كتاب شرح نهج البلاغة
الجزء الأول
ابن أبي الحديد
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهمالسلام ) للتراث والفكر الإسلامي
وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً
قسم اللجنة العلمية في الشبكة
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الواحد العدل(1) الحمد لله الذي تفرد بالكمال فكل كامل سواه منقوص و استوعب عموم المحامد و الممادح، فكل ذي عموم عداه مخصوص الذي وزع منفسات نعمه بين من يشاء من خلقه، و اقتضت حكمته أن نافس الحاذق في حذقه فاحتسب به عليه من رزقه و زوى(2) الدنيا عن الفضلاء، فلم يأخذها الشريف بشرفه و لا السابق بسبقه و قدم المفضول على الأفضل لمصلحة اقتضاها التكليف و اختص الأفضل من جلائل المآثر و نفائس المفاخر بما يعظم عن التشبيه، و يجل عن التكييف و صلى الله على رسوله محمد الذي(3) المكني عنه شعاع من شمسه، و غصن من غرسه و قوة من قوى نفسه، و منسوب إليه نسبة الغد إلى يومه، و اليوم إلى أمسه فما هما إلا سابق و لاحق و قائد و سائق و ساكت، و ناطق و مجل و مصل سبقا لمحة البارق و أنارا سدفة الغاسق (صلى الله عليهما) ما استخلب(4) خبير و تناوح حراء و ثبير(5) . و بعد فإن مراسم المولى الوزير الأعظم الصاحب(6) الصدر الكبير المعظم العالم العادل المظفر، المنصور المجاهد المرابط(7) ، مؤيد الدين عضد الإسلام سيد وزراء الشرق و الغرب أبي طالب(8)
____________________
(1) تكملة من ب.
(2) زوى الدنيا: نحاها وصرفها.
(3) في ا: " والذي ".
(4) استخلب، بالبناء للمجهول: قطع. والخبير: النبات، وورد في حديث طهفة: " ونستخلب الخبير " قال ابن الأثير: الخبير: النبات والعشب، شبه بخبير الإبل، وهو وبرها. النهاية 1: 280
(5) يقال: هما جبلان يتناوحان، إذا كانا متقابلين، وثبير: جبل شامخ بمكة يقابل حراء، وهو أرفع من ثبير. ياقوت 3: 240
(6) ب: " صاحب ".
(7) ا: والمرابط.
(8) فى الطبعة الأولى:" أبى محمدبن أحمد"، وهو خطأ.
محمد بن أحمد بن محمد العلقمي(1) نصير أمير المؤمنين أسبغ الله عليه من ملابس النعم أضفاها و أحله من مراقب السعادة، و مراتب السيادة أشرفها و أعلاها لما شرفت عبد دولته و ربيب نعمته بالاهتمام بشرح نهج البلاغة على صاحبه أفضل الصلوات، و لذكره أطيب التحيات بادر إلى ذلك مبادرة من بعثه من قبل عزم، ثم حمله(2) أمر جزم و شرع فيه بادي الرأي شروع مختصر و على ذكر الغريب و المعنى مقتصر، ثم تعقب الفكر فرأى أن هذه النغبة(3) لا تشفي أواما، و لا تزيد الحائم إلا خياما فتنكب ذلك المسلك، و رفض ذلك المنهج و بسط القول في شرحه بسطا اشتمل على الغريب و المعاني و علم البيان، و ما عساه يشتبه و يشكل من الإعراب و التصريف، و أورد في كل موضع ما يطابقه من النظائر و الأشباه نثرا و نظما، و ذكر ما يتضمنه من السير و الوقائع و الأحداث فصلا فصلا، و أشار إلى ما ينطوي عليه من دقائق علم التوحيد و العدل إشارة خفيفة، و لوح إلى ما يستدعي الشرح ذكره من الأنساب و الأمثال و النكت تلويحات لطيفة، و رصعه من المواعظ الزهدية و الزواجر الدينية و الحكم النفسية و الآداب الخلقية المناسبة لفقره و المشاكلة لدرره، و المنتظمة مع معانيه في سمط و المتسقة مع جواهره في لط(4) بما يهزأ بشنوف النضار و يخجل قطع الروض غب القطار، و أوضح ما يومئ إليه من المسائل الفقهية و برهن على أن كثيرا من فصوله داخل في باب المعجزات المحمدية لاشتمالها على
____________________
(1) هو مؤيد الدين أبو طالب محمد بن أحمد بن العلقمي البغدادي، وزير المستعصم بالله، الخليفة العباسي. اشتغل في صباه بالأدب، ففاق فيه، وكتب خطا مليحا، وترسل ترسلا فصيحا، وكان لبيبا كريما، رئيسا متمسكا بقوانين الرياسة، خبيرا بأدوات السياسة، محبا للأدب، مقربا لأهل العلم، اقتنى كتبا كثيرة نفيسة، وصنف الناس له، منهم الصغاني، صنف له العباب، وهذا المصنف الذي ألف برسمه، وكان ممدحا، مدحه الشعراء، وانتجعه الفضلاء، وأخباره الطيبة كثيرة وجليلة. توفي سنة 656. الفخري 295، 296
(2) ب، ج" حركة ".
(3) النغبة في الأصل: الجرعة من الماء. وفي ا: " البغية "، والأجود ما أثبته من ب.
(4) للط: العقد.
الأخبار الغيبية و خروجها عن وسع الطبيعة البشرية، و بين من مقامات العارفين التي يرمز إليها في كلامه ما لا يعقله إلا العالمون، و لا يدركه إلا الروحانيون المقربون، و كشف عن مقاصده ع في لفظة يرسلها و معضلة(1) يكني عنها و غامضة يعرض بها و خفايا يجمجم(2) بذكرها و هنات تجيش في صدره فينفث بها نفثة المصدور و مرمضات مؤلمات يشكوها فيستريح بشكواها استراحة المكروب. فخرج هذا الكتاب كتابا كاملا في فنه واحدا بين أبناء جنسه ممتعا بمحاسنه جليلة فوائده شريفة مقاصده عظيما شأنه عالية منزلته و مكانه، و لا عجب أن يتقرب بسيد الكتب إلى سيد الملوك و بجامع الفضائل إلى جامع المناقب، و بواحد العصر إلى أوحد الدهر، فالأشياء بأمثالها أليق و إلى أشكالها أقرب و شبه الشيء إليه منجذب و نحوه دان و مقترب. و لم يشرح هذا الكتاب قبلي فيما أعلمه إلا واحد و هو سعيد بن هبة الله بن الحسن الفقيه المعروف بالقطب الراوندي(3) و كان من فقهاء الإمامية، و لم يكن من رجال هذا الكتاب لاقتصاره مدة عمره على الاشتغال بعلم الفقه وحده و أنى للفقيه أن يشرح هذه الفنون المتنوعة و يخوض في هذه العلوم المتشعبة لا جرم أن شرحه لا يخفى حاله عن الذكي و جرى الوادي فطم على القرى(4) ، و قد تعرضت في هذا الشرح لمناقضته
____________________
(1) كذا فى ج وجمجم بالكلام:لم يبينه، وفى ا، ب:"يحجم".
(2) ا: " معضلة " بدون الواو.
(3) هو سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي، أحد فقهاء الشيعة، وتصانيفه كثيرة متنوعة، أسمى كتابه في شرح النهج " منهاج البراعة، في شرح نهج البلاغة "، وتوفي سنة 573. لسان الميزان 3: 48، روضات الجنان 302
(4) جرى الوادي فطم على القرى، مثل، قال الميداني في شرحه: أي جرى الوادي فطم، أي دفن، يقال: طم السيل الركية، أي دفنها. والقرى: مجرى الماء في الروضة، والجمع أقرية وقريان، و " على " من صلة المعنى، أي أتى على القرى، يعنى أهلكه بأن رفنه، يضرب عند تجاوز الشئ حده ". مجمع الأمثال 1: 159
في مواضع يسيرة اقتضت الحال ذكرها و أعرضت عن كثير مما قاله إذ لم أر في ذكره و نقضه كبير فائدة. و أنا قبل أن أشرع في الشرح أذكر أقوال أصحابنا رحمهم الله في الإمامة و التفضيل و البغاة و الخوارج و متبع ذلك بذكر نسب أمير المؤمنين (عليهالسلام )، و لمع يسيرة من فضائله، ثم أثلث بذكر نسب الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين الموسويرحمهالله و بعض خصائصه و مناقبه، ثم أشرع في شرح خطبة نهج البلاغة التي هي من كلام الرضي أبي الحسنرحمهالله (1) فإذا انتهيت من ذلك كله ابتدأت بعون الله و توفيقه في شرح كلام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) شيئا فشيئا. و من الله سبحانه أستمد المعونة و أستدر أسباب العصمة و أستميح غمائم الرحمة و أمتري أخلاف البركة و أشيم بارق النماء و الزيادة فما المرجو إلا فضله، و لا المأمول إلا طوله و لا الوثوق إلا برحمته و لا السكون إلا إلى رأفته،( رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَ إِلَيْكَ أَنَبْنا وَ إِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ اِغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ ) (2)
____________________
(1) ب: "رضياللهعنه ".
(2) سورة الممتحنة 4، 5.
اتفق شيوخنا كافة رحمهم الله المتقدمون منهم و المتأخرون و البصريون و البغداديون، على أن بيعة أبي بكر الصديق بيعة صحيحة شرعية و أنها لم تكن عن نص، و إنما كانت بالاختيار الذي ثبت بالإجماع و بغير الإجماع كونه طريقا إلى الإمامة. و اختلفوا في التفضيل فقال قدماء البصريين كأبي عثمان عمرو بن عبيد و أبي إسحاق إبراهيم بن سيار النظام و أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ و أبي معن ثمامة بن أشرس و أبي محمد هشام بن عمرو الفوطي و أبي يعقوب يوسف بن عبد الله الشحام و جماعة غيرهم إن أبا بكر أفضل من علي (عليهالسلام ) و هؤلاء يجعلون ترتيب الأربعة في الفضل كترتيبهم في الخلافة. و قال البغداديون قاطبة قدماؤهم و متأخروهم كأبي سهل بشر بن المعتمر و أبي موسى عيسى بن صبيح، و أبي عبد الله جعفر بن مبشر و أبي جعفر الإسكافي، و أبي الحسين الخياط و أبي القاسم عبد الله بن محمود البلخي، و تلامذته، إن عليا (عليهالسلام ) أفضل من أبي بكر. و إلى هذا المذهب ذهب من البصريين أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي أخيرا و كان من قبل من المتوقفين كان يميل إلى التفضيل، و لا يصرح به و إذا صنف ذهب إلى الوقف في مصنفاته، و قال في كثير من تصانيفه إن صح خبر الطائر فعلي أفضل(1)
____________________
(1) يشير إلى ما رواه الترمذي في باب المناقب 13: 170، بسنده عن أنس بن مالك، ولفظه: كان عند النبىصلىاللهعليهوآلهوسلم طير، فقال:"اللهم ائتنى بأحب خلقك إليك يأكل معى هذا الطير "، فجاء على فأكل معه. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا يعرف من حديث السدى إلا من هذا الوجه.
ثم إن قاضي القضاةرحمهالله ذكر في شرح المقالات لأبي القاسم البلخي، أن أبا عليرحمهالله ما مات حتى قال بتفضيل علي (عليهالسلام ) و قال إنه نقل ذلك عنه سماعا، و لم يوجد في شيء من مصنفاته، و قال أيضا إن أبا عليرحمهالله يوم مات استدنى ابنه أبا هاشم إليه و كان قد ضعف عن رفع الصوت فألقى إليه أشياء من جملتها القول بتفضيل علي (عليهالسلام ). و ممن ذهب من البصريين إلى تفضيله (عليهالسلام ) الشيخ أبو عبد الله الحسين بن علي البصريرضياللهعنه كان متحققا بتفضيله و مبالغا في ذلك و صنف فيه كتابا مفردا. و ممن ذهب إلى تفضيله (عليهالسلام ) من البصريين قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمدرحمهالله ذكر ابن متويه عنه في كتاب الكفاية في علم الكلام أنه كان من المتوقفين بين علي (عليهالسلام ) و أبي بكر، ثم قطع على تفضيل علي (عليهالسلام ) بكامل المنزلة. و من البصريين الذاهبين إلى تفضيله (عليهالسلام ) أبو محمد الحسن بن متويه صاحب التذكرة نص في كتاب الكفاية على تفضيله (عليهالسلام ) على أبي بكر احتج لذلك و أطال في الاحتجاج. فهذان المذهبان كما عرفت. و ذهب كثير من الشيوخ رحمهم الله إلى التوقف فيهما و هو قول أبي حذيفة واصل بن عطاء و أبي الهذيل محمد بن الهذيل العلاف من المتقدمين و هما و إن ذهبا إلى التوقف(1) بينه (عليهالسلام ) و بين أبي بكر و عمر قاطعان على تفضيله على عثمان.
____________________
(1) ب " الوقف ".
و من الذاهبين إلى الوقف الشيخ أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي رحمهما الله، و الشيخ أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصريرحمهالله . و أما نحن فنذهب إلى ما يذهب إليه شيوخنا البغداديون من تفضيله (عليهالسلام ) و قد ذكرنا في كتبنا الكلامية ما معنى الأفضل و هل المراد به الأكثر ثوابا أو(1) الأجمع لمزايا الفضل و الخلال الحميدة، و بينا أنه (عليهالسلام ) أفضل على التفسيرين معا و ليس هذا الكتاب موضوعا لذكر الحجاج في ذلك أو في غيره من المباحث الكلامية لنذكره، و لهذا موضع هو أملك به. و أما(2) القول في البغاة عليه(3) و الخوارج فهو على(4) ما أذكره لك. أما أصحاب الجمل فهم عند أصحابنا هالكون كلهم إلا عائشة و طلحة و الزبير(5 رحمهم الله5)، فإنهم تابوا و لو لا التوبة لحكم لهم بالنار لإصرارهم على البغي. و أما عسكر الشام بصفين فإنهم هالكون كلهم عند أصحابنا لا يحكم لأحد منهم إلا بالنار لإصرارهم على البغي و موتهم عليه رؤساؤهم و الأتباع جميعا. و أما الخوارج فإنهم مرقوا عن الدين بالخبر النبوي المجمع عليه و لا يختلف أصحابنا في أنهم من أهل النار. و جملة الأمر أن أصحابنا يحكمون بالنار لكل فاسق مات على فسقه، و لا ريب في أن الباغي على الإمام الحق و الخارج عليه بشبهة أو بغير شبهة فاسق، و ليس هذا مما يخصون به عليا (عليهالسلام ) فلو خرج قوم من المسلمين على غيره من أئمة الإسلام العدول(6) لكان حكمهم حكم من خرج على علي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ). و قد برئ(7) كثير(8) من أصحابنا من قوم من الصحابة أحبطوا ثوابهم كالمغيرة بن شعبة
____________________
(1) ب: " أم ".
(2) ب، ج: " فأما ".
(3) ساقطة من أ
(4) ا:"فعلى ماأذكره".
(5 - 5) ساقط من ب
(6) ب، ج: " من أئمة العدل ".
(7) ب: " يرى " تصحيف.
(8) كذا في ب، ج وفى ا:"قوم".
و كان شيخنا أبو القاسم البلخي إذا ذكر عنده عبد الله بن الزبير يقول لا خير فيه و قال مرة لا يعجبني صلاته و صومه و ليسا بنافعين له مع
قول رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) لعلي (عليهالسلام ) لا يبغضك إلا منافق و قال أبو عبد الله البصريرحمهالله لما سئل عنه ما صح عندي أنه تاب من يوم الجمل و لكنه استكثر مما كان عليه. فهذه هي المذاهب و الأقوال أما الاستدلال عليها فهو مذكور في الكتب الموضوعة لهذا الفن
القول في نسب أمير المؤمنين علي (عليهالسلام )
و ذكر لمع يسيرة من فضائله
هو أبو الحسن علي بن أبي طالب و اسمه عبد مناف بن عبد المطلب و اسمه شيبة بن هاشم، و اسمه عمرو بن عبد مناف بن قصي الغالب عليه من الكنية (عليهالسلام )، أبو الحسن و كان ابنه الحسن (عليهالسلام ) يدعوه في حياة رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) أبا الحسين و يدعوه الحسين (عليهالسلام ) أبا الحسن، و يدعوان رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) أباهما فلما توفي النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم )(1) دعواه بأبيهما.
و كناه رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) أبا تراب، وجده نائما في تراب قد سقط عنه رداؤه و أصاب التراب جسده فجاء حتى جلس عند رأسه و أيقظه و جعل يمسح التراب عن ظهره و يقول له: (اجلس إنما أنت أبو تراب)(2) فكانت من أحب كناه إليه (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و كان يفرح إذا دعي بها و كانت ترغب بنو أمية خطباءها(3)
____________________
(1) ساقطة من أ
(2) رواية الخبر كما في صحيح البخاري، في كتاب فضائل الصحابة 2: 300، بسنده عن عبد الله ابن مسلمة: " أن رجلا جاء إلى سهل بن سعد، فقال: هذا فلان - لأمير المدينة - يدعو عليا عند المنبر، قال: فيقول ماذا؟ قال: يقول له: أبو تراب. فضحك، قال: والله ما سماه إلا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما كان له اسم أحب إليه منه. فاستطعمت الحديث سهلا، وقلت: يا أبا عباس، كيف؟ قال: دخل علي على فاطمة، ثم خرج فاضطجع في المسجد، فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : أين ابن عمك؟ قالت: في المسجد، فخرج إليه فوجد رداءه قد سقط عن طهره، وخلص التراب إلى طهره، فجعل يمسح التراب عن طهره فيقول: اجلس يا أبا تراب، مرتين ". ولهذا الخبر رواية أخرى ذكرها صاحب الرياض النضرة 2: 154
(3) ب، ج: " فدعت بنو أمية "، وما أئبته من ا.
أن يسبوه بها على المنابر و جعلوها نقيصة له، و وصمة عليه فكأنما كسوة بها الحلي و الحلل كما قال الحسن البصريرحمهالله . و كان اسمه الأول الذي سمته به أمه حيدرة باسم أبيها أسد بن هاشم و الحيدرة الأسد، فغير أبوه اسمه و سماه عليا. و قيل: إن حيدرة اسم كانت قريش تسميه به و القول الأول أصح يدل عليه خبره(1) يوم برز إليه مرحب و ارتجز عليه فقال:
أنا الذي سمتني أمي مرحبا(2)
فأجابه (عليهالسلام ) رجزا:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة(3)
و رجزهما معا مشهور منقول لا حاجة لنا الآن إلى ذكره. و تزعم الشيعة أنه خوطب في حياة رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) بأمير المؤمنين خاطبه بذلك جلة المهاجرين و الأنصار، و لم يثبت ذلك في أخبار المحدثين، إلا أنهم قد رووا ما يعطي هذا المعنى و إن لم يكن اللفظ بعينه و هو قول رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) له أنت يعسوب الدين و المال يعسوب الظلمة و في رواية أخرى: هذا يعسوب المؤمنين
____________________
(1) الخبر رواه مسلم مفصلا بسنده عن إياس بن سلمة عن أبيه، في كتاب الجهاد والسير ص 1433 - 1441، في غزوة خيبر.
(2) رواية مسلم:
قد علمت خيبر أني مرحب |
شاكي السلاح بطل مجرب |
إذا الحروب أقبلت تلهب
(3) بقيته، كما رواه مسلم:
كليث غاب كريه المنظره |
أوفيهم بالصاع كيل السندرة |
والسندرة: مكيال واسع.
و قائد الغر المحجلين(1) ، و اليعسوب ذكر النحل و أميرها روى هاتين الروايتين أبوعبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، في المسند في كتابه فضائل الصحابة و رواهما أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء(2) . و دعي بعد وفاة رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) بوصي رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) لوصايته إليه بما أراده و أصحابنا لا ينكرون ذلك، و لكن يقولون إنها لم تكن وصية بالخلافة بل بكثير من المتجددات بعده أفضى بها إليه (عليهالسلام )، و سنذكر طرفا من هذا المعنى فيما بعد. و أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي أول هاشمية ولدت لهاشمي كان علي (عليهالسلام ) أصغر بنيها، و جعفر أسن منه بعشر سنين، و عقيل أسن منه بعشر سنين، و طالب أسن من عقيل بعشر سنين و فاطمة بنت أسد أمهم جميعا. و أم فاطمة بنت أسد فاطمة(3) بنت هرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي و أمها حدية بنت(4) وهب بن ثعلبة بن واثلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر، و أمها فاطمة بنت عبيد بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي، و أمها سلمى بنت عامر بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر(4) ، و أمها عاتكة بنت أبي همهمة و اسمه عمرو بن عبد العزى بن عامر بن عميرة بن وديعة(5) بن الحارث بن فهر، و أمها تماضر بنت عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي(4) ، و أمها حبيبة، و هي أمة الله بنت عبد ياليل بن سالم بن مالك بن حطيط بن جشم بن قسي، و هو ثقيف و أمها فلانة بنت مخزوم بن أسامة بن ضبع(6) بن وائلة بن نصر بن صعصعة بن ثعلبة بن كنانة بن عمرو بن قين بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان
____________________
(1) ورواه أيضا الطبراني في الكبير، ونقله صاحب الرياض النضيرة 2: 155، مع اختلاف في اللفظ.
(2) حليلة الأولياء 1: 63، بسنده عن أنس، ولفظه: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا أنس، أول من يدخل من هذا الباب أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين، وخاتم الوصيين ".
(3) فى مقاتل الطالبيين:"وتعرف بحبى بنت هرم".
(4) تكملة في مقاتل الطالبين.
(5) مقاتل الطالبيين:"ابن أبي وديعة ".
(6) كذا في ب، وفي أ: " ضجيج " وفي مقاتل الطالبيين " صبح ".
بن مضر، و أمها ريطة بنت يسار بن مالك بن حطيط بن جشم بن ثقيف، و أمها كلة(1) بنت حصين بن سعد بن بكر بن هوازن، و أمها حبى بنت الحارث بن النابغة بن عميرة بن عوف بن نصر بن بكر بن هوازن ذكر هذا النسب أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني في كتاب مقاتل الطالبيين(2) . أسلمت فاطمة بنت أسد بعد عشرة من المسلمين و كانت الحادية عشرة
و كان رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) يكرمها و يعظمها و يدعوها أمي، و أوصت إليه حين حضرتها الوفاة فقبل وصيتها و صلى عليها و نزل في لحدها و اضطجع معها فيه بعد أن ألبسها قميصه فقال له أصحابه أنا ما رأيناك صنعت يا رسول الله بأحد ما صنعت بها، فقال: إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبر بي منها إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة، و اضطجعت معها ليهون عليها ضغطة القبر. و فاطمة أول امرأة بايعت رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) من النساء. و أم أبي طالب بن عبد المطلب فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، و هي أم عبد الله والد سيدنا رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و أم الزبير بن عبد المطلب و سائر ولد عبد المطلب بعد لأمهات شتى. و اختلف في مولد علي (عليهالسلام ) أين كان فكثير من الشيعة يزعمون أنه ولد في الكعبة، و المحدثون لا يعترفون بذلك و يزعمون أن المولود في الكعبة حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي. و اختلف في سنه حين أظهر النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) الدعوة إذ تكامل له (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) أربعون سنة، فالأشهر من الروايات أنه كان ابن عشر و كثير من أصحابنا المتكلمين يقولون إنه كان ابن ثلاث عشرة سنة ذكر ذلك شيخنا أبو القاسم البلخي و غيره من شيوخنا.
____________________
(1) مقاتل الطالبيين: " كلية بنت قصية ".
(2) في ترجمة جعفر بن أبي طالب ص 7.
و الأولون يقولون: إنه قتل و هو ابن ثلاث و ستين سنة، و هؤلاء يقولون ابن ست و ستين و الروايات في ذلك مختلفة و من الناس من يزعم أن سنه كانت دون العشر و الأكثر الأظهر خلاف ذلك. و ذكر أحمد بن يحيى البلاذري و علي بن الحسين الأصفهاني أن قريشا أصابتها أزمة و قحط، فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) لعمية حمزة و العباس: (ألا نحمل ثقل أبي طالب في هذا المحل) فجاءوا إليه و سألوه أن يدفع إليهم ولده ليكفوه أمرهم فقال: دعوا لي عقيلا و خذوا من شئتم، و كان شديد الحب لعقيل، فأخذ العباس طالبا و أخذ حمزة جعفرا، و أخذ محمد (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) عليا، و قال لهم: (قد اخترت من اختاره الله لي عليكم عليا) قالوا فكان علي (عليهالسلام ) في حجر رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) منذ كان عمره ست سنين. و كان ما يسدي إليه (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) من إحسانه و شفقته و بره و حسن تربيته كالمكافأة و المعاوضة لصنيع أبي طالب به حيث مات عبد المطلب و جعله في حجره، و هذا يطابق قوله (عليهالسلام ) : (لقد عبدت الله قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة سبع سنين)، و قوله: (كنت أسمع الصوت و أبصر الضوء سنين سبعا) و رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) حينئذ صامت ما أذن له في الإنذار و التبليغ و ذلك؛ لأنه إذا كان عمره يوم إظهار الدعوة ثلاث عشرة سنة و تسليمه إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) من أبيه، و هو ابن ست فقد صح أنه كان يعبد الله قبل الناس بأجمعهم سبع سنين و ابن ست تصح منه العبادة إذا كان ذا تمييز على أن عبادة مثله هي التعظيم و الإجلال و خشوع القلب و استخذاء الجوارح إذا شاهد شيئا من جلال الله سبحانه و آياته الباهرة، و مثل هذا موجود في الصبيان. و قتل (عليهالسلام ) ليلة الجمعة لثلاث عشرة بقين من شهر رمضان سنة أربعين في
رواية أبي عبد الرحمن السلمي(1) ، و هي الرواية المشهورة و في رواية أبي مخنف أنها كانت لإحدى عشرة ليلة بقين من شهر رمضان، و عليه الشيعة في زماننا. و القول الأول أثبت عند المحدثين و الليلة السابعة عشرة من شهر رمضان هي ليلة بدر، و قد كانت الروايات وردت أنه يقتل في ليلة بدر (عليهالسلام ) و قبره بالغري. و ما يدعيه أصحاب الحديث من الاختلاف في قبره و أنه حمل إلى المدينة أو أنه دفن في رحبة الجامع أو عند باب قصر الإمارة أو ند البعير الذي حمل عليه فأخذته الأعراب باطل كله لا حقيقة له و أولاده أعرف بقبره، و أولاد كل الناس أعرف بقبور آبائهم من الأجانب، و هذا القبر الذي زاره بنوه لما قدموا العراق منهم جعفر بن محمد (عليهالسلام ) و غيره من أكابرهم و أعيانهم و روى أبو الفرج في مقاتل الطالبيين بإسناد(2) ذكره هناك أن الحسين (عليهالسلام ) لما سئل أين دفنتم أمير المؤمنين فقال خرجنا به ليلا من منزله بالكوفة حتى مررنا(3) به على مسجد الأشعث حتى انتهينا به إلى الظهر بجنب الغري. و سنذكر خبر مقتله (عليهالسلام ) فيما بعد. فأما فضائله (عليهالسلام ) فإنها قد بلغت من العظم و الجلالة و الانتشار و الاشتهار مبلغا يسمج معه التعرض لذكرها، و التصدي لتفصيلها فصارت كما قال أبو العيناء لعبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل و المعتمد رأيتني فيما أتعاطى من وصف فضلك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر و القمر الزاهر الذي لا يخفى على الناظر، فأيقنت أني حيث انتهى بي القول منسوب إلى العجز مقصر عن الغاية فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك و وكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك. و ما أقول في رجل أقر له أعداؤه و خصومه بالفضل و لم يمكنهم جحد مناقبه
____________________
(1) نقلها أبو الفرج في مقاتل الطالبين40.
(2) مقاتل الطالبيين ص 42: " الحسن ".
(3) كذا فى الأصول ومقاتل الظالبيين والأجود:"فمررنا".
و لا كتمان فضائله فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الإسلام في شرق الأرض و غربها و اجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره، و التحريض عليه و وضع المعايب و المثالب له و لعنوه على جميع المنابر، و توعدوا مادحيه بل حبسوهم و قتلوهم و منعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة أو يرفع له ذكرا حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه فما زاده ذلك إلا رفعة و سموا، و كان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه و كلما كتم تضوع نشره و كالشمس لا تستر بالراح و كضوء النهار أن حجبت عنه عين واحدة أدركته عيون كثيرة. و ما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة و تنتهي إليه كل فرقة و تتجاذبه كل طائفة فهو رئيس الفضائل و ينبوعها و أبو عذرها و سابق مضمارها و مجلي حلبتها كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ و له اقتفى و على مثاله احتذى. و قد عرفت أن أشرف العلوم هو العلم الإلهي؛ لأن شرف العلم بشرف المعلوم، و معلومه أشرف الموجودات فكان هو أشرف العلوم، و من كلامه (عليهالسلام ) اقتبس و عنه نقل و إليه انتهى و منه ابتدأ فإن المعتزلة(1) الذين هم أهل التوحيد و العدل و أرباب النظر و منهم تعلم الناس هذا الفن تلامذته و أصحابه؛ لأن كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية(2) و أبو هاشم تلميذ أبيه و أبوه تلميذه (عليهالسلام )، و أما الأشعرية فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن إسماعيل بن(3) أبي بشر الأشعري، و هو تلميذ أبي علي الجبائي و أبو علي أحد مشايخ المعتزلة فالأشعرية ينتهون بآخره إلى أستاذ المعتزلة، و معلمهم و هو علي بن أبي طالب (عليهالسلام ). و أما الإمامية و الزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر.
____________________
(1) انظر أمالي المرتضى 1: 148 وما بعدها، في كلام المؤلف عن سند المعتزلة إلى عليعليهالسلام
(2) هو إمام الكيسانية، وعنه انتقلت البيعة إلى بنى العباس. " تنقيح المقال 2: 212 ".
(3) من ابن خلكان 326:1
و من العلوم علم الفقه و هو (عليهالسلام ) أصله و أساسه و كل فقيه في الإسلام فهو عيال عليه و مستفيد من فقهه، أما أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف و محمد و غيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة، و أما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة و أما أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعي فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة و أبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمد (عليهالسلام ) و قرأ جعفر على أبيه (عليهالسلام ) و ينتهي الأمر إلى علي (عليهالسلام )، و أما مالك بن أنس فقرأ على ربيعة الرأي و قرأ ربيعة على عكرمة و قرأ عكرمة على عبد الله بن عباس و قرأ عبد الله بن عباس على علي بن أبي طالب(1) . و إن شئت فرددت(2) إليه فقه الشافعي بقراءته على مالك كان لك ذلك فهؤلاء الفقهاء الأربعة. و أما فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر و أيضا فإن فقهاء الصحابة كانوا عمر بن الخطاب و عبد الله بن عباس و كلاهما أخذ عن علي (عليهالسلام ) أما ابن عباس فظاهر، و أما عمر فقد عرف كل أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه و على غيره من الصحابة و قوله غير مرة: لو لا علي لهلك عمر، و قوله: لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن، و قوله: لا يفتين أحد في المسجد و علي حاضر، فقد عرف بهذا الوجه أيضا انتهاء الفقه إليه. و قد روت العامة و الخاصة قوله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) أقضاكم علي(3) و القضاء هو الفقه فهو إذا أفقههم و روى الكل أيضا أنه (عليهالسلام ) قال له و قد بعثه إلى اليمن قاضيا اللهم اهد قلبه و ثبت لسانه قال فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين(4)
____________________
(1) ب: " عن علي ".
(2) فى الأصول:"رددت ".
(3) نقله السيوطي في الجامع الصغير 1: 58 عن مسند أبي يعلي بلفظ: " أرأف أمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علي... " وضعفه.
(4) رواه أبو داود في كتاب الأقضية 3: 409 بسنده عن علي، ولفظه: بعثني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى اليمن قاضيا فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء! فقال: " إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء "، قال: فما زلت قاضيا - أو ما شككت في قضاء بعد.
و هو (عليهالسلام ) الذي أفتى في المرأة التي وضعت لستة أشهر، و هو الذي أفتى في الحامل الزانية(1) ، و هو الذي قال في المنبرية(2) صار ثمنها تسعا و هذه المسألة لو فكر الفرضي فيها فكرا طويلا لاستحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب، فما ظنك بمن قاله بديهة و اقتضبه ارتجالا. و من العلوم علم تفسير القرآن و عنه أخذ و منه فرع و إذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك؛ لأن أكثره عنه و عن عبد الله بن عباس و قد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته له و انقطاعه إليه و أنه تلميذه و خريجه، و قيل له أين علمك من علم ابن عمك فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط. و من العلوم علم الطريقة و الحقيقة و أحوال التصوف و قد عرفت أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون و عنده يقفون و قد صرح بذلك الشبلي و الجنيد و سري(3) و أبو يزيد البسطامي و أبو محفوظ معروف الكرخي و غيرهم، و يكفيك دلالة على ذلك الخرقة(4) التي هي شعارهم إلى اليوم و كونهم يسندونها بإسناد متصل إليه (عليهالسلام ).
____________________
(1) ذكر القرطبي في تفسيره 16: 193، عند الكلام على قوله تعالى:( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) أن عثمان قد أتى بامرأة ولدت لستة أشهر، فأراد أن يقضي عليها بالحد، فقال له علي رضي الله عنه: ليس ذلك عليها، قال الله تعالى:( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ).
(2) سميت المنبرية، لأنه سئل عنها وهو على المنبر، فأفتى من غير روية، وبيانها أنه سئل في ابنتين وأبوين وامرأة، فقال: صار ثمنها تسعا، قال أبو عبيد، أراد أن السهام عالت حتى صار للمرأة التسع، ولها في الأصل الثمن، وذلك أن الفريضة لو لم تعل كانت أربعة وعشرين، فلما عالت صارت من سبعة وعشرين، فللابنتين الثلثان: ستة عشر سهما، وللأبوين السدسان، ثمانية أسهم، وللمرأة ثلاثة من سبع وعشرين، وهو التسع، وكان لها قبل العول ثلاثة من أربعة وعشرين، وهو الثمن. وانظر النهاية لابن الأثير 3: 139، واللسان 13: 512، وحاشية البقري على متن الرحبية 34.
(3) هو سري بن المغلس السقطي، خال الجنيد وأستاذه، وصاحب معروف الكرخي، وأول من تكلم ببغداد في لسان التوحيد وحقائق الأحوال. مات سنة 251. " طبقات الصوفية للسلمي ص 48 ".
(4) فصل السهروردي في الباب الثاني عشر من كتابه عوارف المعارف " 4: 191 وما بعدها - على هامش الاحياء " الكلام في شرح خرقة المشايخ الصوفية ولبسها.
و من العلوم علم النحو و العربية، و قد علم الناس كافة أنه هو الذي ابتدعه و أنشأه و أملى على أبي الأسود الدؤلي جوامعه و أصوله من جملتها الكلام كله ثلاثة أشياء، اسم و فعل و حرف، و من جملتها: تقسيم الكلمة إلى معرفة و نكرة، و تقسيم وجوه الإعراب إلى الرفع و النصب و الجر و الجزم(1) ، و هذا يكاد يلحق بالمعجزات؛ لأن القوة البشرية لا تفي بهذا الحصر و لا تنهض بهذا الاستنباط. و إن رجعت إلى الخصائص الخلقية و الفضائل النفسانية و الدينية وجدته ابن جلاها و طلاع ثناياها(2) . و أما الشجاعة فإنه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله و محا اسم من يأتي بعده و مقاماته في الحرب مشهورة يضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة، و هو الشجاع الذي ما فر قط، و لا ارتاع من كتيبة و لا بارز أحدا إلا قتله، و لا ضرب ضربة قط فاحتاجت الأولى إلى ثانية، و في الحديث كانت ضرباته وترا و لما دعا معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما، قال له عمرو: لقد أنصفك، فقال معاوية: ما غششتني منذ نصحتني إلا اليوم أتأمرني بمبارزة أبي الحسن و أنت تعلم أنه الشجاع المطرق، أراك طمعت في إمارة الشام بعدي و كانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته فأما قتلاه فافتخار رهطهم بأنه (عليهالسلام ) قتلهم أظهر و أكثر قالت أخت عمرو بن عبد ود ترثيه
لو كان قاتل عمرو غير قاتله |
بكيته أبدا ما دمت في الأبد(3) |
____________________
(1) معجم الأدباء 14: 42 - 50
(2) اقتباس من قول سحيم بن وثيل الرياحي:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا |
متى أضع العمامة تعرفوني |
وابن جلا، أي الواضح الامر، وطلاع الثنايا: كناية عن السمو إلى معالي الأمور، والثنايا في الأصل: جمع ثنية، وهي الطريق في الجبل. وانظر اللسان 18: 165.
(3) من أبيات ذكرها صاحب اللسان 8: 395، وروايته:
لو كان قاتل عمرو غير قاتله |
بكيته ما أقام الروح في جسدي |
|
لكن قاتله من لا يعاب به |
وكان يدعى قديما بيضة البلد |
لكن قاتله من لا نظير له |
و كان يدعى أبوه بيضة البلد(1) |
و انتبه يوما معاوية فرأى عبد الله بن الزبير جالسا تحت رجليه على سريره، فقعد، فقال له عبد الله يداعبه: يا أمير المؤمنين، لو شئت أن أفتك بك لفعلت، فقال: لقد شجعت بعدنا يا أبا بكر، قال: و ما الذي تنكره من شجاعتي و قد وقفت في الصف إزاء علي بن أبي طالب، قال: لا جرم أنه قتلك و أباك بيسرى يديه و بقيت اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها. و جملة الأمر أن كل شجاع في الدنيا إليه ينتهى و باسمه ينادي في مشارق الأرض و مغاربها. و أما القوة و الأيد فبه يضرب المثل فيهما، قال ابن قتيبة في المعارف: ما صارع أحدا قط إلا صرعه(2) ، و هو الذي قلع باب خيبر و اجتمع عليه عصبة من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه، و هو الذي اقتلع هبل من أعلى الكعبة و كان عظيما جدا و ألقاه(3) إلى الأرض، و هو الذي اقتلع الصخرة العظيمة في أيام خلافته (عليهالسلام ) بيده بعد عجز الجيش كله عنها، و أنبط(4) الماء من تحتها. و أما السخاء و الجود، فحاله فيه ظاهرة، و كان يصوم و يطوي و يؤثر بزاده و فيه أنزل( وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً ) (5) ، و روى المفسرون أنه لم يكن يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا و بدرهم نهارا و بدرهم سرا و بدرهم علانية فأنزل فيه( اَلَّذِينَ
____________________
(1) بيضة البلد، يريد علي بن أبي طالب، أي أنه فرد ليس مثله في الشرف كالبيضة التي هي تريكة وحدها، ليس معها غيرها، كذا فسر في اللسان.
(2) المعارف 210، وبعدها:"شىديد الوئب قوى الضرب".
(3) ب: " فألقاه "
(4) ب: " فأنبط ".
(5) سورة الانسان 9، 10
يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ اَلنَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً ) (1) . و روى عنه أنه كان يسقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة حتى مجلت(2) يده، و يتصدق بالأجرة و يشد على بطنه حجرا. و قال الشعبي و قد ذكره: (عليهالسلام ) كان أسخى الناس كان على الخلق الذي يحبه الله السخاء و الجود ما قال لا لسائل قط، و قال عدوه و مبغضه الذي يجتهد في وصمه و عيبه معاوية بن أبي سفيان لمحفن(3) بن أبي محفن الضبي لما قال له: جئتك من عند أبخل الناس فقال: ويحك كيف تقول إنه أبخل الناس، لو ملك بيتا من تبر و بيتا من تبن لأنفد تبره قبل تبنه. و هو الذي كان يكنس بيوت الأموال و يصلي فيها، و هو الذي قال: يا صفراء، و يا بيضاء، غري غيري، و هو الذي لم يخلف ميراثا و كانت الدنيا كلها بيده إلا ما كان من الشام. و أما الحلم و الصفح، فكان أحلم الناس عن ذنب و أصفحهم عن مسيء و قد ظهر صحة ما قلناه يوم الجمل حيث ظفر بمروان بن الحكم و كان أعدى الناس له و أشدهم بغضا فصفح عنه. و كان عبد الله بن الزبير يشتمه على رءوس الأشهاد، و خطب يوم البصرة فقال: قد أتاكم الوغد(4) اللئيم علي بن أبي طالب و كان علي (عليهالسلام ) يقول: (ما زال الزبير
____________________
(1) سورة البقرة 274، وللمفسرين في هذه الآية أسباب أخرى للنزول، ذكرها القرطبي في التفسير 19: 128، وانظر أسباب النزول للواحدي 231.
(2) مجلت يده، أي ثخن جلده وتعجز وطهر فيه ما يشبه البثر من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة، ومنه حديث فاطمة، أنها شكت إلى علي مجل يديها من الطحن. النهاية لابن الأثير 4: 80.
(3) أورده الذهبى فى المشبه ص573، وقال:"وفد على معاوية".
(4) في ب: " الوغب "، وهما بمعنى.
رجلا منا أهل البيت حتى شب عبد الله)، فظفر به يوم الجمل فأخذه أسيرا فصفح عنه و قال: اذهب فلا أرينك لم يزده على ذلك. و ظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكة و كان له عدوا فأعرض عنه و لم يقل له شيئا. و قد علمتم ما كان من عائشة في أمره، فلما ظفر بها أكرمها و بعث معها إلى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس عممهن بالعمائم و قلدهن بالسيوف، فلما كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به، و تأففت و قالت: هتك ستري برجاله و جنده الذين وكلهم بي فلما وصلت المدينة ألقى النساء عمائمهن و قلن لها: إنما نحن نسوة. و حاربه أهل البصرة و ضربوا وجهه و وجوه أولاده بالسيوف و شتموه و لعنوه، فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم و نادى مناديه في أقطار العسكر ألا لا يتبع(1) مول و لا يجهز على جريح و لا يقتل مستأسر و من ألقى سلاحه فهو آمن، و من تحيز إلى عسكر الإمام فهو آمن و لم يأخذ أثقالهم و لا سبى ذراريهم و لا غنم شيئا من أموالهم، و لو شاء أن يفعل كل ذلك لفعل، و لكنه أبى إلا الصفح و العفو و تقيل سنة رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) يوم فتح مكة، فإنه عفا و الأحقاد لم تبرد و الإساءة لم تنس. و لما ملك عسكر معاوية عليه الماء و أحاطوا بشريعة الفرات و قالت رؤساء الشام له: اقتلهم بالعطش كما قتلوا عثمان عطشا سألهم علي (عليهالسلام ) و أصحابه أن يشرعوا(2) لهم شرب الماء، فقالوا: لا و الله، و لا قطرة حتى تموت ظمأ كما مات ابن عفان، فلما رأى (عليهالسلام ) أنه الموت لا محالة، تقدم بأصحابه و حمل على عساكر معاوية حملات كثيفة، حتى أزالهم عن مراكزهم بعد قتل ذريع سقطت منه الرءوس و الأيدي و ملكوا عليهم
____________________
(1) أ: " ألا يتبع مول ".
(2) كذا في أ، وفي ب: " يسوغوا ".
الماء، و صار أصحاب معاوية في الفلاة لا ماء لهم، فقال له أصحابه و شيعته: امنعهم الماء يا أمير المؤمنين، كما منعوك و لا تسقهم منه قطرة و اقتلهم بسيوف العطش، و خذهم قبضا بالأيدي فلا حاجة لك إلى الحرب، فقال: (لا و الله، لا أكافئهم بمثل فعلهم، افسحوا لهم عن بعض الشريعة) ففي حد السيف ما يغني عن ذلك فهذه إن نسبتها إلى الحلم و الصفح فناهيك بها جمالا و حسنا، و إن نسبتها إلى الدين و الورع فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله (عليهالسلام ). و أما الجهاد في سبيل الله فمعلوم عند صديقه و عدوه، أنه سيد المجاهدين، و هل الجهاد لأحد من الناس إلا له، و قد عرفت أن أعظم غزاة غزاها رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و أشدها نكاية في المشركين بدر الكبرى، قتل فيها سبعون من المشركين، قتل علي نصفهم و قتل المسلمون و الملائكة النصف الآخر، و إذا رجعت إلى مغازي محمد بن عمر الواقدي و تاريخ الأشراف لأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري و غيرهما، علمت صحة ذلك، دع من قتله في غيرها كأحد و الخندق و غيرهما و هذا الفصل لا معنى للإطناب فيه؛ لأنه من المعلومات الضرورية كالعلم بوجود مكة و مصر و نحوهما. و أما الفصاحة، فهو (عليهالسلام ) إمام الفصحاء و سيد البلغاء، و في كلامه(1) قيل: دون كلام الخالق و فوق كلام المخلوقين، و منه تعلم الناس الخطابة و الكتابة، قال عبد الحميد بن يحيى: حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع، ففاضت ثم فاضت، و قال ابن نباتة(2) : حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الإنفاق إلا سعة و كثرة، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب. و لما قال محفن بن أبي محفن لمعاوية: جئتك من عند أعيا الناس، قال له: ويحك
____________________
(1) ب: " وعن كلامه ".
(2) هو عبد الرحيم بن محمد بن محمد بن إسماعيل الفارقي الجذامي.
كيف يكون أعيا الناس، فو الله ما سن الفصاحة لقريش غيره، و يكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يجارى في الفصاحة و لا يبارى في البلاغة، و حسبك أنه لم يدون لأحد من فصحاء الصحابة العشر و لا نصف العشر مما دون له، و كفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب البيان و التبيين و في غيره من كتبه. و أما سجاحة الأخلاق و بشر الوجه و طلاقة المحيا و التبسم، فهو المضروب به المثل فيه حتى عابه بذلك أعداؤه.
قال عمرو بن العاص لأهل الشام: إنه ذو دعابة شديدة، و قال علي (عليهالسلام ) في ذاك: (عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أن في دعابة و أني امرؤ تلعابة أعافس و أمارس)(1) ، و عمرو بن العاص إنما أخذها عن عمر بن الخطاب لقوله له لما عزم على استخلافه: لله أبوك لو لا دعابة فيك، إلا أن عمر اقتصر عليها و عمرو زاد فيها و سمجها. قال صعصعة بن صوحان و غيره من شيعته و أصحابه: كان فينا كأحدنا لين جانب و شدة تواضع و سهولة قياد و كنا نهابه مهابة الأسير المربوط للسياف الواقف على رأسه. و قال معاوية لقيس بن سعد: رحم الله أبا حسن، فلقد كان هشا بشا ذا فكاهة، قال قيس: نعم كان رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) يمزح و يبتسم إلى أصحابه، و أراك تسر حسوا في ارتغاء(2) و تعيبه بذلك، أما و الله لقد كان مع تلك الفكاهة و الطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى تلك هيبة التقوى و ليس كما يهابك طغام أهل الشام.
____________________
(1) التلعابة، بفتح التاء وكسرها: الكثير اللعب والمرح. والمعافسة: الملاعبة أيضا. والممارسة: ملاعبة النساء. والخبر أورده ابن الأثير في النهاية 1: 117، و 3: 59، 110، و 4: 59، 89.
(2) في المثل: " هو يسر حسوا في ارتغاء "، يضرب لمن يظهر أمرا وهو يريد غيره. (اللسان 19: 46).
و قد بقي هذا الخلق متوارثا متنافلا في محبيه و أوليائه إلى الآن، كما بقي الجفاء و الخشونة و الوعورة في الجانب الآخر، و من له أدنى معرفة بأخلاق الناس و عوائدهم يعرف ذلك. و أما الزهد في الدنيا، فهو سيد الزهاد و بدل الأبدال و إليه تشد الرحال و عنده تنفض الأحلاس، ما شبع من طعام قط، و كان أخشن الناس مأكلا و ملبسا، قال عبد الله بن أبي رافع: دخلت إليه يوم عيد فقدم جرابا مختوما فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوضا فقدم فأكل، فقلت: يا أمير المؤمنين، فكيف تختمه قال: (خفت هذين الولدين أن يلتاه بسمن أو زيت). و كان ثوبه مرقوعا بجلد تارة و ليف أخرى، و نعلاه من ليف و كان يلبس الكرباس(1) الغليظ فإذا وجد كمه طويلا قطعه بشفرة و لم يخطه، فكان لا يزال متساقطا على ذراعيه حتى يبقى سدى لا لحمة له و كان يأتدم إذا ائتدم بخل أو بملح، فإن ترقى عن ذلك فبعض نبات الأرض فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل، و لا يأكل اللحم إلا قليلا و يقول: (لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان)، و كان مع ذلك أشد الناس قوة و أعظمهم أيدا لا ينقض(2) الجوع قوته و لا يخون(3) الإقلال منته، و هو الذي طلق الدنيا و كانت الأموال تجبى إليه من جميع بلاد الإسلام إلا من الشام، فكان يفرقها و يمزقها، ثم يقول:
هذا جناي و خياره فيه |
إذ كل جان يده إلى فيه(4) |
____________________
(1) الكرباس بالكسر: ثوب من القطن الأبيض، معرب.
(2) ب: " ينقص ".
(3) يخون: ينقص، وفي ب: " يخور "، وما أثبته عن أ.
(4) البيت أنشده عمرو بن عدي حينما كان غلاما، وكان يخرج مع الخدم يجتنون للملك " جذيمة الأبرش " الكمأة، فكانوا إذا وجدوا كمأة خيارا أكلوها وأتوا بالباقي إلى الملك، وكان عمرو لا يأكل منه، ويأتي به كما هو، وينشد البيت. وانظر القاموس 3: 259 - 260، وحديث علي ورد مفصلا في حلية الأولياء 1: 81.
و أما العبادة، فكان أعبد الناس و أكثرهم صلاة و صوما، و منه تعلم الناس صلاة الليل و ملازمة الأوراد و قيام النافلة، و ما ظنك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير، فيصلي عليه ورده و السهام تقع بين يديه و تمر على صماخيه يمينا و شمالا فلا يرتاع لذلك و لا يقوم حتى يفرغ من وظيفته، و ما ظنك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده. و أنت إذا تأملت دعواته و مناجاته و وقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه و إجلاله و ما يتضمنه من الخضوع لهيبته و الخشوع لعزته و الاستخذاء له، عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص، و فهمت من أي قلب خرجت و على أي لسان جرت. و قيل لعلي بن الحسين (عليهالسلام )، و كان الغاية في العبادة أين عبادتك من عبادة جدك، قال: (عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدي عند عبادة رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، و أما قراءته القرآن و اشتغاله به، فهو المنظور إليه في هذا الباب اتفق الكل على أنه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، و لم يكن غيره يحفظه، ثم هو أول من جمعه نقلوا كلهم أنه تأخر عن بيعة أبي بكر، فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنه تأخر مخالفة للبيعة بل يقولون تشاغل بجمع القرآن، فهذا يدل على أنه أول من جمع القرآن؛ لأنه لو كان مجموعا في حياة رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) لما احتاج إلى أن يتشاغل(1) بجمعه بعد وفاته (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، و إذا رجعت إلى كتب القراءات وجدت أئمة القراء كلهم يرجعون إليه كأبي عمرو بن العلاء و عاصم بن أبي النجود و غيرهما؛ لأنهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السلمي القارئ
____________________
(1) ب: " تشاغل ".
و أبو عبد الرحمن كان تلميذه، و عنه أخذ القرآن، فقد صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه أيضا مثل كثير مما سبق. و أما الرأي و التدبير، فكان من أسد الناس رأيا و أصحهم تدبيرا، و هو الذي أشار على عمر بن الخطاب لما عزم على أن يتوجه بنفسه إلى حرب الروم و الفرس بما أشار، و هو الذي أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها و لو قبلها لم يحدث عليه ما حدث، و إنما قال أعداؤه: لا رأي له؛ لأنه كان متقيدا بالشريعة لا يرى خلافها و لا يعمل بما يقتضي الدين تحريمه. و قد قال (عليهالسلام ) لو لا الدين و التقى لكنت أدهى العرب و غيره من الخلفاء كان يعمل بمقتضى ما يستصلحه و يستوفقه سواء أ كان مطابقا للشرع أم لم يكن، و لا ريب أن من يعمل بما يؤدي إليه اجتهاده و لا يقف مع ضوابط و قيود يمتنع لأجلها مما يرى الصلاح فيه تكون أحواله الدنيوية إلى الانتظام أقرب، و من كان بخلاف ذلك تكون أحواله الدنيوية إلى الانتثار أقرب. و أما السياسة، فإنه كان شديد السياسة، خشنا في ذات الله، لم يراقب ابن عمه في عمل كان ولاه إياه و لا راقب أخاه عقيلا في كلام جبهه به و أحرق قوما بالنار، و نقض دار مصقلة بن هبيرة و دار جرير بن عبد الله البجلي، و قطع جماعة و صلب آخرين. و من جملة سياسته في حروبه أيام خلافته بالجمل و صفين و النهروان، و في أقل القليل منها مقنع فإن كل سائس في الدنيا لم يبلغ فتكه و بطشه و انتقامه مبلغ العشر مما فعل (عليهالسلام ) في هذه الحروب بيده و أعوانه. فهذه هي خصائص البشر و مزاياهم قد أوضحنا أنه فيها الإمام المتبع فعله و الرئيس المقتفى أثره. و ما أقول في رجل تحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة و تعظمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملة و تصور ملوك الفرنج و الروم صورته في بيعها و بيوت عباداتها
حاملا سيفه مشمرا لحربه و تصور ملوك الترك و الديلم صورته على أسيافها كان على سيف عضد الدولة بن بويه و سيف أبيه ركن الدولة صورته، و كان على سيف ألب أرسلان و ابنه ملكشاه صورته، كأنهم يتفاءلون به النصر و الظفر. و ما أقول في رجل أحب كل واحد أن يتكثر به و ود كل أحد أن يتجمل و يتحسن بالانتساب إليه، حتى الفتوة التي أحسن ما قيل في حدها ألا تستحسن من نفسك ما تستقبحه من غيرك، فإن أربابها نسبوا أنفسهم إليه و صنفوا في ذلك كتبا و جعلوا لذلك إسنادا أنهوه إليه و قصروه عليه و سموه سيد الفتيان، و عضدوا مذهبهم إليه بالبيت المشهور المروي أنه سمع من السماء يوم أحد
لا سيف إلا ذو الفقار |
و لا فتى إلا علي |
و ما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيد البطحاء و شيخ قريش و رئيس مكة، قالوا: قل، أن يسود فقير و ساد أبو طالب و هو فقير لا مال له و كانت قريش تسميه الشيخ. و في حديث عفيف الكندي لما رأى(1) النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) يصلي في مبدإ الدعوة و معه غلام و امرأة، قال: فقلت للعباس أي شيء هذا، قال: هذا ابن أخي يزعم أنه رسول من الله إلى الناس و لم يتبعه على قوله إلا هذا الغلام، و هو ابن أخي أيضا و هذه الامرأة و هي زوجته، قال: فقلت: ما الذي تقولونه أنتم. قال ننتظر ما يفعل الشيخ، يعنى أبا طالب، و أبو طالب، هو الذي كفل رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) صغيرا، و حماه و حاطه كبيرا و منعه من مشركي قريش، و لقي لأجله عنتا عظيما و قاسى بلاء شديدا و صبر على نصره و القيام بأمره، و جاء في الخبر أنه لما توفي أبو طالب أوحي إليه (عليهالسلام )، و قيل له اخرج منها فقد مات ناصرك. و له مع شرف هذه الأبوة أن ابن عمه محمد سيد الأولين و الآخرين و أخاه جعفر ذو الجناحين الذي قال له رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) أشبهت خلقي و خلقي فمر يحجل
____________________
(1) الخبر في أسد الغابة 3: 414 مع اختلاف في الرواية.
فرحا، و زوجته سيدة نساء العالمين، و ابنيه سيدا شباب أهل الجنة، فآباؤه آباء رسول الله و أمهاته أمهات رسول الله، و هو مسوط بلحمه و دمه لم يفارقه منذ خلق الله آدم إلى أن مات عبد المطلب بين الأخوين عبد الله و أبي طالب، و أمهما واحدة فكان منهما سيد الناس هذا الأول و هذا التالي و هذا المنذر و هذا الهادي. و ما أقول في رجل سبق الناس إلى الهدى و آمن بالله و عبده و كل من في الأرض يعبد الحجر و يجحد الخالق، لم يسبقه أحد إلى التوحيد إلا السابق إلى كل خير محمد رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ). ذهب أكثر أهل الحديث إلى أنه (عليهالسلام ) أول الناس اتباعا لرسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) إيمانا به و لم يخالف في ذلك إلا الأقلون و قد قال هو (عليهالسلام ) أنا الصديق الأكبر و أنا الفاروق الأول، أسلمت قبل إسلام الناس و صليت قبل صلاتهم، و من وقف على كتب أصحاب الحديث تحقق ذلك و علمه واضحا، و إليه ذهب الواقدي و ابن جرير الطبري و هو القول الذي رجحه و نصره صاحب كتاب الإستيعاب(1) . و لأنا إنما نذكر في مقدمة هذا الكتاب جملة من فضائله عنت بالعرض لا بالقصد وجب أن نختصر و نقتصر فلو أردنا شرح مناقبه و خصائصه لاحتجنا إلى كتاب مفرد يماثل حجم هذا بل يزيد عليه و بالله التوفيق(2) .
____________________
(1) الإستيعاب لابن عبد البر النمري القرطبي 2: 457.
(2) وانظر ترجمته وأخباره أيضا في أسد الغابة 4: 16 - 40، والاستيعاب 3: 1089 - 1133، والإصابة 4: 269 - 271، وإنباه الرواة 1: 10 - 12، وتاريخ الاسلام للذهبي 2: 191 207، وتاريخ بغداد 1: 133 - 138، وتاريخ أبي الفدا 1: 181 - 182، وتاريخ الطبري 6: 88 - 91، وتاريخ ابن كثير 7: 332 - 361، و 8: 1 - 13، وتذكرة الحفاظ 1: 10 - 13، وتهذيب الأسماء واللغات 1: 344 - 349، وتهذيب التهذيب 7: 334 - 339، وحلية الأولياء 1: 61 - 78، وصفة الصفوة 3: 119 - 144، وطبقات ابن سعد 6: 6، وطبقات القراء لابن الجزري 1: 641 - 745، ومروج الذهب 2: 54 - 05، والمعارف 88 - 29، ومعجم الأدباء 14: 41 - 50، ومعجم الشعراء 279 - 280، ومقاتل الطالبيين 24 - 45، والنجوم الزاهرة 1: 119 - 210.
هو أبو الحسن محمد بن أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى، بن إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق (عليهالسلام )، مولده سنة تسع و خمسين و ثلاثمائة. و كان أبوه النقيب أبو أحمد جليل القدر عظيم المنزلة في دولة بني العباس و دولة بني بويه، و لقب بالطاهر ذي المناقب و خاطبه بهاء الدولة أبو نصر بن بويه بالطاهر الأوحد و ولي نقابة الطالبيين خمس دفعات، و مات و هو متقلدها بعد أن حالفته الأمراض و ذهب بصره، و توفي عن سبع و تسعين سنة، فإن مولده كان في سنة أربع و ثلاثمائة، و توفي سنة أربعمائة، و قد ذكر ابنه الرضي أبو الحسن كمية عمره في قصيدته التي رثاه بها و أولها:
وسمتك حالية الربيع المرهم |
و سقتك ساقية الغمام المرزم(1) |
|
سبع و تسعون اهتبلن لك العدا |
حتى مضوا و غبرت غير مذمم |
|
لم يلحقوا فيها بشأوك بعد ما |
أملوا فعاقهم اعتراض الأزلم(2) |
|
إلا بقايا من غبارك أصبحت |
غصصا و أقذاء لعين أو فم |
|
إن يتبعوا عقبيك في طلب العلا |
فالذئب يعسل في طريق الضيغم(3) |
و دفن النقيب أبو أحمد أولا في داره، ثم نقل منها إلى مشهد الحسين (عليهالسلام ). و هو الذي كان السفير بين الخلفاء و بين الملوك من بني بويه و الأمراء من بنى حمدان و غيرهم و كان مبارك الغرة ميمون النقيبة مهيبا نبيلا ما شرع في إصلاح أمر فاسد
____________________
(1) ديوانه، لوحة 153
(2) الأزلم: الدهر.
(3) عسل الذئب: مضى مسرعا واضطرب في عدوه.
إلا و صلح على يديه و انتظم بحسن سفارته و بركة همته و حسن تدبيره و وساطته، و لاستعظام عضد الدولة أمره و امتلاء صدره و عينه به حين قدم العراق ما(1) قبض عليه و حمله إلى القلعة بفارس، فلم يزل بها إلى أن مات عضد الدولة فأطلقه شرف الدولة أبو الفوارس شير ذيل بن عضد الدولة و استصحبه في جملته حيث قدم إلى بغداد و ملك الحضرة، و لما توفي عضد الدولة ببغداد كان عمر الرضي أبي الحسن أربع عشرة سنة، فكتب إلى أبيه و هو معتقل بالقلعة بشيراز:
أبلغا عنى الحسين ألوكا |
أن ذا الطود بعد عهدك ساخا(2) |
|
و الشهاب الذي اصطليت لظاه |
عكست ضوءه الخطوب فباخا(3) |
|
و الفنيق الذي تذرع طول |
الأرض خوى به الردى و أناخا(4) |
|
أن يرد مورد القذى و هو راض |
فبما يكرع الزلال النقاخا(5) |
|
و العقاب الشغواء أهبطها النيق |
و قد أرعت النجوم صماخا(6) |
|
أعجلتها المنون عنا و لكن |
خلفت في ديارنا أفراخا |
|
و على ذاك فالزمان بهم عاد |
غلاما من بعد ما كان شاخصا |
و أم الرضي أبي الحسن، فاطمة بنت الحسين بن أحمد(7) بن الحسن الناصر الأصم صاحب الديلم، و هو أبو محمد الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن أبي طالب (عليهالسلام )، شيخ الطالبيين و عالمهم و زاهدهم و أديبهم و شاعرهم
____________________
(1) ما هنا المصدرية.
(2) لوحة 182، والألوك: الرسالة.
(3) بأخ: سكن وفتر.
(4) الفنيق في الأصل: الفحل المكرم لا يؤذي لكرامته على أهله ولا يركب.
(5) النقاخ: البارد العذب الصافي.
(6) الشغواء من وصف العقاب، قيل لها ذلك لفضل في منقارها الأعلى على الأسفل. والنيق: حرف من حروف الجبل.
(7) تكملة من أ، ج.
ملك بلاد الديلم و الجبل، و يلقب بالناصر للحق جرت له حروب عظيمة مع السامانية و توفي بطبرستان سنة أربع و ثلاثمائة و سنه تسع و سبعون سنة، و انتصب في منصبه الحسن بن القاسم بن الحسين الحسني، و يلقب بالداعي إلى الحق. و هي أم أخيه أبي القاسم علي المرتضى أيضا. و حفظ الرضي (رحمهالله ) القرآن بعد أن جاوز ثلاثين سنة في مدة يسيرة، و عرف من الفقه و الفرائض طرفا قويا، و كان (رحمهالله ) عالما أديبا و شاعرا مفلقا فصيح النظم ضخم الألفاظ قادرا على القريض متصرفا في فنونه، إن قصد الرقة في النسيب أتى بالعجب العجاب، و إن أراد الفخامة و جزالة الألفاظ في المدح و غيره(1) أتى بما لا يشق فيه غباره، و إن قصد في المراثي جاء سابقا و الشعراء منقطع أنفاسها على أثره و كان مع هذا مترسلا ذا كتابة قوية، و كان عفيفا شريف النفس عالي الهمة ملتزما(2) بالدين و قوانينه، و لم يقبل من أحد صلة و لا جائزة حتى أنه رد صلاة أبيه و ناهيك بذلك شرف نفس و شدة ظلف(3) ، فأما بنو بويه فإنهم اجتهدوا على قبوله صلاتهم فلم يقبل. و كان يرضى بالإكرام و صيانة الجانب و إعزاز الأتباع و الأصحاب، و كان الطائع(4) أكثر ميلا إليه من القادر(5) ، و كان هو أشد حبا و أكثر ولاء للطائع منه للقادر، و هو القائل للقادر في قصيدته التي مدحه بها منها
____________________
(1) ساقطة من ا
(2) ب، ج:"مستلزما "وما أئبته عن ا
(3) الظلف، من طلف نفسه عن الشئ بظلفها طلفا: منعها وحبسها.
(4) هو أبو بكر عبد الكريم الطائع لأمر الله، بويع بالخلافة له سنة 363، ثم خلع، وقبض عليه الديلم سنة 381، وبويع لأخيه القادر، فحمل إليه الطائع، وبقي عنده إلى أن توفي سنة 393. الفخري 254، وابن الأثير حوادث سنة 381.
(5) هو أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر، المعروف بالقادر، بويع له بالخلافة بعد خلع أخيه، وتوفي سنة 422. الفخري 254.
عطفا أمير المؤمنين فإننا |
في دوحة العلياء لا نتفرق(1) |
|
ما بيننا يوم الفخار تفاوت |
أبدا كلانا في المعالي معرق |
|
إلا الخلافة شرفتك فإنني(2) |
أنا عاطل منها و أنت مطوق |
فيقال إن القادر قال له على رغم أنف الشريف. و ذكر الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في التاريخ في وفاة الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري الفقيه المالكي، قال: كان شيخ الشهود المعدلين ببغداد و متقدمهم و سمع الحديث الكثير، و كان كريما مفضلا على أهل العلم قال و عليه قرأ الشريف الرضي (رحمهالله ) القرآن، و هو شاب حدث السن(3) فقال له يوما: أيها الشريف أين مقامك، قال: في دار أبي بباب محول(4) ، فقال: مثلك لا يقيم بدار أبيه قد نحلتك داري بالكرخ المعروفة بدار البركة فامتنع الرضي من قبولها، و قال له: لم أقبل من أبي قط شيئا، فقال: إن حقي عليك أعظم من حق أبيك عليك؛ لأني حفظتك كتاب الله تعالى فقبلها(5) . و كان الرضي لعلو همته تنازعه نفسه(6) إلى أمور عظيمة يجيش بها خاطره و ينظمها في شعره، و لا يجد من الدهر(7) عليها مساعدة فيذوب كمدا و يفنى وجدا، حتى توفي و لم يبلغ غرضا. فمن ذلك قوله:
ما أنا للعلياء إن لم يكن |
من ولدي ما كان من والدي(8) |
|
و لا مشت بي الخيل أن لم أطأ |
سرير هذا الأصيد الماجد(9) |
____________________
(1) ديوانه لوحة 40.
(2) الديوان: " ميزتك وإنني ".
(3) تكملة من أ.
(4) باب محول، بضم الميم وفتح الحاء وتشديد الواوولام:حلة كبيرة من محال بغىاى؛كانت متصلة بالكرخ.
(5) المنتظم " حوادث سنة 393.
(6) أ: " في " وما أثبته عن ب.
(7) أ: " في الدهر " وما أثبته عن ب.
(8) ديوانه، لوحة 89.
(9) ديوانه " الأغلب الماجد ".
و منه قوله:
متى تراني مشيحا في أوائلهم |
يطفو بي النقع أحيانا و يخفيني(1) |
|
لتنظرني مشيحا في أوائلها |
يغيب بي النقع أحيانا و يبديني(2) |
|
لا تعرفوني إلا بالطعان و قد |
أضحى لثامي معصوبا بعرنيني(3) |
و منه قوله يعني نفسه:
فوا عجبا مما يظن محمد |
و للظن في بعض المواطن غدار(4) |
|
يؤمل أن الملك طوع يمينه(5) |
و من دون ما يرجو المقدر أقدار |
|
لئن هو أعفى للخلافة لمة |
لها طرر فوق الجبين و أطرار |
|
و رام العلا بالشعر و الشعر دائبا |
ففي الناس شعر خاملون و شعار(6) |
|
و إني أرى زندا تواتر قدحه |
و يوشك يوما أن تكون له نار |
و منه قوله:(7)
لا هم قلبي بركوب العلا |
يوما و لا بلت يدي بالسماح(8) |
____________________
(1) ديوانه ص 522 - مطبعة نخبة الاخبار، من قصيدة يذكر فيها القبض على الطائع لله، ويصف خروجه من الدار سليما، وأنه حين أحسن بالامر بادر ونزل دجلة، وتلوم من القضاة والاشراف والشهود، فامتهنوا وأخذت ثيابهم. ومطلعها:
لواعج الشوق تخطيهم وتصميني |
واللوم في الحب ينهاهم ويغريني |
|
ولو لقوا بعض ما ألقى نعمت بهم |
لكنهم سلموا مما يعنيني |
(2) هذا البيت لم يذكر في أ، ب، وهو في المطبوعة المصرية والديوان.
(3) الديوان " إذا "
(4) ديوانه لوحة 214، وروايته: " غرار ". وفي أ: " بعض المواضع ".
(5) الديوان " يقدر أن الملك ".
(6) شعر:جمع أشعر، وهو كثير الشعر طويلة.
(7) ديوانه لوحة 84، من قصيدة أولها:
نبهتهم مثل عوالي الرماح |
إلى الوغى قبل نموم الصباح |
|
فوارس نالوا المنى بالقنا |
وصافحوا أغراضهم بالصفاح |
(8) الديوان: " ولا بل يدي ".
إن لم أنلها باشتراط كما |
شئت على بيض الظبى و اقتراح(1) |
|
أفوز منها باللباب الذي |
يعيي الأماني نيله و الصراح |
|
فما الذي يقعدني عن مدى |
ما هو بالبسل و لا باللقاح |
|
يطمح من لا مجد يسمو به |
إني إذا أعذر عند الطماح |
|
أما فتى نال المنى فاشتفى |
أو بطل ذاق الردى فاستراح |
و في هذه القصيدة ما هو أخشن مسا و أعظم نكاية، و لكنا عدلنا عنه و تخطيناه كراهية لذكره، و في شعره الكثير الواسع من هذا النمط. و كان أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي(2) الكاتب له صديقا و بينهما لحمة الأدب و وشائجه و مراسلات(3) و مكاتبات بالشعر فكتب الصابي إلى الرضي في هذا النمط
أبا حسن لي في الرجال فراسة |
تعودت منها أن تقول فتصدقا(4) |
|
و قد خبرتني عنك أنك ماجد |
سترقى إلى العلياء أبعد مرتقى(5) |
|
فوفيتك التعظيم قبل أوانه |
و قلت أطال الله للسيد البقا |
____________________
(1) هو أبو إسحاق الصابي، صاحب الرسائل المشهورة، كان كاتب الانشاء ببغداد عن الخليفة، وعن عز الدولة بختيار بن معز الدولة بن بويه الديلمي، وكان صابئيا متشددا في دينه، وجهد عليه عز الدولة أن يسلم فلم يفعل، ولكنه كان يصوم شهر رمضان مع المسلمين، ويحفظ القرآن الكريم أحسن حفظ، ويستعمله في رسائله، ولما مات رثاه الشريف بقصيدته الدالية المشهورة: أرأيت من حملوا على الأعواد * أرأيت كيف خبا ضياء النادي وعاتبه الناس في ذلك لكونه شريفا يرثي صابئا، فقال: إنما رثيت فضله. توفي سنة 384. " ابن خلكان 1: 12 ".
(2) ب: " وبينهما ولمرسلات ".
(3) ديوان الرضي، لوحة 194.
و أضمرت منه لفظة لم أبح بها |
إلى أن أرى إظهارها لي مطلقا |
|
فإن مت أو إن عشت فاذكر بشارتي |
و أوجب بها حقا عليك محققا |
|
و كن لي في الأولاد و الأهل حافظا |
إذا ما اطمأن الجنب في مضجع البقا |
فكتب إليه الرضي جوابا عن ذلك قصيدة أولها:
سننت لهذا الرمح غربا مذلقا |
و أجريت في ذا الهندواني رونقا(1) |
|
و سومت ذا الطرف الجواد و إنما(2) |
شرعت له نهجا فخب و أعنقا |
و هي قصيدة طويلة ثابتة في ديوانه يعد فيها نفسه و يعد الصابي أيضا ببلوغ آماله إن ساعد الدهر و تم المرام، و هذه الأبيات أنكرها الصابي لما شاعت، و قال: إني عملتها في أبي الحسن علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان كاتب الطائع، و ما كان الأمر كما ادعاه و لكنه خاف على نفسه. و ذكر أبو الحسن الصابي(3) و ابنه غرس النعمة محمد في تاريخهما أن القادر بالله عقد مجلسا أحضر فيه الطاهر أبا أحمد الموسوي و ابنه أبا القاسم المرتضى و جماعة من القضاة و الشهود و الفقهاء و أبرز إليهم أبيات الرضي أبي الحسن التي أولها:
ما مقامي على الهوان و عندي |
مقول صارم و أنف حمي(4) |
|
و إباء محلق بي عن الضيم |
كما زاغ طائر وحشي |
|
أي عذر له إلى المجد إن |
ذل غلام في غمدة المشرفي |
____________________
(1) ديوانه، 194.
(2) الطراف: الفرس الأصيل.
(2) هو هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابي، حفيد أبي إسحاق الصابي، ذكر صاحب كشف الظنون 290 أن ثابت بن قرة الصابي كتب تاريخا سنة 190 إلى سنة 363، وذيله ابن أخته هلال بن محسن الصابي، وانتهى إلى سنة 447، وذيله ولده غرس النعمة محمد بن هلال ولم يتم.
(3) ديوانه 546 (مطبعة نخبة الأخيار)
أحمل الضيم في بلاد الأعادي(1) |
و بمصر الخليفة العلوي |
|
من أبوه أبي و مولاه مولاي |
إذا ضامني البعيد القصي |
|
لف عرقي بعرقه سيدا الناس |
جميعا محمد و علي |
و قال القادر للنقيب أبي أحمد: قل: لولدك محمد أي هوان قد أقام عليه عندنا، و أي ضيم لقي من جهتنا، و أي ذل أصابه في مملكتنا(2) ، و ما الذي يعمل معه صاحب مصر لو مضى إليه أكان يصنع إليه أكثر من صنيعنا(3) ألم نوله النقابة ألم نوله المظالم، ألم نستخلفه على الحرمين و الحجاز و جعلناه أمير الحجيج، فهل كان يحصل له من صاحب مصر أكثر من هذا ما نظنه كان يكون لو حصل عنده إلا واحدا من أبناء الطالبيين بمصر، فقال النقيب أبو أحمد: أما هذا الشعر فمما لم نسمعه منه و لا رأيناه بخطه و لا يبعد أن يكون بعض أعدائه نحلة إياه و عزاه إليه، فقال: القادر إن كان كذلك فلتكتب الآن محضرا يتضمن القدح في أنساب ولاة مصر و يكتب محمد خطه فيه فكتب(4) محضرا بذلك شهد فيه جميع من حضر المجلس منهم النقيب أبو أحمد و ابنه المرتضى، و حمل المحضر إلى الرضي ليكتب خطه فيه حمله أبوه و أخوه فامتنع من سطر(5) خطه، و قال: لا أكتب و أخاف دعاة صاحب مصر و أنكر الشعر و كتب خطه، و أقسم فيه أنه ليس بشعره و أنه لا يعرفه فأجبره أبوه على أن يكتب(6) خطه في المحضر فلم يفعل، و قال: أخاف دعاة المصريين و غيلتهم لي فإنهم معروفون بذلك، فقال أبوه: يا عجباه! أتخاف من بينك و بينه ستمائة فرسخ و لا تخاف من بينك و بينه مائة ذراع و حلف ألا يكلمه و كذلك المرتضى فعلا ذلك تقية و خوفا من القادر
____________________
(1) الديوان: " ألبس الذل في ديار الأعادي "
(2) ب: " في ملكنا ".
(3) ب،: " ضيعتنا ".
(4) ب،: " فكتب محضر "، بالبناء للمجهول.
(5) ب،: " تسطير".
(6) ب،: " يسطر ".
و تسكينا له و لما انتهى الأمر إلى القادر سكت على سوء أضمره، و بعد ذلك بأيام صرفه عن النقابة و ولاها محمد بن عمر النهر سابسي(1) . و قرأت بخط محمد بن إدريس الحلي الفقيه الإمامي قال: حكى أبو حامد أحمد بن محمد الإسفرائيني الفقيه الشافعي، قال: كنت يوما عند فخر الملك أبي غالب محمد بن خلف وزير بهاء الدولة و ابنه سلطان الدولة فدخل عليه الرضي أبو الحسن فأعظمه و أجله و رفع من منزلته و خلى ما كان بيده من الرقاع و القصص، و أقبل عليه يحادثه إلى أن انصرف، ثم دخل بعد ذلك المرتضى أبو القاسمرحمهالله فلم يعظمه ذلك التعظيم و لا أكرمه ذلك الإكرام و تشاغل عنه برقاع يقرؤها و توقيعات يوقع بها فجلس قليلا، و سأله أمرا فقضاه ثم انصرف. قال أبو حامد: فتقدمت إليه و، قلت له: أصلح الله الوزير هذا المرتضى هو الفقيه المتكلم صاحب الفنون و هو الأمثل و الأفضل منهما و إنما أبو الحسن شاعر قال: فقال لي إذا انصرف الناس و خلا المجلس أجبتك عن هذه المسألة. قال و كنت مجمعا على الانصراف فجاءني أمر لم يكن في الحساب فدعت الضرورة إلى ملازمة المجلس إلى أن تقوض الناس واحدا فواحدا، فلما لم يبق إلا غلمانه و حجابه دعا بالطعام فلما أكلنا و غسل يديه و انصرف عنه أكثر غلمانه، و لم يبق عنده غيري قال لخادم: هات الكتابين اللذين دفعتهما إليك منذ أيام و أمرتك أن تجعلهما في السفط(2) الفلاني فأحضرهما فقال: هذا كتاب الرضي اتصل بي أنه قد ولد له ولد فأنفذت إليه ألف دينار، و قلت له هذه للقابلة فقد جرت العادة أن يحمل الأصدقاء
____________________
(1) النهر سابسى منسوب إلى نهر سايس، فوق واسط بيوم. " ياقوت ".
(2) السفط بالتحريك، كالجوالق.
إلى أخلائهم و ذوي مودتهم مثل هذا في مثل هذه الحال فردها، و كتب إلى هذا الكتاب فاقرأه، قال: فقرأته و هو اعتذار عن الرد و في جملته إننا أهل بيت لا نطلع على أحوالنا قابلة غريبة، و إنما عجائزنا يتولين هذا الأمر من نسائنا و لسن ممن يأخذن أجرة و لا يقبلن صلة قال فهذا هذا. و أما المرتضى فإننا كنا قد وزعنا و قسطنا على الأملاك ببادوريا تقسيطا نصرفه في حفر فوهة النهر المعروف بنهر عيسى فأصاب ملكا للشريف المرتضى بالناحية المعروفة بالداهرية من التقسيط عشرون درهما ثمنها دينار واحد قد كتب إلى منذ أيام في هذا المعنى، هذا الكتاب فاقرأه فقرأته و هو أكثر من مائة سطر يتضمن من الخضوع و الخشوع و الاستمالة و الهز و الطلب و السؤال في إسقاط هذه الدراهم المذكورة عن أملاكه المشار إليها ما يطول شرحه. قال فخر الملك: فأيهما ترى أولى بالتعظيم و التبجيل هذا العالم المتكلم الفقيه الأوحد و نفسه هذه النفس أم ذلك الذي لم يشهر إلا بالشعر خاصة و نفسه تلك النفس، فقلت: وفق الله تعالى سيدنا الوزير فما زال موفقا و الله ما وضع سيدنا الوزير الأمر إلا في موضعه و لا أحله إلا في محله و قمت فانصرفت. و توفي الرضيرحمهالله في المحرم من سنة أربع و أربعمائة و حضر الوزير فخر الملك و جميع الأعيان و الأشراف و القضاة جنازته و الصلاة عليه و دفن في داره بمسجد الأنباريين بالكرخ، و مضى أخوه المرتضى من جزعه عليه إلى مشهد موسى بن جعفر (عليهالسلام ) ؛ لأنه لم يستطع أن ينظر إلى تابوته و دفنه و صلى عليه فخر الملك أبو غالب، و مضى بنفسه آخر النهار إلى أخيه المرتضى بالمشهد الشريف الكاظمي فألزمه بالعود إلى داره.
و مما رثاه به أخوه المرتضى الأبيات المشهورة التي من جملتها(1) :
يا للرجال لفجعة جذمت يدي |
و وددت لو ذهبت على برأسي(2) |
|
ما زلت آبى وردها حتى أتت(3) |
فحسوتها في بعض ما أنا حاسي |
|
و مطلتها زمنا فلما صممت |
لم يثنها مطلي و طول مكاسي |
|
لله عمرك من قصير طاهر |
و لرب عمر طال بالأدناس |
و حدثني فخار بن معد العلوي الموسويرحمهالله قال: رأى المفيد أبو عبد الله محمد بن النعمان الفقيه الإمام في منامه كان، فاطمة بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) دخلت عليه و هو في مسجده بالكرخ و معها ولداها الحسن و الحسين (عليهالسلام ) صغيرين فسلمتهما إليه، و قالت له علمهما الفقه فانتبه متعجبا من ذلك فلما تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرؤيا دخلت إليه المسجد فاطمة بنت الناصر، و حولها جواريها، و بين يديها ابناها محمد الرضي و علي المرتضى صغيرين، فقام إليها و سلم عليها، فقالت له: أيها الشيخ هذان ولداي قد أحضرتهما لتعلمهما الفقه فبكى أبو عبد الله و قص عليها المنام و تولى تعليمهما الفقه(4) و أنعم الله عليهما، و فتح لهما من أبواب العلوم و الفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدنيا و هو باق ما بقي الدهر(5)
____________________
(1) ب: " التي من جملة مرثيته "، وما أثبته عن أ.
(2) ديوانه 131:2.
(3) الديوان:"يازلت أحذر وردها".
(4) ساقط من ب.
(5) وانظر ترجمة الشريف الرضي أيضا في أخبار المحمدين من الشعراء 88 - 89، وإنباه الرواة 3: 114 - 115، وتاريخ ابن الأثير 7: 028، وتاريخ بغداد 2: 246 - 247، وتاريخ أبي الفدا 2: 145، وتاريخ ابن كثير 12: 3 - 4، وابن خلكان 2: 2 - 4، ودمية القصر 73 - 75، روضات الجنان 573 - 579، وشذرات الذهب 3: 182-184، وعيون التواريخ " وفيات 406 "، ولسان الميزان 5: 141، ومرآة الجنان 3: 18 - 20، والمنتظم لابن الجوزي " وفيات 406 "، والنجوم الزاهرة 4: 240، والوافي بالوفيات 2: 374 - 379، ويتيمة الدهر 3: 116 - 135، وله أيضا ترجمة في مقدمة كتابه المجازات النبوية " طبع بغداد " منقولة عن كتاب " تأسيس الشيعة الكرام لفنون الاسلام "، بتحقيق السيد حسن صدر بالدين.
القول في شرح خطبة نهج البلاغة
قال الرضيرحمهالله بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد حمد(1) الله الذي جعل الحمد ثمنا لنعمائه، و معاذا من بلائه و وسيلا إلى جنانه، و سببا لزيادة إحسانه، و الصلاة على رسوله نبي الرحمة و إمام الأئمة و سراج الأمة المنتجب من طينة الكرم، و سلالة المجد الأقدم و مغرس الفخار المعرق و فرع العلاء المثمر المورق، و على أهل بيته مصابيح الظلم و عصم الأمم و منار الدين الواضحة، و مثاقيل الفضل الراجحة فصلى الله عليهم أجمعين صلاة تكون إزاء لفضلهم و مكافأة لعملهم، و كفاء لطيب أصلهم و فرعهم ما أنار(2 فجر طالع و خوى نجم ساطع2) اعلم أني لا أتعرض في هذا الشرح للكلام فيما قد فرغ منه أئمة العربية و لا لتفسير ما هو ظاهر مكشوف كما فعل القطب الراوندي فإنه شرع أولا في تفسير قوله أما بعد، ثم قال: هذا هو فصل الخطاب، ثم ذكر ما معنى الفصل و أطال فيه و قسمه أقساما يشرح ما قد فرع له منه، ثم شرح الشرح و كذلك أخذ يفسر قوله من بلائه و قوله إلى جنانه و قوله و سببا، و قوله المجد و قوله
____________________
(1) أ: " حمدا ".
(2 – 2)ب: " ما أنار فجر ساطع، وخوى نجم طالع ". وكذا في مخطوطة النهج.
الأقدم، و هذا كله إطالة و تضييع للزمان من غير فائدة و لو أخذنا بشرح(1) مثل ذلك لوجب أن نشرح لفظة أما المفتوحة و أن نذكر الفصل بينها و بين إما المكسورة، و نذكر هل المكسورة من حروف العطف أو لا، ففيه خلاف و نذكر هل المفتوحة مركبة أو مفردة و مهملة أو عاملة، و نفسر معنى قول الشاعر:
أبا خراشة أما كنت ذا نفر |
فإن قومي لم تأكلهم الضبع(2) |
بالفتح و نذكر بعد لم ضمت إذا قطعت عن الإضافة، و لم فتحت هاهنا حيث أضيفت و نخرج عن المعنى الذي قصدناه من موضوع الكتاب إلى فنون أخرى قد أحكمها أربابها. و نبتدئ الآن فنقول قال لي إمام من أئمة اللغة في زماننا هو الفخار بكسر الفاء، : قال و هذا مما يغلط فيه الخاصة فيفتحونها و هو غير جائز؛ لأنه مصدر فاخر و فاعل يجيء مصدره على فعال بالكسر لا غير، نحو: قاتلت قتالا، و نازلت نزالا، و خاصمت خصاما، و كافحت كفاحا، و صارعت صراعا، و عندي أنه لا يبعد أن تكون الكلمة مفتوحة الفاء و تكون مصدر فخر لا مصدر فاخر، فقد جاء مصدر الثلاثي إذا كان عينه أو لامه حرف حلق على فعال بالفتح نحو سمح سماحا و ذهب ذهابا اللهم إلا أن ينقل ذلك عن شيخ أو كتاب موثوق به نقلا صريحا فتزول الشبهة، و العصم جمع عصمة و هو ما يعتصم به و المنار الأعلام واحدها منارة بفتح الميم، و المثاقيل جمع مثقال و هو مقدار وزن الشيء تقول مثقال حبة و مثقال قيراط و مثقال دينار، و ليس كما تظنه العامة أنه اسم للدينار خاصة فقوله مثاقيل الفضل أي: زنات الفضل و هذا من باب الاستعارة، و قوله: تكون إزاء لفضلهم أي مقابلة له و مكافأة بالهمز من كافأته أي جازيته و كفاء بالهمز و المد، أي: نظيراً.
____________________
(1) كذا في ج وهو الصوب، وفى باقى الأصول: "لشرح".
(2) البيت لعباس بن مرداس السلمي، وأبو خراشة كنية خفاف بن ندبة."اللسان 183:8".
و خوى النجم، أي: سقط و طينة الكرم أصله و سلالة المجد فرعه و الوسيل جمع وسيلة، و هو ما يتقرب به، و لو قال: و سبيلا إلى جنانه لكان حسنا، و إنما قصد الإغراب على أنا قد قرأناه كذلك في بعض النسخ، و قوله و مكافأة لعملهم إن أراد أن يجعله قرينة لفضلهم كان مستقبحا عند من يريد البديع لأن الأولى ساكنة الأوسط و الأخرى متحركة الأوسط و أما من لا يقصد البديع كالكلام القديم فليس بمستقبح و إن لم يرد أن يجعلها قرينة بل جعلها من حشو السجعة الثانية، و جعل القرينة و أصلهم فهو جائز، إلا أن السجعة الثانية تطول جدا، و لو قال: عوض لعملهم لفعلهم لكان حسنا قال الرضيرحمهالله فإني كنت في عنفوان السن و غضاضة الغصن ابتدأت تأليف كتاب في خصائص الأئمة (عليهالسلام ) يشتمل على محاسن أخبارهم و جواهر كلامهم حداني عليه غرض ذكرته في صدر الكتاب، و جعلته أمام الكلام و فرغت من الخصائص التي تخص أمير المؤمنين عليا (عليهالسلام ) و عاقت عن إتمام بقية الكتاب محاجزات الأيام و مماطلات الزمان، و كنت قد بوبت ما خرج من ذلك أبوابا، و فصلته فصولا، فجاء في آخرها فصل يتضمن محاسن ما نقل عنه (عليهالسلام ) من الكلام القصير في المواعظ و الحكم و الأمثال و الآداب دون الخطب الطويلة و الكتب المبسوطة، فاستحسن جماعة من الأصدقاء ما اشتمل عليه الفصل المقدم ذكره معجبين ببدائعه و متعجبين من نواصعه، و سألوني عند ذلك أن أبدأ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) في جميع فنونه و متشعبات غصونه من خطب و كتب و مواعظ و أدب، علما أن ذلك يتضمن من عجائب البلاغة، و غرائب الفصاحة و جواهر العربية، و ثواقب الكلم الدينية و الدنياوية ما لا يوجد مجتمعا في كلام و لا مجموع الأطراف
في كتاب إذ كان أمير المؤمنين (عليهالسلام ) مشرع الفصاحة و موردها، و منشأ البلاغة و مولدها و منه (عليهالسلام ) ظهر مكنونها، و عنه أخذت قوانينها و على أمثلته حذا كل قائل خطيب و بكلامه استعان كل واعظ بليغ، و مع ذلك فقد سبق و قصروا و تقدم و تأخروا؛ لأن كلامه (عليهالسلام ) الكلام الذي عليه مسحة من العلم الإلهي، و فيه عبقة من الكلام النبوي عنفوان السن أولها و محاجزات الأيام ممانعاتها و مماطلات الزمان مدافعاته و قوله معجبين، ثم قال: و متعجبين فمعجبين من قولك أعجب فلان برأيه و بنفسه فهو معجب بهما و الاسم العجب بالضم، و لا يكون ذلك إلا في المستحسن و متعجبين من قولك تعجبت من كذا، و الاسم العجب و قد يكون في الشيء يستحسن و يستقبح و يتهول منه و يستغرب و مراده هنا التهول و الاستغراب و من ذلك قول أبي تمام
أبدت أسى إذ رأتني مخلس القصب |
و آل ما كان من عجب إلى عجب(1) |
يريد أنها كانت معجبة به أيام الشبيبة لحسنه فلما شاب انقلب ذلك العجب عجبا إما استقباحا له أو تهولا منه و استغرابا، و في بعض الروايات معجبين ببدائعه، أي: أنهم يعجبون غيرهم و النواصع الخالصة و ثواقب الكلم مضيئاتها، و منه الشهاب الثاقب و حذا كل قائل اقتفى و اتبع و قوله مسحة يقولون على فلان مسحة من جمال مثل قولك شيء، و كأنه هاهنا يريد ضوءا و صقالا و قوله عبقة، أي: رائحة
____________________
(1) ديوانه 1: 115، مطلع قصيدة يمدح فيها الحسن بن سهل. المخلس، من قولهم: أخلس رأسه إذا صار فيه بياض وسواد. والقصب: جمع قصبة، وهي خصلة من الشعر تجعل كهيئة القصبة الدقيقة. " من شرح الديوان ".
و لو قال عوض العلم الإلهي الكتاب الإلهي لكان أحسن قال الرضيرحمهالله فأجبتهم إلى الابتداء بذلك عالما بما فيه من عظيم النفع، و منشور الذكر، و مذخور الأجر، و اعتمدت به أن أبين من عظيم قدر أميرالمؤمنين (عليهالسلام ) في هذه الفضيلة مضافة إلى المحاسن الدثرة و الفضائل الجمة، و أنه انفرد ببلوغ غايتها عن جميع السلف الأولين الذين إنما يؤثر عنهم منها القليل النادر و الشاذ الشارد، فأما كلامه (عليهالسلام ) فهو البحر الذي لا يساجل، و الجم الذي لا يحافل، و أردت أن يسوغ لي التمثل في الافتخار به (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) بقول الفرزدق:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم |
إذا جمعتنا يا جرير المجامع |
المحاسن الدثرة الكثيرة مال دثر أي كثير و الجمة مثله و يؤثر عنهم أي يحكى و ينقل قلته آثرا أي حاكيا و لا يساجل، أي: لا يكاثر أصله من النزع بالسجل و هو الدلو المليء(1) ، قال:
من يساجلني يساجل ماجدا |
يملأ الدلو إلى عقد الكرب(2) |
و يروى و يساحل بالحاء من ساحل البحر، و هو طرفه أي: لا يشابه في بعد ساحله و لا يحافل، أي: لا يفاخر بالكثرة أصله من الحفل، و هو الامتلاء و المحافلة المفاخرة بالامتلاء ضرع حافل أي ممتلئ.
____________________
(1) الذلو تذكر وتؤنث.
(2) للفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب، اللسان 13: 346، ونقل عن ابن بري: " أصل المساجلة، أن يستقي ساقيان فيخرج كل واحد منهما في سجله مثل ما يخرج الآخر، فأيهما نكل فقد غلب، فضربته العرب أصلا للمفاخرة ".
و الفرزدق همام بن غالب بن صعصعة التميمي و من هذه الأبيات(1) :
و منا الذي اختير الرجال سماحة |
و جودا إذا هب الرياح الزعازع(2) |
|
و منا الذي أحيا الوئيد و غالب |
و عمرو و منا حاجب و الأقارع(3) |
|
و منا الذي قاد الجياد على الوجا(4) |
بنجران حتى صبحته الترائع |
|
و منا الذي أعطى الرسول عطية |
أسارى تميم و العيون هوامع |
الترائع الكرام من الخيل يعني غزاة الأقرع بن حابس قبل الإسلام بني تغلب بنجران، و هو الذي أعطاه الرسول يوم حنين أسارى تميم.
و منا غداة الروع فرسان غارة |
إذا منعت بعد الزجاج الأشاجع(5) |
|
و منا خطيب لا يعاب و حامل |
أغر إذا التفت عليه المجامع(6) |
أي: إذا مدت الأصابع بعد الزجاج إتماما لها؛ لأنها رماح قصيرة و حامل أي حامل للديات
____________________
(1) من نقيضته لقصيدة جرير التي أولها:
ذكرت وصال البيض والشيب شائع |
ودار الصبا من عهدهن بلاقع |
وهما في النقائض 685 - 705 " طبع أوروبا "، ويختلف ترتيب القصيدة هنا عن ترتيبها هناك.
(2) رواية النقائض: " منا الذي اختير "، بحذف الواو، وهو ما يسمى بالخرم، فتحذف الفاء من " فعولن "، في أول البيت من القصيدة. وانظر خبر غالب بن صعصعة، أبو الفرزدق مع عمير بن قيس الشيباني وطلبة بن قيس بن عاصم المنقري في الأغاني 19: 5 " طبعة الساسي ".
(3) الذي أحيا الوئيد، هو جده صعصعة بن ناجية بن عقال، وغالب أبوه، وعمرو بن عمرو بن عدس، والأقارع: الأقرع، وفراس ابنا حابس بن عقال، وانظر أخبار هؤلاء جميعا في شرح النقائض.
(4) الوجا: الحفا.
(5) منعت، يريد ارتفعت بالسيوف بعد الطعان بالرماح. والأشاجع: عصب طاهر الكف. وفي الديوان " فتيان غارة ".
(6) قوله: " خطيب " نعني شبه بن عقال بن صعصعة. والحامل، يعني عبد الله بن حكيم بن نافد، من بني حوي بن سفيان بن مشاجع، الذي حمل الحملات يوم المربد حين قتل مسعود بن عمرو العتكي، وكان يقال له القرين. والأغر من الرجال: المعروف كما يعرف الفرس بغرته في الخيل، يقول: فهو معروف في الكرم والجود. " من شرح النقائض ".
أولئك آبائي فجئني بمثلهم |
إذا جمعتنا يا جرير المجامع |
|
بهم أعتلي ما حملتنيه دارم(1) |
و أصرع أقراني الذين أصارع |
|
أخذنا بآفاق السماء عليكم |
لنا قمراها و النجوم الطوالع(2) |
|
فوا عجبا حتى كليب تسبني |
كأن أباها نهشل أو مجاشع |
قال الرضيرحمهالله و رأيت كلامه (عليهالسلام ) يدور على أقطاب ثلاثة: أولها: الخطب و الأوامر، و ثانيها: الكتب و الرسائل، و ثالثها: الحكم و المواعظ فأجمعت بتوفيق الله سبحانه على الابتداء باختيار محاسن الخطب، ثم محاسن الكتب ثم محاسن الحكم و الأدب مفردا لكل صنف من ذلك بابا و مفصلا فيه أوراقا، ليكون مقدمة لاستدراك ما عساه يشذ عني عاجلا و يقع إلي آجلا، و إذا جاء شيء من كلامه الخارج في أثناء حوار أو جواب سؤال أو غرض آخر من الأغراض في غير الأنحاء التي ذكرتها، و قررت القاعدة عليها نسبته إلى أليق الأبواب به، و أشدها ملامحة لغرضه، و ربما جاء فيما أختاره من ذلك فصول غير متسقة و محاسن كلم غير منتظمة؛ لأني أورد النكت و اللمع و لا أقصد التتالي و النسق قوله أجمعت على الابتداء، أي: عزمت، و قال القطب الراوندي تقديره أجمعت عازما على الابتداء قال؛ لأنه لا يقال إلا أجمعت الأمر و لا يقال أجمعت على الأمر قال سبحانه( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ ) (3) .
____________________
(1) النقائض: ما حملتني مجاشع ".
(2) قمراها: الشمس والقمر، فغلب المذكر مع حاجته إلى إقامة البيت.
(3) سورة يونس 71.
هذا الذي ذكره الراوندي خلاف نص أهل اللغة قالوا أجمعت الأمر و على الأمر كله جائز نص صاحب الصحاح(1) على ذلك. و المحاسن جمع حسن على غير قياس كما قالوا الملامح و المذاكر(2) ؛و مثله المقابح، و الحوار بكسر الحاء مصدر حاورته، أي: خاطبته و الأنحاء الوجوه و المقاصد و أشدها ملامحة لغرضه، أي: أشدها إبصارا له و نظرا إليه من لمحت الشيء و هذه استعارة، يقال هذا الكلام يلمح الكلام الفلاني، أي: يشابهه كان ذلك الكلام يلمح و يبصر من هذا الكلام قال الرضي (رحمهالله ) : و من عجائبه (عليهالسلام ) التي انفرد بها و أمن المشاركة فيها أن كلامه الوارد في الزهد و المواعظ و التذكير و الزواجر إذا تأمله المتأمل و فكر فيه المفكر(3) و خلع من قلبه، أنه كلام مثله ممن عظم قدره و نفذ أمره، و أحاط بالرقاب ملكه لم يعترضه الشك في أنه كلام من لا حظ له في غير الزهادة و لا شغل له بغير العبادة، قد قبع في كسر بيت أو انقطع إلى(4) سفح جبل لا يسمع إلا حسه و لا يرى إلا نفسه، و لا يكاد يوقن بأنه كلام من ينغمس في الحرب مصلتا سيفه فيقط الرقاب و يجدل الأبطال و يعود به ينطف دما و يقطر مهجا، و هو مع تلك الحال زاهد الزهاد و بدل الأبدال، و هذه من فضائله العجيبة و خصائصه اللطيفة التي جمع بها بين الأضداد و ألف بين الأشتات، و كثيرا ما أذاكر الإخوان بها و أستخرج عجبهم منها و هي موضع العبرة بها(5) و الكفرة فيها
____________________
(1) الصحاح 3: 1198.
(2) ب: " المذاكير "، وما أثبته عن أ.
(3) ب: " المتفكر "، وما أثبته عن أ.
(4) مخطوطة النهج: " في سفح ".
(5) كلمة " بها " ساقطة من ب، وهي في أ.
قبع القنفذ يقبع قبوعا إذا أدخل رأسه في جلده، و كذلك الرجل إذا أدخل رأسه في قميصه و كل من انزوى في جحر أو مكان ضيق فقد قبع و كسر البيت جانب الخباء، و سفح الجبل أسفله و أصله حيث يسفح فيه الماء و يقط الرقاب يقطعها عرضا لا طولا، كما قاله الراوندي و إنما ذاك القد قددته طولا و قططته عرضا، قال ابن فارس صاحب المجمل، قال ابن عائشة: كانت ضربات علي (عليهالسلام ) في الحرب أبكارا إن اعتلى قد و إن اعترض قط و يجدل الأبطال يلقيهم على الجدالة، و هي وجه الأرض و ينطف دما يقطر و الأبدال قوم صالحون لا تخلو الأرض منهم إذا مات أحدهم أبدل الله مكانه آخر قد ورد ذلك في كثير من كتب الحديث. كان أمير المؤمنين (عليهالسلام ) ذا أخلاق متضادة فمنها ما قد(1) ذكره الرضي (رحمهالله )، و هو موضع التعجب؛ لأن الغالب على أهل الشجاعة و الإقدام و المغامرة و الجرأة أن يكونوا ذوي قلوب قاسية و فتك و تمرد و جبرية، و الغالب على أهل الزهد و رفض الدنيا و هجران ملاذها و الاشتغال بمواعظ الناس و تخويفهم المعاد، و تذكيرهم الموت أن يكونوا ذوي رقة و لين و ضعف قلب، و خور طبع و هاتان حالتان متضادتان و قد اجتمعتا له (عليهالسلام ). و منها أن الغالب على ذوي الشجاعة و إراقة الدماء أن يكونوا ذوي أخلاق سبعية و طباع حوشية و غرائز وحشية، و كذلك الغالب على أهل الزهادة و أرباب الوعظ و التذكير و رفض الدنيا أن يكونوا ذوي انقباض في الأخلاق و عبوس في الوجوه و نفار من الناس
____________________
(1) كلمة " قد " ساقطة من ب.
و استيحاش و أمير المؤمنين (عليهالسلام ) كان أشجع الناس و أعظمهم إراقة للدم، و أزهد الناس و أبعدهم عن ملاذ الدنيا، و أكثرهم وعظا و تذكيرا بأيام الله و مثلاته، و أشدهم اجتهادا في العبادة و آدابا لنفسه في المعاملة، و كان مع ذلك ألطف العالم أخلاقا و أسفرهم وجها و أكثرهم بشرا، و أوفاهم هشاشة و أبعدهم عن انقباض موحش أو خلق نافر أو تجهم مباعد، أو غلظة و فظاظة تنفر معهما نفس أو يتكدر معهما قلب حتى عيب بالدعابة، و لما لم يجدوا فيه مغمزا و لا مطعنا تعلقوا بها و اعتمدوا في التنفير عنه عليها، و تلك شكاة ظاهر عنك عارها(1) ، و هذا من عجائبه و غرائبه اللطيفة. و منها أن الغالب على شرفاء الناس، و من هو من أهل بيت السيادة و الرئاسة أن يكون ذا كبر و تيه و تعظم و تغطرس خصوصا إذا أضيف إلى شرفه من جهة النسب شرفه من جهات أخرى، و كان أمير المؤمنين (عليهالسلام ) في مصاص الشرف و معدنه و معانيه لا يشك عدو و لا صديق، أنه أشرف خلق الله نسبا بعد ابن عمه (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، و قد حصل له من الشرف غير شرف النسب جهات كثيرة متعددة قد ذكرنا بعضها، و مع ذلك فكان أشد الناس تواضعا لصغير و كبير، و ألينهم عريكة، و أسمحهم خلقا و أبعدهم عن الكبر، و أعرفهم بحق، و كانت حاله هذه في كلا زمانيه زمان خلافته
____________________
(1) " الشكاة توضع موضع العيب والذم، وعير الرجل عبد الله بن الزبير بأمه، فقال ابن الزبير: * وتلك شكاة طاهر عنك عارها * أراد أن تعبيره إياه بأن أمه كانت ذات النطاقين ليس بعار. ومعنى قوله: " طاهر عنك عارها "، أي ناب، أراد أن هذا ليس عارا يلزق به، وأنه يفخر بذلك، لأنها إنما سميت ذات النطاقين، لأنه كان لها نطاقان تحمل في أحدهما الزاد إلى أبيها وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، وكانت تنتطق بالنطاق الآخر، وهي أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها ". اللسان: " 19: 171 "، وديوان الهذليين (1: 21)، وهذا العجز لأبي ذؤيب الهذلي، وصدره: * وعيرها الواشون أني أحبها *
و الزمان الذي قبله لم تغيره الإمرة و لا أحالت خلقه الرئاسة، و كيف تحيل الرئاسة خلقه و ما زال رئيسا و كيف تغير الإمرة سجيته و ما برح أميرا لم يستفد بالخلافة شرفا و لا اكتسب بها زينة، بل هو كما قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل ذكر ذلك الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي في تاريخه المعروف بالمنتظم، تذاكروا عند أحمد خلافة أبي بكر و علي، و قالوا: فأكثروا فرفع رأسه إليهم، و قال: قد أكثرتم أن عليا لم تزنه الخلافة، و لكنه زانها، و هذا الكلام دال بفحواه و مفهومه على أن غيره ازدان بالخلافة، و تممت نقصه و أن عليا (عليهالسلام ) لم يكن فيه نقص يحتاج إلى أن يتمم بالخلافة، و كانت الخلافة ذات نقص في نفسها، فتم نقصها بولايته إياها. و منها أن الغالب على ذوي الشجاعة و قتل الأنفس، و إراقة الدماء، أن يكونوا قليلي الصفح بعيدي العفو؛ لأن أكبادهم واغرة و قلوبهم ملتهبة و القوة الغضبية عندهم شديدة، و قد علمت حال أمير المؤمنين (عليهالسلام ) في كثرة إراقة الدم، و ما عنده من الحلم و الصفح و مغالبة هوى النفس، و قد رأيت فعله يوم الجمل و لقد أحسن مهيار في قوله(1) :
حتى إذا دارت رحى بغيهم |
عليهم و سبق السيف العذل |
|
عاذوا بعفو ماجد معود |
للعفو حمال لهم على العلل |
|
فنجت البقيا عليهم من نجا |
و أكل الحديد منهم من أكل |
|
أطت بهم أرحامهم فلم يطع |
ثائرة الغيظ و لم يشف الغلل |
و منها أنا ما رأينا شجاعا جوادا قط، كان عبد الله بن الزبير شجاعا و كان أبخل الناس، و كان الزبير أبوه شجاعا و كان شحيحا قال له عمر: لو وليتها لظلت تلاطم الناس
____________________
(1) من قصيدة في ديوانه 3: 901 - 611 يذكر فيها مناقب الإمام علي وما منى به من أعدائه.
في البطحاء على الصاع و المد، و أراد علي (عليهالسلام ) أن يحجر على عبد الله بن جعفر لتبذيره المال، فاحتال لنفسه، فشارك الزبير في أمواله و تجاراته فقال: (عليهالسلام ) أما إنه قد لاذ بملاذ و لم يحجر عليه و كان طلحة شجاعا و كان شحيحا أمسك عن الإنفاق حتى خلف من الأموال ما لا يأتي عليه الحصر، و كان عبد الملك شجاعا و كان شحيحا يضرب به المثل في الشح، و سمي رشح الحجر لبخله، و قد علمت حال أمير المؤمنين (عليهالسلام ) في الشجاعة و السخاء كيف هي، و هذا من أعاجيبه أيضا (عليهالسلام ). قال الرضي (رحمهالله ) : و ربما جاء(1) في أثناء هذا الاختيار اللفظ المردد و المعنى المكرر و العذر في ذلك أن روايات كلامه تختلف اختلافا شديدا، فربما اتفق الكلام المختار في رواية، فنقل على وجهه، ثم وجد بعد ذلك في رواية أخرى موضوعا غير وضعه الأول، إما بزيادة مختارة أو بلفظ أحسن عبارة، فتقتضى الحال أن يعاد استظهارا للاختيار و غيره على عقائل الكلام، و ربما بعد العهد أيضا بما اختير أولا فأعيد بعضه سهوا و نسيانا لا قصدا أو اعتمادا و لا أدعي مع ذلك أنني أحيط بأقطار جميع كلامه (عليهالسلام )، حتى لا يشذ عني منه شاذ، و لا يند ناد بل لا أبعد أن يكون القاصر عني فوق الواقع إلي و الحاصل في ربقتي دون الخارج من يدي، و ما علي إلا بذل الجهد و بلاغة الوسع و على الله سبحانه نهج السبيل و إرشاد الدليل. و رأيت من بعد تسمية هذا الكتاب بنهج البلاغة إذ كان يفتح للناظر فيه أبوابها، و يقرب عليه طلابها و فيه حاجة العالم و المتعلم و بغية البليغ و الزاهد، و يمضي في أثنائه من عجيب الكلام في التوحيد و العدل و تنزيه الله سبحانه و تعالى عن شبه الخلق، ما هو بلال كل غلة و شفاء كل علة و جلاء كل شبهة، و من الله أستمد التوفيق و العصمة، و أتنجز التسديد و المعونة، و أستعيذه من خطإ الجنان قبل خطإ
____________________
(1) ب: "كان".
اللسان، و من زلة الكلم قبل زلة القدم، و هو حسبي و نعم الوكيل في أثناء هذا الاختيار تضاعيفه واحدها ثني كعذق و أعذاق و الغيرة بالفتح و الكسر خطأ و عقائل الكلام كرائمه، و عقيلة الحي كريمته، و كذلك عقيلة الذود و الأقطار الجوانب واحدها قطر و الناد المنفرد ند البعير يند الربقة عروة الحبل يجعل فيها رأس البهيمة، و قوله و على الله نهج السبيل، أي: إبانته و إيضاحه نهجت له نهجا، و أما اسم الكتاب فنهج البلاغة، و النهج هنا ليس بمصدر، بل هو اسم للطريق الواضح نفسه، و الطلاب بكسر الطاء الطلب و البغية ما يبتغى و بلال كل غلة بكسر الباء ما يبل به الصدى، و منه قوله انضحوا الرحم ببلالها، أي صلوها بصلتها و ندوها(1) ، قال أوس:
كأني حلوت الشعر حين مدحته |
صفا صخرة صماء يبس بلالها(2) |
و إنما استعاذ من خطإ الجنان قبل خطإ اللسان؛ لأن خطأ الجنان أعظم و أفحش من خطإ اللسان، ألا ترى أن اعتقاد الكفر بالقلب أعظم عقابا من أن يكفر الإنسان بلسانه، و هو غير معتقد للكفر بقلبه، و إنما استعاذ من زلة الكلم قبل زلة القدم؛ لأنه أراد زلة القدم الحقيقية و لا ريب أن زلة القدم أهون و أسهل؛ لأن العاثر يستقيل من عثرته و ذا الزلة تجده ينهض من صرعته، و أما الزلة باللسان فقد لا تستقال عثرتها و لا ينهض صريعها، و طالما كانت لا شوى(3) لها قال أبو تمام:
يا زلة ما وقيتم شر مصرعها |
و زلة الرأي تنسى زلة القدم(4) |
____________________
(1) اللسان –بلل، وفى الطبعة الأولى "أنضجوا"، تحريف.
(2) يهجو الحكم بن مروان بن زنباع، اللسان 31: 76، 81: 012 وحلا الرجل الشئ يحلوه، أعطاه إياه، أي جعل الشعر حلوانا له مثل العطاء.
(3) لا شوى لها، أي لا برء لها، قال الكميت: أجيبوا رقي الآسي النطاسي واحذروا * مطفئة الرصيف التي لا شوى لها
(4) ديوانه 3: 491، وروايته: " يا عثرة ما وقيتم ".
قال الرضي (رحمهالله ) : باب المختار من خطب أمير المؤمنين (عليهالسلام ) و أوامره و يدخل في ذلك المختار من كلامه الجاري مجرى الخطب في المقامات المحضورة، و المواقف المذكورة، و الخطوب الواردة المقامات جمع مقامة، و قد تكون المقامة المجلس و النادي الذي يجتمع إليه الناس، و قد يكون اسما للجماعة و الأول أليق هاهنا بقوله المحضورة، أي: التي قد حضرها الناس. و منذ الآن نبتدئ بشرح كلام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) و نجعل ترجمة الفصل الذي نروم شرحه الأصل فإذا أنهيناه قلنا الشرح فذكرنا ما عندنا فيه و بالله التوفيق
1. فمن خطبة له (عليهالسلام ) يذكر فيها ابتداء خلق السماء و الأرض و خلق آدم
(اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ اَلْقَائِلُونَ وَ لاَ يُحْصِي نَعْمَاءَهُ اَلْعَادُّونَ وَ لاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ اَلْمُجْتَهِدُونَ [ اَلْجَاهِدُونَ ] اَلَّذِي لاَ يُدْرِكُهُ بُعْدُ اَلْهِمَمِ وَ لاَ يَنَالُهُ غَوْصُ اَلْفِطَنِ اَلَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ وَ لاَ نَعْتٌ مَوْجُودٌ وَ لاَ وَقْتٌ مَعْدُودٌ وَ لاَ أَجْلٌ مَمْدُودٌ فَطَرَ اَلْخَلاَئِقَ بِقُدْرَتِهِ وَ نَشَرَ اَلرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ وَ وَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ)
الذي عليه أكثر الأدباء و المتكلمين أن الحمد و المدح أخوان لا فرق بينهما، تقول حمدت زيدا على إنعامه، و مدحته على إنعامه، و حمدته على شجاعته، و مدحته على شجاعته، فهما سواء يدخلان فيما كان من فعل الإنسان و فيما ليس من فعله، كما ذكرناه من المثالين، فأما الشكر فأخص من المدح؛ لأنه لا يكون إلا على النعمة خاصة و لا يكون إلا صادرا من منعم عليه فلا يجوز عندهم أن يقال شكر زيد عمرا لنعمة أنعمها عمرو على إنسان غير زيد. إن قيل الاستعمال خلاف ذلك؛ لأنهم يقولون حضرنا عند فلان فوجدناه يشكر الأمير على معروفه عند زيد. قيل: ذلك إنما يصح إذا كان إنعام الأمير على زيد أوجب سرور فلان، فيكون شكر إنعام الأمير على زيد شكرا على السرور الداخل على قلبه بالإنعام على زيد، و تكون لفظة زيد التي استعيرت ظاهرا لاستناد الشكر إلى مسماها كناية لا حقيقة و يكون ذلك الشكر شكرا باعتبار السرور المذكور و مدحا باعتبار آخر، و هو المناداة على ذلك الجميل و الثناء الواقع بجنسه. ثم إن هؤلاء المتكلمين الذين حكينا قولهم يزعمون أن الحمد و المدح و الشكر لا يكون إلا باللسان مع انطواء القلب على الثناء و التعظيم، فإن استعمل شيء من ذلك في الأفعال بالجوارح كان مجازا و بقي البحث عن اشتراطهم مطابقة القلب للسان، فإن الاستعمال لا يساعدهم؛ لأن أهل الاصطلاح يقولون لمن مدح غيره أو شكره رياء و سمعة إنه قد مدحه و شكره و إن كان منافقا عندهم، و نظير هذا الموضع الإيمان فإن أكثر المتكلمين لا يطلقونه على مجرد النطق اللساني، بل يشترطون فيه الاعتقاد القلبي، فأما
أن يقصروا به عليه كما هو مذهب الأشعرية(1) و الإمامية(2) ،أو تؤخذ معه أمور أخرى، و هي فعل الواجب و تجنب القبيح كما هو مذهب المعتزلة(3) ،و لا يخالف جمهور المتكلمين في هذه المسألة إلا الكرامية(4) ، فإن المنافق عندهم يسمى مؤمنا، و نظروا إلى مجرد الظاهر، فجعلوا النطق اللساني وحده إيمانا. و المدحة هيئة المدح كالركبة هيئة الركوب و الجلسة هيئة الجلوس(5) ؛ و المعنى مطروق جدا، و منه في الكتاب العزيز كثير، كقوله تعالى:( وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللَّهِ لا تُحْصُوها ) (6) و في الأثر النبوي لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، و قال الكتاب(7) من ذلك ما يطول ذكره فمن جيد ذلك قول بعضهم، الحمد لله على نعمه التي منها إقدارنا على الاجتهاد في حمدها، و إن عجزنا عن إحصائها و عدها، و قالت الخنساء بنت عمرو بن الشريد:
فما بلغت كف امرئ متناول |
بها المجد إلا و الذي نلت أطول(8) |
____________________
(1) الأشعرية هم أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، المنتسب إلى أبي موسى الأشعري، وهي جماعة الصفاتية، الذين يثبتون لله تعالى الصفات الأزلية، كالعلم والقدرة والحياة وغيرها. وانظر الكلام عليهم في الملل والنحل للشهرستاني 1: 85 - 94.
(2) الامامية هم القائلون بإمامة علي رضي الله عنه بعد النبي عليه السلام، وهم فرق متعددة ذكرهم الشهرستاني في الملل والنحل 1: 144 - 154.
(3) المعتزلة ويسمون أصحاب العدل والتوحيد، انظر أيضا الكلام عليهم، وتعداد فرقهم في المصدر السابق 1: 49 - 78.
(4) الكرامية هم أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام، عدهم الشهرستاني من جماعة الصفاتية، لأنهم كانوا ممن يثبتون الصفات، إلا أنهم انتهوا فيها إلى التجسيم والتشبيه، الملل والنحل 1: 99 - 104.
(5) أ: " كالركبة والجلسة هيئة الركوب والجلوس ".
(6) سورة إبراهيم 34، النحل 18.
(7) ب: " في الكتاب "، وكلمة " في " مقحمة.
(8) ديوانها 184، والرواية هناك
فما بلغت كف امرئ متناول |
بها المجد إلا حيث ما نلت أطول |
|
وما بلغ المهدون في القول مدحة |
ولا صفة إلا الذي فيك أفضل |
و لا حبر المثنون في القول مدحة |
و إن أطنبوا إلا و ما فيك أفضل |
و من مستحسن ما وقفت عليه من تعظيم البارئ عز جلاله بلفظ(1) الحمد قول بعض الفضلاء في خطبة أرجوزة علمية:
الحمد لله بقدر الله |
لا قدر وسع العبد ذي التناهي |
|
و الحمد لله الذي برهانه |
أن ليس شأن ليس فيه شانه |
|
و الحمد لله الذي من ينكره |
فإنما ينكر من يصوره |
و أما قوله الذي لا يدركه، فيريد أن همم النظار و أصحاب الفكر و إن علت و بعدت، فإنها لا تدركه تعالى و لا تحيط به و هذا حق؛ لأن كل متصور فلا بد أن يكون محسوسا أو متخيلا أو موجودا من فطرة النفس و الاستقراء، يشهد بذلك مثال المحسوس السواد و الحموضة، مثال المتخيل إنسان يطير أو بحر من دم، مثال الموجود من فطرة النفس تصور الألم و اللذة، و لما كان البارئ سبحانه خارجا عن هذا أجمع(2) لم يكن متصورا. فأما قوله الذي ليس لصفته حد محدود، فإنه يعني بصفته هاهنا كنهه و حقيقته. يقول: ليس لكنهه حد فيعرف بذلك الحد قياسا على الأشياء المحدودة؛ لأنه ليس بمركب و كل محدود مركب. ثم قال و لا نعت موجود، أي: و لا يدرك(3) بالرسم كما تدرك الأشياء برسومها، و هو أن تعرف بلازم من لوازمها و صفة من صفاتها، ثم قال و لا وقت معدود و لا أجل ممدود فيه إشارة إلى الرد على من قال إنا
____________________
(1) أ: " بلفظة ".
(2) ب: " جميعا ".
(3) ب: " لا يدرك "، من غير واو.
نعلم كنه البارئ سبحانه لا في هذه الدنيا بل في الآخرة، فإن القائلين برؤيته في الآخرة يقولون إنا نعرف حينئذ كنهه فهو (عليهالسلام ) رد قولهم، و قال إنه لا وقت أبدا على الإطلاق تعرف فيه حقيقته و كنهه لا الآن و لا بعد الآن، و هو الحق، لأنا لو رأيناه في الآخرة و عرفنا كنهه لتشخص تشخصا يمنع من حمله على كثيرين، و لا يتصور أن يتشخص هذا التشخص إلا ما يشار إلى جهته و لا جهة له سبحانه و قد شرحت هذا الموضع في كتابي المعروف بزيادات النقضين(1) ، و بينت أن الرؤية المنزهة عن الكيفية التي يزعمها أصحاب الأشعري لا بد فيها من إثبات الجهة و أنها لا تجري مجرى العلم؛ لأن العلم لا يشخص المعلوم و الرؤية تشخص المرئي و التشخيص لا يمكن إلا مع كون المتشخص ذا جهة. و اعلم أن نفي الإحاطة مذكور في الكتاب العزيز في مواضع منها قوله تعالى:( وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) (2) و منها قوله( يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ اَلْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ ) (3) و قال بعض الصحابة العجز عن درك الإدارك إدراك، و قد غلا محمد بن هانئ، فقال في ممدوحه المعز أبي تميم معد بن المنصور العلوي:
أتبعته فكري حتى إذا بلغت |
غاياتها بين تصويب و تصعيد(4) |
|
رأيت موضع برهان يلوح و ما |
رأيت موضع تكييف و تحديد(5) |
و هذا مدح يليق بالخالق تعالى و لا يليق بالمخلوق. فأما قوله: فطر الخلائق إلى آخر الفصل، فهو تقسيم مشتق من الكتاب العزيز، فقوله: فطر الخلائق بقدرته من قوله تعالى:( قالَ رَبُّ اَلسَّماواتِ
____________________
(1) كذا في ب، وفي أ: " زيادات التقصير "، ولم أعثر على ذكر له في كتب التراجم والفهارس.
(2) سورة طه 110.
(3) سورة الملك 4.
(4) ديوانه 210.
(5) الديوان: " برهان يبين "
وَ اَلْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا ) (1) ، و قوله: و نشر الرياح برحمته من قوله( يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته ) (2) . و قوله: و وتد بالصخور ميدان أرضه من قوله:( وَ اَلْجِبالَ أَوْتاداً ) (1) و الميدان التحرك و التموج. فأما القطب الراونديرحمهالله فإنه قال إنه (عليهالسلام ) أخبر عن نفسه بأول هذا الفصل أنه يحمد الله و ذلك من ظاهر كلامه، ثم أمر غيره من فحوى كلامه أن يحمد الله و أخبر (عليهالسلام ) أنه ثابت على ذلك مدة حياته و أنه يجب على المكلفين ثبوتهم عليه ما بقوا، و لو قال أحمد الله لم يعلم منه جميع ذلك، ثم قال و الحمد أعم من الشكر و الله أخص من الإله قال. فأما قوله: الذي لا يبلغ مدحته القائلون، فإنه أظهر العجز عن القيام بواجب مدائحه فكيف بمحامده، و المعنى أن الحمد كل الحمد ثابت للمعبود الذي حقت العبادة له في الأزل، و استحقها حين خلق الخلق و أنعم بأصول النعم التي يستحق بها العبادة. و لقائل أن يقول: إنه ليس في فحوى كلامه أنه أمر غيره أن يحمد الله و ليس يفهم من قول بعض رعية الملك لغيره منهم العظمة و الجلال لهذا الملك أنه قد أمرهم بتعظيمه و إجلاله، و لا أيضا في الكلام ما يدل على أنه ثابت على ذلك مدة حياته، و أنه يجب على المكلفين ثبوتهم عليه ما بقوا. و لا أعلم كيف قد وقع ذلك للراوندي فإن زعم أن العقل يقتضي ذلك فحق و لكن
____________________
(1) سورة الشعراء 24.
(2) سورة الأعراف 57، وهي قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو (الجامع لأحكام القرآن 299:7).
(3) سورة النبأ 7.
ليس مستفادا من الكلام و هو أنه(1) قال إن ذلك موجود في الكلام. فأما قوله: لو كان قال أحمد الله لم يعلم منه جميع ذلك، فإنه لا فرق في انتفاء دلالة أحمد الله على ذلك و دلالة الحمد لله، و هما سواء في أنهما لا يدلان على شيء من أحوال غير القائل فضلا عن دلالتهما على ثبوت ذلك و دوامه في حق غير القائل. و أما قوله الله أخص من الإله، فإن أراد في أصل اللغة فلا فرق بل الله هو الإله، و فخم بعد حذف الهمزة هذا قول كافة البصريين، و إن أراد أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون على الأصنام لفظة الإلهة و لا يسمونها الله فحق و ذلك عائد إلى عرفهم و اصطلاحهم لا إلى أصل(2) اللغة و الاشتقاق، ألا ترى أن الدابة في العرف لا تطلق على القملة و إن كانت في أصل اللغة دابة. فأما قوله: قد أظهر العجز عن القيام بواجب مدائحه فكيف بمحامده، فكلام يقتضي أن المدح غير الحمد، و نحن لا نعرف فرقا بينهما، و أيضا فإن الكلام لا يقتضي العجز عن القيام بالواجب لا من الممادح و لا من المحامد و لا فيه تعرض لذكر الوجوب، و إنما نفى أن يبلغ القائلون مدحته لم يقل غير ذلك. و أما قوله الذي حقت العبادة له في الأزل و استحقها حين خلق الخلق و أنعم بأصول النعم، فكلام ظاهره متناقض؛ لأنه إذا كان إنما استحقها حين خلق الخلق، فكيف يقال إنه استحقها في الأزل، و هل يكون في الأزل مخلوق ليستحق عليه العبادة. و اعلم أن المتكلمين لا يطلقون على البارئ سبحانه أنه معبود في الأزل أو مستحق للعبادة في الأزل إلا بالقوة لا بالفعل(3) ؛ لأنه ليس في الأزل مكلف يعبده تعالى و لا أنعم على أحد في الأزل بنعمة يستحق بها العبادة حتى أنهم قالوا في الأثر الوارد يا قديم
____________________
(1) ب: " وهو إنما ".
(2) ساقطة من ب.
(3) أ: " ولا بالفعل ".
الإحسان إن معناه أن إحسانه متقادم العهد لا أنه قديم حقيقة كما جاء في الكتاب العزيز:( حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ اَلْقَدِيمِ ) (1) أي الذي قد توالت عليه الأزمنة المتطاولة. ثم(2) قال الراوندي: و الحمد و المدح يكونان بالقول و بالفعل و الألف و اللام في القائلون لتعريف الجنس كمثلهما في الحمد و البلوغ المشارفة يقال: بلغت المكان إذا أشرفت عليه و إذا لم تشرف على حمده تعالى بالقول فكيف توصل إليه بالفعل و الإله مصدر بمعنى المألوه. و لقائل أن يقول الذي سمعناه أن التعظيم يكون بالقول و الفعل و بترك القول و الفعل. قالوا فمن قال لغيره، يا عالم فقد عظمه و من قام لغيره فقد عظمه، و من ترك مد رجله بحضرة غيره فقد عظمه، و من كف غرب لسانه عن غيره فقد عظمه، و كذلك الاستخفاف و الإهانة تكون بالقول و الفعل و بتركهما حسب ما قدمنا ذكره في التعظيم. فأما الحمد و المدح فلا وجه لكونهما بالفعل، و أما قوله إن اللام في القائلون لتعريف الجنس كما أنها في الحمد كذلك فعجيب؛ لأنها للاستغراق في القائلون لا شبهة في ذلك كالمؤمنين و المشركين و لا يتم المعنى إلا به؛ لأنه للمبالغة بل الحق المحض أنه لا يبلغ مدحته كل القائلين بأسرهم، و جعل اللام للجنس ينقص عن هذا المعنى إن أراد بالجنس المعهود، و إن أراد الجنسية العامة فلا نزاع بيننا و بينه، إلا أن قوله كما أنها في الحمد كذلك يمنع من أن يحمل كلامه على المحمل الصحيح؛ لأنها ليست في الحمد للاستغراق يبين ذلك أنها لو كانت للاستغراق لما جاز أن يحمد رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و لا غيره من الناس و هذا باطل.
____________________
(1) سورة يس 39.
(2) كلمة " ثم " ساقطة من أ.
و أيضا فإنها لفظ واحد مفرد معرف بلام الجنس و الأصل في مثل ذلك أن يفيد الجنسية المطلقة و لا يفيد الاستغراق فإن جاء منه شيء للاستغراق كقوله:( إِنَّ اَلْإِنْسانَ لَفِي خُسر ) (1) و أهلك الناس الدرهم و الدينار فمجاز و الحقيقة ما ذكرناه، فأما قوله البلوغ المشارفة، يقال: بلغت المكان إذا أشرفت عليه فالأجود أن يقول قالوا بلغت المكان إذا شارفته و بين قولنا شارفته و أشرفت عليه فرق. و أما قوله و إذا لم يشرف على حمده بالقول فكيف يوصل إليه بالفعل فكلام مبني على أن الحمد قد يكون بالفعل و هو خلاف ما يقوله أرباب هذه الصناعة. و قوله و الإله مصدر بمعنى المألوه كلام طريف أما أولا فإنه ليس بمصدر بل هو اسم كوجار للضبع و سرار للشهر(2) ، و هو اسم جنس كالرجل و الفرس يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بالحق كالنجم اسم لكل كوكب، ثم غلب على الثريا و السنة اسم لكل عام، ثم غلب على عام القحط و أظنه (رحمهالله ) لما رآه فعالا ظن أنه اسم مصدر كالحصاد و الجذاذ و غيرهما، و أما ثانيا فلأن المألوه صيغة مفعول و ليست صيغة مصدر إلا في ألفاظ نادرة، كقولهم: ليس له معقول و لا مجلود و لم يسمع مألوه في اللغة؛ لأنه قد جاء أله الرجل إذا دهش و تحير و هو فعل لازم لا يبنى منه مفعول. ثم قال الراوندي و في قول الله تعالى:( وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللَّهِ لا تُحْصُوها ) بلفظ الإفراد و قول أمير المؤمنين (عليهالسلام ) لا يحصي نعماءه العادون بلفظ الجمع سر عجيب؛ لأنه تعالى أراد أن نعمة واحدة من نعمه لا يمكن العباد عد وجوه كونها نعمة و أراد أمير المؤمنين (عليهالسلام ) أن أصول نعمه لا تحصى لكثرتها فكيف تعد
____________________
(1) سورة العصر 1.
(2) السرار: بالفتح والكسر: آخر ليلة من الشهر
وجوه فروع نعمائه و كذلك في كون الآية واردة بلفظة إن الشرطية، و كلام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) على صيغة الخبر تحته لطيفة عجيبة؛ لأنه سبحانه يريد أنكم إن أردتم أن تعدوا نعمه لم تقدروا على حصرها، و علي (عليهالسلام ) أخبر أنه قد أنعم النظر فعلم أن أحدا لا يمكنه حصر نعمه تعالى. و لقائل أن يقول الصحيح أن المفهوم من قوله: (وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللَّهِ) الجنس كما يقول القائل أنا لا أجحد إحسانك إلى و امتنانك علي، و لا يقصد بذلك إحسانا واحدا بل جنس الإحسان. و ما ذكره من الفرق بين كلام البارئ و كلام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) غير بين، فإنه لو قال تعالى: و إن تعدوا نعم الله، و قال: (عليهالسلام ) و لا يحصي نعمته العادون، لكان كل واحد منهما سادا مسد الآخر. أما اللطيفة الثانية فغير ظاهرة أيضا و لا مليحة؛ لأنه لو انعكس الأمر فكان القرآن بصيغة الخبر و كلام علي (عليهالسلام ) بصيغة الشرط لكان مناسبا أيضا حسب مناسبته، و الحال بعكس ذلك اللهم إلا أن تكون قرينة السجعة من كلام علي (عليهالسلام ) تنبو عن لفظة الشرط، و إلا فمتى حذفت القرينة السجعية عن وهمك لم تجد فرقا، و نحن نعوذ بالله من التعسف و التعجرف(1) الداعي إلى ارتكاب هذه الدعاوي المنكرة. ثم قال الراوندي: إنه لو قال أمير المؤمنين (عليهالسلام ) الذي لا يعد نعمه الحاسبون، لم تحصل المبالغة التي أرادها بعبارته؛ لأن اشتقاق الحساب من الحسبان، و هو الظن قال: و أما اشتقاق العدد فمن العد و هو الماء الذي له مادة و الإحصاء الإطاقة أحصيته، أي أطقته فتقدير الكلام لا يطيق عد نعمائه العادون و معنى ذلك
____________________
(1) التعجرف:ركوب الأمر من غير ترو.
أن مدائحه تعالى لا يشرف على ذكرها الأنبياء و المرسلون؛ لأنها أكثر من أن تعدها الملائكة المقربون و الكرام الكاتبون. و لقائل أن يقول أما الحساب فليس مشتقا من الحسبان بمعنى الظن كما توهمه، بل هو أصل برأسه ألا ترى أن أحدهما حسبت أحسب و الآخر حسبت أحسب و أحسب بالفتح و الضم، و هو من الألفاظ الأربعة التي جاءت شاذة، و أيضا فإن حسبت بمعنى ظننت يتعدى إلى مفعولين لا يجوز الاقتصار على أحدهما، و حسبت من العدد يتعدى إلى مفعول واحد، ثم يقال له و هب أن الحاسبين لو قالها مشتقة من الظن لم تحصل المبالغة بل المبالغة كادت تكون أكثر؛ لأن النعم التي لا يحصرها الظان بظنونه أكثر من النعم التي لا يعدها العالم بعلومه، و أما قوله العدد مشتق من العد و هو الماء الذي له مادة فليس كذلك، بل هما أصلان و أيضا لو كان أحدهما مشتقا من الآخر لوجب أن يكون العد مشتقا من العدد؛ لأن المصادر هي الأصول التي يقع الاشتقاق منها سواء أ كان المشتق فعلا أو اسما(1) ، ألا تراهم قالوا في كتب الاشتقاق أن الضرب الرجل الخفيف مشتق من الضرب، أي السير(2) في الأرض للابتغاء، قال الله تعالى:( لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي اَلْأَرْضِ ) (3) ، فجعل الاسم منقولا و مشتقا من المصدر. و أما الإحصاء فهو الحصر و العد و ليس هو الإطاقة كما ذكر، لا يقال أحصيت الحجر، أي أطقت حمله. و أما ما قال إنه معنى الكلمة فطريف؛ لأنه (عليهالسلام ) لم يذكر الأنبياء و لا
____________________
(1) كذا عطف بأو بعد الهمزة التسوية، قال ابن هشام: وقد أولع الفقهاء وغيرهم بأن يقولوا: سواء أكان كذا أو كذا، والصواب العطف بأم. المعنى 39:1.
(2) كلاا فى ج.
(3) سورة البقرة 273.
الملائكة لا مطابقة و لا تضمنا و لا التزاما، و أي حاجة إلى هذا التقدير الطريف الذي لا يشعر الكلام به و مراده (عليهالسلام ) و هو أن نعمه جلت لكثرتها أن يحصيها عاد ما هو نفي لمطلق العادين من غير تعرض لعاد مخصوص. قال الراوندي: فأما قوله لا يدركه بعد الهمم، فالإدراك هو الرؤية و النيل و الإصابة، و معنى الكلام الحمد لله الذي ليس بجسم و لا عرض إذ لو كان أحدهما لرآه الراءون إذا أصابوه و إنما خص بعد الهمم بإسناد نفي الإدراك، و غوص الفطن بإسناد نفي النيل لغرض صحيح، و ذلك أن الثنوية(1) يقولون بقدم النور و الظلمة و يثبتون النور جهة العلو و الظلمة جهة السفل و يقولون إن العالم ممتزج منهما فرد (عليهالسلام ) عليهم بما معناه أن النور و الظلمة جسمان و الأجسام محدثة و البارئ تعالى قديم. و لقائل أن يقول إنه لم يجر للرؤية ذكر في الكلام؛ لأنه (عليهالسلام ) لم يقل الذي لا تدركه العيون و لا الحواس، و إنما قال لا يدركه بعد الهمم، و هذا يدل على أنه إنما أراد أن العقول لا تحيط بكنهه و حقيقته. و أيضا فلو سلمنا أنه إنما نفى الرؤية لكان لمحاج أن يحاجه فيقول له: هب أن الأمر كما تزعم، ألست تريد بيان الأمر الذي لأجله خصص بعد الهمم بنفي الإدراك و خصص غوص الفطن بنفي النيل، و قلت إنما قسم هذا التقسيم لغرض صحيح و ما رأيناك أوضحت هذا الغرض و إنما حكيت مذهب الثنوية و ليس يدل مذهبهم على وجوب تخصيص بعد الهمم بنفي الإدراك دون نفي النيل، و لا يوجب تخصيص غوص الفطن
____________________
(1) الثنوية: هم أصحاب الاثنين الأزليين، يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان. الشهرستاني 1: 224
بنفي النيل دون نفي الإدراك، و أكثر ما في حكاية مذهبهم أنهم يزعمون أن إلهي العالم النور و الظلمة و هما جسمان، و أمير المؤمنين (عليهالسلام ) يقول: لو كان صانع العالم جسما لرئي و حيث لم ير لم يكن جسما، أي شيء في هذا مما يدل على وجوب ذلك التقسيم و التخصيص الذي زعمت أنه إنما خصصه و قسمه لغرض صحيح. ثم(1) قال الراوندي: و يجوز أن يقال البعد و الغوص مصدران هاهنا بمعنى الفاعل كقولهم فلأن عدل أي عادل و قوله تعالى:( إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً ) (2) ، أي غائرا فيكون المعنى لا يدركه العالم البعيد الهمم فكيف الجاهل و يكون المقصد بذلك الرد على من قال: إن محمدا (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) رأى ربه ليلة الإسراء، و إن يونس (عليهالسلام ) رأى ربه ليلة هبوطه إلى قعر البحر. و لقائل أن يقول أن المصدر الذي جاء بمعنى الفاعل ألفاظ معدودة لا يجوز القياس عليها، و لو جاز لما كان المصدر هاهنا بمعنى الفاعل؛ لأنه مصدر مضاف و المصدر المضاف لا يكون بمعنى الفاعل، و لو جاز أن يكون المصدر المضاف بمعنى الفاعل لم يجز أن يحمل كلامه (عليهالسلام ) على الرد على من أثبت أن البارئ سبحانه مرئي؛ لأنه ليس في الكلام نفي الرؤية أصلا و إنما غرض الكلام نفي معقوليته سبحانه و أن الأفكار و الأنظار لا تحيط بكنهه و لا تتعقل خصوصية ذاته جلت عظمته. ثم قال الراوندي: فأما قوله الذي ليس لصفته حد محدود و لا نعت موجود و لا وقت معدود و لا أجل ممدود، فالوقت تحرك الفلك و دورانه على وجه و الأجل:
____________________
(1) كلمة " ثم " ساقطة من ا.
(2) سورة الملك 30.
مدة الشيء و معنى الكلام أن شكري لله تعالى متجدد عند تجدد كل ساعة، و لهذا أبدل هذه الجملة من الجملة التي قبلها، و هي الثانية كما أبدل الثانية من الأولى. و لقائل أن يقول الوقت عند أهل النظر مقدار حركة الفلك لا نفس حركته و الأجل ليس مطلق الوقت ألا تراهم يقولون جئتك وقت العصر و لا يقولون أجل العصر، و الأجل عندهم هو الوقت الذي يعلم الله تعالى أن حياة الحيوان تبطل فيه، مأخوذ من أجل الدين، و هو الوقت الذي يحل قضاؤه فيه. فأما قوله: و معنى الكلام أن شكري متجدد لله تعالى في كل وقت ففاسد و لا ذكر في هذه الألفاظ للشكر و لا أعلم من أين خطر هذا للراوندي و ظنه أن هذه الجمل من باب البدل غلط؛ لأنها صفات كل واحدة منها صفة بعد أخرى كما تقول مررت بزيد العالم الظريف الشاعر(1) . قال الراوندي: فأما قوله الذي ليس لصفته حد فظاهره إثبات الصفة له سبحانه و أصحابنا لا يثبتون لله سبحانه صفة كما يثبتها الأشعرية، لكنهم يجعلونه على حال أو يجعلونه متميزا بذاته، فأمير المؤمنين (عليهالسلام ) بظاهر كلامه و إن أثبت له صفة إلا أن من له أنس بكلام العرب يعلم أنه ليس بإثبات على الحقيقة، و قد سألني سائل فقال هاهنا كلمتان إحداهما كفر و الأخرى ليست بكفر، و هما لله تعالى شريك غير بصير ليس شريك الله تعالى بصيرا فأيهما كلمة الكفر؟ فقلت له: القضية الثانية، و هي ليس شريك الله تعالى بصيرا كفر؛ لأنها تتضمن إثبات الشريك، و أما الكلمة الأخرى فيكون معناها لله شريك غير بصير بهمزة الاستفهام المقدرة المحذوفة.
____________________
(1) من نسخة ج:" الفاضل".
ثم أخذ في كلام طويل يبحث فيه عن الصفة و المعنى، و يبطل مذهب الأشعرية بما يقوله المتكلمون من أصحابنا و أخذ في توحيد الصفة لم جاء و كيف يدل نفي الصفة الواحدة على نفي مطلق الصفات، و انتقل من ذلك إلى الكلام في الصفة الخامسة التي أثبتها أبو هاشم(1) ، ثم خرج إلى مذهب أبي الحسين(2) ، و أطال جدا فيما لا حاجة إليه(3) . و لقائل أن يقول الأمر أسهل مما تظن، فإنا قد بينا أن مراده نفي الإحاطة بكنهه و أيضا يمكن أن يجعل الصفة هاهنا قول الواصف، فيكون المعنى لا ينتهي الواصف إلى حد إلا و هو قاصر عن النعت لجلالته و عظمته جلت قدرته. فأما القضيتان اللتان سأله السائل عنهما فالصواب غير ما أجاب به فيهما، و هو أن القضية الأولى كفر؛ لأنها صريحة في إثبات الشريك و الثانية لا تقتضي ذلك؛ لأنه قد ينفي قول الشريك بصيرا على أحد وجهين إما؛ لأن هناك شريكا لكنه غير بصير أو؛ لأن الشريك غير موجود و إذا لم يكن موجودا لم يكن بصيرا فإذا كان هذا الاعتبار الثاني مرادا لم يكن كفرا و صار كالأثر المنقول كان مجلس رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) لا تؤثر هفواته، أي لم يكن فيه هفوات فتؤثر و تحكى و ليس أنه كان المراد في مجلسه هفوات إلا أنها لم تؤثر. قال الراوندي: فإن قيل تركيب هذه الجملة يدل على أنه تعالى فطر الخليقة قبل خلق السموات و الأرض.
____________________
(1) هو أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي الجبائي، وانظر ص 9 من هذا الجزء.
(2) هو أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري، وانظر ص 9 من هذا الجزء.
(3) ب: " فيه ".
(4 - 4 (ب: " وليس المراد أنه قد كانت ".
قلنا قد اختلف في ذلك فقيل: أول ما يحسن منه تعالى خلقه ذاتا حية يخلق فيها شهوة لمدرك تدركه فتلتذ به، و لهذا قيل تقديم خلق الجماد على خلق الحيوان عبث و قبيح، و قيل لا مانع من تقديم خلق الجماد إذا علم أن علم بعض المكلفين فيما بعد بخلقه قبله لطف له و لقائل أن يقول أما إلى حيث انتهى به الشرح، فليس في الكلام تركيب يدل على أنه تعالى فطر خلقه قبل خلق السموات و الأرض، و إنما قد يوهم تأمل كلامه (عليهالسلام ) فيما بعد شيئا من ذلك لما قال، ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء على أنا إذا تأملنا لم نجد في كلامه (عليهالسلام ) ما يدل على تقديم خلق الحيوان؛ لأنه قبل أن يذكر خلق السماء لم يذكر إلا أنه فطر الخلائق، و تارة قال أنشأ الخلق و دل كلامه أيضا على أنه نشر الرياح، و أنه خلق الأرض و هي مضطربة فأرساها بالجبال كل هذا يدل عليه كلامه، و هو مقدم في كلامه على فتق الهواء و الفضاء و خلق السماء، فأما تقديم خلق الحيوان أو تأخيره فلم يتعرض كلامه (عليهالسلام ) له فلا معنى لجواب الراوندي، و ذكره ما يذكره المتكلمون من أنه هل يحسن تقديم خلق الجماد على الحيوان أم لا: (أَوَّلُ اَلدِّينِ مَعْرِفَتُهُ وَ كَمَالُ مَعْرِفَتِهِ اَلتَّصْدِيقُ بِهِ وَ كَمَالُ اَلتَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ وَ كَمَالُ تَوْحِيدِهِ اَلْإِخْلاَصُ لَهُ وَ كَمَالُ اَلْإِخْلاَصِ لَهُ نَفْيُ اَلصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ اَلْمَوْصُوفِ وَ شَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ اَلصِّفَةِ فَمَنْ وَصَفَ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ وَ مَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ وَ مَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ وَ مَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ
وَ مَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ وَ مَنْ قَالَ فِيمَ فَقَدْ ضَمَّنَهُ وَ مَنْ قَالَ عَلاَمَ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ) إنما قال (عليهالسلام ) أول الدين معرفته؛ لأن التقليد باطل، و أول الواجبات الدينية المعرفة، و يمكن أن يقول قائل ألستم تقولون في علم الكلام أول الواجبات النظر في طريق معرفة الله تعالى، و تارة تقولون القصد إلى النظر فهل يمكن الجمع بين هذا و بين كلامه (عليهالسلام )؟ و جوابه أن النظر و القصد إلى النظر إنما وجبا بالعرض لا بالذات؛ لأنهما وصله إلى المعرفة و المعرفة هي المقصود بالوجوب، و أمير المؤمنين (عليهالسلام ) أراد أول واجب مقصود بذاته من الدين معرفة البارئ سبحانه، فلا تناقض بين كلامه و بين آراء المتكلمين. و أما قوله و كمال معرفته التصديق به، فلأن معرفته قد تكون ناقصة و قد تكون غير ناقصة، فالمعرفة الناقصة هي المعرفة بان للعالم صانعا غير العالم، و ذلك باعتبار أن الممكن لا بد له من مؤثر، فمن علم هذا فقط علم الله تعالى و لكن علما ناقصا، و أما المعرفة التي ليست ناقصة فأن تعلم أن ذلك المؤثر خارج عن سلسلة الممكنات و الخارج عن كل الممكنات ليس بممكن، و ما ليس بممكن فهو واجب الوجود، فمن علم أن للعالم مؤثرا واجب الوجود فقد عرفه عرفانا أكمل من عرفان أن للعالم مؤثرا فقط، و هذا الأمر الزائد هو المكني عنه بالتصديق به؛ لأن أخص ما يمتاز به البارئ عن مخلوقاته هو وجوب الوجود.
و أما(1) قوله (عليهالسلام ) : و كمال التصديق به توحيده، فلأن من علم أنه تعالى واجب الوجود مصدق بالبارئ سبحانه، لكن ذلك التصديق قد يكون ناقصا و قد يكون غير ناقص، فالتصديق الناقص أن يقتصر على أن يعلم أنه واجب الوجود فقط. و التصديق الذي هو أكمل من ذلك و أتم هو العلم بتوحيده سبحانه باعتبار أن وجوب الوجود لا يمكن أن يكون لذاتين؛ لأن فرض واجبي الوجود يفضي إلى عموم وجوب الوجود لهما و امتياز كل واحد منهما بأمر غير الوجوب المشترك، و ذلك يفضي إلى تركيبهما و إخراجهما عن كونهما واجبي الوجود فمن علم البارئ سبحانه واحدا، أي: لا واجب الوجود إلا هو يكون أكمل تصديقا ممن لم يعلم ذلك، و إنما اقتصر على أن صانع العالم واجب الوجود فقط. و أما قوله: و كمال توحيده الإخلاص له، فالمراد بالإخلاص له هاهنا هو نفي الجسمية و العرضية و لوازمهما عنه؛ لأن الجسم مركب و كل مركب ممكن و واجب الوجود ليس بممكن و أيضا فكل عرض مفتقر، و واجب الوجود غير مفتقر، فواجب الوجود ليس بعرض. و أيضا فكل جرم محدث و واجب الوجود ليس بمحدث،(2) فواجب الوجود ليس بجرم و لا عرض فلا يكون حاصلا في جهة، فمن عرف وحدانية البارئ و لم يعرف هذه الأمور كان توحيده ناقصا، و من عرف هذه الأمور بعد العلم بوحدانيته تعالى فهو المخلص في عرفانه جل اسمه و معرفته تكون أتم و أكمل. و أما قوله: و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، فهو تصريح بالتوحيد الذي تذهب إليه المعتزلة، و هو نفي المعاني القديمة(3) التي تثبتها الأشعرية و غيرهم قال: (عليهالسلام )
____________________
(1) ب: " فأما ".
(2) ب: " وواجب ".
(3) إ: " التقدمية ".
لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف و شهادة كل موصوف أنه غير الصفة، و هذا هو دليل المعتزلة بعينه قالوا لو كان عالما بمعنى قديم لكان ذلك المعنى إما هو أو غيره أو ليس هو و لا غيره و الأول باطل؛ لأنا نعقل ذاته قبل أن نعقل أو نتصور له علما و المتصور مغاير لما ليس بمتصور و الثالث باطل أيضا؛ لأن إثبات شيئين أحدهما ليس هو الآخر و لا غيره معلوم فساده ببديهة العقل فتعين القسم الثاني و هو محال، أما أولا فبإجماع أهل الملة، و أما ثانيا فلما سبق من أن وجوب الوجود لا يجوز أن يكون لشيئين فإذا عرفت هذا فاعرف أن الإخلاص له تعالى قد يكون ناقصا، و قد لا يكون فالإخلاص الناقص هو العلم بوجوب وجوده و أنه واحد ليس بجسم و لا عرض و لا(1) يصح عليه ما يصح على الأجسام و الأعراض و الإخلاص التام هو العلم بأنه لا تقوم به المعاني القديمة مضافا إلى تلك العلوم السابقة، و حينئذ تتم المعرفة و تكمل. ثم أكد أمير المؤمنين (عليهالسلام ) هذه الإشارات الإلهية بقوله فمن وصف الله سبحانه، فقد قرنه و هذا حق؛ لأن الموصوف يقارن الصفة و الصفة تقارنه. قال و من قرنه فقد ثناه و هذا حق لأنه قد أثبت قديمين و ذلك محض التثنية. قال و من ثناه فقد جزأه و هذا حق لأنه إذا أطلق لفظة الله تعالى على الذات و العلم القديم فقد جعل مسمى هذا اللفظ و فائدته متجزئة كإطلاق لفظ الأسود على الذات التي حلها سواد. قال و من جزأه فقد جهله و هذا حق؛ لأن الجهل هو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به. قال: و من أشار إليه فقد حده و هذا حق؛ لأن كل مشار إليه فهو محدود
____________________
(1) ب: " فلا يصح ".
؛ لأن المشار إليه لا بد أن يكون في جهة مخصوصة و كل ما هو في جهة فله حد و حدود أي أقطار و أطراف. قال: و من حده فقد عده، أي: جعله من الأشياء المحدثة و هذا حق؛ لأن كل محدود معدود في الذوات المحدثة. قال: و من قال فيم فقد ضمنه و هذا حق؛ لأن من تصور أنه في شيء فقد جعله إما جسما مستترا في مكان أو عرضا ساريا في محل و المكان متضمن للتمكن، و المحل متضمن للعرض. قال و من قال علام فقد أخلى منه و هذا حق؛ لأن من تصور أنه تعالى على العرش أو على الكرسي فقد أخلى منه غير ذلك الموضع و أصحاب تلك المقالة يمتنعون من ذلك و مراده (عليهالسلام ) إظهار تناقض أقوالهم، و إلا فلو قالوا(1) : هب أنا قد أخلينا منه غير ذلك الموضع، أي: محذور يلزمنا فإذا قيل لهم لو خلا منه موضع دون موضع لكان جسما و لزم حدوثه قالوا لزوم الحدوث و الجسمية إنما هو من حصوله في الجهة لا من خلو بعض الجهات عنه، و أنتم إنما احتججتم علينا بمجرد خلو بعض الجهات منه فظهر أن توجيه الكلام عليهم إنما هو إلزام لهم لا استدلال على فساد قولهم، فأما القطب الراوندي فإنه قال في معنى قوله نفي الصفات عنه، أي: صفات المخلوقين قال؛ لأنه تعالى عالم قادر و له بذلك صفات فكيف يجوز أن يقال لا صفة له. و أيضا فإنه (عليهالسلام ) قد أثبت لله تعالى صفة أولا حيث قال الذي ليس لصفته حد محدود، فوجب أن يحمل كلامه على ما يتنزه عن المناقضة.
____________________
(1) ب: " قال ".
و أيضا فإنه قد قال فيما بعد في صفة الملائكة أنهم لا يصفون الله تعالى بصفات المصنوعين فوجب أن يحمل قوله الآن و كمال توحيده نفي الصفات عنه على صفات المخلوقين حملا للمطلق على المقيد. و لقائل أن يقول لو أراد نفي صفات المخلوقين عنه لم يستدل على ذلك بدليل الغيرية، و هو قوله لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف؛ لأن هذا الاستدلال لا ينطبق على دعوى أنه غير موصوف بصفات المخلوقين، بل كان ينبغي أن يستدل بان صفات المخلوقين من لوازم الجسمية و العرضية، و البارئ ليس بجسم و لا عرض، و نحن قد بينا أن مراده (عليهالسلام ) إبطال القول بالمعاني القديمة، و هي المسماة بالصفات في الاصطلاح القديم(1) ، و لهذا يسمى أصحاب المعاني بالصفاتية، فأما كونه قادرا و عالما فأصحابها أصحاب الأحوال و قد بينا أن مراده (عليهالسلام ) بقوله ليس لصفته حد محدود، أي: لكنهه و حقيقته، و أما كون الملائكة لا تصف البارئ بصفات المصنوعين فلا يقتضي أن يحمل كل موضوع فيه ذكر الصفات على صفات المصنوعين لأجل تقييد ذلك في ذكر الملائكة و أين هذا من باب حمل المطلق على المقيد، لا سيما و قد ثبت أن التعليل و الاستدلال يقضي ألا يكون المراد صفات المخلوقين. و قد تكلف الراوندي لتطبيق تعليله (عليهالسلام ) نفي الصفات عنه بقوله لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف بكلام عجيب، و أنا أحكي ألفاظه لتعلم قال معنى هذا التعليل أن الفعل في الشاهد لا يشابه الفاعل و الفاعل غير الفعل؛ لأن ما يوصف به الغير إنما هو الفعل أو معنى الفعل كالضارب و الفهم، فإن الفهم و الضرب كلاهما فعل و الموصوف بهما فاعل، و الدليل لا يختلف شاهدا و غائبا، فإذا كان تعالى قديما و هذه الأجسام محدثة كانت معدومة، ثم وجدت يدل على أنها غير الموصوف بأنه خالقها و مدبرها.
____________________
(1) ساقطة من ج.
انقضى كلامه و حكايته تغني عن الرد عليه. ثم قال الأول على وزن أفعل يستوي فيه المذكر و المؤنث إذا لم يكن فيه الألف و اللام، فإذا كانا فيه قيل للمؤنث الأولى. و هذا غير صحيح؛ لأنه يقال كلمت فضلاهن و ليس فيه(1) ألف و لام و كان ينبغي أن يقول إذا كان منكرا مصحوبا بمن استوى المذكر و المؤنث في لفظ أفعل تقول زيد أفضل من عمرو و هند أحسن من دعد: (كَائِنٌ لاَ عَنْ حَدَثٍ مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَمٍ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لاَ بِمُقَارَنَةٍ وَ غَيْرُ كُلِّ شَيْءٍ لاَ بِمُزَايَلَةٍ فَاعِلٌ لاَ بِمَعْنَى اَلْحَرَكَاتِ وَ اَلآْلَةِ بَصِيرٌ إِذْ لاَ مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ مُتَوَحِّدٌ إِذْ لاَ سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ وَ لاَ يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ أَنْشَأَ اَلْخَلْقَ إِنْشَاءً وَ اِبْتَدَأَهُ اِبْتِدَاءً بِلاَ رَوِيَّةٍ أَجَالَهَا وَ لاَ تَجْرِبَةٍ اِسْتَفَادَهَا وَ لاَ حَرَكَةٍ أَحْدَثَهَا وَ لاَ هَمَامَةِ نَفْسٍ اِضْطَرَبَ فِيهَا أَحَالَ اَلْأَشْيَاءَ لِأَوْقَاتِهَا وَ لاَءَمَ لَأَمَ بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا وَ غَرَّزَ غَرَائِزَهَا وَ أَلْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا عَالِماً بِهَا قَبْلَ اِبْتِدَائِهَا مُحِيطاً بِحُدُودِهَا وَ اِنْتِهَائِهَا عَارِفاً بِقَرَائِنِهَا وَ أَحْنَائِهَا [ أَجْنَائِهَا ]) قوله (عليهالسلام ) كائن و إن كان في الاصطلاح العرفي مقولا على ما ينزه البارئ عنه، فمراده(2) به المفهوم اللغوي و هو اسم فاعل من كان بمعنى وجد كأنه قال موجود غير محدث.
____________________
(1) ب: " فيهن ".
(2) ا: " فمراد ".
فان قيل فقد قال بعده موجود لا عن عدم فلا يبقى بين الكلمتين فرق. قيل بينهما فرق و مراده بالموجود لا عن عدم هاهنا وجوب وجوده و نفي إمكانه؛ لأن من أثبت قديما ممكنا فإنه و إن نفى حدوثه الزماني فلم ينف حدوثه الذاتي و أمير المؤمنين (عليهالسلام ) نفى عن البارئ تعالى في الكلمة الأولى الحدوث الزماني و نفى عنه في الكلمة الثاني الذاتي، و قولنا في الممكن أنه موجود من عدم صحيح عند التأمل لا بمعنى أن عدمه سابق له زمانا بل سابق لوجوده ذاتا؛ لأن الممكن يستحق من ذاته أنه لا يستحق الوجود من ذاته. و أما قوله: مع كل شيء لا بمقارنة فمراده بذلك أنه يعلم الجزئيات و الكليات كما قال سبحانه:( ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ ) (1) . و أما قوله(2) و غير كل شيء لا بمزايلة فحق؛ لأن الغيرين في الشاهد هما ما زايل أحدهما الآخر، و باينه بمكان أو زمان، و البارئ سبحانه يباين الموجودات مباينة منزهة عن المكان و الزمان، فصدق عليه أنه غير كل شيء لا بمزايلة. و أما قوله فاعل لا بمعنى الحركات و الآلة فحق؛ لأن فعله اختراع و الحكماء يقولون إبداع و معنى الكلمتين واحد، و هو أنه يفعل لا بالحركة و الآلة كما يفعل الواحد منا و لا يوجد شيئا من شيء. و أما قوله بصير إذ لا منظور إليه من خلقه فهو حقيقة مذهب أبي هاشمرحمهالله و أصحابه؛ لأنهم يطلقون عليه في الأزل أنه سميع بصير و ليس هناك مسموع و لا مبصر و معنى ذلك كونه بحال يصح منه إدراك المسموعات و المبصرات إذا وجدت
____________________
(1) سورة المجادلة 7.
(2) أ: " فأما ".
و ذلك يرجع إلى كونه حيا لا آفة به و لا يطلقون عليه أنه سامع مبصر في الأزل؛ لأن السامع المبصر هو المدرك بالفعل لا بالقوة. و أما قوله متوحد إذ لا سكن يستأنس به و يستوحش لفقده فإذ هاهنا ظرف، و معنى الكلام أن العادة و العرف إطلاق متوحد على من قد كان له من يستأنس بقربه و يستوحش ببعده فانفرد عنه، و البارئ سبحانه يطلق عليه أنه متوحد في الأزل و لا موجود سواه و إذا صدق سلب الموجودات كلها في الأزل صدق سلب ما يؤنس أو يوحش، فتوحده سبحانه بخلاف توحد غيره. و أما قوله (عليهالسلام ) أنشأ الخلق إنشاء و ابتدأه ابتداء فكلمتان مترادفتان على طريقة الفصحاء و البلغاء، كقوله سبحانه:( لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَ لا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ ) (1) و قوله:( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً ) (2) . و قوله بلا روية أجالها فالروية الفكرة و أجالها رددها و من رواه أحالها بالحاء أراد صرفها، و قوله: و لا تجربة استفادها، أي: لم يكن قد خلق من قبل أجساما فحصلت له التجربة التي أعانته على خلق هذه الأجسام. و قوله: و لا حركة أحدثها فيه رد على الكرامية الذين يقولون: إنه إذا أراد أن يخلق شيئا مباينا عنه أحدث في ذاته حادثا يسمى الأحداث، فوقع ذلك الشيء المباين عن ذلك المعنى المتجدد المسمى أحداثا. و قوله: و لا همامة نفس اضطرب فيها فيه رد على المجوس، و الثنوية القائلين بالهمامة و لهم فيها خبط طويل يذكره أصحاب المقالات، و هذا يدل على صحة ما يقال إن أمير المؤمنين (عليهالسلام ) كان يعرف آراء المتقدمين و المتأخرين و يعلم العلوم كلها و ليس ذلك ببعيد من فضائله و مناقبه (عليهالسلام ).
____________________
(1) سورة فاطر 35.
(2) سورة المائدة 48.
و أما قوله: (أحال الأشياء لأوقاتها)، فمن رواها أحل الأشياء لأوقاتها، فمعناه جعل محل كل شيء و وقته كمحل الدين، و من رواها أحال فهو من قولك حال في متن فرسه، أي وثب و أحاله غيره أي أوثبه على متن الفرس عداه بالهمزة، و كأنه لما أقر الأشياء في أحيانها و أوقاتها صار كمن أحال غيره على فرسه. و قوله: (و لائم بين مختلفاتها)، أي: جعل المختلفات ملتئمات(1) كما قرن النفس الروحانية بالجسد الترابي جلت عظمته، و قوله: (و غرز غرائزها) المروي بالتشديد، و الغريزة الطبيعة و جمعها غرائز، و قوله: (غرزها) أي جعلها غرائز كما قيل سبحان من ضوأ الأضواء، و يجوز أن يكون من غرزت الإبرة بمعنى غرست، و قد رأيناه في بعض النسخ بالتخفيف. و قوله: (و ألزمها أشباحها)، الضمير المنصوب في ألزمها عائد إلى الغرائز، أي: ألزم الغرائز أشباحها، أي: أشخاصها جمع شبح و هذا حق؛ لأن كلا مطبوع على غريزة لازمة فالشجاع لا يكون جبانا و البخيل لا يكون جوادا، و كذلك كل الغرائز لازمة لا تنتقل. و قوله: (عالما بها قبل ابتدائها)، إشارة إلى أنه عالم بالأشياء فيما لم يزل، و قوله: (محيطا بحدودها و انتهائها)، أي بأطرافها و نهاياتها. و قوله: (عارفا بقرائنها و أحنائها)، القرائن جمع قرونة(2) و هي النفس و الأحناء الجوانب جمع حنو، يقول: إنه سبحانه عارف بنفوس هذه الغرائز التي ألزمها أشباحها، عارف بجهاتها و سائر أحوالها المتعلقة بها و الصادرة عنها.
____________________
(1) ب: " ملتئمة "، وما أثبته عن ا.
(2) ومنه قول أوس بن حجر:
فلاقي امرأ من ميدعان وأسمحت |
قرونته باليأس منها فعجلا |
أي طابت نفسه بتركها.
فأما القطب الراوندي، فإنه قال: معنى قوله (عليهالسلام ) : (كائن لا عن حدث موجود لا عن عدم، أنه لم يزل موجودا و لا يزال موجودا فهو باق أبدا كما كان موجودا أولا)، و هذا ليس بجيد؛ لأن اللفظ لا يدل على ذلك و لا فيه تعرض بالبقاء فيما لا يزال. و قال: أيضا قوله: (عليهالسلام ) لا يستوحش كلام مستأنف و لقائل أن يقول كيف يكون كلاما مستأنفا و الهاء في فقده ترجع إلى السكن المذكور أولا. و قال أيضا: (يقال ما له في الأمر همة و لا همامة) أي لا يهم به و الهمامة التردد كالعزم و لقائل أن يقول العزم هو إرادة جازمة حصلت بعد التردد فبطل قوله أن الهمامة هي نفس التردد كالعزم، و أيضا فقد بينا مراده (عليهالسلام ) بالهمامة، حكى زرقان(1) في كتاب المقالات و أبو عيسى الوراق(2) و الحسن بن موسى(3) ، و ذكره شيخنا أبو القاسم البلخي(4) في كتابه في المقالات أيضا عن الثنوية أن النور الأعظم اضطربت عزائمه و إرادته في غزو الظلمة و الإغارة عليها، فخرجت من ذاته قطعة و هي الهمامة المضطربة في نفسه فخالطت الظلمة غازية لها فاقتطعتها الظلمة عن النور الأعظم و حالت بينها و بينه، و خرجت همامة الظلمة غازية للنور الأعظم فاقتطعها النور الأعظم عن الظلمة و مزجها بأجزائه و امتزجت همامة النور بأجزاء الظلمة أيضا، ثم ما زالت الهمامتان تتقاربان
____________________
(1) هو زرقان المتكلم، تلميذ إبراهيم بن سيار النظام، وقد حكى زرقان عن النظام أقوالا في الفرق 50 - 51، وذكره المسعودي في التنبيه والاشراف 342.
(2) هو أبو عيسى محمد بن هارون الوراق، كان من نظاري المعتزلة، وله تصانيف على مذهبهم. توفي سنة 247. لسان الميزان 5: 412.
(3) هو أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي، من متكلمي الإمامية، وذكره الطوسي في طبقاتهم، عاش في القرن الثالث. لسان الميزان 2: 258، روضات الجنات 13، تنقيح المقال 1: 312.
(4) هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي الكعبي، شيخ المعتزلة، وكان على رأس طائفة منهم يقال لهم الكعبية، توفي سنة 319. ابن خلكان 1: 252.
و تتدانيان، و هما ممتزجتان بأجزاء هذا و هذا حتى انبنى منهما هذا العالم المحسوس و لهم في الهمامة كلام مشهور و هي لفظة اصطلحوا عليها، و اللغة العربية ما عرفنا فيها استعمال الهمامة بمعنى الهمة، و الذي عرفناه الهمة بالكسر و الفتح و المهمة و تقول لا همام لي بهذا الأمر مبني على الكسر كقطام و لكنها لفظة اصطلاحية مشهورة عند أهلها: (ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ اَلْأَجْوَاءِ وَ شَقَّ اَلْأَرْجَاءِ وَ سَكَائِكَ اَلْهَوَاءِ فَأَجْرَى(1) [ أَجَازَ ] فِيهَا مَاءً مُتَلاَطِماً تَيَّارُهُ مُتَرَاكِماً زَخَّارُهُ حَمَلَهُ عَلَى مَتْنِ اَلرِّيحِ اَلْعَاصِفَةِ وَ اَلزَّعْزَعِ اَلْقَاصِفَةِ فَأَمَرَهَا بِرَدِّهِ وَ سَلَّطَهَا عَلَى شَدِّهِ وَ قَرَنَهَا إِلَى حَدِّهِ اَلْهَوَاءُ مِنْ تَحْتِهَا فَتِيقٌ وَ اَلْمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِيقٌ ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِيحاً اِعْتَقَمَ مَهَبَّهَا وَ أَدَامَ مُرَبَّهَا وَ أَعْصَفَ مَجْرَاهَا وَ أَبْعَدَ مَنْشَأَهَا فَأَمَرَهَا بِتَصْفِيقِ اَلْمَاءِ اَلزَّخَّارِ وَ إِثَارَةِ مَوْجِ اَلْبِحَارِ فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ اَلسِّقَاءِ وَ عَصَفَتْ بِهِ عَصْفَهَا بِالْفَضَاءِ تَرُدُّ أَوَّلَهُ عَلَى إِلَى آخِرِهِ وَ سَاجِيَهُ [ سَاكِنَهُ ] عَلَى(2) إِلَى مَائِرِهِ حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ وَ رَمَى بِالزَّبَدِ رُكَامُهُ فَرَفَعَهُ فِي هَوَاءٍ مُنْفَتِقٍ وَ جَوٍّ مُنْفَهِقٍ فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ جَعَلَ سُفْلاَهُنَّ مَوْجاً مَكْفُوفاً وَ عُلْيَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ سَمْكاً مَرْفُوعاً بِغَيْرِ عَمَدٍ يَدْعَمُهَا وَ لاَ دِسَارٍ يَنْظِمُهَا(3) ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزِينَةِ اَلْكَوَاكِبِ وَ ضِيَاءِ اَلثَّوَاقِبِ وَ أَجْرَى فِيهَا سِرَاجاً مُسْتَطِيراً وَ قَمَراً مُنِيراً فِي فَلَكٍ دَائِرٍ وَ سَقْفٍ سَائِرٍ وَ رَقِيمٍ مَائِرٍ)
____________________
(1) أ: " فأجاز "، وكذلك في مخطوطة النهج.
(2) أ، ج" إلى "، وكذلك في مخطوطة النهج.
(3) ج: " ينتظمها ".
لسائل أن يسأل فيقول: ظاهر هذا الكلام أنه سبحانه خلق الفضاء و السموات بعد خلق كل شيء؛ لأنه قد قال: (قبل فطر الخلائق و نشر الرياح و وتد الأرض بالجبال)، ثم عاد فقال: (أنشأ الخلق إنشاء و ابتدأه ابتداء) و هو الآن يقول: (ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء) و لفظة ثم للتراخي. فالجواب: أن قوله(1) : (ثم هو تعقيب و تراخ) لا في مخلوقات البارئ سبحانه بل في كلامه (عليهالسلام )، كأنه يقول ثم أقول الآن بعد قولي المتقدم إنه تعالى أنشأ فتق الأجواء و يمكن أن يقال إن لفظة ثم هاهنا تعطي معنى الجمع المطلق كالواو، و مثل ذلك قوله تعالى:( وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اِهْتَدى ) (2) . و اعلم أن كلام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) في هذا الفصل يشتمل على مباحث منها أن ظاهر لفظه أن الفضاء الذي هو الفراغ الذي يحصل فيه الأجسام خلقه الله تعالى، و لم يكن من قبل، و هذا يقتضي كون الفضاء شيئا؛ لأن المخلوق لا يكون عدما محضا، و ليس ذلك ببعيد فقد ذهب إليه قوم من أهل النظر و جعلوه جسما لطيفا خارجا عن مشابهة هذه الأجسام و منهم من جعله مجردا. فإن قيل: هذا الكلام يشعر بأن خلق الأجسام في العدم المحض قبل خلق الفضاء ليس بممكن و هذا ينافي العقل. قيل: بل هذا هو محض مذهب الحكماء، فإنهم يقولون إنه لا يمكن وجود جسم
____________________
(1) كذا في أ، وفي ب: " فالجواب قوله ".
(2) سورة طه 82.
و لا حركة جسم خارج الفلك الأقصى و ليس ذلك إلا لاستحالة وجود الأجسام و حركتها إلا في الفضاء. و منها أن البارئ سبحانه خلق في الفضاء الذي أوجده ماء جعله على متن الريح فاستقل عليها و ثبت و صارت مكانا له، ثم خلق فوق ذلك الماء ريحا أخرى سلطها عليه فموجته تمويجا شديدا حتى ارتفع، فخلق منه السموات و هذا أيضا قد قاله قوم من الحكماء و من جملتهم تاليس الإسكندراني، و زعم أن الماء أصل كل(1) العناصر؛ لأنه إذا انجمد صار أرضا، و إذا لطف صار هواء، و الهواء يستحيل نارا؛ لأن النار صفوة الهواء. و يقال: إن في التوراة في أول السفر الأول كلاما يناسب هذا، و هو أن الله تعالى خلق جوهرا فنظر إليه نظر الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماء، ثم ارتفع من ذلك الماء بخار كالدخان(2 فخلق منه السموات، و ظهر على وجه ذلك الماء زبد2) فخلق منه الأرض ثم أرساها بالجبال. و منها أن السماء الدنيا موج مكفوف بخلاف السموات الفوقانية، و هذا أيضا قول قد ذهب إليه قوم و استدلوا عليه بما نشاهده(3) من حركة الكواكب المتحيرة و ارتعادها في مرأى(4) العين و اضطرابها قالوا؛ لأن المتحيرة متحركة في أفلاكها و نحن نشاهدها بالحس البصري و بيننا و بينها أجرام الأفلاك الشفافة و نشاهدها مرتعدة حسب ارتعاد الجسم السائر في الماء و ما ذاك إلا؛ لأن السماء الدنيا ماء متموج فارتعاد الكواكب
____________________
(1) كلمة " كل " ساقطة من ا.
(2 - 2 )ساقط من ا.
(3) ب: " شاهده ".
(4) إ: " مرائي ".
المشاهدة حسا إنما هو بحسب ارتعاد أجزاء الفلك الأدنى، قالوا: فأما الكواكب الثابتة فإنا(1) لم نشاهدها كذلك؛ لأنها ليست بمتحركة، و أما القمر و إن كان في السماء الدنيا إلا أن فلك تدويره من جنس الأجرام الفوقانية، و ليس بماء متموج كالفلك الممثل التحتاني، و كذلك القول في الشمس. و منها أن الكواكب في قوله: (ثم زينها بزينة الكواكب) أين هي فإن اللفظ محتمل و ينبغي أن يتقدم على ذلك بحث في أصل قوله تعالى:( إِنَّا زَيَّنَّا اَلسَّماءَ اَلدُّنْيا بِزِينَةٍ اَلْكَواكِبِ وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ ) (2) . فنقول إن ظاهر هذا اللفظ أن الكواكب في السماء الدنيا و أنها جعلت فيها حراسة للشياطين من استراق السمع فمن دنا منهم لذلك رجم بشهاب، و هذا هو الذي يقتضيه ظاهر اللفظ، و مذهب الحكماء أن السماء الدنيا ليس فيها إلا القمر وحده، و عندهم أن الشهب المنقضة هي آثار تظهر في الفلك الأثيري الناري الذي تحت فلك القمر، و الكواكب لا ينقض منها شيء و الواجب التصديق بما في ظاهر لفظ الكتاب العزيز، و أن يحمل كلام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) على مطابقته فيكون الضمير في قوله: (زينها) راجعا إلى سفلاهن التي قال: (إنها موج مكفوف) و يكون(3) الضمير في قوله: (و أجرى فيها) راجعا إلى جملة السموات إذا وافقنا الحكماء في أن الشمس في السماء الرابعة. و منها أن ظاهر الكلام يقتضي أن خلق السموات بعد خلق الأرض ألا تراه كيف لم يتعرض فيه لكيفية خلق الأرض أصلا، و هذا قول قد ذهب إليه جماعة من أهل الملة
____________________
(1) ب ا: " فإنا ".
(2) سورة الصافات 6، 7.
(3) ا: " فيكون ".
و استدلوا(1) عليه بقوله تعالى:( قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ اَلْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ اَلْعالَمِينَ ) (2) ، ثم قال:( ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى اَلسَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ ) (3) . و منها أن الهاء في قوله: (فرفعه في هواء منفتق)، و الهاء في قوله: (فسوى منه سبع سموات) إلى ما ذا ترجع فإن آخر المذكورات قبلها الزبد، و هل يجوز أن تكون السموات مخلوقة من زبد الماء الحق أن الضمائر ترجع إلى الماء الذي عب عبابه لا إلى الزبد، فإن أحدا لم يذهب إلى أن السماء مخلوقة من زبد الماء، و إنما قالوا: إنها مخلوقة من بخاره. و منها أن يقال: إن البارئ سبحانه قادر على خلق الأشياء إبداعا و اختراعا فما الذي اقتضى أنه خلق المخلوقات على هذا الترتيب، و هلا أوجدها إيجاد الماء الذي ابتدعه أولا من غير شيء. فيقال: في جواب ذلك على طريق أصحابنا لعل إخباره للمكلفين بذلك على هذا الترتيب يكون لطفا بهم(4) ، و لا يجوز الإخبار منه تعالى إلا و المخبر عنه مطابق للإخبار. فهذا حظ المباحث المعنوية من هذا الفصل. ثم نشرع في تفسير ألفاظه: أما (الأجواء) فجمع جو، و الجو هنا الفضاء العالي بين السماء و الأرض، و (الأرجاء)
____________________
(1) إ: " استدلوا "
(2) سورة فصلت 9.
(3) سورة فصلت 10.
(4) كذا فى ج، وفي ا، ب:"لهم".
الجوانب واحدها رجا مثل عصا، و (السكائك) جمع سكاكة، و هي أعلى الفضاء كما قالوا ذؤابة و ذوائب و التيار الموج و المتراكم الذي بعضه فوق بعض، و (الزخار) الذي يزخر، أي يمتد و يرتفع و الريح الزعزع الشديدة الهبوب، و كذلك القاصفة كأنها تهلك الناس بشدة هبوبها و معنى قوله: (فأمرها برده) أي بمنعه عن الهبوط؛ لأن الماء ثقيل و من شأن الثقيل الهوي، و معنى قوله: (و سلطها على شدة) أي على وثاقة، كأنه سبحانه لما سلط البريح على منعه من الهبوط فكأنه قد شده بها و أوثقه و منعه من الحركة، و معنى قوله: (و قرنها إلى حده)، أي جعلها مكانا له أي جعل حد الماء المذكور، و هو سطحه الأسفل مما ساطح الريح التي تحمله و تقله، و الفتيق المفتوق المنبسط و الدفيق المدفوق و اعتقم مهبها، أي جعل هبوبها عقيما و الريح العقيم التي لا تلقح سحابا و لا شجرا، و كذلك كانت تلك الريح المشار إليها؛ لأنه سبحانه إنما خلقها لتمويج الماء فقط و أدام مربها أي ملازمتها أرب بالمكان مثل ألب به أي: لازمه. و معنى قوله: (وعصفت به عصفها بالفضاء)، فيه(1) معنى لطيف؛ يقول إن الريح إذا عصفت بالفضاء الذي لا أجسام فيه كان عصفها شديدا لعدم المانع، و هذه الريح عصفت بذلك الماء العظيم عصفا شديدا كأنها تعصف في فضاء لا ممانع لها فيه من الأجسام. و الساجي الساكن و المائر الذي يذهب و يجيء و عب عبابه، أي: ارتفع أعلاه و ركامه ثبجه و هضبه(2) و الجو المنفهق المفتوح الواسع، و الموج المكفوف الممنوع من السيلان و عمد يدعمها يكون لها دعامة و الدسار واحد الدسر و هي المسامير. و الثواقب النيرة المشرقة و سراجا مستطيرا، أي: منتشر الضوء يقال: قد استطار
____________________
(1) كلمة " فيه " ساقطة من ب.
(2) أ: " هضبه "؟.
الفجر، أي انتشر ضوءه و رقيم مائر، أي لوح متحرك سمي الفلك رقيما تشبيها باللوح؛ لأنه مسطح فأما القطب الراوندي فقال: إنه (عليهالسلام ) ذكر قبل هذه الكلمات أنه أنشأ حيوانا له أعضاء و أحناء، ثم ذكر هاهنا أنه فتق السماء و ميز بعضها عن بعض، ثم ذكر أن بين كل سماء و سماء مسيرة خمسمائة عام، و هي سبع سموات و كذلك بين كل أرض و أرض و هي سبع أيضا، و روى حديث البقرة التي تحمل الملك الحامل للعرش و الصخرة التي تحمل البقرة و الحوت الذي يحمل الصخرة. و لقائل أن يقول إنه (عليهالسلام ) لم يذكر فيما تقدم أن الله تعالى خلق حيوانا ذا أعضاء و لا قوله الآن، ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء هو معنى قوله تعالى:( أَنَّ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما ) (1) ألا تراه كيف صرح (عليهالسلام ) بأن البارئ سبحانه خلق الهواء الذي هو الفضاء و عبر عن ذلك بقوله، ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء و ليس فتق الأجواء هو فتق السماء. فإن قلت فكيف يمكن التطبيق بين كلامه (عليهالسلام ) و بين الآية. قلت إنه تعالى لما سلط الريح على الماء فعصفت به حتى جعلته بخارا و زبدا و خلق من أحدهما السماء و من الآخر الأرض كان فاتقا لهما من شيء واحد و هو الماء. فأما حديث البعد بين السموات و كونه مسيرة خمسمائة عام بين كل سماء و سماء، فقد ورد ورودا لم يوثق به و أكثر(2) الناس على خلاف ذلك، و كون الأرض سبعا أيضا
____________________
(1) سورة الأنبياء 30.
(2) أ: " فأكثر "، وما أثبته عن ا ب.
خلاف ما يقوله جمهور العقلاء، و ليس في القرآن العزيز ما يدل على تعدد الأرض إلا قوله تعالى:( وَمِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ) (1) و قد أولوه على الأقاليم السبعة و حديث الصخرة و الحوت و البقرة من الخرافات في غالب الظن، و الصحيح أن الله تعالى يمسك الكل بغير واسطة جسم آخر. ثم قال الراوندي السكائك جمع سكاك، و هذا(2) غير جائز؛ لأن فعالا لا يجمع على فعائل و إنما هو جمع سكاكة ذكر ذلك الجوهري(3) . ثم قال و سلطها على شده الشد العدو، و لا يجوز حمل الشد هاهنا على العدو؛ لأنه لا معنى له و الصحيح ما ذكرناه. و قال في تفسير قوله (عليهالسلام ) : جعل سفلاهن موجا مكفوفا أراد تشبيهها بالموج لصفائها و اعتلائها، فيقال له: إن الموج ليس بعال ليشبه به الجسم العالي، و أما صفاؤه فإن كل السموات صافية فلما ذا خص سفلاهن بذلك. ثم قال: و يمكن أن تكون السماء السفلى قد كانت أول ما وجدت موجا، ثم عقدها يقال له و السموات الأخر كذلك كانت فلما ذا خص السفلى بذلك. ثم قال الريح الأولى غير الريح الثانية؛ لأن إحداهما معرفة و الأخرى نكرة و هذا مثل قوله صم اليوم صم يوما فإنه يقتضي يومين. يقال له: ليست المغايرة بينهما مستفادة من مجرد التعريف و التنكير؛ لأنه لو كان قال
____________________
(1) سورة الطلاق 12.
(2) ب: " وهو "، وما أثبته عن ا.
(3) الصحاح ص 1591، والذي فيه: " والسكاك والسكاكة: الهواء الذي يلاقي أعنان السماء ".
(عليهالسلام ) و حمله على متن ريح عاصفة و زعزع قاصفة لكانت الريحان الأولى و الثانية منكرتين معا و هما متغايرتان، و إنما علمنا تغايرهما؛ لأن إحداهما تحت الماء و الأخرى فوقه و الجسم الواحد لا يكون في جهتين: (ثُمَّ فَتَقَ مَا بَيْنَ اَلسَّمَوَاتِ اَلْعُلاَ فَمَلَأَهُنَّ أَطْوَاراً مِنْ مَلاَئِكَتِهِ مِنْهُمْ سُجُودٌ لاَ يَرْكَعُونَ وَ رُكُوعٌ لاَ يَنْتَصِبُونَ وَ صَافُّونَ لاَ يَتَزَايَلُونَ وَ مُسَبِّحُونَ لاَ يَسْأَمُونَ لاَ يَغْشَاهُمْ نَوْمُ اَلْعُيُونِ وَ لاَ سَهْوُ اَلْعُقُولِ وَ لاَ فَتْرَةُ اَلْأَبْدَانِ وَ لاَ غَفْلَةُ اَلنِّسْيَانِ وَ مِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْيِهِ وَ أَلْسِنَةٌ إِلَى رُسُلِهِ وَ مُخْتَلِفُونَ [ مُتَرَدِّدُونَ ] بِقَضَائِهِ(1) وَ أَمْرِهِ وَ مِنْهُمُ اَلْحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ وَ اَلسَّدَنَةُ [ اَلسَّنَدَةُ ] لِأَبْوَابِ جِنَانِهِ وَ مِنْهُمُ اَلثَّابِتَةُ فِي اَلْأَرَضِينَ اَلسُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ وَ اَلْمَارِقَةُ مِنَ اَلسَّمَاءِ اَلْعُلْيَا أَعْنَاقُهُمْ وَ اَلْخَارِجَةُ مِنَ اَلْأَقْطَارِ أَرْكَانُهُمْ وَ اَلْمُنَاسِبَةُ لِقَوَائِمِ اَلْعَرْشِ أَكْتَافُهُمْ نَاكِسَةٌ دُونَهُ أَبْصَارُهُمْ مُتَلَفِّعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ اَلْعِزَّةِ وَ أَسْتَارُ اَلْقُدْرَةِ لاَ يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بِالتَّصْوِيرِ وَ لاَ يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفَاتِ اَلْمَصْنُوعِينَ [ اَلْمَخْلُوقِينَ ] وَ لاَ يَحُدُّونَهُ بِالْأَمَاكِنِ وَ لاَ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالنَّظَائِرِ)
القول في الملائكة و أقسامهم
الملك عند المعتزلة حيوان نوري فمنه شفاف عادم اللون كالهواء، و منه ملون بلون الشمس، و الملائكة عندهم قادرون عالمون أحياء بعلوم و قدر و حياة كالواحد منا و مكلفون كالواحد منا إلا أنهم معصومون، و لهم في كيفية تكليفهم كلام؛ لأن التكليف
____________________
(1) مخطوطة النهج: " لقضائه ".
مبني على الشهوة. و في كيفية خلق الشهوة فيهم نظر و ليس هذا الكتاب موضوعا للبحث في ذلك و قد جعلهم (عليهالسلام ) في هذا الفصل أربعة أقسام القسم الأول: أرباب العبادة، فمنهم من هو ساجد أبدا لم يقم من سجوده ليركع، و منهم من هو راكع أبدا لم ينتصب قط و منهم الصافون في الصلاة بين يدي خالقهم لا يتزايلون، و منهم المسبحون الذين لا يملون التسبيح و التحميد له سبحانه. و القسم الثاني: السفراء بينه تعالى و بين المكلفين من البشر بتحمل الوحي الإلهي إلى الرسل و المختلفون بقضائه و أمره إلى أهل الأرض. و القسم الثالث: ضربان أحدهما حفظة العباد كالكرام الكاتبين و كالملائكة الذين يحفظون البشر من المهالك و الورطات، و لو لا ذلك لكان العطب أكثر من السلامة و ثانيهما سدنة الجنان. القسم الرابع: حملة العرش. و يجب أن يكون الضمير في دونه و هو الهاء راجعا إلى العرش لا إلى البارئ سبحانه، و كذلك الهاء في قوله تحته و يجب أن تكون الإشارة بقوله و بين من دونهم إلى الملائكة الذين دون هؤلاء في الرتبة. فأما ألفاظ الفصل فكلها غنية عن التفسير إلا يسيرا كالسدنة جمع سادن، و هو الخادم و المارق الخارج و تلفعت بالثوب، أي: التحفت به. و أما(1) القطب الراوندي فجعل الأمناء على الوحي و حفظة العباد و سدنة الجنان
____________________
(1) ا: " فأما ".
قسما واحدا فأعاد الأقسام الأربعة إلى ثلاثة و ليس بجيد؛ لأنه قال: و منهم الحفظة فلفظة و منهم تقتضي كون الأقسام أربعة؛ لأنه بها فصل بين الأقسام. و قال أيضا معنى قوله (عليهالسلام ) لا يغشاهم نوم العيون يقتضي أن لهم نوما قليلا لا يغفلهم عن ذكر الله سبحانه، فأما البارئ سبحانه فإنه لا تأخذه سنة و لا نوم أصلا مع أنه حي و هذه هي المدحة العظمى. و لقائل أن يقول لو ناموا قليلا لكانوا زمان ذلك النوم و إن قل غافلين عن ذكر الله سبحانه؛ لأن الجمع بين النوم و بين الذكر مستحيل. و الصحيح أن الملك لا يجوز عليه النوم كما لا يجوز عليه الأكل و الشرب؛ لأن النوم من توابع المزاج و الملك لا مزاج له، و أما مدح البارئ بأنه لا تأخذه سنة و لا نوم فخارج عن هذا الباب؛ لأنه تعالى يستحيل عليه النوم استحالة ذاتية لا يجوز تبدلها، و الملك يجوز أن يخرج عن كونه ملكا بأن يخلق في أجزاء جسمه رطوبة و يبوسة و حرارة و برودة يحصل من اجتماعها مزاج، و يتبع ذلك المزاج النوم فاستحالة النوم عليه إنما هي ما دام ملكا فهو كقولك الماء بارد، أي ما دام ماء؛ لأنه يمكن أن يستحيل هواء، ثم نارا فلا يكون باردا؛ لأنه ليس حينئذ ماء و البارئ جلت عظمته يستحيل على ذاته أن يتغير فاستحال عليه النوم استحالة مطلقة مع أنه حي و من هذا إنشاء التمدح، و روى أبو هريرة عن النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) أن الله خلق الخلق أربعة أصناف، الملائكة و الشياطين و الجن و الإنس، ثم جعل الأصناف الأربعة عشرة أجزاء فتسعة منها الملائكة و جزء واحد الشياطين و الجن و الإنس، ثم جعل هؤلاء الثلاثة عشرة أجزاء، فتسعة منها الشياطين و جزء واحد الجن و الإنس، ثم جعل الجن و الإنس عشرة أجزاء، فتسعة منها الجن و جزء واحد الإنس،
و في الحديث الصحيح أن الملائكة كانت تصافح عمران بن الحصين و تزوره ثم افتقدها، فقال: يا رسول الله، إن رجالا كانوا يأتونني لم أر أحسن وجوها و لا أطيب أرواحا منهم ثم انقطعوا، فقال: (عليهالسلام ) أصابك جرح فكنت تكتمه فقال: أجل، قال: ثم أظهرته، قال: أجل، قال: أما لو أقمت على كتمانه لزارتك الملائكة إلى أن تموت، و كان هذا الجرح أصابه في سبيل الله. و قال سعيد بن المسيب و غيره: الملائكة ليسوا بذكور و لا إناث و لا يتوالدون و لا يأكلون و لا يشربون، و الجن يتوالدون و فيهم ذكور و إناث و يموتون، و الشياطين ذكور و إناث و يتوالدون و لا يموتون حتى يموت إبليس. و قال النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) في رواية أبي ذر، إني أرى ما لا ترون و أسمع ما لا تسمعون، أطت السماء و حق لها أن تئط(1) فما فيها موضع شبر إلا و فيه ملك قائم أو راكع أو ساجد واضع جبهته لله، و الله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرا، و ما تلذذتم بالنساء على الفرش، و لخرجتم إلى الفلوات تجأرون إلى الله، و الله لوددت أني كنت شجرة تعضد(2) ، قلت: و يوشك هذه الكلمة الأخيرة أن تكون قول أبي ذر. و اتفق أهل الكتب على أن رؤساء الملائكة و أعيانهم أربعة، جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل و عزرائيل، و هو ملك الموت، و قالوا: إن إسرافيل صاحب الصور و إليه النفخة، و إن ميكائيل صاحب النبات و المطر، و إن عزرائيل على أرواح الحيوانات، و إن جبرائيل على جنود السموات و الأرض كلها، و إليه تدبير الرياح و هو ينزل إليهم كلهم بما يؤمرون به.
____________________
(1) ذكره ابن الأثير في النهاية 1: 35، وقال: " الأطيط: صوت الأقتاب، وأطيط الإبل: أصواتها وحنينها، أي أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت، وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة، وإن لم يكن ثم أطيط، وإنما هو كلام تقريب، أريد به تقرير عظمة الله تعالى ".
(2) تعضد: تقطع، وانظر النهاية لابن الأثير 3: 104.
و روى أنس بن مالك: أنه قيل لرسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) ما هؤلاء الذين استثني بهم في قوله تعالى:( فَصَعِقَ مَنْ فِي اَلسَّماواتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اَللَّهُ ) (1) ، فقال: جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل و عزرائيل، فيقول الله عز و جل لعزرائيل: يا ملك الموت، من بقي؟ و هو سبحانه أعلم، فيقول: سبحانك ربي ذا الجلال و الإكرام بقي جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل و ملك الموت، فيقول: يا ملك الموت، خذ نفس إسرافيل، فيقع في صورته التي خلق عليها كأعظم ما يكون من الأطواد، ثم يقول و هو أعلم: من بقي؟ يا ملك الموت، فيقول: سبحانك ربي يا ذا الجلال و الإكرام، جبرائيل و ميكائيل و ملك الموت، فيقول خذ نفس ميكائيل، فيقع في صورته التي خلق عليها و هي أعظم ما يكون من خلق إسرافيل بأضعاف مضاعفة، ثم يقول سبحانه: يا ملك الموت، من بقي؟ فيقول: سبحانك ربي ذا الجلال و الإكرام جبرائيل و ملك الموت، فيقول تعالى: يا ملك الموت، مت فيموت، و يبقى جبرائيل، و هو من الله تعالى بالمكان الذي ذكر لكم فيقول الله يا جبرائيل، إنه لابد من أن يموت أحدنا، فيقع جبرائيل ساجدا يخفق بجناحيه يقول: سبحانك ربي و بحمدك أنت الدائم القائم الذي لا يموت و جبرائيل الهالك الميت الفاني، فيقبض الله روحه فيقع على ميكائيل و إسرافيل، و أن فضل خلقه على خلقهما كفضل الطود العظيم على الظرب(2) من الظراب، و في الأحاديث الصحيحة أن جبرائيل كان يأتي رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) على صورة دحية الكلبي و أنه كان يوم بدر على فرس اسمه حيزوم، و أنه سمع ذلك اليوم صوته أقدم حيزوم(3) .
____________________
(1) سورة الزمر 68.
(2) الضرب، ككتف: الجبل الصغير.
(3) الخبر في اللسان (حزم (؛ وفيه: "أراد أقدم ياحيزم؛ فحذف حرف النداء والياء فيسه " زائدة".
و الكروبيون(1) عند أهل الملة سادة الملائكة كجبرائيل و ميكائيل، و عند الفلاسفة أن سادة الملائكة هم الروحانيون يعنون العقول الفعالة و هي المفارقة للعالم الجسماني المسلوبة التعلق به لا بالحول و لا بالتدبير، و أما الكروبيون فدون الروحانيين في المرتبة، و هي أنفس الأفلاك المدبرة لها الجارية منها مجرى نفوسنا مع أجسامنا. ثم هي على قسمين، قسم أشرف و أعلى من القسم الآخر، فالقسم الأشرف ما كان نفسا ناطقة غير حالة في جرم الفلك كأنفسنا بالنسبة إلى أبداننا، و القسم الثاني ما كان حالا في جرم الفلك و يجري ذلك مجرى القوى التي في أبداننا كالحس المشترك و القوة الباصرة: (مِنْهَا فِي صِفَةِ خَلْقِ آدَمَ (عليهالسلام ) ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ اَلْأَرْضِ وَ سَهْلِهَا وَ عَذْبِهَا وَ سَبَخِهَا تُرْبَةً سَنَّهَا [ سَنَاهَا ] بِالْمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ وَ لاَطَهَا بِالْبِلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ فَجَبَلَ مِنْهَا صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاءٍ وَ وُصُولٍ وَ أَعْضَاءٍ وَ فُصُولٍ أَجْمَدَهَا حَتَّى اِسْتَمْسَكَتْ وَ أَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ وَ أَمَدٍ [ أَجَلٍ ] أَجَلٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ فَتَمَثَّلَتْ(2) إِنْسَاناً ذَا أَذْهَانٍ يُجِيلُهَا وَ فِكَرٍ يَتَصَرَّفُ بِهَا وَ جَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا وَ أَدَوَاتٍ يُقَلِّبُهَا وَ مَعْرِفَةٍ يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ اَلْحَقِّ وَ اَلْبَاطِلِ وَ اَلْأَذْوَاقِ وَ اَلْمَشَامِّ وَ اَلْأَلْوَانِ وَ اَلْأَجْنَاسِ مَعْجُوناً بِطِينَةِ اَلْأَلْوَانِ اَلْمُخْتَلِفَةِ
____________________
(1) الكروبيون، مخففة الراء - على ما قاله صاحب القاموس -: هم أقرب الملائكة إلى حملة العرش، وأصله من الكرب وهو القرب، قال أمية:
ملائكة لا يفترون عبادة |
كروبية منهم ركوع وسجد |
(2) مخطوطة النهج: " فمثلت
(1 وَ اَلْأَشْبَاهِ اَلْمُؤْتَلِفَةِ1) [ اَلْمُتَّفِقَةِ ] وَ اَلْأَضْدَادِ اَلْمُتَعَادِيَةِ وَ اَلْأَخْلاَطِ اَلْمُتَبَايِنَةِ مِنَ اَلْحَرِّ وَ اَلْبَرْدِ وَ اَلْبِلَّةِ وَ اَلْجُمُودِ وَ اَلْمَسَاءَةِ وَ اَلسُّرُورِ وَ اِسْتَأْدَى اَللَّهُ سُبْحَانَهُ اَلْمَلاَئِكَةَ وَدِيعَتَهُ لَدَيْهِمْ وَ عَهْدَ وَصِيَّتِهِ إِلَيْهِمْ فِي اَلْإِذْعَانِ بِالسُّجُودِ لَهُ وَ اَلْخُنُوعِ [ وَ اَلْخُشُوعِ ] لِتَكْرِمَتِهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ لَهُمْ:( اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ ) (2) وَ قَبيلَهُ اِعْتَرَتْهُمُ اِعْتَرَتْهُ اَلْحَمِيَّةُ وَ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ عَلَيْهِ اَلشِّقْوَةُ وَ تَعَزَّزُوا تَعَزَّزَ بِخِلْقَةِ اَلنَّارِ وَ اِسْتَوْهَنُوا اِسْتَوْهَنَ خَلْقَ اَلصَّلْصَالِ فَأَعْطَاهُ اَللَّهُ اَلنَّظِرَةَ اِسْتِحْقَاقاً لِلسَّخْطَةِ وَ اِسْتِتْمَاماً لِلْبَلِيَّةِ وَ إِنْجَازاً لِلْعِدَةِ فَقَالَ( فَإِنَّكَ مِنَ اَلْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ اَلْوَقْتِ اَلْمَعْلُومِ ) (3) الحزن ما غلظ من الأرض و سبخها ما ملح منها و سنها بالماء، أي ملسها قال:
ثم خاصرتها إلى القبة الخضراء |
تمشي في مرمر مسنون(4) |
أي مملس، و (لاطها) من قولهم لطت الحوض بالطين، أي ملطته و طينته به، و (البلة) بفتح الباء من البلل، و (لزبت) بفتح الزاي، أي التصقت و ثبتت فجبل منها، أي خلق و الأحناء الجوانب جمع حنو، و (أصلدها) جعلها صلدا، أي: صلبا متينا، و (صلصلت) يبست، و هو الصلصال و يختدمها يجعلها في مآربه و أوطاره، كالخدم الذين تستعملهم و تستخدمهم، و استأدى الملائكة وديعته طلب منهم أداءها و الخنوع الخضوع و الشقوة بكسر الشين، و في الكتاب العزيز( رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا
____________________
(1 - 1 (تكملة مخطوطة النهج.
(2) سورة البقرة 34.
(3) سورة ص 80، 81
(4) لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت من أبيات يشبب فيها بابنة معاوية، كذا نسبه صاحب اللسان 71: 88 ونقل عن ابن بري أنها تروى لأبي دهبل.
شِقْوَتُنا ) (1) و استوهنوا عدوه واهنا ضعيفا، و النظرة بفتح النون و كسر الظاء الإمهال و التأخير. فأما معاني الفصل فظاهرة، و فيه مع ذلك مباحث. منها أن يقال: اللام في قوله لوقت معدود بما ذا تتعلق. و الجواب: أنها تتعلق بمحذوف تقديره حتى صلصلت كائنة لوقت، فيكون الجار و المجرور في موضع الحال، و يكون معنى الكلام أنه أصلدها حتى يبست و جفت معدة لوقت معلوم فنفخ حينئذ روحه فيها، و يمكن أن تكون اللام متعلقة بقوله فجبل، أي جبل و خلق من الأرض هذه الجثة لوقت، أي لأجل وقت معلوم و هو يوم القيامة. و منها أن يقال: لماذا قال من حزن الأرض و سهلها و عذبها و سبخها. و الجواب: أن المراد من ذلك أن يكون الإنسان مركبا من طباع مختلفة، و فيه استعداد للخير و الشر و الحسن و القبح. و منها أن يقال: لما ذا أخر نفخ الروح في جثة آدم مدة طويلة، فقد قيل إنه بقي طينا تشاهده الملائكة أربعين سنة و لا يعلمون ما المراد به. و الجواب: يجوز أن يكون في ذلك(2 لطف للملائكة؛ لأنهم تذهب ظنونهم في ذلك2) كل مذهب فصار كإنزال المتشابهات الذي تحصل به رياضة الأذهان و تخريجها و في ضمن ذلك يكون اللطف، و يجوز أن يكون في أخبار ذرية آدم بذلك فيما بعد لطف بهم(3) و لا يجوز إخبارهم بذلك إلا إذا كان المخبر عنه حقا
____________________
(1) سورة المؤمنين 106.
(2 - 2 (ساقط من ا.
(3) " لهم".
و منها أن يقال: ما المعني بقوله: (ثم نفخ فيها من روحه). الجواب: أن النفس لما كانت جوهرا مجردا لا متحيزة و لا حالة في المتحيز حسن لذلك نسبتها إلى البارئ؛ لأنها أقرب إلى الانتساب إليه من الجثمانيات(1) ، و يمكن أيضا أن تكون لشرفها مضافة إليه كما يقال بيت الله للكعبة، و أما النفخ فعبارة عن إفاضة النفس على الجسد، و لما نفخ الريح في الوعاء عبارة عن إدخال الريح إلى جوفه و كان الإحياء عبارة عن إفاضة النفس على الجسد، و يستلزم ذلك حلول القوى و الأرواح في الجثة باطنا و ظاهرا سمي ذلك نفخا مجازا. و منها أن يقال: ما معنى قوله: (معجونا بطينة الألوان المختلفة). الجواب: أنه (عليهالسلام ) قد فسر ذلك بقوله من الحر و البرد و البلة و الجمود، يعني الرطوبة و اليبوسة، و مراده بذلك المزاج الذي هو كيفية واحدة حاصلة من كيفيات مختلفة قد انكسر بعضها ببعض و قوله معجونا صفة إنسانا و الألوان المختلفة يعنى الضروب و الفنون كما تقول(2) في الدار ألوان من الفاكهة. و منها أن يقال ما المعني بقوله و استأدى الملائكة وديعته لديهم و كيف كان هذا العهد و الوصية بينه و بينهم. الجواب أن العهد و الوصية هو قوله تعالى لهم:( إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ) (3) .
____________________
(1) يقال: جثمانالرجل وجسمانه، أى جسده.
(1) ا: " كما يقال ".
(2) سورة ص 71، 72.
و منها أن يقال كيف كانت شبهة إبليس و أصحابه في التعزز بخلقة النار. الجواب لما كانت النار مشرقة بالذات و الأرض مظلمة و كانت النار أشبه بالنور و النور أشبه بالمجردات جعل إبليس ذلك حجة احتج بها في شرف عنصره على عنصر آدم (عليهالسلام ) و لأن النار أقرب إلى الفلك من الأرض، و كل شيء كان أقرب إلى الفلك من غيره كان أشرف و البارئ تعالى لم يعتبر ذلك و فعل سبحانه ما يعلم أنه المصلحة و الصواب. و منها أن يقال كيف يجوز السجود لغير الله تعالى. و الجواب: أنه قيل إن السجود لم يكن إلا لله تعالى، و إنما كان آدم (عليهالسلام ) قبلة و يمكن أن يقال إن السجود لله على وجه العبادة و لغيره على وجه التكرمة كما سجد أبو يوسف و إخوته له، و يجوز أن تختلف الأحوال و الأوقات في حسن ذلك و قبحه. و منها أن يقال كيف جاز على ما تعتقدونه من حكمة البارئ أن يسلط إبليس على المكلفين أليس هذا هو الاستفساد الذي تأبونه و تمنعونه. و الجواب أما الشيخ أبو علي (رحمهالله )، فيقول حد المفسدة ما وقع عند الفساد و لولاه لم يقع مع تمكن المكلف من الفعل في الحالين و من فسد بدعاء إبليس لم يتحقق فيه هذا الحد؛ لأن الله تعالى علم أن كل من فسد عند دعائه فإنه يفسد و لو لم يدعه. و أما أبو هاشمرحمهالله فيحد المفسدة(1) بهذا الحد أيضا، و يقول إن في الإتيان بالطاعة مع دعاء إبليس إلى القبيح مشقة زائدة على مشقة الإتيان بها لو لم يدع إبليس إلى
____________________
(1) ج:"الفساد".
القبيح فصار الإتيان بها مع اعتبار دعاء إبليس إلى خلافها خارجا عن الحد المذكور و داخلا في حيز التمكن الذي لو فرضنا ارتفاعه لما صح من المكلف الإتيان بالفعل، و نحن قلنا في الحد مع تمكن المكلف من الإتيان بالفعل في الحالين. و منها أن يقال كيف جاز للحكيم سبحانه أن يقول لإبليس: (إِنَّكَ مِنَ اَلْمُنْظَرِينَ) إلى يوم القيامة و هذا إغراء بالقبيح و أنتم تمنعون أن يقول الحكيم لزيد أنت لا تموت إلى سنة بل إلى شهر أو يوم واحد لما فيه من الإغراء بالقبيح، و العزم على التوبة قبل انقضاء الأمد. و الجواب: أن أصحابنا قالوا إن البارئ تعالى لم يقل لإبليس إني منظرك إلى يوم القيامة، و إنما قال: (إِلى يَوْمِ اَلْوَقْتِ اَلْمَعْلُومِ) و هو عبارة عن وقت موته و اخترامه و كل مكلف من الإنس و الجن منظر إلى يوم الوقت المعلوم على هذا التفسير، و إذا(1) كان كذلك لم يكن إبليس عالما أنه يبقى لا محالة فلم يكن في ذلك إغراء له(2) بالقبيح. فإن قلت فما معنى قوله (عليهالسلام ) و إنجازا للعدة أليس معنى ذلك أنه قد كان وعده أن يبقيه إلى يوم القيامة. قلت إنما وعده الإنظار و يمكن أن يكون إلى يوم القيامة و إلى غيره من الأوقات، و لم يبين له فهو تعالى أنجز له وعده في الإنظار المطلق و ما من وقت إلا و يجوز فيه أن يخترم إبليس(3) ، فلا يحصل الإغراء بالقبيح و هذا الكلام عندنا ضعيف و لنا فيه نظر مذكور في كتبنا الكلامية
____________________
(1) ا: (فإذا (.
(2) كلمة (له (ساقطة من ا.
(3) كلمة (إبليس (ساقطه من ب.
(ثُمَّ أَسْكَنَ آدَمَ دَاراً أَرْغَدَ فِيهَا عِيشَتَهُ عَيْشَهُ وَ آمَنَ فِيهَا مَحَلَّتَهُ وَ حَذَّرَهُ إِبْلِيسَ وَ عَدَاوَتَهُ فَاغْتَرَّهُ عَدُوُّهُ نَفَاسَةً عَلَيْهِ بِدَارِ اَلْمُقَامِ وَ مُرَافَقَةِ اَلْأَبْرَارِ فَبَاعَ اَلْيَقِينَ بِشَكِّهِ وَ اَلْعَزِيمَةَ بِوَهْنِهِ وَ اِسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ وَجَلاً وَ بِالاِعْتِزَازِ بِالاِغْتِرَارِ نَدَماً ثُمَّ بَسَطَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ فِي تَوْبَتِهِ وَ لَقَّاهُ كَلِمَةَ رَحْمَتِهِ وَ وَعَدَهُ اَلْمَرَدَّ إِلَى جَنَّتِهِ فَأَهْبَطَهُ إِلَى دَارِ اَلْبَلِيَّةِ وَ تَنَاسُلِ اَلذُّرِّيَّةِ) أما الألفاظ فظاهرة و المعاني أظهر و فيها ما يسأل عنه. فمنها أن يقال الفاء في قوله (عليهالسلام ) فأهبطه تقتضي أن تكون التوبة على آدم قبل هبوطه من الجنة. و الجواب: أن ذلك أحد قولي المفسرين و يعضده قوله تعالى:( وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اِجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى قالَ اِهْبِطا مِنْها ) (1) فجعل الهبوط بعد قبول التوبة. و منها أن يقال إذا كان تعالى قد طرد إبليس من(2) الجنة لما أبى السجود فكيف توصل إلى آدم و هو في الجنة حتى استنزله عنها بتحسين أكل الشجرة له. الجواب أنه يجوز أن يكون إنما منع من دخول الجنة على وجه التقريب و الإكرام،
____________________
(1) سورة طه 121 - 123.
(2) كذا فى ج، وفى ا، ب:"عن الجنتة ".
كدخول الملائكة و لم يمنع من دخولها على غير ذلك الوجه، و قيل إنه دخل في جوف الحية كما ورد في التفسير. و منها أن يقال كيف اشتبه على آدم الحال في الشجرة المنهي عنها فخالف النهي. الجواب أنه قيل له لا تقربا هذه الشجرة و أريد بذلك نوع الشجرة فحمل آدم النهي على الشخص و أكل من شجرة أخرى من نوعها. و منها أن يقال هذا الكلام من أمير المؤمنين (عليهالسلام ) تصريح بوقوع المعصية من آدم (عليهالسلام ) و هو قوله فباع اليقين بشكه و العزيمة بوهنه فما قولكم في ذلك. الجواب: أما أصحابنا فإنهم لا يمتنعون من إطلاق العصيان عليه و يقولون إنها كانت صغيرة و عندهم أن الصغائر جائزة على الأنبياء (عليهالسلام )، و أما الإمامية فيقولون إن النهي كان نهي تنزيه لا نهي تحريم؛ لأنهم لا يجيزون على الأنبياء الغلط و الخطأ لا كبيرا و لا صغيرا و ظواهر هذه الألفاظ تشهد بخلاف قولهم.
اختلاف الأقوال في ابتداء خلق البشر
و اعلم أن الناس اختلفوا في ابتداء خلق البشر كيف كان فذهب أهل الملل من المسلمين و اليهود و النصارى إلى أن مبدأ البشر هو آدم الأب الأول (عليهالسلام ) و أكثر ما في القرآن العزيز من قصة آدم مطابق لما في التوراة. و ذهب طوائف من الناس إلى غير ذلك أما الفلاسفة فإنهم زعموا أنه لا أول لنوع البشر و لا لغيرهم من الأنواع. و أما الهند فمن كان منهم على رأي الفلاسفة، فقوله ما ذكرناه و من لم يكن منهم
على رأي الفلاسفة، و يقول بحدوث الأجسام لا يثبت آدم و يقول إن الله تعالى خلق الأفلاك و خلق فيها طباعا محركة لها بذاتها فلما تحركت و حشوها أجسام لاستحالة الخلاء كانت تلك الأجسام على طبيعة واحدة، فاختلفت طباؤعها بالحركة الفلكية فكان القريب من الفلك المتحرك أسخن و ألطف و البعيد أبرد و أكثف، ثم اختلطت العناصر و تكونت منها المركبات و منها تكون نوع البشر كما يتكون الدود في الفاكهة و اللحم و البق في البطائح و المواضع العفنة، ثم تكون بعض البشر من بعض بالتوالد و صار ذلك قانونا مستمرا و نسي التخليق الأول الذي كان بالتولد(1) ، و من الممكن أن يكون بعض البشر في بعض الأراضي القاصية مخلوقا بالتولد(1) و إنما انقطع التولد؛ لأن الطبيعة إذا وجدت للتكون طريقا استغنت به عن طريق ثان. و أما المجوس فلا يعرفون آدم، و لا نوحا، و لا ساما، و لا حاما، و لا يافث، و أول متكون عندهم من البشر البشري(2) المسمى كيومرث، و لقبه كوشاه، أي: ملك الجبل؛ لأن كو هو الجبل بالفهلوية و كان هذا البشر في الجبال، و منهم من يسميه كلشاه، أي: ملك الطين و كل اسم الطين؛ لأنه لم يكن حينئذ بشر ليملكهم. و قيل: تفسير كيومرث حي ناطق ميت قالوا، و كان قد رزق من الحسن ما لا يقع عليه بصر حيوان إلا و بهت و أغمي عليه، و يزعمون أن مبدأ تكونه و حدوثه أن يزدان و هو الصانع الأول، عندهم أفكر(3) في أمر أهرمن، و هو الشيطان، عندهم فكرة أوجبت أن عرق جبينه فمسح العرق و رمى به فصار منه كيومرث، و لهم خبط طويل في كيفية تكون أهرمن من فكرة يزدان أو من إعجابه بنفسه أو من توحشه، و بينهم خلاف في قدم أهرمن و حدوثه لا يليق شرحه بهذا الموضع(4)
____________________
(1) كذا فى ج، وفي باقي الأصول:"التوالد".
(2) ب: " البشر ".
(3) أفكر وفكر بالتشديد، بمعنى.
(4) انظر الشاهنامة 14.
ثم اختلفوا في مدة بقاء كيومرث في الوجود، فقال الأكثرون ثلاثون سنة. و قال الأقلون أربعون سنة. و قال قوم منهم: إن كيومرث مكث في الجنة التي في السماء ثلاثة آلاف سنة و هي ألف الحمل، و ألف الثور، و ألف الجوزاء، ثم أهبط إلى الأرض فكان بها آمنا مطمئنا ثلاثة آلاف سنة أخرى، و هي ألف السرطان، و ألف الأسد و ألف السنبلة. ثم مكث بعد ذلك ثلاثين أو أربعين سنة في حرب و خصام بينه و بين أهرمن حتى هلك(1) . و اختلفوا في كيفية هلاكه مع اتفاقهم على أنه هلك قتلا، فالأكثرون قالوا: إنه قتل ابنا لأهرمن يسمى خزورة فاستغاث أهرمن منه إلى يزدان فلم يجد بدا من أن يقاصه به حفظا للعهود التي بينه و بين أهرمن فقتله بابن أهرمن. و قال قوم: بل قتله أهرمن في صراع كان بينهما قهره فيه أهرمن و علاه و أكله(1) . و ذكروا في كيفية ذلك الصراع، أن كيومرث كان هو القاهر لأهرمن في بادئ الحال، و أنه ركبه و جعل يطوف به في العالم إلى أن سأله أهرمن، أي: الأشياء أخوف له و أهولها عنده فقال له باب جهنم فلما بلغ به أهرمن إليها جمح به حتى سقط من فوقه و لم يستمسك فعلاه، و سأله عن أي الجهات يبتدئ به في الأكل؟ فقال: من جهة الرجل لأكون ناظرا إلى حسن العالم مدة ما فابتدأه أهرمن فأكله من عند رأسه، فبلغ إلى موضع الخصي و أوعية المني من الصلب، فقطر من كيومرث قطرتا نطفة على الأرض، فنبت منهما ريباستان(2) في جبل بإصطخر يعرف بجبل دام داذ، ثم ظهرت على تينك الريباستين الأعضاء البشرية في أول الشهر التاسع، و تمت في آخره فتصور منهما بشران ذكر و أنثى، و هما ميشى و ميشانه، و هما بمنزلة آدم و حواء عند المليين، و يقال لهما أيضا: ملهى و ملهيانه، و يسميهما مجوس خوارزم، مرد و مردانه،
____________________
(1) انظر الشاهنامه 14.
(2) الريباس، بالكسر: نبت له عساليج غضه خضراء، عراض الورق، طعمها حامض مع قبض، ينبت في الجبال ذات الثلوج والبلاد الباردة من غير زرع. المعتمد 123
و زعموا أنهما مكثا خمسين سنة مستغنين عن الطعام و الشراب متنعمين غير متأذيين بشيء إلى أن ظهر لهما أهرمن في صورة شيخ كبير، فحملهما على التناول من فواكه الأشجار و أكل منها و هما يبصرانه شيخا فعاد شابا فأكلا منها حينئذ فوقعا في البلايا و الشرور، و ظهر فيهما الحرص حتى تزاوجا و ولد لهما ولد فأكلاه حرصا، ثم ألقى الله تعالى في قلوبهما رأفة فولد لهما بعد ذلك ستة أبطن كل بطن ذكر و أنثى، و أسماؤهم في كتاب أپستا، و هو الكتاب الذي جاء به زرادشت معروفة، ثم كان في البطن السابع سيامك و فرواك، فتزاوجا فولد لهما الملك المشهور الذي لم يعرف قبله ملك، و هو أوشهنج، و هو الذي خلف جده كيومرث و عقد له التاج و جلس على السرير و بنى مدينتي بابل و السوس. فهذا ما يذكره المجوس في مبدأ الخلق.
و كان في المسلمين ممن يرمى بالزندقة من يذهب إلى تصويب إبليس في الامتناع من السجود و يفضله على آدم، و هو بشار بن برد المرعث(1) و من الشعر المنسوب إليه:
النار مشرقة و الأرض مظلمة |
و النار معبودة مذ كانت النار(2) |
____________________
(1) في اللسان: " سمى بذلك لرعاث كانت له في صغره في أذنه ". والرعاث جمع رعثة، وهي ما علق في الاذن من قرط ونحره. وروى صاحب الأغاني: وإنما سمى المرعث بقوله:
قلت ريم مرعث |
ساحر الطرف والنظر |
|
لست والله نائلي |
قلت أو يغلب القدر |
|
أنت إن رمت وصلنا |
فانج، هل تدرك القمر! |
(2) الأغاني 3
و كان أبو الفتوح أحمد بن محمد الغزالي الواعظ(1) أخو أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الفقيه الشافعي قاصا لطيفا و واعظا مفوها، و هو من خراسان من مدينة طوس، و قدم إلى بغداد و وعظ بها و سلك في وعظه مسلكا منكرا؛ لأنه كان يتعصب لإبليس، و يقول: إنه سيد الموحدين. و قال يوما على المنبر: من لم يتعلم التوحيد من إبليس فهو زنديق. أمر أن يسجد لغير سيده فأبى:
و لست بضارع إلا إليكم |
و أما غيركم حاشا و كلا |
و قال مرة أخرى لما قال له موسى: أرني، فقال: لن(2) . قال: هذا شغلك(3) تصطفي آدم ثم تسود وجهه و تخرجه من الجنة و تدعوني إلى الطور ثم تشمت بي الأعداء، هذا عملك بالأحباب(4) فكيف تصنع بالأعداء(5) . و قال مرة أخرى و قد ذكر إبليس على المنبر لم يدر ذلك المسكين أن أظافير القضاء إذا حكت أدمت، و أن قسي القدر إذا رمت أصمت، ثم قال: لسان حال آدم ينشد في قصته و قصة إبليس:
و كنت و ليلى في صعود من الهوى |
فلما توافينا ثبت و زلت |
و قال مرة أخرى التقى موسى و إبليس عند عقبة الطور، فقال موسى: يا إبليس، لم لم تسجد لآدم؟ فقال: كلا ما كنت لأسجد لبشر كيف أوحده ثم ألتفت إلى غيره و لكنك أنت يا موسى، سألت رؤيته ثم نظرت إلى الجبل فأنا أصدق منك في التوحيد.
____________________
(1) ذكره ابن الجوزي في الجزء التاسع من المنتظم ص 260، ضمن وفيات سنة 520، وقال عنه: " الغالب على كلامه التخليط ورواية الأحاديث الموضوعة والحكايات الفارغة والمعاني الفاسدة، وقد علق عنه كثير من ذلك ". وذكره أيضا ابن حجر في لسان الميزان 293:1.
(2) يشير إلى قوله تعالى في قصة موسى من سورة الأعراف 341:( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال ربى أرني أنظر إليك قال لن تراني... ) .
(3) المنتظم: " شأنك ".
(4) المنتظم: " الأخيار ".
(5) المنتظم 9: 261.
و كان هذا النمط في كلامه ينفق على أهل بغداد، و صار له بينهم صيت مشهور و اسم كبير، و حكى عنه أبو الفرج بن الجوزي في التاريخ أنه قال على المنبر: معاشر الناس، إني كنت دائما أدعوكم إلى الله و أنا اليوم أحذركم منه، و الله ما شدت الزنانير إلا في حبه، و لا أديت الجزية إلا في عشقه. و قال أيضا: إن رجلا يهوديا أدخل عليه ليسلم على يده، فقال له: لا تسلم. فقال له الناس: كيف تمنعه من الإسلام. فقال: احملوه إلى أبي حامد يعني أخاه ليعلمه لا(1) لا المنافقين، ثم قال: ويحكم أتظنون أن قوله لا إله إلا الله منشور ولايته ذا منشور عزله(2) ، و هذا نوع تعرفه الصوفية بالغلو و الشطح. و يروى عن أبي يزيد البسطامي(3) منه كثير. و مما يتعلق بما نحن فيه ما رووه عنه من قوله:
فمن آدم في البين |
و من إبليس لولاكا |
|
فتنت الكل و الكل |
مع الفتنة يهواكا |
و يقال: ول من قاس إبليس فأخطأ في القياس و هلك بخطئه، و يقال: إن أول حمية و عصبية ظهرت عصبية إبليس و حميته.
اختلاف الأقوال في خلق الجنة و النار
فإن قيل فما قول شيوخكم في الجنة و النار، فإن المشهور عنهم أنهما لم يخلقا و سيخلقان
____________________
(1) في المنتظم: " يعنى: لا إله إلا الله ".
(2) عبارة المنتظم: " أفنسوا عزله! ". قال ابن الجوزي بعد أن أورد هذه الحكايات: " لقد أدهشني نفاق هذا الهذيان في بغداد وهي دار العلم، ولقد حضر مجلسه يوسف الهمذاني، فقال: مدد كلام هذا شيطاني، لا رباني، ذهب دينه والدنيا لا تبقى له ".
(3) هو أبو يزيد طيفور بن عيسى، توفى سنة 261. طبقات الصوفية للسلمي 67
عند قيام الأجسام. و قد دل القرآن العزيز و نطق كلام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) في هذا الفصل بأن آدم كان في الجنة و أخرج منها. قيل قد اختلف شيوخنا رحمهم الله في هذه المسألة، فمن ذهب منهم إلى أنهما غير مخلوقتين الآن. يقول قد ثبت بدليل السمع أن سائر الأجسام تعدم و لا يبقى في الوجود إلا ذات الله تعالى، بدليل قوله:( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ) (1) و قوله( هُوَ اَلْأَوَّلُ وَ اَلْآخِرُ ) (2) فلما كان أولا بمعنى: أنه لا جسم في الوجود معه في الأزل، وجب أن يكون آخرا بمعنى: أنه لا يبقى في الوجود جسم من الأجسام معه فيما لا يزال و بآيات كثيرة أخرى، و إذا كان لا بد من عدم سائر الأجسام لم يكن في خلق الجنة و النار قبل أوقات الجزاء فائدة؛ لأنه لا بد أن يفنيهما مع الأجسام التي تفنى يوم القيامة فلا يبقى مع خلقهما من قبل معنى، و يحملون الآيات التي دلت على كون آدم (عليهالسلام ) كان في الجنة و أخرج منها على بستان من بساتين الدنيا. قالوا: و الهبوط لا يدل على كونهما في السماء لجواز أن يكون في الأرض إلا أنهما في موضع مرتفع عن سائر الأرض. و أما غير هؤلاء من شيوخنا فقالوا: إنهما مخلوقتان الآن و اعترفوا بأن آدم كان في جنة الجزاء و الثواب، و قالوا لا يبعد أن يكون في إخبار المكلفين بوجود الجنة و النار لطف لهم في التكليف و إنما يحسن الإخبار بذلك إذا كان صدقا، و إنما يكون صدقا إذا كان خبره على ما هو عليه.
القول في آدم و الملائكة أيهما أفضل
فإن قيل فما الذي يقوله شيوخكم في آدم و الملائكة أيهما أفضل. قيل: لا خلاف بين شيوخنا رحمهم الله أن الملائكة أفضل من آدم و من جميع الأنبياء
____________________
(1) سورة القصص 88.
(2) سورة الحديد 3.
(عليهالسلام ) و لو لم يدل على ذلك إلا قوله تعالى في هذه القصة:( إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ اَلْخالِدِينَ ) (1) لكفى. و قد احتج أصحابنا أيضا بقوله تعالى:( لَنْ يَسْتَنْكِفَ اَلْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَ لاَ اَلْمَلائِكَةُ اَلْمُقَرَّبُونَ ) (2) و هذا كما تقول لا يستنكف الوزير أن يعظمني و يرفع من منزلتي و لا الملك أيضا، فإن هذا يقتضي كون الملك أرفع منزلة من الوزير، و كذلك قوله:( وَ لاَ اَلْمَلائِكَةُ اَلْمُقَرَّبُونَ ) يقتضي كونهم أرفع منزلة من عيسى. و مما احتجوا به قولهم إنه تعالى لما ذكر جبريل و محمدا (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) في معرض المدح مدح جبريل (عليهالسلام ) بأعظم مما مدح به محمدا (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) فقال:( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي اَلْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَ مَا صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ اَلْمُبِينِ وَ ما هُوَ عَلَى اَلْغَيْبِ بِضَنِينٍ ) (3) ، فالمديح الأول لجبريل و الثاني لمحمد (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و لا يخفى تفاوت ما بين المدحين. فإن قيل فهل كان إبليس من الملائكة أم من نوع آخر قيل قد اختلف في ذلك فمن قال إنه من الملائكة احتج بالاستثناء في قوله:( فَسَجَدَ اَلْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ ) (4) ، و قال إن الاستثناء من غير الجنس خلاف الأصل، و من قال إنه لم يكن منهم احتج بقوله تعالى:( إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ اَلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) (5) . و أجاب الأولون عن هذا فقالوا إن الملائكة يطلق عليهم لفظ الجن لاجتنانهم و استتارهم عن الأعين و قالوا قد ورد ذلك في القرآن أيضا في قوله تعالى:( وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ
____________________
(1) سورة الأعراف 20.
(2) سورة النساء 172
(3) سورة التكوير 19-24.
(4) سورة الحجر 30، 29.
(5) سورة الكهف 50
وَ بَيْنَ اَلْجِنَّةِ نَسَباً ) (1) و الجنة هاهنا هم الملائكة؛ لأنهم قالوا إن الملائكة بنات الله بدليل قوله:( أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَ اِتَّخَذَ مِنَ اَلْمَلائِكَةِ إِناثاً ) (2) و كتب التفسير تشتمل من هذا على ما لا نرى الإطالة بذكره. فأما القطب الراوندي فقال في هذين الفصلين في تفسير ألفاظهما اللغوية العذب من الأرض ما ينبت و السبخ ما لا ينبت و هذا غير صحيح؛ لأن السبخ ينبت النخل فيلزم أن يكون عذبا على تفسيره. و قال فجبل منها صورة، أي: خلق خلقا عظيما و لفظة جبل في اللغة تدل على خلق سواء كان المخلوق عظيما أو غير عظيم. و قال: الوصول جمع وصل، و هو العضو و كل شيء اتصل بشيء فما بينهما وصلة، و الفصول جمع فصل، و هو الشيء المنفصل، و ما عرفنا في كتب اللغة أن الوصل هو العضو و لا قيل هذا. و قوله بعد ذلك و كل شيء اتصل بشيء فما بينهما وصلة لا معنى لذكره بعد ذلك التفسير، و الصحيح أن مراده (عليهالسلام ) أظهر من أن يتكلف له هذا التكلف و مراده (عليهالسلام ) أن تلك الصورة ذات أعضاء متصلة كعظم الساق أو عظم الساعد، و ذات أعضاء منفصلة في الحقيقة و إن كانت متصلة بروابط خارجة عن ذواتها، كاتصال الساعد بالمرفق و اتصال الساق بالفخذ. ثم قال يقال استخدمته لنفسي و لغيري و اختدمته لنفسي خاصة و هذا مما لم أعرفه و لعله نقله من كتاب.
____________________
(1) سورة الصافات 158
(2) سورة الإسراء40
ثم قال و الإذعان الانقياد و الخنوع الخضوع، و إنما كرر الخنوع بعد الإذعان؛ لأن الأول يفيد أنهم أمروا بالخضوع له في السجود و الثاني يفيد ثباتهم على الخضوع لتكرمته أبدا. و لقائل أن يقول: إنه لم يكرر لفظة الخنوع و إنما ذكر أولا الإذعان، و هو الانقياد و الطاعة، و معناه: أنهم سجدوا، ثم ذكر الخنوع الذي معناه الخضوع، و هو يعطي معنى غير المعنى الأول،(1) لأنه ليس كل ساجد خاضعا بقلبه فقد يكون ساجدا بظاهره دون باطنه. و قول الراوندي أفاد بالثاني ثباتهم على الخضوع له لتكرمته أبدا تفسير لا يدل عليه اللفظ و لا معنى الكلام. ثم قال قبيل إبليس نسله قال تعالى:( إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ ) (2) و كل جيل من الإنس و الجن قبيل و الصحيح أن قبيله نوعه كما أن البشر قبيل كل بشري سواء كانوا من ولده أو لم يكونوا و قد قيل أيضا كل جماعة قبيل، و إن اختلفوا نحو أن يكون بعضهم روما و بعضهم زنجا و بعضهم عربا، و قوله تعالى:( إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ ) لا يدل على أنهم نسله. و قوله بعد و كل جيل من الإنس و الجن قبيل ينقض دعواه أن قبيله لا يكون إلا نسله. ثم تكلم في المعاني فقال: إن القياس الذي قاسه إبليس كان باطلا؛ لأنه ادعى أن النار أشرف من الأرض و الأمر بالعكس؛ لأن كل ما يدخل إلى النار ينقص و كل ما يدخل التراب يزيد و هذا عجيب فإنا نرى الحيوانات الميتة إذا دفنت في الأرض تنقص أجسامها و كذلك الأشجار المدفونة في الأرض على أن التحقيق أن المحترق بالنار و البالي بالتراب لم تعدم أجزاؤه و لا بعضها و إنما استحالت إلى صور أخرى.
____________________
(1) ا: (فإنه)
(2) سورة الأعراف 27
ثم قال و لما علمنا أن تقديم المفضول على الفاضل قبيح علمنا أن آدم كان أفضل من الملائكة في ذلك الوقت و فيما بعده. و لقائل أن يقول أليس قد سجد يعقوب ليوسف (عليهالسلام ) أفيدل ذلك على أن يوسف أفضل من يعقوب و لا يقال إن قوله تعالى:( وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى اَلْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً ) (1) لا يدل على سجود الوالدين، فلعل الضمير يرجع إلى الإخوة خاصة؛ لأنا نقول هذا الاحتمال مدفوع بقوله:( وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ) (2) و هو كناية عن الوالدين. و أيضا قد بينا أن السجود إنما كان لله سبحانه و أن آدم كان قبلة و القبلة لا تكون أفضل من الساجد إليها أ لا ترى أن الكعبة ليست أفضل من النبي (عليهالسلام ) : (وَ اِصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَنْبِيَاءَ أَخَذَ عَلَى اَلْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ وَ عَلَى تَبْلِيغِ اَلرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ [ إِيمَانَهُمْ ] لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اَللَّهِ إِلَيْهِمْ فَجَهِلُوا حَقَّهُ وَ اِتَّخَذُوا اَلْأَنْدَادَ مَعَهُ وَ اِجْتَالَتْهُمُ اَلشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَ اِقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ فَبَعَثَ فِيهِمْ(3) رُسُلَهُ وَ وَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَ يُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ وَ يَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، وَ يُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ اَلْعُقُولِ وَ يُرُوهُمْ آيَاتِ اَلْمَقْدِرَةِ مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ وَ مِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ وَ مَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ وَ آجَالٍ تُفْنِيهِمْ وَ أَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ وَ أَحْدَاثٍ تَتَتَابَعُ تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ وَ لَمْ يُخْلِ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ أَوْ كِتَابٍ مُنْزَلٍ أَوْ حُجَّةٍ لاَزِمَةٍ
____________________
(1) سورة يوسف 100.
(2) سورة يوسف 4
(3) مخطوطة النهج: (إليهم).
أَوْ مَحَجَّةٍ قَائِمَةٍ رُسُلٌ لاَ تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّةُ عَدَدِهِمْ وَ لاَ كَثْرَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ لَهُمْ مِنْ سَابِقٍ سُمِّيَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ أَوْ غَابِرٍ عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ اجتالتهم الشياطين أدارتهم)، تقول: اجتال فلان فلانا و اجتاله عن كذا و على كذا، أي: أداره عليه كأنه يصرفه تارة هكذا و تارة هكذا يحسن له فعله و يغريه به. و قال الراوندي اجتالتهم عدلت بهم و ليس بشيء. و قوله (عليهالسلام ) : (واتر إليهم أنبياءه)، أي: بعثهم و بين كل نبيين فترة و هذا مما تغلط فيه العامة فتظنه كما ظن الراوندي أن المراد به المرادفة، و المتابعة، و الأوصاب الأمراض، و الغابر الباقي. و يسأل في هذا الفصل عن أشياء منها عن قوله (عليهالسلام ) : (أخذ على الوحي ميثاقهم). و الجواب أن المراد أخذ على أداء الوحي ميثاقهم و ذلك أن كل رسول أرسل فمأخوذ عليه أداء الرسالة كقوله تعالى:( يا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ) (1) . و منها أن يقال ما معنى قوله (عليهالسلام ) : (ليستأدوهم ميثاق فطرته) هل هذا
____________________
(1) سورة المائدة 67
إشارة إلى ما يقوله أهل الحديث في تفسير قوله تعالى:( وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ) (1) ؟ و الجواب: أنه لا حاجة في تفسير هذه اللفظة إلى تصحيح ذلك الخبر، و مراده (عليهالسلام ) بهذا اللفظ أنه لما كانت المعرفة به تعالى و أدلة التوحيد و العدل مركوزة في العقول أرسل سبحانه الأنبياء أو بعضهم ليؤكدوا(2) ذلك المركوز في العقول، و هذه هي الفطرة المشار إليها بقوله (عليهالسلام ) : (كل مولود يولد على الفطرة). و منها أن يقال إلى ما ذا يشير بقوله أو حجة لازمة هل هو إشارة إلى ما يقوله الإمامية من أنه لا بد في كل زمان من وجود إمام معصوم؟ الجواب: أنهم يفسرون هذه اللفظة بذلك و يمكن أن يكون المراد بها حجة العقل. و أما القطب الراوندي فقال في قوله (عليهالسلام ) : (و اصطفى سبحانه من ولده أنبياء)، الولد يقال: على الواحد و الجمع؛ لأنه مصدر في الأصل و ليس بصحيح؛ لأن الماضي فعل بالفتح و المفتوح لا يأتي مصدره بالفتح، و لكن فعلا مصدر فعل بالكسر، كقولك ولهت عليه ولها و وحمت المرأة وحما. ثم قال إن الله تعالى بعث يونس قبل نوح و هذا خلاف إجماع المفسرين و أصحاب السير. ثم قال: و كل واحد من الرسل و الأئمة كان يقوم بالأمر و لا يردعه عن ذلك قلة عدد أوليائه و لا كثرة عدد أعدائه، فيقال له: هذا خلاف قولك في الأئمة المعصومين، فإنك تجيز عليهم التقية و ترك القيام بالأمر إذا كثرت أعداؤهم. و قال في تفسير قوله (عليهالسلام ) : من سابق سمي له من بعده أو غابر عرفه
____________________
(1) سورة اعراف172.
(2) ا: " ليؤكد ذلك المركوز".
من قبله كان من ألطاف الأنبياء المتقدمين و أوصيائهم أن يعرفوا الأنبياء المتأخرين و أوصياءهم، فعرفهم الله تعالى ذلك، و كان من اللطف بالمتأخرين و أوصيائهم أن يعرفوا أحوال المتقدمين من الأنبياء و الأوصياء، فعرفهم الله تعالى ذلك أيضا، فتم اللطف لجميعهم. و لقائل أن يقول لو كان (عليهالسلام ) قال أو غابر عرف من قبله لكان هذا التفسير مطابقا، و لكنه (عليهالسلام ) لم يقل ذلك و إنما قال عرفه من قبله و ليس هذا التفسير مطابقا لقوله عرفه و الصحيح أن المراد به من نبي سابق عرف من يأتي بعده من الأنبياء، أي: عرفه الله تعالى ذلك أو نبي غابر نص عليه من قبله و بشر به كبشارة الأنبياء بمحمد (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) : (عَلَى ذَلِكَ نَسَلَتِ [ ذَهَبَتِ ] اَلْقُرُونُ وَ مَضَتِ اَلدُّهُورُ وَ سَلَفَتِ اَلآْبَاءُ وَ خَلَفَتِ اَلْأَبْنَاءُ إِلَى أَنْ بَعَثَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) رَسُولَ اَللَّهِ (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) لِإِنْجَازِ عِدَتِهِ وَ إِتْمَامِ(1) نُبُوَّتِهِ مَأْخُوذاً عَلَى اَلنَّبِيِّينَ مِيثَاقُهُ مَشْهُورَةً سِمَاتُهُ كَرِيماً مِيلاَدُهُ وَ أَهْلُ اَلْأَرْضِ [ اَلْأَرَضِينَ ] يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ وَ أَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ وَ طَرَائِقُ [ طَوَائِفُ ] مُتَشَتِّتَةٌ بَيْنَ مُشَبِّهٍ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ أَوْ مُلْحِدٍ فِي اِسْمِهِ أَوْ مُشِيرٍ إِلَى غَيْرِهِ فَهَدَاهُمْ بِهِ مِنَ اَلضَّلاَلَةِ وَ أَنْقَذَهُمْ بِمَكَانِهِ مِنَ اَلْجَهَالَةِ ثُمَّ اِخْتَارَ سُبْحَانَهُ لِمُحَمَّدٍ (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) لِقَاءَهُ وَ رَضِيَ لَهُ مَا عِنْدَهُ وَ أَكْرَمَهُ(2) عَنْ دَارِ اَلدُّنْيَا وَ رَغِبَ بِهِ عَنْ مَقَامِ [ مُقَارَنَةِ مَقَارِّ ] اَلْبَلْوَى فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ كَرِيماً (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) وَ خَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَّفَتِ اَلْأَنْبِيَاءُ فِي أُمَمِهَا إِذْ لَمْ يَتْرُكُوهُمْ هَمَلاً بِغَيْرِ طَرِيقٍ وَاضِحٍ
____________________
(1) مخطوطة النهج: " وتمام ".
(2) مخطوطة النهج: " فأكرمه ".
وَ لاَ عَلَمٍ قَائِمٍ كِتَابَ رَبِّكُمْ فِيكُمْ مُبَيِّناً(1) حَلاَلَهُ وَ حَرَامَهُ وَ فَرَائِضَهُ وَ فَضَائِلَهُ وَ نَاسِخَهُ وَ مَنْسُوخَهُ وَ رُخَصَهُ وَ عَزَائِمَهُ وَ خَاصَّهُ وَ عَامَّهُ وَ عِبَرَهُ وَ أَمْثَالَهُ وَ مُرْسَلَهُ وَ مَحْدُودَهُ وَ مُحْكَمَهُ وَ مُتَشَابِهَهُ [ مُتَسَابِقَهُ ] مُفَسِّراً جُمَلَهُ مُجْمَلَهُ [ جُمَلَهُ ] وَ مُبَيِّناً غَوَامِضَهُ بَيْنَ مَأْخُوذٍ مِيثَاقُ عِلْمِهِ وَ مُوَسَّعٍ عَلَى اَلْعِبَادِ فِي جَهْلِهِ وَ بَيْنَ مُثْبَتٍ فِي اَلْكِتَابِ فَرْضُهُ وَ مَعْلُومٍ فِي اَلسُّنَّةِ نَسْخُهُ وَ وَاجِبٍ فِي اَلسُّنَّةِ أَخْذُهُ وَ مُرَخَّصٍ فِي اَلْكِتَابِ تَرْكُهُ وَ بَيْنَ وَاجِبٍ لِوَقْتِهِ بِوَقْتِهِ وَ زَائِلٍ فِي مُسْتَقْبَلِهِ وَ مُبَايَنٌ بَيْنَ مَحَارِمِهِ مِنْ كَبِيرٍ أَوْعَدَ عَلَيْهِ نِيرَانَهُ أَوْ صَغِيرٍ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ وَ بَيْنَ مَقْبُولٍ فِي أَدْنَاهُ وَ مُوَسَّعٍ فِي أَقْصَاهُ) قوله (عليهالسلام ) نسلت القرون ولدت و الهاء في قوله: لإنجاز عدته، راجعة إلى البارئ سبحانه، و الهاء في قوله: و إتمام نبوته، راجعة إلى محمد (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و قوله: مأخوذ على النبيين ميثاقه، قيل: لم يكن نبي قط إلا و بشر بمبعث محمد (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و أخذ عليه تعظيمه و إن كان بعد لم يوجد. فأما قوله: و أهل الأرض يومئذ ملل متفرقة فإن العلماء يذكرون أن النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) بعث و الناس أصناف شتى في أديانهم يهود، و نصارى، و مجوس، و صائبون، و عبده أصنام، و فلاسفة، و زنادقة.
القول في أديان العرب في الجاهلية
فأما الأمة التي بعث محمد ص فيها فهم العرب و كانوا أصنافا شتى،
____________________
(1) ب: " فيكم ".
فمنهم معطلة و منهم غير معطلة، فأما المعطلة منهم فبعضهم أنكر الخالق و البعث و الإعادة، و قالوا ما قال القرآن العزيز عنهم( ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا اَلدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلاَّ اَلدَّهْرُ ) (1) فجعلوا الجامع لهم الطبع و المهلك لهم الدهر، و بعضهم اعترف بالخالق سبحانه، و أنكر البعث، و هم الذين أخبر سبحانه عنهم بقوله:( قالَ مَنْ يُحْيِ اَلْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ ) (2) و منهم من أقر بالخالق و نوع من الإعادة، و أنكروا الرسل و عبدوا الأصنام و زعموا أنها شفعاء عند الله في الآخرة و حجوا لها و نحروا لها الهدي و قربوا لها القربان، و حللوا و حرموا و هم جمهور العرب، و هم الذين قال الله تعالى عنهم:( وَ قالُوا ما لِهذَا اَلرَّسُولِ يَأْكُلُ اَلطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي اَلْأَسْواقِ ) (3) . فممن نطق شعره بإنكار البعث بعضهم يرثي قتلى بدر(4) :
فما ذا بالقليب قليب بدر |
من الفتيان و القوم الكرام(5) |
|
و ما ذا بالقليب قليب بدر |
من الشيزى تكلل بالسنام(6) |
|
أيخبرنا ابن كبشة أن سنحيا |
و كيف حياة أصداء وهام |
|
إذا ما الرأس زال بمنكبيه |
فقد شبع الأنيس من الطعام |
|
أيقتلني إذا ما كنت حيا |
و يحييني إذ رمت عظامي |
____________________
(1) سورة الجاثية 24.
(2) سورة الفرقان 78.
(3) سورة الفرقان 7
(4) سيرة ابن هشام 2: 311 مع اختلاف في الرواية وترتيب الأبيات وعددها، ونسبها إلى شداد ابن الأسود.
(5) ابن هشام: * من القينات والشرب الكرام * والقليب: البئر.
(6) البيت في اللسان 7: 230، ورواه: " يزين بالسنام "، وقال في شرحه: الشيزى: شجر يتخذ منه الجفان، وأراد بالجفان أربابها الذين كانوا يطمعون فيها وقتلوا ببدر وألقوا في القليب، فهو يرثيهم، وسمى الجفان شيزى بأسم أصلها ".
و كان من العرب من يعتقد التناسخ و تنقل الأرواح في الأجساد، و من هؤلاء أرباب الهامة التي قال (عليهالسلام ) عنهم: (لا عدوى و لا هامة و لا صفر)(1) و قال ذو الإصبع:
يا عمرو إلا تدع شتمي و منقصتي |
أضربك حيث تقول الهامة اسقوني(2) |
و قالوا: إن ليلى الأخيلية لما سلمت على قبر توبة بن الحمير خرج إليها هامة من القبر صائحة أفزعت ناقتها فوقصت(3) بها فماتت، و كان ذلك تصديق قوله:
و لو أن ليلى الأخيلية سلمت |
علي و دوني جندل و صفائح(4) |
|
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا |
إليها صدى من جانب القبر صائح |
و كان توبة و ليلى في أيام بني أمية. و كانوا في عبادة الأصنام مختلفين، فمنهم من يجعلها مشاركة للبارئ تعالى و يطلق عليها لفظة الشريك و من ذلك قولهم في التلبية لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه و ما ملك، و منهم من لا يطلق عليها لفظ الشريك و يجعلها وسائل و ذرائع إلى الخالق سبحانه، و هم الذين قالوا:( ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اَللَّهِ زُلْفى ) (5) . و كان في العرب مشبهة و مجسمة منهم أمية بن أبي الصلت و هو القائل:
من فوق عرش جالس قد حط |
رجليه إلى كرسيه المنصوب |
و كان جمهورهم عبدة الأصنام فكان ود لكلب بدومة الجندل و سواع لهذيل
____________________
(1) كانت العرب تزعم أن في البطن حية يقال لها الصفر، تصيب الانسان إذا جاع وتؤذيه. نهاية ابن الأثير 226:2.
(2) من قصيدة مفضلية، المفضليات 163.
(3) وقصت بها، أي سقطت عنها فماتت.
(4) ديوان الحماسة لأبي تمام بشرح التبريزي 267:3. والصفائح: الحجارة العراض تكون على القبور
(5) سورة الزمر 3.
و نسر لحمير و يغوث لهمدان و اللات لثقيف بالطائف و العزى لكنانة و قريش و بعض بني سليم و مناة لغسان و الأوس و الخزرج و كان هبل لقريش خاصة على ظهر الكعبة و أساف(1) و نائلة على الصفا و المروة، و كان في العرب من يميل إلى اليهودية منهم جماعة من التبابعة و ملوك اليمن، و منهم نصارى كبني تغلب و العباديين رهط عدي بن زيد و نصارى نجران، و منهم من كان يميل إلى الصابئة و يقول بالنجوم و الأنواء. فأما الذين ليسوا بمعطلة من العرب فالقليل منهم و هم المتألهون أصحاب الورع(2) و التحرج عن القبائح كعبد الله و عبد المطلب و ابنه أبي طالب، و زيد بن عمرو بن نفيل، و قس بن ساعدة الإيادي، و عامر بن الظرب العدواني، و جماعة غير هؤلاء. و غرضنا من هذا الفصل بيان قوله (عليهالسلام ) : بين مشبه لله بخلقه أو ملحد في اسمه إلى غير ذلك، و قد ظهر بما شرحناه. ثم ذكر (عليهالسلام ) : أن محمدا (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) خلف في الأمة بعده كتاب الله تعالى طريقا واضحا، و علما قائما، و العلم المنار يهتدى به. ثم قسم ما بينه (عليهالسلام ) في الكتاب أقساما: فمنها حلاله و حرامه، فالحلال كالنكاح، و الحرام كالزنا. و منها فضائله و فرائضه، فالفضائل النوافل، أي: هي فضلة غير واجبة كركعتي الصبح و غيرهما، و الفرائض كفريضة الصبح. و قال الراوندي: الفضائل هاهنا، جمع فضيلة، و هي الدرجة الرفيعة و ليس بصحيح ألا تراه كيف جعل الفرائض في مقابلتها و قسيما لها، فدل ذلك على أنه أراد النوافل.
____________________
(1) أساف وإساف، كسحاب وكتاب.
(2) ا: " التورع ".
و منها ناسخه و منسوخه فالناسخ كقوله:( فَاقْتُلُوا اَلْمُشْرِكِينَ ) (1) ، و المنسوخ كقوله:( لا إِكْراهَ فِي اَلدِّينِ ) (2) . و منها رخصه و عزائمه فالرخص كقوله تعالى:( فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ ) (3) ، و العزائم كقوله:( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اَللَّهُ ) (4) . و منها خاصه و عامه، فالخاص كقوله تعالى:( وَ اِمْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ) (5) و العام كالألفاظ الدالة على الأحكام العامة لسائر المكلفين، كقوله:( وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاةَ ) (6) و يمكن أن يراد بالخاص العمومات التي يراد بها الخصوص، كقوله:( وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) (7) و بالعام ما ليس مخصوصا بل هو على عمومه، كقوله تعالى:( وَ اَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (8) . و منها عبره و أمثاله فالعبر كقصة أصحاب الفيل و كالآيات التي تتضمن النكال و العذاب النازل بأمم الأنبياء من قبل و الأمثال كقوله:( كَمَثَلِ اَلَّذِي اِسْتَوْقَدَ ناراً ) (9) . و منها مرسله و محدوده، و هو عبارة عن المطلق و المقيد، و سمي المقيد محدودا، و هي لفظة فصيحة جدا، كقوله:( تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) (10)، و قال في موضع آخر( وَ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) (11)، و منها محكمه و متشابهه، فمحكمه كقوله تعالى:( قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ ) (12)، و المتشابه كقوله:( إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ) (13). ثم قسم (عليهالسلام ) الكتاب قسمة ثانية فقال: إن منه ما لا يسع أحدا جهله
____________________
(1) سورة التوبة 5.
(2) البقرة 256
(3) سورة المائدة 3
(4) سورة محمد19
(5) سورة الأحزاب 50
(6) سورة البقرة 110
(7) سورة النمل 23
(8) سورة البقرة 282
(9) سورة البقرة 17
(10) سورة المجادلة 3
(11) سورة النساء 92
(12) سورة الاخلاص 1
(13) سورة القيامة 23
و منه ما يسع الناس جهله مثال الأول قوله:( اَللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ اَلْحَيُّ اَلْقَيُّومُ ) (1) ، و مثال الثاني (كهيعص، حم، عسق). ثم قال و منه ما حكمه مذكور في الكتاب منسوخ بالسنة، و ما حكمه مذكور في السنة منسوخ بالكتاب، مثال الأول قوله تعالى:( فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي اَلْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ اَلْمَوْتُ ) (2) نسخ بما سنه (عليهالسلام ) من رجم الزاني المحصن، و مثال الثاني صوم يوم عاشوراء كان واجبا بالسنة، ثم نسخه صوم شهر رمضان الواجب بنص الكتاب. ثم قال و بين واجب بوقته و زائل في مستقبله يريد الواجبات الموقتة كصلاة الجمعة، فإنها تجب في وقت مخصوص و يسقط وجوبها في مستقبل ذلك الوقت. ثم قال (عليهالسلام ) و مباين بين محارمه الواجب أن يكون و مباين بالرفع لا بالجر، فإنه ليس معطوفا على ما قبله ألا ترى أن جميع ما قبله يستدعي الشيء و ضده أو الشيء و نقيضه، و قوله و مباين بين محارمه لا نقيض و لا ضد له؛ لأنه ليس القرآن العزيز على قسمين: أحدهما: مباين بين محارمه، و الآخر: غير مباين، فإن ذلك لا يجوز فوجب رفع مباين و أن يكون خبر مبتدأ محذوف، ثم فسر ما معنى المباينة بين محارمه، فقال إن محارمه تنقسم إلى كبيرة و صغيرة، فالكبيرة أوعد سبحانه عليها بالعقاب، و الصغيرة مغفورة، و هذا نص مذهب المعتزلة في الوعيد. ثم عدل (عليهالسلام ) عن تقسيم المحارم المتباينة و رجع إلى تقسيم الكتاب. فقال و بين مقبول في أدناه و موسع في أقصاه كقوله:( فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ ) (3) . فإن القليل من القرآن مقبول و الكثير منه موسع مرخص في تركه
____________________
(1) سورة البقرة 255.
(2) سورة النساء 15.
(3) سورة المزمل 20.
(وَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ بَيْتِهِ اَلْحَرَامِ اَلَّذِي جَعَلَهُ قِبْلَةً لِلْأَنَامِ يَرِدُونَهُ وُرُودَ اَلْأَنْعَامِ وَ يَوْلَهُونَ يَأْلَهُونَ إِلَيْهِ وَلَهَ وُلُوهَ اَلْحَمَامِ وَ جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلاَمَةً لِتَوَاضُعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ وَ إِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ وَ اِخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَيْهِ دَعْوَتَهُ وَ صَدَّقُوا كَلِمَتَهُ وَ وَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِيَائِهِ وَ تَشَبَّهُوا بِمَلاَئِكَتِهِ اَلْمُطِيفِينَ بِعَرْشِهِ يُحْرِزُونَ اَلْأَرْبَاحَ فِي مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ وَ يَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لِلْإِسْلاَمِ عَلَماً وَ لِلْعَائِذِينَ حَرَماً وَ فَرَضَ حَقَّهُ وَ أَوْجَبَ حَجَّهُ(1) وَ كَتَبَ عَلَيْهِ عَلَيْكُمْ وِفَادَتَهُ فَقَالَ سُبْحَانَهُ( وَ لِلَّهِ عَلَى اَلنَّاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اَللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ اَلْعالَمِينَ ) (2) الوله شدة الوجد حتى يكاد العقل يذهب وله الرجل يوله ولها و من روى يألهون إليه ولوه الحمام، فسره بشيء آخر، و هو يعكفون عليه عكوف الحمام، و أصل أله عبد و منه الإله، أي: المعبود، و لما كان العكوف على الشيء كالعبادة له لملازمته و الانقطاع إليه قيل أله فلان إلى كذا، أي: عكف عليه كأنه يعبده و لا يجوز أن يقال يألهون إليه في هذا الموضع بمعنى يولهون و أن أصل الهمزة الواو كما فسره الراوندي؛ لأن فعولا لا يجوز أن يكون مصدرا من فعلت بالكسر و لو كان يألهون هو يولهون كان أصله أله بالكسر، فلم يجز أن يقول: ولوه الحمام و أما على ما فسرناه نحن فلا يمتنع أن يكون الولوه مصدرا؛ لأن أله مفتوح فصار كقولك دخل دخولا و باقي الفصل غني عن التفسير
____________________
(1) مخطوطة النهج: " فرض حجه، وأوجب حقه "
(2) سورة آل عمران 97
فصل في فضل البيت و الكعبة
جاء في الخبر الصحيح أن في السماء بيتا يطوف به الملائكة طواف البشر بهذا البيت اسمه الضراح، و أن هذا البيت تحته على خط مستقيم، و أنه المراد بقوله تعالى:( وَ اَلْبَيْتِ اَلْمَعْمُورِ ) (1) أقسم سبحانه به لشرفه و منزلته عنده، و في الحديث أن آدم لما قضى مناسكه و طاف بالبيت لقيته الملائكة، فقالت: يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. قال مجاهد: إن الحاج إذا قدموا مكة استقبلتهم الملائكة فسلموا على ركبان الإبل و صافحوا ركبان الحمير و اعتنقوا المشاة اعتناقا. من سنة السلف أن يستقبلوا الحاج و يقبلوا بين أعينهم و يسألوهم الدعاء لهم و يبادروا ذلك قبل أن يتدنسوا بالذنوب و الآثام.
و في الحديث أن الله تعالى قد وعد هذا البيت أن يحجه في كل سنة ستمائة ألف فإن(2) نقصوا أتمهم الله بالملائكة، و أن الكعبة تحشر كالعروس المزفوفة و كل من حجها متعلق بأستارها يسعون حولها حتى تدخل الجنة فيدخلون معها، و في الحديث أن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا الوقوف بعرفة، و فيه أعظم الناس ذنبا من وقف بعرفة فظن أن الله لا يغفر له. عمر بن ذر الهمداني لما قضى مناسكه أسند ظهره إلى الكعبة، و قال مودعا للبيت ما زلنا نحل إليك عروة و نشد إليك أخرى و نصعد لك أكمة و نهبط أخرى و تخفضنا أرض و ترفعنا أخرى حتى أتيناك فليت شعري بم يكون منصرفنا أبذنب مغفور فأعظم بها من نعمة أم بعمل مردود، فأعظم بها من مصيبة فيا من له خرجنا و إليه
____________________
(1) سورة الطور 4.
(2) ا: " وإن "
قصدنا و بحرمه أنخنا ارحم يا معطي الوفد بفنائك فقد أتيناك بها معراة جلودها ذابلة أسنمتها نقبة(1) أخفافها، و إن أعظم الرزية أن نرجع و قد اكتنفتنا الخيبة اللهم و إن للزائرين حقا فاجعل حقنا عليك غفران ذنوبنا، فإنك جواد كريم ماجد لا ينقصك نائل و لا يبخلك سائل. ابن جريج ما ظننت أن الله ينفع أحدا بشعر عمر بن أبي ربيعة، حتى كنت باليمن فسمعت منشدا ينشد قوله:
بالله قولا له في غير معتبة |
ما ذا أردت بطول المكث في اليمن(2) |
|
إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها(3) |
فما أخذت بترك الحج من ثمن |
فحركني ذلك على ترك اليمن و الخروج إلى مكة فخرجت فحججت. سمع أبو حازم امرأة حاجة ترفث(4) في كلامها: فقال يا أمة الله، ألست حاجة ألا تتقين الله فسفرت عن وجه صبيح، ثم قالت له أنا من اللواتي قال فيهن العرجي(5) :
أماطت كساء الخز عن حر وجهها |
و ردت على الخدين بردا مهلهلا |
|
من اللاء لم يحججن يبغين حسبة |
و لكن ليقتلن البريء المغفلا |
فقال أبو حازم: فأنا أسأل الله ألا يعذب هذا الوجه بالنار، فبلغ ذلك سعيد بن المسيب. فقال: رحم الله أبا حازم، لو كان من عباد(6) العراق لقال لها اعزبي يا عدوة الله، و لكنه ظرف نساك الحجاز(7)
____________________
(1) نقبة، من نقب البعير، إذا رقت أخفافه.
(2) ديوانه 672، والمعتبة: العتاب.
(3) الديوان: " أو نعمت بها ".
(4) الرفث: الفحش في القول.
(5) فى جميع الأصول عمربن أبي ربيعة الصواب أنهما للعرجى، وهما من قصيدة في ديوانه 17 - 57 مطلعها:
رأتني خضيب الرأس شمرت مئزري |
وقد عهدتني أسود الرأس مسبلا |
ونسبهما إليه أبو الفرج في الأغاني 1: 404 (طبعة دار الكتب).
(6) الأغاني:"من بعض بغضاء".
(7) الأغانى:"ولكنه ظرف عباد أهل الحجاز".
فصل في الكلام على السجع
و اعلم أن قوما من أرباب علم البيان عابوا السجع، و أدخلوا خطب أميرالمؤمنين (عليهالسلام ) في جملة ما عابوه؛ لأنه يقصد فيها السجع و قالوا إن الخطب الخالية من السجع و القرائن و الفواصل، هي خطب العرب و هي المستحسنة الخالية من التكلف كخطبة النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) في حجة(1) الوداع، و هي: (الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نتوب إليه و نعوذ بالله من شرور أنفسنا، و سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له، و من يضلل الله فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، أوصيكم عباد الله بتقوى الله و أحثكم على العمل بطاعته و أستفتح الله بالذي هو خير أما بعد أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا، أيها الناس إن دماءكم و أموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا أهل بلغت اللهم اشهد من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها و إن ربا الجاهلية موضوع(3) و أول ربا أبدأ به ربا العباس بن عبد المطلب و إن دماء الجاهلية موضوعة و أول دم أبدأ به دم آدم(4) بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، و إن مآثر الجاهلية موضوعة غير
____________________
(1) اللسان:"والحجة:المرة الواحد؛وهو من الشواذ؛لأن القياس بالفتح".
(2) الخطبة في سيرة ابن هشام 2: 053، والبيان والتبيين 2: 13، والطبري 3: 861 وإعجاز القرآن للباقلاني 891، والعقد 4: 75، وابن الأثير 2: 502.
(3) يقال: وضعت الدين والجزية عنه ونحوهما، إذا أسقطته.
(4) كذا في ب، وهو يوافق ما ذكره السهيلي، قال: اسمه آدم، وكان مسترضعا في هذيل، وقيل اسمه تمام، وكان سبب قتله حرب كانت بين قبائل هذيل، تقاذفوا فيها بالحجارة، فأصاب الطفل حجر وهو يحبو بين البيوت. وفى ا " عامر "، وهو يوافق ما في البيان والتبيين والعقد، وفى الطبري والباقلاني: " دم ابن ربيعة بن الحارث بن الحارث ".
السدانة و السقاية(1) و العمد(2) قود و شبه العمد ما قتل بالعصا و الحجر فيه مائة بعير فمن ازداد فهو من الجاهلية، أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، و لكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك فيما تحتقرون من أعمالكم، أيها الناس إنما النسيء(3) زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما و يحرمونه عاما، و إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات و الأرض، و إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات و الأرض منها أربعة حرم ثلاثة متواليات و واحد فرد ذو القعدة و ذو الحجة و محرم و رجب، الذي بين جمادى و شعبان، ألا هل بلغت أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقا و لكم عليهن حقا فعليهن، ألا يوطئن فرشكم غيركم و لا يدخلن بيوتكم أحدا تكرهونه إلا بإذنكم و لا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فقد أذن(4) لكم أن تهجروهن في المضاجع و تضربوهن فإن انتهين و أطعنكم فعليكم كسوتهن و رزقهن بالمعروف فإنما النساء عندكم عوان(5) لا يملكن لأنفسهن شيئا أخذتموهن بأمانة الله، و استحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في النساء و استوصوا بهن خيرا
____________________
(1) السدانة: خدمة الكعبة، بفتح السين وكسرها. والسقاية: ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء.
(2) القود: القصاص، أي من قتل متعمدا يقتل.
(3) النسئ: تأخير حرمة شهر آخر، وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهر آخر، فيحملون المحرم ويحرمون صفرا، فإن احتاجوا أحلوه وحرموا ربيعا الأول، وهكذا حتى استدار التحريم على شهور السنة كلها، وكانوا يعتبرون في التحريم مجرد العدد لا خصوصية الأشهر المعلومة، وأول من أحدث ذلك جنادة بن عوف الكناني. وانظر تفسير الآلوسي 3: 305
(4) أذن، بالفتح:أباح.
(5) عوان: أسيرات.
أيها الناس إنما المؤمنون إخوة و لا يحل لامرئ مال أخيه إلا على طيب نفس ألا هل بلغت، اللهم اشهد ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا كتاب الله ربكم، ألا هل بلغت اللهم اشهد أيها الناس إن ربكم واحد و إن أباكم واحد كلكم لآدم، و آدم من تراب إن أكرمكم عند الله أتقاكم و ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى ألا فليبلغ الشاهد الغائب أيها الناس إن الله قسم لكل وارث نصيبه من الميراث و لا تجوز وصية في أكثر من الثلث و الولد للفراش و للعاهر الحجر من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فهو ملعون لا يقبل الله منه صرفا و لا عدلا(1) و السلام عليكم و رحمة الله عليكم. و اعلم أن السجع لو كان عيبا لكان كلام الله سبحانه معيبا؛
لأنه مسجوع كله ذو فواصل و قرائن و يكفي هذا القدر وحده مبطلا لمذهب هؤلاء، فأما خطبة رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) هذه فإنها و إن لم تكن ذات سجع، فإن أكثر خطبه مسجوع كقوله: (إن مع العز ذلا و إن مع الحياة موتا و إن مع الدنيا آخرة و إن لكل شيء حسابا، و لكل حسنة ثوابا و لكل سيئة عقابا، و إن على كل شيء رقيبا و إنه لا بد لك من قرين يدفن معك هو حي و أنت ميت، فإن كان كريما أكرمك و إن كان لئيما أسلمك، ثم لا يحشر إلا معك و لا تبعث إلا معه و لا تسأل إلا عنه فلا تجعله إلا صالحا، فإنه إن صلح أنست به و إن فسد لم تستوحش إلا منه و هو عملك). فأكثر هذا الكلام مسجوع كما تراه و كذلك خطبه الطوال كلها و أما كلامه
____________________
(1) أي لا يقبل منهم شئ، وأصل العدل أن يقتل الرجل الرجل، وانصرف: أن ينصرف عن الدم إلى أخذ الدية.
القصير فإنه غير مسجوع؛ لأنه لا يحتمل السجع و كذلك القصير من كلام أمير المؤمنين (عليهالسلام ). فأما قولهم إن السجع يدل على التكلف فإن المذموم هو التكلف الذي تظهر سماجته و ثقله للسامعين، فأما التكلف المستحسن فأي عيب فيه ألا ترى أن الشعر نفسه لابد فيه من تكلف إقامة الوزن، و ليس لطاعن أن يطعن فيه بذلك. و احتج عائبو السجع بقوله (عليهالسلام ) لبعضهم منكرا عليه أسجعا كسجع الكهان، و لولا أن السجع منكر لما أنكر (عليهالسلام ) سجع الكهان و أمثاله، فيقال لهم إنما أنكر (عليهالسلام ) السجع الذي يسجع الكهان أمثاله لا السجع على الإطلاق، و صورة الواقعة أنه (عليهالسلام ) أمر في الجنين بغرة(1) فقال: قائل أأدي من لا شرب و لا أكل و لا نطق و لا استهل، و مثل هذا يطل(2) فأنكر (عليهالسلام ) ذلك؛ لأن الكهان كانوا يحكمون في الجاهلية بألفاظ مسجوعة كقولهم حبة بر في إحليل مهر و قولهم عبد المسيح على جمل مشيح(3) ،لرؤيا الموبذان و ارتجاس الإيوان و نحو ذلك من كلامهم، و كان (عليهالسلام ) قد أبطل الكهانة و التنجيم و السحر و نهى عنها فلما سمع كلام ذلك القائل أعاد الإنكار، و مراده به تأكيد تحريم العمل على أقوال الكهنة، و لو كان (عليهالسلام ) قد أنكر السجع لما قاله، و قد بينا أن كثيرا من كلامه مسجوع و ذكرنا خطبته. و من كلامه (عليهالسلام ) المسجوع خبر ابن مسعودرحمهالله تعالى قال: قال رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) استحيوا من الله حق الحياء، فقلنا إنا لنستحيي يا رسول الله، من الله تعالى فقال ليس ذلك ما أمرتكم به و إنما الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس
____________________
(1) الغرة:ما بلغ ثمنه نصف عشر الدية من العبيد والإماء.انظر النهاية لابن الأثير (155:3).
(2) الطل: هدرالدم.
(3) جمل مشيح: جاد مسرع.
و ما وعى و البطن و ما حوى و تذكر الموت و البلى، و من أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا. و من ذلك كلامه المشهور لما قدم المدينة (عليهالسلام ) أول قدومه إليها أيها الناس أفشوا السلام، و أطعموا الطعام، و صلوا الأرحام و صلوا بالليل و الناس نيام تدخلوا الجنة بسلام و عوذ الحسن (عليهالسلام ) فقال: (أعيذك من الهامة و السامة و كل عين لامة)، و إنما أراد ملمة فقال لامة لأجل السجع. و كذلك قوله: (ارجعن مأزورات غير مأجورات) و إنما هو موزورات بالواو
2. و من خطبة له (عليهالسلام ) بعد انصرافه من صفين
صفين اسم الأرض التي كانت فيها الحرب و النون فيها أصلية ذكر ذلك صاحب الصحاح(1) فوزنها على هذا فعيل كفسيق، و خمير، و صريع و ظليم و ضليل. فإن قيل فاشتقاقه مما ذا يكون. قيل: لو كان اسما لحيوان لأمكن أن يكون من صفن الفرس إذا قام على ثلاث، و أقام الرابعة على طرف الحافر يصفن بالكسر صفونا أو من صفن القوم إذا صفوا أقدامهم لا يخرج بعضها من بعض(2) . فإن قيل أيمكن أن يشتق من ذلك، و هو اسم أرض. قيل يمكن على تعسف، و هو أن تكون تلك الأرض لما كانت مما تصفن فيها الخيل أو تصطف فيها الأقدام سميت صفين. فإن قيل أيمكن أن تكون النون زائدة مع الياء كما هما في غسلين و عفرين. قيل: لو جاء في الأصل صف بكسر الصاد لأمكن أن تتوهم الزيادة كالزيادة
____________________
(1) الصحاح، 512، أي أنه ذكرها في مادة " صفن ".
(2) ا: " عن بعض ".
في غسل، و هو ما يغتسل به نحو الخطمي و غيره فقيل غسلين لما يسيل من صديد أهل النار و دمائهم و كالزيادة في عفر، و هو الخبيث الداهي(1) فقيل: عفرين لمأسدة بعينها و قيل: عفريت للداهية هكذا ذكروه، و لقائل أن يقول لهم: أليس قد قالوا للأسد عفرني بفتح العين، و أصله العفر بالكسر، فقد بان أنهم لم يراعوا في اشتقاقهم و تصريف كلامهم الحركة المخصوصة، و إنما يراعون الحرف و لا كل الحروف بل الأصلي منها فغير ممتنع على هذا عندنا أن تكون الياء و النون زائدتين في صفين. و صفين اسم غير منصرف للتأنيث و التعريف قال(2) :
إني أدين بما دان الوصي به |
يوم الخريبة من قتل المحلينا(3) |
|
و بالذي دان يوم النهر دنت به |
و شاركت كفه كفي بصفينا |
|
تلك الدماء معا يا رب في عنقي |
ثم اسقني مثلها آمين آمينا |
(أَحْمَدُهُ اِسْتِتْمَاماً لِنِعْمَتِهِ وَ اِسْتِسْلاَماً لِعِزَّتِهِ وَ اِسْتِعْصَاماً مِنْ مَعْصِيَتِهِ وَ أَسْتَعِينُهُ فَاقَةً إِلَى كِفَايَتِهِ إِنَّهُ لاَ يَضِلُّ مَنْ هَدَاهُ وَ لاَ يَئِلُ مَنْ عَادَاهُ وَ لاَ يَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاهُ فَإِنَّهُ أَرْجَحُ مَا وُزِنَ وَ أَفْضَلُ مَا خُزِنَ وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ(4 وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ4) شَهَادَةً مُمْتَحَناً إِخْلاَصُهَا مُعْتَقَداً مُصَاصُهَا نَتَمَسَّكُ بِهَا أَبَداً
____________________
(1) يقال: رجل داه وداهية، بمعنى.
(2) هو السيد الحميري، والأبيات بنسبتها إليه في الكامل 7: 177 - بشرح المرصفي.
(3) الخريبة: موضع بالبصرة، كانت عنده وقعة الجمل، ذكره ياقوت، واستشهد بالبيت، وفى الأصول: " الحربية "، بالحاء، تصحيف. وفى الكامل: " يوم النخلة ".
(4 - 4)ساقط من ا: ومخطوطة النهج.
مَا أَبْقَانَا وَ نَدَّخِرُهَا [ نَذَّخِرُهَا ] لِأَهَاوِيلِ مَا يَلْقَانَا فَإِنَّهَا عَزِيمَةُ اَلْإِيمَانِ وَ فَاتِحَةُ اَلْإِحْسَانِ وَ مَرْضَاةُ اَلرَّحْمَنِ وَ مَدْحَرَةُ [ مَهْلَكَةُ ] اَلشَّيْطَانِ) وأل أي نجا يئل و المصاص خالص الشيء و الفاقة الحاجة، و الفقر الأهاويل جمع أهوال، و الأهوال جمع هول، فهو جمع الجمع كما قالوا أنعام و أناعيم و قيل أهاويل أصله تهاويل، و هي ما يهولك من شيء، أي: يروعك و إن جاز هذا فهو بعيد؛ لأن التاء قل أن تبدل همزة و العزيمة النية المقطوع عليها و مدحرة الشيطان، أي: تدحره أي تبعده و تطرده. و قوله: (عليهالسلام ) استتماما و استسلاما و استعصاما من لطيف الكناية و بديعها، فسبحان من خصه بالفضائل التي لا تنتهي ألسنة الفصحاء إلى وصفها، و جعله إمام كل ذي علم و قدوة كل صاحب خصيصة. و قوله: فإنه أرجح الهاء عائدة إلى ما دل عليه قوله أحمده يعني الحمد، و الفعل يدل على المصدر و ترجع الضمائر إليه، كقوله تعالى:( بَلْ هُوَ شَرٌّ ) (1) و هو ضمير البخل الذي دل عليه قوله:( يَبْخَلُونَ ) (1)
باب لزوم ما لا يلزم و إيراد أمثلة منه
و قوله: (عليهالسلام ) وزن و خزن بلزوم الزاي من الباب المسمى لزوم ما لا يلزم، و هو أحد أنواع البديع و ذلك أن تكون الحروف التي قبل الفاصلة حرفا واحدا هذا
____________________
(1) سورة آل عمران 180 الآية بتمامها( وَلَايَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ) .
في المنثور و أما في المنظوم فأن تتساوى الحروف التي قبل الروي مع كونها ليست بواجبة التساوي مثال ذلك قول بعض شعراء الحماسة(1) :
بيضاء باكرها النعيم فصاغها |
بلباقة فأدقها و أجلها(2) |
|
حجبت تحيتها فقلت لصاحبي |
ما كان أكثرها لنا و أقلها |
|
و إذا وجدت لها وساوس سلوة |
شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها(3) |
ألا تراه كيف قد لزم اللام الأولى من اللامين اللذين صارا حرفا مشددا، فالثاني منهما هو الروي و اللام الأول الذي قبله التزام ما لا يلزم، فلو قال في القصيدة وصلها و قبلها و فعلها لجاز. و احترزنا نحن بقولنا مع كونها ليست بواجبة التساوي عن قول الراجز، و هو من شعر الحماسة أيضا:
و فيشة ليست كهذي الفيش |
قد ملئت من نزق و طيش(4) |
|
إذا بدت قلت أمير الجيش |
من ذاقها يعرف طعم العيش |
فإن لزوم الياء قبل حرف الروي ليس من هذا الباب؛ لأنه لزوم واجب ألا ترى أنه لو قال في هذا الرجز البطش، و الفرش، و العرش لم يجز؛ لأن الردف(5) لا يجوز أن يكون حرفا خارجا عن حروف العلة، و قد جاء من اللزوم في الكتاب العزيز مواضع
____________________
(1) من أبيات أربعة، أولها:
إن التي زعمت فؤادك ملها |
خلقت هواك كما خلقت هوى لها |
وهي في المرزوقي 1235، وأمالي القالي (1: 156) من غير نسبة، ونقل التبريزي عن أبي رياش أنها لعروة بن أذينة.
(2) أدقها وأجلها، أي أتى بها دقيقة العين والأنف والثغر والخصر، جليلة الساق والفخذ والصدر.
(3) الحماسة: * شفع الضمير لها إلى فسلها *
(4) ديوان الحماسة - بشرح التبريزي 4: 340.
(5) الردف عند العروضيين هو حرف لين أو مد قبل الروى يتصلان به.
ليست بكثيرة، فمنها قوله سبحانه:( فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ، لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَ اُهْجُرْنِي مَلِيًّا ) (1) ، و قوله تعالى:( وَ لكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ) (2) ، و قوله:( اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ خَلَقَ اَلْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ) (3) و قوله:( وَ اَلطُّورِ وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ ) (4) ، و قوله:( بِكاهِنٍ وَ لا مَجْنُونٍ أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ اَلْمَنُونِ ) (5) ، و قوله:( فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَ طَلْحٍ مَنْضُودٍ ) (6) ، و قوله:( فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اَللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اَللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ اَلْمَوْلى وَ نِعْمَ اَلنَّصِيرُ ) (7) ، و الظاهر أن ذلك غير مقصود قصده. و مما ورد منه في كلام العرب أن لقيط بن زرارة تزوج ابنة قيس بن خالد الشيباني فأحبته فلما قتل عنها تزوجت غيره، فكانت تذكر لقيطا، فسألها عن حبها له فقالت أذكره، و قد خرج تارة في يوم دجن و قد تطيب، و شرب الخمر، و طرد بقرا فصرع بعضها، ثم جاءني و به نضح دم و عبير فضمني ضمة و شمني شمة فليتني كنت مت ثمة. و قد صنع أبو العلاء المعري كتابا في اللزوم من نظمه، فأتى فيه بالجيد و الرديء و أكثره متكلف و من جيده قوله:
لا تطلبن بآلة لك حالة |
قلم البليغ بغير حظ مغزل(8) |
|
سكن السماكان السماء كلاهما |
هذا له رمح و هذا أعزل |
(وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالدِّينِ اَلْمَشْهُورِ وَ اَلْعَلَمِ اَلْمَأْثُورِ
____________________
(1) سورة مريم 44، 45.
(2) سورة ق 27، 28
(3) سورة العلق 1، 2.
(4) سورة الطور 1، 2
(5) سورة الطور 29، 30.
(6) سورة الواقعة 28، 29
(7) سورة الأنفال 39، 40.
(8) لم يرد البيتان نسخ اللزوميات، ونسبهما إليه ابن خلكان (1: 33)، وابن الوردي، ومرآة الجنان، وابن كثير (حوادث 499)، وشذرات الذهب 3: 281، وتقديم أبى بكر لا بن حجه 435، وفى ابن خلكان: "لك رتبة ".
وَ اَلْكِتَابِ اَلْمَسْطُورِ وَ اَلنُّورِ اَلسَّاطِعِ وَ اَلضِّيَاءِ اَللاَّمِعِ وَ اَلْأَمْرِ اَلصَّادِعِ إِزَاحَةً لِلشُّبُهَاتِ وَ اِحْتِجَاجاً بِالْبَيِّنَاتِ وَ تَحْذِيراً بِالآْيَاتِ وَ تَخْوِيفاً بِالْمَثُلاَتِ وَ اَلنَّاسُ فِي فِتَنٍ اِنْجَذَمَ [ اِنْحَذَمَ ] فِيهَا حَبْلُ اَلدِّينِ وَ تَزَعْزَعَتْ سَوَارِي اَلْيَقِينِ وَ اِخْتَلَفَ اَلنَّجْرُ وَ تَشَتَّتَ اَلْأَمْرُ وَ ضَاقَ اَلْمَخْرَجُ وَ عَمِيَ اَلْمَصْدَرُ فَالْهُدَى خَامِلٌ وَ اَلْعَمَى شَامِلٌ عُصِيَ اَلرَّحْمَنُ وَ نُصِرَ اَلشَّيْطَانُ وَ خُذِلَ اَلْإِيمَانُ فَانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ وَ تَنَكَّرَتْ مَعَالِمُهُ [ أَعْلاَمُهُ ] وَ دَرَسَتْ سُبُلُهُ وَ عَفَتْ شُرُكُهُ أَطَاعُوا اَلشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ وَ وَرَدُوا مَنَاهِلَهُ بِهِمْ سَارَتْ أَعْلاَمُهُ وَ قَامَ لِوَاؤُهُ فِي فِتَنٍ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا وَ وَطِئَتْهُمْ بِأَظْلاَفِهَا وَ قَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَائِرُونَ جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ فِي خَيْرِ دَارٍ وَ شَرِّ جِيرَانٍ نَوْمُهُمْ سُهُودٌ [ سُهَادٌ ] وَ كُحْلُهُمْ دُمُوعٌ بِأَرْضٍ عَالِمُهَا مُلْجَمٌ وَ جَاهِلُهَا مُكْرَمٌ) قوله: (عليهالسلام ) و العلم المأثور يجوز أن يكون عنى به القرآن؛ لأن المأثور المحكي و العلم ما يهتدى به و المتكلمون يسمون المعجزات أعلاما، و يجوز أن يريد به أحد معجزاته غير القرآن فإنها كثيرة و مأثورة، و يؤكد هذا قوله بعد و الكتاب المسطور، فدل على تغايرهما و من يذهب إلى الأول يقول المراد بهما واحد، و الثانية توكيد الأولى على قاعدة الخطابة و الكتابة. و الصادع الظاهر الجلي، قال تعالى:( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ) (1) ، أي: أظهره و لا تخفه. و المثلات بفتح الميم و ضم الثاء العقوبات جمع مثلة، قال تعالى:( وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ وَ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ اَلْمَثُلاتُ ) (2) . و انجذم انقطع و السواري جمع سارية، و هي الدعامة يدعم بها السقف و النجر
____________________
(1) سورة الحجر94.
(3) سورة الرعد 6.
الأصل، و مثله النجار و انهارت تساقطت و الشرك الطرائق جمع شراك، و الأخفاف للإبل و الأظلاف للبقر و المعز. و قال الراوندي في تفسير قوله: (خير دار و شر جيران)، خير دار الكوفة و قيل الشام؛ لأنها الأرض المقدسة و أهلها شر جيران يعني أصحاب معاوية، و على التفسير الأول يعني أصحابه (عليهالسلام ). قال و قوله نومهم سهود، يعني أصحاب معاوية لا ينامون طول الليل بل يرتبون أمره و إن كان وصفا لأصحابه (عليهالسلام ) بالكوفة، و هو الأقرب، فالمعنى أنهم خائفون يسهرون و يبكون لقلة موافقتهم إياه، و هذا شكاية منه (عليهالسلام ) لهم. و كحلهم دموع، أي: نفاقا فإنه إذا تم نفاق المرء ملك عينيه. و لقائل أن يقول لم يجر فيما تقدم ذكر أصحابه (عليهالسلام ) و لا أصحاب معاوية، و الكلام كله في وصف أهل الجاهلية قبل مبعث محمد (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، ثم لا يخفى ما في هذا التفسير من الركاكة و الفجاجة، و هو أن يريد بقوله نومهم سهود، أنهم طوال الليل يرتبون أمر معاوية لا ينامون، و أن يريد بذلك أن أصحابه يبكون من خوف معاوية و عساكره أو أنهم يبكون نفاقا، و الأمر أقرب من أن يتمحل له مثل هذا. و نحن نقول إنه (عليهالسلام ) لم يخرج من صفة أهل الجاهلية، و قوله في خير دار، يعني مكة و شر جيران يعني قريشا، و هذا لفظ النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) حين حكى بالمدينة حالة كانت في مبدأ البعثة، فقال: كنت في خير دار و شر جيران، ثم حكى (عليهالسلام ) ما جرى له مع عقبة بن أبي معيط و الحديث مشهور. و قوله: (نومهم سهود و كحلهم دموع)، مثل أن يقول جودهم بخل و أمنهم خوف، أي: لو استماحهم محمد (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) النوم لجادوا عليه بالسهود عوضا عنه، و لو استجداهم الكحل لكان كحلهم الذي يصلونه به الدموع.
ثم قال بأرض عالمها ملجم، أي: من عرف صدق محمد (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و آمن به في تقية و خوف و جاهلها مكرم، أي: من جحد نبوته و كذبه في عز و منعة، و هذا ظاهر: (وَ مِنْهَا وَ يَعْنِي آلَ اَلنَّبِيِّ (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) هُمْ مَوْضِعُ سَرِّهِ وَ لَجَأُ أَمْرِهِ وَ عَيْبَةُ عِلْمِهِ وَ مَوْئِلُ حُكْمِهِ وَ كُهُوفُ كُتُبِهِ وَ جِبَالُ دِينِهِ بِهِمْ أَقَامَ اِنْحِنَاءَ ظَهْرِهِ وَ أَذْهَبَ اِرْتِعَادَ فَرَائِصِهِ اللجأ ما تلتجئ إليه كالوزر ما تعتصم به و الموئل ما ترجع إليه)، يقول: إن أمر النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، أي: شأنه ملتجئ إليهم و علمه مودع عندهم كالثوب يودع العيبة. و حكمه، أي: شرعه يرجع و يؤول إليهم و كتبه، يعني القرآن و السنة عندهم فهم كالكهوف له لاحتوائهم عليه، و هم جبال دينه لا يتحلحلون عن الدين أو أن الدين ثابت بوجودهم، كما أن الأرض ثابتة بالجبال و لو لا الجبال لمادت بأهلها. و الهاء في ظهره ترجع إلى الدين و كذلك الهاء في فرائصه و الفرائص جمع فريصة، و هي اللحمة بين الجنب و الكتف لا تزال ترعد من الدابة: (وَ مِنْهَا فِي اَلْمُنَافِقِينَ يَعْنِي قَوْماً آخَرِينَ زَرَعُوا اَلْفُجُورَ وَ سَقَوْهُ اَلْغُرُورَ وَ حَصَدُوا اَلثُّبُورَ لاَ يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّدٍ ص مِنْ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ أَحَدٌ وَ لاَ يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أَبَداً هُمْ أَسَاسُ اَلدِّينِ وَ عِمَادُ اَلْيَقِينِ إِلَيْهِمْ يَفِيءُ اَلْغَالِي وَ بِهِمْ يُلْحَقُ
اَلتَّالِي وَ لَهُمْ خَصَائِصُ حَقِّ اَلْوِلاَيَةِ وَ فِيهِمُ اَلْوَصِيَّةُ وَ اَلْوِرَاثَةُ اَلآْنَ إِذْ رَجَعَ اَلْحَقُّ إِلَى أَهْلِهِ وَ نُقِلَ إِلَى مُنْتَقَلِهِ) جعل ما فعلوه من القبيح بمنزلة زرع زرعوه، ثم سقوه فالذي زرعوه الفجور، ثم سقوه بالغرور و الاستعارة واقعة موقعها؛ لأن تماديهم و ما سكنت إليه نفوسهم من الإمهال، هو الذي أوجب استمرارهم على القبائح التي واقعوها، فكان ذلك كما يسقى الزرع و يربى بالماء و يستحفظ. ثم قال: و حصدوا الثبور، أي: كانت نتيجة ذلك الزرع و السقي حصاد ما هو الهلاك و العطب. و إشارته هذه ليست إلى المنافقين كما ذكر الرضيرحمهالله ، و إنما هي إشارة إلى من تغلب عليه و جحد حقه كمعاوية و غيره، و لعل الرضيرحمهالله تعالى عرف ذلك و كنى عنه. ثم عاد إلى الثناء على آل محمد (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، فقال هم أصول الدين إليهم يفيء الغالي و بهم يلحق التالي جعلهم كمقنب يسير في فلاة فالغالي منه، أي: الفارط المتقدم الذي قد غلا في سيره يرجع إلى ذلك المقنب إذا خاف عدوا و من قد تخلف عن ذلك المقنب فصار تاليا له يلتحق به إذا أشفق من أن يتخطف. ثم ذكر خصائص حق الولاية و الولاية الإمرة، فأما الإمامية فيقولون أ: راد نص النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) عليه و على أولاده و نحن نقول: لهم خصائص حق ولاية الرسول (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) على الخلق. ثم قال (عليهالسلام ) : و فيهم الوصية و الوراثة، أما الوصية فلا ريب عندنا أن عليا (عليهالسلام ) كان وصي رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و إن خالف في ذلك من هو منسوب
عندنا إلى العناد، و لسنا نعني بالوصية النص و الخلافة و لكن أمورا أخرى لعلها إذا لمحت أشرف و أجل. و أما الوراثة فالإمامية يحملونها على ميراث المال و الخلافة و نحن نحملها على وراثة العلم. ثم ذكر (عليهالسلام ) أن الحق رجع الآن إلى أهله و هذا يقتضي أن يكون فيما قبل في غير أهله، و نحن نتأول ذلك على غير ما تذكره الإمامية، و نقول إنه (عليهالسلام ) كان أولى بالأمر و أحق لا على وجه النص بل على وجه الأفضلية، فإنه أفضل البشر بعد رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و أحق بالخلافة من جميع المسلمين، لكنه ترك حقه لما علمه من المصلحة و ما تفرس فيه هو و المسلمون من اضطراب الإسلام و انتشار الكلمة لحسد العرب له و ضغنهم عليه و جائز لمن كان أولى بشيء فتركه، ثم استرجعه أن يقول قد رجع الأمر إلى أهله. و أما قوله: و انتقل إلى منتقله ففيه مضاف محذوف تقديره إلى موضع منتقله و المنتقل بفتح القاف مصدر بمعنى الانتقال، كقولك لي في هذا الأمر مضطرب، أي اضطراب قال:
قد كان لي مضطرب واسع |
في الأرض ذات الطول و العرض(1) |
و تقول ما معتقدك، أي: ما اعتقادك، قد رجع الأمر إلى نصابه و إلى الموضع الذي هو على الحقيقة الموضع الذي يجب أن يكون انتقاله إليه. فإن قيل ما معنى قوله (عليهالسلام ) : (لا يقاس بآل محمد من هذه الأمة أحد و لا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا). قيل: لا شبهة أن المنعم أعلى و أشرف من المنعم عليه و لا ريب أن محمدا (صلىاللهعليهوآلهوسلم )
____________________
(1)ديوان الحماسة 1: 782 بشرح المرزوقي، من أبيات نسبها إلى خطاب بن المعلى، واسمه في التبريزي: "حطان بن المعلى".
و أهله الأدنين من بني هاشم لا سيما عليا (عليهالسلام ) أنعموا على الخلق كافة بنعمة لا يقدر قدرها، و هي الدعاء إلى الإسلام و الهداية إليه فمحمد (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و إن كان هدى الخلق بالدعوة التي قام بها بلسانه و يده و نصره الله تعالى له بملائكته و تأييده، و هو السيد المتبوع و المصطفى المنتجب الواجب الطاعة إلا أن لعلي (عليهالسلام ) من الهداية أيضا، و إن كان ثانيا لأول و مصليا على إثر سابق ما لا يجحد و لو لم يكن إلا جهاده بالسيف أولا و ثانيا، و ما كان بين الجهادين من نشر العلوم و تفسير القرآن و إرشاد العرب إلى ما لم تكن له فاهمة و لا متصورة لكفى في وجوب حقه و سبوغ نعمته (عليهالسلام ). فإن قيل لا ريب في أن كلامه هذا تعريض بمن تقدم عليه، فأي نعمة له عليهم؟ قيل نعمتان: الأولى منهما: الجهاد عنهم و هم قاعدون، فإن من أنصف علم أنه لو لا سيف علي (عليهالسلام ) لاصطلم المشركون من أشار إليه و غيرهم من المسلمين، و قد علمت آثاره في بدر، و أحد، و الخندق، و خيبر، و حنين، و أن الشرك فيها فغرفاه، فلولا أن سده بسيفه لالتهم المسلمين كافة، و الثانية: علومه التي لولاه لحكم بغير الصواب في كثير من الأحكام، و قد اعترف عمر له بذلك و الخبر مشهور لولا علي لهلك عمر. و يمكن أن يخرج كلامه على وجه آخر و ذلك أن العرب تفضل القبيلة التي(1) منها الرئيس الأعظم على سائر القبائل و تفضل الأدنى منه نسبا، فالأدنى على سائر آحاد تلك القبيلة فإن بني دارم يفتخرون بحاجب و إخوته و بزرارة أبيهم على سائر بني تميم، و يسوغ للواحد من أبناء بني دارم أن يقول: لا يقاس ببني دارم أحد من بني تميم و لا يستوي بهم من جرت رئاستهم عليه أبدا، و يعني بذلك أن واحدا من بني دارم قد رأس على بني تميم فكذلك لما كان رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) رئيس الكلّ
____________________
(1) ا: " فيها ".
و المنعم على الكل جاز لواحد من بني هاشم لا سيما مثل علي (عليهالسلام ) أن يقول هذه الكلمات، و اعلم أن عليا (عليهالسلام ) كان يدعي التقدم على الكل و الشرف على الكل و النعمة على الكل بابن عمه ص و بنفسه و بأبيه أبي طالب فإن من قرأ علوم السير عرف أن الإسلام لو لا أبو طالب لم يكن شيئا مذكورا. و ليس لقائل أن يقول كيف يقال هذا في دين تكفل الله تعالى بإظهاره سواء كان أبو طالب موجودا أو معدوما؛ لأنا نقول فينبغي على هذا ألا يمدح رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و لا يقال إنه هدى الناس من الضلالة و أنقذهم من الجهالة و إن له حقا على المسلمين، و إنه لولاه لما عبد الله تعالى في الأرض و ألا يمدح أبو بكر، و لا يقال: إن له أثرا في الإسلام و إن عبد الرحمن و سعدا و طلحة، و عثمان، و غيرهم من الأولين في الدين اتبعوا رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) لاتباعه له، و إن له يدا غير مجحودة في الإنفاق، و اشتراء المعذبين و إعتاقهم، و إنه لولاه لاستمرت الردة بعد الوفاة و ظهرت دعوة مسيلمة، و طليحة، و إنه لو لا عمر لما كانت الفتوح، و لا جهزت الجيوش و لا قوي أمر الدين بعد ضعفه، و لا انتشرت الدعوة بعد خمولها. فإن قلتم في كل ذلك إن هؤلاء يحمدون و يثنى عليهم؛ لأن الله تعالى أجرى هذه الأمور على أيديهم و وفقهم لها، و الفاعل بذلك بالحقيقة هو الله تعالى و هؤلاء آلة مستعملة، و وسائط تجرى الأفعال على أيديها فحمدهم و الثناء عليهم و الاعتراف لهم إنما هو باعتبار ذلك. قيل لكم في شأن أبي طالب مثله(1) .
____________________
(1) ا: " قبل لهم ".
و اعلم أن هذه الكلمات و هي قوله: (عليهالسلام ) الآن إذ رجع الحق إلى أهله إلى آخرها يبعد عندي أن تكون مقولة عقيب انصرافه (عليهالسلام ) من صفين؛ لأنه انصرف عنها وقتئذ مضطرب الأمر منتشر الحبل بواقعة التحكيم و مكيدة ابن العاص و ما تم لمعاوية عليه من الاستظهار و ما شاهد في عسكره من الخذلان، و هذه الكلمات لا تقال في مثل هذه الحال، و أخلق بها أن تكون قيلت في ابتداء بيعته قبل أن يخرج من المدينة إلى البصرة، و أن الرضيرحمهالله تعالى نقل ما وجد، و حكى ما سمع، و الغلط من غيره و الوهم سابق له و ما ذكرناه واضح.
ما ورد في الوصاية من الشعر
و مما رويناه من الشعر المقول في صدر الإسلام المتضمن كونه (عليهالسلام ) وصي رسول الله قول عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:
و منا علي ذاك صاحب خيبر |
و صاحب بدر يوم سالت كتائبه |
|
وصي النبي المصطفى و ابن عمه |
فمن ذا يدانيه و من ذا يقاربه |
و قال عبد الرحمن بن جعيل:
لعمري لقد بايعتم ذا حفيظة |
على الدين معروف العفاف موفقا |
|
عليا وصي المصطفى و ابن عمه |
و أول من صلى أخا الدين و التقى |
و قال أبو الهيثم بن التيهان و كان بدريا:
قل للزبير و قل لطلحة إننا |
نحن الذين شعارنا الأنصار |
|
نحن الذين رأت قريش فعلنا |
يوم القليب أولئك الكفار |
|
كنا شعار نبينا و دثاره |
يفديه منا الروح و الأبصار |
إن الوصي إمامنا و ولينا |
برح الخفاء و باحت الأسرار(1) |
و قال عمر بن حارثة الأنصاري: و كان مع محمد بن الحنفية يوم الجمل، و قد لامه أبوه (عليهالسلام ) لما أمره بالحملة فتقاعس:
أبا حسن أنت فصل الأمور |
يبين بك الحل و المحرم |
|
جمعت الرجال على راية |
بها ابنك يوم الوغى مقحم |
|
و لم ينكص المرء من خيفة |
و لكن توالت له أسهم |
|
فقال رويدا و لا تعجلوا |
فإني إذا رشقوا مقدم |
|
فأعجلته و الفتى مجمع |
بما يكره الوجل المحجم |
|
سمي النبي و شبه الوصي |
و رايته لونها العندم |
و قال رجل من الأزد يوم الجمل:
هذا علي و هو الوصي |
آخاه يوم النجوة النبي |
|
و قال هذا بعدي الولي |
وعاه واع و نسي الشقي |
و خرج يوم الجمل غلام من بني ضبة شاب معلم(2) من عسكر عائشة و هو يقول:
نحن بني ضبة أعداء علي |
ذاك الذي يعرف قدما بالوصي |
|
و فارس الخيل على عهد النبي |
ما أنا عن فضل علي بالعمي |
|
لكنني أنعى ابن عفان التقي |
إن الولي طالب ثأر الولي |
و قال سعيد بن قيس الهمداني يوم الجمل و كان في عسكر علي (عليهالسلام ) :
أية حرب أضرمت نيرانها |
و كسرت يوم الوغى مرانها(3) |
____________________
(1) برح الخفاء، أي طهر ما كان خافيا وانكشف، مأخوذ من براح، وهو البارز الظاهر.
(2) المعلم، بكسر اللام: الذي علم مكانه في الحرب بعلامة أعلمها.
(3) المران: الرماح الصلبة اللدنة، واحدة مرانة.
قل للوصي أقبلت قحطانها |
فادع بها تكفيكها همدانها |
هم بنوها و هم إخوانها
و قال زياد بن لبيد الأنصاري يوم الجمل و كان من أصحاب علي (عليهالسلام ) :
كيف ترى الأنصار في يوم الكلب |
إنا أناس لا نبالي من عطب |
|
و لا نبالي في الوصي من غضب |
و إنما الأنصار جد لا لعب |
|
هذا علي و ابن عبد المطلب |
ننصره اليوم على من قد كذب |
من يكسب البغي فبئس ما اكتسب
و قال حجر بن عدي الكندي في ذلك اليوم أيضا:
يا ربنا سلم لنا عليا |
سلم لنا المبارك المضيا |
|
المؤمن الموحد التقيا |
لا خطل الرأي و لا غويا |
|
بل هاديا موفقا مهديا |
و احفظه ربي و احفظ النبيا |
|
فيه فقد كان له وليا |
ثم ارتضاه بعده وصيا |
و قال خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين و كان بدريا في يوم الجمل أيضا:
ليس بين الأنصار في جحمة الحرب |
و بين العداة إلا الطعان |
|
و قراع الكمأة بالقضب |
البيض إذا ما تحطم المران |
|
فادعها تستجب فليس من الخز |
رج و الأوس يا علي جبان |
|
يا وصي النبي قد أجلت |
الحرب الأعادي و سارت الأظعان |
|
و استقامت لك الأمور سوى |
الشام و في الشام يظهر الإذعان |
|
حسبهم ما رأوا و حسبك منا |
هكذا نحن حيث كنا و كانوا |
و قال خزيمة أيضا في يوم الجمل:
أعائش خلي عن علي و عيبه |
بما ليس فيه إنما أنت والده |
|
وصي رسول الله من دون أهله |
و أنت على ما كان من ذاك شاهده |
|
وحسبك منه بعض ما تعلمينه |
ويكفيك لو لم تعلمي غير واحده |
|
إذا قيل ما ذا عبت منه رميته |
بخذل ابن عفان و ما تلك آبده |
|
و ليس سماء الله قاطرة دما |
لذاك و ما الأرض الفضاء بمائده |
و قال ابن بديل بن ورقاء الخزاعي يوم الجمل أيضا:
يا قوم للخطة العظمى التي حدثت |
حرب الوصي و ما للحرب من آسي |
|
الفاصل الحكم بالتقوى إذا ضربت |
تلك القبائل أخماسا لأسداس(1) |
و قال عمرو بن أحيحة يوم الجمل في خطبة الحسن بن علي (عليهالسلام ) بعد خطبة عبد الله بن الزبير:
حسن الخير يا شبيه أبيه |
قمت فينا مقام خير خطيب |
|
قمت بالخطبة التي صدع |
الله بها عن أبيك أهل العيوب |
|
و كشفت القناع فاتضح |
الأمر و أصلحت فاسدات القلوب |
|
لست كابن الزبير لجلج في |
القول و طأطأ عنان فسل مريب |
|
و أبى الله أن يقوم بما |
قام به ابن الوصي و ابن النجيب |
|
إن شخصا بين النبي لك |
الخير و بين الوصي غير مشوب |
____________________
(1) يقال لمن يظهر شيئا ويريد غير: ضرب أخماسا لأسداس. والخمس والسدس من أضماء الإبل، والأصل فيه أن الرسل إذا أراد سفرا بعيدا عود إبله أن يشرب خمسا، ثم سدسا، حتى إذا أخذت في السير صبرت عن الماء. (مجمع الأمثال 1: 418).
و قال زحر بن قيس الجعفي يوم الجمل أيضا:
أضربكم حتى تقروا لعلي |
خير قريش كلها بعد النبي |
|
من زانه الله و سماه الوصي |
إن الولي حافظ ظهر الولي |
كما الغوي تابع أمر الغوي
ذكر هذه الأشعار و الأراجيز بأجمعها أبو مخنف لوط بن يحيى(1) في كتاب وقعة الجمل، و أبو مخنف من المحدثين و ممن يرى صحة الإمامة بالاختيار، و ليس من الشيعة و لا معدودا من رجالها. و مما رويناه من أشعار صفين التي تتضمن تسميته (عليهالسلام ) بالوصي ما ذكره نصر بن مزاحم(2) بن يسار المنقري في كتاب صفين، و هو من رجال الحديث. قال نصر بن مزاحم: قال زحر(3) بن قيس الجعفي:
فصلى الإله على أحمد |
رسول المليك تمام النعم |
|
رسول المليك و من بعده |
خليفتنا القائم المدعم |
|
عليا عنيت وصي النبي |
نجالد عنه غواه الأمم |
قال نصر و من الشعر المنسوب إلى الأشعث بن قيس(4) :
أتانا الرسول رسول الإمام(5) |
فسر بمقدمه المسلمونا |
|
رسول الوصي وصي النبي |
له السبق و الفضل في المؤمنينا |
____________________
(1) هو لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم الأسدي، كان راوية أخبار وصاحب تصانيف في الفتوح وحروب الاسلام، توفى سنة 157. معجم الأدباء 41:17، الفهرست93.
(2) ذكره ابن حجر في لسان الميزان 6: 751، وقال: إنه توفى سنة 212.
(3) زحر، ضبطه صاحب القاموس بفتح الزاي وسكون الحاء المهملة، والذي في كتاب صفين ص 22، أنها لجرير بن عبد الله البجلي، ضمن عشرة أبيات.
(4) كتاب صفين 27.
(5) صفين:"رسول علي".
و من الشعر المنسوب إلى الأشعث أيضا:
أتانا الرسول رسول الوصي |
علي المهذب من هاشم |
|
وزير النبي و ذو صهره |
و خير البرية و العالم |
قال نصر بن مزاحم من شعر أمير المؤمنين ع في صفين:
يا عجبا لقد سمعت منكرا |
كذبا على الله يشيب الشعرا |
|
ما كان يرضى أحمد لو أخبرا |
أن يقرنوا وصيه و الأبترا |
|
شاني الرسول و اللعين الأخزرا |
إني إذا الموت دنا و حضرا |
|
شمرت ثوبي و دعوت قنبرا |
قدم لوائي لا تؤخر حذرا |
|
لا يدفع الحذار ما قد قدرا |
لو أن عندي يا ابن حرب جعفرا |
|
أو حمزة القرم الهمام الأزهرا |
رأت قريش نجم ليل ظهرا |
____________________
(1) كتاب صفين 28
(2) كتاب صفين: " وخير البرية في العالم
(3) كتاب صفين 48، وبعد هذا البيت: * يسترق السمع ويغشى البصرا *
(4) كذا في ا، وفى كتاب صفين، وفى ب " الأخورا "، وبعده هناك:
كلاهما في جنده قد عسكرا |
قد باع هذا دينه فأفجرا |
|
من ذا بدينا قد خسرا |
بملك مصر أن أصاب الضفر |
(5) ا: " وأحضرا ":
(6) كتاب صفين: " لن يدفع "، وبعده:
لما رأيت الموت موتا أحمرا |
عبأت همدان وعبوا حميرا |
|
حي يمان يعظمون الخطرا |
قرم إذا ناطح قرنا كسرا |
|
قل لابن لا تدب الخمرا |
أردد قليلا أبدى منك الضجرا |
|
لا تحسبني يبن حرب عمرا |
وسل بنا بدرا معا وخيبرا |
|
كانت قريش يوم بدر جزرا |
إذ وردوا الامر فذموا الصدرا |
و قال جرير بن عبد الله البجلي كتب بهذا الشعر إلى شرحبيل بن السمط الكندي رئيس اليمانية من أصحاب معاوية:
نصحتك يا ابن السمط لا تتبع الهوى |
فما لك في الدنيا من الدين من بدل(1) |
|
و لا تك كالمجرى إلى شر غاية |
فقد خرق السربال و استنوق الجمل |
|
مقال ابن هند في علي عضيهة |
و لله في صدر ابن أبي طالب أجل(2) |
|
و ما كان إلا لازما قعر بيته |
إلى أن أتى عثمان في بيته الأجل |
|
وصي رسول الله من دون أهله |
و فارسه الحامي به يضرب المثل(3) |
و قال النعمان بن عجلان الأنصاري(4) :
كيف التفرق و الوصي إمامنا |
لا كيف إلا حيرة و تخاذلا |
|
لا تغبنن عقولكم لا خير في |
من لم يكن عند البلابل عاقلا |
|
و ذروا معاوية الغوي و تابعوا |
دين الوصي لتحمدوه آجلا(5) |
و قال عبد الرحمن بن ذؤيب الأسلمي:
ألا أبلغ معاوية بن حرب |
فما لك لا تهش إلى الضراب(6) |
|
فإن تسلم و تبق الدهر يوما |
نزرك بجحفل عدد التراب |
|
يقودهم الوصي إليك حتى |
يردك عن ضلال و ارتياب |
و قال المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب:
يا عصبة الموت صبرا لا يهولكم |
جيش ابن حرب فإن الحق قد ظهرا(7) |
|
و أيقنوا أن من أضحى يخالفكم |
أضحى شقيا و أمسى نفسه خسرا |
____________________
(1) كتاب صفين ص 54، 53 وروايته هناك: " شرحبيل يبن السمط ".
(2) صفين: " وقال ابن هند ".
(3) صفين: " وفارسه الأولى به ".
(4) صفين ص 415، وفيه: " النضر بن عجلان ".
(5) صفين: " تصادفوه عاجلا ".
(6) صفين 434
(7) صفين 437، وفيه: " يا شرطة الخير "
فيكم وصي رسول الله قائدكم |
و صهره و كتاب الله قد نشرا |
و قال عبد الله بن العباس بن عبد المطلب(1) :
وصي رسول الله من دون أهله |
و فارسه إن قيل هل من منازل |
|
فدونكه إن كنت تبغي مهاجرا |
أشم كنصل السيف عير حلاحل(2) |
و الأشعار التي تتضمن هذه اللفظة كثير جدا، و لكنا ذكرنا منها هاهنا بعض ما قيل في هذين الحزبين فأما ما عداهما فإنه يجل عن الحصر و يعظم عن الإحصاء و العد و لو لا خوف الملالة و الإضجار لذكرنا من ذلك ما يملأ أوراقا كثيرة
____________________
(1) صفين 474، ونسبها إلي الفضل بن عباس.
(2) عير القوم: سيدهم، والحلاحل بالفتح: جمع حلاحل، بالضم، وهو الشجاع.
3. و من خطبة له و هي المعروفة بالشقشقية(1) :
أَمَا وَ اَللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلاَنٌ [ اِبْنُ أَبِي قُحَافَةَ(2) ] اِبْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَ إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنْ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ اَلْقُطْبِ مِنَ اَلرَّحَى يَنْحَدِرُ عَنِّي اَلسَّيْلُ وَ لاَ يَرْقَى إِلَيَّ اَلطَّيْرُ فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً وَ طَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً وَ طَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ [ جِدٍّ ] أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ [ ظَلْمَةٍ ] عَمْيَاءَ يَهْرَمُ فِيهَا اَلْكَبِيرُ وَ يَشِيبُ فِيهَا اَلصَّغِيرُ وَ يَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ(3) حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ فَرَأَيْتُ أَنَّ اَلصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى فَصَبَرْتُ وَ فِي اَلْعَيْنِ قَذًى وَ فِي اَلْحَلْقِ شَجًا أَرَى تُرَاثِي نَهْباً سدلت دونها ثوبا)، أي: أرخيت، يقول ضربت بيني و بينها حجابا فعل الزاهد فيها الراغب عنها، و طويت عنها كشحا، أي: قطعتها و صرمتها، و هو مثل قالوا؛ لأن من كان إلى جانبك الأيمن ماثلا فطويت كشحك الأيسر فقد ملت عنه و الكشح ما بين الخاصرة و الجنب و عندي أنهم أرادوا غير ذلك، و هو أن من أجاع نفسه فقد طوى كشحه كما أن من أكل و شبع فقد ملأ كشحه، فكأنه أراد أني أجعت نفسي عنها و لم ألقمها و اليد الجذاء بالدال المهملة و بالذال المعجمة و الحاء المهملة مع الذال المعجمة كله بمعنى المقطوعة و الطخية قطعة من الغيم و السحاب و قوله عمياء تأكيد لظلام الحال و اسودادها يقولون مفازة عمياء، أي: يعمى فيها الدليل
____________________
(1) مخطوطة النهج: " الشقشقية والمقمصة "
(2) مخطوطة النهج: " فلان "
(3) مخطوطة النهج: " المؤمن ".
و يكدح يسعى و يكد مع مشقة، قال تعالى:( إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً ) (1) ، و هاتا بمعنى هذه ها للتنبيه و تا، للإشارة و معنى تا، ذي و هذا أحجى من كذا أي أليق بالحجا و هو العقل. و في هذا الفصل من باب البديع في علم البيان عشرة ألفاظ. أولها قوله لقد تقمصها، أي: جعلها كالقميص مشتملة عليه و الضمير للخلافة و لم يذكرها للعلم بها كقوله سبحانه:( حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ ) (2) و كقوله:( كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ) (3) و كقول حاتم:
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى |
إذا حشرجت يوما و ضاق بها الصدر(4) |
و هذه اللفظة مأخوذة من كتاب الله تعالى في قوله سبحانه:( وَ لِباسُ اَلتَّقْوى ) (5) و قول النابغة(6) :
تسربل سربالا من النصر و ارتدى |
عليه بعضب في الكريهة قاصل |
الثانية: قوله ينحدر عني السيل يعني رفعة منزلته (عليهالسلام ) كأنه في ذروة جبل أو يفاع مشرف ينحدر السيل عنه إلى الوهاد و الغيطان، قال الهذلي:
و عيطاء يكثر فيها الزليل |
و ينحدر السيل عنها انحدارا(7) |
الثالثة: قوله (عليهالسلام ) و لا يرقى إلي الطير هذه أعظم في الرفعة و العلو من التي قبلها؛ لأن السيل ينحدر عن الرابية و الهضبة و أما تعذر رقي الطير فربما يكون للقلال الشاهقة جدا بل ما هو أعلى من قلال الجبال، كأنه يقول إني لعلو منزلتي كمن في السماء التي يستحيل أن يرقى الطير إليها قال أبو الطيب:
فوق السماء و فوق ما طلبوا |
فإذا أرادوا غاية نزلوا(8) |
____________________
(1) سورة الانشقاق 6
(2) سورة ص 32
(3) سورة الرحمن 26
(4) ديوانه 118
(5) سورة الأعراف 26
(6) كذا في الأصول، والصواب أنه لأبي تمام، ديوانه 3: 82
(7) عيطاء: مرتفعة. والزليل: الزلل
(8) ديوانه 3: 310
و قال حبيب:
مكارم لجت في علو كأنما |
تحاول ثأرا عند بعض الكواكب(1) |
الرابعة: قوله سدلت دونها ثوبا قد ذكرناه. الخامسة: قوله و طويت عنها كشحا قد ذكرناه أيضا. السادسة: قوله أصول بيد جذاء قد ذكرناه. السابعة: قوله أصبر على طخية عمياء قد ذكرناه أيضا. الثامنة: قوله و في العين قذى، أي: صبرت على مضض كما يصبر الأرمد. التاسعة: قوله و في الحلق شجا و هو ما يعترض في الحلق، أي: كما يصبر من غص بأمر فهو يكابد الخنق. العاشرة: قوله أرى تراثي نهبا كنى عن الخلافة بالتراث و هو الموروث من المال. فأما قوله (عليهالسلام ) إن محلي منها محل القطب من الرحى فليس من هذا النمط الذي نحن فيه و لكنه تشبيه محض خارج من باب الاستعارة و التوسع يقول: كما أن الرحى لا تدور إلا على القطب و دورانها بغير قطب لا ثمرة له، و لا فائدة فيه كذلك نسبتي إلى الخلافة فإنها لا تقوم إلا بي و لا يدور أمرها إلا علي. هكذا فسروه و عندي أنه أراد أمرا آخر و هو أني من الخلافة في الصميم و في وسطها و بحبوحتها كما أن القطب وسط دائرة الرحى قال الراجز(2) :
____________________
(1) ديوانه 1: 217
(2) هو جرير بن عطية، ديوانه. 520، والأبيات أيضا في الكامل 112:2، 191:3يقولها في الحكم ابن أيوب بن أبي عقيل الثقفي، ابن عم الحجاج، وكان عامله على البصرة.
على قلاص مثل خيطان السلم(1) |
إذا قطعن علما بدا علم(2) |
|
حتى أنحناها إلى باب الحكم(3) |
خليفة الحجاج غير المتهم |
في سرة المجد و بحبوح الكرم(4)
و قال أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن جدعان:
فحللت منها بالبطاح |
و حل غيرك بالظواهر(5) |
و أما قوله: (يهرم فيها الكبير و يشيب فيها الصغير)، فيمكن أن يكون من باب الحقائق و يمكن أن يكون من باب المجازات و الاستعارات. أما الأول فإنه يعني به طول مدة ولاية المتقدمين عليه، فإنها مدة يهرم فيها الكبير و يشيب فيها الصغير. و أما الثاني: فإنه يعني بذلك صعوبة تلك الأيام حتى أن الكبير من الناس يكاد يهرم لصعوبتها، و الصغير يشيب من أهوالها، كقولهم هذا أمر يشيب له الوليد و إن لم يشب على الحقيقة.
____________________
(1) القلاص: جمع قلوص، وهي الناقة الفتية. والخيطان: والخوط جمع خوط، جمع خوطة، وهي الغصن الناعم. والسلم: شجر، واحدته سلمة، يصف ضورها. وبعده في رواية الديوان:
قد طويت بطونها على الأدم |
بعد انفضاج البدن واللحم الزيم |
(2) بعده في رواية الديوان: * فهن بحثا كمضلات الخدم *
(3) رواية الديوان: * حتى تناهين إلى باب الحكم *
(4) رواية الديوان: * في ضئضئ الممجد وبؤبو الكرم *
(5) البطاح: بطن مكة، والظواهر أعلاها، والبيت في اللسان 6: 791 منسوب للكميت: بهذه الرواية
فحللت معتلج البطاح |
وحل غيرك بالظَّواهِر |
و اعلم أن في الكلام تقديما و تأخيرا و تقديره، (و لا يرقى إلي الطير فطفقت أرتئي بين كذا و كذا، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى فسدلت دونها ثوبا و طويت عنها كشحا ثم فصبرت و في العين قذى إلى آخر القصة) ؛ لأنه لا يجوز أن يسدل دونها ثوبا و يطوي عنها كشحا، ثم يطفق يرتئي بين أن ينابذهم أو يصبر، ألا ترى أنه إذا سدل دونها ثوبا و طوى عنها كشحا فقد تركها و صرمها و من يترك و يصرم لا يرتئي في المنابذة و التقديم و التأخير طريق لاحب و سبيل مهيع في لغة العرب. قال سبحانه:( اَلَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ اَلْكِتابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً ) ،(1) أي: أنزل على عبده الكتاب قيما و لم يجعل له عوجا و هذا كثير. و قوله (عليهالسلام ) حتى يلقى ربه بالوقف و الإسكان، كما جاءت به الرواية في قوله سبحانه:( ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) (2) بالوقف أيضا
نسب أبي بكر و نبذة من أخبار أبيه
ابن أبي قحافة المشار إليه هو أبو بكر، و اسمه القديم عبد الكعبة، فسماه رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) عبد الله و اختلفوا في عتيق، فقيل: كان اسمه في الجاهلية، و قيل: بل سماه به رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، و اسم أبي قحافة عثمان، و هو عثمان بن عامر، بن عمرو، بن كعب، بن سعد، بن تيم بن، مرة بن، كعب بن، لؤي بن غالب، و أمه ابنة عم أبيه، و هي أم الخير، بنت صخر بن عمرو بن كعب بن سعد. أسلم أبو قحافة يوم الفتح جاء به ابنه أبو بكر إلى النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و هو شيخ كبير، رأسه كالثغامة(3) البيضاء فأسلم. فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) : غيروا شيبته.
____________________
(1) سورة الكهف 1، 2
(2) سورة البينة 8
(3) أورد الخبر ابن الأثير في النهاية (1: 192) : " أنى بأبي قحافة يوم الفتح وكأن رأسه ثغامة ". وقال: " هو نبت أبيض الزهر والثمر، يشبه به الشيب. وقيل: هي شجرة تبيض كأنها الثلج ".
و ولي ابنه الخلافة، و هو حي منقطع في بيته مكفوف عاجز عن الحركة فسمع ضوضاء الناس، فقال: ما الخبر؟ فقالوا: ولي ابنك الخلافة. فقال: رضيت بنو عبد مناف بذلك؟ قالوا: نعم. قال: اللهم لا مانع لما أعطيت و لا معطي لما منعت. و لم يل الخلافة من أبوه حي إلا أبو بكر و أبوبكر عبد الكريم(1) الطائع لله ولي الأمر و أبوه المطيع حي خلع نفسه من الخلافة و عهد بها إلى ابنه، و كان المنصور يسمي عبد الله بن الحسن بن الحسن(2) أبا قحافة تهكما به؛ لأن ابنه(3) محمدا ادعى الخلافة و أبوه حي. و مات أبوبكر و أبو قحافة حي فسمع الأصوات فسأل، فقيل: مات ابنك. فقال: رزء جليل، و توفي أبو قحافة في أيام عمر في سنة أربع عشرة للهجرة و عمره سبع و تسعون سنة، و هي السنة التي توفي فيها نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم(4) . إن قيل بينوا لنا ما عندكم في هذا الكلام أليس صريحه دالا على تظليم القوم و نسبتهم إلى اغتصاب الأمر، فما قولكم في ذلك؟ إن حكمتم عليهم بذلك فقد طعنتم فيهم، و إن لم تحكموا عليهم بذلك فقد طعنتم في المتظلم المتكلم عليهم. قيل: أما الإمامية من الشيعة فتجري هذه الألفاظ على ظواهرها و تذهب إلى أن النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) نص على أمير المؤمنين (عليهالسلام )، و أنه غصب حقه.
____________________
(1) أصيب المطيع لله بالفالج، ولما قوى عليه وثقل لسانه، خلع نفسه. وبويع لولده الطائع، وكان ذلك في سنة 364. الفخري ص 253
(2) كان عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، شيخ بني هاشم في وقته، والمقدم فيهم. وانظر أخباره في مقاتل الطالبيين ص 179-185.
(3) كان علماء آل أبي طالب يرون في محمد بن عبد الله بن الحسن أنه النفس الزكية، وكان أفضل أهل بيته في علمه بكتاب الله وحفظه له، مع فقهه في الدين وشجاعته وجوده وبأسه وكل أمر يجمل بمثله. وانظر ترجمته وأخباره في مقاتل الطالبيين ص 232-299
(4) هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، له صحبة، وكان أسن من أسلم من بني هاشم، حتى من عميه حمزة والعباس. الإصابة 6: 258
و أما أصحابنا رحمهم الله، فلهم أن يقولوا: إنه لما كان أمير المؤمنين (عليهالسلام ) هو الأفضل و الأحق و عدل عنه إلى من لا يساويه في فضل و لا يوازيه في جهاد و علم، و لا يماثله في سؤدد و شرف، ساغ إطلاق هذه الألفاظ و إن كان من وسم بالخلافة قبله عدلا تقيا و كانت بيعته بيعة صحيحة، ألا ترى أن البلد قد يكون فيه فقيهان أحدهما أعلم من الآخر بطبقات كثيرة، فيجعل السلطان الأنقص علما منهما قاضيا فيتوجد الأعلم(1) و يتألم و ينفث أحيانا بالشكوى، و لا يكون ذلك طعنا في القاضي و لا تفسيقا له و لا حكما منه بأنه غير صالح بل للعدول عن الأحق و الأولى، و هذا أمر مركوز في طباع البشر و مجبول في أصل الغريزة و الفطرة، فأصحابنا رحمهم الله، لما أحسنوا الظن بالصحابة و حملوا ما وقع منهم على وجه الصواب و أنهم نظروا إلى مصلحة الإسلام، و خافوا فتنة لا تقتصر على ذهاب الخلافة فقط، بل و تفضي إلى ذهاب النبوة و الملة، فعدلوا عن الأفضل الأشرف الأحق إلى فاضل آخر دونه، فعقدوا له احتاجوا إلى تأويل هذه الألفاظ الصادرة عمن يعتقدونه في الجلالة و الرفعة قريبا من منزلة النبوة، فتأولوها بهذا التأويل و حملوها على التألم للعدول عن الأولى. و ليس هذا بأبعد من تأويل الإمامية قوله تعالى:( وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ) (2) ، و قولهم: معنى عصى أنه عدل عن الأولى؛ لأن الأمر بترك أكل الشجرة كان أمرا على سبيل الندب، فلما تركه آدم كان تاركا للأفضل و الأولى، فسمي عاصيا باعتبار مخالفة الأولى، و حملوا غوى على خاب لا على الغواية بمعنى الضلال، و معلوم أن تأويل كلام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) و حمله على أنه شكا من تركهم الأولى أحسن من حمل قوله تعالى:( وَ عَصى آدَمُ ) على أنه ترك الأولى.
____________________
(1) ب: " الأعظم "، والأجود ما أثبته من ا
(2) سورة طه 121
إن قيل لا تخلو الصحابة إما أن تكون عدلت عن الأفضل لعلة و مانع في الأفضل أو لا لمانع، فإن كان لا لمانع كان ذلك عقدا للمفضول بالهوى فيكون باطلا، و إن كان لمانع و هو ما تذكرونه من خوف الفتنة و كون الناس كانوا يبغضون عليا (عليهالسلام ) و يحسدونه فقد كان يجب أن يعذرهم أمير المؤمنين (عليهالسلام ) في العدول عنه، و يعلم أن العقد لغيره هو المصلحة للإسلام فكيف حسن منه أن يشكوهم بعد ذلك و يتوجد عليهم. و أيضا فما معنى قوله فطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء على ما تأولتم به كلامه فإن تارك الأولى لا يصال عليه بالحرب. قيل يجوز أن يكون أمير المؤمنين (عليهالسلام ) لم يغلب على ظنه ما غلب على ظنون الصحابة من الشغب، و ثوران الفتنة، و الظنون تختلف باختلاف الأمارات، فرب إنسان يغلب على ظنه أمر يغلب على ظن غيره خلافه، و أما قوله: أرتئي بين أن أصول، فيجوز أن يكون لم يعن به صيال الحرب، بل صيال الجدل و المناظرة، يبين ذلك أنه لو كان جادلهم و أظهر ما في نفسه لهم فربما خصموه بأن يقولوا له قد غلب على ظنوننا أن الفساد يعظم و يتفاقم إن وليت الأمر، و لا يجوز مع غلبة ظنوننا لذلك أن نسلم الأمر إليك، فهو (عليهالسلام ) قال: طفقت أرتئي بين أن أذكر لهم فضائلي عليهم و أحاجهم بها فيجيبوني بهذا الضرب من الجواب الذي تصير حجتي به جذاء(1) مقطوعة، و لا قدرة لي على تشييدها و نصرتها و بين أن أصبر على ما منيت به و دفعت إليه. إن قيل إذا كان (عليهالسلام ) لم يغلب على ظنه وجود العلة و المانع فيه، و قد استراب الصحابة و شكاهم لعدولهم عن الأفضل الذي لا علة فيه عنده فقد سلمتم أنه ظلم الصحابة و نسبهم إلى غصب حقه، فما الفرق بين ذلك و بين أن يستظلمهم لمخالفة النص، و كيف
____________________
(1) ا:"جدّاء".
هربتم من نسبته لهم إلى الظلم لدفع النص و وقعتم في نسبته لهم إلى الظلم لخلاف الأولى من غير علة في الأولى، و معلوم أن مخالفة الأولى من غير علة في الأولى كتارك النص؛ لأن العقد في كلا الموضعين يكون فاسدا. قيل الفرق بين الأمرين ظاهر؛ لأنه (عليهالسلام ) لو نسبهم إلى مخالفة النص لوجب وجود النص و لو كان النص موجودا لكانوا فساقا أو كفارا لمخالفته، و أما إذا نسبهم إلى ترك الأولى من غير علة في الأولى، فقد نسبهم إلى أمر يدعون فيه خلاف ما يدعي (عليهالسلام )، و أحد الأمرين لازم، و هو إما أن يكون ظنهم صحيحا أو غير صحيح. فإن كان ظنهم هو الصحيح فلا كلام في المسألة، و إن لم يكن ظنهم صحيحا كانوا كالمجتهد إذا ظن و أخطأ، فإنه معذور و مخالفة النص أمر خارج عن هذا الباب؛ لأن مخالفه غير معذور بحال فافترق المحملان.
لما مرض رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) مرض الموت دعا أسامة بن زيد بن حارثة، فقال سر إلى مقتل أبيك(1) فأوطئهم الخيل فقد وليتك على هذا الجيش و إن أظفرك الله بالعدو فأقلل اللبث و بث العيون، و قدم الطلائع، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين و الأنصار إلا كان في ذلك الجيش منهم أبوبكر و عمر. فتكلم قوم و قالوا: يستعمل هذا الغلام على جلة المهاجرين و الأنصار، فغضب رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) لما سمع ذلك، و خرج عاصبا رأسه، فصعد المنبر و عليه قطيفة(2) . فقال: (أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة، لئن طعنتم في تأميري أسامة، فقد طعنتم في تأميري أباه من قبله، و ايم الله إن كان لخليقا بالإمارة و ابنه من(3) بعده لخليق بها،
____________________
(1) قتل زيد بن حارثة بمؤتة؛ إحدى قرى البلقاء؛ وتفصيل الخبر في الطبري، (حوادث السنة الثامنة).
(2) القطيفة: كساء له أهداب
(3) ا: " وإن ابنه من بعده الخليق بها "
و إنهما لمن أحب الناس إلي، فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم)، ثم نزل و دخل بيته و جاء المسلمون يودعون رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و يمضون إلى عسكر أسامة بالجرف(1) . و ثقل(2) رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و اشتد ما يجده، فأرسل بعض نسائه إلى أسامة و بعض من كان معه يعلمونهم ذلك فدخل أسامة من معسكره و النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) مغمور، و هو اليوم الذي لدوه(3) فيه فتطأطأ أسامة عليه فقبله و رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) قد أسكت، فهو لا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء، ثم يضعهما على أسامة كالداعي له، ثم أشار إليه بالرجوع إلى عسكره و التوجه لما بعثه فيه، فرجع أسامة إلى عسكره، ثم أرسل نساء رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) إلى أسامة يأمرنه بالدخول، و يقلن إن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) قد أصبح بارئا، فدخل أسامة من معسكره يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول، فوجد رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) مفيقا فأمره بالخروج و تعجيل النفوذ، و قال اغد على بركة الله و جعل يقول أنفذوا بعث أسامة و يكرر ذلك، فودع رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و خرج و معه أبوبكر و عمر، فلما ركب جاءه رسول أم أيمن، فقال إن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) يموت، فأقبل و معه أبوبكر و عمر و أبو عبيدة فانتهوا إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) حين زالت الشمس من هذا اليوم، و هو يوم الإثنين، و قد مات و اللواء مع بريدة بن الحصيب، فدخل باللواء فركزه عند باب رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، و هو مغلق و علي (عليهالسلام )، و بعض بني هاشم مشتغلون بإعداد جهازه و غسله. فقال: العباس لعلي، و هما في الدار امدد يدك أبايعك، فيقول الناس عم رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) بايع ابن عم رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) فلا يختلف عليك
____________________
(1) الجرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام.
(2) ثقل، بالكسر: اشتد مرضه
(3) يقال لد المريض، بالبناء للمجهول أي دووي باللدود، بالفتح، وهو من الأدوية ما يسقاه المريض في أحد شقي الفم، وانظر النهاية لابن الأثير 3: 55، واللسان 4: 393
اثنان. فقال: له أو يطمع يا عم فيها طامع غيري؟ قال: ستعلم فلم يلبثا أن جاءتهما الأخبار بأن الأنصار أقعدت سعدا لتبايعه و أن عمر جاء بأبي بكر فبايعه و سبق الأنصار بالبيعة، فندم علي (عليهالسلام ) على تفريطه في أمر البيعة و تقاعده عنها، و أنشده العباس قول دريد:
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى |
فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد(1) |
و تزعم الشيعة أن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) كان يعلم موته و أنه سير أبابكر و عمر في بعث أسامة لتخلو دار الهجرة منهما، فيصفو الأمر لعلي (عليهالسلام ) و يبايعه من تخلف من المسلمين بالمدينة على سكون و طمأنينة، فإذا جاءهما الخبر بموت رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، و بيعة الناس لعلي (عليهالسلام ) بعده كانا عن المنازعة و الخلاف أبعد؛ لأن العرب كانت تلتزم بإتمام تلك البيعة و يحتاج في نقضها إلى حروب شديدة، فلم يتم له ما قدر و تثاقل أسامة بالجيش أياما مع شدة حث رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) على نفوذه و خروجه بالجيش حتى مات (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، و هما بالمدينة فسبقا عليا إلى البيعة و جرى ما جرى. و هذا عندي غير منقدح؛ لأنه إن كان (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) يعلم موته، فهو أيضا يعلم أن أبا بكر سيلي الخلافة و ما يعلمه لا يحترس منه، و إنما يتم هذا و يصح إذا فرضنا أنه (عليهالسلام ) كان يظن موته و لا يعلمه حقيقة و يظن أن أبابكر و عمر يتمالآن على ابن عمه، و يخاف وقوع ذلك منهما و لا يعلمه حقيقة، فيجوز إن كانت الحال هكذا أن ينقدح هذا التوهم، و يتطرق هذا الظن كالواحد منا له ولدان يخاف من أحدهما
____________________
(1) ديوان الحماسة - بشرح المرزوقي 2: 814، وروايته: " فلم يستبينوا الرشد ".
أن يتغلب بعد موته على جميع ماله، و لا يوصل أخاه إلى شيء من حقه، فإنه قد يخطر له عند مرضه الذي يتخوف أن يموت فيه أن يأمر الولد المخوف جانبه بالسفر إلى بلد بعيد في تجارة يسلمها إليه يجعل ذلك طريقا إلى دفع تغلبه على الولد الآخر: (حَتَّى مَضَى اَلْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فُلاَنٍ اِبْنِ اَلْخَطَّابِ بَعْدَهُ(1) ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ اَلْأَعْشَى إِلَى اِبْنِ اَلْخَطَّابِ
شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا |
وَ يَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ |
فَيَا عَجَباً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لآِخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كَلْمُهَا [ كَلاَمُهَا ] وَ يَخْشُنُ مَسُّهَا وَ يَكْثُرُ اَلْعِثَارُ فِيهَا وَ اَلاِعْتِذَارُ مِنْهَا فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ اَلصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ وَ إِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ فَمُنِيَ اَلنَّاسُ لَعَمْرُ اَللَّهِ بِخَبْطٍ وَ شِمَاسٍ وَ تَلَوُّنٍ وَ اِعْتِرَاضٍ فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ اَلْمُدَّةِ وَ شِدَّةِ اَلْمِحْنَةِ)، مضى لسبيله مات و السبيل الطريق و تقديره مضى على سبيله و تجيء اللام بمعنى على، كقوله(2) : فخر صريعا لليدين و للفم. و قوله: فأدلى بها من قوله تعالى:( وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ
____________________
(1) في مخطوطة النهج: " ثم تمثل بقول الأعشى ". وكذلك في حواشي ب
(2) لجابر بن حنى التغلبي، وصدره: * تناوله بالرمح ثم اتنى له * من قصيدة له مفضلية 208-212، وهو أيضا من شواهد المغني1: 212، على وضع اللام موضع " على ".
وَ تُدْلُوا بِها إِلَى اَلْحُكَّامِ ) (1) ، أي: تدفعوها إليهم رشوة و أصله من أدليت الدلو في البئر أرسلتها. فإن قلت فإن أبابكر إنما دفعها إلى عمر حين مات و لا معنى للرشوة عند الموت. قلت لما كان (عليهالسلام ) يرى أن العدول بها عنه إلى غيره إخراج لها إلى غير جهة الاستحقاق شبه ذلك بإدلاء الإنسان بماله إلى الحاكم، فإنه إخراج للمال إلى غير وجهه فكان ذلك من باب الاستعارة.
و ابن الخطاب، هو أبو حفص عمر الفاروق و أبوه الخطاب بن نفيل، بن عبد العزى، بن رياح، بن عبد الله، بن قرط، بن رزاح، بن عدي، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، و أم عمر حنتمة بنت هاشم، بن المغيرة، بن عبد الله، بن عمر بن مخزوم. لما احتضر أبوبكر قال للكاتب: اكتب هذا ما عهد عبد الله بن عثمان(1) ،آخر عهده بالدنيا و أول عهده بالآخرة في الساعة التي يبر فيها الفاجر، و يسلم فيها الكافر، ثم أغمي عليه، فكتب الكاتب عمر بن الخطاب، ثم أفاق أبوبكر، فقال اقرأ ما كتبت فقرأ، و ذكر اسم عمر. فقال: أنى لك هذا؟ قال: ما كنت لتعدوه. فقال: أصبت. ثم قال: أتم كتابك. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب و ذلك حيث أجال رأيه و أعمل فكره فرأى أن هذا الأمر(3 لا يصلح آخره إلا بما يصلح به أوله3) ، و لا يحتمله إلا أفضل العرب مقدرة و أملكهم لنفسه، و أشدهم في حال الشدة و أسلسهم في حال اللين و أعلمهم برأي ذوي الرأي لا يتشاغل بما لا يعنيه و لا يحزن لما لم ينزل به،
____________________
(1) سورة البقرة 188
(2) عثمان اسم أبى قحافة
(3 - 3)كذا فى ب، ج، فى ا: " لا يصلح آخره إلا بما أوله به صلح".
و لا يستحي من التعلم و لا يتحير عند البديهة قوي على الأمور لا يجوز بشيء منها حده عدوانا، و لا تقصيرا يرصد لما هو آت عتاده من الحذر. فلما فرغ من الكتاب دخل عليه قوم من الصحابة، منهم طلحة، فقال له(1) : ما أنت قائل لربك غدا و قد وليت علينا فظا غليظا تفرق منه النفوس، و تنفض عنه القلوب. فقال: أبوبكر أسندوني و كان مستلقيا فأسندوه، فقال لطلحة: أبالله تخوفني إذا قال لي ذلك غدا قلت له وليت عليهم خير أهلك. و يقال(2) : أصدق الناس فراسة ثلاثة: العزيز في قوله لامرأته. عن يوسف (عليهالسلام )،( وَ قالَ اَلَّذِي اِشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ) (3) ، و ابنة شعيب حيث قالت لأبيها في موسى:( يا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ اَلْقَوِيُّ اَلْأَمِينُ ) (4) و أبوبكر في عمر. و روى كثير من الناس أن أبابكر لما نزل به الموت(5) دعا عبد الرحمن بن عوف. فقال: أخبرني عن عمر. فقال: إنه أفضل من رأيك فيه(6) إلا أن فيه غلظة. فقال أبو بكر ذاك؛ لأنه يراني رقيقا و لو قد أفضى الأمر إليه لترك كثيرا مما هو عليه، و قد رمقته إذا أنا غضبت على رجل أراني الرضا عنه، و إذا لنت له أراني الشدة عليه، ثم دعا عثمان بن عفان، فقال: أخبرني عن عمر. فقال: سريرته خير من علانيته(7) و ليس فينا مثله. فقال لهما: لا تذكرا مما قلت لكما شيئا و لو تركت عمر لما عدوتك يا عثمان، و الخيرة لك ألا تلي من أمورهم شيئا و لوددت أني كنت من أموركم خلوا، و كنت فيمن مضى من سلفكم و دخل طلحة بن عبيد الله على أبي بكر، فقال: إنه بلغني أنك يا خليفة
____________________
(1) كلمة " له " ساقطة من ب
(2) ا: " ويقال إنه "
(3) سورة يوسف 21
(4) سورة القصص 26
(5) ساقطة من ب
(6) تسكلمتة من تاريخ الطبري 428:3، وفى ج:"أفضل من رأيت".
(7) ا: " تقصر عن علانيته"
رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) استخلفت على الناس عمر، و قد رأيت ما يلقى الناس منه و أنت معه، فكيف به إذا خلا بهم و أنت غدا لاق ربك، فيسألك عن رعيتك. فقال أبوبكر: أجلسوني، ثم قال: أبالله تخوفني إذا لقيت ربي فسألني قلت استخلفت عليهم خير أهلك. فقال طلحة: أعمر خير الناس يا خليفة رسول الله؟ فاشتد غضبه، و قال: إي و الله، هو خيرهم و أنت شرهم، أما و الله لو وليتك لجعلت أنفك في قفاك و لرفعت نفسك فوق قدرها حتى يكون الله هو الذي يضعها أتيتني و قد دلكت عينك تريد أن تفتنني عن ديني و تزيلني عن رأيي، قم لا أقام الله رجليك، أما و الله لئن عشت فواق ناقة و بلغني أنك غمصته فيها أو ذكرته بسوء لألحقنك بمحمضات قنة(1) ، حيث كنتم تسقون و لا تروون، و ترعون و لا تشبعون، و أنتم بذلك بجحون(2) راضون، فقام طلحة فخرج. أحضر أبوبكر عثمان، و هو يجود بنفسه فأمره أن يكتب عهدا، و قال: اكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) هذا ما عهد عبد الله بن عثمان(3) إلى المسلمين، أما بعد ثم أغمي عليه و كتب عثمان قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب و أفاق أبوبكر. فقال: اقرأ، فقرأه فكبر أبوبكر و سر و قال: أراك خفت أن يختلف الناس أن مت في غشيتي، قال: نعم، قال: جزاك الله خيرا عن الإسلام و أهله، ثم أتم العهد و أمر أن يقرأ على الناس فقرئ عليهم، ثم أوصى عمر، فقال له إن لله حقا بالليل لا يقبله في النهار و حقا في النهار لا يقبله بالليل، و إنه لا يقبل نافلة ما لم تؤد الفريضة، و إنما ثقلت موازين من اتبع الحق مع ثقله عليه، و إنما خفت موازين من اتبع الباطل لخفته عليه، إنما أنزلت آية الرخاء مع آية الشدة لئلا يرغب المؤمن رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له و لئلا
____________________
(1) الوضع الذي ترعي فيه الإبل الحمض.وقنة:موضوع بعينه.
(2) البجح:الفرح والسرور.
(3) الطبري429:3: " أبو بكر بن أبي قحافة "
يرهب رهبة يلقى فيها بيده، فإن حفظت وصيتي فلا يكن غائب أحب إليك من الموت و لست معجزة، ثم توفي أبوبكر. دعا أبوبكر عمر يوم موته بعد عهده إليه، فقال: إني لأرجو أن أموت في يومي هذا فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى بن حارثة، و إن تأخرت إلى الليل فلا تصبحن حتى تندب الناس معه، و لا تشغلنكم مصيبة عن دينكم، و قد رأيتني متوفى رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) كيف صنعت. و توفي أبوبكر ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة. و أما البيت الذي تمثل به (عليهالسلام )، فإنه للأعشى الكبير أعشى قيس، و هو أبو بصير، ميمون بن قيس، بن جندل من القصيدة التي قالها في منافرة علقمة بن علاثة و عامر بن الطفيل و أولها:
علقم ما أنت إلى عامر |
الناقض الأوتار و الواتر(1) |
يقول فيها:
و قد أسلي الهم إذ يعتري |
بجسرة دوسرة عاقر(2) |
|
زيافة بالرحل خطارة |
تلوي بشرخي ميسة قاتر(3) |
شرخا الرحل مقدمه و مؤخره و الميس شجر يتخذ منه الرحال و رحل قاتر جيد الوقوع على ظهر البعير
____________________
(1) ديوانه 401-108، ويقع هذا البيت الخامس عشر منها، وأولها:
شاقتك من قتلة أطلاها |
بالشط فالوتر إلى حاجر |
(2) الجسرة: الناقة السريعة، والدوسرة: الضخمة. والعاقر: التي لم تحمل، وفى الديوان: " حين اعترى ".
(3) الزيافة: المختالة في سيرها. والخطارة: التي تخطر بذنبها نشاطا.
شتان ما يومي على كورها |
و يوم حيان أخي جابر |
|
أرمي بها البيداء إذ هجرت |
و أنت بين القرو و العاصر(1) |
|
في مجدل شيد بنيانه |
يزل عنه ظفر الطائر |
تقول شتان ما هما و شتان هما، و لا يجوز شتان ما بينهما إلا على قول ضعيف. و شتان، أصله شتت كوشكان ذا خروجا من وشك و حيان و جابر ابنا السمين الحنفيان، و كان حيان صاحب شراب، و معاقرة خمر، و كان نديم الأعشى، و كان أخوه جابر أصغر سنا منه، فيقال: إن حيان قال للأعشى: نسبتني إلى أخي، و هو أصغر سنا مني؟ فقال: إن الروي اضطرني إلى ذلك، فقال: و الله لا نازعتك كأسا أبدا ما عشت، يقول: شتان يومي و أنا في الهاجرة و الرمضاء أسير على كور هذه الناقة، و يوم حيان، و هو في سكرة الشراب ناعم البال مرفه من الأكدار، و المشاق و القرو شبه حوض يتخذ من جذع أو من شجر ينبذ فيه، و العاصر الذي يعتصر العنب و المجدل الحصن المنيع. و شبيه بهذا المعنى قول الفضل بن الربيع في أيام فتنة الأمين يذكر حاله و حال أخيه المأمون، إنما نحن(2) شعب من أصل إن قوي قوينا، و إن ضعف ضعفنا، و إن هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكعاء يشاور النساء، و يقدم على الرؤيا قد أمكن أهل الخسارة و اللهو من سمعه فهم يمنونه الظفر و يعدونه عقب الأيام، و الهلاك أسرع إليه من السيل إلى قيعان الرمل، ينام نوم الظربان و ينتبه انتباه الذئب، همه بطنه و فرجه لا يفكر في زوال نعمة و لا يروى في إمضاء رأي و لا مكيدة، قد شمر له عبد الله
____________________
(1) لم يرد هذا البيت في ديوانه، وهو في اللسان 34:20، وروايته: * أرمى بها البيداء إذ أعرضت *
(2) الخبر بالتفصيل في تاريخ الطبري (حوادث سنة 196).
عن ساقه و فوق إليه أسد سهامه يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ و الموت القاصد قد عبا له المنايا على متون الخيل، و ناط له البلايا بأسنة الرماح و شفار السيوف، فهو كما قال الشاعر(1) :
لشتان ما بيني و بين ابن خالد |
أمية في الرزق الذي الله يقسم(2) |
|
يقارع أتراك ابن خاقان ليله(3) |
إلى أن يرى الإصباح لا يتلعثم |
|
و آخذها حمراء كالمسك ريحها |
لها أرج من دنها يتنسم(4) |
|
فيصبح من طول الطراد و جسمه |
نحيل و أضحي في النعيم أصمم |
و أمية المذكور في هذا الشعر، هو أمية بن عبد الله، بن خالد، بن أسيد، بن أبي العيص، بن أمية، بن عبد شمس، كان والي خراسان و حارب الترك و الشعر للبعيث. يقول أمير المؤمنين (عليهالسلام ) : شتان بين يومي في الخلافة مع ما انتقض علي من الأمر، و منيت به من انتشار الحبل و اضطراب أركان الخلافة، و بين يوم عمر حيث وليها على قاعدة ممهدة و أركان ثابتة و سكون شامل، فانتظم أمره و اطرد حاله و سكنت أيامه. قوله (عليهالسلام ) : فيا عجبا أصله فيا عجبي، كقولك: يا غلامي، ثم قلبوا الياء ألفا، فقالوا: يا عجبا، كقولهم: يا غلاما، فإن وقفت وقفت على هاء السكت، فقلت: يا عجباه، و يا غلاماه، قال ا: لعجب منه، و هو يستقيل المسلمين من الخلافة أيام حياته، فيقول أقيلوني، ثم يعقدها عند وفاته لآخر، و هذا يناقض الزهد فيها و الاستقالة منها و قال شاعر من شعراء الشيعة:
حملوها يوم السقيفة |
أوزارا تخف الجبال و هي ثقال |
____________________
(1) الطبري: "وتمثل بشعر البعيث".
(2) الشعر والخبر في تاريخ الطبري وابن الأثير (حوادث سنة 196) مع اختلاف فى الرواية وعدد الأبيات وترتيبها.
(3) كذا فى الأصول والطبري، والوجه ما أئبته من ابن الأثير.
(4) ابن الأثير:"لها أرج فى دنها حين برسم "وهنا البيت سقط من تاريخ الطبري.
ثم جاءوا من بعدها |
يستقيلون و هيهات عثرة لا تقال |
و قد اختلف الرواة في هذه اللفظة، فكثير من الناس رواها أقيلوني فلست بخيركم، و من الناس من أنكر هذه اللفظة و لم يروها، و إنما روى قوله: وليتكم و لست بخيركم، و احتج بذلك من لم يشترط الأفضلية في الإمامة و من رواها اعتذر لأبي بكر، فقال: إنما قال: أقيلوني ليثور(1) ما في نفوس(2) الناس من بيعته، و يخبر ما عندهم من ولايته، فيعلم مريدهم و كارههم و محبهم و مبغضهم، فلما رأى النفوس إليه ساكنة و القلوب لبيعته مذعنة، استمر على إمارته و حكم حكم الخلفاء في رعيته، و لم يكن منكرا منه أن يعهد إلى من استصلحه لخلافته. قالوا و قد جرى مثل ذلك لعلي (عليهالسلام ) فإنه قال: للناس بعد قتل عثمان دعوني و التمسوا غيري، فأنا لكم وزيرا خير مني لكم أميرا، و قال لهم: اتركوني فأنا كأحدكم بل أنا أسمعكم و أطوعكم لمن وليتموه أمركم، فأبوا عليه و بايعوه فكرهها أولا، ثم عهد بها إلى الحسن (عليهالسلام ) عند موته. قالت الإمامية: هذا غير لازم و الفرق بين الموضعين ظاهر؛ لأن عليا (عليهالسلام ) لم يقل إني لا أصلح و لكنه كره الفتنة، و أبوبكر قال كلاما معناه أني لا أصلح لها، لقوله لست بخيركم، و من نفى عن نفسه صلاحيته للإمامة لا يجوز أن يعهد بها إلى غيره. و اعلم أن الكلام في هذا الموضع مبني على أن الأفضلية هل هي شرط في الإمامة أم لا؟ و قد تكلمنا في شرح الغرر لشيخنا أبي الحسين(3) رحمهالله تعالى في هذا البحث بما لا يحتمله هذا الكتاب.
____________________
(1) يثور: يبحث
(2) ا: " قلوب ".
(3) هو أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب المتكلم المعتزلي، توفى سنة 436، وكتابه " غرر الأدلة "، ذكره ابن خلكان 1: 482.
و قوله (عليهالسلام ) لشد ما تشطرا ضرعيها، شد: أصله شدد، كقولك: حب في حبذا، أصله حبب، و معنى شد صار شديدا جدا، و معنى حب صار حبيبا، قال البحتري:
شد ما أغريت ظلوم بهجري |
بعد وجدي بها و غلة صدري(1) |
و للناقة أربعة أخلاف خلفان قادمان و خلفان آخران، و كل اثنين منهما شطر و تشطرا ضرعيها اقتسما فائدتهما، و نفعهما، و الضمير للخلافة و سمى القادمين معا ضرعا، و سمى الآخرين معا ضرعا لما كانا لتجاورهما و لكونهما لا يحلبان إلا معا كشيء واحد. قوله (عليهالسلام ) : فجعلها في حوزة خشناء، أي: في جهة صعبة المرام شديدة الشكيمة و الكلم الجرح. و قوله: يغلظ من الناس من قال كيف قال يغلظ كلمها و الكلم لا يوصف بالغلظ، و هذا قلة فهم بالفصاحة، ألا ترى كيف قد وصف الله سبحانه العذاب بالغلظ فقال:( وَ نَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ) (2) ، أي: متضاعف؛ لأن الغليظ من الأجسام هو ما كثف، و جسم فكان أجزاؤه و جواهره متضاعفة، فلما كان العذاب أعاذنا الله منه متضاعفا سمي غليظا، و كذلك الجرح إذا أمعن و عمق فكأنه قد تضاعف و صار جروحا فسمي غليظا. إن قيل قد قال (عليهالسلام ) في حوزة خشناء فوصفها بالخشونة فكيف أعاد ذكر الخشونة ثانية، فقال يخشن مسها. قيل ا: لاعتبار مختلف؛ لأن مراده بقوله في حوزة خشناء، أي: لا ينال ما عندها و لا يرام. يقال: إن فلانا لخشن الجانب و وعر الجانب و مراده بقوله يخشن
____________________
(1) ديوانه970:2) طبعة المعارف (.
(2) سورة هود 58
مسها، أي: تؤذي و تضر و تنكئ من يمسها يصف جفاء أخلاق الوالي المذكور و نفور طبعه و شدة بادرته. قوله (عليهالسلام ) و يكثر العثار فيها و الاعتذار منها. يقول ليست هذه الجهة جددا مهيعا بل هي كطريق كثير الحجارة لا يزال الماشي فيه عاثرا. و أما منها في قوله (عليهالسلام ) و الاعتذار منها فيمكن أن تكون من على أصلها، يعني: أن عمر كان كثيرا ما يحكم بالأمر، ثم ينقضه و يفتي بالفتيا، ثم يرجع عنها و يعتذر مما أفتى به أولا، و يمكن أن تكون من هاهنا للتعليل و السببية، أي: و يكثر اعتذار الناس عن أفعالهم و حركاتهم لأجلها قال:
أمن رسم دار مربع و مصيف |
لعينيك من ماء الشئون و كيف(1) |
أي: لأجل أن رسم المربع و المصيف هذه الدار و كف دمع عينيك. و الصعبة من النوق ما لم تركب، و لم ترض إن أشنق لها راكبها بالزمام خرم أنفها، و إن أسلس زمامها تقحم في المهالك فألقته في مهواة أو ماء أو نار، أو ندت فلم تقف حتى ترديه عنها فهلك. و أشنق الرجل ناقته إذا كفها بالزمام، و هو راكبها و اللغة المشهورة شنق ثلاثية، و في الحديث أن طلحة أنشد قصيدة، فما زال شانقا راحلته حتى كتبت له(2) و أشنق البعير نفسه إذا رفع رأسه يتعدى، و لا يتعدى و أصله من الشناق، و هو خيط يشد به فم القربة. و قال الرضي أبو الحسنرحمهالله تعالى إنما قال (عليهالسلام ) أشنق لها و لم يقل أشنقها؛ لأنه جعل ذلك في مقابلة قوله أسلس لها و هذا حسن فإنهم إذا
____________________
(1) وكيف الدمع: سيلانه.
(2) الخبر في الفائق 1: 677، وقال في شرحه: " هو أن يجذب رأسها بزمامها، حتى يداني قفاها قامة الرحل. وقد شنقها وأشنقها "
قصدوا الازدواج في الخطابة فعلوا مثل هذا قالوا الغدايا و العشايا و الأصل الغدوات جمع غدوة و قال (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) : ارجعن مأزورات غير مأجورات، و أصله موزورات بالواو؛ لأنه من الوزر. و قال الرضيرحمهالله تعالى و مما يشهد على أن أشنق بمعنى شنق قول عدي بن زيد العبادي:
ساءها ما لها تبين في الأيدي |
و إشناقها إلى الأعناق |
قلت تبين في هذا البيت فعل ماض تبين يتبين تبينا و اللام في لها تتعلق بتبين يقول ظهر لها ما في أيدينا فساءها، و هذا البيت من قصيدة أولها:
ليس شيء على المنون بباق |
غير وجه المسبح الخلاق(1) |
و قد كان زارته بنية له صغيرة اسمها هند، و هو في الحبس حبس النعمان، و يداه مغلولتان إلى عنقه، فأنكرت ذلك و قالت ما هذا الذي في يدك و عنقك يا أبت، و بكت، فقال هذا الشعر و قبل هذا البيت:
و لقد غمني زيارة ذي قربى |
صغير لقربنا مشتاق |
|
ساءها ما لها تبين في الأيدي |
و إشناقها إلى الأعناق(2) |
أي: ساءها ما ظهر لها من ذلك، و يروى ساءها ما بنا تبين، أي: ما بان و ظهر و يروى ما بنا تبين بالرفع على أنه مضارع. و يروى إشناقها بالرفع عطفا على ما التي هي بمعنى الذي، و هي فاعلة و يروى بالجر عطفا على الأيدي.
____________________
(1) الأغاني 2: 116، اللسان (شنق).
(2) بعده في رواية الأغاني:
فاذهبي يا أميم غير بعيد |
لا يؤاتى من في الوثاق |
واذهبي يا أميم إن يشأ الله ينفس من أزم هذا الخناق
و قال الرضيرحمهالله تعالى أيضا و يروى أن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) خطب الناس، و هو على ناقة قد شنق لها، و هي تقصع بجرتها. قلت الجرة ما يعلو من الجوف، و تجتره الإبل و الدرة ما يسفل و تقصع بها تدفع، و قد كان للرضيرحمهالله تعالى إذا كانت الرواية قد وردت هكذا أن يحتج بها على جواز أشنق لها، فإن الفعل في الخبر قد عدي باللام لا بنفسه قوله (عليهالسلام ) فمني الناس، أي: بلي الناس قال:
منيت بزمردة كالعصا(1)
و الخبط السير على غير جادة و الشماس النفار و التلون التبدل و، الاعتراض السير لا على خط مستقيم، كأنه يسير عرضا في غضون سيره طولا، و إنما يفعل ذلك البعير الجامح الخابط و بعير عرضي يعترض في مسيره؛ لأنه لم يتم رياضته و في فلان عرضية، أي: عجرفة و صعوبة
و كان عمر بن الخطاب صعبا عظيم الهيبة، شديد السياسة لا يحابي أحدا، و لا يراقب شريفا و لا مشروفا، و كان أكابر الصحابة يتحامون و يتفادون من لقائه، كان أبو سفيان بن حرب في مجلس عمر و هناك زياد ابن سمية و كثير من الصحابة، فتكلم زياد فأحسن، و هو يومئذ غلام فقال علي (عليهالسلام ) و كان حاضرا لأبي سفيان و هو إلى جانبه لله هذا الغلام لو كان قرشيا لساق العرب بعصاه. فقال له أبو سفيان: أما و الله لو عرفت أباه لعرفت أنه من خير أهلك. قال: و من أبوه. قال: أنا وضعته و الله في رحم أمه. فقال علي (عليهالسلام ) : فما يمنعك من استلحاقه قال أخاف هذا العير(2) الجالس أن يخرق علي إهابي
____________________
(1) لأبي الغطمش الحنفي، ذكره أبو تمام الحماسة 1881 بشرح المرزوقي، ورواه: *ألص وأخبث من كندش *
(2) عير القوم: سيدهم.
و قيل لابن عباس لما أظهر قوله في العول(1) بعد موت عمر و لم يكن قبل يظهره هلا قلت هذا و عمر حي قال هبته و كان امرأ مهابا(2) . و استدعى عمر امرأة ليسألها عن أمر و كانت حاملا، فلشدة هيبته ألقت ما في بطنها، فأجهضت به جنينا ميتا فاستفتى عمر أكابر الصحابة في ذلك، فقالوا: لا شيء عليك إنما أنت مؤدب. فقال له علي (عليهالسلام ) : (إن كانوا راقبوك فقد غشوك و إن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطئوا عليك غرة) يعني عتق رقبة فرجع عمر و الصحابة إلى قوله. و عمر هو الذي شد بيعة أبي بكر و وقم(3) المخالفين فيها فكسر سيف الزبير لما جرده، و دفع في صدر المقداد، و وطئ في السقيفة سعد بن عبادة. و قال اقتلوا سعدا قتل الله سعدا و حطم أنف الحباب بن المنذر الذي قال يوم السقيفة أنا جذيلها(4) المحكك، و عذيقها المرجب و توعد من لجأ إلى دار فاطمة (سلام الله عليها) من الهاشميين، و أخرجهم منها و لولاه لم يثبت لأبي بكر أمر و لا قامت له قائمة. و هو الذي ساس العمال، و أخذ أموالهم في خلافته، و ذلك من أحسن السياسات. و روى الزبير بن بكار. قال: لما قلد عمر عمرو بن العاص مصر بلغه أنه قد صار له مال عظيم من ناطق، و صامت(5) فكتب إليه أما بعد فقد ظهر لي من مالك ما لم يكن في رزقك و لا كان لك مال قبل أن أستعملك، فأنى لك هذا فو الله لو لم يهمني في ذات الله إلا من اختان في مال الله لكثر همي و انتثر أمري، و لقد كان عندي من المهاجرين الأولين من هو خير منك و لكني قلدتك رجاء غنائك فاكتب إلي من أين لك هذا المال و عجل.
____________________
(1) عول الفريضة، وهو أن تزيدسهامها فيدخل النقصان علي أهل الفرائض.
(2) كذا في ا، وفى ب: " وكان أمرا مهيبا "
(3) وقوم البعير:كواه والمراد أذله.
(4) الفائق: 180، وبقية الخبر فيه: " منا أمير ومنكم أمير ". الجذيل: تصغير الجذل، بالكسر، وهو في الأصل عود ينصب للجربى تحتك به فتستشفي. والمحكك: الذي كثر به الاحتكاك حتى صار مملسا. به كثير في مثل هذه الحادثة، وأنا في كثرة التجارب والعلم بموارد الأحوال فيها وفى أمثالها ومصادرها كالنخلة الكثيرة الحمل ".
(5) قولهم: ماله صامت ولا ناطق فالناطق: الحيوان والصامت:ماسواه.
فكتب إليه عمرو أما بعد فقد فهمت كتاب أميرالمؤمنين، فأما ما ظهر لي من مال فأنا قدمنا بلادا رخيصة الأسعار كثيرة الغزو فجعلنا ما أصابنا في الفضول التي اتصل بأميرالمؤمنين نبؤها، و والله لو كانت خيانتك حلالا ما خنتك و قد ائتمنتني، فإن لنا أحسابا إذا رجعنا إليها أغنتنا عن خيانتك و، ذكرت أن عندك من المهاجرين الأولين من هو خير مني، فإذا كان ذاك فو الله ما دققت لك يا أمير المؤمنين بابا، و لا فتحت لك قفلا، فكتب إليه عمر أما بعد، فإني لست من تسطيرك الكتاب و تشقيقك الكلام في شيء، و لكنكم معشر الأمراء قعدتم على عيون الأموال و لن تعدموا عذرا و إنما تأكلون النار، و تتعجلون العار و قد وجهت إليك محمد بن مسلمة فسلم إليه شطر مالك. فلما قدم محمد صنع له عمرو طعاما و دعاه فلم يأكل، و قال هذه تقدمة الشر و لو جئتني بطعام الضيف لأكلت فنح عني طعامك و أحضر لي مالك فأحضره فأخذ شطره، فلما رأى عمرو كثرة ما أخذ منه قال لعن الله زمانا صرت فيه عاملا لعمر، و الله لقد رأيت عمر و أباه على كل واحد منهما عباءة قطوانية(1) لا تجاوز مأبض(2) ركبتيه، و على عنقه حزمة حطب و العاص بن وائل في مزررات الديباج، فقال محمد: إيها عنك يا عمرو، فعمر و الله خير منك و أما أبوك و أبوه فإنهما في النار، و لولا الإسلام لألفيت معتلقا شاة يسرك غزرها و يسوؤك بكوؤها(3) . قال: صدقت فاكتم علي. قال: أفعل. قال الربيع بن زياد الحارثي: كنت(4) عاملا لأبي موسى الأشعري على البحرين
____________________
(1) قطوانية: منسوبة إلى قطوان، موضع بالكوفة، تنسب إليه الأكسية.
(2) المأبض: باطن الركبة.
(3) يقال: بكأت الناقة بكوءا، إذا قل لبنها.
(4) الخبر في الكامل153:152:1.
فكتب إليه عمر بالقدوم عليه هو و عماله، و أن يستخلفوا جميعا، فلما قدمنا المدينة أتيت يرفأ حاجب عمر. فقلت: يا يرفأ مسترشد و ابن سبيل، أي: الهيئات أحب إلى أميرالمؤمنين أن يرى فيها عماله فأومأ إلي بالخشونة، فاتخذت خفين مطارقين(1) ، و لبست جبة صوف، و لثت عمامتي على رأسي، ثم دخلنا على عمر، فصفنا بين يديه فصعد بصره فينا و صوب فلم تأخذ عينه أحدا غيري، فدعاني، فقال: من أنت؟ قلت: الربيع بن زياد الحارثي. قال: و ما تتولى من أعمالنا؟ قلت: البحرين. قال: كم ترزق؟ قلت: ألفا. قال: كثير، فما تصنع به؟ قلت: أتقوت منه شيئا و أعود بباقيه على أقارب لي فما فضل منهم فعلى فقراء المسلمين. قال: لا بأس، ارجع إلى موضعك، فرجعت إلى موضعي من الصف فصعد فينا و صوب فلم تقع عينه إلا علي فدعاني، فقال: كم سنك؟ قلت: خمس و أربعون. فقال: الآن حيث استحكمت، ثم دعا بالطعام و أصحابي حديث عهدهم بلين العيش و قد تجوعت له فأتى بخبز يابس و أكسار(2) بعير فجعل أصحابي يعافون ذلك و جعلت آكل فأجيد و أنا أنظر إليه و هو يلحظني من بينهم، ثم سبقت مني كلمة تمنيت لها أني سخت في الأرض، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الناس يحتاجون إلى صلاحك فلو عمدت إلى طعام ألين من هذا فزجرني، ثم قال: كيف قلت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، أن تنظر إلى قوتك من الطحين فيخبز قبل إرادتك إياه بيوم و يطبخ لك اللحم كذلك فتؤتى بالخبز لينا و باللحم غريضا فسكن من غربه، و قال: أهاهنا غرت(3) ! قلت: نعم. فقال: يا ربيع، إنا لو نشاء لملأنا هذه الرحاب من صلائق(4) وسبائك(5) ، و صناب(6) ، و لكني رأيت الله نعى على قوم شهواتهم فقال:( أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ
____________________
(1) لبس خفين مطارقين، أي مطبقين، واحدا فوق الآخر.
(2) أكيار الإبل، أي أعضاؤها، واحدها كسر، بالفتح والكسر.
(3) غرت: ذهبت، وفى الأصول: " غرب " تحريف.
(4) الصلائق:ما عمل بالنار طبخا وشياً.
(5) السبائك: ما سبك من الدقيق ونخل فأخذ خالصه، يعنى الحوارى، وكانوا يسمون الرقاق السبائك.
(6) الصناب: صباغ يؤتدم به.
فِي حَياتِكُمُ اَلدُّنْيا ) (1) ، ثم أمر أبا موسى بإقراري و أن يستبدل بأصحابي. أسلم عمر بعد جماعة من الناس، و كان سبب إسلامه أن أخته و بعلها أسلما سرا من عمر، فدخل إليهما خباب بن الأرت يعلمهما الدين خفية فوشى بهم واش إلى عمر فجاء دار أخته فتوارى خباب منه داخل البيت، فقال عمر: ما هذه الهينمة عندكم؟ قالت أخته: ما عدا حديثا تحدثناه بيننا. قال: أراكما قد صبوتما. قال ختنه: أرأيت إن كان هو الحق فوثب عليه عمر فوطئه وطئا شديدا، فجاءت أخته فدفعته عنه فنفحها بيده فدمي وجهها، ثم ندم و رق و جلس واجما، فخرج إليه خباب فقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) لك الليلة فإنه لم يزل يدعو منذ الليلة، اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام. قال: فانطلق عمر متقلدا سيفه حتى أتى إلى الدار التي فيها رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) يومئذ، و هي الدار التي في أصل الصفا و على الباب حمزة، و طلحة، و ناس من المسلمين، فوجل القوم من عمر إلا حمزة، فإنه قال: قد جاءنا عمر فإن يرد الله به خيرا يهده و إن يرد غير ذلك كان قتله علينا هينا، و النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) داخل الدار يوحى إليه، فسمع كلامهم فخرج حتى أتى عمر فأخذ بمجامع ثوبه و حمائل سيفه، و قال ما أنت بمنته يا عمر، حتى ينزل الله بك من الخزي و النكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة اللهم هذا عمر اللهم أعز الإسلام بعمر. فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله، و أشهد أن محمدا رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ). مر يوما عمر في بعض شوارع المدينة فناداه إنسان ما أراك إلا تستعمل عمالك و تعهد إليهم العهود، و ترى أن ذلك قد أجزأك كلا و الله إنك المأخوذ بهم إن لم تتعهدهم،
____________________
(1) سورة الأحقاف 20
قال: ما ذاك قال عياض بن غنم يلبس اللين، و يأكل الطيب و يفعل كذا و كذا قال: أساع(1) ؟، قال: بل مؤد ما عليه، فقال لمحمد بن مسلمة: الحق بعياض بن غنم فأتني به كما تجده، فمضى محمد بن مسلمة حتى أتى باب عياض، و هو أمير على حمص و إذا عليه بواب، فقال له: قل لعياض على بابك رجل يريد أن يلقاك. قال: ما تقول؟ قال: قل له ما أقول لك، فقام كالمعجب، فأخبره فعرف عياض أنه أمر حدث فخرج، فإذا محمد بن مسلمة فأدخله فرأى على عياض قميصا رقيقا و رداء لينا، فقال: إن أمير المؤمنين أمرني ألا أفارقك حتى آتيه بك كما أجدك فأقدمه على عمر و أخبره أنه وجده في عيش ناعم، فأمر له بعصا و كساء، و قال: اذهب بهذه الغنم فأحسن رعيها، فقال: الموت أهون من ذلك، فقال: كذبت و لقد كان ترك ما كنت عليه أهون عليك من ذلك، فساق الغنم بعصاه و الكساء في عنقه، فلما بعد رده و قال: أرأيت إن رددتك إلى عملك أتصنع خيرا؟ قال: نعم و الله يا أمير المؤمنين، لا يبلغك مني بعدها ما تكره فرده إلى عمله فلم يبلغه عنه بعدها ما ينقمه عليه. كان الناس بعد وفاة رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) يأتون الشجرة التي كانت بيعة الرضوان تحتها فيصلون عندها، فقال عمر: أراكم أيها الناس رجعتم إلى العزى، ألا لا أوتي منذ اليوم بأحد عاد لمثلها إلا قتلته بالسيف كما يقتل المرتد، ثم أمر بها فقطعت. لما مات رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و شاع بين الناس موته، طاف عمر على الناس قائلا إنه لم يمت و لكنه غاب عنا كما غاب موسى عن قومه، و ليرجعن فليقطعن أيدي رجال و أرجلهم يزعمون أنه مات، فجعل لا يمر بأحد يقول إنه مات إلا و يخبطه و يتوعده، حتى جاء أبوبكر فقال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات
____________________
(1) الساعي هنا: الواشي.
و من كان يعبد رب محمد فإنه حي لم يمت، ثم تلا قوله تعالى:( أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) (1) ، قالوا: فو الله لكان الناس ما سمعوا هذه الآية حتى تلاها أبوبكر، و قال عمر: لما سمعته يتلوها هويت إلى الأرض و علمت أن رسول الله قد مات. لما قتل خالد مالك بن نويرة و نكح امرأته كان في عسكره أبو قتادة الأنصاري فركب فرسه و التحق بأبي بكر، و حلف ألا يسير في جيش تحت لواء خالد أبدا فقص على أبي بكر القصة، فقال أبوبكر: لقد فتنت الغنائم العرب و ترك خالد ما أمر به. فقال عمر: إن عليك أن تقيده بمالك، فسكت أبوبكر و قدم خالد فدخل المسجد و عليه ثياب قد صدئت من الحديد، و في عمامته ثلاثة أسهم، فلما رآه عمر قال: أرياء يا عدو الله، عدوت على رجل من المسلمين فقتلته و نكحت امرأته، أما و الله إن أمكنني الله منك لأرجمنك، ثم تناول الأسهم من عمامته فكسرها، و خالد ساكت لا يرد عليه ظنا أن ذلك عن أمر أبي بكر و رأيه، فلما دخل إلى أبي بكر و حدثه صدقه فيما حكاه و قبل عذره، فكان عمر يحرض أبابكر على خالد و يشير عليه أن يقتص منه بدم مالك، فقال أبوبكر: إيها يا عمر، ما هو بأول من أخطأ فارفع لسانك عنه، ثم ودى مالكا من بيت مال المسلمين. لما صالح خالد أهل اليمامة و كتب بينه و بينهم كتاب الصلح، تزوج ابنة مجاعة بن مرارة الحنفي، وصل إليه كتاب أبي بكر لعمري: يا ابن أم خالد، إنك لفارغ حتى تزوج النساء و حول حجرتك دماء المسلمين لم تجف بعد في كلام أغلظ له فيه، فقال خالد هذا الكتاب ليس من عمل أبي بكر هذا عمل الأعيسر يعني عمر
____________________
(1) سورة آل عمران 144
عزل عمر خالدا عن إمارة حمص في سنة سبع عشرة و إقامة للناس، و عقله بعمامته، و نزع قلنسوته عن رأسه، و قال أعلمني من أين لك هذا المال، و ذلك أنه أجاز الأشعث بن قيس بعشرة آلاف درهم، فقال: من الأنفال و السهمان، فقال: لا و الله لا تعمل لي عملا بعد اليوم و شاطره ماله و كتب إلى الأمصار بعزله، و قال: إن الناس فتنوا به فخفت أن يوكلوا إليه و أحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع. لما أسر الهرمزان حمل إلى عمر من تستر إلى المدينة و معه رجال من المسلمين منهم الأحنف بن قيس و أنس بن مالك، فأدخلوه المدينة في هيئته و تاجه و كسوته، فوجدوا عمر نائما في جانب المسجد، فجلسوا عنده ينتظرون انتباهه، فقال الهرمزان و أين عمر؟ قالوا: ها هو ذا قال أين حرسه قالوا لا حاجب له و لا حارس، قال: فينبغي أن يكون هذا نبيا قالوا إنه يعمل بعمل الأنبياء، و استيقظ عمر فقال الهرمزان، فقالوا: نعم. قال: لا أكلمه أو لا يبقى عليه من حليته شيء فرموا ما عليه و ألبسوه ثوبا صفيقا، فلما كلمه عمر أمر أبا طلحة أن ينتضي سيفه و يقوم على رأسه ففعل، ثم قال له ما عذرك في نقض الصلح و نكث العهد، و قد كان الهرمزان صالح أولا، ثم نقض و غدر، فقال: أخبرك؟، قال: قل. قال: و أنا شديد العطش فاسقني، ثم أخبرك فأحضر له ماء فلما تناوله جعلت يده ترعد، قال: ما شأنك؟ قال: أخاف أن أمد عنقي و أنا أشرب، فيقتلني سيفك. قال: لا بأس عليك حتى تشرب، فألقى الإناء عن يده. فقال: ما بالك أعيدوا عليه الماء و لا تجمعوا عليه بين القتل و العطش، قال: إنك قد أمنتني. قال: كذبت. قال: لم أكذب. قال أنس: صدق يا أمير المؤمنين، قال ويحك يا أنس، أنا أؤمن قاتل مجزأة بن ثور و البراء بن مالك و الله لتأتيني بالمخرج أو لأعاقبنك. قال: أنت يا أمير المؤمنين، قلت: لا بأس عليك حتى تشرب، و قال له ناس من المسلمين
مثل قول أنس، فقال للهرمزان: ويحك أتخدعني و الله لأقتلنك إلا أن تسلم، ثم أومأ إلى أبي طلحة، فقال الهرمزان: أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) فأمنه و أنزله المدينة. سأل عمر عمرو بن معديكرب عن السلاح، فقال له: ما تقول في الرمح؟ قال أخوك: و ربما خانك، قال: فالنبل، قال: رسل المنايا تخطئ و تصيب. قال: فالدرع قال مشغلة للفارس متعبة للراجل و إنها مع ذلك لحصن حصين، قال: فالترس، قال: هو المجن و عليه تدور الدوائر، قال: فالسيف؟ قال: هناك قارعت أمك الهبل. قال: بل أمك قال و الحمى أضرعتني لك(1) . و أول من ضرب عمر بالدرة أم فروة بنت أبي قحافة، مات أبوبكر فناح النساء عليه و فيهن أخته أم فروة فنهاهن عمر مرارا، و هن يعاودن، فأخرج أم فروة من بينهن و علاها بالدرة فهربن و تفرقن. كان يقال درة عمر أهيب من سيف الحجاج و في الصحيح أن نسوة كن عند رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) قد كثر لغطهن، فجاء عمر فهربن هيبة له، فقال: لهن يا عديات أنفسهن أتهبنني و لا تهبن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، قلن: نعم أنت أغلظ و أفظ. و كان عمر يفتي كثيرا بالحكم، ثم ينقضه و يفتي بضده و خلافه قضى في الجد مع الإخوة قضايا كثيرة مختلفة، ثم خاف من الحكم في هذه المسألة، فقال من أراد أن يتقحم جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه.
____________________
(1) الحمي أضرعتنى لك؛مثل يضرب فى الذل عنى الجاجة تنزل وورد المثل محرفا فى الأصول، والتصويب من الميدانى 205:1، وعيون الأخبار 130:1، والعقد210:1.
و قال مرة: لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النبي إلا ارتجعت ذلك منها، فقالت له امرأة: ما جعل الله لك ذلك، إنه تعالى قال:( وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً ) (1) ، فقال: كل النساء أفقه من عمر حتى ربات الحجال. ألا تعجبون من إمام أخطأ و امرأة أصابت فاضلت إمامكم ففضلته. و مر يوما بشاب من فتيان الأنصار و هو ظمآن فاستسقاه فجدح(2) له ماء بعسل فلم يشربه و قال: إن الله تعالى يقول:( أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ اَلدُّنْيا ) ، فقال له الفتى: يا أمير المؤمنين، إنها ليست لك و لا لأحد من هذه القبيلة، اقرأ ما قبلها( وَ يَوْمَ يُعْرَضُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى اَلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ اَلدُّنْيا ) (3) ، فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر. و قيل: إن عمر كان يعس بالليل فسمع صوت رجل و امرأة في بيت، فارتاب فتسور الحائط فوجد امرأة و رجلا و عندهما زق خمر، فقال: يا عدو الله، أكنت ترى أن الله يسترك و أنت على معصيته؟ قال: يا أميرالمؤمنين، إن كنت أخطأت في واحدة فقد أخطأت في ثلاث، قال الله تعالى:( وَ لا تَجَسَّسُوا ) (4) و قد تجسست، و قال:( وَ أْتُوا اَلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ) (5) و قد تسورت، و قال:( فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا ) (6) و ما سلمت. و قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و أنا محرمهما و معاقب عليهما، متعة النساء، و متعة الحج. و هذا الكلام و إن كان ظاهره منكرا فله عندنا مخرج و تأويل، و قد ذكره أصحابنا الفقهاء في كتبهم.
____________________
(1) سورة النساء 20
(2) جدح: خلط
(3) سورة الأحقاف 20
(4) سورة الحجرات 12
(5) سورة البقرة 189
(6) سورة النور 61
و كان في أخلاق عمر و ألفاظه جفاء و عنجهية ظاهرة، يحسبه السامع لها أنه أراد بها ما لم يكن قد أراد و يتوهم من تحكى له أنه قصد بها ظاهرا ما لم يقصده، فمنها الكلمة التي قالها في مرض رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، و معاذ الله أن يقصد بها ظاهرها، و لكنه أرسلها على مقتضى خشونة غريزته، و لم يتحفظ منها و كان الأحسن أن يقول مغمور أو مغلوب بالمرض، و حاشاه أن يعني بها غير ذلك. و لجفاة الأعراب من هذا الفن كثير، سمع سليمان بن عبد الملك أعرابيا يقول في سنة قحط:
رب العباد ما لنا و ما لكا |
قد كنت تسقينا فما بدا لكا |
أنزل علينا القطر لا أبا لكا
فقال: سليمان أشهد أنه لا أب له، و لا صاحبه، و لا ولد، فأخرجه أحسن مخرج(1) . و على نحو هذا يحتمل كلامه في صلح الحديبية لما قال للنبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) : ألم تقل لنا ستدخلونها في ألفاظ نكره حكايتها حتى شكاه النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) إلى أبي بكر، و حتى قال له أبو بكر الزم بغرزه(2) فو الله إنه لرسول الله. و عمر هو الذي أغلظ على جبلة بن الأيهم حتى اضطره إلى مفارقة دار الهجرة بل مفارقة دار الإسلام كلها و عاد مرتدا داخلا في دين النصرانية لأجل لطمة لطمها و قال جبلة بعد ارتداده متندما على ما فعل:
تنصرت الأشراف من أجل لطمة |
وما كان فيها لو صبرت لها ضرر |
|
فيا ليت أمي لم تلدني و ليتني |
رجعت إلى القول الذي قاله عمر |
____________________
(1) الخبر في الكامل 7: 541 بشرح المرصفي
(2) الغرز في الأصل: ركاب الرحل، وفى الكلام استعارة، والمراد هنا: اتبع قوله.وفى اللسان والنتهاية:"استمسك بغرزه"، ورواية ابن هشام:"الؤم غرزه".
(حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي سِتَّةٍ جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ فَيَا لَلَّهِ وَ لِلشُّورَى مَتَى اِعْتَرَضَ اَلرَّيْبُ فِيَّ مَعَ اَلْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أَقْرَنُ إِلَى هَذِهِ اَلنَّظَائِرِ لَكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا وَ طِرْتُ إِذْ طَارُوا فَصَغَا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ وَ مَالَ اَلآْخَرُ لِصِهْرِهِ مَعَ هَنٍ وَ هَنٍ) اللام في يا لله، مفتوحة، و اللام في و للشورى مكسورة؛ لأن الأولى للمدعو و الثانية للمدعو إليه قال:
يا للرجال ليوم الأربعاء أما |
ينفك يحدث لي بعد النهي طربا(1) |
اللام في للرجال مفتوحة، و في ليوم مكسورة، و أسف الرجل إذا دخل في الأمر الدنيء أصله من أسف الطائر إذا دنا من الأرض في طيرانه و الضغن الحقد. و قوله: (مع هن و هن)، أي: مع أمور يكنى عنها و لا يصرح بذكرها و أكثر ما يستعمل ذلك في الشر قال(2) :
على هنوات شرها متتابع
يقول: (عليهالسلام ) إن عمر لما طعن جعل الخلافة في ستة هو (عليهالسلام ) أحدهم، ثم تعجب من ذلك، فقال: متى اعترض الشك في مع أبي بكر حتى أقرن بسعد بن أبي وقاص، و عبد الرحمن بن عوف، و أمثالهما لكني طلبت الأمر، و هو موسوم بالأصاغر منهم كما طلبته أولا و هو موسوم بأكابرهم، أي: هو حقي فلا أستنكف من طلبه إن كان المنازع فيه جليل القدر أو صغير المنزلة. و صغا الرجل بمعنى مال الصغو الميل بالفتح و الكسر
____________________
(1) لعبى الله بن مسلم بن جندب فى الكامل 270:3 من غير نسبة، وهو أيظا من أبيات له رواها ثعب في المجلس 474 وهي فى معجم البلدان136:1.
(2) البيت في اللسان (02: 342) من غير نسبه، وأوله: * أرى ابن نزار قد جفاني وملني *
قصة الشورى
و صورة هذه الواقعة أن عمر لما طعنه أبو لؤلؤة و علم أنه ميت استشار فيمن يوليه الأمر بعده، فأشير عليه بابنه عبد الله، فقال: لاها الله إذا لا يليها رجلان من ولد الخطاب حسب عمر ما حمل، حسب عمر ما احتقب، لاها الله لا أتحملها حيا و ميتا، ثم قال إن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) مات، و هو راض عن هذه الستة من قريش علي (عليهالسلام )، و عثمان، و طلحة، و الزبير، و سعد، و عبد الرحمن بن عوف، و قد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم، ثم قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني أبابكر و إن أترك فقد ترك من هو خير مني يعني رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، ثم قال: ادعوهم لي فدعوهم فدخلوا عليه، و هو ملقى على فراشه يجود بنفسه. فنظر إليهم فقال: أكلكم يطمع في الخلافة بعدي فوجموا، فقال لهم ثانية: فأجابه الزبير و قال: و ما الذي يبعدنا منها وليتها أنت فقمت بها و لسنا دونك في قريش و لا في السابقة و لا في القرابة. قال الشيخ أبو عثمان الجاحظ، و الله لو لا علمه أن عمر يموت في مجلسه ذلك لم يقدم على أن يفوه من هذا الكلام بكلمة، و لا أن ينبس منه بلفظة. فقال عمر: أفلا أخبركم عن أنفسكم. قال: قل فإنا لو استعفيناك لم تعفنا، فقال: أما أنت يا زبير، فوعق لقس(1) مؤمن الرضا كافر الغضب، يوما إنسان و يوما شيطان، و لعلها لو أفضت إليك ظلت يومك تلاطم بالبطحاء على مد من شعير، أفرأيت إن أفضت إليك فليت شعري من يكون للناس يوم تكون شيطانا و من يكون يوم تغضب، و ما كان الله ليجمع لك أمر هذه الأمة و أنت على هذه الصفة. ثم أقبل على طلحة و كان له مبغضا منذ قال لأبي بكر يوم وفاته ما قال في عمر، فقال له أقول: أم أسكت؟ قال: قل فإنك لا تقول من الخير شيئا. قال: أما إني أعرفك منذ أصيبت إصبعك يوم أحد و البأو(2) الذي حدث لك و لقد مات رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )
____________________
(1) الوعق: الضجر المتبرم، واللقس: من لا يستقيم على وجه.
(2) البأو: التكبر والفخر.ونقل صاحب اللسان عن ألفقهاء:"فى طلحة بأواء ".
ساخطا عليك بالكلمة التي قلتها يوم أنزلت آية الحجاب. قال شيخنا أبو عثمان الجاحظرحمهالله تعالى الكلمة المذكورة أن طلحة لما أنزلت آية الحجاب. قال بمحضر ممن نقل عنه إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) ما الذي يغنيه حجابهن اليوم و سيموت غدا فننكحهن. قال أبو عثمان أيضا لو قال لعمر قائل أنت قلت: إن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) مات، و هو راض عن الستة، فكيف تقول الآن لطلحة إنه مات (عليهالسلام ) ساخطا عليك للكلمة التي قلتها لكان قد رماه بمشاقصه(1) ، و لكن من الذي كان يجسر على عمر أن يقول له ما دون هذا فكيف هذا. قال ثم أقبل على سعد بن أبي وقاص، فقال إنما أنت صاحب مقنب(2) من هذه المقانب تقاتل به و صاحب قنص، و قوس، و أسهم، و ما زهرة(3) ، و الخلافة، و أمور الناس. ثم أقبل على عبد الرحمن بن عوف، فقال: و أما أنت يا عبد الرحمن فلو وزن نصف إيمان المسلمين بإيمانك لرجح إيمانك به و لكن ليس يصلح هذا الأمر لمن فيه ضعف كضعفك، و ما زهرة و هذا الأمر. ثم أقبل على علي (عليهالسلام ) فقال لله أنت لو لا دعابة فيك أما، و الله لئن وليتهم لتحملنهم على الحق الواضح و المحجة البيضاء، ثم أقبل على عثمان. فقال: هيها إليك كأني بك قد قلدتك قريش هذا الأمر لحبها إياك، فحملت بني أمية و بني أبي معيط على رقاب الناس و آثرتهم بالفيء، فسارت إليك عصابة من ذؤبان العرب فذبحوك على فراشك ذبحا، و الله لئن فعلوا لتفعلن و لئن فعلت ليفعلن، ثم أخذ بناصيته. فقال فإذا كان ذلك فاذكر قولي فإنه كائن. ذكر هذا الخبر كله شيخنا أبو عثمان في كتاب السفيانية(4) و ذكره جماعة غيره في باب فراسة عمر، و ذكر أبو عثمان في هذا الكتاب عقيب رواية هذا الخبر قال و روى
____________________
(1) المشاقص: جمع مشقص، وهو نصل السهم إذا كان طويلا
(2) المقنب: جماعة الخيل.
(3) زهرة: قبيلة سعد بن أبي وقاص
(4) فى السعودى 253:3 أن الجاحظ ألف كتابا فى نصرة معاوية بن أبي سفيان.
معمر بن سليمان التيمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأهل الشورى إنكم إن تعاونتم و توازرتم، و تناصحتم أكلتموها و أولادكم، و إن تحاسدتم و تقاعدتم و تدابرتم، و تباغضتم غلبكم على هذا الأمر معاوية بن أبي سفيان و كان معاوية حينئذ أمير الشام. ثم رجع بنا الكلام إلى تمام قصة الشورى، ثم قال ادعوا إلي أبا طلحة الأنصاري فدعوه له، فقال: انظر يا أبا طلحة، إذا عدتم من حفرتي فكن في خمسين رجلا من الأنصار حاملي سيوفكم، فخذ هؤلاء النفر بإمضاء الأمر و تعجيله و اجمعهم في بيت و قف بأصحابك على باب البيت ليتشاوروا و يختاروا واحدا منهم، فإن اتفق خمسة و أبى واحد فاضرب عنقه، و إن اتفق أربعة و أبى اثنان فاضرب أعناقهما، و إن اتفق ثلاثة و خالف ثلاثة، فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرحمن فارجع إلى ما قد اتفقت عليه، فإن أصرت الثلاثة الأخرى على خلافها فاضرب أعناقها، و إن مضت ثلاثة أيام و لم يتفقوا على أمر فاضرب أعناق الستة، و دع المسلمين يختاروا لأنفسهم. فلما دفن عمر جمعهم أبو طلحة و وقف على باب البيت بالسيف في خمسين من الأنصار حاملي سيوفهم، ثم تكلم القوم و تنازعوا فأول ما عمل طلحة أنه أشهدهم على نفسه أنه قد وهب حقه من الشورى لعثمان، و ذلك لعلمه أن الناس لا يعدلون به عليا، و عثمان، و أن الخلافة لا تخلص له، و هذان موجودان فأراد تقوية أمر عثمان و إضعاف جانب علي (عليهالسلام ) بهبة أمر لا انتفاع له به، و لا تمكن له منه. فقال الزبير في معارضته و أنا أشهدكم على نفسي أني قد وهبت حقي من الشورى لعلي، و إنما فعل ذلك؛ لأنه لما رأى عليا قد ضعف و انخزل بهبة طلحة حقه لعثمان دخلته حمية النسب؛ لأنه ابن عمة أمير المؤمنين (عليهالسلام ) و هي صفية بنت عبد المطلب و أبو طالب خاله، و إنما مال طلحة إلى عثمان لانحرافه عن علي (عليهالسلام ) باعتبار أنه
تيمي، و ابن عم أبي بكر الصديق، و قد كان حصل في نفوس بني هاشم من بني تيم حنق شديد لأجل الخلافة، و كذلك صار في صدور تيم على بني هاشم، و هذا أمر مركوز في طبيعة البشر، و خصوصا طينة العرب و طباعها و التجربة إلى الآن تحقق ذلك فبقي من الستة أربعة. فقال سعد بن أبي وقاص: و أنا قد وهبت حقي من الشورى لابن عمي عبد الرحمن، و ذلك؛ لأنهما من بني زهرة و لعلم سعد أن الأمر لا يتم له فلما لم يبق إلا الثلاثة. قال: عبد الرحمن لعلي و عثمان أيكما يخرج نفسه من الخلافة و يكون إليه الاختيار في الاثنين الباقيين فلم يتكلم منهما أحد، فقال عبد الرحمن أشهدكم أنني قد أخرجت نفسي من الخلافة على أن أختار أحدهما فأمسكا فبدأ بعلي (عليهالسلام )، و قال له: أبايعك على كتاب الله و سنة رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و سيرة الشيخين أبي بكر و عمر، فقال: بل على كتاب الله و سنة رسوله و اجتهاد رأيي، فعدل عنه إلى عثمان فعرض ذلك عليه، فقال: نعم فعاد إلى علي (عليهالسلام ) فأعاد قوله فعل ذلك عبد الرحمن ثلاثا، فلما رأى أن عليا غير راجع عما قاله، و أن عثمان ينعم له(1) بالإجابة ف صفق(2) على يد عثمان و قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فيقال: إن عليا (عليهالسلام ) قال له: و الله ما فعلتها إلا؛ لأنك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه دق الله بينكما عطر منشم(3) . قيل: ففسد بعد ذلك بين عثمان، و عبد الرحمن، فلم يكلم أحدهما صاحبه حتى مات عبد الرحمن
____________________
(1) أنعم له، إذا قال مجيبا " نعم ".
(2) يقال: صفق يده صفقا أى ضرب بيده.
(3) قال الأصمعي: منشم، بكسر الشين: اسم امرأة كانت بمكة عطارة، وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا القتال تطيبوا من طيبها، وكانوا إذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فيما بينهم، فكان يقال: أشأم من عطر منشم، فصار مثلا. صحاح الجوهري 5: 2041
، ثم نرجع إلى تفسير ألفاظ الفصل أما قوله (عليهالسلام ) : فصغا رجل منهم لضغنه فإنه يعني طلحة و قال القطب الراوندي يعني سعد بن أبي وقاص؛ لأن عليا (عليهالسلام ) قتل أباه يوم بدر و هذا خطأ، فإن أباه أبو وقاص و اسمه مالك بن أهيب، بن عبد مناف، بن زهرة، بن كلاب، بن مرة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، مات في الجاهلية حتف أنفه. و أما قوله: و مال الآخر لصهره يعني عبد الرحمن مال إلى عثمان؛ لأن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط كانت تحته، و أم كلثوم هذه هي أخت عثمان من أمه أروى بنت كريز. و روى القطب الراوندي أن عمر لما قال كونوا مع الثلاثة التي عبد الرحمن فيها. قال: ابن عباس لعلي (عليهالسلام ) ذهب الأمر منا الرجل يريد أن يكون الأمر في عثمان فقال علي (عليهالسلام ) : و أنا أعلم ذلك و لكني أدخل معهم في الشورى؛ لأن عمر قد أهلني الآن للخلافة و كان قبل ذلك(1) يقول إن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) قال إن النبوة و الإمامة لا يجتمعان في بيت، فأنا(2) أدخل في ذلك لأظهر للناس مناقضة فعله لروايته الذي ذكره(3) الراوندي غير معروف، و لم ينقل عمر هذا عن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و لكنه قال لعبد الله بن عباس يوما يا عبد الله، ما تقول منع قومكم منكم(4) ؟. قال: لا أعلم يا أمير المؤمنين، قال اللهم غفرا إن قومكم كرهوا أن تجتمع لكم النبوة و الخلافة فتذهبون في السماء بذخا و شمخا لعلكم تقولون إن أبا بكر أراد الإمرة عليكم و هضمكم كلا لكنه حضره أمر لم يكن عنده أحزم مما فعل، و لولا رأي أبي بكر
____________________
(1) كلمة " ذلك " ساقطة من ب
(2) ا: " وأنا "
(3) ب " رواه "
(4) كذا فى الأصول وربما كانت كلمة"تقول"مقحمة، أوتكون بمعنى الظن.وفى تاريخ الطبرى:"أتدرى مامنع وقمكم منكم".
في بعد موته لأعاد أمركم إليكم، و لو فعل ما هنأكم مع قومكم إنهم لينظرون إليكم نظر الثور إلى جازره. فأما الرواية التي جاءت بأن طلحة لم يكن حاضرا يوم الشورى، فإن صحت فذو الضغن هو سعد بن أبي وقاص؛ لأن أمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس، و الضغينة التي عنده على علي (عليهالسلام ) من قبل أخواله الذين قتل صناديدهم و تقلد دماءهم، و لم يعرف أن عليا (عليهالسلام ) قتل أحدا من بني زهرة لينسب الضغن إليه. و هذه الرواية هي التي اختارها أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب؟ التاريخ، قال: لما طعن عمر(1) قيل له: لو استخلفت يا أمير المؤمنين(2 ، فقال: من أستخلف2) لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته(3) و قلت لربي لو سألني سمعت نبيك، يقول أبو عبيدة أمين هذه الأمة(4) و لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته و قلت لربي إن سألني(5) سمعت نبيك (عليهالسلام ) يقول: إن سالما شديد الحب لله فقال له رجل ول(6) عبد الله بن عمر، فقال قاتلك الله و الله ما الله أردت بهذا الأمر، ويحك(2) كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته لا أرب لعمر في خلافتكم(7) ما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي إن تك خيرا فقد أصبنا منه و إن تك شرا يصرف عنا(8) حسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد و يسأل عن أمر أمة محمد. فخرج الناس من عنده، ثم راحوا إليه فقالوا له لو عهدت عهدا، قال: قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم(1) أن أولي أمركم رجلا هو أحراكم أن يحملكم على الحق
____________________
(1) تاريخ الرسل والملوك 227:4 وما بعدها، مع تصرف واختصار.
(2) تكملة من تاريخ الطبري
(3) الطبري: " استخلفته "
(4) الطبري: " أدلك عليه؟ عبد الله بن عمر "
(5) الطبري: " فإن سألني ربى قلت... "
(6) الطبري: " إنه أمين هذه الأمة "
(7) الطبري: " أموركم "
(8) فى الطبري: "فشر عنا آل عمر".
و أشار إلى علي (عليهالسلام ) فرهقتني غشية فرأيت رجلا يدخل جنة قد غرسها(1) ، فجعل يقطف كل غضة و يانعة فيضمها إليه و يصيرها تحته فخفت أن أتحملها حيا، و ميتا و علمت أن الله غالب أمره عليكم بالرهط الذي قال رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) عنهم إنهم من أهل الجنة، ثم ذكر خمسة عليا، و عثمان، و عبد الرحمن، و الزبير، و سعدا. قال و لم يذكر في هذا المجلس طلحة و لا كان طلحة يومئذ بالمدينة، ثم قال لهم انهضوا إلى حجرة عائشة فتشاوروا فيها، و وضع رأسه و قد نزفه الدم. فقال العباس لعلي (عليهالسلام ) : لا تدخل معهم و ارفع نفسك عنهم. قال: إني أكره الخلاف. قال: إذن ترى ما تكره، فدخلوا الحجرة فتناجوا حتى ارتفعت أصواتهم، فقال عبد الله بن عمر إن أمير المؤمنين لم يمت بعد ففيم هذا اللغط، و انتبه عمر و سمع الأصوات، فقال ليصل بالناس صهيب و لا يأتين اليوم الرابع من يوم موتي إلا و عليكم أمير و ليحضر عبد الله بن عمر مشيرا و ليس له شيء من الأمر، و طلحة بن عبيد الله شريككم في الأمر، فإن قدم إلى ثلاثة أيام فأحضروه أمركم و إلا فأرضوه، و من لي برضا طلحة، فقال: سعد أنا لك به و لن يخالف إن شاء الله تعالى. ثم ذكر وصيته لأبي طلحة الأنصاري و ما خص به عبد الرحمن بن عوف من كون الحق في الفئة التي هو فيها، و أمره بقتل من يخالف ثم خرج الناس، فقال علي (عليهالسلام ) لقوم معه من بني هاشم إن أطيع فيكم قومكم من قريش لم تؤمروا أبدا، و قال للعباس عدل بالأمر عني يا عم قال: و ما علمك قال قرن بي عثمان، و قال عمر كونوا مع الأكثر فإن رضي رجلان رجلا و رجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن، فسعد لا يخالف ابن عمه و عبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفان فيوليها أحدهما الآخر، فلو كان الآخران معي لم يغنيا شيئا، فقال العباس: لم أدفعك إلى شيء إلا رجعت إلي
____________________
(1) من الطبرى.
مستأخرا بما أكره أشرت عليك عند مرض رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) أن تسأله عن هذا الأمر فيمن هو، فأبيت و أشرت عليك عند وفاته أن تعاجل البيعة(1) فأبيت، و قد أشرت عليك حين سماك عمر في الشورى اليوم أن ترفع نفسك عنها، و لا تدخل معهم فيها فأبيت، فاحفظ عني واحدة كلما عرض عليك القوم الأمر، فقل لا إلا أن يولوك، و اعلم أن هؤلاء لا يبرحون يدفعونك عن هذا الأمر حتى يقوم لك به غيرك، و ايم الله لا تناله إلا بشر لا ينفع معه خير. فقال (عليهالسلام ) : أما إني أعلم أنهم سيولون عثمان، و ليحدثن البدع و الأحداث و لئن بقي لأذكرنك، و إن قتل أو مات ليتداولنها بنو أمية بينهم، و إن كنت حيا لتجدني حيث تكرهون، ثم تمثل:
حلفت برب الراقصات عشية |
غدون خفافا يبتدرن المحصبا(2) |
|
ليجتلبن رهط ابن يعمر غدوة(3) |
نجيعا بنو الشداخ وردا مصلبا |
قال ثم التفت فرأى أبا طلحة الأنصاري فكره مكانه، فقال أبو طلحة لا ترع أبا حسن، فلما مات عمر و دفن و خلوا بأنفسهم للمشاورة في الأمر، و قام أبو طلحة يحجبهم بباب البيت جاء عمرو بن العاص، و المغيرة بن شعبة فجلسا بالباب، فحصبهما سعد و أقامهما، و قال: إنما تريدان أن تقولا حضرنا و كنا في أصحاب الشورى. فتنافس القوم في الأمر و كثر بينهم الكلام. فقال أبو طلحة: أنا كنت؛ لأن تدافعوها أخوف مني عليكم أن تنافسوها أما و الذي ذهب بنفس عمر لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي وقفت لكم فاصنعوا ما بدا لكم. قال ثم إن عبد الرحمن قال لابن عمه سعد بن أبي وقاص إني قد كرهتها، و سأخلع نفسي منها؛ لأني رأيت الليلة روضة خضراء كثيرة العشب، فدخل فحل ما رأيت
____________________
(1) الطبري: " الامر "
(2) الطبري: " فابتدرن ".
(3) الطبري: ليختلن رهط ابن يعمر مارئا"، وابن الأثير 36:3:"ليختلين رهط ابن يعمر فارسا".
أكرم منه، فمر كأنه سهم لم يلتفت إلى شيء منها حتى قطعها لم يعرج و دخل بعير يتلوه تابع أثره حتى خرج منها، ثم دخل فحل عبقري يجر خطامه، و مضى قصد الأولين، ثم دخل بعير رابع فوقع في الروضة يرتع و يخضم، و لا و الله لا أكون الرابع و إن أحدا لا يقوم مقام أبي بكر و عمر فيرضى الناس عنه. ثم ذكر خلع عبد الرحمن نفسه من الأمر على أن يوليها أفضلهم في نفسه، و أن عثمان أجاب إلى ذلك و أن عليا (عليهالسلام ) سكت، فلما روجع رضي على موثق أعطاه عبد الرحمن أن يؤثر الحق، و لا يتبع الهوى، و لا يخص ذا رحم، و لا يألو الأمة نصحا و أن عبد الرحمن ردد القول بين علي (عليهالسلام )، و عثمان متلوما، و أنه خلا بسعد تارة و بالمسور بن مخرمة الزهري تارة أخرى، و أجال فكره و أعمل نظره و وقف موقف الحائر بينهما قال: قال علي (عليهالسلام ) لسعد بن أبي وقاص: يا سعد، (اِتَّقُوا اَللَّهَ اَلَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحامَ) أسألك برحم ابني هذا من رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و برحم عمي حمزة منك، ألا تكون مع عبد الرحمن لعثمان ظهيرا قلت رحم حمزة من سعد هي أن أم حمزة هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة و هي أيضا أم المقوم و حجفل و اسمه المغيرة، و الغيداق أبناء عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، هؤلاء الأربعة بنو عبد المطلب من هالة، و هالة هذه هي عمة سعد بن أبي وقاص، فحمزة إذن ابن عمة سعد، و سعد ابن خال حمزة. قال أبو جعفر: فلما أتى اليوم الثالث جمعهم عبد الرحمن و اجتمع الناس كافة فقال: عبد الرحمن أيها الناس أشيروا علي في هذين الرجلين، فقال عمار بن ياسر: إن أردت ألا يختلف الناس فبايع عليا (عليهالسلام )، فقال المقداد: صدق عمار، و إن بايعت عليا سمعنا و أطعنا. فقال عبد الله بن أبي سرح: إن أردت ألا تختلف قريش
فبايع عثمان. قال عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي: صدق إن بايعت عثمان سمعنا و أطعنا، فشتم عمار ابن أبي سرح و قال له: متى كنت تنصح الإسلام(1) . فتكلم بنو هاشم، و بنو أمية، و قام عمار فقال: أيها الناس، إن الله أكرمكم بنبيه و أعزكم بدينه فإلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم. فقال رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يا ابن سمية، و ما أنت و تأمير قريش لأنفسها. فقال سعد: يا عبد الرحمن، افرغ من أمرك قبل أن يفتتن الناس فحينئذ عرض عبد الرحمن على علي (عليهالسلام ) العمل بسيرة الشيخين، فقال: (بل أجتهد برأيي) فبايع عثمان بعد أن عرض عليه، فقال: نعم. فقال علي (عليهالسلام ) : (ليس هذا بأول يوم تظاهرتم فيه علينا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اَللَّهُ اَلْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ و الله ما وليته الأمر إلا ليرده إليك و الله كل يوم في شأن). فقال عبد الرحمن: لا تجعلن على نفسك سبيلا يا علي، يعني: أمر عمر أبا طلحة أن يضرب عنق المخالف، فقام علي (عليهالسلام ) فخرج و قال: (سيبلغ الكتاب أجله)، فقال عمار: يا عبد الرحمن، أما و الله لقد تركته و إنه من الذين يقضون بالحق و به كانوا يعدلون. فقال المقداد: تالله ما رأيت مثل ما أتى إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم وا عجبا لقريش لقد تركت رجلا ما أقول و لا أعلم أن أحدا أقضى بالعدل، و لا أعلم، و لا أتقى منه، أما و الله لو أجد أعوانا. فقال عبد الرحمن: اتق الله يا مقداد، فإني خائف عليك الفتنة.
و قال علي (عليهالسلام ) : (إني لأعلم ما في أنفسهم إن الناس ينظرون إلى قريش، و قريش تنظر في صلاح شأنها فتقول إن ولي الأمر بنو هاشم لم يخرج منهم أبدا، و ما كان في غيرهم فهو متداول في بطون قريش). قال و قدم طلحة في اليوم الذي بويع فيه لعثمان فتلكأ ساعة، ثم بايع.
____________________
(1) الطبري: "المسلمين".
و روى أبو جعفر رواية أخرى أطالها و ذكر خطب أهل الشورى، و ما قاله كل منهم و ذكر كلاما قاله علي (عليهالسلام ) في ذلك اليوم، و هو: (الحمد لله الذي اختار محمدا منا نبيا، و ابتعثه إلينا رسولا، فنحن أهل بيت النبوة، و معدن الحكمة أمان لأهل الأرض و نجاة لمن طلب، إن لنا حقا إن نعطه نأخذه و إن نمنعه نركب أعجاز الإبل و إن طال السرى، لو عهد إلينا رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) عهدا لأنفذنا عهده و لو قال لنا قولا لجالدنا عليه حتى نموت لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق، و صلة رحم و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم، اسمعوا كلامي و عوا منطقي عسى أن تروا هذا الأمر بعد هذا الجمع تنتضى فيه السيوف، و تخان فيه العهود حتى لا يكون لكم جماعة و حتى يكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة و شيعة لأهل الجهالة). قلت: و قد ذكر الهروي(1) في كتاب الجمع بين الغريبين قوله و إن نمنعه نركب أعجاز الإبل و فسره على وجهين: أحدهما: أن من ركب عجز البعير يعاني مشقة و يقاسي جهدا، فكأنه قال: و إن نمنعه نصبر على المشقة كما يصبر عليها راكب عجز البعير. و الوجه الثاني: أنه أراد نتبع غيرنا كما أن راكب عجز البعير يكون رديفا لمن هو أمامه، فكأنه قال: و إن نمنعه نتأخر و نتبع غيرنا كما يتأخر راكب البعير.
____________________
(1) هو أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي، صيف كتابه في الجمع بين غريبي القرآن والحديث.
و قال أبو هلال العسكري في كتاب الأوائل: استجيبت دعوة علي (عليهالسلام ) في عثمان، و عبد الرحمن، فما ماتا إلا متهاجرين متعاديين أرسل عبد الرحمن إلى عثمان يعاتبه، و قال لرسوله: قل له، لقد وليتك ما وليتك من أمر الناس و إن لي لأمورا ما هي لك شهدت بدرا، و ما شهدتها و شهدت بيعة الرضوان و ما شهدتها، و فررت يوم أحد و صبرت. فقال عثمان لرسوله: قل له، أما يوم بدر فإن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) ردني إلى ابنته لما بها من المرض، و قد كنت خرجت للذي خرجت له و لقيته عند منصرفه، فبشرني بأجر مثل أجوركم و أعطاني سهما مثل سهامكم، و أما بيعة الرضوان فإنه (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) بعثني أستأذن قريشا في دخوله إلى مكة، فلما قيل له إني قتلت بايع المسلمين على الموت لما سمعه عني، و قال إن كان حيا فأنا أبايع عنه و صفق بإحدى يديه على الأخرى، و قال يساري خير من يمين عثمان فيدك أفضل أم يد رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )؟ و أما صبرك يوم أحد و فراري فلقد كان ذلك فأنزل الله تعالى العفو عني في كتابه فعيرتني بذنب غفره الله لي، و نسيت من ذنوبك ما لا تدري أغفر لك أم لم يغفر. لما بنى عثمان قصره طمار(1) بالزوراء و صنع طعاما كثيرا، و دعا الناس إليه كان فيهم عبد الرحمن فلما نظر للبناء و الطعام، قال: يا ابن عفان، لقد صدقنا عليك ما كنا نكذب فيك و إني أستعيذ بالله من بيعتك، فغضب عثمان و قال: أخرجه عني يا غلام، فأخرجوه و أمر الناس ألا يجالسوه ف، لم يكن يأتيه أحد إلا ابن عباس كان يأتيه فيتعلم منه القرآن و الفرائض، و مرض عبد الرحمن فعاده عثمان و كلمه فلم يكلمه حتى مات
____________________
(1) طمار:موضع عنى سوق المدينة، ذكرة ياقوت.
(إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ اَلْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَ مُعْتَلَفِهِ وَ قَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اَللَّهِ خَضْمَ خِضْمَةَ اَلْإِبِلِ نِبْتَةَ اَلرَّبِيعِ إِلَى أَنِ اِنْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ وَ أَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَ كَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ)، نافجا حضنيه رافعا لهما، و الحضن ما بين الإبط و الكشح، يقال للمتكبر جاء نافجا حضنيه، و يقال لمن امتلأ بطنه طعاما جاء نافجا حضنيه و مراده (عليهالسلام ) هذا الثاني، و النثيل الروث و المعتلف موضع العلف يريد أن همه الأكل و الرجيع، و هذا من ممض الذم و أشد من قول الحطيئة الذي قيل إنه أهجى بيت للعرب:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها |
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي(1) |
و الخضم أكل بكل الفم، و ضده القضم، و هو الأكل بأطراف الأسنان، و قيل الخضم أكل الشيء الرطب، و القضم أكل الشيء اليابس، و المراد على التفسيرين لا يختلف، و هو أنهم على قدم عظيمة من النهم، و شدة الأكل، و امتلاء الأفواه، و قال أبو ذررحمهالله تعالى إن بني أمية يخضمون، و نقضم و الموعد لله، و الماضي خضمت بالكسر و مثله قضمت. و النبتة بكسر النون كالنبات تقول نبت الرطب نباتا، و نبتة و انتكث فتله انتقض، و هذه استعارة، و أجهز عليه عمله تمم قتله يقال أجهزت على الجريح مثل: ذففت إذا أتممت قتله و كبت به بطنته كبا الجواد إذا سقط لوجهه، و البطنة الإسراف في الشبع
____________________
(1) ديوانه 54
و ثالث القوم هو عثمان بن عفان، بن أبي العاص؛ بن أمية بن، عبد شمس، بن عبد مناف، كنيته أبو عمرو، و أمه أروى بنت كريز، بن ربيعة، بن حبيب، بن عبد شمس. بايعه الناس بعد انقضاء الشورى، و استقرار الأمر له، و صحت فيه فراسة عمر، فإنه أوطأ بني أمية رقاب الناس و ولاهم الولايات، و أقطعهم القطائع، و افتتحت إفريقية في أيامه فأخذ الخمس كله فوهبه لمروان، فقال عبد الرحمن بن حنبل الجمحي:
أحلف بالله رب الأنام |
ما ترك الله شيئا سدى |
|
ولكن خلقت لنا فتنة |
لكي نبتلى بك أو تبتلى |
|
فإن الأمينين قد بينا |
منار الطريق عليه الهدى |
|
فما أخذا درهما غيلة |
و لا جعلا درهما في هوى |
|
و أعطيت مروان خمس البلاد |
فهيهات سعيك ممن سعى |
الأمينان أبوبكر و عمر. و طلب منه عبد الله بن خالد بن أسيد صلة، فأعطاه أربعمائة ألف درهم. و أعاد الحكم بن أبي العاص بعد أن كان(1) رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) قد سيره ثم لم يرده أبوبكر و لا عمر، و أعطاه مائة ألف درهم. و تصدق رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) بموضع سوق بالمدينة يعرف بمهزور على المسلمين، فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان بن الحكم. و أقطع مروان فدك(2) ، و قد كانت فاطمة (سلام الله عليها) طلبتها بعد وفاة أبيها (صلىاللهعليهوآلهوسلم )
____________________
(1) كلمة " كان " ساقطة من ب
(2) فدك: قربة بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، أفاءها الله على رسوله في سنة سبع صلحا، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل خيبر، وفتح حصونها، ولم يبق إلا ثلث، واشتد بهم الحصار، راسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن ينزلهم على الجلاء، وفعل، وبلغ ذلك أهل فدك، فأرسلوا إلى رسول الله أن يصالحهم على النصف من ثمارها وأموالهم فأجابهم إلى ذلك، فهي مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه. معجم البلدان 6: 343
تارة بالميراث، و تارة بالنحلة فدفعت عنها، و حمى المراعي حول المدينة كلها من مواشي المسلمين، كلهم إلا عن بني أمية. و أعطى عبد الله بن أبي سرح جميع ما أفاء الله عليه من فتح إفريقية بالمغرب، و هي من طرابلس الغرب إلى طنجة من غير أن يشركه فيه أحد من المسلمين. و أعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف من بيت المال، و قد كان زوجه ابنته أم أبان فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح، فوضعها بين يدي عثمان و بكى، فقال عثمان: أتبكي أن وصلت رحمي. قال: لا و لكن أبكي؛ لأني أظنك أنك أخذت هذا المال عوضا عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، و الله لو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيرا. فقال: ألق المفاتيح يا ابن أرقم، فأنا سنجد غيرك. و أتاه أبو موسى بأموال من العراق جليلة فقسمها كلها في بني أمية، و أنكح الحارث بن الحكم ابنته عائشة، فأعطاه مائة ألف من بيت المال أيضا بعد صرفه زيد بن أرقم عن خزنة. و انضم إلى هذه الأمور أمور أخرى نقمها عليه المسلمون، كتسيير أبي ذررحمهالله تعالى إلى الربذة، و ضرب عبد الله بن مسعود حتى كسر أضلاعه، و ما أظهر من الحجاب و العدول عن طريقة عمر في إقامة الحدود، و رد المظالم، و كف الأيدي العادية، و الانتصاب لسياسة الرعية، و ختم ذلك ما وجدوه من كتابه إلى معاوية(1) يأمره فيه بقتل قوم من المسلمين، و اجتمع عليه كثير من أهل المدينة مع القوم الذين وصلوا من مصر لتعديد أحداثه عليه فقتلوه. و قد أجاب أصحابنا عن المطاعن في عثمان بأجوبة مشهورة مذكورة في كتبهم، و الذي نقول نحن إنها و إن كانت أحداثا إلا أنها لم تبلغ المبلغ الذي يستباح به دمه
____________________
(1) كلاا فى جميع الأصول؛ ويرى الأستاذ مكى السيى جاسم أن الصحيح أن الكتاب الذي وجودوه ممه موجه إلى عبد الله بن أبي سرح لا إلى معاوية.
و قد كان الواجب عليهم أن يخلعوه من الخلافة حيث لم يستصلحوه لها و لا يعجلوا بقتله و أمير المؤمنين (عليهالسلام ) أبرأ الناس من دمه، و قد صرح بذلك في كثير من كلامه من ذلك قوله (عليهالسلام ) : (و الله ما قتلت عثمان و لا مالأت على قتله و صدق (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) : فَمَا رَاعَنِي إِلاَّ وَ اَلنَّاسُ إِلَيَّ كَعُرْفِ اَلضَّبُعِ إِلَيَّ يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ اَلْحَسَنَانِ وَ شُقَّ عِطْفَايَ [ عِطَافِي ] مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ اَلْغَنَمِ فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ وَ مَرَقَتْ أُخْرَى وَ فَسَقَ قَسَطَ [ فَسَقَ ] آخَرُونَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا كَلاَمَ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ حَيْثُ يَقُولُ( تِلْكَ اَلدَّارُ اَلْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي اَلْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ اَلْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (1) بَلَى وَ اَللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَ وَعَوْهَا وَ لَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ اَلدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ وَ رَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا)، عرف الضبع ثخين و يضرب به المثل في الازدحام، و ينثالون يتتابعون مزدحمين، و الحسنان الحسن و الحسين (عليهالسلام )، و العطفان الجانبان من المنكب إلى الورك، و يروى عطافي و العطاف الرداء، و هو أشبه بالحال إلا أن الرواية الأولى أشهر و المعنى خدش جانباي لشدة الاصطكاك منهم و الزحام، و قال القطب الراوندي: الحسنان إبهاما الرجل و هذا لا أعرفه.
____________________
(1) سورة القصص 83
و قوله كربيضة الغنم أي كالقطعة الرابضة من الغنم يصف شدة ازدحامهم حوله و جثومهم بين يديه. و قال القطب الراوندي يصف بلادتهم و نقصان عقولهم؛ لأنالغنم توصف بقلة الفطنة و هذا التفسير بعيد و غير مناسب للحال. فأما الطائفة الناكثة فهم أصحاب الجمل و أما الطائفة الفاسقة فأصحاب صفين و سماهم رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) القاسطين و أما الطائفة المارقة فأصحاب النهروان و أشرنا نحن بقولنا سماهم رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) القاسطين إلى
قوله (عليهالسلام ) : ستقاتل بعدي الناكثين و القاسطين و المارقين، و هذا الخبر من دلائل نبوته (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) ؛ لأنه إخبار صريح بالغيب لا يحتمل التمويه و التدليس، كما تحتمله الأخبار المجملة و صدق قوله (عليهالسلام ) و المارقين، قوله أولا في الخوارج يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، و صدق قوله (عليهالسلام ) الناكثين كونهم نكثوا البيعة بادئ بدء، و قد كان (عليهالسلام ) يتلو وقت مبايعتهم له:( فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ) (1) . و أما أصحاب صفين فإنهم عند أصحابنا رحمهم الله مخلدون في النار لفسقهم، فصح فيهم قوله تعالى:( وَ أَمَّا اَلْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ) (2) . و قوله (عليهالسلام ) : حليت الدنيا في أعينهم تقول حلا الشيء في فمي يحلو و حلي لعيني يحلى و الزبرج الزينة من وشي أو غيره، و يقال الزبرج الذهب. فأما الآية فنحن نذكر بعض ما فيها، فنقول إنه تعالى لم يعلق الوعد بترك العلو في الأرض و الفساد، و لكن بترك إرادتهما و هو كقوله تعالى:( وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ
____________________
(1) سورة الفتح 10
(2) سورة الجن 15
ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنَّارُ ) (1) علق الوعيد بالركون إليهم و الميل معهم و هذا شديد في الوعيد.
و يروى عن أمير المؤمنين (عليهالسلام ) أنه قال إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أحسن من شراك نعل صاحبه، فيدخل تحت هذه الآية و يقال إن عمر بن عبد العزيز كان يرددها حتى قبض: (أَمَا وَ اَلَّذِي فَلَقَ اَلْحَبَّةَ وَ بَرَأَ اَلنَّسَمَةَ لَوْ لاَ حُضُورُ اَلْحَاضِرِ وَ قِيَامُ اَلْحُجَّةِ بِوُجُودِ اَلنَّاصِرِ وَ مَا أَخَذَ اَللَّهُ عَلَى اَلْعُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَ لاَ سَغَبِ مَظْلُومٍ لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا وَ لَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا وَ لَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ فلق الحبة من قوله تعالى( فالِقُ اَلْحَبِّ وَ اَلنَّوى ) (2) و النسمة كل ذي روح من البشر خاصة. قوله: لو لا حضور الحاضر يمكن أن يريد به لو لا حضور البيعة، فإنها بعد عقدها تتعين المحاماة عنها، و يمكن أن يريد بالحاضر من حضره من الجيش الذين يستعين بهم على الحرب و الكظة بكسر الكاف ما يعتري الإنسان من الثقل، و الكرب عند الامتلاء من الطعام و السغب الجوع، و قولهم قد ألقى فلآن حبل فلآن على غاربه
____________________
(1) سورة هود 113
(2) سورة الأنعام 95
أي: تركه هملا يسرح حيث يشاء من غير وازع و لا مانع، و الفقهاء يذكرون هذه اللفظة في كنايات الطلاق و عفطة عنز ما تنثره من أنفها عفطت تعفط بالكسر، و أكثر ما يستعمل ذلك في النعجة، فأما العنز فالمستعمل الأشهر فيها النفطة بالنون، و يقولون ما له عافط و لا نافط، أي: نعجة و لا عنز فإن قيل أ يجوز أن يقال العفطة هاهنا الحبقة، فإن ذلك يقال في العنز خاصة عفطت تعفط قيل ذلك جائز إلا أن الأحسن و الأليق بكلام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) التفسير الأول فإن جلالته، و سؤدده تقتضي أن يكون ذاك أراد لا الثاني فإن صح أنه لا يقال في العطسة عفطة إلا للنعجة قلنا إنه استعمله في العنز مجازا. يقول (عليهالسلام ) : لو لا وجود من ينصرني لا كما كانت الحال عليها أولا بعد وفاة رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، فإني لم أكن حينئذ واجدا للناصر مع كوني مكلفا إلا أمكن الظالم من ظلمه لتركت الخلافة و لرفضتها الآن كما رفضتها قبل، و لوجدتم هذه الدنيا عندي أهون من عطسة عنز، و هذا إشارة إلى ما يقوله أصحابنا من وجوب النهي عن المنكر عند التمكن: (قَالُوا وَ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اَلسَّوَادِ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلَى هَذَا اَلْمَوْضِعِ مِنْ خُطْبَتِهِ فَنَاوَلَهُ كِتَاباً قِيلَ إِنَّ فِيهِ مَسَائِلَ كَانَ يُرِيدُ اَلْإِجَابَةَ عَنْهَا فَأَقْبَلَ يَنْظُرُ فِيهِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ [ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ ] قَالَ لَهُ اِبْنُ عَبَّاسٍرضياللهعنه مَا يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ لَوِ اِطَّرَدَتْ مَقَالَتُكَ خُطْبَتُكَ مِنْ حَيْثُ أَفْضَيْتَ فَقَالَ هَيْهَاتَ يَا اِبْنَ عَبَّاسٍ تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ قَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ فَوَاللَّهِ مَا أَسَفْتُ عَلَى كَلاَمٍ قَطُّ كَأَسَفِي عَلَى هَذَا اَلْكَلاَمِ أَلاَّ يَكُونَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ بَلَغَ مِنْهُ حَيْثُ أَرَادَ)
قوله: (عليهالسلام ) في هذه الخطبة كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم، و إن أسلس لها تقحم يريد أنه إذا شدد عليها في جذب الزمام، و هي تنازعه رأسها خرم أنفها، و إن أرخى لها شيئا مع صعوبتها تقحمت به فلم يملكها يقال أشنق الناقة إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه و شنقها أيضا، ذكر ذلك ابن السكيت في إصلاح المنطق و إنما قال (عليهالسلام ) أشنق لها و لم يقل أشنقها؛ لأنه جعله في مقابلة قوله أسلس لها، فكأنه قال إن رفع لها رأسها بالزمام، يعني أمسكه عليها و في الحديث أن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) خطب على ناقة و قد شنق لها فهي تقصع بجرتها، و من الشاهد على أن أشنق بمعنى شنق قول عدي بن زيد العبادي:
ساءها ما لها تبين في الأيدي |
وإشناقها إلى الأعناق |
سمي السواد سوادا لخضرته بالزروع، و الأشجار و النخل، و العرب تسمي الأخضر أسود قال سبحانه:( مُدْهامَّتانِ ) (1) يريد الخضرة، و قوله لو اطردت مقالتك، أي: أتبعت الأول قولا ثانيا من قولهم اطرد النهر إذا تتابع جريه. و قوله: من حيث أفضيت أصل أفضى خرج إلى الفضاء فكأنه شبهه (عليهالسلام ) حيث سكت عما كان يقوله بمن خرج من خباء أو جدار إلى فضاء من الأرض و ذلك؛ لأن النفس و القوى و الهمة عند ارتجال الخطب و الأشعار تجتمع إلى القلب، فإذا قطع الإنسان و فرغ تفرقت و خرجت عن حجر الاجتماع و استراحت
____________________
سورة الرحمن 64.
و الشقشقة بالكسر فيهما شيء يخرجه البعير من فيه إذا هاج، و إذا قالوا للخطيب ذو شقشقة فإنما شبهوه بالفحل و الهدير صوتها. و أما قول ابن عباس ما أسفت على كلام إلى آخره، فحدثني شيخي أبو الخير مصدق بن شبيب الواسطي(1) في سنة ثلاث و ستمائة، قال: قرأت على الشيخ أبي محمد عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشاب هذه الخطبة، فلما انتهيت إلى هذا الموضع، قال لي: لو سمعت ابن عباس يقول هذا لقلت له، و هل بقي في نفس ابن عمك أمر لم يبلغه في هذه الخطبة لتتأسف، ألا يكون بلغ من كلامه ما أراد و الله ما رجع عن الأولين و لا عن الآخرين و لا بقي في نفسه أحد لم يذكره إلا رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ). قال مصدق و كان ابن الخشاب صاحب دعابة و هزل قال: فقلت له أ تقول إنها منحولة: فقال لا و الله و إني لأعلم أنها كلامه كما أعلم أنك مصدق. قال: فقلت له إن كثيرا من الناس يقولون إنها من كلام الرضيرحمهالله تعالى، فقال: أنى للرضي و لغير الرضي هذا النفس و هذا الأسلوب قد وقفنا على رسائل الرضي، و عرفنا طريقته و فنه في الكلام المنثور، و ما يقع مع هذا الكلام في خل و لا خمر، ثم قال و الله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنفت قبل أن يخلق الرضي بمائتي سنة و لقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها، و أعرف خطوط من هو من العلماء و أهل الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضي. قلت: و قد وجدت أنا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي(2)
____________________
(1) مصدق بن شبيب بن الحسين الصلحي الواسطي، ذكره القفطي في إنباه الرواة (274:3)، وقال إنه قدم بغداد، وقرأ بها على ابن الخشاب وحبشي بن محمد الضرير، وعبد الرحمن بن الأنباري وغيرهم، وتوفى ببغداد سنة 605
(2) أبو القاسم البلخي، ذكره ابن النديم وقال: " كان من أهل بلخ، يطوف البلاد ويجول الأرض، حسن المعرفة عبد الله بن أحمد بالفلسفة والعلوم القديمة... ورأيت بخطه شيئا كثيرا في علوم كثيرة مسودات ودساتير، يخرج منها إلى الناس كتاب تام " الفهرست 299. وابن خلكان 252:1
إمام البغداديين من المعتزلة و كان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضي بمدة طويلة، و وجدت أيضا كثيرا منها في كتاب أبي جعفر بن قبة أحد متكلمي الإمامية(1) ، و هو الكتاب المشهور المعروف بكتاب الإنصاف، و كان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخيرحمهالله تعالى و مات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضيرحمهالله تعالى موجودا
____________________
(1) هو أبو جعفر بن قبة، من متكلمي الشيعة وحذاقهم، وله من الكتب كتاب الانصاف في الإمامة، الفهرست 176
4. و من خطبة له (عليهالسلام )
) بِنَا اِهْتَدَيْتُمْ فِي اَلظَّلْمَاءِ وَ تَسَنَّمْتُمُ تَسَنَّمْتُمْ ذُرْوَةَ اَلْعَلْيَاءَ(1) وَ بِنَا اِنْفَجَرْتُمْ أَفْجَرْتُمْ [ اِنْفَجَرْتُمْ ] عَنِ السِّرَارِ وُقِرَ سَمْعٌ لَمْ يَفْقَهِ [ يَسْمَعِ ] اَلْوَاعِيَةَ وَ كَيْفَ يُرَاعِي اَلنَّبْأَةَ مَنْ أَصَمَّتْهُ اَلصَّيْحَةُ رُبِطَ جَنَانٌ لَمْ يُفَارِقْهُ اَلْخَفَقَانُ مَا زِلْتُ أَنْتَظِرُ بِكُمْ عَوَاقِبَ اَلْغَدْرِ وَ أَتَوَسَّمُكُمْ بِحِلْيَةِ اَلْمُغْتَرِّينَ حَتَّى سَتَرَنِي عَنْكُمْ جِلْبَابُ اَلدِّينِ وَ بَصَّرَنِيكُمْ صِدْقُ اَلنِّيَّةِ أَقَمْتُ لَكُمْ عَلَى سَنَنِ اَلْحَقِّ فِي جَوَادِّ اَلْمَضَلَّةِ حَيْثُ تَلْتَقُونَ وَ لاَ دَلِيلَ وَ تَحْتَفِرُونَ وَ لاَ تُمِيهُونَ اَلْيَوْمَ أُنْطِقُ لَكُمُ اَلْعَجْمَاءَ ذَاتَ اَلْبَيَانِ عَزَبَ [ غَرَبَ ] رَأْيُ اِمْرِئٍ تَخَلَّفَ عَنِّي مَا شَكَكْتُ فِي اَلْحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ لَمْ يُوجِسْ مُوسَى ع خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ بَلْ أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ اَلْجُهَّالِ وَ دُوَلِ اَلضَّلاَلِ اَلْيَوْمَ تَوَاقَفْنَا عَلَى سَبِيلِ اَلْحَقِّ وَ اَلْبَاطِلِ مَنْ وَثِقَ بِمَاءٍ لَمْ يَظْمَأْ)
____________________
(1) فى ا:"تسنمتم العلياء".
هذه الكلمات و الأمثال ملتقطة من خطبة طويلة منسوبة إليه (عليهالسلام ) قد زاد(1) فيها قوم أشياء حملتهم عليها أهواؤهم لا توافق ألفاظها طريقته (عليهالسلام ) في الخطب و لا تناسب فصاحتها فصاحته، و لا حاجة إلى ذكرها فهي شهيرة، و نحن نشرح هذه الألفاظ؛ لأنها كلامه (عليهالسلام ) لا يشك في ذلك من له ذوق و نقد و معرفة بمذاهب الخطباء و الفصحاء في خطبهم و رسائلهم، و لأن الرواية لها كثيرة، ولأن الرضي رحمة الله تعالى عليه قد التقطها و نسبها إليه (عليهالسلام )، و صححها و حذف ما عداها. و أما قوله (عليهالسلام ) : بنا اهتديتم في الظلماء فيعني بالظلماء الجهالة و تسنمتم العلياء ركبتم سنامها و هذه استعارة. قوله: و بنا انفجرتم عن السرار، أي: دخلتم في الفجر، و السرار الليلة، و الليلتان يستتر فيهما القمر في آخر الشهر فلا يظهر، و روي أفجرتم و هو أفصح و أصح؛ لأن انفعل لا يكون إلا مطاوع فعل نحو كسرته فانكسر و حطمته فانحطم إلا ما شذ من قولهم أغلقت الباب فانغلق، و أزعجته فانزعج، و أيضا فإنه لا يقع إلا حيث يكون علاج و تأثير، نحو: انكسر و انحطم، و لهذا قالوا إن قولهم انعدم خطأ و أما أفعل فيجيء لصيرورة الشيء على حال و أمر نحو أغد البعير، أي: صار ذا غدة و أجرب الرجل إذا صار ذا إبل جربى و غير ذلك فأفجرتم، أي: صرتم ذوي فجر. و أما عن في قوله عن السرار فهي للمجاوزة على حقيقة معناها الأصلي، أي: منتقلين عن السرار و متجاوزين له. و قوله (عليهالسلام ) : وقر سمع هذا دعاء على السمع الذي لم يفقه الواعية بالثقل و الصمم، وقرت أذن زيد بضم الواو فهي موقورة، و الوقر بالفتح الثقل في الأذن
____________________
(1) ب " رأى ".
وقرت أذنه بفتح الواو و كسر القاف توقر وقرا، أي: صمت و المصدر في هذا الموضع جاء بالسكون، و هو شاذ و قياسه التحريك بالفتح، نحو: ورم ورما و الواعية الصارخة من الوعاء، و هو الجلبة و الأصوات و المراد العبر و المواعظ. قوله كيف يراعي النبأة هذا مثل آخر يقول كيف يلاحظ و يراعي العبر الضعيفة من لم ينتفع بالعبر الجلية الظاهرة بل فسد عندها، و شبه ذلك بمن أصمته الصيحة القوية، فإنه محال أن يراعي بعد ذلك الصوت الضعيف، و النبأة هي الصوت الخفي. فإن قيل هذا يخالف قولكم إن الاستفساد لا يجوز على الحكيم سبحانه، فإن كلامه (عليهالسلام ) صريح في أن بعض المكلفين يفسد عند العبر و المواعظ. قيل: إن لفظة أفعل قد تأتي لوجود الشيء على صفة نحو أحمدته إذا أصبته محمودا، و قالوا أحييت الأرض إذا وجدتها حية النبات(1) ، فقوله أصمته الصيحة ليس معناه أن الصيحة كانت علة لصممه، بل معناه صادفته أصم و بهذا تأول أصحابنا قوله تعالى:( وَ أَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلى عِلْمٍ ) (2) . قوله: ربط جنان لم يفارقه الخفقان هذا مثل آخر، و هو دعاء لقلب لا يزال خائفا من الله يخفق بالثبوت و الاستمساك. قوله: ما زلت أنتظر بكم يقول كنت مترقبا غدركم متفرسا فيكم الغرر و هو الغفلة. و قيل: إن هذه الخطبة خطبها بعد مقتل طلحة و الزبير مخاطبا بها لهما، و لغيرهما من أمثالهما كما قال النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) يوم بدر بعد قتل من قتل من قريش يا عتبة بن ربيعة
____________________
(1) ا: " ذا نبات "
(2) سورة الجاثية 23
يا شيبة بن ربيعة، يا عمرو بن هشام، و هم جيف منتنة قد جروا إلى القليب. قوله سترني عنكم هذا يحتمل وجوها أوضحها أن إظهاركم شعار الإسلام عصمكم مني مع علمي بنفاقكم، و إنما أبصرت نفاقكم و بواطنكم الخبيثة بصدق نيتي كما يقال المؤمن يبصر بنور الله و يحتمل أن يريد سترني عنكم جلباب ديني، و منعني أن أعرفكم نفسي و ما أقدر عليه من عسفكم، كما تقول لمن استهان بحقك أنت لا تعرفني و لو شئت لعرفتك نفسي. و فسر القطب الراوندي قوله (عليهالسلام ) : و بصرنيكم صدق النية، قال: معناه أنكم إذا صدقتم نياتكم و نظرتم بأعين لم تطرف بالحسد و الغش و أنصفتموني أبصرتم عظيم منزلتي. و هذا ليس بجيد؛ لأنه لو كان هو المراد لقال و بصركم إياي صدق النية، و لم يقل ذلك و إنما قال بصرنيكم فجعل صدق النية مبصرا له لا لهم، و أيضا فإنه حكم بأن صدق النية هو علة التبصير و أعداؤه لم يكن فيهم صادق النية و ظاهر الكلام الحكم، و القطع لا التعليق بالشرط. قوله أقمت لكم على سنن الحق يقال تنح عن سنن الطريق، و سنن الطريق بفتح السين، و ضمها فالأول مفرد، و الثاني جمع سنة، و هي جادة الطريق و الواضح منها و أرض مضلة و مضلة بفتح الضاد و كسرها يضل سالكها، و أماه المحتفر يميه أنبط الماء يقول فعلت من إرشادكم و أمركم بالمعروف و نهيكم عن المنكر ما يجب على مثلي فوقفت لكم على جادة الحق، و منهجه حيث طرق الضلال كثيرة مختلفة من سائر جهاتي و أنتم تائهون فيها تلتقون، و لا دليل لكم و تحتفرون لتجدوا ماء تنقعون به غلتكم فلا تظفرون بالماء و هذه كلها استعارات.
قوله: اليوم أنطق هذا مثل آخر و العجماء التي لا نطق لها و هذا إشارة إلى الرموز التي تتضمنها هذه الخطبة يقول هي خفية غامضة، و هي مع غموضها جلية لأولى الألباب فكأنها تنطق كما ينطق ذوو الألسنة كما قيل ما الأمور الصامتة الناطقة، فقيل الدلائل المخبرة و العبر الواعظة و في الأثر سل الأرض من شق أنهارك و أخرج ثمارك، فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا. قوله: عزب رأي امرئ تخلف عني هذا كلام آخر عزب، أي: بعد و العازب البعيد، و يحتمل أن يكون هذا الكلام إخبارا، و أن يكون دعاء كما أن قوله تعالى:( حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ يحتمل الأمرين ) (1) . قوله: ما شككت في الحق مذ رأيته هذا كلام آخر يقول معارفي ثابتة لا يتطرق إليها الشك و الشبهة. قوله: لم يوجس موسى هذا كلام شريف جدا يقول إن موسى لما أوجس الخيفة بدلالة قوله تعالى:( فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ) (1) لم يكن ذلك الخوف على نفسه، و إنما خاف من الفتنة و الشبهة الداخلة على المكلفين عند إلقاء السحرة عصيهم فخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، و كذلك أنا لا أخاف على نفسي من الأعداء الذين نصبوا لي الحبائل، و أرصدوا لي المكايد و سعروا علي نيران الحرب، و إنما أخاف أن يفتتن المكلفون بشبههم و تمويهاتهم فتقوى دولة الضلال و تغلب كلمة الجهال. قوله: اليوم تواقفنا القاف قبل الفاء تواقف القوم على الطريق، أي: وقفوا كلهم عليها يقول اليوم اتضح الحق و الباطل و عرفناهما نحن و أنتم. قوله: من وثق بماء لم يظمأ الظمأ الذي يكون عند عدم الثقة بالماء و ليس
____________________
(1) سورة النساء 90
(2) سورة طه 67
يريد النفي المطلق؛ لأن الواثق بالماء قد يظمأ و لكن لا يكون عطشه على حد العطش الكائن عند عدم الماء، و عدم الوثوق بوجوده و هذا كقول أبي الطيب:
وما صبابة مشتاق على أمل |
من اللقاء كمشتاق بلا أمل(1) |
و الصائم في شهر رمضان يصبح جائعا تنازعه نفسه إلى الغذاء، و في أيام الفطر لا يجد تلك المنازعة في مثل ذلك الوقت؛ لأن الصائم ممنوع و النفس تحرص على طلب ما منعت منه يقول إن وثقتم بي، و سكنتم إلى قولي كنتم أبعد عن الضلال و أقرب إلى اليقين، و ثلج النفس كمن وثق بأن الماء في إداوته يكون عن الظمأ و خوف الهلاك من العطش أبعد ممن لم يثق بذلك
____________________
(1) ديوانه 75:3
5. و من كلام خطبة له(1) ع لما قبض رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و خاطبه العباس و أبو سفيان بن حرب في أن(2) يبايعا له بالخلافة
و ذلك بعد أن تمت البيعة لأبي بكر في السقيفة و فيها ينهى عن الفتنة و يبين عن خلقه و علمه (أَيُّهَا اَلنَّاسُ شُقُّوا أَمْوَاجَ اَلْفِتَنِ بِسُفُنِ اَلنَّجَاةِ وَ عَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ اَلْمُنَافَرَةِ وَ ضَعُوا تِيجَانَ اَلْمُفَاخَرَةِ أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ أَوِ اِسْتَسْلَمَ(3) فَأَرَاحَ هَذَا مَاءٌ آجِنٌ وَ لُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا وَ مُجْتَنِي اَلثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كَالزَّارِعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا حَرَصَ عَلَى اَلْمُلْكِ وَ إِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا جَزِعَ مِنَ اَلْمَوْتِ هَيْهَاتَ بَعْدَ اَللَّتَيَّا وَ اَلَّتِي وَ اَللَّهِ لاَبْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ اَلطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ بَلِ اِنْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لاَضْطَرَبْتُمْ اِضْطِرَابَ اَلْأَرْشِيَةِ فِي اَلطَّوِيِّ اَلْبَعِيدَةِ(4) )، المفاخرة أن يذكر كل واحد من الرجلين مفاخره و فضائله و قديمه، ثم يتحاكما إلى ثالث و الماء الآجن المتغير الفاسد أجن الماء بفتح الجيم يأجن و يأجن بالكسر و الضم و الإيناع إدراك الثمرة، و اللتيا(5) تصغير التي كما أن اللذيا تصغير الذي، و اندمجت انطويت و الطوي البئر المطوية بالحجارة، يقول: تخلصوا عن الفتنة و انجوا منها بالمتاركة و المسالمة و العدول عن المنافرة و المفاخرة.
____________________
(1) ا: " خطبة "
(2) ا: " أن يبايعاه ".
(3) ا: " واستسلم "
(4) بعد هذه الكلمة في مخطوطة النهج: " السلام "
(5) فى القاموس بفتح اللام المشددة وضمها.
أفلح من نهض بجناح، أي: مات شبه الميت المفارق للدنيا بطائر نهض عن الأرض بجناحه، و يحتمل أن يريد بذلك أفلح من اعتزل هذا العالم و ساح في الأرض منقطعا عن تكاليف الدنيا، و يحتمل أيضا أن يريد أفلح من نهض في طلب الرئاسة بناصر ينصره، و أعوان يجاهدون بين يديه و على التقادير كلها تنطبق اللفظة الثانية، و هي قوله أو استسلم فأراح(1) أي أراح نفسه باستسلامه. ثم قال الإمرة على الناس وخيمة العاقبة ذات مشقة في العاجلة فهي في عاجلها كالماء الآجن يجد شاربه مشقة، و في آجلها كاللقمة التي تحدث عن أكلها الغصة، و يغص مفتوح حرف المضارعة و مفتوح الغين أصله غصصت بالكسر، و يحتمل أن يكون الأمران معا للعاجلة؛ لأن الغصص في أول البلع كما أن ألم شرب الماء الآجن يحدث في أول الشرب، و يجوز ألا يكون عنى الإمرة المطلقة بل هي(2) الإمرة المخصوصة يعني بيعة السقيفة. ثم أخذ في الاعتذار عن الإمساك و ترك المنازعة، فقال مجتني الثمرة قبل أن تدرك لا ينتفع بما اجتناه كمن زرع في غير أرضه و لا ينتفع بذلك الزرع يريد أنه ليس هذا الوقت هو الوقت الذي يسوغ لي فيه طلب الأمر و أنه لم يأن بعد. ثم قال: قد حصلت بين حالين إن قلت قال الناس حرص على الملك، و إن لم أقل قالوا جزع من الموت. قال: هيهات استبعادا لظنهم فيه(3) الجزع، ثم قال اللتيا و التي أي: أبعد اللتيا و التي أجزع أ بعد أن قاسيت الأهوال الكبار و الصغار و منيت بكل داهية عظيمة و صغيرة فاللتيا للصغيرة و التي للكبيرة.
____________________
(1) ا: " واستسلم "
(2) ا: " هذه "
(3) ساقطة من ا
ذكر أن أنسه بالموت كأنس الطفل بثدي أمه و أنه انطوى على علم هو ممتنع لموجبه من المنازعة، و أن ذلك العلم لا يباح به(1) و لو باح به لاضطرب سامعوه كاضطراب الأرشية، و هي الحبال في البئر البعيدة القعر و هذا إشارة إلى الوصية التي خص بها (عليهالسلام ) إنه قد كان من جملتها الأمر بترك النزاع في مبدأ الاختلاف عليه.
و اعلم أن أحسن الاستعارات ما تضمن مناسبة بين المستعار، و المستعار منه كهذه الاستعارات فإن قوله (عليهالسلام ) شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة من هذا النوع و ذلك؛ لأن الفتن قد تتضاعف و تترادف فحسن تشبيهها بأمواج البحر المضطربة و لما كانت السفن الحقيقية تنجي من أمواج البحر حسن أن يستعار لفظ السفن لما ينجي من الفتن و كذلك قوله و ضعوا تيجان المفاخرة؛ لأن التاج لما كان مما يعظم به قدر الإنسان استعارة لما يتعظم به الإنسان من الافتخار، و ذكر القديم و كذلك استعارة النهوض بالجناح لمن اعتزل الناس، كأنه لما نفض يديه عنهم صار كالطائر الذي ينهض من الأرض بجناحيه. و في الاستعارات ما هو خارج عن هذا النوع و هو مستقبح و ذلك كقول أبي نواس:
بح صوت المال مما |
منك يبكي و ينوح(2) |
و كذلك قوله:
ما لرجل المال أضحت |
تشتكي منك الكلالا(3) |
____________________
(1) ساقطة من ب.
(3) ديوانه 70وفيه:"يصيح".
(2) ديوانه 119.
و قول أبي تمام:
وكم أحرزت منكم على قبح قدها |
صروف النوى من مرهف حسن القد(1) |
و كقوله:
بلوناك أما كعب عرضك في العلا |
فعال و لكن خد مالك أسفل(2) |
فإنه لا مناسبة بين الرجل و المال، و لا بين الصوت و المال، و لا معنى لتصييره للنوى قدا و لا للعرض كعبا و لا للمال خدا. و قريب منه أيضا قوله:
لا تسقني ماء الملام فإنني |
صب قد استعذبت ماء بكائي(3) |
و يقال إن مخلدا الموصلي(4) بعث إليه بقارورة يسأله أن يبعث له فيها قليلا من ماء الملام، فقال لصاحبه: قل له يبعث إلي بريشة من جناح الذل لأستخرج بها من القارورة ما أبعثه إليه. و هذا ظلم من أبي تمام المخلد و ما الأمران سوء؛ لأن الطائر إذا أعيا و تعب ذل و خفض جناحيه و كذلك الإنسان إذا استسلم ألقى بيديه ذلا، و يده جناحه فذاك هو الذي حسن قوله تعالى:( وَ اِخْفِضْ لَهُما جَناحَ اَلذُّلِّ ) (5) ألا ترى أنه لو قال و اخفض لهما ساق الذل أو بطن الذل لم يكن مستحسنا. و من الاستعارة المستحسنة في الكلام المنثور ما اختاره قدامة بن جعفر في كتاب الخراج، نحو: قول أبي الحسين جعفر بن محمد بن ثوابة في جوابه لأبي الجيش خمارويه
____________________
(1) ديوانه 2: 011
(2) ديوانه 3: 73
(3) ديوانه 1: 25
(4) هو مخلد بن بكار الموصلي، وله مع أبي تمام أخبار ومساجلات، ذكرها الصولي في كتابه أخبار أبى تمام 234 - 243
(5) سورة الإسراء 24
ابن أحمد بن طولون عن المعتضد بالله لما كتب بإنفاذ ابنته قطر الندى التي تزوجها المعتضد، و ذلك قول ابن ثوابة هذا، و أما الوديعة فهي بمنزلة ما انتقل من شمالك إلى يمينك عناية بها، و حياطة لها، و رعاية لمودتك فيها. و قال ابن ثوابة لما كتب هذا الكتاب لأبي القاسم عبيد الله بن سليمان، بن وهب وزير المعتضد: و الله إن تسميتي إياها بالوديعة نصف البلاغة. و ذكر أحمد بن يوسف الكاتب رجلا خلا بالمأمون، فقال: ما زال يفتله في الذروة و الغارب حتى لفته عن رأيه. و قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي النبيذ قيد الحديث. و ذكر بعضهم رجلا فذمه، فقال: هو أملس(1) ليس فيه مستقر لخير و لا شر. و رضي بعض الرؤساء عن رجل من موجدة، ثم أقبل يوبخه عليها، فقال: إن رأيت ألا تخدش وجه رضاك بالتوبيخ فافعل. و قال بعض الأعراب: خرجنا في ليلة حندس(2) قد ألقت على الأرض أكارعها فمحت صورة الأبدان فما كنا نتعارف إلا بالآذان. و غزت حنيفة نميرا فأتبعتهم نمير فأتوا عليهم، فقيل لرجل منهم كيف صنع قومك؟ قال: اتبعوهم و الله و قد أحقبوا كل جمالية خيفانة(3) فما زالوا يخصفون آثار المطي بحوافر الخيل حتى لحقوهم، فجعلوا المران أرشية(4) الموت فاستقوا بها أرواحهم. و من كلام لعبد الله بن المعتز يصف القلم يخدم الإرادة و لا يمل الاستزادة
____________________
(1) ا: " إبليس " تحريف.
(2) ليلة حندس: شديدة الظلمة
(3) الجمالية، الناقة الوثيقة، تشبه بالجمل في خلقتها وشدتها وعظمها. والخيفانة: السريعة، شبهت بالجرادة السريعة.
(4) حاشية ب: " المران: الرماح... "
و يسكت واقفا، و ينطق سائرا على أرض بياضها مظلم و سوادها مضيء. فأما القطب الراوندي فقال: قوله (عليهالسلام ) شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة معناه كونوا مع أهل البيت؛ لأنهم سفن النجاة، لقوله (عليهالسلام ) مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق. و لقائل أن يقول لا شبهة أن أهل البيت سفن النجاة، و لكنهم لم يرادوا هاهنا بهذه اللفظة؛ لأنه لو كان ذلك هو المراد لكان قد أمر أبا سفيان و العباس بالكون مع أهل البيت و مراده الآن ينقض ذلك؛ لأنه يأمر بالتقية و إظهار اتباع الذين عقد لهم الأمر، و يرى أن الاستسلام هو المتعين، فالذي ظنه الراوندي لا يحتمله الكلام و لا يناسبه. و قال أيضا: التعريج على الشيء الإقامة عليه يقال عرج، فلأن على المنزل إذا حبس نفسه عليه فالتقدير عرجوا على الاستقامة منصرفين عن المنافرة. و لقائل أن يقال التعريج يعدى تارة بعن و تارة بعلى، فإذا عديته بعن أردت التجنب و الرفض، و إذا عديته بعلى أردت المقام و الوقوف و كلامه (عليهالسلام ) معدى بعن قال: و عرجوا عن طريق المنافرة. و قال أيضا: آنس بالموت، أي: أسر به و ليس بتفسير صحيح، بل هو من الأنس ضد الوحشة.
لما قبض رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و اشتغل علي (عليهالسلام ) بغسله و دفنه، و بويع أبو بكر خلا الزبير، و أبو سفيان، و جماعة من المهاجرين بعباس و علي (عليهالسلام )
لإجالة الرأي، و تكلموا بكلام يقتضي الاستنهاض و التهييج، فقال العباسرضياللهعنه قد سمعنا قولكم فلا لقلة نستعين بكم و لا لظنة نترك آراءكم فأمهلونا نراجع الفكر، فإن يكن لنا من الإثم مخرج يصر بنا و بهم الحق صرير الجدجد(1) ، و نبسط إلى المجد أكفا لا نقبضها أو نبلغ المدى و إن تكن الأخرى فلا لقلة في العدد و لا لوهن في الأيد، و الله لو لا أن الإسلام قيد الفتك لتدكدكت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من المحل العلي. فحل علي (عليهالسلام ) حبوته، و قال: الصبر حلم و التقوى دين، و الحجة محمد، و الطريق الصراط أيها الناس شقوا أمواج الفتن... الخطبة، ثم نهض فدخل إلى منزله و افترق القوم. و قال البراء بن عازب لم أزل لبني هاشم محبا فلما قبض رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) خفت أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عنهم، فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول مع ما في نفسي من الحزن لوفاة رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، فكنت أتردد إلى بني هاشم و هم عند النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) في الحجرة و أتفقد وجوه قريش، فإني كذلك إذ فقدت أبا بكر و عمر و إذا قائل يقول القوم في سقيفة بني ساعدة و إذا قائل آخر يقول قد بويع أبو بكر فلم ألبث و إذا أنا بأبي بكر قد أقبل و معه عمر و أبو عبيدة و جماعة من أصحاب السقيفة، و هم محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمرون بأحد إلا خبطوه، و قدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أبى، فأنكرت عقلي و خرجت أشتد حتى انتهيت إلى بني هاشم و الباب مغلق، فضربت عليهم الباب ضربا عنيفا و قلت قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة، فقال العباس تربت أيديكم إلى آخر الدهر أما إني قد أمرتكم فعصيتموني، فمكثت أكابد ما في نفسي و رأيت
____________________
(1) الجدجى: ىوببة كالجندب.
في الليل المقداد، و سلمان، و أبا ذر، و عبادة بن الصامت، و أبا الهيثم بن التيهان، و حذيفة، و عمارا، و هم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين. و بلغ ذلك أبا بكر و عمر، فأرسلا إلى أبي عبيدة و إلى المغيرة بن شعبة فسألاهما عن الرأي، فقال المغيرة: الرأي أن تلقوا العباس فتجعلوا له و لولده في هذه الإمرة نصيبا ليقطعوا بذلك ناحية علي بن أبي طالب (عليهالسلام ). فانطلق أبوبكر و عمر و أبو عبيدة و المغيرة حتى دخلوا على العباس، و ذلك في الليلة الثانية من وفاة رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، فحمد أبو بكر الله و أثنى عليه و قال: إن الله ابتعث لكم محمدا (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) نبيا، و للمؤمنين وليا، فمن الله عليهم بكونه بين ظهرانيهم حتى اختار له ما عنده فخلى على الناس أمورهم ليختاروا لأنفسهم متفقين غير مختلفين، فاختاروني عليهم واليا و لأمورهم راعيا فتوليت ذلك، و ما أخاف بعون الله و تسديده وهنا و لا حيرة و لا جبنا و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب، و ما أنفك يبلغني عن طاعن يقول بخلاف قول عامة المسلمين يتخذكم لجأ، فتكونون حصنه المنيع، و خطبه البديع، فإما دخلتم فيما دخل فيه الناس أو صرفتموهم عما مالوا إليه، فقد جئناك و نحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا، و لمن بعدك من عقبك إذ كنت عم رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و إن كان المسلمون قد رأوا مكانك من رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و مكان أهلك، ثم عدلوا بهذا الأمر عنكم و على رسلكم بني هاشم، فإن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) منا و منكم. فاعترض كلامه عمر و خرج إلى مذهبه في الخشونة و الوعيد و إتيان الأمر من أصعب جهاته، فقال: إي، و الله و أخرى إنا لم نأتكم حاجة إليكم و لكن كرهنا أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم فيتفاقم الخطب بكم و بهم، فانظروا لأنفسكم و لعامتهم ثم سكت.
فتكلم العباس فحمد الله و أثنى عليه، ثم قال: إن الله ابتعث محمدا نبيا كما وصفت و وليا للمؤمنين، فمن الله به على أمته حتى اختار له ما عنده فخلى الناس على أمرهم ليختاروا لأنفسهم مصيبين للحق مائلين عن زيغ الهوى، فإن كنت برسول الله طلبت فحقنا أخذت و إن كنت بالمؤمنين، فنحن منهم ما تقدمنا في أمركم فرطا، و لا حللنا وسطا، و لا نزحنا شحطا، فإن كان هذا الأمر يجب لك بالمؤمنين، فما وجب إذ كنا كارهين و ما أبعد قولك إنهم طعنوا من قولك إنهم مالوا إليك، و أما ما بذلت لنا فإن يكن حقك أعطيتناه فأمسكه عليك و إن يكن حق المؤمنين، فليس لك أن تحكم فيه، و إن يكن حقنا لم نرض لك ببعضه دون بعض، و ما أقول هذا أروم صرفك عما دخلت فيه، و لكن للحجة نصيبها من البيان، و أما قولك: إن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) منا و منكم، فإن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) من شجرة نحن أغصانها، و أنتم جيرانها، و أما قولك: يا عمر، إنك تخاف الناس علينا فهذا الذي قدمتموه أول ذلك و بالله المستعان. لما اجتمع المهاجرون على بيعة أبي بكر أقبل أبو سفيان و هو يقول: أما و الله إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا الدم، يا لعبد مناف فيم أبو بكر من أمركم أين المستضعفان أين الأذلان يعني عليا و العباس، ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش، ثم قال لعلي ابسط يدك أبايعك فو الله إن شئت لأملأنها على أبي فصيل، يعني أبا بكر... خيلا و رجلا، فامتنع عليه علي (عليهالسلام ) فلما يئس منه قام عنه، و هو ينشد شعر المتلمس:
و لا يقيم على ضيم يراد به |
إلا الأذلان عير الحي و الوتد(1) |
|
هذا على الخسف مربوط برمته |
و ذا يشج فلا يرثي له أحد(2) |
قيل لأبي قحافة: يوم ولي الأمر ابنه قد ولي ابنك الخلافة، فقرأ:( قُلِ اَللَّهُمَّ مالِكَ اَلْمُلْكِ تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ اَلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ) (3) ، ثم قال لم ولوه قالوا لسنه قال أنا أسن منه. نازع أبو سفيان أبا بكر في أمر، فأغلظ له أبو بكر، فقال له أبو قحافة: يا بني، أتقول هذا لأبي سفيان شيخ البطحاء؟ قال: إن الله تعالى رفع بالإسلام بيوتا و وضع بيوتا، فكان مما رفع بيتك يا أبت و مما وضع بيت أبي سفيان
____________________
(1) معاهد التنصيص 2: 306. والعير هنا: الحمار.
(2) الخسف: النقيصة. والرمة: القطعة من الحبل.
(3) سورة آل عمران 26
6. و من كلام له (عليهالسلام ) لما أشير عليه بألا يتبع طلحة و الزبير و لا يرصد لهما القتال:
و فيه يبين عن صفته بأنه (عليهالسلام ) لا يخدع (وَ اَللَّهِ لاَ أَكُونُ كَالضَّبُعِ تَنَامُ عَلَى طُولِ اَللَّدْمِ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهَا طَالِبُهَا وَ يَخْتِلَهَا رَاصِدُهَا وَ لَكِنِّي أَضْرِبُ بِالْمُقْبِلِ إِلَى اَلْحَقِّ اَلْمُدْبِرَ عَنْهُ وَ بِالسَّامِعِ اَلْمُطِيعِ اَلْعَاصِيَ اَلْمُرِيبَ أَبَداً حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيَّ يَوْمِي فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ مَدْفُوعاً عَنْ حَقِّي مُسْتَأْثَراً عَلَيَّ(1) مُنْذُ قَبَضَ اَللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَوْمِ اَلنَّاسِ هَذَا) يقال: أرصد له بشر، أي: أعد له و هيأه و في الحديث إلا أن أرصده لدين علي(2) و اللدم صوت الحجر أو العصا أو غيرهما تضرب به الأرض ضربا ليس بشديد. و لما شرح الراوندي هذه اللفظات، قال و في الحديث: و الله لا أكون مثل الضبع تسمع اللدم حتى تخرج فتصاد و، قد كان سامحه الله وقت تصنيفه الشرح ينظر في صحاح الجوهري(3) و ينقل منها ف، نقل هذا الحديث ظنا منه أنه حديث عن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و ليس كما ظن بل الحديث الذي أشار إليه الجوهري هو حديث علي (عليهالسلام ) الذي نحن بصدد تفسيره. و يختلها راصدها يخدعها مترقبها ختلت فلانا خدعته و رصدته ترقبته، و مستأثرا علي، أي: مستبدا دوني بالأمر و الاسم الأثرة و في الحديث أنه (صلىاللهعليهوآلهوسلم )
____________________
(1) مخطوطة النهج " مُسْتَأْثَراً عَلَىَّ غَيِرْى ".
(2) نقله ابن الأثير في النهاية (2: 82) عن أبي ذر: قال له عليه الصلاة والسلام: " ما أحب عندي مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله، وتمسي ثالثة وعندي منه دينارا، إلا دينارا أرصده لدين "
(3) صحاح الجوهري 5: 2029
قال للأنصار: ستلقون بعدي أثرة، فإذا كان ذلك فاصبروا حتى تردوا علي الحوض(1) . و العرب تقول في رموزها و أمثالها أحمق من الضبع(2) و يزعمون أن الصائد يدخل عليها وجارها، فيقول لها: أطرقي أم طريق خامري أم عامر و يكرر ذلك عليها مرارا معنى أطرقي أم طريق طأطئي رأسك و كناها أم طريق لكثرة إطراقها على فعيل كالقبيط للناطف و العليق لنبت، و معنى خامري الزمي وجارك و استتري فيه خامر الرجل منزله إذا لزمه قالوا فتلجأ إلى أقصى مغارها و تتقبض، فيقول: أم عامر ليست في وجارها أم عامر نائمة فتمد يديها و رجليها و تستلقي فيدخل عليها فيوثقها، و هو يقول لها أبشري أم عامر بكم(3) الرجال، أبشري أم عامر بشاء هزلى و جراد عظلى(4) ، أي: يركب بعضه بعضا، فتشد عراقيبها فلا تتحرك و لو شاءت أن تقتله لأمكنها قال الكميت:
فعل المقرة للمقالة |
خامري يا أم عامر(5) |
و قال الشنفري:
لا تقبروني إن قبري محرم |
عليكم و لكن خامري أم عامر(6) |
|
إذا ما مضى رأسي و في الرأس أكثري |
و غودر عند الملتقى ثم سائري(7) |
|
هنا لك لا أرجو حياة تسرني |
سجيس الليالي مبسلا بالجرائر(8) |
____________________
(1) ذكره ابن الأثير في النهاية (1: 15)، وقال: " الأثرة "، بفتح الهمزة والثاء الاسم من آثر يؤثر إيثار، إذا أعطى، أراد أنه يستأثر عليكم فيفضل غيركم في نصيبه في الفئ ".
(2) المثل في جمهرة الأمثال 1: 276
(3) كم: جمع كمة، وهي قلفة الذكر، وفى جمهرة الأمثال: " كمر "، جمع كمرة، وهي رأس الذكر.
(4) في اللسان: " تعاطلت الجراد، إذا تسافدت " وأورد المثل.
(5) من أبيات في معاني ابن قتيبة 1: 214
(6) ديوانه 63 (من مجموعة الطائف الأدبية (، وفيه: " أبشري أم عامر "
(7) ديوانه: * إذا احتملوا رأسي وفى الرأس أكثري *
(8) سجيس الليالي، أي أبدا، ومبسلا، أي مسلما، كذا فسره صاحب اللسان في (408:7)، (13: 57)، واستشهد بالبيت.
أوصاهم ألا يدفنوه إذا قتل، و قال: اجعلوني أكلا للسباع كالشيء الذي يرغب به الضبع في الخروج، و تقدير الكلام، لا تقبروني و لكن اجعلوني كالتي يقال لها خامري أم عامر، و هي الضبع، فإنها لا تقبر و يمكن أن يقال أيضا، أراد لا تقبروني و اجعلوني فريسة للتي يقال لها خامري أم عامر؛ لأنها تأكل الجيف و أشلاء القتلى و الموتى. و قال أبو عبيدة: يأتي الصائد فيضرب بعقبه الأرض عند باب مغارها ضربا خفيفا و ذلك هو اللدم، و يقول خامري أم عامر مرارا بصوت ليس بشديد، فتنام على ذلك، فيدخل إليها فيجعل الحبل في عرقوبها و يجرها فيخرجها، يقول: لا أقعد عن الحرب و الانتصار لنفسي و سلطاني، فيكون حالي مع القوم المشار إليهم حال الضبع مع صائدها، فأكون قد أسلمت نفسي فعل العاجز الأحمق و لكني أحارب من عصاني بمن أطاعني حتى أموت، ثم عقب ذلك بقوله إن الاستئثار علي و التغلب أمر لم يتجدد الآن، و لكنه كان منذ قبض رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ).
و طلحة هو أبو محمد طلحة بن عبيد الله، بن عثمان، بن عمرو، بن كعب، بن سعد، بن تيم، بن مرة، أبوه ابن عم أبي بكر و أمه الصعبة بنت الحضرمي، و كانت قبل أن تكون عند عبيد الله تحت أبي سفيان صخر بن حرب فطلقها، ثم تبعتها نفسه، فقال فيها شعرا أوله:
وإني و صعبة فيما أرى |
بعيدان و الود ود قريب |
في أبيات مشهورة، و طلحة أحد العشرة المشهود لهم بالجنة و أحد أصحاب الشورى، و كان له في الدفاع عن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) يوم أحد أثر عظيم و شلت بعض
أصابعه يومئذ وقى رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) بيده من سيوف المشركين، و قال رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) يومئذ اليوم أوجب طلحة الجنة(1) . و الزبير، هو أبو عبد الله الزبير بن العوام، بن خويلد، بن أسد، بن عبد العزى، بن قصي أمه صفية بنت عبد المطلب بن هاشم، بن عبد مناف عمة رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، و هو أحد العشرة أيضا، و أحد الستة و ممن ثبت مع رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) يوم أحد و أبلى بلاء حسنا و قال النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) لكل نبي حواري و حواري الزبير. و الحواري الخالصة تقول: فلان خالصة فلان و خلصانه و حواريه، أي: شديد الاختصاص به و الاستخلاص له.
خرج طارق بن شهاب الأحمسي يستقبل عليا (عليهالسلام ) و قد صار بالربذة طالبا عائشة و أصحابها، و كان طارق من صحابة علي (عليهالسلام ) و شيعته. قال: فسألت عنه قبل أن ألقاه ما أقدمه، فقيل: خالفه طلحة و الزبير و عائشة فأتوا البصرة، فقلت في نفسي: إنها الحرب أ فأقاتل أم المؤمنين و حواري رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) إن هذا لعظيم، ثم قلت أأدع عليا و هو أول المؤمنين إيمانا بالله و ابن عم رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و وصيه هذا أعظم، ثم أتيته فسلمت عليه، ثم جلست إليه فقص علي قصة القوم و قصته، ثم صلى بنا الظهر فلما انفتل جاءه الحسن ابنه (عليهالسلام ) فبكى بين يديه، قال: ما بالك؟ قال: أبكي لقتلك غدا بمضيعة و لا ناصر لك أما إني أمرتك فعصيتني، ثم أمرتك فعصيتني فقال (عليهالسلام ) : لا تزال تخن خنين الأمة ما الذي أمرتني به فعصيتك، قال أمرتك حين أحاط الناس بعثمان أن تعتزل، فإن الناس إذا قتلوه طلبوك أينما كنت حتى يبايعوك فلم تفعل، ثم أمرتك لما قتل عثمان ألا توافقهم على
____________________
(1) أي عمل أوجب له الجنة. وانظر النهاية لابن الأثير 4: 194
(2) الخنين: تردد البسكاء حتي يكون فى الصوت غنة والخبر فى اللسان (خنن (وفى الأصول:" حنين " تحريف.
البيعة حتى يجتمع الناس و يأتيك وفود العرب فلم تفعل، ثم خالفك هؤلاء القوم فأمرتك ألا تخرج من المدينة و أن تدعهم و شأنهم، فإن اجتمعت عليك الأمة فذاك و إلا رضيت بقضاء الله فقال (عليهالسلام ) : (و الله لا أكون كالضبع تنام على اللدم حتى يدخل إليها طالبها فيعلق الحبل برجلها و يقول لها دباب دباب حتى يقطع عرقوبها...) و ذكر تمام الفصل فكان طارق بن شهاب يبكي إذا ذكر هذا الحديث دباب: اسم الضبع مبني على الكسر كبراح اسم للشمس
7. و من خطبة له (عليهالسلام )
(اِتَّخَذُوا اَلشَّيْطَانَ لِأَمْرِهِمْ مِلاَكاً وَ اِتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكاً فَبَاضَ وَ فَرَّخَ فِي صُدُورِهِمْ وَ دَبَّ وَ دَرَجَ فِي حُجُورِهِمْ فَنَظَرَ بِأَعْيُنِهِمْ وَ نَطَقَ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَرَكِبَ بِهِمُ اَلزَّلَلَ وَ زَيَّنَ لَهُمُ اَلْخَطَلَ فِعْلَ مَنْ قَدْ شَرِكَهُ اَلشَّيْطَانُ فِي سُلْطَانِهِ وَ نَطَقَ بِالْبَاطِلِ عَلَى لِسَانِهِ)، يجوز أن يكون أشراكا جمع شريك كشريف و أشراف، و يجوز أن يكون جمع شرك كجبل و أجبال، و المعنى بالاعتبارين مختلف. و باض و فرخ في صدورهم استعارة للوسوسة و الإغواء و مراده طول مكثه و إقامته عليهم؛ لأن الطائر لا يبيض و يفرخ إلا في الأعشاش التي هي وطنه و مسكنه، و دب و درج في حجورهم، أي: ربوا الباطل كما يربي الوالدان الولد في حجورهما، ثم ذكر أنه لشدة اتحاده بهم و امتزاجه صار كمن ينظر بأعينهم و ينطق بألسنتهم، أي: صار الاثنان كالواحد قال أبو الطيب:
ما الخل إلا من أود بقلبه |
وأرى بطرف لا يرى بسوائه(1) |
و قال آخر:
كنا من المساعده |
نحيا بروح واحده |
____________________
(1) ديوانه 1:4
و قال آخر:
جبلت نفسك في نفسي كما |
تجبل الخمرة بالماء الزلال |
|
فإذا مسك شيء مسني |
فإذا أنت أنا في كل حال |
و الخطل القول الفاسد و يجوز أشركه الشيطان في سلطانه بالهمزة و شركه أيضا و بغير الهمزة أفصح.
8. و من كلام له (عليهالسلام ) يعني به الزبير في حال اقتضت ذلك
و يدعوه للدخول في البيعة ثانية (يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ بَايَعَ بِيَدِهِ وَ لَمْ يُبَايِعْ بِقَلْبِهِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالْبَيْعَةِ وَ اِدَّعَى اَلْوَلِيجَةَ فَلْيَأْتِ عَلَيْهَا بِأَمْرٍ يُعْرَفُ وَ إِلاَّ فَلْيَدْخُلْ فِيمَا خَرَجَ مِنْهُ) الوليجة البطانة و الأمر يسر و يكتم قال الله سبحانه:( وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اَللَّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لاَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ) (1) كان الزبير يقول بايعت بيدي لا بقلبي، و كان يدعي تارة أنه أكره، و يدعي تارة أنه ورى في البيعة تورية و نوى دخيلة، و أتى بمعاريض لا تحمل على ظاهرها فقال (عليهالسلام ) : هذا الكلام إقرار منه بالبيعة و ادعاء أمر آخر لم يقم عليه دليلا و لم ينصب له برهانا فإما أن يقيم دليلا على فساد البيعة الظاهرة، و أنها غير لازمة له و إما أن يعاود طاعته.
قال علي (عليهالسلام ) للزبير يوم بايعه إني لخائف أن تغدر بي و تنكث بيعتي. قال لا تخافن فإن ذلك لا يكون مني أبدا فقال (عليهالسلام ) فلي الله عليك بذلك راع و كفيل قال: نعم الله لك علي بذلك راع و كفيل.
لما بويع علي (عليهالسلام ) كتب إلى معاوية أما بعد فإن الناس قتلوا عثمان عن غير
____________________
(1) سورة التوبة 16
مشورة مني و بايعوني عن مشورة منهم و اجتماع، فإذا أتاك كتابي فبايع لي و أوفد إلي أشراف أهل الشام قبلك، فلما قدم رسوله على معاوية و قرأ كتابه بعث رجلا من بني عميس، و كتب معه كتابا إلى الزبير بن العوام، و فيه بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان سلام، عليك أما بعد فإني قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا و استوسقوا(1) كما يستوسق الجلب، فدونك الكوفة و البصرة لا يسبقك إليها ابن أبي طالب، فإنه لا شيء بعد هذين المصرين، و قد بايعت لطلحة بن عبيد الله من بعدك فأظهرا الطلب بدم عثمان و ادعوا الناس إلى ذلك و ليكن منكما الجد و التشمير أظفركما الله و خذل مناوئكما. فلما وصل هذا الكتاب إلى الزبير سر به و أعلم به طلحة و أقرأه إياه فلم يشكا في النصح لهما من قبل معاوية، و أجمعا عند ذلك على خلاف علي (عليهالسلام ). جاء الزبير و طلحة إلى علي (عليهالسلام ) بعد البيعة بأيام فقالا له: يا أمير المؤمنين، قد رأيت ما كنا فيه من الجفوة في ولاية عثمان كلها و علمت رأي عثمان كان في بني أمية، و قد ولاك الله الخلافة من بعده فولنا بعض أعمالك، فقال لهما ارضيا بقسم الله لكما حتى أرى رأيي و اعلما أني لا أشرك في أمانتي إلا من أرضى بدينه و أمانته من أصحابي و من قد عرفت دخيلته. فانصرفا عنه و قد دخلهما اليأس فاستأذناه في العمرة.
____________________
(1) استوسقوا: استجمعوا وانضموا. وفى نهاية ابن الأثير: " ومنه حديث أحد: استوسقوا كما يستوسق جرب الغنم، أي استجمعوا ".
طلب طلحة و الزبير من علي (عليهالسلام ) أن يوليهما المصرين البصرة و الكوفة، فقال: حتى أنظر، ثم استشار المغيرة بن شعبة، فقال له: أرى أن توليهما إلى أن يستقيم لك أمر الناس فخلا بابن عباس، و قال: ما ترى؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن الكوفة و البصرة عين الخلافة و بهما كنوز الرجال، و مكان طلحة و الزبير من الإسلام ما قد علمت، و لست آمنهما إن وليتهما أن يحدثا أمرا، فأخذ علي (عليهالسلام ) برأي ابن عباس، و قد كان استشار المغيرة أيضا في أمر معاوية، فقال له: أرى إقراره على الشام و أن تبعث إليه بعده إلى أن يسكن شغب الناس و لك بعد رأيك فلم يأخذ برأيه. فقال المغيرة: بعد ذلك و الله ما نصحته قبلها و لا أنصحه بعدها ما بقيت.
دخل الزبير و طلحة على علي (عليهالسلام ) فاستأذناه في العمرة، فقال: ما العمرة تريدان! فحلفا له بالله أنهما ما يريدان غير العمرة. فقال لهما: ما العمرة تريدان، و إنما تريدان الغدرة و نكث البيعة، فحلفا بالله ما الخلاف عليه و لا نكث بيعة يريدان و ما رأيهما غير العمرة، قال لهما: فأعيدا البيعة لي ثانية، فأعاداها بأشد ما يكون من الإيمان و المواثيق، فأذن لهما فلما خرجا من عنده قال لمن كان حاضرا و الله لا ترونهما إلا في فتنة يقتتلان فيها قالوا يا أمير المؤمنين، فمر بردهما عليك قال ليقضي الله أمرا كان مفعولا لما خرج الزبير و طلحة من المدينة إلى مكة لم يلقيا أحدا إلا و قالا له: ليس لعلي في أعناقنا بيعة، و إنما بايعناه مكرهين فبلغ عليا (عليهالسلام ) قولهما فقال أبعدهما الله و أغرب دارهما أما و الله لقد علمت أنهما سيقتلان أنفسهما أخبث مقتل و يأتيان من
____________________
(1) يقال: أغرب دار: أبعدها.
وردا عليه بأشأم يوم، و الله ما العمرة يريدان و لقد أتياني بوجهي فاجرين و رجعا بوجهي غادرين ناكثين، و الله لا يلقيانني بعد اليوم إلا في كتيبة خشناء(1) يقتلان فيها أنفسهما، فبعدا لهما و سحقا، و ذكر أبو مخنف في كتاب الجمل أن عليا (عليهالسلام ) خطب لما سار الزبير و طلحة من مكة، و معهما عائشة يريدون البصرة، فقال: (أيها الناس، إن عائشة سارت إلى البصرة و معها طلحة و الزبير، و كل منهما يرى الأمر له دون صاحبه، أما طلحة فابن عمها، و أما الزبير فختنها، و الله لو ظفروا بما أرادوا و لن ينالوا ذلك أبدا ليضربن أحدهما عنق صاحبه بعد تنازع منهما شديد، و الله إن راكبة الجمل الأحمر ما تقطع عقبة، و لا تحل عقدة إلا في معصية الله و سخطه حتى تورد نفسها و من معها موارد الهلكة، إي و الله ليقتلن ثلثهم، و ليهربن ثلثهم، و ليتوبن ثلثهم، و إنها التي تنبحها كلاب الحوأب، و إنهما ليعلمان أنهما مخطئان و رب عالم قتله جهله، و معه علمه لا ينفعه، و حسبنا الله و نعم الوكيل، فقد قامت الفتنة فيها الفئة الباغية، أين المحتسبون؟ أين المؤمنون؟ ما لي و لقريش، أما و الله لقد قتلتهم كافرين و لأقتلنهم مفتونين، و ما لنا إلى عائشة من ذنب إلا أنا أدخلناها في حيزنا و الله لأبقرن الباطل حتى يظهر الحق من خاصرته، فقل لقريش فلتضج ضجيجها)، ثم نزل برز علي (عليهالسلام ) يوم الجمل و نادى بالزبير، يا أبا عبد الله، مرارا فخرج الزبير فتقاربا حتى اختلفت أعناق خيلهما، فقال له علي (عليهالسلام ) : إنما دعوتك لأذكرك حديثا قاله لي و لك رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) أتذكر يوم رآك و أنت معتنقي، فقال لك:
____________________
(1) كتيبة خشنازء، أى كثيرة السلاح خشنته.
أتحبه قلت: و ما لي لا أحبه و هو أخي و ابن خالي، فقال: أما إنك ستحاربه و أنت ظالم له فاسترجع الزبير، و قال: أذكرتني ما أنسانيه الدهر و رجع إلى صفوفه، فقال له عبد الله ابنه: لقد رجعت إلينا بغير الوجه الذي فارقتنا به. فقال: أذكرني علي حديثا أنسانيه الدهر فلا أحاربه أبدا و إني لراجع و تارككم منذ اليوم. فقال له عبد الله: ما أراك إلا جبنت عن سيوف بني عبد المطلب، إنها لسيوف حداد تحملها فتية أنجاد، فقال: الزبير ويلك أتهيجني على حربه أما إني قد حلفت ألا أحاربه قال كفر عن يمينك لا تتحدث نساء قريش أنك جبنت و ما كنت جبانا، فقال الزبير: غلامي مكحول حر كفارة عن يميني، ثم أنصل(1) سنان رمحه و حمل على عسكر علي (عليهالسلام ) برمح لا سنان له، فقال علي (عليهالسلام ) : أفرجوا له فإنه محرج، ثم عاد إلى أصحابه، ثم حمل ثانية، ثم ثالثة، ثم قال لابنه: أجبنا ويلك ترى؟ فقال: لقد أعذرت. لما أذكر علي (عليهالسلام ) الزبير بما أذكره به و رجع الزبير قال:
نادى علي بأمر لست أنكره |
و كان عمر أبيك الخير مذ حين |
|
فقلت حسبك من عذل أبا حسن |
بعض الذي قلت منذ اليوم يكفيني |
|
ترك الأمور التي تخشى مغبتها |
و الله أمثل في الدنيا و في الدين |
|
فاخترت عارا على نار مؤججة |
أنى يقوم لها خلق من الطين |
لما خرج علي (عليهالسلام ) لطلب الزبير خرج حاسرا، و خرج إليه الزبير دارعا مدججا، فقال للزبير: يا أبا عبد الله، قد لعمري أعددت سلاحا و حبذا فهل أعددت عند الله عذرا؟ فقال الزبير: إن مردنا إلى الله. قال علي (عليهالسلام ) :( يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق و يعلمون أن الله هو الحق المبين ) (2) ، ثم أذكره الخبر فلما كر
____________________
(1) أنصل سنان رمحه، أي نزعه.
(2) سورة النور 25
الزبير راجعا إلى أصحابه نادما واجما، رجع علي (عليهالسلام ) إلى أصحابه جذلا مسرورا. فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين، تبرز إلى الزبير حاسرا و هو شاك(1) في السلاح، و أنت تعرف شجاعته؟ قال: إنه ليس بقاتلي، إنما يقتلني رجل خامل الذكر، ضئيل النسب غيلة في غير مأقط(2) حرب و لا معركة رجال ويلمه أشقى البشر ليودن أن أمه هبلت به أما إنه و أحمر ثمود لمقرونان في قرن. لما انصرف الزبير عن حرب علي (عليهالسلام ) مر بوادي السباع، و الأحنف بن قيس هناك في جمع من بني تميم قد اعتزل الفريقين، فأخبر الأحنف بمرور الزبير، فقال رافعا صوته: ما أصنع بالزبير؟ لف غارين(3) من المسلمين حتى أخذت السيوف منهما مأخذها انسل و تركهم، أما إنه لخليق بالقتل، قتله الله، فاتبعه عمرو بن جرموز و كان فاتكا، فلما قرب منه وقف الزبير، و قال: ما شأنك؟ قال: جئت لأسألك عن أمر الناس. قال الزبير: إني تركتهم قياما في الركب يضرب بعضهم وجه بعض بالسيف، فسار ابن جرموز معه و كل واحد منهما يتقي الآخر، فلما حضرت الصلاة، قال الزبير: يا هذا، إنا نريد أن نصلي. فقال ابن جرموز: و أنا أريد ذلك. فقال الزبير: فتؤمني و أؤمنك. قال: نعم فثنى الزبير رجله و أخذ وضوءه، فلما قام إلى الصلاة شد ابن جرموز عليه فقتله و أخذ رأسه و خاتمه و سيفه و حثا عليه ترابا يسيرا، و رجع إلى الأحنف فأخبره فقال: و الله ما أدري أسأت أم أحسنت، اذهب إلى علي (عليهالسلام ) فأخبره، فجاء إلى علي (عليهالسلام ) فقال للآذن: قل له عمرو بن جرموز بالباب و معه رأس الزبير و سيفه، فأدخله، و في كثير من الروايات أنه لم يأت بالرأس بل بالسيف فقال له: و أنت قتلته؟ قال: نعم. قال: (و الله ما كان ابن صفية جبانا و لا لئيما و لكن الحين و مصارع السوء)
____________________
(1) يقال:رجل شاكي السلاح؛إذا كان ذا شوكة و حد فى سلاحه
(2) المأقط:ساحة القتال.
(2) الغار هنا: الجيش، وفى اللسان 6: 43: " جمع غارين ".
ثم قال: (ناولني سيفه) فناوله فهزه و قال: (سيف طالما جلى به الكرب عن وجه رسول الله (صلي الله عليه و آله وسلم)) فقال ابن جرموز: الجائزة يا أمير المؤمنين، فقال: (أما إني سمعت رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) يقول بشر قاتل ابن صفية بالنار) فخرج ابن جرموز خائبا و قال:
أتيت عليا برأس الزبير |
أبغي به عنده الزلفه(1) |
|
فبشر بالنار يوم الحساب |
فبئست بشارة ذي التحفه |
|
فقلت له إن قتل الزبير |
لو لا رضاك من الكلفه |
|
فإن ترض ذاك فمنك الرضا |
و إلا فدونك لي حلفه |
|
ورب المحلين و المحرمين |
ورب الجماعة و الألفه |
|
لسيان عندي قتل الزبير |
و ضرطة عنز بذي الجحفه |
ثم خرج ابن جرموز على علي (عليهالسلام ) مع أهل النهر، فقتله معهم فيمن قتل
____________________
(1) السعودى373:1
9. و من كلام له (عليهالسلام )
) وَ قَدْ أَرْعَدُوا وَ أَبْرَقُوا وَ مَعَ هَذَيْنِ اَلْأَمْرَيْنِ اَلْفَشَلُ وَ لَسْنَا نُرْعِدُ حَتَّى نُوقِعَ وَ لاَ نُسِيلُ حَتَّى نُمْطِرَ) أرعد الرجل و أبرق إذا أوعد و تهدد، و كان الأصمي ينكره و يزعم أنه لا يقال إلا رعد و برق و لما احتج عليه ببيت الكميت:
أرعد و أبرق يا يزيد |
فما وعيدك لي بضائر |
قال الكميت قروي لا يحتج بقوله(1) . و كلام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) حجة دالة على بطلان قول الأصمي و الفشل الجبن و الخور. و قوله: و لا نسيل حتى نمطر كلمة فصيحة يقول إن أصحاب الجمل في وعيدهم و إجلابهم بمنزلة من يدعي أنه يحدث السيل قبل إحداث المطر، و هذا محال؛ لأن السيل إنما يكون من المطر فكيف يسبق المطر، و أما نحن فإنا لا ندعي ذلك و إنما نجري الأمور على حقائقها، فإن كان منا مطر كان منا سيل و إذا أوقعنا بخصمنا أوعدنا حينئذ بالإيقاع به غيره من خصومنا.
____________________
(1) الخبر والبيت في أمالي القالي 96:1
و قوله (عليهالسلام ) و مع هذين الأمرين الفشل معنى حسن؛ لأن الغالب من الجبناء كثرة الضوضاء، و الجلبة يوم الحرب كما أن الغالب من الشجعان الصمت و السكون. و سمع أبو طاهر الجنابي(1) ضوضاء عسكر المقتدر بالله و دبادبهم(2) و بوقاتهم، و هو في ألف و خمسمائة و عسكر المقتدر في عشرين ألفا مقدمهم يوسف بن أبي الساج، فقال لبعض أصحابه: ما هذا الزجل(3) ؟ قال: فشل. قال: أجل. و يقال: إنه ما رئي جيش كجيش أبي طاهر، ما كان يسمع لهم صوت حتى أن الخيل لم تكن لها حمحمة فرشق عسكر ابن أبي الساج(4) القرامطة بالسهام المسمومة فجرح منهم أكثر من خمسمائة إنسان. و كان أبو طاهر في عمارية له فنزل و ركب فرسات، و حمل بنفسه و معه أصحابه حملة على عسكر ابن أبي الساج فكسروه و فلوه و خلصوا إلى يوسف فأسروه، و تقطع عسكره بعد أن أتى بالقتل على كثير منهم، و كان ذلك في سنة خمس عشرة و ثلاثمائة. و من أمثالهم الصدق ينبئ عنك لا الوعيد
____________________
(1) هو أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي، كان أبوه الحسن كبير القرامطة، وقتل سنة 301، قتله خام له صقلبي، فتولى ابنه أبو طاهر أمر القرامطة بعده، بعد أن عجز أخوه سعيد عن الامر. ابن الأثير 147:6
(2) في اللسان: " الدبادب: صوت كأنه دب، دب، وهي حكاية الصوت ".
(3) الزجل: الجلبة ورفع الصوت
(4) هو يوسف بن أبي الساج، أحد ولاة الري في عهد المقتدر، وكان استقل عن الخليفة، ثم عاد إلى طاعته. وانظر طرفا من أخباره في ابن الأثير في 175:6، وما بعدها.
10. و من خطبة له (عليهالسلام )
) أَلاَ وَ إِنَّ اَلشَّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ وَ اِسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ وَ رَجِلَهُ وَ إِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي مَا لَبَّسْتُ عَلَى نَفْسِي وَ لاَ لُبِّسَ عَلَيَّ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَأُفْرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ لاَ يَصْدُرُونَ عَنْهُ وَ لاَ يَعُودُونَ إِلَيْهِ) يمكن أن يعني بالشيطان الشيطان الحقيقي، و يمكن أن يعني به معاوية، فإن عنى معاوية فقوله قد جمع حزبه و استجلب خيله و رجله كلام جار على حقائقه، و إن عنى به الشيطان كان ذلك من باب الاستعارة، و مأخوذا من قوله تعالى:( وَ اِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ ) (1) ، و الرجل جمع راجل كالشرب جمع شارب و الركب جمع راكب. قوله: (و إن معي لبصيرتي يريد أن البصيرة التي كانت معي في زمن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) تتغير). و قوله: ما لبست تقسيم جيد؛ لأن كل ضال عن الهداية، فإما أن يضل من تلقاء نفسه أو بإضلال غيره له. و قوله: لأفرطن من رواها بفتح الهمزة فأصله فرط ثلاثي يقال فرط
____________________
(1) سورة الإسراء 64.
زيد القوم، أي: سبقهم و رجل فرط يسبق القوم إلى البئر فيهيئ لهم الأرشية و الدلاء، و منه قوله (عليهالسلام ) إنا فرطكم على الحوض و يكون تقدير الكلام و ايم الله لأفرطن لهم إلى حوض، فلما حذف الجار عدي الفعل بنفسه فنصب كقوله تعالى:( وَ اِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ) (1) و تكون اللام في لهم إما لام التعدية، كقوله: و يؤمن للمؤمنين، أي: و يؤمن المؤمنين أو تكون لام التعليل، أي: لأجلهم و من رواها لأفرطن بضم الهمزة فهو من أفرط المزادة، أي: ملأها. و الماتح المستقي متح يمتح بالفتح، و المائح بالياء الذي ينزل إلى البئر فيملأ الدلو. و قيل: لأبي عليرحمهالله ما الفرق بين الماتح و المائح. فقال: هما كإعجامهما، يعني: أن التاء بنقطتين من فوق و كذلك الماتح؛ لأنه المستقي فهو فوق البئر، و الياء بنقطتين من تحت و كذلك المائح؛ لأنه تحت في الماء الذي في البئر يملأ الدلاء، و معنى قوله: أنا ماتحه أنا خبير به كما يقول من يدعي معرفة الدار أنا باني هذه الدار، و الكلام استعارة يقول: لأملأن لهم حياض الحرب التي هي دربتي و عادتي أو لأسبقنهم إلى حياض حرب أنا متدرب بها مجرب لها إذا وردوها لا يصدرون عنها يعني قتلهم و إزهاق أنفسهم و من فر منهم لا يعود إليها، و من هذا اللفظ قول الشاعر:
مخضت بدلوه حتى تحسى |
ذنوب الشر ملأى أو قرابا(2) |
____________________
(1) سورة الأعراف 155
(2) البيت في شرح الحماسة للمرزوقي 533 من غير نسبة.
11. و من كلام له (عليهالسلام ) لابنه محمد بن الحنفية لما أعطاه الراية يوم الجمل
) تَزُولُ اَلْجِبَالُ وَ لاَ تَزُلْ عَضَّ عَلَى نَاجِذِكَ أَعِرِ اَللَّهَ جُمْجُمَتَكَ تِدْ فِي اَلْأَرْضِ قَدَمَكَ اِرْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى اَلْقَوْمِ وَ غُضَّ بَصَرَكَ وَ اِعْلَمْ أَنَّ اَلنَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ) قوله: تزول الجبال و لا تزل خبر فيه معنى الشرط، تقديره إن زالت الجبال فلا تزل أنت و المراد المبالغة في أخبار صفين أن بني عكل، و كانوا مع أهل الشام حملوا في يوم من أيام صفين خرجوا و عقلوا أنفسهم بعمائمهم، و تحالفوا أنا لا نفر حتى يفر هذا الحكر بالكاف، قالوا: لأن عكلا تبدل الجيم كافا. و الناجذ أقصى الأضراس و تد أمر من وتد قدمه في الأرض، أي: أثبتها فيها كالوتد و لا تناقض بين قوله ارم ببصرك، و قوله: غض بصرك و ذلك؛ لأنه في الأولى أمره أن يفتح عينه، و يرفع طرفه، و يحدق إلى أقاصي القوم ببصره فعل الشجاع المقدام غير المكترث و لا المبالي؛ لأن الجبان تضعف نفسه و يخفق قلبه فيقصر بصره، و لا يرتفع طرفه، و لا يمتد عنقه، و يكون ناكس الرأس غضيض الطرف، و في الثانية أمره أن يغض بصره عن بريق سيوفهم و لمعان دروعهم لئلا يبرق بصره، و يدهش و يستشعر خوفا و تقدير الكلام و احمل و حذف ذلك للعلم به، فكأنه قال: إذا عزمت على الحملة
و صممت فغض حينئذ بصرك، و احمل و كن كالعشواء التي تخبط ما أمامها و لا تبالي. و قوله: عض على ناجذك قالوا إن العاض على نواجذه ينبو السيف عن دماغه؛ لأن عظام الرأس تشتد و تصلب، و قد جاء في كلامه (عليهالسلام ) هذا مشروحا في موضع آخر، و هو قوله: و عضوا على النواجذ، فإنه أنبى للصوارم عن الهام و يحتمل أن يريد به شدة الحنق قالوا: فلان يحرق علي الأرم يريدون شدة الغيظ، و الحرق صريف الأسنان، و صوتها و الأرم الأضراس. و قوله: أعر الله جمجمتك، معناه ابذلها في طاعة الله و يمكن أن يقال إن ذلك إشعار له أنه لا يقتل في تلك الحرب؛ لأن العارية مردودة، و لو قال له: بع الله جمجمتك، لكان ذلك إشعارا له بالشهادة فيها. و أخذ يزيد بن المهلب هذه اللفظة فخطب أصحابه بواسط، فقال: إني قد أسمع قول الرعاع جاء مسلمة، و جاء العباس(1) ، و جاء أهل الشام، و من أهل الشام، و الله ما هم إلا تسعة أسياف سبعة منها معي، و اثنان علي و أما مسلمة فجرادة صفراء، و أما العباس فنسطوس ابن نسطوس(2) أتاكم في برابرة، و صقالبة و جرامقة، و جراجمة(3) و أقباط و أنباط، و أخلاط إنما أقبل إليكم الفلاحون و أوباش كأشلاء اللحم، و الله ما لقوا قط كحديدكم و عديدكم أعيروني سواعدكم ساعة تصفقون بها خراطيمهم، فإنما هي غدوة أو روحة حتى يحكم الله بيننا و بين القوم الظالمين. من صفات الشجاع قولهم: فلان مغامر و فلان غشمشم، أي: لا يبصر ما بين يديه في الحرب، و ذلك لشدة تقحمه و ركوبه المهلكة، و قلة نظره في العاقبة، و هذا هو معنى قوله (عليهالسلام ) لمحمد غض بصرك.
____________________
(1) هما مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد بن عبد الملك جهزهما يزيد بن بن عبد الملك لقتال يزيد بن المهلب. انظر ابن خلكان، ترجمة يزيد بن المهلب.
(2) إشارة إلى أن أمه كانت أمة رومية نصرانية
(3) الجر امقة: قوم من العجم صاروا بالموصل فى أوائل الإسلام.والجرامقسة: قوم من العجم بالجزيرة، أونبط الشام.
و كان حمزة بن عبد المطلب مغامرا غشمشما لا يبصر أمامه، قال جبير بن مطعم، بن عدي، بن نوفل، بن عبد مناف لعبده وحشي يوم أحد ويلك إن عليا قتل عمي طعيمة سيد البطحاء يوم بدرد، فإن قتلته اليوم فأنت حر، و إن قتلت محمدا فأنت حر، و إن قتلت حمزة فأنت حر، فلا أحد يعدل عمي إلا هؤلاء، فقال: أما محمد فإن أصحابه دونه و لن يسلموه و لا أراني أصل إليه و أما علي فرجل حذر مرس(1) ، كثير الالتفات في الحرب لا أستطيع قتله، و لكن سأقتل لك حمزة، فإنه رجل لا يبصر أمامه في الحرب فوقف لحمزة حتى إذا حاذاه زرقه بالحربة كما تزرق(2) الحبشة بحرابها فقتله.
دفع أمير المؤمنين (عليهالسلام ) يوم الجمل رايته إلى محمد ابنه (عليهالسلام )، و قد استوت الصفوف و قال له احمل، فتوقف قليلا، فقال له: احمل. فقال يا أمير المؤمنين، أما ترى السهام كأنها شآبيب المطر فدفع في صدره، فقال: أدركك عرق من أمك، ثم أخذ الراية فهزها ثم قال
اطعن بها طعن أبيك تحمد |
لا خير في الحرب إذا لم توقد |
بالمشرفي و القنا المسدد
ثم حمل و حمل الناس خلفه فطحن عسكر البصرة.
____________________
(1) رجل مرس: شديد العلاج للأمور.
(2) زرقه: طعنه
قيل لمحمد لم يغرر بك أبوك في الحرب و لا يغرر بالحسن و الحسين (عليهالسلام )، فقال: إنهما عيناه و أنا يمينه، فهو يدفع عن عينيه بيمينه كان علي (عليهالسلام ) يقذف بمحمد في مهالك الحرب و يكف حسنا و حسينا عنها. و من كلامه في يوم صفين املكوا عني هذين الفتيين أخاف أن ينقطع بهما نسل رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ). أم محمدرضياللهعنه خولة بنت جعفر، بن قيس، بن مسلمة، بن عبيد، بن ثعلبة، بن يربوع، بن ثعلبة، بن الدؤل، بن حنيفة، بن لجيم، بن صعب، بن علي بن بكر، بن وائل. و اختلف في أمرها فقال: قوم إنها سبية من سبايا الردة قوتل أهلها على يد خالد بن الوليد في أيام أبي بكر لما منع كثير من العرب الزكاة، و ارتدت بنو حنيفة و ادعت نبوة مسيلمة و إن أبا بكر دفعها إلى علي (عليهالسلام ) من سهمه في المغنم. و قال قوم منهم أبو الحسن علي بن محمد، بن سيف المدائني، هي سبية في أيام رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) قالوا: بعث رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) عليا إلى اليمن فأصاب خولة في بني زبيد، و قد ارتدوا مع عمرو بن معديكرب، و كانت زبيد سبتها من بني حنيفة في غارة لهم عليهم فصارت في سهم علي (عليهالسلام ) فقال له رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) : إن ولدت منك غلاما فسمه باسمي و كنه بكنيتي فولدت له بعد موت فاطمة (سلام الله عليها) محمدا، فكناه أبا القاسم. و قال قوم و هم المحققون و قولهم الأظهر، إن بني أسد أغارت على بني حنيفة في خلافة أبي بكر الصديق فسبوا خولة بنت جعفر، و قدموا بها المدينة فباعوها من علي (عليهالسلام )
و بلغ قومها خبرها، فقدموا المدينة على علي (عليهالسلام ) فعرفوها و أخبروه بموضعها منهم فأعتقها و مهرها و تزوجها فولدت له محمدا فكناه أبا القاسم. و هذا القول هو اختيار أحمد بن يحيى البلاذري في كتابه المعروف بتاريخ الأشراف. لما تقاعس محمد يوم الجمل عن الحملة و حمل علي (عليهالسلام ) بالراية فضعضع أركان عسكر الجمل دفع إليه الراية، و قال امح الأولى بالأخرى و هذه الأنصار معك. و ضم إليه خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين في جمع من الأنصار كثير منهم من أهل بدر، فحمل حملات كثيرة أزال بها القوم عن مواقفهم و أبلى بلاء حسنا، فقال خزيمة بن ثابت لعلي (عليهالسلام ) أما إنه لو كان غير محمد اليوم لافتضح، و لئن كنت خفت عليه الحين و هو بينك و بين حمزة و جعفر لما خفناه عليه، و إن كنت أردت أن تعلمه الطعان فطالما علمته الرجال. و قالت الأنصار: يا أمير المؤمنين، لو لا ما جعل الله تعالى للحسن و الحسين (عليهالسلام ) لما قدمنا على محمد أحدا من العرب، فقال علي (عليهالسلام ) : أين النجم من الشمس و القمر؟ أما إنه قد أغنى و أبلى و له فضله و لا ينقص فضل صاحبيه عليه، و حسب صاحبكم ما انتهت به نعمة الله تعالى إليه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنا و الله لا نجعله كالحسن و الحسين (عليهالسلام ) و لا نظلمهما له و لا نظلمه لفضلهما عليه حقه، فقال علي (عليهالسلام ) : أين يقع ابني من ابني بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) فقال خزيمة بن ثابت فيه:
محمد ما في عودك اليوم وصمة |
و لا كنت في الحرب الضروس معردا(1) |
|
أبوك الذي لم يركب الخيل مثله |
علي و سماك النبي محمدا |
|
فلو كان حقا من أبيك خليفة |
لكنت و لكن ذاك ما لا يرى بدا |
____________________
(1) معرد: منهزم.
و أنت بحمد الله أطول غالب(1) |
لسانا و أنداها بما ملكت يدا |
|
و أقربها من كل خير تريده |
قريش و أوفاها بما قال موعدا |
|
و أطعنهم صدر الكمي برمحه |
و أكساهم للهام عضبا مهندا |
|
سوى أخويك السيدين كلاهما |
إمام الورى و الداعيان إلى الهدى |
|
أبى الله أن يعطي عدوك مقعدا |
من الأرض أو في الأوج مرقى و مصعدا |
____________________
(1) غالب يقصد به ذرية غالب بن قهر بن مالك.
12. و من كلام له (عليهالسلام ) لما أظفره الله بأصحاب الجمل
) وَ قَدْ قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَدِدْتُ أَنَّ أَخِي فُلاَناً كَانَ شَاهِدَنَا لِيَرَى مَا نَصَرَكَ اَللَّهُ بِهِ عَلَى أَعْدَائِكَ فَقَالَ لَهُ (عليهالسلام ) علي (عليهالسلام ) أَهَوَى أَخِيكَ مَعَنَا فَقَالَ نَعَمْ قَالَ فَقَدْ شَهِدَنَا وَ لَقَدْ شَهِدَنَا فِي عَسْكَرِنَا هَذَا قَوْمٌ أَقْوَامٌ [ قَوْمٌ ] فِي أَصْلاَبِ اَلرِّجَالِ وَ أَرْحَامِ اَلنِّسَاءِ سَيَرْعَفُ بِهِمُ اَلزَّمَانُ وَ يَقْوَى بِهِمُ اَلْإِيمَانُ) يرعف بهم الزمان يوجدهم و يخرجهم كما يرعف الإنسان بالدم الذي يخرجه من أنفه، قال الشاعر:
و ما رعف الزمان بمثل عمرو |
و لا تلد النساء له ضريبا |
و المعنى مأخوذ من قول النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) لعثمان، و لم يكن شهد بدرا تخلف على رقية ابنة رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) لما مرضت مرض موتها لقد كنت شاهدا، و إن كنت غائبا لك أجرك و سهمك.
قال الكلبي: قلت لأبي صالح كيف لم يضع علي (عليهالسلام ) السيف في أهل البصرة يوم الجمل بعد ظفره، قال سار فيهم بالصفح و المن الذي سار به رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )
في أهل مكة يوم الفتح، فإنه أراد أن يستعرضهم بالسيف، ثم من عليهم و كان يحب أن يهديهم الله. قال فطر بن خليفة ما دخلت دار الوليد بالكوفة التي فيها القصارون إلا و ذكرت بأصواتهم وقع السيوف يوم الجمل. حرب بن جيهان الجعفي لقد رأيت الرماح يوم الجمل قد أشرعها الرجال بعضهم في صدر بعض، كأنها آجام القصب لو شاءت الرجال أن تمشي عليها لمشت، و لقد صدقونا القتال حتى ما ظننت أن ينهزموا و ما رأيت يوما قط أشبه بيوم الجمل من يوم جلولاء الوقيعة(1) . الأصبغ بن نباتة لما انهزم أهل البصرة ركب علي (عليهالسلام ) بغلة رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) الشهباء، و كانت باقية عنده و سار في القتلى يستعرضهم، فمر بكعب بن سور القاضي قاضي البصرة، و هو قتيل، فقال: أجلسوه. فأجلس فقال له: ويلمك كعب بن سور لقد كان لك علم لو نفعك و لكن الشيطان أضلك فأزلك فعجلك إلى النار أرسلوه، ثم مر بطلحة بن عبيد الله قتيلا، فقال: أجلسوه. فأجلس قال أبو مخنف في كتابه فقال: ويلمك طلحة لقد كان لك قدم لو نفعك و لكن الشيطان أضلك فأزلك فعجلك إلى النار. و أما أصحابنا فيروون غير ذلك يروون أنه (عليهالسلام ) قال له لما أجلسوه أعزز علي أبا محمد أن أراك معفرا تحت نجوم السماء، و في بطن هذا الوادي أبعد جهادك في الله، و ذبك عن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) فجاء إليه إنسان فقال: أشهد يا أمير المؤمنين، لقد مررت عليه بعد أن أصابه السهم، و هو صريع فصاح بي فقال من أصحاب من أنت فقلت من أصحاب أمير المؤمنين (عليهالسلام )، فقال: امدد يدك لأبايع
____________________
(1) جلولاء: موضع في خراسان، كانت بها وقعة المسلمين على الفرس سنة 16، وسميت الوقيعة لما أوقع بهم المسلمون(ياقوت)
لأمير المؤمنين (عليهالسلام ) فمددت إليه يدي فبايعني لك، فقال علي (عليهالسلام ) أبى الله أن يدخل طلحة الجنة إلا و بيعتي في عنقه، ثم مر بعبد الله بن خلف الخزاعي و كان (عليهالسلام ) قتله بيده مبارزة، و كان رئيس أهل البصرة، فقال: أجلسوه، فأجلس فقال: الويل لك يا ابن خلف، لقد عانيت أمرا عظيما. و قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ، و مر (عليهالسلام ) بعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، فقال: أجلسوه، فأجلس، فقال: هذا يعسوب قريش هذا اللباب المحض من بني عبد مناف، ثم قال: شفيت نفسي و قتلت معشري إلى الله أشكو عجري و بجري(1) قتلت الصناديد من بني عبد مناف، و أفلتني الأعيار(2) من بني جمح، فقال له: قائل لشد ما أطريت هذا الفتى منذ اليوم يا أمير المؤمنين، قال: إنه قام عني و عنه نسوة لم يقمن عنك. قال أبو الأسود الدؤلي: لما ظهر علي (عليهالسلام ) يوم الجمل دخل بيت المال بالبصرة في ناس من المهاجرين و الأنصار و أنا معهم، فلما رأى كثرة ما فيه قال غري غيري مرارا، ثم نظر إلى المال و صعد فيه بصره و صوب، و قال: اقسموه بين أصحابي خمسمائة خمسمائة، فقسم بينهم فلا و الذي بعث محمدا بالحق ما نقص درهما و لا زاد درهما، كأنه كان يعرف مبلغه و مقداره، و كان ستة آلاف ألف درهم و الناس اثنا عشر ألفا.
____________________
(1) عجري وبجري، نقل صاحب اللسان (216:6) عن محمد بن يزيد: " معناه همومي وأحزاني، وقيل: ما أبدى وأخفى، وكله على المثل ". وقال: " وأصل العجر العروق المنعقدة في الصدر، والبجر العروق المنعقدة في البطن خاصة ".
(2) الأعيار هنا: جمع عير، وعير القوم: سيدهم، وعليه قول الحارث بن حلزة:
زعموا أن كل من ضرب العير |
موال لنا وأنى الولاء |
حبة العرني(1) قسم علي (عليهالسلام ) بيت مال البصرة على أصحابه خمسمائة خمسمائة، و أخذ خمسمائة درهم كواحد منهم فجاءه إنسان لم يحضر الوقعة، فقال: يا أمير المؤمنين، كنت شاهدا معك بقلبي و إن غاب عنك جسمي فأعطني من الفيء شيئا، فدفع إليه الذي أخذه لنفسه و هو خمسمائة درهم، و لم يصب من الفيء شيئا. اتفقت الرواة كلها على أنه (عليهالسلام ) قبض ما وجد في عسكر الجمل من سلاح و دابة و مملوك و متاع و عروض فقسمه بين أصحابه و أنهم قالوا له اقسم بيننا أهل البصرة فاجعلهم رقيقا، فقال: لا فقالوا فكيف تحل لنا دماءهم و تحرم علينا سبيهم، فقال: كيف يحل لكم ذرية ضعيفة في دار هجرة و إسلام أما ما أجلب به القوم في معسكرهم عليكم فهو لكم مغنم، و أما ما وارت الدور و أغلقت عليه الأبواب فهو لأهله و لا نصيب لكم في شيء منه، فلما أكثروا عليه قال: فأقرعوا على عائشة لأدفعها إلى من تصيبه القرعة فقالوا: نستغفر الله يا أمير المؤمنين، ثم انصرفوا
____________________
(1) حبة، بفتح أوله، ثم موحدة ثقيلة، بن جوين العرني، الكوفي. كان غاليا في التشيع، قال في التهذيب: مات أول ما قدم الحجاج العراق سنة 76
13. و من كلام له (عليهالسلام ) في ذم أهل البصرة
( بعد وقعة الجمل كُنْتُمْ جُنْدَ اَلْمَرْأَةِ وَ أَتْبَاعَ اَلْبَهِيمَةِ رَغَا فَأَجَبْتُمْ وَ عُقِرَ فَهَرَبْتُمْ أَخْلاَقُكُمْ دِقَاقٌ وَ عَهْدُكُمْ شِقَاقٌ وَ دِينُكُمْ نِفَاقٌ وَ مَاؤُكُمْ زُعَاقٌ وَ اَلْمُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مُرْتَهَنٌ بِذَنْبِهِ وَ اَلشَّاخِصُ عَنْكُمْ مُتَدَارَكٌ بِرَحْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَأَنِّي بِمَسْجِدِكُمْ كَجُؤْجُؤِ سَفِينَةٍ قَدْ بَعَثَ اَللَّهُ عَلَيْهَا اَلْعَذَابَ مِنْ فَوْقِهَا وَ مِنْ تَحْتِهَا وَ غَرَّقَ مَنْ فِي ضِمْنِهَا وَ فِي رِوَايَةٍ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَتُغْرَقَنَّ بَلْدَتُكُمْ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَسْجِدِهَا كَجُؤْجُؤِ سَفِينَةٍ أَوْ نَعَامَةٍ جَاثِمَةٍ وَ فِي رِوَايَةٍ كَجُؤْجُؤِ طَيْرٍ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِلاَدُكُمْ أَنْتَنُ بِلاَدِ اَللَّهِ تُرْبَةً أَقْرَبُهَا مِنَ اَلْمَاءِ وَ أَبْعَدُهَا مِنَ اَلسَّمَاءِ وَ بِهَا تِسْعَةُ أَعْشَارِ اَلشَّرِّ اَلْمُحْتَبَسُ فِيهَا بِذَنْبِهِ وَ اَلْخَارِجُ بِعَفْوِ اَللَّهِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَرْيَتِكُمْ هَذِهِ قَدْ طَبَّقَهَا اَلْمَاءُ حَتَّى مَا يُرَى مِنْهَا إِلاَّ شُرَفُ اَلْمَسْجِدِ كَأَنَّهُ جُؤْجُؤُ طَيْرٍ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ)
قوله و أتباع البهيمة يعني الجمل، و كان جمل عائشة راية عسكر البصرة قتلوا دونه كما تقتل الرجال تحت راياتها. و قوله: أخلاقكم دقاق يصفهم باللؤم، و في الحديث أن رجلا قال له: يا رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، إني أحب أن أنكح فلانة إلا أن في أخلاق أهلها دقه. فقال له: (إياك و خضراء الدمن إياك و المرأة الحسناء في منبت السوء). قوله: و عهدكم شقاق يصفهم بالغدر. يقول عهدكم و ذمتكم لا يوثق بها، بل هي و إن كانت في الصورة عهدا أو ذمة فإنها في المعنى خلاف و عداوة. قوله: و ماؤكم زعاق، أي: ملح و هذا و إن لم يكن من أفعالهم إلا أنه مما تذم به المدينة كما قال:
بلاد بها الحمى و أسد عرينة |
و فيها المعلى يعتدي و يجور |
|
فإني لمن قد حل فيها لراحم |
و إني من لم يأتها لنذير |
و لا ذنب لأهلها في أنها بلاد الحمى و السباع. ثم وصف المقيم بين أظهرهم بأنه مرتهن بذنبه؛ لأنه إما أن يشاركهم في الذنوب أو يراها فلا ينكرها، و مذهب أصحابنا أنه لا تجوز الإقامة في دار الفسق كما لا تجوز الإقامة في دار الكفر. و جؤجؤ عظم الصدر و جؤجؤ السفينة صدرها.
فأما إخباره (عليهالسلام ) أن البصرة تغرق عدا المسجد الجامع بها، فقد رأيت من يذكر أن كتب الملاحم تدل على أن البصرة تهلك بالماء الأسود ينفجر من أرضها فتغرق و يبقى مسجدها. و الصحيح أن المخبر به قد وقع فإن البصرة غرقت مرتين مرة في أيام القادر بالله، و مرة في أيام القائم بأمر الله غرقت بأجمعها، و لم يبق منها إلا مسجدها الجامع بارزا بعضه كجؤجؤ الطائر حسب ما أخبر به أمير المؤمنين (عليهالسلام )، جاءها الماء من بحر فارس من جهة الموضع المعروف الآن بجزيرة الفرس، و من جهة الجبل المعروف بجبل السنام، و خربت دورها و غرق كل ما في ضمنها و هلك كثير من أهلها. و أخبار هذين الغرقين معروفة عند أهل البصرة يتناقلها خلفهم عن سلفهم.
قال أبو الحسن علي بن محمد بن سيف المدائني و محمد بن عمر الواقدي: ما حفظ رجز قط أكثر من رجز قيل يوم الجمل، و أكثره لبني ضبة و الأزد، الذين كانوا حول الجمل يحامون عنه، و لقد كانت الرءوس تندر(1) عن الكواهل و الأيدي تطيح من المعاصم، و أقتاب البطن(2) تندلق من الأجواف، و هم حول الجمل كالجراد الثابتة لا تتحلحل و لا تتزلزل حتى لقد صرخ (عليهالسلام ) بأعلى صوته ويلكم اعقروا الجمل، فإنه شيطان، ثم قال: اعقروه و إلا فنيت العرب لا يزال السيف قائما و راكعا حتى يهوي هذا البعير
____________________
(1) تندر: تقطع.
(2) الأقتاب: الأمعاء، واحده قتب، محركة بالتاء أو بكسر فسكون
إلى الأرض، فصمدوا له حتى عقروه فسقط و له رغاء شديد فلما برك كانت الهزيمة. و من الأراجيز المحفوظة يوم الجمل لعسكر البصرة قول بعضهم(1) :
نحن بني ضبة أصحاب الجمل |
ننازل الموت إذا الموت نزل |
|
ننعى ابن عفان بأطراف الأسل |
وا علينا شيخنا ثم بجل(2) |
|
الموت أحلى عندنا من العسل |
لا عار في الموت إذا حان الأجل |
|
إن عليا هو من شر البدل |
إن تعدلوا بشيخنا لا يعتدل |
أين الوهاد و شماريخ القلل(3)
فأجابه رجل من عسكر الكوفة من أصحاب أمير المؤمنين (عليهالسلام ) :
نحن قتلنا نعثلا فيمن قتل |
أكثر من أكثر فيه أو أقل(4) |
|
أنى يرد نعثل و قد قحل |
نحن ضربنا وسطه حتى انجدل(5) |
|
لحكمه حكم الطواغيت الأول(6) |
آثر بالفيء و جافى في العمل |
|
فأبدل الله به خير بدل |
إني امرؤ مستقدم غير وكل |
مشمر للحرب معروف بطل
و من أراجيز أهل البصرة:
يا أيها الجند الصليب الإيمان |
قوموا قياما و استغيثوا الرحمن |
____________________
(1) الأبيات في الطبري (518:4)، منسوبة إلى رجل يدعى الحارث من بنى ضبة، وفى المسعودي (2: 73)من غير نسبة، مع اختلاف في الرواية وعدد الأبيات.
(2) بجل: حسب، كذا فسره صاحب اللسان (48:13)، واستشهد بالبيت.
(3) الشماريخ: رؤوس الجبال.
(4) قال صاحب اللسان: " نعثل رجل من أهل مصر، كان طويل اللحية، قيل إنه كان يشبه عثمان رضي الله عنه، هذا قول أبى عبيد. وشاتمو عثمان رضي الله عنه يسمونه نعثلا، تشبيها بالرجل المصري لطول لحيته، ولم يكونوا يجدون فيه عيبا غير هذا"
(5) قحل: مات وجف جلده. وانجدل: سقط، «انجزل»، أى انقسم قسمين.
(6) رواية البيت في كتاب صفين:*لما ّحكى حكم الظواغيت الأوَلْ*
إني أتاني خبر ذو ألوان |
إن عليا قتل ابن عفان |
|
ردوا إلينا شيخنا كما كان |
يا رب و ابعث ناصرا لعثمان |
يقتلهم بقوة و سلطان
فأجابه رجل من عسكر الكوفة:
أبت سيوف مذحج و همدان |
بأن ترد نعثلا كما كان |
|
خلقا سويا بعد خلق الرحمن |
و قد قضى بالحكم حكم الشيطان |
|
و فارق الحق و نور الفرقان |
فذاق كأس الموت شرب الظمآن |
و من الرجز المشهور المقول يوم الحمل قاله أهل البصرة:
يا أمنا عائش لا تراعي |
كل بنيك بطل المصاع(1) |
|
ينعى ابن عفان إليك ناع |
كعب بن سور كاشف القناع |
|
فارضي بنصر السيد المطاع |
و الأزد فيها كرم الطباع |
و منه قول بعضهم:
يا أمنا يكفيك منا دنوه |
لن يؤخذ الدهر الخطام عنوه |
|
و حولك اليوم رجال شنوه |
و حي همدان رجال الهبوه(2) |
|
و المالكيون القليلو الكبوه |
و الأزد حي ليس فيهم نبوه |
قالوا و خرج من أهل البصرة شيخ صبيح الوجه نبيل عليه جبة وشي يحض الناس على الحرب و يقول:
يا معشر الأزد عليكم أمكم |
فإنها صلاتكم و صومكم |
|
و الحرمة العظمى التي تعمكم |
فأحضروها جدكم و حزمكم |
____________________
(1) المصاع: الجلاد والضرب.
(2) الهبوة: الغبرة؛ يريد ما يتناثر في المعارك من الغبار والتراب، ومن ملاحطات الأستاذ جاسم « يلزم أن يكون بىلا من حي همدان اسم آخر إذ لم يوجد فى ذلك العخى من همدان أحد بالبصرة »، والمثبت ما في الأصول.
لا يغلبن سم العدو سمكم |
إن العدو إن علاكم زمكم |
|
و خصكم بجوره و عمكم |
لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم |
قال المدائني و الواقدي: و هذا الرجز يصدق الرواية أن الزبير و طلحة قاما في الناس، فقالا: إن عليا إن يظفر فهو فناؤكم يا أهل البصرة، فاحموا حقيقتكم فإنه لا يبقي حرمة إلا انتهكها و لا حريما إلا هتكه و لا ذرية إلا قتلها، و لا ذوات خدر إلا سباهن فقاتلوا مقاتلة من يحمي عن حريمه، و يختار الموت على الفضيحة يراها في أهله. و قال أبو مخنف: لم يقل أحد من رجاز البصرة قولا كان أحب إلى أهل الجمل من قول هذا الشيخ استقتل الناس عند قوله، و ثبتوا حول الجمل و انتدبوا فخرج عوف بن قطن الضبي، و هو ينادي ليس لعثمان ثأر إلا علي بن أبي طالب (عليهالسلام )، و ولده فأخذ خطام الجمل و قال:
يا أم يا أم خلا مني الوطن |
لا أبتغي القبر و لا أبغي الكفن |
|
من هاهنا محشر عوف بن قطن |
إن فاتنا اليوم علي فالغبن |
|
أو فاتنا ابناه حسين و حسن |
إذا أمت بطول هم و حزن |
ثم تقدم فضرب بسيفه حتى قتل. و تناول عبد الله بن أبزى خطام الجمل، و كان كل من أراد الجد في الحرب و قاتل قتال مستميت يتقدم إلى الجمل فيأخذ بخطامه، ثم شد على عسكر علي (عليهالسلام ) و قال:
أضربهم و لا أرى أبا حسن |
ها إن هذا حزن من الحزن |
فشد عليه علي أمير المؤمنين (عليهالسلام ) بالرمح فطعنه فقتله و قال قد رأيت أبا حسن فكيف رأيته و ترك الرمح فيه.
و أخذت عائشة كفا من حصى فحصبت به أصحاب علي (عليهالسلام ) و صاحت بأعلى صوتها شاهت الوجوه كما صنع رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) يوم حنين، فقال لها قائل: و ما رميت إذ رميت و لكن الشيطان(1) رمى، و زحف علي (عليهالسلام ) نحو(2) الجمل بنفسه في كتيبته الخضراء من المهاجرين و الأنصار و حوله بنوه حسن (عليهالسلام ) و حسين (عليهالسلام ) و محمد و دفع الراية إلى محمد و قال أقدم بها حتى تركزها في عين(3) الجمل، و لا تقفن دونه فتقدم محمد فرشقته السهام، فقال لأصحابه: رويدا حتى تنفد سهامهم فلم يبق لهم إلا رشقة أو رشقتان، فأنفذا إليه علي (عليهالسلام ) إليه يستحثه و يأمره بالمناجزة، فلما أبطأ عليه جاء بنفسه من خلفه فوضع يده اليسرى على منكبه الأيمن و قال له: أقدم لا أم لك فكان محمدرضياللهعنه إذا ذكر ذلك بعد يبكي و يقول: لكأني أجد ريح نفسه في قفاي و الله لا أنسى أبدا، ثم أدركت عليا (عليهالسلام ) رقة على ولده فتناول الراية منه بيده اليسرى و ذو الفقار مشهور في يمنى يديه، ثم حمل فغاص في عسكر الجمل، ثم رجع و قد انحنى سيفه فأقامه بركبته فقال له أصحابه، و بنوه، و الأشتر، و عمار: نحن نكفيك يا أمير المؤمنين (عليهالسلام )، فلم يجب أحدا منهم و لا رد إليهم بصره و ظل ينحط(4) و يزأر زئير الأسد حتى فرق(5) من حوله و تبادروه و إنه لطامح ببصره نحو عسكر البصرة لا يبصر من حوله و لا يرد حوارا، ثم دفع الراية إلى ابنه محمد، ثم حمل حملة ثانية وحده فدخل وسطهم فضربهم بالسيف قدما قدما، و الرجال تفر من بين يديه و تنحاز عنه يمنة و يسرة، حتى خضب الأرض بدماء القتلى، ثم رجع و قد انحنى سيفه فأقامه بركبته فاعصوصب(6) به أصحابه و ناشدوه الله في نفسه و في الإسلام، و قالوا: إنك إن تصب يذهب الدين فأمسك و نحن نكفيك، فقال: و الله ما أريد بما ترون إلا وجه الله و الدار الآخرة، ثم قال لمحمد ابنه هكذا تصنع يا ابن الحنفية، فقال الناس من الذي يستطيع ما تستطيعه يا أمير المؤمنين (عليهالسلام ).
____________________
(1) كذا في ا، وفى ب " ولكن الله ".
(2) ا: " يوم ".
(3) ا: " عجز "
(4) ينحط: يزفر.
(5) فرق، من باب تعب؛ أى خاف.
(6) اعصوصبوا به: استجمعوا والتفوا حوله
و من كلماته الفصيحة (عليهالسلام ) في يوم الجمل ما رواه الكلبي عن رجل من الأنصار قال بينا أنا واقف في أول الصفوف يوم الجمل إذ جاء علي (عليهالسلام ) فانحرفت إليه، فقال أين مثرى القوم فقلت هاهنا نحو عائشة. قال الكلبي يريد أين عددهم و أين جمهورهم، و كثرتهم و المال الثري على فعيل هو الكثير، و منه رجل ثروان و امرأة ثروى و تصغيرها ثريا و الصدقة مثراة للمال، أي: مكثرة له. قال أبو مخنف و بعث علي (عليهالسلام ) إلى الأشتر أن احمل على ميسرتهم فحمل عليها و فيها هلال بن وكيع، فاقتتلوا قتالا شديدا و قتل هلال قتله الأشتر فمالت الميسرة إلى عائشة فلاذوا بها و عظمهم بنو ضبة و بنو عدي، ثم عطفت الأزد و ضبة و ناجية و باهلة إلى الجمل فأحاطوا به و اقتتل الناس حوله قتالا شديدا، و قتل كعب بن سور قاضي البصرة جاءه سهم(1) غرب فقتله و خطام الجمل في يده، ثم قتل عمرو بن يثربي الضبي(2) و كان فارس أصحاب الجمل و شجاعهم بعد أن قتل كثيرا من أصحاب علي (عليهالسلام ). قالوا كان عمرو أخذ بخطام الجمل فدفعه إلى ابنه، ثم دعا إلى البراز فخرج إليه علباء بن الهيثم السدوسي فقتله عمرو، ثم دعا إلى البراز فخرج إليه هند بن عمرو الجملي(3) فقتله عمرو، ثم دعا إلى البراز فقال زيد بن صوحان العبدي لعلي (عليهالسلام ) : يا أمير المؤمنين، إني رأيت يدا أشرفت علي من السماء، و هي تقول: هلم إلينا و أنا خارج إلى
____________________
(1) يقال: أصابه سهم غرب (بفتحتين)وغرب (بفتح فسكون)، إذا كان لا يدرى من رماه، وقيل: إذا أتاه من حيث لا يدرى. اللسان 133:2
(2) عمرو بن يثربي. كان من رؤوس ضبة في الجاهلية ثم أسلم، واستقضاه عثمان على البصرة. الإصابة 120:5، والاشتقاق413
(3) هو هند بن عمرو الجملي، نسبة إلى نجمل بن سعد العشيرة، حي من مذحج. الاشتقاق 413
ابن يثربي فإذا قتلني فادفني بدمي و لا تغسلني فإني مخاصم عند ربي، ثم خرج فقتله عمرو ثم رجع إلى خطام الجمل مرتجزا يقول:
أرديت علباء و هندا في طلق |
ثم ابن صوحان خضيبا في علق(1) |
|
قد سبق اليوم لنا ما قد سبق |
و الوتر منا في عدي ذي الفرق |
|
و الأشتر الغاوي و عمرو بن الحمق(2) |
و الفارس المعلم في الحرب الحنق |
|
ذاك الذي في الحادثات لم يطق |
أعني عليا ليته فينا مزق |
قال قوله و الوتر منا في عدي يعني عدي بن حاتم الطائي و كان من أشد الناس على عثمان و من أشدهم جهادا مع علي (عليهالسلام )، ثم ترك ابن يثربي الخطام و خرج يطلب المبارزة فاختلف في قاتله، فقال قوم: إن عمار بن ياسر خرج إليه و الناس يسترجعون له؛ لأنه كان أضعف من برز إليه يومئذ أقصرهم سيفا، و أقصفهم رمحا و أحمشهم(3) ساقا حمالة سيفه من نسعة(4) الرحل، و ذباب سيفه(5) قريب من إبطه فاختلفا ضربتين فنشب سيف ابن يثربي في حجفة(6) عمار، فضربه عمار على رأسه فصرعه، ثم أخذ برجله يسحبه حتى انتهى به إلى علي (عليهالسلام )، فقال: يا أمير المؤمنين (عليهالسلام )، استبقني أجاهد بين يديك و أقتل منهم مثل ما قتلت منكم، فقال له علي (عليهالسلام ) : أبعد زيد و هند و علباء أستبقيك لاها الله إذا قال فأدنني منك أسارك، قال له أنت متمرد، و قد أخبرني رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) بالمتمردين و ذكرك فيهم، فقال: أما و الله لو وصلت إليك لعضضت أنفك عضة أبنته منك. فأمر به علي (عليهالسلام ) فضربت عنقه.
____________________
(1) الطلق: الشوط، والفلق: الدم
(2) عمرو بن الحمق، يعرف بالكاهن، صحب الرسول عليه السلام وشهد المشاهد مع علي، وقتله معاوية بالجزيرة، وكان رأسه أول رأس صلب في الاسلام. الاشتقاق 474
(3) أحمش الساقين: دقيقهما.
(4) المسع: سير ينسج عريضا على هيئة أعنة النعال، تشتد به الرحال، والقطعة منه نسعة.
(5) الذباب: حد السيف، أو طرفه المتطرف.
(6) الحجفة: واحدة الحجف، وهي التروس من جلد أو خشب.
و قال قوم إن عمرا لما قتل من قتل و أراد أن يخرج لطلب البراز قال للأزد: يا معشر الأزد، إنكم قوم لكم حياء و بأس و إني قد وترت القوم و هم قاتلي و هذه أمكم نصرها دين و خذلانها عقوق، و لست أخشى أن أقتل حتى أصرع، فإن صرعت فاستنقذوني. فقالت له الأزد: ما في هذا الجمع أحد نخافه عليك إلا الأشتر قال فإياه أخاف. قال أبو مخنف: فقيضه الله له و قد أعلما جميعا فارتجز الأشتر:
إني إذا ما الحرب أبدت نابها |
و أغلقت يوم الوغى أبوابها |
|
و مزقت من حنق أثوابها |
كنا قداماها و لا أذنابها(1) |
|
ليس العدو دوننا أصحابها |
من هابها اليوم فلن أهابها |
لا طعنها أخشى و لا ضرابها
ثم حمل عليه فطعنه فصرعه و حامت عنه الأزد فاستنقذوه فوثب، و هو وقيذ ثقيل(2) فلم يستطع أن يدفع عن نفسه و استعرضه عبد الرحمن بن طود البكري فطعنه فصرعه ثانية و وثب عليه رجل من سدوس، فأخذه مسحوبا برجله حتى أتى به عليا (عليهالسلام ) فناشده الله، و قال: يا أمير المؤمنين (عليهالسلام )، اعف عني فإن العرب لم تزل قائلة عنك إنك لم تجهز على جريح قط فأطلقه، و قال: اذهب حيث شئت، فجاء إلى أصحابه و هو لما به حضره الموت، فقالوا له: دمك عند أي الناس؟ فقال: أما الأشتر فلقيني و أنا كالمهر الأرن(3) فعلا حده حدي و لقيت رجلا يبتغي له عشرة أمثالي، و أما البكري فلقيني و أنا لما بي و كان يبتغي لي عشرة أمثاله و تولى أسري أضعف القوم و صاحبي الأشتر. قال أبو مخنف: فلما انكشفت الحرب شكرت ابنة عمرو بن يثربي الأزد و عابت قومها، فقالت:
____________________
(1) قدامي الجيش: مقدمه.
(2) الوقيذ: الجريح المشرف على الموت.
(3) الأردن: النشيط.
يا ضب إنك قد فجعت بفارس |
حامي الحقيقة قاتل الأقران |
|
عمرو بن يثرب الذي فجعت به |
كل القبائل من بني عدنان |
|
لم يحمه وسط العجاجة قومه |
و حنت عليه الأزد أزد عمان |
|
فلهم علي بذاك حادث نعمة |
و لحبهم أحببت كل يمان |
|
لو كان يدفع عن منية هالك |
طول الأكف بذابل المران |
|
أو معشر وصلوا الخطا بسيوفهم |
وسط العجاجة و الحتوف دوان |
|
ما نيل عمر و الحوادث جمة |
حتى ينال النجم و القمران |
|
لو غير الأشتر ناله لندبته |
و بكيته ما دام هضب أبان(1) |
|
لكنه من لا يعاب بقتله |
أسد الأسود و فارس الفرسان |
قال: أبو مخنف و بلغنا أن عبد الرحمن بن طود البكري قال لقومه: أنا و الله قتلت عمرا و إن الأشتر كان بعدي، و أنا أمامه في الصعاليك فطعنت عمرا طعنة لم أحسب أنها تجعل للأشتر دوني، و إنما الأشتر ذو حظ في الحرب، و إنه ليعلم أنه كان خلفي و لكن أبى الناس إلا أنه صاحبه و لا أرى أن أكون خصم العامة، و إن الأشتر لأهل ألا ينازع فلما بلغ الأشتر قوله قال: أما و الله لو لا أني أطفأت جمرته عنه ما دنا منه و ما صاحبه غيري، و إن الصيد لمن وقذه فقال عبد الرحمن: لا أنازع فيه ما القول إلا ما قاله و أنى لي أن أخالف الناس. قال: و خرج عبد الله بن خلف الخزاعي و هو رئيس البصرة و أكثر أهلها مالا و ضياعا، فطلب البراز و سأل ألا يخرج إليه إلا علي (عليهالسلام ) و ارتجز فقال:
أبا تراب ادن مني فترا(2) |
فإنني دان إليك شبرا |
و إن في صدري عليك غمرا(3)
____________________
(1) أبان: من أسماء الجبال عندهم.
(2) كذا في ا، وفى " يا با تراب ".
(3) الغمر الحقد والعداوة.
فخرج إليه علي (عليهالسلام ) فلم يمهله أن ضربه ففلق هامته. قالوا استدار الجمل كما تدور الرحى، و تكاثفت الرجال من حوله و اشتد رغاؤه و اشتد زحام الناس عليه، و نادى الحتات المجاشعي: أيها الناس، أمكم أمكم، و اختلط الناس فضرب بعضهم بعضا، و تقصد أهل الكوفة قصد الجمل و الرجال دونه كالجبال كلما خف قوم جاء أضعافهم، فنادى علي (عليهالسلام ) ويحكم: ارشقوا الجمل بالنبل اعقروه لعنه الله، فرشق بالسهام فلم يبق فيه موضع إلا أصابه النبل، و كان مجففا(1) فتعلقت السهام به فصار كالقنفذ، و نادت الأزد و ضبة يا لثارات عثمان فاتخذوها شعارا، و نادى أصحاب علي (عليهالسلام ) : يا محمد، فاتخذوها شعارا و اختلط الفريقان و نادى علي (عليهالسلام ) بشعار رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) : يا منصور أمت(2) ، و هذا في اليوم الثاني من أيام الجمل فلما دعا بها تزلزلت أقدام القوم و ذلك وقت العصر بعد أن كانت الحرب من وقت الفجر. قال الواقدي: و قد روي أن شعاره (عليهالسلام ) كان في ذلك اليوم حم لا ينصرون اللهم انصرنا على القوم الناكثين، ثم تحاجز الفريقان و القتل فاش فيهما إلا أنه في أهل البصرة أكثر و أمارات النصر لائحة لعسكر الكوفة، ثم تواقفوا في اليوم الثالث فبرز أول الناس عبد الله بن الزبير و دعا إلى المبارزة فبرز إليه الأشتر، فقالت عائشة من برز إلى عبد الله، قالوا: الأشتر، فقالت: وا ثكل أسماء فضرب كل منهما صاحبه فجرحه، ثم اعتنقا فصرع الأشتر عبد الله و قعد على صدره، و اختلط الفريقان هؤلاء لينقذوا عبد الله و هؤلاء ليعينوا الأشتر و كان الأشتر طاويا ثلاثة أيام
____________________
(1) متجفجفا، من قولهم تجفجف الثوب، إذا ابتل ثم جف وفيه ندى.
(2) هو أمر بالموت، والمراد به التفاؤل بالنصر بعد الامر بالإماتة، مع حصول الغرض (النهاية لابن الأثير (.
لم يطعم، و هذه عادته في الحرب و كان أيضا شيخا عالي السن فجعل عبد الله ينادي: اقتلوني و مالكا(1) فلو قال اقتلوني و الأشتر لقتلوهما إلا أن أكثر من كان يمر بهما لا يعرفهما لكثرة من وقع في المعركة صرعى بعضهم فوق بعض، و أفلت ابن الزبير من تحته و لم يكد فذلك قول الأشتر:
أعائش لو لا أنني كنت طاويا |
ثلاثا لألفيت ابن أختك هالكا |
|
غداة ينادي و الرجال تحوزه |
بأضعف صوت اقتلوني و مالكا |
|
فلم يعرفوه إذ دعاهم و غمه |
خدب عليه في العجاجة باركا(2) |
|
فنجاه مني أكله و شبابه |
و أني شيخ لم أكن متماسكا |
و روى أبو مخنف عن الأصبغ بن نباتة، قال: دخل عمار بن ياسر و مالك بن الحارث الأشتر على عائشة بعد انقضاء أمر الجمل، فقالت عائشة: يا عمار، من معك؟ قال: الأشتر. فقالت: يا مالك، أنت الذي صنعت بابن أختي ما صنعت؟ قال: نعم، و لو لا أني كنت طاويا ثلاثة أيام لأرحت أمة محمد منه. فقالت: أما علمت أن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) قال، لا يحل دم مسلم إلا بأحد أمور ثلاثة، كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير حق. فقال الأشتر: على بعض هذه الثلاثة قاتلناه يا أم المؤمنين، و ايم الله ما خانني سيفي قبلها و لقد أقسمت ألا يصحبني بعدها. قال أبو مخنف: ففي ذلك يقول الأشتر من جملة هذا الشعر الذي ذكرناه:
و قالت على أي الخصال صرعته |
بقتل أتى أم رده لا أبا لكا |
|
أم المحصن الزاني الذي حل قتله |
فقلت لها لا بد من بعض ذلكا |
____________________
(1) بقيته * واقتلوا مالكا معي * وانظر المسعودي376:2
(2) الخدب: الضخم.
قال أبو مخنف: و انتهى الحارث بن زهير الأزدي من أصحاب علي (عليهالسلام ) إلى الجمل و رجل(1) آخذ بخطامه لا يدنو منه أحد إلا قتله، فلما رآه الحارث بن زهير مشى إليه بالسيف و ارتجز فقال لعائشة:
يا أمنا أعق أم نعلم(2) |
و الأم تغذو ولدها و ترحم |
|
أما ترين كم شجاع يكلم |
و تختلى هامته و المعصم(3) |
فاختلف هو و الرجل ضربتين فكلاهما أثخن صاحبه. قال جندب بن عبد الله الأزدي: فجئت حتى وقفت عليهما و هما يفحصان بأرجلهما حتى ماتا. قال: فأتيت عائشة بعد ذلك أسلم عليها بالمدينة فقالت: من أنت؟ قلت: رجل من أهل الكوفة. قالت: هل شهدتنا يوم البصرة؟ قلت: نعم. قالت: مع أي الفريقين؟ قلت: مع علي (عليهالسلام ). قالت: هل سمعت مقالة الذي قال:
يا أمنا أعق أم نعلم
قلت: نعم و أعرفه. قالت: و من هو؟ قلت: ابن عم لي. قالت: و ما فعل؟ قلت: قتل عند الجمل و قتل قاتله. قال: فبكت حتى ظننت و الله أنها لا تسكت، ثم قالت: لوددت و الله أنني كنت مت قبل ذلك اليوم بعشرين سنة. قالوا: و خرج رجل من عسكر البصرة يعرف بخباب بن عمرو الراسبي فارتجز فقال:
أضربهم و لو أرى عليا |
عممته أبيض مشرفيا |
أريح منه معشرا غويا
فصمد عليه الأشتر فقتله. ثم تقدم عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس و هو
____________________
(1) هو عمرو بن الأشرف. الطبري211:5
(2) ذكر الطبري رواية أخرى في هذا الرجز: * يا أمنا يا خير أم نعلم *
(3) تختلي: تقطع
من أشراف قريش و كان اسم سيفه ولول فارتجز فقال:
أنا ابن عتاب و سيفي ولول |
و الموت دون الجمل المجلل(1) |
فحمل عليه الأشتر فقتله، ثم خرج عبد الله بن حكيم بن حزام من بني أسد بن عبد العزى، بن قصي من أشراف قريش أيضا، فارتجز و طلب المبارزة، فخرج إليه الأشتر فضربه على رأسه فصرعه، ثم قام فنجا بنفسه. قالوا و أخذ خطام الجمل سبعون من قريش قتلوا كلهم و لم يكن يأخذ بخطام الجمل أحد إلا سالت نفسه أو قطعت يده، و جاءت بنو ناجية فأخذوا بخطام الجمل و لم يكن يأخذ الخطام أحد إلا سألت عائشة من هذا فسألت عنهم. فقيل: بنو ناجية. فقالت عائشة: صبرا يا بني ناجية، فإني أعرف فيكم شمائل قريش. قالوا: و بنو ناجية مطعون في نسبهم(2 إلى قريش2) فقتلوا حولها جميعا. قال أبو مخنف: و حدثنا إسحاق بن راشد عن عبد الله بن الزبير، قال: أمسيت يوم الجمل و بي سبعة و ثلاثون جرحا من ضربة و طعنة و رمية و ما رأيت مثل يوم الجمل قط، ما كان الفريقان إلا كالجبلين لا يزولان.
قال أبو مخنف: و قام رجل إلى علي (عليهالسلام )، فقال: يا أمير المؤمنين، أي فتنة أعظم من هذه إن البدرية ليمشي بعضها إلى بعض بالسيف؟ فقال علي (عليهالسلام ) : ويحك أتكون فتنة أنا أميرها و قائدها و الذي بعث محمدا بالحق و كرم وجهه ما كذبت و لا كذبت، و لا ضللت و لا ضل بي، و لا زللت و لا زل بي و إني لعلى بينة من ربي بينها الله لرسوله و بينها رسوله لي، و سأدعى يوم القيامة و لا ذنب لي، و لو كان لي ذنب لكفر عني ذنوبي ما أنا فيه من قتالهم. قال أبو مخنف و حدثنا مسلم الأعور عن حبة العرني، قال: فلما رأى علي (عليهالسلام )
____________________
(1) ب: " عند الجمل "
(2 – 2) ساقطة من ب
أن الموت عند الجمل و أنه ما دام قائما فالحرب لا تطفأ، وضع سيفه على عاتقه و عطف نحوه و أمر أصحابه بذلك، و مشى نحوه و الخطام مع بني ضبة، فاقتتلوا قتالا شديدا و استحر القتل في بني ضبة، فقتل منهم مقتلة عظيمة و خلص علي (عليهالسلام ) في جماعة من النخع و همدان إلى الجمل، فقال لرجل من النخع اسمه بجير دونك الجمل، يا بجير، فضرب عجز الجمل بسيفه فوقع لجنبه و ضرب بجرانه الأرض و عج عجيجا لم يسمع بأشد منه، فما هو إلا أن صرع الجمل حتى فرت الرجال كما يطير الجراد في الريح الشديدة الهبوب، و احتملت عائشة بهودجها فحملت إلى دار عبد الله بن خلف، و أمر علي (عليهالسلام ) بالجمل أن يحرق ثم يذرى في الريح، و قال (عليهالسلام ) لعنه الله من دابة فما أشبهه بعجل بني إسرائيل ثم قرأ:( وَ اُنْظُرْ إِلى إِلهِكَ اَلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي اَلْيَمِّ نَسْفاً ) (1) .
____________________
(1) سورة طه 97
14. و من كلام له (عليهالسلام ) في مثل ذلك
) أَرْضُكُمْ قَرِيبَةٌ مِنَ اَلْمَاءِ بَعِيدَةٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ خَفَّتْ عُقُولُكُمْ وَ سَفِهَتْ حُلُومُكُمْ فَأَنْتُمْ غَرَضٌ لِنَابِلٍ وَ أُكْلَةٌ لآِكِلٍ وَ فَرِيسَةٌ لِصَائِلٍ [ صَائِدٍ ]) الغرض ما ينصب ليرمى بالسهام، و النابل ذو النبل و الأكلة بضم الهمزة المأكول و فريسة الأسد ما يفترسه. و سفه فلان بالكسر، أي صار سفيها، و سفه بالضم أيضا فإذا قلت سفه فلان رأيه أو حلمه أو نفسه لم تقل إلا بالكسر؛ لأن فعل بالضم لا يتعدى و قولهم سفه فلان نفسه، و غبن رأيه، و بطر عيشه، و ألم بطنه، و رفق حاله، و رشد أمره كان الأصل فيه كله سفهت نفس زيد، فلما حول الفعل إلى الرجل انتصب ما بعده بالمفعولية هذا مذهب البصريين و الكسائي من الكوفيين. و قال الفراء: لما حول الفعل إلى الرجل خرج ما بعده مفسرا ليدل على أن السفاهة فيه و كان حكمه أن يكون سفه زيد نفسا؛ لأن المفسر لا يكون إلا نكرة و لكنه ترك على إضافته و نصب كنصب النكرة تشبيها بها. و يجوز عند البصريين و الكسائي تقديم المنصوب كما يجوز ضرب غلامه زيد و عند الفراء لا يجوز تقديمه؛ لأن المفسر لا يتقدم(1) .
____________________
(1) الصحاح 6: 2235
فأما قوله: (أرضكم قريبة من الماء بعيدة من السماء)، فقد قدمنا(1) معنى قوله: قريبة من الماء و ذكرنا غرقها من بحر فارس دفعتين، و مراده (عليهالسلام ) بقوله قريبة من الماء، أي: قريبة من الغرق بالماء، و أما بعيدة من السماء، فإن أرباب علم الهيئة و صناعة التنجيم يذكرون أن أبعد موضع في الأرض عن السماء الأبلة(2) ، و ذلك موافق لقوله (عليهالسلام ). و معنى البعد عن السماء هاهنا هو بعد تلك الأرض المخصوصة عن دائرة معدل النهار و البقاع و البلاد تختلف في ذلك، و قد دلت الأرصاد و الآلات النجومية على أن أبعد موضع في المعمورة عن دائرة معدل النهار هو الأبلة و، الأبلة هي قصبة البصرة. و هذا الموضع من خصائص أمير المؤمنين (عليهالسلام ) ؛ لأنه أخبر عن أمر لا تعرفه العرب و لا تهتدى إليه، و هو مخصوص بالمدققين من الحكماء، و هذا من أسراره و غرائبه البديعة
____________________
(1) ص 253 من هذا الجزء.
(2) الأبلة بضم أوله وثانيه وتشديد اللام وفتحها: بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى، في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة، وهي أقدم من البصرة. مراصد الاطلاع18:1
15. و من كلام له (عليهالسلام ) فيما رده على المسلمين من قطائع عثمانرضياللهعنه
(وَ اَللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ اَلنِّسَاءُ وَ مُلِكَ [ تَمَلَّكَ ] بِهِ اَلْإِمَاءُ لَرَدَدْتُهُ فَإِنَّ فِي اَلْعَدْلِ سَعَةً وَ مَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ اَلْعَدْلُ فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ) القطائع ما يقطعه الإمام بعض الرعية من أرض بيت المال ذات الخراج، و يسقط عنه خراجه و يجعل عليه ضريبة يسيرة عوضا عن الخراج، و قد كان عثمان أقطع كثيرا من بني أمية و غيرهم من أوليائه و أصحابه قطائع من أرض الخراج على هذه الصورة، و قد كان عمر أقطع قطائع و لكن لأرباب الغناء في الحرب و الآثار المشهورة في الجهاد فعل ذلك ثمنا عما بذلوه من مهجهم في طاعة الله سبحانه، و عثمان أقطع القطائع صلة لرحمه و ميلا إلى أصحابه عن غير عناء في الحرب و لا أثر.
و هذه الخطبة ذكرها الكلبي مروية مرفوعة إلى أبي صالح عن ابن عباسرضياللهعنه ما أن عليا (عليهالسلام ) خطب في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة، فقال ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان، و كل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شيء و لو وجدته و قد(1) تزوج به النساء و فرق في البلدان لرددته إلى حاله(2) ، فإن في العدل سعة و من ضاق عنه الحق فالجور عليه أضيق.
____________________
(1) ب: " قد ".
(2) ب: " على حاله "
و تفسير هذا الكلام أن الوالي إذا ضاقت عليه تدبيرات أموره في العدل فهي في الجور أضيق عليه؛ لأن الجائر في مظنة أن يمنع و يصد عن جوره. قال الكلبي ثم أمر (عليهالسلام ) بكل سلاح وجد لعثمان في داره مما تقوى به على المسلمين فقبض، و أمر بقبض نجائب كانت في داره من إبل الصدقة فقبضت، و أمر بقبض سيفه و درعه و أمر ألا يعرض لسلاح وجد له لم يقاتل به المسلمون و بالكف عن جميع أمواله التي وجدت في داره و في غير داره، و أمر أن ترتجع الأموال التي أجاز بها عثمان حيث أصيبت أو أصيب أصحابها. فبلغ ذلك عمرو بن العاص و كان بأيلة من أرض الشام أتاها حيث وثب الناس على عثمان فنزلها، فكتب إلى معاوية ما كنت صانعا فاصنع إذ قشرك ابن أبي طالب من كل مال تملكه كما تقشر عن العصا لحاها. و قال الوليد بن عقبة و هو أخو عثمان من أمه يذكر قبض علي (عليهالسلام ) نجائب عثمان و سيفه و سلاحه(1) :
بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم |
و لا تنهبوه لا تحل مناهبه |
|
بني هاشم كيف الهوادة بيننا |
و عند علي درعه و نجائبه |
|
بني هاشم كيف التودد منكم |
و بز ابن أروى فيكم و حرائبه(2) |
|
بني هاشم إلا تردوا فإننا |
سواء علينا قاتلاه و سالبه |
|
بني هاشم إنا و ما كان منكم |
كصدع الصفا لا يشعب الصدع شاعبه |
|
قتلتم أخي كيما تكونوا مكانه |
كما غدرت يوما بكسرى مرازبه(3) |
____________________
(1) الأبيات في المسعودي 2: 356؛ والأغانى175:4(ساسى)، والكمل مع اختلاف في الرواية وترتيب الأبيات.
(2) البز: متاع البيت من الثياب. الحرائب: جمع حريبة، وهو مال الرجل الذي يقوم به أمره، وراية البيت في المسعودي:
بني هاشم، كيف الهوادة بيننا |
وسيف ابن أروى عندكم وحرائبه |
(3) رواية المسعودي: * غدرتم به كيما تكونوا مكانه *
فأجابه عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بأبيات طويلة(1) من جملتها:
فلا تسألونا سيفكم إن سيفكم |
أضيع و ألقاه لدى الروع صاحبه |
|
و شبهته كسرى و قد كان مثله |
شبيها بكسرى هدبه و ضرائبه |
أي: كان كافرا كما كان كسرى كافرا. و كان المنصوررحمهالله تعالى إذا أنشد هذا الشعر(2) يقول لعن الله الوليد، هو الذي فرق بين بني عبد مناف بهذا الشعر.
____________________
(1) نسبها المسعودي إلى الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب.
(2) ب: " البيت ".
16. و من خطبة له (عليهالسلام ) لما بويع بالمدينة
(ذِمَّتِي بِمَا أَقُولُ رَهِينَةٌ وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ إِنَّ مَنْ صَرَّحَتْ لَهُ اَلْعِبَرُ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اَلْمَثُلاَتِ حَجَزَتْهُ اَلتَّقْوَى عَنْ تَقَحُّمِ اَلشُّبُهَاتِ أَلاَ وَ إِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اَللَّهُ نَبِيَّهُ(1) [ نَبِيَّكُمْ ] ص وَ اَلَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً وَ لَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً وَ لَتُسَاطُنَّ سَوْطَ اَلْقِدْرِ حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلاَكُمْ وَ أَعْلاَكُمْ أَسْفَلَكُمْ وَ لَيَسْبِقَنَّ سَابِقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا وَ لَيُقَصِّرَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا وَ اَللَّهِ مَا كَتَمْتُ وَشْمَةً وَ لاَ كَذَبْتُ كِذْبَةً وَ لَقَدْ نُبِّئْتُ بِهَذَا اَلْمَقَامِ وَ هَذَا اَلْيَوْمِ أَلاَ وَ إِنَّ اَلْخَطَايَا خَيْلٌ شُمُسٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا وَ خُلِعَتْ لُجُمُهَا فَتَقَحَّمَتْ بِهِمْ فِي اَلنَّارِ أَلاَ وَ إِنَّ اَلتَّقْوَى مَطَايَا ذُلُلٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا وَ أُعْطُوا أَزِمَّتَهَا فَأَوْرَدَتْهُمُ اَلْجَنَّةَ حَقٌّ وَ بَاطِلٌ وَ لِكُلٍّ أَهْلٌ فَلَئِنْ أَمِرَ اَلْبَاطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ وَ لَئِنْ قَلَّ اَلْحَقُّ لَرُبَّمَا فَلَرُبَّمَا وَ لَعَلَّ وَ لَقَلَّمَا أَدْبَرَ شَيْءٌ فَأَقْبَلَ)(2 قال الرضيعليهالسلام 2) و أقول إن في هذا الكلام الأدنى من مواقع
____________________
(1) كذا في ا ومخطوطة النهج، وفى ب: " نبيهم ".
(2 – 2)ساقط من ب
الإحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان و إن حظ العجب منه أكثر من حظ العجب به، و فيه مع الحال التي وصفنا(1) زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان و لا يطلع فجها(2) إنسان و لا يعرف ما أقول إلا من ضرب في هذه الصناعة بحق، و جرى فيها على عرق( وَ ما يَعْقِلُها إِلاَّ اَلْعالِمُونَ ) و من هذه الخطبة: (شُغِلَ مَنِ اَلْجَنَّةُ وَ اَلنَّارُ أَمَامَهُ سَاعٍ سَرِيعٌ نَجَا وَ طَالِبٌ بَطِيءٌ رَجَا وَ مُقَصِّرٌ فِي اَلنَّارِ هَوَى اَلْيَمِينُ وَ اَلشِّمَالُ مَضَلَّةٌ وَ اَلطَّرِيقُ اَلْوُسْطَى هِيَ اَلْجَادَّةُ عَلَيْهَا بَاقِي اَلْكِتَابِ(3) وَ آثَارُ اَلنُّبُوَّةِ وَ مِنْهَا مَنْفَذُ اَلسُّنَّةِ وَ إِلَيْهَا مَصِيرُ اَلْعَاقِبَةِ هَلَكَ مَنِ اِدَّعَى وَ خَابَ مَنِ اِفْتَرَى مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ عِنْدَ جَهَلَةِ اَلنَّاسِ وَ كَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلاَّ يَعْرِفَ قَدْرَهُ لاَ يَهْلِكُ عَلَى اَلتَّقْوَى سِنْخُ أَصْلٍ وَ لاَ يَظْمَأُ عَلَيْهَا زَرْعُ قَوْمٍ فَاسْتَتِرُوا فِي بُيُوتِكُمْ وَ أَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَ اَلتَّوْبَةُ مِنْ وَرَائِكُمْ وَ لاَ يَحْمَدْ حَامِدٌ إِلاَّ رَبَّهُ وَ لاَ يَلُمْ لاَئِمٌ إِلاَّ نَفْسَهُ [ ذَنْبَهُ ])
____________________
(1) مخطوطة النهج: " وصفناه ".
(2).الفج: الطريق الواسع بين جبلين، وطلع الطريق:بلغه.
(3) مخطوطة النهج: " ما في الكتاب ".
الذمة العقد و العهد يقول هذا الدين في ذمتي، كقولك في عنقي و هما كناية عن الالتزام و الضمان و التقلد و الزعيم الكفيل، و مخرج الكلام لهم مخرج الترغيب في سماع ما يقوله، كما يقول: المهتم بإيضاح أمر لقوم لهم أنا المدرك المتقلد بصدق ما أقوله لكم، و صرحت كشفت و العبر جمع عبرة، و هي: الموعظة و المثلات العقوبات و حجزه منعه. و قوله لتبلبلن، أي: لتخلطن تبلبلت الألسن، أي: اختلطت و لتغربلن يجوز أن يكون من الغربال الذي يغربل به الدقيق، و يجوز أن يكون من غربلت اللحم، أي: قطعته فإن كان الأول كان له معنيان أحدهما الاختلاط كالتبلبل؛ لأن غربلة الدقيق تخلط بعضه ببعض، و الثاني: أن يريد بذلك أنه يستخلص الصالح منكم من الفاسد و يتميز كما يتميز الدقيق عند الغربلة من نخالته. و تقول: ما عصيت فلانا وشمة، أي: كلمة و حصان شموس يمنع ظهره شمس الفرس بالفتح و به شماس، و أمر الباطل كثر. و قوله لقديما فعل، أي: لقديما فعل الباطل ذلك و نسب الفعل إلى الباطل مجازا، و يجوز أن يكون فعل بمعنى انفعل كقوله(1) :
قد جبر الدين الإله فجبر
أي: فانجبر و السنخ الأصل، و قوله سنخ أصل كقوله(2) :
إذا حاص عينيه كرى النوم
و في بعض الروايات من أبدى صفحته للحق هلك عند جهلة الناس و التأويل مختلف، فمراده على الرواية الأولى، و هي الصحيحة من كاشف الحق مخاصما له هلك
____________________
(1) مطلع أرجوزة للعجاج، ديوانه 15، واللسان 5: 185
(2) لتأبط شرا، والبيت برواية أبى تمام في الحماسة - بشرح المرزوقي 1: 97:
إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل |
له كالئ من قلب شيحان فاتك |
و هي كلمة جارية مجرى المثل و مراده على الرواية الثانية من أبدى صفحته لنصرة الحق غلبه أهل الجهل؛ لأنهم العامة و فيهم الكثرة فهلك. و هذه الخطبة من جلائل خطبه (عليهالسلام ) و من مشهوراتها قد رواها الناس كلهم، و فيها زيادات حذفها الرضي إما اختصارا أو خوفا من إيحاش السامعين، و قد ذكرها شيخنا أبو عثمان الجاحظ في كتاب البيان و التبيين على وجهها(1) و رواها عن أبي عبيدة معمر بن المثنى.
قال أول خطبة خطبها أمير المؤمنين علي (عليهالسلام ) بالمدينة في خلافته(2 حمد الله و أثنى عليه و صلى على النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم )2) ، ثم قال ألا لا يرعين(3) مرع إلا على نفسه شغل من الجنة و النار أمامه(4) ساع مجتهد ينجو(5) و طالب يرجو، و مقصر في النار(6) ثلاثة و اثنان ملك طار بجناحيه و نبي أخذ الله بيده(7) ، لا سادس هلك من ادعى و ردي من اقتحم(8) اليمين و الشمال مضلة و الوسطى الجادة(9) ؛ منهج عليه باقي الكتاب و السنة و آثار النبوة إن الله داوى هذه الأمة بدواءين السوط و السيف لا هوادة عند الإمام فيهما استتروا في بيوتكم(10)، و أصلحوا ذات بينكم(11)، و التوبة من ورائكم من أبدى صفحته
____________________
(1) البيان والتبيين (2: 50 - 52)، ورواها أيضا ابن قتيبة في عيون الأخبار (2: 236).
(2 - 2 ) البيان: " أنه قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ".
(3) البيان: " أما بعد فلا يرعين ".
(4) في البيان: " فإن من أرعى على غير نفسه شغل عن الجنة والنار أمامه "
(5) تكملة من البيان والتبيين
(6) عند ابن قتيبة في العيون: " ساع سريع نجا، وطالب بطئ رجاء، ومقصر في النار هوى ".
(7) البيان والعيون: " بيديه "
(8) البيان: " فإن اليمين ".
(9 ) الجادة: الطريق الواضح.
(10) البيان: " استتروا بيوتكم "، والعيون " فاستتروا ببيوتكم ".
(11 ) البيان: " وأصلحوا فيما بينكم ".
للحق هلك قد كانت لكم(1 أمور ملتم فيها على ميلة1) لم تكونوا عندي فيها محمودين(2) و لا مصيبين(1) ، أما إني لو أشاء لقلت عفا الله عما سلف سبق الرجلان، و قام الثالث كالغراب همته بطنه، ويحه(3) لو قص جناحاه و قطع رأسه لكان خيرا له انظروا، فإن أنكرتم فأنكروا، و إن عرفتم فآزروا حق و باطل و لكل أهل و لئن أمر الباطل لقديما فعل، و لئن(4) قل الحق لربما و لعل و قلما أدبر شيء فأقبل(5) ، و لئن رجعت إليكم أموركم إنكم لسعداء، و إني لأخشى أن تكونوا في فترة و ما علينا إلا الاجتهاد. قال شيخنا أبو عثمانرحمهالله تعالى، و قال أبو عبيدة، و زاد(6 فيها في رواية جعفر بن محمد (عليهالسلام ) عن آبائه (عليهالسلام )6) ، ألا إن أبرار عترتي و أطايب أرومتي أحلم الناس صغارا، و أعلم الناس كبارا، ألا و إنا أهل بيت من علم الله علمنا و بحكم الله حكمنا، و من قول صادق سمعنا، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، و إن لم تفعلوا يهلككم الله بأيدينا، ومعنا راية الحق من تبعها لحق، و من تأخر عنها غرق ألا و بنا يدرك ترة كل مؤمن، و بنا تخلع ربقة الذل عن أعناقكم(7) و بنا فتح(8) لا بكم و منا يختم لا بكم. قوله: لا يرعين، أي: لا يبقين أرعيت عليه، أي: أبقيت يقول من أبقى على الناس، فإنما أبقى على نفسه و الهوادة الرفق و الصلح، و أصله اللين و التهويد المشي
____________________
(1) تكملة من البيان والتبيين.
(2) البيان: " بمحمودين "
(3) البيان: " يا ويحه ".
(4) البيان: " ولئن قل ".
(5) البيان: " ما أدبر شئ فأقبل ".
(6 - 6) البيان: " وروى فيها جعفر بن محمد ".
(7) البيان: " من أعناقكم ".
(8) ا، والبيان: " فتح الله ".
رويدا و في الحديث أسرعوا المشي في الجنازة و لا تهودوا كما تهود أهل الكتاب، و آزرت زيدا أعنته الترة و الوتر و الربقة الحبل يجعل في عنق الشاة، و ردي هلك من الردى، كقولك: عمي من العمى و شجي من الشجا. و قوله: شغل من الجنة و النار أمامه يريد به أن من كانت هاتان الداران أمامه، لفي شغل عن أمور الدنيا إن كان رشيدا. و قوله: ساع مجتهد إلى قوله لا سادس كلام تقديره المكلفون على خمسة أقسام ساع مجتهد، و طالب راج و مقصر هالك، ثم قال: ثلاثة، أي: فهؤلاء ثلاثة أقسام، و هذا ينظر إلى قوله سبحانه:( ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اَللَّهِ ) (1) ، ثم ذكر القسمين الرابع و الخامس، فقال: هما ملك طار بجناحيه و نبي أخذ الله بيده يريد عصمة هذين النوعين من القبيح، ثم قال لا سادس، أي: لم يبق في المكلفين قسم سادس، و هذا يقتضي أن العصمة ليست إلا للأنبياء و الملائكة و لو كان الإمام يجب أن يكون معصوما لكان قسما سادسا، فإذن قد شهد هذا الكلام بصحة ما تقوله المعتزلة في نفي اشتراط العصمة في الإمامة، اللهم إلا أن يجعل الإمام المعصوم داخلا في القسم الأول، و هو الساعي المجتهد و فيه بعد و ضعف. و قوله: هلك من ادعى و ردي من اقتحم يريد هلك من ادعى، و كذب لا بد من تقدير ذلك؛ لأن الدعوى تعم الصدق و الكذب و كأنه يقول هلك من ادعى الإمامة و ردي من اقتحمها و ولجها عن غير استحقاق؛ لأن كلامه (عليهالسلام ) في هذه الخطبة كله كنايات عن الإمامة لا عن غيرها.
____________________
(1) سورة فاطر32.
و قوله اليمين و الشمال مثال؛ لأن السالك الطريق المنهج اللاحب ناج و العادل عنها يمينا و شمالا معرض للخطر. و نحو هذا الكلام ما روي عن عمر أنه لما صدر عن منى في السنة التي قتل فيها كوم كومة من البطحاء(1) ، فقام عليها فخطب الناس فقال: أيها الناس، قد سنت لكم السنن و فرضت لكم الفرائض، و تركتم على الواضحة إلا أن تميلوا بالناس يمينا و شمالا، ثم قرأ:( أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ وَ هَدَيْناهُ اَلنَّجْدَيْنِ ) (2) ، ثم قال: إلا إنهما نجدا الخير و الشر فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير.
و قوله إن الله داوى هذه الأمة بدواءين كلام شريف و على منواله نسج الحجاج و زياد كلامهما المذكور فيه السوط و السيف، فمن ذلك قول الحجاج(3) من أعياه داؤه فعلي دواؤه و من استبطأ أجله فعلي أن أعجله و من استثقل رأسه وضعت عنه ثقله، و من استطال ماضي عمره قصرت عليه باقيه إن للشيطان طيفا، و إن للسلطان سيفا، فمن سقمت سريرته صحت عقوبته و من وضعه ذنبه رفعه صلبه، و من لم تسعه العافية لم تضق عنه الهلكة، و من سبقته بادرة فمه سبق بدنه سفك دمه إني لأنذر، ثم لا أنظر و أحذر، ثم لا أعذر و أتوعد، ثم لا أغفر إنما أفسدكم(4) ترقيق ولاتكم و من استرخى لببه(5) ساء أدبه إن الحزم و العزم سلباني
____________________
(1) البطحاء: التراب السهل مما جرته السيول.
(2) سورة البلد 8 - 10
(3) نهاية الإرب 7: 224، صبح الأعشى 1:220، سرح العيون 184
(4) في صبح الأعشى: " ترنيق "، والترنيق الضعف في الامر.
(5) اللبب: ما يشد في صدر الدابة ليمنع استئخار الرحل، يريد أن الهوادة واللين لمما يفسد الرعية.
سوطي،(1 و جعلا سوطي سيفي1) فقائمه في يدي و نجاده(2) في عنقي و ذبابه(3) قلادة لمن عصاني، و الله لا آمر أحدا أن يخرج من(4 باب من4) أبواب المسجد فيخرج من الباب الذي يليه إلا ضربت عنقه. و من ذلك قول زياد: إنما هو زجر بالقول، ثم ضرب بالسوط، ثم الثالثة التي لا شوى(5) لها فلا يكونن لسان أحدكم شفرة(6) تجري على أوداجه(7) و ليعلم إذا خلا بنفسه أني قد حملت سيفي بيده، فإن شهره لم أغمده و إن أغمده لم أشهره. و قوله (عليهالسلام ) : كالغراب، يعني الحرص و الجشع و الغراب، يقع على الجيفة، و يقع على التمرة، و يقع على الحبة، و في الأمثال أجشع من غراب و أحرص من غراب. و قوله ويحه لو قص يريد لو كان قتل أو مات قبل أن يتلبس بالخلافة لكان خيرا له من أن يعيش و يدخل فيها، ثم قال لهم أفكروا فيما قد قلت فإن كان منكرا فأنكروه، و إن كان حقا فأعينوا عليه. و قوله استتروا في بيوتكم نهي لهم عن العصبية(8) و الاجتماع و التحزب، فقد كان قوم بعد قتل عثمان تكلموا في قتله من شيعة بني أمية بالمدينة.
____________________
(1 – 1)صبح الأعشى: " وأبدلاني به سيفي ".
(2) النجاد: علاقة السيف.
(3) ذباب السيف: حده.
(4 – 4)ساقط من ب، وهو في ا وصبح الأعشى.
(5) لا شوى لها، أي لا خطأ لها، أو لا براء، ومنه قول الكميت: أجيبوا رقى الآسي النطاسي واحذروا * مطفئة الرضف التي لا شوى لها
(6) الشفرة: السكين العظيم، أو ما عرض من الحديد وحدد.
(7) الأوداج: عروق العنق.
(8) ا: " المعصية "
و أما قوله: قد كانت أمور لم تكونوا عندي فيها محمودين، فمراده أمر عثمان و تقديمه في الخلافة عليه، و من الناس من يحمل ذلك على خلافة الشيخين أيضا و يبعد عندي أن يكون أراده؛ لأن المدة قد كانت طالت و لم يبق من يعاتبه ليقول قد كانت أمور لم تكونوا عندي فيها محمودين، فإن هذا الكلام يشعر بمعاتبة قوم على أمر كان أنكره منهم و أما بيعة عثمان، ثم ما جرى بينه و بين عثمان من منازعات طويلة و غضب تارة و صلح أخرى و مراسلات خشنة و لطيفة و كون الناس بالمدينة كانوا حزبين و فئتين إحداهما معه (عليهالسلام ) و الأخرى مع عثمان، فإن(1) صرف الكلام إلى ما قلناه بهذا الاعتبار أليق. و لسنا نمنع من أن يكون في كلامه (عليهالسلام ) الكثير من التوجد و التألم لصرف الخلافة بعد وفاة الرسول (عليهالسلام ) عنه، و إنما كلامنا الآن في هذه اللفظات التي في هذه الخطبة على أن قوله (عليهالسلام ) سبق الرجلان و الاقتصار على ذلك فيه كفاية في انحرافه عنهما. و أما قوله حق و باطل إلى آخر الفصل فمعناه كل أمر فهو إما حق و إما باطل و لكل واحد من هذين أهل و ما زال أهل الباطل أكثر من أهل الحق، و لئن كان الحق قليلا لربما كثر و لعله ينتصر أهله. ثم قال على سبيل التضجر بنفسه و قلما أدبر شيء فأقبل استبعد (عليهالسلام ) أن تعود دولة قوم بعد زوالها عنهم، و إلى هذا المعنى ذهب الشاعر في قوله:
و قالوا يعود الماء في النهر بعد ما |
ذوي نبت جنبيه و جف المشارع |
|
فقلت إلى أن يرجع النهر جاريا |
و يعشب جنباه تموت الضفادع |
____________________
(1) ا: " وإن ".
ثم قال و لئن رجعت عليكم أموركم، أي: إن ساعدني الوقت و تمكنت من أن أحكم فيكم بحكم الله تعالى و رسوله و عادت إليكم أيام شبيهة بأيام رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و سيرة مماثلة لسيرته في أصحابه إنكم لسعداء. ثم قال: و إني لأخشى أن تكونوا في فترة الفترة هي الأزمنة التي بين الأنبياء إذا انقطعت الرسل فيها كالفترة التي بين عيسى (عليهالسلام ) و محمد (عليهالسلام ) ؛ لأنه لم يكن بينهما نبي بخلاف المدة التي كانت بين موسى و عيسى (عليهالسلام ) ؛ لأنه بعث فيها أنبياء كثيرون فيقول (عليهالسلام ) : إني لأخشى ألا أتمكن من الحكم بكتاب الله تعالى فيكم فتكونوا كالأمم الذين في أزمنة الفترة لا يرجعون إلى نبي يشافههم بالشرائع و الأحكام، و كأنه (عليهالسلام ) قد كان يعلم أن الأمر سيضطرب عليه. ثم قال و ما علينا إلا الاجتهاد يقول أنا أعمل ما يجب علي(1 من الاجتهاد1) في القيام بالشريعة، و عزل ولاة السوء و أمراء الفساد عن المسلمين فإن تم ما أريده فذاك و إلا كنت قد أعذرت. و أما التتمة المروية عن جعفر بن محمد (عليهالسلام ) فواضحة الألفاظ، و قوله: في آخرها و بنا تختم لا بكم إشارة إلى المهدي الذي يظهر في آخر الزمان، و أكثر المحدثين على أنه من ولد فاطمة (عليهالسلام ) و أصحابنا المعتزلة لا ينكرونه، و قد صرحوا بذكره في كتبهم و اعترف به شيوخهم إلا أنه عندنا لم يخلق بعد و سيخلق. و إلى هذا المذهب يذهب أصحاب الحديث أيضا. و روى قاضي القضاة
____________________
(1 – 1) ساقط من ب
رحمهالله تعالى عن كافي الكفاة أبي القاسم إسماعيل بن عبادرحمهالله بإسناد متصل بعلي (عليهالسلام ) أنه ذكر المهدي (عليهالسلام )، و قال: إنه من ولد الحسين (عليهالسلام )، و ذكر حليته(1) فقال: رجل أجلى الجبين أقنى الأنف ضخم البطن أزيل(2) الفخذين أبلج الثنايا بفخذه اليمنى شامة، و ذكر هذا الحديث بعينه عبد الله بن قتيبة في كتاب غريب الحديث
____________________
(1) الحلية هنا: الصفة.
(2) الزيل، محركة: تباعد ما بين الفخذين، وهو أزيل.
17. و من كلام له (عليهالسلام ) في صفة من يتصدى للحكم بين الأمة و ليس لذلك بأهل
( إِنَّ أَبْغَضَ اَلْخَلاَئِقِ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى رَجُلاَنِ رَجُلٌ وَكَلَهُ اَللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ اَلسَّبِيلِ مَشْغُوفٌ بِكَلاَمِ بِدْعَةٍ وَ دُعَاءِ ضَلاَلَةٍ فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ اِفْتَتَنَ بِهِ ضَالٌّ عَنْ هُدَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مُضِلٌّ لِمَنِ اِقْتَدَى بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَ بَعْدَ وَفَاتِهِ حَمَّالٌ خَطَايَا غَيْرِهِ رَهْنٌ [ رَهِينٌ ] بِخَطِيئَتِهِ وَ رَجُلٌ قَمَشَ جَهْلاً مُوضِعٌ فِي جُهَّالِ اَلْأُمَّةِ عَادٍ(1) [ غَادِرٌ ] فِي أَغْبَاشِ اَلْفِتْنَةِ عَمٍ بِمَا فِي عَقْدِ اَلْهُدْنَةِ قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ اَلنَّاسِ عَالِماً وَ لَيْسَ بِهِ بَكَّرَ [ بَكَرَ ] فَاسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْعٍ مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ حَتَّى إِذَا اِرْتَوَى مِنْ مَاءٍ آجِنٍ وَ اِكْتَنَزَ اِكْتَثَرَ [ اِكْتَنَزَ ] مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ جَلَسَ بَيْنَ اَلنَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا اِلْتَبَسَ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى اَلْمُبْهَمَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً رَثًّا مِنْ رَأْيِهِ ثُمَّ قَطَعَ بِهِ فَهُوَ مِنْ لَبْسِ اَلشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ نَسْجِ اَلْعَنْكَبُوتِ لاَ يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ فَإِنْ أَصَابَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأَ وَ إِنْ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهَالاَتٍ عَاشٍ رَكَّابُ عَشَوَاتٍ لَمْ يَعَضَّ عَلَى اَلْعِلْمِ بِضِرْسٍ قَاطِعٍ يُذْرِي يَذْرُو [ يُذْرِي ] اَلرِّوَايَاتِ إِذْرَاءَ ذَرْوَ [ إِذْرَاءَ ] اَلرِّيحِ اَلْهَشِيمَ لاَ مَلِيءٌ وَ اَللَّهِ بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ وَ لاَ هُوَ أَهْلٌ لِمَا فُوِّضَ قُرِّظَ [ فُوِّضَ ] بِهِ إِلَيْهِ لاَ يَحْسَبُ اَلْعِلْمَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَنْكَرَهُ وَ لاَ يَرَى أَنَّ مِنْ وَرَاءِ مَا بَلَغَ مَذْهَباً لِغَيْرِهِ وَ إِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرٌ اِكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ تَصْرُخُ مِنْ جَوْرِ قَضَائِهِ اَلدِّمَاءُ وَ تَعَجُّ مِنْهُ
____________________
(1)ج:"غاد".
اَلْمَوَارِيثُ إِلَى اَللَّهِ مِنْ مَعْشَرٍ يَعِيشُونَ جُهَّالاً وَ يَمُوتُونَ ضُلاَّلاً لَيْسَ فِيهِمْ سِلْعَةٌ أَبْوَرُ مِنَ اَلْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ وَ لاَ سِلْعَةٌ أَنْفَقُ بَيْعاً وَ لاَ أَغْلَى ثَمَناً مِنَ اَلْكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَ لاَ عِنْدَهُمْ أَنْكَرُ مِنَ اَلْمَعْرُوفِ وَ لاَ أَعْرَفُ مِنَ اَلْمُنْكَرِ)، وكله إلى نفسه تركه و نفسه وكلته وكلا و وكولا و الجائر الضال العادل عن الطريق، و قمش جهلا جمعه، و موضع مسرع أوضع البعير أسرع و أوضعه راكبه فهو موضع به، أي: أسرع به. و أغباش الفتنة ظلمها الواحدة غبش و أغباش الليل بقايا ظلمته، و منه الحديث في صلاة الصبح و النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغبش و الماء الآجن الفاسد، و أكثر كقولك استكثر و يروى اكتنز، أي: اتخذ العلم كنزا. و التخليص التبيين، و هو و التلخيص متقاربان و لعلهما شيء واحد من المقلوب. و المبهمات المشكلات و إنما قيل لها مبهمة؛ لأنها أبهمت عن البيان كأنها أصمتت، فلم يجعل عليها دليل و لا إليها سبيل أو جعل عليها دليل، و إليها سبيل إلا أنه متعسر مستصعب و لهذا قيل لما لا ينطق من الحيوان بهيمة، و قيل: للمصمت اللون الذي لا شية فيه بهيم. و قوله: حشوا رثا كلام مخرجه الذم و الرث الخلق ضد الجديد. و قوله: حشوا يعني كثيرا لا فائدة فيه و عاش خابط في ظلام، و قوله: لم يعض يريد أنه لم يتقن و لم يحكم الأمور فيكون بمنزلة من يعض بالناجذ، و هو آخر الأضراس و إنما
____________________
(1) مروطهن: أكسيتهن.
يطلع إذا استحكمت شبيبة الإنسان و اشتدت مرته و لذلك يدعوه العوام ضرس الحلم، كأن الحلم(1) يأتي مع طلوعه و يذهب نزق الصبا و يقولون: رجل منجذ، أي: مجرب محكم، كأنه قد عض على ناجذه و كمل عقله. و قوله: يذري الروايات هكذا أكثر النسخ، و أكثر الروايات يذري من أذرى رباعيا، و قد أوضحه قوله: إذراء الريح يقال طعنه فأذراه، أي: ألقاه و أذريت الحب للزرع، أي: ألقيته فكأنه يقول يلقي الروايات كما يلقي الإنسان الشيء على الأرض و الأجود الأصح الرواية الأخرى يذرو الروايات ذرو الريح الهشيم، و هكذا ذكر ابن قتيبة في غريب الحديث لما ذكر هذه الخطبة عن أمير المؤمنين (عليهالسلام ) قال تعالى:( فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ اَلرِّياحُ ) (2) و الهشيم ما يبس من النبت و تفتت. قوله: لا مليء، أي: لا قيم به و فلان غني مليء، أي: ثقة بين الملأ و الملاء بالمد و في كتاب ابن قتيبة تتمة هذا الكلام و لا أهل لما قرظ به قال، أي: ليس بمستحق للمدح الذي مدح به، و الذي رواه ابن قتيبة من تمام كلام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) : هو الصحيح الجيد؛ لأنه يستقبح في العربية أن تقول لا زيد قائم حتى تقول و لا عمرو أو تقول و لا قاعد فقوله: (عليهالسلام ) لا مليء، أي: لا هو مليء و هذا يستدعي لا ثانية و لا يحسن الاقتصار على الأولى. و قوله (عليهالسلام ) : اكتتم به، أي: كتمه و ستره، و قوله: تصرخ منه و تعج العج رفع الصوت و هذا من باب الاستعارة. و في كثير من النسخ إلى الله أشكو، فمن روى ذلك وقف على المواريث
____________________
(1) الحلم، بالكسر: الأناة والمقل.
(2) سورة الكهف 45
و من روى الرواية الأولى وقف على قوله إلى الله، و يكون قوله من معشر من تمام صفات ذلك الحاكم، أي: هو من معشر صفتهم كذا. و أبور أفعل من البور الفاسد بار الشيء، أي: فسد و بارت السلعة، أي: كسدت و لم تنفق، و هو المراد هاهنا و أصله الفساد أيضا. إن قيل بينوا الفرق بين الرجلين اللذين أحدهما وكله الله إلى نفسه و الآخر رجل قمش جهلا، فإنهما في الظاهر واحد. قيل: أما الرجل الأول فهو الضال في أصول العقائد كالمشبه و المجبر و نحوهما ألا تراه كيف قال مشغوف بكلام بدعة و دعاء ضلالة، و هذا يشعر بما قلناه من أن مراده به المتكلم في أصول الدين و هو ضال عن الحق و لهذا قال إنه فتنة لمن افتتن به ضال عن هدى من قبله مضل لمن يجيء بعده و أما الرجل الثاني فهو المتفقه في فروع الشرعيات و ليس بأهل لذلك كفقهاء السوء ألا تراه كيف يقول جلس بين الناس قاضيا. و قال أيضا تصرخ من جور قضائه الدماء و تعج منه المواريث، فإن قيل ما معنى قوله في الرجل الأول رهن بخطيئته، قيل: لأنه إن كان ضالا في دعوته مضلا لمن اتبعه فقد حمل خطاياه و خطايا غيره فهو رهن بالخطيئتين معا، و هذا مثل قوله تعالى:( وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ ) (1) . إن قيل ما معنى قوله: عم بما في عقد الهدنة قيل الهدنة أصلها في اللغة السكون يقال هدن إذا سكن، و معنى الكلام أنه لا يعرف ما في الفتنة من الشر، و لا ما في السكون و المصالحة(2) من الخير.
____________________
(1) سورة العنكبوت 13
(2) ا: ا«المصلحة»، تصحيف.
و يروى بما في غيب الهدنة، أي: في طيها و في ضمنها و يروى غار في أغباش الفتنة، أي: غافل ذو غرة. و روي من جمع بالتنوين فتكون ما على هذا اسما موصولا، و هي و صلتها في موضع جر؛ لأنها صفة جمع و من لم يرو التنوين في جمع حذف الموصوف تقديره من جمع شيء ما قل منه خير مما كثر، فتكون ما مصدرية و تقدير الكلام قلته خير من كثرته، و يكون موضع ذلك جرا أيضا بالصفة
18. و من كلام له (عليهالسلام ) في ذم اختلاف العلماء في الفتيا
( تَرِدُ عَلَى أَحَدِهِمُ اَلْقَضِيَّةُ فِي حُكْمٍ مِنَ اَلْأَحْكَامِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِرَأْيِهِ ثُمَّ تَرِدُ تِلْكَ اَلْقَضِيَّةُ بِعَيْنِهَا عَلَى غَيْرِهِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِخِلاَفِ قَوْلِهِ(1) ثُمَّ يَجْتَمِعُ اَلْقُضَاةُ بِذَلِكَ عِنْدَ اَلْإِمَامِ اَلَّذِي اِسْتَقْضَاهُمْ فَيُصَوِّبُ آرَاءَهُمْ جَمِيعاً وَ إِلَهُهُمْ وَاحِدٌ وَ نَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ وَ كِتَابُهُمْ وَاحِدٌ أَ فَأَمَرَهُمُ اَللَّهُ تَعَالَى سُبْحَانَهُ بِالاِخْتِلاَفِ فَأَطَاعُوهُ أَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ أَمْ أَنْزَلَ اَللَّهُ(2) سُبْحَانَهُ دِيناً نَاقِصاً فَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى إِتْمَامِهِ أَمْ كَانُوا شُرَكَاءَ لَهُ فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا وَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْضَى أَمْ أَنْزَلَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ دِيناً تَامّاً فَقَصَّرَ اَلرَّسُولُ ص عَنْ تَبْلِيغِهِ وَ أَدَائِهِ وَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ( ما فَرَّطْنا فِي اَلْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) (3) وَ فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ تِبْيَانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ(4) وَ ذَكَرَ أَنَّ اَلْكِتَابَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً وَ أَنَّهُ لاَ اِخْتِلاَفَ فِيهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ( وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً ) (5) وَ إِنَّ اَلْقُرْآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ وَ بَاطِنُهُ عَمِيقٌ لاَ تَفْنَى عَجَائِبُهُ وَ لاَ تَنْقَضِي غَرَائِبُهُ وَ لاَ تُكْشَفُ اَلظُّلُمَاتُ إِلاَّ بِهِ)
____________________
(1) كذا في ا ومخطوطة النهج، وفى ب " بخلافه ".
(2) ا: " أم أنزل إليهم ".
(3) سورة الأنعام 38
(4 – 4) في ب: " وقال: فيه تبيان كل شئ "، والأصوب ما أثبته من ا، ومخطوطةالنهج.
(5) سورة النساء 82
الأنيق المعجب و آنقني الشيء، أي أعجبني يقول لا ينبغي أن يحمل جميع ما في الكتاب العزيز على ظاهره فكم من ظاهر فيه غير مراد بل المراد به أمر آخر باطن و المراد الرد على أهل الاجتهاد في الأحكام الشرعية و إفساد قول من قال كل مجتهد مصيب، و تلخيص الاحتجاج من خمسة أوجه: الأول: أنه لما كان الإله سبحانه واحدا، و الرسول (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) واحدا، و الكتاب واحدا، وجب أن يكون الحكم في الواقعة واحدا كالملك الذي يرسل إلى رعيته رسولا بكتاب يأمرهم فيه بأوامر يقتضيها ملكه و إمرته، فإنه لا يجوز أن تتناقض أوامره و لو تناقضت لنسب إلى السفه و الجهل. الثاني: لا يخلو الاختلاف الذي ذهب إليه المجتهدون إما أن يكون مأمورا به أو منهيا عنه، و الأول: باطل؛ لأنه ليس في الكتاب و السنة ما يمكن الخصم أن يتعلق به في كون الاختلاف مأمورا به، و الثاني: حق و يلزم منه تحريم الاختلاف. الثالث: إما أن يكون دين الإسلام ناقصا أو تاما، فإن كان الأول كان الله سبحانه قد استعان بالمكلفين على إتمام شريعة ناقصة أرسل بها رسوله إما استعانة على سبيل النيابة عنه أو على سبيل المشاركة له، و كلاهما كفر، و إن كان الثاني فإما أن يكون الله تعالى أنزل الشرع تاما فقصر الرسول عن تبليغه أو يكون الرسول قد أبلغه على تمامه و كماله، فإن كان الأول فهو كفر أيضا و إن كان الثاني فقد بطل الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد إنما يكون فيما لم يتبين فأما ما قد بين فلا مجال للاجتهاد فيه. الرابع الاستدلال بقوله تعالى:( ما فَرَّطْنا فِي اَلْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) (1) و قوله( تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) (2) و قوله سبحانه( وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ
____________________
(1) سورة الأنعام 38
(2) سورة النحل 89، وفى الأصول: وقوله: " فيه تبيان كل شئ "، والتلاوة ما أثبته
مُبِينٍ ) (1) فهذه الآيات دالة على اشتمال الكتاب العزيز على جميع الأحكام، فكل ما ليس في الكتاب وجب ألا يكون في الشرع. الخامس قوله تعالى:( وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً ) (2) فجعل الاختلاف دليلا على أنه ليس من عند الله، لكنه من عند الله سبحانه بالأدلة القاطعة الدالة على صحة النبوة، فوجب ألا يكون فيه اختلاف. و اعلم أن هذه الوجوه هي التي يتعلق بها الإمامية، و نفاه القياس و الاجتهاد في الشرعيات، و قد تكلم عليها أصحابنا في كتبهم، و قالوا إن أميرالمؤمنين (عليهالسلام ) كان يجتهد و يقيس و ادعوا إجماع الصحابة على صحة الاجتهاد و القياس، و دفعوا صحة هذا الكلام المنسوب في هذا الكتاب إلى أميرالمؤمنين (عليهالسلام )، و قالوا إنه من رواية الإمامية و هو معارض بما ترويه الزيدية عنه و عن أبنائه (عليهالسلام ) في صحة القياس و الاجتهاد، و مخالطة الزيدية لأئمة أهل البيت (عليهالسلام ) كمخالطة الإمامية لهم و معرفتهم بأقوالهم و أحوالهم و مذاهبهم، كمعرفة الإمامية لا فرق بين الفئتين في ذلك و الزيدية قاطبة جاروديتها و صالحيتها(3) تقول بالقياس و الاجتهاد، و ينقلون في ذلك نصوصا عن أهل البيت (عليهالسلام )، و إذا تعارضت الروايتان تساقطتا، و عدنا إلى الأدلة المذكورة في هذه المسألة، و قد تكلمت في اعتبار الذريعة للمرتضى(4) على احتجاجه في إبطال القياس و الاجتهاد بما ليس هذا موضع ذكره
____________________
(1) سورة الأنعام 59
(2) سورة النساء 82
(3) الزيدية: أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهم أصناف ثلاثة: جارودية، وهم أصحاب أبي الجارود زياد بن أبي زياد، وسليمانية وهم أصحاب سليمان بن جرير، وصالحية أصحاب الحسن بن صالح بن حي، ومن هؤلاء البترية أصحاب كثير الأبتر. وانظر بتفصيل مذهبهم في الملل والنحل للشهرستاني 1: 137-143.
(4) هو كتاب الذريعة إلى أصول الشريعة، للشريف المرتضى، شرحه ابن أبي الحديد وسمى شرحه الاعتبار على كتاب الذريعة، في ثلاثة مجلدات. وانظر كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة 10: 26
19. و من كلام له (عليهالسلام ) قاله للأشعث بن قيس
و هو على منبر الكوفة يخطب فمضى في بعض كلامه شيء اعترضه الأشعث فيه فقال يا أمير المؤمنين هذه عليك لا لك فخفض إليه بصره (عليهالسلام ) ثم قال: (وَ مَا يُدْرِيكَ مَا عَلَيَّ مِمَّا لِي عَلَيْكَ لَعْنَةُ اَللَّهِ وَ لَعْنَةُ اَللاَّعِنِينَ حَائِكٌ اِبْنُ حَائِكٍ مُنَافِقٌ اِبْنُ كَافِرٍ وَ اَللَّهِ لَقَدْ أَسَرَكَ اَلْكُفْرُ مَرَّةً وَ اَلْإِسْلاَمُ أُخْرَى [ مَرَّةً ] فَمَا فَدَاكَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَالُكَ وَ لاَ حَسَبُكَ وَ إِنَّ اِمْرَأً دَلَّ عَلَى قَوْمِهِ اَلسَّيْفَ وَ سَاقَ إِلَيْهِمُ اَلْحَتْفَ لَحَرِيٌّ أَنْ يَمْقُتَهُ اَلْأَقْرَبُ وَ لاَ يَأْمَنَهُ اَلْأَبْعَدُ) قال الرضيرحمهالله يريد (عليهالسلام ) أنه أسر في الكفر مرة و في الإسلام مرة. و أما قوله (عليهالسلام ) : دل على قومه السيف فأراد به حديثا كان للأشعث مع خالد بن الوليد باليمامة غر فيه قومه و مكر بهم حتى أوقع بهم خالد و كان قومه بعد ذلك يسمونه عرف النار و هو اسم للغادر عندهم
خفض إليه بصره طأطأه و قوله: فما فداك لا يريد به الفداء الحقيقي، فإن الأشعث فدي في الجاهلية بفداء يضرب به المثل، فقال أغلى فداء من الأشعث و سنذكره، و إنما يريد ما دفع عنك الأسر مالك، و لا حسبك و يمقته يبغضه و المقت البغض.
اسم الأشعث معديكرب و أبوه قيس الأشج سمي الأشج؛ لأنه شج في بعض حروبهم ابن معديكرب، بن معاوية، بن معديكرب، بن معاوية، بن جبلة، بن عبد العزى، بن ربيعة، بن معاوية الأكرمين، بن الحارث، بن معاوية، بن الحارث، بن معاوية، بن ثور، بن مرتع(1) ، بن معاوية، بن كندة، بن عفير، بن عدي، بن الحارث، بن مرة بن أدد. و أم الأشعث كبشة بنت يزيد، بن شرحبيل، بن يزيد، بن إمرئ القيس، بن عمرو المقصور الملك. كان الأشعث أبدا أشعث الرأس فسمي الأشعث و غلب عليه حتى نسي اسمه، و لعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث يقول أعشى همدان(2) :
يا ابن الأشج قريع كندة |
لا أبالي فيك عتبا(3) |
____________________
(1) مرتع، كمحدث، وكمحسن أيضا. القاموس.
(2) هو أبو مصح عبد الرحمن بن عبد الله، من أبيات في ديوانه الأعشير 113، أولها:
من مبلغ الحجاج أنى قد ندبت إليه حربا
حربا مذكرة عوانا |
تترك الشبان شهبا |
(3) في الديوان:
لابن الأشج قريع كندة |
لا أبين فيه عتبا |
أنت الرئيس ابن الرئيس |
و أنت أعلى الناس كعبا(1) |
و تزوج رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) قتيلة أخت الأشعث فتوفي قبل أن تصل إليه. فأما الأسر الذي أشار أمير المؤمنين (عليهالسلام ) إليه في الجاهلية فقد ذكره ابن الكلبي في جمهرة النسب، فقال إن مرادا لما قتلت قيسا الأشج خرج الأشعث طالبا بثأره(2) ، فخرجت كندة متساندين على ثلاثة ألوية على أحد الألوية، كبس بن هانئ، بن شرحبيل، بن الحارث، بن عدي، بن ربيعة، بن معاوية الأكرمين، و يعرف هانئ بالمطلع؛ لأنه كان يغزو فيقول اطلعت بني(3) فلان، فسمي المطلع و على أحدها القشعم أبو جبر(4) بن يزيد الأرقم و على أحدها الأشعث فأخطئوا مرادا، و لم يقعوا عليهم و وقعوا على بني الحارث بن كعب، فقتل كبس و القشعم أبو جبر، و أسر الأشعث، ففدي بثلاثة آلاف بعير لم يفد بها عربي بعده، و لا قبله، فقال في ذلك عمرو بن معديكرب الزبيدي:
فكان فداؤه ألفي بعير |
و ألفا من طريفات و تلد |
و أما الأسر الثاني في الإسلام فإن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) لما قدمت كندة حجاجا قبل الهجرة عرض رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) نفسه عليهم كما كان يعرض نفسه على أحياء العرب، فدفعه بنو وليعة من بني عمرو بن معاوية و لم يقبلوه، فلما هاجر (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و تمهدت دعوته و جاءته وفود العرب جاءه وفد كندة فيهم الأشعث و بنو وليعة فأسلموا، فأطعم رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) بني وليعة طعمة من صدقات حضرموت، و كان قد استعمل على حضرموت زياد بن لبيد البياضي الأنصاري فدفعها زياد إليهم فأبوا أخذها و قالوا: لا ظهر لنا(5) ، فابعث بها إلى بلادنا على ظهر
____________________
(1) الديوان: " أعلى القوم ".
(2) ا: " ثأره ".
(3) أطلع القوم: هجم عليهم.
(4) ا: " القاسم بن جبر "، وصوابه من ب، والاشتقاق 365
(5) الظهر: الركاب التي تحمل الاسفار في السفر سميت بذلك لحملها إياها على طهورها.
من عندك فأبى زياد و حدث بينهم و بين زياد شر كاد يكون حربا فرجع منهم قوم إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، و كتب زياد إليه (عليهالسلام ) يشكوهم و في هذه الوقعة كان الخبر المشهور عن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) قال لبني وليعة لتنتهن يا بني وليعة أو لأبعثن عليكم رجلا عديل نفسي يقتل مقاتلتكم و يسبي ذراريكم قال عمر بن الخطاب فما تمنيت الإمارة إلا يومئذ و جعلت أنصب له صدري رجاء أن يقول هو هذا فأخذ بيد علي (عليهالسلام ) و قال هو هذا. ثم كتب لهم رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) إلى زياد فوصلوا إليه بالكتاب و قد توفي رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و طار الخبر بموته إلى قبائل العرب فارتدت بنو وليعة و غنت بغاياهم و خضبن له أيديهن. و قال محمد بن حبيب: كان إسلام بني وليعة ضعيفا و كان رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) يعلم ذلك منهم و لما حج رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) حجة الوداع و انتهى إلى فم الشعب دخل أسامة بن زيد ليبول فانتظره رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و كان أسامة أسود أفطس فقال بنو وليعة: هذا الحبشي حبسنا فكانت الردة في أنفسهم. قال أبو جعفر محمد بن جرير: فأمر(1) أبو بكر زيادا على حضرموت، و أمره بأخذ البيعة على أهلها، و استيفاء صدقاتهم، فبايعوه إلا بني وليعة، فلما خرج ليقبض الصدقات من بني عمرو بن معاوية أخذ ناقة لغلام منهم يعرف بشيطان بن حجر، و كانت صفية(2) نفيسة اسمها شذرة فمنعه الغلام عنها، و قال خذ غيرها فأبى زياد ذلك، و لج فاستغاث شيطان بأخيه العداء بن حجر، فقال لزياد دعها و خذ غيرها فأبى زياد ذلك و لج الغلامان في أخذها، و لج زياد و قال لهما: لا تكونن شذرة عليكما كالبسوس
____________________
(1) تاريخ الطبري 3: 332، 333؛مع تصرف.
(2) الصفية: الناقة الغزيرة اللبن.
فهتف الغلامان: يا لعمرو، أنضام و نضطهد إن الذليل من أكل في داره و، هتفا بمسروق بن معديكرب فقال مسروق لزياد أطلقها فأبى فقال مسروق:
يطلقها شيخ بخديه الشيب(1) |
ملمع فيه كتلميع الثوب(2) |
ماض على الريب إذا كان الريب(3)
ثم قام فأطلقها فاجتمع إلى زياد بن لبيد أصحابه و اجتمع بنو وليعة و أظهروا أمرهم فبيتهم زياد و هم غارون، فقتل منهم جمعا كثيرا و نهب و سبى و لحق فلهم بالأشعث بن قيس فاستنصروه، فقال: لا أنصركم حتى تملكوني عليكم فملكوه، و توجوه كما يتوج الملك من قحطان، فخرج إلى زياد في جمع كثيف و كتب أبو بكر إلى المهاجر بن أبي أمية، و هو على صنعاء أن يسير بمن معه إلى زياد فاستخلف على صنعاء و سار إلى زياد فلقوا الأشعث فهزموه، و قتل مسروق و لجأ الأشعث، و الباقون إلى الحصن المعروف بالنجير(4) ، فحاصرهم المسلمون حصارا شديدا حتى ضعفوا، و نزل الأشعث ليلا إلى المهاجر و زياد فسألهما الأمان على نفسه حتى يقدما به على أبي بكر فيرى فيه رأيه على أن يفتح لهم الحصن و يسلم إليهم من فيه. و قيل: بل كان في الأمان عشرة من أهل الأشعث. فأمناه و أمضيا شرطه ففتح لهم الحصن فدخلوه، و استنزلوا كل من فيه و أخذوا أسلحتهم و قالوا للأشعث: اعزل العشرة فعزلهم، فتركوهم و قتلوا الباقين، و كانوا ثمانمائة، و قطعوا أيدي النساء اللواتي شمتن برسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و حملوا الأشعث
____________________
(1) الطبري: " يمنعها "
(2) الطبري: * ملمع كما يلمع الثوب *
(3) لم يرد هذا البيت في الطبري.
(4) كذا ضبطه صاحب مراصد الاطلاع بالتصغير، وقال: " حصن باليمن قرب حضر موت
إلى أبي بكر موثقا في الحديد هو، و العشرة فعفا عنه و عنهم و زوجه أخته أم فروة بنت أبي قحافة، و كانت عمياء فولدت للأشعث محمدا، و إسماعيل، و إسحاق. و خرج الأشعث يوم البناء عليها إلى سوق المدينة فما مر بذات أربع إلا عقرها، و قال للناس هذه وليمة البناء، و ثمن كل عقيرة في مالي، فدفع أثمانها إلى أربابها. قال أبو جعفر محمد بن جرير في التاريخ: و كان المسلمون يلعنون الأشعث و يلعنه الكافرون أيضا و سبايا قومه، و سماه نساء قومه عرف النار و هو اسم للغادر عندهم(1) . و هذا عندي هو الوجه، و هو أصح مما ذكره الرضيرحمهالله تعالى من قوله في تفسير قول أمير المؤمنين: و إن امرأ دل على قومه السيف أنه أراد به حديثا كان للأشعث مع خالد بن الوليد باليمامة غر فيه قومه و مكر بهم حتى قتلهم، فإنا لم نعرف في التواريخ أن الأشعث جرى له باليمامة مع خالد هذا و لا شبهه، و أين كندة، و اليمامة كندة باليمن، و اليمامة لبني حنيفة، و لا أعلم من أين نقل الرضيرحمهالله تعالى هذا. فأما الكلام الذي كان أمير المؤمنين (عليهالسلام ) قاله على منبر الكوفة فاعترضه فيه الأشعث فإن عليا (عليهالسلام ) قام إليه، و هو يخطب و يذكر أمر الحكمين رجل من أصحابه بعد أن انقضى أمر الخوارج فقال له: نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها فما ندري أيالأمرين أرشد، فصفق (عليهالسلام ) بإحدى يديه على الأخرى و قال: هذا جزاء من ترك العقدة، و كان مراده (عليهالسلام ) هذا جزاؤكم إذ تركتم الرأي و الحزم، و أصررتم على إجابة القوم إلى التحكيم فظن الأشعث أنه أراد هذا جزائي حيث تركت الرأي و الحزم و حكمت؛ لأن هذه اللفظة محتملة ألا ترى أن الرئيس
____________________
(1) الطبري 3: 338؛ وعبارته: «كلام يمان به الغادر»
إذا شغب عليه جنده و طلبوا منه اعتماد أمر ليس بصواب فوافقهم تسكينا لشغبهم لا استصلاحا لرأيهم، ثم ندموا بعد ذلك قد يقول: هذا جزاء من ترك الرأي و خالف وجه الحزم، و يعني بذلك أصحابه و قد يقوله يعني به نفسه حيث وافقهم أمير المؤمنين (عليهالسلام ) إنما عنى ما ذكرناه دون ما خطر للأشعث، فلما قال له هذه عليك لا لك. قال له: و ما يدريك ما علي مما لي عليك لعنة الله و لعنة اللاعنين. و كان الأشعث من المنافقين في خلافة علي (عليهالسلام )، و هو في أصحاب أمير المؤمنين (عليهالسلام ) كما كان عبد الله بن أبي بن سلول في أصحاب رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) كل واحد منهما رأس النفاق في زمانه. و أما قوله (عليهالسلام ) : للأشعث حائك ابن حائك فإن أهل اليمن يعيرون بالحياكة و ليس هذا مما يخص الأشعث. و من كلام خالد بن صفوان ما أقول في قوم ليس فيهم إلا حائك برد أو دابغ جلد أو سائس قرد ملكتهم امرأة و أغرقتهم فأرة و دل عليهم هدهد
20. و من خطبة له (عليهالسلام )
) فَإِنَّكُمْ لَوْ قَدْ عَايَنْتُمْ مَا قَدْ عَايَنَ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ لَجَزِعْتُمْ وَ وَهِلْتُمْ وَ سَمِعْتُمْ وَ أَطَعْتُمْ وَ لَكِنْ مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ مَا قَدْ عَايَنُوا وَ قَرِيبٌ مَا يُطْرَحُ اَلْحِجَابُ وَ لَقَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ وَ أُسْمِعْتُمْ إِنْ سَمِعْتُمْ وَ هُدِيتُمْ إِنِ اِهْتَدَيْتُمْ وَ بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ(1) : لَقَدْ جَاهَرَتْكُمْ اَلْعِبَرُ وَ زُجِرْتُمْ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ وَ مَا يُبَلِّغُ عَنِ اَللَّهِ بَعْدَ رُسُلِ اَلسَّمَاءِ إِلاَّ اَلْبَشَرُ) الوهل الخوف وهل الرجل يوهل. و ما في قوله ما يطرح مصدرية تقديره و قريب طرح الحجاب يعني رفعه بالموت. و هذا الكلام يدل على صحة القول بعذاب القبر و أصحابنا كلهم يذهبون إليه، و إن شنع عليهم أعداؤهم من الأشعرية و غيرهم بجحده. و ذكر قاضي القضاةرحمهالله تعالى أنه لم يعرف(2) معتزليا نفى عذاب القبر لا من
____________________
(1) كلمة " لكم " ساقطة من ا
(2) : " يعرف "
متقدميهم و لا من متأخريهم قال: و إنما نفاه ضرار(1) بن عمرو لمخالطته لأصحابنا و أخذه عن شيوخنا ما نسب قوله إليهم. و يمكن أن يقول قائل هذا الكلام لا يدل على صحة القول بعذاب القبر لجواز أن يعني بمعاينة من قد مات ما يشاهده المحتضر من الحالة الدالة على السعادة أو الشقاوة، فقد جاء في الخبر لا يموت امرؤ حتى يعلم مصيره هل هو إلى الجنة أم إلى النار و يمكن أن يعني به ما يعاينه المحتضر من ملك الموت و هول قدومه، و يمكن أن يعني به ما كان (عليهالسلام ) يقوله عن نفسه إنه لا يموت ميت حتى يشاهده (عليهالسلام ) حاضرا عنده و الشيعة تذهب إلى هذا القول و تعتقده و تروي عنه (عليهالسلام ) شعرا قاله للحارث الأعور الهمداني:
يا حار همدان من يمت يرني |
من مؤمن أو منافق قبلا |
|
يعرفني طرفه و أعرفه |
بعينه و اسمه و ما فعلا |
|
أقول للنار و هي توقد للعرض |
ذريه لا تقربي الرجلا |
|
ذريه لا تقربيه إن له |
حبلا بحبل الوصي متصلا |
|
و أنت يا حار إن تمت ترني |
فلا تخف عثرة و لا زللا(2) |
|
أسقيك من بارد على ظمإ |
تخاله في الحلاوة العسلا |
و ليس هذا بمنكر إن صح أنه (عليهالسلام ) قاله عن نفسه ففي الكتاب العزيز ما يدل على أن أهل الكتاب لا يموت منهم ميت حتى يصدق بعيسى ابن مريم (عليهالسلام )، و ذلك قوله:( وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَ يَوْمَ
____________________
(1) ضرار بن عمرو، صاحب مذهب الضرارية من فرق الجبرية، وكان في بدء أمره تلميذا لواصل ابن عطاء المعتزلي، ثم خالفه في خلق الأعمال وإنكار عذاب القبر. الفرق بين الفرق 201
(2) هذا البيت والذي يليه لم يذكرا في ب
اَلْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ) (1) ، قال كثير من المفسرين معنى ذلك أن كل ميت من اليهود و غيرهم من أهل الكتب السالفة إذا احتضر رأى المسيح عيسى(2) عنده، فيصدق به من لم يكن في أوقات التكليف مصدقا به. و شبيه بقوله (عليهالسلام ) : لو عاينتم ما عاين من مات قبلكم قول أبي حازم لسليمان بن عبد الملك في كلام يعظه به أن آباءك ابتزوا هذا الأمر من غير مشورة، ثم ماتوا فلو علمت ما قالوا و ما قيل لهم فقيل إنه(3 بكى حتى سقط3)
____________________
(1) سورة النساء159.
(2) ساقط من ب
(3-3) ا:"إن سليمان بكي حتى سقط".
21. و من خطبة له (عليهالسلام )
(فَإِنَّ اَلْغَايَةَ أَمَامَكُمْ وَ إِنَّ وَرَاءَكُمُ اَلسَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ) قال الرضيرحمهالله أقول إن هذا الكلام لو وزن بعد كلام الله سبحانه، و بعد كلام رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) بكل كلام لمال به راجحا و برز عليه سابقا. فأما قوله (عليهالسلام ) : تخففوا تلحقوا فما سمع كلام أقل منه مسموعا و لا أكثر محصولا و ما أبعد غورها من كلمة، و أنقع نطفتها من حكمة، و قد نبهنا في كتاب الخصائص(1) و على عظم قدرها و شرف جوهرها غاية المكلفين هي الثواب أو العقاب فيحتمل أن يكون أراد ذلك، و يحتمل أن يكون أراد بالغاية الموت و إنما جعل ذلك أمامنا؛ لأن الإنسان كالسائر إلى الموت أو كالسائر إلى الجزاء فهما أمامه، أي: بين يديه.
____________________
(1) كتاب خصائص الأئمة للشريف الرضى. انظر الذريعة في مصنفات الشيعة 7: 164
ثم قال: و إن وراءكم الساعة تحدوكم، أي: تسوقكم، و إنما جعلها وراءنا؛ لأنها إذا وجدت ساقت الناس إلى موقف الجزاء كما يسوق الراعي الإبل، فلما كانت سائقة لنا كانت كالشيء يحفز الإنسان من خلفه و يحركه من ورائه إلى جهة ما بين يديه. و لا يجوز أن يقال إنما سماها وراءنا؛ لأنها تكون بعد موتنا و خروجنا من الدنيا، و ذلك أن الثواب و العقاب هذا شأنهما و قد جعلهما أمامنا. و أما القطب الراوندي فإنه قال معنى قوله: فإن الغاية أمامكم، يعني: أن الجنة و النار خلفكم، و معنى قوله: وراءكم الساعة، أي: قدامكم. و لقائل أن يقول أما الوراء بمعنى القدام فقد ورد و لكن ما ورد أمام بمعنى خلف و لا سمعنا ذلك. و أما قوله: تخففوا تلحقوا فأصله الرجل يسعى، و هو غير مثقل بما يحمله يكون أجدر أن يلحق الذين سبقوه، و مثله قوله نجا المخففون. و قوله (عليهالسلام ) : فإنما ينتظر بأولكم آخركم يريد إنما ينتظر ببعث الذين ماتوا في أول الدهر مجيء من(1) يخلقون و يموتون في آخره، كأمير يريد إعطاء جنده إذا تكامل عرضهم إنما يعطي الأول منهم إذا انتهى عرض الأخير. و هذا كلام فصيح جدا. و الغور العمق و النطفة ما صفا من الماء و ما أنقع هذا الماء، أي: ما أرواه للعطش
____________________
(1) ج:«مجىءالذين مخيلقون»
22. و من خطبة له (عليهالسلام )
) أَلاَ وَ إِنَّ اَلشَّيْطَانَ قَدْ ذَمَرَ ذَمَّرَ حِزْبَهُ وَ اِسْتَجْلَبَ جَلَبَهُ لِيَعُودَ اَلْجَوْرُ إِلَى أَوْطَانِهِ(1) وَ يَرْجِعَ اَلْبَاطِلُ إِلَى نِصَابِهِ وَ اَللَّهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً وَ لاَ جَعَلُوا بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ نَصَفاً وَ إِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقّاً هُمْ تَرَكُوهُ وَ دَماً هُمْ سَفَكُوهُ فَإِنْ فَلَئِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ لَنَصِيبَهُمْ مِنْهُ وَ إِنْ لَئِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي فَمَا اَلتَّبِعَةُ إِلاَّ عِنْدَهُمْ وَ إِنَّ أَعْظَمَ حُجَّتِهِمْ لَعَلَى أَنْفُسِهِمْ يَرْتَضِعُونَ أُمّاً قَدْ فَطَمَتْ وَ يُحْيُونَ بِدْعَةً قَدْ أُمِيتَتْ يَا خَيْبَةَ اَلدَّاعِي مَنْ دَعَا وَ إِلاَمَ أُجِيبَ وَ إِنِّي لَرَاضٍ بِحُجَّةِ اَللَّهِ عَلَيْهِمْ وَ عِلْمِهِ فِيهِمْ فَإِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ اَلسَّيْفِ وَ كَفَى بِهِ شَافِياً مِنَ اَلْبَاطِلِ وَ نَاصِراً لِلْحَقِّ وَ مِنَ اَلْعَجَبِ بَعْثُهُمْ بَعْثَتُهُمْ إِلَيَّ أَنْ أَبْرُزَ لِلطِّعَانِ وَ أَنْ أَصْبِرَ لِلْجِلاَدِ هَبِلَتْهُمُ اَلْهَبُولُ لَقَدْ كُنْتُ وَ مَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ وَ لاَ أُرَهَّبُ بِالضَّرْبِ وَ إِنِّي لَعَلَى يَقِينٍ مِنْ رَبِّي وَ غَيْرِ شُبْهَةٍ مِنْ دِينِي)
____________________
(1) ا: " قطابه ".
يروى ذمر بالتخفيف و ذمر بالتشديد و أصله الحض و الحث و التشديد دليل على التكثير. و استجلب جلبه الجلب بفتح اللام ما يجلب كما يقال جمع جمعه و يروى جلبه و جلبه، و هما بمعنى، و هو السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه، أي: جمع قوما كالجهام الذي لا نفع فيه و روي ليعود الجور إلى قطابه و القطاب مزاج الخمر بالماء، أي: ليعود الجور ممتزجا بالعدل كما كان، و يجوز أن يعني بالقطاب قطاب الجيب، و هو مدخل الرأس فيه، أي: ليعود الجور إلى لباسه و ثوبه. و قال الراوندي قطابه أصله و ليس ذلك بمعروف في اللغة. و روي الباطل بالنصب على أن يكون يرجع متعديا تقول رجعت زيدا إلى كذا و المعنى و يرد الجور الباطل إلى أوطانه. و قال الراوندي: يعود أيضا مثل يرجع، يكون لازما و متعديا، و أجاز نصب الجور به و هذا غير صحيح؛ لأن عاد لم يأت متعديا و إنما يعدى بالهمزة. و النصف الذي ينصف. و قال الراوندي: النصف النصفة(1) ، و المعنى لا يحتمله؛ لأنه لا معنى لقوله: و لا جعلوا بيني و بينهم إنصافا بل المعنى لم يجعلوا ذا انصاف بيني و بينهم. يرتضعون أما قد فطمت يقول يطلبون الشيء بعد فواته؛ لأن الأم إذا فطمت ولدها فقد انقضى إرضاعها. و قوله: يا خيبة الداعي هاهنا كالنداء في قوله تعالى:( يا حَسْرَةً عَلَى اَلْعِبادِ ) (2) و قوله:( يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها ) (3) ، أي: يا خيبة احضري فهذا أوانك.
____________________
(1) كذا في ا، وفى ب: " النصف "، والنصفة: العدل
(2) سورة يس 30
(3) سورة الأنعام 31
و كلامه في هذه الخطبة مع أصحاب الجمل و الداعي هو أحد الثلاثة الرجلان و المرأة. ثم قال على سبيل الاستصغار لهم، و الاستحقار من دعا و إلى ما ذا أجيب، أي: أحقر بقوم دعاهم هذا الداعي، و أقبح بالأمر الذي أجابوه إليه فما أفحشه و أرذله. و قال الراوندي: يا خيبة الداعي، تقديره يا هؤلاء، فحذف المنادى، ثم قال: خيبة الداعي، أي: خاب الداعي خيبة و هذا ارتكاب ضرورة لا حاجة إليها، و إنما يحذف المنادى في المواضع التي دل الدليل فيها على الحذف كقوله: يا فانظر أيمن الوادي على إضم، و أيضا فإن المصدر الذي لا عامل فيه غير جائز حذف عامله، و تقدير حذفه تقدير ما لا دليل عليه. و هبلته أمه بكسر الباء ثكلته. و قوله: لقد كنت و ما أهدد بالحرب، معناه ما زلت لا أهدد بالحرب، و الواو زائدة، و هذه كلمة فصيحة كثيرا ما تستعملها العرب، و قد ورد في القرآن العزيز كان بمعنى ما زال في قوله:( وَ كانَ اَللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ) (1) و نحو ذلك من الآي معنى ذلك لم يزل الله عليما حكيما، و الذي تأوله المرتضىرحمهالله تعالى في تكملة الغرر و الدرر(2) كلام متكلف و الوجه الصحيح ما ذكرناه. و هذه الخطبة ليست من خطب صفين كما ذكره الراوندي، بل من خطب الجمل و قد ذكر كثيرا منها أبو مخنفرحمهالله تعالى، قال: حدثنا مسافر بن عفيف بن أبي الأخنس.
____________________
(1) سورة النساء 170.
(2) تكملة الغرر والدرر 2: 300 - 302
قال لما رجعت رسل علي (عليهالسلام ) من عند طلحة و الزبير و عائشة يؤذنونه بالحرب قام، فحمد الله و أثنى عليه و صلى على رسوله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، ثم قال أيها الناس إني قد راقبت هؤلاء القوم كي يرعووا أو يرجعوا و وبختهم بنكثهم، و عرفتهم بغيهم فلم يستحيوا و قد بعثوا إلي أن أبرز للطعان و أصبر للجلاد، و إنما تمنيك نفسك أماني الباطل و تعدك الغرور ألا هبلتهم الهبول لقد كنت و ما أهدد بالحرب، و لا أرهب بالضرب، و لقد أنصف القارة من راماها(1) فليرعدوا و ليبرقوا، فقد رأوني قديما و عرفوا نكايتي فكيف رأوني أنا أبو الحسن الذي فللت حد المشركين، و فرقت جماعتهم و بذلك القلب ألقى عدوي اليوم، و إني لعلى ما وعدني ربي من النصر و التأييد و على يقين من أمري و في غير شبهة من ديني، أيها الناس إن الموت لا يفوته المقيم و لا يعجزه الهارب ليس عن الموت محيد و لا محيص من لم يقتل مات إن أفضل الموت القتل و الذي نفس علي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موتة واحدة على الفراش، اللهم إن طلحة نكث بيعتي و ألب على عثمان حتى قتله، ثم عضهني(2) به و رماني، اللهم فلا تمهله اللهم إن الزبير قطع رحمي و نكث بيعتي و ظاهر على عدوي فاكفنيه اليوم بما شئت، ثم نزل
____________________
(1) قد أنصف القاره من راماها مثل ،والقاره قوم رماة من العرب .و فى اللسان (436:6) عن التهذيب :"كانو رماة الحدق فى الحاهلية ؛وهم اليوم فى المين ينسبون إلى أسد ،والنسبة إليهم قارى،وزعموا أن رجلين التقيا ؛أحىهما قارى والآخر أسدى ،فقال القارى :إن شئت صارعتك وإن شئت راميتك ،فقال :اخترت المرماة ،فقال القارى :لقد أنصفتنى ،رأنشد:
قدأنصف القارة من راماها |
إنا اذا مافئةٌ نلقاها |
نرد أًولاها على أً خراها
ثم انتزع له سهما فشك فؤاده
(2) عضهه ،أى قال فيه مالم يكن.
و اعلم أن كلام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) و كلام أصحابه و عماله في واقعة الجمل كله يدور على هذه المعاني التي اشتملت عليها ألفاظ هذا الفصل، فمن ذلك الخطبة التي رواها أبو الحسن علي بن محمد المدائني عن عبد الله بن جنادة، قال: قدمت من الحجاز أريد العراق في أول إمارة علي (عليهالسلام ) فمررت بمكة فاعتمرت، ثم قدمت المدينة فدخلت مسجد رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) إذ نودي الصلاة جامعة فاجتمع الناس و خرج علي (عليهالسلام ) متقلدا سيفه فشخصت الأبصار نحوه فحمد الله و صلى على رسوله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، ثم قال: (أما بعد فإنه لما قبض الله نبيه (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، قلنا: نحن أهله و ورثته، و عترته، و أولياؤه دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد و لا يطمع في حقنا طامع إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا، فصارت الإمرة(1) لغيرنا و صرنا سوقة يطمع فينا الضعيف و يتعزز علينا الذليل فبكت الأعين منا لذلك، و خشنت(2) الصدور و جزعت النفوس و ايم الله لو لا مخافة الفرقة بين المسلمين و أن يعود الكفر و يبور الدين لكنا على غير ما كنا لهم عليه، فولي الأمر ولاة لم يألوا الناس خيرا، ثم استخرجتموني أيها الناس من بيتي فبايعتموني على شين مني لأمركم و فراسة تصدقني ما في قلوب كثير منكم، و بايعني هذان الرجلان في أول من بايع تعلمون ذلك، و قد نكثا و غدرا و نهضا إلى البصرة بعائشة ليفرقا جماعتكم و يلقيا بأسكم بينكم، اللهم فخذهما بما عملا أخذة رابية(3)
____________________
(1) ا: " الامارة ".
(2) ك ذ ا في ج، وحشنت أى أوغرات، ومنه قول عنترة:*وَخشنتَ صَ د رًا جيبُه لك ناصحُ*
(3) ب: " أخذة واحدة رابية "، وما أثبته عن ا. وأخذة رابية، أي أخذة تزيد على الأخذات، وقال الجوهري: أي زائدة، كقولك: أربيت، إذا أخذت أكثر مما أعطيت، قال تعالى:( فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية ) .
و لا تنعش(1) لهما صرعة و لا تقل لهما عثرة و لا تمهلهما فواقا(2) ، فإنهما يطلبان حقا تركاه و دما سفكاه، اللهم إني أقتضيك وعدك فإنك قلت و قولك الحق( ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اَللَّهُ ) (3) ، اللهم فأنجز لي موعدك و لا تكلني إلى نفسي إنك على كل شيء قدير) ثم نزل.
و روى الكلبي قال لما أراد علي (عليهالسلام ) المسير إلى البصرة قام فخطب الناس، فقال: (بعد أن حمد الله و صلى على رسوله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) إن الله لما قبض نبيه استأثرت علينا قريش بالأمر و دفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة، فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين و سفك دمائهم و الناس حديثو عهد بالإسلام و الدين يمخض مخض الوطب يفسده أدنى وهن و يعكسه أقل خلف فولي الأمر قوم لم يألوا في أمرهم اجتهادا، ثم انتقلوا إلى دار الجزاء و الله ولي تمحيص سيئاتهم و العفو عن هفواتهم، فما بال طلحة و الزبير و ليسا من هذا الأمر بسبيل لم يصبرا علي حولا و لا شهرا، حتى وثبا و مرقا و نازعاني أمرا لم يجعل الله لهما إليه سبيلا بعد أن بايعا طائعين غير مكرهين يرتضعان أما قد فطمت و يحييان بدعة قد أميتت أدم عثمان زعما و الله ما التبعة إلا عندهم، و فيهم، و إن أعظم حجتهم لعلى
____________________
(1) النعش: الرافع؛ نعشت فلانا، إذا جبرته بعد فقر، ورفعته بعد عثرة.
(2) الفواق، بفتح الفاء وضمها: ما بين الحلبتين من الوقت، لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب، يقال: ما أقام عندنا إلا فواقا، أي قدر فواق.
(3) إشارة إلى قوله تعالى في سورة الحج 60:( ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور ) .
أنفسهم و أنا راض بحجة الله عليهم و عمله فيهم، فإن فاءا و أنابا فحظهما أحرزا و أنفسهما غنما، و أعظم بها غنيمة و إن أبيا أعطيتهما حد السيف و كفى به ناصرا لحق و شافيا لباطل)، ثم نزل.
و روى أبو مخنف عن زيد بن صوحان قال شهدت عليا (عليهالسلام ) بذي قار(1) ، و هو معتم بعمامة سوداء ملتف بساج يخطب. فقال في خطبة: (الحمد لله على كل أمر و حال في الغدو و الآصال، و أشهد أن لا إله إلا الله، و أن محمدا عبده و رسوله، ابتعثه رحمة للعباد و حياة للبلاد حين امتلأت الأرض فتنة، و اضطرب حبلها، و عبد الشيطان في أكنافها و اشتمل عدو الله إبليس على عقائد أهلها، فكان محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الذي أطفأ الله به نيرانها و أخمد به شرارها، و نزع به أوتادها، و أقام به ميلها إمام الهدى و النبي المصطفى (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) فلقد صدع بما أمر به، و بلغ رسالات ربه فأصلح الله به ذات البين، و آمن به السبل، و حقن به الدماء، و ألف به بين ذوي الضغائن الواغرة في الصدور حتى أتاه اليقين، ثم قبضه الله إليه حميدا، ثم استخلف الناس أبا بكر فلم يأل جهده، ثم استخلف أبو بكر عمر فلم يأل جهده، ثم استخلف الناس عثمان فنال منكم و نلتم منه حتى إذا كان من أمره ما كان أتيتموني لتبايعوني لا حاجة لي في ذلك و دخلت منزلي فاستخرجتموني فقبضت يدي فبسطتموها و تداككتم(2) علي حتى ظننت أنكم قاتلي و أن بعضكم قاتل بعض فبايعتموني و أنا غير مسرور بذلك و لا جذل
____________________
(1) ذو قار: موضع قريب من البصرة، وهو المكان الذي كانت فيه الحرب بين العرب والفرس.
(2) ت د اكسكتم:تزاحمتم
و قد علم الله سبحانه أني كنت كارها للحكومة بين أمة محمد (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و لقد سمعته يقول: ما من وال يلي شيئا من أمر أمتي إلا أتي به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه على رءوس الخلائق، ثم ينشر كتابه فإن كان عادلا نجا و إن كان جائرا هوى حتى اجتمع علي ملؤكم و بايعني طلحة و الزبير، و أنا أعرف الغدر في أوجههما و النكث في أعينهما، ثم استأذناني في العمرة فأعلمتهما أن ليس العمرة يريدان فسارا إلى مكة، و استخفا عائشة، و خدعاها و شخص معهما أبناء الطلقاء(1) فقدموا البصرة فقتلوا بها المسلمين، و فعلوا المنكر، و يا عجبا لاستقامتهما لأبي بكر و عمر و بغيهما علي، و هما يعلمان أني لست دون أحدهما و لو شئت أن أقول لقلت و لقد كان معاوية كتب إليهما من الشام كتابا يخدعهما فيه فكتماه عني و خرجا يوهمان الطغام أنهما يطلبان بدم عثمان، و الله ما أنكرا علي منكرا، و لا جعلا بيني و بينهم نصفا و إن دم عثمان لمعصوب بهما و مطلوب منهما، يا خيبة الداعي، إلام دعا و بما ذا أجيب و الله إنهما لعلى ضلالة صماء و جهالة عمياء و إن الشيطان قد ذمر لهما حزبه و استجلب منهما خيله و رجله ليعيد الجور إلى أوطانه، و يرد الباطل إلى نصابه)، ثم رفع يديه فقال: (اللهم إن طلحة و الزبير قطعاني و ظلماني، و ألبا علي و نكثا بيعتي فاحلل ما عقدا و انكث ما أبرما، و لا تغفر لهما أبدا و أرهما المساءة فيما عملا و أملا). قال أبو مخنف فقام إليه الأشتر فقال: الحمد لله الذي من علينا فأفضل و أحسن إلينا فأجمل قد سمعنا كلامك يا أمير المؤمنين، و لقد أصبت و وفقت و أنت ابن عم نبينا و صهره و وصيه، و أول مصدق به و مصل معه شهدتَ
____________________
(1) الطلقاء: هم الذين خلى عليهم الرسول عليه السلام يوم فتح مكة، وأطلقهم فلم يسترقهم، واحدهم طليق، فعيل بمعنى مفعول، وهو الأسير إذا أطلق سبيله.
مشاهده كلها، فكان لك الفضل فيها على جميع الأمة، فمن اتبعك أصاب حظه و استبشر بفلجه، و من عصاك و رغب عنك فإلى أمه الهاوية، لعمري يا أمير المؤمنين، ما أمر طلحة و الزبير و عائشة علينا بمخيل، و لقد دخل الرجلان فيما دخلا فيه، و فارقا على غير حدث أحدثت و لا جور صنعت، فإن زعما أنهما يطلبان بدم عثمان فليقيدا من أنفسهما فإنهما أول من ألب عليه و أغرى الناس بدمه، و أشهد الله لئن لم يدخلا فيما خرجا منه لنلحقنهما بعثمان، فإن سيوفنا في عواتقنا و قلوبنا في صدورنا و نحن اليوم كما كنا أمس ثم قعد:
23. و من خطبة له (عليهالسلام )
) أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَلْأَمْرَ يَنْزِلُ مِنَ اَلسَّمَاءِ إِلَى اَلْأَرْضِ كَقَطْرِ كَقَطَرَاتِ اَلْمَطَرِ إِلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا قُسِمَ لَهَا مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فَإِنْ(1) رَأَى أَحَدُكُمْ لِأَخِيهِ غَفِيرَةً فِي أَهْلٍ أَوْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ فَلاَ تَكُونَنَّ لَهُ فِتْنَةً فَإِنَّ اَلْمَرْءَ اَلْمُسْلِمَ مَا لَمْ يَغْشَ دَنَاءَةً تَظْهَرُ [ تَطْهُرُ ] فَيَخْشَعُ لَهَا إِذَا ذُكِرَتْ وَ يُغْرَى بِهَا لِئَامُ اَلنَّاسِ كَانَ كَالْفَالِجِ اَلْيَاسِرِ اَلَّذِي يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَةٍ مِنْ قِدَاحِهِ تُوجِبُ لَهُ اَلْمَغْنَمَ وَ يُرْفَعُ بِهَا عَنْهُ بِهَا اَلْمَغْرَمُ وَ كَذَلِكَ اَلْمَرْءُ اَلْمُسْلِمُ اَلْبَرِيءُ مِنَ اَلْخِيَانَةِ يَنْتَظِرُ مِنَ اَللَّهِ إِحْدَى اَلْحُسْنَيَيْنِ إِمَّا دَاعِيَ اَللَّهِ فَمَا عِنْدَ اَللَّهِ خَيْرٌ لَهُ وَ إِمَّا رِزْقَ اَللَّهِ فَإِذَا هُوَ ذُو أَهْلٍ وَ مَالٍ وَ مَعَهُ دِينُهُ وَ حَسَبُهُ وَ إِنَّ اَلْمَالَ وَ اَلْبَنِينَ حَرْثُ اَلدُّنْيَا وَ اَلْعَمَلَ اَلصَّالِحَ حَرْثُ اَلآْخِرَةِ وَ قَدْ يَجْمَعُهُمَا اَللَّهُ تَعَالَى لِأَقْوَامٍ فَاحْذَرُوا مِنَ اَللَّهِ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ [ شَخْصِهِ ] وَ اِخْشَوْهُ خَشْيَةً لَيْسَتْ بِتَعْذِيرٍ وَ اِعْمَلُوا فِي غَيْرِ رِيَاءٍ وَ لاَ سُمْعَةٍ فَإِنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ لِغَيْرِ اَللَّهِ يَكِلْهُ اَللَّهُ إِلَى مَنْ لِمَنْ عَمِلَ لَهُ نَسْأَلُ اَللَّهَ مَنَازِلَ اَلشُّهَدَاءِ وَ مُعَايَشَةَ اَلسُّعَدَاءِ وَ مُرَافَقَةَ اَلْأَنْبِيَاءِ أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّهُ لاَ يَسْتَغْنِي اَلرَّجُلُ وَ إِنْ كَانَ ذَا مَالٍ عَنْ عَشِيرَتِهِ عِتْرَتِهِ [ عَشِيرَتِهِ ] وَ دِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَلْسِنَتِهِمْ وَ هُمْ أَعْظَمُ اَلنَّاسِ حَيْطَةً مِنْ وَرَائِهِ وَ أَلَمُّهُمْ لِشَعَثِهِ وَ أَعْطَفُهُمْ
____________________
(1) ب: " فإذا ".
عَلَيْهِ عِنْدَ نَازِلَةٍ إِذَا إِنْ(1) نَزَلَتْ بِهِ وَ لِسَانُ اَلصِّدْقِ يَجْعَلُهُ اَللَّهُ لِلْمَرْءِ فِي اَلنَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ اَلْمَالِ يُوَرِّثُهُ غَيْرَهُ يَرِثُهُ غَيْرُهُ
وَ مِنْهَا:
أَلاَ لاَ يَعْدِلَنَّ أَحَدُكُمْ عَنِ اَلْقَرَابَةِ يَرَى بِهَا اَلْخَصَاصَةَ أَنْ يَسُدَّهَا بِالَّذِي لاَ يَزِيدُهُ إِنْ أَمْسَكَهُ وَ لاَ يَنْقُصُهُ إِنْ أَهْلَكَهُ وَ مَنْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ فَإِنَّمَا تُقْبَضُ مِنْهُ عَنْهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ وَ تُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أَيْدٍ كَثِيرَةٌ وَ مَنْ تَلِنْ حَاشِيَتُهُ يَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ اَلْمَوَدَّةَ [ اَلْمَحَبَّةَ ])
قال الرضيرحمهالله (2) :
أقول الغفيرة هاهنا الزيادة و الكثرة من قولهم للجمع الكثير الجم الغفير، و الجماء الغفير، و يروى عفوة من(3) أهل أو مال و العفوة الخيار من الشيء، يقال أكلت عفوة الطعام، أي: خياره. و ما أحسن المعنى الذي أراده (عليهالسلام ) بقوله و من يقبض يده عن عشيرته... إلى تمام الكلام فإن الممسك خيره عن عشيرته إنما يمسك نفع يد واحدة فإذا احتاج إلى نصرتهم، و اضطر إلى مرافدتهم قعدوا عن نصره و تثاقلوا عن صوته فمنع ترافد الأيدي الكثيرة و تناهض الأقدام الجمة
____________________
(1) ب: " إذا ".
(2) ساقطة من ا
(3) ا " في ".
الفالج الظافر الفائز، فلج يفلج بالضم، و في المثل من يأت الحكم وحده يفلج، و الياسر الذي يلعب بالقداح، و اليسر مثله و الجمع أيسار، و في الكلام تقديم و تأخير تقديره كالياسر الفالج، أي: كاللاعب بالقداح المحظوظ منها، و هو من باب تقديم الصفة على الموصوف كقوله تعالى:( وَ غَرابِيبُ سُودٌ ) (1) و حسن ذلك هاهنا أن اللفظتين صفتان، و إن كانت إحداهما مرتبة على الأخرى. و قوله: ليست بتعذير، أي: ليست بذات تعذير أي: تقصير فحذف المضاف، كقوله تعالى:( قُتِلَ أَصْحابُ اَلْأُخْدُودِ اَلنَّارِ ) (2) أي: ذي النار. و قوله: هم أعظم الناس حيطة كبيعة، أي: رعاية و كلاءة و يروى حيطة كغيبة، و هي مصدر حاط، أي: تحننا و تعطفا. و الخصاصة الفقر يقول القضاء و القدر ينزلان من السماء إلى الأرض كقطر المطر، أي: مبثوث في جميع أقطار الأرض إلى كل نفس بما قسم لها من زيادة أو نقصان في المال، و العمر، و الجاه، و الولد، و غير ذلك، فإذا رأى أحدكم لأخيه زيادة في رزق أو عمر أو ولد و غير ذلك، فلا يكونن ذلك له فتنة تفضي به إلى الحسد، فإن الإنسان المسلم إذا كان غير مواقع لدناءة و قبيح يستحيي من ذكره بين الناس و يخشع إذا قرع به و يغرى لئام الناس بهتك ستره به كاللاعب بالقداح المحظوظ منها ينتظر أول فوزة و غلبة من قداحه تجلب له نفعا، و تدفع عنه ضرا كذلك من وصفنا حاله يصبر و ينتظر إحدى الحسنيين إما أن يدعوه الله فيقبضه إليه و يستأثر به، فالذي عند الله خير له و إما أن ينسأ في أجله فيرزقه الله أهلا و مالا فيصبح، و قد اجتمع له ذلك مع حسبه و دينه و مروءته المحفوظة عليه. ثم قال: المال و البنون حرث الدنيا، و هو من قوله سبحانه:( اَلْمالُ وَ اَلْبَنُونَ
____________________
(1) سورة فاطر 27
(2) سورة البروج4، 5
زِينَةُ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا ) (1) و من قوله تعالى:( مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ اَلْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ اَلدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِي اَلْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ) (2) . قال: و قد يجمعهما الله لأقوام فإنه تعالى قد يرزق الرجل الصالح مالا و بنين فتجمع له الدنيا و الآخرة. ثم قال فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه و ذلك لأنه تعالى قال:( فَاتَّقُونِ ) (3) و قال:( فَارْهَبُونِ ) (4) و قال:( فَلا تَخْشَوُا اَلنَّاسَ وَ اِخْشَوْنِ ) (5) و غير ذلك من آيات التحذير. ثم قال و لتكن التقوى منكم أقصى نهايات جهدكم لا ذات تقصيركم فإن العمل القاصر قاصر الثواب قاصر المنزلة
و اعلم أن مصدر هذا الكلام النهي عن الحسد، و هو من أقبح الأخلاق المذمومة و روى ابن مسعود عن النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) ألا لا تعادوا نعم الله. قيل: يا رسول الله، و من الذي يعادي نعم الله؟ قال: (الذين يحسدون الناس). و كان ابن عمر يقول تعوذوا بالله من قدر وافق إرادة حسود.
____________________
(1) السورة الكهف 46.
(2) سورة الشورى20
(3) سورة البقرة 41:( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون )
(4 (سورة البقرة 40( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم )
(5) سورة المائدة 44
قيل: لأرسطو ما بال الحسود أشد غما من المكروب؟ قال: لأنه يأخذ نصيبه من غموم الدنيا و يضاف إلى ذلك غمه بسرور الناس. و قال رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) : (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود). و قال منصور الفقيه(1) :
منافسة الفتى فيما يزول |
على نقصان همته دليل |
|
و مختار القليل أقل منه |
و كل فوائد الدنيا قليل |
و من الكلام المروي عن أمير المؤمنين (عليهالسلام ) لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله و من كلام عثمان بن عفان يكفيك من انتقامك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك. و قال مالك بن دينار شهادة القراء مقبولة في كل شيء إلا شهادة بعضهم على بعض، فإنهم أشد تحاسدا من السوس في الوبر. و قال أبو تمام:
و إذا أراد الله نشر فضيلة |
طويت أتاح لها لسان حسود(2) |
|
لو لا اشتعال النار فيما جاورت |
ما كان يعرف طيب عرف العود |
|
لو لا محاذرة العواقب لم تزل |
للحاسد النعمى على المحسود(3) |
و تذاكر قوم من ظرفاء البصرة الحسد، فقال رجل منهم إن الناس ربما حسدوا على الصلب فأنكروا ذلك، ثم جاءهم بعد ذلك بأيام، فقال إن الخليفة قد أمر بصلب
____________________
(1) هو منصور بن إسماعيل بن عيسى التميمي أحد فقهاء الشافعة. طبقات السبكي 2. 317
(2) د يوانه 402:1
(3) ال د يون:«لولا التخوف للعواقب».
الأحنف(1 بن قيس1) ، و مالك بن مسمع، و حمدان الحجام، فقالوا هذا الخبيث يصلب مع هذين الرئيسين. فقال: ألم أقل لكم إن الناس يحسدون على الصلب. و روى أنس بن مالك مرفوعا أن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب و في الكتب القديمة يقول الله عز و جل الحاسد، عدو نعمتي متسخط لفعلي غير راض بقسمتي، و قال الأصمعي: رأيت أعرابيا قد بلغ مائة و عشرين سنة، فقلت له: ما أطول عمرك؟ فقال: تركت الحسد فبقيت. و قال بعضهم ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد. قال الشاعر:
تراه كأن الله يجدع أنفه |
و أذنيه إن مولاه ثاب إلى وفر |
و قال آخر:
قل للحسود إذا تنفس ضغنه |
يا ظالما و كأنه مظلوم |
و من كلام الحكماء إياك و الحسد فإنه يبين فيك و لا يبين في المحسود. و من كلامهم من دناءة الحاسد أنه يبدأ بالأقرب فالأقرب. و قيل لبعضهم لزمت البادية و تركت قومك و بلدك قال و هل بقي إلا حاسد نعمة أو شامت بمصيبة. بينا عبد الملك بن صالح يسير مع الرشيد في موكبه إذ هتف هاتف يا أمير المؤمنين، طأطئ من إشرافه و قصر من عنانه و اشدد من شكاله و كان عبد الملك متهما
____________________
(1) ساقط من ب
عند الرشيد بالطمع في الخلافة فقال الرشيد ما يقول هذا فقال عبد الملك مقال حاسد و دسيس حاقد يا أمير المؤمنين، قال: قد صدقت نقص القوم و فضلتهم و تخلفوا، و سبقتهم حتى برز شأوك و قصر عنك غيرك ففي صدورهم جمرات التخلف و حزازات التبلد. قال عبد الملك فأضرمها يا أمير المؤمنين، عليهم بالمزيد. و قال شاعر:
يا طالب العيش في أمن و في دعة |
محضا بلا كدر صفوا بلا رنق |
|
خلص فؤادك من غل و من حسد |
فالغل في القلب مثل الغل في العنق |
و من كلام عبد الله بن المعتز إذا زال المحسود عليه علمت أن الحاسد كان يحسد على غير شيء. و من كلامه الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له بخيل بما لا يملكه. و من كلامه لا راحة لحاسد و لا حياة لحريص. و من كلامه الميت يقل الحسد له و يكثر الكذب عليه و من كلامه ما ذل قوم حتى ضعفوا، و ما ضعفوا حتى تفرقوا، و ما تفرقوا حتى اختلفوا، و ما اختلفوا حتى تباغضوا، و ما تباغضوا حتى تحاسدوا، و ما تحاسدوا حتى استأثر بعضهم على بعض. و قال الشاعر:
إن يحسدوني فإني غير لائمهم |
قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا(1) |
|
فدام لي و لهم ما بي و ما بهم |
و مات أكثرنا غيظا بما يجد |
____________________
(1) من أبيات في أمالي المرتضى 1: 414، ونسبها إلى الكميت بن زيد، وهي في شرح المختار من شعر بشار 67 من غير نسبة، وعيون الأخبار11:2، وأمالي القالي198:2.
و من كلامهم ما خلا جسد عن حسد. و حد الحسد، هو أن تغتاظ مما رزقه غيرك و تود أنه زال عنه، و صار إليك، و الغبطة ألا تغتاظ و لا تود زواله عنه، و إنما تود أن ترزق مثله، و ليست الغبطة بمذمومة. و قال الشاعر:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه |
فالكل أعداء له و خصوم(1) |
|
كضرائر الحسناء قلن لوجهها |
حسدا و بغيا إنه لدميم |
و اعلم أنه (عليهالسلام ) بعد أن نهى عن الحسد أمر بالصبر و انتظار الفرج من الله إما بموت مريح أو بظفر بالمطلوب. و الصبر من المقامات الشريفة و قد وردت فيه آثار كثيرة. روى عبد الله بن مسعود عن النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) : (أن الصبر نصف الإيمان، و اليقين الإيمان كله) و قالت عائشة لو كان الصبر رجلا لكان كريما. و قال علي (عليهالسلام ) : (الصبر إما صبر على المصيبة أو على الطاعة أو عن المعصية و هذا القسم الثالث أعلى درجة من القسمين الأولين) و عنه (عليهالسلام ) : (الحياء زينة و التقوى كرم و خير المراكب مركب الصبر) و عنه (عليهالسلام ) : (القناعة سيف لا ينبو و الصبر مطية لا تكبو و أفضل العدة الصبر على الشدة)، قال الحسن (عليهالسلام ) : (جربنا و جرب المجربون، فلم نر شيئا أنفع وجدانا و لا أضر فقدانا من الصبر تداوى به الأمور و لا يداوى هو بغيره).
____________________
(1) لأبي الأسود الدؤلي، ملحق ديوانه 51
و قال سعيد بن حميد الكاتب(1) :
لا تعتبن على النوائب |
فالدهر يرغم كل عاتب |
|
و اصبر على حدثانه |
إن الأمور لها عواقب |
|
كم نعمة مطوية |
لك بين أثناء النوائب(2) |
|
و مسرة قد أقبلت |
من حيث تنتظر المصائب |
و من كلامهم الصبر مر لا يتجرعه إلا حر. قال أعرابي: كن حلو الصبر عند مرارة النازلة. و قال كسرى لبزرجمهر ما علامة الظفر بالأمور المطلوبة المستصعبة، قال ملازمة الطلب و المحافظة على الصبر و كتمان السر. و قال الأحنف بن قيس: لست حليما إنما أنا صبور فأفادني الصبر صفتي بالحلم. و سئل علي (عليهالسلام ) أي شيء أقرب إلى الكفر؟ قال: (ذو فاقة لا صبر له) و من كلامه (عليهالسلام ) الصبر يناضل الحدثان و الجزع من أعوان الزمان و قال أعشى همدان:
إن نلت لم أفرح بشيء نلته |
و إذا سبقت به فلا أتلهف(3) |
|
و متى تصبك من الحوادث نكبة |
فاصبر فكل غيابة تتكشف |
و الأمر يذكر بالأمر، و هذا البيت هو الذي قاله له الحجاج يوم قتله ذكر ذلك أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري في الأمالي، قال: لما أتي الحجاج بأعشى همدان أسيرا و قد كان خرج مع ابن الأشعث. قال له: يا ابن اللخناء، أنت القائل لعدو الرحمن يعني عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث.
____________________
(1) البيتان الثالث والرابع في شرح المختار من شعر بشار 314، من غير نسبة.
(2) شرح المختار: " كم فرجة "
(3) ديوان الأعشين 35، مع اختلاف في الرواية والترتيب.
يا ابن الأشج قريع كندة |
لا أبالي فيك عتبا(1) |
|
أنت الرئيس ابن الرئيس |
و أنت أعلى الناس كعبا(2) |
|
نبئت حجاج بن يوسف |
خر من زلق فتبا |
|
فانهض هديت لعله |
يجلو بك الرحمن كربا(3) |
|
و ابعث عطية في الحروب |
يكبهن عليه كبا |
ثم قال عبد الرحمن خر من زلق فتب، و خسر و انكب و ما لقي ما أحب و رفع بها صوته و اهتز منكباه و در ودجاه(4) و احمرت عيناه، و لم يبق في المجلس إلا من هابه فقال أيها الأمير، و أنا القائل:
أبى الله إلا أن يتمم نوره |
و يطفئ نار الكافرين فتخمدا(5) |
|
و ينزل ذلا بالعراق و أهله |
كما نقضوا العهد الوثيق المؤكدا |
|
و ما لبث الحجاج أن سل سيفه |
علينا فولى جمعنا و تبددا |
فالتفت الحجاج إلى من حضر، فقال: ما تقولون؟ قالوا: لقد أحسن أيها الأمير و محا بآخر قوله أوله فليسعه حلمك. فقال: لاها الله إنه لم يرد ما ظننتم، و إنما أراد تحريض أصحابه، ثم قال له ويلك ألست القائل:
إن نلت لم أفرح بشيء نلته |
و إذا سبقت به فلا أتلهف |
|
و متى تصبك من الحوادث نكبة |
فاصبر فكل غيابة تتكشف |
أما و الله لتظلمن عليك غيابة لا تنكشف أبدا ألست القائل في عبد الرحمن:]
و إذا سألت المجد أين محله |
فالمجد بين محمد و سعيد |
____________________
(1) ديوان الأعشين 312
(2) ديوان الأعشين: " أعلى القوم ".
(3) ديوان الأعشين: " فديت ".
(4) يقال: در العرق، إذا امتلأ دما، والودجان: عرقان في العنق.
(5) ديوان الأعشين 320، مع اختلاف في الرواية وترتيب الأبيات.
بين الأشج و بين قيس نازل |
بخ بخ لوالده و للمولود(1) |
و الله لا يبخبخ(2) بعدها أبدا يا حرسي اضرب عنقه. و مما جاء في الصبر قيل للأحنف إنك شيخ ضعيف و إن الصيام يهدك فقال إني أعده لشر يوم طويل و إن الصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذاب الله. و من كلامه من لم يصبر على كلمة سمع كلمات رب غيظ قد تجرعته مخافة ما هو أشد منه. يونس بن عبيد لو أمرنا بالجزع لصبرنا. ابن السماك المصيبة واحدة فإن جزع صاحبها منها صارت اثنتين يعني فقد المصاب و فقد الثواب. الحارث بن أسد المحاسبي لكل شيء جوهر و جوهر ا؛ لأنسان العقل و جوهر العقل الصبر.
جابر بن عبد الله سئل رسول الله ص عن الإيمان فقال الصبر و السماحة. و قال العتابي
اصبر إذا بدهتك نائبة |
ما عال منقطع إلى الصبر |
|
الصبر أولى ما اعتصمت به |
و لنعم حشو جوانح الصدر |
و من كلام علي (عليهالسلام ) الصبر مفتاح الظفر و التوكل على الله رسول الفرج و من كلامه ع انتظار الفرج بالصبر عبادة. أكثم بن صيفي الصبر على جرع الحمام أعذب من جنا الندم.
____________________
(1) ديوان الأعشين 323
(2) نجبخ الرجل؛إ ذ ا قال:نج نج، و في اللسان:«والله لا نجبخت بع د ها».
و من كلام بعض الزهاد و اصبر على عمل لا غناء بك عن ثوابه و اصبر عن عمل لا صبر على عقابك به. و كتب ابن العميد أقرأ في الصبر سورا و لا أقرأ في الجزع آية و أحفظ في التماسك و التجلد قصائد و لا أحفظ في التهافت قافية. و قال الشاعر:
و يوم كيوم البعث ما فيه حاكم |
و لا عاصم إلا قنا و دروع |
|
حبست به نفسي على موقف الردى |
حفاظا و أطراف الرماح شروع |
|
و ما يستوي عند الملمات إن عرت |
صبور على مكروهها و جزوع |
أبو حية النميري:
إني رأيت و في الأيام تجربة |
للصبر عاقبة محمودة الأثر |
|
و قل من جد في أمر يحاوله |
و استصحب الصبر إلا فاز بالظفر |
و وصف الحسن البصري عليا (عليهالسلام ) فقال كان لا يجهل و إن جهل عليه حلم و لا يظلم و إن ظلم غفر و لا يبخل و إن بخلت الدنيا عليه صبر. عبد العزيز بن زرارة الكلابي:
قد عشت في الدهر أطوارا على طرق |
شتى فقاسيت منه الحلو و البشعا(1) |
|
كلا بلوت فلا النعماء تبطرني |
و لا تخشعت من لأوائها جزعا |
|
لا يملأ الأمر صدري قبل موقعه |
و لا يضيق به صدري إذا وقعا |
و من كلام بعضهم من تبصر تصبر الصبر يفسح الفرج، و يفتح المرتتج المحنة إذا تلقيت بالرضا و الصبر، كانت نعمة دائمة و النعمة إذا خلت من الشكر كانت محنة لازمة.
____________________
(1) ديوان المعاني 1: 88، وفى نسبة هذه الأبيات وروايتها خلاف، أنظره في حواشي اللآلئ 412.
قيل: لأبي مسلم صاحب الدولة بم أصبت ما أصبت؟ قال: ارتديت بالصبر، و اتزرت بالكتمان، و حالفت الحزم، و خالفت الهوى و لم أجعل العدو صديقا و لا الصديق عدوا. منصور النمري في الرشيد:
و ليس لأعباء الأمور إذا عرت |
بمكترث لكن لهن صبور |
|
يرى ساكن الأطراف باسط وجهه |
يريك الهوينى و الأمور تطير |
من كلام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) أوصيكم بخمس لو ضربتم إليهن آباط الإبل كانت لذلك أهلا لا يرجون أحدكم إلا ربه، و لا يخافن إلا ذنبه، و لا يستحين إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم و لا يستحيي إذا جهل أمرا أن يتعلمه و عليكم بالصبر، فإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فكما لا خير في جسد لا رأس له لا خير في إيمان لا صبر معه، و عنه (عليهالسلام ) لا يعدم الصبور الظفر و إن طال به الزمان. نهشل بن حري:
و يوم كأن المصطلين بحرة |
و إن لم يكن جمرا قيام على جمر |
|
صبرنا له حتى تجلى و إنما |
تفرج أيام الكريهة بالصبر |
علي (عليهالسلام ) اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر، و حسن اليقين و عنه (عليهالسلام ) و إن كنت جازعا على ما تفلت من يديك فاجزع على كل ما لم يصل إليك، و في كتابه (عليهالسلام ) الذي كتبه إلى عقيل أخيه، و لا تحسبن ابن أمك و لو أسلمه الناس متضرعا متخشعا و لا مقرا للضيم واهنا و لا سلس الزمام للقائد و لا وطيء الظهر للراكب و لكنه كما قال أخو بني سليم:
فإن تسأليني كيف أنت فإنني |
صبور على ريب الزمان صليب(1) |
|
يعز علي أن ترى بي كآبة |
فيشمت عاد أو يساء حبيب |
و اعلم أنه (عليهالسلام ) بعد أن أمرنا بالصبر نهى عن الرياء في العمل، و الرياء في العمل منهي عنه، بل العمل ذو الرياء ليس بعمل على الحقيقة؛؛ لأنه لم يقصد به وجه الله تعالى و أصحابنا المتكلمون يقولون ينبغي أن يعمل المكلف الواجب؛ لأنه واجب و يجتنب القبيح؛ لأنه قبيح و لا يفعل الطاعة و يترك المعصية رغبة في الثواب و خوفا من العقاب، فإن ذلك يخرج عمله من أن يكون طريقا إلى الثواب، و شبهوه بالاعتذار في الشيء، فإن من يعتذر إليك من ذنب خوفا أن تعاقبه على ذلك الذنب لا ندما على القبيح الذي سبق منه، لا يكون عذره مقبولا و لا ذنبه عندك مغفورا، و هذا مقام جليل لا يصل إليه إلا الأفراد من ألوف الألوف. و قد جاء في الآثار من النهي عن الرياء و السمعة كثير روي عن النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) أنه قال يؤتى في يوم القيامة بالرجل قد عمل أعمال الخير كالجبال أو قال كجبال تهامة، و له خطيئة واحدة، فيقال إنما عملتها ليقال عنك فقد قيل و ذاك ثوابك، و هذه خطيئتك أدخلوه بها إلى جهنم، و قال (عليهالسلام ) : ليست الصلاة قيامك و قعودك إنما الصلاة إخلاصك، و أن تريد بها الله وحده، و قال حبيب الفارسي لو أن الله تعالى أقامني يوم القيامة و قال هل تعد سجدة سجدت ليس للشيطان فيها نصيب لم أقدر على ذلك.
____________________
(1) مجموعة المعاني 72، وهما لصخر بن عمرو السلمي،والأول من أبيات أربعة في الأغاني 79:15
توصل عبد الله بن الزبير إلى امرأة عبد الله بن عمر، و هي أخت المختار بن أبي عبيد الثقفي في أن تكلم بعلها عبد الله بن عمر أن يبايعه فكلمته في ذلك، و ذكرت صلاته، و قيامه، و صيامه، فقال لها: أما رأيت البغلات الشهب التي كنا نراها تحت معاوية بالحجر إذا قدم مكة. قالت: بلى. قال: فإياها يطلب ابن الزبير بصومه و صلاته.و في الخبر المرفوع أن أخوف ما أخاف على أمتي الرياء في العمل ألا و إن الرياء في العمل هو الشرك الخفي، صلى و صام لأمر كان يطلبه حتى حواه فلا صلى و لا صاما.
ثم إنه (عليهالسلام ) بعد نهيه عن الرياء، و طلب السمعة أمر بالاعتضاد بالعشيرة و التكثر بالقبيلة فإن الإنسان لا يستغني عنهم و إن كان ذا مال، و قد قالت الشعراء في هذا المعنى كثيرا، فمن ذلك قول بعض شعراء الحماسة(1) :
إذا المرء لم يغضب له حين يغضب |
فوارس إن قيل اركبوا الموت يركبوا |
|
و لم يحبه بالنصر قوم أعزة |
مقاحيم في الأمر الذي يتهيب(2) |
|
تهضمه أدنى العداة فلم يزل |
و إن كان عضا بالظلامة يضرب(3) |
|
فآخ لحال السلم من شئت و اعلمن |
بأن سوى مولاك في الحرب أجنب |
|
و مولاك مولاك الذي إن دعوته |
أجابك طوعا و الدماء تصبب |
|
فلا تخذل المولى و إن كان ظالما |
فإن به تثأى الأمور و ترأب(4) |
____________________
(1) في الحماسة211:2: " قراد بن عباد "، وصححه التبريزى: " قراد بن العيار "، وقال: " أبوه العيار أحد شياطين العرب"،
(2) مقاحيم: جمع مقحام، وهو الذي يخوض قحمة الشئ، أي معظمه.
(3) تهضمه، أي كسره وأذله. والعض: المنكر الشديد اللسان.
(4) تثأى: بخرق وتفتق.
و من شعر الحماسة أيضا:
أفيقوا بني حزن و أهواؤنا معا |
و أرحامنا موصولة لم تقضب(1) |
|
لعمري لرهط المرء خير بقية |
عليه و إن عالوا به كل مركب |
|
إذا كنت في قوم و أمك منهم |
لتعزى إليهم في خبيث و طيب |
|
و إن حدثتك النفس أنك قادر |
على ما حوت أيدي الرجال فكذب |
و من شعر الحماسة أيضا:
لعمرك ما أنصفتني حين سمتني |
هواك مع المولى و أن لا هوى ليا(2) |
|
إذا ظلم المولى فزعت لظلمه |
فحرق أحشائي و هرت كلابيا |
و من شعر الحماسة أيضا:
و ما كنت أبغي العم يمشي على شفا |
و إن بلغتني من أذاه الجنادع(3) |
|
و لكن أواسيه و أنسى ذنوبه |
لترجعه يوما إلي الرواجع |
|
و حسبك من ذل و سوء صنيعة |
مناواة ذي القربى و أن قيل قاطع(4) |
و من شعر الحماسة أيضا:
ألا هل أتى ا؛ لأنصار أن ابن بحدل |
حميدا شفى كلبا فقرت عيونها(5) |
|
فإنا و كلبا كاليدين متى تقع |
شمالك في الهيجا تعنها يمينها |
____________________
(1) ديوان الحماسة (1: 318)بشرح المرزوقي، ونسبه التبريزي (1: 297)إلى جندل بن عمرو. معا، أي مجتمعة. والقضب: القطع، ولم يرد في الحماسة سوى البيت الأول.
(2) ديوان الحماسة (1: 350)بشرح التبريزي، ونسبه إلى حريث بن جابر.
(3) ديوان الحماسة (1: 380)بشرح التبريزي، ونسبه إلى محمد بن عبد الله الأزدي وروايته: " لا أدفع ابن العم يمشى... "، وشفا الشئ: حرفه. والجنادع: الدواهي.
(4) يجوز فتح همزة«إن»و كسرها و ان ظ ر التبريزي.
(5) ديوان (الحماسة 2: 522)بشرح المرزوقي وهي هناك أربعة أبيات، هنا الأول والرابع منها، ونسبها إلى بعض بنى جهينة
و من شعر الحماسة أيضا:
أخوك أخوك من ينأى و تدنو |
مودته و إن دعي استجابا(1) |
|
إذا حاربت حارب من تعادي |
و زاد غناؤه منك اقترابا(2) |
|
يواسي في كريهته و يدنو |
إذا ما مضلع الحدثان نابا(3) |
ثم إنه (عليهالسلام ) ذكر أن لسان الصدق يجعله الله للمرء في الناس خيرا له من المال يورثه غيره، و لسان الصدق هو أن يذكر الإنسان بالخير و يثنى عليه به قال سبحانه:( وَ اِجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي اَلْآخِرِينَ ) (4) . و قد ورد في هذا المعنى من النثر و النظم الكثير الواسع فمن ذلك قول عمر لابنة هرم: ما الذي أعطى أبوك زهيرا؟ قالت: أعطاه مالا يفنى و ثيابا تبلى. قال: لكن ما أعطاكم زهير لا يبليه الدهر و لا يفنيه الزمان. و من شعر الحماسة أيضا:
إذا أنت أعطيت الغنى ثم لم تجد |
بفضل الغنى ألفيت ما لك حامد(5) |
|
و قل غناء عنك مال جمعته |
إذا كان ميراثا و واراك لاحد |
و قال يزيد بن المهلب: المال و الحياة أحب شيء إلى الإنسان و الثناء الحسن أحب إلي منهما، و لو أني أعطيت ما لم يعطه أحد لأحببت أن يكون لي أذن أسمع بها ما يقال في غدا و قد مت كريما. و حكى أبو عثمان الجاحظ عن إبراهيم السندي قال: قلت في أيام ولايتي الكوفة
____________________
(1) ديوان الحماسة - بشرح المرزوقي 2: 542، ونسبها إلى ربيعة بن مقروم.
(2) الحماسة: " وزاد سلاحه ".
(3) لم يذكر هذا البيت في الحماسة
(4) سورة الشعراء 84.
(5) ديوان الحماسة 3: 1199 بشرح المرزوقي، من أبيات نسبها إلى محمد بن أبي شحاذ.
لرجل من وجوهها كان لا يجف لبده، و لا يستريح قلمه و لا تسكن حركته في طلب حوائج الناس و إدخال السرور على قلوبهم و الرفق على ضعفائهم، و كان عفيف الطعمة خبرني عما هون عليك النصب و قواك على التعب، فقال: قد و الله سمعت غناء الأطيار بالأسحار على أغصان الأشجار، و سمعت خفق الأوتار، و تجاوب العود، و المزمار، فما طربت من صوت قط طربي من ثناء حسن على رجل محسن، فقلت لله أبوك فلقد ملئت كرما. و قال حاتم:
أماوي إن يصبح صداي بقفرة |
من الأرض لا ماء لدي و لا خمر(1) |
|
ترى أن ما أنفقت لم يك ضرني(2) |
و أن يدي مما بخلت به صفر |
|
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى |
إذا حشرجت يوما و ضاق بها الصدر(3) |
بعض المحدثين:
من اشترى بماله |
حسن الثناء غبنا |
|
أفقره سماحه |
و ذلك الفقر الغنى |
و من أمثال الفرس كل ما يؤكل ينتن و كل ما يوهب يأرج. و قال أبو الطيب:
ذكر الفتى عمره الثاني و حاجته |
ما قاته و فضول العيش أشغال(4) |
ثم إنه (عليهالسلام ) بعد أن قرظ الثناء و الذكر الجميل و فضله على المال أمر بمواساة
____________________
(1) ديوانه 118
(2) الديوان: " ما أهلكت ".
(3) الديوان: " إذا حشرجت نفس ".
(4) ديوانه 3: 288
الأهل و صلة الرحم و إن قل ما يواسى به، فقال: ألا لا يعدلن أحدكم عن القرابة إلى آخر الفصل، و قد قال الناس في هذا المعنى فأكثروا فمن ذلك قول زهير:
و من يك ذا فضل فيبخل بفضله |
على قومه يستغن عنه و يذمم(1) |
و قال عثمان إن عمر كان يمنع أقرباءه ابتغاء وجه الله و أنا أعطيتهم ابتغاء وجه الله و لن تروا مثل عمر. أبو هريرة مرفوعا الرحم مشتقة من الرحمن، و الرحمن اسم من أسماء الله العظمى، قال الله لها من وصلك وصلته، و من قطعك قطعته، و في الحديث المشهور صلة الرحم تزيد في العمر. و قال طرفة يهجو إنسانا بأنه يصل الأباعد و يقطع الأقارب:
و أنت على الأدنى شمال عرية |
شآمية تزوي الوجوه بليل(2) |
|
و أنت على الأقصى صبا غير قرة |
تذاءب منها مزرع و مسيل(3) |
و من شعر الحماسة:
لهم جل مالي إن تتابع لي غنى |
و إن قل مالي لا أكلفهم رفدا(4) |
|
و لا أحمل الحقد القديم عليهم |
و ليس رئيس القوم من يحمل الحقدا |
____________________
(1) ديوانه 30(من مجموعة خمسة دواوين)
(2) ديوانه 119. الأدنى: الأقرب والشمال: ريح غير محمودة. بلبل: ريح باردة.
(3) الأقصى البعيد. والصبا: ريح مهبها من مطلع الثريا، وهي محمودة عندهم. وقرة: باردة.
(4) للمقنع الكندي، الحماسة - بشرح المرزوقي 3: 1180
24. و من خطبة له (عليهالسلام )
) وَ لَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ اَلْحَقَّ وَ خَابَطَ اَلْغَيَّ مِنْ إِدْهَانٍ وَ لاَ إِيهَانٍ فَاتَّقُوا اَللَّهَ عِبَادَ اَللَّهِ وَ فِرُّوا إِلَى اَللَّهِ مِنَ اَللَّهِ وَ اِمْضُوا فِي اَلَّذِي نَهَجَهُ لَكُمْ وَ قُومُوا بِمَا عَصَبَهُ بِكُمْ فَعَلِيٌّ ضَامِنٌ لِفَلْجِكُمْ آجِلاً إِنْ لَمْ تُمْنَحُوهُ عَاجِلاً الإدهان المصانعة و المنافقة قال سبحانه( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) (1) . و الإيهان مصدر أوهنته، أي: أضعفته و يجوز وهنته بحذف الهمزة و نهجه أوضحه و جعله نهجا، أي: طريقا بينا و عصبه بكم ناطه بكم و جعله كالعصابة التي تشد بها الرأس، و الفلج الفوز و الظفر. و قوله: و خابط الغي كأنه جعله و الغي متخابطين يخبط أحدهما في الآخر، و ذلك أشد مبالغة من أن تقول خبط في الغي؛ لأن من يخبط و يخبطه غيره يكون أشد اضطرابا ممن يخبط، و لا يخبطه غيره، و قوله: و فروا إلى الله من الله، أي: اهربوا إلى رحمة الله من عذابه، و قد نظر الفرزدق إلى هذا فقال:
إليك فررت منك و من زياد |
و لم أحسب دمي لكم حلالا(2) |
____________________
(1) سورة القلم 9.
(2) ديوانه 608، في مدح سعيد بن العاصي، ورايته: " ولم أجعل دمى ".
25. و من خطبة له (عليهالسلام ) و قد تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد
و قدم عليه عاملاه على اليمن، و هما عبيد الله بن عباس و سعيد بن نمران لما غلب عليهما بسر بن أرطاة فقام (عليهالسلام ) على المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد و مخالفتهم له في الرأي، فقال: (مَا هِيَ إِلاَّ اَلْكُوفَةُ أَقْبِضُهَا وَ أَبْسُطُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ تَكُونِي إِلاَّ أَنْتِ تَهُبُّ أَعَاصِيرُكِ فَقَبَّحَكِ اَللَّهُ وَ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ اَلشَّاعِرِ:
لَعَمْرُ أَبِيكَ اَلْخَيْرِ يَا عَمْرُو إِنَّنِي |
عَلَى وَضَرٍ مِنْ ذَا اَلْإِنَاءِ قَلِيلِ(1) |
ثُمَّ قَالَ (عليهالسلام ) : (أُنْبِئْتُ بُسْراً قَدِ اِطَّلَعَ اَلْيَمَنَ وَ إِنِّي وَ اَللَّهِ لَأَظُنُّ أَنَّ هَؤُلاَءِ اَلْقَوْمَ سَيُدَالُونَ مِنْكُمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَ تَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ وَ بِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ فِي اَلْحَقِّ وَ طَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِي اَلْبَاطِلِ وَ بِأَدَائِهِمُ اَلْأَمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وَ خِيَانَتِكُمْ وَ بِصَلاَحِهِمْ فِي بِلاَدِهِمْ وَ فَسَادِكُمْ فَلَوِ اِئْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْبٍ لَخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلاَقَتِهِ اَللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَ مَلُّونِي وَ سَئِمْتُهُمْ وَ سَئِمُونِي فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ
____________________
(1) الوضر: بقية الدسم في الاناء.
وَ أَبْدِلْهُمْ بِي شَرّاً مِنِّي اَللَّهُمَّ مِثْ قُلُوبَهُمْ كَمَا يُمَاثُ اَلْمِلْحُ فِي اَلْمَاءِ أَمَا وَ اَللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِكُمْ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ
هُنَالِكَ لَوْ دَعَوْتَ أَتَاكَ مِنْهُمْ |
فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِيَةِ اَلْحَمِيمِ(1) |
ثُمَّ نَزَلَ (عليهالسلام ) مِنَ اَلْمِنْبَرِ قال الرضيرحمهالله : أقول الأرمية جمع رمي، و هو السحاب و الحميم هاهنا وقت الصيف و إنما خص الشاعر سحاب الصيف بالذكر؛ لأنه أشد جفولا و أسرع خفوقا؛ لأنه لا ماء فيه و إنما يكون السحاب ثقيل السير لامتلائه بالماء و ذلك لا يكون في الأكثر إلا زمان الشتاء، و إنما أراد الشاعر وصفهم بالسرعة إذا دعوا و الإغاثة إذا استغيثوا و الدليل على ذلك، قوله هنالك لو دعوت أتاك منهم تواترات عليه الأخبار، مثل ترادفت و تواصلت الناس من يطعن في هذا و يقول التواتر لا يكون إلا مع فترات بين أوقات الإتيان، و منه قوله سبحانه:( ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا ) (2) ليس المراد أنهم مترادفون بل بين كل نبيين فترة قالوا و أصل تترى من الواو و اشتقاقها من الوتر، و هو الفرد و عدوا هذا الموضع مما تغلط فيه الخاصة.
____________________
(1) البيت في اللسان (19: 54)، ونسبه إلى أبى جندب الهذلي، وروايته: " رجال مثل أرمية الحميم ".
(2) سورة المؤمنين 44
و معاوية هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان، صخر بن حرب، بن أمية، بن عبد شمس، بن عبد مناف، بن قصي. و أمه هند بنت عتبة، بن ربيعة، بن عبد شمس، بن عبد مناف، بن قصي، و هي أم أخيه عتبة بن أبي سفيان، فأما يزيد بن أبي سفيان، و محمد بن أبي سفيان، و عنبسة بن أبي سفيان، و حنظلة بن أبي سفيان، و عمرو بن أبي سفيان، فمن أمهات شتى. و أبو سفيان هو الذي قاد قريشا في حروبها إلى النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، و هو رئيس بني عبد شمس بعد قتل عتبة بن ربيعة ببدر ذاك صاحب العير و هذا صاحب النفير و بهما يضرب المثل، فيقال للخامل لا في العير و لا في النفير. و روى الزبير بن بكار أن عبد الله بن يزيد بن معاوية جاء إلى أخيه خالد بن يزيد في أيام عبد الملك، فقال لقد هممت اليوم يا أخي أن أفتك بالوليد بن عبد الملك، قال بئسما هممت به في ابن أمير المؤمنين، و ولي عهد المسلمين فما ذاك؟ قال إن خيلي مرت به فعبث بها و أصغرني، فقال خالد: أنا أكفيك فدخل على عبد الملك و الوليد عنده، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الوليد مرت به خيل ابن عمه عبد الله فعبث بها و أصغره، و كان عبد الملك مطرقا فرفع رأسه، و قال:( إِنَّ اَلْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَ كَذلِكَ يَفْعَلُونَ ) (1) ، فقال خالد:( وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا اَلْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرا ً ) (2) فقال عبد الملك أفي عبد الله تكلمني و الله لقد دخل أمس علي فما أقام لسانه لحنا قال:
____________________
(1) سورة النمل 34
خالد أفعلى الوليد تعول يا أمير المؤمنين؟ قال عبد الملك إن كان الوليد يلحن فإن أخاه سليمان لا(1) فقال خالد و إن كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالدا لا(1) فالتفت الوليد إلى خالد، و قال له: اسكت ويحك فو الله ما تعد في العير و لا في النفير. فقال: اسمع يا أمير المؤمنين، ثم التفت إلى الوليد فقال له: ويحك فمن صاحب العير و النفير غير جدي أبي سفيان صاحب العير و جدي عتبة صاحب النفير، و لكن لو قلت غنيمات و حبيلات و الطائف و رحم الله عثمان لقلنا صدقت(2) . و هذا من الكلام المستحسن و الألفاظ الفصيحة، و الجوابات المسكتة، و إنما كان أبو سفيان صاحب العير؛ لأنه هو الذي قدم بالعير التي رام رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، و أصحابه أن يعترضوها و كانت قادمة من الشام إلى مكة تحمل العطر و البر، فنذر بهم أبو سفيان فضرب وجوه العير إلى البحر فساحل(3) بها حتى أنقذها منهم، و كانت وقعة بدر العظمى لأجلها؛ لأن قريشا أتاهم النذير بحالها و بخروج النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) بأصحابه من المدينة في طلبها لينفروا، و كان رئيس الجيش النافر لحمايتها عتبة بن ربيعة بن شمس جد معاوية لأمه. و أما غنيمات و حبيلات إلى آخر الكلام فإن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) لما طرد الحكم بن أبي العاص إلى الطائف لأمور نقمها عليه أقام بالطائف في حبلة ابتاعها، و هي الكرمة، و كان يرعى غنيمات اتخذها يشرب من لبنها فلما ولي أبو بكر شفع إليه عثمان في أن يرده فلم يفعل، فلما ولي عمر شفع إليه أيضا فلم يفعل فلما ولي هو الأمر رده و الحكم جد عبد الملك فعيرهم خالد بن يزيد به. و بنو أمية صنفان الأعياص و العنابس فالأعياص العاص و أبو العاص
____________________
(1) من مجمع الأمثال.
(2) الخبر في مجمع الأمثال 2: 222
(3) ساحل بها: أتى بها ساحل البحر.
و العيص و أبو العيص و العنابس حرب و أبو حرب و سفيان و أبو سفيان، فبنو مروان و عثمان من الأعياص، و معاوية و ابنة من العنابس، و لكل واحد من الصنفين المذكورين و شيعتهم كلام طويل و اختلاف شديد في تفضيل بعضهم على بعض. و كانت هند تذكر في مكة بفجور و عهر. و قال الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار كان معاوية يعزى إلى أربعة إلى مسافر بن أبي عمرو و إلى عمارة بن الوليد بن المغيرة، و إلى العباس بن عبد المطلب، و إلى الصباح مغن كان لعمارة بن الوليد قال، و قد كان أبو سفيان دميما قصيرا و كان الصباح عسيفا(1) لأبي سفيان شابا وسيما فدعته هند إلى نفسها فغشيها. و قالوا إن عتبة بن أبي سفيان من الصباح أيضا، و قالوا إنها كرهت أن تدعه في منزلها فخرجت إلى أجياد فوضعته هناك و في هذا المعنى يقول حسان أيام المهاجاة بين المسلمين و المشركين في حياة رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) قبل عام الفتح(2) :
لمن الصبي بجانب البطحا |
في الترب ملقى غير ذي مهد |
|
نجلت به بيضاء آنسة |
من عبد شمس صلتة الخد(3) |
و الذين نزهوا هندا عن هذا القذف رووا غير هذا فروى أبو عبيدة معمر بن المثنى أن هندا كانت تحت الفاكه بن المغيرة المخزومي، و كان له بيت ضيافة يغشاه الناس فيدخلونه من غير إذن فخلا ذلك البيت يوما فاضطجع فيه الفاكه و هند، ثم قام الفاكه و ترك هندا في البيت لأمر عرض له، ثم عاد إلى البيت فإذا رجل قد خرج من البيت فأقبل إلى هند فركلها برجله و قال من الذي كان عندك، فقالت: لم يكن عندي
____________________
(1) العسيف: الأجير.
(2) ديوانه 157
(3) نجلت به ولدته، وصلته الخد، الصلت: الأملس: وفى الأصول: " صلبة " تصحيف
أحد و إنما كنت نائمة فقال الحقي بأهلك فقامت من فورها إلى أهلها فتكلم الناس في ذلك، فقال لها عتبة أبوها يا بنية إن الناس قد أكثروا في أمرك فأخبريني بقصتك على الصحة، فإن كان لك ذنب دسست إلى الفاكه من يقتله فتنقطع عنك القالة فحلفت أنها لا تعرف لنفسها جرما و إنه لكاذب عليها. فقال: عتبة للفاكه إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم فهل لك أن تحاكمني إلى بعض الكهنة فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم، و خرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف و أخرج معه هندا، و نسوة معها فلما شارفوا بلاد الكاهن تغيرت حال هند، و تنكر أمرها و اختطف لونها فرأى ذلك أبوها، فقال لها: إني أرى ما بك و ما ذاك إلا لمكروه عندك فهلا كان هذا قبل أن يشتهر عند الناس مسيرنا. قالت: يا أبت، إن الذي رأيت مني ليس لمكروه عندي و لكني أعلم أنكم تأتون بشرا يخطئ و يصيب، و لا آمن أن يسمني ميسما يكون علي (عليهالسلام ) عارا عند نساء مكة. قال لها: فإني سأمتحنه قبل المسألة بأمر، ثم صفر بفرس له فأدلى، ثم أخذ حبة بر فأدخلها في إحليله و شده بسير و تركه حتى إذا وردوا على الكاهن أكرمهم و نحر لهم. فقال عتبة: إنا قد جئناك لأمر و قد خبأت لك خبيئا أختبرك به فانظر ما هو. فقال ثمرة: في كمرة. فقال أبين من هذا. قال حبة بر في إحليل مهر. قال: صدقت انظر ا؛ لأنفي أمر هؤلاء النسوة فجعل يدنو من واحدة واحدة منهن و يقول انهضي حتى صار إلى هند، فضرب على كتفها و قال انهضي غير رقحاء و لا زانية و لتلدن ملكا يقال له معاوية، فوثب إليها الفاكه فأخذها بيده، و قال قومي إلى بيتك فجذبت يدها من يده و قالت إليك عني فو الله لا كان منك و لا كان إلا من غيرك، فتزوجها أبو سفيان بن حرب. الرقحاء البغي التي تكتسب بالفجور و الرقاحة التجارة.
و ولي معاوية اثنتين و أربعين سنة منها اثنتان و عشرون سنة ولي فيها إمارة الشام منذ مات أخوه يزيد بن أبي سفيان بعد خمس سنين من خلافة عمر إلى أن قتل أمير المؤمنين علي (عليهالسلام ) في سنة أربعين و منها عشرون سنة خليفة إلى أن مات في سنة ستين. و مر به إنسان و هو غلام يلعب مع الغلمان فقال إني أظن هذا الغلام سيسود قومه فقالت هند ثكلته إن كان لا يسود إلا قومه. و لم يزل معاوية ذا همة عالية يطلب معالي الأمور و يرشح نفسه للرئاسة و كان أحد كتاب رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و اختلف في كتابته له كيف كانت فالذي عليه المحققون من أهل السيرة أن الوحي كان يكتبه علي (عليهالسلام )، و زيد بن ثابت، و زيد بن أرقم، و أن حنظلة بن الربيع التيمي، و معاوية بن أبي سفيان كانا يكتبان له إلى الملوك و إلى رؤساء القبائل، و يكتبان حوائجه بين يديه، و يكتبان ما يجبى من أموال الصدقات و ما يقسم في أربابها. و كان معاوية على أس(1) الدهر مبغضا لعلي (عليهالسلام ) شديد الانحراف عنه، و كيف لا يبغضه، و قد قتل أخاه حنظلة يوم بدر، و خاله الوليد بن عتبة، و شرك عمه في جده، و هو عتبة أو في عمه، و هو شيبة على اختلاف الرواية، و قتل من بني عمه عبد شمس نفرا كثيرا من أعيانهم و أماثلهم، ثم جاءت الطامة الكبرى واقعة عثمان فنسبها كلها إليه بشبهة إمساكه عنه و انضواء كثير من قتلته إليه (عليهالسلام ) فتأكدت البغضة و ثارت الأحقاد، و تذكرت تلك الترات الأولى حتى أفضى الأمر إلى ما أفضى إليه. و قد كان معاوية مع عظم قدر علي (عليهالسلام ) في النفوس و اعتراف العرب بشجاعته، و أنه البطل الذي لا يقام له يتهدده، و عثمان بعد حي بالحرب و المنابذة و يراسله من الشام رسائل خشنة حتى قال له في وجهه ما رواه أبو هلال العسكري في كتاب الأوائل قال:
____________________
(1) أس الدهر، بفتح الهمزة أو ضمها أو كسرها: قدم الدهر ووجهه
قدم معاوية المدينة قدمة أيام عثمان في أواخر خلافته، فجلس عثمان يوما للناس فاعتذر من أمور نقمت عليه فقال إن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) قبل توبة الكافر، و إني رددت الحكم عمي؛ لأنه تاب فقبلت توبته و لو كان بينه و بين أبي بكر و عمر من الرحم ما بيني و بينه لآوياه، فأما ما نقمتم علي أني أعطيت من مال الله، فإن الأمر إلي أحكم في هذا المال بما أراه صلاحا للأمة و إلا فلما ذا كنت خليفة فقطع عليه الكلام معاوية، و قال للمسلمين الحاضرين عنده أيها المهاجرون قد علمتم أنه ليس منكم رجل إلا و قد كان قبل الإسلام مغمورا في قومه تقطع الأمور من دونه حتى بعث الله رسوله، فسبقتم إليه و أبطأ عنه أهل الشرف و الرئاسة فسدتم بالسبق لا بغيره حتى إنه ليقال اليوم رهط فلان و آل فلان و لم يكونوا قبل شيئا مذكورا و سيدوم لكم هذا الأمر ما استقمتم، فإن تركتم شيخنا هذا يموت على فراشه و إلا خرج منكم و لا ينفعكم سبقكم و هجرتكم. فقال له علي (عليهالسلام ) ما أنت و هذا يا ابن اللخناء. فقال معاوية مهلا يا أبا الحسن عن ذكر أمي فما كانت بأخس نسائكم، و لقد صافحها رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) يوم أسلمت و لم يصافح امرأة غيرها أما لو قالها غيرك فنهض علي (عليهالسلام ) ليخرج مغضبا. فقال عثمان: اجلس. فقال له: لا أجلس. فقال: عزمت عليك لتجلسن فأبى و ولى، فأخذ عثمان طرف ردائه فترك الرداء في يده و خرج، فأتبعه عثمان بصره، فقال: و الله لا تصل إليك و لا إلى أحد من ولدك. قال أسامة بن زيد كنت حاضرا هذا المجلس فعجبت في نفسي من تألي عثمان فذكرته لسعد بن أبي وقاص، فقال لا تعجب فإني سمعت رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) يقول لا ينالها علي و لا ولده. قال أسامة: فإني في الغد لفي المسجد، و علي، و طلحة، و الزبير، و جماعة من المهاجرين جلوس إذ جاء معاوية، فتآمروا بينهم ألا يوسعوا له، فجاء حتى جلس بين أيديهم
فقال: أتدرون لماذا جئت؟ قالوا: لا قال، إني أقسم بالله إن لم تتركوا شيخكم يموت على فراشه لا أعطيكم إلا هذا السيف، ثم قام فخرج. فقال علي (عليهالسلام ) لقد كنت أحسب أن عند هذا شيئا، فقال له طلحة: و أي شيء يكون عنده أعظم مما قال قاتله الله لقد رمى الغرض فأصاب و الله ما سمعت يا أبا الحسن، كلمة هي أملأ لصدرك منها. و معاوية مطعون في دينه عند شيوخنا رحمهم الله يرمى بالزندقة، و قد ذكرنا في نقض السفيانية على شيخنا أبي عثمان الجاحظ ما رواه أصحابنا في كتبهم الكلامية عنه من الإلحاد و التعرض لرسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم )، و ما تظاهر به من الجبر، و الإرجاء، و لو لم يكن شيء من ذلك لكان في محاربته الإمام ما يكفي في فساد حاله لا سيما على قواعد أصحابنا و كونهم بالكبيرة الواحدة يقطعون على المصير إلى النار و الخلود فيها إن لم تكفرها التوبة.
و أما بسر بن أرطاة فهو بسر بن أرطاة، و قيل ابن أبي أرطاة، بن عويمر، بن عمران، بن الحليس، بن سيار، بن نزار، بن معيص، بن عامر، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن النضر، بن كنانة. بعثه معاوية إلى اليمن في جيش كثيف، و أمره أن يقتل كل من كان في طاعة علي (عليهالسلام )، فقتل خلقا كثيرا و قتل فيمن قتل ابني عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، و كانا غلامين صغيرين، فقالت أمهما ترثيهما:
يا من أحس بنيي اللذين هما |
كالدرتين تشظى عنهما الصدف(1) |
في أبيات مشهورة
____________________
(1) تشظى: تفرق شظايا. والأبيات في الكامل 8 - 158 - بشرح المرصفى.
و كان عبيد الله عامل علي (عليهالسلام ) على اليمن، و هو عبيد الله بن العباس، بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي أمه و أم إخوته عبد الله، و قثم، و معبد، و عبد الرحمن لبابة، بنت الحارث، بن حزن، من بني عامر، بن صعصعة، و مات عبيد الله بالمدينة و كان جوادا و أعقب و من أولاده قثم بن العباس، بن عبيد الله، بن العباس، ولاه أبو جعفر المنصور المدينة، و كان جوادا ممدوحا، و له يقول ابن المولى:
أعفيت من كور و من رحلة |
يا ناق إن أدنيتني من قثم(1) |
|
في وجهه نور و في باعه |
طول و في العرنين منه شمم |
و يقال: ما رئي قبور إخوة أكثر تباعدا من قبور بني العباسرحمهالله تعالى قبر عبد الله بالطائف، و قبر عبيد الله بالمدينة، و قبر قثم بسمرقند، و قبر عبد الرحمن بالشام، و قبر معبد بإفريقية. ثم نعود إلى شرح الخطبة الأعاصير جمع إعصار، و هي الريح المستديرة على نفسها، قال الله تعالى:( فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ ) (2) . و الوضر بقية الدسم في الإناء، و قد اطلع اليمن، أي: غشيها، و غزاها، و أغار عليها. و قوله سيدالون منكم أي يغلبونكم و تكون لهم الدولة عليكم و ماث زيد الملح في الماء أذابه. و بنو فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة حي مشهور بالشجاعة منهم
____________________
(1)كذا بهذه النسبة قريش وهما من أبيات تنسب إلى داود بن سلم ،فى الأغانى 20:6،169:9،وفى الكامل 229:2 منسوبة إلى سليمان بن قته.
(2)سورة البقرة 266.
علقمة بن فراس و هو جذل الطعان و منهم ربيعة بن مكدم بن حرثان بن جذيمة بن علقمة بن فراس الشجاع المشهور حامى الظعن حيا و ميتا، و لم يحم الحريم، و هو ميت أحد غيره عرض له فرسان من بني سليم و معه ظعائن من أهله يحميهم وحده فطاعنهم، فرماه نبيشة بن حبيب بسهم أصاب قلبه فنصب رمحه في الأرض و اعتمد عليه، و هو ثابت في سرجه لم يزل، و لم يمل، و أشار إلى الظعائن بالرواح، فسرن حتى بلغن بيوت الحي و بنو سليم قيام إزاءه لا يقدمون عليه و يظنونه حيا، حتى قال قائل منهم إني لا أراه إلا ميتا و لو كان حيا لتحرك إنه و الله لماثل راتب على هيئة واحدة لا يرفع يده و لا يحرك رأسه، فلم يقدم أحد منهم على الدنو منه حتى رموا، فرسه بسهم فشب من تحته فوقع، و هو ميت و فاتتهم الظعائن. و قال الشاعر:
لا يبعدن ربيعة بن مكدم |
و سقى الغوادي قبره بذنوب(1) |
|
نفرت قلوصي من حجارة حرة |
بنيت على طلق اليدين و هوب |
|
لا تنفري يا ناق منه فإنه |
شريب خمر مسعر لحروب |
|
لو لا السفار و بعد خرق مهمة |
لتركتها تجثو على العرقوب |
|
نعم الفتى أدى نبيشة بزه |
يوم اللقاء نبيشة بن حبيب |
و قوله (عليهالسلام ) : ما هي إلا الكوفة أي ما ملكتي إلا الكوفة أقبضها و أبسطها، أي: أتصرف فيها كما يتصرف الإنسان في ثوبه يقبضه و يبسطه كما يريد. ثم قال على طريق صرف الخطاب، فإن لم تكوني إلا أنت خرج من الغيبة إلى خطاب الحاضر، كقوله تعالى:( اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) يقول: إن لم يكن لي من الدنيا ملك إلا ملك الكوفة ذات الفتن و الآراء المختلفة فأبعدها الله.
____________________
(1) لحسان بن ثابت، وقيل هي لضرار بن الخطاب، وهي فى الأغاني 58:16 والكامل 89:4 اختلاف في الرواية
و شبه ما كان يحدث من أهلها من الاختلاف و الشقاق بالأعاصير لإثارتها التراب و إفسادها الأرض، ثم ذكر علة إدالة أهل الشام من أهل العراق، و هي اجتماع كلمتهم و طاعتهم لصاحبهم و أداؤهم الأمانة، و إصلاحهم بلادهم.
و قال أبو عثمان الجاحظ العلة في عصيان أهل العراق على الأمراء، و طاعة أهل الشام أن أهل العراق أهل نظر و ذوو فطن ثاقبة و مع الفطنة و النظر يكون التنقيب، و البحث، و مع التنقيب، و البحث يكون الطعن، و القدح، و الترجيح بين الرجال، و التمييز بين الرؤساء، و إظهار عيوب الأمراء و أهل الشام ذوو بلادة و تقليد و جمود على رأي واحد لا يرون النظر، و لا يسألون عن مغيب الأحوال. و ما زال العراق موصوفا أهله بقلة الطاعة و بالشقاق على أولي الرئاسة. و من كلام الحجاج(1) يا أهل العراق، يا أهل الشقاق و النفاق، و مساوئ الأخلاق، أما و الله لألحونكم لحو العصا، و لأعصبنكم عصب السلم، و لأضربنكم ضرب غرائب الإبل إني أسمع لكم تكبيرا ليس بالتكبير الذي يراد به الترغيب، و لكنه تكبير الترهيب ألا إنها عجاجة تحتها قصف(2) يا بني اللكيعة(3) ، و عبيد العصا و أبناء الإماء إنما مثلي و مثلكم كما قال ابن براقة(4) :
و كنت إذا قوم غزوني غزوتهم |
فهل أنا في ذا يال همدان ظالم(5) |
____________________
(1) البيان والتبيين 2: 137، مع اختلاف في الرواية.
(2) العجاجة: شدة الغبار، والقصف: شدة الريح.
(3) اللكيعة: اللئيمة.
(4) هو عمرو بن الحارث بن عمرو بن منبه بن شهر بن سهم الهمداني، وبراقة أمه، ينسب إليها.
(5) البيتان من قصيدة طويلة له، ذكرها القالي في الأمالي 2: 122، في خبر له مع حريم المرادي حين أغار عليه
متى تجمع القلب الذكي و صارما |
و أنفا حميا تجتنبك المظالم |
و الله لا تقرع عصا عصا إلا جعلتها كأمس الذاهب. و كانت هذه الخطبة عقيب سماعه تكبيرا منكرا في شوارع الكوفة فأشفق من الفتنة. و مما خطب به في ذم أهل العراق بعد وقعة دير الجماجم(1) . يا أهل العراق، يا أهل الشقاق و النفاق، إن الشيطان استبطنكم فخالط اللحم و الدم، و العصب و المسامع، و الأطراف و الأعضاء و الشغاف، ثم أفضى إلى الأمخاخ و الأصماخ، ثم ارتفع فعشش، ثم باض ففرخ فحشاكم نفاقا و شقاقا، و ملأكم غدرا و خلافا اتخذتموه دليلا تتبعونه، و قائدا تطيعونه، و مؤامرا تستشيرونه، فكيف تنفعكم تجربة أو تعظكم واقعة أو يحجزكم إسلام أو يعصمكم ميثاق، ألستم أصحابي بالأهواز حيث رمتم المكر و سعيتم بالغدر و ظننتم أن الله يخذل دينه و خلافته، و أنا أرميكم بطرفي و أنتم تتسللون لواذا، و تنهزمون سراعا، ثم يوم الزاوية(2) و ما يوم الزاوية بها كان فشلكم و كسلكم و تخاذلكم و تنازعكم، و براءة الله منكم و نكول وليكم عنكم إذ وليتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها النوازع إلى أعطانها، لا يسأل المرء عن أخيه و لا يلوي الأب على بنيه لما عضكم السلاح و قصمتكم(3) الرماح، ثم يوم دير الجماجم و ما يوم دير الجماجم
____________________
(1) وقعة دير الجماجم، كانت بين الحجاج وابن الأشعث قرب الكوفة سنة 38، وهزم فيها ابن الأشعث الطبري (8: 12 (والخطبة في البيان والتبيين 2: 138، العقد 4: 115، نهاية الإرب 7: 245 مع اختلاف الرواية
(2) الزاوية: موضع قرب البصرة، كانت به وقعة بين الحجاج وابن الأشعث، قتل فيها خلق كثير، وذلك سنة 82. الطبري (حوادث 82)
(3) قصمتكم: كسرتكم وغلبتكم، وفى البيان: " وقصتكم "، وهما بمعنى
بها كانت المعارك و الملاحم بضرب يزيل الهام عن مقيله و يذهل الخليل عن خليله(1) . يا أهل العراق، يا أهل الشقاق و النفاق، الكفرات بعد الفجرات و الغدرات بعد الخترات(2) ، و النزوة بعد النزوات إن بعثتكم إلى ثغوركم غللتم(3) و خنتم، و إن أمنتم أرجفتم و إن خفتم نافقتم، لا تذكرون حسنة و لا تشكرون نعمة. هل استخفكم ناكث أو استغواكم غاو، أو استفزكم عاص، أو استنصركم ظالم، أو استعضدكم خالع إلا اتبعتموه و آويتموه، و نصرتموه، و زكيتموه. يا أهل العراق، هل شغب شاغب، أو نعب ناعب أو زفر كاذب(4) إلا كنتم أشياعه، و أتباعه، و حماته، و أنصاره. يا أهل العراق، ألم تزجركم المواعظ؟ ألم تنبهكم الوقائع؟ ألم تردعكم الحوادث؟ ثم التفت إلى أهل الشام و هم حول المنبر فقال: يا أهل الشام، إنما أنا لكم كالظليم الرامح(5) عن فراخه ينفي عنها القذر(6) و يباعد عنها الحجر، و يكنها من المطر، و يحميها من الضباب و يحرسها من الذئاب. يا أهل الشام، أنتم الجنة و الرداء و أنتم العدة و الحذاء. ثم نزل.
____________________
(1) أخذه من رجز عمار بن ياسر يوم صفين، وفيه:
ضرب يزيل الهام عن مقيله |
ويذهل الخليل عن خليله |
ومقيله: موضعه. وانظر وقعة صفين 366 - 387
(2) الخترات: جمع خترة، وهي الغدر والخديعة.
(3) الغل هنا: الخيانة.
(4) العد: " زفر زافر ".
(5) الظليم: ذكر النعام، والرامح: المدافع.
و من خطبة له في هذا المعنى و قد أراد الحج(1) : يا أهل الكوفة إني أريد الحج و قد استخلفت عليكم ابني محمدا و أوصيته بخلاف وصية رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) في الأنصار فإنه أمر أن يقبل من محسنهم، و يتجاوز عن مسيئهم، و إني قد أوصيته ألا يقبل من محسنكم و لا يتجاوز عن مسيئكم ألا، و إنكم ستقولون بعدي لا أحسن الله له الصحابة ألا و إني معجل لكم الجواب لا أحسن الله لكم الخلافة. و من خطبة له في هذا المعنى، يا أهل الكوفة، إن الفتنة تلقح بالنجوى(2) ، و تنتج بالشكوى، و تحصد بالسيف، أما و الله إن أبغضتموني لا تضروني، و إن أحببتموني لا تنفعوني، و ما أنا بالمستوحش لعداوتكم، و لا المستريح إلى مودتكم، زعمتم أني ساحر، و قد قال الله تعالى:( وَ لا يُفْلِحُ اَلسَّاحِرُ ) (3) ، و قد أفلحت و زعمتم أني أعلم الاسم الأكبر، فلم تقاتلون من يعلم ما لا تعلمون. ثم التفت إلى أهل الشام، فقال لأزواجكم أطيب من المسك و لأبناؤكم آنس بالقلب من الولد، و ما أنتم إلا كما قال أخو ذبيان:
إذا حاولت في أسد فجورا |
فإني لست منك و لست مني(4) |
|
هم درعي التي استلأمت فيها |
إلى يوم النسار و هم مجني(5) |
____________________
(1) عيون الأخبار 2: 245
(2) النجوى: المسارة.
(3) سورة طه 69
(4) ديوانه 79 (من مجموعة خمسة دواوين)
(5) استلام: لبس اللامة، وهي الدرع. النسار: ماء لبني عامر. والمجن: الترس
ثم قال: بل أنتم يا أهل الشام، كما قال الله سبحانه:( وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا اَلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ اَلْمَنْصُورُونَ وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ اَلْغالِبُونَ ) (1) . و خطب مرة بعد موت أخيه و ابنه قال: بلغني أنكم تقولون يموت الحجاج، و مات الحجاج فمه و ما كان ما ذا و الله ما أرجو الخير كله إلا بعد الموت، و ما رضي الله البقاء إلا لأهون المخلوقين عليه إبليس:( قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ إِنَّكَ مِنَ اَلْمُنْظَرِينَ ) (2) ، ثم قال: يا أهل العراق، أتيتكم و أنا ذو لمة وافرة أرفل فيها فما زال بي شقاقكم و عصيانكم حتى حص(3) شعري، ثم كشف رأسه و هو أصلع و قال:
من يك ذا لمة يكشفها |
فإنني غير ضائري زعري(4) |
|
لا يمنع المرء أن يسود و أن |
يضرب بالسيف قلة الشعر |
فأما قوله (عليهالسلام ) : (اللهم أبدلني بهم خيرا منهم، و أبدلهم بي شرا مني، و لا خير فيهم و لا شر فيه)، (عليهالسلام ) فإن أفعل هاهنا بمنزلته في قوله تعالى:( أَفَمَنْ يُلْقى فِي اَلنَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ اَلْقِيامَةِ ) (5) و بمنزلته في قوله:( قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ اَلْخُلْدِ ) (6) .
____________________
1سورة الصافات 171 - 173
(2) سورة الأعراف 14، 15
(3) الحص:ذهاب الشعر
(4) الزعر: ذهاب أصول الشعر.
(5) سورة فصلت 40
(6) سورة الفرقان 15
و يحتمل أن يكون الذي تمناه (عليهالسلام ) من إبداله بهم خيرا منهم قوما صالحين ينصرونه و يوفقون لطاعته. و يحتمل أن يريد بذلك ما بعد الموت من مرافقة النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم ). و قال القطب الراوندي بنو فراس بن غنم هم الروم و ليس بجيد و الصحيح ما ذكرناه. و البيت المتمثل به أخيرا لأبي جندب الهذلي و أول الأبيات:
ألا يا أم زنباع أقيمي |
صدور العيس نحو بني تميم |
و هذه الخطبة خطب بها أمير المؤمنين (عليهالسلام ) بعد فراغه من صفين و انقضاء أمر الحكمين، و الخوارج و هي من أواخر خطبه (عليهالسلام ). تم الجزء الأول(1) من شرح نهج البلاغة بحمد الله و منه و الحمد لله وحده العزيز و صلى الله على محمد و آله الطيبين الطاهرين.
____________________
(1) من تجزئة المؤلف، وهذه خاتمة نسخة ب، وفى آخر نسخة ا: " هذا آخر الجزء الأول، ويتلوه الجزء الثاني إن شاء الله ".
الفهرس
كتاب شرح نهج البلاغة الجزء الأول ابن أبي الحديد 1
المقدمة 3
القول فيما يذهب إليه أصحابنا المعتزلة في الإمامة و التفضيل و البغاة و الخوارج 7
القول في نسب أمير المؤمنين علي ( عليهالسلام ) 11
القول في نسب الرضي أبي الحسن ( رحمهالله ) و ذكر طرف من خصائصه و مناقبه 31
القول في شرح خطبة نهج البلاغة 42
باب الخطب و الأوامر 55
القول في الملائكة و أقسامهم 91
اختلاف الأقوال في ابتداء خلق البشر 103
تصويب الزنادقة إبليس لامتناعه عن السجود لآدم 106
اختلاف الأقوال في خلق الجنة و النار 108
القول في آدم و الملائكة أيهما أفضل 109
القول في أديان العرب في الجاهلية 117
فصل في فضل البيت و الكعبة 124
فصل في الكلام على السجع 126
باب لزوم ما لا يلزم و إيراد أمثلة منه 133
ما ورد في الوصاية من الشعر 143
نسب أبي بكر و نبذة من أخبار أبيه 155
مرض رسول الله ( صلىاللهعليهوآلهوسلم ) و أمره أسامة بن زيد على الجيش 159
عهد أبي بكر بالخلافة إلى عمر بن الخطاب 163
طرف من أخبار عمر بن الخطاب 173
قصة الشورى 185
نتف من أخبار عثمان بن عفان 198
استطراد بذكر طائفة من الاستعارات 215
اختلاف الرأي في الخلافة بعد وفاة رسول الله 218
طلحة و الزبير و نسبهما 225
خروج طارق بن شهاب لاستقبال علي بن أبي طالب 226
أمر طلحة و الزبير مع علي بن أبي طالب بعد بيعتهما له 230
ذكر خبر مقتل حمزة بن عبد المطلب 243
محمد بن الحنفية و نسبه و بعض أخباره 243
من أخبار يوم الجمل 247
من أخبار يوم الجمل أيضا 253
من كلام للحجاج و زياد نسجا فيه على منوال كلام علي ( عليهالسلام ) 278
الأشعث بن قيس و نسبه و بعض أخباره 292
خطبة علي بالمدينة في أول إمارته 307
خطبته عند مسيره للبصرة 308
خطبته بذي قار 309
فصل في ذم الحاسد و الحسد 315
فصل في مدح الصبر و انتظار الفرج 319
فصل في الرياء و النهي عنه 325
فصل في الاعتضاد بالعشيرة و التكثر بالقبيلة 326
فصل في حسن الثناء و طيب الأحدوثة 328
فصل في مواساة الأهل و صلة الرحم 329
نسب معاوية بن أبي سفيان و ذكر بعض أخباره 334
بسر بن أرطاة و نسبه 340
عبيد الله بن العباس و بعض أخباره 341
أهل العراق و خطب الحجاج فيهم 343
الفهرس 349