بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
باب تحريم الخمر
قال الله تعالى( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) هذه الآية قد اقتضت تحريم الخمر لو لم يرد غيرها في تحريمها لكانت كافية مغنية وذلك لقوله( قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ) والإثم كله محرم بقوله تعالى( قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ ) فأخبر أن الإثم محرم ولم يقتصر على إخباره بأن فيها إثما حتى وصفه بأنه كبير تأكيدا لحظرها* وقوله( وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ) لا دلالة فيه على إباحتها لأن المراد منافع الدنيا وأن في سائر الحرمات منافع لمرتكبيها في دنياهم إلا أن تلك المنافع لا تفي بضررها من العقاب المستحق بارتكابها فذكره لمنافعها غير دال على إباحتها لا سيما وقد أكد حظرها مع ذكر منافعها بقوله في سياق الآية( وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) يعنى أن ما يستحق بهما من العقاب أعظم من النفع العاجل الذي ينبغي منهما* ومما نزل في شأن الخمر قوله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ) وليس في هذه الآية دلالة على تحريم ما لم يسكر منها وفيها الدلالة على تحريم ما يسكر منها لأنه إذا كانت الصلاة فرضا نحن مأمورون بفعلها في أوقاتها فكل ما أدى إلى المنع منها فهو محظور فإذا كانت الصلاة ممنوعة في حال السكر وكان شربها مؤديا إلى ترك الصلاة كان محظورا لأن فعل ما يمنع من الفرض محظور* ومما نزل في شأن الخمر مما لا مساغ للتأويل فيه قوله تعالى( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) ـ إلى قوله ـ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) فتضمنت هذه الآيات ذكر تحريمها من وجوه أحدها قوله( رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ) وذلك لا يصح إطلاقه إلا فيما كان محظورا محرما ثم أكده بقوله( فَاجْتَنِبُوهُ ) وذلك أمر يقتضي لزوم اجتنابه ثم قال تعالى( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) ومعناه فانتهوا* فإن قيل ليس في قوله تعالى( فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ) دلالة على تحريم القليل منها لأن مراد الآية ما يلحق من المأثم بالسكر وترك الصلاة والمواثبة
والقتال فإذا حصل المأثم بهذه الأمور فقد وفينا ظاهر الآية مقتضاها من التحريم ولا دلالة فيه على تحريم القليل منها* قيل له معلوم أن في مضمون قوله( فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ) ضمير شربها لأن جسم الخمر هو فعل الله تعالى ولا مأثم فيها وإنما المأثم مستحق بأفعالنا فيها فإذا كان الشرب مضمرا كان تقديره في شربها وفعل الميسر إثم كبير فيتناول ذلك شرب القليل منها والكثير كما لو حرمت الخمر لكان معقولا أن المراد به شربها والانتفاع بها فيقتضى ذلك تحريم قليلها وكثيرها* وقد روى في ذلك حديث حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس في قوله( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ) قال الميسر هو القمار كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله وقال وقوله تعالى( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ) قال كانوا لا يشربونها عند الصلاة فإذا صلوا العشاء شربوها ثم أن ناسا من المسلمين شربوها فقاتل بعضهم بعضا وتكلموا بما لا يرضى الله عز وجل فأنزل الله( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) قال فالميسر القمار والأنصاب الأوثان والأزلام القداح كانوا يستقسمون بها* قال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الرحمن ابن مهدى عن سفيان عن أبى إسحاق عن أبى ميسرة قال قال عمر اللهم بين لنا في الخمر فنزلت( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ) فقال اللهم بين لنا في الخمر فنزلت( قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) فقال اللهم بين لنا في الخمر فنزلت( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) ـ إلى قوله ـ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) فقال عمر انتهينا إنها تذهب المال وتذهب العقل* قال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا هشيم قال أخبرنا المغيرة عن أبى رزين قال شربت الخمر بعد الآية التي نزلت في البقرة وبعد الآية التي في النساء فكانوا يشربونها حتى تحضر الصلاة فإذا حضرت تركوها ثم حرمت في المائدة في قوله( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) فانتهى القوم عنها فلم يعودوا فيها* فمن الناس من يظن أن قوله( قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ) لم يدل على التحريم لأنه لو كان دالا لما شربوه ولما أقرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم ولما سئل عمر البيان بعده وليس هذا كذلك عندنا وذلك لأنه جائز أن يكونوا تأولوا في قوله
( وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ) جواز استباحة منافعها فإن الإثم مقصور على بعض الأحوال دون بعض فإنما ذهبوا عن حكم الآية بالتأويل وأما قوله إنها لو كانت حراما لما أقرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم على شربها فإنه ليس في شيء من الأخبار علم النبي صلّى الله عليه وسلّم بشربها ولا إقرارهم عليه بعد علمه وأما سؤال عمر رضى الله عنه بيانا بعد نزول هذه الآية فلأنه كان للتأويل فيه مساغ وقد علم هو وجه دلالتها على التحريم ولكنه سأل بيانا يزول معه احتمال التأويل فأنزل الله تعالى( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ) الآية* ولم يختلف أهل النقل في أن الخمر قد كانت مباحة في أول الإسلام وأن المسلمين قد كانوا يشربونها بالمدينة ويتبايعون بها مع علم النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك وإقرارهم عليه إلى أن حرمها الله تعالى فمن الناس من يقول إن تحريمها على الإطلاق إنما ورد في قوله( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ ـ إلى قوله ـفَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) وقد كانت محرمة قبل ذلك في بعض الأحوال وهي أوقات الصلاة بقوله( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ) وأن بعض منافعها قد كان مباحا وبعضها محظورا بقوله( قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ) إلى أن أتم تحريمها بقوله( فَاجْتَنِبُوهُ ) وقوله( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) وقد بينا ما يقتضيه ظاهر كل واحد من حكم الآيات من حكم التحريم* وقد اختلف فيما يتناوله اسم الخمر من الأشربة فقال الجمهور الأعظم من الفقهاء اسم الخمر في الحقيقة يتناول التي المشتد من ماء العنب وزعم فريق من أهل المدينة ومالك والشافعى أن كل ما أسكر كثيره من الأشربة فهو خمر والدليل على أن اسم الخمر مخصوص بالتي المشتد من ماء العنب دون غيره وأن غيره إن سمى بهذا الإسم فإنما هو محمول عليه ومشبه به على وجه المجاز حديث أبى سعيد الخدري قال أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم بنشوان فقال له أشربت خمرا فقال ما شربتها منذ حرمها الله ورسوله قال فماذا شربت قال الخليطين قال فحرم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخليطين فنفى الشارب اسم الخمر عن الخليطين بحضرة النبي صلّى الله عليه وسلّم فلم ينكره عليه ولو كان ذلك يسمى خمرا من جهة لغة أو شرع لما أقره عليه إذ كان في نفى التسمية التي علق بها حكم نفى الحكم ومعلوم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يقر أحدا على حظر مباح ولا على استباحة محظور وفي ذلك دليل على أن اسم الخمر منتف عن سائر الأشربة إلا من النى المشتد من ماء العنب لأنه إذا كان الخليطان لا يسميان خمرا مع وجود قوة الإسكار منهما علمنا أن الاسم مقصور على ما وصفنا ويدل عليه
ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن زكريا العلائى قال حدثنا العباس بن بكار قال حدثنا عبد الرحمن بن بشير الغطفاني عن أبى إسحاق عن الحارث عن على رضى الله عنه قال سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الأشربة عام حجة الوداع فقال حرام الخمر بعينها والسكر من كل شراب قال عبد الباقي وحدثنا محمد بن زكريا العلائى قال حدثنا شعيب بن واقد قال حدثنا قيس عن قطن عن منذر عن محمد بن الحنفية عن على عن النبي صلّى الله عليه وسلّم نحوه وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا حسين بن إسحاق قال حدثنا عياش بن الوليد قال حدثنا على بن عباس قال حدثنا سعيد بن عمارة قال حدثنا الحارث بن النعمان قال سمعت أنس بن مالك يحدث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال الخمر بعينها حرام والسكر من كل شراب وقد روى عبد الله بن شداد عن ابن عباس من قوله مثل ذلك وروى عنه أيضا مرفوعا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وقد حوى هذا الخبر معاني منها أن اسم الخمر مخصوص بشراب بعينه دون غيره وهو الذي لم يختلف في تسميته بها دون غيرها من ماء العنب وأن غيرها من الأشربة غير مسمى بهذا الاسم لقوله والسكر من كل شراب وقد دل أيضا على أن المحرم من سائر الأشربة هو ما يحدث عنده السكر لولا ذلك لما اقتصر منها على السكر دون غيره ولما فصل بينها وبين الخمر في جهة التحريم ودل أيضا على أن تحريم الخمر حكم مقصور عليها غير متعد إلى غيرها قياسا ولا استدلالا إذ علق حكم التحريم بعين الخمر دون معنى فيها سواها وذلك ينفى جواز القياس عليها لأن كل أصل ساغ القياس عليه فليس الحكم المنصوص عليه مقصورا عليه ولا متعلقا به بعينه بل يكون الحكم منصوبا على بعض أوصافه مما هو موجود في فروعه فيكون الحكم تابعا للوصف جاريا معه في معلولاته* ومما يدل على أن سائر الأشربة المسكرة لا يتناولها اسم الخمر قوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث أبى هريرة عنه الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة فقوله الخمر اسم للجنس لدخول الألف واللام عليه فاستوعب به جميع ما يسمى بهذا الاسم فلم يبق شيء من الأشربة يسمى به إلا وقد استغرقه ذلك فانتفى بذلك أن يكون ما يخرج من غير هاتين الشجرتين يسمى خمرا ثم نظرنا فيما يخرج منهما هل جميع الخارج منهما مسمى باسم الخمر أم لا فلما اتفق الجميع على أن كل ما يخرج منهما من الأشربة غير مسمى باسم الخمر لأن العصير والدبس والخل ونحوه من هاتين الشجرتين ولا يسمى شيء منه خمرا علمنا أن مراده بعض الخارج من هاتين الشجرتين
وذلك البعض غير مذكور في الخبر فاحتجنا إلى الاستدلال على مراده من غيره في إثبات اسم الخمر للخارج منهما فسقط الاحتجاج به في تحريم جميع الخارج منهما وتسميته باسم الخمر ويحتمل مع ذلك أن يكون مراده أن الخمر أحدهما كقوله تعالى( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ـ و ـيا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ) والمراد أحدهما فكذلك جائز أن يكون المراد في قوله الخمر من هاتين الشجرتين أحدهما فإن كان المراد هما جميعا فإن ظاهر اللفظ يدل على أن المسمى بهذا الاسم هو أول شراب يصنع منهما لأنه لما كان معلوما أنه لم يرد بقوله من هاتين الشجرتين بعض كل واحدة منهما لاستحالة كون بعضها خمرا دل على أن المراد أول خارج منهما من الأشربة لأن من يعتورها معان في اللغة منها التبعيض ومنها الابتداء كقولك خرجت من الكوفة وهذا كتاب من فلان وما جرى مجرى ذلك فيكون معنى من في هذا الموضع على ابتداء ما يخرج منهما وذلك إنما يتناول العصير المشتد والدبس السائل من النخل إذا اشتد ولذلك قال أصحابنا فيمن حلف لا يأكل من هذه النخلة شيئا أنه على رطبها وتمرها ودبسها لأنهم حملوا من ما ذكرنا من الابتداء* قال أبو بكر ويدل على ما ذكرنا من انتفاء اسم الخمر عن سائر الأشربة إلا ما وصفنا ما روى عن ابن عمر أنه قال لقد حرمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة يومئذ منها شيء وابن عمر رجل من أهل اللغة ومعلوم أنه قد كان بالمدينة السكر وسائر الأنبذة المتخذة من التمر لأن تلك كانت أشربتهم ولذلك قال جابر بن عبد الله نزل تحريم الخمر وما يشرب الناس يومئذ إلا البسر والتمر وقال أنس بن مالك كنت ساقى عمومتي من الأنصار حين نزل تحريم الخمر فكان شرابهم يومئذ الفضيح فلما سمعوا أراقوها فلما نفى ابن عمر اسم الخمر عن سائر الأشربة التي كانت بالمدينة دل ذلك على أن الخمر عنده كانت شراب العنب التي المشتد وأن ما سواها غير مسمى بهذا الاسم ويدل عليه أن العرب كانت تسمى الخمر سبيئة ولم تكن تسمى بذلك سائر الأشربة المتخذة من تمر النخل لأنها كانت تجلب إليها من غير بلادها ولذلك قال الأعشى :
وسبيئة مما يعتق بابل |
كدم الذبيح سلبتها جريا لها |
وتقول سبأت الخمر إذا شريتها فنقلوا الاسم إلى المشترى بعد أن كان الأصل إنما هو بجلبها من موضع إلى موضع على عادتها في الاتساع في الكلام ويدل عليه أيضا قول
أبى الأسود الدؤلي وهو رجل من أهل اللغة حجة فيما قال منها فقال :
دع الخمر تشربها الغواة فإننى |
رأيت أخاها مغنيا لمكانها |
|
فإن لا تكنه أو يكنها فإنه |
أخوها غذته أمه بلبانها |
فجعل غيرها من الأشربة أخا لها بقوله رأيت أخاها مغنيا لمكانها ومعلوم أنه لو كان يسمى خمرا لما سماه أخا لها ثم أكده بقوله فإن لا تكنه أو يكنها فإنه أخوها فأخبر أنها ليست هو فثبت بما ذكرنا من الأخبار عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعن الصحابة وأهل اللغة أن اسم الخمر مخصوص بما وصفنا ومقصور عليه دون غيره ويدل على ذلك أنا وجدنا بلوى أهل المدينة بشرب الأشربة المتخذة من التمر والبسر كانت أعم منها بالخمر وإنما كانت بلواهم بالخمر خاصة قليلة لقلتها عندهم فلما عرف الكل من الصحابة تحريم النى المشتد واختلفوا فيما سواها وروى عن عظماء الصحابة مثل عمر وعبد الله وأبى ذر وغيرهم شرب النبيذ الشديد وكذلك سائر التابعين ومن بعدهم من أخلافهم من الفقهاء من أهل العراق لا يعرفون تحريم هذه الأشربة ولا يسمونها باسم الخمر بل ينفونه عنها دل ذلك على معنيين أحدهما أن اسم الخمر لا يقع عليها ولا يتناولها لأن الجميع متفقون على ذم شارب الخمر وأن جميعها محرم محظور والثاني أن النبيذ غير محرم لأنه لو كان محرما لعرفوا تحريمهم كمعرفتهم بتحريم الخمر إذا كانت الحاجة إلى معرفة تحريمها أمس منها إلى معرفة تحريم الخمر لعموم بلواهم بها دونها وما عمت البلوى من الأحكام فسبيل وروده نقل التواتر الموجب للعلم والعمل وفي ذلك دليل على أن تحريم الخمر لم يعقل به تحريم هذه الأشربة ولا عقل الخمر اسما لها واحتج من زعم أن سائر الأشربة التي يسكر كثيرها خمر بما روى عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال (كل مسكر خمر) وبما روى عن الشعبي عن النعمان بن بشير عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال الخمر من خمسة أشياء (التمر والعنب والحنطة والشعير والعسل) وروى عن عمر من قوله نحوه وبما روى عن عمر الخمر ما خامر العقل وبما روى عن طاوس عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال (كل خمر وكل مسكر حرام) وبما روى عن أنس قال كنت ساقى القوم حيث حرمت الخمر في منزل أبى طلحة وما كان خمرنا يومئذ إلا الفضيح فحين سمعوا تحريم الخمر أهراقوا الأوانى وكسروها وقالوا فقد سمى النبي صلّى الله عليه وسلّم هذه الأشربة خمرا وكذلك عمر وأنس وعقلت الأنصار من تحريم الخمر تحريم الفضيح وهو نقيع البسر ولذلك
أراقوها وكسروا الأوانى ولا تخلو هذه التسمية من أن تكون واقعة على هذه الأشربة من جهة اللغة أو الشرع وأيهما كان فحجته ثابتة والتسمية صحيحة فثبت بذلك أن ما أسكر من الأشربة كثيره فهو خمر وهو محرم بتحريم الله إياها من طريق اللفظ* والجواب عن ذلك وبالله التوفيق أن الأسماء على ضربين ضرب سمى به الشيء حقيقة لنفسه وعبارة عن معناه والضرب الآخر ما سمى به الشيء مجازا فأما الضرب الأول فواجب استعماله حيث ما وجد وأما الضرب الآخر فإنما يجب استعماله عند قيام الدلالة عليه نظير الضرب الأول قوله تعالى( يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ) فأطلق لفظ الإرادة في هذه المواضع حقيقة ونظير الضرب الثاني قوله( فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ ) فأطلق لفظ الإرادة في هذا الموضع مجاز لا حقيقة ونحو قوله( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ) فاسم الخمر في هذا الموضع حقيقة فيما أطلق فيه وقال في موضع آخر( إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً ) فأطلق اسم الخمر في هذا الموضع مجازا لأنه إنما يعصر العنب لا الخمر ونحو قوله( رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها ) فاسم القرية فيها حقيقة وإنما أراد البنيان ثم قوله( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها ) مجاز لأنه لم يرد بها ما وضع اللفظ له حقيقة وإنما أراد أهلها وتنفصل الحقيقة من المجاز بأن ما لزم مسمياته فلم ينتف عنه بحال فهو حقيقة فيه وما جاز انتفاؤه عن مسمياته فهو مجاز ألا ترى أنك إذا قلت أنه ليس للحائط إرادة كنت صادقا ولو قال قائل إن الله لا يريد شيئا أو الإنسان العاقل ليست له إرادة كان مبطلا في قوله وكذلك جائز أن تقول إن العصير ليس بخمر وغير جائز أن يقال أن النى المشتد من ماء العنب ليس بخمر ونظائر ذلك كثيرة في اللغة والشرع والأسماء الشرعية في معنى أسماء المجاز لا تتعدى بها مواضعها التي سميت بها فلما وجدنا اسم الخمر قد ينتفى عن سائر الأشربة سوى النى المشتد من ماء العنب علمنا أنها ليست بخمر في الحقيقة* والدليل على جواز انتفاء اسم الخمر عما وصفنا حديث أبى سعيد الخدري قال أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بنشوان فقال أشربت خمرا فقال والله ما شربتها منذ حرمها الله ورسوله قال فما ذا شربت قال شربت الخليطين فحرم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخليطين يومئذ فنفى اسم الخمر عن الخليطين بحضرة النبي صلّى الله عليه وسلّم فأقره عليه ولم ينكره فدل ذلك على أنه ليس بخمر وقال ابن عمر حرمت الخمر وما بالمدينة يومئذ منها شيء فنفى اسم الخمر عن أشربة تمر
النخل مع وجودها عندهم يومئذ ويدل عليه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم الخمر من هاتين الشجرتين وهو أصح إسنادا من الأخبار التي ذكر فيها أن الخمر من خمسة أشياء فنفى بذلك أن يكون ما خرج من غيرهما خمرا إذا كان قوله الخمر من هاتين الشجرتين اسما للجنس مستوعبا لجميع ما يسمى بهذا الاسم فهذا الخبر معارض ما روى من أن الخمر من خمسة أشياء وهو أصح إسنادا منه ويدل عليه أنه لا خلاف أن مستحل الخمر كافر وأن مستحل هذه الأشربة لا تلحقه سمة الفسق فكيف بأن يكون كافرا فدل ذلك على أنها ليست بخمر في الحقيقة ويدل عليه أن خل هذه الأشربة لا يسمى خل خمر وأن خل الخمر هو الخل المستحيل من ماء العنب النى المشتد فإذا ثبت بما ذكرنا انتفاء اسم الخمر عن هذه الأشربة ثبت أنه ليس باسم لها في الحقيقة وأنه إن ثبت تسميتها باسم الخمر في حال فهو على جهة التشبيه بها عند وجود السكر منها فلم يجز أن يتناولها إطلاق تحريم الخمر لما وصفنا من أن أسماء المجاز لا يجوز دخولها تحت إطلاق أسماء الحقائق فينبغي أن يكون قوله الخمر من خمسة أشياء محمولا على الحال التي يتولد منها السكر فسماها باسم الخمر في تلك الحال لأنها قد عملت عمل الخمر في توليد السكر واستحقاق الحد ويدل عليه أن هذه التسمية إنما تستحقها في حال توليدها السكر قول عمر الخمر ما خامر العقل وقليل النبيذ لا يخامر العقل لأن ما خامر العقل هو ما غطاه وليس ذلك بموجود في قليل ما أسكر كثيره من هذه الأشربة وإذا ثبت بما وصفنا أن اسم الخمر مجاز في هذه الأشربة فلا يستعمل إلا في موضع يقوم الدليل عليه فلا يجوز أن ينطوى تحت إطلاق تحريم الخمر ألا ترى نه صلّى الله عليه وسلّم قد سمى فرسا لأبى طلحة ركبه لفزع كان بالمدينة فقال وجدناه بحرا فسمى الفرس بحرا إذ كان جوادا واسع الخطو ولا يعقل بإطلاق اسم البحر الفرس الجواد وقال النابغة للنعمان بن المنذر :
فإنّك شمس والملوك كواكب |
إذا طلعت لم يبد منهن كوكب |
ولم تكن الشمس اسما له ولا الكواكب اسما للملوك فصح بما وصفنا أن اسم الخمر لا يقع على هذه الأشربة التي وصفنا وأنه مخصوص بماء العنب النى المشتد حقيقة وإنما يسمى به غيرها مجازا والله أعلم.
باب تحريم الميسر
قال الله تعالى( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ) قال أبو بكر دلالته
على تحريم الميسر كهي على ما تقدم من بيانه ويقال أن اسم الميسر في أصل اللغة إنما هو للتجزئة وكل ما جزأته فقد يسرته يقال لجاز الياسر لأنه يجزئ الجزور والميسر الجزور نفسه إذا تجزى وكانوا ينحرون جزورا ويجعلونه أقساما يتقامرون عليها بالقداح على عادة لهم على ذلك فكل من خرج له قدح نظروا إلى ما عليه من السمة فيحكمون له بما يقتضيه أسماء القداح فسمى على هذا سائر ضروب القمار ميسرا وقال ابن عباس وقتادة ومعاوية بن صالح وعطاء وطاوس ومجاهد الميسر القمار وقال عطاء وطاوس ومجاهد حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز وروى عن على بن زيد عن القاسم عن أبى أمامة عن أبى موسى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال (اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجرا فإنها من الميسر) وروى سعيد بن أبى هند عن أبى موسى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال (من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله) وروى حماد بن سلمة عن قتادة عن حلاس أن رجلا قال لرجل إن أكلت كذا وكذا بيضة فلك كذا وكذا فارتفعا إلى على فقال هذا قمار ولم يجزه ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم القمار وأن المخاطرة من القمار قال ابن عباس إن المخاطرة قمار وإن أهل الجاهلية كانوا يخاطرون على المال والزوجة وقد كان ذلك مباحا إلى أن ورد تحريمه وقد خاطر أبو بكر الصديق المشركين حين نزلت( الم غُلِبَتِ الرُّومُ ) وقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم زد في الخطر وابعد في الأجل ثم حظر ذلك ونسخ بتحريم القمار ولا خلاف في حظره إلا ما رخص فيه من الرهان في السبق في الدواب والإبل والنصال إذا كان الذي يستحق واحدا إن سبق ولا يستحق الآخر إن سبق وإن شرط أن من سبق منهما أخذ ومن سبق أعطى فهذا باطل فإن أدخلا بينهما رجلا إن سبق استحق وإن سبق لم يعط فهذا جائز وهذا الدخيل الذي سماه النبي صلّى الله عليه وسلّم محللا وقد روى أبو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل وروى ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه سابق بين الخيل وإنما خص ذلك لأن فيه رياضة للخيل وتدريبا لها على الركض وفيه استظهار وقوة على العدو قال الله تعالى( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) روى أنها الرمي( وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ ) فظاهر قوله( وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ ) يقتضى جواز السبق بها لما فيه من القوة على العدو وذلك الرمي وما ذكره الله تعالى من تحريم الميسر وهو القمار يوجب تحريم القرعة في العبيد يعتقهم المريض ثم يموت لما فيه من القمار وإحقاق بعض وإنجاح بعض وهذا هو معنى
القمار بعينه وليست القرعة في القسمة كذلك لأن كل واحد يستوفى في نصيبه لا يحقق واحد منهم والله أعلم.
باب التصرف في مال اليتيم
قال الله تعالى( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ) قال أبو بكر اليتيم المنفرد عن أحد أبويه فقد يكون يتيما من الأم مع بقاء الأب وقد يكون يتيما من الأب مع بقاء الأم إلا أن الأظهر عند الإطلاق هو اليتيم من الأب وإن كانت الأم باقية ولا يكاد يوجد الإطلاق في اليتيم من الأم إذا كان الأب باقيا وكذلك سائر ما ذكر الله من أحكام الأيتام إنما المراد بها الفاقدون لآبائهم وهم صغار ولا يطلق ذلك عليهم بعد البلوغ إلا على وجه المجاز لقرب عهدهم باليتيم والدليل على أن اليتيم اسم للمنفرد تسميتهم للمرأة المنفردة عن الزوج يتيمة سواء كانت كبيرة أو صغيرة قال الشاعر :
إن القبور تنكح الأيامى |
النسوة الأرامل اليتامى |
وتسمى الرابية يتيمة لانفرادها عما حواليها قال الشاعر يصف ناقته :
قو داء تملك رحلها |
مثل اليتيم من الأرانب |
يعنى الرابية ويقال درة يتيمة لأنها مفردة لا نظير لها وكتاب لابن المقفع في مدح أبى العباس السفاح واختلاف مذاهب الخوارج وغيرهم يسمى اليتيمة قال أبو تمام :
وكثير عزة يوم بين ينسب |
وابن المقفع في اليتيمة يسهب |
وإذا كان اليتيم اسما للانفراد كان شاملا لمن فقد أحد أبويه صغيرا أو كبيرا إلا أن الإطلاق إنما يتناول ما ذكرنا من فقد الأب في حال الصغر حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية ابن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس في قوله عز وجل( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ) قال الله تعالى لما أنزل( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) كره المسلمون أن يضموا اليتامى إليهم وتحرجوا أن يخالطوهم وسألوا النبي صلّى الله عليه وسلّم عنه فأنزل الله( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ـ إلى قوله ـوَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ ) قال لو شاء الله لأخرجكم وضيق عليكم ولكنه وسع ويسر فقال( وَمَنْ
كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ابتغوا بأموال اليتامى لا تأكلها الصدقة ويروى ذلك موقوفا على عمر وعن عمر وعائشة وابن عمر وشريح وجماعة من التابعين دفع مال اليتيم مضاربة والتجارة به وقد حوت هذه الآية ضروبا من الأحكام أحدها قوله( قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ) فيه الدلالة على جواز خلط ماله بماله وجواز التصرف فيه بالبيع والشرى إذا كان ذلك صلاحا وجواز دفعه مضاربة إلى غيره وجواز أن يعمل ولى اليتيم مضاربة أيضا وفيه الدلالة على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث لأن الإصلاح الذي تضمنته الآية إنما يعلم من طريق الاجتهاد وغالب الظن ويدل على أن لولى اليتيم أن يشترى من ماله لنفسه إذا كان خير لليتيم وذلك بأن ما يأخذه اليتيم أكثر قيمة مما يخرج عن ملكه وهو قول أبى حنيفة ويبيع أيضا من مال نفسه لليتيم لأن ذلك من الإصلاح له* ويدل أيضا على أن له تزويج اليتيم إذا كان ذلك من الإصلاح وذلك عندنا فيمن كان ذا نسب منه دون الوصي الذي لا نسب بينه وبينه لأن الوصية نفسها لا يستحق بها الولاية في التزويج ولكنه قد اقتضى ظاهره أن للقاضي أن يزوجه ويتصرف في ماله على وجه الإصلاح* ويدل على أن له أن يعلمه ما له فيه صلاح من أمر الدين والأدب ويستأجر له على ذلك وأن يؤاجره ممن يعلمه الصناعات والتجارات ونحوها لأن جميع ذلك قد يقع على وجه الإصلاح ولذلك قال أصحابنا إن كل من كان اليتيم في حجره من ذوى الرحم المحرم فله أن يؤاجره ليعلم الصناعات وقال محمد له أن ينفق عليه من ماله وقالوا أنه إذا وهب لليتيم مال فلمن هو في حجره أن يقبضه له لما له فيه من الإصلاح فظاهر الآية قد اقتضى جميع ذلك كله* وقوله( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ) إنما عنى بالمضمرين في قوله ويسئلونك القوام على الأيتام الكافلين لهم وذلك ينتظم كل ذي رحم محرم لأن له إمساك اليتيم وحفظه وحياضته وحضانته وقد انتظم قوله( قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ) سائر الوجوه التي ذكرنا من التصرف في ماله على وجه الإصلاح والتزويج والتقويم والتأديب وقوله( خَيْرٌ ) قد دل على معان منها إباحة التصرف على اليتامى من الوجوه التي ذكرنا ومنها أن ذلك مما يستحق به الثواب لأنه سماه خيرا وما كان خيرا فإنه يستحق به الثواب ومنها أنه لم يوجبه وإنما وعد به الثواب فدل على أنه ليس بواجب عليه التصرف في ماله بالتجارة ولا هو مجبر على تزويجه
لأن ظاهر اللفظ يدل على أن مراده الندب والإرشاد وقوله( وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ) فيه إباحة خلط ماله بماله والتجارة والتصرف فيه ويدل على أنه له أن يخالط اليتيم بنفسه في الصهر والمناكحة وأن يزوجه بنته أو يزوج اليتيمة بعض ولده فيكون قد خلط اليتامى بنفسه وعياله واختلط هو بهم فقد انتظم قوله( وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ ) إباحة خلط ماله بماله والتصرف فيه وجواز تزويجه بعض ولده ومن يلي عليه فيكون قد خلطه بنفسه والدليل على أن اسم المخالطة يتناول جميع ذلك قولهم فلان خليط فلان إذا كان شريكا وإذا كان يعامله ويبايعه ويشاريه ويداينه وإن لم يكن شريكا وكذلك يقال قد اختلط فلان بفلان إذا صاهره وذلك كله مأخوذ من الخلطة التي هي الاشتراك في الحقوق من غير تمييز بعضهم من بعض فيها وهذه المخالطة معقودة بشريطة الإصلاح من وجهين أحدهما تقديمه ذكر الإصلاح فيما أجاب به من أمر اليتامى والثاني قوله عقيب ذكر المخالطة( وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ) وإذا كانت الآية قد انتظمت جواز خلطه مال اليتيم بماله في مقدار ما يغلب في ظنه أن اليتيم يأكله على ما روى عن ابن عباس فقد دل على جواز المناهدة التي يفعلها الناس في الأسفار فيخرج كل واحد منهم شيئا معلوما فيخلطونه ثم ينفقونه وقد يختلف أكل الناس فإذا كان الله قد أباح في أموال الأيتام فهو في مال العقلاء البالغين بطيبة أنفسهم أجوز ونظيره في تجويزه المناهدة قوله تعالى في قصة أهل الكهف( فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً ) فكان الورق لهم جميعا لقوله( بِوَرِقِكُمْ ) فأضافه إلى الجماعة وأمره بالشراء ليأكلوا جميعا منه* وقوله( وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ) قد دل على ما ذكرنا من جواز المشاركة والخلطة على أنه يستحق الثواب بما يتحرى فيه الإصلاح من ذلك لأن قوله( فَإِخْوانُكُمْ ) قد دل على ذلك إذ هو مندوب إلى معونة أخيه وتحرى مصالحه لقوله تعالى( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ) وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم (والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه) فقد انتظم قوله( فَإِخْوانُكُمْ ) الدلالة على الندب والإرشاد واستحقاق الثواب بما يليه منه* وقوله( وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ ) يعنى به لضيق عليكم في التكليف فيمنعكم من مخالطة الأيتام والتصرف لهم في أموالهم ولأمركم بإفراد أموالكم عن أموالهم أو لأمركم على جهة الإيجاب بالتصرف لهم وطلب الأرباح بالتجارات لهم ولكنه وسع ويسر وأباح لكم التصرف لهم على وجه الإصلاح ووعدكم
الثواب عليه ولم يلزمكم ذلك على جهة الإيجاب فيضيق عليكم تذكيرا بنعمه وإعلاما منه اليسر والصلاح لعباده* وقوله( فَإِخْوانُكُمْ ) يدل على أن أطفال المؤمنون هم مؤمنون في الأحكام لأن الله تعالى سماهم إخوانا لنا والله تعالى قد قال( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) والله تعالى أعلم.
باب نكاح المشركات
قال الله تعالى( وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ ) حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية ابن صالح عن أبى طلحة عن ابن عباس في قوله( وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ ) قال ثم استثنى أهل الكتاب فقال( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ ) قال عفائف غير زوان فأخبر ابن عباس أن قوله( وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ ) مرتب على قوله( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) وأن الكتابيات مستثنيات منهن وروى عن ابن عمر أنها عامة في الكتابيات وغيرهن* حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن نافع عن ابن عمر كان لا يرى بأسا بطعام أهل الكتاب وكره نكاح نسائهم قال أبو عبيد وحدثنا عبد الله بن صالح عن الليث قال حدثني نافع عن ابن عمر أنه كان إذا سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية قال إن الله حرم المشركات على المسلمين قال فلا أعلم من الشرك شيئا أكبر أو قال أعظم من أن تقول ربها عيسى أو عبد من عبيد الله فكرهه في الحديث الأول ولم يذكر التحريم وتلافى الحديث الثاني الآية ولم يقطع فيها بشيء وأخبر أن مذهب النصارى شرك قال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا على بن سعد عن أبى المليح عن ميمون ابن مهران قال قلت لابن عمر إنا بأرض يخالطنا فيها أهل الكتاب فننكح نساءهم ونأكل طعامهم قال فقرأ على آية التحليل وآية التحريم قال قلت إنى اقرأ ما تقرأ فننكح نساءهم ونأكل طعامهم قال فأعاد على آية التحليل وآية التحريم* قال أبو بكر عدو له بالجواب بالإباحة والحظر إلى تلاوة الآية دليل على أنه كان واقفا في الحكم غير قاطع فيه بشيء وما ذكر عنه من الكراهة يدل على أنه ليس على وجه التحريم كما يكره تزوج نساء أهل
الحرب من الكتابيات لا على وجه التحريم وقد روى عن جماعة من الصحابة والتابعين إباحة نكاح الكتابيات حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثني سعيد بن أبى مريم عن يحيى بن أيوب ونافع بن يزيد عن عمر مولى عفرة قال سمعت عبد الله بن على بن السائب يقول إن عثمان تزوج نائلة بنت الفراصة الكلبية وهي نصرانية على نسائه وبهذا الإسناد من غير ذكر نافع أن طلحة بن عبيد الله تزوج يهودية من أهل الشام وروى عن حذيفة أيضا أنه تزوج يهودية وكتب إليه عمر أن خل سبيلها فكتب إليه حذيفة أحرام هي فكتب إليه عمر لا ولكن أخاف أن تواقعوا المومسات منهن وروى عن جماعة من التابعين إباحة تزويج الكتابيات منهم الحسن وإبراهيم والشعبي ولا نعلم عن أحد من الصحابة والتابعين تحريم نكاحهن وما روى عن ابن عمر فيه فلا دلالة فيه فلا دلالة فيه على أنه رآه محرما وإنما فيه عنه الكراهة كما روى كراهة عمر لحذيفة تزويج الكتابية من غير تحريم وقد تزوج عثمان وطلحة وحذيفة الكتابيات ولو كان ذلك محرما عند الصحابة لظهر منهم نكير أو خلاف وفي ذلك دليل على اتفاقهم على جوازه وقوله( وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ ) غير موجب لتحريم الكتابيات من وجهين أحدهما أن ظاهر لفظ المشركات إنما يتناول عبدة الأوثان منهم عند الإطلاق ولا يدخل فيه الكتابيات إلا بدلالة ألا ترى إلى قوله( ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) وقال( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ ) ففرق بينهم في اللفظ وظاهره يقتضى أن المعطوف غير المعطوف عليه إلا أن تقوم الدلالة على شمول الاسم للجميع وأنه أفرد بالذكر لضرب من التعظيم أو التأكيد كقوله تعالى( مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ ) فأفردهما بالذكر تعظيما لشأنهما مع كونهما من جملة الملائكة إلا أن الأظهر أن المعطوف غير المعطوف عليه إلا أن تقوم الدلالة على أنه من جنسه فاقتضى عطفه أهل الكتاب على المشركين أن يكونوا غيرهم وأن يكون التحريم مقصورا على عبدة الأوثان من المشركين والوجه الآخر أنه لو كان عموما في الجميع لوجب أن يكون مرتبا على قوله( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) وأن لا تنسخ إحداهما بالأخرى ما أمكن استعمالهما فإن قيل قوله( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ
قَبْلِكُمْ ) إنما أراد به اللاتي أسلمن من أهل الكتاب كقوله تعالى( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ) وقوله( مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ) قيل له هذا خلف من القول دال على غباوة قائله والمحتج به وذلك من وجهين أحدهما أن هذا الاسم إذا أطلق فإنما يتناول الكفار منهم كقوله( مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ ) وقوله( وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ) وما جرى مجرى ذلك من الألفاظ المطلقة فإنما يتناول اليهود والنصارى ولا يعقل به من كان من أهل الكتاب فأسلم إلا بتقييد ذكر الإيمان ألا ترى أن الله تعالى لما أراد به من أسلم منهم ذكر الإسلام مع ذكره أنهم من أهل الكتاب فقال( لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) والوجه الآخر أنه ذكر في الآية المؤمنات وقد انتظم ذكر المؤمنات اللاتي كن من أهل الكتاب فأسلمن ومن كن مؤمنات في الأصل لأنه قال( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) فكيف يجوز أن يكون مراده بالمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من المؤمنات المبدوء بذكرهن* وربما احتج بعض القائلين بهذه المقالة بما روى عن على بن أبى طلحة قال أراد كعب بن مالك أن يتزوج امرأة من أهل الكتاب فسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنهاه وقال إنها لا تحصنك قال فظاهر النهى يقتضى الفساد فيقال إن هذا حديث مقطوع من هذا الطريق ولا يجوز الاعتراض بمثله على ظاهر القرآن في إيجاب نسخه ولا تخصيصه وإن ثبت فجائز أن يكون على وجه الكراهية كما روى عن عمر من كراهته لحذيفة تزويج اليهودية لا على وجه التحريم ويدل عليه قوله إنها لا تحصنك ونفى التحصين غير موجب لفساد النكاح لأن الصغيرة لا تحصنه وكذلك الأمة ويجوز نكاحهما وقد اختلف في تزويج الكتابية الحربية فحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر ابن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال لا تحل نساء أهل الكتاب إذا كانوا حربا قال وتلا هذه الآية( قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ـ إلى قوله ـوَهُمْ صاغِرُونَ ) قال الحكم فحدثت به إبراهيم فأعجبه قال أبو بكر يجوز أن يكون ابن عباس رأى ذلك على وجه الكراهية وأصحابنا يكرهونه من غير تحريم وقد روى عن على أنه كره نساء أهل
«2 ـ أحكام في»
الحرب من أهل الكتاب وقوله تعالى( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) لم يفرق فيه بين الحربيات والذميات وغير جائز تخصيصه بغير دلالة وقوله تعالى( قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ) لا تعلق له بجواز النكاح ولا فساده ولو كان وجوب القتال علة لفساد النكاح لوجب أن لا يجوز نكاح نساء الخوارج وأهل البغي لقوله تعالى( فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ ) فبان بما وصفنا أنه لا تأثير لوجوب القتال في إفساد النكاح وإن ما كرهه أصحابنا لقوله تعالى( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) والنكاح يوجب المودة لقوله تعالى( وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) فلما أخبر أن النكاح سبب المودة والرحمة ونهانا عن موادة أهل الحرب كرهوا ذلك وقوله( يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ ) إنما هو في أهل الحرب دون أهل الذمة لأنه لفظ مشتق من كونهم في حد ونحن في حد وكذلك المشاقة وهو أن يكونوا في شق ونحن في شق وهذه صفة أهل الحرب دون أهل الذمة فلذلك كرهوه ومن جهة أخرى وهو أن ولده ينشأ في دار الحرب على أخلاق أهلها وذلك منهى عنه قال صلّى الله عليه وسلّم أنا برىء من كل مسلم بين ظهراني المشركين وقال صلّى الله عليه وسلّم أنا برىء من كل مسلم مع مشرك * فإن قيل ما أنكرت أن يكون قوله تعالى( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ ) مخصصا لقوله( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) قاصرا لحكمه على الذميات منهن دون الحربيات قيل له الآية إنما اقتضت النهى عن الوداد والتحاب فأما نفس عقد النكاح فلم تتناوله الآية وإن كان قد يصير سببا للموادة والتحاب فنفس العقد ليس هو الموادة والتحاب إلا أنه يؤدى إلى ذلك فاستحسنوا له غيرهن فإن قيل لما قال عقيب تحريم نكاح المشركات( أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ) دل على أنه لهذه العلة حرم نكاحهن وذلك موجود في نكاح الكتابيات الذميات والحربيات منهن فوجب تحريم نكاحهن لهذه العلة كتحريم نكاح المشركات قيل له معلوم أن هذه ليست علة موجبة لتحريم النكاح لأنها لو كانت كذلك لكان غير جائز إباحتهن بحال فلما وجدنا نكاح المشركات قد كان مباحا في أول الإسلام إلى أن نزل تحريمهن مع وجود هذا المعنى وهو دعاء الكافرين لنا إلى النار دل على أن هذا المعنى ليس بعلة موجبة لتحريم النكاح وقد كانت امرأة نوح وامرأة لوط كافرتين تحت نبيين من أنبياء الله تعالى
قال الله تعالى( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) فأخبر بصحة نكاحهما مع وجود الكفر منهما فثبت بذلك أن الكفر ليس بعلة موجبة لتحريم النكاح وإن كان الله تعالى قد قال في سياق تحريم المشركات( أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ) فجعله علما لبطلان نكاحهن وما كان كذلك من المعاني التي تجرى مجرى العلل الشرعية فليس فيه تأكيد فيما يتعلق به الحكم من الاسم فيجوز تخصيصه كتخصيص الاسم وإذا كان قوله( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) يجوز به تخصيص التحريم الذي علق بالاسم جاز أيضا تخصيص الحكم المنصوب على المعنى الذي أجرى مجرى العلل الشرعية ونظير ذلك قوله( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ ) فذكر ما يحدث عن شرب الخمر من هذه الأمور المحظورة وأجراها مجرى العلة وليس بواجب إجراؤها في معلولاتها لأنه لو كان كذلك لوجب أن يحرم سائر البياعات والمناكحات وعقود المداينات لإرادة الشيطان إيقاع العداوة والبغضاء بيننا في سائرها وأن يصدنا بها عن ذكر الله فلما لم يجب اعتبار المعنى في سائر ما وجد فيه بل كان مقصور الحكم على المذكور دون غيره كان كذلك حكم سائر العلل الشرعية المنصوص عليها منها والمقتضية والمستدل عليها وهذا مما يستدل به على تخصيص العلل الشرعية فوجب بما وصفنا أن يكون حكم التحريم مقصورا فيما وصفنا على المشركات منهن دون غيرهن ويكون ذكر دعائهم إيانا إلى النار تأكيدا للحظر في المشركات غير متعد به إلى سواهن لأن الشرك والدعاء إلى النار هما علما تحريم النكاح وذلك غير موجود في الكتابيات وقد قيل إن ذلك في مشركي العرب المحاربين كانوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم وللمؤمنين فنهوا عن نكاحهن لئلا يمكن بهم إلى مودة أهاليهن من المشركين فيؤدى ذلك إلى التقصير منهم في قتالهم دون أهل الذمة الموادين الذين أمرنا بترك قتالهم إلا أنه إن كان كذلك فهو يوجب تحريم نكاح الكتابيات الحربيات لوجود هذا المعنى ولا نجد بدا من الرجوع إلى حكم معلول هذه العلة بما قدمنا وقوله تعالى( وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ ) يدل على جواز نكاح الأمة مع وجود الطول إلى الحرة لأن الله تعالى أمر المؤمنين بتزويج الأمة المؤمنة بدلا من الحرة المشركة التي تعجبهم ويجدون الطول إليها وواجد الطول إلى الحرة
المشركة هو واجده إلى الحرة المسلمة إذ لا فرق بينهما في العادة في المهور فإذا كان كذلك وقد قال الله تعالى( وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ) ولا يصح الترغيب في نكاح الأمة المؤمنة وترك الحرة المشركة إلا وهو يقدر على تزويج الحرة المسلمة فتضمنت الآية جواز نكاح الأمة مع وجود الطول إلى الحرة ويدل من وجه آخر على ذلك وهو أن النهى عن نكاح المشركات عام في واجد الطول او غير واجده للغنى والفقير منهم ثم عقب ذلك بقوله( وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ ) فأباح نكاحها لمن حظر عليه نكاح المشركة فكان عموما في الغنى والفقير موجبا لجواز نكاح الأمة للفريقين.
باب الحيض
قوله تعالى( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ) والمحيض قد يكون اسما للحيض نفسه ويجوز أن يسمى به موضع الحيض كالمقيل والمبيت هو موضع القيلولة وموضع البيتوتة ولكن في فحوى اللفظ ما يدل على أن المراد بالمحيض في هذا الموضع هو الحيض لأن الجواب ورد بقوله هو أذى وذلك صفة لنفس الحيض لا الموضع الذي فيه وكانت مسألة القوم عن حكمه وما يجب عليهم فيه وذلك لأنه قد كان قوم من اليهود يجاورونهم بالمدينة وكانوا يجتنبون مؤاكلة النساء ومشاربتهن ومجالسهن في حال الحيض فأرادوا أن يعلموا حكمه في الإسلام فأجابهم الله بقوله هذا هو أذى يعنى أنه نجس وقذر ووصفه له بذلك قد أفاد لزوم اجتنابه لأنهم كانوا عالمين قبل ذلك بلزوم اجتناب النجاسات فأطلق فيه لفظا علقوا منه الأمر بتجنبه ويدل على أن الأذى اسم يقع على النجاسات قول النبي صلّى الله عليه وسلّم (إذا أصاب نعل أحدكم أذى فليمسحها بالأرض وليصل فيها فإنه لها طهور) فسمى النجاسة أذى وأيضا لما كان معلوما أنه لم يرد بقوله( قُلْ هُوَ أَذىً ) الأخبار عن حاله في تأذى الإنسان به لأن ذلك لا فائدة فيه علمنا أنه أراد الأخبار بنجاسته ولزوم اجتنابه وليس كل أذى نجاسة قال الله تعالى( وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ ) والمطر ليس بنجس وقال( وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً ) وإنما كان الأذى المذكور في الآية عبارة عن النجاسة ومفيدا لكونه قذرا يجب اجتنابه لدلالة الخطاب عليه ومقتضى سؤال السائلين عنه وقد اختلف الفقهاء فيما يلزم اجتنابه من الحائض بعد اتفاقهم على أن له أن يستمتع منها بما
فوق المئزر وورد به التوقيف عن النبي صلّى الله عليه وسلّم روته عائشة وميمون ة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يباشر نساءه وهن حيض فوق الإزار واتفقوا أيضا أن عليه اجتناب الفرج منها واختلفوا في الاستمتاع منها بما تحت الإزار بعد أن يجتنب شعائر الدم فروى عن عائشة وأم سلمة أن له أن يطأها فيما دون الفرج وهو قول الثوري ومحمد بن الحسن وقالا يجتنب موضع الدم وروى مثله عن الحسن والشعبي وسعيد بن المسيب والضحاك وروى عن عمر بن الخطاب وابن عباس أن له منها ما فوق الإزار وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف والأوزاعى ومالك والشافعى* قال أبو بكر قوله( فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ) قد انتظم الدلالة من وجهين على حظر ما تحت الإزار أحدهما قوله( فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ) ظاهره يقتضى لزوم اجتنابها فيما تحت المئزر وفوقه فلما اتفقوا على إباحة الاستمتاع منها بما فوقه سلمناه للدلاة وحكم الحظر قائم فيما دونه إذ لم تقم الدلالة عليه والوجه الآخر قوله( وَلا تَقْرَبُوهُنَ ) وذلك في حكم اللفظ الأول في الدلالة على مثل ما دل عليه فلا يخص منه عند الاختلاف إلا ما قامت الدلالة عليه ويدل عليه أيضا من جهة السنة حديث يزيد ابن أبى أنيسة عن أبى إسحاق عن عمير مولى عمر بن الخطاب أن نفرا من أهل العراق سألوا عمر عما يحل لزوج الحائض منها وغير ذلك فقال سألت عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال لك منها ما فوق الإزار وليس لك منها ما تحته * ويدل عليه أيضا حديث الشيباني عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة قالت كانت إحدانا إذا كانت حائضا أمرها النبي صلّى الله عليه وسلّم أن تتزر في فور حيضها ثم يباشرها فأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يملك إربه وروى الشيباني أيضا عن عبد الله بن شداد عن ميمونة زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم عنه مثله ومن أباح له ما دون المئزر احتج بحديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن اليهود كانوا يخرجون الحائض من البيت ولا يؤاكلونها ولا يجامعونها في بيت فسئل النبي صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله تعالى( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ) الآية فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح) وبما روى عن عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لها ناوليني الخمرة فقالت إنى حائض فقال ليست حيضتك في يدك قالوا وهذا يدل على أن كل عضو منها ليس فيه الحيض حكمه حكم ما كان فيه قبل الحيض في الطهارة وفي جواز الاستمتاع* والجواب عن ذلك لمن رأى حظر ما دون مئزرها أن قوله في حديث أنس
إنما فيه ذكر سبب نزول الآية وما كانت اليهود تفعله فأخبر عن مخالفتهم في ذلك وأنه ليس علينا إخراجها من البيت وترك مجالستها وقوله اصنعوا كل شيء إلا النكاح جائز أن يكون المراد به الجماع فيما دون الفرج لأنه ضرب من النكاح والمجامعة وحديث عمر الذي ذكرناه قاض عليه متأخر عنه والدليل على ذلك أن في حديث أنس إخبارا عن حال نزول الآية وحديث عمر بعد ذلك لأنه لم يخبر عن حال نزول الآية وقد أخبر فيه أنه سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم عما يحل من الحائض وذلك لا محالة بعد حديث أنس من وجهين أحدهما أنه لم يسئل عما يحل منها إلا وقد تقدم تحريم إتيان الحائض والثاني أنه لو كان السؤال في حال نزول الآية عقيبها لاكتفى بما ذكره أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال اصنعوا كل شيء إلا النكاح وفي ذلك دليل على أن سؤال عمر كان بعد ذلك ومن جهة أخرى أنه لو تعارض حديث عمر وحديث أنس لكان حديث عمر أولى بالاستعمال لما فيه من حظر الجماع فيما دون الفرج وفي ظاهر حديث أنس الإباحة والحظر والإباحة إذا اجتمعا فالحظر أولى ومن جهة أخرى وهو أن خبر عمر يعضده ظاهر القرآن وهو قوله تعالى( فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ) وخبر أنس يوجب تخصيصه وما يوافق القرآن من الأخبار فهو أولى مما يخصه ومن جهة أخرى وهو أن خبر أنس مجمل عام ليس فيه بيان إباحة موضع بعينه وخبر عمر مفسر فيه بيان الحكم في الموضعين مما تحت الإزار وما فوقه والله أعلم.
باب بيان معنى الحيض ومقداره
قال أبو بكر الحيض اسم لمقدار من الدم يتعلق به أحكام منها تحريم الصلاة والصوم وحظر الجماع وانقضاء العدة واجتناب دخول المسجد ومس المصحف وقراءة القرآن وتصير المرأة به بالغة فإذا تعلق بوجود الدم هذه الأحكام كان له مقدار ما سمى حيضا وإذا لم يتعلق به هذه الأحكام لم يسم حيضا ألا ترى أن الحائض ترى الدم في أيامها وبعد أيامها على هيئة واحدة فيكون ما في أيامها منه حيضا لتعلق هذه الأحكام به مع وجوده وما بعد أيامها فليس بحيض لفقد هذه الأحكام مع وجوده وكذلك نقول في الحامل أنها لا تحيض وهي قد ترى الدم ولكن ذلك الدم لما لم يتعلق به ما ذكرنا من الأحكام لم يسم حيضا فالمستحاضة قد ترى الدم السائل دهرا ولا يكون حيضا وإن كان كهيئة الدم الذي
يكون مثله حيضا إذا رأته في أيامها فالحيض اسم لدم يفيد في الشرع تعلق هذه الأحكام به إذا كان له مقدار ما والنفاس والحيض فيما يتعلق بهما من تحريم الصلاة والصوم وجماع الزوج واجتناب ما يجتنبه الحائض سواء وإنما يختلفان من وجهين أحدهما أن مقدار مدة الحيض ليس هو مقدار مدة النفاس والثاني أن النفاس لا تأثير له في انقضاء العدة ولا في البلوغ* وكان أبو الحسن يحد الحيض بأنه الدم الخارج من الرحم الذي تكون به المرأة بالغة في ابتدائه بها وما تعتاده النساء في الوقت بعد الوقت وإنما أراد بذلك عندنا أن تكون بالغة في ابتدائه بها إذا لم يكن قد تقدم بلوغها قبل ذلك من جهة السن أو الاحتلام أو الإنزال عند الجماع فأما إذا تقدم بلوغها قبل ذلك بما وصفنا ثم رأت دما فهو حيض إذا رأته مقدار مدة الحيض وإن لم تصر بالغة في ابتدائه بها* وقد اختلف الفقهاء في مقدار مدة الحيض فقال أصحابنا أقل مدة الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة وهو قول سفيان الثوري وهو المشهور عن أصحابنا جميعا وقد روى عن أبى يوسف ومحمد إذا كان يومين وأكثر اليوم الثالث فهو حيض والمشهور عن محمد مثل قول أبى حنيفة وقال مالك لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيرة وحكى عبد الرحمن بن مهدى عن مالك أنه كان يرى أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما حدثنا عبد الله بن جعفر بن فارس قال حدثنا هارون ابن سليمان الجزار قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدى بذلك وقال الشافعى أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما وروى عبد الرحمن بن مهدى عن حماد بن سلمة عن على بن ثابت عن محمد بن زيد عن سعيد بن جبير قال الحيض إلى ثلاثة عشر فإذا زادت فهي استحاضة وقال عطاء إذا زادت على خمسة عشر فهي استحاضة وقد كان أبو حنيفة يقول بقول عطاء إن أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر ثم رجع عنه إلى ما ذكرنا* ومما يحتج به للقائلين بأن أقله ثلاثة أيام وأكثره عشرة حديث القاسم عن أبى أمامة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة فإن صح هذا الحديث فلا معدل عنه لأحد ويدل عليه أيضا حديث عثمان بن أبى العاص الثقفي وأنس بن مالك أنهما قالا الحيض ثلاثة أيام أربعة أيام إلى عشرة أيام وما زاد فهو استحاضة ويدل ذلك على ما وصفنا من وجهين أحدهما أن القول إذا ظهر عن جماعة من الصحابة واستفاض ولم يوجد له منهم مخالف فهو إجماع وحجة على من بعدهم وقد روى ما وصفنا عن هذين الصحابيين من غير خلاف
ظهر من نظرائهم عليهم فثبت حجته والثاني أن هذا الضرب من المقادير التي هي حقوق الله تعالى وعبادات محضة طريق إثباتها التوقيف أو الاتفاق مثل إعداد ركعات الصلوات المفروضات وصيام رمضان ومقادير الحدود وفرائض الإبل في الصدقات ومثله مقدار مدة الحيض والطهر ومنه مقدار المهر الذي هو مشروط في عقد النكاح والقعود قدر التشهد في آخر الصلاة فمتى روى عن صحابى فيما كان هذا وصفه قول في تحديد شيء من ذلك وإثبات مقداره فهو عندنا توقيف إذ لا سبيل إلى إثباته من طريق المقاييس* فإن قيل ليس يمتنع أن يكون مقدار الحيض معتبرا بعادات النساء فيجب الرجوع إليها فيه ويدل عليه قوله صلّى الله عليه وسلّم لحمنة بنت جحش تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر فردها إلى العادة وأثبتها ستا أو سبعا فجائز على هذا أن يكون قول من قال بالعشرة في أكثره وبالثلاث في أقله إنما صدر عن العادة عنده* قيل له إنما الكلام بيننا وبين مخالفينا في الأقل الذي لا نقص عنه وفي الأكثر الذي لا يزاد عليه وقد اتفق الجميع على المذكور من العدد وفي قصة حمنة وهو ست أو سبع ليس بحد في ذلك وأنه لا اعتبار به في إثبات التحديد فسقط الاحتجاج به في موضع الخلاف وقوله لحمنة تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر يصلح أن يكون دليلا مبتدأ لصحة قولنا من قبل أن قوله كما تحيض النساء في كل شهر لما كان مستوعبا لجنس النساء اقتضى أن يكون ذلك حكم جميع النساء وذلك ينفى أن يكون حيض امرأة أقل من ذلك فلو لا قيام دلالة الإجماع على أن الحيض قد يكون ثلاثا لما جاز لأحد أن يجعل الحيض أقل من ست أو سبع فلما حصل الاتفاق على كون الثلاث حيضا خصصناه من عموم الخبر وبقي حكم ما دون الثلاث منفيا بمقتضى الخبر* ويحتج بمثله في أكثر الحيض* ويدل على ذلك أيضا ما روى عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال ما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ذوى الألباب منهن فقيل ما نقصان دينهن فقال تمكث إحداهن الأيام والليالى لا تصلى فدل على أن مدة الحيض ما يقع عليه اسم الأيام والليالى وأقلها ثلاثة أيام وأكثرها عشرة أيام ويدل عليه حديث الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن عروة عن عائشة أنه صلّى الله عليه وسلّم قال لفاطمة بنت أبى حبيش اجتنبى الصلاة أيام محيضك ثم اغتسلي وتوضأى لكل صلاة وروى الحكم عن أبى جعفر أن سودة قالت للنبي صلّى الله عليه وسلّم إنى أستحاض فأمرها أن تقعد أيام حيضها فإذا مضت توضأت
لكل صلاة وصلت وفي بعض ألفاظ حديث فاطمة بنت أبى حبيش دعى الصلاة بعدد الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وفي حديث أم سلمة عنه صلّى الله عليه وسلّم في المرأة التي سألته أنها تهراق الدم فقال لتنظر عدد الليالى والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر ثم لتغتسل ولتصل وروى شريك عن أبى اليقظان عن عدى بن ثابت عن أبيه عن جده عنه صلّى الله عليه وسلّم قال المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وفي بعض ألفاظ هذا الحديث تدع الصلاة أيام إقرائها وأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم فاطمة بنت أبى حبيش والمرأة التي روت قصتها أم سلمة أن تدع الصلاة أيام حيضها من غير مسألة منه لها عن مقدار حيضها قبل ذلك وجب بذلك أن تكون مدة الحيض ما يقع عليه اسم الأيام وهو ما بين الثلاثة إلى العشرة ولو كان الحيض يكون أقل من ثلاث لما أجابها بذكر الأيام والليالى وقال في حديث عدى بن ثابت المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها وذلك لفظ عام في سائر النساء واسم الأيام إذا أطلقت في عدد محصور يقع أقله على ثلاثة وأكثره على عشرة ولا بد من أن يكون له عدد محصور يضاف إليه الأيام فوجب أن يكون عدده ما ذكره النبي صلّى الله عليه وسلّم ووجه آخر وهو أنه متى تقدمت معرفة الوقت الذي أضيفت إليه الأيام فإن اسم الأيام لا يتناول عددا محصورا نظيره قول القائل أيام السنة فلا تختص بالثلاثة ولا بالعشرة وقوله( أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ ) لم تختص بما بين الثلاثة إلى العشرة لأنه قال( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) فلما أضافها إلى الوقت الذي قد تقررت معرفته عند المخاطبين لم تختص بما بين الثلاثة إلى العشرة وقوله تدع الصلاة أيام حيضها وأيام إقرائها لم يتقدم عند السامعين عدد أيامها فيكون ذكر الأيام راجعا إليها دون ما تختص به من العدد فوجب أن يكون محمولا على ما يختص به من هذا العدد وهو ما بين الثلاثة إلى العشرة وإنما كان ذلك كذلك لأن اسم الأيام قد تطلق ويراد بها وقت مبهم كما يطلق اسم الليالى على وقت مبهم ولا يراد بها سواد الليل فإذا تقدمت معرفة الوقت المضاف إليه الأيام فذكر الأيام فيه بمعنى الوقت المبهم الذي لا يراد به عدد قال الشاعر :
ليالي تصطاد الرجال بفاحم
ولم يرد به سواد الليل دون بياض النهار وقال آخر :
واذكر أيام الحمى ثم انثنى |
على كبدي من خشية أن تصدعا |
|
وليست عشيات الحمى برواجع |
إليك ولكن خل عينيك تدمعا |
ولم يرد بذكر الأيام بياض النهار ولا بذكر العشيات أواخره وإنما أراد وقتا قد تقررت معرفته عند المخاطب وكقوله تعالى( فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ) ولم يرد به أول النهار دون آخره وقال الشاعر :
أصبحت عاذلتى معتله
ولم يرد به الصباح دون المساء وقال لبيد :
وأمسى كأحلام النيام نعيمهم |
وأى نعيم خلته لا يزايل |
ولم يرد به المساء دون الصباح وإنما أراد وقتا مبهما وهذا أشهر في اللغة من أن يحتاج فيه إلى الإكثار من الشواهد فلما انقسم اسم الأيام إلى هذين المعنيين قلنا فيما تقررت معرفته إذا أضيف إليه الأيام فمعناه الوقت وما كان منه حكما مبتدأ فهو محمول على ما تصح إضافة الأيام إليه فمعناها إذا عين وهو ما بين الثلاثة إلى العشرة ووجه آخر وهو أنه لما كان في مفهوم لسان العرب أن اسم الأيام إذا أضيف إلى عدد لم يقع إلا على ما بين الثلاثة إلى العشرة ولا يفارق هذا العدد اسم الأيام بحال لأنك إذا قلت أحد عشر لم تقل أياما وإنما تقول أحد عشر يوما وكذلك إذا أطلقت أيام الشهر فقلت ثلاثين لم يحسن عليه اسم الأيام وقلت ثلاثين يوما فلما كان اسم الأيام مع ذكر العدد المضاف لا يقع إلا على ما بين الثلاثة إلى العشرة علمنا أنها حقيقة فيه محمولة على حقيقته ولا تصرف عنه إلى غيره إلا بدلالة لأنه مجاز من حيث جاز أن ينفى عنه اسم الأيام بحال وهو إذا عين عدده أضيفت الأيام إليه* فإن قيل لما قال دعى الصلاة أيام إقرائك فجعل الأيام وأقلها* ثلاثة للإقراء وهي جمع أقله ثلاثة حصل لكل يوم قرء* قيل له المراد بقوله أيام إقرائك حيضة واحدة بدلالة أن من كانت عادتها في الحيض ما بين الثلاثة إلى العشرة مراده ذلك لا محالة ومعلوم أن المراد في مثلهما بقوله إقرائك حيضة واحدة فكذلك من لا عادة لها ويدل على ذلك قوله ثم اغتسلي وتوضأى لكل صلاة ومعلوم أن مراده عند مضى كل حيضة فعلمنا أن المراد بقوله أيام إقرائك أيام حيضة وأيضا قال في حديث الأعمش الذي ذكرنا أيام محيضك وفي غيره أيام حيضك وقال فلتدع الصلاة الأيام والليالى التي كانت
تقعد وقال نقصان دينهن تمكث إحداهن الأيام والليالى لا تصلى ولم يذكر الإقراء في هذه الأخبار وإنما ذكر الحيض فوجب بمقتضاها أن يكون الحيض أياما وأن ما لا يقع عليه اسم الأيام فليس بحيض لأنه صلّى الله عليه وسلّم قصد إلى بيان حكم جميع النساء في الحيض وقد حدث محمد بن شجاع قال حدثنا يحيى بن أبى بكير قال حدثنا إسرائيل عن عثمان بن سعيد عن عبد الله بن أبى مليكة عن فاطمة بنت أبى حبيش ذكرت قصتها فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعائشة(مرى فاطمة فلتمسك كل شهر عدد أيام إقرائها ثم تغتسل) فأبان في هذا الحديث عن مراده بذكر الإقراء وإنها حيضة في كل شهر لأنه قال تمسك كل شهر عدد أيام إقرائها وقد أخبر في حديث آخر أن عادة النساء في كل شهر حيضة واحدة بقوله لحمنة تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر فإن قيل كيف يجوز أن تسمى الحيضة الواحدة إقراء والحيضة الواحدة إنما هي قرء واحد فينبغي أن تكون الإقراء اسما لجماعة حيض* قيل له لما كان القراء اسما لدم الحيض جاز أن تسمى الحيضة الواحدة إقراء على أنها عبارة عن أجزاء الدم كما يقال ثوب أخلاق يراد به العبارة عن كل قطعة منه وقال الشاعر :
جاء الشتاء وقميصي أخلاق |
شراذم يضحك منه التواق |
فسمى القميص الواحد أخلاقا لأنه أراد العبارة عن كل قطعة منه كذلك جاز أن تسمى الحيضة الواحدة إقراء عبارة بها عن أجزاء الدم* فإن قيل أن اسم الأيام قد يقع على* يومين فيجب أن يجعل أقل الحيض يومين لوقوع الاسم عليها* قيل له إنما يطلق اسم الأيام عليهما مجازا وحقيقتها ثلاثة فما فوقها وحكم اللفظ أن يحمل على حقيقته حتى تقوم الدلالة على جواز صرفه إلى المجاز ودليل آخر وهو أن مدة أقل الحيض وأكثره لما لم يكن لنا سبيل إلى إثبات مقدارها من طريق المقابيس وكان طريقها التوقيف أو الاتفاق على ما تقدم من بيانه في هذا الباب ثم اتفق الجميع على أن الثلاث حيض وكذلك العشر واختلفوا فيما دون الثلاث وفوق العشر أثبتنا ما اتفقوا عليه ولم نثبت ما اختلفوا فيه لعدم ما يوجبه من توقيف أو اتفاق* فإن قيل فقد اتفق الجميع على أن المبتدأة تترك الصلاة في أول ما ترى الدم وإن كانت رؤيته يوما وليلة فدل على أن اليوم والليلة حيض ومن ادعى أن ذلك الدم لم يكن حيضا احتاج إلى دلالة لأنه قد حكم له بحكم الحيض بديا فلا
ينقض هذا الحكم إلا بدلالة توجب نقضه وهذا يوجب أن يكون الحيض يوما وليلة* قيل له وقد اتفقوا على أنها تترك الصلاة إذا رأته وقت صلاة فينبغي أن يكون ذلك دليلا على أن مدة الحيض وقت صلاة فلما لم يدل أمرنا إياها بترك الصلاة إذا رأت الدم وقت صلاة على أن أقل الحيض وقت صلاة بل كان حكم ذلك الدم مراعى منتظرا به استكمال مدة الحيض على اختلافهم فيها كذلك اليوم والليلة* فإن قيل لما قال الله تعالى( وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَ ) فقد أوجب علينا الرجوع إلى قولها حين وعظها بترك الكتمان* قيل له ليس هذا من مسألتنا في شيء وإنما هو كلام في قبول خبرها إذا أخبرت عما خلق الله في رحمها ونحن نجعل القول قولها في ذلك وأما الحكم بأن ذلك الدم حيض أو ليس بحيض فليس ذلك إليها لأن ذلك حكم وليس الحكم مخلوقا في رحمها فنرجع إلى قولها* قال أبو بكر وجميع ما قدمنا من ذلك منتظم دلالة على بطلان قول من حد مقدار أقل الحيض بيوم وليلة وعلى بطلان قول من لم يجعل لقليل الحيض ولا لكثيرة مقدارا معلوما وعلى فساد قول من اعتبر عادة نسائها ويدل على بطلان قول من أسقط اعتبار المقدار في قليله وكثيره أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون الحيض هو الدم الموجود منها فيجب على هذه القضية أن لا تكون في الدنيا مستحاضة لوجود الدم وكون جميعه حيضا وقد علمنا بطلان ذلك بالسنة واتفاق الأمة فإن فاطمة بنت أبى حبيش قالت للنبي صلّى الله عليه وسلّم إنى أستحاض فلا أطهر فأخاف أن لا يكون لي في الإسلام حظ واستحيضت حمنة سبع سنين فلم يقل الشارع لهما أن جميع ذلك حيض بل أخبرهما أن منه ما هو حيض ومنه ما هو استحاضة فلا بد من أن يكون لما كان منه حيضا مقدار موقت وهو ما أخبر عن مقداره بذكر الأيام ويلزم أيضا من لا يجعل لأقل الحيض ولا لأكثره مقدارا معلوما أن يجعل دم المبتدأة إذا استمر بها كله حيضا وإن رأته سنة لفقد عادة الحيض منها ووجود الدم في رحمها وهذا خلف من القول متفق على بطلانه* فإن قيل لما كان النفاس مثل* الحيض فيما يتعلق به من الحكم ولم يكن لأقله حد معلوم فكذلك الحيض* قيل له إنما* أثبتنا ذلك نفاسا بالاتفاق ولم نقس عليه الحيض إذ ليس طريق إثباته المقاييس* وقد احتج الفريقان من مثبتى القليل والكثير من الدم حيضا وممن قدره بيوم وليلة بقوله تعالى( فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ) وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم (إذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة) إذ كان
ظاهره يقتضى القليل والكثير لأنه ليس في اللفظ توقيت فإذا رأت الدم يوما وليلة فقد تناوله الظاهر فيقال لهم إنما يجب أن يثبت ذلك حيضا حتى يعتزلها فيه إذ ليس في اللفظ دلالة على كيفية الحيض ولا على معناه وصفته فإذا ثبت أنه حيض حينئذ أجرى فيه حكم الآية والخبر ومتى اختلفوا فيه لم يكن في هذه الآية دليل على معناه ودعوى الخصم تكون دليلا في المسألة* فإن قيل قد بين الشارع علامة دم الحيض وصفته بما يغنى عن اعتبار المقدار معه بقوله دم الحيض هو الأسود المحتدم فمتى وجد الدم بهذه الصفة كان حيضا* قيل له لا خلاف أن الدم الذي ليست هذه صفته قد يكون حيضا إذا رأته في أيامها أو رأته وهي مبتدأة وقد يوجد على هذه الصفة بعد أيامها أو في أيامها فيكون ما في أيامها منه حيضا وما بعد أيامها استحاضة فغير جائز أن يكون النبي صلّى الله عليه وسلّم جعل وجود هذه الصفة علما للحيض ودليلا عليه وهي توجد مع عدمه وتعدم مع وجوده وإنما وجه ذلك عندنا أنه علم ذلك من حال امرأة بعينها وإن حيضها أبدا يكون بهذه الصفة فأخبر عن حكمها خاصة دون غيرها فلم يجز اعتباره في غيرها* وقد احتج الفريقان أيضا من مثبتى مقدار أقل الحيض يوما وليلة ومن نافى تقديره بقوله تعالى( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً ) فزعم من أسقط اعتبار المقدار أنه لما وصف الحيض بكونه أذى فحيثما وجد الأذى فهو حيض بغير اعتبار التوقيف إذ ليس في الآية ذكر المقدار ومن قال باليوم والليلة يقول إن ظاهره يقتضى وجود الأذى في اليوم والليلة حيضا وفيما دونه وخصصنا ما دونه بدلالة فبقى حكم اللفظ في اليوم والليلة فيقال لهم ينبغي أن يثبت الحيض أو لا حتى تثبت هذه الصفة وهي كونه أذى لأنه تعالى إنما جعل الحيض أذى ولم يجعل الأذى حيضا وقد علمنا أنه ليس كل أذى حيضا وأن كل حيض أذى كما أنه ليس كل نجاسة حيضا وإن كان كل حيض نجاسة فوجب أن يثبت الحيض حتى يكون أذى وأيضا معلوم أنه لو كان مراده أن يجعل الأذى اسم المحيض أنه لم يرد به أن كل أذى حيض لأن سائر ضروب الأذى ليست بحيض فيحصل حينئذ المراد أذى منكرا إذ يحتاج في معرفته إلى دلالة من غيره حتى إذا حصلت لنا معرفته حكمنا فيه بحكم الحيض وأيضا فإن الأذى اسم مشترك يقع على أشياء مختلفة المعاني وما كان هذا وصفه من الأسماء فليس يجوز أن يكون عموما واحتج بعض من جعل أكثر الحيض خمسة عشر يوما أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال ما رأيت ناقصات
عقل ودين أغلب لعقول ذوى الألباب منهن * فقيل وما نقصان دينهن فقال تمكث إحداهن نصف عمرها لا تصلى قال وهذا يدل على أن الحيض خمسة عشر يوما ويكون الطهر خمسة عشر يوما لأنه أقل الطهر فيكون الحيض نصف عمرها ولو كان أكثر الحيض أقل من ذلك لم توجد امرأة لا تصلى نصف عمرها* فيقال له لم يرو أحد نصف عمرها وإنما روى على وجهين أحدهما شطر عمرها والآخر تمكث إحداهن الأيام والليالى تصلى فأما ذكر نصف عمرها فلم يوجد في شيء من الأخبار وقوله شطر عمرها لا دلالة فيه على أنه أراد النصف لأن الشطر هو بمنزلة قوله طائفة وبعض ونحو ذلك قال الله تعالى( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) وإنما أراد ناحيته وجهته ولم يرد نصفه وقد بين مقدار ذلك الشطر في قوله صلّى الله عليه وسلّم تمكث إحداهن الأيام والليالى لا تصلى فوجب أن لا يكون هو المراد دون غيره ومع ذلك فإنه لا يوجد في الدنيا امرأة تكون حائضا نصف عمرها لأن ما مضى من عمرها قبل البلوغ من عمرها وهو طهر بلا حيض فلو جاز أن يكون الحيض بعد البلوغ خمسة عشر يوما إلى انقضاء عمرها وكان طهرها مع ذلك خمسة عشر لما حصل الحيض نصف عمرها* فعلمنا بطلان قول من زعم أن حيضها قد يكون نصف عمرها.
ذكر الاختلاف في أقل مدة الطهر
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري والحسن بن صالح والشافعى أقل الطهر خمسة عشر يوما وهو قول عطاء وأما مالك بن أنس فإنه لا يوقت فيه شيئا في إحدى الروايات وفي رواية عبد الملك بن حبيب عنه أن الطهر لا يكون أقل من خمسة عشر وقال الأوزاعى قد يكون الطهر أقل من خمسة عشر ويرجع فيه إلى مقدار طهر المرأة قبل ذلك وقد حكى عن الشافعى أنه إن علم أن طهر المرأة أقل من خمسة عشر جعل القول قولها وذكر الطحاوي عن أبى عمران عن يحيى بن أكثم أنه قال أقل الطهر تسعة عشر يوما واحتج فيه بأن الله تعالى جعل عدل كل حيضة وطهر شهرا والحيض في العادة أقل من الطهر فلم يجز أن يكون الحيض خمسة عشر فوجب أن يكون عشرة وأن يكون باقى الشهر طهرا وهو تسعة عشر لأن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يوما وقد حكينا عن سعيد بن جبير أن الطهر أقله ثلاثة عشر يوما والدليل على أن أقله خمسة عشر يوما أنه لما كان أكثر الحيض
عشرة أيام وقد جعل الله تعالى الشهر الواحد بدلا من حيض وطهر وجب أن يكون الطهر أكثر منه لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لحمنة تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر فأثبت الست أو السبع حيضا وجعل في الشهر طهرا اقتضى ذلك أن يكون هذا حكم جميع النساء ما لم تقم الدلالة على خمسة عشر يوما ولم تقم على عشرة ولا على ثلاثة عشر فلا يكون ذلك طهرا صحيحا وأيضا لما كان الطهر من الحيض يلزم به الصلوات أشبه الإقامة فلما كان أقل الإقامة عندنا خمسة عشر يوما ولم يكن لأكثرها غاية وجب أن يكون الطهر من الحيض كذلك وأيضا فإن طريق إثبات مقدار الطهر التوقيف أو الاتفاق وقد ثبت باتفاق فقهاء السلف أن خمسة عشر يكون طهرا صحيحا واختلفوا فيما دونها وقفنا عند الاتفاق ولم نثبت ما دونها طهرا لعدم التوقيف والاتفاق فيه وأما ما حكى عن يحيى بن أكثم من تقديره الطهر تسعة عشر يوما فإنه يفسد من وجوه أحدها أن اتفاق السلف قد سبقه في كون الطهر خمسة عشر فلا يكون خلافا عليهم ولأن من تقدمه اختلفوا فيه على ثلاثة أوجه قال عطاء خمسة عشر يوما وقال سعيد بن جبير ثلاثة عشر يوما وقال مالك في بعض الروايات خمسة عشر وفي بعضها عشرة ولم يقل أحد منهم تسعة عشر ويفسد من جهة أنه أثبت له مقدارا من غير توقيف ولا اتفاق وذلك غير جائز فيما هذا وصفه وأما احتجاجه بما قدمنا ذكره فلا معنى له ولا يوجب ما ذكرنا وذلك لأنه معلوم أن ما أقامه الله من الشهر الواحد مقام حيضة وطهر غير مانع وجود حيضة وطهر في أقل من شهر لأنه لو كان حيضها ثلاثة أيام حصل لها حيضة وطهر في أقل من شهر وإذا لم يدل إيجاب الله تعالى شهرا عن حيضة وطهر على وجود حيضة وطهر في أقل منه وجاز نقصان الحيض عن عشرة حتى تستوفى لها حيضة وطهر في أقل من شهر وتنقضي عدتها بالحيض في أقل من ثلاثة أشهر وإن لم يجز أن تنقضي عدتها إذا كانت بالشهور في أقل من ثلاثة أشهر لم يمتنع أن ينقص الطهر بعد استيفاء الحيضة عشرا فيكون أقل من تسعة عشر يوما فبان بما وصفنا أن ما ذكره ليس بدليل على وجوب الاقتصار في أقل الطهر على تسعة عشر يوما وإنما يدل ذلك على أن الطهر قد يكون هذا القدر ولا دلالة فيه على أنه لا يكون أقل منه والله أعلم.
ذكر الاختلاف في الطهر العارض في حال الحيض
قال أصحابنا جميعا فيمن ترى يوما دما ويوما طهرا أن ذلك كدم متصل وكذلك قال
أبو يوسف إذا كان الطهر بين الدمين أقل من خمسة عشر فهو كدم متصل وقال محمد إذا كان الطهر الذي بين الدمين أقل من ثلاثة أيام فهو كدم متصل وإذا كان ثلاثة أيام أو أكثر من العشرة فإنه ينظر إلى الدمين والطهر الذي بينهما فإن كان الطهر أكثر منهما فصل بين الدمين وإن كانا سواء أو أقل فهو كدم متصل ومتى كان الطهر أكثر من الدمين ففصل بينهما اعتبر كل واحد من الدمين بنفسه فإن كان الأول منهما ثلاثة أيام فإنه يكون حيضا وكذلك إن لم يكن الأول ثلاثا وكان الآخر منهما ثلاثا فالآخر حيض وإن لم يكن واحد منهما ثلاثا فليس واحد منهما بحيض وقال مالك إذا رأت يوما دما ويوما طهرا أو يومين ثم رأت دما كذلك فإنه تلغى أيام الطهر وتضم أيام الدم بعضها إلى بعض فإن دام بها ذلك استظهرت بثلاثة أيام على أيام حيضها فإن رأت في خلال أيام الاستظهار أيضا طهر ألغاه حتى يحصل ثلاثة أيام دم الاستظهار وأيام الطهر تصلى وتصوم ويأتيها زوجها ويكون ما جمع من أيام الدم بعضه إلى بعض حيضة واحدة ولا يعتد بأيام الطهر في عدة من طلاق فإذا استظهرت بثلاثة أيام بعد أيام حيضها تتوضأ لكل صلاة وتغتسل كل يوم إذا انقطع عنها من أيام الطهر وإنما أمرت بالغسل لأنها لا تدرى لعل الدم لا يرجع إليها وحكى الربيع عن الشافعى نحو ذلك* قال أبو بكر معلوم أن الحائض لا ترى الدم أبدا سائلا وكذلك المستحاضة إنما تراه في وقت وينقطع في وقت ولا خلاف أن انقطاع دمها ساعة ونحوها لا يخرجها من حكم الحيض في وقت رؤية الطهر وانقطاع الدم في مثل هذا الوقت وإن ذلك كله كدم متصل كما قالوا جميعا في انقطاعه ساعة ونحوها ولأن الطهر الذي بينهما ليس بطهر صحيح عند الجميع لأن أحدا لا يجعل الطهر الصحيح يوما ولا يومين ولم يقل أحد أن الطهر الذي بين الحيضتين يكون أقل من عشرة أيام على ما بيناه فيما سلف وأيضا لو كان طهر اليوم واليومين الذي بين الدمين طهرا يوجب الصلاة والصوم لوجب أن يكون كل واحد من الدمين حيضة تامة فلما اتفق الجميع على أن هذا القدر من الطهر غير معتد به في الفصل بين الدمين وجعل كل واحد منهما حيضة تامة وجب أن يسقط حكمه ويصير مع ما قبله وبعده من الدم كدم متصل* وقد اختلف في الصفرة والكدرة في أيام الحيض فروى عن أم عطية الأنصارية قالت كنا لا نعتد بالصفرة ولا بالكدرة بعد الغسل شيئا واتفق فقهاء الأمصار على أن الصفرة في أيام الحيض حيض
منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والليث وعبد الله بن الحسن والشافعى واختلفوا في الكدرة فقال جميع من قدمنا ذكرهم أنها حيض في أيام الحيض وإن لم يتقدمها دم وقال أبو يوسف لا تكون الكدرة حيضا إلا بعد الدم وقد روى عن عائشة وأسماء بنت أبى بكر قالتا لا تصلى الحائض حتى ترى القصة البيضاء ولم يختلفوا في أن الكدرة حيض بعد الدم فلما كان وجودها عقيب الدم دليلا على أن الكدرة من اختلاط أجزاء الدم وجب أن يكون ذلك حكمها إذا وجدت في أيام الحيض وإن لم يتقدمها دم وأن يكون الوقت المعتاد فيه الدم دلالة على أن الكدرة من اختلاط أجزاء الدم بالبياض والدليل على أن للوقت تأثيرا في ذلك أن المرأة ترى الدم في أيام حيضها وبعدها فيكون ما رأته في أيامها حيضا وما بعد أيامها غير حيض وكان الوقت علما لكونه حيضا ودلالة عليه فكذلك يجب أن يكون الوقت دليلا على أن الكدرة من أجزاء دم الحيض وأن يكون حيضا وقد اختلف في حيض المبتدأة إذا رأت الدم واستمر بها فقال أصحابنا وجميعا عشرة منها حيض وما زاد فهو استحاضة إلى آخر الشهر فيكون حيضها عشرة وطهرها عشرين ولم يذكر عنهم خلاف في الأصول وقال بشر بن الوليد عن أبى يوسف تأخذ في الصلاة بالثلاث أقل الحيض وفي الزوج بالعشرة ولا تقضى صوما عليها إلا بعد العشرة وتصوم العشر من رمضان وتقضى سبعا منها وقال إبراهيم النخعي تقعد مثل أيام نسائها وقال مالك تقعد ما تقعد نحوها من النساء ثم هي مستحاضة بعد ذلك وقال الشافعى حيضها أقل ما يكون يوما وليلة والدليل على صحة القول الأول اتفاق الجميع على أنها مأمورة بترك الصلاة إلى أكثر الحيض على اختلافهم فيه فصارت محكوما لها بحكم الحيض في هذه الأيام ومثلها يجوز أن يكون حيضا فوجب أن تكون العشرة كلها حيضا لوقوع الحكم لها بذلك وعدم عادتها لخلافه ألا ترى أن الكل يقولون إن الدم لو انقطع عن العشرة لكان كله حيضا فثبت أن العشرة محكوم لها فيها لحكم الحيض وغير جائز نقض ذلك إلا بدلالة وأيضا فلو كان ما زاد على الأقل مشكوكا فيه بعد وجود الزيادة على الأكثر لكان الأولى أن لا ينقض ما حكمنا به حيضا بالشك ألا ترى أنه صلّى الله عليه وسلّم حكم للشهر الذي يغم الهلال في آخره بثلاثين بقوله فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين لما كان ابتداء الشهر يقينا لم يحكم بانقضائه بالشك فإن قيل فمن كانت لها عادة دون العشر فزاد الدم ردت إلى أيام
«3 ـ أحكام في»
عادتها ولم يكن حكمنا لها بديا في الزيادة بحكم الحيض مانعا من اعتبار أيامها وكذلك من رأت الدم في أول أيامها كانت مأمورة بترك الصلاة ولو دون الثلاث فإن انقطع ما دون الثلاث حكمنا بأن ما رأته لم يكن حيضا وإن تم ثلاثا كان حيضا قيل له أما التي كان لها أيام معروفة فإن حكم الزيادة لم يقع إلا مراعى معتبرا بانقطاعه في العشرة لقوله صلّى الله عليه وسلّم المستحاضة تدع الصلاة أيام إقرائها فاقتضى ذلك كون الزيادة مراعاة لعلمنا بأن لها أياما معروفة وأما المبتدأة فلم يكن لها قبل ذلك أيام يجب اعتبارها فلذلك كانت رؤيتها الدم في العشرة غير مراعاة بل عندنا أن ما رأته المبتدأة في العشرة فهو كالعادة يصير ذلك أياما لها في العدد والوقت وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون الدم الذي رأته المبتدأة في العشر مراعى بل واجب أن يحكم لها فيه بحكم الحيض إذ كان مثله يكون حيضا وأما من رأت الدم في أول أيامها وحكمنا لها فيه بحكم الحيض في باب الأمر بترك الصلاة والصيام ثم انقطاعه دون الثلاث يخرجه عن كونه حيضا فلأن ذلك وقع مراعى في الابتداء لعلمنا بأن لأقل الحيض مقدارا متى قصر عنه لم يكن الدم الذي رأته حيضا فمن أجل ذلك وقع مراعى وليس للمبتدأة بعد رؤيتها للدم ثلاثا حال يجب مراعاتها فوجب أن تكون العشرة كلها حيضا لعدم الدلالة الموجبة للاقتصار به على ما دونها وأما أبو يوسف فإنه جعلها بمنزلة من كان حيضها خمسا أو ستا فكانت شاكة في الستة وقالوا جميعا أنها تأخذ بالأقل في الصلاة وكذلك الميراث والرجعة وتأخذ في الأزواج بالأكثر احتياطا وكذلك المبتدأة* قال أبو بكر وليس هذا نظيرا لمسألتنا من قبل أن هذه قد كانت لها أيام معلومة وقد تيقنا الخمسة وشككنا في الستة فاحتطنا لها في الصلاة والصوم واحتطنا أيضا في الأزواج فلم نبحها لهم بالشك والمبتدأة ليس لها أيام يجب اعتبارها فما رأته من الدم الذي يكون مثله حيضا فهو حيض ولا معنا لردها إلى أقل الحيض إذ ليس معنا دلالة توجب ذلك ويفسد هذا القول أيضا من جهة أن أقل الحيض ليس بعادة لها فلا فرق بينه وبين ما زاد عليه في امتناع وجوب الرد إليه فوجب حينئذ اعتبار الأكثر لوقوع الحكم بكونه حيضا وعدم الدلالة على نقض هذا الحكم ويدل أيضا على صحة قول أبى حنيفة أن الله تعالى جعل عدة الآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر بدلا من الحيض فجعل مكان كل حيضة وطهر شهرا فدل ذلك على أنه إذا استمر بها الدم ولم تكن لها عادة فواجب أن تستوفى لها حيضة وطهر
ومعلوم أنه ليس لأكثر الطهر حد معلوم ولأكثر الحيض مقدار معلوم فوجب أن يستوفى لها أكثر الحيض ويكون بقية الشهر طهرا لأنه ليس مقدار من الطهر في بقية الشهر بالاعتبار أولى من غيره فوجب أن يكون المعتبر من الطهر لبقية الشهر هو الذي يبقى بعد أكثر الحيض ألا ترى أنك إذا نقصت الحيض من العشرة احتجت أن تزيد ما نقصته منها في الطهر وليس زيادة الطهر بأن يكون خمسة أو ستة فوجب أن يعتبر أكثر الحيض ويجعل الباقي من الشهر طهرا ويدل على وجوب استيفاء حيضة وطهر في الشهر لهذه المبتدأة قوله صلّى الله عليه وسلّم لحمنة تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر فأخبر أن عادة النساء في كل شهر حيضة وطهر* فإن قيل فهلا اعتبرت لها ستا أو* سبعا كما قال صلّى الله عليه وسلّم* قيل له لم نقل ذلك لوجوه أحدها أنا لا نعلم أحدا من أهل العلم قال ذلك في المبتدأة والثاني أن هذه كانت عادة المرأة المخاطبة بذلك أعنى ستا أو سبعا فلا يعتبر بها غيرها فاستدلالنا من الخبر بما وصفنا صحيح لأنا أردنا إثبات الحيضة والطهر في الشهر في المتعارف المعتاد وأما قول من قال أنها تقعد مثل حيض نسائها فلا معنى له لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يرد المستحاضة إلى وقت نسائها وإنما رد واحدة إلى عادتها فقال تقعد أيام إقرائها وأمر أخرى أن تقعد في علم الله ستا أو سبعا وأمر أخرى أن تغتسل لكل صلاة ولم يقل لواحدة منهن اقعدي أيام نسائك وأيضا فإن أيام نسائها والأجنبيات ومن كان دون سنها وفوقها سواء وقد يتفقن في السن مع اختلاف عاداتهن في الحيض فليس لنسائها في ذلك خصوصية دون غيرهن* وقد تنازع أهل العلم في قوله تعالى( وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَ ) فمن الناس من يقول أن انقطاع الدم يوجب إباحة وطئها ولم يفرقوا في ذلك بين أقل الحيض وأكثره ومنهم من لا يجوز وطأها إلا بعد الاغتسال في أقل الحيض وأكثره وهو مذهب الشافعى وقال أصحابنا إذا انقطع دمها وأيامها دون العشرة فهي في حكم الحائض حتى تغتسل : إذا كانت واجدة للماء أو يمضى عليها وقت الصلاة فإذا كان أحد هذين خرجت من الحيض وحل لزوجها وطؤها وانقضت عدتها إن كانت آخر حيضة وإذا كانت أيامها عشرة ارتفع حكم الحيض بمضى العشرة وتكون حينئذ بمنزلة امرأة جنب في إباحة وطء الزوج وانقضاء العدة وغير ذلك.
واحتج من أباح وطأها في سائر الأحوال عند مضى أيام حيضها وانقطاع دمها قبل
الاغتسال بقوله( وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ) وحتى غاية تقتضي أن يكون حكم ما بعدها بخلافها فذلك عموم في إباحة وطئها بانقطاع الدم كقوله تعالى( حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) فكانت هذه نهايات لما قدر بها وكان حكم ما بعدها بخلافها فكذلك قوله( حَتَّى يَطْهُرْنَ ) إذا قرئ بالتخفيف فمعناها انقطاع الدم وقالوا وقد قرئ( حَتَّى يَطْهُرْنَ ) بالتشديد وهو يحتمل ما يحتمله قوله( حَتَّى يَطْهُرْنَ ) بالتخفيف فيراد به انقطاع الدم إذ جائز أن يقال طهرت المرأة وتطهرت إذا انقطع دمها كما يقال تقطع الحبل وتكسر الكوز والمعنى انقطع وانكسر ولا يقتضى ذلك فعلا من الموصوف بذلك.
واحتج من حظر وطأها في كل حال حتى تغتسل بقوله( فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ ) فشرط في إباحته شيئين أحدهما انقطاع الدم والآخر الاغتسال لأن قوله( فَإِذا تَطَهَّرْنَ ) لا يحتمل غير الغسل وهو كقول القائل لا تعط زيدا شيئا حتى يدخل الدار فإذا دخلها وقعد فيها فأعطه دينارا فيعقل به أن استحقاق الدينار موقوف على الدخول والقعود جميعا وكقوله تعالى( فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا ) فشرط الأمرين في إحلالها للأول فلا تحل له فأحدهما كذلك قوله تعالى( فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَ ) مشروط في إباحة الوطء المعنيان وهو الطهر الذي يكون بانقطاع الدم والاغتسال* قال أبو بكر قوله تعالى( حَتَّى يَطْهُرْنَ ) إذا قرئ بالتخفيف فإنما هو انقطاع الدم لا الاغتسال لأنها لو اغتسلت وهي حائض لم تطهر فلا يحتمل قوله( حَتَّى يَطْهُرْنَ ) إلا معنى واحدا وهو انقطاع الدم الذي به يكون الخروج من الحيض وإذا قرئ بالتشديد احتمل الأمرين من انقطاع الدم ومن الغسل لما وصفنا آنفا فصارت قراءة التخفيف محكمة وقراءة التشديد متشابهة وحكم المتشابه أن يحمل على المحكم ويرد إليه فيحصل معنى القراءتين على وجه واحد وظاهرهما يقتضى إباحة الوطء بانقطاع الدم الذي هو خرج من الحيض وأما قوله( فَإِذا تَطَهَّرْنَ ) فإنه يحتمل ما احتملته قراءة التشديد في قوله( حَتَّى يَطْهُرْنَ ) من المعنيين فيكون بمنزلة قوله( وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَ ) ويكون كلاما سائغا مستقيما كما تقول لا تطعه حتى يدخل الدار فإذا دخلها فأعطه ويكون تأكيدا لحكم الغاية وإن كان حكمنا بخلاف ما قبلها وإذا
كان للاحتمال فيه مساغ على الوجه الذي ذكرنا وكان واجبا حمل الغاية على حقيقتها فالذي يقتضيه ظاهر التلاوة إباحة وطئها بانقطاع الدم الذي يخرج به من الحيض ومن جهة أخرى فيها احتمال وهو أن يكون معنى قوله( فَإِذا تَطَهَّرْنَ ) فإذا حل لهن أن يتطهرن بالماء أو التيمم كقوله إذا غابت الشمس فقد أفطر الصائم معناه قد حل له الإفطار وقوله من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل معناه فقد جاز له أن يحل وكما يقال للمطلقة إذا انقضت عدتها أنها قد حلت للأزواج ومعناه قد حل لها أن تتزوج وعلى هذا المعنى قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لفاطمة بنت قيس إذا حللت فآذنينى وإذا احتمل ذلك لم تزل الغاية عن حقيقتها بحظر الوطء بعدها وأما قوله تعالى( فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) فإن الغاية في هذا الموضع مستعملة على حقيقتها ونكاح الزوج وهو وطؤه إياها هو الذي يرفع التحريم الواقع بالثلاث ووطء الزوج الثاني مشروط لذلك وقد ارتفع ذلك بالوطء قبل طلاقه إياها وطلاق الزوج الثاني غير مشروط في رفع التحريم الواقع بالثلاث فإذا لا دليل للشافعي في الآية على الحد الذي ذكرنا على صحة مذهبه ولا على نفى قول مخالفيه وأما على مذهبنا فإن الآية مستعملة على ما احتملت من التأويل على حقيقتها في الحالتين اللتين يمكن استعمالهما فنقول إن قوله( يَطْهُرْنَ ) إذا قرئ بالتخفيف فهو مستعمل على حقيقته فيمن كانت أيامها عشرا فيجوز للزوج استباحة وطئها بمضى العشر وقوله يطهرن بالتشديد( فَإِذا تَطَهَّرْنَ ) مستعملان في الغسل إذا كانت أيامها دون العشر ولم يمض وقت الصلاة لقيام الدلالة على أن مضى وقت الصلاة يبيح وطئها على ما سنبينه فيما بعد ولا يكون فيه استعمال واحد من الفعلين على المجاز بل مستعملان على الحقيقة في الحالين* فإن* قيل هلا كانت القراءتان كالآيتين تستعملان معا في حال واحدة* قيل له لو جعلناهما كالآيتين كان ما ذكرنا أولى من قبل أنه لو وردت آيتان تقتضي إحداهما انقطاع غاية الدم لإباحة الوطء والأخرى تقتضي الغسل غاية لها لكان الواجب استعمالهما على حالين على أن تكون كل واحدة منهما مقرة على حقيقتها فيما اقتضته من حكم الغاية ولا يمكن ذلك إلا باستعمالهما في حالين على الوجه الذي بينا ولو استعملناهما على ما يقول المخالف كان فيه إسقاط إحدى الغايتين لأنه يقول إنها وإن طهرت وانقطع دمها لم يحل له أن يطأها حتى تغتسل فلو جعلنا ذلك دليلا مبتدأ كان سائغا مقنعا وإنما اعتبر أصحابنا فيمن
كان أيامها دون العشر فانقطع دمها بما وصفنا من قبل أنه جائز أن يعاودها الدم فيكون حيضا إذ ليس كل طهر تراه المرأة يكون طهرا صحيحا لأن الحائض ترى الدم سائلا مرة ومنقطعا مرة فليس في انقطاعه في وقت يجوز أن يكون حائضا فيه وقوع الحكم بزوال الحيض فقالوا إن انقطاع الدم فيمن وصفنا حالها معتبر بأحد شيئين إما بالاغتسال فيزول عنها حكم الحيض بالاتفاق وباستباحتها الصلاة وذلك ينافي حكم الحيض أو بمضى وقت صلاة فيلزمها فرض الصلاة ولزوم فرضها مناف لبقاء حكم الحيض إذ غير جائز أن يلزم الحائض فرض الصلاة فإذا انتفى حكم الحيض وثبت حكم الطهر ولم يبق إلا الاغتسال لم يمنع الوطء بمنزلة امرأة جنب جائز لزوجها وطؤها وعلى هذا المعنى عندنا ما روى عن الصحابة في اعتبار الاغتسال في انقضاء العدة وقد روى عيسى الخياط عن الشعبي عن ثلاثة عشر رجلا من الصحابة الخبر فالخبر منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس قالوا الرجل أحق بامرأته ما لم تغتسل من حيضتها الثالثة وروى مثله عن على وعبادة بن الصامت وأبى الدرداء وأما إذا كانت أيامها عشرة فإنه غير جائز عندنا وجود الحيض بعد العشرة فوجب الحكم بانقضائه لامتناع جواز بقاء حكمه والله تعالى إنما منع من وطء الحائض أو ممن يجوز أن يكون حائضا فأما مع ارتفاع حكم الحيض وزواله فهو غير ممنوع من وطء زوجته لأنه تعالى قال( فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ) وقد طهرت لا محالة ألا ترى أنها منقضية العدة إن كانت معتدة وأن حكمها حكم سائر الطاهرات ولا تأثير لوجوب الاغتسال عليها في منع وطئها على ما بيناه* فإن قيل إذا انقطع دمها فيما دون العشرة فقد وجب عليها الغسل ولزوم الغسل ينافي بقاء حكم الحيض إذ غير جائز لزوم الغسل على الحائض كما قلت في لزوم فرض الصلاة* قيل له إذا كان الغسل من موجبات الحيض فلزومه غير مناف لحكمه وبقائه ألا ترى أن السلام لما كان من موجبات تحريمة الصلاة لم يكن لزومه بانتهائه إلى آخرها نافيا لبقاء حكمها وكذلك الحلق لما كانت من موجبات الإحرام لم يكن لزومه نافيا لبقاء إحرامه ما لم يحلق كذلك الغسل لما كان من موجبات الحيض لم يكن وجوبه عليها مانعا من بقاء حكم الحيض وأما الصلاة فليست من موجبات الحيض وإنما هو حكم آخر يختص لزومه بالطاهر من النساء دون الحائض ففي لزومها نفى لحكم الحيض وقوله( حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ ) لما احتمل
الغسل صار كقوله( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) ويدل على أن على الحائض الغسل بعد انقضاء حيضها وقد روى ذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم واتفقت الأمة عليه* قوله تعالى( فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ ) قال أبو بكر هو إطلاق من حظر وإباحة وليس هو على الوجوب كقوله تعالى( فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا ) وهو إباحة وردت بعد حظر وقوله( مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ ) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس يعنى في الفرج وهو الذي أمر بتجنبه في الحيض في أول الخطاب في قوله( فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ) وقال السدى والضحاك من قبل الطهر دون الحيض وقال ابن الحنفية من قبل النكاح دون الفجور* قال أبو بكر هذا كله مراد الله تعالى لأنه مما أمر* الله به فانتظمت الآية جميع ذلك* قوله( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) روى عن عطاء المتطهرين بالماء للصلاة وقال مجاهد المتطهرين من الذنوب قال أبو بكر المتطهرين بالماء أشبه لأنه قد تقدم في الآية ذكر الطهارة فالمراد بها الطهارة بالماء للصلاة في قوله( فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَ ) فالأظهر أن يكون قوله( وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) مدحا لمن تطهر بالماء للصلاة وقال تعالى( فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) وروى أنه مدحهم لأنهم كانوا يستنجون بالماء وقوله تعالى( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) الحرث المزدرع وجعل في هذا الموضع كناية عن الجماع وسمى النساء حرثا لأنهن مزدرع الأولاد وقوله( فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) يدل على أن إباحة الوطء مقصورة على الجماع في الفرج لأنه موضع الحرث واختلف في إتيان النساء في أدبارهن فكان أصحابنا يحرمون ذلك وينهون عنه أشد النهى وهو قول الثوري والشافعى فيما حكاه المزني قال الطحاوي وحكى لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنه سمع الشافعى يقول ما صح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في تحريمه ولا تحليله شيء والقياس أنه حلال وروى أصبغ بن الفرج عن ابن القاسم عن مالك قال ما أدركت أحدا أقتدى به في ديني يشك فيه أنه حلال يعنى وطء المرأة في دبرها ثم قرأ( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) قال فأى شيء أبين من هذا وما أشك فيه قال ابن القاسم فقلت لمالك بن أنس أن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدثنا عن الحارث بن يعقوب عن أبى الحباب سعيد بن يسار قال قلت لابن عمر ما تقول في الجواري أنحمض لهن فقال وما التحميض فذكرت الدبر قال ويفعل ذلك أحد من
المسلمين فقال مالك فأشهد على ربيعة بن أبى عبد الرحمن يحدثني عن أبى الحباب سعيد ابن يسار أنه سأل ابن عمر عنه فقال لا بأس به قال ابن القاسم فقال رجل في المجلس يا أبا عبد الله فإنك تذكر عن سالم أنه قال كذب العبد أو كذب العلج على أبى يعنى نافعا كما كذب عكرمة على ابن عباس فقال مالك وأشهد على يزيد بن رومان يحدثني عن سالم عن أبيه أنه كان يفعله قال أبو بكر قد روى سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن ابن عمر أن رجلا أتى امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك فأنزل الله تعالى( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ ) إلا أن زيد بن أسلم لا يعلم له سماع من ابن عمر وروى الفضل بن فضالة عن عبد الله بن عباس عن كعب بن علقمة عن أبى النضر أنه قال لنافع مولى ابن عمر أنه قد أكثر عليك القول إنك تقول عن ابن عمر أنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن قال نافع كذبوا على أن ابن عمر عرض المصحف يوما حتى بلغ( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ) فقال يا نافع هل تعلم من أمر هذه الآية قلت لا قال إنا كنا معشر قريش نجبى النساء وكانت نساء الأنصار قد أخذن عن اليهود إنما يؤتين على جنوبهن فأنزل الله هذه فهذا يدل على أن السبب غير ما ذكره زيد بن أسلم عن ابن عمر لأن نافعا قد حكى عنه غير ذلك السبب وقال ميمون بن مهران أيضا قال ذلك نافع يعنى تحليل وطء النساء في أدبارهن بعد ما كبر وذهب عقله قال أبو بكر المشهور عن مالك إباحة ذلك وأصحابه ينفون عنه هذه المقالة لقبحها وشناعتها وهي عنه أشهر من أن يندفع بنفيهم عنه وقد حكى محمد بن سعيد عن أبى سليمان الجوزجاني قال كنت عند مالك بن أنس فسئل عن النكاح في الدبر فضرب بيده إلى رأسه وقال الساعة اغتسلت منه وقد رواه عنه ابن القاسم على ما ذكرنا وهو مذكور في الكتب الشرعية ويروى عن محمد بن كعب القرظي أنه كان لا يرى بذلك بأسا ويتأول فيه قوله تعالى( أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ ) مثل ذلك إن كنتم تشتهون وروى عن ابن مسعود أنه قال محاش النساء حرام وقال عبد الله بن عمرو هي اللوطية الصغرى وقد اختلف عن ابن عمر فيه فكأنه لم يرو عنه فيه شيء لتعارض ما روى عنه فيه وظاهر الكتاب يدل على أن الإباحة مقصورة على الوطء في الفرج الذي هو موضع الحرث وهو الذي يكون منه الولد وقد رويت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم آثار كثيرة في تحريمه رواه خزيمة بن ثابت وأبو هريرة وعلى بن طلق كلهم عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال (لا تأتوا النساء
في أدبارهن) وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال هي اللوطية الصغرى يعنى إتيان النساء في أدبارهن وروى حماد بن سلمة عن حكيم الأثرم عن أبى تميمة عن أبى هريرة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال (من أتى حائضا أو امرأته في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد) وروى ابن جريج عن محمد بن المنكدر عن جابر أن اليهود قالوا للمسلمين من أتى امرأته وهي مدبرة جاء ولده أحول فأنزل الله تعالى( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (مقبلة ومدبرة ما كان في الفرج) وروت حفصة بنت عبد الرحمن عن أم سلمة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال في صمام واحد وروى مجاهد عن ابن عباس مثله في تأويل الآية قال يعنى كيف شئت في موضع الولد وروى عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (لا ينظر الله إلى الرجل أتى امرأته في دبرها) وذكر ابن طاوس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن الذي يأتى امرأته في دبرها فقال هذا يسألنى عن الكفر وقد روى عن ابن عمر في قوله( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ) قال كيف شئت إن شئت عزلا أو غير عزل رواه أبو حنيفة عن كثير الرياح الأصم عن ابن عمر وروى نحوه عن ابن عباس وهذا عندنا في ملك اليمين وفي الحرة إذا أذنت فيه وقد روى ذلك على ما ذكرنا من مذهب أصحابنا عن أبى بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وابن عباس وآخرين غيرهم* فإن قيل قوله عز وجل( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) يقتضى إباحة وطئهن في الدبر لورود الإباحة مطلقة غير مقيدة ولا مخصوصة قيل له لما قال الله تعالى( فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ ) ثم قال في نسق التلاوة( فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) أبان بذلك موضع المأمور به وهو موضع الحرث ولم يرد إطلاق الوطء بعد حظره إلا في موضع الولد فهو مقصور عليه دون غيره وهو قاض مع ذلك على قوله تعالى( إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) كما كان حظر وطء الحائض قاضيا على قوله( إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ ) فكانت هذه الآية مرتبة على ما ذكر من حكم الحائض ومن يحظر ذلك يحتج بقوله( قُلْ هُوَ أَذىً ) فحظر وطء الحائض للأذى الموجود في الحيض وهو القذر والنجاسة وذلك موجود في غير موضع الولد في جميع الأحوال فاقتضى هذا التحليل حظر وطئهن إلا في موضع الولد ومن يبيحه يجيب عن ذلك بأن المستحاضة يجوز وطؤها باتفاق من الفقهاء مع وجود الأذى هناك وهو دم الاستحاضة وهو نجس
كنجاسة دم الحيض وسائر الأنجاس ويجيبون أيضا على تخصيصه إباحة موضع الحرث باتفاق الجميع على إباحة الجماع فيما دون الفرج وإن لم يكن موضعا للولد فدل على أن الإباحة غير مقصورة على موضع الولد ويجابون عن ذلك بأن ظاهر الآية يقتضى كون الإباحة مقصورة على الوطء في الفرج وأنه هو الذي عناه الله تعالى بقوله( مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ ) إذ كان معطوفا عليه ولولا قيام دلالة الإجماع لما جاز الجماع فيما دون الفرج ولكنا سلمناه للدلالة وبقي حكم الحظر فيما لم تقم الدلالة عليه.
قوله تعالى( وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ) الآية قد قيل فيه وجهان أحدهما أن تجعل يمينه مانعة من البر والتقوى والإصلاح بين الناس فإذا طلب منه ذلك قال قد حلفت فيجعل اليمين معترضة بينه وبين ما هو مندوب إليه أو هو مأمور به من البر والتقوى والإصلاح فإن حلف حالف أن لا يفعل ذلك فليفعل وليدع يمينه ويروى ذلك عن مجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم والحسن وطاوس وهو نظير قوله تعالى( وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ ) وروى أشعث عن ابن سيرين قال حلف أبو بكر في يتيمين كانا في حجره كانا فيمن خاض في أمر عائشة أحدهما مسطح وقد شهد بدرا أن لا يصلهما وأن لا يصلهما منه خيرا فنزلت هذه الآية( وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ ) فكسا أحدهما وحمل الآخر وقد ورد معناه في السنة أيضا وقد روى أنس بن مالك وعدى بن حاتم وأبو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه) وهذا هو معنى قوله تعالى( وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ) على التأويل الذي ذكرنا لأن معناه على هذا التأويل أن لا يمنع بيمينه من فعل ما هو خير بل يفعل الذي هو خير ويدع يمينه والوجه الثاني أن يكون قوله( عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ) يريد به كثرة الحلف وهو ضرب من الجرأة على الله تعالى وابتذال لاسمه في كل حق وباطل لأن تبروا في الحلف بها وتتقوا المأثم فيها وروى نحوه عن عائشة من أكثر ذكر شيء فقد جعله عرضة يقول القائل قد جعلتني عرضة للوم وقال الشاعر لا تجعلينى عرضة اللوائم وقد ذم الله تعالى مكثرى الحلف بقوله( وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ) فالمعنى لا تعترضوا اسم الله وتبذلوه في كل شيء لأن تبروا إذا حلفتم وتتقوا المآثم فيها إذا قلت أيمانكم لأن كثرتها تبعد من البر والتقوى
وتقرب من المآثم والجرأة على الله تعالى فكان المعنى أن الله ينهاكم عن كثرة الأيمان والجرأة على الله تعالى لما في توقى ذلك من البر والتقوى والإصلاح فتكونون بررة أتقياء لقوله( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) وإذا كانت الآية محتملة للمعنيين وليسا متضادين فالواجب حملها عليهما جميعا فتكون مفيدة لحظر ابتذاله اسم الله تعالى واعتراضه باليمين في كل شيء حقا كان أو باطلا ويكون مع ذلك محظورا عليه أن يجعل يمينه عرضة مانعة من البر والتقوى والإصلاح وإن لم يكثر بل الواجب عليه أن لا يكثر اليمين ومتى حلف لم يحتجر بيمينه عن فعل ما حلف عليه إذا كان طاعة وبرا وتقوى وإصلاحا كما قال صلّى الله عليه وسلّم (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه) قوله تعالى( لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ) الآية قال أبو بكر رحمه الله قد ذكر الله تعالى اللغو في مواضع فكان المراد به معاني مختلفة على حسب الأحوال التي خرج عليها الكلام فقال تعالى( لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً ) يعنى كلمة فاحشة قبيحة و( لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً ) على هذا المعنى وقال( وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ ) يعنى الكفر والكلام القبيح وقال( وَالْغَوْا فِيهِ ) يعنى الكلام الذي لا يفيد شيئا ليشغلوا السامعين عنه وقال( وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ) يعنى الباطل ويقال لغا في كلامه يلغو إذا أتى بكلام لا فائدة فيه وقد روى في لغو اليمين معان عن السلف فروى عن ابن عباس أنه قال هو الرجل يحلف على الشيء يراه كذلك فلا يكون وكذلك روى عن مجاهد وإبراهيم قال مجاهد( وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ) أن تحلف على الشيء وأنت تعلم وهذا في معنى قوله( بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) وقالت عائشة هو قول الرجل لا والله وبلى والله وروى عنها مرفوعا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وذلك عندنا في النهى عن اليمين على الماضي رواه عنها عطاء أنها قالت قول الرجل فعلنا والله كذا وصنعنا والله كذا وروى مثله عن الحسن والشعبي وقال سعيد بن جبير هو الرجل يحلف على الحرام فلا يؤاخذه الله بتركه وهذا التأويل موافق لتأويل من تأول قوله( عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ) أن يمتنع باليمين من فعل مباح أو يقدم بها على فعل محظور وإذا كان اللغو محتملا لهذه المعاني ومعلوم أنه لما عطف قوله( وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ ) أن مراده ما عقد قلبه فيه على الكذب والزور وجب أن تكون هذه المؤاخذة هي عقاب الآخرة وأن لا تكون الكفارة المستحقة بالحنث لأن تلك الكفارة غير متعلقة بكسب القلب لاستواء حال
القاصد بها للخير والشر وتساوى حكم العمد والسهو فعلم أن مراده ما يستحق من العقاب بقصده إلى اليمين الغموس وهي اليمين على الماضي قال القاصد بها خلافها إلى الكذب فينبغي أن يكون اللغو هي التي لا يقصد بها إلى الكذب وهي على الماضي ويظن أنه كما حلف عليه فسماها لغوا من حيث لم يتعلق بها حكم في إيجاب كفارة ولا في استحقاق عقوبة وهي التي روى معناها عن ابن عباس وعائشة أنها قول الرجل لا والله وبلى والله في عرض كلامه وهو يظن أنه صادق فكان بمنزلة اللغو من الكلام الذي لا فائدة فيه ولا حكم له ويحتمل أن يريد به ما قال سعيد بن جبير فيمن حلف على الحرام فلا يؤاخذه الله بتركه يعنى به عقاب الآخرة وإن كانت الكفارة واجبة إذا حنث وقال مسروق كل يمين ليس له الوفاء بها فهي لغو لا تجب فيها كفارة وهذا موافق لقول سعيد بن جبير والأولى الذي قدمنا إلا أن سعيدا يوجب الكفارة ومسروقا لا يوجبها وإن حنث وقد روى عن ابن عباس رواية أخرى وهي أن لغو اليمين ما تجب فيه الكفارة منها وروى مثله عن الضحاك وروى عن ابن عباس أن لغو اليمين حنث النسيان.
باب الإيلاء
قال الله تعالى( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) قال أبو بكر الإيلاء في اللغة هو الحلف يقولون آلى يؤلي إيلاء وإليه قال كثير :
قليل الألايا حافظ ليمينه |
وإن بدرت منه الآلية برت |
فهذا أصله في اللغة وقد اختص في الشرع بالحلف على ترك الجماع الذي يكسب الطلاق بمضى المدة حتى إذا قيل آلى فلان من امرأته عقل به ذلك* وقد اختلف فيما يكون به موليا على وجوه أحدها ما روى عن على وابن عباس رواية الحسن وعطاء أنه إذا حلف أن لا يقربها لأجل الرضاع لم يكن موليا وإنما يكون موليا إذا حلف أن لا يجامعها على وجه الضرار والغضب والثاني ما روى عن ابن عباس أن كل يمين حالت دون الجماع إيلاء ولم يفرق بين الرضا والغضب وهو قول إبراهيم وابن سيرين والشعبي والثالث ما روى عن سعيد بن المسيب أنه في الجماع وغيره من الصفات نحو أن يحلف أن لا يكلمها فيكون موليا وقد روى جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم قال تزوجت امرأة فلقيت ابن عباس فقال بلغني أن في حلقها شيئا قال تالله لقد خرجت وما أكلمها قال عليك بها قبل أن
تمضى أربعة أشهر فهذا يدل على موافقه قول سعيد بن المسيب ويدل على موافقة ابن عمر في أن الهجران من غير يمين هو الإيلاء والرابع قول ابن عمر أنه إن هجرها فهو إيلاء ولم يذكر الحلف فأما من فرق بين حلفه على ترك جماعها ضرارا وبينه على غير وجه الضرار فإنه ذهب إلى أن الجماع حق لها ولها المطالبة به وليس له منعها حقها من ذلك فإذا حلف على ترك حقها من الجماع كان موليا حتى تصل إلى حقها من الفرقة إذ ليس له إلا إمساكها بمعروف أو تسريح بإحسان وأما إذا قصد الصلاح في ذلك بأن تكون مرضعة فحلف أن لا يجامعها لئلا يضر ذلك بالصبي فهذا لم يقصد منع حقها ولا هو غير ممسك لها بمعروف فلا يلزم التسريح بالإحسان ولا يتعلق بيمينه حكم الفرقة وقوله( فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يستدل من اعتبر الضرار لأن ذلك يقتضى أن يكون مذنبا يقتضى الفيء غفرانه وهذا عندنا لا يدل على تخصيصه من كان هذا وصفه لأن الآية قد شملت الجميع وقاصد الضرر أحد من شمله العموم فرجع هذا الحكم إليه دون غيره ويدل على استواء حال المطيع والعاصي في ذلك أنهما يستويان في وجوب الكفارة بالحنث كذلك يجب أن يستويا في إيجاب الطلاق بمضى المدة وأيضا سائر الأيمان المعقودة لا يختلف فيها حكم المطيع والعاصي فيما يتعلق بها من إيجاب الكفارة وجب أن يكون كذلك حكم الطلاق لأنهما جميعا يتعلقان باليمين وأيضا لا يختلف حكم الرجعة على وجه الضرار وغيره كذلك الإيلاء وفقهاء الأمصار على خلاف ذلك لأن الآية لم تفرق بين المطيع والعاصي فهي عامة في الجميع وأما قول من قال إنه إذا قصد ضرارها بيمين على الكلام ونحوه فلا معنى له لأن قوله( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ) لا خلاف أنه قد أضمر فيه اليمين على ترك الجماع لاتفاق الجميع على أن الحالف على ترك جماعها مول فترك الجماع مضمر في الآية عند الجميع فأثبتناه وما عدا ذلك من ترك الكلام ونحوه لم تقم الدلالة على إضماره في الآية فلم يضمره ويدل على ما بيناه قوله( فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ومعلوم عند الجميع أن المراد بالفيء هو الجماع ولا خلاف بين السلف فيه فدل ذلك على أن المضمر في قوله( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ) هو الجماع دون غيره وأما ما روى عن ابن عمر من أن الهجران يوجب الطلاق فإنه قول شاذ وجائز أن يكون مراده إذا حلف ثم هجرها مدة الإيلاء وهو مع ذلك خلاف الكتاب قال الله تعالى( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ) والآلية اليمين على ما بينا وهجرانها ليس
بيمين فلا يتعلق به وجوب الكفارة وروى أشعث عن الحسن أن أنس بن مالك كانت عنده امرأة في خلقها سوء فكان يهجرها خمسة أشهر وستة أشهر ثم يرجع إليها ولا يرى ذلك إيلاء وقد اختلف السلف وفقهاء الأمصار بعدهم في المدة التي إذا حلف عليها يكون موليا فقال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء إذا حلف على أقل من أربعة أشهر ثم تركها أربعة أشهر لم يجامعها لم يكن موليا وهو قول أصحابنا ومالك والشافعى والأوزاعى* وروى عن عبد الله بن مسعود وإبراهيم والحكم وقتادة وحماد أنه يكون موليا إن تركها أربعة أشهر بانت وهو قول ابن شبرمة والحسن بن صالح قال الحسن بن صالح وكذلك إن حلف أن لا يقربها في هذا البيت فهو مول فإن تركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء وإن قربها في غيره قبل المدة سقط الإيلاء ولو حلف أن لا يدخل هذه الدار وفيها امرأته ومن أجلها حلف فهو مول* قال أبو بكر قال الله تعالى( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) والإيلاء هو اليمين وقد ثبت بما قدمنا إن ترك جماعها بغير يمين لا يكسبه حكم الإيلاء وإذا حلف على أقل من أربعة أشهر فمضت مدة اليمين كان تاركا لجماعها فيما بقي من مدة الأربعة الأشهر التي هي التربص بغير يمين وترك جماعها بغير يمين لا تأثير له في إيجاب البينونة وما دون الأربعة أشهر لا يكسبه حكم البينونة لأن الله تعالى قد جعل له تربص أربعة أشهر فلم يبق هناك معنى يتعلق به إيجاب الفرقة فكان بمنزلة تارك جماعها بغير يمين فلا يلحقه حكم الإيلاء وأما قول الحسن بن صالح أنه إذا حلف أن لا يقربها في هذا البيت أنه يكون موليا فلا معنى له لأن الإيلاء كل يمين في زوجة يمنع جماعها أربعة أشهر لا يحنث على ما بينا وهذه اليمين لم تمنعه جماعها هذه المدة لأنه يمكنه الوصول إلى جماعها بغير حنث بأن يقربها في غير ذلك البيت* وقد اختلف أيضا فيمن حلف على أربعة أشهر سواء فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد والثوري هو مول فإن لم يقربها في المدة حتى مضت بانت بالإيلاء وروى عطاء عن ابن عباس قال كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين فوقت الله تعالى لهم أربعة أشهر فمن كان إيلاؤه دون ذلك فليس بمول وقال مالك والشافعى إذا حلف على أربعة أشهر فليس بمول حتى يحلف على أكثر من ذلك* قال أبو بكر هذا قول يدفعه ظاهر الكتاب وهو قوله تعالى( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) فجعل هذه المدة تربصا للفيء فيها ولم يجعل له التربص أكثر منها فمن
امتنع من جماعها باليمين هذه المدة أكسبه ذلك حكم الإيلاء الطلاق ولا فرق بين الحلف على الأربعة الأشهر وبينه على أكثر منها إذ ليس له تربص أكثر من هذه المدة ومع ذلك فإن ظاهر الكتاب يقتضى كونه موليا في حلفه على أربعة أشهر وأقل منها وأكثر منها لأن مدة الحلف غير مذكورة في الآية وإنما خصصنا ما دونها بدلالة وبقي حكم اللفظ في الأربعة الأشهر وما فوقها* فإن قيل إذا حلف على أربعة أشهر سواء لم يصح تعلق* الطلاق بها لأنك توقع الطلاق بمضيها ولا إيلاء هناك* قيل له لا يمتنع لأن مضى المدة إذا كان سببا للإيقاع لم يجب اعتبار بقاء اليمين في حال وقوعه ألا ترى أن مضى الحول لما كان سببا لوجوب الزكاة فليس بواجب أن يكون الحول موجودا في حال الوجوب بل يكون معدوما منقضيا وإن من قال لامرأته إن كلمت فلانا فأنت طالق كانت هذه يمينا معقودة فإن كلمته طلقت في الحال وقد انحلت فيها اليمين وبطلت كذلك مضى مدة الإيلاء لما كان سببا لوقوع الطلاق لم يمتنع وقوعه واليمين غير موجودة* وقوله تعالى( فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) قال أبو بكر الفيء في اللغة هو الرجوع إلى الشيء ومنه قوله تعالى( حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ ) يعنى حتى ترجع من البغي إلى العدل الذي هو أمر الله وإذا كان الفيء الرجوع إلى الشيء اقتضى ظاهر اللفظ أنه إذا حلف أن لا يجامعها على وجه الضرار ثم قال لها قد فئت إليك وقد أعرضت عما عزمت عليه من هجران فراشك باليمين أن يكون قد فاء إليها سواء كان قادرا على الجماع أو عاجزا هذا هو مقتضى ظاهر اللفظ إلا أن أهل العلم متفقون على أنه إذا أمكنه الوصول إليها لم يكن فيئه إلا الجماع* واختلفوا فيمن آلى وهو مريض أو بينه وبينها مسيرة أربعة أشهر أو هي رتقاء أو صغيرة أو هو مجبوب فقال أصحابنا إذا فاء إليها بلسانه ومضت المدة والعذر قائم فذلك فيء صحيح ولا تطلق بمضى المدة ولو كان محرما بالحج وبينه وبين الحج أربعة أشهر لم يكن فيئه إلا الجماع وقال زفر فيئه بالقول وقال ابن القاسم إذا آلى وهي صغيرة لا تجامع مثلها لم يكن موليا حتى تبلغ الوطء ثم يوقف بعد مضى أربعة أشهر مذ بلغت الوطء وهو رأى ابن القاسم بن عمرو ولم يروه عن مالك وقال ابن وهب عن مالك في المولى إذا وقف عند انقضاء الأربعة الأشهر ثم راجع امرأته أنه إن لم يصبها حتى تنقضي عدتها فلا سبيل له إليها ولا رجعة إلا أن يكون له عذر من مرض أو سجن أو ما أشبه
ذلك فإن ارتجاعه إياها ثابت عليها وإن مضت عدتها ثم تزوجها بعد ذلك فإن لم يصبها حتى ينقضي أربعة أشهر وقف أيضا وقال إسماعيل بن إسحاق قال مالك إن مضى الأربعة الأشهر وهو مريض أو محبوس لم يوقف حتى يبرأ لأنه لا يكلف ما لا يطيق وقال مالك لو مضت أربعة أشهر وهو غائب إن شاء كفر عن يمينه وسقط عنه الإيلاء قال إسماعيل وإنما قال ذلك في هذا الموضع لأن الكفارة قبل الحنث جائزة عنده وإن كان لا يستحب أن يكون إلا بعد الحنث وقال الأشجعى عن الثوري في المولى إذا كان له عذر من مرض أو كبر أو حبس أو كانت حائضا أو نفساء فليفىء بلسانه يقول قد فئت إليك يجزيه ذلك وهو قول الحسن بن صالح وقال الأوزاعى إذا آلى من امرأته ثم مرض أو سافر فأشهد على الفيء من غير جماع وهو مريض أو مسافر ولا يقدر على الجماع فقد فاء فليكفر عن يمينه وهي امرأته وكذلك إن ولدت في الأربعة الأشهر أو حاضت أو طرده السلطان فإنه يشهد على الفيء ولا إيلاء عليه وقال الليث بن سعد إذا مرض بعد الإيلاء ثم مضت أربعة أشهر فإنه يوقف كما يوقف الصحيح فإما فاء وإما طلق ولا يؤخر إلى أن يصح وقال المزني عن الشافعى إذا آلى المجبوب ففيئه بلسانه وقال في الإيلاء لا إيلاء على المجبوب قال ولو كانت صبية فآلى منها استؤنفت به أربعة أشهر بعد ما تصير إلى حال يمكن جماعها والمحبوس يفيء باللسان ولو أحرم لم يكن فيئه إلا الجماع ولو آلى وهي بكر فقال لا أقدر على اقتضاضها أجل أجل العنين* قال أبو بكر الدليل على أنه إذا لم يقدر على جماعها في المدة كان فيئه باللسان قوله( فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) وهذا قد فاء لأن الفيء الرجوع إلى الشيء وهو قد كان ممتنعا من وطئها بالقول وهو اليمين فإذا فاء بالقول فقال قد فئت إليك فقد رجع عما منع نفسه منه بالقول إلى ضده فتناوله العموم وأيضا لما تعذر جماعها قام القول فيه مقام الوطء في المنع من البينونة وأما تحريم الوطء بالإحرام والحيض فليس بعذر أما الإحرام فلأنه كان يفعله ولا يسقط حقها من الوطء وأما الحيض والنفاس فإن الله جعل للمولى تربص أربعة أشهر مع علمه بوجود الحيض فيها واتفق السلف على أن المراد الفيء بالجماع في حال إمكان الجماع فلم يجز أن ينقله عنه إلى غيره مع إمكان وطئها وتحريم الوطء لا يخرجه من إمكانه فصار بمنزلة الإحرام والظهار ونحو ذلك لأنه منع من الوطء بتحريمه لا بالعجز وتعذره ولأن حقها باق في الجماع ويدل على ذلك على أنه لو أبانها
يخلع وهو مول منها لم يكن التحريم الواقع موجبا لجواز فيئه بالقول وهو مع ذلك لو وطئها في هذه الحال بطل الإيلاء* فإن قيل إذا كان الفيء بالقول لا يسقط اليمين فواجب بقاؤها إذ لا تأثير للفيء بالقول في إسقاطها قيل له هذا غير واجب من قبل أنه جائز ببقاء اليمين وبطلان الإيلاء من جهة ما تعلق به من الطلاق ألا ترى أنه إذا طلقها ثلاثا ثم عادت إليه بعد زوج كانت اليمين باقية لو وطئها حنث ولم يلحقها بها طلاق وإن ترك وطئها وكذلك لو أن رجلا قال لامرأة أجنبية والله لا أقربك لم يكن إيلاء فإن تزوجها كانت اليمين باقية لو وطئها لزمته الكفارة ولا يكون موليا في حكم الطلاق فليس بقاء اليمين إذا علة في حكم الطلاق فجاز من أجل ذلك أن يفيء إليها بلسانه فيسقط حكم الطلاق في هذه اليمين ويبقى حكم الحنث بالوطء وإنما شرط أصحابنا في صحة الفيء بالقول وجود الضرر في المدة كلها ومتى كان الوطء مقدورا عليه في شيء من المدة لم يكن فيئه عندهم إلا الجماع من قبل أن الفيء بالقول قائم مقام الوطء عند عدمه لئلا يقع الطلاق بمضى المدة فمتى قدر على الوطء في المدة بطل الفيء بالقول كالمتيمم إذا أقيم تيممه مقام الطهارة بالماء في إباحة الصلاة كان متى وجد الماء قبل الفراغ منها بطل تيممه وعاد إلى أصل فرضه سواء كان وجوده للماء في أول الصلاة أو في آخرها كذلك القدرة على الوطء في المدة تبطل حكم الفيء بالقول وقال محمد إذا فاء بالقول لوجود العذر في المدة ثم انقضت المدة والعذر قائم فقد بطل حكم الإيلاء منها فكان بمنزلة من حلف على أجنبية أن لا يقربها ثم تزوجها فيكون يمينه باقية إن قربها حنث وإن ترك جماعها أربعة أشهر لم تطلق.
قوله تعالى( وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) قال أبو بكر اختلف السلف في عزيمة الطلاق إذا لم يفيء على ثلاثة أوجه فقال ابن عباس عزيمة الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر وهو قول ابن مسعود وزيد بن ثابت وعثمان بن عفان وقالوا إنها تبين بتطليقة واختلف عن على وابن عمر وأبى الدرداء فروى عنهم مثل قول الأولين وروى عنهم أنه يوقف بعد مضى المدة فإما أن يفيء إليها وإما أن يطلقها وهو قول عائشة وأبى الدرداء والقول الثالث قول سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله وأبى بكر بن عبد الرحمن والزهري وعطاء وطاوس قالوا إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة رجعية وذهب أصحابنا إلى قول ابن عباس ومن تابعه فقالوا إذا مضت أربعة أشهر قبل أن يفيء بانت بتطليقة وهو قول
«4 ـ أحكام في»
الثوري والحسن بن صالح وقال مالك والليث والشافعى بما روى عن أبى الدرداء وعائشة أنه يوقف بعد مضى المدة فإما أن يفيء وإما أن يطلق ويكون تطليقة رجعية إذا طلق قال مالك ولا تصح رجعته حتى يطأها في العدة وقال الشافعى ولو عفت عن ذلك بعد المدة كان لها بعد ذلك أن تطلب ولا يؤجل في الجماع أكثر من يوم وقال الأوزاعى بقول سعيد بن المسيب وسالم ومن تابعهما أنها تطلق واحدة رجعية بمضى المدة قال أبو بكر قوله تعالى( وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) يحتمل الوجوه التي حصل عليها اختلاف السلف ولو لا احتماله لها لما تأولوه عليها لأنه غير جائز تأويل اللفظ المأول على ما لا احتمال فيه وقد كان السلف من أهل اللغة والعالمين بما يحتمل من الألفاظ والمعاني المختلفة وما لا يحتملها فلما اختلفوا فيه على هذه الوجوه دل ذلك على احتمال اللفظ لها ومن جهة أخرى وهي أن هذا الاختلاف قد كان شائعا مستفيضا فيما بينهم من غير نكير ظهر من واحد منهم على غيره فصار ذلك إجماعا منهم على توسع الاجتهاد في حمله على أحد هذه الوجوه وإذا ثبت ذلك احتجنا أن ننظر في الأولى من هذه الأقاويل وأشبهها بالحق فوجدنا ابن عباس قد قال عزيمة الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر قبل الفيء إليها فسمى ترك الفيء حتى تمضى المدة عزيمة الطلاق فوجب أن يصير ذلك اسما له لأنه لم يخل من أن يكون قاله شرعا أو لغة وأى الوجهين كان فحجته ثابتة واعتبار عمومه واجب إذا كانت أسماء الشرع لا تؤخذ إلا توقيفا وإذا كان هكذا وقد علمنا أن حكم الله في المولى أحد شيئين إما الفيء وإما عزيمة الطلاق وجب أن يكون الفيء مقصورا على الأربعة الأشهر وأنه فائت بمضيها فتطلق لأنه لو كان الفيء باقيا لما كان مضى المدة عزيمة للطلاق ومن جهة أخرى وهو أنه معلوم أن العزيمة إنما هي في الحقيقة عقد القلب على الشيء تقول عزمت على كذا أى عقدت قلبي على فعله وإذا كان كذلك وجب أن يكون مضى المدة أولى بمعنى عزيمة الطلاق من الوقف لأن الوقف يقتضى إيقاع طلاق بالقول إما أن يوقعه الزوج وإما أن يطلقها القاضي عليه على قول من يقول بالوقف وإذا كان كذلك كان وقوع الفرقة بمضى المدة لتركه الفيء فيها أولى بمعنى الآية لأن الله لم يذكر إيقاعا مستأنفا وإنما ذكر عزيمة فغير جائز أن نزيد في الآية ما ليس فيها ووجه آخر وهو أنه لما قال( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )
اقتضى ذلك أحد أمرين من فيء أو عزيمة طلاق لا ثالث لهما والفيء إنما هو مراد في المدة مقصور الحكم عليها والدليل عليه قوله تعالى( فَإِنْ فاؤُ ) والفاء للتعقيب يقتضى أن يكون الفيء عقيب اليمين لأنه جعل الفيء عقيب اليمين لأنه جعل الفيء لمن له تربص أربعة أشهر وإذا كان حكم الفيء مقصورا على المدة ثم فات بمضيها وجب حصول الطلاق إذ غير جائز له أن يمنع الفيء والطلاق جميعا ويدل على أن المراد الفيء في المدة اتفاق الجميع على صحة الفيء فيها فدل على أنه مراد فيها فصار تقديره فإن فاؤا فيها وكذلك قرئ في حرف عبد الله بن مسعود فحصل الفيء مقصورا عليها دون غيرها وتمضى المدة بفوت الفيء وإذا فات الفيء حصل الطلاق* فإن قيل لما قال تعالى( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ ) فعطف بالفاء على التربص في المدة دل على أن الفيء مشروط بعد التربص وبعد مضى المدة وأنه متى ما فاء فإنما عجل حقا لم يكن عليه تعجيله كمن عجل دينا مؤجلا قيل له لو لا أن الفيء مراد الله تعالى لما صح وجوده فيها وكان يحتاج بعد هذا الفيء إلى فيء بعد مضيها فلما صح الفيء في هذه المدة دل على أنه مراد الله بالآية ولذلك بطل معه عزيمة الطلاق ثم قولك إن المراد بالفيء إنما هو بعد المدة مع قولك إن الفيء في المدة صحيح كهو بعدها تبطل معه عزيمة الطلاق مناقضة منك في اللفظ كقولك إنه مراد في المدة غير مراد فيها وقولك إنه كالدين المؤجل إذا عجله لا يزيد عنك ما وصفنا من المناقضة لأن الدين المؤجل لا يخرجه التأجيل من حكم اللزوم ولو لا ذلك لما صح البيع بثمن مؤجل لأن ما تعلق ملكه من الأثمان على وقت مستقبل لا يصح عقد البيع عليه ألا ترى أنه لو قال بعتكه بألف درهم لا يلزمك إلا بعد أربعة أشهر كان البيع باطلا والتأجيل الذي ذكرت لا يخرجه من أن يكون الثمن واجبا ملكا للبائع ومتى عجله وأسقط الأجل كان ذلك من موجب العقد إلا أنه مخالف للفيء في الإيلاء من قبل إن فوات الفيء يوجب الطلاق وإذا كان الفيء مرادا في المدة فواجب أن يكون فواته فيها موجبا للطلاق على ما بينا وأيضا فإن قوله تعالى( فَإِنْ فاؤُ ) فيه ضمير المولى المبدوء بذكره في الآية وهو الذي له تربص أربعة أشهر والذي يقتضيه الظاهر إيقاع الفيء عقيب اليمين ودليل آخر وهو قوله( تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) كقوله تعالى( وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) فلما كانت البينونة واقعة بمضى المدة في تربص الإقراء وجب أن يكون كذلك
حكم تربص الإيلاء من وجوه أحدها أنا لو وقفنا المولى لحصل التربص أكثر من أربعة أشهر وذلك خلاف الكتاب ولو غاب المولى عن امرأته سنة أو سنتين ولم ترفعه المرأة ولم تطالب بحقها لكان التربص غير مقدور بوقت وذلك خلاف الكتاب والوجه الثاني أنه لما كانت البينونة واقعة بمضى المدة في تربص الإقراء وجب مثله في الإيلاء والمعنى الجامع بينهما ذكر التربص في كل واحدة من المدتين والوجه الثالث أن كل واحدة من المدتين واجبة عن قوله وتعلق بها حكم البينونة فلما تعلقت في إحداهما بمضيها كانت الأخرى مثلها للمعنى الذي ذكرناه* فإن قيل تأجيل العنين حولا بالاتفاق تخيير امرأته بعد مضى الحول إذا لم يصل إليها في الحول ولم يوجب ذلك زيادة في الأجل كذلك ما ذكرت من حكم الإيلاء إيجاب الوقف بعد المدة لا يوجب زيادة فيها قيل له ليس في الكتاب ولا في السنة تقدير أجل العنين وإنما أخذ حكمه من قول السلف والذين قالوا إنه يؤجل حولا هم الذين خيروها بمضيه قبل الوصول إليها ولم يوقعوا الطلاق قبل مضى المدة ومدة الإيلاء مقدرة بالكتاب من غير ذكر التخيير معها فالزائد فيها مخالف لحكمه وأيضا فإن أجل العنين إنما يوجب لها الخيار بمضيه وأجل المولى عندك إنما يوجب عليه الفيء فإن قال أفىء لم يفرق بينهما ولو قال العنين أنا أجامعها بعد ذلك لم يلتفت إلى قوله وفرق بينهما باختيارها فإن قيل لما لم يكن الإيلاء بصريح الطلاق ولا كناية عنه فالواجب أن لا يقع الطلاق* قيل له وليس اللعان بصريح الطلاق ولا كناية عنه فيجب على قول المخالف أن لا توقع الفرقة حتى يفرق الحاكم ولا يلزمنا على أصلنا لأن الإيلاء يجوز أن يكون كناية عن الفرقة إذ كان قوله لا أقربك يشبه كناية الطلاق ولما كان أضعف أمرا من غيرها فلا يقع به الطلاق إلا بانضمام أمر آخر إليه وهو مضى المدة على النحو الذي يقوله إذ قد وجدنا من الكنايات ما لا يقع فيه الطلاق بقول الزوج إلا بانضمام معنى آخر إليه وهو قول الزوج لامرأته قد خيرتك وقوله أمرك بيدك فلا يقع الطلاق فيه إلا باختيارها فكذلك لا يمتنع أن يقال في الإيلاء أنه كناية إلا أنه أضعف حالا من سائر الكنايات فلا يقع فيه الطلاق باللفظ دون انضمام معنى آخر إليه فأما اللعان فلا دلالة فيه على معنى الكنايات لأن قذفه إياها بالزنا وتلاعنهما لا يصلح أن يكون عبارة عن البينونة بحال وأيضا فإن اللعان مخالف للإيلاء من جهة أن حكمه لا يثبت إلا عند الحاكم
والإيلاء يثبت حكمه بغير الحاكم فكذلك ما يتعلق به من الفرقة وبهذا المعنى فارق العنين أيضا لأن تأجيل متعلق بالحاكم والإيلاء يثبت حكمه من غير حاكم فكذلك ما يتعلق به من حكم الفرقة واحتج من قال بالوقف بقوله تعالى( وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) إنه لما قال سميع عليم دل على أن هناك قولا مسموعا وهو الطلاق قال أبو بكر وهذا جهل من قائله من قبل أن السميع لا يقتضى مسموعا لأن الله تعالى لم يزل سميعا ولا مسموعا وأيضا قال الله تعالى( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) وليس هناك قول لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال (لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاثبتوا وعليكم بالصمت) وأيضا جائز أن يكون ذلك راجعا إلى أول الكلام وهو قوله تعالى( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ) فأخبر أنه سامع لما تكلم به عليم بما أضمره وعزم عليه ومما يدل على وقوع الفرقة بمضى المدة أن القائلين بالوقف يثبتون هناك معاني أخر غير مذكورة في الآية إذ كانت الآية إنما اقتضت أحد شيئين من فيء أو طلاق وليس فيها ذكر مطالبة المرأة ولا وقف القاضي الزوج على الفيء أو الطلاق فلم يجز لنا أن نلحق بالآية ما ليس فيها ولا أن نزيد فيها ما ليس منها وقول مخالفينا يؤدى إلى ذلك ولا يوجب الاقتصار على موجب حكم الآية وقولنا يوجب الاقتصار على حكم الآية من غير زيادة فيها فكان أولى ومعلوم أيضا أن الله تعالى إنما حكم في الإيلاء بهذا الحكم لإيصال المرأة إلى حقها من الجماع أو الفرقة وهو على معنى قوله تعالى( فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) وقول من قال بالوقف يقول إن لم يفيء أمره بالطلاق فإذا طلق لم يخل من أن يجعله طلاقا بائنا أو رجعيا فإن جعله بائنا فإن صريح الطلاق لا يكون بائنا عند أحد فيما دون الثلاث وإن جعله رجعيا فلا حظ للمرأة في ذلك لأنه متى شاء راجعها فتكون امرأته كما كانت فلا معنى لإلزامه طلاقا لا تملك به المرأة بضعها وتصل به إلى حقها وأما قول مالك إنه لا يصح رجعته حتى يطأها في العدة فقول شديد الاختلال من وجوه أحدها أنه قال إذا طلقها طلاقا رجعيا والطلاق الرجعى لا تكون الرجعة فيه موقوفة على معنى غيرها والثاني أنه إذا منعه الرجعة إلا بعد الوطء فقد نفى أن يكون رجعيا وهو لو راجعها لم تكن رجعة والثالث أنه محظور عليه الوطء بعد الطلاق عنده ولا تقع الرجعة فيه بنفس الوطء فكيف يباح له وطؤها وأما قول من قال أنه تقع تطليقة رجعية بمضى المدة فإنه قول ظاهر الفساد من وجوه
أحدها ما قدمنا ذكره في الفصل الذي قبل هذا والثاني أن سائر الفرق الحادثة في الأصول بغير تصريح فإنها توجب البينونة من ذلك فرقة العنين واختيار الأمة وردة الزوج واختيار الصغيرين فلما لم يكن معه تصريح بإيقاع الطلاق وجب أن يكون بائنا* وقد اختلف في إيلاء الذمي فقال أصحابنا جميعا إذا حلف بعتق أو طلاق أن لا يقربها فهو مول وإن حلف بصدقة أو حج لم يكن موليا وإن حلف بالله كان موليا في قول أبى حنيفة ولم يكن موليا في قول صاحبيه وقال مالك لا يكون موليا في شيء من ذلك وقال الأوزاعى إيلاء الذمي صحيح ولم يفصل بين شيء من ذلك وقال الشافعى الذمي كالمسلم فيما يلزمه من الإيلاء* قال أبو بكر لما كان معلوما أن الإيلاء إنما يثبت حكمه لما يتعلق بالحنث من الحق الذي يلزمه فواجب على هذا أن يصح إيلاء الذمي إذا كان بالعتق والطلاق لأن ذلك يلزمه كما يلزم المسلم وأما الصدقة والصوم والحج فلا يلزمه إذا حنث لأنه لو أوجبه على نفسه لم يلزمه بإيجابه ولأنه لا يصح منه فعل هذه القرب لأنه لا قربة له ولذلك لم يلزمه الزكوات والصدقات الواجبة على المسلمين في أموالهم في أحكام الدنيا فوجب على هذا أن لا يكون موليا بحلفه الحج والعمرة والصدقة والصيام إذ لا يلزمه بالجماع شيء فكان بمنزلة من لم يحلف وقوله تعالى( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ) يقتضى عموم المسلم والكافر ولكنا خصصناه بما وصفنا وأما إذا حلف بالله تعالى فإن أبا حنيفة جعله موليا وإن لم تلزمه كفارة في أحكام الدنيا من قبل أن حكم تسمية الله تعالى قد تعلق على الكافر كهي على المسلم بدلالة أن إظهار الكافر تسمية الله تعالى على الذبيحة يبيح أكلها كالمسلم ولو سمى الكافر باسم المسيح لم تؤكل فثبت حكم تسميته وصار كالمسلم في حكمها فكذلك الإيلاء لأنه يتعلق به حكمان أحدهما الكفارة والآخر الطلاق فثبت حكم التسمية عليه في باب الطلاق ومن الناس من يزعم أن الإيلاء لا يكون إلا بالحلف بالله عز وجل وأنه لا يكون بحلفه بالعتاق والطلاق والصدقة ونحوها وهذا غلط من قائله لأن الإيلاء إذا كان هو الحلف وهو حالف بهذه الأمور ولا يصل إلى جماعها إلا بعتق أو طلاق أو صدقة يلزمه وجب أن يكون موليا كحلفه بالله لأن عموم اللفظ ينتظم الجميع إذ كان من حلف بشيء منه فهو مول.
(فصل) ومما تفيد هذه الآية من الأحكام ما استدل به منها محمد بن الحسن على
امتناع جواز الكفارة قبل الحنث فقال لما حكم الله للمولى بأحد حكمين من فيء أو عزيمة الطلاق فلو جاز تقديم الكفارة على الحنث لسقط الإيلاء بغير فيء ولا عزيمة طلاق لأنه إن حنث لا يلزمه بالحنث شيء ومتى لم يلزم الحالف بالحنث شيء لم يكن موليا وفي جواز تقديم الكفارة إسقاط حكم الإيلاء بغير ما ذكر الله وذلك خلاف الكتاب والله الموفق للصواب.
باب الإقراء
قال الله تعالى( وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) واختلف السلف في المراد بالقرء المذكور في هذه الآية فقال على وعمر وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبو موسى هو الحيض وقالوا هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة وروى وكيع عن عيسى الحافظ عن الشعبي عن ثلاثة عشر رجلا من أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم الخبر فالخبر منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس قالوا الرجل أحق بامرأته ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وقال ابن عمر وزيد بن ثابت وعائشة إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا سبيل له عليها قالت عائشة الإقراء الأطهار وروى عن ابن عباس رواية أخرى أنها إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا سبيل له عليها ولا تحل للأزواج حتى تغتسل وقال أصحابنا جميعا الإقراء الحيض وهو قول الثوري والأوزاعى والحسن بن صالح إلا أن أصحابنا قد قالوا لا تنقضي عدتها إذا كانت أيامها دون العشرة حتى تغتسل من الحيضة الثالثة أو يذهب وقت صلاة وهو قول الحسن بن صالح إلا أنه قال اليهودية والنصرانية في ذلك مثل المسلمة وهذا لم يقله أحد ممن جعل الإقراء الحيض غير الحسن ابن صالح وقال أصحابنا الذمية تنقضي عدتها بانقطاع الدم من الحيضة الثالثة لا غسل عليها فهي في معنى من اغتسلت فلا تنتظر بعد انقطاع الدم شيئا آخر وقال ابن شبرمة إذا انقطع من الحيضة الثالثة بطلت الرجعة ولم يعتبر الغسل وقال مالك والشافعى الإقراء الأطهار فإذا طعنت في الحيضة الثالثة فقد بانت وانقطعت الرجعة قال أبو بكر قد حصل من اتفاق السلف وقوع اسم الإقراء على المعنيين من الحيض ومن الأطهار من وجهين أحدهما أن اللفظ لو لم يكن محتملا لهما لما تأوله السلف عليهما لأنهم أهل اللغة والمعرفة بمعاني الأسماء وما يتصرف عليه المعاني من العبارات فلما تأولها فريق على الحيض وآخرون على الأطهار
علمنا وقوع الاسم عليهما ومن جهة أخرى أن هذا الإختلاف قد كان شائعا بينهم مستفيضا ولم ينكر واحد منهم على مخالفيه في مقالته بل سوغ له القول فيه فدل ذلك على احتمال اللفظ للمعنيين وتسويغ الاجتهاد فيه ثم لا يخلو من أن يكون الاسم حقيقة فيهما أو مجازا فيهما أو حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر فوجدنا أهل اللغة مختلفين في معنى القرء في أصل اللغة فقال قائلون منهم هو اسم للوقت حدثنا بذلك أبو عمر وغلام ثعلب عن ثعلب أنه كان إذا سئل عن معنى القرء لم يزدهم على الوقت وقد استشهد لذلك بقول الشاعر :
يا رب مولى حاسد مباغض |
على ذي ضغن وضب فارض |
له قروء كقروء الحائض يعنى وقتا تهيج فيه عداوته وعلى هذا تألوا قول الأعشى :
وفي كل عام أنت جاشم غزوة |
تشد لأقصاها عزيم عزائكا |
|
مورثة ما لا وفي الحي رفعة |
لما ضاع فيها من قروء نسائكا |
يعنى وقت وطئهن ومن الناس من يتأوله على الطهر نفسه كأنه قال لما ضاع فيها من طهر نسائك وقال الشاعر :
كرهت العقر عقر بنى شليل |
إذا هبت لقارئها الرياح |
يعنى لوقتها في الشتاء وقال آخرون هو الضم والتأليف ومنه قوله :
تريك إذا دخلت على خلاء |
وقد أمنت عيون الكاشحينا |
|
ذراعي عطيل أدماء بكر |
هجان اللون لم تقرأ جنينا |
يعنى لم تضم في بطنها جنينا ومنه قولهم قريت الماء في الحوض إذا جمعته وقروت الأرض إذا جمعت شيئا إلى شيء وسيرا إلى سير ويقولون ما قرأت الناقة سلى قط أى ما اجتمع رحمها على ولد قط ومنه اقرأت النجوم إذا اجتمعت في الأفق ويقال اقرأت المرأة إذا حاضت فهي مقرئ ذكره الأصمعى والكسائي والفراء وحكى عن بعضهم أنه قال هو الخروج من شيء إلى شيء وهذا قول ليس عليه شاهد من اللغة ولا هو ثابت عمن يوثق به من أهلها وليس فيما ذكرنا من الشواهد ما يليق بهذا المعنى فهو ساقط مردود ثم يقول وإن كانت حقيقته الوقت فالحيض أولى به لأن الوقت إنما يكون وقتا لما يحدث فيه والحيض هو الحادث وليس الطهر شيئا أكثر من عدم الحيض وليس هو شيء حادث
فوجب أن يكون الحيض أولى بمعنى الاسم وإن كان هو الضم والتأليف فالحيض أولى به لأن دم الحيض إنما يتألف ويجتمع من سائر أجزاء البدن في حال الحيض فمعناه أولى بالاسم أيضا* فإن قيل إنما يتألف الدم ويجتمع في أيام الطهر ثم يسيل في أيام الحيض قيل له أحسبت أن الأمر كذلك ودلالته قائمة على ما ذكرنا لأنه قد صار القرء اسما للدم إلا أنك زعمت أنه يكون اسما له في حال الطهر وقلنا يكون اسما له في حال الحيض فلا مدخل إذا للطهر في تسميته بالقرء لأن الطهر ليس هو الدم ألا ترى أن الطهر قد يكون موجودا مع عدم الدم تارة ومع وجوده أخرى على أصلك فإذا القرء اسم للدم وليس باسم للطهر ولكنه لا يسمى بهذا الاسم إلا بعد ظهوره لأنه لا يتعلق به حكم إلا في هذه الحال ومع ذلك فلا يتيقن كونه في الرحم في حال الطهر فلم يحركونه في حال الطهر أن نسميه باسم القرء لأن القرء اسم يتعلق به حكم ولا حكم له قبل سيلانه وقبل العلم بوجوده وأيضا فمن أين لك العلم باجتماع الدم في الرحم في حال الطهر واحتباسه فيه ثم سيلانه في وقت الحيض فإن هذا قول عار من دليل يقوم عليه ويرده ظاهر الكتاب قال الله تعالى( وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ ) فاستأثر تعالى بعلم ما في الأرحام ولم يطلع عباده عليه فمن أين لك القضاء باجتماع الدم في حال الطهر ثم سيلانه في وقت الحيض وما أنكرت ممن قال إنما يجتمع من سائر البدن ويسيل في وقت الحيض لا قبل ذلك ويكون أولى بالحق منك لأنا قد علمنا يقينا وجوده في هذا الوقت ولم نعلم وجوده في وقت قبله فلا يحكم به لوقت متقدم وإذ قد بينا وقوع الاسم عليهما وبينا حقيقة ما يتناوله هذا الاسم في اللغة فليدل على أنه اسم للحيض دون الطهر في الحقيقة وأن إطلاقه على الطهر إنما هو مجاز واستعارة وإن كان ما قدمنا من شواهد اللغة وما يحتمله اللفظ من حقيقتها كافية في الدلالة على أن حقيقته تختص بالحيض دون الطهر فنقول لما وجدنا اسماء الحقائق التي لا تنتفى عن مسمياتها بحال ووجدنا اسماء المجاز قد يجوز أن تنتفى عنها في حال وتلزمها في أخرى ثم وجدنا اسم القرء غير منتف عن الحيض بحال ووجدناه قد ينتفى عن الطهر لأن الطهر موجود في الآيسة والصغيرة وليستا من ذوات الإقراء علمنا أن اسم القرء للطهر الذي بين الحيضتين مجاز وليس بحقيقة سمى بذلك لمجاورته للحيض كما يسمى الشيء باسم غيره إذا كان مجاورا له وكان منه بسبب ألا ترى أنه حين جاور الحيض سمى به وحين لم
يجاوره لم يسم به فدل ذلك على أنه مجاز في الطهر حقيقة في الحيض ومما يدل على أن المراد الحيض دون الطهر أنه لما كان اللفظ محتملا للمعنيين واتفقت الأمة على أن المراد أحدهما فلو أنهما تساويا في الاحتمال لكان الحيض أولاها وذلك لأن لغة النبي صلّى الله عليه وسلّم وردت بالحيض دون الطهر بقوله المستحاضة تدع الصلاة أيام إقرائها وقال لفاطمة بنت أبى حبيش فإذا أقبل قرؤك فدعى الصلاة وإذا أدبر فاغتسلي وصلى ما بين القرء إلى القرء فكان لغة النبي صلّى الله عليه وسلّم أن القرء الحيض فوجب أن لا يكون معنى الآية إلا محمولا عليه لأن القرآن لا محالة نزل بلغته صلّى الله عليه وسلّم وهو المبين عن الله عز وجل مراد الألفاظ المحتملة للمعاني ولم يرد لغته بالطهر فكان حمله على الحيض أولى منه على الطهر ويدل عليه ما حدثنا محمد بن بكر البصري قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن مسعود قال حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن مظاهر بن أسلم عن القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال (طلاق الأمة ثنتان وقرؤها حيضتان) قال أبو عاصم فحدثني مظاهر قال حدثني به القاسم عن عائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مثله إلا أنه قال وعدتها حيضتان وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد ابن شاذان قال حدثنا معلى قال حدثنا عمر بن شبيب عن عبد الله بن عيسى عن عطية عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال تطليق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان فنص على الحيضتين في عدة الأمة وذلك خلاف قول مخالفينا لأنهم يزعمون أن عدتها طهران ولا يستوعبون لها حيضتين وإذا ثبت أن عدة الأمة حيضتان كانت عدة الحرة ثلاث حيض وهذان الحديثان وإن كان ورودهما من طريق الآحاد فقد اتفق أهل العلم على استعمالها في أن عدة الأمة على النصف من عدة الحرة فأوجب ذلك صحته* ويدل عليه أيضا حديث أبى سعيد الخدري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال في سبايا أوطاس لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرئ بحيضة ومعلوم أن أصل العدة موضوع للاستبراء فلما جعل النبي صلّى الله عليه وسلّم استبراء الأمة بالحيضة دون الطهر وجب أن تكون العدة بالحيض دون الطهر إذ كل واحد منهما موضوع في الأصل للاستبراء أو لمعرفة براءة الرحم من الحبل وإن كان قد تجب العدة على الصغيرة والآيسة لأن الأصل للاستبراء ثم حمل عليه غيره من الآيسة والصغيرة لئلا يترخص في التي قاربت البلوغ وفي الكبيرة التي قد يجوز أن تحيض وترى الدم بترك العدة فأوجب على الجميع العدة احتياطا للاستبراء الذي ذكرنا* ويدل عليه
أيضا قوله تعالى( وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ ) فأوجب الشهور عند عدم الحيض فأقامها مقامها فدل ذلك على أن الأصل هو الحيض كما أنه لما قال( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ) علمنا أن الأصل الذي نقل عنه إلى الصعيد هو الماء* ويدل عليه أن الله حصر الإقراء بعدد يقتضى استيفاءه للعدة وهو قوله تعالى( ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) واعتبار الطهر فيه يمنع استيفاءها بكمالها فيمن طلقها للسنة لأن طلاق السنة أن يوقعه في طهر لم يجامعها فيه فلا بد إذا كان كذلك من أن يصادف طلاقه طهرا قد مضى بعضه ثم تعتد بعده بطهرين آخرين فهذان طهران وبعض الثالث فلما تعذر استيفاء الثلاث إذا أراد طلاق السنة علمنا أن المراد الحيض الذي يمكن استيفاء العدد المذكور في الآية بكماله وليس هذا كقوله تعالى( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ) فالمراد شهران وبعض الثالث لأنه لم يحصرها بعدد وإنما ذكرها بلفظ الجمع والإقراء محصورة بعدد وإنما ذكرها بلفظ الجمع والإقراء محصورة بعدد لا يحتمل الأقل منه ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول رأيت ثلاثة رجال ومرادك رجلان وجائز أن تقول رأيت رجالا والمراد رجلان وأيضا فإن قوله تعالى( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ) معناه عمل الحج في أشهر معلومات ومراده في بعضها لأن عمل الحج لا يستغرق الأشهر وإنما يقع في بعض الأوقات منها فلم يحتج فيه إلى استيفاء العدد وأما الإقراء فواجب استيفاؤها للعدة فإن كانت الإفراد الأطهار فواجب أن يستوفى العدد المذكور كما يستغرق الوقت كله فيكون جميع أوقات الطهر عدة إلى انقضاء عددها فلم يجز الاقتصار به على ما دون العدد المذكور فوجب أن يكون المراد الحيض إذا أمكن استيفاء العدد عند إيقاع طلاق السنة وكما لم يجز الاقتصار في هذه الآيسة والصغيرة على شهرين وبعض الثالث بقوله تعالى( فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ ) كذلك لما ذكر ثلاثة قروء على شهرين وبعض الثالث* فإن قيل إذا طلقها في الطهر* فبقيته قرء تام* قيل له فينبغي أن تنقضي عدتها بوجود جزء من الطهر الثالث إذا كان الجزء* منه قرءا تاما* فإن قيل القرء هو الخروج من حيض أو من طهر إلى حيض إلا أنهم قد اتفقوا أنه لو طلقها وهي حائض لم يكن خروجها من حيض إلى طهر معتدا به قرء فإذا ثبت أن خروجها من حيض إلى طهر غير مراد بقي الوجه الآخر وهو خروجها من طهر إلى حيض ويمكن استيفاء ثلاثة أقراء كاملة إذا طلقها في الحيض* قيل له قول القائل القرء هو خروج من طهر إلى حيض أو من حيض إلى طهر قول يفسد من وجوه أحدها أن السلف اختلفوا
في معنى قوله تعالى( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) فقال منهم قائلون هي الحيض وقال آخرون هي الأطهار ولم يقل أحد منهم إنه خروج من حيض إلى طهر أو من طهر إلى حيض فقول القائل بما وصفت خارج عن إجماع السلف وقد انعقد الإجماع منهم بخلافه فهو ساقط ومن جهة أخرى أن أهل اللغة اختلفوا في معناه في أصل اللغة على ما قدمنا من أقوالهم فيه ولم يقل منهم أحد فيما ذكر من حقيقته ما يوجب احتمال خروجها من حيض فيفسد من هذا الوجه أيضا ويفسد أيضا من جهة أن كل من ادعى معنى لاسم من طريق اللغة فعليه أن يأتى بشاهد منها عليه أو رواية عن أهلها فيه فلما عرى هذا القول من دلالة اللغة ورواية فيها سقط وهن أخرى ومن جهة وهي أنه لو كان القرء اسما للانتقال على الوجه الذي ذكرت لوجب أن يكون قد سمى به في الأصل غيره على وجه الحقيقة ثم ينتقل من الانتقال من طهر إلى حيض إذ معلوم أنه ليس باسم موضوع له في أصل اللغة وإنما هو منقول من غيره فإذا لم يسم شيء من ضروب الانتقال بهذا الاسم علمنا أنه ليس باسم له وأيضا لو كان كذلك لوجب أن يكون انتقالها من الطهر إلى الحيض قرءا ثم انتقالها من الحيض إلى الطهر قرءا ثانيا ثم انتقالها من الطهر الثاني إلى الحيض قرءا ثالثا فتنقضي عدتها بدخولها في الحيضة الثانية إذ ليس بحيض على أصلك اسم القرء بالانتقال من الحيض إلى الطهر دون الانتقال من الطهر إلى الحيض* فإن قيل الظاهر يقتضيه إلا أن دلالة الإجماع منعت منه* قيل له ما أنكرت ممن قال لك إن المراد الانتقال من الحيض إلى الطهر إلا أنه إذا طلقها في الحيض لم يعتد بانتقالها من الحيض إلى الظهر فيه بدلالة الإجماع وحكم اللفظ باق بعد ذلك في سائر الانتقالات من الحيض إلى الطهر فإذا لم يمكنه الانفصال مما ذكرنا وتعارضا سقطا وزال الاحتجاج به* فإن قيل اعتبار خروجها من طهر إلى حيض أولى من اعتبار خروجها من حيض إلى طهر لأن في انتقالها من طهر إلى حيض دلالة على براءة رحمها من الحبل وخروجها من حيض إلى طهر غير دال على ذلك لأنه قد يجوز أن تحبل المرأة في آخر حيضها ويدل عليه قول تأبط شرا :
ومبرأ من كل غبر حيضة |
وفساد مرضعة وداء مغيل |
يعنى إن أمه لم تحبل به في بقية حيضها فيقال له قولك أنه يجوز أن تحبل به في بقية حيضها قول خطأ لأن الحبل لا يجامعه الحيض قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل
حتى تستبرئ بحيضة فجعل وجود الحيض علما لبراءة رحمها من الحبل فثبت أن الحمل والحيض لا يجتمعا ومتى حملت المرأة وهي حائض ارتفع الحيض ولا يكون الدم الموجود من الحبل حيضا وإنما يكون دم استحاضة وإذا كان كذلك فقولك إن خروجها من الحيض إلى الطهر لا دلالة فيه على براءة رحمها قول خطأ وأما استشهاده بقول تأبط شرا فإنه من العجائب وما علم هذا الشاعر الجاهل بذلك وقد قال الله تعالى( وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ ) وقال تعالى( عالِمُ الْغَيْبِ ) يعنى أنه استأثر بعلم ذلك دون خلقه وأن الخلق لا يعلمون منه إلا ما علمهم مع دلالة قول النبي صلّى الله عليه وسلّم على انتفاء اجتماع الحيض والحبل ومع ذلك فإن ما ذكره هذا القائل دلالة على صحة قولنا لأنه إذا كانت العدة بالإقراء إنما هي لاستبراء الرحم من الحبل والطهر لا استبراء فيه لأن الحمل طهر وجب أن يكون الاعتبار بالحيض التي هي علم لبراءة الرحم من الحبل إذ ليس في الطهر دلالة عليه ويدل على أن العدة بالإقراء استبراء أنها لو رأت الدم ثم ظهر بها حبل كانت العدة هي الحبل فدل ذلك على أن العدة لذوات الإقراء إنما هي استبراء من الحبل والاستبراء من الحبل إنما يكون بالحيض لا بالطهر من وجهين أحدهما أن عدة الشهور للصغيرة والآيسة طهر صحيح وليس باستبراء والمعنى الآخر أن الطهر مقارن للحبل فدل على أن الاستبراء لا يقع بما يقارنه وإنما يقع بما ينافيه وهو الحيض فيكون دلالة على براءة رحمها من الحبل فوجب أن تكون العدة بالحيض دون الأطهار واحتج من اعتبر الأطهار بقوله تعالى( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ ) وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعمر حين طلق ابنه امرأته حائضا مرة فليراجعها ثم ليدعها حتى تطهر ثم ليطلقها إن شاء فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق بها النساء قال فهذا يدل من وجهين على أنها بالإطهار أحدهما قوله بعد ذكره الطلاق في الطهر فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء وذلك إشارة إلى الطهر دون الحيض فدل على أن العدة بالإطهار دون الحيض والثاني قوله تعالى( وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ) وذلك عقيب الطلاق في الطهر فوجب أن يكون المحصى هو بقية الطهر وهو الذي يلي الطلاق فيقال له أما قولك فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء فإن اللام قد تدخل في ذلك لحال ماضية ومستقبلة ألا ترى إلى قوله صلّى الله عليه وسلّم صوموا لرؤيته يعنى لرؤية ماضية وقال تعالى( وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها ) يعنى الآخرة فاللام هاهنا للاستقبال والتراخي ويقولون تأهب للشتاء يعنى وقتا مستقبلا
متراخيا عن حال التأهب وإذا كان اللفظ محتملا للماضي والمستقبل ومتى تناول المستقبل فليس في مقتضاه وجوده عقيب المذكور بلا فصل وإذا كان كذلك ووجدنا قوله صلّى الله عليه وسلّم لابن عمر فيه ذكر حيضة ماضية والحيضة المستقبلة معلومة وإن لم تكن مذكورة وذلك في قوله مره فليراجعها ثم ليدعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم ليطلقها إن شاء فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء فاحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى الحيضة الماضية فيدل ذلك على أن العدة إنما هي الحيض وجائز أن يريد حيضة مستقبلة إذ هي معلوم كونها على مجرى العادة فليس الطهر حينئذ بأولى بالاعتبار من الحيض لأن الحيض في المستقبل وإن لم يكن مذكورا فجائز أن يراد به إذا كان معلوما كما أنه لم يذكر طهرا بعد الطلاق وإنما ذكر طهرا قبله ولكن الطهر لما كان معلوما وجوده بعد الطلاق إذا طلقها فيه على مجرى العادة جاز عندك رجوع الكلام إليه وإرادته باللفظ ومع ذلك فجائز أن تحيض عقيب الطلاق بلا فصل فليس إذا في اللفظ دلالة على أن المعتبر في الاعتداد به هو الطهر دون الحيض ومع ذلك فقد دل على أنه لو طلقها في آخر الطهر فحاضت عقيب الطلاق بلا فصل إن عدتها ينبغي أن تكون الحيض دون الطهر بمقتضى لفظه صلّى الله عليه وسلّم إذ ليس في اللفظ ذكر حيض بعد الطلاق ولا طهر فإذا حاضت عقيب الطلاق كان ذلك عدتها ثم لم يفرق أحد في اعتبار الحيض بين وجوده عقيب الطلاق ومتراخيا عنه فأوجب ذلك أن يكون الحيض هو المعتد به من الإقراء دون الطهر فإن قيل الحيضة الماضية غير جائز أن تكون مرادة بالخبر لأن ما قبل الطلاق من الحيض لا يكون عدة قيل له إذا كانت تعتد به بعد الطلاق جاز أن يسميها عدة كما قال تعالى( حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) فسماه زوجا قبل النكاح ويلزم مخالفنا من ذلك ما لزمنا لأنه صلّى الله عليه وسلّم ذكر الطهر وأمره أن يطلقها فيه ولم يذكر الطهر الذي بعد الطلاق فقد سمى الطهر الذي قبله عدة لأنه به تعتد عندك فما أنكرت أن تسمى التي قبل الطلاق عدة إذ كانت بها تعتد وأما قوله تعالى( وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ) فإن الإحصاء ليس بمختص بالطهر دون الحيض لأن كل ذي عدد فالإحصاء يلحقه فإن قيل إذا كان الذي يلي الطلاق هو الطهر وقد أمرنا بالإحصاء فأوجب أن ينصرف الأمر بالإحصاء إليه لأن الأمر على الفور قيل له هذا غلط لأن الإحصاء إنما ينصرف إلى أشياء ذوى عدد فأما شيء واحد قبل انضمام غيره إليه فلا عبرة بإحصائه فإذا لزوم الإحصاء يتعلق بما يوجد في
المستقبل من الإقراء متراخيا عن وقت الطلاق ثم حينئذ الطهر لا يكون أولى به من الحيض إذ كانت سمة الإحصاء تناولهما جميعا وتلحقهما على وجه واحد وأيضا فيلزمك على هذا أن تقول إنها لو حاضت عقيب الطلاق أن تكون عدتها بالحيض للزوم الإحصاء عقيبه والذي يليه في هذه المحال الحيض فينبغي أن يكون هو العدة وقال بعض المخالفين ممن صنف في أحكام القرآن قوله تعالى( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ ) معناه في عدتهن كما يقول الرجل كتب لغرة الشهر معناه في هذا الوقت وهذا غلط لأن في هي ظرف واللام وإن كانت متصرفة على معان فليس في أقسامها التي تتصرف عليها وتحتملها كونها ظرفا والمعاني التي تنقسم إليها لام الإضافة خمسة منها لام الملك كقولك له مال ولام الفعل كقولك له كلام وله حركة ولام العلة كقولك قام لأن زبدا جاءه وأعطاه لأنه سأله ولام النسبة كقولك له أب وله أخ ولام الاختصاص كقولك له علم وله إرادة ولام الإستغاثة كقولك يا لبكر ويا لدارم ولام كي وهو قوله تعالى( وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ) ولام العاقبة كقوله تعالى( لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً ) فهذه المعاني التي تنقسم إليها هذه اللام ليس في شيء منها ما ذكره هذا القائل وهو مع ذلك ظاهر الفساد لأنه إذا كان قوله تعالى( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ ) معناه في عدتهن فينبغي أن تكون العدة موجودة حتى يطلقها فيها كما لو قال قائل طلقها في شهر رجب لم يجز له أن يطلقها قبل أن يوجد منه شيء فبان بذلك فساد قول هذا القول وتناقضه ومما يدل على أن قوله تعالى( وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ) لا دلالة فيه على أنه الطهر الذي مسنون فيه طلاق السنة أنه لو طلقها بعد الجماع في الطهر لكان مخالفا للسنة ولم يختلف حكم ما تعتد به عند الفريقين بكونه جميعا من حيض أو طهر فدل ذلك على أنه لا تعلق لإيقاع طلاق السنة في وقت الطهر بكونه عدة محصاة منها ويدل عليه أنه لو طلقها وهي حائض لكانت معتدة عقيب الطلاق ونحن مخاطبون بإحصاء عدتها فدل على أنه لا تعلق للزوم الإحصاء ولا لوقت طلاق السنة لكونه هو المعتد به دون غيره وقال القائل الذي قدمنا ذكر اعتراضه في هذا الفصل وقد اعتبرتم يعنى أهل العراق معاني أخر غير الإقراء من الاغتسال أو مضى وقت الصلاة والله تعالى إنما أوجب العدة بالإقراء وليس الاغتسال ولا مضى وقت الصلاة في شيء فيقال له لم نعتبر غير الإقراء التي هي عندنا ولكنا لم نتيقن انقضاء الحيض والحكم بمضيه إلا بأحد معنيين لمن كانت أيامها دون العشرة وهو
الاغتسال واستباحة الصلاة به فتكون طاهرا بالاتفاق على ما روى عن عمر وعلى وعبد الله وعظماء السلف من بقاء الرجعة إلى أن تغتسل أو يمضى عليها وقت الصلاة فيلزمها فرضها فيكون لزوم فرض الصلاة منافيا لبقاء حكم الحيض وهذا إنما هو كلام في مضى الحيضة الثالثة ووقوع الطهر منها وليس ذلك من الكلام في المسألة في شيء ألا نرى أنا نقول أن أيامها إذا كانت عشرة انقضت عدتها بمضى العشرة اغتسلت أو لم تغتسل لحصول اليقين بانقضاء الحيضة إذ لا يكون الحيض عندنا أكثر من عشرة فالملزم لنا ذلك على اعتبار الحيض مغفل في إلزامه واضع للإقراء في غير موضعها قال أبو بكر رحمه الله وقد أفردنا لهذه المسألة كتابا واستقصينا القول فيها أكثر من هذا وفيما ذكرناه هاهنا كفاية وهذا الذي ذكره الله تعالى من العدة ثلاثة قروء ومراده مقصور على الحرة دون الأمة وذلك لأنه لا خلاف بين السلف أن عدة الأمة على النصف من عدة الحرة وقد روينا عن على وعمر وعثمان وابن عمر وزيد بن ثابت وآخرين منهم أن عدة الأمة على النصف من عدة الحرة وقد روينا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان والسنة والإجماع قد دلا على أن مراد الله تعالى في قوله( ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) هو الحرائر دون الإماء قوله تعالى( وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَ ) روى الأعمش عن أبى الضحى عن مسروق عن أبى بن كعب قال كان من الأمانة أن اؤتمنت المرأة على فرجها وروى نافع عن ابن عمر في قوله تعالى( وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَ ) قال الحيض والحبل وقال عكرمة الحيض والحكم عن مجاهد وإبراهيم أحدهما الحمل وقال الآخر الحيض وعن على أنه استحلف امرأة أنها لم تستكمل الحيض وقضى بذلك عثمان وقال أبو بكر لما وعظها بترك الكتمان دل على أن القول قولها في وجود الحيض أو عدمه وكذلك في الحبل لأنهما جميعا مما خلق الله في رحمها ولولا أن قولها فيه مقبول لما وعظت بترك الكتمان ولا كتمان لها فثبت بذلك أن المرأة إذا قالت أنا حائض لم يحل لزوجها وطؤها وأنها إذا قالت قد طهرت حل له وطؤها وكذلك قال أصحابنا أنه إذا قال لها أنت طالق إن حضت فقالت قد حضت طلقت وكان قولها كالبينة وفرقوا بين ذلك وبين سائر الشروط إذا علق بها الطلاق نحو قوله إن دخلت الدار وكلمت زيدا فقالوا لا يقبل قولها إذا لم يصدقها الزوج إلا ببينة وتصدق في الحيض والطهر لأن الله تعالى قد أوجب علينا
قبول قولها في الحيض والحبل وفي انقضاء العدة وذلك معنى يخصها ولا يطلع عليه غيرها فجعل قولها كالبينة فكذلك سائر ما تعلق من الأحكام بالحيض فقولها مقبول فيه وقالوا لو قال لها عبدى حر إن حضت فقالت قد حضت لم تصدق لأن ذلك حكم في غيرها أعنى عتق العبد والله تعالى إنما جعل قولها كالبينة في الحيض فيما يخصها من انقضاء عدتها ومن إباحة وطئها أو حظره فأما فيما لا يخصها ولا يتعلق بها فهو كغيره من الشروط فلا تصدق عليه ونظير هذه الآية في تصديق المؤتمن فيما اؤتمن عليه قوله تعالى( وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ) كما وعظه بترك البخس دل ذلك على أن القول قوله فيه ولو لا أنه مقبول القول فيه لما كان موعوظا بترك البخس وهو لو بخس لم يصدق عليه ومنه أيضا قوله تعالى( وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) دل ذلك على أن الشاهد إذا كتم أو أظهر كان المرجع إلى قوله فيما كتم وفيما أظهر لدلالة وعظه إياه بترك الكتمان على قبول قوله فيها وذلك كله أصل في أن كل من اؤتمن على شيء فالقول قوله فيه كالمودع إذا قال قد ضاعت الوديعة أو قد رددتها وكالمضارب والمستأجر وسائر المأمونين على الحقوق ولذلك قلنا إن قوله تعالى( فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ ) ثم قوله تعالى عطفا عليه( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ ) فيه دلالة على أن الرهن ليس بأمانة لأنه لو كان أمانة لما عطف الأمانة عليه إذ كان الشيء لا يعطف على نفسه وإنما يعطف على غيره ومن الناس من يقول إن قوله تعالى( وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَ ) إنما هو مقصور الحكم على الحبل دون الحيض لأن الدم إنما يكون حيضا إذا سال ولا يكون حيضا وهو في الرحم لأن الحيض هو حكم يتعلق بالدم الخارج فما دام في الرحم فلا حكم له ولا معنى لاعتباره ولا ائتمان المرأة عليه قال أبو بكر هذا صحيح إذ الدم لا يكون حيضا إلا بعد خروجه من الرحم ولكن دلالة الآية قائمة على ما ذكرنا وذلك لأن وقت الحيض إنما يرجع فيه إلى قولها إذ ليس كل دم سائل حيضا وإنما يكون حيضا بأسباب أخر نحو الوقت والعادة وبراءة الرحم عن الحبل وإذا كان كذلك وكانت هذه الأمور إنما تعلم من جهتها فهي إذا قالت قد حضت ثلاث حيض فالقول قولها بمقتضى الآية وكذلك إذا قالت لم أرد ما ولم تنقض عدتي فالقول قولها وكذلك إذا قالت قد أسقطت سقطا قد استبان خلقه وانقضت عدتي فالقول قولها وإنما التصديق متعلق بحيض قد وجد ودم قد
«5 ـ أحكام في»
سال* وفي هذه الآية دلالة على أن الحيض لا يتعلق حكمه بلون الدم لأنه لو كان كذلك لما اختصت هي بالرجوع إلى قولها دوننا لأنها وإيانا متساوون في التفرقة بين الألوان فدل ذلك على أن دم الحيض غير متميز بلونه من لون دم الاستحاضة وأنهما على صفة واحدة ففيه دلالة على بطلان قول من اعتبر الحيض بلون الدم وإنما لم يعلم ذلك إلا من جهتها عند سقوط اعتبار لون الدم لما وصفنا من أن وقت الحيض والعادة فيه ومقداره وأوقات الطهر إنما يعلم من جهتها إذ ليس كل دم حيضا وكذلك وجود الحمل النافى لكون الدم حيضا وإسقاط سقط كل ذلك المرجع فيه إلى قولها لأنا لا نعلمه نحن ولا نقف عليه إلا من جهتها فلذلك جعل القول فيه قولها* وذكر هشام عن محمد أن قول المرأة مقبول في وجود الحيض ويحكم ببلوغها إذا كانت قد بلغت سنا تحيض مثلها وذلك لما ذكرنا من قوله تعالى( وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَ ) قال محمد ولو قال صبي مراهق قد احتلمت لم يصدق فيه حتى يعلم الاحتلام أو بلوغ سن يكون مثله بالغا فيها ففرق بين الحيض والاحتلام والفرق بينهما أن الحيض إنما يعلم من جهتها لتعلقه بالأوقات والعادة والمعاني التي لا تعلم من جهة غيرها ودلالة الآية على قبول قبولها فيه وليس كذلك الاحتلام لأنه لا يتعلق خروج المنى على وجه الدفق والشهوة بأسباب أخر غير خروجه ولا اعتبار فيه بوقت ولا عادة فلما كان كذلك لم يعتبر قوله فيه حتى نعلم يقينا صحة ما قال ومن جهة أخرى أن دم الحيض والاستحاضة لما كانا على صفة واحدة لم يجز لمن شاهد الدم أن يقضى له بحكم الحيض فوجب الرجوع إلى قولها إذ كان إنما هو شيء تعلمه هي دوننا وأما الاحتلام فلا يشتبه فيه خروج المنى على أحد شاهده وهو يدرك ويعلم من غير التباس منه بغيره فلذلك لم نحتج فيه إلى الرجوع إلى قوله* وقوله تعالى( إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) ليس بشرط في النهى عن الكتمان وإنما هو على وجه التأكيد وأنه من شرائط الإيمان فعليها أن لا تكتم ومن يؤمن ومن لا يؤمن في هذا النهى سواء وهو كقوله تعالى( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) وقول مريم( إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ) قوله تعالى( وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً ) قد تضمن ضروبا من الأحكام أحدها أن ما دون الثلاث لا يرفع الزوجية ولا يبطلها وإخبار ببقاء الزوجية معه لأنه سماه بعلا بعد الطلاق فدل ذلك على بقاء التوارث وسائر أحكام الزوجية ما دامت معتدة ودل على أن له الرجعة
ما دامت معتدة لأنه قال( فِي ذلِكَ ) يعنى فيما تقدم ذكره من الثلاثة قروء ودل على أن إباحة هذه الرجعة مقصورة على حال إرادة الإصلاح ولم يرد بها الإضرار بها وهو كقوله تعالى( وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا ) فإن قيل فما معنى قوله تعالى( أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ ) مع بقاء الزوجية وإنما يقال ذلك فيما قد زال عنه ملكه فأما فيما هو في ملكه فلا يصح أن يقال بردها إلى ملكه مع بقاء ملكه فيها* قيل له لما كان هناك سبب قد تعلق به زوال النكاح عند انقضاء العدة جاز إطلاق اسم الرد عليه ويكون ذلك بمعنى المانع من زوال الزوجية بانقضاء العدة فسماه ردا إذ كان رافعا لحكم السبب الذي تعلق به زوال الملك وهو كقوله تعالى( فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) وهو ممسك لها في هذه الحال لأنها زوجته وإنما المراد الرجعة الموجبة لبقاء النكاح بعد انقضاء الحيض التي لو لم تكن الرجعة لكانت مزيلة للنكاح* وهذه الرجعة وإن كانت إباحتها معقودة بشريطة إرادة الإصلاح فإنه لا خلاف بين أهل العلم أنه إذا راجعها مضارا في الرجعة مريدا لتطويل العدة عليها إن رجعته صحيحة وقد دل على ذلك قوله تعالى( فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا ) ثم عقبه بقوله تعالى( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) فلو لم تكن الرجعة صحيحة إذا وقعت على وجه الضرار لما كان ظالما لنفسه بفعلها* وقد دلت الآية أيضا على جواز إطلاق لفظ العموم في مسميات ثم يعطف عليه بحكم يختص به بعض ما انتظمه العموم فلا يمنع ذلك اعتبار عموم اللفظ فيما يشمله في غير ما خص به المعطوف لأن قوله تعالى( وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) عام في المطلقة ثلاثا وفيما دونها لا خلاف في ذلك ثم قوله تعالى( وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ ) حكم خاص فيمن كان طلاقها دون الثلاث ولم يوجب ذلك الاقتصار بحكم قوله تعالى( وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) على ما دون الثلاث ولذلك نظائره كثيرة في القرآن والسنة نحو قوله تعالى( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً ) وذلك عموم في الوالدين الكافرين والمسلمين ثم عطف عليه قوله تعالى( وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) وذلك خاص في الوالدين المشركين فلم يمنع ذلك عموم أول الخطاب في الفريقين من المسلمين والكفار والله أعلم بالصواب.
باب حق الزوج على المرأة وحق المرأة على الزوج
قال الله تعالى( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) قال أبو بكر رحمه الله أخبر الله تعالى في هذه الآية أن لكل واحد من الزوجين على صاحبه حقا وإن الزوج مختص بحق له عليها ليس لها عليه مثله بقوله تعالى( وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) ولم يبين في هذه الآية ما لكل واحد منهما على صاحبه من الحق مفسرا وقد بينه في غيرها وعلى لسان رسوله صلّى الله عليه وسلّم فمما بينه الله تعالى من حق المرأة عليه قوله تعالى( وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) وقوله تعالى( فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) وقال تعالى( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) وقال تعالى( الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ ) وكانت هذه النفقة من حقوقها عليه وقال تعالى( وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ) فجعل من حقها عليه أن يوفيها صداقها وقال تعالى( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً ) فجعل من حقها عليه أن لا يأخذ مما أعطاها شيئا إذا أراد فراقها وكان النشوز من قبله لأن ذكر الاستبدال يدل على ذلك وقال تعالى( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ ) فجعل من حقها عليه ترك إظهار الميل إلى غيرها وقد دل ذلك على أن من حقها القسم بينها وبين سائر نسائه لأن فيه ترك إظهار الميل إلى غيرها ويدل عليه أن عليه وطأها بقوله تعالى( فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ ) يعنى لا فارغة فتتزوج ولا ذات زوج إذ لم يوفها حقها من الوطء ومن حقها أن لا يمسكها ضرارا على ما تقدم من بيانه وقوله تعالى( فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ) إذا كان خطابا للزوج فهو يدل على أن من حقها إذا لم يمل إليها أن لا يعضلها عن غيره بترك طلاقها فهذه كلها من حقوق المرأة على الزوج وقد انتظمت هذه الآيات إثباتها لها* ومما بين الله من حق الزوج على المرأة قوله تعالى( فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ ) فقيل فيه حفظ مائه في رحمها ولا تحتال في إسقاطه ويحتمل حفظ فراشها عليه ويحتمل حافظات لما في بيوتهن من مال أزواجهن ولأنفسهن وجائز أن يكون المراد جميع ذلك لاحتمال اللفظ له وقال تعالى( الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ ) قد أفاد ذلك لزومها طاعته لأن وصفه بالقيام عليها يقتضى ذلك وقال تعالى( وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَ
وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ) ويدل على أن عليها طاعته في نفسها وترك النشوز عليه وقد روى في حق الزوج على المرأة وحق المرأة عليه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخبار بعضها مواطئ لما دل عليه الكتاب وبعضها زائد عليه من ذلك ما حدثنا محمد بن بكر البصري قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن محمد النفيلى وغيره قال حدثنا حاتم بن إسماعيل قال حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال خطب النبي صلّى الله عليه وسلّم بعرفات فقال (اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) وروى ليث عن عبد الملك عن عطاء عن ابن عمر قال جاءت امرأة النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالت يا رسول الله ما حق الزوج على الزوجة فذكر فيها أشياء لا تصدق بشيء من بيته إلا بإذنه فإن فعلت كان له الأجر وعليها الوزر فقالت يا رسول الله ما حق الزوج على زوجته قال لا تخرج من بيته إلا بإذنه ولا تصوم يوما إلا بإذنه * وروى مسعر عن سعيد المقبري عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خير النساء (امرأة إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها ثم قرأ( الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ ) الآية) قال أبو بكر ومن الناس من يحتج بهذه الآية في إيجاب التفريق إذا أعسر الزوج بنفقتها لأن الله تعالى جعل لهن من الحق عليها مثل الذي عليهن فسوى بينها فغير جائز أن يستبيح بضعها من غير نفقة ينفقها عليها وهذا غلط من وجوه أحدها أن النفقة ليست بدلا عن البضع فيفرق بينهما ويستحق البضع عليها من أجلها لأنه قد ملك البضع بعقد النكاح وبدله هو المهر والوجه الثاني أنها لو كانت بدلا لما استحقت التفريق بالآية لأنه عقب ذلك قوله تعالى( وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) فاقتضى ذلك تفضيله عليها فيما يتعلق بينهما من حقوق النكاح وأن يستبيح بعضها وإن لم يقدر على نفقتها وأيضا فإن كانت النفقة مستحقة عليها بتسليمها نفسها في بيته فقد أوجبنا لها عليه مثل ما أبحنا منها له وهو فرض النفقة وإثباتها في ذمته لها فلم تخل في هذه الحال من إيجاب الحق لها كما أوجبناه له عليها* ومما تضمنه قوله تعالى( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) من الدلالة على الأحكام إيجاب مهر المثل إذا لم يسم لها مهرا لأنه قد ملك عليها بضعها بالعقد واستحق عليها تسليم نفسها إليه فعليه
لها مثل ملكه عليها ومثل البضع هو قيمته وهي مهر المثل كقوله تعالى( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) فقد عقل به وجوب قيمة ما يستملكه عليه بما لا مثل له من جنسه وكذلك مثل البضع هو مهر المثل وقوله تعالى( بِالْمَعْرُوفِ ) يدل على أن الواجب من ذلك ما لا شطط فيه ولا تقصير كما قال صلّى الله عليه وسلّم في المتوفى عنها زوجها ولم يسم لها مهرا ولم يدخل بها لها مهر مثل نسائها ولا وكس ولا شطط وقوله أيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها مهر مثل نسائها ولا وكس ولا شطط فهذا هو المعنى المعروف المذكور في الآية وقد دلت الآية أيضا على أنه لو تزوجها على أنه لا مهر لها إن المهر واجب لها إذ لم تفرق بين من شرط نفى المهر في النكاح وبين من لم يشرط في إيجابه لها مثل الذي عليها* وقوله( وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) قال أبو بكر مما فضل به الرجل على المرأة ما ذكره الله من قوله تعالى( الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) فأخبر بأنه مفضل عليها بأن جعل قيما عليها* وقال تعالى( وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ ) فهذا أيضا مما يستحق به التفضيل عليها ومما فضل به عليها ما ألزمها الله من طاعته بقوله تعالى( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ) ومن درجات التفضيل ما أباحه للزوج من ضربها عند النشوز وهجران فراشها ومن وجوه التفضيل عليها ما ملك الرجل من فراقها بالطلاق ولم تملكه ومنها أنه جعل له أن يتزوج عليها ثلاثا سواها ولم يجعل لها أن تتزوج غيره ما دامت في حباله أو في عدة منه ومنها زيادة الميراث على قسمها ومنها أن عليها أن تنتقل إلى حيث يريد الزوج وليس على الزوج اتباعها في النقلة والسكنى وأنه ليس لها أن تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ضروب أخر من التفضيل سوى ما ذكرنا منها حديث إسماعيل بن عبد الملك عن أبى الزبير عن جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لا ينبغي لبشر أن يسجد لبشر ولو كان ذلك كان النساء لأزواجهن وحديث خلف بن خليفة عن حفص بن أخى أنس عن أنس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال (لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة بالقيح والصديد ثم لحسته لما أدت حقه) وروى الأعمش عن أبى حازم عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة
حتى تصبح) وفي حديث حصين بن محصن عن عمة له أنها أتت النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال أذات زوج أنت فقالت نعم قال فأين أنت منه قالت ما ألوه إلا ما عجزت عنه قال فانظرى أين أنت منه فإنما هو جنتك أو نارك وروى سفيان عن أبى زياد عن الأعرج عن أبى هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لا تصوم المرأة يوما وزوجها شاهد من غير رمضان إلا بإذنه وحديث الأعمش عن أبى صالح عن أبى سعيد الخدري قال نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم النساء أن يصمن إلا بإذن أزواجهن فهذه الأخبار مع ما تضمنته دلالة الكتاب توجب تفضيل الزوج على المرأة في الحقوق التي يقتضيها عقد النكاح* وقد ذكر في قوله تعالى( وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) نسخ في مواضع أحدها ما رواه مطرف عن أبى عثمان النهدي عن أبى بن كعب قال لما نزلت عدة النساء في الطلاق والمتوفى عنها زوجها قلنا يا رسول الله قد بقي نساء لم تنزل عدتهن بعد الصغار والكبار والحبلى فنزلت( وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ ـ إلى قوله ـوَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ ) وروى عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة قال( وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) فجعل عدة المطلقة ثلاث حيض ثم نسخ منها التي لم يدخل بها في العدة ونسخ من الثلاثة القروء امرأتان( وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ ) فهذه العجوز التي لا تحيض واللائي لم يحضن فهذه البكر عدتها ثلاثة أشهر وليس الحيض من أمرها في شيء ونسخ من الثلاثة القروء الحامل فقال( وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ ) فهذه أيضا ليست من القروء في شيء إنما أجلها أن تضع حملها قال أبو بكر أما حديث أبى بن كعب فلا دلالة فيه على نسخ شيء وإنما أكثر ما فيه أنهم سألوا النبي صلّى الله عليه وسلّم عن عدة الصغيرة والآيسة والحبلى فهذا يدل على أنهم علموا خصوص الآية وأن الحبلى لم تدخل فيها مع جواز أن تكون مرادة بها وكذلك الصغيرة لأنه كان جائزا أن يشترط ثلاثة قروء بعد بلوغها وإن طلقت وهي صغيرة وأما الآيسة فقد عقل من الآية أنها لم ترد بها لأن الآيسة هي التي لا ترجى لها حيض فلا جائر أن يتناولها مراد الآية بحال وأما حديث قتادة فإنه ذكر أن الآية كانت عامة في اقتضائها إيجاب العدة بالإقراء في المدخول بها وغير المدخول بها وأنه نسخ منها غير المدخول بها وهذا ممكن أن يكون كما قال وأما قوله ونسخ عن الثلاثة قروء امرأتان وهي الآيسة والصغيرة فإنه أطلق لفظ النسخ في الآية وأراد به التخصيص وكثيرا ما يوجد
عن ابن عباس وعن غيره من أهل التفسير إطلاق لفظ النسخ ومرادهم التخصيص فإنما أراد قتادة بذكر النسخ في الآيسة التخصيص لا حقيقة النسخ لأنه غير جائز ورود النسخ إلا فيما قد استقر حكمه وثبت وغير جائز أن تكون الآيسة مرادة بعدة الإقراء مع استحالة وجودها منها فدل على أنه أراد التخصيص وقد يحتمل وجها على بعد عندنا وهو أن يكون مذهب قتادة أن التي ارتفع حيضها وإن كانت شابة تسمى آيسة وأن عدتها مع ذلك الإقراء وإن طالت المدة فيها وقد روى عن عمر أن التي ارتفع حيضها من الآيسات وتكون عدتها عدة الآيسة وإن كانت شابة وهو مذهب مالك فإن كان إلى هذا ذهب في معنى الآيسة فهذه جائز أن تكون مرادة بالإقراء لأنها يرجى وجودها منها وأما قوله ونسخ من الثلاثة قروء الحامل فإن هذا أيضا جائز سائغ لأنه لا يمتنع ورود العبارة بأن عدة الحامل ثلاث حيض بعد وضع الحمل وإن كانت ممن لا تحيض وهي حامل فجائز أن يكون عدتها ثلاثة قروء بعد وضع الحمل فنسخ بالحمل إلا أن أبى بن كعب قد أخبر أن الحامل لم تكن مرادة بعدة الإقراء وأنهم سألوا النبي صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك فأخبر بأنه لم تنزل في الحامل والآيسة والصغيرة فأنزل الله تعالى ذلك وليس يجوز إطلاق النسخ على الحقيقة إلا فيما قد علم ثبوت حكمه وورود الحكم الناسخ له متأخرا عنه إلا أن يطلق لفظ النسخ والمراد التخصيص على وجه المجاز فلا يضيق وأولى الأشياء بنا حمله على وجه التخصيص فيكون قوله تعالى( وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ ) لم يرد إلا خاصا في المطلقات ذوات الحيض المدخول بهن وأن الآيسة والصغيرة والحامل لم يردن قط بالآية إذ ليس معنا تاريخ لورود هذه الأحكام ولا علم باستقرار حكمها ثم نسخه بعده فكأن هذه الآيات وردت معا وترتبت أحكامها على ما اقتضاها من استعمالها وبنى العام على الخاص منها وقد روى عن ابن عباس وجه آخر من النسخ في هذه الآية وهو ما روى الحسين بن الحسن بن عطية عن أبيه عطية عن ابن عباس قال( وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) ـ إلى قوله ـ( وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ ) وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته كان أحق بردها وإن طلقها ثلاثا فنسختها هذه الآية( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ ) ـ إلى قوله ـ( جَمِيلاً ) وعن الضحاك بن مزاحم والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وقال( فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ ) فنسخ واستثنى منها فقال( إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَ
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها ) وروى فيها وجه آخر وهو ما روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال كان الرجل إذا طلق امرأته ثم راجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له وإن طلقها ألف مرة فعمد رجل إلى امرأته فطلقها حتى إذا شارفت انقضاء العدة راجعها ثم طلقها ثم قال والله لا آويك إلى ولا تحلين منى أبدا فأنزل الله تعالى( الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) فاستقبل الناس الطلاق جديدا من يومئذ من كان منهم طلق أو لم يطلق وروى شيبان عن قتادة في قوله تعالى( وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ ) قال في القروء الثلاثة ثم قال الطلاق مرتان لكل مرة قرء فنسخت هذه الآية ما كان قبلها فجعل الله حد الطلاق ثلاثا فجعله أحق برجعتها ما لم تطلق ثلاثا.
باب عدد الطلاق
قال الله عز وجل( الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) قال أبو بكر قد ذكرت في معناه وجوه أحدها أنه بيان للطلاق الذي نثبت معه الرجعة يروى ذلك عن عروة بن الزبير وقتادة والثاني أنه بيان لطلاق السنة المندوب إليه ويروى ذلك عن ابن عباس ومجاهد والثالث أنه أمر بأنه إذا أراد أن يطلقها ثلاثا فعليه تفريق الطلاق فيتضمن الأمر بالطلاق مرتين ثم ذكر بعدهما الثالثة قال أبو بكر فأما قول من قال إنه بيان لما يبقى معه الرجعة من الطلاق وإن ذكر معه الرجعة عقيبه فإن ظاهره يدل على أنه قصد به بيان المباح منه وأما ما عداه فمحظور وبين مع ذلك حكمه إذا أوقعه على الوجه المأمور به بذكر الرجعة عقيبه والدليل على أن المقصد فيه الأمر بتفريق الطلاق وبيان حكم ما يتعلق بإيقاع ما دون الثلاث من الرجعة أنه قال( الطَّلاقُ مَرَّتانِ ) وذلك يقتضى التفريق لا محالة لأنه لو طلق اثنتين معا لما جاز أن يقال طلقها مرتين وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال أعطاه مرتين حتى يفرق الدفع فحينئذ يطلق عليه وإذا كان هذا هكذا فلو كان الحكم المقصود باللفظ هو ما تعلق بالتطليقتين من بقاء الرجعة لأدى ذلك إلى إسقاط فائدة ذكر المرتين إذا كان هذا الحكم ثابتا في المرة الواحدة إذا طلق اثنتين فثبت بذلك أن ذكره للمرتين إنما هو أمر بإيقاعه مرتين ونهى عن الجمع بينهما في مرة واحدة ومن جهة أخرى أنه لو كان اللفظ محتملا للأمرين لكان الواجب حمله
على إثبات الحكم في إيجاب الفائدتين وهو الأمر بتفريق الطلاق متى أراد يطلق اثنتين وبيان حكم الرجعة إذا طلق كذلك فيكون اللفظ مستوعبا للمعنيين وقوله تعالى( الطَّلاقُ مَرَّتانِ ) وإن كان ظاهره الخبر فإن معناه الأمر كقوله تعالى( وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) ( وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَ ) وما جرى هذا المجرى مما هو في صيغة الخبر ومعناه الأمر والدليل على أنه أمر وليس بخبر أنه لو كان خبرا لوجد مخبره على ما أخبر به لأن أخبار الله لا تنفك من وجود مخبراتها فلما وجدنا الناس قد يطلقون الواحدة والثلاث معا ولو كان قوله تعالى( الطَّلاقُ مَرَّتانِ ) اسما للخبر لاستوعب جميع ما تحته ثم وجدنا في الناس من يطلق لا على الوجه المذكور في الآية علمنا أنه لم يرد الخبر وأنه تضمن أحد معنيين إما الأمر بتفريق الطلاق متى أردنا الإيقاع أو الإخبار عن المسنون المندوب إليه منه وأولى الأشياء حمله على الأمر إذ قد ثبت أنه لم يرد به حقيقة الخبر لأنه حينئذ يصير بمعنى قوله طلقوا مرتين متى أردتم الطلاق وذلك يقتضى الإيجاب وإنما ينصرف إلى الندب بدلالة ويكون كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم الصلاة مثنى مثنى والتشهد في كل ركعتين وتمكن وخشوع فهذه صيغة الخبر والمراد الأمر بالصلاة على هذه الصفة وعلى أنه إن حمل على أن المراد بيان المسنون من الطلاق كانت دلالته قائمة على حظر جمع الإثنين والثلاث لأن قوله( الطَّلاقُ مَرَّتانِ ) منتظم لجميع الطلاق المسنون فلا يبقى شيء من مسنون الطلاق إلا وقد انطوى تحت هذا اللفظ فإذا ما خرج عنه فهو على خلاف السنة فثبت بذلك أن من جمع اثنتين أو ثلاثا في كلمة فهو مطلق لغير السنة* فانتظمت هذه الآية الدلالة على معان منها أن مسنون الطلاق التفريق بين إعداد الثلاث إذا أراد أن يطلق ثلاثا ومنها أن له أن يطلق اثنتين في مرتين ومنها أن ما دون الثلاث تثبت معه الرجعة ومنها أنه إذا طلق اثنتين في الحيض وقعتا لأن الله قد حكم بوقوعهما ومنها أنه نسخ هذه الآية الزيادة على الثلاث على ما روى عن ابن عباس وغيره إنهم كانوا يطلقون ما شاءوا من العدد ثم يراجعون فقصروا على الثلاث ونسخ به ما زاد* ففي هذه الآية دلالة على حكم العدد المسنون من الطلاق وليس فيها ذكر الوقت المسنون فيه إيقاع الطلاق وقد بين الله ذلك في قوله تعالى( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ ) وبين لهم النبي صلّى الله عليه وسلّم طلاق العدة فقال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض ما هكذا أمرك الله إنما طلاق العدة أن تطلقها طاهرا من غير جماع
أو حاملا وقد استبان حملها فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء فكان طلاق السنة معقودا بوصفين أحدهما العدد والآخر الوقت فأما العدد فأن لا يزيد في طهر واحد على واحدة وأما الوقت فأن يطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا قد استبان حملها* وقد اختلف أهل العلم في طلاق السنة لذوات الإقراء فقال أصحابنا أحسن الطلاق أن يطلقها إذا طهرت قبل الجماع ثم يتركها حتى تنقضي عدتها وإن أراد أن يطلقها ثلاثا طلقها عند كل طهر واحدة قبل الجماع وهو قول الثوري وقال أبو حنيفة وبلغنا عن إبراهيم عن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنهم كانوا يستحبون أن لا يزيدوا في الطلاق على واحدة حتى تنقضي العدة وأن هذا عندهم أفضل من أن يطلقها ثلاثا عند كل طهر واحدة وقال مالك وعبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون والليث بن سعد والحسن بن صالح والأوزاعى طلاق السنة أن يطلقها في طهر قبل الجماع تطليقة واحدة ويكرهون أن يطلقها ثلاثا في ثلاثة أطهار لكنه إن لم يرد رجعتها تركها حتى تنقضي عدتها من الواحدة وقال الشافعى فيما رواه عنه المزني لا يحرم عليه أن يطلقها ثلاثا ولو قال لها أنت طالق ثلاثا للسنة وهي طاهر من غير جماع طلقت ثلاثا معا* قال أبو بكر فنبدأ بالكلام على الشافعى في ذلك فنقول إن دلالة الآية التي تلوتها ظاهرة في بطلان هذه المقالة لأنها تضمنت الأمر بإيقاع الاثنتين في مرتين فمن أوقع الاثنتين في مرة فهو مخالف لحكمها ومما يدل على ذلك قوله تعالى( لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ) وظاهره يقتضى تحريم الثلاث لما فيها من تحريم ما أحل لنا من الطيبات والدليل على أن الزوجات قد تناولهن هذا العموم قوله تعالى( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ) فوجب بحق العموم حظر الطلاق الموجب لتحريمها ولو لا قيام الدلالة في إباحة إيقاع الثلاث في وقت السنة وإيقاع الواحدة لغير المدخول بها لاقتضت الآية حظره ومن جهة أخرى من دلائل الكتاب أن الله تعالى لم يبح الطلاق ابتداء لمن تجب عليها العدة لا مقرونا بذكر الرجعة منها قوله تعالى( الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ ) وقوله تعالى( وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) وقوله تعالى( وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) وقوله تعالى( أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) فلم يبح الطلاق المبتدأ لذوات العدد إلا مقرونا بذكر الرجعة وحكم الطلاق مأخوذ من هذه الآيات لولاها لم يكن الطلاق من أحكام الشرع فلم يجز لنا إثباته مسنونا إلا على هذه
الشريطة وبهذا الوصف وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم من أدخل في أمرنا ما ليس منه فهو رد وأقل أحوال هذا اللفظ حظر خلاف ما تضمنته الآيات التي تلونا من إيقاع الطلاق المبدأ مقرونا بما يوجب الرجعة* ويدل عليه من جهة السنة ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك فقال مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة أمر الله أن يطلق لها النساء وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا عنبسة قال حدثنا يونس عن ابن شهاب قال أخبرنى سالم ابن عبد الله عن أبيه أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فتغيظ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثم قال مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلقها طاهرا قبل أن يمس فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله فذكر سالم في رواية الزهري عنه ونافع عن ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمره أن يراجعها ثم يدعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق أو أمسك وروى عن عطاء الخراساني عن الحسن عن ابن عمر مثله وروى يونس وأنس بن سيرين وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم عن ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم قال إن شاء طلق وإن شاء أمسك والأخبار الأول لما فيها من الزيادة ومعلوم أن جميع ذلك إنما ورد في قصة واحدة وإنما ساوى بعضهم لفظ النبي صلّى الله عليه وسلّم على وجهه وحذف بعضهم ذكر الزيادة إغفالا أو نسيانا فوجب استعماله بما فيه من زيادة ذكر الحيضة إذ لم يثبت أن الشارع صلّى الله عليه وسلّم قال ذلك عاريا من ذكر الزيادة وذكره مرة مقرونا بها إذ كان فيه إثبات القول منه في حالين وهذا مما لا نعلمه فغير جائز إثباته وعلى أنه لو كان الشارع صلّى الله عليه وسلّم قد قال ذلك في حالين لم يخل من أن يكون المتقدم منهما هو الخبر الذي فيه الزيادة والآخر متأخرا عنه فيكون ناسخا له وأن يكون الذي لا زيادة فيه هو المتقدم ثم ورد بعده ذكر الزيادة فيكون ناسخا للأول بإثبات الزيادة ولا سبيل لنا إلى العلم بتاريخ الخبرين لا سيما وقد أشار الجميع من الرواة إلى قصة واحدة فإذا لم يعلم التاريخ وجب إثبات الزيادة من وجهين أحدهما أن كل شيئين لا يعلم تاريخهما فالواجب الحكم بهما معا ولا يحكم بتقدم أحدهما على الآخر كالغرقى والقوم يقع عليهم البيت وكما نقول في البيعين
من قبل رجل واحد إذا قامت عليهما البينة ولم يعلم تاريخهما فيحكم بوقوعهما معا فكذلك هذان الخبران وجب الحكم بهما معا إذ لم يثبت لهما تاريخ فلم يثبت الحكم إلا مقرونا بالزيادة المذكورة فيه والوجه الآخر أنه قد ثبت أن الشارع قد ذكر الزيادة وأثبتها وأمر باعتبارها بقوله مره فليدعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم يطلقها إن شاء لورودها من طرق صحيحة فإذا كانت ثابتة في وقت واحتمل أن تكون منسوخة بالخبر الذي فيه حذف الزيادة واحتمل أن تكون غير منسوخة لم يجز لنا إثبات النسخ بالاحتمال ووجب بقاء حكم الزيادة ولما ثبت ذلك وأمر الشارع صلّى الله عليه وسلّم بالفصل بين التطليقة الموقعة في الحيض وبين الأخرى التي أمره بإيقاعها بحيضة ولم يبح له إيقاعها في الطهر الذي يلي الحيضة ثبت إيجاب الفصل بين كل تطليقتين بحيضة وأنه غير جائز له الجمع بينهما في طهر واحد لأنه صلّى الله عليه وسلّم كما أمره بإيقاعها في الطهر ونهاه عنها في الحيض فقد أمره أيضا بأن لا يواقعها في الطهر الذي يلي الحيضة التي طلقها فيه ولا فرق بينهما* فإن قيل قد روى عن أبى حنيفة أنه إذا طلقها ثم راجعها في ذلك الطهر جاز له إيقاع تطليقة أخرى في ذلك الطهر فقد خالف بذلك ما أردت تأكيده من الزيادة المذكورة في الخبر* قيل له ذكرنا هذه المسألة في الأصول ومنعه من إيقاع التطليقة الثانية في ذلك الطهر وإن راجعها حتى يفصل بينهما بحيضة وهذا هو الصحيح والرواية الأخرى غير معمول عليها وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في النهى عن إيقاع الثلاث مجموعة بما لا مساغ للتأويل فيه وهو ما حدثنا ابن قانع قال حدثنا محمد بن شاذان الجوهري قال حدثنا معلى بن منصور قال حدثنا سعيد بن زريق أن عطاء الخراساني حدثهم عن الحسن قال حدثنا عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين أخريين عند القرئين الباقيين فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله إنك قد أخطأت السنة والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء فأمرنى رسول الله فراجعتها وقال إذا هي طهرت فطلق عند ذلك أو أمسك فقلت يا رسول الله أرأيت لو كنت طلقتها ثلاثا أكان لي أن أراجعها قال لا كانت تبين وتكون معصية فأخبر صلّى الله عليه وسلّم نصا في هذا الحديث بكون الثلاث معصية* فإن قيل لما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم في سائر أخبار ابن عمر حين ذكر الطهر الذي هو وقت لإيقاع طلاق السنة ثم ليطلقها إن شاء ولم يخصص ثلاثا مما دونها كان ذلك إطلاقا للاثنتين والثلاث معا قيل
له لما ثبت بما قدمنا من إيجابه الفصل بين التطليقتين بحيضة ثم عطف عليه بقوله ثم ليطلقها إن شاء علمنا أنه إنما أراد واحدة لا أكثر منها لاستحالة إرادته نسخ ما أوجبه بديا من إيجابه الفصل بينهما وما اقتضاه ذلك من حظر الجمع بين تطليقتين إذ غير جائز وجود الناسخ والمنسوخ في خطاب واحد لأن النسخ لا يصح إلا بعد استقرار الحكم والتمكن من الفعل ألا ترى أنه لا يجوز أن يقول في خطاب واحد قد أبحت لكم ذا الناب من السباع وقد حظرته عليكم لأن ذلك عبث والله تعالى منزه عن فعل العبث وإذا ثبت ذلك علمنا أن قوله ثم ليطلقها إن شاء مبنى على ما تقدم من حكمه في ابتداء الخطاب وهو أن لا يجمع بين اثنتين في طهر واحد وأيضا فلو خلا هذا اللفظ من دلالة حظر الجمع بين التطليقتين في طهر واحد لما دل على إباحته لوروده مطلقا عاريا من ذكر ما تقدم لأن قوله ثم ليطلقها إن شاء لم يقتض اللفظ أكثر من واحد وكذلك نقول في نظائر ذلك من الأوامر أنه إنما يقتضى أدنى ما يتناوله الاسم وإنما يصرف إلى الأكثر بدلالة كقول الرجل لآخر طلق امرأتى إن الذي يجوز له إيقاعه بالأمر إنما هو تطليقة واحدة لا أكثر منها وكذلك قال أصحابنا فيمن قال لعبده تزوج أنه يقع على امرأته واحدة فإن تزوج اثنتين لم يجز نكاح واحدة منهما إلا أن يقول المولى أردت اثنتين وكذلك قوله فليطقها إن شاء لم يقتض إلا تطليقة واحدة وما زاد عليها فإنما يثبت بدلالة فهذا الذي قدمناه من دلالة الكتاب والسنة على حظر جمع الثلاث والاثنتين في كلمة واحدة قد ورد بمثله اتفاق السلف من ذلك ما روى الأعمش عن أبى إسحاق عن أبى الأحوص عن عبد الله أنه قال طلاق السنة أن يطلقها تطليقة واحدة وهي طاهر في غير جماع فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى وقال إبراهيم مثل ذلك وروى زهير عن أبى إسحاق عن أبى الأحوص عن عبد الله قال من أراد الطلاق الذي هو الطلاق فليطلق عند كل طهر من غير جماع فإن بدا له أن يراجعها وأشهد رجلين وإذا كانت الثانية في مرة أخرى فكذلك فإن الله تعالى يقول( الطَّلاقُ مَرَّتانِ ) وروى ابن سيرين عن على قال لو أن الناس أصابوا حد الطلاق ما ندم أحد على امرأة يطلقها وهي طاهر من غير جماع أو حاملا قد تبين حملها فإذا بدا له أن يراجعها راجعها وأن بدا له أن يخلى سبيلها وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا حميد بن مسعدة قال حدثنا إسماعيل قال أخبرنا أيوب عن عبد الله بن كثير عن مجاهد
قال كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال له إنه طلق امرأته ثلاثا قال فسكت ابن عباس حتى ظننت أنه رادها إليه ثم قال يطلق أحدكم فيركب الحموقة ثم يقول يا ابن عباس يا ابن عباس وإن الله تعالى قال( وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ) وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجا عصيت ربك وبانت منك امرأتك وإن الله تعالى قال( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ ) أى قبل عدتهن وعن عمران بن حصين أن رجلا قال له إنى طلقت امرأتى ثلاثا فقال أثمت بربك وحرمت عليك امرأتك وأبو قلابة قال سئل ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها فقال لا أرى من فعل ذلك إلا قد حرج وروى ابن عون عن الحسن قال كانوا ينكلون من طلق امرأته ثلاثا في مقعد واحد وروى عن ابن عمران أنه كان إذا أتى برجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد أوجعه ضربا وفرق بينهما فقد ثبت عن هؤلاء الصحابة حظر جمع الثلاث ولا يروى عن أحد من الصحابة خلافه فصار إجماعا* فإن قيل قد روى أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته ثلاثا في مرضه وإن ذلك لم يعب عليه ولو كان جمع الثلاث محظورا لما فعله وتركهم النكير عليه دليل على أنهم رأوه سائغا له قيل له ليس في الحديث الذي ذكرت ولا في غيره أنه طلق ثلاثا في كلمة واحدة وإنما أراد أنه طلقها ثلاثا على الوجه الذي جوز عليه الطلاق وقد بين ذلك في أحاديث رواها جماعة عن الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر تطليقتين ثم قال لها في مرضه إن أخبرتينى بطهرك لأطلقنك فبين في هذا الحديث أنه لم يطلقها ثلاثا مجتمعة وقد روى في حديث فاطمة بنت قيس شبيها بهذا وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبان ابن يزيد العطار قال حدثنا يحيى بن أبى كثير قال حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن فاطمة بنت قيس حدثته أن أبا حفص بن المغيرة طلقها وأن خالد بن الوليد ونفر من بنى مخزوم أتوا النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالوا يا نبي الله إن أبا حفص بن المغيرة طلق امرأته ثلاثا وإنه ترك لها نفقة يسيرة فقال لا نفقة لها وساق الحديث فيقول المحتج لإباحة إيقاع الثلاث معا بأنهم قالوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم إنه طلقها ثلاثا فلم ينكره وهذا خبر قد أجمل فيه ما فسر في غيره وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا يزيد بن خالد الرملي قال حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أبى سلمة عن فاطمة بنت قيس أنها أخبرته أنها كانت عند
أبى حفص بن المغيرة وأن أبا حفص بن المغيرة طلقها آخر ثلاث تطليقات فزعمت أنها جاءت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وذكر الحديث قال أبو داود وكذلك رواه صالح بن كيسان وابن جريج وشعيب بن أبى حمزة كلهم عن الزهري فبين في هذا الحديث ما أجمل في الحديث الذي قبله أنه إنما طلقها آخر ثلاث تطليقات وهو أولى لما فيه من الإخبار عن حقيقة الأمر والأول فيه ذكر الثلاث ولم يذكر إيقاعهن معا فهو محمول على أنه فرقهن على ما ذكر في هذا الحديث الذي قبله فثبت بما ذكرنا من دلائل الكتاب والسنة واتفاق السلف أن جمع الثلاث محظور* فإن قيل فيما قدمناه من دلالة قوله تعالى( الطَّلاقُ مَرَّتانِ ) على حظر جمع الاثنتين في كلمة واحدة أنه من حيث دل على ما ذكرت فهو دليل على أن له أن يطلقها في طهر واحد مرتين إذ ليس في الآية تفريقهما في طهرين وفيه إباحة تطليقتين في مرتين وذلك يقتضى إباحة تفريق الاثنتين في طهر واحد وإذا جاز ذلك في طهر واحد جاز جمعهما بلفظ واحد إذ لم يفرق أحد بينهما* قيل له هذا غلط من قبل أن ذلك اعتبار يؤدى إلى إسقاط حكم اللفظ ورفعه رأسا وإزالة فائدته وكل قول يؤدى إلى رفع حكم اللفظ فهو ساقط وإنما صار مسقطا لفائدة اللفظ وإزالة حكمه من قبل أن قوله تعالى( الطَّلاقُ مَرَّتانِ ) قد اقتضى تفريق الاثنتين وحظر جمعهما في لفظ واحد على ما قدمنا من بيانه وإباحتك لتفريقهما في طهر واحد يؤدى إلى إباحة جمعهما في كلمة واحدة وفي ذلك رفع حكم اللفظ ومتى حظرنا تفريقهما وجمعهما في طهر واحد وأبحناه في طهرين فليس فيه وقع حكم اللفظ بل فيه استعماله على الخصوص في بعض المواضع دون بعض فلم يؤد قولنا بالتفريق في طهرين إلى رفع حكمه وإنما أوجب تخصيصه إذ كان اللفظ موجبا للتفريق واتفق الجميع على أنه إذا أوجب التفريق فرقهما في طهرين فحصصنا تفريقهما في طهر واحد بدلالة الاتفاق مع استعمال حكم اللفظ ومتى أبحنا التفريق في طهر واحد أدى ذلك إلى رفع حكم اللفظ رأسا حتى يكون ذكره للطلاق مرتين وتركه سواء وهذا قول ساقط مردود* واحتج من أباح ذلك أيضا بحديث عويمر العجلاني حين لاعن النبي صلّى الله عليه وسلّم بينه وبين امرأته فلما فرغا من لعانهما قال كذبت عليها إن أمسكتها هي طالق ثلاثا ففارقها قبل أن يفرق النبي صلّى الله عليه وسلّم بينهما قال فلما لم ينكر الشارع صلّى الله عليه وسلّم إيقاع الثلاث معا دل على إباحته وهذا الخبر لا يصح للشافعي الاحتجاج به لأن من مذهبه
أن الفرقة قد كانت وقعت بلعان الزوج قبل لعان المرأة فبانت منه ولم يلحقها طلاق فكيف كان ينكر عليها طلاقا لم يقع ولم يثبت حكمه فإن قيل فما وجهه على مذهبك قيل له جائز أن يكون ذلك قبل أن يسن الطلاق للعدة ومنع الجمع بين التطليقات في طهر واحد فلذلك لم ينكر عليه الشارع صلّى الله عليه وسلّم وجائز أيضا أن تكون الفرقة لما كانت مستحقة من غير جهة الطلاق لم ينكر عليه إيقاعها بالطلاق وأما من قال سنة الطلاق أن لا يطلق إلا واحدة وهو ما حكيناه عن مالك بن أنس والليث والحسن بن حي والأوزاعى فإن الذي يدل على إباحة الثلاث في الأطهار المتفرقة قوله تعالى( الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) وفي ذلك إباحة لإيقاع الاثنتين ولما اتفقنا على أنه لا يجمعهما في طهر واحد وجب استعمال حكمهما في الطهرين وقد روى في قوله تعالى( أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) أنه للثالثة وفي تخيير له في إيقاع الثلاث قبل الرجعة ويدل عليه قوله تعالى( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ ) قد انتظم إيقاع الثلاث للعدة وذلك لأنه معلوم أن المراد لأوقات العدة كما بينه الشارع صلّى الله عليه وسلّم في قوله يطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا قد استبان حملها فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء وإذا كان المراد به أوقات الأطهار تناول الثلاث كقوله تعالى( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) قد عقل منه تكرار فعل الصلاة لدلوكها في سائر الأيام كذلك قوله( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ ) لما كان عبارة عن أوقات الأطهار اقتضى تكرار الطلاق في سائر الأوقات وأيضا لما جاز له إيقاع الطلاق في الطهر الأول لأنها طاهر من غير جماع طهرا لم يوقع فيه طلاقا جاز إيقاعه في الطهر الثاني لهذه العلة وأيضا لما اتفقوا على أنه لو راجعها جاز له إيقاع الطلاق في الطهر الثاني وجب أن يجوز ذلك له إذا لم يراجعها لوجود المعنى الذي من أجله جاز إيقاعه في الطهر الأول إذ لا حظ للرجعة في إباحة الطلاق ولا في حظره ألا ترى أنه لو راجعها ثم جامعها في ذلك الطهر لم يجز له إيقاع الطلاق فيه ولم يكن للرجعة تأثير في إباحته فوجب أن يجوز له أن يطلقها في الطهر الثاني قبل الرجعة كما جاز له ذلك لو لم يراجع* فإن قيل لا فائدة في الثانية والثالثة لأنه إن أراد أن يبينها أمكنه ذلك بالواحدة بأن يدعها حتى تنقضي عدتها وقال تعالى( وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً ) وهذا هو الفرق بينه إذا راجعها أو لم يراجعها في إباحة الثانية والثالثة إذا راجع وحظرهما إذا لم يراجع* قيل له في إيقاع الثانية
«6 ـ أحكام في»
والثالثة فوائد بتعجلها لو لم يوقع الثانية والثالثة لم تحصل له وهو أن تبين منه بإيقاع الثالثة قبل انقضاء عدتها فيسقط ميراثها منه لو مات ويتزوج أختها وأربعا سواها على قول من يجيز ذلك في العدة فلم يخل في إيقاع الثانية والثالثة من فوائد وحقوق تحصل له فلم تكن لغوا مطرحا وجاز من أجلها إيقاع ما بقي من طلاقها في أوقات السنة كما يجوز ذلك لو راجعها وبالله التوفيق.
ذكر الاختلاف في الطلاق بالرجال
قال أبو بكر رحمه الله اتفق السلف ومن بعدهم من فقهاء الأمصار على أن الزوجين المملوكين خارجان من قوله تعالى( الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) واتفقوا على أن الرق يوجب نقصان الطلاق فقال على وعبد الله الطلاق بالنساء يعنى أن المرأة إن كانت حرة فطلاقها ثلاث حرا كان زوجها أو عبدا وأنها إن كانت أمة فطلاقها اثنتان حرا كان زوجها أو عبدا وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف وزفر ومحمد والثوري والحسن بن صالح وقال عثمان وزيد بن ثابت وابن عباس الطلاق بالرجال يعنون أن الزوج إن كان عبدا فطلاقه اثنتان سواء كانت الزوجة حرة أو أمة وإن كان حرا فطلاقه ثلاث حرة كانت الزوجة أو أمة وهو قول مالك والشافعى وقال ابن عمر أيهما رق نقص الطلاق برقه وهو قول عثمان البتى وقد روى هشيم عن منصور بن زادان عن عطاء عن ابن عباس قال الأمر إلى المولى في الطلاق أذن له العبد أو لم يأذن ويتلو هذه الآية( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ) روى هشام عن أبى الزبير عن أبى معبد مولى ابن عباس أن غلاما ما كان لابن عباس طلق امرأته تطليقتين فقال له ابن عباس ارجعها لا أم لك فإنه ليس لك من الأمر شيء فأبى فقال هي لك فاتخذها فهذا يدل على أنه رأى طلاقه واقعا لولاه لم يقل له ارجعها وقوله هي لك يدل على أنها كانت أمة وجائز أن يكون الغلام حرا لأنهما إذا كانا مملوكين فلا خلاف أن رقهما ينقص الطلاق* وقد روى في ذلك حديث يدل على أنه كان لا يرى طلاق العبد شيئا ويرويه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو ما حدثنا محمد ابن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا زهير بن حرب قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا على بن المبارك قال حدثنا يحيى بن أبى كثير أن عمر بن معتب أخبره أن أبا حسن مولى بنى نوفل أخبره أنه استفتى ابن عباس في مملوك تحته مملوكة فطلقها تطليقتين ثم أعتقا بعد
ذلك هل يصلح له أن يخطبها بعد ذلك قال نعم قضى بذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال أبو داود وقد سمعت أحمد بن حنبل قال قال عبد الرزاق قال ابن المبارك لعمر من أبو حسن هذا لقد تحمل صخرة عظيمة قال أبو داود وأبو حسن هذا روى عنه الزهري وكان من الفقهاء* قال أبو بكر وهذا الحديث يرده الإجماع لأنه لا خلاف بين الصدر الأول ومن بعدهم* من الفقهاء أنهما إذا كانا مملوكين أنها تحرم بالإثنتين ولا تحل له إلا بعد زوج* والذي يدل على أن الطلاق بالنساء حديث ابن عمر وعائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان وقد تقدم ذكر سنده وقد استعملت الأمة هذين الحديثين في نقصان العدة وإن كان وروده من طريق الآحاد فصار في حيز التواتر لأن ما تلقاه الناس بالقبول من أخبار الآحاد فهو عندنا في معنى المتواتر لما بيناه في مواضع ولم يفرق الشارع في قوله وعدتها حيضتان بين من كان زوجها حرا أو عبدا فثبت بذلك اعتبار الطلاق بها دون الزوج ودليل آخر وهو أنه لما اتفق الجميع على أن الرق يوجب نقص الطلاق كما يوجب نقص الحد ثم كان الاعتبار في نقصان الحد برق من يقع به دون من يوقعه وجب أن يعتبر نقصان الطلاق برق من يقع به دون من يوقعه وهو المرأة ويدل عليه أنه لا يملك تفريق الثلاث عليها على الوجه المسنون وإن كان حرا إذا كانت الزوجة أمة ألا ترى أنه إذا أراد تفريق الثلاث عليها في أطهار متفرقة لم يمكنه إيقاع الثالثة بحال فلو كان مالكا للجميع لملك التفريق على الوجه المسنون كما لو كانت حرة وفي ذلك دليل على أنه غير مالك الثلاث إذا كانت الزوجة أمة والله أعلم.
ذكر الحجاج لإيقاع الطلاق الثلاث معا
قال أبو بكر قوله تعالى( الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) الآية يدل على وقوع الثلاث معا مع كونه منهيا عنها وذلك لأن قوله( الطَّلاقُ مَرَّتانِ ) قد أبان عن حكمه إذا أوقع اثنين بأن يقول أنت طالق أنت طالق في طهر واحد وقد بينا أن ذلك خلاف السنة فإذا كان في مضمون الآية الحكم بجواز وقوع الاثنتين على هذا الوجه دل ذلك على صحة وقوعهما لو أوقعهما معا لأن أحدا لم يفرق بينهما وفيها الدلالة عليه من وجه آخر وهو قوله تعالى( فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) فحكم بتحريمها عليه بالثالثة بعد الاثنتين ولم يفرق بين إيقاعهما في طهر واحد أو في أطهار
فوجب الحكم بإيقاع الجميع على أى وجه أوقعه من مسنون أو غير مسنون ومباح أو محظور* فإن قيل قدمت بديا في معنى الآية أن المراد بها بيان المندوب إليه والمأمور به من الطلاق وإيقاع الطلاق الثلاث معا خلاف المسنون عندك فكيف نحتج بها في إيقاعها على غير الوجه المباح والآية لم تتضمنها على هذا الوجه* قيل له قد دلت الآية على هذه المعاني كلها من إيقاع الاثنتين والثلاث الغير السنة وأن المندوب إليه والمسنون تفريقها في الأطهار وليس يمتنع أن يكون مراد الآية جميع ذلك ألا ترى أنه لو قال طلقوا ثلاثا في الأطهار وإن طلقتم جميعا معا وقعن كان جائزا وإذا لم يتناف المعنيان واحتملتها الآية وجب حملها عليهما فإن قيل معنى هذه الآية محمول على ما بينه بقوله( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ ) وقد بين الشارع الطلاق للعدة وهو أن يطلقها في ثلاثة أطهار إن أراد إيقاع الثلاث ومتى خالف ذلك لم يقع طلاقه* قيل له نستعمل الآيتين على ما تقتضيانه من أحكامهما فنقول إن المندوب إليه المأمور به هو الطلاق للعدة على ما بينه في هذه الآية وإن طلق لغير العدة وجمع الثلاث وقعن لما اقتضته الآية الأخرى وهي قوله تعالى( الطَّلاقُ مَرَّتانِ ) وقوله تعالى( فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ) إذ ليس في قوله( فَطَلِّقُوهُنَ ) نفى لما اقتضه هذه الآية الأخرى على أن في فحوى الآية التي فيها ذكر الطلاق للعدة دلالة على وقوعها إذا طلق لغير العدة وهو قوله تعالى( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ ) ـ إلى قوله تعالى ـ( وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) فلو لا أنه إذا طلق لغير العدة وقع ما كان ظالما لنفسه بإيقاعه ولا كان ظالما لنفسه بطلاقه وفي هذه الآية دلالة على وقوعها إذا طلق لغير العدة ويدل عليه قوله تعالى في نسق الخطاب( وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ) يعنى والله أعلم أنه إذا أوقع الطلاق على ما أمره الله كان له مخرجا مما أوقع إن لحقه ندم وهو الرجعة وعلى هذا المعنى تأوله ابن عباس حين قال للسائل الذي سأله وقد طلق ثلاثا إن الله يقول( وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ) وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجا عصيت ربك وبانت منك امرأتك ولذلك قال على بن أبى طالب كرم الله وجهه لو أن الناس أصابوا حد الطلاق ما ندم رجل طلق امرأته * فإن قيل لما كان عاصيا في إيقاع الثلاث معا لم يقع إذ ليس هو الطلاق المأمور به كما لو وكل رجل رجلا بأن يطلق امرأته ثلاثا في ثلاثة أطهار لم يقع إذا جمعهن في طهر واحد* قيل له أما كونه عاصيا في الطلاق
فغير مانع صحة وقوعه لما دللنا عليه فيما سلف ومع ذلك فإن الله جعل الظهار منكرا من القول وزورا وحكم مع ذلك بصحة وقوعه فكونه عاصيا لا يمنع لزوم حكمه والإنسان عاص لله في ردته عن الإسلام ولم يمنع عصيانه من لزوم حكمه وفراق امرأته وقد نهاه الله عن مراجعتها ضرارا بقوله تعالى( وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا ) فلو راجعها وهو يريد ضرارها لثبت حكمها وصحت رجعته وأما الفرق بينه وبين الوكيل فهو أن الوكيل إنما يطلق لغيره وعنه يعبر وليس يطلق لنفسه ولا يملك ما يوقعه ألا ترى أنه لا يتعلق به شيء من حقوق الطلاق وأحكامه فلما لم يكن مالكا لما يوقعه وإنما يصح إيقاعه لغيره من جهة الأمر إذ كانت أحكامه تتعلق بالأمر دونه لم يقع متى خالف الأمر وأما الزوج فهو مالك الطلاق وبه تتعلق أحكامه وليس يوقع لغيره فوجب أن يقع من حيث كان مالكا للثلاث وارتكاب النهى في طلاقه غير مانع وقوعه كما وصفنا في الظهار والرجعة والردة وسائر ما يكون به عاصيا ألا ترى أنه لو وطئ أم امرأته بشبهة حرمت عليه امرأته وهذا المعنى الذي ذكرناه من حكم الزوج في ملكه للثلاث من الوجوه التي ذكرنا يدل على أنه إذا أوقعهن معا وقع إذ هو موقع لما ملك ويدل عليه من جهة السنة حديث ابن عمر الذي ذكرناه سنده حين قال أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان لي أن أراجعها فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لا كانت تبين ويكون معصية وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا جرير بن حازم عن الزبير بن سعيد عن عبد الله بن على بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده أنه طلق امرأته البتة فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال ما أردت بالبتة قال واحدة قال آلله قال آلله قال هو على ما أردت فلو لم تقع الثلاث إذا أراها لما استحلفه بالله ما أراد إلا واحدة وقد تقدم ذكر أقاويل السلف فيه وأنه يقع وهو معصية فالكتاب والسنة وإجماع السلف توجب إيقاع الثلاث معا وإن كانت معصية* وذكر بشر بن الوليد عن أبى يوسف أنه قال كان الحجاج بن أرطاة خشنا وكان يقول طلاق الثلاث ليس بشيء وقال محمد بن إسحاق الطلاق الثلاث ترد إلى الواحدة واحتج بما رواه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس فحزن عليها حزنا شديدا فسأله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كيف طلقتها فقال طلقتها ثلاثا قال في مجلس واحد قال نعم قال فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت قال فرجعتها وبما روى أبو عاصم عن ابن جريج عن
ابن طاوس عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبى بكر وصدرا من خلافة عمر ترد إلى الواحدة قال نعم وقد قيل أن هذين الخبرين منكران وقد روى سعيد بن جبير ومالك ابن الحارث ومحمد بن إياس والنعمان بن أبى عياش كلهم عن ابن عباس فيمن طلق امرأته ثلاثا أنه قد عصى ربه وبانت منه امرأته وقد روى حديث أبى الصهباء على غير هذا الوجه وهو أن ابن عباس قال كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبى بكر وصدرا من خلافة عمر واحدة فقال عمر لو أجزناه عليهم وهذا معناه عندنا أنهم إنما كانوا يطلقون ثلاثا فأجازها عليهم وقد روى ابن وهب قال أخبرنى عياش بن عبد الله الفهري عن ابن شهاب عن سهل بن سعد أن عويمر العجلاني لما لا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بينه وبين امرأته قال عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فهي طالق ثلاثا فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأنفذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذلك عليه * وما قدمنا من دلالة الآية والسنة والاتفاق يوجب إيقاع الطلاق في الحيض وإن كان معصية وزعم بعض الجهال ممن لا يعد خلافه أنه لا يقع إذا طلق في الحيض واحتج بما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرنى أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع فقال كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضا فقال طلق ابن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسأل عمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال إن عبد الله طلق وهي حائض فقال فردها على ولم يرها شيئا وقال إذا طهرت فليطلق او ليمسك * قيل له هذا غلط فقد رواه جماعة عن ابن عمر أنه اعتد بتلك التطليقة من ذلك ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ابو داود قال حدثنا القعنبي قال حدثنا يزيد بن إبراهيم عن محمد بن سيرين قال حدثنا يونس بن جبير قال سألت عبد الله ابن عمر قال قلت رجل طلق امرأته وهي حائض قال تعرف عبد الله بن عمر قلت نعم قال فإنه طلق امرأته وهي حائض فأتى عمر النبي صلّى الله عليه وسلّم فسأله فقال مره فليراجعها ثم ليطلقها في قبل عدتها قال قلت فيعتد بها قال فمه أرأيت إن عجزوا ستحمق فهذا خبر ابن عمر في هذا الحديث أنه اعتد بتلك التطليقة ومع ذلك فقد روى في سائر أخبار ابن عمر أن الشارع أمره بأن يراجعها ولو لم يكن الطلاق واقعا لما احتاج إلى الرجعة وكانت لا تصح
رجعته لأنه لا يجوز أن يقال راجع امرأته ولم يطلقها إذ كانت الرجعة لا تكون إلا بعد الطلاق ولو صح ما روى أنه لم يره شيئا كان معناه أنه لم يبنها منه بذلك الطلاق ولم تقع الزوجية* قوله تعالى( فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) قال أبو بكر لما كانت الفاء للتعقيب وقال( الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) اقتضى ذلك كون الإمساك المذكور بعد الطلاق وهذا الإمساك إنما هو الرجعة لأنه ضد الطلاق وقد كان وقوع الطلاق موجبة التفرقة عند انقضاء العدة فسمى الله الرجعة إمساكا لبقاء النكاح بها بعد مضى ثلاث حيض ورفع حكم البينونة المتعلقة بانقضاء العدة وإنما أباح له إمساكها على وصف وهو أن يكون بمعروف وهو وقوعه على وجه يحسن ويجمل فلا يقصد به ضرارها على ما ذكره في قوله تعالى( وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا ) وإنما أباح له الرجعة على هذه الشريطة ومتى أرجع بغير معروف كان عاصيا فالرجعة صحيحة بدلالة قوله تعالى( وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) فلولا صحة الرجعة لما كان لنفسه ظالما بها وفي قوله تعالى( فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ ) دلالة على وقوع الرجعة بالجماع لأن الإمساك على النكاح إنما هو الجماع وتوابعه من اللمس والقبلة ونحوها والدليل عليه أن من يحرم عليه جماعها تحريما مؤبدا لا يصح له عقد النكاح عليها فدل ذلك على أن الإمساك على النكاح مختص بالجماع فيكون بالجماع ممسكا لها وكذلك اللمس والقبلة للشهوة والنظر إلى الفرج بشهوة إذ كانت صحة عقد النكاح مختصة باستباحة هذه الأشياء فمتى فعل شيئا من ذلك كان ممسكا لها بعموم قوله تعالى( فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ ) وأما قوله( أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) فقد قيل فيه وجهان أحدهما أن المراد به الثالثة وروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم حديث غير ثابت من طريق النقل ويرده الظاهر أيضا وهو ما حدثنا عبد الله بن إسحاق المروزى قال حدثنا الحسن بن أبى الربيع الجرجانى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا الثوري عن إسماعيل بن سميع عن أبى رزين قال قال رجل يا رسول الله أسمع الله يقول( الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) فأين الثالثة قال التسريح بإحسان وقد روى عن جماعة من السلف منهم السدى والضحاك أنه تركها حتى تنقضي عدتها وهذا التأويل أصح إذ لم يكن الخبر المروي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في ذلك ثابتا وذلك من وجوه أحدها أن سائر المواضع الذي ذكره الله فيها عقيب الطلاق الإمساك والفراق فإنما أراد به ترك الرجعة
حتى تنقضي عدتها منه* قوله تعالى( وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) والمراد بالتسريح ترك الرجعة إذ معلوم أنه لم يرد فأمسكوهن بمعروف أو طلقوهن واحدة أخرى ومنه قوله تعالى( فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) ولم يرد به إيقاعا مستقبلا وإنما أراد به تركها حتى تنقضي عدتها والجهة الأخرى أن الثالثة مذكورة في نسق الخطاب في قوله تعالى( فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) فإذا كانت الثالثة مذكورة في صدر هذا الخطاب مفيدة للبينونة الموجبة للتحريم إلا بعد زوج وجب حمل قوله تعالى( أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) على فائدة مجددة وهي وقوع البينونة بالإثنتين بعد انقضاء العدة وأيضا لما كان معلوما أن المقصد فيه عدد الطلاق الموجب للتحريم ونسخ ما كان جائزا من إيقاع الطلاق وبلا عدد محصور فلو كان قوله تعالى( أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) هو الثالثة لما أبان عن المقصد في إيقاع التحريم بالثلاث إذ لو اقتصر عليه لما دل على وقوع البينونة المحرمة لها إلا بعد زوج وإنما علم التحريم بقوله تعالى( فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) فوجب أن لا يكون قوله تعالى( أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) هو الثالثة وأيضا لو كان التسريح بإحسان هو الثالثة لوجب أن يكون قوله تعالى( فَإِنْ طَلَّقَها ) عقيب ذلك هي الرابعة لأن الفاء للتعقيب قد اقتضى طلاقا مستقبلا بعد ما تقدم ذكره فثبت بذلك أن قوله تعالى( أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) هو تركها حتى تنقضي عدتها* قوله تعالى( فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) منتظم لمعان منها تحريمها على المطلق ثلاثا حتى تنكح زوجا غيره مفيد في شرط ارتفاع التحريم الواقع بالطلاق الثلاث العقد والوطء جميعا لأن النكاح هو الوطء في الحقيقة وذكر الزوج يفيد العقد وهذا من الإيجاز والاقتصار على الكناية المفهمة المغنية عن التصريح وقد وردت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخبار مستفيضة في أنها لا تحل للأول حتى يطأها الثاني منها حديث الزهري عن عروة عن عائشة أن رفاعة القرظي طلق امرأته ثلاثا فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير فجاءت إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالت يا نبي الله إنها كانت تحت رفاعة فطلقها آخر ثلاث تطليقات فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنه يا رسول الله ما معه إلا مثل هدبة الثوب فتبسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال لعلك تريدين أن ترجعى إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك
وروى ابن عمر وأنس بن مالك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مثله ولم يذكر قصة امرأة رفاعة وهذه أخبار وقد تلقاها الناس بالقبول واتفق الفقهاء على استعمالها فهي عندنا في حيز التواتر ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك إلا شيء يروى عن سعيد بن المسيب أنه قال إنها لا تحل للأول بنفس عقد النكاح دون الوطء ولم نعلم أحدا تابعه عليه فهو شاذ* وقوله تعالى( حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) غاية التحريم الموقع بالثلاث فإذا وطئها الزوج الثاني ارتفع ذلك التحريم الموقع وبقي التحريم من جهة إنها تحت زوج كسائر النساء الأجنبيات فمتى فارقها الثاني وانقضت عدتها حلت للأول وقوله تعالى( فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا ) مرتب على ما أوجب من العدة على المدخول بها في قوله تعالى( وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) وقوله تعالى( وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ ) ونحوها من الآي الحاظرة للنكاح في العدة وقوله تعالى( فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا ) نص على ذكر الطلاق ولا خلاف أن الحكم في إباحتها للزوج الأول غير مقصور على الطلاق وأن سائر الفرق الحادثة بينهما من نحو موت أو ردة أو تحريم بمنزلة الطلاق وإن كان المذكور نفسه هو الطلاق وفيه الدلالة أيضا على جواز النكاح بغير ولى لأنه أضاف التراجع إليها من غير ذكر الولي وفيه أحكام أخر نذكرها عند ذكرنا لأحكام الخلع بعد ذلك ولكنا قدمنا ذكر الثالثة لأنه يتصل به في المعنى بذكر الاثنتين وإن تخللهما ذكر الخلع وبالله التوفيق.
باب الخلع
قال الله تعالى( وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ ) فحظر على الزوج بهذه الآية أن يأخذ منها شيئا مما أعطاها إلا على الشريطة كما أن قوله تعالى( فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ ) قد دل على حظر ما فوقه من ضرب أو شتم وقوله تعالى( إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ ) قال طاوس يعنى فيما افترض على كل واحد منهما في العشرة والصحبة وقال القاسم بن محمد مثل ذلك وقال الحسن هو أن تقول المرأة والله لا أغتسل لك من جنابة وقال أهل اللغة إلا أن يخافا معناه إلا أن يظنا وقال أبو محجن الثقفي أنشده الفراء رحمه الله تعالى :
إذا مت فادفني إلى جب كرمة |
تروى عظامي بعد موتى عروقها |
ولا تدفني بالعراء فإننى |
أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها |
وقال آخر :
أتانى كلام عن نصيب يقوله |
وما خفت يا سلام أنك عائبى |
يعنى ما ظننت وهذا الخوف من ترك إقامة حدود الله على وجهين إما أن يكون أحدهما سىء الخلق أو جميعا فيفضى بهما ذلك إلى ترك إقامة حدود الله فيما ألزم كل واحد منهما من حقوق النكاح في قوله تعالى( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) وإما أن يكون أحدهما مبغضا للآخر فيصعب عليه حسن العشرة والمجاملة فيؤد به ذلك إلى مخالفة أمر الله في تقصيره في الحقوق التي تلزمه وفيما ألزم الزوج من إظهار الميل إلى غيرها في قوله تعالى( فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ ) فإذا وقع أحد هذين وأشفقا من ترك إقامة حدود الله التي حدها لهما حل الخلع وروى جابر الجعفي عن عبد الله بن يحيى عن على كرم الله وجهه أنه قال كلمات إذا قالتهن المرأة حل له أن يأخذ الفدية إذا قالت له لا أطيع لك أمرا ولا أبر لك قسما ولا اغتسل لك من جنابة وقال المغيرة عن إبراهيم قال لا يحل للرجل أن يأخذ الفدية من امرأته إلا أن تعصيه ولا تبر له قسما وإذا فعلت ذلك وكان من قبلها حلت له الفدية وإن أبى أن يقبل منها الفدية وأبت أن تعطيه بعثا حكمين حكما من أهله وحكما من أهلها وذكر على بن أبى طلحة عن ابن عباس قال تركها إقامة حدود الله استخفافا بحق الزوج وسوء خلقها فتقول والله لا أبر لك قسما ولا أطأ لك مضجعا ولا أطيع لك أمرا فإذا فعلت ذلك فقد حل له منها الفدية ولا يأخذ أكثر مما أعطاها شيئا ويخلى سبيلها وإن كانت الإساءة من قبلها ثم قال( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) يقول إن كان عن غير ضرار ولا خديعة فهو هنيء مريء كما قال الله تعالى* وقد اختلف في نسخ هذه الآية فروى حجاج عن عقبة بن أبى الصهباء قال سألت بكر بن عبد الله عن رجل تريد منه امرأته الخلع قال لا يحل له أن يأخذ منها شيئا قلت له يقول الله في كتابه( فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) قال هذه نسخت بقوله( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً ) وروى أبو عاصم عن ابن جريج قال قلت لعطاء أرأيت إذا كانت له ظالمة مسيئة فدعاها إلى الخلع أيحل له قال لا إما أن يرضى فيمسك وإما أن يسرح* قال أبو بكر وهو قول شاذ يرده ظاهر الكتاب والسنة واتفاق
السلف ومع ذلك فليس في قوله( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ) الآية ما يوجب نسخ قوله تعالى( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) لأن كل واحدة منهما مقصورة الحكم على حال مذكورة فيها فإنما حظر الخلع إذا كان النشوز من قبله وأراد استبدال زوج مكان زوج غيرها وأباحه إذا خافا أن لا يقيما حدود الله بأن تكون مبغضة له أو سيئة الخلق أو كان هو سيئ الخلق ولا يقصد مع ذلك الإضرار بها لكنهما يخافان أن لا يقيما حدود الله في حسن العشرة وتوفية ما لزمهما الله من حقوق النكاح وهذه الحال غير تلك فليس في إحداهما ما يعترض به على الأخرى ولا يوجب نسخها ولا تخصيصها أيضا إذ كل واحدة مستعملة فيما وردت فيه وكذلك قوله تعالى( وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَ ) إذا كان خطابا للأزواج فإنما حظر عليهم أخذ شيء من مالها إذا كان النشوز من قبله قاصدا للإضرار بها إلا أن يأتى بفاحشة مبينة فقال ابن سيرين وأبو قلابة يعنى إن يظهر منها على زنا وروى عن عطاء والزهري وعمر وابن شعيب إن الخلع لا يحل إلا من الناشز فليس في شيء من هذه الآيات نسخ وجميعها مستعمل والله أعلم.
ذكر اختلاف السلف وسائر فقهاء الأمصار فيما يحل أخذه بالخلع
روى عن على رضى الله عنه أنه كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها وهو قول سعيد ابن المسيب والحسن وطاوس وسعيد بن جبير وروى عن عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس ومجاهد وإبراهيم والحسن رواية أخرى أنه جائز له أن يخلعها على أكثر مما أعطاها ولو بعقاصها وقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد إذا كان النشوز من قبلها حل له أن يأخذ منها ما أعطاها ولا يزداد وإن كان النشوز من قبله لم يحل له أن يأخذ منها شيئا فإن فعل جاز في القضاء وقال ابن شبرمة تجوز المبارأة إذا كانت من غير إضرار منه وإن كانت على إضرار منه لم تجز وقال ابن وهب عن مالك إذا علم أن زوجها أضر بها وضيق عليها وأنه ظالم لها قضى عليها الطلاق ورد عليها مالها وذكر ابن القاسم عن مالك أنه جائز للرجل أن يأخذ منها في الخلع أكثر مما أعطاها ويحل له وإن كان النشوز من قبل الزوج حل له أن يأخذ ما أعطته على الخلع إذا رضيت بذلك ولم يكن في ذلك ضرر منه لها وعن الليث نحو ذلك وقال الثوري إذا كان الخلع من قبلها فلا بأس أن يأخذ منها شيئا وإذا
كان من قبله فلا يحل له أن يأخذ منها شيئا وقال الأوزاعى في رجل خالع امرأته وهي مريضة إن كانت ناشزة كان في ثلثها وإن لم تكن ناشزة رد عليها وكانت له عليها الرجعة وإن خالعها قبل أن يدخل بها على جميع ما أصدقها ولم يتبين منها نشوز أنهما إذا اجتمعا على فسخ النكاح قبل أن يدخل بها فلا أرى بذلك بأسا وقال الحسن بن حي إذا كانت الإساءة من قبله فليس له أن يخلعها بقليل ولا كثير وإذا كانت الإساءة من قبلها والتعطيل لحقه كان له أن يخالعها على ما تراضيا عليه وكذلك قول عثمان البتى وقال الشافعى إذا كانت المرأة مانعة ما يجب عليها لزوجها حلت الفدية للزوج وإذا حل له أن يأكل ما طابت به نفسا على غير فراق حل له أن يأكل ما طابت به نفسا وتأخذ الفراق به* قال أبو بكر قد أنزل الله تعالى في الخلع آيات منها قوله تعالى( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ) فهذا يمنع أخذ شيء منها إذا كان النشوز من قبله فلذلك قال أصحابنا لا يحل له أن يأخذ منها في هذه الحال شيئا* وقال تعالى في آية أخرى( وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ ) فأباح في هذه الآية الأخذ عند خوفهما ترك إقامة حدود الله وذلك على ما قدمنا من بغض المرأة لزوجها وسوء خلقها أو كان ذلك منهما فيباح له أخذ ما أعطاها ولا يزداد والظاهر يقتضى جواز أخذ الجميع ولكن ما زاد مخصوص بالسنة وقال تعالى في آية أخرى( لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) قيل فيه إنه خطاب للزوج وحظر به أخذ شيء مما أعطاها إلا أن تأتى بفاحشة مبينة قيل فيها إنها هي الزنا وقيل فيها إنها النشوز من قبلها وهذه نظير قوله تعالى( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) وقال تعالى في آية أخرى( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ) وسنذكر حكمها في مواضعها إن الله تعالى* وذكر الله تعالى إباحة أخذ المهر في غير هذه الآية إلا أنه لم يذكر حال الخلع في قوله( وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) وقال( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) وهذه الآيات كلها مستعملة على مقتضى أحكامها فقلنا إذا كان النشوز من قبله لم يحل له
أخذ شيء منها بقوله تعالى( فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً ) وقوله تعالى( وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَ ) وإذا كان النشوز من قبلها أو خافا لسوء خلقها أو بعض كل واحد منهما لصاحبه أن لا يقيما جاز له أن يأخذ ما أعطاها لا يزداد وكذلك( وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) وقد قيل فيه إلا أن تنشز فيجوز له عند ذلك أخذ ما أعطاها.
وأما قوله تعالى( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) فهذا في غير حال الخلع بل في حال الرضا بترك المهر بطيبة من نفسها به وقول من قال إنه لما أجاز أخذ مالها بغير خلع فهو جائز والخلع خطأ لأن الله تعالى قد نص على الموضعين في أحدهما بالحظر وهو قوله تعالى( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ) وقوله تعالى( وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ ) وفي الآخر بالإباحة وهو قوله تعالى( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) فقول القائل لما جاز أن يأخذ مالها بطيبة نفسها من غير خلع جاز في الخلع قول مخالف لنص الكتاب قد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في الخلع ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو دود قال حدثنا القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن حبيبة بنت سهل الأنصارية أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن الشماس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من هذه قالت أنا حبيبة بنت سهل قال ما شأنك قالت لا أنا ولا ثابت بن قيس لزوجها فلما جاءه ثابت بن قيس قال له هذه حبيبة بنت سهل فذكرت ما شاء الله أن تذكر فقالت حبيبة كل ما أعطانى عندي فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لثابت خذ منها فأخذ منها وجلست في أهلها وروى فيه ألفاظ مختلفة في بعضها خلى سبيلها وفي بعضها فارقها * وإنما قالوا إنه لا يسعه أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا عبد الله بن احمد بن حنبل قال حدثنا محمد بن يحيى بن أبى سمينة قال حدثنا الوليد بن مسلم عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن رجلا خاصم امرأته إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم تردين إليه ما أخذت منه قالت نعم وزيادة فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم أما الزيادة فلا * وقال أصحابنا لا يأخذ منه الزيادة لهذا الخبر وخصوا به ظاهر الآية وإنما جاز تخصيص هذا الظاهر
بخبر الواحد من قبل أن قوله تعالى( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) لفظ محتمل لمعان والاجتهاد سائغ فيه وقد روى عن السلف فيه وجوه مختلفة وكذلك قوله تعالى( وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) محتمل لمعان على ما وصفنا فجاز تخصيصه بخبر الواحد وهو كقوله تعالى( أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ) وقوله تعالى( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ ) لما كان محتملا للوجوه واختلف السلف في المراد به جاز قبول خبر الواحد في معناه المراد به. وإنما قال أصحابنا إذا خلعها على أكثر مما أعطاها أو خلعها على مال والنشوز من قبله أن ذلك جائز في الحكم وإن لم يسعه فيما بينه وبين الله تعالى من قبل أنه أعطته بطيبة من نفسها غير مجبرة عليه وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه وأيضا فإن النهى لم يتعلق بمعنى في نفس العقد وإنما تعلق بمعنى في غيره وهو أنه لم يعطها مثل ما أخذ منها ولو كان قد أعطاها مثل ذلك لما كان ذلك مكروها فلما تعلق النهى بمعنى في غير العقد لم يمنع ذلك جواز العقد كالبيع عند أذان الجمعة وبيع حاضر لباد وتلقى الركبان ونحو ذلك وأيضا لما جاز العتق على قليل المال وكثيره وكذلك الصلح عن دم العمد كان كذلك الطلاق وكذلك النكاح لما جاز على أكثر من مهر المثل وهو بدل البضع كذلك جاز أن تضمنه المرأة بأكثر من مهر مثلها لأنه بدل من البضع في الحالين* فإن قيل لما كان الخلع* فسخا لعقد النكاح لم يجز بأكثر مما وقع عليه العقد كما لا يجوز الإقالة بأكثر من الثمن* قيل له قولك إن الخلع فسخ للعقد خطأ وإنما هو طلاق مبتدأ كهو لو لم يشرط فيه بدل ومع ذلك فلا خلاف أنه ليس بمنزلة الإقالة لأنه لو خلعها على أقل مما أعطاها جاز بالاتفاق والإقالة غير جائزة بأقل من الثمن ولا خلاف أيضا في جواز الخلع بغير شيء* وقد اختلف السلف في الخلع دون السلطان فروى عن الحسن وابن سيرين إن الخلع لا يجوز إلا عند السلطان وقال سعيد بن جبير لا يكون الخلع حتى يعظها فإن اتعظت وإلا هجرها فإن اتعظت وإلا ضربها فإن اتعظت وإلا ارتفعا إلى السلطان فيبعث حكما من أهله وحكما من أهلها فيردان ما يسمعان إلى السلطان فإن رأى بعد ذلك أن يفرق فرق وإن رأى أن يجمع جمع وروى عن على وعمر وعثمان وابن عمر وشريح وطاوس والزهري في آخرين أن الخلع جائز دون السلطان وروى سعيد عن قتادة قال كان زياد أول من
رد الخلع دون السلطان* ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في جوازه دون السلطان وكتاب الله يوجب جوازه وهو قوله تعالى( فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) وقال تعالى( وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) فأباح الأخذ منها بتراضيهما من غير سلطان وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لامرأة ثابت بن قيس أتردين عليه حديقته فقالت نعم فقال للزوج خذها وفارقها يدل على ذلك أيضا لأنه لو كان الخلع إلى السلطان شاء الزوجان أو أبيا إذا علم أنهما لا يقيمان حدود الله لم يسئلهما النبي صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك ولا خاطب الزوج بقوله اخلعها بل كان يخلعها منه ويرد عليه حديقته وإن أبيا أو واحد منهما كما لما كانت فرقة المتلاعنين إلى الحاكم لم يقل للملاعن خل سبيلها بل فرق بينهما كما روى سهل بن سعد أن النبي صلّى الله عليه وسلّم فرق بين المتلاعنين كما قال في حديث آخر لا سبيل لك عليها ولم يرجع ذلك إلى الزوج فثبت بذلك جواز الخلع دون السلطان ويدل عليه أيضا قوله صلّى الله عليه وسلّم لا يحل مال امرئ إلا بطيبة من نفسه * وقد اختلف في الخلع هل هو طلاق أم ليس بطلاق فروى عن عمر وعبد الله وعثمان والحسن وأبى سلمة وشريح وإبراهيم والشعبي ومكحول إن الخلع تطليقة بائنة وهو قول فقهاء الأمصار لا خلاف بينهم فيه وروى عن ابن عباس أنه ليس بطلاق حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا على بن محمد قال حدثنا أبو الوليد قال حدثنا شعبة قال أخبرنى عبد الملك بن ميسرة قال سأل رجل طاوسا عن الخلع فقال ليس بشيء فقلت لا تزال تحدثنا بشيء لا نعرفه فقال والله لقد جمع ابن عباس بين امرأة وزوجها بعد تطليقتين وخلع ويقال هذا مما أخطأ فيه طاوس وكان كثير الخطأ مع طلالته وفضله وصلاحه يروى أشياء منكرة منها أنه روى عن ابن عباس أنه قال من طلق ثلاثا كانت واحدة وروى من غير وجه عن ابن عباس أن من طلق امرأته عدد النجوم بانت منه بثلاث قالوا وكان أيوب يتعجب من كثرة خطأ طاوس وذكر ابن أبى نجيح عن طاوس أنه قال الخلع ليس بطلاق قال فأنكره عليه أهل مكة فجمع ناسا منهم واعتذر إليهم وقال إنما سمعت ابن عباس يقول ذلك* وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار قال حدثنا أبو همام قال حدثنا الوليد عن أبى سعيد روح بن جناح قال سمعت زمعة بن أبى عبد الرحمن قال سمعت سعيد بن المسيب يقول جعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخلع تطليقة ويدل على أنه طلاق قوله صلّى الله عليه وسلّم لثابت بن قيس حين
نشزت عليه امرأته خل سبيلها وفي بعض الألفاظ فارقها بعد ما قال للمرأة ردى عليه حديقته فقالت قد فعلت ومعلوم أن من قال لامرأته قد فارقتك أو قد خليت سبيلك ونيته الفرقة أنه يكون طلاقا فدل ذلك على أن خلعه إياها بأمر الشارع كان طلاقا وأيضا لا خلاف أنه لو قال لها قد طلقتك على مال أو قد جعلت أمرك إليك بمال كان طلاقا وكذلك لو قال قد خلعتك بغير مال يريد به الفرقة كان طلاقا كذلك إذا خلعها بمال* فإن* قيل إذا قال بلفظ الخلع كان بمنزلة الإقالة في البيع فتكون فسخا لا بيعا مبتدأ* قيل له لا خلاف في جواز الخلع بغير مال وعلى أقل من المهر والإقالة لا تجوز إلا بالثمن الذي كان في العقد ولو كان الخلع فسخا كالإقالة لما جاز إلا بالمهر الذي تزوجها عليه وفي اتفاق الجميع على جوازه بغير مال وبأقل من المهر دلالة على أنه طلاق بمال وأنه ليس بفسخ وأنه لا فرق بينه وبين قوله قد طلقنك على هذا المال* ومما يحتج به من يقول أنه ليس بطلاق إن الله تعالى لما قال( الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) ثم عقب ذلك بقوله تعالى( وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ) إلى أن قال في نسق التلاوة( فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) فأثبت الثالثة بعد الخلع دل ذلك على أن الخلع ليس بطلاق إذ لو كان طلاقا لكانت هذه رابعة لأنه ذكر الخلع بعد التطليقتين ثم ذكر الثالثة بعد الخلع وهذا ليس عندنا على هذا التقدير وذلك لأن قوله تعالى( الطَّلاقُ مَرَّتانِ ) أفاد حكم الاثنتين إذا أوقعهما على غير وجه الخلع وأثبت معهما الرجعة بقوله تعالى( فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ ) ثم ذكر حكمهما إذا كانتا على وجه الخلع وأبان عن موضع الحظر والإباحة فيهما والحال التي يجوز فيها أخذ المال أو لا يجوز ثم عطف على ذلك قوله تعالى( فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) فعاد ذلك إلى الاثنتين المقدم ذكرهما على وجه الخلع تارة وعلى غير وجه الخلع أخرى فإذا ليس فيه دلالة على أن الخلع بعد الاثنتين ثم الرابعة بعد الخلع* وهذا مما يستدل به على أن المختلعة يلحقها الطلاق لأنه لما اتفق فقهاء الأمصار على أن تقدير الآية وترتيب أحكامها على ما وصفنا وحصلت الثالثة بعد الخلع وحكم الله بصحة وقوعها وحرمتها عليه أبدا إلا بعد زوج فدل ذلك على أن المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة* ويدل على أن الثالثة بعد الخلع قوله تعالى في نسق التلاوة( فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ ) عطف
على ما تقدم ذكره وقوله تعالى( وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ ) فأباح لهما التراجع بعد التطليقة الثالثة بشريطة زوال ما كانا عليه من الخوف لترك إقامة حدود الله لأنه جائز أن يندما بعد الفرقة ويحب كل واحد منهما أن يعود إلى الألفة فدل ذلك على أن الثالثة مذكورة بعد الخلع* وقوله تعالى( إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ ) يدل على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث لأنه علق الإباحة بالظن فإن قيل قوله تعالى( فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ) عائد على قوله( الطَّلاقُ مَرَّتانِ ) دون الفدية المذكورة بعدها* قيل له هذا يفسد من وجوه أحدها أن قوله( وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ) خطاب مبتدأ بعد ذكر الاثنتين غير مرتب عليهما لأنه معطوف عليه بالواو وإذا كان كذلك ثم قال عقيب ذكر الفدية( فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) وجب أن يكون مرتبا على الفدية لأن الفاء للتعقيب وغير جائز ترتيبه على الاثنتين المبدوء بذكرهما وترك عطفه على ما يليه إلا بدلالة تقتضي ذلك وتوجبه كما تقول في الاستثناء بلفظ التخصيص أنه عائد على ما يليه ولا يرد ما تقدمه إلا بدلالة ألا ترى إلى قوله تعالى( وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ) إن شرط الدخول عائد على الربائب دون أمهات النساء إذ كان العطف بالفاء يليهن دون أمهات النساء مع أن هذا أقرب مما ذكرت من عطف قوله تعالى( فَإِنْ طَلَّقَها ) على قوله تعالى( الطَّلاقُ مَرَّتانِ ) دون ما يليه في الفدية لأنك لا تجعله عطفا على ما يليه من الفدية وتجعله عطفا على ما تقدم دون ما توسط بينهما من ذكر الفدية وأيضا فإنا نجعله عطفا على جميع ما تقدم من الفدية ومما تقدمها من التطليقتين على غير وجه الفدية فيكون منتظما لفائدتين إحداهما جواز طلاقها بعد الخلع بتطليقتين والأخرى بعد التطليقتين إذا أوقعهما على غير وجه الفدية والله أعلم.
باب المضارة في الرجعة
قال الله تعالى( وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) قال أبو بكر المراد بقوله( فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ ) مقاربة البلوغ والإشراف عليه لا قيقته لأن الأجل المذكور هو العدة وبلوغه هو انقضاؤها ولا رجعة بعد انقضاء العدة وقد بر عن العدة بالأجل في مواضع منها قوله تعالى( فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَ
«7 ـ أحكام في»
بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) ومعناه معنى ما ذكر في هذه الآية وقال تعالى( وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ ) وقال( وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَ ) وقال( وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ ) فكان المراد بالآجال المذكورة في هذه الآي العدد ولما ذكره الله تعالى في قوله( فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَ ) والمراد مقاربته دون انقضائه ونظائره كثيرة في القرآن واللغة قال الله تعالى( إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ ) ومعناه إذا أردتم الطلاق وقاربتم أن تطلقوا فطلقوا للعدة وقال تعالى( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ ) معناه إذا أردت قراءته وقال( وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ) وليس المراد العدل بعد القول ولكن قبله يعزم على أن لا يقول إلا عدلا فعلى هذا ذكر بلوغ الأجل وأراد به مقاربته دون وجود نهايته وإنما ذكر مقاربته البلوغ عند الأمر بالإمساك بالمعروف وإن كان عليه ذلك في سائر أحوال بقاء النكاح لأنه قرن إليه التسريح وهو انقضاء العدة وجمعهما في الأمر والتسريح إنما له حال واحد ليس يدوم فخص حال بلوغ الأجل بذلك لينتظم المعروف الأمرين جميعا* وقوله تعالى( فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) المراد به الرجعة* قبل انقضاء العدة وروى ذلك عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة* وقوله تعالى*( أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) معناه تركها حتى تنقضي عدتها* وأباح الإمساك بالمعروف وهو القيام بما يجب لها من حق على ما تقدم من بيانه وأباح التسريح أيضا على وجه يكون معروفا بأن لا يقصد مضارتها بتطويل العدة عليها بالمراجعة وقد بينه عقيب ذلك بقوله تعالى( وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً ) ويجوز أن يكون من الفراق بالمعروف أن يمتعها عند الفرقة ومن الناس من يحتج بهذه الآية وبقوله( فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) في إيجاب الفرقة بين المعسر العاجز عن النفقة وبين امرأته لأن الله تعالى إنما خيره بين أحد شيئين إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وترك الإنفاق ليس بمعروف فمتى عجز عنه تعين عليه التسريح فيفرق الحاكم بينهما* قال أبو بكر رحمه الله وهذا جهل من قائله والمحتج به لأن العاجز عن نفقة امرأته يمسكها بمعروف إذ لم يكلف الإنفاق في هذا الحال قال الله تعالى( وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ) فغير جائز أن يقال إن المعسر غير ممسك بالمعروف إذ كان ترك الإمساك بمعروف ذما والعاجز غير مذموم بترك الإنفاق ولو كان العاجز عن النفقة غير ممسك
بمعروف لوجب أن يكون أصحاب الصفة وفقراء الصحابة الذين عجزوا عن النفقة على أنفسهم فضلا عن نسائهم غير ممسكين بمعروف وأيضا فقد علمنا أن القادر على الإنفاق الممتنع منه غير ممسك بمعروف ولا خلاف أنه لا يستحق التفريق فكيف يجوز أن يستدل بالآية على وجوب التفريق على العاجز دون القادر والعاجز ممسك بمعروف والقادر غير ممسك وهذا خلفه من القول قوله تعالى( وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا ) روى عن مسروق والحسن ومجاهد وقتادة وإبراهيم هو تطويل العدة عليها بالمراجعة إذا قاربت انقضاء عدتها ثم يطلقها حتى تستأنف العدة فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها فأمر الله بإمساكها بمعروف ونهاه عن مضارتها بتطويل العدة عليها وقوله تعالى( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) دل على وقوع الرجعة وإن قصد بها مضارتها لولا ذلك ما كان ظالما لنفسه إذ لم يثبت حكمها وصارت رجعته لغوا لا حكم لها وقوله تعالى( وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً ) روى عن عمر وعن الحسن عن أبى الدرداء قال كان الرجل يطلق امرأته ثم يرجع فيقول كنت لاعبا فأنزل الله تعالى( وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً ) فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من طلق أو حرر أو نكح فقال كنت لاعبا فهو جاد فأخبر أبو الدرداء إن ذلك تأويل الآية وأنها نزلت فيه فدل ذلك على أن لعب الطلاق وجده سواء وكذلك الرجعة لأنه ذكر عقيب الإمساك أو التسريح فهو عائد عليهما وقد أكده رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما بينه وروى عبد الرحمن بن حبيب عن عطاء عن ابن ماهك عن أبى هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال ثلاث جدهن جد وهزلهن جد الطلاق والنكاح والرجعة وروى سعيد بن المسيب عن عمر قال أربع واجبات على كل من تكلم بهن العتاق والطلاق والنكاح والنذر وروى جابر عن عبد الله بن لحى عن على أنه قال ثلاث لا يلعب بهن الطلاق والنكاح والصدقة وروى القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الله قال إذا تكلمت بالنكاح فإن النكاح جده ولعبه سواء كما أن جد الطلاق ولعبه سواء وروى ذلك عن جماعة من التابعين ولا نعلم فيه خلافا بين فقهاء الأمصار وهذا أصل في إيقاع طلاق المكره لأنه لما استوى حكم الجاد والهازل فيه وكانا إنما يفترقان مع قصدهما إلى القول من جهة وجود إرادة أحدهما لإيقاع حكم ما لفظ به والآخر غير مريد الإيقاع حكمه لم يكن للنية تأثير في دفعه وكان المكره قاصدا إلى القول غير مريد لحكمه لم يكن لفقد نية الإيقاع تأثير في دفعه فدل ذلك على أن شرط
وقوعه وجود لفظ الإيقاع من مكلف والله أعلم.
باب النكاح بغير ولى
قال الله تعالى( وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَ ) الآية وقوله تعالى( فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ ) المراد حقيقة البلوغ بانقضاء العدة والعضل يعتوره معنيان أحدهما المنع والآخر الضيق يقال عضل الفضاء بالجيش إذا ضاق بهم والأمر المعضل هو الممتنع وداء عضال ممتنع وفي التضييق يقال عضلت عليهم الأمراء أضيقت وعضلت المرأة بولدها إذا عسر ولادها وأعضلت والمعنيان متقاربان لأن الأمر الممتنع يضيق فعله وزواله والضيق ممتنع أيضا وروى الشعبي سئل عن مسألة صعبة فقال زباء ذات وبر لا تنساب ولا تنقاد ولو نزلت بأصحاب محمد لأعضلت بهم وقوله تعالى( وَلا تَعْضُلُوهُنَ ) معناه لا تمنعوهن أو لا تضيقوا عليهن في التزويج وقد دلت هذه الآية من وجوه على جواز النكاح إذا عقدت على نفسها بغير ولى ولا إذن وليها أحدها إضافة العقد إليها من غير شرط إذن الولي والثاني نهيه عن العضل إذا تراضى الزوجان فإن قيل لو لا أن الولي يملك منعها عن النكاح لما نهاه عنه كما لا ينهى الأجنبى الذي لا ولاية له عنه قيل له هذا غلط لأن النهى يمنع أن يكون له حق فيما نهى عنه فكيف يستدل به على إثبات الحق وأيضا فإن الولي يمكنه أن يمنعها من الخروج والمراسلة في عقد النكاح فجائز أن يكون النهى عن العضل منصرفا إلى هذا الضرب من المنع لأنها في الأغلب تكون في يد الولي بحيث يمكنه منعها من ذلك ووجه آخر من دلالة الآية على ما ذكرنا وهو أنه لما كان الولي منهيا عن العضل إذا زوجت هي نفسها من كفؤ فلا حق له في ذلك كما لو نهى عن الربا والعقود الفاسدة لم يكن له حق فيما قد نهى عنه فلم يكن له فسخه وإذا اختصموا إلى الحاكم فلو منع الحاكم من مثل هذا العقد كان ظالما مانعا مما هو محظور عليه منعه فيبطل حقه أيضا في الفسخ فيبقى العقد لا حق لأحد في فسخه فينفذ ويجوز فإن قيل إنما نهى الله سبحانه الولي عن العضل إذا تراضوا بينهم بالمعروف فدل ذلك على أنه ليس بمعروف إذا عقده غير الولي قيل له قد علمنا أن المعروف مهما كان من شيء فغير جائز أن يكون عقد الولي وذلك لأن في نص الآية جواز عقدها ونهى الولي عن منعها فغير جائز أن يكون معنى المعروف أن لا يجوز عقدها لما فيه من نفى موجب
الآية وذلك لا يكون إلا على وجه النسخ ومعلوم امتناع جواز الناسخ والمنسوخ في خطاب لأن النسخ لا يجوز إلا بعد استقرار الحكم والتمكن من الفعل فثبت بذلك أن المعروف المشروط في تراضيهما ليس هو الولي وأيضا فإن الباء تصحب الإبدال فإنما انصرف ذلك إلى مقدار المهر وهو أن يكون مهر مثلها لا نقص فيه ولذلك قال أبو حنيفة إنها إذا نقضت من مهر المثل فللأولياء أن يفرقوا بينهما ونظير هذه الآية في جواز النكاح بغير ولى قوله تعالى( فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا ) قد حوى الدلالة من وجهين على ما ذكرنا أحدهما إضافته عقد النكاح إليها في قوله( حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) والثاني( فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا ) فنسب التراجع إليهما من غير ذكر الولي* ومن دلائل القرآن على ذلك قوله تعالى( فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) فجاز فعلها في نفسها من غير شرط الولي وفي إثبات شرط الولي في صحة العقد نفى الموجب الآية* فإن قيل إنما أراد* بذلك اختيار الأزواج وأن لا يجوز العقد عليها إلا بإذنها* قيل له هذا غلط من وجهين أحدهما عموم اللفظ في اختيار الأزواج وفي غيره والثاني أن اختيار الأزواج لا يحصل لها به فعل في نفسها وإنما يحصل ذلك بالعقد الذي يتعلق به أحكام النكاح وأيضا فقد ذكر الاختيار مع العقد بقوله( إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ) .
ذكر الاختلاف في ذلك
اختلف الفقهاء في عقد المرأة على نفسها بغير ولى فقال أبو حنيفة لها أن تزوج نفسها كفوا وتستوفى المهر ولا اعتراض للولي عليها وهو قول زفر وإن زوجت نفسها غير كفو فالنكاح جائز أيضا وللأولياء أن يفرقوا بينهما وروى عن عائشة أنها زوجت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبى بكر من المنذر بن الزبير وعبد الرحمن غائب فهذا يدل على أن من مذهبهما جواز النكاح بغير ولى وهو قول محمد بن سيرين والشعبي والزهري وقتادة وقال أبو يوسف لا يجوز النكاح بغير ولى فإن سلم الولي جاز وإن أبى أن يسلم والزوج كفو أجازه القاضي وإنما يتم النكاح عنده حين يجيزه القاضي وهو قول محمد وقد روى عن أبى يوسف غير ذلك والمشهور عنه ما ذكرناه قال الأوزاعى إذا ولت أمرها رجلا فزوجها كفوا فالنكاح جائز وليس للولي أن يفرق بينهما وقال ابن أبى ليلى والثوري والحسن بن
صالح والشافعى لا نكاح إلا بولي وقال ابن شبرمة لا يجوز النكاح وليس الوالدة بولي ولا أن تجعل المرأة وليها رجلا إلا قاض من قضاة المسلمين وقال ابن القاسم عن مالك إذا كانت امرأة معتقة أو مسكينة أو دنية لا حظ لها فلا بأس أن تستخلف رجلا ويزوجها ويجوز وقال مالك وكل امرأة لها مال وغنى وقدر فإن تلك لا ينبغي أن يزوجها إلا الأولياء أو السلطان قال وأجاز مالك للرجل أن يزوج المرأة وهو من فخذها وإن كان غيره أقرب منه إليها وقال الليث في المرأة تزوج بغير ولى أن غيره أحسن منه يرفع أمرها إلى السلطان فإن كان كفوا أجازه ولم يفسخه وذلك في الثيب وقال في السوداء تزوج بغير ولى أنه جائز قال والبكر إذا زوجها غير ولى والولي قريب حاضر فهذا الذي أمره إلى الولي يفسخه له السلطان إن رأى لذلك وجها والولي من قبل هذا أولى من الذي أنكحها* قال أبو بكر وجميع ما قدمنا من دلائل الآي الموجبة لجواز عقدها تقضى بصحة قول أبى حنيفة في هذه المسألة ومن جهة السنة حديث ابن عباس حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن على قال حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا معمر عن صالح بن كيسان عن نافع بن جبير بن مطعم عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال ليس للولي مع الثيب أمر قال أبو داود وحدثنا أحمد بن يونس وعبد الله بن مسلمة قالا حدثنا مالك عن عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الأيم أحق بنفسها من وليها فقوله ليس للولي مع الثيب أمر يسقط اعتبار الولي في العقد وقوله الأيم أحق بنفسها من وليها يمنع أن يكون له حق في منعها العقد على نفسها كقوله صلّى الله عليه وسلّم الجار بصقبه وقوله لأم الصغير أنت أحق به ما لم تنكحى فنفى بذلك كله أن يكون له معها حق ويدل عليه حديث الزهري عن سهل بن سعد في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلّى الله عليه وسلّم فقال صلّى الله عليه وسلّم مالي في النساء من أرب فقام رجل فسأله أن يزوجها فزوجها ولم يسألها هل لها ولى أم لا ولم يشترط الولي في جواز عقدها وخطب النبي صلّى الله عليه وسلّم أم سلمة فقالت ما أحد من أوليائى شاهد فقال لها النبي صلّى الله عليه وسلّم ما أحد من أوليائك شاهد ولا غائب يكرهنى فقالت لابنها وهو غلام صغير قم فزوج أمك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فتزوجها صلّى الله عليه وسلّم بغير ولى * فإن قيل لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان وليها وولى المرأة التي وهبت نفسها له لقوله تعالى( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) قيل له هو أولى بهم فيما يلزمه من اتباعه وطاعته فيما يأمرهم به فإما أن يتصرف عليهم في
أنفسهم وأموالهم فلا ألا ترى أنه لم يقل لها حين قالت له ليس أحد من أوليائى شاهد وما عليك من أوليائك وأنا أولى بك منهم بل قال ما أحد منهم يكرهنى وفي هذا دلالة على أنه لم يكن وليا لهن في النكاح ويدل عليه من جهة النظر اتفاق الجميع على جواز نكاح الرجل إذا كان جائز التصرف في ماله كذلك المرأة لما كانت جائزة التصرف في مالها وجب جواز عقد نكاحها والدليل على أن العلة في جواز نكاح الرجل ما وصفنا أن الرجل إذا كان مجنونا غير جائز التصرف في ماله لم يحز نكاحه فدل على صحة ما وصفنا واحتج من خالف في ذلك بحديث شريك عن سماك عن أبى أخى معقل بن يسار عن معقل أن أخت معقل كانت تحت رجل فطلقها ثم أراد أن يراجعها فأبى عليها معقل فنزلت هذه الآية( فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَ ) وقد روى عن الحسن أيضا هذه القصة وأن الآية نزلت فيها وأنه صلّى الله عليه وسلّم دعا معقلا وأمره بتزويجها وهذا الحديث غير ثابت على مذهب أهل النقل لما في سنده من الرجل المجهول الذي روى عنه سماك وحديث الحسن مرسل ولو ثبت لم ينف دلالة الآية على جواز عقدها من قبل أن معقلا فعل ذلك فنهاه الله عنه فبطل حقه في العضل فظاهر الآية يقتضى أن يكون ذلك خطابا للأزواج لأنه قال( وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَ ) فقوله تعالى( فَلا تَعْضُلُوهُنَ ) إنما هو خطاب لمن طلق وإذا كان كذلك كان معناه عضلها عن الأزواج بتطويل العدة عليها كما قال( وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا ) وجائز أن يكون قوله تعالى( وَلا تَعْضُلُوهُنَ ) خطابا للأولياء وللأزواج ولسائر الناس والعموم يقتضى ذلك واحتجوا أيضا بما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال أيما امرأة نكحت بغير وليها فنكاحها باطل وبما روى من قوله لا نكاح إلا بولي وبحديث أبى هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها فأما الحديث الأول فغير ثابت وقد بينا علله في شرح الطحاوي وقد روى في بعض الألفاظ أيما امرأة تزوجت بغير إذن مواليها وهذا عندنا على الأمة تزوج نفسها بغير إذن مولاها وقوله لا نكاح إلا بولي لا يعترض على موضع الخلاف لأن هذا عندنا نكاح بولي لأن المرأة ولى نفسها كما أن الرجل ولى نفسه لأن الولي هو الذي يستحق الولاية على من يلي عليه والمرأة تستحق الولاية والتصرف على نفسها في مالها فكذلك في بعضها وأما حديث أبى هريرة فمحمول على وجه الكراهة لحضور المرأة مجلس الاملاك لأنه
مأمور بإعلان النكاح ولذلك يجمع له الناس فكره للمرأة حضور ذلك المجمع وقد ذكر أن قوله الزانية هي التي تنكح نفسها من قول أبى هريرة وقد روى في حديث آخر عن أبى هريرة هذا الحديث وذكر فيه أن أبا هريرة قال كان يقال الزانية هي التي تنكح نفسها وعلى أن هذا اللفظ خطأ بإجماع المسلمين لأن تزويجها نفسها ليس بزنا عند أحد من المسلمين والوطء غير مذكور فيه فإن حملته على أنها زوجت نفسها ووطئها الزوج فهذا أيضا لا خلاف فيه أنه ليس بزنا لأن من لا يجيزه إنما يجعله نكاحا فاسدا يوجب المهر والعدة ويثبت به النسب إذا وطئ وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة في شرح الطحاوي وقوله عز وجل( ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ) يعنى إذا لم تعضلوهن لأن العضل ربما أدى إلى ارتكاب المحظور منهما على غير وجه العقد وهو معنى قول النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا معلى قال حدثنا حاتم بن إسماعيل قال سمعت عبد الله بن هرمز قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض
. باب الرضاع
قال الله تعالى( وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ) الآية قال أبو بكر ظاهره الخبر ولكنه معلوم من مفهوم الخطاب أنه لم يرد به الخبر لأنه لو كان خبرا لوجد مخبره فلما كان في الوالدات من لا يرضع علم أنه لم يرد به الخبر ولا خلاف أيضا في أنه لم يرد به الخبر وإذا لم يكن المراد حقيقة اللفظ الذي هو الخبر لم يخل من أن يكون المراد إيجاب الرضاع على الأم وأمرها به إذ قد يرد الأمر في صيغة الخبر كقوله( وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) وأن يريد به إثبات حق الرضاع للأم وإن أبى الأب أو تقدير ما يلزم الأب من نفقة الرضاع فلما قال في آية أخرى( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ ) وقال تعالى( وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى ) دل ذلك على أنه ليس المراد الرضاع شاءت الأم أو أبت وأنها مخيرة في أن ترضع أو لا ترضع فلم يبق إلا الوجهان الآخران وهو أن الأب إذا أبى استرضاع الأم أجبر عليه وإن أكثر ما يلزمه في نفقة الرضاع للحولين فإن أبى أن ينفق نفقة الرضاع أكثر منهما لم يجبر عليه
ثم لا يخلوا بعد ذلك قوله تعالى( وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَ ) من أن يكون عموما في سائر الأمهات مطلقات كن أو غير مطلقات أو أن يكون معطوفا على ما تقدم ذكره من المطلقات مقصور الحكم عليهن فإن كان المراد سائر الأمهات المطلقات منهن والمزوجات فإن النفقة الواجبة للمزوجات منهن هي نفقة الزوجية وكسوتها لا للرضاع لأنها لا تستحق نفقة الرضاع مع بقاء الزوجية فتجتمع لها نفقتان إحداهما للزوجية والأخرى للرضاع وإن كانت مطلقة فنفقة الرضاع أيضا مستحقة بظاهر الآية لأنه أوجبها بالرضاع وليست في هذه الحال زوجة ولا معتدة منه لأنه يكون معطوفا على قوله تعالى( وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَ ) فتكون منقضية العدة بوضع الحمل وتكون النفقة المستحقة أجرة الرضاع وجائز أن يكون طلقها بعد الولادة فتكون عليها العدة بالحيض* وقد اختلفت الرواية من أصحابنا في وجوب نفقة الرضاع ونفقة العدة معا ففي إحدى الروايتين أنهما تستحقهما معا وفي الأخرى أنها لا تستحق للرضاع شيئا مع نفقة العدة فقد حوت الآية الدلالة على معنيين أحدهما أن الأم أحق برضاع ولدها في الحولين وأنه ليس للأب أن يسترضع له غيرها إذا رضيت بأن ترضعه والثاني أن الذي يلزم الأب في نفقة الرضاع إنما هو سنتان وفي الآية دلالة على أن الأب لا يشارك في نفقة الرضاع لأن الله تعالى أوجب هذه النفقة على الأب للأم وهما جميعا وارثان ثم جعل الأب أولى بإلزام ذلك من الأم مع اشتراكهما في الميراث فصار ذلك أصلا في اختصاص الأب بإلزام النفقة دون غيره كذلك حكمه في سائر ما يلزمه من نفقة الأولاد الصغار والكبار الزمنى يختص هو بإيجابه عليه دون مشاركة غيره فيه لدلالة الآية عليه* وقوله تعالى( رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) يقتضى وجوب النفقة والكسوة لها في حال الزوجية لشمول الآية لسائر الوالدات من الزوجات والمطلقات* وقوله تعالى( بِالْمَعْرُوفِ ) يدل على أن الواجب من النفقة والكسوة هو على قدر حال الرجل في إعساره ويساره إذ ليس من المعروف إلزام المعسر أكثر مما يقدر عليه ويمكنه ولا إلزام الموسر الشيء الطفيف ويدل أيضا على أنها على مقدار الكفاية مع اعتبار حال الزوج وقد بين ذلك بقوله عقيب ذلك( لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها ) فإذا اشتطت المرأة وجلبت من النفقة أكثر من المعتاد
المتعارف لمثلها لم تعط وكذلك إذا قصر الزوج عن مقدار نفقة مثلها في العرف والعادة لم يحل ذلك وأجبر على نفقة مثلها وفي هذه الآية دلالة على جواز استئجار الظئر بطعامها وكسوتها لأن ما أوجبه الله تعالى في هذه الآية للمطلقة هما أجرة الرضاع وقد بين ذلك بقوله تعالى( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ ) وفي هذه الآية دلالة على تسويغ اجتهاد الرأى في أحكام الحوادث إذ لا توصل إلى تقدير النفقة بالمعروف إلا من جهة غالب الظن وأكثر الرأى إذ كان ذلك معتبرا بالعادة وكل ما كان مبنيا على العادة فسبيله الاجتهاد وغالب الظن إذ ليست العادة مقصورة على مقدار واحد لا زيادة عليه ولا نقصان ومن جهة أخرى هو مبنى على الاجتهاد وهو اعتبار حاله في إعساره ويساره ومقدار الكفاية والإمكان بقوله( لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها ) واعتبار الوسع مبنى على العادة* وقوله تعالى( لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها ) يوجب بطلان قول أهل الإجبار في اعتقادهم أن الله يكلف عباده ما لا يطيقون وإكذاب لهم في نسبتهم ذلك إلى الله تعالى الله عما يقولون وينسبون إليه من السفه والعبث علوا كبيرا* قوله تعالى( لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ) روى عن الحسن ومجاهد وقتادة قالوا هو المضارة في الرضاع وعن سعيد بن جبير وإبراهيم قالا إذا قام الرضاع على شيء خيرت الأم* قال أبو بكر فمعناه لا تضار والدة بولدها بأن لا تعطى إذا رضيت بأن ترضعه بمثل ما ترضعه به الأجنبية بل تكون هي أولى على ما تقدم في أول الآية من قوله( وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) فجعل الأم أحق برضاع الولد هذه المدة ثم أكد ذلك بقوله تعالى( لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها ) يعنى والله أعلم أنها إذا رضيت بأن ترضع بمثل ما ترضع به غيرها لم يكن للأب أن يضارها فيدفعه إلى غيرها وهو كما قال في آية أخرى( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ ) فجعلها أولى بالرضاع ثم قال( وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى ) فلم يسقط حقها من الرضاع إلا عند التعاسر ويحتمل أن يريد به أنها لا تضار بولدها إذا لم تختر أن ترضعه بأن ينتزع منها ولكنه يؤمر الزوج بأن يحضر الظئر إلى عندها حتى ترضعه في بيتها وكذلك قول أصحابنا ولما كانت الآية محتملة للمضارة في نزع الولد منها واسترضاع غيرها وجب حمله على المعنيين فيكون الزوج ممنوعا من استرضاع غيرها إذا رضيت هي بأن ترضعه بأجرة
مثلها وهي الرزق والكسوة بالمعروف وإن لم ترضع أجبر الزوج على إحضار المرضعة حتى ترضعه في بيتها حتى لا يكون مضارا لها بولدها* وفي هذا دلالة على أن الأم أحق بإمساك الولد ما دام صغيرا وإن استغنى عن الرضاع بعد ما يكون ممن يحتاج إلى الحضانة لأن حاجته إلى الأم بعد الرضاع كهي قبله فإذا كانت في حال الرضاع أحق به وإن كانت المرضعة غيرها علمنا في كونه عند الأم حقا لها وفيه حق للولد أيضا وهو أن الأم أرفق به وأحنى عليه وذلك في الغلام عندنا إلا أن يأكل وحده ويشرب وحده ويتوضأ وحده وفي الجارية حتى تحيض لأن الغلام إذا بلغ الحد الذي يحتاج فيه إلى التأديب ويعقله ففي كونه عند الأم دون الأب ضرر عليه والأب مع ذلك أقوم بتأديبه وهي الحال التي
قال فيها النبي صلّى الله عليه وسلّم مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع فمن كان سنه سبعا فهو مأمور بالصلاة على وجه التعليم والتأديب لأنه يعقلها فكذلك سائر الأدب الذي يحتاج إلى تعلمه وفي كونه عندها في هذه الحال ضرر عليه ولا ولاية لأحد على الصغير فيما يكون فيه ضرر عليه وأما الجارية فلا ضرر عليها في كونها عند الأم إلى أن تحيض بل كونها عندها انفع لها لأنها تحتاج إلى آداب النساء ولا تزول هذه الولاية عنها إلا بالبلوغ لأنها تستحقها عليها بالولادة ولا ضرر عليها في كونها عندها فلذلك كانت أولى إلى وقت البلوغ فإذا بلغت احتاجت إلى التحصين والأب أقوم بتحصينها فلذلك كان أولى بها* وبمثل دلالة القرآن على ما وصفنا ورد الأثر عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم وهو ما روى عن على كرم الله وجهه وابن عباس أن عليا اختصم هو وزيد بن حارثة وجعفر بن أبى طالب في بنت حمزة وكانت خالتها تحت جعفر فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم ادفعوها إلى خالتها فإن الخالة والدة فكان هذا الخبر أنه جعل الخالة أحق من العصبة كما حكمت الآية بأن الأم أحق بإمساك الولد من الأب وهذا اصل في أن ذوات الرحم المحرم أولى بإمساك الصبى وحضانته من حضانة العصبة من الرجال الأقرب فالأقرب منهم* وقد حوى هذا الخبر معاني منها أن الخالة لها حق الحضانة وأنها أحق به من العصبة وسماها والدة ودل ذلك على أن كل ذات رحم محرم من الصبى فلها هذا الحق الأقرب فالأقرب إذ لم يكن هذا الحق مقصورا على الولادة وقد روى عمر بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمر أن امرأة جاءت بابن لها إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالت يا رسول الله حين كان بطني له وعاء وثديى له
سقاء وحجري له حواء أراد أبوه أن ينتزعه منى فقال أنت أحق به ما لم تتزوجي وروى مثل ذلك عن جماعة من الصحابة منهم على وأبو بكر وعبد الله بن مسعود والمغيرة بن شعبة في آخرين من الصحابة والتابعين وقال الشافعى يخير الغلام إذا أكل أو شرب وحده فإن اختار الأب كان أولى به وكذلك إن اختار الأم كان عندها وروى فيه حديث عن أبى هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خير غلاما بين أبويه فقال له اختر أيهما شئت وروى عبد الرحمن ابن غنم قال شهدت عمر بن الخطاب خير صبيا بين أبويه فأما ما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم فجائز أن يكون بالغا لأنه قد يجوز أن يسمى غلاما بعد البلوغ وقد روى عن على أنه خير غلاما وقال لو قد بلغ هذا يعنى أخا له صغيرا لخيرته فهذا يدل على أن الأول كان كبيرا وقد روى في حديث أبى هريرة أن امرأة خاصمت زوجها إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وقالت إنه طلقني وأنه يريد أن ينزع منى ابني وقد نفعني وسقاني من بئر أبى عنبة فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم استهما عليه فقال من يحاجني في ابني فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يا غلام هذه أمك وهذا أبوك فاختر أيهما شئت فأخذ الغلام بيد أمه وقول الأم قد سقاني من بئر أبى عنبة يدل على أنه كان كبيرا وقد اتفق الجميع أنه لا اختيار للصغير في سائر حقوقه وكذلك في الأبوين قال محمد بن الحسن لا يخير الغلام لأنه لا يختار إلا شر الأمرين قال أبو بكر هو كذلك لأنه يختار اللعب والإعراض عن تعلم الأدب والخير وقال الله تعالى( قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً ) ومعلوم أن الأدب أقوم بتأديبه وتعليمه وأن في كونه عند الأم ضررا عليه لأنه ينشأ على أخلاق النساء وأما قوله تعالى( وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ) فإنه عائد على المضارة نهى الرجل أن يضارها بولدها ونهى المرأة أيضا أن تضار بولده والمضارة من جهتها قد تكون في النفقة وغيرها فأما في النفقة فأن تشتط عليه وتطلب فوق حقها وفي غير النفقة أن تمنعه من رؤيته والإلمام به ويحتمل أن تغترب به وتخرجه عن بلده فتكون مضارة له بولده ويحتمل أن تريد أن لا يطيعه وتمتنع من تركه عنده فهذه الوجوه كلها محتملة ينطوى عليها قوله تعالى( وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ) فوجب حمل الآية عليها قوله تعالى( وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ ) هو عطف على جميع المذكور قبله من عند قوله( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) لأن الكلام كله معطوف بعضه على بعض بالواو وهي حرف الجمع فكان الجميع مذكورا في حال واحدة النفقة والكسوة والنهى لكل واحد منهما عن مضارة الآخر
على ما اعتورها من المعاني التي قدمنا ذكرها ثم قال الله( وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ ) يعنى النفقة والكسوة وأن لا يضارها ولا تضاره إذ كانت المضارة قد تكون في غيرها فلما قال عطفا على ذلك( وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ ) كان ذلك موجبا على الوارث جميع المذكور وقد روى عن عمر وزيد بن ثابت والحسن وقبيصة بن ذؤيب وعطاء وقتادة في قوله تعالى( وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ ) قالوا النفقة وعن ابن عباس والشعبي عليه أن لا يضار قال أبو بكر قولهما عليه أن لا يضار لا دلالة فيه على أنهما لم يريا النفقة واجبة على الوارث لأن المضارة قد تكون في النفقة كما تكون في غيرها فعوده على المضارة لا ينفى إلزامه النفقة ولو لا أن عليه النفقة ما كان لتخصيصه بالنهى عن المضارة فائدة إذ هو في ذلك كالأجنبى ويدل على أن المراد المضارة في النفقة وفي غيرها قوله تعالى عقيب ذلك( وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ) فدل ذلك على أن المضارة قد انتظمت الرضاع والنفقة وقد اختلف السلف فيمن تلزمه نفقة الصغير فقال عمر بن الخطاب إذا لم يكن له أب فنفقته على العصبات وذهب في ذلك إلى أن الله تعالى أوجب النفقة على الأب دون الأم لأنه عصبة فوجب أن تختص بها العصبات بمنزلة العقل وقال زيد بن ثابت النفقة على الرجال والنساء على قدر مواريثهم وهو قول أصحابنا وروى عن ابن عباس ما ذكرنا من أن على الوارث أن لا يضارها وقد بينا أن هذا يدل على أنه رأى على الوارث النفقة لأن المضارة تكون فيها وقال مالك لا نفقة على أحد إلا الأب خاصة ولا تجب على الجد وعلى ابن الإبن للجد وتجب على الإبن للأب وقال الشافعى لا تجب نفقة الصغير على أحد من قرابته إلا الوالد والولد والجد وولد الولد قال أبو بكر وظاهر قوله( وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ ) واتفاق السلف على ما وصفنا من إيجاب النفقة يقضيان بفساد هذين القولين لأن قوله( وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ ) عائد على جميع المذكورين في النفقة والمضارة وغير جائز لأحد تخصيصه بغير دلالة وقد ذكرنا اختلاف السلف فيمن تجب عليه من الورثة ولم يقل أحد منهم أن الأخ والعم لا تجب عليهما النفقة وقول مالك والشافعى خارج عن قول الجميع ومن حيث وجب على الأب وهو ذو رحم محرم وجب على من هو بهذه الصفة الأقرب فالأقرب لهذه العلة ويدل عليه قوله تعالى( وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ) ـ إلى قوله تعالى ـ( أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ) فذكر ذوى الرحم المحرم وجعل لهم أن
أكلوا من بيوتهم فدل على أنهم مستحقون لذلك لولاه لما أباحه لهم فإن قيل قد ذكرنا فيه( أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ) ولا يستحقان النفقة* قيل له هو منسوخ عنهم بالاتفاق ولم يثبت نسخ ذوى الرحم المحرم فإن قيل فأوجبوا النفقة على ابن العم إذا كان وارثا قيل له الظاهر يقتضيه وخصصناه بدلالة فإن قيل فإن كان قوله( وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ ) موجبا للنفقة على كل وارث فالواجب إيجاب النفقة على الأب والأم على قدر مواريثهما منه قيل له إنما المراد وعلى الوارث غير الأب وذلك لأنه قد تقدم ذكر الأب في أول الخطاب بإيجاب جميع النفقة عليه دون الأم ثم عطف عليه قوله( وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ ) وغير جائز أن يكون مراده الأب مع سائر الورثة لأنه نسخ ما قد تقدم وغير جائز وجود الناسخ والمنسوخ في شيء واحد في خطاب إذ كان النسخ غير جائز إلا بعد استقرار الحكم والتمكين من الفعل وذكر إسماعيل بن إسحاق أنه إذا ولد مولود وأبوه ميت أو معدوم فعلى أمه أن ترضعه لقوله تعالى( وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَ ) فلا يسقط عنها بسقوط ما كان يجب على الأب فإن انقطع لبنها بمرض أو غيره فلا شيء عليها وإن كان يمكنها أن تسترضع فلم تفعل وخافت عليه الموت وجب عليها أن تسترضع لا من جهة ما على الأب لكن من جهة أن على كل واحد إعانة من يخاف عليه إذا أمكنه وهذا الفصل من كلامه يشتمل على ضروب من الاختلال أحدها أنه أوجب الرضاع على الأم لقوله( وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَ ) وأعرض عن ذكر ما يتصل به من قوله( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) فإنما جعل عليها الرضاع بحذاء ما أوجب لها من النفقة والكسوة فكيف يجوز إلزامها ذلك بغير بدل ومعلوم أن لزوم النفقة للأب بدلا من الرضاع يوجب أن تكون تلك المنافع في الحكم حاصلة للأب ملكا باستحقاق البدل عليه فاستحال إيجابها على الأم وقد أوجبها الله تعالى على الأب بإلزامها بدل من النفقة والكسوة والثاني قوله( يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَ ) ليس فيه إيجاب الرضاع عليها وإنما جعل به الرضاع حقا لها لأنه لا خلاف أنها لا تجبر على الرضاع إذا أبت وكان الأب حيا وقد نص الله على ذلك في قوله( وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى ) فلا يصح الاستدلال بالآية على إيجاب الرضاع عليها في حال فقد الأب وهو لم يقتض إيجابه عليها في حال حياته وهو المنصوص عليه في الآية ثم زعم أنه إن انقطع لبنها
بمرض أو غيره فلا شيء عليها وإن أمكنها أن تسترضع وهذا أيضا متنقض لأنها إن كانت منافع الرضاع مستحقة عليها للولد في حال فقد الأب فواجب أن يكون ذلك عليها في مالها إذا تعذر عليها الرضاع كما وجب على الأب استرضاعه وإن لم تكن منافع الرضاع مستحقة عليها في مالها فغير جائز إلزامها الرضاع وما الفرق بين لزومها منافع الرضاع وبين لزوم ذلك في مالها إذا تعذر عليها ثم ناقض فيه من وجه آخر وهو أنه لم يلزمها نفقته بعد انقضاء الرضاع ويفرق بين الرضاع وبين النفقة بعد الرضاع وهما جميعا من نفقة الصغير فمن اين أوجب الفرق بينهما ولو جازت الفرقة من هذا الوجه لجاز مثله في الأب حتى يقال إن الذي يلزمه إنما هو نفقة الرضاع فإذا انقضت مدة الرضاع فلا نفقة عليه للصغير لأن الله تعالى إنما أوجب عليه نفقتها وكسوتها للرضاع ثم زعم أنه إذا أمكنها أن تسترضع وخافت عليه الموت فعليها أن تسترضع على الوجه الذي يلزمها ذلك لو خافت عليه الموت فإن كان ذلك على هذا المعنى فكيف خصها بإلزامها ذلك دون جيرانها ودون سائر الناس وهذا كله تخليط وتشبه غير مقرون بدلالة ولا مستند إلى شبهة وقد حكى مثل ذلك عن مالك أنه لا يوجب النفقة إلا على الأب للابن وعلى الإبن للأب ولا يوجبها للجد على ابن الإبن وهو قول خارج عن أقاويل السلف والخلف جميعا لا نعلم عليه موافقا ومع ذلك فإن ظاهر الكتاب يرده وهو قوله تعالى( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ ) ـ إلى قوله تعالى ـ( وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً ) والجد داخل في هذه الجملة لأنه أب قال الله تعالى( مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ ) وهو مأمور بمصاحبته بالمعروف لا خلاف في ذلك وليس من الصحبة بالمعروف تركه جائعا مع القدرة على سد جوعته ويدل عليه أيضا قوله( وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ ) فذكر بيوت هؤلاء الأقرباء ولم يذكر بيت الإبن ولا ابن الإبن لأن قوله( مِنْ بُيُوتِكُمْ ) قد اقتضى ذلك كقوله أنت ومالك لأبيك فأضاف إليه ملك الإبن كما أضاف إليه بيت الإبن واقتصر على إضافة البيوت إليه* والدليل على أنه أراد بيوت الإبن وابن الإبن أنه قد كان معلوما قبل ذلك أن الإنسان غير محظور عليه مال نفسه فإنه لا وجه لقول القائل لا جناح عليك في أكل مال نفسك فدل ذلك على أن المراد بقوله( أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ) هي بيوت الأبناء وأبناء الأبناء إذ لم يذكرهما جميعا كما ذكر سائر الأقرباء* وقد اختلف
موجبو النفقة على الورثة على قدر مواريثهم فقال أصحابنا هي على كل من كان من أهل الميراث على قدر ميراثه من الصبى إذا كان ذا رحم محرم منه ولا نفقة على من لم يكن ذا رحم محرم من الصبى وإن كان وارثا ولذلك أوجبوا النفقة على الخال والميراث لابن العم لأن ابن العم ليس رحم محرم والخال وإن لم يكن وارثا في هذه الحال فهو من أهل الميراث ذو رحم محرم وذلك لأنه معلوم أنه لم يرد به وارثا في حال الحياة لأن الميراث لا يكون في حال الحياة وبعد الموت لا يدرى من يرثه وعسى أن يكون هذا الصبى يرث هذا الذي عليه النفقة بموته قبله وجائز أن يحدث له من الورثة من يحجب من أوجبنا عليه ولما كان ذلك كذلك علمنا أنه ليس المراد حصول الميراث وإنما المعنى أنه ذو رحم محرم من أهل الميراث* وقال ابن أبى ليلى النفقة واجبة على كل وارث ذا رحم محرم كان أو غير ذي* رحم محرم فيوجبها على ابن العم دون الخال* والدليل على صحة ما ذكرنا اتفاق الجميع على أن مولى العتاقة لا تجب عليه النفقة وإن كان وارثا وكذلك المرأة لا تجب عليها نفقة زوجها الصغير وهي ممن يرثه فدل ذلك على أن كونه ذا رحم محرم شرط في إيجاب النفقة وأما قوله عز وجل( حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ) فإنه لا يخلو توقيت الحولين من أحد المعنيين إما أن يكون تقديرا لمدة الرضاع الموجب للتحريم أو لما يلزم الأب من نفقة الرضاع فلما قال في نسق التلاوة بعد ذكر الحولين( فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ) دل ذلك على أن الحولين ليسا تقديرا لمدة الرضاع الموجب للتحريم لأن الفاء للتعقيب فواجب أن يكون الفصال الذي علقه بإرادتهما بعد الحولين وإذا كان الفصال معلقا بتراضيهما وتشاورهما بعد الحولين فقد دل ذلك على أن ذكر الحولين ليس هو من جهة توقيت نهاية الرضاع الموجب للتحريم وإنه جائز أن يكون بعدهما رضاع* وقد روى معاوية بن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى( وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ) ثم قال( فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ ) إن أراد أن يفطماه قبل الحولين أو بعده فأخبر ابن عباس في هذا الحديث أن قوله تعالى( فَإِنْ أَرادا فِصالاً ) على ما قبل الحولين وبعده* ويدل عليه قوله تعالى( وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ) وظاهره الاسترضاع بعد الحولين لأنه معطوف على ذكر الفصال الذي علقه بتراضيهما
فأباحه لهما وأباح للأب الاسترضاع بعد ذلك كما أباح لهما الفصال إذا كان فيه صلاح الصبى ودل ما وصفنا على أن ذكر الحولين إنما هو توقيت لما يلزم الأب في الحكم من نفقة الرضاع ويجبره الحاكم عليه والله أعلم.
ذكر اختلاف الفقهاء في وقت الرضاع
قال أبو بكر قد كان بين السلف اختلاف في رضاعة الكبير فروى عن عائشة أنها كانت ترى رضاع الكبير موجبا للتحريم كرضاع الصغير وكانت تروى في ذلك حديث سالم مولى أبى حذيفة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لسهلة بنت سهيل وهي امرأة أبى حذيفة أرضعيه خمس رضعات ثم يدخل عليك وكانت عائشة إذا أرادت أن يدخل عليها رجل أمرت أختها أم كلثوم أن ترضعه خمس رضعات ثم يدخل عليها بعد ذلك وأبى سائر نساء النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك وقلن لعل هذه كانت رخصة من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لسالم وحده وقد روى أن سهلة بنت سهيل قالت يا رسول الله إنى أرى في وجه أبى حذيفة من دخول سالم على فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم أرضعيه يذهب ما في وجه أبى حذيفة فيحتمل أن يكون ذلك خاصا لسالم كما تأوله سائر نساء النبي صلّى الله عليه وسلّم كما خص أبا زياد ابن دينار بالجذعة في الأضحية وأخبر أنها لا تجزى عن أحد بعده وقد روت عائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ما يدل على أن رضاع الكبير لا يحرم وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن كثير قال أخبرنا سفيان عن أشعث بن سليم عن أبيه عن مسروق عن عائشة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دخل عليها وعندها رجل فقالت يا رسول الله إنه أخى من الرضاعة فقال صلّى الله عليه وسلّم انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة فهذا يوجب أن يكون حكم الرضاع مقصورا على حال الصغير وهي الحال التي يسد اللبن فيها جوعته ويكتفى في غذائه وقد روى عن أبى موسى أنه كان يرى رضاع الكبير وروى عنه ما يدل على رجوعه وهو ما روى أبو حصين عن أبى عطية قال قدم رجل بامرأته من المدينة فوضعت فتورم ثديها فجعل يمجه ويصبه فدخل في بطنه جرعة منه فسأل أبا موسى فقال بانت منك فأتى ابن مسعود فأخبره ففصل فأقبل بالأعرابى إلى الأشعرى فقال أرضيعا ترى هذا الأشمط إنما يحرم من الرضاع ما ينبت اللحم والعظم فقال الأشعرى لا تسألونى عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم وهذا يدل على أنه رجع عن قوله الأول إلى قول ابن مسعود
«8 ـ أحكام في»
إذ لو لا ذلك لم يقل لا تسألونى عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم وكان باقيا على مخالفته وإن ما أفتى به حق وقد روى عن على وابن عباس وعبد الله وأم سلمة وجابر بن عبد الله وابن عمر أن رضاع الكبير لا يحرم ولا نعلم أحدا من الفقهاء قال برضاع الكبير إلا شيء يروى عن الليث بن سعد يرويه عنه أبو صالح أن رضاع الكبير يحرم وهو قول شاذ لأنه قد روى عن عائشة ما يدل على أنه لا يحرم وهو ما روى الحجاج عن الحكم عن أبى الشعثاء عن عائشة قالت يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم والدم وقد روى حرام بن عثمان عن ابن جابر عن أبيهما قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يتم بعد حلم ولا رضاع بعد فصال وروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث عائشة الذي قدمنا إنما الرضاعة من المجاعة وفي حديث آخر ما أنبت اللحم وانشز العظم وهذا ينفى كون الرضاع في الكبير* وقد روى حديث عائشة الذي قدمناه في رضاع الكبير على وجه آخر وهو ما روى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة كانت تأمر بنت عبد الرحمن بن أبى بكر أن ترضع الصبيان حتى يدخلوا عليها إذا صاروا رجالا فإذا ثبت شذوذ قول من أوجب رضاع الكبير فحصل الاتفاق على أن رضاع الكبير غير محرم وبالله التوفيق* وقد اختلف فقهاء الأمصار في مدة ذلك فقال أبو حنيفة ما كان من رضاع في الحولين وبعدهما بستة أشهر وقد فطم أو لم يفطم فهو يحرم وبعد ذلك لا يحرم فطم أو لم يفطم وقال زفر ابن الهذيل ما دام يجتزئ باللبن ولم يفطم فهو رضاع وإن أتى عليه ثلاث سنين وقال أبو يوسف ومحمد والثوري والحسن بن صالح والشافعى يحرم في الحولين ولا يحرم بعدهما ولا يعتبر الفطام وإنما يعتبر الوقت وقال ابن وهب عن مالك قليل الرضاع وكثيره محرم في الحولين وما كان بعد الحولين فإنه لا يحرم قليله ولا كثيره وقال ابن القاسم عن مالك الرضاع حولان وشهر أو شهران بعد ذلك ولا ينظر إلى إرضاع أمه إياه إنما ينظر إلى الحولين وشهر أو شهرين قال وإن فصلته قبل الحولين وأرضعته قبل تمام الحولين فهو فطيم فإن ذلك لا يكون رضاعا إذا كان قد استغنى قبل ذلك عن الرضاع فلا يكون ما أرضع بعده رضاعا وقال الأوزاعى إذا فطم لسنة واستمر فطامه فليس بعده رضاع ولو أرضع ثلاث سنين لم يفطم لم يكن رضاعا بعد الحولين وقد روى عن السلف في ذلك أقاويل فروى عن على لا رضاع بعد فصال وعن عمر وابن عمر لا رضاع إلا ما كان في الصغر وهذا يدل من قولهم على
ترك اعتبار الحولين لأن عليا علق الحكم بالفصال وعمر وابنه بالصغر من غير توقيت وعن أم سلمة أنها قالت إنما يحرم من الرضاع ما كان في الثدي قبل الفطام وعن أبى هريرة لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان في الثدي قبل الفطام فعلق الحكم بما كان قبل الفطام وبما فتق الأمعاء وهو نحو ما روى عن عائشة أنها قالت إنما يحرم من الرضاعة ما أنبت اللحم والدم فهذا كله يدل على أنه لم يكن من مذهبهم اعتبار الحولين وقد روى عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس أنهما قالا لا رضاع بعد الحولين وما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال الرضاعة من المجاعة يدل على أنه غير متعلق بالحولين لأنه لو كان الحولان توقيتا له لما قال الرضاعة من المجاعة ولقال الرضاعة في الحولين فلما لم يذكر الحولين وذكر المجاعة ومعناها أن اللبن إذا كان يسد جوعته ويقوى عليه بدنه فالرضاعة في تلك الحال وذلك قد يكون بعد الحولين فاقتضى ظاهر ذلك صحة الرضاع الموجب للتحريم بعد الحولين وفي حديث جابر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لا رضاع بعد فصال وذلك يوجب أنه إذا فصل بعد الحولين أن ينقطع حكمه بعد ذلك وكذلك ما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال الرضاعة ما أنبت اللحم وانشز العظم دلالته على نفى توقيت الحولين بمدة الرضاع لدلالة الأخبار المتقدمة وقد حكى عن ابن عباس قول لست أثق بصحة النقل فيه هو أنه يعتبر ذلك بقوله تعالى( وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) فإن ولدت المرأة لستة أشهر فرضاعه حولان كاملان وإن ولدت لتسعة أشهر فأحد وعشرون شهرا وإن ولدت لسبعة أشهر فثلاثة وعشرون شهرا يعتبر فيه تكملة ثلاثين شهرا بالحمل والفصال جميعا ولا نعلم أحدا من السلف والفقهاء بعدهم اعتبر ذلك ولما كانت أحوال الصبيان تختلف في الحاجة إلى الرضاع فمنهم من يستغنى عنه قبل الحولين ومنهم من لا يستغنى عنه بعد كمال الحولين واتفق الجميع على نفى الرضاع للكبير وثبوت الرضاع للصغير على ما قدمنا من الرواية فيه عن السلف ولم يكن الحولان حدا للصغير إذ لا يمتنع أحد أن يسميه صغيرا وإن أتى عليه حولان علمنا أن الحولين ليس بتوقيف لمدة الرضاع ألا ترى أنه صلّى الله عليه وسلّم لما قال الرضاعة من المجاعة وقال الرضاعة ما أنبت اللحم وانشز العظم فقد اعتبر معنى تختلف فيه أحوال الصغار وإن كان الأغلب أنهم قد يستغنون عنه بمضى الحولين فسقط اعتبار الحولين في ذلك ثم مقدار الزيادة عليهما طريقة الاجتهاد لأنه تحديد بين الحال التي يكتفى فيها باللبن في غذائه وينبت عليه
لحمه وبين الانتقال إلى الحال التي يكتفى فيها بالطعام ويستغنى عن اللبن وكان عند أبى حنيفة أنه ستة أشهر بعد الحولين وذلك اجتهاد في التقدير والمقادير التي طريقها الاجتهاد لا يتوجه على القائل بها سؤال نحو تقويم المستهلكات وأروش الجنايات التي لم يرد بمقاديرها توقيف وتقدير متعة النساء بعد الطلاق وما جرى مجرى ذلك ليس لأحد مطالبة من غلب على ظنه شيء من هذه المقادير بإقامة الدلالة عليه فهذا أصل صحيح في هذا الباب يجرى مسائله فيه على منهاج واحد ونظيره ما قال أبو حنيفة في حد البلوغ أنه ثماني عشرة سنة وأن المال لا يدفع إلى البالغ الذي لم يؤنس رشده إلا بعد خمس وعشرين سنة في نظائر لذلك من المسائل التي طريق إثبات المقادير فيها الاجتهاد* فإن قال قائل وإن كان طريقة الاجتهاد فلا بد من جهة يغلب معها في النفس اعتبار هذا المقدار بعينه دون غيره فما المعنى الذي أوجب من طريق الاجتهاد اعتبار ستة أشهر بعد الحولين دون سنة تامة على ما قال زفر قيل له أحد ما يقال في ذلك أن الله تعالى لما قال( وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) ثم قال( وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ ) فعقل من مفهوم الخطابين كون الحمل ستة أشهر ثم جارت الزيادة عليه إلى تمام الحولين إذ لا خلاف أن الحمل قد يكون حولين ولا يكون عندنا الحمل أكثر منهما فلا يخرج الحمل المذكور في هذه الجملة من جملة الحولين كذلك الفصال لا يخرج من جملة ثلاثين شهرا لأنهما جميعا قد انتظمتهما الجملة المذكورة في قوله تعالى( وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) وكان أبو الحسن يقول في ذلك لما كان الحولان هما الوقت المعتاد للفطام وقد جازت الزيادة عليه بما ذكرنا وجب أن تكون مدة الانتقال من غذاء اللبن بعد الحولين إلى غذاء الطعام ستة أشهر كما كانت مدة انتقال الولد في بطن الأم إلى غذاء الطعام بالولادة ستة أشهر وذلك أقل مدة الحمل* فإن قال قائل قوله تعالى( وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ) نص على أن الحولين تمام الرضاع فغير جائز أن يكون بعده رضاع قيل له إطلاق لفظ الإتمام غير مانع من الزيادة عليه ألا ترى أن الله تعالى قد جعل مدة الحمل ستة أشهر في قوله( وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) وقوله تعالى( وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ ) فجعل مجموع الآيتين الحمل ستة أشهر ثم لم تمتنع الزيادة عليها فكذلك ذكر الحولين للرضاع غير مانع جواز الزيادة عليهما وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم من أدرك عرفه فقد تم حجه ولم تمتنع زيادة الفرض عليها تقدير لما يلزم الأب من
أجرة الرضاع وأنه غير مجبر على أكثر منهما لإثباته الرضاع بتراضيهما بقوله تعالى( فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ) وبقوله تعالى( وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ) فلما ثبت الرضاع بعد الحولين دل ذلك على أن حكم التحريم به غير مقصور عليهما* فإن قيل هلا اعتبرت الفطام على ما اعتبره مالك في الحولين في حال استغناء الصبى عن اللبن بالطعام بدلالة ما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم لا رضاع بعد فصال وبما روى عن الصحابة فيه على نحو ما قدمنا ذكره مما يدل كله على اعتبار الفطام قيل له لو وجب ذلك لوجب اعتبار حال الصبى بعد الحولين في حاجته إلى اللبن واستغنائه عنه لأن من الصبيان من يحتاج إلى الرضاع بعد الحولين فلما اتفق الجميع على سقوط اعتبار ذلك بعد الحولين دل على سقوط اعتباره في الحولين ووجب أن يكون حكم التحريم معلقا بالوقت دون غيره* فإن قال قائل قد روى في حديث جابر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لا رضاع بعد الحولين * قيل له المشهور عنه لا رضاع بعد فصال فجائز أن يكون هذا هو أصل الحديث وإن من ذكر الحولين حمله على المعنى وحده وأيضا لو ثبت هذا اللفظ احتمل أن يريد أيضا لا رضاع على الأب بعد الحولين على نحو تأويل قوله تعالى( حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ) وقد تقدم ذكره وأيضا لو كان الحولان هما مدة الرضاع وبهما يقع الفصال لما قال تعالى( فَإِنْ أَرادا فِصالاً ) وهذا القول يدل من وجهين على أن الحولين ليسا توقيتا للفصال أحدهما ذكره للفصال منكورا في قوله تعالى( فِصالاً ) ولو كان الحولان فصالا لقال الفصال حتى يرجع ذكر الفصال إليهما لأنه معهود مشار إليه فلما أطلق فيه لفظ النكرة دل على أنه لم يرد به الحولين والوجه الآخر تعليقه الفصال بإرادتهما وما كان مقصورا على وقت محدود لا يعلق بالإرادة والتراضي والتشاور وفي ذلك دليل على ما ذكرنا* وقوله تعالى( فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ ) يدل على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث لإباحة الله تعالى للوالدين التشاور فيما يؤدى إلى صلاح أمر الصغير وذلك موقوف على غالب ظنهما لا من جهة اليقين والحقيقة وفيه أيضا دلالة على أن الفطام في مدة الرضاع موقوف على تراضيهما وأنه ليس لأحدهما أن يفطمه دون الآخر لقوله تعالى( فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ ) فأجاز ذلك بتراضيهما وتشاورهما وقد روى نحو ذلك عن مجاهد وقد روى عن بعض السلف نسخ في هذه الآية روى شيبان عن قتادة في قوله تعالى
( وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ) ثم أنزل التخفيف بعد ذلك فقال تعالى( لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ) قال أبو بكر كأنه عنده كان رضاع الحولين واجبا ثم خفف وأبيح الرضاع أقل من مدة الرضاع بقوله تعالى( لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ) وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس مثل قتادة وروى على بن أبى طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى( وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ) ثم قال فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا حرج إن أرادا أن يفطما قبل الحولين أو بعدهما والله أعلم.
باب ذكر عدة المتوفى عنها زوجها
قال الله تعالى( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) والتربص بالشيء الانتظار به قال الله تعالى( فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ ) وقال تعالى( وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ ) يعنى ينتظر وقال تعالى( أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ) فأمرها الله تعالى بأن يتربصن بأنفسهن هذه المدة عن الأزواج ألا ترى أنه عقبه بقوله تعالى( فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَ ) وقد كانت عدة المتوفى عنها زوجها سنة بقوله تعالى( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ ) فتضمنت هذه الآية أحكاما منها توقيت العدة سنة ومنها أن نفقتها وسكناها كانت في تركة زوجها ما دامت معتدة بقوله تعالى( وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ ) ومنها أنها كانت ممنوعة من الخروج في هذه السنة فنسخ منها من المدة ما زاد على أربعة أشهر وعشرا ونسخ أيضا وجوب نفقتها وسكناها في التركة بالميراث لقوله تعالى( أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) من غير إيجاب نفقة ولا سكنى ولم يثبت نسخ الإخراج فالمنع من الخروج في العدة الثانية قائم إذ لم يثبت نسخه وقد حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخرسانى عن ابن عباس في هذه الآية يعنى قوله تعالى( وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ ) قال كان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها سنة فنسختها آية المواريث فجعل لهن الربع أو الثمن مما ترك الزوج قال وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (لا وصية لوارث إلا أن يرضى الورثة)
قال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا يزيد عن يحيى بن سعيد عن حميد عن نافع أنه سمع زينب بنت أبى سلمة عن أم سلمة وأم حبيبة أن امرأة أتت النبي صلّى الله عليه وسلّم فذكرت أن بنتا لها توفى عنها زوجها واشتكت عينها وهي تريد أن تكحلها فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (قد كانت إحداكن ترمى بالبعرة عند رأس الحول وإنما هي أربعة أشهر وعشرا) قال حميد فسألت زينب وما رميها بالبعرة فقالت كانت المرأة في الجاهلية إذا توفى عنها زوجها عمدت إلى شرى بيت لها فجلست فيه سنة فإذا مرت سنة خرجت فرمت ببعرة من ورائها رواه مالك عن عبد الله بن أبى بكر بن عمر وعن حميد عن نافع عن زينب بنت أبى سلمة وذكرت الحديث وقالت فيه كانت المرأة في الجاهلية إذا توفى عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر سنة ثم تؤتى بدابة حمار وشاة أو طير فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات ثم تخرج فتعطى بعرة فترمى بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره فأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن عدة الحول منسوخة بأربعة أشهر وعشرا وأخبر ببقاء حظر الطيب عليها في العدة وعدة الحول وإن كانت متأخرة في التلاوة فهي متقدمة في التنزيل وعدة الشهور متأخرة عنها ناسخة لها لأن نظام التلاوة ليس هو على نظام التنزيل وترتيبه واتفق أهل العلم على أن عدة الحول منسوخة بعدة الشهور على ما وصفنا وأن وصية النفقة والسكنى للمتوفى عنها زوجها منسوخة إذا لم تكن حاملا واختلفوا في نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها أيضا وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى ولا خلاف بين أهل العلم أيضا في أن هذه الآية خاصة في غير الحامل* واختلفوا في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها على ثلاثة أنحاء فقال على وهي إحدى الروايتين عن ابن عباس عدتها أبعد الأجلين وقال عمر وعبد الله وزيد بن ثابت وابن عمر وأبو هريرة في آخرين عدتها أن تضع حملها وروى عن الحسن أن عدتها أن تضع حملها وتطهر من نفاسها ولا يجوز لها أن تتزوج وهي ترى الدم وأما على فإنه ذهب إلى أن قوله تعالى( أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) يوجب الشهور وقوله تعالى( وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ ) يوجب انقضاء العدة بوضع الحمل فجمع بين الآيتين في إثبات حكمهما للمتوفى عنها زوجها وجعل انقضاء عدتها أبعد الأجلين من وضع الحمل أو مضى الشهور وقال عبد الله بن مسعود من شاء باهلته أن قوله تعالى( وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ ) نزل بعد قوله( أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً )
فحصل بما ذكرنا اتفاق الجميع على أن قوله تعالى( وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَ ) عام في المطلقة والمتوفى عنها زوجها وإن كان مذكورا عقيب ذكر الطلاق لاعتبار الجميع بالحمل في انقضاء العدة لأنهم قالوا جميعا أن مضى الشهور لا تنقضي به عدتها إذا كانت حاملا حتى تضع حملها فوجب أن يكون قوله تعالى( وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ ) مستعملا على مقتضاه وموجبه وغير جائز اعتبار الشهور معه ويدل على ذلك أيضا عدة الشهور خاصة في غير المتوفى عنها زوجها ويدل عليه أيضا أن قوله تعالى( وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) مستعمل في المطلقات غير الحوامل وأن الإقراء غير مشروطة مع الحمل في الحامل بل كانت عدة الحامل المطلقة وضع الحمل من غير ضم الإقراء إليها وقد كان جائزا أن يكون الحمل والإقراء مجموعين عدة لها بأن لا تنقضي عدتها بوضع الحمل حتى تحيض ثلاث حيض فكذلك يجب أن تكون عدة الحامل المتوفى عنها زوجها هي الحمل غير مضموم إليه الشهور وروى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قلت يا رسول الله في هذه الآية حين نزلت( وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ ) في المطلقة والمتوفى عنها زوجها قال فيهما جميعا وقد روت أم سلمة أن سبيعة بنت الحارث ولدت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة فأمرها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأن تتزوج وروى منصور عن إبراهيم عن الأسود عن أبو السنابل بن بعكك أن سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها ببضع وعشرين ليلة فأمرها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن تتزوج وهذا حديث قد ورد من طرق صحيحة لا مساغ لأحد في العدول عنه مع ما عضده من ظاهر الكتاب وهذه الآية خاصة في الحرائر دون الإماء لأنه لا خلاف بين السلف فيما نعلمه وبين فقاء الأمصار في أن عدة الأمة المتوفى عنها زوجها شهران وخمسة أيام نصف عدة الحرة وقد حكى عن الأصم أنها عامة في الأمة والحرة وكذلك يقول في عدة الأمة في الطلاق أنها ثلاث حيض وهو قول شاذ خارج عن أقاويل السلف والخلف مخالف للسنة لأن السلف لم يختلفوا في أن عدة الأمة من الحيض والشهور على النصف من عدة الحرة وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم (طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان) وهذا خبر قد تلقاه الفقهاء بالقبول واستعملوه في تنصيف عدة الأمة فهو في حيز التواتر الموجب للعلم عندنا* واختلف السلف في المتوفى عنها زوجها إذا لم تعلم بموته وبلغها الخبر فقال ابن مسعود وابن عباس وابن عمر
وعطاء وجابر بن زيد عدتها منذ يوم يموت وكذلك في الطلاق من يوم طلق وهو قول الأسود بن زيد في آخرين وهو قول فقهاء الأمصار وقال على والحسن البصري وخلاس ابن عمرو من يوم يأتيها الخبر في الموت وفي الطلاق من يوم طلق وهو قول ربيعة وقال الشعبي وسعيد بن المسيب إذا قامت البينة فالعدة من يوم يموت وإذا لم تقم بينة فمن يوم يأتيها الخبر وجائز أن يكون مذهب على على هذا المعنى بأن يكون قد خفى عليها وقت الموت فأمرها بالاحتياط من يوم يأتيها الخبر وذلك لأن الله تعالى نص على وجوب العدة بالموت والطلاق بقوله( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ ) كما قال تعالى( وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) فأوجب العدة فيهما بالموت وبالطلاق فواجب أن تكون العدة فيهما من يوم الموت والطلاق ولما اتفقوا على أن عدة المطلقة من يوم طلق ولم يعتبروا وقت بلوغ الخبر كذلك عدة الوفاء لأنهما جميعا سببا وجوب العدة وأيضا فإن العدة ليست هي فعلها فيعتبر فيها علمها وإنما هي مضى الأوقات ولا فرق بين علمها بذلك وبين جهلها به وأيضا لما كانت العدة موجبة عن الموت كالميراث وإنما يعتبر في الميراث وقت الوفاة لا وقت بلوغ خبرها وجب أن تكون كذلك العدة وأن لا يختلف فيها حكم العلم والجهل كما لا يختلف في الميراث وأيضا فإن أكثر ما في العلم أن تجتنب ما تجتنبه المعتدة من الخروج والزينة إذا علمت فإذا لم تعلم فترك اجتناب ما يلزم اجتنابه في العدة لم يكن مانعا من انقضاء العدة لأنها لو كانت عالمة بالموت فلم تجتنب الخروج والزينة لم يؤثر ذلك في انقضاء العدة فكذلك إذا لم تعلم به قوله تعالى( أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) ذكر سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبى يوسف عن أبى حنيفة أنه قال في المتوفى عنها زوجها والمعتدة من الطلاق بالشهور أنه إن وجبت مع رؤية الهلال اعتدت بالأهلة كان الشهر ناقصا أو تاما وإن كانت العدة وجبت في بعض شهر لم تعمل على الأهلة واعتدت تسعين يوما في الطلاق وفي الوفاة مائة وثلاثين يوما وذكر أيضا سليمان بن شعيب عن أبيه عن محمد عن أبى يوسف عن أبى حنيفة بخلاف ذلك قال إن كانت العدة وجبت في بعض شهر فإنها تعتد بما بقي من ذلك الشهر أياما ثم تعتد لما يمر عليها من الأهلة شهورا ثم تكمل الأيام الأول ثلاثين يوما وإذا وجبت العدة مع رؤية الهلال اعتدت بالأهلة وهو قول أبى يوسف ومحمد والشافعى وروى عن مالك في الإجارة مثله وقال ابن
القاسم وكذلك قوله في الأيمان والطلاق وكذلك قال أصحابنا في الإجارة وروى عمرو ابن خالد عن زفر في الإيلاء في بعض الشهر أنها تعتد بكل شهر يمر عليها ناقصا أو تاما قال وقال أبو يوسف تعتد بالأيام حتى تستكمل مائة وعشرين يوما ولا تنظر إلى نقصان الشهر ولا إلى تمامه قال أبو بكر وهذا على ما حكاه سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبى يوسف عن أبى حنيفة في عدة الشهور ولا خلاف بين الفقهاء في مدة العدد وأجل الإيلاء والأيمان والإجارات إذا عقدت على الشهور مع رؤية الهلال أنه تعتير الأهلة في سائر شهوره سواء كانت ناقصة أو تامة وإذا كان ابتداء المدة في بعض الشهر فهو على الخلاف الذي ذكرنا وأما وجه من اعتبر في ذلك بقية الشهر الأول بالعدد ثلاثين يوما وسائر الشهود بالأهلة ثم يكمله الشهر الآخر بالأيام مع بقية الشهر الأول فإنه ذهب إلى معنى قول النبي صلّى الله عليه وسلّم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين فدل ذلك على معنيين أحدهما أن كل شهر ابتداؤه وانتهاؤه بالهلال واحتجنا إلى اعتباره فواجب اعتباره بالهلال ناقصا كان أو تاما كما أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم باعتباره في صوم رمضان وشعبان وكل شهر لم يكن ابتداؤه وانتهاؤه بالأهلة فهو ثلاثون وإنما ينقص بالهلال فلما لم يكن ابتداء الشهر الأول بالهلال وجب فيه استيفاء ثلاثين يوما من آخر المدة وسائر الشهور لما أمكن استيفاؤها بالأهلة وجب اعتبارها بها وعلى قول من اعتبر سائر الشهور بالأيام يقول لما لم يكن ابتداء المدة بالهلال وجب استيفاء هذا الشهر بالأيام ثلاثون يوما فيكون انقضاؤه في بعض الشهر الذي يليه ثم يكون كذلك حكم سائر الشهور قالوا ولا يجوز أن يجبر هذا الشهر من أحد الشهور ويجعل ما بينهما شهورا بالأهلة لأن الشهور سبيلها أن تكون أيامها متصلة متوالية فوجب استيفاء شهر كامل ثلاثين يوما منذ أول المدة أياما متوالية فيقع ابتداء الشهر الثاني في بعض الشهر الثاني فتكون الشهور وأيامها متوالية متصلة ومن يعتبر الأهلة فيما يستقبل من الشهور بعد بقية الشهر الأول فإنه يحتج بما قدمنا ذكره من أنه قد استقبل الشهر الذي يليه بالهلال فوجب أن يكون انتهاؤه بالهلال قال الله تعالى( فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) واتفق أهل العلم بالنقل أنها كانت عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشرا من ربيع الآخر فاعتبر الهلال فيما يأتى من الشهور دون عدد الأيام فوجب مثله في نظائره من المدة* وقوله تعالى( وَعَشْراً )
ظاهرها أنها الليالى والأيام مرادة معها ولكن غلبت الليالى على الأيام إذا اجتمعت في التاريخ وغيره لأن ابتداء شهور الأهلة بالليالي منذ طلوع الأهلة فلما كان ابتداؤها الليل غلبت الليالى وخصت بالذكر دون الأيام وإن كانت تفيد ما بإزائها من الأيام ولو ذكر جمعا من الأيام أفادت ما بإزائها من الليالى والدليل عليه قوله تعالى( ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً ) وقال تعالى في موضع آخر( ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ) والقصة واحدة فاكتفى تارة بذكر الأيام عن الليالى وتارة بذكر الليالى عن الأيام وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم الشهر تسع وعشرون وفي لفظ آخر تسعة وعشرون فدل على أن كل واحد من العددين إذا أطلق أفاد ما بإزائه من الآخر ألا ترى أنه لما اختلف العددان من الليالى والأيام فصل بينهما في اللفظ في قوله تعالى( سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ) وذكر الفراء أنهم يقولون صمنا عشرا من شهر رمضان فيعبرون بذكر الليالى عن الأيام لأن عشرا لا تكون إلا الليالى ألا ترى أنه لو قال عشرة أيام لم يجز فيها إلا التذكير وأنشد الفراء :
أقامت ثلاثا بين يوم وليلة |
وكان النكير أن تضيف وتجارا |
فقال ثلاثا وهي الليالى وذكر اليوم والليلة في المراد وإذا ثبت ما وصفنا كان قوله تعالى( أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) مفيدا لكون المدة أربعة أشهر على ما قدمنا من الاعتبار وعشرة أيام زائدة عليها وإن كان لفظ العدد واردا بلفظ التأنيث.
ذكر الإختلاف في خروج المعتدة من بيتها
قال أصحابنا لا تنتقل المبتوتة ولا المتوفى عنها زوجها عن بيتها الذي كانت تسكنه وتخرج المتوفى عنها زوجها بالنهار ولا تبيت في غير منزلها ولا تخرج المطلقة ليلا ولا نهارا إلا من عذر وهو قول الحسن وقال مالك لا تنتقل المطلقة المبتوتة ولا الرجعية ولا المتوفى عنها ولا يخرجن بالنهار ولا يبتن عن بيوتهن وقال الشافعى ولم يكن الإحداد في سكنى البيوت فتسكن المتوفى عنها زوجها أى بيت كانت فيه جيدا أو رديا وإنما الإحداد في الزينة قال أبو بكر أما المطلقة فلقوله تعالى( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) فحظر خروجها وإخراجها في العدة إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وذلك ضرب من العذر فأباح خروجها لعذر وقد اختلف في الفاحشة المذكورة في هذه الآية وسنذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى وأما المتوفى عنها زوجها فإن الله تعالى قال في العدة الأولى
( مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ ) ثم نسخ منها ما زاد على الأربعة الأشهر والعشر فبقى حكم هذه العدة الثانية على ما كان عليه من ترك الخروج إذ لم يرد لها نسخ وإنما النسخ فيما زاد وقد وردت السنة بمثل ما دل عليه الكتاب حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن سلمة القعنبي عن مالك عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبى سعيد الخدري أخبرتها أنها جاءت إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بنى خدرة فإن زوجها قتله عبد له فسألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن أرجع إلى أهلى فإنه لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة قالت فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نعم قالت فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني فقال كيف قلت فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي قالت فقال امكثى في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله قالت فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا قالت فلما كان عثمان أرسل إلى وسألنى عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به وقد روى عن ابن عباس خلاف ذلك حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن محمد المروزى قال حدثنا موسى بن مسعود قال حدثنا شبل عن ابن أبى نجيح قال قال عطاء قال ابن عباس نسخت هذه الآية عدتها عند أهله فتعتد حيث شاءت وهو قول الله عز وجل( غَيْرَ إِخْراجٍ ) قال عطاء إن شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت في منزلها وإن شاءت خرجت لقول الله تعالى( فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ ) قال عطاء ثم جاء الميراث فنسخ السكنى فتعتد حيث شاءت قال أبو بكر ليس في إيجاب الميراث ما يوجب نسخ الكون في المنزل وقد يجوز اجتماعهما فليس في ثبوت أحدهما نفى الآخر وقد ثبت ذلك أيضا بسنة الرسول صلّى الله عليه وسلّم بعد نسخ الحول وإيجاب الميراث لأن عدة الفريعة كانت أربعة أشهر وعشرا وقد نهاها النبي صلّى الله عليه وسلّم عن النقلة وما روينا من قصة الفريعة قد دل على معنيين أحدهما لزوم السكون في المنزل الذي كانت تسكنه يوم الوفاة والنهى عن النقلة والثاني جواز الخروج إذ لم ينكر النبي صلّى الله عليه وسلّم الخروج ولو كان الخروج محظورا لنهاها عنه وقد روى مثل ذلك عن جماعة من السلف منهم عبد الله بن مسعود وعمر وزيد بن ثابت وأم سلمة وعثمان أنهم قالوا المتوفى عنها زوجها تخرج بالنهار ولا تبيت عن بيتها وروى عبد الرزاق عن ابن كثير عن مجاهد قال استشهد رجال يوم أحد فآمنت نساؤهم وكن متجاورات في دار
فأتين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلن نبيت عند إحدانا فقال تزاورن بالنهار فإذا كان الليل فلتأو كل واحدة منكن إلى بيتها وروى عن جماعة من السلف أن المتوفى عنها زوجها تعتد حيث شاءت منهم على وابن عباس وجابر بن عبد الله وعائشة وما قدمنا من دليل الكتاب والسنة يوجب صحة القول الأول فإن قيل قال الله تعالى( مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ) فهذا يدل على أن لها أن تنتقل قيل له المعنى فإذا خرجن بعد انقضاء العدة كما قال في الآية الأخرى( فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَ ) ويدل على أن المراد ما ذكرنا أنها لو خرجت قبل انقضاء العدة لم يكن لها أن تتزوج بالاتفاق فدل ذلك على أن المراد فإذا خرجن بعد انقضاء العدة وإذا كان ذلك على ما وصفنا كان حظر الانتقال باقيا على المتوفى عنها زوجها* وإنما قالوا إن المطلقة لا تخرج ليلا ولا نهارا لقوله تعالى( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ ) وذلك عموم في جميعهن وحظر عن خروجهن في سائر الأوقات وخالفت المتوفى عنها زوجها فهي مستغنية عن الخروج والله أعلم.
باب ذكر إحداد المتوفى عنها زوجها
روى عن جماعة من الصحابة أن عليها اجتناب الزينة والطيب منهم عائشة وأم سلمة وابن عمر وغيرهم ومن التابعين سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وحكاه عن فقهاء المدينة وهو قول أصحابنا وسائر فقهاء الأمصار لا خلاف بينهم فيه* وروى ذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله بن أبى بكر عن حميد بن نافع عن زينت بنت أبى سلمة أنها أخبرته بهذه الأحاديث قالت زينب دخلت على أم حبيبة حين توفى أبوها أبو سفيان فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت والله مالي بالطيب من حاجة غير أنى سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليالي إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا قالت زينب ودخلت على زينب بنت جحش حين توفى أخوها فدعت بطيب فمست منه ثم قالت والله مالي بالطيب من حاجة غير أنى سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول وهو على المنبر (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا قالت زينب وسمعت أمى أم سلمة تقول
جاءت امرأة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت يا رسول الله إن ابنتي توفى عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لامرأتين أو ثلاثا كل ذلك يقول لا ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إنما هي أربعة أشهر وعشرا وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمى بالبعرة على رأس الحول قال حميد فقلت لزينب وما ترمى بالبعرة على رأس الحول فقالت زينب كانت المرأة إذا توفى عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات ثم تخرج فتعطى بعرة فترمى بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره فحظر عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الاكتحال في العدة وأخبر بالعدة التي كانت تعتد إحداهن وما تجتنبه من الزينة والطيب ثم قال إنما هي أربعة أشهر وعشرا فدل بذلك على أن هذه العدة محتدا بها العدة التي كانت سنة في اجتناب الطيب والزينة وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا زهير قال حدثنا يحيى بن أبى بكير قال حدثنا إبراهيم بن طهمان قال حدثني بديل عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة عن أم سلمة زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال (المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلية ولا تختضب ولا تكتحل) وروى أم سلمة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل وروت أم سلمة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لها وهي معتدة من زوجها (لا تمتشطى بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب) قوله عز وجل( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ ) الآية قد تضمنت هذه الآية أربعة أحكام أحدها الحول وقد نسخ منه ما زاد على أربعة أشهر وعشرا والثاني نفقتها وسكناها في مال الزوج فقد نسخ بالميراث على ما روى عن ابن عباس وغيره لأن الله تعالى أوجبها لها على وجه الوصية لأزواجهم كما كانت الوصية واجبة للوالدين والأقربين فنسخت بالميراث وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لا وصية لوارث ومنها الإحداد الذي دلت عليه الدلالة من الآية فحكمه باق بسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومنها انتقالها عن بيت زوجها فحكمه باق في حظره فنسخ من الآية حكمان وبقي حكمان ولا نعلم آية اشتملت على أربعة أحكام فنسخ منها اثنان وبقي اثنان غيرها ويحتمل أن يكون قوله تعالى( غَيْرَ إِخْراجٍ ) منسوخا لأن المراد به السكنى الواجبة في مال الزوج فقد نسخ كونها في مال الزوج فصار حظر
الإخراج منسوخا إلا أن قوله تعالى( غَيْرَ إِخْراجٍ ) قد تضمن معنيين أحدهما وجوب السكنى في مال الزوج والثاني حظر الخروج والإخراج لأنهم إذا كانوا ممنوعين من إخراجها فهي لا محالة مأمورة باللبس فإذا نسخ وجوب السكنى في مال الزوج بقي حكم لزوم اللبث في البيت وقد اختلف أهل العلم في نفقة المتوفى عنها زوجها فقال ابن عباس وجابر بن عبد الله نفقتها على نفسها حاملا كانت أو غير حامل وهو قول الحسن وسعيد ابن المسيب وعطاء وقبيصة بن ذؤيب وروى الشعبي عن على وعبد الله قالا إذا مات عنها زوجها فنفقتها من جميع المال وروى الحكم عن إبراهيم قال كان أصحاب عبد الله يقضون في الحامل المتوفى عنها زوجها إن كان المال كثيرا فنفقتها من نصيب ولدها وإن كان قليلا فمن جميع المال وروى الزهري عن سالم عن ابن عمر قال ينفق عليها من جميع المال وقال أصحابنا جميعا لا نفقة لها ولا سكنى في مال الميت حاملا كانت او غير حامل وقال ابن أبى ليلى هي في مال الزوج بمنزلة الدين على الميت إذا كانت حاملا وقال مالك بن أنس نفقتها على نفسها وإن كانت حاملا ولها السكنى إن كانت الدار للزوج وإن كان عليه دين فالمرأة أحق بسكناها حتى تنقضي عدتها وإن كانت في بيت بكراء فأخرجوها لم يكن لها سكنى في مال الزوج هذا رواية ابن وهب عنه وقال ابن القاسم عنه لا نفقة لها في مال الميت ولها السكنى إن كانت الدار للميت وإن كان عليه دين فهي أحق بالسكنى من الغرماء وتباع للغرماء ويشترط السكنى على المشترى وقال الثوري إن كانت حاملا أنفق عليها من جميع المال حتى تضع فإذا وضعت أنفق على الصبى من نصيبه هذه رواية الأشجعى عنه وروى عنه المعافى أن نفقتها من حصتها وقال الأوزاعى في المرأة يموت زوجها وهي حامل فلا نفقة لها وإن كانت أم ولد فلها النفقة من جميع المال حتى تضع وقال الليث بن سعد في أم الولد إذا كانت حاملا منه فإنه ينفق عليها من المال فإن ولدت كان ذلك في حظ ولدها وإن لم تلد كان ذلك دينا يتبع به وقال الحسن بن صالح للمتوفى عنها زوجها النفقة من جميع المال وقال الشافعى في المتوفى عنها زوجها قولين أحدهما لها النفقة والسكنى والآخر لا نفقة لها ولا سكنى* قال أبو بكر لا تخلو نفقة الحامل من أحد ثلاثة أوجه إما أن تكون واجبة على حسب وجوبها بديا حين كانت عدتها حولا في قوله تعالى( وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ ) أو أن تكون واجبة على حسب وجوبها للمطلقة المبتوتة أو تجب للحامل
دون غيرها لأجل الحمل والوجه الأول باطل لأنها كانت واجبة على وجه الوصية والوصية للوارث منسوخة والوجه الثاني لا يصح أيضا من قبل أن النفقة لم تكن واجبة في حال الحياة وإنما تجب حالا فحالا على حسب مضى الأوقات وتسليم نفسها في بيت الزوج ولا يجوز إيجابها بعد الموت من وجهين أحدهما أن سبيلها أن يحكم بها الحاكم على الزوج ويثبتها في ذمته وتؤخذ من ماله وليس للزوج ذمة فتثبت فيها فلم يجز أخذها من ماله إذا لم تثبت عليه والثاني أن ذلك الميراث قد انتقل إلى الورثة بالموت إذا لم يكن هناك دين عند الموت فغير جائز إثباتها في مال الورثة ولا في مال الزوج فتؤخذ منه وإن كانت حاملا لم يخل إيجاب النفقة لها في مال الزوج من أحد وجهين إما أن يكون وجوبها متعلقا بكونها في العدة أو لأجل الحمل وقد بينا أن إيجابها لأجل العدة غير جائز ولا يجوز إيجابها لأجل الحمل لأن الحمل نفسه لا يستحق نفقة على الورثة إذ هو موسر مثلهم بميراثه ولو ولدته لم تجب نفقته على الورثة فكيف تجب له في حال الحمل فلم يبق وجه يستحق به النفقة والله أعلم.
باب التعريض بالخطبة في العدة
قال الله تعالى( وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ) الآية وقد قيل في الخطبة أنها الذكر الذي يستدعى به إلى عقدة النكاح والخطبة بالضم الموعظة المتسقة على ضروب من التأليف وقد قيل أيضا إن الخطبة ما له أول وآخر كالرسالة والخطبة للحال نحو الجلسة والقعدة وقيل في التعريض أنه ما تضمن الكلام من الدلالة على شيء من غير ذكر له كقول القائل ما أنا بزان يعرض بغيره أنه زان ولذلك رأى عمر فيه الحد وجعله كالتصريح والكناية العدول عن صريح اسمه إلى ذكر يدل عليه كقوله تعالى( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) يعنى القرآن فالهاء كناية عنه وقال ابن عباس التعريض بالخطبة أن يقول لها إنى أريد أن أتزوج امرأة من أمرها وأمرها يعرض لها بالقول وقال الحسن هو أن يقول لها إنى بك لمعجب وإنى فيك لراغب ولا تفوتينا نفسك وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لفاطمة بنت قيس وهي في العدة لا تفوتينا نفسك ثم خطبها بعد انقضاء العدة على أسامة بن زيد وقال عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال هو أن يقول لها وهي في العدة إنك لكريمة وإنى فيك لراغب وإن الله لسائق إليك خيرا أو نحو هذا من القول
وقال عطاء هو أن يقول إنك لجميلة وإنى فيك لراغب وإن قضى الله شيئا كان فكان التعريض أن يتكلم بكلام يدل فحواه على رغبته فيها ولا يخطبها بصريح القول قال سعيد ابن جبير في قوله تعالى( إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً ) أن يقول إنى فيك لراغب وإنى لأرجو أن نجتمع وقوله تعالى( أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ) يعنى أضمرتموه من التزويج بعد انقضاء عدتها فأباح التعريض بالخطبة وإضمار نكاحها من غير إفصاح به وذكر إسماعيل ابن إسحاق عن بعض الناس أنه احتج في نفى الحد في التعريض بالقذف بأن الله تعالى لم يجعل التعريض في هذا الموضع بمنزلة التصريح كذلك لا يجعل التعريض بالقذف كالتصريح* قال إسماعيل فاحتج بما هو حجة عليه إذ التعريض بالنكاح قد فهم به مراد* القائل فإذا فهم به مراده وهو القذف حكم عليه بحكم القاذف* قال وإنما يزيل الحد عن* المعرض بالقذف من يزيله لأنه لم يعلم بتعريضه أنه أراد القذف إذ كان محتملا لغيره* قال وينبغي على قوله هذا أن يزعم أن التعريض بالقذف جائز مباح كما أبيح التعريض* بالخطبة بالنكاح* قال وإنما اختير التعريض بالنكاح دون التصريح لأن النكاح لا يكون إلا منهما ويقتضى خطبته جوابا منها ولا يقتضى التعريض جوابا في الأغلب فلذلك افترقا قال أبو بكر الكلام الأول الذي حكاه عن خصمه في الدلالة به على نفى الحد بالتعريض صحيح ونقضه ظاهر الاختلال واضح الفساد ووجه الاستدلال به على نفى الحد بالتعريض أنه لما حظر عليه المخاطبة بعقد النكاح صريحا وأبيح له التعريض به اختلف حكم التعريض والتصريح في ذلك على أن التعريض بالقذف مخالف لحكم التصريح وغير جائز التسوية بينهما كما خالف الله بين حكمهما في خطبة النكاح وذلك لأنه معلوم أن الحدود مما يسقط بالشبهة فهي في حكم السقوط والنفي آكد من النكاح فإذا لم يكن التعريض في النكاح كالتصريح وهو آكد في باب الثبوت من الحد كان الحد أولى أن لا يثبت بالتعريض من حيث دل على أنه لو خطبها بعد انقضاء العدة بالتعريض لم يقع بينهما عقد النكاح فكان تعريضه بالعقد مخالفا للتصريح فالحد أولى أن لا يثبت بالتعريض وكذلك لم يختلفوا أن الإقرار في العقود كلها لا يثبت بالتعريض ويثبت بالتصريح لأن الله فرق بينهما في النكاح فكان الحد أولى أن لا يثبت به وهذه الدلالة واضحة على الفرق بينهما في سائر ما يتعلق حكمه بالقول وهي كافية مغنية في جهة الدلالة على ما وصفنا وإن أردنا رده إليه من جهة القياس
«9 ـ أحكام في»
لعلة تجمعهما كان سائغا وذلك أن النكاح حكمه متعلق بالقول كالقذف فلما اختلف حكم التصريح والتعريض بالخطبة بهذا المعنى ثبت حكمه بالتعريض وإن كان حكمه ثابتا بالإفصاح والتصريح كما حكم الله به في النكاح* وأما قوله إن التعريض بالقذف ينبغي أن يكون بمنزلة التصريح لأنه قد عرف مراده كما عرف بالتصريح فإنى أظنه نسى عند هذا القول حكم الله تعالى في الفصل بين التعريض والتصريح بالخطبة إذ كان المراد مفهوما مع الفرق بينهما لأنه إن كان الحكم متعلقا بمفهوم المراد فلذلك بعينه موجود في الخطبة فينبغي أن يستوي حكمهما فيها فإذا كان نص التنزيل قد فرق بينهما فقد انتقض هذا الإلزام وصح الاستدلال به على ما وصفنا وأما قوله إن من أزال الحد عن المعرض بالقذف فإنما أزاله لأنه لم يعلم بتعريضه أنه أراد القذف لاحتمال كلامه لغيره فإنها وكالة لم تثبت عن الخصم وقضاء على غائب بغير بينة وذلك لأن أحدا لا يقول بأن حد القذف متعلق بإرادته وإنما يتعلق عند خصومه بالإفصاح به دون غيره فالذي يحيل به خصمه من أنه أزال الحد لأنه لم يعلم مراده لا يقبلونه ولا يعتمدونه* وأما إلزامه خصمه أن يبيح التعريض بالقذف كما يبيح التعريض بالنكاح فإنه كلام رجل غير مثبت فيما يقوله ولا ناظر في عاقبة ما يئول إليه حكم إلزامه له فنقول إن خصمه الذي احتج به لم يجعل ما ذكره علة للإباحة حتى يلزم عليه إباحة التعريض بالقذف وإنما استدل بالآية على إيجاب الفرق بين التعريض والتصريح فأما الحظر موقوفان على دلالتهما من غير هذا الوجه* وأما قوله إنما حيز التعريض بالنكاح دون التصريح لأن النكاح لا يكون إلا منهما ويقتضى خطبته جوابا منها ولا يقتضى التعريض جوابا في الأغلب فإنه كلام فارغ لا معنى تحته وهو مع ذلك منتقض وذلك التعريض بالنكاح والتصريح به لا يقتضى واحد منهما جوابا لأن النهى إنما انصرف إلى خطبتها لوقت مستقبل بعد انقضاء العدة بقوله تعالى( وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً ) وذلك لا يقتضى الجواب كما لا يقتضى التعريض ولم يجز الخطاب عن النهى عن العقد المقتضى للجواب حتى يفرق بينهما بما ذكر فقد بان بذلك أنه لا فرق بين التعريض والتصريح في نفى اقتضاء الجواب وهذا الموضع هو الذي فرقت الآية فيه بين الأمرين فأما العقد المقتضى للجواب فإنما هو منهى عنه بقوله تعالى( وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ ) وإن كان نهيه عن العقد نفسه فقد
اقتضاه نهيه عن الإفصاح بالخطبة من جهة الدلالة كدلالة قوله تعالى( فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ ) على حظر الشتم والضرب* وأما وجه انتقاضه فإنه لا خلاف أن العقود المقتضية للجواب لا تصح بالتعريض وكذلك الإقرارات لا تصح بالتعريض وإن لم تقتض جوابا من المقر له فلم يختلف حكم ما يقتضى من ذلك جوابا وما لا يقتضيه فعلمت أن اختلافهما من هذا الوجه لا يوجب الفرق بينهما* وأما قوله تعالى( وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا ) فإنه مختلف في المراد به فقال ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي ومجاهد مواعدة السر أن يأخذ عليها عهدا أو ميثاقا أن تحبس نفسها عليه ولا تنكح زوجا غيره وقال الحسن وإبراهيم وأبو مجلز ومحمد وجابر بن زيد( لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا ) الزنا وقال زيد بن أسلم( لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا ) لا تنكح المرأة في عدتها ثم تقول سأسره ولا يعلم به أو يدخل عليها فيقول لا يعلم بدخولي حتى تنقضي العدة* قال أبو بكر اللفظ محتمل لهذه المعاني كلها لأن الزنا قد يسمى سرا قال الحطيئة :
ويحرم سر جارتهم عليهم |
ويأكل جارهم أنف القصاع |
وأراد بالسر الزنا وصفهم بالعفة عن نساء جيرانهم وقال رؤبة يصف حمار الوحش وأتانه لما كف عنها حين حملت :
قد أحضنت مثل دعاميص الرنق |
أجنة في مستكنات الحلق |
فعف عن أسرارها بعد العسق
يعنى بعد للزوق يقال عسق به إذا لزق به وأراد بالسر هاهنا الغشيان وعقد النكاح نفسه يسمى سرا كما يسمى به الوطء ألا ترى أن الوطء والعقد كل واحد منهما يسمى نكاحا ولذلك ساغ تأويل الآية على الوطء وعلى العقد وعلى التصريح بالخطبة لما بعد انقضاء العدة* وأظهر الوجوه وأولاها بمراد الآية مع احتمالها لسائر ما ذكرنا ما روى عن ابن عباس ومن تابعه وهو التصريح بالخطبة وأخذ العهد عليها أن تحبس نفسه عليه ليتزوجها بعد انقضاء العدة لأن التعريض المباح إنما هو في عقد يكون بعد انقضاء العدة وكذلك التصريح واجب أن يكون حظره من هذا الوجه بعينه ومن جهة أخرى أن ذلك معنى لم نستفده إلا بالآية فهو لا محالة مراد بها وأما حظر إيقاع العقد في العدة فمذكور باسمه في نسق التلاوة بقوله تعالى( وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ ) فإذا كان ذلك
مذكورا في نسق الخطاب بصريح اللفظ دون التعريض وبالإفصاح دون الكناية فإنه يبعد أن يكون مراده بالكناية المذكورة بقوله( سِرًّا ) هو والذي قد أفصح به في المخاطبة وكذلك تأويل من تأوله على الزنا فيه بعد لأن المواعدة بالزنا محظورة في العدة وغيرها إذ كان تحريم الله الزنا تحريما مبهما مطلقا غير مقيد بشرط ولا مخصوص بوقت فيؤدى ذلك إلى إبطال فائدة تخصيصه حظر المواعدة بالزنا بكونها في العدة وليس يمتنع أن يكون الجميع مرادا لاحتمال اللفظ له بعد أن لا يخرج منه تأويل ابن عباس الذي ذكرناه* وقوله تعالى( عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَ ) يعنى إن الله علم أنكم ستذكرونهن بالتزويج لرغبتكم فيهن ولخوفكم أن يسبقكم إليهن غيركم وأباح لهم التوصل إلى المراد من ذلك بالتعريض دون الإفصاح وهذا يدل على ما اعتبره أصحابنا في جواز التوصل إلى استباحة الأشياء من الوجوه المباحة وإن كانت محظورة من وجوه أخر ونحوه ما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم حين أتاه بلال بتمر جيد فقال أكل تمر خيبر هكذا فقال لا إنما نأخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لا تفعلوا ولكن بيعوا تمركم بعرض ثم اشتروا به هذا التمر فأرشدهم إلى التوصل إلى أخذ التمر الجيد ولهذا الباب موضع غير هذا سنذكره إن شاء الله* وقوله تعالى( عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَ ) كقوله تعالى( عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ ) وأباح لهم الأكل والجماع في ليالي رمضان علمنا أنه لو لم يبح لهم لكان فيهم من يواقع المحظور عنه فخفف عنهم رحمة منه بهم وكذلك قوله تعالى( عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَ ) هو على هذا المعنى قوله عز وجل( وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ ) قيل فيه أن أصل العقدة في اللغة هو الشد تقول عقدت الحبل وعقدت العقد تشبيها له بعقد الحبل في التوثق وقوله تعالى( وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ ) معناه ولا تعقدوه ولا تعزموا عليه أن تعقدوه في العدة وليس المعنى أن لا تعزموا بالضمير على إيقاع العقد بعد انقضاء العدة لأنه قد أباح إضمار عقد بعد انقضاء العدة بقوله( وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ) والإكنان في النفس هو الإضمار فيها فعلمنا أن المراد بقوله تعالى( وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ ) إنما تضمن النهى عن إيقاع العقد في العدة وعن العزيمة عليه فيها وقوله تعالى( حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ ) يعنى به انقضاء العدة وذلك في مفهوم الخطاب غير محتاج إلى بيان ألا ترى أن فريعة بنت مالك حين سألت النبي صلّى الله عليه وسلّم أجابها
بأن قال لا حتى يبلغ الكتاب أجله فعقلت من مفهوم خطابه انقضاء العدة ولم يحتج إلى بيان من غيره ولا خلاف بين الفقهاء أن من عقد على امرأة نكاحا وهي في عدة من غيره أن النكاح فاسد* وقد اختلف السلف ومن بعدهم في حكم من تزوج امرأة في عدتها من غيره فروى ابن المبارك قال حدثنا أشعث عن الشعبي عن مسروق قال بلغ عمر أن امرأة من قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها فأرسل إليهما ففرق بينهما وعاقبهما وقال لا ينكحها أبدا وجعل الصداق في بيت المال وفشا ذلك بين الناس فبلغ عليا كرم الله وجهه فقال رحم الله أمير المؤمنين ما بال الصداق وبيت المال إنهما جهلا فينبغي للإمام أن يردهما إلى السنة قيل فما تقول أنت فيها قال لها الصداق بما استحل من فرجها ويفرق بينهما ولا جلد عليهما وتكمل عدتها من الأول ثم تكمل العدة من الآخر ثم يكون خاطبا فبلغ ذلك عمر فقال يا أيها الناس ردوا الجهالات إلى السنة وروى ابن أبى زائدة عن أشعث مثله وقال فيه فرجع عمر إلى قول على * قال أبو بكر قد اتفق على وعمر على قول واحد لما روى أن عمر رجع إلى قول على واختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر يفرق بينهما ولها مهر مثلها فإذا انقضت عدتها من الأول تزوجها الآخر إن شاء وهو قول الثوري والشافعى وقال مالك والأوزاعى والليث بن سعد لا تحل له أبدا قال مالك والليث ولا بملك اليمين* قال أبو بكر لا خلاف بين من ذكرنا قوله من الفقهاء أن رجلا لو زنى بامرأة جاز له أن يتزوجها والزنا أعظم من النكاح في العدة فإذا كان الزنا لا يحرمها عليه تحريما مؤبدا فالوطء بشبهة أحرى أن لا يحرمها عليه وكذلك من تزوج أمة على حرة أو جمع بين أختين ودخل بهما لم تحرم عليه تحريما مؤبدا فكذلك الوطء عن عقد كان في العدة لا يخلو من أن يكون وطأ بشبهة أو زنا وأيهما كان فالتحريم غير واقع به* فإن قيل قد يوجب الزنا والوطء بالشبهة تحريما مؤبدا عندكم كالذي يطأ أم امرأته أو ابنتها فتحرم عليه تحريما مؤبدا قيل له ليس هذا مما نحن فيه بسبيل لأن كلامنا إنما هو في وطء يوجب تحريم الموطوءة نفسها فأما وطء يوجب تحريم غيرها فإن ذلك حكم كل وطء عندنا زنا كان أو وطء بشبهة أو مباحا وأنت لم تجد في الأصول وطأ يوجب تحريم الموطوءة فكان قولك خارجا عن الأصول وعن أقاويل السلف أيضا لأن عمر قد رجع إلى قول على في هذه المسألة وأما ما روى عن عمر أنه جعل المهر في بيت المال
فإنه ذهب إلى أنه مهر حصل لها من وجه محظور فسبيله أن يتصدق به فلذلك جعله في بيت المال ثم رجع فيه إلى قول على رضى الله عنه ومذهب عمر في جعل مهرها لبيت المال إذ قد حصل لها ذلك من وجه محظور يشبه ما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في الشاة المأخوذة بغير إذن مالكها قدمت إليه مشوية فلم يكد يسيغها حين أراد الأكل منها فقال إن هذه تخبرني أنها أخذت بغير حق فأخبروه بذلك فقال أطعموها الأسارى ووجه ذلك عندنا إنما صارت لهم بضمان القيمة فأمرهم بالصدقة بها لأنها حصلت لهم من وجه محظور ولم يكونوا قد أدوا القيمة إلى أصحابها وقد روى عن سليمان بن يسار أن مهرها لبيت المال وقال سعيد بن المسيب وإبراهيم والزهري الصداق لها على ما روى عن على وفي اتفاق عمر وعلى على أن لاحد عليهما دلالة على أن النكاح في العدة لا يوجب الحد مع العلم بالتحريم لأن المرأة كانت عالمة بكونها في العدة ولذلك جلدها عمر وجعل مهرها في بيت المال وما خالفهما في ذلك أحد من الصحابة فصار ذلك أصلا في أن كل وطء عن عقد فاسد أنه لا يوجب الحد سواء كانا عالمين بالتحريم أو غير عالمين به وهذا يشهد لأبى حنيفة فيمن وطئ ذات محرم منه بنكاح أنه لا حد عليه* وقد اختلف الفقهاء في العدة إذا وجبت من رجلين فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك في رواية ابن القاسم عنه والثوري والأوزاعى إذا وجبت عليها العدة من رجلين فإن عدة واحدة تكون لهما جميعا سواء كانت العدة بالحمل أو بالحيض أو بالشهور وهو قول إبراهيم النخعي وقال الحسن بن صالح والليث والشافعى تعتد لكل واحد عدة مستقبلة والذي يدل على صحة القول الأول قوله تعالى( وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) يقتضى كون عدتها ثلاثة قروء إذا طلقها زوجها ووطئها رجل بشبهة لأنها مطلقة قد وجبت عليها عدة ولو أوجبنا عليها أكثر من ثلاثة قروء كنا زائدين في الآية ما ليس فيها إذ لم تفرق بين من وطئت بشبهة من المطلقات وبين غيرها ويدل عليه أيضا قوله تعالى( وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ) ولم يفرق بين مطلقة قد وطئها أجنبى بشبهة وبين من لم توطأ فاقتضى ذلك أن تكون عدتها ثلاثة أشهر في الوجهين جميعا ويدل عليه أيضا قوله تعالى( وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ ) ولم يفرق بين من عليها عدة من رجل أو رجلين ويدل عليه أيضا قوله تعالى( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ
مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ ) لأن العدة إنما هي بمضى الأوقات والأهلة والشهور وقد جعلها الله وقتا لجميع الناس فوجب أن تكون الشهور والأهلة وقتا لكل واحد منهما لعموم الآية ويدل عليه اتفاق الجميع على أن الأول لا يجوز له عقد النكاح عليها قبل انقضاء عدتها منه فعلمنا أنها في عدة من الثاني لأن العدة منه لا تمنع من تزويجها* فإن قيل منع من ذلك* لأن العدة منه نتلوها عدة من غيرها* قيل له فقد يجوز أن يتزوجها ثم يموت هو قبل بلوغها مواضع الاعتداد من الثاني فلا تلزمها عدة من الثاني فلو لم تكن في هذه الحال معتدة منه لما منع العقد عليها لأن عدة تجب في المستقبل لا ترفع عقدا ماضيا ويدل عليه أن الحيض إنما هو استبراء للرحم من الحبل فإذا طلقها الأول ووطئها الثاني بشبهة قبل أن تحيض ثم حاضت ثلاث حيض فقد حصل الاستبراء ويستحيل أن يكون استبراء من حمل الأول غير استبراء من حمل الثاني فوجب أن تنقضي به العدة منهما جميعا ويدل عليه أن من طلق امرأته وأبانها ثم وطئها في العدة بشبهة أن عليها عدتين عدة من الوطء وتعتد بما بقي من العدة الأولى من العدتين ولا فرق بين أن تكون العدة من رجلين أو رجل واحد* فإن قيل إن هذا حق واجب لرجل واحد والأول واجب لرجلين* قيل له لا فرق بين الرجل الواحد والرجلين لأن الحقين إذا وجبا لرجل واحد فواجب إيفاؤهما إياه جميعا كوجوبهما لرجلين في لزوم توفيتهما إياهما ألا ترى أنه لا فرق بين الرجلين والرجل الواحد في آجال الديون ومواقيت الحج والإجارات ومدد الإيلاء في أن مضى الوقت الواحد يصير كل واحد منهما مستوفيا لحقه فتكون الشهور التي لهذا هي بعينها للآخر وقد روى أبو الزناد عن سليمان بن يسار عن عمر في التي تزوجت في العدة أنه أمرها أن تعتد منهما وظاهر ذلك يقتضى أن تكون عدة واحدة منهما* فإن قيل روى الزهري عن سليمان بن يسار عن عمر أنه قال تعتد بقية عدتها من الأول ثم تعتد من الآخر* قيل له ليس فيه أنها تعتد من الآخر عدة مستقبلة فوجب أن يحمل معناه على بقية العدة ليوافق أبى الزناد والله أعلم.
باب متعة المطلقة
قال الله عز وجل( لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَ ) تقديره ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة ألا ترى أنه عطف
عليه قوله تعالى( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ ) فلو كان الأول بمعنى ما لم تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة أو لم تفرضوا لما عطف عليها المفروض لها فدل ذلك على أن معناه ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة وقد تكون أو بمعنى الواو قال الله تعالى( وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ) معناه ولا كفورا وقال تعالى( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ) والمعنى وجاء أحد منكم من الغائط وأنتم مرضى ومسافرون وقال تعالى( وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) معناه ويزيدون فهذا موجود في اللغة وهي النفي أظهر في دخولها عليه أنها بمعنى الواو منه ما قدمنا من قوله تعالى( وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ) معناه ولا كفورا لدخولها على النفي وقال تعالى( حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ) أو في هذه المواضع بمعنى الواو فوجب على هذا أن يكون قوله تعالى( لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ) لما دخلت على النفي أن تكون بمعنى الواو فيكون شرط وجوب المتعة المعنيين جميعا من عدم المسيس والتسمية جميعا بعد الطلاق وهذه الآية تدل على أن للرجل أن يطلق امرأته قبل الدخول بها في الحيض وأنها ليست كالمدخول بها لإطلاقه إباحة الطلاق من غير تفصيل منه بحال الطهر دون الحيض* وقد اختلف السلف وفقهاء الأمصار في وجوب المتعة فروى عن على أنه قال لكل مطلقة متعة وعن الزهري مثله وقال ابن عمر لكل مطلقة متعة إلا التي تطلق وقد فرض لها صداق ولم تمس فحسبها نصف ما فرض لها وروى عن القاسم بن محمد مثله وقال شريح وإبراهيم والحسن تخير التي تطلق قبل الدخول ولم يفرض على المتعة وقال شريح وقد سألوه في متاع فقال لا نأبى أن نكون من المتقين فقال إنى محتاج فقال لا نأبى أن نكون من المحسنين وقد روى عن الحسن وأبى العاليه لكل مطلقة متاع وسئل سعيد بن جبير عن المتعة على الناس كلهم فقال لا على المتقين وروى ابن أبى الزناد عن أبيه في كتاب البغية وكانوا لا يرون المتاع للمطلقة واجبا ولكنها تخصيص من الله وفضل وروى عطاء عن ابن عباس قال إذا فرض الرجل وطلق قبل أن يمس فليس لها إلا المتاع وقال محمد بن على المتعة التي لم يفرض لها والتي قد فرض لها ليس لها متعة وذكر محمد بن إسحاق عن نافع قال كان ابن عمر لا يرى للمطلقة متعة واجبة إلا للتي أنكحت بالعوض ثم يطلقها قبل أن
يدخل بها وروى معمر عن الزهري قال متعتان إحداهما يقضى بها السلطان والأخرى حق على المتقين من طلق قبل أن يفرض ولم يدخل أخذ المتعة لأنه لا صداق عليه ومن طلق بعد ما يدخل أو يفرض فالمتعة حق عليه وعن مجاهد نحو ذلك فهذا قول السلف فيها وأما فقهاء الأمصار فإن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدا وزفر قالوا المتعة واجبة للتي طلقها قبل الدخول ولم يسم لها مهرا وإن دخل بها فإنه يمتعها ولا يجبر عليها وهو قول الثوري والحسن بن صالح والأوزاعى إلا أن الأوزاعى زعم أن أحد الزوجين إذا كان مملوكا لم تجب المتعة وإن طلقها قبل الدخول ولم يسم لها مهرا وقال ابن أبى ليلى وأبو الزناد المتعة ليست واجبة إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا يجبر عليها ولم يفرقا بين المدخول بها وبين غير المدخول بها وبين من سمى لها وبين من لم يسم لها وقال مالك والليث لا يجبر أحد على المتعة سمى لها أو لم يسم لها دخل بها أو لم يدخل وإنما هي مما ينبغي أن يفعله ولا يجبر عليها قال مالك وليس للملاعنة متعة على حال من الحالات وقال الشافعى المتعة واجبة لكل مطلقة ولكل زوجة إذا كان الفراق من قبله أو يتم به إلا التي سمى لها وطلق قبل الدخول قال أبو بكر نبدأ بالكلام في إيجاب المتعة ثم نعقبه بالكلام على من أوجبها لكل مطلقة والدليل على وجوبها قوله تعالى( لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ) وقال تعالى في آية أخرى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً ) وقال في آية أخرى( وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) فقد حوت هذه الآيات الدلالة على وجوب المتعة من وجوه أحدها قوله تعالى( فَمَتِّعُوهُنَ ) لأنه أمر والأمر يقتضى الوجوب حتى تقوم الدلالة على الندب* والثاني قوله تعالى( مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ) وليس في ألفاظ الإيجاب آكد من قوله حقا عليه والثالث قوله تعالى( حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ) تأكيد لإيجابه إذ جعلها من شرط الإحسان وعلى كل أحد أن يكون من المحسنين وكذلك قوله تعالى( حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) قد دل قوله حقا عليه على الوجوب وقوله تعالى( حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) تأكيدا لإيجابها وكذلك قوله تعالى( فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً ) قد دل على الوجوب من حيث هو أمر وقوله تعالى( وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ
بِالْمَعْرُوفِ ) يقتضى الوجوب أيضا لأنه جعلها لهم وما كان للإنسان فهو ملكه له المطالبة به كقولك هذه الدار لزيد* فإن قيل لما خص المتقين والمحسنين بالذكر في إيجاب المتعة عليهم دل على أنها غير واجبة وأنها ندب لأن الواجبات لا يختلف فيها المتقون والمحسنون وغيرهم* قيل له إنما ذكر المتقين والمحسنين تأكيدا لوجوبها وليس تخصيصهم بالذكر نفيا على غيرهم كما قال تعالى( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ) وهو هدى للناس كافة وقوله تعالى( شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ ) فلم يكن قوله تعالى( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ) موجبا لأن لا يكون هدى لغيرهم كذلك قوله تعالى( حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) و( حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ) غير ناف أن يكون حقا على غيرهم وأيضا فإنا نوجبها على المتقين والمحسنين بالآية ونوجبها على غيرهم بقوله تعالى( فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً ) وذلك عام في الجميع بالاتفاق لأن كل من أوجبها من فقهاء الأمصار على المحسنين والمتقين أوجبها على غيرهم ويلزم هذا السائل أن لا يجعلها ندبا أيضا لأن ما كان ندبا لا يختلف فيه المتقون وغيرهم فإذا جاز تخصيص المتقين والمحسنين بالذكر في المندوب إليه من المتعة وهم وغيرهم فيه سواء فكذلك جائز تخصيص المحسنين والمتقين بالذكر في الإيجاب ويكونون هم وغيرهم فيه سواء* فإن قيل لما لم يخصص المتقين والمحسنين في سائر الديون من الصداق وسائر عقود المداينات عند إيجابهم عليهم وخصهم بذلك عند ذكر المتعة دل على أنها ليست بواجبة قيل له إذا كان لفظ الإيجاب موجودا في الجميع فالواجب علينا الحكم بمقتضى اللفظ ثم تخصيصه بعض من أوجب عليه الحق بذكر التقوى والإحسان إنما هو على وجه التأكيد ووجوه التأكيد مختلفة فمنها ما يكون ذكر بتقييد التقوى والإحسان ومنها ما يكون بتخصيص لفظ الأداء نحو قوله تعالى( وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ) وقوله تعالى( فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ ) ومنها ما يكون بالأمر بالإشهاد عليه والرهن به فكيف يستدل بلفظ التأكيد على نفى الإيجاب وأيضا فإنا وجدنا عقد النكاح لا يخلو من إيجاب البدل إن كان مسمى فالمسمى وإن لم يكن فيه تسمية فمهر المثل ثم كانت حاله إذا كان فيه تسمية أن البضع لا يخلو من استحقاق البدل له مع ورود الطلاق قبل الدخول وفارق النكاح بهذا المعنى سائر العقود لأن عود المبيع إلى ملك البائع يوجب سقوط الثمن كله وسقوط حق الزوج عن بضعها بالطلاق قبل الدخول لا يخرجه من استحقاق بدل ما هو نصف المسمى فوجب
أن يكون ذلك حكمه إذا لم تكن فيه تسمية والمعنى الجامع بينها ورود الطلاق قبل الدخول وأيضا فإن مهر المثل مستحق بالعقد والمتعة هي بعض مهر المثل فتجب كما يجب نصف المسمى إذا طلق قبل الدخول فإن قيل مهر المثل دراهم ودنانير والمتعة إنما هي أثواب قيل له المتعة أيضا عندنا دراهم ودنانير لو أعطاها لم يجبر على غيرها وهذا الذي ذكرناه من أنها بعض مهر المثل يسوغ على مذهب محمد لأنه يقول إذا رهنها بمهر المثل رهنا ثم طلقها قبل الدخول كان رهنا بالمتعة محبوسا بها إن هلك هلك بها وأبو يوسف فإنه لا يجعله رهنا بالمتعة فإن هلك هلك بغير شيء والمتعة واجبة باقية عليه فهذا يدل على أنه لم يرها بعض مهر المثل ولكنه أوجبها بمقتضى ظاهر القرآن وبالاستدلال وبالأصول على أن البضع لا يخلو من بدل مع ورود الطلاق قبل الدخول وأنه لا فرق بين وجود التسمية في العقد وبين عدمها إذ غير جائز حصول ملك البضع له بغير بدل فوجوب مهر المثل بالعقد عند عدم التسمية كوجوب المسمى فيه فوجب أن يستوي فيه حكمهما في وجوب بدل البضع عند ورود الطلاق قبل الدخول وأن تكون المتعة قائم مقام بعض مهر المثل وإن لم تكن بعضه كما تقوم القيم مقام المستهلكات وقد قال إبراهيم في المطلقة قبل الدخول وقد سمى لها أن لها نصف الصداق هو متعتها فكانت المتعة اسما لما يستحق بعد الطلاق قبل الدخول ويكون بدلا من البضع فإن قيل إذا قامت مقام بعض مهر المثل فهو عوض من المهر والمهر لا يجب له عوض قبل الطلاق فكذلك بعده* قيل له لم نقل إنه لم بدل منه وإن قام مقامه كما لا نقول أن قيم المستهلكات أبدال لها بل كأنها هي حين قامت مقامها ألا ترى أن المشترى لا يجوز له أخذ بدل المبيع قبل القبض ببيع ولا غيره ولو كان استهلكه مستهلك كان له أخذ القيمة منه لأنها تقوم مقامه كأنها هو لا على معنى العوض فكذلك المتعة تقوم مقام بعض مهر المثل بدلا من البضع كما يجب نصف المسمى بدلا من البضع مع الطلاق* فإن قيل لو كانت المتعة تقوم مقام بعض مهر المثل بدلا من البضع لوجب اعتبارها بالمرأة كما يعتبر مهر المثل بحالها دون حال الزوج فلما أوجب الله تعالى اعتبار المتعة بحال الرجل في قوله تعالى( وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ) دل على أنها ليست بدلا من البضع وإذا لم تكن بدلا من البضع لم يجز أن تكون بدلا من الطلاق لأن البضع يحصل لها بالطلاق فلا يجوز أن تستحق بدل ما يحصل لها وهذا يدل على أنها
ليست بدلا عن شيء وإذا كان كذلك علمنا أنها ليست بواجبة قيل له أما قولك في اعتبار حاله دون حالها فليس كذلك عندنا وأصحابنا المتأخرون مختلفون فيه فكان شيخنا أبو الحسن رحمه الله يقول يعتبر فيها حال المرأة أيضا وليس فيه خلاف الآية لأنا نستعمل حكم الآية مع ذلك في اعتبار حال الزوج ومنهم من يقول يعتبر حاله دون حالها ومن قال بهذا يلزمه سؤال هذا السائل أيضا لأنه يقول إن مهر المثل إنما وجب اعتباره بها في الحال التي يحصل البضع للزوج إما بالدخول وإما بالموت القائم مقام الدخول في استحقاق كمال المهر فكان بمنزلة قيم المتلفات في اعتبارها بأنفسها وأما المتعة فإنها لا تجب عندنا إلا في حال سقوط حقه من بضعها لسبب من قبله قبل الدخول أو ما يقوم مقامه فلم يجب اعتبار حال المرأة إذ البضع غير حاصل للزوج بل حصل لها بسبب من قبله من غير ثبوت حكم الدخول فلذلك اعتبر حاله دونها وأيضا لو سلمنا لك أنها ليست بدلا عن شيء لم يمنع ذلك وجوبها لأن النفقة ليست بدلا عن شيء بدلالة أن بدل البضع هو المهر وقد ملكه بعقد النكاح والدخول والاستمتاع إنما هو تصرف في ملكه وتصرف الإنسان في ملكه لا يوجب عليه بدلا ولم يمنع ذلك وجوبها ولذلك تلزمه نفقة أبيه وابنه الصغير بنص الكتاب والإنفاق ليس بدلا عن شيء ولم يمنع ذلك وجوبها والزكوات والكفارات ليست بدلا عن شيء وهن واجبات فالمستدل بكونها غير بدل عن شيء على نفى إيجابها مغفل وأيضا فاعتبارها بالرجل وبالمرأة إنما هو كلام في تقديرها والكلام في التقدير ليس يتعلق بالإيجاب ولا بنفيه وأيضا لو لم تكن واجبة لم تكن مقدرة بحال الرجل فلما قال تعالى( عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ) دل على الوجوب إذ ما ليس بواجب غير معتبر بحال الرجل إذ له أن يفعل ما شاء منه في حال اليسار والإعسار فلما قدرها بحال الرجل ولم يطلقها فيخير الرجل فيها دل على وجوبها وهذا يصلح أن يكون ابتداء دليل في المسألة وقال هذا القائل أيضا لما قال تعالى( عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ) اقتضى ذلك أن لا تلزم المقتر الذي لا يملك شيئا وإذا لم تلزمه لم تلزم الموسر ومن ألزمها المقتر فقد خرج من ظاهر الكتاب لأن من لا مال له لم تقتض الآية إيجابها عليه إذ لا مال له فيعتبر قدره فغير جائز أن نجعلها دينا عليه وأن لا يكون مخاطبا بها* قال أبو بكر هذا الذي ذكره هذا القائل إغفال منه لمعنى الآية لأن الله تعالى لم يقل على الموسع على قد ماله
وعلى المقتر على قدر ماله وإنما قال تعالى( عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ) وللمقتر قدر يعتبر به وهو ثبوته في ذمته حتى يجد فيسلمه كما قال الله تعالى( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) فأوجبها عليه بالمعروف ولو كان معسرا لا يقدر على شيء لم يخرج عن حكم الآية لأن له ذمة تثبت فيها النفقة بالمعروف حتى إذا وجدها أعطاها كذلك المقتر في حكم المتعة وكسائر الحقوق التي تثبت في الذمة وتكون الذمة كالأعيان ألا ترى أن شراء المعسر بمال في ذمته جائز وقامت الذمة مقام العين في باب ثبوت البدل فيها فكذلك ذمة الزوج المقتر ذمة صحيحة يصح إثبات المتعة فيها كما تثبت فيها النفقات وسائر الديون قال أبو بكر في هذه الآية دلالة على جواز النكاح بغير تسمية مهر لأن الله تعالى حكم بصحة الطلاق فيه مع عدم التسمية والطلاق لا يقع إلا في نكاح صحيح وقد تضمنت الدلالة على أن شرطه أن لا صداق لها لا يفسد النكاح لأنها لما لم يفرق بين من سكت عن التسمية وبين من شرط أن لا صداق فهي على الأمرين جميعا وزعم مالك أنه إذا شرط أن لا مهر لها فالنكاح فاسد فإن دخل بها صح النكاح ولها مهر مثلها وقد قضت الآية بجواز النكاح وشرطه أن لا مهر لها ليس بأكثر من ترك التسمية فإذا كان عدم التسمية لا يقدح في العقد فكذلك شرطه أن لا مهر لها وإنما قال أصحابنا أنها غير واجبة للمدخول بها لأنا قد بينا أن المتعة بدل من البضع وغير جائز أن تستحق بدلين فلما كانت مستحقة بعد الدخول المسمى أو مهر المثل لم يجز أن تستحق معه المتعة ولا خلاف أيضا بين الفقهاء الأمصار أن المطلقة قبل الدخول لا تستحقها على وجه الوجوب إذا وجب لها نصف المهر فدل ذلك من وجهين على ما ذكرنا أحدهما أنها لم تستحقه مع وجوب بعض المهر فأن لا تستحقه مع وجوب جميعه أولى والثاني أن المعنى فيه أنها قد استحقت شيئا من المهر وذلك موجود في المدخول بها* فإن قيل لما وجبت المتعة حين لم يجب شيء من المهر وجب أن يكون وجوبها عند استحقاق المهر أولى قيل فينبغي أن تستحقها إذا وجب نصف المهر لوجوبها عند عدم شيء منه وأيضا فإنما استحقها عند فقد شيء من المهر لعلة أن البضع لا يخلو من بدل قيل الطلاق وبعده فلما لم يجب المهر وجبت المتعة ولما استحقت بدلا آخر لم يجز أن تستحقها فإن قيل قال الله تعالى( وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) وذلك عام في سائرهن إلا ما خصه الدليل قيل له هو كذلك إلا أن المتاع اسم لجميع ما ينتفع به قال الله تعالى
( وَفاكِهَةً وَأَبًّا مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ) وقال تعالى( مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ ) وقال تعالى( إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ ) وقال الأفوه الأودي :
إنما نعمة قوم متعة |
وحياة المرء ثوب مستعار |
فالمتعة والمتاع اسم يقع على جميع ما ينتفع به ونحن فمتى أوجبنا للمطلقات شيئا مما ينفع به من مهر أو نفقة فقد قضينا عهدة الآية فمتعة التي لم يدخل بها نصف المهر المسمى والتي لم يسم لها على قدر حال الرجل والمرأة وللمدخول بها تارة المسمى وتارة المثل إذا لم يكن مسمى وذلك كله متعة وليس بواجب إذا أوجبنا لها ضربا من المتعة أن توجب لها سائر ضروبها لأن قوله تعالى( وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ ) إنما يقتضى أدنى ما يقع عليه الاسم فإن قيل قوله تعالى( وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ ) يقتضى إيجابه بالطلاق ولا يقع على ما استحقته قبله من المهر قيل له ليس كذلك لأنه جائز أن تقول وللمطلقات المهور التي كانت واجبة لهن قبل الطلاق فليس في ذكر وجوبه بعد الطلاق ما ينفى وجوبه قبله إذ لو كان كذلك لما جاز ذكر وجوبه في الحالين مع ذكر الطلاق فيكون فائدة وجوبه بعد الطلاق إعلامنا أن مع الطلاق يجب المتاع إذ كان جائزا أن يظن ظان أن الطلاق يسقط ما وجب فأبان عن إيجابه بعده كهو قبله وأيضا إن كان المراد متاعا وجب بالطلاق فهو على ثلاثة أنحاء إما نفقة العدة للمدخول بها أو المتعة أو نصف المسمى لغير المدخول بها وذلك متعلق بالطلاق لأن النفقة تسمى متاعا على ما بينا كما قال تعالى( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ ) فسمى النفقة والسكنى الواجبتين لها متاعا ومما يدل على أن المتعة غير واجبة مع المهر اتفاق الجميع على أنه ليس لها المطالبة بها قبل الطلاق فلو كانت المتعة تجب مع المهر بعد الطلاق لوجبت قبل الطلاق إذ كانت بدلا من البضع وليست بدلا من الطلاق فكان يكون حكمها حكم المهر وفي ذلك دليل على امتناع وجوب المتعة والمهر فإن قيل فأنتم توجبونها بعد الطلاق لمن لم يسم لها ولم يدخل بها ولا توجبونها قبله ولم يكن انتفاء وجوبها قبل الطلاق دليلا على انتفاء وجوبها بعده وكذلك قلنا في المدخول بها* قيل له إن المتعة بعض مهر المثل إذ قام مقام بعضه وقد كانت المطالبة لها واجبة بالمهر قبل الطلاق فلذلك صحت ببعضه بعده وأنت فلست تجعل المتعة بعض المهر فلم يخل إيجابها من أن تكون بدلا من البضع أو من الطلاق فإن كانت بدلا من البضع مع
مهر المثل فواجب أن تستحقها قبل الطلاق وإن لم تكن بدلا من البضع استحال وجوبها عن الطلاق في حال حصول البضع لها والله تعالى أعلم.
ذكر تقدير المتعة الواجبة
قال الله تعالى( وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ ) وإثبات المقدار على اعتبار حاله في الإعسار واليسار طريقه الاجتهاد وغالب الظن ويختلف ذلك في الأزمان أيضا لأن الله تعالى شرط في مقدارها شيئين أحدهما اعتبارها بيسار الرجل وإعساره والثاني أن يكون بالمعروف مع ذلك فوجب اعتبار المعنيين في ذلك وإذا كان كذلك وكان المعروف منهما موقوفا على عادات الناس فيها والعادات قد تختلف وتتغير وجب بذلك مراعاة العادات في الأزمان وذلك أصل في جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث إذ كان ذلك حكما مؤديا إلى اجتهاد رأينا وقد ذكرنا أن شيخنا أبا الحسن رحمه الله يقول يجب مع ذلك اعتبار حال المرأة وذكر ذلك أيضا على بن موسى القمي في كتابه واحتج بأن الله تعالى علق الحكم في تقدير المتعة بشيئين حال الرجل بيساره وإعساره وأن يكون مع ذلك بالمعروف قال فلو اعتبرنا حال الرجل وحده عاريا من اعتبار حال المرأة لوجب أن يكون لو تزوج امرأتين أحدهما شريفة والأخرى دنية مولاة ثم طلقهما قبل الدخول ولم يسم لهما أن تكونا متساويتين في المتعة فتجب لهذه الدنية كما تجب لهذه الشريفة وهذا منكر في عادات الناس وأخلاقهم غير معروف قال ويفسد من وجه آخر قول من اعتبر حال الرجل وحده دونها وهو أنه لو كان رجلا موسرا عظيم الشأن فيتزوج امرأة دنية مهر مثلها دينار أنه لو دخل بها وجب لها مهر مثلها إذ لم يسم لها شيئا دينار واحد ولو طلقها قبل الدخول لزمته المتعة على قدر حاله وقد يكون ذلك أضعاف مهر مثلها فتستحق قبل الدخول بعد الطلاق أكثر مما تستحقه بعد الدخول وهذا خلف من القول لأن الله تعالى قد أوجب للمطلقة قبل الدخول نصف ما أوجبه لها بعد الدخول فإذا كان القول باعتبار حال دونها يؤدى إلى مخالفة معنى الكتاب ودلالته وإلى خلاف المعروف في العادات سقط ووجب اعتبار حالها معه ويفسد أيضا من وجه آخر وهو أنه لو تزوج رجلان موسران أختين فدخل أحدهما بامرأته كان لها مهر مثلها ألف درهم إذ لم يسم لها مهرا وطلق الآخر امرأته قبل الدخول من غير تسمية أن تكون المتعة لها على قدر
حال الرجل وجائز أن يكون ذلك ضعاف مهر أختها فيكون ما تأخذه المدخول بها أقل مما تأخذه المطلقة وقيمة البضعين واحدة وهما متساويتان في المهر فيكون الدخول مدخلا عليها ضررا ونقصانا في البدن وهذا منكر غير معروف فهذه الوجوه كلها تدل على اعتبار حال المرأة معه وقال أصحابنا أنه إذا طلقها قبل الدخول ولم يسم لها وكانت متعتها أكثر من نصف مهر مثلها أنها لا تجاوز بها نصف مهر مثلها فيكون لها الأقل من نصف مهر مثلها ومن المتعة لأن الله تعالى لم يجعل المسمى لها أكثر من نصف التسمية مع الطلاق قبل الدخول فغير جائز أن يعطيها عند عدم التسمية أكثر من النصف مهر المثل ولما كان المسمى مع ذلك أكثر من مهر المثل فلم تستحق بعد الطلاق أكثر من النصف ففي مهر المثل أولى ولم يقدر أصحابنا لها مقدارا معلوما لا يتجاوز به ولا يقصر عنه وقالوا هي على قدر المعتاد المتعارف في كل وقت وقد ذكر عنهم ثلاثة أثواب درع وخمار وإزار والإزار هو الذي تستتر به بين الناس عند الخروج وقد ذكر عن السلف في مقدارها أقاويل مختلفة على حسب ما غلب في رأى كل واحد منهم فروى إسماعيل بن أمية عن عكرمة عن ابن عباس قال أعلى المتعة الخادم ثم دون ذلك النفقة ثم دون ذلك الكسوة وروى أياس بن معاوية عن أبى مجلز قال قلت لابن عمر أخبرنى على قدري فأنى موسر أكسو كذا أكسو كذا فحسبت ذلك فوجدته قيمته ثلاثين درهما وروى عمرو عن الحسن قال ليس في المتعة شيء بوقت على قدر الميسرة وكان حماد يقول يمتعها بنصف مهر مثلها وقال عطاء أوسع المتعة درع وخمار وملحفة وقال الشعبي كسوتها في بيتها درع وخمار وملحفة وجلبابة وروى يونس عن الحسن قال كان منهم من يمتع بالخادم والنفقة ومنهم من يمتع بالكسوة والنفقة ومن كان دون ذلك فثلاثة أثواب درع وخمار وملحفة ومن كان دون ذلك متع بثوب واحد وروى عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب قال أفضل المتعة خمارا وأوضعها ثوب وروى الحجاج عن أبى إسحاق أنه سأل عبد الله بن مغفل عنها فقال لها المتعة على قدر ماله وهذه المقادير كلها صدرت عن اجتهاد آرائهم ولم ينكر بعضهم على بعض ما صار إليه من مخالفته فيه فدل على أنها عندهم موضوعة على ما يؤديه إليه اجتهاده وهي بمنزلة تقويم المتلفات وأروش الجنايات التي ليس لها مقادير معلومة في النصوص قوله عز وجل( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ
ما فَرَضْتُمْ ) قيل إن أصل الفرض الحز في القداح علامة لها تميز بينها والفرضة العلامة في قسم الماء على خشب أو جص أو حجارة يعرف بها كل ذي حق نصيبه من الشرب وقد سمى الشط الذي ترفأ فيه السفن فرضة لحصول الأثر فيه بالنزول إلى السفن والصعود منها ثم صار اسم الفرض في الشرع واقعا على المقدار وعلى ما كان في أعلى راتب الإيجاب من الواجبات وقوله تعالى( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ) معناه أنزل وأوجب عليك أحكامه وتبليغه وقوله تعالى عند ذكر المواريث( فَرِيضَةً مِنَ اللهِ ) ينتظم الأمرين من معنى الإيجاب لمقادير الأنصباء التي بينها لذوي الميراث وقوله تعالى( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ) المراد بالفرض هاهنا تقدير المهر وتسميته في العقد ومنه فرائض الإبل وهي المقادير الواجبة فيها على اعتبار أعدادها وأسنانها فسمى التقدير فرضا تشبيها له بالحز الواقع في القداح التي تتميز به من غيرها وكذلك سبيل ما كان مقدار من الأشياء فقد حصل التمييز به بينه وبين غيره والدليل على أن المراد بقوله تعالى( وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ) تسمية المقدار في العقد أنه قدم ذكر المطلقة التي لم يسم لها بقوله تعالى( لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ) ثم عقبه بذكر من فرض لها وطلقت بعد الدخول فلما كان الأول على نفى التسمية كان الثاني على إثباتها فأوجب الله لها نصف المفروض بنص التنزيل* وقد اختلف فيمن سمى لها بعد العقد ثم طلقت قبل الدخول فقال أبو حنيفة لها مهر مثلها وهو قول محمد وكان أبو يوسف يقول لها نصف الفرض ثم رجع إلى قولهما وقال مالك والشافعى لها نصف الفرض والدليل على أن لها مهر مثلها أن موجب هذا العقد مهر المثل وقد اقتضى وجوب مهر المثل بالعقد وجوب المتعة بالطلاق قبل الدخول فلما تراضيا على تسمية لم ينتف موجب العقد من المتعة والدليل على ذلك أن هذا الفرض لم يكن مسمى في العقد كما لم يكن مهر المثل مسمى فيه وإن كان واجبا به فلما كان ورود الطلاق قبل الدخول مسقطا لمهر المثل بعد وجوبه إذ لم يكن مسمى في العقد وجب أن يكون كذلك حكم المفروض بعده إذ لم يكن مسمى فيه* فإن قيل مهر المثل لم يوجبه العقد وإنما وجب بالدخول* قيل له هذا غلط لأنه غير جائز استباحة البضع بغير بدل والدليل على ذلك أنه لو شرط في العقد أنه لا مهر لها لوجب لها المهر فلما كان المهر بدلا من استباحة البضع ولم يجز نفيه بالشرط وجب أن يكون
«10 ـ أحكام نى»
من حيث استباح البضع أن يلزمه المهر ويدل على ذلك أن الدخول بعد صحة العقد إنما هو تصرف فيما قد ملكه وتصرف الإنسان في ملكه لا يلزمه بدلا ألا ترى أن تصرف المشترى في السلعة لا يوجب عليه بدلا بالتصرف فدل ذلك على استحقاقهما لمهر المثل بالعقد ويدل على ذلك أيضا اتفاق الجميع على أن لها أن تمنع نفسها بمهر المثل ولو لم تكن قد استحقته بالعقد كيف كان يجوز لها أن تمنع نفسها بما لم يجب بعد ويدل على ذلك أيضا أن لها المطالبة به ولو خاصمته إلى القاضي لقضى به لها والقاضي لا يبتدئ إيجاب مهر لم تستحقه كما يبتدئ إيجاب سائر الديون إذا لم تكن مستحقة وذلك كله دليل على أن التي لم يفرض لها مهر قد استحقت مهر المثل بالعقد وملكته على الزوج حسب ملكها للمسمى لو كانت في العقد تسمية* فإن قيل لو كان مهر المثل واجبا بالعقد لما سقط كله بالطلاق قبل الدخول كما لا* يسقط جميع المسمى* قيل له لم يسقط كله لأن المتعة بعضه على ما قدمنا وهي بإزاء نصف* المسمى لمن طلقت قبل الدخول* وزعم إسماعيل بن إسحاق أن المهر لا يجب بالعقد وإن استباح الزوج البضع قال لأن الزوج بإزاء الزوجة كالثمن بإزاء المبيع فإن كان كما قال فواجب أن لا يلزمه المهر بالدخول لأن الوطء كان مستحقا لها على الزوج كما استحق هو التسليم عليها إذ ما استباحه كل واحد منهما بإزاء ما استباحه الآخر فمن أين صار الزوج مخصوصا بإيجاب المهر إذا دخل بها وينبغي أن لا يكون لها أن تحبس نفسها بالمهر إذا لم تستحق ذلك بالعقد وواجب أيضا أن لا تصح تسمية المهر لأنه قد صح من جهته بما عقد عليه كما صح من جهتها فلا يلزمه المهر كما لا يلزمها له شيء وواجب على هذا أن لا يقوم البضع عليها بالدخول وبالوطء بالشبهة وأن لا يصح أخذ البدل منها لسقوط حقه عن بعضها وهذا كله مع ما عقلت الأمة من أن الزوج يجب عليه المهر بدلا من استباحة البضع يدل على سقوط قول هذا القائل وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث سهل ابن سعد الساعدي حين قال للرجل الذي خطب إليه المرأة التي وهبت نفسها منه قد ملكتها بما معك من القرآن يدل على أن الزوج في معنى الملك لبضعها ومن الدليل على أن الفرض الواقع بعد العقد يسقطه الطلاق قبل الدخول أن الفرض إنما أقيم مقام مهر المثل لأنه غير جائز إيجابه مع مهر المثل ولما كان كذلك وجب أن يسقطه الطلاق قبل الدخول كما يسقط مهر المثل ومن جهة أخرى أن الفرض إنما ألحق بالعقد ولم يكن موجودا فيه فمن حيث بطل العقد بطل
ما ألحق به* فإن قيل فالمسمى في العقد ثبوته كان بالعقد ولا يبطل ببطلانه* قيل له قد كان أبو الحسن رحمه الله يقول إن المسمى قد بطل وإنما يجب نصف المهر حسب وجوب المتعة وكذلك قال إبراهيم النخعي هذا متعتها* ومن الناس من يحتج بهذه الآية في أن المهر قد يكون أقل من عشرة دراهم لأن الله تعالى قال( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ ) فإذا سمى درهمين في العقد وجب بقضية الآية أن لا تستحق بعد الطلاق أكثر من درهم* وهذا لا يدل عندنا على ما قالوا وذلك لأن تسمية الدرهمين عندنا تسمية العشرة لأن العشرة لا تتبعض في العقد وتسمية لبعضها تسمية لجميعها كما أن الطلاق لما لم يتبعض كان إيقاعه لنصف تطليقة إيقاعا لجميعها والذي قد فرض أقل من عشرة قد فرض العشرة عندنا فيجب نصفها بعد الطلاق وأيضا فإن الذي اقتضته الآية وجوب نصف المفروض ونحن نوجب نصف المفروض ثم نوجب الزيادة إلى تمام خمسة دراهم بدلالة أخرى والله أعلم.
ذكر اختلاف أهل العلم في الطلاق بعد الخلوة
قال أبو بكر تنازع أهل العلم في معنى قوله تعالى( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ ) واختلفوا في المسيس المراد بالآية فروى عن على وابن عمر وزيد بن ثابت إذا أغلق بابا وأرخى سترا ثم طلقها فلها جميع المهر وروى سفيان الثوري عن ليث عن طاوس عن ابن عباس قال لها الصداق كاملا وهو قول على بن الحسين وإبراهيم في آخرين من التابعين وروى فراس عن الشعبي عن ابن مسعود قال لها نصف الصداق وإن قعد بين رجليها والشعبي عن ابن مسعود مرسل وروى عن شريح مثل قول ابن مسعود وروى سفيان الثوري عن عمر عن عطاء عن ابن عباس إذا فرض الرجل قبل أن يمس فليس لها إلا المتاع فمن الناس من ظن أن قوله في هذا كقول عبد الله ابن مسعود وليس كذلك لأن قوله فرض يعنى أنه لم يسم لها مهرا وقوله قبل أن يمس يريد قبل الخلوة لأنه قد تأوله على الخلوة في حديث طاوس عنه فأوجب لها المتعة قبل الخلوة* واختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر الخلوة الصحيحة تمنع سقوط شيء من المهر بعد الطلاق وطئ أو لم يطأ وهي أن لا يكون أحدهما محرما أو مريضا أو لم تكن حائضا أو صائمة في رمضان أو رتقاء فإنه إن كان
كذلك ثم طلقها وجب لها نصف المهر إذا لم يطأها والعدة واجبة في هذه الوجوه كلها إن طلقها فعليها العدة وقال سفيان الثوري لها المهر كاملا إذا خلا بها ولم يدخل بها إذا جاء ذلك من قبله وإن كانت رتقاء فلها نصف المهر وقال مالك إذا خلا بها وقبلها وكشفها إن كان ذلك قريبا فلا أرى لها إلا نصف المهر وإن تطاول ذلك فلها المهر إلا أن تضع له ما شاءت وقال الأوزاعى إذا تزوج امرأة فدخل بها عند أهلها قبلها ولمسها ثم طلقها ولم يجامعها أو أرخى عليها سترا أو أغلق بابا فقد تم الصداق وقال الحسن بن صالح إذا خلا بها فلها نصف المهر إذ لم يدخل بها وإن ادعت الدخول بعد الخلوة فالقول قولها بعد الخلوة وقال الليث إذا أرخى عليها سترا فقد وجب الصداق وقال الشافعى إذا خلا بها ولم يجامعها حتى طلق فلها نصف المهر ولا عدة عليها قال أبو بكر مما يحتج به في ذلك من طريق الكتاب قوله تعالى( وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ) فأوجب إيفاء الجميع فلا يجوز إسقاط شيء منه إلا بدليل ويدل عليه قوله تعالى( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ ) فيه وجهان من الدلالة على ما ذكرنا أحدهما قوله تعالى( فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً ) والثاني( وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ ) وقال الفراء الإفضاء الخلوة دخل بها أو لم يدخل وهو حجة في اللغة وقد أخبر أن الإفضاء اسم للخلوة فمنع الله تعالى أن يأخذ منه شيئا بعد الخلوة وقد دل على أن المراد هو الخلوة الصحيحة التي لا تكون ممنوعا فيها من الاستمتاع لأن الإفضاء مأخوذ من الفضاء من الأرض وهو الموضع الذي لا بناء فيه ولا حاجز يمنع من إدراك ما فيه فأفاد بذلك استحقاق المهر بالخلوة على وصف وهي التي لا حائل بينها ولا مانع من التسليم والاستمتاع إذ كان لفظ الإفضاء يقتضيه ويدل عليه أيضا قوله تعالى( فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) وقوله تعالى( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) يعنى مهورهن وظاهره يقتضى وجوب الإيتاء في جميع الأحوال إلا ما قام دليله قال أبو بكر ويدل عليه من جهة السنة ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن شاذان قال أخبرنا معلى بن منصور قال حدثنا ابن لهيعة قال حدثنا أبو الأسود عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق دخل بها أو لم
يدخل وهو عندنا اتفاق الصدر الأول لأن حديث فراس عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود لا يثبته كثير من الناس من طريق فراس وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا هوذة بن خليفة قال حدثنا عوف عن زرارة بن أوفى قال قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه من أغلق بابا وأرخى سترا فقد وجب المهر ووجبت العدة فأخبر أنه قضاء الخلفاء الراشدين وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وعضوا عليها بالنواجذ * ومن طريق النظر أن المعقود عليه من جهتها لا يخلو إما أن يكون الوطء أو التسليم فلما اتفق الجميع على جواز نكاح المجبوب مع عدم الوطء دل ذلك على أن صحة العقد غير متعلقة بالوطء إذ لو كان كذلك لوجب أن لا يصح العقد عند عدم الوطء ألا ترى أنه لما تعلقت صحته بصحة التسليم كان من لا يصح منها التسليم من ذوات المحارم لم يصح عليها العقد وإذا كانت صحة العقد متعلقة بصحة التسليم من جهتها فواجب أن تستحق كمال المهر بعد صحة التسليم بحصول ما تعلقت به صحة العقد له وأيضا فإن المستحق من قبلها هو التسليم ووقوع الوطء إنما هو من قبل الزوج فعجزه وامتناعه لا يمنع من صحة استحقاق المهر ولذلك قال عمر رضى الله عنه في المخلو بها لها المهر كاملا ما ذنبهن إن جاء العجز من قبلكم وأيضا لو استأجر دار أو خلى بينهما وبينه استحق الأجر لوجود التسليم كذلك الخلوة في النكاح وإنما قالوا إنها إذا كانت محرمة أو حائضا أو مريضة إن ذلك لا تستحق به كمال المهر من قبل أن هناك تسليم آخر صحيحا تستحق به كمال المهر إذ ليس ذلك تسليما صحيحا ولما لم يوجد التسليم المستحق بعقد النكاح لم تستحق كمال المهر* واحتج من أبى ذلك بظاهر قوله تعالى( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ ) وقال تعالى في آية أخرى( إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها ) فعلق استحقاق كمال المهر ووجوب العدة بوجود المسيس وهو الوطء إذ كان معلوما أنه لم يرد به وجود المس باليد* والجواب عن ذلك أن قوله تعالى( مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ ) قد اختلف الصحابة فيه على ما وصفنا فتأوله على وعمر وابن عباس وزيد وابن عمر على الخلوة فليس يخلو هؤلاء من أن يكونوا تأولوها من طريق اللغة أو من جهة أنه اسم له في الشرع إذ غير جائز تأويل اللفظ على ما ليس باسم له في الشرع ولا في اللغة فإن كان ذلك عندهم
اسما له من طريق اللغة فهم حجة فيها لأنهم أعلم باللغة ممن جاء بعدهم وإن كان من طريق الشرع فأسماء الشرع لا تؤخذ إلا توقيفا وإذا صار ذلك اسما لها صار تقدير الآية وإن طلقتموهن من قبل الخلوة فنصف ما فرضتم وأيضا لما اتفقوا على أنه لم يرد به حقيقة المس باليد وتأوله بعضهم على الجماع وبعضهم على الخلوة ومتى كان اسما للجماع كان كناية عنه وجائز أن يكون حكمه كذلك وإذا أريد به الخلوة سقط اعتبار ظاهر اللفظ لاتفاق الجميع على أنه لم يرد حقيقة معناه وهو المس باليد ووجب طلب الدليل على الحكم من غيره وما ذكرناه من الدلالة يقتضى أن مراد الآية هو الخلوة دون الجماع فأقل أحواله أن لا يخص به ما ذكرنا من ظواهر الآي والسنة وأيضا لو اعتبرنا حقيقة اللفظ اقتضى ذلك أن يكون لو خلا بها ومسها بيده أن تستحق كمال المهر لوجود حقيقة المس وإذا لم يخل بها ومسها بيده خصصناه بالإجماع وأيضا لو كان المراد الجماع فليس يمتنع أن يقوم مقامه ما هو مثله وفي حكمه من صحة التسليم كما قال تعالى( فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا ) وما قام مقامه من الفرقة فحكمه حكمه في إباحتها للزوج الأول وقد حكى عن الشافعى في المجبوب إذا جامع امرأته أن عليه كمال المهر إن طلق من غير وطء فعلمنا أن الحكم غير متعلق بوجود الوطء وإنما هو متعلق بصحة التسليم* فإن قيل لو كان التسليم* قائما مقام الوطء لوجب أن يحلها للزوج الأول كما يحلها الوطء* قيل له هذا غلط لأن التسليم إنما هو علة لاستحقاق كمال المهر وليس بعلة لإحلالها للزوج الأول ألا ترى أن الزوج لو مات عنها قبل الدخول استحقت كمال المهر وكان الموت بمنزلة الدخول ولا يحلها ذلك للزوج الأول* قوله تعالى( إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) قوله تعالى( إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ) المراد به الزوجات لأنه لو أراد الأزواج لقال إلا أن يعفوا ولا خلاف في ذلك وقد روى أيضا عن ابن عباس ومجاهد وجماعة من السلف ويكون عفوها أن تترك بقية الصداق وهو النصف الذي جعله الله لها بعد الطلاق بقوله تعالى( فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ ) فإن قيل قد يكون الصداق عرضا بعينه وعقارا لا يصح فيه العفو* قيل له ليس معنى العفو في هذا الموضع أن تقول قد عفوت وإنما العفو هو التسهيل أو الترك والمعنى فيه أن تتركه له على الوجه الجائز في عقود التمليكات فكان تقدير الآية أن تملكه إياه وتتركه له تمليكا بغير عوض تأخذه منه فإن قال قائل في هذا دلالة على جواز
هبة المشاع فيما يقسم لإباحة الله تعالى لها تمليك نصف الفريضة إياه بعد الطلاق ولم يفرق بين ما كان منها عينا أو دينا ولا بين ما يحتمل القسمة أو لا يحتملها فوجب بقضية الآية جواز هبة المشاع فيقال له ليس الأمر كما ظننت لأنه ليس المعنى في العفو أن تقول قد عفوت إذ لا خلاف أن رجلا لو قال لرجل قد عفوت لك عن دارى هذه أو قد أبرأتك من دارى هذه أن ذلك لا يوجب تمليكا ولا يصح به عقد هبة وإذا كان كذلك وما نص عليه في الآية من العفو غير موجب لجواز عقود التمليكات به علم أن المراد به تمليكها على الوجه الذي تجوز عليه عقود الهبات والتمليكات إذ كان اللفظ الذي به يصح التمليك غير مذكور فصار حكمه موقوفا على الدلالة فما جاز في الأصول جاز في ذلك وما لم يجز في الأصول من عقود الهبات لم يجز في هذا ومع هذا فإن كان هذا السائل عن ذلك من أصحاب الشافعى فإنه يلزمه أن يجيز الهبة غير مقبوضة لأن الله سبحانه لم يفرق بين المهر المقبوض وغير المقبوض فإذا عفت وقد قبضت فواجب أن يجوز من غير تسليمه إلى الزوج وإذا لم يجز ذلك وكان محمولا على شروط الهبات كذلك في المشاع وإن كان من أصحاب مالك واحتج به في جوازها في المشاع وقبل القبض كان الكلام على ما قدمناه وأما قوله تعالى( أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) فإن السلف قد اختلفوا فيه فقال على وجبير بن مطعم ونافع بن جبير وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب وقتادة ونافع هو الزوج وكذلك قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري وابن شبرمة والأوزاعى والشافعى قالوا عفوه أن يتم لها كمال المهر بعد الطلاق قبل الدخول قالوا وقوله تعالى( إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ) البكر والثيب وقد روى عن ابن عباس في ذلك روايتان إحداهما ما رواه حماد بن سلمة عن على بن زيد عن عمار بن أبى عمار عن ابن عباس قال هو الزوج وروى ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال رضى الله بالعفو وأمر به وإن عفت فكما عفت وإن ضنت وعفى وليها جاز وإن أبت وقال علقمة والحسن وابراهيم وعطاء وعكرمة وأبو الزناد هو الولي وقال مالك بن أنس إذا طلقها قبل الدخول وهي بكر جاز عفو أبيها عن نصف الصداق وقوله تعالى( إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ) اللاتي قد دخل بهن قال ولا يجوز لأحد أن يعفو عن شيء من الصداق إلا الأب وحده لا وصى ولا غيره وقال الليث لأبى البكر أن يضع من صداقها عند عقدة
النكاح ويجوز ذلك عليها وبعد عقدة النكاح ليس له أن يضع شيئا من صداقها ولا يجوز أيضا عفوه عن شيء من صداقها بعد الطلاق قبل الدخول ويجوز له مبارأة زوجها وهي كارهة إذا كان ذلك نظرا من أبيها لها فكما لم يجز للأب أن يضع شيئا من صداقها بعد النكاح كذلك لا يعفو عن نصف صداقها بعد ذلك وذكر ابن وهب عن مالك أن مبارأته عليها جائزة* قال أبو بكر قوله تعالى( أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) متشابه لاحتماله الوجهين اللذين تأولهما السلف عليهما فوجب رده إلى المحكم وهو قوله تعالى( وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) وقال تعالى في آية أخرى( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً ) وقال تعالى( وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ ) فهذه الآيات محكمة لا احتمال فيها لغير المعنى الذي اقتضته فوجب رد الآية المتشابهة وهي قوله تعالى( أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) إليها لأمر الله تعالى الناس برد المتشابه إلى المحكم وذم متبعي المتشابه من غير حمله على معنى المحكم بقوله تعالى( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ ) وأيضا لما كان اللفظ محتملا للمعاني وجب حمله على موافقة الأصول ولا خلاف أنه غير جائز للأب هبة شيء من مالها للزوج ولا لغيره فكذلك المهر لأنه مالها وقوله من حمله على الولي خارج عن الأصول لأن أحدا لا يستحق الولاية على غيره في هبة مالها فلما كان قول القائلين بذلك مخالفا للأصول خارجا عنها وجب حمل معنى الآية على موافقتها إذ ليس ذلك أصلا بنفسه لاحتماله للمعاني وما ليس بأصل في نفسه فالواجب رده إلى غيره من الأصول واعتباره بها وأيضا فلو كان المعنيان جميعا في حيز الاحتمال ووجد نظائرهما في الأصول لكان في مقتضى اللفظ ما يوجب أن يكون الزوج أولى بظاهر اللفظ من الولي وذلك لأن قوله تعالى( أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) لا يجوز أن يتناول الولي بحال لا حقيقة ولا مجازا لأن قوله تعالى( الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) يقتضى أن تكون العقدة موجودة وهي في يد من هي في يده فأما عقدة غير موجودة فغير جائز إطلاق اللفظ عليها بأنها في يد أحد فلما لم تكن هناك عقدة موجودة في يد الولي قبل العقد ولا بعده وقد كانت العقدة في يد الزوج قبل الطلاق فقد تناوله اللفظ بحال فوجب أن يكون حمله على الزوج أولى منه على الولي فإن قيل إنما حكم
الله بذلك بعد الطلاق وليست عقدة النكاح بيد الزوج بعد الطلاق قيل له يحتمل اللفظ بأن يريد الذي كان بيده عقدة النكاح والولي لم يكن بيده عقدة النكاح ولا هي في يده في الحال فكان الزوج أولى بمعنى الآية من الولي ويدل على ذلك قوله تعالى في نسق التلاوة( وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ) فندبه إلى الفضل وقال تعالى( وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ) وليس في هبة مال الغير إفضال منه على غيره والمرأة لم يكن منها إفضال وفي تجويز عفو الولي إسقاط معنى الفضل المذكور في الآية وجعله تعالى بعد العفو أقرب للتقوى ولا تقوى له في هبة مال غيره وذلك الغير لم يقصد إلى العفو فلا يستحق به سمة التقوى وأيضا فلا خلاف أن الزوج مندوب إلى ذلك وعفوه وتكميل المهر لها جائز منه فوجب أن يكون مرادا بها وإذا كان الزوج مرادا انتفى أن يكون الولي مرادا بها لأن السلف تأولوه على أحد معنيين إما الزوج وإما الولي وإذ قد دللنا على أن الزوج مراد وجب أن تمتنع إرادة الولي فإن قال قائل على ما قدمنا فيما تضمنته الآية من الندب إلى الفضل وإلى ما يقرب من التقوى وإن كان ذلك خطابا مخصوصا به المالك دون من يهب مال الغير ليس يمتنع في الأصول أن تلحق هذه التسمية للولي وإن فعل ذلك في مال من يلي عليه والدليلى على ذلك أنه يستحق الثواب بإخراج صدقة الفطر عن الصغير من مال الصغير وكذلك الأضحية والختان قيل أغفلت موضع الحجاج مما قدمناه وذلك أنا قلنا هو غير مستحق للثواب والفضل بالتبرع بمال الغير فعارضتنا بمن وجب عليه حق في ماله فأخرجه عنه وليه وهو الأب ونحن نجيز للوصي ولغير الوصي أن يخرج عنه هذه الحقوق ولا نجيز عفوهم عنه فكيف تكون الأضحية وصدقة الفطر والحقوق الواجبة بمنزلة التبرع وإخراج ما لا يلزم من ملكها* وزعم بعض من احتج لمالك أنه أراد الزوج لقال إلا أن يعفون أو يعفو الزوج لما قد تقدم من ذكر الزوجين فيكون الكلام راجعا إليهما جميعا فلما عدل عن ذلك إلى ذكر من لا يعرف إلا بالصفة علم أنه لم يرد الزوج* قال أبو بكر وهذا الكلام فارغ لا معنى تحته لأن الله تعالى يذكر إيجاب الأحكام تارة بالنصوص وتارة بالدلالة على المعنى المراد من غير نص عليه وتارة بلفظ يحتمل للمعاني وهو في بعضها أظهر وبه أولى وتارة بلفظ مشترك يتناول معاني مختلفة يحتاج في الوصول إلى المراد بالاستدلال عليه من غيره وقد وجد ذلك كله في القرآن* وقوله لو أراد الزوج
لقال أو يعفو حتى يرجع الكلام إلى الزوج دون غيره ولما عدل عنه إلى لفظ محتمل خلف من القول لا معنى له ويقال له لو أراد الولي لقال الولي ولم يورد لفظا يشترك فيه الولي وغيره* وقال هذا القائل أن العافي هو التارك لحقه وهي إذا تركت النصف الواجب لها فهي عافية وكذلك الولي فإن الزوج إذا أعطاها شيئا غير واجب لها لا يقال له عاف وإنما هو واهب وهذا أيضا كلام ضعيف لأن الذي تأولوه على الزوج قالوا إن عفوه هو إتمام الصداق لها وهم الصحابة والتابعون وهم أعلم بمعاني اللغة وما تحتمله من هذا القائل وأيضا فإن العفو في هذا الموضع ليس هو قوله قد عفوت وإنما المعنى فيه تكميل المهر من قبل الزوج أو تمليك المرأة النصف الباقي بعد الطلاق إياه ألا ترى أن المهر لو كان عبدا بعينه لكان حكم الآية مستعملا فيه والندب المذكور فيها قائما فيه ويكون عفو المرأة أن تملكه النصف الباقي لها بعد الطلاق لا بأن تقول قد عفوت ولكن على الوجه الذي يجوز فيه عقود التمليكات فكذلك العفو من قبل الزوج ليس هو أن يقول قد عفوت لكن بتمليك مبتدأ على حسب ما تجوز التمليكات وكذلك لو كانت المرأة قد قبضت المهر واستهلكته كان عفو الزوج في هذه الحالة إبراءها من الواجب عليها ولو كان المهر دينا في ذمة الزوج كان عفوها إبراءه من الباقي فكل عفو أضيف إلى المرأة فمثله يضاف إلى الزوج ويقال فما تقول في عفو الولي على أى صفة هو فإنا نجعل عفو الزوج على مثلها فالاشتغال بمثل ذلك لا يجدي نفعا لأن ذلك كلام في لفظ العفو والعدول عنه وهو مع ذلك منتقض على قائله إلا أنى ذكرته إبانة عن اختلال قول المخالفين ولجأهم إلى تزويق الكلام بما لا دلالة فيه* وقوله تعالى( إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ) يدل على بطلان قول من يقول إن البكر إذا عفت عن نصف الصداق بعد الطلاق إنه لا يجوز وهو قول مالك لأن الله تعالى لم يفرق بين البكر والثيب في قوله تعالى( إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ) ولما كان قوله وابتداء خطابه حين قال تعالى( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ ) عاما في الأبكار والثيب وجب أن يكون ما عطف عليه من قوله تعالى( إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ) عاما في الفريقين منهما وتخصيص الثيب بجواز العفو دون البكر لا دلالة عليه* وقوله تعالى( فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ ) يوجب أن يكون إذا تزوجها على ألف درهم ودفعها إليها ثم طلقها قبل الدخول وقد اشترت بها متاعا أن يكون لها نصف الألف وتضمن
للزوج النصف وقال مالك يأخذ الزوج نصف المتاع الذي اشترته والله تعالى إنما جعل له نصف المفروض وكذلك المرأة فكيف يجوز أن يؤخذ منها ما لم يكن مفروضا ولا هو قيمة له وهو أيضا خلاف الأصول لأن رجلا لو اشترى عبدا بألف درهم وقبض البائع ألف واشترى بها متاعا ثم وجد المشترى بالعبد عيبا فرد لم يكن له على المتاع الذي اشتراه البائع سبيل وكان المتاع كله للبائع وعليه أن يرد على المشترى ألفا مثلها فالنكاح مثله لا فرق بينهما إذ لم يقع عقد النكاح على المتاع كما لم يقع عقد البيع عليه وإنما وقع على الألف والله تعالى أعلم.
باب الصلاة الوسطى وذكر الكلام في الصلاة
قال الله تعالى( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) فيه أمر بفعل الصلاة وتأكيد وجوبها بذكر المحافظة وهي الصلاة الخمس المكتوبات المعهودات في اليوم والليلة وذلك لدخول الألف واللام عليها إشارة بها إلى معهود وقد انتظم ذلك القيام بها واستيفاء فروضها وحفظ حدودها وفعلها في مواقيتها وترك التقصير فيها إذ كان الأمر بالمحافظة يقتضى ذلك كله وأكد الصلاة الوسطى بإفرادها بالذكر مع ذكره سائر الصلوات وذلك يدل على معنيين إما أن تكون أفضل الصلوات وأولاها بالمحافظة عليها فلذلك أفردها بالذكر عن الجملة وإما أن تكون المحافظة عليها أشد من المحافظة على غيرها وقد روى في ذلك روايات مختلفة يدل بعضها على الوجه الأول وبعضها على الوجه الثاني فمنها ما روى عن زيد بن ثابت أنه قال هي الظهر لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يصلى بالهجير ولا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان والناس في قائلتهم وتجارتهم فأنزل الله تعالى( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) وفي بعض ألفاظ الحديث فكانت أثقل الصلوات على الصحابة فأنزل الله تعالى ذلك قال زيد بن ثابت وإنما سماها وسطى لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين* وروى عن ابن عمر وابن عباس أن الصلاة الوسطى صلاة العصر وروى عن ابن عباس رواية أخرى أنها صلاة الفجر وقد روى عن عائشة وحفصة وأم كلثوم أن في مصحفهن حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر روى عن البراء بن عازب قال نزلت حافظوا على الصلوات وصلاة العصر وقرأتها على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثم نسخها الله تعالى فأنزل( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) فأخبر البراء أن ما في مصحف
هؤلاء من ذكر صلاة العصر منسوخ وقد روى عاصم عن زر عن على قال قاتلنا الأحزاب فشغلونا عن صلاة العصر حتى كادت الشمس أن تغيب فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم (اللهم املأ قلوب الذين شغلونا عن الصلاة الوسطى نارا) قال على كنا نرى أنها صلاة الفجر وروى عكرمة وسعيد بن جبير ومقسم عن ابن عباس مثل ذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وروى أبو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنها صلاة العصر وكذلك روى سمرة بن جندب عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وروى عن على من قوله أنها صلاة العصر وكذلك عن أبى بن كعب وعن قبيصة بن ذؤيب المغرب وقيل إنما سميت صلاة العصر الوسطى لأنها بين صلاتين من صلاة النهار وصلاتين من صلاة الليل وقيل إن أول الصلوات وجوبا كانت الفجر وآخرها العشاء الآخرة فكانت العصر هي الوسطى في الوجوب ومن قال إن الوسطى الظهر يقول لأنها وسطى صلاة النهار بين الفجر والعصر ومن قال الصبح فقد قال ابن عباس لأنها تصلى في سواد من الليل وبياض من النهار فجعلها وسطى في الوقت ومن الناس من يستدل بقوله تعالى( وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) على نفى وجوب الوتر لأنها لو كانت واجبة لما كان لها وسطى لأنها تكون حينئذ ستا فيقال له إن كانت الوسطى العصر فوجهه ما قيل أنها وسطى في الإيجاب وإن كانت الظهر فلأنها بين صلاتي النهار الفجر والعصر فلا دلالة على نفى وجوب الوتر التي هي من صلاة الليل وأيضا فإنها وسطى الصلوات المكتوبات وليس الوتر من المكتوبات وإن كانت واجبة لأنه ليس كل واجب فرضا إذا كان الفرض هو أعلى في مراتب الوجوب وأيضا فإن فرض الوتر زيادة وردت بعد فرض المكتوبات لقوله صلّى الله عليه وسلّم إن الله زادكم إلى صلاتكم صلاة وهي الوتر وإنما سميت وسطى قبل وجوب الوتر * وأما قوله عز وجل( وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ) فإنه قد قيل في معنى القنوت في أصل اللغة أنه الدوام على الشيء وروى عن السلف فيه أقاويل روى عن ابن عباس والحسن وعطاء والشعبي( وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ) مطيعين وقال نافع عن ابن عمر قال القنوت طول القيام وقرأ( أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ) وروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال أفضل الصلاة طول القنوت يعنى القيام وقال مجاهد القنوت السكوت والقنوت الطاعة ولما كان أصل القنوت الدوام على الشيء جاز أن يسمى مديم الطاعة قانتا وكذلك من أطال القيام والقراءة والدعاء في الصلاة أو أطال الخشوع والسكوت كل هؤلاء فاعلو القنوت وروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قنت شهرا يدعوا فيه
على حي من أحياء العرب والمراد به أطال قيام الدعاء* وقد روى الحارث عن شبل عن أبى عمرو الشيباني قال كنا نتكلم في الصلاة على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنزلت( وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ) فأمرنا بالسكوت فاقتضى ذلك النهى عن الكلام في الصلاة وقال عبد الله بن مسعود كنا نسلم على النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو في الصلاة فيرد علينا قبل أن نأتى أرض الحبشة فلما رجعت سلمت عليه فلم يرد على فذكرت ذلك له فقال إن الله يحدث من أمره ما يشاء وأنه قضى أن لا تتكلموا في الصلاة وروى عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدري أن رجلا سلم على النبي صلّى الله عليه وسلّم فرد عليه بالإشارة فلما سلم قال كنا نرد السلام في الصلاة فنهينا عن ذلك * وروى إبراهيم الهجري عن ابن عياض عن أبى هريرة قال كانوا يتكلمون في الصلاة فنزل( وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ) وفي حديث معاوية بن الحكم السلمى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن * ففي هذه الأخبار حظر الكلام في الصلاة ولم تختلف الرواة أن الكلام كان مباحا في الصلاة إلى أن حظره واتفق الفقهاء على حظره إلا أن مالكا قال يجوز فيها لإصلاح الصلاة وقال الشافعى كلام السهو لا يفسدها ولم يفرق أصحابنا بين شيء منه وأفسدوا الصلاة بوجوده فيها على وجه السهو وقع أو لإصلاح الصلاة والدليل عليه أن الآية التي تلونا من قوله تعالى( وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ) ورواية من روى أنها نزلت في حظر الكلام في الصلاة مع احتماله له لو لم ترد الرواية بسبب نزولها ليس فيها فرق بين الكلام الواقع على وجه السهو والعمد وبينه إذا قصد به إصلاح الصلاة أو لم يقصد وكذلك سائر الأخبار المأثورة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حظره فيها لم يفرق فيها بين ما قصد به إصلاح الصلاة وبين غيره ولا بين السهو والعمد منه فهي عامة في الجميع* فإن قيل النهى عن الكلام في الصلاة* مقصور على العامد دون الناسي لاستحالة نهى الناسي* قيل له حكم النهى قد يجوز أن يتعلق على الناسي كهو على العامد وإنما يختلفان في المأثم واستحقاق الوعيد فأما في الأحكام التي هي فساد الصلاة وإيجاب قضائها فلا يختلفان ألا ترى أن الناسي بالأكل والحدث والجماع في الصلاة في حكم العامد فيما يتعلق عليه من أحكام هذه الأفعال من إيجاب القضاء وإفساد الصلاة وإن كانا مختلفين في حكم المأثم واستحقاق الوعيد وإذا كان ذلك على ما وصفنا كان حكم النهى فيما يقتضيه من إيجاب القضاء معلقا بالناسي كهو بالعامد لا فرق
بينهما فيه وإن اختلفا في حكم المأثم والوعيد* فقد دلت هذه الأخبار على فساد قول من فرق بين ما قصد به الإصلاح للصلاة وبين ما لم يقصد به إصلاحها وعلى فساد قول من فرق بين الناسي والعامد ويدل على ذلك أيضا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث معاوية بن الحكم إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس وحقيقته الخبر فهو محمول على حقيقته فاقتضى ذلك إخبارا من النبي صلّى الله عليه وسلّم بأن الصلاة لا يصلح فيها كلام الناس فلو بقي مصليا بعد الكلام لكان قد صلح الكلام فيها من وجه فثبت بذلك أن ما وقع فيه كلام الناس فليس بصلاة ليكون مخبره خبرا موجودا في سائر ما أخبر به ومن وجه آخر أن ضد الصلاح هو الفساد وهو يقتضيه في مقابلته فإذا لم يصلح فيها ذلك فهي فاسدة إذا وقع الكلام فيها ولو لم يكن كذلك لكان قد صلح الكلام فيها من غير إفساد وذلك خلاف مقتضى الخبر واحتج الفريقان جميعا من مخالفينا الذين حكينا من قولهما بحديث أبى هريرة في قصة ذي اليدين وروى من طرق قال صلى بنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحدى صلاتي العشى الظهر أو العصر ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها إحداهما على الآخر يعرف في وجهه الغضب قال وخرج سرعان الناس فقالوا أقصرت الصلاة وفي الناس أبو بكر وعمر فهاباه أن يكلماه فقام رجل طويل اليدين كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسميه ذا اليدين فقال يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة فقال له لم أنس ولم تقصر الصلاة فقال بل نسيت فأقبل على القوم فقال أصدق ذو اليدين قالوا نعم فجاء فصلى بنا الركعتين الباقيتين وسلم وسجد سجدتي السهو
قالوا فأخبر أبو هريرة بما كان منه ومنهم من الكلام ولم يمتنع من البناء وقد كان أبو هريرة متأخر الإسلام وروى يحيى بن سعيد القطان قال حدثنا إسماعيل ابن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم قال أتينا أبا هريرة فقلنا حدثنا فقال صحبت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثلاث سنين وقد روى عنه أنه قدم المدينة والنبي صلّى الله عليه وسلّم بخيبر فخرج خلفه وقد فتح النبي صلّى الله عليه وسلّم خيبر قالوا فإذا كانت هذه القصة بعد إسلام أبى هريرة ومعلوم أن نسخ الكلام كان بمكة لأن عبد الله بن مسعود لما قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أرض الحبشة كان الكلام في الصلاة محظورا لأنه سلم عليه فلم يرد عليه وأخبره بنسخ الكلام في الصلاة فثبت بذلك أن ما في حديث ذي اليدين كان بعد حظر الكلام في الصلاة وقال أصحاب مالك إنما لم تفسد به الصلاة لأنه كان لإصلاحها وقال الشافعى لأنه وقع ناسيا
فيقال لهم لو كان حديث ذي اليدين بعد نسخ الكلام لكان مبيحا للكلام فيها ناسخا لحظره المتقدم له لأنه لم يخبرهم أن جواز ذلك مخصوص بحال دون حال وقد روى سفيان ابن عيينة عن أبى حازم عن سهل بن سعد أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال من نابه في صلاته شيء فليقل سبحان الله إنما التصفيق للنساء والتسبيح للرجال وروى سفيان عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال التسبيح للرجال والتصفيق للنساء فمنع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمن نابه شيء في صلاته من الكلام وأمر بالتسبيح فلما لم يكن من القول تسبيح في قصة ذي اليدين ولا أنكر عليهم النبي صلّى الله عليه وسلّم تركه دل ذلك على أن قصة ذي اليدين كانت قبل أن يعلمهم التسبيح إذ غير جائز أن يكون قد علمهم التسبيح ثم يخالفونه إلى غيره ولو كانوا خالفوا ما أمروا به من التسبيح في مثل هذه الحال لظهر فيه النكير عليهم في تركهم التسبيح المأمور به إلى الكلام المحظور وفي هذا دليل على أن قصة ذي اليدين كانت على على أحد وجهين إما قبل حظر الكلام ثم حظر الكلام في الصلاة وإما أن تكون بعد حظر الكلام بديا منه ثم أبيح الكلام ثم حظر بقوله التسبيح للرجال والتصفيق للنساء وقد كان نسخ الكلام بالمدينة بعد الهجرة ويدل عليه ما روى معمر عن الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة قال صلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الظهر أو العصر وذكر الحديث قال الزهري فكان هذا قبل بدر ثم استحكمت الأمور بعده وقال زيد بن أرقم كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت( وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ) فأمرنا بالسكوت وقال أبو سعيد الخدري سلم رجل على النبي صلّى الله عليه وسلّم فرد عليه إشارة وقال كنا نرد السلام في الصلاة فنهينا عن ذلك وأبو سعيد الخدري من أصاغر أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم ويدل على صغر سنه ما روى هشام عن أبيه عن عائشة قالت وما علم أبى سعيد الخدري وأنس بن مالك بحديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإنما كانا غلامين صغيرين وكان قدوم عبد الله بن مسعود على النبي صلّى الله عليه وسلّم من الحبشة إنما كان بالمدينة وروى الزهري عن سعيد بن المسيب وأبى بكر بن عبد الرحمن وعروة ابن الزبير أن عبد الله بن مسعود ومن كان معه بالحبشة قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة وقد روى أهل السير أن عبد الله بن مسعود لما قتل أبا جهل يوم بدر بعد ما أثخنه ابنا عفراء وإذا كان كذلك فقد أخبر عبد الله بن مسعود بحظر الكلام في الصلاة عند قدومه من الحبشة وكان ذلك والنبي صلّى الله عليه وسلّم يريد الخروج إلى بدر وروى عبد الله بن وهب
عن عبد الله بن العمرى عن نافع عن ابن عمر أنه ذكر له حديث ذي اليدين فقال كان إسلام أبى هريرة بعد ما قتل ذو اليدين ثبت بذلك أن ما رواه أبو هريرة كان قبل إسلامه لأن إسلامه كان عام خيبر فثبت أن أبا هريرة لم يشهد تلك القصة وإن حدث بها كما قال البراء ما كل ما نحدثكم عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سمعناه ولكن سمعنا وحدثنا أصحابنا وروى حماد بن سلمة عن حميد عن أنس قال والله ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولكن كان يحدث بعضنا بعضا ولا يتهم بعضنا بعضا وقد روى ابن جريج قال أخبرنى عمرو عن يحيى بن جعدة أنه أخبره عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه سمع أبا هريرة يقول لا ورب هذا البيت ما أنا قلت من أدرك الصبح وهو جنب فليفطر ولكن محمد قاله ورب هذا البيت ثم لما أخبر برواية عائشة وأم سلمة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يصبح جنبا من غير احتلام ثم يصوم يومه ذلك قال لا علم لي بهذا إنما أخبرنى به الفضل بن العباس فليس في روايته بحديث ذي اليدين ما يدل على مشاهدته* فإن قيل فقد روى في بعض أخباره أنه قال صلى بنا رسول* الله صلّى الله عليه وسلّم* قيل له يحتمل أن يكون مراده أنه صلى بالمسلمين وهو منهم كما روى مسعر بن كدام عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال قال لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنا وإياكم كنا ندعى بنى عبد مناف فأنتم اليوم بنو عبد الله ونحن بنو عبد الله إنما يعنى أنه قال ذلك لقومه فإن قيل لو كان حظر الكلام في الصلاة متقدما لبدر لما شهده زيد بن أرقم لأنه كان صغير السن وكان يتيما في حجر عبد الله بن رواحة حين خرج إلى مؤتة ومثله لا يدرك قصة كانت قبل بدر قيل له إن كان زيد بن أرقم قد شهد إباحة الكلام في الصلاة فإنه جائز أن يكون قد أبيح بعد الحظر وجائز أن يكون أبو هريرة أيضا قد شهد إباحة الكلام في الصلاة بعد حظره ثم حظر بعد ذلك إلا أن أخباره عن قصة ذي اليدين لا محالة لم يكن عن مشاهدة لأنه أسلم بعدها وجائز أن يكون زيد بن أرقم أخبر عن حال المسلمين في كلامهم في الصلاة إلى نزول قوله تعالى( وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ) ويكون معنى قوله كنا نتكلم في الصلاة أخبارا عن المسلمين وهو منهم كما قال النزال بن سبرة قال لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكما قال الحسن خطبنا ابن عباس بالبصرة وهو لم يكن بها يومئذ إنما طرئ عليها بعده ومما يدل على أن قصة ذي اليدين كانت في حال إباحة الكلام أن فيها أن النبي صلّى الله عليه وسلّم استند إلى جذع في المسجد وأن سرعان الناس خرجوا فقالوا أقصرت الصلاة وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم
أقبل على القوم فسألهم فقالوا صدق وبعض هذا الكلام كان عمدا وبعضه كان لغير إصلاح الصلاة فدل على أنها كانت في حال إباحة الكلام وجملة الأمر في ذلك إن كان في حال إباحة الكلام بديا قبل حظره فلا حجة للمخالف فيه وإن كان بعد حظر الكلام فليس يمتنع أن يكون أبيح بعد الحظر ثم حظر فكان آخر أمره الحظر ونسخ به ما في حديث أبى هريرة وقد بينا أن قوله التسبيح للرجال والتصفيق للنساء كان بعد حديث أبى هريرة إذ لو كان متقدما لأنكر عليه ترك المأمور به من التسبيح ولكان القوم لا يخالفونه إلى الكلام مع علمهم بحظر الكلام والأمر بالتسبيح وفي ذلك دليل على أن الأمر بالتسبيح ناسخ لحظر الكلام متأخر عنه فوجب أن يكون ما في حديث أبى هريرة مختلفا في استعماله فوجب أن تقضى عليه الأخبار الواردة في الحظر لأن من أصلنا أنه متى ورد خبران أحدهما خاص والآخر عام واتفقوا على استعمال العام واختلفوا في استعمال الخاص كان الخبر المتفق على استعماله قاضيا على المختلف فيه فإن قيل قد فرقتم بين حدث الساهي والعامد فهلا فرقتم بين سهو الكلام وعمده* قيل له هذا سؤال فارغ لا يستحق الجواب إلا أن يتبين وجه الدلالة في إحدى المسألتين على الأخرى ومع ذلك فإنه لا فرق عندنا بين حدث الساهي والعامد في إفساد الصلاة بعد أن يكون من فعله وإنما الفرق بين ما كان من فعله أو سبقه من غير فعله فأما لو سهى فحك قرحة وخرج منها دم أو تقيأ فسدت صلاته وإن كان ساهيا* فإن قيل فقد فرقتم بين سلام الساهي والعامد وهو كلام في* الصلاة فكذلك سائر الكلام فيها* قيل له إنما السلام ضرب من الذكر مسنون به الخروج من الصلاة فإذا قصد إليه عامدا فسدت به الصلاة كما يخرج به منها في آخر وإذا كان ساهيا فهو ذكر من الأذكار لا يخرج به من الصلاة وإنما كان ذكر لأنه سلام على الملائكة وعلى حضرة من المصلين وهو لو قال السلام على ملائكة الله وجبريل وميكال أو على نبي الله لا تفسد صلاته فلما كان ضربا من الأذكار لم يخرج به من الصلاة إلا أن يكون عامدا له ويدل على هذا أنه موجود مثله في الصلاة لا يفسدها وهو قوله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وإذا كان مثله قد يوجد في الصلاة ذكرا مسنونا لم يكن مفسدا لها إذا وقع منه ناسيا لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس وما أبيح في الصلاة من الكلام فليس بداخل فيه
«11 أحكام ني»
فلا تفسد به الصلاة ولم يتناوله الخبر وإنما أفسدنا به الصلاة إذا تعمد لا من حيث كان من كلام الناس المحظور في الصلاة ولكن من جهة أنه مسنون للخروج من الصلاة فإذا عمد له فقد قصد الوجه المسنون له فقطع صلاته وأيضا لما كان من شرط الصلاة الشرعية ترك الكلام فيها ومتى تعمد الكلام لم تكن صلاة عند الجميع إذا لم يقصد به إلى إصلاحها وجب أن يكون وجود الكلام فيها مخرجا لها من أن تكون صلاة شرعية كالطهارة لما كانت من شرطها لم يختلف حكمها في ترك الطهارة سهوا أو عمدا وكذلك ترك القراءة والركوع والسجود وسائر فروضها لا يختلف حكم السهو والعمد فيها لأن الصلاة لما كانت اسما شرعيا وكان صحة هذا الاسم لها متعلقة بشرائطه متى عدمت زال الاسم وكان من شروطها ترك الكلام وجب أن يكون وجوده فيها يسلبها اسم الصلاة الشرعية ولم يكن فاعلا للصلاة فلم نجزه فإن ألزمونا على ذلك الصيام وما شرط فيه من ترك الأكل وتعلق الاسم الشرعي به ثم اختلف فيه حكم السهو والعمد فإنا نقول إن القياس فيهما سواء ولذلك قال أصحابنا لو لا الأثر لوجب أن لا يختلف فيه حكم الأكل سهوا أو عمدا وإذا سلموا القياس فقد استمرت العلة وصحت* قوله عز وجل( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً ) الآية ذكر الله تعالى في أول الخطاب الأمر بالصلاة والمحافظة عليها وذلك يدل على لزوم استيفاء فروضها والقيام بحدودها لاقتضاء ذكر المحافظة لها وأكد الصلاة الوسطى بإفرادها بالذكر لما بينا فيما سلف من فائدة ذكر التأكيد لها ثم عطف عليه قوله تعالى( وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ) فاشتمل ذلك على لزوم السكوت والخشوع فيها وترك المشي والعمل فيها وذلك في حال الأمن والطمأنينة ثم عطف عليه حال الخوف وأمر بفعلها على الأحوال كلها ولم يرخص في تركها لأجل الخوف فقال تعالى( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً ) قوله فرجالا جمع راجل لأنك تقول راجل ورجال كتاجر وتجار وصاحب وصحاب وقائم وقيام وأمر بفعلها في حال الخوف راجلا ولم يعذب في تركها كما أمر المريض بفعلها على الحال التي يمكنه فعلها من قيام وقعود وعلى جنب وأمره بفعل الصلاة راكبا في حال الخوف إباحة لفعلها بالإيماء لأن الراكب إنما يصلى بالإيماء لا يفعل فيها قياما ولا ركوعا ولا سجودا وقد روى عن ابن عمر في صلاة الخوف قال فإن كان خوفا أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها قال نافع
لا أرى ابن عمر وقال ذلك إلا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمذكور في هذه الآية إنما هو الخوف دون القتال فإذا خاف وقد حصره العدو جاز له فعلها كذلك ولما أباح له فعلها راكبا لأجل الخوف لم يفرق بين مستقبل القبلة من الركبان وبين من ترك استقبالها تضمنت الدلالة على جواز فعلها من غير استقبالها لأن الله تعالى أمر بفعلها على كل حال ولم يفرق بين من أمكنه استقبالها وبين من لم يمكنه فدل على أن من لا يمكنه استقبالها فجائز له فعلها على الحال التي يقدر عليها ويدل من جهة أخرى على ذلك وهو أن القيام والركوع والسجود من فروض الصلاة وقد أباح تركها حين أمره بفعلها راكبا فترك القبلة أحرى بالجواز إذا كان فعل الركوع والسجود آكد من القبلة فإذا جاز الركوع والسجود فترك القبلة أحرى بالجواز فإن قيل على ما ذكرناه من أن الله لم يبح ترك الصلاة في حال الخوف وأمر بها على الحال التي يمكن فعلها قد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم ترك أربع صلوات يوم الخندق حتى كان هوى الليل ثم قضاهن على الترتيب وفي ذلك دليل على جواز ترك الصلاة في حال الخوف قيل له إن الذي اقتضته هذه الآية الأمر بالصلاة في حال الخوف بعد تقديم تأكيد فروضها لأنه عطف على قوله تعالى( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) ثم زادها تأكيدا بقوله تعالى( وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ) فأمر فيها بالدوام على الخشوع والسكون والقيام وحظر فيها التنقل من حال إلا إلى حال هي الصلاة من الركوع والسجود ولو اقتصر على ذلك لكان جائزا أن يظن ظان أن شرط جواز الصلاة فعلها على هذه الأوصاف فبين حكم هذه الصلوات المكتوبات في حال الخوف فقال تعالى( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً ) فأمر بفعلها في هذه الحال ولم يعذر أحدا من المكلفين في تركها ولم يذكر حال القتال إذ ليس جميع أحوال الخوف هي أحوال القتال لأن حضور العدو يوجب الخوف وإن لم يكن قتال قائم فإنما أمر بفعلها في هذه الحال ولم يذكر حال القتال والنبي صلّى الله عليه وسلّم إنما لم يصل يوم الخندق لأنه كان مشغولا بالقتال والاشتغال بالقتال يمنع الصلاة ولذلك قال صلّى الله عليه وسلّم ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى وكذلك يقول أصحابنا أن الاشتغال بالقتال يفسدها* فإن قيل ما أنكرت من أن يكون* النبي صلّى الله عليه وسلّم إنما لم يصل يوم الخندق لأنه لم يكن نزلت صلاة الخوف* قيل له قد ذكر محمد بن إسحاق والواقديّ جميعا أن غزوة ذات الرقاع كانت قبل الخندق وقد صلى النبي
صلّى الله عليه وسلّم فيها صلاة الخوف فدل ذلك على أن ترك النبي صلّى الله عليه وسلّم صلاة الخوف إنما كان للقتال لأنه يمنع صحتها وينافيها* ويستدل بهذه الآية من يقول إن الخائف تجوز له الصلاة وهو ماش وإن كان طالبا لقوله تعالى( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً ) وليس هذا كذلك لأنه ليس في الآية ذكر المشي ومع ذلك فالطالب غير خائف لأنه إن انصرف لم يخف والله سبحانه إنما أباح ذلك للخائف وإذا كان مطلوبا فجائز له أن يصلى راكبا وماشيا إذا خاف* وأما قوله( فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) لما ذكر الله تعالى حال الخوف وأمر بالصلاة على الوجه الممكن من راجل وراكب ثم عطف عليه حال الأمن بقوله تعالى( فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ ) دل ذلك على أن المراد ما تقدم بيانه في حال الخوف وهو الصلاة فاقتضى ذلك إيجاب الذكر في الصلاة وهو نظير قوله تعالى( فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً ) ونظيره أيضا قوله تعالى( وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) وقوله تعالى( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) فتضمنت هذه المخاطبة من عند قوله تعالى( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) الأمر بفعل الصلاة واستيفاء فروضها وشروطها وحفظ حدودها وقوله تعالى( وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ) تضمن إيجاب القيام فيها ولما كان القنوت اسما يقع على الطاعة اقتضى أن يكون جميع أفعال الصلاة طاعة وأن لا يتخللها غيرها لأن القنوت هو الدوام على الشيء فأفاد ذلك النهى عن الكلام فيها وعن المشي وعن الاضطجاع وعن الأكل والشرب وكل فعل ليس بطاعة لما تضمنوا للفظ من الأمر بالدوام على الطاعات التي هي من أفعال الصلاة والنهى عن قطعها بالاشتغال بغيرها لما فيه من ترك القنوت الذي هو الدوام عليها واقتضى أيضا الدوام على الخشوع والسكون لأن اللفظ ينطوى عليه ويقتضيه فانتظم هذا اللفظ مع قلة حروفه جميع أفعال الصلاة وأذكارها ومفروضها ومسنونها واقتضى النهى عن كل فعل ليس بطاعة فيها والله الموفق والمعين.
باب الفرار من الطاعون
قال الله تعالى( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ ) قال ابن عباس كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون فماتوا فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم الله* وروى عن الحسن أيضا أنهم
فروا من الطاعون وقال عكرمة فروا من القتال وهذا يدل على أن الله تعالى كره فرارهم من الطاعون* وهو نظير قوله تعالى( أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) وقوله تعالى( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ) وقوله تعالى( قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ ) وقوله تعالى( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) وإذا كانت الآجال موقتة محصورة لا يقع فيها تقديم ولا تأخير عما قدرها الله عليه فالفرار من الطاعون عدول عن مقتضى ذلك وكذلك الطيرة والزجر والإيمان بالنجوم كل ذلك فرارا من قدر الله عز وجل الذي لا محيص لأحد عنه* وقد روى عن عمرو بن جابر الحضرمي عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الفرار من الطاعون كالفرار من الزحف والصابر فيه كالصابر في الزحف * روى يحيى بن أبى كثير عن سعيد بن المسيب عن سعد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لا عدوى ولا طيرة وإن تكن الطيرة في شيء فهي في الفرس والمرأة والدار وإذا سمعتم بالطاعون بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليه وإذا كان وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا عنه وروى عن أسامة بن زيد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مثله في الطاعون وروى الزهري عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن الحارث ابن عبد الله بن نوفل عن ابن عباس أن عمر خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه التجار فقالوا الأرض سقيمة فاستشار المهاجرين والأنصار فاختلفوا عليه فعزم على الرجوع فقال له أبو عبيدة أفرارا من قدر الله فقال له عمر لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة نفر من قدر الله إلى قدر الله أرأيت لو كان لك إبل فهبطت بها واديا له عدوتان أحدهما خصيبة والأخرى جديبة ألست إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجديبة رعيتها بقدر الله فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال عندي من هذا علم سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه فحمد الله عمر وانصرف ففي هذه الأخبار النهى عن الخروج عن الطاعون فرارا منه والنهى عن الهبوط عليه أيضا فإن قال قائل إذا كانت الآجال مقدرة محصورة لا تتقدم ولا تتأخر عن وقتها فما وجه نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن دخول أرض بها الطاعون وهو قد منع الخروج منها بديا لأجله ولا فرق بين دخولها وبين البقاء فيها قيل له إنما وجه النهى أنه إذا دخلها وبها الطاعون فجائز أن تدركه منيته وأجله بها فيقول قائل لو لم يدخلها ما مات فإنما نهاه
عن دخولها لئلا يقال هذا وهو كقوله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ) فكره النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يدخلها فعسى يموت فيها بأجله فيقول قوم من الجهال لو لم يدخلها لم يمت* وقد أصاب بعض الشعراء في هذا المعنى حين قال.
يقولون لي لو كان بالرمل لم تمت |
بثينة والأنباء يكذب قيلها |
|
ولو أننى استودعتها الشمس لاهتدت |
إليها المنايا عينها ودليلها |
وعلى هذا المعنى الذي قدمنا ما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يوردن ذو عاهة على مصح مع قوله لا عدوى ولا طيرة لئلا يقال إذا أصاب الصحيح عاهة بعد إيراد ذي عاهة عليه إنما أعداه ما ورد عليه وقيل له يا رسول الله إن النقبة تكون بمشفر البعير فتجرب لها الإبل فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم فما أعدى الأول وقد روى هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير استفتح مصرا فقيل له إن هنا طاعونا فدخلها وقال ما جئنا إلا للطعن والطاعون وقد روى أن أبا بكر لما جهز الجيوش إلى الشام شيعهم ودعا لهم وقال اللهم أفهم بالطعن والطاعون* فاختلف أهل العلم في معنى ذلك فقال قائلون لما رآهم على حال الاستقامة والبصائر الصحيحة والحرص على جهاد الكفار خشي عليهم الفتنة وكانت بلاد الشام بلاد الطاعون مشهور ذلك بها أحب أن يكون موتهم على الحال التي خرجوا عليها قبل أن يفتتنوا بالدنيا وزهرتها وقال آخرون قد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم قال فناء أمتى بالطعن والطاعون يعنى عظم الصحابة وأخبر أن الله سيفتح البلاد بمن هذه صفته فرجا أبو بكر أن يكون هؤلاء الذين ذكرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم وأخبر عن حالهم ولذلك لم يجب أبو عبيدة الخروج من الشام وقال معاذ لما وقع الطاعون بالشام وهو بها قال اللهم اقسم لنا حظا منه ولما طعن في كفه أخذ يقبلها ويقول ما يسرني بها كذا وكذا وقال لئن كنت صغيرا فرب صغير يبارك الله فيه أو كلمة نحوها يتمنى الطاعون ليكون من أهل الصفة التي وصف النبي صلّى الله عليه وسلّم بها أمته الذين يفتح الله بهم البلاد ويظهر بهم الإسلام وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول من أنكر عذاب القبر وزعم أنه من القول بالتناسخ لأن الله أخبر أنه أمات هؤلاء القوم ثم أحياهم فكذلك يحييهم في القبر ويعذبهم إذا استحقوا ذلك وقوله تعالى( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَ
اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) هو أمر بالقتال في سبيل الله وهو مجمل إذ ليس فيه بيان السبيل المأمور بالقتال فيه وقد بينه في مواضع غيره وسنذكره إذا انتهينا إليه إن شاء الله تعالى وقوله تعالى( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً ) إنما هو تأكيدا لاستحقاق الثواب به إذ لا يكون قرضا إلا والعوض مستحق به وجهلت اليهود ذلك أو تجاهلت لما نزلت هذه الآية فقالوا إن الله يستقرض منا فنحن أغنياء وهو فقير إلينا فأنزل الله تعالى( لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ ) وعرف المسلمون معناه ووثقوا بثواب الله ووعده وبادروا إلى الصدقات فروى أنه لما نزلت هذه الآية جاء أبو الدحداح إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال يا رسول الله ألا ترى ربنا يستقرض منا مما أعطانا لأنفسنا وإن لي أرضين إحداهما بالعالية والأخرى بالسافلة وإنى قد جعلت خيرهما صدقة.
وقوله تعالى( إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا ) الآية يدل على أن الإمامة ليست وراثة لإنكار الله تعالى عليهم ما أنكروه من التمليك عليهم من ليس من أهل النبوة ولا الملك وبين أن ذلك مستحق بالعلم والقوة لا بالنسب ودل ذلك أيضا على أنه لا حظ للنسب مع العلم وفضائل النفس وأنها مقدمة عليه لأن الله أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوته وإن كانوا أشرف منه نسبا وذكره للجسم هاهنا عبارة عن فضل قوته لأن في العادة من كان أعظم جسما فهو أكثر قوة ولم يرد بذلك عظم الجسم بلا قوة لأن ذلك لا حظ له في القتال بل هو وبال على صاحبه إذا لم يكن ذا قوة فاضلة قوله عز وجل( فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ ) يدل على أن الشرب من النهر إنما هو الكرع فيه ووضع الشفة عليه لأنه قد كان حظر الشرب وحظر الطعم منه إلا لمن اغترف غرفة بيده وهذا يدل على صحة قول أبى حنيفة فيمن قال إن شربت من الفرات فعبدي حر أنه على أن يكرع فيه وإن اغترف منه أو شرب بإناء لم يحنث لأن الله قد كان حظر عليهم الشرب من النهر وحظر مع ذلك أن يطعم منه واستثنى من الطعم الاغتراف فحظر الشرب باق على ما كان عليه فدل على أن الاغتراف ليس بشرب منه* قوله تعالى( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ ) روى عن الضحاك والسدى وسليمان بن موسى إنه منسوخ بقوله تعالى( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ ) وقوله تعالى( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) وروى عن الحسن وقتادة أنها خاصة في أهل
الكتاب الذين يقرون على الجزية دون مشركي العرب لأنهم لا يقرون على الجزية ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وقيل إنها نزلت في بعض أبناء الأنصار كانوا يهودا فأراد آباؤهم إكراههم على الإسلام وروى ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقيل فيه أى لا تقولوا لمن أسلم بعد حرب أنه أسلم مكرها لأنه إذا رضى وصح إسلامه فليس بمكره* قال أبو بكر( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ) أمر في صورة الخبر وجائز نزول ذلك قبل الأمر بقتال المشركين فكان في سائر الكفار كقوله تعالى( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) وكقوله تعالى( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ) وقوله تعالى( وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) وقوله تعالى( وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ) فكان القتال محظورا في أول الإسلام إلى أن قامت عليهم الحجة بصحة نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم فلما عاندوه بعد البيان أمر المسلمون بقتالهم فنسخ ذلك عن مشركي العرب بقوله تعالى( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) وسائر الآي الموجبة لقتال أهل الشرك وبقي حكمه على أهل الكتاب إذا أذعنوا بأداء الجزية ودخلوا في حكم أهل الإسلام وفي ذمتهم ويدل على ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يقبل من المشركى العرب إلا الإسلام أو السيف وجائز أن يكون حكم هذه الآية ثابتا في الحال على أهل الكفر لأنه ما من مشرك إلا وهو لو تهود أو تنصر لم يجبر على الإسلام وأقررناه على دينه بالجزية وإذا كان ذلك حكما ثابتا في سائر من انتحل دين أهل الكتاب ففيه دلالة على بطلان قول الشافعى حين قال من تهود من المجوس أو النصارى أجبرته على الرجوع إلى دينه أو إلى الإسلام والآية دالة على بطلان هذا القول لأن فيها الأمر بأن لا نكره أحدا على الدين وذلك عموم يمكن استعماله في جميع الكفار على الوجه الذي ذكرنا* فإن قال قائل فمشركوا العرب الذين أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بقتالهم وأن لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف قد كانوا مكرهين على الدين ومعلوم أن من دخل في الدين مكرها فليس بمسلم فما وجه إكراههم عليه* قيل له إنما أكرهوا على إظهار الإسلام لا على اعتقاده لأن الاعتقاد لا يصح منا الإكراه عليه ولذلك قال النبي صلّى الله عليه وسلّم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله فأخبر صلّى الله عليه وسلّم أن القتال إنما كان على إظهار الإسلام وأما الاعتقادات فكانت موكولة إلى الله تعالى ولم يقتصر بهم النبي صلّى الله عليه وسلّم على القتال
دون أن أقام عليهم الحجة والبرهان في صحة نبوته فكانت الدلائل منصوبة للاعتقاد وإظهار الإسلام معا لأن تلك الدلائل من حيث ألزمتهم اعتقاد الإسلام فقد اقتضت منه الإظهار والقتال لإظهار الإسلام* وكان في ذلك أعظم المصالح منها أنه إذا أظهر الإسلام وإن كان غير معتقد له فإن مجالسته للمسلمين وسماعه القرآن ومشاهدته لدلائل الرسول صلّى الله عليه وسلّم مع ترادفها عليه تدعوه إلى الإسلام وتوضح عنده فساد اعتقاده ومنها أن يعلم الله أن في نسلهم من يوقن ويعتقد التوحيد فلم يجز أن يقتلوا مع العلم بأنه سيكون في أولادهم من يعتقد الإيمان* وقال أصحابنا فيمن أكره من أهل الذمة على الإيمان أنه يكون مسلما في الظاهر ولا يترك والرجوع إلى دينه إلا أنه لا يقتل إن رجع إلى دينه ويجبر على الإسلام من غير قتل لأن الإكراه لا يزيل عنه حكم الإسلام إذا أسلم وإن كان دخوله فيه مكرها دالا على أنه غير معتقد له لما وصفنا من إسلام من أسلم من المشركين بقتال النبي صلّى الله عليه وسلّم وقوله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها فجعل النبي صلّى الله عليه وسلّم إظهار الإسلام عند القتال إسلاما في الحكم فكذلك المكره على الإسلام من أهل الذمة واجب أن يكون مسلما في الحكم ولكنهم لم يقتلوا للشبهة ولا نعلم خلافا أن أسيرا من أهل الحرب لو قدم ليقتل فأسلم أنه يكون مسلما ولم يكن إسلامه خوفا من القتل مزيلا عنه حكم الإسلام فكذلك الذمي* فإن قال قائل قوله تعالى( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ) يحظر إكراه الذمي على الإسلام وإذا كان الإكراه على هذا الوجه محظورا وجب أن لا يكون مسلما في الحكم وأن لا يتعلق عليه حكمه ولا يكون حكم الذمي في هذا حكم الحربي لأن الحربي يجوز أن يكره على الإسلام لإبائه الدخول في الذمة ومن دخل في الذمة لم يجز إكراهه على الإسلام* قيل له إذا ثبت أن الإسلام لا يختلف حكمه في الإكراه والطوع لمن يجوز إجباره عليه أشبه في هذا الوجه العتق والطلاق وسائر ما لا يختلف فيه حكم جده وهزله ثم لا يختلف بعد ذلك أن يكون الإكراه مأمورا به أو مباحا كما لا يختلف حكم العتق والطلاق في ذلك لأن رجلا لو أكره رجلا على طلاق أو عتاق ثبت حكمهما عليه وإن كان المكره ظالما في إكراهه منهيا عنه وكونه منهيا عنه لا يبطل حكم العتق والطلاق عندنا كذلك ما وصفنا من أمر الإكراه على الإسلام.
قوله عز وجل( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ ) الآية قال أبو بكر
إن إيتاء الله الملك للكافر إنما هو من جهة كثرة المال واتساع الحال وهذا جائز أن ينعم الله على الكافرين به في الدنيا ولا يختلف حكم الكافر والمؤمن في ذلك ألا ترى إلى قوله تعالى( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ) فهذا الضرب من الملك جائز أن يؤتيه الله الكافر وأما الملك الذي هو تمليك الأمر والنهى وتدبير أمور الناس فإن هذا لا يجوز أن يعطيه الله أهل الكفر والضلال لأن أوامر الله تعالى وزواجره إنما هي استصلاح للخلق فغير جائز استصلاحهم بمن هو على الفساد مجانب للصلاح ولأنه لا يجوز أن يأتمن أهل الكفر والضلال على أوامره ونواهيه وأمور دينه كما قال تعالى في آية أخرى( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) وكانت محاجة الملك الكافر لإبراهيم عليه السّلام وهو النمروذ بن كنعان أنه دعاه إلى اتباعه وحاجه بأنه ملك يقدر على الضر والنفع فقال إبراهيم عليه السّلام فإن ربي الذي يحيى ويميت وأنت لا تقدر على ذلك فعدل عن موضع احتجاج إبراهيم عليه السّلام إلى معارضته بالإشراك في العبارة دون حقيقة المعنى لأن إبراهيم عليه السّلام حاجه بأن أعلمه أن ربه هو الذي يخلق الحياة والموت على سبيل الاختراع فجاء الكافر برجلين فقتل أحدهما وقال قد أمته وخلى الآخر وقال قد أحييته على سبيل مجاز الكلام لا على الحقيقة لأنه كان عالما بأنه غير قادر على اختراع الحياة والموت* فلما قرر عليه الحاجة وعجز الكافر عن معارضته بأكثر مما أورد زاده حجاجا لا يمكنه مع معارضته ولا إيراد شبهة يموه بها على الحاضرين وقد كان الكافر عالما بأن ما ذكره ليس بمعارضة لكنه أراد التمويه على أغمار أصحابه كما قال فرعون حين آمنت السحرة عند إلقاء موسى عليه السّلام العصا وتلقفها جميع ما لقوا من الحبال والعصى وعلموا أن ذلك ليس بسحر وأنه من فعل الله فأراد فرعون التمويه عليهم فقال إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها يعنى تواطأتم عليه مع موسى قبل هذا الوقت حتى إذا اجتمعتم أظهرتم العجز عن معارضته والإيمان به وكان ذلك مما موه به على أصحابه وكذلك الكافر الذي حاج إبراهيم عليه السّلام ولم يدعه إبراهيم عليه السّلام وما رام حتى أتاه بما لم يمكنه دفعه بحال ولا معارضة فقال فإن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فانقطع وبهت ولم يمكنه أن يلجأ إلى معارضة أو شبهة وفي حجاج إبراهيم عليه السّلام بهذا اللطف دليل وأوضح برهان لمن عرف معناه وذلك أن القوم الذين
بعث فيهم إبراهيم عليه السّلام كانوا صابئين عبدة أوثان على أسماء الكواكب السبعة وقد حكى الله عنهم في غير هذا الموضع أنهم كانوا يعبدون الأوثان ولم يكونوا يقرون بالله تعالى وكانوا يزعمون حوادث العالم كلها في حركات الكواكب السبعة وأعظمها عندهم الشمس ويسمونها وسائر الكواكب آلهة والشمس عندهم هو الإله الأعظم الذي ليس فوقه إله وكانوا لا يعترفون بالباري جل وعز وهم لا يختلفون وسائر من يعرف مسير الكواكب أن لها ولسائر الكواكب حركتين متضادتين إحداهما من المغرب إلى المشرق وهي حركتها التي تختص بها لنفسها والأخرى تحريك الفلك لها من المشرق إلى المغرب وبهذه الحركة تدور علينا كل يوم وليلة دورة وهذا أمر مقرر عند من يعرف مسيرها فقال له إبراهيم عليه السّلام إنك تعترف أن الشمس التي تعبدها وتسميها إلها لها حركة قسر ليس هي حركة نفسها بل هي بتحريك غيرها لها يحركها من المشرق إلى المغرب والذي أدعوك إلى عبادته هو فاعل هذه الحركة في الشمس ولو كانت إلها لما كانت مقسورة ولا مجبرة فلم يمكنه عند ذلك دفع هذا الحجاج بشبهة ولا معارضة إلا قوله( حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) وهاتان الحركتان المتضادتان للشمس ولسائر الكواكب لا توجدان لها في حال واحدة لاستحالة وجود ذلك في جسم واحد في وقت واحد ولكنها لا بد من أن تتخلل إحداهما سكون فتوجد الحركة الأخرى في وقت لا توجد فيه الأولى* قال أبو بكر فإن قيل كيف ساغ لإبراهيم عليه السّلام الانتقال عن الحجاج الأول إلى غيره قيل له لم ينتقل عنه بل كان ثابتا عليه وإنما أردفه بحجاج آخر كما أقام الله الدلائل على توحيده من عدة وجوه وكل ما في السموات والأرض دلائل عليه وأيد نبيه صلّى الله عليه وسلّم بضروب من المعجزات كل واحدة منها لو انفردت لكانت كافية مغنية وقد حاجهم إبراهيم عليه السّلام بغير ذلك من الحجاج في قوله تعالى( وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي ) روى في التفسير أنه أراد تقرير قومه على صحة استدلاله وبطلان قولهم فقال( هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ) وكان ذلك في ليلة يجتمعون فيها في هياكلهم وعند أصنامهم عيدا لهم فقررهم ليلا على أمر الكواكب عند ظهوره وأفوله وحركته وانتقاله وأنه لا يجوز أن يكون مثله إلها لما ظهرت فيه من آيات الحدث ثم كذلك في القمر ثم لما أصبح قررهم على مثله في
الشمس حتى قامت الحجة عليهم ثم كسر أصنامهم وكان من أمره ما حكاه الله عنه* وهذه الآية تدل على صحة المحاجة في الدين واستعمال حجج العقول والاستدلال بدلائل الله تعالى على توحيده وصفاته الحسنى وتدل على أن المحجوج المنقطع يلزمه اتباع الحجة وترك ما هو عليه من المذهب الذي لا حجة له فيه وتدل على بطلان قول من لا يرى الحجاج في إثبات الدين لأنه لو كان كذلك لما حاجه إبراهيم عليه السّلام وتدل على أن المحجوج عليه أن ينظر فيما ألزم من الحجاج فإذا لم يجد منه مخرجا صار إلى ما يلزمه وتدل على أن الحق سبيله أن لا يقبل بحجته إذ لا فرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل وإلا فلو لا الحجة التي بان بها الحق من الباطل لكانت الدعوى موجودة في الجميع فكان لا فرق بينه وبين الباطل وتدل على أن الله تعالى لا يشبهه شيء وأن طريق معرفته ما نصب من الدلائل على توحيده لأن أنبياء الله عليهم السّلام إنما حاجوا الكفار بمثل ذلك ولم يصفوا الله تعالى بصفة توجب التشبيه وإنما وصفوه بأفعاله واستدلوا بها عليه قوله عز وجل( قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ ) قول هذا القائل لم يكن كذبا وقد أماته الله مائة عام لأنه أخبر عما عنده فكأنه قال عندي إنى لبثت يوما أو بعض يوم ونظيره أيضا ما حكاه الله تعالى عن أصحاب الكهف قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم وقد كانوا لبثوا ثلاثمائة وتسع سنين ولم يكونوا كاذبين فيما أخبروا عما عندهم كأنهم قالوا عندنا في ظنوننا إنما لبثنا يوما أو بعض يوم ونظيره قول النبي صلّى الله عليه وسلّم حين صلى ركعتين وسلم في إحدى صلاة العشاء فقال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت فقال لم تقصر ولم أنس وكان صلّى الله عليه وسلّم صادقا لأنه أخبر عما عنده في ظنه وكان عنده أنه قد أتمها فهذا كلام سائغ جائز غير ملوم عليه قائله إذا أخبر عن اعتقاده وظنه لا عن حقيقة مخبره ولذلك عفا الله عن الحالف بلغو اليمين وهو فيما روى قول الرجل لمن سأله هل كان كذا وكذا فيقول على ما عنده لا والله أو يقول بلى والله وإن اتفق مخبره خلافه لأنه إنما أخبر عن عقيدته وضميره والله الموفق.
باب الامتنان بالصدقة
قال الله تعالى( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً ) الآية وقال تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ
مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ ) وقال تعالى( قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً ) وقال تعالى( وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ) أخبر الله تعالى في هذه الآيات أن الصدقات إذا لم تكن خالصة لله عارية من من وأذى فليست بصدقة لأن إبطالها هو إحباط هو إحباط ثوابها فيكون فيها بمنزلة من لم يتصدق وكذلك سائر ما يكون سبيله وقوعه على وجه القربة إلى الله تعالى فغير جائز أن يشوبه رياء ولا وجه غير القربة فإن ذلك يبطله كما قال تعالى( وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ) وقال تعالى( وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ) فما لم يخلص لله تعالى من القرب فغير مثاب عليه فاعله ونظيره أيضا قوله تعالى( مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ) ومن أجل ذلك قال أصحابنا لا يجوز الاستيجار على الحج وفعل الصلاة وتعليم القرآن وسائر الأفعال التي شرطها أن تفعل على وجه القربة لأن أخذ الأجر عليها يخرجها عن أن تكون قربة لدلائل هذه الآيات ونظائرها وروى عمرو عن الحسن في قوله تعالى( لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ) قال هو المتصدق يمن بها فنهاه الله عن ذلك وقال ليحمد الله إذ هداه للصدقة وعن الحسن في قوله تعالى( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) قال يتثبتون أين يضعون أموالهم وعن الشعبي قال تصديقا ويقينا من أنفسهم وقال قتادة ثقة من أنفسهم والمن في الصدقة أن يقول المتصدق قد أحسنت إلى فلان ونعشته وأغنيته فذلك ينغصها على المتصدق بها عليه والأذى قوله أنت أبدا فقير وقد بليت بك وأراخنى الله منك ونظيره من القول الذي فيه تعبير له بالفقر فقال تعالى( قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً ) يعنى والله أعلم ردا جميلا ومغفرة قيل فيها ستر الخلة على السائر وقيل العفو عمن ظلمه خير من صدقة يتبعها أذى لأنه يستحق المأثم بالمن والأذى ورد السائل بقول جميل فيه السلامة من المعصية فأخبر الله تعالى أن ترك الصدقة برد جميل خير من صدقة يتبعها أذى وامتنان وهو نظير قوله تعالى( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً ) والله تعالى الموفق.
باب المكاسبة
قال الله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ) فيه إباحة المكاسب وأخبار أن فيها طيبا والمكاسب وجهان أحدهما إبدال الأموال وأرباحها والثاني إبدال المنافع وقد نص الله تعالى على إباحتها في مواضع من كتابه نحو قوله تعالى( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) وقوله تعالى( وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ) وقال تعالى( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ) يعنى والله أعلم من يتجر ويكرى ويحتج مع ذلك وقال تعالى في إبدال المنافع( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ ) وقال شعيب عليه السّلام( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ ) وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم من استأجر أجيرا فليعلمه أجره وقال صلّى الله عليه وسلّم لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه وقد روى الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه وقد روى عن جماعة من السلف في قوله تعالى( أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ) أنه من التجارات منهم الحسن ومجاهد* وعموم هذه الآية يوجب الصدقة في سائر الأموال لأن قوله تعالى( ما كَسَبْتُمْ ) ينتظمها وإن كان غير مكتف بنفسه في المقدار الواجب فيها فهو عموم في أصناف الأموال مجمل في المقدار الواجب فيها فهو مفتقر إلى البيان ولما ورد البيان من النبي صلّى الله عليه وسلّم بذكر مقادير الواجبات فيها صح الاحتجاج بعمومها في كل مال اختلفنا في إيجاب الحق فيه نحو أموال التجارة ويحتج بظاهر الآية على من ينفى إيجاب الزكاة في العروض ويحتج فيه أيضا في إيجاب صدقة الخيل وفي كل ما اختلف فيه من الأموال وذلك لأن قوله تعالى( أَنْفِقُوا ) المراد به الصدقة والدليل عليه قوله تعالى( وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ) يعنى تتصدقون ولم يختلف السلف والخلف في أن المراد به الصدقة ومن أهل العلم من قال إن هذا في صدقة التطوع لأن الفرض إذا أخرج عنه الرديء كان الفضل باقيا في ذمته حتى يؤدى وهذا عندنا يوجب صرف اللفظ عن الوجوب إلى النفل من وجوه أحدها أن قوله( أَنْفِقُوا ) أمر والأمر عندنا على الوجوب حتى تقوم دلالة الندب وقوله( وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ) لا دلالة فيه على أنه ندب إذ لا يختص
النهى عن إخراج الردى بالنفل دون الفرض وأن يجب عليه إخراج فضل ما بين الردى إلى الجيد لأنه لا ذكر له في الآية وإنما يعلم ذلك بدلالة أخرى فلا يعترض ذلك على مقتضى الآية في إيجاب الصدقة ومع ذلك لو دلت الدلالة من الآية على أنه ليس عليه إخراج غير الردى الذي أخرجه لم يوجب ذلك صرف حكم الآية عن الإيجاب إلى الندب لأنه جائز أن يبتدئ الخطاب بالإيجاب ثم يعطف عليه بحكم مخصوص في بعض ما اقتضاه عمومه ولا يوجب ذلك الاقتصار بحكم ابتداء الخطاب على الخصوص وصرفه عن العموم ولذلك نظائر كثيرة قد بيناها في مواضع وقوله تعالى( وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ) عموم في إيجابه الحق في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره في سائر الأصناف الخارجة منها ويحتج به لأبى حنيفة رضى الله عنه في إيجابه العشر في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره في سائر الأصناف الخارجة منها مما تقصد الأرض بزراعتها ومما يدل من فحوى الآية على أن المراد بها الصدقات الواجبة قوله تعالى في نسق التلاوة( وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ) وهذا إنما هو في الديون إذا اقتضاها صاحبها لا يتسامح بالردى عن الجيد إلا على إغماض وتساهل فدل ذلك على أن المراد الصدقة الواجبة والله أعلم إذا ردها إلى الإغماض في اقتضاء الدين ولو كان تطوعا لم يكن فيها إغماض إذ له أن يتصدق بالقليل والكثير وله أن لا يتصدق وفي ذلك دليل على أن المراد الصدقة الواجبة* وأما قوله تعالى( وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ) روى الزهري عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن نوعين من التمر الجعرور ولون الحبيق قال وكان ناس يخرجون شر ثمارهم في الصدقة فنزلت( وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ) وروى عن البراء بن عازب مثل ذلك قال في قوله تعالى( وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ) لو أن أحدكم أهدى إليه مثل ما أعطى لما أخذه إلا على إغماض وحياء وقال عبيدة إنما ذلك في الزكاة والدرهم الزائف أحب إلى من الثمرة وعن ابن معقل في هذه الآية قال ليس في أموالهم خبيث ولكنه الدرهم القسي والزيف ولستم بآخذيه قال لو كان لك على رجل حق لم تأخذ الدرهم القسي والزيف ولم تأخذ من الثمر إلا الجيد إلا أن تغمضوا فيه تجوزوا فيه وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم نحو هذا وهو ما كتبه في كتاب الصدقة وقال فيه ولا تؤخذ هرمة ولا ذات عوار رواه الزهري عن سالم عن أبيه* وقد قيل عن ابن عباس في قوله
تعالى( إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ) إلا أن تحطوا من الثمن وعن الحسن وقتادة مثله وقال البراء ابن عازب إلا أن تتساهلوا فيه وقيل لستم بآخذيه إلا بوكس فكيف تعطونه في الصدقة هذه الوجوه كلها محتملة وجائز أن يكون جميعها مراد الله تعالى بأنهم لا يقبلونه في الهدية إلا بإغماض ولا يقبضونه من الجيد إلا بتساهل ومسامحة ولا يبيعون بمثله إلا بحبط ووكس وقد اختلف أصحابنا فيمن أدى من المكيل والموزون دون الواجب في الصفة فأدى عن الجيد رديا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يجب عليه أداء الفضل وقال محمد عليه أن يؤدى الفضل الذي بينهما وقالوا جميعا في الغنم والبقر وجميع الصدقات مما لا يكال ولا يوزن أن عليه أداء الفضل فيجوز أن يحتج لمحمد بهذه الآية وقوله تعالى( وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ) والمراد به الردى منه وقوله تعالى( وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ) ولصاحب الحق أن لا يغمض فيه ولا يتساهل ويطالب بحقه من الجودة فهذا يدل على أن عليه أداء الفضل حتى لا يقع فيه إغماض لأن الحق في ذلك لله تعالى وقد نفى الإغماض في الصدقة بنهيه عن عطاء الردى فيها وأما أبو حنيفة وأبو يوسف فإنهما قالا كل ما لا يجوز التفاضل فيه فإن الجيد والردى حكمهما سواء في حظر التفاضل بينهما وإن قيمته من جنسه لا يكون إلا بمثله ألا ترى أنه لو اقتضى دينا على أنه جيد فأنفقه ثم علم أنه كان رديا أنه لا يرجع على الغريم بشيء وأن ما بينهما من الفضل لا يغرمه وإنما يقول أبو يوسف فيه أنه يغرم مثل ما قبض من الغريم ويرجع بدينه وغير ممكن مثله في الصدقة لأن الفقير لا يغرم شيئا فلو غرمه لم تكن له مطالبة المتصدق برد الجيد عليه فلذلك لم يلزمه إعطاء الفضل وإنما نهى الله تعالى المتصدق عن قصد الردى بالإخراج وقد وجب إخراج الجيد فإنهم يقولون إنه منهى عنه ولكن لما كان حكم ما أعطى حكم الجيد فيما وصفنا أجزأ عنه وأما ما يجوز فيه التفاضل فإنه مأمور بإخراج الفضل فيه لأنه جائز أن تكون قيمته من جنسه أكثر منه ويباع بعضه ببعض متفاضلا وأما محمد فإنه لم يجز إخراج الردى من الجيد إلا بمقدار قيمته منه فأوجب عليه إخراج الفضل إذ ليس بين العبد وبين سيده ربا* وفي هذه الآية دلالة على جواز اقتضاء الردى عن الجيد في سائر الديون لأن الله تعالى أجاز الإغماض في الديون بقوله تعالى( إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ) ولم يفرق بين شيء منه فدل ذلك على معان منها جواز اقتضاء الزيوف التي أقلها غش وأكثرها
فضة عن الجياد في رأس مال السلم وثمن الصرف اللذين لا يجوز أن يأخذ عنهما غيرهما ودل على أن حكم الردى في ذلك حكم الجيد وهذا يدل أيضا على جواز بيع الفضة الجيدة بالردية وزنا بوزن لأن ما جاز اقتضاء بعضه عن بعض جاز بيعه به ويدل على أن قول النبي صلّى الله عليه وسلّم الذهب بالذهب مثلا بمثل إنما أراد المماثلة في الوزن لا في الصفة وكذلك سائر ما ذكره معه ويدل على جواز اقتضاء الجيد عن الردى برضا الغريم كما جاز اقتضاء الردى عن الجيد إذ لم يكن لاختلافهما في الصفة حكم وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم خيركم أحسنكم قضاء قال جابر بن عبد الله قضانى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وزادني وروى عن ابن عمر والحسن وسعيد بن المسيب وإبراهيم والشعبي قالوا لا بأس إذا أقرضه دراهم سودا أن يقبضه بيضا إذا لم يشرط ذلك عليه وروى سليمان التيمي عن أبى عثمان النهدي عن ابن مسعود أنه كان يكره إذا أقرض دراهم أن يأخذ خيرا منها وهذا ليس فيه دلالة على أنه كرهه إذا رضى المستقرض وإنما لا يجوز له أن يأخذ خيرا منها إذا لم يرض صاحبه قوله تعالى( الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ) قد قيل إن الفحشاء تقع على وجوه والمراد بها في هذا الموضع البخل والعرب تسمى البخيل فاحشا والبخل فحشا قال الشاعر :
أرى الموت يعتام الكرام ويصطف |
عقيلة مال الفاحش المتشدد |
يعنى مال البخيل وفي هذه الآية ذم البخيل والبخل* وقوله عز وجل( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾ الآية روى عن ابن عباس أنه قال هذا في صدقة التطوع فأما في الفريضة فإظهارها أفضل لئلا تلحقه تهمة وعن الحسن ويزيد بن أبى حبيب وقتادة الإخفاء في جميع الصدقات أفضل وقد مدح الله تعالى على إظهار الصدقة كما مدح على اخفائها في قوله تعالى( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ وجائز أن يكون قوله تعالى( وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) في صدقة التطوع على ما روى عن ابن عباس وجائز أن يكون في جميع الصدقات الموكول أداؤها إلى أربابها من نفل أو فرض دون ما كان منها أخذه إلى الإمام إلا أن عموم اللفظ يقتضى جميعها لأن الألف واللام هنا للجنس فهي شاملة لجميعها* وهذا يدل على أن جميع الصدقات مصروفة إلى الفقراء وأنها إنما تستحق بالفقر لا غير وأن ما ذكر الله تعالى من أصناف من تصرف إليهم الصدقة في قوله تعالى( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ﴾ إنما
«12 ـ أحكام في»
يستحق منهم من يأخذها صدقة بالفقر دون غيره وإنما ذكر الأصناف لما يعمهم من أسباب الفقر دون من لا يأخذها صدقة من المؤلفة قلوبهم والعاملين عليها فإنهم لا يأخذونها صدقة وإنما تحصل في يد الإمام صدقة للفقراء ثم يصرف إلى المؤلفة قلوبهم والعاملين ما يعطون على أنه ليس بصدقة لكن عوضا من العمل ولدفع أذيتهم عن أهل الإسلام أو ليستمالوا به إلى الإيمان* ومن المخالفين من يحتج بذلك في جواز إعطاء جميع الصدقات للفقراء دون الإمام وأنهم إذا أعطوا الفقراء صدقة المواشي سقط حق الإمام في الأخذ لقوله تعالى( وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) وذلك عام في سائرها لأن الصدقة هاهنا اسم للجنس* وليس في هذا عندنا دلالة على ما ذكروا لأن أكثر ما فيه أنه خير للمعطى فليس فيه سقوط حق الإمام في الأخذ وليس كونها خيرا له نافيا لثبوت حق الإمام في الأخذ إذ لا يمتنع أن يكون خيرا لهم ويأخذها الإمام فيتضاعف الخير بأخذها ثانيا وقد قدمنا قول من يقول إن هذا في صدقة التطوع* ومن أهل العلم من يقول إن الإجماع قد حصل على أن إظهار صدقة الفرض أولى من إخفائها كما قالوا في الصلوات المفروضة ولذلك أمروا بالاجتماع عليها في الجماعات بأذان وإقامة وليصلوها ظاهرين فكذلك سائر الفروض لئلا يقيم نفسه مقام تهمة في ترك أداء الزكاة وفعل الصلاة قالوا فهذا يوجب أن يكون قوله تعالى( وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) في التطوع خاصة لأن ستر الطاعات النوافل أفضل من إظهارها لأنه أبعد من الرياء وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال سبعة يظلهم الله في ظل عرشه أحدهم رجل تصدق بصدقة لم تعلم شماله ما تصدقت به يمينه وهذا إنما هو في التطوع دون الفرض ويدل على أن المراد صدقة التطوع أنه لا خلاف أن العامل إذا جاء قبل أن تؤدى صدقة المواشي فطالبه بأدائها أن الفرض عليه أداؤها إليه فصار إظهار أدائها في هذه الحال فرضا وفي ذلك دليل على أن المراد بقوله تعالى( وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ ) صدقة التطوع والله تعالى أعلم بالصواب.
باب إعطاء المشرك من الصدقة
قال الله تعالى( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ) قال أبو بكر ما تقدم في هذا الخطاب وما جاء في نسقه يدل على أن قوله تعالى
( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ) إنما معناه في الصدقة عليهم لأنه ابتدأ الخطاب بقوله تعالى( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ) ثم عطف عليه قوله تعالى( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ) ثم عقب ذلك بقوله تعالى( وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ) فدل ما تقدم من الخطاب في ذلك وتأخر عنه من ذكر الصدقة أن المراد إباحة الصدقة عليهم وإن لم يكونوا على دين الإسلام وقد روى ذلك عن جماعة من السلف روى عن جعفر بن أبى المغيرة عن سعيد بن جبير قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا تصدقوا إلا على أهل دينكم فأنزل الله( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ) فقال صلّى الله عليه وسلّم تصدقوا على أهل الأديان وروى الحجاج عن سالم المكي عن ابن الحنفية قال كره الناس أن يتصدقوا على المشركين فأنزل الله( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ) فتصدق الناس عليهم من غير الفريضة* قال أبو بكر لا ندري هذا من كلام من هو أعنى قوله فتصدق الناس عليهم من غير الفريضة وجائز أن يريد به من غير الزكاة وصدقات المواشي دون كفارات الأيمان ونحوها وأيضا قوله فتصدق الناس عليهم من غير الفريضة لا يوجب تخصيص الآية لأن فعلهم لا يقتضى الوجوب ومع ذلك فهم مخيرون بين أن يتصدقوا عليهم وبين أن لا يتصدقوا وروى الأعمش عن جعفر بن أياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان ناس لهم أنساب وقرابة من قريظة والنضير فكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم ويريدونهم على الإسلام فنزلت( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ) إلى آخر الآية وروى هشام بن عروة عن أبيه عن أمه أسماء قالت أتتني أمى في عهد قريش راغبة وهي مشركة فسألت النبي صلّى الله عليه وسلّم أصلها قال نعم * قال أبو بكر ونظير هذه الآية في دلالتها على ما دلت عليه قوله تعالى( وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ) فروى عن الحسن قال هم الأسراء من أهل الشرك وروى عن سعيد بن جبير وعطاء قال هم أهل القبلة وغيرهم* قال أبو بكر الأول أظهر لأن الأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركا ونظيرها أيضا قوله تعالى( لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ) إلى آخر القصة فأباح برهم وإن كانوا مشركين إذا لم يكونوا أهل حرب لنا والصدقات من البر فاقتضى جواز دفع الصدقات إليهم وظواهر هذه الآي توجب جواز دفع سائرها إليهم إلا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد خص منها الزكوات وصدقات المواشي وكل ما كان أخذه من الصدقات إلى الإمام بقوله أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم وقال لمعاذ أعلمهم
إن الله فرض عليهم حقا في أموالهم يؤخذ من أغنيائهم ويرد على فقرائهم فكانت الصدقات التي أخذها إلى الإمام مخصوصة من هذه الجملة فلذلك قال أبو حنيفة كل صدقة ليس أخذها إلى الإمام فجائز إعطاؤها أهل الذمة وما كان أخذها إلى الإمام لا يعطى أهل الذمة فيجيز إعطاء الكفارات والنذور وصدقة الفطر أهل الذمة* فإن قيل فزكاة* المال ليس أخذها إلى الإمام ولا يجوز أن تعطى أهل الذمة* قيل أخذها في الأصل إلى الإمام وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يأخذها وكذلك أبو بكر وعمر فلما كان عثمان قال للناس إن هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده ثم ليزك بقية ماله فجعل أرباب الأموال وكلاء له في أدائها ولم يسقط في ذلك حق الإمام في أخذها وقال أبو يوسف كل صدقة واجبة فغير جائز دفعها إلى الكفار قياسا على الزكاة* قوله تعالى( لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ ) الآية يعنى والله أعلم النفقة المذكورة بديا والمراد بها الصدقة وروى عن مجاهد والسدى المراد فقراء المهاجرين* وقوله تعالى( أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ) قيل إنهم منعوا أنفسهم التصرف في التجارة خوف العدو من الكفار روى ذلك عن قتادة لأن الإحصار منع النفس عن التصرف لمرض أو حاجة أو مخافة فإذا منعه العدو قيل أحصره* وقوله تعالى( يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ) يعنى والله أعلم الجاهل بحالهم وهذا يدل على أن ظاهر هيئتهم وبزتهم يشبه حال الأغنياء ولو لا ذلك لما ظنهم الجاهل أغنياء لأن ما يظهر من دلالة الفقر شيئان أحدهما بذاذة الهيئة ورئاثة الحال والآخر المسألة على أنه فقير فليس يكاد يحسبهم الجاهل أغنياء إلا لما يظهر له من حسن البزة الدالة على الغنى في الظاهر* وفي هذه الآية دلالة على أن من له ثياب الكسوة ذات قيمة كثيرة لا تمنعه إعطاء الزكاة لأن الله تعالى قد أمرنا بإعطاء الزكاة من ظاهر حاله مشبه لأحوال الأغنياء ويدل على أن الصحيح الجسم جائز أن يعطى من الزكاة لأن الله تعالى أمر بإعطاء هؤلاء القوم وكانوا من المهاجرين الذين كانوا يقاتلون مع النبي صلّى الله عليه وسلّم المشركين ولم يكونوا مرضى ولا عميانا* وقوله عز وجل( تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ ) فإن السيما العلامة قال مجاهد المراد به هنا التخشع وقال السدى والربيع بن أنس هو علامة الفقر وقال الله تعالى( سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) يعنى علامتهم فجائز أن تكون العلامة المذكورة في قوله تعالى( تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ ) ما يظهر في وجه الإنسان من كسوف
البال وسوء الحال وإن كانت بزتهم وثيابهم وظاهر هيئتهم حسنة جميلة وجائز أن يكون الله تعالى قد جعل لنبيه علما يستدل به إذا رآهم عليه على فقرهم وإن كنا لا نعرف ذلك مهم إلا بظهور المسألة منهم أو بما يظهر من بذاذة هيئتهم* وهذا يدل على أن لما يظهر ذلك عليه وقد اعتبر أصحابنا ذلك في الميت في دار الإسلام أو في دار الحرب إذا لم يعرف أمره قبل ذلك في إسلام أو كفر أنه ينظر إلى سيماه فإن كانت عليه سيما أهل الكفر من شد زنار أو عدم ختان وترك الشعر على حسب ما يفعله رهبان النصارى حكم له بحكم الكفار ولم يدفن في مقابر المسلمين ولم يصل عليه وإن كان عليه سيما أهل الإسلام حكم له بحكم المسلمين في الصلاة والدفن وإن لم يظهر عليه شيء من ذلك فإن كان في مصر من الأمصار التي للمسلمين فهو مسلم وإن كان في دار الحرب فمحكوم له بحكم الكفر فجعلوا اعتبار سيماه بنفسه أولى منه بموضعه الموجود فيه فإذا عدمنا السيما حكمنا له بحكم أهل الموضع وكذلك اعتبروا في اللقيط ونظيره أيضا قوله تعالى( إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) فاعتبر العلامة ومن نحوه قوله تعالى( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) وأخوة يوسف عليه السّلام لطخوا قميصه بدم وجعلوه علامة لصدقهم قال الله تعالى( وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ) وقوله تعالى( لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً ) يعنى والله أعلم إلحاحا وإدامة للمسألة لأن إلحاف المسألة هو الاستقصاء فيها وإدامتها وهذا يدل على كراهة الإلحاف في المسألة* فإن قيل فإنما قال الله عز وجل( لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً ) فنفى عنهم الإلحاف* في المسألة ولم ينف عنهم المسألة رأسا* قيل له في فحوى الآية ومضمون المخاطبة ما يدل على نفى المسألة رأسا وهو قوله تعالى( يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ) فلو كانوا أظهروا المسألة وإن لم تكن إلحافا لما حسبهم أغنياء وكذلك قوله تعالى( مِنَ التَّعَفُّفِ ) لأن التعفف هو القناعة وترك المسألة فدل ذلك على وصفهم بترك المسألة أصلا ويدل على أن التعفف هو ترك المسألة قول النبي صلّى الله عليه وسلّم من استغنى أغناه الله ومن استعف أعفه الله وإذا ثبت بما ذكرنا من دلالة الآي أن ثياب الكسوة لا تمنع الزكاة وإن كانت سرية وجب أن يكون كذلك حكم المسكن والأثاث والفرس والخادم لعموم الحاجة إليه فإذا كانت الحاجة إلى هذه الأشياء حاجة ماسة فهو غير غنى بها لأن الغنى هو ما فضل
عن مقدار الحاجة* واختلف الفقهاء في مقدار ما يصير به غنيا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر إذا فضل عن مسكنه وكسوته وأثاثه وخادمه وفرسه ما يساوى مائتي درهم لم تحل له الزكاة وإن كان أقل من مائتي درهم حلت له الزكاة وقال مالك في رواية ابن القاسم يعطى من الزكاة من له أربعون درهما وروى غيره عن مالك أنه لا يعطى من له أربعون درهما وقال الثوري والحسن بن صالح لا يأخذ الزكاة من له خمسون درهما وقال عبد الله بن الحسن من لا يكون عنده ما يقوته أو يكفيه سنة فإنه يعطى من الصدقة وقال الشافعى يعطى الرجل على قدر حاجته حتى يخرجه ذلك من حد الفقر إلى الغنى كان ذلك تجب فيه الزكاة أو لا تجب ولا أجد في ذلك حدا ذكره المزني والربيع وحكى عنه أنها لا تحل للقوى المكتسب وإن كان فقيرا* والدليل على صحة ما ذكرنا من اعتبار مائتي درهم فاضلا عما يحتاج إليه ما روى عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن رجل من مزينة أنه سمع النبي صلّى الله عليه وسلّم يخطب وهو يقول من استغنى أغناه الله ومن استعفف أعفه الله ومن سأل الناس وله عدل خمس أواق سأل إلحافا فدل ذكره لهذا المقدار أنه هو الذي يخرج به من حد الفقر إلى الغنى ويوجب تحريم المسألة ويدل عليه أيضا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها على فقرائكم ثم قال في مائتي درهم خمسة دراهم وليس فيما دونها شيء فجعل حد الغنى مائتي درهم فوجب اعتبارها دون غيرها ودل أيضا على أن الذي لا يملك هذا القدر يعطى من الزكاة لأنه صلّى الله عليه وسلّم جعل الناس صنفين أغنياء وفقراء فجعل الغنى من ملك هذا المقدار وأمر بأخذ الزكاة منه وجعل الفقير الذي يرد عليه هو الذي لا يملك هذا القدر وقد روى أبو كبشة السلولي عن سهل بن الحنظلية قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول من سأل الناس عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم قلت يا رسول الله ما ظهر غناه قال أن يعلم أن عند أهله ما يغديهم ويعشيهم وقد روى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بنى أسد قال أتيت النبي صلّى الله عليه وسلّم وسمعته يقول لرجل من سأل منكم وعنده أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا والأوقية يومئذ أربعون درهما وروى محمد بن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يسأل عبد مسألة وله ما يغنيه إلا جاءت شيئا أو كدوحا أو خدوشا في وجهه يوم القيامة قيل يا رسول الله وما غناه قال خمسون درهما أو حسابها من الذهب وهذه واردة في
كراهة المسألة ولا دلالة فيها على تحريم الصدقة عليه وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يستحب ترك المسألة لمن يملك ما يغديه ويعشيه إذ كان هناك من فقراء المسلمين وأهل الصفة من لا يقدر على غداء ولا عشاء فاختار النبي صلّى الله عليه وسلّم لمن يملك هذا القدر الاقتصار على ما يملكه والتعفف بترك المسألة ليصل ذلك إلى من هو أحوج منه إليه لا على وجه التحريم ولما اتفق الجميع على أن سبيل استباحة الصدقة ليست سبيل الضرورة إلى الميتة إذ كانت الميتة لا تحل إلا عند الخوف على النفس والصدقة تحل بإجماع المسلمين لمن احتاج ولم يخف الموت إذا لم يكن عنده شيء فوجب أن يكون المبيح لها الفقر وأيضا لما كانت هذه الأخبار مختلفا في استعمال حكمها وهي في أنفسها مختلفة واتفق الجميع على استعمال الخبر الذي روينا في مائتي درهم وتحريم الصدقة معها وجب أن يكون ثابت الحكم وما عداه إما أن يكون على وجه الكراهة للمسألة أو منسوخة بخبرنا إن كان المراد بها تحريم الصدقة.
باب الربا
قال الله تعالى( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ ـ إلى قوله ـوَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ) قال أبو بكر أصل الربا في اللغة هو الزيادة ومنه الرابية لزيادتها على ما حواليها من الأرض ومنه الربوة من الأرض وهي المرتفعة ومنه قولهم أربى فلان على فلان في القول أو الفعل إذا زاد عليه وهو في الشرع يقع على معان لم يكن الإسم موضوعا لها في اللغة ويدل عليه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سمى النساء ربا في حديث أسامة بن زيد فقال إنما الربا في النسيئة وقال عمر بن الخطاب إن من الربا أبوابا لا تخفى منها السلم في السن يعنى الحيوان وقال عمر أيضا إن آية الربا من آخر ما نزل من القرآن وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قبض قبل أن يبينه لنا فدعوا الربا والريبة فثبت بذلك أن الربا قد صار اسما شرعيا لأنه لو كان باقيا على حكمه في أصل اللغة لما خفى على عمر لأنه كان عالما بأسماء اللغة لأنه من أهلها ويدل عليه أن العرب لم تكن تعرف بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة نساء ربا وهو ربا في الشرع وإذا كان ذلك على ما وصفنا صار بمنزلة سائر الأسماء المجملة المفتقرة إلى البيان وهي الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع لمعان لم يكن الاسم موضوعا لها في اللغة نحو الصلاة والصوم والزكاة فهو مفتقر إلى البيان ولا يصح الاستدلال بعمومه في تحريم شيء من العقود إلا فيما قامت دلالته أنه مسمى في الشرع
بذلك وقد بين النبي صلّى الله عليه وسلّم كثيرا من مراد الله بالآية نصا وتوفيقا ومنه ما بينه دليلا فلم يخل مراد الله من أن يكون معلوما عند أهل العلم بالتوقيف والاستدلال والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض والدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به ولم يكونوا يعرفون البيع بالنقد وإذا كان متفاضلا من جنس واحد هذا كان المتعارف المشهور بينهم ولذلك قال الله تعالى( وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ ) فأخبر أن تلك الزيادة المشروطة إنما كانت ربا في المال العين لأنه لا عوض لها من جهة المقرض وقال تعالى( لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً ) إخبارا عن الحال التي خرج عليها الكلام من شرط الزيادة أضعافا مضاعفة فأبطل الله تعالى الربا الذي كانوا يتعاملون به وأبطل ضروبا أخر من البياعات وسماها ربا فانتظم قوله تعالى( وَحَرَّمَ الرِّبا ) تحريم جميعها لشمول الاسم عليها من طريق الشرع ولم يكن تعاملهم بالربا إلا على الوجه الذي ذكرنا من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل مع شرط الزيادة* واسم الربا في الشرع يعتوره معان أحدها الربا الذي كان عليه أهل الجاهلية والثاني التفاضل في الجنس الواحد من المكيل والموزون على قول أصحابنا ومالك ابن أنس يعتبر مع الجنس أن يكون مقتاتا مدخرا والشافعى يعتبر الأكل مع الجنس فصار الجنس معتبرا عند الجميع فيما يتعلق به من تحريم التفاضل عند انضمام غيره إليه على ما قدمنا والثالث النساء وهو على ضروب منها في الجنس الواحد من كل شيء لا يجوز بيع بعضه ببعض نساء سواء كان من المكيل أو من الموزون أو من غيره فلا يجوز عندنا بيع ثوب مروى بثوب مروى نساء لوجود الجنس ومنها وجود المعنى المضموم إليه الجنس في شرط تحريم التفاضل وهو الكيل والوزن في غير الأثمان التي هي الدراهم والدنانير فلو باع حنطة بجص نساء لم يجز لوجود الكيل ولو باع حديدا بصفر نساء لم يجز لوجود الوزن والله تعالى الموفق.
ومن أبواب الربا الشرعي السلم في الحيوان
قال عمر رضى الله عنه إن من الربا أبوابا لا تخفى منها السلم في السن ولم تكن العرب تعرف ذلك ربا فعلم أنه قال ذلك توقيفا فجملة ما اشتمل عليه اسم الربا في الشرع النساء والتفاضل على شرائط قد تقرر معرفتها عند الفقهاء* والدليل على ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم
الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا وذكر التمر والملح والذهب والفضة * فسمى الفضل في الجنس الواحد من المكيل والموزون ربا وقال صلّى الله عليه وسلّم في حديث أسامة بن زيد الذي رواه عنه عبد الرحمن بن عباس إنما الربا في النسيئة وفي بعض الألفاظ لا ربا إلا في النسيئة فثبت أن اسم الربا في الشرع يقع على التفاضل تارة وعلى النساء أخرى وقد كان ابن عباس يقول لا ربا إلا في النسيئة ويجوز بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة متفاضلا ويذهب فيه إلى حديث أسامة بن زيد ثم لما تواتر عنده الخبر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بتحريم التفاضل في الأصناف الستة رجع عن قوله قال جابر بن زيد رجع ابن عباس عن قوله في الصرف وعن قوله في المتعة وإنما معنى حديث أسامة النساء في الجنسين كما روى في حديث عبادة بن الصامت وغيره عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد وذكر الأصناف الستة ثم قال بيعوا الحنطة بالشعير كيف شئتم يدا بيد وفي بعض الأخبار وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد فمنع النساء في الجنسين من المكيل والموزون وأباح التفاضل فحديث أسامة بن زيد محمول على هذا ومن الربا المراد بالآية شرى ما يباع بأقل من ثمنه قبل نقد الثمن والدليل على أن ذلك ربا حديث يونس بن إسحاق عن أبيه عن أبى العالية قال كنت عند عائشة فقالت لها امرأة إنى بعت زيد بن أرقم جارية إلى عطائه بثمان مائة درهم وأنه أراد أن يبيعها فاشتريتها منه بستمائة فقالت بئسما شريت وبئسما اشتريت أبلغى زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إن لم يتب فقالت يا أم المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي فقالت( فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ ) فدلت تلاوتها الآية الربا عند قولها أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي إن ذلك كان عندها من الربا وهذه التسمية طريقها التوقيف* وقد روى ابن المبارك عن حكم بن زريق عن سعيد بن المسيب قال سألته عن رجل إلى باع طعاما من رجل أجل فأراد الذي اشترى الطعام أن يبيعه بنقد من الذي باعه منه فقال هو ربا ومعلوم أنه أراد شراءه بأقل من الثمن الأول إذ لا خلاف أن شراءه بمثله أو أكثر منه جائز فسمى سعيد بن المسيب ذلك ربا* وقد روى النهى عن ذلك عن ابن عباس والقاسم بن محمد ومجاهد وإبراهيم والشعبي وقال الحسن وابن سيرين في آخرين إن باعه بنقد جاز أن يشتريه فإن كان باعه بنسيئة لم
يشتره بأقل منه إلا بعد أن يحل الأجل وروى عن ابن عمر أنه إذا باعه ثم اشتراه بأقل من ثمنه جاز ولم يذكر فيه قبض الثمن وجائز أن يكون مراده إذا قبض الثمن* فدل قول عائشة وسعيد بن المسيب أن ذلك ربا فعلمنا أنهما لم يسمياه ربا إلا توقيفا إذ لا يعرف ذلك اسما له من طريق اللغة فلا يسمى به إلا من طريق الشرع وأسماء الشرع توقيف من النبي صلّى الله عليه وسلّم والله أعلم بالصواب.
ومن أبواب الربا الدين بالدين
وقد روى موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه نهى عن الكالئ بالكالئ وفي بعض الألفاظ عن الدين بالدين وهما سواء وقال في حديث أسامة بن زيد إنما الربا في النسيئة إلا أنه في العقد عن الدين بالدين وأنه معفو عنه بمقدار المجلس لأنه جائز له أن يسلم دراهم في كر حنطة وهما دين بدين إلا أنهما إذا افترقا قبل قبض الدراهم بطل العقد وكذلك بيع الدراهم بالدنانير جائز وهما دينان وإن افترقا قبل التقابض بطل.
ومن أبواب الربا الذي تضمنت الآية تحريمه
الرجل يكون عليه ألف درهم دين مؤجل فيصالحه منه على خمس مائة حالة فلا يجوز وقد روى سفيان عن حميد عن ميسرة قال سألت ابن عمر يكون لي على الرجل الدين إلى أجل فأقول عجل لي وأضع عنك فقال هو ربا وروى عن زيد بن ثابت أيضا النهى عن ذلك وهو قول سعيد بن جبير والشعبي والحكم وهو قول أصحابنا وعامة الفقهاء وقال ابن عباس وإبراهيم النخعي لا بأس بذلك والذي يدل على بطلان ذلك شيئان أحدهما تسمية ابن عمر إياه ربا وقد بينا أن أسماء الشرع توقيف والثاني أنه معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة فكانت الزيادة بدلا من الأجل فأبطله الله تعالى وحرمه وقال( وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ ) وقال تعالى( وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ) حظر أن يؤخذ للأجل عوض فإذا كانت عليه ألف درهم مؤجلة فوضع عنه على أن يعجله فإنما جعل الحط بحذاء الأجل فكان هذا هو معنى الربا الذي نص الله تعالى على تحريمه ولا خلاف أنه لو كان عليه ألف درهم حالة فقال له أجلنى وأزيدك فيها مائة درهم لا يجوز لأن المائة
عوض من الأجل كذلك الحط في معنى الزيادة إذ جعله عوضا من الأجل وهذا هو الأصل في امتناع جواز أخذ الأبدال عن الآجال ولذلك قال أبو حنيفة فيمن دفع إلى خياط ثوبا فقال إن خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلك نصف درهم أن الشرط الثاني باطل فإن خاطه غدا فله أجر مثله لأنه جعل الحط بحذاء الأجل والعمل في الوقتين على صفة واحدة فلم يجزه لأنه بمنزلة بيع الأجل على النحو الذي بيناه* ومن أجاز من السلف إذا قال عجل لي وأضع عنك فجائز أن يكون أجازوه إذا لم يجعله شرطا فيه وذلك بأن يضع عنه بغير شرط ويعجب الآخر الباقي بغير شرط* وقد ذكرنا الدلالة على أن التفاضل قد يكون ربا على حسب ما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم في الأصناف الستة وإن النساء قد يكون ربا في البيع بقوله صلّى الله عليه وسلّم وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد وقوله إنما الربا في النسيئة وإن السلم في الحيوان قد يكون ربا بقوله إنما الربا في النسيئة وقوله إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد وتسمية عمر إياه ربا وشرى ما بيع بأقل من ثمنه قبل نقد الثمن لما بينا وشرط التعجيل مع الحط* وقد اتفق الفقهاء على تحريم التفاضل في الأصناف الستة التي ورد بها الأثر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من جهات كثيرة وهو عندنا في حيز التواتر لكثرة رواته واتفاق الفقهاء على استعماله واتفقوا أيضا في أن مضمون هذا النص معنى به تعلق الحكم يجب اعتباره في غيره واختلفوا فيه بعد اتفاقهم على اعتبار الجنس على الوجوه التي ذكرنا فيما سلف من هذا الباب وإن حكم تحريم التفاضل غير مقصور على الأصناف الستة* وقد قال قوم هم شذوذ عندنا لا يعدون خلافا أن حكم تحريم* التفاضل مقصور على الأصناف التي ورد فيها التوقيف دون تحريم غيرها* ولما ذهب إليه أصحابنا في اعتبار الكيل والوزن دلائل من الأثر والنظر وقد ذكرناها في مواضع ومما يدل عليه من فحوى الخبر قوله الذهب بالذهب مثلا بمثل وزنا بوزن والحنطة بالحنطة مثلا بمثل كيلا بكيل فأوجب استيفاء المماثلة بالوزن في الموزون وبالكيل في المكيل فدل ذلك على أن الاعتبار في التحريم الكيل والوزن مضموما إلى الجنس* ومما يحتج به المخالف من الآية على الاعتبار الأكل قوله عز وجل( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ ) وقوله تعالى( لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا ) فأطلق اسم الربا على المأكول قالوا فهذا عموم في إثبات الربا في المأكول* وهذا عندنا لا يدل
على ما قالوا من وجوه أحدها ما قدمنا من إجمال لفظ الربا في الشرع وافتقاره إلى البيان فلا يصح الاحتجاج بعمومه وإنما يحتاج إلى أن يثبت بدلالة أخرى أنه ربا حتى يحرمه بالآية ولا يأكله والثاني أن أكثر ما فيه إثبات الربا في مأكول وليس فيه أن جميع المأكولات فيها ربا ونحن قد أثبتنا الربا في كثير من المأكولات وإذا فعلنا ذلك فقد قضينا عهدة الآية ولما ثبت بما قدمنا من التوقيف والاتفاق على تحريم بيع ألف بألف ومائة كما بطل بيع ألف بألف إلى أجل فجرى الأجل المشروط مجرى النقصان في المال وكان بمنزلة بيع ألف بألف ومائة وجب أن لا يصح الأجل في القرض كما لا يجوز قرض ألف بألف ومائة إذ كان نقصان الأجل كنقصان الوزن وكان الربا تارة من جهة نقصان الوزن وتارة من جهة نقصان الأجل وجب أن يكون القرض كذلك* فإن قال قائل ليس القرض في ذلك كالبيع لأنه يجوز له مفارقته في القرض قبل قبض البدل ولا يجوز مثله في بيع ألف بألف* قيل له إنما يكون الأجل نقصانا إذا كان مشروطا فأما إذا لم يكن مشروطا فإن ترك القبض لا يوجب نقصا في أحد المالين وإنما بطل البيع لمعنى آخر غير نقصان أحدهما عن الآخر ألا ترى أنه لا يختلف الصنفان والصنف الواحد في وجوب التقابض في المجلس أعنى الذهب بالفضة مع جواز التفاضل فيهما فعلمنا أن الموجب لقبضهما ليس من جهة أن ترك القبض موجب للنقصان في غير المقبوض ألا ترى أن رجلا لو باع من رجل عبدا بألف درهم ولم يقبض ثمنه سنين جاز للمشتري بيعه مرابحة على ألف حالة ولو كان باعه بألف إلى شهر ثم حل الأجل لم يكن للمشتري بيعه مرابحة على ألف حالة حتى يبين أنه اشتراه بثمن مؤجل فدل ذلك على أن الأجل المشروط في العقد يوجب نقصا في الثمن ويكون بمنزلة نقصان الوزن في الحكم فإذا كان كذلك فالتشبيه بين القرض والبيع من الوجه الذي ذكرنا صحيح لا يعترض عليه هذا السؤال ويدل على بطلان التأجيل فيه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم إنما الربا في النسيئة ولم يفرق بين البيع والقرض فهو على الجميع ويدل عليه أن القرض لما كان تبرعا لا يصح إلا مقبوضا أشبه الهبة فلا يصح فيه التأجيل كما لا يصح في الهبة وقد أبطل النبي صلّى الله عليه وسلّم التأجيل فيها بقوله من أعمر عمرى فهي له ولورثته من بعده فأبطل التأجيل المشروط في الملك وأيضا فإن قرض الدراهم عاريتها وعاريتها قرضها لأنها تمليك المنافع إذ لا يصل إليها إلا باستهلاك عينها ولذلك قال أصحابنا إذا
أعاره دراهم فإن ذلك قرض ولذلك لم يجيزوا استيجار الدراهم لأنها قرض فكأنه استقرض دراهم على أن يرد عليه أكثر منها فلما لم يصح الأجل في العارية لم يصح في القرض ومما يدل على أن قرض الدراهم عارية حديث إبراهيم الهجري عن أبى الأحوص عن عبد الله قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تدرون أى الصدقة خير قالوا الله ورسوله أعلم قال خير الصدقة المنحة أن تمنح أخاك الدراهم أو ظهر الدابة أو لبن الشاة والمنحة هي العارية فجعل قرض الدراهم عاريتها ألا ترى إلى قوله في حديث آخر والمنحة مردودة فلما لم يصح التأجيل في العارية لم يصح في القرض وأجاز الشافعى التأجيل في القرض وبالله التوفيق ومنه الإعانة.
باب البيع
قوله عز وجل( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) عموم في إباحة سائر البياعات لأن لفظ البيع موضوع لمعنى معقول في اللغة وهو تمليك المال بمال بإيجاب وقبول عن تراض منهما وهذا هو حقيقة البيع في مفهوم اللسان ثم منه جائز ومنه فاسد إلا أن ذلك غير مانع من اعتبار عموم اللفظ متى اختلفنا في جواز بيع أو فساده ولا خلاف بين أهل العلم أن هذه الآية وإن كان مخرجها مخرج العموم فقد أريد به الخصوص لأنهم متفقون على حظر كثير من البياعات نحو بيع ما لم يقبض وبيع ما ليس عند الإنسان وبيع الغرر والمجاهيل وعقد البيع على المحرمات من الأشياء وقد كان لفظ الآية يوجب جواز هذه البياعات وإنما خصت منها بدلائل إلا أن تخصيصها غير مانع اعتبار عموم لفظ الآية فيما لم تقم الدلالة على تخصيصه وجائز أن يستدل بعمومه على جواز البيع الموقوف لقوله تعالى( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) والبيع اسم للإيجاب والقبول وليست حقيقته وقوع الملك به للعاقد ألا ترى أن البيع المعقود على شرط خيار المتبايعين لم يوجب ملكا وهو بيع والوكيلان يتعاقدان البيع ولا يملكان* وقوله تعالى( وَحَرَّمَ الرِّبا ) حكمه ما قدمناه من الإجمال والوقف على ورود البيان فمن الربا ما هو بيع ومنه ما ليس ببيع وهو ربا أهل الجاهلية وهو القرض المشروط فيه الأجل وزيادة مال على المستقرض* وفي سياق الآية ما أوجب تخصيص ما هو ربا من البياعات من عموم قوله تعالى( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) وظن الشافعى أن لفظ الربا لما كان مجملا أنه يوجب إجمال لفظ البيع وليس كذلك عندنا لأن ما لا يسمى ربا من البياعات فحكم
العموم جار فيه وإنما يجب الوقوف فيما شككنا أنه ربا أو ليس بربا فأما ما تيقنا أنه ليس بربا فغير جائز الاعتراض عليه بآية تحريم الربا وقد بينا ذلك في أصول الفقه* وأما قوله* تعالى( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ) حكاية عن المعتقدين لإباحته من الكفار* فزعموا أنه لا فرق بين الزيادة المأخوذة على وجه الربا وبين سائر الأرباح المكتسبة بضروب البياعات وجهلوا ما وضع الله أمر الشريعة عليه من مصالح الدين والدنيا فذمهم الله على جهلهم وأخبر عن حالهم يوم القيامة وما يحل بهم من عقابه قوله تعالى( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) يحتج به في جواز بيع ما لم يره المشترى ويحتج فيمن اشترى حنطة بحنطة بعينها متساوية أنه لا يبطل بالافتراق قبل القبض وذلك لأنه معلوم من ورود اللفظ لزوم أحكام البيع وحقوقه من القبض والتصرف والملك وما جرى مجرى ذلك فاقتضى ذلك بقاء هذه الأحكام مع ترك التقابض وهو كقوله تعالى( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ ) المراد تحريم الاستمتاع بهن ويحتج أيضا لذلك بقوله تعالى( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) من وجهين أحدهما ما اقتضاه من إباحة الأكل قبل الافتراق وبعده من غير قبض والآخر إباحة أكله لمشتريه قبل قبض الآخر بعد الفرقة* وأما قوله تعالى( فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ ) فالمعنى فيه أن من انزجر بعد النهى فله ما سلف من المقبوض قبل نزول تحريم الربا ولم يرد به ما لم يقبض لأنه قد ذكر في نسق التلاوة حظر ما لم يقبض منه وإبطاله بقوله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فأبطل الله من الربا ما لم يكن مقبوضا وإن كان معقودا قبل نزول التحريم ولم يتعقب بالفسخ ما كان منه مقبوضا بقوله تعالى( فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ ) وقد روى ذلك عن السدى وغيره من المفسرين وقال تعالى( وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فأبطل منه ما بقي مما لم يقبض ولم يبطل المقبوض ثم قال تعالى( وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ ) وهو تأكيد لإبطال ما لم يقبض منه وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه ولا زيادة وروى عن ابن عمر وجابر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال في خطبته يوم حجة الوداع بمكة وقال جابر بعرفات إن كل ربا في الجاهلية فهو موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب فكان فعله صلّى الله عليه وسلّم مواطئا لمعنى الآية في إبطال الله تعالى من الربا ما لم يكن مقبوضا وإمضائه ما كان
مقبوضا وفيما روى في خطبة النبي صلّى الله عليه وسلّم ضروب من الأحكام أحدها أن كل ما طرأ على عقد البيع قبل القبض مما يوجب تحريمه فهو كالموجود في حال وقوعه وما طرأ بعد القبض مما يوجب تحريم ذلك العقد لم يوجب فسخه وذلك نحو النصرانيين إذا تبايعا عبدا بخمر فالبيع جائز عندنا وإن أسلم أحدهما قبل قبض الخمر بطل العقد وكذلك لو اشترى رجل مسلم صيدا ثم أحرم البائع أو المشترى بطل البيع لأنه قد طرأ عليه ما يوجب تحريم العقد قبل القبض كما أبطل الله تعالى من الربا ما لم يقبض لأنه طرأ عليه ما يوجب تحريمه قبل القبض وإن كانت الخمر مقبوضة ثم أسلما أو أحرما لم يبطل البيع كما لم يبطل الله الربا المقبوض حين أنزل التحريم فهذا جائز في نظائره من المسائل ولا يلزم عليه أن يقتل العبد المبيع قبل القبض ولا يبطل البيع وللمشتري اتباع الجاني من قبل أنه لم يطرأ على العقد ما يوجب تحريم العقد لأن العقد باق على هيئته التي كان عليها والقيمة قائمة مقام المبيع وإنما يعتبر المبيع وللمشتري الخيار فحسب* وفيها دلالة على أن هلاك المبيع في يد البائع وسقوط القبض فيه يوجب بطلان العقد وهو قول أصحابنا والشافعى وقال مالك لا يبطل والثمن لازم للمشتري إذا لم يمنعه ودلالة الآية ظاهرة على أن قبض المبيع من تمام البيع وأن سقوط القبض يوجب بطلان العقد وذلك لأن الله تعالى لما أسقط قبض الربا أبطل العقد الذي عقداه وأمر بالاقتصار على رأس المال فدل ذلك على أن قبض المبيع من شرائط صحة العقد وأنه متى طرأ على العقد ما يسقطه أوجب ذلك بطلانه* وفيها الدلالة على أن العقود الواقعة في دار الحرب إذا ظهر عليها الإمام لا يعترض عليها بالفسخ وإن كانت معقودة على فساد لأنه معلوم أنه قد كان بين نزول الآية وبين خطبة النبي صلّى الله عليه وسلّم بمكة ووضعه الربا الذي لم يكن مقبوضا عقود من عقود الربا بمكة قبل الفتح ولم يتعقبها بالفسخ ولم يميز ما كان منها قبل نزول الآية مما كان منها بعد نزولها فدل ذلك على أن العقود الواقعة في دار الحرب بينهم وبين المسلمين إذا ظهر عليها الإمام لا يفسخ منها ما كان مقبوضا وقوله تعالى( فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ ) يدل على ذلك أيضا لأنه قد جعل له ما كان مقبوضا منه قبل الإسلام وقد قيل إن معنى قوله تعالى( فَلَهُ ما سَلَفَ ) من ذنوبه على معنى أن الله يغفرها له وليس هذا كذلك لأن الله تعالى قد قال( وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ ) يعنى فيما يستحقه من عقاب أو ثواب
فلم يعلمنا حكمه في الآخرة ومن جهة أخرى أنه لو كان هذا مرادا لم ينتف به ما ذكرنا فيكون على الأمرين جميعا لاحتماله لهما فيغفر الله ذنوبه ويكون له المقبوض من ذلك قبل إسلامه وذلك يدل على أن بياعات أهل الحرب كلها ماضية إذا أسلموا بعد التقابض فيها لقوله تعالى( فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ ) قوله عز وجل( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) قال أبو بكر يحتمل ذلك معنيين أحدهما إن لم تقبلوا أمر الله تعالى ولم تنقادوا له والثاني إن لم تذروا ما بقي من الربا بعد نزول الأمر بتركه فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن اعتقدوا تحريمه وقد روى عن ابن عباس وقتادة والربيع بن أنس فيمن أربى أن الإمام يستتيبه فإن تاب وإلا قتله وهذا محمول على أن يفعله مستحلا له لأنه لا خلاف بين أهل العلم أنه ليس بكافر إذا اعتقد تحريمه* وقوله تعالى( فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) لا يوجب إكفارهم لأن ذلك قد يطلق على ما دون الكفر من المعاصي قال زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر رأى معاذا يبكى فقال ما يبكيك فقال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول اليسير من الرياء شرك ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة فأطلق اسم المحاربة عليه وإن لم يكفر وروى أسباط عن السدى عن صبيح مولى أم سلمة عن زيد بن أرقم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلى وفاطمة والحسن والحسين رضى الله عنهم أنا حرب لمن حاربتم سلم لمن سالمتم وقال تعالى( إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً ) والفقهاء متفقون على أن ذلك حكم جار في أهل الملة وأن هذه السمة تلحقهم بإظهارهم قطع الطريق وقد دل على أنه جائز إطلاق اسم المحاربة لله ورسوله على من عظمت معصيته وفعلها مجاهرا بها وإن كانت دون الكفر وقوله تعالى( فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) أخبار منه بعظم معصية وأنه يستحق بها المحاربة عليها وإن لم يكن كافرا وكان ممتنعا على الإمام فإن لم يكن ممتنعا عاقبة الإمام بمقدار ما يستحقه من التعزير والردع وكذلك ينبغي أن يكون حكم سائر المعاصي التي أوعد الله عليها العقاب إذا أصر الإنسان عليها وجاهر بها وإن كان ممتنعا حورب عليها هو ومتبعوه وقوتلوا حتى ينتهوا وإن كانوا غير ممتنعين عاقبهم الإمام بمقدار ما يرى من العقوبة وكذلك حكم من يأخذ أموال الناس من المتسلطين الظلمة وآخذي الضرائب واجب على كل المسلمين قتالهم وقتلهم إذا كانوا
ممتنعين وهؤلاء أعظم جرما من آكلى الربا لانتهاكهم حرمة النهى وحرمة المسلمين جميعا وآكل الربا إنما انتهك حرمة الله تعالى في أخذ الربا ولم ينتهك لمن يعطيه ذلك حرمة لأنه أعطاه بطيبة نفسه وآخذو الضرائب في معنى قطاع الطريق المنتهكين لحرمة نهى الله تعالى وحرمة المسلمين إذ كانوا يأخذونه جبرا وقهرا لا على تأويل ولا شبهة فجائز لمن علم من المسلمين إصرار هؤلاء على ما هم عليه من أخذ أموال الناس على وجه الضريبة أن يقتلهم كيف أمكنه قتلهم وكذلك أتباعهم وأعوانهم الذين بهم يقومون على أخذ الأموال وقد كان أبو بكر رضى الله عنه قاتل مانعي الزكاة لموافقة من الصحابة إياه على شيئين أحدهما الكفر والآخر منع الزكاة وذلك لأنهم امتنعوا من قبول فرض الزكاة ومن أدائها فانتظموا به معنيين أحدهما الامتناع من قبول أمر الله تعالى وذلك كفر والآخر الامتناع من أداء الصدقات المفروضة في أموالهم إلى الإمام فكان قتاله إياهم للأمرين جميعا ولذلك قال لو منعونى عقالا وفي بعض الأخبار عناقا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لقاتلتهم عليه فإنما قلنا أنهم كانوا كفارا ممتنعين من قبول فرض الزكاة لأن الصحابة سموهم أهل الردة وهذه السمة لازمة لهم إلى يومنا هذا وكانوا سبوا نساءهم وذراريهم ولو لم يكونوا مرتدين لما سار فيهم هذه السيرة وذلك شيء لم يختلف فيه الصدر الأول ولا من بعدهم من المسلمين أعنى في أن القوم الذين قاتلهم أبو بكر كانوا أهل الردة فالمقيم على أكل الربا إن كان مستحلا له فهو كافر وإن كان ممتنعا بجماعة تعضده سار فيهم الإمام بسيرته في أهل الردة إن كانوا قبل ذلك من جملة أهل الملة وإن اعترفوا بتحريمه وفعلوه غير مستحلين له قاتلهم الإمام إن كانوا ممتنعين حتى يتوبوا وإن لم يكونوا ممتنعين ردعهم عن ذلك بالضرب والحبس حتى ينتهوا* وقد روى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كتب إلى أهل نجران وكانوا ذمة نصارى إما أن تذروا الربا وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله روى أبو عبيد القاسم بن سلام قال حدثني أيوب الدمشقي قال حدثني سعدان بن يحيى عن عبد الله ابن أبى حميد عن أبى مليح الهذلي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صالح أهل نجران فكتب كتابا في آخره على أن لا تأكلوا الربا فمن أكل الربا فذمتي منه بريئة فقوله تعالى( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) عقيب قوله( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ) هو عائد عليهما جميعا من رد الأمر على حاله ومن الإقامة على أكل الربا مع قبول الأمر
«13 ـ أحكام في»
فمن رد الأمر قوتل على الردة ومن قبل الأمر وفعله محرما له قوتل على تركه إن كان ممتنعا ولا يكون مرتدا وإن لم يكن ممتنعا عزر بالحبس والضرب على ما يرى الإمام* وقوله تعالى( فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) إعلام بأنهم إن لم يفعلوا ما أمروا به في هذه الآية فهم محاربون الله ورسوله وذلك إخبار منه بمقدار عظم الجرم وأنهم يستحقون به هذه السمة وهي أن يسموا محاربين الله ورسوله وهذه السمة يعتورها معنيان أحدهما الكفر إذا كان مستحلا والآخر الإقامة على أكل الربا مع اعتقاد التحريم على ما بينا ومن الناس من يحمله على أنه إعلام منه بأن الله تعالى يأمر رسوله والمؤمنين بمحاربتهم ويكون إيذانا لهم بالحرب حتى لا يؤتوا على غرة قبل العلم بها كقوله تعالى( وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ) فإذا حمل على هذا الوجه كان الخطاب بذلك متوجها إليهم إذا كانوا ذوى منعة وإذا حملناه على الوجه الأول دخل كل واحد من فاعلى ذلك في الخطاب وتناوله الحكم المذكور فيه فهو أولى* قوله تعالى( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ) فيه تأويلان أحدهما وإن كان ذو عسرة غريما لكم فنظرة إلى ميسرة والثاني على أن المكتفية باسمها على معنى وإن وقع ذو عسرة أو إن وجد ذو عسرة كقول الشاعر :
فدى لبنى شيبان رحلي ونافتى |
إذا كان يوم ذو كواكب أشهب |
معناه إذا وجد يوم كذلك* وقد اختلف في معنى قوله( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ) فروى عن ابن عباس وشريح وإبراهيم أنه في الربا خاصة وكان شريح يحبس المعسر في غيره من الديون وروى عن إبراهيم والحسن والربيع بن خيثم والضحاك أنه في سائر الديون وروى عن ابن عباس رواية أخرى مثل ذلك وقال آخرون إن الذي في الآية إنظار المعسر في الربا وسائر الديون في حكمه قياسا عليه* قال أبو بكر لما كان قوله تعالى( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ) محتملا أن يكون شاملا لسائر الديون على ما بينا من وجه الاحتمال ولتأويل من تأوله من السلف على ذلك إذ غير جائز أن يكونوا تأولوه على ما لا احتمال فيه وجب حمله على العموم وأن لا يقتصر به على الربا إلا بدلالة لما فيه من تخصيص لفظ العموم من غير دلالة* فإن قيل لما كان قوله تعالى( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ) غير مكتف بنفسه في إفادة الحكم وكان متضمنا لما
قبله وجب أن يكون حكمه مقصورا عليه قيل هو كلام مكتف بنفسه لما في فحواه من الدلالة على معناه وذلك لأن ذكر الإعسار والإنظار قد دل على دين تجب المطالبة به والإنظار لا يكون إلا في حق قد ثبت وجوبه وصحت المطالبة به إما عاجلا وإما آجلا فإذا كان في مضمون اللفظ دلالة على دين يتعلق به في حكم الإنظار إذا كان ذو عسرة كان اللفظ مكتفيا بنفسه ووجب اعتباره على عمومه ولم يجب الاقتصار به على الربا دون غيره* وزعم بعض الناس ممن نصر هذا القول الذي ذكرناه أن هذا لا يجوز أن يكون في الربا لأن الله تعالى قد أبطله فكيف يكون منظرا به قال فالواجب أن تكون الآية عامة في سائر الديون وهذا الحجاج ليس بشيء لأن الله تعالى إنما أبطل الربا وهو الزيادة المشروطة ولم يبطل رأس المال لأنه قال( وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ) والربا هو الزيادة ثم قال( وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ ) ثم عقب ذلك بقوله( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ ) يعنى سائر الديون ورأس المال أحدها وإبطال ما بقي من الربا لم يبطل رأس المال بل هو دين عليه يجب أداؤه* فإن قيل إذا كان الإنظار مأمورا به في رأس المال فهو وسائر الديون عليه سواء قيل له إنما كلامنا فيما شمله العموم من حكم الآية فإن كان ذلك في رأس مال الربا فلم يتناول غيره من طريق النص وإنما يتناوله من جهة العموم للمعنى فيحتاج حينئذ إلى دلالة من غيره في إثبات حكمه ورده إلى المذكور في الآية بمعنى يجمعهما وليس الكلام بينك وبين الخصم من جهة القياس وإنما اختلفتما في عموم الآية وخصوصها والكلام في القياس ورد غير المذكور إلى المذكور مسألة أخرى.
وقوله تعالى( وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ ) قد اقتضى ثبوت المطالبة لصاحب الدين على الدين وجواز أخذ رأس مال نفسه منه بغير رضاه لأنه تعالى جعل اقتضاؤه ومطالبته من غير شرط رضى المطلوب وهذا يوجب أن من له على غيره دين فطالبه به فله أخذه منه شاء أم أبى وبهذا المعنى ورد الأثر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم حين قالت له هند إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي فقال خذي من مال أبى سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف فأباح لها أخذ ما استحقته على أبى سفيان من النفقة من غير رضى أبى سفيان وفي الآية دلالة على أن الغريم متى امتنع من أداء الدين مع الإمكان كان ظالما ودلالتها على ذلك من وجهين أحدهما قوله تعالى( وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ ) فجعل له المطالبة
برأس المال وقد تضمن ذلك أمر الذي عليه الدين بقضائه وترك الامتناع من أدائه فإنه متى امتنع منه كان له ظالما ولاسم الظلم مستحقا وإذا كان كذلك استحق العقوبة وهي الحبس* والوجه الآخر من الدلالة عليه قوله تعالى في نسق التلاوة( لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ) يعنى والله أعلم لا تظلمون بأخذ الزيادة ولا تظلمون بالنقصان من رأس المال فدل ذلك على أنه متى امتنع من أداء جميع رأس المال إليه كان ظالما له مستحقا للعقوبة* واتفق الجميع على أنه لا يستحق العقوبة بالضرب فوجب أن يكون حبسا لاتفاق الجميع* على أن ما عداه من العقوبات ساقط عنه في أحكام الدنيا* وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مثل ما دلت عليه الآية وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن محمد النفيلى قال حدثنا عبد الله بن المبارك عن وبر بن أبى دليلة عن محمد بن ميمون عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لي الواجد يحل عرضه وعقوبته قال ابن المبارك يحل عرضه يغلظ له وعقوبته يحبس وروى ابن عمر وجابر وأبو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال مطل الغنى ظلم وإذا أحيل أحدكم على ملئ فليحتل فجعل مطل الغنى ظلما والظالم لا محالة مستحق العقوبة وهي الحبس لاتفاقهم على أنه لم يرد غيره وحدثنا محمد ابن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا معاذ بن أسد قال أخبرنا النضر بن شميل قال أخبرنا هرماس بن حبيب رجل من أهل البادية عن أبيه عن جده قال أتيت النبي صلّى الله عليه وسلّم بغريم لي فقال لي الزمه ثم قال يا أخا بنى تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك وهذا يدل على أن له حبس الغريم لأن الأسير يحبس فلما سماه أسيرا له دل على أن له حبسه وكذلك قوله لي الواجد يحل عرضه وعقوبته والمراد بالعقوبة هنا الحبس لأن أحدا لا يوجب غيره* واختلف الفقهاء في الحال التي توجب الحبس فقال أصحابنا إذا ثبت عليه شيء من الديون من أى وجه ثبت فإنه يحبس شهرين أو ثلاثة ثم يسئل عنه فإن كان موسرا تركه في الحبس أبدا حتى يقضيه وإن كان معسرا أخلى سبيله وذكر ابن رستم عن محمد عن أبى حنيفة أن المطلوب إذا قال إنى معسر وأقام البينة على ذلك أو قال فسل عنى فلا يسأل عنه أحدا وحبسه شهرين أو ثلاثة ثم يسأل عنه إلا أن يكون معروفا بالعسر فلا يحبسه وذكر الطحاوي عن أحمد بن أبى عمران قال كان متأخرو أصحابنا منهم محمد بن شجاع يقولون إن كل دين كان أصله من مال وقع في يدي المدين كأثمان البياعات والعروض ونحوها فإنه
يحبسه به وما لم يكن أصله من مال وقع في يده مثل المهر والجعل من الخلع والصلح من دم العمد والكفالة لم يحبسه به حتى يثبت وجوده وملاؤه وقال ابن أبى ليلى يحبسه في الديون إذا أخبر أن عنده مالا وقال مالك لا يحبس الحر ولا العبد في الدين ولا يستبرأ أمره فإن اتهم أنه قد خبأ مالا حبسه وإن لم يجد له شيئا لم يحبسه وخلاه وقال الحسن بن حي إذا كان موسرا حبس وإن كان معسرا لم يحبس وقال الشافعى إذا ثبت عليه دين بيع ما ظهر ودفع ولم يحبس فإن لم يظهر حبس وبيع ما قدر عليه من ماله فإن ذكر عسره وقبلت منه البينة بقوله تعالى( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ) وأحلفه مع ذلك بالله ومنع غرماءه من لزومه قال أبو بكر إنما قال أصحابنا إنه يحبسه في أول ما ثبت عند القاضي دينه لما دللنا عليه من الآية والأثر على كونه ظالما في الامتناع من قضاء ما ثبت عليه وإنه مستحق للعقوبة متى امتنع من أداء ما وجب عليه فالواجب بقاء العقوبة عليه حتى يثبت زوالها عنه بالإعسار* فإن قيل إنما يكون ظالما إذا امتنع من أدائه مع الإمكان لأن الله تعالى لا يذمه على ما لم يقدره عليه ولم يمكنه منه ولذلك شرط النبي صلّى الله عليه وسلّم الوجود في استحقاق العقوبة بقوله لي الواجد يحل عرضه وعقوبته إذا كان شرط استحقاق العقوبة وجود المال الذي يمكنه أداؤه منه فغير جائز حبسه وعقوبته إلا بعد أن يثبت أنه واجد ممتنع من أداء ما وجب عليه وليس ثبوت الدين عليه علما لإمكان أدائه على الدوام إذ جائز أن يحدث الإعسار بعد ثبوت الدين* قيل له أما الديون التي حصلت إبدالها في يده فقد علمنا يساره بأدائها يقينا ولم نعلم إعساره بها فوجب كونه باقيا على حكم اليسار والوجود حتى يثبت الإعسار وأما ما كان لزمه منها من غير بدل حصل في يده يمكنه أداؤه منه فإن دخوله في العقد الذي ألزمه ذلك اعتراف منه بلزوم أدائه وتوجه المطالبة عليه بقضائه ودعواه الإعسار به بمنزلة دعوى التأجيل للموسر فهو غير مصدق عليه ولذلك سوى أصحابنا بين الديون التي قد علم حصول إبدالها في يده وبين ما لم تحصل في يده إذ كان دخوله في العقد الموجب عليه ذلك الدين اعترافا منه بلزوم الأداء وثبوت حق المطالبة للمطالب وذلك لأن كل متعاقدين دخلا في عقد فدخولهما فيه اعتراف منهما بلزوم موجب العقد من الحقوق وغير مصدق بعد العقد واحد منهما على نفى موجبه ومن أجل ذلك قلنا إن ذلك يقتضى اعترافا منهما بصحته إذ كان ذلك
مضمنا للزوم حقوقه وفي تصديقه على فساده نفى ما لزمه بظاهر العقد ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في أن مدعى الفساد منهما بعد وقوع العقد بينهما وصحته في الظاهر غير مصدق عليه وإن القول قول مدعى الصحة منهما وفي ذلك دليل على صحة ما ذكرنا من أن من ألزم نفسه دينا بعقد عقده على نفسه أنه يلزمه أداؤه ومحكوم عليه بأنه موسر به وغير مصدق على الإعسار المسقط عنه المطالبة كما لا يصدق على التأجيل بعد ثبوته عليه حالا وإنما قال أصحابنا أنه يحبسه في أول ما يرفعه إلى القاضي إذا طلب ذلك الطالب ولا يسئل عنه من قبل أنه توجهت عليه المطالبة بأدائه ومحكوم له باليسار في قضائه فالواجب أن يستبرئ أمره بديا إذ جائز أن يكون له مال قد خبأه لا يقف عليه غيره فلا يوقف بذلك على إعساره فينبغي له أن يحبسه استظهارا لما عسى أن يكون عنده إذ كان في الأغلب أنه إن كان عنده شيء آخر أضجره الحبس وألجأه إلى إخراجه فإذا حبسه هذه المدة فقد استظهر في الغالب فحينئذ يسئل عنه لأنه جائز أن يكون هناك من يعلم يساره سرا فإذا ثبت عنده إعساره خلاه من الحبس وقد روى عن شريح أنه كان يحبس المعسر في غير الربا من الديون فقال له معسر قد حبسه قال الله تعالى( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ) ـ فقال شريح ـ( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) والله لا يأمرنا بشيء ثم يعذبنا عليه وقد قدمنا ذكر مذهب شريح في تأويل الآية وإن قوله تعالى( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ) مقصور على الربا دون غيره وإن غيره من الديون لا يختلف في الحبس فيها الموسر والمعسر ويشتبه أن يكون ذهب في ذلك إلى أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الإعسار على الحقيقة إذ جائز أن يظهر الإعسار وحقيقة أمره اليسار فاقتصر بحكم الإنظار على رأس مال الربا الذي نزل به القرآن وحمل ما عداه على موجب عقد المدينة من لزوم القضاء وتوجه المطالبة عليه بالأداء وقد بينا وجه فساد هذا القول بما قد دللنا عليه من مقتضى عموم اللفظ لسائر الديون ومع ذلك فلو كان نص التنزيل واردا في الربا دون غيره لكان سائر الديون بمنزلته قياسا عليه إذ لا فرق في حال اليسار بينهما في صحة لزوم المطالبة بهما ووجوب أدائهما فوجب أن لا يختلفا في حال الأداء في سقوط الحبس فيها دونه فأما قوله تعالى( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) واحتجاج شريح به في حبس المطلوب فإن الآية إنما هي في الأعيان الموجودة في يده لغيره فعليه أداؤه وأما الديون
المضمونة في ذمته فإنما المطالبة بها معلقة بإمكان أدائها فمن كان معسرا فإن الله لم يكلفه إلا ما في إمكانه قال الله تعالى( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ) فإذا لم يكن مكلفا لأدائها لم يجز أن يحبس بها* فإن قيل إن الدين من الأمانات لقوله تعالى( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ ) وإنما يريد به الدين المذكور في قوله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ) قيل له إن كان الدين مرادا بقوله تعالى( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) فإن الأمر بذلك توجه إليه على شريطة الإمكان لما وصفنا من أن الله تعالى لا يكلف أحدا ما لا يقدر عليه ولا يتسع لفعله وهو محكوم له من ظاهر إعساره أنه غير قادر على أدائه ولم يكن شريح ولا أحد من السلف يخفى عليهم إن الله لا يكلف أحدا ما لا يقدر عليه بل كانوا عالمين بذلك ولكنه ذهب عندي والله أعلم إلى أنه لم يتقين وجود ذلك ويجوز أن يكون قادرا على أدائه مع ظهور إعساره فلذلك حبسه.
واختلفوا أهل العلم في الحاكم إذا ثبت عنده إعساره وأطلقه من الحبس هل يحول بين الطالب وبين لزومه فقال أصحابنا للطالب أن يلزمه وذكر ابن رستم عن محمد قال والملزوم في الدين لا يمنع من دخول منزله للغذاء والغائط والبول فإن أعطاه الذي يلزمه الغذاء وموضع الخلاء فله أن يمنعه من إتيان منزله وقال غيرهم منهم مالك والشافعى ليس له أن يلزمه وقال الليث بن سعد يؤاجر الحر المعسر فيقضى دينه من أجرته ولا نعلم أحدا قال بمثل قوله إلا الزهري فإن الليث بن سعد روى عن الزهري قال يؤاجر المعسر بما عليه من الدين حتى يقضى عنه والذي يدل على أن ظهور الإعسار لا يسقط عنه اللزوم والمطالبة والاقتضاء حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اشترى من أعرابى بعيرا إلى أجل فلما حل الأجل جاءه يتقاضاه فقال جئتنا وما عندنا شيء ولكن أقم حتى تأتى الصدقة فجعل الأعرابى يقول وا غدراه فهم به عمر فقال صلّى الله عليه وسلّم دعه فإن لصاحب الحق مقالا فأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم إنه ليس عنده شيء ولم يمنعه الاقتضاء وقال إن لصاحب الحق مقالا فدل ذلك على أن الإعسار بالدين غير مانع اقتضاءه ولزومه به وقوله أقم حتى تأتى الصدقة يدل على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم إنما اشترى البعير للصدقة لا لنفسه لأنه لو كان اشتراه لنفسه لم يكن ليقضيه من إبل الصدقة لأنه لم يكن تحل له الصدقة فهذا يدل على أن
من اشترى لغيره يلزمه ثمن ما اشترى وإن حقوق العقد متعلقة به دون المشترى له لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يمنعه اقتضاءه ومطالبته به وهو في معنى الحديث الذي رواه أبو رافع أن النبي صلّى الله عليه وسلّم استسلف بكرا ثم قضاه من إبل الصدقة لأن السلف كان دينا على مال الصدقة* وروى في خبر آخر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لصاحب الحق اليد واللسان رواه محمد بن الحسن وقال في اليد اللزوم وفي اللسان الاقتضاء وحدثنا من لا اتهم في الرواية قال أخبرنا محمد ابن إسحاق قال حدثنا محمد بن يحيى قال حدثنا إبراهيم بن حمزة قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن أبى عمر عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا لزم غريما له بعشرة دنانير فقال له والله ما عندي شيء أقضيكه اليوم قال والله لا أفارقك حتى تقضيني أو تأتينى بحميل يتحمل عنك قال والله ما عندي قضاء ولا أجد من يحتمل عنى قال فجاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال يا رسول الله إن هذا لزمني فاستنظرته شهرا واحدا فأبى حتى أقضيه وآتيه بحميل فقلت والله ما أجد حميلا ولا عندي قضاء اليوم فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هل تنظره شهرا واحدا قال لا قال أنا أحمل بها فتحمل بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فذهب الرجل فأتاه بقدر ما وعده فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أين أصبت هذا الذهب قال من معدن قال اذهب فلا حاجة لنا فيها ليس فيها خير فقضى عنه رسول الله وفي هذا الحديث أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يمنعه من لزومه مع حلفه بالله ما عنده قضاء* وحدثنا من لا أتهم في الرواية قال حدثنا عبد الله بن على بن الجارود قال حدثنا إبراهيم بن أبى بكر بن أبى شيبة قال حدثنا ابن أبى عبيدة قال حدثنا أبى عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى سعيد الخدري قال جاء أعرابى إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم يتقاضاه تمرا كان عليه وشدد عليه الأعرابى حتى قال له احرج عليك إلا قضيتنى فانتهره الصحابة فقالوا له ويحك أتدري من تكلم فقال لهم إنى طالب حق فقال لهم النبي صلّى الله عليه وسلّم هلا مع صاحب الحق كنتم ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها إن كان عندك تمر فاقرضينا حتى يأتينا تمر فنقضيك فقالت نعم بأبى أنت وأمى يا رسول الله فأقرضته فقضى الأعرابى وأطعمه فقال أوفيتنا أوفى الله لك فقال أولئك خيار الناس أنها لا قدست أمة لا يؤخذ الضعيف منها حقه غير متعتع فلم يكن عند النبي صلّى الله عليه وسلّم ما يقضيه ولم ينكر على الأعرابى مطالبته واقتضاءه بذلك بل أنكر على الصحابة انتهارهم إياه وقال هلا مع صاحب الحق كنتم وهذا يوجب أن لا يكون منظرا بنفس الإعسار دون أن ينظره الطالب ويدل عليه
أيضا ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أحمد بن العباس المؤدب قال حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا عبد الوارث عن محمد بن حجادة عن ابن بريدة عن أبيه قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول من أنظر معسرا فله صدقة ومن أنظر معسرا فله بكل يوم صدقة فقلت يا رسول الله سمعتك تقول من أنظر معسرا فله صدقة ثم سمعتك تقول له بكل يوم صدقة قال من أنظر معسرا قبل أن يحل الدين فله صدقة ومن أنظره إذا حل الدين فله بكل يوم صدقة وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا محمد بن على بن عبد الملك بن السراج قال حدثنا إبراهيم ابن عبد الله الهروي قال حدثنا عيسى بن يونس قال حدثنا سعيد بن حجنة الأسدى قال حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت أنه سمع أبا اليسر يقول قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أنظر معسرا أو وضع له أظله الله يوم لا ظل إلا ظله فقوله في الحديث الأول من أنظر معسرا فله بكل يوم صدقة يوجب أن لا يكون منظرا بنفس الإعسار دون إنظار الطالب إياه لأنه لو كان منظرا بغير إنظاره لما صح القول بأن من أنظر معسرا فله بكل يوم صدقة إذ غير جائز أن يستحق الثواب إلا على فعله فأما من قد صار منظرا بغير فعله فإنه يستحيل أن يستحق الثواب بالإنظار وحديث أبى اليسر يدل على ذلك أيضا من وجهين أحدهما ما أخبر عنه من استحقاق الثواب بإنظاره والثاني أنه جعل الإنظار بمنزلة الحط ومعلوم أن الحط لا يقع إلا بفعله فكذلك الإنظار وهذا كله يدل على أن قوله تعالى( فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ) ينصرف على أحد وجهين إما أن يكون وقوع الإنظار هو تخليته من الحبس وترك عقوبته إذ كان غير مستحق لها لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم إنما جعل مطل الغنى ظلما فإذا ثبت إعساره فهو غير ظالم بترك القضاء فأمر الله بإنظاره من الحبس فلا يوجب ذلك ترك لزومه أو أن يكون المراد الندب والإرشاد إلى إنظاره بترك لزومه ومطالبته فلا يكون منظرا إلا بنظرة الطالب بدلالة الأخبار التي أوردناها* فإن قال* قائل اللزوم بمنزلة الحبس لا فرق بينهما لأنه في الحالين ممنوع من التصرف* قيل له ليس كذلك لأن اللزوم لا يمنعه التصرف فإنما معناه أن يكون معه من قبل الطالب من يراعى أمره في كسبه وما يستفيده فيترك له مقدار القوت ويأخذ الباقي قضاء من دينه وليس في ذلك إيجاب حبس ولا عقوبة وروى مروان بن معاوية قال حدثنا أبو مالك الأشجعى عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إن الله يقول لعبد
من عباده ما عملت قال ما عملت لك كثير عمل أرجوك به من صلاة ولا صوم غير أنك كنت أعطيتنى فضلا من مال فكنت أخالط الناس فأيسر على الموسر وأنظر المعسر فقال الله عز وجل نحن أحق بذلك منك تجاوزا عن عبدى فغفر له فقال ابن مسعود هكذا سمعنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهذا الحديث أيضا يدل على مثل ما دلت عليه الأخبار المتقدمة من أن الإنظار لا يقع بنفس الإعسار لأنه جمع بين إنظار المعسر والتيسير على الموسر وذلك كله مندوب إليه غير واجب* واحتج من حال بينه وبين لزومه إذا أعسر وجعله منظرا بنفس الإعسار بما رواه الليث بن سعد عن بكير عن عياض بن عبد الله عن أبى سعيد الخدري أن رجلا أصيب على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال صلّى الله عليه وسلّم تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خذوا ما وجدتم ليس لكم إلا ذلك فاحتج القائل بما وصفنا بقوله صلّى الله عليه وسلّم ليس لكم إلا ذلك وإن ذلك يقتضى نفى اللزوم* فيقال له معلوم أنه لم يرد سقوط ديونهم لأنه لا خلاف أنه متى وجد كان الغرماء أحق بما فضل عن قوته وإذا لم ينف بذلك بقاء حقوقهم في ذمته فكذلك لا يمنع بقاء لزومهم له ليستوفوا ديونهم مما يكسبه فاضلا عن قوته وهذا هو معنى اللزوم لأنا لا نختلف في ثبوت حقوقهم فيما يكسبه في المستقبل فقد اقتضى ذلك ثبوت حق اللزوم لهم ولم ينتف ذلك بقوله صلّى الله عليه وسلّم ليس لكم إلا ذلك كما لم ينتف بقاء حقوقهم فيما يستفيده وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الأخبار التي ذكرنا من إنظار المعسر وما ذكر من ترغيب الطالب في إنظاره يدل على جواز التأجيل في الديون الحالة الواجبة عن الغصوب والبيوع وزعم الشافعى أنه إذا كان حالا في الأصل لا يصح التأجيل به وذلك خلاف الآثار التي قدمنا لأنها قد اقتضت جواز تأجيله وبين ذلك حديث ابن بريدة فيمن أجل قبل أن يحل أو بعد ما حل وقد تقدم سنده* وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق عن الشعبي عن سمعان عن سمرة بن جندب قال خطبنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال هاهنا أحد من بنى فلان فلم يجبه أحد ثم قال هاهنا أحد من بنى فلان فلم يجبه أحد ثم قال هاهنا أحد من بنى فلان فقام رجل فقال أنا يا رسول الله فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما منعك أن تجيبني في المرتين الأوليين إنى لم أنوه بكم إلا خيرا إن صاحبكم مأسور بدينه فلقد رأيته أدى عنه حتى
ما أحد يطالبه بشيء وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثني سليمان بن داود المهري النهدي قال حدثنا وهب قال حدثني سعيد بن أبى أيوب أنه سمع أبا عبد الله القرشي يقول سمعت أبا بردة بن أبى موسى الأشعرى يقول عن أبيه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه عبد بعد الكبائر التي نهاه الله عنها أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء وفي هذين الحديثين دليل على أن المطالبة واللزوم لا يسقطان عن المعسر كما لم تسقط عنه المطالبة بالموت وإن لم يدع له وفاء* فإن قيل لا يخلوا هذا الرجل المدين إذا مات مفلسا من أن يكون مفرطا في قضاء دينه أو غير مفرط فإن كان مفرطا فإنما هو مطالب عند الله بتفريطه كسائر الذنوب التي لم يتب منها وإن كان غير مفرط فالله تعالى لا يؤاخذه به لأن الله لا يؤاخذ أحدا إلا بذنبه* قيل له إنما ذلك فيمن فرط في في قضاء دينه ثم لم يتب من تفريطه حتى مات مفلسا فيكون مؤاخذا به وهذا حكم المعسر بدين الآدمي لأنا لا نعلم توبته من تفريطه فواجب أن يكون مطالبا به في الدنيا كما كان مؤاخذا به عند الله تعالى* فإن قيل فينبغي أن تفرقوا بين المفرط في قضاء دينه المصبر على تفريطه وبين من لم يفرط أصلا أو فرط ثم تاب من تفريطه فتوجبون له لزوم من فرط ولم يتب ولا تجعلون له ذلك فيمن لم يفرط أو فرط ثم تاب* قيل له لو وقفنا على حقيقة توبته من تفريطه أو علمنا أنه لم يكن مفرطا في قضائه لخالفنا بين حكمه وحكم من ظهر تفريطه في باب اللزوم كما اختلف حكمهما عند الله تعالى ولكنا لا نعلم أنه غير مفرط في الحقيقة لجواز أن يكون له مال مخبوء وقد أظهر الإعسار وكذلك المظهر لتوبته من تفريطه مع ظهور عسرته جائز أن يكون موسرا بأداء دينه ولا تكون لما أظهره حقيقة وإذا كان كذلك فحكم اللزوم والمطالبة قائم عليه كما تثبت عليه المطالبة لله تعالى بعد موته وحديث أبى قتادة أيضا يدل على ذلك وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني قال حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا معمر عن الزهري عن أبى سلمة عن جابر قال كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يصلى على رجل مات وعليه دين فأتى بميت فقال أعليه دين فقالوا نعم ديناران فقال صلوا على صاحبكم فقال أبو قتادة الأنصارى هما على يا رسول الله قال فصل عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلما فتح الله على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فمن ترك دينا فعلى قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته فلو لم تكن
المطالبة قائمة عليه إذا مات مفلسا كان لا يترك الصلاة عليه إذا مات مفلسا لأنه كان يكون بمنزلة من لا دين عليه وفي هذا دليل على أن الإعسار لا يسقط عنه اللزوم والمطالبة وقد روى إسماعيل بن المهاجر عن عبد الملك بن عمير قال كان على بن أبى طالب إذا أتاه رجل بغريمه قال هات بينة على مال أحبسه فإن قال فإنى إذا ألزمه قال وما منعك من لزومه وأما قول الزهري والليث بن سعد في إجازتهما الحد واستيفاء الدين من أجرته فخلاف الآية والآثار المروية عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أما الآية فقوله تعالى( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ) ولم يقل فليؤاجر بما عليه وسائر الأخبار المروية عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ليس في شيء منها إجارته وإنما فيها أو تركه وحديث أبى سعيد الخدري ليس لكم إلا ذلك حين لم يجدوا له غير ما أخذوا.
قوله عز وجل( وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) يعنى والله أعلم أن التصدق بالدين الذي على المعسر خير من إنظاره به وهذا يدل على أن الصدقة أفضل من القرض لأن القرض إنما هو دفع المال وتأخير استرجاعه وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال قرض مرتين كصدقة مرة وروى علقمة عن عبد الله عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال السلف يجرى مجرى شطر الصدقة وروى عن عبد الله بن مسعود من قوله وعن ابن عباس مثله وعن إبراهيم وقتادة في قوله( وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) قالا برأس المال* ولما سمى الله الإبراء من الدين صدقة اقتضى ظاهره جوازه عن الزكاة لأنه سمى الزكاة صدقة وهي على ذي عسرة فلو خلينا والظاهر كان واجبا جوازه عن سائر أمواله التي فيها الزكاة من عين ودين وغيره إلا أن أصحابنا قالوا إنما سقط زكاة المبرأ منه دون غيره لأن الدين إنما إنما هو حق ليس بعين والحقوق لا تجرى مجرى الزكاة مثل سكنى الدار وخدمة العبد ونحوها وتسميته إياه بالصدقة لا توجب جوازه عن الزكاة في سائر الأحوال ألا ترى أن الله تعالى قد سمى البراءة من القصاص صدقة في قوله تعالى( وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) ـ إلى قوله ـ( فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ) والمراد به العفو عن القصاص ولا نعلم خلافا بين أهل العلم أن العفو عن القصاص غير مجزئ في الكفارة وقال تعالى حاكيا عن أخوة يوسف( وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ) وهم لم يسألوه أن يتصدق عليهم بماله وإنما سألوه أن يبيعهم ولا يمنعهم الكيل لأنهم كانوا منعوا بديا ألا ترى أنهم
قالوا فأوف لنا الكيل وهو ما اشتروه ببضاعتهم فإذا كان وقوع اسم الصدقة عليه لم يوجب جوازه عن الزكاة لم يكن إطلاق اسم الصدقة على الدين علة لجوازه عن الزكاة والله تعالى أعلم.
باب عقود المداينات
قال الله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ) قال أبو بكر ذهب قوم إلى أن الكتاب والإشهاد على الديون الآجلة قد كانا واجبين بقوله تعالى( فَاكْتُبُوهُ ) ـ إلى قوله ـ( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ) ثم نسخ الوجوب بقوله تعالى( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ ) روى ذلك عن أبى سعيد الخدري والشعبي والحسن وقال آخرون هي محكمة لم ينسخ منها شيء وروى عاصم الأحول وداود ابن أبى هند عن عكرمة قال قال ابن عباس لا والله إن آية الدين محكمة وما فيها نسخ* وقد روى شعبة عن فراس عن الشعبي عن أبى بردة عن أبى موسى قال ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها ورجل أعطى ماله سفيها وقد قال الله تعالى( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) ورجل له على رجل دين ولم يشهد عليه به* قال أبو بكر وقد روى هذا الحديث مرفوعا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وروى جويبر عن الضحاك إن ذهب حقه لم يؤجر وإن دعا عليه لم يجب لأنه ترك حق الله وأمره وقال سعيد بن جبير( وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ ) يعنى وأشهدوا على حقوقكم إذا كان فيها أجل أو لم يكن فيها أجل فأشهد على حقك على كل حال وقال ابن جريج سئل عطاء أيشهد الرجل على أن بايع بنصف درهم قال نعم هو تأويل قوله تعالى( وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ ) وروى مغيرة عن إبراهيم قال يشهد لو على دستجة بقل وقد روى عن الحسن والشعبي إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد لقوله تعالى( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) وروى ليث عن مجاهد أن ابن عمر كان إذا باع أشهد ولم يكتب وهذا يدل على أنه رآه ندبا لأنه لو كان واجبا لكانت الكتابة مع الإشهاد لأنهما مأمور بهما في الآية* قال أبو بكر لا يخلو قوله تعالى( فَاكْتُبُوهُ ) ـ إلى قوله تعالى ـ( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ) وقوله تعالى( وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ ) من أن يكون موجبا للكتابة والإشهاد على الديون الآجلة في حال نزولها وكان هذا حكما مستقرا ثابتا إلى أن ورد نسخ إيجابه بقوله تعالى( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ )
وأن يكون نزول الجميع معا فإن كان كذلك فغير جائز أن يكون المراد بالكتابة والإشهاد الإيجاب لامتناع ورود الناسخ والمنسوخ معا في شيء واحد إذ غير جائز نسخ الحكم قبل استقراره ولما لم يثبت عندنا تاريخ نزول هذين الحكمين من قوله تعالى( وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ ) وقوله تعالى( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) وجب الحكم بورودهما معا فلم يرد الأمر بالكتاب والإشهاد إلا مقرونا بقوله تعالى( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ ) فثبت بذلك أن الأمر بالكتابة والإشهاد ندب غير واجب وما روى عن ابن عباس من أن آية الدين محكمة لم ينسخ منها شيء لا دلالة فيه على أنه رأى الإشهاد واجبا لأنه جائز أن يريد أن الجميع ورد معا فكان في نسق التلاوة ما أوجب أن يكون الإشهاد ندبا وهو قوله تعالى( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) وما روى عن ابن عمر إنه كان يشهد وعن إبراهيم وعطاء أنه يشهد على القليل كله عندنا أنهم رأوه ندبا لا إيجابا وما روى عن أبى موسى ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم أحدهم من له على رجل دين ولم يشهد فلا دلالة على أنه رآه واجبا ألا ترى أنه ذكر معه من له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها ولا خلاف أنه ليس بواجب على من له امرأة سيئة الخلق أن يطلقها وإنما هذا القول منه على أن فاعل ذلك تارك للاحتياط والتوصل إلى ما جعل الله تعالى له فيه المخرج والخلاص ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الأمر بالكتابة والاشهاد والرهن المذكور جميعه في هذه الآية ندب وإرشاد إلى ما لنا فيه الحظ والصلاح والاحتياط للدين والدنيا وإن شيئا منه غير واجب وقد نقلت الأمة خلف عن سلف عقود المداينات والأشرية والبياعات في أمصارهم من غير إشهاد مع علم فقهائهم بذلك من غير نكير منهم عليهم ولو كان الإشهاد واجبا لما تركوا النكير على تاركه مع علمهم به وفي ذلك دليل على أنهم رأوه ندبا وذلك منقول من عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى يومنا هذا ولو كانت الصحابة والتابعون تشهد على بياعاتها وأشريتها لورد النقل به متواترا مستفيضا ولا نكرت على فاعله ترك الإشهاد فلما لم ينقل عنهم الإشهاد بالنقل المستفيض ولا إظهار النكير على تاركه من العامة ثبت بذلك أن الكتاب والإشهاد في الديون والبياعات غير واجبين وقوله تعالى( فَاكْتُبُوهُ ) مخاطبة لمن جرى ذكره في أول الآية وهو( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ) فإنما أمر بذلك للمتداينين* فإن قيل ما وجه قوله تعالى( بِدَيْنٍ ) والتداين لا يكون إلا بدين* قيل له
لأن قوله تعالى( تَدايَنْتُمْ ) لفظ مشترك يحتمل أن يكون من الدين الذي هو الجزاء كقوله تعالى( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) يعنى يوم الجزاء فيكون بمعنى تجازيتم فأزال الاشتراك عن اللفظ بقوله تعالى( بِدَيْنٍ ) وقصره على المعاملة بالدين وجائز أن يكون على جهة التأكيد وتمكين المعنى في النفس* وقوله تعالى( إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) ينتظم سائر عقود المداينات التي يصح فيها الآجال ولا دلالة فيه على جواز التأجيل في سائر الديون لأن الآية ليس فيها بيان جواز التأجيل في سائر الديون وإنما فيها الأمر بالإشهاد إذا كان دينا مؤجلا ثم يحتاج أن يعلم بدلالة أخرى جواز التأجيل في الدين وامتناعه ألا ترى أنها لم تقتض جواز دخول الأجل على الدين بالدين حتى يكونا جميعا مؤجلين وهو بمنزلة قوله من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم لا دلالة فيه على جواز السلم في سائر المكيلات والموزونات بالآجال المعلومة وإنما ينبغي أن يثبت جوازه في المكيل والموزون المعلوم الجنس والنوع والصفة بدلالة أخرى وإذا ثبت أنه مما يجوز السلم فيه احتجنا بعد ذلك إلى أن نسلم فيه إلى أجل معلوم وكما تدل الآية على جواز عقود المداينات ولم يصح الاستدلال بعمومهما في إجازة سائر عقود المداينات لأن الآية إنما فيها الأمر بالإشهاد إذا صحت المداينة كذلك لا تدل على جواز شرط الأجل في سائر الديون وإنما فيها الأمر بالإشهاد إذا صح الدين والتأجيل فيه وقد احتج بعضهم في جواز التأجيل في القرض بهذه الآية إذ لا تفرق بين القرض وسائر عقود المداينات وقد علمنا أن القرض مما شمله الاسم وليس ذلك عندنا كما ذكر لأنه لا دلالة فيها على جواز كل دين ولا على جواز التأجيل في جميعها وإنما فيها الأمر بالإشهاد على دين قد ثبت فيه التأجيل لاستحالة أن يكون المراد به الإشهاد على ما لم يثبت من الديون ولا من الآجال فوجب أن يكون مراده إذا تداينتم بدين قد ثبت فيه التأجيل فاكتبوه فالمستدل به على جواز تأجيل القرض مغفل في استدلاله ومما يدل على أن القرض لم يدخل فيه أن قوله تعالى( إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ) قد اقتضى عقد المداينة وليس القرض بعقد مداينة إذا لا يصير دينا بالعقد دون القبض فوجب أن يكون القرض خارجا منه قال أبو بكر وقوله تعالى( إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) قد اشتمل على كل دين ثابت مؤجل سواء كان بدله عينا أو دينا فمن اشترى دارا أو عبدا بألف درهم إلى أجل كان
مأمورا بالكتاب والإشهاد بمقتضى الآية وقد دلت الآية على أنها مقصورة في دين مؤجل في أحد البدلين لا فيهما جميعا لأنه تعالى قال( إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) ولم يقل بدينين فإنما أثبت الأجل في أحد البدلين فغير جائز وجود الأجل في البدلين جميعا وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن الدين بالدين وأما إذا كانا دينين بالعقد فهذا جائز في السلم وفي الصرف إلا أن ذلك مقصورا على المجلس ولا يمتنع أن يكون السلم مرادا بالآية لأن التأجيل في أحد البدلين وهو السلم وقد أمر الله تعالى بالإشهاد على عقد مداينة موجب لدين مؤجل وقد روى قتادة عن أبى حسان عن ابن عباس قال أشهد أن السلم المؤجل في كتاب الله وأنزل فيه أطول آية في كتاب الله( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ) فأخبر ابن عباس أن السلم المؤجل مما انطوى تحت عموم الآية وعلى هذا كل دين ثابت مؤجل فهو مراد بالآية سواء كان من إبدال المنافع أو الأعيان نحو الأجرة المؤجلة في عقود الإجارات والمهر إذا كان مؤجلا وكذلك الخلع والصلح من دم العمد والكتابة المؤجلة لأن هذه ديون مؤجلة ثابتة بعقد مداينة وقد بينا أن الآية إنما اقتضت هذا الحكم في أحد البدلين إذا كان مؤجلا لا فيهما لأنه قال( إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ ) فكل عقد انتظمته الآية فهو العقد الذي ثبت به دين مؤجل ولم تفرق بين أن يكون ذلك الدين بدلا من منافع أو أعيان فوجب أن يكون جميع المندوب إليه من الكتاب والإشهاد مرادا بها هذه العقود كلها وأن ما يكون ما ذكر من عدد الشهود وأوصاف الشهادة معتبرا في سائرها إذ ليس في اللفظ تخصيص شيء منه دون غيره فيوجب ذلك جواز شهادة الرجل والمرأتين في النكاح إذا كان المهر دينا مؤجلا وفي الخلع والإجارة والصلح من دم العمد وسائر ما كان هذا وصفه وغير جائز الاقتصار بهذه الأحكام على بعض الديون المؤجلة دون بعض مع شمول الآية لجميعها* وقوله تعالى( إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) يعنى معلوما وقد روى ذلك عن جماعة من السلف وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم وقوله تعالى( وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ ) فيه أمر لمن تولى كتابة الوثائق بين الناس أن يكتبها بالعدل بينهم والكتاب وإن لم يكن حتما فإن سبيله إذا كتب أن يكتب على حد العدل والاحتياط والتوثق من الأمور التي من أجلها يكتب الكتاب بأن يكون شرطا صحيحا جائزا على ما توجبه الشريعة
وتقتضيه وعليه التحرز من العبارات المحتملة للمعاني وتجنب الألفاظ المشتركة وتحرى تحقيق المعاني بألفاظ مبينة خارجة عن حد الشركة والاحتمال والتحرز من خلاف الفقهاء ما أمكن حتى يحصل للمداينين معنى الوثيقة والاحتياط المأمور بهما في الآية ولذلك قال تعالى عقيب الأمر بالكتاب( وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ ) يعنى والله أعلم ما بينه من أحكام العقود الصحيحة والمداينات الثابتة الجائزة لكي يحصل لكل واحد من المتداينين ما قصد من تصحيح عقد المداينة ولأن الكاتب بذلك إذا كان جاهلا بالحكم لا يأمن أن يكتب ما يفسد عليهما ما قصداه ويبطل ما تعاقداه والكتاب وإن لم يكن حتما وكان ندبا وإرشادا إلى الأحوط فإنه متى كتب فواجب أن يكون على هذه الشريطة كما قال عز وجل( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) فانتظم ذلك صلاة الفرض والنفل غير واجب عليه ولكنه متى قصد فعلها وهو محدث فعليه أن لا يفعلها إلا بشرائطها من الطهارة وسائر أركانها وكما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم والسلم ليس بواجب ولكنه متى أراد أن يسلم فعليه استيفاء الشرائط فكذلك كتاب الدين والإشهاد ليس بواجبين ولكنه متى كتب فعلى الكاتب أن يكتبه على الوجه الذي أمره الله تعالى به وأن يستوفى فيه شروط صحته ليحصل المعنى المقصود بكتابته وقد اختلف السلف في لزوم الكاتب الكتابة فروى عن الشعبي أنه قال هو واجب على الكفاية كالجهاد ونحوه وقال السدى واجب على الكاتب في حال فراغه وقال عطاء ومجاهد هو واجب وقال الضحاك نسختها( وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ ) قال أبو بكر قد بينا أن الكتاب غير واجب في الأصل على المتداينين فكيف يكون واجبا على الأجنبى الذي لا حكم له في هذا العقد ولا سبب له فيه وعسى أن يكون من رآه واجبا إلى أن الأصل واجب فكذلك على من يحسن الكتابة أن يقوم بها لمن يجب ذلك عليه والأصل وإن لم يكن واجبا عندنا فإن المتداينين متى قصدا إلى ما ندبهما إليه من الاستيثاق بالكتاب ولم يكونا عالمين بذلك فإن فرض على من علم ذلك أن يبينه لهما وليس عليه أن يكتبه ولكن يبينه حتى يكتباه أو يكتبه لهما أجير أو متبرع بإملاء من يعلمه كما لو أراد إنسان أن يصوم صوما تطوعا أو يصلى صلاة تعرف أحكامهما كان على العالم بذلك إذا سئل أن يبينه لسائله وإن لم تكن هذه الصلاة والصوم فرضا لأن على العلماء بيان النوفل
«14 ـ أحكام في»
والمندوب إليه إذا سألوا عنها كما أن عليهم بيان الفروض وقد كان على النبي صلّى الله عليه وسلّم بيان النوافل والمندوب إليه كما أن عليه بيان الفروض قال الله تعالى( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) وقال تعالى( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) وفيما أنزل الله على نبيه أحكام النوافل فكان عليه بيانها لأمته كبيان الفروض وقد نقلت الأمة عن نبيها صلّى الله عليه وسلّم بيان المندوب إليه كما نقلت عنه بيان الفروض وإذا كان كذلك فعلى من علم علما من فرض أو نفل ثم سئل عنه أن يبينه لسائله وقال الله تعالى( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ ) وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار فعلى هذا الوجه يلزم من عرف الوثائق والشروط بيانها لسائلها على حسب ما يلزمه بيان سائر علوم الدين والشريعة وهذا فرض لازم للناس على الكفاية إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين فأما أن يلزمه أن يتولى الكتابة بيده فهذا ما لا أعلم أحدا يقوله اللهم إلا أن لا يوجد من يكتبه فغير ممتنع أن يقول قائل عليه كتبه ولو كان كتب الكتاب فرضا على الكاتب لما كان الاستيجار يجوز عليه لأن الاستيجار على فعل الفروض باطل لا يصح فلما لم يختلف الفقهاء في جواز أخذ الأجرة على كتب كتاب الوثيقة دل ذلك على أن كتبه ليس بفرض لا على الكفاية ولا على التعيين قوله تعالى( وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ ) نهى للكاتب أن يكتب على خلاف العدل الذي أمر الله به وهذا النهى على الوجوب إذا كان المراد به كتبه على خلاف ما توجبه أحكام الشرع كما تقول لا تصل النفل على غير طهارة ولا غير مستور العورة ليس ذلك أمرا بالصلاة النافلة ولا نهيا عن فعلها مطلقا وإنما هو نهى عن فعلها على غير شرائطها المشروطة لها وكذلك قوله تعالى( وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ ) هو نهى عن كتبه على خلاف الجائز منه إذ ليست الكتابة في الأصل واجبة عليه ألا ترى أن قول القائل لا تاب أن تصلى النافلة بطهارة وستر العورة ليس فيه إيجاب منه للنافلة فكذلك ما وصفنا وقوله تعالى( وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ) فيه إثبات إقرار الذي عليه الحق وإجازة ما أقر به وإلزامه إياه لأنه لولا جواز إقراره إذا أقر ولم يكن إملاء الذي عليه الحق بأولى من إملاء غيره من الناس فقد تضمن ذلك جواز إقرار كل مقر بحق عليه وقوله عز وجل( وَلْيَتَّقِ اللهَ
رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ) يدل على أن كل من أقر بشيء لغيره فالقول قوله فيه لأن البخس هو النقص فلما وعظه الله تعالى في ترك البخس دل ذلك على أنه إذا بخس كان قوله مقبولا وهو نظير قوله تعالى( وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَ ) لما وعظهن في الكتمان دل على أن المرجع فيه إلى قولهن وكقوله تعالى( وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) قد دل ذلك أنهم متى كتموها كان القول قولهم فيها وكذلك وعظه الذي عليه الحق في ترك البخس دليل على أن المرجع إلى قوله فيما عليه وقد ورد الأثر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بمثل ما دل عليه الكتاب وهو قوله البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه فجعل القول من ادعى عليه دون المدعى وأوجب عليه اليمين وهو معنى قوله تعالى( وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ) في إيجاب الرجوع إلى قوله* واحتج بعضهم بهذه الآية على أن القول قول المطلوب في الأجل لأن الله رد الإملاء إليه ووعظه في البخس بقوله تعالى( وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ) في صدقه في مبلغ المال فيقال إنما وعظه في البخس وهو النقصان ويستحيل وعظ المطلوب في بخس الأجل ونقصانه وهو لو أسقط الأجل كله بعد ثبوته لبطل كما لا يوعظ الطالب في نقصان ماله إذ لو أبرأه من جميعه لصحت براءته فلما كان ذلك كذلك علمنا أن المراد بالبخس في مقدار الديون لا في الأجل فليس إذا في الآية دليل على أن القول قول المطلوب في الأجل* فإن قيل إثبات الأجل في المال يوجب نقصانه فلما كان القول قول المطلوب في نقصان المال ومقداره وجب أن يكون القول قوله في الأجل لما فيه من بخس المال ونقصانه إذ قد تضمنت الآية تصديقه في بخسه والبخس تارة يكون بنقصان المقدار وتارة بنقصان الصفة من أجل رداءة في المقر به* قيل له لما قال تعالى( وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ) اقتضى ذلك النهى عن بخس الحق نفسه فكان تقديره ولا يبخس من الدين شيئا ومدعى الأجل غير باخس من الدين ولا ناقص له إذ كان بخس الدين هو نقصان مقداره وليس الأجل هو الدين ولا بعضه وإذا كان كذلك فلا دلالة في الآية على تصديقه على دعوى الأجل ويدلك على أن الأجل ليس من الدين إن الدين قد يحل ويبطل الأجل ويكون هو ذلك الدين وقد يسقط الأجل ويعجل الدين فيكون الذي عجل هو الدين الذي كان مؤجلا وإذا كان ذلك كذلك ثم قال تعالى( وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ) يعنى من الدين شيئا لم يتناول ذلك
الأجل ولم يدل عليه ومن جهة أخرى أن الأجل إنما يوجب نقصا فيه من طريق الحكم لأن المقبوض بعد الأجل وقبله إذا كان على صفة واحدة فقد علمت أنه لا تأثير له في نقصان المقبوض وإنما يقال أنه نقص فيه من طريق الحكم على المجاز لا على الحقيقة وقد تناولت الآية البخس الذي هو حقيقة وهو نقصان المقدار ونقصانه في نفسه من ردائة أو غبن أو غيرها نحو إقراره بالدرهم السود والحنطة الردية فإن ذلك كله بخس من جهة الحقيقة لاختلاف صفات المقبوض عنه فلم يجز أن يتناول بعض الأجل الذي ليس بحقيقة فيه بل هو مجاز لأن اللفظ متى أريد به الحقيقة انتفى دخول المجاز فيه* وفي هذه الآية دلالة على أن القول قول الطالب في الأجل لأنه ابتدأ الخطاب بقوله تعالى( إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ) ـ إلى قوله ـ( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ) اقتضى ذلك الاشهاد على المتداينين جميعا إذا كان المال مؤجلا فلو كان القول قول المطلوب في الأجل لما احتيج إلى الإشهاد به على الطالب وفي وجوب الإشهاد على الطالب بالتأجيل دلالة على أن القول قوله وأن المطلوب غير مصدق عليه إذ لو كان مصدقا فيه لما بقي للإشهاد على الطالب موضع ولا معنى* فإن قال قائل إنما حكم الإشهاد مقصور على* المطلوب دون الطالب* قيل له هذا خلاف مقتضى الآية لأنه قال( إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) ثم عطف عليه قوله تعالى( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ) فخاطب المتداينين جميعا وأمرهما بالاستشهاد فلو جاز لقائل أن يقول إن المطلوب مخصوص به لجاز الآخر أن يقول هو مقصور على الطالب دون المطلوب فلما لم يصح ذلك وجب بظاهر الآية أن يكون الإشهاد عليهما جميعا وأن يكونا مندوبين إليه وإذا ثبت ذلك لم يكن للإشهاد على الطالب بالدين المؤجل حكم لأنه مقبول القول في نفيه دل ذلك على أن المرجع إلى قوله في الأجل وإنما جعل الله الإملاء إلى المطلوب إذا أحسن ذلك وإن كان لو أملى غيره وأقر المطلوب به جاز لأنه أثبت في الإقرار وأذكر للشهود متى أرادوا أن يتذكروا الشهادة وكان الإملاء سببا للاستذكار كما أمر باستشهاد امرأتين لتذكر إحداهما الأخرى والله تعالى أعلم.
باب الحجر على السفيه
قال الله تعالى( فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ
فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ) قد احتج كل فريق من موجبى الحجر على السفيه ومن مبطليه بهذه الآية فاحتج مثبتوا الحجر للسفيه بقوله تعالى( فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ) فأجاز لولى السفيه الإملاء عنه واحتج مبطلو الحجر بما في مضمون الآية من جواز مداينة السفيه بقوله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ) إلى قوله تعالى( فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً ) فأجاز مداينة السفيه وحكم بصحة إقراره في مداينته وإنما خالف بينه وبين غيره في إملاء الكتاب لقصور فهمه عن استيفاء ماله وعليه مما يقتضيه شرط الوثيقة وقالوا إن قوله تعالى( فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ) إنما المراد به ولى الدين وقد روى ذلك عن جماعة من السلف قالوا وغير جائز أن يكون المراد ولى السفيه على معنى الحجر عليه وإقراره بالدين عليه لأن إقرار ولى المحجور عليه غير جائز عليه عند أحد فعلمنا أن المراد ولى الدين فأمر بإملاء الكتاب حتى يقر به المطلوب الذي عليه الدين* قال أبو بكر اختلف السلف في السفيه المراد بالآية فقال قائلون منهم هو الصبى وروى ذلك عن الحسن في قوله تعالى( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) قال الصبى والمرأة وقال مجاهد النساء وقال الشعبي لا تعطى الجارية ما لها وإن قرأت القرآن والتوراة وهذا محمول على التي لا تقوم بحفظ المال لأنه لا خلاف أنها إذا كانت ضابطة لأمرها حافظة لمالها دفع إليها إذا كانت بالغا قد دخل بها زوجها وقد روى عن عمر أنه قال لا تجوز لامرأة مملكة عطية حتى تحيل في بيت زوجها حولا أو تلد بطنا وروى عن الحسن مثله وقال أبو الشعثاء لا تجوز لامرأة عطية حتى تلد أو يؤنس رشدها وعن إبراهيم مثله وهذا كله محمول على أنه لم يؤنس رشدها لأنه لا خلاف أن هذا ليس بحد في استحقاق دفع المال إليها لأنها لو أحالت حولا في بيت زوجها وولدت بطونا وهي غير مؤنسة للرشد ولا ضابطة لأمرها لم يدفع إليها مالها فعلمنا أنهم إنما أرادوا ذلك فيمن لم يؤنس رشدها* وقد ذكر الله تعالى السفه في مواضع منها ما أراد به السفه في الدين وهو الجهل به في قوله تعالى( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ ) وقوله تعالى( سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ) فهذا هو السفه في الدين وهو الجهل والخفة وقال تعالى( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) فمن الناس من تأوله على أموالهم كما قال تعالى( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) يعنى لا يقتل بعضكم بعضا وقال تعالى( فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) والمعنى
ليقتل بعضكم بعضا وهذا الذي ذكره هذا القائل عدول عن حقيقة اللفظ وظاهره بغير دلالة لأن قوله تعالى( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) يشتمل على فريقين من الناس كل واحد منهما مميز في اللفظ من الآخر وأحد الفريقين هم المخاطبون بقوله تعالى( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) والفريق الآخر السفهاء المذكورون معهم فلما قال تعالى( أَمْوالَكُمُ ) وجب أن ينصرف ذلك إلى أموال المخاطبين دون السفهاء وغير جائز أن يكون المراد السفهاء لأن السفهاء لم يتوجه الخطاب إليهم بشيء وإنما توجه إلى العقلاء المخاطبين وليس ذلك كقوله تعالى( فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) وقوله تعالى( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) لأن القاتلين والمقتولين قد انتظمهم خطاب واحد لم يتميز أحد الفريقين من الآخر في حكم المخاطبة فلذلك جاز أن يكون المراد فليقتل بعضكم بعضا* وقد قيل إن أصل السفه الخفة ومن ذلك قول الشاعر :
شين كما اهتزت رماح تسفهت |
أعاليها مر الرياح النواسم |
يعنى استخفتها الرياح وقال آخر.
نخاف أن تسفه أحلامنا |
فنحمل الدهر مع الحامل |
أى تخف أحلامنا ويسمى الجاهل سفيها لأنه خفيف العقل ناقصه فمعنى الجهل شامل لجميع من أطلق اسم السفيه والسفيه في أمر الدين هو الجاهل فيه والسفيه في المال هو الجاهل لحفظه وتدبيره والنساء والصبيان أطلق عليهم اسم السفهاء لجهلهم ونقصان تمييزهم والسفيه في رأيه الجاهل فيه والبذي اللسان يسمى سفيها لأنه لا يكاد يتفق إلا في جهال الناس ومن كان خفيف العقل منهم وإذا كان اسم السفيه ينتظم هذه الوجوه رجعنا إلى مقتضى لفظ الآية في قوله تعالى( فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً ) فاحتمل أن يريد به الجهل بإملاء الشرط وإن كان عاقلا مميزا غير مبذر ولا مفسد وأجاز لولى الحق أن يمليه حتى يقر به السفيه الذي عليه الحق ويكون ذلك أولى بمعنى الآية لأن الذي عليه الحق هو المذكور في أول الآية بالمداينة ولو كان محجورا عليه لما جازت مداينته ومن جهة أخرى أن ولى المحجور عليه لا يجوز إقراره عليه بالدين وإنما يجوز على قول من يرى الحجر أن يتصرف عليه القاضي ببيع أو شرى فأما وليه فلا نعلم أحدا يجيز تصرف أوليائه عليه ولا إقرارهم وفي ذلك دليل على أنه لم يرد ولى السفيه وإنما أراد ولى الدين
وقد روى ذلك عن الربيع ابن أنس وقاله الفراء أيضا* وأما قوله( أَوْ ضَعِيفاً ) فقد قيل فيه الضعيف في عقله أو الصبى المأذون له لأن ابتداء الآية قد اقتضى أن يكون الذي عليه الحق جائز المداينة والتصرف فأجاز تصرف هؤلاء كلهم فلما بلغ إلى حال إملاء الكتاب والإشهاد ذكر من لا يكمل لذلك إما لجهل بالشروط أو لضعف عقل لا يحسن معه الإملاء وإن لم يوجب نقصان عقله حجرا عليه وإما لصغر أو لخوف وكبر سن لأن قوله تعالى( أَوْ ضَعِيفاً ) محتمل للأمرين جميعا وينتظمهما وذكر معهما من لا يستطيع أن يمل هو إما لمرض أو كبر سن انفلت لسانه عن الإملاء أو لخرس ذلك كله محتمل وجائز أن تكون هذه الوجوه مرادة لله تعالى لاحتمال اللفظ لها وليس في شيء منها دلالة على أن السفيه يستحق الحجر وأيضا فلو كان بعض من يلحقه اسم السفيه يستحق الحجر لم يصح الاستدلال بهذه الآية في إثبات الحجر وذلك لأنه قد ثبت أن السفيه لفظ مشترك ينطوى تحته معان مختلفة منها ما ذكرنا من السفه في الدين وذلك لا يستحق به الحجر لأن الكفار والمنافقين سفهاء وهم غير مستحقين للحجر في أموالهم ومنها السفه الذي هو البذاء والتسرع إلى سوء اللفظ* وقد يكون السفيه بهذا الضرب من السفه مصلحا لماله غير مفسده ولا مبذره وقال تعالى( إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ) قال أبو عبيدة يريد أهلكها وأوبقها* وروى عن عبد الله بن عمر حين قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم إنى أحب أن يكون رأسى دهينا وقميصي غسيلا وشراك نعلى جديدا أفمن الكبر هو يا رسول الله قال لا إنما الكبر من سفه الحق وغمص الناس وهذا يشبه أن يريد من جهل الحق لأن الجهل يسمى سفها والله تعالى أعلم.
ذكر اختلاف فقهاء الأمصار في الحجر على السفيه
كان أبو حنيفة رضى الله عنه لا يرى الحجر على الحر البالغ العاقل لا لسفه ولا لتبذير ولا لدين وإفلاس وإن حجر عليه القاضي ثم أقر بدين أو تصرف في ماله ببيع أو هبة أو غيرهما جاز تصرفه وإن لم يؤنس منه رشد فكان فاسدا ويحال بينه وبين ماله ومع ذلك إن أقر به لإنسان أو باعه جاز ما صنع من ذلك وإنما يمنع من ماله ما لم يبلغ خمسة وعشرين سنة فإذا بلغها دفع إليه ماله وإن لم يؤنس منه رشد وقول عبيد الله بن الحسن في الحجر كقول أبى حنيفة وروى شعبة عن مغيرة عن إبراهيم قال لا يحجر على حر وروى ابن
عون عن محمد بن سيرين قال لا يحجر على حر إنما يحجر على العبد وعن الحسن البصري مثل ذلك وقال أبو يوسف إذا كان سفيها حجرت عليه وإذا فلسته وحبسته حجرت عليه ولم أجز بيعه ولا شراءه ولا إقراره بدين إلا ببينة تشهد به عليه أنه كان قبل الحجر وذكر الطحاوي عن ابن أبى عمران عن ابن سماعة عن محمد في الحجر بمثل قول أبى يوسف فيه ويزيد عليه أنه إذا صار في الحال التي يستحق معها الحجر صار محجورا عليه حجر القاضي عليه مع ذلك أو لم يحجر وكان أبو يوسف يقول لا يكون محجورا عليه بحدوث هذه الأحوال فيه حتى يحجر القاضي عليه فيكون بذلك محجورا عليه وقال محمد إذا بلغ ولم يؤنس منه رشد لم يدفع إليه ماله ولم يجز بيعه ولا هبته وكان بمنزلة من لم يبلغ فما باع أو اشترى نظر الحاكم فيه فإن رأى إجازته أجازه وهو ما لم يؤنس منه رشد بمنزلة الصبى الذي لم يبلغ إلا أنه يجوز لوصي الأب أن يشترى ويبيع على الذي لم يبلغ ولا يجوز أن يبيع ويشترى على الذي بلغ إلا بأمر الحاكم وذكر ابن عبد الحكم وابن القاسم عن مالك قال ومن أراد الحجر على موليه فليحجر عليه عند السلطان حتى يوقفه للناس ويسمع منه في مجلسه ويشهد على ذلك ويرد بعد ذلك ما بويع وما أدان به السفيه فلا يلحقه ذلك إذا صلحت حاله وهو مخالف للعبد وإن مات المولى عليه وقد أدان فلا يقضى عنه وهو في موته بمنزلته في حياته إلا أن يوصى بذلك في ثلاثة فيكون ذلك له وإذا بلغ الولد فله أن يخرج عن أبيه وإن كان أبوه شيخا ضعيفا إلا أن يكون الإبن مولى عليه أو سفيها أو ضعيفا في عقله فلا يكون له ذلك وقال الفريابي عن الثوري في قوله تعالى( وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ) قال العقل والحفظ لماله وكان يقوله إذا اجتمع فيه خصلتان إذا بلغ الحلم وكان حافظا لماله لا يخدع عنه وحكى المزني عن الشافعى في مختصره قال وإنما أمر الله بدفع أموال اليتامى بأمرين لم يدفع إلا بهما وهما البلوغ والرشد والرشد الصلاح في الدين بكون الشهادة جائزة مع إصلاح المال والمرأة إذا أونس منها الرشد دفع إليها مالها تزوجت أو لم تتزوج كالغلام نكح أو لم ينكح لأن الله تعالى سوى بينهما ولم يذكر تزويجا وإذا حجر عليه الإمام في سفهه وإفساده ماله أشهد على ذلك فمن بايعه بعد الحجر فهو المتلف لماله ومتى أطلق عنه الحجر ثم عاد إلى حال الحجر حجر عليه ومتى رجع إلى حال الإطلاق
أطلق عنه* قال أبو بكر قد بينا ما احتج به كل فريق من مبطلى الحجر ومن مثبتيه من دلالة آية الدين وقد بينا أن الأظهر من دلالتها بطلان الحجر وجواز التصرف واحتج مثبتوا الحجر بما روى هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله بن جعفر أتى الزبير فقال إنى ابتعت بيعا ثم أن عليا يريد أن يحجر على فقال الزبير فإنى شريكك في البيع فأتى على عثمان فسأله أن يحجر على عبد الله بن جعفر فقال الزبير أنا شريكه في هذا البيع فقال عثمان كيف أحجر على رجل شريكه الزبير قالوا فهذا يدل على أنهم جميعا وقد رأوا الحجر جائزا ومشاركة الزبير ليدفع الحجر عنه وكان ذلك بمحضر من الصحابة من غير خلاف ظهر من غيرهم عليهم* قال أبو بكر لا دلالة في ذلك على أن الزبير رأى الحجر وإنما يدل ذلك على تسويغه لعثمان الحجر وليس فيه ما يدل على موافقته إياه فيه وذلك لأن هذا حكم سائر المسائل المختلف فيها من مسائل الاجتهاد وأيضا فإن الحجر على وجهين أحدهما الحجر في منع التصرف والإقرار والآخر في المنع من المال وجائز أن يكون الحجر الذي رآه عثمان وعلى هو المنع من ماله لأنه جائز أن يكون سن عبد الله بن جعفر في ذلك الوقت خمسا وعشرين سنة وأبو حنيفة يرى أن لا يدفع إليه ماله قبل بلوغ هذه السن إذا لم يؤنس منه رشد وهذا عبد الله بن جعفر هو من الصحابة وقد أبى الحجر فكيف يدعى فيه اتفاق الصحابة ويحتجون أيضا بما روى الزهري عن عروة عن عائشة أنه بلغها أن ابن الزبير بلغه أنها باعت بعض رباعها فقال لتنتهين وإلا حجرت عليها فبلغها ذلك فقالت لله على أن لا أكلمه أبدا قالوا فهذا يدل على أن ابن الزبير وعائشة قد رأيا الحجر إلا أنها أنكرت عليه أن تكون هي من أهل الحجر فلو لا ذلك لبينت أن الحجر لا يجوز ولردت عليه قوله* قال أبو بكر قد ظهر النكير منها في الحجر وهذا يدل على أنها لم تر الحجر جائزا لو لا ذلك لما أنكرته إن كان ذلك شيئا يسوغ فيه الاجتهاد وما ظهر منها من النكير يدل على أنها كانت لا تسوغ الاجتهاد في جواز الحجر* فإن قيل إنما لم تسوغ الاجتهاد في الحجر عليها فأما في الحجر مطلقا فلا ولو كانت لا تسوغ الاجتهاد في جواز الحجر لقالت إن الحجر غير جائز فتكتفى بذلك في إنكارها الحجر عليها* قيل له قد أنكرت الحجر على الإطلاق بقولها لله على أن لا أكلمه أبدا ودعواك أنها أنكرت الحجر عليها خاصة دون إنكارها لأصل الحجر لا دلالة معها ومما يدل على بطلان الحجر ماحدثنا به
محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رجلا ذكر لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه يخدع في البيع فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا بايعت فقل لا خلابة فكان الرجل إذا بايع يقول لا خلابة وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عبد الله الأرزى وإبراهيم بن خالد أبو ثور الكلبي قالا حدثنا عبد الوهاب قال محمد عبد الوهاب بن عطاء قال أخبرنى سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك أن رجلا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يبتاع وفي عقدته ضعف فأتى به أهله نبي الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا يا نبي الله أحجر على فلان فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف فدعاه النبي صلّى الله عليه وسلّم فنهاه عن البيع فقال يا نبي الله إنى لا أصبر عن البيع فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إن كنت غير تارك البيع فقال ها وها ولا خلابة فذكر في الحديث الأول أنه كان يخدع في البيع فلم يمنع من التصرف ولم يحجر عليه ولو كان الحجر واجبا لما تركه النبي صلّى الله عليه وسلّم والبيع وهو مستحق المنع منه* فإن قال قائل فقد قال له النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا بايعت فقل لا خلابة فإنما أجاز له البيع على شريطة* استيفاء البدل من غير مغابنة* قيل له فليرض القائلون بالحجر منا على ما رضيه النبي صلّى الله عليه وسلّم لهذا السفيه الذي كان يخدع في البيع وليس أحد من الفقهاء يشترط ذلك على السفهاء لا من القائلين بالحجر ولا من نفاته لأن من يرى الحجر يقول يحجر عليه الحاكم ويمنعه من التصرف ولا يرون إطلاق التصرف له مع التقدمة إليه بأن يقول عند البيع لا خلابة ومبطلو الحجر يجيزون تصرفه على سائر الأحوال فقد ثبت بدلالة هذا الخبر بطلان الحجر على السفيه بعد أن يكون عاقلا وأيضا فإن جازت الثقة به في ضبط هذا الشرط وذكره عند سائر المبايعات فقد تجوز الثقة به في ضبط عقود المبايعات ونفى المغابنات عنها واللفظ الذي في هذا الخبر من قوله إذا بايعت فقل لا خلابة يستقيم على مذهب محمد فإنه يقول إن السفيه إذا بلغ فرفع أمره إلى الحاكم أجاز من عقوده ما لم تكن فيه مغابنة وضرر فأما سائر من يرى الحجر فإنه لا يعتبر ذلك قال أبو بكر ويجوز أن يقال إن مذهب محمد أيضا مخالف للأثر لأن محمدا لا يجيز بيع المحجور عليه إلا أن يرفع إلى القاضي فيجيزه فجعله بيعا موقوفا كبيع أجنبى لو باع عليه بغير أمره والنبي صلّى الله عليه وسلّم لم يجعل بيع الرجل الذي قال له إذا بايعت فقل لا خلابة موقوفا بل جعله جائزا نافذا إذا قال لا خلابة فصار مذهب مثبتى الحجر مخالفا لهذا الأثر وأما حديث أنس فإنه يحتج به الفريقان جميعا فأما مثبتو
الحجر فإنهم يحتجون بأن أهله أتو النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالوا يا نبي الله احجر على فلان فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف فلم ينكره عليهم بل نهاه عن البيع ولما قال لا أصبر عن البيع قال إذا بايعت فقل لا خلابة فأطلق له البيع على شريطة نفى التغابن فيه وأما مبطلوه فإنهم يستدلون بأنه لما قال إنى لا أصبر عن البيع أطلق له النبي صلّى الله عليه وسلّم التصرف وقال له إذا بعت فقل لا خلابة فلو كان الحجر واجبا لما كان قوله لا أصبر عن البيع مزيلا للحجر عنه لأن أحدا من موجبى الحجر لا يرفع الحجر عنه لفقد صبره عن البيع وكما أن الصبى والمجنون المستحقين للحجر عند الجميع لو قالا لا نصبر عن البيع لم يكن هذا القول منهما مزيلا للحجر عنهما ولما قيل لهما إذا بايعتما فقولا لا خلابة وفي إطلاق النبي صلّى الله عليه وسلّم له التصرف على الشريطة التي ذكرها دلالة على أن الحجر غير واجب وأن نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم له بديا عن البيع وقوله فقل لا خلابة على وجه النظر له والاحتياط لماله كما تقول لمن يريد التجارة في البحر أو في طريق مخوف لا تغرر بمالك واحفظه وما جرى مجرى ذلك وليس هذا بحجر وإنما هو مشورة وحسن نظر ومما يدل على بطلان الحجر أنهم لا يختلفون أن السفيه يجوز إقراره بما يوجب الحد والقصاص وذلك مما تسقطه الشبهة فوجب أن يكون إقراره بحقوق الآدميين التي لا تسقطها الشبهة أولى* فإن قال قائل المريض جائز الإقرار بما يوجب الحد والقصاص ولا يجوز إقراره ولا هبته إذا كان عليه دين يحيط بماله فليس جواز الإقرار بالحد والقصاص أصلا للإقرار بالمال والتصرف فيه* قيل له إن إقرار المريض عندنا بجميع ذلك جائز وإنما نبطله إذا اتصل بمرضه الموت لأن تصرفه مراعى معتبر بالموت فإذا مات صار تصرفه واقعا في حق الغير الذي هو أولى منه به وهم الغرماء والورثة فأما تصرفه في الحال فهو جائز ما لم يطرأ الموت ألا ترى أنا لا نفسخ هبته ولا نوجب السعاية على من أعتقه من عبيده حتى يحدث الموت فإقراره بالحد والقصاص والمال غير متفرقين في حال الحياة.
ومما يحتج به مثبتو الحجر قوله( وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ) وقوله تعالى( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ ) الآية فإذا كان التبذير مذموما منهيا عنه وجب على الإمام المنع منه وذلك بأن يحجر عليه ويمنعه التصرف في ماله وكذلك نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن إضاعة المال يقتضى منعه عن إضاعته بالحجر عليه وهذا لا دلالة فيه على الحجر لأنا نقول إن التبذير محظور
وينهى فاعله عنه وليس في النهى عن التبذير ما يوجب الحجر لأنه إنما ينبغي أن يمنعه التبذير فأما أن يمنعه من التصرف في ماله ويبطل بياعاته وإقراره وسائر وجوه تصرفه فإن هذا الموضع هو الذي فيه الخلاف بيننا وبين خصومنا وليس في الآية ما يوجب المنع من شيء منه وذلك لأن الإقرار نفسه ليس من التبذير في شيء لأنه لو كان مبذرا لوجب منع سائر المقرين من إقرارهم وكذلك البيع بالمحاباة لا تبذير فيه لأنه لو كان مبذرا لوجب أن ينهى عنه سائر الناس وكذلك الهبة والصدقة وإذا كان كذلك فالذي تقتضيه الآية النهى عن التبذير وذم فاعله فكيف يجوز الاستدلال بها على الحجر في العقود التي لا تبذير فيها وقد يصح الاستدلال لمحمد لأنه يجيز من عقوده ما لا محاباة فيه ولا إتلاف لماله إلا أن الذي في الآية إنما هو ذم المبذرين والنهى عن التبذير ومن ينفى الحجر يقول إن التبذير مذموم منهى عن فعله فأما الحجر ومنع التصرف فليس في الآية إيجابه ألا ترى أن الإنسان منهى عن التغرير بماله في البحر وفي الطريق المخوفة ولا يمنعه الحاكم منه على وجه الحجر عليه ولو أن إنسانا ترك نخله وشجره وزرعه لا يسقيها وترك عقاره ودوره لا يعمرها لم يكن للإمام أن يجبره على الإنفاق عليها لئلا يتلف ماله كذلك لا يحجر عليه في عقوده التي يخاف فيها توى ماله وكذلك نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن إضاعة المال لا دلالة فيه على الحجر كما بيناه في التبذير* ومما يدل على بطلان الحجر وجواز تصرف المحجور عليه أن العاقل البالغ إذا ظهر منه سفه وتبذير فإن الفقهاء الذي تقدم ذكر أقاويلهم من موجبى الحجر ما خلا محمد بن الحسن يقول إذا حجر عليه القاضي بطل من عقوده وإقراره ما كان بعد الحجر وإذا كان جائز التصرف قبل حجر القاضي فمعنى الحجر حينئذ أنى قد أبطلت ما يعقده أو ما يقربه في المستقبل وهذا لا يصح لأن فيه فسخ عقد لم يوجد بعد بمنزلة من قال لرجل كل بيع بعتنيه وعقد عاقدتنيه فقد فسخته أو كل خيار بشريطة لي في البيع فقد أبطلته أو نقول امراة كل أمر تجعله إلى في المستقبل فقد أبطلته فهذا باطل لا يجوز فسخ العقود الموجودة في المستقبل* ومما يلزم أبا يوسف ومحمد في هذا أنهما يجيزان تزويجه بعد الحجر بمهر المثل وفي ذلك إبطال الحجر لأنه إن كان الحجر واجبا لئلا يتلف ماله فإنه قد يصل إلى إتلافه بالتزويج وذلك بأن يتزوج امرأة بمقدار مهر مثلها ثم يطلقها قبل الدخول فيلزمه نصف المهر ثم لا يزال يفعل ذلك حتى يتلف ماله فليس
إذا في هذا الحجر احتراز من إتلاف المال* وأما اشتراط الشافعى في إيناس الرشد واستحقاق دفع المال جواز الشهادة فإنه قول لم يسبقه إليه أحد ويجب على هذا أن لا يجيز إقرارات الفساق عند الحكام على أنفسهم وأن لا يجيز بيوعهم ولا أشريتهم وينبغي للشهود أن لا يشهدوا على بيع من لم تثبت عدالته وأن لا يقبل القاضي من مدع دعواه حتى تثبت عدالته ولا يقبل عليه دعوى المدعى عليه حتى يصح عنده جواز شهادته إذ لا يجوز عنده إقرار من ليس على صفة العدالة وجواز الشهادة ولا عقوده وهو محجور عليه وهذا خلاف الإجماع ولم يزل الناس منذ عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى يومنا هذا يتخاصمون في الحقوق فلم يقل النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا أحد من السلف لا أقبل دعاويكم ولا أسأل أحدا عن دعوى غيره إلا بعد ثبوت عدالته وقد قال الحضرمي الذي خاصم إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه رجل فاجر بحضرته ولم يبطل النبي صلّى الله عليه وسلّم خصومته ولا سأل عن حاله وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هناد قال حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال الحضرمي يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض كانت لأبى فقال الكندي هي أرضى في يدي أزرعها ليس له فيها حق فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم للحضرمى ألك بينة قال لا قال فلك يمينه فقال يا رسول الله إنه فاجر ليس يبالى ما حلف ليس يتورع من شيء فقال ليس لك منه إلا ذلك فلو كان الفجور يوجب الحجر لسأل صلّى الله عليه وسلّم عن حاله أو لأبطل خصومته لإقرار الخصم بأنه محجور عليه غير جائز الخصومة ولا خلاف بين الفقهاء أن المسلمين والكفار سواء في جواز التصرف في الأملاك ونفاذ العقود والإقرارات والكفر أعظم الفسوق وهو غير موجب للحجر فكيف يوجبه الفسق الذي هو دونه وهذا ما لا خلاف فيه بين الفقهاء إن المسلمين والكفار سواء في جواز التصرف والأملاك ونفاذ العقود.
باب الشهود
قوله عز وجل( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ) قال أبو بكر لما كان ابتداء الخطاب للمؤمنين في قوله( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ ) ثم عطف عليه قوله تعالى( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ) دل ذلك على معنيين أحدهما أن يكون فة الشهود لأن الخطاب توجه إليهم بصفة الإيمان ولما قال في نسق الخطاب( مِنْ رِجالِكُمْ )
كان كقوله من رجال المؤمنين فاقتضى ذاك كون الإيمان شرطا في الشهادة على المسلمين والمعنى الآخر الحرية وذلك لما في فحوى الخطاب من الدلالة من وجهين أحدهما قوله تعالى( إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ) ـ إلى قوله تعالى ـ( وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُ ) وذلك في الأحرار دون العبيد والدليل عليه أن العبد لا يملك عقود المداينات وإذا أقر بشيء لم يجز إقراره إلا بإذن مولاه والخطاب إنما توجه إلى من يملك ذلك على الإطلاق من غير إذن الغير فدل ذلك على أن من شرط هذه الشهادة الحرية والمعنى الآخر من دلالة الخطاب قوله تعالى( مِنْ رِجالِكُمْ ) فظاهر هذا اللفظ يقتضى الأحرار كقوله تعالى( وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ ) يعنى الأحرار ألا ترى أنه عطف عليه قوله تعالى( وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ) فلم يدخل العبيد في قوله تعالى( مِنْكُمْ ) وفي ذلك دليل على أن من شرط هذه الشهادة الإسلام والحرية جميعا وأن شهادة العبد غير جائزة لأن أوامر الله تعالى على الوجوب وقد أمر باستشهاد الأحرار فلا يجوز غيرهم* وقد روى عن مجاهد في قوله تعالى( وَاسْتَشْهِدُوا * شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ) قال الأحرار* فإن قيل إن ما ذكرت إنما يدل على أن العبد غير* داخل في الآية ولا دلالة فيها على بطلان شهادته* قيل له لما ثبت بفحوى خطاب الآية أن المراد بها الأحرار كان قوله تعالى( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ) أمرا مقتضيا للإيجاب وكان بمنزلة قوله تعالى واستشهدوا رجلين من الأحرار فغير جائز لأحد إسقاط شرط الحرية لأنه لو جاز ذلك لجاز إسقاط العدد وفي ذلك دليل على أن الآية قد تضمنت بطلان شهادة العبيد واختلف أهل العلم في شهادة العبيد فروى قتادة عن الحسن عن على قال شهادة الصبى على الصبى والعبد على العبد جائزة وحدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبى قال حدثنا عبد الرحمن بن همام قال سمعت قتادة يحدث أن عليا رضى الله عنه كان(1) يستثبت الصبيان في الشهادة وهذا يوهن الحديث الأول وروى حفص بن غياث عن المختار بن فلفل عن أنس قال ما أعلم أحدا رد شهادة العبد وقال عثمان البتى تجوز شهادة العبد لغير سيده وذكر أن ابن شبرمة كان يراها جائزة يأثر ذلك عن شريح وكان ابن أبى ليلى لا يقبل شهادة العبيد وظهرت الخوارج على الكوفة
__________________
(1) قوله (يستثبت الصبيان) أى يسألهم ويستعلم منهم فليس المراد استشهادهم ولذلك قال المصنف وهذا يوهن الحديث الأول.
وهو يتولى القضاء بها فأمروه بقبول شهادة العبيد وبأشياء ذكروها له من آرائهم كان على خلافها فأجابهم إلى امتثالها فأقروه على القضاء فلما كان في الليل ركب راحلته ولحق بمكة ولما جاءت الدولة الهاشمية ردوه إلى ما كان عليه من القضاء على أهل الكوفة وقال الزهري عن سعيد بن المسيب قال قضى عثمان بن عفان أن شهادة المملوك جائزة بعد العتق إذا لم تكن ردت قبل ذلك وروى شعبة عن المغيرة قال كان إبراهيم يجيز شهادة المملوك في الشيء التافه وروى شعبة أيضا عن يونس عن الحسن مثله وروى عن الحسن أنها لا تجوز وروى عن حفص عن حجاج عن عطاء عن ابن عباس قال لا تجوز شهادة العبد وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة في إحدى الروايتين ومالك والحسن بن صالح والشافعى لا تقبل شهادة العبيد في شيء* قال أبو بكر وقد قدمنا ذكر الدلالة من الآية على أن الشهادة المذكورة فيها مخصوصة بالأحرار دون العبيد ومما يدل من الآية على نفى شهادة العبد قوله تعالى( وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا ) فقال بعضهم إذا دعى فليشهد وقال بعضهم إذا كان قد أشهد وقال بعضهم هو واجب في الحالين والعبد ممنوع من الإجابة لحق المولى وخدمته وهو لا يملك الإجابة فدل أنه غير مأمور بالشهادة ألا ترى أنه ليس له أن يشتغل عن خدمة مولاه بقراءة الكتاب وإملائه والشهادة ولما لم يدخل في خطاب الحج والجمعة لحق المولى فكذلك الشهادة إذ كانت الشهادة غير متعينة على الشهداء وإنما هي فرض كفاية وفرض الجمعة والحج يتعين على كل أحد في نفسه فلما لم يلزمه فرض الحج والجمعة مع الإمكان لحق المولى فهو أولى أن لا يكون من أهل الشهادة لحق المولى* ومما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى( وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ) وقال أيضا( كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ) ـ إلى قوله تعالى ـ( فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا ) فجعل الحاكم شاهد لله كما جعل سائر الشهود شهداء لله بقوله تعالى( وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ) فلما لم يجز أن يكون العبد حاكما لم يجز أن يكون شاهدا إذ كان كل واحد من الحاكم والشاهد به ينفذ الحكم ويثبت* ومما يدل على بطلان شهادة العبد قوله تعالى( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ) وذلك لأنه معلوم أنه لم يرد به نفى القدرة لأن الرق والحرية لا تختلف بهما القدرة فدل على أن مراده نفى حكم أقواله وعقوده وتصرفه وملكه ألا ترى أنه جعل ذلك مثل للأصنام التي كانت تعبدها العرب على وجه المبالغة
في نفى الملك والتصرف وبطلان أحكام أقواله فيما يتعلق بحقوق العباد* وقد روى عن ابن عباس أنه استدل بهذه الآية على أن العبد لا يملك الطلاق ولو لا احتمال اللفظ لذلك لما تأوله ابن عباس عليه فدل ذلك على أن شهادة العبد كلا شهادة كعقده وإقراره وسائر تصرفاته التي هي من جهة القول فلما كانت شهادة العبد قوله وجب أن ينتفى وجوب حكمه بظاهر الآية ومما يدل على بطلان شهادة العبيد أن الشهادة فرض على الكفاية كالجهاد فلما لم يكن العبد من أهل الخطاب بالجهاد ولو حصره وقاتل لم يسهم له وجب أن لا يكون من أهل الخطاب بالشهادة ومتى شهد لم تقبل شهادته ولم يكن له حكم الشهود كما لم يثبت له حكم وإن شهد القتال في استحقاق السهم ويدل عليه أنه لو كان من أهل الشهادة لوجب أن لو شهد بها فحكم بشهادته ثم رجع عنها أنه يلزمه غرم ما شهد به لأن ذلك من حكم الشهادة كما أن نفاذ الحكم بها إذا أنفذها الحاكم من حكمها فلما لم يجز أن يلزمه الغرم بالرجوع علمنا أنه ليس من أهلها وإن الحكم بشهادته غير جائز وأيضا فإنا وجدنا ميراث الأنثى على النصف من ميراث الذكر وجعلت شهادة امرأتين بشهادة رجل فكانت شهادة المرأة نصف شهادة الرجل وميراثها نصف ميراثه فوجب أن يكون العبد من حيث لم يكن من أهل الميراث رأسا أن لا يكون من أهل الشهادة لأنا وجدنا لنقصان الميراث تأثيرا في نقصان الشهادة فوجب أن يكون نفى الميراث موجبا لنفى الشهادة وما روى عن على بن أبى طالب في جواز شهادة العبد فإنه لا يصح من طريق النقل ولو صح كان مخصوصا في العبد إذا شهد على العبد ولا نعلم خلافا بين الفقهاء أن العبد والحر سواء فيما تجوز الشهادة فيه فإن قيل لما كان خبر العبد مقبولا إذا رواه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يكن رقه مانعا من قبول خبره كذلك لا يمنع من قبول شهادته قيل له ليس الخبر أصلا للشهادة فلا يجوز اعتبارها به ألا ترى أن خبر الواحد مقبول في الأحكام ولا تجوز شهادة الواحد فيها وأنه يقبل فيه فلان عن فلان ولا يقبل في الشهادة إلا على جهة الشهادة على الشهادة وأنه يجوز قبول خبره إذا قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولا تجوز شهادة الشاهد إلا أن يأتى بلفظ الشهادة والسماع والمعاينة لما يشهد به فإن الرجل والمرأة متساويان في الأخبار مختلفان في الشهادة لأن شهادة امرأتين بشهادة رجل وخبر الرجل والمرأة سواء فلا يجوز الاستدلال بقبول خبر العبد على قبول شهادته* قال أبو بكر قال محمد بن الحسن لو أن
حاكما حكم بشهادة عبد ثم رفع إلى أبطلت حكمه لأن ذلك مما أجمع الفقهاء على بطلانه وقد اختلف الفقهاء في شهادة الصبيان فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر لا تجوز شهادة الصبيان في شيء وهو قول ابن شبرمة والثوري والشافعى وقال ابن أبى ليلى تجوز شهادة بعضهم على بعض وقال مالك تجوز شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح ولا تجوز على غيرهم وإنما تجوز بينهم في الجراح وحدها قبل أن يتفرقوا ويجيئوا ويعلموا فإن افترقوا فلا شهادة لهم إلا أن يكونوا قد أشهدوا على شهادتهم قبل أن يتفرقوا وإنما تجوز شهادة الأحرار الذكور منهم ولا تجوز شهادة الجواري من الصبيان والأحرار قال أبو بكر روى عن ابن عباس وعثمان وابن الزبير إبطال شهادة الصبيان وروى عن على إبطال شهادة بعضهم على بعض وعن عطاء مثله وروى عبد الله بن حبيب بن أبى ثابت قال قيل للشعبى إن إياس بن معاوية لا يرى بشهادة الصبيان بأسا فقال الشعبي حدثني مسروق إنه كان عند على كرم الله وجهه إذا جاءه خمسة غلمة فقالوا كنا ستة نتغاط في الماء فغرق منا غلام فشهد الثلاثة على الإثنين أنهما غرقاه وشهد الاثنان أن الثلاثة غرقوه فجعل على الإثنين ثلاثة أخماس الدية وعلى الثلاثة خمسي الدية إلا أن عبد الله بن حبيب غير مقبول الحديث عند أهل العلم ومع ذلك فإن معنى الحديث مستحيل لا يصدق مثله عن على رضى الله عنه لأن أولياء الغريق إن ادعوا على أحد الفريقين فقد أكذبوهم في شهادتهم على غيرهم وإن ادعوا عليهم كلهم فهم يكذبون الفريقين جميعا فهذا غير ثابت عن على كرم الله وجهه ومما يدل على بطلان شهادة الصبيان قوله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) وذلك خطاب للرجال البالغين لأن الصبيان لا يملكون عقود المداينات وكذلك قوله تعالى( وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُ ) لم يدخل فيه الصبى لأن إقراره لا يجوز وكذلك قوله( وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ) لا يصح أن يكون خطابا للصبي لأنه ليس من أهل التكليف فيلحقه الوعيد ثم قوله( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ) وليس الصبيان من رجالنا ولما كان ابتداء الخطاب بذكر البالغين كان قوله( مِنْ رِجالِكُمْ ) عائدا عليهم ثم قوله( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) يمنع أيضا جواز شهادة الصبى وكذلك قوله( وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا ) هو نهى وللصبي أن يأبى من إقامة الشهادة وليس للمدعى إحضاره لها ثم قوله( وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ
«15 ـ أحكام في»
قَلْبُهُ ) غير جائز أن يكون خطابا للصغار فلا يلحقهم المأثم بكتمانها ولما لم يجز أن يلحقه ضمان بالرجوع دل على أنه ليس من أهل الشهادة لأن كل من صحت شهادته لزمه الضمان عند الرجوع وأما إجازة شهادتهم في الجراح خاصة وقبل أن يتفرقوا ويجيئوا فإنه تحكم بلا دلالة وتفرقة بين من لا فرق فيه في أثر ولا نظر لأن في الأصول أن كل من جازت شهادته في الجراح فهي جائزة في غيرها وأما اعتبار حالهم قبل أن يتفرقوا ويجيئوا فإنه لا معنى له لأنه جائز أن يكون هؤلاء الشهود هم الجناة ويكون الذي حملهم على الشهادة الخوف من أن يؤخذوا به وهذا معلوم من عادة الصبيان إذا كان منهم جناية أحالته بها على غيره خوفا من أن يؤخذ بها وأيضا لما شرط الله في الشهادة العدالة وأوعد شاهد الزور ما أوعده به ومنع من قبول شهادة الفساق ومن لا يزع عن الكذب احتياطا لأمر الشهادة فكيف تجوز شهادته من هو غير مأخوذ بكذبه وليس له حاجز يحجزه عن الكذب ولا حياء يردعه ولا مروءة تمنعه وقد يضرب الناس المثل بكذب الصبيان فيقولون هذا أكذب من صبي فكيف يجوز قبول شهادة من هذا حاله فإن كان إنما اعتبر حالهم قبل تفرقهم وقبل أن يعلمهم غيرهم لأنه لا يعتمد الكذب دون تلقين غيره فليس ذلك كما ظن لأنهم يتعمدون الكذب من غير مانع يمنعهم وهم يعرفون الكذب كما يعرفون الصدق إذا كانوا قد بلغوا الحد الذي يقومون بمعنى الشهادة والعبارة عما شهدوا وقد يتعمدون الكذب لأسباب عارضة منها خوفهم من أن تنسب إليهم الجناية أو قصدا للمشهود عليه بالمكروه ومعان غير ذلك معلومة من أحوالهم فليس لأحد أن يحكم لهم بصدق الشهادة قبل أن يتفرقوا كما لا يحكم لهم بذلك بعد التفرق وعلى أنه لو كان كذلك وكان العلم حاصلا بأنهم لا يكذبون ولا يتعمدون لشهادة الزور فينبغي أن تقبل شهادة الإناث كما تقبل شهادة الذكور وتقبل شهادة الواحد كما تقبل شهادة الجماعة فإذا اعتبر العدد في ذلك وما يجب اعتباره في الشهادة من اختصاصها في الجراح بالذكور دون الإناث فواجب أن يستوفى لها سائر شروطها من البلوغ والعدالة ومن حيث أجازوا شهادة بعضهم على بعض فواجب أجازتها على الرجال لأن شهادة بعضهم على بعض ليست بآكد منها على الرجال إذ هم في حكم المسلمين عند قائل هذا القول والله الموفق واختلف في شهادة الأعمى فقال أبو حنيفة ومحمد لا تجوز شهادة الأعمى بحال وروى نحوه عن على بن أبى طالب رضى الله
عنه وروى عمرو بن عبيد عن الحسن قال لا تجوز شهادة الأعمى بحال وروى عن أشعث مثله إلا أنه قال إلا أن تكون في شيء رآه قبل أن يذهب بصره وروى ابن لهيعة عن أبى طعمة عن سعيد بن جبير قال لا تجوز شهادة الأعمى وحدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبى قال حدثني حجاج بن جبير بن حازم عن قتادة قال شهد أعمى عند إياس بن معاوية على شهادة فقال له إياس لا نرد شهادتك إلا أن لا تكون عدلا ولكنك أعمى لا تبصر قال فلم يقبلها وقال أبو يوسف وابن أبى ليلى والشافعى إذا علمه قبل العمى جازت وما علمه في حال العمى لم تجز وقال شريح والشعبي شهادة الأعمى جائزة وقال مالك والليث بن سعد شهادة الأعمى جائزة وإن علمه في حال العمى إذا عرف الصوت في الطلاق والإقرار ونحوه وإن شهد على زنا أو حد القذف لم تقبل شهادته والدليل على بطلان شهادة الأعمى ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا عبد الله بن محمد ابن ميمون البلخي الحافظ قال حدثنا يحيى بن موسى يعرف(1) بخت قال حدثنا محمد بن سليمان بن مسمول قال حدثنا عبد الله بن سلمة بن وهرام عن أبيه عن طاوس عن ابن عباس قال سئل صلّى الله عليه وسلّم عن الشهادة فقال ترى هذه الشمس فاشهد وإلا فدع فجعل من شرط صحة الشهادة معاينة الشاهد لما شهد به والأعمى لا يعاين المشهود عليه فلا تجوز شهادته ومن جهة أخرى أن الأعمى يشهد بالاستدلال فلا تصح شهادته ألا ترى أن الصوت قد يشبه الصوت وإن المتكلم قد يحاكى صوت غيره ونغمته حتى لا يغادر منها شيئا ولا يشك سامعه إذا كان بينه وبينه حجاب أنه المحكي صوته فغير جائز قبول شهادته على الصوت إذ لا يرجع منه إلى يقين وإنما يبنى أمره على غالب الظن* وأيضا فإن الشاهد مأخوذ عليه بأن يأتى بلفظ الشهادة ولو عبر بلفظ غير لفظ الشهادة بأن يقول أعلم أو أتيقن لم تقبل شهادته فعلمت أنها حين كانت مخصوصة بهذا اللفظ وهذا اللفظ يقتضى مشاهدة المشهود به ومعاينته فلم تجز شهادة من خرج من هذا الحد وشهد عن غير معاينة* فإن قال قائل يجوز للأعمى إقدامه على وطء امرأته إذا عرف صوتها فعلمنا أنه يقين ليس بشك إذ غير جائز لأحد الإقدام على الوطء بالشك قيل له يجوز له الإقدام على وطء امرأته بغالب الظن بأن زفت إليه امرأة وقيل له هذه امرأتك وهو لا يعرفها يحل له وطؤها
__________________
(1) قوله «خت» بفتح الخاء المعجمة وتشديد التاء المثناة علم على يحيى بن موسى أحد أشياخ البخاري.
وكذلك جائز له قبول هدية جارية بقول الرسول ويجوز له الإقدام على وطئها ولو أخبره مخبر عن زيد بإقرار أو بيع أو قذف لما جاز له إقامة الشهادة على المخبر عنه لأن سبيل الشهادة اليقين والمشاهدة وسائر الأشياء التي ذكرت يجوز فيها استعمال غالب الظن وقبول قول الواحد فليس ذلك إذا أصلا للشهادة* وأما إذا استشهد وهو بصير ثم عمى فإنما لم نقبله من قبل أنا قد علمنا أن حال تحمل الشهادة أضعف من حال الأداء والدليل عليه أنه غير جائز أن يتحمل الشهادة وهو كافر أو عبد أو صبي ثم يؤديها وهو حر مسلم بالغ تقبل شهادته ولو أداها وهو صبي أو عبد أو كافر لم تجز فعلمنا أن حال الأداء أولى بالتأكيد من حال التحمل فإذا لم يصح تحمل الأعمى للشهادة وكان العمى مانعا من صحة التحمل وجب أن يمنع صحة الأداء وأيضا لو استشهده وبينه وبينه حائل لما صحت شهادته وكذلك لو أداها وبينهما حائل لم تجز شهادته والعمى حائل بينه وبين المشهود عليه فوجب أن لا تجوز وفرق أبو يوسف بينهما بأن قال يصح أن يتحمل الشهادة بمعاينته ثم يشهد عليه وهو غائب أو ميت فلا يمنع ذلك جوازها فكذلك عمى الشاهد بمنزلة موت المشهود عليه أو غيبته فلا يمنع قبول شهادته* والجواب عن ذلك من وجهين أحدهما أنه إنما يجب اعتبار الشاهد في نفسه فإن كان من أهل الشهادة قبلناها وإن لم يكن من أهل الشهادة لم نقبلها والأعمى قد خرج من أن يكون من أهل الشهادة بعماه فلا اعتبار بغيره وأما الغائب والميت فإن شهادة الشاهد عليهما صحيحة إذ لم يعترض فيه ما يخرجه من أن يكون من أهل الشهادة وغيبة المشهود عليه وموته لا تؤثر في شهادة الشاهد فلذلك جازت شهادته والوجه الآخر أنا لا نجيز الشهادة على الميت والغائب إلا أن يحضر عنه خصم فتقع الشهادة عليه فيقوم حضوره مقام حضور الغائب والميت والأعمى في معنى من يشهد على غير خصم حاضر فلا تصح شهادته فإن احتجوا بقوله تعالى( إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ) ـ إلى قوله تعالى ـ( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ) وقوله تعالى( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) والأعمى قد يكون مرضيا وهو من رجالنا الأحرار فظاهر ذلك يقتضى قبول شهادته* قيل له ظاهر الآية يدل على أن الأعمى غير مقبول الشهادة لأنه قال( وَاسْتَشْهِدُوا ) والأعمى لا يصح استشهاده لأن الاستشهاد هو إحضار المشهود عليه ومعاينته إياه وهو غير معاين ولا مشاهد لمن يحضره لأن العمى حائل بينه وبين ذلك كحائط لو كان بينهما فيمنعه ذلك من مشاهدته ولما كانت الشهادة إنما هي مأخوذة
من مشاهدة المشهود عليه ومعاينته على الحال التي تقتضي الشهادة إثبات الحق عليه وكان ذلك معدوما في الأعمى وجب أن تبطل شهادته فهذه الآية لأن تكون دليلا على بطلان شهادته أولى من أن تدل على إجازتها وقال زفر لا تجوز شهادة الأعمى إذا شهد بها قبل العمى أو بعده إلا في النسب أن يشهد أن فلانا ابن فلان قال أبو بكر يشبه أن يكون ذهب في ذلك إلى أن النسب قد تصح الشهادة عليه بالخبر المستفيض وإن لم يشاهده الشاهد فلذلك جائز إذا تواتر عند الأعمى الخبر بأن فلانا ابن فلان أن يشهد به عند الحاكم وتكون شهادته مقبولة ويستدل على صحة ذلك بأن الأعمى والبصير سواء فيما ثبت حكمه عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم من طريق التواتر وإن لم يشاهد المخبرين من طريق المعاينة وإنما يسمع أخبارهم فكذلك جائز أن يثبت عنده علم صحة النسب من طريق التواتر وإن لم يشاهد المخبرين فتجوز إقامة الشهادة به وتكون شهادته مقبولة فيه إذ ليس شرط هذه الشهادة معاينة المشهود به واختلف في شهادة البدوي على القروي فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والليث والأوزاعى والشافعى هي جائزة إذا كان عدلا وروى نحوه عن الزهري وروى ابن وهب عن مالك قال لا تجوز شهادة بدوي على قروي إلا في الجراح وقال ابن القاسم عنه لا تجوز شهادة بدوي على قروي في الحضر إلا في وصية القروي في السفر أو في بيع فتجوز إذا كانوا عدولا قال أبو بكر جميع ما ذكرنا من دلائل الآية على قبول شهادة الأحرار البالغين يوجب التسوية بين شهادة القروي والبدوي لأن الخطاب توجه إليهم بذكر الإيمان بقوله( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ) وهؤلاء من جملة المؤمنين ثم قال تعالى( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ) يعنى من رجال المؤمنين الأحرار وهذه صفة هؤلاء ثم قال( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) وإذا كانوا عدولا فهم مرضيون وقال في آية أخرى في شأن الرجعة والفراق( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ) وهذه الصفة شاملة للجميع إذا كانوا عدولا وفي تخصيص القروي بها دون البدوي ترك العموم بغير دلالة ولم يختلفوا أنهم مرادون بقوله( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ) وبقوله( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) لأنهم يجيزون شهادة البدوي على بدوي مثله على شرط الآية وإذا كانوا مرادين بالآية فقد اقتضت جواز شهادتهم على القروي من حيث اقتضت جواز شهادة بعضهم على بعض ومن حيث اقتضت جواز شهادة القروي على البدوي
فإن احتجوا بما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا حسين بن إسحاق التستري قال حدثنا حرملة بن يحيى قال حدثنا ابن وهب قال حدثنا نافع بن يزيد بن الهادي عن محمد بن عمرو عن عطاء بن يسار عن أبى هريرة أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية فإن مثل هذا الخبر لا يجوز الاعتراض به على ظاهر القرآن مع أنه ليس فيه ذكر الفرق بين الجراح وبين غيرها ولا بين أن يكون القروي في السفر أو في الحضر فقد خالف المحتج به ما اقتضاه عمومه وقد روى سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال شهد أعرابى عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في رؤية الهلال فأمر بلالا ينادى في الناس فليصوموا غدا فقبل شهادته وأمر الناس بالصيام وجائز أن يكون حديث أبى هريرة في أعرابى شهد شهادة عند النبي صلّى الله عليه وسلّم وعلم النبي صلّى الله عليه وسلّم خلافها مما يبطل شهادته فأخبر به فنقله الراوي من غير ذكر السبب وجائز أن يكون قاله في الوقت الذي كان الشرك والنفاق غالبين على الأعراب كما قال عز وجل( وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ ) فإنما منع قبول شهادة من هذه صفته من الأعراب وقد وصف الله قوما آخرين من الأعراب بعد هذه الصفة ومدحهم بقوله( وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ ) الآية فمن كانت هذه صفته فهو مرضى عند الله وعند المسلمين مقبول الشهادة* ولا يخلوا البدوي من أن يكون غير مقبول الشهادة على القروي إما لطعن في دينه أو جهل منه بأحكام الشهادات وما يجوز أداؤها منها مما لا يجوز فإن كان لطعن في دينه فإن هذا غير مختلف في بطلان شهادته ولا يختلف فيه حكم البدوي والقروي وإن كان لجهل منه بأحكام الشهادات فواجب أن لا تقبل شهادته على بدوي مثله وأن لا تقبل شهادته في الجراح ولا على القروي في السفر كما لا تقبل شهادة القروي إذا كان بهذه الصفة ويلزمه أن يقبل شهادة البدوي إذا كان عدلا عالما بأحكام الشهادة على القروي وعلى غيره لزوال المعنى الذي من أجله امتنع من قبول شهادته وأن لا يجعل لزوم سمة البدو إياه والنسبة إليه علة لرد شهادته كما لا تجعل نسبة القروي إلى القرية علة لجواز شهادته إذا كان مجانبا للصفات المشروطة لجواز الشهادة* قوله عز وجل( فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ ) قال أبو بكر أوجب بديا استشهاد شهيدين وهما الشاهدان لأن الشهيد والشاهد واحد كما أن
عليم وعالم واحد وقادر وقدير واحد ثم عطف عليه قوله( فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ ) يعنى إن لم يكن الشهيدان رجلين( فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ ) فلا يخلو قوله( فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ ) من أن يريد به فإن لم يوجد رجلان فرجل وامرأتان كقوله( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً ) وكقوله( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ) ثم قال( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ ) ـ إلى قوله تعالى ـ( فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ) وما جرى مجرى ذلك في الأبدال التي أقيمت مقام أصل الفرض عند عدمه أو أن يكون مراده فإن لم يكن الشهيدان رجلين فالشهيدان رجل وامرأتان فأفادنا إثبات هذا الاسم للرجل والمرأتين حتى يعتبر عمومه في جواز شهادتهما مع الرجل في سائر الحقوق إلا ما قام دليله فلما اتفق المسلمون على جواز شهادة رجل وامرأتين مقام رجلين عند عدم الرجلين فثبت الوجه الثاني وهو أنه أراد تسمية الرجل والمرأتين شهدين فيكون ذلك اسما شرعيا يجب اعتباره فيما أمرنا فيه باستشهاد شهيدين إلا موضعا قام الدليل عليه فيصح الاستدلال بعمومه في
قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لا نكاح إلا بولي وشاهدين وإثبات النكاح والحكم بشهادة رجل وامرأتين إذ قد لحقهم اسم شهدين وقد أجاز النبي صلّى الله عليه وسلّم النكاح بشهادة شاهدين* وقد اختلف أهل العلم في شهادة النساء مع الرجال في غير الأموال فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وعثمان البتى لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إلا في الحدود ولا في القصاص وتقبل فيما سوى ذلك من سائر الحقوق وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا يحيى بن عبادة قال حدثنا شعبة عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء بن أبى رباح أن عمر أجاز شهادة رجل وامرأتين في نكاح وروى جرير بن حازم عن الزبير بن الخريت عن أبى لبيد أن عمر أجاز شهادة النساء في طلاق وروى إسرائيل عن عبد الأعلى عن محمد بن الحنفية عن على رضى الله عنه قال تجوز شهادة النساء في العقد وروى حجاج عن عطاء أن ابن عمر كان يجيز شهادة النساء مع الرجل في النكاح وروى عن عطاء إنه كان يجيز شهادة النساء في الطلاق وروى عن عون عن الشعبي عن شريح أنه أجاز شهادة رجل وامرأتين في عتق وهو قول الشعبي في الطلاق وروى عن الحسن والضحاك قالا لا تجوز شهادتهن إلا في الدين والولد وقال مالك لا تجوز شهادة النساء مع الرجال في الحدود والقصاص ولا في الطلاق ولا في النكاح ولا في الأنساب ولا في
الولاء ولا الإحصان وتجوز في الوكالة والوصية إذا لم يكن فيها عتق وقال الثوري تجوز شهادتهن في كل شيء إلا الحدود وروى عنه أنها لا تجوز في القصاص أيضا وقال الحسن ابن حي لا تجوز شهادتهن في الحدود وقال الأوزاعى لا تجوز شهادة رجل وامرأتين في نكاح وقال الليث تجوز شهادة النساء في الوصية والعتق ولا تجوز في النكاح ولا الطلاق ولا الحدود ولا قتل العمد الذي يقاد منه وقال الشافعى لا تجوز شهادة النساء مع الرجال في غير الأموال ولا يجوز في الوصية إلا الرجل وتجوز في الوصية بالمال* قال أبو بكر ظاهر هذه الآية يقتضى جواز شهادتهن مع الرجل في سائر عقود المداينات وهي كل عقد واقع على دين سواء كان بدله مالا أو بضعا أو منافع أو دم عمد لأنه عقد فيه دين إذ المعلوم أنه ليس مراد الآية في قوله تعالى( إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) أن يكون المعقود عليهما من البدلين دينين لامتناع جواز ذلك إلى أجل مسمى فثبت أن المراد وجود دين عن بدل أى دين كان فاقتضى ذلك جواز شهادة النساء مع الرجل على عقد نكاح فيه مهر مؤجل إذا كان ذلك عقد مداينة وكذلك الصلح من دم العمد والخلع على مال والإجارات فمن ادعى خروج شيء من هذه العقود من ظاهر الآية لم يسلم له ذلك إلا بدلالة إذ كان العموم مقتضيا لجوازها في الجميع* ويدل على جواز شهادة النساء في غير الأموال ما حدثنا عبد الباقي ابن قانع قال حدثنا أحمد بن القاسم الجوهري قال حدثنا محمد بن إبراهيم أخو أبى معمر قال حدثنا محمد بن الحسن بن أبى يزيد عن الأعمش عن أبى وائل عن حذيفة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أجاز شهادة القابلة والولادة ليست بمال وأجاز شهادتها عليها فدل ذلك على أن شهادة النساء ليست مخصوصة بالأموال ولا خلاف في جواز شهادة النساء على الولادة وإنما الاختلاف في العدد وأيضا لما ثبت أن اسم الشهيدين واقع في الشرع على الرجل والمرأتين وقد ثبت أن اسم البينة يتناول الشهيدين وجب بعموم قوله البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه القضاء بشهادة الرجل والمرأتين في كل دعوى إذ قد شملهم اسم البينة ألا ترى أنها بينة في الأموال فلما وقع عليها الاسم وجب بحق العموم قبولها لكل مدع إلا أن تقوم الدلالة على تخصيص شيء منه وإنما خصصنا الحدود والقصاص لما روى الزهري قال مضت السنة من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والخليفتين من بعده أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا في القصاص وأيضا لما اتفق الجميع على
قبول شهادتهن مع الرجل في الديون وجب قبولها في كل حق لا تسقطه الشبهة إذا كان الدين حقا لا يسقط بالشبهة ومما يدل على جوازها في غير الأموال من الآية إن الله تعالى قد أجازها في الأجل بقوله( إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ) ثم قال( فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ ) فأجاز شهادتها مع الرجل على الأجل وليس بمال كما أجازها في المال* فإن قيل الأجل لا يجب إلا في المال* قيل له هذا خطأ لأن الأجل قد يجب في الكفالة بالنفس وفي منافع الأحرار التي ليست بمال وقد يؤجله الحاكم في إقامة البينة على الدم وعلى دعوى العفو منه بمقدار ما يمكن التقدم إليه فقولك إن الأجل لا يجب إلا في المال خطأ ومع ذلك فالبضع لا يستحق إلا بمال ولا يقع النكاح إلا بمال فينبغي أن تجيز فيه شهادة النساء قوله تعالى( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) قال أبو بكر لما كانت معرفة ديانات الناس وأماناتهم وعدالتهم إنما هي من طريق الظاهر دون الحقيقة إذا لا يعلم ضمائرهم ولا خبايا أمورهم غير الله تعالى ثم قال الله تعالى فيما أمرنا باعتباره من أمر الشهود( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) دل ذلك على أن أمر تعديل الشهود موكولا إلى اجتهاد رأينا وما يغلب في ظنوننا من عدالتهم وصلاح طرائقهم وجائز أن يغلب في ظن بعض الناس عدالة شاهد وأمانته فيكون عنده رضى ويغلب في ظن غيره أنه ليس يرضى فقوله( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) مبنى على غالب الظن وأكثر الرأى والذي بنى عليه أمر الشهادة أشياء ثلاثة أحدها العدالة والآخر نفى التهمة وإن كان عدلا والثالث التيقظ والحفظ وقلة الغفلة أما العدالة فأصلها الإيمان واجتناب الكبائر ومراعاة حقوق الله عز وجل في الواجبات والمسنونات وصدق اللهجة والأمانة وأن لا يكون محدودا في قذف وأما نفى التهمة فأن لا يكون المشهود له والدا ولا ولدا أو زوجا وزوجة وأن لا يكون قد شهد بهذه الشهادة فردت لتهمة فشهادة هؤلاء غير مقبولة لمن ذكرنا وإن كانوا عدولا مرضيين وأما التيقظ والحفظ وقلة الغفلة فأن لا يكون غفولا غير مجرب للأمور فإن مثله ربما لقن الشيء فتقلنه وربما جوز عليه التزوير فشهد به قال ابن رستم عن محمد ابن الحسن في رجل أعجمى صوام قوام مغفل يخشى عليه أن يلقن فيأخذ به قال هذا أشر من الفاسق في شهادته وحدثنا عبد الرحمن بن سيما المحبر قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبى قال حدثنا أسود بن عامر قال حدثنا ابن هلال عن أشعث الحدانى قال قال
رجل للحسن يا أبا سعيد إن أياسا رد شهادتي فقام معه إليه فقال يا ملكعان لم رددت شهادته أوما بلغك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال من استقبل قبلتنا وأكل من ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فقال أيها الشيخ أما سمعت الله يقول( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) وإن صاحبك هذا ليس برضاه وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الوهاب قال حدثنا السرى بن عاصم بإسناد ذكره أنه شهد عند أياس بن معاوية رجل من أصحاب الحسن فرد شهادته فبلغ الحسن وقال قوموا بنا إليه قال فجاء إلى إياس فقال يا لكع ترد شهادة رجل مسلم فقال نعم قال الله تعالى( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) وليس هو ممن أرضى قال فسكت الحسن فقال خصم الشيخ فمن شرط الرضا للشهادة أن يكون الشاهد متيقظا حافظا لما يسمعه متقنا لما يؤديه وقد ذكر بشر بن الوليد عن أبى يوسف في صفة العدل أشياء منها أنه قال من سلم من الفواحش التي تجب فيها الحدود وما يشبه ما تجب فيه من العظائم وكان يؤدى الفرائض وأخلاق البر فيه أكثر من المعاصي الصغار قبلنا شهادته لأنه لا يسلم عبد من ذنب وإن كانت ذنوبه أكثر من أخلاق البر رددنا شهادته ولا تقبل شهادة من يلعب بالشطرنج يقامر عليها ولا من يلعب بالحمام ويطيرها وكذلك من يكثر الحلف بالكذب لا تجوز شهادته قال وإذا ترك الرجل الصلوات الخمس في الجماعة استخفافا بذلك أو مجانة أو فسقا فلا تجوز شهادته وإن تركها على تأويل وكان عدلا فيما سوى ذلك قبلت شهادته قال وإن داوم على ترك ركعتي الفجر لم تقبل شهادته وإن كان معروفا بالكذب الفاحش لم أقبل شهادته وإن كان لا يعرف بذلك وربما ابتلى بشيء منه والخير فيه أكثر من الشر قبلت شهادته ليس يسلم أحد من الذنوب قال وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وابن أبى ليلى شهادة أهل الأهواء جائزة إذا كانوا عدولا إلا صنفا من الرافضة يقال لهم الخطابية فإنه بلغني أن بعضهم يصدق بعضا فيما يدعى إذا حلف له ويشهد بعضهم لبعض فلذلك أبطلت شهادتهم وقال أبو يوسف أيما رجل أظهر شتيمة أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم لم أقبل شهادته لأن رجلا لو كان شتاما للناس والجيران لم أقبل شهادته فأصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم أعظم حرمة وقال أبو يوسف ألا ترى أن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد اختلفوا واقتتلوا وشهادة الفريقين جائزة لأنهم اقتتلوا على تأويل فكذلك أهل الأهواء من المتأولين قال أبو يوسف ومن سألت عنه فقالوا إنا نتهمه بشتم أصحاب
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإنى لا أقبل هذا حتى يقولوا سمعناه يشتم قال فإن قالوا نتهمه بالفسق والفجور ونظن ذلك به ولم نره فإنى أقبل ذلك ولا أجيز شهادته والفرق بينهما إن الذين قالوا نتهمه بالشتم قد أثبتوا له الصلاح وقالوا نتهمه بالشتم فلا يقبل هذا إلا بسماع والذين قالوا نتهمه بالفسق والفجور ونظن ذلك به ولم نره فإنى أقبل ذلك ولا أجيز شهادته اثبتوا له صلاحا وعدالة وذكر ابن رستم عن محمد أنه قال لا أقبل شهادة الخوارج إذ كانوا قد خرجوا يقاتلون المسلمين وإن شهدوا قال قلت ولم لا تجيز شهادتهم وأنت تجيز شهادة الحرورية قال لأنهم لا يستحلون أموالنا ما لم يخرجوا فإذا خرجوا استحلوا أموالنا فتجوز شهادتهم ما لم يخرجوا وحدثنا أبو بكر مكرم بن أحمد قال حدثنا أحمد بن عطية الكوفي قال سمعت محمد بن سماعة يقول سمعت أبا يوسف يقول سمعت أبا حنيفة يقول لا يجب على الحاكم أن يقبل شهادة بخيل فإن البخيل يحمله شدة بخله على التقصي فيأخذ فوق حقه مخافة الغبن ومن كان كذلك لم يكن عدلا سمعت حماد بن أبى سليمان يقول سمعت إبراهيم يقول قال على بن أبى طالب رضى الله عنه أيها الناس كونوا وسطا لا تكونوا بخلاء ولا سفلة فإن البخيل والسفلة الذين إن كان عليهم حق لم يؤدوه وإن كان لهم حق استقصوه قال وقال ما من طباع المؤمن التقصي ما استقصى كريم قط قال الله تعالى( عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ) وحدثنا مكرم بن أحمد قال حدثنا أحمد بن محمد بن المغلس قال سمعت الحماني يقول سمعت ابن المبارك يقول سمعت أبا حنيفة يقول من كان معه بخيل لم تجز شهادته يحمله البخل على التقصي فمن شدة تقصيه يخاف الغبن فيأخذ فوق حقه مخافة الغبن فلا يكون هذا عدلا وقد روى نظير ذلك عن أياس بن معاوية ذكر ابن لهيعة عن أبى الأسود محمد بن عبد الرحمن قال قلت لأياس بن معاوية أخبرت أنك لا تجيز شهادة الأشراف بالعراق ولا البخلاء ولا التجار الذين يركبون البحر قال أجل أما الذين يركبون إلى الهند حتى يغرروا بدينهم ويكثروا عدوهم من أجل طمع الدنيا فعرفت أن هؤلاء لو أعطى أحدهما درهمين في شهادة لم يتحرج بعد تغريره بدينه وأما الذين يتجرون في قرى فارس فإنهم يطعمونهم الربا وهم يعلمون فأبيت أن أجيز شهادة آكل الربا وأما الأشراف فإن الشريف بالعراق إذا نابت أحدا منهم نائبة أتى إلى سيد قومه فيشهد له ويشفع فكنت أرسلت إلى عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر أن لا يأتينى
بشهادة* وقد روى عن السلف رد شهادة قوم ظهر منهم أمور لا يقطع فيها بفسق فاعليها إلا أنها تدل على سخف أو مجون فرأوا رد شهادة أمثالهم منه ما حدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثنا محمود بن خداش قال حدثنا زيد بن الحباب قال أخبرنى داود بن حاتم البصري أن بلال بن أبى بردة وكان على البصرة كان لا يجيز شهادة من يأكل الطين وينتف لحيته* وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا حماد بن محمد قال حدثنا شريح قال حدثنا يحيى بن سليمان عن ابن جريج أن رجلا كان من أهل مكة شهد عند عمر بن عبد العزيز وكان ينتف عنفقته ويحفى لحيته وحول شاربيه فقال ما اسمك قال فلان قال بل اسمك ناتف ورد شهادته* وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا عبد الله بن أحمد ابن سعد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا عبد الرحمن بن محمد عن الجعد بن ذكوان قال دعا رجل شاهدا له عند شريح اسمه ربيعة فقال يا ربيعة يا ربيعة فلم يجب فقال يا ربيعة الكويفر فأجاب فقال له قم وقال لصاحبه هات غيره* وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبى قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال الأقلف لا تجوز شهادته* وروى حماد بن أبى سلمة عن أبى المهزم عن أبى هريرة لا تجوز شهادة أصحاب الحمر يعنى النخاسين وروى عن شريح أنه كان لا يجيز شهادة صاحب حمام ولا حمام وروى مسعر أن رجلا شهد عند شريح وهو ضيق كم القبا فرد شهادته وقال كيف يتوضأ وهو على هذه الحال وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا جرير بن حازم عن الأعمش عن تميم بن سلمة قال شهد رجل عند شريح فقال أشهد بشهادة الله فقال شهدت بشهادة الله لا أجيز لك اليوم شهادة* قال أبو بكر لما رآه تكلف من ذلك ما ليس عليه لم يره أهلا لقبول شهادته فهذه الأمور التي ذكرناها عن هؤلاء السلف من رد الشهادة من أجلها غير مقطوع فيها بفسق فاعليها ولا سقوط العدالة وإنما دلهم ظاهرها على سخف من هذه حاله فردوا شهادتهم من أجلها لأن كلا منهم تجرى موافقة ظاهر قوله تعالى( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) على حسب ما أداه إليه اجتهاده فمن غلب في ظنه سخف من الشاهد أو مجونه أو استهانته بأمر الدين أسقط شهادته* قال محمد في كتاب آداب القاضي من ظهرت منه مجانة لم أقبل شهادته قال ولا تجوز شهادة المخنث
ولا شهادة من يلعب بالحمام يطيرها وقد حكى عن سفيان بن عيينة أن رجلا شهد عند ابن أبى ليلى فرد شهادته قال فقلت لابن أبى ليلى مثل فلان وحاله كذا وحال ابنه كذا ترد شهادته فقال أين يذهب بك إنه فقير فكان عنده أن الفقر يمنع الشهادة إذ لا يؤمن به أن يحمله الفقر على الرغبة في المال وأقام شهادة بما لا تجوز* وقال مالك بن أنس لا تجوز شهادة السؤال في الشيء الكثير وتجوز في الشيء التافه إذا كانوا عدولا فشرط مالك مع الفقر المسألة ولم يقبلها في الشيء الكثير للتهمة وقبلها في اليسير لزوال التهمة* وقال المزني والربيع عن الشافعى إذا كان الأغلب على الرجل والأظهر من أمره الطاعة والمروءة قبلت شهادته وإذا كان الأغلب من حاله المعصية وعدم المروءة ردت شهادته وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن الشافعى إذا كان أكثر أمره الطاعة ولم يقدم على كبيرة فهو عدل فأما شرط المروءة فإن أراد به التصاون والصمت والحسن وحفظ الحرمة وتجنب السخف والمجون فهو مصيب وإن أراد به نظافة الثوب وفراهة المركوب وجودة الآلة والشارة الحسنة فقد أبعد وقال غير الحق لأن هذه الأمور ليست من شرائط الشهادة عند أحد من المسلمين.
قال أبو بكر جميع ما قدمنا من ذكر أقاويل السلف وفقهاء الأمصار واعتبار كل واحد منهم في الشهادة ما حكينا عنه يدل على أن كلا منهم بنى قبول أمر الشهادة على ما غلب في اجتهاده واستولى على رأيه أنه ممن يرضى ويؤتمن عليها وقد اختلفوا في حكم من لم تظهر منه ريبة هل يسأل عنه الحاكم إذا شهد فروى عن عمر بن الخطاب في كتابه الذي كتبه إلى أبو موسى في القضاء والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو مجربا عليه شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو قرابة وقال منصور قلت لإبراهيم وما العدل في المسلمين قال من لم تظهر منه ريبة وعن الحسن البصري والشعبي مثله وذكر معمر عن أبيه قال لما ولى الحسن القضاء كان يجيز شهادة المسلمين إلا أن يكون الخصم يجرح الشاهد وذكر هشيم قال سمعت ابن شبرمة يقول ثلاث لم يعمل بهن أحد قبلي ولن يتركهن أحد بعدي المسألة عن الشهود وإثبات حجج الخصمين وتحلية الشهود في المسألة وقال أبو حنيفة لا أسأل عن الشهود إلا أن يطعن فيهم الخصم المشهود عليه فإن طعن فيهم سألت عنهم في السر والعلانية وزكيتهم في العلانية إلا شهود الحدود والقصاص فإنى أسأل عنهم في
السر وأزكيهم في العلانية وقال محمد يسأل عنهم وإن لم يطعن فيهم* وروى يوسف بن موسى القطان عن على بن عاصم عن ابن شبرمة قال أول من سأل في السر أنا كان الرجل يأتى القوم إذا قيل له هات من يزكيك فيقول قومي يزكوننى فيستحى القوم فيزكونه فلما رأيت ذلك سألت في السر فإذا صحت شهادته قلت هات من يزكيك في العلانية وقال أبو يوسف ومحمد يسأل عنهم في السر والعلانية ويزكيهم في العلانية وإن لم يطعن فيهم الخصم وقال مالك بن أنس لا يقضى بشهادة الشهود حتى يسئل عنهم في السر وقال الليث أدركت الناس ولا تلتمس من الشاهدين تزكية وإنما كان الوالي يقول للخصم إن كان عندك من يجرح شهادتهم فأت به وإلا أجزنا شهادته عليك وقال الشافعى يسأل عنهم في السر فإذا عدل سأل عن تعديله علانية ليعلم أن المعدل هو هذا لا يوافق اسم اسما ولا نسب نسبا قال أبو بكر ومن قال من السلف بتعديل من ظهر إسلامه فإنما بنى ذلك على ما كانت عليه أحوال الناس من ظهور العدالة في العامة وقلة الفساق فيهم ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد شهد بالخير والصلاح للقرن الأول والثاني والثالث* حدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبى قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدى قال حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثلاث أو أربع ثم يجيء قوم سبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته قال وكان أصحابنا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صبيان وإنما حمل السلف ومن قال من فقهاء الأمصار مما وصفنا أمر المسلمين في عصرهم على العدالة وجواز الشهادة لظهور العدالة فيهم وإن كان فيهم صاحب ريبة وفسق كان يظهر النكير عليه ويتبين أمره وأبو حنيفة كان في القرن الثالث الذين شهد لهم النبي صلّى الله عليه وسلّم بالخير والصلاح فتكلم على ما كانت الحال عليه وأما لو شهد أحوال الناس بعد لقال بقول الآخرين في المسألة عن الشهود ولما حكم لأحد منهم بالعدالة إلا بعد المسألة* وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال للأعرابى الذي شهد على رؤية الهلال أتشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله قال نعم فأمر الناس بالصيام بخبره ولم يسأل عن عدالته بعد ظهور إسلامه لما وصفنا فثبت بما وصفنا أن أمر التعديل وتزكية الشهود وكونهم مرضيين مبنى على اجتهاد الرأى وغالب الظن لاستحالة إحاطة علومنا بغيب أمور الناس وقد حذرنا الله الاغترار بظاهر حال الإنسان والركون
إلى قوله مما يدعيه لنفسه من الصلاح والأمانة* فقال( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي * الْحَياةِ الدُّنْيا ) الآية ثم أخبر عن مغيب أمره وحقيقة حاله* فقال( وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ) الآية فأعلمنا ذلك من حال بعض من يعجب ظاهر قوله وقال أيضا في صفة قوم آخرين( وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ ) الآية فحذر نبيه صلّى الله عليه وسلّم الاغترار بظاهر حال الإنسان وأمرنا بالاقتداء به فقال( وَاتَّبِعُوهُ ) وقال( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) فغير جائز إذا كان الأمر على ما وصفنا الركون إلى ظاهر أمر الإنسان دون التثبت في شهادته والبحث عن أمره حتى إذا غلب في ظنه عدالته قبلها وقد وصف الله تعالى الشهود المقبولين بصفتين إحداهما العدالة في قوله تعالى( اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) وقوله( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ) والأخرى أن يكونوا مرضيين لقوله( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) والمرضيون لا بد أن تكون من صفتهم العدالة وقد يكون عدلا غير مرضى في الشهادة وهو أن يكون غمرا مغفلا يجوز عليه التذوير والتمويه فقوله( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) فقد انتظم الأمرين من العدالة والتيقظ وذكاء الفهم وشدة الحفظ وقد أطلق الله ذكر الشهادة في الزنا غير مقيد بذكر العدالة وهي من شرطها العدالة والرضى جميعا وذلك لقوله عز وجل( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) وذلك عموم في إيجاب التثبت في سائر أخبار الفساق والشهادة خبر فوجب التثبت فيها إذا كان الشاهد فاسقا فلما نص الله على التثبت في خبر الفاسق وأوجب علينا قبول شهادة العدول المرضيين وكان الفسق قد يعلم من جهة اليقين والعدالة لا تعلم من جهة اليقين دون ظاهر الحال علمنا أنها مبنية على غالب الظن وما يظهر من صلاح الشاهد وصدق لهجته وأمانته وهذا وإن كان مبنيا على أكثر الظن فهو ضرب من العلم كما قال تعالى في المهاجرات( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ) وهذا هو علم الظاهر دون الحقيقة فكذلك الحكم بعدالة الشاهد طريقه العلم الظاهر دون المغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى وهذا أصل كبير في الدلالة على صحة القول باجتهاد الرأى في أحكام الحوادث إذ كانت الشهادات من معالم أمور الدين والدنيا وقد عقد بها مصالح الخلق في وثائقهم وإثبات حقوقهم وأملاكهم وإثبات الأنساب والدماء والفروج وهي مبنية على غالب الظن وأكثر الرأى إذ لا يمكن أحدا من الناس إمضاء حكم بشهادة شهود من طريق حقيقة العلم بصحة المشهود به وهو يدل
على بطلان القول بإمام معصوم في كل زمان واحتجاج من يحتج فيه بأن أمور الدين كلها ينبغي أن تكون مبنية على ما يوجب العلم الحقيقي دون غالب الظن وأكثر الرأى وأنه متى لم يكن إمام بهذه الصفة لم يؤمن الخطأ فيها لأن الرأى يخطئ ويصيب لأنه لو كان كما زعموا لوجب أن لا تقبل شهادة الشهود إلا أن يكونوا معصومين مأمونا عليهم الخطأ والزلل فلما أمر الله تعالى بقبول شهادة الشهود إذا كانوا مرضيين في ظاهر أحوالهم دون العلم بحقيقة مغيب أمورهم مع جواز الكذب والغلط عليهم ثبت بطلان الأصل الذي بنوا عليه أمر النص فإن قالوا الإمام يعلم صدق الشهود من كذبهم قيل لهم فواجب أن لا يسمع شهادة الشهود غير الإمام وأن لا يكون للإمام قاض ولا أمين إلا أن يكون بمنزلته في العصمة وفي العلم بمغيب أمر الشهود ويجب أن لا يكون أحد من أعوان الإمام إلا معصوما مأمون الزلل والخطأ لما يتعلق به من أحكام الدين فلما جاز أن يكون للإمام حكام وشهود وأعوان بغير هذه الصفة ثبت بذلك جواز كثير من أمور الدين مبنيا على اجتهاد الرأى وغالب الظن وفيما ذكرناه مما تعبدنا الله به في هذه الآية من اعتبار أحوال الشهود بما يغلب في الظن من عدالتهم وصلاحهم دلالة على بطلان قول نفاة القياس والاجتهاد في الأحكام التي لا نصوص فيها ولا إجماع لأن الدماء والفروج والأموال والأنساب من الأمور التي قد عقد بهما مصالح الدين والدنيا وقد أمر الله فيها بقبول شهادة الشهود الذين لا نعلم مغيب أمورهم وإنما نحكم بشهاداتهم بغالب الظن وظاهر أحوالهم مع تجويز الكذب والخطأ والزلل والسهو عليهم فثبت بذلك تجويز الاجتهاد واستعمال غلبة الرأى فيما لا نص فيه من أحكام الحوادث ولا اتفاق وفيه الدلالة على جواز قبول الأخبار المقصرة عن إيجاب العلم بمخبراتها من أمور الديانات عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لأن شهادة الشهود غير موجبة للعلم بصحة المشهود به وقد أمرنا بالحكم بها مع تجويز أن يكون الأمر في المغيب بخلافه فبطل بذلك قول من قال أنه غير جائز قبول خبر من لا يوجب العلم بخبره في أمور الدين وقد دل أيضا على بطلان قول من يستدل على رد أخبار الآحاد بأنا لو قبلناها لكنا قد جعلنا منزلة المخبر أعلى من منزلة النبي صلّى الله عليه وسلّم إذ لم يجب في الأصل قبول خبر النبي صلّى الله عليه وسلّم إلا بعد ظهور المعجزات الدالة على صدقه لأن الله تعالى قد أمرنا بقبول شهادة الشهود الذين ظاهرهم العدالة وإن لم يكن معها علم معجزة يدل على صدقهم* وأما ما ذكرنا من اعتبار
نفى التهمة عن الشهادة وإن كان الشاهد عدلا فإن الفقهاء متفقون على بعضها ومختلفون في بعضها فمما اتفق عليه فقهاء الأمصار بطلان شهادة الشاهد لولده إلا شيء يحكى عن عثمان البتى قال تجوز شهادة الولد لوالديه وشهادة الأب لابنه ولامرأته إذا كانوا عدولا مهذبين معروفين بالفضل ولا يستوي الناس في ذلك ففرق بينهما لوالده وبينها للأجنبى فأما أصحابنا ومالك والليث والشافعى والأوزاعى فإنهم لا يجيزون شهادة واحد منهما للآخر فقد حدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبى قال حدثنا وكيع عن سفيان عن جابر عن الشعبي عن شريح قال لا تجوز شهادة الإبن لأبيه ولا الأب لابنه ولا المرأة لزوجها ولا الزوج لامرأته وروى عن إياس ابن معاوية أنه أجاز شهادة رجل لابنه حدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبى قال حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا خالد الحذاء عن إياس بن معاوية بذلك والذي يدل على بطلان شهادته لابنه قوله عز وجل( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ ) ولم يذكر بيوت الأبناء لأن قوله تعالى( مِنْ بُيُوتِكُمْ ) قد انتظمها إذ كانت منسوبة إلى الآباء فاكتفى بذكر بيوتهم عن ذكر بيوت أبنائهم وقال صلّى الله عليه وسلّم أنت ومالك لأبيك فأضاف الملك إليه وقال إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه فكلوا من كسب أولادكم فلما أضاف ملك الإبن إلى الأب وأباح أكله له وسماه له كسبا كان المثبت لابنه حقا بشهادته بمنزلة مثبته لنفسه ومعلوم بطلان شهادته لنفسه فكذلك لابنه وإذا ثبت ذلك في الإبن كان ذلك حكم شهادة الإبن لأبيه إذ لم يفرق أحد بينهما* فإن قيل إذا كان الشاهد عدلا فواجب قبول شهادته لهؤلاء كما نقبلها لأجنبى وإن كانت شهادته لهؤلاء غير مقبولة لأجل التهمة فغير جائز قبولها للأجنبى لأن من كان متهما في الشهادة لابنه بما ليس بحق له فجائزة عليه مثل هذه التهمة للأجنبى* قيل له ليست التهمة المانعة من قبول شهادته لابنه ولأبيه تهمة فسق ولا كذب وإنما التهمة فيه من قبل أنه يصير فيها بمعنى المدعى لنفسه ألا ترى أن أحدا من الناس وإن ظهرت أمانته وصحت عدالته لا يجوز أن يكون مصدقا فيما يدعيه لنفسه لا على جهة تكذيبه ولكن من جهة أن كل مدع لنفسه فدعواه غير ثابتة إلا ببينة تشهد له بها فالشاهد لابنه بمنزلة المدعى لنفسه لما بينا وكذلك قال أصحابنا إن كل شاهد يجر بشهادته
«16 ـ أحكام في»
إلى نفسه مغنما أو يدفع بها عن نفسه مغرما فغير مقبول الشهادة لأنه حينئذ يقوم مقام المدعى والمدعى لا يجوز أن يكون شاهدا فيما يدعيه ولا أحد من الناس أصدق من نبي الله صلّى الله عليه وسلّم إذ دلت الأعلام المعجزة على أنه لا يقول إلا حقا وإن الكذب غير جائز عليه مع وقوع العلم لنا بمغيب أمره وموافقة باطنه لظاهره ولم يقتصر فيما ادعاه لنفسه على دعواه دون شهادة غيره حين طالبه الخصم بها وهو قصة خزيمة بن ثابت حدثنا عبد الرحمن ابن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبى قال حدثنا أبو اليمان قال حدثنا شعيب عن الزهري قال حدثنا عمارة بن خزيمة الأنصارى أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم ابتاع فرسا من أعرابى وذكر القصة وقال فطفق الأعرابى يقول هلم شهيدا يشهد أنى قد بايعتك فقال خزيمة أنا أشهد أنك بايعته فأقبل النبي صلّى الله عليه وسلّم على خزيمة فقال بم تشهد فقال بتصديقك يا رسول الله فجعل النبي صلّى الله عليه وسلّم شهادة خزيمة بشهادة رجلين فلم يقتصر النبي صلّى الله عليه وسلّم في دعواه على ما تقرر وثبت بالدلائل والأعلام أنه لا يقول إلا حقا ولم يقل للأعرابى حين قال هلم شهيدا أنه لا بينة عليه وكذلك سائر المدعين فعليهم إقامة بينة لا يجر بها إلى نفسه مغنما ولا يدفع بها عنها مغرما وشهادة الوالد لولده يجر بها إلى نفسه أعظم المغنم كشهادته لنفسه والله تعالى أعلم.
ومن هذا الباب أيضا شهادة أحد الزوجين للآخر
وقد اختلف الفقهاء فيها فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والأوزاعى والليث لا تجوز شهادة واحد منهما للآخر وقال الثوري تجوز شهادة الرجل لامرأته وقال الحسن بن صالح لا تجوز شهادة المرأة لزوجها وقال الشافعى تجوز شهادة أحد الزوجين للآخر* قال أبو بكر هذا نظير شهادة الوالد للولد والولد للوالد وذلك من وجوه أحدها أنه معلوم تبسط كل واحد من الزوجين في مال الآخر في العادة وأنه كالمباح الذي لا يحتاج فيه إلى الاستيذان فما يثبته الزوج لامرأته بمنزلة ما يثبته لنفسه وكذلك ما تثبته المرأة لزوجها ألا ترى أنه لا فرق في المعتاد بين تبسطه في مال الزوج والزوجة وبينه في مال أبيه وابنه ولما كان كذلك وكانت شهادته لوالده وولده غير جائزة كان كذلك حكم شهادة الزوج والزوجة وأيضا فإن شهادته لزوجته بمال توجب زيادة قيمة البضع الذي في ملكه لأن مهره مثلها يزيد بزيادة مالها فكان شاهدا لنفسه بزيادة قيمة ما هو ملكه وقد
روى عن عمر بن الخطاب أنه قال لعبد الله بن عمرو بن الحضرمي لما ذكر له أن عبده سرق مرة لامرأته عبدكم سرق مالكم لا قطع عليه فجعل مال كل واحد منهما مضافا إليهما بالزوجية التي بينهما فما يثبته كل واحد لصاحبه فكأنه يثبته لنفسه ومن جهة أخرى أنه كلما كثر مال الزوج كانت النفقة التي تستحقها أكثر فكأنها شاهدة إذ كانت مستحقة للنفقة بحق الزوجية في حالي الفقر والغنى* فإن قال قائل فالأخت الفقيرة والأخ الزمن يستحقان* للنفقة على أخيهما إذا كان غنيا ولم يمنع ذلك جواز شهادتهما له* قيل له ليست الأخوة موجبة للاستحقاق لأن الغنى لا يستحقها مع وجود النسب والفقير لا تجب عليه مع وجود الأخوة والزوجية سبب لاستحقاقها فقيرا كان الزوج أو غنيا فكانت المرأة مثبتة بشهادتها لنفسها زيادة النفقة مع وجود الزوجية الموجبة لها والنسب ليس كذلك لأنه غير موجب للنفقة لوجوده بينهما فلذلك اختلفا.
ومن هذا الباب أيضا شهادة الأجير
وقد ذكر الطحاوي عن محمد بن سنان عن عيسى عن محمد عن أبى يوسف عن أبى حنيفة أن شهادة الأجير غير جائزة لمستأجره في شيء وإن كان عدلا استحسانا* قال أبو بكر روى هشام وابن رستم عن محمد أن شهادة الأجير الخاص غير جائزة لمستأجره وتجوز شهادة الأجير المشترك له ولم يذكر خلافا عن أحد منهم وهو قول عبيد الله بن الحسن وقال مالك لا تجوز شهادة الأجير لمن استأجره إلا أن يكون مبرزا في العدالة وإن كان الأجير في عياله لم تجز شهادته له وقال الأوزاعى لا تجوز شهادة الأجير لمستأجره وقال الثوري شهادة الأجير جائزة إذا كان لا يجر إلى نفسه حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا أبو عمر الحوضي قال حدثنا محمد بن راشد عن سليمان ابن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلّى الله عليه وسلّم رد شهادة الخائن والخائنة وشهادة ذي الغمر على أخيه ورد القانع لأهل البيت وأجازها على غيرهم وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا حفص بن عمر قال حدثنا محمد بن راشد بإسناده مثله إلا أنه قال ورد شهادة القانع لأهل البيت * قال أبو بكر قوله القانع لأهل البيت يدخل فيه الأجير الخاص لأن معناه التابع لهم والأجير الخاص هذه صفته وأما الأجير المشترك فهو وسائر الناس في ماله بمنزلة فلا يمنع ذلك جواز شهادته وكذلك شريك العنان تجوز شهادته
له في غير مال الشركة* وقال أصحابنا كل شهادة ردت للتهمة لم تقبل أبدا مثل شهادة أحد الزوجين للآخر إذا ردت لفسقه ثم تاب وأصلح فشهد بتلك الشهادة لم تقبل أبدا ومثل شهادة أحد الزوجين للآخر إذا ردت ثم شهد بها بعد زوال الزوجية لم تقبل أبدا وقالوا لو شهد عبد بشهادة أو كافر أو صبي فردت ثم أعتق العبد أو أسلم الكافر أو كبر الصبى أو عتق العبد وشهد بها لم تقبل أبدا ولو لم تكن ردت قبل ذلك فإنها جائزة وروى عن عثمان بن عفان مثل قول مالك* وإنما قال أصحابنا أنها إذا ردت لتهمة لم تقبل أبدا من قبل أن الحاكم قد حكم بإبطالها وحكم الحاكم لا يجوز فسخه إلا بحكم ولا يصح فسخه بما لا يثبت من جهة الحكم فلما لم يصح الحكم بزوال التهمة التي من أجلها ردت الشهادة كان حكم الحاكم بإبطال تلك الشهادة ماضيا لا يجوز فسخه أبدا وأما الرق والكفر والصغر فإن المعاني التي ردت من أجلها وحكم الحاكم بإبطالها محكوم بزوالها لأن الحرية والإسلام والبلوغ كل ذلك مما يحكم به الحاكم فلما صح حكم الحاكم بزوال المعاني التي من أجلها بطلت شهادتهم وجب أن تقبل ولما لم يصح أن يحكم الحاكم بزوال التهمة لأن ذلك معنى لا تقوم به البينة ولا يحكم به الحاكم كان حكم الحاكم بإبطالها ماضيا إذا كان ما ثبت من طريق الحكم لا ينفسخ إلا من جهة الحكم* فهذه الأمور الثلاثة التي ذكرناها من العدالة ونفى التهمة وقلة الغفلة هي من شرائط الشهادات وقد انتظمها قوله تعالى( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) فانظر إلى كثرة هذه المعاني والفوائد والدلالات على الأحكام التي في ضمن قوله تعالى( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) مع قلة حروفه وبلاغة لفظه ووجازته واختصاره وظهور فوائده وجميع ما ذكرنا من عند ذكرنا لمعنى هذا اللفظ من أقاويل السلف والخلف واستنباط كل واحد منهم ما في مضمونه وتحريم موافقته مع احتماله لجميع ذلك يدل على أنه كلام الله ومن عنده تعالى وتقدس إذ ليس في وسع المخلوقين إيراد لفظ يتضمن من المعاني والدلالات والفوائد والأحكام ما تضمنه هذا القول مع اختصاره وقلة عدد حروفه وعسى أن يكون ما لم يحط به علمنا من معانيه مما لو كتب لطال وكثر والله نسئل التوفيق لنعلم أحكامه ودلائل كتابه وأن يجعل ذلك خالصا لوجهه* قوله تعالى عز وجل( أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ) قرئ فتذكر إحداهما الأخرى بالتشديد وقرئ فتذكر إحداهما الأخرى بالتخفيف وقيل إن معناهما قد يكون
واحدا يقال ذكرته وذكرته وروى ذلك عن الربيع بن أنس والسدى والضحاك وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أبو عبيد مؤمل الصيرفي قال حدثنا أبو يعلى البصري قال حدثنا الأصمعى عن أبى عمرو قال من قرأ( فَتُذَكِّرَ ) مخففة أراد تجعل شهادتهما بمنزلة شهادة ذكر ومن قرأ( فَتُذَكِّرَ ) بالتشديد أراد من جهة التذكير وروى ذلك عن سفيان ابن عيينة قال أبو بكر إذا كان محتملا للأمرين وجب حمل كل واحدة من القراءتين على معنى وفائدة مجددة فيكون قوله تعالى( فَتُذَكِّرَ ) بالتخفيف تجعلهما جميعا بمنزلة رجل واحد في ضبط الشهادة وحفظها وإتقانها وقوله تعالى( فَتُذَكِّرَ ) من التذكير عند النسيان واستعمال كل واحد منهما على موجب دلالتيهما أولى من الاقتصار بها على موجب دلالة أحدهما ويدل على ذلك أيضا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم ما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ذوى الألباب منهن قيل يا رسول الله وما نقصان عقلهن قال جعل شهادة امرأتين بشهادة رجل فهذا موافق لمعنى من تأول فتذكر إحداهما الأخرى على أنهما تصيران في ضبط الشهادة وحفظها بمنزلة رجل وفي هذه الآية دلالة على أنه غير جائز لأحد إقامة شهادة وإن عرف خطه إلا أن يكون ذاكرا لها ألا ترى ذكر ذلك بعد الكتاب والإشهاد ثم قال تعالى( أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ) فلم يقتصر بنا على الكتاب والخط دون ذكر الشهادة وكذلك قوله تعالى( ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا ) فدل ذلك على أن الكتاب إنما أمر به لتستذكر به كيفية الشهادة وأنها لا تقام إلا بعد حفظها وإتقانها وفيها الدلالة على أن الشاهد إذا قال ليس عندي شهادة في هذا الحق ثم قال عندي شهادة فيه أنها مقبولة لقوله تعالى( أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ) فأجازها إذا ذكرها بعد نسيانها وذكر ابن رستم عن محمد رحمه الله في رجل سئل عن شهادة في أمر كان يعلمه فقال ليس عندي شهادة ثم أنه شهد بها في ذلك عند القاضي قال تقبل منه إذا كان عدلا لأنه يقول نسيتها ثم ذكرتها ولأن الحق ليس له فيجوز قوله عليه وإنما الحق لغيره فكذلك تقبل شهادته فيه قال أبو بكر يعنى أنه ليس هذا مثل أن يقول المدعى ليس لي عنده هذا الحق ثم يدعيه فلا تقبل دعواه له بعد إقراره لأنه أبرأه من الحق وأقر على نفسه فجاز إقراره فلا تقبل دعواه بعد ذلك لذلك الحق لنفسه لأنه قد أبطلها بإقراره وأما الشهادة فإنما هي حق للغير فلا يبطلها قوله ليس عندي شهادة وقوله
تعالى( أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ) يدل على صحة هذا القول وقد اختلف الفقهاء في الشهادة على الخط فقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يشهد بها حتى يذكرها وهذا هو المشهور من قولهم وروى ابن رستم قال قلت لمحمد رجل يشهد على شهادة وكتبها بخطه وختمها أو لم يختم عليها وقد عرف خطه قال إذا عرف خطه وسعه أن يشهد عليها ختم عليها أو لم يختم قال فقلت إن كان أميا لا يقرأ فكتب غيره له قال لا يشهد حتى يحفظ ويذكرها وقال أبو حنيفة ما وجد القاضي في ديوانه لا يقتضى به إلا أن يذكره وقال أبو يوسف يقتضى به إذا كان في قمطره وتحت خاتمه لأنه لو لم يفعله أضر بالناس وهو قول محمد ولا خلاف بينهم أنه لا يمضى شيئا منه إذا لم يكن تحت خاتمه وأنه لا يمضى ما وجده في ديوانه غيره من القضاة إلا أن يشهد به الشهود على حكم الحاكم الذي قبله وقال ابن أبى ليلى مثل قول أبى يوسف فيما يجده في ديوانه وذكر أبو يوسف أيضا عن ابن أبى ليلى إذا أقر عند القاضي لخصمه فلم يثبته في ديوانه ولم يقض به عليه ثم سأله المقر له به أن يقضى له على خصمه فإنه لا يقضى به عليه في قول ابن أبى ليلى وقال أبو حنيفة وأبو يوسف يقضى به عليه إذا كان يذكره وقال مالك فيمن عرف خطه ولم يذكر الشهادة أنه لا يشهد على ما في الكتاب ولكن يؤدى شهادته إلى الحاكم كما علم وليس للحاكم أن يجيزها فإن كتب الذي عليه الحق شهادته على نفسه في ذكر الحق ومات الشهود فأنكر فشهد رجلان أنه خط نفسه فإنه يحكم عليه بالمال ولا يستحلف رب المال وذكر أشهب عنه فيمن عرف خطه ولا يذكر الشهادة أنه يؤديها إلى السلطان ويعلمه ليرى فيه رأيه وقال الثوري إذا ذكر أنه شهد ولا يذكر عدد الدراهم فإنه لا يشهد وإن كتبها عنده ولم يذكر إلا أنه يعرف الكتاب فإنه إذا ذكر أنه شهد وأنه قد كتبها فأرى أن يشهد على الكتاب وقال الليث إذا عرف أنه خط يده وكان ممن يعلم أنه لا يشهد إلا بحق فليشهد وقال الشافعى إذا ذكر إقرار المقر حكم به عليه أثبته في ديوانه أو لم يثبته لأنه لا معنى للديوان إلا الذكر وقال في كتاب المزني أنه لا يشهد حتى يذكر قال أبو بكر قد ذكرنا دلالة قوله تعالى( أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ) ودلالة قوله تعالى بعد ذكر الكتاب( ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا ) على أن من شرط جواز إقامة الشهادة ذكر الشاهد لها وأنه لا يجوز الاقتصار فيها على الخط إذ الخط والكتاب مأمور به لتذكر به
الشهادة ويدل عليه أيضا قوله تعالى( إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) فإذا لم يذكرها فهو غير عالم بها وقوله تعالى( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) يدل على ذلك ويدل عليه حديث ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع وقد تقدم ذكر سنده وأما الخط فقد يزور عليه وقد يشتبه على الشاهد فيظن أنه خطه وليس بخطه ولما كانت الشهادة من مشاهدة الشيء وحقيقة العلم به فمن لا يذكر الشهادة فهو بخلاف هذه الصفة فلا تجوز له إقامة الشهادة به وقد أكد أمر الشهادة حتى صار لا يقبل فيها إلا صريح لفظها ولا يقبل ما يقوم مقامها من الألفاظ فكيف يجوز العمل على الخط الذي يجوز عليه التزوير والتبديل وقد روى عن أبى معاوية النخعي عن الشعبي فيمن عرف الخط والخاتم ولا يذكر الشهادة أنه لا يشهد به حتى يذكرها وقوله تعالى( أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما ) معناه أن ينساها لأن الضلال هو الذهاب عن الشيء فلما كان الناسي ذاهبا عما نسيه جاز أن يقال ضل عنه بمعنى أنه نسيه وقد يقال أيضا ضلت عنه الشهادة وضل عنها والمعنى واحد والله تعالى أعلم.
باب لالشاهد واليمين
اختلف الفقهاء في الحكم بشاهد واحد مع يمين الطالب فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة لا يحكم إلا بشاهدين ولا يقبل شاهد ويمين في شيء وقال مالك والشافعى يحكم به في الأموال خاصة قال أبو بكر قوله تعالى( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) يوجب بطلان القول بالشاهد واليمين* وذلك لأن قوله( وَاسْتَشْهِدُوا ) يتضمن الإشهاد على عقود المداينات التي ابتدأ في الخطاب بذكرها ويتضمن إقامتها عند الحاكم ولزوم الحاكم الأخذ بها لاحتمال اللفظ للحالين ولأن الإشهاد على العقد إنما الغرض فيه إثباته عند التجاحد فقد تضمن لا محالة استشهاد الشاهدين أو الرجل والمرأتين على العقد عند الحاكم وإلزامه الحكم به وإذا كان كذلك فظاهر اللفظ يقتضى الإيجاب لأنه أمر وأوامر الله على الوجوب فقد ألزم الله الحاكم الحكم بالعدد المذكور* كقوله تعالى( فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً ) وقوله تعالى( فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ) ولم يجز الاقتصار على ما دون العدد المذكور كذلك العدد المذكور للشهادة غير جائز الاقتصار فيه على ما دونه وفي تجويز أقل منه
مخالفة الكتاب كما لو أجاز مجيز أن يكون حد القذف سبعين أو حد الزنا تسعين كان مخالفا للآية وأيضا قد انتظمت الآية شيئين من أمر الشهود أحدهما العدد والآخر الصفة وهي أن يكونوا أحرارا مرضيين لقوله تعالى( مِنْ رِجالِكُمْ ) وقوله تعالى( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) فلما لم يجز إسقاط الصفة المشروطة لهم والاقتصار على دونها لم يجز إسقاط العدد إذ كانت الآية مقتضية لاستيفاء الأمرين في تنفيذ الحكم بها وهو العدد والعدالة والرضا فغير جائز إسقاط واحد منهما والعدد أولى بالاعتبار من العدالة والرضا لأن العدد معلوم من جهة اليقين والعدالة إنما نثبتها من طريق الظاهر لا من طريق الحقيقة فلما لم يجز إسقاط العدالة المشروطة من طريق الظاهر لم يجز إسقاط العدد المعلوم من جهة الحقيقة واليقين* وأيضا فلما أراد الله الاحتياط في إجازة شهادة النساء أوجب شهادة المرأتين وقال( أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ) ثم قال( ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا ) فنفى بذلك أسباب التهمة والريب والنسيان وفي مضمون ذلك ما ينفى قبول يمين الطالب والحكم له بشاهد واحد لما فيه من الحكم بغير ما أمر به من الاحتياط والاستظهار ونفى الريبة والشك وفي قبول يمينه أعظم الريب والشك وأكبر التهمة وذلك خلاف مقتضى الآية ويدل على بطلان الشاهد واليمين قول الله تعالى( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) وقد علمنا أن الشاهد الواحد غير مقبول ولا مراد بالآية ويمين الطالب لا يجوز أن يقع عليها إثم الشاهد ولا يجوز أن يكون رضى فيما يدعيه لنفسه فالحكم بشاهد واحد ويمينه مخالف للآية من هذه الوجوه ورافع لما قصد به من أمر الشهادات من الاحتياط والوثيقة على ما بين الله في هذه الآية وقصد به من المعاني المقصودة بها ويدل عليه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه وفرق بين اليمين والبينة فغير جائز أن تكون اليمين بينة لأنه لو جاز أن تسمى اليمين بينة لكان بمنزلة قول القائل البينة على المدعى والبينة على المدعى عليه وقوله البينة اسم للجنس فاستوعب ما تحتها فما من بينة إلا وهي التي على المدعى فإذا لا يجوز أن يكون عليه اليمين وأيضا لما كانت البينة لفظا مجملا قد يقع على معان مختلفة واتفقوا أن الشاهدين والشاهد والمرأتين مرادون بهذا الخبر وأن الاسم يقع عليهم صار كقوله الشاهدان أو الشاهد والمرأتان على المدعى فغير جائز الاقتصار على ما دونهم * وهذا الخبر وإن كان وروده من طريق الآحاد فإن
الأمة قد تلقته بالقبول والاستعمال فصار في حيز المتواتر ويدل عليه قوله صلّى الله عليه وسلّم لو أعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم فحوى هذا الخبر ضربين من الدلالة على بطلان القول بالشاهد واليمين أحدهما أن يمينه دعواه لأن مخبرها ومخبر دعواه واحد فلو استحق بيمينه كان مستحقا بدعواه وقد منع النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك والثاني إن دعواه لما كانت ومنع النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يستحق بها شيئا لم يجز أن يستحق بيمينه إذ كانت يمينه قوله ويدل على ذلك حديث علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه في الحضرمي الذي خاصم الكندي في أرض ادعاها في يده وجحد الكندي فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم للحضرمى شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك فنفى النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يستحق شيئا بغير شاهدين وأخبر أنه لا شيء له غير ذلك* فإن قيل لم ينف بذلك أن يستحق بإقرار المدعى* عليه كذلك لا ينفى أن يستحق بشاهد ويمين* قيل له قد كان المدعى عليه جاحدا فبين النبي صلّى الله عليه وسلّم حكم ما يوجب صحة دعواه عند الجحود فأما حال الإقرار فلم يجز لها ذكر وهي موقوفة على الدلالة وأيضا فإن ظاهره يقتضى أن لا يستحق شيئا إلا ما ذكرنا في الخبر والإقرار قد ثبت بالإجماع وجوب الاستحقاق به فحكمنا به أو الشاهد واليمين مختلف فيه فقضى قوله شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك ببطلانه* واحتج القائلون بالشاهد واليمين بأخبار رويت مبهمة ذكر فيها قضية النبي صلّى الله عليه وسلّم به أنا ذاكرها ومبين ما فيها أحدها ما حدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبى قال حدثنا أبو سعيد قال حدثنا سليمان قال حدثنا ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن سهل بن أبى صالح عن أبى هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قضى باليمين مع الشاهد وروى عثمان بن الحكم عن زهير ابن محمد عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن زيد بن ثابت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مثله وحديث آخر وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبى شيبة والحسن بن على أن زيد بن الحباب حدثهم قال حدثنا سيف يعنى ابن سليمان المكي عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قضى بيمين وشاهد وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن يحيى وسلمة بن شبيب قالا حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار بإسناده ومعناه* وحدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الرحمن بن أحمد قال حدثني أبى قال حدثنا عبد الله بن الحرث قال حدثنا
سيف بن سليمان عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى باليمين مع الشاهد قال عمرو وإنما ذاك في الأموال* وحدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبى قال حدثنا وكيع قال حدثنا خلد بن أبى كريمة عن أبى جعفر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أجاز شهادة رجل مع يمين المدعى في الحقوق ورواه مالك وسفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قضى بشهادة رجل مع اليمين * قال أبو بكر والمانع من قبول هذه الأخبار وإيجاب الحكم بالشاهد واليمين بها وجوه أحدها فساد طرقها والثاني جحود المروي عنه روايتها والثالث رد نص القرآن لها والرابع أنها لو سلمت من الطعن والفساد لما دلت على قول المخالف والخامس احتمالها لموافقة الكتاب فأما فسادها من طريق النقل فإن حديث سيف بن سليمان غير ثابت لضعف سيف بن سليمان هذا ولأن عمرو بن دينار لا يصح له سماع من ابن عباس فلا يصح لمخالفنا الاحتجاج به وحدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبى قال حدثنا أبو سلمة الخزاعي قال حدثنا سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن إسماعيل بن عمرو بن قيس بن سعد بن عبادة عن أبيه أنهم وجدوا في كتاب سعد بن عبادة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قضى باليمين مع الشاهد فلو كان عنده عن عمرو بن دينار عن ابن عباس لذكره ولم يلجأ إلى ما وجده في كتاب* وأما حديث سهيل فإن محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن أبى بكر أبو مصعب الزهري قال حدثنا الدراوردى عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى باليمين مع الشاهد قال أبو داود وزادني الربيع بن سليمان المؤذن في هذا الحديث قال أخبرنا الشافعى عن عبد العزيز قال فذكرت ذلك لسهيل فقال أخبرنى ربيعة وهو عندي ثقة أنى حدثته إياه ولا أحفظه* قال عبد العزيز وقد كان أصابت سهيلا علة أزالت بعض عقله ونسى بعض* حديثه فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه* وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن داود الإسكندرانى قال حدثنا زياد يعنى ابن يونس قال حدثني سليمان بن بلال عن ربيعة بإسناد أبى مصعب ومعناه قال سليمان فلقيت سهيلا فسألته عن هذا الحديث فقال ما أعرفه فقلت له إن ربيعة أخبرنى به عنك قال فإن كان ربيعة أخبرك عنى فحدث به عن ربيعة عنى ومثل هذا الحديث لا يثبت به شريعة مع إنكار من روى
عنه إياه وفقد معرفته به* فإن قال قائل يجوز أن يكون رواه ثم نسيه* قيل له ويجوز أن يكون قد وهم بديا فيه وروى ما لم يكن سمعه وقد علمنا أنه كان آخر أمره جحوده وفقد العلم به فهو أولى* وأما حديث جعفر بن محمد فإنه مرسل وقد وصله عبد الوهاب الثقفي وقيل إنه أخطأ فيه فذكر فيه جابرا وإنما هو عن أبى جعفر محمد بن على عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال أبو بكر فهذه الأمور التي ذكرنا إحدى العلل المانعة من قبول هذه الأخبار وإثبات الأحكام بها ومن جهة أخرى وهو ما حدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبى قال حدثنا إسماعيل عن سوار بن عبد الله قال سألت ربيعة الرأى قلت قولكم شهادة الشاهد ويمين صاحب الحق قال وجدت في كتاب سعد فلو كان حديث سهيل صحيحا عند ربيعة لذكره ولم يعتمد على ما وجد في كتاب سعد وحدثنا عبد الرحمن ابن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبى قال حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا معمر عن الزهري في اليمين مع الشاهد قال هذا شيء أحدثه الناس لا إلا شاهدين حدثنا حماد بن خالد الخياط قال سألت ابن أبى ذئب إيش كان الزهري يقول في اليمين مع الشاهد قال كان يقول بدعة وأول من أجازه معاوية وروى محمد بن الحسن عن ابن أبى ذئب قال سألت الزهري عن شهادة شاهد ويمين الطالب فقال ما أعرفه وأنها البدعة وأول من قضى به معاوية والزهري من أعلم أهل المدينة في وقته فلو كان هذا الخبر ثابتا كيف كان يخفى مثله عليه وهو أصل كبير من أصول الأحكام وعلى أنه قد علم أن معاوية أول من قضى به وأنه بدعة* وقد روى عن معاوية أنه قضى بشهادة امرأة واحدة في المال من غير يمين الطالب حدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبى قال حدثنا عبد الرزاق وروح ومحمد بن بكر قالوا أخبرنا ابن جريج قال أخبرنى عبد الله ابن أبى مليكة أن علقمة بن أبى وقاص أخبره أن أم سلمة زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم شهدت لمحمد بن عبد الله بن زهير وأخوته أن ربيعة بن أبى أمية أعطى أخاه زهير بن أبى أمية نصيبه من ريعه ولم يشهد على ذلك غيرها فأجاز معاوية شهادتها وحدها وعلقمة حاضر ذلك من قضاء معاوية فإن كان قضاء معاوية بالشاهد مع اليمين جائزا فينبغي أن يجوز أيضا قضاؤه بالشاهد من غير يمين الطالب فاقضوا بمثله وأبطلوا حكم الكتاب والسنة وحدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبى قال حدثنا عبد الرزاق قال
أخبرنا ابن جريج قال كان عطاء يقول لا يجوز شهادة على دين ولا غيره دون شاهدين حتى إذا كان عبد الملك بن مروان جعل مع شهادة الرجل الواحد يمين الطالب وروى مطرف بن مازن قاضى أهل اليمن عن ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح قال أدركت هذا البلد يعنى مكة وما يقضى فيه في الحقوق إلا بشاهدين حتى كان عبد الملك بن مروان يقضى بشاهد ويمين وروى الليث بن سعد عن زريق بن حكيم أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز وهو عامله إنك كنت تقضى بالمدينة بشهادة الشاهد ويمين صاحب الحق فكتب إليه عمر إنا قد كنا نقضي كذلك وإنا وجدنا الناس على غير ذلك فلا تقضين إلا بشهادة رجلين أو برجل وامرأتين فقد أخبر هؤلاء السلف أن القضاء باليمين سنة معاوية وعبد الملك وأنه ليس بسنة النبي صلّى الله عليه وسلّم فلو كان ذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما خفى على علماء التابعين فهذان الوجهان اللذان ذكرنا أحدهما فساد السند واضطرابه والثاني جحود سهيل له وهو العمدة فيه وأخبار ربيعة أن أصله ما وجد في كتاب سعد وإنكار علماء التابعين وأخبارهم أنه بدعة وأن معاوية وعبد الملك أول من قضى به والوجه الثالث أنها لو وردت من طرق مستقيمة تقبل أخبار الآحاد في مثلها وعريت من ظهور نكير السلف على روايتها وأخبارهم أنها بدعة لما جاز الاعتراض بها على نص القرآن إذ غير جائز نسخ القرآن بأخبار الآحاد ووجه النسخ منه أن المفهوم منه الذي لا يرتاب به أحد من سامعى الآية من أهل اللغة حظر قبول أقل من شاهدين أو رجل وامرأتين وفي استعمال هذا الخبر ترك موجب الآية والاقتصار على أقل من العدد المذكور إذ غير جائز أن ينطوى تحت ذكر العدد المذكور في الآية الشاهد واليمين كما كان المفهوم من قوله( فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً ) وقوله( فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ) منع الاقتصار على أقل منها في كونها حدا* فإن قال قائل جائز أن يكون حد القاذف أقل من ثمانين وحد الزاني أقل من مائة كان مخالفا للآية كذلك من قبل شهادة رجل واحد فقد خالف أمر الله تعالى في استشهاد شاهدين وهو مخالف لمعنى الآية كذلك من وجه آخر وهو ما أبان الله تعالى به عن المقصد في الكتاب واستشهاد الشهود في قوله( ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا ) وقوله( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ) فأخبر أن المقصد فيه الاحتياط والتوثق لصاحب الحق والاستظهار بالكتاب والشهود لنفى الريبة
والشك والتهمة عن الشهود في قوله( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) وفي الحكم بشاهد ويمين رفع هذه المعاني كلها وإسقاط اعتبارها فثبت بما وصفنا أن الحكم بها خلاف الآية فهذان الوجهان مما قد ظهر بهما مخالفة الحكم بالشاهد واليمين للآية وأيضا فلما كان حكم القرآن في الشاهدين والرجل والمرأتين مستعملا ثابتا وكانت أخبار الشاهد واليمين مختلفا فيها وجب أن يكون خبر الشاهد واليمين منسوخا بالقرآن لأنه لو كان ثابتا لا تفق على استعمال حكمه كاتفاقهم على استعمال حكم القرآن والوجه الرابع أن خبر الشاهد واليمين لو سلم من معارضة الكتاب وورد من طرق مستقيمة لما صح الاحتجاج به في الاستحقاق فشاهد ويمين الطالب وذلك أن أكثر ما فيه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى بشاهد ويمين وهذه حكاية قضية من النبي صلّى الله عليه وسلّم ليس بلفظ عموم في إيجاب الحكم بشاهد ويمين حتى يحتج به في غيره ولم يبين لنا كيفيتها في الخبر وفي حديث أبى هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى باليمين مع الشاهد وذلك محتمل أن يريد به أن وجود الشاهد الواحد لا يمنع استحلاف المدعى عليه إن استحلفه مع شهادة شاهد فأفاد أن شهادة الشاهد الواحد لا تمنع استحلاف المدعى عليه وأن وجوده وعدمه بمنزلة وقد كان يجوز أن يظن ظان أن اليمين إنما تجب على المدعى عليه إذا لم يكن للمدعى شاهد أصلا فأبطل الراوي بنقله لهذه القضية ظن الظان لذلك وأيضا فإن الشاهد قد يكون اسما للجنس فجائز أن يكون مراد الراوي أنه قضى باليمين في حال وبالبينة في حال فلا يكون حكم الشاهد مفيدا للقضاء بشهادة واحد وهذا كقوله تعالى( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ) لما كان اسما للجنس لم يكن المراد سارقا واحدا وجائز أن يكون قضى بشاهد واحد وهو خزيمة بن ثابت الذي جعل شهادته بشهادة رجلين فاستحلف الطالب مع ذلك لأن المطلوب ادعى البراءة والوجه الخامس احتماله لموافقة مذهبنا وذلك بأن تكون القضية فيمن اشترى جارية وادعى عيبا في موضع لا يجوز النظر إليه إلا لعذر فتقبل شهادة الشاهد الواحد في وجود العيب واستحلف المشترى مع ذلك بالله ما رضى فيكون قد قضى بالرد على البائع بشهادة شاهد مع يمين الطالب وهو المشترى وإذا كان خبر الشاهد واليمين محتملا لما وصفنا وجب حمله عليه وأن لا يزال به حكم ثابت من جهة نص القرآن لما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ما أتاكم عنى فاعرضوه على كتاب الله فما وافق كتاب الله فهو منى وما خالفه فليس منى
وأيضا فإن القضية المروية في الشاهد واليمين ليس فيها أنها كانت في الأموال أو غيرها وقد اتفق الفقهاء على بطلانه في غير الأموال فكذلك في الأموال* فإن قيل قال عمرو ابن دينار ومذهبه وليس فيه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى بها في الأموال فإذا جاز أن لا يقضى في غير الأموال وإن كانت القضية مبهمة ليس فيها بيان ذكر الأموال ولا غيرها فكذلك لا يقضى به في الأموال إذا لم يبين كيفيتها وليس القضاء بها في الأموال بأولى منه في غيرها فإن قيل إنما يقضى به فيما تقبل فيه شهادة رجل وامرأتين وهو الأموال فتقوم يمين الطالب مقام شاهد واحد مع شهادة الآخر* قيل له هذه دعوى لا دلالة عليها ومع ذلك فكيف صارت يمين الطالب قائمة مقام شاهد آخر دون أن تقوم مقام امرأة ويقال له أرأيت لو كان المدعى امرأة هل تقيم يمينها مقام شهادة رجل فإن قال نعم قيل له فقد صارت اليمين آكد من الشهادة لأنك لا تقبل شهادة امرأة واحدة في الحقوق وقبلت يمينها وأقمتها مقام شهادة رجل واحد والله تعالى إنما أمرنا بقبول من نرضى من الشهداء وإن كانت هذه شاهدة وقامت يمينها مقام شهادة رجل فقد خالفت القرآن لأن أحدا لا يكون مرضيا فيما يدعيه لنفسه ومما يدل على تناقض قولهم أنه لا خلاف أن شهادة الكافر غير مقبولة على المسلم في عقود المداينات وكذلك شهادة الفاسق غير مقبولة ثم إن كان المدعى كافرا أو فاسقا وشهد منه شاهد واحد استحلفوه واستحق ما يدعيه بيمينه وهو لو شهد مثل هذه الشهادة لغيره وحلف عليها خمسين يمينا لم تقبل شهادته ولا أيمانه وإذا ادعى لنفسه وحلف استحق ما ادعى بقوله مع أنه غير مرضى ولا مأمون لا في شهادته ولا في أيمانه وفي ذلك دليل على بطلان قولهم وتناقض مذهبهم.
قوله عز وجل( وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا ) روى عن سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد والشعبي وطاوس إذا ما دعوا لإقامتها وعن قتادة والربيع بن أنس إذا دعوا لإثبات الشهادة في الكتب وقال ابن عباس والحسن هو على الأمرين جميعا من إثباتها في الكتاب وإقامتها بعد علم الحاكم* قال أبو بكر الظاهر أنه عليهما جميعا لعموم اللفظ هو في الابتداء على إثبات الشهادة كأنه قال إذا دعوا لإثبات شهاداتهم في الكتاب ولا خلاف أنه ليس على الشهود الحضور عند المتعاقدين وإنما على المتعاقدين أن يحضرا عند الشهود فإذا حضرا هم وسألاهم إثبات شهاداتهم في الكتاب فهذه الحال هي المرادة بقوله
( إِذا ما دُعُوا ) لإثبات الشهادة وأما إذا ما أثبتا شهادتهما ثم دعيا لإقامتها عند الحاكم فهذا الدعاء هو كحضورهم عند الحاكم لأن الحاكم لا يحضر عند الشاهدين ليشهدا عنده وإنما الشهود عليهم الحضور عند الحاكم فالدعاء الأول إنما هو لإثبات الشهادة في الكتاب والدعاء والثاني لحضورهم عند الحاكم وإقامة الشهادة عنده* وقوله تعالى( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ) يجوز أن يكون أيضا على الحالين من الابتداء والإقامة لها عند الحاكم وقوله تعالى( أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ) لا يدل على أن المراد ابتداء الشهادة لأنه ذكر بعض ما انتظمه اللفظ فلا دلالة فيه على خصوصه فيه دون غيره فإن قال قائل لما قال( وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا ) فسماهم شهداء دل على أن المراد حال إقامتها عند الحاكم لأنهم لا يسمون شهداء قبل أن يشهدوا في الكتاب قيل له هذا غلط لأن الله تعالى قال( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ) فسماهما شهيدين وأمر باستشهادهما قبل أن يشهدا لأنه لا خلاف أن حال الابتداء مرادة بهذا اللفظ وهو كما قال تعالى( فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) فسماه زوجا قبل أن تتزوج وإنما يلزم الشاهد إثبات الشهداء ابتداء ويلزمه إقامتها على طريق الإيجاب إذا لم يجد من يشهد غيره وهو فرض على الكفاية كالجهاد والصلاة على الجنائز وغسل الموتى ودفنهم ومتى قام به بعض سقط عن الباقين وكذلك حكم الشهادة في تحملها وأدائها والذي يدل على أنها فرض على الكفاية أنه غير جائز للناس كلهم الامتناع من تحمل الشهادة ولو جاز لكل واحد أن يمتنع من تحملها لبطلت الوثائق وضاعت الحقوق وكان فيه سقوط ما أمر الله تعالى به وندب إليه من التوثق بالكتاب والاشهاد فدل ذلك على لزوم فرض إثبات الشهادة في الجملة والدليل على أن فرضها غير معين على كل أحد في نفسه اتفاق المسلمين على أنه ليس على كل أحد من الناس تحملها ويدل عليه قوله تعالى( وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ ) فإذا ثبت فرض التحمل على الكفاية كان حكم الأداء عند الحاكم كذلك إذا قام بها البعض منهم سقط عن الباقين وإذا لم يكن في الكتاب إلا شاهدان فقد تعين الفرض عليهما متى دعيا لإقامتها بقوله تعالى( وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا ) وقال( وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) وقال( وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ) وقوله( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ) وإذا كان منهما مندوحة بإقامة غيرهما فقد سقط
الفرض منهما لما وصفنا* قوله عز وجل( وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ) يعنى والله أعلم لا تملوا ولا تضجروا أن تكتبوا القليل الذي جرت العادة بتأجيله والكثير الذي ندب فيه الكتاب والإشهاد لأنه معلوم أنه لم يرد به القيراط والدانق ونحوه إذ ليس في العادة المدينة بمثله إلى أجل فأبان أن حكم القليل المتعارف فيه التأجيل كحكم الكثير فيما ندب إليه من الكتابة والإشهاد لما ثبت أن النزر اليسير غير مراد بالآية وإن قليل ما جرت به العادة فهو مندوب إلى كتابته والإشهاد فيه وكل ما كان مبنيا على العادة فطريقه الاجتهاد وغالب الظن وهذا يدل على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث التي لا توقيف فيها ولا اتفاق وقوله( إِلى أَجَلِهِ ) يعنى إلى محل أجله فيكتب ذكر الأجل في الكتاب ومحله كما كتب أصل الدين وهذا يدل على أن عليهما أن يكتبا في الكتاب صفة الدين ونقده ومقداره لأن الأجل بعض أوصافه فحكم سائر أوصافه بمنزلته وقوله تعالى( ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ ) فيه بيان أن الغرض الذي أجرى بالأمر وبالكتاب واستشهاد الشهود هي الوثيقة والاحتياط للمتداينين عند التجاحد ورفع الخلاف وبين المعنى المراد بالكتابة فأعلمهم أن ذلك أقسط عند الله بمعنى أنه أعدل وأولى أن لا يقع فيه بينهم التظالم وأنه مع ذلك أقوم للشهادة يعنى والله أعلم أنه أثبت لها وأوضح منها لو لم تكن مكتوبة وأنه مع ذلك أقرب إلى نفى الريبة والشك فيها فأبان لنا جل وعلا أنه أمر بالكتاب والإشهاد احتياطا لنا في ديننا ودنيانا ودفع التظالم فيما بيننا وأخبر مع ذلك أن في الكتاب من الاحتياط للشهادة ما نفى عنها الريب والشك وأنه أعدل عند الله من أن لا يكون مكتوبا فيرتاب الشاهد فلا ينفك بعد ذلك من أن يقيمها على ما فيها من الارتياب والشك فيقدم على محظور أو يتركها فلا يقيمها فيضيع حق الطالب وفي هذا دليل على أن الشهادة لا تصح إلا مع زوال الريب والشك فيها وأنه لا يجوز للشاهد إقامتها إذا لم يذكرها وإن عرف خطه لأن الله تعالى أخبر أن الكتاب مأمور به لئلا يرتاب بالشهادة فدل ذلك على أنه لا تجوز له إقامتها مع الشك فيها فإذا كان الشك فيها يمنع فعدم الذكر والعلم بها أولى أن يمنع صحتها قوله تعالى( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها ) يعنى والله أعلم البياعات التي يستحق كل واحد منهما على صاحبه تسليم ما عقد عليه من جهته بلا تأجيل فأباح ترك الكتاب فيها وذلك توسعة منه جل
وعز لعباده ورحمة لهم لئلا يضيق عليهم أمر تبايعهم في المأكول والمشروب والأقوات التي حاجتهم إليها ماسة في أكثر الأوقات ثم قال تعالى في نسق هذا الكلام( وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ ) وعمومه يقتضى الإشهادة على سائر عقود البياعات بالأثمان العاجلة والآجلة وإنما خص التجارات الحاضرة غير المؤجلة بإباحة ترك الكتاب فيها فأما الإشهاد مندوب إليه في جميعها إلا النزر اليسير الذي ليس في العادة التوثق فيها بالإشهاد نحو شرى الخبز والبقل والماء وما جرى مجرى ذلك وقد روى عن جماعة من السلف أنهم رأوا الإشهاد في شرى البقل ونحوه ولو كان مندوبا إليه لنقل عن النبي صلّى الله عليه وسلّم والصحابة والسلف والمتقدمين ولنقله الكافة لعموم الحاجة إليه وفي علمنا بأنهم كانوا يتبايعون الأقوات وما لا يستغنى الإنسان عن شرائه من غير نقل عنهم الإشهاد فيه دلالة على أن الأمر بالإشهاد وإن كان ندبا وإرشادا فإنما هو في البياعات المعقودة على ما يخشى فيه التجاحد من الأثمان الخطيرة والأبدال النفيسة لما يتعلق بها من الحقوق لبعضهم على بعض من عيب إن وجده ورجوع ما يجب لمبتاعيه باستحقاق مستحق لجميعه أو بعضه وكان المندوب إليه فيما تضمنته هذه الآية الكتاب والإشهاد على البياعات المعقودة على أثمان آجلة والإشهاد على البياعات الحاضرة دون الكتاب وروى الليث عن مجاهد في قوله تعالى( وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ ) قال إذا كان نسيئة كتب وإذا كان نقدا أشهد وقال الحسن في النقد إن أشهدت فهو ثقة وإن لم تشهد فلا بأس وعن الشعبي مثل ذلك وقد قال قوم إن الأمر بالإشهاد منسوخ بقوله تعالى( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) وقد بينا الصواب عندنا من ذلك فيما سلف* قوله عز وجل( وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ ) روى يزيد بن أبى زياد عن مقسم عن ابن عباس قال هي أن يجيء الرجل إلى الكاتب أو الشاهد فيقول إنى على حاجة فيقول إنك قد أمرت أن تجيب فلا يضار وعن طاوس ومجاهد مثله وقال الحسن وقتادة لا يضار كاتب فيكتب ما لم يؤمر به ولا يضار الشهيد فيزيد في شهادته وقرأ الحسن وقتادة وعطاء ولا يضار كاتب بكسر الراء وقرأ عبد الله بن مسعود ومجاهد لا يضار بفتح الراء فكانت إحدى القرائتين نهيا لصاحب الحق عن مضارة الكاتب والشهيد والقراءة الأخرى فيها نهى الكاتب والشهيد عن مضارة صاحب الحق وكلاهما صحيح مستعمل فصاحب الحق منهى عن مضارة الكاتب والشهيد بأن يشغلهما عن حوائجهما ويلح عليهما في الاشتغال
«17 ـ أحكام في»
بكتابه وشهادته والكاتب والشهيد كل واحد منهما منهى عن مضارة الطالب بأن يكتب الكتاب ما لم يمل ويشهد الشهيد بما لم يستشهد ومن مضارة الشهيد للطالب القعود عن الشهادة وليس فيها إلا شاهدان فعليهما فرض أدائها وترك مضارة الطالب بالامتناع من إقامتها وكذلك على الكاتب أن يكتب إذا لم يجدا غيره* فإن قيل قوله تعالى في التجارة( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها ) فرق بينها وبين الدين المؤجل دلالة على أن عليهم كتب الدين المؤجل والإشهاد فيه* قيل له ليس كذلك لأن الأمر بالإشهاد على عقود المداينات المؤجلة لما كان مندوبا إليه وكان تاركه تاركا لما ندب إليه من الاحتياط لما له جاز أن يعطف عليه قوله( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها ) بأن لا تكونوا تاركين لما ندبتم إليه بترك الكتابة كما تكونوا تاركين الندب والاحتياط إذا لم تكتبوا الديون المؤجلة ولم تشهدوا عليها ويحتمل قوله( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ) أنه لا ضرر عليكم في باب حياطة الأموال لأن كل واحد منهما يسلم ما استحق عليه بإزاء تسليم الآخر وقوله( وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ) عطفا على ذكر المضارة تدل على أن مضارة الطالب للكاتب والشهيد ومضارتهما له فسق لقصد كل واحد منهم إلى مضارة صاحبه بعد نهى الله تعالى عنها والله أعلم.
باب الرهن
قال الله تعالى( وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ ) يعنى والله أعلم إذا عدمتم التوثق بالكتاب والإشهاد فالوثيقة برهان مقبوضة وقام الرهن في باب التوثق في الحال التي لا يصل فيها إلى التوثق بالكتاب والإشهاد مقامها وإنما ذكر حال السفر لأن الأغلب فيها عدم الكتاب والشهود وقد روى عن مجاهد أنه كان يكره الرهن إلا في السفر وكان عطاء لا يرى به بأسا في الحضر فذهب مجاهد إلى أن حكم الرهن لما كان مأخوذا من الآية وإنما أباحته الآية في السفر لم يثبت في غيره وليس هذا عند سائر أهل العلم كذلك ولا خلاف بين فقهاء الأمصار وعامة السلف في جوازه في الحضر و
قد روى إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعه وروى قتادة عن أنس قال رهن النبي صلّى الله عليه وسلّم درعا عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله فثبت جواز الرهن في الحضر بفعله صلّى الله عليه وسلّم وقال تعالى( فَاتَّبِعُوهُ ) وقال( لَقَدْ كانَ
لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) فدل على أن تخصيص الله لحال السفر بذكر الرهن إنما هو لأن الأغلب فيها عدم الكاتب والشهيد وهذا كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم في خمس وعشرين من الإبل ابنة مخاض وفي ست وثلاثين ابنة لبون لم يرد به وجود المخاض واللبن بالأم وإنما أخبر عن الأغلب الأعم من الحال وإن كان جائزا أن لا يكون بأمها مخاض ولا لبن فكذلك ذكر السفر هو على هذا الوجه وكذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لا قطع في ثمر حتى يؤويه الجرين والمراد استحكامه وجفافه لا حصوله في الجرين لأنه لو حصل في بيته أو حانوته بعد استحكامه وجفافه فسرقه سارق قطع فيه فكان ذكر الجرين على الأغلب الأعم من حاله في استحكامه فكذلك ذكره لحال السفر هو على هذا المعنى* وقوله( فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ ) يدل على أن الرهن لا يصح إلا مقبوضا من وجهين أحدهما أنه عطف على ما تقدم من قوله( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) فلما كان استيفاء العدد المذكور والصفة المشروطة للشهود واجبا وجب أن يكون كذلك حكم الرهن فيما شرط له من الصفة فلا يصح إلا عليها كما لا تصح شهادة الشهود إلا على الأوصاف المذكورة إذ كان ابتداء الخطاب توجه إليهم بصيغة الأمر المقتضى للإيجاب والوجه الثاني أن حكم الرهن مأخوذ من الآية والآية إنما أجازته بهذه الصفة فغير جائز إجازته على غيرها إذ ليس هاهنا أصل آخر يوجب جواز الرهن غير الآية ويدل على أنه لا يصح إلا مقبوضا أنه معلوم أنه وثيقة لمرتهن بدينه ولو صح غير مقبوض لبطل معنى الوثيقة وكان بمنزلة سائر أموال الراهن التي لا وثيقة للمرتهن فيها وإنما جعل وثيقة له ليكون محبوسا في يده بدينه فيكون عند الموت والإفلاس أحق به من سائر الغرماء ومتى لم يكن في يده كان لغوا لا معنى فيه وهو وسائر الغرماء فيه سواء ألا ترى أن المبيع إنما يكون محبوسا بالثمن ما دام في يد البائع فإن هو سلمه إلى المشترى سقط حقه وكان هو وسائر الغرماء سواء فيه* واختلف الفقهاء في إقرار المتعاقدين بقبض الرهن فقال أصحابنا جميعا والشافعى إذا قامت البينة على إقرار الراهن بالقبض والمرتهن يدعيه جازت الشهادة وحكم بصحة الرهن وعند مالك أن البينة غير مقبولة على إقرار المصدق بالقبض حتى يشهدوا على معاينة القبض فقيل إن القياس قوله في الرهن كذلك والدليل على جواز الشهادة على إقرارهما بقبض الرهن اتفاق
الجميع على جواز إقراره بالبيع والغصب والقتل فكذلك قبض الرهن والله أعلم.
ذكر اختلاف الفقهاء في رهن المشاع
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر لا يجوز رهن المشاع فيما يقسم ولا فيما لا يقسم وقال مالك والشافعى يجوز فيما لا يقسم وما يقسم وذكر ابن المبارك عن الثوري في رجل يرتهن الرهن ويستحق بعضه قال يحرج من الرهن ولكن له أن يجبر الراهن على أن يجعله رهنا فإن مات قبل أن يجعله رهنا كان بينه وبين الغرماء وقال الحسن بن صالح يجوز رهن المشاع فيما لا يقسم ولا يجوز فيما يقسم* قال أبو بكر لما صح بدلالة الآية أن الرهن لا يصح إلا مقبوضا من حيث كان رهنه على جهة الوثيقة وكان في ارتفاع القبض ارتفاع معنى الرهن وهو الوثيقة وجب أن لا يصح رهن المشاع فيما يقسم وفيما لا يقسم لأن المعنى الموجب لاستحقاق القبض وإبطال الوثيقة مقارن العقد وهو الشركة التي يستحق بها دفع القبض للمهايأة فلم يجز أن يصح مع وجود ما يبطله ألا ترى أنه متى استحق ذلك القبض بالمهايأة وعاد إلى يد الشريك فقد بطل معنى الوثيقة وكان بمنزلة الرهن الذي لم يقبض وليس ذلك بمنزلة عارية الرهن المقبوض إذا أعاده لراهن فلا يبطل الرهن وله أن يرده إلى يده من قبل أن هذا القبض غير مستحق وللمرتهن أخذه منه متى شاء وإنما هو ابتدأ به من غير أن يكون ذلك القبض مستحقا بمعنى يقارن العقد وليس هذا أيضا بمنزلة هبة المشاع فيما لا يقسم فيجوز عندنا وإن كان من شرط الهبة القبض كالرهن من قبل أن الذي يحتاج إليه في الهبة من القبض لصحة الملك وليس من شرط بقاء الملك استصحاب اليد فلما صح القبض بديا لم يكن في استحقاق اليد تأثير في رفع الملك ولما كان في استحقاق المرتهن رفع معنى الوثيقة لم يصح مع وجود ما يبطله وينافيه* فإن قيل هلا أجزت رهنه من شريكه إذ ليس فيه استحقاق يده في الثاني لأن يده تكون باقية عليه إلى وقت الفكاك* قيل له لأن للشريك استخدامه إن كان عبدا بالمهايأة بحق ملكه ومن فعل ذلك لم يكن يده فيه يد رهن فقد استحقت يد الرهن في اليوم الثاني فلا فرق بين الشريك وبين الأجنبى لوجود المعنى الموجب لاستحقاق قبض الرهن مقارنا للعقد* واختلف في رهن الدين فقال سائر الفقهاء لا يصح رهن الدين بحال وقال ابن القاسم عن مالك في قياس قوله إذا كان لرجل على رجل دين فبعته بيعا وارتهنت منه الدين الذي
له عليه فهو جائز وهو أقوى من أن يرتهن دينا على غيره لأنه جائز لما عليه قال ويجوز في قول مالك أن يرهن الرجل الدين الذي يكون له على ذلك الرجل ويبتاع من رجل بيعا ويرهن منه الدين الذي يكون له على ذلك الرجل ويقبض ذلك الحق له ويشهد له وهذا قول لم يقل أحد به من أهل العلم سواه وهو فاسد أيضا لقوله تعالى( فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ ) وقبض الدين لا يصح ما دام دينا لا إذا كان عليه ولا إذا كان على غيره لأن الدين هو حق لا يصح فيه قبض وإنما يتأتى القبض في الأعيان ومع ذلك فإنه لا يخلو ذلك الدين من أن يكون باقيا على حكم الضمان الأول أو منتقلا إلى ضمان الرهن فإن انتقل إلى ضمان الرهن فالواجب أن يبرأ من الفضل إذا كان الدين الذي به الرهن أقل من الرهن وإن كان باقيا على حكم الضمان الأول فليس هو رهنا لبقائه على ما كان عليه والدين الذي على الغير أبعد في الجواز لعدم الحيازة فيه والقبض بحال* وقد اختلف الفقهاء في الرهن إذا وضع على يدي عدل فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري يصح الرهن إذا جعلاه على يدي عدل ويكون مضمونا على المرتهن وهو قول الحسن وعطاء والشعبي وقال ابن أبى ليلى وابن شبرمة والأوزاعى لا يجوز حتى يقبضه المرتهن وقال مالك إذا جعلاه على يدي عدل فضياعه من الراهن وقال الشافعى في رهن شقص السيف إن قبضه أن يحول حتى يضعه الراهن والمرتهن على يدي عدل أو على يدي الشريك قال أبو بكر قوله عز وجل( فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ ) يقتضى جوازه إذا قبضه العدل إذ ليس فيه فصل بين قبض المرتهن والعدل وعمومه يقتضى جواز قبض كل واحد منهما وأيضا فإن العدل وكيل للمرتهن في القبض فكان القبض بمنزلة الوكالة في الهبة وسائر المقبوضات بوكالة من له القبض فيها* فإن قيل لو كان العدل وكيلا للمرتهن لكان له أن يقبضه منه ولما كان* العدل أن يمنعه إياه* قيل له هذا لا يخرجه عن أن يكون وكيلا وقابضا له وإن لم يكن له حق القبض من قبل أن الراهن لم يرض بيده وإنما رضى بيد وكيله ألا ترى أن الوكيل بالشرى هو قابض للسلعة للموكل وله أن يحبسها بالثمن ولو هلك قبل الحبس هلك من مال الموكل وليس جواز حبس الوكيل الرهن عن المرتهن علما لنفى الوكالة وكونه قابضا له ويدل على أن يد العدل يد المرتهن وأنه وكيله في القبض أن للمرتهن متى شاء أن يفسخ هذا الرهن ويبطل يد العدل ويرده إلى الراهن وليس للراهن إبطال يد العدل فدل ذلك
على أن العدل وكيل للمرتهن* فإن قيل لو جعلا المبيع على يدي عدل لم يخرج عن ضمان* البيع ولم يصح أن يكون العدل وكيلا للمشتري في قبضه كذلك المرتهن* قيل له الفرق بينهما أن العدل في البيع لو صار وكيلا للمشتري لخرج عن ضمان البائع وفي خروجه من ضمان بائعه سقوط حقه منه ألا ترى أنه لو أجاز قبضه بطل حقه ولم يكن له استرجاعه لأن المبيع ليس له إلا قبض واحد فمتى وجد سقط حق البائع ولم يكن له أن يرده إلى يده وكذلك إذا أودعه إياه فلذلك لم يكن العدل وكيلا للمشتري لأنه لو صار وكيلا له لصار قابضا له قبض بيع ولم يكن المشترى ممنوعا منه فكان لا معنى لقبض العدل بل يكون المشترى كأنه قبضه والبائع لم يرض بذلك فلم يجز إثباته ولم يصح أن يكون العدل وكيلا للمشتري ومن جهة أخرى أنه لو قبضه للمشتري لتم البيع فيه وفي تمام البيع سقوط حق البائع فيه فلا معنى لبقائه في يدي العدل بل يجب أن يأخذه المشترى والبائع لم يرض بذلك وليس كذلك الرهن لأن كون العدل وكيلا للمرتهن لا يوجب إبطال حق الراهن ألا ترى أن حق الراهن باق بعد قبض المرتهن فكذلك بعد قبض العدل فلا فرق بين قبض العدل وقبض المرتهن وفارق العدل في الشرى لامتناع كونه وكيلا للمشتري إذ كان يصير في معنى قبض المشترى في خروجه من ضمان البائع ودخوله في ضمانه وفي معنى تمام البيع فيه وسقوط حق البائع منه والبائع لم يرض بذلك ولا يجوز أن يكون عدلا للبائع من قبل أن حق الحبس موجب له بالعقد فلا يسقط ذلك أو يرضى بتسليمه إلى المشترى أو يقبض الثمن والله أعلم.
باب ضمان الرهن
قال الله تعالى( فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ ) فعطف بذكر الأمانة على الرهن فذلك يدل على أن الرهن ليس بأمانة وإذا لم يكن أمانة كان مضمونا إذ لو كان الرهن أمانة لما عطف عليه الأمانة لأن الشيء لا يعطف على نفسه وإنما يعطف على غيره* واختلف الفقهاء في حكم الرهن فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن أبى ليلى والحسن بن صالح الرهن مضمون بأقل من قيمته ومن الدين وقال الثقفي عن عثمان البتى ما كان من رهن ذهبا أو فضة أو ثيابا فهو مضمون يترادان الفضل وإن كان عقارا أو حيوانا فهلك فهو من مال الراهن والمرتهن على حقه إلا أن يكون الراهن
اشترط الضمان فهو على شرطه وقال ابن وهب عن مالك إن علم هلاكه فهو من مال الراهن ولا ينقص من حق المرتهن شيء وإن لم يعلم هلاكه فهو من مال المرتهن وهو ضامن لقيمته يقال له صفه فإذا وصفه حلف على صفته وتسمية ماله فيه ثم يقومه أهل البصر بذلك فإن كان فيه فضل عما سمى فيه أخذه الراهن وإن كان أقل مما سمى الراهن حلف على ما سمى وبطل عنه الفضل وإن أبى الراهن أن يحلف أعطى المرتهن ما فضل بعد قيمة الرهن وروى عنه ابن القاسم مثل ذلك وقال فيه إذا شرط أن المرتهن مصدق في ضياعه وأن لا ضمان عليه فيه فشرطه باطل وهو ضامن وقال الأوزاعى إذا مات العبد الرهن فدينه باق لأن الرهن لا يغلق ومعنى قوله لا يغلق الرهن أنه لا يكون بما فيه إذا علم ولكن يترادان الفضل إذا لم يعلم هلاكه وقال الأوزاعى في قوله له غنمه وعليه غرمه قال فأما غنمه فإن كان فيه فضل رد إليه وأما غرمه فإن كان فيه نقصان وفاه إياه وقال الليث الرهن مما فيه إذا هلك ولم تقم بينة على ما فيه إذا اختلفا في ثمنه فإن قامت البينة على ما فيه ترادا الفضل وقال الشافعى هو أمانة لا ضمان عليه فيه بحال إذا هلك سواء كان هلاكه ظاهرا أو خفيا* قال أبو بكر قد اتفق السلف عن الصحابة والتابعين على ضمان الرهن لا نعلم بينهم خلافا فيه إلا أنهم اختلفوا في كيفية ضمانه واختلفت الرواية عن على رضى الله عنه فيه فروى إسرائيل عن عبد الأعلى عن محمد بن على عن على قال إذا كان أكثر مما رهن فهلك فهو بما فيه لأنه أمين في الفضل وإذا كان بأقل مما رهنه به فهلك رد الراهن الفضل وروى عطاء عن عبيد بن عمير عن عمر مثله وهو قول إبراهيم النخعي وروى الشعبي عن الحرث عن على في الرهن إذا هلك قال يترادان الفضل وروى قتادة عن خلاس بن عمرو عن على قال إذا كان فيه فضل فأصابته جائحة فهو بما فيه وإن لم تصبه جائحة واتهم فإنه يرد الفضل فروى عن على هذه الروايات الثلاث وفي جميعها ضمانه إلا أنهم اختلفوا عنه في كيفية الضمان على ما وصفنا وروى عن ابن عمر أنه يترادان الفضل وقال شريح والحسن وطاوس والشعبي وابن شبرمة أن الرهن بما فيه وقال شريح وإن كان خاتما من حديد بمائة درهم فلما اتفق السلف على ضمانه وكان اختلافهم إنما هو في كيفية الضمان كان قول القائل إنه أمانة غير مضمون خارجا عن قول الجميع وفي الخروج عن اختلافهم مخالفة لإجماعهم وذلك أنهم لما اتفقوا على ضمانه فذلك اتفاق منهم على
بطلان قول القائل بنفي ضمانه ولا فرق بين اختلافهم في كيفية ضمانه وبين اتفاقهم على وجه واحد فيه أن يكون قد حصل من اتفاقهم أنه مضمون فهذا اتفاق قاض بفساد قول من جعله أمانة وقد تقدم ذكر دلالة الآية على ضمانه* ومما يدل عليه من جهة السنة حديث عبد الله بن المبارك عن مصعب بن ثابت قال سمعت عطاء يحدث أن رجلا رهن فرسا فنفق في يده فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للمرتهن ذهب حقك وفي لفظ آخر لا شيء لك فقوله للمرتهن ذهب حقك إخبار بسقوط دينه لأن حق المرتهن هو دينه* وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا الحسن بن على الغنوي وعبد الوارث بن إبراهيم قالا حدثنا إسماعيل بن أبى أمية الزارع قال حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال الرهن بما فيه * وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا الحسين بن إسحاق قال حدثنا المسيب ابن واضح قال حدثنا ابن المبارك عن مصعب بن ثابت قال حدثنا علقمة بن مرثد عن محارب بن دثار قال قضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن الرهن بما فيه والمفهوم من ذلك ضمانه بما فيه من الدين ألا ترى إلى قول شريح الرهن بما فيه ولو خاتما من حديد وكذلك قول محارب ابن دثار إنما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في خاتم رهن بدين فهلك أنه بما فيه وظاهر ذلك يوجب أن يكون بما فيه قل الدين أو كثر إلا أنه قد قامت الدلالة على أن مراده إذا كان الدين مثل الرهن أو أقل وأنه إذا كان الدين أكثر رد الفضل ويدل على أنه مضمون اتفاق الجميع على أن المرتهن أحق به بعد الموت من سائر الغرماء حتى يباع فيستوفي دينه منه فدل ذلك على أنه مقبوض للاستيفاء فقد وجب أن يكون مضمونا ضمان الإستيفاء لأن كل شيء مقبوض على وجه فإنما يكون هلاكه على الوجه الذي هو مقبوض به كالمغصوب متى هلك هلك على ضمان الغصب وكذلك المقبوض على بيع فاسد أو جائز إنما يهلك على الوجه الذي حصل قبضه عليه فلما كان الرهن مقبوضا للاستيفاء بالدلالة التي ذكرنا وجب أن يكون هلاكه على ذلك الوجه فيكون مستوفيا بهلاكه لدينه الذي يصح عليه الإستيفاء فإذا كان الرهن أقل قيمة فغير جائز أن يجعل استيفاء العدة بما هو أقل منها وإذا كان أكثر منه لم يجز أن يستوفى منه أكثر من مقدار دينه فيكون أمينا في الفضل ويدل على ضمانه اتفاق الجميع على بطلان الرهن بالأعيان نحو الودائع والمضاربة والشركة لا يصح الرهن بها لأنه لو هلك لم يكن مستوفيا للعين وصح بالديون المضمونة وفي هذا دليل على أن الرهن مضمون
بالدين فيكون المرتهن مستوفيا له بهلاكه* ويدل عليه أنا لم نجد في الوصول حبسا لملك الغير لحق لا يتعلق به ضمان ألا ترى أن المبيع مضمون على البائع حتى يسلمه إلى المشترى لما كان محبوسا بالثمن وكذلك الشيء المستأجر يكون محبوسا في يد مستأجره مضمونا بالمنافع استعمله أو لم يستعمله ويلزمه بحبسه ضمان الأجرة التي هي بدل المنافع فثبت أن حبس ملك الغير لا يخلو من تعلق ضمان* واحتج الشافعى لكونه أمانة بحديث ابن أبى ذؤيب عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه قال الشافعى ووصله ابن المسيب عن أبى هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال أبو بكر إنما يوصله يحيى بن أبى أنيسة وقوله له غنمه وعليه غرمه من كلام سعيد ابن المسيب كما روى مالك ويونس وابن أبى ذؤيب عن ابن شهاب عن ابن المسيب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لا يغلق الرهن قال يونس بن زيد قال ابن شهاب وكان ابن المسيب يقول الرهن لمن رهنه له غنمه وعليه غرمه فأخبر ابن شهاب أن هذا قول ابن المسيب لا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولو كان ابن المسيب قد روى ذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما قال وكان ابن المسيب يقول ذلك بل كان يغرمه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فاحتج الشافعى بقوله له غنمه وعليه غرمه بأنه قد أوجب لصاحب الرهن زيادته وجعل عليه نقصانه والدين بحاله* قال أبو بكر فأما قوله لا يغلق الرهن فإن إبراهيم النخعي وطاوسا ذكرا جميعا أنهم كانوا يرهنون ويقولون إن جئتك بالمال إلى وقت كذا وإلا فهو لك فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يغلق الرهن وتأوله على ذلك أيضا مالك وسفيان وقال أبو عبيد لا يجوز في كلام العرب أن يقال للرهن إذا ضاع قد غلق الرهن إنما يقال غلق إذا استحقه المرتهن فذهب به وهذا كان من فعل أهل الجاهلية فأبطله النبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله لا يغلق الرهن وقال بعض أهل اللغة إنهم يقولون غلق الرهن إذا ذهب بغير شيء قال زهير :
وفارقتك برهن لا فكاك له |
يوم الوداع فأمسى رهنها غلقا |
يعنى ذهبت بقلبه شيء ومنه قول الأعشى :
فهل يمنعني ارتياد البلا |
دمن حذر الموت أن يأتين |
|
على رقيب له حافظ |
فقل في امرئ غلق مرتهن |
فقال في البيت الثاني فقل في امرئ غلق مرتهن يعنى أنه يموت فيذهب بغير شيء كأن لم
يكن فهذا يدل على أن قوله لا يغلق الرهن ينصرف على وجهين أحدهما إن كان قائما بعينه لم يستحقه المرتهن بالدين عند مضى الأجل والثاني عند الهلاك لا يذهب بغير شيء وأما قوله له غنمه وعليه غرمه فقد بينا أنه من قول سعيد بن المسيب أدرجه في الحديث بعض الرواة وفصله بعضهم وبين أنه من قوله وليس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وأما ما تأوله الشافعى من أن له زيادته وعليه نقصانه فإنه تأويل خارج عن أقاويل الفقهاء خطأ في اللغة وذلك لأن الغرم في أصل اللغة هو اللزوم قال الله تعالى( إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً ) يعنى ثابتا لازما والغريم الذي قد لزمه الدين ويسمى به أيضا الذي له الدين لأن له اللزوم والمطالبة وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يستعيذ بالله من المأثم والمغرم فقيل له في ذلك فقال إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف فجعل الغرم هو لزوم المطالبة له من قبل الآدمي وفي حديث قبيصة بن المخارق أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال إن المسألة لا تحل إلا من ثلاث فقر مدقع أو غرم مفظع أو دم موجع وقال تعالى( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ) ـ إلى قوله ـ( وَالْغارِمِينَ ) وهم المدينون وقال تعالى( إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ) يعنى ملزمون مطالبون بديوننا فهذا أصل الغرم في أصل اللغة وحدثنا أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب عن ابن الأعرابى في معنى الغرم قال أبو عمر أخطأ من قال إن هلاك المال ونقصانه يسمى غرما لأن الفقير الذي ذهب ماله لا يسمى غريما وإنما الغريم من توجهت عليه المطالبة للآدمي بدين وإذا كان كذلك فتأويل من تأوله وعليه غرمه أنه نقصانه خطأ وسعيد بن المسيب هو راوي الحديث وقد بينا أنه هو القائل له غنمه وعليه غرمه ولم يتأوله على ما قاله الشافعى لأن من مذهبه ضمان الرهن وذكر عبد الرحمن بن أبى الزناد في كتاب السبعة عن أبيه عن سعيد بن المسيب وعروة والقاسم بن محمد وأبى بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبيد الله وغيرهم أنهم قالوا الرهن بما فيه إذا هلك وعميت قيمته ويرفع ذلك منهم الثقة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وقد ثبت أن من مذهب سعيد بن المسيب ضمان الرهن فكيف يجوز أن يتأول متأول قوله وعليه غرمه على نفى الضمان فإن كان ذلك رواية عن النبي صلّى الله عليه وسلّم فالواجب على مذهب الشافعى أن يقضى بتأويل الراوي على مراد النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنه زعم أن الراوي للحديث أعلم بتأويله فجعل قول عمرو بن دينار في الشاهد واليمين أنه في الأموال حجة في أن لا يقضى في غير الأموال وقضى بقول ابن جريج في حديث القلتين أنه بقلال
هجر على مراد النبي صلّى الله عليه وسلّم وجعل مذهب ابن عمر في خيار المتبايعين ما لم يفترقا إنه على التفرق بالأبدان قاضيا على مراد النبي صلّى الله عليه وسلّم في ذلك فلزمه على هذا أن يجعل قول سعيد بن المسيب قاضيا على مراد النبي صلّى الله عليه وسلّم إن كان قوله وعليه غرمه ثابتا عنه وإنما معنى قوله له غنمه أن للراهن زيادته وعليه غرمه يعنى دينه الذي به الرهن وهو تفسير قوله صلّى الله عليه وسلّم لا يغلق الرهن لأنهم كانوا يوجبون استحقاق ملك الرهن للمرتهن بمضى الأجل قبل انقضاء الدين فقال صلّى الله عليه وسلّم لا يغلق الرهن أى لا يستحقه المرتهن بمضى الأجل ثم فسره فقال لصاحبه يعنى للراهن غنمه يعنى زيادته فبين أن المرتهن لا يستحق غير عين الرهن لا نماءه وزيادته وإن دينه باق عليه كما كان وهو معنى قوله وعليه غرمه كقوله وعليه دينه فإذا ليس في الخبر دلالة على كون الرهن غير مضمون بل هو دال على أنه مضمون على ما بينا* قال أبو بكر وقوله صلّى الله عليه وسلّم لا يغلق الرهن إذا أراد به حال بقائه عند الفكاك وإبطال النبي صلّى الله عليه وسلّم شرط استحقاق ملكه بمضى الأجل قد حوى معاني منها أن الرهن لا تفسده الشروط الفاسدة بل يبطل الشرط ويجوز هو لإبطال النبي صلّى الله عليه وسلّم شرطهم وإجازته الرهن ومنها أن الرهن لما كان شرط صحته القبض كالهبة والصدقة ثم لم تفسده الشروط وجب أن يكون كذلك حكم ما لا يصح إلا بالقبض من الهبات والصدقات في أن الشروط لا تفسدها لاجتماعها في كون القبض شرطا لصحتها وقد دل هذا الخبر أيضا على أن عقود التمليكات لا تعلق على الأخطار لأن شرطهم لملك الرهن بمضى المدة كان تمليكا معلقا على خطر وعلى مجيء وقت مستقبل فأبطل النبي صلّى الله عليه وسلّم شرط التمليك على هذا الوجه فصار ذلك أصلا في سائر عقود التمليكات والبراءة في امتناع تعلقها على الأخطار ولذلك قال أصحابنا فيمن قال إذا جاء غد فقد وهبت لك العبد أو قال قد بعتكه أنه باطل لا يقع به الملك وكذلك إذا قال إذا جاء غد فقد أبرأتك مما لي عليك من الدين كان ذلك باطلا وفارق ذلك عندهم العتاق والطلاق في جواز تعلقهما على الأخطار لأن لهما أصلا آخر وهو أن الله تعالى قد أجاز الكتابة بقوله صلّى الله عليه وسلّم( فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ) وهو أن يقول كاتبتك على ألف درهم فإن أديت فأنت حر وإن عجزت فأنت رقيق وذلك عتق معلق على خطر وعلى مجيء حال مستقبلة وقال في شأن الطلاق( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ ) ولم يفرق بين إيقاعه في الحال وبين إضافته إلى وقت السنة ولما كان إيجاب هذا العقد أعنى العتق على مال والخلع بمال
مشروط للزوج يمنع الرجوع فيما أوجبه قبل قبول العبد والمرأة صار ذلك عتقا معلقا على شرط بمنزلة شروط الأيمان التي لا سبيل إلى الرجوع فيها وفي ذلك دليل على جواز تعلقهما على شروط وأوقات مستقبلة والمعنى في هذين أنهما لا يلحقهما الفسخ بعد وقوعهما وسائر العقود التي ذكرناها من عقود التمليكات يلحقها الفسخ بعد وقوعها فلذلك لم يصح تغلقها على الأخطار ونظير دلالة قوله صلّى الله عليه وسلّم لا يغلق الرهن على ما ذكرنا ما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه نهى عن بيع المنابذة والملامسة وعن بيع الحصاة وهذه بياعات كان أهل الجاهلية يتعاملون بها فكان أحدهم إذا لمس السلعة أو ألقى الثوب إلى صاحبه أو وضع عليه حصاة وجب البيع فكان وقوع الملك متعلقا بغير الإيجاب والقبول بل بفعل آخر يفعله أحدهما فأبطله النبي صلّى الله عليه وسلّم فدل ذلك على أن عقود التمليكات لا تتعلق على الأخطار وإنما جعل أصحابنا الرهن مضمونا بأقل من قيمته ومن الدين من قبل أنه لما كان مقبوضا للاستيفاء وجب اعتبار ما يصح الاستيفاء به وغير جائز أن يستوفى من عدة أقل منها ولا أكثر فوجب أن يكون أمينا في الفضل وضامنا لما نقص الرهن عن الدين ومن جعله بما فيه قل أو كثر شبهة بالمبيع إذا هلك في يد البائع أنه يهلك بالثمن قل أو كثر والمعنى الجامع بينهما أن كل واحد محبوس بالدين وليس هذا كذلك عندنا لأن المبيع إنما كان مضمونا بالثمن قل أو كثر لأن البيع ينتقض بهلاكه فسقط الثمن إذ غير جائز بقاء الثمن مع انتقاض البيع وأما الرهن فإنه يتم بهلاكه ولا ينتقض وإنما يكون مستوفيا للدين به فوجب اعتبار ضمانه بما وصفنا فإن قيل إذا جاز أن يكون الفضل عن الدين أمانة فما أنكرت أن يكون جميعه أمانة وأن لا يكون حبسه بالدين للاستيفاء موجبا لضمانه لوجودنا هذا المعنى في الزيادة مع عدم الضمان فيها وكذلك ولد المرهونة المولود بعد الرهن يكون محبوسا في يد المرتهن مع الأم ولو هلك هلك بغير شيء فيه ولم يكن كونه محبوسا في يد المرتهن علة لكونه مضمونا قيل له إن الزيادة على الدين من مقدار قيمة الرهن وولد المرهونة كلاهما تابع للأصل غير جائز إفرادهما دون الأصل إذا أدخلا في العقد على وجه التبع وإذا كان كذلك لم يجز إفرادهما بحكم الضمان لامتناع إفرادهما بالعقد المتقدم قبل حدوث الولادة وليس حكم ما يدخل في العقد على وجه التبع حكم ما يفرد به ألا ترى أن ولد أم الولد يدخل في حكم الأم ويثبت له حق الاستيلاد على وجه التبع ولا يصح انفراده في الأصل
بهذا الحق لا على وجه التبع وكذلك ولد المكاتبة يدخل في الكتابة وهو حمل مع استحالة إفراده بالعقد في تلك الحال فكذلك ما ذكرت من زيادة الرهن وولد المرهونة لما دخلا في العقد على وجه التبع لم يلزم على ذلك أن يجعل حكمهما حكم الأصل ولا أن يلحقهما بمنزلة ما ابتدئ العقد عليهما ويدل على ذلك أن رجلا لو أهدى بدنة فزادت في بدنها أو ولدت أن عليه أن يهديها بزيادتها وولدها ولو ذهبت الزيادة وهلك الولد لم يلزمه بالهلاك شيء غير ما كان عليه وكذلك لو كان عليه بدنة وسط فأهدى بدنة خيارا مرتفعة أن هذه الزيادة حكمها ثابت ما بقي الأصل فإن هلك قبل أن ينحر بطل حكم الزيادة وعاد إلى ما كان عليه في ذمته وكذلك لو كان بدل الزيادة ولدا ولدته كان في هذه المنزلة فكذلك ولد المرهونة وزيادتها على قيمة الرهن هذا حكمهما في بقاء حكمها ما داما قائمين وسقوط حكمهما إذا هلكا والله أعلم.
ذكر اختلاف الفقهاء في الانتفاع بالرهن
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والحسن بن زيادة وزفر لا يجوز للمرتهن الانتفاع بشيء من الرهن ولا الراهن أيضا وقالوا إذا آجر المرتهن الراهن بإذن الراهن أو آجره الراهن بإذن المرتهن فقد خرج من الراهن ولا يعود وقال ابن أبى ليلى إذا آجره المرتهن بإذن الراهن فهو رهن على حاله والغلة للمرتهن قضاء من حقه وقال ابن القاسم عن مالك إذا خلى المرتهن بين الرهن والراهن يكريه أو يسكنه أو يعيره لم يكن رهنا وإذا آجره المرتهن بإذن الراهن لم يخرج من الرهن وكذلك إذا أعاره المرتهن بإذن الراهن فهو رهن على حاله فإذا آجره المرتهن بإذن الراهن فالأجر لرب الأرض ولا يكون الكرى رهنا بحقه إلا أن يشترط المرتهن فإن اشتراطه في البيع أن يرتهن ويأخذ حقه من الكرى فإن مالكا كره ذلك وإن لم يشترط ذلك في البيع وتبرع به الراهن بعد البيع فلا بأس به وإن كان البيع وقع بهذا الشرط إلى أجل معلوم أو شرط فيه البائع بيعه الرهن ليأخذها من حقه فإن ذلك جائز عند مالك في الدور والأرض وكرهه في الحيوان وذكر المعاني عن الثوري أنه كره أن ينتفع من الرهن بشيء ولا يقرأ في المصحف المرهون وقال الأوزاعى غلة الرهن لصاحبه ينفق عليه منها والفضل له فإن لم تكن له غلة وكان يستخدمه فطعامه بخدمته فإن لم يكن يستخدمه فنفقته على صاحبه وقال الحسن ابن صالح لا يستعمل الرهن
ولا ينتفع به إلا أن يكون دارا يخاف خرابها فيسكنها المرتهن لا يريد الانتفاع بها وإنما يريد إصلاحها وقال ابن أبى ليلى إذا لبس المرتهن الخاتم للتجمل ضمن وإن لبسه ليحوزه فلا شيء عليه وقال الليث بن سعد لا بأس بأن يستعمل العبد الرهن بطعامه إذا كانت النفقة بقدر العمل فإن كان العمل أكثر أخذ أفضل ذلك من المرتهن وقال المزني عن الشافعى فيما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم الرهن محلوب ومركوب أى من رهن ذات ظهر ودر لم يمنع الرهن من ظهرها ودرها وللراهن أن يستخدم العبد ويركب الدابة ويحلب الدر ويجز الصوف ويأوى بالليل إلى المرتهن أو الموضوع على يده* قال أبو بكر لما قال الله تعالى( فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ ) فجعل القبض من صفات الرهن أوجب ذلك أن يكون استحقاق القبض موجبا لإبطال الرهن فإذا آجره أحدهما بإذن صاحبه خرج من الرهن لأن المستأجر قد استحق القبض الذي به يصح الرهن وليس ذلك كالعارية عندنا لأن العارية لا توجب استحقاق القبض إذ للمعير أن يرد العارية إلى يده متى شاء واحتج من أجاز أجازته والانتفاع به بما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هناد عن ابن المبارك عن زكريا عن أبى هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لبن الدر يحلب بنفقته إذا كان مرهونا والظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويحلب النفقة فذكر في هذا الحديث أن وجوب النفقة لركوب ظهره وشرب لبنه ومعلوم أن الراهن إنما يلزمه نفقته لملكه لا لركوبه ولبنه لأنه لو لم يكن مما يركب أو يحلب لزمته النفقة فهذا يدل على أن المراد به أن اللبن والظهر للمرتهن بالنفقة التي ينفقها وقد بين ذلك هشيم في حديثه فإنه رواه عن زكريا بن أبى زائدة عن الشعبي عن أبى هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب نفقتها ويركب فبين في هذا الخبر أن المرتهن هو الذي تلزمه النفقة ويكون له ظهره ولبنه وقال الشافعى إن نفقته على الراهن دون المرتهن فهذا الحديث حجة عليه لا له وقد روى الحسن بن صالح عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي قال لا ينتفع من الرهن بشيء فقد ترك الشعبي ذلك وهو رواية عن أبى هريرة فهذا يدل على أحد معنيين إما أن يكون الحديث غير ثابت في الأصل وإما أن يكون ثابتا وهو منسوخ عنده وهو كذلك عندنا لأن مثله كان جائزا قبل تحريم الربا فلما حرم الربا وردت الأشياء إلى مقاديرها صار ذلك منسوخا ألا ترى أنه جعل النفقة بدلا من اللبن قل أو كثر وهو نظير
ما روى في المصراة أنه يردها ويرد معها صاعا من تمر ولم يعتبر مقدار اللبن الذي أخذه وذلك أيضا عندنا منسوخ بتحريم الربا ويدل على بطلان قول القائلين بإيجاب الركوب واللبن للراهن إن الله تعالى جعل من صفات الرهن القبض كما جعل من صفات الشهادة العدالة بقوله( اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) وقوله( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) ومعلوم أن زوال هذه الصفة عن الشهادة يمنع جواز الشهادة فكذلك لما جعل من صفات الرهن أن يكون مقبوضا بقوله( فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ ) وجب إبطال الرهن لعدم هذه الصفة وهو استحقاق القبض فلو كان الراهن مستحقا للقبض الذي به يصح الرهن لمنع ذلك من صحته بديا لمقارنة ما يبطله ولو صح بديا لوجب أن يبطل باستحقاق قبضه وجوب رده إلى يده وأيضا لما اتفق الجميع على أن الراهن ممنوع من وطء الأمة المرهونة والوطء من منافعها وجب أن يكون ذلك حكم سائر المنافع في بطلان حق الراهن فيها ومن جهة أخرى أن الراهن إنما لم يستحق الوطء لأن المرتهن يستحق ثبوت يده عليها كذلك الاستخدام واختلف الفقهاء فيمن شرط ملك الرهن للمرتهن عند حلول الأجل فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد إذا رهنه رهنا وقال إن جئتك بالمال إلى شهر وإلا فهو بيع فالرهن جائز والشرط باطل وقال مالك الرهن فاسد وينقض فإن لم ينقض حتى حل الأجل فإنه لا يكون للمرتهن بذلك الشرط وللمرتهن أن يحبسه بحقه وهو أحق به من سائر الغرماء فإن تغير في يده لم يرد ولزمته القيمة في ذلك يوم حل الأجل وهذا في السلع والحيوان وأما في الدور والأرضين فإنه يردها إلى الراهن وإن تطاول إلا أن تنهدم الدار أو يبنى فيها أو يغرس في الأرض فهذا فوت ويغرم القيمة مثل البيع الفاسد وقال المعافى عن الثوري في الرجل يرهن صاحبه المتاع ويقول إن لم آتك فهو لك قال لا يغلق ذلك الرهن وقال الحسن بن صالح ليس قوله هذا بشيء وقال الربيع عن الشافعى لو رهنه وشرط له إن لم يأته بالحق إلى كذا فالرهن له بيع فالرهن فاسد والرهن لصاحبه الذي رهنه* قال أبو بكر اتفقوا أنه لا يملكه بمضى الأجل واختلفوا في جواز الرهن وفساده وقد بينا فيما سلف أن قوله لا يغلق الرهن أنه لا يملك بالدين بمضى الأجل للشرط الذي شرطاه فإنما نفى النبي صلّى الله عليه وسلّم غلقه بذلك ولم ينف صحة الرهن الذي شرطاه فدل ذلك على جواز الرهن وبطلان الشرط وهو أيضا قياس العمرى التي أبطل النبي صلّى الله عليه وسلّم فيها الشرط وأجاز الهبة والمعنى الجامع
بينهما أن كل واحد منهما لا يصح بالعقد دون القبض واختلفوا أيضا في مقدار الدين إذا اختلف فيه الراهن والمرتهن فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد إذا هلك واختلف الراهن والمرتهن في مقدار الدين فالقول قول الراهن في الدين مع يمينه وهو قول الحسن بن صالح والشافعى وإبراهيم النخعي وعثمان البتى وقال طاوس يصدق المرتهن إلى ثمن الرهن ويستحلف وكذلك قول الحسن وقتادة والحكم وقال أياس بن معاوية قولا بين هذين القولين قال إن كان للراهن بينة بدفعه الرهن فالقول قول الراهن وإن لم تكن له بينة فالقول قول المرتهن لأنه لو شاء جحده الراهن ومتى أقر بشيء وليست عليه بينة فالقول قوله وقال ابن وهب عن مالك إذا اختلفا في الدين والرهن قائم فإن كان الرهن قدر حق المرتهن أخذه المرتهن وكان أولى به ويحلفه إلا أن يشاء رب الرهن أن يعطيه حقه عليه ويأخذ رهنه وقال ابن القاسم عن مالك القول قول المرتهن فيما بينه وبين قيمة الرهن لا يصدق على أكثر من ذلك قال أبو بكر قال الله تعالى( وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ) فيه الدلالة على أن القول قول الذي عليه الدين لأنه وعظه في البخس وهو النقصان فيدل على أن القول قوله وأيضا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه والمرتهن هو المدعى والراهن هو المدعى عليه فالقول قوله بقضية قوله صلّى الله عليه وسلّم وأيضا لو لم يكن رهن لكان القول قول الذي عليه الدين في مقداره بالاتفاق كذلك إذا كان به رهن لأن الرهن لا يخرجه من أن يكون مدعى عليه* قال أبو بكر وزعم بعض من يحتج لمالك أن قوله أشبه بظاهر القرآن لأنه قال( فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ ) فأقام الرهن مقام الشهادة ولم يأتمن الذي عليه الحق حين أخذ منه وثيقة كما لم يأتمنه على مبلغه إذا أشهد عليه الشهود لأن الشهود والكتاب تنبئ عن مبلغ الحق فلم يصدق الراهن وقام الرهن مقام الشهود إلى أن يبلغ قيمته فإذا جاوز قيمته فلا وثيقة فيه والمرتهن مدع فيه والراهن مدعى عليه* قال أبو بكر وهذا من عجيب الحجاج وذلك أنه زعم أنه لما لم يأتمنه حتى أخذ الرهن قام الرهن مقام الشهادة وزعم مع ذلك أن ذلك موافق لظاهر القرآن وقد جعل الله تعالى القول قول الذي عليه الحق حين قال( وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ) فجعل القول قوله في الحال التي أمر فيها بالإشهاد والكتاب ولم يجعل عدم ائتمان الطالب
للمطلوب مانعا من أن يكون القول قول المطلوب فكيف يكون ترك ائتمانه إياه بالتوثق منه بالرهن مانعا من قبول قول المطلوب وموجبا لتصديق الطالب على ما يدعيه والذي ذكره مخالف لظاهر القرآن والعلة التي نصبها لتصديق المرتهن في ترك ائتمانه منتقضة بنص الكتاب ثم دعواه موافقته لظاهر القرآن أعجب الأشياء وذلك لأن القرآن قد قضى ببطلان قوله حين جعل القول قول المطلوب في الحال التي لم يؤتمن فيها حتى استوثق منه الكتاب والإشهاد وهو فإنما زعم أنه لم يأتمنه حين أخذ الرهن وجب أن يكون القول قول الطالب ثم زعم أن قوله موافق لظاهر القرآن وبنى عليه أنه لم يأتمنه وأن الرهن توثق كما أن الشهادة توثق فقام الرهن مقام الشهادة وليس ما ذكره من المعنى من ظاهر القرآن في شيء وأنا كنا قد دللنا على أنه مخالف له وإنما هو قياس ورد لمسألة الرهن إلى مسألة الشهادة بعلة أنه لم يؤتمن في الحالين على الدين الذي عليه وهو قياس باطل من وجوه أحدها أن ظاهر القرآن يرده وهو ما قدمناه والثاني أنه منتقض باتفاق الجميع على أن من له على رجل دين فأخذ منه كفيلا ثم اختلفوا في مقداره كان القول قول المطلوب فيما يلزمه ولم يكن عدم الائتمان بأخذه الكفيل موجبا لتصديق الطالب مع وجود علته فيه فانتقضت علته بالكفالة والثالث أن المعنى الذي من أجله لم يصدق الطالب إذا قامت البينة أن شهادة الشهود مقبولة محكوم بتصديقهم فيها وهم قد شهدوا على إقراره بأكثر مما ذكره وبما ادعاه المدعى فصار كإقراره عند القاضي بالزيادة ولا دلالة في قيمة الرهن على أن الدين بمقداره لأنه لا خلاف أنه جائز أن يرهن بالقليل الكثير وبالكثير القليل ولا تنبئ قيمة الرهن عن مقدار الدين ولا دلالة فيه عليه فكيف يكون الرهن بمنزلة الشهادة ويدل على فساد قياسه هذا أنهما لو اتفقا على أن الدين أقل من قيمة الرهن لم يوجب ذلك بطلان الرهن ولو أقر الطالب أن دينه أقل مما شهد به شهوده بطلت شهادة شهوده فهذه الوجوه كلها توجب بطلان ما ذكره هذا المحتج.
وقوله تعالى( وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) قال أبو بكر قوله تعالى( وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ) كلام مكتف بنفسه وإن كان معطوفا على ما تقدم ذكره من الأمر بالإشهاد عند التبايع بقوله( وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ ) فهو عموم في سائر الشهادات التي يلزم الشاهد إقامتها وأداؤها وهو نظير قوله تعالى( وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ) وقوله( يا أَيُّهَا
«18 ـ أحكام في»
الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ) فنهى الله تعالى الشاهد بهذه الآيات عن كتمان الشهادة التي تركها يؤدى إلى تضييع الحقوق وهو على ما بيننا من إثبات الشهادة في كتب الوثائق وأدائها بعد إثباتها فرض على الكفاية فإذا لم يكن من يشهد على الحق غير هذين الشاهدين فقد تعين عليهما فرض أدائها ويلحقهما إن تخلفا عنها الوعيد المذكور في الآية وقد كان نهيه عن الكتمان مفيدا لوجوب أدائها ولكنه تعالى أكد الفرض فيها بقوله( وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) وإنما أضاف الإثم إلى القلب وإن كان في الحقيقة الكاتم هو الآثم لأن المأثم فيه إنما يتعلق بعقد القلب ولأن كتمان الشهادة إنما هو عقد النية لترك أدائها باللسان فعقد النية من أفعال القلب لا نصيب للجوارح فيه وقد انتظم الكاتم للشهادة المأثم من وجهين أحدهما عزمه على أن لا يؤديها والثاني ترك أدائها باللسان وقوله( آثِمٌ قَلْبُهُ ) مجاز لا حقيقة وهو آكد في هذا الموضع من الحقيقة لو قال ومن يكتمها فإنه آثم وأبلغ منه وأدل على الوعيد من بديع البيان ولطيف الإعراب عن المعاني تعالى الله الحكيم قال أبو بكر وآية الدين بما فيه من ذكر الاحتياط بالكتاب والشهود المرضيين والرهن تنبيه على موضع صلاح الدين والدنيا معه فأما في الدنيا فصلاح ذات البين ونفى التنازع والاختلاف وفي التنازع والاختلاف فساد ذات البين وذهاب الدين والدنيا قال الله عز وجل( وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) وذلك أن المطلوب إذا علم أن عليه دينا وشهودا وكتابا ورهنا بما عليه وثيقة في يد الطالب قل الخلاف علمنا منه أن خلافه وبخسه لحق المطلوب لا ينفعه بل يظهر كذبه بشهادة الشهود عليه وفيه وثيقة واحتياط للطالب وفي ذلك صلاح لهما جميعا في دينهما ودنياهما لأن في تركه بخس حق الطالب صلاح دينه وفي جحوده وبخسه ذهاب دينه إذا علم وجوبه وكذلك الطالب إذا كانت له بينة وشهود أثبتوا ماله وإذا لم تكن له بينة وجحد الطالب حمله ذلك على مقابلته بمثله والمبالغة في كيده حتى ربما لم يرض بمقدار حقه دون الإضرار به في أضعافه متى أمكنه وذلك متعالم من أحوال عامة الناس وهذا نظير ما حرمه الله تعالى على لسان نبيه صلّى الله عليه وسلّم من البياعات المجهولة القدر والآجال المجهولة والأمور التي كانت عليها الناس قبل مبعثه صلّى الله عليه وسلّم مما كان يؤدى إلى الإختلاف وفساد ذات البين وإيقاع العداوة والبغضاء ونحوه مما حرم الله تعالى من الميسر والقمار وشرب الخمر وما يسكر فيؤدى إلى
العداوة والبغضاء والاختلاف والشحناء قال الله تعالى( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) فأخبر الله تعالى أنه إنما نهى عن هذه الأمور لنفى الاختلاف والعداوة ولما في ارتكابها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة* فمن تأدب بأدب الله وانتهى إلى أوامره وانزجر بزواجره حاز صلاح الدين والدنيا قال الله تعالى( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ) وفي هذه الآيات التي أمر الله فيها بالكتاب والإشهاد على الدين والعقود والاحتياط فيها تارة بالشهادة وتارة بالرهن دلالة على وجوب حفظ المال والنهى عن تضييعه وهو نظير قوله تعالى( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً ) وقوله( وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ) وقوله( وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ) الآية فهذه الآي دلالة على وجوب حفظ المال والنهى عن تبذيره وتضييعه وقد روى نحو ذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم حدثنا بعض من لا أتهم في الرواية قال أخبرنا معاذ بن المثنى قال حدثنا مسدد قال حدثنا بشر بن الفضل قال حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد المقبري عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يحب الله إضاعة المال ولا قيل ولا قال وحدثنا من لا أتهم قال أخبرنا محمد بن إسحاق قال حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقى قال حدثنا حسن الجعفي عن محمد ابن سوقة عن وراد قال كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أكتب إلى بشيء سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليس بينك وبينه أحد قال فأملى على وكتبت أنى سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول إن الله حرم ثلاثا ونهى عن ثلاث فأما الثلاث التي حرم فعقوق الأمهات ووأد البنات ولا وهات والثلاث التي نهى عنهن فقيل وقال وإلحاف السؤال وإضاعة المال قال تعالى( وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ ) قال أبو بكر روى أنها منسوخة بقوله( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزى قال حدثنا الحسن بن أبى الربيع الجرجانى قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله( وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ ) قال نسخها قوله تعالى( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن بن أبى الربيع قال أخبرنا عبد الرزاق عن معمر قال سمعت الزهري يقول في قوله تعالى( وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ )
قال قرأها ابن عمر وبكى وقال إنا لمأخوذون بما نحدث به أنفسنا فبكى حتى سمع نشيجه فقام رجل من عنده فأتى ابن عباس فذكر ذلك له فقال يرحم الله ابن عمر لقد وجد منها المسلمون نحوا مما وجد حتى نزلت بعدها( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) وروى عن الشعبي عن أبى عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال نسختها الآية التي تليها( لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) وروى معاوية بن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس( وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ ) أنها لم تنسخ لكن الله إذا جمع الخلق يوم القيامة يقول إنى أخبركم مما في أنفسكم مما لم تطلع عليه ملائكتي فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم وهو قوله( يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ) قوله تعالى( وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) من الشك والنفاق وروى عن الربيع بن أنس مثل ذلك وقال عمرو بن عبيد كان الحسن يقول هي محكمة لم تنسخ وروى عن مجاهد أنها محكمة في الشك واليقين* قال أبو بكر لا يجوز أن تكون منسوخة لمعنيين أحدهما أن الأخبار لا يجوز فيها النسخ لأن نسخ مخبرها يدل على البداء والله تعالى عالم بالعواقب غير جائز عليه البداء والثاني أنه لا يجوز تكليف ما ليس في وسعها لأنه سفه وعبث والله تعالى يتعالى عن فعل العبث وإنما قول من روى عنه أنها منسوخة فإنه غلط من الراوي في اللفظ وإنما أراد بيان معناها وإزالة التوهم عن صرفه إلى غير وجهه وقد روى مقسم عن ابن عباس أنها نزلت في كتمان الشهادة وروى عن عكرمة مثله وروى عن غيرهما أنها في سائر الأشياء وهذا أولى لأنه عموم مكتف بنفسه فهو عام في الشهادة وغيرها ومن نظائر ذلك في المؤاخذة بكسب القلب قوله تعالى( وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) وقال تعالى( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) وقال تعالى( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) أى شك* فإن قيل روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال إن الله عفا لأمتى* عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا به أو يعملوا به * قيل له هذا فيما يلزمه من الأحكام فلا يقع عتقه ولا طلاقه ولا بيعه ولا صدقته ولا هبته بالنية ما لم يتكلم به وما ذكر في الآية فيما يؤاخذ به مما بين العبد وبين الله تعالى* وقد روى الحسن بن عطية عن أبيه عن عطية عن ابن عباس في قوله تعالى( وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ ) فقال سر عملك وعلانيته يحاسبك به الله وليس من عبد مؤمن يسر في نفسه خيرا ليعمل
به فإن عمل به كتب له به عشر حسنات وإن هو لم يقدر يعمل به كتب له به حسنة من أجل أنه مؤمن وأن الله رضى بسر المؤمنين وعلانيتهم وإن كان شرا حدث به نفسه اطلع الله عليه أخبر به يوم تبلى السرائر فإن هو لم يعمل به لم يؤاخذه الله به حتى يعمل به فإن هو عمل به تجاوز الله عنه كما قال( أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ ) وهذا على معنى قوله إن الله عفا لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا به أو يعملوا به. قوله تعالى( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) فيه نص على أن الله تعالى لا يكلف أحدا ما لا يقدر عليه ولا يطيقه ولو كلف أحدا ما لا يقدر عليه ولا يستطيعه لكان مكلفا له ما ليس في وسعه ألا ترى قول القائل ليس في وسعى كيت وكيت بمنزلة قوله لا أقدر عليه ولا أطيقه بل الوسع دون الطاقة ولم تختلف الأمة في أن الله لا يجوز أن يكلف الزمن المشي والأعمى البصر والأقطع اليدين البطش لأنه لا يقدر عليه ولا يستطيع فعله ولا خلاف في ذلك بين الأمة وقد وردت السنة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن من لم يستطع الصلاة قائما فغير مكلف للقيام فيها ومن لم يستطعها قاعدا فغير مكلف للقعود بل يصليها على جنب يومئ إيماء لأنه غير قادر عليها إلا على هذا الوجه ونص التنزيل قد أسقط التكليف عمن لا يقدر على الفعل ولا يطيقه وزعم قوم جهال نسبت إلى الله فعل السفه والعبث فزعموا أن كل ما أمر به أحد من أهل التكليف أو نهى عنه فالمأمور به منه غير مقدور على فعله والمنهي عنه غير مقدور على تركه وقد أكذب الله قيلهم بما نص عليه من أنه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها مع ما قد دلت عليه العقول من قبح تكليف ما لا يطاق وإن العالم بالقبيح المستغنى عن فعله لا يقع منه فعل القبيح ومما يتعلق بذلك من الأحكام سقوط الفرض عن المكلفين فيما لا تتسع له قواهم لأن الوسع هو دون الطاقة وأنه ليس عليهم استفراغ المجهود في أداء الفرص نحو الشيخ الكبير الذي يشق عليه الصوم ويؤديه إلى ضرر يلحقه في جسمه وإن لم يخش الموت بفعله فليس عليه صومه لأن الله لم يكلفه إلا ما يتسع لفعله ولا يبلغ به حال الموت وكذلك المريض الذي يخشى ضرر الصوم وضرر استعمال الماء لأن الله قد أخبر أنه لا يكلف أحدا إلا ما اتسعت له قدرته وإمكانه دون ما يضيق عليه ويعنته وقال الله تعالى( وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ ) وقال في صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم( عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ) فهذا حكم مستمر في سائر أوامر الله وزواجره ولزوم التكليف فيها على ما يتسع له ويقدر
عليه قوله عز وجل( رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا ) قال أبو بكر النسيان على وجهين أحدهما أنه قد يتعرض الإنسان للفعل الذي يقع معه النسيان فيحسن الاعتذار به إذا وقعت منه جناية على وجه السهو والثاني أن يكون النسيان بمعنى ترك المأمور به لشبهة تدخل عليه أو سوء تأويل وإن لم يكن الفعل نفسه واقعا على وجه السهو فيحسن أن يسأل الله مغفرة الأفعال الواقعة على هذا الوجه والنسيان بمعنى الترك مشهور في اللغة قال الله تعالى( نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ ) يعنى تركوا أمر الله تعالى فلم يستحقوا ثوابه فأطلق اسم النسيان على الله تعالى على وجه مقابلة الاسم كقوله( وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ) وقوله( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) قال أبو بكر النسيان الذي هو ضد الذكر فإن حكمه مرفوع فيما بين العبد وبين الله تعالى في استحقاق العقاب والتكليف في مثله ساقط عنه والمؤاخذة به في الآخرة غير جائزة لا أنه لا حكم له فيما يكلفه من العبادات فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد نص على لزوم حكم كثير منها مع النسيان واتفقت الأمة أيضا على حكمها من ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها وتلا عند ذلك( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) فدل على أن مراد الله تعالى بقوله( أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) فعل المنسية منها عند الذكر وقال تعالى( وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ ) وذلك عموم في لزومه قضاء كل منسى عند ذكره ولا خلاف بين الفقهاء في أن ناسى الصوم والزكاة وسائر الفروض بمنزلة ناسى الصلاة في لزوم قضائها عند ذكرها وكذلك قال أصحابنا في المتكلم في الصلاة ناسيا أنه بمنزلة العامد لأن الأصل أن العامد والناسي في حكم الفروض سواء وإنه لا تأثير للنسيان في إسقاط شيء منها إلا ما ورد به التوقيف ولا خلاف أن تارك الطهارة ناسيا كتاركها عامدا في بطلان حكم صلاته وكذلك قالوا في الأكل في نهار شهر رمضان ناسيا إن القياس فيه إيجاب القضاء وإنهم إنما تركوا القياس فيه للأثر ومع ما ذكرنا فإن الناسي مؤد لفرضه على أى وجه فعله إذ لم يكلفه الله في تلك الحال غيره وإنما القضاء فرض آخر ألزمه الله تعالى بالدلائل التي ذكرنا فكان تأثير النسيان في سقوط المأثم فحسب فأما في لزوم فرض فلا وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم رفع عن أمتى الخطأ والنسيان مقصور على المأثم أيضا دون رفع الحكم ألا ترى أن الله تعالى قد نص على لزوم حكم قتل الخطأ في إيجاب الدية والكفارة فلذلك ذكر النبي صلّى الله عليه وسلّم النسيان مع الخطأ وهو على هذا المعنى* فإن قال قائل
من أصلكم إيجاب فرض التسمية على الذبيحة ولو تركها عامدا كانت ميتة وإذا تركها ناسيا حلت وكانت مذكاة ولم تجعلوها بمنزلة تارك الطهارة ناسيا حتى صلى فيكون مأمورا بإعادتها بالطهارة قطعا وكذلك الكلام في الصلاة ناسيا* قيل له لما بينا من أنه لم يكلف في الحال غير ما فعل على وجه النسيان والذي لزمه بعد الذكر فرض مبتدأ آخر وكذلك نجيز في هذه القضية أن لا يكون مكلفا في حال النسيان للتسمية فصحت الزكاة ولا تتأتى بعد الزكاة فيه ذبيحة أخرى فيكون مكلفا لها كما كلف إعادة الصلاة والصوم ونحوه قوله تعالى( لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) هو مثل قوله تعالى( وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها ) وقوله( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ) وفيه الدلالة على أن كل واحد من المكلفين فأحكام أفعاله متعلقة به دون غيره وإن أحدا لا يجوز تصرفه على غيره ولا يؤاخذ بجريرة سواه وكذلك قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لأبى رمثة حين رآه مع ابنه فقال هذا ابنك قال نعم قال إنك لا تجنى عليه ولا يجنى عليك وقال صلّى الله عليه وسلّم لا يؤاخذ أحد بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه فهذا هو العدل الذي لا يجوز في العقول غيره وقوله تعالى( لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) يحتج به في نفى الحجر وامتناع تصرف أحد من قاض أو غيره على سواه ببيع ماله أو منعه منه إلا ما قامت الدلالة على خصوصه ويحتج به في بطلان مذهب مالك بن أنس في أن من أدى دين غيره بغير أمره أن له أن يرجع به عليه لأن الله تعالى إنما جعل كسبه له وعليه ومنع لزومه غيره* قوله عز وجل( رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا ) قد قيل في معنى الإصر إنه الثقل وأصله في اللغة يقال إنه العطف ومنه أو أصر الرحم لأنها تعطفه عليه والواحد آصرة والمأصر يقال أنه حبل يمد على طريق أو نهر تحبس به المارة ويعطفون به عن النفوذ ليؤخذ منهم العشور والمكس والمعنى في قوله( لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً ) يريد به عهدا وهو الأمر الذي يثقل روى نحوه عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وهو في معنى قوله تعالى( وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) يعنى من ضيق وقوله( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ) الآية وقوله تعالى( ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ) وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم جئتكم بالحنيفية السمحة وروى عنه أن بنى إسرائيل شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فقوله( وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً ) يعنى من ثقل الأمر والنهى( كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا ) وهو كقوله( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ
وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ) وهذه الآية ونظائرها يحتج بها على نفى الحرج والضيق والثقل في كل أمر اختلف الفقهاء فيه وسوغوا فيه الاجتهاد فالموجب للثقل والضيق والحرج محجوج بالآية نحو إيجاب النية في الطهارة وإيجاب الترتيب فيها وما جرى مجرى ذلك في نفى الضيق والحرج يجوز لنا الاحتجاج بالظواهر التي ذكرناها قوله تعالى( رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ) قيل فيه وجهان أحدهما ما يشتد ويثقل من التكليف كنحو ما كلف بنو إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم وجائز أن يعبر بما يثقل أنه لا يطيقه كقولك ما أطيق كلام فلان ولا أقدر أن أراه ولا يراد به نفى القدرة وإنما يريدون أنه يثقل عليه فيكون بمنزلة العاجز الذي لا يقدر على كلامه ورؤيته لبعده من قلبه وكراهته لرؤيته وكلامه وهو كما قال تعالى( وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ) وقد كانت لهم أسماع صحيحة إلا أن المراد أنهم استثقلوا استماعه فأعرضوا عنه وكانوا بمنزلة من لم يسمع والوجه الثاني أن لا يحملنا من العذاب ما لا نطيقه وجائز أن يكون المراد الأمرين جميعا والله أعلم بالصواب.
سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ) إلى آخر القصة* قال الشيخ أبو بكر قد بينا في صدر الكتاب معنى المحكم والمتشابه وأن كل واحد منهما ينقسم إلى معنيين أحدهما يصح وصف القرآن بجميعه والآخر إنما يختص به بعض القرآن دون بعض قال الله تعالى( الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ) وقال تعالى( الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ ) فوصف جميع القرآن في هذه المواضع بالأحكام وقال تعالى( اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ ) فوصف جميعه بالمتشابه ثم قال في موضع آخر( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ) فوصف هاهنا بعضه بأنه محكم وبعضه متشابه والأحكام الذي عم به الجميع هو الصواب والإتقان اللذان يفضل بهما القرآن كل قول وأما موضع الخصوص في قوله تعالى( مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ ) فإن المراد به اللفظ الذي لا اشتراك فيه ولا يحتمل عند سامعه إلا معنى واحدا وقد ذكرنا اختلاف الناس فيه إلا أن هذا المعنى لا محالة قد انتظمه لفظ الأحكام المذكور في هذه الآية وهو الذي جعل
إما للمتشابه الذي يرد إليه ويحمل معناه عليه وإما المتشابه الذي عم به جميع القرآن في قوله تعالى( كِتاباً مُتَشابِهاً ) فهو التماثل ونفى الاختلاف والتضاد عنه وأما المتشابه الخصوص به بعض القرآن فقد ذكرنا أقاويل السلف فيه وما روى عن ابن عباس أن المحكم هو الناسخ والمتشابه هو المنسوخ فهذا عندنا هو أحد أقسام المحكم والمتشابه لأنه لم ينف أن يكون للمحكم والمتشابه وجوه غيرهما وجائز أن يسمى الناسخ محكما لأنه ثابت الحكم والعرب تسمى البناء الوثيق محكما ويقولون في العقد الوثيق الذي لا يمكن حله محكما فجائز أن يسمى الناسخ محكما إذ كانت صفته الثبات والبقاء ويسمى المنسوخ متشابها من حيث أشبه في التلاوة المحكم وخالفه في ثبوت الحكم فيشتبه على التالي حكمه في ثبوته ونسخه فمن هذا الوجه جائز أن يسمى المنسوخ متشابها وأما قول من قال إن المحكم هو الذي لم تتكرر ألفاظه والمتشابه هو الذي تتكرر ألفاظه فإن اشتباه هذا من جهة اشتباه وجه الحكمة فيه على السامع وهذا سائغ عام في جميع ما يشتبه فيه وجه الحكمة فيه على السامع إلى أن يتبينه ويتضح له وجهه فهذا مما يجوز فيه إطلاق اسم المتشابه وما لا يشتبه فيه وجه الحكمة على السامع فهو المحكم الذي لا تشابه فيه على قول هذا القائل فهذا أيضا أحد وجوه المحكم والمتشابه وإطلاق الاسم فيه سائغ جائز وأما ما روى عن جابر ابن عبد الله أن المحكم ما يعلم تعيين تأويله والمتشابه ما لا يعلم تأويله كقوله تعالى( يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ) وما جرى مجرى ذلك فإن إطلاق اسم المحكم والمتشابه سائغ فيه لأن ما علم وقته ومعناه فلا تشابه فيه وقد أحكم بيانه وما لا يعلم تأويله ومعناه ووقته فهو مشتبه على سامعه فجائز أن يسمى بهذا الاسم فجميع هذه الوجوه يحتمله اللفظ على ما روى فيه ولو لا احتمال اللفظ لما ذكروا لما تأولوه عليه وما ذكرناه من قول من قال إن المحكم هو ما لا يحتمل إلا معنى واحدا والمتشابه ما يحتمل معنيين فهو أحد الوجوه الذي ينتظمها هذا الاسم لأن المحكم من هذا القسم سمى محكما لأحكام دلالته وإيضاح معناه وإبانته والمتشابه منه سمى بذلك لأنه أشبه المحكم من وجه واحتمل معناه وأشبه غيره مما يخالف معناه معنى المحكم فسمى متشابها من هذا الوجه فلما كان المحكم والمتشابه يعتورهما ما ذكرنا من المعاني احتجنا إلى معرفة المراد منها بقوله تعالى( مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ
الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ) مع علمنا بما في مضمون هذه الآية وفحواها من وجوب رد المتشابه إلى المحكم وحمله على معناه دون حمله على ما يخالفه لقوله تعالى في صفة المحكمات( هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ ) والأم هي التي منها ابتداؤه وإليها مرجعه فسماها أما فاقتضى ذلك بناء المتشابه عليها ورده إليها ثم أكد ذلك بقوله( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ) فوصف متبع المتشابه من غير حمله له على معنى المحكم بالزيغ في قلبه وأعلمنا أنه مبتغ للفتنة وهي الكفر والضلال في هذا الموضع كما قال تعالى( وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ) يعنى والله أعلم الكفر فأخبر أن متبع المتشابه وحامله على مخالفة المحكم في قلبه زيغ يعنى الميل عن الحق يستدعى غيره بالمتشابه إلى الضلال والكفر فثبت بذلك أن المراد بالمتشابه المذكور في هذه الآية هو اللفظ المحتمل للمعاني الذي يجب رده إلى المحكم وحمله على معناه ثم نظرنا بعد ذلك في المعاني التي تعتور هذا اللفظ وتتعاقب عليه مما قدمنا ذكره في أقسام المتشابه عن القائلين بها على اختلافها مع احتمال اللفظ فوجدنا قول من قال بأنه الناسخ والمنسوخ فإنه إن كان تاريخهما معلوما فلا اشتباه فيهما على من حصل له العلم بتاريخهما وعلم يقينا أن المنسوخ متروك الحكم وأن الناسخ ثابت الحكم فليس فيهما ما يقع فيه اشتباه على السامع العالم بتاريخ الحكمين اللذين لا احتمال فيهما لغير الناسخ وإن اشتبه على السامع من حيث أنه لم يعلم التاريخ فهذا ليس أحد اللفظين أولى بكونه محكما من الآخر ولا يكونا متشابها منه إذ كل واحد منهما يحتمل أن يكون ناسخا ويحتمل أن يكون منسوخا فهذا لا مدخل له في قوله تعالى( مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ) وأما قول من قال إن المحكم ما لم يتكرر لفظه والمتشابه ما تكرر لفظه فهذا أيضا لا مدخل له في هذه الآية لأنه لا يحتاج إلى رده إلى المحكم وإنما يحتاج إلى تدبيره بعقله وحمله على ما في اللغة من تجويزه وأما قول من قال إن المحكم ما علم وقته وتعيينه والمتشابه ما لا يعلم تعيين تأويله كأمر الساعة وصغائر الذنوب التي آيسنا الله من وقوع علمنا بها في الدنيا وإن هذا الضرب أيضا منها خارج عن حكم هذه الآية لأنا لا نصل إلى علم معنى المتشابه برده إلى المحكم فلم يبق من الوجوه التي ذكرنا من أقسام المحكم والمتشابه مما يجب بناء أحدهما على الآخر وحمله على معناه إلا الوجه الأخير الذي قلنا وهو أن يكون المتشابه اللفظ المحتمل للمعاني فيجب حمله على
المحكم الذي لا احتمال فيه ولا اشتراك في لفظه من نظائر ما قدمنا في صدر الكتاب وبينا أنه ينقسم إلى وجهين من العقليات والسمعيات وليس يمتنع أن تكون الوجوه التي ذكرناها عن السلف على اختلافها بتناولها الاسم على ما روى عنهم فيه لما بينا من وجوهها ويكون الوجه الذي يجب حمله على المحكم هو هذا الوجه الأخير لامتناع إمكان حمل سائر وجوه المتشابه على المحكم على ما تقدم من بيانه ثم يكون قوله تعالى( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ ) معناه تأويل جميع المتشابه حتى لا يستوعب غيره علمها فنفى إحاطة علمنا بجميع معاني المتشابهات من الآيات ولم ينف بذلك أن نعلم نحن بعضها بإقامته لنا الدلالة عليه كما قال تعالى( وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ ) لأن في فحوى الآية ما قد دل على أنا نعلم بعض المتشابه برده إلى المحكم وحمله على معناه على ما بينا من ذلك ويستحيل أن تدل الآية على وجوب رده إلى المحكم وتدل أيضا على أنا لا نصل إلى علمه ومعرفته فإذا ينبغي أن يكون قوله تعالى( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ ) غير ناف لوقوع العلم ببعض المتشابه فمما لا يجوز وقوع العلم لنا به وقت الساعة والذنوب الصغائر ومن الناس من يجوز ورود لفظ مجمل في حكم يقتضى البيان ولا يبينه أبدا فيكون في حيز المتشابه الذي لا نصل إلى العلم به* وقد اختلف أهل العلم في معنى قوله( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) فمنهم من جعل تمام الكلام عند قوله تعالى( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) وجعل الواو التي في قوله( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) للجمع كقول القائل لقيت زيدا وعمرا وما جرى مجراه ومنهم من جعل تمام الكلام عند قوله( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ ) وجعل الواو للاستقبال وابتداء خطاب غير متعلق بالأول فمن قال بالقول الأول جعل الراسخين في العلم عالمين ببعض المتشابه وغير عالمين بجميعه وقد روى نحوه عن عائشة والحسن وقال مجاهد فيما رواه ابن أبى نجيح في قوله تعالى( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ) ـ يعنى شكا ـ( ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ ) الشبهات بما هلكوا لكن الراسخون في العلم يعلمون تأويله يقولون آمنا به وروى عن ابن عباس ويقولون الراسخون في العلم وكذلك روى عن عمر بن عبد العزيز وقد روى عن ابن عباس أيضا وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يعلمونه قائلين آمنا به وعن الربيع بن أنس مثله والذي يقتضيه اللفظ على ما فيه من الاحتمال أن يكون تقديره وما يعلم تأويله إلا الله يعنى تأويل جميع المتشابه على ما بينا والراسخون في العلم يعلمون
بعضه قائلين آمنا به كل من عند ربنا يعنى ما نصب لهم من الدلالة عليه في بنائه على المحكم ورده إليه وما لم يجعل لهم سبيل إلى علمه من نحو ما وصفنا فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا آمنا بالجميع كل من عند ربنا وما أخفى عنا علم ما غاب عنا علمه إلا لعلمه تعالى بما فيه من المصلحة لنا وما هو خير لنا في ديننا ودنيانا وما أعلمنا وما يعلمناه إلا لمصلحتنا ونفعنا فيعترفون بصحة الجميع والتصديق بما علموا منه وما لم يعلموه* ومن الناس من يظن أنه لا يجوز إلا أن يكون منتهى الكلام وتمامه عند قوله تعالى( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ ) وأن الواو للاستقبال دون الجمع لأنها لو كانت للجمع لقال ويقولون آمنا به ويستأنف ذكر الواو لاستئناف الخبر وقال من ذهب إلى القول الأول هذا سائغ في اللغة وقد وجد مثله في القرآن وهو قوله تعالى في بيان قسم الفيء( ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ) ـ إلى قوله تعالى ـ( شَدِيدُ الْعِقابِ ) ثم تلاه بالتفصيل وتسمية من يستحق هذا الفيء فقال( لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً ) ـ إلى قوله تعالى ـ( وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ ) وهم لا محالة داخلون في استحقاق الفيء كالأولين والواو فيه للجمع ثم قال تعالى( يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ ) معناه قائلين ربنا اغفر لنا ولإخواننا كذلك قوله تعالى( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ) معناه والراسخون في العلم يعلمون تأويل ما نصب لهم الدلالة عليه من المتشابه قائلين ربنا آمنا به فصاروا معطوفين على ما قبله داخلين في حيزه وقد وجد مثله في الشعر قال يزيد بن مفرغ الحميرى :
وشريت بردا ليتني |
من بعد برد كنت هامة |
|
فالريح تبكى شجوه |
والبرق يلمع في الغمامه |
والمعنى والبرق يبكى شجوه لا معا في الغمامة وإذا كان ذلك سائغا في اللغة وجب حمله على موافقة دلالة الآية في وجوب رد المتشابه إلى المحكم فيعلم الراسخون في العلم تأويله إذا استدلوا بالمحكم على معناه ومن جهة أخرى أن الواو لما كانت حقيقتها الجمع فالواجب حملها على حقيقتها ومقتضاها* ولا يجوز حملها على الابتداء إلا بدلالة ولا دلالة معنا* توجب صرفها عن الحقيقة فوجب استعمالها على الجمع* فإن قيل إذا كان استعمال المحكم مقيدا بما في العقل وقد يمكن كل مبطل أن يدعى ذلك لنفسه فيبطل فائدة الاحتجاج
بالمحكم* قيل له إنما هو مقيد بما هو في تعارف العقول فيكون اللفظ مطابقا لما تعارفه العقلاء من أهل اللغة ولا يحتاج في استعمال حكم العقل فيه إلى مقدمات بل يوقع العلم لسامعه بمعنى مراده على الوجه الذي هو ثابت في عقول العقلاء دون عادات فاسدة قد جروا عليها فما كان كذلك فهو المحكم الذي لا يحتمل معناه إلا مقتضى لفظه وحقيقته فأما العادات الفاسدة فلا اعتبار بها* فإن قيل كيف وجه اتباع من في قلبه زيغ ما تشابه منه* دون ما أحكم* قيل له نحو ما روى الربيع بن أنس أن هذه الآية نزلت في وفد نجران لما حاجوا النبي صلّى الله عليه وسلّم في المسيح فقالوا أليس هو كلمة الله وروح منه فقال بلى فقالوا حسبنا فأنزل الله( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ) ثم أنزل الله تعالى( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) فصرفوا قوله كلمة الله إلى ما يقولونه في قدمه مع الله وروحه صرفوه إلى أنه جزء منه قديم معه كروح الإنسان وإنما أراد الله تعالى بقوله كلمة أنه بشر به في كتاب الأنبياء المتقدمين فسماه كلمة من حيث قدم البشارة به وسماه روحه لأن الله تعالى خلقه من غير ذكر بل أمر جبريل عليه السّلام فنفخ في جيب مريم عليها السّلام وأضافه إلى نفسه تعالى تشريفا له كبيت الله وسماء الله وأرضه ونحو ذلك وقيل إنه سماه روحا كما سمى القرآن روحا بقوله تعالى( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ) وإنما سماه روحا من حيث كان فيه حياة الناس في أمور دينهم فصرف أهل الزيغ ذلك إلى مذاهبهم الفاسدة وإلى ما يعتقدونه من الكفر والضلال وقال قتادة أهل الزيغ المتبعون للمتشابه منه هم الحرورية والسبائية* قوله تعالى( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ ) روى عن ابن عباس وقتادة وابن إسحاق أنه لما هلكت قريش يوم بدر جمع النبي صلّى الله عليه وسلّم اليهود بسوق قينقاع فدعاهم إلى الإسلام وحذرهم مثل ما نزل بقريش من الانتقام فأبوا وقالوا ألسنا كقريش الأغمار الذين لا يعرفون القتال لئن حاربتنا لتعرفن أنا الناس فأنزل الله تعالى( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ ) وفي هذه الآية دلالة على صحة نبوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما فيها من الأخبار عن غلبة المؤمنين المشركين فكان على ما أخبر به ولا يكون ذلك على الاتفاق مع كثرة ما أخبر به عن الغيوب في الأمور المستقبلة فوجد مخبره على ما أخبر به من غير خلف وذلك لا يكون إلا من عند الله تعالى العالم بالغيوب إذ ليس في وسع أحد من
الخلق الأخبار بالأمور المستقبلة ثم يتفق مخبر أخباره على ما أخبر به من غير خلف لشيء منه* وقوله تعالى( قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ) الآية روى عن ابن مسعود والحسن أن ذلك خطاب للمؤمنين وإن المؤمنين هي الفئة الرائية للمشركين مثليهم رأى العين فرأوهم مثلي عدتهم وقد كانوا ثلاثة أمثالهم لأن المشركين كانوا نحو ألف رجل والمسلمون ثلاثمائة وبضعة عشر فقللهم الله تعالى في أعين المسلمين لتقوية قلوبهم وقال آخرون قوله( قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ ) مخاطبة للكفار الذين ابتدأ بذكرهم في قوله( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ ) وقوله( قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ ) معطوف عليه وتمام له والمعنى فيه إن الكافرين رأوا المؤمنين مثليهم وأراهم الله تعالى كذلك في رأى العين ليجنب قلوبهم ويرهبهم فيكون أقوى للمؤمنين عليهم وذلك أحد أبواب النصر للمسلمين والخذلان للكافرين وفي هذه الآية الدلالة من وجهين على صحة نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم أحدهما غلبة الفئة القليلة العدد والعدة للكثيرة العدد والعدة وذلك على خلاف مجرى العادة لما أمدهم الله به من الملائكة والثاني أن الله تعالى قد كان وعدهم إحدى الطائفتين وأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم المسلمين قبل اللقاء بالظفر والغلبة وقال هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان وكان كما وعد الله وأخبر به النبي صلّى الله عليه وسلّم* قوله تعالى( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ) قال الحسن زينها الشيطان لأنه لا أحد أشد ذما لها من خالقها وقال بعضهم زينها الله بما جعل في الطباع من المنازعة إليها كما قال تعالى( إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها ) وقال آخرون زين الله ما يحسن منه وزين الشيطان ما يقبح منه* وقوله تعالى( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ ) الآية روى عن أبى عبيدة بن الجراح أنه قال قلت يا رسول الله أى الناس أشد عذابا يوم القيامة قال رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بمعروف ونهى عن منكر ثم قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم( وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) ثم قال يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل وإثنا عشر رجلا من عباد بنى إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم وهو الذي ذكر الله تعالى* وفي هذه الآية جواز إنكار المنكر مع خوف القتل وأنه منزلة شريفة
يستحق بها الثواب الجزيل لأن الله مدح هؤلاء الذين قتلوا حين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وروى أبو سعيد الخدري وغيره عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر وفي بعض الروايات يقتل عليه وروى أبو حنيفة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتل قال عمرو بن عبيد لا نعلم عملا من أعمال البر أفضل من القيام بالقسط يقتل عليه* وإنما قال الله تعالى( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) وإن كان الأخبار عن أسلافهم من قبل أن المخاطبين من الكفار كانوا راضين بأفعالهم فأجملوا معهم في الأخبار بالوعيد لهم وهذا كقوله تعالى( قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ ) وقوله تعالى( الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) فنسب القتل إلى المخاطبين لأنهم رضوا بأفعال أسلافهم وتولوهم عليها فكانوا مشاركين لهم في استحقاق العذاب كما شاركوهم في الرضا بقتل الأنبياء عليهم السّلام* قوله تعالى( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ ) الآية روى عن ابن عباس أنه أراد اليهود حين دعوا إلى التوراة وهي كتاب الله وسائر الكتب التي فيها البشارة بالنبي صلّى الله عليه وسلّم فدعاهم إلى الموافقة على ما في هذه الكتب من صحة نبوته كما قال تعالى في آية أخرى( قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) فتولى فريق من أهل الكتاب عن ذلك لعلمهم بما فيه من ذكر النبي صلّى الله عليه وسلّم وصحة نبوته ولو لا أنهم علموا ذلك لما أعرضوا عند الدعاء إلى ما في كتبهم وفريق منهم آمنوا وصدقوا لعلمهم بصحة نبوته ولما عرفوه من التوراة وكتب الله من نعته وصفته* وفي هذه الآية دلالة على صحة نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنهم لو لا أنهم كانوا عالمين بما ادعاه مما في كتبهم من نعته وصفته وصحة نبوته لما أعرضوا عن ذلك بل كانوا يسارعون إلى الموافقة على ما في كتبهم حتى يتبينوا بطلان دعواه فلما أعرضوا ولم يجيبوا إلى ما دعاهم إليه دل ذلك على أنهم كانوا عالمين بما في كتبهم من ذلك وهو نظير ما تحدى الله تعالى به العرب من الإتيان بمثل سورة من القرآن فأعرضوا عن ذلك وعدلوا إلى القتال والمحاربة لعلمهم بالعجز عن الإتيان بمثلها وكما دعاهم إلى المباهلة في قوله تعالى( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ ) ـ إلى قوله تعالى ـ( ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ )
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لو حضروا وباهلوا لأضرم الله تعالى عليهم الوادي نارا ولم يرجعوا إلى أهل ولا ولد وهذه الأمور كلها من دلائل النبوة وصحة الرسالة وروى عن الحسن وقتادة إنما أراد بقوله تعالى( يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ ) إلى القرآن لأن ما فيه يوافق ما في التوراة في أصول الدين والشرع والصفات التي قد قدمت بها البشارة في الكتب المتقدمة والدعاء إلى كتاب الله تعالى في هذه الآية يحتمل معاني جائز أن يكون نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم على ما بينا ويحتمل أن يكون أمر إبراهيم عليه السلام وأن دينه الإسلام ويحتمل أن يريد به بعض أحكام الشرع من حد أو غيره كما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه ذهب إلى بعض مدارسهم فسألهم عن حد الزاني فذكروا الجلد والتحميم وكتموا الرجم حتى وقفهم النبي صلّى الله عليه وسلّم على آية الرجم بحضرة عبد الله بن سلام وإذا كانت هذه الوجوه محتملة لم يمتنع أن يكون الدعاء قد وقع إلى جميع ذلك وفيه الدلالة على أن من دعا خصمه إلى الحكم لزمته إجابته لأنه دعاه إلى كتاب الله تعالى ونظيره أيضا قوله تعالى( وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ) قوله تعالى( قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ) قيل في قوله تعالى( مالِكَ الْمُلْكِ ) أنه صفة لا يستحقها إلا الله تعالى ومن أنه مالك كل ملك وقيل مالك أمر الدنيا والآخرة وقيل مالك العباد وما ملكوا وقال مجاهد أراد بالملك هاهنا النبوة* وقوله( تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ ) يحتمل وجهين أمر ملك الأموال والعبيد وذلك مما يجوز أن يؤتيه الله للمسلم والكافر والآخر أمر التدبير وسياسة الأمة فهذا مخصوص به المسلم العدل دون الكافر ودون الفاسق وسياسة الأمة وتدبيرها متعلقة بأوامر الله تعالى ونواهيه وذلك لا يؤتمن الكافر عليه ولا الفاسق لا يجوز أن تجعل إلى من هذه صفته سياسة المؤمنين لقوله تعالى( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) فإن قيل قال الله تعالى( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ ) فأخبر أنه آتى الكافر الملك قيل له يحتمل أن يريد به المال إن كان المراد إيتاء الكافر الملك وقد قيل إنه أراد به آتى إبراهيم الملك يعنى النبوة وجواز الأمر والنهى في طريق الحكمة وقوله تعالى( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) الآية فيه نهى عن اتخاذ الكافرين أولياء لأنه جزم الفعل فهو إذا نهى وليس بخبر قال ابن عباس نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية أن يلاطفوا ونظيرها من الآي قوله تعالى( لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ
دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً ) وقال تعالى( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ ) الآية وقال تعالى( فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) وقال تعالى( فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ) وقال تعالى( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) وقال تعالى( فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ) وقال تعالى( وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) وقال تعالى( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) وقال تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) وقال تعالى( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) فنهى بعد النهى عن مجالستهم وملاطفتهم عن النظر إلى أموالهم وأحوالهم في الدنيا روى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم مر بإبل لبنى المصطلق وقد عبست بأبوالها من السمن فتقنع بثوبه ومضى لقوله تعالى( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ ) وقال تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ) وروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال أنا برىء من كل مسلم مع مشرك فقيل لم يا رسول الله فقال لا تراءى نارهما وقال أنا برىء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين فهذه الآي والآثار دالة على أنه ينبغي أن يعامل الكفار بالغلظة والجفوة دون الملاطفة والملاينة ما لم تكن حال يخاف فيها على تلف نفسه أو تلف بعض أعضائه أو ضررا كبيرا يلحقه في نفسه فإنه إذا خاف ذلك جاز له إظهار الملاطفة والموالاة من غير صحة اعتقاد والولاء ينصرف على وجهين أحدهما من يلي أمور من يرتضى فعله بالنصرة والمعونة والحياطة وقد يسمى بذلك المعان المنصور قال الله تعالى( اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) يعنى أنه يتولى نصرهم ومعونتهم والمؤمنون أولياء الله بمعنى أنهم معانون بنصرة الله قال الله تعالى( أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) .
وقوله تعالى( إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً ) يعنى إن تخافوا تلف النفس أو بعض الأعضاء فتتقوهم بإظهار الموالاة من غير اعتقاد لها وهذا هو ظاهر ما يقتضيه اللفظ وعليه الجمهور من أهل العلم* وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزى قال حدثنا الحسن بن أبى الربيع الجرجانى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) قال لا يحل لمؤمن أن يتخذ كافرا وليا في
«19 ـ أحكام في»
دينه وقوله تعالى( إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً ) إلا أن تكون بينه وبينه قرابة فيصله لذلك فجعل التقية صلة لقرابة الكافر وقد اقتضت الآية جواز إظهار الكفر عند التقية وهو نظير قوله تعالى( مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) وإعطاء التقية في مثل ذلك إنما هو رخصة من الله تعالى وليس بواجب بل ترك التقية أفضل قال أصحابنا فيمن أكره على الكفر فلم يفعل حتى قتل أنه أفضل ممن أظهر وقد أخذ المشركون خبيب بن عدى فلم يعط التقية حتى قتل فكان عند المسلمين أفضل من عمار بن ياسر حين أعطى التقية وأظهر الكفر فسأل النبي صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك فقال كيف وجدت قلبك قال مطمئنا بالإيمان فقال صلّى الله عليه وسلّم وإن عادوا فعد وكان ذلك على وجه الترخيص * وروى أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال لأحدهما أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال أتشهد أنى رسول الله قال نعم فخلاه ثم دعا بالآخر وقال أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال أتشهد أنى رسول الله قال إنى أصم قالها ثلاثا فضرب عنقه فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال أما هذا المقتول فمضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضيلة فهنيئا له وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه * وفي هذا دليل على أن إعطاء التقية رخصة وأن الأفضل ترك إظهارها وكذلك قالوا أصحابنا في كل أمر كان فيه إعزاز الدين فالإقدام عليه حتى يقتل أفضل من الأخذ بالرخصة في العدول عنه ألا ترى أن من بذل نفسه لجهاد العدو فقتل كان أفضل ممن انحاز وقد وصف الله أحوال الشهداء بعد القتل وجعلهم أحياء مرزوقين فكذلك بذل النفس في إظهار دين الله تعالى وترك إظهار الكفر أفضل من إعطاء التقية فيه* وفي هذه الآية ونظائرها دلالة على أن لا ولاية للكافر على المسلم في شيء وإنه إذا كان له ابن صغير مسلم بإسلام أمه فلا ولاية له عليه في تصرف ولا تزويج ولا غيره ويدل على أن الذمي لا يعقل جناية المسلم وكذلك المسلم لا يعقل جنايته لأن ذلك من الولاية والنصرة والمعونة قوله تعالى( وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ ) روى عن ابن عباس والحسن إن آل إبراهيم هم المؤمنون الذين على دينه وقال الحسن وآل عمران المسيح عليه السّلام لأنه ابن مريم بنت عمران وقيل آل عمران هم آل إبراهيم كما قال ذرية بعضها من بعض وهم موسى وهارون ابنا عمران وجعل أصحابنا الآل وأهل البيت واحدا فيمن يوصى لآل فلان إنه بمنزلة قوله لأهل بيت فلان فيكون لمن يجمعه وإياه الجد
الذي ينسبون إليه من قبل الآباء نحو قولهم آل النبي صلّى الله عليه وسلّم وأهل بيته هما عبارتان عن معنى واحد قالوا إلا أن يكون من نسب إليه الآل هو بيت ينسب إليه مثل قولنا آل العباس وآل على والمعنى فيه أولاد العباس وأولاد على الذين ينسبون إليهما بالآباء* وهذا محمول على المتعارف المعتاد وقوله عز وجل( ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ ) روى عن الحسن وقتادة بعضها من بعض في التناصر في الدين كما قال تعالى( الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ) يعنى في الاجتماع على الضلال [والمؤمنون بعضهم من بعض] في الاجتماع على الهدى وقال بعضهم ذرية بعضها من بعض في التناسل لأن جميعهم ذرية آدم ثم ذرية نوح ثم ذرية إبراهيم عليهم السّلام* قوله عز وجل( إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ) روى عن الشعبي أنه قال مخلصا للعبادة وقال مجاهد خادما للبيعة وقال محمد بن جعفر بن الزبير عتيقا من أمر الدنيا لطاعة الله تعالى والتحرير ينصرف على وجهين أحدهما العتق من الحرية والآخر تحرير الكتاب وهو إخلاصه من الفساد والاضطراب وقولها إنى نذرت لك ما في بطني محررا إذا أرادت مخلصا للعبادة أنها تنشئه على ذلك وتشغله بها دون غيرها وإذا أرادت به أنها تجعله خادما للبيعة أو عتيقا لطاعة الله تعالى فإن معاني جميع ذلك متقاربة كان نذرا من قبلها نذرته لله تعالى بقولها نذرت ثم قالت فتقبل منى إنك أنت السميع العليم والنذر في مثل ذلك صحيح في شريعتنا أيضا بأن ينذر الإنسان أن ينشئ ابنه الصغير على عبادة الله وطاعته وأن لا يشغله بغيرهما وأن يعلمه القرآن والفقه وعلوم الدين وجميع ذلك نذور صحيحة لأن في ذلك قربة إلى الله تعالى وقولها نذرت لك يدل على أنه يقتضى الإيجاب وأن من نذر لله تعالى قربة يلزمه الوفاء بها ويدل على أن النذور تتعلق على الأخطار وعلى أوقات مستقبلة لأنه معلوم أن قولها نذرت لك ما في بطني محررا أرادت به بعد الولادة وبلوغ الوقت الذي يجوز في مثله أن يخلص لعبادة الله تعالى ويدل أيضا على جواز النذر بالمجهول لأنها نذرته وهي لا تدرى ذكرا أم أنثى ويدل على أن للأم ضربا من الولاية على الولد في تأديبه وتعليمه وإمساكه وتربيته لولا أنها تملك ذلك لما نذرته في ولدها ويدل أيضا على أن للأم تسمية ولدها وتكون تسمية صحيحة وإن لم يسمه الأب لأنها قالت وإنى سميتها مريم وأثبت الله تعالى لولدها هذا الاسم* وقوله تعالى( فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ ) المراد به والله
أعلم رضيها للعبادة في النذر الذي نذرته بالإخلاص للعبادة في بيت المقدس ولم يقبل قبلها أنثى في هذا المعنى قوله تعالى( وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا ) إذا قرئ بالتخفيف كان معناه أنه تضمن مؤنتها كما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين وأشار بإصبعيه يعنى به من يضمن مؤنة اليتيم وإذا قرئ بالتثقيل كان معناه أن الله تعالى كفله إياها وضمنه مؤنتها وأمره بالقيام بها والقراءتان صحيحتان بأن يكون الله تعالى كفله إياها فتكفل بها قوله تعالى( قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ) الهبة تمليك الشيء من غير ثمن ويقولون قد تواهبوا الأمر بينهم وسمى الله تعالى ذلك هبة على وجه المجاز لأنه لم تكن هناك هبة على الحقيقة إذ لم يكن تمليك شيء وقد كان الولد حرا لا يقع فيه تمليك ولكنه لما أراد أن يخلص له الولد على ما أراد من عبادة الله تعالى ووراثته النبوة والعلم أطلق عليه لفظ الهبة كما سمى الله تعالى بذل النفس للجهاد في الله شراء بقوله( إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) هو تعالى مالك الجميع من الأنفس والأموال قبل أن جاهدوا وبعده وسمى ذلك شراء لما وعدهم عليه من الثواب الجزيل وقد يقول القائل لي جناية فلان ولا تمليك فيه وإنما أراد إسقاط حكمها* وقوله تعالى( وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) يدل على أن غير الله تعالى يجوز أن يسمى بهذا الاسم لأن الله تعالى سمى بيحيى سيدا والسيد هو الذي تجب طاعته* وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال للأنصار حين أقبل سعد بن معاذ للحكم بينه وبين بنى قريظة قوموا إلى سيدكم وقال صلّى الله عليه وسلّم للحسن إن ابني هذا سيد وقال لبنى سلمة من سيدكم يا بنى سلمة قالوا الحر بن قيس على بخل فيه قال وأى داء أدوى من البخل ولكن سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح فهذا كله يدل على أن من تجب طاعته يجوز أن يسمى سيدا وليس السيد هو المالك فحسب لأنه لو كان كذلك لجاز أن يقال سيد الدابة وسيد الثوب كما يقال سيد العبد* وقد روى أن وفد بنى عامر قدموا على النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالوا أنت سيدنا وذو الطول علينا فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم السيد هو الله تكلموا بكلامكم ولا يستهوينكم الشيطان * وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم أفضل السادة من بنى آدم ولكنه رآهم متكلفين لهذا القول فأنكره عليهم كما قال أبغضكم إلى الثرثارون المتشدقون المتفيهقون فكره لهم تكلف الكلام على وجه التصنع وقد روى عن النبي أنه قال لا تقولوا للمنافق سيدا فإنه إن يك سيدا فقد هلكتم فنهى أن يسمى المنافق سيدا لأنه لا تجب
طاعته فإن قيل قال الله تعالى( رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ) فسموهم سادات وهم ضلال* قيل له لأنهم أنزلوهم منزلة من تجب طاعته وإن لم يكن مستحقا لها فكانوا عندهم وفي اعتقادهم ساداتهم كما قال تعالى( فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ) ولم يكونوا آلهة ولكنهم سموهم آلهة فأجرى الكلام على ما كان في زعمهم واعتقادهم* قوله تعالى( قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً ) يقال إنه طلب آية لوقت الحمل ليعجل السرور به فأمسك على لسانه فلم يقدر أن يكلم الناس إلا بالإيماء يروى ذلك عن الحسن والربيع بن أنس وقتادة وقال في هذه الآية( ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ) وفي موضع آخر في سورة مريم في هذه القصة بعينها( ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ) عبر تارة بذكر الأيام وتارة بذكر الليالى وفي هذا دليل على أن أحد العددين من الجميع عند الإطلاق يعقل به مقداره من الوقت الآخر فيعقل من ثلاثة أيام ثلاث ليال معها ومن ثلاث ليال ثلاثة أيام ألا ترى أنه لما أراد التفرقة بينهما أفرد كل واحد منهما بالذكر فقال( سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ) لأنه لو اقتصر على العدد الأول عقل مثله من الوقت الآخر قوله تعالى( وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ) قيل في قوله( اصْطَفاكِ ) اختارك بالتفضيل على نساء العالمين في زمانهم يروى ذلك عن الحسن وابن جريج وقال غيرهما معناه أنه اختارك على نساء العالمين بحال جليلة من ولادة المسيح وقال الحسن ومجاهد وطهرك من الكفر بالإيمان قال أبو بكر هذا سائغ كما جاز إطلاق اسم النجاسة على الكافر لأجل الكفر في قوله تعالى( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) والمراد نجاسة الكفر فكذلك يكون وطهرك بطهارة الإيمان وروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن المؤمن ليس بنجس يعنى به نجاسة الكفر وهو كقوله تعالى( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) والمراد طهارة الإيمان والطاعات وقيل إن المراد وطهرك من سائر الأجناس من الحيض والنفاس وغيرهما وقد اختلف في وجه تطهير الملائكة لمريم وإن لم تكن نبية لأن الله تعالى قال( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ ) فقال قائل كان ذلك معجزة لزكريا عليه السّلام وقال آخرون على وجه إرهاص نبوة المسيح كحال الشهب وإظلال الغمامة ونحو ذلك مما كان لنبينا صلّى الله عليه وسلّم قبل المبعث قوله تعالى( يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ) قال سعيد أخلصى لربك وقال قتادة أديمى الطاعة وقال
مجاهد أطيلى القيام في الصلاة وأصل القنوت الدوام على الشيء وأشبه هذه الوجوه بالحال الأمر بإطالة القيام في الصلاة وروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال أفضل الصلاة طول القنوت يعنى طول القيام ويدل عليه قوله عطفا على ذلك واسجدي واركعى فأمرت بالقيام والركوع والسجود وهي أركان الصلاة ولذلك لم يكن هذا موضع سجدة عند سائر أهل العلم كسائر مواضع السجود لأجل ذكر السجود فيها لأنه قد ذكر مع السجود القيام والركوع فكان أمرا بالصلاة وفي هذا دلالة على أن الواو لا توجب الترتيب لأن الركوع مقدم على السجود في المعنى وقدم السجود هاهنا في اللفظ* قوله تعالى( وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ) قال أبو بكر حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبى الربيع الجرجانى قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى( إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ ) قال تساهموا على مريم أيهم يكفلها فقرعهم زكريا ويقال إن الأقلام هاهنا القداح التي يتساهم عليها وأنهم ألقوها في جرية الماء فاستقبل قلم زكريا عليه السّلام جرية الماء مصعدا وانحدرت أقلام الآخرين معجزة لزكريا عليه السّلام فقرعهم يروى ذلك عن الربيع بن أنس ففي هذا التأويل أنهم تساهموا عليها حرصا على كفالتها* ومن الناس من يقول إنهم تدافعوا كفالتها لشدة الأزمة والقحط في زمانها حتى وفق لها زكريا خير الكفلاء والتأويل الأول أصح لأن الله تعالى قد أخبر أنه كفلها زكريا وهذا يدل على أنه كان حريصا على كفالتها* ومن الناس من يحتج بذلك على جواز القرعة في العبيد يعتقهم في مرضه ثم يموت ولا مال له غيرهم وليس هذا من عتق العبيد في شيء لأن الرضا بكفالة الواحد منهم بعينه جائز في مثله ولا يجوز التراضي على استرقاق من حصلت له الحرية وقد كان عتق الميت نافذا في الجميع فلا يجوز نقله بالقرعة عن أحد منهم إلى غيره كما لا يجوز التراضي على نقل الحرية عمن وقعت عليه* وإلقاء الأقلام يشبه القرعة في القسمة وفي تقديم الخصوم إلى الحاكم وهو نظير ما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه وذلك لأن التراضي على ما خرجت به القرعة جائز من غير قرعة وكذلك حكم كفالة مريم عليها السّلام وغير جائز وقوع التراضي على نقل الحرية عمن وقعت عليه* قوله تعالى( إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ ) البشارة هي خبر على وصف وهو في الأصل لما يسر لظهور السرور في بشرة وجهه إذا
بشر والبشرة هي ظاهر الجلد فأضافت الملائكة البشارة إلى الله تعالى وكان الله هو مبشرها وإن كانت الملائكة خاطبوها وكذلك قال أصحابنا فيمن قال إن بشرت فلانا بقدوم فلان فعبدي حر فقدم وأرسل إليه رسولا يخبره بقدومه فقال له الرسول إن فلانا يقول لك قد قدم فلان أنه يحنث في يمينه لأن المرسل هو المبشر دون الرسول ولأجل ما ذكرنا من تضمن البشارة إحداث السرور قال أصحابنا إن المبشر هو المخبر الأول وأن الثاني ليس بمبشر لأنه لا يحدث بخبره سرور وقد تطلق البشارة ويراد بها الخبر فحسب كقوله تعالى( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) قوله تعالى( بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ) قد قيل فيه ثلاثة أوجه أحدها أنه لما خلقه الله تعالى من غير والد كما قال الله تعالى( خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) فلما كان خلقه على هذا الوجه من غير والد أطلق عليه اسم الكلمة مجازا كما قال( وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ ) والوجه الثاني أنه لما بشر به في الكتب القديمة أطلق عليه الاسم والوجه الثالث إن الله يهدى به كما يهدى بكلمته* قوله تعالى( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) الاحتجاج المتقدم لهذه الآية على النصارى في قولهم إن المسيح هو ابن الله وهم وفد نجران وفيهم السيد والعاقب قالا للنبي صلّى الله عليه وسلّم هل رأيت ولدا من غير ذكر فأنزل الله تعالى( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ ) روى ذلك عن ابن عباس والحسن وقتادة وقال قبل ذلك فيما حكى عن المسيح( وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) ـ إلى قوله تعالى ـ( إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ) وهذا موجود في الإنجيل لأن فيه إنى ذاهب إلى أبى وأبيكم وإلهى وإلهكم والأب السيد في تلك اللغة ألا تراه قال وأبى وأبيكم فعلمت أنه لم يرد به الأبوة المقتضية للبنوة فلما قامت الحجة عليهم بما عرفوه واعترفوا به وأبطل شبهتهم في قولهم أنه ولد من غير ذكر بأمر آدم عليه السّلام دعاهم حينئذ إلى المباهلة فقال تعالى( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) الآية فنقل رواة السير ونقلة الأثر لم يختلفوا فيه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخذ بيد الحسن والحسين وعلى وفاطمة رضى الله عنهم ثم دعا النصارى الذين حاجوه إلى المباهلة فأحجموا عنها وقال بعضهم لبعض إن باهلتموه اضطرم الوادي عليكم نارا ولم يبق نصراني ولا نصرانية إلى يوم القيامة * وفي هذه الآيات دحض شبه النصارى في أنه إله أو ابن الإله وفيه دلالة على صحة نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم لو لا أنهم عرفوا يقينا أنه
نبي ما الذي كان يمنعهم من المباهلة فلما أحجموا وامتنعوا عنها دل أنهم قد كانوا عرفوا صحة نبوته بالدلائل المعجزات وبما وجدوا من نعته في كتب الأنبياء المتقدمين* وفيه الدلالة على أن الحسن والحسين ابنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأنه أخذ بيد الحسن والحسين حين أراد حضور المباهلة وقال تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ولم يكن هناك للنبي صلّى الله عليه وسلّم بنون غيرهما وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال للحسن رضى الله عنه إن ابني هذا سيد وقال حين بال عليه أحدهما وهو صغير لا تزرموا ابني وهما من ذريته أيضا كما جعل الله تعالى عيسى من ذرية إبراهيم عليهما السّلام بقوله تعالى( وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ ) ـ إلى قوله تعالى ـ( وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى ) وإنما نسبته إليه من جهة أمه لأنه لا أب له* ومن الناس من يقول أن هذا مخصوص في الحسن والحسين رضى الله عنهما أن يسميا ابني النبي صلّى الله عليه وسلّم دون غيرهما وقد روى في ذلك خبر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم يدل على خصوص إطلاق اسم ذلك فيهما دون غيرهما من الناس لأنه روى عنه أنه قال سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببى ونسبي وقال محمد فيمن أوصى لولد فلان ولم يكن له ولد لصلبه وله ولد ابن وولد ابنة أن الوصية لولد الإبن دون ولد الإبنة وقد روى الحسن بن زياد عن أبى حنيفة إن ولد الإبنة يدخلون فيه وهذا يدل على أن قوله تعالى وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في ذلك مخصوص به الحسن والحسين في جواز نسبتهما على الإطلاق إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم دون غيره من الناس لما ورد فيه من الأثر وأن غيرهما من الناس إنما ينسبون إلى الآباء وقومهم دون قوم الأم ألا ترى أن الهاشمي إذا استولد جارية رومية أو حبشية أن ابنه يكون هاشميا منسوبا إلى قوم أبيه دون أمه وكذلك قال الشاعر :
بنونا بنوا أبنائنا وبناتنا |
بنوهن أبناء الرجال الأباعد |
فنسبة الحسن والحسين رضى الله عنهما إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم بالبنوة على الإطلاق مخصوص بهما لا يدخل فيه غيرهما هذا هو الظاهر المتعالم من كلام الناس فيمن سواهما لأنهم ينسبون إلى الأب وقومه دون قوم الأم* قوله تعالى( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ ) الآية* قوله تعالى( كَلِمَةٍ سَواءٍ ) يعنى والله أعلم كلمة عدل بيننا وبينكم نتساوى جميعا فيها إذ كنا جميعا عباد الله ثم فسرها بقوله تعالى( أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ ) وهذه هي
الكلمة التي تشهد العقول بصحتها إذ كان الناس كلهم عبيد الله لا يستحق بعضهم على بعض العبادة ولا يجب على أحد منهم طاعة غيره إلا فيما كان طاعة لله تعالى وقد شرط الله تعالى في طاعة نبيه صلّى الله عليه وسلّم ما كان منها معروفا وإن كان الله تعالى قد علم أنه لا يأمر إلا بالمعروف لئلا يترخص أحد في إلزام غيره طاعة نفسه إلا بأمر الله تعالى كما قال الله تعالى مخاطبا لنبيه صلّى الله عليه وسلّم في قصة المبايعات( وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَ ) فشرط عليهن ترك عصيان النبي صلّى الله عليه وسلّم في المعروف الذي يأمرهن به تأكيدا لئلا يلزم أحدا طاعة غيره إلا بأمر الله وما كان منه طاعة لله تعالى* وقوله تعالى( وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ ) أى لا يتبعه في تحليل شيء ولا تحريمه إلا فيما حلله الله أو حرمه وهو نظير قوله تعالى( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ) وقد روى عبد السّلام بن حرب عن عطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدى بن حاتم قال أتيت النبي صلّى الله عليه وسلّم وفي عنقي صليب من ذهب فقال ألق هذا الوثن عنك ثم قرأ( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ ) قلت يا رسول ما كنا نعبدهم قال أليس كانوا يحلون لهم ما حرم الله عليهم فيحلونه ويحرمون عليهم ما أحل الله لهم فيحرمونه قال فتلك عبادتهم وإنما وصفهم الله تعالى بأنهم اتخذوا أربابا لأنهم أنزلوهم منزلة ربهم وخالقهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرمه الله ولم يحلله ولا يستحق أحد أن يطاع بمثله إلا الله تعالى الذي هو خالقهم والمكلفون كلهم متساوون في لزوم عبادة الله واتباع أمره وتوجيه العبادة إليه دون غيره* قوله تعالى( يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ ) إلى قوله تعالى( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) روى عن ابن عباس والحسن والسدى أن أحبار اليهود ونصارى نجران اجتمعوا عند النبي صلّى الله عليه وسلّم فتنازعوا في إبراهيم عليه السّلام فقالت اليهود ما كان إلا يهوديا وقالت النصارى ما كان إلا نصرانيا فأبطل الله دعواهم بقوله تعالى( يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) فاليهودية والنصرانية حادثتان بعد إبراهيم فكيف يكون يهوديا أو نصرانيا* وقد قيل إنهم سموا بذلك لأنهم من ولد يهودا والنصارى سموا بذلك لأن أصلهم من ناصرة قرية بالشام ومع ذلك فإن اليهودية ملة محرفة عن ملة موسى عليه السّلام والنصرانية ملة محرفة عن شريعة عيسى عليه السّلام فلذلك قال تعالى( وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ
إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ ) فكيف يكون إبراهيم منسوبا إلى ملة حادثة بعده* فإن قيل فينبغي أن* لا يكون حنيفا مسلما لأن القرآن نزل بعده* قيل له لما كان معنى الحنيف الدين المستقيم لأن الحنف في اللغة هو الاستقامة والإسلام هاهنا هو الطاعة لله تعالى والانقياد لأمره وكل واحد من أهل الحق يصح وصفه بذلك فقد علمنا بأن الأنبياء المتقدمين إبراهيم ومن قبله قد كانوا بهذه الصفة فلذلك جاز أن يسمى إبراهيم حنيفا مسلما وإن كان القرآن نزل بعده لأن هذا الاسم ليس بمختص بنزول القرآن دون غيره بل يصح صفة جميع المؤمنين به واليهودية والنصرانية صفة حادثة لمن كان على ملة حرفها منتحلوها من شريعة التوراة والإنجيل فغير جائز أن ينسب إليها من كان قبلها وفي هذه الآيات دليل على وجوب المحاجة في الدين وإقامة الحجة على المبطلين كما احتج الله تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في أمر المسيح عليه السّلام وأبطل بها شبهتهم وشغبهم وقوله تعالى( ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ) أوضح دليل على صحة الاحتجاج للحق لأنه لو كان الحجاج كله محظورا لما فرق بين المحاجة بالعلم وبينها إذا كانت بغير علم* وقيل في قوله تعالى( حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ) فيما وجدوه في كتبهم وأما ما ليس لهم به علم فهو شأن إبراهيم في قولهم إنه كان يهوديا أو نصرانيا قوله تعالى( وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ) معناه تأمنه على قنطار لأن الباء وعلى تتعاقبان في هذا الموضع كقولك مررت بفلان ومررت عليه وقال الحسن في القنطار هو ألف مثقال ومائتا مثقال وقال أبو نضرة ملء مسك ثور ذهبا وقال مجاهد سبعون ألفا وقال أبو صالح مائة رطل فوصف الله تعالى بعض أهل الكتاب بأداء الأمانة في هذا الموضع ويقال إنه أراد به النصارى ومن الناس من يحتج بذلك في قبول شهادة بعضهم على بعض لأن الشهادة ضرب من الأمانة كما أن بعض المسلمين لما كان مأمونا جازت شهادته فكذلك الكتابي من حيث كان منهم موصوفا بالأمانة دل على جواز قبول شهادته على الكفار* فإن قيل فهذا يوجب جواز قبول شهادتهم على المسلمين* لأنه وصفه بأداء الأمانة إلى المسلمين إذا ائتمنوه عليها* قيل له كذلك يقتضى ظاهر الآية إلا أنا خصصناه بالاتفاق وأيضا فإنما دلت على جواز شهادتهم للمسلمين لأن أداء أمانتهم حق لهم فأما جوازه عليهم فلا دلالة في الآية عليه* وقوله تعالى( وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ
بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ) قال مجاهد وقتادة إلا ما دمت عليه قائما بالتقاضي وقال السدى إلا ما دمت قائما على رأسه بالملازمة له واللفظ محتمل للأمرين من التقاضي ومن الملازمة وهو عليهما جميعا وقوله تعالى( إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ) بالملازمة أولى منه بالتقاضي من غير ملازمة* وقد دلت الآية على أن للطالب ملازمة المطلوب* بالدين* وقوله تعالى( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) روى عن قتادة والسدى أن اليهود قالت ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل لأنهم مشركون وزعموا أنهم وجدوا ذلك في كتبهم وقيل أنهم قالوا ذلك في سائر من يخالفهم في دينهم ويستحلون أموالهم لأنهم يزعمون أن على الناس جميعا اتباعهم وادعوا ذلك على الله أنه أنزل عليهم فأخبر الله تعالى عن كذبهم في ذلك بقوله تعالى( وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) أنه كذب قوله تعالى( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً ) روى الأعمش عن سفيان عن عبد الله قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم وهو فاجر فيها لقى الله وهو عليه غضبان وقال الأشعث بن قيس في نزلت كان بيني وبين رجل خصومة فخاصمته إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال ألك بينة قلت لا قال فيمينه قلت إذا يحلف فذكر مثل قول عبد الله فنزلت( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ ) الآية وروى مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن معبد بن كعب عن أخيه عبد الله بن كعب ابن مالك عن أبى أمامة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال من اقتطع حق مسلم بيمنه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار قالوا وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله قال وإن كان قضيبا من أراك وروى الشعبي عن علقمة عن عبد الله قال سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول من حلف على يمين صبر ليقطع بها مال أخيه لقى الله وهو عليه غضبان * وظاهر الآية وهذه الآثار تدل على أنه لا يستحق أحد بيمينه مالا هو في الظاهر لغيره وكل من في يده شيء يدعيه لنفسه فالظاهر أنه له حتى يستحقه غيره وقد منع ظاهر الآية والآثار التي ذكرنا أن يستحق بيمينه مالا هو لغيره في الظاهر ولو لا يمينه لم يستحقه لأنه معلوم أنه لم يرد به مالا هو له عند الله دون ما هو عندنا في الظاهر إذ كانت الأملاك لا تثبت عندنا إلا من طريق الظاهر دون الحقيقة* وفي ذلك دليل على بطلان قول القائلين برد اليمين لأنه يستحق بيمينه ما كان ملكا لغيره في الظاهر وفيه الدلالة على أن الأيمان ليست
موضوعة للاستحقاق وإنما موضوعها لإسقاط الخصومة وروى العوام بن حوشب قال حدثنا إبراهيم بن إسماعيل أنه سمع ابن أبى أوفى يقول أقام رجل سلعة فحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد أعطيت بها ثمنا لم يعط بها ليوقع فيها مسلما فنزلت( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ ) الآية وروى عن الحسن وعكرمة أنها نزلت في قوم من أحبار اليهود كتبوا كتابا بأيديهم ثم حلفوا أنه من عند الله ممن ادعوا أنه ليس علينا في الأميين سبيل قوله تعالى( وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ) ـ إلى قوله تعالى ـ( وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) يدل على أن المعاصي ليست من عند الله ولا من فعله لأنها لو كانت من فعله لكانت من عنده وقد نفى الله نفيا عاما كون المعاصي من عنده ولو كانت من فعله لكانت من عنده من آكد الوجوه فكان لا يجوز إطلاق النفي بأنه ليس من عنده فإن قيل فقد يقال إن الإيمان من عند الله ولا يقال إنه من عنده من كل الوجوه كذلك الكفر والمعاصي قيل له لأن إطلاق النفي يوجب العموم وليس كذلك إطلاق الإثبات ألا ترى أنك لو قلت ما عند زيد طعام كان نفيا لقليله وكثيره ولو قلت عنده طعام ما كان عموما في كون جميع الطعام عنده* قوله تعالى( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) قيل في معنى البر هاهنا وجهان أحدهما الجنة وروى ذلك عن عمرو بن ميمون والسدى وقيل فيه البر بفعل الخير الذي يستحقون به الأجر والنفقة هاهنا إخراج ما يحبه في سبيل الله من صدقة أو غيرها وروى يزيد بن هارون عن حميد عن أنس قال لما نزلت( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) ، و( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً ) قال أبو طلحة يا رسول الله حائطي الذي بمكان كذا وكذا لله تعالى ولو استطعت أن أسره ما أعلنته فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اجعله في قرابتك أو في أقربائك وروى يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو عن أبى عمرو بن حماس عن حمزة بن عبد الله عن عبد الله بن عمر قال خطرت هذه الآية( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) فتذكرت ما أعطانى الله فلم أجد شيئا أحب إلى من جاريتي أميمة فقلت هي حرة لوجه الله فلو لا أن أعود في شيء فعلته لله لنكحتها فأنكحتها نافعا وهي أم ولده* حدثنا عبد الله بن محمد ابن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبى الربيع قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن أيوب وغيره أنها حين نزلت( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال يا رسول الله هذه في سبيل الله فحمل النبي صلّى الله عليه وسلّم عليها أسامة بن
زيد فكان زيد أوجد في نفسه فلما رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك منه قال أما الله تعالى فقد قبلها * وروى عن الحسن أنه قال هو الزكاة الواجبة وما فرض الله تعالى في الأموال* قال أبو بكر عتق ابن عمر للجارية على تأويل الآية على أنه رأى كل ما أخرج على وجه القربة إلى الله فهو من النفقة المراد بالآية ويدل على أن ذلك كان عنده عاما في الفروض والنوافل وكذلك فعل أبى طلحة وزيد بن حارثة يدل على أنهم لم يروا ذلك مقصورا على الفرض دون النفل ويكون حينئذ معنى قوله تعالى( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ ) على أنكم لن تنالوا البر الذي هو في أعلى منازل القرب حتى تنفقوا مما تحبون على وجه المبالغة في الترغيب فيه لأن الإنفاق مما يحب يدل على صدق نيته كما قال تعالى( لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ ) وقد يجوز إطلاق مثله في اللغة وإن لم يرد به نفى الأصل وإنما يريد به نفى الكمال كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد ما ينفق ولا يفطن له فيتصدق عليه فأطلق ذلك على وجه المبالغة في الوصف له بالمسكنة لا على نفى المسكنة عن غيره على الحقيقة* قوله تعالى( كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ ) قال أبو بكر هذا يوجب أن يكون جميع المأكولات قد كان مباحا لبنى إسرائيل إلى أن حرم إسرائيل ما حرمه على نفسه* وروى عن ابن عباس والحسن أنه أخذه وجع عرق النسا فحرم أحب الطعام* إليه إن شفاه الله على وجه النذر وهو لحوم الإبل* وقال قتادة حرم العروق* وروى أن إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السّلام نذر إن برىء من عرق النسا أن يحرم أحب الطعام والشراب إليه وهو لحوم الإبل وألبانها* وكان سبب نزول هذه الآية أن اليهود أنكروا تحليل النبي صلّى الله عليه وسلّم لحوم الإبل لأنهم لا يرون النسخ جائزا فأنزل الله هذه الآية وبين أنها كانت مباحة لإبراهيم وولده إلى أن حرمها إسرائيل على نفسه وحاجهم بالتوراة فلم يجسروا على إحضارها لعلمهم بصدق ما أخبر أنه فيها وبين بذلك بطلان قولهم في أباء النسخ إذ ما جاز أن يكون مباحا في وقت ثم حظر جازت إباحته بعد حظره وفيه الدلالة على صحة نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنه صلّى الله عليه وسلّم كان أميا لا يقرأ الكتاب ولم يجالس أهل الكتاب فلم يعرف سرائر كتب الأنبياء المتقدمين إلا بإعلام الله إياه وهذا الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه صار محظورا عليه وعلى بنى إسرائيل يدل
عليه قوله تعالى( كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ ) فاستثنى ذلك مما أحله تعالى لبنى إسرائيل ثم حظره إسرائيل على نفسه فدل على أنه صار محظورا عليه وعليهم* فإن قيل كيف يجوز للإنسان أن يحرم على نفسه شيئا وهو لا يعلم* موقع المصلحة في الحظر والإباحة إذ كان علم المصالح في العبادات لله تعالى وحده* قيل هذا جائز بأن يأذن الله له فيه كما يجوز الاجتهاد في الأحكام بإذن الله تعالى فيكون ما يؤدى إليه الاجتهاد حكما لله تعالى وأيضا فجائز للإنسان أن يحرم امرأته على نفسه بالطلاق ويحرم جاريته بالعتق فكذلك جائز أن يأذن الله له في تحريم الطعام أما من جهة النص أو الاجتهاد وما حرمه إسرائيل على نفسه لا يخلو من أن يكون تحريمه صدر عن اجتهاد منه في ذلك أو توقيفا من الله له في إباحة التحريم له إن شاء وظاهر الآية يدل على أن تحريمه صدر عن اجتهاد منه في ذلك لإضافة الله تعالى التحريم إليه ولو كان ذلك عن توقيف لقال إلا ما حرم الله على بنى إسرائيل فلما أضاف التحريم إليه دل ذلك على أنه كان جعل إليه إيجاب التحريم من طريق الاجتهاد* وهذا يدل على أنه جائز أن يجعل للنبي صلّى الله عليه وسلّم الاجتهاد في الأحكام كما جاز لغيره والنبي صلّى الله عليه وسلّم أولى بذلك لفضل رأيه وعلمه بوجوه المقاييس واجتهاد الرأى وقد بينا ذلك في أصول الفقه* قال أبو بكر قد دلت الآية على أن تحريم إسرائيل لما حرمه من الطعام على نفسه قد كان واقعا ولم يكن موجب لفظه شيئا غير التحريم وهذا المعنى هو منسوخ بشريعة نبينا صلّى الله عليه وسلّم وذلك لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم حرم مارية على نفسه وقيل أنه حرم العسل فلم يحرمهما الله تعالى عليه وجعل موجب لفظه كفارة يمين بقوله تعالى( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ ) ـ إلى قوله تعالى ـ( قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ ) فجعل في التحريم كفارة يمين إذا استباح ما حرم بمنزلة الحلف أن لا يستبيحه وكذلك قال أصحابنا فيمن حرم على نفسه جارية أو شيئا من ملكه أنه لا يحرم عليه وله أن يستبيحه بعد التحريم وتلزمه كفارة يمين بمنزلة من حلف أن لا يأكل هذا الطعام إلا أنهم خالفوا بينه وبين اليمين من وجه وهو أن القائل والله لا أكلت هذا الطعام لا يحنث إلا بأكل جميعه ولو قال قد حرمت هذا الطعام على نفسي حنث بأكل جزء منه لأن الحالف لما حلف عليه بلفظ التحريم فقد قصد إلى الحنث بأكل الجزء منه بمنزلة قوله والله لا آكل شيئا منه لأن ما حرمه الله تعالى من الأشياء
فتحريمه شامل لقليله وكثيره وكذلك المحرم له على نفسه عاقد لليمين على كل جزء منه أن لا يأكل. قوله عز وجل( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ) قال مجاهد وقتادة لم يوضع قبله بيت على الأرض وروى عن على والحسن أنهما قالا هو أول بيت وضع للعبادة * وقد اختلف في بكه فقال الزهري بكة المسجد ومكة الحرم كله وقال مجاهد بكة هي مكة ومن قال هذ القول يقول قد تبدل الباء مع الميم كقوله سبد رأسه وسمده إذا حلقه وقال أبو عبيدة بكة هي بطن مكة* وقيل إن البك الزحم من قولك بكه يبكه بكا إذا زاحمه وتباك الناس بالموضع إذا ازدحموا فيجوز أن يسمى بها البيت لازدحام الناس فيه للتبرك بالصلاة ويجوز أن يسمى به ما حول البيت من المسجد لازدحام الناس فيه للطواف قوله تعالى( وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ) يعنى بيانا ودلالة على الله لما أظهر فيه من الآيات التي لا يقدر عليها غيره وهو أمن الوحش فيه حتى يجتمع الكلب والظبى في الحرم فلا الكلب يهيج الظبى ولا الظبى يتوحش منه وفي ذلك دلالة على توحيد الله وقدرته وهذا يدل على أن المراد بالبيت هاهنا البيت وما حوله من الحرم لأن ذلك موجود في جميع الحرم وقوله( مُبارَكاً ) يعنى أنه ثابت الخير والبركة لأن البركة هي ثبوت الخير ونموه وتزيده والبرك هو الثبوت يقال برك بركا وبروكا إذا ثبت على حاله هذه في الآية ترغيب في الحج إلى البيت الحرام بما أخبر عنه من المصلحة فيه والبركة ونمو الخير وزيادته مع اللطف في الهداية إلى التوحيد والديانة قوله تعالى( فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ ) قال أبو بكر الآية في مقام إبراهيم عليه السّلام أن قدميه دخلتا في حجر صلد بقدرة الله تعالى ليكون ذلك دلالة وآية على توحيد الله وعلى صحة نبوة إبراهيم عليه السّلام ومن الآيات فيه ما ذكرنا من أمن الوحش وأنسه فيه مع السباع الضارية المتعادية وأمن الخائف في الجاهلية فيه ويتخطف الناس من حولهم وإمحاق الجمار على كثرة الرمي من لدن إبراهيم عليه السّلام إلى يومنا هذا مع أن حصى الجمار إنما تنقل إلى موضع الرمي من غيره وامتناع الطير من العلو عليه وإنما يطير حوله لا فوقه واستشفاء المريض منها به وتعجيل العقوبة لمن انتهك حرمته وقد كانت العادة بذلك جارية ومن إهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا لإخرابه بالطير الأبابيل فهذه كلها من آيات الحرم سوى ما لا نحصيه منها وفي جميع ذلك دليل على أن المراد بالبيت هنا الحرم كله لأن هذه الآيات موجودة في الحرم
ومقام إبراهيم ليس في البيت إنما هو خارج البيت والله أعلم.
باب الجاني يلجأ إلى الحرم أو يجنى فيه
قال الله تعالى( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) قال أبو بكر لما كانت الآيات المذكورة عقيب قوله( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ) موجودة في جميع الحرم ثم قال( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) وجب أن يكون مراده جميع الحرم وقوله( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) يقتضى أمنه على نفسه سواء كان جانيا قبل دخوله أو جنى بعد دخوله إلا أن الفقهاء متفقون على أنه مأخوذ بجنايته في الحرم في النفس وما دونها ومعلوم أن قوله( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) هو أمر وإن كان في صورة الخبر كأنه قال هو آمن في حكم الله تعالى وفيما أمر به كما نقول هذا مباح وهذا محظور والمراد به كذلك في حكم الله وما أمر به عباده وليس المراد أن مبيحا يستبيحه ولا أن معتقدا للحظر يحظره وإنما هو بمنزلة قوله في المباح افعله على أن لا تبعة عليك فيه ولا ثواب وفي المحظور لا تفعله فإنك تستحق العقاب به وكذلك قوله تعالى( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) هو أمر لنا بإيمانه وحظر دمه ألا ترى إلى قوله تعالى( وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ) فأخبر بجواز وقوع القتل فيه وأمرنا بقتل المشركين فيه إذا قاتلونا ولو كان قوله تعالى( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) خبرا لما جاز أن لا يوجد مخبره فثبت بذلك أن قوله تعالى( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) هو أمر لنا بإيمانه ونهى لنا عن قتله ثم لا يخلوا ذلك من أن يكون أمرا لنا بأن نؤمنه من الظلم والقتل الذي لا يستحق أو أن تؤمنه من قتل قد استحقه بجنايته فلما كان حمله على الإيمان من قتل غير مستحق عليه بل على وجه الظلم تسقط فائدة تخصيص الحرم به لأن الحرم وغيره في ذلك سواء إذا كان علينا إيمان كل أحد من ظلم يقع به من قبلنا أو من قبل غيرنا إذا أمكننا ذلك علمنا أن المراد الأمر بالإيمان من قبل مستحق فظاهره يقتضى أن نؤمنه من المستحق من ذلك بجنايته في الحرم وفي غيره إلا أن الدلالة قد قامت من اتفاق أهل العلم على أنه إذا قتل في الحرم قتل قال الله تعالى( وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ) ففرق بين الجاني في الحرم وبين الجاني في غيره إذا لجأ إليه وقد اختلف الفقهاء فيمن جنى في غير الحرم ثم لاذ إليه فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد إذا قتل في غير الحرم ثم دخل الحرم
لم يقتص منه ما دام فيه ولكنه لا يبايع ولا يؤاكل إلى أن يخرج من الحرم فيقتص منه وإن قتل في الحرم قتل وإن كانت جنايته فيما دون النفس في غير الحرم ثم دخل الحرم اقتص منه وقال مالك والشافعى يقتص منه في الحرم ذلك كله قال أبو بكر روى عن ابن عباس وابن عمر وعبيد الله بن عمير وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس والشعبي فيمن قتل ثم لجأ إلى الحرم أنه لا يقتل قال ابن عباس ولكنه لا يجالس ولا يؤوى ولا يبايع حتى يخرج من الحرم فيقتل وإن فعل ذلك في الحرم أقيم عليه وروى قتادة عن الحسن أنه قال لا يمنع الحرم من أصاب فيه أو في غيره أن يقام عليه قال وكان الحسن يقول( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) كان هذا في الجاهلية لو أن رجلا جر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتعرض له حتى يخرج من الحرم فأما الإسلام فلم يزده إلا شدة من أصاب حدا في غيره ثم لجأ إليه أقيم عليه الحد وروى هشام عن الحسن وعطاء قالا إذا أصاب حدا في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم أخرج عن الحرم حتى يقام عليه وعن مجاهد مثله وهذا يحتمل أن يريد به أن يضطر إلى الخروج بترك مجالسته وإيوائه ومبايعته ومشاراته وقد روى ذلك عن عطاء مفسرا فجائز أن يكون ما روى عنه وعن الحسن في إخراجه من الحرم على هذا الوجه وقد ذكرنا دلالة قوله تعالى( وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ ) على مثل ما دل عليه قوله تعالى( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) في موضعه وبينا وجه دلالة ذلك على أن دخول الحرم يحظر قتل من لجأ إليه إذا لم تكن جنايته في الحرم وأما ما ذكرنا من قول السلف فيه يدل على أنه اتفاق منهم على حظر قتل من قتل في غير الحرم ثم لجأ إليه لأن الحسن روى عنه فيه قولان متضادان أحدهما رواية قتادة عنه أنه يقتل والآخر رواية هشام بن حسان في أنه لا يقتل في الحرم ولكنه يخرج منه فيقتل وقد بينا أنه يحتمل قوله يخرج فيقتل أنه يضيق عليه في ترك المبايعة والمشاراة والأكل والشرب حتى يضطر إلى الخروج فلم يحصل للحسن في هذا قول لتضاد الروايتين وبقي قول الآخرين من الصحابة والتابعين في منع القصاص في الحرم بجناية كانت منه في غير الحرم ولم يختلف السلف ومن بعدهم من الفقهاء أنه إذا جنى في الحرم كان مأخوذا بجنايته يقام عليه ما يستحقه من قتل أو غيره* فإن قيل قوله تعالى( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى ) وقوله( النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) وقوله( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً ) يوجب
«20 ـ أحكام في»
عمومه القصاص في الحرم على من جنى فيه أو في غيره قيل له قد دللنا على أن قوله( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) قد اقتضى وقوع الأمن من القتل بجناية كانت منه في غيره وقوله( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ ) وسائر الآي الموجبة للقصاص مرتب على ما ذكرنا من الأمن بدخول الحرم ويكون ذلك مخصوصا من آي القصاص وأيضا فإن قوله تعالى( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ ) وارد في إيجاب القصاص لا في حكم الحرم وقوله( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) وارد في حكم الحرم ووقوع الأمن لمن لجأ إليه فيجري كل واحد منهما على بابه ويستعمل فيما ورد فيه ولا يعترض بآى القصاص على حكم الحرم* ومن جهة أخرى أن إيجاب القصاص لا محالة متقدم لإيجاب أمانه بالحرم لأنه لو لم يكن القصاص واجبا قبل ذلك استحال أن يقال هو آمن مما لم يجن ولم يستحق عليه فدل ذلك على أن الحكم بأمنه بدخول الحرم متأخر عن إيجاب القصاص ومن جهة الأثر حديث ابن عباس وأبى شريح الكعبي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال إن الله حرم مكة ولم تحل لأحد قبلي ولا لاحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار فظاهر ذلك يقتضى حظر قتل اللاجئ إليه والجاني فيه إلا أن الجاني فيه لا خلاف فيه أنه يؤخذ بجنايته فبقى حكم اللفظ في الجاني إذا لجأ إليه* وروى حماد بن سلمة عن حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال إن أعتى الناس على الله عز وجل رجل قتل غير قاتله أو قتل في الحرم أو قتل بذحل الجاهلية وهذا أيضا يحظر عمومه قتل كل من كان فيه فلا يخص منه شيء إلا بدلالة وأما ما دون النفس فإنه يؤخذ به لأنه لو كان عليه دين فلجأ إلى الحرم حبس به لقوله صلّى الله عليه وسلّم لي الواجد يحل عرضه وعقوبته والحبس في الدين عقوبة فجعل الحبس عقوبة وهو فيما دون النفس فكل حق وجب فيما دون النفس أخذ به وإن لجأ إلى الحرم قياسا على الحبس في الدين* وأيضا لا خلاف بين الفقهاء أنه مأخوذ بما يجب عليه فيما دون النفس وكذلك لا خلاف أن الجاني في الحرم مأخوذ بجنايته في النفس وما دونها ولا خلاف أيضا أنه إذا جنى في غير الحرم ثم دخل الحرم أنه إذا لم يجب قتله في الحرم أنه لا يبايع ولا يشارى ولا يؤوى حتى يخرج ولما ثبت عندنا أنه لا يقتل وجب استعمال الحكم الآخر فيه في ترك مشاراته ومبايعته وإيوائه فهذه الوجوه كلها لا خلاف فيها وإنما الخلاف فيمن جنى في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم وقد دللنا عليه وما عدا ذلك فهو محمول على ما حصل عليه الاتفاق*
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل قال حدثنا يعقوب بن حميد قال حدثنا عبد الله بن الوليد عن سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يسكن مكة سافك دم ولا آكل ربا ولا مشاء بنميمة وهذا يدل على أن القاتل إذا دخل الحرم لم يؤو ولم يجالس ولم يبايع ولم يشار ولم يطعم ولم يسق حتى يخرج لقوله صلّى الله عليه وسلّم لا يسكنها سافك دم * وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار قال حدثنا داود بن عمرو قال حدثنا محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس قال إذا دخل القاتل الحرم لم يجالس ولم يبايع ولم يؤو واتبعه طالبه يقول له اتق الله في دم فلان واخرج من الحرم* ونظير قوله تعالى( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) قوله عز وجل( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ) وقوله( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً ) وقوله( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً ) فهذه الآي متقاربة المعاني في الدلالة على حظر قتل من لجأ إليه وإن كان مستحقا للقتل قبل دخوله ولما عبر تارة بذكر البيت وتارة بذكر الحرم دل على أن الحرم في حكم البيت في باب الأمن ومنع قتل من لجأ إليه ولما لم يختلفوا أنه لا يقتل من لجأ إلى البيت لأن الله تعالى وصفه بالأمن فيه وجب مثله في الحرم فيمن لجأ إليه* فإن قيل من قتل في البيت لم* يقتل فيه ومن قتل في الحرم قتل فيه فليس الحرم كالبيت* قيل له لما جعل الله حكم الحرم حكم البيت فيما عظم من حرمته وعبر تارة بذكر البيت وتارة بذكر الحرم اقتضى ذلك التسوية بينهما إلا فيما قام دليل تخصيصه وقد قامت الدلالة في حظر القتل في البيت فخصصناه وبقي حكم الحرم على ما اقتضاه ظاهر القرآن من إيجاب التسوية بينهما والله تعالى أعلم.
باب فرض الحج
قال الله تعالى( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) قال أبو بكر هذا ظاهر في إيجاب فرض الحج على شريطة وجود السبيل إليه والذي يقتضيه من حكم السبيل إن كل من أمكنه الوصول إلى الحج لزمه ذلك إذ كانت استطاعة السبيل إليه هي إمكان الوصول إليه كقوله تعالى( فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ) يعنى من وصول( هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ) يعنى من وصول وقد جعل النبي صلّى الله عليه وسلّم من شرط استطاعة السبيل إليه وجود الزاد والراحلة وروى أبو إسحاق عن الحارث عن على عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال من ملك
زادا وراحلة يبلغه بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) وروى إبراهيم ابن يزيد الجوزي عن محمد بن عباد عن ابن عمر قال سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن قوله عز وجل( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) قال السبيل إلى الحج الزاد والراحلة وروى يونس عن الحسن لما نزلت هذه الآية( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) الآية قال رجل يا رسول الله ما السبيل قال زاد وراحلة وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس قال السبيل الزاد والراحلة ولم يحل بينه وبينه أحد وقال سعيد بن جبير هو الزاد والراحلة قال أبو بكر فوجود الزاد والراحلة من السبيل الذي ذكره الله تعالى ومن شرائط وجوب الحج وليست الاستطاعة مقصورة على ذلك لأن المريض الخائف والشيخ الذي لا يثبت على الراحلة والزمنى وكل من تعذر عليه الوصول إليه فهو غير مستطيع السبيل إلى الحج وإن كان واجدا للزاد والراحلة فدل ذلك على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يرد بقوله الاستطاعة الزاد والراحلة إن ذلك جميع شرائط الاستطاعة وإنما أفاد ذلك بطلان قول من يقول إن من أمكنه المشي إلى بيت الله ولم يجد زادا وراحلة فعليه الحج فبين صلّى الله عليه وسلّم أن لزوم فرض الحج مخصوص بالركوب دون المشي وأن من لا يمكنه الوصول إليه إلا بالمشي الذي يشق ويعسر فلا حج عليه* فإن قيل فينبغي أن لا يلزم فرض الحج إلا من كان بينه وبين مكة* مسافة ساعة إذا لم يجد زادا وراحلة وأمكنه المشي* قيل له إذا لم يلحقه في المشي مشقة شديدة فهذا أيسر أمر من الواجد للزاد والراحلة إذا بعد وطنه من مكة ومعلوم أن شرط الزاد والراحلة إنما هو لأن لا يشق عليه ويناله ما يضره من المشي فإذا كان من أهل مكة وما قرب منها ممن لا يشق عليه المشي في ساعة من نهار فهذا مستطيع للسبيل بلا مشقة وإذا كان لا يصل إلى البيت إلا بالمشقة الشديدة فهو الذي خفف الله عنه ولم يلزمه الفرض إلا على الشرط المذكور ببيان النبي صلّى الله عليه وسلّم قال الله تعالى( وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) يعنى من ضيق وعندنا أن وجود المحرم للمرأة من شرائط الحج لما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم أو زوج وروى عمرو بن دينار عن أبى معبد عن ابن عباس قال خطب النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم فقال رجل يا رسول الله إنى
قد اكتتبت في غزوة كذا وقد أرادت امرأتى أن تحج فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم احجج مع امرأتك * وهذا يدل على أن قوله لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم قد انتظم المرأة إذا أرادت الحج من ثلاثة أوجه أحدها أن السائل عقل منه ذلك ولذلك سأله عن امرأته وهي تريد الحج ولم ينكر النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك عليه فدل على أن مراده صلّى الله عليه وسلّم عام في الحج وغيره من الأسفار والثاني قوله حج مع امرأتك وفي ذلك إخبار منه بإرادة سفر الحج في قوله لا تسافر المرأة إلا ومعها ذو محرم والثالث أمره إياه بترك الغزو للحج مع امرأته ولو جاز لها الحج بغير محرم أو زوج لما أمره بترك الغزو وهو فرض للتطوع وفي هذا دليل أيضا على أن حج المرأة كان فرضا ولم يكن تطوعا لأنه لو كان تطوعا لما أمره بترك الغزو الذي هو فرض لتطوع المرأة* ومن وجه آخر وهو أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يسئله عن حج المرأة أفرض هو أم نفل وفي ذلك دليل على تساوى حكمهما في امتناع خروجها بغير محرم فثبت بذلك أن وجود المحرم للمرأة من شرائط الاستطاعة ولا خلاف أن من شرط استطاعتها أن لا تكون معتدة لقوله تعالى( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ ) فلما كان ذلك معتبرا في الاستطاعة وجب أن يكون نهيه للمرأة أن تسافر بغير محرم معتبرا فيها* ومن شرائطه ما ذكرنا من إمكان ثبوته على الراحلة وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا موسى بن الحسن بن أبى عبادة قال حدثنا محمد بن مصعب قال حدثنا الأوزاعى عن الزهري عن سليمان بن يسار عن ابن عباس أن امرأة من خثعم سألت النبي صلّى الله عليه وسلّم في حجة الوداع فقالت يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبى شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة أفأحج عنه قال نعم حجى عن أبيك فأجاز صلّى الله عليه وسلّم للمرأة أن تحج عن أبيها ولم يلزم الرجل الحج بنفسه فثبت بذلك أن من شرط الاستطاعة إمكان الوصول إلى الحج وهؤلاء وإن لم يلزمهم الحج بأنفسهم إذا كانوا واجدين للزاد والراحلة فإن عليهم أن يحجوا غيرهم عنهم أعنى المريض والزمن والمرأة إذا حضرتهم الوفاة فعليهم أن يوصوا بالحج وذلك أن وجود ما يمكن به الوصول إلى الحج في ملكهم يلزمهم فرض الحج في أموالهم إذا لم يمكنهم فعله بأنفسهم لأن فرض الحج يتعلق بمعنيين أحدهما بوجود الزاد والراحلة وإمكان فعله بنفسه فعلى من كانت هذه صفته الخروج والمعنى الآخر أن يتعذر فعله بنفسه لمرض أو كبر سن أو زمانة أو
لأنها امرأة لا محرم لها ولا زوج يخرج معها فهؤلاء يلزمهم الحج بأموالهم عند الإياس والعجز عن فعله بأنفسهم فإذا أحج المريض أو المرأة عن أنفسهما ثم لم يبرأ المريض ولم تجد المرأة محرما حتى ماتا أجزأهما وإن برىء المريض ووجدت المرأة محرما لم يجزهما وقول الخثعمية للنبي صلّى الله عليه وسلّم إن أبى أدركته فريضة الله في الحج وهو شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة وأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم إياها بالحج عنه يدل على أن فرض الحج قد لزمه في ماله وإن لم يثبت على الراحلة لأنها أخبرته أن فريضة الله تعالى أدركته وهو شيخ كبير فلم ينكر النبي صلّى الله عليه وسلّم قولها ذلك فهذا يدل على أن فرض الحج قد لزمه في ماله وأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم إياها بفعل الحج الذي أخبرت أنه قد لزمه يدل على لزومه أيضا* وقد اختلف في حج الفقير فقال أصحابنا والشافعى لا حج عليه وإن حج أجزأه من حجة الإسلام وحكى عن مالك أن عليه الحج إذا أمكنه المشي وروى عن ابن الزبير والحسن أن الاستطاعة ما تبلغه كائنا ما كان وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم أن الاستطاعة الزاد والراحلة يدل على أن لا حج عليه فإن هو وصل إلى البيت مشيا فقد صار بحصوله هناك مستطيعا بمنزلة أهل مكة لأنه معلوم أن شرط الزاد والراحلة إنما هو لمن بعد من مكة فإذا حصل هناك فقد استغنى عن الزاد والراحلة للوصول إليه فيلزمه الحج حينئذ فإذا فعله كان فاعلا فرضا* واختلف في العبد إذا حج هل يجزيه من حجة الإسلام فقال أصحابنا لا يجزيه وقال الشافعى يجزيه والدليل على صحة قولنا ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال حدثنا مسلم ابن إبراهيم قال حدثنا هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن سليم قال حدثنا أبو إسحاق عن الحارث عن على قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ثم لم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا وذلك أن الله تعالى يقول( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) فأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن شرط لزوم الحج ملك الزاد والراحلة والعبد لا يملك شيئا فليس هو إذا من أهل الخطاب بالحج وسائر الأخبار المروية عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في الاستطاعة أنها الزاد والراحلة هي على ملكهما على ما بين في حديث على رضى الله عنه وأيضا فمعلوم من مراد النبي صلّى الله عليه وسلّم في شرطه الزاد والراحلة أن يكون ملكا للمستطيع وأنه لم يرد به زادا وراحلة في ملك غيره وإذا كان العبد لا يملك بحال لم يكن من أهل الخطاب بالحج فلم يجزه حجه* فإن قيل
ليس الفقير من أهل الخطاب بالحج لعدم ملك الزاد والراحلة ولو حج جاز حجه كذلك العبد* قيل له إن الفقير من أهل الخطاب لأنه ممن يملك والعبد ممن لا يملك وإنما سقط الفرض عن الفقير لأنه غير واجد لا لأنه ليس ممن يملك فإذا وصل إلى مكة فقد استغنى عن الزاد والراحلة وصار بمنزلة سائر الواجدين الواصلين إليها بالزاد والراحلة والعبد إنما سقط عنه الخطاب به لا لأنه لا يجد لكن لأنه لا يملك وإن ملك فلم يدخل في خطاب الحج فلذلك لم يجزه وصار من هذا الوجه بمنزلة الصغير الذي لم يخاطب بالحج لا لأنه لا يجد ولكنه ليس من أهل الخطاب بالحج لأن من شرط الخطاب به أن يكون ممن يملك كما أن من شرطه أن يكون ممن يصح خطابه به وأيضا فإن العبد لا يملك منافعه وللمولى منعه من الحج بالاتفاق ومنافع العبد هي ملك للمولى فإذا فعل بها الحج صار كحج فعله المولى فلا يجزيه من حجة الإسلام ويدل عليه أن العبد لا يملك منافعه أن المولى هو المستحق لإبدالها إذا صارت مالا وأن له أن يستخدمه ويمنعه من الحج فإذا أذن له فيه صار معيرا له ملك المنافع فهي متلفة على ملك المولى فلا يجزئ العبد وليس كذلك الفقير لأنه يملك منافع نفسه وإذا فعل بها الحج أجزأه لأنه قد صار من أهل الاستطاعة فإن قيل للمولى منع العبد من الجمعة وليس العبد من أهل الخطاب بها وليس عليه فرضها ولو حضرها وصلاها أجزأته فهلا كان الحج كذلك* قيل له إن فرض الظهر قائم على العبد ليس للمولى منعه منها فمتى فعل الجمعة فقد أسقط بها فرض الظهر الذي كان العبد يملك فعله من غير إذن المولى فصار كفاعل الظهر فلذلك أجزأه ولم يكن على العبد فرض آخر يملك فعله فأسقط بفعل الحج حتى نحكم بجوازه ونجعله في حكم ما هو مالكه فلذلك اختلفا وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في حج العبد ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا يحيى بن إسحاق قال حدثنا يحيى بن أيوب عن حرام بن عثمان عن ابني جابر عن أبيهما قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لو أن صبيا حج عشر حجج ثم بلغ لكانت عليه حجة إن استطاع إليها سبيلا ولو أن أعرابيا حج عشر حجج ثم هاجر لكانت عليه حجة إن استطاع إليها سبيلا ولو أن مملوكا حج عشر حجج ثم أعتق لكانت عليه حجة إن استطاع إليها سبيلا وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا موسى بن الحسن بن أبى عباد قال حدثنا محمد بن المنهال قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا شعبة عن الأعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس قال قال
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أيما صبي حج ثم أدرك الحلم فعليه أن يحج حجة أخرى وأيما أعرابى حج ثم هاجر فعليه أن يحج حجة أخرى وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى فأوجب النبي صلّى الله عليه وسلّم على العبد أن يحج حجة أخرى ولم يعتد له بالحجة التي فعلها في حال الرق وجعله بمنزلة الصبى* فإن قيل فقد قال مثله في الأعرابى وهو مع ذلك يجزيه الحجة المفعولة قبل* الهجرة* قيل له كذلك كان حكم الأعرابى في حال ما كانت الهجرة فرضا لأنه يمتنع أن يقول ذلك بعد نسخ فرض الهجرة فلما قال صلّى الله عليه وسلّم لا هجرة بعد الفتح نسخ الحكم المتعلق به من وجوب إعادة الحج بعد الهجرة إذ لا هجرة هناك واجبة وقد روى نحو قولنا في حج العبد عن ابن عباس والحسن وعطاء* قال أبو بكر والذي يقتضيه ظاهر قوله تعالى( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) حجة واحدة إذ ليس فيه ما يوجب تكرارا فمتى فعل الحج فقد قضى عهدة الآية وقد أكد ذلك النبي صلّى الله عليه وسلّم بما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبى شيبة قالا حدثنا يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين عن الزهري عن أبى سنان قال أبو داود هو الدؤلي عن ابن عباس أن الأقرع بن حابس سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم قال يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة فقال بل مرة واحدة فمن زاد فتطوع * قوله تعالى( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) روى وكيع عن فطر بن خليفة عن نفيع أبى داود قال سأل رجل النبي صلّى الله عليه وسلّم عن هذه الآية( وَمَنْ كَفَرَ ) قال هو إن حج لا يرجو ثوابه وإن حبس لا يخاف عقابه وروى مجاهد من قوله مثله وقال الحسن من كفر بالحج وقد دلت هذه الآية على بطلان مذهب أهل الجبر لأن الله تعالى جعل من وجد زادا وراحلة مستطيعا للحج قبل فعله ومن مذهب هؤلاء أن من لم يفعل الحج لم يكن مستطيعا له قط فواجب على مذهبهم أن يكون معذورا غير ملزم إذا لم يحج إذ كان الله تعالى إنما ألزم الحج من استطاع وهو لم يكن مستطيعا قط إذ لم يحج ففي نص التنزيل واتفاق الأمة على لزوم فرض الحج لمن كان وصفه ما ذكرنا من صحة البدن ووجود الزاد والراحلة ما يوجب بطلان قولهم* قوله تعالى( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ ) قال زيد بن أسلم نزلت في قوم من اليهود كانوا يغرون الأوس والخزرج بذكرهم الحروب التي كانت بينهم حتى ينسلخوا من الدين بالعصبية وحمية الجاهلية وعن الحسن أنها نزلت في اليهود والنصارى
جميعا في كتمانهم صفته في كتبهم* فإن قيل قد سمى الله الكفار شهداء وليسوا حجة على غيرهم فلا يصح لكم الإحتجاج بقوله( لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) في صحة إجماع الأمة وثبوت حجته* قيل له أنه جل وعلا لم يقل في أهل الكتاب وأنتم شهداء على غيركم وقال هناك( لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) كما قال( وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) فأوجب ذلك تصديقهم وصحة إجماعهم وقال في هذه الآية( وَأَنْتُمْ شُهَداءُ ) ومعناه غير معنى قوله( شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) وقد قيل في معناه وجهان أحدهما وأنتم شهداء إنكم عالمون ببطلان قولكم في صدكم عن دين الله تعالى وذلك في أهل الكتاب منهم والثاني أن يريد بقوله( شُهَداءَ ) عقلاء كما قال الله تعالى( أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) يعنى وهو عاقل لأنه يشهد الدليل الذي يميز به الحق من الباطل* قوله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ ) روى عن عبد الله والحسن وقتادة في قوله( حَقَّ تُقاتِهِ ) هو أن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى وقيل أن معناه اتقاء جميع معاصيه وقد اختلف في نسخه فروى عن ابن عباس وطاوس أنها محكمة غير منسوخة وعن قتادة والربيع بن أنس والسدى أنها منسوخة بقوله تعالى( فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) فقال بعض أهل العلم لا يجوز أن تكون منسوخة لأن معناه اتقاء جميع معاصيه وعلى جميع المكلفين اتقاء جميع المعاصي ولو كان منسوخا لكان فيه إباحة بعض المعاصي وذلك لا يجوز وقيل إنه جائز أن يكون منسوخا بأن يكون معنى قوله( حَقَّ تُقاتِهِ ) القيام بحقوق الله تعالى في حال الخوف والأمن وترك التقية فيها ثم نسخ ذلك في حال التقية والإكراه ويكون قوله تعالى( مَا اسْتَطَعْتُمْ ) فيما لا تخافون فيه على أنفسكم يريد فيما لا يكون فيه احتمال الضرب والقتل لأنه قد يطلق نفى الاستطاعة فيما يشق على الإنسان فعله كما قال تعالى( وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ) ومراده مشقة ذلك عليهم قوله تعالى( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في معنى الحبل هاهنا أنه القرآن وكذلك روى عن عبد الله وقتادة والسدى وقيل أن المراد به دين الله وقيل بعهد الله لأنه سبب النجاة كالحبل الذي يتمسك به للنجاة من غرق أو نحوه ويسمى الأمان الحبل لأنه سبب النجاة وذلك في قوله تعالى( إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ) يعنى به الأمان إلا أن قوله( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً ) هو أمرا بالاجتماع ونهى عن الفرقة وأكده بقوله( وَلا تَفَرَّقُوا ) معناه
التفرق عن دين الله الذي أمروا جميعا بلزومه والاجتماع عليه وروى نحو ذلك عن عبد الله وقتادة وقال الحسن ولا تفرقوا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد يحتج به فريقان من الناس أحدهما نفاة القياس والاجتهاد في أحكام الحوادث مثل النظام وأمثاله من الرافضة والآخر من يقول بالقياس والاجتهاد يقول مع ذلك أن الحق واحد من أقاويل المختلفين في مسائل الاجتهاد ويخطئ من لم يصب الحق عنده لقوله تعالى( وَلا تَفَرَّقُوا ) فغير جائز أن يكون التفرق والاختلاف دينا لله تعالى مع نهى الله تعالى عنه وليس هذا عندنا كما قالوا لأن أحكام الشرع في الأصل على أنحاء منها ما لا يجوز الخلاف فيه وهو الذي دلت العقول على حظره في كل حال أو على إيجابه في كل حال فأما ما جاز أن يكون تارة واجبا وتارة محظورا وتارة مباحا فإن الاختلاف في ذلك سائغ يجوز ورود العبادة به كاختلاف حكم الطاهر والحائض في الصوم والصلاة واختلاف حكم المقيم والمسافر في القصر والإتمام وما جرى مجرى ذلك فمن حيث جاز ورود النص باختلاف أحكام الناس فيه فيكون بعضهم متعبدا بخلاف ما تعبد به الآخر لم يمتنع تسويغ الاجتهاد فيما يؤدى إلى الخلاف الذي يجوز ورود النص بمثله ولو كان جميع الاختلاف مذموما لوجب أن لا يجوز ورود الاختلاف في أحكام الشرع من طريق النص والتوقيف فما جاز مثله في النص جاز في الاجتهاد قد يختلف المجتهدان في نفقات الزوجات وقيم المختلفات وأروش كثير من الجنايات فلا يلحق واحدا منهما لوم ولا تعنيف وهذا حكم مسائل الاجتهاد ولو كان هذا الضرب من الاختلاف مذموما لكان للصحابة في ذلك الحظ الأوفر ولما وجدناهم مختلفين في أحكام الحوادث وهم مع ذلك متواصلون يسوغ كل واحد منهم لصاحبه مخالفته من غير لوم ولا تعنيف فقد حصل منهم الاتفاق على تسويغ هذا الضرب من الاختلاف وقد حكم الله تعالى بصحة إجماعهم وثبوت حجته في مواضع كثيرة من كتابه وروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال اختلاف أمتى رحمة وقال لا تجتمع أمتى على ضلال فثبت بذلك أن الله تعالى لم ينهنا بقوله( وَلا تَفَرَّقُوا ) عن هذا الضرب من الاختلاف وأن النهى منصرف إلى أحد وجهين إما في النصوص أو فيما قد أقيم عليه دليل عقلي أو سمعي لا يحتمل إلا معنى واحدا وفي فحوى الآية ما يدل على أن المراد هو الاختلاف والتفرق في أصول الدين لا في فروعه وما يجوز ورود العبارة بالاختلاف فيه وهو قوله تعالى( وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ) يعنى بالإسلام وفي ذلك دليل على أن التفرق المذموم المنهي عنه في الآية هو في أصول الدين والإسلام لا في فروعه والله أعلم.
باب فرض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر
قال الله تعالى( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) قال أبو بكر قد حوت هذه الآية معنيين أحدهما وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والآخر أنه فرض على الكفاية ليس بفرض على كل أحد في نفسه إذا قام به غيره لقوله تعالى( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ ) وحقيقته تقتضي البعض دون البعض فدل على أنه فرض على الكفاية إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين ومن الناس من يقول هو فرض على كل أحد في نفسه ويجعل مخرج الكلام مخرج الخصوص في قوله( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ ) مجازا كقوله تعالى( لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) ومعناه ذنوبكم والذي يدل على صحة هذا القول أنه إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين كالجهاد وغسل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم ولو لا أنه فرض على الكفاية لما سقط عن الآخرين بقيام بعضهم به وقد ذكر الله تعالى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر في مواضع أخر من كتابه فقال عز وجل( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) وقال فيما حكى عن لقمان( يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) وقال تعالى( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ ) وقال عز وجل( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ) فهذه الآي ونظائرها مقتضية لإيجاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهي على منازل أولها تغييره باليد إذا أمكن فإن لم يمكن وكان في نفيه خائفا على نفسه إذا أنكره بيده فعليه إنكاره بلسانه فإن تعذر ذلك لما وصفنا فعليه إنكاره بقلبه كما حدثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس قال حدثنا يونس بن حبيب قال حدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا شعبة قال أخبرنى قيس بن مسلم قال سمعت طارق بن شهاب قال قدم مروان الخطبة قبل الصلاة فقام رجل فقال خالفت السنة كانت الخطبة بعد الصلاة قال ترك ذلك يا أبو فلان قال شعبة وكان لحانا فقام أبو
سعيد الخدري فقال من هذا المتكلم فقد قضى ما عليه قال لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من رأى منكم منكرا فلينكره بيده فإن لم يستطع فلينكره بلسانه فإن لم يستطع فلينكره بقلبه وذاك أضعف الإيمان وحدثنا محمد بن بكر البصري قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن العلاء قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه عن أبى سعيد وعن قيس ابن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبى سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول من رأى منكم منكرا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذاك أضعف الإيمان فأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن إنكار المنكر على هذه الوجوه الثلاثة على حسب الإمكان ودل على أنه إذا لم يستطع تغييره بيده فعليه تغييره بلسانه ثم إذا لم يمكنه ذلك فليس عليه أكثر من إنكاره بقلبه وحدثنا عبد الله بن جعفر قال حدثنا يونس بن حبيب قال حدثنا أبو داود قال حدثنا شعبة عن أبى إسحاق عن عبد الله بن جرير البجلي عن أبيه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال ما من قوم يعمل بينهم بالمعاصي هم أكثر وأعز ممن يعمله ثم لم يغيروا إلا عمهم الله منه بعقاب وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن محمد النفيلى قال حدثنا يونس بن راشد عن على بن بذيمة عن أبى عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إن أول ما دخل النقص على بنى إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله تعالى قلوب بعضهم ببعض ثم قال( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ) ـ إلى قوله ـ( فاسِقُونَ ) ثم قال كلا والله لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق إطرا وتقصرنه على الحق قصرا قال أبو داود حدثنا خلف بن هشام قال حدثنا أبو شهاب الحناط عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة عن سالم عن أبى عبيدة عن ابن مسعود عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بنحوه وزاد فيه أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم فأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن من شرط النهى عن المنكر أن ينكره ثم لا يجالس المقيم على المعصية ولا يؤاكله ولا يشاربه وكان ما ذكره النبي صلّى الله عليه وسلّم من ذلك بيانا لقوله تعالى( تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) فكانوا بمؤاكلتهم إياهم ومجالستهم لهم تاركين للنهى عن المنكر لقوله تعالى( كانُوا
لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ) مع ما أخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم من إنكاره بلسانه إلا أن ذلك لم ينفعه مع مجالسته ومؤاكلته ومشاربته إياه* وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في ذلك أيضا ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا وهب بن بقية قال أخبرنا خالد عن إسماعيل عن قيس قال قال أبو بكر بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) وأنا سمعنا النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله بعقاب وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو الربيع سليمان ابن داود العتكي قال حدثنا ابن المبارك عن عتبة بن أبى حكيم قال حدثني عمرو بن جارية اللخمي قال حدثني أبو أمية الشعبانى قال سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) فقال أما والله لقد سألت عنها خبيرا سألت عنها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأى برأيه فعليك يعنى بنفسك ودع عنك العوام فإن من ورائكم أيام الصبر الصبر فيه كقبض على الجمر للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله قال وزادني غيره قال يا رسول الله أجر خمسين منهم قال أجر خمسين منكم وفي هذه الأخبار دلالة على أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لهما حالان حال يمكن فيها تغيير المنكر وإزالته ففرض على من أمكنه إزالة ذلك بيده أن يزيله وإزالته باليد تكون على وجوه منها أن لا يمكنه إزالته إلا بالسيف وأن يأتى على نفس فاعل المنكر فعليه أن يفعل ذلك كمن رأى رجلا قصده أو قصد غيره بقتله أو بأخذ ماله أو قصد الزنا بامرأة أو نحو ذلك وعلم أنه لا ينتهى إن أنكره بالقول أو قاتله بما دون السلاح فعليه أن يقتله لقوله صلّى الله عليه وسلّم من رأى منكرا فليغيره بيده فإذا لم يمكنه تغييره بيده إلا بقتل المقيم على هذا المنكر فعليه أن يقتله فرضا عليه وإن غلب في ظنه أنه إن أنكره بيده ودفعه عنه بغير سلاح انتهى عنه لم يجز له الإقدام على قتله وإن غلب في ظنه أنه إن أنكره بالدفع بيده أو بالقول امتنع عليه ولم يمكنه بعد ذلك دفعه عنه ولم يمكنه إزالة هذا المنكر إلا بأن يقدم عليه بالقتل من غير إنذار منه له فعليه أن يقتله وقد ذكر ابن رستم عن محمد في رجل غصب متاع رجل وسعك قتله حتى تستنقذ المتاع وترده إلى صاحبه وكذلك قال أبو حنيفة
في السارق إذا أخذ المتاع وسعك أن تتبعه حتى تقتله إن لم يرد المتاع قال محمد وقال أبو حنيفة في اللص الذي ينقب البيوت يسعك قتله وقال في رجل يريد قلع سنك قال فلك أن تقتله إذا كنت في موضع لا يعينك الناس عليه وهذا الذي ذكرناه يدل عليه قوله تعالى( فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ ) فأمر بقتالهم ولم يرفعه عنهم إلا بعد الفيء إلى أمر الله تعالى وترك ما هم عليه من البغي والمنكر وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم من رأى منكم منكرا فليغيره بيده يوجب ذلك أيضا لأنه قد أمر بتغييره بيده على أى وجه أمكن ذلك فإذا لم يمكنه تغييره إلا بالقتل فعليه قتله حتى يزيله وكذلك قلنا في أصحاب الضرائب والمكوس التي يأخذونها من أمتعة الناس أن دماءهم مباحة وواجب على المسلمين قتلهم ولكل واحد من الناس أن يقتل من قدر عليه منهم من غير إنذار منه له ولا التقدم إليهم بالقول لأنه معلوم من حالهم أنهم غير قابلين إذا كانوا مقدمين على ذلك مع العلم بحظره ومتى أنذرهم من يريد الإنكار عليهم امتنعوا منه حتى لا يمكن تغيير ما هم عليه من المنكر فجائز قتل من كان منهم مقيما على ذلك وجائز مع ذلك تركهم لمن خاف إن أقدم عليهم بالقتل أن يقتل إلا أن عليه اجتنابهم والغلظة عليهم بما أمكن وهجرانهم وكذلك حكم سائر من كان مقيما على شيء من المعاصي الموبقات مصرا عليها مجاهرا بها فحكمه حكم من ذكرنا في وجوب النكير عليهم بما أمكن وتغيير ما هم عليه بيده وإن لم يستطع فلينكره بلسانه وذلك إذا رجا أنه إن أنكر عليهم بالقول أن يزولوا عنه ويتركوه فإن لم يرج ذلك وقد غلب في ظنه أنهم غير قابلين منه مع علمهم بأنه منكر عليهم وسعه السكوت عنهم يعد أن يجانبهم ويظهر هجرانهم لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال فليغيره بلسانه فإن لم يستطع فليغيره بقلبه وقوله صلّى الله عليه وسلّم فإن لم يستطع قد فهم منه أنهم إذا لم يزولوا عن المنكر فعليه إنكاره بقلبه سواء كان في تقية أو لم يكن لأن قوله إن لم يستطع معناه أنه لا يمكنه إزالته بالقول فأباح له السكوت في هذه الحال وقد روى عن ابن مسعود في قوله تعالى( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) مر بالمعروف وانه عن المنكر ما قبل منك فإذا لم يقبل منك فعليك نفسك وحديث أبى ثعلبة الخشني أيضا الذي قدمناه يدل على ذلك لأنه قال صلّى الله عليه وسلّم ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأى برأيه فعليك نفسك ودع عنك العوام يعنى والله أعلم إذا لم يقبلوا ذلك
واتبعوا أهواءهم وآراءهم فأنت في سعة من تركهم وعليك نفسك ودع أمر العوام وأباح ترك النكير بالقول فيمن هذه حاله وروى عن عكرمة أن ابن عباس قال له قد أعيانى أن أعلم ما فعل بمن أمسك عن الوعظ من أصحاب السبت فقلت له أنا أعرفك ذلك اقرأ الآية الثانية قوله تعالى( أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ ) قال فقال لي أصبت وكساني حلة فاستدل ابن عباس بذلك على أن الله أهلك من عمل السوء ومن لم ينه عنه فجعل الممسكين عن إنكار المنكر بمنزلة فاعليه في العذاب وهذا عندنا على أنهم كانوا راضين بأعمالهم غير منكرين لها بقلوبهم وقد نسب الله تعالى قتل الأنبياء المتقدمين إلى من كان في عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم من اليهود الذين كانوا متوالين لأسلافهم القاتلين لأنبيائهم بقوله( قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ ) وبقوله( فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فأضاف القتل إليهم وإن لم يباشروه ولم يقتلوه إذ كانوا راضين بأفعال القاتلين فكذلك ألحق الله تعالى من لم ينه عن السوء من أصحاب السبت بفاعليه إذ كانوا به راضين ولهم عليه متوالين فإذا كان منكرا للمنكر بقلبه ولا يستطيع تغييره على غيره فهو غير داخل في وعيد فاعليه بل هو ممن قال الله تعالى( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) وحدثنا مكرم بن أحمد القاضي قال حدثنا أحمد بن عطية الكوفي وقال حدثنا الحماني قال سمعت ابن المبارك يقول لما بلغ أبا حنيفة قتل إبراهيم الصائغ بكى حتى ظننا أنه سيموت فخلوت به فقال كان والله رجلا عاقلا ولقد كنت أخاف عليه هذا الأمر قلت وكيف كان سببه قال كان يقدم ويسألنى وكان شديد البذل لنفسه في طاعة الله وكان شديد الورع وكنت ربما قدمت إليه الشيء فيسألنى عنه ولا يرضاه ولا يذوقه وربما رضيه فأكله فسألنى عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إلى أن اتفقنا على أنه فريضة من الله تعالى فقال لي مد يدك حتى أبايعك فأظلمت الدنيا بيني وبينه فقلت ولم قال دعاني إلى حق من حقوق الله فامتنعت عليه وقلت له إن قام به رجل وحده قتل ولم يصلح للناس أمر ولكن إن وجد عليه أعوانا صالحين ورجلا يرأس عليهم مأمونا على دين الله لا يحول قال وكان يقتضى ذلك كلما قدم على تقاضى الغريم الملح كلما قدم على تقاضانى فأقول له هذا أمر لا يصلح بواحد ما أطاقته الأنبياء حتى عقدت عليه من السماء وهذه فريضة ليست كسائر الفرائض لأن سائر الفرائض يقوم بها الرجل وحده وهذا متى أمر به الرجل وحده
أشاط بدمه وعرض نفسه للقتل فأخاف عليه أن يعين على قتل نفسه وإذا قتل الرجل لم يجترئ غيره أن يعرض نفسه ولكنه ينتظر فقد قالت الملائكة( أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ) ثم خرج إلى مرو حيث كان أبو مسلم فكلمه بكلام غليظ فأخذه فاجتمع عليه فقهاء أهل خراسان وعبادهم حتى أطلقوه ثم عاوده فزجره ثم عاوده ثم قال ما أجد شيئا أقوم به لله تعالى أفضل من جهادك ولأجاهدنك بلساني ليس لي قوة بيدي ولكن يراني الله وأنا أبغضك فيه فقتله* قال أبو بكر لما ثبت بما قدمنا ذكره من القرآن والآثار الواردة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وجوب فرض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وبينا أنه فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين وجب أن لا يختلف في لزوم فرضه البر والفاجر لأن ترك الإنسان لبعض الفروض لا يسقط عنه فروضا غيره ألا ترى أن تركه للصلاة لا يسقط عنه فرض الصوم وسائر العبادات فكذلك من لم يفعل سائر المعروف ولم ينته عن سائر المناكير فإن فرض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر غير ساقط عنه وقد روى طلحة ابن عمرو عن عطاء بن أبى رباح عن أبى هريرة قال اجتمع نفر من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالوا يا رسول الله أرأيت إن عملنا بالمعروف حتى لا يبقى من المعروف شيء إلا عملناه وانتهينا عن المنكر حتى لم يبق شيئا من المنكر إلا انتهينا عنه أيسعنا أن لا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر قال مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله وانهو عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه كله فأجرى النبي صلّى الله عليه وسلّم فرض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مجرى سائر الفروض في لزوم القيام به مع التقصير في بعض الواجبات* ولم يدفع أحد من علماء الأمة وفقهائها سلفهم وخلفهم وجوب ذلك إلا قوم من الحشو وجهال أصحاب الحديث فإنهم أنكروا قتال الفئة الباغية والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالسلاح وسموا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فتنة إذا احتيج فيه إلى حمل السلاح وقتال الفئة الباغية مع ما قد سمعوا فيه من قول الله تعالى( فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ ) وما يقتضيه اللفظ من وجوب قتالها بالسيف وغيره* وزعموا مع ذلك أن السلطان لا ينكر عليه الظلم والجور وقتل النفس التي حرم الله وإنما ينكر على غير السلطان بالقول أو باليد بغير سلاح فصاروا شرا على الأمة من أعدائها المخالفين لها لأنهم أقعدوا الناس
عن قتال الفئة الباغية وعن الإنكار على السلطان الظلم والجور حتى أدى ذلك إلى تغلب الفجار بل المجوس وأعداء الإسلام حتى ذهبت الثغور وشاع الظلم وخربت البلاد وذهب الدين والدنيا وظهرت الزندقة والغلو ومذهب الثنوية والخرمية والمزدكية والذي جلب ذلك كله عليهم ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإنكار على السلطان الجائر والله المستعان* وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عباد الواسطي قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا إسرائل قال حدثنا محمد بن جحادة عن عطية العوفى عن أبى سعيد الخدري قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر * وحدثنا محمد بن عمر قال أخبرنى أحمد بن محمد بن عمرو بن مصعب المروزى قال سمعت أبا عمارة قال سمعت الحسن بن رشيد يقول سمعت أبا حنيفة يقول أنا حدثت إبراهيم الصائغ عن عكرمة عن ابن عباس قال النبي صلّى الله عليه وسلّم سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله * قوله تعالى( وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ ) قد اقتضى ذلك نفى إرادة الظلم من كل وجه فلا يريد هو أن يظلمهم ولا يريد أيضا ظلم بعضهم لبعض لأنهما سواء في منزلة القبح ولو جاز أن يريد ظلم بعضهم لجاز أن يريد ظلمه لهم ألا ترى أنه لا فرق في العقول بين من أراد ظلم نفسه لغيره وبين من أراد ظلم إنسان لغيره وأنهما سواء في القبح فكذلك ينبغي أن تكون إرادته للظلم منتفية منه ومن غيره* قوله عز وجل( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) قيل في معنى قوله( كُنْتُمْ ) وجوه روى عن الحسن أنه يعنى فيما تقدمت البشارة والخبر به من ذكر الأمم في الكتب المتقدمة قال الحسن نحن آخرها وأكرمها على الله* وحدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبى الربيع قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول في قوله تعالى( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) قال أنتم تتمنون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله تعالى فكان معناه كنتم خير أمة أخبر الله بها أنبياءه فيما أنزل إليهم من كتبه وقيل إن دخول كان وخروجها بمنزلة إلا بمقدار دخولها لتأكيد وقوع الأمر لا محالة إذ هو بمنزلة ما قد كان في الحقيقة كما قال تعالى( وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً ) ،( وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً ) والمعنى الحقيقي وقوع ذلك* وقيل كنتم خير أمة بمعنى حدثتم خير أمة فيكون خير أمة بمعنى
«21 ـ أحكام في»
الحال وقيل كنتم خير أمة في اللوح المحفوظ وقيل كنتم منذ أنتم ليدل أنهم كذلك من أول أمرهم* وفي هذه الآية دلالة على صحة إجماع الأمة من وجوه أحدها كنتم خير أمة ولا يستحقون من الله صفة مدح إلا وهم قائمون بحق الله تعالى غير ضالين والثاني إخباره بأنهم يأمرون بالمعروف فيما أمروا به فهو أمر الله تعالى لأن المعروف هو أمر الله والثالث أنهم ينكرون المنكر والمنكر هو ما نهى الله عنه ولا يستحقون هذه الصفة إلا وهم لله رضى فثبت بذلك أن ما أنكرته الأمة فهو منكر وما أمرت به فهو معروف وهو حكم الله تعالى وفي ذلك ما يمنع وقوع إجماعهم على ضلال ويوجب أن ما يحصل عليه إجماعهم هم حكم الله تعالى قوله تعالى( لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً ) الآية فيه الدلالة على صحة نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنه أخبر عن اليهود الذين كانوا أعداء المؤمنين وهم حوالى المدينة بنو النضير وقريظة وبنو قينقاع ويهود خيبر فأخبر الله تعالى أنهم لا يضرونهم إلا أذى من جهة القول وأنهم متى قاتلوهم ولوا الأدبار فكان كما أخبر وذلك من علم الغيب* قوله تعالى( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ) وهو يعنى به اليهود المتقدم ذكرهم فيه الدلالة على صحة نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم لأن هؤلاء اليهود صاروا كذلك من الذلة والمسكنة إلا أن يجعل المسلمون لهم عهد الله وذمته لأن الحبل في هذا الموضع هو العهد والأمان* قوله تعالى( لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ) قال ابن عباس وقتادة وابن جريج لما أسلم عبد الله بن سلام وجماعة معه قالت اليهود ما آمن بمحمد إلا شرارنا فأنزل الله تعالى هذه الآية* قال الحسن قوله( قائِمَةٌ ) يعنى عادلة وقال ابن عباس وقتادة والربيع بن أنس ثابتة على أمر الله تعالى وقال السدى قائمة بطاعة الله تعالى وقوله( وَهُمْ يَسْجُدُونَ ) قيل فيه أنه السجود المعروف في الصلاة وقال بعضهم معناه يصلون لأن القراءة لا تكون في السجود ولا في الركوع فجعلوا الواو حالا وهو قول الفراء وقال الأولون الواو هاهنا للعطف كأنه قال يتلون آيات الله آناء الليل وهم مع ذلك يسجدون قوله تعالى( يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) صفة لهؤلاء الذين آمنوا من أهل الكتاب لأنهم آمنوا بالله ورسوله ودعوا الناس إلى تصديق النبي صلّى الله عليه وسلّم والإنكار على من خالفه فكانوا ممن قال الله تعالى( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) في الآية المتقدمة وقد بينا ما دل عليه القرآن من وجوب
الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر* فإن قيل فهل تجب إزالة المنكر من طريق اعتقاد* المذاهب الفاسدة على وجه التأويل كما وجب في سائر المناكير من الأفعال* قيل له هذا على وجهين فمن كان منهم داعيا إلى مقالته فيضل الناس بشبهته فإنه تجب إزالته عن ذلك بما أمكن ومن كان منهم معتقدا ذلك في نفسه غير داع إليها فإنما يدعى إلى الحق بإقامة الدلالة على صحة قول الحق وتبين فساد شبهته ما لم يخرج على أهل الحق بسفيه ويكون له أصحاب يمتنع بهم عن الإمام فإن خرج داعيا إلى مقالته مقاتلا عليها فهذا الباغي الذي أمر الله تعالى بقتاله حتى يفيء إلى أمر الله تعالى* وقد روى عن على كرم الله وجهه أنه كان قائما على المنبر بالكوفة يخطب فقالت الخوارج من ناحية المسجد لا حكم إلا لله فقطع خطبته وقال كلمة حق يراد بها باطل أما أن لهم عندنا ثلاثا أن لا نمنعهم حقهم من الفيء ما كانت أيديهم مع أيدينا ولا نمنعهم مساجد الله أن يذكروا فيها اسمه ولا نقاتلهم حتى يقاتلونا فأخبر أنه لا يجب قتالهم حتى يقاتلونا وكان ابتدأهم على كرم الله وجهه بالدعاء حين نزلوا حروراء وحاجهم حتى رجع بعضهم وذلك أصل في سائر المتأولين من أهل المذاهب الفاسدة أنهم ما لم يخرجوا داعين إلى مذاهبهم لم يقاتلوا وأقروا على ما هم عليه ما لم يكن ذلك المذهب كفرا فإنه غير جائز إقرار أحد من الكفار على كفره إلا بجزية وليس يجوز إقرار من كفر بالتأويل على الجزية لأنه بمنزلة المرتد* لإعطائه بديا جملة* التوحيد والإيمان بالرسول فمتى نقض ذلك بالتفصيل صار مرتدا* ومن الناس من يجعلهم بمنزلة أهل الكتاب كذلك كان يقول أبو الحسن فتجوز عنده مناكحتهم ولا يجوز للمسلمين أن يزوجوهم وتؤكل ذبائحهم لأنهم منتحلون بحكم القرآن وإن لم يكونوا مستمسكين به كما أن من انتحل النصرانية أو اليهودية فحكمه حكمهم وإن لم يكن مستمسكا بسائر شرائعهم وقال تعالى( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) وقال محمد في الزيادات لو أن رجلا دخل في بعض الأهواء التي يكفر أهلها كان في وصاياه بمنزلة المسلمين يجوز منها ما يجوز من وصايا المسلمين ويبطل منها ما يبطل من وصاياهم وهذا يدل على موافقة المذهب الذي يذهب إليه أبو الحسن في بعض الوجوه ومن الناس من يجعلهم بمنزلة المنافقين الذين كانوا في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم فأقروا على نفاقهم مع علم الله تعالى بكفرهم ونفاقهم ومن الناس من يجعلهم كأهل الذمة ومن أبى ذلك ففرق بينهما بأن المنافقين لو وقفنا على نفاقهم لم نقرهم عليه ولم نقبل
منهم إلا الإسلام أو السيف وأهل الذمة إنما أقروا بالجزية وغير جائز أخذ الجزية من الكفار المتأولين المنتحلين للإسلام ولا يجوز أن يقروا بغير جزية فحكمهم في ذلك متى وقفنا على مذهب واحد منهم اعتقاد الكفر لم يجز إقراره عليه وأجرى عليه أحكام المرتدين ولا يقتصر في إجرائه حكم الكفار على إطلاق لفظ عسى أن يكون غلطه فيه دون الاعتقاد دون أن يبين عن ضميره فيعرب لنا عن اعتقاده بما يوجب تكفيره فحينئذ يجوز عليه أحكام المرتدين من الاستتابة فإن تاب وإلا قتل والله أعلم.
باب الاستعانة بأهل الذمة
قال الله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ ) الآية قال أبو بكر بطانة الرجل خاصته الذين يستبطنون أمره ويثق بهم في أمره فنهى الله تعالى المؤمنين أن يتخذوا أهل الكفر بطانة من دون المؤمنين وأن يستعينوا بهم في خوص أمورهم وأخبر عن ضمائر هؤلاء الكفار للمؤمنين فقال( لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً ) يعنى لا يقصرون فيما يجدون السبيل إليه من إفساد أموركم لأن الخبال هو الفساد ثم قال( وَدُّوا ما عَنِتُّمْ ) قال السدى ودوا ضلالكم عن دينكم وقال ابن جريج ودوا أن تعنتوا في دينكم فتحملوا على المشقة فيه لأن أصل العنت المشقة فكأنه أخبر عن محبتهم لما يشق عليكم وقال الله تعالى( وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ ) وفي هذه الآية دلالة على أنه لا تجوز الاستعانة بأهل الذمة في أمور المسلمين من العمالات والكتبة وقد روى عن عمر أنه بلغه أن أبا موسى استكتب رجلا من أهل الذمة فكتب إليه يعنفه وتلا( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ ) أى لا تردوهم إلى العز بعد أن أذلهم الله تعالى وروى أبو حيان التيمي عن فرقد ابن صالح عن أبى دهقانة قال قلت لعمر بن الخطاب أن هاهنا رجلا من أهل الحيرة لم نر رجلا أحفظ منه ولا أخط منه بقلم فإن رأيت أن نتخذه كاتبا قال قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين* وروى هلال الطائي عن وسق الرومي قال كنت مملوكا لعمر فكان يقول لي أسلم فإنك إن أسلمت استعنت بك على أمانة المسلمين فإنه لا ينبغي أن أستعين على أمانتهم من ليس منهم فأبيت فقال لا إكراه في الدين فلما حضرته الوفاة أعتقنى فقال اذهب حيث شئت وقوله تعالى( لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً ) قيل في معنى( أَضْعافاً مُضاعَفَةً ) وجهان أحدهما المضاعفة بالتأجيل أجلا بعد أجل ولكل
أجل قسط من الزيادة على المال والثاني ما يضاعفون به أموالهم وفي هذا دلالة على أن المخصوص بالذكر لا يدل على أن ما عداه بخلافه لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون ذكر تحريم الربا أضعافا مضاعفة دلالة على إباحته إذا لم يكن أضعافا مضاعفة فلما كان الربا محظورا بهذه الصفة وبعدمها دل ذلك على فساد قولهم في ذلك ويلزمهم في ذلك أن تكون هذه الدلالة منسوخة بقوله تعالى( وَحَرَّمَ الرِّبا ) إذا لم يبق لها حكم في الاستعمال وقوله تعالى( وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ) قيل كعرض السموات والأرض وقال في آية أخرى( وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) وكما قال( ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ) أى إلا كبعث نفس واحدة ويقال إنما خص العرض بالذكر دون الطول لأنه يدل على أن الطول أعظم ولو ذكر الطول لم يقم مقامه في الدلالة على العظم وهذا يحتج به في قول النبي صلّى الله عليه وسلّم ذكاة الجنين ذكاة أمه معناه كذكاة أمه وقوله تعالى( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ ) قال ابن عباس( فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ) في العسر واليسر يعنى في قلته وكثرته وقيل في حال السرور والغم لا يقطعه شيء من ذلك عن إنفاقه في وجوه البر فمدح المنفقين في هاتين الحالتين ثم عطف عليه الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس فمدح من كظم غيظه وعفا عمن اجترم إليه وقال عمر بن الخطاب من خاف الله لم يشف غيظه ومن اتقى الله لم يصنع ما يريد ولو لا يوم القيامة لكان غير ما ترون وكظم الغيظ والعفو مندوب إليهما موعود بالثواب عليهما من الله تعالى قوله تعالى( وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً ) فيه حض على الجهاد من حيث لا يموت أحد فيه إلا بإذن الله تعالى وفيه التسلية عما يلحق النفس بموت النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنه بإذن الله تعالى لأنه قد تقدم ذكر موت النبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله( وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) الآية* وقوله تعالى( وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها ) قيل فيه من عمل للدنيا وفر حظه المقسوم له فيها من غير أن يكون له حظ في الآخرة روى ذلك عن ابن إسحاق وقيل إن معناه من أراد بجهاده ثواب الدنيا لم يحرم حظه من الغنيمة وقيل من تقرب إلى الله بعمل النوافل وليس هو ممن يستحق الجنة بكفره أو بما يحبط عمله جوزي بها في الدنيا من غير أن يكون له حظ في الآخرة وهو نظير قوله تعالى( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ
يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ) قوله تعالى( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ) قال ابن عباس والحسن علماء وفقهاء وقال مجاهد وقتادة جموع كثيرة* وقوله تعالى( فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا ) فإنه قيل في الوهن بأنه انكسار الجسد ونحوه والضعف نقصان القوة وقيل في الاستكانة أنها إظهار الضعف وقيل فيه أنه الخضوع فبين تعالى أنهم لم يهنوا بالخوف ولا ضعفوا لنقصان القوة ولا استكانوا بالخضوع وقال ابن إسحاق فما وهنوا بقتل نبيهم ولا ضعفوا عن عدوهم ولا استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن دينهم وفي هذه الآية الترغيب في الجهاد في سبيل الله والحض على سلوك طريق العلماء من صحابة الأنبياء والأمر بالاقتداء بهم في الصبر على الجهاد* وقوله تعالى( وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ) الآية فيه حكاية دعاء الربيين من أتباع الأنبياء المتقدمين وتعليم لنا لأن نقول مثل قولهم عند حضور القتال فينبغي للمسلمين أن يدعوا بمثله عند معاينة العدو لأن الله تعالى حكى ذلك عنهم على وجه المدح لهم والرضا بقولهم لنفعل مثل فعلهم ونستحق من المدح كاستحقاقهم قوله تعالى( فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ ) قال قتادة والربيع بن أنس وابن جريج ثواب الدنيا الذي أوتوه هو النصر على عدوهم حتى قهروهم وظفروا بهم وثواب الآخرة الجنة وهذا دليل على أنه يجوز اجتماع الدنيا والآخرة لواحد روى عن على رضى الله عنه أنه قال من عمل لدنياه أضر بآخرته ومن عمل لآخرته أضر بدنياه وقد يجمعهما الله تعالى لأقوام قوله تعالى( سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً ) فيه دليل على بطلان التقليد لأن الله تعالى حكم ببطلان قولهم إذ لم يكن معهم برهان عليه والسلطان هاهنا هو البرهان ويقال إن أصل السلطان القوة فسلطان الملك قوته والسلطان الحجة لقوتها على قمع الباطل وقهر المبطل بها والتسليط على الشيء التقوية عليه مع الإغراء به وفيه الدلالة على صحة نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم لما أخبر به من إلقاء الرعب في قلوب المشركين فكان كما أخبر به وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم نصرت بالرعب حتى أن العدو ليرعب منى وهو على مسيرة شهر قوله تعالى( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ) فيه إخبار بتقدم وعد الله تعالى لهم بالنصر على عدوهم ما لم يتنازعوا ويختلفوا فكان كما أخبر به يوم أحد ظهروا على عدوهم وهزموهم وقتلوا منهم وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر الرماة بالمقام في موضع
وأن لا يبرحوا فعصوا وخلوا مواضعهم حين رأوا هزيمة المشركين وظنوا أنه لم يبق لهم باقية واختلفوا وتنازعوا فحمل عليهم خالد بن الوليد من ورائهم فقتلوا من المسلمين من قتلوا بتركهم أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعصيانهم * وفي ذلك دليل على صحة نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنهم وجدوا موعود الله كما وعد قبل العصيان فلما عصوا وكلوا إلى أنفسهم وفيه دليل على أن النصر من الله في جهاد العدو مضمون باتباع أمره والاجتهاد في طاعته وعلى هذا جرت عادة الله تعالى للمسلمين في نصرهم على أعدائهم وقد كان المسلمون من الصدر الأول إنما يقاتلون المشركين بالدين ويرجون النصر عليهم وغلبتهم به لا بكثرة العدد ولذلك قال الله تعالى( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ) فأخبر أن هزيمتهم إنما كانت لتركهم أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الإخلال بمراكزهم التي رتبوا فيها* وقال تعالى( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ) وإنما أتوا من قبل من كان يريد الدنيا منهم قال عبد الله بن مسعود ما ظننت أن أحدا ممن قاتل مع النبي صلّى الله عليه وسلّم يريد الدنيا حتى أنزل الله تعالى( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ) وعلى هذا المعنى كان الله قد فرض على العشرين أن لا يفروا من مائتين بقوله تعالى( إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ) لأنه في ابتداء الإسلام كانوا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم مخلصين لنية الجهاد لله تعالى ولم يكن فيهم من يريد الدنيا وكانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا رجالة قليلي العدة والسلاح وعدوهم ألف فرسان ورجالة بالسلاح الشاك فمنحهم الله أكتافهم ونصرهم عليهم حتى قتلوا كيف شاءوا وأسروا كيف شاءوا ثم لما خالطهم بعد ذلك من لم يكن له مثل بصائرهم وخلوص ضمائرهم خفف الله تعالى عن الجميع فقال( الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ ) ومعلوم أنه لم يرد ضعف قوى الأبدان ولا عدم السلاح لأن قوى أبدانهم كانت باقية وعددهم أكثر وسلاحهم أوفر وإنما أراد به أنه خالطهم من ليس له قوة البصيرة مثل ما للأولين فالمراد بالضعف هاهنا ضعف النية وأجرى الجميع مجرى واحدا في التخفيف إذا لم يكن من المصلحة تمييز ذوى البصائر منهم بأعيانهم وأسمائهم من أهل ضعف اليقين وقلة البصيرة ولذلك قال أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم في يوم القيامة حين انهزم الناس أخلصونا أخلصونا يعنون المهاجرين والأنصار* قوله
تعالى( ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ ) قال طلحة وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وقتادة والربيع بن أنس كان ذلك يوم أحد بعد هزيمة من انهزم من المسلمين وتوعدهم المشركون بالرجوع فكان من ثبت من المسلمين تحت الحجف متأهبين للقتال فأنزل الله تعالى الأمنة على المؤمنين فناموا دون المنافقين الذين أرعبهم الخوف لسوء الظن قال أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم فنمنا حتى اصطفقت الحجف من النعاس ولم يصب المنافقين ذلك بل أهمتهن أنفسهم فقال بعض أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم سمعت وأنا بين النائم واليقظان معتب بن قشير وناسا من المنافقين يقولون هل لنا من الأمر من شيء وهذا من لطف الله تعالى للمؤمنين وإظهار أعلام النبوة في مثل تلك الحال التي العدو فيها مطل عليهم وقد انهزم عنهم كثير من أعوانهم وقد قتلوا من قتلوا من المسلمين فينامون وهم مواجهون العدو في الوقت الذي يطير فيه النعاس عمن شاهده ممن لا يقاتل فكيف بمن حضر القتال والعدو قد أشرعوا فيهم الأسنة وشهروا سيوفهم لقتلهم واستيصالهم* وفي ذلك أعظم الدلائل وأكبر الحجج في صحة نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم من وجوه أحدها وقوع الأمنة مع استعلاء العدو من غير مدد أتاهم ولا نكاية في العدو ولا انصرافهم عنهم ولا قلة عددهم فينزل الله تعالى على قلوبهم الأمنة وذلك في أهل الإيمان واليقين خاصة والثاني وقوع النعاس عليهم في مثل تلك الحال التي يطير في مثلها النعاس عمن شاهدها بعد الانصراف والرجوع فكيف في حال المشاهدة وقصد العدو نحوهم لاستيصالهم وقتلهم والثالث تمييز المؤمنين من المنافقين حتى خص المؤمنين بتلك الأمنة والنعاس دون المنافقين فكان المؤمنون في غاية الأمن والطمأنينة والمنافقون في غاية الهلع والخوف والقلق والاضطراب فسبحان الله العزيز العليم الذي لا يضيع أجر المحسنين* قوله تعالى( فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ ) قيل إن ما هاهنا صلة معناه فبرحمة من الله روى ذلك عن قتادة كما قال( عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ) وقوله تعالى( فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ) واتفق أهل اللغة على ذلك وقالوا معناها التأكيد وحسن النظم كما قال الأعشى : *(1) اذهبى ما إليك أدركنى الحلم* عداني عن هيجكم أشفاقى
__________________
(1) (قوله فاذهبي ما إليك) يقال أذهب إليك معناه اشتغل بنفسك وأقبل عليها وما في الكلام زائدة كما ذكره المصنف (لمصححه).
وفي ذلك دليل على بطلان قول من نفى أن يكون في القرآن مجاز لأن ذكر ما هاهنا مجاز وإسقاطها لا يغير المعنى قوله تعالى( وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) يدل على وجوب استعمال اللين والرفق وترك الفظاظة والغلظة في الدعاء إلى الله تعالى كما قال تعالى( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) وقوله تعالى لموسى وهارون( فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ) قوله تعالى( وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) اختلف الناس في معنى أمر الله تعالى إياه بالمشاورة مع استغنائه بالوحي عن تعرف صواب الرأى من الصحابة فقال قتادة والربيع بن أنس ومحمد بن إسحاق إنما أمره بها تطييبا لنفوسهم ورفعا من أقدارهم إذ كانوا ممن يوثق بقوله ويرجع إلى رأية قال سفيان ابن عيينة أمره بالمشاورة لتقتدى به أمته فيها ولا تراها منقصة كما مدحهم الله تعالى بأن أمرهم شورى بينهم وقال الحسن والضحاك جمع لهم بذلك الأمرين جميعا في المشاورة ليكون لإجلال الصحابة ولتقتدى الأمة به في المشاورة وقال بعض أهل العلم إنما أمره بالمشاورة فيما لم ينص له فيه على شيء بعينه فمن القائلين بذلك من يقول إنما هو في أمور الدنيا خاصة وهم الذين يأبون أن يكون النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول شيئا من أمور الدين من طريق الاجتهاد وإنما هو في أمور الدنيا خاصة فجائز أن يكون النبي صلّى الله عليه وسلّم يستعين بآرائهم في ذلك ويتنبه بها على أشياء من وجوه التدبير ما جائز أن يفعلها لولا المشاورة واستشارة آراء الصحابة وقد أشار الحباب بن المنذر يوم بدر على النبي صلّى الله عليه وسلّم بالنزول على الماء فقبل وأشار منه عليه السعدان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا فقبل منهم وخرق الصحيفة في أشياء من نحو هذا من أمور الدنيا وقال آخرون كان مأمورا بمشاورتهم في أمور الدين والحوادث التي لا توقيف فيها عن الله تعالى وفي أمور الدنيا أيضا مما طريقه الرأى وغالب الظن وقد شاورهم يوم بدر في الأسارى وكان ذلك من أمور الدين وكان صلّى الله عليه وسلّم إذا شاورهم فأظهروا آراءهم ارتأى معهم وعمل بما أداه إليه اجتهاده وكان في ذلك ضروب من الفوائد أحدها إعلام الناس أن ما لا نص فيه من الحوادث فسبيل استدراك حكمه الاجتهاد وغالب الظن والثاني إشعارهم بمنزلة الصحابة رضى الله عنهم وأنهم أهل الاجتهاد وجائز اتباع آرائهم إذ رفعهم الله إلى المنزلة التي يشاورهم النبي صلّى الله عليه وسلّم ويرضى اجتهادهم ويحريهم لموافقة النصوص من
أحكام الله تعالى والثالث أن باطن ضمائرهم مرضى عند الله تعالى لو لا ذلك لم يأمره بمشاورتهم فدل ذلك على يقينهم وصحة إيمانهم وعلى منزلتهم مع ذلك من العلم وعلى تسويغ الاجتهاد في أحكام الحوادث التي لا نصوص فيها لتقتدى به الأمة بعده صلّى الله عليه وسلّم في مثله وغير جائز أن يكون الأمر بالمشاورة على جهة تطبيب نفوسهم ورفع أقدارهم ولتقتدى الأمة به في مثله لأنه لو كان معلوما عندهم أنهم إذا استفرغوا مجهودهم في استنباط ما شاوروا فيه وصواب الرأى فيما سئلوا عنه ثم لم يكن ذلك معمولا عليه ولا متلقى منه بالقبول بوجه لم يكن في ذلك تطبيب نفوسهم ولا رفع لأقدارهم بل فيه إيحاشهم وإعلامهم بأن آراءهم غير مقبولة ولا معمول عليها فهذا تأويل ساقط لا معنى له فكيف يسوغ تأويل من تأوله لتقتدى به الأمة مع علم الأمة عند هذا القائل بأن هذه المشورة لم تفد شيئا ولم يعمل بشيء أشاروا به فإن كان على الأمة الاقتداء به فيها فواجب على الأمة أيضا أن يكون تشاورهم فيما بينهم على هذا السبيل وأن لا تنتج المشورة رأيا صحيحا ولا قولا معمولا لأن مشاورتهم عند القائلين بهذه المقالة كانت على هذا الوجه فإن كانت مشورة الأمة فيما بينها تنتج رأيا صحيحا وقولا معمولا عليه فليس في ذلك اقتداء بالصحابة عند مشاورة النبي صلّى الله عليه وسلّم إياهم وإذ قد بطل هذا فلا بد من أن تكون لمشاورته إياهم فائدة تستفاد بها وأن يكون للنبي صلّى الله عليه وسلّم معهم ضرب من الارتئاء والاجتهاد فجائز حينئذ أن توافق آراؤهم رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم وجائز أن يوافق رأى بعضهم رأيه وجائز أن يخالف رأى جميعهم فيعمل صلّى الله عليه وسلّم حينئذ برأيه ويكون فيه دلالة على أنهم لم يكونوا معنقين في اجتهادهم بل كانوا مأجورين فيه لفعلهم ما أمروا به ويكون عليهم حينئذ ترك آرائهم واتباع رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا بد من أن تكون مشاورة النبي صلّى الله عليه وسلّم إياهم فيما لا نص فيه إذ غير جائز أن يشاورهم في المنصوصات ولا يقول لهم ما رأيكم في الظهر والعصر والزكاة وصيام رمضان ولما لم يخص الله تعالى أمر الدين من أمور الدنيا في أمره صلّى الله عليه وسلّم بالمشاورة وجب أن يكون ذلك فيهما جميعا ولأنه معلوم أن مشاورة النبي صلّى الله عليه وسلّم في أمر الدنيا إنما كانت تكون في محاربة الكفار ومكايدة العدو وإن لم يكن للنبي صلّى الله عليه وسلّم تدبيره في أمر دنياه ومعاشه يحتاج فيه إلى مشاورة غيره لاقتصاره صلّى الله عليه وسلّم من الدنيا على القوت والكفاف الذي لا فضل فيه وإذا كانت مشاورته لهم في محاربة العدو ومكايدة الحروب فإن ذلك من أمر الدين ولا
فرق بين اجتهاد الرأى فيه وبينه في أحكام سائر الحوادث التي لا نصوص فيها وفي ذلك دليل على صحة القول باجتهاد الرأى في أحكام الحوادث وعلى أن كل مجتهد مصيب وعلى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد كان يجتهد رأيه فيما لا نص فيه* ويدل على أنه قد كان يجتهد رأيه معهم ويعمل بما يغلب في رأيه فيما لا نص فيه قوله تعالى في نسق ذكر المشاورة( فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ) ولو كان فيما شاور فيه شيء منصوص قد ورد التوقيف به من الله لكانت العزيمة فيه متقدمة للمشاورة إذ كان ورد النص موجبا لصحة العزيمة قبل المشاورة وفي ذكر العزيمة عقيب المشاورة دلالة على أنها صدرت عن المشورة وأنه لم يكن فيها نص قبلها* قوله تعالى( وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَ ) قرئ( يَغُلَ ) برفع الياء ومعناه يخان وخص النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك وإن كانت خيانة سائر الناس محظورة تعظيما لأمر خيانته على خيانة غيره كما قال تعالى( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ) وإن كان الرجس كله محظورا ونحن مأمورون باجتنابه وروى هذا التأويل عن الحسن وقال ابن عباس وسعيد ابن جبير في قوله تعالى( يَغُلَ ) برفع الياء أن معناه يخون فينسب إلى الخيانة وقال نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض الناس لعل النبي صلّى الله عليه وسلّم أخذها فأنزل الله هذه الآية* ومن قرأ( يَغُلَ ) ينصب الياء معناه يخون والغلول الخيانة في الجملة إلا أنه قد صار* الإطلاق فيها يفيد الخيانة في المغنم* وقد عظم النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر الغلول حتى أجراه مجرى الكبائر وروى قتادة عن سالم بن أبى الجعد عن معدان بن أبى طلحة عن ثوبان مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يقول من فارق الروح جسده وهو برىء من ثلاث دخل الجنة الكبر والغلول والدين * وروى عبد الله بن عمر أن رجلا كان على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقال له كركرة فمات فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم هو في النار فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه كساء أو عباءة قد غلها وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم أدوا الخيط والمخيط فإنه عار ونار وشنار يوم القيامة والأخبار في أمر تغليظ الغلول كثيرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم* وقد روى في إباحة أكل الطعام وأخذ علف الدواب عن النبي صلّى الله عليه وسلّم والصحابة والتابعين أخبار مستفيضة قال عبد الله بن أبى أوفى أصبنا طعاما يوم خيبر فكان الرجل منا يأتى فيأخذ منه ما يكفيه ثم ينصرف وعن سلمان أنه أصاب يوم المداين أرغفة حوارى وجبنا وسكينا فجعل يقطع من الجبنة ويقول كلوا بسم الله وقد روى رويفع بن ثابت الأنصارى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لا يحل لأحد يؤمن
بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه وهذا محمول على الحال التي يكون فيها مستغنيا عنه فأما إذا احتاج إليه فلا بأس به عند الفقهاء وقد روى عن البراء بن مالك أنه ضرب رجلا من المشركين يوم اليمامة فوقع على قفاه فأخذ سيفه وقتله به* قوله تعالى( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا ) قال السدى وابن جريج في قوله( أَوِ ادْفَعُوا ) إن معناه بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا وقال أبو عون الأنصارى معناه ورابطوا بالقيام على الخيل إن لم تقاتلوا* قال أبو بكر وفي هذا دلالة على أن فرض الحضور لازم لمن كان في حضوره نفع في تكثير السواد والدفع وفي القيام على الخيل إذا احتيج إليهم وقوله تعالى( يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ) قيل فيه وجهان أحدهما تأكيد لكون القول منهم إذ قد يضاف الفعل إلى غير فاعله إذا كان راضيا به على وجه المجاز كما قال تعالى( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها ) وإنما قتل غيرهم ورضوا به وقوله تعالى( فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ ) ونحو ذلك والثاني أنه فرق بذكر الأفواه بين قول اللسان وقول الكتاب* وقوله تعالى( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) زعم قوم أن المراد أنهم يكونون أحياء في الجنة قالوا لأنه لو جاز أن ترد عليهم أرواحهم بعد الموت لجاز القول بالرجعة ومذهب أهل التناسخ* قال أبو بكر وقال الجمهور إن الله تعالى يحييهم بعد الموت فينيلهم من النعيم بقدر استحقاقهم إلى أن يفنيهم الله تعالى عند فناء الخلق ثم يعيدهم في الآخرة ويدخلهم الجنة لأنه أخبر أنهم أحياء وذلك يقتضى أنهم أحياء في هذا الوقت ولأن تأويل من تأوله على أنهم أحياء في الجنة يؤدى إلى إبطال فائدته لأن أحدا من المسلمين لا يشك أنهم سيكونون أحياء مع سائر أهل الجنة إذ الجنة لا يكون فيها ميت ويدل عليه أيضا وصفه تعالى لهم بأنهم فرحون على الحال بقوله تعالى( فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) ويدل عليه قوله تعالى( وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ) وهم في الآخرة قد لحقوا بهم وروى ابن عباس وابن مسعود وجابر بن عبد الله عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في حواصل طيور خضر تحت العرش ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل
معلقة تحت العرش وهو مذهب الحسن وعمرو بن عبيد وأبى حذيفة وواصل بن عطاء وليس ذلك من مذهب أصحاب التناسخ في شيء لأن المنكر في ذلك رجوعهم إلى دار الدنيا في خلق مختلفة وقد أخبر الله تعالى عن قوم أنه أماتهم ثم أحياهم في قوله( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ ) وأخبر أن إحياء الموتى معجزة لعيسى عليه السّلام فكذلك يحييهم بعد الموت ويجعلهم حيث يشاء* وقوله تعالى( عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) معناه حيث لا يقدر لهم أحد على ضر ولا نفع إلا ربهم عز وجل وليس يعنى به قرب المسافة لأن الله تعالى لا يجوز عليه القرب والبعد بالمسافة إذ هو من صفة الأجسام وقيل عند ربهم من حيث يعلمهم هو دون الناس.
قوله تعالى( الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ) الآية* روى عن ابن عباس وقتادة وابن إسحاق إن الذين قالوا كانوا ركبا وبينهم أبو سفيان ليحبسوهم عند منصرفهم من أحد لما أرادوا الرجوع إليهم وقال السدى هو أعرابى ضمن له جعلا على ذلك فأطلق الله تعالى اسم الناس على الواحد على قول من تأوله على أنه كان رجلا واحدا فهذا على أنه أطلق لفظ العموم وأراد به الخصوص* قال أبو بكر لما كان الناس اسما للجنس وكان من المعلوم أن الناس كلهم لم يقولوا ذلك تناول ذلك أقلهم وهو الواحد منهم لأنه لفظ الجنس وعلى هذا قال أصحابنا فيمن قال إن كلمت الناس فعبدي حر أنه على كلام الواحد منهم لأنه لفظ الجنس ومعلوم أنه لم يرد به استغراق الجنس فيتناول الواحد منهم وقوله تعالى( فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً ) فيه أخبار بزيادة يقينهم عند زيادة الخوف والمحنة إذ لم يبقوا على الحال الأولى بل ازدادوا عند ذلك يقينا وبصيرة في دينهم وهو كما قال تعالى في الأحزاب( وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً ) فازدادوا عند معاينة العدو إيمانا وتسليما لأمر الله تعالى والصبر على جهادهم وفي ذلك أتم ثناء على الصحابة رضى الله عنهم وأكمل فضيلة وفيه تعليم لنا أن نقتدي بهم ونرجع إلى أمر الله والصبر عليه والاتكال عليه وأن نقول حسبنا الله ونعم الوكيل وأنا متى فعلنا ذلك أعقبنا ذلك من الله النصر والتأييد وصرف كيد العدو وشرهم مع حيازة رضوان الله وثوابه بقوله تعالى( فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ ) وقوله تعالى( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ
بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ـ إلى قوله ـسَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ ) قال السدى بخلوا أن ينفقوا في سبيل الله وأن يؤدوا الزكاة وقال ابن عباس هو في أهل الكتاب بخلوا أن يبينوه للناس وهو بالزكاة أولى كقوله( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ) ـ إلى قوله ـ( يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ ) وقوله تعالى( سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ ) يدل على ذلك أيضا* وروى سهل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما من صاحب كنز لا يؤدى زكاة كنزه إلا جيء به يوم القيامة وبكنزه فيحمى بها جبينه وجبهته حتى يحكم الله بين عباده وقال مسروق يجعل الحق الذي منعه حية فيطوقها فيقول مالي ومالك فتقول الحية أنا مالك وقال عبد الله يطوق ثعبانا في عنقه له أسنان فيقول أنا ملك الذي بخلت به.
قوله تعالى( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ) قد تقدم نظيرها في سورة البقرة وقد روى في ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير والسدى أن المراد به اليهود وقال غيرهم المراد به اليهود والنصارى وقال الحسن وقتادة المراد به كل من أوتى علما فكتمه قال أبو هريرة لو لا آية من كتاب الله تعالى ما حدثتكم به ثم تلا قوله( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) فيعود الضمير في قوله( لَتُبَيِّنُنَّهُ ) في قول الأولين على النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنهم كتموا صفته وأمره وفي قول الآخرين على الكتاب فيدخل فيه بيان أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم وسائر ما في كتب الله عز وجل.
قوله تعالى( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ) الآيات التي فيها من جهات أحدها تعاقب الأعراض المتضادة عليها مع استحالة وجودها عارية منها والأعراض محدثة وما لم يسبق المحدث فهو محدث وقد دلت أيضا على أن خالق الأجسام لا يشبهها لأن الفاعل لا يشبه فعله وفيها الدلالة على أن خالقها قادر لا يعجزه شيء إذ كان خالقها وخالق الأعراض المضمنة بها وهو قادر على أضدادها إذ ليس بقادر يستحيل منه الفعل ويدل على أن فاعلها قديم لم يزل لأن صحة وجودها متعلقة بصانع قديم لو لا ذلك لاحتاج الفاعل إلى فاعل آخر إلى ما لا نهاية له ويدل على أن صانعها عالم من حيث استحال وجود الفعل المتقن المحكم إلا من عالم به قبل أن يفعله ويدل على أنه حكيم عدل لأنه مستغن عن فعل القبيح عالم بقبحه فلا تكون أفعاله إلا
عدلا وصوابا ويدل على أنه لا يشبهها لأنه لو أشبهها لم يخل من أن يشبهها من جميع الوجوه أو من بعضها فإن أشبهها من جميع الوجوه فهو محدث مثلها وإن أشبهها من بعض الوجوه فواجب أن يكون محدثا من ذلك الوجه لأن حكم المشبهين واحد من حيث اشتبها فوجب أن يتساويا في حكم الحدوث من ذلك الوجه ويدل وقوف السموات والأرض من غير عمد أن ممسكها لا يشبهها لاستحالة وقوفها من غير عمد من جسم مثلها إلى غير ذلك من الدلائل المضمنة بها ودلالة الليل والنهار على الله تعالى أن الليل والنهار محدثان لوجود كل واحد منهما بعد أن لم يكن موجودا ومعلوم أن الأجسام لا تقدر على إيجادها ولا على الزيادة والنقصان فيها وقد اقتضيا محدثا من حيث كانا محدثين لاستحالة وجود حادث لا محدث له فوجب أن محدثهما ليس بجسم ولا مشبه للأجسام لوجهين أحدهما أن الأجسام لا تقدر على إحداث مثلها والثاني المشبه للجسم يجرى عليه ما يجرى عليه من حكم الحدوث فلو كان فاعلها حادثا لاحتاج إلى محدث ثم كذلك يحتاج الثاني إلى الثالث إلى ما لا نهاية له وذلك محال فلا بد من إثبات صانع قديم لا يشبه الأجسام والله أعلم.
باب فضل الرباط في سبيل الله تعالى
قال الله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا ) قال الحسن وقتادة وابن جريج والضحاك اصبروا على طاعة الله وصابروا على دينكم وصابروا أعداء الله ورابطوا في سبيل الله وقال محمد بن كعب القرظي اصبروا على الجهاد وصابروا وعدى إياكم ورابطوا أعداءكم وقال زيد بن أسلم اصبروا على الجهاد وصابروا العدو ورابطوا الخيل عليه وقال أبو مسلمة بن عبد الرحمن ورابطوا بانتظار الصلاة بعد الصلاة* وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال في انتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط وقال تعالى( وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ ) وروى سليمان عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال رباط يوم في سبيل الله أفضل من صيام شهر ومن قيامه ومن مات فيه وقى فتنة القبر ونما له عمله إلى يوم القيامة وروى عثمان عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة قيام ليلها وصيام نهارها والله الموفق.
سورة النساء
قال الله تعالى( وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ ) قال الحسن ومجاهد وإبراهيم هو قول القائل أسألك بالله وبالرحم وقال ابن عباس وقتادة والسدى والضحاك اتقوا الأرحام أن تقطعوها وفي الآية دلالة على جواز المسألة بالله تعالى وقد روى ليث عن مجاهد عن ابن عمر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من سأل بالله فأعطوه وروى معاوية بن سويد ابن مقرن عن البراء بن عازب قال أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسبع منها إبرار القسم وهذا يدل على مثل ما دل عليه قوله صلّى الله عليه وسلّم من سألكم بالله فأعطوه * وأما قوله( وَالْأَرْحامَ ) ففيه تعظيم لحق الرحم وتأكيد للنهى عن قطعها قال الله تعالى في موضع آخر( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ) فقرن قطع الرحم إلى الفساد في الأرض وقال تعالى( لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً ) قيل في الآل أنه القربى وقال تعالى( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى ) وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في تعظيم حرمة الرحم ما يواطئ ما ورد به التنزيل روى سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن عوف قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول الله أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها اسما من اسمى فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا خالي حيان ابن بشر قال حدثنا محمد بن الحسن عن أبى حنيفة قال حدثني ناصح عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال ما من شيء أطيع الله فيه أعجل ثوابا من صلة الرحم وما من عمل عصى الله به أعجل عقوبة من البغي واليمين الفاجرة وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا خالد بن خداش قال حدثنا صالح المري قال حدثنا يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر ويدفع بهما ميتة السوء ويدفع الله بهما المحذور والمكروه وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة قالت سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح قال الحميدي الكاشح العدو ورواه أيضا
سفيان عن الزهري عن أيوب بن بشير عن حكيم بن حزام عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاش * وروت حفصة بنت سيرين عن الرباب عن سليمان بن عامر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال الصدقة على المسلمين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان لأنها صدقة وصل قال أبو بكر فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها وجعل النبي صلّى الله عليه وسلّم الصدقة على ذي الرحم اثنتين صدفة وصلة وأخبر باستحقاق الثواب لأجل الرحم سوى ما يستحقه بالصدقة فدل على أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يصح الرجوع فيها ولا فسخها أيا كان الواهب أو غيره لأنها قد جرت مجرى الصدقة في أن موضوعها القربة واستحقاق الثواب بها كالصدقة لما كان موضوعها القربة وطلب الثواب لم يصح الرجوع فيها كذلك الهبة لذي الرحم المحرم ولا يصح للأب بهذه الدلالة الرجوع فيما وهبه للابن كما لا يجوز لغيره من ذوى الرحم المحرم إذ كانت بمنزلة الصدقة إلا أن يكون الأب محتاجا فيجوز له أخذه كسائر أموال الإبن* فإن قيل لم يفرق الكتاب والسنة فيما أوجبه من صلة الرحم بين ذي الرحم المحرم وغيره فالواجب أن لا يرجع فيما وهبه لسائر ذوى أرحامه وإن لم يكن ذا رحم محرم كابن العم والأباعد من أرحامه قيل له لو اعتبرنا كل من بينه وبينه نسب لوجب أن يشترك فيه آدم عليه السّلام كلهم لأنهم ذووا أنسابه ويجمعهم نوح النبي عليه السّلام وقبله آدم عليه السّلام وهذا فاسد فوجب أن يكون الرحم الذي يتعلق به هذا الحكم هو ما يمنع عقد النكاح بينهما إذا كان أحدهما رجلا والآخر امرأة لأن ما عدا ذلك لا يتعلق به حكم وهو بمنزلة الأجنبيين وقد روى زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال أتيت النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يخطب بمنى وهو يقول أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك * فذكر ذوى الرحم المحرم في ذلك فدل على صحة ما ذكرنا وهو مأمور مع ذلك بمن بعد رحمه أن يصله وليس في تأكيد من قرب كما يأمر بالإحسان إلى الجار ولا يتعلق بذلك حكم في التحريم ولا في منع الرجوع في الهبة فكذلك ذوو رحمه الذين ليسوا بمحرم فهو مندوب إلى الإحسان إليهم ولكنه لما لم يتعلق به حكم التحريم كانوا بمنزلة الأجنبيين والله أعلم بالصواب.
«22 ـ أحكام في»
باب دفع أموال الأيتام إليهم بأعيانها ومنعه الوصي من استهلاكها
قال الله تعالى( وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ) روى عن الحسن أنه قال لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم وجعل ولى اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله فشكوا ذلك إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ) قال أبو بكر وأظن ذلك غلطا من الراوي لأن المراد بهذه الآية إيتاءهم أموالهم بعد البلوغ إذ لا خلاف بين أهل العلم أن اليتيم لا يجب إعطاؤه ماله قبل البلوغ وإنما غلط الراوي بآية أخرى وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبى شيبة قال حدثنا جرير عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما أنزل الله تعالى( وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ـ و ـإِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ) الآية أنطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله تعالى( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ) فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم فهذا هو الصحيح في ذلك* وأما قوله تعالى( وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ) فليس من هذا في شيء لأنه معلوم أنه لم يرد به إيتاءهم أموالهم في حال اليتيم وإنما يجب الدفع إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد وأطلق اسم الأيتام عليهم لقرب عهدهم باليتم كما سمى مقارنة انقضاء العدة بلوغ الأجل في قوله تعالى( فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) والمعنى مقاربة البلوغ ويدل على ذلك قوله تعالى في نسق الآية( فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ) والإشهاد عليه لا يصح قبل البلوغ فعلم أنه أراد بعد البلوغ وسماهم يتامى لأحد معنيين إما لقرب عهدهم بالبلوغ أو لانفرادهم عن آبائهم مع أن العادة في أمثالهم ضعفهم عن التصرف لأنفسهم والقيام بتدبير أمورهم على الكمال حسب تصرف المتحنكين الذين قد جربوا الأمور واستحكمت آراؤهم وقد روى يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسئله عن اليتيم متى ينقطع يتمه فكتب إليه إذا أونس منه الرشد انقطع عنه يتمه وفي بعض الألفاظ إن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعد فأخبر ابن عباس أن اسم اليتيم قد يلزمه بعد البلوغ إذا لم يستحكم رأيه ولم يؤنس منه رشده فجعل بقاء ضعف الرأى
موجبا لبقاء اسم اليتيم عليه واسم اليتيم قد يقع على المنفرد عن أبيه وعلى المرأة المنفردة عن زوجها قال النبي صلّى الله عليه وسلّم تستأمر اليتيمة في نفسها وهي لا تستأمر إلا وهي بالغة وقال الشاعر :
إن القبور تنكح الأيامى |
النسوة الأرامل اليتامى |
إلا أنه معلوم أنه إذا صار شيخا أو كهلا لا يسمى يتيما وإن كان ضعيف العقل ناقص الرأى فلا بد من اعتبار قرب العهد بالصغر والمرأة الكبيرة المسنة تسمى يتيمة من جهة انفرادها عن زوج والرجل الكبير المسن لا يسمى يتيما من جهة انفراده عن أبيه وإنما كان كذلك لأن الأب يلي على الصغير ويدبر أمره ويحوطه فيكنفه فسمى الصغير يتما لانفراده عن أبيه الذي هذه حاله فما دام على حال الضعف ونقصان الرأى يسمى يتيما بعد البلوغ وأما المرأة فإنما سميت يتيمة لانفرادها عن الزوج الذي هي في حباله وكنفه فهي وإن كبرت فهذا الاسم لازم لها لأن وجود الزوج لها في هذه الحال بمنزلة الأب للصغير في أنه هو الذي يلي حفظها وحياطتها فإذا انفردت عمن هذه حاله معها سميت يتيمة كما سمى الصغير يتيما لانفراده عمن يدبر أمره ويكنفه ويحفظه ألا ترى إلى قوله تعالى( الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ ) كما قال( وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ ) فجعل الرجل قيما على امرأته كما جعل ولى اليتيم قيما عليه وقد روى على بن أبى طالب وجابر بن عبد الله عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لا يتم بعد حلم وهذا هو الحقيقة في اليتيم وبعد البلوغ يسمى يتيما مجازا لما وصفنا وما ذكرنا من دلالة اسم اليتيم على الضعيف على ما روى عن ابن عباس يدل على صحة قول أصحابنا فيمن أوصى ليتامى بنى فلان وهم لا يحصون أنها جائزة للفقراء من اليتامى لأن اسم اليتيم يدل على ذلك* ويدل عليه ما حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبى الربيع قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الحسن في قوله عز وجل( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً ) قال السفهاء ابنك السفيه وامرأتك السفيهة قال وقوله( قِياماً ) قيام عيشك وقد ذكر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال اتقوا الله في الضعيفين اليتيم والمرأة فسمى اليتيم ضعيفا ولم يشرط في هذه الآية إيناس الرشد في دفع المال إليهم وظاهره يقتضى وجود دفعه إليهم بعد البلوغ أونس منه الرشد أو لم يؤنس إلا أنه قد شرطه في قوله تعالى( حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ
مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ) فكان ذلك مستعملا عند أبى حنيفة ما بينه وبين خمس وعشرين سنة فإذا بلغها ولم يؤنس منه رشد وجب دفع المال إليه لقوله تعالى( وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ) فيستعمله بعد خمس وعشرين سنة على مقتضاه وظاهره وفيما قبل ذلك لا يدفعه إلا مع إيناس الرشد لاتفاق أهل العلم أن إيناس الرشد قبل بلوغ هذه السن شرط وجوب دفع المال إليه وهذا وجه شائع من قبل أن فيه استعمال كل واحدة من الآيتين على مقتضى ظواهرهما على فائدتهما ولو اعتبرنا إيناس الرشد على سائر الأحوال كان فيه إسقاط حكم الآية الأخرى رأسا وهو قوله تعالى( وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ) من غير شرط لإيناس الرشد فيه لأن الله تعالى أطلق إيجاب دفع المال من غير قرينة ومتى وردت آيتان إحداهما خاصة مضمنة بقرينة فيما تقتضيه من إيجاب الحكم والأخرى عامة غير مضمنة بقرينة وأمكننا استعمالهما على فائدتهما ولم يجز لنا الاقتصار بها على فائدة إحداهما وإسقاط فائدة الأخرى ولما ثبت بما ذكرنا وجوب دفع المال إليه لقوله تعالى( وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ) وقال في نسق التلاوة( فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ) دل ذلك على أنه جائز الإقرار بالقبض إذ كان قوله( فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ) قد تضمن جواز الإشهاد على إقرارهم بقبضها وفي ذلك دلالة على نفى الحجر وجواز التصرف لأن المحجور عليه لا يجوز إقراره ومن وجب الإشهاد عليه فهو جائز الإقرار* وأما قوله تعالى( وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ) فإنه روى عن مجاهد وأبى صالح الحرام بالحلال أى لا تجعل بدل رزقك الحلال حراما تتعجل بأن تستهلك مال اليتيم فتنفقه أو تتجر فيه لنفسك أو تحبسه وتعطيه غيره فيكون ما تأخذه من مال اليتيم خبيثا حراما وتعطيه مالك الحلال الذي رزقك الله تعالى ولكن آتوهم أموالهم بأعيانها وهذا يدل على أن ولى اليتيم لا يجوز له أن يستقرض مال اليتيم من نفسه ولا يستبدله فيحبسه لنفسه ويعطيه غيره وليس فيه دلالة على أنه لا يجوز له التصرف فيه بالبيع والشرى لليتيم لأنه إنما حظر عليه أن يأخذه لنفسه ويعطى اليتيم غيره وفيه الدلالة على أنه ليس له أن يشترى من مال اليتيم لنفسه بمثل قيمته سواء لأنه قد حظر عليه استبدال مال اليتيم لنفسه فهو عام في سائر وجوه الاستبدال إلا ما قام دليله هو أن يكون ما يعطى اليتيم أكثر قيمة مما يأخذه على قول أبى حنيفة لقوله تعالى( وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) وقال سعيد بن المسيب والزهري
والضحاك والسدى في قوله( وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ) قال لا تجعلوا الزائف بدل الجيد والمهزول بدل السمين وأما قوله( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ ) فإنه روى عن مجاهد والسدى لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم مضيفين لها إلى أموالكم فنهوا عن خلطها بأموالهم على وجه الاستقراض لتصير دينا في ذمته فيجوز لهم أكلها وأكل أرباحها* قوله تعالى( إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً ) قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة إثما كبيرا وفي هذه الآية دلالة على وجوب تسليم أموال اليتامى بعد البلوغ وإيناس الرشد إليهم وإن لم يطالبوا بأدائها لأن الأمر بدفعها مطلق متوعد على تركه غير مشروط فيه مطالبة الأيتام بأدائها ويدل على أن من له عند غيره مال فأراد دفعه إليه أنه مندوب على الإشهاد عليه لقوله تعالى( فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ) والله الموفق.
باب تزويج الصغار
قال الله تعالى( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ) روى الزهري عن عروة قال قلت لعائشة قوله تعالى( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى ) الآية فقالت يا ابن أختى هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ويريد أن ينكحها بأدنى من صداقها فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن وأمروا أن ينكحوا سواهن من النساء قالت عائشة ثم أن الناس استفتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ ) ـ إلى قوله تعالى ـ( وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ ) قالت والذي ذكر الله تعالى أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي قال فيها( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى ) وقوله في الآية الأخرى( وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ ) رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حتى تكون قليلة المال والجمال فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن قال أبو بكر وروى عن ابن عباس نحو تأويل عائشة في قوله تعالى( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى ) وروى عن سعيد بن جبير والضحاك والربيع تأويل غير هذا وهو ما حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبى الربيع الجرجانى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن أيوب عن سعيد بن جبير في قوله تعالى( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ )
يقول ما أحل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وخافوا في النساء مثل الذي خفتم في اليتامى ألا تقسطوا فيهن وروى عن مجاهد وإن خفتم ألا تقسطوا فحرجتم من أكل أموالهم وكذلك فتحرجوا من الزنا فانكحوا النساء نكاحا طيبا مثنى وثلاث ورباع وروى فيه قول ثالث وهو ما روى شعبة عن سماك عن عكرمة قال كان الرجل من قريش تكون عنده النسوة ويكون عنده الأيتام فيذهب ماله فيميل على مال الأيتام فنزلت( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى ) الآية وقد اختلف الفقهاء في تزويج غير الأب والجد الصغيرين فقال أبو حنيفة لكل من كان من أهل الميراث من القربات أن يزوج الأقرب فالأقرب فإن كان المزوج الأب أو الجد فلا خيار لهم بعد البلوغ وإن كان غيرهما فلهم الخيار بعد البلوغ وقال أبو يوسف ومحمد لا يزوج الصغيرين إلا العصبات الأقرب فالأقرب قال أبو يوسف ولا خيار لهما بعد البلوغ وقال محمد لهما الخيار إذا زوجهما غير الأب والجد وذكر ابن وهب عن مالك في تزويج الرجل يتيمه إذا رأى له الفضل والصلاح والنظر أن ذلك جائز له عليه وقال ابن القاسم عن مالك في الرجل يزوج أخته وهي صغيرة أنه لا يجوز ويزوج الوصي وإن كره الأولياء والوصي أولى من الولي غير أنه لا يزوج الثيب إلا برضاها ولا ينبغي أن يقطع عنها الخيار الذي جعل لها في نفسها ويزوج الوصي بنيه الصغار وبناته الصغار ولا يزوج البنات الكبار إلا برضاهن وقول الليث في ذلك كقول مالك وكذلك قال يحيى بن سعيد وربيعة أن الوصي أولى وقال الثوري لا يزوج العم ولا الأخ الصغيرة ولا أموال إلى الأوصياء والنكاح إلى الأولياء وقال الأوزاعى لا يزوج الصغيرة إلا الأب وقال الحسن بن صالح لا يزوج الوصي إلا أن يكون وليا وقال الشافعى لا يزوج الصغار من الرجال والنساء إلا الأب أو الجد إذا لم يكن أب ولا ولاية للوصي على الصغيرة قال أبو بكر روى جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال قال عمر من كان في حجره تركة لها عوار فليضمها إليه فإن كانت رغبة فليزوجها غيره وروى عن على وابن مسعود وابن عمر وزيد بن ثابت وأم سلمة والحسن وطاوس وعطاء في آخرين جواز تزويج غير الأب والجد الصغيرة وروى عن ابن عباس وعائشة في تأويل الآية ما ذكرنا وأنها في اليتيمة فتكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ولا يقسط لها في صداقها فنهوا أن ينكحوهن أو يبلغوا بهن أعلى سننهن في الصداق ولما كان ذلك عندهما تأويل الآية دل على أن جواز ذلك
من مذهبهما أيضا ولا نعلم أحدا من السلف منع ذلك والآية يدل على ما تأولها عليه ابن عباس وعائشة لأنهما ذكر أنها في اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ولا يقسط لها في الصداق فنهوا أن ينكحوهن أو يقسطوا لهن في الصداق وأقرب الأولياء الذي تكون اليتيمة في حجره ويجوز له تزوجها هو ابن العم فقد تضمنت الآية جواز تزوج ابن العم اليتيمة التي في حجره* فإن قيل لم جعلت هذا التأويل أولى من* تأويل سعيد بن جبير وغيره الذي ذكرت مع احتمال الآية للتأويلات كلها* قيل له ليس يمتنع أن يكون المراد المعنيين جميعا لاحتمال اللفظ لهما وليسا متنافيين فهو عليهما جميعا ومع ذلك فإن ابن عباس وعائشة قد قالا إن الآية نزلت في ذلك وذلك لا يقال بالرأى وإنما يقال توقيفا فهو أولى لأنهما ذكرا سبب نزولها والقصة التي نزلت فيها فهو أولى فإن قيل يجوز أن يكون المراد الجد* قيل له إنما ذكرا أنها نزلت في اليتيمة التي في حجره ويرغب في نكاحها والجد لا يجوز له نكاحها فعلمنا أن المراد ابن العم ومن هو أبعد منه من سائر الأولياء* فإن قيل إن الآية إنما هي في الكبيرة لأن عائشة قالت أن الناس استفتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ ) يعنى قوله( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى ) قال فلما قال( فِي يَتامَى النِّساءِ ) دل على أن المراد الكبار منهن دون الصغار لأن الصغار لا يسمين نساء* قيل له هذا غلط من وجهين أحدهما أن قوله( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى ) حقيقته تقتضي اللاتي لم يبلغن لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يتم بعد بلوغ الحلم ولا يجوز صرف الكلام عن حقيقته إلى المجاز إلا بدلالة والكبيرة تسمى يتيمة على وجه المجاز وقوله تعالى( فِي يَتامَى النِّساءِ ) لا دلالة فيه على ما ذكرت لأنهن إذا كن من جنس النساء جازت إضافتهن إليهن وقد قال الله تعالى( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ) والصغار والكبار داخلات فيهن وقال( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ ) والصغار والكبار مرادات به وقال( وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ) ولو تزوج صغيرة حرمت عليه أمها تحريما مؤبدا فليس إذا في إضافة اليتامى إلى النساء دلالة على أنهن الكبار دون الصغار* والوجه الآخر أن هذا التأويل الذي ذكره ابن عباس وعائشة لا يصح في الكبار لأن الكبيرة إذا رضيت بأن يتزوجها بأقل من مهر مثلها جاز النكاح وليس لأحد
أن يعترض عليها فعلمنا أن المراد الصغار اللاتي يتصرف عليهن في التزويج من هن في حجره* ويدل عليه ما روى محمد بن إسحاق قال أخبرنى عبد الله بن أبى بكر بن حزم وعبد الله بن الحارث ومن لا أتهم عن عبد الله بن شداد قال كان زوج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أم سلمة ابنها سلمة فزوجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بنت حمزة وهما صبيان صغيران فلم يجتمعا حتى ماتا فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هل جزيت سلمة بتزويجه إياى أمه وفيه الدلالة على ما ذكرنا من وجهين أحدهما أنه زوجهما وليس بأب ولا جد فدل على أن تزويج غير الأب والجد جائز للصغيرين والثاني أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما فعل ذلك وقد قال الله تعالى( فَاتَّبِعُوهُ ) فعلينا اتباعه فيدل على أن للقاضي تزويج الصغيرين وإذا جاز ذلك للقاضي جاز لسائر الأولياء لأن أحدا لم يفرق بينهما ويدل عليه أيضا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لا نكاح إلا بولي فأثبت النكاح إذا كان بولي والأخ وابن العم أولياء والدليل عليه أنها لو كانت كبيرة كانوا أولياء في النكاح ويدل عليه من طريق النظر اتفاق الجميع على أن الأب والجد إذا لم يكونا من أهل الميراث إن كانا كافرين أو عبدين لم يزوجا فدل على أن هذه الآية مستحقة بالميراث فكل من كان أهل الميراث فله أن يزوج الأقرب فالأقرب ولذلك قال أبو حنيفة أن للأم ومولى الموالاة أن يزوجوا إذا لم يكن أقرب منهم لأنهم من أهل الميراث* فإن قيل لما كان في النكاح* مال وجب أن لا يجوز عقد من لا يجوز تصرفه في المال* قيل له إن المال يثبت في النكاح من غير تسمية فلا اعتبار فيه بالولاية في المال ألا ترى أن عند من لا يجيز النكاح بغير ولى فللأولياء حتى في التزويج وليست لهم ولاية في المال على الكبيرة ويلزم مالكا والشافعى أن لا يجيز تزويج الأب لابنته البكر الكبيرة إذ لا ولاية له عليها في المال فلما جاز عند مالك والشافعى لأب البكر الكبيرة تزويجها بغير رضاها مع عدم ولايته عليها في المال دل ذلك على أنه لا اعتبار في استحقاق الولاية في عقد النكاح بجواز التصرف في المال ولما ثبت بما ذكرنا من دلالة الآية جواز تزويج ولى الصغيرة إياها من نفسه دل على أن لولى الكبيرة أن يزوجها من نفسه برضاها ويدل أيضا على أن العاقد للزوج والمرأة يجوز أن يكون واحدا بأن يكون وكيلا لهما كما جاز لولى الصغيرة أن يزوجها من نفسه فيكون الموجب للنكاح والقابل له واحدا ويدل أيضا على أنه إذا كان وليا لصغيرين جاز له أن يزوج أحدهما من صاحبه فالآية دالة من هذه الوجوه على بطلان مذهب الشافعى في قوله إن الصغيرة
لا يزوجها غير الأب والجد وفي قوله إنه لا يجوز لولى الكبيرة أن يتزوجها برضاها بغير محضر منها ويدل على بطلان قوله في أنه لا يجوز أن يكون رجل واحد وكيلا لهما جميعا في عقد النكاح عليهما* وإنما قال أصحابنا إنه لا يجوز للوصي تزويج الصغيرة من قبل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لا نكاح إلا بولي والوصي ليس بولي لها ألا ترى أن قوله( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً ) فلو وجب لها قود لم يكن الوصي لها وليا في ذلك ولم يستحق الولاية فيه فثبت أن الوصي لا يقع عليه اسم الولي فواجب أن لا يجوز تزويجه إياها إذ ليس بولي لها* فإن قيل فواجب على هذا أن لا يكون الأخ أو العم وليا للصغيرة لأنهما* لا يستحقان الولاية في القصاص* قيل له لم نجعل عدم الولاية في القصاص علة في ذلك حتى يلزمنا عليها وإنما بينا أن ذلك الاسم لا يتناوله ولا يقع عليه من جهة ما يستحق من التصرف في المال وأما الأخ والعم فهما وليان لأنهما من العصبات واحد لا يمتنع من إطلاق اسم الولي على العصبات قال الله تعالى( وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي ) قيل إنه أراد به بنى أعمامه وعصباته فاسم الولي يقع على العصبات ولا يقع على الوصي فلما قال صلّى الله عليه وسلّم لا نكاح إلا بولي انتفى بذلك جواز تزويج الوصي للصغيرة إذ ليس بولي وقال صلّى الله عليه وسلّم أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها وفي لفظ آخر بغير إذن مواليها فنكاحها باطل فقد اقتضى بطلان نكاح المجنونة والبكر الكبيرة إذا زوجها الوصي أو تزوجت بإذن الوصي دون إذن الولي لحكم النبي صلّى الله عليه وسلّم ببطلان نكاحها إذ كانت متزوجة بغير إذن وليها وأيضا فإن هذه الولاية في النكاح مستحقة بالميراث لما دللنا عليه وليس الوصي من أهل الميراث فلا ولاية له وأيضا فإن السبب الذي به يستحق الولاية في النكاح هو النسب وذلك لا يصح النقل فيه ولا يستحقه الوصي لعدم السبب الذي به يستحق الولاية وليس التصرف في المال بعد الموت كالتصرف في النكاح لأن المال يصح النقل فيه والنكاح لا يصح النقل فيه إلى غير الزوجين فلم يجز أن يكون للوصي ولاية فيه وليس الوصي كالوكيل في حال حياة الأب لأن الوكيل يتصرف بأمر الموكل وأمره باق لجواز تصرفه وأمر الميت منقطع فيما لا يصح فيه النقل وهو النكاح فلذلك اختلفا* فإن قيل فإن الحاكم* يزوج عندكم الصغيرين مع عدم الميراث والولاية من طريق النسب* قيل له إن الحاكم قائم مقام جماعة المسلمين فيما يتصرف فيه من ذلك وجماعة المسلمين هم من أهل ميراث
الصغيرين وهم باقون فاستحق الولاية من حيث هو كالوكيل لهم وهم من أهل ميراثه لأنه لو مات ولا وارث له من ذوى أنسابه ورثه المسلمون* وفي هذه الآية دلالة أيضا على أن للأب تزويج ابنته الصغيرة من حيث دلت على جواز تزويج سائر الأولياء إذ كان هو أقرب الأولياء ولا نعلم في جواز ذلك خلافا بين السلف والخلف من فقهاء الأمصار إلا شيئا رواه بشر بن الوليد عن ابن شبرمة أن تزويج الآباء على الصغار لا يجوز وهو مذهب الأصم ويدل على بطلان هذا المذهب سوى ما ذكرنا من دلالة هذه الآية قوله تعالى( وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ) فحكم بصحة طلاق الصغيرة التي لم تحض والطلاق لا يقع إلا في نكاح صحيح فتضمنت الآية جواز تزويج الصغيرة* ويدل عليه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم تزوج عائشة وهي بنت ست سنين زوجها إياه أبو بكر الصديق رضى الله عنه وقد حوى هذا الخبر معنيين أحدهما جواز تزويج الأب الصغيرة والآخر أن لا خيار لها بعد البلوغ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يخيرها بعد البلوغ وأما قوله تعالى( ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ) فإن مجاهدا قال معناه أنكحوا نكاحا طيبا وعن عائشة والحسن وأبى مالك ما أحل لكم وقال الفراء أراد بقوله تعالى( ما طابَ ) المصدر كأنه قال فانكحوا من النساء الطيب أى الحلال قال ولذلك جاز أن يقول ما ولم يقل من* وأما قوله تعالى( مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ) فإنه إباحة للثنتين إن شاء وللثلاث إن شاء وللرباع إن شاء على أنه مخير في أن يجمع في هذه الأعداد من شاء قال فإن خاف أن لا يعدل اقتصر من الأربع على الثلاث فإن خاف أن لا يعدل اقتصر من الثلاث على الاثنتين فإن خاف أن لا يعدل بينهما اقتصر على الواحدة* وقيل إن الواو هاهنا بمعنى أو كأنه قال مثنى أو ثلاث أو رباع وقيل أيضا فيه أن الواو على حقيقتها ولكنه على وجه البدل كأنه قال وثلاث بدلا من مثنى ورباع بدلا من ثلاث لا على الجمع بين الأعداد ومن قال هذا قال أنه لو قيل بأو لجاز أن لا يكون الثلاث لصاحب المثنى ولا الرباع لصاحب الثلاث فأفاد ذكر الواو إباحة الأربع لكل أحد ممن دخل في الخطاب وأيضا فإن المثنى داخل في الثلاث والثلاث في الرباع إذ لم يثبت أن كل واحد من الأعداد مراد مع الأعداد الأخر عن وجه الجمع فتكون تسعا وهذا كقوله تعالى( قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها )
إلى قوله( وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ) والمعنى في أربعة أيام باليومين المذكورين بديا ثم قال( فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ ) ولولا أن ذلك كذلك لصارت الأيام كلها ثمانية وقد علم أن ذلك ليس كذلك لقوله تعالى( خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) فكذلك المثنى داخل في الثلاث والثلاث في الرباع فجميع ما أباحته الآية من العدد أربع لا زيادة عليها وهذا العدد إنما هو للأحرار دون العبيد في قول أصحابنا والثوري والليث والشافعى. وقال مالك للعبد أن يتزوج أربعا والدليل على أن الآية في الأحرار دون العبيد قوله تعالى( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ ) إنما هو مختص بالأحرار لأن العبد لا يملك عقد النكاح لاتفاق الفقهاء أنه لا يجوز له أن يتزوج إلا بأذن المولى وأن المولى أملك بالعقد عليه منه بنفسه لأن المولى لو زوجه وهو كاره لجاز عليه ولو تزوج هو بغير إذن المولى لم يجز نكاحه وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر وقال الله تعالى( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ) فلما كان العبد لا يملك عقد النكاح لم يكن من أهل الخطاب بالآية فوجب أن تكون الآية في الأحرار وأيضا لا يختلفون أن للرق تأثيرا في نقصان حقوق النكاح المقدرة كالطلاق والعدة فلما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يكون للعبد النصف مما للحر وقد روى عن ستة من الصحابة أن العبد لا يتزوج إلا اثنتين ولا يروى عن أحد من نظرائهم خلافه فيما نعلمه* وقد روى سليمان بن يسار عن عبد الله بن عتبة قال قال عمر بن الخطاب ينكح العبد اثنتين ويطلق اثنتين وتعتد الأمة حيضتين فإن لم تحض فشهر ونصف وروى الحسن وابن سيرين عن عمر وعبد الرحمن بن عوف أن العبد لا يحل له أكثر من امرأتين وروى جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا قال لا يجوز للعبد أن ينكح فوق اثنتين وروى حماد عن إبراهيم أن عمر وعبد الله قالا لا ينكح العبد أكثر من اثنتين وشعبة عن الحكم عن الفضل بن العباس قال يتزوج العبد اثنتين وابن سيرين قال قال عمر أيكم يعلم ما يحل للعبد من النساء فقال رجل من الأنصار أنا فقال عمر كم قال اثنتين فسكت ومن يشاوره عمر ويرضى بقوله فالظاهر أنه صحابى وروى ليث عن الحكم قال اجتمع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين فقد ثبت بإجماع أئمة الصحابة ما ذكرناه ولا نعلم أحدا من نظرائهم قال أنه يتزوج أربعا فمن خالف ذلك كان محجوجا بإجماع الصحابة وقد روى نحو قولنا
عن الحسن وإبراهيم وابن سيرين وعطاء والشعبي* فإن قيل روى يحيى ابن حمزة عن أبى وهب عن أبى الدرداء قال يتزوج العبد أربعا وهو قول مجاهد والقاسم وسالم وربيعة الرأى* قيل له إسناد حديث أبى الدرداء فيه رجل مجهول وهو أبو وهب ولو ثبت لم يجز الاعتراض به على قول الأئمة الذين ذكرنا أقاويلهم واستفاض ذلك عنهم وقد ذكر الحكم وهو من جلة فقهاء التابعين إجماع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن العبد لا يتزوج أكثر من اثنتين* وأما قوله تعالى( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً ) فإن معناه والله أعلم العدل في القسم بينهن لما قال تعالى في آية أخرى( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ ) والمراد ميل القلب والعدل الذي يمكنه فعله ويخاف أن لا يفعل إظهار الميل بالفعل فأمره الله تعالى بالاقتصار على الواحدة إذا خاف إظهار الميل والجور ومجانبة العدل* وقوله عطفا على ما تقدم من إباحة العدد المذكور بعقد النكاح( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) يقتضى حقيقته وظاهره إيجاب التخيير بين أربع حرائر وأربع إماء بعقد النكاح فيوجب ذلك تخييره بين تزويج الحرة والأمة وذلك لأن قوله تعالى( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) كلام مستقل بنفسه بل هو مضمن بما قبله وفيه ضمير لا يستغنى عنه وضميره ما تقدم ذكره مظهرا في الخطاب وغير جائز لنا إضمار معنى لم يتقدم له ذكر إلا بدلالة من غيره فلم يجز لنا أن نجعل الضمير في قوله تعالى( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) الوطء فيكون تقديره قد أبحت لكم وطء ملك اليمين لأنه ليس في الآية ذكر الوطء وإنما الذي في أول الآية ذكر العقد لأن قوله تعالى( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ ) لا خلاف أن المراد به العقد فوجب أن يكون قوله تعالى( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) ضميره أو فانكحوا ما ملكت أيمانكم وذلك النكاح هو العقد فالضمير الراجع إليه أيضا هو العقد دون الوطء* فإن قيل لما صلح أن يكون النكاح اسما للوطء ثم عطف عليه قوله( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) صار كقوله فانكحوا ما ملكت أيمانكم فيكون معناه الوطء في هذا الموضع وإن كان معناه العقد في أول الخطاب* قيل له لا يجوز هذا لأنه إذا كان ضميره ما تقدم ذكره بديا في أول الخطاب فوجب أن يكون بعينه ومعناه المراد به ضميرا فيه فإذا كان النكاح المذكور هو العقد فكأنه قيل فاعقدوا عقدة النكاح فيما طاب لكم فإذا أضمره في ملك اليمين كان الضمير هو العقد إذ لم يجز للوطء ذكر من جهة المعنى ولا من طريق اللفظ
فامتنع من أجل ذلك إضمار الوطء فيه وإن كان اسم النكاح قد يتناوله ومن جهة أخرى أنه لما لم يكن في الآية ذكر النكاح إلا ما تقدم في أولها وثبت أن المراد به العقد لم يجز أن يكون ضمير ذلك اللفظ بعينه وطء لامتناع أن يكون لفظ واحد مجازا حقيقة لأن أحد المعنيين يتناوله اللفظ مجازا والآخر حقيقة ولا يجوز أن ينتظمهما لفظ واحد فوجب أن يكون ضميره عقد النكاح المذكور بديا في الآية* فإن قيل الذي يدل على أن ضميره هو الوطء دون العقد إضافته لملك اليمين إلى المخاطبين ومعلوم استحالة تزوجه بملك يمينه ويجوز له وطء ملك يمينه فعلمنا أن المراد الوطء دون العقد* قيل له لما أضاف ملك اليمين إلى الجماعة كان المراد نكاح ملك يمين الغير كقوله تعالى( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ ) فأضاف عقد النكاح على ملك أيمانهم إليهم والخطاب متوجه إلى كل واحد في إباحة تزويج ملك غيره كذلك قوله تعالى( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) محمول على هذا المعنى فليس إذا فيما ذكرت دليل على وجوب إضمار لا ذكر له في الخطاب فوجب أن يكون ضميره ما تقدم ذكره مظهرا وهو عقد النكاح* وفيما وصفنا دليل على اقتضاء الآية التخيير بين تزوج الأمة والحرة لمن يستطيع أن يتزوج حرة لأن التخيير لا يصح إلا فيما يمكنه فعل كل واحد منهما على حاله فقد حوت هذه الآية الدلالة من وجهين على جواز تزويج الأمة مع وجود الطول إلى الحرة أحدهما عموم قوله تعالى( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ) وذلك شامل للحرائر والإماء لوقوع اسم النساء عليهن والثاني قوله تعالى( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) وذلك يقتضى التخيير بينهن وبين الحرائر في التزويج وقد قدمنا دلالة قوله تعالى( وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ ) على ذلك في سورة البقرة ويدل عليه أيضا قوله تعالى( وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ ) وذلك عموم شامل للحرائر والإماء وغير جائز تخصيصه إلا بدلالة* وأما قوله تعالى( ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا ) فإن ابن عباس والحسن ومجاهد وأبا رزين والشعبي وأبا مالك وإسماعيل وعكرمة وقتادة قالوا يعنى لا تميلوا عن الحق وروى إسماعيل ابن أبى خالد عن أبى مالك الغفاري ذلك أدنى ألا تعولوا أن لا تميلوا وأنشد عكرمة شعرا لأبى طالب :
بميزان صدق لا يخس شعيرة |
ووزان قسط وزنه غير عائل |
قال غير مائل قال أهل اللغة أصل العول المجاوزة للحد فالعول في الفريضة مجاوزة حد السهام المسماة والعول الميل الذي هو خلاف العدل لخروجه عن حد العدل وعال يعول إذا جار وعال يعيل إذا تبختر وعال يعيل إذا افتقر حكى لنا ذلك أبو عمر غلام ثعلب وقال الشافعى في قوله تعالى( ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا ) معناه أن لا يكثر من تعولون قال وهذا يدل على أن على الرجل نفقة امرأته وقد خطأه الناس في ذلك من ثلاثة أوجه أحدها أنه لا خلاف بين السلف وكل من روى عنه تفسير هذه الآية أن معناه أن لا تميلوا وأن لا تجوروا وإن هذا الميل هو خلاف العدل الذي أمر الله به من القسم بين النساء والثاني خطأوه في اللغة لأن أهل اللغة لا يختلفون في أنه لا يقال في كثرة العيال عال يعول ذكره المبرد وغيره من أئمة اللغة وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى أن لا تعولوا قال أن لا تجوروا يقال علت على أى جرت والثالث أن في الآية ذكر الواحدة أو ملك اليمين والإماء في العيال بمنزلة النساء ولا خلاف أن له أن يجمع من العدد من شاء بملك اليمين فعلمنا أنه لم يرد كثرة العيال وأن المراد نفى الجور والميل بتزوج امرأة واحدة إذ ليس معها من يلزمها القسم بينه وبينها لا قسم للإماء بملك اليمين والله أعلم.
باب هبة المرأة المهر لزوجها
قال الله تعالى( وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) روى عن قتادة وابن جريج في قوله تعالى( وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ) قالا فريضة كأنهما ذهبا إلى نحلة الدين وإن ذلك فرض فيه وروى عن أبى صالح في قوله تعالى( وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ) قال كان الرجل إذا زوج موليته أخذ صداقها فنهوا عن ذلك فجعله خطابا للأولياء أن لا يحبسوا عنهن المهور إذا قبضوها إلا أن معنى النحلة يرجع إلى ما ذكره قتادة في أنها فريضة وهذا على معنى ما ذكره الله عقيب ذكر المواريث فريضة من الله* قال بعض أهل العلم إنما سمى المهر نحلة والنحلة في الأصل العطية والهبة في بعض الوجوه لأن الزوج لا يملك بدله شيئا لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله ألا ترى أنها لو وطئت بشبهة كان المهر لها دون الزوج فإنما سمى المهر نحلة لأنه لم يعتض من قبلها عوضا يملكه فكان في معنى النحلة التي ليس بإزائها بدل وإنما الذي يستحقه الزوج منها بعقد النكاح هو الاستباحة لا الملك وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى
في قوله تعالى( نِحْلَةً ) يعنى بطيبة أنفسكم يقول لا تعطوهن مهورهن وأنتم كارهون ولكن آتوهم ذلك وأنفسكم به طيبة وإن كان المهر لهن دونكم قال أبو بكر فجائز على هذا المعنى أن يكون إنما سماه نحلة لأن النحلة هي العطية وليس يكاد يفعلها الناحل إلا متبرعا بها طيبة بها نفسه فأمروا بإيتاء النساء مهورهن بطيبة من أنفسهم كالعطية التي يفعلها المعطى بطيبة من نفسه* ويحتج بقوله تعالى( وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ) في إيجاب كمال المهر للمخلو* بها لاقتضاء الظاهر له* وأما قوله تعالى( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) فإنه يعنى عن المهر لما أمرهم بإيتائهن صدقاتهن عقبه بذكر جواز قبول إبرائها وهبتها له لئلا يظن أن عليه إيتاءها مهرها وإن طابت نفسها بتركه* قال قتادة في هذه الآية ما طابت به نفسها من غيره كره فهو حلال وقال علقمة لامرأته أطعمينى من الهنيء والمريء* فتضمنت الآية معاني منها أن المهر لها وهي المستحقة له لا حق للولي فيه ومنها أن على الزوج أن يعطيها بطيبة من نفسه ومنها جواز هبتها المهر للزوج والإباحة للزوج في أخذه بقوله تعالى( فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) ومنها تساوى قال قبضها للمهر وترك قبضها في جواز هبتها للمهر لأن قوله تعالى( فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) يدل على المعنيين ويدل أيضا على جواز هبتها للمهر قبل القبض لأن الله تعالى لم يفرق بينهما* فإن قيل قوله تعالى( فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) يدل على أن المراد فيما تعين من المهر إما أن يكون عرضا بعينه فقبضته أو لم تقبضه أو دراهم قد قبضتها فإما دين في الذمة فلا دلالة في الآية على جواز هبتها له إذ لا يقال لما في الذمة كله هنيئا مريئا قيل له ليس المراد في ذلك مقصورا على ما يتأتى فيه الأكل دون ما لا يتأتى لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون خاصا في المهر إذا كان شيئا مأكولا وقد عقل من مفهوم الخطاب أنه غير مقصور على المأكول منه دون غيره لأن قوله تعالى( وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ) عام في المهور كلها سواء كانت من جنس المأكول أو من غيره وقوله تعالى( فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) شامل لجميع الصدقات المأمور بإيتائها فدل أنه لا اعتبار بلفظ الأكل في ذلك وإن المقصد فيه جواز استباحته بطيبة من نفسها وقال الله تعالى( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ) وقال تعالى( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ) وهو عموم النهى عن سائر وجوه التصرف في مال اليتيم من الديون والأعيان المأكول وغير المأكول وشامل للنهى في أخذ أموال الناس إلا على وجه
التجارة عن تراض وليس المأكول بأولى بمعنى الآية من غيره وإنما خص الأكل بالذكر لأنه معظم ما يبتغى له الأموال إذ به قوام بدن الإنسان وفي ذكره للأكل دلالة على ما دونه وهذا كقوله تعالى( إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ) فخص البيع بالذكر وإن كان ما عداه من سائر ما يشغله عن الصلاة بمثابته في النهى لأن الاشتغال بالبيع من أعظم أمورهم في السعى في طلب معايشهم فعقل من ذلك إرادة ما هو دونه وأنه أولى بالنهى إذ قد نهاهم عما هم إليه أحوج والحاجة إليه أشد وكما قال تعالى( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ) فخص اللحم بذكر التحريم وسائر أجزائه مثله دونه لأنه معظم ما يراد منه وينتفع به فكان في تحريمه أعظم منافعه دلالة على ما دونه فكذلك قوله تعالى( فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) قد اقتضى جواز هبتها للمهر من أى جنس كان عينا أو دينا قبضته أو لم تقبضه* ومن جهة أخرى أنه إذا جازت هبتها للمهر إذا كان مقبوضا معينا فكذلك حكمه إذا كان دينا لأنه قد ثبت جواز تصرفها في مالها فلا يختلف حكم العين والدين فيه ولأن أحدا لم يفرق بينهما* وقد دلت هذه الآية على جواز هبة الدين والبراءة منه كما جازت هبة المرأة للمهر وهو دين ويدل أيضا على أن من وهب لإنسان دينا له عليه أن البراءة قد وقعت بنفس الهبة لأن الله تعالى قد حكم بصحته وأسقطه عن ذمته ويدل على أن من وهب لإنسان مالا فقبضه وتصرف فيه أنه جائز له ذلك وإن لم يقل بلسانه قد قبلت لأن الله تعالى قد أباح له أكل ما وهبته من غير شرط القبول بل يكون التصرف فيه بحضرته حين وهبه قبولا ويدل على أنها لو قالت قد طبت لك نفسا عن مهري وأرادت الهبة والبراءة أن ذلك جائز لقوله تعالى( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) وقد اختلف الفقهاء في هبة المرأة مهرها لزوجها فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد والشافعى إذا بلغت المرأة واجتمع لها عقلها جاز لها التصرف في مالها بالهبة أو غيرها بكرا كانت أو ثيبا وقال مالك لا يجوز أمر البكر في مالها ولا ما وضعت عن زوجها من الصداق وإنما ذلك إلى أبيها في العفو عن زوجها ولا يجوز لغير الأب من أوليائها ذلك قال وبيع المرأة ذات الزوج دارها وخادمها جائز وإن كره الزوج إذا أصابت وجه البيع فإن كانت فيه محاباة كان من ثلث مالها وإن تصدقت أو وهبت أكثر من الثلث لم يجز من ذلك قليل ولا كثير قال مالك والمرأة الأيم
إذا لم يكن لها زوج في مالها كالرجل في ماله سواء وقال الأوزاعى لا تجوز عطية المرأة حتى تلد وتكون في بيت زوجها سنة وقال الليث لا يجوز عتق المرأة ذات الزوج ولا صدقتها إلا في الشيء اليسير الذي لا بد لها منه لصلة رحم أو غيره ذلك مما يتقرب به إلى الله تعالى قال أبو بكر الآية قاضية بفساد هذه الأقوال شاهدة بصحة قول أصحابنا الذي قدمنا لقوله عز وجل( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) ولم يفرق فيه بين البكر والثيب ولا بين من أقامت في بيت زوجها سنة أو لم تقم وغير جائز الفرق بين البكر والثيب في ذلك إلا بدلالة تدل على خصوص حكم الآية في الثيب دون البكر وأجاز مالك هبة الأب والله تعالى أمرنا بإعطائها جميع الصداق إلا أن تهب هي شيئا منه له فالآية قاضية ببطلان هبة الأب لأنه مأمور بإيتاء جميع الصداق إلا أن تطيب نفسها بتركه ولم يشرط الله تعالى طيبة نفس الأب فمنع ما أباحه الله له بطيبة نفسها من مهرها وأجاز ما حظره الله تعالى من منع شيء من مهرها إلا بطيبة نفسها بهبة الأب وهذا الاعتراض على الآية من وجهين بغير دلالة أحدهما منعها الهبة مع اقتضاء ظاهر الآية لجوازها والثاني جواز هبة الأب مع أمر الله الزوج بإعطائها الجميع إلا أن تطيب نفسا بتركه ويدل على ذلك قوله تعالى( وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) فمنع أن يأخذ منها شيئا مما أعطاها إلا برضاها بالفدية فقد شرط رضا المرأة ولم يفرق مع ذلك بين البكر والثيب ويدل عليه حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال للنساء تصدقن ولو من حليكن وفي حديث ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم خرج يوم الفطر فصلى ثم خطب ثم أتى النساء فأمرهن أن يتصدقن ولم يفرق في شيء منه بين البكر والثيب ولأن هذا حجر ولا يصح الحجر على من هذه صفته والله أعلم.
باب دفع المال إلى السفهاء
قال الله تعالى( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً ) قال أبو بكر قد اختلف أهل العلم في تأويل هذه الآية فقال ابن عباس لا يقسم الرجل ماله على أولاده فيصير عيالا عليهم بعد إذ هم عيال له والمرأة من أسفه السفهاء فتأول ابن عباس الآية
«23 ـ أحكام في»
على ظاهرها ومقتضى حقيقتها لأن قوله تعالى( أَمْوالَكُمُ ) يقتضى خطاب كل واحد منهم بالنهى عن دفع ماله إلى السفهاء لما في ذلك من تضييعه لعجز هؤلاء عن القيام بحفظه وتثميره وهو يعنى به الصبيان والنساء الذين لا يكملون لحفظ المال ويدل ذلك أيضا على أنه لا ينبغي له أن يوكل في حياته بمال ويجعله في يد من هذه صفته وأن لا يوصى به إلى أمثالهم ويدل أيضا على ورثته إذا كانوا صغارا أنه لا ينبغي أن يوصى بماله إلا إلى أمين مضطلع بحفظه عليهم* وفيه الدلالة على النهى عن تضييع المال ووجوب حفظه وتدبيره والقيام به لقوله تعالى( الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً ) فأخبر أنه جعل قوام أجسادنا بالمال فمن رزقه الله منه شيئا فعليه إخراج حق الله تعالى منه ثم حفظ ما بقي وتجنب تضييعه وفي ذلك ترغيب من الله تعالى لعباده في إصلاح المعاش وحسن التدبير وقد ذكر الله تعالى ذلك في مواضع من كتابه العزيز منه قوله تعالى( وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ ) وقوله تعالى( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ) وقوله تعالى( وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ) وما أمر الله به من حفظ الأموال وتحصين الديون بالشهادات والكتاب والرهن على ما بينا فيما سلف وقد قيل في قوله تعالى( الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً ) يعنى أنه جعلكم قواما عليها فلا تجعلوها في يد من يضيعها* والوجه الثاني من التأويل ما روى سعيد بن جبير أنه أراد لا تؤتوا السفهاء أموالهم وإنما أضافها إليهم كما قال الله تعالى( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) يعنى لا يقتل بعضكم بعضا وقوله تعالى( فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) وقوله تعالى( فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ ) يريد من يكون فيها وعلى هذا التأويل يكون السفهاء محجورا عليهم فيكونون ممنوعين من أموالهم إلى أن يزول السفه* وقد اختلف في معنى السفهاء هاهنا فقال ابن عباس السفيه من ولدك وعيالك وقال المرأة من أسفه السفهاء وقال سعيد بن جبير والحسن والسدى والضحاك وقتادة النساء والصبيان وقال بعض أهل العلم كل من يستحق صفة سفيه في المال من محجور عليه وغيره وروى الشعبي عن أبى بردة عن أبى موسى الأشعرى قال ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها ورجل أعطى ماله سفيها وقد قال الله تعالى( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) ورجل داين رجلا فلم يشهد عليه وروى عن مجاهد أن السفهاء النساء وقيل إن أصل السفه
خفة الحلم ولذلك سمى الفاسق سفيها لأنه لا وزن له عند أهل الدين والعلم ويسمى الناقص العقل سفيها لخفة عقله وليس السفه في هؤلاء صفة ذم ولا يفيد معنى العصيان لله تعالى وإنما سموا سفهاء لخفة عقولهم ونقصان تميزهم عن القيام بحفظ المال* فإن قيل لا خلاف أنه جائز أن نهب النساء والصبيان المال وقد أراد بشير أن يهب لابنه النعمان فلم يمنعه النبي صلّى الله عليه وسلّم منه إلا لأنه لم يعط سائر بنيه مثله فكيف يجوز حمل الآية على منع إعطاء السفهاء أموالنا* قيل له ليس المعنى فيه التمليك وهبة المال وإنما المعنى فيه أن نجعل الأموال في أيديهم وهم غير مضطلعين بحفظها وجائز للإنسان أن يهب الصغير والمرأة كما يهب الكبير العاقل ولكنه يقبضه له من يلي عليه ويحفظ ماله ولا يضيعه وإنما منعنا الله تعالى بالآية أن نجعل أموالنا في أيدى الصغار والنساء اللاتي لا يكملن بحفظها وتدبيرها* وقوله عز وجل( وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ ) يعنى وارزقوهم من هذه الأموال لأن في هاهنا بمعنى من إذ كانت حروف الصفات تتعاقب فيقام بعضها مقام بعض كما قال تعالى( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ ) وهو بمعنى مع فنهانا الله عن دفع الأموال إلى السفهاء الذين لا يقومون بحفظها وأمرنا بأن نرزقهم منها ونكسوهم* فإن قيل كان مراد الآية النهى عن إعطائهم مالنا على ما اقتضى ظاهرها ففي ذلك دليل على وجوب نفقة الأولاد السفهاء والزوجات لأمره إيانا بالإنفاق عليهم من أموالنا وإن كان تأويلها ما ذهب إليه القائلون بأن مرادها أن لا نعطيهم أموالهم وهم سفهاء فإنما فيه الأمر بالإنفاق عليهم من أموالهم وهذا يدل على الحجر من وجهين أحدهما منعهم من أموالهم والثاني إجازته تصرفنا عليهم في الإنفاق عليهم وشرى أقواتهم وكسوتهم* وقوله تعالى( وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) قال مجاهد وابن جريج قولا معروفا عدة جميلة بالبر والصلة على الوجه الذي يجوز ويحسن ويحتمل أن يريد به إجمال المخاطبة لهم وإلانة القول فيما يخاطبون به كقوله تعالى( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ) وكقوله( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً ) وقد قيل إنه جائز أن يكون القول المعروف هاهنا التأديب والتنبيه على الرشد والصلاح والهداية للأخلاق الحسنة ويحتمل أن يريد به إذا أعطيتموهم الرزق والكسوة من أموالكم أن تجعلوا لهم القول ولا تؤذوهم بالتذمر عليهم والاستخفاف بهم كما قال تعالى( وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً
مَعْرُوفاً ) يعنى والله أعلم إجمال اللفظ وترك التذمر والامتنان وكما قال تعالى( لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ) وجائز أن تكون هذه المعاني كلها مرادة بقوله تعالى( وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) والله أعلم.
باب دفع المال إلى اليتيم
قال الله تعالى( وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ) قال الحسن ومجاهد وقتادة والسدى يعنى اختبروهم في عقولهم ودينهم قال أبو بكر أمرنا باختبارهم قبل البلوغ لأنه قال( وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ ) فأمر بابتلائهم في حال كونهم يتامى ثم قال( حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ ) فأخبر أن بلوغ النكاح بعد الابتلاء لأن حتى غاية مذكورة بعد الابتلاء فدلت الآية من وجهين على أن هذا الابتلاء قبل البلوغ وفي ذلك دليل على جواز الإذن للصغير الذي يعقل في التجارة لأن ابتلاءه لا يكون إلا باستبراء حاله في العلم بالتصرف وحفظ المال ومتى أمر بذلك كان مأذونا في التجارة* وقد اختلف الفقهاء في إذن الصبى في التجارة فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد والحسن بن صالح جائز للأب أن يأذن لابنه الصغير في التجارة إذا كان يعقل الشرى والبيع وكذلك وصى الأب أو الجد إذا لم يكن وصى أب ويكون بمنزلة العبد المأذون له وقال ابن القاسم عن مالك لا أرى إذن الأب والوصي للصبي في التجارة جائزا وإن لحقه في ذلك دين لم يلزم الصبى منه شيء وقال الربيع عن الشافعى في كتابه في الإقرار وما أقر به الصبى من حق الله تعالى أو الآدمي أو حق في مال أو غيره فإقراره ساقط عنه سواء كان الصبى مأذونا له في التجارة أذن له أبوه أو وليه من كان أو حاكم ولا يجوز للحاكم أن يأذن له فإن فعل فإقراره ساقط عنه وكذلك شراؤه وبيعه مفسوخ قال أبو بكر ظاهر الآية يدل على جواز الإذن له في التجارة لقوله تعالى( وَابْتَلُوا الْيَتامى ) والابتلاء هو اختبارهم في عقولهم ومذاهبهم وحرمهم فيما يتصرفون فيه فهو عام في سائر هذه الوجوه وليس لأحد أن يقتصر بالاختبار على وجه دون وجه فيما يحتمله اللفظ والاختبار في استبراء حاله في المعرفة بالبيع والشرى وضبط أموره وحظ ماله ولا يكون إلا بإذن له في التجارة ومن قصر الابتلاء على اختبار عقله بالكلام دون التصرف في التجارة وحفظ المال فقد خص عموم اللفظ بغير دلالة* فإن قيل
الذي يدل على أنه لم يرد الإذن له في التصرف في حال الصغر* قوله تعالى في نسق التلاوة( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ) وإنما أمر بدفع المال إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد ولو جاز الإذن له في التجارة في صغره لجاز دفع المال إليه في حال الصغر والله تعالى إنما أمر بدفع المال إليه بعد البلوغ وإيناس الرشد قيل له ليس الإذن له في التجارة من دفع المال إليه في شيء لأن الإذن هو أن يأمره بالبيع والشرى وذلك ممكن بغير مال في يده كما يأذن للعبد في التجارة من غير مال يدفعه إليه فنقول إن الآية اقتضت الأمر بابتلائه ومن الابتلاء الإذن له في التجارة وإن لم يدفع إليه مالا ثم إذا بلغ وقد أونس منه رشده دفع المال إليه ولو كان الابتلاء لا يقتضى اختباره بالإذن له في التصرف في الشرى والبيع وإنما هو اختبار عقله من غير استبراء حاله في ضبطه وعلمه بالتصرف لما كان للابتلاء وجه قبل البلوغ فلما أمر بذلك قبل البلوغ علمنا أن المراد اختبار أمره بالتصرف ولأن اختبار صحة عقله لا ينبئ عن ضبطه لأموره وحفظه لماله وعلمه بالبيع والشرى ومعلوم أن الله تعالى أمر بالاحتياط له في استبراء أمره في حفظ المال والعلم بالتصرف فوجب أن يكون الابتلاء المأمور به قبل البلوغ مأمورا بذلك لا لاختبار صحة عقله فحسب وأيضا فإن لم يجز الإذن له في التجارة قبل البلوغ لأنه محجور عليه فالابتلاء إذا ساقط من هذا الوجه فلا يخلو بعد البلوغ متى أردنا التوصل إلى إيناس رشده من أن نختبره بالإذن له في التجارة أو لا نختبره بذلك فإن وجب اختباره فقد أجزت له التصرف وهو عندك محجور عليه بعد البلوغ إلى إيناس الرشد فإن جاز الإذن له في التجارة وهو محجور عليه بعد البلوغ فقد أخرجته من الحجر وإن لم يخرج من الحجر وهو ممنوع من ماله بعد البلوغ وهو مأذون له فهلا أذنت له قبل البلوغ في التجارة لاستبراء حاله كما يستبرأ بها بالإذن بعد البلوغ مع بقاء الحجر إلى إيناس الرشد وإن لم يستبرأ حاله بعد البلوغ بالإذن فكيف يعلم إيناس الرشد منه فقول المخالف لا يخلو من ترك الابتلاء أو دفع المال قبل إيناس الرشد ويدل على جواز الإذن للصغير في التجارة ما روى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر عمر بن أبى سلمة وهو صغير بتزويج أم سلمة إياه وروى عبد الله ابن شداد أنه أمر سلمة بن أبى سلمة بذلك وهو صغير وفي ذلك دليل على جواز الاذن له في التصرف الذي يملكه عليه غيره من بيع أو شرى ألا ترى أنه يقتضى جواز توكيل
الأب إياه بشرى عبد للصغير أو بيع عبد له هذا هو معنى الإذن له في التجارة وأما تأويل من تأول قوله تعالى( وَابْتَلُوا الْيَتامى ) على اختبارهم في عقولهم ودينهم فإن اعتبار الدين في دفع المال غير واجب باتفاق الفقهاء لأنه لو كان رجلا فاسقا ضابطا لأموره عالما بالتصرف في وجوه التجارات لم يجز أن يمنع ماله لأجل فسقه فعلمنا أن اعتبار الدين في ذلك غير واجب وإن كان رجلا ذا دين وصلاح إلا أنه غير ضابط لماله يغبن في تصرفه كان ممنوعا من ماله عند القائلين بالحجر لقلة الضبط وضعف العقل فعلمنا أن اعتبار الدين في ذلك لا معنى له* وأما قوله تعالى( حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ ) فإن ابن عباس ومجاهد والسدى قالوا هو الحلم وهو بلوغ حال النكاح من الاحتلام وأما قوله تعالى( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً ) فإن ابن عباس قال فإن علمتم منهم ذلك وقيل أن أصل الإيناس هو الإحساس حكى عن الخليل وقال الله تعالى( إِنِّي آنَسْتُ ناراً ) يعنى أحسستها وأبصرتها وقد اختلف في معنى الرشد هاهنا فقال ابن عباس والسدى الصلاح في العقل وحفظ المال وقال الحسن وقتادة الصلاح في العقل والدين وقال إبراهيم النخعي ومجاهد العقل* وروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً ) قال إذا أدرك بحلم وعقل ووقار قال أبو بكر إذا كان اسم الرشد يقع على العقل لتأويل من تأول عليه ومعلوم أن الله تعالى شرط رشدا منكورا ولم يشرط سائر ضروب الرشد اقتضى ظاهر ذلك أن حصول هذه الصفة له بوجود العقل موجبا لدفع المال إليه ومانعا من الحجر عليه فهذا يحتج به من هذا الوجه في إبطال الحجر على الحر العاقل البالغ وهو مذهب إبراهيم ومحمد بن سيرين وأبى حنيفة وقد بينا هذه المسألة في سورة البقرة* وقوله تعالى( فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ) يقتضى وجوب دفع المال إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد على ما بينا وهو نظير قوله تعالى( وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ) وهذه الشريطة معتبرة فيها أيضا وتقديره وآتوا اليتامى أموالهم إذا بلغوا وآنستم منهم رشدا* وأما قوله تعالى( وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا ) فإن السرف مجاوزة حد المباح إلى المحظور فتارة يكون السرف في التقصير وتارة في الإفراط لمجاوزة حد الجائز في الحالين* وقوله تعالى( وَبِداراً ) قال ابن عباس وقتادة والحسن والسدى مبادرة والمبادرة الإسراع في الشيء فتقديره النهى عن أكل أموالهم مبادرة أن يكبروا فيطالبوا بأموالهم وفيها دلالة على أنه إذا صار في
حد الكبر استحق المال إذا كان عاقلا من غير شرط إيناس الرشد لأنه إنما شرط إيناس الرشد بعد البلوغ وأفاد بقوله تعالى( وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا ) أنه لا يجوز له إمساك ماله بعد ما يصير في حد الكبر ولولا ذلك لما كان لذكر الكبر هاهنا معنى إذ كان الوالي عليه هو المستحق لماله قبل الكبر وبعده فهذا يدل على أنه إذا صار في حد الكبر استحق دفع المال إليه وجعل ابو حنيفة حد الكبر في ذلك خمسا وعشرين سنة لأن مثله يكون جدا ومحال أن يكون جدا ولا يكون في حد الكبر والله أعلم.
باب أكل ولى اليتيم من ماله
قال الله تعالى( وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) قال أبو بكر قد اختلف السلف في تأويله فروى معمر عن الزهري عن القاسم بن محمد قال جاء رجل إلى ابن عباس فقال إن في حجري أيتاما لهم أموال وهو يستأذنه أن يصيب منها فقال ابن عباس ألست تهنأ جرباءها قال بلى قال ألست تبغى ضالتها قال بلى قال ألست تلوط حياضها قال بلى قال ألست تفرط عليها يوم ورودها قال بلى قال فاشرب من لبنها غير ناهك في الحلب ولا مضر بنسل وروى الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس قال الوصي إذا احتاج وضع يده مع أيديهم ولا يكتسى عمامة فشرط في الحديث الأول عمله في مال اليتيم في إباحة الأكل ولم يشرط في حديث عكرمة وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب قال حدثني أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني أنه سأل أناسا من الأنصار من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن قوله تعالى( وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) فقالوا فينا نزلت أن الوصي كان إذا عمل في نخل اليتيم كانت يده مع أيديهم* وقد طعن في هذا الحديث من جهة سنده ويفسد أيضا من جهة أنه لو أبيح لهم الأكل لأجل عملهم لما اختلف فيه الغنى والفقير فعلمنا أن هذا التأويل ساقط وأيضا في حديث ابن عباس إباحة الأكل دون أن يكتسى منه عمامة ولو كان ذلك مستحقا لعمله لما اختلف فيه حكم المأكول والملبوس فهذا أحد الوجوه التي تأولت عليه الآية وهو أن يقتصر على الأكل فحسب إذا عمل لليتيم وقال آخرون يأخذه قرضا ثم يقضيه* وروى شريك عن ابن إسحاق عن حارثة بن مضرب عن عمر قال إنى أنزلت مال الله تعالى بمنزلة مال اليتيم إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف وقضيت وروى عن عبيدة السلماني وسعيد بن
جبير وأبى العالية وأبى وائل ومجاهد مثل ذلك وهو أن يأخذ قرضا ثم يقضيه إذا وجد وقول ثالث قال الحسن وإبراهيم وعطاء بن أبى رباح ومكحول أنه يأخذ منه ما يسد الجوعة ويوارى العورة ولا يقضى إذا وجد وقول رابع وهو ما روى عن الشعبي أنه بمنزلة الميتة يتناوله عند الضرورة فإذا أيسر قضاه وإذا لم يوسر فهو في حل وقول خامس وهو ما روى مقسم عن ابن عباس فليستعفف قال بغناه ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف قال فلينفق على نفسه من ماله حتى لا يصيب من مال اليتيم شيئا حدثنا عبد الباقي بن قانع حدثنا محمد ابن عثمان بن أبى شيبة قال حدثنا منجاب بن الحارث قال حدثنا أبو عامر الأسدى قالا حدثنا سفيان عن الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس بمعنى ذلك وقد روى عكرمة عنه أنه يقضى وروى عن ابن عباس أنه منسوخ وقال مجاهد في رواية أخرى فليأكل بالمعروف من مال نفسه ولا رخصة له في مال اليتيم وهو قول الحكم قال أبو بكر فحصل الاختلاف بين السلف على هذه الوجوه وروى عن ابن عباس أربع روايات على ما ذكرنا أحدها أنه إذا عمل لليتيم في إبله شرب من لبنها والثانية أنه يقضى والثالثة لا ينفق من مال اليتيم شيئا ولكنه يقوت على نفسه من ماله حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم والرابعة أنه منسوخ والذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذه قرضا ولا غيره غنيا كان أو فقيرا ولا يقرضه غيره أيضا وقد روى إسماعيل بن سالم عن محمد قال أما نحن فلا نحب للوصي أن يأكل من مال اليتيم قرضا ولا غيره وهو قول أبى حنيفة وذكر الطحاوي أن مذهب أبى حنيفة أنه يأخذ قرضا إذا احتاج ثم يقضيه كما روى عن عمر ومن تابعه وروى بشر بن الوليد عن أبى يوسف أنه لا يأكل من مال اليتيم إذا كان مقيما فإن خرج لتقاضى دين لهم أو إلى ضياع لهم فله أن ينفق ويكتسى ويركب فإذا رجع رد الثياب والدابة إلى اليتيم قال وقال أبو يوسف وقوله تعالى( فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) يجوز أن يكون منسوخا بقوله تعالى( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) قال أبو بكر جعل أبو يوسف الوصي في هذه الحال كالمضارب في جواز النفقة من ماله في السفر وقال ابن عبد الحكم عن مالك ومن كان له يتيم فخلط نفقته بماله فإن كان الذي يصيب اليتيم أكثر مما يصيب وليه من نفقته فلا بأس وإن كان الفضل لليتيم فلا يخلطه ولم يفرق بين الغنى والفقير وقال المعافى عن الثوري يجوز لولى اليتيم أن يأكل طعام اليتيم ويكافئه عليه وهذا
يدل على أنه كان يجيز له أن يستقرض من ماله وقال الثوري لا يعجبني أن ينتفع من ماله بشيء وإن لم يكن على اليتيم فيه ضرر نحو اللوح يكتب فيه وقال الحسن بن حي يستقرض الوصي من مال اليتيم إذا احتاج إليه ثم يقضيه ويأكل الوصي من مال اليتيم بقدر عمله فيه إذا لم يضر بالصبي* قال الله تعالى( وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً ) وقال تعالى( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا ) وقال تعالى( وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ) وقال تعالى( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ) وقال تعالى( وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ ) وقال تعالى( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) وهذه الآي محكمة حاظرة لمال اليتيم على وليه في حال الغنى والفقر وقوله تعالى( وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) متشابه محتمل للوجوه التي ذكرنا فأولى الأشياء بها حملها على موافقة الآي المحكمة وهو من يأكل من مال نفسه بالمعروف لئلا يحتاج إلى مال اليتيم لأن الله تعالى قد أمرنا برد المتشابه إلى المحكم ونهانا عن اتباع المتشابه من غير رد له إلى المحكم قال الله تعالى( مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ) وتأويل من تأوله على جواز أخذ مال اليتيم قرضا أو غير قرض مخالف لمعنى المحكم ومن تأوله على غير ذلك فقد رده إلى المحكم وحمله على معناه فهو أولى وقد روى أن قوله تعالى( فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) منسوخ رواه الحسن بن أبى الحسن بن عطية عن عطية أبيه عن ابن عباس( وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) نسختها الآية التي تليها( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ) وروى عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس مثله وروى عيسى بن عبيد الكندي عن عبيد الله بن عمر بن مسلم عن الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى( وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) منسوخ بقوله تعالى( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ) فإن قيل روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال ليس لي مال ولي يتيم فقال كل من مال يتيمك غير مسرف ولا متأثل مالك بماله وروى عمرو بن دينار عن الحسن العوفى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال يأكل ولى اليتيم من ماله بالمعروف غير متأثل منه مالا * قيل له غير جائز الاعتراض
بهذين الخبرين على ما ذكرنا من الآي المقتضية لحظر مال اليتيم فإن صح ذلك فهو محمول على الوجه الذي يجوز وهو أن يعمل في مال اليتيم مضاربة فيأخذ منه مقدار ربحه وهذا جائز عندنا وقد روى عن جماعة من السلف نحو ذلك* فإن قيل فإذا جاز أن يأخذ ربح مال اليتيم إذا عمل به مضاربة فلم لا يجوز أن يأكل من ماله إذا عمل فيه كما روى عن ابن عباس في إحدى الروايات عنه أنه إذا كان يهنأ جرباء الإبل ويبغى ضالتها ويلوط حياضها جاز له أن يشرب من لبنها غير مضر بنسل ولا ناهك حلبا وكما روى عن الحسن أن الوصي كان إذا عمل في نخل اليتيم كانت يده مع أيديهم* قيل له لأنه لا يخلو الوصي إذا أعان في الإبل وعمل في النخل من أحد وجهين إما أن يأخذه على وجه الأجرة لعمله أو على غير الأجرة والعوض من العمل فإن كان يأخذه على وجه الأجرة فذلك يفسد من أربعة أوجه أحدها أن الذين أباحوا ذلك له إنما أباحوه في حال الفقر إذ لا خلاف أن الغنى لا يجوز له أخذه وهو نص الكتاب في قوله تعالى( وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ) واستحقاق الأجرة لا يختلف فيه الغنى والفقير فبطل أن يكون أجرة من هذا الوجه والوجه الثاني أن الوصي لا يجوز له أن يستأجر نفسه لليتيم والوجه الثالث أن الذين أباحوا ذلك لم يشرطوا له شيئا معلوما والإجارة لا تصح إلا بأجرة معلومة والوجه الرابع أن من أباح ذلك له لم يجعله أجرة فبطل أن يكون ذلك أجرة وليس هو بمنزلة ربح المضاربة إذا عمل به الوصي لأن الربح الذي يستحقه من المال لم يكن قط مالا لليتيم ألا ترى أن ما يشرطه رب المال للمضارب من الربح لم يكن قط ملكا لرب المال ولو كان ملكا لرب المال مشروطا للمضارب بدلا من عمله لوجب أن يكون مضمونا عليه كالأجرة التي هي مستحقة من مال المستأجر بدلا من عمل الأجير هي مضمونة على المستأجر فلما لم يكن الربح المشروط للمضارب مضمونا على رب المال ثبت أنه لم يكن قط ملكا لرب المال وأنه إنما حدث على ملك المضارب ويدل على ذلك أن مريضا لو دفع مالا مضاربة وشرط للمضارب تسعة أعشار الربح وهو أكثر من ربح مثله أن ذلك جائز ولم يحتسب بالمشروط للمضارب من ذلك من مال المريض إن مات من مرضه وإن ذلك ليس بمنزلة ما لو استأجره بأكثر من أجرة مثله فيكون ذلك من الثلث فليس إذا في أخذه ربح المضاربة أخذ شيء من مال اليتيم* فإن قيل هلا كان الوصي في ذلك كسائر العمال والقضاة الذين يعملون ويأخذون أرزاقهم لأجل عملهم
للمسلمين فكذلك الوصي إذا عمل لليتيم جاز له أخذ رزقه بقدر عمله* قيل له لا خلاف بين الفقهاء أن الوصي لا يجوز له أخذ شيء من مال اليتيم لأجل عمله إذا كان غنيا وقد حظر ذلك عليه نص التنزيل في قوله تعالى( وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ) ولا خلاف مع ذلك أن القضاة والعمال جائز لهم أخذ أرزاقهم مع الغنى ولو كان ما أخذه ولى اليتيم من ماله يجرى مجرى رزق القضاة والعمال جاز له أن يأخذه في حال الغنى فدل ذلك على أن ولى اليتيم لا يستحق رزقا من ماله ولا خلاف أيضا أن القاضي لا يجوز له أن يأخذ من مال اليتيم شيئا وإليه القيام بأمر الأيتام فثبت بذلك أن سائر الناس ممن لهم الولاية على الأيتام لا يجوز لهم أخذ شيء من أموالهم لا قرضا ولا غيره كما لا يأخذه القاضي فقيرا كان أو غنيا* فإن قيل فما الفرق بين رزق القاضي والعامل وبين أخذ ولى اليتيم من ماله* مقدار الكفاية وبين أخذ الأجرة* قيل له إن الرزق ليس بأجرة لشيء وإنما هو شيء جعله الله له ولكل من قام بشيء من أمور المسلمين ألا ترى أن الفقهاء لهم أخذ الأرزاق ولم يعملوا شيئا يجوز أخذ الأجرة عليه لأن اشتغالهم بالفتيا وتفقيه الناس فرض ولا جائز لأحد أخذ الأجرة على الفروض والمقاتلة وذريتها يأخذون الأرزاق وليست بأجرة وكذلك الخلفاء وقد كان للنبي صلّى الله عليه وسلّم سهم من الخمس والفيء وسهم من الغنيمة إذا حضر القتال وغير جائز لأحد أن يقول أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد كان يأخذ الأجر على شيء مما يقوم به من أمور الدين وكيف يجوز ذلك مع قول الله تعالى( قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ـ و ـقُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) فثبت بذلك أن الرزق ليس بأجرة ويدلك على هذا أنه قد تجب للفقراء والمساكين والأيتام في بيت المال الحقوق ولا يأخذونها بدلا من شيء فأخذ الأجرة للقاضي ولمن قام بشيء من أمور الدين غير جائز وقد منع القاضي أن يقبل الهدية وسئل عبد الله بن مسعود عن قوله تعالى( أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ) أهو الرشا قال لا ذاك كفر إنما هو هدايا العمال وروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال هدايا الأمراء غلول فالقاضى ممنوع من أخذ الأجرة على شيء من أمر القضاء ومحظور عليه قبول الهدايا وتأولها السلف على أنها السحت المذكور في كتاب الله تعالى وولى اليتيم لا يخلو فيما يأخذه من مال اليتيم من أن يأخذه أجرة أو على سبيل رزق القاضي والعامل ومعلوم أن الأجرة إنما تكون على عمل معلوم ومدة معلومة
وأجر معلوم وينبغي أن يتقدم له عقد إجارة ويستوي فيها الغنى والفقير ومن يجيز له أخذ شيء من مال اليتيم على وجه القرض أو على جهة غير القرض فإنه لا يجعله أجرة لما ذكرنا ولاختلاف حكم الغنى والفقير عندهم فيه فثبت أنه ليس بأجرة ولا يجوز له أن يأخذه على حسب ما يأخذه القضاة من الأرزاق لاستواء حال الغنى والفقير من القضاة فيما يأخذونه من الأرزاق واختلاف الغنى والفقير عند مجيزى أخذ ذلك من مال اليتيم ولأن الرزق إنما يجب في بيت مال المسلمين لا في مال أحد بعينه من الناس فالمشبه لولى اليتيم فيما يجيز له أخذ شيء من ماله بالقاضي والأجير فيما يأخذانه مغفل للواجب عليه* ويدل على أن ولى اليتيم لا يحل له أخذ شيء من ماله قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في غنائم خيبر لا يحل لي مما أفاء الله عليكم مثل هذه يعنى وبرة أخذها من بعيره إلا الخمس والخمس مردود فيكم فإذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما يتولاه من مال المسلمين كما ذكرنا فالوصي فيما يتولاه من مال اليتيم أحرى أن يكون كذلك وأيضا لما كان دخول الوصي في الوصية على وجه التبرع من غير شرط أجرة كان بمنزلة المستبضع فلا أجرة له ولا يحل له أخذ شيء منه قرضا ولا غيره كما لا يجوز ذلك للمستبضع* وقوله تعالى( فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ) قال أبو بكر الآي التي تقدم ذكرها في أمر الأيتام تدل على أن سبيل الأيتام أن يلي عليهم غيرهم في حفظ أموالهم والتصرف عليهم فيما يعود نفعه عليهم وهم وصى الأب أو الجد إن لم يكن وصى أب أو وصى الجد إن لم يكن أحد من هؤلاء أو أمين حاكم عدل بعد أن يكون الأمين أيضا عدلا وكذلك شرط الأوصياء والجد والأب وكل من يتصرف على الصغير لا يستحق الولاية عليه إلا أن يكون عدلا مأمونا فأما الفاسق والمتهم من الآباء والمرتشي من الحكام والأوصياء والأمناء غير المأمونين فإن واحدا من هؤلاء غير جائز له التصرف على الصغير ولا خلاف في ذلك نعلمه ألا ترى أنه لا خلاف بين المسلمين في أن القاضي إذا فسق بأخذ الرشا أو ميل إلى هوى وترك الحكم أنه معزول غير جائز الحكم فكذلك حكم الله فيمن ائتمنه على أموال الأيتام من قاض أو وصى أو أمين أو حاكم فغير جائز ثبوت ولايته في ذلك إلا على شرط العدالة وصحة الأمانة وقد أمر الله تعالى أولياء الأيتام بالإشهاد عليهم بعد البلوغ بما يدفعون إليهم من أموالهم وفي ذلك ضروب من الأحكام أحدها الاحتياط لكل واحد من اليتيم ووالى ماله فأما اليتيم فلأنه إذا قامت عليه البينة
بقبض المال كان أبعد من أن يدعى ما ليس له وأما الوصي فلأن يبطل دعوى اليتيم بأنه لم يدفعه إليه كما أمر الله تعالى بالإشهاد على البيوع احتياطا للمتبايعين ووجه آخر في الإشهاد وهو أنه يظهر أداء أمانته وبراءة ساحته كما أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم الملتقط بالإشهاد على اللقطة في حديث عياض بن حماد المجاشعي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال من وجد لقطة فليشهد ذوى عدل ولا يكتم ولا يغيب فأمره بالإشهاد لتظهر أمانته وتزول عنه التهمة والله الموفق.
ذكر اختلاف الفقهاء في تصديق الوصي على دفع المال إلى اليتيم
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد في الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه أنه يصدق وكذلك لو قال أنفقت عليه في صغره صدق في نفقة مثله وكذلك لو قال هلك المال وهو قول سفيان الثوري وقال مالك لا يصدق الوصي أنه دفع المال إلى اليتيم وهو قول الشافعى قال لأن الذي زعم أنه دفعه إليه غير الذي ائتمنه كالوكيل بدفع المال إلى غيره لا يصدق إلا ببينة وقال الله تعالى( فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ) قال أبو بكر وليس في الأمر بالإشهاد دليل على أنه غير أمين ولا مصدق فيه لأن الإشهاد مندوب إليه في الأمانات كهو في المضمونات ألا ترى أنه يصح الإشهاد على رد الأمانات من الودائع كما يصح في أداء المضمونات من الديون فإذا ليس في الأمر بالإشهاد دلالة على أنه غير مصدق فيه إذا لم يشهد* فإن قيل إذا كان* مصدقا في الرد فما معنى الإشهاد مع قبول قوله بغير بينة* قيل له فيه ما قدمنا ذكره من ظهور أمانته والاحتياط له في زوال التهمة عنه في أن لا يدعى عليه بعد ما قد ظهر رده وفيه الاحتياط لليتيم في أن لا يدعى ما يظهر كذبه فيه وفيه أيضا سقوط اليمين عن الوصي إذا كانت له بينة في دفعه إليه ولو لم يشهد وادعى اليتيم أنه لم يدفعه كان القول قول الوصي مع يمينه وإذا أشهد فلا يمين عليه فهذه المعاني كلها مضمنة بالإشهاد وإن كان أمانة في يده ويدل على أنه مصدق فيه بغير إشهاد اتفاق الجميع على أنه مأمور بحفظه وإمساكه على وجه الأمانة حتى يوصله إلى اليتيم في وقت استحقاقه فهو بمنزلة الودائع والمضاربات وما جرى مجراها من الأمانات فوجب أن يكون مصدقا على الرد كما يصدق على رد الوديعة والدليل على أنه أمانة أن اليتيم لو صدقه على الهلاك لم يضمنه كما أن المودع إذا صدق المودع في هلاك الوديعة لم يضمنه وأما قول الشافعى أنه لم يأتمنهم الأيتام لم يصدقوا
فقول ظاهر الاختلال بعيد من معاني الفقه منتقض فاسد لأنه لو كان ما ذكره علة لنفى التصديق لوجب أن لا يصدق القاضي إذا قال لليتيم قد دفعته إليك لأنه لم يأتمنه وكذلك يلزمه أن يقول في الأب إذا قال بعد بلوغ الصغير قد دفعت إليك مالك أن لا يصدقه لأنه لم يأتمنه ويلزمه أيضا أن يوجب عليهم الضمان إذا تصادقوا بعد البلوغ أنه قد هلك لأنه أمسك ماله من غير ائتمان له عليه وأما تشبيهه إياه بالوكيل بدفع المال إلى غيره فتشبيه بعيد ومع ذلك فلا فرق بينهما من الوجه الذي صدقنا فيه الوصي لأن الوكيل مصدق أيضا في براءة نفسه غير مصدق في إيجاب الضمان ودفعه إلى غيره وإنما لم يقبل قوله على المأمور بالدفع إليه فأما في براءة نفسه فهو مصدق كما صدقنا الوصي على الرد بعد البلوغ وأيضا فإن الوصي في معنى من يتصرف على اليتيم بإذنه ألا ترى أنه يجوز تصرفه عليه في البيع والشرى كجواز تصرف أبيه فإذا كان إمساك الوصي المال بائتمان الأب له عليه وإذن الأب جائز على الصغير صار كأنه ممسك له بعد البلوغ بإذنه فلا فرق بينه وبين المودع وقوله تعالى( لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ) الآية قال أبو بكر قد انتظمت هذه الجملة عموما ومجملا فأما العموم فقوله للرجال وللنساء وقوله تعالى( مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ) فلذلك عموم في إيجاب الميراث للرجال وللنساء من الوالدين والأقربين فدل من هذه الجهة على إثبات مواريث ذوى الأرحام لأن أحدا لا يمتنع أن يقول إن العمات والخالات والأخوال وأولاد البنات من الأقربين فوجب بظاهر الآية إثبات ميراثهم إلا أنه لما كان قوله( نَصِيبٌ ) مجملا غير مذكور المقدار في الآية امتنع استعمال حكمه إلا أنه ورود بيان من غيره إلا أن الاحتجاج بظاهر الآية في إثبات ميراث ما لذوي الأرحام سائغ* وهذا مثل قوله تعالى( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ) وقوله تعالى( أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ) وقوله تعالى( وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ) عطفا على ما قدم ذكره من الزرع والثمرة فهذه ألفاظ قد اشتملت على العموم والمجمل فلا يمنع ما فيها من الإجمال من الإحتجاج بعمومها متى اختلفنا فيما انتظمه لفظ العموم وهو أصناف الأموال الموجب فيها وإن لم يصح الاحتجاج بما فيها من المجمل عند اختلافنا في المقدار الواجب كذلك متى اختلفنا في الورثة المستحقين للميراث ساغ الاحتجاج بعموم قوله تعالى( لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ) الآية
ومتى اختلفنا في المقدار الواجب لكل واحد منهم احتجنا في إثباته إلى بيان من غيره* فإن قيل لما قال( نَصِيباً مَفْرُوضاً ) ولم يكن لذوي الأرحام نصيب مفروض علمنا أنهم لم يدخلوا في مراد الآية قيل له ما ذكرت لا يخرجهم من حكمها وكونهم مرادين بها لأن الذي يجب لذوي الأرحام عند موجبى مواريثهم هو نصيب مفروض لكل واحد منهم وهو معلوم مقدر كأنصباء ذوى السهام لا فرق بينهما من هذا الوجه وإنما أبان الله تعالى أن لكل واحد من الرجال والنساء نصيبا مفروضا غير مذكور المقدار في الآية لأنه مؤذن ببيان وتقدير معلوم له يرد في التالي فكما ورد البيان في نصيب الوالدين والأولاد وذوى السهام بعضها بنص التنزيل وبعضها بنص السنة وبعضها بإجماع الأمة وبعضها بالقياس والنظر كذلك قد روى بيان أنصباء ذوى الأرحام بعضها بالسنة وبعضها بدليل الكتاب وبعضها باتفاق الأمة من حيث أوجبت الآية لذوي الأرحام أنصباء فلم يجز إسقاط عمومها فيهم ووجب توريثهم بها ثم إذا استحقوا الميراث بها كان المستحق من النصيب المفروض على ما ذهب إليه القائلون بتوريث ذوى الأرحام فيهم فهم وإن كانوا مختلفين في بعضها فقد اتفقوا في البعض وما اختلفوا فيه لم يخل من دليل لله تعالى يدل على حكم فيه* فإن قيل قد روى عن قتادة وابن جريج أن الآية نزلت على سبب وهو أن أهل الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الإناث فنزلت الآية وقال غيرهما أن العرب كانت لا تورث إلا من طاعن بالرمح وزاد عن الحريم والمال فأنزل الله تعالى هذه الآية إبطالا لحكمهم فلا يصح اعتبار عمومها في غير ما وردت فيه* قيل له هذا غلط من وجوه أحدها أن السبب الذي ذكرت غير مقصور على الأولاد وذوى السهام من القرابات الذين بين الله حكمهم في غيرها وإنما السبب أنهم كانوا يورثون الذكور دون الإناث وجائز أن يكونوا قد كانوا يورثون ذوى الأرحام من الرجال دون الإناث فليس فيما ذكرت إذا دليل على أن السبب كان توريث الأولاد ومن ذكرهم الله تعالى من ذوى السهام في آية المواريث ومن جهة أخرى أنها لو نزلت على سبب خاص لم يوجب ذلك تخصيص عموم اللفظ بل الحكم للعموم دون السبب عندنا فنزولها على سبب ونزولها مبتدأة من غير سبب سواء وأيضا فإن الله قد ذكر مع الأولاد غيرهم من الأقربين في قوله تعالى( مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ) فعلمنا أنه لم يرد به ميراث الأولاد دون
سائر الأقربين* ويحتج بهذه الآية في توريث الأخوة والأخوات مع الجد كنحو احتجاجنا بها في توريث ذوى الأرحام وقوله تعالى( نَصِيباً مَفْرُوضاً ) يعنى والله أعلم معلوما مقدرا ويقال أن أصل الفرض الحز في القداح علامة لها يميز بينها والفرضة العلامة في قسم الماء يعرف بها كل ذوى حق نصيبه من الشرب فإذا كان أصل الفرض هذا ثم نقل إلى المقادير المعلومة في الشرع أو إلى الأمور الثابتة اللازمة* وقد قيل إن أصل الفرض الثبوت ولذلك سمى الحز الذي في سية القوس فرضا لثبوته والفرض في الشرع ينقسم إلى هذين المعنيين فمتى أريد به الوجوب كان المفروض في أعلى مراتب الإيجاب وقد اختلف في معنى الفرض والواجب في الشرع من بعض الوجوه وإن كان كل مفروض واجبا من حيث كان الفرض يقتضى فارضا وموجبا له وليس كذلك الواجب لأنه قد يجب من غير إيجاب موجب له ألا ترى أنه جائز أن يقال أن ثواب المطيعين واجب على الله في حكمته ولا يجوز أن يقال إنه فرض عليه إذ كان الفرض يقتضى فارضا وقد يكون واجبا في الحكمة غير مقتض موجبا وأصل الوجوب في اللغة هو السقوط يقال وجبت الشمس إذا سقطت ووجب الحائط إذا سقط وسمعت وجبة يعنى سقطة وقال الله تعالى( فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها ) يعنى سقطت فالفرض في أصل اللغة أشد تأثيرا من الواجب وكذلك حكمهما في الشرع إذا كان الحز الواقع ثابت الأثر وليس كذلك الوجوب قوله تعالى( وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى ) الآية قال سعيد بن المسيب وأبو مالك وأبو صالح هي منسوخة بالميراث* وقال ابن عباس وعطاء والحسن والشعبي وإبراهيم ومجاهد والزهري أنها محكمة ليست بمنسوخة وروى عطية عن ابن عباس يعنى عند قسمة الميراث وذلك قبل أن ينزل القرآن فأنزل الله تعالى بعد ذلك الفرائض فأعطى كل ذي حق حقه فجعلت الصدقة فيما سمى المتوفى ففي هذه الرواية عن ابن عباس أنها كانت واجبة عند قسمة الميراث ثم نسخت بالميراث وجعل ذلك في وصية الميت لهم* وروى عكرمة عنه أنها ليست بمنسوخة وهي في قسمة الميراث ترضخ لهم فإن كان في المال تقصيرا اعتذر إليهم وهو قوله تعالى( وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) وروى الحجاج عن أبى إسحاق أن أبا موسى الأشعرى وعبد الرحمن بن بكر كانا يعطيان من حضر من هؤلاء وقال قتادة عن الحسن قال قال أبو موسى هي محكمة وروى أشعث عن ابن سيرين عن حميد بن عبد الرحمن
قال ولى أبى ميراثا فأمر بشاة فذبحت ثم صنعت ولما قسم ذلك الميراث أطعمهم ثم تلا( وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى ) الآية وروى محمد بن سيرين عن عبيدة مثله وقال لولا هذه الآية لكانت هذه الشاة من مالي وذكر أنه كان من مال يتيم قد وليه* وروى هشيم عن أبى بشر عن سعيد بن جبير في هذه الآية قال هذه الآية يتهاون بها الناس وقال هما وليان أحدهما يرث والآخر لا يرث والذي يرث هو الذي أمر أن يرزقهم ويعطيهم والذي لا يرث هو الذي أمر أن يقول لهم قولا معروفا ويقول هذا المال لقوم غيب أو لأيتام صغار ولكم فيه حق ولسنا نملك أن نعطى منه شيئا فهذا القول المعرف قال هي محكمة وليست بمنسوخة فحمل سعيد بن جبير قوله( فَارْزُقُوهُمْ ) على أنهم يعطون أنصباءهم من الميراث والقول المعرف للآخرين فكانت فائدة الآية عنده أن حضر بعض الورثة وفيهم غائب أو صغير أنه يعطى الحاضر نصيبه من الميراث ويمسك نصيب الغائب والصغير فإن صح هذا التأويل فهو حجة لقول من يقول في الوديعة إذا كانت بين رجلين وغاب أحدهما أن للحاضر أن يأخذ نصيبه ويمسك المودع نصيب الغائب وهو قول أبى يوسف ومحمد وأبو حنيفة يقول لا يعطى أحد المودعين شيئا إذا كانا شريكين فيه حتى يحضر الآخر وروى عطاء عن سعيد بن جبير( وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) قال يقول عدة جميلة إن كان الورثة صغارا يقول أولياء الورثة لهؤلاء الذين لا يرثون من قرابة الميت واليتامى والمساكين أن هؤلاء الورثة صغار فإذا بلغوا أمرناهم أن يعرفوا حكم ويتبعوا فيه وصية ربهم فحصل اختلاف السلف في ذلك على أربعة أوجه قال سعيد بن المسيب وأبو مالك وأبو صالح أنها منسوخة بالميراث والثاني رواية عكرمة عن ابن عباس وقول عطاء والحسن والشعبي وإبراهيم ومجاهد أنها ثابتة الحكم غير منسوخة وهي في الميراث والثالث وهو قول ثالث عن ابن عباس أنها في وصية الميت لهؤلاء منسوخة عن الميراث وروى نحوه عن زيد بن أسلم قال زيد بن أسلم هذا شيء أمر به الموصى في الوقت الذي يوصى فيه واستدل بقوله تعالى( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً ) قال يقول له من حضره اتق الله وصلهم وبرهم وأعطهم والرابع قول سعيد بن جبير في رواية أبى بشر عنه أن قوله( فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ ) هو الميراث نفسه( وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) لغير أهل الميراث فأما الذين قالوا إنها منسوخة فإنه كان عندهم على الوجوب قبل نزول الميراث
«24 ـ أحكام في»
فلما نزلت المواريث وجعل لكل وارث نصيب معلوم صار ذلك منسوخا وأما الذين قالوا ثابتة الحكم فإنه محمول عندنا على أنهم رأوها ندبا واستحبابا لا حتما وإيجابا لأنها لو كانت واجبة مع كثرة قسمة المواريث في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم والصحابة ومن بعدهم لنقل وجوب ذلك واستحقاقه لهؤلاء كما نقلت المواريث لعموم الحاجة إليه فلما لم يثبت وجوب ذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا عن الصحابة دل ذلك على أنه استحباب ليس بإيجاب وما روى عن عبد الرحمن وعبيدة وأبى موسى في ذلك فجائز أن يكون الورثة كانوا كبارا فذبح الشاة من جملة المال بإذنهم وما روى في الحديث أن أبى عبيدة قسم ميراث أيتام فذبح شاة فإن هذا على أنهم كانوا يتامى فكبروا لأنهم لو كانوا صغارا لم تصح مقاسمتهم ويدل على أنه ندب ما روى عطاء عن سعيد بن جبير أن الوصي يقول لهؤلاء الحاضرين من أولى القربى وغيرهم أن هؤلاء الورثة صغار ويعتذرون إليهم بمثله ولو كانوا مستحقين له على الإيجاب لوجب إعطاؤهم صغارا كان الورثة أو كبارا وأيضا فإن الله تعالى قد قسم المواريث بين الورثة وبين نصيب كل واحد منهم في آية المواريث ولم يجعل فيها لهؤلاء شيئا وما كان ملكا لغيره فغير جائز إزالته إلى غيره إلا بالوجوه التي حكم الله بإزالته لقوله تعالى( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) وقال صلّى الله عليه وسلّم دماؤكم وأموالكم عليكم حرام وقال لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه وهذا كله يوجب أن يكون إعطاء هؤلاء الحاضرين عند القسمة استحبابا لا إيجابا وأما قوله تعالى( وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) فقد روى عن ابن عباس أنه إذا كان في المال تقصير اعتذر إليهم وعن سعيد بن جبير قال يعطى الميراث أهله وهو معنى قوله تعالى( فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ ) في هذه الرواية ويقول لمن لا يرث إن هذا المال لقوم غيب ولأيتام صغار ولكم فيه حق ولسنا نملك أن نعطى منه شيئا فمعناه عنده ضرب من الاعتذار إليهم وقال بعض أهل العلم إذا أعطوهم عند القسمة شيئا لا يمن عليهم ولا ينتهرهم ولا يسيء اللفظ فيما يخاطبهم به لقوله تعالى( قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً ) وقوله تعالى( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ) قوله تعالى( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ ) الآية اختلف السلف في تأويله فروى عن ابن عباس رواية وعن سعيد ابن جبير والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك والسدى قالوا هو الرجل يحضره الموت
فيقول له من يحضره اتق الله أعطهم صلهم برهم ولو كانوا هم الذين يوصون لأحبوا أن يبقوا لأولادهم قال حبيب بن أبى ثابت فسألت مقسما عن ذلك فقال لا ولكنه الرجل يحضره الموت فيقول له من يحضره اتق الله وأمسك عليك مالك ولو كانوا ذوى قرابته لأحبوا أن يوصى لهم فتأوله الأولون على نهى الحاضرين عن الحض على الوصية وتأوله مقسم على نهى من يأمره بتركها وقال الحسن في رواية أخرى هو الرجل يكون عند الميت فيقول أوص بأكثر من الثلث من مالك وعن ابن عباس رواية أخرى أنه قال في ولاية مال اليتيم وحفظه أن عليهم أن يعملوا فيه ويقولوا بمثل ما يحب أن يعمل ويقال في أموال أيتامهم وضعاف ذريتهم بعد موتهم وجائز أن تكون هذه المعاني التي تأولها السلف عليها الآية مرادة بها إلا أن ما نهى عنه من الأمر بالوصية أن النهى عنها إذا قصد المشير بذلك إلى الإضرار بالورثة أو بالموصى لهم مما لا يرضاه هو لنفسه لو كان مكان هؤلاء وذلك بأن يكون المريض قليل المال له ذرية ضعفاء فيأمره الذي يحضره باستغراق الثلث للوصية ولو كان هو مكانه لم يرض بذلك وصية له لأجل ورثته وهذا يدل على أن المستحب له إذا كان له ورثة ضعفاء وهو قليل المال أن لا يوصى بشيء ويتركه لهم أو يوصى لهم بأقل من الثلث وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لسعد حين قال أوصى بجميع مالي فقال لا إلى أن رده إلى الثلث فقال الثلث والثلث كثير إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس فأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن الورثة إذا كانوا فقراء فترك الوصية ليستغنوا به أفضل من فعلها وذكر الحسن بن زياد عن أبى حنيفة أنه كان يقول الأفضل لمن له مال كثير الوصية بما يريد أن يوصى به على وجه القرية من ثلث ماله والأفضل لمن ليس له مال كثير أن لا يوصى منه بشيء وأن يبقيه لورثته والنهى منصرف أيضا إلى من يأمره من الحاضرين بأن يوصى بأكثر من الثلث على ما روى عن الحسن لأن ذلك لا يجوز أن يفعله لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم الثلث كثير ولنهيه سعدا عن الوصية بأكثر من الثلث وجائز أن يكون ما قاله مقسم مرادا بأن يقول الحاضر لا توص بشيء ولو كان من ذوى قرابته لأحب أن يوصى له فيشير عليه بما لا يرضاه لنفسه* وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم معنى ذلك حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن هاشم قال حدثنا هدبة قال حدثنا همام قال حدثنا قتادة عن أنس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب
لنفسه من الخير وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا الحسن بن العباس الرازي قال حدثنا سهل ابن عثمان قال حدثنا زياد بن عبد الله عن ليث عن طلحة عن خيثمة عن عبد الله بن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال من سره أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويحب أن يأتى إلى الناس ما يحب أن يأتى إليه قال أبو بكر فهذا معنى قوله تعالى( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ) فنهاه عز وجل أن يشير على غيره ويأمره بما لا يرضاه لنفسه ولأهله ولورثته وأمر الله تعالى بأن يقول الحاضرون قولا سديدا وهو العدل والحق الذي لا خلل فيه ولا فساد في إجحاف بوارث أو حرمان لذي قرابة وقوله تعالى( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ) الآية روى عن ابن عباس وسعيد ابن جبير ومجاهد أنه لما نزلت هذه الآية عزل من كان في حجره يتيم طعامه عن طعامه وشرابه عن شرابه حتى فسد حتى أنزل الله تعالى( وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ) فرخص لهم في الخلطة على وجه الإصلاح* قال أبو بكر قد خص الله تعالى الأكل بالذكر وسائر الأموال غير المأكول منها محظور إتلافه من مال اليتيم كحظر المأكول منه ولكنه خص الأكل بالذكر لأنه أعظم ما يبتغى له الأموال وقد بينا ذلك ونظائره فيما قد سلف وقوله تعالى( إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً ) روى عن السدى أن لهب النار يخرج من فمه ومسامعه وأنفه وعينيه يوم القيامة يعرفه من رآه أنه أكل مال اليتيم وقيل أنه كالمثل لأنهم يصيرون به إلى جهنم فتمتلئ بالنار أجوافهم* ومن جهال الحشو وأصحاب الحديث من يظن أن قوله تعالى( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ) منسوخ بقوله تعالى( وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ) وقد أثبته بعضهم في الناسخ والمنسوخ لما روى أنه لما نزلت هذه الآية عزلوا طعام اليتيم وشرابه حتى نزل قوله تعالى( وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ) وهذا القول من قائله يدل على جهله بمعنى النسخ وبما يجوز نسخه مما لا يجوز ولا خلاف بين المسلمين أن أكل مال اليتيم ظلما محظور وأن الوعيد المذكور في الآية قائم فيه على اختلاف منهم في إلحاق الوعيد به في الآخرة لا محالة أو جواز الغفران فأما النسخ فلا يجيزه عاقل في مثله وجهل هذا الرجل أن الظلم لا تجوز إباحته بحال فلا يجوز نسخ حظره وإنما عزل من كان في حجره يتيم من الصحابة طعامه عن طعامه لأنه خاف أن يأكل من مال
اليتيم ما لا يستحقه فتلحقه سمة الظلم ويصير من أهل الوعيد في الآية واحتاطوا بذلك فلما نزل قوله تعالى( وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ) زال عنهم الخوف في الخلطة بعد أن يقصدوا الإصلاح بها وليس فيه إباحة لأكل مال اليتيم ظلما حتى يكون ناسخا لقوله تعالى( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ) والله أعلم.
(تم الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث وأوله باب الفرائض)
فهرست الجزء الثانى من أحكام القرآن للجصاص
صفحة |
صفحة |
||
2 |
باب تحريم الخمر. |
104 |
باب الرضاع. |
10 |
باب تحريم الميسر. |
113 |
ذكر اختلاف الفقهاء في وقت الرضاع |
12 |
باب التصرف في مال اليتيم. |
118 |
باب ذكر عدة المتوفى عنها زوجها |
15 |
باب نكاح المشركات. |
123 |
ذكر الإختلاف في خروج المعتدة من بيتها |
20 |
باب الحيض. |
125 |
باب ذكر إحداد المتوفى عنها زوجها |
22 |
باب بيان معنى الحيض ومقداره. |
128 |
باب التعريض بالخطبة في العدة |
30 |
الاختلاف في أقل مدة الطهر. |
135 |
باب متعة المطلقة |
31 |
الاختلاف في الطهر العارض في حال الحيض. |
143 |
ذكر تقدير المتعة الواجبة. |
42 |
قوله تعالى ولا تجعلوالله عرضة لايمانكم. |
147 |
ذكر اختلاف أهل العلم في الطلاق بعد الخلوة |
43 |
قوله تعالى لايؤاخذكم الله با للغو فى أيمانكم. |
155 |
باب الصلاة الوسطى وذكر الكلام في الصلاة |
44 |
باب الإيلاء. |
164 |
باب الفرار من الطاعون. |
49 |
قوله تعالى وأن عزمو ا الطلاق الآية. |
167 |
قوله تعالى أن الله قد بعث لكم طاغوت. |
54 |
فصل ومما تفيد هذه الآية من الأحكام. |
169 |
قوله تعالى ألم تر إلى الذى حاج ابراهيم فى ربه الآيه. |
55 |
باب الإقراء. |
172 |
باب الامتنان بالصدقة. |
68 |
باب حق الزوج على المرأة وحق المرأة على الزوج. |
174 |
باب المكاسبة |
73 |
باب عدد الطلاق. |
178 |
باب إعطاء المشرك من الصدقة |
82 |
ذكر الاختلاف في الطلاق بالرجال. |
183 |
باب الربا. |
83 |
ذكر الحجاج لإيقاع الطلاق الثلاث معا. |
184 |
ومن أبواب الربا الشرعي السلم في الحيوان |
89 |
باب الخلع. |
186 |
ومن أبواب الربا الدين بالدين ومن أبواب الربا الذي تضمنت الآية تحريمه |
91 |
ذكر اختلاف السلف وسائر فقهاء الأمصار فيما يحل أخذه بالخلع. |
189 |
باب البيع |
97 |
باب المضارة في الرجعة |
195 |
قوله تعالى وأن تبتم فلكم رؤوس |
100 |
باب النكاح بغير ولى. |
أموالكم. |
|
101 |
ذكر الاختلاف في ذلك. |
صفحة |
صفحة |
||
204 |
قوله عزوجل وأن تصدقوا خير لكم الخ. |
من الكتاب الآيه. |
|
205 |
باب عقود المداينات |
288 |
قوله تعالى قل اللهم مالك الملك الآيه. |
212 |
باب الحجر على السفيه |
289 |
قوله تعالى إلا أن تتقوا منهم تقاة الآية. |
215 |
ذكر اختلاف فقهاء الأمصار في الحجر على السفيه |
291 |
قوله تعالى أن الله أصطفى آدم الآية. |
221 |
باب الشهود |
297 |
قوله تعالى قول يا أهل الكتاب تعالوا. |
226 |
شهادت الأعمى |
299 |
قوله تعالى أن الذين يشترون بعهد الله. |
229 |
شهادت البدوى على القروى |
301 |
قوله تعالى إن اوكل طعام كان حلا لبنى إسرائيل. |
230 |
شهادت النساء مع الرجال |
303 |
قوله تعالى إن أول بيت وضع للناس. |
233 |
شروط الشهادة |
304 |
باب الجاني يلجأ إلى الحرم أو يجنى فيه |
237 |
التحرى عن الشاهد. |
307 |
باب فرض الحج. |
242 |
شهادة أحد الزوجين للآخر |
315 |
باب فرض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. |
243 |
شهادة الأجير |
324 |
باب الاستعانة بأهل الذمة |
247 |
لالشاهد واليمين. |
329 |
قوله تعالى واورهم فى الأمر |
257 |
قوله عزوجل ولا يضاركاتب ولا شهيد |
331 |
قوله تعالى وما كان لنبى أن يغل. |
258 |
باب الرهن. |
332 |
قوله تعالى ولا تحسن الذين قتلوا فى سبيل الله امواتاً الآية. |
260 |
ذكر اختلاف الفقهاء في رهن المشاع. |
333 |
قوله تعالى الذين قالوا لهم الناس الآية. |
262 |
باب ضمان الرهن. |
334 |
قوله تعالى وإذا اخذ الله ميثاق الذين أتو الكتاب الآية. قوله تعالى أن فى حلق السماوات والارض الآية. |
269 |
اختلاف الفقهاء فى الانتفاع بالرهن. |
335 |
فضل الرباط فى سبيل الله. |
273 |
قوله تعالى ولا تكتمو الشهادة. |
336 |
(سورة النساء) |
277 |
قوله تعالى لا يكلف الله نفساً ألا وسعها. |
338 |
باب الدفع أموال الأيتام بأعيانها ومنعه الوصى من استهلاكها. |
279 |
قوله تالى ربنا ولا تحمل علينا أصراً. |
||
(سورة آل عمران) |
|||
280 |
الكلام فى المحكم والمتشابه. |
285 |
قوله تعالى أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم. |
||
286 |
قوله تعالى زين للناس حب الشهوات. جواز النكار المنكر مع خوف القتل. |
||
287 |
قوله تعالى ألم تر ألى الذين اتو نصيبباً |
صفحة |
صفحة |
||
341 |
باب تزويج الصغار. |
دفع المال إلى اليتيم. |
|
346 |
قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء |
366 |
قوله تعالى للرجال نصيب مما ترك الولدان والا قربون الآية. |
قوله تعالى ذالك أدنى ألا تعولوا. |
368 |
قوله تعالى وإذا حضر القسمة أولوا القربى الآيه. |
|
350 |
باب هبة المرأة المهر لزوجها. |
370 |
قوله تعالى وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً الآية. |
353 |
باب دفع المال إلى السفهاء. |
372 |
قوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً الآية. |
356 |
باب دفع المال إلى اليتيم. |
||
359 |
باب أكل ولى اليتيم من ماله. |
||
365 |
ذكر اختلاف الفقهاء في تصديق الوصي على دفع المال إلى اليتيم |
الفهرس
باب تحريم الخمر 3
باب تحريم الميسر10
باب التصرف في مال اليتيم 12
باب نكاح المشركات 15
باب الحيض 20
باب بيان معنى الحيض ومقداره22
ذكر الاختلاف في أقل مدة الطهر30
ذكر الاختلاف في الطهر العارض في حال الحيض31
باب الإيلاء44
باب الإقراء55
باب حق الزوج على المرأة وحق المرأة على الزوج68
باب عدد الطلاق 73
ذكر الاختلاف في الطلاق بالرجال 82
ذكر الحجاج لإيقاع الطلاق الثلاث معا83
باب الخلع 89
ذكر اختلاف السلف وسائر فقهاء الأمصار فيما يحل أخذه بالخلع91
باب المضارة في الرجعة97
باب النكاح بغير ولى 100
ذكر الاختلاف في ذلك 101
. باب الرضاع 104
ذكر اختلاف الفقهاء في وقت الرضاع 113
باب ذكر عدة المتوفى عنها زوجها118
ذكر الإختلاف في خروج المعتدة من بيتها123
باب ذكر إحداد المتوفى عنها زوجها125
باب التعريض بالخطبة في العدة128
باب متعة المطلقة135
ذكر تقدير المتعة الواجبة143
ذكر اختلاف أهل العلم في الطلاق بعد الخلوة147
باب الصلاة الوسطى وذكر الكلام في الصلاة155
باب الفرار من الطاعون 164
باب الامتنان بالصدقة172
باب المكاسبة174
باب إعطاء المشرك من الصدقة178
باب الربا 183
ومن أبواب الربا الشرعي السلم في الحيوان 184
ومن أبواب الربا الدين بالدين 186
ومن أبواب الربا الذي تضمنت الآية تحريمه186
باب البيع 189
باب عقود المداينات 205
باب الحجر على السفيه212
ذكر اختلاف فقهاء الأمصار في الحجر على السفيه215
باب الشهود221
ومن هذا الباب أيضا شهادة أحد الزوجين للآخر242
ومن هذا الباب أيضا شهادة الأجير 243
باب لالشاهد واليمين 247
باب الرهن 258
ذكر اختلاف الفقهاء في رهن المشاع 260
باب ضمان الرهن 262
ذكر اختلاف الفقهاء في الانتفاع بالرهن 269
سورة آل عمران 280
باب الجاني يلجأ إلى الحرم أو يجنى فيه304
باب فرض الحج 307
باب فرض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر315
باب الاستعانة بأهل الذمة324
باب فضل الرباط في سبيل الله تعالى 335
سورة النساء336
باب دفع أموال الأيتام إليهم بأعيانها ومنعه الوصي من استهلاكها338
باب تزويج الصغار341
باب هبة المرأة المهر لزوجها350
باب دفع المال إلى السفهاء353
باب دفع المال إلى اليتيم 356
باب أكل ولى اليتيم من ماله359
ذكر اختلاف الفقهاء في تصديق الوصي على دفع المال إلى اليتيم365