فجعل يصعد على منكب النّبيصلىاللهعليهوآله ، فقال له الملك: أتحبّه؟ قال النّبيصلىاللهعليهوآله : « نعم ». قال: فإنّ اُمّتك تقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يُقتل فيه. قال: فضرب بيده فأراه تراباً أحمر، فأخذت اُمّ سلمة ذلك التراب فصرّته في طرف ثوبها. قال: فكنّا نسمع يُقتل بكربلاء.
المعجم الكبير 11 / 65: حدّثنا المعمري ومحمّد بن عليّ الصائغ المكي قالا: ثنا عبد السّلام بن صالح الهروي، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد(1) ، عن ابن عبّاس قال:
____________________
(1) تذكرة الحفّاظ: مجاهد بن جبر، الإمام أبو الحجّاج المخزومي، مولاهم المكّي المقري، المفسّر الحافظ مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، سمع سعداً وعائشة، وأبا هريرة وأمّ هانئ، وعبد الله بن عمر =
قال رسول الله صلى الله عليه وآله): « أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمَنْ أراد العلم فليأته من بابه ».
روى ابن المغازلي في مناقب عليّ / 51: بسنده عن عبد الملك بن عمير(1) ، عن أنس
____________________
= وابن عبّاس، ولزمه مدّة وقرأ عليه القرآن، وكان أحد أوعية العلم، روى عنه قتادة والحكم بن عتيبة، وعمرو بن دينار ومنصور، والأعمش وأيوب، وابن عون وعمر بن ذرّ وخلق.
قال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عبّاس ثلاث عرضات، أقف عند كلّ آية أسأله فيم نزلت؟ وكيف كانت؟ قرأ على مجاهد ابنُ كثير وأبو عمرو بن العلاء وابن محيصن. قال قتادة: أعلم ممّن بقى بالتفسير مجاهد.
وقال ابن جريج: لأن أكون سمعت من مجاهد أحبّ إليّ من أهلي ومالي. وقال خصيف: أعلمهم بالتفسير مجاهد.
وروى إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد قال: ربّما أخذ لي ابن عمر (رضي الله تعالى عنهما) بالركاب. وقال الأعمش: كنت إذا رأيت مجاهداً (ازدريته مبتذلاً كأنّه خربندج قد ضلّ حماره) (في صفوة الصفوة: خربندج كلمة فارسية لم توردها المعاجم العربية، ومعناها قربنده، ومعناها مؤجر الحمار)، وهو مهتم لذلك، فإذا انطق خرج من فيه اللؤلؤ.
وقال حميد الأعرج: كان مجاهد يكبر من: والضحى. قال غير واحد: توفي سنة ثلاث ومئة. وروى الواقدي عن بن جريج قال: بلغ ثلاثاً وثمانين سنة.
ذكر محمّد بن حميد، أخبرنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش قال: كان مجاهد لا يسمع بأعجوبة إلاّ ذهب لينظر إليها، ذهب إلى حضرموت ليرى بئر برهوت، وذهب إلى بابل وعليه والٍ، فقال له مجاهد: تعرض عليّ هاروت وماروت. فدعا رجلاً من السحرة فقال: اذهب به. فقال اليهودي: بشرط أن لا تدعو الله عندهما.
قال: فذهب به إلى قلعة فقطع منها حجراً، ثمّ قال: خذ برجلي. فهوى به حتّى انتهى إلى جوبة ( الجوبة من الأرض: الدارة في المكان المبني بالوطي من الأرض القليل الشجر)، فإذا هما معلقين منكسين كالجبلين، فلما رأيتهما قلت: سبحان الله خالقكما! فاضطربا، فكأنّ الجبال تدكدكت، فغشي عليّ وعلى اليهودي، ثم أفاق قبلي فقال: قد أهلكت نفسك وأهلكتني.
(1) تذكرة الحفاظ 1 / 135: ع عبد الملك بن عمير الإمام أبو عمرو اللخمي الكوفي، حدّث عن جابر بن سمرة وجندب بن عبد الله، وعدي بن حاتم وابن الزبير، وربعي بن حراش وخلق. وعنه زائدة والسفيانان وإسرائيل، وعبيدة بن حميد وزياد البكائي وآخرون.
ولي قضاء الكوفة بعد الشعبي وكان من العلماء الأعلام. قال النسائي وغيره: ليس به بأس، واحتج به الشيخان. وقال أبو حاتم: ليس بحافظ. وقال يحيى بن معين: هو مختلط.
قلت: ما اختلط الرجل، ولكنّه تغيّر تغيّر الكبر، وضعفه أحمد بن حنبل لغلطه، عاش أزيد من مئة عام. مات في ذي الحجّة سنة ست وثلاثين ومئة بلا نزاع وقع لي من عواليه. تهذيب الكمال 18 / 370 ع: عبد الملك بن عمير بن سويد بن جارية القرشي، ويقال: اللخمي، =
____________________
= أبو عمرو، ويقال: أبو عمر الكوفي المعروف بالقبطي، رأى عليّ بن أبي طالب وأبا موسى الأشعري، وروى عن أسيد بن صفوان فق، وكان قد أدرك النّبيصلىاللهعليهوآله ، والأشعث بن قيس، وإياد بن لقيط تم س، وجابر بن سمرة خ م س، وجبر بن عتيك الأنصاري س، وجرير بن عبد الله البجلي، وجندب بن عبد الله البجلي خ م س، وحصين بن أبي الحرّ العنبري س، وحصين بن قبيصة س ق، ويُقال: ابن عقبة الفزاري.
وخالد بن ريعي الأسدي، وربعي بن حراش خ م د ت ق، والربيع بن عملية، ورفاعة بن شداد س ق، وزياد أبي الأوبر الحارثي، وزيد بن عقبة الفزاري د ت س، وسعيد بن حريث ق، وسعيد بن فيروز الديلمي، وشبيب بن نعيم س، وعبد الله بن الحارث بن نوفل خ م، وعبد الله بن الزبير بن العوام س، وعبد الله بن معقل بن مقرن مد، وعبد الرّحمن بن أبي بكرة الثقفي ع، وعبد الرّحمن بن سعيد بن وهب الهمداني بخ، وعبد الرّحمن بن عبد الله بن مسعود ت س، وعبد الرّحمن بن أبي ليلى م سي، وعبيد الله بن جرير بن عبد الله البجلي، وعثمان بن سليمان بن أبي حثمة عخ، والعريان بن الهيثم النخعي س، وعطية القرظي ع.
وعلقمة بن وائل بن حجر الحضرمي م، وعمرو بن حريث خ م ت س ق، وعمرو بن ميمون الأودي خ ت س، وقبيصة بن جابر بخ، وقزعة بن يحيى خ م ت ق، ومحارب بن دثار، ومحمّد بن المنتشر م س ق، ومصعب بن سعد بن أبي وقاص خ م ت س، والمغيرة بن شعبة، والمنذر بن جرير بن عبد الله البجلي م ق، وموسى بن طلحة بن عبيد الله م ت ص، والنعمان بن بشير، ووراد كاتب المغيرة بن شعبة خ م س، وأبي الأحوص الجشمي بخ م، وأبي بردة بن أبي موسى الأشعري خ م، وأبي بكر بن عمارة بن رويبة الثقفي م، وأبي سلمة بن عبد الرّحمن م 4، وأمّ عطية الأنصارية د، وأمّ العلاء الأنصارية د.
روى عنه إبراهيم بن محمّد بن مالك الهمداني، وأسباط بن محمّد القرشي، وإسحاق بن الصباح الأشعثي الكبير، وإسرائيل بن يونس م، وإسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ق، وإسماعيل بن أبي خالد، وإسماعيل بن مجالد بن سعيد ت، وأسيد بن القاسم الكناني، وجرير بن حازم، وجرير بن عبد الحميد خ م، وحبان بن عليّ العنزي، والحسين بن واقد المروزي س، وحمّاد بن سلمة م، وداود بن نصير الطائي س.
وزائدة بن قدامة خ م، وزكريا بن أبي زائدة م، وزهير بن معاوية، وزياد بن عبد الله البكائي م، وزيد بن أبي أنيسة، وسفيان الثوري خ م، وسفيان بن عيينة م ت، وسليمان التيمي، وسليمان الأعمش، وشريك بن عبد الله م ت، وشعبة بن الحجّاج خ م، شعيب بن صفوان م تم س، وشهر بن حوشب م (وهو من أقرانه)، وشيبان بن عبد الرّحمن م، وعبد الحكيم بن منصور ت، وعبد الرّحمن بن عبد الله المسعودي، وعبد الرّحمن بن محمّد المحاربي، وعبيد الله بن عمرو الرقي خت م ت ق، وعبيدة بن حميد خ، وعليّ بن الحكم البناني، وعليّ بن سليمان بن كيسان الكيساني.
وعمر بن عبيد الطنافسي م س، وعمر بن الهيثم الهاشمي فق، وعمرو بن قيس الملائي، وقرّة بن خالد السدوسي س، ومحمّد بن حسان د، ومحمّد بن شبيب الزهراني م س، ومروان بن معاوية الفزاري، ومسعر بن كدام م، ومعتمر بن سليمان وابنه موسى بن عبد الملك بن عمير، وهشيم بن بشير م، وأبو عوانة =
ابن مالك قال: كنّا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعنده جماعة من أصحابه فقالوا: والله يا رسول الله، إنّك أحبّ إلينا من أنفسنا وأولادنا. قال: فدخل حينئذ عليّ، فنظر إليه النّبي وقال له: « كذب مَنْ زعم أنّه يبغضك ويحبّني »(1) .
تاريخ بغداد 11 / 173: عيسى بن محمّد بن عبيد الله أبو موسى حدّث بدمشق عن الحسين بن إبراهيم البابي، روى عنه بن عدي أيضاً، أخبرنا أبو سعد الماليني قراءة، أخبرنا عبد لله بن عدي الحافظ بجرجان، حدّثنا عيسى بن محمّد بن عبد الله أبو موسى البغدادي بدمشق، حدّثنا الحسين بن إبراهيم البابي، حدّثنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: قال النّبيصلىاللهعليهوآله : « لمّا عرج بي رأيت على ساق العرش مكتوباً: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، أيّدته بعليّ، نصرته بعليّ ».
تاريخ بغداد 12 / 91: عليّ بن محمّد بن شداد أبو الحسن المطرز حدّث عن محمّد بن محمّد الباغندي وأبي القاسم البغوي، حدّثنا عنه عبيد الله بن محمّد بن عبيد الله النجار، أخبرنا النجار، حدّثنا أبو الحسن عليّ بن محمّد بن شداد المطرز، حدّثنا محمّد بن محمّد بن سليمان الباغندي، حدّثنا أبو سهيل القطيعي، حدّثنا حمّاد بن زيد بمكة، وعيسى بن واقد، عن أبان بن أبي عيّاش، عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « إنّما مثلي ومثل أهل بيتي كسفينة نوح، مَنْ ركبها نجا، ومَنْ تخلّف عنها غرق ».
____________________
= الوضاح بن عبد الله خ م، والوليد بن أبي ثور عخ، وأبو المحياة يحيى بن يعلى التيمي ت ق، ويزيد بن زياد بن أبي الجعد سي، وأبو بكر بن عيّاش، وأبو حمزة السكري س.
روى في الطبقات الكبرى 6 / 315: أنّه ولد في ثلاث سنين بقين من خلافة عثمان. قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، عن أبي بكر بن عيّاش قال: قال لي عبد الملك بن عمير يوماً وأنا عنده: أتى عليّ مئة وثلاث سنين، قال: وقال سفيان بن عيينة: (هما كبيرا أهل الكوفة يومئذ)، هذا ابن مئة، وهذا ابن مئة، (يعني عبد الملك بن عمير وزياد بن علاقة).
قالوا: وولي عبد الملك بن عمير القضاء بالكوفة قبل الشعبي، وكان يلقّب القبطي، وتوفي بالكوفة في ذي الحجّة سنة ست وثلاثين ومئة.
(1) أخرجه أيضاً الذهبي في ميزان الاعتدال، وابن حجر في لسان الميزان، وابن عدي في الكامل 2 / 363.
المستدرك 3 / 132: حدّثنا عبدان بن يزيد بن يعقوب الدقاق من أصل كتابه، ثنا إبراهيم بن الحسين بن ديزيل، ثنا أبو نعيم ضرار بن صرد، ثنا معتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يذكر عن الحسن، عن أنس بن مالك (رضي الله تعالى عنه): أنّ النّبيصلىاللهعليهوآله قال لعليّ: « أنت تبيّن لأمّتي ما اختلفوا فيه من بعدي ». هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
التّرمذي 6 / 215: ثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا عليّ بن بحر، ثنا سلمة بن الفضل الأبرش، ثنا عمران الطائي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « إنّ الجنّة تشتاق إلى أربعة؛ عليّ بن أبي طالب، وعمّار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود (رضي الله تعالى عنهم) ».
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9 / 128: عن بريدة قال: بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآله عليّاً أميراً على اليمن، وبعث خالد بن الوليد على الجبل، فقال: « إن اجتمعتما فعليّ على النّاس ». فالتقوا وأصابوا من الغنائم ما لم يصيبوا مثله، وأخذ عليّ جارية من الخمس، فدعا خالد بن الوليد بريدة فقال: اغْتَنمْها فأخبر النّبيصلىاللهعليهوآله ما صنع.
فقدمت المدينة ودخلت المسجد ورسول اللهصلىاللهعليهوآله في منزله، وناس من أصحابه على بابه، فقالوا: ما الخبر يا بريدة؟ فقلت: خيراً فتح الله على المسلمين. فقالوا: ما أقدمك؟ قلت: جارية أخذها عليّ من الخمس، فجئت لأخبر النبيصلىاللهعليهوآله .
فقالوا: فأخبر النّبيصلىاللهعليهوآله فإنّه يسقط من عين النّبيصلىاللهعليهوآله . ورسول اللهصلىاللهعليهوآله يسمع الكلام، فخرج مغضباً فقال: « ما بال أقوام ينتقصون عليّاً؟! مَنْ تنقّص عليّاً فقد تنقّصني، ومَنْ فارق عليّاً فقد فارقني؛ إنّ عليّاً منّي وأنا منه، خُلق من طينتي، وخُلقت من طينة إبراهيم، وأنا أفضل من إبراهيم( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ
بعض والله سميع عليم ) (آل عمران / 34). يا بريدة، أما علمت أنّ لعليّ أكثر من الجارية التي أخذ، وأنّه وليّكم بعدي؟ ».
فقلت: يا رسول الله، بالصّحبة ألا بسطت يدك فبايعتني على الإسلام جديداً؟ قال: فما فارقته حتّى بايعته على الإسلام. رواه الطبراني في الأوسط.
مسند أحمد 5 / 361: حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « مَنْ كنت وليه فعليّ وليّه ».
المعجم الأوسط 1 / 229: حدّثنا أحمد بن رشدين قال: حدّثنا محمّد بن أبي السري العسقلاني قال: حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن بن طاووس، عن أبيه، عن بريدة: أنّ النّبيصلىاللهعليهوآله قال لعليّ: « مَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه ». لم يرو هذا الحديث عن طاووس إلاّ ابنه، ولا عن ابن طاووس إلاّ معمر وابن عيينة، تفرّد به عبد الرزاق.
السنن الكبرى 5 / 109: أخبرنا محمّد بن بشار قال: حدّثنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا عوف، عن ميمون، عن أبي عبد الله أنّ عبد الله بن بريدة حدّثه، عن بريدة الأسلمي قال: لمّا كان حيث نزل رسول اللهصلىاللهعليهوآله بحضرة أهل خيبر أعطى رسول اللهصلىاللهعليهوآله اللواء عمر، فنهض معه مَنْ نهض من النّاس، فلقوا أهل خيبر فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « لأعطين اللواء رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ».
فلمّا كان من الغد تصادر أبو بكر وعمر فدعيا عليّاً وهو أرمد، فتفل في عينيه ونهض معه من النّاس مَنْ نهض، فلقي أهل خيبر فإذا مرحب يرتجز وهو يقول:
قد علمت خيبرُ أنّي مرحبُ |
شاكي السلاحِ بطلٌ مجربُ |
|
أطعنُ أحياناً وحيناً أضربُ |
إذا الليوثُ أقبلت تلهّبُ |
فاختلف هو وعليّ ضربتين، فضربه عليّ على هامته حتّى عضّ السيف منها أبيض
رأسه، وسمع أهل العسكر صوت ضربته، فما تتام آخر النّاس مع عليّ حتّى فتح الله له ولهم.
الدر المنثور قوله تعالى:( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) أخرج ابن مردويه، عن بريدة: قرأ رسول الله الآية، فقام إليه رجل فقال: أيّ بيوت هذه يا رسول الله؟ قال: « بيوت الأنبياء ». فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله، هذا البيت منها؟ قال: « نعم من أفاضلها ». ( قال المؤلِّف: أشار إلى بيت عليّ وفاطمةعليهماالسلام ).
أقول: روى النسائي في الخصائص / 107 بسنده، عن سعيد بن عبيد قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عليّ، قال: لا اُحدّثك عنه، ولكن انظر إلى بيته من بيوت رسول الله. قال: فإنّي أبغضه. قال: أبغضك الله.
وفي مصنف ابن أبي شيبة 12 / 82 رقم 12176، خلف بن خليفة، عن أبي هارون قال: كنت مع ابن عمر جالساً إذ جاءه ابن الأزرق، فقام على رأسه فقال: والله إنّي لأبغض عليّاً. فرفع إليه ابن عمر رأسه فقال: أبغضك الله! تبغض رجلاً سابقة من سوابقه خير من الدنيا وما فيها؟!
تاريخ بن عساكر 42 / 132: بسنده، عن المفضل بن صالح، عن جابر الجعفي، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه أنّ رسول الله قال لفاطمة: « أما ترضين أنّي زوّجتك أقدمهم سلماً، وأكثرهم علماً، وأفضلهم حلماً. والله إنّ بنيك لمَنْ شباب أهل الجنّة »(1) .
المستدرك 3 / 168: حدّثنا أبو العباس محمّد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمّد الدوري، ثنا شاذان الأسود بن عامر، ثنا جعفر بن زياد الأحمر، عن عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كان أحبّ النساء إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فاطمة، ومن الرجال عليّ. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
____________________
(1) أقول: الفقرة الأخيرة من الحديث محرّفة، وصحيحها سيّدا شباب أهل الجنّة.
المستدرك 3 / 143: حدّثنا أبو بكر بن إسحاق، أنبأ بشر بن موسى، ثنا محمّد بن سعيد بن الإصبهاني، ثنا شريك، وأخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا الأسود بن عامر وعبد الله بن نمير قال: ثنا شريك، عن أبي ربيعة الأيادي، عن بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « إنّ الله أمرني بحبّ أربعة من أصحابي، وأخبرني أنّه يحبّهم ».
قال: قلنا: مَنْ هم يا رسول الله، وكلّنا نحبّ أن نكون منهم؟ فقال: « ألا إنّ عليّاً منهم ». ثم سكت، ثم قال: « أما إنّ عليّاً منهم ». ثمّ سكت. هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
الدّرّ المنثور 4 / 45: وأخرج ابن مردويه، عن أبي برزة الأسلمي (رضي الله عنه): سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « إنّما أنت منذر »، ووضع يده على صدر نفسه، ثمّ وضعها على صدر عليّ ويقول: « ولكلّ قوم هاد ».
أخرج ابن أبي حاتم في التفسير، عن أبي برزة الأسلمي: أنّ النّبي قال لعليّ: « إنّي أمرت أن أدنيك ولا أقصيك، وأعلّمك وأن تعي، وحقّ لك أن تعي، وحقّ لك أن تعي ». قال: فنزلت هذه الآية( وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) .
اُسد الغابة 2 / 19: وروى الأوزاعي عن شداد بن عبيد الله قال: سمعت واثلة بن الأسقع وقد جيء برأس الحسين فلعنه رجل من أهل الشام ولعن أباه، فقام واثلة وقال: والله لا أزال أحبّ عليّاً والحسن والحسين وفاطمة بعد أن سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول فيهم ما قال.
لقد رأيتني ذات يوم وقد جئت إلى النّبيصلىاللهعليهوآله في بيت اُمّ سلمة، فجاء الحسن فأجلسه على فخذه اليمنى وقبّله، ثمّ جاء الحسين فأجلسه على فخذه اليسرى وقبّله، ثمّ جاءت فاطمة فأجلسها بين يديه، ثمّ دعا بعليّ ثمّ قال:
( إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) . قلت لواثلة: ما الرجس؟ قال: الشك في الله عزّ وجلّ.
مصنف ابن أبي (شيبة 12 / 72، الحسكاني 2 / 42، مسند أحمد 4 / 104)، واللفظ للأخير: حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا محمّد بن مصعب قال: ثنا الأوزاعي، عن شداد أبي عمار قال: دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم فذكروا عليّاً (وفي رواية ابن أبي شيبة والحسكاني: فشتموا فشتمته معهم، فلمّا قاموا قال: شتمت هذا الرجل؟ قلت: رأيت القوم شتموه فشتمته معهم)، فلمّا قاموا قال لي: ألا أخبرك بما رأيت من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ قلت: بلى.
قال: أتيت فاطمة (رضي الله تعالى عنها) أسألها عن عليّ، قالت: « توجّه إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ». فجلست أنتظر حتّى جاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومعه عليّ وحسن وحسين (رضي الله تعالى عنهم)، آخذ كلّ واحد منهما بيده حتّى دخل، فأدنا عليّاً وفاطمة فأجلسهما بين يديه، وأجلس حسناً وحسيناً كلّ واحد منهما على فخذه، ثمّ لفّ عليهم ثوبه (أو قال: كساء)، ثمّ تلا هذه الآية( إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، وقال: « اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحقّ ».
قال ابن أبي شيبة: قال أبو أحمد العسكري: يُقال أنّ الاوزاعي لم يرو في الفضائل حديثاً غير هذا، والله أعلم.
قال: وكذلك الزهري لم يرو فيها إلاّ حديثاً واحداً، كانا يخافان بني اُميّة.
قال البزار في كشف الأستار / 2612: حدّثنا الحسين بن عليّ بن جعفر، حدّثنا عليّ بن ثابت، حدّثنا سعيد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ قال: قال رسول الله: « إنّي مقبوض، وإنّي قد تركت فيكم الثّقلين، يعني كتاب الله وأهل بيتي، وإنّكم لن تضلّوا بعدهما ».
مسند أبي يعلى 1 / 347: حدّثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدّثنا جعفر بن سليمان، حدّثني النضر بن حميد الكوفي، عن أبي الجارود، عن الحارث الهمداني قال: رأيت عليّاً جاء حتّى صعد، فحمد وأثنى عليه، ثمّ قال: « قضاء قضاه الله على لسان نبيّكمصلىاللهعليهوآله ، النّبي الأمّي، أنه لا يحبّني إلاّ مؤمن، ولا يبغضني إلاّ منافق، وقد خاب من افترى ».
قال: قال النصر: وقال عليّ: « أنا أخو رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وابن عمّه، لا يقولها أحد بعدي ».
المعجم الكبير 3 / 53: حدّثنا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ (رضي الله تعالى عنه) قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ».
المعجم الكبير 3 / 47: حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي، ثنا محمّد بن حفص بن راشد الهلالي، ثنا الحسين بن عليّ، ثنا ورقاء بن عمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ (رضي الله تعالى عنه) قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله للحسين بن عليّ: « مَنْ أحبّ هذا فقد أحبّني ».
الخطيب في تلخيص المتشابه: بسنده عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ قال: « قال رسول الله: أنا مدينة العلم وعليّ بابها فمَنْ أراد العلم فليأت الباب »(1) .
تاريخ دمشق 42 / 360: بسنده عن ضمرة، عن عطاء، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ قال: « رسول الله على بينة من ربّه، وأنا الشاهد منه »(2) .
المستدرك 3 / 150: حدّثناه أبو بكر بن بالويه، ثنا محمّد بن يونس القرشي، ثنا عبد
____________________
(1) فتح الملك العليّ / 54.
(2) وفي ترجمة عليّعليهالسلام - لابن عساكر - تحقيق المحمودي 2 / 421 قال: وقد رواه الحافظ الحسكاني في تفسير الآية بسند آخر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّعليهالسلام .
العزيز بن الخطاب، ثنا عليّ بن غراب بن أبي فاطمة، عن الأصبغ بن نباتة، عن أبي أيوب الأنصاري (رضي الله تعالى عنه) قال: سمعت النّبيصلىاللهعليهوآله يقول لعليّ بن أبي طالب: « تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بالطرقات والنهروانات وبالشعفات ». قال أبو أيوب: قلت: يا رسول الله، مع مَنْ نقاتل هؤلاء الأقوام؟ قال: « مع عليّ بن أبي طالب ».
الرياض النضرة 2 / 222: عن الأصبغ قال: أتينا مع عليّ فمررنا بموضع قبر الحسين، فقال عليّ: « ها هنا مناخ ركابهم، وها هنا موضع رحالهم، وها هنا مهراق دمائهم، فتية من آل محمّد يُقتلون بهذه العرصة تبكي عليهم السماء والأرض ».
أبو نعيم في حلية الأولياء، وأبو الحسن الحربي في أماليه: بسنده عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن عليّ قال: « قال رسول الله: أنا مدينة العلم وعليّ بابها، كذب مَنْ زعم أنّه يدخلها من غير بابها »(1) .
روى ابن الأثير في اُسد الغابة 3 / 307 و5 / 205، عن الحافظ ابن عقدة، عن محمّد بن إسماعيل بن إسحاق الراشدي، حدّثنا محمّد بن خلف النميري، حدّثنا عليّ بن الحسن العبدي، عن الأصبغ قال: نشد عليّ النّاس في الرحبة مَنْ سمع النّبيصلىاللهعليهوآله يوم غدير خم ما قال إلاّ قام، ولا يقوم إلاّ مَنْ سمع رسول الله يقول.
فقام بضعة عشر رجلاً فيهم أبو أيوب الأنصاري، وأبو عمرة بن عمرو بن محصن، وأبو زينب (ابن عوف الأنصاري)، وسهل بن حنيف، وخزيمة بن ثابت، وعبد الله بن ثابت الأنصاري، وحبشي بن جنادة الصلولي، وعبيد بن عازب الأنصاري، والنعمان بن عجلان الأنصاري، وثابت بن وديعة الأنصاري، وأبو فضالة الأنصاري(2) ، وعبد الرّحمن بن
____________________
(1) فتح الملك 1 / 55، الغدير 3 / 71.
(2) تعجيل المنفعة 1 / 513: أبو فضالة الأنصاري، عن عليّ (رضي الله تعالى عنه)، وعنه ابنه فضالة. قال أبو حاتم: له صحبة، وشهد بدراً، وقُتل مع علي بصفين.
قلت: ذلك في نفس المسند من وجه لين. قال أحمد: حدّثنا هاشم بن القاسم، ثنا محمّد بن راشد. وأخرج بن أبي خيثمة واللفظ له، عن عارم، عن محمّد بن =
عبد ربّه الأنصاري، فقالوا: نشهد أنا سمعنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « ألا مَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه، وأحبّ مَنْ أحبّه، وابغض مَنْ أبغضه، وأعن مَنْ أعانه ».
شرح نهج البلاغة 2 / 195: قال نصر: وحدّثنا عمر بن سعد قال: حدّثنا سعد بن طريف، عن الأصبغ ابن نباته قال: قال علي: « ما يقول النّاس في هذا القبر؟ ». (وفي النخيلة وبالنخيلة قبر عظيم يدفن اليهود موتاهم حوله).
فقال الحسن بن عليعليهالسلام : « يقولون هذا قبر هود لمّا عصاه قومه جاء فمات ها هنا ».
فقال: « كذبوا؛ لأنّا أعلم به منهم، هذا قبر يهودا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بكر يعقوب ». ثمّ قال: « ها هنا أحد من مهره؟ ». فأتي بشيخ كبير فقال: « أين منزلك؟ ». قال: على شاطئ البحر. قال: « أين أنت من الجبل؟ ». قال: أنا قريب منه. قال: « فما يقول قومك فيه؟ ». قال: يقولون إنّ فيه قبر ساحر. قال: « كذبوا، ذاك قبر هود النبي، وهذا قبر يهودا بن يعقوب ». ثمّ قال: « يحشر من ظهر الكوفة سبعون ألفاً على غرّة الشّمس يدخلون الجنّة بغير حساب ».
____________________
= راشد، عن عبد الله بن محمّد بن عقيل، عن فضالة بن أبي فضالة الأنصاري قال: خرجت مع أبي عائداً لعليّ بن أبي طالب من مرض أصابه ثقل منه، فقال له أبي: ما يقيمك بمنزلك هذا؟ لو أصابك أجلك لم يلك إلاّ أعراب جهينة؛ تُحمل إلى المدينة فإن أصابك أجلك وليك أصحابك وصلّوا عليّك.
فقال علي: « إنّ النّبيصلىاللهعليهوآله عهد إليّ لا أموت حتّى اُؤمر، ثمّ تخضب هذه (يعنى لحيته) من هذه (يعنى هامته) ». فقال فضالة: فقُتل، وقُتل معه أبو فضالة بصفين. قال: وكان أبو فضالة من أهل بدر. وكذا أخرجه أسد بن موسى في فضائل الصحابة، عن محمّد بن راشد مطوّلاً، وقال في آخره: قال فضالة: فصحبه أبي إلى صفين وقُتل معه.
وذكره البخاري من طريق محمّد بن راشد مختصراً، وأخرجه الحارث بن أبي أسامة، عن الحسن بن موسى، عن محمّد بن راشد مطوّلاً أيضاً. أيضاً في الإصابة 7 / 322 بترجمة أبي فضالة الأنصاري.
تعجيل المنفعة 1 / 333: فضالة بن أبي فضالة الأنصاري كوفي،، عن أبيه، وله صحبة، وعنه عبد الله بن محمّد بن عقيل، وثقه ابن حبّان.
وقال ابن خراش: لأبيه صحبة، وهو مجهول. وقال أبو حاتم: كان أبوه بدريّاً. وروى هو عن أبيه، وعن عليّ (رضي الله تعالى عنه).
قلت: الذي في المسند روايته عن عليّ، وفيه قصّة لأبيه مع عليّ، وفيها أنّه قُتل مع عليّ بصفين، وعلى روايته عن عليّ اقتصر ابن حبّان في الثقات.
شرح نهج البلاغة 5 / 258: قال نصر: وحدّثنا يحيى بن يعلى، عن الأصبغ بن نباته قال: جاء رجل إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء القوم الذين نقاتلهم الدعوة واحدة، والرسول واحد، والصلاة واحدة، والحج واحد فماذا نسمّيهم؟
قال: « سمّهم بما سمّاهم الله في كتابه ».
قال: ما كلّ ما في الكتاب أعلمه.
قال: « أما سمعت الله تعالى يقول:( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ... وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ) ؟ فلمّا وقع الاختلاف كنّا نحن أولى بالله وبالكتاب وبالنّبي وبالحقّ، فنحن الذين آمنوا وهم الذين كفروا، وشاء الله قتالهم فقاتلهم بمشيئته وإرادته ».
روايته لوصية أمير المؤمنين لولده الحسن: روى أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري في كتاب الزواجر والمواعظ، وقد ذكر عدّة طرق لروايتها، منها: ما ذكره بسنده إلى الحسن بن طريف بن ناصح، عن الحسن بن علوان، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة(1) .
روايته لعهد أمير المؤمنين إلى مالك الأشتر، رواه النجاشي في الفهرست، عن ابن الجندي، عن عليّ بن همام، عن الحميري، عن هارون بن مسلم، عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ.
الحسكاني في شواهد التنزيل 1 / 57: بسنده عن زكريا بن ميسرة(2) ، عن الأصبغ بن نباتة قال: قال عليّ: « نزل القرآن أرباعاً؛ فربع فينا، وربع في عدوّنا، وربع تفسير سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام، ولنا كرائم القرآن ».
____________________
(1) كشف المحطة إلى ثمرة المهجة، الفصل 154 / 154.
(2) تهذيب الكمال 9 / 374: ق زكريا بن ميسرة البصري، روى عن النهاس بن قهم ق، عن أنس في الحجامة، وعن أبي غالب الترس، عن عبد الرّحمن بن أبي بكرة، عن أبيه في الفتن، وروى عنه عثمان بن مطرق، ويونس بن عبيد، وروى له ابن ماجة.
أقول: من الرواة عنه أبو حمزة الثمالي كما في تفسير فرات.
الحسكاني ج263 / 198(1) : بسنده عن حسين بن علوان، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة قال: كنت جالساً عند عليّ فأتاه عبد الله بن الكوّاء فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن قول الله( وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الأَْعْرافِ رِجالٌ ) .
فقال: « ويحك يابن الكوّاء! نحن نوقف يوم القيامة بين الجنّة والنار، فمَنْ ينصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنّة، ومَنْ أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار ».
الحسكاني 1 / 524: بسنده عن حسن بن حسن بن علوان، عن سعد الإسكاف، عن الأصبغ، عن عليّ في قول الله تعالى( وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآْخِرَةِ عن الصِّراطِ لَناكِبُونَ ) قال: « عن ولايتنا ».
ابن الجوزي في اللئالي 1 / 192، الحسكاني: عن محمّد بن كثير، عن الأصبغ بن نباتة قال:( إِنَّ الأَْبْرارَ يَشْرَبُونَ ) يعني بهم عليّاً وفاطمة والحسن والحسين.( يوفون بالنَّذر ) : عليّ وفاطمة، ثمّ ساق قصّة مرض الحسن والحسين، ونذر عليّ وفاطمة الصوم لشفائهما.
الطبقات الكبرى 6 / 5 قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباته، عن عليّ قال: « الكوفة جمجمة الإسلام، وكنز الإيمان، وسيف الله، ورمحه يضعه حيث يشاء. وأيم الله، لينصرنّ الله بأهلها في مشارق الأرض ومغاربها كما انتصر بالحجاز ».
المستدرك 3 / 164: أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن بطة الإصبهاني، ثنا عبد الله بن محمّد بن زكريا الإصبهاني، ثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، ثنا الأجلح بن عبد الله الكندي، عن حبيب بن ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن عليّ (رضي الله تعالى عنه) قال: « أخبرني رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّ أوّل مَنْ يدخل الجنّة أنا وفاطمة والحسن والحسين. قلت: يا رسول الله، فمحبّونا؟ قال: من ورائكم ». صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
____________________
(1) هكذا وردت الأرقام هنا، ولا نعرف ما هو المقصود منها، ولكننا راجعنا الرواية في شواهد التنزيل فوجدناها في ج1 ص263.(موقع معهد الإمامين الحسنَيَن)
روى الخطيب في تلخيص المتشابه بسنده عن أبي إسحاق عاصم بن ضمرة، عن عليّ قال: « قال رسول الله: أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمَنْ أراد العلم فليأت الباب »(1) .
مصنف ابن أبي شيبة 12 / 68 رقم 12143: شريك، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة قال: خطب الحسن بن عليّ حين قُتل عليّ فقال: « يا أهل العراق، لقد كان فيكم بين أظهركم رجل قُتل الليلة، وأُصيب اليوم، لم يسبقه الأوّلون بعلم، ولا يدركه الآخرون، كان النّبيصلىاللهعليهوآله إذا بعثه في سرية إنّ جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتّى يفتح الله عليه ».
السنن الكبرى 5 / 105: أخبرنا أبو عبد الرّحمن أحمد بن شعيب بن عليّ النسائي قال: أخبرنا محمّد بن المثنى قال: حدّثنا عبد الرّحمن يعني ابن مهدي (مسند أحمد 1 / 141، عن يزيد) (الآحاد والمثاني - لابن أبي عاصم 1 / 149عن شبابة) قال: حدّثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل قال: سمعت حبّة العرني قال: سمعت عليّاً يقول: « أنا أوّل مَنْ صلى مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله ».
الدّرّ المنثور 3 / 329: أخرج أبو الشيخ، عن حبّة العرني قال: جاء رجل إلى عليّ (رحمه الله) فقال: إنّي قد اشتريت راحلة، وفرغت من زادي، اُريد بيت المقدس لأصلي فيه؛ فإنّه قد صلى فيه سبعون نبيّاً، ومنه فار التنور، يعني مسجد الكوفة.
اُسد الغابة 1 / 367: حبّة بن جوين البجلي ثمّ العرني أبو قدامة كوفي من أصحاب عليّ (رحمه الله)، ذكره أبو العباس بن عقدة في الصّحابة، وروى عن يعقوب بن يوسف بن زياد، وأحمد بن الحسين بن عبد الملك قال: أخبرنا نصر بن مزاحم، أخبرنا عبد الملك بن مسلم الملائي، عن أبيه، عن حبّة بن جوين العرني البجلي قال: لمّا كان يوم غدير خم دعا النبيصلىاللهعليهوآله
____________________
(1) فتح الملك / 54.
الصلاة جامعة نصف النهار قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: « أيّها النّاس، أتعلمون أنّي أولى بكم من أنفسكم؟ ». قالوا: نعم. قال: « فمَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه ». وأخذ بيد عليّ حتّى رفعها حتّى نظرت إلى آباطهما وأنا يومئذ مشرك. أخرجه أبو موسى.
قال ابن الأثير: لم يكن لحبّة بن جوين صحبة، وإنّما كان من أصحاب علي وابن مسعود، وقوله أنّه شهدهما وهو مشرك فإنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال هذا في حجّة الوادع، ولم يحجّ تلك السنة مشرك؛ لأنّ النّبيصلىاللهعليهوآله سيّر عليّاً سنة تسع إلى مكّة في الموسم، وأمره أن ينادي أن لا يحجّ بعد العام مشرك، وحجّ النبيصلىاللهعليهوآله سنة عشر حجّة الوداع، والإسلام قد عمّ جزيرة العرب.
وأمّا نسب حبّة فهو: حبّة بن جوين بن علي بن عبد بهم بن مالك بن غانم بن مالك بن هوازن بن عرينة بن نذير بن قسر بن عبقر بن أنمار بن أراش البجلي ثمّ العرني.
أقول: حبّة راوي مناشدة عليّ، ولم يكن شاهداً لوقعة الغدير، ومن المحتمل أنّ الراوي قد خلط كلام حبّة، وهو قوله: (وأنا يومئذ مشرك) مع كلام أحد شهود الوقعة، وهو قوله: (حتّى نظرت إلى آباطهما).
روى الحافظ ابن المغازلي الشافعي في المناقب / 20 بسنده عن الجرّاح الكندي(1) أبي إسحاق الهمداني، عن عبد خير وعمر ذي مرّة وحبّة العرني قالوا: سمعنا عليّ بن أبي طالب ينشد النّاس في الرحبة: « مَنْ سمع رسول الله يقول: مَنْ كنت مولاه... »؟ فقام اثنا عشر رجلاً من أهل بدر، منهم زيد بن أرقم، فقالوا: نشهد أنّا سمعنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول يوم غدير خم: « مَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه ».
____________________
(1) قال في التقريب: الجرّاح بن الضحّاك بن قيس الكندي الكوفي، صدوق من السابعة ت. وفي الكاشف: الجرّاح الكندي بالرّي، عن علقمة بن مرثد وجماعة، وعنه جرير وإسحاق بن سليمان، صالح الحديث ت.
أقول: ذكر زيد بصفته أحد الذين قاموا، يناقضه ما روي أنّ زيداً كان قد كتم وأصابته دعوة عليّ.
هذا مضافاً إلى أنّ زيداً كانت أولى مشاهده مع النّبي هي الخندق لصغر سنه، ومن هنا فإنّ ذكره لزيد سهواً من أحد الرواة، عن أبي إسحاق، أو من أبي إسحاق نفسه وهو الأرجح، حيث ذكروا أنّه اختلط في آخر عمره أو نسي. والظاهر أنّ الجرّاح الكندي روى عن أبي إسحاق في أُخريات عمره، بدليل هو من الطبقة السابعة.
شرح نهج البلاغة 2 / 291: روى إبراهيم بن ميمون الأزدي، عن حبّة العرني قال: كان جويرية بن مسهر العبدي صالحاً، وكان لعلي بن أبي طالب صديقاً، وكان علي يحبّه، ونظر يوماً إليه وهو يسير فناداه: « يا جويرية، الحق بي؛ فإنّي إذا رأيتك هويتك ».
قال إسماعيل بن أبان: فحدّثني الصباح، عن مسلم، عن حبّه العرني قال: سرنا مع عليعليهالسلام يوماً، فالتفت فإذا جويرية خلفه بعيداً فناداه: « يا جويرية، الحق بي لا أباً لك! ألاّ تعلم أنّي أهواك وأحبّك؟ ». قال: فركض نحوه، فقال له: « إنّي محدّثك بأمور فاحفظها ».
ثمّ اشتركا فى الحديث سرّاً، فقال له جويرية: يا أمير المؤمنين، إنّي رجل نسي. فقال له: « إنّي أُعيد عليّك الحديث لتحفظه ». ثمّ قال له في آخر ما حدّثه إيّاه: « يا جويرية، أحبب حبيبنا ما أحبّنا، فإذا أبغضنا فابغضه، وابغض بغيضنا ما أبغضنا، فإذا أحبّنا فأحبه ».
قال: فكان ناس ممّن يشك في أمر عليعليهالسلام يقولون: أتراه جعل جويرية وصيه كما يدّعي هو من وصية رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ قال: يقولون ذلك لشدة اختصاصه له، حتّى دخل على عليعليهالسلام يوماً وهو مضطجع، وعنده قوم من أصحابه، فناداه جويرية: أيّها النائم، استيقظ؛ فلتضربنّ على رأسك ضربة تُخضّب منها لحيتك.
قال: فتبسم أمير المؤمنينعليهالسلام وقال: « أُحدثك يا جويرية بأمرك. أما والذي نفسي بيده، لتعتلنّ إلى العتل الزنيم، فليقطعنّ يدك ورجلك، وليصلبنّك تحت جذع كافر ».
قال: فوالله ما مضت إلاّ أيام على ذلك حتّى أخذ زياد جويرية فقطع يده ورجله وصلبه إلى جانب جذع ابن مكعبر، وكان جذعاً طويلاً، فصلبه على جذع قصير إلى جانبه.
شرح نهج البلاغة 2 / 276: روى إبراهيم بن ديزيل فى كتاب صفين، عن مسلم الضبي،
عن حبة العرني قال: كان رجلاً أسود منتن الريح، له ثدي كثدي المرأة إذا مدّت، كانت بطول اليد الأخرى، وإذا تركت اجتمعت وتقلّصت وصارت كثدي المرأة، عليها شعرات مثل شوارب الهرّة. فلمّا وجدوه قطعوا يده ونصبوها على رمح، ثمّ جعل عليّعليهالسلام ينادي: « صدق الله وبلغّ رسوله ». لم يزل يقول ذلك هو وأصحابه بعد العصر إلى أن غربت الشّمس أو كادت.
شرح نهج البلاغة 3 / 205 - 207: قال نصر: فروى حبّة أنّ عليّاًعليهالسلام لمّا نزل على الرقّة نزل بموضع يُقال له: البليخ، على جانب الفرات، فنزل راهب هناك من صومعته فقال لعليعليهالسلام : إنّ عندنا كتاباً توارثناه عن آبائنا كتبه أصحاب عيسى بن مريم، أعرضه عليّك؟ قال: « نعم ».
فقرأ الراهب الكتاب: بسم الله الرّحمن الرحيم الذي قضى فيما قضى، وسطّر فيما كتب، إنّه باعث في الأمّيين رسولاً منهم يعلّمهم الكتاب والحكمة، ويدلّهم على سبيل الله، لا فظّ ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح. اُمّته الحمّادون الذين يحمدون الله على كلّ نشر، وفي كلّ صعود وهبوط، تذلّ ألسنتهم بالتكبير والتهليل والتسبيح، وينصره الله على مَنْ ناواه.
فإذا توفّاه الله اختلفت اُمّته من بعده، ثم اجتمعت فلبثت ما شاء الله، ثمّ اختلفت، فيمرّ رجل من اُمّته بشاطئ هذا الفرات يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقضي بالحقّ ولا يركس، حكم الدنيا أهون عليه من الرماد في يوم عصفت به الريح، والموت أهون عليه من شرب الماء على الظمآن، يخاف الله في السرّ وينصح له في العلانية، لا يخاف في الله لومة لائم. فمَنْ أدرك ذلك النبي من أهل هذه البلاد فأمن به كان ثوابه رضواني والجنة، ومَنْ أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره؛ فإن القتل معه شهادة.
ثمّ قال له: أنا مصاحبك فلا أفارقك حتّى يصيبني ما أصابك. فبكىعليهالسلام ثمّ قال: « الحمد لله الذي لم أكن عنده منسيّاً، الحمد لله الذي ذكرني عنده في كتب الأبرار ».
فمضى الراهب معه، فكان فيما ذكروا يتغدى مع أمير المؤمنين ويتعشى حتّى أُصيب يوم صفين، فلمّا خرج النّاس يدفنون قتلاهم قالعليهالسلام : « اطلبوه ». فلمّا وجدوه
صلّى عليه ودفنه، وقال: « هذا منّا أهل البيت ». واستغفر له مراراً.
قال ابن أبي الحديد: روى هذا الخبر نصر بن مزاحم في كتاب صفين، عن عمر بن سعد، عن مسلم الأعور، عن حبّة العرني. ورواه أيضاً إبراهيم بن ديزيل الهمداني بهذا الإسناد عن حبّة أيضاً في كتاب صفين.
شرح نهج البلاغة 4 / 83 قال ابن أبي الحديد: وروى حبّة العرني، عن عليعليهالسلام أنّه قال: « إنّ الله عزّ وجلّ أخذ ميثاق كلّ مؤمن على حبّي، وميثاق كلّ منافق على بغضي، فلو ضربت وجه المؤمن بالسيف ما أبغضني، ولو صببت الدنيا على المنافق ما أحبّني ».
سنن ابن ماجة 2 / 774: حدّثنا عليّ بن محمّد، ثنا يعلى وأبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي البختري، عن عليّ قال: « بعثني رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء؟ ». قال: « فضرب بيده في صدري ثمّ قال: اللّهمّ اهدِ قلبه وثبت لسانه ». قال: « فما شككت بعد في قضاء بين اثنين ».
السنن الكبرى 5 / 142: أخبرنا محمّد بن المثنى قال: حدّثنا أبو معاوية قال: حدّثنا الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي البختري، عن عليّ قال: « كنت إذا سألت أُعطيت، وإذا سكت ابتُديت ».
نهج البلاغة 4 / 104: روى سفيان الثوري، عن عمرو بن مرّة، عن أبي البختري قال: أثنى رجل على علي بن أبي طالب في وجهه وكان يبغضه. فقال علي: « أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك ».
مصنف ابن أبي شيبة (ط. الرياض 7 / 537): حدّثنا يحيى بن آدم قال: حدّثنا مسعود بن سعد الجعفي، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري قال: لمّا انهزم أهل الجمل قال
عليّ: « لا يُطلبنّ عبد خارجاً من العسكر، وما كان من دابة أو سلاح فهو لكم، وليس لكم أمّ ولد، والمواريث على فرائض الله، وأي امرأة قُتل زوجها فلتعتدّ أربعة أشهر وعشراً ».
قالوا: يا أمير المؤمنين، تحلّ لنا دماؤهم ولا تحلّ لنا نساؤهم؟! قال: فخاصموه، فقال: « كذلك السيرة في أهل القبلة ». قال: « فهاتوا سهامكم وأقرعوا على عائشة، فهي رأس الأمر وقائدهم ». قال: فتفرّقوا وقالوا: نستغفر الله. قال: فخاصمهم عليّ.
الاستيعاب 2 / 698، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي البختري، عن حجر بن عدي، عن شراحيل بن مرّة الكوفي سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول لعلي (رحمه الله): « أبشر، فإنّ حياتك وموتك معي ».
الفضائل 2 / 585: حدّثنا عبد الله، قثنا أبي، قثنا ابن نمير، نا عبد الملك، عن أبي عبد الرحيم الكندي، عن زاذان أبي عمر قال: سمعت عليّاً في الرحبة وهو ينشد النّاس مَنْ شهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم غدير خم وهو يقول ما قال؟ فقام ثلاثة عشر رجلاً فشهدوا أنّهم سمعوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو يقول: « مَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه ».
فضائل الصّحابة 2 / 647: حدّثنا عبد الله بن محمّد قال: حدّثني جدّي، قثنا حجّاج بن محمّد، قثنا بن جريح، قثنا كذا أبو حرب بن أبي الأسود، عن أبي الأسود قال ابن جريح ورجل آخر، عن زاذان قال: سُئل عليّ عن نفسه، فقال: « إنّي اُحدث بنعمة ربّي؛ كنت والله إذا سألت أُعطيت، وإذا سكت ابتُديت، فبين الجوانح منّي علم جم ».
الحسكاني 1 / 401 بسنده عن إسماعيل بن سليمان، عن يعمر زاذان، عن ابن الحنفيّة في قوله تعالى:( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) قال: هو عليّ بن أبي طالب.
المعجم الكبير 9 / 76: حدّثنا عبيد بن كثير التمّار الكوفي، ثنا محمّد بن الجنيد، ثنا يحيى
ابن سالم، عن هاشم بن البريد، عن بيان بن أبي بشر، عن زاذان، عن عبد الله قال: قرأت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله سبعين سورة، وختمت القرآن على خير النّاس عليّ بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه).
الكامل في الضعفاء: حدّثنا جعفر بن أحمد بن عليّ بن بيان الغافقي، ثنا أبو إبراهيم إسماعيل بن إسحاق الكوفي الأنصاري، ثنا أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي، عن أبي هاشم الرماني، عن زاذان بن عمر، عن سلمان الفارسي قال: رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ضرب فخذ عليّ بن أبي طالب وصدره، وسمعته يقول: « محبّك محبّي، ومحبّي محبّ الله، ومبغضك مبغضي، ومبغضي مبغض الله ».
المعجم الكبير 6 / 241:، حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي والحسين بن إسحاق التستري قال: ثنا يحيى الحماني، ثنا قيس بن الربيع، عن محمّد بن رستم، عن زاذان، عن سلمان (رضي الله تعالى عنه) قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « مَنْ أحب الحسن والحسين أحببته، ومن أحببته أحبّه الله، ومَنْ أبغضهما أبغضته، ومَنْ أبغضته أبغضه الله ».
الحسكاني 2 / 17 بسنده عن أبي اليقظان(1) ، عن زاذان، عن الحسن بن عليّ قال: « لمّا
____________________
(1) تهذيب التهذيب 7 / 132: عثمان بن عمير البجلي، أبو اليقظان الكوفي الأعمى، ويُقال: ابن قيس، ويُقال: ابن أبي حميد.
روى عن أنس وزيد بن وهب، وأبي الطفيل وأبي وائل، وعدي بن ثابت وأبي حرب بن الأسود وغيرهم. وعنه حصين بن عبد الرّحمن، وهو من أقرانه، والأعمش وشعبة، والثوري وشريك، ومهدي بن ميمون وآخرون.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبي عثمان بن عمير (أبو اليقظان)، ويُقال: عثمان بن قيس ضعيف الحديث. كان ابن مهدي ترك حديثه، وقال أبي: خرج في الفتنة مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن. وقال عمرو بن عليّ: لم يرضَ يحيى ولا عبد الرّحمن أبا اليقظان. وقال الدوري عن ابن معين: ليس حديثه بشيء.
وقال ابن أبي حاتم: ثنا أبي سألت محمّد بن عبد الله بن نمير عن عثمان بن عمير فضعّفه. قال: وسألت أبي عنه، فقال: ضعيف الحديث، منكر الحديث، كان شعبة لا يرضاه، وذكر أنّه حضره فروى عن شيخ، فقال له شعبة: كم سنّك؟ فقال: كذا، فإذا قد مات الشيخ وهو ابن سنتين.
وقال إبراهيم بن عرعرة، عن أبي أحمد الزبيري: كان الحارث بن حصين، وأبو اليقظان يؤمنان بالرجعة، ويُقال: كان يغلو في التشيّع.
قلت: نسبه أحمد بن حنبل فقال: هو عثمان بن عمير بن =
نزلت جمعنا رسول الله وإياه في كساء خيبري، ثمّ قال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب الرجس عنهم وطهّرهم تطهيراً ».
الحسكاني 2 / 143، تاريخ إصبهان 2 / 165 بسنده عن أبي هاشم الرماني، عن زاذان، عن عليّ قال: « إنّه لا يحفظ مودّتنا إلاّ كلّ مؤمن ». ثمّ قرأ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) .
صحيح مسلم 1 / 86: بقي بن مخلّد (1325)، حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا وكيع وأبو معاوية، عن الأعمش ح، وحدّثنا يحيى بن يحيى واللفظ له، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر قال: قال عليّ: « والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النّبي الأميصلىاللهعليهوآله إليَّ أن لا يحبّني إلاّ مؤمن، ولا يبغضني إلاّ منافق ».
المستدرك على الصحيحين 3 / 18: حدّثنا أبو سعيد عمرو بن محمّد بن منصور العدل، ثنا السري بن خزيمة، ثنا عثمان بن سعيد المري، ثنا عليّ بن صالح، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله (رضي الله تعالى عنه) قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « الحسن والحسين
____________________
= عمرو بن قيس البجلي، وقد ينسب إلى جدّ أبيه. ذكره البخاري في الأوسط في فصل مَنْ مات ما بين العشرين ومئة إلى الثلاثين. وقال: منكر الحديث، ولم يسمع من أنس. وقال في الكبير: كان يحيى وعبد الرّحمن لا يحدّثان عنه، وهو ابن قيس البجلي، وهو عثمان بن أبي حميد الكوفي.
وقال الجوزجاني، عن أحمد: منكر الحديث، وفيه ذلك الداء. قال: وهو على المذهب منكر الحديث. وقال البرقاني، عن الدارقطني: متروك. وقال الحاكم، عن الدارقطني: زائغ لم يحتج به. وقال ابن عبد البر: كلّهم ضعفه. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم.
وقال ابن حبان: اختلط حتّى كان لا يدري ما يقول، لا يجوز الاحتجاج به. وقال ابن عدي: رديء المذهب، غال في التشيّع، يؤمن بالرجعة، ويكتب حديثه مع ضعفه.
تقريب التهذيب 1 / 663: عثمان بن عمير بالتصغير، ويُقال: ابن قيس، والصواب أنّ قيساً جدّ أبيه، وهو عثمان بن أبي حميد أيضاً البجلي، أبو اليقظان الكوفي الأعمى، ضعيف واختلط، وكان يدلّس ويغلو في التشيّع، من السادسة، مات في حدود الخمسين ومئة د ت ق.
سيدا شباب أهل الجنّة، وأبوهما خير منهما ». هذا حديث صحيح بهذه الزيادة ولم يخرجاه.
الإصابة 2 / 15: حبيب بن بديل بن ورقاء الخزاعي له ولأبيه ولأخيه عبد الله صحبة. ذكره بن شاهين في الصّحابة، وروى حديثه ابن عقدة في كتاب الموالاة بإسناد ضعيف من رواية أبي مريم، عن زر بن حبيش قال: قال عليّ: « مَنْ ها هنا من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ ». فقام اثنا عشر رجلاً، منهم: قيس بن ثابت، وحبيب بن بديل بن ورقاء فشهدوا أنّهم سمعوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « مَنْ كنت مولاه فعلى مولاه ».
قال في الإصابة في ترجمة الحسن: وعند أبي يعلى من طريق عاصم، عن زر، عن عبد الله كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم أن دعوهما، فإذا قضى الصلاة وضعهما في حجره، فقال: « مَنْ أحبّني فليحبّ هذين ».
روى ابن الأثير في اُسد الغابة 1 / 368 عن كتاب الموالاة لابن عقدة بإسناده، عن أبي مريم زر بن حبيش قال: خرج عليّ بن القصر فاستقبله ركبان متقلّدي السيوف، فقالوا: السّلام عليّك يا أمير المؤمنين، السّلام عليّك يا مولانا، ورحمة الله وبركاته. فقال عليّعليهالسلام : « مَنْ ها هنا من أصحاب النّبيصلىاللهعليهوآله ؟ ». فقام اثنا عشر، منهم: قيس بن ثابت بن شماس، وهاشم بن عتبة، وحبيب بن بديل بن ورقاء، فشهدوا أنّهم سمعوا النّبيصلىاللهعليهوآله يقول: « مَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه ».
السنن الكبرى 5 / 151: أخبرنا عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى قال: حدّثنا عليّ بن ثابت قال: حدّثنا منصور بن أبي الأسود، عن يزيد بن أبي زياد، عن سليمان بن عبد الله بن الحارث، عن جدّه، عن عليّ قال: « مرضت فعادني رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فدخل عليّ وأنا مضطجع، فاتّكأ إلى جنبي، ثمّ سجاني بثوبه، فلمّا رآني قد هديت
قام إلى المسجد يصلّي، فلمّا قضى صلاته جاء فرفع الثوب عنّي وقال: قم يا عليّ فقد برئت. فقمت كأنّما لم أشتك شيئاً قبل ذلك، فقال: ما سألت ربّي شيئاً في صلاتي إلاّ أعطاني، وما سألت لنفسي شيئاً إلاّ وقد سألت لك ».
خالفه جعفر بن زياد الأحمر فقال: عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن عليّ.
أقول: في كتاب السنّة - لبقي بن مخلّد / 1323 عن محمّد بن عبد الرحيم أبي يحيى وسليمان بن عبد الجبار قال: حدّثنا عليّ بن قادم، عن جعفر بن زياد الأحمر، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن الحارث... وفي آخره قالصلىاللهعليهوآله : « إلاّ أعطانيه، إلاّ أنّه قال لي: لا نبي بعدك ».
قال القاضي: لا أعرف في فضيلة عليّ حديثاً أفضل منه.
مصنف ابن أبي شيبة 7 / 503: معاوية بن هشام قال: ثنا عمار، عن الأعمش، عن المنهال، عن عبد الله بن الحارث، عن عليّ قال: « إنّما مثلنا في هذه الأمّة كسفينة نوح، وكباب حطّة في بني إسرائيل ».
تاريخ الطبري 2 / 320: حدّثنا ابن حميد قال: حدّثنا سلمة قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله ابن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، عن عبد الله بن عبّاس، عن عليّ بن أبي طالب قال: « لمّا نزلت هذه الآية على رسول اللهصلىاللهعليهوآله :( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَْقْرَبِينَ ) دعاني رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال لي: يا عليّ، إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أنّي متى اُباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت عليه حتّى جاءني جبرئيل فقال: يا محمّد، إنّك إلاّ تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربّك. فاصنع لنا صاعاً من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عساً من لبن، ثمّ اجمع لي بني عبد المطلب حتّى اُكلّمهم واُبلغهم ما أمرت به.
ففعلت ما أمرني به، ثمّ دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب. فلمّا اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي
صنعت لهم فجئت به، فلمّا وضعته تناول رسول اللهصلىاللهعليهوآله حذية من اللحم فشقّها بأسنانه، ثمّ ألقاها في نواحي الصحفة، ثمّ قال: خذوا بسم الله، فأكل القوم حتّى ما لهم بشيء حاجة، وما أرى إلاّ موضع أيديهم. وأيم الله الذي نفس عليّ بيده، وإن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدّمت لجميعهم، ثمّ قال: اسق القوم. فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتّى رووا منه جميعاً. وأيم الله، إنّ كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله.
فلمّا أراد رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن يكلّمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لهدّ ما سحركم صاحبكم! فتفرّق القوم ولم يكلّمهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله . قال: الغد يا عليّ، إنّ هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول فتفرّق القوم قبل أن اُكلّمهم، فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثمّ اجمعهم إليّ ».
قال: « ففعلت ثمّ جمعتهم، ثمّ دعاني بالطعام فقرّبته لهم، ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا حتّى ما لهم بشيء حاجة، ثمّ قال: اسقهم. فجئتهم بذلك العس فشربوا حتّى رووا منه جميعاً، ثمّ تكلّم رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال: يا بني عبد المطلب، إنّي والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ ».
قال: « فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت، وإنّي لأحدثهم سنّاً، وأرمصهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتي ثمّ قال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا ».
قال: « فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لأبنك وتطيع »(1) .
المعجم الكبير 22 / 405، حدّثنا محمّد بن حيان المازني، ثنا كثير بن يحيى، ثنا سعيد بن عبد الكريم بن سليط وأبو عوانة، عن داود بن أبي عوف أبي الجحاف، عن عبد الرّحمن بن أبي زناد أنّه سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل يقول: ثنا أبو سعيد الخدري أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله دخل على فاطمة ذات يوم وعليّ نائم، وهي مضطجعة وأبناؤها إلى
____________________
(1) تاريخ الطبري 2 / 321.
جنبها، فاستسقى الحسن فقام رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى لقحة فحلب لهم فأتى به، فاستيقظ الحسين فجعل يعالج أن يشرب قبله حتّى بكى، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « إنّ أخاك استسقى قبلك ». فقالت فاطمة: « كأنّ الحسن آثر عندك! ». قال: « ما هو بآثر عندي منه، وإنّما هما عندي بمنزلة واحدة، وإنّي وإياكِ وهما وهذا النائم لفي مكان واحد يوم القيامة ».
الدّرّ المنثور 5 / 178: أخرج ابن أبي حاتم، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى (رضي الله عنه) في قوله( أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ) قال: نزلت في علي بن أبي طالب (رحمه الله) والوليد بن عقبة.
السنن الكبرى 5 / 108: أخبرنا أحمد بن سليمان قال: حدّثنا عبيد الله قال: أخبرنا بن أبي ليلى، عن الحكم والمنهال، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن أبيه: أنّه قال لعليّ وكان يسير معه: إنّ النّاس قد أنكروا منك أنّك تخرج في البرد في الملاءتين، وتخرج في الحرّ في الحشو والثوب الغليظ.
قال: « أوَ لم تكن معنا بخيبر؟ ». قال: بلى. قال: « فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعث أبا بكر وعقد له لواء فرجع، وبعث عمر وعقد له لواء فرجع بالناس، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لأعطين الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، ليس بفرار. فأرسل إليّ وأنا أرمد، قلت: إنّي أرمد. فتفل في عيني وقال: اللّهمّ اكفه أذى الحرّ والبرد، فما وجدت حرّاً بعد ذلك ولا برداً ».
المستدرك 2 / 524: أخبرني عبد الله بن محمّد الصيدلاني، حدّثنا محمّد بن أيوب، أنبأ يحيى بن المغيرة السعدي، حدّثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى قال: قال عليّ بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه): « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد ولا يعمل بها أحد بعدي؛ آيّة النجوى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ) ».
قال: « كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم، فناجيت النّبيصلىاللهعليهوآله ، فكنت كلّما ناجيت النّبيصلىاللهعليهوآله قدّمت بين يدي نجواي درهماً، ثمّ نسخت فلم يعمل بها أحد، فنزلت:أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ ». هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
السنن الكبرى 6 / 204: أخبرنا أحمد بن سليمان قال: حدّثنا يزيد قال: حدّثنا العوام قال: حدّثني عمرو بن مرة، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن عليّ (رضي الله تعالى عنه) قال: « أتى رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتّى وضع قدمه بيني وبين فاطمة، فعلمنا ما نقول إذا أخذنا مضجعنا: ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، وثلاثاً وثلاثين تحميدة، وأربعاً وثلاثين تكبيرة ». قال عليّ: « فما تركتها بعد ». قال له رجل: ولا ليلة صفين؟ قال: « ولا ليلة صفين ».
المعجم الكبير 7 / 77: حدّثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا ضرار بن صرد أبو نعيم، ثنا عليّ بن هشام، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي فروة، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « لأعطين الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله ». فدعا عليّاً، فأعطاه إيّاها.
مسند أحمد 1 / 119: حدّثنا عبد الله، حدّثني عبيد الله بن عمر القواريري، ثنا يونس بن أرقم، ثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى قال: شهدت عليّاً (رضي الله تعالى عنه) في الرحبة، ينشد النّاس: « أنشد الله مَنْ سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول يوم غدير خم: مَنْ كنت مولاه فعلى مولاه لما قام ».
فشهد قال عبد الرّحمن: فقام اثنا عشر بدريّاً كأنّي أنظر إلى أحدهم فقالوا: نشهد إنّا سمعنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول يوم غدير خم: « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجي اُمّهاتهم؟ ». فقلنا: بلى يا رسول الله. قال: « فمَنْ كنت مولاه فعلى مولاه، اللّهمّ والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه ».
مسند أحمد 1 / 119: حدّثنا عبد الله، ثنا أحمد بن عمر الوكيعي، ثنا زيد بن الحباب، ثنا
الوليد بن عقبة بن نزار العنسي، حدّثنا سماك بن عبيد بن الوليد العبسي قال: دخلت على عبد الرّحمن بن أبي ليلى فحدّثني أنّه شهد عليّاً (رضي الله تعالى عنه) في الرحبة قال: « أنشد الله رجلاً سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله وشهده يوم غدير خم إلاّ قام، ولا يقوم إلاّ مَنْ قد رآه ». فقام اثنا عشر رجلاً فقالوا: قد رأيناه وسمعناه، حيث أخذ بيده يقول: « اللّهمّ والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه، وانصر مَنْ نصره، واخذل مَنْ خذله ». فقام إلاّ ثلاثة لم يقوموا، فدعا عليهم فأصابتهم دعوته.
شرح نهج البلاغة 14 / 11: قال أبو مخنف: فحدّثني موسى بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال:... لمّا دخل الحسن وعمّار الكوفة اجتمع إليهما النّاس، فقام الحسن فاستنفر النّاس، فحمد الله وصلّى على رسوله، ثمّ قال: « أيّها النّاس، إنّا جئنا ندعوكم إلى الله وإلى كتابه وسنّة رسوله، وإلى أفقه مَنْ تفقّه من المسلمين، وأعدل مَنْ تعدلون، وأفضل مَنْ تفضّلون، وأوفى مَنْ تبايعون.
مَنْ لم يعبه القرآن، ولم تجهله السنّة، ولم تقعد به السابقة إلى مَنْ قرّبه الله تعالى إلى رسوله قرابتين؛ قرابة الدين وقرابة الرحم، إلى مَنْ سبق النّاس إلى كلّ مأثرة، إلى مَنْ كفى الله به رسوله والنّاس متخاذلون، فقرب منه وهم متباعدون، وصلّى معه وهم مشركون، وقاتل معه وهم منهزمون، وبارز معهم وهم محجمون، وصدَّقه وهم يكذِّبون.
إلى مَنْ لم ترد له رواية، ولا تُكفا له سابقة، وهو يسألكم النصر، ويدعوكم إلى الحقّ، ويأمركم بالمسير إليه لتوازروه وتنصروه على قوم نكثوا بيعته، وقتلوا أهل الصلاح من أصحابه، ومثلوا بعمّاله، وانتهبوا بيت ماله، فاشخصوا إليه رحمكم الله، فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، واحضروا بما يحضر به الصالحون ».
شرح نهج البلاغة 19 / 305: وروى ابن جرير الطبري في تاريخه، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى الفقيه، وكان ممّن خرج لقتال الحجّاج مع ابن الأشعث، إنّه قال فيما كان يحضّ به النّاس على الجهاد: إنّي سمعت عليّاً رفع الله درجته في الصالحين، وأثابه ثواب الشهداء والصديقين يقول يوم لقينا أهل الشام: « أيّها المؤمنون، إنّه مَنْ رأى عدواناً يُعمل به، ومنكراً يُدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبريء، ومَنْ أنكره بلسانه فقد أجر وهو أفضل من
صاحبه، ومَنْ أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليّا وكلمة الظالمين السفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى، وقام على الطريق، ونُوّر في قلبه اليقين »(1) .
تفسير الطبري 26 / 126: حدّثنا محمّد بن بشار قال: ثنا عبد الرّحمن قال: ثنا سفيان، عن هلال الوزان، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى في قوله:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ) (الحجرات / 6)، قال: نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط.
البخاري 4 / 1458: حدّثني محمّد بن عبد الله الرقاشي، حدّثنا معتمر قال: سمعت أبي يقول: حدّثنا أبو مجلز، عن قيس بن عباد، عن عليّ بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه) أنّه قال: « أنا أوّل مَنْ يجثو بين يدي الرّحمن للخصومة يوم القيامة ».
وقال قيس بن عباد: وفيهم اُنزلت:( هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ... ) . قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعليّ، وعبيدة (أو أبو عبيدة بن الحارث)، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.
السنن الكبرى: أخبرني زكريا بن يحيى قال: حدّثنا عثمان قال: حدّثنا عبد الله بن نمير قال: حدّثنا مالك بن مغول (المصنف لابن أبي شيبة 12 / 62 الحديث رقم / 12128 عبد الله بن نمير)،
____________________
(1) شرح نهج البلاغة 19 / 306 قال ابن أبي الحديد: وقالعليهالسلام في كلام له غير هذا يجري هذا المجرى: « فمنهم المنكر للمنكر بيده ولسانه وقلبه فذلك المستكمل لخصال الخير، ومنهم المنكر بلسانه وقلبه والتارك بيده فذلك متمسّك بخصلتين من خصال الخير ومضيّع خصلة، ومنهم المنكر بقلبه والتارك بيده ولسانه فذاك الذي ضيع أشرف الخصلتين من الثلاث وتمسّك بواحدة، ومنهم تارك لإنكار المنكر بلسانه وقلبه ويده فذلك ميّت الأحياء.
وما أعمال البرّ كلّها والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إلاّ كنفثة في بحر لجيّ، وإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقرّبان من أجل، ولا ينقصان من رزق، وأفضل من ذلك كلّه كلمة عدل عند إمام جائر ».
عن الحارث بن حصيرة، عن أبي سليمان الجهني قال: سمعت عليّاً على المنبر يقول: « أنا عبد الله، وأخو رسولهصلىاللهعليهوآله ، لا يقولها إلاّ كذّاب مفتري ». فقال رجل: أنا عبد الله وأخو رسولهصلىاللهعليهوآله ، فخُنق فحُمل.
السنن الكبرى 5 / 163: أخبرنا العباس بن عبد العظيم قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سلمة بن كهيل قال: حدّثنا زيد بن وهب أنّه كان في الجيش الذين كانوا مع عليّ الذين ساروا إلى الخوارج، فقال عليّ: « أيّها النّاس، إنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: سيخرج قوم من اُمّتي يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم شيئاً، ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئاً، ولا صيامكم إلى صيامهم شيئاً.
يقرؤون القرآن يحسبون أنّه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلمون الجيش الذي يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيّهمصلىاللهعليهوآله لاتكلوا عن العمل، وآية ذلك أنّ فيهم رجلاً له عضد وليست له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة ثدي المرأة، عليه شعرات بيض، فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم.
والله إنّي لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم؛ فإنّهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح النّاس، فسيروا على اسم الله ».
قال سلمة: فنزلني زيد منزلاً منزلاً حتّى مررنا على قنطرة، فلمّا التقينا على الخوارج عبد الله بن وهب الراسبي، فقال لهم: ألقوا الرماح، وسلّوا سيوفكم من جفونها؛ فإنّي أخاف أن يناشدوكم. قال: فسلّوا السيوف وألقوا جفونها، وشجرهم النّاس (يعني برماحهم)، فقتل بعضهم على بعض، وما أُصيب من النّاس يومئذ إلاّ رجلان.
قال عليّ: « التمسوا فيهم المخدّج ». فلم يجدوه، فقام عليّ بنفسه حتّى أتى ناساً قتلى بعضهم على بعض، قال: « جرّدوهم ». فوجدوه ممّا يلي الأرض، فكبّر عليّ وقال: « صدق الله، وبلّغصلىاللهعليهوآله ».
فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين، والله الذي لا إله إلاّ هو سمعت هذا الحديث من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ قال: « أي والله الذي لا إله إلاّ هو،
لسمعته من رسول اللهصلىاللهعليهوآله »، حتّى استحلفه ثلاثاً وهو يحلف له.
شرح نهج البلاغة 2 / 276: روى إبراهيم بن ديزيل في كتاب صفين، عن الأعمش، عن زيد بن وهب قال: لمّا شجرهم عليعليهالسلام بالرماح قال: « اطلبوا ذا الثدية ». فطلبوه طلباً شديداً حتّى وجدوه في وهدة من الأرض تحت ناس من القتلى، فاُتي به وإذا رجل على ثديه مثل سبلات السنور، فكبّر عليعليهالسلام وكبّر النّاس معه سروراً بذلك.
المعجم الكبير 10 / 183: حدّثنا عبدان بن أحمد، ثنا يحيى بن حاتم العسكري، ثنا بشر بن مهران، ثنا شريك، عن عثمان بن المغيرة، عن زيد بن وهب، عن بن مسعود قال: أوّل شيء علمت من أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله قدمت مكّة في عمومة لي، فاُرشدنا على العباس بن عبد المطلب، فانتهينا إليه وهو جالس إلى زمزم فجلسنا إليه، فبينا نحن عنده إذ (أقبل رجل من باب الصفا أبيض تعلوه حمرة، له وفرة جعد إلى أنصاف أذنيه، أشم، أقنى، أذلف، براق الثنايا، أدعج العينين، كث اللحية، دقيق المسربة، شثن الكفين والقدمين، عليه ثوبان أبيضان كأنّه القمر ليلة البدر).
يمشي على يمينه غلام أمرد حسن الوجه، مراهق أو محتلم، تقفوهم امرأة قد سترت محاسنها، حتّى قصد نحو الحجر فاستلمه، ثمّ استلم الغلام، ثمّ استلمت المرأة، ثمّ طاف بالبيت سبعاً والغلام والمرأة يطوفان معه، ثمّ استلم الركن ورفع يديه وكبّر، وقام الغلام عن يمينه ورفع يديه، وقامت المرأة خلفهما فرفعت يديها وكبّرت، وأطال القنوت، ثمّ ركع فأطال الركوع، ثمّ رفع رأسه من الركوع فقنت وهو قائم، ثمّ سجد وسجد الغلام والمرأة معه، يصنعان مثل ما يصنع ويتبعانه.
قال: فرأينا شيئاً لم يكن نعرفه بمكة، فأنكرنا، فأقلبنا على العباس فقلنا: يا أبا الفضل، إنّ هذا الدين لم نكن نعرفه فيكم، أشيء حدث؟ قال: أجل والله، أما تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا ابن أخي محمّد بن عبد الله، والغلام عليّ بن أبي طالب، والمرأة خديجة بنت خويلد. أمّا والله، ما على ظهر الأرض أحد يعبد الله على هذا الدين إلاّ هؤلاء الثلاثة.
المعجم الكبير 5 / 171: حدّثنا إبراهيم بن نائلة الإصبهاني، ثنا إسماعيل بن
عمرو البجلي، ثنا أبو إسرائيل الملائي، عن الحكم، عن أبي سليمان زيد بن وهب، عن زيد بن أرقم قال: ناشد عليّ النّاس في الرحبة مَنْ سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول الذي قال له، فقام ستة عشر رجلاً فشهدوا أنّهم سمعوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « اللّهمّ مَنْ كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه ».
قال زيد بن أرقم: فكنت فيمَنْ كتم فذهب بصري، وكان عليّ (رضي الله تعالى عنه) دعا على مَنْ كتم.
فتح الباري 13 / 57: أخرج البزّار من طريق زيد بن وهب قال: بينا نحن حول حذيفة إذ قال: كيف أنتم وقد خرج أهل بيت نبيّكم فرقتين يضرب بعضكم وجوه بعض بالسيف؟ قلنا: يا أبا عبد الله، فكيف نصنع إذا أدركنا ذلك؟ قال: انظروا إلى الفرقة التي تدعو إلى أمر عليّ بن أبي طالب؛ فإنّها على الهدى.
تاريخ الطبري 5 / 16: قال أبو مخنف: حدّثني مالك بن أعين، عن زيد بن وهب الجهني أنّ ابن بديل قام في أصحابه فقال: ألا إنّ معاوية ادّعى ما ليس أهله، ونازع هذا الأمر مَنْ ليس مثله، وجادل بالباطل ليدحض به الحقّ، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب، قد زيّن لهم الضلالة، وزرع في قلوبهم حبّ الفتنة، ولبس عليهم الأمر، وزادهم رجساً إلى رجسهم.
وأنتم على نور من ربّكم وبرهان مبين؛ فقاتلوا الطغاة الجفاة ولا تخشوهم، فكيف تخشونهم وفي أيديكم كتاب الله عزّ وجلّ طاهراً مبروراً؟( أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ( 1 ) . وقد قاتلناهم مع النّبيصلىاللهعليهوآله مرّة، وهذه ثانية، والله ما هم في هذه بأتقى ولا أزكى ولا أرشد، قوموا إلى عدوّكم بارك الله عليكم. فقاتل قتالاً شديداً هو وأصحابه.
تاريخ الطبري 5 / 25: قال أبو مخنف: حدّثني مالك بن أعين الجهني، عن زيد بن وهب أنّ عليّاً لمّا رأى ميمنته قد عادت إلى مواقعها ومصافها، وكشفت مَنْ بإزائها من عدوّها حتّى ضاربوهم في مواقفهم ومراكزهم، أقبل حتّى انتهى إليهم، فقال: « إنّي قد رأيت
____________________
(1) سورة التوبة / 13 - 14.
جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم، يحوزكم الطغاة الجفاة، وأعراب أهل الشام، وأنتم لهاميم(1) العرب، والسنام الأعظم، وعمّار الليل بتلاوة القرآن، وأهل دعوة الحقّ إذ ضلّ الخاطئون. فلولا إقبالكم بعد إدباركم، وكرّكم بعد انحيازكم، وجب عليكم ما وجب على المولى يوم الزحف دبره وكنتم من الهالكين.
ولكن هوّن وجدي وشفى بعض اُحاح نفسي أنّي رأيتكم باُخرة حزتموهم كما حازوكم، وأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم، تحسّونهم بالسيوف، تركب أُولاهم أُخراهم كالإبل المطردة إليهم، فالآن فاصبروا، نزلت عليكم السكينة، وثبّتكم الله عزّ وجلّ باليقين؛ ليعلم المنهزم أنّه مسخط ربّه وموبق نفسه.
إنّ في الفرار موجدة الله عزّ وجلّ عليه، والذلّ اللازم، والعار الباقي، واعتصار الفيء من يده، وفساد العيش عليه. وإنّ الفار منه لا يزيد في عمره ولا يرضي ربّه، فموت المرء محقّاً قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضا بالتأنيس لها والإقرار عليها ».
تاريخ الطبري ( 4 / 37) قال الطبري: حدّثت عن هشام بن الكلبي، عن أبي مخنف قال: حدّثني مالك بن أعين الجهني، عن زيد بن وهب الجهني أنّ عمّار بن ياسر (رحمه الله) قال يومئذ: أين مَنْ يبتغي رضوان الله عليه، ولا يؤوب إلى مال ولا ولد؟
فأتته عصابة من النّاس فقال: أيّها النّاس، اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم ابن عفّان، ويزعمون أنّه قُتل مظلوماً، والله ما طلبتهم بدمه ولكنّ القوم ذاقوا الدنيا فاستحبّوها واستمرؤوها، وعلموا أنّ الحقّ إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرّغون فيه من دنياهم، ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقّون بها طاعة النّاس والولاية عليهم، فخدعوا أتباعهم أن قالوا: إمامنا قُتل مظلوماً؛ ليكونوا بذلك جبابرة ملوكاً، وتلك مكيدة بلغوا بها ما ترون، ولولا هي ما تبعهم من النّاس رجلان. اللّهمّ إن تنصرنا فطالما نصرت، وإن تجعل لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم.
ثمّ مضى ومضت تلك العصابة التي أجابته حتّى دنا من عمرو، فقال: يا عمرو، بعت دينك بمصر؟! تباً لك تباً! طالما بغيت في الإسلام عوجاً.
____________________
(1) لهاميم: جمع لهميم، وهو السابق الجواد من الخيل.
وقال لعبيد الله بن عمر بن الخطاب: صرعك الله! بعت دينك من عدوّ الإسلام وابن عدوّه!
الحسكاني 1 / 36 بسنده عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة، أنّ اُناساً تذاكروا فقالوا: ما نزلت آية في القرآن فيها( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلاّ في أصحاب محمّد، فقال حذيفة: ما نزلت في القرآن( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلاّ كان لعليّ لُبُّها ولُبابها.
الحسكاني 2 / 259 بسنده عن زيد بن وهب، عن حذيفة في قوله( وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) قال: هو علي بن أبي طالب.
تاريخ دمشق 42 / 242: أخبرنا أبو الحسن عليّ بن المسلم، أنا أبو القاسم بن أبي العلاء، أنا أبو بكر محمّد بن عمر بن سليمان النصيبي، نا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد، نا أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المهوي، نا بشر بن مهران الفرّاء، أنا شريك، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة قال: قال رسول الله: « مَنْ أحبّ أن يحيا حياتي ويموت موتي... وليتول عليّ بن أبي طالب بعدي ».
المستدرك 3 / 160: حدّثنا أبو بكر محمّد بن الحسين بن مصلح الفقيه بالرّي، ثنا محمّد بن أيوب، ثنا يحيى بن المغيرة السعدي، ثنا جرير بن عبد الحميد، عن الحسن بن عبد الله النخعي، عن مسلم بن صبيح، عن زيد بن أرقم (رضي الله تعالى عنه) قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « إنّي تارك فيكم الثّقلين؛ كتاب الله وأهل بيتي، وإنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض ». هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
المستدرك 3 / 197: حدّثني أبو بكر محمّد بن أحمد بن بالويه، ثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله، ثنا حجّاج بن نصير، ثنا قرّة بن خالد، ثنا عامر بن عبد الواحد، عن أبي الضحى، عن بن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما) قال: ما كنّا نشك وأهل البيت متوافرون أنّ الحسين بن عليّ يُقتل بالطفّ.
الفصل الرابع
حركة الأئمّة من ذرية الحسينعليهمالسلام
بانتشار حديث الغدير، وحديث الثقلين، وحديث المباهلة، وحديث الكساء وغيرها من الأحاديث النبويّة الصحيحة في أهل البيت عرفت الأجيال الجديدة من الأمّة موقع أهل البيتعليهمالسلام في الإسلام، وأنّهم امتداد رسالي للنبيصلىاللهعليهوآله ، وأئمّة هدى، وحجج على الناس.
وتحرّك الناس لموالاتهم، واتّجهوا عملياً نحو ذريّة الحسن والحسينعليهماالسلام بصفتهم البقيّة الباقية عملياً من ذريّة النبيصلىاللهعليهوآله من ابنته الزهراءعليهاالسلام ، ولم يكن آنذاك غير شخصيتين بارزتين هما: الحسن المثنى بن الحسن بن علي، وعلي بن الحسين بن عليعليهالسلام ، وكلاهما كان بقيّة ملحمة كربلاء؛ ارتثّ الأوّل وأخذه أخواله فنجا من القتل، ومرض علي بن الحسينعليهالسلام قبل المعركة بالذَّرَب(1) فتعذّر عليه أن يُقاتل، وصار العدو يرثي لحاله؛ لشدّة مرضه، وبذلك أنجاه الله تعالى من القتل.
____________________
(1) الذرب: وهو الإسهال.
وكانت ذريّة الحسنعليهالسلام من الحسن المثنى، من وُلْده: عبد الله المحض، وإبراهيم الغمر، والحسن المثلث، وداود، وجعفر، ومن زيد من ولده الحسن(1) .
وكانت ذريّة الحسينعليهالسلام من علي بن الحسينعليهالسلام ، من ستة من ولده، وهم: محمد الباقرعليهالسلام ، وعبد الله الباهر، وعمر الأشرف، وزيد، والحسين الأصغر، وعلي.
____________________
(1) قال السيد علي بن محمد العلوي العمري النسابة في المجدي من أعلام القرن الخامس في أنساب الطالبيِّين / 202: العقب من ولد الحسن بن علي من أربعة رجال، وهم: الحسن وزيد، وعمر والحسين الأثرم، انقرض اثنان، وهما: عمر والحسين.
وقال في / 203: وما وجدت أنا لزيد بن الحسن إلاّ بنتاً، وأمّا محمد الحسن الذي منه عقبه، وهم سبعة رجال، وهم: القاسم وعلي، وإسماعيل وإبراهيم، وزيد وعبد الله وإسحاق.
من المفيد جدّاً أن نورد ترجمة لكلّ من الحسن بن الحسن، وزيد بن الحسن.
أورد العلامة الأبطحي في موسوعته الرجالية(1) ترجمة وافية للحسن المثنى نورد أكثرها فيما يلي: قال: أبو محمد الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، أمّه خولة بنت منظور الفزاريّة، ذكرها بنسبها مع قصّة تزويج الإمام الحسن السبطعليهالسلام بها أرباب السير والتراجم والنسب(2) .
قال المفيد(3) : وأمّا الحسنعليهالسلام فكان جليلاً، رئيساً، فاضلاً، ورعاً، وكان يلي صدقات أمير المؤمنينعليهالسلام في وقته... ومضى الحسن بن الحسنعليهالسلام ولم يدّعِ الإمامة، ولا ادّعاها له مدّعٍ كما وصفناه من حال أخيه زيد (رحمه الله).
وقال ابن زهرة الحسيني في غاية الاختصار: وأمّا الحسن المثنى الجليل، أمّه
____________________
(1) تهذيب المقال - السيد محمد علي الأبطحي 2 / 301.
(2) منهم الشيخ المفيد في الإرشاد، وابن عنبة في عمدة الطالب، والبخاري في سرّ السلسلة، وابن زهرة في غاية الاختصار، وابن عساكر في تاريخ دمشق، وابن سعد في الطبقات 5 / 315.
(3) الإرشاد 2 / 25.
خولة بنت منظور.... وكان الحسن المثنى من رواة الحديث في الفقه وغيره. روى عنه أصحابنا والعامّة بطرقهم، وروى عن أبيه الإمام أبي محمد الحسنعليهالسلام (1) .
وروى الحسن المثنى عن فاطمة بنت الحسين (عليها السلام)، وعبد الله بن جعفر، وجماعة. روى عنه ابنه عبد الله، وابن عمّه الحسن بن محمد بن الحنفيّة، وإبراهيم بن الحسن، وسهل بن أبي صالح، وحنان بن سدير الكوفي، وجماعة ذكره ابن عساكر وابن حجر.
وقد روى ابن عساكر وغيره أخباراً مكذوبة مفتعلة موضوعة ممّا نسب إليه، كما وضع الكذابون أخباراً فيما ينافي مذهب أهل البيتعليهمالسلام ، ثمّ نسبوها بأئمّة أهل البيتعليهمالسلام ممّا لا يخفى على المتتبع في أخبارهم، ولا يسع المقام لتحقيق ذلك.
ذكر المؤرّخون وأصحاب السير والحديث والأنساب وغيرهم(2) : أنّ الحسن بن الحسن أبا محمد حضر مع عمّه الحسينعليهالسلام يوم الطفّ، وشهد المعركة، وواسى عمّه في الصبر على السيوف والرماح حتّى اُثخن بالجراح ووقع على الأرض بين القتلى، وكان به رمق فبرئ.
وهم بين مَنْ ذكر أنّه اُسر مع السبايا وحمل معهم(3) ، وبين مَنْ ذكر أنّه انتزع منهم ولم يحمل معهم، وبين مَنْ أهمل ذلك. واتفقوا على أنّه برئ ولحق بالمدينة وعاش مدّة.
قال أبو الفرج(4) : وحُمل أهلهعليهالسلام أسرى وفيهم عمرو وزيد والحسن بنو الحسن بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام ، وكان الحسن بن الحسن بن علي قد أرتثّ جريحاً فحُمل معهم.
____________________
(1) قال الأبطحي ذكره ابن عساكر في التاريخ، وابن حجر في تهذيب التهذيب 2 / 262، والذهبي في سير أعلام النبلاء 3 / 164، وغيرهم.
وروى الصدوق (قُدس سرّه) في الخصال 2 / 94 باب (16) بإسناده عنهعليهالسلام في حقّ العالم.
وروى الأربلي في كشف الغمة 2 / 175 عن الحسن المثنى، عن أبيهعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « إنّ من واجب المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم ». ورواه بطريق آخر عنهعليهالسلام في 2 / 203.
وقد ذكرناه في طبقات أصحاب أبيهعليهالسلام ، وأصحاب عمّه الحسينعليهالسلام ، وأصحاب السجّادعليهالسلام .
(2) انفرد أبو مخنف من بين الرواة وأصحاب السير حين ذكر أنّ الحسن بن الحسن يوم الطفّ كان طفلاً.
(3) قال أبو مخنف: واستُصغر الحسن بن الحسن فلم يقتل. الطبري 4 / 359.
(4) في مقاتل الطالبيِّين / 79.
وقال الشيخ المفيد(1) : وكان الحسن بن الحسنعليهالسلام حضر مع عمّه الحسينعليهالسلام الطفّ. فلمّا قُتل الحسينعليهالسلام واُسر الباقون من أهله، جاءه أسماء بن خارجة فانتزعه من بين الاُسارى، وقال: والله لا يصل إلى ابن خولة أبداً.
فقال عمر بن سعد: دعوا لأبي حسان ابن أخته. ويُقال: إنّه اُسر، وكان به جراح قد اُشفي منها.
وقال ابن عنبة(2) : وكان الحسن بن الحسنعليهالسلام شهد الطفّ مع عمّه الحسينعليهالسلام واُثخن بالجراح، فلمّا أرادوا أخذ الرؤوس وجدوا به رمقاً، فقال أسماء بن خارجة بن عيينة بن خضر بن حذيفة بن بدر الفزاري: دعوه لي؛ فإن وهبه الأمير عبيد الله بن زياد (لعنه الله) لي، وإلاّ رأى رأيه فيه. فتركوه له، فحمله إلى الكوفة، وحكوا ذلك لعبيد الله بن زياد فقال: دعوا لأبي حسان ابن اُخته. وعالجه أسماء حتّى برئ، ثمّ لحق بالمدينة.
وقال السيد ابن طاووس صاحب اللهوف: كان الحسن بن الحسن المثنى قد واسى عمّه في الصبر على السيوف، وطعن الرماح، وكان قد نُقل من المعركة وقد اُثخن بالجراح وبه رمق فبرئ.
وقال ابن حمزة الحسيني النقيب في غاية الاختصار: وشهد الحسن بن الحسن الطفّ مع عمّه الحسينعليهالسلام فأفلت.
وقال الذهبي(3) : ولم يفلت من أهل بيت الحسينعليهالسلام سوى ولده علي الأصغر، فالحسينية من ذريته، وكان مريضاً، وحسن بن حسن بن عليعليهالسلام وله ذريّة.
قال المفيد(4) : روي أنّ الحسن بن الحسنعليهالسلام خطب إلى عمّه الحسينعليهالسلام إحدى ابنتيه، فقال له الحسينعليهالسلام : « اختر يا بُني أحبّهما إليك ». فاستحيى الحسن ولم يحر جواباً،
____________________
(1) الإرشاد 2 / 25.
(2) عمدة الطالب / 100.
(3) سير أعلام النبلاء 3 / 203.
(4) الإرشاد 3 / 25.
فقال له الحسينعليهالسلام : « فإنّي قد اخترت لك ابنتي فاطمة، فهي أكثرهما شبهاً باُمّي فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله »(1) .
وكان الحسن المثنى (رحمه الله) يتولّى صدقات أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام في عصره، وكان تولّى صدقاته وصدقات فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) أيضاً من بعد عليعليهالسلام للحسن، ثمّ للحسين، ثمّ من بعده لأكبر ولدها إذا كان يرضى بهديه وإسلامه وأمانته كما في أخبارها.
وقد ذكره أصحابنا وجمهور المخالفين بتولّي صدقاتهعليهالسلام (2) ، وكان تولّيه الصدقات أيام عبد الملك بن مروان كما صرّحوا بذلك.
قال المفيد(3) بإسناده عن عبد الملك بن عبد العزيز قال: لمّا ولي عبد الملك بن مروان الخلافة ردّ إلى علي بن الحسينعليهماالسلام صدقات رسول اللهصلىاللهعليهوآله وصدقات علي بن أبي طالبعليهالسلام .
____________________
(1) قال الأبطحي: ورواه نحوه ابن زهرة الحسيني في (غاية الاختصار / 41) وفيه: فهي أكبرهما سنّاً، وأكثرهما شبهاً الخ. وفي عمدة الطالب / 99 نحوه مع تفاوت يسير.
وقال البخاري في سر السلسلة / 6: خطب الحسن بن الحسن بن عليعليهالسلام إلى عمّه الحسينعليهالسلام إحدى بناته، فأبرز إليه فاطمة وسكينة، وقال: « يابن أخي، اختر أيّتهما شئت ». فاختار فاطمة بنت الحسينعليهالسلام ، وكانت أشبه الناس بفاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله فزوّجه... وأشار إلى قوله هذا ابن عنبة في العمدة.
وقال في غاية الاختصار / 41: وكان الحسن بن الحسنعليهالسلام خطب إلى عمّه الحسينعليهالسلام ، فقال الحسينعليهالسلام : « يابن أخي، قد كنت انتظر هذا منك، انطلق معي ». فجاء به حتّى أدخله منزله، فخيّره في ابنتيه فاطمة وسكينة، فاختار فاطمة، فزوّجه إيّاها.
قال المؤلِّف: وفي التبيين في أنساب القرشيين - تأليف المقدسي (ت620) هجرية / 106: إنّ الحسن بن الحسن لمّا توفي أبوه أخذه عمّه الحسين إلى منزله، فأخرج له ابنتيه فاطمة وسكينة، فاختار فاطمة وزوّجه إيّاها.
(2) كما في إرشاد الشيخ المفيد، وغاية الاختصار - لابن زهرة، وعمدة الطالب، وأنساب الأشراف - لأحمد بن يحيى البلاذري 1 ق1 / 226، وتاريخ ابن عساكر 11 / 106، وتهذيب التهذيب 2 / 263.
(3) الإرشاد 2 / 149.
قال ابن عنبة(1) : وكان الحسن بن الحسن يتولّى صدقات أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، ونازعه فيها زين العابدين علي بن الحسينعليهالسلام ، ثمّ سلّمها له.
قال الأبطحي: الظاهر أنّ ما ذكره في عمدة الطالب غير صحيح، فإنّ الولي لها شرعاً حسب وقف أربابها هو علي بن الحسينعليهالسلام ، كما إنّ الحكومة الخارجية أثبتتها وأرجعتها إليه كما صرحوا بذلك، ولعله كان بأمره وإذنهعليهالسلام تفضّلاً منه.
وروى الكليني(2) في باب النصّ على أبي جعفرعليهالسلام بطرق فيها الحسن كالصحيح وغيره عن أبي عبد اللهعليهالسلام يقول: « إنّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى ابن حزم (واليه على القضاء بالمدينة) أن يرسل إليه بصدقة عليعليهالسلام وعمر وعثمان، وابن حزم بعث إلى زيد بن الحسن، وكان أكبرهم، فسأله عن الصدقة، فقال زيد: إنّ الوالي كان بعد عليعليهالسلام الحسن، وبعد الحسن الحسين، وبعد الحسين علي بن الحسين، وبعد علي بن الحسين محمد بن علي، فابعث إليه ».
ولمّا ولّى عبد الملك الحجّاج بن يوسف على مكّة والمدينة واليمن، واتصل به عمر بن عليعليهالسلام ، فسأله أن يدخله في صدقات أمير المؤمنينعليهالسلام ، فقال الحسن: لا اُغيّر شرط عليعليهالسلام ، ولا اُدخل فيها مَنْ لم يدخل.
فقال له الحجّاج: إذاً أدخله أنا معك. فتوجّه الحسن إلى عبد الملك بالشام ودخل عليه فأخبره بقول الحجّاج، فقال: ليس له ذلك. وكتب إلى الحجّاج كتاباً في ذلك.
وروى ابن عساكر بسنده عن الزبير بن بكار قال: وكان الحسن بن الحسن وصي أبيه وولي صدقة علي بن أبي طالب في عصره، وكان الحجّاج بن يوسف قال له يوماً وهو يسايره في موكبه بالمدينة (وحجّاج يومئذ أمير المدينة): أدخل عمّك عمر بن علي معك في صدقة علي؛ فإنّه عمّك وبقية أهلك. قال: لا اُغيّر شرط علي، ولا اُدخل فيها مَنْ
____________________
(1) عمدة الطالب / 99.
(2) أصول الكافي 1 / 305.
لم يدخل. قال: إذاً أدخله معك. فنكص عنه الحسن حين غفل الحجّاج، ثم كان وجهه إلى عبد الملك حتّى قدم عليه، فوقف ببابه يطلب الإذن، فمرّ به يحيى بن الحكم، فلمّا رآه يحيى عدل إليه فسلّم عليه، وسأله عن مقدمه وخبره، وتحفّى به، ثمّ قال: إنّي سأنفعك عند أمير المؤمنين (يعني عبد الملك).
فدخل الحسن على عبد الملك فرحّب به، وأحسن مساءلته (وكان الحسن بن الحسن قد أسرع إليه الشيب)، فقال له عبد الملك: لقد أسرع إليك الشيب. (ويحيى بن الحكم في المجلس).
فقال له يحيى: وما يمنعه يا أمير المؤمنين! شيبه أماني أهل العراق؛ كلّ عام يقدم عليه ركب يمنّونه الخلافة. فأقبل عليه الحسن بن الحسن فقال: بئس والله الرفد رفدت! وليس كما قلت، ولكنّا أهل بيت يسرع إلينا الشيب. وعبد الملك يسمع، فأقبل عليه عبد الملك فقال: هلمّ ما قدمت له.
فأخبره بقول الحجّاج، فقال: ليس ذلك له، اكتبوا له كتاباً لا يجاوزه. فوصله وكتب له، فلمّا خرج من عنده لقيه يحيى بن الحكم فعاتبه الحسن على سوء محضره، وقال: ما هذا الذي وعدتني. فقال له يحيى: إيهاً عنك! والله لا يزال يهابك، ولولا هيبته إياك ما قضى لك حاجة، وما ألوتك رفداً(1) .
قال الأبطحي: يظهر من ذلك عدم صحة ما نسب إليه في دعوى الإمامة؛ ولذلك سعى عليه كذباً إلى عبد الملك بن مروان ووليد بن عبد الملك.
قال ابن عنبة عند ذكر الحسن بن الحسنعليهالسلام (2) : وكان عبد الرحمان بن الأشعث قد دعا إليه وبايعه، فلمّا قُتل عبد الرحمان توارى الحسن.
وقيل لعبد الملك: إنّ أهل العراق يدعونه إلى الخروج معهم عليك، فعاتب الحسن بن الحسنعليهالسلام ، فجعل يعتذر إليه ويحلف له، فكلّمه خالد بن يزيد بن معاوية في قبول عذره(3) .
____________________
(1) تاريخ دمشق ابن عساكر ترجمة الحسن بن الحسن.
(2) عمدة الطالب / 100.
(3) الأغاني - لأبي الفرج 13 / 15.
ولمّا أمره هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة والي عبد الملك على المدينة أن يشتم آل علي علياًعليهالسلام ، وآل الزبير عبد الله بن الزبير، وأبوا جميعاً وكتبوا وصاياهم، فأمر الوالي بإرشاد أخته أن يشتم آل علي آل الزبير وآل الزبير آل علي، فكان الحسن بن الحسنعليهالسلام أوّل مَنْ أقيم إلى جانب المنبر، وكان رجلاً رقيق البشرة عليه يومئذ قميص كتّان رقيق فأمره هشام بسب آل الزبير فامتنع، وقال: إنّ لآل الزبير رحماً، يا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار؟!
فأمر هشام حرسياً عنده أن اضربه، فضربه سوطاً واحداً من فوق قميصه، فخلص إلى جلده فسرّحه حتّى سال دمه تحت قدمه في المرمر(1) .
وقيل للوليد بن عبد الملك: إنّ الحسن بن الحسنعليهالسلام يكاتب أهل العراق، فكتب إلى عامله بالمدينة عثمان بن حيّان المري: انظر الحسن بن الحسن فاجلده مئة ضربة، وقفه للناس يوماً، ولا أراني إلاّ قاتله. فجيء بالحسن والخصوم بين يديه، فقام إليه علي بن الحسينعليهالسلام فقال: « أخي، تكلّم بكلمات الفرج يفرّج الله عنك: لا إله إلاّ الله الحكيم الكريم، سبحان الله ربّ السماوات السبع وربّ العرش العظيم، الحمد لله ربّ العالمين ».
فلمّا قالها انفرجت فرجة من الخصوم، فرآه عثمان فقال: أرى وجه رجل قد افتُريت عليه كذبة، خلّوا سبيله وأنا كاتب إلى أمير المؤمنين بعذره، فإنّ الشاهد يرى ما لا يراه الغائب. وقيل: إنّ والي المدينة كان يومئذ هشام بن إسماعيل(2) .
قال المفيد(3) : وقبض الحسن بن الحسنعليهالسلام وله خمس وثلاثون سنة (رحمه الله)، وأخوه زيد بن الحسن حي، ووصى إلى أخيه من أمّه إبراهيم بن محمد بن طلحة.
وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق 11 / 110 بإسناده عن مصعب قال: وتوفي الحسن بن الحسن فأوصى إلى إبراهيم بن محمد بن طلحة، وهو أخوه لاُمّه.
____________________
(1) ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق 11 / 108.
(2) ذكره ابن عساكر في ترجمته 11 / 107، ورواه نحوه بطريق آخر لكن فيها: إنّ الوالي كان هشام بن إسماعيل. ورواه النسائي في كلمات الفرج كما في تهذيب التهذيب.
(3) الإرشاد / 197.
وقال في عمدة الطالب(1) : دس إليه الوليد بن عبد الملك مَنْ سقاه سمّاً فمات وعمره إذ ذاك خمس وثلاثون سنة، وكان يشبه برسول اللهصلىاللهعليهوآله .
قال الأبطحي: إنّه (رحمه الله) أدرك أباهعليهالسلام وروى عنه، ولا تصح روايته عنه إلاّ إذا كان له من العمر ما يصح في مثله الرواية، وقد مضى أبوه الإمام السبط أبو محمد الحسنعليهالسلام شهيداً في صفر سنة خمسين كما صرّح بذلك المفيد في الإرشاد، وابن عنبة في عمدة الطالب.
وقد حضر مع عمّه كربلاء سنة (61). وعانده الحجّاج أيّام إمارته على الحجاز سنة (73) أو بعدها في توليه الصدقات، وفي تشييع جنازة جابر الأنصاري الصحابي ودخوله قبره سنة (78) قبل دخول عبد الملك المدينة، وعزله الحجّاج عن الحجاز.
وروى عن الحسن المثنى الحسن المثلث ابنه المولود سنة (77) على ما يأتي، ولا تصح روايته إلاّ بعد سنين من ولادته. وفي سنة (85) أو ما يقاربها اُقيم بأمر هشام بن إسماعيل والى المدينة إلى جانب منبر مسجد النبيصلىاللهعليهوآله ، وأمره بسبب الزبير فامتنع فضرب بسوط حتّى سال الدم تحت قدمه في المرمر كما تقدّم.
ولعل ذلك كان حين ما أمر عبد الملك واليه بأخذ البيعة من الناس عند عقده العهد من بعده لولده، وعند ذلك ضرب سعيد بن المسيب ستين سوطاً وصمم. ذكره اليافعي في سنة (85)، وبويع للوليد بن عبد الملك سنة (86)، وكتب إلى عثمان بن حيّان عامله بالمدينة أن أجلد الحسن بن الحسنعليهالسلام مئة ضربة، وقفه للناس يوماً، ولا أراني إلاّ قاتله (الحديث كما تقدّم).
ولعله لذلك ذكر في العمدة كما تقدّم: أنّ الوليد دسّ مَنْ سقاه سمّاً. وقال في تهذيب التهذيب 3 / 263 في ترجمته: قرأت بخطّ الذهبي مات سنة (97).
قال: فإن صح ذلك فهذا في أيام سليمان بن عبد الملك فقد مات الوليد سنة (96).
وقد ظهر من ذلك كلّه أنّ ما في الإرشاد وعمدة الطالب في مدّة عمر الحسن بن الحسنعليهالسلام غير مستقيم، ولعله كان فيهما تصحيفاً من النّساخ.
____________________
(1) قال الأبطحي: وفيه أقوال اُخر: سنة 44، أو49، أو51، أو56، أو58، أو59.
قال الشيخ المفيد: ومضى الحسن بن الحسن ولم يدّعِ الإمامة، ولا ادّعاها له مدّعٍ كما وصفناه في حال أخيه زيد (رحمه الله)(1) .
أقول: وأعقب الحسن المثنى من خمسة رجال؛ عبد الله المحض، وإبراهيم الغمر، والحسن المثلث، واُمّهم فاطمة بنت الحسين بن علي، ومن داود، وجعفر، واُمّهما اُمّ ولد رومية تدعى جيبة(2) ، فعقبه خمسة أسباط(3) .
قال ابن عنبة: وكان زيد يُكنّى أبا الحسين. وقال الموضح النسابة: أبا الحسن، وكان يتولّى صدقات رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وتخلّف عن عمّه الحسين فلم يخرج معه إلى العراق، وبايع بعد قتل عمّه الحسين عبد الله بن الزبير؛ لأنّ أخته لأمّه وأبيه كانت تحت عبد الله بن الزبير. قاله أبو النصر البخاري.
فلمّا قُتل عبد الله أخذ زيد بيد أخته ورجع إلى المدينة، وله في ذلك مع الحجّاج قصّة، وكان زيد بن الحسن جواداً ممدوحاً، عاش مئة سنة، وقيل: خمساً وتسعين، وقيل: تسعين. ومات بين مكّة والمدينة بموضع يُقال له: حاجر، واُمّ زيد فاطمة بنت أبي مسعود.
قال الشيخ المفيد: زيد بن الحسن (رحمه الله) فكان على صدقات رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأسن، وكان جليل القدر، كريم الطبع، كثير البرّ. ومدحه الشعراء، وقصده الناس من الآفاق لطلب فضله؛ فذكر أصحاب السيرة أنّ زيد بن الحسن كان يلي صدقات رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فلمّا ولي سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله بالمدينة: أمّا بعد، فإذا جاءك كتابي هذا فاعزل
____________________
(1) الإرشاد 2 / 26.
(2) وهي التي علّمها الإمام الصادقعليهالسلام الدعاء المعروف بدعاء اُمّ داود، وكان به خلاص ابنها داود من الحبس.
(3) عمدة الطالب - ابن عنبة / 101.
زيداً عن صدقات رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وادفعها إلى فلان بن فلان - رجل من قومه - وأعنه على ما استعانك عليه، والسّلام.
فلمّا استخلف عمر بن عبد العزيز إذا كتاب قد جاء منه: أمّا بعد، فإنّ زيد بن الحسن شريف بني هاشم، وذو سنّهم، فإذا جاءك كتابي هذا فاردد إليه صدقات رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأعنه على ما استعانك عليه، والسّلام.
وفي زيد بن الحسن يقول محمد بن بشير الخارجي:
إذا نزلَ ابنُ المصطفى بطنَ تلعةٍ(1) |
نفى جدبها واخضرَّ بالنبتِ عودُها |
|
وزيدٌ ربيعُ الناسِ في كلِّ شتوةٍ |
إذا أخلفت أنواؤها(2) ورعودُها |
وروى ابن عساكر عن ابن وهب، حدّثني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري قال: بلغني أنّ الوليد بن عبد الملك كتب إلى زيد بن حسن بن علي يسأله أن يبايع لعبد العزيز بن الوليد ويخلع سليمان بن عبد الملك، ففرق زيد بن الحسن من الوليد فأجابه، فلمّا استخلف سليمان وجد كتاب زيد بن حسن إلى الوليد بذلك، فكتب إلى أبي بكر بن حزم (وهو أمير المدينة) ادع زيد بن حسن وأقرأه هذا الكتاب، فإن عرفه فاكتب إليّ بذلك، وإن هو نَكَل فقدِّمه فاصبر يمينه على منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما كتب بهذا الكتاب ولا أمر به.
قال: فأرسل إليه أبو بكر بن حزم فأقرأه الكتاب، فقال: أنظرني ما بيني وبين العشاء أستخير الله عزّ وجلّ.
قال: فأرسل زيد بن حسن إلى القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله يستشيرهما في ذلك، قال فأقاما ربيعة معهما، فذكر لهما ذلك وقال لهما: إنّي لم أكن آمن الوليد على دمي لو لم أجبه، فقد كتبت هذا الكتاب فترون أن أحلف؟ فقالوا: لا تحلف ولا تبارز الله عند
____________________
(1) التلعة: مسيل ماء من أعلى الأرض إلى بطن الوادي.
(2) الأنواء: جمع نوء، وهو سقوط نجم وطلوع نجم، وكانت العرب تنسب المطر إلى الأنواء، فتقول: مطرنا بنوء كذا.
منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فإنّا نرجو أن ينجيك الله بالصدق. فأقرَّ بالكتاب ولم يحلف، فكتب بذلك أبو بكر، فكتب سليمان إلى أبي بكر أن يضربه مئة سوط، ويدر عنه عباءة، ويمشيه حافياً.
قال: فحبس عمر بن عبد العزيز الرسول في غسل سليمان وقال: لا تخرج حتّى اُكلّم أمير المؤمنين فيما كتب في زيد بن حسن؛ لعلّي أستطيب نفسه فيترك هذا الكتاب.
قال: فجلس الرسول، ومرض سليمان، فقال للرسول: لا تخرج فإنّ أمير المؤمنين مريض. قال: إلى أن رمي في جنازة سليمان، وأفضى الأمر إلى عمر بن عبد العزيز فدعا بالكتاب فحرقه(1) .
قال ابن عنبة: وكان لزيد ابنة اسمها نفيسة خرجت إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان فولدت منه، ماتت بمصر ولها هناك قبر يزار، وهي التي تسمّيها أهل مصر (الست نفيسة) ويعظّمون شأنها، ويقسمون بها. وقد قيل: إنّ صاحبة القبر بمصر نفيسة بنت الحسن بن زيد، وإنّها كانت تحت إسحاق بن جعفر الصادق.
توفي زيد بالبطحاء على ستة أميال من المدينة سنة (120) وله تسعون سنة، وحمل إلى البقيع، فرثاه جماعة من الشعراء وذكروا مآثره، ويحكوا فضله.
فممّن رثاه قدامة بن موسى الجمحي فقال:
فإن يكُ زيدٌ غالت الأرضُ شخصَه |
فقد بانَ معروفٌ هناك وجودُ |
|
وإن يكُ أمسى رهنَ رمسٍ فقد ثوى |
بهِ وهو محمودُ الفعالِ فقيدُ |
|
سميعٌ إلى المعترّ يعلمُ أنّه |
سيطلبهُ المعروفُ ثمّ يعودُ |
|
وليس بقوّالٍ وقد حطّ رحله |
لملتمسِ المعروفِ أينَ تريدُ |
|
إذا قصرَ الوغدُ الدني نما به |
إلى المجدِ آباءٌ لهُ وجدودُ |
|
مباذيلُ للمولى محاشيدُ للقرى |
وفي الروعِ عندَ النائباتِ اُسودُ |
____________________
(1) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر 19 / 379.
إذا انتحلَ العزّ الطريف فإنّهم |
لهم إرثُ مجدٍ ما يرامُ تليدُ |
|
إذا مات منهم سيدٌ قامَ سيدٌ |
كريمٌ يبّني بعدهُ ويشيدُ |
والعقب منه في ابنه الحسن بن زيد، ويُكنّى أبا محمد، كان أمير المدينة من قبل المنصور الدوانيقي، وعمل له على غير المدينة أيضاً، وكان مظاهراً لبني العباس على بني عمّه الحسن المثنى، وهو أوّل مَنْ لبس السواد من العلويين، وبلغ من السن ثمانين سنة، وتوفّي - على ما قال ابن الخداع - بالحجاز سنة ثمان وستين ومئة، وأدرك زمن الرشيد، ولا عقب لزيد إلاّ منه.
أعقب الحسن بن زيد بن الحسن من سبعة رجال وهم؛ القاسم وعلي، وإسماعيل وإبراهيم، وزيد وعبد الله وإسحاق(1) .
قال الشيخ المفيد (رحمه الله): وخرج زيد بن الحسن (رحمه الله) من الدنيا ولم يدّعِ الإمامة، ولا ادّعاها له مدّعٍ من الشيعة ولا غيرهم، وذلك إنّ الشيعة رجلان؛ إمامي وزيدي.
فالإمامي يعتمد في الإمامة النصوص، وهي معدومة في ولد الحسنعليهالسلام باتفاق، ولم يدّعِ ذلك أحد منهم لنفسه فيقع فيه ارتياب.
والزيدي يراعي في الإمامة بعد علي والحسن والحسينعليهمالسلام الدعوة والجهاد، وزيد بن الحسن (رحمة الله عليه) كان مسالماً لبني اُميّة، ومتقلّداً من قبلهم الأعمال، وكان رأيه التقية لأعدائه، والتألّف لهم والمداراة، وهذا يُضاد عند الزيدية علامات الإمامة كما حكيناه(2) .
____________________
(1) انظر المجدي في أنساب الطالبيِّين - للسيد علي بن محمد العلوي العمري النسابة أعلام القرن الخامس / 202، وأيضاً عمدة الطالب.
(2) الإرشاد - الشيخ المفيد 2 / 20.
علي بن الحسين، المعروف بزين العابدين، وأيضاً بالسجّادعليهالسلام . وذريّة الحسين منه، وقد سجّلت له كتب التراجم السنيّة سيرة عبقة متميّزة في الورع والعبادة والعلم. كما سجّلت لولده الباقرعليهالسلام وحفيده الصادقعليهالسلام السيرة نفسها.
قال جمال الدين في عمدة الطالب، عن كتاب مناقب بني هاشم للجاحظ أنّه قال في حق زين العابدين علي بن الحسينعليهالسلام ما نصّه: وأمّا علي بن الحسين بن علي فلم أَرََ الخارجي في أمره إلاّ كالشيعي، ولم أَرَ الشيعي إلاّ كالمعتزلي، ولم أَرَ المعتزلي إلاّ كالعامي، ولم أَرَ العامي إلاّ كالخاصي، ولم أجد أحداً يتمارى في تفضيله ويشك في تقديمه(1) .
قال ابن حجر: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي زين العابدين، ثقة، ثبت، عابد، فقيه، فاضل مشهور(2) .
وقال أبو بكر بن البرقي: ونسل الحسين بن علي كلّه من قِبل علي الأصغر، واُمّه اُمّ ولد، وكان أفضل أهل زمانه(3) .
____________________
(1) مناهل الضرب - للأعرجي / 388.
(2) تقريب التهذيب.
(3) تهذيب الكمال.
وقال ابن حبان: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو الحسن، من فقهاء أهل البيت(1) .
روى ابن عساكر عن الزهري قال: كان علي بن الحسين من أفضل أهل بيته وأفقههم، وأحسنهم طاعة، وأحبّهم إلى مروان بن عبد الحكم وعبد الملك بن مروان(2) .
وروى عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: لم أدرك من أهل البيت أفضل من علي بن الحسين.
وروى عن زيد بن أسلم قال: ما جالست في أهل القبلة مثله (يعني علي بن الحسين)(3) .
وروى عن أبي حازم أنّه كان يقول: ما رأيت هاشمياً أفضل من علي بن الحسين(4) .
وروى عن مالك أنّه قال: لم يكن في أهل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله مثل علي بن الحسين(5) .
وقال ابن سعد: كان علي بن حسين ثقة مأموناً، كثير الحديث، عالياً رفيعاً ورعاً.
وهو عند يحيى بن سعيد الأنصاري أفضل هاشمي رآه بالمدينة(6) .
وهو عند سعيد بن المسيب أورع مَنْ رآه.
وقال مصعب بن عبد الله الزبيري عن مالك: ولقد أحرم علي بن الحسين، فلمّا أراد أن يقول: لبيك، قالها فأغمي عليه حتّى سقط من ناقته فهشم، ولقد بلغني أنّه كان يصلّي في كلّ يوم وليلة ألف ركعة إلى أن مات، وكان يسمّى بالمدينة زين العابدين لعبادته.
____________________
(1) مشاهير علماء الأمصار 1 / 63.
(2) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر 14 / 371.
(3) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر 14 / 373.
(4) المصدر نفسه.
(5) المصدر نفسه.
(6) تهذيب الكمال - ترجمة علي بن الحسين بن أبي طالب.
وقال سفيان بن عيينة عن أبي حمزة الثمالي: إنّ علي بن الحسين كان يحمل الخبز بالليل على ظهره يتتبع المساكين في ظلمة الليل، ويقول: « إنّ الصدقة في سواد الليل تطفئ غضب الربّ »(1) .
وقال جرير بن عبد الحميد عن عمرو بن ثابت: لمّا مات علي بن الحسين وجدوا بظهره أثراً، فسألوا عنه، فقالوا: هذا ممّا كان ينقل الجرب بالليل على ظهره إلى منازل الأرامل.
وقال محمد بن زكريا الغلابي، حدّثنا عبيد الله بن محمد بن عائشة قال: حدّثني أبي وغيره أنّ هشام بن عبد الملك حجّ في خلافة عبد الملك أو الوليد، فطاف بالبيت وأراد أن يستلم الحجر فلم يقدر عليه من الزحام، فنصب له منبر، فجلس عليه وأطاف به أهل الشام، فبينا هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين عليه إزار ورداء، أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم رائحة، بين عينيه سجادة كأنّها ركبة عنز، فجعل يطوف بالبيت، فإذا بلغ إلى موضع الحجر تنحّى له الناس عنه حتّى يستلمه؛ هيبة له وإجلالاً، فغاظ ذلك هشاماً، فقال رجل من أهل الشام لهشام: مَن هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة فأفرجوا له عن الحجر؟
فقال هشام: لا أعرفه؛ (لئلاّ يرغب فيه أهل الشام)، فقال الفرزدق - وكان حاضراً -: ولكنّي أعرفه. فقال الشامي: مَنْ هو يا أبا فراس؟ فقال الفرزدق قصيدته المشهورة(2) .
____________________
(1) تاريخ الإسلام - للذهبي 7 / 433، حلية الأولياء 3 / 135، صفوة الصفوة 2 / 96.
(2) تاريخ دمشق 41 / 401.
ومنها قوله:
هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأته |
والبيتُ يعرفهُ والحلُّ والحرمُ |
|
هذا ابنُ خيرِ عبادِ اللهِ كلِّهمُ |
هذا التقي النقي الطاهرُ العلمُ |
|
إذا رأته قريشٌ قال قائلُها |
إلى مكارمِ هذا ينتهي الكرمُ |
|
مشتقّةٌ من رسولِ اللهِ نبعتُهُ |
طابت عناصرُهُ والخيمُ والشيمُ |
=
أمّا عن ولده محمد الباقرعليهالسلام ، فقد قال الذهبي فيه: أبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين، الإمام الثبت الهاشمي، العلوي المدني، أحد الأعلام، وكان سيّد بني هاشم في زمانه، اشتهر بالباقر من قولهم: بقر العلم، يعني شقّه فعلم أصله وخفيه(1) .
وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث.
وقال ابن البرقي: كان فقيهاً فاضلاً.
وقال محمد بن المنكدر(2) ما رأيت أحداً يُفَضَّل على علي بن الحسين حتّى رأيت ابنه محمداً(3) .
أمّا عن حفيده جعفر الصادقعليهالسلام ، فقد قال ابن حجر فيه: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله المعروف بالصادق، صدوق فقيه إمام.
____________________
=
ينجاب نورُ الهدى عن نورِ غرّته |
كالشمسِ ينجابُ عن إشراقها العتمُ |
|
حمّالُ أثقال أقوامٍ إذا فدحوا |
حلو الشمائلِ تحلو عنده نعمُ |
|
هذا ابنُ فاطمةٍ إن كنتَ جاهله |
بجدِّهِ أنبياءُ اللهِ قد خُتموا |
وغضب هشام وأمر بحبس الفرزدق، فحُبس بعسفان بين مكّة والمدينة، فبلغ ذلك علي بن الحسين، فبعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم، وقال: « اعذر أبا فراس، فلو كان عندنا أكثر منها لوصلناك بها ». فردّها وقال: يابن رسول الله، ما قلت الذي قلت إلاّ غضباً لله ولرسوله، وما كنت لأرزأ عليه شيئاً. فردّها إليه وقال: « بحقّي عليك لما قبلتها، فقد رأى الله مكانك وعلم نيّتك ». فقبلها.
(1) تذكرة الحفاظ 1 / 124.
(2) قال ابن حبّان مشاهير علماء الأمصار / 107: محمد بن المنكدر بن عبد الله القرشي، أبو عبد الله، وهم إخوة ثلاثة؛ أبو بكر ومحمد وعمر، وكان محمد من سادات قريش، وعبّاد أهل المدينة، وقرّاء التابعين. مات سنة ثلاثين ومئة وقد نيف على السبعين، وكان يصفر لحيته ورأسه بالحناء.
(3) سير أعلام النبلاء ترجمة محمد بن علي.
قال إبراهيم بن محمد الرماني (أبو نجيح): سمعت حسن بن زياد يقول: سمعت أبا حنيفة وسُئل: مَنْ أفقه مَنْ رأيت؟ فقال: ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمد(1) ؛ لمّا أقدمه المنصور الحيرة بعث إليّ فقال: يا أبا حنيفة، إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد، فهيّئ له من مسائلك تلك الصعاب.
فقال: فهيّأت له أربعين مسألة، ثمّ بعث إليّ أبو جعفر فأتيته بالحيرة، فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لم يدخلني لأبي جعفر، فسلّمت وأذن لي أبو جعفر فجلست، ثمّ التفت إلى جعفر فقال: يا أبا عبد الله، تعرف هذا؟
قال: « نعم، هذا أبو حنيفة ». ثمّ أتبعها: « قد أتانا ». ثمّ قال: يا أبا حنيفة، هات من مسائلك، سل أبا عبد الله.
فابتدأتُ أسأله، قال: فكان يقول في المسألة أنتم تقولون فيها كذا وكذا، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا، فربّما تابعنا، وربّما تابع أهل المدينة، وربّما خالفنا جميعاً، حتّى أتيت على أربعين مسألة ما أخرج منها مسألة، ثمّ قال أبو حنيفة: أليس قد روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس؟(2)
تحرّك هؤلاء الأئمّة الثلاثة من ذرّية الحسينعليهالسلام في الأجواء التي صنعتها شهادة الحسين وظلامته، لا باتّجاه تعريف الناس بتكليفهم إزاء السلطة الاُمويّة الذي تبلور وتعمّق بما فيه الكفاية، بل باتّجاه أمرين آخرين كانا بحاجة إلى بلورة وتأسيس وهما:
1 - البكاء على الحسينعليهالسلام والحزن عليه
البكاء على الحسينعليهالسلام والحزن عليه كحالة لا تبرد بمرور الزمن، وسلوك يُثاب عليه فاعله لبكاء النبيصلىاللهعليهوآله ، وبكاء الأنبياء السابقين عليه، في قبال البكاء أو الحزن الذي يبرد بمرور الزمن لأنّه سلوك مبني على الانفعال العاطفي ليس إلاّ.
وقد جسّد الأئمّة ذلك بقولهم وسلوكهم.
____________________
(1) الكاشف - للذهبي 1 / 295، تذكرة الحفاظ 1 / 166.
(2) الكامل في الضعفاء - لابن عدي 2 / 131، تهذيب الكمال 5 / 74.
روى المزي، قال أبو حمزة محمد بن يعقوب بن سوار عن جعفر بن محمد: سُئل علي بن الحسين عن كثرة بكائه، فقال: « لا تلوموني؛ فإنّ يعقوب فقد سبطاً من ولده فبكى حتّى ابيضّت عيناه ولم يعلم أنّه مات، ونظرت أنا إلى أربعة عشر رجلاً من أهل بيتي ذُبحوا في غداة واحدة، فترون حزنهم يذهب من قلبي؟! أبداً »(1) .
وقال الباقرعليهالسلام : « كان أبي يقول: أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسينعليهالسلام دمعة حتّى تسيل على خده بوّأه الله بها في الجنّة غرفاً يسكنها أحقاباً »(2) .
وقال أبو عمارة المنشد: ما ذكر الحسينعليهالسلام عند أبي عبد الله جعفر بن محمدعليهالسلام في يوم قطّ فرُئي أبو عبد الله ذلك اليوم مبتسماً قطّ إلى الليل.
وروي عنهعليهالسلام أنّه كان يقول: « إنّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كلّ ما جزع، ما خلا البكاء والجزع على الحسينعليهالسلام فإنّه فيه مأجور »(3) .
وروي عن الرضاعليهالسلام قال: « كان أبي إذا دخل المحرّم لا يُرى ضاحكاً، حتّى إذا كان يوم العاشر كان ذلك يوم مصيبته وحزنه وبكائه »(4) .
2 - نشر أحاديث عليعليهالسلام عن النبيصلىاللهعليهوآله
نشر أحاديث الجامعة وغيرها ممّا كتبه عليعليهالسلام بيده وأملاه النبيصلىاللهعليهوآله من فِلْق فيه، وكان الحسينعليهالسلام قد أودع هذه الكتب عند اُمّ سلمة قبل خروجه إلى مكّة، ولمّا رجع علي بن الحسين سلّمتها له، ثمّ صارت إلى الباقرعليهالسلام دون إخوته بوصية خاصّة من أبيه زين العابدينعليهالسلام ، ثمّ صارت إلى الإمام الصادقعليهالسلام .
وكان الصادق أكثر مَنْ توفرت له الفرصة، والظرف المناسب لنشر أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله كما كتبها عليعليهالسلام ، وذلك بعد سقوط
____________________
(1) تهذيب الكمال - ترجمة علي بن الحسينعليهماالسلام .
(2) كامل الزيارات / 100.
(3) كامل الزيارات.
(4) أمالي الشيخ الصدوق / 111.
حكم بني اُميّة وبداية حكم بني العباس، حيث كانوا منشغلين بتثبيت ملكهم وسلطانهم، وكتب أصحاب الصادق عنه أربعمئة مصنّف عُرفت عند الشيعة بالأصول الأربعمئة التي اعتمدها المحمّدون الثلاثة في تأليف موسوعاتهم الحديثية الأربعة المعروفة، وهي: الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني (ت329)، ومَنْ لا يحضره الفقيه لمحمد بن علي بن بابويه الصدوق (ت381)، والتهذيب والاستبصار لمحمد بن الحسن الطوسي (ت460).
أولى هؤلاء الأئمّة الكوفة عناية خاصّة بصفتها مركز الثقل لشيعتهم، واستطاعوا أن يعيدوا البناء الشيعي فيها كما كان على عهد علي والحسنعليهمالسلام . هذا البناء الذي عمل معاوية على محوه والقضاء عليه، واستهدفه في جملة ما استهدفه من أهداف؛ وبسبب ذلك لم يتّخذ العباسيون الكوفة عاصمة لهم؛ لوضوح ولائها للحسنيّين والحسينيّين.
روى حنان بن سدير، عن أبيه قال: دخلت أنا وأبي وجدّي وعمّي حماماً بالمدينة، فإذا رجل في بيت المسلخ، فقال لنا: مَنْ القوم؟ فقلنا: من أهل العراق. فقال: وأيّ العراق؟ قلنا: كوفيّون. فقال: مرحباً بكم يا أهل الكوفة، أنتم الشعار دون الدثار. فسألنا عنه فإذا هو علي بن الحسينعليهالسلام (1) .
عن محمد الحلبي، عن أبي عبد اللهعليهالسلام : « إنّ الله عرض ولايتنا على أهل الأمصار فلم يقبلها إلاّ أهل الكوفة »(2) .
وروي عن الصادقعليهالسلام في فضل الكوفة قال: « تربة تحبّنا ونحبّها ».
وعن عبد الله بن الوليد قال: دخلنا على أبي عبد اللهعليهالسلام فسلّمنا عليه، وجلسنا بين يديه، فسألنا: « مَنْ أنتم؟ ». فقلنا: من أهل الكوفة. فقال: « أما إنّه ليس بلد من البلدان أكثر محبّاً لنا من أهل الكوفة... إنّ الله هداكم لأمر جهله الناس، أحببتمونا وأبغضنا الناس،
____________________
(1) الوسائل 1 / 368 عن الكافي، ورواه الصدوق (مَنْ لا يحضره الفقيه 1 / 118) أيضاً.
(2) كامل الزيارات / 313، بصائر الدرجات / 96.
وصدقتمونا وكذّبنا الناس، واتّبعتمونا وخالفنا الناس، فجعل الله محياكم محيانا، ومماتكم مماتنا »(1) .
وروى الطبري قال: لمّا ظهر محمد وإبراهيم ابنا عبد الله بن الحسن أرسل أبو جعفر إلى عبد الله بن علي بن عباس وهو محبوس عنده: أنّ هذا الرجل قد خرج، فإن كان عندك رأي فأشر به علينا (وكان ذا رأي عندهم).
فقال: إنّ المحبوس محبوس الرأي، فأخرجني حتّى يخرج رأيي. فأرسل إليه أبو جعفر: لو جاءني حتّى يضرب بابي ما أخرجتك، وأنا خير لك منه وهو مُلك أهل بيتك. فأرسل إليه عبد الله: ارتحل الساعة حتّى تأتي الكوفة، فاجثم على أكبادهم؛ فإنّهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارهم(2) .
وروى المزي عن إبراهيم بن محمد الرماني (أبو نجيح) قال: سمعت حسن بن زياد يقول: سمعت أبا حنيفة وسُئل مَنْ أفقه مَنْ رأيت، فقال: ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمد. لمّا أقدمه المنصور الحيرة بعث إليّ فقال: يا أبا حنيفة، إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيئ له من مسائلك تلك الصعاب(3) .
وخلاصة الكلام: أنّ الهدف الأوّل من قيام الحسينعليهالسلام وهو إحياء مدرسة أبيه عليعليهالسلام بإحياء أحاديث جدّهصلىاللهعليهوآله في أهل البيتعليهمالسلام ؛ لينفتح الطريق للأئمّة من ذرية الحسينعليهالسلام ، والبقية الباقية من شيعة علي ليبلغوا أحاديث عليعليهالسلام عن النبيصلىاللهعليهوآله وإحياء مدرسته، وقد تحقّقت كما أراده الحسينعليهالسلام ، وعمل به، وجعل الله تعالى شهادته الطريق الأوسع لنشر ذلك، ومعلم هذا التحقق ظاهرتان:
____________________
(1) الكافي 8 / 236.
(2) تاريخ الطبري 7 / 565.
(3) الكامل في الضعفاء - لابن عدي 2 / 131. تهذيب الكمال 5 / 74.
وجود أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في تعظيم أهل بيتهعليهمالسلام ، وأحاديثه في ذمّ بني اُميّة في كلّ الكتب السنيّة المعتبرة كالصحاح الستة ونظرائها، كمسند أحمد بن حنبل، ومسند ابن أبي شيبة، والمعجم الكبير والأوسط والصغير للطبراني، والمستدرك على الصحيحين وغيرها، وقد دوّنت هذه الموسوعات الحديثية في القرنين الأوليين بعد انهيار النظام الأموي.
انتشار أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله برواية عليعليهالسلام في كتابه الصحيفة الجامعة وغيرها في الكتب الأربعة، وهي المصادر المعتبرة لدى الشيعة. هذه الأحاديث التي تكوّن المضمون الديني الأساسي بعد القرآن عند الشيعة.
هذه الأحاديث التي نشرها عليعليهالسلام حين أقبلت الأمّة عليه ونصرته وبايعته، وعمل معاوية على محاربتها بتصفية حملتها من الشيعة، ثمّ أراد الحسينعليهالسلام إعادة نشرها وتهيئة الأجواء الآمنة لحملتها ورواتها، ثمّ قُتل ولم يتيسّر له ذلك، وإنّما تيسّر للبقية الباقية من شيعة أبيه فنشروا أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في أهل بيتهعليهمالسلام ، كما تيسّر للأئمّة من ذرية الحسينعليهمالسلام من بعده وبخاصّة الباقر والصادقعليهماالسلام ؛ ليكوِّنوا أجيالاً شيعيّة جديدة تأخذ معالم دينها من أهل بيت النبيعليهمالسلام ؛ عملاً بوصية النبيصلىاللهعليهوآله وأمر الله تعالى فيهم.
وبرز فيهم علماء أمثال زرارة، ومحمد بن مسلم، ويونس بن عبد الرحمن، ومحمد بن أبي عمير ونظرائهم، يحملون حديث عليعليهالسلام وفتاواه، ثمّ فتاوى ذرّيته الطاهرينعليهمالسلام ، كما كان حجر بن عدي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وميثم الثمار، ورشيد الهجري، وحبيب بن مظاهر، وبرير الهمداني، ونافع بن هلال، ومسلم بن عوسجة، وسليمان بن صرد، والمختار بن عبيد الثقفي، وكميل بن زياد ونظراؤهم من وجوه وعلماء شيعة عليعليهالسلام الذين عمل على تصفيتهم النظام الأموي والنظام الزبيري، بسبب نشاطهم في نشر الحديث النبوي الصحيح.
وقد استمر خطّ التشيع لآل البيتعليهمالسلام إلى اليوم على الرغم من محاولات أثيمة جرت لاستئصاله، ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره.
وممّا لا شك فيه أنّ كلتا الظاهرتين ما كانتا لتوجدا على الساحة الإسلاميّة العامّة في ظلّ استمرار السياسة الاُمويّة، وغياب حركة الحسينعليهالسلام ، بل هما الأثر المباشر لحركته في مكّة، ثمّ اتّسع الأثر وتعمّق بعد مقتله (صلوات الله عليه) في سبيل ذلك.
الباب الخامس:
خلاصة وخاتمة
* الحسينعليهالسلام المظلوم الفاتح
* حركة الواقع السياسي والاجتماعي
* التغيير المطلوب
* الحسينعليهالسلام هو التوحيد
* المعني بالتغيير المطلوب القادر عليه
* الحسينعليهالسلام عُدّة إلهية لتحقيق التغير المطلوب
* خطّة الحسينعليهالسلام لتحقيق التغيير
* معالم التغيير بعد شهادة الحسين
مفردات الواقع السياسي والاجتماعي الذي تحرّك فيه الحسينعليهالسلام :
عُني معاوية خلال السنوات العشر الأولى من حكمه ببناء الجيش من خلال عودته إلى سياسة الفتوح، ثمّ بنى قوى الأمن الداخلي من خلال متابعة الخوارج، واستطاع بعد ذلك أن يستفيد منها في تثبيت منهجه التربوي والثقافي الجديد، والسيطرة على الإعلام ومؤسسات التربية الدينية والثقافية، كالمساجد والكتاتيب، والمؤسسات الاقتصادية والعسكرية.
تبنت هذه الدولة في إعلامها اليومي ومنهجها الفكري والثقافي لمدّة عشر سنوات من سنة (50) هـ إلى سنة (60) هـ تربية الأمّة على إسلام يبتني على ثلاثة اُمور أساسية:
أ - البغض لعليعليهالسلام ولعنه على منابر المسلمين، وترويج الأحاديث الكاذبة في ذمّه، والمنع من ذكر أيّ رواية عن النبي في فضله، ومعاقبة المخالف بالقتل والتهجير والسجن، وقطع الأيدي والنفي والحرمان من العطاء.
قال أبو عثمان الجاحظ(1) : إنّ معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة: اللّهمّ العن أبا تراب، ألحد في دينك، وصدّ عن سبيلك، فالعنه لعناً وبيلاً، وعذّبه عذاباً أليماً.
وكتب بذلك
____________________
(1) هو عمرو بن بحر الليثي البصري، اللغوي النحوي، كان مائلاً إلى النصب.
إلى الآفاق، فكانت هذه الكلمات يشار بها على المنابر.
قال أبو جعفر الإسكافي (ت220)(1) : إنّ معاوية وضع قوماً من الصحابة، وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليعليهالسلام تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جُعَلاً يُرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه.
منهم أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة. ومن التابعين عروة بن الزبير، ومرّة الهمداني، والأسود بن يزيد، ومسروق الأجدع، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وأبو عبد الرحمن السُّلمي القارئ، وقيس بن حازم، وسعيد بن المسيب، والزهري، ومكحول، وحريز بن عثمان وغيرهم(2) .
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مسنداً متصلاً بعمرو بن العاص قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: إنّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنّما ولييّ الله وصالح المؤمنين(3) .
____________________
(1) قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 5 / 416: محمد بن عبد الله، أبو جعفر الإسكافي أحد المتكلّمين من معتزلة البغداديين، له تصانيف معروفة، وكان الحسين بن يزيد الكرابيسي صاحب الشافعي يتكلّم معه ويناظره.
(2) شرح النهج 4 / 56 - 110.
(3) رواه البخاري 5 / 2233 (الموسوعة الذهبية)، مسلم 1 / 197، مسند أحمد 4 / 203، وفيها (آل أبي فلان). قال في فتح الباري 10 / 423 قال: أبو بكر بن العربي في سراج المريدين: كان في أصل حديث عمرو بن العاص أنّ آل أبي طالب، فغير آل أبي فلان، كذا جزم به.
وتعقّبه بعض الناس وبالغ في التشنيع عليه، ونسبه إلى التحامل على آل أبي طالب، ولم يصب هذا المنكر؛ فإنّ هذه الرواية التي أشار إليها ابن العربي موجودة في مستخرج أبي نعيم من طريق الفضل بن الموفق، عن عنبسة بن عبد الواحد بسند البخاري عن بيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم، عن عمرو بن العاص رفعه: أنّ لبني أبي طالب رحماً أبلهاً ببلالها.
وقد أخرجه الإسماعيلي من هذا الوجه أيضاً لكن أبهم لفظ طالب، وكأنّ الحامل لمَنْ أبهم هذا الموضع ظنّهم أنّ ذلك يقتضي نقصاً في آل أبي طالب، وليس كما توهّموه كما سأوضحه إن شاء الله تعالى.
قوله: ليسوا بأوليائي كذا للأكثر، وفي نسخة من رواية أبي ذر: بأولياء، فنقل ابن التين عن الداودي أنّ المراد بهذا النفي مَنْ لم يسلم منهم، أي فهو من إطلاق الكل وإرادة البعض، والمنفي على هذا المجموع لا الجميع.
وقال الخطابي: الولاية المنفية ولاية القرب والاختصاص لا ولاية الدين، ورجح ابن التين الأول وهو الراجح؛ فإنّ من جملة آل أبي طالب علياً وجعفر، أو هما من أخصّ الناس بالنبيصلىاللهعليهوآله لِما لهما من السابقة والقدم في الإسلام ونصر الدين.
وقد استشكل بعض الناس صحة هذا =
روى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدايني في كتاب الأحداث، قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله: أن برئت الذمّة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته.
فقامت الخطباء في كلّ كورة، وعلى كلّ منبر يلعنون علياً ويبرؤون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته.
قال الباقرعليهالسلام : « وكان عُظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسنعليهالسلام ، فقُتلت شيعتنا بكلّ بلدة، وقُطعت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكان مَنْ يذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سجن، أو نُهب ماله، أو هُدمت داره، ثمّ لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين »(1) .
ب - الولاء لمعاوية ومَنْ يجيء بعده من الحكّام، وتوصيفه بخليفة الله، واعتبار طاعته أعظم طاعات الله، ومعصيته أعظم معاصي الله، وترويج الأحاديث الكاذبة التي تحطّ من شخصية النبيصلىاللهعليهوآله بما يوافق الحكّام، ومدح معاوية وإكرام فاعل ذلك بالعطاء، والتشفيع والتولية، والتوظيف في مرافق الدولة.
روى الترمذي بسنده عن سعيد بن عبد العزيز (راوي شامي)، عن ربيعة بن يزيد
____________________
= الحديث لِما نسب إلى بعض رواته من النصب، وهو الانحراف عن علي وآل بيته.
قلت: أمّا قيس بن أبي حازم، فقال يعقوب بن شيبة: تكلّم أصحابنا في قيس؛ فمنهم مَنْ رفع قدره وعظّمه، وجعل الحديث عنه من أصح الأسانيد، حتّى قال ابن معين: هو أوثق من الزهري، ومنهم مَنْ حمل عليه، وقال: له أحاديث مناكير.
وأجاب مَنْ أطراه: بأنّها غرائب وأفراده لا يقدح فيه.
ومنهم مَنْ حمل عليه في مذهبه، وقال: كان يحمل على علي؛ ولذلك تجنّب الرواية عنه كثير من قدماء الكوفيين.
وأجاب مَنْ أطراه: بأنّه كان يقدّم عثمان على علي فقط.
قلت: والمعتمد عليه أنّه ثقة ثبت، مقبول الرواية، وهو من كبار التابعين، سمع من أبي بكر الصديق فمَنْ دونه، وقد روى عنه حديث الباب إسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر وهما كوفيان، ولم ينسبا إلى النصب، لكن الراوي عن بيان وهو عنبسة بن عبد الواحد أموي قد نسب إلى شيء من النصب.
وأمّا عمرو بن العاص، وإن كان بينه وبين علي ما كان فحاشاه أن يُتَهم، وللحديث محمل صحيح لا يستلزم نقصاً في مؤمني آل أبي طالب، وهو أنّ المراد بالنفي المجموع كما تقدّم، ويحتمل أن يكون المراد بآل أبي طالب أبو طالب نفسه، وهو إطلاق سائغ.
(1) شرح نهج البلاغة 11 / 44.
(راوي شامي)، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة (صحابي سكن الشام)(1) ، عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال لمعاوية: اللّهمّ اجعله هادياً مهديّاً، واهدِ به(2) .
ورووا أنّه قال: ائتمن الله على وحيه ثلاثة: جبرئيل في السماء، ومحمداً في الأرض، ومعاوية بن أبي سفيان(3) .
ج - السكوت على الظلم مهما بلغت شدّته وقسوته، من خلال ترويج أحاديث كاذبة تدعو إلى ذلك، فرووا عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال: تسمع وتطع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك(4) ، وأنّه قال: فإن رأيت يومئذ لله عزّ وجلّ في الأرض خليفة فألزمه وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك(5) .
____________________
(1) عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني، قال أبو حاتم وابن السكن: له صحبة، ذكره البخاري وابن سعد، وابن البرقي وابن حبان، وعبد الصمد بن سعيد في الصحابة، وذكره أبو الحسن بن سميع في الطبقة الأولى من الصحابة الذين نزلوا حمص، وكان اختارها سكن الشام وحديثه عند أهلها.
وأخرج الترمذي والطبراني وغيرهما من طريق سعيد بن عبد العزيز (الشامي) عن ربيعة بن يزيد (الشامي)، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني ( وكان من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله ) أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال لمعاوية: اللّهمّ علّمه الكتاب والحساب، وقه العذاب. لفظ الطبراني ولفظ الترمذي: اللّهمّ اجعله هادياً مهدياً، واهدِِ به.
وأخرج بن قانع من طريق الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز أنّه سمعه يحدّث عن يونس بن ميسرة (الشامي)، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة أنّه سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله نحو اللفظ الثاني.
وأخرجه البخاري في التاريخ قال: قال لي أبو مسهر (فذكره بالعنعنة ليس فيه) وكان من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله ، وذكره من طريق مروان عن سعيد فقال فيه: سمع عبد الرحمن، سمع النبيصلىاللهعليهوآله (الإصابة - لابن حجر).
(2) جامع الترمذي 5 / 687، مسند أحمد 4 / 216، مسند الشاميين 1 / 181، الآحاد والمثاني 2 / 358، المعجم الأوسط - للطبراني 1 / 380، وقد رواه عن سعيد بن عبد العزيز، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة.
(3) سير أعلام النبلاء - للذهبي، وتاريخ دمشق - لابن عساكر - ترجمة معاوية.
(4) صحيح مسلم 3 / 1476.
(5) مسند أحمد 5 / 403.
د - الطاعة المطلقة للخليفة، واعتبارها رأس الطاعات.
ورووا عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال: مَنْ خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، مات ميتة جاهلية(1) ، وأنّه قال: ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه فمات عاصياً فلا تسأل عنه، وأمة (أو عبد) أبق من سيده، وامرأة غاب زوجها وكفاها مؤنة الدنيا فتبرّجت وتمرّجت بعده(2) .
أقول: المراد بالإمام في الرواية الحاكم الأعلى للمسلمين.
نشأ على أساس تلك التربية والمنهج جيل جديد في الأمّة ما بين سنّ الخامسة عشر وسنّ الخامسة والعشرين، وقد كان هذا الجيل المادة الأساسية للجيش وقوى الشرطة، وبقية المواقع الاجتماعية والإدارية.
أمّا معلّموه فهم جماعة من الصحابة الذين حاربوا علياً في الجمل وصفين، أو الذين أغراهم معاوية بالمال، وجماعة من التابعين الذين ساروا على منهجهم، من هؤلاء الصحابة مسلم بن عقبة المرّي(3) قائد جيش أهل الشام في واقعة الحرّة
____________________
(1) صحيح مسلم 3 / 1476.
(2) الأدب المفرد / 207، وفيه قال: حدّثنا عثمان بن صالح قال: أخبرنا عبد الله بن وهب قال: حدّثنا أبو هانئ الخولاني، عن أبي علي الجنبي، عن فضالة بن عبيد، عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال:...، مسند أحمد 6 / 19، صحيح ابن حبّان 10 / 422، المستدرك على الصحيحين 1 / 206، المعجم الكبير - للطبراني 18 / 306.
(3) قال ابن حجر في الإصابة: مسلم بن عقبة المرّي أبو عقبة الأمير من قبل يزيد بن معاوية على الجيش الذين غزوا المدينة يوم الحرّة، ذكره ابن عساكر وقال: أدرك النبي وشهد صفين مع معاوية، وكان على الرجّالة، وعمدته في إدراكه أنّه استند إلى ما أخرجه محمد بن سعد في الطبقات، عن الواقدي بأسانيده قال: لمّا بلغ يزيد بن معاوية أنّ أهل المدينة أخرجوا عامله من المدينة وخلعوه، وجّه إليهم عسكراً، أمر عليهم مسلم بن عقبة المرّي (وهو يومئذ شيخ ابن بضع وتسعين سنة، فهذا يدلّ على أنّه كان في العهد =
في المدينة.
قال في وصيته عند موته: اللّهمّ إنّك تعلم أنّي لم أعصِ خليفة قطّ، اللّهمّ إنّي لم أعمل عملاً أرجو به النجاة قطّ إلاّ ما فعلت بأهل المدينة(1) .
وفي رواية اليعقوبي: اللّهمّ إنّ عذّبتني بعد طاعتي لخليفتك يزيد بن معاوية، وقتل أهل الحرّة فإنّي إذن لشقي(2) .
ومن التابعين شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين، قال أبو إسحاق: كان يصلّي معنا، ثمّ يقول: اللّهمّ إنّك تعلم أنّي شريف فاغفر لي. قلت: كيف يغفر الله لك وقد أعنت على قتل ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟! قال: ويحك! فكيف نصنع؟! إنّ أمراءنا هؤلاء أمرونا بأمر فلم نخالفهم، ولو خالفناهم كنّا شرّاً من هذه الحمر الشقاء(3) .
وهم طبقة من المحدِّثين فيهم مئات من الصحابة وآلاف التابعين، لهم معتقد بعلي قام على أساس أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله وسيرته مع عليعليهالسلام ، وكذلك قام هذا المعتقد على أساس أحاديث عليعليهالسلام وسيرته في المجتمع خلال السنوات الخمس التي حكم فيها، وهي سيرة أحيت المعطّل من كتاب الله، والمكتوم من سنّة النبيصلىاللهعليهوآله ، وتذوّق خلالها الناس كرامة الحياة التي يدعو الأنبياء إليها.
____________________
= النبوي كهلاً.
وقد أفحش مسلم القول والفعل بأهل المدينة، وأسرف في قتل الكبير والصغير حتّى سمّوه مسرفاً، وأباح المدينة ثلاثة أيام لذلك والعسكر ينهبون ويقتلون ويفجرون، ثمّ رفع القتل وبايع مَنْ بقي على أنّهم عبيد ليزيد بن معاوية، وتوجّه بالعسكر إلى مكّة ليحارب ابن الزبير لتخلّفه عن البيعة ليزيد، فعوجل بالموت، فمات بالطريق، وذاك سنة ثلاث وستين، واستمر الجيش إلى مكّة فحاصروا ابن الزبير، ونصبوا المنجنيق على أبي قبيس فجاءهم الخبر بموت يزيد بن معاوية وانصرفوا، والقصّة معروفة في التواريخ.
(1) فتوح [ ابن ] أعثم 5 / 301.
(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 251.
(3) لسان الميزان - ترجمة شمر بن ذي الجوشن، وفيه: شمر بن ذي الجوشن أبو السابغة الضبابي، عن أبيه، وعنه أبو إسحاق السبيعي ليس بأهل للرواية؛ فإنّه أحد قتلة الحسين (رضي الله تعالى عنه)، وقد قتله أعوان المختار.
أقول: إنّما صار ليس بأهل للرواية بعد قتله الحسينعليهالسلام .
* تركز شيعة عليعليهالسلام في الكوفة بصفتها البلد الذي شهد حركة علي الفكرية والتربوية والسياسية.
* حمل شيعة علي كل ذكرياتهم عن عليعليهالسلام وما تعلموه منه، وهو كلّ الإسلام الذي جاء به النبيصلىاللهعليهوآله ، ووعاه علي وعياً تاماً دون غيره من الصحابة، ونشروه في البقاع التي لم تعرف عن عليعليهالسلام وسيرته، وبخاصّة الشام أيام سنوات الصلح بين الحسن ومعاوية.
* صار الشيعة وبخاصّة في العراق غرضاً لخطّة معاوية في التصفية والإبادة والتطويق؛ بصفتهم العقبة الكؤود أمام منهجه التربوي الجديد.
ومن هنا سجّلت في الكوفة مظالم لم تسجّل في غيرها من بلاد المسلمين:
* تهجير خمسين ألف بعيالاتهم من الكوفة والبصرة إلى خراسان سنة 50 هجرية، كان فيهم الصحابي بريدة بن الحصيب، والصحابي أبو برزة الأسلمي وغيرهما ممّن عُرف بولائه لعلي(1) .
* قتل حجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابهما بتلفيق تهمة الخروج على الدولة.
* نفي صعصعة بن صوحان العبدي(2) وآمنة بنت الشريد زوجة عمرو بن الحمق(3) ، كان معاوية قد سجنها رهينة حتّى يسلّم زوجها نفسه، ولمّا قُتل نفاها إلى حمص وماتت بها، وغيرهما.
* قتل رشيد الهجري وميثم التمّار وجويرية بن مسهر ونظرائهم.
____________________
(1) فتوح البلدان 3 / 507.
(2) الإصابة - ترجمة صعصعة. وفيه: أن الذي نفاه هو المغيرة، ولكنّا نرجّح أنّ الذي نفاه بأمر معاوية هو ابن زياد؛ لِما ذكرناه من أنّ مرحلة القتل والنفي والتشريد بُدئ بها في عهد زياد لا المغيرة.
(3) أنساب الأشراف - القسم الرابع 1 / 273.
* قطع أيدي ثمانين حصبوه بالحجارة على لعنه علياً(1) .
قال سليم: اشتدّ البلاء بالأمصار كلّها على شيعة علي وأهل بيته، وكان أشدّ الناس بلية أهل الكوفة؛ لكثرة مَنْ بها من الشيعة، واستعمل عليها زياداً، وجمع له العراقيين، كان يتتبّع الشيعة... فقتلهم على التهم والظنّ والشبه تحت كلّ كوكب وتحت كلّ حجر ومدر، وأحلأهم وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل منهم، وصلبهم على جذوع النخل، وسمل أعينهم، وطردهم وشرّدهم(2) .
وكان آخر ما عزم على فعله زياد في الكوفة سنة ثلاث وخمسين هو أن جمع الناس فملأ منهم المسجد والرحبة والقصر؛ ليعرضهم على البراءة
____________________
(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 462، الطبري 5 / 235.
(2) شرح النهج 15 / 43.
من عليعليهالسلام (1) ، فمَنْ أبى ذلك عرضه على السيف(2) . ولكنّ الله تعالى قد سلّط عليه الطاعون أشغله عنهم، ومات بعدها بأيّام(3) .
____________________
(1) مختصر تاريخ دمشق 9 / 88 (ترجمة زياد).
(2) مروج الذهب - للمسعودي 3 / 26. قال عبد الرحمن بن السائب: فإنّي لمع نفر من الأنصار والناس في أمر عظيم، قال: فهوّمت تهويمة (التهويم: أن يأخذ الرجل النعاس حتّى يهتز الرأس)، فرأيت شيئاً مثل عنق العير أهدب أهدل (الأهدل: الساقط الشفة، وبعير هدِل إذا كان طويل المشفر مسترخيه)، فقلت: ما أنت؟
قال: أنا النقاد ذو الرقبة، بُعثت إلى صاحب هذا القصر. فاستيقظت فزعاً، فقلت لأصحابي: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا: لا، فأخبرتهم.
قال: ويخرج علينا خارج من القصر فقال: إنّ الأمير يقول لكم انصرفوا عنّي فإنّي عنكم مشغول، وإذا الطاعون قد ضربه.
فأنشأ عبد الرحمن بن السائب يقول:
ما كان منتهياً عمّا أراد بنا |
حتّى تناوله النقّاد ذو الرقبهْ |
|
فأثبت الشقّ منه ضربةً ثبتت |
كما تناول ظلماً صاحب الرحَبَهْ |
قال المسعودي: يعني بصاحب الرحبة علي بن أبي طالبعليهالسلام (مروج الذهب 3 / 260).
(3) قال البلاذري في أنساب الأشراف ق4 ج 1 / 278: كان زياد عند معاوية وقد وقع الطاعون بالعراق، فقال له: إنّي أخاف عليك يا أبا المغيرة الطاعون، فلمّا صار إلى العراق طعن فمكث شهراً فمات.
استطاع معاوية أن يحكم قبضته على حركة المجتمع لتحقيق أربعة أهداف هي:
1 - القضاء على شيعة علي المنتشرين في البلاد الإسلاميّة، وتحويل الكوفة بصفتها مركز التشيع لعلي إلى سابق عهدها قبل هجرة علي إليها مدينة موالية للخليفة سامعة مطيعة له.
2 - تكوين أجيال جديدة توالي الاُمويِّين بصفتهم أئمّة الدين وحماته، وتبغض أهل البيتعليهمالسلام وعلياًعليهالسلام بصفتهم أعداء الله ورسوله، وتحفظ روايات كاذبة عن النبيصلىاللهعليهوآله في ذمّ علي وأهل بيتهعليهمالسلام ، وروايات كاذبة في الحطّ من سيرة النبيصلىاللهعليهوآله بما يوافق هوى الحكّام، ومدح معاوية وأهل بيته.
3 - حصر الملك في ذريته وأسرته.
4 - تحريف السنّة النبوية، وتفسير القرآن بما ينسجم مع الأهداف الآنفة الذكر.
ممّا لا شك فيه أن المطلوب إسلامياً في وضع سياسي واجتماعي كهذا هو تحقيق ثلاثة أمور وهي:
أ - كسر الطوق السياسي والاجتماعي المفروض على الحديث النبوي الصحيح في أهل البيت وعليعليهالسلام خاصّة؛ ليطرح أهل البيتعليهمالسلام وعليعليهالسلام في الأمّة من جديد امتداداً رسالياً للنبيصلىاللهعليهوآله ، ومحوراً للولاء ومصدراً مطهراً للتثقيف بعد الرسول.
ب - إنقاذ شيعة الكوفة بصفتهم حملة علم عليعليهالسلام وسيرته من حالة التصفية والاختناق، والحصار الاجتماعي والسياسي التي يعيشونها.
ج - تفهيم الأمّة أنّ السكوت على ظلم بني اُميّة ليس من الدين في شيء، بل الدين يدعو إلى قتالهم والإطاحة بهم؛ بصفتهم قد بلغوا القمّة في الظلم والانحراف، وإقامة حكومة إسلاميّة تستهدي تجربة عليعليهالسلام وتجربة النبيصلىاللهعليهوآله .
وممّا لا شك فيه أنّ الشخص الوحيد المعني بالتغيير المطلوب القادر عليه هو الحسين بن عليعليهالسلام ؛ وذلك لأنّه سيد بني هاشم الذين يعيشون المحنة بعميدهم عليعليهالسلام ، وهو مرجع شيعة أبيه وأخيه الممتحنين في العراق، ولأنه يتبوأ في المجتمع الإسلامي أرفع مقام اجتماعي وديني؛ لكونه حفيد النبيصلىاللهعليهوآله .
وفي قبال الحسينعليهالسلام هناك الخوارج وعبد الله بن الزبير، وكلاهما معني بتغيير السلطة والمنهج التربوي الذي يخصّ الولاء لبني اُميّة، أمّا فيما يرتبط بعلي وشيعته فهم والأمويون مدرسة واحدة وموقف واحد(1) .
____________________
(1) أمّا عبد الله بن الزبير فموقفه من علي معروف بدءاً من حرب الجمل وانتهاء بفترة حكمه، حيث أظهر بغض علي وتناوله في خطبه، وتصدى له في بعضها محمد بن الحنفيّة وابن عباس.
وتذكر المصادر التاريخية أنّه جمع الحطب ليحرقهم إن لم يبايعوه، ثمّ نفاهم إلى الطائف. أمّا موقفه من شيعة علي فيكفي فيه ما صنعه بأصحاب المختار بعد قتل المختار، حيث قتل منهم سبعة آلاف صبراً، منهم زوجة المختار إذ رفضت أن تتبرأ من المختار، وسجنها مصعب ثمّ استشار أخاه عبد الله في شأنها فأمره بقتلها.
أمّا الخوارج فموقفهم من علي وشيعته لا يحتاج إلى بيان.
كان الانقلاب الفكري الذي قام به معاوية، والوضع الاجتماعي والفكري الذي انتجه خطيراً جدّاً، فهو يشبه إلى حدّ كبير الوضع الذي صنعه فرعون مع بني إسرائيل والمجتمع المصري ودين الله الذي جاء به يوسف من قبل. الوضع الذي اقتضت الحكمة الإلهية معه أن يبعث موسى لينقذ بني إسرائيل، ويجدّد دين يوسف، ويقيم الحجّة على المجتمع المصري ليحيى مَنْ حي عن بينة ويهلك مَنْ هلك عن بينة.
وكذلك الحال مع الوضع الذي صنعه معاوية مع أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله والمجتمع الإسلامي عامّة وشيعة علي خاصة.
ولمّا كانت النبوّة قد ختمت بمحمدصلىاللهعليهوآله اقتضت الحكمة الإلهية أن يقوم أوصياؤه (وهم ليسوا بأنبياء) بما كان يقوم به أوصياء الأنبياء الذين كانوا في الغالب أنبياء أيضاً.
اقتضت الحكمة الإلهية أن يعرِّف النبي بأوصيائه من بعده، ويعرِّف أيضاً بأبرز ما يقومون به، ويحدّد الموقف منه؛ لتعرف الأمّة كيف تنظر إلى فعل هذا الوصي، وكيف تتعامل معه، ومن ذلك أمر النبيصلىاللهعليهوآله لعليعليهالسلام أنّ يقاتل الناكثين والقاسطين والمفسدين من بعده، وقوله للزبير: « ستقاتل علياً وأنت له ظالم »(1) ، وقوله لعائشة: تنبحها
____________________
(1) فتح الباري 13 / 51 عن كتاب عمر بن شبة في أخبار البصرة قال: أخرج ابن إسحاق من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد السّلام (ت145) رجل من حيّه قال: خلا علي بالزبير يوم الجمل فقال: « أنشدك الله، هل سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول وأنت لاوي يدي: لتقاتلنه وأنت ظالم له، ثمّ لينصرن عليك »؟ قال: قد سمعت، لا جرم لا اُقاتلك.
كلاب الحوأب(1) ، وقوله في الحسنعليهالسلام : « إنّ ابني هذا سيّد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين »(2) .
وكذلك وممّا لا شك فيه أنّ هذه الأقوال من النبيصلىاللهعليهوآله تفتح القلوب لفعل الوصي الذي يجيء في ظرف فتنة، واختلاف وتشوش في الرؤية عند غالبية المسلمين. ومن ذلك قوله في الحسينعليهالسلام : إنّه يُقتل مظلوماً، وقد استقبل ولادته بذرف الدموع الساخنة عليه.
وليس من شك يأتي قول النبي هذا وبكاؤه تأييداً لموقف الحسينعليهالسلام ، وتصويباً لموقفه الذي يتألف من ركنين هما؛ رفضه لبيعة يزيد، وخروجه بأهله إلى العراق، ثمّ يُحاصر هناك ويُعرض عليه البيعة، أو الموت فيختار الموت على البيعة، في قبال مَنْ يحاول أن يضع اللوم على الحسينعليهالسلام في عدم تقديره للظرف، وتعريضه لنفسه ولأهل بيته لنكبة قلّ نظيرها في التاريخ(3) .
____________________
(1) روى أبو يعلى في مسنده 8 / 282: حدّثنا عبد الرحمن بن صالح، حدّثنا محمد بن فضيل، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: مرّت عائشة بماء لبني عامر يُقال له: الحوأب، فنبحت عليها الكلاب، فقالت: ما هذا؟ قالوا: ماء لبني عامر. فقالت: ردّوني! ردّوني! سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « كيف بإحداكنّ إذا نبحت عليها كلاب الحوأب؟! ».
(2) المعجم الكبير - للطبراني 3 / 34.
(3) يراجع أمثال ابن العربي، وصاحب كتاب أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ، وأيضاً الذهبي في المنتقى / 74.
ارتكزت خطّة الحسينعليهالسلام لتحقيق التغيير على أمرين أساسيين هما:
أوّلاً: السكوت في عهد معاوية، والعمل سرّاً لنشر أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في أهل البيت ريثما يموت معاوية
نعم، تذكر المصادر التاريخية أنّ معاوية بعث برسالة تهديد إلى الحسينعليهالسلام بعد قتل حجر وتردّد العراقيين على بيته، فبعث الحسينعليهالسلام برسالة يردّ فيها على معاوية، وكان آخر نشاط سرّي نوعي في هذه المرحلة هو المؤتمر السرّي الذي عقده بحضور بني هاشم وعدد من الصحابة والتابعين قبل موت معاوية بسنة.
كتب معاوية إلى الحسينعليهالسلام :... فمتى تنكرني أنكرك، ومتى تكدني أكدك، فاتق الله في شق عصا هذه الأمّة وأن تردهم إلى فتنة.
فكتب إليه الحسينعليهالسلام : «... أمّا ما ذكرت أنّه رقي إليك عنّي، فإنّه إنّما رقاه إليك الملاّقون المشاؤون بالنميمة... ما أردت لك حرباً ولا عليك خلافاً، وإنّي لأخشى الله في ترك ذلك منك، ومن الإعذار فيه إليك وإلى أوليائك الفاسقين الملحدين حزب الظلمة.
ألست القاتل حجر بن عدي أخا كنده وأصحابه المصلّين العابدين، الذين كانوا ينكرون الظلم، ويستفضعون البدع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يخافون في الله لومة لائم؟! ثمّ قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم الأيمان المغلّظة، والمواثيق المؤكّدة...؛ جرأة على الله، واستخفافاً بعهده.
ولعمري، ما وفيت بشرط، ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان والعهود والمواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوك ونقضوا عهدك، ولم تفعل ذلك بهم إلاّ لذكرهم فضلنا وتعظيمهم حقّنا.
فابشر يا معاوية بالقصاص، وأيقن بالحساب... وليس الله بناس لأخذك بالظنّة، وقتلك أولياءه على التهم، ونفيك إيّاهم من دورهم إلى دار الغربة »(1) .
قال سليم بن قيس: لمّا كان قبل موت معاوية بسنة حجّ الحسين بن عليعليهماالسلام ، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن جعفر، فجمع الحسين بني هاشم، ثمّ رجالهم ونساءهم ومواليهم، ومَنْ حجّ من الأنصار ممّن يعرفه الحسينعليهالسلام وأهل بيته، ثمّ أرسل رسلاً: « لا تدعون أحداً حجّ العام من أصحاب رسول اللّهصلىاللهعليهوآله المعروفين بالصلاح والنسك إلاّ اجمعوهم لي ».
فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمئة رجل وهم في سرادقه، عامتهم من التابعين، ونحو من مئتي رجل من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله ، فقام فيهم خطيباً وقال: « أمّا بعد، فإنّ هذا الطاغية قد فعل ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم، اسمعوا مقالتي واكتبوا قولي، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم؛ فمَنْ أمنتم من الناس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقّنا؛ فإنّي أتخوّف أن يُدْرَسَ(2) هذا الأمر، ويذهب الحقّ ويُغلب، واللّه متمّ نوره ولو كره الكافرون ».
وما ترك شيئاً ممّا أنزله الله فيهم من القرآن إلاّ تلاه وفسّره، ولا شيئاً ممّا قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في أبيه وأخيه وأمّه وفي نفسه وأهل بيته إلاّ رواه...، وكلّ ذلك يقول أصحابه، اللّهمّ نعم، وقد سمعنا وشهدنا، ويقول التابعي: اللّهمّ قد حدّثني به مَنْ أثق به، وأئتمنه من الصحابة.
____________________
(1) رجال الكشي ترجمة عمرو بن الحمق، طبقات ابن سعد ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام ، أنساب الأشراف ترجمة معاوية، مختصر تاريخ دمشق ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام .
(2) دروس الشيء: انمحاؤه.
فقال: « أنشدكم الله إلاّ حدّثتم به مَنْ تثقون به وبدينه »(1) .
ثانياً: التحرك العلني للحسينعليهالسلام بعد موت معاوية
وكانت خطواته الأساسية ثلاث هي:
أوّلاً: الإعلان عن عدم إعطاء بيعة ليزيد وإن كلّفه ذلك حياته؛ وذلك لأنّ بيعته تعني إقرار المنهج التحريفي للإسلام الذي نهض به بنو اُميّة، وتعني إقرارهم على منع نشر الحديث الصحيح في أهل البيت وعليعليهالسلام .
قالعليهالسلام : « لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد »(2) . وهو في ذلك نظير جدّه النبيصلىاللهعليهوآله حين قال لعمّه أبي طالب: « ياعمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتّى يظهره الله أو أهلك دونه »(3) .
والقضية واحدة عند النبيصلىاللهعليهوآله وعند الحسينعليهالسلام ، قريش تريد من النبيصلىاللهعليهوآله أن يترك دعوة التوحيد ويقرّ عبادة الأصنام، وبنو أميّة تريد من الحسينعليهالسلام أن يترك أحاديث جدّه في أهل بيته الذين عيّنهم بأمر الله تعالى حججاً على الناس تموت، وتحلّ بدلها أحاديث كاذبة قيلت على لسانه في بني اُميّة والخلفاء منهم على أنّهم حجج الله وأئمّة الهدى.
ثانياً: الانطلاق من مكّة في الحركة؛ وذلك بصفتها المكان الوحيد الذي يقصده المسلون من كلّ الأقطار للعمرة والحجّ، والحسينعليهالسلام بأمس الحاجة إلى مكان كهذا من أجل كسر الطوق المفروض على الحديث الصحيح، هذا مضافاً إلى تحرّكه على أخيار الأمّة القادمين من الآفاق لطلب نصرتهم، وقد بقي في مكّة أربعة أشهر: شعبان ورمضان وشوال وذو القعدة، وأيام من ذي الحجّة، التفّ حوله المعتمرون والقادمون للحجّ يسمعون منه حديثه عن جدّه في فضل أبيه، أو في فضله، أو في جهاد الظالمين، أو فيما سوف يُرتكب منه، وقتله مظلوماً بشط الفرات.
____________________
(1) كتاب سليم بن قيس (تحقيق محمد باقر الأنصاري / 321).
(2) فتوح ابن أعثم 5 / 31، مقتل الخوارزمي.
(3) تاريخ الطبري 3 / 67.
قال الطبري: فأقبل الحسين حتّى نزل مكّة، فأقبل أهلها يختلفون إليه ويأتونه ومَنْ كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق.
وقال ابن كثير: فعكف الناس على الحسين يفدون إليه، ويقدمون عليه ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه حين سمعوا بموت معاوية وخلافة يزيد.
وأما ابن الزبير فإنّه لزم مصلاّه عند الكعبة، وجعل يتردّد في غبون(1) ذلك إلى الحسينعليهالسلام في جملة الناس، ولا يمكنه أن يتحرّك بشيء ممّا في نفسه مع وجود الحسين؛ لِما يعلم من تعظيم الناس له وتقديمهم إيّاه(2) .
أقول: بقي الحسينعليهالسلام في مكّة شهر شعبان ورمضان، وشوال وذي القعدة وثمانية أيام من ذي الحجّة، وممّا لا شك فيه أنّ الحسينعليهالسلام في هذه الفترة، وفي حلقاته مع المعتمرين وأهل الآفاق كان قد كسر الطوق الذي فرضه معاوية على الحديث النبوي الصحيح في علي وأهل بيته، أو في ذم بني اُميّة، أو في بيان أحكام متعة الحج وغير ذلك.
وبدأ يذكِّر الناس ويُسْمِع مَنْ لم يَسمَع منهم أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في تفسير القرآن، وفي فضل أبيه عليعليهالسلام وفي فضله وفضل أخيه الحسنعليهالسلام ، وفي ذمّ بني اُميّة ونزوهم على منبر الرسول، وفي الموقف الصحيح عند ظهور الظلم والبدع وغير ذلك، من قبيل: حديث الغدير، وحديث الدار، وحديث المنزلة، وحديث الثقلين، وحديث الكساء، وحديث رؤيا النبي والشجرة الملعونة في القرآن، وغيرها.
ومن قبيل قولهصلىاللهعليهوآله : « مَنْ رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله »(3) .
ثمّ يذكِّرهم بجرائم بني اُميّة ومخالفاتهم لأحكام الله وسنّة رسوله، وتعطيلهم الحدود، وقتلهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، كحجر بن عدي، وعمرو بن الحمق
____________________
(1) غبن الرجل يغبنه غبناً: مر به وهو مائل فلم يره ولم يفطن له (لسان العرب مادة غبن).
(2) البداية والنهاية 8 / 151.
(3) تاريخ الطبري 5 / 403.
وغيرهم، ونفي الأخيار والنساء، كصعصعة بن صوحان العبدي، وآمنة بنت الشريد زوجة عمرو بن الحمق بعد أن كانت رهينة الحبس لحين يسلّم زوجها نفسه.
ويقول لهم: « ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ مَنْ غَيَّر »(1) .
ويقول لهم: « ألا ترون أنّ الحقّ لا يُعملُ به، وإلى الباطل لا يُتَناهى عنه، لَيَرْغبَ المؤمن في لقاء الله، فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، ولا الحياة مع الظالمين إلاّ برماً »(2) .
ويقول لهم: « إنّي أدعوكم إلى إحياء معالم الحق وإماتة البدع »(3) .
ثمّ يذكرهم بقول النبيصلىاللهعليهوآله فيه: « حسين منّي وأنا من حسين(4) ، أحبّ الله مَنْ أحبّ حسيناً »(5) .
وبقولهصلىاللهعليهوآله فيه وفي أخيه: « الحسن والحسين سبطان من الأسباط(6) ، الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة »(7) .
ولا بدّ أنّهصلىاللهعليهوآله قد ذكّرهم وأخبرهم بما أعلنه النبيصلىاللهعليهوآله منذ ولادة الحسينعليهالسلام بأنّه تقتله الفئة الباغية(8) ظلماً وعدواناً.
ثمّ يقول لهم: « وأيم الله، لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقضوا فيَّ حاجتهم، وواللهِ لَيَعْتَدُنَّ عليَّ كما اعتدت اليهود في السبت »(9) .
ويقول لهم: « كأني
____________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 403.
(2) تاريخ بن عساكر 14 / 217 عن الزبير بن بكار، تاريخ الطبري 5 / 404.
(3) الأخبار الطوال - للدينوري / 231.
(4) مسند أحمد 4 / 173.
(5) مسند أحمد 4 / 173.
(6) التاريخ الكبير - للبخاري 8 / 415.
(7) مسند أحمد 3 / 3.
(8) ذخائر العقبى 9 / 190، وفي مجمع الزوائد ومعجم الطبراني قال النبي: « واهاً لفراخ آل محمد من خليفة مستخلف مترف، يقتل خلفي وخلف الخلف! ». وأحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في قتل الحسينعليهالسلام في المصادر السنية والشيعية بل والكتابية كثيرة جدّاً.
(9) الطبري 4 / 289، ابن الأثير 4 / 38، الناقص من طبقات ابن سعد 1 / 433 عن معاوية بن قرّة، تاريخ =
بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن منّي أكراشاً جوفاً، وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، ويوفينا اُجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله لحمته »(1) .
لقد كان الحسينعليهالسلام يحدّث بهذا وأمثاله سرّاً وعلانية في جو من الاستضعاف والخوف والإرهاب، يبصِّر المسلمين، ويستنهض هممهم، ويطلب نصرتهم، ويذكِّرهم بتكليفهم الشرعي، نظير ما كان يصنعه جدّه رسول الله في مكّة يوم استضعفته قريش وعذبت اصحابه، فقتل مَنْ قُتل، وسُجن مَنْ سُجن، وتُشرد مَنْ تُشرد.
وليس من شك أن هذه الحركة التبليغيّة العلنية من الحسينعليهالسلام تقوم على أساس ما أمر به النبيصلىاللهعليهوآله من تبليغ حديثه إلى الناس، وما أمر به الله ورسوله من إظهار العلم عند ظهور البدع، وقد تخيّر لها الحسينعليهالسلام بتوفيق إلهي خاص ظرفها المناسب، وهي تعني في الوقت نفسه أنّ السلطة الاُمويّة في الشام سوف لن تسكت على مثل هذه الحركة بل سيكون موقفها منها هو العمل على القضاء عليها بكل وسيلة ممكنة، وبأقسى ما يتصوّر من العقوبة؛ لتكون للآخرين نكالاً وعبرة.
ثالثاً: الهجرة إلى الكوفة؛ بصفتها البلد الممتحن، وفيها بقية تلاميذ عليعليهالسلام ، وحملة خطبه وأحاديثه وأقضيته، وأخبار سيرته، والخطّة هي أن يهاجر إليها وينطلق بأهلها في مواجهة الاُمويِّين، وتطويق انحرافهم والإطاحة بهم.
____________________
= ابن عساكر 14 / 216 عن معاوية بن قرّة، وابن كثير ج8. أقول: وذلك لمّا قتلوا يحيىعليهالسلام . وفي فتوح أعثم 5 / 42 أنّ الحسين قال لعبد الله بن عمر: « أما علمت أنّ من هوان الدنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريا اُهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل... فلم يعجّل عليهم بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر؟ ». ثمّ قال له: « اتقِ الله يا أبا عبد الرحمن، ولا تدعنّ نصرتي ».
(1) اللهوف - لابن طاووس / 38.
جاء إلى الحسينعليهالسلام (وهو في مكة) ثلّة من وجوه الشيعة الكوفيين؛ برير الهمداني، وعابس بن حبيب الشاكري الهمداني(1) ، وشوذب مولى عابس(2) ، وحجّاج بن مسروق الجعفي، ويزيد بن مغفل المذحجي الجعفي(3) ، والصحابي أنس بن الحارث وغيرهم، أنهى عددهم الذهبي إلى ستين شيخاً(4) ، وبقوا مع الحسينعليهالسلام حماية له إضافة إلى بني هاشم.
أرسل الحسين ابن عمّه مسلم بن عقيلعليهمالسلام إلى الكوفة يتحرّك لتهيئة الأجواء، وأمره أن ينزل على هانئ بن عروة شيخ مذحج، أهم وأقوى شخصية اجتماعية وسياسية في الكوفة(5) ، وكتب مسلم للحسينعليهالسلام يخبره أنّ الأجواء مهيّأة لقدومه.
____________________
(1) من أصحاب عليعليهالسلام ، واشترك في حروبه، وكان من وجوه الشيعة. التحق بالحسينعليهالسلام في مكّة، ثمّ قدم معه. كان من أشجع الناس.
(2) اشترك مع عليعليهالسلام في حروبه، وكان من وجوه الشيعة، وأخذ عنه أهل الكوفة العلم والحديث. صحب مولاه عابساً إلى مكّة بعد قدوم مسلم، وجاء معه من مكّة إلى كربلاء.
(3) كان قد أدرك النبيصلىاللهعليهوآله ، وشهد القادسية في عهد عمر، وكان أحد الشجعان من الشيعة، والشعراء المجيدين، وكان من أصحاب عليعليهالسلام . حارب معه في صفين، وبعثه في حرب الخريت، وكان مع الحسينعليهالسلام في مجيئه من مكّة.
(4) قال الذهبي 3 / 305: فسار (الحسين) في آله، وفي ستين شيخاً من أهل الكوفة في عشر ذي الحجّة.
(5) قال ابن حجر في الإصابة: هانئ بن عروة بن الفضفاض بن نمران بن عمرو بن قماس بن عبد يغوث المرادي، ثمّ الغطيفي. مخضرم، سكن الكوفة، وكان من خواصّ عليعليهالسلام . ولمّا بايع أهل الكوفة مسلم بن عقيل بن أبي طالب للحسين بن علي نزل على هانئ المذكور.
فلمّا قدم عبيد الله بن زياد قتل مسلم بن عقيل، وقتل هانئ بن عروة وهو ابن بضع وتسعين سنة، فيكون أدرك من الحياة النبوية فوق الأربعين.
وتحت عنوان عروة بن الفضفاض قال: وكان ابنه هانئ بن عروة من رؤساء أهل الكوفة، وهو الذي نزل مسلم بن عقيل بن أبي طالب عنده لمّا أرسله الحسين بن علي لأخذ البيعة على أهل الكوفة، فقبض عبد الله بن زياد عليهما فقتلهما.
وفي ذلك يقول الشاعر:
فإن كنتِ لا تدرين ما الموت فانظري |
إلى هانئٍ في السوق وابنِ عقيلِ |
وكان من معالم قوته الاحتماعية أنّه قال لابن زياد لمّا انكشف أمره: قد أمنتك على نفسك ومالك (الإمامة والسياسة 2 / 5، العقد الفريد 4 / 377).
وفي رواية قال له هانئ: يابن أخي، إنّه قد جاء حقّ هو أحق من حقّك وحقّ أهل بيتك (طبقات ابن سعد المفقود 1 / 460)، فضرب ابن زياد وجهه بعصاً بيده، ثمّ قدّمه فضرب عنقه.
نمي الخبر إلى يزيد فعزل النعمان بن بشير؛ خوفاً من أن لا يُقْدِم على الحسينعليهالسلام (1) ، وضم الكوفة إلى عبيد الله بن زياد وطلب منه الذهاب إليها، ومواجهة حركة مسلم.
واستطاع ابن زياد أن يسيطر على الحركة الشعبية الكامنة في الخفاء بواسطة قوى الشرطة والأمن الداخلي الموالية للنظام، ثمّ ألقى القبض على هانئ ومسلم وقتلهما، وزج في السجون آلاف(2) من المستضعفين على الشبهة والظنّة، وقطع الطرق المؤدّية إلى الكوفة(3) بالجيش والشرطة الذين رُبّوا على الولاء لبني اُميّة، والطاعة للنظام منذ عشرين سنة.
بعث يزيد إلى مكّة مَنْ يقتل الحسينعليهالسلام غيلة، ويصل الخبر إلى الحسينعليهالسلام ، ويقترن ذلك مع وصول كتاب مسلم الذي يخبر فيه أنّ الأجواء مهيّأة للحسينعليهالسلام .
خرج الحسينعليهالسلام يوم الثامن من ذي الحجّة من مكّة خوفاً من أن يُغتال في الموسم، أو يُقتل في الحرم وتستباح به حرمة الحرم(4) ، وقد حاول والي مكّة منعه من الخروج ولم يفلح.
____________________
(1) طبقات ابن سعد المفقود 1 / 459.
(2) قدر الدكتور الخربوطلي المصري في كتابه المختار بن عبيد الثقفي (74 – 79 ) إنّ عدد الذين سجنهم ابن زياد يبلغ اثني عشر ألفاً من الشيعة، منهم المختار نفسه، ثم اُطلق ونفي إلى الحجاز.
(3) قال ابن سعد في الجزء المفقود 1 / 466: وجعل الرجل والرجلان والثلاثة يتسللون إلى حسين من الكوفة فبلغ ذلك عبيد الله، فخرج فعسكر بالنخيلة، واستعمل على الكوفة عمر بن حريث، وأخذ الناس بالخروج إلى النخيلة، وضبط الجسر فلم يترك أحداً يجوزه.
(4) روى الطبري 5 / 386، قال هشام: عن عوانة بن الحكم، عن لبطة بن الفرزدق بن غالب، عن أبيه قال: حججت بأمّي فأنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم في أيام الحجّ، وذلك في سنة ستين إذ لقيت الحسين بن علي خارجاً من مكّة معه أسيافه وأتراسه، فقلت: لمَنْ هذا القطار؟ فقيل: للحسين بن علي. فأتيته فقلت: بأبي واُمّي يابن رسول الله! ما أعجلك عن الحجّ؟ فقال: « لو لم أعجل لاُخذت ».
وروى البسوي في كتاب المعرفة والتاريخ / 532 كتاب ابن عباس إلى يزيد بعد قتل الحسين وواقعة الحرّة، جاء فيه: فما أنس من الأشياء فلست بناس إطرادك حسيناً (رحمه الله) من حرم رسول الله إلى حرم الله، وتسييرك إليه الرجال لتقتله في الحرم، فما زلت بذلك وعلى ذلك حتّى أشخصته إلى العراق، فخرج خائفاً يترقب، فتزلزلت به خيلك؛ عداوة لله ولرسوله ولأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
وفي رواية اليعقوبي 2 / 247: فما زلت بذلك كذلك حتّى أخرجته من مكّة إلى أرض الكوفة، تزأر به خيلك =
دخل الحسينعليهالسلام أرض العراق، وتحصره طلائع جيش النظام بقيادة الحرّ بن يزيد الرياحي، ولا تدعه يدخل الكوفة، ولا يخرج عن أرض العراق، وانتهى المطاف بحصره في كربلاء، واجتمعت عليه كتائب جيش النظام الأموي بقيادة عمر بن سعد، وعرضوا عليه البيعة، وتسليم نفسه للسلطة أو يقاتلوه.
اختار الحسينعليهالسلام الموت على البيعة أو التسليم، وهو شعاره منذ اليوم الأوّل من حركته، وكذلك كان موقف مَنْ معه من أهل بيته وأصحابه من الكوفيين من الذين صحبوه من مكّة، ومن الذين استطاعوا الفرار من الكوفة واللحاق به، أمثال: عمرو بن خالد الصيداوي(1) ، وأبي الشعثاء يزيد بن زياد بن مهاصر البهدلي الكندي(2) ، وحبيب بن مظاهر الأسدي، ومسلم بن عوسجة الأسدي(3) ، وأبي ثمامة الصائدي(4) ، ونافع بن هلال الجملي وغيرهم(5) .
قُتل الحسين وأصحابه وأهل بيتهعليهمالسلام جميعاً بعد معركة غير متكافئة، وقُطعت رؤوسهم، وسُيّرت إلى الكوفة مع عيال الحسين، ومن هناك سُيّروا إلى الشام.
____________________
= وجنودك زئير الأسد، عداوة منك لله ولرسوله ولأهل بيته، ثمّ كتبت إلى ابن مرجانة أن يستقبله بالخيل والأسنّة والسيوف.
(1) خرج من الكوفة بعد قتل مسلم هو ومولاه سعد بن مجمع بن عبد الله وابنه عائذ ودليلهم الطرماح.
قال ابن الاثير في الكامل: لمّا رآهم الحرّ حجزهم، فقال له الحسين: « هؤلاء أصحابي ولأمنعنهم ممّا أمنع منه نفسي ». فكفّ عنهم الحرّ.
(2) خرج من الكوفة إلى الحسين فصادفه في الطريق قبل أن يلاقيه الحرّ.
(3) كان هو وحبيب مع مسلم بن عقيل، ثمّ خرج مع حبيب بعد قتل مسلم والتحقا بالحسينعليهالسلام .
(4) كان من أصحاب عليعليهالسلام الذين شهدوا معه مشاهده كلّها، وبعده صحب الحسنعليهالسلام ثمّ بقي في الكوفة إلى أن هلك معاوية، ثمّ بعد أن اجتمع مع مَنْ اجتمع من وجوه الشيعة في دار سليمان بن صرد خرج مع نافع بن هلال بعد قتل مسلم والتحق بالحسينعليهالسلام .
(5) ويذكر الطبري 5 / 354 عن أبي مخنف قال: خرج يزيد بن نبيط وهو من عبد القيس إلى الحسينعليهالسلام ، وكان له بنون عشرة فقال: أيّكم يخرج معي فانتدب معه ابنان له؛ عبد الله وعبيد الله، فتقدى في الطريق حتّى انتهى إلى حسينعليهالسلام فدخل في رحله بالأبطح، ثمّ أقبل معه حتّى أتى فقاتل معه فقُتل معه هو وابناه.
لئن شاء الله تعالى أن يُقتل الحسينعليهالسلام بعد خمسة شهور من حركته الهادية، فقد شاء أيضاً أن يتحرّك الواقع السياسي والاجتماعي بعد الحسينعليهالسلام بالاتجاه الذي يخدم الأهداف التي تحرّك الحسينعليهالسلام لها وقُتل من أجلها، ثمّ يتحقق كلّ ما أراد تحقيقه.
وبيان ذلك كما يلي:
أوّلاً: تفهمت الأمّة أنّ الطاعة المطلقة للخليفة ليست من الدين في شيء، وأنّ الدين يدعو مجاهدة سلطة بني اُميّة والإطاحة بهم، ومن ثمّ نهضت ثائرة تحت لواء هذا القائد، أو ذاك من مختلف الاتجاهات، وقد استمرت الثورات عليهم حتّى سقطوا على يد بني العباس، ولم تعد سلطة بعد ذلك تتبنّى لعن علي والتربية على بغضه.
ثانياً: تنفس الشيعة، الصحابة والتابعون من جديد في الكوفة بشكل عام حين ارتفع الضغط الخاص عليهم مدّة عشر سنوات تقريباً بعد موت يزيد أيام بيعتها لابن الزبير (64 - 67)، وأيام المختار بشكل خاص لمدّة سنة ونصف (14ربيع الأوّل 66 - 14 رمضان 67) حين استطاعوا أن يُطهِّروا المجتمع الكوفي من قتلة الحسينعليهالسلام - الذين كانوا يمثلون قمّة الانحراف وبؤرة الفساد فيه - ويعيدوا التثقيف الصحيح باتجاه عليعليهالسلام
وأهل بيته، وعلى الرغم من قصر مدّة حكم المختار، وقتله على يد مصعب الزبيري، وقتل سبعة آلاف شيعي صبراً بعده بضمنهم عمرة بنت النعمان بن بشير زوجة المختار؛ لأنّها لم تتبرّأ من زوجها المختار، ثمّ ظلم الحجّاج وتتبّعه لشيعة عليعليهالسلام بقيت الكوفة قلعة صامدة على التشيّع، أبيَّة على الترويض، ممّا اضطر الحجّاج في حركة ابن الأشعث (سنة 80 - 83) أن يستعين بجيش شامي للقضاء عليها، ولم يسكن الكوفة بعد ذلك خوفاً على جيش أهل الشام من التأثّر بفكرهم فبنى واسط خاصّة لهم، واستطاع الأئمّة من ذرية الحسين وبخاصّة الباقر والصادقعليهالسلام أن يثقفوا قواعدهم الشعبية الكوفية من جديد، وبذلك عادت الكوفة كسابق عهدها أيام عليعليهالسلام قلعة للتشيّع ورواية أهل البيتعليهمالسلام .
ثالثاً: تصدّعت وحدة الدولة، وغابت السلطة المركزية(1) لبني اُميّة التي كانت تلاحق المحدِّثين الصادقين، ولم تسترجع سيطرتها كاملة إلاّ بعد خمس وعشرين سنة من قتل الحسينعليهالسلام ، وبذلك كُسِر الطوق المفروض على الحديث الصحيح، وطُرح علي والمطهرون من ذريتهعليهمالسلام من جديد أئمّة هداة في المجتمع، وذلك حين انطلق خلال هذه الفترة بقيّة الصحابة والتابعين من شيعة عليعليهالسلام وغيرهم في المدينة ومكة، والكوفة والبصرة، والشام وخراسان
____________________
(1) استقل ابن الزبير في مكّة والمدينة والعراق، ثمّ ثار المختار في الكوفة واقتطعها عن ابن الزبير مدّة سنة ونصف، من 14ربيع الأوّل سنة 66 إلى 14 رمضان سنة 67، ثمّ رجعت له بعد قتل المختار على يد مصعب وأهل البصرة وجيش المهلّب، وفلول الجيش الذي قتل الحسينعليهالسلام .
اختلف أهل الشام وصاروا رايتين؛ راية تدعو لابن الزبير، وراية تدعو لمروان، واقتتلوا بسبب ذلك ثمّ غلبة مروان، واقتتل أهل خراسان لسنين ثمّ بيعتهم أخيراً لعبد الملك.
استقل نجدة الخارجي في اليمن ثمّ قُتل نجدة من قبل أصحاب ابن الزبير.
قُتل عبد الله بن الزبير من قبل أصحاب عبد الملك بن مروان وصفا الملك لبني اُميّة من جديد.
ثار العراقيون من جديد بقيادة ابن الأشعث (81 - 85)، واستقر الملك بعد لبني اُميّة لمدّة أربعين سنة تقريباً، واُزعج مرّة أخرى من قبل العراقيين بقيادة زيد وقُتل سنة 122، ثمّ مات هشام سنة 125 ولم يستقر الملك لبني اُميّة بعد ذلك؛ إذ اختلفت كلمتهم ثمّ زالت دولتهم على يد بني العباس سنة 132.
وغيرها ينشرون حديث النبي في أهل بيته كلّ حسب استطاعته، وبقدر ما تسمح له ظروفه.
فمن الصحابة في المدينة اُمّ سلمة (ت61)، وأبو سعيد الخدري (ت64)، وعبد الله بن عباس (ت68) بالمدينة ومكة والطائف وتوفي بها وله نيف وسبعون سنة، وجابر بن عبد الله الأنصاري (ت74) عن (94) سنة، وسلمة بن الأكوع (ت74)، وسهل بن سعد الساعدي (ت91).
وفي الكوفة سليمان بن صرد قُتل سنة (66)، وزيد بن أرقم (ت68)، وعدي بن حاتم (ت67)، والبراء بن عازب (ت72)، وعامر بن واثلة (ت110) بمكة منفياً من الكوفة منذ تولّى الحجّاج الكوفة، وهو آخر مَنْ توفى من الصحابة.
وفي البصرة: مالك بن الحويرث (ت74)، وأنس بن مالك أخذ يحدّث بفضائل عليعليهالسلام لمّا أصابته دعوة عليعليهالسلام (ت90).
وفي مرو وخراسان: بريدة بن الحصيب (ت62)، وأبو برزة الأسلمي (ت64).
وفي الشام: واثلة بن الأسقع (ت85)، وهو آخر مَنْ مات من الصحابة بدمشق.
ومن التابعين، وهم بقيّة أصحاب عليعليهالسلام وأغلبهم كوفيون، أمثال: الحارث الأعور الهمداني (ت65)، سعد بن حذيفة بن اليمان (من رجال عهد المختار)، والأصبغ بن نباتة (ت بعد سنة70)، وحبّة بن جوين (ت76)، أبي البختري (قُتل 82)، زاذان (ت82)، زر بن حبيش (ت81)، عبد الله بن الحارث بن نوفل ت84، عبد الرحمن بن أبي ليلى (ق 82)، فضالة بن أبي فضالة (ت70 - 80)، كميل بن زياد (قتله الحجّاج 82)، قيس بن عبّاد (قتله الحجّاج 83)، وزيد بن وهب الجهني (ت 84، وقيل: 96)، ومسلم بن صبيح (ت100).
ومنهم بصريون مثل أبي الأسود الدؤلي، وخِلاس الهَجَري(1)
____________________
(1) كان من شرطة عليعليهالسلام ، وله صحيفة كتباً عنه يحدّث بها، توفي قبيل المئة بتقدير الذهبي نقلاً عن ابن حجر في تهذيب التهذيب.
ومنهم مدنيون أمثال: عمر بن أبي سلمة (ت83)، وإياس بن سلمة بن الأكوع (ت119)، ويزيد بن أميّة (ت 70 - 80).
ولولا هذه السنوات الخمس والعشرين من غياب السلطة المركزية التي أنتجتها حركة الحسينعليهالسلام وشهادته لما استطاع أولئك الصحابة والتابعون من نشرهم حديث النبيصلىاللهعليهوآله في بيان منزلة علي وأهل بيتهعليهمالسلام ، أو ذمّ بني اُميّة، أو نشرهم حديث عليعليهالسلام وخطبه التي نجدها اليوم في كتب الحديث والتاريخ لدى عامة المسلمين.
ولولا انتشار أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في أهل بيته لما استطاع الأئمّة من ذريّة الحسينعليهمالسلام أن ينشروا سنّة النبيصلىاللهعليهوآله برواية عليعليهالسلام .
قال الله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ) (الصف / 14).
وروى البخاري أنّ أعرابياً قال للنبيصلىاللهعليهوآله : الرجل يُقاتل للمغنم، والرجل يُقاتل ليُذكر ويُقاتل ليرى مكانه في سبيل الله، فقال: « مَنْ قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله »(1) .
وجّه الحسينعليهالسلام أصحابه في المرحلة السرّية من حركته في مواجهة الانقلاب الفكري لمعاوية (50 - 59)؛ ليواصلوا نشر الأحاديث النبوية الصحيحة في علي وأهل البيتعليهمالسلام بين مَنْ يثقون به من الناس، وكان آخر نشاط نوعي في هذا السبيل هو المؤتمر السرّي الذي عقده الحسينعليهالسلام في مكّة في موسم الحجّ لسنة (59) هجرية، أي قبل موت معاوية بسنة، وحضره عدد كبير من الصحابة والتابعين، وكانت المادة الأساسية في هذا المؤتمر هي خطاب الحسينعليهالسلام الذي أطلع المؤتمرين آنذاك على خطورة الوضع الفكري
____________________
(1) صحيح البخاري (المختصر) 3 / 1137.
والسياسي، ثمّ حثّهم على نشر الحقائق الدينية في علي وأهل البيتعليهمالسلام ، وقد استهلّ خطابه بقوله: « إنّي خفت دروس هذا الأمر »، (أي أمر ولاية أهل البيت).
أعلن الحسينعليهالسلام بعد موت معاوية عن حركته التبليغيّة؛ ليقاوم بدعتين سادتا وانتشرتا انتشاراً مطبقاً:
الأولى: التربية العامّة على بغض عليعليهالسلام ولعنه والبراءة منه، ورواية الأحاديث الكاذبة في ذمّه والطعن عليه، ومعاقبة مَنْ يظهر خلافه لهذه السياسة.
الثانية: التربية العامّة على الولاء المطلق للخليفة، والتقرّب إلى الله بطاعته ومحبّته، ورواية الأحاديث الكاذبة في فضل بني اُميّة، وإكرام مَنْ يتجاوب مع هذه السياسة.
اختار الحسينعليهالسلام مكّة قاعدة ينطلق منها في حركته تلك، يحيط به بنو هاشم لحمايته من أجل أن يقوم بممارسته التبليغيّة، ونشر أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في عليعليهالسلام ، الممارسة التي تعاقب الدولة عليها بعقوبة الإعدام كما يُقال بلغة العصر.
وتحرّك الحسينعليهالسلام على أخيار المسلمين القادمين من مختلف البلاد الإسلاميّة لأداء العمرة والحجّ يحدِّث الجيل الجديد منهم بما حرَّمت الدولة الحديث به فلم يسمعوه، ويستنهض الجيل القديم ويذكِّّرهم بتكليفهم الشرعي إزاء ظهور البدع، ومن ثمّ يطلب النصرة من الجميع ليحموه من دولة الضلال؛ لكي يواصل هو وأخيار الصحابة والتابعين تبليغ أحاديث جدّه وسنته للأمّة.
تجاوب مع الحسينعليهالسلام وجوه شيعة أبيه في العراق، وبخاصّة في الكوفة الممتحنة في السنوات السابقة من النظام الأموي، وبايعوه على النصرة ودعوه إلى البلد لينهض به في مقاومة بني اُميّة كما نهض جدّه النبيصلىاللهعليهوآله بأهل المدينة لمقاومة قريش، وشاء الله تعالى أن تنكشف الحركة في الكوفة وتُسحق في مهدها، ويُسجن أنصار الحسين فيها، ويُقتل هانئ أبرز وجه في الكوفة وأقواه سياسياً واجتماعياً، ويُقتل بعده مسلم بن عقيل، وتُقطع الطرق المؤدّية إلى الكوفة لقطع الطريق على المختفين من أنصار الحسينعليهالسلام من أن
يلحقوا به، ويطوق الركب الحسيني القادم من مكّة خوفاً من أن تُستحل حرمتها به حيث كان يزيد قد دسّ الرجال ليقتلوا الحسينعليهالسلام غِيلة في الموسم.
عرض جيش الدولة على الحسينعليهالسلام أن يسلّم نفسه للسلطة، وأبى الحسين ومَنْ معه ذلك، وجرت معركة غير متكافئة، وقُتل الحسينعليهالسلام وأهل بيته وأصحابه، ورُفعت رؤوسهم على الرماح، وداست الخيل صدر الحسينعليهالسلام ، واُخذت نساؤه وأطفاله أسرى إلى الشام.
صفا الجو ليزيد وبني اُميّة سنتين تقريباً بعد قتل الحسين، وقدّروا أنّهم أطفأوا النور الحسيني، وأنّ زلزال الخطر عليهم وعلى خطّتهم زال إلى غير رجعة، وما دَرَوْا أنّ القيام المخلص لله والقتل في سبيله هو من أعظم الوسائل التي يتألّق بها نور الهداية، ويستحكم بها الزلزال على المنحرفين، وتظهر معالمه جلية واضحة في كلّ البلاد الإسلاميّة.
فقد ثار أهل المدينة على يزيد بعد سنتين (63) هجرية من قتل الحسينعليهالسلام ، وأعلن أهل مكّة تمرّدهم في غضون ذلك، وعاجل الله تعالى يزيد فأماته مبكرّاً، واستقال ولده معاوية الثاني، ومات بعد استقالته بأيام، وتمزّقت الدولة الاُمويّة شرّ ممزّق.
فاقتتل أهل الشام بينهم من أجل الملك، وصاروا رايتين: راية تدعو لابن الزبير، وأخرى تدعو لمروان، ثمّ صفا الأمر لمروان بن الحكم بعد وقعة مرج راهط، التي أهلكت آلاف الناس، ومن بعده لابنه عبد الملك، واقتتل أهل خراسان.
قال المدائني: لمّا مات يزيد بن معاوية وثب أهل خراسان بعمّالهم فأخرجوهم، وغلب كلّ قوم على ناحية، ووقعت الفتنة، وغلب عبد الله بن حازم على خراسان، ووقعت الحرب(1) ، وأقرَّ عبد الله بن الزبير عبد الله بن خازم على
____________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 546.
خراسان، وكاتَبَه عبد الملك ليبايع له فرفض، فثار عليه وكيع بن الدورقية وقتله(1) .
وفي البصرة روى أبو مخنف قال: وثب الناس بعبيد الله بن زياد وكسر الخوارج أبواب السجون، وخرجوا منها(2) ، وقادهم نافع بن الأزرق ومن بعده عبيد الله بن الماحوز، وجرت بينهم وبين أهل البصرة حروب كثيرة، ثمّ هزمهم المهلّب بن أبي صفرة عن الأهواز.
وفي الكوفة وثب رؤساء الجيش والشرط، بعمرو بن حريث خليفة ابن زياد ومدير شرطته، وكان هواهم مع ابن الزبير فأخرجوه من القصر، واصطلحوا على عامر بن مسعود بن أميّة الجمحي القرشي، وبايعوا لابن الزبير، ثمّ كسرت السجون وخرج الشيعة، واقتتل أهل اليمن فيما بينهم كذلك.
وكان البلد الوحيد الذي وجدت فيه حركة تحمل خطّ الحسينعليهالسلام ونهجه، هو الكوفة
____________________
(1) قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: عبد الله بن خازم بن أسماء بن الصلت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن حرام بن السمال بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم السلمي، أبو صالح البصري أمير خراسان، يُقال: له صحبة ورواية.
روى عنه سعد بن عثمان الرازي وسعيد بن الأزرق. قال أبو أحمد العسكري: كان من أشجع الناس، ولي خراسان عشر سنين، وافتتح الطبسين (تثنية طبس، قصبة ناحية بين نيسابور وأصبهان تسمّى قهستان) (مراصد الاطلاع)، ثمّ ثار به أهل خراسان فقتلوه، وكان الذي تولّى قتله وكيع بن الدورقية، وحمل رأسه إلى عبد الملك بن مروان.
وقال خليفة بن خياط: قام بأمر الناس في وقعة قازن بباذغيس (ناحية تشمل على قرى اعمال هراة ومرو) وكتب إلى ابن عامر بالفتح فأقره على خراسان حتّى قُتل عثمان.
وقال صالح بن الرحبية: قتل سنة (71). وقال السلامي في تاريخه: لمّا وقعت فتنة ابن الزبير كتب إليه ابن خازم بطاعته، فأقرّه على خراسان، فبعث إليه عبد الملك بن مروان يدعوه إلى طاعته فلم يقبل، فلمّا قُتل مصعب بعث إليه عبد الملك برأسه، فغسله وصلّى عليه، ثمّ ثار عليه وكيع بن الدورقية وغيره فقتلوه.
وبمعنى ذلك حكى أبو جعفر الطبري وزاد: وكان قتله في سنة (72).
(2) تاريخ الطبري 5 / 567 عن أبي مخنف.
بزعامة سليمان بن صرد، ثمّ بزعامة المختار الثقفي، ولكن عبد الله بن الزبير لا يحتمل ذلك، وبخاصّة وإنّ الكوفة كانت تابعة له، فبعث أخاه مصعب بأهل البصرة وبقايا الجيش الذي قاتل الحسينعليهالسلام الذي خرج من الكوفة فارّاً من المختار، وطوق الكوفة وقتل المختار، وقتل بعد ذلك زوجة المختار؛ لأنّها لم تتبرّأ منه، ومعها ستة آلاف صبراً ممّن كان مع المختار في القصر.
ولئن استطاع عبد الملك بعد عشرين سنة أن ينتصر على المعارضة والثوّار في أنحاء البلاد الإسلاميّة، وأن يستعيد وحدة الدولة الاُمويّة وفرض السياسة التي اختطها معاوية من جديد، فإنَّ حرارة الزلزال في الكوفة، والمغتربين من أبنائها في خراسان لم تكن قد انتهت، فكانت ثورة زيد في الكوفة، وكان قدره فيها كقدر جدّه الحسينعليهالسلام أن يكون وقوداً وزيتاً للثائرين.
ثمّ كانت ثورة العباسيِّين بالكوفيين المغتربين ومَنْ معهم من أهل خراسان، وانهار على أيديهم الحكم الأموي والأطروحة الاُمويّة للإسلام، المبني على لعن عليعليهالسلام إلى غير رجعة، حيث لم يجئ حكم بعد ذلك يتبنّى لعن عليعليهالسلام إلى اليوم، ولن يجيء إلى آخر الدنيا.
وانتشرت الأحاديث النبوية التي عمل بنو اُميّة على طمسها وكتمانها وتحريفها، واهتدى بها مَنْ أراد الهداية من الأمّة، وهي محفوظة في كتب المسلمين جميعاً إلى اليوم.
وأيد الله تعالى الحسينعليهالسلام تأييداً خاصاً حين بتر نسل يزيد فلا يوجد اليوم مَنْ ينتسب إليه، وبارك الله تعالى في نسل الحسينعليهالسلام فهو يملأ الدنيا، ورزقه منهم تسعة أئمّة هدى أسباطاً، أعلام هداية، نشروا ما كان يحمله الحسينعليهالسلام من تراث نبوي كتبه عليعليهالسلام بيده الكريمة الطاهرة، وأملاه النبي من فيه الشريف المطهّر، والتفّ حولهم شيعة يأخذون عنهم هذا التراث الإلهي، ويحملون ظلامة الحسينعليهالسلام غضة طرية كلّ عام في عاشوراء؛ ليهتدي بهديها مَنْ شاء من الناس.
إبراهيم بن محمد أبي إسحاق الفزاري، 166. إبراهيم بن محمد بن عرفة الواسطي، 76. أبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي، 70. أبو ثمامة الصائدي، 503. أبو سلمان المؤذن، 410. أبو ليلى الكندي، 298. أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي، 16. أبو عبد الله الجدلي، 290. أحمد بن زهير بن أبي خيثمة، 246. إسحاق بن طلحة بن عبيد الله (التميمي)، 93. أنس بن الحارث نبيه، 166. برير الهمداني، 166. بكير بن عثمان البجلي، 97. جعفر الصادقعليهالسلام ، 472. جويرية بن أسماء بن عبيد بن مخارق، 247. جويرية بن مسهر، 111. حبيب بن مظاهر الأسدي، 167. حجار بن أبجر العجلي، 98. حجر بن عدي الكندي، 88. حريز بن عثمان أبو عون الحمصي، 69. الحسن المثنى بن الحسنعليهالسلام ، 457. حصين بن تميم الطهوي، 172. حصين بن يزيد التغلبي أو الثعلبي، 387. الحكم بن أبي العاص، 172. الحكم بن عمرو أبو عمرو الغفاري، 60. حمران بن أعين، 418. خلاس الهجري، 375. خليفة بن خياط، 347. |
الربيع بن زياد الحارثي، 83. رزين بن حبيب الجهني، 378. رشيد الهجري، 110. زحر بن قيس الجعفي، 99. زهير بن حرب بن شداد الحرشي، 246. زيد بن أرقم، 295. زيد بن الحسن بن عليعليهالسلام ، 465. سعيد بن عبد الملك بن واقد الحراني، 166. سفيان بن الليل، 51. سلمان بن ربيعة بن يزيد الباهلي، 174. سليمان بن صرد، 273. سماك بن حرب، 382. سمرة بن جندب الفزاري، 85. شبث بن ربعي، 97. شمر بن ذي الجوشن العامري، 98. الضحاك بن مزاحم، 394. عابس بن حبيب الشاكري الهمداني، 501. عامر بن مسعود بن أمية بن خالف، 96. العباس بن علي بن أبي طالبعليهماالسلام ، 160. عبد الرحمن بن أبي أنعم، 384. عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي، 99. عبد الرحمن بن أبي ميرة، 484. عبد الرحمن بن بهمان، 403. عبد الرحمن بن عبد ربّه، 189. عبد الله بن الزبير، 237. عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنهم)، 159. عبد الله بن حنظلة الغسيل، 248. عبد الله بن خازم السلمي، 510. |
عبد الله بن شريك العامري، 187. عبد الله بن عباس، 159. عبد الله بن عثمان بن خثيم، 402. عبد الله بن مصعب الزبيري، 262. عبد الملك بن عمير، 422. عزرة بن عزرة الأحمسي، 100. عقيصا أبو سعيد التيمي، 168. عكرمة بن عمار الحنفي العجلي، 406. علقمة بن خالد بن الحارث، 385. علي بن الحسينعليهالسلام ، 469. علي بن رباح اللخمي، 68. علي بن زيد بن جدعان، 419. علي بن عبد الله بن عباس، 68. عمارة بن عقبة بن أبي معيط الأموي، 94. عمر بن سعد بن أبي وقاص القرشي، 94. عمرو بن الحمق الخزاعي، 109. عمرو بن بحر الليثي اللغوي النحوي، 481. عمرو بن حريث القرشي المخزومي، 86. عمرو بن الحجّاج الزبيدي، 98. عمرو بن خالد الصيداوي، 167. فضالة بن عبيد الأنصاري، 123. قبيصة بن ضبيعة العبسي، 101. قطن بن عبد الله بن حصين الحارثي، 97. القعقاع بن شور الذهلي، 98. قيس بن أبي حازم، 483. كثير بن شهاب بن حصين الحارثي، 96. لبيد بن عطارد التميمي، 98. محفز بن ثعلبة من عائذة قريش، 99. |
محمد الباقرعليهالسلام ، 472. محمد بن عبد الله أبو جعفر الإسكافي، 482. محمد بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام ، 160. محمد بن عمير بن عطارد التميمي، 98. مروان بن أبي حفصة، 74. مروان بن الحكم، 36. مسلم بن عقبة المري، 130. مسلم بن عقيل بن أبي طالبعليهمالسلام ، 160. مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، 378. معروف بن خربوذ، 417. المنذر بن الزبير بن العوام، 94. ميسرة بن حبيب النهدي، 55. نفطويه، 76. نوفل بن مساحق بن عبد الله الأكبر، 252. هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، 376. هانئ بن عروة، 501. وائل بن حجر الحضرمي، 96. ابو ثمامة الصائدي، 167. السائب بن الأقرع الثقفي، 97. شوذب مولى عابس، 501. مسلم بن عوسجة الأسدي، 503. موسى بن طلحة التميمي، 93. وهب بن جرير بن حازم، 247. وهب بن عبد الله بن زمعة، 367. يحيى بن جعدة بن هبيرة، 299. يزيد بن زياد بن مهاصر البهدلي، 167. يزيد بن معقل المذحجي الجعفي، 501. |
المصادر والمراجع
1 - القرآن الكريم.
2 - نهج البلاغة.
3 - أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ - إبراهيم شعوط.
4 - الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي.
5 - الآحاد والمثاني - ابن أبي عاصم الضحاك (ت 387) ط دار الدراية.
6 - الأخبار الطوال - الدينوري (ت 282) - ط دار إحياء الكتاب العربي / 1960.
7 - اختيار معرفة الرجال (الطوسي) - ط مؤسسة آل البيت - قم / 1404.
8 - إدارة العراق في صدر الإسلام - رمزية عبد الوهاب الخيرو.
9 - الأدب المفرد - البخاري (ت 356) - ط مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت / 1406.
10 - إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري - العسقلاني.
11 - الاستيعاب - ابن عبد البر (ت 463) - ط دار الجيل / 1413.
12 - اُسد الغابة في معرفة الصحابة - ابن الأثير (ت 63) - ط دار الكتاب العربي - بيروت.
13 - الإصابة في تمييز الصحابة - ابن حجر العسقلاني (ت 853) - ط دار الكتب العلمية / 1415.
14 - الأغاني - الإصبهاني (ت 356) - ط دار الكتب العلمية - بيروت / 1412.
15 - الإمام الحسنعليهالسلام المصلح العظيم (مخطوط) قراءة جديدة - السيد سامي البدري.
16 - الإمامة والسياسة - ابن قتيبة (ت 276) - ط مؤسسة الحلبي.
17 - أنساب الأشراف - البلاذري (ت 279) - ط مؤسسة الأعلمي / 1394.
18 - أنساب الطالبيِّين - علي بن محمد بن علي العلوي (ت 709) - ط كلية السيد المرعشي / 1409.
19 - بحار الأنوار - العلاّمة المجلسي (ت 1111) - ط مؤسسة الوفاء - بيروت / 1403.
20 - البخاري - محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256) - ط دار الفكر للطباعة / 1401.
21 - البداية والنهاية - ابن كثير (ت 256) - ط دار الفكر للطباعة / 1401.
22 - بلاغات النساء - ابن طيفور (ت 380) - ط مكتبة بصيرتي.
23 - البيان والتبيين - الجاحظ (ت 255) مكتبة أرومية - قم / 1345.
24 - تاريخ الإسلام - الذهبي.
25 - تاريخ الخميس - الديار بكري.
26 - تاريخ السيوطي - السيوطي.
27 - تاريخ الشيعة - الشيخ محمد حسين المظفر.
28 - تاريخ الطبري - أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310) - ط مؤسسة الأعلمي - بيروت / 1403.
29 - التاريخ الكبير - البخاري (ت 256) - ط المكتبة الإسلاميّة - ديار بكر - تركيا.
30 - تاريخ اليعقوبي - أحمد بن أبي يعقوب (ت 384) - ط دار صادر - بيروت.
31 - تاريخ بغداد - الخطيب البغدادي (ت 463) - ط دار الكتب العلمية - بيروت / 1417.
32 - تاريخ بن خياط - خليفة بن خياط (ت 240) - ط دار الفكر للطباعة والنشر.
33 - تاريخ يحيى بن معين - يحيى بن معين (ت 233) - ط دار القلم.
34 - تذكرة الحفاظ - الذهبي (ت 748) - ط دار إحياء التراث - بيروت.
35 - تذكرة خواص الأمّة - سبط ابن الجوزي.
36 - تعجيل المنفعة - ابن حجر العسقلاني (ت 853) - ط دار الكتاب العربي.
37 - التعديل والتجريح - الحافظ الباجي (ت 474) - ط وزارة الأوقاف المصرية.
38 - تقريب التهذيب - ابن حجر العسقلاني (ت 853) - ط دار المكتبة العلمية / 1415.
39 - التنبيه والإشراف - المسعودي - دار صعب - بيروت.
40 - تهذيب التهذيب - ابن حجر العسقلاني (ت 853) - ط دار الفكر - بيروت / 1404.
41 - تهذيب الكمال - المزي (ت 743) - ط مؤسسة الرسالة - بيروت / 1406.
42 - تهذيب المقال - السيد محمد علي الأبطحي (معاصر) - ط ابن المؤلف.
43 - تهذيب تاريخ دمشق - ابن عساكر - تحقيق: روحية النحاس - ط دار الفكر دمشق / 1404.
44 - تيسير أعلام النبلاء - الذهبي (ت 748) - ط مؤسسة الرسالة - بيروت.
45 - جامع البيان - أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310) - ط دار الفكر - بيروت / 1415.
46 - الجامع الصحيح المختصر - البخاري (ت 256) - ط الموسوعة الذهبية.
47 - الجمل - الشيخ المفيد (ت 413) - ط مكتبة الداوري - قم.
48 - حاشية السندي على النسائي - الإمام السندي (ت 1138) - ط دار الكتب العلمية.
49 - الحاوي الكبير - الماوردي.
50 - الحجاج بن يوسف الثقفي - إحسان صدقي العمد - ط دار الكتب المصرية.
51 - حلية الأولياء - أبو نعيم الإصبهاني (ت 430) - ط دار الفكر.
52 - خزانة الأدب - عبد القادر البغدادي (ت 1093) - ط دار الكتب العلمية - بيروت / 1998.
53 - الخصال - الشيخ الصدوق (ت 281) - ط جامعة المدرسين - قم / 1403.
54 - خطط المقريزي - المقريزي - ط مكتبة مدبولي القاهرة / 1998.
55 - الخوارج والشيعة - يوليوس فلهوزن - ترجمة عبد الرحمن البدوي - الكويت / 1978.
56 - الدر المنثور - السيوطي (ت 911) - ط دار المعارف للنشر - بيروت.
57 - الدولة الاُمويّة - الشيخ محمد الخضري - ط دار المعرفة - بيروت - بيروت 1418.
58 - الديباج على صحيح مسلم - السيوطي (ت 911) - ط دار ابن عفان / 1416.
59 - ديوان الشريف الرضي - الشريف الرضي.
60 - ذخائر العقبى - احمد بن محمد المكي (ت 694) - ط مكتبة القدسي القاهرة / 1356.
61 - الروض المعطار - الحميري.
62 - سر السلسلة - أبو نصر البخاري (ت 341) - ط الشريف الرضي / 1413.
63 - السنّة لابن مخلد - ابن مخلد.
64 - سنن أبو داود - ابن الأشعث السجستاني (ت 275) - ط دار الفكر / 1410.
65 - سنن البيهقي - البيهقي (ت 458) - ط دار الفكر.
66 - سنن الترمذي - الترمذي (ت 379) - ط دار الفكر - بيروت / 1403.
67 - سنن الدارمي - عبد الله بن بهرام الدارمي (ت 355) - ط مطبعة الاعتدال - دمشق / 1349.
68 - السنن الصغرى - النسائي (ت 303).
69 - السنن الكبرى - النسائي (ت 303) - ط دار الكتب العلمية - بيروت / 1411.
70 - سنن النسائي - النسائي (ت 303) - ط دار الكتب العلمية / 1411.
71 - السيدة سكينة - للمقرم.
72 - السيرة النبوية - ابن هشام الحميري (ت 218) - ط مكتبة محمد علي صبيح / 1383.
73 - شبهات وردود - السيد سامي البدري.
74 - شرح الأخبار - القاضي النعمان المغربي (ت 363) - ط جامعة المدرسين / 1414.
75 - شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد (ت 656) - ط دار إحياء الكتب العربية / 1378.
76 - شواهد التنزيل - الحسكاني (ت ق5) - ط مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والآثار الإيرانية / 1411.
77 - صحيح ابن حبان - ابن حبان (ت 354) - ط مؤسسة العرب.
78 - صحيح مسلم - الإمام مسلم (ت261) - ط دار الفكر - بيروت.
79 - صفوة الصفوة - أبو فرج ابن الجوزي.
80 - الضعفاء - العقيلي (ت 322) - ط دار الكتب العلمية - بيروت / 1418.
81 - طبقات ابن سعد المفقود - ابن سعد.
82 - الطبقات الكبرى - ابن سعد (ت 230) - ط دار صادر - بيروت.
83 - طبقات فحول الشعراء - ابن المعتز.
84 - العراق في العهد الأموي (رسالة دكتوراه) - الخربوطلي - ط دار المعارف بمصر / 1959.
85 - العقد الفريد - أحمد بن محمد بن عبد ربّه الأندلسي.
86 - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب - ابن عتبة (ت 828) - ط المطبعة الحيدرية النجف / 1380.
87 - غاية الاختصار - ابن زهرة الحسيني.
88 - الغدير - العلامة الأميني (ت 1392) - ط دار الكتاب العربي - بيروت / 1397.
89 - فتح الباري - ابن حجر العسقلاني (ت 853) - ط دار المعرفة - بيروت.
90 - فتح القدير - للشوكاني (ت 1255) - ط عالم الكتب.
91 - فتح الملك العلي - أحمد بن صديق المغربي) - ط مكتبة أمير المؤمنين إصبهان / 1403.
92 - الفتوح - ابن أعثم (ت 314) - ط دار الأضواء / 1411.
93 - فتوح البلدان - البلاذري (ت279) - ط مكتبة النهضة المصرية.
94 - الفضائل - أحمد بن حنبل.
95 - قاموس الرجال - التستري (معاصر) - جامعة المدرسين قم / 1419.
96 - الكافي - الكليني (ت 329) - ط دار الكتب الإسلاميّة / 1405.
97 - كامل الزيارات - ابن قولويه (ت 367) - ط مؤسسة النشر والثقافة / 1417.
98 - الكامل في التاريخ - ابن الأثير (ت 630) - دار صادر - بيروت / 1386.
99 - الكامل في الضعفاء - عبد الله ابن عدي (ت 365) - ط دار الفكر للطباعة والنشر / 1409.
100 - كتاب التمهيد - القاضي أبو بكر محمد الطيب الباقلاني.
101 - كتاب العين - الخليل (ت 175) جامعة المدرسين - قم / 1414.
102 - كتاب سليم بن قيس - سليم بن قيس (ت90) - تحقيق: محمد باقر الأنصاري.
103 - كشف الغمة - الأربلي (ت 693) - ط دار الأضواء - بيروت / 1405.
104 - كشف المحجة إلى ثمرة المهجة - ابن طاووس (ت 664) - ط المطبعة الحيدرية - النجف / 1370.
105 - كشف اليقين - الحلي.
106 - كنز العمال - المتقي الهندي (ت 975) - مؤسسة الرسالة - بيروت / 1409.
107 - لسان العرب - لابن منظور (ت 711) - ط نشر أدب الحوزة قم / 1455.
108 - لسان الميزان - ابن حجر العسقلاني (ت 853) - ط مؤسسة الأعلمي - بيروت / 1395.
109 - اللهوف في قتلى الطفوف - السيد ابن طاووس (ت 664) - ط أنوار الهدى / 1417.
110 - مثير الأحزان - نجم الدين جعفر بن محمد بن نما (ت 645) - ط الحيدرية - النجف / 1369.
111 - المجروحين - ابن حبان (ت 354) تحقيق محمود إبراهيم زايد - ط دار الباز للنشر والتوزيع.
112 - مجلة المجمع العلمي بدمشق العدد: 134 - 455.
113 - مجمع الزوائد - الهيثمي (ت 807) - ط دار الكتب العلمية - بيروت / 1408.
114 - المختار بن عبيد الثقفي - الدكتور الخربوطلي - ط وزارة الثقافة والإرشاد القومي - المؤسسة المصرية العامة للنشر.
115 - مختصر صحيح البخاري - طبعة الموسوعة الذهبية.
116 - المدخل إلى دراسة مصادر السيرة والتاريخ - السيد سامي البدري.
117 - مراصد الاطلاع - صفي الدين البغدادي (ت 739) - ط دارالمعرفة - بيروت.
118 - مروج الذهب - المسعودي (ت 346) - ط دار الأندلس - بيروت 1385.
119 - المسائل السروية - الشيخ المفيد (ت 413) - ط دار المفيد / 1414.
120 - المستدرك على الصحيحين - الحاكم النيسابوري (ت 405) - تحقيق يوسف المرعشلي - ط دار المعرفة - بيروت.
121 - مسند أبي داود الطيالسي - سليمان بن داود الطيالسي (ت 304) - ط دار المعرفة - بيروت.
122 - مسند أبي يعلى - أبو يعلى (ت 307) - ط تحقيق حسين سليم أسد - دار المأمون.
123 - مسند أحمد بن حنبل - أحمد بن حنبل (ت 241) - ط دار صادر - بيروت.
124 - مسند الشاميين - الطبراني (ت 360) مؤسسة الرسالة - بيروت / 1417.
125 - مشاهير علماء الأمصار - ابن حبان (ت 354) - ط دار الوفاء - المنصورة / 1411.
126 - مشكل الآثار - الطحاوي (ت 321) - ط مجلس دائرة المعارف النظامية - حيدر آباد - الهند / 1333.
127 - المصنف - ابن أبي شيبة (ت 235) - ط دار الفكر / 1409.
128 - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية - ابن حجر العسقلاني - تحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي.
129 - معالم المدرستين - العلامة العسكري - مؤسسة النعمان - بيروت / 1410.
130 - المعجم الكبير - الطبراني (ت 340) - ط دار إحياء التراث العربي.
131 - معجم رجال الحديث - الخوئي (ت 1411) - ط الخامسة 1413.
132 - معرفة الثقاة - ابن حبان (ت 354).
133 - المعرفة والتاريخ - للبسوي (ت 377) - ط مطبعة الإرث بغداد.
134 - مقاتل الطالبيِّين - أبو الفرج الإصبهاني (ت 356) - ط المكتبة الحيدرية / 1385.
135 - مقتل الإمام الحسين - أبو مخنف (ت 157) - ط المطبعة العلمية - قم.
136 - مقتل الخوارزمي - للخوارزمي.
137 - المقنعة - الشيخ المفيد (ت 413) - ط جامعة المدرسين / 1410.
138 - مَنْ لا يحضره الفقيه - الصدوق (ت 381) - ط جامعة المدرسين - قم.
139 - مناهل الضرب - الأعرجي.
140 - موجز التاريخ الإسلامي - أحمد محمود العسيري.
141 - موسوعة التاريخ الإسلامي - الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي - ط مجمع الفكر الإسلامي / 1430.
142 - الموطأ - للإمام مالك (ت179) - ط دار إحياء التراث / 1406.
143 - نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي - حسن فرحان المالكي - ط مؤسسة اليمامة / 1417.
144 - النصائح الكافية - محمد بن عقيل العلوي (ت 1350) - ط دار الثقافة والطباعة / 1412.
145 - النهاية - ابن الأثير (ت 606) - ط مؤسسة إسماعيليان - قم / 1406.
146 - نهج البلاغة - الشريف الرضي (ت 406) - ط دار الذخائر - إيران / 1413.
147 - نيل الأوطار - الشوكاني (ت 1255) - ط دار الجيل - بيروت 1973.
148 - وسائل الشيعة - الحر العاملي (ت 1104) - ط مدرسة آل البيت / 1414.
149 - وقعة صفين - ابن مزاحم (ت 212) - ط الموسوعة العربية الحديثة - القاهرة / 1382.
150 - ينابيع المودة - القندوزي (ت 1294) - ط دار الأسوة - إيران / 1416.
المحتويات
الإهداء 3
المقدّمة 9
الباب الأوّل: بحوث تمهيديّة 11
1 - الاُطروحات الأساسيّة التي عرَّفت بالحسينعليهالسلام .... 13
الاُطروحة الاُمويّة: الحسينعليهالسلام مارق عن الدين 13
الاُطروحة العباسيّة: الحسينعليهالسلام ثائر شرعي، غير أنّه أخطأ في تقديره الاُمور 14
اُطروحة الأئمّة من ذرّية الحسينعليهالسلام : الحسين وارث الأنبياء وإمام هدى 14
2 - كتاب أبي مخنف حول مقتل الحسينعليهالسلام وحركة المختار 16
3 - الوظيفة الإلهيّة للأئمّة الاثني عشرعليهمالسلام .... 24
الإمامة الإلهيّة لأهل البيتعليهمالسلام لها نظير في الاُمم السابقة 24
التناظر التكويني بين الأئمّة من أهل البيتعليهمالسلام والأئمّة من بني إسرائيل 25
ما هي الوظيفة الإلهيّة لأهل البيتعليهمالسلام بعد النبيصلىاللهعليهوآله ؟ 26
نظرية الحكم الإسلامي في الفكر الإمامي الاثني عشري 27
المراحل التاريخيّة لعمل الأئمّةعليهمالسلام في مواجهة الفتن والضلالات الأساسيّة 29
4- خلاصة بالواقع التاريخي لسيرة النبي وعلي والحسن (صلوات الله عليهم أجمعين) في أداء وظيفتهم الإلهيّة قبل حركة الحسينعليهالسلام 31
عهد النبوّة الخاتمة 31
عهد خلافة قريش المسلمة 34
حركة عليعليهالسلام لإحياء السنّة النبويّة 37
صلح الحسنعليهالسلام لحفظ وحدة القبلة وتثقيف أهل الشام بالسنّة 40
ضلالة بني اُميّة 42
المعركة حول الهداية 44
الباب الثاني: الانقلاب الأموي 47
الفصل الأول: معاوية ينقض عهده مع الحسنعليهالسلام .... 49
بنو اُميّة في حديث النبيصلىاللهعليهوآله .... 49
معاوية ينقض عهوده مع الحسنعليهالسلام .... 52
استلحاق زياد 56
معاوية يستصفي الذهب والفضة من الغنائم 59
لعنُ عليٍّعليهالسلام وسبّه على المنابر 61
المنع من نشر حديث النبيصلىاللهعليهوآله في حقِّ عليٍّعليهالسلام .... 71
اختلاق أخبار قبيحة في علي وأهل بيتهعليهمالسلام .... 72
اختلاق الفضائل في الخلفاء الأوائل وفي بني اُميّة 76
ترويع شيعة عليٍّعليهالسلام .... 78
الفصل الثاني: خطّة معاوية لتصفية التشيّع في الكوفة 79
عقبتان أمام مخطّط معاوية بعد وفاة الحسنعليهالسلام .... 79
الجيش والشرطة 80
إجراءات زياد بن عبيد الثقفي في الكوفة 81
الفصل الثالث: مقتل حجر بن عدي وأصحابه (رضوان الله عليهم) 88
ترجمة حجر 88
سبب قتل حجر 89
شهادة الزور وشهداء الزور 91
حجر ومَن معه في مرج عذراء 101
البراءة من عليعليهالسلام أو القتل 103
أصداءُ قتل حجر 105
الكوفة بعد قتل حجر (رحمه الله) 108
رشيد الهجري 110
جويرية بن مسهر 111
نجاح تخطيط معاوية في الكوفة 112
الفصل الرابع: اُطروحة معاوية للحكم 117
الحاكم الاُموي خليفة الله 117
عهد الوليد بن يزيد بن عبد الملك 118
وخلاصة هذا العهد اُمور 121
ادّعاء معاوية الخلافة عن الله تعالى 121
روايات موضوعة لإسناد الاُطروحة الاُمويّة 123
الباب الثالث: حركة الحسينعليهالسلام في مواجهة الانقلاب الأموي 137
الفصل الأوّل: المرحلة الاُولى: السكوت والعمل السري في عهد معاوية 139
خلاصة خطّة معاوية 139
ردّ فعل الاُمّة إزاء غدر معاوية 141
الحسينعليهالسلام بين موقفين 143
خطّة الحسينعليهالسلام في التغيير 146
نشاط الحسينعليهالسلام زمن معاوية 147
رسالة الحسينعليهالسلام إلى معاوية بعد قتل حجر وأصحابه 148
الوليد بن عتبة يحجب أهل العراق عن الحسينعليهالسلام بعد سنة 57 هجرية 151
مؤتمر الشيعة في الحجّ قبل موت معاوية بسنة 151
الفصل الثاني: نهضة الحسينعليهالسلام للتغيير بعد موت معاوية 153
الحسينعليهالسلام لا يبايع ليزيد 153
ماذا تعني البيعة؟ 153
خلاصة السياسة الاُمويّة 153
الموقف المترقّب من الحسينعليهالسلام إزاء السياسة الاُمويّة 155
الحسينعليهالسلام لا يبايع ليزيد 157
الحسينعليهالسلام في مكّة 159
عبد الله بن عباس 159
عبد الله بن جعفر بن أبي طالب 159
محمد بن علي بن أبي طالبعليهالسلام المعروف بابن الحنفيّة 160
العباس بن علي بن أبي طالبعليهالسلام .... 160
مسلم بن عقيل بن أبي طالبعليهالسلام .... 160
أحاديث الحسينعليهالسلام في مكّة 160
الكوفة المستضعفة تستجيب للحسينعليهالسلام .... 165
الفصل الثالث: طرف من أخبار شهادة الحسينعليهالسلام وأهل بيته وأصحابه (رضوان الله عليهم) 185
شمر يأخذ الأمان للعباس وإخوته 185
خيل الله تستعد لغزو الحسينعليهالسلام .... 186
الحسينعليهالسلام يطلب إمهاله ليلة العاشر من المحرّم 187
كلام الحسينعليهالسلام مع أصحابه ليلة العاشر 187
سرور برير الهمداني بالشهادة 189
تعبئة الحسينعليهالسلام أصحابه 190
تعبئة عمر بن سعد جيشه 191
دعاء الحسينعليهالسلام يوم العاشر 191
خطاب الحسينعليهالسلام يوم العاشر 192
ندم الحر وتوبته 195
الحسينعليهالسلام يكره أن يبدأهم بقتال 196
شهادة عبد الله بن عمير الكلبي 196
شهادة برير 197
عمرو بن قرظة الأنصاري 198
شهادة مسلم بن عوسجة 198
شهادة عابس بن شبيب 199
شهادة نافع 200
هجوم جيش ابن سعد على أصحاب الحسينعليهالسلام .... 200
آخر صلاة للحسينعليهالسلام وأصحابه (رضوان الله عليهم) 201
شهادة حبيب بن مظاهر 202
شهادة الحنفي 203
شهادة زهير بن القين 203
شهادة بقية الأصحاب الحسينعليهالسلام .... 203
شهادة ذرّية الرسولصلىاللهعليهوآله وآل أبي طالبعليهمالسلام .... 204
شهادة العباس بن علي بن أبي طالبعليهالسلام .... 206
شهادة عبد الله الرضيع 207
شهادة الإمام الحسينعليهالسلام .... 207
الخيول تطأ جسد الحسينعليهالسلام .... 210
يدفنون قتلاهم ويتركون الحسينعليهالسلام وقتلاه 210
بنات الحسينعليهالسلام وأخواته سبايا 210
زينب وابن زياد 212
شهادة عبد الله بن عفيف الأزدي 213
موقف زيد بن أرقم 214
تسيير الرؤوس وعيال الحسينعليهالسلام إلى الشام 215
علي بن الحسينعليهالسلام يواصل عمله التبليغي وهو أسير 215
يزيد يستقبل الرؤوس وسبايا آل محمدصلىاللهعليهوآله .... 217
أحد أحبار اليهود يستنكر على يزيد 217
يزيد يتمثل بأبيات ابن الزبعرى 218
خطبة زينب في مجلس الخلافة 219
خطبة السجّادعليهالسلام في مسجد دمشق 222
حديث علي بن الحسينعليهالسلام مع المنهال 224
انكسار حاجز الخوف عند البعض 224
خبر قتل الحسينعليهالسلام في المدينة 225
إرجاع ذريّة الرسولصلىاللهعليهوآله إلى مدينة جدّهم 226
وصول آل الرسول إلى كربلاء 227
إقامة العزاء في مدينة النبيِّصلىاللهعليهوآله .... 227
الباب الرابع: آثار نهضة الحسينعليهالسلام وشهادته 229
مقدّمة الباب: الواقع السياسي والفكري، وحال الاُمّة خلال سبعين سنة من قتل الحسينعليهالسلام 231
الفصل الأول: ردود الفعل السريعة لمقتل الحسينعليهالسلام .... 235
المسلمون زمن الحسينعليهالسلام ؛ إمّا ناصرون، وإمّا خاذلون، وإمّا قاتلون 235
نماذج ممّن استاء لقتلهعليهالسلام .... 236
الفصل الثاني: تتابع الثورات وانهيار الحكم الأموي 243
سير الحوادث خلال سبعين سنة من قتل الحسينعليهالسلام .... 243
ثورة أهل المدينة 246
رواية زهير بن أبي خيثمة وخليفة بن خياط 246
رواية محمد بن سعد 248
رواية أبي مخنف 250
مقتل معقل بن سنان الأشجعي 251
علي بن الحسينعليهالسلام لم يشترك في واقعة الحرّة 253
موت مسرف بن عقبة 255
جيش الخلافة يحرق الكعبة 257
حركة عبد الله بن الزبير 64 - 73 259
ترجمة عبد الله بن الزبير 259
الحرب بين ابن الزبير والحجّاج 265
مقتل ابن الزبير 266
الحجّاج يختم أعناق أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله .... 267
حركة الشيعة في الكوفة (سنة 5 6-67) 268
الكوفة بعد موت يزيد 268
خطّة الشيعة في التحرّك 270
حركة سليمان بن صرد 273
حركة المختار بن أبي عبيد الثقفي 276
ترجمة المختار 276
المختار يكمل بقية الأشواط في خطّة الحسينعليهالسلام .... 282
الشوط الأوّل: إقامة الحكم العادل 282
الشوط الثاني: محاربة الطغمة الاُمويّة في الشام رأس الضلالة والإطاحة بها 282
العراق والحجاز يشوّه من حركة المختار وشخصيته 284
خلاصة حركة المختار 284
الثورة الشعبيّة للمستضعفين من شيعة عليعليهالسلام .... 286
بيعة عامّة الكوفيين للمختار 289
المختار يولّي الولاة 290
أمر المختار مع شريح بن هانئ 290
المختار يخلّص ابن الحنفيّة من إرهاب ابن الزبير 290
الحرب مع أهل الشام 292
المختار يحيي مدرسة عليعليهالسلام في الكوفة 293
موقف الزبير من متعة الحج 294
بعض روايات زيد بن أرقم (ت 68) أيام المختار 295
الحرب بين مصعب والمختار 303
مصعب يقتل سبعة آلاف من الشيعة صبراً 305
مصعب يقتل زوجة المختار بفتوى أخيه عبد الله 308
عبد الله بن الزبير يُحيي سيرة الشيخين في الكوفة 310
عبد الله بن الزبير يطعن أهل العراق 311
العراق تحت إمرة بني مروان 314
مقتل مصعب وانتصار عبد الملك 315
العراق تحت إمرة الحجاج 317
ثورات العراقيين على الحجّاج 319
تمرّد عبد الله بن الجارود 319
ثورة مطرِّف بن المغيرة بن شعبة 319
ثورة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس 81 - 84 هجرية 320
هزيمة الحجّاج 322
وقعة دير الجماجم وفشل ثورة ابن الأشعث 324
انتقام الحجّاج من أهل الكوفة 330
مقتل كميل بن زياد 332
الكوفة على عهد الوليد 335
ثورة زيد بن علي (رحمه الله) 338
قصيدة الفضل بن عبد الرحمن المطلبي 341
ثورة العباسيِّين وسقوط دولة بني اُميّة مشاهد من انهيار دولة بني اُميّة على يد العباسيِّين 344
هزيمة مروان الحمار ومقتله 344
ممّا قيل من الشعر في التحريض على قتل بني اُميّة 345
أخبار متفرّقة في انتقال الملك من بني اُميّة إلى بني العباس 348
الفصل الثالث: إعادة انتشار أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في أهل بيتهعليهمالسلام والروايات الصحيحة في السيرة والتاريخ 368
تحقق أهداف الحسينعليهالسلام .... 368
القضية الأولى 369
القضية الثانية 369
تفهيم الأمّة أنّ الدّين يدعو إلى الإطاحة ببني اُميّة 370
انكسار الطوق المفروض على حديث النبيصلىاللهعليهوآله في أهل بيتهعليهمالسلام .... 372
روايات اُمّ سلمة (ت61) 375
روايات مصعب بن عبد الرّحمن بن عوف 378
روايات أبي سعيد الخدري (ت64) 379
روايات عبد الله بن عبّاس (ت68) 386
روايات جابر بن عبد الله الأنصاري (ت74) 400
روايات سلمة بن الأكوع (ت74) 406
روايات سهل بن سعد السّاعدي (ت91) 407
روايات زيد بن أرقم (ت68) 407
روايات البرّاء بن عازب (ت72) 413
روايات عامر بن واثلة (ت110) 415
روايات أنس بن مالك (ت90) 419
روايات بريدة بن الحصيب (ت62) 425
روايات أبي برزة الأسلمي (ت64) 428
روايات واثلة بن الأسقع (ت85) 428
روايات الحارث الأعور الهمداني (ت65) 429
روايات الأصبغ بن نباتة (ت بعد سنة70) 430
عاصم بن أبي ضمرة (ت74) 434
روايات حبّة بن جوين العرني (ت76) 435
روايات أبي البختري (قُتل82) 439
روايات زاذان (ت82) 440
روايات زر بن حبيش (ت81) وهو ابن مئة واثنتان وعشرون سنة 442
روايات عبد الله بن الحارث بن نوفل (ت84) 443
روايات عبد الرّحمن بن أبي ليلى (قُتل 82) 446
روايات قيس بن عبّاد (قتله الحجاج 83) 449
روايات زيد بن وهب الجهني (ت84، وقيل: 96) 449
روايات مسلم بن صبيح (ت100) 454
الفصل الرابع: حركة الأئمّة من ذرية الحسينعليهمالسلام .... 455
أهل البيتعليهمالسلام يُعرضون على الأمّة من جديد 455
ذرّية الحسن بن عليعليهالسلام .... 457
الحسن المثنى بن الحسنعليهالسلام .... 457
زيد بن الحسن بن عليعليهالسلام .... 465
ذرّية الحسينعليهالسلام .... 469
علي بن الحسينعليهالسلام .... 469
محمد الباقرعليهالسلام .... 472
جعفر الصادقعليهالسلام .... 472
حصة الكوفة من نشاط الأئمّةعليهمالسلام .... 475
خلاصة 476
الظاهرة الأولى 477
الظاهرة الثانية 477
الباب الخامس: خلاصة وخاتمة 479
الحسينعليهالسلام المظلوم الفاتح 481
أولاً: دولة معاوية القوية بجيشها وقوى أمنها الداخلي 481
ثانياً: على أساس تلك السياسة صار الجيل الجديد في الأمّة يبغض علياً ويلعنه 485
ثالثاً: شيعة عليعليهالسلام يتعرّضون للتصفية 486
حركة الواقع السياسي والاجتماعي 490
التغيير المطلوب 491
الحسينعليهالسلام هو الوحيد المعني بالتغيير المطلوب القادر عليه 492
الحسينعليهالسلام عُدَّة إلهية لتحقيق التغير المطلوب 493
خطّة الحسينعليهالسلام لتحقيق التغيير 495
معالم التغيير بعد شهادة الحسينعليهالسلام .... 504
خلاصة 508
الأعلام المترجم لهم في الكتاب 513
المصادر والمراجع 515
بحوث في التاريخ والحديث:
1 - المدخل إلى دراسة مصادر السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، مطبوع.
2 - السيرة النبوية تدوين مختصر مع تحقيقات وإثارات جديدة، مطبوع.
3 - عليعليهالسلام في مواجهة الانقلاب القرشي وإحياء سنّة النبيصلىاللهعليهوآله ، تحت الطبع.
4 - الحسنعليهالسلام في مواجهة الانشقاق الأموي ونشر سيرة النبيصلىاللهعليهوآله وعليعليهالسلام في الشام الكبرى، تحت الطبع.
5 - الحسينعليهالسلام في مواجهة الضلال الأموي وإحياء سيرة النبيصلىاللهعليهوآله وعليعليهالسلام ، مطبوع.
6 - معجم روايات النبيصلىاللهعليهوآله في أهل بيتهعليهمالسلام في القرن الأول الهجري، تحت الطبع.
7 - أصول علم الرجال المقارن، تحت الطبع.
والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين