الصحيح من سيرة الإمام عليّ (عليهالسلام )
(المرتضى من سيرة المرتضى)
الجزء التاسع
السيد جعفر مرتضى العاملي
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهماالسلام ) للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.
الصحيح من سيرة الإمام عليّ (عليهالسلام )
(المرتضى من سيرة المرتضى)
الجزء التاسع
السيد جعفر مرتضى العاملي
أين مات النبي (صلىاللهعليهوآله ).. وكيف غسل؟!
علي (عليهالسلام ) في مرض النبي (صلىاللهعليهوآله ):
قال سلمان الفارسي: دخلت عليه (أي على النبي (صلىاللهعليهوآله )) صبيحة قبل اليوم الذي مات فيه، فقال لي: يا سلمان، ألا تسأل عما كابدته الليلة من الألم والسهر، أنا وعلي؟!
فقلت: يا رسول الله، أما أسهر ليلة معك بدله؟!
فقال: لا، هو أحق بذلك منك(1) .
ونقول:
إن من الواضح: أن الأحقية التي قررها (صلىاللهعليهوآله ) لم تكن من جهة القرابة، فإن كون علي (عليهالسلام ) ابن عم النبي (صلىاللهعليهوآله ) لا يوجب ثبوت حق له سوى ما يفرضه تشريع صلة الرحم، والسهر والتعب على ابن العم ليس من حقوق الشخص التي تعطى له، بل هو من الواجبات عليه، أو المستحبات له..
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج10 ص267 و 266 على الترتيب، وراجع: كتاب الأربعين للشيرازي ص129 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص381 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص533.
فلا بد أن يكون لهذه الأحقية معنى آخر، ولعل هذا المعنى هو: أنه (عليهالسلام ) يفرح ويلتذ بمكابدة الألم والسهر على صحة النبي (صلىاللهعليهوآله )، والكون بقربه. وكونه من ذوي رحمه، يجعل من حقه عليه أن يمنحه الفرصة لنيل هذه اللذة، وهذا القرب..
أو أنه أحق من سلمان بالسهر على النبي (صلىاللهعليهوآله )، من حيث إنه من النبي (صلىاللهعليهوآله )، والنبي منه. أو من حيث إن له (عليهالسلام ) مقام الوصاية والإمامة للنبوة الخاتمة، والوصي والإمام أولى بالنبي من كل أحد.
أو على القاعدة التي وردت في كلام علي الأكبر (عليهالسلام ) في كربلاء حيث يقول:
أنا علي بن الحسين بن علي نحن وبيتِ الله أولى بالنبي
تالله لا يحكم فينا ابن الدعي أضرب بالسيف أحامي عن أبي
ضــرب غـلام هـاشـمي عــلوي(1)
____________
1- الإرشاد للشيخ المفيد ج2 ص106 وراجع: إعلام الورى ص145 ومثير الأحزان (ط المطبعة الحيدرية) ص51 والمزار لابن المشهدي ص487 ولواعج الأشجان ص170 وإقبال الأعمال ج3 ص73 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص257 وبحار الأنوار ج43 و 45 و 65 ص65 وج98 ص269 والعوالم، (قسم الإمام الحسين (عليهالسلام )) للبحراني ص170 و 286 و 335 وجامع أحاديث الشيعة ج12 ص495 وسر السلسلـة العلويـة لأبي نصر البخـاري = = ص30 ومقاتل الطالبيين ص76 وشرح الأخبار ج3 ص153.
فإن أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومهبط الوحي، ومختلف الملائكة أولى بالنبي (صلىاللهعليهوآله ) من غيرهم، إذا كانوا قد استفادوا من هذه العناصر على النحو الأتم والأكمل، والأفضل والأمثل..
علي (عليهالسلام ) يدخل ملك الموت على الرسول (صلىاللهعليهوآله ):
عن أبي جعفر (عليهالسلام ) قال: لما حضرت النبي (صلىاللهعليهوآله ) الوفاة استأذن عليه رجل، فخرج إليه علي (عليهالسلام )، فقال: ما حاجتك؟
قال: أردت الدخول إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فقال علي (عليهالسلام ): لست تصل إليه، فما حاجتك؟!
فقال الرجل: إنه لا بد من الدخول عليه.
فدخل علي (عليهالسلام )، فاستأذن النبي (صلىاللهعليهوآله )، فأذن له.
فدخل وجلس عند رأس رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ثم قال: يا نبي الله، إني رسول الله إليك.
قال: وأي رسل الله أنت؟!
قال: أنا ملك الموت، أرسلني إليك يخيرك بين لقائه والرجوع إلى الدنيا.
فقال له النبي (صلىاللهعليهوآله ): فأمهلني حتى ينزل جبرئيل
فأستشيره.
ونزل جبرئيل، فقال: يا رسول الله، الآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى. لقاء الله خير لك.
فقال (عليهالسلام ): لقاء ربي خير لي، فامض لما أمرت به.
فقال جبرئيل لملك الموت: لا تعجل حتى أعرج إلى ربي وأهبط.
قال ملك الموت (عليهالسلام ): لقد صارت نفسه في موضع لا أقدر على تأخيرها، فعند ذلك قال جبرئيل: يا محمد، هذا آخر هبوطي إلى الدنيا، إنما كنت أنت حاجتي فيها(1) .
ونقول:
1 ـ إن علياً (عليهالسلام ) قال لملك الموت لجبرئيل بمجرد أن خرج إليه: ما حاجتك؟! ولم يبادر لإخباره بعدم إمكان الوصول إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، إذ لعل له حاجة يمكن قضاؤها بدون وصوله إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
ثم لما لم يذكر له حاجة سوى الدخول على رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، أخبره أن الدخول غير ممكن، ولكنه شفع كلامه بسؤاله عن حاجته مرة أخرى، لعل بالإمكان قضاؤها له أيضاً.
2 ـ وحين حتم ذلك الشخص الذي هو بصورة رجل ـ دخوله على
____________
1- كشف الغمة ج1 ص25 و (ط دار الأضواء) ج1 ص18 وبحار الأنوار ج22 ص534.
رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لم يغضب أمير المؤمنين (عليهالسلام )، ولم يواجهه بالصد الحاسم.. ولم يتخذ هو أي قرار في هذا الأمر.. رغم أن الرجل لم يبين وجه إصراره على الدخول..
ولو أن شخصاً آخر واجه هذه الحالة فربما ـ بل ذلك هو الأرجح ـ كان قد تعامل مع ذلك الرجل بحزم وعزم، وأغلق الباب في وجهه..
3 ـ إنه (عليهالسلام ) تقدم خطوة أخرى في إنصاف ذلك الرجل، فدخل إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، واستأذن له النبي(صلىاللهعليهوآله )، فأذن له..
4 ـ لم تذكر الرواية: إن كان (عليهالسلام ) قد أخبر النبي (صلىاللهعليهوآله ) بحقيقة ما جرى، بل اكتفت بذكر الإستئذان..
5 ـ إن نفس الموقع الذي اختاره ذلك الملك لجلوسه قد تضمن إشارة إلى أنه لم يكن رجلاً عادياً، بل كان له شأن خاص يخوله هذا التصرف الخاص جداً.
6 ـ تضمنت هذه الرواية ما دل على أن ملك الموت قد عامل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) معاملة خاصة، حين استأذن عليه، وهو لا يستأذن على أحد من الناس..
وحين خيره بين لقاء الله، وبين الرجوع إلى الدنيا.. وهذه كرامة لرسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
7 ـ إن التعبير بالـ (الرجوع إلى الدنيا)، وبكلمة (لقاء الله)، وإن كانا قد تضمنا إشارة إلى ترجيح هذا اللقاء، وعدم الرضا بالرجوع.. ولكن
رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يريد أن لا يبادر إلى شيء قبل أن يطمئن إلى أنه لم تعد هناك مهمات له في هذه الدنيا، فإن ملك الموت إنما يعمل وفق وظيفة، وتكليف عام صادر إليه من رب العزة.
فلعل الله تعالى أراد أن يعلم نبيه بقرب أجله بهذا النحو المتضمن للتكريم والتعظيم، ثم يؤجل ذلك إلى حين إنجاز بعض المهمات. مع أن ملك الموت لم يتصرف بنحو يدل على حضور أجله (صلىاللهعليهوآله ) بصورة حتمية.. فكان لا بد من السؤال بواسطة جبرئيل (عليهالسلام )..
النبي (صلىاللهعليهوآله ) مات في بيت الزهراء (عليهاالسلام ):
وروى الصدوق رواية مفصلة عن ابن عباس جاء فيها: (فخرج رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وصلى بالناس، وخفف الصلاة، ثم قال: ادعوا لي علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، فجاءه (لعل الصحيح: فجاءاه) فوضع يده على عاتق علي، والأخرى على أسامة، ثم قال: إنطلقا إلى فاطمة، فجاءا به حتى وضع رأسه في حجرها، فإذا الحسن والحسين. ثم ذكر حديث وفاته هناك)(1) ، وستأتي الإشارة إلى دفنه في بيت فاطمة أيضاً إن شاء الله تعالى..
____________
1- راجع: أمالي الشيخ الصدوق (ط النجف سنة 1391هـ) المجلس الثاني والتسعون ص569 و (ط مؤسسة البعثة) ص735 وروضة الواعظين ص74 وبحار الأنوار ج22 ص509 ومجمع النورين للمرندي ص70 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج9 ص146.
غير أننا نقول:
إن ذكر أسامة بن زيد في هذه الرواية موضع ريب، فإن أسامة كان مكلفاً بالمسير بالصحابة إلى الغزو، وهو موجود في المعسكر الذي كان يجمع الناس فيه، ويتهيأ لمغادرة المدينة. إلا إن كان انتقاله إلى بيت الزهراء (عليهاالسلام ) قد حصل قبل تجهيزه أسامة في ذلك الجيش.
ولعل السبب في إطلاق أمثال هذه الدعاوى هو التوطئة والتمهيد لادعاء أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) هو الذي عدل عن تجهيز جيش أسامة، ولذلك أحضره ليضع يده على عاتقه.
النبي (صلىاللهعليهوآله ) مات على صدر علي (عليهالسلام ):
وتقدم: أن روح رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فاضت وعلي (عليهالسلام ) مسنده إلى صدره، فلاحظ ما يلي:
1 ـ إن علياً (عليهالسلام ) يقول: ( فلقد وسدتك في ملحودة قبرك، وفاضت بين سحري وصدري نفسك، إنا لله وإنا إليه راجعون)(1) .
____________
1- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج2 ص182 وبحار الأنوار ج22 ص 542 وج43 ص193 والمراجعات ص330 والكافي ج1 ص459 وروضة الواعظين ص152 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للميرجهاني ج2 ص215 والغدير ج9 ص374 ودلائل الإمامة للطبري ص138 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج10 ص265 و 266 وقاموس الرجال ج12 ص324 وكشف الغمة ج2 ص127 وشرح إحقاق الحق ج10 ص481 وج25 ص551 وج33 ص385.
2 ـ وقال (عليهالسلام ): (إن آخر ما قال النبي: الصلاة، الصلاة، إن النبي (صلىاللهعليهوآله ) كان واضعاً رأسه في حجري، فلم يزل يقول: الصلاة، الصلاة، حتى قبض)(1) .
3 ـ وقال (عليهالسلام ) أيضاً: (ولقد قبض رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وإن رأسه لعلى صدري)(2) .
4 ـ وفي خطبة له (عليهالسلام ) قال: (..ولقد قبض النبي (صلىاللهعليهوآله ) وإن رأسه لفي حجري، ولقد وليت غسله بيدي، تقلبه الملائكة المقربون معي..)(3) .
____________
1- خصائص الأئمة للشريف الرضي ص51 ومدينة المعاجز ج1 ص497.
2- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج2 ص172 ومستدرك الوسائل ج2 ص495 وبحار الأنوار ج22 ص540 وج34 ص109 وج38 ص320 ومناقب أهل البيت (عليهمالسلام ) للشيرواني ص222 والمراجعات ص330 وخاتمة المستدرك ج3 ص94 وعيون الحكم والمواعظ ص507 والأنوار البهية ص50 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص146 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص117 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج10 ص179 و182 وينابيع المودة ج3 ص436.
3- الأمالي للمفيد ص235 وبحار الأنوار ج32 ص464 و 595 وج34 ص147 وج74 ص397 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص146 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص117 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج5 ص181 وج10 ص179 و 182 وينابيع المودة ج3 ص436 وكشف الغمة ج2 ص5 ووقعة صفين للمنقري= = ص224 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج1 ص52 وحلية الأبرار ج2 ص85 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص445 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج7 ص86 وج9 ص136 وج11 ص286 ونهج السعادة ج2 ص172.
5 ـ روى ابن سعد بسنده إلى الشعبي، قال: (توفي رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ورأسه في حجر علي) ومثله عن أبي رافع(1) .
وذلك يدل على عدم صحة ما روي عن عائشة، من أنها قالت:
(إن من أنعُم الله عليّ أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) توفي في بيتي، وبين سحري ونحري)(2) .
____________
1- الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص263 وفتح الباري ج8 ص107 وعمدة القاري ج18 ص66 و 71 والمراجعات ص329 ومجمع الزوائد ج1 ص293 وراجع: علل الشرائع للصدوق ج1 ص168 وبحار الأنوار ج22 ص459.
2- سبل الهدى والرشاد ج8 ص28 ج12 ص261 عن الشيخين، وعن ابن سعد.
وراجع: المجموع للنووي ج16 ص429 ومسند أحمد ج6 ص48 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج4 ص45 وج5 ص141 و 142 والمستدرك للحاكم ج4 ص6 و 7 وفتح الباري (المقدمة) ص370 وج8 ص106 وج10 ص492 وعمدة القاري ج15 ص29 وج18 ص70 و 71 وج22 ص221 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص529 ومسند ابن راهويه ج3 ص661 ومسند أبي يعلى ج8 ص77 وصحيح ابن حبان ج14 ص584 وج16 ص53 والمعجم الكبير ج23 ص32 و 34 وكنز العمال ج13 ص697 والطبقات الكبرى لابن سعد = = ج2 ص234 و 261 والعلل لأحمد بن حنبل ج2 ص407 وضعفاء العقيلي ج2 ص249 والثقات ج2 ص133 وتاريخ بغداد ج12 ص362 وتاريخ مدينة دمشق ج36 ص306 و 307 وتذكرة الحفاظ ج1 ص231 وسير أعلام النبلاء ج2 ص189 وج7 ص434 والبداية والنهاية ج5 ص260 و 289 وإمتاع الأسماع ج14 ص499 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص475 و 533 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص470.
وفي رواية: (بين حاقنتي وذاقنتي(1) )(2) .
____________
1- بين حاقنتي وذاقنتي: وهو ما بين اللحيين، ويقال: الحاقنة ما سفل من البطن (الصحاح للجوهري ج5 ص2103).
الحاقنة: أسفل من الذقن، والذاقنة طرف الحلقوم. والسحر الصدر، والنحر محل الذبح، والمراد: أنه عليه الصلاة والسلام توفي ورأسه بين حنكها وصدرها (شرح مسند أبي حنيفة ص255).
2- راجع: سبل الهدى والرشاد ج12 ص261 ومسند أحمد ج6 ص64 و 77 وصحيح البخاري ج5 ص139 و 140 وسنن النسائي ج4 ص7 وفتح الباري ج8 ص106 وج11 ص312 وعمدة القاري ج18 ص65 و 68 والسنن الكبرى للنسائي ج1 ص602 وج4 ص260 وشرح مسند أبي حنيفة ص255 ونصب الراية ج1 ص59 والمعجم الأوسط ج8 ص333 وكتاب الوفاة للنسائي ص50 والبداية والنهاية ج5 ص257 وإمتاع الأسماع ج14 ص497 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص471 وراجع: المراجعات للسيد شرف الدين ص305.
وفي رواية: (وجمع الله بين ريقي وريقه عند موته)(1) .
وفي رواية: (دخل علي عبد الرحمن وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إلى صدري، فرأيته ينظر إليه، فعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك، فأشار برأسه، أي نعم، فقصمته ثم مضغته ونفضته، فأخذه، فاستن به أحسن ما كان مُسْتَتِنَّاً(2) .
غير أننا قلنا:
____________
1- راجع: سبل الهدى والرشاد ج12 ص261 والمجموع للنووي ج16 ص429 ومسند أحمد ج6 ص48 وصحيح البخاري ج4 ص45 وج5 ص141 و142 والمستدرك للحاكم ج4 ص7 وعمدة القاري ج15 ص29 وج18 ص70 و 71 ومسند ابن راهويه ج3 ص661 و 989 ومسند أبي يعلى ج8 ص77 وصحيح ابن حبان ج14 ص584 و 585 وج16 ص53 والمعجم الكبير ج23 ص32 و 34 وكنز العمال ج13 ص697 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص234 والثقات لابن حبان ج2 ص133 وتاريخ مدينة دمشق ج36 ص306 و 307 وسير أعلام النبلاء ج2 ص189.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص261 عن الشيخين، وعن ابن سعد، وراجع: صحيح البخاري ج5 ص141 وفتح الباري ج8 ص106 وعمدة القاري ج18 ص70 والمعجم الكبير ج23 ص32 وضعفاء العقيلي ج2 ص250 وتاريخ مدينة دمشق ج36 ص307 والبداية والنهاية ج5 ص260 وإمتاع الأسماع ج14 ص498 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص475.
إن ذلك غير صحيح..
والصحيح هو: أنه (صلىاللهعليهوآله ) مات على صدر علي (عليهالسلام ). والرواية الأخيرة لا تدل على أنها قد أسندته إلى صدرها حين موته..
والصحيح أيضاً: أنه دفن في بيت ابنته فاطمة الزهراء (عليهاالسلام ) لا في بيت عائشة.. وسيأتي بيان ذلك.
يغسل كل نبي وصيه:
وعن عبد الله بن مسعود: قال: قلت للنبي (صلىاللهعليهوآله ): يا رسول الله، من يغسلك إذا مت؟!
فقال: يغسل كل نبي وصيه.
قلت: فمن وصيك يا رسول الله؟!
قال: علي بن أبي طالب.
فقلت: كم يعيش بعدك يا رسول الله؟!
قال: ثلاثين سنة الخ..(1) .
وفي رواية أخرى: قال جبريل: يا محمد، قل لعلي (عليهالسلام ): إن ربك يأمرك أن تغسل ابن عمك، فإن هذه السُنَّة، لا يُغَسِّلُ الأنبياء غير
____________
1- بحار الأنوار ج13 ص17 و 18 و 367 وج22 ص512 وج32 ص280 وإكمال الدين ص17 و 18 وبشارة المصطفى للطبري ص428.
الأوصياء، وإنما يغسل كل نبي وصيه من بعده(1) .
علي (عليهالسلام ) يطرد الشيطان:
عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن الحارث بن يعلى بن مرة، عن أبيه، عن جده قال: قبض رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فستر بثوب، ورسول الله (صلىاللهعليهوآله ) خلف الثوب، وعلي (عليهالسلام ) عند طرف ثوبه وقد وضع خديه على راحته، والريح يضرب طرف الثوب على وجه علي (عليهالسلام ).
قال: والناس على الباب وفي المسجد، ينتحبون ويبكون، وإذ سمعنا صوتاً في البيت: إن نبيكم طاهر مطهر، فادفنوه ولا تغسلوه.
قال: فرأيت علياً (عليهالسلام ) حين رفع رأسه فزعاً، فقال: اخسأ عدو الله، فإنه أمرني بغسله، وكفنه ودفنه، وذاك سنَّة.
قال: ثم نادى مناد آخر غير تلك النغمة: يا علي بن أبي طالب، استر عورة نبيك، ولا تنزع القميص(2) .
____________
1- بحار الأنوار ج22 ص 546 وج78 ص304 عن الطرائف ص 44 و45 ومستدرك الوسائل ج2 ص198 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص154.
2- بحار الأنوار ج22 ص541 و 542 وتهذيب الأحكام ج1 ص132 و (ط دار الكتب الإسلامية ـ طهران) ج1 ص468 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص153 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج2 ص468 و (ط دار الإسلامية) ج2 ص672.
ونقول:
إن إبليس وشياطينه لا بد أن يهتبلوا فرصة حيرة الناس، وقلقهم في هذه اللحظات الحرجة، التي لا يعرفون ما يكون مصيرهم بعدها، فيبادرون إلى إلقاء الشبهات أمام ضعفاء العقل والإيمان، وقاصري المعرفة بالدين وأحكامه، وذلك بتمهيد الجو وفتح الباب للتلاعب بهم..
وكانت الوسيلة التي اختارها الشيطان لذلك في لحظة موت الرسول (صلىاللهعليهوآله ) هو هذا النداء الذي إن استجاب له المسلمون، واعتبروه نداء من الملائكة، فسيفتح الباب أمام الأبالسة لمواصلة أمثال هذا النداء، والتدخل في كل كبيرة وصغيرة بعد ذلك بنحو يبلبل الأفكار، ويحرف الأمور عن مسارها.. ولا تبقى ضابطة يعرف بها نداء الملك من نداء الشيطان.
وربما يبدأ الخلاف والإختلاف من نفس هذه النقطة، وهي تغسيل النبي (صلىاللهعليهوآله )، إذ لو أصر علي (عليهالسلام ) على تغسيله، فسيكون هناك من يتهمه بأن هذا مجرد اجتهاد منه، ولعله أخطأ فيه..
ولكن وصية النبي (صلىاللهعليهوآله ) لعلي (عليهالسلام ) بأن يتولى هو تغسيله مكنت علياً (عليهالسلام ) من إزالة الشبهة، ورد كيد الشيطان، وإبعاد وسوساته، وقطعت عليه طريق العودة إلى أسلوب النداء في باقي الموارد.. إذ أصبح كل نداء يسمع بعد ذلك موضع ريب وشك وحذر من كل أحد، والشيطان يريد أن يستفيد من غفلة الناس ومن بساطتهم..
تغسيل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ):
قال ابن إسحاق: فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يوم الثلاثاء.
وروى ابن سعد عن علي، وأبو داود ومسدد، وأبو نعيم وابن حبان، والحاكم والبيهقي، وصححه الذهبي، عن عائشة قالت: لما أرادوا غسل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) اختلفوا فيه، فقالوا: والله ما ندري كيف نصنع، أنجرد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) من ثيابه كما نجرد موتانا؟ أم نغسله وعليه ثيابه؟
فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن غسلوا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وعليه ثيابه.
فقاموا إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وعليه قميصه، فغسلوه، يفاض عليه الماء والسدر فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم. [فكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما غسله إلا نساؤه](1) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص321 و 322 عن أبي داود ج2 ص214 وقال في هامشه: أخرجه الحاكم ج3 ص59 والبيهقي في الدلائل ج7 ص242 وسنن أبي داود ج2 ص67 وعون المعبود ج8 ص288 وكتاب الهواتف لابن أبي الدنيا ص21 والمنتقـى من السنن المسنـدة ص136 والتمهيد لابن عبد الـبر ج24 = = ص401 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص38 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص451 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص517 وإمتاع الأسماع ج14 ص569 وسبل السلام ج2 ص93 والبداية والنهاية ج5 ص281 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص1076 وعيون الأثر ج2 ص433.
وعن علي (عليهالسلام ) قال: لما أخذنا في جهاز رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أغلقنا الباب دون الناس جميعاً، فنادت الأنصار: نحن أخواله، ومكاننا من الإسلام مكاننا.
ونادت قريش: نحن عصبته.
فصاح أبو بكر: يا معشر المسلمين، كل قوم أحق بجنازتهم من غيرهم، فننشدكم الله، فإنكم إن دخلتم أخرتموهم عنه، والله لا يدخل عليه إلا من دعي(1) .
وعن ابن عباس قال: اجتمع القوم لغسل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وليس في البيت إلا أهله: عمه العباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، والفضل بن عباس، وقثم بن عباس، وأسامة بن زيد بن حارثة، وصالح مولاه.
فلما اجتمعوا لغسله، نادى مناد من وراء الناس، وهو أوس بن خولي
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص321 وقال في هامشه: أخرجه ابن سعد في الطبقات ج2 ص213 و (ط دار صادر) ج2 ص278 وراجع: إمتاع الأسماع ج14 ص570 وكنز العمال ج7 ص227.
الأنصاري، أحد بني عوف بن الخزرج، وكان بدرياً على علي بن أبي طالب، فقال: يا علي، ننشدك الله وحظنا من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فقال له علي (عليهالسلام ): ادخل، فدخل فحضر غسل رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ولم يلِ من غسله شيئاً، فأسنده علي إلى صدره، وعليه قميصه، وكان العباس، والفضل، وقثم يقلبونه مع علي، وكان أسامة بن زيد، وصالح مولاه يصبان الماء، وجعل علي يغسله، ولم يرَ من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) شيئاً مما يُرى من الميت، وهو يقول: بأبي وأمي ما أطيبك حياً وميتاً، حتى إذا فرغوا من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وكان يغسل بالماء والسدر جففوه، ثم صنع به ما يصنع بالميت(1) .
ونقول:
إن لنا على هذه النصوص ملاحظات عديدة، نذكر منها ما يلي:
أولاً: قولهم: إن الناس أقبلوا على جهاز رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بعد بيعة أبي بكر لا يصح لما يلي:
ألف: إن علياً (عليهالسلام ) فقط هو الذي جهز النبي (صلىاللهعليهوآله ) وانتهى من دفنه قبل انتهاء أهل السقيفة من سقيفتهم، فإنه بعد أن
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص324 عن أحمد، والبداية والنهاية ج5 ص281 ومسند أحمد ج1 ص260 وإمتاع الأسماع ج14 ص573 والثقات لابن حبان ج2 ص158 والكامل في التاريخ ج2 ص332 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص518 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص702.
سوى القبر الشريف اتكأ على مسحاته، وقال: ما فعل أهل السقيفة(1) .
ب: إن التجهيز والدفن لا يحتاج إلى أكثر من ساعتين، فلماذا أبقوه بلا دفن إلى ما بعد البيعة لأبي بكر، أي إلى يوم الثلاثاء؟!
ج: إن علياً وبني هاشم لم يحضروا إجتماع السقيفة، كما أن الناس قد تركوا جهاز النبي (صلىاللهعليهوآله ) ودفنه لأهله..
ثانياً: لماذا تأسفت عائشة على عدم تولي نساء النبي (صلىاللهعليهوآله ) تغسيله؟!
هل وجدت علياً (عليهالسلام ) قصَّر في القيام بالواجب؟!
أم أنها كانت تريد حرمان علي (عليهالسلام ) من هذا الفضل؟! لتختص به لنفسها دونه؟!
أم أنها أقرب إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) من ابنته، فأرادت أن تستبد برسول الله (صلىاللهعليهوآله ) دونها..
وإذا كان النبي (صلىاللهعليهوآله ) قد أوصى علياً بتغسيله، فهل يمكن مخالفة وصيته؟! وهل يمكِّنها علي (عليهالسلام ) من ذلك؟!
ثالثاً: إن إشراك أوس بن خولي الأنصاري عن الأنصار، قد أحرج المهاجرين الذين كانوا منهمكين بإبتزاز الخلافة من صاحبها الشرعي، فلم يحضر أحد منهم شيئاً من تجهيز الرسول ودفنه، فحاولوا تخفيف وهج هذه المشاركة للأنصار بشخص أوس هذا، فادعوا أنه حضر غسل النبي (صلىاللهعليهوآله )
____________
1- الأمالي للمرتضى ج1 ص198.
ولم يشارك بشيء..
مع أن الحقيقة هي: أن أوس بن خولي قد شارك في حمل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إلى قبره، ثم تناوله منه علي (عليهالسلام ) كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
رابعاً: ما زعمته رواياتهم من اختلاف الصحابة في تجريد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) للغسل وعدمه وفي غير ذلك من أمور، لا يمكن قبوله، ما دام أن المتولي لذلك كله هو علي (عليهالسلام )، وسائر الصحابة كانوا مشغولين في سقيفتهم.. ولم يكن علي (عليهالسلام ) وهو باب مدينة علم النبي (صلىاللهعليهوآله ) يجهل ما يجب عليه ليحتاج إلى رأي غيره، وقد أبلغ النبي (صلىاللهعليهوآله ) جميع أحكام الشريعة لعلي أولاً، لأنه وصيه، وهو حافظ دينه، وبالتمسك به يحصل الأمن من الضلال..
فلا معنى للقول: بأن هذا الحكم قد علم من متكلم مجهول، فإنه يساوق القول بأن الشريعة بقيت ناقصة، وأن ذلك المجهول هو الذي أتمها..
ومن الذي يضمن أن لا يكون المتكلم المجهول شيطاناً، كما حدث حين أمرهم بعدم تغسيل نبيهم، حسبما تقدم؟!
فإن قلت: أليس يقولون: إن جبرئيل هو الذي أمرهم أن يجردوا النبي (صلىاللهعليهوآله ) من قميصه للغسل؟!
فإنه يقال: إن جبرئيل قد فعل ذلك ليؤيد فعل أمير المؤمنين (عليهالسلام )، في مقابل طعن بعض الناس بصحة فعله، فصوب جبرائيل فعل
الوصي، وقطع الطريق على العابثين، والمفسدين.
خامساً: إن هذا النوم المفاجئ للصحابة، وسائر ما ذكرته عائشة يدخل في دائرة المعجزات التي تتوفر الدواعي على نقلها، فلماذا تفردت عائشة بنقل ذلك دون سائر الصحابة الذين جرى عليهم ذلك.
مع أن المفروض هو: أن تكون عائشة بعيدة عن مشاهدة ما جرى، لأنها تكون عند النساء.
سادساً: دعوى أن الأنصار قالوا: نحن أخواله، ونادت قريش نحن عصبته، وتدخل أبي بكر لحسم الأمور، لا تصح، لأن قريشاً لم تحضر دفن النبي، وروى أن أبا بكر وعمر اعترضا على علي(عليهالسلام ) بأنه لم يشهدهما أمر رسول الله (صلىاللهعليهوآله )..
فأجاب: إنه لم يرد أن يعرضهما للخطر، فإنه لم ير أحد عورة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) (أي جسده الذي يواريه قميصه) إلا أصيب بالعمى(1) .
وقد قلنا: إنهم كانوا في سقيفتهم يدبرون أمرهم.
علي (عليهالسلام ) يغسل النبي (صلىاللهعليهوآله ) وحده:
وبما أن علياً (عليهالسلام ) هو الذي غسل النبي (صلىاللهعليهوآله ).. وقد ذكرت الروايات تفاصيل ذلك..
____________
1- بصائر الدرجات ص328 والخصال ج2 ص177 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص648 وبحار الأنوار ج22 ص464 وج40 ص140 عنهما، وعن الإحتجاج.
وبما أننا قد جمعنا طائفة منها في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله ) ج33، فقد آثرنا أن نورد هنا عين ما ذكرناه هناك، في فصل: تغسيل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فنقول:
ادَّعوا: أن العباس وولديه الفضل وقثماً كانوا يساعدون علياً (عليهالسلام ) في تغسيل النبي (صلىاللهعليهوآله )(1) .
وكان أسامة بن زيد وشقران يصبان الماء(2) .
____________
1- مسند أحمد ج1 ص260 والثقات لابن حبان (ط حيدرآباد) ج2 ص158 والرياض النضرة (ط الخانجي بمصر) ج2 ص179 وشفاء الغرام (ط دار إحياء الكتب العربية) ج2 ص386 ومختصر سيرة الرسول (صلىاللهعليهوآله ) لعبد الله بن عبد الله الحنبلي (ط المطبعة السلفية بالقاهرة) ص470 وإحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص702 و 703 و 698 والبداية والنهاية ج5 ص281 وإمتاع الأسماع ج14 ص573 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص518 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص324.
2- راجع المصادر في الهامش السابق. وراجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص280 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص451 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص63 وإمتاع الأسماع ج14 ص571 وعيون الأثر ج2 ص433 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص703 وج18 ص192 وج23 ص506 و 508 وتنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج1 ص301 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص1076 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص475.
وفي نص آخر: ذكر بدل شقران صالحاً مولاهما، أي مولى علي (عليهالسلام ) وأسامة(1) .
وذكر نص آخر: (أسامة بن زيد وقثم)(2) .
وفي نص آخر: (أسامة بن زيد، وأوس بن خولة)(3) .
وفي نص آخر أيضاً: (والفضل وقثم وأسامة وصالح، يصبون عليه)(4) .
وفي نص آخر: (والعباس يصب الماء)(5) .
____________
1- مسند أحمد ج1 ص260 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص698 وتلخيص الحبير ج5 ص116 والبداية والنهاية ج5 ص281 وإمتاع الأسماع ج14 ص574 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص518 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص324 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص475.
2- التمهيد لابن عبد البر ج24 ص402 وإمتاع الأسماع ج14 ص566.
3- شرح مسند أبي حنيفة ص306 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج23 ص508.
4- أسد الغابة ج1 ص34 وراجع: مسند أحمد ج1 ص260 والبداية والنهاية ج5 ص281 وإمتاع الأسماع ج14 ص573 والسيرة النبوية ج4 ص518 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص324 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص698.
5- السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص475 وتلخيص الحبير ج5 ص116 ونيل الأوطار ج4 ص66 والسنن الكبرى للبيهقي ج3 ص395 وعون المعبود ج8 ص288 والمصنف للصنعاني ج3 ص397 وكنز العمال ج7 ص259 و 273 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص323 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص520 = = وإمتاع الأسماع ج14 ص571 والبداية والنهاية ج5 ص282 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص280 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص697 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص567.
وفي نص: (غسله علي والعباس، والفضل بن العباس، وصالح مولى رسول الله)(1) .
ونص آخر يقول: (غسله علي والعباس، وابناه: الفضل وقثم)(2) .
وراوية أخرى تقول: (كان العباس وأسامة يناولان علياً الماء من وراء الستر)(3) .
وفي رواية أخرى: (فغسله علي (عليهالسلام )، يدخل يده تحت القميص،
____________
1- بدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج1 ص301 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص278.
2- الأنس الجليل (ط القاهرة) ص194 وراجع: فقه الرضا ص20 ومستدرك الوسائل ج2 ص200 والوافي بالوفيات ج1 ص66 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج23 ص508 و 509.
3- البداية والنهاية ج5 ص261 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص282 عن البيهقي، ومسند البزار، ومجمع الزوائد ج9 ص36 وإمتاع الأسماع ج2 ص343 وج14 ص574 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص520 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص324 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص476 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص30 وج18 ص192 وج23 ص511.
والفضل يمسك الثوب عنه، والأنصاري يدخل الماء)(1) .
ونقول:
إن ذلك كله موضع شك وريب، وذلك لما يلي:
1 ـ روي عن الإمام الكاظم (عليهالسلام ) أنه قال: قال علي (عليهالسلام ): غسلت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أنا وحدي وهو في قميصه، فذهبت أنزع عنه القميص، فقال جبرئيل: يا علي، لا تجرد أخاك من قميصه، فإن الله لم يجرده، فغسله في قميصه(2) .
2 ـ وفي حديث المناشدة: هل فيكم أحد غسل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) غيري؟!
____________
1- حياة الصحابة (ط دار القلم بدمشق) ج2 ص603 وإحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص187 و 188 عن المعجم الكبير، ومناقب الإمام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) للكوفي ج2 ص8 ونهج السعادة للمحمودي ج1 ص36 ومجمع الزوائد ج9 ص36 والمعجم الأوسط ج3 ص196 والمعجم الكبير ج1 ص230 وكنز العمال ج7 ص255 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص280 وإمتاع الأسماع ج14 ص572.
2- مستدرك الوسائل ج2 ص198 وبحار الأنوار ج22 ص544 و 546 وج78 ص305 عن أمالي الشيخ الطوسي ج2 ص7 و 8 وعن الطرائف ص44 و 45 و 48 وراجع: شرح الأخبار ج2 ص418 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص155 ومستند الشيعة للنراقي ج3 ص150.
قالوا: اللهم لا.
قال: هل فيكم أحد أقرب عهداً برسول الله (صلىاللهعليهوآله ) مني.
قالوا: اللهم لا.
قال فأنشدكم الله: هل فيكم أحد نزل في حفرة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) غيري؟!
قالوا: اللهم لا(1) .
3 ـ روي عن علي (عليهالسلام ) قوله: (إن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أوصى إليَّ وقال: يا علي، لا يلي غسلي غيرك، أو لا يواري عورتي غيرك، فإنه إن رأى أحد عورتي غيرك تفقأت عيناه..
فقلت له: كيف؟! فكيف لي بتقليبك يا رسول الله.
فقال: إنك ستعان.
فوالله ما أردت أن أقلب عضواً من أعضائه إلا قلب لي(2) .
4 ـ وعن علي (عليهالسلام ): (أوصاني النبي (صلىاللهعليهوآله ) لا
____________
1- الأمالي للشيخ الطوسي ص7 و 8 و (ط دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع ـ قم) ص555 وبحار الأنوار ج22 ص544 وج31 ص368 عنه، وكتاب الولاية لابن عقدة ص165.
2- بحار الأنوار ج31 ص434 وراجع ج22 ص506 والخصال ج2 ص573 و 574 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للميرجهاني ج3 ص167.
يغسله غيري، فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه)(1) .
5 ـ وحينما اعترض أبو بكر وعمر على أمير المؤمنين (عليهالسلام ) بأنه
____________
1- مناقب آل أبي طالب ج1 ص205 وإحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص29 ـ 32 عن الشفاء لعياض (ط العثمانية بإسلامبول) ج1 ص54 ونهاية الإرب ج18 ص389 وميزان الإعتدال (ط القاهرة) ج1 ص359 و (ط دار المعرفة) ج3 ص417 والبداية والنهاية ج5 ص261 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص282 عن البيهقي ومسند البزار، وعن السيرة الحلبية ج3 ص355 و (ط دار المعرفة) ج3 ص476 وإمتاع الأسماع ج14 ص574 وأخبار الدول (ط بغداد) ص90 وكنز العمال (ط الهند) ج7 ص176 و (ط مؤسسة الرسالة) ج7 ص250 ومجمع الزوائد ج9 ص36 والضعفاء للعقيلي ج4 ص13 والخصائص للسيوطي (ط الهند) ج2 ص276 وعن المواهب اللدنية (ط بولاق) ص311 وشرح مسند أبي حنيفة ص306 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص520 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص278 وينابيع المودة (ط إسلامبول) ص17 ومشارق الأنوار للحمزاوي (ط الشرقية بمصر) ص65 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص322 عن ابن سعد، والبزار، والبيهقي، وتاريخ الخميس ج2 ص170 عن مغلطاي، والشفاء لعياض، وشامل الأصل والفرع للأباضي الجزائري ص278 والإتحاف للزبيدي ج10 ص303 والأنوار المحمدية للنبهاني (ط الأدبية ببيروت) ص591 وفقه الرضا ص188 وبحار الأنوار ج22 ص524 عن الإبانة لابن بطة، وحواشي الشيرواني ج3 ص100.
لم يُشهدهما أمر رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) رد عليهما بقوله: (أما ما ذكرتما أني لم أشهدكما أمر رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فإنه قال: لا يرى عورتي أحد غيرك إلا ذهب بصره)، فلم أكن لأؤذيكما به.
وأما كبي عليه فإنه علمني ألف حرف، كل حرف يفتح ألف حرف، فلم أكن لأطلعكما على سر رسول الله (صلىاللهعليهوآله )(1) .
6 ـ روي عن ابن عباس، وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن العباس لم يحضر غسل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قال: لأني كنت أراه يستحي أن أراه حاسراً(2) .
7 ـ عن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قال: يا علي، تغسلني، ولا يغسلني غيرك، فيعمى بصره.
قال علي (عليهالسلام ): ولِمَ يا رسول الله؟!
قال (صلىاللهعليهوآله ): كذلك قال جبرئيل عن ربي: إنه لا يرى عورتي غيرك إلا عمي بصره.
إلى أن تقول الرواية: قلت: فمن يناولني الماء؟!
____________
1- بصائر الدرجات ص328 وبحار الأنوار ج22 ص464 و 506 وج40 ص140 والخصال ج2 ص177 وعن الإحتجاج.
2- الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص279 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص323 عنه، وإمتاع الأسماع ج2 ص136 وج14 ص566 و 571 وعمدة القاري ج18 ص71.
قال (صلىاللهعليهوآله ): الفضل بن العباس، من غير أن ينظر إلى شيء مني، فإنه لا يحل له ولا لغيره من الرجال والنساء النظر إلى عورتي، وهي حرام عليهم.
إلى أن قال (صلىاللهعليهوآله ): وأحضر معك فاطمة، والحسن والحسين (عليهمالسلام )، من غير أن ينظروا إلى شيء من عورتي(1) .
8 ـ ذكرت الروايات: أنه لما أراد (عليهالسلام ) غسله استدعى الفضل بن عباس، فأمره أن يناوله الماء بعد أن عصب عينيه(2) إشفاقاً عليه من العمى.
9 ـ وفي نص آخر: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قال لعلي (عليهالسلام ): (جبرئيل معك يعاونك، ويناولك الفضل الماء. وقل له: فليغطِّ
____________
1- بحار الأنوار ج22 ص492 و 493 وج78 ص304 عن الطرائف لابن طاووس ص42 وعن مصباح الأنوار ص270 وراجع: الصراط المستقيم ج2 ص94.
2- مستدرك الوسائل ج2 ص166 و 200 وإعلام الورى ص137 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص269 وبحار الأنوار ج22 ص518 و 529 وج78 ص307 وعن الإرشاد للمفيد ص524 و 529 و (ط دار المفيد) ج1 ص187 وعن مناقب آل أبي طالب ص203 ـ 206 ودعائم الإسلام ج1 ص228 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص155 و 181.
عينيه، فإنه لا يرى أحد عورتي غيرك، إلا انفقأت عيناه)(1) .
فاتضح مما تقدم: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قد غُسِّل في قميصه، وأن علياً (عليهالسلام ) قد عصب عيني الفضل بن العباس. وأن علياً (عليهالسلام ) هو الذي غسل النبي (صلىاللهعليهوآله ) من وراء الثياب. وأنه لم يَر عورة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
واتضح أيضاً: أن ما زعموه من أن العباس وابنيه كانوا يساعدون علياً (عليهالسلام ) في تقليب النبي (صلىاللهعليهوآله ) غير ظاهر، ولا سيما مع وجود روايات تقول: إن الملائكة هي التي كانت تساعد علياً (عليهالسلام ) على تغسيله (صلىاللهعليهوآله )، وتقلِّبه له.
يضاف إلى ذلك: اختلاف الروايات في المهمات التي أوكلت إلى هؤلاء الأشخاص، فهل كان الفضل يساعد علياً (عليهالسلام ) في تقليب النبي (صلىاللهعليهوآله )؟
أم أنه كان يناوله الماء من وراء الستر وهو معصوب العينين؟
أم أنه كان يمسك الثوب عنه؟
وهل شارك العباس في تغسيله؟
____________
1- بحار الأنوار ج22 ص517 و 536 و 544 وراجع ص506 وج78 ص302 وفقه الرضا ص20 و 21 و (بتحقيق مؤسسة آل البيت) ص188 والأمالي للشيخ الطوسي ج2 ص7 و 8 و (نشر دار الثقافة ـ قم) ص660 وكفاية الأثر ص304 و (ط سنة 1401 هـ) ص125 وراجع: شرح الأخبار ج2 ص419.
أم في صب الماء؟
وهل كان أسامة يصب الماء؟
أم كان يناوله علياً (عليهالسلام )؟أأ
رؤية عورة النبي (صلىاللهعليهوآله ):
ورد في الروايات ما يدل على أنه لا يحل لأحد رؤية جسد النبي (صلىاللهعليهوآله ) إلا علي (عليهالسلام )، ومنها:
ألف: عن جابر: أنه (صلىاللهعليهوآله ) قال: لا يحل لرجل أن يرى مجردي إلا علي(1) .
ب: عن السائب بن يزيد أنه (صلىاللهعليهوآله ) قال: لا يحل لمسلم يرى مجردي (أو عورتي) إلا علي(2) .
ج: وفي نص آخر: فكان العباس وأسامة يناولان الماء من وراء الستر
____________
1- مناقب الإمام علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص94 والعمدة لابن البطريق ص296 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص33 والإيضاح لابن شاذان ص534.
2- كنوز الحقائق للمناوي (ط بولاق) ص193 ومناقب الإمام علي أبي طالب لابن المغازلي ص93 والعمدة لابن البطريق ص296 والطرائف لابن طاووس ص157 وبحار الأنوار ج38 ص313 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج17 ص341 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص393.
وهما معصوبا العين، قال علي: فما تناولت عضواً إلا كأنما يقلِبّه معي ثلاثون رجلاً، حتى فرغت من غسله(1) .
ونقول:
أولاً: المقصود بالعورة التي يجوز لعلي (عليهالسلام ) رؤيتها هو جسد النبي (صلىاللهعليهوآله ) الذي يواريه القميص.. وهو ما صرح العباس بأن النبي (صلىاللهعليهوآله ) كان يستحي من أن يراه حاسراً عنه..
أما العورة الحقيقية، فلم يكن يجوز لأحد أن يراها، لا علي ولا غيره.
وهذا هو السبب في أن علياً (عليهالسلام ) قد عصب عيني الفضل بن العباس، أي حتى لا يرى ما يواريه القميص من جسده (صلىاللهعليهوآله )، فإن هذا المقدار كان يحرم على الناس رؤيته، كحرمة رؤيتهم العورة الحقيقية.. كما أن رؤيته توجب إصابة عين الرائي بالعمى..
ولكن كان يجوز لعلي (عليهالسلام ) أن يرى هذا المقدار، وهذا من خصائص النبي (صلىاللهعليهوآله )، وخصائص علي (عليهالسلام ) أن لا
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص322 عن البزار والبيهقي، وابن سعد، والبداية والنهاية ج5 ص261 عن البيهقي والبزار، ودلائل النبوة ج7 ص244 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص213 و (ط دار صادر) ج2 ص278 وراجع: كنز العمال ج7 ص250 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج23 ص507 و 513 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص205 وإمتاع الأسماع ج14 ص574 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص520 و السيرة الحلبية ج3 ص476.
ينظر إلى بدن النبي الذي يواريه القميص إذا جرد عنه سوى علي (عليهالسلام )..
ويؤيد ذلك: التعبير بكلمة (يرى مجردي) أو نحوها، كما ذكرناه آنفاً. فليلاحظ ذلك.
ثانياً: ورد أن علياً (عليهالسلام ) غسل النبي (صلىاللهعليهوآله ) وهو في قميصه، أو ثيابه، وهي كثيرة.. وذلك يدل على أن علياً (عليهالسلام ) كان يحاذر من أن يقع نظره على بعض جسده الذي يظهر له أثناء تغسيله.. وإن كان يجوز له رؤية ما عدا العورة. ولعل ذلك منه (عليهالسلام ) قد جاء على سبيل الإجلال، والتكريم، والتفخيم. والتعظيم.
لكن كان لا بد من أن لا يقع نظر غيره على شيء من ذلك ولو إتفاقاً، لا الفضل بن العباس، ولا غيره.. ولذلك تشدد في أمره، حتى عصَّب عينيه.
ومن النصوص الدالة على أنه (صلىاللهعليهوآله ) قد غسل في قميصه نذكر ما يلي:
1 ـ الرواية المتقدمة عن الإمام الكاظم (عليهالسلام ) وقد تضمنت قول جبرئيل لعلي (عليهالسلام ): يا علي، لا تجرد أخاك من قميصه، فإن الله لم يجرده(1) ، فغسله في قميصه.
____________
1- مستدرك الوسائل ج2 ص198 عن الطرف، والمصباح، وبحار الأنوار ج22 ص544 و 546 وج78 ص305 عن أمالي الشيخ الطوسي ج2 ص7 و 8 وعن= = الطرائف ص44 و 45 و 48 وراجع: شرح الأخبار ج2 ص418 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص155 ومستند الشيعة للنراقي ج3 ص150.
ولنا وقفة مع هذه الرواية، مفادها: أنها ذكرت أن علياً (عليهالسلام ) أراد أن يجرده، فجاءه النداء بأن لا يفعل..
ونقول:
من الواضح: أن علياً (عليهالسلام ) كان يعرف ما يحق له، وما لا يحق له، فلا مجال لفهم هذه الرواية إلا على القول: بأنه (عليهالسلام ) كان مكلفاً بتجريده في ظاهر الأمر.. كسائر الأمور، ثم جاءه النداء ليعلمنا بحصول البداء في هذا الأمر، بأن لا يجرده حتى من القميص، ليعرف الناس عظمة وامتياز رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) على سائر البشر، حتى في غسله، ولمصالح أخرى..
2 ـ عن بريدة: ناداهم مناد من الداخل: أن لا تنزعوا عن رسول الله قميصه(1) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص322 عن ابن ماجة، وتلخيص الحبير ج5 ص117 ونيل الأوطار ج4 ص66 وسنن ابن ماجة ج1 ص471 والمستدرك للحاكم ج1 ص362 والسنن الكبرى للبيهقي ج3 ص387 وعون المعبود ج8 ص288 وتهذيب الكمال ج22 ص300 وميزان الإعتدال للذهبي ج3 ص294 والبداية والنهاية ج5 ص280 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص517.
3 ـ إن العباس (رحمهالله ) قد علل عدم حضوره غسل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بقوله: (لأني كنت أراه يستحي أن أراه حاسراً).
4 ـ ورد أنه نادى منادٍ: يا علي بن أبي طالب، استر عورة نبيك، ولا تنزع القميص.
5 ـ في حديث المناشدة: أنه (عليهالسلام ) غسله مع الملائكة، وهم يقولون: استروا عورة نبيكم، ستركم الله(1) .
6 ـ ذكروا: أنه لما غسل النبيَّ (صلىاللهعليهوآله ) عليٌّ (عليهالسلام ) أسنده على صدره، وعليه قميصه يدلكه به من ورائه، ولا يفضي بيده إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ويقول: بأبي وأمي، ما أطيبك حياً وميتاً. ولم يُر من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) شيء يُرى من الميت(2) .
____________
1- بحار الأنوار ج22 ص543 وج31 ص375 والأمالي للطوسي ج2 ص4 و 6 و (ط دار الثقافة ـ قم) ص547 وحلية الأبرار ج2 ص326 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج5 ص454.
2- راجع: الثقات (ط حيدرآباد) ج2 ص158 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص451 وشفاء الغرام بأخبار البلد الحرام للفاسي الحسيني (ط دار إحياء الكتب العربية) ج2 ص386 ومختصر سيرة الرسول لعبد الله بن عبد الله الحنبلي (المطبعة السلفية بالقاهرة) ص470 والرياض النضرة (ط الخانجي بمصر) ج2 ص179 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص702 و 703 وج18 ص192 و 193 وج23 ص514 و 515 وج31 ص230 عمن تقدم. وراجع: صحيح ابن حبان ج14 = = ص597 وموارد الظمآن ج7 ص61 والبداية والنهاية ج5 ص281 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص1076 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص324.
7 ـ في حديث عن علي (عليهالسلام ): (وأما السادسة عشرة، فإني أردت أن أجرده، فنوديت: يا وصي محمد! لا تجرده، فغسلته والقميص عليه، فلا والله الذي أكرمه بالنبوة، وخصه بالرسالة، ما رأيت له عورة)(1) . أي حتى ما واراه القميص.
8 ـ عن ابن عباس في حديث: (فغسله علي، يدخل يده تحت القميص)(2) .
9 ـ في نص آخر: (غسله علي، والعباس وابناه: الفضل، وقثم. وغسلوه وعليه قميصه لم ينزع)(3) .
____________
1- بحار الأنوار ج22 ص 543 وج31 ص434 و 375 والخصال ج2 ص573 و 574 والأمالي للطوسي ص547 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص167.
2- مجمع الزوائد ج9 ص36 ونهج السعادة ج1 ص36 والمعجم الأوسط للطبراني ج3 ص196 والمعجم الكبير للطبراني ج1 ص230 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص696 وراجع ج18 ص167 وراجع: مناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج2 ص8 وكنز العمال ج7 ص255 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص280 وإمتاع الأسماع ج14 ص572.
3- الأنس الجليل (ط القاهرة) ص194 وراجع: فقه الرضا ص20 ومستدرك الوسائل ج2 ص200 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص697.
10 ـ عن علي (عليهالسلام ): أوصى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أن لا يغسله أحد غيره، فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه.
قال علي (عليهالسلام ): فكان العباس وأسامة يناولان الماء من وراء الستر.
11 ـ عن محمد بن قيس مرسلاً، وفيه ضعف قال: قال علي: وما كنا نريد أن نرفع منه عضواً لنغسله إلا رفع لنا حتى انتهينا إلى عورته، فسمعنا من جانب البيت صوتاً: لا تكشفوا عن عورة نبيكم(1) .
12 ـ في حديث آخر: أنهم (سمعوا صوتاً في البيت: لا تجردوا رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، واغسلوه كما هو في قميصه.
فغسله علي (عليهالسلام ) يدخل يده تحت القميص، والفضل يمسك الثوب عنه، والأنصاري يدخل الماء، وعلى يد علي (عليهالسلام ) خرقة، ويدخل يده)(2) .
13 ـ تقدم قوله (صلىاللهعليهوآله ) عن الفضل بن العباس: (من غير
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص322 عن البيهقي، وإمتاع الأسماع ج14 ص574 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج23 ص511 والإيضاح لابن شاذان ص58.
2- شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص187 و 188 عن المعجم الكبير، وحياة الصحابة للكاندهلوي (ط دار القلم بدمشق) ج2 ص603 ونهج السعادة ج1 ص36 ومجمع الزوائد ج9 ص36 والمعجم الأوسط ج3 ص196 والمعجم الكبير ج1 ص230.
أن ينظر إلى شيء مني).
فاتضح أن المراد من قوله (صلىاللهعليهوآله ): (لا يرى عـورتي غير علي إلا كافر)(1) . هو ما لم تجر العادة على كشفه، لا العورة بمعناها المعروف.
وكذلك الحال بالنسبة إلى سائر الروايات التي ذكرت أو أشارت إلى هذا المعنى بنحو أو بآخر.
إفتراؤهم على علي (عليهالسلام ):
ولكننا نجد في مقابل ذلك، أنهم رووا عن علي (عليهالسلام ) أنه قال: غسلت رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فذهبت أنظر ما يكون من الميت، فلم أر شيئاً، فكان طيباً حياً وميتاً(2) ، أو نحو ذلك.
____________
1- عيون أخبار الرضا ص65 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج1 ص66 وبحار الأنوار ج40 ص27 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص481 ومسند الإمام الرضا (عليهالسلام ) ج1 ص131.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص322 عن ابن سعد، وأبي داود، والبيهقي، والحاكم وصححه، ودلائل النبوة للبيهقي ج7 ص244 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص214 والمستدرك للحاكم ج1 ص362 وج3 ص59 والسنن الكبرى للبيهقي ج4 ص53 وكنز العمال ج7 ص249 والبداية والنهاية ج5 ص282 وإمتاع الأسماع ج14 ص572 و 573 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص699 وج18 ص191 وج23 ص511 و 512 والسيرة = = النبوية لابن كثير ج4 ص519 والشفا بتعريف حقوق المصطفى ج1 ص64 وعلل الدارقطني ج3 ص219 وراجع: تلخيص الحبير ج5 ص116 ونصب الراية ج2 ص356.
وعن سعيد بن المسيب قال: التمس علي من النبي (صلىاللهعليهوآله ) عند غسله ما يلتمس من الميت، فلم يجد شيئاً، فقال: بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً(1) .
وعن علباء بن أحمر قال: كان علي والفضل يغسلان رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فنودي علي: ارفع طرفك إلى السماء(2) .
وعن عبد الله بن ثعلبة بن صعبر قال: غسل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) علي، والفضل، وأسامة بن زيد، وشقران، وولي غسل سفلته علي، والفضل محتضنه، وكان العباس وأسامة بن زيد وشقران يصبون الماء(3) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص323 وفي هامشه عن: ابن سعد ج2 ص215 و (ط دار صادر) ج 2 ص 281 وعن ابن ماجة ج1 ص471 (1467) بسند صحيح ورجاله ثقات، وراجع: المصنف لابن أبي شيبة ج3 ص133 وج8 ص576 والتمهيد لابن عبد البر ج2 ص161 وكنز العمال ج7 ص248 وإمتاع الأسماع ج14 ص572 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج23 ص509.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص323 عن البيهقي، والبداية والنهاية ج5 ص281 وإمتاع الأسماع ج14 ص574 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص519.
3- سبل الهدى والرشاد ج12 ص323 عن الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص213= = و (ط دار صادر) ج2 ص279 وراجع: إمتاع الأسماع ج14 ص570.
ونقول:
أولاً: إذا كان قد جاءه الأمر لعلي (عليهالسلام ) بتغسيل النبي (صلىاللهعليهوآله ) في قميصه أو من وراء الثوب، فما الداعي لهذا الإستقصاء، وماذا يطلب وراء ذلك.
ثانياً: إن علياً (عليهالسلام ) أعرف الناس بأحوال الأنبياء، فهل يخفى عليه، أو هل يمكن أن يمر في وهمه أن يكون ثمة ما يستكره.
ثالثاً: ذكر شقران وأسامة في جملة من شارك في تغسيله لا يصح، لأن الأمر اقتصر على أهل النبي (صلىاللهعليهوآله ) ولو عُدَّ هذان الرجلان من أهله للزم عد كثيرين غيرهم من أهله أيضاً، إذا كانت لهم نفس صفتهم، ومنزلتهم.
رابعاً: تقدم: أن العباس لم يشارك في تغسيله، لأنه رأى النبي (صلىاللهعليهوآله ) يستحي أن يراه حاسراً حال الحياة.. فهل يسمح علي (عليهالسلام ) لنفسه برؤية ما وراء ذلك، وهو يرى هذا الموقف من العباس؟!
والعباس إنما يتعلم أحكام الدين من علي (عليهالسلام )، وعلي أشد مراعاة لشأن النبي (صلىاللهعليهوآله ) من العباس الذي لم يسلم إلا عام الفتح.
خامساً: تقدم: أنه (عليهالسلام ) كان يدلكه بقميصه من وراء القميص، ولا يفضي بيده إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله )..
نصوص أخرى حول تغسيله (صلىاللهعليهوآله ):
عن عبد الله بن الحارث، وابن عباس: أن علياً (عليهالسلام ) غسل رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فجعل يقول: طبت حياً وميتاً، قال: وسطعت ريح طيبة لم يجدوا مثلها قط(1) .
وعن علي (عليهالسلام ) قال: قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): (إذا أنا مت فاغسلوني بسبع قرب من بئر غرس)(2) .
وعن أبي جعفر محمد بن علي (عليهماالسلام ) قال: غسل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ثلاثاً بالسدر، وغسل وعليه قميص، وغسل من بئر يقال لها: الغرس [لسعد بن خيثمة بقباء]، وكان النبي (صلىاللهعليهوآله ) يشرب منها(3) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص322 عن الطبراني، والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص214 و 215 و (ط دار صادر) ج2 ص280 وإمتاع الأسماع ج14 ص572 ونهج السعادة للمحمودي ج1 ص36 ومجمع الزوائد ج9 ص36 والمعجم الكبير ج1 ص230 وكنز العمال ج7 ص255 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص696 وج18 ص187.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص323 وسنن ابن ماجة ج1 ص471 (1468) والكامل لابن عدي ج2 ص762 وكنز العمال ج15 ص573 (42229)، وفتح الباري ج5 ص270 وتهذيب الكمال ج3 ص112.
3- راجع: سبل الهدى والرشاد ج12 ص323 وفي هامشه عن ابن سعد ج2 ص214= = و (ط دار صادر) ج2 ص280 وعن دلائل النبوة للبيهقي ج7 ص245 وراجع: تلخيص الحبير ج5 ص116 ونيل الأوطار ج4 ص66 وعون المعبود ج8 ص288 وإمتاع الأسماع ج14 ص571.
ونقول:
لا بأس بملاحظة ما يلي:
إحتضان فضل بن عباس للنبي (صلىاللهعليهوآله ):
ذكرت روايات هؤلاء: أن علياً (عليهالسلام ) كان يغسل النبي (صلىاللهعليهوآله )، والفضل بن العباس آخذ بحضنه، يقول: اعجل يا علي، انقطع ظهري أو نحو ذلك.
ونقول:
1 ـ إن تغسيل الميت لا يحتاج إلى أن يأخذه أحد الناس بحضنه!! أو أن يأخذ بحضنه أحد من الناس!!
2 ـ إن الملائكة هي التي كانت تساعد علياً (عليهالسلام ) على تقليب رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) كما ورد في الروايات.
وفي بعضها قال (صلىاللهعليهوآله ) لعلي (عليهالسلام ): جبرئيل معك يعاونك. فراجع ما قدمناه حين الحديث عن انفراد علي (عليهالسلام ) بغسل النبي (صلىاللهعليهوآله )، وقد أخبره النبي بأنه سيعان.
وروى ابن سعد، عن عبد الواحد بن أبي عون قال: قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لعلي: (اغسلني إذا مت).
فقال: يا رسول الله، ما غسلت ميتاً قط!
قال: إنك ستهيأ أو تيسر.
قال علي (عليهالسلام ): فغسلته، فما آخذ عضواً إلا تبعني، والفضل آخذ بحضنه يقول: أعجل يا علي انقطع ظهري(1) .
فليلاحظ: أن هذه الرواية عادت لتناقض نفسها وتقول: إن الفضل كان آخذاً بحضن النبي (صلىاللهعليهوآله ).
فالصحيح: هو الرواية التي رواها الصدوق (رحمهالله )، وهي لم تذكر الفضل أصلاً، بل قالت: (فوالله، ما أردت أن أقلب عضواً من أعضائه إلا قلب لي)(2) . ولم تزد على ذلك.
____________
1- راجع: سبل الهدى والرشاد ج12 ص322 و 323 وفي هامشه عن ابن سعد ج2 ص215 و (ط دار صادر) ج2 ص281 وكنز العمال ج7 ص256 وإمتاع الأسماع ج14 ص572 وشرح إحقاق الحق ج7 ص35 وج23 ص507.
2- الخصال ج2 ص573 و 574 وبحار الأنوار ج31 ص434 وراجع ج22 ص506 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للميرجهاني ج3 ص167 وذخائر العقبى ص71 وكنز العمال ج7 ص249 وتاريخ مدينة دمشق ج13 ص129 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليهالسلام ) لابن الدمشقي ج1 ص108 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص36 وج18 ص193 وج23 ص505 وراجع: مناقب الإمام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) للكوفي ج1 ص337.
3 ـ ذكرت الروايات المتقدمة حين ذكر انفراد علي (عليهالسلام ) بغسله (صلىاللهعليهوآله ): أنه (صلىاللهعليهوآله ) حدد مهمة الفضل بن العباس بمناولة الماء.
4 ـ صرحت بعض النصوص: بأن علياً (عليهالسلام ) أسند النبي (صلىاللهعليهوآله ) على صدره، وعليه قميصه يدلكه به(1) . ولم تذكر الفضل.
5 ـ ثمة رواية تقول: إن علياً (عليهالسلام ) كان يغسل النبي (صلىاللهعليهوآله )، وكان الفضل يمسك الثوب عنه(2) .
فكأن هؤلاء القوم متحيرون في الدور الذي يريدون إسناده للفضل بن العباس في قضية تغسيل رسول الله (صلىاللهعليهوآله )..
علي (عليهالسلام ) يمسح عين النبي (صلىاللهعليهوآله ) بلسانه:
وذكروا: أن علياً (عليهالسلام ) لما غسل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ،
____________
1- قد ذكرنا هذه الرواية ومصادرها حين الحديث عن انفراد علي (عليهالسلام ) بغسل النبي (صلىاللهعليهوآله ).
2- شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص187 و 188 عن المعجم الكبير، وحياة الصحابة للكاندهلوي (ط دار القلم بدمشق) ج2 ص603 ونهج السعادة ج1 ص36 ومجمع الزوائد ج9 ص36 والمعجم الأوسط ج3 ص196 والمعجم الكبير ج1 ص230.
وفرغ من غسله، نظر في عينيه، فرأى فيهما شيئاً، فانكب عليه، فأدخل لسانه، فمسح ما كان فيهما، فقال: بأبي وأمي يا رسول الله صلى الله عليك، طبت حياً، وطبت ميتاً. قاله العالم (عليهالسلام )(1) .
وهذا هو الإيمان الخالص الذي يقدم للناس الأسوة والقدوة في التبرك برسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ويسوقهم إلى حقائق الإيمان، من خلال تجسيدها ممارسة وعملاً، ولا يبقيها في دائرة النظرية والتوجيه والإرشاد..
غسل مس الميت:
روى محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن عيسى، عن القاسم الصيقل قال: كتبت إليه: جعلت فداك، هل اغتسل أمير المؤمنين (عليهالسلام ) حين غسل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) عند موته؟!
فأجابه: النبي (صلىاللهعليهوآله ) طاهر مطهر، ولكن أمير المؤمنين (عليهالسلام ) فعل، و جرت به السنة(2) .
____________
1- بحار الأنوار ج22 ص517 وج78 ص318 وفقه الرضا ص20 و 21 و (تحقيق مؤسسة آل البيت) ص183 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص155 والأنوار البهية ص46.
2- بحار الأنوار ج22 ص540 وتهذيب الأحكام ج1 ص30 و (ط دار الكتب الإسلامية ـ طهران) ج1 ص108 وذكرى الشيعة في أحكام الشريعة ج2 ص97 والحدائق الناضرة ج3 ص331 والإستبصار للشيخ الطوسي ج1 ص100 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص1.
التكفين.. والصلاة.. والدفن..
حنوط النبي (صلىاللهعليهوآله ):
ورووا: أن جبرئيل (عليهالسلام ) نزل على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بحنوط، وكان وزنه أربعين درهماً، فقسمه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ثلاثة أجزاء: جزء له، وجزء لعلي، وجزء لفاطمة صلوات الله عليهم(1) .
وعن هارون بن سعد قال: كان عند علي مسك فأوصى أن يحنط به، وكان علي يقول: هو فضل حنوط رسول الله (صلىاللهعليهوآله )(2) .
____________
1- بحار الأنوار ج22 ص544 و 545 و 504 وج78 ص312 وعلل الشرائع ص109 و (منشورات المكتبة الحيدرية) ج1 ص302 وتهذيب الأحكام ج1 ص290 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج3 ص13 و 14 و (ط دار الإسلامية) ج2 ص730 و 731 والكافي ج1 ص42 و (ط دار الكتب الإسلامية) ج3 ص151 وعن أمالي الشيخ ج2 ص4 و 6 وعن الإحتجاج ص72 ـ 75 ومختلف الشيعة ج1 ص390 والحدائق الناضرة ج4 ص24 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص218 وسنن النبي (صلىاللهعليهوآله ) للطباطبائي ص251.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص324 عن ابن سعد، والحاكم في الإكليـل، وفي = = هامشه عن: دلائل النبوة للبيهقي ج7 ص249، وفقه السنة ج1 ص515 والسنن الكبرى للبيهقي ج3 ص406 وتحفة الأحوذي ج4 ص60 ومعرفة السنن والآثار ج3 ص138 ونصب الراية ج2 ص307 والدراية في تخريج أحاديث الهداية ج1 ص230 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص288 وإمتاع الأسماع ج14 ص580.
تكفين رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) :
عن ابن عباس: إن مما أوصى به النبي (صلىاللهعليهوآله ) علياً (عليهالسلام ) قوله: وكفني في طمريَّ هذين، أو في بياض مصر وبرد اليمان. ولا تغال في كفني(1) .
وروي: أن علياً (عليهالسلام ) غسل النبي (صلىاللهعليهوآله ) في قميص. وكفنه في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريين، وثوب حبرة يمنية(2) .
____________
1- بحار الأنوار ج22 ص507 والأمالي للصدوق ص732 وروضة الواعظين للفتال النيسابوري ص72 ومستدرك الوسائل ج2 ص206 و 222 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص231 و 236 و 240.
2- بحار الأنوار ج22 ص516 وج22 ص538 وج47 ص368 وج78 ص318 و 333 وفقه الرضا ص20 و (بتحقيق مؤسسة آل البيت) ص183 ومستدرك الوسائل ج2 ص205 و 206 و 207 وذكرى الشيعة في أحكام الشريعة للشهيد الأول ج1 ص361 وراجع: التحفة السنية (مخطوط) للسيد عبد الله الجزائري ص352 ورياض المسائل للطباطبائي ج2 ص168 ومستند الشيعة = = للمحقق النراقي ج3 ص180 وجواهر الكلام للشيخ الجواهري ج4 ص196 والكافي ج1 ص400 ودعائم الإسلام ج1 ص231 وتهذيب الأحكام ج1 ص291 و 291 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج3 ص7 و 8 و 9 و 11 و (ط دار الإسلامية) ج2 ص726 و 727 و 728 و 729 والمصنف للصنعاني ج3 ص421 والفايق في غريب الحديث ج2 ص237.
وعن زيد الشحام، قال: سئل أبو عبد الله (عليهالسلام ) عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): بما كفن؟
قال: في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريين وبرد حبرة(1) .
وصحار: قرية باليمن.
____________
1- بحار الأنوار ج22 ص538 عن الكافي (الفروع) ج1 ص40 والسنن الكبرى للبيهقي ج3 ص400 والمصنف للصنعاني ج3 ص474 والمصنف لابن أبي شيبة ج3 ص145 والإستذكار لابن عبد البر ج3 ص3 و 53 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص38 وتفسير نور الثقلين ج3 ص329 وقاموس الرجال ج9 ص104 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص285 والكامل لابن عدي ج2 ص35 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص114 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص451 والتنبيه والإشراف ص244 والبداية والنهاية لابن كثير ج5 ص284 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص63 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص1077 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص524.
وقيل: هو من الصحرة. وهي حمرة خفية كالغبرة. يقال: ثوب أصحر، وصحاري.
علي (عليهالسلام ) كفن النبي (صلىاللهعليهوآله ) وحده:
وقد تولى علي (عليهالسلام ) وحده تكفين رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أيضاً، فقد ورد في حديث المناشدة يوم الشورى قوله (عليهالسلام ):
فهل فيكم من كفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ووضعه في حفرته غيري؟!(1) .
ونقول:
هناك العديد من الملاحظات، التي ترتبط بما تقدم، ونود الإشارة إليها فيما يلي:
____________
1- بحار الأنوار ج22 ص543 والأمالي للشيخ ج2 ص4 و 6 و (ط دار الثقافة) ص547 والمناقب للخوارزمي ص315 والروضة في فضائل أمير المؤمنين ص118 والطرائف لابن طاووس ص413 وكتاب الأربعين للشيرازي ص221 وحلية الأبرار ج2 ص326 ونهج الإيمان ص530 وكتاب الأربعين للماحوزي ص434 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهمالسلام ) للنجفي ج5 ص454 ونهج السعادة ج1 ص133 و 140 وكنز العمال ج5 ص726 وضعفاء العقيلي ج1 ص212 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص433 و 435 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص380.
أولاً: إن علياً وأهل بيته (عليهمالسلام ) يقولون: إنه (عليهالسلام ) كفَّن النبي (صلىاللهعليهوآله ) ببردين صحاريين، وببردة حبرة يمانية.. وقد روى أبو داود عن جابر هذا المعنى أيضاً(1) . فلا يلتفت لما رووه خلاف ذلك..
ثانياً: إن الروايات المخالفة لما روي عن علي (عليهالسلام ) وأهل بيته، وعن جابر، قد جاءت متناقضة، بل التناقض قد ظهر في روايات الراوي الواحد أيضاً، كروايات عائشة وابن عباس.
ونحن نكتفي هنا بما أورده الصالحي الشامي من ذلك، وهو ما يلي:
روى الشيخان والبيهقي عن عائشة: أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة(2) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص326 عن أبي داود بإسناد حسن، وقال في هامشه: أخرجه أبو داود (315). ونيل الأوطار ج4 ص71 وتحفة الأحوذي ج4 ص65 وراجع: المصنف للصنعاني ج3 ص421 والإستذكار لابن عبد البر ج3 ص3 والكامل لابن عدي ج2 ص351.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص326 وقال في هامشه: أخرجه البخاري ج3 ص135 (1264) و (ط دار الفكر) ج2 ص77 و 106 ومسلم ج2 ص649 (45/941) ومالك في الموطأ ج1 ص223(5) وأبو داود (3151 و 3152) وابن سعـد ج2 ص215 وأحمـد ج6 ص40 و 93 و 118 و 123 و 165 = = والبيهقي في الدلائل ج7 ص246 وسنن النسائي ج4 ص35 و 36. وراجع: المعتبر للمحقق الحلي ج1 ص279 وكتاب الأم للشافعي ج1 ص303 والمبسوط للسرخسي ج2 ص60 و 73 وبدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج1 ص306 والشرح الكبير لابن قدامة ج2 ص339 والمحلى لابن حزم ج5 ص118 وبداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد الحفيد ج1 ص186 ونيل الأوطار ج4 ص70 والمغني لابن قدامة ج2 ص329 وكتاب المسند للشافعي ص356 بالإضافة إلى مصادر كثيرة أخرى.
ورواه ابن ماجة: وزاد: فقيل لعائشة: إنهم كانوا يزعمون أنه قد كان كفن في حبرة.
فقالت: قد جاؤا ببرد حبرة، فلم يكفنوه فيها(1) .
وفي رواية للشيخين وأبي داود: وأدرج رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في حلة يمانية كانت لعبد الرحمن بن أبي بكر، ثم نزعت عنه، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية، ليس فيها قميص ولا عمامة.
وفي رواية أخرى لهما: أما الحلة فاشتبه على الناس فيها أنها اشتريت ليكفن فيها، فتركت الحلة، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، فأخذها عبد الله بن أبي بكر، فقال: احبسها حتى أكفن فيها.
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص326 وقال في هامشه: عن الدلائل للبيهقي ج7 ص248 والسنن الكبرى للبيهقي ج3 ص399 و (ط دار الفكر) ج3 ص401 وأبو داود (3149)، وسنن ابن ماجة ج1 ص472.
ثم قال: لو رضيها الله تعالى لنبيه (صلىاللهعليهوآله ) لكفنه فيها، فباعها وتصدق بثمنها(1) .
إلى أن قال:
وروى ابن أبي شيبة، بسند فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي عن أبيه: أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) كفن في سبعة أثواب.
وروى أبو يعلى، عن الفضل بن عباس قال: كفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في ثوبين أبيضين سحوليين(2) .
وروى الإمام أحمد والبزار، بسند حسن عن علي قال: كفن النبي (صلىاللهعليهوآله ) في سبعة أثواب(3) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص326 وقال في هامشه: عن ابن ماجة ج1 ص472 (1469). وكنز العمال ج7 ص257 والطبقات الكبرى ج2 ص281 وراجع: صحيح مسلم ج3 ص49 والسنن الكبرى للبيهقي ج3 ص400 والبداية والنهاية ج5 ص284 وإمتاع الأسماع ج14 ص576 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص523.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص326 وقال في هامشه: أخرجه أبو يعلي ج12 ص88 (5/6720) وفيه سليمان الشاذكوني وضّاع، وراجع: المعجم الكبير ج18 ص275 والكامل لابن عدي ج7 ص143 و البداية والنهاية ج5 ص284 و 285 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص525.
3- سبل الهدى والرشاد ج12 ص326 والمحلى لابن حزم ج5 ص119 وتلخيص= = الحبير ج5 ص132 وسبل السلام ج2 ص95 ونيل الأوطار ج4 ص71 ومسند أحمد ج1 ص94 و 102 ومجمع الزوائد ج3 ص23 و 26 وتحفة الأحوذي ج4 ص65 والمصنف لابن أبي شيبة ج3 ص148 ونصب الراية ج2 ص310 والدراية في تخريج أحاديث الهداية ج1 ص231 وكنز العمال ج7 ص256 و 260 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص287 وكتاب المجروحين ج2 ص3 والكامل لابن عدي ج4 ص129 وتاريخ بغداد ج3 ص278 وإمتاع الأسماع ج14 ص580.
وروى البزار برجال الصحيح، عن أبي هريرة قال: كفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في ريطتين وبرد نجراني(1) .
وروى الطبراني بسند حسن، عن أنس: أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) كفن في ثلاثة أثواب، أحدها قميص.
وروى ابن سعد عن ابن عمر قال: كفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في ثلاثة أثواب بيض يمانية(2) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص327 وقال في هامشه: انظر المجمع ج3 ص26 وابن سعد ج2 ص217 و (ط دار صادر) ج2 ص284. وراجع: عمدة القاري ج8 ص49 والتمهيد لابن عبد البر ج22 ص140 والبداية والنهاية ج5 ص285 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص526.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص327 وقال في هامشه: عن ابن سعد في الطبقات ج2 ص216 و (ط دار صادر) ج2 ص282. وكنز العمال ج7 ص257 وراجـع: = = سنن ابن ماجة ج1 ص472 وسنن الترمذي ج2 ص233 وسنن النسائي ج4 ص36 والسنن الكبرى للبيهقي ج3 ص400 وعمدة القاري ج8 ص49 وعون المعبود ج8 ص297 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص522 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص477 وإمتاع الأسماع ج14 ص579 والسنن الكبرى للنسائي ج1 ص621 وج4 ص262 والبداية والنهاية ج5 ص283 وكتاب الوفاة للنسائي ص70 والمنتقى من السنن المسندة ص137.
وروى ابن سعد، والبيهقي، عن الشعبي قال: كفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في ثلاثة أثواب سحولية، برود يمانية غلاظ، إزار، ورداء، ولفافة(1) .
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة بسند ضعيف، عن ابن عباس: أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) كفن في ثلاثة أثواب، قميصه الذي مات فيه، وحلة نجرانية(2) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص327 وفي هامشه: عن ابن سعد ج1 ص218 و (ط دار صادر) ج2 ص285 والبيهقي في الدلائل ج7 ص249. وراجع: كنز العمال ج7 ص257 وسبل السلام ج2 ص94 وعمدة القاري ج8 ص49 وحاشية السندي على النسائي ج4 ص35.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص327 وقال في هامشه: أبو داود ج1 ص216 (3153). وراجع: تلخيص الحبير ج5 ص132 ونيل الأوطار ج4 ص70 ومسند أحمد ج1 ص222 وعمدة القاري ج8 ص49 وتحفة الأحـوذي ج4 = = ص65 وعون المعبود ج8 ص297 والمصنف لابن أبي شيبة ج3 ص144 والمعجم الكبير ج11 ص320.
رواجع: الإستذكار لابن عبد البر ج3 ص5 و 16 و التمهيد لابن عبد البر ج2 ص163 وج22 ص142 ونصب الراية ج2 ص310 والدراية في تخريج أحاديث الهداية ج1 ص230 والبداية والنهاية ج5 ص284 وإمتاع الأسماع ج2 ص136 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص524.
وروي عنه قال: كفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في ثوبين أبيضين، وفي برد أحمر.
وروى ابن سعد من طرق صحيحة، عن سعيد بن المسيب قال: كفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في ريطتين وبرد نجراني.
وروى عبد الرزاق، عن معمر عن هشام بن عروة، قال: لف رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في برد حبرة، جعل فيه ثم نزع عنه(1) .
وبملاحظة هذه التناقضات يتضح: أن الرجوع إلى كتاب الله وعترة نبيه، هو الذي يوجب الأمن من الضلال، كما قرره رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) مرات ومرات في المواقف المختلفة..
____________
1- جميع ما تقدم ذكره الصالحي الشامي في كتابه سبل الهدى والرشاد، وأشير إليه في هوامشه، فراجع: ج12 ص326 و 327. وراجع في المورد الأخير: نيل الأوطار ج4 ص71 وفتح الباري ج3 ص108.
تناقض موهوم:
وذكروا: أنهم حين أرادوا تكفين النبي (صلىاللهعليهوآله ) شق علي (عليهالسلام ) قميصه من قبل جيبه، حتى بلغ سرته(1) .
ولا ينافي ذلك ما روي من أنه (صلىاللهعليهوآله ) لم يجرد من قميصه(2) . فإن المقصود: أنه لم يجرد للغسل، فلا ينافي تجريده للتكفين.
الصلاة على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ):
وفي صحيحة أو حسنة الحلبي: عن الإمام الصادق (عليهالسلام ) أنه قال: (أتى العباس علياً أمير المؤمنين (عليهالسلام )، فقال: يا علي، إن الناس قد اجتمعوا أن يدفنوا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في بقيع
____________
1- علل الشرائع ج1 ص310 ومستدرك الوسائل ج2 ص200 وبحار الأنوار ج22 ص518 و 529 والإرشاد (ط دار المفيد) ج1 ص187 وإعلام الورى ص143 و 144 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص269 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص155 وقصص الأنبياء للراوندي ص357.
2- الخصال ج2 ص573 و 574 وبحار الأنوار ج22 ص544 و 546 وج31 ص434 وج78 ص305. ومستدرك الوسائل ج2 ص198 والأمالي للشيخ الطوسي ج2 ص7 و 8 وعن الطرائف ص44 و 45 و 48 وراجع: شرح الأخبار ج2 ص418 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص155 ومستند الشيعة للنراقي ج3 ص150.
المصلى، وأن يؤمهم رجل منهم.
فخرج أمير المؤمنين (عليهالسلام ) إلى الناس، فقال: أيها الناس، إن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إمامنا حياً وميتاً. وقال: إني أدفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في البقعة التي قبض فيها.
ثم قام على الباب، فصلى عليه، ثم أمر الناس عشرة عشرة يصلون عليه ويخرجون)(1) .
ولهذه الرواية نص آخر، ورد في فقه الرضا (عليهالسلام ) لا يخلو من إشكال.
لكن ذكر ابن شهرآشوب في المناقب: أن أبا جعفر (عليهالسلام ) قال: إنهم صلوا عليه يوم الإثنين وليلة الثلاثاء حتى الصباح، ويوم الثلاثاء حتى صلى عليه الأقرباء والخواص، ولم يحضر أهل السقيفة.
وكان علي (عليهالسلام ) أنفذ إليهم بريدة، وإنما تمت بيعتهم بعد دفنه (صلىاللهعليهوآله )(2) .
____________
1- الكافي ج1 ص451 وفقه الرضا (عليهالسلام ) ص188 وبحار الأنوار ج22 ص517 و 539 و540 وج78 ص302 وجواهر الكلام ج12 ص102 والحدائق الناضرة ج10 ص451 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص348.
2- مناقب آل أبي طالب ج1 ص206 والأنوار البهية ص48 ومستدرك الوسائل ج2 ص263 و 264 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص349 والدر النظيم ص195 وبحار الأنوار ج22 ص525.
وروى سليم بن قيس أيضاً، عن سلمان قال: إنه (صلىاللهعليهوآله ) لما غسله علي (عليهالسلام ) وكفنه، أدخلني، وأدخل أبا ذر، والمقداد، وفاطمة، وحسناً وحسيناً (عليهمالسلام )، فتقدم عليعليهالسلام وصففنا خلفه وصلى عليه. وعائشة في الحجرة لا تعلم قد أخذ الله ببصرها.
ثم أدخل عشرة من المهاجرين وعشرة من الأنصار، فكانوا يدخلون، ويدعون، ويخرجون، حتى لم يبق أحد شهد من المهاجرين والأنصار إلا صلى عليه(1) .
وفي نص آخر قال: حتى لم يبق أحد في المدينة، حر ولا عبد إلا صلى عليه(2) .
وكانوا يصلون عليه أرسالاً(3) .
____________
1- كتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ص143 وراجع: الإحتجاج ج1 ص106 وبحار الأنوار ج22 ص506 وج28 ص262 وج78 ص385 والأنوار البهية ص47 والحدائق الناضرة ج10 ص451 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص350 وجواهر الكلام ج12 ص103 وراجع: كشف اللثام (ط.ق) ج1 ص132 و (ط.ج) ج2 ص362 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج3 ص83 و (ط دار الإسلامية) ج2 ص779 وإعلام الورى ج1 ص270.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص 329 و 330 عن أحمد، وأبي يعلى، ومجمع الزوائد ج9 ص33 ومسند أبي يعلى ج8 ص371.
3- سبل الهدى والرشاد ج12 ص329 ومسند أبي يعلى ج1 ص31 ونصب الراية = = ج2 ص350 وكنز العمال ج7 ص237 والثقات لابن حبان ج2 ص158 والكامل لابن عدي ج2 ص349 وأسد الغابة ج1 ص34 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص452 و 333 والبداية والنهاية ج5 ص287 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص1077 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص531 ونيل الأوطار ج4 ص77 وكشاف القناع للبهوتي ج2 ص130 وسنن ابن ماجة ج1 ص521 والجامع لأحكام القرآن ج4 ص225.
ولم يؤم الصلاة على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أحد(1) .
وقال ابن كثير وأبو عمر: إن هذا مجمع عليه، ولا خلاف فيه(2) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص329 و 330 عن ابن إسحاق وغيره، وأحمد وأبي يعلى، ونيل الأوطار ج4 ص77 وكشاف القناع للبهوتي ج2 ص130 وسنن ابن ماجة ج1 ص521 وكنز العمال ج7 ص237 ونصب الراية ج2 ص350 ومسند أبي يعلى ج1 ص31 والجامع لأحكام القرآن ج4 ص225 والثقات لابن حبان ج2 ص158 والكامل لابن عدي ج2 ص349 والثمر الداني للآبي ص272 وتنوير الحوالك ص238 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص452 و 333 والبداية والنهاية ج5 ص286 و 287 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص1077 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص528 و 531 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص478.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص330 و 331 وتنوير الحوالك ص238 والثمر الداني للآبي ص272 و البداية والنهاية ج5 ص286 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص528 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص478.
وبعض الروايات تصرح: بأن النبي (صلىاللهعليهوآله ) هو الذي أمرهم بذلك(1) .
وعند مجد الدين الفيروزآبادي في القاموس: صلوا عليه فنادى منادٍ: صلوا أفواجاً بلا إمام(2) .
قال المفيد: (ولما فرغ من غسله تقدم فصلى عليه وحده، ولم يشركه معه أحد في الصلاة عليه.
وكان المسلمون يخوضون في من يؤمهم في الصلاة عليه، وأين يدفن، فخرج إليهم أمير المؤمنين (عليهالسلام ) وقال لهم: إن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إمامنا حياً وميتاً، فيدخل عليه فوج بعد فوج منكم، فيصلون عليه بغير إمام، وينصرفون..
إلى أن قال: فسلم القوم بذلك، ورضوا به)(3) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص329 و331 عن مسند أحمد ج5 ص81 وعن ابن سعد ج2 ص221 وعن الطبري، وراجع: تلخيص الحبير ج5 ص187 ونيل الأوطار ج4 ص77 ومجمع الزوائد ج9 ص37 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج4 ص1715 وتاريخ مدينة دمشق ج4 ص296 وأسد الغابة ج5 ص254 والبداية والنهاية ج5 ص291 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص538.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص330. وراجع: التنبيه والإشراف ص245.
3- الإرشاد للمفيد ج1 ص187 وبحار الأنوار ج22 ص517 وراجع ص524 و 529 و 536 عن فقه الرضا ص20 والأنوار البهية ص47 وينابيع المودة ج2 = = ص339 وعن كفاية الأثر ص304.
صلاة أهل السقيفة على النبي (صلىاللهعليهوآله ):
وقد صرحت بعض الروايات المتقدمة: بأنه لم يبق في المدينة حر ولا عبد إلا صلى على رسول الله (صلىاللهعليهوآله )(1) .
وزعم حرام بن عثمان: أن أبا بكر قد أَمَّهُمْ في الصلاة عليه (صلىاللهعليهوآله )(2) .
قال محمد بن عمر الأسلمي: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال: وجدت هذا في صحيفة بخط أبي فيها: أنه لما كفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ووضع على سريره دخل أبو بكر وعمر فقالا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. ومعهما نفر من المهاجرين والأنصار قدر ما يسع البيت، فسلموا كما سلم أبو بكر وعمر، وصفوا صفوفاً لا يؤمهم أحد.
فقال أبو بكر وعمر ـ وهما في الصف الأول، حيال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ـ: اللهم إنا نشهد أنه قد بلغ ما أنزل إليه، ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله تعالى، حتى أعز الله تعالى دينه وتمت كلماته، فآمن به وحده لا شريك له، فاجعلنا يا إلهنا ممن يتبع القول الذي أنزل معه، واجمع
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص329 و 330 عن أحمد وأبي يعلى، ومجمع الزوائد ج9 ص33 ومسند أبي يعلى ج8 ص371.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص331 ونيل الأوطار ج4 ص77.
بيننا وبينه حتى يعرفنا ونعرفه، فإنه كان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، لا نبتغي بالإيمان بدلاً، ولا نشتري به ثمنا أبداً.
فيقول الناس: آمين آمين!
ثم يخرجون ويدخل آخرون، حتى صلى عليه الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان(1) .
ونقول:
أولاً: قولهم: إن الصلاة على جسد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) استمرت يوم الإثنين، أو ليلة الثلاثاء، ويوم الثلاثاء لا يتلاءم مع ما روي من أن علياً (عليهالسلام ) لما فرغ من دفن النبي (صلىاللهعليهوآله )، وتسوية التراب عليه، قال: ما فعل أهل السقيفة(2) .
ثانياً: قول رواية مسلم: لم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلا صلى على النبي (صلىاللهعليهوآله ).. وفي بعضها: أن أبا بكر أمّ المصلين عليه يقابلها قولهم: (لم يحضر أهل السقيفة، وكان علي أنفد إليهم بريدة)(3) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص330 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص528 والبداية والنهاية ج5 ص286 وتنوير الحوالك ص239 والطبقات الكبرى ج2 ص290 وكنز العمال ج7 ص228 وراجع: إمتاع الأسماع ج14 ص583.
2- الأمالي للسيد المرتضى ج1 ص198.
3- مناقب آل أبي طالب ج1 ص205 و 206 والأنوار البهية ص48 ومستدرك الوسائل ج2 ص263 و 264 وجامع أحـاديث الشيعة ج3 ص349 والـدر = = النظيم ص195 وبحار الأنوار ج22 ص525 وعن إعلام الورى ص143 و 144.
ثالثاً: إن الروايات الدالة على أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قد دفن بعد وفاته بساعات وقولهم: دفن ليلة الثلاثاء تدفع قولهم: إن الصلاة استمرت إلى آخر يوم الثلاثاء.
رابعاً: إن النص الذي ورد في رواية التيمي الآنفة الذكر ليس هو نص الصلاة على الميت، لا عند السنة، ولا عند الشيعة، وإنما هو مجرد دعاء وشهادة.
خامساً: الروايات بل الإجماع على أن الناس صلوا على النبي (صلىاللهعليهوآله ) أرسالاً تدفع رواية حرام بن عثمان: أن أبا بكر أمّ المصلين عليه (صلىاللهعليهوآله )..
صلاة علي وأهل البيت (عليهمالسلام ):
يستفاد من رواية التيمي المتقدمة: أن الصحابة لم يصلوا على النبي (صلىاللهعليهوآله )، بل كانت صلاتهم مجرد دعاء وشهادة، وهذا هو ما تؤكده سائر النصوص الأخرى أيضاً، حيث دلت على أن علياً وأهل البيت (عليهمالسلام ) هم دون غيرهم الذين صلوا على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) الصلاة المشروعة على الميت..
ويدل على ذلك أيضاً ما يلي:
1 ـ صرح ابن سعد في رواية له عن علي (عليهالسلام ) بكيفية صلاتهم
على النبي (صلىاللهعليهوآله )، فقال: فكان يدخل الناس رسلاً رسلاً، فيصلون عليه صفاً صفاً، ليس لهم إمام، يقولون: سلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته(1) .
2 ـ روى سالم بن عبد الله قال: قالوا لأبي بكر: هل يصلَّى على الأنبياء؟!
قال: يجيء قوم فيكبرون، ويدعون، ويجيء آخرون، حتى يفرغ الناس(2) .
ملاحظة: لعل الذي دعا أبا بكر إلى إنكار الصلاة على الأنبياء بعد موتهم هو تبرير عدم حضوره للصلاة على رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، بسبب انشغاله بالسقيفة..
3 ـ قيل للإمام الباقر (عليهالسلام ): كيف كانت الصلاة على النبي (صلىاللهعليهوآله )؟
فقال: لما غسله أمير المؤمنين كفنه وسجاه، وأدخل عليه عشرة، فداروا حوله ثم وقف أمير المؤمنين في وسطهم، فقال:( إِنَّ اللَهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (3) ، فيقول القوم
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص329 وراجع: تنوير الحوالك ص239 وكنز العمال ج7 ص254 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص291.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص330 وتنوير الحوالك ص239 والتمهيد لابن عبد البر ج24 ص398.
3- الآية 56 من سورة الأحزاب.
مثل ما يقول حتى صلى عليه أهل المدينة وأهل العوالي(1) .
4 ـ قال في (المورد) نقلت من خط شيخنا الحافظ الزاهد أبي عبد الله محمد بن عثمان، المعروف بالضياء الرازي، قال: قال سحنون بن سعيد: سألت جميع من لقيت من فقهاء الأمصار، من أهل المغرب والمشرق، عن الصلاة على النبي (صلىاللهعليهوآله ) بعد وفاته: هل صلوا عليه؟! وكم كبر عليه؟! فكل لم يدر، حتى قدمت المدينة، فلقيت عبد الله بن ماجشون فسألته فقال: صُلِّيَ عليه اثنان وتسعون صلاة، وكذلك صُلِّيَ على عمه حمزة.
قال: قلت: من أين لك هذا دون الناس؟!
قال: وجدتها في الصندوق التي تركها مالك، وفيه عميقات المسائل، ومشكلات الأحاديث بخطه عن نافع، عن ابن عمر.
قال الحافظ أبو الفضل العراقي في سيرته المنظومة:
وليس ذا متصل الإسناد عن مالك في كتب النقاد(2)
فهذا يعطي: أن أحداً من سائر المسلمين لم يصل على رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ولا سيما مع كون ابن القصار حكى الخلاف: هل صلوات
____________
1- راجع: الكافي ج1 ص450 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص206 وبحار الأنوار ج22 ص539 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص348 ومستدرك الوسائل ج2 ص263 و 265 والحدائق الناضرة ج10 ص450 وتفسير نور الثقلين ج4 ص304.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص332.
عليه الصلاة المعهودة، أو دعوا فقط؟!
وهل صلوا عليه أفراداً أو جماعة؟!(1) .
ولا نتوقع أن يكون كثير من الصحابة يحسنون الصلاة على الميت، فإن بعض كبارهم كان يجهل بأحكام أوضح وأيسر من الصلاة على الميت، كما أوضحناه في الجزء الأول من كتابنا: الصحيح من سيرة النبي (صلىاللهعليهوآله )..
وأخيراً، فقد قال المحقق البحراني:
(وأنت خبير بأنه ربما ظهر من التأمل في هذه الأخبار الواردة في صلاة الناس على النبي (صلىاللهعليهوآله ) فوجاً فوجاً إنما هو بمعنى الدعاء، خاصة، وأنه لم يصل عليه الصلاة المعهودة إلا علي (عليهالسلام )، مع هؤلاء النفر الذين تضمنهم حديث الإحتجاج، وإليه تشير أيضاً صحيحة الحلبي أو حسنته.
وقوله فيها: (ثم قام علي (عليهالسلام ) على الباب فصلى عليه، ثم أمر الناس الخ..) فإن ظاهر صحيح أبي مريم الأول وقوله فيه: (فإذا دخل قوم داروا به وصلوا ودعوا له) أنهم يحيطون به من جميع الجهات، ويدعون له. وهكذا من يدخل بعدهم.
وكذا قوله في حديثه الثاني: (ثم أدخل عليه عشرة فداروا حوله ـ يعني بعد ما صلى عليه أمير المؤمنين (عليهالسلام ) كما دل عليه خبر الإحتجاج ـ
____________
1- نيل الأوطار ج4 ص77 وتلخيص الحبير ج5 ص187.
ثم وقف أمير المؤمنين (عليهالسلام ) في وسطهم فقال:.. الحديث). فإنه ظاهر في أن الصلاة كانت بهذه الكيفية، كما يدل عليه قوله: (فيقول القوم كما يقول).
وإليه يشير قوله في حديث جابر: (إنه سمع رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول في حال صحته: (إن هذه الآية نزلت عليه في الصلاة عليه بعد الموت). ولا ريب أن الصلاة في الآية إنما هي بمعنى الدعاء(1) .
إجراءات دفن الرسول (صلىاللهعليهوآله ) في الرواية والتاريخ:
واختلفوا أين يدفن، فقال بعضهم: في البقيع.
وقال آخرون: في صحن المسجد.
فقال أمير المؤمنين (عليهالسلام ): إن الله لم يقبض نبيه إلا في أطهر البقاع، فينبغي أن يدفن في البقعة التي قبض عليها.
فاتفقت الجماعة على قوله، ودفن في حجرته(2) .
وروي: أنه لما فرغ علي (عليهالسلام ) من غسل رسول الله(صلىاللهعليهوآله ) ،
____________
1- الحدائق الناضرة ج10 ص451.
2- بحار الأنوار ج22 ص525 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص505 و 506 و (نشر المطبعة الحيدرية) ج1 ص206 وعن الكافي ج1 ص451 وتهذيب الأحكام ج6 ص3 وروضة الواعظين ص71 والدر النظيم ص196 وإعلام الورى للطبرسي ج1 ص54 والمقنعة للمفيد ص457.
وكفنه أتاه العباس، فقال: يا علي، إن الناس قد اجتمعوا على أن يدفنوا النبي (صلىاللهعليهوآله ) في بقيع المصلى، وأن يؤمهم رجل منهم [واحد].
فخرج علي (عليهالسلام ) إلى الناس، فقال: يا أيها الناس، أما تعلمون أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إمامنا حياً وميتاً؟. وهل تعلمون أنه لعن من جعل القبور مصلى، ولعن من جعل مع الله إلهاً، ولعن من كسر رباعيته، وشق لثته؟
قال: فقالوا: الأمر إليك، فاصنع ما رأيت.
قال: وإني أدفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في البقعة التي قبض فيها(1) .
وعند المفيد وغيره أنه قال: (إن الله لم يقبض نبياً في مكان إلا وقد ارتضاه لرمسه فيه، إني لدافنه في حجرته التي قبض فيها. فسلم القوم لذلك ورضوا به)(2) .
____________
1- بحار الأنوار ج22 ص525 و 536 و 537 و 508 عن كفاية الأثر ص 304 وعن فقه الرضا ص20 والمقنعة للمفيد ص457 وتهذيب الأحكام ج6 ص3 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص505 و 506 و (نشر المطبعة الحيدرية) ج1 ص206 والدر النظيم ص196.
2- بحار الأنوار ج22 ص517 وراجع ص524 و 529 و 536 عن فقه الرضا ص20 و 21 وراجع مناقب آل أبي طالب ج1 ص 303 ـ 306 وإعلام الورى ص143 و 144 وعن كفاية الأثر ص304 والأنوار البهية ص47.
قالوا: ودخل أمير المؤمنين (عليهالسلام ) والعباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس، وأسامة بن زيد، ليتولوا دفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فنادت الأنصار من وراء البيت: يا علي، إنا نذكرك الله وحقنا اليوم من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أن يذهب، أدخل منا رجلاً يكون لنا به حظ من مواراة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فقال: ليدخل أوس بن خولي، وكان بدرياً فاضلاً من بني عوف من الخزرج، فلما دخل قال له علي (عليهالسلام ): انزل القبر.
فنزل، ووضع أمير المؤمنين رسول الله (عليهماالسلام ) على يديه ودلاه في حفرته، فلما حصل في الأرض قال له: اخرج.
فخرج، ونزل علي القبر، فكشف عن وجه رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ووضع خده على الأرض موجهاً إلى القبلة على يمينه، ثم وضع عليه اللبن، وأهال عليه التراب(1) .
____________
1- بحار الأنوار ج22 ص519 و 521 و 530 والإرشاد للمفيد ج1 ص188 وإعلام الورى ص143 و 144 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص270 والأنوار البهية ص48 ومستدركات علم رجال الحديث ج1 ص706 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص425 ومستدرك الوسائل ج2 ص330 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج1 ص152 والدر النظيم ص196 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص334 وفي هامشه عن: الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص328 وعن دلائل النبوة للبيهقي ج7 ص252 وعن سنن ابن ماجة ج1 ص496.
وكان ذلك في يوم الإثنين، لليلتين بقيتا من صفر، سنة عشر من هجرته (صلىاللهعليهوآله )، وهو ابن ثلاث وستين سنة.
ولم يحضر دفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أكثر الناس، لما جرى بين المهاجرين والأنصار من التشاجر في أمر الخلافة، وفات أكثرهم الصلاة عليه لذلك، وأصبحت فاطمة (عليهاالسلام ) تنادي: وا سوء صباحاه.
فسمعها أبو بكر، فقال لها: إن صباحك لصباح سوء.
واغتنم القوم الفرصة لشغل علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) برسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وانقطاع بني هاشم عنهم بمصابهم برسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فتبادروا إلى ولاية الأمر، واتفق لأبي بكر ما اتفق، لاختلاف الأنصار فيما بينهم، وكراهية الطلقاء والمؤلفة قلوبهم من تأخر الأمر حتى يفرغ بنو هاشم، فيستقر الأمر مقره، فبايعوا أبا بكر لحضوره المكان(1) .
ونذكر القارئ بما يلي:
1 ـ إن النبي (صلىاللهعليهوآله ) دفن قبل انتهاء أهل السقيفة من سقيفتهم، وقد ذكرنا ذلك أكثر من مرة، وصرح الشيخ المفيد بذلك أيضاً، فقال: (وقد جاءت الرواية: أنه لما تم لأبي بكر ما تم، وبايعه من بايع، جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليهالسلام ) وهو يسويّ قبر رسول الله (صلىاللهعليهوآله )
____________
1- بحار الأنوار ج22 ص518 و 519 و 520 و 529 و 530 والإرشاد للمفيد ج1 ص188 والأنوار البهية ص50.
بمسحاة في يده، فقال له: إن القوم قد بايعوا أبا بكر، ووقعت الخذلة في الأنصار لاختلافهم، وبدر الطلقاء بالعقد للرجل خوفاً من إدراككم الأمر.
فوضع طرف المسحاة في الأرض ويده عليها، ثم قال:( بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ألم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) (1) )(2) .
2 ـ إننا لا ننكر ان يكون أناس من الأنصار وبعض من المهاجرين، ممن لا حول لهم ولا قوة قد بقوا في المسجد، أو على مقربة منه، وأن يطلب هؤلاء أو أولئك من علي (عليهالسلام ) أن ينالوا شرف المشاركة في مراسم دفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فيشركهم (عليهالسلام ) في ذلك..
في حين أن الطامحين والطامعين لم يكترثوا لموت رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، بل تجمعوا واجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، لابتزاز هذا الأمر من صاحبه الشرعي على حين غفلة من علي (عليهالسلام ) وبني هاشم ـ بزعمهم ـ حيث كان مشغولاً بتجهيز ودفن خير خلق الله (صلىاللهعليهوآله )..
____________
1- الآيات 1 ـ 4 من سورة العنكبوت.
2- بحار الأنوار ج22 ص518 ـ 520 وج24 ص230 وتفسير نور الثقلين ج4 ص149 والإرشاد للمفيد ج1 ص189.
3 ـ صرح المفيد (رحمهالله ): بأن دفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) كان في يوم الإثنين في الثامن والعشرين من شهر صفر..
وهذا هو المؤيد بالشواهد العديدة، وذلك في غياب أكثر المهاجرين والأنصار، لانشغالهم في السقيقة..
أما دعوى تأخير دفنه (صلىاللهعليهوآله ) يومين أو أكثر، فلا مبرر لقبولها، فإن تجهيز رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ودفنه لا يحتاج إلى أكثر من ساعتين أو ثلاث على أبعد تقدير. فلماذا يبقى النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله ) بلا دفن؟! مع أن التعجيل في دفن الموتى مستحب، ولم يكن علي (عليهالسلام ) ليفرط في هذا المستحب من دون داع أهم، أو سبب موجب.
4 ـ ولا نريد التعليق على قول أبي بكر لفاطمة الزهراء (عليهاالسلام ): إن صباحك لصباح سوء!! بل نترك ذلك للقارئ الكريم المؤمن والمنصف..
أبو طلحة يلحد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ):
وقالوا: إنه (عليهالسلام ) وضع سرير النبي (صلىاللهعليهوآله ) عند رجل القبر، وسلّه سلّاً(1) .
____________
1- بحار الأنوار ج22 ص541 وفي هامشه عن تهذيب الأحكام ج1 ص30 و (ط أخرى) ج1 ص296 وراجع: مصباح الفقيه (ط.ق) ج1 ق2 ص417 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج3 ص184 و (ط دار الإسلامية) ج2 ص850 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص230 ومنتقى الجمان ج1 ص259.
وعن ابن عباس: أنه (صلىاللهعليهوآله ) سُلّ من قبل رأسه(1) .
وروي: أن أبا طلحة لحد له (صلىاللهعليهوآله )، ثم خرج أبو طلحة، ودخل علي (عليهالسلام ) القبر، فبسط يده، فوضع النبي (صلىاللهعليهوآله )، وأدخله اللحد(2) .
أبو عبيدة لم يلحد الرسول (صلىاللهعليهوآله ):
إننا نشك فيما ذكروه، من أنه كان من يشق القبر، وبعضهم يلحد، فقالوا: يتولى الأمر من سبق منهما، ووافق علي (عليهالسلام ) على ذلك. فسبق أبو عبيدة فلحد لرسول الله (صلىاللهعليهوآله )..
وشكنا في ذلك يستند إلى ما يلي:
ألف: إذا كان اللحد هو الراجح شرعاً، فإن علياً (عليهالسلام ) لا يختار لرسول الله (صلىاللهعليهوآله ) غيره.
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص334 والمسند للشافعي ج1 ص215 والسنن الكبرى للبيهقي ج4 ص54 ونصب الراية ج2 ص350 و 351 وكتاب الأم للشافعي ج1 ص311 ومختصر المزني ص39 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص492 وراجع: المعتبر ج1 ص299 وتذكرة الفقهاء (ط.ج) ج2 ص91 و (ط.ق) ج1 ص52 ونهاية الإحكام للعلامة الحلي ج2 ص275.
2- بحار الأنوار ج22 ص516 ج78 ص318 وعن فقه الرضا ص20 و (نشر المؤتمر العالمي للإمام الرضا) ص183 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص400 ومستدرك الوسائل ج2 ص316.
ب: إن اللحد ليس أمراً غريباً يحتاج إلى متخصص، بحيث لا يحسنه غيره، بل هو أمر معروف وميسور لكل أحد.
ج: قولهم: إن أبا عبيدة هو الذي لحد لرسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لا يصح، لأن أبا عبيدة كان في السقيفة، بل كان من أركانها، وقد دفن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قبل انقضاء أمر السقيفة..
ولعل المقصود: إثارة الغبار حول ما فعلوه. وما ارتكبوه بحق النبي وعلي صلوات الله عليهما.
د: إن تعجيل الدفن راجح ومستحب، ولم يكن علي (عليهالسلام ) بالذي يتهاون بهذا الراجح.
لم ينزل في حفرة النبي (صلىاللهعليهوآله ) غير علي (عليهالسلام ):
ولم ينزل في حفرة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) سوى علي (عليهالسلام ).
وورد في حديث المناشدة يوم الشورى: أن علياً (عليهالسلام ) قال لهم: (فأنشدكم الله، هل فيكم أحد نزل في حفرة رسول الله غيري)؟!
قالوا: اللهم لا(1) .
____________
1- الأمالي للشيخ الطوسي ص7 و 8 و (ط دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع ـ قم) ص555 وبحار الأنوار ج22 ص544 وج31 ص368 عنه، وكتاب الولاية لابن عقدة ص165.
وما روي من أن بعض الأنصار قد نزل القبر.. يصبح موضع ريب وشك. إلا إن كان المقصود أنه نزل إلى ما فوق اللحد، ولم ينزل في الحفرة نفسها، فلم تلامس قدماه الموضع الذي وضع فيه رسول الله (صلىاللهعليهوآله )..
قبر رسول الله (صلىاللهعليهوآله ):
عن أبي البختري عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهالسلام ): إن قبر رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) رفع من الأرض قدر شبر، وأربع أصابع. ورش عليه الماء.. قال علي (عليهالسلام ): والسنة أن يرش على القبر الماء(1) .
وروى الكليني بسنده عن عقبة بن بشير، عن أبي جعفر (عليهالسلام ) قال: قال النبي (صلىاللهعليهوآله ) لعلي (عليهالسلام ): يا علي، ادفني في هذا المكان، وارفع قبري من الأرض أربع أصابع، ورش عليه من الماء(2) .
وروي عن أبي جعفر (عليهالسلام ): أن قبر رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) رفع شبراً من الأرض(3) .
____________
1- قرب الإسناد (ط حجرية) ص72 و (ط مؤسسة آل البيت) ص155 وبحار الأنوار ج22 ص506 وج79 ص37 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج3 ص194 و (ط دار الإسلامية) ج2 ص858 وسنن النبي (صلىاللهعليهوآله ) للطباطبائي ص253 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص441 والأنوار البهية ص49.
2- بحار الأنوار ج22 ص539 عن الكافي (الفروع) ج1 ص450.
3- بحار الأنوار ج22 ص541 وج79 ص14 وتهذيـب الأحكـام ج1 ص132 = = و(ط دار إحياء التراث العربي) ج1 ص469 وكشف اللثام (ط.ج) ج2 ص395 و (ط.ق) ج1 ص137 والتحفة السنية (مخطوط) ص356 والحدائق الناضرة ج4 ص125 ورياض المسائل ج2 ص233 وغنائم الأيام ج3 ص535 ومستند الشيعة ج3 ص275 وجواهر الكلام ج4 ص314 ومصباح الفقيه (ط.ق) ج1 ق2 ص423 وعلل الشرائع ج1 ص307 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج3 ص194 و (ط دار الإسلامية) ج 2 ص857 و وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص441.
وذكروا أيضاً: أن علياً (عليهالسلام ) قد رفع القبر(1) .
وعن أبي عبد الله (عليهالسلام ): جعل علي (عليهالسلام ) على قبر النبي (صلىاللهعليهوآله ) لبناً(2) .
____________
1- مناقب آل أبي طالب ج1 ص152 وبحار الأنوار ج22 ص521 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص397 والدر النظيم ص196.
2- بحار الأنوار ج22 ص539 عن الكافي (الفروع) ج1 ص54 و 55 و (ط دار الكتب الإسلامية ـ طهران) ج3 ص197 والحبل المتين (ط.ق) للبهائي العاملي ص70 ورياض المسائل للطباطبائي ج2 ص229 وغنائم الأيام ج3 ص532 ومستند الشيعة ج3 ص272 وجواهر الكلام ج4 ص308 ومصباح الفقيه (ط.ق) ج1 ق2 ص423 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج3 ص189 و (ط دار الإسلامية) ج2 ص854 والأنوار البهية ص49 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص404.
وذكرت بعض الروايات: أنه (صلىاللهعليهوآله ) هو الذي أمرهم بنصب اللبن عليه(1) .
وعن علي بن الحسين (عليهالسلام ): نصبت عليه في اللحد تسع لبنات(2) .
هل نزل المغيرة في قبر الرسول (صلىاللهعليهوآله ):
روى عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: اعتمرت مع علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) في زمان عمر ـ أو عثمان ـ فنزل على أخته أم هانئ بنت أبي طالب، فلما فرغ من عمرته رجع وقد سكب له غسل، فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق، فقالوا: يا أبا الحسن، جئناك نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا به.
فقال: أظن المغيرة يحدثكم أنه أحدث الناس عهداً برسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
____________
1- راجع: سبل الهدى والرشاد ج12 ص335 و 336 عن مسدد، وعن مسلم وابن سعد، والمطالب العالية ج4 ص258، والحاكم والبيهقي وابن ماجة.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص335 وفي هامشه عن: ابن سعد ج2 ص227 ودلائل النبوة للبيهقي ج4 ص252. وراجع: روضة الطالبين للنووي ج7 ص409 وإمتاع الأسماع ج14 ص586 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج1 ص48 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص535.
قالوا: أجل، عن ذا جئنا نسألك.
قال: كذب. أحدث الناس عهداً برسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قثم بن العباس، كان آخرنا خروجاً من قبره(1) .
ونقول:
لعله (عليهالسلام ) قصد أن قثماً أحدث الناس فيما عداه (عليهالسلام )، فإنه هو الذي تولى دفنه، وكان آخر الناس به عهداً كما سيأتي.
وتقدم: أن أحداً لم ينزل حفرة الرسول (صلىاللهعليهوآله ) غير علي (عليهالسلام ) كما في حديث المناشدة.
علي (عليهالسلام ) يكذب المغيرة:
وأما بالنسبة لتكذيب علي (عليهالسلام ) للمغيرة فنقول:
1 ـ يبدو أن ما كان يدعيه المغيرة بن شعبة من أنه أحدث الناس عهداً برسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قد ترك أثراً من نوع ما بين أهل العراق.. ولعل أثره السلبي قد نشأ من رؤيتهم سلوك المغيرة، الذي لم يكن منسجماً
____________
1- قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) ص229 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص41 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص453. وراجع: مسند أحمد ج1 ص101 والكامل لابن عدي ج1 ص47 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص290 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص1078 والدر النظيم ص196 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص537 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص338 ودلائل النبوة للبيهقي ج7 ص257 وأسد الغابة ج4 ص197.
مع أحكام الشريعة، فقد كان يرتكب الموبقات والعظائم، أمام سمع الناس وبصرهم، ولم ينس الناس بعد قصة زناه، حتى كاد أن يقام الحد عليه، لو لم يتداركه عمر بتهديد الشهود، وصد زياد عن الشهادة.. إن هذه القصة قد شاعت في مختلف البلاد، وذاعت بين العباد..
فما معنى أن يكون له شرف النزول في قبر الرسول (صلىاللهعليهوآله )، وهل يمكن أن يوفَّق لأن يكون أحدث الناس عهداً به (صلىاللهعليهوآله )، ويفتخر بذلك على الناس، ويجعله ذريعة لاستجلاب التعظيم، والتفخيم، والتكريم منهم..
فقد أوقعهم هذا الأمر في حيرة، وكان علي (عليهالسلام ) عارفاً بهذا الأمر، فأراد أن يحل الإشكال، ويدفع هذا الوهم البغيض عنهم.
2 ـ بالنسبة لتكذيب علي (عليهالسلام ) المغيرة فيما يدعيه من أنه آخر الناس عهداً برسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ثم القول بأن قثم بن العباس هو الذي كان آخر الناس عهداً بالرسول (صلىاللهعليهوآله )، نقول:
إن آخر الناس عهداً برسول الله هو علي (عليهالسلام ). ويدل على هذا وذاك ما يلي:
ألف: قال ابن كثير: وقول من قال: إن المغيرة بن شعبة كان آخرهم عهداً ليس بصحيح، لأنه لم يحضر دفنه، فضلاً عن أن يكون آخرهم عهداً برسول الله (صلىاللهعليهوآله )(1) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص339 وأسد الغابة ج1 ص34.
وقول الصالحي الشامي: إنما استند فيه إلى دعاوى المغيرة نفسه. وهو غير مأمون في ذلك.
ويكفي أن نذكر: أن علياً أمير المؤمنين (عليهالسلام ) قد وصف المغيرة بقوله: (فإنه والله دائماً يلبس الحق بالباطل، ويموه فيه، ولم يتعلق من الدين إلا بما يوافق الدنيا)(1) .
ب: قال الحاكم: أصح الأقاويل: أن آخر الناس عهداً برسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قثم بن العباس(2) .
وإن كنا قد قلنا: إن ذلك غير صحيح. وسيأتي النص الدال على أن (عليهالسلام ) هو آخرهم عهداً به (صلىاللهعليهوآله )..
ج: ويدل على عدم حضور المغيرة وكثير غيره دفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ما يلي:
1 ـ قولهم: ولي وضع رسول الله في قبره هؤلاء الرهط الذين غسلوه:
____________
1- راجع: الأمالي للمفيد ص218 وبحار الأنوار ج32 ص125 وقاموس الرجال ج10 ص194.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص339. وراجع: ذخائر العقبى ص238 والآحاد والمثاني ج1 ص295 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص1304 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص140 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص304 وأسد الغابة ج4 ص197 وتهذيب التهذيب ج8 ص324 وإمتاع الأسماع ج14 ص589 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص495.
العباس، وعلي، والفضل، وصالح مولاه، وخلى أصحاب رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بينه وبين أهله، فولوا إجنانه(1) .
2 ـ وفي نص آخر: (ودخل القبر علي، والفضل، وقثم ابنا العباس، وشقران مولاه، ويقال: أسامة بن زيد، وهم تولوا غسله وتكفينه، وأمره)(2) .
3 ـ قال ابن سعد: (فلم يدفن حتى كانت العتمة، ولم يله إلا أقاربه)(3) .
4 ـ وفي حديث المناشدة قول علي (عليهالسلام ): (نشدتكم بالله، أفيكم (أمنكم) أحد كان آخر عهده برسول الله (صلىاللهعليهوآله )، حتى وضعه في قبره غيري؟!
قالوا: اللهم لا)(4) .
____________
1- الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ق2 ص70 و (ط دار صادر) ج2 ص301 عن البدء والتاريخ، وسبل الهدى والرشاد ج12 ص337 و 339 وراجع: الغدير ج7 ص75 وراجع: كنز العمال ج7 ص249 و (ط مؤسسة الرسالة) ج7 ص270. وراجع: المصنف لابن أبي شيبة ج3 ص205 وج8 ص567.
2- راجع: سبل الهدى والرشاد ج12 ص339 وعن العقد الفريد ج3 ص61.
3- راجع: سبل الهدى والرشاد ج12 ص339 عن الطبراني، وكنز العمال ج7 ص249 و (ط مؤسسة الرسالة) ج7 ص270. وراجع: المصنف لابن أبي شيبة ج3 ص205 وج8 ص567.
4- راجع: الطرائف لابن طاووس ص413 وكتاب الأربعين للشيرازي ص221 ونهج السعـادة ج1 ص133 و 140 ونهـج الإيـمان ص530 وتاريخ مدينـة = = دمشق ج42 ص433 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج5 ص726 وكتاب الأربعين للماحوزي ص434 وكتاب الولاية لابن عقدة ص178 وغاية المرام ج5 ص79 وج6 ص6 وسفينة النجاة للتنكابني ص363 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص30 وج8 ص701 وج15 ص684 وج31 ص324.
5 ـ وهذا ما قرره عتبة بن أبي لهب في مدحه علياً (عليهالسلام ) حيث يقول:
وآخر الناس عهداً بالنبي ومن جبريل عون له في الغسل والكفن(1)
وكون آخر الناس عهداً برسول الله (صلىاللهعليهوآله ) هو علي (عليهالسلام ) موجود في العديد من النصوص والمصادر(2) .
____________
1- راجع: تاريخ اليعقوبي ج2 ص124 والغدير ج3 ص232 وج7 ص93 عنه، وعن رسائل الجاحظ ص22 وأسد الغابة ج4 ص40 وتاريخ أبي الفداء ج1 ص164 والإستيعاب لابن عبد البر ج3 ص1133 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص21 وج13 ص232 والصراط المستقيم ج1 ص237 وكتاب الأربعين للشيرازي ص187 وبحار الأنوار ج12 ص337 وج28 ص352 ومناقب أهل البيت (عليهالسلام ) للشيرواني ص47 والتفسير الكبير للرازي ج2 ص212 وج18 ص212 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله للبري ص122 والعثمانية للجاحظ ص293 والوافي بالوفيات ج21 ص183.
2- راجع: تاريخ مدينة دمشق ج42 ص395 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص494 وخصائص أمير المؤمنين للنسائي ص130 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) = = ج13 ص146 ومسند أبي يعلى ج12 ص364 ومسند ابن راهويه ج4 ص129 والسنن الكبرى للنسائي ج4 ص261 وج5 ص154 وكتاب الوفاة للنسائي ص52 ومسند أحمد ج6 ص300 والمستدرك للحاكم ج3 ص138 ومجمع الزوائد ج9 ص112 وفتح الباري ج8 ص107 وذكر أخبار إصبهان ج1 ص250 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج1 ص456 وج2 ص87 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج7 ص397 وج12 ص255 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص255 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص175 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص203 وج2 ص64 والعمدة لابن البطريق ص287 والطرائف لابن طاووس ص153 وذخائر العقبى ص72 والمراجعات للسيد شرف الدين ص330 وراجع: الأمالي للطوسي ص555 وبحار الأنوار ج22 ص473 و 544 وج31 ص368 وج38 ص301 و 311 وكتاب الولاية لابن عقدة ص165.
أحداث تتصل بموت النبي (صلىاللهعليهوآله ).. الصفحة 92
علي وحزن الزهراء (عليهماالسلام ) على أبيها:
وعن علي (عليهالسلام ) قال: غسلت النبي (صلىاللهعليهوآله ) في قميصه، فكانت فاطمة (عليهاالسلام ) تقول: أرني القميص. فإذا شمته غشي عليها. فلما رأيت ذلك غيبته(1) .
ونقول:
إن الزهراء (عليهاالسلام ) لم تكن جزوعة، ولا مغرقة ولا متجاوزة الحد في التعلق بأبيها من الناحية العاطفية، وإنما كانت تعرف في رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) من المعاني، ومن أسرار النبوة ما يجعل الجزع عليه قليلاً في حقه مهما بلغ. وتعرف أن الجزع عليه ليس بحرام، بل هو طاعة وعبادة. وقد قال علي (عليهالسلام ): إن الجزع لقبيح إلا عليك.
ولذلك لم نر علياً (عليهالسلام ) ينهاها، أو يطلب منها أن تخفف من
____________
1- أهل البيت لتوفيق أبي علم ص166 وفاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى ج1 ص113 عنه، وبحار الأنوار ج43 ص157 ومناقب علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) وما نزل من القرآن في علي لابن مردويه الأصفهاني ص196 وبيت الأحزان ص167 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص436 وج19 ص154.
حزنها، وذلك لأنه يرى: أن ذلك هو حقها الطبيعي، الذي لو لم يبلغ هذا الحد، لدل على نقص في معرفتها، أو في عصمتها، ومن ثم في مقامها.
وهذا يفسر لنا اختياره لطريقة التعامل مع هذا الأمر، لا من حيث أنه يرى ذلك في غير محله، أو أنه زائد عن حده، بل من منطلق الرفق بها، والسعي لتخفيف عبء المسؤولية الأخلاقية، والإيمانية الملقاة على عاتقها، التي تقضي بلزوم وفائها لأشرف وأفضل والد وحبيب، وأحب الخلق لله تبارك وتعالى.
الجزع على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ):
روى المفيد بسنده إلى ابن عباس قال: لما توفي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) تولى غسله علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) والعباس معه، والفضل بن العباس.
فلما فرغ (عليهالسلام ) من غسله كشف الإزار عن وجهه، ثم قال: بأبي وأمي، طبت حياً، وطبت ميتاً، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد ممن سواك، من النبوة، والأنبياء، خصصت حتى صرت مسلياً عمن سواك، وعممت حتى صار الناس فيك سواء.
ولولا أنك أمرت بالصبر، ونهيت عن الجزع لأنفذنا عليك الشؤون، ولكان الداء مماطلاً، والكمد محالفاً، وقلَّا لك، ولكنه ما لا يملك رده، لا يستطاع دفعه.
ثم أكب عليه، فقبل وجهه، والإزار عليه(1) .
____________
1- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج2 ص228 والأمـالي للمفيد ص60 و (نشـر دار = = المفيد) ص103 وبحار الأنوار ج22 ص327 و 527 و 542 والأنوار البهية ص45 والتمهيد لابن عبد البر ج2 ص162 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص24 و تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للباقلاني ص488.
والشؤون: هي منابع الدمع في الرأس.
وتقبيل الإزار على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يدحض ما يزعمه بعض الناس من حرمة تقبيل قبور الأنبياء، وعدم جواز التبرك بآثارهم..
الجزع قبيح إلا عليك:
قد يقال: إن علياً (عليهالسلام ) ذكر أن امتناعه عن إنفاذ ماء الشؤون على النبي (صلىاللهعليهوآله )، لأن ذلك يعد جزعاً، والنبي (صلىاللهعليهوآله ) قد أمر بالصبر، ونهى عن الجزع.
مع أن ثمة نصاً آخر مروياً عنه (عليهالسلام ) يخالف هذا المعنى، ويدل على أنه لا مانع من الجزع عليه (صلىاللهعليهوآله )، حيث يقول: (إن الصبر لجميل إلا عنك، وإن الجزع لقبيح إلا عليك)(1) .
وقـد جزع الإمـام الصـادق (عليهالسلام ) على ابنـه إسماعيـل جـزعـاً
____________
1- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج4 ص71 وبحار الأنوار ج79 ص134 ودستور معالم الحكم ص198 وعيون الحكم والمواعظ للواسطي ص150 وغرر الحكم ص103 ونهاية الأرب ج5 ص193 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص498 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج19 ص195.
شديداً(1) .
وجزع آدم على ابنه هابيل(2) . فما هذا التناقض؟!
ونجيب:
أولاً: إنه لا منافاة بين ذلك كله، فإن الجزع قد يكون محرماً، حتى لو كان جزعاً على النبي (صلىاللهعليهوآله ) والوصي، وذلك إذا كان يجزع على الميت، لمجرد كونه أباً أو قريباً إن كان لا يؤمن بأنه نبي أو ولي، أو لتخيل فوات أمر دنيوي بموته، فالجزع هو على الأمر الدنيوي، وكذلك الحال بالنسبة للجزع الذي يكون بلا فائدة أو عائدة، لا على الإنسان في مزاياه وأخلاقه، ولا على الدين..
____________
1- راجع: بحار الأنوار ج 47 ص242 و 249 و250 وج79 ص84 و 86 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص474 و 526 وإعـلام الـورى ج1 ص546 وكشف الغمة ج2 ص395 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص60 والحدائق الناضرة ج4 ص166 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص179 وكمال الدين ص73 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج3 ص241 و 277 و (ط دار الإسلامية) ج2 ص892 و 919 والإرشاد للمفيد ج2 ص209
2- بحار الأنوار ج11 ص224 و 230 و 240 و264 وج23 ص59 و 63 و 64 وعلل الشرائع ج1 ص19 وتفسير العياشي ج1 ص306 وتفسير القمي ج1 ص166 والتفسير الصافي ج1 ص416 وج2 ص29 وتفسير نور الثقلين ج1 ص432 و 616 وتفسير كنز الدقائق ج2 ص341 وقصص الأنبياء للراوندي ص58.
كما أنه إذا كان المصاب بغير النبي والوصي فالجزع حرام، ويحل إذا كان المصاب بهما (صلوات الله عليهما وآلهما). شرط أن يكون له فائدة على الإنسان في إيمانه وتقواه، أو على نصرة الدين، وحفظ المسلمين، كجزع يعقوب على يوسف (عليهماالسلام )، فقد كان جزعاً محبوباً لله ومطلوباً، لأنه يعطي الإنطباع عن قيمة الإنسانية في الإنسان، المتمثلة بما تجلى في يوسف (عليهالسلام ) من خصال الخير، وحميد الصفات، وفريد المزايا لدى أنبياء الله وأصفيائه، وهو يؤكد عظم الخسارة بفقد هذا النوع من الناس. وشدة قبح العدوان عليهم.
بالإضافة إلى فوائد أخرى تعود على الجازع نفسه، تكاملاً، وثباتاً، وصلابة في الدين، وجهاداً وصبراً في سبيل الله تعالى، إلى الكثير من الفوائد الأخرى..
فهذا الجزع المفيد جداً محبوب ومطلوب لله تعالى، حتى لو أدى إلى العمى، أو الخوف من أن يكون حرضاً(1) أو أن يكون من الهالكين..
والجزع حسن أيضاً حين يحرج أهل الباطل، ويبين قسوتهم على الأبرياء وأهل الحق، ويحرك المشاعر الإنسانية عندهم.
وأما الجزع على الناس العاديين الذي لا دافع له إلا شدة التعلق العاطفي، ولا فائدة منه ولا عائدة، فهو مبغوض لله، ومحرم على عباد الله تبارك وتعالى. لأنه إنما يعبر عن أنانية طاغية، وحب عارم للدنيا، وتعلق مقيت بها، لأنه إنما يجزع على شيء فقده، ولذة فاتته.
____________
1- حَرِضَ حَرَضاً من باب تعب: أشرف على الهلاك. راجع مجمع البحرين ج1 ص489.
والجزع قبيح أيضاً، عندما يوحي بضعف المحق، ويكون إقراراً بالهزيمة، ويطمع العدو ويغريه بالإمعان في ممارسة العدوان والبغي. وعندما يجعل العدو يشعر بنشوة النصر.
وربما يبلغ حدّ إظهار الإعتراض على قضاء الله تعالى وقدره.
وهذا يفسر لنا الروايات الصحيحة التي أكدت على استحباب الجزع على الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه)، ويبين لنا المراد من قول علي (عليهالسلام ) وهو يرثي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): (إن الجزع قبيح إلا عليك الخ..).
ثانياً: قد يشار هنا إلى جواب آخر أيضاً، وهو: أن الجزع، وإن كان جائزاً عليه (صلىاللهعليهوآله )، وله درجة من الثواب، ولكن التجلد والصبر هو الأفضل، والأكثر ثواباً لأن فيه المزيد من المشقة والجهد، وهو أيضاً يوجب ثبات الناس على دينهم، وعدم السقوط أمام التحدي الكبير الذي ينتظرهم، بل قد يتخذ منه بعض المغرضين ذريعة للتخلف عن جيش أسامة، فأصبح بذلك مرجوحاً، وربما يكون محرماً، وإن كان لولا ذلك لكان هو الأفضل والأرجح.
أبو بكر لا يحزن لموت الرسول (صلىاللهعليهوآله ):
وقد دلتنا بعض الروايات: على أن أبا بكر لم يكن حزيناً لموت رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فقد روي: أن أبا بكر قال لعلي (عليهالسلام ): ما لي أراك متحازناً.
فقال له علي (عليهالسلام ): إنه قد عناني ما لم يعنك.
فاضطر أبو بكر إلى إنكار ذلك والتظاهر بالحزن، فراجع(1) .
وهذا يفسر دعاوى محبي أبي بكر بأنه كان أشجع الصحابة، لأن غيره لم يتحمل صدمة موت الرسول. أما هو فبقي متماسكاً!! فإن تماسكه كان لأجل عدم اهتمامه بموته (صلىاللهعليهوآله )..
تعزية الخضر برسول الله (صلىاللهعليهوآله ):
عن أنس قال: لما قبض النبي (صلىاللهعليهوآله ) أحدق به أصحابه، فبكوا حوله، واجتمعوا، فدخل رجل أشهب اللحية، جسيم صبيح، فتخطى [رقابهم] فبكى، ثم التفت إلى أصحاب رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فقال: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وعوضاً من كل فائت، وخلفاً من كل هالك، فإلى الله فأنيبوا، وإليه فارغبوا، ونظره إليكم في البلاء، فانظروا، فإن المصاب من لم يجبره.
فانصرف، وقال بعضهم لبعض: تعرفون الرجل؟!
قال أبو بكر وعلي: نعم، هو أخو رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) الخضر (عليهالسلام )(2) .
____________
1- الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص312 وكنز العمال ج7 ص159 و (ط مؤسسة الرسالة) ج7 ص230 وحياة الصحابة ج2 ص82 وعن نهاية الإرب ج18 ص396 ـ 397.
2- سبل الهـدى والرشـاد ج12 ص340 عن ابن أبي الدنيا، والحاكـم، والبيهقي، = = ومسكن الفؤاد للشهيد الثاني ص109 وبحـار الأنـوار ج79 ص97 وتفسير الآلوسي ج15 ص322 وتاريخ مدينة دمشق ج16 ص424 والبداية والنهاية ج1 ص387 وج5 ص298 وإمتاع الأسماع ج14 ص564 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص551 وقصص الأنبياء لابن كثير ج2 ص228.
ونقول:
أولاً: قال الصالحي الشامي عن هذا الحديث: قد ذكر في كتاب الموضوعات(1) .
وقال البيهقي: هذا منكر بمرة(2) .
وقال الذهبي: عباد بن عبد الصمد، منكر الحديث(3) .
ثانياً: روى محمد بن عمر برجال ثقات، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم عن علي (عليهالسلام ): أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لما قبض وكانت التعزية به، جاء آت، يسمعون حسه ولا يرون شخصه، فقال:
السلام عليكم، أهل البيت ورحمة الله بركاته( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص340.
2- دلائل النبوة للبيهقي ج7 ص269 وتاريخ مدينة دمشق ج16 ص424 و البداية والنهاية لابن كثير ج5 ص298 وإمتاع الأسماع ج14 ص564.
3- ميزان الإعتدال ج2 ص369 وراجع: التاريخ الكبير البخاري ج6 ص41 وضعفاء العقيلي ج3 ص137 والجرح والتعديل للرازي ج6 ص82 وبيان خطأ البخاري للرازي ص75 وكتاب المجروحين لابن حبان ج2 ص170 والكامل لابن عدي ج2 ص210 وج4 ص342.
وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (1) إن في الله تعالى عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المحروم من حرم الثواب، وإن المصاب من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
فقال علي: هل تدرون من هذا؟ هذا الخضر (عليهالسلام )(2) .
ولعل هذا أقرب إلى الصواب، والله هو العالم بالحقائق.
ونقول:
إن لنا بعض الوقفات مع ما سبق، فلاحظ ما يلي:
الأنصار الذين حضروا دفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ):
بالنسبة لمطالبة الأنصار بالمشاركة في تجهيز ودفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله )
____________
1- الآية 185 من سورة آل عمران.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص340 وفي هامشه عن: ابن سعد ج2 ص211 و (ط دار صادر) ج2 ص275 وانظر المطالب العالية ج4 ص259 وكنز العمال ج7 ص251 والمعجم الكبير ج3 ص129 ومجمع الزوائد ج9 ص35 والإصابة ج2 ص266 و 267 والدر المنثور ج2 ص107 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص444 وتفسير ابن أبي حاتم ج9 ص3076 وراجع: بحار الأنوار ج22 ص505 و 515 وج39 ص132 والأمالي للصدوق ص166 وعن إكمال الدين ص219 و 220 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص84 وروضة الواعظين ص72 وتفسير كنز الدقائق ج2 ص308.
نقول:
إن الأنصار لم يحضروا كلهم في سقيفة بني ساعدة، ولعله قد بقي أعداد منهم، ومن المهاجرين أيضاً في محيط المسجد.. ممن لم يكن لهم حول ولا قوة، ولا تأثير ظاهر في النشاطات السياسية، فأحبوا إشراكهم في بعض الأمر، فطلبوا ذلك من علي (عليهالسلام )، فلبى طلبهم بإشراك أوس.
إشـارة:
قد دل النص الآنف الذكر رقم 1 والنص رقم 3 على عدم حضور شقران، وأسامة بن زيد، وصالح دفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، لأنهم لم يكونوا من أهل النبي (صلىاللهعليهوآله )، ولا من أقاربه..
الصدمة الكبرى لعائشة:
قال علي (عليهالسلام ) لرسول الله (صلىاللهعليهوآله ): يا رسول الله، أمرتني أن أصيرك في بيتك إن حدث بك حدث؟!
قال: نعم يا علي بيتي قبري.
قال علي (عليهالسلام ): فقلت: بأبي وأمي، فحد لي أي النواحي أصيرك فيه.
قال: إنك مسخر بالموضع وتراه.
قالت له عائشة: يا رسول الله، فأين أسكن؟!
قال: (اسكني أنت بيتاً من البيوت، إنما هو بيتي، ليس لك فيه من الحق إلا ما لغيرك، فقري في بيتك ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى، ولا تقاتلي
مولاك ووليك ظالمة شاقة، وإنك لفاعلة).
فبلغ ذلك من قوله عمر، فقال لابنته حفصة: مري عائشة لا تفاتحه في ذكر علي ولا تراده، فإنه قد استهيم فيه في حياته وعند موته، إنما البيت بيتك لا ينازعك فيه أحد، فإذا قضت المرأة عدتها من زوجها كانت أولى ببيتها، تسلك إلى أي المسالك شاءت(1) .
ونقول:
1 ـ سيأتي أنه (صلىاللهعليهوآله ) دفن في بيت علي والزهراء (عليهماالسلام )..
2 ـ تدل الرواية: على أن البيوت لم تكن للزوجات، وأنه (صلىاللهعليهوآله ) لم يملكهن إياها، فلماذا إذن منعت عائشة من دفن الإمام الحسن (عليهالسلام ) مع جده، وقالت: نحوا ولدكم عن بيتي، ولا تدخلوا بيتي من لا أحب(2) .
____________
1- بحار الأنوار ج22 ص494 عن الطرف ص46.
2- راجع: الإرشاد للمفيد ج2 ص18 والخرائج والجرائح ج1 ص242 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص149 وبحار الأنوار ج44 ص153 و 154 و 157 والأنوار البهية ص92 والدرجات الرفيعة ص125 وقاموس الرجال ج12 ص300 وأعيان الشيعة ج1 ص576 والجمل للمفيد ص234 وكشف الغمة ج2 ص209 مناقب آل أبي طالب ج3 ص204. وراجع: روضة الواعظين ص168.
3 ـ إن عائشة هي التي بادرت إلى تحديد موضع دفن النبي (صلىاللهعليهوآله )، وأنه في بيتها، ولكن ذلك لا يعني أن تجري الأمور وفق هواها، فقد يجاريها النبي (صلىاللهعليهوآله ) الآن، ثم يأمر علياً (عليهالسلام ) بدفنه حيث يقبضه الله تعالى، وهكذا كان.
4 ـ إن علياً (عليهالسلام ) يطلب من النبي (صلىاللهعليهوآله ) تحديد مكان دفنه ـ مع أن علياً (عليهالسلام ) يعرف الموضع ويراه ـ لأجل أن يسمع الآخرين الجواب، ولكي لا يتهم بأنه (عليهالسلام ) يتصرف من عند نفسه.
5 ـ قول النبي (صلىاللهعليهوآله ) لعلي (عليهالسلام ): إنك مسخر بالموضع، وتراه. يدل على أن علياً (عليهالسلام ) إنسان إلهي مسدد، ومؤيد منه تعالى، وله خصوصيات ليست لغيره، ولذلك فهو لا يحتاج إلى تحديد الموضع من قبل الرسول (صلىاللهعليهوآله )، فالمكان مسخر له وهو يراه.
6 ـ ويلاحظ هنا: إهتمام عائشة بموضع سكناها لو دفن النبي (صلىاللهعليهوآله ) في حجرتها، مع أن المفروض هو أن تهتم بحياة الرسول، وبموضع دفنه، وأن تعلن أنها مستعدة للتضحية بكل شيء في سبيل امتثال أوامره، وتلبية حاجاته، وتنفيذ رغباته. وأن يشغلها ألم فراقه عن هم سكناها بعده..
7 ـ إن الرواية تصرح: بأنه (صلىاللهعليهوآله ) أمر عائشة بأن تقر في بيتها، في إشارة منه لها بأنه سوف لا يدفن في ذلك البيت، لتحتاج إلى البحث عن غيره لسكناها.
8 ـ إنه (صلىاللهعليهوآله ) أخبرها بأنها سوف لا تقر في بيتها، بل هي سوف تخرج منه لمحاربة إمام زمانها ووليها ظالمة له..
9 ـ قد يحق للناظر أن يبدي إحتمال أن يكون هذا الحوار بين النبي (صلىاللهعليهوآله ) وعائشة قد جاء توطئة لتوجيه التحذير لعائشة مما ستقدم عليه من الخروج على إمام زمانها، ليكون ذلك من الإخبارات الغيبية، ومن أعلام نبوته (صلىاللهعليهوآله ).. وأن خلافة علي أمر إلهي يعرف النبي عن الله كل تفاصيل ما يجري فيه..
10 ـ إن هذا الحوار أيضاً قد أنتج جرأة هائلة من عمر بن الخطاب على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) حيث رد على رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وقرر لابنته حفصة: أن البيت بيتها، ولا ينازعها فيه أحد..
وكلمته الأخيرة تشير إلى أنه كان مطمئناً إلى أنه سوف يملك القدرة على رد كلام رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بعد وفاته!!
11 ـ والأمر والأدهى إتهام عمر لرسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بأنه استهيم بعلي (عليهالسلام ) حياً وميتاً.. وكأنه يريد أن يقول: إن تصرفاته (صلىاللهعليهوآله ) لا تستند إلى مبررات معقولة، بل هي نتيجة هيام خارج عن دائرة التعقل والحكمة.
وهذا يتناغم مع قوله في رزية يوم الخميس عن النبي (صلىاللهعليهوآله ): إن الرجل ليهجر، أو غلبه الوجع.
12 ـ إن عمر قد أمر عائشة بالإمتناع عن مفاتحة النبي (صلىاللهعليهوآله ) بشيء من أمر علي (عليهالسلام )، وأن لا تراده الكلام فيه، ربما لأنه
خشي أن يتسبب ذلك بتصريح النبي (صلىاللهعليهوآله ) بأمور حول مقام علي (عليهالسلام ) تزيد من تعقيد الأمور أمام مشاريعهم الإستئثارية..
13 ـ وأخيراً، فإن هذا التوجيه العمري لعائشة يُظهِر مدى التنسيق بين أركان هذه الجماعة في موضوع إقصاء علي (عليهالسلام )، والإستئثار بالأمر دونه..
أين دفن النبي (صلىاللهعليهوآله )؟!:
قد عرفنا: أنه (صلىاللهعليهوآله ) دفن في الموضع الذي قبض فيه، وقد روي عن عائشة قولها: اختلفوا في دفنه (صلىاللهعليهوآله ) فقالت لعلي (عليهالسلام ): إن أحب البقاع إلي مكان قبض فيه نبيه(1) .
وكان (صلىاللهعليهوآله ) خرج فصلى بالناس، وخفف الصلاة، ثم وضع يده على عاتق علي (عليهالسلام )، والأخرى على عاتق أسامة، ثم انطلقا إلى بيت فاطمة (عليهاالسلام )..
وهناك قبض (صلىاللهعليهوآله )..
ودفن في هذا البيت بالذات..
وقد ذكرنا أدلة كثيرة على هذا الأمر، وحددنا مكان بيت علي وفاطمة
____________
1- مجمع الزوائد ج9 ص112 والخصائص الكبرى للسيوطي ج2 ص486 ومسند أبي يعلى ج8 ص279 والبداية والنهاية ج7 ص397 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص394 والغدير ج7 ص189 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص693.
(عليهماالسلام ) من جهة، وبيت عائشة من جهة أخرى في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله ) ج33 ص119ـ 139 فلا بأس بالرجوع إليه..
حديث سم النبي (صلىاللهعليهوآله ):
1 ـ روي: أنه لما رجع النبي (صلىاللهعليهوآله ) من خيبر، جاءته امرأة من اليهود ـ قد أظهرت الإيمان ـ بذراع مسمومة، وأخبرته أنها كانت قد نذرت ذلك له..
وكان مع رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) البراء بن معرور، والإمام علي (عليهالسلام )، فطلب النبي (صلىاللهعليهوآله ) الخبز، فجيء به، فأخذ البراء لقمة من الذراع، ووضعها في فيه..
فقال (عليهالسلام ): لا تتقدم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فقال له البراء: كأنك تبخِّل رسول الله (صلىاللهعليهوآله )؟!
فأخبره الإمام علي (عليهالسلام ): بأنه ليس لأحد أن يتقدم على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بأكل ولا شرب، ولا قول ولا فعل..
فقال البراء: ما أبخِّل رسول الله (صلىاللهعليهوآله )..
فقال الإمام علي (عليهالسلام ): ما لذلك قلت. ولكن هذا جاءت به يهودية، ولسنا نعرف حالها، فإذا أكلتها بدون إذنه وكلت إلى نفسك..
هذا.. والبراء يلوك اللقمة، إذ أنطق الله الذراع، فقالت: يا رسول الله، إني مسمومة، وسقط البراء في سكرات الموت، ومات.
ثم دعا (صلىاللهعليهوآله ) بالمرأة فسألها..
فأجابته بما يتضمن الإعتراف بالجريمة، وأنه إن كان نبياً لم يضره ذلك، بل سوف يخبره الله به.
فأخبرها النبي (صلىاللهعليهوآله ) بأن البراء لو أكل بأمر رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لكفي شره وسمه..
ثم دعا بقوم من خيار أصحابه، فيهم سلمان، والمقداد، وأبو ذر، وصهيب، وبلال، وعمار، وقوم من سائر الصحابة تمام العشرة، والإمام علي (عليهالسلام ) حاضر..
فدعا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) الله تعالى، ثم أمرهم بالأكل من الذراع المسمومة، فأكلوا حتى شبعوا، وشربوا الماء.
وحبس المرأة، وجاء بها في اليوم التالي.. فأسلمت..
ولم يصلِّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) على البراء، حتى يحضر الإمام علي (عليهالسلام )، ليُحِلَّ البراء مما كلمه به حين أكل من الشاة.. وليكون موته بذلك السم كفارة له..
فقال بعض من حضر: إنما كان مزحاً مازح به علياً، لم يكن جداً فيؤاخذه الله عز وجل بذلك.
فقال (صلىاللهعليهوآله ): لو كان ذلك منه جداً لأحبط الله أعماله كلها. ولو كان تصدق بمثل ما بين الثرى إلى العرش ذهباً وفضة، ولكنه كان مزحاً وهو في حل من ذلك، إلا أن رسول الله يريد أن لا يعتقد أحد منكم: أن علياً (عليهالسلام ) واجد عليه، فيجدد بحضرتكم إحلالاً،
ويستغفر له، ليزيده الله عز وجل بذلك قربة ورفعة في جنانه.. الخ(1) .
2 ـ وفي رواية عن الأصبغ، عن الإمام علي (عليهالسلام ): أنه يقال للمرأة اليهودية: عبدة.
وأن اليهود هم الذين طلبوا منها ذلك، وجعلوا لها جعلاً.
فعمدت إلى شاة فشوتها، ثم جمعت الرؤساء في بيتها، وأتت رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فقالت: يا محمد، قد علمت ما توجَّب لي من حق الجوار، وقد حضر في بيتي رؤساء اليهود، فزينِّي بأصحابك..
فقام (صلىاللهعليهوآله ) ومعه الإمام علي (عليهالسلام )، وأبو دجانة، وأبو أيوب، وسهل بن حنيف، وجماعة من المهاجرين..
فلما دخلوا، وأخرجت الشاة، سدت اليهود آنافها بالصوف.
وقاموا على أرجلهم، وتوكأوا على عصيهم..
فقال لهم النبي (صلىاللهعليهوآله ): اقعدوا..
فقالوا: إنا إذا زارنا نبي لم يقعد منا أحد، وكرهنا أن يصل إليه من أنفاسنا ما يتأذى به.
وكذبت اليهود لعنهم الله، إنما فعلت ذلك مخافة سَوْرة السم.. ودخانه..
____________
1- راجع: بحار الأنوار ج17 ص318 و 320 و 396 والتفسير المنسوب للإمام العسكري ص177 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص128 والإمام علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) للهمداني ص646.
ثم ذكرت الرواية: تكلُّم كتف الشاة، وسؤال النبي (صلىاللهعليهوآله ) لعبدة عن سبب فعلها، وجوابها له.. وأن جبرئيل هبط إليه وعلَّمه دعاء، فقرأه النبي (صلىاللهعليهوآله )، وكذلك من معه، ثم أكلوا من الشاة المسمومة، ثم أمرهم أن يحتجموا(1) .
ونقول:
قد أثبتنا في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله ) الجزء 33 فصل: رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) مات شهيداً، إن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) مات مسموماً..
غير أن ما يعنينا هنا هو التعرض للروايات التي ذكرت الإمام علياً (عليهالسلام ) في سياق حركة الأحداث في هذا الموضوع.. والرواية التي ذكرناها آنفاً هي الأوضح والأصرح في ذلك.. فالمطلوب هو الوقوف عند بعض ما تضمنته من إشارات، فنقول:
أولاً: ذكرت الرواية الأولى: أن البراء بن معرور أكل من الشاة المسمومة فمات، مع أن البراء قد توفي قبل هجرة النبي (صلىاللهعليهوآله )
____________
1- راجع: الأمالي للصدوق ص294 وبحار الأنوار ج17 ص395 و 396 وج92 ص140 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص80 وروضة الواعظين ص61 ومستدرك الوسائل ج16 ص307 والثاقب في المناقب ص81 والجواهر السنية ص139 وجامع أحاديث الشيعة ج23 ص542.
إلى المدينة بشهر(1) ، وقضية خيبر كانت في السنة السابعة بعد الهجرة.
وقد يقال: المراد بشر بن البراء، فسقطت كلمة (بشر) سهواً..
ويجاب:
بأن سقوطها مرات عديدة في رواية واحدة بعيد.
ثانياً: اختلفت الروايات في الذي أكل من الشاة، هل هو البراء بن معرور، أو بشر بن البراء بن معرور، أو بشر بن البراء بن عازب؟!
وهل كانت هذه القضية في المدينة، أو في خيبر؟!
واختلفت أيضاً في موت أحد ممن كان مع النبي، أو عدم موت أحد.. وهناك اختلافات كثيرة بين الروايات لا حاجة إلى استقصائها.
ثالثاً: ذكرت الرواية المتقدمة: أن علياً (عليهالسلام )، صرح بأنه يشك
____________
1- راجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج1 ص308 أسد الغابة ج1 ص174 والإصابة ج1 ص144 و145 و (ط دار الكتب العلمية) ج1 ص415 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج1 ص136 و (ط دار الجيل) ج1 ص152 وفتح الباري ج5 ص276 وج7 ص173 والثقات لابن حبان ج1 ص136 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص620 والمصنف لابن أبي شيبة ج3 ص239 وصحيح ابن حبان ج15 ص474 والمستدرك للحاكم ج3 ص181 وبحار الأنوار ج19 ص132 ونيل الأوطار ج4 ص91 وإعانة الطالبيين ج2 ص123 وراجع: كنز العمال ج13 ص294 وتاريخ مدينة دمشق ج56 ص19.
في سلامة هدية تلك اليهودية، حيث قال: ولسنا نعرف حالها.. فلماذا لم يشك رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فيها أيضاً؟!.. وإن كان قد شك بها، فلماذا لم يحذر من معه من الأكل منها قبل التثبت من حالها؟!
ولماذا بادر هو (صلىاللهعليهوآله ) إلى الأكل منها ما شاء الله؟! كما ورد في بعض نصوص الرواية(1) .
ولماذا لم يحذره علي (عليهالسلام ) من ذلك كما حذر البراء؟!
ولماذا لم يأخذ البراء بتحذير علي؟!
وإن كان النبي (صلىاللهعليهوآله ) قد سمع تحذير علي للبراء، فلماذا لم يرتب هو الأثر عليه؟!
وإذا كان النبي (صلىاللهعليهوآله ) حاضراً وسامعاً للحوار بين علي (عليهالسلام ) وبين البراء، فلماذا لم يتدخل لحسم النزاع؟!
رابعاً: عددت الرواية المتقدمة عن التفسير المنسوب للإمام العسكري الأشخاص الذين دعاهم النبي (صلىاللهعليهوآله ) للأكل من الذراع، وكانوا من خيار أصحابه، وذكرت صهيب الرومي منهم!! مع أن صهيباً كان عبد سوء، وكان من أعوان المعتدين على الزهراء، والغاصبين لحق علي، وتخلف عن بيعته (عليهالسلام ) أيضاً، وكان من المعادين لأهل البيت(2) .
____________
1- راجع كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظ (صلىاللهعليهوآله ) ج33 فصل: رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) مات شهيداً.
2- راجع فيما تقدم: ترجمة صهيب في قاموس الرجال ج5 ص135 ـ 137 وغيره.
خامساً: كيف يأكل خيار أصحاب النبي (صلىاللهعليهوآله ) من الشاة المسمومة إلى حد الشبع، ثم لا يصيبهم شيء، ويعيشون إلى عشرات الأعوام بعد ذلك.. ولكنه هو (صلىاللهعليهوآله ) وحده الذي وجد ألم أكلته بخيبر، بعد ثلاث سنوات، وإن أبهره قد انقطع، وما زال ينتقض به سمه حتى مات؟!..
سادساً: إن رواية التفسير تقول: إنه (صلىاللهعليهوآله ) لم يصل على البراء إلى أن يأتي علي (عليهالسلام ) ليحلّه مما كلمه به، وليكون موته بذلك السم كفارة له..
فلما اعترضوا على النبي (صلىاللهعليهوآله ) بأن البراء قد قال ذلك مزاحاً، ولا يؤاخذ الله بالمزاح، تراجع (صلىاللهعليهوآله ) وقال: (..ولكنه كان مزحاً، وهو في حل من ذلك).
ثم اعتذر لهم عن موقفه الأول بأنه أراد أن لا يعتقد أحد أن علياً واجد عليه، فأراد أن يجدد بحضرتهم إحلالاً له، ويستغفر له، ليزيده بذلك قربة ورفعة في جنانه، وكأن الرواية تنسب التدليس والإخبار بغير الحق إليه (صلىاللهعليهوآله )، ثم التراجع عن ذلك بعد ظهور الأمر.. وحاشاه من ذلك كله..
كما أننا لم نعرف الوجه لتعبيره بكلمة (..ولكنه كان مزحاً، وهو في حل من ذلك) مع أن المناسب أن يقول: إن كان مزحاً فهو في حل الخ..
سابعاً: كيف صدق المسلمون اليهود في قولهم: إذا زارنا نبي لم يقعد منا أحد.. وهم لم يؤمنوا بعد برسول الله؟!
ألم يكن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قد زارهم قبل ذلك، واجتمع بهم؟! فهل كانوا يقومون أيضاً، ويسدُّون آنافهم بالصوف..حتى لا يتأذى بأنفاسهم؟!.
وحين سدوا آنافهم بالصوف مخافة سَوْرة السم، هل تنفسوا من أفواههم بعد سد الآناف؟!..
وهل التنفس من الفم يمنع من سَوْرة السم حقاً؟!
أم أنهم سدوها بالصوف، والتزموا بأن يتنفسوا منها أيضاً؟
إن الرواية لم توضح لنا ذلك!!
وإذا كان السم يؤثر إلى هذا الحد، فلا حاجة بهم إلى إطعام الرسول (صلىاللهعليهوآله ) من الشاة، بل يكفي أن يضعوها أمامه.. ويدخل السم إلى بدنه الشريف عن طريق التنفس.
ثامناً: إذا كان النبي (صلىاللهعليهوآله ) قد علم بالسم، وقرأ الدعاء، وأمرهم بأكل ما هو مسموم، ليظهر المعجزة، والكرامة بذلك، فما معنى أمره لمن معه بالإحتجام بعد ذلك؟!..
فهل أثّر الدعاء في حجب أثر السم، أم لم يؤثر؟ فإن كان قد أثّر، فما الحاجة إلى الحجامة؟!. وإن كان لم يؤثر، فلماذا كان الدعاء؟!
وإذا كان قد أثر، فلماذا مات هو (صلىاللهعليهوآله ) من ذلك، ووجد انقطاع أبهره بعد ثلاث سنوات؟!
وكيف أقدم (صلىاللهعليهوآله ) على تناول سم يؤدي إلى الموت، من دون تثبُّت من تأثير الدعاء في منع تأثيرالسم؟!
السقيفة.. بروايتهم..
قريش.. والخلافة:
كانت قريش تتعاطى مع الخلافة بعد الرسول (صلىاللهعليهوآله ) على أنها حكم وسلطان، يجلب لها المنافع الدنيوية، ويعزز نفوذها، ويؤكد لها هيبتها المرتكزة على التجبر والظلم، ويعيد لها احترامها وامتيازاتها الظالمة، واستعلاءها البغيض، وكبرياءها المقيت..
أما النبي (صلىاللهعليهوآله ) وعلي (عليهالسلام )، فالخلافة عندهم مقام أعطاه الله لأهله، يُحْفَظُ بها الدين، وتصان بها مصالح العباد. وهي شأن من شؤون الإمامة، التي لا تكون إلا للأنبياء وأوصيائهم.
الأنصار يراقبون الأحداث:
وعلى هذا الأساس نقول:
1 ـ لا شك في أن الأنصار كانوا على مقربة مما يجري، ويرون بأم أعينهم جرأة قريش على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يوم عرفة، وفي رزية يوم الخميس، ومحاولة قتل النبي (صلىاللهعليهوآله ) بتنفير الناقة ليلة العقبة، ثم العصيان المعلن لأوامره المتعلقة بسرية أسامة، ثم ما جرى في قضية صلاة أبي بكر بالناس.. وغير ذلك.
ويرون أيضاً جهد قريش وأعوانها المتواصل لإبطال مسعى رسول الله
(صلىاللهعليهوآله ) لتأكيد أمر الإمامة في علي (عليهالسلام ).. ويعرفون الكثير مما يدور في الحلقات والجلسات المختلفة، ويسمعون ويرون الهمسات والغمزات، وما يدبَّر ويحضَّر من الفريق المناوئ لعلي (عليهالسلام ) وبني هاشم، ولم يكن لديهم أدنى شك في أن ثمة تصميماً على منع علي من الوصول للخلافة مهما كلف الأمر.
2 ـ والأنصار يعلمون أيضاً: أن أهل مكة حديثوا عهد بالإسلام، وان أكثر الناس قد أعلنوا إسلامهم بعد فتح مكة، أي في سنتي تسع وعشر.
3 ـ وكانوا يعلمون كذلك: أن قريشاً كانت تعتبر الأنصار هم السبب في ظهور أمر محمد، وقد نصروه وآزروه، وشاركوا في قتل فرسان ورجال قريش، وصناديد العرب، وأن مراجل حقدها ومن يدور في فلكها كانت تغلي وتفور على الأنصار، ولا تجد لها متنفساً..
4 ـ وكانوا يخشون من أن تنتقم منهم قريش وأعوانها إذا وصلت إلى الحكم والسلطان، وربما يكون إنتقاماً قاسياً وشرساً وبشعاً..
5 ـ وكان في الأنصار طامعون وطامحون أيضاً.. وتراودهم خطرات وتصورات تحفزهم إلى استباق الأحداث، لأن الخلافة إذا كانت سوف لن تصل إلى أهلها، فلماذا لا يبادرون إلى اقتناص الفرصة، ما دام أن ذلك يحصنهم من انتقام الناس منهم.. علماً بأن المرشحين لهذا الأمر من الفريق الآخر ليسوا بأفضل حالاً من الطامحين من الأنصار، كسعد بن عبادة وغيره.. فبادروا إلى سقيفتهم.. التي سوف نذكر ما جرى فيها في الفقرات التالية إن شاء الله..
من تجليات خوف الأنصار:
وقبل أن نذكر أحداث السقيفة، نذكر بعض الشواهد على خوف الأنصار من تولي بعض القرشيين ـ غير علي (عليهالسلام ) ـ للحكم، فلاحظ ما يلي:
1 ـ قال الحباب بن المنذر يوم السقيفة: (ولكنا نخاف أن يليها بعدكم من قتلنا أبناءهم، وآباءهم، وإخوانهم)(1) .
2 ـ إن الأنصار عندما مات النبي (صلىاللهعليهوآله ) كانوا يبكون، لأنهم لا يدرون ما يلقون من الناس بعده (صلىاللهعليهوآله )(2) .
3 ـ سيأتي: أن الأنصار قالت بعد خطبة أبي بكر فيهم في جملة كلام: (ولكننا نشفق بعد اليوم، فلو جعلتم اليوم رجلاً منكم، فإذا مات أخذتم رجلاً من الأنصار فجعلناه..)(3) .
____________
1- راجع: حياة الصحابة ج1 ص420 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص53 وبحار الأنوار ج28 ص326 والسقيفة وفدك للجوهري ص51 وقاموس الرجال ج12 ص108 وفتح الباري ج12 ص135 والسقيفة للمظفر ص97 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص182 وتاريخ مدينة دمشق ج30 ص275 وحياة الإمام الحسين (عليهالسلام ) للقرشي ج1 ص236.
2- مسند أحمد ج6 ص339 ومجمع الزوائد ج9 ص34.
3- سبل الهدى والرشاد ج12 ص313 وراجع: بحار الأنوار ج28 ص344 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص8 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص14 و (تحقيق الشيري) ج1 ص23.
أحداث السقيفة بروايتهم:
ثم إن أتباع الخلفاء يروون أحداث السقيفة بطريقتهم الخاصة، متجاهلين الكثير من الأمور الهامة والحساسة التي وردت في مصادرهم، ونحن نذكر هنا النص الذي أورده الصالحي الشامي، مكتفين بذلك، فنقول:
قال الصالحي الشامي:
روى ابن إسحاق، والإمام أحمد، والبخاري، وابن جرير، عن ابن عباس: أن عمر بن الخطاب قال وهو على المنبر: إنه قد بلغني أن فلاناً ـ وفي رواية البلاذري عن ابن عباس: أن قائل ذلك الزبير بن العوام ـ قال: والله لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً(1) .
وفي رواية البلاذري عن ابن عباس: (بايعت علياً) لا يغرن امرءاً أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت(2) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج11 ص127 وج12 ص311 عن ابن إسحاق، وأحمد، والبخاري، وابن جرير. وراجع: صحيح البخاري ج8 ص25 وفتح الباري (المقدمة) ص337 وعمدة القاري ج17 ص62 وج24 ص6 وصحيح ابن حبان ج2 ص154 وأضواء البيان للشنقيطي ج5 ص368 وتاريخ مدينة دمشق ج30 ص280 و 281.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص311. وراجع: خلاصة عبقات الأنوار ج3 ص305 وصحيح ابن حبان ج2 ص155 و 157 وتاريخ مدينة دمشق ج30 ص281 و 283 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص1073.
[والله ما كانت بيعة أبي بكر فلتة، ولقد أقامه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) مقامه، واختاره لدينهم على غيره، وقال: (يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)، فهل منكم أحد تقطع إليه الأعناق كما تقطع إلى أبي بكر؟ فمن بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين، فإنه لا بيعة له، وإنه كان من خيرنا حين توفي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
وإن الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأشرافهم في سقيفة بني ساعدة، وتخلف عنا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام، ومن معهما.
واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم حتى لَقِيَنا منهم رجلان صالحان: عويم بن ساعدة، ومعن بن عدي(1) .
إلى أن قال:
فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم، وقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟!
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص311. وراجع: بحار الأنوار ج28 ص338 ومسند أحمد ج1 ص55 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص23 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص446 وتاريخ مدينة دمشق ج30 ص281 والبداية والنهاية ج5 ص266 والسنن الكبرى للبيهقي ج8 ص142 والكامل في التاريخ ج2 ص327 والثقات لابن حبان ج2 ص153 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص308 و 311 و 315 وصحيح ابن حبان ج2 ص148 و 155 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص487. وراجع: عمدة القاري ج24 ص7 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص1073.
قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار.
قالا: فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين، اقضوا أمركم.
قال: قلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل، فقلت: من هذا؟
فقالوا: سعد بن عبادة.
فقلت: ما له؟
فقالوا: وجع.
فلما جلسنا تَشَهَّدَ خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال:
أما بعد.. فنحن الأنصار، وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط نبينا، وقد دفت إلينا دافة من قومكم.
قال: وإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، ويغصبونا الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم، وقد زورت في نفسي مقالة قد أعجبتني، أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الجد.
فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، فكرهت أن أعصيه، فتكلم.
وكان هو أعلم مني، وأوقر، فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني كنت زورتها في نفسي إلا قالها في بديهته، أو مثلها، أو أفضل منها، حتى سكت(1) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص312 وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص24 والكـامـل في التاريـخ ج2 ص327 وخلاصـة عبقات الأنـوار ج3 = = ص305 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص1073.
إلى أن قال:
فتشهد أبو بكر، وأنصت القوم، ثم قال: بعث الله محمداً بالهدى، ودين الله حق، فدعا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إلى الإسلام، فأخذ الله بقلوبنا ونواصينا، إلى ما دعانا إليه، فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاماً، ونحن عشيرته، وأقاربه، وذوو رحمه، فنحن أهل النبوة، وأهل الخلافة، وأوسط الناس أنساباً في العرب، ولدتنا كلها، فليس منا قبيلة إلا لقريش فيها ولادة، ولن تعترف العرب ولا تصلح إلا على رجل من قريش.
هم أصبح الناس وجوهاً، وأبسطهم لساناً، وأفضلهم قولاً، فالناس لقريش تبع، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، وهذا الأمر بيننا وبينكم قسمة إلا بثلمة.
وأنتم يا معشر الأنصار إخواننا في كتاب الله، وشركاؤنا في الدين، وأحب الناس إلينا، وأنتم الذين آووا ونصروا، وأنتم أحق الناس بالرضا بقضاء الله، والتسليم لفضيلة ما أعطى الله إخوانكم من المهاجرين، وأحق الناس ألا تحسدوهم على خير آتاهم الله إياه.
وأما ما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر، إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسباً وداراً.
وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي
وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا(1) .
إلى أن قال:
فقال عمر وأبو عبيدة: ما ينبغي لأحد بعد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أن يكون فوقك يا أبا بكر، أنت صاحب الغار مع رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وثاني اثنين، وأمرك رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) حين اشتكى، فصليت بالناس، فأنت أحق بهذا الأمر.
قالت الأنصار: والله ما نحسدكم على خير ساقه الله إليكم، وما خلق الله قوماً أحب إلينا، ولا أعز علينا منكم، ولا أرضى عندنا هدياً منكم، ولكنا نشفق بعد اليوم، فلو جعلتم اليوم رجلاً منكم، فإذا مات أخذتم رجلاً من الأنصار فجعلناه، فإذا مات أخذنا رجلاً من المهاجرين فجعلناه، فكنا كذلك أبداً ما بقيت هذه الأمة، بايعناكم، ورضينا بذلك من أمركم، وكان ذلك أجدر أن يشفق القرشي، إن زاغ، أن ينقض عليه الأنصاري.
فقال عمر: لا ينبغي هذا الأمر، ولا يصلح إلا لرجل من قريش، ولن ترضى العرب إلا به، ولن تعرف العرب الإمارة إلا له، ولن يصلح إلا
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص312 و 313. وعن الرياض النضرة ج1 ص213 وبحار الأنوار ج28 ص343 والسقيفة وفدك للجوهري ص58 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص165 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص7 والدرجات الرفيعة ص331 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص301 فما بعد
عليه، والله لا يخالفنا أحد إلا قتلناه(1) .
وعند الإمام أحمد: قال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير، ومنكم أمير يا معشر قريش.
قال: فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى خشينا الإختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار(2) .
وعند ابن عقبة: فكثر القول حتى كادت الحرب تقع بينهم، وأوعد بعضهم بعضاً، ثم تراضى المسلمون، وعصم الله لهم دينهم، فرجعوا وعصوا الشيطان.
ووثب عمر فأخذ بيد أبي بكر، وقام أسيد بن حضير الأشهلي، وبشير بن سعد أبو النعمان بن بشير يستبقان ليبايعا أبا بكر، فسبقهما عمر فبايع، ثم
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص313 وراجع: الإمامة والسياسة ( تحقيق الزيني) ج1 ص14 و (تحقيق الشيري) ج1 ص23.
2- مسند أحمد ج1 ص56 وصحيح البخاري ج8 ص27 وعمدة القاري ج24 ص8 وصحيح ابن حبان ج2 ص150 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص24 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص616 وتاريخ مدينة دمشق ج30 ص283 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص446 والكامل في التاريخ ج2 ص327 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص7 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص303 و 306
بايعا معاً(1) .
وعند ابن إسحاق في بعض الروايات، وابن سعد: أن بشير بن سعد سبق عمر(2) .
إلى أن قال:
ووثب أهل السقيفة يبتدرون البيعة، وسعد بن عبادة مضطجع يوعك، فازدحم الناس على أبي بكر، فقال رجل من الأنصار: اتقوا سعداً، لا تطأوه، فتقتلوه.
فقال عمر، وهو مغضب: قتل الله سعداً، فإنه صاحب فتنة.
فلما فرغ أبو بكر من البيعة رجع إلى المسجد، فقعد على المنبر، فبايعه الناس حتى أمسى، وشغلوا عن دفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله )(3) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص313 وراجع: شرح أصول الكافي ج12 ص488.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص313 وراجع: الكافي ج8 ص343 وشرح أصول الكافي ج12 ص488 والإحتجاج ج1 ص106 وبحار الأنوار ج28 ص262 و 325 و 326 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص10 و 18 والكامل في التاريخ ج2 ص330 وكنز العمال ج5 ص606 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص182 وتاريخ مدينة دمشق ج10 ص292 وج30 ص275.
3- سبل الهدى والرشاد ج12 ص314 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص64 وفتح الباري ج7 ص25 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص459 وعمدة القاري ج16 ص186 وبحار الأنوار ج28 ص336 و السيرة الحلبية ج3 ص482.
إلى أن قال:
روى ابن إسحاق، والبخاري، عن أنس بن مالك قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة، وكان الغد جلس أبو بكر، فقام عمر فتكلم، وأبو بكر صامت لا يتكلم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:..
إلى أن قال:
..وإن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة، ثم تكلم أبو بكر فحمد الله، وأثنى عليه بالذي هو أهله(1) .
وفي رواية البلاذري، عن الزهري أنه قال:
الحمد لله، أحمده وأستعينه على الأمر كله، علانيته وسره، ونعوذ بالله من شر ما يأتي بالليل والنهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً، قدام الساعة، فمن
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص314. وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج2 ص450 والبداية والنهاية ج5 ص269 وج6 ص332 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص1075 وتخريج الأحاديث والآثار ج2 ص406 وكنز العمال ج5 ص601 والثقات لابن حبان ج2 ص157 والصوارم المهرقة ص63 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص493 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص483.
أطاعه رشد، ومن عصاه هلك، انتهى(1) .
ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم. وقد كانت بيعتي فلتة، وذلك أني خشيت الفتنة، وأيم الله ما حرصت عليها يوماً قط، ولا طلبتها، ولا سألت الله تعالى إياها سراً ولا علانية، وما لي فيها من راحة(2) .
وقال: (واعلموا أن لي شيطاناً يعتريني، فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني، لا أوثِّر في أشعاركم وأبشاركم)(3) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص314 والثقات لابن حبان ج2 ص159.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص314 والعثمانية للجاحظ ص231.
3- راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص212 والإمامة والسياسة (بتحقيق الزيني) ج1 ص22 و (بتحقيق الشيري) ج1 ص34 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص224 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص460 وصفة الصفوة ج1 ص261 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص20 وج17 ص156 و 159 وكنز العمال ج5 ص589 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج12 ص315. وراجع: الفصول المختارة للشريف المرتضى ص124 والإحتجاج للطبرسي ج2 ص152 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص430 وبحار الأنوار ج10 ص439 وج49 ص280 وج90 ص45 والغدير ج7 ص118 وراجع: تخريج الأحاديث والآثار ج1 ص481 و 482 وتمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للباقلاني ص476 و 493 والبداية والنهاية ج6 ص334 وتاريخ مدينة دمشق ج30 ص303 و 304.
وروى البلاذري والبيهقي ـ بإسناد صحيح ـ من طريقين، عن أبي سعيد: أن أبا بكر لما صعد المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير الزبير، فسأل عنه، فقام ناس من الأنصار فأتوا به، فقال أبو بكر: قلت: ابن عمة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وحواريه، أردت أن تشق عصا المسلمين؟!
فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فقام فبايعه.
ثم نظر في وجوه القوم فلم ير علياً، فسأل عنه، فقام ناس من الأنصار فأتوا به، فجاء، فقال أبو بكر: قلت: ابن عم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وختنه على ابنته، أردت أن تشق عصا المسلمين؟!
قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فبايعه(1) .
قال أبو الربيع: وذكر غير ابن عقبة: أن أبا بكر قام في الناس بعد مبايعتهم إياه، يقيلهم في بيعتهم، ويستقيلهم فيما تحمله من أمرهم، ويعيد ذلك عليهم، كل ذلك يقولون: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص316 وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج30 ص277 والبداية والنهاية ج5 ص269 وج6 ص333 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص494 والمستدرك للحاكم ج3 ص76 والسنن الكبرى للبيهقي ج8 ص143 وكنز العمال ج5 ص613 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص10 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص485 والصوارم المهرقة ص61
الله (صلىاللهعليهوآله ) فمن ذا يؤخرك(1) .
قال العلامة الأميني: اكتفى عمر بن الخطاب بقوله: (من له هذه الثلاث؟:( ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا ) (2) .
وبقوله له: إن أولى الناس بأمر نبي الله ثاني اثنين إذ هما في الغار، وأبو بكر السباق المسن.
وبقوله يوم بيعة العامة: إن أبا بكر صاحب رسول الله. وثاني اثنين إذ هما في الغار(3) .
وقال سلمان للصحابة: أصبتم ذا السن منكم، ولكنكم أخطأتم أهل
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص317 وراجع: والإمامة والسياسة (بتحقيق الزيني) ج1 ص22 و (بتحقيق الشيري) ج1 ص33 والعثمانية للجاحظ ص235 وتاريخ مدينة دمشق ج64 ص345 وطبقات المحدثين بأصبهان لابن حبان ج3 ص576 وأضواء البيان للشنقيطي ج1 ص31 والغدير ج8 ص40.
2- الآية 40 من سورة التوبة.
3- السيرة النبوية لابن هشام ج4 ص311 والرياض النضرة ج2 ص203 و 206 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص38 والبداية والنهاية ج5 ص247 و 248 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص267 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص490 والسيرة الحلبية ج2 ص359. وراجع: صحيح ابن حبان ج15 ص298 ومسند الشاميين ج4 ص156 وموارد الظمآن ج7 ص81.
بيت نبيكم(1) .
وقال عثمان: إن أبا بكر الصديق أحق الناس بها، إنه لصديق، وثاني اثنين، وصاحب رسول الله (صلىاللهعليهوآله )(2) .
ونقول:
إن هذا العرض للأحداث غير سليم، بل هو مصنوع بعناية فائقة، وقد اخْتُزِلَ، وحُرِّفَ، وزادوا وتصرفوا فيه، حسبما رأوا أنه يخدم عقيدتهم، وميولهم، ونحن لا نريد استقصاء البحث فيه، بل نكتفي بوقفات يسيرة تكفي لإعطاء الإنطباع عما جرى، وعن بعض ما تضمنه عرضهم هذا لوقائع هذا الحدث من دس وتحريف وتزييف.. ونذكر من هذه الوقفات ما يلي:
توضيح بضع كلمات:
السقيفة: مكان مستطيل، مسقوف، يُستظل به.
وبنو ساعدة: بطن من الأنصار. وكانت السقيفة لهم وفي محلتهم.
___________
1- الغدير ج7 ص92 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص49 وج6 ص43 وبحار الأنوار ج28 ص314 والسقيفة وفدك للجوهري ص46 و 69 والشافي في الإمامة للشريف المرتضى ج3 ص225.
2- كنز العمال ج5 ص653 والغدير ج7 ص92 وحديث خيثمة ص134 وتاريخ مدينة دمشق ج30 ص276.
جذيلها: تصغير جذل، عود ينصب للإبل الجربى، تحتك به، فتشفى.. والتصغير هنا للتعظيم. أي أنا من يستشفى برأيه:
والمحكك: الذي كثر به الحك حتى صار أملساً.
عذيق: تصغير عذق ـ بفتح العين ـ للتعظيم. وهو هنا النخلة. وأما بالكسر فهو العرجون.
المرجب: من الرجبة ـ بضم الراء وسكون الجيم ـ الذي يحاط به النخلة الكريمة مخافة أن تسقط. وإما من رجبت الشيء أرجبه رجباً. عظمته. وقد شدد مبالغة فيه(1) .. والحديث عن بعض ما تضمنته المقدمة نكله إلى فصل مستقل هو الفصل التالي:
____________
1- راجع: سبل الهدى والرشاد ج12 ص319.
السقيفة.. تحت المجهر..
عمر ينكر موت الرسول (صلىاللهعليهوآله ):
وفور انتقال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إلى الرفيق الأعلى، بادر عمر بن الخطاب إلى إنكار موته (صلىاللهعليهوآله ) وقال: ما مات رسول الله، ولا يموت، حتى يظهر دينه على الدين كله. وليرجعن وليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجف بموته. لا أسمع رجلاً يقول: مات رسول الله إلا ضربته بسيفي.
واستمر على هذا الحال يحلف للناس على صحة ما يقول حتى ازبد شدقاه، إلى أن جاء أبو بكر من السنح، وهو موضع يبعد عن المسجد ميلاً واحداً، فكشف عن وجه رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ثم خرج فقال لعمر الذي ما زال يحلف: أيها الحالف على رسلك.. وأمره ثلاث مرات بالجلوس، فلم يفعل.
ثم قام خطيباً في ناحية أخرى، فترك الناس عمر وتوجهوا إلى أبي بكر، فقال: من كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا قوله تعالى:( أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) (1) .
____________
1- الآية 144 من سورة آل عمران.
وأظهر عمر أنه سلم وصدق، قائلاً: كأني لم أسمع هذه الآية(1) .
وروى ابن إسحاق والبخاري عن أنس قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة، وكان الغد جلس أبو بكر فقام عمر فتكلم، وأبو بكر صامت.
فقال: أيها الناس، إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت إلا عن رأيي، وما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهداً عهده إلي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ). ولكن كنت أرجو أن يعيش رسول الله فيدبرنا، ويكون آخرنا موتاً، وإن الله أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله ورسوله، فإن
____________
1- راجع: كنز العمال (ط الهند) ج3 ص3 و 129 وج4 ص53 و (ط مؤسسة الرسالة) ج7 ص244 وعن البخاري ج4 ص152 وعن شرح المواهب للزرقاني ج8 ص280 وذكرى حافظ للدمياطي ص36 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص201 وعن الكامل في التاريخ ج2 ص324 وعن السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج3 ص371 ـ 374 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص178 وج2 ص40 والإحكام لابن حزم ج4 ص581 والطرائف لابن طاووس ص452 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص114 والمعجم الكبير ج7 ص57 والبداية والنهاية ج5 ص242 وتاريخ أبي الفداء ج1 ص156 والمواهب اللدنية ج4 ص544 و 546 وروضة المناظر لابن شحنة (مطبوع بهامش الكامل) ج7 ص64 وإحياء العلوم ج4 ص433. وراجع: إحقاق الحق (الأصل) ص238 و 287 وكتاب الأربعين للشيرازي ص547
اعتصمتم هداكم الله كما هداكم به(1) .
ونقول:
1 ـ لماذا في السنح؟!:
السنح مكان يبعد عن المسجد بمقدار ميل واحد(2) .
وقيل: هو عالية من عوالي المدينة(3) .
وأدنى العوالي كما يقول ياقوت الحموي: يبعد عن المدينة أربعة أميال أو ثلاثة(4) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص315. وراجع: الفصول المختارة للشريف المرتضى ص243 وبحار الأنوار ج30 ص592 وتخريج الأحاديث والآثار للزيلعي ج2 ص406 وكنز العمال ج5 ص600 والثقات لابن حبان ج2 ص156 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص450 والبداية والنهاية لابن كثير ج5 ص268 وج6 ص332 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص1074 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص492.
2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص246 و 302 وراجع: زهر الربى على المجتبى ج1 ص253 و 254 وعون المعبود ج2 ص77 وشرح مسلم للنووي ج5 ص122 وإرشاد الساري ج1 ص493.
3- سبل الهدى والرشاد ج12 ص246 ووفاء الوفاء ج 4 ص1261.
4- راجع: معجم البلدان ج4 ص166 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص260 وعون = = المعبود ج3 ص268 وراجع: السنن الكبرى للبيهقي ج1 ص440 وعمدة القاري ج5 ص37 وج21 ص161 وصحيح البخاري ج4 ص170 وج8 ص153 وفتح الباري ج2 ص23 ووفاء الوفاء ج ص1261 وتغليق التعليق ج5 ص323 وتاريخ مدينة دمشق ج15 ص70 وج43 ص201.
فقولهم: إن منزل أبي بكر يبعد عن مسجد المدينة ميلاً واحداً لا يصح، إلا إن كان مرادهم مسجد قباء لا مسجد النبي (صلىاللهعليهوآله )..
والمفروض ـ حسب زعمهم ـ: أن أبا بكر حريص على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إلى حد دفعه حرصه إلى التمرد عليه، والإمتناع عن امتثال أمره بالكون في جيش أسامة.. رغم أن رسول الله لعن من تخلف عن ذلك الجيش!! فلماذا تركه إذن وذهب إلى السنح؟!
وثمة سؤال آخر، وهو: لماذا أسكن أبو بكر زوجته في ذلك المكان البعيد؟!
هل لأن أبا بكر كان يحب الخلوة، والإبتعاد عن الضوضاء؟!
أم لأنه كان يحتاج إلى هذه الخلوة لتمشية بعض الأمور التي تحتاج إلى ذلك؟!
أم ماذا؟!
2 ـ معلومات عمرية:
1 ـ ثم إننا لا ندري من أين علم عمر بحرمة أن يقول القائل: إن النبي
(صلىاللهعليهوآله ) مات، وأنه يستحق العقوبة بذلك؟!
2 ـ وكيف يحرم أن يقال: مات، ولا يحرم أن يقال: يهجر؟! وهل سيبقى يهجر بعد رجوعه أو أنه سيعود إلى رشده؟!
3 ـ من الذي أخبر عمر: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) سيرجع؟!
4 ـ من أين سيرجع، أمن سفر، أم من موت، أم من إغماء؟!
وزعمت بعض النصوص: أنه غيبته كغيبة موسى بن عمران؟!
5 ـ من أين علم أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) لم يمت؟!
6 ـ من أين علم عمر أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) سيموت، بعد أن يظهر دينه على الدين كله؟! وما معنى هذا التعبير؟!.
7 ـ هل كفَّر عمر عن أيمانه التي كان يطلقها ليقنع الناس بصحة ما يقول، ثم ظهر عدم صحة شيء من تلك الأقوال؟!
3 ـ صلاحيات عمر:
1 ـ إذا كان النبي (صلىاللهعليهوآله ) سيرجع، ويعاقب من أرجف بموته، بقطع أيديهم وأرجلهم، فلماذا يتهددهم بضربهم عمر بسيفه؟!
2 ـ من الذي خول عمر معاقبة الناس على مخالفاتهم؟
4 ـ لماذا فعل عمر ذلك؟!:
ومن الواضح: أن ما فعله عمر لم يكن له أي أثر سوى إضاعة الوقت، وتأخير إعلان موت النبي (صلىاللهعليهوآله ) والحؤول دون انتشار خبر موته، والمنع من المبادرة إلى أي إجراء إلى حين مجيء أبي بكر من السنح..
وهكذا كان..
5 ـ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ:
وحين أنكر عمر موت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قرأ عمرو بن زائدة على عمر وعلى الصحابة قوله تعالى:( أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) . وقرأ عليه أيضاً قوله تعالى:( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) (1) .
ولكن عمر بقي مصراً على موقفه إلى أن جاء أبو بكر، وقرأ الآية الأولى، فتراجع عمر فوراً، فلماذا أصر أولاً، ثم تراجع ثانياً، مع أن الآية المذكورة قرأت عليه في الموردين؟!
ثانياً: إن آية( انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) (2) لا تحدد وقتاً لموت النبي (صلىاللهعليهوآله )، لا بعد ظهور دينه، ولا قبله.
ثالثاً: قول عمر في رزية يوم الخميس، حسبنا كتاب الله، ومنعه النبي من كتابة أي شيء، يستبطن الإعتراف بموت النبي وبقاء عمر، والناس بعده.. فلماذا أنكر موته الآن؟!
الشيخان إلى السقيفة:
وقد ذكر العلامة المظفر (رحمهالله ): أنه بعد أن اجتمع الرجلان: أبو بكر وعمر، وانتهت مهزلة إنكار موت رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، لم
____________
1- الآية 30 من سورة الزمر.
2- الآية 144 من سورة آل عمران.
يطل مقامهما (حتى جاء اثنان من الأوس مسرعين إلى دار النبي، وهما: معن بن عدي، وعويم بن ساعدة. وكان بينهما وبين سعد الخزرجي المرشح للخلافة موجدة قديمة، فأخذ معن بيد عمر بن الخطاب، ولكن عمر مشغول بأعظم أمر، فلم يشأ أن يصغي إليه، لولا أنه كان يبدو على معن الإهتمام، إذ يقول له: (لا بد من قيام)، فأسرَّ إليه باجتماع الأنصار، ففزع أشد الفزع.
وهو الآخر يصنع بأبي بكر ما صنع معن معه، فيسر إلى أبي بكر بالأمر، وهو يفزع أيضاً أشد الفزع.
فذهبا يتقاودان مسرعين إلى حيث مجتمع الأنصار، وتبعهما أبو عبيدة بن الجراح، فتماشوا إلى الأنصار ثلاثتهم.
أما علي ومن في الدار، وفي غير الدار من بني هاشم، وباقي المهاجرين والمسلمين، فلم يعلموا بكل الذي حدث، ولا بما عزم عليه أبو بكر وعمر.
ألم تكن هذه الفتنة التي فزع لها أبو بكر وعمر أشد الفزع ـ على حد تعبيرهم ـ تعم جميع المسلمين بخيرها وشرها، وأخص ما تخص علياً (عليهالسلام )، ثم بني هاشم؟
أوليس من الجدير بهما أن يوقفاهم على جلية الأمر، ليشاركوهما في إطفاء نار الفتنة الذي دعاهما إلى الذهاب إلى مجتمع الأنصار مسرعين؟!
ثم لماذا يخص عمر أبا بكر بالإسرار إليه دون الناس، ثم أبا عبيدة)؟(1) .
____________
1- السقيفة للشيخ محمد رضا المظفر (نشر مكتبة الزهراء ـ قم) ص120 و 121.
هذا.. وقد ذكرنا بعض ما جرى في السقيفة وفي غيرها، وبعض ما استدلوا به على الأنصار، لإثبات أحقية أبي بكر بالخلافة، وبينا خطلها في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله ) ج33، فصل: ما جرى في السقيفة، فراجع..
تهديدات عمر للأنصار:
وقد تهدد عمر الأنصار بالقتل في يوم السقيفة، وحين عبر الأنصار عن مخاوفهم من المهاجرين، وطالبوا بضمانات، ولو بأن يكون منهم أمير، ومن المهاجرين أمير بادر إلى الإستنصار بالعرب، وقال:
(لن ترضى العرب إلا به، ولن تعرف العرب الإمارة إلا له، ولن يصلح إلا عليه).
ثم أطلق قراره الحاسم والجازم الذي أكده بالقسم، فقال: (والله لا يخالفنا أحد إلا قتلناه).
فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى كادت الحرب تقع، وأوعد بعضهم بعضاً، وبايع أبا بكر عمر وأبو عبيدة، وبشير بن سعد، وأسيد بن حضير.. ولعل عويم بن ساعدة، ومعن بن عدي، اللذين جاءا بأبي بكر وعمر إلى السقيفة قد بايعاه أيضاً.
ولم يُسَمَّ أحد لنا غير هؤلاء، سوى خالد بن الوليد، وسالم مولى أبي حذيفة، مع الشك في حضورهما في السقيفة، فلعلهما لحقا بعض ما جرى، أو بايعاه في الطريق.
وإذا كان الإختلاف قد نما حتى كادت الحرب أن تقع، وقد توعد بعضهم بعضاً، ومع إطلاق هذا التهديد والوعيد القوي والحاسم من عمر كيف يقال: إن البيعة لأبي بكر كانت عن رضى، وإجماع؟!!
ويبدو أن أبا بكر وحزبه الذين ذكرنا أسماءهم، تركوا الأنصار في سقيفتهم يختلفون فيما بينهم، ويتلاومون، ويتجادلون، ويتهم بعضهم بعضاً، وخرجوا إلى المسجد، ليفاجئوا علياً (عليهالسلام ) بالأمر الواقع، وليتدبروا الأمر قبل أن يصل الخبر إلى مسامع علي (عليهالسلام ) وبني هاشم، فيقع ما لم يكن بالحسبان..
علي (عليهالسلام ) يحارب بالشائعة:
وحين بدأت التجاذبات في السقيفة، وبدأت كفة أبي بكر بالرجحان على سعد بن عبادة قال بعض الأنصار: (إن فيكم لرجلاً لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد)، يعني علياً (عليهالسلام )(1) .
فدلت هذه الكلمة على أن ثمة من قال لهم: إن علياً (عليهالسلام ) قد عزف عن هذا الأمر، ولم يعد يطلبه.. ولكن سذاجة الأنصار، ومفاجأة المهاجرين لهم بهذه الأمور، وتلاحق الأحداث لم يبق فرصة جعل الأنصار في مأزق أعجلهم عن التأمل والتفكير في صحة هذه الدعاوى. مع أنها كانت بديهية البطلان، فإن في أعناقهم بيعة لعلي (عليهالسلام )، أخذها له
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص20 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص123 والموفقيات للزبير بن بكار ص579.
رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) منهم يوم الغدير. ولو كان علي قد صرف النظر بالفعل، إن كان يحق له ذلك، فعليه أن يعلنه على الملأ. وأن يقيل الناس من بيعتهم بصورة علنية.
كما أن ثبوت البيعة لعلي (عليهالسلام ) في أعناقهم تغنيه عن طلب هذا الأمر، وذلك واضح..
وربما قيل ذلك لتبرير نقضهم لبيعة الغدير، لأنه إذا كان صاحب الحق قد تخلى عن حقه، فلا بأس بطلب هذا الأمر، حفظاً لنظام الأمة، وسعياً في إبعاد الإختلاف عنها. والأنصار لم يكونوا في أكثرهم أهل حنكة سياسية ودهاء..
ولكن هذه الشائعات لم تفلح في اقتلاع علي (عليهالسلام ) من نفوس الناس، بل بقوا يرون فيه المنقذ، والأمل الذي تسكن إليه النفوس..
ولذلك نلاحظ: أنه بعد نجاح أبي بكر في إزاحة سعد بن عبادة، وضاعت الفرصة من يد الأنصار هتف فريق منهم: لا نبايع إلا علياً(1) .
وتدلنا هذه الكلمة على أنه حتى الذين بادروا إلى الإستئثار بالأمر كانوا يثقون بأن إساءتهم لعلي (عليهالسلام )، ولو بهذا المستوى من الشناعة والبشاعة لا تدفعه إلى التخلي عن واجبه الديني والأخلاقي تجاههم، ولا
____________
1- راجع: تاريخ الأمم والملوك ج2 ص443 وبحار الأنوار ج28 ص311 و 338 والغدير ج7 ص78 والكامل في التاريخ ج2 ص325 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص22 والإكمال في أسماء الرجال ص82.
تدعوه إلى معاملتهم بما يستحقونه من مقت، وطرد وإبعاد، بل هو الإنسان العدل الحكيم، والصفوح الحليم، الذي لا يفرط بالحق، ولا يحيد عنه قيد شعرة.
الإفتئات على علي (عليهالسلام ):
وروى ابن عقبة ـ بأسناد جيد ـ عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: أن رجالاً من المهاجرين غضبوا في بيعة أبي بكر، منهم علي والزبير، فدخلا بيت فاطمة بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ومعهما السلاح، فجاءهما عمر بن الخطاب في عصابة من المهاجرين والأنصار، فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن سلامة بن وقش الأشهليان، وثابت بن قيس بن شماس الخزرجي، فكلموهما حتى أخذ أحدهم سيف الزبير فضرب به الحجر حتى كسره.
ثم قام أبو بكر فخطب الناس، واعتذر إليهم، وقال: والله ما كنت حريصاً على الإمارة يوماً قط ولا ليلة، ولا سألتها الله تعالى قط سراً ولا علانية. ولكني أشفقت من الفتنة وما لي في الإمارة من راحة، ولكني قلدت أمراً عظيماً ما لي به طاقة ولا يدان، إلا بتقوية الله تعالى، ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني اليوم.
فقبل المهاجرون منه ما قاله، وما اعتذر به، وقال علي والزبير: ما غضبنا إلا أنا أخرنا عن المشورة، وإنا لنرى أن أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
وإنه لصاحب الغار، وثاني اثنين.
وإنا لنعرف له شرفه.
ولقد أمره رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بالصلاة بالناس وهو حي(1) .
ونقول:
1 ـ علي متمرد.. وأبو بكر زاهد:
هذا النص يظهر علياً بصورة المتمرد على صاحب الحق، والظالم له، ويصور أبا بكر بصورة الإنسان المظلوم الزاهد بالمناصب، الحريص على درء الفتنة، ويتمنى لو يجد من هو أقوى منه ليتخلى له عن ذلك المقام.. في إشارة إلى أن علياً (عليهالسلام ) لا يملك هذه القوة التي كانت لأبي بكر..
ثم هو يظهر تفاهة تفكير علي (عليهالسلام ) والزبير..
ويظهر أيضاً أن علياً (عليهالسلام ) يدلس على الناس في إظهاره الزهد بالدنيا..
أو أنه ـ والعياذ بالله ـ يكذب على الناس بتظاهره بأنه غضب لدينه، وهو إنما غضب لنفسه، لأنه أخر عن المشورة.
ثم هو يقدم علياً بصورة الذي أدركته لمسة وجدانية، فصار يعترف بأحقية أبي بكر، ويقيم الأدلة على ذلك..
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص317 وراجع: الرياض النضرة ج 1 ص 241 وتاريخ الخميس ج2 ص169 وراجع: المسترشد للطبري ص379 و 378 وإثبات الهداة ج2 ص383.
2 ـ هذا هو علي (عليهالسلام ):
أما بالنسبة لزعمهم أن علياً (عليهالسلام ) بادر إلى مبايعة أبي بكر، وأنه كان يستدل لهم على صحة خلافته بما تقدم، فنقول:
إن هؤلاء المفتئتين على الحق والحقيقة لا يذكرون أن علياً (عليهالسلام ) لم يحضر السقيفة..
ولكن أهل السقيفة رجعوا إليه من سقيفتهم، ليهاجموه وهو في داخل بيته.
فقد رجع أهل السقيفة إلى المسجد، وطرقوا الباب على علي (عليهالسلام )، بعد فراغه من دفن النبي (صلىاللهعليهوآله )، وكانت زوجته فاطمة الزهراء (عليهاالسلام ) وراء الباب عند القبر، وكأنها تبكي أباها، وتناجيه، وتودعه بدموعها، وبكلماتها الأخيرة، فسألت: من الطارق؟! وإذ بهم يقتحمون عليها الباب بعنف، فعصروها بين الباب والحائط، فصرخت، وأسقطت جنينها..
فسمع علي (عليهالسلام ) صوتها، فبادر المهاجمين، فهربوا، وخلَّوها رهينة الآلام، والأوجاع قد حصل وكل ذلك في ثوان معدودة.
وانصرف علي (عليهالسلام ) لإسعاف سيدة النساء، وبقي معها إلى الصباح، وهم مكتنفون باب داره.
وجاء أبو بكر في الصباح إلى المسجد، وجلس على المنبر، وصار الناس يبايعونه.
ولعل الزبير تسلل في هذه الفترة إلى داخل بيت علي (عليهالسلام )..
وجاء عمر، وخالد، وأسيد بن حضير، ومعاذ بن جبل، ومحمد بن مسلمة، وثابت بن قيس بن شماس الخزرجي، وسلامة بن وقش، وقنفذ، والمغيرة في عصابة آخرين إلى بيت الزهراء وعلي (عليهماالسلام ). وجاؤوا بالحطب، وأضرموا النار بباب فاطمة (عليهاالسلام ).
ولعل الزبير خرج إليهم في تلك اللحظة، فأخذوا سيفه فضربوا به الحجر فكسروه. ثم اقتحموا البيت على علي (عليهالسلام )، وحاولت (عليهاالسلام ) أن تدفعهم مرة أخرى، فضربوها، وأخرجوه ملبباً، لكي يبايع.
فخرجت (عليهاالسلام ) خلفه، فضربوها أيضاً، وأرجعها سلمان إلى البيت بأمر من علي (عليهالسلام ). ثم تُرِكَ علي (عليهالسلام ).. فعاد إلى البيت.
وبعد ثمانية أو عشرة أيام أخذت منها فدك، وتعرضت للضرب مرة أخرى أيضاً..
3 ـ إكراه الناس على البيعة:
وفي ليلة الثلاثاء بعد دفن النبي (صلىاللهعليهوآله ) مباشرة دخلت إلى المدينة ـ وهي بلد صغير الحجم، قليل عدد السكان ـ عدة ألوف من المقاتلين، من قبائل النفاق التي كانت حول المدينة، ولا سيما قبيلة أسلم، وأخذوا مسالكها، وملأوا أزقتها، وتضايقت بهم سككها، فقوي بهم جانب أبي بكر، وأيقن عمر بالنصر، واختبأ المؤمنون في بيوتهم، وهم قلة قليلة جداً، وصار عمر وجماعة معه يدورون على البيوت، وبعض الناس يدلونهم عليهم، فيقولون لهم: في هذا البيت يوجد اثنان. وفي ذاك يوجد
ثلاثة، أو واحد أو أكثر، فيقتحمون عليهم البيوت، ويخرجونهم بالقوة، ويسحبونهم إلى المسجد للبيعة..
ولم يكن مع علي (عليهالسلام ) في بيته من يصول به على المهاجمين، أو من ينتصر به. ولو أنه ظهر لهم: أنه يريد قتالهم، فلا شك في أنهم سوف لا يبقون على أي مؤمن في المدينة، بل هم سيقتلونهم كيداً منهم لعلي (عليهالسلام )، فإن السكك كانت مشحونة بالمقاتلين، ولا يستطيع أحد أن يظهر رأسه منها، فضلاً عن أن يتمكن من الإلتحاق بعلي (عليهالسلام ) لنصرته، أو ليقاتل معه..
ولو أن تلك الثلة القليلة من المؤمنين قتلت فعلى من سيتأمر علي (عليهالسلام )؟! وبمن سوف يقيم الدولة، ويحفظ أمن الناس، وبمن يدفع الأعداء؟!
4 ـ إشفاق أبي بكر من الفتنة:
وقال أبو بكر: إنه أشفق من الفتنة، مع أن الحقيقة هي: أنه لو ترك هذا الأمر، لتسير الأمور فيه وفق توجيهات رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، لم يبق مكان للفتنة.
ولو أنهم لم يتهموا رسول الله بالهجر.
ولو أطاعوه في الخروج في جيش أسامة.
ولو تركوه يكتب لهم الكتاب الذي لن يضلوا بعده.
ولو تركوه ينصب لهم أمير المؤمنين (عليهالسلام
) يوم عرفة..
ولو لم يستأثر أبو بكر بالأمر لنفسه، فلماذا تضرب الزهراء (عليهاالسلام )، ويسقط جنينها، وهي التي يغضب الله لغضبها؟!
وقد قالت الزهراء (عليهاالسلام ) رداً على هذه المقالة: (أزعمتم خوف الفتنة؟! ألا في الفتنة سقطوا)(1) .
5 ـ أبو بكر هو الأقوى:
4 ـ إن أبا بكر يقول: إنه كان يودّ أن يكون مكانه من هو أقوى منه على حمل مسؤولية الأمارة.
والسؤال هو: من أين علم أبو بكر أنه هو الأقوى من سائر الصحابة على حمل هذه المسؤولية؟!
ولماذا لا يكون الأقوى هو الذي نصبه الله ورسوله لها، وهو الجامع للصفات المطلوبة فيها دون سواه، وهو علي (عليهالسلام )، فإنه هو الأعلم، والأتقى، والأشجع والأقوى، والأزهد، والأعظم جهاداً،
____________
1- راجع: دلائل الإمامة ص116 والإحتجاج ج1 ص137 والطرائف لابن طاووس ص265 وبحار الأنوار ج29 ص225 و 238 و 275 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص417 والسقيفة وفدك للجوهري ص143 وشرح الأخبار ج3 ص36 وفدك في التاريخ ص133 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص251 وبلاغات النساء لابن طيفور ص14 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص160 واللمعة البيضاء ص636.
ومؤازرة، وبذلاً لنفسه في الله ورسوله من جميع البشر.
6 ـ صلاة أبي بكر، وحديث الغار:
وأما الإستدلال على أحقية أبي بكر بالخلافة بما زعموه من أنه صلى بالناس في مرض رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وبأنه صاحب النبي (صلىاللهعليهوآله ) في الغار، فهو مكذوب على أمير المؤمنين (عليهالسلام ). بلا ريب، وقد ذكرنا ذلك أكثر من مرة.. فلا حاجة إلى الإعادة.
غير أننا نعود لتذكير القارئ بما يلي:
ألف: إن الصلاحية لإمامة الجماعة لا تعني الصلاحية لإمامة الأمة.
ب: إن الصحبة في الغار لا تعني أن ذلك الصاحب عالم، أو شجاع، أو تقي، أو مدبر، أو غير ذلك.. ليصح الإستدلال بها على أهليته للإمامة والخلافة.
ج: قلنا: إن الصحبة في الغار قد بينت وأثبتت أن ذلك الصاحب فاقد لأبسط الأمور التي تؤهله لأدنى مقام.. بل إن آية الغار قد أظهرت موجبات القدح فيه، كما أوضحناه في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله )..
التدليس غير المقبول:
قال ابن إسحاق: ولما قبض رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) انحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، واعتزل علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة، وانحاز
بقية المهاجرين إلى أبي بكر، وانحاز معهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل.
فأتى آت إلى أبي بكر وعمر فقال: إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، وقد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا قبل أن يتفاقم أمرهم.
ورسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في بيته لم يفرغ من أمره، قد أغلق دونه الباب أهله.
قال عمر: فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء حتى ننظر ما هم عليه(1) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص311 وقال في هامشه: أخرجه البيهقي في الدلائل ج7 ص229 وابن كثير في البداية والنهاية ج5 ص252 وانظر ترجمة حماد في الميزان ج1 ص598 والبخاري في التاريخ ج3 ص28 والضعفاء للعقيلي ج1 ص308 والمجروحون لابن حبان ج1 ص252 وأنساب الأشراف للبلاذري (ط دار المعارف) ج1 ص583 و (ط دار الفكر) ج2 ص264 وراجع: السيرة النبوية لابن هشام ج4 ص1071 وراجع: صحيح البخاري ج8 ص27 ومسند أحمد ج1 ص55 والسنن الكبرى للبيهقي ج8 ص142 و تاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص6 والكامل في التاريخ ج2 ص327 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص446 وتاريخ مدينة دمشق ج30 ص282 والثقات لابن حبان ج2 ص154 وشرح نهـج البلاغـة للمعتزلي ج2 ص23 والسـيرة النبويـة لابن كثـير ج4 = = ص488 والمصنف للصنعاني ج5 ص442 وعمدة القاري ج24 ص7 والصوارم المهرقة ص56 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص302 و 308
ونقول:
إن علياً (عليهالسلام ) لم يعتزل أهل السقيفة في بيت فاطمة، بل كان (عليهالسلام ) منشغلاً بتغسيل وتجهيز رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ـ حسب تصريح الرواية نفسها ـ وبعض بني هاشم كانوا بالقرب منه يلبون ما يطلبه منهم..
وأهل السقيفة هم زعماء الأوس والخزرج، ولحق بهم أربعة أو خمسة أشخاص من المهاجرين، وبايع هؤلاء المهاجرون واحداً منهم، ولم يرض أكثر الأنصار آنئذٍ بذلك، ثم خرج أولئك المهاجرون، ومعهم بضعة رجال من الأنصار إلى المسجد، فلحق بهم غيرهم في الطريق وفي المسجد، فصاروا جماعة، وهاجموا الزهراء، وعلياً (عليهماالسلام ) في بيتهما..
وأما سائر الناس، فهم إما في بيوتهم، وهم الأكثر، أو في المسجد، أو في أعمالهم، أو في غير ذلك من شؤون..
خطبة أبي بكر:
إن الذين وردوا على الأنصار هم:
1 ـ أبو بكر بن أبي قحافة.
2 ـ عمر بن الخطاب.
ـ أبو عبيدة.
وأضاف بعضهم: سالماً مولى أبي حذيفة.. وربما أضيف خالد أيضاً، ولعلهما جاءا متأخرين..
وقد استطاع هؤلاء بمساعدة أسيد بن حضير، وعويم بن ساعدة، ومعن بن عدي، وبشير بن سعد أن يبتزوا الأوس والخزرج ما كانوا يرونه في أيديهم..
ولم يكلفهم الحصول على هذا الأمر سوى كلمات يسيرة أوردها أبو بكر، وهي التالية: (إن هذا الأمر إن تطاولت إليه الخزرج لم تقصر عنه الأوس، وإن تطاولت إليه الأوس لم تقصر عنه الخزرج، وقد كانت بين الحيين قتلى لا تنسى، وجراح لا تداوى.
فإن نعق منكم ناعق جلس بين لحيي أسد، يضغمه المهاجري، ويجرحه الأنصاري.
وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلكم في الدين، ولا سابقتكم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصاراً لدينه ولرسوله، وجعل إليكم هجرته، وفيكم جلة أزواجه وأصحابه، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء)(1) .
____________
1- راجع: البيان والتبيين ج3 ص181 وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج2 ص457 وبحار الأنوار ج28 ص335 والكامل في التاريخ ج2 ص329 وراجع: المصنف لابن أبي شيبة ج8 ص571.
ونوضح بعض مرامي هذه الخطبة على النحو التالي:
1 ـ بدأ أبو بكر خطابه برشوة شكلية للأنصار، حين ذكر فضلهم وسابقتهم، واعتبرهم أول من آمن ونصر، إلخ.. فأرضى بذلك غرورهم، واستمال الكثيرين منهم إليه، وأوحى لهم بأنه يريد إنصافهم، وليس بصدد التنافس معهم، ومفاخرتهم..
2 ـ فإذا عاد وقدم المهاجرين عليهم، وجعل الأنصار في درجة تلي درجتهم، فلن يتهم بالتعصب لفريقه، ويكون قد مهد السبيل لترتيب الآثار على هذا التقديم، من أسهل طريق، وتأتي تلك النتيجة طبيعية ومقبولة..
3 ـ وقد حرص على أن لا يطلق تفضيله للمهاجرين، لأن ذلك سيكون غير مقبول، فخص منهم المهاجرين الأولين بالتقديم.
4 ـ ثم تحاشى أي تعبير يدل على استبعاد الأنصار، بل أزاحهم بطريقة توحي بأنه يريد مشاركتهم، حين قال لهم: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء..
5 ـ ثم أذكى طموح بعض الأنصار، واستفزهم لمناوأة سعد بن عبادة ومنافسته، حين حرك فيهم عرقهم القبلي وعصبيتهم العشائرية التي وصفها النبي بأنها منتنة.. حيث ذكر: أن الأمير إن كان من الأوس، فلن ترضى به الخزرج، وكذلك العكس.
6 ـ ثم ذكرهم بإحن الجاهلية، وبما كان بينهم من حروب وترات، وآلام وجراح، فادعى لهم أنها لا تنسى؟!
مع أن الإسلام كان قد أخمدها، وكان البلسم الشافي لها، لو التزموا بتعاليمه، ومفاهيمه..
7 ـ فضعف بذلك أمر سعد، ثم أكد هذا الإستضعاف العملي لسعد وللأنصار حين تهددهم عمر، وأهان سعداً، واعتبره هو وكل من يطلب هذا الأمر من الأنصار ناعقاً..
8 ـ ثم تقدم أبو بكر خطوة أخرى، فجعل المهاجرين حكاماً على الناس، يقررون لأنفسهم ولغيرهم، ويعزلون وينصبون، وأخرج الأنصار عن دائرة المشاركة في الإختيار.
9 ـ ثم استدل على أحقية المهاجرين من الأنصار بأنهم أولياء الله وعشيرته، فأسقط بذلك حجج الأنصار، وجعلهم غرباء عن هذا الأمر، مدلين بباطل، متهماً إياهم بأنهم بصدد إعادة حكم الجاهلية.. وهو ما لا يرضاه منهم أحد من المسلمين.
10ـ ثم أخرج موقف الأنصار عن دائرة الحكمة، والتعقل والتدبير السليم، ليصبح إفساداً لأمر الناس، ومن أعمال الفتنة
11 ـ وبذلك يصبح الأنصار موضع التهمة، ويثير الشك والشبهة في أمرهم لدى كل من يرغب بمساعدتهم والكون إلى جانبهم، فإنه يصبح متهماً مثلهم بإثارة الفتنة.
12ـ ثم أدخل اليأس إلى نفوس الأنصار في أن تستقيم لهم الأمور، حين قرر أن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش.
وعمر بن الخطاب أيضاً:
ثم جاء عمر بن الخطاب ليؤكد ذلك التهديد والوعيد، وسائر المضامين التي
سجلها أبو بكر، فقال مجيباً على مقولة أحد الأنصار: منا أمير ومنكم أمير بقوله:
(لا يجتمع اثنان في قرن، والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، وولي أمورهم منهم.
ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة، والسلطان المبين.
من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته، ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل، أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكة)(1) .
وبعد أن أظهر بشير بن سعد اقتناعه بحجة أبي بكر وعمر، وتسليمه بأن لا نصيب للأنصار في الحكم والحاكمية، بادر أبو بكر إلى إظهار زهده في هذا الأمر، والتحدث بطريقة توحي بأنه ينأى بنفسه عن هذا المقام، وأنه إنما كان يتكلم لمجرد إحقاق الحق، فقال مشيراً إلى عمر، وإلى أبي عبيدة: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فأيهما شئتم فبايعوا.
لقد قال أبو بكر هذا مع علمه بأنهما سيردان الأمر إليه، ربما لأنهم كانوا متفقين على ذلك.
____________
1- راجع: الإحتجاج للطبرسي ج1 ص92 وبحار الأنوار ج28 ص181 و 345 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص9 والسقيفة وفدك للجوهري ص60 و تاريخ الأمم والملوك ج2 ص457 والإمامة والسياسة (بتحقيق الزيني) ج1 ص15 و (بتحقيق الشيري) ج1 ص25 والشافي في الإمامة للشريف المرتضى ج3 ص188 وحياة الإمام الحسين (عليهالسلام ) للقرشي ج1 ص248.
وربما لعلمه بعدم جرأتهما على القبول بالتقدم عليه، لأكثر من سبب..
وهكذا كان، فبايعاه وسبقهما بشير بن سعد بالبيعة، وبايعه أيضاً قريبه أسيد بن حضير، وعويم بن ساعدة، ومعن بن عدي، وسالم مولى أبي حذيفة فيما قيل.
وترك هؤلاء سقيفة أولئك، ليواصلوا فيها نزاعاتهم، وخرجوا إلى المسجد لمعالجة أمر علي وبني هاشم، وجماعات آخرين، وذلك بوضعهم أمام الأمر الواقع، ومواجهتهم بأمر قد قضي، وإيهامهم بأنه لا ثمرة، بل لا مجال للنقاش فيه، ولا للعودة عنه.
الذين لم يبايعوا أبا بكر:
وبعد كل العنف الذي مارسه الذين بايعوا أبا بكر، ورغم كل حشودهم وتهديداتهم.. وبعد مرور أيام كثيرة قضوها في الترهيب والترغيب، فقد تخلف عن بيعة أبي بكر جماعة منهم: بنو هاشم، وعلي، والعباس، والفضل بن العباس، وعتبة بن أبي لهب، وسعد بن عبادة، وسلمان، وعمار، والمقداد، وأبو ذر، وأبي بن كعب، وسعد بن أبي وقاص، والزبير، وطلحة، والبراء بن عازب، وخزيمة بن ثابت، وفروة بن عمرو الأنصاري، وخالد بن سعيد بن العاص(1) .
____________
1- مروج الذهب ج2 ص301 والعقد الفريد ج4 ص259 و (ط أخرى) ج3 ص64 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص131 وج2 ص130 ـ 134 عن الجوهري، وأسد الغابة ج3 ص222 وتاريخ الأمم والملوك (ط دار المعارف) ج3 ص208 = = والكامل في التاريخ ج2 ص325 و 331 وتاريخ اليعقوبي (ط الغري) ج2 ص103 و 105 وسمط النجوم العوالي ج2 ص244 والسيرة الحلبية (ط البهية بمصر) ج3 ص356 والمختصر لأبي الفداء ج1 ص156 وراجع: الرياض النضرة ج1 ص167 وتاريخ الخميس ج1 ص188 وابن شحنة (بهامش الكامل) ج11 ص112.
والذين بايعوه إنما بايعوه كرهاً(1) .
بيعة أبي بكر فلتة:
ومن المقولات المشهورة قول أبي بكر: (إن بيعتي كانت فلتة وقى الله شرها، وخشيت الفتنة)(2) .
كما أن عمر في أيام خلافته قد وصف بيعة أبي بكر بأنها كانت فلتة كما تقدم وسيأتي(3) .
____________
1- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص219 وج6 ص9 و 11 و 19 و 40 و 47 و 48 و 49.
2- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص50 وج6 ص47 وأنساب الأشراف البلاذري ج1 ص590 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص314 عنه. وراجع: كتاب الأربعين للشيرازي ص154 والمراجعات للسيد شرف الدين ص337 والسقيفة وفدك للجوهري ص46.
3- راجع: صحيح البخاري (كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت) (ط محمد علي صبيح) ج8 ص209 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص23 = = و 26 و 29 وج6 ص47 والسيرة النبوية لابن هشام (ط دار الجيل) ج4 ص226 والنهاية لابن الأثير ج3 ص466 وتاريخ الأمم والملوك (ط دار المعارف بمصر) ج3 ص305 والكامل في التاريخ ج2 ص327 ولسان العرب ج2 ص371 وتاج العروس ج1 ص568 والصواعق المحرقة (ط المحمدية) ص8 و 12 و 34 و 36 وتاريخ الخلفاء ص67 والسيرة الحلبية ج3 ص360 و 363 ومسند أحمد ج6 ص55 وأنساب الأشراف ج5 ص15 والرياض النضرة ج1 ص161 وتيسير الوصول ج2 ص42 و 44 وتمام المتون للصفدي ص137 والملل والنحل (ط دار المعرفة) ج1 ص22 والتمهيد للباقلاني ج1 ص116.
والفلتة: ما وقع من غير إحكام.
وقيل: يجوز أن يريد بها الخلسة، وبمعنى أن الإمامة يوم السقيفة مالت إلى توليتها الأنفس، ولذلك كثر فيها التشاجر، فما قلدها أبو بكر إلا انتزاعاً من الأيدي.
ومثل هذه البيعة جديرة بأن تكون مثيرة للفتن، فعصم الله من ذلك، ووقى شرها(1) .
الإكراه في بيعة أبي بكر:
وقد رسم العلامة الأميني (رحمهالله ) صورة للعنف الذي رافق بيعة
____________
1- راجع: سبل الهدى والرشاد ج12 ص318 والفائق للزمخشري ج3 ص50.
أبي بكر، نحاول أن نلخصها على النحو التالي:
لقد بلغت الأمور في السقيفة حداً جعل عمر بن الخطاب يقول: (اقتلوا سعداً قتل الله سعداً، إنه منافق أو صاحب فتنة).
وقد قام الرجل (عمر) على رأسه، وقال له: (لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك، أو عيونك)(1) .
فيتلقاه قيس بن سعد بقوله: (لئن حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة، أو جارحة)(2) .
ثم قال عمر: (والله ما يخالفنا أحد إلا قتلناه..) حسبما ورد.
وارتفعت الأصوات حتى كادت الحرب أن تقع..
وينتضي الحباب بن المنذر سيفه ويقول: (والله لا يرد علي أحد ما أقول إلا حطمته بالسيف).
فيقال له: إذن يقتلك الله.
____________
1- مسند أحمد ج1 ص56 والعقد الفريد ج4 ص86 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص222 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص459 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص339 والرياض النضرة ج1 ص162 و 164 والسيرة الحلبية ج3 ص359 و (ط دار المعرفة) ج3 ص482. وراجع: بحار الأنوار ج28 ص336.
2- تاريخ الأمم والملوك ج3 ص222 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص459 والسيرة الحلبية ج3 ص359 والشافي في الامامة للشريف المرتضى ج3 ص190 وسفينة النجاة للسرابي التنكابني ص68 والغدير ج5 ص369 وج7 ص76.
فيقول: بل إياك يقتل(1) .
فأخذ، ووطئ في بطنه، ودس في فيه التراب(2) .
وآخر ينادي: (أما والله، أرميكم بكل ما في كنانتي من نبل، وأخضب منكم سناني ورمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم مع من معي من أهلي وعشيرتي)(3) .
____________
1- مسند أحمد ج1 ص56 والبيان والتبيين ج3 ص198 والعقد الفريد ج4 ص86 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص339 والإمامة والسياسة ج1 ص15 وعن صحيح البخاري ج6 ص256 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص220 و 223 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص457 والكامل في التاريخ ج2 ص330 والرياض النضرة ج1 ص202 و 204 والبداية والنهاية ج5 ص246 وج7 ص142 وعن صفة الصفوة ج1 ص256 وتيسير الوصول ج2 ص45 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص38 وج6 ص9 والسيرة الحلبية ج3 ص358 وبحار الأنوار ج28 ص325
2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص40 والغدير ج7 ص76.
3- الإمامة والسياسة لابن قتيبة (بتحقيق الزيني) ج1 ص17 و (بتحقيق الشيري) ج1 ص27 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص222 والكامل في التاريخ ج2 ص331 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص39 والغدير ج7 ص76 والسيرة الحلبية ج3 ص359 و (ط دار المعرفة) ج3 ص483 والشافي في الإمامة للشريف المرتضى ج3 ص191.
و آخر يقول: (إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم)(1) .
ويستل الزبير سيفه، ويقول: (لا أغمده حتى يبايع علي).
فيقول عمر: (عليكم بالكلب).
فيؤخذ سيفه من يده، ويضرب به الحجر، فيكسر(2) .
كما أن المقداد يُدْفَعُ في صدره(3) ، ويضرب أنف الحباب بن المنذر ويُكْسَرُ(4) .
____________
1- الغدير ج3 ص253 وج7 ص76 والسقيفة وفدك للجوهري ص39 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص221 وج2 ص44 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص449 والكامل في التاريخ ج2 ص326 وراجع: بحار الأنوار ج28 ص327 و 328 وفدك في التاريخ ص104 وحياة الإمام الحسين (عليهالسلام ) للقرشي ج1 ص252.
2- الإمامة والسياسة ج1 ص18 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص203 والرياض النضرة ج1 ص207 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص174 وج2 ص156 وج6 ص11 و 47 والأمالي للمفيد ص49 والإحتجاج للطبرسي ج1 ص95 وبحار الأنوار ج28 ص184
3- الصوارم المهرقة ص58 وكتاب الأربعين للشيرازي ص146 وكتاب الأربعين للماحوزي ص266 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص174.
4- الغدير ج5 ص368 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص174 وكتاب الأربعين للماحوزي ص266.
والأمرُّ والأدهى من ذلك كله أن أبا بكر بعث عمر بن الخطاب إلى بيت الزهراء (عليهاالسلام ) وقال له: إن أبوا فقاتلهم.
فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: (يا بن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا)؟!
قال: (نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة)(1) .
وقال لهم عمر: (لتخرجن إلى البيعة، أولأحرقنها على من فيها).
فقيل له: (إن فيها فاطمة).
فقال: (وإن)(2) .
____________
1- العقد الفريد ج4 ص87 وتاريخ أبي الفداء ج1 ص156 وأعلام النساء ج4 ص114 وراجع: روضة المناظر ج1 ص189 حوادث سنة 11 والطرائف لابن طاووس ص239 وبحار الأنوار ج28 ص339 والغدير ج7 ص77 ونهج السعادة للمحمودي ج5 ص272 ومجمع النورين للمرندي ص246 ونهج الحق وكشف الصدق للعلامة الحلي ص271 وإحقاق الحق (الأصل) ص228 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج25 ص544. وراجع: البداية والنهاية ج5 ص250 وسير أعلام النبلاء (سيرة الخلفاء الراشدين) ص26 والرياض النضرة ج1 ص241.
2- تاريخ الأمم والملوك ج3 ص202 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص443 والإمامة والسياسة ج1 ص19 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص56 وج6 ص48 وأعلام النساء ج4 ص114 والسقيفة وفدك للجوهري ص53 و 73 = = والطرائف لابن طاووس ص238 وبناء المقالة الفاطمية ص402 وكتاب الأربعين للشيرازي ص151 و 155 وبحار الأنوار ج28 ص315 و 321 والغدير ج5 ص369 و 371 وج7 ص77 و 86.
ثم إنهم ضربوا الزهراء (عليهاالسلام )، وأسقطوا جنينها في هذا السبيل(1) ، ولم يبايع علي (عليهالسلام ) حتى رأى الدخان يخرج من بيته(2) .
____________
1- راجع كتابنا: مأساة الزهراء (عليهاالسلام ) ج2 ص132 ـ 143.
2- تاريخ اليعقوبي ج2 ص137 وتاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص117 و 118 وإثبات الهداة ج2 ص359 و 367 و 368 والعقد الفريد ج4 ص268 والإيضاح لابن شاذان ص161 والإمامة والسياسة ج1 ص18 وسير أعلام النبلاء (سير الخلفاء الراشدين) ص17 ومجموع الغرائب للكفعمي ص288 ومروج الذهب ج1 ص414 وج2 ص301 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص130 وج 17 ص168 و 164 وج6 ص51 وج2 ص47 و 46 وج20 ص24 و 17 وميزان الإعتدال ج3 ص109 وج2 ص215 والإمامة ص82 (مخطوط) توجد نسخة مصورة منه في مكتبة المركز الإسلامي للدراسات في بيروت. ولسان الميزان ج4 ص189 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص430 (ط المعارف) وكنز العمال ج3 ص125 وج5 ص631 و 632 والرسائل الاعتقادية (رسالة طريق الإرشاد) ص470 و 471. ومنتخب كنز العمال (مطبوع بهامش مسند أحمد) ج2 ص171. =
= وراجع: المعجم الكبير للطبراني ج1 ص62 وضياء العالمين (مخطوط) ج2 ق3 ص 9 و 108 عن العديد من المصادر والنص والإجتهاد ص91 والسبعة من السلف ص16 و 17 والغدير ج7 ص170 ومعالم المدرستين ج2 ص79 وعن تاريخ ابن عساكر (ترجمة أبي بكر) ومرآة الزمان.
وراجع: زهر الربيع ج2 ص124 وأنوار الملكوت ص227 وبحار الأنوار ج30 ص123 و 136 و 138 و 141 و 352 ونفحات اللاهوت ص79 وحديقة الشيعة ج2 ص252 وتشييد المطاعن ج1 ص340 ودلائل الصدق ج3 ق1 ص32.
وراجع: الخصال ج1 ص171 و 173 وحياة الصحابة ج2 ص24 والشافي للمرتضى ج4 ص137 و 138. والمغني لعبد الجبار ج20 ق1 ص340 و 341. ونهج الحق ص265 والأموال لأبي عبيد ص194 (وإن لم يصرح بها).
وراجع ايضاً: مجمع الزوائد ج5 ص203 وتلخيص الشافي ج3 ص170 وتجريد الإعتقاد لنصير الدين الطوسي ص402 وكشف المراد ص403 ومفتاح الباب (أي الباب الحادي عشر) للعربشاهي (تحقيق مهدي محقق) ص199 وتقريب المعارف ص 366 و 367 واللوامع الإلهية في المباحث الكلامية للمقداد ص302 ومختصر تاريخ دمشق ج13 ص122 ومنال الطالب ص280.
ثم يذكر (رحمهالله ) ما لاقاه علي والزهراء (عليهماالسلام ) من ظلم واضطهاد في هذا السبيل(1) ، فراجع كلامه.
____________
1- الغدير ج7 ص77 ـ 82.
كبس الناس في بيوتهم، وأربعة آلاف مقاتل:
لقد دلت النصوص المتقدمة على ممارسة المتغلبين الجدد أقسى أنواع القهر، وعلى سعيهم الحثيث لإكراه الناس على البيعة، ونضيف إليها ما يلي:
1 ـ عن عبدالله بن عبد الرحمن قال:
(إن عمر احتزم بإزاره، وجعل يطوف بالمدينة، وينادي: ألا إن أبا بكر قد بويع له، فهلموا إلى البيعة، فينثال الناس عليه فيبايعون.
فعرف أن جماعة في بيوت مستترون، فكان يقصدهم في جمع كثير ويكبسهم، ويحضرهم المسجد، فيبايعون، حتى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى منزل علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) الخ..).
ثم تذكر الرواية إحضارهم الحطب لإحراق باب علي والزهراء (عليهماالسلام ) على من فيه..(1) .
2 ـ ذكر الطبرسي: أنه قد جيء بعلي (عليهالسلام ) ملبباً يُعْتَلُ ـ أي يجر بعنف ـ إلى أبي بكر (وعمر قائم بالسيف على رأسه، ومعه خالد وأبو عبيدة، وسالم، والمغيرة، وأسيد بن حضير، وبشير بن سعد. وسائر الناس قعود، ومعهم السلاح).
ثم تذكر الرواية: أنهم مدُّوا يد علي (عليهالسلام ) وهو يقبضها، حتى
____________
1- راجع: الإحتجاج ج1 ص201 ـ 202 وبحار الأنوار ج28 ص204.
وضعوها فوق يد أبي بكر، وصيح في المسجد: بايع بايع(1) .
3 ـ وقد جاء في حديث الإثني عشر، الذين احتجوا على أبي بكر، ونصحوه بالتراجع عما أقدم عليه، ما يلي:
(فنزل أبو بكر من المنبر، فلما كان يوم الجمعة المقبلة، سل عمر سيفه، ثم قال: لا أسمع رجلاً يقول مثل مقالته تلك إلا ضربت عنقه، ثم مضى هو وسالم، ومعاذ بن جبل، وأبو عبيدة، شاهرين سيوفهم حتى أخرجوا أبا بكر، وأصعدوه المنبر)(2) .
وسيأتي هذا الحديث مفصلاً في الجزء التالي تحت عنوان: اثنا عشر صحابياً يحتجون على أبي بكر.
وقال الصدوق بعد ذكره لاحتجاجات الإثني عشر رجلاً المشار إليها:
(فأخبر الثقة من أصحاب رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): أن أبا بكر جلس في بيته ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الثالث أتاه عمر بن الخطاب، وطلحة، والزبير، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، مع كل واحد منهم عشرة رجال من عشائرهم، شاهرين
____________
1- الإحتجاج ج1 ص212 ـ 213 فما بعدها، وبحار الأنوار ج28 ص270 ـ 276 وبيت الأحزان ص110 وكتاب سليم بن قيس ج2 ص587 وراجع: تخريج الحديث في ج3 ص965 ـ 966 فإنه أشار إلى العديد من المصادر.
2- كتاب الرجال للبرقي ص 66 وقاموس الرجال للتستري ج10 ص98 ومعجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج19 ص203.
السيوف، فأخرجوه من منزله، وعلا المنبر، وقال قائل منهم:
(والله، لإن عاد منكم أحد فتكلم بمثل الذي تكلم به لنملأن أسيافنا منه. فجلسوا في منازلهم، ولم يتكلم أحد بذلك)(1) .
وذِكْرُ الزبير هنا قد يكون سهواً من الرواة، بسبب الإرتباط الذهني بينه وبين طلحة.
ومهما يكن من أمر: فإن هذا الحديث مروي بعدة طرق.. وقد رواه ابن طاووس عن أحمد بن محمد الطبري، المعروف بالخليلي، وعن محمد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ، في كتاب مناقب أهل البيت (عليهمالسلام )(2) ، وقال: (إعلم أن هذا الحديث روته الشيعة متواترين.. الخ..)(3) .
وقد ذكر السيد هذه الرواية لكنه قال: (فجلس أبو بكر في بيته ثلاثة أيام، فأتاه عمر وعثمان و.. و..
إلى أن قال: فأتاه كل منهم متسلحاً في قومه حتى أخرجوه من بيته، ثم أصعدوه المنبر، وقد سلوا سيوفهم، فقال قائل منهم: والله، لئن عاد أحد منكم بمثل ما تكلـم به رعاع منكم بالأمس لنملأن سيوفنـا منـه، فأحجم
____________
1- الخصال ج 2 ص 465 وراجع: بحار الأنوار ج 28 ص 213 ـ 219.
2- راجع: اليقين ص 108 و (ط مؤسسة دار الكتاب ـ الجزائري) ص335 وبحار الأنوار ج28 ص214.
3- اليقين في إمرة أمير المؤمنين (عليهالسلام ) ص 108 و 113 و (ط مؤسسة دار الكتاب ـ الجزائري) ص335 وراجع: بحار الأنوار ج28 ص214 و 215.
ـ والله ـ القوم، وكرهوا الموت)(1) .
4 ـ إن نصاً آخر للحديث الآنف الذكر نفسه، يذكر رقماً محدداً للمقاتلين الذين استفادوا منهم في إرعاب الناس من الأنصار وغيرهم، وخصوصاً في مواجهة علي (عليهالسلام ) ومن معه..
فقد روى الطبرسي (رحمهالله ) وغيره، حديث احتجاج الاثني عشر صحابياً على أبي بكر عن الإمام الصادق (عليهالسلام ) وفيه: أنهم بعد ان تكلموا بما أفحم أبا بكر، أخذ عمر بيده (وانطلق إلى منزله، وبقوا ثلاثة أيام لا يدخلون مسجد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فلما كان في اليوم الرابع جاءهم خالد بن الوليد ومعه ألف رجل، فخرجوا شاهرين بأسيافهم، يقدمهم عمر بن الخطاب، حتى وقفوا بمسجد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فقال عمر:
والله يا أصحاب علي، لئن ذهب منكم رجل يتكلم، بالذي تكلم بالأمس، لنأخذن الذي فيه عيناه)(2) .
____________
1- اليقين ص113 و (ط مؤسسة دار الكتاب ـ الجزائري) ص342 وبحار الأنوار ج28 ص219.
2- الإحتجاج ج1 ص200 وبحار الأنوار ج28 ص202 عنه، والصراط المستقيم ج2 ص82 عن كتاب إبطال الإختيار، بسنده عن أبان بن عثمان، عن الإمام الصادق (عليهالسلام )، وكتاب الأربعين للشيرازي ص243 ونهج الإيمان لابن جبر ص586 والفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم ج2 ص334.
5 ـ (قال هشام: قال أبو مخنف: فحدثني أبو بكر بن محمد الخزاعي:أن أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايقت بهم السكك، فبايعوا أبا بكر، فكان عمر يقول: ما هو إلا أن رأيت أسلم، فأيقنت بالنصر)(1) .
6 ـ قال ابن الأثير: (وجاءت أسلم فبايعت)(2) .
7 ـ وعند المعتزلي: (جاءت أسلم فبايعت، فقوي بهم جانب أبي بكر)(3) .
8 ـ عن أبي مخنف، عن محمد بن السائب الكلبي، وأبي صالح، عن زائدة بن قدامة: أن قوماً من الأعراب دخلوا المدينة ليمتاروا منها، فأنفذ إليهم عمر، فاستدعاهم وقال لهم:
(خذوا بالحظ والمعونة على بيعة خليفة رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فمن امتنع، فاضربوا رأسه وجبينه.
قال: فوالله، لقد رأيت الأعراب قد تحزموا، واتشحوا بالأزر الصنعانية،
____________
1- تاريخ الأمم والملوك (تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم) ج 3 ص 222 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص458 وتلخيص الشافي ج 3 ص 66 وبحار الأنوار ج 28 ص 335 والشافي في الإمامة للشريف المرتضى ج3 ص190.
2- الكامل في التاريخ ج 3 ص331 وراجع: بحار الأنوار ج28 ص326 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص40.
3- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 40 وبحار الأنوار للمجلسي ج 28 ص 326 عنه.
وأخذوا بأيديهم الخشب، وخرجوا حتى خبطوا الناس خبطاً، وجاؤوا بهم مكرهين إلى البيعة)(1) .
ومن المعلوم: أن الأعراب الذين كانوا حول المدينة هم أسلم، وجهينة، وغفار، ولحيان. وهم الذين يقول الله تعالى فيهم:( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ) (2) ، كما جاءت به الرواية.
9 ـ روى المعتزلي وغيره، عن البراء بن عازب: أنه فقد أبا بكر وعمر حين وفاة رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، (وإذا قائل يقول: القوم في سقيفة بني ساعدة، وإذا قائل آخر يقول: قد بويع أبو بكر. فلم ألبث، وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل، ومعه عمر، وأبو عبيدة، وجماعة من أصحاب السقيفة، وهم محتجزون بالأزر الصنعانية، لا يمرون بأحد إلا خبطوه، وقدموه، ومدوا يده، ومسحوها على يد أبي بكر، شاء ذلك أو أبى)(3) .
فهذا النص يقترب جداً إلى سابقه، إلى حد التطابق، وهما معاً يقتربان ـ بنحو أو بآخر ـ من النصوص المتقدمة حول بني أسلم..
____________
1- الجمل للشيخ المفيد ص119 و (ط مكتبة الداوري) ص59.
2- الآية 101 من سورة التوبة.
3- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص219 وبحار الأنوار ج28 ص286 وكتاب سليم بن قيس (نشر الهادي) ج2 ص572 وكتاب الأربعين للشيرازي ص147 والسقيفة وفدك للجوهري ص48.
ونقول:
لاحظ ما يلي:
1 ـ إن لنا كلاماً حول كل ما سبق من نصوص أوردناه في الجزء الأخير من كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله )، فلا غنى للباحث عن مراجعته.
2 ـ إن المدينة كانت بلداً صغيراً جداً قد لا يزيد عدد سكانه، كبيرهم وصغيرهم، نساءاً ورجالاً، على الثلاثة أو الأربعة آلاف(1) .
وهو بلد منقسم على نفسه إلى جماعات، فإذا دخل إليها فجأة بضعة مئات من المقاتلين، وأصبحوا في كل حي وكل زقاق، وعلى أبواب البيوت، فقد انتهى امرها، وسقطت كل إرادة للمقاومة فيها، ولا سيما إذا كان بعض الفرقاء فيها هو الذي رغب إلى هؤلاء المقاتلين بالمجيء لنصرته ومعونته..
3 ـ إن إيقان عمر وأبي بكر بالنصر حين حضور قبيلة أسلم، قد يوحي بانسجام تام بينهما، إن لم نقل بوجود تنسيق مسبق بين هذه القبيلة التي حضرت فجأة، وفرضت إرادتها على الجميع.
وقد صرحت رواية المفيد بتحريض عمر لهم على معونتهم في أخذ البيعة من الناس.
4 ـ إن قبيلة أسلم، وجهينة، ومزينة، وغفار، وعصية، وأشجع، كانوا يسكنون حول المدينة، وكان النفاق فاشياً في هذه القبائل، حتى لقد قال
____________
1- راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله ) ج33 ص333 ـ 335.
تعالى عنهم(1) :
( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ) (2) .
____________
1- راجع: تفسير النسفي ج2 ص107 والتفسير الكبير للرازي ج16 ص173 والدر المنثور ج 3 ص 271 عن ابن المنذر، وبحار الأنوار ج22 ص41 وتفسير مجمع البيان ج5 ص114 وتفسير مقاتل بن سليمان ج2 ص68 وأسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص174 وتفسير البيضاوي ج3 ص168 وتفسير أبي السعود ج4 ص97 وفتح القدير للشوكاني ج2 ص401 وتفسير الآلوسي ج11 ص9. والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج3 ص75 وتفسير البحر المحيط ج5 ص97 وتفسير الثعالبي ج3 ص208.
2- الآية 101 من سورة التوبة.
من وفاة النبي (صلىاللهعليهوآله ).. إلى بيعة علي (عليهالسلام )
كيف حدث الإنقلاب؟!
الخلافة في إطارها العام..
مصدر السلطات:
لا نريد هنا أن نقدم بحثاً حول الإمامة، والخلافة، من وجهة نظر الشيعة والسنة.. كما أننا لا نريد بيان مذاهب الناس وآرائهم في تحديد مصدر السلطات في الأمة..
بل نريد فقط أن نشير إلى حقيقة قرآنية، لا مجال للنقاش والبحث فيها، وهي: أن هناك آيات قرآنية تحدثت عن مصدر الحاكمية والسلطة..
ونشير هنا إلى ثلاث منها، وهي التالية:
1 ـ قال تعالى:( يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) (1) . فقررت أن الله تعالى هو الذي جعل الخلافة لداود في الأرض ولم تأت خلافته من شورى، ولا من بيعة أهل الحل والعقد، ولا من وصية السابق للاحق. ولا من إرث وصل إليه.. ولا.. ولا..
2 ـ قوله تعالى في قصة طالوت:( أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلإ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ
____________
1- الآية 26 من سورة ص.
عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.
وَقَالَ لهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (1) .
إلى أن قال تبارك وتعالى:
( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ المُلْكَ وَالْحِكْمَةَ ) (2) .
فقد تضمنت هذه الآيات الكريمة الإشارة إلى الحقائق التالية:
أولاً: إن بني إسرائيل لم يبادروا إلى نصب ملك لهم. من خلال شورى يعقدونها لأهل الحل والعقد، أو إجراء انتخابات عامة، أو أية آلية أخرى، بل التجأوا إلى نبي لهم، وطلبوا منه هو أن يبعث لهم ملكاً.. فهل كان ذلك منهم لأنهم يرون أن لا حق لهم في أن ينصبوا حاكماً على أنفسهم، فضلاً عن غيرهم. لأن ذلك من صلاحيات الأنبياء الذين يتصرفون على أساس الأمر الإلهي.
أم انهم أرادوا تحاشي وقوع النزاع بينهم في هذا الأمر.
____________
1- الآيتان 246 و 247 من سورة البقرة.
2- الآية 251 من سورة البقرة.
ثانياً: إن نبيهم لم يعتذر لهم عن هذه المهمة، بأنها ليست من مهماته، وأن عليهم أن يرجعوا فيها إلى أهل الحل والعقد، أو غيرهم من الناس.. كالعلماء، أو الأغنياء أو رؤساء القبائل، أو المسنين، أو.. أو.. بل تقبل النبي منهم ذلك، وبادر إلى تلبية طلبهم..
ثالثاً: إنه برغم اعتراض بني إسرائيل على جعل طالوت ملكاً، إلا أن اعتراضهم لم يكن على أصل جعل هذا المنصب، بل على مبرراته، فقد برروا اعتراضهم هذا بعدم توفر المواصفات المطلوبة فيه، فأخبرهم نبيهم بأنهم قد أخطأوا في تحديد تلك المواصفات. ثم حدد لهم ما هو صحيح منها، فلم يبدوا على ذلك أي اعتراض..
ثم قال لهم نبيهم: إنه لا يحق لهم حتى مجرد الإعتراض على ذلك، لأن صلاحية جعل الملك واختياره لا تعود لهم، بل هي منحصرة بالله تعالى؛ مع تعليل من شأنه أن يقطع كل جدل في هذا الموضوع، وهو: أن الله تعالى هو صاحب الملك، الذي يختار أن يمنحه لمن يشاء من عباده.
أما البشر فليس لهم ذلك، فلا يحق لهم إعطاء ما ليس لهم لأي كان من البشر.
رابعاً: إنه تعالى عاد فذكر أن داود، وإن كان نبياً، لكن الله لم يكتف بذلك له، بل آتاه الملك والحكمة أيضاً.. فهو الذي جعله خليفة في الأرض، وخوّله أن يحكم بينهم بالحق، بما أراه الله تعالى..
3 ـ قال تعالى على لسان موسى (عليهالسلام ):( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ
أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) (1) .
فقررت هذه الآيات: أن مقام الوزارة أيضاً قد جاء من قبل الله تبارك وتعالى.
وقد يؤكد ذلك: أننا لم نجد وصياً، أو خليفة لنبي من الأنبياء، انتخب من قبل الناس، لا كلهم، ولا بعضهم، مهما كانت صفاتهم وأحوالهم. وما جرى بالنسبة لابي بكر وعمر، فقد جاء انتخابه لإبطال وصية الرسول، ولأجل نقضها..
ويزيد في التأكيد هنا: أن موسى (عليهالسلام ) حين أراد أن يذهب لميقات ربه أربعين ليلة،( قَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ ) (2) .
ويؤكده أيضاً: نفس تصدي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لنصب علي (عليهالسلام )، وأخذ البيعة له من الناس في يوم الغدير. والتأكيد على خلافته من بعده، وعلى إمامته في عشرات المناسبات.. كما هو معلوم..
ويزيده تأكيداً ووضوحاً: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) لم ينشئ سفراً ـ وما أكثر أسفاره للحرب ولغيرها ـ إلا وجعل خليفة له على المدينة، ولم يجمع في كل تلك الأسفار المسلمين ليشاورهم في هذا الأمر.. وكذلك كان يفعل في أمراء السرايا، فإنه كان يعين القائد، ويعين خليفته إن حدث به حدث، ولا يشاور في ذلك أحداً.
____________
1- الآيات 29 ـ 32 من سورة طه.
2- الآية 142 من سورة الأعراف.
السقيفة تدبير سابق خفي:
إنتهت أحداث السقيفة بإبعاد علي (عليهالسلام ) عن مقام الخلافة الذي جعله الله تعالى له، وتشير الشواهد إلى أن ما حدث لم يكن وليد ساعته، بل كان قد سبقه تدبير واتفاق، كما أشار إليه معاوية في رسالته لمحمد بن أبي بكر، حيث قال:
(..كان أبوك وفاروقه أول من ابتزه حقه، وخالفه على أمره، على ذلك اتفقا واتسقا، ثم إنهما دعواه إلى بيعتهما، فأبطأ عنهما، وتلكأ منهما، فهمّا به الهموم، وأرادا به العظيم)!(1) .
بل في بعض الروايات: أن جماعة من هؤلاء كانوا قد اجتمعوا عند
____________
1- مروج الذهب (تحقيق شارل پلا) ج3 ص200 والإحتجاج للطبرسي ج1 ص272 والجمل لابن شدقم المدني ص93 وراجع: ظلامة الزهراء (عليهاالسلام )، للعلامة الأحمدي ص63 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي (ط دار إحياء الكتب العربية) ج3 ص190 و (ط مصر) ج1 ص283 وقاموس الرجال للتستري ج10 ص119 والغدير ج10 ص158 وصفين للمنقري ص118 و 119 و (ط المؤسسة العربية الحديثة سنة 1382هـ) ص120 والإختصاص ص119 و (ط دار المفيد سنة 1414هـ) ص126 وغاية المرام ج5 ص309 وج6 ص123 وجمهرة رسائل العرب ج1 ص542. وراجع: أنساب الأشراف ج1 ص312 وج2 ص393 وبحار الأنوار ج8 ص603 و 604 وج33 ص577 و 579 عن الإحتجاج، والإختصاص، ونصر بن مزاحم.
الكعبة، وكتبوا صحيفة تعهدوا فيها بصرف الأمر عن علي (عليهالسلام ). وذلك سنة عشر من الهجرة(1) ، وكانوا أربعة وثلاثين رجلاً.
وروى ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، قال: سألت أبا عبد الله (عليهالسلام ) عن معنى قول أمير المؤمنين (عليهالسلام ) لما نظر إلى الثاني وهو مسجى بثوبه: ما أحد أحب إلي أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى.
____________
1- راجع: مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج3 ص212 و 313 و (ط المطبعة الحيدرية ـ النجف 1376هـ) ج3 ص14 وبحار الأنوار ج28 ص103 و 104 و 122 و 123 و 126 وراجع ص85 و 116 و 127 وج31 ص636 وج36 ص632 والصوارم المهرقة للتستري ص74 ـ 77 والأنوار العلوية ص75 والدرجات الرفيعة ص301 وعن إرشاد القلوب ج2 ص112 ـ 135 للديلمي في تفسير قوله تعالى:( إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ ) [الآية 10 من سورة المجادلة]، وقوله تعالى:( مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ ) [الآية 8 من سورة المجادلة] والكافي ج4 ص545 وج8 ص179 و 334 وكتاب سليم بن قيس (بتحقيق محمد باقر الأنصاري) ج2 ص652 و 650 و 589 ـ 591 و (ط أخرى) ص271 وجامع أحاديث الشيعة ج12 ص212 ومستدركات علم رجال الحديث ج2 ص267 وج4 ص411 وراجع: مجمع البحرين ج2 ص484 وطرائف المقال للبروجردي ج2 ص207 والمحتضر لابن سليمان الحلي ص108 والصراط المستقيم ج3 ص151 و 152 والفصول المختارة ص58.
قال: عنى بها الصحيفة التي كتبت في الكعبة(1) .
والمراد بالملاقاة بها: مخاصمة أصحابها عند الله فيها.
وفي احتجاج أمير المؤمنين (عليهالسلام ) على طلحة يقول النص:
(فقام علي (عليهالسلام ) وغضب من مقالة طلحة، فأخرج شيئاً قد كان يكتمه، وفسر شيئاً قد كان قاله يوم مات عمر، لم يدروا ما عنى به. وأقبل على طلحة والناس يسمعون.
فقال: يا طلحة، أما والله ما من صحيفة ألقى الله بها يوم القيامة أحب إلّي من صحيفة هؤلاء الخمسة، الذين تعاهدوا على الوفاء بها في الكعبة في حجة الوداع: (إن قتل الله محمداً، أو مات أن يتوازروا ويتظاهروا عليّ، فلا أصل إلى الخلافة)(2) .
____________
1- معاني الأخبار ص312 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي سنة 1379هـ) ص412 وبحار الأنوار ج28 ص117 عنه، وص105 وج31 ص589 وج10 ص296 ومدينة المعاجز ج1 ص469 ـ 471 عن العيون والمحاسن، والفصول المختارة ص90 والمحاسن ص58 وراجع: الأصول الستة عشر ص18 وكتاب الأربعين للشيرازي ص574 والأصول الستة عشر من الأصول الأولية (تحقيق ضياء الدين المحمودي) ص144 والإستغاثة ج2 ص66.
2- كتاب سليم بن قيس (تحقيق محمد باقر الأنصاري) ج2 ص650 و (ط أخرى) ص203 وراجع ص154 بحار الأنوار ج31 ص416 و ج28 ص274 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج1 ص335 والإحتجاج للطبرسي = = ج1 ص218 وراجع ص110 والأنوار العلوية ص335 وغاية المرام ج2 ص102 وج6 ص104 وراجع: ج5 ص318 و 336 وراجع: المحتضر لابن سليمان الحلي ص110 وكتاب الأربعين للشيرازي ص249 ونفس الرحمن للطبرسي ص485.
ولا منافاة بين هذه الرواية وبين ما تقدم من أن المتعاقدين كانوا أربعة وثلاثين رجلاً، إذ لعل الذين قاموا بهذا الأمر في البداية كانوا خمسة، ثم التحق الباقون بهم بسعي من هؤلاء الخمسة حتى بلغوا أربعة وثلاثين رجلاً.
ما جرى على علي (عليهالسلام ) وسام له:
وقد كتب معاوية لعلي يعيبه بما جرى عليه في أمر البيعة لأبي بكر، فأجابه علي (عليهالسلام ) بقوله:
(وقلت: إني أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع.
ولعمر الله، لقد أردت أن تذم فمدحت)(1) .
____________
1- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج3 ص33 والإحتجاج للطبرسي ج1 ص262 والصوارم المهرقة ص220 وكتاب الأربعين للشيرازي ص165 وبحار الأنوار ج28 ص368 وج29 ص621 وج33 ص59 و 162 و 108 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص505 والإمام علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) للهمداني ص733 ونهج السعـادة للمحمودي ج4 ص197 وشرح نهج البـلاغـة للمعتزلي ج15 = = ص183 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليهالسلام ) لابن الدمشقي ج1 ص374 وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص237 وغاية المرام ج5 ص329 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج2 ص369 وسفينة النجاة للتنكابني ص327 وصفين للمنقري ص87 ومنهاج البراعة ج19 ص92 و 104 عن العديد من المصادر.
ونقول:
نعم، إنه وسام الجهاد الأكبر، يناله علي (عليهالسلام ) عن جدارة واستحقاق؛ حيث تعرّض لأعظم امتحان. وأشرس حرب يواجهها بشر على وجه الأرض، فهو يهاجَم، ويُعتَقَل وتُضرب زوجته، ويباشر بحرق بيته على من فيه، وفيه أشرف الخلق، وأكرمهم على الله، ويهان أكرم خلق الله تبارك وتعالى، ورسوله وحبيبه، وصفيه، ويرمى بالهجر.. ثم تستشهد ابنته وزوجة وصيه، ويصبح وصيه بسبب ما فعله أولئك المعتدون ـ بنظر الناس ـ الأقل والأضعف..
ويختار ذلك الوصي التحمل والصبر على ما هو أمرّ من العلقم، وآلم من حز المدى..
إنه يصبر على الأذى في جنب الله، ويسكت على العدوان على بيته وزوجته، ونفسه، ويرى كتاب الله مبدلاً، وشرعه مستباحاً، ويرى الظلم والعسف في نفسه.. وهو أغير الناس، وأشجع الناس، وأكثرهم التزاماً بشرع الله، وغيرة على دينه، وعملاً بشرائعه..
ولولا وصية من أخيه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) له بأن لا يناهضهم إلا إذا وجد أنصاراً، لبادر إلى اختلاس أرواحهم، وارواء الأرض من دمائهم وطمس ذكرهم.
وقد عرفنا أن حرب بدر رغم قساوتها البالغة على المسلمين، لأسباب مختلفة، قد اعتبرت من مفردات الجهاد الأصغر؛ لأن الجهاد الأكبر هو جهاد النفس، ولا شك في أن حال علي (عليهالسلام ) كانت تحتاج إلى جهاد النفس في أعلى مراتب الجهاد..
وهذا كله.. يفسر لنا قول أمير المؤمنين لمعاوية: (أردت أن تذم فمدحت).
ليتني سألت رسول الله (صلىاللهعليهوآله )!:
ورووا عن أبي بكر أنه قال في مرضه الذي توفي فيه ـ في ضمن حديث ـ: (..وددت أني سألت رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، لمن هذا الأمر؟! فلا ينازعه أحد. ووددت أني كنت سألته: هل للأنصار في هذا الأمر نصيب)؟!(1) .
____________
1- تاريخ الأمم والملوك ج3 ص341 والعقد الفريد ج4 ص93 و268 والأموال لأبي عبيد ص174 ح353 والإمامة والسياسة ج1 ص24 ومروج الذهب ج2 ص317 وتاريخ اليعقوبي (ط سنة 1394هـ) ج2 ص126.
وراجع المصادر التالية: تاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص117 و 118 وإثبات الهداة ج2 ص359 و 367 و 368 والإيضاح لشاذان ص161 وسير أعلام النبلاء (سير الخلفاء الراشدين) ص17 ومجموع الغرائب للكفعمي ص288 ومروج = = الذهب ج1 ص414 وج2 ص301 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج1 ص130 وج17 ص168 و 164 وج6 ص51 وج2 ص47 و 46 وج20 ص24 و 17 وميزان الإعتدال ج3 ص109 ج2 ص215 والإمامة (مخطوط توجد نسخة مصورة منه في مكتبة المركز الإسلامي للدراسات في بيروت) ص82. ولسان الميزان ج4 ص189 وتاريخ الأمم والملوك (ط المعارف) ج3 ص430 وكنز العمال ج3 ص125 وج5 ص631 و 632 والرسائل الإعتقادية (رسالة طريق الإرشاد) ص470 و 471 ومنتخب كنز العمال (مطبوع بهامش مسند أحمد) ج2 ص171 والمعجم الكبير للطبراني ج1 ص62 وضياء العالمين (مخطوط) ج2 ق3 ص90 و 108 عن العديد من المصادر. والنص والإجتهاد ص91 والسبعة من السلف ص16 و 17 والغدير ج7 ص170 ومعالم المدرستين ج2 ص79 وعن تاريخ ابن عساكر (ترجمة أبي بكر) ومرآة الزمان.
وراجع: زهر الربيع ج2 ص124 وأنوار الملكوت ص227 وبحار الأنـوار ج30 ص123 و 136 و 138 و 141 و 352 ونفحات اللاهوت ص79 وحديقة الشيعة ج2 ص252 وتشييد المطاعن ج1 ص340 ودلائل الصدق ج3 ق1 ص32 والخصال ج1 ص171 ـ 173 وحياة الصحابة ج2 ص24 والشافي للمرتضى ج4 ص137 و 138 والمغني لعبد الجبار ج20 ق1 ص340 و 341 ونهج الحق ص265 ومجمع الزوائد ج5 ص203 وتلخيص الشافي ج3 ص170 وتجريـد الاعتقـاد لنصير الـديـن الطـوسي ص402 وكشف المـراد = = ص403 ومفتاح الباب (أي الباب الحادي عشر) للعربشاهي (تحقيق مهدي محقق) ص199 وتقريب المعارف ص366 و 367 واللوامع الإلهية في المباحث الكلامية للمقداد ص302 ومختصر تاريخ دمشق ج13 ص122 ومنال الطالب ص280.
وهو كلام عجيب حقاً..
فأولاً: إن أبا بكر قد بايع علياً أمير المؤمنين (عليهالسلام ) في يوم الغدير، وسمع النبي (صلىاللهعليهوآله ) يعلن إمامته وولايته، وخلافته من بعده آنئذ، ثم في تبوك، وفي مواقف ومناسبات أخرى كثيرة جداً.
ثانياً: إذا كان أبو بكر لا يعرف وجه الحق في مسألة الخلافة، فكيف ساغ له أن يتصدى، ويجادل الأنصار في أحقيته لها دونهم؟! وكيف جاز له أن يعامل الذين لم يبايعوه بهذه القسوة، حتى ضرب بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وأحرق بابها، وكشف بيتها، وأسقط جنينها. حتى ماتت شهيدة، وتعدى على حرمة أمير المؤمنين (عليهالسلام ) وتهدده بالقتل، وأرادوا قتله، وكذلك فعلوا بسعد بن عبادة؟!
وتهدد كل من لم يبايعه بالقتل. بل هو قد قتل طائفة منهم لرفضهم بيعته إلا بعد أن يتحققوا ويتثبتوا من الأمر..
فهل الشاك في هذا الأمر يفعل بالناس كل هذه الأفاعيل؟!
ثالثاً: إذا كان لا يعرف وجه الحق في هذا الأمر، فلماذا يستخلف عمر بن الخطاب بوصية مكتوبة منه؟! ولماذا لم يترك المسلمين يختارون لأنفسهم،
أو يختار لهم أهل الحل والعقد من يرونه أهلاً لهذا المقام؟!
رابعاً: لم ينتخب الناس خلفاء الأنبياء السابقين من بعدهم، بل هم الذين اعلموا الناس بوصايتهم لهم، فلماذا لم يمنع ذلك أبا بكر من الإقدام على ما أقدم عليه؟!
أبو بكر بين الهاشميين والأمويين:
إن أبا بكر لم يستعن بأحد من الهاشميين طيلة فترة حكمه، ولم يعطهم أي موقع ذي بال في أي شأن من شؤون حكومته..
ولكنه أعطى بني أمية الكثير من المواقع القيادية الهامة(1) . بل كان لهم حصة الأسد. وكانت توليته يزيد ابن أبي سفيان أول رشوة قدمها له ولأبيه ولبني أمية.
وقد قال أبو سفيان لما أخبروه بأن أبا بكر قد سوغه الأموال التي جاء بها، وأنه قد ولى ابنه: (وصلته رحم)(2) .
ثم جاء عمر بعد أبي بكر، وسار على منهاجه واستن بسيرته بصورة عامة..
____________
1- راجع: تاريخ الأمم والملوك ج3 ص426 و 427 وغيره.. فإنك لا تجد ذكراً لأحد من بني هاشم.
2- راجع: تاريخ الأمم والملوك ج2 ص449 ودلائل الصدق ج2 ص39 عنه، وأعيان الشيعة ج1 ص82 و 430 وج6 ص291.
وقد صرّح عمر بالداعي لانتهاج هذه السياسة، حين أبدى خشيته من تولية ابن عباس لحمص، على اعتبار أنه إذا مات وقد تولى الهاشميون بعض الأقطار الإسلامية، فقد يتغير مسار الخلافة عما يحبه ويرتضيه(1) .
والذي يبدو لنا هو: أنهم أرادوا تقوية البيت الأموي وتمكينه من الوصول إلى الحكم بصورة أو بأخرى؛ لأنه حين يتشبث بالحكم، يكون هو القادر على المنافسة والتحدي، والمهيأ للبطش، لمنع بني هاشم من الوصول أو الحصول على أي موقع على مدى الأيام والأعوام..
وهكذا.. فقد كان عمر يقول عن معاوية: هذا كسرى العرب(2) .. وكان يحاول أن يطمعه بالخلافة بنحو أو بآخر، كما ذكرناه في كتابنا: (الحياة السياسية للإمام الحسن (عليهالسلام )).
ثم إن عمر رتب الشورى بنحو يحتم اختيار عثمان..
إلى غير ذلك من أمور تستحق إفراد تأليف مستقل لها، وبذل جهد لاستجلاء آفاق واستكناه واقع هذا الموضوع.
____________
1- مروج الذهب (تحقيق شارل پلا) ج3 ص65 و 66 والسقيفة للمظفر ص161.
2- راجع: الإستيعاب ج3 ص1417 وأسد الغابة ج4 ص386 والإصابة ج6 ص121 وسير أعلام النبلاء ج3 ص134 وتاريخ مدينة دمشق ج59 ص114 و 115 وتاريخ الإسلام للذهبي ج4 ص311 والبداية والنهاية ج8 ص134 وشرح الأخبار ج2 ص164 والغدير ج10 ص226 والأعلام للزركلي ج7 ص262 وإحقاق الحق (الأصل) للتستري ص263.
غضبنا لأنّنا أخّرنا عن المشاورة:
وعن مهاجمتهم بيت علي والزهراء (عليهماالسلام )، يقول إبراهيم، بن عبد الرحمان، بن عوف: إنّ عبد الرحمان، بن عوف، كان مع عمر بن الخطّاب، وإنّ محمّد بن مسلمة كسر سيف الزبير. ثمّ قام أبو بكر فخطب الناس..
إلى أن قال: قال عليّ (عليهالسلام )، والزبير: ما غضبنا إلا لأنّا أخرنا عن المشاورة، وإنّا نرى أن أبا بكر أحقّ الناس بها بعد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ). إنّه لصاحب الغار، وثاني اثنين. وإنّا لنعلم بشرفه وكِبَرِه.
ولقد أمره رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بالصلاة بالناس، وهو حيّ(1) .
ونقول:
أولاً: ذكرنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله ): أن ما يذكرونه من صلاة أبي بكر بالناس بأمر من رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، غير صحيح..
بل قد ذكرنا قول أستاذ المعتزلي: إن علياً (عليهالسلام ) يقول: إن
____________
1- المستدرك على الصحيحين للحاكم ج3 ص66 والغدير ج5 ص356 وكنز العمال ج5 ص597 والوضاعون وأحاديثهم للشيخ الأميني ص464 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص13 والبداية والنهاية ج6 ص333 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص496 والسيرة الحلبية ج3 ص484.
عائشة هي التي أمرت أباها بذلك، وأن هذا هو ما ثبت لدى علي (عليهالسلام )(1) .
ثانياً: ذكرنا أيضاً: أنه حتى لو كان النبي (صلىاللهعليهوآله ) قد أمره بأن يصلي بالناس، فذلك لا يدل على أهليته لقيادة الأمة، فإن الأوصاف المطلوبة في إمام الجماعة هي: الإسلام، والإيمان، والبلوغ، والعقل، واجتناب الذنوب الكبائر، وأن لا يصر على الصغائر..
فكيف إذا كان أبي بكر وعمر يجيزون الصلاة خلف كل بر وفاجر؟!
وشرائط الإمامة للمسلمين أعظم وأهم من ذلك.. فإن المطلوب هو: العلم، والعصمة، والشجاعة، والتنصيص الإلهي الكاشف عن وجود الملكات الخاصة المطلوبة في الإمام، وغير ذلك من شرائط عامة وخاصة..
ثالثاً: لنفترض: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) أمر أبا بكر بالصلاة بالناس، ولكن أليس قد سبق ذلك نصب علي (عليهالسلام ) إماماً في يوم الغدير، وقد بايعه الناس، ومنهم أبو بكر بالإضافة إلى مواقف كثيرة أخرى أكد (صلىاللهعليهوآله ) فيها على هذا الأمر؟!
فإن تكليف أي إنسان بالصلاة في أي مكان لا يعد إلغاءً لما كان قد تقرر سابقاً، ولا هو من مفردات نقض البيعة لمن كان الناس قد بايعوه..
وقد كان ابن عباس والياً على البصرة، وكان أبو الأسود على الصلاة بالناس، فهل أوجب ذلك عزل أو انعزال ابن عباس؟!
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج9 ص198.
رابعاً: كون أبي بكر صاحب الغار، وثاني اثنين ليس من دلائل الأهلية للخلافة، بل هو من دلائل عدم صلاحية أبي بكر لها، كما أوضحناه في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله ) ولا سيما مع كون هذا الصاحب قد رأى من آيات الله وعناياته، ما يحتم عليه اليقين بالحفظ الإلهي، والرعاية الربانية، وزوال أي مبرر لأدنى حزن أو قلق أو ارتياب في ذلك..
فإذا ظهر أن ذلك لم يفد شيئاً في إزالة حزنه، فهو يعني: أن ثمة مشكلة كبيرة فيما يرتبط بموضوع التسليم، والرضا والمعرفة بالله تعالى، والثقة به..
هذا بالاضافة إلى اشارات عديدة تضمنتها آية الغار، ولا سيما، إخراج أبي بكر من السكينة واختصاص الله تعالى بنيه الأكرم (صلىاللهعليهوآله ) بها. فضلاً عما سوى ذلك..
خامساً: بالنسبة لمعرفتهم بشرف وكِبَر أبي بكر، نقول:
ذكرنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله ) ما يدل على ما يخالف ذلك، وأنه كان من أقل وأذل حي من قريش، كما سيأتي في فصل: سياسات لاستيعاب أمويين.. فهناك بعض ما يدل على ذلك.. كما أن الرواية التي ستأتي عن محاولة أبي بكر قتل علي (عليهالسلام ) على يد خالد، قد ذكرت ما يدل على ما نقول أيضاً..
سادساً: إن ما طفحت به كتب الحديث والرواية والتاريخ، وهو من المسلمات لدى القاصي والداني: أن علياً، وأهل بيته (عليهمالسلام ) يرون: أن الحق في الخلافة لهم، وأن أبا بكر وعمر وعثمان قد غصبوا حقهم..
وكلمات أمير المؤمنين (عليهالسلام ) في تقرير هذا المعنى قد تواصلت إلى آخر أيام حياته، وهي لا تكاد تحصى لكثرتها، وفي نهج البلاغة الشيء الكثير منها.. ومنها الخطبة المعروفة بالشقشقية. فما معنى أن تنسب هذه الرواية إلى علي (عليهالسلام ) ما يخالف ذلك كله؟!
سابعاً: لو صح ما نسبته الرواية إلى علي (عليهالسلام ) من أن غضبهم إنما هو لتأخيرهم عن المشاورة فهو يعتبر طعناً في دين علي وأهل بيته (عليهمالسلام )، وإهانة وانتقاصاً لهم، لدلالته على أنهم قد أثاروا مشكلة عظيمة، قتلت من أجلها النفوس، وحلّت بالأمة بسببها البلايا، وستبقى آثارها وتداعياتها إلى يوم القيامة، لمجرد نزوة شخصية عارضة تمثلت بإرضاء غريزة الأنا لديهم، وليس لأجل مصلحة الأمة، ولا لأجل الردع عن مخالفة أمر الله تعالى..
ولعل الصحيح هو ما ذكره المسعودي وغيره، فقد قال المسعودي: (لما بويع أبو بكر في السقيفة، وجددت له البيعة يوم الثلاثاء خرج علي (عليهالسلام ) فقال: أفسدت علينا أمورنا، ولم تستشر، ولم ترع لنا حقاً.
فقال أبو بكر:( بلى، خشيت الفتنة..)(1) .
الفتنة.. الفزاعة:
وبعد.. فإن المتغلبين على أمر الأمة بعد استشهاد الرسول (صلىاللهعليهوآله )، قد استعملوا أقصى درجات الخشونة للوصول إلى مرادهم..
____________
1- مروج الذهب ج3 ص42 وراجع: الإمامة والسياسة ج1 ص12 ـ 14 مع اختلاف.
فتهددوا سعد بن عبادة، حتى قال عمر بن الخطاب: اقتلوا سعداً قتله الله.
وهاجموا بيت الزهراء (عليهاالسلام )، وضربوها، وأسقطوا جنينها، وأضرموا النار في بيت علي، وفاطمة، والحسنين (عليهمالسلام )، وأراد عمر قتل علي.
وتهددوا الأنصار ببسط اليد واللسان على معارضيهم منهم، وبقتلهم..
وحاولوا قتل علي أيضاً بواسطة خالد بن الوليد.
وأُخذ الحباب بن المنذر، ووطئ في بطنه، ودس في فيه التراب، وحطّم أنفه.
ودفع في صدر المقداد.
وأخذ سيف الزبير، وكسر.
وكان الناس يسحبون إلى البيعة بخشونة، وقسوة..
وقال من قال: إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم..
إلى كثير من الأحداث الصعبة، والمتشنجة الأخرى..
وخلاصة ذلك: أن ما فعلوه سيبقى من أسباب تمزق وتفرق الأمة، ومادة للإختلاف فيها إلى يوم القيامة.
وقد قال الشهرستاني: (وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثلما سل على الإمامة في كل زمان)(1) .
____________
1- الملل والنحل ج1 ص24 وراجع محاضرات في التاريخ الإسلامي للخضري ج1 ص167 والمهـذب لابن الـبراج ج1 ص13 ودلائـل الإمـامـة للـطـبري ص16 = = والمراجعات ص51 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص313 والشهب الثواقب للشيخ محمد آل عبد الجبار ص20 والشافي في الإمامة ج1 ص8 ومنهاج الكرامة ص110.
نعم.. هذا هو الحال الذي كان قائماً آنذاك، ولكنهم لا يرون أن ذلك كله من الفتنة التي لا يجوز الإقدام عليها. ولا جر الناس إليها..
أما حين يصل الأمر إلى علي (عليهالسلام )، فإن نفس هؤلاء الذين فعلوا ذلك كله وسواه يبادرون إلى التخويف من وقوع الفتنة، لمجرد أن يمتنع صاحب الحق المغتصب عن اعلان رضاه باغتصاب حقه، وعن بيعتهم، وأن يتفوه هو أو أحد من محبيه بالإعتراض عليهم، بالآية أو بالرواية عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) التي تدنيهم، وتسقط ذكر أئمتهم.
وقد وصف الخليفة علياً (عليهالسلام ): بأنه مرب لكل فتنة، وأنه يشبه أم طحال أحب أهلها إليها البغي(1) .
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص215 ودلائل الامامة لابن رستم الطبري ص123 وبحار الأنوار ج29 ص326 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهمالسلام ) للنجفي ج8 ص447 و 448 والسقيفة وفدك للجوهري ص104 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص323 واللمعة البيضاء ص744 ومجمع النورين للمرندي ص136 وسفينة النجاة للتنكابني ص344 وبيت الأحزان ص152 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص509.
وذلك لمجرد مطالبة فاطمة (عليهاالسلام ) لهم بحقها في الإرث والنِحلة. ومحاولتها إظهار مظلوميتها، حين اغتصبوا منها إرثها ونِحْلتَها..
كما أنه حين قال له علي (عليهالسلام ): أفسدتّ علينا أمرنا، ولم تستشر، ولم ترع لنا حقنا.
قال أبو بكر: بلى، ولكني خشيت الفتنة(1) .
علي (عليهالسلام ) لا يقيل أبا بكر:
قالوا: ولما تمت البيعة لأبي بكر أقام ثلاثة أيام يقيل الناس، ويستقيلهم، ويقول: قد أقلتكم في بيعتي! هل من كاره؟! هل من مبغض؟!.
فيقوم علي في أول الناس، فيقول: والله لا نقيلك، ولا نستقيلك أبداً. قد قدمك النبي لتوحيد ديننا، من ذا الذي يؤخرك لتوجيه دنيانا(2) .
____________
1- مروج الذهب (تحقيق شارل پلا) ج3 ص42 والسقيفة للمظفر ص148 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ ج3 ص58 عن المصادر التالية: الإمامة والسياسة ج1 ص30 ـ 31 ومشاهير علماء الأمصار ص22.
2- الإمامة والسياسة ج1 ص15 و 16 و (تحقيق الزيني) ج1 ص22 و (تحقيق الشيري) ج1 ص33 والجامع لأحكام القرآن ج1 ص272 وج7 ص172. وراجع: الغدير ج8 ص40 وكنز العمال ج5 ص654 و 657 وطبقات المحدثين بأصبهان ج3 ص576 والعثمانيـة للجاحظ ص235 وسبل الهـدى = = والرشاد ج12 ص317 وشرح المقاصد للتفتازاني ج2 ص287 وتاريخ مدينة دمشق ج64 ص345.
يشير إلى صلاته بالناس في مرض النبي (صلىاللهعليهوآله ).
ونقول:
إننا لا نرى حاجة إلى تفنيد هذه المزعمة.. وقد ذكرنا بعض ما يفيد في ذلك في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي (صلىاللهعليهوآله ).. غير أننا نكتفي هنا بما يلي:
أولاً: قد روى أهل السنة في صحاحهم: أن علياً (عليهالسلام ) لم يبايع أبا بكر إلا بعد ستة أشهر(1) ، أي بعد استشهاد فاطمة الزهراء (عليهاالسلام ).
ثانياً: لا ندري كيف نوفق بين هذا وبين ما فعلوه في الزهراء، حيث ضربوها وأسقطوا جنينها، وسعوا في إحراق بيتها على من فيه، وفيه علي
____________
1- صحيح البخـاري (ط دار الفـكر) ج5 ص82 وصحيح مسلم ج5 ص154 وشرح أصول الكافي ج7 ص218 والصوارم المهرقة ص71 ومناقب أهل البيت (عليهمالسلام ) للشيرواني ص413 وشرح مسلم للنووي ج12 ص77 وفتح الباري ج7 ص378 وعمدة القاري ج17 ص258 وصحيح ابن حبان ج14 ص573 ونصب الراية للزيلعي ج2 ص360 والبداية والنهاية ج5 ص307 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص568 والإكمال في أسماء الرجال ص168.
نفسه، والزهراء، والحسن والحسين (عليهمالسلام )!!
ثالثاً: لا شك في أن قياس مسألة الإمامة والخلافة على مسألة إمامة الصلاة غير صحيح، إذ لا يشترط في إمامة الصلاة علم، ولا فقه، ولا شجاعة، ولا كثير من شرائط الخلافة.
رابعاً: إن هؤلاء لا يشترطون عموماً عدالة الإمام في الصلاة، ولكنهم يشترطون ذلك في الخليفة، وغيرهم يشترط فيه العصمة، والنص.
كما أن هؤلاء لا يشترطون لانعقاد الجماعة وصية ولا شورى، ولا بيعة أهل الحل والعقد، ولا نصاً ولا غير ذلك.. أما الخلافة فتحتاج في انعقادها إلى شيء من ذلك عند الكل..
خامساً: إن حديث صلاة أبي بكر بالناس في مرض رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، بأمر منه لا يصح.
وكان علي (عليهالسلام ) يقول: إن عائشة هي التي أمرت أباها بالصلاة، وليس رسول الله (صلىاللهعليهوآله ). فراجع الصحيح من سيرة النبي (صلىاللهعليهوآله ).
سادساً: إن الخلافة ليست منصباً دنيوياً محضاً، بل هي رئاسة دينية بالدرجة الأولى أيضاً.
لماذا أبعد علي (عليهالسلام )؟!:
وقد ذكر ابن أبي الحديد خلاصة لحقيقة الدوافع التي كانت وراء إقصاء علي (عليهالسلام ) عن مقام الخلافة بعد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ،
فقال: (.. والقوم الذين غلب على ظنونهم أن العرب لا تطيع علياً (عليهالسلام ):
فبعضها للحسد.
وبعضها للوتر والثأر.
وبعضها لاستحداثهم سنه.
وبعضها لاستطالته عليهم، ورفعه عنهم.
وبعضها كراهة اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد.
وبعضها للخوف من شدة وطأته، وشدته في دين الله.
وبعضها خوفاً لرجاء تداول قبائل العرب للخلافة، إذا لم يقتصر بها على بيت مخصوص عليه، فيكون رجاء كل حي لوصولهم إليها ثابتاً مستمراً.
وبعضها ببغضه، لبغضهم من قرابته لرسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وهم المنافقون من الناس، ومن في قلبه زيغ من أمر النبوة.
فأصفق الكل إصفاقاً واحداً على صرف الأمر عنه لغيره..
وقال رؤساؤهم: إنَّا خفنا الفتنة، وعلمنا: أن العرب لا تطيعه، ولا تتركه. وتأولوا عند أنفسهم النص ـ ولا ينكر النص ـ وقالوا: إنه النص، ولكن الحاضر يرى ما لا يرى الغائب(1) .
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج12 ص84 و 85.
ولكن فات المعتزلي أن يذكر: أن هناك من صمم والتزم، وكتب عهداً وعقداً عند الكعبة: أن يمنع علياً (عليهالسلام ) من الوصول إلى هذا الأمر، وأنه كان يدبر الأمر لنفسه ولحزبه حسداً، وطمعاً، واستطالة، وخوفاً، ورجاء تداول قبائل العرب الخلافة.. إلى آخر ما ذكره، فكان له ما أراد من خلال الوسائل المختلفة التي استفاد منها، وكلها غير مشروعة.
لماذا لم يحاربهم علي (عليهالسلام )؟!:
وبعد.. فإن النصوص التي أشارت على سبب عدم تصدي علي (عليهالسلام ) لاسترداد حقه بالقوة كثيرة، نذكر منها ما يلي:
1 ـ قال الأشعث بن قيس لعلي (عليهالسلام ): (وأنت لم تخطبنا خطبة منذ كنت قدمت العراق إلا قلت فيها قبل أن تنزل على المنبر:
(والله، إني لأولى الناس بالناس، ولا زلت مظلوماً مذ قبض رسول الله (صلىاللهعليهوآله ))، فما يمنعك أن تضرب بسيفك دون مظلمتك)؟!
قال (عليهالسلام ): يا ابن قيس، اسمع الجواب: لم يمنعني من ذلك الجبن، ولا كراهة للقاء ربي، وأن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لي من الدنيا والبقاء فيها. ولكن منعني من ذلك أمر رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وعهده إلي).
ثم ذكر (عليهالسلام ): أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قال له: (إن وجدت أعواناً فانبذ إليهم وجاهدهم. وإن لم تجد أعواناً، فكف يدك،
واحقن دمك، حتى تجد على إقامة الدين، وكتاب الله وسنتي أعواناً)(1) .
وهناك أحاديث أخرى تشير إلى هذا السبب في قعوده (عليهالسلام )(2) ..
2 ـ في نص آخر عن زرارة: قلت لأبي عبد الله (عليهالسلام ): ما منع أمير المؤمنين (عليهالسلام ) أن يدعو الناس إلى نفسه؟!
قال: خوفاً أن يرتدوا.
قال علي (أي ابن حاتم): وأحسب في الحديث: ولا يشهدوا أن محمداً
____________
1- بحار الأنوار ج29 ص467 و 419 وكتاب سليم بن قيس ج2 ص663 و 664 و (ط أخرى) ص304 والإحتجاج ج1 ص449 و 450 و (ط دار النعمان) ج1 ص281 ومستدرك الوسائل ج11 ص75 وحلية الأبرار ج2 ص64 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص41 والإمام علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) للهمداني ص698 وغاية المرام ج2 ص105 و 197.
2- بحار الأنوار ج29 ص437 و 438 و 450 و 451 و 452 وعلل الشرايع باب122 ح6 ج1 ص148 وتفسير العياشـي ج1 ص303 و ج2 ص51 ومستدرك الوسائل ج11 ص74 وكتاب سليم بن قيس ص427 والغيبة للطوسي ص193 و203 و335 والإحتجاج (ط دار النعمان) ج1 ص281 وكتاب الأربعين للشيرازي ص238 وحلية الأبرار ج2 ص65 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص42 و 43 ومستدرك سفينة البحار ج3 ص115 ونهج الإيمان ص579.
(صلىاللهعليهوآله ) رسول الله(1) .
3 ـ ويوضح نص آخر عن أبي جعفر (عليهالسلام ) هذا الأمر؛ فيقول: لم يمنعه من أن يدعو إلى نفسه إلا أنهم إن يكونوا ضلالاً، لا يرجعون عن الإسلام أحب إليه من أن يدعوهم، فيأبوا عليه، فيصيرون كفاراً كلهم(2) .
4 ـ يقول (عليهالسلام ) في خطبته المعروفة بالشقشقية:
(فطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه.. فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهباً)(3) .
____________
1- علل الشرايع ج1 ص149 و 150 باب122 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص271 ـ 275 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص234 وبحار الأنوار ج29 ص440 و 445 وحلية الأبرار ج2 ص344 والأمالي للطوسي ص230 وغاية المرام ج6 ص27.
2- علل الشرايع ج1 ص150 وبحار الأنوار ج29 ص440 وحلية الأبرار ج2 ص345.
3- نهج البلاغة (بشرح عبده) الخطبة رقم3 ج1 ص30 والإرشاد للمفيد ج1 ص287 وعلل الشرائع ج1 ص150 والأمالي للطوسي ص372 والإحتجاج (ط دار النعمان) ج1 ص281 والطرائـف لابـن طـاووس ص418 و 420 = = وكتاب الأربعين للشيرازي ص167 وحلية الأبرار ج2 ص289 و 291 وبحار الأنوار ج29 ص497 ومناقب أهل البيت (عليهالسلام ) للشيرواني ص457 والغدير ج7 ص81 وج9 ص380 والدرجات الرفيعة ص34 ونهج الحق للعلامة الحلي ص326 وبيت الأحزان ص89 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص48 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص151 ومعاني الأخبار ص360.
5 ـ قيل للإمام الرضا (عليهالسلام ): لِمَ لَمْ يجاهد علي أعداءه خمساً وعشرين سنة بعد رسول الله (صلىاللهعليهوآله )؟!
فقال: لأنه اقتدى برسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في تركه جهاد المشركين بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة تسعة عشر شهراً، وذلك لقلة أعوانه عليهم. وكذلك ترك علي مجاهدة أعدائه لقلة أعوانه عليهم(1) .
6 ـ لو قام بالسيف لتذرعوا بأنه شق عصا الطاعة، وأفسد في الأرض. ولادَّعوا أنه بايع، ثم نكث بيعته. وأثار الفتنة.
7 ـ عن علي (عليهالسلام ) قال: (فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل
____________
1- راجع: علل الشرائع ج1 ص148 وعيون أخبار الرضا (عليهالسلام ) ج1 ص88 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج15 ص88 و (ط دار الإسلامية) ج11 ص66 وحلية الأبرار ج2 ص341 وبحـار الأنـوار ج29 ص435 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص39 ومسند الإمام الرضا (عليهالسلام ) ج1 ص115.
بيتي؛ فضننت بهم عن الموت، وأغضيت على القذى)(1) .
وفي نص آخر: (فنظرت فإذا ليس لي رافد، ولا ذاب، ولا مساعد إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن المنية، فأغضيت على القذى، وجرعت ريقي. وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم. وآلم للقلب من وخز الشفار)(2) ..
ولا مانع من أن يكون (عليهالسلام ) قد لاحظ ذلك كله، من ادراكه لمرامي وصية رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بعدم مناجزة الغاصبين إلا إذا
____________
1- نهج البلاغة (بشرح عبده) الخطبة 26 ج1 ص67 وكشف المحجة ص174 عن رسائل الكليني، وبحار الأنوار ج29 ص610 والمراجعات ص391 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص158 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص20 وغاية المرام ج5 ص322 وسفينة النجاة للتنكابني ص346.
2- راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج2 ص202 والإمامة والسياسة ج1 ص154 وبحار الأنوار ج29 ص608 وج33 ص569 والغارات للثقفي ج1 ص309 والمسترشد ص417 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص48 والصوارم المهرقة ص29 والجمل لضامن بن شدقم المدني ص119 وكتاب الأربعين للشيرازي ص186 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج1 ص276 وج4 ص175والإمام علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) للهمداني ص730 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص66 وج11 ص109 والدرجات الرفيعة ص195 وأعيان الشيعة ج4 ص188 وسفينة النجاة للتنكابني ص306 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج2 ص379.
وجد أعواناً.. وقد رأى بأم عينيه مبررات هذه الوصية، على أرض الواقع.
هل هذا تناقض؟!:
قد يدور بخلد البعض: أن ثمة تناقضاً في روايات: أن علياً (عليهالسلام ) كان موصى من النبي (صلىاللهعليهوآله )، فإن بعضها يقول: إن عليه أن لا يحارب الغاصبين، إلا إذا وجد أربعين مناصراً.
وبعضها: تستثني عشرين مناصراً فقط..
ونجيب:
لو صح وجود الرواية التي تذكر العشرين مناصراً، وترجح لنا صدورها عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فإننا نقول:
إنه لا تعارض بينها وبين روايات الأربعين، إذ لا مانع، بل قد يكون ذلك هو الأقرب بأن يكون (صلىاللهعليهوآله ) قد قال مرة هذا القول، وقال مرة أخرى ذلك القول، وأمره مرة ثالثة بالكف من دون الإشارة إلى عددٍ بعينه أيضاً..
ولا شك في أن تكرار هذه الوصية، والإشارة إلى قلة الناصر، أمر هام جداً في مجال إفهام الناس حقيقة موقف علي (عليهالسلام )، والتزامه بأوامر الرسول، وأنه لا يقف هذا الموقف عن خوف وجبن.
كما أن ذلك يعرفنا بحقيقة المعتدين على حقه، وبدرجة إيمان من يدعون لأنفسهم المقامات العالية في الإسلام والإيمان.
لو كان الأنصار شيعة:
وقد يقال: ما زلنا نسمع أن الأنصار كانوا يميلون إلى علي (عليهالسلام )، ويرون أن الحق له دون سواه، فلو كان كل هذا الجمع العظيم من الأنصار، يعتقدون منذ البداية، بأن علياً هو خليفة النبي (صلىاللهعليهوآله ) بلا فصل، لكان علي (عليهالسلام )، قادراً منذئذ على الإستعانة بهذه الأكثرية من الصحابة، ولصح له أن يصرَّ على منع مناوئيه من اغتصاب حقه.. فهل عدم تصديه لذلك دليل على ضعفه؟! أم أنه يدل على أنه لا حق له؟!
ونجيب:
أولاً: لا شك في أن أكثر الناس يحبون حياة الدعة والسلامة، فإذا رأوا الأعين محمرة على أمر، ولم تكن لديهم حوافز للدفاع عنه، تفوق في أهميتها عندهم ما سوف يقدمونه من أجله من خسائر، وتضحيات، فإنهم سوف ينصرفون عن التصدي للدفاع عنه..
والأمر هنا من هذا القبيل، فقد رأينا أن هؤلاء الأنصار أنفسهم لا يعترضون ولا يحركون ساكناً حينما قال قائلهم للرسول (صلىاللهعليهوآله ): إن النبي ليهجر (أو نحو ذلك)، وحينما هوجم بيت السيدة الزهراء (عليهاالسلام )، وجاؤوا بقبس من نار لإحراق ذلك البيت، رغم معرفتهم بخطورة ما صدر من ذلك القائل، وبخطورة ما يجري على السيدة الزهراء (عليهاالسلام )..
كما أنهم سكتوا عن المتخلفين عن جيش أسامة، وسكتوا عن الذين
نفَّروا برسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ناقته في ليلة العقبة، وسكتوا على الذين رفعوا أصواتهم فوق صوت النبي في يوم عرفة، ومنعوه من بلوغ ما يريد، حتى ليقول جابر بن سمرة ـ كما في صحيح مسلم وغيره ـ: (فقال كلمة أصمَّنيها الناس).
وفي نص آخر: فضج الناس..
وفي نص آخر: فصاروا يقومون، ويقعدون، ونحو ذلك..
وقد أشفق هؤلاء الأصحاب أيضا أن يقدموا بين يدي نجواهم صدقة.
وقد لامهم الله تعالى على تثاقلهم عن الجهاد في سبيل الله، وكانوا إذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها، وتركوا النبي (صلىاللهعليهوآله ) قائماً..( قُلْ مَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ) (1) . مع يقينهم بأن المطلوب منهم كان غير ذلك في جميع هذه الموارد، وسواها.
ثانياً: إن الأنصار قد رأوا بأم أعينهم: كيف أن بني أسلم قد يظهرون فجأة في بلدهم الصغير جداً، الذي قد لا يصل عدد سكانه إلى بضعة آلاف. ليساعدوا أبا بكر على إقامة حكومته، وإخماد أصوات مناوئيه.
رواه أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي عن محمد إسحاق الكلبي وأبي صالح، ورواه أيضاً عن رجاله زايدة بن قدامة قال:
كان جماعة من الأعراب قد دخلوا المدينة ليتماروا منها، فشغل الناس
____________
1- الآية 11 من سورة الجمعة.
نهم بموت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فشهدوا البيعة وحضروا الأمر فأنفذ إليهم عمر واستدعاهم وقال لهم:
خذوا بالحظ من المعونة على بيعة خليفة رسول الله واخرجوا إلى الناس واحشروهم ليبايعوا فمن امتنع فاضربوا رأسه وجبينه.
قال: والله لقد رأيت الأعراب تحزموا، واتشحوا بالأزر الصنعانية وأخذوا بأيديهم الخشب وخرجوا حتى خبطوا الناس خبطا وجاؤا بهم مكرهين إلى البيعة وأمثال ما ذكرناه من الأخبار في قهر الناس على بيعة أبي بكر وحملهم عليها بالاضطراب كثيرة ولو رمنا إيرادها لم يتسع لهذا الكتاب فإن كان الذي ادعاه المخالف من إكراه من أكره على بيعة أمير المؤمنين (عليهالسلام ) دليلاً على فسادها مع ضعف الحديث بذلك فيكون ثبوت الأخبار بما شرحناه من الأدلة على بيعة أبي بكر موضحة عن بطلانها(1)
وكانوا من الكثرة بحيث تضايقت بهم سكك المدينة(2) ، وقوي بهم أبو بكر، كما يقول المؤرخون، ويقول عمر: إنه لما رأى قبيلة أسلم أيقن بالنصر(3) ، بل في بعض النصوص: إن أكثر من أربعة آلاف مقاتل، قد ظهروا فجأة في المدينة، وكان خالد على ألف منهم، ومعاذ على ألف، وغيره
____________
1- الجمل للشيخ المفيد ص 59.
2- تاريخ الطبري ج2 ص458 وعنه بحار الأنوار ج 28 ص335 والشافي في الامامة للشريف المرتضى ج3 ص190 وسفينة النجاة للسرابي التنكابني ص 68.
3- المصادر السابقة.
على ألف، وهكذا..
وتذكر نصوص تاريخية وروائية: أنهم صاروا يسحبون الناس للبيعة ويهينونهم، ويجبرونهم على مبايعة أبي بكر، شاؤوا أم أبوا، ثم صاروا يذهبون إلى من جلسوا في بيوتهم، وتغيبوا، فيستخرجونهم منها قهراً، ويأتون بهم إلى المسجد ليبايعوا..
وماذا ينفع الجمع العظيم من الأنصار في مثل هذه الحالة ما دام أنه لا يقدر أحد منهم على الوصول إلى الإمام علي (عليهالسلام )، لنجدته وهو محاصر في بيته؟! وقد كان بيته في داخل مسجد رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، مقابل المنبر الذي يبايع الناس عليه أبا بكر. ولا يفصل المنبر عن بيت الإمام علي (عليهالسلام ) سوى بضعة أمتار، قد لا تزيد على عدد أصابع اليد الواحدة إلا قليلاً..
وعن بني أسلم نقول:
لقد كانت هذه القبيلة تعيش في أطراف المدينة هي وقبيلة أشجع، وجهينة، ومزينة، وغفار، كانت هي وأخواتها هذه، أعرابية بكل ما لهذه الكلمة من معنى، ولعل قوله تعالى:( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُم ) (1) . جاء ليشير إلى هذه القبيلة وأخواتها بالذات ويقول: إن النفاق كان مستشرياً إلى هذا الحد في نفس المدينة، وفيما حولها..
____________
1- الآية 101 من سورة التوبة.
وقد أعلم الله رسوله بحقيقة هؤلاء المنافقين في هذه الآية، ربما من أجل الإشارة إلى هذه الأحداث المؤلمة التي كان الرسول (صلىاللهعليهوآله ) يحمل همها قبل وفاته (صلىاللهعليهوآله )، وسيعاني منها أمير المؤمنين (عليهالسلام ) بعد ذلك..
والخلاصة:
ظهر: أن تقسيم البعض للناس في زمن الرسول إلى شيعة وسنة، تقسيم غير دقيق، بل هم إما مطيع لأوامر رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وإما عاص لها. وإما مؤمن صحيح الإيمان، وإما منافق..
وقد ظهر: أن الذين سعوا إلى مخالفة أمر الرسول، كانوا يملكون قوة، ولهم مؤيدون.. وأما سائر الناس العاديين، فكانوا يخضعون للترغيب وللترهيب، وكان حبهم للسلامة، والابتعاد عن المصادمات هو الأقوى، والأكثر ملاءمة لهوى نفوسهم..
ثالثاً: هل وجد الإمام علي (عليهالسلام ) فرصة ليدعو الناس إلى نصرته؟!
أليس قد هوجم، وحوصر، وضربت زوجته واسقط جنينها وحوصر محبوه، واخذوا من بيوتهم، فور فراغه من دفن الرسول؟!
هكـذا حـدث الإنقـلاب
علي (عليهالسلام ) محور الإهتمامات:
وقد لوحظ: أن الناس حتى أبو قحافة كانوا يتعجبون من وصول الخلافة إلى أبي بكر، مع وجود علي (عليهالسلام )، وسائر بني هاشم، ولذلك سأل الرسول الذي أتاه بالخبر: ما منعهم من علي؟!
قال الرسول: هو حدث السن، وقد أكثر في قريش وغيرها، وأبو بكر أسن منه.
فقال أبو قحافة: إن كان الأمر في ذلك بالسن، فأنا أحق من أبي بكر، لقد ظلموا علياً حقه، ولقد بايع له النبي، وأمرنا ببيعته(1) .
كما أن الكثيرين من الأصحاب كانوا يصرون على أن الحق لعلي. وقد كثرت استدلالاتهم لهذا الأمر، كما أن أسامة بن زيد كان لا يتوقع استبعاد
____________
1- الإحتجاج ج1 ص226 و 227 و (ط دار النعمان) ج1 ص115 وبحار الأنوار ج29 ص95 وج28 ص329 وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص222 وعن مناهج المهج للكيدري (مخطوط)، وكتاب الأربعين للشيرازي ص282 ومناقب أهل البيت (عليهمالسلام ) للشيرواني ص309 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص422 وقاموس الرجال للتستري ج11 ص477.
علي (عليهالسلام )، وقد استدل على أبي بكر بحديث الغدير..
بل هو بمجرد وصوله من سفره الى المدينة انطلق الى علي (عليهالسلام ) ليستفهم منه عن حقيقة ما جرى.
وقد لاحظنا: أنه لم يستسغ أن يكون علي (عليهالسلام ) قد بايعهم طائعاً، فسأله عن طبيعة بيعته، فأجابه (عليهالسلام ) بأنه قد بايع مكرهاً.
وهذه الوقائع تشير إلى أن أسامة قد غادر المدينة ـ بعد أن تخلف عنه أناس من الصحابة قبل وفاة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).. ولا يصح قولهم: إنه بعد البيعة لأبي بكر سيره أبو بكر إلى الوجه الذي كان النبي (صلىاللهعليهوآله ) قد أمره بالمسير إليه..
الذين كانوا في بيت فاطمة (عليهاالسلام ):
وقد يتخيل المراجع للنصوص أنها تختلف وتتناقض في ذكرها من كان في بيت الزهراء، حين هاجمه عمر ومن معه.
فقد ورد في النصوص: أن الذين كانوا في بيت فاطمة الزهراء (عليهاالسلام ) حين جاء عمر بالحطب ليحرق، الباب عليهم، وقد أحرقه بالفعل، هم:
ألف: علي وفاطمة، والحسنان (عليهمالسلام ) فقط.
قال الشهرستاني، نقلاً عن النظَّام: (إن عمر ضرب فاطمة يوم البيعة، حتى ألقت الجنين من بطنها. وكان يصيح أحرقوا دارها بمن فيها. وما كان
في الدار غير علي، وفاطمة والحسن والحسين)(1) .
ب: لكن نصاً آخر يقول: كان غَضِبَ علي والزبير، فدخلا بيت فاطمة معهما السلاح، فجاء عمر في عصابة، فأخذوا سيفيهما، فضربوا بهما الحجر الخ..(2) .
ج: ونص ثالث يذكر: أنه كان علي وناس من بني هاشم(3) .
____________
1- الملل والنحل (ط دار المعرفة) ج1 ص57 و 58 وعنه في بحار الأنوار ج28 (هامش) ص271 و 317 وسفينة البحار ج8 ص279 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص92 وبيت الأحزان ص123 والكنى والألقاب ج3 ترجمة الشهرستاني. وعوالم العلوم ج11 ص416 وبهج الصباغة ج5 ص15 والوافي بالوفيات ج6 ص17 وقـاموس الرجـال للتستري ج12 ص326 وإحقـاق الحق (الأصل) ص208 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص123.
2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص47 وج2 ص50 وكتاب الأربعين للشيرازي ص154 والسقيفة وفدك للجوهري ص72 وغاية المرام ج5 ص340 وراجع: بحار الأنوار ج28 ص321 والمسترشد ص379 بالإضافة إلى مصادر تقدمت في فقرة (كسر سيف الزبير).
3- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص56 والسقيفة وفدك للجوهري ص53 وبحار الأنوار ج28 ص315 ومناقب أهل البيت (عليهمالسلام ) للشيرواني ص403 والدرجات الرفيعة ص196 وبناء المقالة الفاطمية لابن طاووس ص401 وغاية المرام ج5 ص324 وتشييد المطاعن ج1 ص421. وكتاب الأربعين للشيرازي ص151 وحلية الأبرار ج2 هامش ص321.
د: ورابع يقول: إن سعد بن أبي وقاص والمقداد كانا معهم(1) .
هـ: وذكر نص خامس: الزبير والمقداد في جماعة من الناس(2) .
و: ونص سادس يقول: كان علي والزبير يدخلون على بيت فاطمة بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ويشاورونها، ويرتجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب جاء إليها وقال لها:
ما من أحد من الخلق أحب إليّ من أبيك، وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك الخ..
ثم تذكر الرواية: أنها أمرت علياً والزبير بأن ينصرفوا، ولا يرجعوا إليها.
فانصرفوا عنها، ولم يرجعوا حتى بايعوا أبا بكر(3) .
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص56 وكتاب الأربعين للشيرازي ص151 و 156 وبحار الأنوار ج28 ص315 و 322 وغاية المرام ج5 ص324 وراجع: ج6 ص48 والسقيفة وفدك للجوهري ص73 وتشييد المطاعن ج1 ص436 وبيت الأحزان ص112 والنص والإجتهاد هامش ص21.
2- راجع: بحار الأنوار ج28 ص313 وتشييد المطاعن ج1 ص436 عن المعتزلي ج2 ص45.
3- راجع: تشييد المطاعن ج1 ص436 و 437 و 438 و 439 و 440 عن: جمع الجوامع، وإزالة الخفاء، وغير ذلك، وشرح النووي لصحيح مسلم، والإكتفاء.
وراجـع: المصنـف لابن أبي شيبـة ج14 ص567 و 568 و (ط دار الفكر سنـة = = 1409هـ) ج8 ص572 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص45 وبحار الأنوار ج28 ص313. وراجع: منتخب كنز العمال (مطبوع بهامش مسند أحمد) ج2 ص1174 عن ابن أبي شيبة، وراجع: الشافي للمرتضى ج4 ص110 والمغني للقاضي عبد الجبار ج20 ق1 ص335. وقرة العين لولي الله الدهلوي (ط بيشاور) ص78 والشافي لابن حمزة ج4 ص174 ونهاية الإرب ج19 ص40 والإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج2 ص253 و 254 و 255 والوافي بالوفيات ج17 ص311 وإفحام الأعداء والخصوم ص72 وكنز العمال ج5 ص651.
ز: لكن نصاً آخر يقول: أقبل ـ يعني عمر بن الخطاب ـ في جمع كثير إلى منزل علي بن أبي طالب (عليهالسلام )، فطالبه بالخروج، فأبى، فدعا عمر بالحطب(1) .
____________
1- الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص19 و (تحقيق الشيري) ج1 ص30 وتشييد المطاعن ج1 ص440 و 441 عنه. وراجع: المسترشد ص377 و 378 وراجع: بحار الأنوار ج8 ص356 و 411 عن الشافي للسيد المرتضى، ومناقب أهل البيت (عليهمالسلام ) للشيرواني ص404 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج25 ص544 وج33 ص360 وتلخيص الشافي ج2 ص144 و 145 وأعلام النساء ج4 ص114 والغدير ج5 ص372 وبيت الأحزان ص82 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص405 والوضاعون وأحاديثهم ص494 والكنى والألقاب ج1 ص386 ومصباح الهداية في إثبات الولاية للبهبهاني ص217.
وعن المقدام، عن أبيه نص يؤيد هذا المعنى(1) .
ح: يذكر نص آخر: علياً، والزبير، والمقداد(2) .
ط: قال ابن عبد ربه: أما علي والعباس، فقعدا في بيت فاطمة (عليهاالسلام )، فقال أبو بكر لعمر بن الخطاب: إن أبيا فقاتلهما(3) .
ملاحظات ووقفات مع ما تقدم:
ولنا مع النصوص المتقدمة وقفات، ولنا عليها ملاحظات، نلخصها ضمن النقاط التالية:
1 ً ـ ما ذكر في النص المتقدم في الفقرة (و) يشعر: بأن للسيدة الزهراء (عليهاالسلام ) بيتاً غير البيت الذي يكون علي (عليهالسلام ) فيه، حتى
____________
1- راجع: الإختصاص للمفيد ص185 وبحار الأنوار ج28 ص227 عن العياشي، ومرآة العقول ج5 ص320 وتفسير العياشي ج2 ص66 ومجمع النورين للمرندي ص76.
2- بحار الأنوار ج28 ص231 و 322 وتفسير العياشي ج2 ص307 والبرهان ج2 ص434 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص49 وغاية المرام ج5 ص334.
3- بحار الأنوار ج28 ص339 وتشييد المطاعن ص435 عن العقد الفريد ج2 ص250 عن كشف الحق ص271 وتاريخ أبي الفداء ج1 ص156 والطرائف ص239 ونهج الحق للعلامة الحلي ص271 وإحقاق الحق (الأصل) للتستري ص228 وفلك النجاة في الإمامة والصلاة لعلي محمد فتح الدين الحنفي ص120 عن رسالة الزهراء ص142.
لقد زعموا: أنها قالت لعلي (عليهالسلام ) والزبير: لا ترجعوا إليَّ.
فانصرفوا عنها، ولم يرجعوا إليها..
على أن هذا النص قد تضمن إهانة منها لسيد الوصيينن لأن ظاهره أنها طردته من بيتها، وشرطت عليه أن لا يرجع.
فهل صحيح أنها (عليهاالسلام ) تطرد زوجها، وتمنعه من الدخول إلى بيتها؟!
وهل هذا يتوافق مع أدب الزهراء الرفيع مع سيد الخلق بعد رسول الله (صلىاللهعليهوآله )؟! وهل في خلقها السامي ما يشير إلى أن هذا يصدر منها؟!
2 ً ـ هل يمكن أن نصدق أن عمر بن الخطاب الذي يعتدي على الزهراء (عليهاالسلام )، ويسقط جنينها، ولا يهتم لإحراقها هي وزوجها وأولادها، ويقول لسيد الخلق: إن النبي ليهجر، أو نحو ذلك. هل يمكن أن نصدق أن تكون الزهراء وأبوها أحب الخلق إليه؟!
3 ً ـ ما معنى قولهم المتقدم في الفقرة (ب): إن علياً والزبير غضبا، ودخلا بيت الزهراء، ومعهما السلاح؟!
هل كان الناس لا يجعلون السلاح في بيوتهم، بل يأتون به من خارج تلك البيوت؟!
وهل هناك أحد من الناس لم يكن لديه سلاح في بيته؟!
أم المقصود من هذا التعبير إظهار عدوانية علي (عليهالسلام )، وسلامة نوايا خصومه. وصحة معالجات أبطال السقيفة، حيث نجحوا في وأد فتنة كاد
علي يثيرها بزعمهم؟!!
4 ً ـ ولكن لو صح هذا، فكيف يمكن تفسير، ما تضافرت به الروايات من تصريحات علي (عليهالسلام ): أنه كان موصى بعدم المواجهة.. حتى إن زوجته وهي سيدة نساء العالمين تُضرب ويسقط جنينها، وينتهي الأمر باستشهادها، ويحرق بابه، ويهدد بالقتل، ثم لا تصدر منه أية ردة فعل تدل على رغبته باستعمال السيف، لدفع المهاجمين عن نفسه، وعن زوجته، وأولاده وبيته؟!
5 ً ـ متى عهدنا علياً (عليهالسلام ) عاجزاً عن اتخاذ الرأي الصواب، ومتى وجدنا الزهراء (عليهاالسلام ) في موضع المستشار للزبير، ولغيره في المواجهة مع هذا الفريق أو ذاك؟!
6 ً ـ إن بيت الزهراء (عليهاالسلام ) لم يكن بالذي يتسع لبني هاشم، ولغيرهم من سائر المعترضين، الذين ذكرت الروايات: أنهم كانوا في بيت الزهراء، فقد ذكرت أن فيه بالإضافة إلى بني هاشم، بمن فيهم العباس، وعتبة بن أبي لهب: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، والزبير، وعمار، والبراء بن عازب، وأبي بن كعب، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة. فهل كانت تلك الحجرة وهي التي لم تتسع لدفن النبي (صلىاللهعليهوآله )، وأبي بكر وعمر، تستوعب كل هذا الحشد، بالإضافة إلى الزهراء، وأبنائها، وبناتها، وخادمتها؟!
أضف إلى ذلك: أن الجماعة التي دخلت على جميع هؤلاء كانت كثيرة، وقد سمي منهم: عمر، وخالد، وعبد الرحمن بن عوف، وثابت بن قيس،
وزياد بن لبيد، ومحمد بن مسلمة، وزيد بن ثابت، وسلمة بن سالم بن وقش، وسلمة بن أسلم، وأسيد بن حضير.
ومن المهاجمين أيضاً: معاذ، وقنفذ، والمغيرة بن شعية، وأبو بكر، وزيد بن أسلم، وسالم مولى أبي حذيفة.
فكيف اتسعت تلك الحجرة، وجميع بيت علي لهذا الجمع كله. بعد إضافة أهل البيت، والهاشميين، وغيرهم ممن كان معهم إليهم؟!
7 ً ـ إن ذلك كله يجعلنا نطمئن إلى أن الهجومات على بيت فاطمة قد تعددت، وكان المستهدف في بعضها علياً وحده، ثم استُهدف هو والزبير، وربما بعض آخر كان حاضراً.
وقد يظهر من بعضها: اختلاف أوقات هذه الهجومات، ومناسباتها. وقد يكون بعضها لحظة الفراغ من دفن النبي، وبعضها في اليوم التالي، وبعضها بعد أيام، ولعل بعضها كان بعد استشهاد الزهراء (عليهاالسلام ) أيضاً.
فإن تحديد هذه الهجومات.. وأسبابها وأوقاتها وما جرى فيها، وما كان لها من نتائج يحتاج إلى بحث مستقل.
الهجوم على بيت الزهراء (عليهاالسلام ):
وفي رواية: أنه بعد أن بايع الناس أبا بكر، ما خلا علياً وأهل بيته، ونفراً معهم.
وفي نص آخر: بايع الناس ولم يبق غير الأربعة معه.
وكان أبو بكر أرأف الرجلين وأرفقهما، وأدهاهما، وأبعدهما غوراً. والآخر أفظهما، وأغلظهما، وأخشنهما، وأجفاهما(1) .
فقال عمر لأبي بكر: أرسل إلى علي (عليهالسلام ) فليبايع، فإنا لسنا في شيء حتى يبايع، ولو قد بايع أمناه وغائلته.
فأرسل إليه أبو بكر رسولاً (هو قنفذ): أن أجب خليفة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فأتاه الرسول فأخبره بذلك.
فقال علي (عليهالسلام ): ما أسرع ما كذبتم على رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، إنه ليعلم ويعلم الذين حوله: أن الله ورسوله لم يستخلفا غيري.
فذهب الرسول فأخبره بما قاله.
فقال له عمر: اذهب فقل: أجب أمير المؤمنين أبا بكر.
فأتاه، فأخبره بذلك.
فقال علي (عليهالسلام ): سبحان الله، والله، ما طال العهد بالنبي مني،
____________
1- الإحتجاج ج1 ص207 و (ط دار النعمان) ج1 ص108 وكتاب سليم ج2 ص581 ـ 583 و (ط أخرى) ص149 وبحار الأنوار ج28 ص268 وغاية المرام ج5 ص334 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص482 وبيت الأحزان ص10 والأسرار الفاطمية ص114.
وإنه ليعلم أن هذا الاسم لا يصلح إلا لي، وقد أمره رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) سابع سبعة، فسلموا علي بإمرة المؤمنين، فاستفهَمَهُ هو وصاحبه عمر من بين السبعة فقالا: أمن الله ورسوله؟!
فقال لهما رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): نعم، ذلك حقاً من الله ورسوله بأنه أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وصاحب لواء الغر المحجلين، يقعده الله يوم القيامة على الصراط، فيدخل أولياءه الجنة وأعداءه النار.
قال: فانطلق الرسول إلى أبي بكر، فأخبره بما قال، فكفوا عنه يومئذ.
(قال:) فلما كان الليل حمل (علي بن أبي طالب (عليهالسلام )) فاطمة (عليهاالسلام ) على حمار، ثم دعاهم إلى نصرته، فما استجاب له رجل غيرنا، أربعة، فإنَّا حلقنا رؤسنا، وبذلنا نفوسنا ونصرتنا.
وكان عليّ بن أبي طالب (عليهالسلام ) لمّا رأى خذلان الناس له، وترْكهم نصرته، واجتماع كلمة الناس مع أبي بكر، وطاعتهم له، وتعظيمهم له، جلس في بيته(1) .
وفي نص آخر: أنه لما رجع الرسول في المرة الأولى، وثب عمر غضبان
____________
1- الإحتجاج ج1 ص208 و (ط دار النعمان) ج1 ص108 وكتاب سليم بن قيس ج2 ص583 ـ 584 و (ط أخرى) ص149 ـ 151 والإمامة والسياسة ج1 ص12 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص114 وبحار الأنوار ج28 ص268 والأنوار العلوية ص286 ومجمع النورين ص97 وغاية المرام ج5 ص317 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص482 وبيت الأحزان ص109.
فقال: والله، إني لعارف بسخفه، وضعف رأيه، وأنه لا يستقيم لنا أمر حتى نقتله، فخلني آتيك برأسه.
فقال له أبو بكر: اجلس، فأبى.
فأقسم عليه، فجلس.
فوثب عمر غضبان، فنادى خالد بن الوليد وقنفذاً، فأمرهما أن يحملا حطباً وناراً، ثم أقبل حتى انتهى إلى باب علي، وفاطمة (عليهماالسلام ) قاعدة خلف الباب، قد عصبت رأسها، ونحل جسمها في وفاة رسول الله (صلىاللهعليهوآله )..
فأقبل عمر حتى ضرب الباب، ثم نادى: يا ابن أبي طالب، افتح الباب.
فقالت فاطمة (عليهاالسلام ): يا عمر، أما تتقي الله عز وجل؟! تدخل عليَّ بيتي، وتهجم على داري؟!
فابى أن ينصرف(1) .
ثم دعا بالنار، فأضرمها بالباب، ثم دفعه، فدخل، فاستقبلته فاطمة (عليهاالسلام ) وصاحت: (يا أبتاه يا رسول الله)!
____________
1- كتاب سليم ج2 ص585 و586 و(ط أخرى) ص385 ـ 387 وبحار الأنوار ج28 ص297 ـ 299 وج43 ص197 و121 وراجع: المسترشد ص377 و378 و379 والعوالم ج11 ص400 ـ 404 واللمعة البيضاء ص870 وبيت الأحزان ص114.
فرفع عمر السيف وهو في غمده، فوجأ به جنبها، فصرخت: (يا أبتاه)!
فرفع السوط فضرب به ذراعها، فنادت: (يا رسول الله، لبئس ما خلفك أبو بكر وعمر).
فوثب علي (عليهالسلام ) فأخذ بتلابيبه، ثم نتره، فصرعه، ووجأ أنفه ورقبته، وهمَّ بقتله، فذكر قول رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وما أوصاه به، فقال: (والذي كرم محمداً بالنبوة ـ يا ابن صهاك ـ لولا كتاب من الله سبق، وعهد عهده إلي رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، لعلمت أنك لا تدخل بيتي).
فأرسل عمر يستغيث، فأقبل الناس حتى دخلوا الدار، وثار علي (عليهالسلام ) إلى سيفه إلخ..(1) .
وفي نص ثالث: أن عمر قال لأبي بكر: أرسل إليه قنفذاً ـ وكان عبداً فظاً غليظاً جافياً، من الطلقاء، أحد بني تيم ـ فأرسله، وأرسل معه أعواناً.
فانطلق فاستأذن، فأبى علي (عليهالسلام ) أن يأذن له.
فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر وعمر، وهما في المسجد والناس حولهما، فقالوا: لم يأذن لنا.
____________
1- كتاب سليم ج2 ص585 ـ 586 و (ط أخرى) ص148 ـ 151 و 385 ـ 387 وبحار الأنوار ج28 ص269 و 299 وج43 ص198 واللمعة البيضاء ص870 والأنوار العلوية ص287 ومجمع النورين ص82 و 98 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص483 وبيت الأحزان ص110 و 115.
فقال عمر: هو إن أذن لكم وإلا، فادخلوا عليه بغير إذنه.
(قال:) فانطلقوا، فاستأذنوا، فقالت فاطمة (عليهاالسلام ): أُحرِّج عليكم أن تدخلوا بيتي بغير إذني.
فرجعوا وثبت قنفذ، فقالوا: إن فاطمة قالت كذا وكذا، فحرَّجتنا أن ندخل عليها البيت بغير إذن منها.
فغضب عمر وقال: ما لنا وللنساء.
ثم أمر أناساً حوله (ومنهم خالد بن الوليد وقنفذ) فحملوا حطباً وحمل معهم، فجعلوه حول منزله، وفيه علي وفاطمة وابناهما (عليهمالسلام )، ثم نادى عمر بأعلى صوته حتى أسمع علياً (عليهالسلام ) (وفاطمة (عليهاالسلام )): والله، لتخرجن، ولتبايعن خليفة رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، أو لأضرمن عليك بيتك ناراً.
ثم رجع فقعد عند أبي بكر، وهو يخاف أن يخرج عليه علي (أمير المؤمنين(عليهالسلام )) بسيفه لما قد عرف من بأسه وشدته.
ثم قال لقنفذ: إن خرج وإلا فاقتحم عليه، فإن امتنع فأضرم عليهم بيتهم بالنار.
(قال:) فانطلق قنفذ، فاقتحم الدار هو وأصحابه بغير إذن.
فبادر علي إلى سيفه ليأخذه، فسبقوه إليه.
فتناول بعض سيوفهم، فكثروا عليه، فضبطوه، وألقوا في عنقه حبلاً أسود، وحالت فاطمة (عليهاالسلام ) بين زوجها وبينهم عند باب البيت. فضربها قنقذ بالسوط على عضدها، فبقي أثره في عضدها من ذلك مثل
الدملج من ضرب قنفذ إياها.
فأرسل أبو بكر إلى قنفذ: اضربها، فألجأها إلى عضادة (باب) بيتها.
فدفعها، فكسر ضلعاً من جنبها، وألقت جنيناً من بطنها، فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت من ذلك شهيدة (صلوات الله عليها).
ثم انطلقوا بعلي (عليهالسلام ) ملبباً بعتل (بحبل) حتى انتهوا به إلى أبي بكر، وعمر قائم بالسيف على رأسه، ومعه خالد بن الوليد المخزومي، وأبو عبيدة بن الجراح، وسالم، والمغيرة بن شعبة، وأسيد بن حصين (الصحيح: حضير) وبشير بن سعد، وسائر الناس قعود حول أبي بكر ومعهم السلاح.
(ودخل علي (عليهالسلام )) وهو يقول: أما والله لو وقع سيفي بيدي لعلمتم أنكم لن تصلوا إلي، هذا جزاء مني. وبالله، لا ألوم نفسي في جهد، ولو كنت في أربعين رجلاً لفرقت جماعتكم، فلعن الله قوماً بايعوني ثم خذلوني.
(قال:) فانتهره عمر بن الخطاب، فقال له: بايع.
فقال: وإن لم أفعل؟!
قال: إذاً نقتلك ذلاً وصغاراً.
قال: إذن، تقتلون عبد الله وأخا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فقال أبو بكر: أما عبد الله فنعم، وأما أخو رسوله فلا نقرّ لك به(1) .
____________
1- الإحتجاج ج1 ص209 ـ 213 و (ط دار النعمان) ج1 ص108 ـ 110 وكتاب = = سليم ج2 ص586 ـ 589 و (ط أخرى) ص148 ـ 150 وبحار الأنوار ج28 ص268 وغاية المرام ج5 ص317 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص482 والأنوار العلوية ص286 ومجمع النورين ص97 وبيت الأحزان ص109 والأسرار الفاطمية ص115 وراجع: المسترشد ص380.
قال (عليهالسلام ): أتجحدون أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) آخى بين نفسه وبيني؟!
فأعادوا عليه ذلك ثلاث مرات.
ثم أقبل (عليهم) علي (عليهالسلام )، فقال:
يا معاشر المهاجرين والأنصار!! أنشدكم بالله، أسمعتم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول: يوم غدير خم كذا وكذا(1) ، وفي غزاة تبوك كذا وكذا، فلم يدع شيئاً قاله فيه (صلىاللهعليهوآله ) علانية للعامة إلا ذكره؟!
فقالوا: اللهم نعم.
فلما خاف أبو بكر أن ينصروه ويمنعوه، بادرهم فقال: كل ما قلته قد سمعناه بآذاننا ووعته قلوبنا، ولكن سمعت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول بعد هذا:
____________
1- في بعض النسخ: أسمعتم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه؟!
وفي غزوة: يا علي!! أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة؟! قال: ولم يدع شيئاً..
إنَّا أهل بيت اصطفانا الله وأكرمنا، واختار لنا الآخرة على الدنيا، وإن الله لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة.
فقال علي (عليهالسلام ): أما أحد من أصحاب رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) شهد هذا معك؟!
فقال عمر: صدق خليفة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قد سمعنا منه هذا كما قال.
وقال أبو عبيدة، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل: صدق قد سمعنا ذلك من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فقال علي (عليهالسلام ): لقد وفيتم بصحيفتكم الملعونة التي (قد) تعاقدتم عليها في الكعبة: إن قتل الله محمداً أو أماته أن تزووا هذا الأمر عنا أهل البيت.
فقال أبو بكر: وما علمك بذلك؟! اطلعناك عليها؟!
قال علي (عليهالسلام ): يا زبير، ويا سلمان، وأنت يا مقداد، أذكركم بالله وبالإسلام أسمعتم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول ذلك لي: إن فلاناً وفلاناً ـ حتى عدَّ هؤلاء الخمسة ـ قد كتبوا بينهم كتاباً، وتعاهدوا وتعاقدوا على ما صنعوا؟!
قالوا: اللهم نعم، قد سمعناه يقول ذلك لك.
فقلتَ له: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، فما تأمرني أن أفعل إذا كان ذلك؟!
فقال لك: إن وجدت عليهم أعواناً فجاهدهم ونابذهم، وإن لم تجد أعواناً فبايعهم، واحقن دمك.
فقال علي (عليهالسلام ): أما والله، لو أن أولئك الأربعين رجلاً الذين بايعوني وفوا لي لجاهدتكم في الله ولله [حق جهاده]، أما والله لا ينالها أحد من عقبكم إلى يوم القيامة(1) .
إكراه علي (عليهالسلام ) على البيعة:
ثم نادى قبل أن يبايع: (وأشار إلى قبر رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وقال): يا( ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي ) (2) .
ثم مدوا يده وهو يقبضها حتى وضعوها فوق يد أبي بكر، وقالوا: بايع، بايع. وصيح في المسجد: بايع بايع، أبو الحسن!!!.
ثم قيل للزبير: بايع الآن.
فأبى، فوثب عليه عمر، وخالد بن الوليد، والمغيرة بن شعبة في أناس، فانتزعوا سيفه من يده، فضربوا به الأرض حتى كسر.
فقال الزبير ـ وعمر على صدره ـ: يا بن صهاك، أما والله، لو أن سيفي في يدي لحدت عني، ثم بايع.
____________
1- الإحتجاج ج1 ص209 ـ 215 و (ط دار النعمان) ج1 ص104 و 110 وكتاب سليم ج2 ص586 ـ 591 و (ط أخرى) ص150 ـ 155 وبحار الأنوار ج28 ص274 ومجمع النورين للمرندي ص99 وراجع: الإمامة والسياسة ج1 ص12.
2- الآية 150 من سورة الأعراف.
قال سلمان: ثم أخذوني فوجؤوا عنقي حتى تركوها مثل السلعة، ثم فتلوا يدي، فبايعت مكرهاً.
ثم بايع أبو ذر، والمقداد مكرهين.
وما من الأمة أحد بايع مكرهاً غير علي وأربعتنا(1) .
ولعلك تقول: إن قول سلمان: لم يبايع أحد مكرهاً غير علي وأربعتنا، لا يتلائم مع سائر النصوص التي تحدثت عن إكراه آخرين، حيث كانوا يذهبون إلى بيوتهم ويخرجونهم منها ويجبرونهم إلى البيعة.. وكانوا يضربون الناس في المسجد ويدفعونهم إلى البيعة قهراً.
ونجيب:
أن درجات الإكراه تتفاوت. فهناك المجئ بهم مكبلين، وهناك فتل الأيدي، وهناك مجرد التهديد بالقتل.
وهناك من رأى ما يجري لغيره، فآثر أن لا يعرض نفسه للإهانة. فلعل سلمان كان يتحدث عن الدرجة الأعلى من الإكراه دون ما عداها.
فاطمه (عليهاالسلام ) تهددهم بالدعاء عليهم:
وروي عن الصادق (عليهالسلام ) أنه قال:
لما استُخرج أمير المؤمنين (عليهالسلام ) من منزله خرجت فاطمة
____________
1- الإحتجاج ج1 ص215 و 216 و (ط دار النعمان) ج1 ص111 وكتاب سليم ج2 ص593 و 594 و (ط أخرى) ص158 وبحار الأنوار ج28 ص276 ـ 277 ومجمع النورين ص100.
(صلوات الله عليها) خلفه، فما بقيت امرأة هاشمية(1) إلا خرجت معها حتى انتهت قريباً من القبر، فقالت لهم: خلوا عن ابن عمي، فوالذي بعث محمداً أبي (صلىاللهعليهوآله ) بالحق (نبياً) إن لم تخلوا عنه لأنشرن شعري، ولأضعن قميص رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) على رأسي، ولأصرخن إلى الله تبارك وتعالى، فما صالح (نبي الله) بأكرم على الله من أبي، ولا الناقة بأكرم مني، ولا الفصيل بأكرم على الله من ولدي.
قال سلمان (رضي الله عنه): كنت قريباً منها، فرأيت ـ والله ـ أساس حيطان مسجد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) تقلعت من أسفلها حتى لو أراد رجل أن ينفذ من تحتها لنفذ. فدنوت منها، فقلت: يا سيدتي ومولاتي إن الله تبارك وتعالى بعث أباك رحمة (للعالمين)، فلا تكوني (أنت) نقمة.
فرجعت ورجعت الحيطان حتى سطعت الغبرة من أسفلها، فدخلت في خياشيمنا(2) .
____________
1- لعل المقصود النساء والحاضرات عندها آنئذٍ.. ولعل نساء الهاشميات كن قد احتشدن في ناحية المسجد لتوقعهن أحداثاً قاسية في تلك اللحظات، فلما رأينها خرجت التحقن بها.
2- خاتمة المستدرك ج3 ص288 والإحتجاج ج1 ص222 و223 و(ط دار النعمان) ج1 ص113 و114 وقريب منه نقله اليعقوبي في تاريخه ج2 ص126 والمسترشد ص381 و 382. وراجع: الهداية الكبرى ص407 والإختصاص ص186 وبحار الأنوار ج28 ص228 و206 وج30 ص294 وج43 ص47 وتفسير العياشي = = ج2 ص67 والأنوار العلوية ص292 ومجمع النورين ص84 و110 وغاية المرام ج5 ص338 و339 وبيت الأحزان ص111 والأسرار الفاطمية ص265 و353 و62 و117.
ورواية العياشي: (فخرجت فاطمة (عليهاالسلام ) فقالت: يا أبا بكر، أتريد أن ترملني من زوجي، والله لئن لم تكف لأنثرن شعري، ولأشقن جيبي، ولآتين قبر أبي، ولأصيحن إلى ربي..
فأدركها سلمان (رضي الله عنه) فقال: يا بنت محمد (صلىاللهعليهوآله )، إن الله بعث أباك رحمة، فارجعي.
فقالت: يا سلمان، يريدون قتل علي، وما على علي صبر، فدعني حتى آتي قبر أبي، فأنشر شعري، وأشق جيبي، وأصيح إلى ربي.
فقال سلمان: إني أخاف أن يخسف بالمدينة، وعلي بعثني إليك يأمرك أن ترجعي إلى بيتك، وتنصرفي.
فقالت (عليهاالسلام ): إذاً أرجع، وأصبر، وأسمع له وأطيع(1) .
وفي نص آخر عن الإمام الباقر (عليهالسلام )، قال: (لما مرّ أمير المؤمنين (عليهالسلام ) ـ وفي رقبته حبل آل زريق ـ ضرب أبو ذر بيده على
____________
1- تفسير العياشي ج2 ص67 وبحار الأنوار ج28 ص227 و228 ومجمع النورين ص76 والأسرار الفاطمية ص62 وبيت الأحزان للمحدث القمي ص86 و87 و(ط دار الحكمة ـ قم سنة 1412هـ) ص110 و 111 وفاطمة الزهراء (عليهاالسلام ) بهجة قلب المصطفى ج1 ص67 عنه.
الأخرى، ثم قال: ليت السيوف قد عادت بأيدينا ثانية).
وقال المقداد: لو شاء لدعا عليه ربه عز وجل.
وقال سلمان: مولانا أعلم بما هو فيه(1) .
ونقول:
إن لنا مع ما تقدم وقفات عديدة، هي التالية:
الناس اختاروا أبا بكر:
يقول أبو بكر: (إن الله بعث محمداً (صلىاللهعليهوآله ) نبياً، وللمؤمنين ولياً، فمنّ الله تعالى بمقامه بين أظهرنا، حتى اختار له الله ما عنده، فخلى على الناس أمرهم، ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم متفقين، غير مختلفين، فاختاروني عليهم والياً، ولأمورهم راعياً)(2) .
____________
1- راجع: إختيار معرفة الرجال ج1 ص37 وبحار الأنوار ج28 ص237 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص580 وأعيان الشيعة ج7 ص285 ومعجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج9 ص196.
2- الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص21 و (تحقيق الشيري) ج1 ص32 والغدير ج5 ص359 و 373 والوضاعون وأحاديثهم ص471 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص125 وكتاب سليم بن قيس ص140 وكتاب الأربعين للشيرازي ص147 وبحار الأنوار ج28 ص292 والسقيفة وفدك للجوهري ص50 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص220.
ونقول:
1 ـ كيف يكون الناس قد اختاروا أبا بكر والياً عليهم، وعلي وجميع بني هاشم لم يبايعوه، وكذلك سعد بن عبادة، وأبو ذر، وسلمان وعمار، والمقداد، والزبير، وخالد بن سعيد، وقيس بن سعد.. وأبي بن كعب وبنو هاشم، وكثير أمثالهم؟!.. وقد أرادوا أن يقتلوا سعداً، وعلياً أمير المؤمنين (عليهالسلام )، وقتلوا المحسن، وضربوا الزهراء (عليهاالسلام )، وأحرقوا بابها، وهجموا على بيتها، إلى غير ذلك من أمور؟!
هذا، بالإضافة إلى قتلهم مالك بن نويرة وأصحابه..
فمن كان كذلك هل يكون الناس هم الذين اختاروه؟!
2 ـ كيف يزعم أبو بكر أنه (صلىاللهعليهوآله ) خلى على الناس امرهم ليختاروا لأنفسهم؟!. وهو نفسه الذي يعلن حين موته عن ندمه على ثلاث، لو أنه سأل عنهن رسول الله(صلىاللهعليهوآله )، وذكر منها سؤاله لمن يكون الأمر من بعده.. وقد تقدمت هذه الرواية.. يضاف إلى ذلك أنه هو نفسه قد بايع علياً يوم الغدير ويقرأ في كتاب الله آية التصدق بالخاتم وآيات الغدير وغيرها.. وقد سمع حديث المنزلة وغيره من رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فكيف يقول هنا إنه ترك الناس يختاروا لأنفسهم.
3 ـ إنه يصرح هنا بأنه يريد من الناس أن يختار لأنفسهم في مصلحتهم متفقين غير مختلفين، مع أن اختيار أبي بكر قد صاحبه اختلاف بالغ الحدة والشدة، خطر في نتائجه وآثاره إلى حد أن الشهرستاني اعتبره أعظم خلاف بين الأمة ـ خلاف الإمامة ـ، إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية
مثلما سل على الإمامة.
لسنا في شيء حتى يبايع علي (عليهالسلام ):
وكم كان عمر بن الخطاب صريحاً وعارفاً بمكامن القوة والضعف حين قال: (لسنا في شيء حتى يبايع علي).
فإن المطلوب من علي (عليهالسلام ) هو البيعة، ولا يكفي سكوته.. فليس هو كسعد بن عبادة؛ لأنه (عليهالسلام ) يملك شهادات صريحة من الله تعالى ورسوله بأنه وحده الذي يملك المواصفات التي يحتاج إليها هذا المقام بأرفع، وأجل وأجلى حالاتها..
كما أن لديه وثيقة معترف بها، حتى لدى أهل الجاهلية، وهي بيعة الناس له يوم الغدير، بما فيهم أبو بكر وعمر، وسائر الساعين في سلب هذا الأمر منه وعنه..
بالإضافة إلى نصوص نبوية وقرآنية كثيرة لهج بها الخاص والعام وسارت بها الركبان، ولا يمكن إنكار صراحتها: بأن هذا الحق له، وأن التعدي عليه خروج عن طاعة الله ورسوله..
فلا بد إذن من حمل علي (عليهالسلام )، على الإقرار، والإعتراف، والتنازل الصريح، الذي تكون بيعته لهم الدليل الواضح عليه، ولا شيء سوى البيعة..
ولذلك يقول عمر: (لسنا في شيء حتى يبايع علي).
وقد أصاب عمر بذلك كبد الحقيقة.
أما سعد، فليس له شيء من ذلك يمكنه أن يصول به، بل هو لا يختلف عن أبي بكر في كونه مدعياً ما ليس له.. ساعياً لغصب حق غيره، واستئثاره به لنفسه.
ولكن الفرق هو: أن سعداً فشل وخاب، ونجح أبو بكر وحزبه في مسعاهم؛ لأنه ومن معه كانوا أكثر جرأة، وأبعد همة، كما ظهر من الأحداث التي صنعوها بعد وفاة النبي (صلىاللهعليهوآله ) في سياق الاستيلاء على حق علي (عليهالسلام ) في هذا الأمر. ومخالفة سعد تنتهي بمجرد استتباب الأمور لمنافسيه، وسيكون أي تحرك له بعد ذلك مستهجناً، ومرفوضاً..
أما تحرك علي (عليهالسلام )، فإنه يبقى على حيويته وفاعليته؛ لأنه يستند إلى الحق الثابت الذي لا يبطله مرور الأزمات، يزيد في التراكمات والسلبيات على كاهل غاصبه، ويزيد من تعريته أمام أهل الحق والدين. ويكرس الإنطباع السلبي الذي لا يرضى أحد به لنفسه.
أجب خليفة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ):
لقد كان بإمكان أبي بكر أن يرسل إلى علي (عليهالسلام ) من يقول له: أجب أبا بكر.. وحينئذٍ، فالمتوقع هو: أن لا يستجيب علي (عليهالسلام ) لهذه الدعوة، لأن من الطبيعي أن يطلب أي إنسان من صديقه، أو من قريبه أو من أي إنسان يعرفه أن يلقاه.. وللمدعو أن يعتذر بالإنشغال ببعض الأمور، أو أن يلبي الدعوة..
إلا إذا تضمنت الدعوة نوعاً من الإساءة للمدعو، بملاحظة مقامه الإجتماعي، أو موقعه النسبي أو غيره، حيث لا يقبل من أبي بكر ولا من
غيره أن يدعو نبيه أو إمامه للحضور عنده، وعلي إمام..
ولكن أبا بكر قد تعمد استخدام التعبير الأكثر حساسية، حيث قال: قل له: أجب خليفة رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ليفرضه على الطرف الآخر كأمر واقع، ولينتزع منه إقراراً ضمنياً به..
وكلنا يعلم ما جرى في الحديبية، حيث رفض سهيل بن عمر أن يكتب في الوثيقة توصيف النبي (صلىاللهعليهوآله ) بـ: (رسول الله)، استناداً إلى أنه لا يعترف له بذلك..
كما أن معاوية وحزبه لم يرضوا في قضية التحكيم أن يوصف علي (عليهالسلام ) بـ: (أمير المؤمنين)، رغم بيعة المسلمين، وأهل الحل والعقد له، بل رغم تنصيبه في غدير خم، وتسميته بـ: (أمير المؤمنين) من قبل الله ورسوله..
وقد كتب النبي (صلىاللهعليهوآله ) لملوك الروم وفارس بعنوان: (عظيم الروم، وفارس) ولم يصفهما بملك الروم، أو بملك فارس.. لكي لا يسجل عليه أنه قد أقر بملكية هذا أو ذاك، على ما تحت يده.
وفي القرآن الكريم يقول الله تعالى:( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ الدِّيَارِ ) (1) ولم يقل: دياركم، لكي لا يعتبر ذلك إقراراً لهم بملكية تلك الديار..
والإمام الحسن (عليهالسلام ) يقول في وثيقته التي كتبها بينه وبين
____________
1- الآية 5 من سورة الإسراء.
معاوية: أنه سلم (الأمر) لمعاوية، ولم يقل: الخلافة، أو الإمامة، أو الملك، أو السلطان، أو نحو ذلك، لكي لا يقال: إن الخلافة أو الإمامة أصبحت حقاً لمعاوية..
فلماذا إذن، يصر أبو بكر على أن يصف نفسه بوصف الخلافة للرسول (صلىاللهعليهوآله ) في خطابه للخليفة الشرعي، والمالك الحقيقي لهذا اللقب، الذي يسعى هو بنفس عمله هذا إلى انتزاع هذا المقام، وهذا اللقب بالذات منه، وينزعه عنه؟!..
أليس لأجل انتزاع اعتراف ضمني منه (عليهالسلام ) به، يستطيع أن يجعله مادة لتسويق نفسه في هذا المجال؟!
ما أسرع ما كذبتم على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ):
وحول جواب علي (عليهالسلام ): (ما أسرع ما كذبتم على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) نقول:
إنه لا يتضمن أية قسوة أو خروج عن المألوف، وإن كان قد يتوهم البعض ذلك فيه.
فإن هذا الجواب لم يزد على أن قرر واقعاً، كان يجب عليه أن ينقله كما هو ليبرِّئ ذمته من واجب توفير مفردات هداية الأمة، وإزاحة كل ما يوقعها في الريب والشبهة. وقد بيّن (عليهالسلام ): أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) لم يستخلف غيره.
كما أنه يشير في قوله: (ما أسرع) إلى مدى جرأة هؤلاء القوم على المخالفة الصريحة في الأمور الواضحة..
والتصريح منه (عليهالسلام ) بتكذيبهم، إنما جاء ليواجه به هذه الجرأة بالذات، حيث إنها توحي لمن لا يعرف الأمور بثقتهم بصوابية موقفهم ـ فجاءت هذه الصراحة منه (عليهالسلام ) موازيةً في وضوحها لجرأتهم.
ثم أكّد (عليهالسلام ) خصوصية تزيد في إظهار قبح ما أقدموا عليه، حيث ذكر أن خلافته هي من الله ورسوله.. أما خلافتهم فلا أساس لها، بل هي على خلاف ما أراده الله تعالى ورسوله، وذلك يزيد من ضعف موقفهم أمام الناس، ويضعف من قدرتهم على تبرير ما أقدموا عليه.
الهروب إلى الأمام:
وقد جاء الرد سريعاً من عمر بن الخطاب، ولكنه على طريقة الهروب إلى الأمام، فأعاد الرسول إلى علي (عليهالسلام ) ليقول له: أجب أمير المؤمنين.
وهو لقب خاص بعلي (عليهالسلام ) منحه الله تعالى ورسوله (صلىاللهعليهوآله ) إياه. وكأن عمر يريد بإصراره هذا أن يلملم ما أريق من ماء الوجه، ولكن بطريقة إظهار المزيد من الثقة والإصرار على الموقف، فلعلّ علياً (عليهالسلام ) يتراجع بداعي اليأس؛ ولعل هذا الإصرار يفيد في تأكيد ما يسعون إلى تأكيده.
فجاءه الجواب من علي (عليهالسلام ) بإظهار الحقائق، وتبيان ما هو أوضح دلالة على أن الموقع الذي اغتصبوه إنما هو له.. وذلك حين بيّن أن لقب (أمير المؤمنين) هو له. من الله ورسوله أيضاً..
وزاد على ذلك: أَنْ بَيَّنَ أن أبا بكر وعمر بالذات قد استفهما من رسول
الله (صلىاللهعليهوآله ) عن مصدر هذا اللقب، (فكأنهما يريدان الإيحاء بأن هذا التصرف منه (صلىاللهعليهوآله )، قد يكون لعلاقته الشخصية بعلي (عليهالسلام )).
فأكد له النبي (صلىاللهعليهوآله ) أنه من الله تعالى..
وذلك يزيد من ظهور جرأة أبي بكر وعمر على اختلاس هذا اللقب الإلهي من صاحبه.
وقد زاد الطين بَلة: تصريح النبي (صلىاللهعليهوآله ) لهما بأنه (عليهالسلام ) سيد المسلمين، وصاحب لواء الغر المحجلين.. مما يعني: أنه له السيادة والقيادة في الدنيا وفي الآخرة. فاجتمع له المجد بطرفيه المادي والمعنوي.
الإغارة على لقب (أمير المؤمنين):
وقد دلّت الرواية: على أن لقب (أمير المؤمنين) قد اختلس منه (عليهالسلام ) في الأيام الأولى لوفاة رسول الله (صلىاللهعليهوآله )..
وهذا يكذب ما يزعمونه: من أن ابن الخطاب كان يكتب إلى عماله: من خليفة أبي بكر.. حتى جاءه لبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم، فقالا لعمرو بن العاص: استأذن لنا على أمير المؤمنين.
فقال لهما عمرو: أنتما والله أصبتما اسمه، نحن المؤمنون وهو أميرنا.
فدخل عمرو، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين.
فقال عمر: ما بدا لك في هذا الاسم؟! يعلم الله، لتخرجن مما قلت أو
لأفعلن!!
قال: إن لبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم قدما، فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد، وقالا لي: استأذن لنا يا عمرو على أمير المؤمنين. فهما والله أصابا اسمك، أنت الأمير ونحن المؤمنون.
قال: فجرى الكتاب من يومئذٍ(1) .
ثم يروون رواية أخرى تخالف هذه، فتقول: إن الذي سمى عمر بأمير المؤمنين هو المغيرة بن شعبة..
فقد ذكر الزبير بن بكار: أن عمر قال لما ولي: كان أبو بكر يقال له: خليفة رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فكيف يقال لي: خليفة، خليفة، يطول هذا.
فقال المغيرة بن شعبة: أنت أميرنا ونحن المؤمنون. فأنت أمير المؤمنين.
قال: فذاك إذن(2) .
____________
1- الإستيعاب (بهامش الاصابة) ج2 ص466 و (ط دار الجيل) ج3 ص1151 وكتاب الأربعين للشيرازي ص91 ومجمع الزوائد ج9 ص61 والآحاد والمثاني ج1 ص97 والمستدرك للحاكم ج3 ص82 وكنز العمال ج12 ص577 والمعجم الكبير للطبراني ج1 ص64 والتمهيد ج10 ص77 والسيرة الحلبية ج3 ص139 واليقين لابن طاووس ص30 والغدير ج8 ص86.
2- الإستيعاب (مطبوع مع الاصابة) ج2 ص465 و (ط دار الجيل) ج3 ص1150 وتاريخ مدينة دمشق ج44 ص9 والوافي بالوفيات ج22 ص285. وراجع: = = قاموس الرجال للتستري ج10 ص195 عن أدب كاتب الصولي، وتاريخ المدينة لابن شبة ج2 ص677 و 678 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص150 ووفيات الأعيان لابن خلكان ج6 ص105.
ويناقض هذا وذاك نص ثالث يقول: إن عمر أول من دُعي بأمير المؤمنين، وهو الذي سمى نفسه، فعن الضحاك أنه قال: لما مات رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قالوا لأبي بكر: خليفة رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فلما مات أبو بكر قالوا لعمر: خليفة خليفة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فقال عمر: إن هذا لكثير، فإذا مت أنا فقام رجل مقامي قلتم: خليفة خليفة، خليفة رسول الله. أنتم المؤمنون، وأنا أميركم.
فهو سمى نفسه(1) .
ويبقى السؤال: من الذي سمي أولاً بأمير المؤمنين..
هل هو علي (عليهالسلام ) ، كما هو الحق، أم هو أبو بكر، حين أرسل
____________
1- تاريخ المدينة لابن شبة ج2 ص663 و (ط دار الفكر) ج2 ص678 والطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج1 ص192 وتاريخ الأمم والملوك ج4 ص208 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج3 ص277 وراجع: اليقين لابن طاووس ص29 والغدير ج8 ص86 وكنز العمال ج12 ص576 وأسد الغابة ج4 ص71 والكامل في التاريخ ج3 ص59 ووفيات الأعيان لابن خلكان ج6 ص105 والبداية والنهاية ج7 ص154.
إلى علي (عليهالسلام ) ليبايع؟!
أم هو عمر بن الخطاب الذي يقولون: إنه أول من أطلق عليه هذا الاسم؟!
وعلى هذا الثاني يبقى سؤال آخر، وهو: من الذي سمى عمر بأمير المؤمنين؟! هل هو لبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم، فأبلغه إياه عمرو بن العاص؟!
أم هو المغيرة بن شعبة؟!
أم هو عمر نفسه؟!
ويبقى أيضاً سؤال ثالث وهو: أن دعوى التطويل أو الطول تبقى بلا مبرر، فإن رواية لبيد وعدي بن حاتم ذكرت: أن الناس كانوا يخاطبون عمر بـ: (يا خليفة أبي بكر)، وليس في هذه طول ولا تطويل، فمن يأتي بعد عمر يقال له: يا خليفة عمر، وهكذا.
والحقيقة هي: ما قدمناه، من أن لقب أمير المؤمنين خاص بعلي بن أبي طالب (عليهالسلام )، خصه به الله سبحانه ورسوله (صلىاللهعليهوآله ).. وقد سلم عليه المسلمون بهذا اللقب في يوم الغدير. والروايات الدالة على هذا الاختصاص تعد بالمئات، جمع منها السيد ابن طاووس في كتابه: (اليقين) ثلاث مئة حديث وتسعة أحاديث، وألحق بها في كتابه (التحصين) حوالي ثلاثين حديثاً، كلها تذكر ذلك أيضاً..
ولكن المناوئين استأثروا لأنفسهم بهذا اللقب، وحاولوا أن يسلبوه إياه.. إمعاناً منهم في تكريس أمر الخلافة لأنفسهم..
يريدون قتل علي (عليهالسلام ):
ولم يكن عمر هازلاً حين قال لأبي بكر: خلني آتيك برأسه، فإنهم كانوا يدبرون لقتله (عليهالسلام )، وقد اعتبر عمر: أن الفرصة قد واتته لاتهام علي بأنه يريد تفريق جماعة المسلمين، وإثارة الفتنة، والافساد في الأرض..
ووجد أنه قادر على تنفيذ ما يريد، بعد أن تمكن من جمع الآلاف من الناس من بني أسلم وغيرهم من قبائل الأعراب التي كانت حول المدينة ووصفهم الله تعالى بأنهم مردوا على النفاق، حيث ساعدوه على إخماد أصوات المعارضين للبيعة لأبي بكر، كما أوضحناه في كتاب: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله )، وقد كتب معاوية لمحمد بن أبي بكر يقول إن أباه وفاروقه: (همَّا به الهموم، وأرادا به العظيم..). أي بعلي (عليهالسلام ).
وقد أظهرت الوقائع عملياً: أن أبا بكر كان موافقاً على قتل علي في مثل هذه الأجواء..
بطش السلطة:
ويبدو: أن السلطة كانت ترى: أن عنفها ضد علي (عليهالسلام )، وضد الزهراء، وهما أقدس خلق الله تبارك وتعالى، يفيدها، لأنه يتضمن تحذير الناس من أي تحرك، باتجاه تأييد علي (عليهالسلام )، أو في أي اتجاه كان.
فإن السلطة إذا كانت تتعامل مع الزهراء وعلي (عليهماالسلام ) على
هذا النحو وبهذه القسوة، فإن تعاملها مع غيرهما لا بد أن يكون أعنف وأقسى، ولن تكون له حدود، ولن تمنعه سدود..
فلا عجب إذن إذا كان: أسلوب التعامل مع علي (عليهالسلام ) استفزازياً وصارخاً، ربما لأنهم كانوا يلتمسون من خلاله السبيل لإلحاق بالغ الضرر به إن أمكنهم، ثم يزعمون: أنه هو الذي تمرد وشق عصا الطاعة، فاستحق ما نزل به.
وقد استشهد الإمام الحسين (عليهالسلام )، ثم ادَّعوا: أنه قتل بسيف جده.
خلني آتيك برأسه:
وقد استوقفنا كثيراً ما جاء، من أن عمر قال عن علي (عليهالسلام ): (إنه لا يستقيم لنا أمر حتى نقتله، فخلني آتيك برأسه).
فأقسم عليه أبو بكر فجلس..
فإن لهذا النص دلالات عدة:
فأولاً: قول عمر: خلني آتيك برأسه يذكرنا بالعديد من مثل هذه المواقف له في زمن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).. فلطالما استأذن النبي في قتل الناس. فراجع قصته مع:
1 ـ الحكم بن كيسان(1) .
____________
1- حياة الصحابة ج1 ص41 والطبقات الكبرى لابن سعد ج4 ص137 وراجع مغازي الواقدي سرية نخلة.
2 ـ ومع أبي سفيان، حين فتح مكة(1) .
3 ـ ومع عبد الله بن أبي(2) .
____________
1- حياة الصحابة ج1 ص154 والمجموع للنووي ج19 ص438 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص178 وبحار الأنوار ج21 ص103 و 128 والغدير ج10 ص84 ومستدرك سفينة البحـار ج8 ص108 وعـون المعبود ج8 ص180 وشرح معاني الآثار ج3 ص322 والدرر لابن عبد البر ص216 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج17 ص269 وكنز العمال ج10 ص508 ومجمع البيان ج10 ص471 ونور الثقلين ج5 ص694 والميزان ج20 ص381 والثقات ج2 ص45 وتاريخ مدينة دمشق ج23 ص449 و 451 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص331 وأعيان الشيعة ج1 ص275 وإعلام الورى ج1 ص220 والكامل في التاريخ ج2 ص244 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص539 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص43 وإمتاع الأسماع ج1 ص360 وتفسير البغوي ج4 ص538 ومجمع الزوائد ج6 ص166 عن الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
2- المصنف لعبد الرزاق ج9 ص469، وحياة الصحابة ج1 ص484 عن البخاري، ومسلم، وأحمد، والبيهقي، والبداية والنهاية ج4 ص370، وتفسير القرآن العظيم ج4 ص372 عن ابن أبي حاتم، وفي فتح الباري ج8 ص458: هو مرسل جيد، وصحيح البخاري (ط سنة 1309) ج3 ص132 والجامع الصحيح ج5 ص415 والسيرة الحلبية ج2 ص287 وأشار إلى ذلك في تاريخ الإسلام للذهبي (المغازى) ص219 والسيرة النبويـة لدحـلان ج1 ص271 = = وراجع: المغازي للواقدي ج2 ص418 وسبل الهدي والرشاد ج4 ص292 وفتح الباري ج8 ص498 وجامع البيان ج28 ص76 وتفسير البغوي ج4 ص349 والدرجات الرفيعة ص448 وأعيان الشيعة ج7 ص90.
4 ـ ومع ذي الخويصرة(1) .
5 ـ ومع حاطب بن أبي بلتعة(2) .
____________
1- صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج8 ص52 وفتح الباري ج6 ص455 ج8 ص252 وحياة الصحابة ج2 ص601، والبداية والنهاية ج4 ص362 عن الصحيحين، ومناقب الخوارزمي ص182 والعمدة لابن البطريق ص460 وعمدة القاري ج24 ص88 وتحفة الأحوذي ج8 ص398 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص160 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص741 وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص435 والتمهيد لابن عبد البر ج23 ص331.
2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص210 و 211 وتفسير الرازي ج29 ص297 وج32 ص154 والسيرة الحلبية ج3 ص75 و 76 و (ط دار المعرفة) ص12 وراجع: المغازي للواقدي ج2 ص798 وتاريخ الخميس ج2 ص79 وراجع: كتاب الأم للشافعي ج4 ص264 والمجموع للنووي ج19 ص341 ونيل الأوطار للشوكاني ج8 ص154 و 156 والإيضاح لشاذان ص507 وشرح الأخبار ج2 ص301 والبحار ج21 ص95 ومواقف الشيعة ج2 ص255 وكتاب المسند للشافعي ص316 ومسند أحمد ج1 ص80 وصحيح البخاري ج4 ص19 وج5 ص89 وج6 ص60 وصحيح مسلم ج7 ص168 وسنن أبي داود ج1 ص597 وسنن = = الترمذي ج5 ص83 والسنن الكبرى للبيهقي ج9 ص146 وعمدة القاري ج14 ص254 وج17 ص247 ومسند الحميدي ج1 ص28 والسنن الكبرى ج6 ص487 ومسنـد أبي يعـلى ج1 ص316 و 321 وصحيح ابن حبـان ج14 ص425 ومعرفة السنن والآثار ج7 ص102 والدرر لابن عبد البر ص214 وشرح النهج للمعتزلي ج17 ص266 وتخريج الأحاديث ج3 ص448 وكنز العمال ج10 ص522 وج14 ص69 ومجمع البيان ج9 ص446 ونور الثقلين ج5 ص301 والميزان ج19 ص236 وأحكام القرآن لمحمد بن إدريس الشافعي ج2 ص48 وجامع البيان ج28 ص75 و 77 وتفسير الثعلبي ج9 ص292 وأسباب نزول الآيات ص283 وتفسير البغوي ج4 ص328 و 329 وتفسير النسفي ج4 ص236 وأحكام القرآن لابن العربي ج4 ص224 والمحرر الوجيز في تفسير القرآن العزيز لابن عطية الأندلسي ج5 ص293 وزاد المسير ج8 ص3 وتفسير القرطبي ج18 ص50 والتسهيل لعلوم التنزيل للغرناطي الكلبي ج4 ص112 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص369 و 370 والدر المنثور ج6 ص203 وفتح القدير ج5 ص211 وتفسير الآلوسي ج28 ص66 والثقات لابن حبان ج2 ص42 وأسد الغابة ج1 ص361 ومناقب علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) للأصفهاني ص154 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص328 والكامل في التاريخ ج2 ص242 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص526 و 527 والوافي بالوفيات ج11 ص210 والبداية والنهاية لابن كثير ج3 ص398 وج4 ص325 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص538.
6 ـ ومع ذي الثدية(1) . وقيل: باتحاده مع ذي الخويصرة. وقيل: لا.
7 ـ ومع شيبة بن عثمان(2) .
8 ـ ومع رجل من بني سليم(3) .
9 ـ ومع سهيل بن عمرو في الحديبية، حيث طلب نزع ثنيته حتى يدلع لسانه(4) .
____________
1- المصنف لعبد الرزاق ج10 ص155، ومجمع الزوائد ج6 ص226 عن أبي يعلى. وقد روي هذا الحديث من وجوه كما في مجمع الزوائد.
2- الرياض النضرة المجلد الأول جزء 2 ص353.
3- المعجم الصغير ج2 ص64 وبحار الأنوار ج62 ص234 ومجمع الزوائد ج8 ص292 والمعجم الأوسط ج6 ص127 وجزء ترجمة الطبراني لابن منده ص14 وإمتاع الأسماع ج5 ص243.
4- السيرة النبوية لابن هشام ج2 ص476 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص481 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص70 وج10 ص97 والسيرة الحلبية ج2 ص455 والإصابة ج2 ص93 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص484 ونصب الراية ج3 ص224 وكنز العمال ج5 ص408 وج13 ص432 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص162 والبداية والنهاية لابن كثير ج3 ص378 وإمتاع الأسماع ج1 ص115 وج12 ص175 وعيون الأثر ج1 ص351 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص172 عن الواقدي، والإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج2 ص109 و 110.
10 ـ ومع عبد الله بن أبي ربيعة(1) .
11 ـ ومع أبي حذيفة بن عتبة(2) .
و.. و..
وهو هنا يطلب من أبي بكر قتل أمير المؤمنين (عليهالسلام ) بنفس الصيغة، وعين الأسلوب.
إنه يريد أن يقتل الرجل الذي قام عمود هذا الدين بسيفه، وأعز بجهاده أهل الإيمان.. وبذل نفسه وأهله وماله، وكل وجوده من أجل حفظ الإسلام وأهله، ودفع غائلة مشركي العرب عنه وعنهم، وكسر شوكتهم، ورد عادية اليهود، وغيرهم من الأمم، حتى ظهرت آيات الإسلام، ونشرت راياته.
إن هؤلاء يريدون أن يقتلوا من روى غرسها بدمه، وبعرقه، وحاط شجرتها بروحه، ومهجته، ورعاها وحماها، وحمى كل مسلم بكل وجوده،
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج17 ص177 والشافي في الإمامة ج4 ص146 وغاية المرام ج6 ص112.
2- تاريخ الأمم والملوك ج2 ص151 والمستدرك للحاكم ج3 ص223 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص183 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص340 وإكليل المنهج للكرباسي ص557 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص120 والبداية والنهاية ج3 ص348 وأعيان الشيعة ج1 ص114 وعيون الأثر ج1 ص339 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص436 والثقات لابن حبان ج1 ص169.
يريدون قتله من أجل الإستيلاء على هذه الشجرة، والتفيؤ بظلالها، والإستئثار بثمارها..
ثانياً: ما هذه الشجاعة من عمر التي جعلته هنا يقدم على قتل علي (عليهالسلام ) الذي يمثِّل الإيمان كله.. ولكنه يحجم عن عمرو بن عبد ود الذي يمثلِّ الكفر كله في الخندق، ويتركه ليقتله علي (عليهالسلام )، ويريح المسلمين منه..
ويا ليت هذه الشجاعة ظهرت حين هرب عمر من مرحب، فبرز علي (عليهالسلام ) إليه فقتله، وقلع باب خيبر.. ويا ليتها برزت أيضاً في أحد، وقريظة، وذات السلاسل، وحنين، وسائر المواقف..
فما هذه الجرأة على أولياء الله هنا، والنكول، والفرار من أعداء الله هناك؟!
إن هذه الجرأة جاءته من رؤيته آلاف المناصرين له من بني أسلم ومن غيرهم، ومن معرفته بأن علياً (عليهالسلام ) موصى بعدم القتال، وأنه لا ناصر له.
ثالثاً: إن هذه الرواية تقول: إنه قال لأبي بكر: خلني آتيك برأسه.. ولكن رواية أخرى تقدمت أيضاً ـ تقول:
إنه بعد أن تهدد علياً (عليهالسلام ) بحرق داره عليه (رجع فقعد عند أبي بكر، وهو يخاف أن يخرج إليه علي (عليهالسلام ) بسيفه، لما عرف من بأسه وشدته).
بل لقد ذكروا: أن علياً (عليهالسلام ) قد أخذ بتلابيب عمر في بعض
هذه المواقف، فاسترخى في يده.
كما أنه لما دخل عمر بيت الزهراء (عليهاالسلام ) همّ علي (عليهالسلام ) بقتله، مع أن السيف لم يكن في يد علي (عليهالسلام )، فأرسل عمر يستغيث، فلما جاءه المدد ثار علي إلى سيفه..
ألا يدل ذلك كله على أن عمر كان يجس نبض علي (عليهالسلام ) ليعرف إن كان سوف يتقيد بوصية الرسول (صلىاللهعليهوآله )، أم لا. كما أنه يتظاهر بالشجاعة في موقفه هذا، لأنه كان يعرف أن أبا بكر سوف يهدئه، ويأمره بالجلوس؟!
رابعاً: إن غضب عمر في هذا المقام ليس له ما يبرره، لأن علياً (عليهالسلام ) لم يحمل سيفه، ولا تهدد أحداً بالقتل، ولا أعلن أنه يريد أن يفرض رأيه وموقفه بالقوة، وإنما اكتفى بذكر حجته ودليله من قول رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فكان يكفي من عمر أن يقارع حجته بمثلها، أو أن يبطل حجة علي (عليهالسلام ) وينتهي الأمر من أسهل طريق. ويحسم بذلك النزاع مع علي وأهل البيت (عليهمالسلام )، ولا يجدون من يعينهم على أمر يعرف الناس أنه لا أساس له..
ولكن الحقيقة هي: أن عمر لم يكن يملك شيئاً يبطل به حجة علي (عليهالسلام )، ولم يكن له ولا لغيره سبيل للتخلص من مأزقهم معه إلا إبعاد أذهان الناس عن أجواء الإحتجاج، والدفع بهم نحو أجواء التشنُّج والتحدي، والعصبية؛ لأن البقاء في أجواء العقل والمنطق، يجعل صفقتهم
خاسرة بائرة.. وإلى الأبد..
قتل علي (عليهالسلام ) خيار مرّ:
وقد يدور بخلد البعض: أن هؤلاء القوم لا يمكن أن يقدموا على قتل علي (عليهالسلام )، لأن هذه مجازفة لا يمكنهم تحملها. ولا سيما إذا كان قتله بصورة معلنة وظاهرة، خصوصاً إذا كانوا يريدون أن يحكموا الأمة باسم الدين والإسلام.
ونقول لهم:
إننا لا نمانع في أن يكون همهم هو الوصول إلى مبتغاهم بأقل قدر من الضرر والخسائر.. ولكن إذا ظهر لهم: أن علياً (عليهالسلام ) لن يسكت ولن يستكين حتى يضيِّع ما رأوا أنهم قد كسبوه في سعيهم ذاك، فإن الصراع معه سوف يصبح صراع حياة أو موت، وسوف تسقط جميع الموانع التي تحجزهم عن ارتكاب هذا الأمر العظيم. بحجة أنه هو الذي أثار الفتنة، على الأقل.
وقد قدموا شواهد على ذلك بضربهم الزهراء (عليهاالسلام ) بنحوٍ أدى إلى إسقاط جنينها، واستشهادها. وحاولوا إحراق بيتها على من فيه، وفيه علي (عليهالسلام ) نفسه، فضلاً عن فاطمة والحسن والحسين (عليهمالسلام ).
وقد اجترؤا قبل ذلك على رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ووصفوه بالهجر، فما الذي يمنعهم من قتل علي (عليهالسلام )، غيلةً أو جهاراً، ثم القيام بحملة إعلامية تصوره مرتداً، وصاحب فتنة، ومفسداً في الأرض، وما إلى ذلك..
وهم يعرفون: أن لهم أنصاراً كثيرين في هذا الأمر، ولا سيما من قريش، وأتباعها وأكثر الناس الذين تأخروا في إعلان إسلامهم إلى ما بعد فتح مكة..
وقد جمعوا من بني أسلم وغيرهم ألوفاً، لكي يساعدوهم في الوصول إلى الخلافة، وأصبح بإمكانهم تحريك هذه القوات في أي اتجاه.. وأعظم عقبة تواجههم هي علي (عليهالسلام )، وما يخشونه من تحركه.
إحالة لا بد منها:
هذا.. وقد ذكرنا في كتابنا: مأساة الزهراء (عليهاالسلام )، وكتاب: خلفيات كتاب مأساة الزهراء (عليهاالسلام )، وكتاب: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله ): أن الهجوم على بيت الزهراء (عليهاالسلام ) قد تكرر، وأن محاولات جلب أمير المؤمنين (عليهالسلام ) إلى البيعة قد تعددت..
بل إن ملاحظة ما ذكرناه هنا من نصوص تفيد ذلك أيضاً، وتدل على: أن محاولات بذلت، حين عودتهم بعد السقيفة مباشرة.
ثم في اليوم التالي، حين جلس أبو بكر للبيعة.
ثم لما جلس علي (عليهالسلام ) في المسجد، ومعه بعض بني هاشم وغيرهم..
ثم بعد أن طاف علي (عليهالسلام ) وزوجته وابناه على أعيان المهاجرين والأنصار في بيوتهم، فلم يجيبوه جلس في بيته، فأرسل إليه أبو بكر وعمر
قنفذاً، وجرى ما جرى.
ثم بعد أن اعتزل، واعتل عليهم بأنه آلى على نفسه على أن يجمع القرآن.. فجمعه في ثلاثة أيام، أو في ستة أشهر..
هذا بالإضافة إلى مهاجمتهم للزهراء (عليهاالسلام ) أيضاً في قضية فدك.. ثم مطالبتهم علياً (عليهالسلام ) بالبيعة بعد استشهاد الزهراء (عليهاالسلام )..
وبما أن ملاحقة التفاصيل والجزئيات في هذا الموضوع تحتاج إلى جهد كبير، وتأليف مستقل.. فقد آثرنا الإكتفاء بما ذكرناه في هذا الكتاب وفي مؤلفاتنا المشار إليها آنفاً، فراجع.
1 ـ كتاب مأساة الزهراء (عليهاالسلام ).
2 ـ خلفيات كتاب مأساة الزهراء (عليهاالسلام ).
3 ـ كتاب الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله ).
4 ـ بعض ما ورد في كتابنا: مختصر مفيد (أسئلة وأجوبة حول الدين والعقيدة).
وحرصنا أن يكون ما نذكره هنا هو من اللمحات التي لم يرد أكثرها في تلك الكتب، مما وجدنا أن ثمة حاجة للإشارة إليه، والتنبيه عليه.
وهكذا كان.
ونعتذر للقارئ الكريم عن أي تقصير أو إهمال، أو غفلة، أو اختزال، أو إبهام أو إجمال.
عمر هو الأعنف:
وبعد.. فإننا حين نقرأ الأحداث السابقة، وسواها نجد: أن أبا بكر يحاول أن يخاطب الزهراء وعلياً (عليهماالسلام ) بالعبارات اللينة والرقيقة، ولكنه لا يفرط في مطلوبه؛ ولا يتنازل عن قراراته، ولا يتراجع ولو بمقدار شعرة..
وحتى حين يخيل إلينا شيء من ذلك، كما ربما يوحيه ما كتبه للسيدة الزهراء (عليهاالسلام ) حول فدك، حيث قد يتوهم قد رق وتراجع، فإننا نجد عمر بن الخطاب يظهر فجأة في الصورة، ويتخذ موقف الحازم والحاكم، والمعترض، بل الناقض لقرار خليفته، ومن يفترض أنه رئيسه، فيتمرد ـ بحسب الظاهر!! ـ عليه إلى حد أن يمزق كتابه، وربما يوجه له بعض كلمات التقريع، التي قد تصل إلى حد الإهانة على مواقفه اللينة..
ثم يبادر إلى ضرب سيدة نساء العالمين (عليهاالسلام ) التي يخاطبها أبو بكر بأعذب الكلمات، ويظهر لها أنها أحب إليه حتى من ابنته عائشة، ومن الناس كلهم..
نعم.. يضربها عمر، ويتفل في كتاب أبي بكر لها بفدك، ويمزقه.. ولا يوجه إليه أبو بكر ولو كلمة واحدة، بل هو حتى لا يتجهم وجهه، ولا يظهر عليه أي انزعاج، أو تضايق.. ولو أنه تعرض لعائشة بأدنى كلمة إهانة، هل أبو بكر سيتخذ نفس الموقف؟!!
حتماً.. لا.. وألف لا.. ولكن تقاسم المواقف فرض أن يكون عمر، هو المغتاظ دائماً، والأعنف، والغضبان، والمهدد حتى لوصي الأوصياء ولأبناء
رسول الله، ولسيدة نساء العالمين (عليهمالسلام )، بالقتل وبالإحراق.. والمبادر للتعدي، والضرب، والرفس، و.. و.. إلخ..
وأن يكون أبو بكر موافقاً، ومرتاحاً، ومدافعاً، ومؤيداً لعمر في كل ما يفعل.. وحين كتب لعيينة بن حصن يقطعه بعض الأراضي طلب إليه أن يذهب إلى عمر ليوقع عليه، فذهب إليه بالكتاب، فمزقه، ورفض أن يكون للمؤلفة قلوبهم نصيب بعد اليوم، فقد أغنى الله عنهم..
فرجع عيينة إلى أبي بكر وأخبره وقال له: أنت الخليفة أم هو؟!
فقال: بل هو إن شاء الله تعالى.. وأمضى ما فعله عمر(1) .
فإن إرسال أبي عيينة بالكتاب لكي يوقع عليه عمر لا مجال لتبريره، إلا إذا فرضنا: أنه كان بين الرجلين إتفاق على كيفية التعاطي مع هذه الأمور التي يحرج فيها أبو بكر..
فإن هذا هو الإتفاق والإنسجام التام بين الرجلين، لإنجاز هذا الأمر الخطير والكبير.
____________
1- راجع: الجوهرة النيرة ج1 ص128 والدر المنثور ج4 ص224 وتفسير المنار ج10 ص496 وتاريخ مدينة دمشق ج9 ص195 وراجع ص196 وتفسير الآلوسي ج10 ص122 وكنز العمال ج3 ص914 وراجع ج12 ص546 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص375 حوادث سنة 11 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج12 ص58 و 59 والإصابة ترجمة عيينة بن حصن. وراجع: المبسوط للسرخسي ج3 ص9.
وبدون ذلك، فهل لنا أن نقول: إن هذا تناقض؟! أو أن أبا بكر كان يخاف من عمر؟!
إن جميع الأجواء والقرائن واللمحات، وكذلك الوقائع. تؤيد هذا الخيار الأول.. ونجد في كلام أبي بكر ما يدل عليه دلالة صريحة؛ فهو يقول في تفسير غلظة عمر:
(ذاك لأنه يراني رقيقاً، ولو قد أفضى الأمر إليه لترك كثيراً مما هو عليه، وقد رمقته إذا أنا غضبت على رجل أراني الرضا عنه، وإذا لنت له أراني الشدة عليه)(1) .
بابها بابي:
وفي متابعاتنا لهجومهم على بيت علي والزهراء (عليهماالسلام ) يستوقفنا ما روي عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) من أنه قال: (فاطمة بابها بابي، وبيتها بيتي، فمن هتكه، فقد هتك حجاب الله)(2) .
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص164 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص618 وبحار الأنوار ج30 ص520 والكامل في التاريخ ج2 ص425 ومجمع النورين للمرندي ص198 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص320 والثقات لابن حبان ج2 ص192.
2- بحار الأنوار ج22 ص477 ومجمع النورين ص351 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص390.
فإن مفاد هذا الحديث هو أن إحراق باب فاطمة (عليهاالسلام ) يوازي إحراق باب بيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فكيف تجرّأ القوم على جمع الحطب، وإضرام النار في ذلك الباب يا ترى؟!
لا بد من الإستئذان:
وقد أمر الله تبارك وتعالى، ورسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بالإستئذان على الناس في بيوتهم، فقال:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) (1) .
فلماذا يأمر عمر قنفذاً بأن يدخل بيت علي والزهراء (عليهماالسلام ) بغير إذن؟!..
هل إن بيعة بضعة رجال لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة تعطيه الحق في مخالفة هذا الحكم الشرعي الذي صدع به القرآن؟!.
وما هو الملزم لهذا أو لذاك بهذه البيعة؟! وما هو الملزم لغير المبايعين بلزوم المبادرة إلى البيعة التي يطلبونها منهم، إذا كان الله ورسوله لم يأمرا بها..
____________
1- الآيتان 27 و 28 من سورة النور.
وإن كان الله ورسوله قد أمرا بها، فقد كان يكفي إظهار هذا الأمر، وإطلاع علي (عليهالسلام ) عليه، لينقاد هو والمسلمون له؟!
لماذا التهديد والإحراق؟!:
ولا بد من توجيه نفس هذه الأسئلة لمعرفة المبرر للإحراق، والضرب، والتهديد، وغيره؟!.
وتتأكد هذه المؤاخذة إذا علمنا: أن صاحب الحق الشرعي الذي نصبه الله ورسوله للناس إماماً لم يبادر إلى ضرب، ولا إلى إحراق، أو إكراه الذين لم يبايعوه. ولا هاجمهم في بيوتهم، مع أن لديه حجة من الله يعرفها الناس كلهم، بل لديه بيعة في أعناقهم بذلوها له طائعين بأمر وبرعاية رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ثم هم ينكثونها بامتناعهم عن بيعته.. وبنصرتهم لغيره وبيعتهم لذلك الغير، والحال أن له (عليه السلا) بيعة في أعناقهم.
ولم يكن شيء من هذا القبيل في موضوع البيعة لأبي بكر، فكيف إذا كان نفس أبي بكر متعدياً وغاصباً لحق نفس هذا الذي جاء ليهاجمه، ويحرق بابه، ويضرب زوجته، ليبتزه حقه هذا بالذات؟!..
متى ضربها قنفذ؟!:
وقد أظهرت الرواية المتقدمة: أن هجوم قنفذ على بيت علي (عليهالسلام ) كان بعد أن اعتزلهم علي (عليهالسلام ) في بيته، بعد خذلان المهاجرين والأنصار له..
وأن الزهراء (عليهاالسلام ) إنما تدخلت شخصياً حين أخذوا علياً
(عليهالسلام ) قهراً وجبراً، فحالت بينهم وبينه عند باب البيت، فضربها قنفذ بالسوط على عضدها.
ويبدو من هذا النص: أن أبا بكر كان قريباً جداً من قنفذ، وأنه كان يرى ما يجري عند باب البيت، وقد عاين ضرب قنفذ للزهراء (عليهاالسلام )، ولذلك ذكرت الرواية: أنه بعد أن ضربها قنفذ على عضدها أرسل أبو بكر إليه يقول:
(اضربها.. فألجأها إلى عضادة باب بيتها، فدفعها، فكسر ضلعاً من جنبها، إلخ..).
إلى أن قال: (ثم انطلقوا بعلي ملبباً إلخ..).
وهذا يشير إلى صحة ما ذكره الإمام (عليهالسلام ) من أنهم أرادوا إحراق بيته، وأبو بكر على المنبر يبايع له، ولم يمنع من ذلك، ولم يدفعه(1) ..
عمر لا يغرم قنفذاً..
قال سليم: (انتهيت إلى حلقة في مسجد رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ليس فيها إلا هاشمي غير سلمان، وأبي ذر، والمقداد، ومحمد بن أبي بكر، وعمر بن أبي سلمة، وقيس بن سعد بن عبادة، فقال العباس لعلي (عليهالسلام ): ما ترى عمر منعه من أن يغرم قنفذاً كما غرم جميع عماله؟!
فنظر علي إلى من حوله، ثم اغرورقت عيناه، ثم قال: (شكر له ضربة
____________
1- راجع: الأمالي للمفيد.
ضربها فاطمة (عليهاالسلام ) بالسوط، فماتت وفي عضدها أثره كالدملج)(1) .
ونقول:
1ـ يلاحظ: أنه (عليهالسلام ) يحاذر من أن يكون بين السامعين من لا يؤمن منه إن سمع قوله أن يبلغه من سوف يتهمه بالتحريض على من فعل بالزهراء ذلك، وسوف يسعى لإشاعة أجواء مسمومة ضد علي (عليهالسلام ) قد تصل إلى اتهامه بايقاظ الفتنة، وما إلى ذلك..
2 ـ إن سياسة هؤلاء الناس، القاضية بمكافأة الذين ارتكبوا بحق الزهراء (عليهاالسلام ) ذلك الجرم العظيم، وتوليتهم جلائل الأعمال، وعدم محاسبتهم على ما يرتكبونه في حق الإسلام وأهله، تدل على أن ما يذكر في بعض الروايات من ندمهم على ما صدر منهم، ومن محاولتهم استرضاءها (عليهاالسلام ) قبل استشهادها يدخل في دائرة العمل الإعلامي، والسعي لامتصاص الآثار السلبية، وتصحيح الإنطباع الذي تركه ما فعلوه بها (عليهالسلام ).
____________
1- كتاب سليم بن قيس (تحقيق محمد باقر الأنصاري) ص675 وراجع ص674 و (ط أخرى) ص224 وبحار الأنوار ج30 ص303 وبيت الأحزان ص115 و 125 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للميرجهاني ج3 ص14 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهمالسلام ) للنجفي ج8 ص429 ومجمع النورين للمرندي ص115 والإمام علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) للهمداني ص711 والأنوار العلوية ص320.
وذلك يدلنا: على صوابية موقفها (عليهاالسلام ) منهما حين جاءا لاسترضائها، وصوابية الإجراء الذي اتخذته بمنعهما من حضور جنازتها، والمشاركة في الصلاة عليها.
لو وقع سيفي بيدي:
وفي الرواية المتقدمة بعض الإبهام أيضاً، فقد ذكرت أولاً:
(أنهم لما دخلوا الدار بغير إذن، بادر علي (عليهالسلام ) إلى سيفه ليأخذه، فسبقوه إليه، فتناول بعض سيوفهم، فكثروا عليه، فقبضوه).
وهذا لا ينسجم مع قوله بعد ذلك، حين أدخل على أبي بكر:
(أما والله، لو وقع سيفي بيدي لعلمتم أنكم لن تصلوا إلى هذا مني. وبالله لا ألوم نفسي في جهد إلخ..).
فإن هذا يفيد: أن سيفه لم يقع في يده!!
والنص الآخر يفيد: أن سيفاً مّا وقع في يده!!
ولا مجال لتوهم: أن يكون المقصود هو وقوع سيفه الخاص به في يده، وهو ذو الفقار؛ إذ لا فرق فيما يقصد إليه في صولته عليهم بين سيفه وغيره، بل المهم وقوع أي سلاح في يده..
إلا أن يقال: إن العبارة الأولى جاءت قاصرة، فالمقصود من قوله: (فتناول بعض سيوفهم): أنه ضرب يده إليه ليأخذه فلم تصل، أو أنها وصلت إلى حد ملامسة السيف، دون أن يتمكن من قبضته.
أما أخو رسوله فلا:
ونحن لا نستطيع أن نكتم استغرابنا من كلمات أبي بكر الهينة واللينة إذا قيست بكلمات عمر القاسية، فقد قال أبو بكر لعلي ـ والظاهر أنها محاولة أخرى له لحمله على البيعة ـ: مهلاً يا أبا الحسن، ما نشدد عليك ولا نكرهك(1) .
ولكنه هنا يكرهه، ويأمر بضرب الزهراء (عليهاالسلام )، ولا يعترض على عمر في قرار قتله، بل هو يؤيده ويدعم رأيه حين أيد المبرر للقتل، وهو إنكار أن يكون أخاً لرسول الله، لكي لا تكون أخوته له (صلىاللهعليهوآله ) من موجبات من القتل.
حديث الغدير، وحديث أبي بكر:
تقدم: أنه (عليهالسلام ) استدل على مناوئيه بحديث الغدير، وبما قاله (صلىاللهعليهوآله ) في غزاة تبوك: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) ولم يدع شيئاً قاله النبي (صلىاللهعليهوآله ) فيه علانية للعامة إلا ذكره(2) ..
____________
1- بحار الأنوار ج28 ص185 والإحتجاج (ط دار النعمان) ج1 ص96.
2- راجع: الإحتجاج ج1 ص183 و(ط دار النعمان) ج1 ص197 و216 والخصال ص554 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص203 وشرح الأخبار ج2 ص186 والأمالي للطوسي ص333 و 555 وحلية الأبرار ج2 ص308 ومدينة المعاجز ج3 ص26 وبحار الأنوار ج31 ص316 و 351 و368 و 414 = = ومستدرك سفينة البحار ج10 ص55 ونهج السعادة ج1 ص128 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص432 وكتاب الولاية لابن عقدة ص164 و 167 و 169 و 174 و 176 ونهج الحق للعلامة الحلي ص393 وغاية المرام ج1 ص322 وج2 ص72 و 83 و 124 و 129 وج5 ص85 وج6 ص13 و 16.
ونحن ننظر إلى هذا الموضوع من ناحيتين:
أولاهما: أن هذا يشير إلى عدم صحة ما يذكره البعض: من أنه (عليهالسلام ) لم يستدل على مناوئيه بحديث الغدير.
ويلاحظ هنا التصريح: بأنه (عليهالسلام ) لم يدع شيئاً قاله النبي (صلىاللهعليهوآله ) فيه علانية للعامة إلا ذكره، لأنه يريد أن يضعهم أمام خيارين: إما الإقرار بما يريد، وهو المطلوب. وإما الإنكار وهو سوف يفضحهم، ويظهر عدم إنصافهم، وعدم التزامهم بالحدود التي يطلب من كل أحد الإلتزام بها..
وسواء أقروا أو أنكروا، فإن الناس، سوف يتذكرون ما سمعوه من رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ولسوف يترك ذلك أثره في نفوسهم.. حتى وإن لم يظهروا ذلك فعلاً لسبب أو لآخر.. وهذا ـ على الأقل ـ سوف يساعدهم على مراجعة حساباتهم، بل وعلى العودة إليه في المستقبل ـ وقد حصل ذلك بالفعل من قبل الكثيرين.
وهناك أمر آخر، لا بد من الوقوف عنده، ألا وهو تذكيرهم بما جرى يوم الغدير، الذي سيعيد للناس ذكريات البيعة التي له (عليهالسلام ) في
أعناقهم جميعاً، بما فيهم هؤلاء الذين يناوؤونه، ويواجهونه بالأذى، والإكراه لاستلاب حقه.
وسوف يرى الجميع: أن فعلهم هذا نقض لتلك البيعة، وتراجع عن العهود التي قطعوها على أنفسهم أمام الله ورسوله..
ثانيتهما: إن أبا بكر لم يجد مناصاً إلا التسليم والإقرار بصحة جميع ما احتج به أمير المؤمنين (عليهالسلام ).
ولكنه يقابل كل هذا الذي سمعه الناس ووعوه ورأوه من رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، بحديث يدعيه لم يعرفه علي، ولا غيره، وإنما عرفه أشخاص شاركوا في توطيد الأمر لأبي بكر، إلى حد التصدي لضرب سيدة نساء العالمين، والهجوم على بيتها، ومحاولة إحراقه بما فيه، وفيه خير أهل الأرض: فاطمة الزهراء والحسن، والحسين، وعلي بن أبي طالب (عليهمالسلام ).
وبذلك أصبح هؤلاء المدَّعون المشاركون في الغصب والتعدي، هم الشهود على دعوى أبي بكر.
غير أننا نسجل هنا ما يلي:
أولاً: إن علياً (عليهالسلام ) اعتبر هذا الحديث المنقول عن الرسول الكريم (صلىاللهعليهوآله ) من الباطل، الذي يراد صرف الأمر عن أهله من خلاله..
وقد قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): (علي مع الحق، والحق مع
علي)(1) .
____________
1- كشف الغمة ج2 ص35 وج1 ص141 ـ 146 و158 وتاريخ بغداد ج14 ص322 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص449 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص73 و (تحقيق الشيري) ج1 ص98 والمستدرك للحاكم ج3 ص119 و 124 وتلخيصه للذهبي بهامشه، وراجع: نزل الأبرار ص56 وعن كنوز الحقائق ص65 وكنز العمال ج6 ص157. وراجع: شرح الأخبار ج2 ص60 والفصول المختارة ص97 و 135 و 211 و 224 و 339 والتعجب للكراجكي ص61 و 62 و 129 و 144 والإحتجاج (ط دار النعمان) ج1 ص97 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص260 و 261 وج3 ص50 والمسائل العكبرية للمفيد ص56 والأمالي للصدوق ص150 و 496 وكفاية الأثر ص20 و 117 و 181 ومناقب الإمام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) للكوفي ج1 ص422 و 493 والعقد النضيد لابن الحسن القمي ص132 والصراط المستقيم ج1 ص274 و330 وج2 ص107 و282 وج3 ص81 و108 و112 والجمل لابن شدقم ص11 وكتاب الأربعين للشيرازي ص94 و96 و175 و237 و287 و310 و513 و570 والفصول المهمة للحر العاملي ج1 ص450 ومدينة المعاجز ج2 ص391 وبحار الأنوار ج10 ص432 و 445 و 451 وج28 ص190 و 368 وج29 ص343 و 352 وج33 ص332 و 376 وج36 ص111 و 287 و 325 و 346 وج38 ص28 و 29 و 32 و 33 و 34 و 39 و 95 و 143 و 188 و 358 وج40 ص26 وكتاب الأربعين ص83 و 84 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص174 والسقيفة = = للمظفر ص63 والغدير ج3 ص176 و 177 و 178 وج8 ص189 وج10 ص48 و 278 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص337 وج8 ص189 والإمام علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) للهمداني ص47 و 48 و 165 ومسند الإمام الرضا (عليهالسلام ) للعطاردي ج1 ص121 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهالسلام ) للنجفي ج3 ص14 وج8 ص538 ونهج السعادة ج7 ص32 ومجمع الزوائد ج7 ص234 و235 والمعيار والموازنة للإسكافي ص35 و 119 و 321 و 322 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص297 وج18 ص72 وتفسير الإمام العسكري (عليهالسلام ) ص630 والميزان ج12 ص110 والإكمال في أسماء الرجال ص156 ومستدركات علم رجال الحديث ج8 ص291 وقاموس الرجال للتستري ج11 ص157 و 245 و فضائـل أمـير المؤمنين (عليهالسلام ) لابن عقدة ص168 والإستغاثة ج1 ص9 وج2 ص63 و 64 والجمل للمفيد ص36 و 231 وتنبيه الغافلين لابن كرامة ص46 و 86 وبشارة المصطفى ص44 و إعلام الورى ج1 ص316 والدر النظيم ص441 ونهج الإيمان ص187 و 188 و 189 و 190 و 578 و 579 وينابيع المودة لذوي القربى ج1 ص173 واللمعة البيضاء ص781 والكنى والألقاب ج1 ص347 ومجمع النورين ص73.
ثانياً: إن حديث أبي بكر عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قد سقط عن الإعتبار تلقائياً، بل وبنفس إقرار أبي بكر أيضاً، لأنه ينسب إلى النبي (صلىاللهعليهوآله ) التناقض والسفه، والعياذ بالله تعالى.
وتوضيح ذلك:
أن أبا بكر قد صدق علياً (عليهالسلام ) فيما قال، ولم يذكر أي شيء يدفع به صحة قوله..
فإذا صح ما نقله أبو بكر، فإن جميع أقوال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في تبوك، وفي سائر المواقع، وكذلك موقفه في يوم الغدير، وأخذه البيعة لعلي (عليهالسلام ) من الناس، بما فيهم أبو بكـر ومناصروه ـ إن ذلك ـ يصبح سفهاً وبلا معنى. بل هو تناقض في التصرف لا يمكن القبول به، ولا السكوت عنه في أفعال الأنبياء..
بل إذا كان النبي (صلىاللهعليهوآله ) لا ينطق عن الهوى، ولا يصدر عنه إلا ما أمره الله تعالى به، فإن الأمر يصبح أكثر إشكالاً، وأعظم خطراً أو ضرراً على الدين، حيث لا بد من نسبة هذا الأمر ـ والعياذ بالله ـ إلى الذات الإلهية، وهذا كفر صراح.
ثالثاً: هل اختار الله لنبيه موسى وهارون الدنيا أم الآخرة؟! فإذا كان قد اختار لهما الآخرة دون الدنيا، فلماذا جعل لموسى وزيراً من أهله:( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي ) ؟!(1) .
وقد قال النبي (صلىاللهعليهوآله ) لعلي (عليهالسلام ): (أنت مني بمنزلة هارون من موسى).
رابعاً: لنفترض: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) بعد أن نصب علياً (عليهالسلام ) إماماً وخليفة له، وبايعه الناس في يوم الغدير، وأكد على
____________
1- الآيتان 29 و 30 من سورة طه.
إمامته وخلافته من بعده في مواقف كثيرة. ـ لنفترض ـ أنه تبدل رأيه.. (وإن كان هذا غير معقول كما ذكرنا آنفاً، ولكن فرض المحال ليس بمحال).. أليس من المفروض فيه أن يبلِّغ هذا الأمر إلى صاحب العلاقة قبل كل أحد، حتى لا تثور النزاعات بينه وبين الآخرين؟!
خامساً: قد لا يكون خافياً على القارئ الكريم: أن الشهادة لأبي بكر بما رواه لم تتعد أصحاب الصحيفة التي أشار إليها علي (عليهالسلام ) أنهم كتبوها في مكة وهم نفسهم الذين شاركوا في الهجوم على بيت الزهراء (عليهاالسلام )، ولم نجد أحداً من الناس يسعفهم في شهادتهم هذه.
لا بيعة لمكره:
وبعد.. فقد تضمنت النصوص المتقدمة: أنهم مدوا يده (عليهالسلام )، وهو يقبضها، حتى وضعوها فوق يد أبي بكر، وقالوا: بايع بايع، أبو الحسن.
وغني عن القول: إنه لا بيعة لمكره. ولا أثر لها.. فكيف إذا هدد بالقتل وهوجم بيته، وضُربت زوجته، وقتل ولده. وأحرق داره، وهتكت حرمته وأخذ وأُتي به ملبباً، حتى لقد عيره معاوية بأنه جيء به للبيعة، يقاد كما يقاد الجمل المخشوش، كما ورد في نهج البلاغة وغيره؟!
وحسْب المنصف أن يلقي نظرة على كلمات علي ومواقفه طيلة حياته، ثم على مواقف وكلمات وُلْدِه من بعده، ليجد عشرات بل مئات النصوص الدالة على أنه يرى الخلفاء غاصبين لحقه، معتدين عليه في أمر الخلافة، فما هي قيمة هذه البيعة، وأي بيعة هذا حالها، ومآلها، لو كان ثمة من بيعة؟!
هل تكشف الزهراء (عليهاالسلام ) رأسها؟!:
وتقدم تهديد الزهراء (عليهاالسلام ) لهم بأن تنشر شعرها، وتضع قميص رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وتدعو عليهم.. لتردعهم بذلك عن قتل علي (عليهالسلام )، وهذا يعني ما يلي:
1 ـ إن هذا التهديد لا يعني أنها سوف تفعل ذلك وتكشف رأسها أمام الناس. بل هي تفعل ذلك حين الدعاء، ولا يجب أن يكون ذلك بمحضر الرجال.
فإن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) دفن في بيتها، فإذا دخلت إلى موضع دفنه وصارت في بيتها، كانت وحدها، وأصبحت مستورة عن الناظرين، فتكشف شعرها في هذه الحال.
ولو كان عند قبر النبي (صلىاللهعليهوآله ) أجانب، فبإمكانها أن تأمرهم بالخروج.
2 ـ ومن جهة أخرى، فإن كشف الرأس، ووضع القميص، وشق الجيب، إنما هو من مظاهر الفقر والحاجة، والإلتجاء المطلق إليه تعالى، بعد اليأس عن إيجاد رادع لهم عن غير هذا الطريق..
وهم إن كانوا يعلمون مكانة الزهراء (عليهاالسلام ) عند الله تبارك وتعالى، وأن الله سوف يستجيب دعاءها، فلا بد أن يتراجعوا، ويرتدعوا عن قتله (عليهالسلام ). وإن كانوا لا يرون لدعائها هذا الأثر، فإن من يعرف لها ذلك سوف يبادر إلى مواجهتهم والسعي لردعهم خوفاً من نزول العذاب على الجميع..
إذن.. أرجع واصبر:
والذي يحسن التوقف ملياً عنده: أنها حين أخبرها سلمان المحمدي (رحمهالله )، بأن علياً (عليهالسلام ) يأمرها بالرجوع قالت: (إذن أرجع، وأصبر، وأسمع، وأطيع).
فإن علينا أن نفهم ذلك، وفق ما يلي:
أولاً: إن الزهراء (عليهاالسلام )، وهي في أقسى حالات الإنفعال، خوفاً على حياة أكرم وأفضل رجل خلقه الله بعد رسول الله، وسيد الخلق أجمعين، تبادر إلى التخلي عن كل هذه المشاعر، وعن كل ما كانت تفكر به، طاعة وانقياداً، وامتثالاً لأمر جاء معاكساً لما تفرضه تلك الحالة العاطفية المتوهجة..
وهي تطيع من دون أن تطرح أي سؤال بعد هذا عن مصير زوجها، وأحب الخلق إلى الله وإليها: هل زال الخطر عنه؟! أم أنه استسلم ورضي بما جرى ويجري عليه، طاعة منه لله، ورضا بقضائه؟!..
وثانياً: إن طاعتها هذه لم تكن لمجرد كونه زوجاً، بل لكونه إماماً قبل وبعد كل شيء..
وقد قلنا أكثر من مرة: إنه قد يكون هناك نساء يَنْقَدْنَ لأزواجهن في كثير من الشؤون، ولكن حين يصل الأمر إلى الإعتقاد، فإن التمويه فيه مهما بلغ لا بد أن ينكشف بالمخالطة والعشرة، إلا إذا كانت الزوجة محدودة الذكاء، خاملة الذهن، فإنها قد تخدع حتى بزوجها..
أما إذا كانت الزوجة في قمة الكمال الإنساني عقلاً، وعلماً، ومعرفة،
ودقة، وحدة ذكاء، وتملك قرارها، وحريتها، وصدقها مع نفسها، وتتصف بكل صفات الكمال والجمال النفسي والأخلاقي إلخ.. فإن التمويه عليها غير ممكن على الإطلاق.
فإذا رأيناها قد آمنت بزوجها إيماناً عميقاً، وصادقاً، وطاغياً على كل وجودها، فإن ذلك يدل على واقعية ما تراه وتعتقد به، ويكون موقفها منه شاهد صدق على حقيقة ما يراه لنفسه، وما يطلب من الناس أن يعترفوا له به..
فكيف إذا كان الله في القرآن الكريم والرسول العظيم (صلىاللهعليهوآله ) لم يتركا مناسبة إلا واستفادا منها لتأكيد ذلك وترسيخه في عقول الناس، وفي نفوسهم، وفي وجدانهم، واعتباره جزءاً، بل محوراً لإيمانهم، واعتقادهم، وسلوكهم، وحياتهم كلها.
طلب النصرة
بيعة بني هاشم:
قد يرجح البعض أن الأمور جرت وفق ما ذكرته الرواية التالية:
إنه بعد فراغ أصحاب السقيفة من سقيفتهم، وبعد أن جرى ما جرى على فاطمة (عليهاالسلام ) من ضرب وإهانة، بعد دفن أبيها مباشرة..
(جلس (علي (عليهالسلام )) في المسجد، فاجتمع عليه بنو هاشم، ومعهم الزبير بن العوام. واجتمعت بنو أمية إلى عثمان بن عفان. وبنو زهرة إلى عبد الرحمن بن عوف. فكانوا في المسجد كلهم مجتمعين، إذ أقبل أبو بكر، ومعه عمر، وأبو عبيدة بن الجراح، فقالوا: ما لنا نراكم حلقاً شتى! قوموا فبايعوا أبا بكر، فقد بايعته الأنصار والناس.
فقام عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، ومن معهما فبايعوا، وانصرف علي وبنو هاشم إلى منزل علي (عليهالسلام ) ومعهم الزبير.
قال: فذهب إليهم عمر في جماعة ممن بايع، فيهم: أسيد بن حضير، وسلمة بن سلامة، فألفوهم مجتمعين، فقالوا لهم: بايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس.
فوثب الزبير إلى سيفه، فقال [لهم] عمر: عليكم بالكلب العقور، فاكفونا شره.
فبادر سلمة بن سلامة فانتزع السيف من يده، فأخذه عمر فضرب به الأرض فكسره، وأحدقوا بمن كان هناك من بني هاشم، ومضوا بجماعتهم إلى أبي بكر، فلما حضروا قالوا: بايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس، وأيم الله لئن أبيتم ذلك لنحاكمنكم بالسيف.
فلما رأى ذلك بنو هاشم أقبل رجل رجل، فجعل يبايع حتى لم يبق ممن حضر إلا علي بن أبي طالب، فقالوا له: بايع أبا بكر.
فقال علي (عليهالسلام ):
أنا أحق بهذا الأمر منه، وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من الرسول، وتأخذونه منا أهل البيت غصباً، ألستم زعمتم للأنصار إنكم أولى بهذا الأمر منهم، لمكانكم من رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فأعطوكم المقادة، وسلموا لكم الإمارة؟!
وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار.
أنا أولى برسول الله حياً وميتاً، وأنا وصيه، ووزيره، ومستودع سره وعلمه، وأنا الصديق الأكبر، والفاروق الأعظم، أول من آمن به وصدقه، وأحسنكم بلاءً في جهاد المشركين، وأعرفكم بالكتاب والسنة، وأفقهكم في الدين، وأعلمكم بعواقب الأمور، وأذربكم لساناً، وأثبتكم جناناً.
فعلام تنازعونا هذا الأمر؟!
أنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، واعرفوا لنا الأمر مثل ما عرفته لكم الأنصار، وإلا فبوؤا بالظلم والعدوان وأنتم تعلمون.
فقال عمر: يا علي أما لك بأهل بيتك أسوة؟!
فقال علي (عليهالسلام ): سلوهم عن ذلك.
فابتدر القوم الذين بايعوا من بني هاشم، فقالوا: والله، ما بيعتنا لكم بحجة على علي، ومعاذ الله أن نقول: إنا نوازيه في الهجرة، وحسن الجهاد، والمحل من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فقال عمر: إنك لست متروكاً حتى تبايع طوعاً أو كرهاً.
فقال علي (عليهالسلام ): احلب حلباً لك شطره، اشدد له اليوم ليرد عليك غداً، إذاً والله لا أقبل قولك، ولا أحفل بمقامك، ولا أبايع.
فقال أبو بكر: مهلاً يا أبا الحسن، ما نشدد عليك، ولا نكرهك.
فقام أبو عبيدة إلى علي (عليهالسلام )، فقال:
يا ابن عم، لسنا ندفع قرابتك، ولا سابقتك، ولا علمك، ولا نصرتك، ولكنك حدث السن ـ وكان لعلي (عليهالسلام ) يومئذ ثلاث وثلاثون سنة ـ وأبو بكر شيخ من مشايخ قومك، وهو أحمل لثقل هذا الأمر، وقد مضى الأمر بما فيه، فسلم له، فإن عمَّرك الله يسلموا هذا الأمر إليك، ولا يختلف فيك اثنان بعد هذا، إلا وأنت به خليق وله حقيق، ولا تبعث الفتنة في غير أوانها، فقد عرفت ما في قلوب العرب وغيرهم عليك.
فقال أمير المؤمنين (عليهالسلام ):
يا معاشر المهاجرين والأنصار، الله الله لا تنسوا عهد نبيكم إليكم في أمري، ولا تخرجوا سلطان محمد (صلىاللهعليهوآله ) من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعر بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن حقه ومقامه في الناس.
فوالله يا معاشر الجمع، إن الله قضى وحكم، ونبيه أعلم، وأنتم تعلمون: أنا أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم، أما كان القارئ منكم لكتاب الله، الفقيه في دين الله، المضطلع بأمر الرعية؟!
والله إنه لفينا لا فيكم، فلا تتبعوا الهوى، فتزدادوا من الحق بعداً، وتفسدوا قديمكم بشر من حديثكم.
فقال بشير بن سعد الأنصاري، الذي وطأ الأمر لأبي بكر، وقالت جماعة من الأنصار: يا أبا الحسن لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف فيك اثنان.
فقال علي (عليهالسلام ): يا هؤلاء، أكنت أدع رسول الله مسجى لا أواريه، وأخرج أنازع في سلطانه؟! والله ما خفت أحداً يسمو له، وينازعنا أهل البيت فيه، ويستحل ما استحللتموه. ولا علمت أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ترك يوم غدير خم لأحد حجة، ولا لقائل مقالاً، فأنشد الله رجلاً سمع النبي يوم غدير خم يقول:
(من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله) أن يشهد الآن بما سمع!!
قال زيد بن أرقم: فشهد اثنا عشر رجلاً بدرياً بذلك، وكنت ممن سمع القول من رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فكتمت الشهادة يومئذ، فدعا عليٌّ عليَّ، فذهب بصري.
قال: وكثر الكلام في هذا المعنى، وارتفع الصوت، وخشي عمر أن يصغي الناس إلى قول علي (عليهالسلام )، ففسخ المجلس، وقال: إن الله
يقلب القلوب، ولا تزال يا أبا الحسن ترغب عن قول الجماعة، فانصرفوا يومهم ذلك(1) .
____________
1- الإحتجاج للطبرسي ج1 ص181 ـ 185 و (ط دار النعمان سنة 1386هـ) ج1 ص94 ـ 97، وقال المعلق (على النسخة الأولى) في الهامش: هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بين الخاصة والعامة.
نقله أصحاب السير والتواريخ مع اختلاف يسير، فمن أراد الإطلاع عليه، فليرجع إلى مظانه، وإليك بعضها: الإمامة والسياسة (ط مصر) ج1 ص12 ـ 14 وأنساب الأشراف ج1 ص579 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص455 وكنز العمال ج5 ص649 والغدير ج1 ص159 انتهى. وراجع: الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص17 و (تحقيق الشيري) ج1 ص28 وكتاب الأربعين للشيرازي ص153 وبحار الأنوار ج28 ص347 و175 وج29 ص626 عن ابن قتيبة، ومناقب أهل البيت (عليهمالسلام ) للشيرواني ص400 والغدير ج5 ص371 ونهج السعادة ج1 ص44 والسقيفة وفدك للجوهري ص62 وبيت الأحزان ص81 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج2 ص134 و 251 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص319 والمسترشد لابن رستم الطبري ص375 وغاية المرام ج5 ص304 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج2 ص351 وج25 ص544 وشرح نهج البلاغـة للمعتزلي ج6 ص11 وراجع الجـزء الأخـير من الروايـة في: العمدة لابن البطريق ص106 عن المناقب لابن المغـازلي ص33 ومجمـع = = الزوائد ج9 ص106 والمعجم الكبير للطبراني ج5 ص171 و 175 وغاية المرام ج1 ص279 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص318 وج8 ص745 وج16 ص567 و 579.
ونقول:
تحسن الإشارة إلى الأمور التالية:
كسر سيف الزبير:
وقد اختلفت كلماتهم في كيفية التغلب على الزبير، ومن أخذ سيفه منه، ومن الذي كسره، هل هو عمر، أو سلمة بن أسلم(1) ، أو أن الزبير عثر
____________
1- في الرواية المتقدمة سلمة بن سلامة. وراجع: المسترشد ص379 وبحار الأنوار ج28 ص184 وبيت الأحزان ص79.
وسلمة بن أسلم: في كتاب الأربعين للشيرازي ص153 وبحار الأنوار ج28 ص348 ونهج السعادة ج1 ص44 والسقيفة وفدك للجوهري ص62 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص11 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص18 و (تحقيق الشيري) ج1 ص28 وغاية المرام ج5 ص305.
وعمر: في السقيفة وفدك للجوهري ص53 و 73 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص21 و 57 وغاية المرام ج5 ص325 و 338 وكتاب الأربعين للشيرازي ص151 وراجع: الإختصاص للمفيد ص186 وبحار الأنوار ج28 ص229 و 310 والغدير ج5 ص369 والوضاعون وأحاديثهم للأميني ص488 وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص327. =
= ورجل من الأنصار وزياد بن لبيد: في كتاب الأربعين للشيرازي ص151 و 155 وبحار الأنوار ج28 ص315 و 321 ومناقب أهل البيت (عليهمالسلام ) للشيرواني ص403 والسقيفة وفدك للجوهري ص53 و 73 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص56 وج6 ص48 والدرجات الرفيعة ص196 ومستدركات علم رجال الحديث ج3 ص451 وأعيان الشيعة ج4 ص188 وبناء المقالة الفاطمية لابن طاووس ص402 وغاية المرام ج5 ص324
فسقط السيف من يده، فأخذوه(1) . أو أن جماعة أخذوه منه كما في الرواية الأخرى(2) .
وهو اختلاف تفوح منه رائحة حب التباهي بهذا الأمر، والإستفادة منه في بث الرعب في نفوس الضعفاء، وحملهم على الهروب من ساحات
____________
1- راجع: تاريخ الأمم والملوك حوادث سنة 11 والرياض النضرة ص167 وتاريخ الخميس ج1 ص188 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص122 و 133 و 134 و 58 و 59 وج6 ص2 والطرائف لابن طاووس ص238 والغدير للأميني ج7 ص86 وأعيان الشيعة ج1 ص33 و 431 وبحار الأنوار ج28 ص231 وغاية المرام ج5 ص334.
2- الإحتجاج ج1 ص209 و (ط دار النعمان سنة 1386هـ) ج1 ص110 وكتاب سليم بن قيس ص158 وبحار الأنوار ج28 ص276 والأنوار العلوية ص289 ومجمع النورين للمرندي ص100 وغاية المرام ج5 ص319 و 326 ونفس الرحمن للطبرسي ص488.
المواجهة مع المناوئيين، وإعطاء جرعة شجاعة لمناوئي علي (عليهالسلام )، الذين كانت حالهم في الضعف والهروب من ساحات القتال في حياة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لا يحسدهم عليها أحد.
ولا يهمنا تحقيق ما جرى لهم مع الزبير ومعرفة من أخذ سيفه منه، ومن كسر ذلك السيف، لقلة جدوى هذا البحث إلا في تأكيد إصرارهم على التحوير والتزوير لأغراض رخيصة وتافهة، حسبما ألمحنا إليه..
غير أن لنا ملاحظة هامة جداً حول الزبير نفسه، وسياستهم الناجحة معه.. فإن هذا الرجل الذي لم يكن له شأن في حياة الرسول (صلىاللهعليهوآله ) وبعده. بل كان تابعاً لعلي (عليهالسلام )، ومنضوياً تحت لوائه، وينتظر أوامره، ويتحرك بحركته، قد استطاع الطرف الآخر الذي كان يعرف نقاط ضعف الزبير، أن يجره إليه، وأن يرفع من شأنه، ويؤهله نفسياً لأن يتجرأ على منافسة علي (عليهالسلام )، وعلى الوقوف في وجهه، ثم ينتهي به الأمر إلى جمع الجيوش لمحاربته، حسداً وانتقاماً لنفسه، حيث لم يوله العمل الذي طلبه منه..
والأدهى من ذلك، أن يجعل نفسه تحت راية بنت الخليفة الذي رفض الإعتراف بشرعية خلافته، وحمل السيف في وجه المنتصرين له، ثم أخذ منه ذلك السيف وكسر..
كسر سيف علي (عليهالسلام ):
وتدعي بعض الروايات: أنه لما هاجم عمر بيت الزهراء (عليهاالسلام ) خرج علي (عليهالسلام ) ومعه السيف، فلقيه عمر، فصارعه عمر
فصرعه وكسر سيفه(1) .
ونقول:
إن ذلك غير صحيح..
أولاً: لما تقدم: من أن الذي أُخذ سيفه منه وكسر هو الزبير، لا علي (عليهالسلام ).
ثانياً: إن عمر لا يجرؤ على مواجهة علي (عليهالسلام )، وقد ذكرت بعض الروايات لنا كيف أنه بعد أن هدد من في بيت الزهراء (عليهاالسلام ) إن لم يخرجوا لبيعة أبي بكر رجع فقعد عند أبي بكر، وهو يخاف أن يخرج عليه علي (عليهالسلام ) بسيفه لما عرف من بأسه وشدته.
كما أن روايات أخرى ذكرت: أن علياً (عليهالسلام ) أخذ بمجامع ثوبه، فأسقط في يده(2) .
وفي أخرى: أن علياً (عليهالسلام ) أخذ بتلابيب عمر، ثم هزه فصرعه، ووجأ أنفه ورقبته، وهمَّ بقتله.. فأرسل يستغيث(3) .
____________
1- تاريخ اليعقوبي (ط دار صادر) ج2 ص126.
2- كتاب سليم بن قيس ص390 والبحار ج28 ص301 والأنوار العلوية ص289.
3- تفسير الآلوسي ج3 ص124 وكتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ج2 ص862 ـ 868 و (ط أخرى) ص387 وبحار الأنوار ج28 ص297 ـ 299 وج43 ص197 واللمعة البيضاء ص870 والأنوار العلوية ص287 ومجمع النورين للمرندي ص81 وبيت الأحزان ص115 وراجع: العوالم ج11 ص400 ـ 404.
ثالثاً: إن من يهرب من مرحب لا يثبت أمام قاتله، ومن يجبن أمام عمرو بن عبد ود لا يشجع أمام قاتل عمرو. ومن يهرب من خيبر لا يواجه فاتح خيبر، وقالع بابها..
إلا إذا أمن من ردة فعله، لسبب أو لآخر. ولا نظنه يجرؤ على بلوغ الحد الذي يعرف أن علياً (عليهالسلام ) يأباه، ولن يسكت عليه..
إستدلال علي (عليهالسلام ):
والمتأمل في ما استدل به أمير المؤمنين (عليهالسلام ) على القوم هنا يجد: أنه تضمن نقضاً لأدلتهم على الأنصار، والتأكيد على غاصبيتهم لمقام هو لأهل البيت (عليهالسلام )..
وظهور فساد استدلالهم لا بد أن يستتبع سقوط كل ما رتبوه على ذلك الدليل الفاسد من آثار.
ثم بدأ (عليهالسلام ) يبين: أن هذا الإستدلال على الأنصار كما يسقط دعواهم بأي حق لهم في الخلافة، فإنه يثبت: أن الحق لعلي (عليهالسلام ) دون سواه.
وهذا من المفارقات العجيبة، التي يندر حدوثها، وهو: أن يكون الدليل الذي يقيمه طرف بعينه على أحقيته بأمرٍ مّا هو نفسه يحمل في داخله ما يبطله.. بل يحمل في داخله ما يثبت الحق للطرف الآخر المقابل له..
ثم إنه (عليهالسلام ) لم يقتصر على هذا، بل تجاوزه إلى بيان عناصر بيّن أكثرها الإثنا عشر رجلاً الذين احتجوا على أبي بكر.. وكان أهل المدينة
أعرف الناس بها؛ وسيكون إنكار ابي بكر لها، بل التشكيك فيها مجازفة خطيرة، تعرّض من يفعل ذلك إلى وهن كبير، وإلى سقوط مريع أمام الناس ـ كل الناس. ولن ينفع بعد ذلك الترقيع، ولا تمحل الأعذار..
غير أن اللافت في كل ما احتج به علي (عليهالسلام ): أنه لم يذكر أي قول لرسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ولا أشار إلى أية آية من كتاب الله، ربما لأن هذه المواجهة كانت تقضي بالسكوت عن هذا الأمر مرحلياً، من حيث إنه (عليهالسلام ) لم يرد أن يثير مناوئيه للمبادرة إلى التشكيك في النصوص ولو بصورة عشوائية، حيث إنهم يعلمون: أنه إذا تقرر كون الإمامة والخلافة بالنص، وسلم الناس بهذا الأمر وقبلوه، فإن عليهم وعلى الأمويين وكل الناس أن يشيعوا أحلامهم بالحكم إلى مثواها الأخير..
فلا بد لهم من إنكار النص بأي ثمن كان؛ لأنه يبطل تأثير سقيفتهم التي كرست أن أمر الخلافة يقرره الناس، ولا يحتاج إلى نص. ولأن النص كرس الخلافة في بني هاشم دون سواهم.
فكان أن اكتفى (عليهالسلام ) بالأمور التي بلغت درجة البداهة في عقول الناس وفي وجدانهم. الأمر الذي أنتجته مجموعة كبيرة جداً من النصوص التي صدرت من رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، أو سجلها القرآن الكريم.. ولم يكن لأي كان أي سبيل لإنكارها.
فاختيار أي نص منها من دون انضمامه إلى النصوص الأخرى التي أنشأت تلك الضرورة والبداهة. أو من دون عرض التفاصيل التي جاء النص القرآني والنبوي ليتعامل معها.. سوف يعطي المتربصين بالنص
الفرصة لإثارة الشبهة فيه وحوله..
ومما يدل على أن هذا التعاطي كان مرحلياً، أنه (عليهالسلام ) عاد فاستدل بالنص، حينما استخرج من بيته، وجيء به للبيعة، وهدد بالقتل..
موقف عمر من استدلال علي (عليهالسلام ):
والغريب في الأمر: أن السلطة وأنصارها لم يمكنهم طرح أية مفردة، تفيدهم في مواجهة صاحب الحق الشرعي، ولم يتمكنوا من تصحيح استدلالهم أو ترميمه، ليصبح صالحاً لإثبات ولو شبهة حق لهم في هذا الأمر!! كما أنهم عجزوا عن إثارة أية شبهة فيما استدل به (عليهالسلام ) على أن الحق له في هذا الأمر دونهم!!
بل لم يتمكنوا حتى من إنكار أن يكونوا ظالمين ومعتدين في ما أقدموا عليه. بل غاية جهدهم تمثلت فيما طلبه عمر من علي (عليهالسلام ) إليه أن يتأسى ببني هاشم، الذين بايعوا مكرهين..
فبين له علي (عليهالسلام ) بالدليل الحسي: أن ما طلبه منه يعدّ قلباً فاضحاً للمعايير، وسفهاً من القول والفعل؛ لأنه يجعل المأموم إماماً، والإمام مأموماً.. وهو أمر ترفضه الفطرة، ولا يجيزه العقل، وتأباه الحكمة والتدبير..
ويلاحظ: أنه (عليهالسلام ) أحال عمر على نفس أولئك الذين افترضهم عمر أسوة لعلي، وإذ بهم يرفضون ذلك، ويستدلون لرفضهم هذا بأنه هو صاحب القرار والأسوة، وهذا لا مجال للنقاش فيه..
فلجأ عمر إلى استعمال القوة، والقهر بالسلطان..
اعتراف أبي عبيدة وتبريراته:
وبعد أن استوعب أبو بكر أجواء الحدة، جاء دور شريكه أبي عبيدة، ليسجل اعترافاً صريحاً بصحة أقوال أمير المؤمنين كلها، توطئة للإستدلال علىه (عليهالسلام ) بأمرين:
أولهما: ميزة لم يجد سواها في أبي بكر ترجحه ـ بنظره ـ على علي (عليهالسلام ). وهي: أن علياً كان على حد تعبيره: (حدث السن)، وأبو بكر شيخ من مشايخ قومه، وهو أحمل لثقل هذا الأمر.
الثاني: أن خلافة أبي بكر قد أصبحت أمراً واقعاً، فلم يعد له فيها خيار سوى التسليم..
ثم أطلق تهديده القوي له، بأنه إن لم يبايع، فسيكون سبباً في بعث الفتنة في غير أوانها، فقد عرف ما في قلوب العرب وغيرهم عليه..
ونقول:
إن ما ذكره أبو عبيدة لا قيمة له، ولا يبرر اغتصاب الحق من أهله..
فأولاً: إن السن ليس هو المعيار في استحقاق هذا المقام.. بل المعيار هو ما ذكره علي (عليهالسلام ) في احتجاجه، لاسيما بملاحظة خطورة هذا المقام، من: العلم، والشجاعة، والعصمة، والسابقة. وغير ذلك..
ثانياً: لو صح الإستدلال بالسن؛ لكان أبو قحافة أحق بهذا المقام من ابنه أبي بكر، بالإضافة إلى عشرات أو مئات أو آلاف من الناس كانوا في
الأمة أسن من أبي بكر..
ثالثاً: إن اختيار الخليفة ليس للناس.
ولو فرض أن للناس في ذلك أدنى حق، فبعد أن اختار الله ورسوله لهم، يسقط حقهم هذا، ولا يجوز لهم تجاهل من اختاره الله لهم، واللجوء إلى آرائهم وأهوائهم..
رابعاً: إن الشيخوخة لا تعني: أن الشيخ أحمل لهذا الأمر من غيره، فإن درجات التحمل تختلف وتتفاوت، وقد يكون الأصغر سناً أحمل من غيره، والوقائع هي التي تثبت ذلك، وقد أثبتت بالفعل: أن الأحدث سناً هو الأحمل لثقل هذا الأمر.
ولم ينس أحد مبيت علي (عليهالسلام ) على فراش الرسول (صلىاللهعليهوآله ) ليلة الغار، وحزن أبي بكر، مع أنه كان في موضع الأمن والسلام. كما أن أحداً لم ينس ما جرى في حرب بدر، وأحد، وخيبر، وحنين، وغير ذلك.
خامساً: إن السبب الذي يراد التقديم على أساسه، وهو علو السنّ، إنما تكونت الزيادة فيه في أيام الجاهلية، حيث كان يمارس عبادة الأصنام، والأعمال التي لا تنتج إلا تراكمات تحمل معها المزيد من الإبتعاد عن الصلاحية لهذا الأمر كما لا يخفى..
أما علي (عليهالسلام ) فقد عاش عمره كله في كنف الرسول (صلىاللهعليهوآله )، وفي حضن الإيمان والتقوى، ولا شيء غير ذلك، فزيادة السّن لا تنتج مجداً، ولا تعطي امتيازاً، بل هي على ضد ذلك أدل بسبب ما
تفرزه من تراكمات للصوارف والمبعدات عن الله، لتصبح ظلمات بعضها فوق بعض، فلا تقاس بالعمر الذي يقضيه صاحبه في ظل التربية الإلهية على قاعدة:( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) (1) . كما هو الحال بالنسبة لعلي (عليهالسلام ).
سادساً: إن الأمر الواقع لا يجعل خلافة أبي بكر شرعية، إذا كان أساسها العدوان والظلم، إذ لو سرق إنسان مال غيره، فهذا أمر واقع، لكنه لا يجعل المال للسارق، مهما طال الزمن، ولو قتل أحدهم مؤمناً عدواناً، فهذا الأمر واقع؛ ولكنه لا يعفي القاتل من الإقتصاص منه. وإذا احتل أحدهم بيت غيره، فذلك لا يوجب على الغير أن يعطيه المفتاح، وأن يترك البيت له..
سابعاً: بالنسبة للفتنة، فإن من أطلق الفتنة ليس هو صاحب الحق الذي يجب عليه أن يطالب بحقه المغتصب، بل هو من اغتصب الحق، ويريد أن يقاتل صاحبه عليه، ويحرك غرائز الناس، ويضرب على الوتر العشائري والمصلحي؛ ليحتفظ بما ليس له..
الزهراء وعلي (عليهماالسلام ) في طلب النصرة:
قال سلمان الفارسي (رحمهالله ): فلما كان الليل حمل علي (عليهالسلام ) فاطمة (عليهاالسلام ) على حمار، وأخذ بيد ابنه الحسن والحسين (عليهماالسلام )، فلم يدع أحداً من أهل بدر [وبيعة الرضوان]، من المهاجرين ولا
____________
1- الآية 39 من سورة طه.
من الأنصار إلا أتاه في منزله، وذكر له حقّه، ودعاه إلى نصرته.
فما استجاب له من جميعهم إلا أربعة وأربعون رجلاً، فأمرهم أن يصبحوا بكرة محلِّقين رؤوسهم، معهم سلاحهم، وقد بايعوه على الموت.
قال: فأصبح ولم يوافه منهم أحد غير أربعة.
قلت لسلمان: من الأربعة؟!
قال: أنا، وأبو ذر، والمقداد، والزبير بن العوام.
[قال:] ثم أتاهم من الليلة الثانية فناشدهم [الله].
فقالوا: نصبحك بكرة، فما منهم أحد وفى غيرنا.
ثم أتاهم في الليلة الثالثة، فما وفى أحد غيرنا(1) .
وفي نص آخر: إنهم كانوا يقولون: قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر، ما عدلنا به.
فقال علي (عليهالسلام ): أفكنت أدع رسول الله (صلىاللهعليهوآله )
____________
1- الإحتجاج ج1 ص206 و 207 و (ط دار النعمان ص1386هـ) ج1 ص107 و 108 وكتاب سليم ج2 ص580 و 581 و (طبعة أخرى) ص148 وبحار الأنوار ج22 ص328 وج28 ص267 والأنوار العلوية ص285 ومجمع النورين للمرندي ص97 وغاية المرام ج5 ص315 و 316 وج6 ص26 ونفس الرحمن للنوري ص482 و بيت الأحزان ص108 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص115.
ميتاً في بيته، لم أجهزه، وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه؟!
فقالت الزهراء (عليهاالسلام ): ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، وقد صنعوا ما الله حسيبهم عليه(1) .
وقد كتب معاوية إلى علي (عليهالسلام ) يذكر ذلك، فقال له: (وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلاً على حمار، ويداك في يدي ابنيك: الحسن والحسين يوم بويع الخ..)(2) .
ونقول:
إن المتأمل في حديث حمل علي (عليهالسلام ) فاطمة الزهراء، والحسنين
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص13 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص19 و (تحقيق الشيري) ج1 ص30 والسقيفة وفدك للجوهري ص64 وبحار الأنوار ج28 ص352 و 355 ومناقب أهل البيت (عليهمالسلام ) للشيرواني ص404 والغدير ج5 ص372 وج7 ص81 و الإمام علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) للهمداني ص708 والوضاعون وأحاديثهم ص494 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص325 وغاية المرام ج6 ص18 وبيت الأحزان ص82 و 100 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص295 وج33 ص364 و 366 و 367.
2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص47 وسفينة النجاة للتنكابني ص345 وغاية المرام ج6 ص18 وكتاب الأربعين للشيرازي ص166 وبيت الأحزان ص100 وبحار الأنوار ج28 ص313 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص505.
(عليهمالسلام ) إلى بيوت أعيان الصحابة يجد فيه بعض ما يحتاج إلى التوضيح أو التصحيح، فلاحظ ما يلي
من هم المستجيبون؟!:
ذكر الحديث المتقدم: أن الذين استجابوا لطلب الزهراء (عليهاالسلام ) النصرة هم: سلمان وأبو ذر، والمقداد، والزبير..
وفي هذا نظر وذلك لما يلي:
1 ـ إن سائر الروايات لا تذكر الزبير في جملتهم، بل تذكر عماراً عوضاً عنه(1) .
2 ـ وفي نص آخر: (فما أعانها أحد، ولا أجابها، ولا نصرها)(2) .
____________
1- الإحتجاج ج1 ص188 و (ط دار النعمان سنة 1386هـ) ج1 ص98 و 281 و الصراط المستقيم ج2 ص80 ومجمع النورين للمرندي ص74 وبحار الأنوار ج22 ص328 وج28 ص191 وج29 ص419 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص43 ونهج الإيمان لابن جبر ص579 ونفس الرحمن في فضائل سلمان للطبرسي ص579 ومستدرك الوسائل ج11 ص74 والعقد النضيد للقمي ص150 وكتاب الأربعين للشيرازي ص238
2- الإختصاص للمفيد ص183 ـ 185 وبحار الأنوار ج29 ص189 ـ 193وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج8 ص422 ـ 424 والعوالم ج11 ص647 ح2 واللمعة البيضاء ص309 ـ 312 ومجمع النورين للمرندي ص121 ـ 124.
الصفحة 301
3 ـ هناك من يقول: أجابها ثلاثة نفر فقط(1) .
4 ـ في كتاب معاوية لعلي (عليهالسلام ): (فلم يجبك منهم إلا أربعة، أو خمسة. ولعمري لو كنت محقاً لأجابوك، ولكنك ادَّعيت باطلاً، وقلت ما لا يعرف، ورميت ما لا يدرك)(2) .
مضت بيعتنا لأبي بكر:
وعن قولهم: (مضت بيعتنا لهذا الرجل)، نقول:
أليس قد مضت بيعتهم لعلي (عليهالسلام ) في يوم الغدير، فلماذا ينقضونها الآن؟! وقد احتج علي والزهراء (عليهماالسلام ) بذلك، كما ذكرناه في موضع آخر من هذا الكتاب!!
وهل بيعة الأمر الواقع تصبح نافذة، حتى لو كانت على خلاف ما قضى الله تعالى ورسوله؟!
وهل تصح بيعة هؤلاء حتى لو كانت متضمنة لنقض بيعة تمت برعاية
____________
1- تاريخ اليعقوبي ج2 ص126 الهداية الكبرى للخصيبي ص412 والعقد النضيد للقمي ص150 وراجع: الدرجات الرفيعة ص213.
2- راجع: شرح نهـج البلاغـة للمعتزلي ج2 ص47 وكتـاب الأربعين للشيرازي ص167 وبحار الأنوار ج28 ص313 وج33 ص151 وغاية المرام ج6 ص18 وسفينة النجاة للتنكابني ص345 وبيت الأحزان ص100 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص505 وكتاب سليم بن قيس ص302.
الله ورسوله، ولم يكن هناك موجب لنقضها؟!
وهل تصح البيعة لكل من سبق، حتى لو كان فاقداً للشروط المطلوب توفرها، لتصح بيعة أبي بكر هنا لسبقها؟!
الكثرة دليل معاوية:
وتقدم: أن معاوية جعل قلة أنصار علي (عليهالسلام ) دليلاً على أنه (عليهالسلام ) لم يكن محقاً.
ونقول:
أولاً: لو صح هذا، لكان الأنبياء كلهم على باطل، إذ لم يجبهم إلا أقل القليل من الناس..
ثانياً: إن هذا يعني: أن أبا سفيان حين ناصر علياً (عليهالسلام ) كان على الباطل أيضاً؛ لأنه ناصر الطرف الذي كان معه أقل القليل، وهذا ما لا يرضاه معاوية لأبيه..
ثالثاً: إن هذا ينتهي إلى الطعن بالقرآن الذي قال:( ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ ) (1) . و( وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ) (2) .
تشنيع معاوية:
إن تشنيع معاوية على أمير المؤمنين (عليهالسلام ) بما جرى عليه من
____________
1- الآيتان 13 و 14 من سورة الواقعة.
2- الآية 40 من سورة هود.
ظلم وحيف في مسألة اغتصاب حقه حتى اضطر إلى طلب النصرة من الأنصار هو من مفردات الظلم والبغي على أهل الحق. فإن علياً (عليهالسلام ) صبر وكظم غيظه، وأراد بفعله هذا، أعني: طلب النصرة من المهاجرين والأنصار:
أولاً: أن يبطل حجة الغاصبين لحقه، ويثبت للناس بصورة حية، ووجدانية أنه هو، والزهراء، والحسنان عترة الرسول (صلىاللهعليهوآله )، وأهله ولحمه ودمه، وهم أقرب إليه من أبي بكر الذي كان تيمياً، وليس من بني هاشم في شيء..
ثانياً: إنه (عليهالسلام ) يريد أن يعرفهم على مقام أولئك الذين اعتدى عليهم أولئك الغاصبون، وعلى منزلة الذين تعرضوا للإهانة، وللتهديد بالإحراق، وبالقتل. لكي يرجعوا إلى أنفسهم، ويفكروا في الأمر، وليدركوا من ثم: أن من يفعل كل ذلك بهؤلاء، كيف سيتعامل مع غيرهم، ممن ليس له حرمتهم ولا موقعهم؟!
وليدركوا أيضاً: أن من يفعل ذلك لا يكون متحلياً بأيٍ من الصفات التي تؤهله للمقام الذي سعى إليه، والموقع الذي وضع نفسه فيه، لا سيما أن ثمن ما حصل عليه هو: عدوانه على هذه الصفوة المطهرة.
البيعة.. الإحتجاج..
لو صحت روايات بيعة علي (عليهالسلام ):
قد يقول البعض:
ورد في البخاري وغيره: أن بيعة علي (عليهالسلام ) قد تأخرت إلى ما بعد ستة أشهر، حيث توفيت السيدة الزهراء (عليهاالسلام )، ورأى علي انصراف الناس عنه، فبادر إلى مبايعة أبي بكر حينئذ، فلماذا يرضى علي بالبيعة، ويبادر إليها، ويصر الشيعة على رفض مشروعية خلافة أبي بكر، ولا يرضون بالقبول بها، والإنضواء تحت لوائه؟!
ونجيب:
إننا نسأل: لماذا تأخر علي (عليهالسلام ) عن بيعة أبي بكر كل هذه المدة ـ ستة شهور ـ فإن كان مراعاة للزهراء (عليهاالسلام )، لأنها لم تكن ترضى بأن يبايع أبا بكر، خصوصاً وأن البخاري يروي: أنها (عليهاالسلام ) ماتت وهي واجدة على أبي بكر(1) .
فهذا يعني: أنها (عليهاالسلام ) لم تكن ترى أبا بكر إماماً لها، فهل هي
____________
1- راجع: صحيح ج 5 ص 82 باب غزة خيبر، حديث 4240 و4241 قوله:( فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِى بَكْرٍ فِى ذَلِكَ فَهَجَرَتْهُ ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ ..) .
قد ماتت بغير إمام؟!
وهل يصح أن يقال عنها: إنها ـ على هذا الأساس ـ ماتت ميتة جاهلية؟!
وإن كان تأخره (عليهالسلام ) لأجل أنه هو نفسه لم يكن يرى أبا بكر إماماً، فلماذا عاد إلى بيعته بعد استشهاد الزهراء (عليهاالسلام )؟!
فهل أوجب استشهادها تغييراً في رأيه، أو في فطرته، وفي فهمه للأمور، أو أن أبا بكر أصبح صالحاً للإمامة؟!
هذا لو فرض: أن بيعته كانت بإرادة واختيار منه..
أما إن كان مجبراً على هذه البيعة، فالأمر يصبح أوضح وأصرح، ويصبح البحث في هذه القضية بلا معنى.
وفي جميع الأحوال نقول:
إن بيعة علي (عليهالسلام ) لأبي بكر إنما يدَّعيها عليه محبو أبي بكر، وهم غير مأمونين فيما ينقلونه عن علي (عليهالسلام )..
ولو سلمنا صحة ذلك عنه، فهو أمر لم نحضره، ونشك في ظروفه وحيثياته ودوافعه، ولا سيما مع وجود النصوص التي تبين ما جرى من اكراه، وعسف وظلم. ولا أقل من أن ذلك يوجب أن تدخل فيه الاحتمالات المختلفة، فيما يرتبط بالإكراه تارة، والاضطرار أخرى.
وشواهد الأحوال تؤيد الإكراه والإضطرار على حد سواء.
ولكن نصوص النبي (صلىاللهعليهوآله )، والبيعة لعلي (عليهالسلام ) في يوم الغدير، وعدم أهلية من تصدى للخلافة لأسباب كثيرة بيَّنها علماؤنا، ومنها جرأتهم على رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، واتهامه
بأنه يهجر، ومخالفتهم له وعصيانهم لأوامره، بالإضافة إلى جهلهم بأحكامه تعالى، ثم إهانتهم، وإغضابهم للزهراء (عليهاالسلام ) وضربها، وإسقاط جنينها، واغتصاب فدك، والتخلف عن جيش أسامة إلى عشرات من المخالفات الصادرة عنهم.
إن ذلك كله، أمر يقيني لا شبهة فيه، ولا شك يعتريه، فلابد من الالتزام به، لأن ما يزعمونه من بيعة علي (عليهالسلام ) لهم بعد ستة أشهر يبقى مشكوك الحصول. ولو كان حاصلاً فهو مشكوك الحيثيات والدوافع، والظروف، حسبما أوضحناه.
متى بايع علي (عليهالسلام )؟!:
ادَّعوا: أن علياً (عليهالسلام ) بايع أبا بكر، ثم اختلفوا في وقت بيعته له، فقيل: بعد ستة أشهر(1) .
____________
1- صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج5 ص82 وصحيح مسلم ج5 ص154 وشرح أصول الكافي ج7 ص218 والصوارم المهرقة ص71 ومناقب أهل البيت (عليهمالسلام ) للشيرواني ص413.
وشرح مسلم للنووي ج12 ص77 وفتح الباري ج7 ص378 وعمدة القاري ج17 ص258 وصحيح ابن حبان ج14 ص573 ونصب الراية للزيلعي ج2 ص360 والبداية والنهاية ج5 ص307 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص568 والإكمال في أسماء الرجال ص168.
وقيل: بعد وفاة الرسول الأكرم (صلىاللهعليهوآله ) بأيام قلائل(1) .
وقيل: بعد وفاة الصدّيقة الطاهرة مع الإختلاف في وقت وفاتها.
وقيل: بعد وفاته (صلىاللهعليهوآله ) بأربعين، وباثنين وسبعين، أو بخمسة وسبعين، و بثلاثة أشهر، و بثمانية أشهر، إلى غير ذلك من أقوال..
وزعموا: أن سبب بيعته هو: أنه كان لعلي (عليهالسلام ) وجه من الناس في حياة فاطمة (عليهاالسلام )، فلما توفيت انصرفت وجوه الناس عنه، فبادر إلى البيعة بعد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بستة أشهر، قيل للزهري: فلم يبايعه علي ستة أشهر؟!
قال: لا والله، ولا أحد من بني هاشم، حتى بايعه علي (عليهالسلام )(2) .
____________
1- مروج الذهب ج2 ص201 والسيرة الحلبية ج3 ص485 و 489 والكامل في التاريخ ج2 ص325 والإمامة والسياسة ج1 ص14 وقاموس الرجال للتستري ج9 ص154 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص447.
2- راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج6 ص300 وفتح الباري ج7 ص379 والمصنف ج5 ص472 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص46 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص448 وعن صحيح البخاري (كتاب المغازي) ج4 ص1549 وعن صحيح مسلم (كتاب الجهاد) ج4 ص30 والطرائف لابن طاووس ص238 وبحار الأنوار ج28 ص353 وج29 ص202 واللمعة البيضاء ص755 و 756 وأعيان الشيعة ج4 ص188 وكشف الغمة للإربلي ج2 ص103 وغاية المرام ج5 ص327 وسفينة النجاة للتنكابني ص126 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص456.
ونقول:
أولاً: إن بيعة علي (عليهالسلام ) لها أهمية بالغة لدى جميع الناس آنئذٍ. وقد كانت مرصودة من الكبير والصغير، فلا يعقل خفاؤها إلى هذا الحد.
ثانياً: لقد هتك هؤلاء القوم حرمة علي (عليهالسلام )، وهددوه بالقتل، وضربوا زوجته، وقتلوا ولده، وباشروا بإحراق بيته عليه وعلى زوجته وأولاده.. ولم يراعوا حرمة لهم. بل لقد كان للسيدة الزهراء (عليهاالسلام ) النصيب الأكبر من هذا الأذى كله..
يضاف إلى ذلك: أنه قد حمل الزهراء وابنيها: الحسن والحسين (عليهمالسلام )، ودار بهم على بيوت المهاجرين والأنصار، وأهل بدر وغيرهم، يطلبون نصرتهم، فلم يستجيبوا لهم..
فما معنى قولهم بعد ذلك كله: إنه لما توفيت فاطمة رأى انصراف وجوه الناس عنه، فضرع للبيعة؟!
أليس قد ظهر هذا الإنصراف عنه منذ الأيام الأولى، حيث هوجم هو والزهراء، وولدها؟! ثم طلبوا نصرة الناس لهم، فلم يستجب لهم سوى أربعة؟!
وكيف يقول القرطبي في المفهم: (كان الناس يحترمون علياً في حياتها كرامة لها، لأنها بضعة من رسول الله وهو مباشر لها. فلما ماتت وهو لم يبايع أبا بكر انصرف الناس عن ذلك الإحترام، ليدخل فيما دخل فيه الناس، ولا يفرق جماعتهم)(1) .
____________
1- الغدير ج8 ص36 وج10 ص361.
ثالثاً: لقد حورب مالك بن نويرة وقتل، وحورب مانعوا الزكاة، لأنهم أرادوا أن يبايعوا علياً (عليهالسلام )، فلو أن علياً وأهل البيت (عليهمالسلام ) بايعوا في وقت مبكر، فإن هؤلاء لا يعرِّضون أنفسهم للقتل بتريثهم في إعطاء الزكاة لغير أهل بيت نبيهم.
رابعاً: إن الضغوط التي واجهها علي (عليهالسلام ) في الأيام الأولى من رحلة الرسول الأعظم (صلىاللهعليهوآله ) قد بلغت أقصى مداها.. وقد خفت تلك الضغوط عليه بعد ذلك، فلماذا يصوّرون الأمر بعكس ما هو واقع ومشهود؟!
غاية ما هناك: أن محاولاتهم معه لإجباره على البيعة قد تكررت في البدايات حتى يئسوا منه، فاكتفوا منه بتكاثرهم عليه حتى مسح أبو بكر على يده، ثم صاحوا: بايع، بايع، بايع أبو الحسن.
خامساً: إنه (عليهالسلام ) لم يبايع، بدليل: ما تقدم من أنه (عليهالسلام ) أقسم على عدم البيعة، فقال لعمر: إذاً ـ والله ـ لا أقبل قولك، ولا أحفل بمقامك، ولا أبايع(1) . ولم يكن علي (عليهالسلام ) بالذي يحنث بقسمه..
سادساً: ويمكن أن يقال أيضاً: إن حديث احتجاج طائفة من الصحابة على أبي بكر يدل على أن علياً (عليهالسلام ) لم يبايع أبا بكر، فبعد أن امتنع
____________
1- الإحتجاج للطبرسي ج1 ص181 ـ 185 و (ط دار النعمان سنة 1386هـ) ج1 ص94 ـ 97 وبحار الأنوار ج28 ص185.
(عليهالسلام ) عن بيعة أبي بكر في اليوم الأول صعد أبو بكر المنبر في اليوم التالي، فتشاور قوم فيما بينهم.
فقال بعضهم: والله لنأتينه ولننزلنه عن منبر رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
وقال آخرون منهم: والله، لئن فعلتم أعنتم على أنفسكم.. ثم اتفقوا على استشارة علي (عليهالسلام ) في ذلك، فلما أخبروه بالأمر قال: وأيم الله لو فعلتم ذلك لأتيتموني شاهرين بأسيافكم، ومستعدين للحرب والقتال، وإذن لأتوني. وقالوا لي: بايع وإلا قتلناك. فلا بد لي من أن أدفع القوم عن نفسي(1) .
فدلّ هذا الخبر على أن تصرفهم هذا سوف يؤدي إلى حرب.. ولا يؤدي إلى حرب إلا إذا خير بين البيعة وبين القتل، فإذا اختار عدم البيعة وقعت الحرب، التي تفرض أن يأتي الناس إليه متأهبين للقتال. حيث سيضطر إلى دفع القوم عن نفسه بهذه الطريقة.
كل إمام في عنقه بيعة:
واذا كان (عليهالسلام ) لم يبايع، فكيف نفسّر ما ورد في بعض النصوص: (..ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا
____________
1- الإحتجاج ج1 ص181 ـ 185 و (ط دار النعمان سنة 1386هـ) ج1 ص94 ـ 97 وبحار الأنوار ج28 ص191 وقد ذكرنا هذه الحادثة ومصادرها في فصل: (إحتجاجات ومناشدات).
القائم..)(1) .
ونجيب:
بأنه لا شك في أن المقصود هو البيعة التي تكون بالإكراه. أو ما صورته صورة البيعة بنظر الناس من عهد وعقد. إذ لا شك في بطلان إمامة كل من ادعى الإمامة خارج النص الإلهي..
فلا قيمة للبيعة المبنية على باطل، فإن كان قد جيء بعلي (عليهالسلام ) ملبباً، ثم مسح أبو بكر على يده، وصاحوا: بايع أبو الحسن.. ولم يعد بالإمكان إنكار هذا الأمر ولا مجال لاقتلاعه من أذهان الناس، كفى ذلك في صدق الأحاديث المشار إليها، على أساس أن المراد: في عنقه بيعة بنظر الناس بصورة عامة..
علي (عليهالسلام ) يعترف بالبيعة:
يقول البعض: إن علياً (عليهالسلام ) لم ينكر بيعته لأبي بكر، حتى حين واجهه معاوية بأنه كان يقاد إليها كالجمل المخشوش، وكذلك في
____________
1- كمال الدين ص316 وكفاية الأثر ص225 والإحتجاج ج2 ص9 وبحار الأنوار ج14 ص349 وج44 ص19 وج51 ص132 وج52 ص279 وكشف الغمة للإربلي ج3 ص328 والإيقاظ من الهجعة للحر العاملي ص302 وغاية المرام ج2 ص285 وإلزام الناصب ج1 ص194 ومكيال المكارم ج1 ص113 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهالسلام ) للنجفي ج8 ص233.
مواقف أخرى، لكنه قال: إنه بايع مكرهاً(1) .
فلماذا إذا ننكر نحن ما يعترف هو به؟!
ونجيب: بأننا ننكر أن يكون قد بايع بيعة شرعية صحيحة، ولم ننكر أنهم جاؤوا به لمجلس البيعة، ومدوا يده فقبضها، فمدوها حتى استطاع أبو بكر أن يمسح عليها، ثم قالوا: بايع، بايع أبو الحسن.
____________
1- راجع: الغارات للثقفي ج1 ص302 والإمامة والسياسة ج1 ص154 وكشف المحجة ص174 عن رسائل الكليني، وبهج الصباغة ج4 ص430 و 432.
وراجع قولهم: كان يقاد كالجمل المخشوش في: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج3 ص33 والإحتجاج للطبرسي ج1 ص262 والصوارم المهرقة ص220 وكتاب الأربعين للشيرازي ص165 وبحار الأنوار ج28 ص368 وج29 ص621 وج33 ص59 و 162 و 108 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص505 والإمام علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) للهمداني ص733 ونهج السعادة للمحمودي ج4 ص197 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص74 و 183 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليهالسلام ) لابن الدمشقي ج1 ص374 وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص237 وغاية المرام ج5 ص329 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج2 ص369 وسفينة النجاة للتنكابني ص327 وصفين للمنقري ص87 والعقد الفريد ج4 ص137 وصبح الأعشى ج1 ص273 ومنهاج البراعة ج19 ص92 و 104 عن العديد من المصادر.
إقتياد علي (عليهالسلام ):
وثمة سؤال يطرح باستمرار، على سبيل الإستهجان، المستبطن للرفض، وهو:
هل صحيح أن علياً (عليهالسلام ) ربط بحبل، وسحب، واقتيد إلى أبي بكر، ليبايعه في المسجد، على رؤوس الأشهاد؟!
وأين هي شجاعة علي (عليهالسلام )، وهو قاتل عمرو بن عبد ود، ومرحب، وقالع باب خيبر، وهازم المشركين في بدر وفي أحد، وحنين، وهازم اليهود في قريظة والنضير، وخيبر و.. و..؟!
ونقول في الجواب ما يلي:
ألف: روي: أن علياً (عليهالسلام ) أخذ إلى البيعة ملبباً(1) .
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص45 وكتاب سليم بن قيس ص388 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص85 والإيضاح لشاذان ص367 و 368 والسقيفة وفدك للجوهري ص71 والإختصاص ص11 و 186 و 275 والشافي لابن حمزة ج4 ص202 وكتاب الأربعين للشيرازي ص162 ومدينة المعاجز ج2 ص279 وج3 ص12 وبحار الأنوار ج28 ص220 و 227 و 228 و 261 و 300 و 393 ونهج السعادة ج1 ص44 وتفسير العياشي ج2 ص67.
وراجع: الجمل للمفيد ص56 ونهج الإيمان ص492 وغاية المرام ج5 ص327 و 338 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص582 وبيت الأحزان ص127 والأسرار الفاطمية ص117.
وفي رواية الإحتجاج: انطلقوا به ملبباً بحبل(1) . أو بثوبه(2) .
وبعض الروايات تذكر: أنهم قادوه في حمائل سيفه(3) .
والملبب: هو الذي جَمَعْتَ ثيابه عند صدره ونحره(4) ، في الخصومة، ثم تجره. أو يجعل في عنقه ثوب أو غيره، ثم يجرُّ به(5) .
ب: الحديث عن الشجاعة في غير محله هنا.. لأن أي عنف يثيره علي
____________
1- الإحتجاج (ط دار النعمان) ج1 ص109 وقواعد آل محمد (مخطوط) ص669 و 270.
2- نوادر الأخبار ص183 وعلم اليقين ص286 و 288 و الإمام علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) للهمداني ص710 وبيت الأحزان ص117 و 118 والأسرار الفاطمية ص121 و 122.
3- شجرة طوبى ج2 ص282.
4- الصحاح ج1 ص216 وراجع: إختيار معرفة الرجال ج1 ص52، ومجمع الفائدة للأردبيلي ج1 ص199 ولسان العرب ج1 ص733 ومجمع البحرين ج4 ص102 وشرح أصول الكافي ج6 ص200 وبحار الأنوار ج28 ص216 وج40 ص306 عن الجوهري، والنهاية لابن الأثير ج1 ص189 و (ط مؤسسة إسماعيليان) ج1 ص193 والقاموس المحيط ج1 ص127 وكشف الغمة ج1 ص304 وغريب الحديث لابن سلام ج3 ص30.
5- النهاية لابن الأثير (ط مؤسسة إسماعيليان) ج1 ص193 ولسان العرب ج1 ص734.
(عليهالسلام )، أو يعطي مهاجميه مبرراً لإثارته، سوف ينتهي بقتل جميع المؤمنين في المدينة بأسرها.. لأنهم في ليلة دفن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ملأوها بالمسلحين، حتى تضايقت بهم سككها وطرقاتها..
والمدينة بلد صغير جداً قد لا يصل عدد سكانه إلى ثلاثة أو أربعة آلاف نسمة، بين صغير وكبير، وامرأة ورجل، ومهاجري وأنصاري، وما إلى ذلك.
وقد أفاق الناس ليجدوا في أزقتها أربعة آلاف مقاتل على أقل تقدير.
وقد شكلوا مجموعات لمداهمة البيوت، واستخراج من فيها، وسحبهم بطريقة مهينة للبيعة. ولم يستطع، ولا يستطيع أحد من أصحاب علي (عليهالسلام ) ومحبيه الوصول إليه (عليهالسلام ).
فأي عنف ينشأ بين المهاجمين وبينه (عليهالسلام ) سوف ينتهي باستئصال جميع هؤلاء المؤمنين الذي كانوا بمثابة أسرى بأيدي الفريق المناوئ.
فلا معنى للتفريط بهم في مثل هذه الحال، وعلى من يكون علي (عليهالسلام ) خليفة بعد الآن إن قتل هؤلاء؟!
ومن الذي يحمي الإسلام ويدافع عنه في مواجهة قوى الطغيان؟
ومن الذي ينشر هذا الإسلام ويبلغه للأجيال اللاحقة؟
ومن الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومن يربي، ومن يعلم؟! ومن؟! ومن؟!
ج: وهذا يفسر لنا وصية النبي (صلىاللهعليهوآله ) له (عليهالسلام )
بأن لا يقاتلهم.
د: هذا كله، لو فرض أنه (عليهالسلام ) بقي حياً، ولم يقتل كما قتل الحسين (عليهالسلام )؟!
وإذا كان يحق لعلي (عليهالسلام ) أن يستجيب لدواعي الشجاعة، فليس له أن يفرط بأرواح الناس من دون فائدة تعود على الإسلام وأهله.. وذلك ظاهر لا يخفى.
هل احتج علي (عليهالسلام ) بالنص؟!:
ويبقى سؤال يلح بطلب الإجابة.. وهو:
هل احتج علي (عليهالسلام ) بالنص؟!..
فإن كان الجواب بالإيجاب، فأين هو ذلك ما يشير إلى ذلك الاحتجاج؟!..
وإن كان الجواب بالنفي، فلماذا لم يفعل ذلك؟!..
والجواب:
أولاً: إن وضوح هذا الأمر للناس جميعاً يجعل الإحتجاج غير ذي أثر كبير.. لا سيما وأن عامة الناس قد بايعوا علياً (عليهالسلام ) يوم الغدير، الذي كان قبل سبعين يوماً فقط من استشهاد رسول الله (صلىاللهعليهوآله )..
ثانياً: قد عودنا أولئك الناس على مفاجآتٍ مثيرة فيما يرتبط بالأساليب التي يستفيدون منها للوصول إلى مآربهم.. فقد أطلق أبو بكر مقولته:
(نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة)، لإبطال مطالبة الزهراء (عليهاالسلام ) له بإرث أبيها، الثابت لها بنص القرآن الكريم.. مع أن القرآن أعظم الحجج على هذا الأمر وأبينها..
ومع أنه حتى لو صحت مقولة أبي بكر، فإن الصدقة التي يتركها المتصدق لا يستولي عليها أي كان من الناس، بل تبقى بيد القيّم عليها المنصوب من قِبَلِ من تصدق بها نفسه..
فمن الذي يضمن أن يدعي أبو بكر: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قد عدل عما قرره في يوم الغدير، ونقضه؟! ولئن تجرأ أحد من الصحابة وأنكر ذلك، فإن هذا الإنكار قد لا يكون كافياً في إزالة الشبهة التي قد تراود أذهان الكثيرين ممن يأتي بعد ذلك من الأجيال..
ثالثاً: إن ما جرى فور وفاة النبي (عليهالسلام ) لم يترك مجالاً لأي احتجاج نافع، فقد توفي النبي (صلىاللهعليهوآله ) وأبو بكر في السنح كما يدَّعون.. فمنع عمر الناس من إعلان موته، وتهددهم(1) .
ولا ندري لماذا غاب أبو بكر، وهو إنما امتنع من الخروج في جيش أسامة، لأنه لا يريد أن يفارق النبي (صلىاللهعليهوآله ) الذي كان على فراش المرض، ويخشى أبو بكر أن يموت في غيابه!!.
____________
1- وقد تحدثنا عن ذلك في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله ). فراجع ما ذكرناه هناك، حين الحديث عن وفاة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
وجاء أبو بكر، فأعلن موت النبي (صلىاللهعليهوآله )، مستدلاً بالآية الشريفة، فاقتنع عمر بها، مع أنهم قرؤوها على عمر قبل ذلك فلم يكترث.. وفيما هم كذلك إذ جاء من أخبر أبا بكر وعمر بأمر السقيفة، فذهبا إليها وبقي علي (عليهالسلام ) منشغلاً بتغسيل وتكفين الرسول (صلىاللهعليهوآله ) والصلاة عليه ودفنه، وقد أنجز ذلك كله قبل أن يفرغ أهل السقيفة من سقيفتهم.
وقد صرحت بعض الروايات: بأنهم لما فرغوا من السقيفة جاؤوا فوراً إلى المسجد، وطرقوا الباب على علي (عليهالسلام ) وكانت الزهراء (عليهاالسلام ) خلف الباب مباشرة، فلما سألت من الطارق، دفعوا الباب بقوة وعنف، وعصرت خلف الباب، وسقط بعض المدافعين في داخل البيت، فسمع علي (عليهالسلام ) الصوت فبادر إليهم فهربوا، وانشغل (عليهالسلام ) بمعالجة الزهراء (عليهاالسلام )..
وطبيعي أن يكون ذلك كله قد حصل خلال ثوان معدودة..
وفي تلك الليلة، أو في صبيحتها امتلأت المدينة بالرجال الذين كان أبو بكر ـ فيما يبدو هو الذي تدبر أمر حضورهم بهذه السرعة، ودلت النصوص أيضاً على أن الهجوم على بيت الزهراء (عليهاالسلام ) قد تكرر في اليوم التالي، وجمع الحطب، وأضرمت النار بالباب، واقتحموا البيت، وأخرجوا علياً (عليهالسلام ) بالقوة والقهر..
واستخرجوا الناس من بيوتهم، وسحبوهم قهراً إلى البيعة، وواجهوهم
بالإهانات والتعديات(1) . فمتى أمكن لعلي (عليهالسلام ) أن يحتج وأن يتظلم؟! وأن يتكلم بقليل أو كثير؟! وهم يتعاملون معه ومع زوجته بهذه الطريقة الحادة، التي نتج عنها استشهاد الزهراء (عليهاالسلام )، وإسقاط جنينها، واحمرار عينها، واسوداد متنها من الضرب..
بل لقد اعتدوا على الزهراء (عليهاالسلام ) بالضرب ثلاث مرات..
رابعاً: بعض المصادر ذكرت أنه (عليهالسلام ) حين أمكنه أن يتكلم ويحتج بادر إلى ذلك، فاحتج بحديث الغدير، وذلك في نفس يوم البيعة لأبي بكر، فراجع(2) ..
واحتج أيضاً بحديث الغدير يوم أتاه أبو بكر في وقت غفلة(3) .
____________
1- وقد فصلنا ذلك كله حين الحديث عن استشهاد رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وذلك في الأجزاء الأخيرة من كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله ).
2- راجع كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله ) (الطبعة الخامسة) ج32 ص70 و 71 والإحتجاج ج1 ص184 و 185 و 213.
3- بحار الأنوار ج29 ص8 والخصال ج2 ص550 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للميرجهاني ج3 ص202 والإحتجاج للطبرسي ج1 ص160 وحلية الأبرار ج2 ص308 ومدينة المعاجز ج3 ص26 وخلاصة عبقات الأنوار ج9 ص39 وغاية المرام ج2 ص124 وج6 ص13 وكشف المهم في طريق خبر غدير خم للسيد هاشم البحراني ص93.
وحين لقيه في سكة بني النجار(1) .
لماذا لم تحتج الزهراء (عليهاالسلام ) بالغدير؟!:
وبما تقدم يجاب أيضاً على سؤال: لماذا لم تحتج الزهراء (عليهاالسلام ) بحديث الغدير، في خطبتها المشهورة في المهاجرين والأنصار؟!
وهي (عليهاالسلام ) التي تحدد وقت احتجاجها، ومناسبته..
يضاف إلى ما تقدم:
1 ـ أنه لم ينقل أنها (عليهاالسلام ) أشارت إلى حديث الغدير في احتجاجاتها في الفترة الأولى، فإنه لم يفسح المجال لأي احتجاج، لأن الأجواء كانت أجواء عدوان، وإيذاء، واغتصاب وقهر..
2 ـ كما أن من المحتمل أن يكون قد غلب على ظنها أن الإشارة إلى النص في تلك الأجواء، قد يحمل أبا بكر على معارضة حجتها هذه بما يثير الشبهة حول هذا الحديث، ويبطل أثره.
ولو بأن يدعى: أن النبي (عليهالسلام ) قد أسر إليه وإلى عمر بأنه قد عدل عن هذا الأمر، كما فعل في موضوع إرثها من أبيها.. وكما فعله حين استدل في السقيفة بمضمون حديث الأئمة من قريش.. وغير ذلك..
3 ـ يضاف إلى ذلك: أنه لم تكن هناك حاجة للاستدلال، لأن من يفعل
____________
1- بحار الأنوار ج29 ص35 وإرشاد القلوب ص264 و 265 والهداية الكبرى للخصيبي ص102 وخلاصة عبقات الأنوار ج9 ص40 ومدينة المعاجز ج3 ص14 والأنوار العلوية ص307.
ذلك يكون كناقل التمر إلى هجر.. لأن ما جرى في غدير خم لم يغب بعد عن ذهن أحد..
4 ـ على أنه قد نقل:
ألف: أنها احتجت بحديث الغدير أيضاً، وإن لم نستطع تحديد وقت ذلك ومناسبته، فراجع(1) .
ب: كما أن الطبرسي قد روى احتجاج الزهراء (عليهاالسلام ) به على المهاجمين لبيتها بعد أيام من وفاة أبيها(2) .
ج: واحتجت (عليهاالسلام ) به أيضاً على محمود بن لبيد(3) .
____________
1- أسنى المطالب للجزري ص49 ـ 51 والغدير ج1 ص197 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص188 وج9 ص106 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص334 والإمام علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) لأحمد الرحماني الهمداني ص132 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص318 عن جامع الأحاديث للقمي ص273 وغاية المرام ج6 ص122 والمناشدة والإحتجاج بحديث الغدير للشيخ الأميني ص73 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج21 ص27 وج22 ص122.
2- الإحتجاج ج1 ص203 وبحار الأنوار ج2 ص205.
3- راجع: العوالم ج11 ص228 وبحار الأنوار ج36 ص352 وكفاية الأثر ص197 والأنوار البهية ص343 وغاية المرام ج1 ص326 وكشف المهم في طريق خبر غدير خم ص189.
د: قال شمس الدين أبو الخير الجزري الدمشقي المقري الشافعي ما يلي:
فألطف طريق وقع بهذا الحديث وأغربه، ما حدثنا به شيخنا خاتمة الحفاظ، أبو بكر محمد بن عبد الله بن المحب المقدسي مشافهة: أخبرتنا الشيخة أم محمد زينب ابنة أحمد عبد الرحيم المقدسية، عن أبي المظفر محمد بن فتيان بن المثنى، أخبرنا أبو موسى محمد بن أبي بكر الحافظ، أخبرنا ابن عمة والدي القاضي أبو القاسم عبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد المدني بقراءتي عليه، أخبرنا ظفر بن داعي العلوي باستراباد، أخبرنا والدي وأبو أحمد ابن مطرف المطرفي قالا:
حدثنا أبو سعيد الإدريسي إجازة فيما أخرجه في تاريخ استراباد، حدثني محمد بن محمد بن الحسن أبو العباس الرشيدي من ولد هارون الرشيد بسمرقند وما كتبناه إلا عنه، حدثنا أبو الحسين محمد بن جعفر الحلواني، حدثنا علي بن محمد بن جعفر الأهوازي مولى الرشيد، حدثنا بكر بن أحمد القسري.
حدثتنا فاطمة وزينب وأم كلثوم بنات موسى بن جعفر (عليهالسلام )، قلن حدثتنا فاطمة بنت جعفر بن محمد الصادق، حدثتني فاطمة بنت محمد بن علي، حدثتني فاطمة بنت علي بن الحسين، حدثتني فاطمة وسكينة ابنتا الحسين بن علي عن أم كلثوم بنت فاطمة عن فاطمة بنت النبي، رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ورضي عنها، قالت:
أنسيتم قول رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يوم غدير خم، من كنت مولاه فعلي مولاه؟!
وقوله (صلىاللهعليهوآله ): أنت مني بمنزلة هارون من موسى (عليهماالسلام )؟!
وهكذا أخرجه الحافظ أبو موسى المديني في كتابه المسلسل بالأسماء، وقال: هذا الحديث مسلسل من وجه، وهو أن كل واحدة من الفواطم تروي عن عمة لها، فهو رواية خمس بنات أخ كل واحدة منهن عن عمتها(1) .
خطبة الزهراء (عليهاالسلام ) والإحتجاج بالنص:
أما بالنسبة إلى خطبتها العظيمة في المهاجرين والأنصار، فقد كانت الحكمة تقتضي عدم التعرض ليوم الغدير بصراحة ووضوح..
إذ لو فعلت ذلك لأثيرت شبهة مفادها: أن مطالبتها بفدك وبالإرث جاءت على سبيل التحدي، وفي سياق الصراع على الحكومة والسلطة، وهو أمر يطمح الناس إليه، ويسيل لعابهم عليه..
على أن الأمر الهام جـداً هو: أنها (عليهاالسلام ) قـد وضعت أبا بكـر
____________
1- راجع: أسنى المطالب للجزري ص49 ـ 51 وأسمى المناقب للمحمودي ص32 و 33 عن ابن عساكر في ترجمة الإمام علي (عليهالسلام ) (بتحقيق المحمودي) ج1 ص395 وقال: رواه ابن عقدة في حديث الولاية، والمنصور الرازي في كتاب الغدير حديث 123، وراجع: مودة القربى (المودة الخامسة)، وتوضيح الدلائل.
ـ في تلك الخطبة ـ بين فكي كماشة..
بيان ذلك:
أنها (عليهاالسلام ) حين ذكرت موضوع الإرث في خطبتها قد بينت بداهة هذا الأمر، وشدة وضوحه، واستدلت عليه بما يزيل كل شبهة. ويقرّ لها به كل منصف، ويفهمه العالم والجاهل..
وبذلك تكون قد وضعت أبا بكر أمام خيارين، لا ثالث لهما:
الخيار الأول: أن يعترف لها بصحة ذلك كله.. ويتراجع عن موقفه، ويسلم لها إرثها من أبيها..
وذلك يعني: أنه كان إما جاهلاً بأبسط الأمور الشرعية، وأبدهها وأوضحها، وبما يعرفه حتى الصبيان.. ومن كان كذلك، فهو لا يصلح لمقام خلافة النبوة، الذي يفرض عليه تعليم الناس أحكام دينهم، وإجراء أحكام الله فيهم وعليهم، وأخذهم بها.. فإن من يجهل هذه الواضحات كيف يمكن أن نثق بمعرفته بالأمور الدقيقة والعميقة والمشتبهة على غيره؟!
ولا تصح دعوى: أنه غفل عن هذا الحكم، فإن الغفلة عن الأمور البديهية غير مقبولة. ولا سيما إذا صاحب هذه الغفلة مبادرة وجهد لإجراء الحكم المناقض لذلك الأمر البديهي والواضح..
الخيار الثاني: أن يصر على مخالفة القرآن، وعلى نقض حكم الله في الإرث حتى مع تنبيهه إليه، على رؤوس الأشهاد، وبخطبة رنانة تنشئها (عليهاالسلام ) في مقام التحدي له، والإحتجاج عليه..
وذلك معناه: أنه لا يملك من التقوى، ومن الإلتزام بأحكام الله
وشرائعه ما يردعه عن هذه المخالفة الصريحة والواضحة..
ومن كان كذلك لا يستحق أن يجلس مجلس رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ويحكم باسمه.
كما أن الناس سوف يشعرون أنه غير مأمون على أموالهم، فهل يأمنونه على أعراضهم ودمائهم؟!
على أن من الواضح: أن الكلمة التي أطلقها أبو بكر ونسبها إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).. لا تدل على مطلوبه.. فإن قوله: نحن معاشر الأنبياء لا نورث. إنما اقتطعه من حديث، أريد به بيان زهد الأنبياء بالدنيا، وأنهم لم يأتوا لجمع الأموال، وخزنها، ثم توريثها لأحفادهم..
والعبارة هي التالية: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث درهماً ولا ديناراً، ولاذهباً ولا فضة).
وهذه العبارة لا تنافي أصل مشروعية التوارث بين الأنبياء وعوائلهم، ولذا دعا زكريا ربه، فقال:( ..فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً ) (1) . وهو إنما يدل على إرث المال.
وعبارة: (ما تركناه صدقة)، إنما هي إضافة تفرد بها أبو بكر..
وحتى لو كانت هذه العبارة ثابتة من قول رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فإنّها لا تدلّ على مطلوب أبي بكر..
فقد يقال: إنّه (صلىاللهعليهوآله ) ينشئ التصدّق بنفس هذه الكلمة،
____________
1- الآيتان 5 و 6 من سورة مريم.
ونحن نستبعد ذلك، لأنّه تكلّم بصيغة الجمع، ولم يقل: ما تركته صدقة..
والأظهر: أنه (صلىاللهعليهوآله ) يخبر عن جميع الأنبياء، فيقول: إن ما يتركونه يكون صدقة.
فإن كان الأمر كذلك، فالصدقة التي يتركها الميّت يكون أمرها إلى وصيّه، وهو الذي يشرف على إنفاقها في مواردها، أو إيصالها إلى مستحقّيها.. ووصيّ النبيّ (صلىاللهعليهوآله ) هو: خصوص عليّ (عليهالسلام ). كما صرّحت به النصوص الكثيرة عند السنّة والشيعة.
ولا تدخل الصدقات في دائرة اختصاص الحاكم، ولا يعود أمرها إليه، فلماذا يصرّ أبو بكر على وضع يده عليها؟!
وإن قرئت كلمة: (صدقة) بالنصب. فإن كان المراد: أنّ الأنبياء لا يورّثون الصدقات التي يتركونها بعدهم..
فذلك لا يفيد أبا بكر في شيء أيضاً. إذ لا بد من إثبات كونه قد تصدق بها في حال حياته..
وإن كان المراد نفي أن يكون ما يتركه الأنبياء صدقة ـ فالأمر يصبح أوضح وأصرح.
الأنصار.. بعد فوات الأوان!!
حركة الأنصار خنقت قبل ولادتها:
قال الزبير: وحدثنا محمد بن موسى الأنصاري المعروف بابن مخرمة، قال: حدثني إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، قال:
لما بويع أبو بكر، واستقر أمره، ندم قوم كثير من الأنصار على بيعته، ولام بعضهم بعضاً، وذكروا علي بن أبي طالب، وهتفوا باسمه، وإنه في داره لم يخرج إليهم، وجزع لذلك المهاجرون، وكثر في ذلك الكلام.
وكان أشد قريش على الأنصار نفر فيهم، وهم سهيل بن عمرو، أحد بنى عامر بن لؤي، والحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل المخزوميان.
وهؤلاء أشراف قريش الذين حاربوا النبي (صلىاللهعليهوآله )، ثم دخلوا في الاسلام، وكلهم موتور قد وتره الأنصار.
أما سهيل بن عمرو فأسره مالك بن الدخشم يوم بدر.
وأما الحارث بن هشام، فضربه عروة بن عمرو، فجرحه يوم بدر، وهو فار عن أخيه.
وأما عكرمة بن أبي جهل، فقتل أباه ابنا عفراء، وسلبه درعه يوم بدر زياد بن لبيد، وفى أنفسهم ذلك.
فلما اعتزلت الأنصار تجمع هؤلاء، فقام سهيل بن عمرو فقال:
يا معشر قريش، إن هؤلاء القوم قد سماهم الله الأنصار، وأثنى عليهم في القرآن، فلهم بذلك حظ عظيم، وشأن غالب، وقد دعوا إلى أنفسهم، وإلى علي بن أبي طالب، وعلي في بيته لو شاء لردهم، فادعوهم إلى صاحبكم وإلى تجديد بيعته، فإن أجابوكم وإلا قاتلوهم، فوالله إني لأرجو الله أن ينصركم عليهم كما نصرتم بهم.
ثم قام الحارث بن هشام، فقال: إن يكن الأنصار تبوأت الدار والايمان من قبل، ونقلوا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إلى دورهم من دورنا، فآووا ونصروا، ثم ما رضوا حتى قاسمونا الأموال(1) ، وكفونا العمل، فإنهم قد لهجوا بأمر إن ثبتوا عليه، فإنهم قد خرجوا مما وسموا به، وليس بيننا وبينهم معاتبة إلا السيف، وإن نزعوا عنه فقد فعلوا الأولى بهم والمظنون معهم.
ثم قام عكرمة بن أبي جهل، فقال: والله لولا قول رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): (الأئمة من قريش) ما أنكرنا إمرة الأنصار، ولكانوا لها أهلا، ولكنه قول لا شك فيه ولا خيار، وقد عجلت الأنصار علينا، والله ما قبضنا عليهم الأمر ولا أخرجناهم من الشورى، وإن الذي هم فيه من فلتات الأمور، ونزغات الشيطان، ومالا يبلغه المنى، ولا يحمله الامل.
____________
1- مواقف الشيعة للأحمدي الميانجي ج3 ص162 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص24.
أعذروا إلى القوم، فإن أبوا فقاتلوهم، فوالله لو لم يبق من قريش كلها إلا رجل واحد لصير الله هذا الامر فيه.
قال: وحضر أبو سفيان بن حرب، فقال: يا معشر قريش، إنه ليس للأنصار أن يتفضلوا على الناس حتى يقروا بفضلنا عليهم، فإن تفضلوا فحسبنا حيث انتهى بها، والا فحسبهم حيث انتهى بهم، وأيم الله لئن بطروا المعيشة، وكفروا النعمة، لنضربنهم على الاسلام كما ضربوانا عليه.
فأما علي بن أبي طالب فأهل والله أن يسود على قريش، وتطيعه الأنصار.
فلما بلغ الأنصار قول هؤلاء الرهط قام خطيبهم ثابت بن قيس بن شماس فقال: يا معشر الأنصار، إنما يكبر عليكم هذا القول لو قاله أهل الدين من قريش، فأما إذا كان من أهل الدنيا لا سيما من أقوام كلهم موتور، فلا يكبرن عليكم، إنما الرأي والقول مع الأخيار المهاجرين، فإن تكلمت رجال قريش، الذين هم أهل الآخرة مثل كلام هؤلاء، فعند ذلك قولوا ما أحببتم، وإلا فامسكوا(1) .
ونقول:
لا حاجة بنا إلى التعليق على هذا النص، غير أننا نحب تذكير القارئ بما يلي:
هتاف الأنصار باسم علي (عليهالسلام ):
إن الأنصار حين ندموا على بيعة أبي بكر، لم يهتفوا باسم سعد بن
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص25.
عبادة، حتى الخزرج منهم، ولا باسم أي كان من الأنصار، أو المهاجرين، بل هتفوا باسم علي (عليهالسلام )، دون سواه، لأنه (عليهالسلام ) هو الذي سمعوا الآيات والنصوص النبوية بالإمامة والخلافة عليه، وهو الذي نصبه لهم في غدير خم في حجة الوداع إماماً وولياً، وبايعوه، وقال له بعض من انقلب عليه:
بخٍ بخٍ لك يا علي، لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة..
وأراد (صلىاللهعليهوآله ) أن يكتب له بذلك قبيل موته، فاتهمه بالهُجر، بعض من شمر عن ساعد الجد لتشييد بيعة صاحبه، وثم هاجم بيته فكان أن هتفوا باسمه دون سواه، لأنه هو الذي يملك كل المواصفات المقبولة والمعقولة، والمرضية لمقام الإمامة، وخلافة النبوة..
ولأنه (عليهالسلام ) هو الذي ظهر أنه لا يهتم إلا برضا الله ورضا رسوله، ولو هوجم بيته، وهتكت حرمته، وأحرق بيته، وقتل ولده، وضربت زوجته، وهي سيدة نساء العالمين، ضرباً يودي بها الموت ولو بعد حين.. رغم أنه قالع باب خيبر، وهازم الأحزاب، ونصر الله نبيه بيده يوم بدر وأحد، والنضير، وقريظة وذات السلاسل، ويوم حنين وغير ذلك..
علي (عليهالسلام ) لم يخرج إلى مؤيديه:
وقد صرحت الرواية: بأن الأنصار هتفوا بإسم علي (عليهالسلام )، ولكنه (عليهالسلام ) التزم داره، ولم يخرج إليهم.
وهذا معناه:
ألف: إنه كان يعلم أن ندم الأنصار كان متأخراً، وأن هتافهم بإسمه لا
يفيد الآن شيئاً، لأن نقض ما أبرم لن يكون ميسوراً إلا إذا سفكت الدماء، وقتل الناس بعضهم بعضاً، وثارت الفتن، وبثت الأحقاد.
وهذا هو المحذور الذي كان (عليهالسلام ) يريد للأمة أن لا تقع فيه.
ب: إن هذا الإعتكاف منه (عليهالسلام ) يدلل على أنه لم يكن هو الذي دبر هذا الذي جرى من الأنصار، بل كان مبادرة عفوية، ومجرد صحوة ضمير منهم، فلا داعي لإصطياد أهل الأهواء، وصناع الفتن بالماء العكر.
ج: إنه يدل أيضاً على أنه لا يريد لهذه الحركة أن تتنامى إلى الحد الذي توجد بسببها مشكلة توجب المزيد من تعقيد الأمور.
كما أنه لا يريد أن يواجه الأنصار بالرد والرفض المؤدي لشعورهم بالفشل والخيبة، لأن شعورهم الذي دفعهم لهذا الموقف شعور نبيل ومرضي لله، لكن المانع من مجاراة هذا الشعور ليس هو خطأ الأنصار، بل هو إصرار المتشبثين بالحكم على الإحتفاظ به، ولو بقيمة إحراق الأخضر واليابس..
جزع المهاجرين:
وتقدم: أن المهاجرين جزعوا لحركة الأنصار هذه..
وسبب هذا الجزع أنهم توقعوا أن تنجرّ الأمور إلى نزاع مسلح يكلفهم أثماناً باهظة جداً، ثم لا يعلم إلا الله ماذا ستكون النتائج..
والمهاجرون وإن كان أكثرهم يؤيد أبا بكر، ويلتزم بالدفاع عن موقعه، ولكن المشكلة بالنسبة إليهم هي:
أولاً: أنهم ليسوا في بلادهم، ولا بين عشائرهم ولا في محيطهم الذي نشأوا فيه.
ثانياً: إنهم يخشون صولة علي (عليهالسلام ) والهاشميين.
ثالثاً: إنهم يعلمون أن خيار وكبار الصحابة سيكونون مع علي (عليهالسلام )..
أقوال متبادلة بين القريشيين، والأنصار:
ألف: يلاحظ: أن القريشيين الثلاثة الذين كانوا يدبرون للحرب مع الأنصار، بالإضافة إلى أنهم ظنوا: أن علياً (عليهالسلام ) حين اعتزل في بيته، فظنوا أنه انسحب، وخرج عن دائرة التحدي ذاهلين عن أن اعتزاله هذا ليس معناه أنه يريد أن يلقي الحبل على الغارب، وأن يفسح المجال لقريش لكي توقع بالأنصار.
فإنه (عليهالسلام ) وجميع من معه من الهاشميين، وخيار الصحابة وسواهم يقرون ويعترفون بفضل الأنصار، وعظيم منزلتهم، وبالغ أثرهم، ولا يمكن التفريط بهم في الساعات الحرجة..
ب: واللافت هنا: أن الأنصار يهتفون بإسم علي (عليهالسلام )، ولكن هؤلاء القرشيين ـ وعلى رأسهم سهيل بن عمر يتهمونهم بأنهم: إنهم دعوا إلى أنفسهم، ويعتبرون دعوتهم هذه نقضاً لبيعتهم أبا بكر، فيحتاجون إلى تجديد هذه البيعة.
ج: ويعتبر الحارث بن هشام أن دعوة الأنصار هذه تحبط عمل
الأنصار، وتسقط كل فضائلهم، وتضيع أعمالهم في خدمة هذا الدين.. حيث قال: فإنهم لهجوا بأمر إن ثبتوا عليه، فإنهم قد خرجوا مما وسموا به.
د: إن عكرمة يحتج بحديث الأئمة من قريش.. ولكنه نسي قول أمير المؤمنين (عليهالسلام ): احتجوا بالشجرة، وأضاعوا الثمرة..
هـ: لقد حدد ثابت بن قيس خطيب الأنصار ـ الضابطة، وبيَّن المعيار.. وهو أن هؤلاء الذين تكلموا بما تكلموا به هم أهل الدنيا، وكلهم موتور.. فلا عبرة بأقوالهم..
والعبرة إنما هي بأقوال الأخيار، وأهل الآخرة من المهاجرين.. فإن تكلموا بما تكلم به أهل الدنيا، فمعنى ذلك أن المعايير أصبحت مفقودة، والضوابط غير موجودة.. وإن قالوا ما يمليه عليهم العقل والشرع والدين فاقبلوا منهم، ولا تنساقوا مع أهل الدنيا، ولا تجاروهم الكلام، فإنهم يسوقونكم إلى أجواء العصبية الجاهلية، ومنطق أهل الأهواء.
لا نجيبك إلا أن يأمرنا أبو الحسن:
وحين تهجم عمرو بن العاص على الأنصار في المسجد (التفت فرأى الفضل بن العباس بن عبد المطلب، فندم على قوله، للخؤولة التي بين ولد عبد المطلب وبين الأنصار، ولان الأنصار كانت تعظم علياً، وتهتف باسمه حينئذ.
فقال الفضل: يا عمرو، إنه ليس لنا أن نكتم ما سمعنا منك، وليس لنا أن نجيبك، وأبو الحسن شاهد بالمدينة، إلا أن يأمرنا فنفعل.
ثم رجع الفضل إلى علي فحدثه، فغضب، وشتم عمرواً، وقال: آذى الله ورسوله، ثم قام فأتى المسجد، فاجتمع إليه كثير من قريش، وتكلم مغضبا، فقال:
يا معشر قريش، إن حب الأنصار إيمان، وبغضهم نفاق، وقد قضوا ما عليهم، وبقى ما عليكم، واذكروا أن الله رغب لنبيكم عن مكة، فنقله إلى المدينة، وكره له قريشا، فنقله إلى الأنصار، ثم قدمنا عليهم دارهم، فقاسمونا الأموال، وكفونا العمل، فصرنا منهم بين بذل الغني وإيثار الفقير.
ثم حاربنا الناس، فوقونا بأنفسهم، وقد أنزل الله تعالى فيهم آية من القرآن، جمع لهم فيها بين خمس نعم، فقال:( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ) (1) .
ألا وإن عمرو بن العاص قد قام مقاماً آذى فيه الميت والحي، ساء به الواتر، وسر به الموتور. فاستحق من المستمع الجواب، ومن الغائب المقت، وإنه من أحب الله ورسوله أحب الأنصار، فليكفف عمرو عنا نفسه.
قال الزبير: فمشت قريش عند ذلك إلى عمرو بن العاص، فقالوا: أيها الرجل، أما إذا غضب علي فاكفف.
وقال خزيمة بن ثابت الأنصاري يخاطب قريشاً:
____________
1- الآية 9 من سورة الحشر.
أيال قريش أصلحوا ذات بيننا وبينكم قد طال حبل التماحك(1)
فلا خير فيكم بعدنا فارفقوا بنا ولا خير فينا بعد فهر بن مالك
كلانا على الأعداء كف طويلة إذا كان يوم فيه جب الحوارك(2)
فلا تذكروا ما كان منا ومنكم ففي ذكر ما قد كان مشى التساوك(3)
قال الزبير: وقال علي للفضل: يا فضل، انصر الأنصار بلسانك ويدك، فإنهم منك وإنك منهم، فقال الفضل:
قلت يا عمرو مقالاً فاحشاً إن تعد يا عمروٌ الله فلك
إنما الأنصار سيف قاطع من تصبه ظبة السيف هلك(4)
وسيوف قاطع مضربها وسهام الله في يوم الحلك
نصروا الدين وآووا أهله منزل رحب ورزق مشترك
وإذا الحرب تلظت نارها بركوا فيها إذا الموت برك
ودخل الفضل على علي (عليهالسلام ) فأسمعه شعره، ففرح به، وقال: وريت بك زنادي يا فضل، أنت شاعر قريش وفتاها، فأظهر شعرك، وابعث به إلى الأنصار.
____________
1- التماحك: اللجاج.
2- كناية عن الشدة، والحارك: عظم على الظهر.
3- التساوك: المشي الضعيف.
4- ظبة السيف: حده.
فلما بلغ ذلك الأنصار، قالت: لا أحد يجيب إلا حسان الحسام.
فبعثوا إلى حسان بن ثابت، فعرضوا عليه شعر الفضل، فقال: كيف أصنع بجوابه! إن لم أتحر قوافيه فضحني، فرويدا حتى أقفو أثره في القوافي.
فقال له خزيمة بن ثابت: أذكر علياً وآله يكفك عن كل شئ فقال:
جزى الله عنا والجزاء بكفه أبا حسن عنا ومن كأبي حسن
سبقت قريشا بالذي أنت أهله فصدرك مشروح، وقلبك ممتحن
تمنت رجال من قريش أعزة مكانك هيهات الهزال من السمن!
وأنت من الاسلام في كل موطن بمنزلة الدلو البطين من الرسن
غضبت لنا إذ قام عمرو بخطبة أمات بها التقوى وأحيا بها الإحن
فكنت المرجى من لؤي بن غالب لما كان منهم، والذي كان لم يكن
حفظت رسول الله فينا وعهده إليك ومن أولى به منك من ومن!
ألست أخاه في الهدى ووصيه وأعلم منهم بالكتاب وبالسنن
فحقك ما دامت بنجد وشيجة عظيم علينا ثم بعد على اليمن
قال الزبير: وبعثت الأنصار بهذا الشعر إلى علي بن أبي طالب، فخرج إلى المسجد، وقال لمن به من قريش وغيرهم:
يا معشر قريش، إن الله جعل الأنصار أنصاراً، فأثنى عليهم في الكتاب، فلا خير فيكم بعدهم، إنه لا يزال سفيه من سفهاء قريش وتره الاسلام، ودفعه عن الحق، وأطفأ شرفه، وفضل غيره عليه، يقوم مقاماً فاحشا فيذكر الأنصار، فاتقوا الله وارعوا حقهم، فوالله لو زالوا لزلت معهم، لأن رسول
الله قال لهم: (أزول معكم حيثما زلتم).
فقال المسلمون جميعاً: رحمك الله يا أبا الحسن! قلت قولاً صادقاً(1) .
ونقول:
يستوقفنا هنا ما يلي:
الأنصار تعظم علياً (عليهالسلام ):
صرحت الرواية: بأن الأنصار كانت تعظم علياً.. وكأن المقصود أن هذا التعظيم كان هو الأمر الطبيعي لدى الأنصار، لا من حيث أنها تريد ترشيحه للخلافة أو لا تريد.
وذلك على خلاف أكثر المهاجرين الذين كانوا ينأون بأنفسهم عنه، ويسعون إلى تصغير قدره، والحط من مقامه.. وفقاً لما روي عنه (عليهالسلام ): اللهم عليك بقريش، فإنهم قطعوا رحمي، وأكفأوا إنائي، وصغروا عظيم منزلتي(2) .
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص36.
2- راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) الرسالة رقم (36) وقسم الخطب رقم (212) و (32) و (137) وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص96 وج2 ص119 والغارات ج1 ص309 وج2 ص454 و429 و430 وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص74 فما بعدها، وبحار الأنوار (ط قديم) ج8 ص621 والإمامة والسياسة ج1 ص155. وراجع كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام ج1 ص175 و176 للإطلاع على مصادر أخرى.
الفضل يرجع إلى علي (عليهالسلام ) لا إلى العباس:
وقد لاحظنا هنا أموراً:
أحدها: أنه يرى أن علياً (عليهالسلام ) هو مرجعيته، وليس أباه العباس بن عبد المطلب، مع أن العباس أسن من علي (عليهالسلام )، وهو عم علي (عليهالسلام ) ووالد الفضل هذا.
الثاني: إن ما يثير الإعجاب والإكبار هو هذه الإنضباطية التامة من قبل أصحاب أمير المؤمنين (عليهالسلام )، فلا يتصرفون من عند أنفسهم، ولا يتركون لإنفعالاتهم أن تستأثر بمواقفهم، أو أن تخل بهذا الإنضباط الدقيق والصارم..
فسلام الله عليك يا أمير المؤمنين وعلى من علمتهم، وربيتهم، وهديتهم ورحمة الله وبركاته..
الثالث: إن أصحابه (عليهالسلام ) صادقون وصريحون حتى مع مناوئيهم، ولا يهابون أن يخبروهم بأنهم سوف يبلغون قادتهم بما كان منهم..
وهذا الصدق وهذه الصراحة، مسؤولية ورسالة وقيمة لا يحملها ولا يؤديها إلا أهلها من الأحرار، والشجعان من الرجال، الذين يحترمون أنفسهم، ويريدون أن يفرضوا قيمهم حتى على أعدائهم، ومنها الإلتزام بالصدق والصراحة، وأن يروا ذلك قيمة ويتخذوه منهجاً، يعطي الإنسان قدراً من الإحترام والقيمة.
الرابع: إن هذا الأمر الذي يجري بين عمرو بن العاص والأنصار لا ربط له بعلي (عليهالسلام ) بحسب الظاهر، بل هو مسألة مساجلات في
أمر يخص الفريقين، من حيث تنافسهما في أمر الخلافة وصراعهما على النفوذ، ولم يذكر علي (عليهالسلام ) في كلام ابن العاص، ولا في كلام غيره، فلماذا يريد الفضل أن يبلغه بما يجري، وبما سمعه من عمرو بن العاص؟!
ولماذا لم يقل ابن العاص للفضل: لا شأن لعلي (عليهالسلام ) في هذا الأمر؟!
أليس سبب ذلك أنهم يرون أن لعلي الحق في التدخل لنصرة كل مظلوم، وتأييد الحق لكل ذي حق.. وأن يتصدى للفتنة التي يريد أن يثيرها أي كان من الناس.؟!
دفاع علي (عليهالسلام ) عن الأنصار:
وقد جاء دفاع علي (عليهالسلام ) عن الأنصار حين بدا أن الصراع أصبح بينهم وبين قريش، ولم يكن هناك أي أثر لقضية أمير المؤمنين في البين.. وبدا أن عمرو بن العاص يريد أن ينكر كل فضل، بل كل أثر للأنصار في نصرة الإسلام، وأن ينكر أن يكون الأنصار قد أحسنوا إلى قريش وسواها ممن هاجر إليهم..
بل هو يقلب الحقائق، ويجعل المهاجرين من قريش هم أهل الفضل على الأنصار، حتى ليقول: (ولنحن الذين أفسدنا على أنفسنا، أحرزناهم من كل مكروه، وقدمناهم إلى كل محبوب، حتى أمنوا الخوف. فلما جاز لهم ذلك صغروا حقنا، ولم يراعوا ما أعظمنا من حقوقهم).
فلما رأى علي (عليهالسلام ) أن هذا هو منطق التزوير لحقائق التاريخ، بهدف جعله ذريعة للظلم والتعدي، كان لا بد له من التصدي له، والإعلان
بالنكير عليه..
واللافت: أنه (عليهالسلام ) لم يتكلم بطريقة المنكر لكلام ابن العاص، أو المؤنب له.. بل تكلم بطريقة المقرر للحقائق، والراوي لها، والمرسل لها إرسال المسلمات، ثم هو يصرح بأن الفريق الآخر لا يزال مطالباً بواجبات لم ينجزها.
وقد أكد (عليهالسلام ) على البعد الأخلاقي في تعامل الأنصار مع القضايا، وأنه قد تجاوز الحدود في رقيه، وفي قيمته. وفي امتداد آفاقه.
وقد ساق (عليهالسلام ) بياناته، ورسم حركته وموقفه بطريقة اضطرت قريشاً نفسها لأن تبادر إلى التصدي لعمرو بن العاص، لأنه (عليهالسلام ) وضعها في مأزق حقيقي، حين صرح بالحقائق الدامغة، بطريقة لا تسيغ لأحد التملص منها، إلا إن كان يريد أن يتنكر لأبده البديهيات، وأوضح الواضحات، ولا سيما في الأمور الأخلاقية والواقعية، لأن هذا التنكر سيلحق بقريش ضرراً بالغاً هي في غنى عنه..
أما إذا غضب علي فاكفف:
وحين وجدت قريش نفسها في مأزق.. ولا يمكنها أن تقدم أي مبرر معقول، أو مقبول لهذا التعدي على الأنصار.. تخوفت من أن يؤدي سكوتها عن عمرو بن العاص، ومن معه إلى تصدي علي (عليهالسلام ) له ولهم، دفاعاً عن الحق، ونصرة للمظلوم.
وانحياز علي (عليهالسلام ) للأنصار ضدها معناه انحياز بني هاشم، والأخيار من الصحابة بجميع فئاتهم معه، فبادرت إلى التراجع خطوة إلى
الوراء، ولكنها لم تعترف بالخطأ، بل اكتفت بالإعلان عن دافعها للتراجع، وهو أن لا يغضب علي (عليهالسلام )، فقالوا لابن العاص: أيها الرجل، أما إذا غضب علي فاكفف..
وهذا وإن كان في حد نفسه غير كاف، ولكنه (عليهالسلام ) لم يكن يريد أكثر من لجم الطوفان، ودرء الفتنة، ولو بهذا المقدار..
الفضل ينصر الأنصار بلسانه:
وقد طلب (عليهالسلام ) من الفضل أن ينصر الأنصار بلسانه، فإنه منهم وهم منه.. ونعتقد أن المقصود بهذا التعبير هو أنهم أهل مرام واحد. وهناك أيضاً قواسم مشتركة من حيث الأخوة الإيمانية، وسلامة الطوية. واشتراك في الغايات والأهداف الكبرى.. في مقابل الفئة الأخرى التي وإن كان الفضل منها في نسبه، وهم عشيرته، وعصبته، ولكنه غريب عنهم في فكره وفي قيمه، وفي سلوكه، وفي أهدافه وغاياته.
فالمحرك له هو رضا الله، وهدفه الحفاظ على الدين وأهله، والمحرك لهم هو طموحاتهم، وأهواؤهم، وأهدافهم هي الحصول على الدنيا بأي قيمة كانت.
يكفيك ذكر علي (عليهالسلام ):
وعن شعر الفضل نقول:
1 ـ إن الأمر الذي لم نكن نتوقعه هو أن علياً (عليهالسلام ) قد منح الفضل بن العباس وسام شاعر قريش وفتاها.. مع أننا إذا راجعنا الكتب
المهتمة بالشعر العربي نلاحظ: تجاهلهم الواضح للفضل وشعره. ولا حاجة إلى بيان دوافعهم إلى هذا التجاهل.
2 ـ لقد ظهرت دلائل واقعية هذا الوسام من تحير حسان بن ثابت في الجواب عن شعر الفضل، وإظهار عجزه عن مجاراته: حتى أشاروا عليه بأن يتحاشى ذلك، ويكتفي بطرح موضوع آخر في شعره، لا يتصل بشعر الفضل.. وهكذا كان..
3 ـ إن مشورة خزيمة بن ثابت على حسان بأن يقتصر في شعره على مدح أمير المؤمنين علي (عليهالسلام )، فإنه يكفيه عن كل شيء.. تدل على عظمة أمير المؤمنين، التي كانت قريش تسعى للتعتيم عليها قدر الإمكان، كما تقدم في كلامه (عليهالسلام )..
4 ـ ورد في شعر حسان: أن علياً (عليهالسلام ) سبق قريشاً بالفضل والمقام.. وتمنى رجال من قريش نيل مقامه.. وهم بالنسبة إليه بمثابة الفاقد من الواجد، والهزال من السمن..
5 ـ ورد في شعر حسان أيضاً أن علياً أخو النبي (صلىاللهعليهوآله ) ووصيه، وأعلمهم بالكتاب وبالسنن..
لو زالوا لزلت معهم:
وقد جاء تهديد علي (عليهالسلام ) لقريش حاسماً وحازماً، مؤيداً بالقسم بالله تعالى.. وعلي (عليهالسلام ) الذي لا يخيس بوعده، ولا بعهده لا يمكن أن يحنث بيمينه!!. فكيف إذا كان هذا اليمين على فعل أمر كان رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قد قرره، فقد قال لهم بعد أن استنكر ظلم
سفهاء قريش الموتورين، ومن أطفأ الله شرفه، وفضَّل غيره عليه: (فاتقوا الله، وارعوا حقهم، فوالله لو زالوا لزلت معهم، لأن رسول الله قال لهم: أزول معكم حيث زلتم..
فقال المسلمون جميعاً: رحمك الله يا أبا الحسن، قلت قولاً صادقاً..
فاضطر عمرو بن العاص إلى الخروج من المدينة حتى رضي عنه علي والمهاجرون.
الفهرس
الصحيح من سيرة الإمام عليّ ( عليهالسلام ) 1
الفصل الثالث: 5
الفصل الرابع: 51
الفصل الخامس: 91
الفصل السادس: 115
الفصل السابع: 133
القسم الثاني: 175
الباب الأول: 177
الفصل الأول: 179
الفصل الثاني: 217
الفصل الثالث: 281
الفصل الرابع: 305
الفصل الخامس: 331
الفهرس 350