الآيات
( وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (71) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73) )
التّفسير
والآن جاء الدور للحديث عن جانب من حياة «ابراهيمعليهالسلام » هذا البطل العظيم الذي حطم الأصنام ، وما جرى له مع قومه. طبعا كل ذلك مذكور بتفصيل اكثر في سور اخرى من القرآن غير هذه السورة ، كسورة البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والانعام ، والأنبياء ، وغيرها.
وهنا تذكر الآيات قسما من حياته المرتبطة بقصّة «قوم لوط» وعقاب هؤلاء الجماعة الملوّثين بالآثام والعصيان ، فتقول في البداية :( وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا
إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى ) .
وهؤلاء الرسل ـ كما سيتبيّن من خلال الآيات التالية ـ هم الملائكة الذين أمروا بتدمير مدن قوم لوط ، ولكنّهم قبل ذلك جاؤوا الى ابراهيم ليسلموه بلاغا يتضمّن بشرى سارة.
امّا عن ماهية هذه البشرى فهناك احتمالان ، ولا مانع من الجمع بينهما.
الاحتمال الاوّل : البشرى بتولّد إسماعيل وإسحاق ، لانّ ابراهيمعليهالسلام لم يرزق ولدا بعد عمر طويل ، في حين كان يتمنى ان يرزق ولدا او أولادا يحملون لواء النبوّة ، فإبلاغهم له بتولد إسماعيل وإسحاق بعد بشارة عظمى.
والاحتمال الثّاني : انّ ابراهيم كان مستاء ممّا وجده في قوم لوط من الفساد والعصيان ، فحين اخبروه بأنّهم أمروا بهلاكهم سرّ ، وكان هذا الخبر بشرى له.
فحين جاءوا ابراهيم( قالُوا سَلاماً ) فأجابهم ايضا و( قالَ سَلامٌ ) ورحّب بهم( فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ) .
«العجل» في اللغة ولد البقر و «الحنيذ» معناه المشوي ، واحتمل بعضهم انّ ليس كل لحم مشوي يطلق عليه انّه حنيذ ، بل هو اللحم المشويّ على الصخور الى جنب النّار دون ان تصيبه النّار ، وهكذا ينضج شيئا فشيئا.
ويستفاد من هذه الجملة انّ من آداب الضيافة ان يعجل للضيف بالطعام ، خاصّة إذا كان الضيف مسافرا ، فإنّه غالبا ما يكون متعبا وجائعا وبحاجة الى طعام ، فينبغي ان يقدم له الطعام عاجلا ليخلد الى الراحة.
وربّما يقول بعض المنتقدين : أليس هذا العجل كثيرا على نفر معدود من الأضياف ، ولكن مع ملاحظة انّ القرآن لم يذكر عدد هؤلاء الأضياف اوّلا ، وهناك اقوال في عددهم ، فبعض يقول : كانوا ثلاثة ، وبعض يقول : اربعة ، وبعض يقول : كانوا تسعة ، وبعض قال : احد عشر ، ويحتمل ان يكونوا اكثر من ذلك.
وثانيا : فإنّ ابراهيم كان له اتباع وعمال وجيران ، وهذا الأمر متعارف ان
يصنع مثل هذا عند الضيافة ويكون فوق حاجة الأضياف ليأكل منه الجميع ولكن حدث لإبراهيم حادث عجيب مع أضيافه عند تقديم العجل الحنيذ لهم ، فقد رآهم لا يمدّون أيديهم الى الطعام ، وهذا العمل كان مريبا له وجديدا عليه ، فأحسّ بالاستيحاش واستغرب ذلك منهم( فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ) .
ومن السنن والعادات القديمة الّتي لا تزال قائمة بين كثير من الناس الذين لهم التزام بالتقاليد الطيبة للاسلاف. هي انّ الضيف إذا تناول من طعام صاحبه (وبما اصطلح عليه : تناول من ملحه وخبزه) فهو لا يكنّ له قصد سوء ، وعلى هذا فإنّ من له قصد سوء مع احد ـ واقعا ـ يحاول الّا يأكل من طعامه «وخبزه وملحه» ومن هذا المنطلق شك ابراهيم في نيّاتهم ، وأساء الظن بهم ، واحتمل انّهم يريدون به سوءا.
امّا الرسل فإنّهم لمّا اطلعوا على ما في نفس ابراهيم ، بادروا لرفع ما وقع في نفسه و( قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ ) .
وفي هذه الحال كانت امرأته «سارة» واقفة هناك فضحكت كما تقول الآية( وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ ) .
هذا الضحك من سارة يحتمل ان يكون لانّها كانت مستاءة من قوم لوط وفجائعهم ، واطلاعها على قرب نزول العذاب عليهم كان سببا لسرورها وضحكها.
وهناك احتمال آخر وهو انّ الضحك كان نتيجة لتعجبها او حتى لاستيحاشها ايضا ، لانّ الضحك لا يختص بالحوادث السارّة بل يضحك الإنسان ـ أحيانا ـ من الاستياء وشدة الاستيحاش ، ومن أمثال العرب في هذا الصدد «شر الشدائد ما يضحك».
او انّ الضحك كان لانّ الأضياف لم يتناولوا الطعام ولم تصل أيديهم اليه
بالرغم من اعداده وتهيأته لهم.
ويحتمل ايضا انّ ضحكها لسرورها بالبشارة بالولد. وان كان ظاهر الآية ينفي هذا التّفسير ، لانّ البشرى بإسحاق كانت بعد ضحكها ، الّا ان يقال : انّهم بشروا ابراهيم اوّلا بالولد ، واحتملت سارة ان سيكون الولد منها فتعجبت ، وانّه هل يمكن لامراة عجوز وفي هذه السن ان يكون لها ولد من زوجها؟ لذلك سألتهم بتعجب فأجابوها بالقول : نعم ، وهذا الولد سيكون منك. والتأمل في سورة الذاريات بهذا الشأن يؤكّد ذلك.
وينبغي الالتفات هنا الى انّ بعض المفسّرين يصرون على انّ «ضحكت» مشتقة من «ضحك» بمعنى العادة النسائية وهي «الحيض» وقالوا : انّ سارة بعد ان بلغت سنّ اليأس أتتها العادة في هذه اللحظة وحاضت ، والعادة الشهرية تدل على إمكان انجاب الولد ، ولذلك فحين بشرت بإسحاق أمكنها ان تصدّق ذلك تماما وهؤلاء المفسّرون استندوا في قولهم الى لغة العرب ، حيث قالوا في هذا الصدد : ضحكت الأرنب ، اي حاضت.
ولكن هذا الاحتمال مستبعد من جهات مختلفة :
اوّلا : لانّه لم يسمع انّ هذه «المادة» استعملت في الإنسان بمعنى الحيض في اللغة العربية ، ولهذا فإنّ الراغب حين يذكر هذا المعنى في مفرداته يقول بصراحة : انّ هذا ليس تفسير جملة فضحكت كما تصوّره بعض المفسّرين ، بل معناها هو الضحك المألوف ، ولكنّها حاضت وهي في حال الضحك ايضا ، ولذلك وقع الخلط بينهما.
ثانيا : إذا كانت هذه الجملة بمعنى حصول العادة النسائية فلا ينبغي لسارة ان تتعجب من البشرى بالولد «إسحاق» لانّه ـ والحال هذه ـ لا غرابة في الانجاب ، في حين نستفيد من الجمل الاخرى انّها لم تتعجب من الانجاب فحسب ، بل صرخت وقالت :( يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً ) .
وعلى كل حال فإنّ هذا الاحتمال في الآية يبدو بعيدا جدّا.
ثمّ تضيف الآية انّ إسحاق سيعقبه ولد من صلبه اسمه يعقوب :( فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ ) .
الواقع انّ الملائكة بشّروها بالولد وبالحفيد ، فالاوّل إسحاق والثّاني يعقوب ، وكلاهما من أنبياء الله.
ومع التفات «سارة» امراة ابراهيم الى كبر سنّها وسن زوجها فإنّها كانت آيسة من الولد بشدّة ، فاستنكرت بصوت عال متعجبة من هذا الأمر و( قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ) .
وكان الحق معها ، لانّه طبقا للآية (29) من سورة الذاريات ، فإنّها كانت في شبابها عاقرا ، وحين بشرت بالولد كان عمرها ـ كما يقول المفسّرون وتذكره التوراة في سفر التكوين ـ تسعين عاما او اكثر ، امّا زوجها ابراهيمعليهالسلام فكان عمره مائة عام او اكثر.
وهنا ينقدح سؤال وهو : لم استدلت سارة على عدم الانجاب بكبر سنّها وكبر سنّ زوجها ، في حين اننا نعلم انّ النساء عادة يصبحن آيسات بعد الخمسين لانقطاع «الحيض» او «العادة» واحتمال الانجاب في هذه المرحلة بالنسبة لهنّ ضعيف ، امّا الرجال فقد أثبتت التجارب الطبيعية انّهم قادرون على الانجاب لسنين أطول ...؟
والجواب على هذا السؤال واضح : فإنّ الرجال وان كانوا قادرين على الانجاب ، ولكن يضعف احتماله كلما طعنوا في السنّ ولذا فطبقا للآية (54) من سورة الحجر نجد ابراهيم نفسه متعجبا من هذه البشرى لكبر سنّه ، أضف الى ذلك فإنّ سارة من الناحية النفسية لعلها لم تكن في الانفراد بهذه المشكلة (العقم) وأرادت اقحام زوجها معها.
وعلى كل حال فإنّ رسل الله أزالوا التعجب عنها فورا وذكّروها بنعم الله «الخارقة للعادة» عليها وعلى أسرتها ونجاتهم من الحوادث الجمة ، فالتفتوا إليها
و( قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ) .(1)
ذلك الربّ الذي نجّى ابراهيم من مخالب نمرود الظالم ، ولم يصبه سوء وهم في قلب النار ، هو ذلك الرّب الذي نصر ابراهيم محطم الأصنام ـ وهو وحيد ـ على جميع الطواغيت ، وألهمه القدرة والاستقامة البصيرة.
وهذه الرحمة الالهية لم تكن خاصّة بذلك اليوم فحسب ، بل هي مستمرة في اهل هذا البيت ، واي بركة أعظم من وجود رسول الله محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم والائمّة الطاهرينعليهمالسلام في هذه الاسرة وفي هذا البيت بالذات.
واستدل بعض المفسّرين بهذه الآية على انّ الزوجة تعدّ من «أَهْلَ الْبَيْتِ » ايضا ، ولا يختص هذا العنوان بالولد والأب والام. وهذا الاستدلال صحيح طبعا ، وحتى مع غضّ النظر عن الآية هذه ، فإنّ كلمة «اهل» من حيث المحتوى تصحّ بهذا المعنى ، ولكن لا مانع ابدا ان يخرج جماعة من اهل بيت النّبوة من الناحية المعنوية بسبب انحرافهم من اهل البيت «وسيأتي فريد من الإيضاح والشرح في هذا الصدد ان شاء الله ذيل الآية 33 من سورة الأحزاب».
وقال ملائكة الله لمزيد التأكيد على بشارتهم وكلامهم في شأن الله( إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ) .
الواقع انّ ذكر هاتين الصفتين لله تعالى على الجملة السابقة ، لانّ كلمة «حميد» تعني من له اعمال ممدوحة وتستوجب الثناء والحمد ، وقد جاء صفة لله ليشير الى نعمه الكثيرة على عباده ليحمد عليها ، وامّا كلمة «مجيد» فتطلق على من يهب النعم حتى قبل استحقاقها.
ترى هل من العجيب على ربّ له هذه الصفات ان يعطي مثل هذه النعمة العظيمة اي الأبناء الصالحين لنبيّه الكريم؟!
* * *
__________________
(1) انّ جملة «رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ » يمكن ان تكون خبرية ، وهي حال ، كما يمكن ان تكون بمعنى الدعاء ايضا ، ولكن الاحتمال الاوّل اقرب.
الآيات
( فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) )
التّفسير
رأينا في الآيات السابقة انّ ابراهيم عرف فورا انّ أضيافه الجدد لم يكونوا افرادا خطرين او يخشى منهم ، بل كانوا رسل الله على حد تعبيرهم ، ليؤدوا وظيفتهم التي أمروا بها في قوم لوط.
ولمّا ذهب الهلع والخوف عن ابراهيم من أولئك الأضياف ، ومن ناحية اخرى فقد بشروه بالوليد السعيد ، شرع فورا بالتفكير في قوم لوط الذين أرسل إليهم هؤلاء الرسل «الملائكة» فأخذ يجادلهم ويتحدث معهم في أمرهم( فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ ) (1) .
__________________
(1) كلمة «روع» على وزن «نوع» معناها «الخوف والوحشة» وكلمة «روع» على وزن «نوح» معناها «الروح» او قسم منها الذي هو محل الخوف ومركزه ، لمزيد الإيضاح تراجع المعاجم اللغوية.
وهنا يمكن ان ينقدح هذا السؤال ، وهو : لم تباحث ابراهيمعليهالسلام مع رسل الله وجادلهم في قوم آثمين ظالمين ـ كقوم لوط ـ وقد أمروا بتدميرهم ، في حين انّ هذا العمل لا يتناسب مع نبيّ ـ خاصّة إذا كان ابراهيمعليهالسلام في عظمته وشأنه؟
لهذا فإنّ القرآن يعقّب مباشرة في الآية عن شفقة ابراهيم وتوكله على الله فيقول( إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ) (1) .
في الواقع هذه الكلمات الثلاث المجملة جواب على السؤال المشار اليه آنفا. وتوضيح ذلك : انّ هذه الصفات المذكورة لإبراهيم تشير الى انّ مجادلته كانت ممدوحة ، وذلك لانّ ابراهيم لم يتّضح له انّ امر العذاب صادر من قبل الله بصورة قطعية ، بل كان يحتمل انّه لا يزال لهم حظ في النجاة ، ويحتمل انّهم سيرتدون عن غيهم ويتّعظون ، ومن هنا فما زال هناك مجال للشفاعة لهم فكان راغبا في تأخير العذاب والعقاب عنهم ، لانّه كان حليما ، ومشفقا واوّاها ومنيبا الى الله.
فما ذكره البعض من انّ مجادلة ابراهيم إذا كانت مع الله فلا معنى لها ، وإذا كانت مع رسله فهم ايضا لا يستطيعون ان يفعلوا شيئا من أنفسهم ، فعلى كل حال فالمجادلة هذه غير صحيحة ـ مجانب للصواب.
والجواب : انّه لا كلام في الحكم القطعي ، امّا لو كان الحكم غير قطعي فمع تغيير الظروف وتبدل الأوضاع يمكن تغييره ، لانّ طريق الرجوع لا زال مفتوحا ، وبتعبير آخر : فإنّ الأوامر في هذه الحالة مشروطة لا مطلقة.
وامّا من احتمل انّ المجادلة كانت مع الرسل في شأن نجاة المؤمنين ، واستشهدوا على هذا القول بالآيتين (31) و (32) من سورة العنكبوت( وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا
__________________
(1) «الحليم» مشتق من «الحلم» وهو : الاناة والصبر في سبيل الوصول الى هدف مقدس ، والأواه في الأصل : كثير التحسر والآه سواء من الخوف من المسؤلية التي يحملها او من المصائب ، والمنيب من الانابة اي الرجوع.
ظالِمِينَ ، قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ) .
فهذا الاحتمال غير صحيح ايضا ، ولا ينسجم مع الآية التي تأتي بعدها وهي محل وتقول الآية التالية : انّ الرسل قالوا لإبراهيم ـ مباشرة ـ ان اعرض عن اقتراحك لانّ امر ربّك قد تحقق والعذاب نازل لا محالة.
( يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ) .
والتعبير «ربّك» لا يدل على انّ هذا العذاب خلو من الطابع الانتقامي فحسب ، بل يدل ايضا على انّه علامة لتربية العباد وإصلاح المجتمع الانساني.
وما نقرؤه في بعض الرّوايات انّ ابراهيمعليهالسلام قال لرسل الله : إذا كان بين هؤلاء القوم مائة مؤمن فهل يعذب المؤمنون؟ قالوا : لا. فقال : إذا كان بينهم خمسون مؤمنا؟ فقالوا : لا ايضا. قال : فإذا كان بينهم ثلاثون مؤمنا؟ قالوا : لا. قال : فإذا كان بينهم عشرة؟ قالوا : لا. قال : فإذا كان بينهم خمسة؟ قالوا : لا. قال : فإذا كان بينهم مؤمن واحد؟ قالوا : لا. قال : فإنّ فيها لوطا. قالوا :( نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ ) (1) ...إلخ.
فمثل هذه الرّواية لا تدل بوجه مطلق على انّ المجادلة اقتصرت على هذا الكلام ، بل كان ذلك منه بالنسبة الى المؤمنين ، وهو شيء آخر غير مجادلته عن الكفار. ومن هنا يتّضح انّ الآيات التي وردت في سورة العنكبوت لا تنافي هذا التّفسير ايضا «فتدبّر».
* * *
__________________
(1) راجع تفسير البرهان ، ص 226 ، ج 2.
الآيات
( وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (79) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) )
التّفسير
مرّت في آيات من سورة الأعراف اشارة الى شيء من مصير قوم لوط ، وفسّرنا ذلك في محلّه ، وهنا يتناول القرآن الكريم ـ وبمناسبة ما ذكره من قصص الأنبياء واقوامهم وبما ورد في الآيات المتقدمة عن قصّة لوط وقومه ـ قسما آخر من حياة هؤلاء القوم المنحرفين الضالين ليتابع بيان الهدف الاصلي الا وهو سعادة المجتمع الانساني ونجاته بأسره.
يبيّن القرآن الكريم في هذا الصدد اوّلا انّه لما جاءت رسلنا لوطا طار هلعا وضاق بهم ذرعا وأحاط به الهمّ من كل جانب( وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ) .
وقد ورد في الرّوايات الاسلامية انّ لوطا كان في مزرعته حيث فوجئ بعدد من الشباب الوسيمين الصباح الوجوه قادمون نحوه وراغبون في النّزول عنده ولرغبته باستضافتهم من جهة ، ولعلمه بالواقع المرير الذي سيشهده في مدينته الملوّثة بالانحراف الجنسي من جهة أخرى ، كل ذلك أوجب له الهم ومرّت هذه المسائل على شكل أفكار وصور مرهقة في فكره ، وتحدث مع نفسه( وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ) .
لاحتمال الفضيحة والتورط في مشاكل عويصة كلمة (سيئ) مشتقّة من ساء ، ومعناها عدم الارتياح وسوء الحال ، و «الذرع» تعني «القلب» على قول ، وقال آخرون : معناها «الخلق» فعلى هذا يكون معنى( ضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ) انّ قلبه أصيب بتأثر شديد لهؤلاء الأضياف غير المدعوين في مثل هذه الظروف الصعبة.
ولكن بحسب ما ينقله «الفخر الرازي» في تفسيره عن «الازهري» انّ الذرع في هذه الموارد يعنى «الطاقة» وفي الأصل معناه الفاصلة بين اذرع البعير أثناء سيره.
وطبيعي حين يحمل البعير اكثر من طاقته فإنّه يضطر الى تقريب خطواته وتقليل الفاصلة بين خطواته ، وبهذه المناسبة وبالتدريج استعمل هذا المعنى في عدم الارتياح والاستثقال من الحوادث.
ويستفاد من بعض كتب اللغة ككتاب (القاموس» انّ هذا التعبير انّما يستعمل في شدة الحادثة بحيث يجد الإنسان جميع الطرق بوجهه موصدة.
وكلمة «عصيب» مشتقّة من «العصب» على زنة «الكلب» ومعناه ربط الشيء بالآخر وشده شدّا محكما ، وحيث انّ الحوادث الصعبة تشدّ الإنسان
وكأنّها تسلبه راحته فيظل مبلبل الأفكار سمّيت «عصيبة» وتطلق العرب على الايّام شديدة الحر انّها عصيبة ايضا.
وعلى كل حال ، فإنّ لوطا لم يجد بدا من ان يأتي بضيوفه الى البيت ويقوم بواجب الضيافة ولكنّه حدّثهم في الطريق ـ عدة مرّات ـ انّ اهل هذه المدينة منحرفون واشرار ليكونوا على حذر منهم.
ونقرا في احدى الرّوايات انّ الله سبحانه امر ملائكته ان لا يعذبوا قوم لوط حتى يعترف لوط عليهم ثلاث مرّات ، ومعنى ذلك انّه حتى في تنفيذ حكم الله بالنسبة لقوم ظالمين لا بدّ من تحقق موازين عادلة في المحاكمة ، وقد سمع رسل الله شهادة لوط في قومه ثلاث مرّات أثناء الطريق(1) .
وورد في بعض الرّوايات انّ لوطا اخّر ضيوفه كثيرا حتى حلول الليل ، فلعله يستطيع ان يحفظ ماء وجهه من شرور قومه ، ويقوم بواجب الضيافة دون ان يساء الى أضيافه. ولكن ما عسى ان يفعل الإنسان إذا كان عدوه داخل بيته ، وكانت امراة لوط امراة كافرة وتساعد قومه الظالمين ، وقد اطلعت على ورود هؤلاء الأضياف الى بيتها ، فصعدت الى أعلى السطح وصفقت بيديها اوّلا ، ثمّ بإشعال النّار وتصاعد الدخان أعلمت جماعة من هؤلاء القوم بأنّ طعمة دسمة قد وقعت في «الشباك»(2) .
يقول القرآن الكريم في هذا الصدد( وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ) (3) وكانت حياة هؤلاء القوم مسودّة وملطخة بالعار( وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ) فكان من حق لوط ان يضيق ذرعا يصرخ ممّا يرى من شدّة استيائه و( قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ) فأنا مستعد ان أزوجهن ايّاكم( فَاتَّقُوا اللهَ وَلا
__________________
(1) مجمع البيان ، في شرح الآية آنفة الذكر.
(2) الميزان ، ج 10 ، ص 362.
(3) «يهرعون» مشتقة من الاهراع ومعناها السياقة الشديدة ، فكأنما تسوق غريزة هؤلاء إياهم بشدة الى أضيافه.
تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ) يصدكم عن هذه الأعمال المخزية وينصحكم بالإقلاع عنها.
ولكن هؤلاء القوم المفسدين أجابوا لوطا بكل وقاحة وعدم حياء و( قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ) .
وهنا وجد لوط هذا النّبي العظيم نفسه محاصرا في هذه الحادثة المريرة فنادي و( قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ) او سند من العشيرة والاتباع والمعاهدين الأقوياء حتى أتغلّب عليكم( أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) .
* * *
ملاحظات
1 ـ العبارة التي قالها لوط عند هجوم القوم على داره وأضيافه ـ( هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ) فتزوجوهنّ انّ شئتم فهنّ حلال لكم ولا ترتكبوا الإثم والذنب وقد ـ أثارت هذه العبارة بين المفسّرين عدّة اسئلة :
اوّلا : هل المراد من( هؤُلاءِ بَناتِي ) بنات لوط على وجه الحقيقة والنسب؟! في حين انّ عددهن ـ وطبقا لما ينقل التاريخ ـ ثلاث او اثنتان فحسب ، فكيف يعرض تزويجهن على هذه الجماعة الكثيرة؟!
ام انّ المراد من قوله( هؤُلاءِ بَناتِي ) بنات «القبيلة» والمدينة ، وعادة ينسب كبير القوم ورئيسهم بنات القبيلة اليه ويطلق عليهنّ «بناتي».
الاحتمال الثّاني يبدو ضعيفا لانّه خلاف الظاهر.
والصحيح هو الاحتمال الاوّل ، لانّ الذين هجموا على داره وأضيافه كانوا ثلّة من اهل القرية لا جميعهم فاقترح عليهم لوط ذلك الاقتراح ، أضف الى ذلك انّ لوطا كان يريد ان يبدي منتهى إيثاره وتضحيته لحفظ ماء وجهه وليقول لهم : انّي مستعد لتزويجكم من بناتي لتقلعوا عن آثامكم وتتركوا اضيافي فلعل هذا
الإيثار المنقطع النظير يردعهم ويوقظ ضمائرهم الذي غطته السيئات.
ثانيا : هل يجوز تزويج البنات المؤمنات أمثال بنات لوط من الكفار حتى يقترح عليهم لوط ذلك؟!
وقد أجيب على هذا السؤال من طريقين.
الاوّل : انّ مثل هذا الزواج في مذهب لوط ـ كما كان في بداية الإسلام ـ لم يكن محرما ، ولذلك فإنّ النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم زوّج ابنته زينب من أبي العاص قبل ان يسلم ، ولكن هذا الحكم نسخ بعدئذ(1) .
الثّاني : انّ المراد من قول لوطعليهالسلام كان زواجا مشروطا بالايمان ، اي هؤلاء بناتي فتعالوا وآمنوا لازوجهن ايّاكم.
ويتّضح انّ الاشكال على النّبي لوط ـ من انّه كيف يزوج بناته المطهرات من جماعة أوباش ـ غير صحيح ، لانّ عرضه عليهم ذلك الزواج كان مشروطا بالايمان وليثبت منتهى علاقته بهدايتهم.
2 ـ ينبغي الالتفات الى انّ كلمة «اطهر» لا تعني بمفهومها انّ عملهم المخزي والسيء كان «طاهرا» ولكن الزواج من البنات «اطهر» ، بل هو تعبير شائع في لسان العرب ـ ولغات اخرى ـ في المفاضلة والمقايسة بين أمرين ، مثلا يقال لمن يسوق بسرعة رعناء «الوصول المتأخّر خير من عدم الوصول ابدا» او «الاعراض من الطعام المشكوك أفضل من إلقاء الإنسان بيده الى التهلكة» ونقرا في بعض الرّوايات مثلا انّ الامام الصادقعليهالسلام حين يشعر بالخطر الشديد و «التقيّة» من خلفاء بني العباس يقول «والله لئن أفطر يوما من شهر رمضان احبّ اليّ من أن تضرب عنقي»(2) .
مع انّه لا القتل محبوب ولا هو امر حسن بنفسه ، ولا عدم الوصول ابدا ، ولا
__________________
(1) انظر الفخر الرازي في تفسيره الكبير ، وتفسير مجمع البيان في هذا الصدد.
(2) وسائل الشيعة ، الجزء 7 ، ص 95 ، كتاب الصوم باب 57.
أمثالهما.
3 ـ تعبير لوط( أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ) في آخر كلامه مع قومه المنحرفين يكشف عن هذه الحقيقة ، وهي انّ وجود رجل ـ ولو رجل واحد رشيد ـ بين قوم ما وقبيلة ما يكفي لردعهم من اعمالهم المخزية ، اي لو كان فيكم رجل عاقل ذو لبّ ورشد لمّا قصدتم بيتي ابتغاء الاعتداء على ضيفي!
هذا التعبير يوضح بجلاء اثر «الرّجل الرّشيد» في قيادة المجتمعات الانسانية ، وهو الواقع الذي وجدنا نماذج كثيرة منه على امتداد التاريخ.
4 ـ من العجيب انّ هؤلاء القوم المنحرفين الضالين قالوا للوط :( ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍ ) وهذا التعبير كاشف عن غاية الانحراف في هذه الجماعة ، اي انّ مجتمعا منحرفا ملوثا بلغ حدّا من العمى بحيث يرى الباطل حقّا والحقّ باطلا!! فالزواج من البنات المؤمنات الطاهرات لا يعدّ حقا عندهم ، وعلى العكس من ذلك يعدّ الانحراف الجنسي عندهم حقّا.
انّ الاعتياد والتطبع على الإثم والذنب يكون في مراحله النهائية والخطرة عند ما يتصور انّ اسوا الأعمال وأخزاها هي «حق عند صاحبها» وانّ أنقى الاستمتاع الجنسي واطهره امر غير مشروع.
5 ـ ونقرا في حديث للإمام الصّادقعليهالسلام في تفسير الآيات المتقدمة انّ المقصود بالقوّة هو القائم من آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وانّ «الركن الشديد» هم أصحابه الذين عددهم (313) شخصا(1) .
وقد تبدو هذه الرّواية عجيبة وغريبة إذ كيف يمكن الاعتقاد انّ لوطا كان يتمنّى ظهور مثل هذا الشخص مع أصحابه المشار إليهم آنفا.
ولكن التعرف على الرّوايات الواردة في تفسير آيات القرآن حتى الآن يعطينا مثل هذا الدرس ، وهو انّ قانونا كليا يتجلى غالبا في مصداقه البارز ، ففي
__________________
(1) تفسير البرهان ، ج 2 ، ص 228.
الواقع انّ لوطا كان يتمنّى ان يجد قوما ورجالا لديهم تلك القدرة والقوّة الروحيّة والجسمية الكافية لإقامة حكومة العدل الالهية كما هي موجودة في اصحاب المهدي «عجّل الله فرجه الشّريف» الذين يشكلون حكومة عالمية حال ظهور الامام المهدي «عجّل الله فرجه الشّريف» وقيامه ، لينهض بهم ويواجه الانحراف والفساد فيزيله عن بكرة أبيه ويبير هؤلاء القوم الذين لا حياء لهم.
* * *
الآيات
( قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) )
التّفسير
وأخيرا حين شاهد الملائكة رسل الله الأضياف ما عليه لوط من العذاب النفس كشفوا «ستارا» عن اسرار عملهم و( قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ) .
الطريف هنا انّ ملائكة الله لم يقولوا : لن يصلنا سوء وضرر ، بل قالوا : لن يصلوا إليك يا لوط فيؤذوك ويسيئوا إليك!
وهذا التعبير امّا لانّهم كانوا يحسبون انّهم غير منفصلين عن لوط لانّهم
أضيافه على كل حال ، وهتك حرمتهم هتك لحرمة لوط. او لانّهم أرادوا ان يفهموا لوطا بأنّهم رسل الله ، وانّ عدم وصول قومه إليهم بالاساءة امر مسلّم به ، بل حتى لوط نفسه الذي هو رجل من جنس أولئك لن يصلوا اليه بسوء ، وذلك بلطف الله وفضله.
نقرا في الآية (37) من سورة القمر( وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ ) وهذه الآية تدل على ان هؤلاء الجماعة الذين أرادوا السوء بأضياف لوط ، فقدوا بصرهم بإذن الله ، فلم يستطيعوا الهجوم عليهم. ونقرا في بعض الرّوايات ـ ايضا ـ انّ احد الملائكة غشّى وجوههم بحفنة من التراب فعموا جميعا.
وعلى كل حال ، فاطلاع لوطعليهالسلام على حال أضيافه ومأموريتهم نزل كالماء البارد على قلبه المحترق واحسّ بلحظة واحدة ان ثقلا كبيرا من الغمّ والحيرة قد ازيل عن قلبه ، وأشرقت عيناه بالسرور والبهجة ، وعلم انّ مرحلة الغم والحيرة أشرفت على الانتهاء ، ودنا زمن السرور والنجاة من مخالب هؤلاء القوم المنحرفين المتوحشين.
ثمّ امر الأضياف لوطا ـ مباشرة ـ ان يرحل هو واهله من هذه البلدة وقالوا :( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ) (1) .
ولكن كونوا على حذر( وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ) الى الوراء( إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ ) لتخلّفها عن امر الله وعصيانهم مع العصاة الظلمة.
وفي قوله تعالى :( لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ) عند المفسّرين احتمالات عديدة.
الاوّل : لا ينظر احد الى ورائه مديرا وجهه الى الخلف.
الثّاني : لا تفكروا بما تركتم خلفكم من الأموال ووسائل المعاش ، انّما عليكم
__________________
(1) «أسر» مشتق من «الاسراء» وهو المسير ليلا ، وذكر الليل في الآية من باب توكيد الموضوع ، والقطع معناه ظلمة الليل ، اشارة الى ان يتحرك والناس نيام او مشغولون عنه بالشراب وحلك الليل ليخرج وهم في غفلة عنه.
ان تنجوا أنفسكم من الهلاك.
الثّالث : لا يتخلف منكم احد عن هذه القافلة الصغيرة.
الرّابع : انّ الأرض ستضطرب حال خروجكم وستبدأ مقدمات العذاب فاهربوا بسرعة ولا تلتفتوا الى الوراء ولكن لا مانع من الجمع بين هذه الاحتمالات كلها في الآية(1) .
وخلاصة الأمر فإنّ آخر ما قاله رسل الله ـ اي الملائكة ـ للوطعليهالسلام : انّ العذاب سينزل قومه صباحا. ومع اوّل شعاع للشمس سيحين غروب حياة هؤلاء :( إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ) .
ونقرا في بعض الرّوايات انّ الملائكة حين وعدوا لوطا بنزول العذاب صباحا ، سأل لوط الملائكة لشدة ما لقيه من قومه ممّا ساءه ، وجرح قلبه وملأه همّا وغمّا ان يعجلوا عليهم بالعذاب في الحال فإنّ الأفضل الاسراع ، ولكن الملائكة طمأنوه وسرّوا عنه بقولهم :( أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ) .
وأخيرا دنت لحظة العذاب وتصرّمت ساعات انتظار لوط النّبيعليهالسلام ، وكما يقول القرآن الكريم( فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ) .
وكلمة «سجّيل» فارسية الأصل ، وهي مركبة من «سنگ» ومعناها الحجارة و «گل» ومعناها الطين ، فعلى هذا هي شيء صلبا كالحجارة ولا رخوا كالزهرة ،
__________________
(1) في قوله( إِلَّا امْرَأَتَكَ ) هذا الاستثناء من اي جملة هو؟ للمفسّرين احتمالان : «الاوّل» انّه يعدّ استثناء من( لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ) ومفهومها انّ لوطا واهله بما فيهم امرأته تحركوا للخروج من المدينة ولم يلتفت منهم احد كما أمرهم الرسل ، الا امراة لوط فإنّها بحكم علاقتها بقوم لوط وتأثرها على مصيرهم ، وقفت لحظة ونظرت الى الوراء ، وطبقا لبعض الرّوايات أصابها حجر من الأحجار التي كانت تهوي على المدينة فقتلت به. «الثاني» انّه استثناء من جملة( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ) فيكون معناها انّ جميع اهله ذهبوا معه ولكن امرأته بقيت في المدينة ولم يأخذها لوط معه ، ولكن الاحتمال الاوّل انسب.
وانّما هي برزخ «وسط» بينهما.
و «المنضود» من مادة «نضد» ومعناه كون الشيء مصفوفا وموضوعا بشكل متتابع ومتراكم ، اي انّ هذا المطر كان متتابعا سريعا الى درجة حتى كأنّ هذه الأحجار تتراكب بعضها فوق بعض فتكون «منضودة».
ولكن هذه الأحجار ليست أحجارا عادية ، بل هي أحجار فيها علامات عند الله( مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ) .
ولا تتصوروا انّ هذه الأحجار مخصوصة بقوم لوط ، بل( وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ) .
هؤلاء القوم المنحرفون ظلموا أنفسهم وظلموا مجتمعهم ، لعبوا بمصير أمتهم كما هزئوا بالايمان والأخلاق الانسانيّة ، وكلّما نصحهم نبيّهم بإخلاص وحرقة قلب لم يسمعوا له وسخروا منه ، وبلغت صلافتهم وعدم حيائهم حدّا انّهم أرادوا الاعتداء على ضيوف زعيمهم ويهتكوا حرمتهم.
هؤلاء الذين كانوا قد قلبوا كل شيء يجب ان تنقلب مدينتهم عليهم ، ولا يكفي ان يغدو عليها سافلها ، بل ليمطروا بوابل من الأحجار تدمّر كل شيء من «معالم الحياة» هناك ولا يبقى منهم سوى صحراء موحشة وقبور مظلمة تحت ركام الأحجار الصغيرة.
وهل انّ الذين ينبغي معاقبتهم هم قوم لوط فحسب؟ قطعا لا. فكل جماعة منحرفة وامّة ظالمة ينتظرها مثل هذا المصير ، فتارة تكون تحت وابل الأحجار ، وأخرى تحت ضربات القنابل المحرقة ، وحينا تحت ضغط الاختلافات الاجتماعية القاتلة ، وأخيرا فإنّ لكلّ شكلا من العذاب وصورة معينة.
* * *
ملاحظات
ملاحظة الآيات المتقدمة تثير في ذهن القارئ هذا السؤال ، وهو ايّ اثر للصبح في هذا الأمر ، ولم لم ينزل العذاب في قلب الليل البهيم؟!
ترى هل كان ذلك لانّ الجماعة الذين هجموا على دار لوط فعموا وعادوا الى قومهم وحدثوهم بما جرى لهم ، فحينئذ فكر أولئك بما حدث! وانّ الله امهلهم الى الصباح لعلهم ينتبهون ويتوبون؟
او انّ الله لم يرد الاغارة عليهم في الليل ، ولذلك فقد امر الملائكة ان ينتظروا حتى يحين الصباح؟!
لم يرد في كتب التّفسير شيء من هذا ، ولكنّ ما ذكرناه آنفا احتمالات تستحق المطالعة.
قلنا : انّ العذاب ينبغي ان يتناسب مع الإثم ، وحيث انّ هؤلاء القوم قلبوا كل شيء عن طريق الانحراف الجنسي فإنّ الله جعل مدنهم عاليها سافلها ايضا ، وحيث كانوا دائما يتقاذفون بالكلمات البذيئة فيما بينهم ، فإنّ الله امطرهم بحجارة لتتهاوى على رؤوسهم ايضا.
وهل كان امطارهم بالأحجار الصغيرة قبل انقلاب المدن ، او كان مقترنا ومتزامنا معها ، او بعدها؟!
هناك اقوال بين المفسّرين ، والآيات القرآنية لم تصرّح بشيء في هذا الشأن ايضا ، لانّ الجملة عطفت بالواو ، وهي لمطلق العطف ولا يستفاد منها الترتيب.
ولكن بعض المفسّرين ـ كصاحب المنار ـ يعتقد انّ مطر الأحجار امّا ان يكون قبل ان يقلب عاليها سافلها ، او مقترن مع القلب ، وذلك لينال بعض الافراد الذين التجأوا الى زاوية او معزل ولم يدفنوا تحت الانقاض جزاءهم العادل ولا تبقى لهم فرصة للهروب.
والرّواية التي تقول : انّ امراة لوط حين سمعت الصوت والتفتت لترى ما حدث أصابها حجر في الحال فقتلها ، هذه الرّواية تدل على انّ الأمرين «القلب ووابل المطر» حدثا مقترنين.
ولكن لو تجاوزنا عن ذلك فما يمنع ان يكون وابل الأحجار ـ لتشديد العذاب ـ بعد قلب المدن عاليها سافلها ، لتتوارى أرضهم وتنمحى آثارها تماما.
قلنا : انّ جملة( مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ) تفهمنا هذه المسألة الدقيقة ، وهي انّ هذه الأحجار كانت ذوات علائم خاصّة ومميّزة عند الله سبحانه ولكن كيف كانت علاماتها؟ هناك اقوال بين المفسّرين فقال بعضهم : كان في هذه الأحجار علامات تدل على انّها ليست كسائر الأحجار «العادية» بل هي خاصّة لنزول العذاب الالهي لئلا تختلط مع سقوط الأحجار الاخرى ، ولذا قال آخرون : انّ هذه الأحجار لم يكن لها شبه مع أحجار الأرض بل تدل مشاهدة وضعها على انّها أحجار سماويّة نزلت الى الكرة الارضية من خارجها.
وقال آخرون : هي علامات في علم الله ، انّ كل حجر منها يصيب شخصا بعلامته او يستهدف نقطة معينة ، وهي اشارة الى دقة الحساب في عقاب الله وجزائه بحيث يعلم ايّ شخص يصيبه اي حجر! وليس المسألة اعتباطيّة.
يعدّ الميل الجنسي الى المماثل «سواء وقع ذلك بين الرجال او بين النساء» من الذنوب الكبيرة في الإسلام ، وقد جعل الإسلام لكل من الحالتين حدا شرعيا.
فالحدّ الشرعي في «اللواط» هو القتل فاعلا كان الرجل ام مفعولا. وهناك طرق مبيّنة لهذا القتل في الفقه الاسلامي ، ويجب ان يعوّل على طرق معتبرة وقطعية لاثبات هذا الذنب وردت في الفقه الاسلامي وروايات المعصومين في هذا المجال. فلا يكفي لاقامة الحد الشرعي ـ وهو القتل هنا ـ حتى اقرار المذنب على نفسه ثلاث مرات ، بل يجب ان يقرّ على نفسه اربع مرات على الأقل.
وامّا الحدّ على المراة في عملية المساحقة فيكون بعد الإقرار بالذنب على نفسها اربع مرات ، او شهادة اربعة شهود «وبالشرائط المذكورة في الفقه» مائة جلدة ، وقال بعض الفقهاء ، إذا كانت المراة التي تقوم بهذا العمل الشنيع ذات بعل فحدّها القتل.
واقامة هذه الحدود لها شرائط دقيقة ذكرت في كتب الفقه الاسلامي.
والرّوايات التي تذم الميل الجنسي الى المماثل والمنقولة عن قادة الإسلام كثيرة ومذهلة والمطالع لهذه الرّوايات يحسّ انّ قبح هذا الذنب ليس له مثيل بين الذنوب.
نقرا مثلا من هذه الرّوايات رواية عن الرّسول الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم انّه قال : «لمّا عمل قوم لوط ما عملوا بكت الأرض الى ربّها حتى بلغت دموعها السّماء ، وبكت السّماء حتى بلغت دموعها العرش ، فأوحى الله الى السّماء ان احصبيهم واوحى الى الأرض ان اخسفي بهم»(1) .
ونقرا في حديث للإمام الصادق انّ النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «من جامع غلاما جاء
__________________
(1) تفسير البرهان ، ج 2 ، ص 231.
يوم القيامة جنبا لا ينقّيه ماء الدنيا ، وغضب الله عليه ولعنه واعدّ له جهنم وساءت مصيرا. ثمّ قال : ان الذكر يركب الذكر فيهتز العرش لذلك»(1) .
ونقرا في حديث للإمام الصادقعليهالسلام «... والعامل على هذا من الرجال إذا بلغ أربعين سنة لم يتركه ، وهم بقية سدوم. امّا اني لست اعني بهم انّهم بقيتهم انّهم ولدهم ، ولكنّهم من طينتهم ، قال : قلت : سدوم التي قلبت ، قال : هي اربع مدائن «سدوم وصريم والدما وغميرا» او [ولدنا وعموّرا] إلخ(2) .
ونقرا في رواية اخرى عن الامام امير المؤمنينعليهالسلام انّه قال : «سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال»(3) .
بالرغم من انّ العالم الغربي مليء بالانحرافات الجنسية ، وانّ هذه الأعمال السيئة قد باتت متعارفة بحيث سمع انّ بعض الدول كبريطانيا وطبقا لقانون صدر بكل وقاحة من المجلس النيابي «البرلمان» فيها يجوز هذا الموضوع «اللواط او السحاق» ولكن شيوع هذه المنكرات لا يخفف من قبحها ومن مفاسدها الاخلاقية والاجتماعية والنفسية.
بعض اتباع المذاهب المادّية الذين تلوّثوا بمثل هذه المنكرات يقولون : نحن لا نجد محذورا طبيّا في هذا الأمر.
ولكنّهم لم يلتفتوا لي انّ كل انحراف جنسي له اثره السلبي في روحية الإنسان وبنائه النفسي يفقده توازنه.
__________________
(1) وسائل الشيعة ، ج 14 ، ص 249.
(2) وسائل الشيعة ، ج 14 ، ص 253.
(3) وسائل الشيعة ، ج 14 ، ص 255.
توضيح ذلك ، انّ الإنسان الطبيعي والسليم يميل الى المخالف من جنسه ، اي انّ الرجل يميل الى المراة ، والمراة تميل الى الرجل ، وهذا الميل من اشدّ الغرائز المتجذرة فيه ، والضامن لبقاء نسله ، فأيّ عمل يؤدّي الى تحوير هذا الميل الطبيعي عن مساره فسيوجد نوعا من المرض والانحراف النفسي في الإنسان.
فالرجل الذي يميل الى نظيره من جنسه ، ليس رجلا كاملا ، وقد عدّ هذا الانحراف في كتب الأمور الجنسية «هموسكو اليسيم» اي الميل الجنسي للمماثل من أهم الانحرافات.
والاستمرار على هذا العمل وادامته يميت في الفرد الميل الجنسي الى المخالف. والشخص الذي يسلّم نفسه لممارسة هذا العمل معه يشعر شيئا فشيئا «باحساسات المراة» ويورث هذا العمل الطرفين «الفاعل والمفعول» ضعفا مفرطا في الجنس حتى انّه لا يستطيع بعد مدّة على المعاشرة الطبيعية مع جنسه المخالف.
ومع ملاحظة انّ الإحساسات الجنسيّه [بالنسبة للرجل والمراة] لها تأثيرها في أعضاء بدن كل منهما ، كما انّ لها تأثيرها على روحية كلّ منهما وأخلاقه.
تتّضح انّ فقدان الإحساسات الطبيعية الى اي درجة سيؤثر على روح الإنسان وجسمه حتى انه من الممكن ان يبتلى الافراد هؤلاء بالضعف الجنسي الذي يؤدّي الى عدم القدرة على الانجاب والتوليد.
وهؤلاء الأشخاص ـ غالبا ـ ليسوا أصحاء من الناحية النفسيّة ، ويحسون في داخلهم انّهم غرباء عن أنفسهم وغرباء عن مجتمعهم ويفقدون بالتدريج القدرة على الارادة التي هي أساس لكم نجاح وشرط من شروطه ، ويتكرس في روحهم نوع من الاضطراب والقلق.
وإذا لم يصمموا على إصلاح أنفسهم فورا ، ولم يستعينوا عند الضرورة والحاجة بالطبيب النفسي او الطبيب الجسمي فسيغدو هذا العمل عندهم عادة
يصعب تركها ، فمن وعلى كلّ حال ، فإنّ اي وقت لترك هذا العمل القبيح لا يعدّ خارجا عن أوانه ، بل لا بدّ من التصميم الجاد.
ولا ريب انّ الحيرة والاضطراب النفسي قد يجرّ هؤلاء الى استعمال المواد المخدرة والمشروبات الكحولية ، كما يجرّهم الى انحرافات أخلاقية اخرى ، وهذا بنفسه شقاء عظيم.
الطريف انّنا نقرا في الرّوايات الاسلامية عبارة موجزة وذات معنى كبير تشير الى هذه المفاسد ، ومن هذه الرّوايات ما نقل عن الامام الصادقعليهالسلام انّ رجلا سأله : لم حرّم الله اللواط؟ فقال سلام الله عليه : «من اجل انّه لو كان إتيان الغلام حلالا لاستغنى الرجال عن النساء وكان فيه قطع النسل وتعطيل الفروج وكان في اجازة ذلك فساد كبير»(1) .
وما يجدر ذكره انّ احد العقوبات الشرعية لهذا العمل انّ الإسلام حرم الزواج من اخت المفعول وامّه وبنته على الفاعل ، اي إذا تحقق اللواط قبل الزواج فعندئذ يحرم الزواج منهنّ حرمة مؤبدة.
وآخر ما ينبغي التذكير به هنا من المسائل الدقيقة ، ان جرّ الافراد الى مثل هذا الانحراف الجنسي له اسباب وعلل مختلفة ، حتى من ضمنها أحيانا طريقة التعامل والمعاشرة من قبل الوالدين مع ابنائهما ، او الغفلة عنهم وعدم مراقبة من معهم من بني جنسهم ، وطريقة معاشرتهم ومنامهم معا في بيت واحد ، كل ذلك له اثره الفاعل في هذا التلوّث والانحراف.
نحن نقرا في احوال قوم لوط انّ سبب انحرافهم وتلوثهم بهذا الذنب انّهم كانوا قوما بخلاء ، ولمّا كانت مدنهم على قارعة الطريق التي تمرّ بها قوافل الشام ولم يكونوا ليرغبوا في استضافة العابرين من المسافرين ، كانوا يوحون إليهم بداية الأمر انّهم يريدون ان يعتدوا عليهم جنسيا ليفرّ منهم الضيوف والمسافرون ،
__________________
(1) وسائل الشيعة ، ج 14 ، ص 252.
ولكنّ هذا العمل أصبح بالتدريج مألوفا عندهم ونما عندهم الانحراف الجنسي وبلغ عملهم حدّا انّهم تلوّثوا بالآثام من قرنهم الى قدمهم(1) .
وربّما جرّ المزاح غير المناسب بين الذكور او بين الإناث الى هذا الانحراف ، فعلى كل حال ، ينبغي ملاحظة هذه المسائل بدقة انقاذ المنحرفين والملوّثين بهذا الذنب بسرعة ، ويطلب من الله التوفيق في هذا السبيل.
ونقرا في الرّوايات والتواريخ الاسلامية اعمالا سيئة كانت عند قوم لوط سوى الانحراف الجنسي المشار اليه ، ومن هذه الأعمال ما ورد في «سفينة البحار» حيث نقرا ما يلي : قبل كانت مجالسهم ، تشتمل على انواع المناكير مثل الشتم والسخف والصفع والقمار وضرب المخراق وخذف الأحجار على من مرّ بهم ، وضرب المعازف والمزامير وكشف العورات(2) .
وواضح انّ الانحراف في مثل هذه البيئة واعمال السوء تأخذ ابعادا جديدة كل يوم ، وبغض النظر عن قبح الأعمال السيئة ـ أساسا ـ تبلغ الحال درجة لا يرى عندها اي عمل في نظر تلك البيئة سيّئا او منكرا.
ويوجد في عصر تقدم العلوم من هم أشقى من قوم لوط حيث يسلكون نفس ذلك السبيل وقد تصل اعمال هؤلاء المخزية الى درجة ننسى عندها اعمال قوم لوط
* * *
__________________
(1) البحار ، ج 12 ، ص 147.
(2) سفينة البحار ، ص 517.
الآيات
( وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) )
التّفسير
مع انتهاء قصّة قوم لوط تصل النوبة الى قوم شعيب واهل مدين ، أولئك الذين حادوا عن طريق التوحيد وهاموا على وجوههم في شركهم وعبادة الأصنام ، ولم يعبدوا الأصنام فحسب ، بل الدّرهم والدينار والثروة والمال ، ومن اجل ذلك فإنّهم لوثوا تجارتهم الرابحة وكسبهم الوفير بالغش والبخس والفساد.
في بداية القصّة تقول الآيات( وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً ) وكلمة «أخاهم» كما أشرنا إليها سابقا تستعمل في مثل هذا التعبير لبيان منتهى المحبّة من قبل
الأنبياء لقومهم ، لا لانّهم افراد قبيلته وقومه فحسب ، بل اضافة الى ذلك فإنّه يريد الخير لهم. ويتحرق قلبه عليهم ، فمثله مثل الأخ الودود.
و «مدين» على وزن «مريم» اسم لمدينة شعيب وقبيلته ، وتقع المدينة شرق خليج العقبة ، وأهلها من أبناء إسماعيل ، وكانوا يتاجرون مع اهل مصر ولبنان وفلسطين.
ويطلق اليوم على مدينة «مدين» اسم «معّان» ولكن بعض الجغرافيين أطلقوا اسم مدين على الساكنين بين خليج العقبة وجبل سيناء.
وورد في التوراة ايضا اسم «مديان» ولكن تسمية لبعض القبائل ، وطبيعي انّ اطلاق الاسم على المدينة وأهلها امر رائج(1) .
هذا النّبي وهذا الأخ الودود المشفق على قومه ـ كأي نبيّ في أسلوبه وطريقته في بداية الدعوة ـ دعاهم اوّلا الى ما هو الأساس والعماد والمعتقد وهو «التوحيد» وقال :( يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ) .
لانّ الدعوة الى التوحيد دعوة الى هزيمة جميع «الطواغيت» والسنن الجاهلية ولا يتيسر ايّ إصلاح اجتماعي او اخلاقي بدونه.
ثمّ أشار الى احد المفاسد الاقتصادية التي هي من افرازات عبادة الأصنام والشرك ، وكانت رائجة عند اهل مدين يومئذ جدّا ، وقال :( وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ ) اي حال البيع والشراء.
و «المكيال» و «الميزان» من أدوات الوزن يعرف بهما وزن المبيع ومقداره ، ونقصانه يعني عدم إيفاء حقوق الناس والبخس في البيع.
ورواج هذين الأمرين بينهم يدل على عدم النظم والحساب والميزان في اعمالهم ونموذجا للظلم والجور والإجحاف في ذلك المجتمع الثري.
ويشير هذا النّبي العظيم بعد هذا الأمر الى علّتين :
__________________
(1) أعلام القرآن ، ص 573.
العلّة الاولى : هي قوله( إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ ) .
يقول اوّلا : انّ قبول نصحي يكون سببا لتفتح أبواب الخير عليكم وتقديم التجارة وهبوط سطح القيمة واستقرار المجتمع.
ويحتمل ايضا في تفسير هذه الجملة( إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ ) انّ شعيبا يقول لهم : انّي أراكم منعمين وفي خير كثير ، فعلى هذا لا مدعاة لعبادة الأصنام واضاعة حقوق الناس والكفر بدلا من الشكر على نعم الله سبحانه.
وثانيا :( وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ) بسبب إصراركم على الشرك والتطفيف في الوزن وكفران النعمة إلخ.
وكلمة «محيط» جاءت صفة ليوم ، اي يوم شامل ذو احاطة ، وشمول اليوم يعني شمول العذاب والعقاب في ذلك اليوم ، وهذا التعبير فيه اشارة الى عذاب الآخرة كما يشير الى عقاب الدنيا الشامل.
فعلى هذا لا أنتم بحاجة الى مثل هذه الأعمال ، ولا ربّكم غافل عنكم ، فينبغي إصلاح أنفسكم عاجلا.
والآية الاخرى تؤكّد على نظامهم الاقتصادي ، فإذا كان شعيب قد نهى قومه عن قلّة البيع والبخس في المكيال ، فهنا يدعوهم الى إيفاء الحقوق والعدل والقسط حيث يقول :( وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ ) .
ويجب ان يحكم هذا الأصل «وهو اقامة القسط والعدل ، وإعطاء كل ذي حقّ حقه» على مجتمعكم بأسره.
ثمّ يخطو خطوة أوسع ويقول :( وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ) و «البخس» ومعناه في اللغة التقليل ، وجاء هنا بمعنى الظلم ايضا. ويطلق على الاراضي المزروعة دون سقي «انّها بخس» لانّ ماءها قليل ، حيث تعتمد على ماء المطر فحسب ، او انّ هذه الاراضي قليلة الانتاج بالنسبة الى الاراضي الزراعية الاخرى.
وإذا توسعنا في معنى هذه الكلمة ومفهوم الجملة وجدناها دعوة الى رعاية جميع الحقوق الفردية والاجتماعية ولجميع الملل والنحل ، ويظهر «بخس الحق» في كل محيط وعصر وزمان بشكل معين حتى بالمساعدة دون عوض أحيانا ، والتعاون وإعطاء قرض معين (كما هي طريقة المستعمرين في عصرنا).
ونجد في نهاية الآية انّ شعيبا يخطو خطوة اخرى أوسع ويقول لقومه :( وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) .
فالفساد يقع عن طريق البيع ويقع عن طريق غصب حقوق الناس والاعتداء على حقوق الآخرين ، والفساد ايضا يقع في الإخلال بالموازين والمقاييس الاجتماعيّة ، ويقع ايضا ببخس الناس أشياءهم وأموالهم ، وأخيرا يقع الفساد على الحيثيات بالاعتداء على حرمتها وعلى النواميس وأرواح الناس.
وجملة «لا تعثوا» معناها «لا تفسدوا» بدلالة ذكر مفسدين بعدها لمزيد التوكيد على هذا الموضوع.
انّ الآيتين المتقدمتين تعكسان هذه الواقعية بجلاء ، وهي انّه بعد الاعتقاد بالتوحيد والنظر الفكري الصحيح ، ينظر الى الاقتصاد السليم بأهمية خاصّة ، كما تدلّان على انّ الإخلال بالنظام الاقتصادي سيكون أساسا للفساد الوسيع في المجتمع.
ثمّ يخبرهم انّ زيادة الثروة ـ التي تصل الى أيديكم عن طريق الظلم واستثمار الآخرين ـ ليست هي السبب في غناكم ، بل ما يغنيكم هو( بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) .
التعبير بـ «بَقِيَّتُ اللهِ » امّا لانّ الربح الحلال القليل المترشح عن امر الله فهو «بَقِيَّتُ اللهِ » وامّا لانّ الحصول على الرزق الحلال باعث على دوام نعم الله وبقاء البركات وامّا لانّه يشير الى الجزاء والثواب المعنوي الذي يبقى الى الأبد. فإنّ الدنيا فانية وما فيها لا محاله فان ، وتشير الآية (46) من سورة الكهف :( وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ) الى هذا المضمون ايضا. والتعبير
بقوله :( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) اشارة الى انّ هذه الواقعية لا يعرفها الّا المؤمنون بالله وحكمته وفلسفة أوامره.
ونقرا في روايات متعددة في تفسير( بَقِيَّتُ اللهِ ) انّ المراد بها وجود المهدي عجّل الله فرجه الشريف ، او بعض الائمّة الآخرين ، ومن هذه الرّوايات ما نقل عن الامام الباقرعليهالسلام في كتاب إكمال الدين : «اوّل ما ينطق به القائمعليهالسلام حين يخرج هذه الآية( بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ثمّ يقول : انا بقية الله وحجّته وخليفته عليكم ، فلا يسلّم عليه مسلم الّا قال : السّلام عليك يا بقية الله في ارضه»(1) .
وقد قلنا مرارا انّ آيات القرآن بالرغم من نزولها في موارد خاصّة ، الّا انّها تحمل مفاهيم جامعة وكلية ، بحيث يمكن ان تكون اثر مصداقا في العصور والقرون التالية وتنطبق على مجال أوسع ايضا.
صحيح انّ المخاطبين في الآية المتقدمة هم قوم شعيب ، والمراد من( بَقِيَّتُ اللهِ ) هو الربح وراس المال الحلال او الثواب الالهي ، الّا انّ كل موجود نافع باق من قبل الله للبشرية ، ويكون أساس سعادتها وخيرها يعدّ «بَقِيَّتُ اللهِ » ايضا.
فجميع أنبياء الله ورسله المكرمين هم «بَقِيَّتُ اللهِ » وجميع القادة الحقّ الذين يبقون بعد الجهاد المرير في وجه الأعداء فوجودهم في الامّة يعدّ «بَقِيَّتُ اللهِ » وكذلك الجنود المقاتلون إذا عادوا الى ذويهم من ميدان القتال بعد انتصاهم على الأعداء فهم «بَقِيَّتُ اللهِ » ومن هنا فإنّ «المهدي الموعود»عليهالسلام آخر امام وأعظم قائد ثوري بعد النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من اجلى مصاديق «بَقِيَّتُ اللهِ » وهو أجدر من سواه بهذا اللقب ، خاصّة انّه الوحيد الذي بقي بعد الأنبياء والائمّةعليهمالسلام .
وفي نهاية الآية ـ محل البحث ـ نقرا على لسان شعيب( وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ) إذ وظيفته هي البلاغ وليس مسئولا على «إجبار» احد ابدا.
* * *
__________________
(1) نقلا عن تفسير الصافي ، في شرح المتقدمة.
الآيات
( قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) )
التّفسير
والآن فلنر ما كان ردّ القوم اللجوجين إزاء نداء هذا المصلح السّماوي «شعيب».
فبما انّهم كانوا يتصورون انّ عبادة الأصنام من آثار سلفهم الصالح ، ودلالة على اصالة ثقافتهم ، وكانوا لا يرفعون اليد عن الغش في المعاملة وتحقيق الربح الوفير عن هذا الطريق( قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا ) ونترك حريتنا في التصرف بأموالنا فلا نستطيع الاستفادة منها( أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا ) ان هذا بعيد منك( إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ) ؟!
وهنا ينقدح هذا السؤال وهم لم سألوه عن الصلاة وأظهروا اهتمامهم بها؟! قال بعض المفسّرين : كان ذلك لانّ شعيبا كان يكثر من صلاته ويقول للناس : انّ الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكرات.
ولكن هؤلاء الأغبياء الذين لم يعرفوا السرّ والعلاقة بين الصلاة وترك المنكرات ، كانوا يسخرون من شعيب وكانوا يقولون له : أهذه الاذكار والأوراد والحركات التي تقوم بها تأمرك ان نترك ما يعبد آباؤنا ونهمل سنّة السلف وثقافتنا التقليدية او ان نسلب اختيارنا من التصرف بأموالنا كيف شئنا؟!
واحتمل البعض انّ «الصلاة» اشارة الى العقيدة والدين ، لانّها عبارة عن المظهر البارز للدين.
وعلى كل حال لو كان أولئك يفكرون جيدا لادركوا هذا الأمر الواقعي وهو انّ الصلاة توقظ في الإنسان الاحساس بالمسؤولية والتقوى ومخافة الله ومعرفة الحقوق ، وتذكره بالله وبمحكمة عدل الله ، وتنفض عن قلبه غبار حبّ الذات وعبادة الذات! وتصرفه عن هذه الدنيا المحدودة والملوّثة الى عالم ما وراء الطبيعة ، الى عالم الصالحات وتزكية النفس ، ولذلك فهي تخلّصه من الشرك وعبادة الأصنام والتقليد الأعمى للسلف الجاهل وبخس الناس أشياءهم ، وعن انواع الغش والخداع إلخ.
كما ينقدح هنا سؤال آخر ، وهو : انّ قولهم لشعيب( إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ
الرَّشِيدُ ) هل كان كلاما واقعيا من منطلق الايمان به ، ام هو على سبيل الاستهزاء والسخرية؟!
احتمل المفسّرون الوجهين ولكن مع ملاحظة أسلوب سؤالهم( أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ ) الذي يستبطن الاستهزاء ، يظهر انّ هذه الجملة على نحو الاستهزاء ، وهي اشارة الى انّ الإنسان الحليم الرشيد هو من لم يتعجل القول او الراي في امر دون ان يسبر غوره ويعرف كنهه ، والإنسان العاقل الرشيد هو من لم يسحق سنن قومه تحت رجليه ويسلب حريتهم في التصرف بأموالهم ، فيظهر انّك لم تسبر غور الأمور وليس لديك عقل حصيف وفكر عميق ، لانّ الفكر العميق والعقل يوجبان على الإنسان الّا يرفع يده عن طريقة السلف ، ولا يسلب من الآخرين الاختيار وحرية العمل.
ولكن شعيبا ردّ على من اتّهمه بالسفه وقلّة العقل بكلام متين و( قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ) (1) .
انّه يريد ان يفهم قومه انّ في عمله هذا هدفا معنويا وانسانيا وتربويا ، وانّه يعرف حقائق لا يعرفها قومه ، والإنسان دائما عدوّ ما جهل.
ومن الطريف انّه في هذه الآيات يكرر عبارة( يا قَوْمِ ) وذلك ليعبّئ عواطفهم لقبول الحق وليشعرهم بأنّهم منه وانّه منهم ، سواء أكان المقصود بالقوم القبيلة او الطائفة او الجماعة او الاسرة ، ام كان المقصود الجماعة التي كان يعيش وسطهم ويعدّ جزءا منهم.
ثمّ يضيف هذا النّبي العظيم قائلا :( وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ ) فلا تتصوروا انني أقول لكم لا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تنقصوا المكيال ، وانا ابخس الناس او انقص المكيال ، او أقول لكم لا تعبدوا الأوثان وانا افعل
__________________
(1) ينبغي الالتفات الى انّ جزاء الجملة الشرطية محذوف هنا وتقديره هكذا ، أفأعدل مع ذلك عمّا انا عليه من عبادته وتبليغ دينه.
ذلك كلّه ، كلا فإنّني لا افعل شيئا من ذلك ابدا.
ويستفاد من هذه الجملة انّهم كانوا يتهمون شعيبا بأنّه كان يريد الربح لنفسه ، ولهذا فهو ينفي هذا الموضوع صراحة ويقول تعقيبا على ما سبق( إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ) .
وهذا هو هدف الأنبياء جميعا ، حيث كانوا يسعون الى إصلاح العقيدة ، وإصلاح الأخلاق ، وإصلاح العمل ، وإصلاح العلائق والروابط الاجتماعية وانظمتها( وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ ) للوصول الى هذا الهدف.
وعلى هذا فإنني ، ولأجل أداء رسالتي والوصول الى هذا الهدف الكبير( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) .
وأسعى للاستعانة به على حل المشاكل ، وأتوكل عليه في تحمّل الشدائد في هذا الطريق ، وأعود اليه ايضا.
ثمّ ينبههم الى مسألة أخلاقية ، وهي انّه كثيرا ما يحدث للإنسان انّه لا يعرف مصالحه وينسى مصيره ، وذلك بسبب بغضه وعدائه بالنسبة لشخص آخر او التعصب الأعمى واللجاجة في شيء ما ، فيقول لهم( وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي ) فتبتلوا بما ابتلى به غيركم و( أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ ) وما حدث لقوم لوط من البلاء العظيم حيث امطرهم الله بحجارة من سجيل منضود وقلب مدنهم فجعل عاليها سافلها( وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ) فلا زمانهم بعيد عنكم كثيرا ، ولا مكان حياتهم ، كما انّ اعمالكم وذنوبكم لا تقل عن اعمالهم وذنوبهم ايضا.
و «مدين» التي كانت موطن شعيب لم تكن بعيدة عن موطن قوم لوط ، لانّ الموطنين كلاهما كانا من مناطق «الشامات» وإذا كان بينهما فاصل زمني ، فلم يكن الفاصل بالمقدار الذي يستدعي نسيان تأريخه ، وامّا من الناحية العملية فالفرق كبير بين الانحراف الجنسي الذي كان عليه قوم لوط والانحراف
الاقتصادي الذي كان عليه قوم شعيب ، لكن كليهما يتشابهان في توليد الفساد في المجتمع والإخلال بالنظام الاجتماعي واماتة الفضائل الخلقية واشاعة الانحراف ، ومن هنا نجد في الرّوايات أحيانا مقارنة الدرهم الربوي المرتبط ـ بالطبع ـ بالمسائل الاقتصادية بالزنا الذي هو تلوّث جنسي(1) .
ثمّ يأمر شعيب قومه الضالين بشيئين هما في الواقع ما كان يؤكّد عليه جميع الأنبياء المتقدمين.
الاوّل : قوله :( وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ) اي لتطهروا من الذنوب وتجتنبوا الشرك وعبادة الأوثان والخيانة في المعاملات.
والثّاني : قوله :( ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) اي ارجعوا اليه.
والواقع انّ الاستغفار توقف في مسير الذنب وغسل النفس ، والتوبة عودة الى الله الكمال المطلق.
واعلموا انّه مهما يكن الذنب عظيما والوزر ثقيلا فإنّ طريق العودة اليه تعالى مفتوح وذلك لانّ( رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ) .
وكلمة «الودود» صيغة مبالغة مشتقّة من الود ومعناه المحبّة ، وذكر هذه الكلمة بعد كلمة «رحيم» اشارة الى انّ الله يلتفت بحكم رحمته الى المذنبين التائبين ، بل هو اضافة الى ذلك يحبّهم كثيرا لانّ رحمته ومحبته هما الدافع لقبول الاستغفار وتوبة العباد.
* * *
__________________
(1) ينبغي ذكر هذه المسألة ايضا وهي انّ جملة( لا يَجْرِمَنَّكُمْ ) ذات احتمالين :
الاوّل : بمعنى لا يحملنكم ، ففي هذه الصورة تكون على النحو التالي لا يجرمن فعل و (شقاقي) فاعله ، و «كم» الضمير المتصل بالفعل مفعول به اوّل و( أَنْ يُصِيبَكُمْ ) مصدر مؤول مفعول ثان فيكون معنى الآية : يا قوم لا يحملنكم شقاقي (مخالفتكم اياي) ان يصيبكم مصير كمصير قوم نوح وأمثالهم من الأقوام المذكورين.
الاحتمال الثّاني : انّ( لا يَجْرِمَنَّكُمْ ) اي لا يجرنكم الى الذنب والاجرام ، ففي هذه الصورة تكون الجملة على النحو التالي ، و «لا يجرمن» فعل و «شقاقي» فاعله و «كم» مفعوله و «انى يصيبكم» نتيجته ، ويكون معنى الآية كما ذكرناه في المتن.
الآيات
( قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (91) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) )
التّفسير
انّ شعيبا هذا النّبي العظيم الذي لقّب بخطيب الأنبياء(1) لخطبة المعروفة والواضحة ، والتي كانت أفضل دليل أمين للحياة المادّية والمعنوية لهذه الجماعة ، واصل محاججته لقومه بالصبر والاناة والقلب المحترق ، ولكن تعالوا لنرى كيف ردّ عليه هؤلاء القوم الضالون؟! لقد أجابوه بأربع جمل كلّها تحكي عن جهلهم ولجاجتهم :
__________________
(1) سفينة البحار ، مادة : شعيب.
فأوّلها : انّهم قالوا :( يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ ) فكلامك أساسا ليس فيه اوّل ولا آخر ، وليس فيه محتوى ولا منطق قيم لنفكر فيه ونتدبره وليس لديك شيء نجعله ملاكا لعملنا ، فلا ترهق نفسك اكثر! وامض الى قوم غيرنا
والثّانية : قولهم( وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً ) فإذا كنت تتصور انّك تستطيع اثبات كلماتك غير المنطقية بالقدرة والقوّة فأنت غارق في الوهم.
والثّالثة : هي انّه لا تظنّ انّنا نتردد في القضاء عليك بأبشع صورة خوفا منك ومن بأسك ، ولكن احترامنا لعشيرتك هو الذي يمنعنا من ذلك( وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ ) !
والطريف انّهم عبّروا عن قبيلة شعيب : بـ «الرّهط» وهذه الكلمة تطلق في لغة العرب على الجماعة التي مجموع أنصارها ثلاثة الى سبعة ، او عشرة ، او على قول. وهو الحدّ الأكثر ـ تطلق على أربعين نفرا.
وهم يشيرون بذلك الى انّ قبيلتك تتمتع بالقوة الكافية مقابل قوتنا ، ولكن تمنعنا امور اخرى ، وهذا يشبه قول القائل : لو لا هؤلاء الاربعة من قومك وأسرتك لأعطيناك جزاءك بيدك. في حين انّ قومه وأسرته ليسوا بأربعة ، بل المراد بيان هذه المسألة ، وهي انّهم لا اهمية لقدرتهم في نظر القائل.
وقولهم الأخير :( وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ) فمهما كانت منزلتك في عشيرتك ، ومهما كنت كبيرا في قبيلتك الّا انّه لا منزلة لك عندنا لسلوكك المخالف والمرفوض.
ولكنّ شعيبا دون ان يتأثر بكلماتهم الرخيصة واتهاماتهم الواهية أجابهم بمنطقه العذب وبيانه الشائق متعجبا وقال :( يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ ) أفتذروني من اجل رهطي وقبيلتي التي لا تتجاوز عدّة انفار ولا ينالني منكم سوء ، فلم لا تصغون لكلامي في الله؟ وهل يمكن ان نقارن عدّة افراد بعظمة الله
سبحانه وأنتم لم تهابوه وتوقّروه( وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا ) (1) .
وفي الختام يقول لهم : لا تظنوا انّ الله غافل عنكم او انّه لا يرى اعمالكم ولا يسمع كلامكم ، بل( إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) .
انّ المتحدّث البليغ هو من يستطيع ان يعرّف موقفه من بين جميع المواقف الى الطرف المقابل ويشخصه من خلال أحاديثه.
فحيث انّ المشركين من قوم شعيب هددوه في آخر كلامهم بالرجم ، وابرزوا قوتهم امامه ، كان موقف شعيب من تهديداتهم على النحو التالي :( وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ (2) إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ (وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ) (3) . اي انتظروا لتنتصروا عليّ بقواكم وجماعتكم وأموالكم ، وانا منتظر ايضا ان يصيبكم الله بعذابه ويهلككم جميعا.
* * *
__________________
(1) هناك في اللغة العربية أسلوب يستعمل عند عدم الاعتناء بشيء ما وذلك على نحو الكناية فيقال مثلا «جعلته تحت قدمي» او يقال مثلا «جعلته دبر اذني» او «جعلته وراء ظهري» او «جعلته ظهريا» و «الظهر» على زنة «قهر» ، والياء بعده ياء النسبة وانّما كسرت الظاء فذلك لما يطرأ على الاسم المنسوب من تغيرات.
(2) المكانة : مصدر او اسم مصدر ومعناه القدرة على الشيء.
(3) الرقيب : معناه الحافظ والمراقب وهو مشتق في الأصل من الرقبة وانّما سمّي بذلك لانّه يكون حافظا على رقبة شخص ما «كناية عن انّه مراقب على روحه» او يحرك الرقبة ليؤدي دور الرقابة والحفظ.
الآيتان
( وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) )
التّفسير
قرانا في قصص الأقوام السابقين مرارا ، انّ الأنبياء كانوا في المرحلة الاولى يدعونهم الى الله ولم يألوا جهدا في النصيحة والإبلاغ وبيان الحجّة ، وفي المرحلة التي بعدها حيث لم ينفع النصح للجماعة ينذرها نبيّها ويخوّفها من عذاب الله ، ليعود الى طريق الحق من فيه الاستعداد ولتتم الحجّة عليهم ، وفي المرحلة الثّالثة ، وبعد ان لم يغن اي شيء ممّا سبق ـ تبدا مرحلة التصفية وتطهير الأرض ، وينزل العقاب فيزيل الأشواك من الطريق.
وفي شأن قوم شعيب ـ اي اهل مدين ـ وصل الأمر الى المرحلة النهائية ايضا ، إذ يقول القرآن الكريم فيهم :( وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا
مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ) .
«الصيحة» كما قلنا سابقا معناها في اللغة كل صوت عظيم ، والقرآن الكريم يحكي عن هلاك أقوام متعددين بالصيحة السّماوية ، هذه الصيحة يحتمل ان تكون صاعقة من السّماء او ما شابهها ، وكما بينا في قصّة ثمود «قوم هود» قد تبلغ الأمواج الصوتية حدّا بحيث تكون سببا لهلاك جماعة من الناس.
ثمّ يعقّب القرآن فيقول :( فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ) اي : أجسادا هامدة بلا روح ، لتبقى أجسادهم هناك عبرة لمن اعتبر وهكذا طوي سجلّ وطومار حياتهم( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ) . وانطفأ بريق كل شيء ، فلا ثروة ولا قصور ولا ظلم ولا زينة كل ذلك تلاشى وانعدم.
وكما كانت نهاية عاد وثمود ـ وقد حكى عنهما القرآن ـ فهو يقول عن نهاية مدين ايضا( أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ) .
وواضح انّ المقصود من كلمة «مدين» اهل مدين الذين كانوا بعيدين عن رحمة الله وكانوا من الهالكين.
انّ أفكار الأنبياء والوقائع التي جرت للأقوام السابقة تستلهم منها الأجيال التي بعدها ، لانّ تجارب حياة أولئك الأقوام هي التي تمخضت عن عشرات السنين او مئات السنين ثمّ نقلت إلينا في عدّة صفحات من «التاريخ» وكل فرد منّا يستطيع ان يستلهم العبر في حياته.
قصّة هذا النّبي العظيم «شعيب» فيها دروس كثيرة ، ومن هذه الدروس ما يلي :
قرانا في هذه القصّة انّ شعيبا دعا قومه بعد التوحيد الى الحق والعدالة في الأمور المالية والتجارية ، وهذا نفسه يدل على انّ المسائل الاقتصادية في المجتمع لا يمكن تجاوزها وتهميشها. كما يدل على انّ الأنبياء لم يؤمروا بالمسائل الاخلاقية فحسب ، بل كانت دعوتهم تشكل «الإصلاح» إصلاح الوضع الاجتماعي غير الجيد ، وإصلاح الوضع الاقتصادي كذلك ، حيث كانت هذه الأمور من أهم الأمور ـ عند الأنبياء ـ بعد التوحيد.
كما قرانا في هذه القصّة فإنّ احد العوامل التي دعت الى سقوط هؤلاء في احضان الشقاء انّهم نسوا الحقائق لحقدهم وعدائهم الشخصي ، في حين انّ الإنسان العاقل والواقعي ينبغي ان يتقبل الحق من كل احد حتى ولو كان من عدوّه.
لقد سأل شعيبا قومه( أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا ) وان نترك الغش وعدم إيفاء الميزان حقّه. فلعلهم كانوا يتصورون متسائلين : انّ هذه الاذكار والادعية ما عسى ان تؤثر في هذه الأمور؟ على حين انّنا نعرف ان أقوى علاقة ورابطة هي العلاقة الموجودة بين الصلاة وهذه الأمور ، فإذا كانت الصلاة بمعناها الواقعي اي مع حضور الإنسان بجميع وجوده امام الله فإنّ هذا الحضور معراج التكامل وسلّم الصعود في تربية روحه ونفسه ، والمطهّر لصدإ ذنوبه ورين قلبه وهذا الحضور يقوّي ارادته ويجعل عزمه راسخا وينزع عنه غروره وكبرياءه.
لقد كان قوم شعيب ـ كما عرفنا في الآيات السابقة ـ افرادا انانيين و «ذاتيين» إذ كانوا يتصورون أنفسهم ذوي فهم ، وانّ شعيبا يجهل الأمور!! وكانوا يسخرون منه ويعدّون كلامه بلا محتوى ويرونه ضعيفا ، وهذه النظرة الضيقة والانانية صيّرت سماء حياتهم مظلمة ورمت بهم الى هاوية الهلاك.
ليس الإنسان وحده ـ بل حتى الحيوان ـ إذا كان «انانيّا» ذا نظرة ضيقة فإنّه سيتوقف في الطريق!!
يقال انّ فارسا وصل الى نهر وأراد عبوره ولكنّه لاحظ بتعجب انّ الفرس غير مستعدّة ان تعبر النهر الصغير والقليل العمق ، وكلما الحّ على الفرس لكي تعبر لم يفلح ، فمرّ به رجل حكيم ، فقال له : حرّك ماء النهر ليذهب فإنّ المشكلة ستنحلّ. ففعل ذلك فعبرت الفرس النهر بكل هدوء!! فسأل الحكيم عن السرّ في ذلك ، فقال : حين كان الماء صافيا كانت صورة الفرس في الماء فلم يرق للفرس ان تطأ نفسها ، وحين اختلط الماء بالطين ذهبت الصورة ونسيت الفرس صورتها فعبرت بكل بساطة!
لا يزال الكثيرون يتصورون انه يمكن للمسلم ان يكون بالعقيدة وحدها مسلما حتى وان يقم بأيّ عمل ، وما يزال الكثيرون يريدون من الدين الّا يكون مانعا لرغباتهم وميولهم ، ويريدون ان يكونوا أحرارا بوجه مطلق.
قصّة شعيب تدلنا على انّ قومه كانوا يريدون مثل هذا المنهج ، لذلك كانوا يقولون له : نحن غير مستعدين ان نترك ما كان عليه السلف من عبادة الأصنام ، ولا نفقد حريتنا في التصرف بأموالنا ما نشاء.
لقد نسي أولئك انّ ثمرة شجرة الايمان ـ أساسا ـ هي العمل ، وكان نهج
الأنبياء ان يصلحوا الانحرافات العمليّة للإنسان ويسددوا خطواته ، والّا فإنّ شجرة بلا ثمر وورق وفائدة عملية لا تستحق الّا ان تحرق!
نحن اليوم ـ وللأسف ـ نرى بعض المسلمين قد غلب عليهم هذا الطراز من الفكر ، وهو انّ الإسلام عبارة عن عقائد جافّة لا تتعدّى حدود المسجد ، فما داموا في المسجد فهي معهم ، وإذا خرجوا ودّعوها فيه!! فلا تجد أثرا لاسلامهم في السوق او الادارات او المحيط.
انّ السير في كثير من الدول الاسلامية ـ حتى الدول التي كانت مركزا لانتشار الإسلام ـ يكشف لنا هذا الواقع المرير ، وهو انّ الإسلام منحصر في حفنة من «الاعتقادات وعدد من العبادات عديمة الروح» لا تجد فيها أثرا عن المعرفة والعدالة الاجتماعية والنمو الثقافي والأخلاق الاسلاميّة ولكن ـ لحسن الحظ ـ نرى في ضمن هذه الصحوة الاسلامية ولا سيما بين الشباب تحرّك نحو الإسلام الصحيح والممازجة بين الايمان والعمل ، فلا تكاد تسمع في هذا الوسط مثل هذا الكلام «ما علاقة الإسلام بأعمالنا؟!» او انّ «الإسلام مرتبط بالقلب لا بالحياة والمعاش» وما الى ذلك.
الاطروحة التي نسمعها من بعض المنحرفين بقولهم : نحن نستوحي عقيدتنا من الإسلام واقتصادنا من ماركس ، هي شبيهة بطريقة تفكير قوم شعيب الضالين وهي محكومة مثلها ايضا ، ولكن هذا الانفصال او التفرقة بين العمل والايمان كان موجودا منذ القدم ولا يزال ، وينبغي ان نكافح مثل هذا التفكير!
لقد كان قوم شعيب واقعين في مثل هذا الخطأ حيث كانوا يتصورون انّه من الخطأ القول بتحديد التصرف بالأموال من قبل مالكيها ، ولذلك تعجبوا من شعيب وقالوا له : امثلك وأنت الحليم الرشيد يمنعنا من التصرف بأموالنا ويسلب حريتنا
منها ، انّ هذا الكلام سواء كان على نحو الحقيقة والواقع ، ام كان على نحو الاستهزاء ، يدلّ على انّهم كانوا يرون تحديد التصرّف بالمال دليلا على عدم العقل والدارية.
في حين انّهم كانوا على خطأ كبير في تصورهم هذا إذ لو كان الناس أحرارا في التصرّف بأموالهم لعمّ المجتمع الفساد والشقاء ، فيجب ان تكون الأمور المالية تحت ضوابط صحيحة ومحسوبة كما عرضها الأنبياء على الناس ، والّا فستجرّ الحرية المطلقة المجتمع نحو الانحراف والفساد.
لم يكن هذا الشعار :( إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ ) شعار شعيب فحسب ، بل هو شعار جميع الأنبياء وكل القادة المخلصين ، وانّ اعمالهم وأقوالهم شواهد على هذا الهدف. فهم لم يأتوا لاشعار الناس ، ولا لغفران الذنوب ، ولا لبيع الجنّة ، ولا لحماية الأقوياء وتخدير الضعفاء من الناس ، بل كان هدفهم الإصلاح بالمعنى المطلق والوسيع للكلمة الإصلاح في الفكر ، الإصلاح في الأخلاق ، الإصلاح في النظم الثقافية والاقتصادية والسياسيّة للمجتمع ، والإصلاح في جميع ابعاد المجتمع.
وكان اعتمادهم ودعامتهم على تحقق هذا الهدف هو الله فحسب ولهذا لم يخافوا من التهديدات والمؤامرات كما قال شعيب( وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) .
* * *
الآيات
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (96) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99) )
التّفسير
بعد انتهاء قصّة شعيب واهل مدين ، يشير القرآن الكريم الى زاوية من قصّة موسى ومواجهته لفرعون وهذه القصّة هي القصّة السابعة من قصص الأنبياء في هذه السورة.
تحدث القرآن الكريم عن قصّة موسىعليهالسلام وفرعون وبني إسرائيل اكثر من مائة مرّة.
وخصوصية قصّة موسىعليهالسلام بالنسبة لقصص الأنبياء ـ كشعيب وصالح وهود ولوطعليهمالسلام التي قرأناها في ما سبق ـ هي انّ أولئك الأنبياءعليهمالسلام واجهوا الأقوام الضالين ، لكن موسىعليهالسلام واجه اضافة الى ذلك حكومة «ديكتاتور» طاغ مستبدّ
هو فرعون الجبار.
وأساسا فإنّ الإصلاح ينبغي ان يبدأ من الأصل والمنبع ، وطالما هناك حكومات فاسدة فلن يبصر اي مجتمع وجه السعادة ، وعلى القادة الإلهيين في مثل هذه المجتمعات ان يدمروا مراكز الفساد قبل كل شيء.
ولكن ينبغي الالتفات الى انّنا نقرا في هذا القسم من قصّة موسى زاوية صغيرة فحسب ولكنّها في الوقت ذاته تحمل رسالة كبيرة للناس جميعا.
يقول القرآن الكريم اوّلا :( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ) .
«السلطان» بمعنى التسلّط ، يستعمل تارة في السلطة الظاهرية ، وأحيانا في السلطة المنطقية ، السلطة التي تحاصر المخالف في طريق مسدود بحيث لا يجد طريقا للفرار.
ويبدو في الآية المتقدمة انّ «السلطان» استعمل في المعنى الثّاني ، والمراد بـ «الآيات» هي معاجز موسى الجليلة ، وللمفسرين احتمالات اخرى في هاتين الكلمتين.
وعلى كل حال فإنّ موسى أرسل بتلك المعجزات القاصمة وذلك المنطق القوي( إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ ) .
وكما قلنا مرارا فإنّ كلمة «الملا» تطلق على الذين يملا مظهرهم العيون بالرّغم من خلوّ المحتوى الداخلي ، وفي منطق القرآن تطلق هذه الكلمة غالبا على الوجوه والاشراف والأعيان الذين يحيطون بالمستكبرين وبالقوى الظالمة الّا انّ جماعة فرعون الذين وجدوا منافعهم مهددة بالخطر بسبب دعوة موسى ، فإنّهم لم يكونوا مستعدين للاستجابة لمنطقه الحق ومعجزاته( فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ) . ولكن فرعون ليس من شأنه هداية الناس الى الحياة السعيدة او ضمان نجاتهم وتكاملهم :( وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) .
انّ هذا نجاح فرعون هذا لم يحصل بسهولة ، فقد استفاد من كل انواع السحر
والخداع والتآمر والقوى لتقدم اهدافه وتحريك الناس ضد موسىعليهالسلام ، ولم يترك في هذا السبيل ايّ نقطة نفسية بعيدة عن النظر ، فتارة كان يقول : انّ موسى( يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ ) .(1)
واخرى كان يقول :( إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ ) .(2) فيحرك مشاعرهم واحاسيسهم المذهبيّة.
وأحيانا كان يتهم موسى ، واخرى كان يهدّده ، وأحيانا يبرز قوّته وشوكته بوجه الناس في مصر ، او يدعي الدهاء في قيادته بما يضمن الخير والصلاح لهم.
ويوم الحشر حين يأتي الناس عرصات القيامة فإنّ زعماؤهم وقادتهم في الدنيا هم الذين سيقودوهم هناك حين يرى فرعون هناك :( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) وبدلا من ان ينقذهم ويخلصهم من حرارة المحشر وعطشه يوصلهم الى جهنم( فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ) فبدلا من ان يسكن عطش اتباعه هناك يحرق وجودهم وبدلا من الارواء يزيدهم ظمأ الى ظمأ.
مع ملاحظة انّ «الورود» في الأصل معناه التحرّك نحو الماء والاقتراب منه ، ولكن الكلمة أطلقت لتشمل الدخول على كل شيء وتوسّع مفهومها.
و «الورد» هو الماء يرده الإنسان ، وقد يأتي بمعنى الورود ايضا.
و «المورود» هو الماء الذي يورد عليه ، فـ «هم» اسم مفعول ، فعلى هذا يكون معنى الجملة بئس الورد والمورود(3) على النحو التالي : النّار بئس ماؤها ماء حين يورد عليه.
ويلزم ذكر هذه المسألة الدقيقة ، وهي انّ العالم بعد الموت ـ كما قلنا سابقا ـ
__________________
(1) الأعراف ، 110.
(2) غافر ، 26.
(3) هذا الجملة من حيث التركيب النحوي يكون اعرابها كالتالي : «بئس» من افعال الذم ، وفاعله «الورد» و «المورود» صفة ، والمخصوص بالذم «النار» التي حذفت من الجملة ، واحتمل البعض انّ المخصوص بالذم هو كلمة «المورود» فعلى هذا لم يحذف من الجملة شيء ، الّا انّ الاوّل أقوى كما يبدو.
عالم «تتجسم فيه اعمالنا وأفعالنا» الدنيوية بمقياس واسع ، فالشقاء والسعادة في ذلك العالم نتيجة اعمالنا في هذه الدنيا ، فالأشخاص الذين كانوا في هذه الدنيا قادة الصلاح يقودون الناس الى الجنّة والسعادة في ذلك العالم ، والذين كانوا قادة للظالمين والضالين واهل النّار يسوقونهم الى جهنم يتقدمونهم هناك!
ثمّ يقول القرآن :( وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ ) . فأسماؤهم الذليلة تثبت على صفحات التاريخ ابدا على انّهم قوم ضالون وجبابرة ، فقد خسروا الدنيا والآخرة وساءت النّار لهم عطاء وجزاء و( بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ) (1) .
و «الرفد» في الأصل معناه الاعانة على القيام بعمل معين ، وإذا أرادوا ان يسندوا شيئا الى شيء آخر عبروا عن ذلك بالرفد ، ثمّ أطلقت هذه الكلمة على العطاء لانّه اعانة من قبل المعطي الى المعطى له!
* * *
__________________
(1) اعراب هذه الجملة كإعراب أختها السابقة.
الآيات
( ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (100) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) )
التّفسير
في آيات هذه السورة تبيان لقصص سبعة أقوام من الأقوام السابقين ولمحات من تأريخ أنبيائهم ، وكل واحد منهم يكشف للإنسان قسما جديرا بالنظر من حياته المليئة بالحوادث ويحمل بين جنبيه دروسا من العبرة للإنسان.
وهنا اشارة الى جميع تلك القصص ، فيتحدث القرآن عن صورة مستجمعة لما مرّ من الحوادث والأنباء حيث يقول :( ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ ) .
وكلمة «قائم» تشير الى المدن والعمارات التي لا تزال باقية من الأقوام السابقين ، كأرض مصر التي كانت مكان الفراعنة ولا تزال آثار أولئك الظالمين باقية بعد الغرق ، فالحدائق والبساتين وكثير من العمارات المذهلة قائمة بعدهم.
وكلمة «حصيد» معناها اللغوي قطع النباتات بالمنجل ، وفي هذه الكلمة اشارة الى بعض الاراضي البائرة ، كأرض قوم نوح وارض قوم لوط ، حيث انّ واحدة منهما دمرها الغرق والثانية أمطرت بالحجارة.
( وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) حيث ركنوا ولجأوا الى الأصنام والآلهة «المزعومة»( فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ) بل زادوهم ضررا وخسرانا( وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ) (1) .
( وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ ) فلا يدعها على حالها و( إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) .
هذا قانون الهي عام ومنهج دائم ، فما من قوم او امّة من الناس يتجاوزون حدود الله ويمدون أيديهم للظلم ولا يكترثون لنصائح أنبيائهم ومواعظهم ، الّا أخذهم الله أخذا شديدا واعتصرتهم قبضة العذاب.
هذه الحقيقة تؤكّد انّ المنهاج السابق منهاج عمومي وسنّة دائمة ، وتستفاد من آيات القرآن بصورة جيدة ، وهي في الواقع إنذار لأهل العالم جميعا : ان لا تظنوا انّكم مستثنون من هذا القانون ، او انّ هذا الحكم مخصوص بالاقوام السابقين.
والطبع فإنّ الظلم بمعناه الواسع يشمل جميع الذنوب ، ووصفت القرية او المدينة بأنّها «ظالمة» مع انّ الوصف ينبغي ان يكون لساكنيها ، فكأنما هناك مسألة دقيقة وهي انّ اهل هذه المدينة انغمسوا في الظلم الى درجة حتى كأنّ المدينة لها أصبحت مغموسة في الظلم ايضا.
__________________
(1) «التتبيب» مشتق من مادة «تبّ» ومعناه الاستمرار في الضرر ، وقد يأتي بمعنى الهلاك ايضا.
وحيث انّ هذا قانون كلّي وعام فإنّ القرآن يقول مباشرة( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ) .
لانّ الدنيا لا تعدّ شيئا إزاء الآخرة ، وجميع ما في الدنيا حقير حتى ثوابها وعقابها ، والعالم الآخر أوسع ـ من جميع النواحي ـ من هذه الدنيا. فالمؤمنين بيوم القيامة يعتبرون لدى مشاهدة واحد من هذه المثل والنماذج في الدنيا ، ويواصلون طريقهم.
وفي ختام الآية اشارة الى وصفين من أوصاف يوم القيامة حيث يقول القرآن( ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ) .
هي اشارة الى انّ القوانين والسنن الالهية كما هي عامّة في هذا العالم ، فإنّ اجتماع الناس في تلك المحكمة الالهية ايضا عام ، وسيكون في زمان واحد ويوم مشهود للجميع يحضره الناس كلّهم ويرونه.
من الطريف هنا انّ الآية تقول( ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ ) ولم تقل «مجموع فيه الناس» وهذا التعبير اشارة الى انّ يوم القيامة ليس ظرفا لاجتماع الناس فحسب ، بل هو هدف يمضي اليه الناس في مسيرهم التكاملي.
ونقرا في الآية (9) من سورة التغابن( يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ) .
وبما انّ البعض قد يتوهم انّ الحديث عن ذلك اليوم لم يحن اجله فهو نسيئة وغير معلوم وقت حلوله ، لهذا فإنّ القرآن يقول مباشرة :( وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ) .
وذلك ايضا لمصلحة واضحة جليّة ليرى الناس ميادين الاختبار والتعلم ، وليتجلى آخر منهج للأنبياء وتظهر آخر حلقة للتكامل الذي يمكن لهذا العالم ان يستوعبها ثمّ تكون النهاية.
والتعبير بكلمة «معدود» اشارة الى قرب يوم القيامة ، لانّ كل شيء يقع تحت
العدّ والحساب فهو محدود وقريب.
والخلاصة انّ تأخير ذلك اليوم لا ينبغي ان يغترّ به الظالمون ، لانّ يوم القيامة وان تأخر فهو آت لا محالة ، وانّ التعبير بتأخره ايضا غير صحيح.
* * *
الآيات
( يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) )
التّفسير
أشير في الآيات المتقدّمة الى مسألة القيامة واجتماع الناس كلّهم في تلك المحكمة العظيمة وهذه الآيات ـ محل البحث ـ بيّنت زاوية من عواقب الناس ومصيرهم في ذلك اليوم ، إذ تقول الآيات اوّلا :( يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) .
قد يتصور أحيانا انّ هذه الآية الدالة على تكلّم الناس في ذلك اليوم بإذن الله ، تنافي الآيات التي تنفي التكلم هناك مطلقا ، كالآية (65) من سورة يس
( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) ، وكالآية (35) من سورة المرسلات حيث نقرا :( هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ) .
ولهذا السبب قال بعض المفسّرين الكبار : انّ التكلم هناك «يوم القيامة» لا مفهوم له أساسا. لانّ التكلم وسيلة لكشف باطن الأشخاص وداخلهم ، ولو كان لدينا احساس نستطيع ان نطّلع به على أفكار كل شخص لم يكن حاجة الى التكلم ابدا.
فعلى هذا لمّا كانت الأسرار وجميع الأشياء تنكشف «يوم القيامة» على حالة «الظهور والبروز» فلا معنى للتكلم أصلا.
وببيان آخر : انّ الدار الآخرة دار مكافأة وجزاء لا دار عمل ، وعلى هذا فلا معنى هناك لاختيار الإنسان وتكلمه حسب رغبته وارادته ، بل هو الإنسان وعمله وما يتعلق به ، فلو أراد التكلم فلا يكون كلامه عن اختيار وارادة وحاكيا عمّا في ضميره كما في الدنيا ، بل كل ما يتكلم به هناك فهو نوع من الانعكاس عن اعماله التي تظهر جليّة ذلك اليوم. اي انّ الكلام هناك ليس كالكلام في الدنيا بحيث يستطيع الإنسان على حسب ميله ان يتكلم صادقا او كاذبا.
وعلى كل حال فإنّ ذلك اليوم هو يوم كشف حقائق الأشياء وعودة الغيب الى الشهود ، ولا شبه له بهذه الدنيا.
ولكن هذا الاستنتاج من الآية المتقدّمة لا ينسجم مع ظاهر الآيات الأخرى في القرآن ، لأنّ القرآن يتحدث عن كثير من كلام المؤمنين والمجرمين والقادة والجبابرة وأتباعهم ، والشيطان والمنخدعين به ، وأهل النّار وأهل الجنّة ، بحيث يدل على انّ هناك كلاما كالكلام في هذه الدنيا أيضا.
حتى انّ بعض الآيات يستفاد منها انّ قسما من المجرمين يكذبون في ردهم على بعض الاسئلة ، كما هو مذكور في سورة الانعام الآيات (22) الى (24) حيث تقول الآيات( وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ
الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ* ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ* انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) .
فعلى هذا ، من المستحسن ان يجاب على السؤال المتعلق بتناقض ظواهر الآيات حول التكلم بما ذكره كثير من المفسّرين ، وهو انّ الناس يقطعون في ذلك اليوم مراحل مختلفة وكل مرحلة لها خصوصياتها ، ففي قسم من المراحل لا يسألون ابدا حتى انّ أفواههم يختم عليها فلا يتكلمون ، وانّما تنطق أعضاء أجسادهم التي حفظت آثار اعمالها بلغة من دون لسان ، وفي المراحل الاخرى يرفع الختم او القفل عن أفواههم ويتكلمون بإذن الله فيعترفون بأخطائهم وذنوبهم ويلوم المخطئون بعضهم بعضا ، بل يحاولون ان يلقوا تبعات أوزارهم على غيرهم.
ويشار في نهاية الآية الى تقسيم الناس جميعا الى طائفتين : طائفة محفوظة ، واخرى بائسة تعيسة( فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ) .
و «السعيد» مشتق من مادة «السعادة» ومعناها توفر اسباب النعمة.
و «الشقي» مشتق من مادة «الشقاء» ومعناه توفر اسباب البلاء والمحنة.
فالسعداء ـ إذا ـ هم الصالحون الذين يتمتعون بأنواع النعم في الجنّة والاشقياءهم المسيئون الذين هم يتقلبون في انواع العذاب والعقاب في جهنم.
وليس هذا الشقاء ـ على كل حال ـ وتلك السعادة سوى نتيجة الأعمال والأقوال والنيّات التي سلفت من الإنسان في الدنيا.
والعجيب ان بعض المفسّرين يتخذون هذه الآية ذريعة لعقيدتهم الباطلة في مجال الجبر ، في حين انّ الآية ليس فيها اقلّ دليل على هذا المعنى ، بل هي تتحدث عن السعداء والأشقياء في يوم القيامة وانهم وصلوا جميعا بأعمالهم الى هذه المرحلة ، ولعلهم توهموا هذه النتيجة من هذه الآية بالخلط بينها وبين بعض الأحاديث التي تتكلم عن شقاء الإنسان او سعادته وهو في بطن امّه قبل الولادة ،
ولكن هذه المسألة ليس هنا مجالها إذ لها قصّة اخرى وحديث طويل.
ثمّ تشرح الآيات حالات السعداء والأشقياء في عبارات موجزة واخّاذة حيث تقول( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ) وتضيف حاكية عن حالهم ايضا :( خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) .
* * *
ملاحظات
أراد البعض ان يثبت من الآيات المتقدمة ـ كما قلنا آنفا ـ كون السعادة والشقاء ذاتيين ، في حين انّ الآيات المتقدمة لا تدل على هذا الأمر فحسب ، بل تثبت بوضوح كون السعادة والشقاء اكتسابيين ، إذ تقول( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا ) او تقول( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا ) فلو كان كل من الشقاء والسعادة ذاتيين لكان ينبغي ان يقال «امّا الأشقياء وامّا السعداء» وما أشبه ذلك التعبير ، ومن هنا يتّضح بطلان ما جاء في تفسير الفخر الرازي ممّا مؤداه : «انّ هذه الآيات تحكم من الآن انّ جماعة في القيامة سعداء وجماعة أشقياء ، ومن حكم الله عليه مثل هذا الحكم ويعلم انه في القيامة امّا شقي أو سعيد ، فمحال عليه ان يغير ذلك والّا للزم ـ في الآية ـ ان يكون ما اخبر الله به كذبا ويكون علمه جهلا!! وهذا محال» فكل ذلك لا أساس له.
وهذا هو الاشكال المعروف على «علم الله» في مسألة الجبر والاختيار والذي أجيب عليه قديما بأنه : إذا لم نرد تحميل افكارنا وآراؤنا المسبقة على آيات القرآن الكريم ، فإنّ مفاهيمها تبدو واضحة ، انّ هذه الآيات تقول :( يَوْمَ
يَأْتِى ) يكون فيه جمع من الناس سعداء من خلال اعمالهم ، وجمع آخر أشقياء بسبب اعمالهم ، والله سبحانه يعلم من الذي اختار طريق السعادة باختياره ، وبإرادته ، ومن الذي خطا خطوات في مسير الشقاء بإرادته. وهذا المعنى يعطي نتيجة معاكسة تماما لما ذكره الرازي حيث انّ الناس إذا كانوا مجبورين على هذا الطريق فإنّ علم الله سيكون جهلا (والعياذ بالله) ، لانّ الجميع اختاروا طريقهم وانتخبوه بإرادتهم ورغبتهم.
الشاهد في الكلام انّ الآيات المتقدمة تتحدث عن قصص الأقوام السابقين ، حيث عوقبت عقابا جماعة عظيمة منهم ـ بسبب ظلمهم وانحرافهم عن جادة الحق والعدل ، وبسبب التلوث بالمفاسد الاخلاقية الشديدة ، والوقوف بوجه الأنبياء والقادة الإلهيين ـ أليما في هذه الدنيا والقرآن يقص علينا هذه القصص من اجل إرشادنا وتربيتنا وبيان طريق الحق من الباطل ، وفصل مسير السعادة عن مسير الشقاء.
وإذا كنّا ـ أساسا ـ كما يتصوّر الفخر الرازي ومن على شاكلته ـ محكومين بالسعادة والشقاء الذاتيين ، ونؤخذ دون ارادتنا بالسيئات او الصالحات ، فإنّ «التعليم والتربية» سيكونان لغوا وبلا فائدة ومجيء الأنبياء ونزول الكتب السّماويّة والنصيحة والموعظة والتوبيخ والملامة والمؤاخذة والسؤال والمحاكمة والثواب كل ذلك يعدّ غير ذي فائدة ، او يعدّ ظلما.
الأشخاص الذين يرون الناس مجبورين على عمل الخير او الشرّ ، سواء كان هذا الجبر جبرا الهيا ، او جبرا طبيعيا ، او جبرا اقتصاديا ، او جبرا اجتماعيا متطرفون في عقيدتهم هذه في كلامهم فحسب ، او في كتاباتهم ، ولكنّهم حتى أنفسهم لا يعتقدون ـ عند العمل ـ بهذا الاعتقاد ، ولهذا فلو وقع تجاوز على حقوقهم فانّهم يرون المتجاوز مستحقا للتوبيخ والملامة والمحاكمة والمجازاة وليسوا مستعدين ابدا للإغضاء عنه بحجة انه مجبور على هذا العمل وانّ من
الظلم عقابه ومجازاته ، او يقولوا انه لم يستطع ان لا يرتكب هذا العمل لانّ الله أراد ذلك ، او انّ المحيط أجبره ، او الطبيعة وهذا بنفسه دليل آخر على انّ اصل الاختيار فطري.
وعلى كل حال لا نجد للجبر مسلكا في اعمالنا اليومية يرتبط بهذه العقيدة ، بل اعمال الناس جميعا تصدر عنهم بصورة حرّة ومختارة وهم مسئولون عنها.
وجميع الأقوام في الدنيا يقبلون حرية الارادة ، بدليل تشكيل المحاكم والادارات القضائية لمحاكمة المتخلفين.
وجميع المؤسسات التربوية في العالم تقبل بهذا الأصل ضمنا ، وهو انّ الإنسان يعمل بإرادته ورغبته ، ويمكن بإرشاده وتعليمه وتربيته ان يتجنب الاخطاء والاشتباهات والأفكار المنحرفة.
الطريف انّ لفظ «شقوا» في الآيات المتقدمة ورد بصيغة المبني للمعلوم ، ولفظ «سعدوا»(1) ورد بصيغة المبني للمجهول ، ولعل في هذا الاختلاف في التعبير اشارة لطيفة الى هذه المسألة الدقيقة ، وهي انّ الإنسان يطوي طريق الشقاء بخطاه ، ولكن لا بدّ لطيّ طريق السعادة في الأمداد والعون الالهي ، والّا فإنّه لا يوفّق في مسيره ، ولا شكّ انّ هذا الأمداد والعون يشمل أولئك الذين يخطون خطواتهم الاولى بإرادتهم واختيارهم فحسب وكانت فيهم اللياقة والجدارة لهذا الأمداد. (فلاحظوا بدقة).
__________________
(1) «سعدوا» من مادة (سعد) وحسب رأي اصحاب اللغة فإنّ هذا الفعل لازم ولا يتعدّى الى مفعول ، فعلى هذا ليست له صيغة للمجهول ، فاضطروا ان يقولوا : انّه مخفّف من (اسعدوا) وبابه (الأفعال) ولكن كما ينقل الآلوسي في كتاب روح المعاني في شرح الآية عن بعض اهل اللغة ، انّ الفعل الثلاثي من «سعد» يتعدّى الى المفعول ايضا ـ قالوا : سعده الله وهو مسعود ، فعلى هذا لا حاجة الى ان نقول بأنّ (سعدوا) مخفف من «اسعدوا» «فتدبّر».
3 ـ مسألة الخلود في القرآن
معنى «الخلود» لغة البقاء الطويل ، كما جاء بمعنى الأبد ايضا ، فكلمة «الخلود» لا تعني الأبد وحده لانّه تشمل كل بقاء طويل.
ولكن ذكرت في كثير من آيات القرآن مع قيود بفهم منها معنى الأبد ، فمثلا في الآية (100) من سورة التوبة ، والآية (11) من سورة الطلاق ، والآية (9) من سورة التغابن ، حين تذكر هذه الآيات اهل الجنّة تأتي بالتعبير عنهم( خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) ومفهومها ابديّة الجنّة لهؤلاء ، ما نقرا في آيات القرآن الاخرى وصف اهل النّار كالآية (169) من سورة النساء ، والآية (23) من سورة الجن هذا التعبير ايضا( خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) وهو دليل على عذابهم الابدي.
وتعبيرات اخرى مثل الآية (3) من سورة الكهف( ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً ) والآية (108) من سورة الكهف ايضا( لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً ) وأمثالها تدل بصورة قطعيّة على انّ طائفة من اهل الجنّة وطائفة من اهل النّار سيبقون في العذاب او النعمة.
ولم يستطع البعض ان يحل الإشكالات في الخلود والجزاء الابدي ، فاضطر الى الرجوع الى معناه اللغوي وفسّره بالبقاء الطويل ، على حين انّ تعابير كالتعابير الواردة في الآيات المتقدمة لا تفسّر بمثل هذا التّفسير.
سؤال مهم :
هنا ترتسم في ذهن كل سامع علامة استفهام كبيرة ، إذ كيف نتصوّر عدم التعادل عند الله بين الذنب والعقاب؟! وكيف يمكن القبول بأن يقضي الإنسان كل عمره الذي لا يتجاوز ثمانين سنة ـ او مائة سنة على الأكثر بالعمل الصالح او بالإثم ، ثمّ يثاب على ذلك او يعاقب ملايين الملايين من السنين.
وهذا الأمر ليس مهما بالنسبة للثواب لانّ الأجر والثواب كلما ازداد كان دليلا على كرم المثيب والمعطي ، فلا مجال للمناقشة في هذا الأمر.
ولكن السؤال يرد في العمل السيء والذنب والظلم والكفر ، وهو : «هل
ينسجم العذاب الدائم مقابل ذنب محدود مع اصل العدل عند الله»؟ فالذي لم تتجاوز مرحلة ظلمه وطغيانه وعناده في أقصى ما يمكن احتماله مائة سنة ، كيف يعذب في النّار عذابا دائما؟ أفلا تقتضي العدالة ان يكون هناك نوع من التعادل؟ فمثلا يعاقب مائة سنة بمقدار اعماله السيئة.
الاجوبة غير المقنعة
انّ تعقيد المسألة كان السبب في توجيه معاني آيات الخلود عند البعض وتفسيرها بما لا يستفاد منه العقاب الدائم الذي هو على خلاف اصل العدالة في عقيدتهم
1 ـ ذهب البعض : إنّ المقصود بـ «الخلود» هو المعنى المجازي او الكنائي عنه ، اي مدة وطويلة نسبيّا ، كما يقال مثلا لأولئك الذين يحكم عليهم بالسجن طول عمره «محكوم عليه بالسجن المؤبد» مع انّه من المسلم به لا ابديّة في السجن حيث ينتهي السجن ، مع انتهاء ويقال في العربية ايضا «يخلّد في السجن» وهو مأخوذ من الخلود في هذه الموارد.
2 ـ وقال آخرون : انّ أمثال هؤلاء الطغاة والمعاندين الذين اكتنفت وجودهم الآثام ، فتحوّل وجودهم الى ماهية الكفر او الإثم ، هؤلاء وان بقوا في نار جهنم دائمين ، الّا انّ جهنّم لا تبقى على حالها ، فسيأتي يوم تنطفي نارها. كأية نار اخرى ، ويعم اهل النّار نوع من الهدوء والراحة.
3 ـ واحتمل آخرون انّه مع مرور الزمان وبعد معاناة العذاب الطويل ينسجم اهل النّار مع محيطهم ، اي انهم يتطبّعون ويتعوّدون على هذا المحيط شيئا فشيئا حتى تبلغ بهم الحالة الّا يحسوا بالعذاب والشقاء.
وبالطبع فإنّ الداعي الى هذه التوجيهات هو عجزهم وعدم استطاعتهم ان يحلّوا مشكلة خلود العذاب ودوامه ، والّا فإن ظهور آيات الخلود في ديمومة العذاب وبقائه غير قابلة للإنكار.
الحلّ النهائي للإشكال
ومن اجل حلّ هذا الاشكال ينبغي ان نعود الى البحوث السالفة ونعالج الاشتباهات الناشئة من قياس مجازاة يوم القيامة بالمجازاة الاخرى ، ليعلم انّ مسألة الخلود لا تنافي عدالة الله ابدا.
ولتوضيح هذا البحث ينبغي الالتفات الى ثلاثة اصول :
1 ـ انّ العذاب الدائم ـ وكما أشرنا اليه من قبل ـ هو لأولئك الذين اوصدوا أبواب النجاة بوجوههم ، واضحوا غرقى الفساد والانحراف عامدين ، وغشى الظلّ المشؤوم للاثم قلوبهم وأرواحهم فاصطبغوا بلون الكفر ، وكما نقرا عنهم في سورة البقرة الآية (81)( بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) .
2 ـ يخطئ من يتصور انّ مدّة العقاب وزمانه ينبغي ان تكون على قدر مدّة الإثم وزمانه ، لانّ العلاقة بين الإثم والعقاب ليست علاقة زمانية بل كيفية ، اي ان زمان العقاب يتناسب مع كيفية الإثم لا مع زمانه.
فمثلا قد يقدم شخص في لحظة على قتل نفس محترمة ، وطبقا لما في بعض القوانين يحكم عليه بالحبس الدائم ، فهنا نلاحظ انّ زمن الإثم لحظة واحدة ، في حين انّ العقاب قد يبلغ ثمانين سنة.
اذن المهم في الإثم هو «كيفيته» لا «كمية زمانه».
3 ـ قلنا انّ العقاب والمحاسبات في يوم القيامة لها اثر طبيعي للعمل وخصوصية الذنب ، وبعبارة أوضح : ان ما يجده المذنبون من الم وأذى يوم القيامة هو نتيجة اعمالهم التي أحاطت بهم في الدنيا.
نقرا في القرآن كما في سورة يس الآية (54) :( فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) ونقرا في الآية (33) من سورة الجاثية :( وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) وفي سورة القصص الآية
(84) :( فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) .
والآن وبعد ان اتّضحت مقدمات هذه الأصول ، فإنّ الحل النهائي لهذا الاشكال لم يعد بعيدا ، ويكفي للوصول اليه ان نجيب على الاسئلة التالية.
ولنفرض انّ شخصا يبتلى بالقرحة المعدية نظرا لادمانه على المشروبات الكحولية لمدّة سبعة ايّام تباعا ، فيكون مجبورا على تحمل الألم والأذى الى آخر عمره ، ترى هل هذه المعادلة بين هذا العمل السيء ونتيجته مخالفة للعدالة؟! ولو كان عمر هذا الإنسان (مكان الثمانين سنة) الف سنة او مليون سنة ، ولأجل نزوته النفسية بشرب الخمر أسبوعا يتألم طول عمره ، ترى هل هذا التألم لمليون سنة ـ مثلا ـ مخالف لاصل العدالة في حين انّه ابلغ حال شرب الخمر بوجود هذا الخطر واعلم بنتيجته؟
ولنفرض ايضا انّ سائق ، سيارة لا يلتزم بأوامر المرور ومقرراته ، والالتزام بها ينفع الجميع قطعا ويقلل من الحوادث المؤسفة ، لكنه يتجاهلها ولا يصغي لتحذير اصدقائه وفي لحظة قصيرة تقع له حادثة ـ وكل الحوادث تقع في لحظه ـ ويفقد بذلك عينه او يده اورجله في هذه اللحظة. ونتيجة لما وقع يعاني الألم سنين طويلة لفقده البصر او اليد او الرجل ، فهل تتنافى هذه الظاهرة فيه مع اصل عدالة الله؟!
ونأتي هنا بمثال آخر ـ والامثلة تقرب الحقائق العقليّة الى الذهن وتهيّؤ لنيل النتيجة النهائية ـ فلنفرض اننا نثرنا على الأرض عدة غرامات من بذور الشوك ، وبعد عدّة أشهر او عدة سنوات نواجه صحراء مليئة بالشوك الذي يدمي أقدامنا وعلى العكس ننثر بذور الزهور ـ مع اطلاعنا ـ ولا تمرّ فترة حتى نواجه خميلة مليئة بالازهار العطرة ، فهي تعطرنا وتنعش قلوبنا ، فهل في هذه الأمور التي هي آثار لأعمالنا منافاة لاصل العدالة في حين انّه لا مساواة بين كمية هذا العمل ونتيجته؟
ومن مجموع ما بيناه نستنتج ما يلي :
حين يكون الجزاء والثواب نتيجة وأثرا لعمل المرء نفسه ، فإنّ مسألة المساواة من حيث الكمية والكيفية لا تؤخذ بنظر الاعتبار. فما اكثر ما يكون العمل صغيرا في الظاهر ، ولكنه يحوّل حياة الإنسان الى جحيم وعذاب والم طيلة العمر ، وكذلك ما اكثر ما يكون العمل صغيرا في الظاهر ، ولكنّه يكون سببا للخيرات والبركات طيلة عمر الإنسان!
ينبغي ان لا يتوهم انّ المقصود من صغر العمل (من حيث مقدار الزمان) لانّ الأعمال والذنوب الداعية الى خلود الإنسان في العذاب ليست صغيرة من حيث الاهمية والكيفيّة.
فعلى هذا حين يحيط الذنب والكفر والطغيان والعناد بوجود الإنسان ويحرق جميع أجنحته وريشه وروحه في نار ظلمه ونفاقه ، فأي مكان للعجب ان يحرم في الدار الآخرة من التحليق في سماء الجنّة وان يكون مبتلى هناك بالعذاب والبلاء.
ترى امّا حذّروه وأبلغوه وانذروه من هذا الخطر الكبير؟!
اجل فأنبياء الله من جهة ، وما يأمره العقل من جهة اخرى جميعا حذروه بما يلزم ، فهل كان ما اقدم عليه من دون اختياره فلقي هذا المصير ، ام كان عن علم وعمد واختيار؟ الحقيقة هو انّه كان عالما عامدا.
وكانت نفسه ونتيجة اعماله المباشرة قد ساقته الى هذا المصير؟! بل انّ كل ما حدث له فهو من آثار اعماله!
فلهذا لم يبق مجال للشكوى ، ولا إيراد او اشكال مع احد ، ولا منافاة مع قانون عدالة الله سبحانه.
4 ـ مفهوم الخلود في هذه الآيات
هل الخلود في الآيات ـ محل البحث ـ بمعنى البقاء الدائم؟! او هو بالمعنى اللغوي المراد منه المدّة الطويلة؟
قال بعض المفسّرين : بما انّ الخلود مقيد هنا بقوله( ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ) فإنّ الخلود ليس معناه البقاء الابدي الدائم ، لانّ السّماوات والأرض لا أبدية لهما وطبقا لصريح القرآن فإن يوما سيأتي تنطوي فيه السّماوات وتبدل الأرض الى ارض اخرى.(1) .
ولكن ، مع ملاحظة انّ مثل هذه التعابير في اللغة العربية يراد بها البقاء الدائم ، فالآيات ـ محل البحث ـ ايضا تبيّن الدوام.
فمثلا تقول العرب : هذا الأمر قائم ما لاح كوكب ، او ما كرّ الجديدان (الليل والنهار) او ما أضاء فجر ، او ما اختلف الليل والنهار ، وأمثالها وهي كناية عن البقاء الدائم ، ونقرا عن الامام عليعليهالسلام في نهج البلاغة وذلك حين أشكل عليه بعض المنتقدين الجهلة على تقسيمه من بيت المال بالسويّة وعدم التمييز بين مقامات الناس لتوطيد دفة الحكم.
فانزعج الامامعليهالسلام وقال : «أتأمرني ان اطلب النصر بالجور في من وليت عليه؟ والله لا اطور به ما سمر سمير وما امّ نجم في السّماء نجما».(2)
ونقرا في قصيدة دعبل الخزاعي المعروفة التي أنشدها في حضرة الامام علي بن موسى الرضاعليهالسلام هذا البيت :
سأبكيهم ما ذرّ في الأفق شارق |
ونادى منادي الخير في الصلوات(3) |
وبالطبع فإنّ هذا الاستعمال ليس مخصوصا بلغة العرب وآدابها ، ففي اللغات
__________________
(1) كما في سورة ابراهيم ، الآية (48) ، والأنبياء ، الآية (104).
(2) نهج البلاغة ، الخطبة 126.
(3) نور الأبصار للشبلنجي ، ص 140 وكتاب الغدير ، وكتب أخرى.
الاخرى يوجد مثل هذا الاستعمال ايضا على كل حال فإنّ دلالة الآية على الدوام قطعية وغير قابلة للنقاش.
5 ـ ما معنى الاستثناء في الآية؟
الجملة الاستثنائية( إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ) التي وردت في الآيات المتقدمة في اهل الجنّة وفي اهل النّار ايضا ، اضحت ميدانا واسعا للمفسرين ومثارا للبحث ، وقد نقل المفسّر الكبير الطبرسي في تفسير هذا الاستثناء عشرة أوجه عن المفسّرين القدامى ، ونعتقد انّ كثيرا من هذه الأوجه ضعيف ولا ينسجم مع الآيات السابقة او اللاحقة ، ولذلك نغض النظر عنها ، ونورد ما نراه صحيحا هنا ، هو وجهان فحسب :
1 ـ الهدف في بيان هذا الاستثناء ان لا يتصور انّ الخلود في النار او في الجنّه جار على غير مشيئة الله وارادته بما يعطي معنى الإلزام وتحديد قدرة الله تعالى وارادته ، بل في الوقت الذي يكون اهل الجنّة واهل النار خالدين فيهما ، فإنّ قدرة الله وارادته حاكمة على الجميع ، وانّ العذاب والثواب يتحققان بمقتضى حكمته لكلّ من هذين الطرفين.
والشاهد على هذا الكلام ما ورد في الجملة الثّانية بعد الاستثناء وهي قوله تعالى :( عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) اي غير منقطع ، وهو دليل على انّ الجملة الاستثنائية لبيان قدرته فحسب.
2 ـ وحيث تذكر الآيات هذين الطرفين( فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ) فليس الأشقياء هم الكفار المستحقين للخلود في النّار فقط بل قد يوجد بينهم مؤمنون من اهل الكبائر فيكون هؤلاء داخلين في هذا الاستثناء.
ولكن قد ينقدح هذا السؤال ايضا وهو : ما المراد من الاستثناء في الجملة الثّانية (التي تتحدث عن الذين سعدوا)؟
وفي الجواب على هذا السؤال أجيب ـ ايضا ـ بأنّ المؤمنين المذنبين يدخلون النّار اوّلا ليتطهروا من الذنوب ، ثمّ يلتحقون بصفوف اهل الجنّة.
فإنّ الاستثناء في الجملة الاولى هو بالنسبة لآخر الأمر وفي الجملة الثّانية لاوّل مرّة (فلاحظوا بدقّة).
ويحتمل في الجواب على السؤال الآنف الذكر انّ الاستثناء في الجملة الاولى اشارة الى المؤمنين المذنبين الذين يعتقون من النّار بعد مدة ، والاستثناء في الجملة الثّانية اشارة الى قدرة الله سبحانه ، والشاهد على هذا الكلام ورود قوله تعالى( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ) في الجملة الاولى بعد الاستثناء ، ليدل على تحقق المشيئة الالهية ، وفي الجملة الثّانية ورد قوله تعالى :( عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) ليدل على الابديّة (فتدبّر).
وقد احتمل البعض ان يكون العقاب والثواب متعلقان بحياة البرزخ «النعيم في البرزخ او الشقاء في البرزخ» التي تكون محدودة المدّة ولا بدّ ان تنتهي ، ولكنّه احتمال بعيد جدّا ، لانّ الآيات المتقدمة تتحدث عن يوم القيامة بصراحة ، وعلاقة هذه الآيات بتلك الآيات علاقة لا تقبل الانفكاك.
كما انّ احتمال كون الخلود هنا بمعنى المدّة الطويلة ـ كما هو في بعض آيات القرآن الاخرى ، وليس هو البقاء الدائم الابدي ـ لا ينسجم مع قوله تعالى :( عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) ولا مع الاستثناء نفسه الذي يدل على الابدية في الجمل السابقة.
6 ـ تقول الآيات المتقدمة في شأن اهل النّار :( لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ) وقد احتمل اهل اللغة والمفسّرون في معنى هاتين الكلمتين «الزفير والشهيق» احتمالات متعددة :
1 ـ فقال البعض : المراد بـ «الزفير» هو الصراخ المصطحب بإخراج النفس الى الخارج ، وامّا «الشهيق» فهو الأنين المقترن بسحب الهواء الى داخل الرئة.
2 ـ وقال آخرون : انّ الزفير هو بداية صوت الحمار والشهيق نهايته ، ولعل هذا التّفسير لا تختلف عن التّفسير الاوّل كثيرا.
وعلى كل حال فإنّ هذين الصوتين يحكيان عن صراخ وعويل اهل النّار الذين يضجون ـ من الحزن والغمّ والحسرة ـ ضجيجا يملا جميع وجودهم ويدلّ على منتهى اذاهم وشدّة عذابهم.
وينبغي الالتفات الى انّ «الزفير والشهيق» كلاهما مصدر ، و «الزفير» في الأصل حمل العبء الثقيل على الكتف ، ولانّ هذا العمل يؤدي الى التأوه والضجيج فقد سميّ زفيرا ، وامّا «الشهيق» فمعناه في الأصل الاطالة والارتفاع ، ومن هنا فقد سمي الجبل المرتفع بالجيل الشاهق ايضا ، ثمّ أطلقوا هذا اللفظ «الشهيق» على الأنين.
اسباب السعادة والشقاء
السعادة ضالّة كل الناس ، وكلّ واحد يبحث عنها في شيء ما ويطلبها في مكان ما ، وهي توفّر اسباب تكامل الفرد في المجتمع ، والنقطة المقابلة لها هي الشقاء الذي يتنفر منه كل احد ، وهو عبارة عن عدم مساعدة الظروف للنجاح والتقدم والتكامل.
فعلى هذا ، كل من توفرت له اسباب التحرك والتقدم نحو الاهداف السامية روحيا وجسميا وعائليا وبيئيا وثقافيا ، فهو اقرب للسعادة ، وبتعبير آخر هو اكثر سعادة!
ولكن ينبغي الالتفات الى انّ أساس السعادة او الشقاء هو ارادة الإنسان نفسه ، فهو يستطيع ان يوفر الوسائل لترشيد نفسه وحتى مجتمعه ، وهو الذي يستطيع ان يواجه عوامل الشقاء ويهزمها او يستسلم لها.
وليس الشقاء او السعادة في منطق الوحي ومدرسة الأنبياء في داخل ذات
الإنسان شيئا وحتى النواقص في المحيط والعائلة والوراثة كل ذلك قابل للتغيير بتصميم الإنسان وارادته الّا ان ننكر اصل الارادة في الإنسان وحريته ، ونعدّه محكوما بالظروف الجبرية ، وكل من سعادته او شقائه ذاتي او هو نتيجة جبرية لمحيطه ، وما الى ذلك.
وهذا الراي مرفوض في نظر الأنبياء وفي نظر المذهب العقلي ايضا.
الطريف انّنا نجد في الرّوايات المنقولة عن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم واهل البيتعليهمالسلام إشارات الى مسائل مختلفة على انّها اسباب السعادة ، او اسباب الشقاء بحيث يتعرف الإنسان خلال مطالعتها على طريقة التفكير الاسلامي في هذه المسألة المهمّة ، وسيقف على الواقعيات العينية واسباب السعادة الحقيقية ، بدلا من ان يقف عليها في المسائل الخرافية والتصوّرات والسنن الخاطئة الموجودة في كثير من المجتمعات.
ونلفت نظر القارئ الكريم على سبيل المثال الى بعض الأحاديث الشريفة في هذا الصدد :
1 ـ ينقل الامام الصّادقعليهالسلام عن جدّه امير المؤمنينعليهالسلام انّه قال «حقيقة السعادة ان يختم للرجل عمله بالسعادة وحقيقة الشقاوة ان يختم للرجل بالشقاوة»(1) .
فهذه الرّواية تقول بصراحة : انّ المرحلة النهائية لعمر الإنسان واعماله هي المرحلة التي تكشف عن سعادته وشقاوته ، وعلى هذا فهي تنفي السعادة او الشقاء الذاتيين ، وتجعل الإنسان رهين عمله ، كما تجعل طريق العودة مفتوحا في جميع المراحل حتى نهاية عمره.
2 ـ ونقرا في حديث آخر عن الامام عليعليهالسلام «السعيد من وعظ بغيره
__________________
(1) تفسير نور الثقلين ، ج 2 ، ص 398.
والشقي من انخدع لهواه وغروره»(1) .
وكلام الامام عليعليهالسلام هذا تأكيد آخر على عدم ذاتية السعادة والشقاء وبيان بعض أسبابهما.
3 ـ ويقول نبي الإسلامصلىاللهعليهوآلهوسلم ايضا : «اربع من اسباب السعادة واربع من الشقاوة ، فالأربع التي من السعادة المراة الصالحة ، والمسكن الواسع ، والجار الصالح ، والمركب البهيّ. والأربع التي من الشقاوة : الجار السوء ، والمراة السوء ، والمسكن الضيق ، والمركب السوء»(2) .
مع ملاحظة انّ هذه الأمور الاربعة لها تأثير بالغ في الحياة المادية والمعنوية لكل احد ، ويمكن ان تكون من عوامل النجاح او الفشل وتتّضح بهذا سعة مفهوم السعادة والشقاوة في منطق الإسلام.
فالمرأة الصالحة ترغّب الإنسان في انواع «الحسنات» ، والبيت الواسع يهب روح الإنسان وفكره الهدوء والراحة ويهيئه للنشاط والفعالية ، والجار الصالح الذي يقدم له عونا مؤثرا في راحته واستقراره وحتى في تقدم اهداف الانسانية ، المركب الجيد عامل مؤثر في الوصول الى الأعمال والوظائف الاجتماعية ، في حين انّ المركب السوء يكون عاملا في التأخير ولا يوصل صاحبه الى هدفه.
4 ـ كما روي عن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم هذا الحديث ايضا : «من علامات الشقاء : جمود العينين ، وقسوة القلب ، وشدّة الحرص في طلب الرزق ، والإصرار على الذنب»(3) .
هذه الأمور الاربعة التي وردت في الحديث المتقدم ، هي امور اختيارية وهي نتيجة اعمال الإنسان وأخلاقه الاكتسابية نفسه ، وعلى هذا فإنّ ابعاد اسباب الشقاء هذه تكمن في اختيار الإنسان نفسه.
__________________
(1) نهج البلاغة ، الخطبة 86.
(2) مكارم الأخلاق ، ص 65.
(3) تفسير نور الثقلين ، ج 2 ، ص 398.
وإذا لاحظنا اسباب السعادة والشقاوة في الأحاديث المتقدمة وحقيقتهما واثرهما البالغ في حياة البشر ، وقارنّاهما مع الأسباب والمسائل الخرافية التي يعتقد بها جمع كثير ـ حتى في عصرنا عصر الذّرة والفضاء ـ لوصلنا الى هذا الواقع الذي يؤكّد انّ التعاليم الاسلامية منطقيّة ومدروسة الى أقصى حد.
ولا يزال الى اليوم من يعتقد انّ نعل الفرس سبب للسعادة ، وانّ اليوم الثّالث عشر سبب لسوء الحظّ والقفز على النّار في بعض ليالي السنة من اسباب السعادة ، وصوت بعض الطيور سبب للشقاء وسوء الحظ ، وسكب الماء عند خروج المسافر من اسباب السعادة ، والعبور من تحت السلم سبب للشقاء!!
وحتى تعليق بعض الأشياء في رقبة الفرد او على وسائل النقل من اسباب السعادة والعطاس علامة على الفشل إذا كان حين العمل وكثير من أمثال هذه الخرافات نجدها في الشرق والغرب بين الأقوام والأمم المتعددة.
وكم من أناس تعطلوا عن نشاطهم في الحياة نتيجة ابتلائهم بمثل هذه الخرافات وأصبحوا رهن المصائب الكثيرة.
لقد شطب الإسلام بقلم احمر على جميع هذه التصوّرات الخرافية ، وحدّد ـ مبيّنا بوضوح ـ سعادة الإنسان وشقاوته في الفعاليّات الايجابية والسلبية ونقاط الضعف والقوّة في الأخلاق والمناهج العملية وطريقة التفكير والعقيدة لكل فرد ، من خلال الامثلة التي قدمناها في الأحاديث الاربعة عن اهل البيتعليهمالسلام .
* * *
الآيات
( فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110) وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) )
التّفسير
الاستقامة والثّبات :
هذه الآيات ـ في الحقيقة ـ بمثابة تسلية لخاطر النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما انّها نازلة لبيان وظيفته ومسئوليته ، وفي الواقع انّ من أهم النتائج التي يتوصل إليها من القصص السابقة للأمم الماضية هي ان لا يكترث النّبي ومن معه من اتباعه المؤمنون حقّا من كثرة الأعداء ، ولا يخافوا منهم ، ولا يشكّوا او يتردّدوا في هزيمة عبدة الأصنام والظالمين الذي يقفون بوجوههم ، وان يواصلوا طريقهم ويعتمدوا على الله واثقين به.
لذلك يقول القرآن الكريم في هذا الصدد :( فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ ) (1) .
ويقول بعدها مباشرة :( وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ ) على انّ جملة موفوهم نصيبهم تعني أداء الحق كاملا ، لكن ذكر كلمة غير منقوص للتأكيد اكثر على هذه المسألة.
وفي الحقيقة انّ هذه الآية تجسّم هذه الحقيقة ، وهي انّ ما قرأناه من قصص الأمم السابقة لم يكن اسطورة ، كما انّها لا تختص بالماضين ، فهي سنّة ابدية وخالدة وهي لجميع الناس ماضيا وحاضرا ومستقبلا.
غاية ما فيه الأمر انّ هذا العقاب في كثير من الأمم السابقة نزل على شكل بلايا مهولة وعظيمة ، لكنّه وجد شكلا آخر في شأن أعداء نبي الإسلام ، وهو انّ الله اعطى القدرة والقوة العظيمة لنبيّه وأصحابه المؤمنين بحيث استطاع ان يهزم أعداءه الظالمين اللجوجين الذين أصروا على انحرافهم وغرورهم.
ويسلّي القرآن قلب النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مرّة اخرى ، فيحدّثه عن موسى وقومه قائلا :( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ) ويقول إذا ما رأيت انّ الله لا يعجل العذاب على قومك ، فلانّ مصلحة الهداية والتعليم والتربية لقومك توجب ذلك والّا فانّ القرار الالهي المسبق يقتضي التعجيل بعملية التحكيم والقضاء وبالتالي إنزال العقاب( وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ) وبالرغم من ذلك فهم في شك من هذا الأمر(2) .
__________________
(1) «المرية» على وزن «جزية» كما تأتي على وزن «قرية» ومعناها التردد في التصميم على امر ما وقد قال البعض : انّها تعني الشكّ المقترن بالتهمة ، والجذر الاصلي لهذه الكلمة معناه عصر ثدي الناقة بعد احتلابها. على امل ان يكون شيء من اللبن لا يزال باقيا في الثدي ، ولانّ هذا العمل منشؤه التردد والشك فلذلك أطلقت الكلمة على كل ما فيه شكّ وتردد.
(2) هناك كلام بين المفسّرين في عودة الضميرين «هم» و «منه» على اية كلمتين في الآية؟! فقال بعضهم : انّ هذا الضمير هم «وانهم» يعود على قوم موسى و «منه» يعود على كتاب (التوراة) فمعنى الآية : ان هؤلاء القوم لا يزالون يشكّون في
كلمة «مريب» مشتقّة من «الريب» ومعناه الشكّ المقترن بسوء الظن والنظرة السيئة والقرائن المخالفة ، وعلى هذا فيكون مفهوم هذه الكلمة انّ عبدة الأصنام ما كانوا يترددون في مسألة حقيقة القرآن او نزول العذاب على المفسدين فحسب ، بل كانوا يدّعون بأنّ لديهم قرائن تخالف ذلك ايضا.
امّا «الراغب» فيقول في «مفرداته» : انّ معنى الريب هو الشك الذي يرفع عنه الحجاب بعدئذ ويعود الى اليقين ، فعلى هذا يكون مفهوم الآية انّ الحجاب سيكشف عاجلا عن حقانية دعوتك وكذلك عن عقاب المفسدين وتظهر حقيقة الأمر!
ويضيف القرآن لمزيد التأكيد( وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ ) وهذا الأمر ليس فيه صعوبة على الله ولا حرج إذ( إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) .
الطريف انّ القرآن يقول :( لَيُوَفِّيَنَّهُمْ أَعْمالَهُمْ ) ليشير مرّة اخرى الى مسألة تجسّم الأعمال وانّ الجزاء والثواب هما في الحقيقة اعمال الإنسان نفسه التي تتخذ شكلا آخر وتصل اليه ثانية.
وبعد ذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة ورمز نجاحهم ونصرهم ، وبعد تسلية قلب النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وتقوية ارادته ، يبيّن القرآن ـ عن هذا الطريق ـ اهمّ دستور امر به النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو( فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ) .
«استقم» في طريق الإرشاد والتبليغ استقم في طريق المواجهة والمواصلة استقم في أداء الوظائف الالهية ونشر التعليمات القرآنية.
ولكن هذه الاستقامة ليست لينال فلان او فلان مستقبلا زاهرا ، وليست للرياء وما شابه ذلك ، وليست لاكتساب عنوان البطولة ، ولا اكتساب «المقام» او «الثروة» او «الموفقية» او «القدرة» ، بل هي لمجرّد طاعة الله واتباع امره( كَما
__________________
كتاب موسى ، ولكن قال آخرون : ان الضمير في (انهم) يعود على مشركي مكة و «منه» يعود على القرآن ، وبملاحظة ان الآيات جاءت لتسلية قلب النبي فيكون التفسير الثاني اقرب للنظر.
أُمِرْتَ ) .
كما انّ هذه الاستقامة ليست عليك وحدك ، فعليك ان تستقيم أنت( وَمَنْ تابَ مَعَكَ ) استقامة خالية من كل زيادة ونقصان وافراط أو تفريط( وَلا تَطْغَوْا ) إذ( إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) ولا تخفى عليه حركة ولا قول ولا اي خطّة اخرى إلخ.
المسؤولية الكبيرة!!
نقرا في حديث معروف عن ابن عباس انّه قال : ما نزل على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم آية كانت اشدّ عليه ولا اشقّ من هذه الآية. ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له : اسرع إليك الشيب يا رسول الله قال :صلىاللهعليهوآلهوسلم «شيبتني هود والواقعة»(1) .
ونقرا في رواية اخرى انّ النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال حين نزلت هذه الآية : «شمّروا شمّروا فما رئي ضاحكا ...»(2) .
والدليل واضح ، لانّ اربعة أوامر مهمّة موجودة في هذه الآية يلقي كل واحد منها عبئا ثقيلا على الكتف.
وأهمها الأمر بالاستقامة الاستقامة (المشتقة من مادة القيام) من جهة انّ الإنسان يكون تسلطه وسعيه في عمله حال القيام اكثر الاستقامة التي معناها طلب القيام ، اي أوجد حالة في نفسك بحيث لا تجد طريقا للضعف فيك ، فما اصعبه من امر وما اشدّه؟!
غالبا ما يكون النجاح في العمل امرا هيّنا نسبيا لكن المحافظة على النجاح فيها كثير من الصعوبة وفي اي مجتمع؟! في مجتمع متأخر متخلف في مجتمع بعيد عن العلم والتعقل في مجتمع لجوج وبين اعداء كثيرين
__________________
(1) تفسير مجمع البيان ، ج 5 ، ص 199.
(2) الدر المنثور في تفسير الآية هذه.
معاندين وفي سبيل بناء مجتمع سالم وحضارة انسانية زاهرة فالاستقامة في هذا الطريق ليس امرا هيّنا.
والأمر الآخر : ان تحمل هذه الاستقامة هدفا الهيا فحسب ، وان تكون الوساوس الشيطانية بعيدة عنها تماما ، اي ان تكتسب هذه الاستقامة اكبر القدرات السياسية والاجتماعيّة من اجل الله.
والأمر الثّالث : مسألة قيادة أولئك الذين رجعوا الى طريق الحق وتعويدهم على الاستقامة ايضا.
والأمر الرّابع : المواجهة والمبارزة في مسير الحق والعدالة والقيادة الصحيحة وصدّ كل انواع التجاوز والطغيان ، فكثيرا ما يبدي بعض الناس منتهى الاستقامة في سبيل الوصول للهدف ، لكن لا يستطيعون ان يراعوا مسألة العدالة ، وغالبا ما يبتلون بالطغيان والتجاوز عن الحدّ.
اجل مجموع هذه الأمور وتواليها على النّبي حمّلته مسئولية كبرى ، حتى انهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما رئي ضاحكا وشيّبته هذه الآية من الهمّ.
وعلى كل حال فإنّ هذا الأمر لم يكن للماضي فحسب ، بل هو للماضي والحاضر والمستقبل ، وهو للأمس واليوم والغد القريب والغد البعيد ايضا.
واليوم مسئوليتنا المهمّة ـ نحن المسلمين ايضا ، وبالخصوص قادة الإسلام ـ تتلخّص في هذه الكلمات الاربعة. وهي : الاستقامة ، والإخلاص ، وقيادة المؤمنين ، وعدم الطغيان والتجاوز. ودون ربط هذه الأمور بعضها الى بعض فإنّ النصر على الأعداء الذين احاطونا من كل جانب من الداخل والخارج ، واستفادوا من جميع الاساليب الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكريّة هذا النصر لا يكون سوى أوهام في مخيلة المسلمين.
* * *
الآية
( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (113) )
التّفسير
الرّكون الى الظالمين :
انّ هذه الآية تبيّن واحدا من أقوى وأهم الاسس والبرامج الاجتماعية والسياسية والعسكرية والعقائدية ، فتخاطب عامة المسلمين ليؤدوا وظيفتهم القطعية فتقول :( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) والسبب واضح( فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ) ومعلوم عندئذ حالكم( ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) .
ملاحظات
1 ـ ما هو مفهوم الرّكون؟
مفهوم «الركون» مشتق من مادة «ركن» ومعناه العمود الضخم من الحجر او الجدار الذي يربط البناء او الأشياء الاخرى بعضها الى بعض ، ثمّ اطلق هذا اللفظ على الاعتماد او الاستناد الى الشيء.
* * *
وبالرغم من انّ المفسّرين اعطوا معاني كثيرة لهذه الكلمة في تفسيرهم للآية ، ولكنّها في الغالب تعود الى مفهوم جامع وكلي فمثلا فسّرها البعض بالميل ، وفسّرها البعض بـ «التعاون» ، وفسّرها البعض بـ «اظهار الرضا» ، وفسّرها آخرون بـ «المودّة» ، كما فسرها جماعة بالطاعة وطلب الخير ، وكل هذه المعاني ترجع الى الاعتماد والاتكاء كما هو واضح.
2 ـ في ايّ الأمور لا ينبغي الرّكون الى الظالمين؟
بديهي انّه في الدرجة الاولى لا يصح الاشتراك معهم في الظلم او طلب الاعانة منهم ، وبالدرجة الثّانية الاعتماد عليهم فيما يكون فيه ضعف المجتمع الاسلامي وسلب استقلاله واعتماده على نفسه وتبديله الى مجتمع تابع وضعيف لا يستحق الحياة ، لانّ هذا الركون ليس فيه نتيجة سوى الهزيمة والتبعية للمجتمع الاسلامي.
وامّا ما نلاحظه أحيانا من مسائل التبادل التجاري والروابط العلمية بين المسلمين والمجتمعات غير الاسلامية على أساس حفظ منافع المسلمين واستقلال المجتمعات الاسلامية وثباتها ، فهذا ليس داخلا في مفهوم الركون الى الظالمين ولم يكن شيئا ممنوعا من وجهة نظر الإسلام ، وفي عصر النّبي نفسهصلىاللهعليهوآلهوسلم والاعصار التي تلته كانت هذه الأمور موجودة وطبيعية ايضا.
3 ـ فلسفة تحريم الركون الى الظالمين
الرّكون الى الظالمين يورث مفاسد كثيرة لا تخفى على احد بصورتها الاجمالية ولكن كلّما تفحصنا في هذه المسألة اكثر اكتشفنا مسائل دقيقة جديدة.
فالركون الى الظالمين يبعث على تقويتهم ، وتقويتهم مدعاة الى اتساع رقعة الظلم والفساد في المجتمعات ، ونقرا في الأوامر الاسلامية انّ الإنسان ما لم يجبر
«وفي بعض الأحيان حتى مع الإجبار» لا يحق له ان يراجع القاضي الظالم من اجل اكتساب حقّه ، لان مراجعة مثل هذا القاضي الحاكم الجائر من اجل احقاق الحق مفهومها ان يعترف ضمنا برسميته وتقواه ، ولعل ضرر هذا العمل اكبر من الخسارة التي تقع نتيجة فقدان الحق.
والركون الى الظلمة يؤثر تدريجا على الثقافة الفكرية للمجتمع ، فيضمحل مفهوم «قبح الظلم» ويؤدي بالناس الى الرغبة في الظلم.
وأساسا لا نتيجة من الركون الى الغير بصورة التعلق والارتباط الشديد الّا سوء الحظ والشقاء ، فكيف إذا كان هذا الركون الى الظالمين؟
انّ المجتمع الحضاري المقتدر هو المجتمع الذي يقف على قدميه ، كما يعبر القرآن الكريم في مثل بديع في الآية (29) من سورة الفتح إذ يقول :( فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ) والمجتمع الحرّ المستقلّ هو المجتمع الذي يكتفي ذاتيا ، وارتباطه او تعاونه مع الآخرين هو ارتباط على أساس المنافع المتبادلة لا على أساس ركون الضعيف الى القوي ، لانّ هذا الركون ـ سواء كان من جهة فكرية او ثقافية او اقتصادية او عسكرية او سياسية ـ لا يخلّف سوى الأسر والاستثمار ، ولا يثمر سوى المساهمة في ظلمهم والمشاركة في خططهم.
وبالطبع فإنّ الآية المتقدمة ليست خاصّة بالمجتمعات فحسب ، بل تشمل العلاقة والارتباط بين فردين ايضا ، فلا يجوز لإنسان مؤمن ان يركن الى اي ظالم ، فإنّه اضافة الى فقدان استقلاله لركونه الى دائرة ظلمه ، فسيؤدي الى تقويته واتساع الفساد والعدوان كذلك.
4 ـ من المقصود بـ «الَّذِينَ ظَلَمُوا »؟
ذكر المفسّرون في هذا المجال احتمالات مختلة ، فقال بعضهم : المقصود ب( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) هم المشركون ، ولكن ـ كما قال آخرون ـ لا دليل على انحصار
هذا اللفظ بالمشركين رغم ان مصداق الظالمين في عصر نزول الآية هو المشركين.
كما انّ تفسير هذه الكلمة في الرّوايات بالمشركين لا يدلّ على الانحصار ، لانّنا قلنا مرارا وتكرارا انّ مثل هذه الرّوايات انّما تبيّن المصداق الواضح والجلي ، فعلى هذا الأساس يدخل في دائرة هذه الآية جميع الذين امتدّت أيديهم الى الظلم والفساد ، او استعبدوا خلق الله وعباده ، او استغلوا قواهم لمنافعهم ، وباختصار كل الذين دخلوا في المفهوم العام لهذا التعبير( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) .
ولكن من الواضح ان من اخطأوا في حياتهم خطأ بسيطا وصاروا من مصاديق الظالم أحيانا غير داخلين في مفهوم الآية قطعا لانّه في هذه الصور لا يخرج عن شمولية هذه الآية الّا النادر ، فلا يصح الرّكون والاعتماد على اي شخص ، اللهم الّا ان نقول : انّ المراد بالركون هو الاعتماد على الظالم من جهة ظلمه وجوره ، وفي هذه الحال حتى الذين تلوّثت أيديهم بالظلم مرّة واحدة لا يجوز الركون إليهم.
5 ـ اشكال
بعض المفسّرين من اهل السنة اشكالا يصعب الجواب عليه من مبناهم وهو ما ورد في رواياتهم من وجوب الطاعة والتسليم لسلطان الوقت الذي هو من أولو الأمر ايّا كان ، لما نقلوا حديثا عن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في وجوب طاعة السلطان «وان أخذ مالك وضرب ظهرك ...»! وروايات اخرى تؤكّد طاعة السلطان بمعناها الواسع.
ومن جهة اخرى تقول الآية :( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) فهل يصحّ الجمع بين هذين الأمرين؟!
أراد البعض ان يرفع هذا التضاد باستثناء واحد ، وهو ان طاعة السلطان
تكون واجبة ما لم ينحرف الى طريق العصيان ويخطو في طريق الكفر.
ولكن لحن تلك الرّوايات لا ينسجم مع هذا الاستثناء.
وعلى كل حال فنحن نعتقد ـ وكما ورد في مذهب اهل البيتعليهمالسلام ـ بوجوب طاعة ولي الأمر العادل والعالم الذي يصح ان يكون خليفة عامّا للنّبي واماما من بعده فحسب.
وإذا كان سلاطين بني اميّة وبني العباس قد وضعوا الأحاديث في هذا المجال لمصلحتهم ، فلا تنسجم بأي وجه مع اصول مذهبنا والتعليمات القرآنية ، وينبغي ان نعالج هذه الرّوايات ، فإن كانت تقبل التخصيص خصّصناها ، والّا طرحناها جانبا ، لانّ كل رواية تخالف كتاب الله فهي مردودة وباطلة ، والقرآن يصرح انّ امام المسلمين لا يجوز ان يكون ظالما ، والآية المتقدمة تقول بصراحة ايضا :( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) او نقول : انّ أمثال هذه الرّوايات مخصوصة بالحالات الضرورية والاضطرارية.
* * *
الآيتان
( وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) )
التّفسير
الصلاة والصبر :
هذه الآيات تشير الى أمرين من اهمّ الأوامر الاسلامية ، وهما في الواقع روح الايمان وقاعدة الإسلام ، فيأتي الأمر اوّلا بالصلاة( وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ ) .
وظاهر التعبير من( طَرَفَيِ النَّهارِ ) هو بيان صلاة الصبح وصلاة المغرب اللتين يقعان طرفي النهار ، و «الزلف» جمع «زلفة» التي تعني القرب ، ويشار بها الى اوّل الليل القريب من النهار فتنطبق على صلاة العشاء.
وهذا التّفسير وارد في روايات اهل البيتعليهمالسلام ايضا ، اي انّ الآية تشير الى الصلوات الثلاث «الصبح والمغرب والعشاء».
ويرد هنا سؤال وهو : لم ذكرت هذه الصلوات الثلاث من بين الصلوات الخمس؟!
غموض الاجابة دعا بعض المفسّرين لان يتوسع في معنى( طَرَفَيِ النَّهارِ ) ليشمل صلاة الصبح والظهر والعصر والمغرب ايضا. وبالتعبير ب( وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ ) الذي يشير الى صلاة العشاء تكون جميع الصلوات الخمس قد دخلت في الآية! والإنصاف ان تعبير( طَرَفَيِ النَّهارِ ) لا يتحمل مثل هذا التّفسير ، مع ملاحظة انّ المسلمين في الصدر الاوّل من الإسلام كانوا مقيدين بأداء صلاة الظهر في اوّل الوقت وأداء صلاة العصر في حدود نصف الوقت ، اي بين وقت الظهر ووقت المغرب.
الشيء الوحيد الذي يمكن ان يقال هنا : انّ آيات القرآن قد تذكر جميع الصلوات الخمس أحيانا كما في سورة الاسراء :( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) (1) .
وقد تذكر ثلاث صلوات ـ كالآية محل البحث ـ وقد تذكر صلاة واحدة كما في سورة البقرة( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ) (2) .
فعلى هذا لا يستلزم ذكر جميع الصلوات الخمس في كل مورد ، وقد توجب المناسبات الاشارة الى صلاة الظهر «الصَّلاةِ الْوُسْطى » لاهميتها او تشير الى صلاة الصبح او المغرب والعشاء وذلك لاحتمال ان تقع في دائرة النسيان للتعب او النوم.
ولاهمية الصلوات اليوميّة ـ خاصّة ـ وجميع العبادات والطاعات والحسنات ـ عموما ـ فإنّ القرآن يشير بهذا التعبير( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ ) .
والآية آنفة الذكر كسائر آيات القرآن تبيّن تأثير الأعمال الصالحة في محو
__________________
(1) الآية ، 78.
(2) الآية ، 238.
اثر الأعمال السيئة ، حيث نقرا في سورة النساء الآية (31) :( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ) ونقرا في سورة العنكبوت الآية (7) :( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ) .
وبهذا تثبت مقولة ابطال السيئات بالطاعات والأعمال الحسنة.
ومن الناحية النفسية ـ ايضا ـ لا ريب في ان الذنب والعمل السيء يوجد نوعا من الظلمة في روح الإنسان ونفسه ، بحيث لو استمرّ على السيئات تتراكم عليه الآثار فتمسخ الإنسان بصورة موحشة.
ولكن العمل الصالح الصادر من الهدف الالهي يهب روح الإنسان لطافة بإمكانها ان تغسل آثار الذنوب وان تبدّل ظلمات نفسه الى أنوار.
وبما انّ الجملة الآنفة( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) ذكرت بعد الأمر بإقامة الصلاة مباشرة ، فإنّ واحدة من مصاديقها هي الصلاة اليومية ، وإذا ما لاحظنا في الرّوايات اشارة الى الصلاة اليومية في التّفسير فحسب فليس ذلك دليلا على الانحصار ، بل ـ كما قلنا مرارا ـ انّما هو بيان مصداق واضح قطعي.
الاهميّة القصوى للصلاة :
تلاحظ في الرّوايات المتعددة المنقولة عن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والائمة الطاهرينعليهمالسلام تعبيرات تكشف عن الاهمية الكبرى للصلاة في نظر الإسلام.
يقول ابو عثمان : كنت جالسا مع سلمان الفارسي تحت شجرة فأخذ غصنا يابسا وهزّه حتى تساقطت أوراقه جميعا ، ثمّ التفت اليّ وقال : ما سألتني لم فعلت ذلك؟!
فقلت : وما تريد؟!
قال : هذا ما كان من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حين كنت جالسا معه تحت شجرة ثمّ سألني النّبي هذا السؤال وقال : «ما سألتني لم فعلت ذلك؟».
فقلت له : ولم يا رسول الله؟
فقال : «انّ المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثمّ صلّى الصلوات الخمس تحاتّت خطاياه كما تحاتّ هذا الورق» ثمّ قرا الآية «وَأَقِمِ الصَّلاةَ إلخ».(1)
ونقرا في حديث آخر عن احد اصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم واسمه ابو امامة انّه قال : «كنت جالسا يوما في المسجد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فجاءه رجل وقال : يا رسول الله ، أذنبت ذنبا يستوجب الحدّ فأقم عليّ الحدّ ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أصليت معنا؟» قال : نعم يا رسول الله ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «فإنّ الله غفر ذنبك» او «أسقط عنك الحد»(2) .
كما نقل عن عليعليهالسلام انه قال : «كنّا مع رسول الله ننتظر الصلاة فقام رجل وقال : يا رسول الله ، أذنبت. فأعرض النّبي بوجهه عنه ، فلما انتهت الصلاة قام ذلك الرجل وأعاد كلامه ثانية ، فقال النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : الم تصلّ معنا وأحسنت لها الوضوء؟ فقال بلى ، فقال : هذه كفارة ذنبك»(3) .
ونقل عن عليعليهالسلام ايضا انّه قال : «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : انّما منزلة الصلوات الخمس لامتي كنهر جار على باب أحدكم ، فما يظن أحدكم لو كان في جسده درن ثمّ اغتسل في ذلك النهر خمس مرات ، أكان يبقى في جسده درن؟ فكذلك والله الصلوات الخمس لامتي»(4) .
وعلى كل حال ، لا مجال للشكّ في انّه متى ما ادّيت الصلاة بشرائطها فإنّها تنقل الإنسان الى عالم من المعنويّة والروحانيّة بحيث توثق علائقه الايمانية بالله ، وتغسل عن قلبه وروحه الأدران وآثار الذنوب.
الصلاة تجير الإنسان من الذنب ، تجلو صدا القلوب.
الصلاة تجذّر الملكات السامية للإنسان في اعماق الروح البشرية ، والصلاة
__________________
(1) مجمع البيان في تفسير الآية.
(2) المصدر السّابق.
(3) المصدر السّابق.
(4) المصدر السّابق.
تقوي الارادة وتطهر القلب والروح ، وبهذا الترتيب فإنّ الصلاة الواعية الفاعلة هي مذهب تربوي عظيم.
أرجى آية في القرآن :
ينقل في تفسير الآية ـ محل البحث ـ حديث طريف عن الامام عليعليهالسلام بهذا المضمون ، وهو انّه التفت مرّة الى الناس وقال : «اي آية في كتاب الله أرجى عندكم»؟!
فقال بعضهم :( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) .
فقالعليهالسلام : حسنة ليست ايّاها.
فقال آخرون : هي آية( قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ) .
فقالعليهالسلام : حسنة ليست ايّاها.
فقالوا : هي آية( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً ) .
قالعليهالسلام : حسنة ليست ايّاها.
فقال آخرون : هي آية :( وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ ) فقال الامام ايضا : «حسنة ليست ايّاها».
ثمّ أحجم الناس ، فقال : ما لكم يا معشر المسلمين ، فقالوا : والله ما عندنا شيء قالعليهالسلام : «سمعت حبيبي رسول الله يقول : أرجى آية في كتاب الله( وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ ) (1) .
__________________
(1) المصدر السابق.
وبالطبع كما ذكرنا في شرح الآية (48) من سورة النساء : انه ورد حديث آخر يشير الى ان أرجى آية في القرآن هي آية( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) .
ولكن مع ملاحظة انّ كل آية من هذه الآيات تنظر الى زاوية من هذا البحث وتبيّن بعدا من الابعاد ، فلا تضادّ بينها.
وفي الواقع انّ الآية محل البحث تتحدّث عن أولئك الذين يؤدّون الصلاة بصورة صحيحة ، صلاة مع حضور القلب والروح ، بحيث تغسل آثار الذنوب عن قلوبهم وأرواحهم. امّا الآية الاخرى تتحدّث عن أولئك الذين حرموا من هذه الصلاة ، فبإمكانهم من باب التوبة ، فإذن هذه الآية لهؤلاء الجماعة أرجى آية ، وتلك الآية لأولئك الجماعة أرجى آية.
وايّ رجاء أعظم من ان يعلم الإنسان انّه متى زلت قدمه وغلب عليه هواه (دون ان يصرّ على الذنب) وحين يحل وقت الصلاة فيتوضأ ويقف امام معبوده للصلاة ، فيحسّ بالخجل عند التوجه الى الله لما قدمه من اعمال سيئة ويرفع يديه بالدعاء وطلب العفو فيغفر وتزول عن قلبه الظلمة وسوادها.
وتعقيبا على تأثير الصلاة في بناء شخصية الإنسان وبيان تأثير الحسنات على محو السيئات ، يأتي الأمر بالصبر في الآية الاخرى بعدها( وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) .
وبالرغم من انّ بعض المفسّرين حاول تحديد معنى الصبر في هذه الآية في الصلاة ، او إيذاء الأعداء للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، الّا انّ من الواضح ان لا دليل على ذلك ـ بل ان الآية تحمل مفهوما واسعا كليا وجامعا ويشمل كل انواع الصبر امام المشاكل والمخالفات والأذى والطغيان والمصائب المختلفة ، فالصمود امام جميع هذه الحوادث يندرج تحت مفهوم الصبر.
«الصبر» اصل كلّي وأساس اسلامي ، يأتي أحيانا في القرآن مقرونا
بالصلاة ، ولعل ذلك آت من انّ الصلاة تبعث في الإنسان الحركة ، والأمر بالصبر يوجب المقاومة ، وهذان الأمران ، اي «الحركة والمقاومة» حين يكونان جنبا الى جنب يثمران كل اشكال النجاح والموفقية.
وأساسا يتحقق عمل صالح دون صبر ومقاومة لانّه لا بدّ من إيصال الأعمال الصالحة الى النهاية ، ولذلك فإنّ الآية المتقدمة تعقب على الأمر بالصبر بثواب الله واجره إذ تقول :( إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) ومعنى ذلك ان العمل الصالح لا يتيسر دون صبر ومقاومة لا بأس بذكر هذه المسألة الدقيقة ، وهي انّ الناس ينقسمون الى عدّة جماعات إزاء الحوادث العسيرة الصعبة :
1 ـ فجماعة تفقد شخصيّتها فورا ، وكما يعبر القرآن( إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ) .
2 ـ وجماعة آخرون يصمدون امام الأزمات بكل تحمّل وتجلّد.
3 ـ وجماعة آخرون بالاضافة الى صمودهم وتحملهم للأزمة ، فإنّهم يؤدّون الشكر لله.
4 ـ وجماعة آخرون يتجهون الى الأزمات والمصاعب بشوق وعشق ، ويفكرون في كيفية التغلب عليها. ولا يعرفون التعب والنصب في متابعة الأمور ، ولا يهداون حتى تزول المشاكل.
وقد وعد الله مثل هؤلاء الصابرين بالنصر المؤزر( إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ) (1) .
وأنعم عليهم وأثابهم في الدار الاخرى بالجنّة( وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ) (2) .
* * *
__________________
(1) الأنفال ، 65.
(2) سورة الإنسان ، 12.
الآيتان
( فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (117) )
التّفسير
عامل الانحراف والفساد في المجتمعات :
من اجل إكمال البحوث السابقة ذكر في هاتين الآيتين اصل اساسي اجتماعي يضمن نجاة المجتمعات من الفساد ، وهو انّه ما دام هناك في كل مجتمع طائفة من العلماء المسؤولين والملتزمين الذين يحاربون كل اشكال الفساد والانحراف ، ويأخذون على عاتقهم قيادة المجتمع فكريا وثقافيا ودينيا ، فإنّ هذا المجتمع سيكون مصونا من الزيغ والانحراف.
لكن متى ما سكت عن الحق اهله وحماته ، وبقي المجتمع دون مدافع امام عوامل الفساد ، فإنّ انتشار الفساد ومن ورائه الهلاك امر حتمي.
الآية الاولى اشارت الى القرون والأمم المتقدمة الذين ابتلوا بأشد انواع
البلاء قائلة :( فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ ) ثمّ تستثني جماعة فتقول :( إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا ) .
هذه الجماعة القليلة وان كانت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، ولكنّها كحال لوطعليهالسلام وأسرته الصغيرة ، ونوح والمعدودين ممن آمن به ، وصالح وجماعة من اتباعه ، فإنّهم كانوا قلّة لم توفق للإصلاح العام والكلي في المجتمع.
وعلى كل حال فإنّ الظالمين الذين كانوا يشكلون القسم الأكبر من المجتمع اتبعوا لذاتهم وتنعمهم ، وكما تقول الآية :( وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ ) .
وللتأكيد على هذه الحقيقة ، تأتي الآية الثّانية لتقول : انّ هذا الذي ترون من إهلاك الله للأمم ، إنّما كان لعدم وجود المصلحين فيهم( وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ) .
وأحيانا يسود الظلم والفساد في المجتمع ، لكن المهم انّ الناس يشعرون بالظلم والفساد وهم في طريق الإصلاح ، وبهذا الشعور والاحساس والتحرك بخطوات في طريق الإصلاح يمهلهم الله ، ويقرّ لهم قانون الخلق حق الحياة.
ولكن هذا الاحساس متى ما انعدم وأصبح المجتمع صامتا ، وأخذ الفساد والظلم في الانتشار بكل مكان فإنّ قانون الخلق والوجود لا يعطيهم الحق في الحياة ، وهذه الحقيقة تتضح بمثال يسير في البدن قوّة ومناعة كريّات الدم البيضاء التي تواجه المكروبات والجراثيم عند دخولها البدن عن طريق الهواء او الغذاء او الماء او الجروح الجلدية إلخ
وهذه الكريّات البيضاء بمثابة الجنود المقاتلة إذ تقف بوجه المكروبات والجراثيم فتبيدها ، او على الأقل تحدّ من انتشارها ونموّها.
وبديهي ان هذه القوة الدفاعية التي تتشكل من ملايين الجنود ، لو أضربت يوما عن العمل وبقي البدن دون مدافع ، فسيكون ميدانا لهجوم الجراثيم الضارّة
بحيث تسرع انواع الأمراض الى البدن.
وجميع المجتمعات البشرية لها مثل هذه الحالة ، فلو ارتفعت هذه القوّة المدافعة عنها وهي ما عبّر عنه القرآن ب( أُولُوا بَقِيَّةٍ ) فإن جراثيم الأمراض الاجتماعية المتوفرة في كل زاوية من المجتمع سرعان ما تنمو وتتكاثر ويسقط المجتمع صريع الأمراض المختلفة.
ان اثر( أُولُوا بَقِيَّةٍ ) في بقاء المجتمع حساس للغاية ، حتى يمكن القول : انّ المجتمع من دون «اولي بقية» يسلب حق الحياة ، ومن هنا فقد وردت الاشارة إليهم في الآية المتقدمة.
من هم( أُولُوا بَقِيَّةٍ ) ؟
كلمة «اولوا» تعني الاصحاب ، وكلمة «بقيّة» معناها واضح اي ما يبقى ، ويستعمل هذا التعبير في لغة العرب بمعنى «أولو الفضل» لانّ الإنسان يدخر الأشياء النفيسة والجيّدة لتبقى عنده ، فالمصطلح( أُولُوا بَقِيَّةٍ ) يحمل في نفسه مفهوم الخير والفضل.
ونظرا لانّ الضعفاء ـ عادة ـ يرجّحون الفرار على القرار في ميدان المواجهة الاجتماعية ، او يصيبهم الفناء ، ولا يبقى في ميدان المواجهة إلّا من يتمتع بقوّة فكرية او جسدية ، وبذلك يبقى الأقوياء فقط ، ومن هذا المنطلق ايضا تقول العرب في أمثالها : في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا.
كما جاءت كلمة «بقيّة» في القرآن الكريم في ثلاثة موارد وهي تحمل هذا المفهوم ، حيث نقرا في قصّة طالوت وجالوت( إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى ) (1) .
وقرانا ايضا قصّة شعيب (في هذه السورة) مخاطبا قومه :( بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ
__________________
(1) سوره البقرة ، الآية 248.
لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (1) .
وحيث نجد في قسم من التعبيرات اطلاق( بَقِيَّتُ اللهِ ) على «المهدي الموعود»عليهالسلام فهو اشارة الى هذا الموضوع ايضا ، لانّه وجود ذو فيض وذخيرة الهية كبرى ، وهو معدّ ليطوي بساط الظلم والفساد وليرفع لواء العدل في العالم كله.
ومن هنا نعرف الحق الكبير لهؤلاء الرجال الاجلّاء الافذاذ والمكافحين للفساد ، والمصطلح عليهم ب( أُولُوا بَقِيَّةٍ ) على المجتمعات البشرية لانّهم رمز لبقاء الأمم وحياتها ونجاتها من الهلاك.
المسألة الاخرى التي تستجلب النظر في الآية المتقدمة انّها تقول :( وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ) .
وبملاحظة التفاوت بين كلمتي «مصلح» و «صالح» تتجلى هذه المسألة الدقيقة ، وهي انّ الصلاح وحده لا يضمن البقاء ، بل إذا كان المجتمع فاسدا ولكن افراده يسيرون باتجاه إصلاح الأمور فالمجتمع يكون له حق البقاء والحياة ايضا.
فلو انعدم الصالح والمصلح في المجتمع فإنّ من سنة الخلق ان يحرم ذلك المجتمع حق الحياة ويهلك عاجلا.
وبتعبير آخر : متى كان المجتمع ظالما ولكنه مقبل على إصلاح نفسه ، فهذا المجتمع يبقى ، ولكن إذا كان المجتمع ظالما ولم يقبل على نفسه فيصلحها او يطهرها فإنّ مصيره الى الفناء والهلاك.
المسألة الدقيقة الاخرى : انّ واحدا من أسس الظلم والاجرام ـ كما تشير اليه الآيات المتقدمة ـ هو اتباع الهوى وعبادة اللّذة وحبّ الدنيا ، وقد عبّر القرآن عن كل ذلك بـ «الترف».
فهذا التنعم والتلذذ غير المقيد وغير المشروط أساس الانحرافات في
__________________
(1) هود ، 86.
المجتمعات المرفهة ، لانّ سكرها من شهواتها يصدها عن إعطاء القيم الانسانية الاصيلة حقّها ودرك الواقعيات الاجتماعية ، ويغرقها في العصيان والآثام.
* * *
الآيتان
( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) )
التّفسير
في الآية الاولى محل البحث اشارة الى واحدة من سنن الخلق والوجود والتي تمثّل اللبنات التحتيّة لسائر المسائل المرتبطة بالإنسان وهي مسألة الاختلاف والتفاوت في بناء الإنسان روحا وفكرا وجسما وذوقا وعشقا ، ومسألة حرية الارادة والاختيار.
تقول الآية( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) . لئلا يتصور احد من الناس انّ تأكيد الله وإصراره على طاعة امره دليل على عدم قدرته على ان يجعلهم في سير واحد ومنهج واحد.
نعم ، لم يكن ـ اي مانع ـ ان يخلق جميع الناس بحكم إلزامه وإجباره على شاكلة واحدة ، ويجعلهم مؤمنين بالحق ومجبورين على قبول الايمان به لكن مثل هذا الايمان لا تكون فيه فائدة ولا في مثل هذا الاتحاد فالإيمان القسري الذي ينبع من هدف غير ارادي لا يكون علامة على شخصية
الفرد ولا وسيلة للتكامل ، ولا يوجب الثواب كما هو الحال في خلق النحل خلقا يدفعها بحكم الغريزة الى ان تجمع الرحيق من الازهار وخلق بعوضة الملاريا خلقا يجعلها تستقر في المستنقعات ، ولا يمكن لايّ منهما ان تتخلى عن طريقتها.
الّا انّ قيمة الإنسان وامتيازه وأهم ما يتفاوت فيه عن سائر الموجودات هي هذه الموهبة ، وهي حرية الارادة والاختيار ، وكذلك امتلاك الأذواق والاطباع والأفكار المتفاوتة التي يصنع كل واحد منها قسما من المجتمع ويؤمّن بعدا من ابعاده.
ومن طرف آخر فإنّ الاختلاف في انتخاب العقيدة والمذهب امر طبيعي مترتب على حرية الارادة ويكون سببا لانّ تقبل جماعة طريق الحق وتتبع جماعة أخرى الباطل ، الّا ان يتربى الناس تربية سليمة في احضان الرحمة الالهية ويتعلموا المعارف الحقة بالاستفادة من مواهب الله تعالى لهم ففي هذه الحال ، ومع جميع ما لديهم من اختلافات ، ومع الاحتفاظ بالحريّة والاختيار ، فإنّهم سيخطون خطوات في طريق الحق وان كانوا يتفاوتون في هذا المسير.
ولهذا يقول القرآن الكريم في الآية الاخرى :( إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) ولكن هذه الرحمة الالهية ليست خاصّة بجماعة معينة ، فالجميع يستطيعون «شريطة رغبتهم» ان يستفيدوا منها( وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) .
الأشخاص الذين يريدون ان يستظلوا برحمة الله فإنّ الطريق مفتوح لهم الرحمة التي افاضها الله لجميع عباده عن طريق تشخيص العقل وهداية الأنبياء.
ومتى ما استفادوا من هذه الرحمة والموهبة ، فإنّ أبواب الجنّة والسعادة الدائمة تفتح بوجوههم ، والّا : فلا :( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) .
* * *
ملاحظات
1 ـ حرية الارادة هي أساس خلق الإنسان ودعوة جميع الأنبياء ، وأساسا لا يستطيع الإنسان بدونها ان يخطو ولو خطوة واحدة في مسير التكامل «التكامل الانساني والمعنوي» ولهذا فقد اكّدت آيات متعددة على انّه لو شاء الله ان يهدي الناس بإجباره لهم جميعا لفعل ، لكنّه لم يشأ.
فيما يتعلق بالله هو الدعوة الى المسير الحق وتعريف الطريق ووضع العلامات ، والتنبيه ، على ما ينبغي الحذر منه وتعيين القائد للمسيرة البشرية والمنهج فحسب.
يقول القرآن الكريم :( إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ) (1) كما يقول ايضا( إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ) (2) ويقول في سورة الشمس :( فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ) (3) ونقرا ايضا في سورة الدهر الآية (4) :( إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) فعلى هذا فإنّ الآيات محل البحث من أوضح الآيات التي تؤكّد على حرية الارادة ونفي مذهب الجبر ، وتدل على انّ التصميم النهائي هو بيد الإنسان.
2 ـ في الهدف من الخلق والوجود ، في آيات القرآن بيانات مختلفة ، وفي الحقيقة يشير كل واحد منها الى بعد من ابعاد هذا الهدف ، من هذه الآيات( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (4) اي ليتكاملوا في مذهب العبادة وليبلغوا أعلى مقام للانسانية في هذا المذهب.
ونقرا في مكان آخر( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ
__________________
(1) الليل ، 12.
(2) الغاشية ، 21.
(3) الشمس ، 8.
(4) الذاريات ، 56.
عَمَلاً (1) .
امّا في الآية محل البحث فيقول :( وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) وكما تلاحظون فإنّ جميع هذه الخطوط تنتهي الى نقطة واحدة ، وهي تربية الناس وهدايتهم وتقدمهم وتكاملهم ، وكل ذلك يعدّ الهدف النهائي للخلق.
وفائدة هذا الهدف تعود للإنسان نفسه لا الى الله ، لانّ الله وجود مطلق لا نهاية له من جميع الجهات ، ومثل هذا الوجود لا نقص فيه ليرفعه ويزيله بالخلق.
3 ـ وفي نهاية الآية الاخيرة تأكيد على الأمر الالهي بملء جنهم من الجن والانس أجمعين ، وبديهي انّ هذا الأمر المحتوم فيه شرط واحد وهو الخروج من دائرة رحمة الله ، والتقهقر عن هداية الرسل والادلّاء من قبله ، وبهذا الترتيب فإنّ هذه الآية لا يعتبر دليلا على مذهب الإجبار بل هي تأكيد جديد على مذهب الاختيار.
* * *
__________________
(1) الملك ، 2.
الآيات
( وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (121) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (122) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123) )
التّفسير
اربع معطيات لقصص الماضين :
بانتهاء هذه الآيات تنتهي سورة هود ، وفي هذه الآيات استنتاج كلي لمجموع بحوث هذه السورة ، وبما انّ القسم الاهمّ من هذه السورة يتناول القصص التي تحمل العبر من سيره الأنبياء والأمم السابقة ، فإنّ هذه القصص تعطي نتائج قيّمة ملخّصة في اربعة مواضيع.
تقول هذه الآيات اوّلا :( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ) . وكلمة «كلّا» اشارة الى تنوع هذه القصص ، وكل نوع منها يشير الى
اتّخاذ جبهة «قبال الأنبياء» ونوع من الانحرافات ونوع من العقاب ، وهذا التنوّع يلقي اشعة نيرة على ابعاد حياة الناس.
«تثبيت قلب النّبي»صلىاللهعليهوآلهوسلم وتقوية ارادته ـ التي يشار إليها في هذه الآية ـ امر طبيعي ، لانّ معارضة الأعداء اللجوجين الشديدة والقاسية ـ رضينا ام أبينا ـ تؤثر على قلب النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لانّه انسان وبشر ايضا. ولكن من اجل ان لا ينفذ اليأس الى قلب النّبي المطهّر وتضعف ارادته الفولاذية من هذه المعارضة والمخالفات والمثبطات ، فإنّ الله يقص عليه قصص الأنبياء وما واجهوه ، ومقاومتهم قبال أممهم المعاندين ، وانتصارهم الواحد تلو الآخر ليقوي قلب النّبي والمؤمنين الذي يلتّفون حوله يوما بعد يوم.(1) .
ثمّ تشير الآية الى النتيجة الكبرى الثّانية فتقول الآيات : وجاءك في هذه الحق.
امّا ثالث الآثار ورابعها اللذان يستلفتان النظر هما( مَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ) .
الطريف هنا انّ صاحب المنار يقول في تفسير الآية معقبا : انّ الإيجاز والاختصار في هذه الآية المعجزة في غاية ما يتصور ، حتى كأنّ جميع المعاجز السالفة قد جمعت في الآية نفسها وبيّنت فوائدها جميعا بعدّة جمل قصيرة.
وعلى اية حال ، فإنّ هذه الآية تؤكّد مرّة اخرى انّه لا ينبغي ان نعدّ قصص القرآن ملهاة او يستفاد منها لاشغال السامعين ، بل هي مجموعة من احسن الدروس الحياتية في جميع المجالات ، وطريق رحب لجميع الناس في الحاضر والمستقبل.
__________________
(1) ممّا ذكر في المتن يتّضح انّ مرجع الضمير في «هذه» يعود على «أَنْباءِ الرُّسُلِ » وعودة الضمير على هذه الكلمة لقربها وتناسبها مع البحوث الواردة في هذه الآية واضح جدّا ، لكنّ الاحتمالات الاخرى بأنّ المشار اليه هو «الدنيا» او «خصوص الآيات السابقة» فبعيد ، كما يبدو ، وما قاله كثير من المفسّرين من انّ المشار اليه هو «السورة» فقابل للمطابقة مع ما ذكرنا ، لانّ القسم الاهمّ من السورة يتناول قصص الأنبياء السابقين.
ثمّ تخاطب الآيات النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يواجه أعداءه الذين يؤذونه ويظهرون اللجاجة والعناد ان واصل الطريق( وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ) .
فستعلمون من الذي سينتصر ، انتظروا هزيمتنا كما تزعمون انتظارا غير مجد ، ونحن ننتظر العذاب من الله عليكم ، وهو ما ستذوقونه من قبلنا او من قبل الله مباشرة.
وهذه التهديدات التي تذكر بصيغة الأمر تلاحظ في أماكن اخرى من القرآن كقوله تعالى :( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (1) .
ونقرا في شأن الشيطان ايضا( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ) (2) .
وبديهي انّه لا يراد بأيّة صيغة من صيغ الأمر هنا طلب الفعل ، بل جميعها جاءت للتهديد والتنديد.
وآخر الآيات من هذه السورة تتحدث عن التوحيد «التوحيد المعرفي والتوحيد الافعالي ، وتوحيد العبادة» كما تحدثت الآيات الاولى من هذه السورة عن التوحيد ايضا.
هذه الآية ـ في الحقيقة ـ تشير الى ثلاث شعب من التوحيد ، توحيد علم الله اوّلا ، فغيب السّماوات والأرض خاص بالله وهو المطّلع عليها جميعا( وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) .
امّا سواه فعلمه محدود ، وفي الوقت ذاته فإنّ هذا العلم ناشئ من التعليم الإلهي ، فعلى هذا فإنّ العلم غير المحدود ، والعلم الذاتي بالنسبة ما في السموات والأرض مخصوص بذات الله المقدسة.
__________________
(1) فصّلت ، 40.
(2) الاسراء ، 64.
ومن جهة ثانية فإنّ ازمّة جميع الأفعال مرهونة بقدرته( وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ) وهذه مرحلة توحيد الأفعال.
ثمّ تستنتج الآية انّه إذا علمت انّ الاحاطة والعلم غير المحدود والقدرة التي لا تنتهي جميعها مخصوص بذات الله المقدّسة( فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) وهذه مرحلة توحيد العبادة.
فينبغي اجتناب العصيان والعناد والطغيان( وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) .
* * *
ملاحظات
1 ـ علم الغيب خاص بالله
كما تحدثنا بالتفصيل في تفسير الآية (188) من سورة الأعراف ، وفي تفسير الآية (50) من سورة الانعام ، انّه لا مجال للتردد في انّ الاطلاع على الأسرار الخفية او الأسرار الماضية والآتية كله خاص بالله والآيات المختلفة من القرآن تؤكّد هذه الحقيقة وتؤيدها ايضا انّه ليس كمثله شيء وهو متفرد بهذه الصفة.
وإذا وجدنا في قسم من آيات القرآن بيان انّ الأنبياء قد يعلمون بعض الأمور الغيبية ، او قرانا في بعض الآيات او الرّوايات الكثيرة انّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والامام عليّا والائمة المعصومينعليهمالسلام قد يخبرون عمّا يجري في المستقبل من حوادث ويبيّنون اسرارا خفيّة منها ، فينبغي ان نعرف ان كل ذلك بتعليم الله سبحانه.
فهو سبحانه حيث يجد المصلحة يطلع عباده وأولياءه على قسم من اسرار الغيب ، ولكن هذا العلم لا هو علم ذاتي ولا غير محدود ، بل هو من تعليم الله وهو محدود بمقدار ما يريده الله.
وبهذا البيان تتّضح الاجابة على المنتقدين لعقيدة الشيعة في مجال على الغيب حيث يرون انّ الأنبياء والائمةعليهمالسلام يعلمون الغيب.
وليس الاطلاع على علم الغيب من قبل الله خاصا بالأنبياء او الائمّة فقد يطلع الله غير النّبي والائمّة على غيبه ايضا فنحن نقرا في قصّة ام موسى في القرآن انّ الله قال لها :( وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (1) .
وقد يطلع الله لضرورة الحياة ـ أحيانا ـ الطيور والحيوانات على الأسرار الخفيّة وحتى على المستقبل البعيد نسبيّا ممّا يصعب علينا تصوّره وبهذا الترتيب قد تكون بعض المسائل التي نحسبها غيبا ، هذه المسائل نفسها بالنسبة للطيور او الحيوانات لا تعد من الغيب.
2 ـ العبادة لله وحده
في الآية المتقدمة دليل لطيف على انّ العبادة لله وحده ، وهو انّه لو كانت العبادة من اجل العظمة وصفات الجمال ، والجلال فهذه الصفات قبل كل شيء موجودة في الله ، وامّا الآخرون فلا شيء بالنسبة اليه. واكبر دليل على عظمة الله علمه الواسع غير المحدود وقدرته اللامتناهية ، وقد اشارت الآية الآنفة الى انّهما مختصّان بالله.
وإذا كانت العبادة لأجل الالتجاء ـ في حلّ المشاكل ـ الى المعبود فإنّ مثل هذا العمل جدير بمن هو عليم بجميع حاجات العباد واسرارهم الخفيّة. وما يغيب عليهم ، وهو قادر على اجابة دعوتهم ، وبالنتيجة فإنّ توحيد الصفات يكون سببا لتوحيد العبادة (لاحظوا بدقّة).
3 ـ قال بعض المفسّرين : انّ سير الإنسان في طريق عبودية الله ، لخّص كلّه
__________________
(1) القصص ، 7.
في جملتين في هذه الآية( فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) لانّ العبادة سواء كانت عبادة جسمانية كالعبادة العامّة ، او عبادة روحانية كالتفكّر في خلق الله ونظام اسرار الوجود ، هي بداية هذا السير.
والتوكّل الذي يعني الالتجاء المطلق الى الله وإيداع جميع الأشياء بيده ، بحيث يعدّ نوعا من «الفناء في الله» هو آخر نقطة من هذا السير.
وفي جميع هذا المسير من بدايته حتى نهايته يوجههم الى حقيقة توحيد الصفات ، ويعين السائرين في هذا المسير ويدعوهم الى البحث المقرون بالعشق لساحته.
اللهم ألهمنا معرفتك بصفات جلالك وجمالك.
وألهمنا ان نتحرك إليك بعرفان.
اللهم وفقنا لان نعبدك مخلصين ونتوكل عليك عاشقين.
اللهم أنت رجاؤنا وملاذنا في حل مشاكلنا ، ففي هذه الفترة من الزمن أحاطت بالمسلمين المشاكل من كل جانب ، وسعى اعداء الله لإطفاء نور هذه الصحوة المباركة ، فأنت وليّنا.
اللهم : لم نكن لنصل لهذه المرحلة لو لا تأييداتك الظاهرة والخفيّة التي اعانتنا للوصول إليها. نسألك ان لا تحرمنا من مواهبك العظيمة في ما بقي من الطريق ولا تقطع ـ ألطافك الخاصّة ـ عنّا.
ووفقنا برحمتك ان نواصل هذا التّفسير الذي يفتح نافذة جديدة على كتابك السّماويّ العظيم.
* * *
سورة يوسف
مكيّة وعدد آياتها مائة واحدى عشرة آية
سورة يوسف
بداية سورة يوسف
قبل الدخول في تفسير آيات هذه السورة ينبغي ذكر عدّة امور :
1 ـ لا اشكال بين المفسّرين في انّ هذه السورة نزلت في مكّة ، سوى ما نقل عن ابن عباس انّ اربع آيات مدنية (الآيات الثلاث في اوّل السورة والآية السّابعة منها).
ولكن التدقيق في ارتباط هذه الآيات بعضها مع البعض الآخر في هذه السورة يجعلنا غير قادرين على التفكيك بينها ، فاحتمال نزول هذه الآيات الأربع في المدينة ـ على هذا الأساس ـ بعيد جدّا.
2 ـ جميع آيات هذه السورة سوى الآيات القليلة التي تقع في نهاية السورة تبيّن قصّة نبيّ الله يوسفعليهالسلام . القصّة الطّريفة والجميلة والتي تحمل بين طيّاتها العبر. ولذلك سمّيت هذه السورة باسم «يوسف» وبهذه المناسبة ـ ايضا ـ ورد ذكر يوسف ـ من مجموع (27) مرّة في القرآن ـ (25) مرّة في هذه السورة ومرّة واحدة في سورة غافر الآية (34) ـ ومرّة أخرى في سورة الانعام الآية (84).
ومحتوى هذه السورة ـ على خلاف سور القرآن الاخرى ـ مرتبط بعضه ببعض ، ويبيّن جوانب مختلفة من قصّة واحدة وردت في اكثر من عشرة فصول ، مع بيان اخاذ موجز ، عميق ، وطريف ومثير.
وبالرغم من انّ القصّاصين غير الهادفين ، او من لهم أغراض رخيصة سعوا الى ان يحوّلوا هذه القصّة المهذّبة الى قصّة عشق يحرك اهل الهوى والشهوة!!
وان يمسخوا الوجه الواقعي ليوسفعليهالسلام بحيث بلغت الحال ان يصوروا «فيلما سينمائيا» وينشروه بصورة مبتذلة الّا انّ القرآن ـ وكلّ ما فيه أسوة وعبرة ـ عكس في ثنايا هذه القصّة اسمى دروس العفة وضبط النفس والتقوى والايمان ، حتى لو انّ إنسانا قراها عدة مرات فإنّه يتأثر ـ بدون اختيار ـ بأسلوبها الجذّاب في كل مرّة.
ولذا فقد عبّر القرآن عنها ب( أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) وجعل فيها العبر للمعتبرين( أُولِي الْأَلْبابِ ) .
3 ـ التدقيق في آيات هذه السورة يكشف هذه الحقيقة للإنسان ، وهي انّ القرآن معجز في جميع ابعاده ، لان الابطال الذين يقدمهم في قصصه ابطال حقيقيّون لا خياليّون ، وكل واحد في نفسه منهم منعدم النظير : فإبراهيمعليهالسلام : البطل الذي حطّم الأصنام بروحه العالية التي لا تقبل المساومة مع الطغاة.
ونوحعليهالسلام : بطل الصبر والاستقامة والشفقة والقلب المحترق في ذلك العمر الطويل المبارك.
وموسىعليهالسلام : البطل المربّي لقومه اللجوجين ، والذي وقف بوجه فرعون المتكبر الطاغي.
ويوسفعليهالسلام : بطل الورع والتقوى والطهارة امام امراة محتالة جميلة عاشقة.
بعد هذا كلّه تتجلّى القدرة البيانية للوحي القرآني بصورة تحيّر الإنسان ، لانّ هذه القصّة ـ كما نعرف ـ تنتهي في بعض مواردها الى مسائل العشق ودون ان يمسخها القرآن او يتجاوزها يتعرض الى الاحداث في مسرحها بدقة بحيث لا يحس السامع شيء غير مطلوب فيها. ويذكر القضايا بأجمعها في المتن ، ولكن تحفّها اشعة قوية من التقوى والطهارة.
4 ـ قصّة يوسف قبل الإسلام وبعده
لا شكّ انّ قصّة يوسف كانت مشهورة ومعروفة بين الناس قبل الإسلام ، لانّها مذكورة في (14) فصلا من [سفر التكوين] في التوراة بين [الفصل 37 ـ 50] ذكرا مفصلا.
وبطبيعة الحال فإنّ المطالعة الدقيقة في هذه الفصول الاربعة عشر تكشف مدى الاختلاف بين ما جاء في التوراة وما جاء في القرآن.
وبالمقارنة بين نصّ التوراة ونصّ القرآن نجد انّ نصّ القصّة في القرآن في غاية الصدق وتخلو من اي خرافة.
وما يقوله القرآن للنّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم :( وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ ) يشير الى قصّة يوسف التي عبّر عنها بأحسن القصص ، حيث لم يكن النّبي مطّلعا على حقيقتها الخالصة.
ويظهر من التوراة انّ يعقوبعليهالسلام لما راى قميص يوسف ملطخا بالدم قال : هذا قميص ولدي وقد اكله الحيوان المفترس ، فيوسف ممزق الأحشاء ثمّ خرّق يعقوب ثوبه وشدّ الحزام على ظهره وجلس ايّاما للبكاء والنواح على يوسف ، وقد عزّاه جميع ابنائه ذكورا وإناثا الّا انه امتنع ان يقبل تعزيتهم وقال : سأدفن في القبر حزنا على ولدي.
بيد انّ القرآن يبيّن : انّ يعقوب لم يصدّق ما قاله أولاده ، ولم يفزع ولم يجزع لمصيبة ولده يوسف ، بل ادّى ما عليه من سنّة الأنبياء من الصبر والتوكل على الله ، وقال لأبنائه :( بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ) وان كان قلبه يحترق على فراق ولده وعيناه تدمعان من اجله حتى ابيضتا وعميتا ، ولكن ـ وكما يعبر القرآن ـ لم يقم بأي عمل من قبيل تخريق الثوب والنواح وشدّ الحزام على ظهره ـ والذي كان علامة للمصيبة و «العزاء» ـ وانّما قال : «صبر جميل» وكتم حزنه «فهو كظيم».
وعلى كل حال فإنّ هذه القصّة ـ بعد الإسلام ـ تناقلتها أقلام مؤرخي الشرق والغرب وأحيانا مع أغصان وأوراق اضافية.
5 ـ لم ذكرت قصّة يوسف في مكان واحد على خلاف قصص سائر الأنبياء؟!
انّ من خصائص قصّة يوسف البارزة انّ هذه القصّة ذكرت في مكان واحد من القرآن ، على خلاف قصص الأنبياء التي ذكرت على شكل فصول مستقلة في سور متعددة من القرآن.
والحكمة في ذلك تعود الى ان تفكيك فصول هذه القصّة مع ملاحظة وضعها الخاص يفقدها ترابطها وانسجامها ، فلهذا ينبغي ان تذكر كاملة في مكان واحد للحصول على النتيجة المتوخاة وعلى سبيل المثال فان الرؤيا وما ذكره أبوه من تعبير في اوّل هذه السورة يفقد معناه دون ذكر نهايتها.
لذلك نقرا في أواخر هذه السورة ، حين جاء يعقوب واخوة يوسف الى مصر وخرّوا له سجّدا قال يوسف ملتفتا الى أبيه :( يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ) (1) .
هذا النموذج يوضح الارتباط الوثيق بين بداية السورة ونهايتها ، في حين انّ قصص الأنبياء الآخرين ليست على هذه الشاكلة ، ويمكن درك كل واحدة من خلال فصولها.
والخصيصة الاخرى خصائص هذه السورة هي انّ قصص الأنبياء التي وردت في السور الاخرى من القرآن تبيّن عادة مواجهة الأنبياء لقومهم المعاندين والطغاة ، ثمّ تنتهي الحالة الى ايمان جماعة بالأنبياء ومخالفة جماعة اخرى لهم واستحقاقهم عذاب الله وعقابه.
__________________
(1) الآية 100.
امّا في قصّة يوسف فلا كلام عن هذا الموضوع ، بل اكثر ما فيها بيان حياة يوسف نفسه ونجاته من المزالق الخطيرة التي تنتهي أخيرا الى استلامه سدّة الحكم ، وهي في حدّ ذاتها «أنموذج» خاص.
6 ـ فضيلة سورة يوسف
وردت في الرّوايات الاسلامية فضائل مختلفة في تلاوة هذه السورة ، ونقرا من ضمنها حديثا عن الامام الصادقعليهالسلام حيث يقول : «من قرا سورة يوسف في كل يوم او في كل ليلة ، بعثه الله يوم القيامة وجماله مثل جمال يوسف ، ولا يصيبه فزع يوم القيامة ، وكان من خيار عباد الله الصالحين»(1) .
انّ الرّوايات التي وردت في فضائل سور القرآن ـ كما قلنا مرارا ـ ليس معناها القراءة السطحيّة دون تفكر وعمل ، بل تلاوة تكون مقدمة للتفكر التفكر الذي يجر الى العم ، ومع ملاحظة محتوى هذه السورة يتّضح ان من يستلهم خطة حياته من هذه القصّة ، ويعفّ نفسه امام طوفان شديد من الشّهوات والمال والجاه والمقام ، الى درجة يرى بها خفرة السجن المظلمة مقرونة بطهارة الثوب أفضل من الحياة في قصور الملوك الملوّثة ، فإنّ مثل هذا الشخص في جمال روحه كجمال يوسف ، وما من خفيّ الّا ظهر يوم القيامة وسيجد له جمالا مذهلا ويكون في صف عباد الله الصالحين.
وممّا يلزم ذكره انّه ورد في عدد من الأحاديث النهي عن تعليم هذه السورة «للنساء» ، ولعلّ السرّ في ذلك هو ما في الآيات المرتبطة بامراة عزيز مصر فبالرغم من سرد القصّة في بيان عفيف ، الّا انّها سبب لتحريك بعض النساء ايضا وقد جاء التأكيد على تعليم سورة «النّور» المشتملة على آيات الحجاب للنساء بدلا من سورة يوسف.
__________________
(1) مجمع البيان في تفسير الآية.
ولكن سند هذه الرّوايات بشكل عام لا يعتمد عليه ، اضافة الى ذلك فقد ورد في بعض الرّوايات الاخرى خلاف ذلك حيث ترغّب في تعليم هذه السورة للعائلة. وبعد هذا كلّه فإنّه التدقيق في آيات هذه السورة يكشف انّ هذه السورة ، ليس فيها ايّة نقطة سلبية بالنسبة للنساء ، وليس هذا فحسب ، بل ان ما جرى لامراة عزيز مصر ، درس فيه عبرة لجميع النسوة اللائي يبتلين بالوساوس الشيطانيّة.
* * *
الآيات
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (3) )
التّفسير
احسن القصص بين يديك :
تبدا هذه السورة بالحروف المقطعة «الف. لام. راء» وهي دلالة على عظمة القرآن ، وانّ تركيب هذه الآيات ذات المحتوى العميق متكوّن من ابسط الاجزاء ، وهي حروف الهجاء «الف ـ باء إلخ» وقد تحدثنا عن الحروف المقطعة في القرآن ـ حتى الآن ـ في ثلاثة مواضع «بداية سورة البقرة ، وآل عمران ، والأعراف» بقدر كاف فلا ضرورة للتكرار ، واثبتنا دلالتها على عظمة القرآن.
وربّما كان لهذا السبب ان تأتي الاشارة ـ بعد هذه الحروف المقطعة مباشرة ـ الى بيان عظمة القرآن في هذه السورة ، فتقول :( تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ) .
وممّا يستلفت النظر انّه استفيد من اسم الاشارة «تلك» في هذه الآية للبعيد ، نظير ما جاء في بداية سورة البقرة وبعض السور القرآنية الاخرى. وقد قلنا : انّ
مثل هذه التعبيرات جميعا يشار بها الى عظمة هذه الآيات ، اي انّها بدرجة من الرفعة والعلوّ كأنّها في نقطة بعيدة لا يمكن الوصول إليها ببساطة ، بل بالسعي والجدّ المتواصل فهي في أوج السّماوات وفي اعالي الفضاء اللامتناهي ، لا انّها مطالب ومفاهيم رخيصة يحصل عليها الإنسان في كل خطوة.
ثمّ يأتي البيان عن الهدف من نزول الآيات فيقول :( إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) .
فالهدف اذن ليس القراءة او التلاوة او التيمّن او التبرك بتلاوة هذه الآيات فحسب ، بل الهدف الاساسي هو الإدراك الإدراك القوي الذي يدعو الإنسان الى العمل بجميع وجوده.
وامّا سرّ كون القرآن عربيا فهو بالاضافة الى انّ اللغة العربية واسعة كما يشهد بذلك اهل المعرفة باللغات المختلفة من العالم ، بحيث تستطيع ان تكون ترجمانا للسان الوحي ، وان تبيّن المفاهيم الدقيقة لكلام الله سبحانه ، فمن المسلم به ـ بعد هذا ـ انّ نور الإسلام بزغ في جزيرة العرب التي كانت منطلقا للجاهلية والظلمة والتوحّش والبربرية ، ومن اجل ان يجمع اهل تلك المنطقة حول نفسه فينبغي ان يكون القرآن واضحا مشرقا ، ليعلّم اهل الجزيرة الذين لا حظ لهم من الثقافة والعلم والمعرفة ، ويخلق بذلك مركزا محوريا لانتشار هذا الدين الى سائر نقاط العالم.
وبطبيعة الحال فإنّ القرآن بهذه اللغة «العربيّة» لا يتيسّر فهمه لجميع الناس في العالم (وهذا شأن اية لغة اخرى) لانّنا لا نملك لغة عالمية ليفهمها جميع الناس ، ولكن ذلك لا يمنع من ان يستفيد من في العالم من تراجم القرآن ، او ان يطلعوا تدريجا على هذه اللغة ليتلمسوا الآيات نفسها ويدركوا مفاهيم الوحي في طيّات هذه الألفاظ.
وعلى كل حال فالتعبير بكون القرآن عربيا ـ الذي تكرر في عشرة موارد
من القرآن ـ جواب لأولئك الذين يتهمون النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بأنّه تعلم القرآن من اعجمي ، وانّ محتوى القرآن مستورد وليس وحيا الهيا.
وهذه التعبيرات المتتابعة تحتم ضمنا وظيفة مفروضة على جميع المسلمين ، وهي ان يسعوا جميعا الى معرفة اللغة العربية وان تكون اللغة الثانية الى جانب لغتهم ، لانّها لغة الوحي ومفتاح فهم حقائق الإسلام.
ثمّ يقول سبحانه :( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ ) .
يعتقد بعض المفسّرين انّ( أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) اشارة الى مجموع القرآن ، وانّ جملة( بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ ) قرينة على ذلك. والقصّة هنا ليست بمعنى سرد الحكاية ، بل المراد معناها «الجذري» في اللغة وهو البحث عن آثار الشيء. وبما انّ اي موضوع ـ حين يشرح ويفصّل ـ يبيّن بكلمات متتابعة ، فلذلك يطلق عليه قصّة ايضا.
وعلى كل حال فإنّ الله سبحانه عبّر ب( أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) عن مجموع هذا القرآن الذي جاء في أجمل البيان والشرح ، وافصح الألفاظ وأبلغها ، مقرونة بأسمى المعاني وادقّها ، بحيث يبدو ظاهره عذبا جميلا ، ومن حيث الباطن فمحتواها عظيم.
ونشاهد في روايات متعددة انّ هذا التعبير استعمل في مجموع القرآن ، رغم انّ هذه الرّوايات لم ترد في تفسير هذه الآية ـ محل بحثنا ـ.
فمثلا نقرا حديثا نقله علي بن ابراهيم عن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : «انّ احسن القصص هذا القرآن»(1) .
كما نقل في روضة الكافي عن خطبة لأمير المؤمنين قوله : ان احسن
__________________
(1) نور الثقلين ، ج 2 ، ص 49.
القصص وابلغ الموعظة وانفع الذكر كتاب الله»(1) .
ولكنّ ارتباط الآيات المقبلة التي تبيّن قصّة يوسفعليهالسلام مع هذه الآية ـ محل البحث ـ بشكل يشدّ ذهن الإنسان الى هذا المعنى ، وهو انّ الله عبر عن قصّة يوسف بأحسن القصص وربّما لا ينقدح في أذهان الكثيرين ممن يطالعون بداية آيات هذه السورة غير هذا المعنى.
وقلنا مرارا انّه لا مانع من ان تكون مثل هذه الآيات للمعنيين جميعا فالقرآن هو احسن القصص بصورة عامّة ، وقصّة يوسف هي احسن القصص بصورة خاصّة.
ولم لا تكون هذه القصّة احسن القصص ، مع انّها ترسم في فصولها المثيرة اسمى دروس الحياة؟!
فنحن نشاهد حاكمية ارادة الله على كل شيء هذه القصّة ، وننظر بأعيننا المصير الأسود الذي انتهى اليه الحسّاد وما رقموه على الماء من خطط.
كما تتجسم من خلال سطورها الذلة في الابتذال وعدم العفة ، والعظمة في التقوى ومنظر الصبيّ وهو وحيد في قعر الجبّ ، وفي مشهد آخر نراه يقضي الليالي والايّام دون ذنب في حفرة السجن المظلم ، ثمّ انبثاق نور الأمل من خلف حجب اليأس والظّلمات ، ثمّ نشاهد بعد ذلك حكومته العظيمة الواسعة نتيجة دراسته وأمانته. كل هذه المشاهد تتجلّى للقارىء لهذه القصّة بشكل رتيب.
لحظات وبسبب رؤيا يتحول مصير امّة انقاذ امّة ومجتمع بشري من الهلكة على يد قائد الهي متيقظ وعشرات الدروس الاخرى ـ الكبيرة ـ التي تلوح في هذه القصّة ، فلم لا تكون هذه القصّة احسن القصص؟!
غاية ما في الأمر أنّه لا تكفي أن تكون قصّة يوسف وحدها هي احسن القصص ، بل المهم ان تكون فينا الجدارة لانّ نفهم هذا الدرس العظيم وان نعرف
__________________
(1) نور الثقلين ، ج 2 ، ص 49.
مكانه من نفوسنا.
فكثير من الناس لا يزال ينظر الى قصّة يوسفعليهالسلام على انها حادثة عشق طريف ، ومثله كمثل الدابّة التي يلوح لها البستان النضر المليء بالازهار ، الّا انّها تراه حفنة من «العلف» تسدّ جوعها :
وما يزال الكثير من الناس يضفي على القصّة افرازات خيالية كاذبة ليحرّف القصّة عن واقعها وهذا من عدم اللياقة وفقدان الجدارة وعدم قابلية المحل ، والّا فإنّ اصل القصّة جمع كل انواع القيم الانسانية العليا في نفسه.
وسنرى في المستقبل ـ بإذن الله ـ انّه لا يمكن تجاوز فصول هذه القصّة الجامعة والجميلة وكما يقول الشاعر في هذه القصّة :
يسكر من عطر الزهور الفتى |
حتى يرى مفتقدا ثوبه! |
* * *
اثر القصّة في حياة الناس
مع ملاحظة انّ القسم المهمّ من القرآن قد جاء على صورة تأريخ للأمم السابقة وقصص الماضين ، فقد يتساءل البعض : لم يحمل هذا الكتاب التربوي كل هذا «التأريخ» والقصص؟!
وتتضح العلة الحقيقية للموضوع بملاحظة عدّة نقاط :
1 ـ انّ التاريخ مختبر لنشاطات البشرية المختلفة ، وما رسمه الإنسان في ذهنه من الأفكار والتصورات يجده بصورة عينية على صفحات التأريخ. وبملاحظة انّ اكثر المعلومات البشرية توافقا مع الواقع والحقيقة هي التي تحمل جانبا حسيّا ، فإنّ دور التاريخ في اظهار الواقعيّات الحياتية يمكن دركه جيدا.
فالإنسان يرى بأم عينيه الهزيمة المردية ـ لامّة ما ـ نتيجة اختلافها وتفرقها ، كما يرى النجاح المشرق في قوم آخرين في ظل اتّحادهم وتوافقهم. فالتاريخ
يتحدّث بلغة ـ من دون لسان ـ عن النتائج القطعية وغير القابلة للإنكار للتطبيقات العملية للمذاهب والخطط والبرامج عند كل قوم.
وقصص الماضين مجموعة من اكثر التجارب قيمة. ونعرف انّ خلاصة الحياة ومحصولها ليس شيئا سوى التجربة.
والتاريخ مرآة تنعكس عليها جميع ما للمجتمعات الانسانية من محاسن ومساوئ ورقي وانحطاط والعوامل لكلّ منها.
وعلى هذا فإنّ مطالعة تاريخ الماضين تجعل عمر الإنسان طويلا بقدر أعمارهم حقّا ، لانّها تضع مجموعة تجاربهم خلال أعمارهم تحت تصرفه واختياره.
ولهذا يقول الامام عليعليهالسلام في حديثه التاريخي خلال وصاياه لولده الحسن المجتبى في هذا الصدد : «اي بني اني وان لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي ، فقد نظرت في اعمالهم ، وفكّرت في اخبارهم ، وسرت في آثارهم ، حتى عدت كأحدهم ، بل كأنّي بما انتهى الي من أمورهم قد عمرت من اوّلهم الى آخرهم»(1) .
والتاريخ الذي نتحدث عنه طبعا هو التاريخ الخالي من الخرافات والأكاذيب والتملّقات والتحريفات والمسوخات.
ولكن ـ وللأسف ـ مثل هذا النوع من التاريخ قليل جدا.
ولا ينبغي ان نبعد عن النظر ما للقرآن من اثر في بيان «نماذج» من التاريخ الأصيل واراءتها.
التاريخ الذي ينبغي ان يكون كالمرآة الصافية لا المقعّرة.
التاريخ الذي لا يتحدث عن الوقائع فحسب ، بل يصل الى الجذور ويسترشف النتائج.
فمع هذه الحال لم لا يستند القرآن ـ الذي هو كتاب تربوي عال في فصوله ـ
__________________
(1) نهج البلاغة ، من كتاب لهعليهالسلام لولده الحسن المجتبىعليهالسلام .
على التاريخ ويأتي بالشواهد والأمثال من قصص الماضين؟! 2 ـ ثمّ بعد هذا فإنّ للتاريخ والقصّة جاذبية خاصّة ، والإنسان واقع تحت هذا التأثير الخارق للعادة في جميع أدوار حياته من سنّ الطفولة حتى الشيخوخة.
ولذلك فإنّ التاريخ والقصّة يشكلان القسم الأكبر من آداب العالم وآثار الكتّاب. واحسن الآثار التي خلّفها الشعراء والكتاب الكبار سواء كانوا من بلاد العرب او من فارس او من بلاد اخرى هي قصصهم.
فأنت تلاحظ «الكلستان» ـ لسعدي و «الشاهنامة» لفردوسي و «الخمسة» للنظامي وكذلك آثار «فيجتور هيجو» الفرنسي و «شكسبير» الانجليزي و «غوته» الالماني جميعها كتبت على هيئة قصص جذابة».
والقصّة سواء كتبت نثرا او شعرا ، او عرضت على شاشة المسرح او بواسطة الفيلم السينمائي ، فإنّها تترك أثرا في المشاهد والمستمع دونها اثر الاستدلالات العقلية في مثل هذا التأثير.
والعلّة في ذلك قد تكون انّ الإنسان حسي بالطبع قبل ان يكون عقليا ويتخبط في المسائل المادية قبل ان يتعمق في المسائل الفكرية.
وكلما ابتعد الإنسان عن ميدان الحسّ في نفسها جانبا عقليا ، كانت هذه المسائل أثقل على الذهن وابطأ هضما.
ومن هنا نلاحظ انّه لأجل بيان الاستدلال العقلي يستمد المفكرين في المسائل الاجتماعية والحياتية المختلفة وتوغل في البعد العقلي من الامثلة الحسيّة ، وأحيانا يكون للمثال المناسب والمؤثر في الاستدلال قيمة مضاعفة ، ولذلك فإنّ العلماء الناجحين هم أولئك الذين لهم هيمنة على انتخاب احسن الامثلة.
ولم لا يكون الأمر كذلك ، والاستدلالات العقلية هي حصيلة المسائل الحسّية والعينيّة والتجريبيّة؟!
3 ـ القصّة والتاريخ مفهومان عند كل احد ، على خلاف الاستدلالات العقلية ، فإنّ الناس في فهمها ليسوا سواسية وعلى هذا فإنّ الكتاب الشامل الذي يريد ان يستفيد منه البدوي الامّي والمتوحش الى الفيلسوف والمفكر الكبير ، يجب ان يكون معتمدا على التاريخ والقصص والامثلة.
ومجموعة هذه الجهات تبيّن انّ القرآن خطا احسن الخطوات في بيان التواريخ والقصص في سبيل التعليم والتربية ، ولا سيّما إذ التفتنا الى هذه النقطة ، وهي انّ القرآن لا يذكر الوقائع التاريخية في ايّ مجال بشكل عار من الفائدة ، بل يذكر معطياتها بشكل ينتفع بها تربويا ، كما سنلاحظ «النماذج» والامثلة في هذه السورة.
* * *
الآيات
( إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (4) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) )
التّفسير
بارقة الأمل وبداية المشاكل :
بدا القرآن بذكر قصّة يوسف من رؤياه العجيبة ذات المعنى الكبير ، لانّ هذه الرؤيا في الواقع تعدّ اوّل فصل من فصول حياة يوسف المتلاطمة.
جاء يوسف في احد الايّام صباحا الى أبيه وهو في غاية الشوق ليحدثه عن رؤياه ، وليكشف ستارا عن حادثة جديدة لم تكن ذات اهمية في الظاهر ، ولكنّها كانت إرهاصا لبداية فصل جديد من حياته( إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي
رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ) .
يقول ابن عباس : (انّ يوسف راى رؤياه ليلة الجمعة التي صادفت ليلة القدر) (ليلة تعيين الأقدار والآجال).
ولكن كم كان ليوسف من العمر حين راى رؤياه؟!
هناك من يقول : كان ابن تسع سنوات ، ومن يقول : ابن سبع ، ومنهم من يقول : ابن اثنتي عشرة سنة ، والقدر المسلم به انّه كان صبيّا.
وممّا يستلفت الانتباه الى جملة «رأيت» جاءت مكررة في الآية للتأكيد والقاطعية ، وهي اشارة الى ان يوسفعليهالسلام يريد ان يقول : إذا كان كثير من الناس ينسون رؤياهم ويتحدثون عنها بالشك والتردّد ، فلست كذلك. بل اقطع بأنّي رأيت احد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين لي دون شك.
واللطيفة الاخرى هي انّ ضمير «هم» الذي يأتي لجمع المذكر السالم العاقل ، قد استعمل للكواكب والشّمس والقمر ، ومثل هذا الاستعمال «ساجدين» ايضا اشارة الى انّ سجود الكواكب لم يكن من قبيل الصدفة بل كان امرا مدروسا ومحسوبا كما يسجد الرجال العقلاء!
وواضح ـ طبعا ـ انّ السجود المقصود منه هنا هو الخضوع والتواضع ، والّا فإنّ السجود المعروف عند الناس لا مفهوم له بالنسبة للكواكب والشمس والقمر.
ان هذه الرؤيا المثيرة ذات المغزى تركت يعقوب النّبي غارقا في التفكير فالقمر والشمس والكواكب ، واي الكواكب! انّها احد عشر يسجدون جميعا لولدي يوسف ، كم هي رؤيا ذات مغزى! لا شك انّ الشمس والقمر «انا وامه او خالته» والكواكب الأحد عشر اخوته ، هكذا يرتفع قدر ولدي حتى تسجد له الشمس والقمر وكواكب السّماء.
ان ولدي «يوسف» عزيز عند الله إذا راى هذه الرؤيا المثيرة! لذلك توجه الى يوسف بلهجة يشوبها الاضطراب والخوف المقرون
«بالفرحة» و( قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً ) وانا اعرف( إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) وهو منتظر الفرصة ليوسوس لهم ويثير نار الفتنة والحسد وليجعل الاخوة يقتتلون فيما بينهم.
الطريف هنا انّ يعقوب لم يقل «أخاف من إخوتك ان يقصدوا إليك بسوء» بل اكّد ذلك على انّه امر قطعي ، وخصوصا بتكرار «الكيد» لانّه كان يعرف نوازع ابنائه وحساسيّاتهم بالنسبة لأخيهم يوسف ، وربّما كان اخوته يعرفون تأويل الرؤيا ، ثمّ انّ هذه الرؤيا لم تكن بشكل يعسر تعبيرها.
ومن جهة اخرى لا يتصور ان تكون هذه الرؤيا شبيهة برؤيا الأطفال ، إذ يمكن احتمال رؤية الأطفال للشمس والقمر والكواكب في منامهم ، ولكن ان تكون الشمس والقمر والكواكب موجودات عاقلة وتنحني بالسجود لهم ، فهذه ليست رؤيا أطفال ومن هذا المنطلق خشي يعقوب على ولده يوسف نائرة الحسد من اخوته عليه.
ولكن هذه الرؤيا لم تكن دليلا على عظمة يوسف في المستقبل من الوجهة الظاهرية والمادية فحسب ، بل تدل على مقام النبوّة التي سيصل إليها يوسف في المستقبل.
ولذلك فقد أضاف يعقوب ـ لولده يوسف ـ قائلا :( وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ ) (1) ( الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ ) .
اجل فإنّ الله على كل شيء قدير و( إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) .
* * *
__________________
(1) «التأويل» في الأصل إرجاع الشيء ، وكل عمل او كل حديث يصل الى الهدف النهائي يطلق عليه «تأويل» وتحقق الرؤيا في الخارج مصداق للتأويل و «الأحاديث» جمع الحديث ، وهو نقل ما يجري ، والحديث هنا كناية عن الرؤيا لان الإنسان ينقلها للمعبرين.
ملاحظات
1 ـ الرّؤيا والحلم
انّ مسألة الرؤيا في المنام من المسائل التي تستقطب أفكار الافراد العاديين من الناس والعلماء في الوقت نفسه.
فما هذه الأحلام التي يراها الإنسان في منامه من احداث سيئة او حسنة ، وميادين موحشة او مؤنسة ، وما يثير السرور او الغم في نفسه؟!
أهي مرتبطة بالماضي الذي عشعش في اعماق روح الإنسان وبرز الى الساحة بعد بعض التبديلات والتغييرات؟ ام هي مرتبطة بالمستقبل الذي تلتقط صوره عدسة الروح برموز خاصّة من الحوادث المستقبلية؟! او هي انواع مختلفة ، منها ما يتعلق بالماضي ، ومنها ما يتعلق بالمستقبل ، ومنها ناتج عن الميول النفسية والرغبات وما الى ذلك ...؟!
انّ القرآن يصرّح في آيات متعددة انّ بعض هذه الأحلام ـ على الأقل ـ انعكاسات عن المستقبل القريب او البعيد.
وقد قرانا عن رؤيا يوسف في الآيات المتقدمة ، كما سنرى قصّة الرؤيا التي حدثت لبعض السجناء مع يوسف في الآية (36) وقصّة رؤيا عزيز مصر في الآية (43) وجميعها تكشف الحجب عن المستقبل.
وبعض هذه الحوادث ـ كما في رؤيا يوسف ـ تحقق في وقت متأخر نسبيا «يقال انّ رؤيا يوسف تحققت بعد أربعين سنة» وبعضها تحقق في المستقبل القريب كما في رؤيا عزيز مصر ولمن في السجن مع يوسف.
وفي غير سورة يوسف إشارات الى الرؤيا التي كان لها تعبير ايضا ، كما ورد في سورة الفتح عن رؤيا النّبي محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما ورد في سورة الصافات عن رؤيا إبراهيم الخليل «وهذه الرؤيا كانت وحيا الهيا بالاضافة لما حملت من تعبير».
ونقرا في الحديث عن النّبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم عن الرؤيا قوله : «الرؤيا ثلاث :
بشرى من الله ، وتحزين من الشيطان ، والذي يحدث به الإنسان نفسه فيراه في منامه»(1) .
وواضح انّ أحلام الشيطان ليست شيئا حتى يكون لها تعبير ، ولكن ما يكون من الله في الرؤيا فهي تحمل بشارة حتما ويجب ان تكون رؤيا تكشف الستار عن المستقبل المشرق.
وعلى كل حال يلزمنا هنا ان نبيّن النظرات المختلفة في حقيقة الرؤيا ، ونشير إليها بأسلوب مكثف مضغوط.
والتفاسير في حقيقة الرؤيا كثيرة ويمكن تصنيفها الى قسمين هما :
1 ـ التّفسير المادي
2 ـ التّفسير المعنوي
1 ـ التّفسير المادي :
يقول الماديون : يمكن ان تكون للرؤيا عدّة علل :
الف : قد تكون الرؤيا نتيجة مباشرة للأعمال اليومية ، اي انّ ما يحدث للإنسان في يومه قد يراه في منامه.
ب ـ وقد تكون الرؤيا عبارة عن سلسلة من الاماني ، فيراها الإنسان في النوم كما يرى الظمآن في منامه الماء ، او ان إنسانا ينتظر مسافرا فيراه في منامه قادما من سفره.
ج ـ وقد يكون الباعث للرؤيا الخوف من شيء ما ، وقد كشفت التجارب ان الذين يخافون من لص يرونه في النوم.
امّا فرويد واتباعه فلديهم مذهب خاص في تفسير الأحلام ، إذ انهم بعد
__________________
(1) بحار الأنوار ، ج 14 ، ص 44 ويضيف بعض العلماء قسما رابعا على هذه الأقسام ، هو الرؤيا التي تكون نتيجة مباشرة عن الوضع المزاجي والجسماني للإنسان ، وسيشار إليها في البحوث المقبلة ان شاء الله.
شرح بعض المقدمات يقولون : انّ الرؤيا عبارة عن إرضاء الميول المكبوتة التي تحاول الظهور على مسرح الوعي بعد تحويرها وتبدّلها في عملية خداع الانا.
ولزيادة الإيضاح يقولون : ـ بعد قبول ان النفس البشرية مشتملة على قسمين «الوعي» وهو ما له ارتباط بالأفكار اليومية والمعلومات الارادية والاختيارية للإنسان ، و «اللّاوعي» وهو ما خفي في باطن الإنسان بصورة رغبة لم تتحقق ـ فكثيرا ما يحدث ان تكون لنا ميول لكننا لم نستطع ارضاءها ـ لظروف ما ـ فتأخذ مكانها في ضمير الباطن : وعند النوم حين يتعطل جهاز الوعي تمضي في نوع من إشباع التخيل الى الوعي نفسه ، فتنعكس أحيانا دون تغيير [كمثل العاشق الذي يرى في النوم معشوقته] وأحيانا تتغير اشكالها وتنعكس بصور مناسبة ، وفي هذه الحالة تحتاج الرؤيا الى تعبير.
فعلى هذا تكون الأحلام مرتبطة بالماضي دائما ولا تخبر عن المستقبل ابدا ، نعم يمكن ان تكون وسيلة جيدة لقراءة «ضمير اللاوعي!».
ومن هنا فهم يستعينون لمعالجة الأمراض النفسيّة المرتبطة بضمير «اللاوعي» باستدراج أحلام المريض نفسه.
ويعتقد بعض علماء التغذية انّ هناك علاقة بين الرؤيا وحاجة البدن للغذاء ، فمثلا لو راى الإنسان في نومه دما يقطر من أسنانه ، فتعبير ذلك انّ بدنه يحتاج الى فيتامين (ث) وإذا رأى في نومه أن شعر رأسه صار أبيضا ، فمعناه انّه مبتلى بنقص فيتامين (ب).
2 ـ التّفسير المعنوي
وامّا الفلاسفة الميتافيزيقيون فلهم تفسير آخر للرؤيا ، حيث يقولون : انّ الرؤيا والأحلام على اقسام :
1 ـ الرّؤيا المرتبطة بماضي الحياة حيث تشكل الرغبات والامنيات قسما
مهما من هذه الأحلام.
2 ـ الرؤيا غير المفهومة والمضطربة وأضغاث الأحلام التي تنشأ من التوهم والخيال (وان كان من المحتمل ان يكون لها دافع نفسي.
3 ـ الرّؤيا المرتبطة بالمستقبل والتي تخبر عنه.
وممّا لا شك فيه انّ الأحلام المتعلقة بالحياة الماضية وتجسّد الأمور التي راها الإنسان في طول حياته ليس لها تعبير خاص ومثلها الاطياف المضطربة او ما تسمى بأضغاث أحلام التي هي افرازات الأفكار المضطربة ، كالاطياف التي تمرّ بالإنسان وهو في حال الهذيان او الحمّى ، فهي ـ ايضا ـ لا يمكن ان تكون تعبيرا عن مستقبل الحياة ولهذا فإنّ علماء النفس يستفيدون من هذه الأحلام ويتخذونها نوافذ للدخول الى ضمير اللّاوعي في البشر ، ويعدّونها مفاتيح لعلاج الأمراض النفسيّة ، ويكون تعبير الرؤيا عند هؤلاء لكشف الأسرار النفسية وأساس الأمراض ، لا لكشف حوادث المستقبل في الحياة!
امّا الأحلام المتعلقة بالمستقبل فهي على نحوين :
قسم منها أحلام واضحة وصريحة لا تحتاج الى تعبير وأحيانا تتحقق بشكل عجيب في المستقبل القريب او البعيد دون اي تفاوت.
وهناك قسم آخر من هذه الأحلام التي تتحدث عن المستقبل ، ولكنّها في الوقت ذاته غير واضحة ، وقد تغيّرت نتيجة العوامل الذهنية والروحيّة الخاصّة فتحتاج الى تعبير.
ولكل من هذه الأحلام نماذج ومصاديق كثيرة ، ولا يمكن إنكارها جميعا ، لانّها لا في المصادر المذهبية او الكتب التأريخية ـ فحسب ـ بل تتكرر في حياتنا او حياة من نعرفهم بشكل لا يمكن عدّه من باب المصادفات والاتفاقات!.
* * *
ونذكر هنا عدّة نماذج من الأحلام الصادقة التي كشفت بشكل عجيب عن حوادث مستقبلية سمعناها من افراد موثوقين :
1 ـ المرحوم الآخوند ملا علي من علماء همدان الموثوقين والمعروفين ينقل عن المرحوم الميرزا عبد النّبي النوري وهو من علماء طهران الكبار هذه القضية :
عند ما كنت في سامراء كان يصلني سنويا من مدينة مازندران مبلغ بمقدار مائة تومان تقريبا ، وعلى أساس هذا الأمر كنت استقرض دائما مقدار حاجتي من المؤونة وعند ما يصلني هذا المبلغ كنت أقوم بتسديد هذه القروض.
وفي احد الأعوام جاءني خبر مؤسف ، وهو انّ المحصول الزراعي في مازندران سيء للغاية بسبب القحط ، ولهذا فإنّهم يعتذرون عن عدم إرسال المبلغ المقرر في هذه السنة ، ولما سمعت بذلك تألمت بشدّة ونمت وانا في هذه الحال من الهم والغم ، فرأيت في عالم الرؤيا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يدعوني ويقول : يا فلان ، قم وافتح تلك الخزانة (وأشار الى خزانة في الحائط) وخذ منها مائة تومان موجودة هناك. فانتبهت من النوم ، ولم تمض فترة حتى طرقت الباب بعد الظهر ، فرأيت رسول الميرزا الشيرازيقدسسره المرجع الكبير للشيعة وقال لي : انّ الميرزا يدعوك : فتعجبت من هذه الدعوة في هذا الوقت بالذات. فذهبت اليه فرأيته جالسا في حجرته (وقد نسيت الرؤيا تماما) وفجأة قال لي المرحوم الميرزا الشيرازي : يا ميرزا عبد النّبي افتح باب تلك الخزانة وخذ منها مائة تومان موجودة هناك. فتذكرت الرؤيا فورا وتعجبت كثيرا وأردت ان أقول شيئا ، ولكني شعرت بأنّه لا يرغب في ذلك ، فقمت الى الخزانة فأخذت المبلغ المذكور وخرجت.
2 ـ وينقل صديق ـ وهو محل اعتماد ـ ان المرحوم التبريزي صاحب كتاب «ريحانة الأدب» كان له ولد يشكو من يده اليمنى (ربّما كان مبتلى بالروماتيزم)
بشكل يصعب عليه ان يمسك القلم بيده ، فتقرر ان يسافر الى المانيا للمعالجة ويقول : حين كنت في السفينة رأيت في المنام ان امي توفيت ففتحت التقويم السنوي وسجلت الحادثة ـ مقيدة بالساعة واليوم ـ ولم تمض فترة حتى رجعت الى بلدي فاستقبلني جماعة من الأقاربوالأصدقاء فوجدتهم لبسوا ثياب الحداد فتعجبت ، وكنت قد نسيت الرؤيا ، وأخيرا أخبرت ـ بالتدريج ـ ان امي توفيت ، فتذكرت مباشرة رؤياي في السفينة فأخرجت التقويم وسألت عن اليوم الذي توفيت فيه فكان مطابقا لذلك اليوم تماما.
3 ـ يقول سيد قطب في تفسيره «في ظلال القرآن» في هامشه على الآيات المتعلقة بسورة يوسف : «إذا كنت أنكر جميع ما قلتم في الرؤيا فلن أستطيع ان أنكر ما حدث لي يوم كنت في امريكا ابدا رأيت هناك في المنام انّ ابن أختي قد نزفت عيناه دما ولا يستطيع ان يرى (كان ابن أختي وسائر أعضاء اسرتي بمصر) فاستوحشت ممّا رأيت وكتبت رسالة الى اسرتي بمصر فورا ، وسألتهم عن حال ابن أختي بوجه خاص ، فلم تمض فترة حتى جاءتني الجواب الذي يخبرني بأنّ ابن أختي مبتلى بنزيف داخلي في عينيه ولا يستطيع ان يرى ، وهو مشغول بالمعالجة.
وممّا يستلفت النظر انّ النزف الداخلي كان بشكل لا يمكن رؤيته الّا بالاجهزة الطبيّة ، وقد حرم ابن أختي من النظر والرؤية على كل حال. غير انني رأيت في منامي حتى هذه المسألة الدقيقة.
ان الأحلام التي تكشف الحجب عن الأسرار والحقائق المرتبطة بالمستقبل ، او الحقائق الخفيّة المتعلقة بالحاضر ، هي اكثر من ان تحصر ، وليس بمقدور بعض الافراد الذي لا يعتقدون بهذه الحقائق إنكارها ، او حملها على المصادفة والاتفاق!
من خلال التحقيق مع الأصدقاء القريبين يمكن الحصول على شواهد
كثيرة من هذه الأحلام ، وهذه الأحلام لا يمكن تعبيرها عن طريق التّفسير المادي ابدا ، وانما الطريق الوحيد هو تعبير فلاسفة الروح والاعتقاد باستقلال الروح ، ومن مجموع هذه الأحلام يمكن ان نستفيد منها كشاهد على استقلال الروح.
2 ـ في الآيات ـ محل البحث ـ نلاحظ ان يعقوب ـ بالاضافة الى تحذيره لولده يوسف من ان يقصّ رؤياه على اخوته ـ فإنّه عبر عن رؤياه بصورة اجماليّة وقال له( وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ ) .
ودلالة رؤيا يوسف على انّه سيبلغ في المستقبل مقامات كبيرة معنوية ومادية يمكن دركها تماما ولكن يبرز هذا السؤال ، وهو : كيف عرف يعقوب انّ ابنه يوسف سيعلمتأويل الأحاديث في المستقبل؟ اهو خبر أخبره يعقوب ليوسف مصادفة ولا علاقة له بالرؤيا ، ام انّه اكتشف ذلك من رؤيا يوسف؟
الظاهر ان يعقوب فهم ذلك من رؤيا يوسف ، ويمكن ان يكون ذلك عن احد طريقين :
الاوّل : انّ يوسف في حداثة سنّه وقد نقل لأبيه ـ خاصّة ـ بعيدا عن أعين اخوته (لانّ أباه أوصاه ان لا يقصّها على اخوته) وهذا الأمر يدلّ على ان يوسف نفسه كان له احساس خاص برؤياه بحيث لم يقصصها بمحضر الجميع
ولانّ مثل هذا الاحساس في صبيّ ـ كيوسفعليهالسلام ـ يدلّ على انّ له استعدادا روحيّا لتعبير الرؤيا ، وانّ أباه قد احسّ بهذا الاستعداد وبالتربية الصحيحة سيكون له في المستقبل حظّ زاهر في هذا المجال.
الثّاني : انّ ارتباط الأنبياء ، بعالم الغيب له عدّة طرق ، فمرّة عن طريق «الإلهامات القلبية» وتارة عن طريق «ملك الوحي» واخرى عن طريق «الرؤيا».
وبالرغم من انّ يوسف لم يكن نبيّا في ذلك الوقت ، لكن رؤيته لهذه الرؤيا ذات المعنى الكبير يدلّ على ان سيكون له ارتباط بعالم الغيب في المستقبل ،
ولا بدّ أن يعرف تعبير الرؤيا ـ طبعا ـ حتى يكون له مثل هذا الارتباط.
3 ـ من الدروس التي نستلهمها من هذا القسم من الآيات ان نحفظ الأسرار ، وينبغي ان يطبق هذا الدرس أحيانا حتى امام الاخوة ، فدائما تقع في حياة الإنسان اسرار لو اذيعت وفشت بات مستقبله او مستقبل مجتمعه معرضا للخطر ، والمواظبة على حفظ هذه الأسرار دليل على سعة الروح وتملك الارادة ، فكثير من ضعاف الشخصيّة أوقعوا أنفسهم او مجتمعهم في الخطر بسبب افشاء الأسرار ، وكم يرى الإنسان ـ من مساءة وضرر لانّه ترك حفظ الأسرار وفي هذا المجال ورد حديث عن الامام علي بن موسى الرضاعليهالسلام إذ قال : «لا يكون المؤمن مؤمنا حتى تكون فيه ثلاث خصال : سنّة من ربّه ، وسنّة من نبيّه ، وسنّة من وليّه. فأمّا السّنة من ربّه فكتمان السرّ ، وامّا السّنة من نبيّه فمداراة الناس ، وامّا السّنة من وليّه فالصبر على البأساء والضراء»(1) .
وورد حديث عن الامام الصادقعليهالسلام يقول : «سرّك من دمك فلا يجرينّ من غير أوداجك»(2) .
* * *
__________________
(1) بحار الأنوار ، ط جديدة ، ج 78 ، ص 334.
(2) سفينة البحار ، مادة : كتم.
الآيات
( لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (9) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (10) )
التّفسير
المؤامرة :
من هنا تبدا قصّة مواجهة اخوة يوسف واشتباكهم معه : ففي الآية الاولى ـ من الآيات محل البحث ـ اشارة الى الدروس التربوية الكثيرة التي توحيها القصّة ، إذ تقول الآية :( لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ ) .
وفي انّ المراد بالسائلين ، من هم؟ يقول بعض المفسّرين كالقرطبي في التّفسير الجامع وغيره : انّ هؤلاء السائلين هم جماعة من يهود المدينة ، جاؤوا
يسألون النّبي اسئلة في هذا المجال ، ولكن ظاهر الآية مطلق ، فلا مرجّح لانّ يكون المراد بالسائلين هم اليهود دون غيرهم.
وايّ درس أعظم من ان يجتمع عدّة افراد لإهلاك فرد ضعيف ووحيد ـ في الظاهر ـ وبخطط اعدّها الحسد ، ويبذلون أقصى جهودهم لهذا الأمر ، ولكن نفس هذا العمل ـ ودون شعور وارادة منهم ـ بات سببا في تربّعه على سرير الملك وصيرورته آمرا على البلد الكبير «مصر» ثمّ يأتي اخوته في النهاية ليطأطئوا برؤوسهم إعظاما له ، وهذا يدلّ على ان الله إذا أراد امرا فهو قادر على ان يجريه حتى على ايدي من يخالفون ذلك الأمر ، ليتجلّى ان الإنسان المؤمن الطاهر ليس وحيدا في هذا العالم ، فلو سعى جميع افراد هذا العالم الى إزهاق روحه والله لا يريد ذلك ، فإنهم لا يستطيعون ان يسلبوا منه شعرة واحدة.
كان ليعقوب اثنا عشر ولدا ، واثنان منهم : يوسف وبنيامين وهما من ام واحدة اسمها راحيل ، وكان يعقوب يولي هذين الولدين محبّة خاصّة ، لا سيما يوسف.
لانّهما اوّلا : أصغر أولاده ، وبالطبع فهما يحتاجان الى العناية والرعاية والمحبة.
وثانيا : لانّ امّهما ارتحلت من الدنيا ـ طبقا لبعض الرّوايات ـ وبعد هذا كلّه كانت بوادر النبوغ والذكاء والحادّ ترتسم على يوسف ، وهذه الأمور ادّت الى ان أن يولي يعقوب ابنه هذا عناية اكثر.
الّا ان الاخوة الحساد ـ دون ان يلتفتوا الى هذه الجهات ـ تألّموا من حبّ أبيهم ليوسف وأخيه ، وخاصّة بعد اختلافهم في الام والمنافسة الطبيعية المترتبة على هذا الأمر. لهذا اجتمعوا فيما بينهم وتدارسوا الأمر وصمموا على المؤامرة( إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ) (1) .
__________________
(1) «العصبة» معناها الجماعة المتفقون على الأمر ، وهذه الكلمة معناها الجمع الّا لا مفرد لها من جنسها.
وحكموا على أبيهم من جانب واحد بقولهم :( إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) .
ان نار الحسد والحقد لم تدعهم ليفكروا في جميع جوانب الأمر ليكتشفوا دلائل علاقة الحبّ التي تربط يعقوب بولديه يوسف وبنيامين ، لانّ المنافع الخاصّة لكل فرد تجعل بينه وبين عقله حجابا فيقضي من جانب واحد لتكون النتيجة «الضلال عن جادة الحق والعدل» وبالطبع فإنّ اتهامهم لأبيهم بالضلالة ، لم يكن المقصود منها الضلالة الدينية ، لانّ الآيات الآتية تكشف عن اعتقادهم بنبوّة أبيهم ، وانما استنكروا طريقة معاشرته فحسب.
ثمّ ادّى بهم الحسد الى ان يخططوا لهذا الأمر ، فاجتمعوا وقدموا مقترحين وقالوا :( اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً ) ـ أرسلوه الى منطقة بعيدة ـ( يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ) .
ومن الحق ان تشعروا بالذنب والخجل في وجدانكم لانّكم تقدمون على هذه الجناية في حق أخيكم الصغير ، ولكن يمكن أن تتوبوا وتغسلوا الذنب( تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ ) .
وهناك احتمال آخر لتفسير هذه الآية هو انّكم إذا أبعدتم أخاكم عن عيني أبيكم يصلح ما بينكم وبين أبيكم وتذهب اتعابكم ويزول اذاكم من هذا الموضوع ، ولكن التّفسير الاوّل اقرب للنظر!
وعلى كل حال فإنّ هذه الجملة تدلّ على احساسهم بالذنب من هذا العمل ، وكانوا يخافون الله في اعماق قلوبهم ، ولذلك قالوا : نتوب ونكون من بعده قوما صالحين.
ولكن المسألة المهمة هنا هي انّ الحديث عن التوبة قبل الجريمة ـ في الواقع ـ هو لأجل خداع «الوجدان» واغرائه وفتح الباب للدخول الى الذنب ، فلا يعدّ دليلا على الندم ابدا.
وبتعبير آخر : انّ التوبة الواقعية هي التي توجد بعد الذنب حالة من الندم
والخجل للإنسان ، وامّا الكلام في التوبة قبل الذنب فليس توبة.
وتوضيح ذلك انّه كثيرا ما يقع أن الإنسان حين يواجه الضمير و «الوجدان» عند الاقدام على الذنب ، او حين يكون الاعتقاد الديني سدّا وحاجزا امامه يمنعه عن الذنب وهو مصمم عليه ، فمن اجل ان يجتاز حاجز الوجدان او الشرع بيسر ، يقوم الشخص بخداع نفسه وضميره يأتي سوف اقف مكتوف اليدين بعد الذنب ، بل سأتوب وامضي الى بيت الله وأؤدي الأعمال الصالحة ، وسأغسل جميع آثار الذنوب.
اي انّه في الوقت الذي يرسم الخطة الشيطانية للاقدام على الذنب ، يرسم خطة شيطانية اخرى لمخادعة الضمير والوجدان وللاعتداء على عقيدته! فإلى ايّ درجة تبلغ هذه الخطة من السوء بحيث تمكّن الإنسان من تحقيق الجناية والذنب وكسر الحاجز الديني الذي يقف امامه!! انّ اخوة يوسف دخلوا من هذا الطريق ايضا.
المسألة الدقيقة الاخرى في هذه الآية : انّهم قالوا :( يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ) ولم يقولون : يخل لكم قلب أبيكم ، وذلك لانّهم لم يطمئنّوا الى انّ أباهم ينسى يوسف بهذه السرعة فيكفي ان يتوجه إليهم أبوهم ، ولو ظاهرا!
وهناك احتمال آخر لهذا التعبير ، وهو أنّ الوجه والعينين نافذتان الى القلب ، فمتى ما خلا الوجه لهم فإنّ القلب سيخلو ويتوجه إليهم بالتدريج.
ولكن كان من بين الاخوة من هو اكثر ذكاء وارق عاطفة ووجدانا ، لانّه لم يرض بقتل يوسف او إرساله الى البقاع البعيدة التي يخشي عليه من الهلاك فيها فاقترح عليهم اقتراحا ثالثا ، وهو ان يلقى في البئر (بشكل لا يصيبه مكروه) لتمرّ قافلة فتأخذه معها ، ويغيب عن وجه أبيه ووجوههم ، حيث تقول الآية في هذا الصدد( قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) .
* * *
ملاحظات
1 ـ «الجبّ» معناه «البئر» التي لم تنضّد بالطابوق والصخور ، ولعلّ اغلب آبار الصحراء على هذه الشاكلة.
و «الغيابة» المخبأ من البئر الغائب عن النظر ولعلّ هذا التعبير يشير الى ان الآبار الصحراوية يصنع في قعرها مكان قريب من الماء ، بحيث لو أراد احد النزول الى البئر ليستفيد من الماء ، فإنّه يستطيع ان يجلس هناك ويملا دلوه من ذلك الماء دون ان ينزل هو في الماء ، وبالطبع فإنّ من ينظر البئر من فوقها لا يرى ذلك المكان ولذلك سمي «غيابة»(1) .
2 ـ لا شك انّ اقتراح هذا القائل( أَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ ) لم يكن الهدف منه موت يوسف في البئر ، بل بقاءه سالما لتنقذه القافلة عند مرورها على البئر للاستسقاء.
3 ـ يستفاد من جملة( إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) انّ القائل لم يكن يرغب ـ أساسا ـ حتى بهذا الاقتراح ولعله كان لا يوافقهم على إيذاء يوسف أصلا.
4 ـ هناك اختلاف بين المفسّرين في اسم هذا الأخ القائل( لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ) فقال بعضهم : اسمه «روبين» وكان اذكاهم ، وقال بعضهم : اسمه «يهودا» وقال آخرون : اسمه «لاوى».
5 ـ اثر الحسد المدمّر في حياة الناس
الدرس الآخر الذي نتعلّمه من هذه القصّة ، وهو انّ الحسد يمكن ان يدفع الإنسان حتى الى قتل أخيه ، او إيجاد المشاكل له ، فنار الحسد إذا لم يمكن إخمادها فإنّها ستحرق صاحبها بالاضافة الى إحراق الآخرين بها.
وأساسا إذا حرم الإنسان من نعمة أنعمها الله على عبد سواه ، فإنّه سيكون
__________________
(1) مقتبس من تفسير المنار في تفسير الآية.
امام اربع حالات مختلفة.
الاولى : ان يتمنّى ان ينعم الله عليه مثل ما أنعم على غيره ، وهذه الحالة تدعى «الغبطة» وهي جديرة بالثناء والمدح ، وليس لها اثر سيء ، لانّها تدعو صاحبها للسعي والجدّ والمثابرة حتى ينال مثل ما نال المغبوط.
الثّانية : ان يتمنّى ان تسلب هذه النعمة عن الآخرين ، ويسعى من اجل تحقيق هذا التمني ، وهذه هي الحالة المذمومة الموسومة «بالحسد» التي تدعو صاحبها الى التخريب وسلب النعمة عن الآخرين ، دون ان تدعوه لانّ يطلب من الله مثل ما اعطي غيره من النعم.
الثّالثة : ان يتمنّى ان تكون هذه النعمة له فقط ويحرم الآخرون منها وهذه الحالة تسمّى «البخل» والانانية التي تدعو الإنسان ان يطلب شيئا لنفسه ، ويلتذّ من حرمان الآخرين.
الرّابعة : ان يتمنّى ويحب تنعّم الآخرين بهذه النعمة وان كان محروما منها ، وهو مستعدّ ان يقدّم ما عنده من أجلهم وبغض النظر عن منافعه الشخصية ، وهذه الحالة الرفيعة هي ما يسمّى بـ «الإيثار» التي هي من أهم الصفات الانسانية الحميدة.
وعلى كل حال فإنّ الحسد لا يقتصر على قتل اخوة يوسف لأخيهم فحسب ، بل قد يوصل الإنسان الى قتل نفسه.
ولهذا نجد في الأحاديث الاسلامية تعابير مؤثرة تدعو الى مكافحة هذه الرّذيلة ، وعلى سبيل المثال نورد منها ما يلي :
1 ـ في حديث عن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم انّه قال : «انّ الله نهى موسى عن الحسد وقال له : انّ الحاسد ساخط لنعمي صادّ لقسمي الذي قسمت بين عبادي ، ومن يك كذلك فلست منه وليس منّي»(1) .
__________________
(1) اصول الكافي ، ج 2 ، ص 307.
2 ـ ونقرا حديثا للإمام الصادقعليهالسلام يقول : «آفة الدين الحسد والعجب والمفاخرة» كما نقرا له حديثا يقول : «انّ المؤمن يغبط ولا يحسد ، والمنافق يحسد ولا يغبط»(1) .
6 ـ كما نستنتج درسا آخر من هذا المقطع في القصّة ، وهو انّ الوالدين ينبغي ان يلاحظا أبناءها الآخرين عند إبراز عنايتهما ومحبّتهما لواحد منهم ، فبالرغم من ان يعقوب لم يرتكب خطأ ـ دون ايّ شك ـ بالنسبة لإبراز علاقته لولديه يوسف وبنيامين ، وانّما كان كل ذلك وفق حسابات خاصّة. ولكن هذه الحادثة تكشف لنا انّه ينبغي ان يكون الإنسان اكثر إحساسا ، في هذه المسألة ـ من القدر اللازم. لانّ إبراز العلاقة لبعض الأبناء دون بعض توجد عقدة في نفوس الآخرين ، الى درجة انّها تجرّهم الى كل عمل مخرّب ، حيث يجدون شخصياتهم منهزمة ولا بدّ من تحطيم شخصية أخيهم للتعويض عن هذه الهزيمة ، فيكون الاقدام على هذا العمل دون لحاظ الرحمية ووشائج القربى.
وإذا لم يستطع الإنسان ان يقوم بعمل معاكس ، فإنّه يظل يلوم نفسه ويحرضها حتى يبتلى بالمرض النفسي.
وما زلت اذكر انّه كان لي صديق قد مرض ولده الصغير ، فأوصى ولده الكبير برعايته ، وأخذ الأب يولي ولده الصغير محبة وشفقة فائضة «لانّه مريض».
فلم تمض فترة حتى مرض هذا الابن الكبير بمرض نفسي مجهول ، قلت لذلك الصديق العزيز : الا تفكّر انّ أساس المرض هو عدم العدالة بين ولديك لكنّه لم يصدّق ، وأخيرا راجع الطبيب النّفساني المختصّ فقال : ان ابنك ليس مريضا بمرض خاصّ ، وانّما أساس مرضه هو اهتمامك بأخيه وعدم اهتمامك به ، وهو يحس بأنّ شخصيته متعطشة للحنان والحبّ ، في حين انّ أخاه لم يحرم منهما.
__________________
(1) المصدر نفسه.
وفي هذا الصدد نقرا في الرّوايات الاسلامية ان الامام الباقرعليهالسلام قال يوما : «والله انّي لأصانع بعض ولدي ، وأجلسه على فخذي ، وانكز له المخّ ، واكسر له الكسر ، وان الحقّ لغيره من ولدي ، ولكن مخافة عليه منه ومن غيره ، لا يصنعوا به ما فعل بيوسف اخوته ، وما انزل الله سورة الّا أمثالا لكي لا يجد بعضنا بعضا كما حسد يوسف اخوته ، وبغوا عليه ، فجعلها رحمة على من تولّانا ، ودان بحبّنا وحجّة على أعدائنا ومن نصب لنا الحرب والعداوة»(1) .
* * *
__________________
(1) بحار الأنوار ، ج 74 ، ص 78.
الآيات
( قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (12) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (13) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ (14) )
التّفسير
المؤامرة المشؤومة!
بعد ان صوّب اخوة يوسف اقتراح أخيهم في عدم قتل يوسف ، والقائه في الجبّ ، أخذوا يفكرون في كيفية فصل يوسف عن أبيه لذلك اقدموا على تخطيط آخر ، فجاءوا الى أبيهم بلسان ليّن يدعو الى الترحم ، وفي شكل يتظاهرون به انهم مخلصون له وحدثوا أباهم و( قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ) .
تعال يا أبانا وارفع اليد عن اتهامنا ، فإنّه أخونا وما يزال صبيا وبحاجة الى اللهو واللعب ، وليس من الصحيح حبسه عندك في البيت ، فخلّ سبيله( أَرْسِلْهُ
مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ) (1) .
وإذا كنت تخشى عليه من سوء فنحن نواظب على حمايته( وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) .
وبهذا الأسلوب خططوا لفصل أخيهم عن أبيه بمهارة ، ولعلّهم قالوا هذا الكلام امام يوسف ليطلب من أبيه إرساله معهم.
وهذه الخطة تركت الأب ـ من جانب ـ امام طريق مسدود ، فإذا لم يرسل يوسف مع اخوته فهو تأكيد على اتهامه ايّاهم ، وحرضت ـ من جانب آخر ـ يوسف على ان يطلب من أبيه الذهاب معهم ليتنزّه كما يتنزه اخوته ، ويستفيد من هذه الفرصة لاستنشاق الهواء الطلق خارج المدينة.
اجل ، هكذا تكون مؤامرات الذين ينتهزون الفرصة ، وغفلة الطرف الآخر ، فيستفيدوا من جميع الوسائل العاطفية والنفسيّة ، ولكن المؤمنين ينبغي الّا ينخدعوا بحكم الحديث المأثور «المؤمن كيّس» اي فطن ذكي فلا يركنوا للمظهر المنمّق حتى لو كان ذلك من أخيهم.
ولكن يعقوب ـ دون ان يتهم اخوة يوسف بسوء القصد ـ اظهر تردّده في إرسال يوسف لامرين : الاوّل : انه سيبتعد عنه فيحزن عليه ، والثاني : ربّما يوجد خارج المدينة بعض الذئاب المفترسة فتأكله ، فاعتذر إليهم و( قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ) .
وهذه المسألة طبيعية ، حيث قد يبتعد اخوة يوسف عنه فيغفلون عن امره ، فيأتي إليه الذئب فيأكله.
وبديهي انّ الاخوة لم يكن لهم جواب بالنسبة للأمر الاوّل الذي أشار اليه أبوهم يعقوب ، لانّ الحزن والاغتمام على فراق يوسف لم يكن شيئا عاديّا حتى
__________________
(1) «يرتع» من مادة «رتع» على وزن «قطع» ومعناه في الأصل رعي الأغنام والانعام بصورة عامّة للنباتات وشبعها منها ، ولكن قد يطلق هذا اللفظ (رتع ، يرتع) ويراد به تنزّه الإنسان وكثرة الاكل والشرب ايضا.
يعوّض عنه ، وربّما كان هذا التعبير مثيرا لنار الحسد في اخوة يوسف اكثر.
ومن جهة اخرى فإنّ هذا الموضوع الذي أشار اليه يعقوب ، وهو حزنه على ابتعاد يوسف عنه يمكن ردّه ، وهو لا يحتاج الى بيان ، لانّ الولد لا بدّ له من الابتعاد عن أبيه من اجل ان ينمو ويرشد ، وإذا أريد له ان يكون كنبات «النّورس» بحيث يبقى تحت ظل شجرة «وجود الأب» فإنّه سوف يبقى عالة عليه فلا بدّ من هذا الابتعاد والانفصال حتى يتكامل ولده ، فاليوم تنزّه وغدا اجتهاد ومثابرة لتحصيل العلم ، وبعد غد عمل وسعي للحياة ، وأخيرا فإنّ الانفصال لا بدّ منه.
لذلك فإنّهم لم يجيبوه عن الشقّ الاوّل من كلامه ، بل أجابوه عن الشقّ الثّاني لانّه كان مهما واساسيا بالنسبة لهم إذ( قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ ) .
اي : أترانا موتى فلا ندافع عن أخينا ، بل نتفرج على الذئب كيف يأكله! ثمّ اضافة الى علاقة الاخوة التي تدفعنا للحفاظ على أخينا ، ما عسى ان نقول للناس عنّا؟ هل ننتظر ليقال عنّا : انّ جماعة أقوياء وفتية أشداء جلسوا وتفرجوا على الذئب وهو يفترس أخاهم! فهل نستطيع العيش بعد هذا مع الناس؟!
لقد أجابوا أباهم بما تضمن قوله :( أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ) ومشغولون بلعبكم ، كيف يكون ذلك؟ والمسألة ليست بهذه البساطة انّها الخسارة وذهاب ماء الوجه والخزي إذ كيف يمكن لواحد منّا ان يشغله اللعب فيغفل عن أخيه يوسف ، لانّه في مثل هذه الحال لا تبقى لنا قيمة ولا نصلح لاي عمل.
ويبرز هنا سؤال مهم وهو : لماذا أشار يعقوب الى خطر الذئب من دون الاخطار الاخرى؟!
قال البعض : ان صحراء كنعان ـ كانت ـ «صحراء مذئبة» ومن هنا كان
الخوف من الذئب اكثر من غيره.
وقال البعض : كان ذلك للرؤيا التي رآها يعقوب من قبل وهي ان ذئابا هجمت على ولده يوسف.
وهناك احتمال آخر هو ان يعقوب أجابهم بلسان الكناية ، والمقصود من الذئاب في كلامه هم الأناس المتصفون بصفة الذئب اخوة يوسف.
وعلى كل حال فقد استطاع اخوة يوسف بما أوتوا من الحيل ، وبتحريك احاسيس يوسف النقيّة وترغيبه الى التنزه خارج المدينة ، وربّما كان الاوّل مرّة يتاح ليوسف ان يحصل على مثل هذه الفرصة استطاعوا ان يأخذوا يوسف معهم وان يستسلم الأب لهذا الأمر فيوافق على طلبهم.
* * *
بحوث
وينبغي هنا الالتفات الى عدة دروس حيّة تستلهم من هذه القصّة :
1 ـ مؤامرات الأعداء في ثياب الأصدقاء
من الطبيعي انّ الأعداء لا يدخلون الميادين ـ عند الهجوم ـ بصراحة ودون استتار ابدا.
بل انّهم من اجل تفويت الفرصة على الطرف الآخر واستغفاله وسلبه كل وسائل الدفاع يسعون الى إخفاء عملهم تحت قناع جذاب انّ اخوة يوسف اخفوا خطة هلاكه او ابعاده تحت غطاء اسمى الاحاسيس والعواطف الاخوية ، هذه الاحاسيس التي كانت تحرك يوسف من جهة لانّ يمضي معهم ، وكانت عند أبيهم موضع قبول من جهة اخرى ايضا.
وهذه هي الطريقة التي نواجهها في حياتنا اليوميّة على المدى الواسع ، وما
تلقيناه من ضربات قاسية من أعدائنا المخاتلين بثياب الأبرار في هذا المضمار غير قليل ، ولها مظاهر متعددة ، فمرة بمظهر المساعدات الاقتصادية ، واخرى تحت ستار التبادل الثقافي ، وثالثة في ثوب الدفاع عن حقوق البشر ، ورابعة بأسلوب المعاهدات الدفاعية كل تلك الأمور كانت نتيجة اسوا القرارات الاستعمارية المذلّة للأمم المستضعفة والتي من ضمنها أمتنا الاسلاميّة.
ولكن ومع هذه التجارب التاريخيّة ينبغي ان نكون حذرين للغاية وان نعرف أعداءنا جيدا ، فلا نحسن الظن بهذه الذئاب البشرية التي تريد ان تمتص دماءنا بما تظهره من عواطف واحاسيس متلبسة بثياب المخلصين المتفانين فما زلنا نتذكر ما فعلته الدول المتسلطة على العالم حيث أرسلت تحت ستار المساعدات الطبيّة الى بعض الدول الافريقية المتضررة بالحرب اسلحة وعتاد أرسلت الى عملائها ، كما بعثت اخطر جواسيسها تحت ثياب الدبلوماسية والسفارات والممثلين لها الى مختلف مناطق العالم.
وتحت ستار الخبراء العسكريين وتدريب الدّول المستضعفة على الاسلحة الحديثة والمتطورة كانوا يأخذون مع عودتهم جميع الأسرار العسكرية لتلك الدولة.
وبإرسال خبراء فنيين!! الى هذه الدول يربطوا عجلة اقتصادها بالمناهج تكرس التبعية ترى ، أليست كل هذه التجارب التأريخيّة كافية لئلّا ننخدع بهذه الزخارف البرّاقة الكاذبة وان نعرف وجوه هؤلاء الذئاب المتظاهرين بالانسانيّة.
2 ـ حاجة الإنسان الفطرية والطبيعية الى التنزّه والارتياح
من الطريف ان يعقوبعليهالسلام لم يردّ على كلام اخوة يوسف واستدلالهم على انّه بحاجة الى التنزه والارتياح ، بل وافق على ذلك عمليّا ، وهذا دليل كاف على ان ايّ عقل سليم لا يستطيع ان ينكر هذه الحاجة الفطرية والطبيعيّة فالإنسان
ليس آلة تستعمل في اي وقت كان وكيف كان ، بل له روح ونفس ينالهما التعب والنصب كما ينالان الجسم. فكما ان الجسم يحتاج الى الراحة والنوم ، كذلك الرّوح والنّفس بحاجة الى التنزّه والارتياح السليم.
التجربة ـ ايضا ـ تدل على ان الإنسان كلّما واصل عمله بشكل رتيب ، فإنّ مردود هذا العمل سيقلّ تدريجيا نتيجة ضعف النشاط ، وعلى العكس من ذلك فإنّ الاستراحة لعدة ساعات تبعث في الجسم نشاطا جديدا بحيث تزداد كمية العمل وكيفيته معا ، ولذلك فإنّ الساعات التي تصرف في الراحة والتنزه تكون عونا على العمل ايضا.
وفي الرّوايات الاسلامية نجد هذه الواقعية بأسلوب طريف جاء بمثابة «القانون» حيث يقول الامام عليعليهالسلام : «للمؤمن ثلاث ساعات : فساعة يناجي فيها ربّه ، وساعة يرمّ معاشه ، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذّتها فيما يحلّ ويجمل»(1) .
وممّا يستجلب النظر انّ في بعض الرّوايات الاسلامية أضيفت هذه الجملة الى النص المتقدم «وذلك عون على سائر الساعات».
وعلى حدّ تعبير البعض فإنّ التنزّه والارتياح بمثابة تدهين وتنظيف اجهزة السيّارة ، فلو توقفت هذه السيارة ساعة عن العمل لمراقبة اجهزتها وتنظيفها ، فإنها ستغدو اكثر قوة نشاطا يعوّض عن زمن توقفها اضعاف المرات ، كما انه سيزيد من عمر السيارة ايضا.
لكن المهم ان يكون هذا التنزّه صحيحا ، والّا فإنه لا يحل المشكلة ، بل سيزيدها ، فإنّ كثيرا من حالات التنزّه هذه تدمر الإنسان وتسلب منه نشاطه وقدرته على العمل لفترة ما ، او على الأقل تخفف من نشاط عمله.
وهناك نقطة تدعو للالتفات ايضا ، وهي ان الإسلام اهتم بمسألة الترويض والاستراحة النفسية بحيث أجاز المسابقات في هذا المضمار ويحدثنا التاريخ
__________________
(1) نهج البلاغة ، الكلمات القصار : رقم الكلمة 390.
انّ قسما من هذه المسابقات جرت بمرأى من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأحيانا كانت تناط اليه مهمة التحكيم والقضاء في هذه المسابقة ، وربّما اعطى ناقته الخاصّة ـ لبعض الصحابة للتسابق عليها.
ففي رواية الامام الصادقعليهالسلام انّه قال : «ان النّبي اجرى الإبل مقبلة من تبوك فسبقت العصباء وعليها اسامة ، فجعل الناس يقولون : سبق رسول الله ورسول الله يقول : سبق اسامة(1) » (اشارة الى ان المهم في السبق هو الراكب لا المركب ، حتى وان كان المركب السابق عند من لا يجيدون السبق).
النقطة الاخرى هي انّه كما ان اخوة يوسف استغلّوا علاقة الإنسان ـ ولا سيما الشاب ـ بالتنزّه واللعب من اجل الوصول الى هدفهم الغادر ففي حياتنا المعاصرة ـ ايضا ـ نجد اعداء الحق والعدالة يستغلّون مسألة الرياضة واللعب في سبيل تلويث أفكار الشباب ، فينبغي ان نحذر المستكبرين «الذئاب» الذين يخططون لإضلال الشباب وحرفهم عن رسالتهم تحت اسم الرياضة والمسابقات المحلّية والعالمية.
ولا ننسى ما كان يجري في عصر الطاغوت (الشاه) ، فإنّهم وبهدف تنفيذ بعض المؤامرات ونهب ثروات البلاد وتحويلها الى الأجانب لقاء ثمن بخس ، كانوا يرتّبون سلسلة من المسابقات الرياضية الطويلة العريضة لالهاء الناس لئلّا يطلعوا على المسائل السياسيّة.
3 ـ الولد في ظلّ الوالد
إذا كانت محبّة الأب الشديدة او الام بالنسبة للولد تستوجب ان يحفظ الى جانبهما ، الّا ان من الواضح ان فلسفة هذه المحبة من وجهة نظر قانون الخلقة هي المحافظة التامة على الولد عند الحاجة إليها ، وعلى هذا الأساس ينبغي ان تقل
__________________
(1) سفينة البحار ، ج 1 ، ص 596.
هذه المحافظة كلّما تقدّمت به السن ، ويمنح الولد الاجازة ليخطو في حياته نحو الاستقلال ، والّا فسيكون كمثل غرسة النّورس تحت ظل الشجرة القوية دائما لا تنمو كما يلزم.
وربّما وافق يعقوبعليهالسلام ـ لهذا السبب ـ على اقتراح ابنائه رغم علاقته الشديدة بيوسف ، وأرسله معهم الى خارج المدينة ، ومع انّ هذا الأمر كان صعبا على يعقوب ، ولكن مصلحة يوسف وحاجته الى الرشد والنموّ كانت تستوجب ان يجيزه أبوه ليبتعد عنه ساعات وايّاما!
وهذه مسألة تربوية مهمّة غفل عنها كثير من الآباء والأمهات ، حيث يربّون أولادهم تربية بحيث لا يستطيعون ان يعيشوا خارج «خيمة الأبوين» ومحافظتهما عليهم ، وبالتالي يسقطون امام تيارات الحوادث وضغوطها ، كما ان هناك رجالا عظماء فقدوا والديهم في دور الطفولة ، ولكنّهم صنعوا أنفسهم بأيديهم وواجهوا المشاكل وتجاوزوها.
فالمهم ان يلتفت الوالدان الى هذه المسألة التربوية ، والّا فستكون محبتهما «الكاذبة» مانعا من استقلال أولادهم.
من الطريف ان هذه المسألة موجودة في بعض الحيوانات بشكل غريزي ، فنحن نرى أفراخ الدجاج «الفروج» ـ مثلا ـ يبدأ حياته تحت جناحي امه ، وتحافظ الدجاجة الام عليها كما تحافظ على روحها «العزيزة».
ولكن بعد فترة حيت تكبر هذه الافراخ فإنّ الام لا تترك المحافظة على هذه الافراخ فحسب ، بل تنقر ايّا منها يصل إليها. ومعنى هذا انّها تريد ان تعوّدهم على ان يتعلموا طريق الحياة المستقلة! فإلى متى تعيشون غير مستقلين؟!
ولكن هذا الموضوع لا ينافي تقوية الروابط العائلية والمحافظة على المودة والمحبّة ، بل هي محبّة عميقة وعلاقة محسوبة ونافعة للطرفين.
4 ـ لا قصاص ولا اتهام قبل الجناية
نشاهد في هذا الفصل من القصّة انّ يعقوب بالرغم من علمه بما سيقدم عليه اخوة يوسف وتحذيره ولده يوسف ألّا يقصص رؤياه على اخوته ، وان يكتم الأمر ، الّا انّه لم يكن مستعدا لانّ يتّهمهم بقصد الاساءة الى يوسف ، بل كان عذره إليهم انّه يحزنه فراقه ، ويخاف ان يأكله الذئب في الصحراء.
والأخلاق والمعايير الانسانية والاسس القضائية العادلة توجب ذلك ايضا ، فحيث لم تتوفر لدينا علامة ظاهرة على مخالفة شخص ما فلا ينبغي اتّهامه ، فالأصل البراءة والصحّة والطهارة الّا ان يثبت خلافه.
5 ـ تلقين العدوّ
المسألة الاخرى اننا نقرا ـ في ذيل الآيات المتقدمة ـ رواية عن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم انّه قال : «لا تلقّنوا الكذّاب فيكذب فإنّ بني يعقوبعليهالسلام لم يعلموا ان الذئب يأكل الإنسان حتى لقّنهم أبوهم»(1) . اشارة الى انه قد يحدث أحيانا ان لا يلتفت الطرف الآخر الى الحيلة والى طريق الاعتذار وانتخاب طريق الانحراف ، فعليكم ان تحذروا من ذكر الاحتمالات المختلفة التي تبيّن له طرق الانحراف.
ومثل هذا يشبه تماما ما لو قال الإنسان لطفله : لا ترم الكرة باتّجاه المصباح ، ولم يكن الطفل يعلم ان الكرة يمكن ان ترمى نحو المصباح ، فيلتفت الى ان مثل هذا العمل ممكن ، وتتحرك فيه نوازع الفحص ماذا سيكون لو رميت الكرة باتجاه المصباح؟ ثمّ يبدأ «لعبته» لتنتهي بتكسّر المصباح!
وليس هذا موضوعا هينا ولا خاصا بالأطفال ، فقد يتفق أحيانا ان الأوامر والنواهي الخاطئة ، تسبب ان يتعلم الناس أشياء لم يعرفوها من قبل ، فتوسوس لهم أنفسهم ان يقدموا عليها ، فينبغي في مثل هذه الموارد ـ قدر المستطاع ـ ان
__________________
(1) نور الثقلين ، ج 2 ، ص 415.
تثار المسائل بشكل لا يبعث على اي تعلّم سيئ! وبالطبع فإنّ يعقوب النّبيعليهالسلام قال كلامه عن صفاء وطهارة قلب ، الّا انّ أبناءه الضالين استغلوا كلامه لقصدهم السيئ.
وشبيه هذا الموضوع الأسلوب الذي نجده في كثير من المقالات ، فمثلا قد يكتب أحدهم مقالة ـ او يقوم بإخراج فيلما او غيرها ـ عن ضرر الموادّ المخدرة او الاستمناء ، فيتناول هذه المسائل بصورة يتعلمها غير المطلعين وينسون المسائل التي تذكر في هذه المواضيع لذم هذه الأعمال وبيان طرق النجاة منها ، ولذلك فغالبا ما يكون ضرر هذه المقالات والافلام وخسارتها اكثر من فائدتها بمراتب.
6 ـ وآخر نقطة نشير إليها هنا انّ اخوة يوسف( قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ ) وهي اشارة الى انّ الإنسان إذا تحمّل مسئولية ما ـ ووافق عليها ـ فإنّ من الواجب عليه ان يوقف نفسه من أجلها والّا فإنّه سيفقد كل قيمه ـ قيمة شخصيته ، وماء وجهه ، والموقع الاجتماعي ، ووجدانه.
فكيف يعقل ان يكون الشخص ضمير حيّ ووجدان يقظ وشخصية كريمة يعتز بحيثيته وماء وجهه ، ومع كل ذلك يتنصل عن مسئولياته ويقف موقفا سلبيا ازاءها؟!
* * *
الآيات
( فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (15) وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (16) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (17) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (18) )
التّفسير
الكذب المفضوح :
وأخيرا انتصر اخوة يوسف واقنعوا أباهم ان يرسل معهم أخاهم يوسف ، فباتوا ليلتهم مطمئني البال بانتظار الصبح لتنفيذ خطتهم وازاحة أخاهم الذي يقف عائقا في طريقهم وكان قلقهم الوحيد ان يندم أبوهم ويسحب كلامه ووعده بإرسال يوسف معهم.
فجاءوا صباحا الى أبيهم فأمرهم بالمحافظة على يوسف ، وكرر توصياته
في شأنه ، فأظهر الأبناء طاعتهم لأبيهم وابدوا احترامهم الفائق ومحبتهم العميقة ، وتحركوا الى خارج المدينة.
يقال : انّ أباهم ودعهم الى بوابة المدينة ثمّ أخذ منهم يوسف وضمّه الى صدره ودمعت عيناه ، ثمّ أودع يوسف عندهم وفارقهم ، ولكن يعقوب كان يودعهم بنظراته ، وكان اخوة يوسف لا يقصرون عن مدارة أخيهم يوسف واظهار عنايتهم به ومحبتهم له طالما كانت تلاحظهم عينا أبيهم ، ولكن ما ان غاب عنهم أبوهم واطمأنوا الى انّه لا يراهم ، حتى انفجرت عقدتهم وصبوا «جام غضبهم» وحقدهم وحسدهم المتراكم لعدّة سنوات على راس يوسف ، فالتفّوا حوله يضربونه بأيديهم ويلتجئ من واحد لآخر ويستجير بهم فلا يجيره احد منهم.
نقرا في رواية انّ يوسف كان يبكي تحت وابل اللكمات والضربات القاسيّة ، ولكن حين أرادوا ان يلقوه في الجبّ شرع بالضحك فجأة فتعجب اخوته كثيرا وحسبوا ان أخاهم يظنّ الأمر لا يعدو كونه مزاحا ولكنّه رفع الستار عن ضحكه وعلّمهم درسا كبيرا إذ قال : ـ لا انسى انني نظرت ـ ايها الاخوة ـ الى عضلات أيديكم القويّة وقواكم الجسدية الخارقة ، فسررت وقلت في نفسي : ما عسى ان يخشى ويخاف من الحوادث والملمّات من كان عنده مثل هؤلاء الاخوة ، فاعتمدت عليكم وربطت قلبي بقواكم ، والآن وقد أصبحت أسيرا بين أيديكم واستجير بكم من واحد للآخر فلا أجار ، وقد سلطكم الله عليّ لا تعلم هذا الدرس ، وهو الّا اعتمد واتوكّل على احد سواه حتى ولو كانوا اخوتي.
وعلى كل حال فالقرآن الكريم يقول في هذا الصدد :( فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ ) (1) .
__________________
(1) في العبارة المتقدمة حذف جواب «لما» والتقدير كما يلي : فلما ذهبوا به واجمعوا ان يجعلوه في غيابة الجبّ عظمت فتنتهم (تفسير القرطبي) ولعل هذا الحذف اقتضى لعظم هذه الحادثة المؤلمة ان يسكت عنه المتكلم ، وهو بنفسه من فنون البلاغة العربية (تفسير الميزان).
جملة «اجمعوا» تدلّ على انّ جميع الاخوة كانوا متفقين على هذه الخطّة ، وان لم يتفقوا جميعا على قتله.
وأساسا فإنّ كلمة «اجمعوا» مأخوذة من مادة «جمع» وهي في هذه الموارد اشارة الى جمع الآراء والأفكار.
ثمّ تبيّن الآية انّ الله اوحى الى يوسف وهدا روعه وألهمه الّا يحزن فالعاقبة له ، إذ تقول :( وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) .
ذلك اليوم الذي تجلس فيه على العرش وأنت القوي الأمين ، فيأتي إخوتك ليمدّوا ايدي الحاجة إليك ، ويكونوا كالظامئين الى النبع العذب في الصحراء اللاهبة ويسرعون إليك في منتهى التواضع ، ولكنّك في حال من العظمة بحيث لا يصدّقون انك أخوهم ، وستقول لهم في ذلك اليوم : ألستم الذين فعلتم مع أخيكم الصغير يوسف كذا وكذا وكم سيكونون خجلين من فعلهم هذه في ذلك اليوم! وهذا الوحي الالهي لم يكن وحي النبوة ، بقرينة الآية (22) من السورة ذاتها ، بل كان إلهاما لقلب يوسف ليعلم انه ليس وحيدا ، بل له حافظ ورقيب ، وهذا الوحي بثّ في قلب يوسف نور الأمل وأزال عن روحه ظلمات اليأس والحيرة.
لقد نفّذ اخوة يوسف خطتهم كما أرادوا ، ولكن ينبغي ان يفكروا عند العودة ماذا كيف كي يصدّق أبوهم ان يوسف انتهى بصورة طبيعية لا عن مكيدة ليضمنوا عواطف أبيهم نحوهم.
وكانت الفكرة التي أوصلتهم الى هذا الهدف هي ما تخوّف أبوهم منه ، فأقنعوه ـ ظاهرا ـ عن هذا الطريق مدّعين بأنّ الذئب قد أكل يوسف وجاؤوا اليه بدلائل مزيّفة!!
يقول القرآن الكريم :( وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ) بكاء كاذبا ، وهذا يدلّ على انّ البكاء الكاذب ممكن ولا يمكن ان يخدع ببكاء العين وحدها.
امّا الأب الذي كان ينتظر مجيء ولده (يوسف) بفارغ الصبر ، فقد اهتز
وارتجف حين راى الجمع وليس بينهم يوسف ، وسأل عنه مستفسرا فأجابوه و( قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا ) لصغر سنه ولانّه لا يعرف التسابق ، وانشغلنا عنه( فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ) .
لأنك أخبرتنا من قبل بهذا الاحتمال ، وستظن ان ادّعاءنا مجرّد احتيال.
لقد كان كلام اخوة يوسف مدروسا بشكل دقيق ، وذلك ـ اوّلا ـ لانّهم خاطبوا يعقوب بقولهم بكلمة «يا أَبانا » وفيها ما فيها من الاستعطاف.
وثانيا : لانّ من الطبيعي ان ينشغل هؤلاء الاخوة الأقوياء بالتسابق ، ويتركوا أخاهم الصغير رقيبا على متاعهم ، وبعد ذلك كله فقد جاؤوا أباهم يبكون لتمرير خطتهم ، وقالوا له :( وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ) .
ومن اجل ان يبرهنوا على صحة كلامهم فقد( جاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ) إذ لطخوا الثوب بدم الغزال او الخروف او التيس ولكن حيث انّ الكاذب لا يمتلك حافظة قويّة ، وحيث ان اية حقيقة فيها علائق مختلفة وكيفيات ومسائل يقل ان تجتمع منظّمة في الكذب ، فقد غفل اخوة يوسف عن هذه المسألة الدقيقة وهي ـ على الأقل ـ ان يخرقوا قميص يوسف الملطخ بالدم ليدل على هجوم الذئب فقد قدّموا القميص سالما غير مخرق فأحس الأب بمؤامرتهم ، فما ان وقعت عيناه على القميص حتى فهم كل شيء و( قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ) .
جاء في بعض الرّوايات انّ يعقوب أخذ قميص يوسف وهو يقلّبه ويقول : «ما أرى اثر ناب ولا ظفر انّ هذا السبع رحيم» ، وفي رواية انّه أخذ القميص وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص ، وقال : تالله ما رأيت كاليوم ذئبا احلم من هذا أكل ابني ولم يمزق على قميصه ، وجاء انّه بكى وصاح وحرّ مغشيّا عليه فأفاضوا على الماء فلم يتحرك ونادوه فلم يجب ووضع يهوذا يده على مخارج نفسه فلم يحس بنفس ولا تحرك له عرق ، فقال : ويل لنا من
ديان يوم الدين ضيعنا أخانا وقتلنا أبانا فلم يفق الّا ببرد السحر(1) .
وبالرغم من احتراق قلبه ولهيب روحه لم يجر على لسانه ما يدل على عدم الشكر او اليأس او الفزع او الجزع ، بل قال :( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) (2) ثمّ قال :( وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ) واسأله ان يبدل مرارة الصبر في فمي الى «حلاوة» ويرزقني القوة والقدرة على التحمّل اكثر امام هذا الطوفان العظيم ، لئلا افقد زمامي ويجري على لساني كلام غير لائق.
ولم يقل : اسأله ان يعطيني الصبر على موت يوسف ، لانّه كان يعلم ان يوسف لم يقتل بل قال : اطلب الصبر على مفارقتي ولدي يوسف وعلى ما تصفون.
ملاحظات
* * *
1 ـ حول الترك «الاولى»
ينقل ابو حمزة الثمالي عن الامام السجاد فيقول : كنت يوم الجمعة في المدينة وصليت الغداة مع الامام السجادعليهالسلام فلمّا فرغ من صلاته وتسبيحه نهض الى منزله وانا معه ، فدعا مولاة له تسمى سكينة فقال لها : «لا يعبر على بابي سائل الّا أطعمتموه فإنّ اليوم يوم الجمعة».
يقول ابو حمزة : فقلت له : ليس كل من يطلب العون مستحقا له ، فقال : يا أبا ثابت ، أخاف أن يكون بعض من يسألنا محقّا فلا نطعمه ونردّه فينزل بنا ـ اهل البيت ـ ما نزل بيعقوب وآله. أطعموهم ان يعقوب كان يذبح كل يوم كبشا فيتصدق منه ويأكل هو وعياله منه ، وان سائلا مؤمنا صوّاما محقّا له عند الله منزلة ، وكان مجتازا غريبا اعترّ على باب يعقوب عشية جمعة عند أوان إفطاره
__________________
(1) تفسير الآلوسي : ذيل الآية.
(2) صبر جميل (صفة وموصوف) خبر لمبتدإ محذوف ، وتقدير الكلام : صبري صبر جميل.
يهتف على بابه : أطعموا السائل المجتاز الغريب الجائع من فضل طعامكم ، يهتف بذلك على بابه مرارا وهم يسمعونه ، قد جهلوا حقّه ولم يصدقوا قوله : فلما ايس ان يطعموه وغشيه الليل استرجع واستعبر وشكا جوعه الى الله باب وطاويا ، وأصبح صائما جائعا صابرا حامدا لله ، وبات يعقوب وآل يعقوب شباعا بطانا وأصبحوا وعندهم من فضل طعامهم.
قال : فأوحى اللهعزوجل الى يعقوب في صبيحة تلك الليلة : لقد أذللت ـ يا يعقوب ـ عبدي ذلة استجررت بها غضبي ، واستوجبت بها أدبي ، ونزول عقوبتي وبلواي عليك وعلى ولدك يا يعقوب ، ان احبّ انبيائي اليّ وأكرمهم علي من رحم مساكين عبادي وقرّبهم اليه وأطعمهم وكان لهم مأوى وملجأ يا يعقوب ، ما رحمت «ذميال» عبدي المجتهد في عبادته ، القانع باليسير من ظاهر الدنيا عشاء أمس لمّا عبر ببابك عند أوان إفطاره ويهتف بكم : أطعموا السائل الغريب المجتاز القانع ، فلم تطعموه شيئا. فاسترجع واستعبر وشكا ما به اليّ وبات جائعا وطاويا حامدا ، أصبح لي صائما ، وأنت ـ يا يعقوب ـ وولدك شباع ، وأصبحت وعندكم فضل من طعامكم.
او علمت ـ يا يعقوب ـ انّ العقوبة والبلوى أوليائي أسرع منها الى اعدائي ...إلخ(1) .
ومن الطريف انّ أبا حمزة يقول : سألت الامام زين العابدينعليهالسلام متى راى يوسف رؤياه؟ فقال الامام : في تلك الليلة»(2) .
يستفاد من هذا الحديث ان زلّة بسيطة او بعبارة أدق : «ترك الاولى» وهو لا يعدّ خطيئة او إثما ، لانّ يعقوب له يتّضح له حال السائل هذا الترك من قبل الأنبياء والأولياء يكون سببا لانّ يبتليهم الله بلاء شديدا وما ذلك الّا لمقامهم
__________________
(1) تفسير البرهان ، ج 2 ، ص 243 ونور الثقلين ، ج 2 ، ص 411.
(2) المصدر السّابق.
الكبير الذي يوجب عليهم ان يراقبوا كل حركاتهم وسكناتهم ، لانّ «حسنات الأبرار سيئات المقربين».
فإذا كان يعقوبعليهالسلام قد ابتلي بهذا البلاء والهمّ لانّه لم يطلع على حال قلب السائل وآلامه ، فكيف الحال في المجتمعات التي تغرق فيها طائفة بالنعيم والرفاه وطائفة من الناس جياع ، كيف لا يشملهم غضب الله! وكيف يسلمون من عذاب الله!
2 ـ دعاء يوسف البليغ الجذّاب
ترد في روايات اهل البيتعليهمالسلام وروايات اهل السنة ، ان يوسف حين استقرّ في قعر الجبّ انقطع أمله من كل شيء ، وصرف كلّ توجهه الى ذات الله المقدسة يناجي ربّه ، وكانت لديه حوائج ذكرها بتلقين جبرئيل إياه ففي رواية انّه دعا ربّه بهذه المناجاة «اللهم يا مؤنس كل غريب ، ويا صاحب كل وحيد ، يا ملجأ كل خائف ، ويا كاشف كل كربة ، ويا عالم كل نجوى ، ويا منتهى كل شكوى ، ويا حاضر كل ملا ، يا حيّ يا قيّوم ، اسألك ان تقذف رجاءك في قلبي ، حتى لا يكون لي همّ ولا شغل غيرك ، وان تجعل لي من امري فرجا ومخرجا ، انّك على كل شيء قدير».
ومن الطريف انّنا نقرا في ذيل هذه الرواية ، انّ الملائكة سمعت صوت يوسف فنادت : «الهنا نسمع صوتا ودعاء ، الصوت صوت صبي والدعاء دعاء نبيّ»(1) .
وهناك نقطة تدعو للالتفات وهي : حين رمى يوسف اخوته في الجبّ خلعوا عنه قميصه وتركوه عاريا ، فنادى : اتركوا لي قميصي ـ على الأقل ـ لاغطي به بدني إذا بقيت حيا ، ويكون كفني إذا متّ. فقال له اخوته : اطلبه من الشمس
__________________
(1) تفسير القرطبي ، ج 5 ، ص 337.
والقمر والكواكب الأحد عشر الذين رايتهم في منامك ، ليكونوا مؤنسيك في هذه البئر ، ويكسوك ويلبسوك ثوبا على بدنك فدعا يوسف على اثر اليأس المطلق بالدعاء الآنف الذكر.(1)
وفي رواية عن الامام الصادقعليهالسلام انّه قال : «حين القي يوسف في الجبّ هبط عليه جبرئيل وقال : ما تصنع هنا ايّها الغلام؟ فقال له : ان اخوتي القوني في البئر. فقال له جبرئيل : أتحبّ ان تخرج من البئر؟ قال : ذلك بمشيئة الله ، ان شاء اخرجني.
فقال له : ان الله يأمرك ان تدعو بهذا الدعاء لتخرج من البئر : «اللهم انّي اسألك بأنّ لك الحمد ، لا اله الّا أنت المنّان ، بديع السماوات والأرض ، ذو الجلال والإكرام ، ان تصلي على محمّد وآل محمّد وان تجعل لي ممّا انا فيه فرجا ومخرجا»(2) .
3 ـ جملة( وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ ) تدلّ على انّهم لم يرموه في البئر ، أنزلوه على مكان يشبه الرصيف لمن يريد النّزول الى سطح الماء ، وقد شدوه بحبل حتى إذا نزل ووصل الى غيابة الجبّ تركوه وحده.
وهناك قسم من الرّوايات التي تفسّر الآيات المتقدمة تؤيد هذا الموضوع.
4 ـ تسويل النفس
جملة «سوّلت» مشتقّة من «التسويل» ومعناه «التزيين» وقد يأتي بمعنى «الترغيب» وقد يأتي بمعنى «الوسوسة» كما في بعض التفاسير جميع هذه المعاني ترجع الى شيء واحد اي انّ هوى النفس زيّن لكم هذا العمل.
وهي اشارة الى انّه حين يطغى هوى النفس على الإنسان ويستبدّ به عناده ، فإنه يتصور ان اسوا الجنايات لديه امر حسن ، كما لو كان ذلك قتل الأخ او ابعاده ، وقد يتصور ان ذلك امر مقدّس وهذه نافذة على اصل كلي في المسائل
__________________
(1) المصدر السابق ، ص 416.
(2) نور الثقلين ، ج 2 ، ص 216.
النفسية ، بحيث يجعل الميل المفرط والرغبة الجامحة لأمر ما ـ وخاصّة مع اقترانهما بالرذائل الاخلاقية ـ غشاوة على احساس الإنسان ، فتنقلب عنده الحقائق وتتغير صورها.
لذا فإنّ القضاء الصحيح وادراك الواقعيّات العينيّة ، لا يمكن لها ان تتحقق دون تهذيب النفس ، وإذا كانت العدالة شرط في القاضي فإنّ هذا الأمر واحد من أسبابها وإذا كان القرآن الكريم يقول في الآية (282) من سورة البقرة( وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ ) فذلك اشارة الى هذه الحقيقة ايضا.
5 ـ الكذاب عديم الحافظة
قصّة يوسف ـ وما جرى له مع اخوته ـ تثبت مرّة اخرى هذا الأصل المعروف الذي يقول : انّ الكذاب لا يستطيع ان يكتم سرّه دائما ، لانّ الواقعيات العينية حين تظهر الى الوجود الخارجي تظهر ومعها روابط ـ اكثر من ان تعدّ ـ مع موضوعات اخرى تدور حولها ، وإذا أراد الكاذب ان يهيئ مناخا لمسألة غير واقعية فإنّه لا يستطيع ان يحفظ هذه الروابط مهما كان دقيقا.
ولنفرض انّه يستطيع ان يؤلف بين عدد من الروابط الكاذبة في حادثة ما ، ولكن المحافظة على هذه الروابط المصطنعة في ذهنه ليست عملا هيّنا ، فإنّ اقل غفلة منه تسبب وقوعه في التناقض ، فتتسبب هذه الغفلة في فضيحة صاحبها وتكشف الأمر الواقعي وهذا درس كبير لمن يريد المحافظة على ماء وجهه ومكانته في المجتمع ان لا يلجأ الى الكذب فيتعرض موقعه الاجتماعي للخطر وينزل عليه غضب الله.
6 ـ ما هو الصبر الجميل؟
الصبر امام الحوادث الصعبة والأزمات الشديدة يدلّ على قوة شخصية الإنسان ، وعلى سعة روحه بسعة ما تتركه هذه الحوادث فلا يتأثر ولا يهتز لها.
ربّما يحرك النسيم العليل ماء الحوض الصغير ، ولكن المحيطات العظيمة كالمحيط الهادي ـ مثلا ـ يستوعب حتى الاعصار الذي يتلاشى امام هدوئه وسعته.
وقد يتصبر الإنسان أحيانا ، ولكنّه سرعان ما يتلف هذا الصبر بكلماته النابية التي تدل على عدم الشكر وعدم تحمل الحادثة ونفاد الصبر.
ولكن المؤمنين الذين يتمتعون بإرادة قويّة واستيعاب للحوادث ، هم أولئك الذين لا يتأثرون بها ولا يجري على لسانهم ما يدلّ على عدم الشكر وكفران النعمة او الجزع او الهلع.
صبر هؤلاء هو الصبر الجميل قد يبرز الآن هذا السؤال ، وهو اننا نقرا في الآيات الاخرى ـ من هذه السورة ـ انّ يعقوب بكى على يوسف حتى ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ، أفلا ينافي ما صدر من يعقوب صبره الجميل؟!
والجواب على هذا السؤال في جملة واحدة ، وهي : ان قلوب عباد الله مركز للعواطف ، فلا عجب ان ينهلّ دمع عينهم مدرارا ، المهم ان يسيطروا على أنفسهم ، ولا يفقدوا توازنهم ، ولا يقولوا شيئا يسخط الله.
ومن الطريف ان مثل هذا السؤال وجه الى النّبي محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم حين بكى على موت ولده ابراهيم حيث قالوا له : يا رسول الله ، أتنهانا عن البكاء وتبكي؟! فأجابهم النّبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم «تدمع العين ويحزن القلب ، ولا نقول ما يسخط الربّ».
وفي رواية اخرى انّه قال : «ليس هذا بكاء انّه رحمة»(1) .
وهذا اشارة الى انّ ما في صدر الإنسان هو القلب ، وليس حجر! وطبيعيّ ان يتأثر الإنسان امام المسائل العاطفية ، وابسط هذا التأثر هو انهلال الدمع انّ هذا لا يعدّ عيبا ، بل هو امر حسن ، العيب هو ان يقول الإنسان ما يسخط الربّ.
* * *
__________________
(1) بحار الأنوار ، ج 22 ، ص 157 و 158.
الآيتان
( وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) )
التّفسير
نحو ارض مصر :
قضى يوسف في ظلمة الجب الموحشة والوحدة القاتلة ساعات مرّة ، ولكنّه بإيمانه بالله وسكينته المنبثقة عن الايمان شع في قلبه نور الأمل ، وألهمه الله تعالى القوة والقدرة على تحمّل الوحدة الموحشة ، وان ينجح في هذا الامتحان.
ولكنّ الله اعلم كم يوما قضى يوسف في هذه الحالة؟
قال بعض المفسّرين : قضى ثلاثة ايام ، وقال آخرون : يومين.
وعلى كل حال تبلج النّور( وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ ) (1) .
وانتخبت منزلها على مقربة من الجبّ ، وطبيعي انّ اوّل ما تفكر القافلة فيه ـ
__________________
(1) سمّيت القافلة «سيارة» لانّها في سير وحركة دائمين.
في منزلها الجديد ـ هو تأمين الماء وسد حاجتها منه( فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ ) (1) .
فانتبه يوسف الى صوت وحركة من أعلى البئر ، ثمّ راى الحبل والدلو يسرعان الى النّزول ، فانتهز الفرصة وانتفع من هذا العطاء الالهي وتعلق بالحبل بوثوق.
فأحسّ المأمور بالإتيان بالماء ان الدلو قد ثقل اكثر ممّا ينبغي ، فلمّا سحبه بقوة الى الأعلى فوجئ نظره بغلام كأنّه فلقة قمر ، فصرخ وقال :( يا بُشْرى هذا غُلامٌ ) .
وشيئا فشيئا سرى خبر يوسف بين جماعة من اهل القافلة ، ولكن من اجل ان لا يذاع هذا الخبر وينتشر ، ولكي يمكن بيع هذا الغلام الجميل في مصر ، اخفوه( وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً ) (2) .
وبالطبع هناك احتمالات اخرى في تفسير هذه الجملة منها ان الذين عثروا على يوسف اسرّوه واخفوا خبره ، وقالوا : هذا متاع لأصحاب هذا الجبّ أودعوه عندنا لنبيعه في مصر.
ومنها ان احد اخوة يوسف كان بين الحين والحين يأتي الى الجبّ ليطلع على يوسف ويأتيه بالطعام وحين اطلع اخوة يوسف على ما جرى اخفوا علاقتهم الاخوية بيوسف وقالوا : هذا غلامنا فرّ من أيدينا واختفى هنا ، وهددوا يوسف بالموت إذ كشف الستار عن الحقيقة.
ولكن التّفسير الاوّل يبدو اقرب للنظر.
وتقول الآية في نهايتها :( وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ) وبالرغم من اختلاف المفسّرين في من هم الذين شروا يوسف بثمن بخس ، وقول بعضهم : هم اخوة
__________________
(1) «الوارد» في الأصل من «الورود» وهو من يأتي بالماء ، ثمّ توسع استعمال الكلمة وأطلقت على كل ورود ودخول.
(2) «البضاعة» في الأصل من مادة «بضع» على وزن «نذر» ومعناها : القطعة من اللحم ، ثمّ توسعوا في المعنى وأطلقوا هذا اللفظ على القطعة المهمّة ، من المال. والبضعة هي القطعة من الجسد ، وحسن البضع معناه : الإنسان المكتنز لحمه ، و «بضع» على وزن «حزب» معناه العدد من ثلاثة الى عشرة (راجع المفردات للراغب).
يوسف ، ولكن ظاهر الآيات هو من كان في القافلة ، وقد تمّ البحث عن اخوته في نهاية الآية التي سبقت هذه الآيات ، وجميع الضمائر في الجمل( فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ أَسَرُّوهُ بِضاعَةً ) تعود على من كان في القافلة.
هنا يبرز هذا السؤال وهو : لم باعوا يوسف الذي كان يعدّ ـ على الأقل ـ غلاما ذا قيمة بثمن قليل ، او كما عبّر عنه القرآن( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ) ؟
ولكن هذا امر مألوف فإنّ السراق او أولئك الذين تأتيهم بضاعة مهمّة دون اي تعب ونصب يبيعونها سريعا لئلا يطلع الآخرون.
ومن الطبيعي انّهم لا يستطيعون بهذه الفورية ان يبيعوه بسعر غال.
و «البخس» في الأصل معناه تقليل قيمة الشيء ظلما ، ولذلك فإنّ القرآن يقول :( وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ) (1) .
ثمّ انّ هناك اختلافا آخر بين المفسّرين في الثمن الذي بيع به يوسف ، وكيف قسّم بينهم؟ فقال البعض : عشرون درهما ، وقالت طائفة : اثنان وعشرون ، ومع ملاحظة انّ الباعة كانوا عشرين يتّضح سهم كل منهم ، وكم هو زهيد! وتقول الآية :( وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ) .
وفي الحقيقة انّ هذه الجملة في حكم بيان العلة للجملة المتقدمة ، وهي اشارة الى انّهم باعوا يوسف بثمن بخس ، لانّهم لم يرغبوا في هذه المعاملة ولم يعتنوا بها.
وهذا البيع البخس امّا لانّ اهل القافلة اشتروا يوسف بثمن بخس ، والإنسان إذا اشترى شيئا رخيصا باعه رخيصا عادة ، او انّهم كانوا يخافون ان يفتضح سرّهم ويجدون من يدّعيه ، او من جهة انّهم لم يجدوا في يوسف أثرا للغلام الذي يباع ويشترى ، بل وجدوا فيه آثار الحرّية واضحة في وجهه ، ومن هنا فلا البائعون كانوا راغبين ببيعه ولا المشترون كانوا راغبين بشرائه.
* * *
__________________
(1) هود ، 85.
الآيتان
( وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) )
التّفسير
في قصر عزيز مصر :
انتهت حكاية يوسف مع اخوته الذين القوه في غيابة الجبّ وبيّناها تفصيلا ، بدا فصل جديد من حياة هذا الغلام الحدث في مصر فقد جيء بيوسف الى مصر وعرض للبيع ، ولما كان تحفة نفيسة فقد صار من نصيب «عزيز مصر» الذي كان وزيرا لفرعون او رئيسا لوزرائه ، لانّه كان يستطيع ان يدفع قيمة أعلى لغلام ممتاز من جميع الجهات ، والآن لنر ما الذي حدث له في بيت عزيز مصر.
يقول القرآن الكريم في شأن يوسف :( وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ
أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ) (1) فلا ينبغي ان تنظري اليه كما ينظر الى العبيد.
يستفاد من سياق الآية انّ عزيز مصر لم يرزق ولدا وكان في غاية الشوق للولد ، وحين وقعت عيناه على هذا الصبيّ الجميل والسعيد تعلّق قلبه به ليكون مكان ولده.
ثمّ يضيف القرآن الكريم( وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ) .
هذا «التمكين» في الأرض امّا ان يكون لمجيء يوسف الى مصر ، وخاصّة ان خطواته ، في محيط مصر مقدّمة لما سيكون عليه من الاقتدار والمكانة القصوى ، وامّا انّه لا قياس ، بين هذه الحياة في مصر «العزيز» وبين تلك الحياة في غيابة الجبّ والوحدة والوحشة. فأين تلك الشدّة من هذه النعمة والرفاه!
ويضيف القرآن ايضا( وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ) .
المراد من «تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ » ـ كما أشرنا سابقا ـ هو علم تفسير الأحلام وتعبير الرؤيا حيث كان يوسف قادرا على ان يطلع على بعض اسرار المستقبل من خلاله ، او المراد منه الوحي لانّ يوسف مع عبوره من المضايق الصعبة والشدائد القاسية ونجاحه في الاختبارات الالهية في قصر عزيز مصر ، نال الجدارة بحمل الرسالة والوحي. ولكن الاحتمال الاوّل اقرب كما يبدو للنظر.
ثمّ يختتم القرآن هذه الآية بالقول :( وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) .
انّ واحدة من مظاهر قدرة الله العجيبة وهيمنته على الأمور كلها ان يدع ـ في كثير من الموارد ـ اسباب موفقية الإنسان ونجاحه بيد أعدائه كما حدث في مسألة يوسفعليهالسلام ، فلو لا خطة اخوته لم يصل الى الجبّ ابدا ، ولو لم يصل الى الجبّ لما وصل الى مصر ، ولو لم يصل الى مصر لما ذهب الى السجن ولما كان
__________________
(1) «المثوى» من مادة (ثوى) ومعناه المقام ، ولكن معناه هنا الموقعية والمنزلة والمقام كذلك.
هناك اثر من رؤيا فرعون التي أصبح يوسف بسببها عزيز مصر! ففي الحقيقة ان الله اجلس يوسف على عرش الاقتدار بواسطة اخوته الذين تصوروا انّهم سيقضون عليه في تركهم ايّاه في غيابة الجبّ.
لقد واجه يوسف في هذا المحيط الجديد ، الذي يعدّ واحدا من المراكز السياسية المهمة في مصر مسائل مستحدثة فمن جهة كان يرى قصور الطغاة المدهشة وثرواتهم ومن جهة اخرى كانت تتجسد في ذهنه صورة أسواق النخاسين وبيع المماليك والعبيد ومن خلال الموازنة بين هاتين الصورتين كان يفكر في كيفية القضاء على هموم المستضعفين من الناس لو أصبح مقتدرا على ذلك!
اجل ، لقد تعلم الكثير من هذه الأشياء في هذا المحيط المفعم بالضوضاء ، وكان قلبه يفيض همّا لانّ الظروف لم تتهيأ له بعد. فاشتغل بتهذيب نفسه وبنائها ، يقول القرآن الكريم في هذا الصدد :( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) .
كلمة «اشدّ» مشتقّة من مادة «شدّ» وتعني فتل العقدة باستحكام وهي هنا اشارة الى الاستحكام الجسماني والروحاني.
قال بعضهم : انّ هذه الكلمة جمع لا مفرد لها ولكن البعض الآخر قال : انّها جمع (شدّ) على وزن (سدّ) ولكن معناها الجمعي غير قابل للإنكار على كل حال!
المراد من «الحكم» و «العلم» الواردين في الآية المتقدمة التي تقول :( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً ) امّا ان يكون مقام النبوّة كما ذهب الى ذلك بعض المفسّرين ، وامّا ان يكون المراد من الحكم العقل والفهم والقدرة على القضاء الصحيح الخالي من اتباع الهوى والاشتباه. والمراد من العلم الاطلاع الذي لا يقترن معه الجهل ، ومهما كان فإنّ الحكم والعلم موهبتان نادرتان وهبهما
الله ليوسف لتقواه وصبره وتوكله عليه ، وجميع هذه الصفات مجتمعة في كلمة «المحسنين».
قال بعض المفسّرين : هناك ثلاثة احتمالات لمعنى كلمتي (الحكم والعلم) الواردتين في الآية ، وهي :
1 ـ انّ الحكم اشارة الى مقام النبوة (لانّ النّبي حاكم على الحق) والعلم اشارة الى علم الدين.
2 ـ ان الحكم يعني ضبط النفس إزاء الهوى والميول النفسيّة ، وهو هنا اشارة الى الحكمة العملية. والعلم اشارة الى العلم النظري وتقديم الحكم على العلم هنا لانّ الإنسان إذا لم يهذب نفسه ويبنيها بناء صحيحا لا يصل الى العلم الصحيح.
3 ـ انّ الحكم معناه ان يبلغ الإنسان مقام «النفس المطمئنة» ويتسلّط على نفسه بحيث يستطيع ان يتملك زمام النفس الامّارة ووسوستها والمراد من العلم هو الأنوار القدسيّة واشعة الفيض الالهي الذي تنزل من عالم الملكوت على قلب الإنسان الطاهر(1) .
* * *
ملاحظات
1 ـ ما هو اسم «عزيز» مصر؟
ممّا يستجلب النظر في الآيات المتقدمة ان اسم عزيز مصر لم يذكر فيها ، انّما ورد التعبير عنه ب( الَّذِي اشْتَراهُ ) .
لكن من هو هذا العزيز؟! لم تذكره الآية ، كما سنرى في الآيات المقبلة ان عنوانه لم يصرّح به الّا بالتدريج ، فمثلا نقرا في الآية (25) هذا النصّ( وَأَلْفَيا
__________________
(1) راجع التفسير الكبير للفخر الرازي ، ج 18 ، ص 111.
سَيِّدَها لَدَى الْبابِ ) .
وحين نتجاوز هذه الآيات ونصل الى الآية (30) نواجه التعبير عن زوجته بـ «امْرَأَتُ الْعَزِيزِ ».
وهذا البيان التدريجي امّا لانّ القرآن يتحدث ـ حسب طريقته ـ بالمقدار اللازم ، وهذا دليل من ادلة الفصاحة والبلاغة ، او لأنّه ـ كما هو ملاحظ هذا اليوم في «نصوص الآداب» ايضا ـ حين يبدأ بالقصّة ـ يبدأ بها من نقطة غامضة ليتحرك الاحساس في الباحث ، وليلفت نظره نحو القصّة.
2 ـ يوسفعليهالسلام وتعبير الأحلام
الملاحظة الاخرى التي تثير السؤال في الآيات المتقدمة ، هي : ما علاقة الاطلاع على تفسير الأحلام وتأويل الأحاديث بمجيء يوسف الى قصر عزيز مصر الذي أشير اليه بلام الغاية في جملة( وَلِنُعَلِّمَهُ ) ؟!
لكن مع الالتفات الى انّ هذه النقطة يمكن ان تكون جوابا للسؤال الآنف الذكر ، وهي ان كثيرا من المواهب العلمية يهبها الله قبال التقوى من الذنوب ومقاومة الأهواء والميول النفسيّة ، او بتعبير آخر : انّ هذه المواهب التي هي ثمرة البصيرة القلبية الثاقبة ، هي جائزة الهية يهبها الله لمثل هؤلاء الأشخاص.
نقرا في حالات ابن سيرين مفسر الأحلام المشهور انّه كان رجلا بزازا وكان جميلا للغاية فعشقته امراة وتعلق قلبها به ، واستدرجته الى بيتها بأساليب وحيل خاصّة ، ثمّ غلّقت الأبواب عليه (لينال منها الحرام) لكنه لم يستسلم لهوى تلك المراة وأخذ ينصحها ويذكر مفاسد هذا الذنب العظيم ، ولكن نار الهوى كانت متأججة في قلبها بحيث لم يطفئها ماء الموعظة ، ففكر ابن سيرين في الخلاص من قبضتها ، فلوّث جسده بما كان في بيتها من اقذار تنفّر الرائي ، فلما رأته المراة نفرت منه وأخرجته من البيت.
يقال انّ ابن سيرين أصبح ذكيّا بعد هذه الحادثة ورزق موهبة عظيمة في تفسير الأحلام ، وذكروا قصصا عجيبة عنه في الكتب التي تتناول تفسير الأحلام تدل على عمق اطلاعه في هذا المجال!
فعلى هذا يمكن ان يكون يوسفعليهالسلام قد نال هذه الموهبة الخاصّة (العلم بتأويل الأحاديث) لتسلّطه على نفسه قبال اثارة امراة العزيز لهوى النفس!
ثمّ بعد هذا كله فإنّ قصور الملوك في ذلك الزمان كانت مراكز لمفسري الأحلام ، وانّ شابا ـ ذكيا كيوسف ـ كان يستطيع ان يستفيد من تجارب الآخرين ، وان يكون له استعداد روحي لافاضة العلم الالهي في هذا المجال!
وعلى كل حال فإنّه ليس مستبعدا ان يهب الله سبحانه لعباده المخلصين المنتصرين في ميادين «جهاد النفس للهوى والشّهوات» مواهب من المعارف والعلوم التي لا تقاس بأيّ معيار مادي ، ويمكن ان يكون الحديث المعروف «العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء» اشارة الى هذه الحقيقة.
هذا العلم ليس ممّا يقرا عند الأستاذ ، ولا يعطى لايّ كان وبدون حساب بل هو جائزة من الجوائز التي تمنح للمتسابقين في ميادين جهاد النفس!
3 ـ المراد من قوله تعالى :( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ )
قلنا ان (اشدّ) معناه الاستحكام الجسماني والروحاني ، وبلوغ الرشد معناه الوصول الى هذه المرحلة ، ولكن هذا العنوان قد عبّر عنه القرآن الكريم في مراحل مختلفة من عمر الإنسان.
فتارة أطلقه على سنّ البلوغ كقوله تعالى :( وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ) (1) .
وتارة يرد هذا المعنى في وصول الإنسان الى أربعين سنة ، كقوله تعالى :
__________________
(1) سورة الاسراء ، الآية 34.
( حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) (1) .
وتارة يراد به ما قبل مرحلة الشيخوخة والكبر ، كقوله تعالى :( ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً ) (2) .
ولعل هذا التفاوت في التعبيرات آت من طيّ الإنسان مراحل مختلفة لاستحكام الروح والجسم ، ولا شكّ ان الوصول الى سنّ البلوغ واحد من هذه المراحل.
وبلوغ الأربعين الذي يكون تواما للنضج الفكري والعقلي مرحلة ثانية ، كما ان المرحلة الثّالثة تكون قبل ان يسير الإنسان نحو قوس النّزول ويبلغ الضعف والوهن!
وعلى كل حال فإنّ المقصود في الآية ـ محل البحث ـ هو مرحلة البلوغ الجسمي والروحي الذي ظهر في يوسف بداية شبابه ، يقول الفخر الرازي في تفسيره في هذا الصدد : «مدة دور القمر ثمانية وعشرون يوما وكسر ، فإذا جعلت هذه الدورة اربعة اقسام كان كل قسم منها سبعة ايام ، فلا جرم رتبوا احوال الأبدان على الأسابيع ، فالإنسان إذا ولد كان ضعيف الخلقة نحيف التركيب الى ان يتم له سبع سنين ، ثمّ إذا دخل في السبعة الثانية حصل فيه آثار الفهم والذكاء والقوّة ، ثمّ لا يزال في الترقي الى ان يتمّ له اربع عشرة سنة ، فإذا دخل في السنة الخامسة عشرة دخل في الأسبوع الثّالث وهناك يكمل العقل ويبلغ الى حد التكليف وتتحرك فيه الشهودة ، ثمّ لا يزال يرتقي على هذه الحالة الى ان يتم السنة الحادية والعشرين وهناك يتم الأسبوع الثّالث ، ويدخل في السنة الثّانية والعشرين وهذا الأسبوع آخر أسبوع النشوء والنماء ، فإذا تمّت السنة الثّامنة والعشرون فقد تمّت مدّة النشوء والنماء وينتقل الإنسان منه الى زمان الوقوف ،
__________________
(1) سورة الأحقاف ، الآية 15.
(2) سورة غافر ، 67.
وهو الزمان الذي يبلغ الإنسان فيه اشدّه ، وبتمام هذا الأسبوع الخامس ـ يحصل للإنسان خمسة وثلاثون سنة ثمّ انّ هذه المراتب مختلفة في الزيادة والنقصان ، فهذا الأسبوع الخامس الذي هو أسبوع الشدّة والكمال يبتدئ من السنة التّاسعة والعشرين الى الثّالثة والثّلاثين ، وقد يمتّد الى الخامسة والثّلاثين ، فهذا هو الطريق المعقول في هذا الباب ، والله اعلم بحقائق الأشياء»(1) .
التقسيم المتقدّم وان كان مقبولا الى حدّ ما لكنّه يبدو غير دقيق ، لانّ مرحلة البلوغ اوّلا ليست في انتهاء العقد الثاني ، وكذلك فإن التكامل الجسماني ـ طبقا لما يقول علماء اليوم ـ هو 25 سنة والبلوغ الفكري الكامل أربعون سنة طبقا لبعض الرّوايات ، وبعد هذا كله فإنّ ما ورد آنفا لا يصحّ ان يكون قانونا عامّا ليصدق على جميع الأشخاص.
4 ـ وآخر ما ينبغي الالتفات اليه هنا هو ان القرآن بعد ان يتحدث عن إتيان يوسف الحكم والعلم يعقب بالقول :( وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) ومعنى ذلك ان مواهب الله ـ حتى للأنبياء ـ ليست اعتباطا ، وكل ينال بمقدار إحسانه ويغرف من بحر الله وفيضه اللامحدود كما نال يوسف سهما وافرا من ذلك بصبره واستقامته امام كل تلك المشاكل.
* * *
__________________
(1) تفسير الفخر الرازي ، ج 18 ، ص 111.
الآيتان
( وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) )
التّفسير
العشق الملتهب :
لم يأسر جمال يوسف الملكوتي عزيز مصر فحسب ، بل أسر قلب امراة العزيز كذلك وأصبح متيّما بجماله!.
وامتدّت مخالب العشق الى اعماق قلبها ، وبمرور الزمن كان هذا العشق يتجذّر يوما بعد يوم ويزداد اشتعالا لكنّ يوسف هذا الشابّ الطاهر التقي ، لم يفكّر بغير الله ، ولم يتعلّق قلبه بغير عشق الله سبحانه.
وهناك امور اخرى زادت من عشق امراة العزيز ليوسف فمن جهة لم ترزق الولد ، ومن جهة اخرى انغمارها في حياة مترفة مفعمة بالبذخ ومن جهة
ثالثة عدم ابتلائها بأيّ نوع من البلاء كما هي حال المتنعّمين ، وعدم الرقابة الشديدة على هذا القصر من قبل العزيز من جهة رابعة كلّ ذلك ترك امراة العزيز ـ الفارغة من الايمان والتقوى ـ تهوي في وساوسها الشيطانية الى الحضيض ، بحيث أفضت ليوسف أخيرا عمّا في قلبها وراودته عن نفسه.
واتّبعت جميع الاساليب والطرق للوصول الى هدفها ، وسعت لكي تلقي في قلبه أثرا من هواها وترغيبها وطلبها ، كما يقول عن ذلك القرآن الكريم :( وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها ) .
وجملة «راودته» مأخوذة من مادّة «المراودة» وأصلها البحث عن المرتع والمرعى ، وما ورد في المثل المعروف «الرائد لا يكذب اهله» اشارة الى هذا المعنى ، كما يطلق «المرود» على وزن (منبر) على قلم الكحل الذي تكحل به العين ، ثمّ توسّعوا في هذا اللفظ فأطلق على كلّ ما يطلب بالمداراة والملاءمة.
وهذا التعبير يشير الى انّ امراة العزيز طلبت من يوسف ان ينال منها بطريق المسالمة والمساومة ـ كما يصطلح عليه ـ وبدون اي تهديد ، وأبدت محبّتها القصوى له بمنتهى اللين.
وأخيرا فكّرت في ان تخلو به وتوفّر له جميع ما يثير غريزته ، من ثياب فضفاضة ، وعطور عبقة شذيّة ، وتجميلات مرغبة ، حتّى تستولي على يوسف وتأسره!.
يقول القرآن الكريم :( وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ ) .
«غلّقت» تدلّ على المبالغة وانّها أحكمت غلق الأبواب ، وهذا يعني انّها سحبت يوسف الى مكان من القصر المتشكّل من غرف متداخلة وكما ورد في بعض الرّوايات كانت سبعة أبواب ، فغلقتها عليه جميعا لئلّا يجد يوسف اي طريق للفرار اضافة الى ذلك أرادت ان تشعر يوسف ان لا يقلق لانتشار الخبر فإنّه سوف لا يفتضح ، حيث لا يستطيع احد ان ينفذ الى داخل القصر ابدا.
وفي هذه الحال ، حين راى يوسف انّ هذه الأمور تجري نحو الإثم ، ولم ير طريقا لخلاصه منها ، توجّه يوسف الى زليخا و( قالَ مَعاذَ اللهِ ) وبهذا الكلام رفض يوسف طلب امراة العزيز غير المشروع وأعلمها انّه لن يستسلم لارادتها. وافهمها ضمنا ـ كما افهم كلّ انسان ـ انّه في مثل هذه الظروف الصعبة لا سبيل الى النجاة من وساوس الشيطان واغراءاته الّا بالالتجاء الى الله الله الذي لا فرق عنده بين السرّ والعلن ، بين الخلوة والاجتماع ، فهو مطّلع ومهيمن على كلّ شيء ، ولا شيء الّا وهو طوع امره وارادته!
وبهذه الجملة اعترف يوسف بوحدانية الله تعالى من الناحية النظرية ، وكذلك من الناحية العملية ايضا ، ثمّ أضاف( إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ ) أليس التجاوز ظلما وخيانة واضحة( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) .
المراد من كلمة «ربّي»
هناك اقوال كثيرة بين المفسّرين في المراد من قوله :( إِنَّهُ رَبِّي ) فأكثر المفسّرين ، كالعلّامة الطبرسي في مجمع البيان وكاتب المنار في تفسير المنار وغيرهما ، قالوا : انّ كلمة «ربّ» هنا استعملت في معناها الواسع ، وقالوا : انّ المراد من كلمة «ربّ» هنا هو «عزيز مصر» الذي لم يأل جهدا في إكرام يوسف ، وكان يوصي امرأته من البداية بالاهتمام به وقال لها :( أَكْرِمِي مَثْواهُ ) .
ومن يظنّ انّ هذه الكلمة لم تستعمل بهذا المعنى فهو مخطئ تماما ، لانّ كلمة «ربّ» في هذه السورة أطلقت عدّة مرّات على غير الله سبحانه. وأحيانا ورد هذا الاستعمال على لسان يوسف نفسه ، وأحيانا على لسان غيره!
فمثلا في قصّة تعبير الرؤيا للسجناء ، طلب يوسف من الذي بشّره بالنجاة ان يذكر حاله عند ملك مصر( وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) (الآية 42).
كما نلاحظ هذا الاستعمال على لسان يوسف ـ أيضا ـ حين جاءه مبعوث فرعون مصر ، إذ يقول القرآن الكريم في هذا الصدد :( فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ ) (الآية 50).
وفي الآية (41) من هذه السورة ، وذيل الآية (42) أطلقت كلمة «ربّ» في لسان القرآن الكريم بمعنى المالك وصاحب النعمة. فعلى هذا تلاحظون انّ كلمة «ربّ» استعملت 4 مرّات ـ سوى الآية محلّ البحث ـ في غير الله ، وإن كانت قد استعملت في هذه السورة وفي سور اخرى من القرآن في خصوص ربّ العالمين (الله) مرارا.
فالحاصل انّ هذه الكلمة من المشترك اللفظي وهي تستعمل في المعنيين.
ولكن رجّح بعض المفسّرين ان تكون كلمة «ربّ» في هذه الآية( إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ ) يقصد بها الله لانّها جاءت بعد كلمة( مَعاذَ اللهِ ) مباشرة ، وكونها الى جنب لفظ الجلالة صار سببا لعود الضمير في( إِنَّهُ رَبِّي ) عليه فيكون معنى الآية : انّني ألتجئ الى الله وأعوذ به فهو الهي الذي اكرمني وعظم مقامي وكلّ ما عندي من النعم فهو منه.
ولكن مع ملاحظة وصية عزيز مصر لامراته( أَكْرِمِي مَثْواهُ ) وتكرارها في الآية ـ محل البحث ـ يكون المعنى الاوّل اقرب وأقوى.
جاء في التوراة الفصل 39 رقم 8 و 9 و 10 ما مؤدّاه : «وبعد هذا وقعت المقدّمات ، انّ امراة سيّده القت نظرتها على يوسف وقالت : اضطجع معي ، لكنّه ابى وقال لامراة سيّده : انّه سيّدي غير عارف بما معي في البيت ، وكلّ ما يملك مودع عندي ، ولا أجد اكبر منّي في هذا البيت ، ولم يزاحمني شيء سواك لانّك امرأته ، فكيف اقدم على هذا العمل القبيح جدّا ، واتجرّا في الذنب على الله». فهذه الجمل في التوراة تؤيّد المعنى الاوّل.
وهنا يبلغ امر يوسف وامراة العزيز الى ادقّ مرحلة واخطرها ، حيث يعبّر
القرآن عنه تعبيرا ذا مغزى كبير( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) .
وفي معنى هذه الجملة اقوال بين المفسّرين يمكن تصنيفها واجمالها الى ثلاثة تفاسير :
1 ـ انّ امراة العزيز كانت تريد ان تقضي وطرا مع يوسف ، وبذلت وسعها في ذلك ، وكاد يوسف يستجيب لرغبتها بطبيعة كونه بشرا شابّا لم يتزوّج ويرى نفسه إزاء المثيرات الجنسيّة وجها لوجه لو لا ان راى برهان الله اي روح الايمان والتقوى وتربية النفس ، أضف الى كلّ ذلك مقام العصمة الذي كان حائلا دون هذا العمل!
فعلى هذا يكون الفرق بين معاني «همّ» اي القصد من امراة العزيز ، والقصد من قبل يوسف ، هو انّ يوسف كان يتوقّف قصده على شرط لم يتحقّق ، اي (عدم وجود برهان ربّه) ولكن القصد من امراة العزيز كان مطلقا ، ولانّها لم يكن لديها مثل هذا المقام من التقوى والعفّة ، فإنّها صمّمت على هذا القصد حتّى آخر مرحلة ، والى ان اصطدمت جبهتها بالصخرة الصمّاء!
ونظير هذا التعبير موجود في الآداب العربيّة وغيرها كما نقول مثلا : انّ جماعة لا ترتبط بقيم أخلاقية ولا ذمّة صمّمت على الاغارة على مزرعة فلان ونهب خيراته ، ولولا انّي تربّيت سنين طوالا عند استاذي العارف الزاهد فلان ، لاقدمت على هذا العمل معهم.
فعلى هذا كان تصميم يوسف مشروطا بشرط لم يتحقّق ، وهذا الأمر لا منافاة له مع مقام يوسف من العصمة والتقوى ، بل يؤكّد له هذا المقام العظيم كذلك.
وطبقا لهذا التّفسير لم يبد من يوسف اي شيء يدلّ على التصميم على الذنب ، بل لم يكن في قلبه حتّى هذا التصميم.
ومن هنا فيمكن القول انّ بعض الرّوايات التي تزعم انّ يوسف كان مهيّئا
لينال وطرا من امراة العزيز ، وخلع ثيابه عن بدنه ، وذكرت تعبيرات اخرى نستحيي من ذكرها ، كلّ هذه الأمور عارية من الصحّة ومختلقة ، وهذه اعمال من شأن الافراد والمنحرفين الملوّثين غير الانقياء. فكيف يمكن ان يتّهم يوسف مع هذه المنزلة وقداسة روحه ومقام تقواه بمثل هذا الاتّهام.
الطريف انّ التّفسير الاوّل نقل عن الامام علي بن موسى الرضاعليهالسلام في عبارة موجزة جدّا وقصيرة ، حيث يسأله المأمون «الخليفة العبّاسي» قائلا : الا تقولون انّ الأنبياء معصومون؟ فقال الامام : «بلى». فقال : فما تفسير هذه الآية( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) فقال الامامعليهالسلام : «لقد همّت به ، ولولا ان راى برهان ربّه لهمّ بها كما همّت ، لكنّه كان معصوما والمعصوم لا يهمّ بذنب ولا يأتيه» فقال المأمون : لله درّك يا أبا الحسن(1) .
2 ـ انّ تصميم كلّ من امراة العزيز ويوسف لا علاقة له بالوطر الجنسي ، بل كان تصميما على ضرب أحدهما الآخر
فتصميم امراة العزيز على هذا العمل كان لعدم انتصارها في عشقها وبروز روح الانتقام فيها ثأرا لهذا العشق.
وتصميم يوسف كان دفاعا عن نفسه ، وعدم التسليم لطلب تلك المراة.
ومن جملة القرائن التي تذكر في هذا الموضوع :
اوّلا : انّ امراة العزيز كانت قد صمّمت على نيل الوطر الجنسي قبل هذه الحالة ، وكانت قد هيّأت مقدّمات هذا الأمر ، فلا مجال ـ اذن ـ لان يقول القرآن : انّها صمّمت على هذا العمل الآن ، لانّ هذه الساعة لم تكن ساعة تصميم.
وثانيا : انّ ظهور حالة الخشونة والانتقام بعد هذه الهزيمة امر طبيعي ، لانّها بذلت ما في وسعها لاقناع يوسف ، ولمّا لم توفّق الى ما رغبت فيه توسلّت بطريق آخر ، وهو طريق الخشونة والضرب.
__________________
(1) تفسير نور الثقلين ج 2 ص 421.
وثالثا : انّنا نقرا في ذيل هذه الآية( كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ ) والمراد بالفحشاء هو التلوّث وعدم العفّة والمراد بصرف السوء ، هو نجاته من مخالف امراة العزيز ، وعلى كلّ حال فحين راى يوسف برهان ربّه تجنّب الصراع مع امراة العزيز وضربها ، لانّه قد يكون دليلا على تجاوزه وعدوانه عليها ، ولذا رجّح ان يبتعد عن ذلك المكان ويفرّ نحو الباب.
3 ـ ممّا لا شكّ فيه انّ يوسف كان شابّا يحمل جميع الاحاسيس التي في الشباب ، وبالرغم من انّ غرائزه كانت طوع عقله وايمانه الّا انّ مثل هذا الإنسان ـ بطبيعة الحال ـ يهيج طوفان في داخله لما يشاهده من مثيرات في هذا المجال ، فيصطرع العقل والغريزة ، وكلّما كانت أمواج المثيرات اشدّ كانت كفّة الغرائز أرجح ، حتّى انّها قد تصل في لحظة خاطفة الى أقصى مرحلة من القوّة ، بحيث لو تجاوز هذه المرحلة خطوة لهوى في مزلق مهول ، ولكنّ قوّة الايمان والعقل ثارت في نفسه فجأة وتسلّمت زمام الأمور في انقلاب عسكري سريع وكبحت جماح الشهوة.
والقرآن يصوّر هذه اللحظة الخاطفة الحسّاسة والمتأزّمة التي وقعت بين زمانين هادئين ـ في الآية المتقدّمة ـ فيكون المراد من قوله تعالى :( وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) انّ يوسف انجرّ الى حافّة الهاوية في الصراع بين الغريزة العقل ، ولكن فجأة ثارت قوّة الايمان والعقل وهزمت طوفان الغريزة(1) لئلّا يتصوّر احد انّ يوسف عند ما استطاع ان يخلّص نفسه من هذه الهاوية فلم يقم بعمل مهمّ ، لانّ اسباب الذنب والهياج الجنسي كانت فيه ضعيفة كلّا ابدا فهو في هذه اللحظة الحسّاسة جاهد نفسه اشدّ الجهاد.
__________________
(1) مقتبس من تفسير «في ظلال القرآن» لسيّد قطب ذيل الآية ج 4 ص 711.
ما المراد من برهان ربّه؟
«البرهان» في الأصل مصدر «بره» ومعناه «صيرورة الشيء ابيضا» ثمّ اطلق هذا اللفظ على كلّ دليل محكم قوي يوجب وضوح المقصود ، فعلى هذا يكون برهان الله الذي نجّى يوسف نوعا من الادلّة الالهيّة الواضحة ، وقد احتمل فيه المفسّرون احتمالات كثيرة ، من جملتها :
1 ـ العلم والايمان والتربية الانسانية والصفات البارزة.
2 ـ معرفته بحكم تحريم الزنا.
3 ـ مقام النبوّة وعصمته من الذنب.
4 ـ نوع من الأمداد الالهي الذي تداركه في هذه اللحظة الحسّاسة بسبب اعماله الصالحة.
5 ـ هناك رواية يستفاد منها انّه كان في قصر امراة عزيز مصر صنم تعبده ، وفجأة وقعت عيناها عليه ، فكأنّها احسّت بأنّ الصنم ينظر الى حركاتها الخيانيّة بغضب ، فنهضت والقت عليه سترا ، فاهتزّ يوسف لهذا المنظر ، وقال : أنت تستحين من صنم لا يملك عقلا ولا شعورا ولا إحساسا ، فكيف لا استحيي من ربّي الخبير بكلّ شيء ، والذي لا تخفى عليه خافية؟.
فهذا الاحساس منح يوسف قوّة جديدة ، وأعانه على الصراع الشديد في اعماق نفسه بين الغريزة والعقل ، ليتمكّن من التغلّب على أمواج الغريزة في نفسه(1) .
وفي الوقت ذاته لا مانع ان تكون جميع هذه المعاني منظورة ، لانّ مفهوم البرهان العام يستوعبها جميعا ، وقد أطلقت آيات القرآن كلمة «البرهان» على كثير من المعاني المتقدّمة.
امّا الرّوايات التي لا سند لها والتي ينقلها بعض المفسّرين ، والتي مؤدّاها انّ
__________________
(1) نور الثقلين ، ج 2 ، ص 422 ، وتفسير القرطبي ، ص 398 ، ج 5.
يوسف صمّم على الذنب ، ولكنّه لاحظ فجأة حالة من المكاشفة بين جبرئيل ويعقوب وهو يعضّ على إصبعه ، فراى يوسف هذا المنظر وتخلّف عن اقدامه على هذا الذنب فهذه الرّوايات ليس لها اي سند معتبر وهي روايات إسرائيلية انتجتها الذهنيات البشرية الضيّقة التي لم تدرك مقام النبوّة ابدا.
والآن لنتوجّه الى تفسير بقيّة الآية إذ يقول القرآن المجيد :( كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) . وهي اشارة الى انّ هذا الأمداد الغيبي والاعانة المعنوية لانقاذ يوسف من السوء والفحشاء من قبل الله لم يكن اعتباطا ، فقد كان عبدا عارفا مؤمنا ورعا ذا عمل صالح طهّر قلبه من الشرك وظلماته ، فكان جديرا بهذا الأمداد الالهي.
وبيان هذا الأمر يدلّ على انّ مثل هذه الامدادات الغيبية ، في لحظات الشدّة والازمة التي تدرك الأنبياء ـ كيوسف مثلا ـ غير مخصوصة بهم ، فإنّ كلّ من كان في زمرة عباد الله الصالحين المخلصين فهو جدير به هذه المواهب ايضا.
* * *
ملاحظات
1 ـ جهاد النفس
نحن نعرف انّ أعظم الجهاد في الإسلام هو جهاد النفس ، الذي عبّر عنه في حديث عن النّبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم بـ «الجهاد الأكبر» اي هو جهاد أعظم من جهاد العدوّ الذي عبّر عنه بالجهاد الأصغر وإذا لم يتوفّر في الإنسان الجهاد الأكبر بالمعنى الواقعي ـ أساسا ـ فلن ينتصر في جهاده على أعدائه.
وفي القرآن المجيد ترتسم صور شتّى في ميادين الجهاد ، وتتجلّى فيها علاقة الأنبياء واولياء الله الصالحين. وقصّة يوسف وما كان من عشق امراة العزيز الملتهب واحدة من هذه الصور ، وبالرغم من انّ القرآن لم يوضّح جميع ما في القصّة من خفايا وزوايا ، الّا انّه أجملها بصورة موجزة في جملة قصيرة هي( وَهَمَ
بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) وبيّن شدّة هذا الطوفان.
لقد خرج يوسف من هذا الصراع منتصرا بوجه مشرق لثلاثة اسباب :
الاوّل : انّه التجأ الى الله واستعاذ به ، وقال :( مَعاذَ اللهِ ) .
الثّاني : التفاته الى الإحسان الذي اسداه اليه عزيز مصر ، وما تناوله في بيته فأثّر فيه ، فلم ينس فضله طيلة حياته ، ومع ملاحظة نعم الله التي لا تحصى وانقاذه له من غيابة الجبّ الموحشة الى محيط الامان والهدوء جعلته يفكّر في ماضيه ومستقبله ، ولا يستسلم للتيارات العابرة.
الثّالث : بناء شخصيّته وعبوديّته المقرونة بالإخلاص التي عبّر عنها القرآن( إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) يستفاد منها انّها منحته القوّة والقدرة ليخرج من ميادين الوسوسة التي تهجم عليه من الداخل والخارج بانتصار.
وهذا درس كبير لجميع الناس الأحرار الذين يريدون ان ينتصروا على عدوّهم الخطر في ميادين جهاد النفس.
يقول الامام علي بن أبي طالب «امير المؤمنين» في دعاء الصباح ، بأسلوب جميل رائق : «وان خذلني نصرك عند محاربة النفس والشيطان ، فقد وكلني خذلانك الى حيث النصب والحرمان».
ونقرا في بعض الأحاديث انّ النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بعث سرية فلمّا رجعوا قال : «مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر ، وبقي عليهم الجهاد الأكبر» فقيل : يا رسول الله ، وما الجهاد الأكبر قال : «جهاد النفس»(1) .
ويقول الامام عليعليهالسلام ايضا «المجاهد من جاهد نفسه»(2) .
كما ينقل عن الامام الصادقعليهالسلام انّه قال : «من ملك نفسه إذا رغب وإذا رهب وإذا اشتهى وإذا غضب وإذا رضي حرّم الله جسده على النار»(3) .
__________________
(1) وسائل الشيعة ، ج 11 ، ص 122.
(2) المصدر السابق ، ص 124.
(3) المصدر نفسه ، ص 123.
2 ـ ثواب الإخلاص
كما أشرنا في تفسير الآيات المتقدّمة ، فإنّ القرآن المجيد عزا نجاة يوسف ـ من هذه الازمة الخطرة التي أوقعته امراة العزيز فيها ـ الى الله ، إذ قال :( كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ ) .
ولكن مع ملاحظة الجملة التي تليها :( إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) تتجلّى هذه الحقيقة ، وهي انّ الله سبحانه لا يترك عباده المخلصين في اللحظات المتأزّمة وحدهم ولا يقطع عنهم امداداته المعنويّة بل يحفظ عباده بألطافه الخفيّة.
وهذا الثواب في الواقع هو ما يمنحه الله جلّ جلاله لامثال هؤلاء العباد ، وهو ثواب الطهارة والتقوى والإخلاص.
وهناك مسألة جديرة بالتنويه ، وهي انّ يوسف «من عباد الله المخلصين» ومفرد الكلمة «مخلص» على وزن «مطلق» وهو اسم مفعول. ولم تأت الكلمة على وزن اسم الفاعل اي «مخلص» على وزن «محسن».
والدقّة في آيات القرآن تكشف عن انّ كلمة «مخلص» (بكسر اللام) غالبا ما تستعمل في مراحل تكامل الإنسان الاولى وفي حال بناء شخصيته ، كقوله تعالى :( فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (1) .
وكقوله تعالى :( وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (2) .
غير انّ كلمة «مخلص» بفتح اللام استعملت في المرحلة العالية التي تحصل بعد مدّة مديدة من جهاد النفس ، تلك المرحلة التي ييأس الشيطان فيها من نفوذه ووسوسته داخل الإنسان ، وفي الحقيقة تكون نفس الإنسان مؤمّنا عليها من قبل الله ، يقول القرآن في هذا الصدد :( قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
__________________
(1) العنكبوت ، 65.
(2) البينة ، 5.
إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) (1) .
وكان يوسف قد بلغ هذه المرحلة بحيث وقف كالجبل امام تلك الازمة ، فينبغي على كلّ فرد السعي لبلوغ هذه المرحلة.
3 ـ العفّة والمتانة في البيان
من عجائب القرآن وواحدة من ادلّة الاعجاز ، انّه لا يوجد في تعبيره ركّة وابتذال وعدم العفّة وما الى ذلك ، كما انّه لا يتناسب مع أسلوب الفرد العادي الامّي الذي تربّى في محيط الجاهليّة ، مع انّ حديث كلّ احد يتناسب مع محيطه وأفكاره!.
وبين جميع قصص القرآن واحداثه التي ينقلها توجد قصّة غرام وعشق واقعية ، وهي قصّة (يوسف وامراة عزيز مصر).
قصّة تتحدّث عن عشق امراة جميلة والهة ذات أهواء جامحة لشاب جميل طاهر القلب.
اصحاب المقالات والكتاب حين يواجهون مثل هذا الأمر امّا ان يتحدّثوا عن ابطال القصّة بأن يطلقوا للقلم او اللسان العنان ، حتّى تظهر في (البين) تعابير مثيرة وغير أخلاقية كثيرة.
وامّا ان يحافظوا على العفّة والنزاهة في القلم واللسان ، فيحوّلوا القصّة الى القرّاء او السامعين بشكل غامض ومبهم.
فالكاتب او صاحب المقال مهما كان ماهرا يبتلى بواحد من هذين الإشكالين ، ترى هل يعقل انّ فردا لم يدرس يرسم رسما دقيقا وكاملا لفصول مثل هذا العشق المثير ، دون ان يستعمل اقلّ تعبير مهيّج وبعيد عن العفّة؟!
ولكنّ القرآن يمزج في رسم هذه الميادين الحسّاسة من هذه القصّة ـ
__________________
(1) سورة ص ، الآية 83.
بأسلوب معجب ـ الدقّة في البيان مع المتانة والعفّة ، دون ان يغضّ الطرف عن ذكر الوقائع ، او ان يظهر العجز ، وقد استعمل جميع الأصول الاخلاقية والأمور الخاصّة بالعفّة.
ونعرف انّ اخطر ما في هذه القصّة ما جرى في «خلوة العشق» وما أظهرته امراة العزيز بابتكارها وهواها.
والقرآن يتناول كلّ ما جرى من حوادث ويتحدّث عنها دون ان يظهر اقلّ انحراف من اصول العفّة حيث يقول :( وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) (يوسف 23).
والمسائل التي تسترعي الانتباه في هذه القصّة ما يلي :
1 ـ كلمة «راود» تستعمل في مكان يطلب فيه احد من الآخر شيئا بإصرار ممزوجا بالترغيب واللين ، لكن ما الذي ارادته امراة العزيز من يوسف؟! بما انّه كان واضحا فقد اكتفى القرآن بالكناية والتلميح دون التصريح!.
2 ـ انّ القرآن هنا لم يعبّر عن امراة العزيز تعبيرا مباشرا ، بل قال :( الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها ) ليقترب من بيان العفّة واسدال الحجاب ، كما جسّد معرفة يوسف للحقّ وجسّد مشاكل يوسف ايضا في عدم التسليم إزاء من كانت حياته في قبضتها.
3 ـ( غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ ) التي تدلّ على المبالغة وانّ الأبواب جميعا أوصدت بشدّة ، (وهذا تصوير من هذا الميدان المثير).
4 ـ جملة( هَيْتَ لَكَ ) تشرح آخر كلام امراة العزيز للبلوغ الى وصال يوسف ، ولكنّها في عبارة متينة ذات مغزى كبير وليس فيها ما يشير الى تعبير سيئ.
5 ـ( مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ ) التي قالها يوسف لتلك المراة الجملية ، معناها كما يقول اكثر المفسّرين : انّي ألتجئ الى الله فإنّ عزيز مصر
صاحبي وسيّدي وهو يجلّني ويحترمني ويعتمد عليّ ، فكيف اخونه؟! وهذا العمل خيانة وظلم( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) وبهذا توضّح الآية سعي يوسف الى إيقاظ العواطف الانسانية في امراة العزيز.
6 ـ جملة( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) ترسم ـ من جهة ـ تلك الخلوة بدقّة ، بحيث لو انّ يوسف لم يكن لديه مقام العصمة او العقل او الايمان لكان قد وقع في «الفخّ».
ومن جهة أخرى ترسم انتصار يوسف أخيرا في هذه الظروف على شيطان الشهوة الطاغي بأسلوب رائع.
الطريف هنا انّ الآية استعملت كلمة «همّ» فحسب ، «اي انّ امراة العزيز صمّمت من جهتها ولو لم ير يوسف برهان ربّه لصمّم من جهته ايضا ، ترى هل توجد كلمة اكثر متانة للتعبير عن (القصد والتصميم) أفضل من هذه؟!
* * *
الآيات
( وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (25) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (26) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (29) )
التّفسير
فضيحة امراة العزيز!!
المقاومة الشديدة التي أبداها يوسف جعلت امراة العزيز آيسة منه تقريبا ولكن يوسف الذي انتصر في هذا الدور على تلك المراة المعاندة احسّ انّ بقاءه في بيتها ـ في هذا المزلق الخطر ـ غير صالح ، وينبغي ان يبتعد عنه ، ولذلك اسرع نحو باب القصر ليفتحه ويخرج ، ولم تقف امراة العزيز مكتوفة الايدي ، بل
أسرعت خلفه لتمنعه من الخروج ، وسحبت قميصه من خلفه فقدّته( وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ ) .
(الاستباق) في اللغة هو المسابقة بين شخصين او اكثر.
و (قدّ) بمعنى مزّق طولا ، كما انّ «قطّ» بمعنى مزّق عرضا ، ولذلك نقرا في الحديث «كانت ضربات علي بن أبي طالبعليهالسلام أبكارا ، إذا اعتلى قدّ ، وإذا اعترض قطّ»(1) .
وعلى كلّ حال فقد أوصل يوسف نفسه نحو الباب وفتحه فرأيا «يوسف وامراة العزيز» عزيز مصر خلف الباب فجأة. يقول القرآن الكريم :( وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ ) .
«ألفيا» من مادّة «الالفاء» ومعناها العثور المفاجئ والتعبير عن الزوج بـ «السيّد» كما يقول بعض المفسّرين كان طبقا للعرف السائد في مصر ، حيث كانت تخاطب المراة زوجها بالسيّد.
في هذه اللحظة التي رأت امراة العزيز نفسها على أبواب الفضيحة من جهة ، وشعلة الانتقام تتأجّج في داخلها من جهة اخرى ، كان اوّل شيء توجّهت اليه ان تخاطب زوجها متظاهرة بمظهر الحقّ متّهمة يوسف إذ( قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) .
من الطريف هنا انّ هذه المراة الخائنة نسيت نفسها انّها امراة العزيز حينما كانت لوحدها مع يوسف ، ولكن عند ما وجدت نفسها مشرفة على الافتضاح ، عبّرت عن نفسها بأنّها اهله لتثير فيه احساس الغيرة! فهي خاصّة به ولا ينبغي لأحد ان يلقي عليها نظرات الطمع!!
وهذا الكلام قريب الشبه بكلام فرعون مصر في عصر موسى إذ قال :( أَلَيْسَ
__________________
(1) مجمع البيان : ذيل الآية.
لِي مُلْكُ مِصْرَ ) ،(1) حيث كان جالسا على عرش السلطنة! ولكنّه حين وجد نفسه مشرفا على السقوط ، ووجد ملكه وتاجه في خطر ، قال عن موسى وأخيه :( يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ ) (2) .
والأمر الآخر انّ امراة العزيز لم تقل انّ يوسف كان يريد السوء بي ، بل تحدّثت [عن ما يستحقّه من الجزاء] مع عزيز مصر ، فكأنّ اصل المسألة مسلّم به!! والكلام عن كيفية الجزاء.
وهذا التعبير المدروس الذي كان في لحظة اضطراب ومفاجأة للمراة يدلّ على شدّة احتيالها(3) .
ثمّ انّ التعبير عن السجن اوّلا ، ثمّ عدم قناعتها بالسجن وحده ، إذ تتجاوز هذا الحكم الى العذاب الأليم او «الاعدام» مثلا.
ولكن يوسف أدرك انّ السكوت هنا غير جائز فأماط اللثام عن عشق امراة العزيز( قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ) .
وطبيعي انّ مثل هذا الحادث من العسير تصديقه في البداية ، اي انّ شابّا يافعا غير متزوّج لا يعدّ آثما ، ولكن امراة متزوّجة ذات مكانة اجتماعية ـ ظاهرا ـ آثمة! فلذلك كانت أصابع الاتّهام تشير الى يوسف اكثر من امراة العزيز.
ولكن حيث انّ الله حامي الصالحين والمخلصين فلا يرضى ان يحترق هذا الشاب المجاهد بشعلة الاتّهام ، لذلك يقول القرآن في هذا الصدد :( وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) . واي دليل أقوى من هذا الدليل ، لانّ طلب المعصية ان كان من طرف امراة العزيز فقد ركضت خلف يوسف وقدّت
__________________
(1) الزخرف ، 51.
(2) سورة طه ، 63.
(3) في المراد من «ما» من قولها «ما جَزاءُ » أهي نافية ام استفهامية ، هناك اختلاف بين المفسّرين ، والنتيجة واحدة.
قميصه من دبر ، لانّه كان يريد الفرار فأمسكت بثوبه فقدّته ، وإذا كان يوسف هو الذي هجم عليها وهي تريد الفرار او وقفت امامه للمواجهة والدفاع ، فمن المسلّم ان يقدّ قميص يوسف من قبل! وايّ شيء اعجب من ان تكون هذه المسألة البسيطة «خرق الثوب» مؤشّرا على تغيير مسير حياة بريء وسندا على طهارته ودليلا على افتضاح المجرم!.
امّا عزيز مصر فقد قبل هذا الحكم الدقيق ، وتحيّر في قميص يوسف ذاهلا :( فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) .
في هذه الحال ، ولخوف عزيز مصر من انتشار خبر هذا الحادث المؤسف على الملا ، فتسقط منزلته وكرامته في مصر راى انّ من الصلاح كتمان القضيّة ، فالتفت الى يوسف وقال :( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا ) اي اكتم هذا الأمر ولا تخبر به أحدا ثمّ التفت الى امرأته وقال :( وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ ) (1) .
وذهب بعض المفسّرين الى انّ القائل لهذه الجملة ليس عزيز مصر ، بل الشاهد نفسه ، ولكن لا دليل يؤيّد هذا الاحتمال وخاصّة مع وقوع هذه الجملة بعد قول العزيز.
* * *
ملاحظات
1 ـ من كان الشاهد؟!
هناك اقوال في الشاهد الذي ختم «ملفّ يوسف وامراة العزيز» بسرعة ، وأوضح البريء من المسيء من هو؟
__________________
(1) ورد التعبير بالخاطئين وهو جمع مذكّر ، ولم يرد التعبير بالخاطئات الذي هو جمع مؤنث ، لانّ جمع المذكّر السالم يغلّب في كثير من الموارد ويطلق على جماعة الذكور والإناث اي «انّك في زمرة الخاطئين».
قال بعضهم : هو احد أقارب امراة العزيز ، وكلمة «مِنْ أَهْلِها » دليل على ذلك وعلى القاعدة فهو رجل حكيم وعارف ذكي بحيث استطاع ان يستنبط الحكم من قدّ الثوب دون ان يكون لديه شاهد او بيّنة. بل اكتشف حقيقة الحال ويقال : انّ هذا الرجل كان من مشاوري عزيز مصر وكان معه.
التّفسير الآخر : انّ الشاهد كان طفلا رضيعا من أقارب امراة العزيز وكان على مقربة من الحادث ، وكان يوسف قد طلب من عزيز مصر ان يحتكم الى هذا الطفل ، فتعجّب عزيز مصر من هذا الطلب ترى هل يمكن هذا؟! لكن «الطفل» حين تكلّم ـ كما تكلّم المسيحعليهالسلام في المهد ـ واعطى هذا المعيار لمعرفة البريء من المسيء ، التفت عزيز مصر الى انّ يوسف ليس غلاما (عاديّا) بل هو نبي او متنّبي.
والرّوايات المنقولة عن طريق اهل البيتعليهمالسلام واهل السنّة تشير الى هذا التّفسير ، من جملتها ما نقله ابن عبّاس عن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : انّه قال : «اربعة تكلّموا أطفالا : ابن ماشطة فرعون ، وشاهد يوسف ، وصاحب جريح ، وعيسى بن مريم»(1) .
كما نقل عن تفسير علي بن ابراهيم عن الامام الصادق انّ شاهد يوسف كان طفلا في المهد(2) .
ولكن ينبغي الالتفات الى انّ ايّا من الحديثين المتقدّمين ليس له سند قوي ، بل هما مرفوعان.
الاحتمال الثالث : انّ الشاهد هو القدّ في الثوب الذي تكلّم بلسان الحال ، ولكن مع ملاحظة كلمة( مِنْ أَهْلِها ) يضعّف هذا الاحتمال ، بل ينفيه!.
__________________
(1) تفسير المنار ، ج 12 ، ص 287.
(2) تفسير نور الثقلين ، ج 12 ، ص 422.
2 ـ الموقف الضعيف لعزيز مصر
من جملة المسائل التي تستجلب الانتباه في هذه القصّة انّ في مثل هذه المسألة المهمّة التي طعن فيها بناموس عزيز مصر وعرضه ، كيف يكتفي قانعا بالقول( وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ ) وربّما كانت هذه المسألة سببا لانّ تدعوا امراة العزيز نساء الاشراف الى مجلسها الخاص ، وتكاشفهنّ بفصّة حبّها وغرامها بجلاء.
ترى : أكان هذا خوفا من الافتضاح ، فاختصر عزيز مصر هذه المسألة وغضّ النظر عنها!؟
ام انّ هذه المسألة ـ أساسا ـ ليست بذات اهميّة للحكّام ومالكي ازمّة الأمور والطواغيت ، فهم لا يكترثون للغيرة وحفظ الناموس ، لانّهم ملوّثون بالذنوب وغارقون في مثل هذه الرذائل والفساد حتّى كأنّه لا اهميّة لهذا الموضوع في نظرهم.
يبدو انّ الاحتمال الثّاني اقرب للنظر!.
3 ـ حماية الله في الأزمات
الدرس الكبير الآخر الذي نتعلّمه من قصّة يوسف ، هو حماية الله ورعايته للإنسان الاكيدة في اشدّ الحالات ، وبمقتضى قوله :( يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) ـ فمن جهة كان يوسف لا يصدّق ابدا انّ نافذة من الأمل ستفتح له ، ويكون قدّ القميص سندا للطهارة والبراءة ، ذلك القميص الذي يصنع الحوادث ، فيوما يفضح اخوة يوسف لانّهم جاؤوا أباهم وهو غير ممزّق ، ويوما يفضح امراة العزيز لانّه قدّ من دبر ، ويوما آخر يهب البصر والنّور ليعقوب ، وريحه المعروف يسافر مع نسيم الصباح من مصر الى ارض كنعان ويبشّر العجوز «الكنعاني» بقدوم موكب البشير!.
وعلى كلّ حال فإنّ لله الطافا خفيّة لا يسبر غورها احد ، وحين يهبّ نسيم هذه الألطاف تتغيّر الأسباب والمسبّبات بشكل لا يمكن حتّى لاذكى الافراد ان يتنبّأ عنها!.
بل قد يتّفق أحيانا انّ خيوط العنكبوت تبدّل مسير الحياة لامّة او قوم بشكل دائم ، كما حدث في قصّة غار ثور وهجرة النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
4 ـ خطّة امراة العزيز
في الآيات المتقدّمة اشارة الى مكر النسوة (طبعا النساء اللائي لا ارتباط لهنّ بشيء الّا هواهنّ كامرأة العزيز) وهذا المكر والتحيّل الموصوف بالعظمة( إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) يوجد منه في التاريخ والقصص التأريخيّة امثلة كثيرة ، حيث تكشف اجمالا انّ النساء اللائي يسوقهنّ هواهنّ يرسمن خططا لا نظير لها من نوعها.
رأينا في القصّة المتقدّمة كيف انّ امراة العزيز بعد الهزيمة في عشقها وافتضاح أمرها ، برّات نفسها بمهارة واتّهمت يوسف ولم تقل انّ يوسف قصد السوء بي ، بل افترضت ذلك امرا مسلّما به. وانّما سألت فقط عن جزاء مثل من يعمل هذا العمل!! جزاء لا يتوقّف على السجن فحسب ، بل يأخذ ابعادا اخرى غير محدودة.
ونرى ايضا انّ هذه المراة في مقابل لوم نسوة مصر لها إذ عشقت غلامها ـ في الآيات التالية ـ تستعمل مثل هذا المكر او الخداع ، وهذا تأكيد آخر على مكر مثل هؤلاء النسوة!
* * *
الآيات
( وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (33) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) )
التّفسير
مؤامرة اخرى :
بالرغم من انّ عشق امراة العزيز المذكور آنفا كان ـ مسألة خصوصية ـ
بحيث اكّد حتّى العزيز على كتمانها ، ولكن حيث انّ هذه الأسرار لا تبقى خافية ، ولا سيّما في قصور الملوك واصحاب المال والقوّة ـ التي في حيطانها آذان صاغية ـ فسوف تتسرّب الى خارج القصر كما يقول القرآن في هذا الشأن :( وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا ) ثمّ لمنها وعنّفنها بهذه الجملة( إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) . وواضح انّ المتحدّث بمثل هذا الكلام كنّ نساء اشراف مصر حيث كانت اخبار القصور المفعمة بفساد الفراعنة والمستكبرين مثيرة لهنّ وكنّ يستقصينها دائما.
لم يكن فساد هؤلاء النسوة بأقلّ من امراة العزيز ولكنّ ايديهنّ لم تصل الى يوسف ، وكما يقول المثل ـ «العين بصيرة واليد قصيرة» فكنّ يرين امراة العزيز بسبب هذا العشق في ضلال مبين.
ويقول بعض المفسّرين : انّ اذاعة هذا السرّ من قبل هذه المجموعة من نساء مصر ، كانت خطّة لتحريك امراة العزيز حتّى تدعوهنّ الى قصرها لتكشف لهنّ عن براءتها وتريهن يوسف وجماله!
ولعلّهنّ كنّ يتصوّرن انّ يوسف إذا رآهنّ بهره جمالهنّ ، وربّما رآهنّ أجمل من امراة العزيز ، ولانّ يوسف كان يحترم امراة العزيز احترام الولد لوالدته ـ ام مربّيته ـ فهو لا يطمع فيها ، ولهذا السبب يكون احتمال نفوذهنّ الى قلبه أقوى من نفوذ امراة العزيز اليه!.
«الشغف» من مادّة «الشغاف» ومعناه أعلى القلب او الغشاء الرقيق المحيط بالقلب ، وشغفها حبّا معناه انّها تعلّقت به الى درجة بحيث نفذ حبّه الى قلبها واستقرّ في أعماقه.
وهذا التعبير اشارة الى العشق الشديد والملتهب.
يذكر «الآلوسي» في تفسيره «روح المعاني» نقلا عن كتاب اسرار البلاغة مراتب الحبّ والعشق ونشير هنا الى قسم منها :
فأوّل مراحل الحبّ «الهوى» ومعناه الميل ، ثمّ «العلاقة» وهي المحبّة الملازمة للقلب ، وبعدها «الكلف» وهو الحبّ الشديد ، ثمّ «العشق» وبعده «الشعف» بالعين المهملة اي الحالة التي يحترق القلب فيها من الحبّ ويحسّ باللّذة من هذه الحالة وبعدها «اللوعة» ثمّ «الشغف» وهو المرحلة التي ينفذ العشق فيها الى جميع زوايا القلب ، ثمّ «الوله» وهو المرحلة التي تخطف عقل الإنسان من العشق ، وآخر المراحل «الهيام» وهو المرحلة التي تذهل العاشق وتجرّه الى كلّ جهة دون اختياره(1) .
هناك مسألة جديرة بالالتفات وهي : من الذي أذاع هذا السرّ؟ هل كان من امراة العزيز التي لم ترغب في هذه الفضيحة ابدا! او من قبل العزيز نفسه! وكان يؤكّد على كتمان السرّ ، او القاضي الحكيم الذي حكم في الأمر ، ويستبعد منه هذا العمل؟!
وعلى كلّ حال فإنّ مثل هذه المسائل في هذه القصور المفعمة بالفساد لا تبقى طيّ الكتمان ، وأخيرا فإنّها تنتقل على السنة الذين يظهرون الحرص على شرف القصر وتنتشر ، ومن الطبيعي ان يضيف عليها آخرون اوراقا واغصانا.
امّا امراة العزيز فقد وصلها ما دار بين النسوة من افتضاحها( فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً ) (2) .
هذا العمل دليل على انّ امراة العزيز لم تكن تكترث بزوجها ، ولم تأخذ الدرس من فضيحتها ، ثمّ أمرت يوسف ان يتخطّى في المجلس( وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَ ) وتعبير( اخْرُجْ عَلَيْهِنَ ) بدلا من «ادخل» يشير الى انّها كانت اخفت يوسف داخل البيت ، او جعلته مشغولا في احدى الغرف التي يوضع فيها الغذاء
__________________
(1) تفسير (روح المعاني) ج 12 ص 203.
(2) «المتّكأ» ما يتكأ عليه كالكراسي والاسرة ، وما يوضع خلف الظهر كما هو معروف في القصور ، ولكن البعض قال : انّ المتّكأ هو نوع من الفواكه المعروفة «بالاترنج» والذين فسّروا المتّكأ بالمعنى المتقدّم قالوا ايضا : انّها فاكهة «الأترنج» وهي فاكهة من فصائل الحمضيات لها قشر ضخم يستعمل في المربيات ، وهذه الفاكهة في مصر خفيفة الحموضة الحموضة وتؤكل!
عادة حتّى يكون دخوله الى المجلس مفاجأة للجميع.
نساء مصر ـ وطبقا لبعض الرّوايات التي تقول : كنّ عشرا او اكثر ـ فوجئن بظهور يوسف كأنّه البدر او الشمس الطالعة ، فتحيّرن من جماله( فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ) وفقدن انفسهنّ( وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ ) مكان الفاكهة ، وحين وجدن الحياء والعفّة تشرقان من عينيه وقد احمّر وجهه خجلا صحن جميعا( وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ) (1) .
وهناك اقوال بين المفسّرين في انّ النسوة الى اي حدّ قطّعن أيديهن؟ فمنهم من بالغ في الأمر ، ولكن كما يستفاد من القرآن على نحو الإجمال انّهن جرحن ايديهنّ.
وفي هذه الحال التي كانت الدماء تسيل من ايدي النسوة وقد لاحظن ملامح يوسف كلّها وصرن امامه «كالخشب المسنّدة» كشفن عن انّهن لسن بأقل من امراة العزيز عشقا ليوسف ، فاستغلّت امراة العزيز هذه الفرصة ف( قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ) .
فكأنّ امراة العزيز أرادت ان تقول لهنّ : لقد رأيتن يوسف مرّة واحدة فحدث لكنّ ما حدث وفقدتنّ صوابكن وقطعتن أيديكن من جماله وعشقه ، فكيف الام وانا أراه واسكن معه ليل نهار؟!
وهكذا احسّت امراة العزيز بالغرور لانّها وفّقت في ما ألقته من فكرة واعطت لنفسها العذر ، واعترفت بكلّ صراحة بكلّ ما فعلت وقالت :( وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ) .
وبدلا من ان تظهر الندم على كلامها او تتحفّظ على الأقل امام ضيوفها ، أردفت القول بكلّ جدّ يحكي عن ارادتها القطعيّة :( وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ
__________________
(1) «حاش لله» من مادة «حشى» معناها الطرف او الناحية والتحاشي الابتعاد ومفهوم جملة «حاش لله» اي ان الله منزه ، وهي اشارة الى ان يوسف عبد منزه وطاهر.
لَيُسْجَنَنَ ) ولا اكتفي بسجنه ، بل( وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ ) .
ومن الطبيعي انّه إذا اكتفى عزيز مصر إزاء خيانة امرأته بالقول :( اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ) فينبغي ان تجرّ امرأته الفضيحة الى هذه المرحلة وأساسا فإنّ مثل هذه الأمور والمسائل في قصور الفراعنة والملوك ليست أمورا مهمّة.
ينقل البعض روايات عجيبة مؤدّاها انّ بعضا من نسوة مصر أعطين الحقّ لامرأة العزيز ودرن حول يوسف ليرغّبنه بأن يستسلم لحبّها وكلّ واحدة تكلّمت بكلام!
فقالت واحدة : ايّها الشاب ما هذا الصبر والدلال ، ولم لا ترحم هذه العاشقة الواهبة قلبها لك ، الا ترى هذا الجمال الآسر؟ أليس عندك قلب؟! الست شابّا؟ الا تستلذّ بالعشق والجمال ، فهل أنت حجارة او خشب؟!
وقالت الثّانية : إذا كنت لا تعرف عن الجمال والعشق شيئا لكن الا تدري انّ امراة العزيز ذات نفوذ وقدرة الا تفكّر ان لو ملكت قلبها فستنال كلّ شيء وتبلغ ايّ مقام شئت وقالت الثّالثة : إذا كنت لا ترغب في جمالها المثير ولا تحتاج الى مقامها ومالها ، ولكن الا تعرف انّها ستنتقم لنفسها بما أوتيت من وسائل الانتقام الخطرة ، الا تخاف من السجن ووحشته ومن الغربة المضاعفة فيه؟!
تهديد امراة العزيز من جانبها بالسجن والاذلال من جهة ، ووساوس النسوة الملوّثات اللائي خطّطن ليوسف كما يخطّط الدلّال من جهة اخرى ، اوقعا يوسف في ازمة شديدة ، وأحاط به طوفان المشاكل ، ولكن حيث انّ يوسف كان قد صنع نفسه ، وقد أوجد نور الايمان والعفّة والتقوى في قلبه هدوءا وسكينة خاصّة ، فقد صمّم بعزم وشجاعة والتفت نحو السّماء ليناجي ربّه وهو في هذه الشدّة( قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) .
وحيث كان يدري ان لا مهرب له الّا الى الله في جميع الأحوال ولا سيما في
الساعات الحرجة ، فقد أودع نفسه عند الله بهذا الكلام( وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ) .
ربّاه انّني أتقبّل السجن الموحش رعاية لأمرك وحفظا لطهارة نفسي هذا السجن تتحرّر فيه روحي وتطهّر نفسي ، وانا ارفض هذه الحريّة الظاهرية التي تأسر روحي في سجن «الشهوة» وتلوّث نفسي.
ربّاه اعنّي ، وهب لي القوّة ، وزدني قدرة وعقلا وايمانا وتقوى ، حتّى انتصر على هذه الوساوس!
وحيث انّ وعد الله حقّ ، وانّه يعين المجاهد (لنفسه او لعدوّه) فإنّه لم يترك يوسف سدى وتلقفته رحمته ولطفه كما يقول القرآن الكريم :( فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) .
فهو يسمع نجوى عبيده ، وهو مطلع على اسرارهم ، ويعرف طريق الحلّ لهم.
* * *
ملاحظات
1 ـ كما رأينا من قبل فإنّ امراة العزيز ونسوة مصر ، استفدن من امور مختلفة في سبيل الوصول الى مرادهن ، فمرّة بإظهار العشق والعلاقة الشديدة والتسليم المحض ، ومرّة بالترغيب والطمع ، ثمّ بالتهديد ، او بتعبير آخر : توسلن بالشهوة والمال والقوّة!!
وهذه اصول متّحدة المآل يتوسّل بها الطغاة والمتجبرون في كلّ عصر وزمان ، حتّى لقد رأينا كرارا ومرارا انّهم ومن اجل ان يجبروا رجال الحقّ على الاستسلام ، يظهرون لهم في مجلس واحد لينا للغاية ويلوّحون بالمساعدات وانواع الأمداد ترغيبا ، ثمّ يتوسلون في نهاية المجلس بالتهديد والوعيد ، ولا يلتفتون الى ما في هذا من التناقض في مجلس واحد وما فيه من دناءة وخسّة
ولؤم فاضح.
والسبب واضح فهم يريدون الهدف ولا تهمّهم الوسيلة ، وبتعبير آخر : يستسيغون للوصول الى اهدافهم اي أسلوب وايّة وسيلة كانت.
وفي هذا المحيط يستسلم الافراد الضعاف ، سواء في اوّل المرحلة او وسطها او نهايتها ، الّا انّ اولياء الحقّ لا يكترثون بهذه الاساليب بما لديهم من شهامة وشجاعة ونور الايمان ويرفضون التسليم بضرس قاطع حتّى ولو ادّى ذلك الى الموت وعاقبتهم الانتصار طبعا ، انتصار أنفسهم وانتصار مبادئهم ، او على الأقل انتصار مبادئهم.
2 ـ كثيرون هم مثل نسوة مصر ، فطالما هم جالسون حول الحمى يظهرون أنفسهم منزّهين وأتقياء ويلبسون ثياب العفّة ويعدّون الانحراف ـ كما هو في امراة العزيز ـ في ضلال مبين.
ولكن حين يتعرّضون لأدنى صدمة ينكشف انّ أقوالهم لا تصدّق أفعالهم فإذا كانت امراة العزيز بعد سنين من معاشرة يوسف قد وقعت في شرك حبّه وعشقه ، فإنّهم في اوّل مجلس يبتلون بمثل هذا المصير ويقطّعون «الايدي» مكان «الأترنج».
3 ـ هنا قد يرد سؤال وهو : لم وافق يوسف على طلب امراة العزيز وخرج على النسوة في المجلس؟ المجلس الذي ترتّب من اجل الإثم ، او لتبرئة امراة آثمة؟!
ولكن مع ملاحظة انّ يوسف كان بحسب الظاهر غلاما مشترى وعليه ان يخدم في القصر ، فلعلّ امراة العزيز استغلّت هذه الفرصة والحيلة ليأتي بالطعام مثلا دون ان يعرف بهذه الخطّة ومكر النسوة.
وخاصّة انّنا قلنا انّ تعبير القرآن( اخْرُجْ عَلَيْهِنَ ) كما يظهر منه انّه لم يكن خارجا ، بل كان في احدى الغرف المجاورة للمجلس كالمطبخ مثلا.
4 ـ جملة( يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) وجملة( تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَ ) تدلّان جيّدا على انّ نسوة مصر ـ ذوات الهوى ـ بعد ما جرى لهنّ من تقطيع الايدي والانبهار بجمال يوسف ، وردن هذا الميدان ايضا وطلبن من يوسف ان يستسلم لهنّ او لامراة العزيز ، ولكن يوسف ابى عليهنّ جميعا ، وهذا يعني انّ امراة العزيز لم تكن وحدها في الجريمة بل كان لها شريكات في ذلك.
5 ـ حين يقع الإنسان أسيرا بقبضة الشدائد والحوادث وتجرّه الى شفى الهاوية ، فعليه ان يتوكّل على الله ويلتجئ اليه ويستمدّ منه فقط ، فإذا لم يحظ بلطفه وعونه فإنّه لا يستطيع ان يقوم بأي عمل ، وهذا درس علّمنا ايّاه يوسف العظيم الطاهر الذيل ، فهو القائل :( وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ) فأنت يا ربّ الحافظ لي ، ولا اعتمد على قواي وقدرتي وتقواي.
هذه الحالة «التعلّق المطلق بلطف الله» بالاضافة الى انّها تمنح عبادة الله قدرة واستقامة غير محدودة ، فهي تشملهم بألطافه الخفيّة تلك الألطاف التي لا يمكن وصفها والتصديق بها الّا عند رؤيتها ومشاهدتها.
فهؤلاء هم الذين يسكنون في ظلّ الله ورحمته في الدنيا والآخرة فقد ورد حديثعن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في هذا الشأن يقول : «سبعة يظلّهم الله في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ الّا ظلّه : امام عادل ، وشابّ نشأ في عبادة اللهعزوجل ، ورجل قلبه متعلّق بالمسجد إذا خرج منه حتّى يعود اليه ، ورجلان كانا على طاعة اللهعزوجل فاجتمعا على ذلك وتفرّقا ، ورجل ذكر اللهعزوجل خاليا ففاضت عيناه ، ورجل دعته امراة ذات حسن وجمال فقال : انّي أخاف الله تعالى ، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ما تصدّق بيمينه»(1) .
* * *
__________________
(1) سفينة البحار ، ج 1 ، ص 595 ، مادّة «ظلّ».
الآيات
( ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (38) )
التّفسير
السّجن بسبب البراءة :
انتهى المجلس العجيب لنسوة مصر مع يوسف في قصر العزيز في تلك
الغوغاء والهياج ، ولكنّ خبره ـ بالطبع ـ وصل الى سمع العزيز ومن مجموع هذه المجريات اتّضح انّ يوسف لم يكن شابّا عادّيا ، بل كان طاهرا لدرجة لا يمكن لاي قوّة ان تجرّه الى الانحراف والتلوّث ، واتّضحت علامات هذه الظاهرة من جهات مختلفة ، فتمزّق قميصه من دبر ، ومقاومته امام وساوس نسوة مصر ، واستعداده لدخول السجن وعدم الاستسلام لتهديدات امراة العزيز بالسجن والعذاب الأليم ، كلّ هذه الأمور ادلّة على طهارته لا يمكن لأحد ان يسدل عليها الستار او ينكرها!.
ولازم هذه الادلّة اثبات عدم طهارة امراة العزيز وانكشاف جريمتها ، وعلى اثر ثبوت هذه الجريمة فإنّ الخوف من فضيحة جنسية في اسرة العزيز كان يزداد يوما بعد يوم.
فكان الراي بعد تبادل المشورة بين العزيز ومستشاريه هو ابعاد يوسف عن الانظار لينسى الناس اسمه وشخصه ، واحسن السبل لذلك ايداعه قعر السجن المظلم اوّلا ، وليشيع بين الناس انّ المذنب الاصلي هو يوسف ثانيا ، لذلك يقول القرآن في هذا الصدد :( ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ) .
التعبير بكلمة «بدا» التي معناها ظهور الراي الجديد ، يدلّ على انّ مثل هذا التصميم في حقّ يوسف لم يكن من قبل. ويحتمل ان تكون هذه الفكرة اقترحتها امراة العزيز الاوّل مرّة وبهذا دخل يوسف النزيه ـ بسبب طهارة ثوبه ـ السجن ، وليست هذه اوّل مرّة ولا آخرها ان يدخل الإنسان النزيه «بجريرة نزاهته» السجن!!
اجل في المحيط المنحرف تكون الحرية من نصيب المنحرفين الذين يسيرون مع التيار وليست الحرية وحدها من نصيبهم فحسب ، بل أنّ الأفراد النجباء كيوسف الذي لا يتلاءم مع ذلك المحيط ولونه ويتحرّك على خلاف مجرى الماء! ينبغي ان يقبعوا في زاوية النسيان ولكن الى متى؟ هل تستمر هذه
الحالة؟ قطعا لا ومن جملة السجناء الداخلين مع يوسف فتيان( وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ ) .
وحيث انّ من الظروف لم تكن تسمح للإنسان ان يحصل فيها على الاخبار بطريق عادي ، فإنّه يأنس لاحاسيس الآخرين ليبحث عن مسير الحوادث ويتوقّع ما سيكون ، حتّى انّ الرؤيا وتعبيرها عنده يكون مطلبا مهمّا.
من هذا المنطلق جاء ليوسف يوما هذان الفتيان اللذان يقال : انّ أحدهما كان ساقيا في بيت الملك ، والآخر كان مأمورا للطعام والمطبخ ، وبسبب وشاية الأعداء وسعايتهم بهما دخلا السجن بتهمة التصميم لسمّ الملك ، وتحدّث كلّ منهما عن رؤيا رآها الليلة الفائتة وكانت بالنسبة له امرا عجيبا.
( قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ) ثمّ اضافا( نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) .
وحول معرفة الفتيين واطلاعهما على انّ يوسف له خبرة بتأويل الأحلام هناك اقوال بين المفسّرين : قال بعضهم : انّ يوسف نفسه اخبر السجناء بأنّ له اطلاعا واسعا في تفسير الأحلام ، وقال بعضهم : انّ سيماء يوسف الملكوتية كانت تدلّ على انّه ليس فردا عاديا بل هو فرد عارف مطّلع وصاحب فكر ونظر ، ولا بدّ ان يكون مثل هذا الشخص قادرا على حلّ مشاكلهم في تعبير الرؤيا.
وقال البعض الآخر : انّ يوسف من بداية دخول السجن برهن ـ بأخلاقه الحسنة والمعاشرة الطيّبة للسجناء وخدمتهم وعيادة مرضاهم ـ انّه رجل صالح وحلّال المشاكل ، لذلك كانوا يلتجئون اليه في حلّ مشاكلهم ويستعينون به.
وهناك ملاحظة جدير ذكرها ، وهي انّ القرآن عبّر بـ «الفتى» مكان «العبد» وهو نوع من الاحترام ، وعندنا في الحديث «لا يقولنّ أحدكم عبدي وامتي ولكن
فتاي وفتاتي»(1) ليكون العبيد في مراحل الانعتاق والحريّة التي نظّمها الإسلام في مأمن من كلّ انواع التحقير.
التعبير ب( إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً ) امّا لانّه راى في النوم انّه يعصر العنب للشراب او العنب المخمّر الذي في الدنّ ، وهو يعصره ليصفّيه مستخرجا منه الشراب ، او انّه يعصر العنب ليقدّم عصيره للملك! دون ان يكون خمرا ، وحيث انّ العنب يمكن ان يتبدّل خمرا اطلق عليه لفظ الخمر.
والتعبير ب( إِنِّي أَرانِي ) بدلا من «إنّي رأيت» هو بعنوان حكاية الحال ، أي إنّه يفرض نفسه في اللحظة التي يرى فيها الرؤيا «النوم» وهذا الكلام لتصوير تلك الحالة.
وعلى كلّ حال فقد اغتنم يوسف مراجعة السجينين له لتعبير الرؤيا ـ وكان لا يدع فرصة لإرشاد السجناء ونصحهم ـ وبحجّة التعبير كان يبيّن حقائق مهمّة تفتح لهم السبل ولجميع الناس ايضا.
في البداية ، ومن اجل ان يستلفت اهتمامهما واعتمادهما على معرفته بتأويل الأحلام الذي كان مثار اهتمامهما وتوجّههما( قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ) .
وبهذا فقد طمأنهما انّهما سيجدان ضالّتهما قبل وصول الطعام إليهما.
وهناك احتمالات كثيرة في هذه الجملة بين المفسّرين ، من جملتها : انّ يوسف قال : انا بأمر الله مطّلع على بعض الأسرار ، لا انّي أستطيع تعبير الأحلام فحسب ، بل انا أستطيع حتّى اخباركم بما سيأتيكم من الطعام وما نوعه وبأي صورة واي خصوصية!.
فعلى هذا يكون التأويل بمعنى ذكر خصوصيات ذلك الطعام ، وان كان التأويل قليل الاستعمال في مثل هذا المعنى طبعا ، ولا سيّما انّه ورد في الجملة
__________________
(1) مجمع البيان ، ج 5 ، ص 232.
السابقة بمعنى تعبير الرؤيا.
والاحتمال الآخر من مقصود يوسف هو : انّ اي نوع من الطعام ترونه في النوم فأنا اعرف ما تأويله (ولكن هذا الاحتمال لا ينسجم مع الجملة السابقة)( قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ) .
فعلى هذا يكون احسن التفاسير للجملة المتقدّمة ، هو التّفسير الاوّل الذي ذكرناه في بداية الحديث.
ثمّ انّ يوسف أضاف الى كلامه مقرونا بالايمان بالله والتوحيد الجاري بجميع ابعاده في اعماق وجوده ، ليبيّن بوضوح ان لا شيء يتحقّق الّا بإرادة الله قائلا :( ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ) ولئلّا يتصوّر انّ الله يمنح مثل هذه الأمور دون حساب ، قال( إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ) .
والمقصود بهذه الملّة او الجماعة هم عبدة الأصنام بمصر او عبدة الأصنام من كنعان.
وينبغي لي ان اترك مثل هذه العقائد لانّها على خلاف الفطرة الانسانية النقيّة ، ثمّ انّي تربّيت في اسرة الوحي والنّبوّة( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ) .
ولعلّ هذه هي اوّل مرّة يعرّف يوسف نفسه للسجناء بهذا التعريف ، ليعلموا انّه سليل الوحي والنّبوّة وقد دخل السجن بريئا كبقيّة السجناء الابرياء في حكومة الطواغيت.
ثمّ يضيف على نحو التأكيد( ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ) لانّ أسرتنا اسرة التوحيد اسرة ابراهيم محطّم الأصنام( ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ ) .
وعلى هذا فلا تتصوّروا انّ هذا الفضل والحبّ شملا أسرتنا اهل النّبوّة فحسب ـ بل هي الموهبة العامّة التي تشمل جميع عباد الله المودعة في أرواحهم
المسمّاة بالفطرة حيث يتكاملون بقيادة الأنبياء( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) .
جدير بالذكر والالتفات انّ «إسحاق» عدّ في الآية المتقدّمة في زمرة «آباء يوسف» في حين انّنا نعرف انّ يوسف هو ابن يعقوب ويعقوب هو ابن إسحاق ، فتكون كلمة أب بهذا مستعملة في الجدّ ايضا.
* * *
الآيات
( يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (39) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (40) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (41) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42) )
التّفسير
السّجن او مركز التّربية :
حين هيّأ يوسف في البحث السابق قلوب السجينين لقبول حقيقة التوحيد ،
توجّه إليهما وقال :( يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) .
فكأنّ يوسف يريد ان يفهم السجينين انّه لم تريان الحرية في النوم ولا تريانها في اليقظة؟! أليس ذلك من تفرقتكم وشرككم ونفاقكم الذي مصدره عبادة الأوثان والأرباب المتفرّقين ممّا سبّب ان يتغلّب عليكم الطغاة والجبابرة؟! فلم لا تجتمعون تحت راية التوحيد ، وتعتصموا بحبل الواحد القهّار ، لتطردوا من مجتمعكم هؤلاء الظالمين والجبابرة الذين يسوقونكم الى السجن ابرياء دون ذنب؟!
ثمّ يضيف قائلا :( ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ) بل هي صنع عقولكم العاجزة وافكاركم المنحرفة( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) فلا ينبغي ان تطأطئوا رؤوسكم لسواه من الطغاة والفراعنة ، ثمّ أضاف زيادة في التأكيد قائلا :( أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) .
اي انّ التوحيد في جميع ابعاده ـ في العبادة ، في الحكومة ، في المجتمع ، في المسائل الثقافية ، وفي كلّ شيء ـ هو الدين الالهي المستقيم والثابت.( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) ولذلك خضعوا لحكومة غير (الله) فذاقوا الشقاء والسجون في هذا السبيل.
وبعد ان ارشد يوسف صاحبي سجنه ودلّهما ودعاهما الى حقيقة التوحيد ، بدا بتعبير الرؤيا لهما لانّهما من البداية جاءا لهذا الأمر وقد وعدهما بتعبير الرؤيا ، ولكنّه اغتنم الفرصة وحدّثهما عن التوحيد الحي والمواجهة مع الشرك ، ثمّ التفت إليهما وقال :( يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ ) .
وبالرغم من تناسب كلّ رؤيا مع ما عبّره يوسف ، فكان معلوما اجمالا من الذي يطلق من السجينين؟ ومن الذي يصلب منهما؟ الّا انّ يوسف لم يرغب في
ان يبيّن التعبير بصراحة اكثر من هذه خاصّة وانّ فيه خبرا غير مريح ، لذلك جعل التعبير تحت عنوان «أحدكما».
ثمّ أضاف مؤكدا( قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ) وهو اشارة الى انّ هذا التعبير ليس تعبيرا ساذجا ، بل هو من انباء الغيب التي تعلّمها من الله ، فلا مجال للترديد والكلام بعد هذا.
في كثير من التفاسير ورد في ذيل الجملة المتقدّمة انّ السجين الثّاني الذي سمع بالخبر المزعج أخذ يكذّب رؤياه ويقول : كنت امزح معك ، ظانّا انّ مصيره سيتبدّل بهذا التكذيب ، فعقّب عليه يوسف بالجملة المتقدّمة!
ويحتمل ايضا انّ يوسف كان قاطعا في تعبير الرؤيا الى درجة بحيث ذكر الجملة المتقدّمة تأكيدا لما سبق بيانه.
وحين احسّ يوسف انّ السجينين سينفصلان عنه عاجلا ، ومن اجل ان يجد يوما يطلق فيه ويبرّأ من هذه التهمة ، اوصى احد السجينين الذي كان يعلم انّه سيطلق ان يذكره عند الملك( وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) لكن هذا الغلام «الناسي» مثله مثل الافراد قليلي الاستيعاب ، ما ان يبلغوا نعمة ما حتّى ينسوا صاحبها ، وهكذا نسي يوسف تماما ، ولكن القرآن عبّر عن ذلك بقوله :( فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ) وهكذا أصبح يوسف منسيّا( فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ) .
هناك اقوال بين المفسّرين في انّ الضمير من( فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ) هل يعود على ساقي الملك ، ام على يوسف؟ كثير من المفسّرين يعيدون الضمير على يوسف فيكون المعنى : انّ الشيطان انسى يوسف ذكر الله فتوسّل بسواه.
ولكن مع ملاحظة الجملة السابقة التي تذكر انّ يوسف كان يوصي صاحبه ان يذكره عند ربّه ، يظهر انّ الضمير يعود على الساقي نفسه.
وكلمتا «الربّ» في المكانين بمعنى واحد.
كما انّ جملة( وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ) التي ستأتي في الآيات التالية ، تدلّ على انّ الذي نسي هو الساقي.
ولكن سواء عاد الضمير على يوسف ام على صاحبه ، فما من شكّ من انّ يوسف توسّل بالغير في سبيل نجاة نفسه!
وبديهي انّ مثل هذا التوسّل للنجاة من السجن ومن سائر المشاكل ، ليس امرا غريبا بالنسبة للافراد العاديين ، وهو من قبيل التوسّل بالأسباب الطبيعية ، ولكن بالنسبة للافراد الذين هم قدوة وفي مكانة عالية من الايمان والتوحيد ، لا يمكن ان يخلو من إيراد ، ولعلّ هذا كان سببا في بقاء يوسف في السجن بضع سنين ، إذ لم يرض الله سبحانه ليوسف «ترك الاولى»!.
في حديث عن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم انّه قال : «عجيب من اخي يوسف كيف استغاث بالمخلوق دون الخالق؟» وروي انّه قال : «لو لا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث» يعني قوله( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) .
وروي عن أبي عبد الله الصادقعليهالسلام قال : «جاء جبرئيلعليهالسلام فقال : يا يوسف من جعلك احسن الناس؟ قال : ربّي ، قال : فمن حبّبك الى أبيك دون إخوانك؟قال : ربّي ، قال : فمن ساق إليك السيارة؟ قال : ربّي ، قال : فمن صرف عنك الحجارة؟قال : ربّي ، قال : فمن أنقذك من الجبّ؟ قال : ربّي ، قال : فمن صرف عنك كيد النسوة؟ قال : ربّي ، قال : فإنّ ربّك يقول : ما دعاك الى ان تنزل حاجتك بمخلوق دوني؟ البث بالسجن بما قلت بضع سنين»(1) .
* * *
__________________
(1) مجمع البيان في تفسير الآية ، الجزء 3 ، ص 235.
ملاحظات
1 ـ السّجن مركز للإرشاد او بؤرة للفساد
للسجن تأريخ مؤلم ومثير للغمّ جدّا في هذا العالم ، فأسوا المجرمين واحسن الناس كلاهما دخل السجن ، ولهذا السبب كان مركزا دائما لافضل الدروس البنّاءة او لأسوإ الاختبارات.
وفي الحقيقة انّ السجون التي يجتمع فيها المفسدون تعدّ معهدا عاليا للفساد! ففي هذه السجون تتمّ مبادلة الخطط التخريبيّة والتجارب وكلّ منحرف يعلم درسه للآخرين ، ولهذا السبب حين يطلقون من السجن يواصلون طريقهم بأسلوب اكثر مهارة من السابق وبتشكيل جديد الّا ان يلتفت مسئولو السجن لهذا الموضوع ، ويعملوا على تغيير هؤلاء الافراد الذين فيهم الاستعداد والقابلية الى عناصر صالحة ومفيدة وبنّاءة.
وامّا السجون التي تتشكّل من الصالحين والابرياء والنزيهين والمجاهدين في طريق الحقّ والحرية ، فهي معاهد ومراكز لتعليم الدروس العقائديّة والطرق العملية للجهاد والمبارزة والبناء.
وهذه السجون تعطي فرصة طيّبة للمنافحين في طريق الحقّ ليؤدّوا دورهم ، وينسّقوا جهودهم بعد التحرّر من هذه السجون.
وحين انتصر يوسف على امراة محتالة ماكرة متّبعة لهواها ـ كامرأة عزيز مصر ـ ودخل السجن ، سعى ان يبدّل محيط السجن الى محيط بنّاء ومركز للتعليم والتربية ، حتّى انّه وضع أساس حريته وحرية الآخرين ضمن تخطيطه هناك.
وهذا الماضي يعطينا درسا مهمّا ، وهو انّ الإرشاد والتربية ليسا محدودين في مركز معيّن كالمسجد والمدرسة ـ مثلا ـ بل ينبغي ان يستفاد من كلّ فرصة سانحة للوصول الى هذا الهدف ، حتّى ولو كانت في السجن وتحت أثقال القيود.
امّا عدد السنوات التي قضاها يوسف في السجن ، فهناك اقوال بين
المفسّرين ، والمشهور انّها سبع سنوات ، الّا انّ بعضهم قال : انّ يوسف بقي في السجن اثنتي عشرة سنة ، خمس قبل رؤيا صاحبي سجنه ، وسبع بعدها ، وكانت سنوات ملأى بالتعب والنصب الّا انّها من جهة الإرشاد كانت سنوات مفعمة بالبركة والخير(1) .
2 ـ حين يصلب المصلحون!
من الطريف انّنا نقرا في هذه القصّة انّ الذي راى في منامه انّه يعصر خمرا ويقدّمه للملك قد تحرّر واطلق من السجن ، وانّ الذي راى انّه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه قد صعد عود المشنقة.
أليس مفهوم هذا انّ الذين هم على خطى الشّهوات وفي محيط المفسدين وانظمة الطغاة ينالون الحريّة ، وامّا الذين يقدّمون خدمة للمجتمع ويعطون الخبز للناس فليس من حقّهم الحياة! وينبغي ان يموتوا؟ فهذا نسيج المجتمع الذي يحكمه النظام الفاسد وهذه نهاية الصالحين في أمثال هذا المجتمع!.
صحيح انّ يوسف ـ اعتمادا على الوحي الالهي وعلم التعبير ـ توقّع ما كان ، ولكنّ ايّ معبّر لا يمكن له ان يبعد عن نظره هذه المناسبات! ففي الحقيقة انّ الخدمة في مثل هذه المجتمعات ذنب عظيم ، والخيانة والاساءة هي الثواب بعينه!.
3 ـ اكبر دروس الحرّية
رأينا انّ اكبر درس علّمه يوسف للسجناء هو درس التوحيد وعبادة الله الواحد الأحد ، ذلك الدرس الذي حصيلته الحريّة والتحرّر.
لقد كان يعرف انّ الأرباب «المتفرّقين» والمعبودين المختلفين والاهداف
__________________
(1) لزيادة الإيضاح في سنوات سجن يوسف يراجع تفسير المنار ، والقرطبي ، والميزان ، والفخر الرازي.
المتفرّقة ، كلّها أساس التفرقة في المجتمعات ، وطالما هناك تفرقة فالجبابرة مسلّطون على رقاب الناس ، لذلك اعطى يوسف «دستورا» وامرا بقطع جذورهم بسيف التوحيد الباتر ، لئلّا يضطرّوا الى رؤية الحريّة في الأحلام والمنام ، بل ينبغي ان يشاهدوا الحريّة في اليقظة.
ترى ، أليس الجبابرة المسلّطون على رقاب الناس هم ثلّة من الافراد يستطيع الناس مكافحتهم ، الّا انّهم بإيجاد التفرقة والنفاق ، وعن طريق «الأرباب المتفرقين» استطاعوا ان يتحكّموا على رقاب الناس ويهدّوا قوى المجتمع!.
ومن الطبيعي ان يكون اليوم الذي تجتمع فيه الأمم على كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة تحت راية «الله الواحد القهّار» ويجمعوا قواهم ، هو يوم زوال أولئك الجبابرة الظالمين ، وهذا درس مهم جدّا ليومنا وغدنا ولجميع الناس في كلّ المجتمعات البشرية وعلى امتداد التاريخ.
ومن الضروري ان نلتفت الى هذه المسألة الدقيقة ، وهي انّ يوسف يقول :( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) ثمّ يؤكّد أنّ العبادة والخضوع لا تكونان إلّا له( أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) ويؤكّد بعد ذلك بالقول :( ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) ويعقّب أخيرا( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) .
فعلى هذا لو تعلّم الناس المعارف الصحيحة وعرفوا الحقيقة ، ونهضت فيهم حقيقة التوحيد ، فإنّ المشاكل ستنحلّ لا محالة.
4 ـ استغلال شعار بنّاء بشكل سيئ
شعار( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) الذي هو شعار قرآني ايجابي مثبت ، ينفي ايّة حكومة كانت سوى حكومة الله او ما تنتهي اليه حكومة الله ، الّا انّه ـ وللأسف ـ استغلّ على امتداد التاريخ بشكل عجيب ، ومن ذلك استغلال الخوارج لهذا الشعار في واقعة «النهروان» حيث كانوا أناسا جامدين حمقى قشريين منحرفين
جدّا فتمسكوا بهذا الشعار لنفي التحكيم في حرب صفين وقالوا : لا يصحّ الحكم لنهاية الحرب او الخليفة لانّ الله يقول :( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) .
لقد كانوا غافلين او متغافلين عن هذه المسألة البديهيّة ، وهي انّ التحكيم إذا كان قد تعيّن من ائمّة امر الله باتّباعهم فحكمهم ايضا حكم الله لانّه ينتهي اليه.
صحيح انّ الحكمين في حرب صفين لم يتمّ تعيينهما من قبل الامام عليعليهالسلام ، ولو كان الامام امير المؤمنين عليعليهالسلام عيّنهما فإنّ حكمهما حكمه ، وحكم علي حكم النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وحكم النّبي حكم الله.
وهل يا ترى يحكم الله او يقضي مباشرة بين المجتمعات! او يتولّى امور الناس اشخاص من جنسهم ، غاية ما في الأمر ينتهي أمرهم الى الله؟! ولكن الخوارج ودون ان يتوجّهوا الى هذه الحقيقة الواضحة اشكلوا على اصل قصّة التحكيم على الامام عليعليهالسلام وحتّى عدّوه ـ والعياذ بالله ـ زيغا منه ، يا لهذا الجهل والجمود والبلادة.
وهكذا فإنّ مثل هذه الأمور البنّاءة حين تقع بأيدي افراد جهّال تتحوّل الى أسوإ الوسائل التخريبيّة.
وفي هذا اليوم نرى مجموعة من الناس من ضعاف النفوس الذين لا يقلّون عن أولئك جهلا ولجاجة ، تمسّكوا بالآية المتقدّمة لنفي التقليد عن المجتهدين ، او نفي صلاحيّة حكومتهم ، لكن جوابهم جميعا هو ما ذكرناه آنفا.
5 ـ التوجّه لغير الله
التوحيد لا يتلخّص في انّ الله تعالى احد فرد ، بل ينبغي ان يتجسّد في جميع شؤون الحياة ، واحد ابرز علائمه انّ الإنسان الموحّد لا يعتمد على غير الله ولا يلتجئ الّا اليه.
نحن لا نقول يجب على الإنسان ان لا يلحظ عالم الأسباب وقانون العلّية لا
يرى الأسباب شيئا ، ولا يعتمد على الوسائل والأسباب ، بل نقول : انّ لا يرى تأثيرا واقعيّا في السبب ، بل يرى راس الخيط في جميع الأمور بيد مسبّب الأسباب. وبتعبير آخر : لا يرى للأسباب استقلالا ، بل يراها تحت هيمنة الذات المقدّسة لله سبحانه.
ويمكن ان يكون عدم توجّه الافراد العاديين لهذه الحقيقة الكبرى مدعاة للعفو ، ولكن عدم الالتفات ولو بمقدار راس الابرة بالنسبة لأولياء الله يكون سببا لمجازاتهم ، وان لم يكن اكثر من «ترك الاولى» ورأينا كيف انّ يوسف بسبب عدم توجّهه لهذه المسألة المهمّة امتدّ حبسه سنوات لينضج آخرا في «موقد» الحوادث ، وليحصل على استعداد اكبر لمواجهة الطغاة ، وليعلم انّه لا ينبغي الاعتماد الّا على الله. وعلى المظلومين الذين يسيرون في طريق (الله).
وهذا درس كبير لمن يطوي هذه الطريق وللمجاهدين الصادقين بأن لا يخطر ببالهم الاتّفاق مع الشيطان لضرب شيطان آخر! ولئلّا يميلوا الى الشرق او الغرب ، ولا يغذّون الخطى الّا على الجادّة الوسطى وهي «الصراط المستقيم».
* * *
الآيات
( وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (43) قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (44) وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) )
التّفسير
رؤيا ملك مصر وما جرى له :
بقي يوسف سنين في السجن المظلم كأي انسان منسيّ ، ولم يكن لديه من عمل الّا بناء شخصيته ، وارشاد السجناء وعيادة مرضاهم وتسلية الموجعين منهم.
حتّى غيّرت (حظّه وطالعه) حادثة صغيرة بحسب الظاهر ولم تغيّر هذه «الظاهرة» حظّه فحسب ، بل حظّ امّة مصر وما حولها.
لقد راى ملك مصر الذي يقال انّ اسمه هو «الوليد بن الرّيان» وكان «عزيز مصر وزيره» راى هذا الملك رؤيا مهولة ، فأحضر عند الصباح المعبّرين للرؤيا ومن حوله فقصّ عليهم رؤياه( وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ ) ثمّ التفت إليهم طالبا منهم تعبير رؤياه فقال :( يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ ) .
ولكن حاشية السلطان وجموا إزاء هذه الرؤيا و( قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ ) .
«الأضغاث» جمع «ضغث» على وزن (حرص) ومعناه المجموعة من الحطب او العشب اليابس او الأخضر او شيء آخر ، و «الأحلام» جمع «حلم» على وزن «رخم» معناه الطيف والرؤيا ، فيكون معنى( أَضْغاثُ أَحْلامٍ ) هو الاطياف المختلطة ، فكأنّها متشكّلة من مجموعة مختلفة ومتفاوتة من الأشياء ، وجاءت كلمة الأحلام في جملة( وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ ) مسبوقة بالألف واللام العهدية وهي اشارة الى انّ المعبّرين غير قادرين على تأويل مثل هذه الأحلام.
ومن اللازم ذكر هذه المسألة الدقيقة وهي : انّ اظهار عجز أولئك في الحقيقة كان من اجل انّ المفهوم الواقعي لهذه الرؤيا عندهم غير واضح ، ولذلك عدّوها
ضمن الأحلام المختلطة و «الأضغاث» حيث قسّموا الأحلام الى قسمين : أحلام ذات معنى وهي قابلة للتعبير.
وأحلام مختلطة لا معنى لها حيث لم يجدوا لها تعبيرا وتأويلا وكانوا يعدّون هذا النوع نتيجة قوّة الخيال ، على العكس من النوع الاوّل الذي يعدّونه نتيجة اتّصال الروح بعالم الغيب.
كما انّ هناك احتمال آخر ، وهو انّهم توقّعوا ان تقع حوادث مزعجة في المستقبل ، وما اعتاد عليه حاشية الملوك والطغاة هو ذكر المسائل المريحة لهم فحسب ، وكما يصطلح عليه ما فيه طيب الخاطر ، ويمتنعون عن ذكر ما يزعجهم ، وهذا احد اسباب سقوط مثل هذه الحكومات المتجبّرة!
هنا يرد سؤال ، وهو : كيف تجرّا هؤلاء امام السلطان ، بقولهم جوابا لسؤاله عن رؤياه انّها( أَضْغاثُ أَحْلامٍ ) في حين انّ المعروف عند حاشية السلطان انّ تفلسف كلّ حركة منه ولو كانت بغير معنى ويفسّرونها تفسيرا مقبولا.
من الممكن انّهم رأوا الملك مهموما من هذه الرؤيا ، وكان من حقّه ذلك لانّه راى( سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ ) .
الا يدلّ ذلك على أنّ من الممكن انّ افرادا ضعافا يتسلّمون السلطة من يده على حين غرّة!؟!
لذلك قالوا له :( أَضْغاثُ أَحْلامٍ ) ليرفعوا الكدورة عن خاطره ، اي : لا تتأثّر فما هنالك امر مهم ، وهذه الأحلام لا يمكن ان تكون دليلا على اي شيء.
وهناك احتمال آخر ذكره المفسّرون وهو انّ مرادهم من( أَضْغاثُ أَحْلامٍ ) لم يكن انّ هذه الأحلام لا تأويل لها ، بل المراد انّ مثل هذه الأحلام ملتوية ومجموعة من امور مختلفة ، وهم غير قادرين على تأويل مثل هذه الأحلام ، فهم لم ينكروا إمكان وجود أستاذ ماهر وقادر على تأويل هذه الرؤيا ، وانّما أظهروا
عجزهم عن التعبير والتأويل فحسب.
وهنا تذكّر ساقي الملك ما حدث له ولصاحبه في السجن مع يوسف ، ونجا من السجن كما بشّره يوسف( وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ) .
اجل في زاوية السجن يعيش رجل حيّ الضمير طاهر القلب مؤمن وقلبه مرآة للحوادث المستقبلية ، انّه الذي يستطيع ان يكشف الحجاب عن هذه الرؤيا المغلقة ويعبّرها.
جملة( فَأَرْسِلُونِ ) تشير الى انّ من الممكن ان يكون يوسف ممنوع المواجهة ، وكان الساقي يريد ان يأذن الملك ومن حوله بمواجهته لهذا الشأن.
وهكذا حرّك كلام الساقي المجلس وشخصت الأبصار نحوه ، وطلبوا منه الاسراع بالذهاب اليه والإتيان بالخبر.
مضى الساقي الى السجن ليرى صديقه القديم ذلك الصديق الذي لم يف بوعده له ، لكنّه ربّما كان يعرف انّ شخصية يوسف الكريمة تمنعه من فتح «باب العتاب» فالتفت اليه وقال :( يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ) .
كلمة «الناس» تشير الى احتمال انّ رؤيا الملك صيّرها أطرافه المتملّقون وحاشيته حادثة مهمّة لذلك اليوم ، فنشروها بين الناس وعمّموا حالة «القلق» من القصر الى الوسط الاجتماعي العام.
وعلى كلّ حال فإنّ يوسف دون ان يطلب شرطا او قيدا او اجرا لتعبيره عبّر الرؤيا فورا تعبيرا دقيقا لا غموض فيه ولا حجاب مقرونا بما ينبغي عمله في المستقبل و( قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا
قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ) (1) .
ثمّ انّه يحلّ بكم القحط لسبع سنين متوالية فلا امطار ولا زراعة كافية ، فعليكم بالاستفادة ممّا جمعتم في سنيّ الرخاء( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَ ) .
ولكن عليكم ان تحذروا من استهلاك الطعام( إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ ) وإذا واظبتم على هذه الخطّة فحينئذ لا خطر يهدّدكم لانّه( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ )
و( يُغاثُ النَّاسُ ) اي يدركهم الغيث فتكثر خيراتهم ، وليس هذا فحسب ، بل( فِيهِ يَعْصِرُونَ ) المحاصيل لاستخراج الدهن والفاكهة لشراب عصيرها إلخ.
* * *
ملاحظات
1 ـ كم كان تعبير يوسف لهذه الرؤيا دقيقا ومحسوبا ، حيث كانت البقرة في الأساطير القديمة مظهر «السنة» وكون البقرات سمانا دليل على كثرة النعمة ، وكونها عجافا دليل على الجفاف والقحط ، وهجوم السبع العجاف على السبع السّمان كان دليلا على ان يستفاد من ذخائر السنوات السابقة.
وسبع سنبلات خضر وقد أحاطت بها سبع سنبلات يابسات تأكيد آخر على هاتين الفترتين فترة النعمة وفترة الشدّة.
اضافة الى انّه اكّد له على هذه المسألة الدقيقة ، وهي خزن المحاصيل في
__________________
(1) كلمة «داب» على وزن «ادب» تعني في الأصل ادامة الحركة ، كما انّها بمعنى العادة المستمرة ، فيكون معنى الكلام : عليكم ان تزرعوا تبعا لعادتكم المستمرة في مصر ولكن ينبغي ان تقتصدوا في مصرفه ويحتمل ان يكون المراد منه ان تزرعوا بجد وجهد اكثر فأكثر لانّ دأبا ودؤوبا بمعنى الجدّ والتعب ايضا ، اي اعملوا حتّى تتعبوا.
سنابلها لئلّا تفسد بسرعة وليكون حفظها الى سبع سنوات ممكنا.
وكون عدد البقرات العجاف والسنابل اليابسات لم يتجاوز السبع لكلّ منهما دليل آخر على انتهاء الجفاف والشدّة مع انتهاء تلك السنوات السبع وبالطبع فإنّ سنّة سيأتي بعد هذه السنوات سنة مليئة بالخيرات والأمطار ، فلا بدّ من التفكير للبذر في تلك السنة وان يحتفظوا بشيء ممّا يخزن لها.
في الحقيقة لم يكن يوسف مفسّرا بسيطا للأحلام ، بل كان قائدا يخطّط من زاوية السجن لمستقبل البلاد ، وقد قدّم مقترحا من عدّة مواد لخمسة عشر عاما على الأقل ، وكما سنرى فإنّ هذا التعبير المقرون بالمقترح للمستقبل حرّك الملك وحاشيته وكان سببا لانقاذ اهل مصر من القحط القاتل من جهة ، وان ينجو يوسف من سجنه وتخرج الحكومة من ايدي الطغاة من جهة اخرى.
2 ـ مرّة اخرى تعلّمنا هذه القصّة هذا الدرس الكبير وهو انّ قدرة الله اكبر ممّا نتصوّر ، فهو القادر بسبب رؤيا بسيطة يراها جبابرة الزمان أنفسهم ان ينقذ امّة كبيرة من فاجعة عظيمة ، ويخلّص عبده الخالص بعد سنين من الشدائد والمصائب ايضا.
فلا بدّ ان يرى الملك هذه الرؤيا ، ولا بدّ ان يحضر الساقي عنده يتذكّر رؤياه في السجن ، وترتبط أخيرا حوادث مهمّة بعضها ببعض ، فالله تعالى هو الذي يخلق الحوادث العظيمة من توافه الأمور.
اجل ، ينبغي لنا توكيد ارتباطنا القلبي مع هذا الربّ القادر
3 ـ الأحلام المتعدّدة في هذه السورة ، من رؤيا يوسف نفسه الى رؤيا السجينين الى رؤيا فرعون مصر ، والاهتمام الكبير الذي كان يوليه اهل ذلك العصر بالنسبة لتعبير الرؤيا أساسا ، يدلّ على انّ تعبير الرؤيا في ذلك العصر كان من العلوم المتقدّمة ، وربّما وجب ـ لهذا السبب ـ ان يكون نبي ذلك العصر ـ اي
(يوسف) ـ مطّلعا على مثل هذا العلم الى درجة عالية بحيث يعدّ اعجازا منه.
أليست معاجز الأنبياء يجب ان تكون من ابرز العلوم في زمانهم ، ليحصل اليقين ـ عند العجز من قبل علماء العصر ـ بأنّ مصدر العلم الذي يحمله نبيّهم هو الله!.
* * *
الآيات
( وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (52) وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53) )
التّفسير
تبرئة يوسف من كلّ اتّهام!
لقد كان تعبير يوسف لرؤيا الملك ـ كما قلنا ـ دقيقا ومدروسا ومنطقيا الى درجة انّه جذب الملك وحاشيته اليه ، إذ كان يرى انّ سجينا مجهولا عبّر رؤياه بأحسن تعبير وتحليل ، دون ان ينتظر ايّ اجر او يتوقّع امرا ما كما انّه اعطى
للمستقبل خطّة مدروسة ايضا.
لقد فهم الملك اجمالا انّ يوسف لم يكن رجلا يستحقّ السجن ، بل هو شخص اسمى مقاما من الإنسان العادي ، دخل السجن نتيجة حادث خفيّ ، لذلك تشوّق لرؤيته ، ولكن لا ينبغي للملك ان ينسى غروره ويسرع الى زيارته ، بل امر ان يؤتى به اليه كما يقول القرآن :( وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ ) لم يوافق يوسف على الخروج من السجن دون ان يثبت براءته ، فالتفت الى رسول الملك و( قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ ) اذن فيوسف لم يرغب ان يكون كأي مجرم ، او على الأقل كأي متّهم يعيش مشمولا بـ «عفو الملك» لقد كان يرغب اوّلا ان يحقّق في سبب حبسه ، وان تثبت براءته وطهارة ذيله ، ويخرج من السجن مرفوع الراس ، كما يثبت ضمنا تلوّث النظام الحكومي وما يجري في قصر وزيره!.
اجل لقد اهتمّ بكرامة شخصيته وشرفه قبل خروجه من السجن ، وهذا هو نهج الأحرار.
الطريف هنا انّ يوسف في عبارته هذه أبدى سموا في شخصيته الى درجة انّه لم يكن مستعدّا لانّ يصرّح باسم امراة العزيز التي كانت السبب المباشر في اتّهامه وحبسه ، بل اكتفى بالاشارة الى جماعة النسوة اللاتي لهنّ علاقة بهذا الموضوع فحسب.
ثمّ يضيف يوسف : إذا لم يعلم سبب سجني شعب مصر ولا جهازه الحكومي وبأي سبب وصلت السجن ، فالله مطّلع على ذلك( إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ) .
عاد المبعوث من قبل الملك الى يوسف مرّة ثانية الى الملك ، وأخبره بما طلبه يوسف مع ما كان من إبائه وعلوّ همّته ، لذا عظم يوسف في نفس الملك وبادر مسرعا الى إحضار النسوة اللائي شاركن في الحادثة ، والتفت اليهنّ( قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ) يجب ان تقلن الحقّ هل ارتكب
يوسف خطيئة او ذنبا؟
فتيقّظ فجأة الوجدان النائم في نفوسهنّ ، وأجبنه جميعا بكلام واحد ـ متّفق على طهارته و( قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ) .
امّا امراة العزيز التي كانت حاضرة ايضا ، وكانت تصغي بدقّة الى حديث الملك ونسوة مصر ، فلم تجد في نفسها القدرة على السكوت ، ودون ان تسأل احسّت بأنّ الوقت قد حان لانّ تنزّه يوسف وان تعوّض عن تبكيت وجدانها وحيائها وذنبها بشهادتها القاطعة في حقّه ، وخاصّة انّها رأت كرم يوسف المنقطع النظير من خلال رسالته الى الملك ، إذ لم يعرّض فيها بالطعن في شخصيتها وكان كلامه عامّا ومغلقا تحت عنوان «نسوة مصر».
فكأنّما حدث انفجار في داخلها فجأة وصرخت و( قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) .
ثمّ واصلت امراة العزيز كلامها( ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) لانّي عرفت بعد هذه المدّة الطويلة وما عندي من التجارب( أَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ) .
في الحقيقة (بناء على انّ الجملة المتقدّمة لامراة العزيز كما يقتضيه ظاهر العبارة) فانّها ومن اجل اعترافها الصريح بنزاهة يوسف وما اخطأته في حقّه ، تقيم دليلين :
الاوّل : انّ وجدانها ، ويحتمل بقايا علاقتها بيوسف ، لا تسمح لها ان تستر الحقّ اكثر من هذا ، وان تخون هذا الشاب الطاهر في غيابه.
الثّاني : انّ من مشاهدة الدروس المليئة بالعبر على مرور الزمن تجلّت لها هذه الحقيقة ، وهي انّ الله يرعى الصالحين ولا يوفّق الخائنين في مرادهم ابدا.
وبهذا بدأت الحجب تنقشع عن عينيها قليلا قليلا وتلمس حقيقة الحياة ولا سيّما في هزيمة عشقها الذي صنع غرورها وشخصيتها الخياليّة ، وانفتحت
عيناها على الواقع اكثر ، فلا عجب ان تعترف هذا الاعتراف الصريح.
وتواصل امراة العزيز القول :( وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي ) وبحفظه واعانته نبقى مصونين ، وانا أرجو ان يغفر لي ربّي هذا الذنب( إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
قال بعض المفسّرين : انّ الآيتين الأخيرتين من كلام يوسف ، وقالوا : انّهما في الحقيقة تعقيب لما قاله يوسف لرسول الملك ومعنى الكلام يكون هكذا.
«إذا قلت حقّقوا عن شأن النسوة اللائي قطّعن أيديهن ، فمن اجل ان يعلم الملك او عزيز مصر الذي هو وزيره ، انّي لم اخنه في غيابه والله لا يهدي كيد الخائنين كما لا أبرئ نفسي لانّ النفس امّارة بالسوء الّا ما رحم ربّي انّ ربّي غفور رحيم».
الظاهر انّ الهدف من هذا التّفسير المخالف لظاهر الآية انّهم صعب عليهم قبول هذا المقدار من العلم والمعرفة لامراة العزيز التي تقول بلحن مخلص وحاك عن التنبّه والتيقّظ.
والحال انّه لا يبعد انّ الإنسان حين يرتطم في حياته بصخرة صمّاء ، تظهر في نفسه حالة من التيقّظ المقرون بالاحساس بالذنب والخجل ، خاصّة انّه لوحظ انّ الهزيمة في العشق المجازي يجرّ الإنسان الى طريق العشق الحقيقي «عشق الله».
وبالتعبير علم النفس المعاصر : انّ تلك الميول النفسية المكبوتة يحصل فيها حالة ال «تصعيد» وبدلا من تلاشيها وزوالها فانّها تتجلّى بشكل عال.
ثمّ انّ قسما من الرّوايات التي تشرح حال امراة العزيز ـ في السنين الاخيرة من حياتها ـ دليل على هذا التيقّظ والانتباه ايضا.
وبعد هذا كلّه فربط هاتين الآيتين بيوسف ـ الى درجة ما ـ بعيد ، وهو خلاف الظاهر بحيث لا ينسجم مع اي من المعايير الادبية للأسباب الآتية :
اوّلا : كلمة «ذلك» التي ذكرت في بداية الآية هي بعنوان ذكر العلّة ، اي علّة الكلام المتقدّم الذي لم يكن سوى كلام امراة العزيز فحسب ، وربط هذا التذييل بكلام يوسف الوارد في الآيات السابقة امر عجيب.
ثانيا : إذا كانت هاتان الآيتان بيانا لكلام يوسف فسيبدو بينهما نوع من التناقض والتضادّ ، فمن جهة يقول : انّي لم اخنه بالغيب ، ومرّة يقول : وما أبرئ نفسي انّ النفس لامّارة بالسوء. وهذا الكلام لا يقوله الّا من يعثر او يزل ولو يسيرا ، في حين انّ يوسف لم يصدر منه اي زلل.
وثالثا : إذا كان مقصوده ان يعرف عزيز مصر انّه بريء فهو من البداية «بعد شهادة الشاهد» عرف الواقع ، ولذلك قال لامراته :( اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ) وإذا كان مقصوده انّه لم يخن الملك ، فلا علاقة للملك بهذا الأمر ، والتوسّل الى تفسيرهم هذا بحجّة انّ الخيانة لامراة العزيز خيانة للملك الجبّار ، فهو حجّة واهية ـ كما يبدو ـ خاصّة انّ حاشية القصر لا يكترثون بمثل هذه المسائل.
وخلاصة القول : انّ هذا الارتباط في الآيات يدلّ على انّ جميع ما ورد في السياق من كلام امراة العزيز التي انتبهت وتيقّظت واعترفت بهذه الحقائق.
* * *
ملاحظات
1 ـ هذه عاقبة التقوى
رأينا في هذا القسم من قصّة يوسف انّ عدوّته المعاندة «زليخا» اعترفت أخيرا بطهارته ، كما اعترفت بذنبها وخطئها وببراءته وهذه عاقبة التقوى وطهارة الثوب ، وهذا معنى قوله تعالى :( وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) .
فكن طاهرا واستقم في طريق «الطهارة» فالله حاميك ولا يسمح للملوّثين
ان يسيئوا إليك.
2 ـ الهزائم التي تكون سببا للتيقّظ
لا تكون الهزائم هزائم دائما ، بل ـ في كثير من الأحيان ـ تعدّ الهزيمة هزيمة في الظاهر الّا انّها في الباطن نوع من الانتصار المعنوي ، وهذه هي الهزائم التي تكون سببا لتيقّظ الإنسان ، وتشقّ حجب الغفلة والغرور عنه ، وتعدّ نقطة انعطاف جديدة في حياته.
فامرأة العزيز التي تدعى «زليخا» او «راعيل» وإن ابتليت في عملها بأشدّ الهزائم ، لكن هذه الهزيمة في مسير الذنب كانت سببا لأنّ تنتبه ويتيقّظ وجدانها النائم ، وان تندم على ما فات من عملها والتفتت الى ساحة الله. وما ينقل من قصتها بعد لقائها ليوسف وهو عزيز مصر ـ آنئذ ـ شاهد على هذا المدّعى ، إذ قالت : «الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته وجعل الملوك عبيدا بمعصيته». ونقرا في نهاية الحديث انّ يوسف تزوّج منها أخيرا(1) .
السعداء هم أولئك الذين يصنعون من الهزائم انتصارا ، ومن سوء الحظّ حظّا حسنا ، ومن اخطائهم طريقا صحيحا للحياة.
وبالطبع فليس ردّ الفعل من قبل جميع الافراد إزاء الهزائم هكذا فالأشخاص الضعاف حين تصيبهم الهزيمة ييأسون ويكتنف القنوط جميع وجودهم ، وقد يؤدّي بهم الى الانتحار وهذه هي الهزيمة الحقيقيّة.
لكن الذين يشعرون بكرامتهم وشخصيّتهم ، يسعون لان يجعلوا الهزائم سلّما لصعودهم وترقّيهم وجسرا لانتصارهم.
__________________
(1) سفينة البحار ج 1 ص 554.
3 ـ الحفاظ على الشرف خير من الحرية الظاهرية
رأينا انّ يوسف لم يدخل السجن لطهارة ثوبه فحسب ، بل لم يكن مستعدّا للخروج من السجن حتّى يعود مبعوث الملك ويجري التحقيقات حول النسوة اللائي قطّعن أيديهن لتثبت براءته ويخرج من السجن مرفوع الراس لا ان يخرج كأي مجرم ملوّث يشمله عفو الملك!! وذلك ذلّ واي ذلّ! وهذا درس لكلّ الناس في الماضي والحاضر والمستقبل.
4 ـ النفس الامّارة «المتمرّدة»
يقسّم علماء النفس والأخلاق النفس «وهي الإحساسات والغرائز والعواطف الانسانية» الى ثلاثة مراحل ، وقد أشار إليها القرآن المجيد :
المرحلة الاولى : «النفس الامّارة» وهي النفس التي تأمر الإنسان بالذنب وتجرّه الى كلّ جانب ، ولذا سمّوها «امّارة» وفي هذه المرحلة لا يكون العقل والايمان قد بلغا مرحلة من القدرة ليكبحا جماحها ، بل في كثير من المواقع يستسلمان للنفس الامّارة ، وإذا تصارعت النفس الامّارة مع العقل في هذه المرحلة فإنّها ستهزمه وتطرحه أرضا.
وهذه المرحلة هي التي أشير إليها في الآية المتقدّمة ، وجرت على لسان امراة العزيز بمصر ، وجميع شقاء الإنسان أساسه النفس الامّارة بالسوء.
المرحلة الثّانية : «النفس اللوّامة» وهي التي ترتقي بالإنسان بعد التعلّم والتربية والمجاهدة ، وفي هذه المرحلة ربّما يخطئ الإنسان نتيجة طغيان الغرائز ، لكن سرعان ما يندم وتلومه هذه النفس ، ويصمّم على تجاوز هذا الخطأ والتعويض عنه ، ويغسل قلبه وروحه بماء التوبة.
وبعبارة اخرى : في المواجهة بين النفس والعقل ، قد ينتصر العقل أحيانا وقد
تنتصر النفس ، الّا انّ النتيجة والكفّة الراجحة هي للعقل والايمان.
ومن اجل الوصول الى هذه المرحلة لا بدّ من الجهاد الأكبر ، والتمرين الكافي ، والتربية في مدرسة الأستاذ ، والاستلهام من كلام الله وسنن الأنبياء والائمّةعليهمالسلام .
وهذه المرحلة هي التي اقسم الله بها في سورة القيامة قسما يدلّ على عظمتها( لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) .
المرحلة الثّالثة : «النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ » وهي المرحلة التي توصل الإنسان بعد التصفية والتهذيب الكامل الى ان يسيطر على غرائزه ويروّضها فلا تجد القدرة للمواجهة مع العقل والايمان ، لانّ العقل والايمان بلغا درجة من القوّة بحيث لا تقف امامهما الغرائز الحيوانية.
وهذه هي مرحلة الاطمئنان والسكينة الاطمئنان الذي يحكم المحيطات والبحار حيث لا يظهر عليها الانهزام امام اشدّ الأعاصير.
وهذا هو مقام الأنبياء والأولياء واتباعهم الصادقين ، أولئك الذين تدارسوا الايمان والتقوى في مدرسة رجال الله ، وهذّبوا أنفسهم سنين طوالا ، وواصلوا الجهاد الأكبر الى آخر مرحلة.
وإليهم والى أمثالهم يشير القرآن الكريم في سورة الفجر( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي ) .
اللهمّ اعنّا لنستضيء بنور آياتك ، ونصعّد أنفسنا الامّارة الى اللّوامة ومنها الى النفس المطمئنة ولنجد روحا مطمئنا لا يضطرب ولا يتزلزل امام طوفان الحوادث ، وان نكون أقوياء امام الأعداء ، ولا تبهرنا زخارف الدنيا وزبارجها ، وان نصبر على البأساء والضرّاء.
اللهمّ ارزقنا العقل لننتصر على اهوائنا ونوّرنا إذا كنّا على خطأ بالتوفيق
والهداية.
اللهمّ انّنا لم نبلغ هذه المرحلة بخطانا ، بل كنت أنت في كلّ مرحلة دليلنا وقائدنا ، فلا تحبس الطافك عنّا وإذا كان عدم شكرنا على جميع هذه النعم مستوجبا لعقابك ، فأيقظنا من نومة الغافلين قبل ان نذوق العذاب آمين ربّ العالمين.
* * *
الآيات
( وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (57) )
التّفسير
يوسف أمينا على خزائن مصر :
رأينا انّ يوسف ـ هذا النّبي العظيم ـ ثبتت براءته أخيرا للجميع ، وحتّى الأعداء شهدوا بطهارته ونزاهته ، وظهر لهم انّ الذنب الوحيد الذي أودع من اجله السجن لم يكن غير التقوى والامانة التي كان يتحلّى بهما.
اضافة الى هذا فقد ثبت لهم انّ هذا السجين منهل العلم والمعرفة والنّباهة وطاقة فذّة وعالية في الادارة ، حيث انّه حينما فسّر رؤيا الملك (وهو سلطان
مصر) بيّن له الطرق الكفيلة للخلاص من المشكلة الاقتصادية المتفاقمة القادمة.
ثمّ يستمر القرآن بذكر القصّة فيقول :( وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ) وهكذا امر الملك بإحضاره لكي يجعله مستشاره الخاص ونائبه في المهمّات فيستفيد من علمه ومعرفته وخبرته لحلّ المشاكل المستعصية.
ثمّ أرسل الملك مندوبا لزيارته في السجن ، فدخل عليه وأبلغه تحيات الملك وعواطفه القلبية تجاهه ثمّ قال له : انّه قد لبّى طلبك في البحث والتحقيق عن نساء مصر واتّهامهنّ ايّاك ، حيث شهدنّ جميعهنّ صراحة ببراءتك ونزاهتك فالآن لا مجال للتأخير ، قم لنذهب الى الملك.
فدخل يوسف على الملك وتكلّم معه فعند ما سمع من يوسف الاجوبة التي تحكي عن علمه وفراسته وذكائه الحادّ ، ازداد حبّا له وقال : انّ لك اليوم عندنا منزلة رفيعة وسلطات واسعة وانّك في موضع ثقتنا واعتمادنا( فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ) فلا بدّ ان تتصدّى للمناصب الهامّة في هذا البلد ، وتهتمّ بإصلاح الأمور الفاسدة ، وانّك تعلم (حينما فسّرت الرؤيا) بأنّ ازمة اقتصادية شديدة سوف تعصف بهذا البلد ، وفي تصوّري انّك الشخص الوحيد القادر على ان يتغلّب على هذه الازمة.
فاختار يوسف منصب الامانة على خزائن مصر ، وقال اجعلني مشرفا على خزائن هذا البلد فإنّي حفيظ عليم وعلى معرفة تامّة بأسرار المهنة وخصائصها( قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) .
كان يوسف يعلم انّ جانبا كبيرا من الاضطراب الحاصل في ذلك المجتمع الكبير المليء بالظلم والجور يكمن في القضايا الاقتصادية ، والآن وبعد ان عجزت اجهزة الحكم من حلّ تلك المشاكل واضطرّوا لطلب المساعدة منه ، فمن الأفضل له ان يسيطر على اقتصاد مصر حتّى يتمكّن من مساعدة المستضعفين وان يخفّف عنهم ـ قدر ما يستطيع ـ الآلام والمصاعب ويستردّ حقوقهم من
الظالمين. ويقوم بترتيب الأوضاع المترديّة في ذلك البلد الكبير ، ويجعل الزراعة وتنظيمها هدفه الاوّل وخاصّة بعد وقوفه على انّ السنين القادمة هي سنوات الوفرة حيث تليها سنوات المجاعة والقحط ، فيدعو الناس الى الزراعة وزيادة الانتاج وعدم الإسراف في استعمال المنتوجات الزراعية وتقنين الحبوب وخزنها والاستفادة منها في ايّام القحط والشدّة.
وهكذا لم ير يوسف بدّا من توليّة منصب الاشراف على خزائن مصر.
وقال البعض : انّ الملك حينما راى في تلك السنة انّ الأمور قد ضاقت عليه وعجز عن حلّها ، كان يبحث عمّن يعتمد عليه وينجّيه من المصاعب ، فمن هنا حينما قابل يوسف ورآه أهلا لذلك أعطاه مقاليد الحكم بأجمعها واستقال هو من منصبه.
وقال آخرون : انّ الملك جعله في منصب الوزير الاوّل بديلا عن (عزيز مصر).
والاحتمال الآخر هو انّه بقي مشرفا على خزائن مصر ـ وهذا ما يستفاد من ظاهر الآية الكريمة ، الّا انّ الآيتين (100) و (101) واللتين يأتي تفسيرهما بإذن الله تدلّان على انّه أخيرا استقلّ بأمور مصر ـ بدل الملك وصار هو ملكا على مصر.
وبرغم انّ الآية رقم (88) تقول : انّ اخوة يوسف حينما دخلوا عليه نادوه باسم( يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ ) وهذا دليل على انّه استقلّ بمنصب عزيز مصر ، لكن نقول : انّه لا مانع من ان يكون يوسف قد ارتقى سلّم المناصب تدريجا حيث كان في اوّل الأمر مشرفا على الخزائن ، ثمّ جعل الوزير الاوّل ، وأخيرا صار ملكا على مصر.
ثمّ يقول الله سبحانه وتعالى منهيا بذلك قصّة يوسفعليهالسلام :( وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ ) .
نعم انّ الله سبحانه وتعالى ينزل رحمته وبركاته ونعمه المادية والمعنوية على من يشاء من عباده الذين يراهم أهلا لذلك( نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ ) .
وانّه سبحانه وتعالى لا ينسى ان يجازي المحسنين ، وانّه مهما طالت المدّة فإنّه يجازيهم بجزائه الأوفى( وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) .
ولكن لا يقتصر سبحانه وتعالى على مجازاة المحسنين في الدنيا ، بل يجازي المتّقين والمحسنين بأحسن من ذلك في الآخرة وهو الجزاء الأوفى( وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ) .
* * *
بحوث
1 ـ كيف استجاب يوسف لطلب طاغوت زمانه؟
بالنسبة للآيات المتقدّمة فإنّ اوّل ما يجلب إليها النظر هو انّه كيف لبّى يوسف ـ هذا النّبي العظيم ـ طلب طاغوت زمانه وتعاون معه وتحمّل منصب الوزارة او الاشراف على خزينة الدولة؟
جواب هذا السؤال ـ في الحقيقة ـ يكمن في نفس الآيات السابقة ، فإنّه قد تحمّل هذه المسؤولية بعنوان انّه( حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) كي يحفظ بيت المال المتضمّن لاموال الشعب ويستثمره في سبيل منافعهم ، وبخاصّة حقوق الطبقة المحرومة والتي غالبا ما يستولي عليها المستكبرون.
اضافة الى هذا فإنّه عن طريق معرفته بتعبير الرؤيا ـ كما ذكرنا ـ كان على علم بالأزمة الاقتصادية الشديدة التي سوف تعصف بالشعب المصري ، بحيث لولا التخطيط الدقيق والاشراف المباشر عليها لماتت جماعات كثيرة من الشعب فبناء على هذا فإنّ انقاذ حياة الامّة والاحتفاظ بأرواح شعب بريء يقتضي ان يستفيد يوسف من هذه الفرصة التي أتيحت له ويستغلّها لأجل خدمة جميع افراد
الشعب ، وبخاصّة المحرومين منهم حيث انّهم عادة ما يكونون اوّل ضحايا الازمة الاقتصادية واكثر المتضرّرين من الغلاء.
وقد ورد كلام مفصّل حول هذا الموضوع في بحث استجابة طلب الظالم وقبول الولاية في علم الفقه ، وانّ استجابة طلب الظالم والتصدّي لمناصب الحكم لا يكون حراما دائما ، بل تارة يكون مستحبّا ، وقد يكون في بعض الأحيان واجبا شرعا ، وذلك إذا كانت منفعة التصدّي ومرجّحاته الدينيّة اكثر من الإضرار الناتجة عن التصدّي من دعم حكم الظالم وغيره.
ونلاحظ في روايات عديدة انّ ائمّة اهل البيتعليهمالسلام كانوا يجوّزون لبعض خلّص شيعتهم وأصحابهم أمثال علي بن يقطين ـ الذي كان من اصحاب الكاظمعليهالسلام ـ حيث تصدّى لمنصب الوزارة لفرعون زمانه ـ هارون الرشيد ـ وذلك بأمر من الامامعليهالسلام ، غاية ما في الأمر انّ الاستجابة والتصدّي لمناصب الحكم او ردّها تابعان لقانون «الأهم والمهم».
فلا بدّ من ملاحظة المنافع الدينيّة والاجتماعية ومقارنتها مع الإضرار الناتجة ، إذ لعلّ الذي يتصدّى للمنصب قد يستطيع في نهاية المطاف ان يزيح الظالم عن الحكم (كما حدث ليوسف بناء على مضمون بعض الرّوايات الواردة) او يكون المعين الذي تنبثق منه الحركات والثورات ، لانّه يقوم بتهيئة مقدّمات الثورة من داخل اجهزة الحكم القائم (ويمكن ان يكون مؤمن آل فرعون من هذا القبيل) او يكون على الأقل ملجأ وملاذا للمظلومين والمحرومين ومخفّفا عن آلامهم والضغوط الواردة عليهم من قبل اجهزة النظام.
وكلّ واحد من هذه الأمور يمكن ان يكون مبرّرا للتصدّي للمناصب وقبولها من الحاكم الظالم ، وللإمام الصادقعليهالسلام رواية معروفة في حقّ هؤلاء الأشخاص يقولعليهالسلام (فّارة عمل السلطان قضاء حوائج الاخوان)(1) .
__________________
(1) وسائل الشيعة ، ج 12 ، 139.
لكن هذا الموضوع ـ التعاون مع الظالم ـ من الأمور التي يقترب فيها حدود الحلال من الحرام ، وكثيرا ما يؤدّي تهاون صغير من الشخص المتصدّي الى وقوعه في اشراك النظام وارتكاب جريمة تعدّ من اكبر الجرائم وأفظعها ـ وهي التعاون مع الظالم ـ في حين يتصوّر انّه يقوم بعبادة وخدمة انسانية مشكورة.
وقد يستفيد بعض الانتهازيين من حياة (يوسف) او (علي بن يقطين) ويتّخذه ذريعة للتعاون مع الظالم وتغطية لاعمالهم الشريرة ، في حين انّه يوجد بون شاسع بين تصرّفاتهم وتصرّفات يوسف او علي بن يقطين(1) .
هنا سؤال آخر يطرح نفسه وهو انّه كيف رضخ سلطان مصر الظالم لهذا الأمر ـ واستجاب لطلب يوسف ـ مع علمه بأنّ يوسف لا يسير بسيرة الظالمين والمستثمرين والمستعمرين ، بل يكون على العكس من ذلك معاديا لهم؟
الاجابة على هذا السؤال لا تكون صعبة مع ملاحظة امر واحد وهو انّه تارة تحيط الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بالظالم بحيث تزلزل اركان حكومته الظالمة ، فيرى الخطر محدقا بحكومته وبكلّ شيء يتعلّق بها في هذه الحالة وتجنّبا من السقوط التامّ لا يمانع ، بل يدعم قيام حكومة شعبية عادلة لكي يحافظ على حياته وبجزء من سلطته.
2 ـ اهميّة المسائل الاقتصادية والادارية
رغم انّنا لا نتّفق مع الرؤية التي تنظر الى الأمور بمنظار واحد وتحصر جميع
__________________
(1) نطالع في روايات عديدة عن الإمام علي بن موسى الرضا عليهالسلام انّ بعض الجاهلين بالمعايير الاسلامية كانوا يعترضون على الامام أحيانا ، بأنّه لماذا قبلت ولاية عهد المأمون مع كلّ زهدك في الدنيا واعراضك عنها؟ فكان الامامعليهالسلام يجيبهم : «يا هذا ايّما أفضل النّبي ام الوصي»؟ فقالوا : لا بل النّبي ، فقال : ايّهما أفضل مسلم ام مشرك»؟ فقالوا : لا بل مسلم فقال : «فإنّ العزيز عزيز مصر كان مشركا ، وكان يوسف عليهالسلام نبيّا ، وانّ المأمون مسلم» وانا وصي ، ويوسف سأل العزيز ان يولّيه حين قال :( اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) ، وانا أجبرت على ذلك» وسائل الشيعة ، ج 12 ، ص 146.
الأمور في القضايا الاقتصادية دون إعطاء اي دور للإنسان ، ولكن برغم ذلك فإنّه لا يمكن غضّ النظر عن اهمية القضايا الاقتصادية ودورها في المجتمعات ، والآيات السابقة تشير إلى هذه الحقيقة ، والملاحظ انّ يوسف ركّز من بين جميع مناصب الدولة على منصب الاشراف على الخزانة ، وذلك لعلمه انّه إذا نجح في ترتيب اقتصاد مصر ، فإنّه يتمكّن من إصلاح كثير من المفاسد الاجتماعية ، كما انّ تنفيذه للعدالة الاقتصادية يؤدّي الى سيطرته على سائر دوائر الدولة وجعلها تحت امرته.
وقد اهتمّت الرّوايات الاسلامية بهذا الموضوع اهتماما كبيرا ، فمثلا نرى في الرّواية المعروفة المروية عن امير المؤمنين عليعليهالسلام انّه جعل (قوام الدين والدنيا) في ركنين : أحدهما القضايا الاقتصادية وما يقوم عليه معاش الناس ، والرّكن الآخر هو العلم والمعرفة.
وبرغم انّ المسلمين قد أهملوا هذا الجانب من الحياة الفردية والاجتماعية الذي اهتمّ به الإسلام كثيرا وتأخّروا عن اعداء الإسلام في هذا الجانب ، الّا انّ يقظة المجتمعات الاسلامية المتزايدة وتوجّههم نحو الإسلام يزيد الأمل في النفوس بأن تزيد من نشاطها الاقتصادي وتعتبره عبادة اسلامية كبرى ، وتقوم ببناء نظام اقتصادي مدروس وفق خطط محكمة لكي تعود إليهم قوّتهم ونشاطهم.
وهنا نقطة اخرى يجب التنبيه عليها ، وهي انّنا نلاحظ انّ يوسفعليهالسلام يخاطب الملك ويقول له :( إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) وهذه اشارة الى اهميّة عنصر الادارة الى جانب عنصر الامانة وانّ توفّر عنصر الامانة والتقوى فقط في شخص لا يؤهّله لان يتصدّى لأحد المناصب الاجتماعية الحسّاسة ، بل لا بدّ من اجتماع ذلك العامل مع العلم والتخصّص والقدرة على الادارة ، لكونه قرن ال (عليم) مع ال (حفيظ) وكثيرا ما نشاهد الإضرار الناتجة عن سوء الادارة لا تقلّ بل تزيد على
الخسائر الناتجة عن الخيانة!
فهذه التعليمات الاسلامية صريحة في اهميّة جانب الادارة والقدرة عليها ، ومع ذلك نرى تهاون بعض المسلمين بهذا الجانب ، فالمهمّ لديهم هو نصب الأشخاص الذين يطمئنون الى تقواهم وأمانتهم لادارة الأمور ، مع انّ السيرة النبوية الشريفةصلىاللهعليهوآلهوسلم وكذلك سيرة عليعليهالسلام ترشدان الى انّهما كانا يهتمّان اهتماما كبيرا بالجانب الاداري والقدرة على الادارة مع اهتمامهم بأمانة الشخص وسلوكه الحسن.
3 ـ الرّقابة على الاستهلاك
الملاحظ في القضايا الاقتصادية انّه قد لا تكون (زيادة الانتاج) بمكان من الاهميّة بقدر اهميّة (الرقابة على الاستهلاك) ومن هنا نشاهد انّ يوسف في ايّام حكومته ، حاول ـ بشدّة ـ ان يسيطر على الاستهلاك الداخلي في سنوات الوفرة لكي يتمكّن من الاحتفاظ بجزء كبير من المنتوجات الزراعية لسنوات القحط والمجاعة القادمة ، وفي الحقيقة انّ زيادة الانتاج والرقابة متلازمان لا يفترقان ، فالزيادة في الانتاج لا تثمر الّا إذا أعقبتها رقابة صحيحة ، كما انّ الرقابة تكون اكثر فائدة إذا أعقبتها زيادة في الانتاج.
انّ السياسة الاقتصادية التي انتهجها يوسفعليهالسلام في مصر أظهرت انّ الخطّة الاقتصادية الصحيحة والمتطورة مع الزمن لا يمكن ان تقتصر على متطلّبات الجيل الحاضر ، بل لا بدّ وان تراعي مصالح الأجيال القادمة ، لانّ التفكير بالمصالح المستعجلة للجيل الحاضر والتغاضي عن مصالح الأجيال القادمة ـ كما لو استهلكنا جميع ثروات الأرض ـ تعتبر غاية الانانية وحبّ الذات ، إذ انّ الأجيال القادمة هم في الواقع إخوتنا وأبناؤنا فلا بدّ من التفكير في مصالحهم وعدم التفريط بها.
والملفت للنظر انّه يستفاد من بعض الرّوايات الواردة كما ورد عن الامام علي بن موسى الرّضاعليهماالسلام «واقبل يوسف على جمع الطعام فجمع في السبع سنين المخصبة فكبسه في الخزائن ، فلمّا مضت تلك السنون وأقبلت المجدية اقبل يوسف على بيع الطعام فباعهم في السنة الاولى بالدراهم والدنانير حتى لم يبق بمصر وما حولها دينار ولا درهم الّا صار في مملكة يوسف ، وباعهم في السنة الثّانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق بمصر وما حولها حلي ولا جواهر الا صار في ملكة يوسف ، وباعهم في السنة الثّالثة بالدّواب والمواشي حتى لم يبق بمصر وما حولها دابة ولا ماشية الّا صار في ملكية يوسف ، وباعهم في السنة الرّابعة بالعبيد والإماء حتى لم يبق بمصر ومن حولها عبد ولا امة الّا صار في ملكية يوسف ، وباعهم في السنة الخامسة بالدّور والعقار حتى لم يبق بمصر وما حولها دار ولا عقار الّا صار في ملكية يوسف ، وباعهم في السنة السّادسة بالمزارع والأنهار حتى لم يبق بمصر وما حولها نهر ولا مزرعة الّا صار في ملكية يوسف ، وباعهم في السنة السّابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر وما حولها عبد ولا حرّ الّا صار عبد يوسف ، فملك احرارهم وعبيدهم وأموالهم وقال النّاس : ما رأينا ولا سمعنا بملك أعطاه الله من الملك ما اعطى هذا الملك حكما وعلما وتدبيرا ، ثمّ قال يوسف للملك : ايّها الملك ما ترى فيما خولني ربّي من ملك مصر وأهلها اشر علينا برأيك ، فإنّي لم أصلحهم لافسدهم ، ولم انجهم من البلاء ليكون وبالا عليهم ولكن الله نجاهم على يدي ، قال له الملك : الرّاي رأيك ، قال يوسف : انّي اشهد الله وأشهدك ايّها الملك انّي اعتقت اهل مصر كلّهم ، ورددت إليهم أموالهم وعبيدهم ، ورددت إليك ايّها الملك خاتمك وسريرك وتاجك على ان لا تسير الّا بسيرتي ولا تحكم الّا بحكمي قال له الملك : انّ ذلك لشرفي وفخري لا أسير الّا بسيرتك ولا احكم الّا بحكمك ، ولولاك ما قويت عليه ولا اهتديت له ، ولقد جعلت سلطاني عزيزا ما
يرام ، وانا اشهد ان لا اله الّا الله وحده لا شريك له ، وأنت رسوله فأقم على ما وليتك فإنّك لدينا مكين أمين»(1) .
4 ـ مدح النفس
لا شكّ في انّ مدح الإنسان نفسه يعدّ من الأمور القبيحة ، ولكن ليست هذه قاعدة عامّة ، بل قد تقتضي الأمور بأن يقوم الإنسان بعرض نفسه على المجتمع والإعلان عن خبراته وتجاربه ، لكي يتعرّف عليه الناس ويستفيدوا من خبراته ولا يبقى كنزا مستورا.
وقد مرّ علينا في الآيات السابقة انّ يوسف حينما تولّى مسئولية الاشراف على خزائن مصر وصف نفسه بأنّه :( حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) ، وكان هذا الوصف من يوسف لنفسه ضروريا وذلك حتّى يعرف شعب مصر ومليكها انّه يمتلك الصفات اللازمة التي تؤهله للتصدّي لهذا المنصب.
ومن هنا نقرا في تفسير العياشي نقلا عن الامام الصّادقعليهالسلام انّه حينما سئل عن الحكم الشرعي لمدح الإنسان نفسه؟ أجابعليهالسلام «نعم إذا اضطرّ اليه ، امّا سمعت قول يوسف اجعلني على خزائن الأرض انّي حفيظ عليم ، وقول العبد الصالح : وانا لكم ناصح أمين»(2) .
ومن هنا يتّضح لنا جليّا فلسفة مدح الامام عليعليهالسلام نفسه في بعض الخطب ، فمثلا يقول في خطبة الشقشقية واصفا نفسه : (... انّ محلي منها محلّ القطب من الرّحى ينحدر عنّي السيل ولا يرقى اليّ الطير ...) فمثل هذه الأوصاف هي في الواقع لأجل إيقاظ الغافلين وإرشادهم الى الاستفادة من هذا المنهل العذب في سبيل الوصول الى سعادة الفرد والمجتمع.
__________________
(1) مجمع البيان ، المجلّد الثّالث ، صفحة 244 ، تفسير نور الثقلين ، ج 2 ، ص 435.
(2) تفسير نور الثّقلين ، ج 2 ، ص 433.
5 ـ افضليّة الجزاء المعنوي على سواه
برغم انّ كثيرا من المؤمنين الخيرين يلقون في هذه الدنيا جزاء اعمالهم الخيرة ، كما هو الحال بالنسبة ليوسف حيث جوزي جزاء حسنا ، لعفافه وتقواه وصبره على البلاء ، إذ لو كان آثما لما اعتلى هذا المنصب ، ولكن هذا لا يعني انّ على الإنسان ان ينتظر الجزاء في هذه الدنيا ويتوهّم انّ الجزاء يجب ان يكون ماديّا وملموسا وفي هذه الدنيا ويرى تأخير الجزاء ظلما في حقّه ، لكن هذا التصوّر بعيد عن الواقع ، لانّ الجزاء الأوفى هو ما يوافي الإنسان في حياته القادمة.
ولعلّ لدفع هذا التوهّم الخاطئ وانّ ما جوزي به يوسف هو الجزاء الأوفى ، يقول القرآن الكريم( وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ) .
6 ـ الدفاع عن المسجونين
برغم انّ السجن لم يكن دائما محلا للأخيار ، بل يستضيف تارة الابرياء وتارة المجرمين ، لكنّ القواعد الانسانية تستوجب التعامل الحسن مع السجناء ، حتّى ولو كانوا مجرمين.
وقد يتصوّر البعض أنّ الدفاع عن المسجونين من مبتكرات العصر الحديث ، لكن المتتبّع للتاريخ الاسلامي يرى انّه منذ الايّام الاولى لقيام دولة الإسلام كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يؤكّد ويوصي على التعامل الحسن مع الأسرى والمسجونين ـ كما قرانا جميعا وصيّة عليعليهالسلام في حقّ المجرم الذي قام باغتياله (وهو عبد الرّحمن بن ملجم المرادي) حيث امر ان يرفق به وحتّى انّهعليهالسلام بعث اليه من اللبن الذي كان يشربه وعند ما أرادوا قتله قال : ضربة بضربة.
كما انّ يوسف حينما كان في السجن كان يعدّ أخا حميما وصديقا وفيّا ومستشارا أمينا لجميع نزلاء السجن ، وحينما خرج من السجن ـ امر ان يكتب ـ
لجلب انتباه العالمين ـ على بابه «هذا قبور الاحياء ، وبيت الأحزان ، وتجربة الأصدقاء ، وشماتة الأعداء»(1) .
واظهر لهم بهذا الدعاء عطفه ومحبّته حيث قال : «اللهمّ اعطف عليهم بقلوب الأخيار ، ولا تعم عليهم الاخبار»(2) .
والطريف انّنا نقرا في سياق الحديث السابق انّه : «فذلك يكون اصحاب السجن اعرف الناس بالاخبار في كلّ بلدة».
وقد مرّت علينا هذه التجربة في ايّام السجن ، حيث كانت تصلنا الاخبار وبصورة منتظمة ـ الّا في بعض الحالات النادرة ـ وعن طرق خفيّة لا يكشفها السجّانون ، وكثيرا ما كان الذي يدخل الى السجن يطّلع على بعض الاخبار التي لم يكن قد سمعها عند ما كان في الخارج ، والحديث عن هذا الموضوع طويل وقد يخرجنا عن هدف هذا الكتاب.
* * *
__________________
(1) نور الثقلين ، ج 2 ، ص 432.
(2) نور الثقلين ، ج 2 ، ص 432.
الآيات
( وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (60) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ (61) وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62) )
التّفسير
اقتراح جديد من يوسف لإخوته :
وكما كان متوقّعا ، فقد تحسّنت الزراعة في مصر خلال سبع سنوات متتالية وذلك على اثر توالي الأمطار ووفرة ماء النيل وكثرته ، ويوسف الذي كان مسئولا عن الشؤون الاقتصادية في مصر ومشرفا على خزائنها ، امر ببناء المخازن الكبيرة والصغيرة التي تستوعب الكميّات الكبيرة من المواد الغذائية
وتحفظها عن الفساد ، وقد اجبر أبناء الشعب على ان يبيعوا للدولة الفائض عن حاجتهم من الانتاج الزراعي ، وهكذا امتلأت المخازن بالمنتوجات الزراعية والاستهلاكية ومرّت سبع سنوات من الرخاء والوفرة ، وبدا القحط والجفاف يظهر وجهه الكريه ، ومنعت السّماء قطرها ، فلم تينع ثمرة ، ولم تحمل نخلة.
وهكذا أصاب عامّة الشعب الضيق وقلّت منتوجاتهم الزراعية ، لكنّهم كانوا على علم بخزائن الدولة وامتلائها بالمواد الغذائية ، وساعدهم يوسف حيث استطاع ـ بخطّة محكمة ومنظّمة مع الأخذ بعين الاعتبار الحاجات المتزايدة ، في السنين القادمة ـ ان يرفع الضيق عن الشعب بأن باع لهم المنتوجات الزراعية مراعيا في ذلك العدالة بينهم.
وهذا القحط والجفاف لم يكن مقتصرا على مصر وحدها ، بل شمل البلدان المحيطة بها ايضا ، ومنهم شعب فلسطين وارض كنعان المتاخمة لمصر والواقعة على حدودها في الشمال الشرقي ، وكانت عائلة يوسف تسكن هناك وقد تأثّرت بالجفاف. واشتدّ بهم الضيق ، بحيث اضطرّ يعقوب ان يرسل جميع أولاده ـ ما عدا بنيامين الذي أبقاه عنده بعد غياب يوسف ـ الى مصر ، حيث سافروا مع قافلة كانت تسير الى مصر ووصلوا إليها ـ كما قيل ـ بعد 18 يوما.
وتذكر المصادر التاريخيّة انّ الأجانب عند دخولهم الى الاراضي المصرية كانوا ملزمين بتسجيل اسمائهم في قوائم معيّنة لكي تعرض على يوسف ، ومن هنا فحينما عرض الموظفون تقريرا على يوسف عن القافلة الفلسطينية وطلبهم للحصول على المؤن والحبوب راى يوسف أسماء اخوته بينهم وعرفهم وامر بإحضارهم اليه ، دون ان يتعرّف احد على حقيقتهم وانّهم اخوته يقول القرآن الكريم :( وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ) وكان طبيعيّا ان لا يتعرّف اخوة يوسف عليه لانّه في جانب كان قد مضى على فراقهم ايّاه منذ ان أودعوه الجبّ وخرج منه ودخل الى مصر ما يقرب
من أربعين سنة ، ومن جهة اخرى كان لا يخطر ببالهم انّ أخوهم صار عزيزا لمصر ، وحتّى لو رأوا الشبه بين العزيز وبين أخيهم لحملوه على الصدفة.
اضافة الى هذا فإنّ ملابس يوسف تختلف عن السابق ، ومن الصعب عليهم معرفة يوسف وهو في ملابس اهل مصر ، كما انّ احتمال بقاء يوسف على قيد الحياة بعد هذه المدّة كان ضعيفا عندهم ، وعلى ايّة حال فإنّ اخوة يوسف قد اشتروا ما طلبوه من الحبوب ودفعوا ثمنه بالأموال او الكندر او الاحذية او بسائر ما جلبوه معهم من كنعان الى مصر.
امّا يوسف فإنّه قد رحّب بإخوته ولاطفهم وفتح باب الحديث معهم ، قالوا : نحن عشرة اخوة من أولاد يعقوب ، ويعقوب هو ابن ابراهيم الخليل نبي الله العظيم ، وأبونا ايضا من أنبياء الله العظام ، وقد كبر سنّه والمّ به حزن عميق ملك عليه وجوده.
فسألهم يوسف : لماذا هذا الغمّ والحزن؟
قالوا : كان له ولد أصغر من جميع اخوته وكان يحبّه كثيرا ، فخرج معنا يوما للنزهة والتفرّج والصيد وغفلنا عنه فأكله الذئب ، ومنذ ذلك اليوم وأبونا يبكي لفراقه.
نقل بعض المفسّرين انّه كان من عادة يوسف ان لا يعطي ولا يبيع لكلّ شخص الّا حمل بعير واحد ، وبما انّ اخوته كانوا عشرة فقد باع لهم 10 أحمال من الحبوب ، فقالوا : انّ لنا أبا شيخا كبيرا عاجزا عن السفر وأخا صغيرا يرعى شؤون الأب الكبير ، فطلبوا من العزيز ان يدفع إليهم حصّتهما ، فأمر يوسف ان يضاف الى حصصهم حملان آخران ، ثمّ توجّه إليهم مخاطبا ايّاهم وقال : انّي ارى في وجوهكم النبل والرفعة كما انّكم تتحلّون بأخلاق طيبة ، وقد ذكرتم انّ أباكم يحبّ أخاكم الصغير كثيرا ، فيتّضح انّه يمتلك صفات ومواهب عالية وفذّة ولهذا احبّ ان أراه اضافة الى هذا ، فإنّ الناس هنا قد أساءوا الظنّ بكم واتهموكم ،
لانّكم من بلد اجنبي ، فأتوا بأخيكم الصغير في سفركم القادم لتثبتوا صدقكم ، وتدفعوا التّهمة عن أنفسكم.
وهنا يقول القرآن الكريم : انّه حينما جهّزهم يوسف بجهازهم وأرادوا الرحيل عن مصر( وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ) لكنّه ختم كلامه بتهديد مبطّن لهم ، وهو انّني سوف امنع عنكم المؤن والحبوب إذا لم تأتوني بأخيكم( فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ ) ، وكان يوسف يحاول بشتّى الطرق ، تارة بالتهديد ، واخرى بالتحبّب ، ان يلتقي بأخيه بنيامين ويبقيه عنده. وظهر من سياق الآيات.
أمران : انّ الحبوب كانت تباع وتشترى في مصر بالكيل لا بالوزن ، واتّضح ايضا انّ يوسف كان يستقبل الضيوف ـ ومنهم اخوته ـ الذين كانوا يفدون الى مصر بحفاوة بالغة ويستظيفهم بأحسن وجه.
وأجاب اخوة يوسف على طلب أخيهم :( قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ) ويستفاد من قوله( إِنَّا لَفاعِلُونَ ) واجابتهم الصريحة لعزيز مصر ، انّهم كانوا مطمئنين الى قدرتهم على التأثير على أبيهم وأخذ الموافقة منه ، وكيف لا يكونون مطمئنين بقدرتهم على ذلك وهم الذين استطاعوا بإصرارهم والحاحهم ان يفرّقوا بين يوسف وأبيه؟!
وأخيرا امر يوسف رجاله بأن يضعوا الأموال التي اشتروا بها الحبوب في رحالهم ـ جلبا لعواطفهم ـ( وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) .
* * *
بحوث
1 ـ لماذا لم يظهر يوسف حقيقته لإخوته
بالنسبة للآيات السابقة فإنّ اوّل ما يتبادر الى الذهن هو انّه لماذا لم يعرّف يوسف نفسه لإخوته ، حتّى يقفوا على حقيقة حاله ويرجعوا الى أبيهم ويخبرونه عن مصير يوسف ، وبذلك تنتهي آلامه لأجل فراق يوسف؟
ويمكن طرح هذا السؤال على شكل أوسع وبصورة اخرى ، وهو انّه حينما التقى يوسف بإخوته في مصر كان قد مرّ ثمان سنوات على تحريره من السجن ، حيث كان في السنة الاولى من سنوات القحط والجدب ، التي أعقبت سبع سنوات من الوفرة والرخاء ، وقام بخزن المنتوجات الزراعية ـ وفي السنة الثامنة او بعدها ـ جاء اخوة يوسف الى مصر لشراء الحبوب ، فلما ذا لم يحاول يوسف خلال هذه السنوات الثمان ان يبعث الى كنعان من يخبر أباه بواقع حاله ويخرجه عن آلامه وينهي مرارته الطويلة؟
حاول جمع من المفسّرين ـ كالعلّامة الطبرسي في مجمع البيان والعلّامة الطباطبائي في تفسير الميزان والقرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن ـ الاجابة على هذا السؤال ، وذكروا له عدّة اجوبة ، ولعلّ أحسنها وأقربها هو انّ يوسف لم يكن مجازا من قبل الله سبحانه وتعالى في اخبار أبيه ، لانّ قصّة يوسف مع غضّ النظر عن خصائصه الذاتية كانت ساحة لاختبار يعقوب وحقلا لامتحانه ، فلا بدّ من ان يؤدّي يعقوب امتحانه ويجتاز فترة الاختبار قبل ان يسمح ليوسف بإخباره ، واضافة الى هذا فإنّ اسراع يوسف في اخبار اخوته قد يؤدّي الى عواقب غير محمودة ، مثلا قد يستولي عليهم الخوف والهلع من انتقام يوسف منهم لما ارتكبوه سابقا في حقّه فلا يرجعوا اليه.
2 ـ لماذا ارجع يوسف الأموال الى اخوته
السؤال الذي يطرح نفسه هو انّه لماذا امر يوسف ان تردّ اموال اخوته التي
دفعوها ثمنا للحبوب ، وتوضع في رحالهم؟
وقد أجاب المفسّرون عن هذا السؤال بإجابات عديدة ، ومنهم الرازي في تفسيره حيث ذكر عشرة اجوبة ، لكن بعضها بعيد عن الواقع ، ولعلّ ملاحظة الآيات السابقة تكفي في الاجابة عن السؤال ، لانّ الآية الشريفة تقول :( لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) فإنّ يوسف كان يقصد من وراء هذا العمل ، انّ اخوته بعد رجوعهم الى الوطن حينما يجدون أموالهم قد خبّئت في متاعهم ، سوف يقفون على كرم عزيز مصر (يوسف) وجلالة قدره ، اكثر ممّا شاهدوه ، وسوف يطمئن يعقوب بنوايا عزيز مصر ويعطي الاذن بسفر بنيامين ، ويكون السبب والدافع في سفرهم الى مصر مرّة اخرى وباطمئنان اكثر مستصحبين معهم أخاهم الصغير.
3 ـ كيف وهب يوسف الى اخوته اموال بيت المال؟
السؤال الآخر الذي يطرح نفسه هنا هو انّه كيف وهب يوسف الأموال من بيت المال لإخوته دون اي تعويض؟
يمكن الاجابة على هذا السؤال بطريقتين :
الاوّل : انّ بيت المال في مصر كان يحتوي على حصّة معيّنة من الأموال تصرف في شؤون المستضعفين (ومثل هذه الحصّة موجودة دائما) وبما انّ اخوة يوسف كانوا في تلك الفترة من المستضعفين ، استغلّ يوسف هذه الفرصة واستفاد من هذه الحصّة لمساعدة إخوته : (كما كان يستفيد منها في مساعدة سائر المستضعفين) ومن المعلوم انّ الحدود المصطنعة بين الدولة لم تكن حائلا دون مساعدة مستضعفي سائر البلدان من هذه الحصّة.
الثّاني : انّ المناصب العالية في الدولة ـ كمنصب يوسف ـ تتضمّن عادة على
امتيازات وحقوق معيّنة ، ومن اقلّ هذه الحقوق هو ان يهيئ لنفسه ولعائلته المحتاجة ولمن يقرب اليه كأبيه واخوته مستلزمات العيش الكريم ، وقد استفاد يوسف من هذا الحقّ في إعطاء الأموال لإخوته.
* * *
الآيات
( فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (63) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (66) )
التّفسير
موافقة يعقوب :
رجع اخوة يوسف الى كنعان فرحين حاملين معهم المتاع الثمين ، لكنّهم كانوا يفكّرون بمصيرهم في المستقبل وانّه لو رفض الأب ولم يوافق على سفر أخيهم الصغير (بنيامين) فإنّ عزيز مصر سوف لن يستقبلهم ، كما انّه لا يعطيهم
حصّتهم من الحبوب والمؤن.
ومن هنا يقول القرآن :( فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ ) ولا سبيل لنا للحصول عليه الّا ان ترسل معنا أخانا( فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ ) وكن على يقين من انّنا سوف نحافظ عليه ونمنعه من الآخرين( وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) .
امّا الأب الشيخ الكبير الذي لم يمح صورة (يوسف) عن ذاكرته مرّ السنين فإنّه حينما سمع هذا الكلام استولى عليه الخوف وقال لهم معاتبا :( هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ ) فكيف تتوقّعون منّي ان اطمئن بكم والبّي طلبكم واوافق على سفر ولدي وفلذّة كبدي معكم الى بلاد بعيدة ، ولا زلت اذكر تخلفّكم في المرّة السابقة عن عهدكم ، ثمّ أضاف( فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) هذه العبارة لعلّها اشارة الى ما تحدّثت به نفس يعقوب من انّه يصعب عليّ ان اوافق على سفر بنيامين معكم وقد عرفت سوءكم في المرّة السابقة ، لكن حتّى لو وافقت على ذلك فإنّني اتّكل على الله سبحانه وتعالى الذي هو ارحم الراحمين واطلب رعايته وحفظه منه لا منكم.
الآية السابقة لا تدلّ على الموافقة القطعيّة وقبوله لطلبهم ، وانّما هي مجرّد احتمال منه حيث انّ الآيات القادمة تظهر انّ يعقوب لم يكن قد وافق على طلبهم الّا بعد ان أخذ منهم العهود والمواثيق ، والاحتمال الآخر هو انّ هذه الآية لعلّها اشارة الى يوسف ، حيث كان يعلم انّه على قيد الحياة (وسوف نقرا في الآيات القادمة انّه كان على يقين بحياة يوسف) فدعا له بالحفظ.
ثمّ انّ الاخوة حينما عادوا من مصر( وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ) فشاهدوا انّ هذا الأمر هو برهان قاطع على صحّة طلبهم ، فجاءوا الى أبيهم و( قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا ) وهل هناك فضل وكرم اكثر من هذا ان يقوم حاكم اجنبي وفي ظروف القحط والجفاف ،
بمساعدتنا ويبيع لنا الحبوب والمؤن ثمّ يردّ إلينا ما دفعناه ثمنا له؟!
ثمّ انّه ردّ بضاعتنا علينا بشكل خفي بحيث لا يستثير فينا الخجل ـ أليس هذا غاية الجود والكرم؟! فيا أبانا ليس هناك مجال للتأخير ـ ابعث معنا أخانا لكي نسافر ونشتري الطعام( وَنَمِيرُ أَهْلَنا ) وسوف نكون جادّين في حفظ أخينا( وَنَحْفَظُ أَخانا ) ، وهكذا نتمكّن من ان نشتري كيل بعير من الحبوب( وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ) وانّنا على يقين في انّ سماحة العزيز وكرمه ـ سوف يسهّلان حصوله و( ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ) .
وفي كلّ الأحوال ـ رفض يعقوب إرسال ابنه بنيامين معهم ، ولكنّه كان يواجه إصرار أولاده بمنطقهم القوي بحيث اضطرّ الى التنازل على مطلبهم ولم ير بدّا من القبول ، ولكنّهوافق بشرط :( قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ ) ، والمقصود من قوله( مَوْثِقاً مِنَ اللهِ ) هو العهد واليمين المتضمّن لاسم الله سبحانه وتعالى ، وامّا جملة( إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ ) فهي في الواقع بمعنى ـ الّا إذا أحاطت بكم وغلبتكم الحوادث ، ولعلّها اشارة الى حوادث الموت او غيرها من الحوادث والمصائب التي تسلب قدرة الإنسان وتقصم ظهره وتجعله عاجزا.
وذكر هذا الاستثناء دليل بارز على ذكاء نبي الله يعقوب وفطنته ، فإنّه برغم حبّه الشديد لولده بنيامين لكنّه لم يحمل أولاده بما لا يطيقوا وقال لهم : انّكم مسئولون عن سلامة ولدي العزيز وانّي سوف اطلبه منكم الّا ان تغلبكم الحوادث القاهرة ، فحينئذ لا حرج عليكم.
وعلى كلّ حال فقد وافق اخوة يوسف بدورهم على شرط أبيهم ، وحينما أعطوه العهد والمواثيق المغلّظة قال يعقوب :( فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ ) .
* * *
بحوث
1 ـ بالنسبة للآيات السابقة فإنّ اوّل ما يتبادر الى الذهن ، هو انّه كيف وافق يعقوب على سفر بنيامين مع اخوته برغم ما اظهروه في المرّة السابقة من سوء المعاملة مع يوسف ، اضافة الى هذا فإنّنا نعلم انّهم كانوا يبطنون الحقد والحسد لبنيامين ـ وان كان اخفّ من حقدهم وحسدهم على يوسف ـ حيث وردت في الآيات الافتتاحية لهذه السورة قوله تعالى :( إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ) اي انّ يوسف وأخاه احبّ الى أبينا برغم ما نملكه نحن من قوّة وكثرة.
لكن تظهر الاجابة على هذا السؤال إذا لاحظنا انّه قد مضى ثلاثون الى أربعين سنة على حادثة يوسف ، وقد صار اخوة يوسف الشبّان كهولا ، ومن الطبيعي انّهم نضجوا اكثر من السابق ، كما وقفوا على الآثار السلبية والسيّئة لما فعلوه مع يوسف ، سواء في داخل اسرتهم ام في وجدانهم ، حيث أثبتت لهم تجارب السنين السالفة انّ فقد يوسف كان لا يزيد حبّ أبيهم لهم ، بل ازداد نفوره منهم وخلق لهم مشاكل جديدة.
اضافة الى هذه الأمور فإنّ يعقوب لم يواجه طلبا للخروج الى التنزّه والصيد ، بل كان يواجه مشكلة مستعصية مستفحلة ، وهي اعداد الطعام لعائلة كبيرة وفي سنوات القحط والمجاعة.
فمجموع هذه الأمور أجبرت يعقوب على الرضوخ لطلب أولاده والموافقة على سفر بنيامين ولكنّه أخذ منهم العهود والمواثيق على ان يرجعوه سالما.
2 ـ السؤال الآخر الذي نواجهه هنا هو انّه هل الحلف وأخذ العهد والمواثيق منهم كان كافيا لكي يوافق يعقوب على سفر بنيامين معهم؟
الجواب : انّه من الطبيعي انّ مجرّد الحلف واليمين لم يكن كافيا لذلك ، ولكن في هذه المرّة كانت الشواهد والقرائن تدلّ على انّ هناك حقيقة واضحة قد برزت
الى الوجود ، وهي خالية عن محاولات الخداع والتضليل (كما هو الحال في المرّة السابقة) ففي مثل هذه الصورة لا سبيل لتأكيد هذه الحقيقة وجعلها اقرب الى التنفيذ سوى العهد واليمين ، مثل ما نشاهده في هذه الايّام من تحليف الزعماء السياسيين كرئيس الجمهورية او نوّاب البرلمان ، حيث يحلفون بالوفاء للدستور والعمل على طبقه وذلك بعد ان انتخبهم الشعب من خلال انتخابات حرّة ونزيهة.
* * *
الآيتان
( وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (68) )
التّفسير
وأخيرا توجّه اخوة يوسف صوب مصر للمرّة الثانية بعد اذن أبيهم وموافقته على اصطحاب أخيهم الصغير معهم ، وحينما أرادوا الخروج ودعهم أبوهم موصيا ايّاهم بقوله :( وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ) ثمّ أضاف : انّه ليس في مقدوري ان امنع ما قد قدّر لكم في علم الله سبحانه وتعالى( وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ ) ولكن هناك بعض الأمور التي يمكن للإنسان ان يجتنب عنها حيث لم يثبت في حقّها القدر الالهي
المحتوم ، وما أسديته لكم من النصيحة هو في الواقع لدفع هذه الأمور الطارئة والتي بإمكان الإنسان ان يدفعها عن نفسه ثمّ قال : أخيرا( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) .
لا شكّ في انّ عاصمة مصر في تلك الايّام شأنها شأن جميع البلدان ، كانت تمتلك سورا عاليا وأبوابا متعدّدة وكان يعقوب قد نصح أولاده بأن يتفرّقوا الى جماعات صغيرة ، وتدخل كلّ جماعة من باب واحد ، لكن الآية السابقة لم تبيّن لنا فلسفة هذه النصيحة.
ذهب جمع من المفسّرين الى انّ سبب هذه النصيحة هو انّ اخوة يوسف كانوا يتمتّعون بقسط وافر من الجمال (وان لم يكونوا كيوسف لكنّهم في كلّ الأحوال كانوا اخوته) وبأجسام قويّة رشيقة ، وكان الأب الحنون في قلق شديد من انّ الفات نظر الناس الى هذه المجموعة المكوّنة من 11 شخصا ويدلّ سيماهم على انّهم غرباء وانّهم ليسوا من اهل مصر ، فيصيبهم الحسد من تلك العيون الفاحصة.
ثمّ بعد هذا التّفسير ـ دخل المفسّرون في بحث طويل ونقاش مستمر حول موضوع تأثير العين في حياة الإنسان واستدلّوا على ذلك بشواهد عديدة من الرّوايات والتاريخ. ونحن بحول الله وقوّته سوف نبحث عن هذا الموضوع عند حديثنا عن قوله تعالى :( وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ ) .(1) ونثبت انّه برغم الخرافات الكثيرة التي لفّها العوام حوله الّا انّ مقدارا من هذا الأمر له حقيقة موضوعية حيث ثبت علميا انّ أمواج سيّالة تخرج من العين وتمتلك بعض المواصفات المغناطيسيّة.
وهناك سبب آخر ذكره المفسّرون وهو انّ دخول هذه المجموعة الى مصر بوجوههم المشرقة وأجسامهم الرشيقة القويمة والسير في شوارعها ، قد يثير
__________________
(1) سورة ن والقلم ، 25.
الحسد والبغضاء في بعض النفوس الضعيفة فيسعون ضدّهم عند السلطان ويظهرونهم كمجموعة اجنبية تحاول العبث بأمن البلد ونظامه ، فحاول يعقوبعليهالسلام ان يجنبهم بنصيحته عن هذه المشاكل.
وأخيرا حاول بعض المفسّرين تأويل الآية بمعنى قد يعد ذوقيا قال : انّ يعقوب بنصيحته تلك أراد ان يعلم أولاده دستورا اجتماعيا هامّا ، وهو انّ على الإنسان ان يبحث عن ضالّته بطرق عديدة وسبل شتّى بحيث لو سدّ طريق بوجهه لكان بمقدوره البحث عنها من طرق اخرى حيث سيكون النصر حليفه في النهاية ، امّا إذا حاول الوصول الى هدفه بانتهاجه طريقا واحدا فقط ، فقد يصطدم في اوّل الطريق بعائق يمنعه عن الوصول فعند ذلك يستولي عليه اليأس ويترك السعي اليه.
واصل الاخوة سيرهم نحو مصر ، وبعد ان قطعوا مسافة طويلة وشاسعة بين كنعان ومصر دخلوا الاراضي المصرية ، وعند ذاك( وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ ) فهم برغم تفرّقهم الى جماعات صغيرة ـ طبقا لما وصّاهم به أبوهم ـ فإنّ الفائدة والثمرة الوحيدة التي ترتّبت على تلك النصيحة ليس (الّا حاجة في نفس يعقوب قضاها) وهذه اشارة الى انّ اثرها لم يكن سوى الهدوء والطمأنينة التي استولت على قلب الأب الحنون الذي بعد عنه أولاده ، وبقي ذهنه وفكره مشغولا بهم وبسلامتهم وخائفا عليهم من كيد الحاسدين وشرور الطامعين ، فما كان يتسلّى به في تلك الايّام لم يكن سوى يقينه القلبي بأنّ أولاده سوف يعملون بنصيحته.
ثمّ يستمرّ القرآن في مدح يعقوب ووصفه بقوله :( وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) وهذه اشارة الى انّ كثيرا من الناس يتيهون في الأسباب وينسون قدرة الله سبحانه وتعالى ويتصوّرون انّ ما يصيب الإنسان من الشرور انّما هو من الآثار الملازمة لبعض العيون فيتوسلّون بغير الله سبحانه
وتعالى لدفع هذه الشرور ويغفلون عن التوكّل على الله سبحانه وتعالى والاعتماد عليه ، الّا انّ يعقوب كان عالما بأنّه بدون ارادة الله سبحانه وتعالى لا يحدث شيء ، فكان يتوكّل في الدرجة الاولى على الله سبحانه وتعالى ويعتمد عليه ، ثمّ يبحث عن عالم الأسباب ومن هنا نرى في الآية (102) من سورة البقرة انّ القرآن يصف سحرة بابل وكهنتها بأنّهم( وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) وهذه اشارة الى انّ القادر الوحيد هو الله سبحانه وتعالى ، فلا بدّ من الاعتماد والاتّكال عليه لا على سواه.
* * *
الآيات
( وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (70) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا تَفْقِدُونَ (71) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (73) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (74) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) )
التّفسير
يوسف يخطّط للاحتفاظ بأخيه :
وأخيرا دخل الاخوة على يوسف واعلموه بأنّهم قد نفّذوا طلبته واصطحبوا
معهم أخاهم الصغير برغم امتناع الأب في البداية ، ولكنّهم اصرّوا عليه وانتزعوا منه الموافقة لكي يثبتوا لك انّهم قد وفوا بالعهد ، امّا يوسف فإنّه قد استقبلهم بحفاوة وكرم بالغين ودعاهم لتناول الطعام على مائدته ، فأمر ان يجلس كلّ اثنين منهم على طبق من الطعام ، ففعلوا وجلس كلّ واحد منهم بجنب أخيه على الطعام ، وبقي بنيامين وحيدا فتألّم من وحدته وبكى وقال : لو كان اخي يوسف حيّا لعطف عليّ ولاجلسني الى جنبه على المائدة لانّنا اخوة من أب واحد وامّ واحدة ، قال يوسف مخاطبا ايّاهم : إنّ أخاكم بقي وحيدا وانّني سأجلسه بجنبي على المائدة ونأكل سويّة من الطعام ، ثمّ بعد ذلك امر يوسف بأن تهيّأ لهم الغرف ليستريحوا فيها ويناموا ، ومرّة اخرى بقي بنيامين وحيدا ، فاستدعاه يوسف إلى غرفته وبسط له الفراش الى جنبه ، لكنّه لاحظ في تقاسيم وجهه الحزن والألم وسمعه يذكر أخاه المفقود (يوسف) متأوّها ، عند ذلك نفذ صبر يوسف وكشف عن حقيقة نفسه ، والقرآن الكريم يصف هذه الوقائع بقوله :( وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) .
قوله تعالى( فَلا تَبْتَئِسْ ) مأخوذ من مادّة (البؤس) وهو اصل بمعنى الضرر والشدّة ، لكن في الآية الشريفة استعملت بمعنى : لا تسلط الغمّ على نفسك ولا تكن حزينا من معاملتهم لك ، والمراد بقوله «يعملون» هو معاملة الاخوة السيّئة لأخيهم بنيامين حيث خطّطوا لإبعاده وطرده من بينهم كما فعلوا بيوسف ـ فقال يوسف لأخيه : لا تحزن فإنّ المحاولات التي قاموا بها لالحاق الضرر بي قد انقلبت الى خير وسعادة ورفعة لي ، إذا لا تحزن وكن على يقين بأنّ محاولاتهم سوف تذهب ادراج الرياح.
وتقول بعض الرّوايات : انّه عند ذاك اقترح يوسف على أخيه بنيامين وقال له : هل تودّ ان تبقى عندي ولا تعود معهم؟
قال بنيامين : نعم ، ولكن اخوتي لا يوافقون على ذلك ، لانّهم قد اعطوا أبي العهود والمواثيق المغلّظة بأن يرجعوني اليه سالما.
قال يوسف : لا تهتمّ بهذا الأمر فإنّي سوف أضع خطّة محكمة بحيث يضطرّون لتركك عندي والرجوع دونك.
وبدا يوسف بتنفيذ الخطّة ، وامر بأن يعطي لكلّ واحد منهم حصّة من الطعام والحبوب ثمّ عند ذاك( فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ) .
لا شكّ في أنّ يوسف قام بهذا العمل بسرية تامّة ، ولعلّه لم يطّلع على هذه الخطّة سوى موظّف واحد وعند ذاك افتقد العاملون على تزويد الناس بالمؤونة الكيل الملكي الخاص ، وبحث عنه الموظّفون والعمّال كثيرا لكن دون جدوى وحينئذ( أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ) .
وحينما سمع اخوة يوسف هذا النداء ارتعدت فرائصهم واستولى عليهم الخوف ، حيث لم يخطر ببالهم ان يتّهموا بالسرقة بعد الحفاوة التي قوبلوا بها من جانب يوسف ، فتوجّهوا الى الموظفين والعمال وقالوا لهم : ماذا فقدتم؟( قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا تَفْقِدُونَ ) .
قالوا : قد فقدنا صواع الملك ونظنّ انّه عندكم( قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ ) وبما انّ الصواع ثمين ومورد علاقة الملك فانّ لمن يعثر عليه جائزة ، وهي حمل بعير من الطعام( وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ ) ، ثمّ أضاف المؤذّن والمسؤول عن البحث عن الصواع المفقود : انّني شخصيّا اضمن هذه الجائزة( وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ) .
فاشتدّ اضطراب الاخوة لسماعهم هذه الأمور وزادت مخاوفهم ، وتوجّهوا الى الموظّف مخاطبين ايّاه( قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ ) .
قولهم (لقد علمتم ما جئنا الى آخره) لعلّه اشارة الى ما قصده الاخوة في خطابهم للموظفين من انّكم قد وقفتم على حسن نيّتنا في المرّة السابقة حيث
جئناكم وقد وضعتم الأموال التي دفعناها إليكم ثمنا للطعام في رحالنا ، لكنّنا رجعنا إليكم مرّة ثانية ، فلا يعقل انّنا وقد قطعنا المسافات البعيدة للوصول الى بلدكم نقوم بعمل قبيح ونسرق الصواع؟
اضافة الى هذا فقد ورد في بعض المصادر انّ الاخوة حينما دخلوا ارض مصر ألجموا جمالهم ليمنعوها من التطاول والتعدّي على المزارع واموال الناس ، فمثلنا الحريص على اموال الناس كيف يعقل ان يقوم بهذا العمل القبيح؟ الّا انّ الموظفين توجّهوا إليهم و( قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ ) .
أجاب الاخوة : إنّه عقاب من وجد الصواع في رحله هو ان يؤخذ الشخص نفسه بدل الصواع( قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ ) وانّ هذا العقاب هو جزاء السارق( كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) .
وحينئذ امر يوسف الموظفين والعمال بأنّ تنزل رحالهم من على ظهور الجمال ويفتح متاعهم وان يبحثوا فيها واحدا بعد واحد ودون استثناء ، وتجنّبا عن انكشاف الخطّة امر يوسف بأن يبداوا البحث والتفتيش في امتعة الاخوة اوّلا قبل امتعة أخيه بنيامين ، لكنّهم وجدوه أخيرا في امتعة بنيامين( فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ ) .
بعد ان عثر على الصاع في متاع بنيامين ، استولى الارتباك والدهشة على الاخوة ، وصعقتهم هذه الواقعة ورأوا أنفسهم في حيرة غريبة ، فمن جهة قام أخوهم بعمل قبيح وسرق صواع الملك ، وهذا يعود عليهم بالخزي والعار ، ومن جهة اخرى انّ هذا العمل سوف يفقدهم اعتبارهم ونفوذهم عند الملك خصوصا مع حاجتهم الشديدة الى الطعام ، واضافة الى كلّ هذا ، كيف يجيبون على استفسارات أبيهم؟ وكيف يقنعونه بذنب ابنه وعدم تقصيرهم في ذلك؟
قال بعض المفسّرين : انّه بعد ان عثر على الصاع توجّه الاخوة الى بنيامين وعاتبوه عتابا شديدا ، فقالوا له : الا تخجل من فعلك القبيح قد فضحتنا وفضحت
أباك يعقوب ، وآل يعقوب قل لنا كيف سرقت الصاع ووضعته في رحلك؟
أجابهم بنيامين ببرود ، حيث كان عالما بالقضيّة واسرارها : انّ الذي قام بهذا العمل ووضع الصواع في رحلي ، هو نفسه الذي وضع الأموال في متاعكم في المرّة السابقة ، لكن الاخوة لم ينتبهوا ـ لهول الواقعة عليهم ـ لمغزى كلام بنيامين(1) .
ثمّ يستمرّ القرآن الكريم ويبيّن كيف استطاع يوسف ان يأخذ أخاه بالخطّة التي رسمها الله له دون ان يثير في اخوته اي نوع من المقاومة والرفض( كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ) .
والأمر المهمّ في هذه القضيّة هو انّه لو أراد يوسف ان يعاقب أخاه بنيامين ، وطبقا للقانون المصري ـ لكان عليه ان يضرب أخاه ويودعه السجن لكن مثل هذه المعاملة كانت تخالف رغبات واهداف يوسف للاحتفاظ بأخيه ، ومن هنا وقبل القبض على بنيامين ، سأل اخوته عن عقوبة السارق عندهم ، فاعترفوا عنده بأنّ السنة المتّبعة عندهم في معاقبة السارق ان يعمل السارق عند المعتدى عليه كالعبد.
لا ريب انّ للعقوبة والجزاء طرقا عديدة منها ان يعاقب المعتدي على طبق ما يعاقب به في قومه ، وهكذا عامل يوسف أخاه بنيامين ، وتوضيحا لهذه الحالة وانّ يوسف لم يكن بإمكانه أخذ أخيه طبقا للدستور المصري يقول القرآن الكريم :( ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ) لكن الله سبحانه وتعالى يستثني بقوله :( إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ ) وهو اشارة إلى أنّ ما فعله يوسف بأخيه لم يكن الّا بأمر منه سبحانه وتعالى وطبقا لإرادته في الاحتفاظ ببنيامين ، واستمرارا لامتحان يعقوب وأولاده.
وأخيرا يضيف القرآن الكريم ويقول : انّ الله سبحانه يرفع درجات من
__________________
(1) مجمع البيان ، ج 5 ، ص 253 ذيل الآية.
استطاع ان يفوز في الامتحان ويخرج مرفوع الراس كما حدث ليوسف( نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ ) ولكن في كلّ الأحوال فانّ الله تعالى عليم يهدي الإنسان الى سواء السبيل وهو الذي أوقع هذه الخطّة في قلب يوسف وألهمه ايّاها( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) .
* * *
بحوث
الآيات السابقة تثير اسئلة كثيرة فلا بدّ من الاجابة عليها :
1 ـ لماذا لم يعترف يوسف بالحقيقة
لماذا لم يعترف يوسف بالحقيقة لإخوته لينهي ـ وفي اسرع وقت ممكن ـ مأساة أبيه وينجيه من العذاب الذي كان يعيشه؟
الجواب على هذا السؤال : هو ما مرّ علينا خلال البحث ، من انّ الهدف كان امتحان يعقوب وأولاده واختبار مدى تحمّلهم وصبرهم على الشدائد والمصائب ، وبتعبير آخر : لم تكن هذه الخطّة امرا عفويا دون تفكير ، وانّما نفذت طبقا لاوامر الله سبحانه وتعالى وارادته في اختبار يعقوب ومدى صبره على مصيبة فقد ثاني اعزّ أولاده ، لكي تكمل سلسلة الامتحانات ويفوز بالدرجات العالية التي يستحقّها ، كما كانت الخطّة اختبارا لأخوة يوسف في مدى تحمّلهم للمسؤولية وقدرتهم على حفظ العهد ومراعاة الامانة التي قطعوها مع أبيهم.
2 ـ لماذا اتّهم يوسف أخاه؟
هل يجوز شرعا ان يتّهم الإنسان بريئا لم يرتكب ذنبا ، ولم تقتصر آثار هذه
التّهمة على البريء وحده ، بل تشمل الآخرين من قريب او بعيد؟ كما هو الحال في يوسف حيث شمل اتّهامه الاخوة وسبب لهم مشاكل عديدة.
يمكن معرفة الجواب بعد وقوفنا على انّ توجيه هذه التّهمة لبنيامين كان باتّفاق مسبق بينه وبين يوسف ، وكان عارفا بأنّ هدف الخطّة وتوجيه التهمة اليه لأجل بقائه عند يوسف ، امّا بالنسبة للآثار السلبية المترتّبة على الاخوة فإنّ اتّهام بنيامين بالسرقة لم يكن في الواقع اتّهاما مباشرا لإخوته وإنّ سبب لهم بعض التشويش والقلق ولا مانع من ذلك بالنظر الى امتحان مهم.
3 ـ لماذا اتّهام الجميع بالسرقة؟
مرّ علينا في الآية الشريفة قوله تعالى :( إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ) وهذه في الواقع تهمة موجّهة الى الجميع وهي تهمة كاذبة ، فما المسوغ والمجوّز الشرعي لمثل هذا الاتّهام الباطل؟
يمكن الاجابة على هذا السؤال في عدّة نقاط وهي :
اوّلا : انّ قائل هذه الجملة غير معلوم ، حيث ورد في القرآن انّه (قالوا ...) ولعلّ القائلين هم بعض الموظفين من عمّال يوسف والمسؤولين عن حماية خزائن الحبوب ، فهم حينما افتقدوا صواع الملك ، اطمأنّوا بأنّ السارق هو احد افراد القافلة القادمة من كنعان ، فوجّهوا الخطاب إليهم جميعا ، وهذا من الأمور الطبيعيّة ، فحينما يقوم شخص مجهول في ضمن مجموعة معيّنة بعمل ما ، فإنّ الخطاب يوجّه إليهم جميعا ويقال لهم : إنّكم فعلتم هذا العمل ، والمقصود إنّ احد هذا المجموعة او بعضها قد فعل كذا.
ثانيا : الطرف الذي وجّهت اليه التّهمة وهو بنيامين ، كان موافقا على توجيه هذه التهمة له ، لانّ التهمة كانت مقدّمة للخطّة المرسومة والتي كانت تنتهي ببقائه عند أخيه يوسف ، وامّا شمول الاتّهام لجميع الاخوة ودخولهم جميعا في دائرة
الظنّ بالسرقة ، فإنّ كلّ ذلك كان اتّهاما مؤقتا حيث زالت بمجرّد التفتيش والعثور على الصواع وظهر المذنب الواقعي.
قال بعض المفسّرين : انّه قصد بالسرقة ـ فيما نسبوه الى اخوة يوسف ـ هو ما اقترفوه سابقا من سرقة الاخوة يوسف من أبيه ، لكن هذا التوجيه يتمّ إذا كانت التهمة قد وجهت إليهم من قبل يوسف ، لانّه كان عالما بالذنب الذي ارتكبوه ، ولعلّ ما ورد في ذيل الآية الشريفة يدلّ على ذلك ، حيث قال العمّال انّنا :( نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ ) ومثل هذا الخطاب لا يتضمّن توجيه السرقة إليهم ، (ولكن الجواب الاوّل أصح ظاهرا).
4 ـ عقوبة السرقة في تلك الازمنة
يستفاد من الآيات السابقة انّ عقوبة السرقة عند المصريين كانت تختلف عنها عند الكنعانيين ، فعند اخوة يوسف (آل يعقوب) ولعلّه عند الكنعانيين كانت العقوبة هي عبودية السارق (بصورة دائمة او مؤقتة) لأجل الذنب الذي اقترفه(1) .
لكن المصريين لم يجازوا السارق بالعبودية الدائمة او المؤقتة ، وانّما كانوا يعاقبون المذنب بالضرب المبرح او السجن ، وفي كلّ الأحوال لا يستفاد من قوله تعالى :( قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ ) انّ الشرائع السّماوية كانت تحدّد عقوبة السارق بالعبودية ، ولعلّها كانت سنّة متّبعة عند بعض المجتمعات في تلك الازمنة ، وقد ذكر المؤرّخون في تاريخ العبودية انّ بعض المجتمعات التي كانت تدين بالشرائع الخرافية ، كانوا يعاقبون المدين العاجز عن سداد دينه بالعبودية للمدين.
__________________
(1) يقول الطبرسي في مجمع البيان ـ ذيل الآية ـ انّ السنّة المتّبعة لدى بعض المجتمعات في ذلك الزمان هو ان يصير السارق عبدا لمدّة سنة كاملة ، وذكر ايضا انّ اسرة يعقوب كانت ترى عبودية السارق بمقدار ما سرق (اي يعمل عندهم بذلك المقدار).
5 ـ السقاية او الصواع
يلاحظ في الآيات السابقة انّ الله سبحانه وتعالى يعبّر عن الكيل تارة ب (الصواع) واخرى ب (السقاية) ، والظاهر انّهما صفتان لشيء واحد ، حيث ورد في بعض المصادر انّ هذا الصاع كان في اوّل الأمر كأسا يسقى به الملك ، ثمّ حينما عمّ القحط والغلاء في مصر وصار الطعام والحبوب يوزّع على الناس حسب الحصص ، استعمل هذا الكأس الثمين لكيل الطعام وتوزيعه ، وذلك إظهارا لاهميّة الحبوب وترغيبا للناس في القناعة وعدم الإسراف في الطعام.
ثمّ انّ المفسّرين ذكروا أوصافا عديدة لهذا الصاع ، حيث قال بعضهم انّها كانت من الفضّة وقال آخرون : انّها كأس ذهبية ، وأضاف آخرون انّ الكأس كان مطعما بالجواهر والأحجار الكريمة ، وقد وردت في بعض الرّوايات الضعيفة إشارة الى هذه الأمور ، لكن ليس لنا دليل قطعي وصريح على صحة كلّ هذه المذكورات ، الّا ما قيل من انّ هذا الصاع كان في يوم من الايّام كأسا يسقى به ملك مصر ، ثمّ صار كيلا للطعام ، ومن البديهي انّه لا بدّ وان يكون لهذا الصاع صبغة رمزية واعتبارية للدلالة على اهمية الطعام وتحريض الناس على عدم الإسراف فيه ، إذ لا يعقل ان يكون الجهاز الذي يوزن به كلّ ما يحتاجه البلد من الطعام والحبوب ، هو مجرّد كأس كان يستعمله الملك في يوم من الايّام.
وأخيرا فقد مرّ علينا خلال البحث انّ يوسف قد اختير مشرفا على خزائن الدولة ، ومن الطبيعي ان يكون الصاع الملكي الثمين في حوزته ، فحينما حكم على بنيامين بالعبودية صار عبدا لمن كان الصاع في يده (اي يوسف) وهذه هي النتيجة التي كان يوسف قد خطّط لها.
* * *
الآيات
( قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (77) قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ (79) )
التّفسير
موقف اخوة يوسف :
وأخيرا اقتنع اخوة يوسف بأنّ أخاهم (بنيامين) قد ارتكب فعلا شنيعا وقبيحا وإنّه قد شوّه سمعتهم وخذلهم عند عزيز مصر ، فأرادوا ان يبرّئوا أنفسهم ويعيدوا ماء وجههم قالوا :( إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ) اي انّه لو قام بالسرقة فهذا ليس بأمر عجيب منه فإنّ أخاه يوسف وهو اخوه لأبويه قد ارتكب مثل هذا العمل القبيح ، ونحن نختلف عنهما في النسب ، وهكذا أرادوا ان يفصلوا بينهم وبين بنيامين ويربطوه بأخيه يوسف.
وحينما سمع يوسف كلامهم تأثّر بشدّة لكنّه كتم ما في نفسه( فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ ) لانّه كان عالما بأنّهم قد افتروا عليه واتّهموه كذبا ، الّا انّه لم يرد عليهم وقال لهم باختصار واقتضاب( قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً ) اي انّكم احقر واشرّ مكانا ممّن تتّهمونه وتنسبون اليه السرقة ، او أنتم احقر الناس عندي.
ثمّ أضاف يوسف : انّ الله سبحانه وتعالى اعلم بما تنسبون( وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ ) .
الملاحظ هنا انّه برغم انّ اخوة يوسف افتروا عليه زورا واتّهموه بالسرقة لكي يبرّئوا أنفسهم ، لكن لا بدّ وان تكون لهذه التّهمة ارضية قديمة بحيث تمسّك بها الاخوة في تلك اللحظة الحرجة.
ومن هنا فقد قام المفسّرون بالبحث والتنقيب في الرّوايات القديمة والمصادر التاريخيّة ، ونقلوا ثلاثة نصوص في هذا المجال :
الاوّل : انّ يوسف بعد ان توفّيت امّه قضى فترة من طفولته عند عمّته ، وقد كانت تكنّ له حبّا عميقا ، وحينما كبر يوسف وأراد يعقوب ان يفصله عنها ، لم تر عمّته حيلة ووسيلة للاحتفاظ بيوسف الّا بحيلة نسائية وذلك بأن ربطت على خاصرته حزاما او شالا ممّا تركه آل إسحاق ، ثمّ ادّعت انّ يوسف أراد سرقتها ، فلا بدّ من ان يعاد إليها يوسف ـ وطبقا للدستور والسنّة المتّبعة عندهم ـ عبدا قنا جزاء له.
الثّاني : قيل انّ امراة من أرحام يوسف من امّه يوسف كان لها صنم تعبده ، فأخذه يوسف وحطمه ورمى به على الطريق ، فاتّهموه بالسرقة.
الثّالث : قيل انّ يوسف كان يأخذ ـ أحيانا بعض الطعام من المائدة ويتصدّق به على الفقراء والمساكين ، فعلم الاخوة بذلك واتّهموه بالسرقة.
لكن مثل هذه الأعمال لا تعدّ سرقة ، لانّ النّبيه يعرف انّ ربط الحزام على الشخص دون علمه بأنّه ملك الغير. او كسر الصنم ورميه على الطريق ، او أخذ
الطعام من المائدة التي بسطها أبوه ويعلم انّه يرضى بالتصدّق ببعضها للفقراء والمساكين ، لا يعدّ سرقة ولا يجوز معاقبة من فعله بهذه التّهمة.
وعند ما لاحظ الاخوة أنفسهم محاصرين بين أمرين ، فمن جهة وطبقا للسنّة والدستور المتعيّن عندهما لا بدّ وان يبقى أخوهم الصغير ـ بنيامين عند عزيز مصر ويقوم بخدمته كسائر عبيده ، ومن جهة اخرى فإنّهم قد اعطوا لأبيهم المواثيق والايمان المغلّظة على ان يحافظوا على أخيهم بنيامين ويعودوا به سالما اليه ، حينما وقعوا في هذه الحالة توجّهوا الى يوسف الذي كان مجهول الهوية عندهم ، مخاطبين ايّاه( قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ ) لكي نرجعه الى أبيه ونكون قد وفينا بالوعد الذي قطعناه له ، فإنّه شيخ كبير ولا طاقة له بفراق ولده العزيز ، فنرجو منك ان تترحّم علينا وعلى أبيه ف( إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) .
امّا يوسف فإنّه قد واجه هذا الطلب بالإنكار الشديد و( قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ ) فإنّ العدل والإنصاف يقتضي ان يكون المعاقب هو السارق ، وليس بريئا رضي بأن يتحمّل أوزار عمل غيره ، ولو فعلنا لامسينا من الظالمين( إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ ) .
والطريف انّ يوسف لم ينسب لأخيه السرقة وانّما عبّر عنه ب( مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ ) . وهذا برهان على السلوك الحسن والسيرة المستقيمة التي كان ينتهجها يوسف في حياته.
* * *
الآيات
( فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (81) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ (82) )
التّفسير
رجوع الاخوة الى أبيهم خائبين :
حاول الاخوة ان يستنقذوا أخاهم بنيامين بشتّى الطرق ، إلّا انّهم فشلوا في ذلك ، ورأوا انّ جميع سبل النجاة قد سدّت في وجوههم ، فبعد ان فشلوا في تبرئة أخيهم وبعد ان رفض العزيز استعباد أحدهم بدل بنيامين ، استولى عليهم اليأس وصمّموا على الرجوع والعودة الى كنعان لكي يخبروا أباهم ، يقول القرآن واصفا
ايّاهم( فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ) اي انّهم بعد ان يئسوا من عزيز مصر او من انقاذ أخيهم ، ابتعدوا عن الآخرين واجتمعوا في جانب وبداوا بالتشاور والنجوى فيما بينهم.
قوله تعالى (خلصوا) بمعنى الخلوص ، وهو كناية عن الابتعاد عن الآخرين والاجتماع في جلسة خاصّة ، امّا قوله تعالى «نجيّا» فهو من مادّة (المناجاة) وأصله من (نجوة) بمعنى الربوة والأرض المرتفعة ، فباعتبار انّ الربوات منعزلة عن اراضيها المجاورة ، سمّيت الجلسات الخاصّة البعيدة عن عيون الغرباء والحديث في السرّ قياسا عليها ب (النجوى) فإذا كلمة (النجوى) تطلق على الحديث السرّي والخاص سواء كانت في جلسة خصوصية او في محاورة خاصّة بين اثنين لا يتعدّى سمعهما.
ذهب كثير من المفسّرين الى انّ جملة( خَلَصُوا نَجِيًّا ) تعدّ من افصح العبارات في القرآن وأجملها حيث انّ الله سبحانه وتعالى قد بيّن في كلمتين أمورا كثيرة يحتاج بيانها الى عدّة جمل.
وفي ذلك الاجتماع الخاص خاطبهم الأخ الكبير قائلا :( قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ ) بأن تردّوا اليه بنيامين سالما ، فالآن بماذا تجيبونه؟ وقد سوّدنا صفحتنا في المرّة السابقة بما عاملنا به أخانا يوسف( وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ ) (1) فالآن والحالة هكذا ـ فإنّني لا اغادر ارض مصر وسوف اعتصم فيها( فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ) والظاهر انّ قصده بحكم الله ، امّا الموت الذي هو حكم الهي ، اي لا أبرح من هذه الأرض حتّى أموت فيها ، وامّا ان يفتح الله سبحانه وتعالى له سبيلا للنجاة ، او عذرا مقبولا عند أبيه.
__________________
(1) (فرّطتم) من مادّة تفريط وأصله من (فروط) على وزن شروط ، ومعناه التقدّم ، ولكن حينما يكون من باب التفعيل يأخذ معنى القصور في التقدّم ، وحينما يكون من باب الأفعال (افراط) يأخذ معنى الإسراف في التقدّم والتجاوز عنه.
ثمّ أمرهم الأخ الأكبر ان يرجعوا الى أبيهم ويخبروه بما جرى عليهم( ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ) وهذه شهادة نشهدها بمقدار علمنا عن الواقعة حيث سمعنا بفقد صواع الملك ، ثمّ عثر عليه عند أخينا ، وظهر للجميع انّه قد سرقها( وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا ) ولكن نحن لا نعلم الّا ما شهدناه بأعيننا وهذا غاية معرفتنا( وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ) .
وقد يرد احتمال في تفسير هذه الآية ، فلعلّهم بقولهم :( وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ ) أرادوا ان يخاطبوا أباهم بأنّنا وان قطعنا عند الايمان والعهود المغلّظة على ان نرجع أخانا سالما ، لكنّنا لا نعرف من الأمور الّا ظواهرها ومن الحقائق الّا بعضها ، فغيب الأمور عند الله سبحانه ولم نكن نتصوّر ان يسرق أخونا.
ثمّ أرادوا ان يزيلوا الشكّ والريبة عن قلب أبيهم فقالوا يمكنك ان تتحقّق وتسأل من المدينة التي كنّا فيها( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها ) (1) ومن القافلة التي سافرنا معها الى مصر ورجعنا معها ، حيث انّ فيها أناسا يعرفونك وتعرفهم ، وبمقدورك ان تسألهم عن حقيقة الحال وواقعها( وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها ) (2) وفي كلّ الأحوال كن على ثقة بأنّنا صادقون ولم نقص عليك سوى الحقيقة والواقع( وَإِنَّا لَصادِقُونَ ) .
يستفاد من مجموع هذه الكلمات والحوار الذي دار بين الأولاد والأب انّ قضيّة سرقة بنيامين كانت قد شاعت في مصر ، وانّ جميع الناس علموا بأنّ احد افراد العير والقافلة القادمة من كنعان حاول سرقة صواع الملك ، لكن موظفي الملك تمكّنوا بيقظتهم من العثور عليها والقبض على سارقها ، ولعلّ قول الاخوة
__________________
(1) (القرية) لا تطلق عند العرب على القرى والأرياف خاصّة ، بل يشمل جميع الأرياف والمدن والقرى ، الصغيرة منها والكبيرة ـ والمقصود منها في الآية هي مصر.
(2) «عير» كما يقول الراغب في المفردات ـ تعني الجماعة التي تصحب معها الإبل والدواب المحمّلة بالغذاء ، اي يطلق على المجموع «عير» فعلى هذا يكون السؤال منهم ممكنا لانّ الكلمة تشمل الأشخاص ايضا ولا حاجة للتقدير ، ولكن بعض المفسّرين ذهب الى انّ «العير» يطلق على الدواب فقط فلا بدّ من التقدير كما هو الحال في «القرية».
لأبيهم( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ) اي اسأل ارض مصر ، كناية عن انّ القضيّة شاعت بحيث علم بها حتّى أراضي مصر وحيطانها.
* * *
بحوث
1 ـ من هو اكبر الاخوة؟
ذهب بعض المفسّرين الى انّه كان روبين (روبيل) وقال آخرون : انّه (شمعون) واحتمل البعض ان يكون أكبرهم هو (يهودا).
وحصل نقاش آخر بين المفسّرين في انّه ما المقصود من الكبر ، هل هو في العمر ام في العقل؟ لكن المستفاد من ظاهر الآية انّ المقصود به هو اكبر الاخوة في العمر.
2 ـ الحكم وفق الدلائل الظاهرة :
ويستفاد من مدلول الآية الشريفة انّه يحقّ للقاضي والحاكم ان يحكم في الواقعة المرفوعة اليه على ما يستفيده من القرائن والشواهد القطعيّة ، وان يقرّ المتّهم او يشهد الشهود عنده ، لانّنا لاحظنا في قضيّة اخوة يوسف انّه بمجرّد ان عثر على الصاع في متاع بنيامين عدّ مذنبا وحكم عليه بالسرقة من دون شهادة او اقرار ، لانّنا حينما نتحرّى عن القضيّة نرى انّ كلّ شخص كان مسئولا عن حمل متاعه من الحبوب بنفسه ، او انّه كان حاضرا على الأقل عند تحميل العمال لمتاعه ، ومن جهة اخرى لم يكن يتصوّر احد انّ هناك خطّة في البين ، وهؤلاء الاخوة لم يعاديهم احد في مصر ، فجميع القرائن والشواهد تورث اليقين بأنّ هذا الفعل (السرقة) قد صدر عمّن وجد عنده الصاع.
وهذا الموضوع بحاجة الى دراسة عميقة في الفقه الاسلامي لتأثيره المهمّ
في قضايانا المعاصرة لانّ عالم اليوم يعتمد عليه كثيرا في محاكماته ، لكنّنا تركنا هذا المبحث لانّ مجاله كتاب (القضاء).
3 ـ يستفاد من الآيات السابقة انّ اخوة يوسف كانت طبائعهم مختلفة ، امّا الأخ الأكبر فإنّه كان وفيّا بميثاقه وحافظا لوعده الذي واعد به أباه ، امّا بقيّة الاخوة فإنّهم بعد ان شاهدوا فشل جميع محاولاتهم في اقناع العزيز ، تراجعوا عن موقفهم وعدّوا أنفسهم معذورين ، ومن الطبيعي انّ ما قام به الأخ الأكبر كان هو الأسلوب المجدي والصحيح ، لانّه ببقائه في مصر والاعتصام بها وعلى مقربة من بلاط العزيز وقصره كان باعثا للامل في ان يترحّم العزيز على الاخوة وعلى أبيهم الشّيخ الكبير ، ويعفو عن هذا الغريب ولا يجازيه من اجل صاع سرقه ثمّ عثر عليه العمّال ، فعلى هذا واملا في استجداء عطف العزيز ، بقي في مصر وبعث بإخوته الى أبيهم في كنعان ليبلغوه الخبر ويطلبوا منه ان يدلّهم على الطريق الصحيح لانقاذ أخيهم.
* * *
الآيات
( قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (85) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (86) )
التّفسير
يعقوب والألطاف الالهية :
وأخيرا غادروا مصر متّجهين الى كنعان في حين تخلّف أخواهم الكبير والصغير ، ووصلوا الى بيتهم منهوكي القوى وذهبوا لمقابلة أبيهم ، وحينما راى الأب الحزن والألم مستوليا على وجوههم (خلافا للسفرة السابقة والتي كانوا فيها في غاية الفرح) علم انّهم يحملون اليه اخبارا محزنة وخاصّة حينما افتقد بينهم بنيامين وأخاه الأكبر ، وحينما اخبروه عن الواقعة بالتفصيل ، استولى عليه
الغضب وقال مخاطبا ايّاهم بنفس العبارة التي خاطبهم بها حينما أرادوا ان يشرحوا له خديعتهم مع يوسف( قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ) اي انّ أهواءكم الشيطانية هي التي استولت عليكم وزيّنت لكم الأمر بهذه الصورة التي أنتم تصفونه.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا ، هو انّ يعقوب هل اكتفى في نسبة الكذب واتّباع الهوى لأولاده استنادا الى ما فعلوه في المرّة السابقة مع يوسف من سوء الفعل والحنث باليمين والعهد ، مع انّ مثل هذا الظنّ والقول واتّهام الآخرين لمجرّد تجربة سابقة بعيد عن سيرة عامّة الناس فضلا عن يعقوب الذي هو نبي معصوم ، وعلى الخصوص إذا استند المدّعي في دعواه على وثائق ومستندات تثبت دعواه ، كما انّ طريق الفحص والتحقيق عن واقع الحال كان مفتوحا ليعقوب.
او كان يعقوب يقصد بقوله : ( بل سّولت لكم . الى آخر) الاشارة الى امور اخرى ، منها :
1 ـ لعلّه عتاب لأولاده لخضوعهم امام الأمر الواقع وتسليمهم لحكم العزيز بمجرّد عثور الصاع عند أخيهم ، مع انّ العثور بمفرده لا يعدّ دليلا منطقيّا على السرقة.
2 ـ ولعلّه عتاب لأولاده لما بيّنوه للعزيز من انّ عقوبة السارق عندهم هو استعباده مع انّ هذه السنّة السائرة في اهل كنعان سنّة باطلة ولا تعدّ قانونا سماويا (هذا ان قلنا انّ هذه السنّة لم تكن مأخوذة من شريعة يعقوب كما ذهب اليه بعض المفسّرين).
3 ـ وأخيرا لعلّه عتاب لأولاده على استعجالهم في الخضوع لأحكام العزيز وخلق المعاذير والمبرّرات والرجوع مستعجلين الى كنعان دون الاقتداء بأخيهم الكبير في البقاء بمصر برغم العهود والمواثيق المغلّظة التي قطعوها مع أبيهم(1) .
__________________
(1) احتمل بعض المفسّرين انّ هذه الآية لعلّها اشارة الى قصّة يوسف ، لكنّه بعيد عن الواقع ، لانّ الآيات السابقة لا
لكن بعد هذا العتاب المليء بالحزن والاسى رجع يعقوب الى قرارة نفسه وقال :( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) اي انّني سوف امسك بزمام نفسي ، ولا اسمح لها بأن تطغى عليّ بل اصبر صبرا جميلا على امل بأنّ الله سبحانه وتعالى سوف يعيد لي اولادي (يوسف وبنيامين وأخوهم الأكبر)( عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ) فإنّه هو العالم بواقع الأمور والخبير بحوادث العالم ما مضى منها وما سوف يأتي ، ولا يفعل الّا عن حكمة وتدبير( إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) .
ثمّ بعد هذه المحاورات بين يعقوب وأولاده ، استولى عليه الحزن والألم ، وحينما رأى مكان بنيامين خاليا عادت ذكريات ولده العزيز يوسف إلى ذهنه ، وتذكّر تلك الايّام الجميلة التي كان يحتضن فيها ولده الجميل ذا الأخلاق الفاضلة والصفات الحسنة والذكاء العالي فيشمّ رائحته الطيّبة ويستعيد نشاطه ، امّا اليوم فلم يبق منه اثر ولا عن حياته خبر ، كما أنّ خليفته (بنيامين) ايضا قد ابتلي مثل يوسف بحادث مؤلم وذهب الى مصير مجهول لا تعرف عاقبته.
حينما تذكّر يعقوب هذه الأمور ابتعد عن أولاده واستعبر ليوسف( وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ ) امّا الاخوة فإنّهم حينما سمعوا باسم يوسف ، ظهر على جبينهم عرق الندامة وازداد خجلهم واستولى عليهم الحزن لمصير اخويهم بنيامين ويوسف ، واشتدّ حزن يعقوب وبكاؤه على المصائب المتكرّرة وفقد اعزّ أولاده( وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ ) لكن يعقوب كان ـ في جميع الأحوال مسيطرا على حزنه ويخفّف من آلامه ويكظم غيظه وان لا يتفوّه بما لا يرضى به الله سبحان وتعالى( فَهُوَ كَظِيمٌ ) .
يفهم من هذه الآيات انّ يعقوب لم يكن فاقدا لبصره ، لكنّ المصائب الاخيرة وشدّة حزنه ودوام بكائه افقده بصره ، وكما أشرنا سابقا فإنّ هذا الحزن والألم والعمى كان خارجا عن قدرته واختياره ، فإذا لا يتنافى مع الصبر الجميل.
__________________
تبحث عن قضيّة يوسف وفراقه عن أبويه.
امّا الاخوة فكانوا متألّمين من جميع ما جرى لهم ، فمن جهة كان عذاب الوجدان لا يتركهم ممّا أحدثوه ليوسف ، ـ وفي قضيّة بنيامين ـ شاهدوا أنفسهم في وضع صعب وامتحان جديد ، ومن جهة ثالثة كان يصعب عليهم ان يشاهدوا أباهم يتجرّع غصص المرارة والألم ويواصل بكاؤه الليل بالنهار ، توجّهوا الى أبيهم وخاطبوه معاتبين( قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ) (1) اي انّك تردّد ذكر يوسف وتتأسّف عليه حتّى تتمرّض وتشرف على الهلاك وتموت.
لكنّ شيخ كنعان هذا النّبي العظيم والمتيقّظ الضمير ردّ عليهم بقوله :( إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ ) (2) لا إليكم ، أنتم الذين تخونون الوعد وتنكثون العهد لانّني( وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) فهو اللطيف الكريم الذي لا اطلب سواه.
* * *
__________________
(1) (حرض) على وزن مرض بمعنى الشيء الفاسد والمؤلم ، والمقصود منه هنا هو المريض الذي ضعف جسمه وصار مشرفا على الموت.
(2) (بثّ) بمعنى التفرقة والشيء الذي لا يمكن إخفاؤه ، والمقصود منه هنا هو الألم والحزن الظاهر الذي لا يخفى على احد.
الآيات
( يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (87) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (89) قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (91) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) )
التّفسير
اليأس علامة الكفر!
كان القحط والغلاء وشحّة الطعام يشتدّ يوما بعد آخر في مصر وما حولها
ومنها كنعان ، ومرّة اخرى امر يعقوب أولاده بأن يتّجهوا صوب مصر للحصول على الطعام ، لكنّه هذه المرّة طلب منهم بالدرجة الاولى ان يبحثوا عن يوسف وأخيه بنيامين ، حيث قال لهم :( يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ) .
لكن بما انّ أولاد يعقوب كانوا مطمئنين الى هلاك يوسف وعدم بقاءه ، تعجّبوا من توصية أبيهم وتأكيده على ذلك ، لكن يعقوب نهاهم عن اليأس والقنوط ووصّاهم بالاعتماد على الله سبحانه والاتّكال عليه بقوله :( وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ ) فإنّه القادر على حلّ الصعاب و( إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) .
(تحسّس) أصله من (حس) بمعنى البحث عن الشيء المفقود بأحد الحواس ، وهنا بحث بين اللغويين والمفسّرين في الفرق بينه وبين (تجسّس) وقد نقل عن ابن عبّاس انّ التحسّس هو البحث عن الخير ، والتجسّس هو البحث عن الشرّ ، لكن ذهب آخرون الى انّ التحسّس هو السعي في معرفة سيرة الأشخاص والأقوام دون التجسّس الذي هو البحث لمعرفة العيوب.
وهنا رأي ثالث في انّهما متّحدان في المعنى ، الّا انّ ملاحظة الحديث الوارد بقوله : «لا تجسّسوا ولا تحسّسوا» يثبت لنا انّهما مختلفان وانّ ما ذهب اليه ابن عبّاس في الفرق بينهما هو الأوفق بسياق الآيات المذكورة ، ولعلّ المقصود منهما في هذا الحديث الشريف : لا تبحثوا عن امور الناس وقضاياهم سواء كانت شرّا ام خيرا.
قوله تعالى «روح» بمعنى الرحمة والراحة والفرج والخلاص من الشدّة.
يقول الراغب الاصفهاني في مفرداته «الرّوح والرّوح في الأصل واحد
وجعل الروح اسما للنّفس والرّوح التنفّس وقد أراح الإنسان إذا تنفّس ...).
وأخيرا جمع الاخوة متاعهم وتوجّهوا صوب مصر ، وهذه هي المرّة الثّالثة التي يدخلون فيها ارض مصر ، هذه الأرض التي سبّبت لهم المشاكل وجرّت عليهم الويلات.
لكن في هذه السفرة ـ خلافا للسفرتين السابقتين ـ كانوا يشعرون بشيء من الخجل يعذّب ضمائرهم فإنّ سمعتهم عند اهل مصر او العزيز ملوّثة للوصمة التي لصقت بهم في المرّة السابقة ، ولعلّهم كانوا يرونهم بمثابة (مجموعة من لصوص كنعان) الذين جاؤوا للسرقة. ومن جهة اخرى لم يحملوا معهم هذه المرّة من المتاع ما يستحقّ ان يعاوضوه بالطعام والحبوب ، اضافة الى هذه الأمور فإنّ فقد أخيهم بنيامين والآلام التي المّت بأبيهم كانت تزيد من قلقهم وبتعبير آخر فإنّ السكين قد وصلت الى العظم ، كما يقول المثل الّا انّ الذي كان يبعث في نفوسهم الأمل ويعطيهم القدرة على تحمّل الصعاب هو وصيّة أبيهم( لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ ) .
وأخيرا استطاعوا ان يقابلوا يوسف ، فخاطبوه ـ وهم في غاية الشدّة والألم ـ بقولهم :( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ ) اي انّ القحط والغلاء والشدّة قد المّت بنا وبعائلتنا ولم نحمل معنا من كنعان إلّا متاعا رخيصا( وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ) (1) لا قيمة لها ولكن ـ في كلّ الأحوال ـ نعتمد على ما تبذل لنا من كرمك ونأمل في معروفك( فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ ) بمنّك الكريم وصدقاتك الوافرة( وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ) ولا تطلب منّا الأجر ، بل اطلبه من الله سبحانه وتعالى حيث( إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ) .
__________________
(1) (البضاعة) أصلها (البضع) على وزن جزء ، وهي بمعنى القطعة من اللحم المقطوعة من الجسم ، كما يطلق على جزء من المال الذي يقتطع منه ثمنا لشيء (مزجاة) من (الإزجاء) بمعنى الدفع ، وبما انّ الشيء التافه والقليل الثمن يدفعه الآخذ عن نفسه ، اطلق عليه (مزجاة).
والطريف انّ اخوة يوسف لم ينفذوا وصيّة أبيهم في البحث عن إخوتهم اوّلا ، بل حاولوا الحصول على الطعام ، ولأجل ذلك قابلوا العزيز وطلبوا منه المؤن والحبوب ، ولعلّ السبب في ذلك ضعف أملهم في العثور على يوسف ، او لعلّهم أرادوا ان يظهروا أنفسهم امام العزيز والمصريين وكأنّهم أناس جاؤوا لشراء الطعام والحبوب فقط ، فمن ثمّ يطرحوا مشكلتهم امام العزيز ويطلبوا منه المساعدة ، فعند ذاك يكون وقع الطلب أقوى واحتمال تنفيذه اكثر.
قال بعض المفسّرين : انّ مقصود الاخوة من قولهم :( تَصَدَّقْ عَلَيْنا ) كان طلب الإفراج عن أخيهم لانّهم لم يطلبوا من العزيز الطعام والحبوب مجّانا دون عوض حتّى يطلبوا منه التصدّق عليهم ، فإنّهم يدفعون ثمنه.
ونقرا في روايات وردت في هذا المقام ، انّ الاخوة كانوا يحملون معهم رسالة من أبيهم الى عزيز مصر ، حيث مدح يعقوب في تلك الرسالة عزيز مصر واكبر عدالته وصلاحه وشكره على ما بذله له ولعائلته من الطعام والحبوب ، ثمّ عرّف نفسه والأنبياء من اهل بيته وأخبره برزاياه وما تحمله من المصائب والمصاعب من فقده اعزّ أولاده واحبّهم الى نفسه يوسف وأخيه بنيامين ، وما أصابهم من القحط والغلاء ، وفي ختام الرسالة طلب من العزيز ان يمنّ عليه ويطلق سراح ولده بنيامين ، وذكّره انّ بنيامين سليل بيت النبوّة والرسالة وانّه لا يتلوّث بالسرقة وغيرها من الدناءات والمعاصي.
وحينما قدّم الأولاد رسالة أبيهم الى العزيز شاهدوا انّه فضّ الرسالة باحترام وقبلها ووضعها على عينيه وبدا يبكي بحيث انّ الدموع بلّت ثيابه(1) (وهذا ما حيّر الاخوة ، وبداوا يفكّرون بعلاقة العزيز مع أبيهم بحيث جعله يبكي شوقا وشغفا حينما فتحها ، ولعلّ فعل العزيز اثار عندهم احتمال ان يكون يوسف هو العزيز ، ولعلّ هذه الرسالة أثارت عواطف العزيز وشعوره بحيث لم يطق صبرا
__________________
(1) مجمع البيان ، ذيل الآية الشريفة.
وعجز عن ان يخفي نفسه بغطاء السلطة وأجبره على كشف نفسه لإخوته).
وفي تلك اللحظة ، وبعد ان مضت ايّام الامتحان الصعب ـ وكان قد اشتدت محنة الفراق على يوسف وظهرت عليه آثار الكآبة والهمّ ، أراد ان يعرّف نفسه لإخوته فابتدرهم بقوله :( هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ) .
لاحظوا عظمة يوسف وعلوّ نفسه حيث يسألهم اوّلا عن ذنبهم لكن بهذه الكناية اللطيفة يقول :( ما فَعَلْتُمْ ) وثانيا يبيّن لهم طريقة الاعتذار وانّ ما ارتكبوه في حقّ إخوتهم انّما صدر عن جهلهم وغرورهم ، وانّه قد مضى ايّام الصبى والطفولة وهم الآن في دور الكمال والعقل!
كما انّه يفهم من الآية الشريفة انّ يوسف لم يكن وحده الذي ابتلي بإخوته ومعاملتهم السيّئة ، بل انّ بنيامين ايضا كان يقاسي منهم ألوان العذاب ، ولعلّه قد شرح لأخيه يوسف في الفترة التي قضاها في مصر ، جانبا ممّا عاناه تحت أيديهم ، ويستفاد من بعض الرّوايات انّ يوسف حينما استفسر عمّا فعلوه معه ومع أخيه ختم استفساره بابتسامة عريضة ليدفع عن أذهانهم احتمال انّه سوف ينتقم منهم فظهرت لإخوته أسنانه الجميلة ولاحظوا وتذكّروا الشبه بينه وبين أسنان أخيهم يوسف(1) .
امّا هم ، فإنّهم حينما لاحظوا هذه الأمور مجتمعة ، وشاهدوا انّ العزيز يتحدّث معهم ويستفسرهم عمّا فعلوه بيوسف ، تلك الأعمال التي لم يكن يعلمها احد غيرهم الّا يوسف.
ومن جهة اخرى ادهشهم يوسف وما اصابه من الوجد والهياج حينما استلم كتاب يعقوب ، واحسّوا بعلاقة وثيقة بينه وبين صاحب الرسالة.
وثالثا كلّما أمعنوا النظر في وجه العزيز ودقّقوا في ملامحه ، لاحظوا الشبه الكبير بينه وبين أخيهم يوسف لكنّهم في نفس الوقت لم يدر بخلدهم ولم
__________________
(1) مجمع البيان في ذيل الآية الشريفة.
يتصوّروا انّه يمكن ان يكون أخوهم يوسف قد ارتقى منصب الوزارة وصار عزيزا لمصر ، اين يوسف واين الوزارة والعزّة؟! لكنّهم تجرّأوا أخيرا وسألوه مستفسرين منه( قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ ) .
كانت هذه الدقائق أصعب اللحظات على الاخوة ، حيث لم يكونوا يعرفون محتوى اجابة العزيز! وانّه هل يرفع الستار ويظهر لهم حقيقته ، ام انّه سوف يعتقد بأنّهم مجانين حيث ظنّوا هذا الظنّ.
كانت اللحظات تمرّ بسرعة والانتظار الطويل يثقل على قلوبهم فيزيد في قلقهم ، لكن يوسف لم يدع اخوته يطول بهم الانتظار ورفع الحجاب بينه وبينهم واظهر لهم حقيقة نفسه و( قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي ) لكن لكي يشكر الله سبحانه وتعالى على ما أنعمه من جميع هذه المواهب والنعم ، ولكي يعلّم اخوته درسا آخر من دروس المعرفة قال : إنّه( قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) .
لا يعرف احد كيف مرّت هذه اللحظات الحسّاسة على الاخوة كما لا يعرف احد مدى انفعالهم وما خامرهم من السرور والفرح وكيف تعانقوا واحتضنوا أخاهم والدموع الغزيرة التي ذرفوها وذلك حينما التقوا بأخيهم وبعد عشرات السنين من الفراق ، لكنّهم في كلّ الأحوال كانوا لا يطيقون النظر إلى وجه أخيهم يوسف لعلمهم بالذنب والجريمة التي اقترفوها في حقّه ، فترقّبوا اجابة يوسف وانّه هل يغفر لهم إساءتهم اليه ويعفو عن جريمتهم ام لا؟ فابتدءوا مستفسرين بقولهم :( قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا ) (1) اي انّ الله سبحانه وتعالى قد فضّلك علينا بالعلم والحلم والحكومة( وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ ) (2) .
__________________
(1) (آثرك) أصله من (الإيثار) وفي الأصل بمعنى البحث عن اثر الشيء ، وبما انّه يقال للفضل والخير : اثر ، فقد استعملت هذه الكلمة للدلالة على الفضيلة والعلو ، فبناء على هذا يكون معنى قوله( آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا ) اي انّ الله سبحانه وتعالى قد أكرمك وفضّلك علينا لما قمت به من الأعمال الخيّرة.
(2) يرى الفخر الرازي في تفسيره انّ الفرق بين الخاطئ والمخطئ هو انّ الخاطئ يقال لمن تعمّد الخطأ ، والمخطئ لمن
امّا يوسف الذي كانت نفسه تأبى ان يرى اخوته في حال الخجل والندامة ـ خاصّة في هذه اللحظات الحسّاسة وبعد انتصاره عليهم ـ او لعلّه أراد ان يدفع عن أذهانهم ما قد يتبادر إليها من احتمال ان ينتقم منهم ، فخاطبهم بقوله :( قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ) (1) اي انّ العتاب والعقاب مرفوع عنكم اليوم ، اطمئنوا وكونوا مرتاحي الضمير ولا تجعلوا للآلام والمصائب السابقة منفذا الى نفوسكم ، ثمّ لكي يبيّن لهم انّه ليس وحده الذي أسقط حقّه وعفا عنهم ، بل إنّ الله سبحانه وتعالى ايضا عفا عنهم حينما أظهروا الندامة والخجل قال لهم :( يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) اي انّ الله سبحانه وتعالى قد قبل توبتكم وعفا عنكم لانّه ارحم الراحمين.
وهذا دليل على علو قدر يوسف وغاية فضله حيث انّه لم يعف عن سيّئات اخوته فحسب ، بل رفض حتّى ان يوبّخ ويعاتب اخوته ـ فضلا عن ان يجازيهم ويعاقبهم ـ اضافة الى هذا فإنّه طمأنهم على انّ الله سبحانه وتعالى رحيم غفور وانّه تعالى سوف يعفو عن سيّئاتهم ، واستدلّ لهم على ذلك بأنّ الله سبحانه وتعالى هو ارحم الراحمين.
وهنا تذكر الاخوة مصيبة اخرى قد المّت بعائلتهم والشاهد الحي على ما اقترفوه في حقّ أخيهم الا وهو أبوهم حيث فقد الشيخ الكبير بصره حزنا وفراقا على يوسف ، امّا يوسف فإنّه قد وجد لهذه المشكلة حلا حيث خاطبهم بقوله :( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً ) ثمّ طلب منهم ان يجمعوا العائلة ويأتوا بهم جميعا( وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ) .
* * *
__________________
اخطأ عن سهو.
(1) «تثريب» أصله من مادّة (ثرب) وهو شحمة رقيقة تغطّي المعدة والأمعاء ، والتثريب بمعنى رفع هذا الغطاء ، ثمّ بمعنى العتاب والملامة فكان المعاقب قد رفع بعتابه غطاء الذنب عن وجه المذنب (راجع القاموس ومفردات الراغب وتفسير الرازي وروح المعاني).
بحوث
1 ـ من الذي حمل قميص يوسف؟
ورد في بعض الرّوايات انّ يوسف قال : انّ الذي يحمل قميصي المشافي الى أبي لا بدّ وان يكون هو نفسه الذي حمل قميصي الملطّخ بالدماء اليه ، لكي يدخل السرور على قلبه بعد ان ملا قلبه حزنا وألما من قبل! فأعطى ل (يهودا) قميصه بعد ان اعترف له انّه هو الذي حمل قميصه الملطّخ بالدماء الى أبيه وأخبره بأنّ الذئب قد أكل يوسف ، وهذا التصرّف من يوسف ان لم يدلّ على شيء فإنّه يدلّ على انّه برغم اعماله الكثيرة ومتاعبه اليوميّة ، فإنّه لم يغفل عن صغائر الأمور المتعلّقة بالسلوك الاخلاقي(1) .
2 ـ يوسف وجلالة شأنه :
ورد في بعض الرّوايات انّ اخوة يوسف ـ بعد هذه القضايا ـ كانوا يحسّون بالخجل الشديد فأرسلوا اليه من يقول له : يا يوسف انّك تستضيفنا كلّ يوم صباحا ومساء ـ على مائدتك فنأكل من زادك وهذا ما يزيد في خجلنا حيث لا نطيق النظر الى وجهك بعد ان نتذكّر اساءتنا إليك ، فأجابهم بكلمة لطيفة ليبعد عنهم الخجل بأنّ الفضل يعود إليهم ، وانّ جلوسهم على مائدته لهو مكرمة منهم وانّ الشعب المصري كانوا ينظرون اليّ نظرة الحرّ الى العبد ويقولون فيما بينهم (سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ!!) اي انظروا الى فعل الله سبحانه وتعالى بهذا العبد فإنّه قد بيع في السوق بعشرين درهما وهو الآن وصل الى هذه المرتبة السامية ، لكنّهم الآن ينظرون الى مائدتي وأنتم جلوس حولها ، فيعرفون قدري وتثبت لهم منزلتي وانّني لست بعبد ذليل بيع بعشرين درهما ، وانّما انا سليل بيت النبوّة والرسالة ومن أولاد نبي الله ابراهيم الخليل ، وهذا ما أباهي
__________________
(1) مجمع البيان ذيل الآية الشريفة.
وافتخر به امام الآخرين(1) .
3 ـ الشكر على الانتصار :
انّ الآيات السابقة تعلّمنا بجلاء ووضوح درسا من دروس الأخلاق الاسلامية ، وهو انّه بعد الانتصار على العدو وكسر شوكته لا بدّ ان لا ننسى العفو والرحمة ، وان لا نعامله بقساوة ، فإنّ اخوة يوسف قد عاملوه اشدّ المعاملة أشرفت به على نهايته وأوصلته الى أبواب الموت ، ولو لم تشمله عناية الله سبحانه وتعالى ، لعجز عن الخلاص ممّا اوقعوه فيه ، هذا اضافة الى المصائب والآلام التي تحملها أبوه ، لكنّهم الآن جميعا واقفون امّام يوسف وهو السيّد المطاع وبيده القوّة والقدرة ، لكنّه عاملهم بلطف واحسان.
كما انّه يفهم من خلال حديثه معهم انّه لم يحقد عليهم قطّ ، بل الذي يقلقه هو تذكّر الاخوة ماضيهم الأسود ويحسّوا بالخجل! ولذا حاول جاهدا ان يريحهم من هذا القلق ويزيح هذا الكابوس عن صدورهم ، بل اكثر من هذا فإنّه حاول ان يفهمهم انّ لهم عليه فضلا في مجيئهم الى مصر والتعرّف عليهم ، فإنّهم كانوا السبب في كشف حقيقته امام الشعب في هذا البلد ، حيث عرف اهل مصر انّ عزيزهم هو سليل بيت النبوّة والرسالة وليس عبدا بيع في السوق بدراهم معدودات ، ومن هنا فإنّ يوسف كان يرى لهم في ذلك فضلا ومنّة!
ومن حسن الصدف انّنا نرى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يمتحن بمثل هذه المواقف الحرجة ، فمثلا حينما فتح رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مكّة واذلّ المشركين وهزمهم وكسر أصنامهم وداس شوكتهم وكبرياءهم ، جاء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (كما رواه ابن عبّاس) الى جوار الكعبة وأخذ بحلقة بابها وكان المشركون قد التجأوا إليها هم ينتظرون حكم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيهم ، وقال كلمته المشهورة : «الحمد لله الذي صدق وعده
__________________
(1) تفسير فخر الرازي ، ج 18 ، ص 206.
ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» ثمّ توجّه الى قريش وخاطبهم بقوله : «ماذا تظنّون يا معشر قريش؟ قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم ، وقد قدرت! قال : وانا أقول كما قال اخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم».
اي انّ اليوم ليس يوم ملامة وانتقام واظهار الحقد والضغينة «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
فقال عمر بن الخطاب : ففضت عرقا من الحياء من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك انّي قد كنت قلت لهم حين دخلنا مكّة : اليوم ننتقم منكم ونفعل(1) .
كما انّه وردت في كثير من الرّوايات الاسلامية انّ «زكاة النصر هو العفو».
يقول عليعليهالسلام : «إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه»(2) .
* * *
__________________
(1) تفسير القرطبي ، ج 9 ، ص 258.
(2) نهج البلاغة ـ الكلمات القصار ـ جملة 11.
الآيات
( وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قال ألَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (96) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (97) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) )
التّفسير
وأخيرا شملتهم رعاية الله ولطفه :
امّا أولاد يعقوب فإنّهم بعد ان واجهوا يوسف وجرى لهم ما جرى حملوا معهم قميص يوسف فرحين ومستبشرين وتوجّهوا مع القوافل القادمة من مصر ، وفيما كان الاخوة يقضون اسعد لحظات حياتهم ، كان هناك بيت في بلاد الشام وارض كنعان ـ الا وهو بيت يعقوب الطاعن في السنّ حيث كان يقضي هو وعائلته احرج اللحظات واشدّها حزنا وبؤسا.
لكن ـ مقارنا مع حركة القافلة من مصر ـ حدث في بيت يعقوب حادث غريب بحيث اذهل الجميع وصار مثارا للعجب والحيرة ، حيث نشط يعقوب وتحرّك من مكانه وتحدّث كالمطمئن والواثق بكلامه قال : لو لم تتحدّثوا عنّي بسوء ولم تنسبوا كلامي الى السفاهة والجهل والكذب لقلت لكم :( إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ) فإنّي احسّ بأنّ ايّام المحنة والآلام سوف تنصرم في القريب العاجل ، وانّه قد حان وقت النصر واللقاء مع الحبيب ، وارى انّ آل يعقوب قد نزعوا ثوب العزاء والمصيبة ولبسوا لباس الفرح والسرور ـ لكن لا تصدّقون كلامي( وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ ) (1) .
والمستفاد من قوله تعالى (فصلت) انّه بمجرّد ان تحرّكت القافلة من مصر احسّ يعقوب بالأمر وتغيّرت أحواله.
امّا الذين كانوا مع يعقوب ـ وهم عادة أحفاده وازواج أولاده وغيرهم من الأهل والعشيرة ـ فقد استولى عليهم العجب وخاطبوه بوقاحة مستنكرين :( قالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ ) أليس هذا برهانا واضحا على ضلالك حيث مضت سنين طويلة على موت يوسف لكنّك لا زلت تزعم انّه حي ، وأخيرا تقول : انّك تشمّ رائحته من مصر؟! اين مصر واين الشام وكنعان؟! وهذا دليل على بعدك عن عالم الواقع وانغماسك في الأوهام والخيالات لكنّك قد ضللت منذ مدّة طويلة ، الم تقل لاولادك قبل فترة اذهبوا الى مصر وتحسّسوا عن احوال يوسف!
يظهر من هذه الآية الشريفة انّ المقصود ب (الضلال) ليس الانحراف في العقيدة ، بل الانحراف في تشخيص حقيقة حال يوسف والقضايا المتعلّقة به ، لكن يستفاد من هذه التعابير انّهم كانوا يتعاملون مع هذا النّبي الكبير والشيخ المتيقّظ
__________________
(1) (تفنّدون) من مادّة (الفند) على زنة (الرمد) ومعناها العجز الفكري والسفاهة ، ومضى بعض اللغويين الى انّ معناها الكذب ومعناها في الأصل الفساد. فبناء على ذلك فإنّ جملة (لو لا ان تفنّدون) معناها إذا لم تتّهموني بالسفاهة وفساد العقل.
الضمير بخشونة وقساوة بالغين بحيث كانوا يقولون له مرّة :( إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) وهنا قالوا له :( إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ ) لكنّهم كانوا غافلين عن الحقيقة التي كان يتحلّى بها يعقوب وعن صفاء قلبه ، ويتصوّرون انّ قلب يعقوب كقلوبهم القاسية المظلمة وانّه لا يطّلع على حقائق الأمور ماضيها ومستقبلها.
وتمضي الليالي والايّام ويعقوب في حالة الانتظار الانتظار القاسي الذي يستبطن السرور والفرح والهدوء والاطمئنان ، الّا انّ المحيطين به كانوا مشغولين عن هذه الأمور لاعتقادهم بأنّ قضيّة يوسف مختومة والى الأبد.
وبعد عدّة ايّام من الانتظار ـ والتي لا يعلم الّا الله كيف قضاها يعقوب ـ ارتفع صوت المنادي معلنا عن وصول قافلة كنعان من مصر ، لكن في هذه المرّة ـ وخلافا للمرّات السابقة ـ دخل أولاد يعقوب الى المدينة فرحين مستبشرين ، وتوجّهوا مسرعين الى بيت أبيهم ، وقد سبقهم ال (بشير) الذي بشّر يعقوب بحياة يوسف والقى قميص يوسف على وجهه.
امّا يعقوب الذي أضعفت المصائب بصره ولم يكن قادرا على رؤية القميص فبمجرّد ان احسّ بالرائحة المنبعثة من القميص شعر في تلك اللحظة الذهبية بأنّ نورا قد شعّ في جميع ذرّات وجوده وانّ السّماء والأرض مسروران ونسيم الرحمة يدغدغ فؤاده ويزيل عنه الحزن والألم ، شاهد الجدران وكأنّها تضحك معه ، واحسّ يعقوب بتغيّر حالته ، وفجأة راى النّور في عينيه واحسّ بأنّهما قد فتحتا ومرّة اخرى راى جمال العالم ، والقرآن الكريم يصف لنا هذه الحالة بقوله :( فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً ) .
هذه الحالة التي حصلت ليعقوب اسالت دموع الفرح من عيون الاخوة والأهل ، وعند ذلك خاطبهم بقوله :( أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) .
هذه المعجزة الغريبة ، جعلت الأولاد يعودون الى أنفسهم ويتساءلون عنها ويفكّرون في ماضيهم الأسود المليء بالاخطاء والذنوب ، وما اعتورهم من
الحسد وغيره من الصفات الرذيلة البعيدة عن الانسانية ، لكن ما أجمل التوبة والعودة الى طريق الصواب حينما ينكشف للإنسان خطأ المسيرة التي سار فيها وما احلى تلك اللحظات التي يحاول المذنب ان يطلب العفو ممّن جنى عليه ، ليطهّر به نفسه ويبعدها عن جادّة الخطأ والانحراف ، وهذا ما قام به الاخوة حيث وقعوا نادمين على يد أبيهم يقبّلونها ويطلبون منه العفو والاستغفار( قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ ) .
امّا يعقوب هذا الرجل العظيم الذي كانت روحه أوسع من المحيطات ، فقد أجابهم دون ان يلومهم على تلك الأفعال التي اقترفوها في حقّه وحقّ أخيهم أجابهم بقوله :( سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ) واملي معقود بأن يغفر الله سبحانه وتعالى ذنوبكم( إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) .
* * *
ملاحظات
1 ـ كيف احسّ يعقوب برائحة قميص يوسف؟!
هذا سؤال اثاره كثير من المفسّرين ، واعتبروه معجزة خارقة للعادة من قبل يعقوب او يوسف. الّا انّه ـ مع الأخذ بنظر الاعتبار سكوت القرآن عن هذا الأمر ـ ولم يتناوله على انّه امر اعجازي او غير اعجازي فمن الهيّن ان نجد له توجيها علميّا ايضا. إذ انّ حقيقة «التليبائي» او انتقال الفكر من النقاط او الأماكن البعيدة تعدّ مسألة علميّة قطعيّة مسلّما بها وانّها تحدث عند من تكون لديهم علاقة قريبة تربط بعضهم ببعض ، او تكون لديهم قدرة روحيّة عالية.
ولعلّ كثيرا منّا يواجه مثل هذه المسألة في حياتنا اليوميّة ، وذلك ان يشعر شخص «من أب ، او امّ ، او أخ» مثلا بالكآبة وانقباض النفس دون سبب ، ثمّ لا يمضي وقت ـ او فترة ـ حتّى يبلغه خبر بأنّ أخاه او ولده قد حدث له حادث ما
في نقطة بعيدة عنه.
فالعلماء يوجّهون هذا الاحساس على انّه جرى عن طريق انتقال الفكر.
وما ورد في قصّة يعقوب لعلّه من هذا القبيل ايضا ، فعلاقته الشديدة بيوسف وعظمة روحه ، كلّ ذلك كان سببا لان يشعر بالحالة الحاصلة للاخوة نتيجة حمل قميص يوسف من مسافة بعيدة.
ومن الممكن ان يتعلّق هذا الأمر بمسألة سعة دائرة علم الأنبياء ايضا.
وقد وردت اشارة طريفة ـ في بعض الرّوايات ـ الى مسألة انتقال الفكر ، وهي انّ بعضهم سأل الامام أبا جعفر الباقرعليهالسلام : فقال : جعلت فداك ، ربّما حزنت من دون مصيبة تصيبني او امر ينزل بي ، حتّى يعرف ذلك اهلي في وجهي وصديقي.
فقالعليهالسلام : «نعم يا جابر ، انّ الله خلق المؤمنين من طينة الجنان واجرى فيهم من ريح روحه ، فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وامّه ، فإذا أصاب روحا من تلك الأرواح في بلد من البلدان حزن حزنت هذه لانّها منها»(1) .
ويستفاد من بعض الرّوايات ايضا انّ هذا القميص لم يكن قميصا مألوفا ، بل كان ثوبا من ثياب الجنّة ، وقد خلّفه ابراهيم الخليلعليهالسلام في آل يعقوب وأسرته ليكون ذكرى له ، وانّ رجلا كيعقوبعليهالسلام الذي كانت لديه شامّة من «الجنّة» احسّ برائحة هذا الثوب الذي هو من ثياب الجنّة من بعيد(2) .
2 ـ اختلاف حالات الأنبياء :
الاشكال المعروف الآخر هنا هو ما اثاره بعضهم في شأن يعقوب من سؤال وهو :
__________________
(1) اصول الكافي ، ج 2 ، ص 123 «والسائل هو جابر الجعفي».
(2) لمزيد الاطلاع على هذه الرّوايات يراجع المجلد الثّاني من تفسير نور الثقلين ، ص 464.
كيف يمكن ان يكون هذا النّبي العظيم قد احسّ بريح قميص يوسف من مسافة قدّرها بعضهم بثمانين فرسخا ، وقال بعضهم : من مسافة عشرة ايّام ، مع انّه لم يطّلع على الحوادث القريبة منه التي مرّت على يوسف عند ما القي في الجبّ في ارض كنعان؟
والجواب على هذا السؤال ـ مع الالتفات الى ما ذكرناه آنفا في شأن علم الغيب ، وحدود علم الأنبياء والائمّة ـ يسير لا غبار عليه ، لانّ علمهم بالأمور الغيبيّة يستند الى علم الله وارادته ، وما يشاؤه الله لهم من العلم «او عدمه» حتّى ولو كان ذلك في اقرب نقطة من نقاط العالم.
فيمكن تشبيههم من هذا الوجه بالقافلة التي تسير في ليل مظلم في صحراء تغشيها الغيوم وبينا هي على هذه الحال وإذا السّماء تومض بالبرق اللامع فتضيء الصحراء الى منتهى أطرافها ، فترى القافلة بأمّ أعينها كلّ شيء امامها ، الّا انّ البرق ينطفئ ثانية ويستوعب الظلام كلّ مكان فلا يرى احد شيئا.
ولعلّ الحديث الوارد عن الامام الصادقعليهالسلام في شأن علم الامامعليهالسلام اشارة الى هذا المعنى ، إذ جاء عنهعليهالسلام انّه قال : «جعل الله بينه وبين الامام عمودا من نور ، ينظر الله به الى الامام ، وينظر الامام به اليه ، فإذا أراد علم شيء نظر في ذلك النّور فعرفه»(1) .
ومع الالتفات الى هذه الحقيقة ، فلا مجال للتعجّب بأن تقتضي مشيئة الله سبحانه ـ لابتلاء يعقوب وتمحيصه ان لا يعرف يوما شيئا عن الحوادث في كنعان وهي تجري قريبا منه ، وان يحسّ برائحة قميص ولده يوسف وهو في مصر في يوم آخر عند ما قدّر له ان تنتهي محنته وبلواه.
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ، للخوئي ، ج 5 ، ص 200.
3 ـ كيف ردّ على يعقوب بصره؟!
احتمل بعض المفسّرين انّ يعقوبعليهالسلام لم يفقد بصره بصورة كليّة ، وانّما ضعف بصره ، وعند حصول مقدّمات الوصال تبدّل تبدّلا بحيث عاد ذلك البصر الى حالته الطبيعيّة الاولى ، الّا انّ ظاهر آيات القرآن يدلّ على انّه فقد بصره تماما وابيضّت عيناه من الحزن ، وعلى ذلك فإنّ بصره عاد اليه عن طريق الاعجاز ، حيث يقول القرآن الكريم :( فَارْتَدَّ بَصِيراً ) .
4 ـ الوعد بالاستغفار :
نقرا في الآيات ـ محل البحث ـ انّ يوسفعليهالسلام قال لإخوته عند ما أظهروا له ندامتهم:( يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ ) الّا انّ يعقوبعليهالسلام قال لهم عند ما اعترفوا عنده بالذنب وأظهروا الندامة :( سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ) وكان هدفه ـ كما تقول الرّوايات ـ ان يؤخّر استجابة طلبهم الاستغفار الى السحر (من ليلة الجمعة) الذي هو خير وقت لاستجابة الدعاء وقبول التوبة(1) .
والآن ينقدح هذا السؤال وهو : كيف أجابهم يوسف بصورة قطعيّة ، وأوكل أبوهم ذلك الى المستقبل؟!
ولعلّ هذا الاختلاف ناشئ عن انّ يوسفعليهالسلام كان يتحدّث عن «إمكان المغفرة» وانّ هذا الذنب من الممكن ان يعفو الله عنه ، ويعقوب كان يتحدّث عن «فعليّة المغفرة» وانّه ما الذي ينبغي ان يفعل حتّى تتحقّق التوبة والمغفرة «فلاحظوا بدقّة».
__________________
(1) نقرا في تفسير القرطبي انّ هدفه كان الاستغفار لهم في ليلة الجمعة الموافقة ليوم عاشوراء «لمزيد الاطلاع يراجع تفسير القرطبي ، ج 6 ، ص 3491».
5 ـ التوسّل جائز :
يستفاد من الآيات ـ آنفة الذكر ـ انّ طلب الاستغفار من الآخرين غير مناف للتوحيد ، بل هو سبيل الى الوصول الى لطف الله سبحانه ، والّا فكيف كان يمكن ليعقوب ان يستجيب لطلب ابنائه في ان يستغفر لهم وان يجيبهم بالإيجاب على توسّلهم به.
وهذا الأمر يدلّ على ان التوسّل بأولياء الله جائز على الإجمال ، والأشخاص الذين يرون ذلك مخالفا لاصل التوحيد غافلون عن نصوص القرآن ، او انّ التعصّب المقيت يحجب ابصارهم عن تلك النصوص.
6 ـ نهاية الليلة السوداء
انّ الدرس الكبير الذي نستلهمه من الآيات المتقدّمة هو انّه مهما كانت المشاكل والحوادث صعبة وعسيرة ، ومهما كانت الأسباب والعلل الظاهرية غير تامّة ومحدودة ، ومهما كان النصر او الفرج بطيئا (او غير متحقّق فعلا) فإنّ ايّا من أولئك لا يمنع من الرجاء والأمل بلطف الله ، فالله الذي أعاد البصر برائحة القميص ونقل رائحة ذلك القميص من مسافة بعيدة ، وردّ العزيز المفتقد بعد سنين طويلة ، قادر على ان يضمّد القلوب المجروحة من الفراق ، وان يشفي آلام النفوس.
اجل انّنا نجد الدرس التوحيدي الكبير ينطوي في هذا القصص والتاريخ ، وهو انّه لا شيء على الله بعزيز ولا عسير ، بل يهون كلّ شيء بأمره وارادته.
( إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) .
* * *
الآيات
( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) )
التّفسير
عاقبة امر يوسف وأبيه واخوته :
مع وصول القافلة التي تحمل أعظم بشارة من مصر الى كنعان ، وعودة البصر
الى يعقوب ، ارتفعت اهازيج في كنعان. فالبيت الذي لم يخلع اهله عنهم ثياب الحزن والاسى لسنين عديدة ، أصبح غارقا في السرور والحبور ، فلم يكتموا رضاهم عن هذه النعم الالهيّة ابدا.
والآن ينبغي على اهل هذا البيت ـ وفقا لوصيّة يوسف ـ ان يتحرّكوا ويتّجهوا نحو مصر ، وتهيّأت مقدّمات السفر من جميع النواحي ، وركب يعقوب راحلته وشفتاه رطبتان بذكر الله وتمجيده ، وقد منحه عشق يوسف قوّة وعزما الى درجة وكأنّه عاد شابا من جديد.
وهذا السفر على خلاف الاسفار السابقة ـ التي كانت مقرونة لدى اخوة يوسف بالقلق والحزن ـ كان خاليا من ايّة شائبة من شوائب الهمّ والغمّ. وحتّى لو كان السفر بنفسه متعبا ، فهذا التعب لم يكن شيئا ذا بال قبال ما يهدفون اليه في مسيرهم هذا.
كانوا يطوون الليالي والايّام ببطء ، لانّ الشوق كان يحيل كلّ دقيقة الى يوم او سنة ، ولكن انتهى كلّ شيء ولاحت معالم مصر وأبنيتها من بعيد بمزارعها الخضر وأشجارها الباسقة السامقة وعماراتها الجميلة.
الّا انّ القرآن الكريم ـ كعادته دائما ـ حذف هذه المقدّمات التي يمكن ان تدرك بأدنى تفكّر وتأمّل ، فقال في هذا الشأن :( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ) .
وكلمة «آوى» ـ كما يقول الراغب في مفرداته ـ تعني في الأصل انضمام شيء الى شيء آخر ، وضمّ يوسف أبويه اليه كناية عن احتضانهما ومعانقتهما.
وأخيرا تحقّقت احلى سويعات الحياة ليعقوب ، وفي هذا اللقاء والوصال الذي تمّ بين يعقوب ويوسف بعد سنين من الفراق ، مرّت على يعقوب ويوسف لحظات لا يعلم الله عواطفها في تلك اللحظات الحلوة ، وايّة دموع انسكبت من عينيهما من الفرح.
وعندها التفت يوسف الى اخوته وأبويه و( قالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ ) لانّ مصر أصبحت تحت حكم يوسف في امن وأمان واطمئنان.
ويستشفّ من هذه الجملة انّ يوسف كان قد خرج الى خارج بوّابة المدينة لاستقبال والديه واخوته ، ولعلّ التعبير ب( دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ ) يحتمل ان يكون يوسف قد أمر أن تنصب الخيام هناك «خارج المدينة» وان تهيأ مقدّمات الاستقبال لأبويه واخوته.
فلمّا دخلوا القصر أكرمهم يوسفعليهالسلام ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ) .
وكانت هذه العظمة من النعمة الالهيّة واللطف والموهبة التي منّ الله بها على يوسف قد ادهشت اخوة يوسف وأبويه فذهلوا جميعا( وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً ) .
وعندها التفت يوسف الى أبيه( وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ ) .
الم يكن انّي رأيت احد عشر كوكبا والشمس والقمر رايتهم لي ساجدين؟! فانظر يأبت كما كنت تتوقّع من عاقبة امري( قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ) ( وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ) .
الطريف هنا انّ يوسف تكلّم هنا عن سجنه في مصر من بين جميع مشاكله ولم يتكلّم على الجبّ مراعاة لإخوته.
ثمّ أضاف يوسف قائلا :( وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ) .
ومرّة اخرى يظهر هنا يوسف مثلا آخر من سعة صدره وعظمته ، ودون ان يقول : من هو المقصّر ، وانّما يقول بصورة مجملة انّ الشيطان تدخّل فنزغ بيني وبين اخوتي ، فهو لا يريد ان يتشكّى من اخطاء اخوته السالفة.
والتعبير عن ارض كنعان بالبدو تعبير طريف وكاشف عن مدى الاختلاف بين تمدّن مصر وتخلّف كنعان «حضاريّا».
وأخير يقول يوسف : انّ جميع هذه المواهب هي من قبل الله ، ولم لا تكون
كذلك فـ( إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ ) .
فيتولّى امور عباده بالتيسير والتدبير وهو يعلم من هو المحتاج ومن هو الجدير بالاستجابة( إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) .
ثمّ يلتفت يوسف نحو مالك الملك الحقيقي وولي النعمة الدائمة فيقول شاكرا راجيا :( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ) .
وهذا العلم البسيط بحسب الظاهر «تأويل الأحاديث» كم كان له من اثر عظيم في تغيير حياتي وحياة جماعة آخرين من عبادك ، وما أعظم بركة العلم! فأنت يا ربّ :( فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) .
ولذلك فقد خضعت واستسلمت قبال قدرتك جميع الأشياء.
ربّاه :( أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) .
اي انّني لا اطلب دوام الملك وبقاء الحكم والحياة الماديّة منك يا ربّ ، لانّ هذه الأمور جميعها فانية وليس فيها سوى البريق الجذّاب. بل اطلب منك يا ربّ ان تكون عاقبة امري على خير ، وان اقضي حياتي وأموت مؤمنا في سبيلك مسلّما لارادتك ، وان أكون في صفوف الصالحين. فهذه الأمور هي المهمّة لديّ فحسب.
* * *
بحوث
1 ـ هل السجود لغير الله جائز؟!
كما بيّنا في الجزء الاوّل من هذا التّفسير عند بحثنا في شأن سجود الملائكة لآدم ، فقلنا : انّ السجود بمعنى العبادة يختص بالله تعالى ولا تجوز العبادة لاي احد في ايّ مذهب الّا لله سبحانه وهذا هو المراد من توحيد العبادة الذي هو قسم مهمّ من التوحيد الذي دعا اليه جميع الأنبياء.
فبناء على هذا لم يكن يوسف وهو نبيّ الله يسمح لأحد ان يسجد له ويعبده من دون الله ، ولا النّبي العظيم يعقوب كان يقدّم على مثل هذا الأمر ، ولا القرآن الكريم كان يعبّر عنه بأنّه عمل جدير او على الأقل عمل مجاز.
فبناء على ذلك فإنّ السجود المشار اليه في الآية ـ محلّ البحث ـ امّا انّه كان «سجدة الشكر» لله تعالى الذي اولى يوسف هذه المواهب والمقام العظيم ، وفرّج عن آل يعقوب كربهم وأزال عنهم همومهم ، وهذا السجود في الوقت الذي كان لله ، بما انّه كان من اجل عظمة موهبة يوسف ، فإنّه كان يعتبر تعظيما وتكريما ليوسف ايضا ، ومن هذا المنطلق فإنّ الضمير في (له) الذي يعود على يوسف قطعا ينسجم وهذا المعنى تماما.
او انّ المراد من السجود هو مفهومه الواسع ، اي الخضوع والتواضع ، لانّ السجدة ـ او السجود ـ لا يأتي اي منهما بمعناه المعروف دائما ، بل ربّما يرد بمعنى الخضوع والتواضع أحيانا ، فلذا قال بعض المفسّرين : انّ التحيّة او التواضع المتداول آنئذ كان الانحناء والتعظيم ، وانّ المراد من السجود في الآية هو هذا المعنى.
الّا انّه مع الالتفات الى جملة «خرّوا» التي يعني مفهومها الهويّ نحو الأرض فإنّه لا يستفاد من السجود في الآية الانحناء والخضوع (هنا).
وقال بعض المفسّرين العظام : انّ سجود يعقوب واخوة يوسف وامّهم كان لله سبحانه ، الّا انّ يوسف كان ـ بمثابة الكعبة ـ قبلة لهم ، ولهذا جاء في بعض تعابير العرب قولهم : فلان صلّى للقبلة(1) .
الّا انّ المعنى الاوّل يبدو اقرب للنظر ، وخاصّة انّ بعض الرّوايات الواردة عن اهل البيتعليهمالسلام تقول : «كان سجودهم لله ، او عبادة لله»(2) .
__________________
(1) راجع تفسير الميزان ، وتفسير الفخر الرازي ذيل الآية محل البحث.
(2) تفسير نور الثقلين ، ج 2 ، ص 467.
كما جاء في بعض الرّوايات انّ سجودهم كان طاعة لله وتحيّة ليوسف(1) .
كما انّ السجود لآدم كان سجودا لله العظيم الذي خلق مثل هذا الخلق البديع ، وهو في الوقت الذي يعدّ عبادة لله فهو دليل على احترام آدم وعظمته.
وهذا الأمر يشبه تماما ان يؤدّي رجل ـ مثلا ـ عملا مهمّا عظيما ، فنسجد نحن لله الذي خلق مثل هذا الإنسان ، فهذا السجود هو لله كما انّه في الوقت ذاته يعدّ احتراما وتعظيما للرجل ايضا.
2 ـ وساوس الشيطان :
انّ جملة( نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ) مع ملاحظة انّ نزغ بمعنى الدخول في امرّ ما بقصد الفساد او الإفساد تدلّ على انّ لوساوس الشيطان في مثل هذه الحوادث أثرا مهمّا دائما ، الّا انّنا نوّهنا من قبل بأنّ هذه الوساوس لوحدها لا تعمل شيئا ، فالمصمّم الأخير هو الإنسان نفسه ، بل هو الذي يفتح أبواب قلبه للشيطان ويسمح له بالدخول.
فبناء على ذلك فليس في الآية ـ محلّ البحث ـ امر خلاف اصل حريّة الارادة أساسا. غاية ما في الأمر انّ يوسفعليهالسلام بما لديه من حلم وسعة صدر لم يرغب ان يحرج اخوته ويزيد في خجلهم ، فهم كانوا خجلين الى درجة كافية ، ولهذا لم يشر الى المصمّم النهائي وانّما ذكر وساوس الشيطان التي تعدّ العالم الثانوي فحسب.
3 ـ الأمن نعمة الله الكبرى؟
لقد أشار يوسف الى مسألة الأمن من بين جميع المواهب والنعم بمصر ، وقال لأبويه واخوته( ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ ) وهذا الأمر يدلّ على انّ
__________________
(1) تفسير نور الثقلين ، ج 2 ، ص 468.
نعمة الأمن أساس جميع النعم ، والحقّ انّها كذلك ، لانّه متى ذهبت نعمة الأمن ، فإنّ سائر مسائل الرفاه والمواهب المادية والمعنوية يحدق بها الخطر.
ففي جوّ او محيط غير آمن ، ليس بالمقدور اطاعة الله فيه ولا الحياة الحرّة الكريمة ، كما ليس بمقدور الإنسان ان يفكّر تفكيرا مطمئنا هادئا ، ولا السعي والجدّ والجهاد نحو تحقّق الاهداف الاجتماعية ايضا.
وهذه الجملة لعلّها اشارة الى هذه اللطيفة ، وهي انّ يوسف يريد ان يقول : انّ ارض مصر في عهدي وحكومتي ليست هي تلك الأرض في عهد الفراعنة وحكمهم ، فأولئك الظالمون المستكبرون المستثمرون الانانيون ولّوا ومضوا كما مضى ذلك التعذيب والأذى ، فالجوّ جو آمن تماما.
4 ـ اهميّة مقام العلم :
ومرّة اخرى يعوّل يوسفعليهالسلام في انتهاء عمله وامره على مسألة علم تعبير الرؤيا ، ويجعل هذا العلم البسيط ـ ظاهرا ـ الى جانب تلك الحكومة العظمى ومن دون منازع ، وهذا يكشف عن تأكيده على اهميّة العلم مهما كان بسيطا ، فيقول :( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ) .
5 ـ حسن العاقبة :
قد يتقلّب الإنسان في طول عمره في اشكال مختلفة متعدّدة ، الّا انّ من المسلّم به انّ الصفحات الاخيرة من حياته اهمّ من جميع ما مضى عليه ، لانّ سجل عمره ينتهي بانتهائها ويتعلّق الحكم النهائي ، لذا فإنّ الرجال المؤمنين يطلبون من الله دائما ان تكون هذه الصفحات من العمر مشرقة نيّرة ، وان يختم لهم بالخير.
ونجد يوسفعليهالسلام يطلب من الله ـ هنا ـ هذا الأمر نفسه فيقول :( تَوَفَّنِي مُسْلِماً
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) .
وليس معنى هذا الكلام طلب الموت من الله ، كما تصوّره ابن عبّاس فقال : لم يطلب احد من الأنبياء الموت من الله الّا يوسف ، فعند ما توفّرت له اسباب حكومته تأجّج العشق (والتعلّق بالله) في نفسه فتمنّى لقاء الله.
بل طلب يوسف انّما كان الشرط والحالة فحسب ، اي انّه طلب ان يكون عند الوفاة مؤمنا مسلما ، وقد كان ابراهيم ويعقوب يوصيان أبناءهما بهذه الوصيّة ايضا بقولهما لهم :( فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) .(1) وقد اختار كثير من المفسّرين هذا المعنى.
6 ـ هل جاءت امّ يوسف الى مصر
يستفاد من ظاهر الآيات ـ آنفة الذكر ـ بصورة جيّدة انّ امّ يوسف كانت يومئذ حيّة ، وقد جاءت مع يعقوب وابنائها الى مصر ، وسجدت شاكرة هذه النعمة. الّا انّ بعض المفسّرين يصرّون على انّ امّ يوسف «راحيل» كانت قد انتقلت من الدنيا يومئذ ، وانّما التي جاءت الى مصر خالته التي تعدّ بمثابة امّه.
ونقرا في سفر التكوين من التوراة ـ الفصل 35 الجملة 18 ـ انّ راحيل بعد ان ولدت بنيامين رحلت عن الدنيا. وجاء في بعض الرّوايات عن (وهب بن منبه) و (كعب الأحبار) هذا المعنى ذاته ايضا ، ويبدو انّه مأخوذ من التوراة.
وعلى اي حال ، فليس بوسعنا ان نغضي عن ظاهر آيات القرآن التي تقول : انّ امّ يوسف كانت حيّة آنئذ ، ونؤول ذلك ونوجّهه دون اي دليل.
7 ـ عدم ذكر القصّة للأب :
نقرا في رواية عن الامام الصادقعليهالسلام انّه قالعليهالسلام : «قال يعقوب ليوسف :
__________________
(1) البقرة ، 132.
يا بني حدّثني كيف صنع بك إخوتك؟!
قال : يا أبت دعني.
فقال : أقسمت عليك الّا اخبرتني!
فقال له : اخذوني واقعدوني على راس الجبّ ، ثمّ قالوا لي : انزع قميصك ، فقلت لهم انّي اسألكم بوجه أبي يعقوب ان لا تنزعوا قميصي ولا تبدوا عورتي ، فرفع فلان السكّين عليّ ، وقال : انزل.
فصاح يعقوب فسقط مغشيّا عليه ثمّ أفاق ، فقال له : يا بني كيف صنعوا بك؟! فقال يوسف : انّي اسألك بإله ابراهيم وإسماعيل وإسحاق الّا اعفيتني.
قال : فتركه» إلخ(1) .
وهذا الأمر يدلّ على انّ يوسف لم يرغب بأيّ وجه ابدا ان يعيد في ذهنه او في ذهن أبيه الماضي المرير ، بالرغم من انّ رغبة يعقوب في التقصّي عن الأمر لم تدعه يستقرّ.
* * *
__________________
(1) مجمع البيان ، ج 5 ، ص 265.
الآيات
( ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (104) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (105) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (107) )
التّفسير
الأدعياء مشركون غالبا!
بعد ما انتهت قصّة يوسفعليهالسلام بكلّ دروسها التربوية ونتائجها الغزيرة والقيّمة والخالية من جزاف القول والخرافات التاريخيّة انتقل الكلام الى النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث يقول القرآن الكريم :( ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ ) .
انّ هذه المعلومات الدقيقة لا يعلمها الّا الله ، او واحد من الذين كانوا حاضرين هناك ، وبما انّك لم تكن حاضرا لديهم فالوحي الالهي فقط هو الذي جاءك بهذه الاخبار.
ومن هنا يتّضح انّ قصّة يوسف بما انّها وردت في التوراة فأهل الحجاز عندهم معلومات تقريبيّة عنها ، ولكن كلّ هذه الحوادث لم تطرح بهذه الدقّة في جزئياتها ابدا ، وحتّى في المحافل الخاصّة السابقة لم تكن تعرف بدون اضافة وخرافة.
وعلى اي حال كان لزاما على الناس ان يؤمنوا بعد مشاهدتهم لعلائم الوحي وسماعهم لهذه النصائح الالهيّة ، وان يتراجعوا عن طريق الغيّ ، ولكن يا ايّها النّبي :( وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) .
انّ الوصف ب (الحرص) هنا دليل على شوق ولهفة النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لانّ يؤمن الناس ، ولكن ما الفائدة ، فإصراره وشوقه لم يكونا كافيين ، فمن شرط الايمان الاستعداد والقابلية في نفس الشخص.
انّ أبناء يعقوبعليهالسلام كانوا يعيشون في بيت الوحي والنبوّة ، ومع ذلك نرى كيف عصفت بهم الأهواء حتّى كادوا ان يقتلوا أخاهم ، فكيف نتوقّع من جميع الناس ان يتغلّبوا على أهوائهم وشهواتهم مرّة واحدة وبشكل جماعي ويؤمنوا بالله؟
وهذه الآية بالاضافة الى ما ذكرنا هي تسلية لقلب النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى لا ييأس ابدا من إصرارهم على الكفر والذنوب ولا يستوحش الطريق لقلّة أصحابه ، كما نقرا في آيات اخرى من القرآن الكريم الكهف (6) :( فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ) وقوله تعالى :( وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ) فهؤلاء في الواقع ليس لهم اي عذر او مبرّر لعدم قبول الدعوة بالاضافة الى ما اتّضح من علامات الحقّ انّك لم تسألهم اجرا حتّى يكون مبرّرا لمخالفتك :
( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ) .
وهذه الدعوة عامّة للجميع ، ومائدة واسعة للعام والخاص وكلّ البشرية.
( وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ) .
فهذه الدلائل يرونها بأعينهم كلّ يوم! تشرق الشمس عند الصباح لتنشر أشعتها الذهبية على الجبال والوديان والصحاري والبحار ، وتغرب عند المساء ويعمّ الليل بستاره المظلم كلّ مكان.
انّ اسرار هذا النظام العجيب وهذا الشروق والغروب وحياة النباتات والحشرات والإنسان ، وهدير المياه ، وحركة النسيم ، وكلّ هذا الفن العجيب للوجود هو من الوضوح بحيث ان لم يتدبّر احد فيه وفي خالقه سيكون كالخشبة المسنّدة.
كثيرة هي الدلائل التي نعتبرها صغيرة وغير مهمّة ، فنحن نمرّ عليها كلّ يوم ولا نعير لها اهميّة ، وفجأة يظهر عالم ذو بصيرة فيكتشف بعد دراسة أشهر وسنين اسرار هذه الدلائل ويذهل العالم بها.
المهمّ ان نعلم انّ كلّ ما في العالم ليس زخرفا وبدون فائدة ، لانّها من مخلوقات الله الذي لا نهاية لعلمه ولا حدّ لحكمته. وانّما الساذج والزخرف فهم أولئك الذين يعتقدون بأنّ العالم وجود عبث وليس له غاية وفائدة. ولهذا فلا تعجب لعدم ايمانهم بالآيات المنزلة عليك ، لانّهم لم يؤمنوا بالآيات المحيطة بهم من كلّ مكان( وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) .
قد يتصوّر هؤلاء انّهم من المؤمنين المخلصين ولكن غالبا ما توجد جذور الشرك في افكارهم وأقوالهم وضمائرهم.
ليس الايمان هو الاعتقاد بوجود الله فقط ، فالمؤمن المخلص هو الذي لا يعتقد بأيّ معبود سوى الله ، فتكون أقواله واعماله وكلّ أفعاله خاضعة له. ولا يعترف بغير قانون الله ، ولا يضع طوق العبوديّة في رقبته لغيره ، ويمتثل بقلبه
وروحه لكلّ الأوامر الالهيّة ولو كانت مخالفة لهواه ، ويقدّم دائما الإله على الهوى ، هذا هو الايمان الخالص من الشرك في العقيدة والقول والعمل ، فلو حسبنا حسابا دقيقا في هذا المجال لوجدنا انّ الموحّدين الصادقين والمخلصين قليلون جدّا.
ولهذا السبب نقرا في الرّوايات الاسلامية ما جاء عن الامام الصادقعليهالسلام «الشرك أخفى من دبيب النحل»(1) .
أو نقرا : «انّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ، قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال : الرياء ، يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جاء الناس بأعمالهم : «اذهبوا الى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم من جزاء»(2) .
ونقل عن الامام الباقرعليهالسلام في تفسير الآية أعلاه حيث يقول «شرك طاعة وليس شرك عبادة ، والمعاصي التي يرتكبون وهي شرك طاعة أطاعوا فيها الشيطان فأشركوا بالله في الطاعة لغيره»(3) .
وفي بعض الرّوايات نقرا انّ المقصود من (شرك النعمة) بهذا المعنى انّ الله يهب الإنسان شيئا فيقول : انّ فلانا قد جاءني به فلو لم يكن فلان لكنت من الهالكين! وكانت حياتي هباء منثورا ، فهنا قد اعتبر الشريك مع الله الشخص الذي جرت على يده نعمة الله!
الخلاصة : انّ ما يفهم من الشرك ليس الكفر وانكار الإله وعبادة الأصنام فقط ، كما جاء في حديث عن الامام الرضاعليهالسلام «شرك لا يبلغ به الكفر» ولكن الشرك بمعناه الواسع يشمل جميع هذه الأمور.
__________________
(1) سفينة البحار ، المجلّد الاوّل ، صفحة 697.
(2) في ظلال القرآن ، المجلّد الخامس ، صفحة 53.
(3) نور الثقلين ، ج 2 ، صفحة 275 ـ اصول الكافي ، المجلّد الثّاني ، صفحة 292.
وفي آخر آية يحذّر القرآن الكريم أولئك الذين لم يؤمنوا بعد ويمرّوا على الآيات الواضحة مرّ الكرام ويشركون في اعمالهم حيث يقول :( أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) .
«الغاشية» : الغطاء او الستار ، ويقال للثوب الكبير الذي يغطّي سرج الجواد. ومعناه هنا البلاء والجزاء الذي يعمّ المفسدين(1) .
«والساعة» : القيامة ، وقد وردت بهذا المعنى في كثير من الآيات.
ويحتمل ان تكون كناية عن الوقائع العظيمة التي تحدث قبل يوم القيامة مثل الزلازل والعواصف والصواعق ، او اشارة الى ساعة الموت ، ولكن التّفسير الاوّل اقرب الى المعنى كما نرى.
* * *
__________________
(1) غاشية مؤنثة لانّها صفة «للعقوبة» التي هي مقدّرة.
الآيات
( قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) )
التّفسير
اصدق الدروس والعبر :
في الآية الاولى من هذه المجموعة يتلقّى النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الأوامر لتحديد الطريق
والمنهج الذي يتّبعه ، فيقول القرآن الكريم :( قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ ) ثمّ يضيف :( عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) .
وهذه الجملة توضّح انّ كلّ فرد مسلم مقتد بالرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم له نفس الدور في الدعوة الى الحقّ ، ولا بدّ من دعوة الآخرين الى الله ، من خلال أفعالهم وأقوالهم ، وكذلك تؤكّد هذه الجملة على انّ القائد يجب ان تكون له بصيرة ومعرفة كافية ، والّا فإنّ دعوته ليست الى الحقّ ، وللتأكيد على ذلك يضيف القرآن الكريم :( وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .
فهو يؤكّد على نزاهة الخالق الذي يدعو اليه وكماله المطلق الخالي من النقصان وانّه لا يتّخذ معه شريكا.
هذه في الواقع من خصائص القائد الصادق ، ان يعلن بصراحة عن اهدافه وخططه ، وان يسير هو والتابعين له على منهج واضح وسليم ، لا ان تسودهم هالة من الإبهام في الهدف والطريقة. او ان يسير كلّ واحد منهم في جهة معيّنة.
فواحدة من الطرق التي نتعرّف بها على القيادات الصادقة من الكاذبة هو انّ القيادة الصادقة تتميّز بصراحة القول ووضوح الطريق امّا الاخرى فهي لكي تحاول التغطية على سلوكها وتلتجئ الى الحديث المبهم والمتعدّد الجوانب.
انّ وقوع هذه الآية بعد الآيات المتعلّقة بيوسف تشير الى انّ طريقة ومنهج النّبي لا يختلفان عن طريقة ومنهج يوسف النّبي. فهو كان يدعو الى «الله الواحد القهّار» حتّى في زوايا السجن ، امّا غيره فكان يدعو الى اسماء انتقلت اليه بسبب التقليد من جاهل الى جاهل آخر. امّا سيرة الأنبياء والرسل كلّها واحدة.
وبما انّ الأقوام الضالّة والجاهلة كانت دائما تثير هذا الاعتراض على الأنبياء وهو انّكم بشر؟! ولماذا لا تكلّف الملائكة لهذا الأمر؟ وبما انّ الناس في الجاهلية كانوا يثيرون نفس الاعتراض بالنسبة الى الرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ودعوته العامّة ، فإنّ القرآن الكريم يجيب مرّة ثانية على هذا الاعتراض فيقول :( وَما أَرْسَلْنا مِنْ
قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى ) .
هؤلاء الرّسل هم كباقي الناس يعيشون في المدن والقرى ، ويتجوّلون بين الناس ويشعرون بآلامهم واحتياجاتهم ومشاكلهم.
فالوصف هنا ب( مِنْ أَهْلِ الْقُرى ) بالاضافة الى ما تشمله القرية في اللغة من معنى المدينة او الرّيف في مقابل «البدو» التي تطلق على اهل الصحراء ، فإنّها قد تشير الى انّ أنبياء الله لم ينهضوا من بين سكنة الصحراء ـ كما صرّح بذلك بعض المفسّرين ـ لانّ سكّان البادية يتّصفون بالجهل وعدم المعرفة وقلوبهم قاسية ويمتازون بقلّة معلوماتهم عن الحياة ومتطلّباتها.
صحيح انّ اكثر سكّان ارض الحجاز كانوا من البدو ، ولكن الرّسول من اهل مكّة التي تعتبر مدينة كبيرة نسبيّا ، وصحيح ايضا انّ مدينة كنعان لو قيست بأرض مصر التي كان يوسف يحكم فيها لكانت صغيرة وغير مهمّة ولذلك كان يعبّر عنها بالبدو. ولكن نحن نعلم انّ يعقوب وأبناءه لم يكونوا من اهل البادية ابدا ، فهم كانوا يعيشون في هذه المدينة الصغيرة كنعان.
ثمّ يبيّن القرآن الكريم : إذا ما أراد هؤلاء ان يعلموا عاقبة مخالفتهم لدعوتك التي هي الدعوة الى الله فإنّ عليهم ان يسيروا ليروا آثار السابقين :( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) .
انّ السير والتجوال في الأرض لمشاهدة آثار الماضين وخراب دورهم ومدنهم بسبب العذاب الالهي ، أفضل درس لهم ، درس حي وملموس للجميع.( وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ ) .
لماذا؟ لانّ الدنيا دار مليئة بالمصائب والآلام وغير باقية ، امّا الآخرة فدار خالدة وخالية من الآلام والعذاب.
( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ ) .
تشير هذه الآية الى ادقّ وأصعب لحظة في حياة الأنبياء فنقول : انّ الأنبياء يواجهون دائما مقاومة عنيفة من قبل اقوامهم وطواغيت زمانهم حتّى يصل الحال بالأنبياء الى اليأس الى حدّ يظنّون انّ اتباعهم المؤمنين القليلين قد كذبوا عليهم وتركوهم وحدهم في مسيرتهم في الدعوة الى الحقّ ، وفي هذه الأثناء حيث انقطع أملهم في كلّ شيء أتاهم نصرنا. وفي نهايتها تشير الى عاقبة المجرمين( وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ) .
فهذه سنّة الله في الذين اصرّوا على اعمالهم وأغلقوا باب الهداية على أنفسهم ، فهم وبعد إتمام الحجّة عليهم ينالهم العذاب الالهي فلا تستطيع اي قوّة ان تردّه.
في تفسير هذه الجملة من الآية :( ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) ومن المقصود بها ، هناك عدّة آراء للمفسّرين :
1 ـ انّ كثيرا من علماء التّفسير يرون ما قلناه سابقا ، وخلاصته : انّ عمل الأنبياء يصل الى درجة يعتقدون فيها انّ كلّ الناس سوف يكذبوهم ، حتّى تلك المجموعة التي تظهر ايمانها ولكنّها غير راسخة في عقيدتها.
2 ـ ويحتمل في تفسير الآية انّ فاعل «ظنّوا» هم المؤمنون ، وانّ المشاكل والاضطرابات تصل الى حدّ بأن يسوء ظنّهم بما وعدهم الأنبياء من النصر ويخيل إليهم انّه خلاف الواقع؟ وليس بعيدا سوء الظنّ هذا من الافراد الذين آمنوا حديثا.
3 ـ وبعض آخر اعطى تفسيرا ثالثا للآية ، وخلاصته : انّ الأنبياء ـ بدون شكّ ـ كانوا بشرا ، فحين يزلزلوا زلزالا شديدا وتبدوا جميع الأبواب امامهم موصدة ظاهرا ، ولا يرى في الأفق فرج ، والحوادث المتتالية تعصف بهم ، وصرخات المؤمنين الذين نفذ صبرهم تصل الى اسماعهم ، نعم في هذه الحالة وبمقتضى الطبع البشري قد يتبادر الى أذهانهم انّ الوعد بالنصر بعيد عن الصحّة! او انّ النصر الموعود له شروطه التي لم تتحقّق بعد ، ولكن سرعان ما يتغلّبون
على هذه الأفكار ويبعدونها عن أذهانهم ويشع في قلوبهم بصيص الأمل ، ومن ثمّ تتّضح لهم بشائر النصر.
وشاهدهم على هذا التّفسير الآية (214) سورة البقرة :( ... حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ ) .
ولكن مجموعة اخرى من المفسّرين أمثال العلّامة «الطبرسي» في مجمع البيان و «الرّازي» في تفسيره الكبير ، بعد ما ذكروا هذا الاحتمال قالوا ببطلانه لانّه حتّى هذا المقدار من التوهّم ليس من مقام الأنبياء ، وعلى ايّة حال فالأصحّ هو التّفسير الاوّل.
وآخر آية من هذه السورة ذات محتوى شامل وجامع لكلّ الأبحاث التي ذكرناها في هذه السورة ، وهي :( لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ) .
فهي مرآة يستطيعون من خلالها ان يروا عوامل النصر والهزيمة ، الهناء والحرمان ، السعادة والشقاء ، العزّ والذلّة ، والخلاصة كلّ ما له قيمة في حياة الإنسان وما ليس له قيمة. وهي مرآة لكلّ تجارب المجتمعات السابقة والرّجال العظام. ومرآة نشاهد فيها ذلك العمر القصير للإنسان كيف يطول بمقدار عمر كلّ البشر. ولكن اولي الألباب وذوي البصائر فقط باستطاعتهم ان يشاهدوا العبر في صفحة المرآة العجيبة هذه :( ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ) .
فهذه الآيات التي أنزلناها عليك والتي أزاحت الستار عن التأريخ الصحيح للأمم السابقة ليست من العلم البشري الذي يمكن معرفته عن العلماء ، بل انّ الكتب السّماوية السابقة تشهد على ذلك وتصدّقه وتؤيّده وبالاضافة الى ذلك ففي هذه الآيات كلّ ما يحتاجه الإنسان في تأمين سعادته وتكامله :( وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ) .
ولهذا السبب فهي( وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) فالظاهر من الآية أعلاه
انّها تريد ان تشير الى هذه النقطة المهمّة وهي : انّ للقصص المصنوعة ذات الاثارة كثيرة في اوساط الأمم وهي من الأساطير الخيالية ، ولكن لا يتوهّم احد بأنّ سيرة يوسف او سير بقيّة الأنبياء التي ذكرها القرآن الكريم من ذلك القبيل.
المهمّ انّ هذه القصص المثيرة وذات العبر هي عين الواقع ولا تحتوي على ادنى انحراف عن الواقع الموضوعي ، ولهذا السبب يكون تأثيرها كبيرا جدّا ، لأنّنا نعلم أنّ الأساطير مهما تكن شيّقة ومثيرة فإنّ تأثيرها قليل إذا ما قورنت مع سيرة واقعيّة لانّ :
1 ـ عند ما يصل القارئ او المستمع للقصّة الى أقصى لحظات الاثارة يتبادر الى ذهنه فجأة انّ هذا وهم وخيال ليس اكثر!
2 ـ انّ هذه القصص في الواقع هي من هندسة الإنسان ، فهو يحاول ان يجسّم أفكاره في سلوك بطل القصّة ، ولذلك فهي ليست اكثر من فكر الإنسان ، وهذه القصّة بالمقارنة مع السير الواقعيّة بينهما فرق شاسع ولا تستطيع القصّة البشرية ان تكون اكثر من موعظة لصاحب المقالة. ولكن التاريخ الواقعي للبشر ليس كذلك ، فهو اكثر ثمرا ونفعا واكثر بركة.
* * *
نهاية سورة يوسف
اللهمّ! امنحنا البصر في أعيننا والسمع في آذاننا والعلم في قلوبنا ، حتّى نستطيع ان نحصل من سيرة السابقين على طرقا للنجاة من المشاكل التي نغوص الآن فيها.
ربّنا! ألهمنا بصرا حادّا حتّى نرى عاقبة الذين اختلفوا وتشتّتوا فيما بينهم فكان عاقبتهم الهزيمة والخسران ، وحتّى لا نسير في نفس الطريق الذي سلكوه.
اللهمّ! ارزقنا تلك النيّة الخالصة لكي نتغلّب بها على نفوسنا ، وتلك المعرفة
حتّى لا يصيبنا الغرور بالنصر ، وتلك السّماحة ونكران الذات بحيث إذا رأينا من هو أفضل منّا على انجاز المسؤولية تركناها وتنازلنا عنها اليه.
فإن منحتنا هذا فسوف نستطيع ان نتغلّب على جميع المشاكل ، وان نحفظ نور الإسلام والقرآن في هذه الدنيا.
* * *
سورة الرّعد
مكّيّة
وعدد آياتها مائة وثلاث وأربعون آية
سورة الرّعد
محتوى السّورة
كما قلنا سابقا ، بما انّ السور المكيّة كان نزولها في بداية دعوة النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأثناء محاربته للمشركين ، فإنّها غالبا ما كانت تتحدّث عن المسائل العقائدية وخصوصا الدعوة الى التوحيد والمعاد ومحاربة الشرك. في الوقت الذي نرى فيه أنّ السور المدنية نزلت بعد انتشار الإسلام وقيام الحكومة الاسلامية ، فقد تناولت الأحكام والمسائل المتعلّقة بالنظام الاجتماعي واحتياجات المجتمع.
فهذه السورة (سورة الرعد) التي هي من السور المكّية لها نفس الخصائص السابقة ، فبعد ما تشير الى احقّية القرآن وعظمته ، تتطرّق الى آيات التوحيد واسرار الكون التي هي من دلائل ذات الله المقدّسة. فتارة تتحدّث عن رفع السّماوات بغير عمد ، واخرى عن تسخير الشمس والقمر ، ومرّة عن مدّ الأرض وخلق الجبال والأشجار والثمار ، ومرّة عن ستار الليل المظلم الذي يغشي النهار.
ومرّة اخرى تأخذ بأيدي الناس وتنقلهم الى جنّات النخيل والأعناب والزروع ، وتحصي لهم عجائبها.
ثمّ تتطرّق الى المعاد وبعث الإنسان من جديد ومحكمة العدل الالهي ، وهذه المجموعة من اصول المبدإ والمعاد تكمل ما أوضح من مسئولية ووظائف الناس وانّ اي تحوّل في قضاياهم المصيريّة يجب ان يبدأ من داخل أنفسهم.
ثمّ تعود مرّة اخرى الى فكرة التوحيد ، وتسبيح الرعد وخوف الناس من البرق والصاعقة ، وسجود السّماوات والأرضين في مقابل عظمة الربّ. ولأجل
ان تتعقّل القلوب والأسماع وتوقظ الأفكار ، ولإيضاح انّ الأوثان ليس لها اي ميزة او فائدة ، تدعوهم الى التفكّر والتعلّم ، وتضرب لهم الأمثال لمعرفة الحقّ من الباطل. الأمثال الحيّة والقابلة للإدراك.
ومن هنا فالحصيلة النهائية للايمان بالتوحيد والمعاد هي تلك التطبيقات العملية والحيّة لها ، فالقرآن في هذه السورة يدعو الناس الى الوفاء بالعهد وصلة الأرحام والصبر والاستقامة والإنفاق في السرّ والعلانية والنهي عن الانتقام.
ويوضّح لهم انّ الدنيا فانية ، والطمأنينة والراحة لا تحصلان الّا في ظلّ الايمان بالله.
وفي النهاية يأخذ بأيدي الناس ويغور بهم في اعماق التاريخ ، ويريهم العواقب السيّئة للذين طغوا وعصوا وابعدوا الناس عن الحقّ ، ويختم السورة بتهديد الكفّار بعبارات وجمل لاذعة.
اذن فالسورة تبتدئ بالعقائد والايمان وتنتهي بالبرامج التربوية للإنسان.
* * *
الآيات
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ )
( المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (1) اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) )
التّفسير
آيات الله في السّماء والأرض وعالم النّبات :
مرّة اخرى نواجه الحروف المقطّعة في بداية هذه السورة ، والتي وردت في
(29) سورة اخرى ، ولكن الحروف المقطّعة المذكورة هنا تتكوّن من( الم ) التي وردت في بداية عدّة سور ، و( الر ) والتي وردت في بداية سور اخرى ، وفي الواقع انّ هذه السورة تنفرد عن غيرها من السور ب( المر ) .
ومن المعتقد في تفسير الحروف المقطّعة انّ لها ارتباطا مباشرا بمعاني نفس السورة ، فمن المحتمل انّ هذا التركيب في بداية سورة الرعد يشير الى جمعها لمحتوى مجموعتين من السور التي تبتدئ ب( الم ) و( الر ) .
وإذا ما امعنا النظر في محتوى هذه السور نجدها مطابقة لما قلناه ، وبخصوص تفسير الحروف المقطّعة كانت لنا شروح مفصّلة عنها في بداية سورة البقرة وآل عمران والأعراف فلا ضرورة في التكرار.
وعلى ايّة حال فالآية الاولى من هذه السورة تتحدّث عن عظمة القرآن( تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُ ) (1) .
ولا يوجد اي شك أو ترديد في هذه الآيات ، لانّها تبيّن عين الحقيقة للكون ونظامه المرتبط بالإنسان. فهو حقّ لا يشوبه باطل ، ولهذا السبب فإنّ علائم الحقّ واضحة فيه لا تحتاج الى براهين( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ) .
لانّ الناس إذا ما تركوا وشأنهم ولم يتّبعوا معلما صادقا يهديهم ويربيهم في حياتهم وكانوا أحرارا في اتباع أهوائهم فانّهم سوف يتيهون في الطريق ويضلّون عن الحقّ.
وامّا إذا كان الرسل وهداة الحقّ هم الائمّة والقادة حيث يضع الفرد نفسه في تصرّفهم ، فإنّ الاكثرية تسير في طريق الحقّ.
ثمّ تتطرّق السورة الى شرح القسم المهمّ من ادلّة التوحيد وآيات الله في الكون ، وتتجوّل بالإنسان في عرض السّماوات وتريه الكواكب العظيمة واسرار هذا النظام وحركته ، حتّى يؤمن بالقدرة المطلقة والحكمة اللامتناهية( اللهُ الَّذِي
__________________
(1) استخدام تلك للبعيد ـ وكما قلنا سابقا ـ كناية عن عظمة القرآن واعجازه.
رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ) (1) .
الجملة( بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ) لها تفسيران :
1 ـ فكما ترون انّ السّماء مرفوعة بدون عمد (اي انّها في الأصل بلا عمد كما ترونها فعلا).
2 ـ والثانية ان (ترونها) صفة للعمد فيكون المعنى : انّ السّماء مرفوعة بعمد ولكن لا ترونها لانّها غير مرئية!
وهذا هو الذي يراه الامام علي بن موسى الرضاعليهالسلام ، ففي حديث رواه الحسين بن خالد قال : سألت الامام أبا الحسن الرضاعليهالسلام : ما المقصود في قوله تعالى :( وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ ) قال : هذه السّماء لها طرق الى الأرض ، فقلت له : كيف تكون لها طرق الى الأرض في الوقت الذي يقول سبحانه وتعالى :( رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ) فأجابه الامام : «سبحان الله ، أليس الله يقول بغير عمد ترونها؟ قلت بلى ، فقال : ثمّ عمد ولكن لا ترونها»(2) .
انّ هذه الآية بالرغم من وجود هذا الحديث الذي يفسّرها ، فإنّها تكشف عن حقيقة علمية لم تكن معروفة عند نزول الآيات الكريمة ، لانّه في ذاك الوقت كانت نظرية «بطليموس» في الهيئة تتحكّم بكلّ قواها في المحافل العلمية في العالم وعلى أفكار الناس ، وطبقا لهذه النظرية فإنّ السّماوات عبارة عن اجرام متداخلة تشبه قشور البصل ، وانّها لم تكن معلّقة وبدون عمد ، بل كلّ واحدة منها تستند الى الاخرى.
ولكن بعد نزول هذه الآيات بألف سنة تقريبا توصل علم الإنسان الى انّ هذه الفكرة غير صحيحة ، فالحقيقة انّ الاجرام السّماوية لها مقرّ ومدار ثابت ، ولا
__________________
(1) (عمد) على وزن (صمد) «وعمد» على وزن (زحل) والاثنان جمع عمود ، فالاوّل جمع ، والثّاني اسم الجمع (مجمع البيان ذيل الآية).
(2) الحديث في تفسير البرهان ، عن علي بن ابراهيم عن العياشي (البرهان ، المجلّد الثّاني ، ص 278).
تستند الى شيء ، فالشيء الوحيد الذي يجعلها مستقرّة وثابتة في مكانها هو تعادل قوّة التجاذب والتنافر ، فالاولى تربط الاجرام فيما بينها ، والاخرى لها علاقة بحركتها.
هذا التعادل للقوّتين الذي يشكّل اعمدة غير مرئيّة يحفظ الاجرام السّماوية ويجعلها مستقرّة في مكانها.
وفي الحديث عن الامام امير المؤمنينعليهالسلام بخصوص هذا الموضوع قال : «هذه النّجوم التي في السّماء مدائن مثل المدائن التي في الأرض مربوطة كلّ مدينة الى عمود من نور»(1) .
وهل نجد أوضح من هذا الوصف «عمود غير مرئي» او «عمود من نور» في ادب ذلك العصر لبيان أمواج الجاذبية وتعادل قوّتي الجذب والدفع. وللاطلاع اكثر راجع كتاب [القرآن وآخر الرسل] صفحة 166 وما بعدها.
( ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ) في خصوص معنى العرش والاستواء عليه هناك شرح واف عنه في ذيل الآية 54 من سورة الأعراف.
وبعد ان بيّن خلق السّماوات وهيمنة الخالق عليها ، تحدّث عن تسخير الشمس والقمر( وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) .
ما أعظم هذا التسخير الذي يقع تحت ارادة ومشيئة الخالق ، وفي خدمة الوجود الانساني والكائنات الحيّة حيث يشعّ نورهما وتضيئان العالم ، وتحافظان على دفء الكائنات وتساعدانها على النمو ، وتخلقان ظاهرة الجزر والمدّ في البحار ، وخلاصة القول انّهما منشأ لجميع البركات ، ولكن هذا النظام المادّي ليس ابديّا ، بل( كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ) .
ثمّ يضيف بعد ذلك : انّ هذه الحركات والتغيّرات في الأحوال ليست بدون حساب وكتاب ، وبدون فائدة ونتيجة ، بل( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ
__________________
(1) سفينة البحار ، المجلد الثاني ، ص 574 نقلا من تفسير علي بن ابراهيم القمي.
رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ) .
وتعقيبا للآيات السّابقة التي نقلت الإنسان الى السّماء لتريه الآيات الالهيّة هناك ، تنقله الآية الثانية من آيات التوحيد الى كتاب الكون اي الأرض والجبال والأنهار وانواع الثمار وشروق الشمس وغروبها ، حتّى يتفكّر في محل استقراره في البداية ماذا كان؟ وكيف أصبح الآن بهذه الصورة؟
قوله تعالى :( وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ) وبسطها بالشكل الذي تتهيّأ فيه لحياة الإنسان ونمو النباتات والحيوانات ، وملا الاودية والمنحدرات الصعبة بالتراب من خلال تفتّت الصخور الجبليّة ، وجعل الأرض مسطّحة وقابلة للسكن ، بعد ان كانت التضاريس مانعة من سكن الإنسان عليها.
وقد يحتمل في تفسير هذه الجملة( مَدَّ الْأَرْضَ ) الاشارة الى ما يقوله علماء الطبيعة من انّ الأرض كانت مغطاة بالماء. ثمّ استقرّت المياه في الوديان ظهرت اليابسة ، وبمرور الوقت اتّسعت حتّى أصبحت على ما نراه اليوم.
ثمّ يشير القرآن الكريم الى ظهور الجبال( وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ) فهي تلك الجبال التي عبّرت عنها في آيات اخرى ب (الأوتاد) ولعلّ ذلك اشارة الى انّها متشابكة فيما بينها من الأسفل مثلها مثل الدرع الواقي وتغطّي سطح الأرض ، فهي تبطل الضغوط الداخلية في الأسفل والضغط الخارجي المتمثّل بجاذبية القمر والمدّ والجزر. وكذلك تقضي على الاضطرابات والزلازل ، وتجعل الأرض مستقرّة وساكنة وصالحة لحياة الإنسان.
انّ ذكر القرآن الكريم الجبال بعد مدّ الأرض يحتمل ان يكون المراد منه انّ الأرض ليست منبسطة بشكل تامّ بحيث تنعدم فيها المرتفعات ، ففي هذه الصورة لا تستقرّ فيها الأمطار والمياه ، او تتحوّل الى مستنقعات وتجري فيها السيول وتتعرّض للطوفانات الدائمة ، فخلق الجبال لتأمن البشرية من هذين الأمرين.
وليست الأرض كلّها جبالا ووديانا فتكون غير قابلة للسكن ، بل تحتوي
على مناطق منبسطة ومناطق جبلية ووديان ، وهذه أفضل صيغة لحياة الإنسان والكائنات الحيّة. ثمّ تضيف الآية بعد ذلك الأنهار( وَأَنْهاراً ) .
رائع جدّا نظام سقي الأرض بواسطة الجبال ، وعلاقة الأنهار بالجبال ، لانّ كثيرا من الجبال تختزن المياه بشكل ثلوج على قممها وفي شقوق الوديان ، ثمّ تذوب تدريجيّا ، وطبقا لقانون الجاذبية تأخذ طريقها من المناطق المرتفعة الى المناطق المنخفضة بدون ان تحتاج الى قوّة اخرى لمساعدتها ، فهي تقوم بسقي كثير من المناطق وبشكل طبيعي على مدار السنة.
فلو لم يكن للأرض انحدار كاف ولم تختزن الجبال المياه بهذا الشكل ، لكان سقي كثير من المناطق اليابسة صعبا ، وفي حالة الإمكان كنّا نحتاج الى صرف مبالغ هائلة لإيصال الماء إليها.
ثمّ يذكر القرآن بعد ذلك النّباتات والأشجار التي تتكوّن من الأرض والمياه واشعّة الشمس ، والتي هي أفضل وسيلة لإمرار الإنسان بالغذاء :( وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) .
والآية تشير هنا الى انّ الفاكهة كائنات حيّة فيها الذكر والأنثى ، وبواسطة التلقيح تتكوّن الثمار.
فإذا كان العالم السّويدي «لينه» المختص بعلم النبات هو الذي توصّل الى هذه الحقيقة في حوالي منتصف القرن الثامن عشر الميلادي وهي انّ التزويج في عالم النباتات يعتبر قانونا عامّا تقريبا كالحيوانات ولها نطف ذكرية وانثوية وانّ الثمرة تتكوّن من التلقيح. فالقرآن الكريم قبل الف ومائة عام من ذلك كشف لنا عن هذه الحقيقة ، وهذه واحدة من معاجز القرآن العلمية التي تبيّن عظمة هذا الكتاب السّماوي الكبير.
وليس من شكّ انّ ما قبل «لينه» كان كثير من العلماء يعتقدون بوجود الذكور والإناث في بعض الأشجار ، حتّى الناس العاديين كانوا يعلمون بذلك ،
ولكن لم يكن يعلم اي واحد انّ هذا القانون عام ، حتّى كشفه «لينه» ومن قبله القرآن الكريم.
وبما انّ حياة الإنسان وكلّ الكائنات ـ وخصوصا النباتات ـ لا يمكن لها الاستمرار الّا بوجود نظام دقيق للّيل والنهار ، فإنّ القرآن يشير الى ذلك في القسم الآخر من الآية( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ) .
ولو لا ظلمة الليل وهدوؤه ، لأحرقت الشمس بنورها المستمر كلّ النباتات ، ولم تبق فاكهة ولا اي كائن حي على وجه الأرض ، فسطح القمر ليس له نهار دائم ومع هذا نجد ان حتّى هذا المقدار من نهاره الذي يعادل خمسة عشر يوما من ايّام الأرض. نرى انّ درجة فيها مرتفعة جدّا بحيث لو وضعنا هناك ماءا او اي سائل آخر فسوف يغلي ويتبخّر ، ولا يمكن لاي موجود حيّ في الأرض ان يتحمّل هذه الحرارة.
وتبيّن الآية في النهاية( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) أولئك الذين يتفكّرون في هذا النظام الرائع ، في نظام النّور والظلام ، وحركة الاجرام السّماوية ، وتسخير الشمس والقمر وجعلها في خدمة الإنسان ، وفي نظام مدّ الأرض واسرار خلق الجبال والأنهار والنّباتات ، نعم! فهم يرون بوضوح في هذه الآيات الحكمة المطلقة والقدرة اللامتناهية للخالق العلّام.
وفي الآية الاخيرة من هذه المجموعة يشير القرآن الكريم الى عدّة نقاط حول علم الأرض وعلم النّبات ، والتي تعبّر عن النظام الدقيق للخلقة ، يقول اوّلا( وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ) (1) فبالرغم من انّ هذه القطع متصلة مع بعضها البعض ، فإنّ لكلّ واحد منها بناءه وتركيبه الخاص به ، فبعضها قوي والآخر ضعيف ، وبعضها مالح والآخر حلو ، وكلّ قطعة لها الاستعداد في تربية نوع خاص
__________________
(1) متجاور بمعنى الجار وما يكون قريبا ، فقوله :( قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ) يقصد منه انّ هذه القطع مختلفة وليست متساوية ، والّا لم يكن للجملة معنى.
من النباتات وأشجار الفاكهة والزراعة ، لانّ احتياجات الإنسان والحيوان كثيرة ومتفاوتة ، وقد تكون لكلّ قطعة من الأرض المسؤولية في تلبية احدى هذه الحاجات. وامّا إذا كانت في مستوى واحد ، او لم تكن استعداداتها مقسّمة بالشكل المطلوب ، لكان الإنسان يمرّ بأزمة ونقص في مواده الغذائية والطبية وسائر الاحتياجات الاخرى ، ولكن هذا التقسيم المناسب للمسؤولية وتوزيعها على القطعات المختلفة للأرض سوف يسدّ الاحتياجات اللازمة للإنسان.
قوله تعالى :( وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ ) (1) ( صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ ) (2) .
«صنوان» جمع «صنو» بمعنى الغصن الخارج من اصل الشجرة ، وعليه فالكلمة تعني الاغصان المختلفة الخارجة من اصل الشجرة.
والملفت للنظر انّه يمكن ان يكون لكلّ واحد من هذه الاغصان نوع خاصّ من الثمر ، وهذه قد تشير الى قابلية الأشجار للتركيب. ففي بعض الأحيان يتمّ تركيب عدّة أغصان مختلفة على ساق واحدة ، وبعد نمو هذه التراكيب تعطي كلّ واحدة منها نوعا خاصا من الثمر ، فالتربة واحدة والساق والجذر واحد ولكن الثمر مختلف.
والأعجب من ذلك انّها تسقى بماء واحد( يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ) .
وقد نرى كثيرا انّه في الشجرة الواحدة او في غصن واحد توجد ثمار من نفس الصنف ولكن لها اطعمة وألوان مختلفة ، وفي العالم نشاهد اورادا كثيرة ، وقد يحمل الغصن الواحد اورادا مختلفة الألوان.
__________________
(1) «أعناب» جمع عنب و «النخيل» جمع نخلة ، ويحتمل انّهما ذكرتا بصيغة الجمع للدلالة على الأنواع المختلفة للعنب والتمر والتي قد تصل الى مئات الأنواع في العالم.
(2) وقد ذكروا معنى آخر لصنو ، وهو الشبيه ، ولكن يحتمل انّ هذا المعنى مأخوذ من نفس المعنى الذي ذكرناه آنفا.
اي مختبر للأسرار هذا الذي يعمل في أغصان الأشجار ، والذي ينتج من مواد قليلة متحدة ، تركيبات مختلفة تؤمّن احتياجات الإنسان.
أليست هذه الأسرار تدلّ على وجود من يقود هذا النظام بالعلم والحكمة. وهنا في آخر الآية يقول تعالى :( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) .
* * *
هناك عدّة نقاط :
1 ـ ما هي وجه العلاقة بين التوحيد والمعاد؟
كان الحديث في بداية الآية عن التوحيد واسرار الكون ، ولكن نقرا في نهايتها( يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ) فما هي وجه العلاقة بين التوحيد والمعاد حتّى تكون الواحدة نتيجة للأخرى؟
للاجابة على هذا السؤال لا بدّ من ملاحظة ما يلي :
ا ـ انّ قدرة الله على إيجاد الكون دليل على قدرته في إعادته كما نقرا في الآية (29) من سورة الأعراف( كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) او نقرا في أواخر سورة «يس» قوله تعالى :( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ) .
ب ـ وكما قلنا في بحثنا عن المعاد ، فإنّه لا فائدة من خلق العالم إذا لم تكن الآخرة حقيقة ، لانّه لا يمكن ان تكون هذه الحياة هي الهدف من خلق هذا العالم الواسع. يقول القرآن الكريم ضمن آياته المتعلّقة بالمعاد من سورة الواقعة آية (62) :( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ ) (1) .
__________________
(1) للمطالعة اكثر راجع كتاب [المعاد والعالم بعد الموت].
2 ـ الاعجاز العلمي للقرآن
هناك آيات كثيرة في القرآن المجيد أزاحت الستار عن مجموعة من الأسرار العلمية التي كانت خافية على العلماء في ذلك الوقت. وهذه واحدة من دلائل اعجاز وعظمة القرآن ، وغالبا ما كان يشير إليها كثير من المحقّقين في مسألة الاعجاز.
فمن جملة هذه الآيات ما ذكرناه آنفا وهي الآية التي تذكر الزوجية في النباتات ، فكما قلنا سابقا : انّ ظاهرة الزوجية في النباتات كانت معروفة للناس منذ القديم ولو بشكلها الجزئي ، ولكن لم تكن تعرف بشكل قانون عام حتّى أواسط القرن الثامن عشر حين استطاع العالم «لينه» والاوّل مرّة ان يكشف عن هذه الحقيقة ، ولكن القرآن الكريم اخبر بذلك قبل اكثر من الف عام.
كما أشار القرآن الى هذا الموضوع في سورة لقمان الآية 10 قوله تعالى :( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) .
كما اشارت إليها آيات اخرى.
3 ـ تسخير الشمس والقمر
قرانا في الآيات السابقة انّ الله سخّر الشمس والقمر ، كما نقرا في آيات كثيرة اخرى عن تسخير السّماء والأرض والليل والنهار للإنسان.
فنقرا في آية( وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ ) (1) وفي آية اخرى( وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ ) (2) ( سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ) (3) ( وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) (4) ( وَهُوَ
__________________
(1) ابراهيم ، 32.
(2) ابراهيم ، 32.
(3) النحل ، 12.
(4) ابراهيم ، 33.
الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا ) (1) ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ ) (2) ( وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ) (3) .
من مجموع هذه الآيات يمكن ان نستفيد ما يلي :
اوّلا : انّ الإنسان أكمل من جميع الموجودات في هذا العالم ، فمن وجهة اسلامية نرى انّ الشريعة الاسلامية تعطي للإنسان القيمة الكبيرة بحيث تسخّر له كلّ ما في الكون ، فهو خليفة الله ، وقلبه مستودع نوره!
ثانيا : ويتّضح انّ التسخير ليس المقصود منه انّ جميع هذه الكائنات هي تحت امرة الإنسان ، بل هي بقدر معيّن تدخل ضمن منافعه وخدمته ، وعلى سبيل المثال فإنّ تسخير الكواكب السّماوية من اجل ان يستفيد الإنسان من نورها او لفوائد اخرى.
فلا يوجد اي مبدا يقيّم الإنسان بهذا الشكل ، ولا يوجد في ايّة فلسفة هذا المقام لشخصيته ، فهذه من خصائص المدرسة الاسلامية التي ترفع من قيمة الإنسان بهذا الشكل الكبير ، فالمعرفة بها لها اثر عميق على تربيته ، لانّه حينما يفكر الإنسان بتعظيم الله له ، وتسخير السحاب والهواء والشمس والقمر والنّجوم وجعلها في خدمته ، فمثل هذا الإنسان لا تعتريه الغفلة ولا يكون عبدا للشهوات وأسيرا للمال والمقام ، بل يحطّم القيود ويتطلّع الى آفاق السّماء.
كيف يمكن القول : انّ الشمس والقمر غير مسخّرين للإنسان في الوقت الذي نرى انّ في اشعّتها نور يضيء حياة الإنسان ويحافظ على دفئه ، ولولا اشعّة الشمس لما وجدت اي حركة او نشاط على الكرة الارضية ، ومن جهة اخرى فإنّ جاذبيتها تنظم حركة الأرض حول مدارها ، وتوجد ظاهرة المدّ والجزر في
__________________
(1) النحل ، 14.
(2) الحجّ ، 65.
(3) الجاثية ، 13.
البحار بمساعدة القمر وهي بالتالي منبع لكثير من الفوائد والبركات.
فالبحار والأنهار ، والليل والنهار ، والفلك ، كلّ واحدة هي في خدمة الإنسان ومصالحه. والدقّة في هذا التسخير والنظام دليل واضح على عظمة وقدرة وحكمة الخالق المتعال.
* * *
الآيتان
( وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (5) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (6) )
التّفسير
تعجّب الكفّار من المعاد :
بعد ما انتهينا من البحث السّابق عن عظمة الله ودلائله ، تتطرّق الآية الاولى من هذه المجموعة الى مسألة المعاد التي لها علاقة خاصّة بمسألة المبدإ ، ويؤكّد القرآن الكريم هذا المعنى حيث يقول :( وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) (1) اي إذا أردت ان تتعجّب من قولهم هذا فتعجب لقولهم في
__________________
(1) ويحتمل في تفسير جملة( إِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ) انّ المقصود منه ان تعجب من عبادتهم للأصنام فالأعجب ان ينكروا المعاد ، ولكن هذا الاحتمال غير وارد ، والصحيح ما هو ظاهر الآية المذكور في المتن.
المعاد.
هذا التعجّب من المعاد كان موجودا عند جميع الأقوام الجاهلة ، فهم يظنّون انّ الحياة بعد الموت امر محال ، ولكنّنانرى انّ الآيات السابقة وآيات اخرى من القرآن الكريم تجيب على هذا التساؤل ، فما هو الفرق بين بدء الخلق والبعث من جديد؟ فالقادر الذي خلقهم اوّل مرّة باستطاعته ان يبعث الروح فيهم مرّة ثانية ، وهل نسي هؤلاء بداية خلقهم حتّى يجادلوا في بعثهم!؟
ثمّ يبيّن حالهم الحاضر ومصيرهم في ثلاث جمل :
يقول اوّلا :( أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ) لانّهم لو كانوا يعتقدون بربوبيّة الله لما كانوا يتردّدون في قدرة الله على بعث الإنسان من جديد ، وعلى هذا فسوء ظنّهم بالمعاد هو نتيجة لسوء ظنّهم بالتوحيد وربوبية الله.
والأمر الآخر انّه بكفرهم وعدم ايمانهم وخروجهم من ساحة التوحيد قيّدوا أنفسهم بالاغلال ، أغلال عبادة الأصنام والأهواء والمادة والجهل والخرافة ، وجعلوها في أعناقهم( وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ ) .
ومثل هؤلاء الأشخاص ليس لهم عاقبة سوى دخول النّار( وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) .
وفي الآية الثانية يشير الى دعوى اخرى للمشركين حيث يقول :( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ) بدلا من طلب الرحمة ببركة وجودك بينهم.
لماذا يصرّ هؤلاء القوم على الجهل والعناد؟ لماذا لم يقولوا : لو كنت صادقا لأنزلت علينا رحمة الله ، او لرفعت العذاب عنّا!؟ وهل يعتقدون بكذب العقوبات الالهيّة؟( وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ ) (1) . ثمّ تضيف الآية( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ
__________________
(1) المثلات جمع «مثلة» بفتح الميم وضم الثاء ومعناها العقوبات النازلة على الأمم الماضية.
الْعِقابِ ) . انّ العذاب الشديد غير مخالف لرحمته الواسعة ، كما لا يتوهّم أحدا انّ رحمته العامّة هي إعطاء الفرصة للظالمين ان يفعلوا ما يريدون. لانّه في هذه الموارد يكون شديد العقاب ، والحصول على نتائج هذه الصفتين للربّ يعني( لَذُو مَغْفِرَةٍ ) و( لَشَدِيدُ الْعِقابِ ) مرهون بسلوك الإنسان نفسه.
* * *
ملاحظتان
1 ـ لماذا التعجّب في الخلق الجديد؟
يستفاد من خلال آيات متعدّده في القرآن الكريم انّ من جملة مشاكل الأنبياء مع المشركين اثبات «المعاد الجسماني» لانّهم كانوا يتعجّبون دائما من هذا الموضوع وهو : كيف يبعث الإنسان من جديد بعد ان صار ترابا؟ كما اشارت اليه الآية السابقة( أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) وهناك سبع آيات اخرى تشير الى هذا الموضوع (الآية 35 و 82 من سورة المؤمنون 7 ـ 2 النمل 6 ـ 1 و 53 الصافات ـ 3 ق 7 ـ 4 الواقعة).
ومن هنا يتّضح انّ هذا التساؤل كان مهمّا بالنسبة إليهم حيث كانوا يكرّرونه في كلّ فرصة ، ولكن القرآن الكريم يجيبهم بعبارات قصيرة وقاطعة ، فمثلا الآية (29) من سورة الأعراف :( كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) تتكوّن من كلمات قليلة ولكنّها مفحمة لهم ، وفي مكان آخر يقول تعالى :( وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) لانّكم في الخلق الاوّل لم تكونوا شيئا امّا الآن فتوجد على الأقل عظام نخرة مع التراب المتبقّي منكم.
وفي بعض الأحيان يأخذ بأيدي الناس ويدعوهم الى التفكّر والإمعان في عظمة وقدرة الخالق( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ) .
2 ـ هل انّ الله يعفو عن الظالمين؟
قرانا في الآيات المتقدّمة انّ الله يعفو ويغفر للذين ظلموا ، وهذا الغفران غير لازم لمن يصرّ على ظلمه ، ولكنّه من باب إعطاء الفرصة لهم لان يصلحوا أنفسهم ، والّا فهو تعالى شديد العقاب.
ويمكن ان نستفيد من هذه الآية انّ الذنوب الكبيرة ـ ومن جملتها الظلم ـ قابلة للغفران (ولكن بتحقّق شروطها) ، وهو ردّ على قول المعتزلة بأنّ الذنوب الكبيرة لا يغفرها الله ابدا.
وعلى ايّة حال فـ «المغفرة الواسعة» و «العقاب الشديد» في الواقع تجعل كل المعترفين بوجود الله بين «الخوف» و «الرجاء» الذي يعتبر من العوامل المهمّة لتربية الإنسان ، فلا ييأس من رحمة الله لكثرة الذنوب ، ولا يأمن من العذاب لقلّتها.
ولهذا جاء في الحديث عن الرّسول الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم «لو لا عفو الله وتجاوزه ما هنئ احد العيش ، ولولا وعيد الله وعقابه لاتّكل كلّ واحد»(1) .
ومن هنا يتّضح انّ الذين يقولون ـ أثناء ارتكابهم المعاصي ـ انّ الله كريم ، يكذبون في اتّكالهم على كرم الله ، فهم في الواقع يستهزءون بعقاب الله.
* * *
__________________
(1) مجمع البيان ، المجلد 5 و 6 ، ص 278 ـ تفسير القرطبي ، المجلّد السّادس ، ص 3514.
الآية
( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ(7) )
التّفسير
ذريعة اخرى!
بعد ما أشرنا في الآيات السّابقة الى مسألة «التوحيد» و «المعاد» ، تتطرّق هذه الآية الى واحدة من اعتراضات المشركين المعاندين حول مسألة النبوّة :( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ) .
ومن الواضح انّ احدى وظائف النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم اظهار معاجزه لكي يدلّ على صدقه وصلته بالوحي الالهي ، والذي يبحث عن الحقيقة له الحقّ في المطالبة بالمعجزة أثناء شكّه وتردّده في تصديق الدعوة ، او تتّضح له دلائل النبوّة عن طريق آخر.
ولكن يجب ان نلتفت الى هذه النقطة وهي : انّ اعداء الأنبياء لم يكن لديهم حسن نيّة او اتّباع للحقّ عند طلبهم المعجزة ، بل لعنادهم وعدم تسليمهم للأمر الواقع ولذلك كانوا يقترحون بين فترة واخرى معاجز عجيبة وغريبة. وهذه ما
يسمّى بـ «المعجزات الاخلاقية».
اقتراحهم للمعاجز لم يكن لكشف الحقيقة ، ولهذا لم يستجب الأنبياء لمطاليبهم ، وفي الحقيقة كانت هذه الفئة من الكفّار المعاندين يعتقدون انّ النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يدّعي القدرة على انجاز اي عمل خارق للعادة ، وايّ واحد منهم يقترح عليه انجاز عمل ما سوف يلبّي مطاليبه.
ولكن الأنبياء كانوا يقولون لهم الحقيقة وهي انّ المعاجز بيد الله ، ورسالتنا هداية الناس.
ولذلك نقرا في تكملة الآية قوله تعالى :( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) .
* * *
بحثان
هنا يرد سؤالان :
1 ـ هل الآية «انّما أنت منذر ...» جواب للكفّار؟
كيف يمكن لجملة( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) ان تكون جوابا للكفّار عند طلبهم المعجزة؟
الجواب : بالاضافة الى ما قلناه سابقا فإنّ النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ليست له القدرة الغيبية المطلقة كي يطلبوا منه الاعجاز ، لانّ الوظيفة الاولى له هي إنذار أولئك الذين يسيرون في طريق الضلال ، والدعوة الى الصراط المستقيم ، وإذا ما احتاجت هذه الدعوة الى المعجزة فسوف يأتي بها النّبي ، ولكن لا يأتي بها للمعاندين البعيدين عن هذه المسيرة.
فمعنى الآية : انّ الكفّار نسوا انّ هدف الأنبياء الإنذار والدعوة الى الله ، واعتقدوا انّ وظيفتهم القيام بالمعاجز.
2 ـ ما هو المقصود من جملة( لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) ؟
قال بعض المفسّرين : انّ هاتين الصفتين (منذر) و (هاد) صفتان للرسول ، فأصل الجملة تكون (أنت منذر وهاد لكلّ قوم).
ولكن هذا التّفسير خلاف الظاهر ، لانّ الواو في جملة( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) تفصل بين جملة( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ) ولو كانت كلمة «هاد» قبل «لِكُلِّ قَوْمٍ » كان المعنى السّابق صحيحا. ولكن الأمر ليس كذلك.
والشيء الآخر هو انّ هدف الآية بيان انّ هناك قسمين من الدعوة الى الله : أحدهما ان يكون عمل الداعي هو الإنذار فقط. والآخر : ان يكون العمل هو الهداية.
وسوف تسألون حتما : ما هو وجه التفاوت بين (الإنذار) و (الهداية)؟ نقول في جواب هذا السؤال : انّ الإنذار للذين اضلّوا الطريق ودعوتهم تكون الى الصراط المستقيم ، ولكن الهداية والاستقامة للذين آمنوا.
وفي الحقيقة انّ المنذر مثل العلّة المحدثة ، امّا الهادي فبمنزلة العلّة الباقية وهذه هي التي تعبّر عنها بالرّسول والامام ، فالرّسول يقوم بتأسيس الشريعة والامام يقوم بحفظها وحراستها. (ليس من شكّ انّ الهداية في آيات اخرى مطلقة للرسول ، ولكن بقرينة المنذر في هذه الآية نفهم انّ المقصود من الهادي هو الشخص الحافظ والحامي للشريعة).
هناك روايات عديدة تؤكّد ما قلناه سابقا ، فقد قال الرّسول الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم : «انا المنذر وعلي الهادي».
ولا بأس ان نشير الى عدّة من هذه الرّوايات :
1 ـ في ذيل هذه الآية من تفسير الفخر الرازي مرفوعا عن ابن عبّاس قال : وضع رسول الله يده على صدره فقال : «انا المنذر» ثمّ اومأ الى منكب عليعليهالسلام وقال : (أنت الهادي بك يهتدي المهتدون من بعدي) هذه الرّواية ذكرها العلّامة
«ابن كثير» في تفسيره ، والعلّامة «ابن الصبّاغ المالكي» في الفصول المهمّة ، و «الكنجي» الشافعي في كفاية الطالب و «الطبري» في تفسيره ، و «ابو حيّان الاندلسي» في تفسيره البحر المحيط ، وكذلك «العلّامة النيسابوري» في تفسيره الكشّاف ، وعدد آخر من المفسّرين.
2 ـ نقل «الحمويني» وهو من علماء اهل السنّة المعروفين في كتابه فرائد السمطين عن ابو هريرة قال «ان المراد بالهادي عليعليهالسلام ».
3 ـ «مير غياث الدين» مؤلّف كتاب (حبيب السيّد) كتب يقول في المجلّد الثّاني صفحة 12 : «قد ثبت بطرق متعدّدة انّه لمّا نزل قوله تعالى :( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) قال لعلي : «انا المنذر وأنت الهادي بك يا علي يهتدي المهتدون من بعدي».
كما نقل هذا الحديث «الآلوسي» في (روح المعاني) و «الشبلنجي» في (نور الأبصار) والشيخ «سليمان القندوزي» في (ينابيع المودّة).
وبما انّ اكثر هذه الرّوايات مسنده الى ابن عبّاس فإنّه لم يكن الشخص الوحيد الذي روى ذلك ، فأبو هريرة نقل ذلك فيما ذكره الحمويني ، وحتّى علي نفسه ـ طبقا لما نقله الثعلبي ـ قد قال : «المنذر النّبي والهادي رجل من بني هاشم» يعني نفسه(1) .
لا شكّ انّ هذه الأحاديث لا تصرّح بالخلافة ، ولكن بالنظر الى ما تحتويه هذه الكلمة (الهداية) من المعنى الواسع ، فإنّها غير منحصرة بعليعليهالسلام بل تشمل جميع العلماء واصحاب الرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم الذين كانوا يقومون بنفس المهمّة ، فإنّه يتّضح لنا تخصيص علي بن أبي طالبعليهالسلام في هذه الرّوايات بهذا العنوان يدلّ على انّه المصداق البارز له ، وذلك لما يمتاز به من الخصوصيات ، وهذا المطلب لا يكون منفصلا عن خلافة الرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم حتما.
* * *
__________________
(1) للمزيد من الاطلاع راجع كتاب احقاق الحقّ ، المجلّد الثّالث ، ص 87 وما بعدها.
الآيات
( اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (8) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (9) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (10) )
التّفسير
علم الله المطلق :
نقرا في هذه الآيات قسما من صفات الخالق ، والتي تكمل بحث التوحيد والمعاد ، فالحديث عن علمه الواسع ومعرفته بكلّ شيء ، هو ذاك العلم الذي يقوم عليه نظام التكوين وعجائب الخلقة وآيات التوحيد ، وهو العلم الذي يكون أساسا للمعاد والعدالة الالهيّة يوم القيامة وهذه الآيات استندت الى هذين القسمين : (العلم بنظام التكوين ، والعلم بأعمال العباد).
تقول الآية اوّلا :( اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ) في رحمها ، سواء من أنثى الإنسان او الحيوان( وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ ) اي تنقص قبل موعدها المقرّر( وَما
تَزْدادُ ) (1) اي يعلم بما تزيد عن موعدها المقرّر.
في تفسير هذه الجمل الثلاث هناك آراء مختلفة بين المفسّرين :
يعتقد البعض ـ انّها تشير ـ كما ذكرنا آنفا ـ الى وقت الولادة ، وهي على ثلاثة انواع : فمرّة يولد المولود قبل موعده. ومرّة في موعده ، واخرى بعد الموعد المقرّر. فالله يعلم كلّ ذلك ويعلم لحظة الولادة بالتحديد ، وهذه من الأمور التي لا يستطيع اي احد او جهاز ان يحدّد موعده ، وهذا العلم خاص بذات الله المنزّهة ، وسببه واضح لانّ استعدادات الأرحام والاجنّة مختلفة ، ولا احد يعلم بهذا التفاوت.
وقال بعض آخر : انّها تشير الى ثلاث حالات مختلفة للرحم ايّام الحمل ، فالجملة الاولى تشير الى نفس الجنين الذي تحفظه ، والجملة الثانية تشير الى دم الحيض الذي ينصبفي الرحم ويمصّه الجنين ، والجملة الثالثة اشارة الى الدم الاضافي الذي يخرج أثناء الحمل أحيانا ، او دم النفاس أثناء الولادة(2) .
وهناك عدّة احتمالات اخرى في تفسير هذه الآية دون ان تكون متناقضة فيما بينها ، ويمكن ان يكون مراد الآية اشارة الى مجموع هذه التفاسير ، ولكن الظاهر انّ التّفسير الاوّل اقرب ، بدليل جملة (تحمل) المقصود منها الجنين والجمل (تغيض) و (تزداد) بقرينة الجملة السابقة تشير الى الزيادة والنقصان في فترات الحمل.
روى الشيخ الكليني في الكافي عن الامام الصادقعليهالسلام او الامام الباقرعليهالسلام
__________________
(1) «تغيض» أصلها الغيض بمعنى ابتلاع السائل وهبوط مستوى الماء. وتأتي بمعنى النقصان والفساد ، و «الغيضة» المكان الذي يقف فيه الماء فيبتلعه ، و «ليلة غائضة» اي مظلمة.
(2) يقول صاحب الميزان مؤيّدا هذا الراي : إنّ بعض روايات ائمّة اهل البيت يؤيّد هذا الراي. وابن عبّاس ممّن يؤيّد هذا الراي ايضا ، ولكن بالنظر الى الرّوايات المنقولة في تفسير نور الثقلين في ذيل الآية فإنّ أكثرها يؤيّد ما قلناه في الراي الاوّل.
في تفسير الآية انّ «الغيض كلّ حمل دون تسعة أشهر ، وما تزداد كلّ شيء حمل على تسعة أشهر». وفي تكملة الحديث يقول : «كلّما رأت المراة الدم الخالص في حملها فإنّها تزداد وبعدد الايّام التي زاد فيها في حملها من الدم»(1) .
( وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ) ولكي لا يتصوّر احد انّ هذه الزيادة والنقصان بدون حساب ودليل ، بل انّ كلّ ساعة وثانية ولحظة لا تمرّ دون حساب ، كما انّ للجنين ودم الرحم حساب وكتاب ايضا. فالآية التي بعدها تؤكّد ما قلناه في الآية السابقة حيث تقول :( عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ) فعلمه بالغيب والشهادة لهذا السبب( الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ ) فهو يحيط بكلّ شيء ، ولا يخفى عنه شيء.
ولتكميل هذا البحث وتأكيد علمه المطلق يضيف القرآن الكريم :( سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ ) (2) وهذا هو الحقّ فالذي يوجد في كلّ مكان لا معنى للغيب والشهادة او الليل والنهار عنده ، فهو محيط بها وعالم بأخبارها بشكل متساو.
* * *
بحوث
1 ـ القرآن وعلم الاجنّة
أشار القرآن المجيد مرارا الى مسألة الجنين وعجائب تكوينه ليكون احد الادلّة على التوحيد ومعرفة الله وعلمه المطلق ، وبالطبع فإنّ علم الاجنّة واحد من العلوم الحديثة وكان سابقا عبارة عن معلومات اوّليّة محدودة ثمّ توسعت في هذا العصر. ولكن بتقدّم العلم والمعرفة حدثت قفزة في هذا المجال كشف عن
__________________
(1) نور الثقلين ، ج 2 ، صفحة 485.
(2) «سارب» من سرب على وزن ضرر ، بمعنى الماء الجاري ، ويقال للشخص الذاهب الى عمل ايضا.
كثير من اسرار هذا العالم الساكن والهادىء وعن كثير من عجائبه بحيث نستطيع ان نقول : انّ اكبر درس للتوحيد ومعرفة الله كامن في تكوين الجنين ومراحل تكامله.
فمن هذا الذي يرعى هذا الكائن المخفي وبتعبير القرآن واقع «في ظلمات ثلاث» الذي يمتاز بالظرافة ودقّة التكوين وان يوصل له المقدار اللازم من الغذاء ويرشده مراحل حياته؟
وعند ما تقول الآية السابقة :( اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ) فليس المقصود من علمه بالذكر والأنثى فقط ، بل بكلّ خصائصه والطاقة الكامنة فيه ، هذه الأشياء لا يستطيع احد وبأي وسيلة ان يتعرّف عليها ، وعلى هذا فإنّ وجود هذا النظام الدقيق والمعقّد للجنين ومراحل تكامله لا يمكن ان يكون بدون صانع عالم وقدير.
2 ـ كلّ شيء له مقدار
نحن نقرا في آيات مختلفة من القرآن الكريم انّ كلّ شيء له حدّ محدود ولا يتجاوزه ، ففي الآية (3) من سورة الطلاق يقول تعالى :( قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) وفي الآية 21 سورة الحجر يقول تعالى :( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) والآية التي نحن بصددها( وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ) .
كلّ هذه تشير الى انّه ليس هناك شيء في العالم بدون حساب ، حتّى الموجودات في الطبيعة التي نعتبرها في بعض الأحيان غير مهمّة ، فإنّ وجودها على أساس حساب دقيق ، علمنا بذلك ام لم نعلم ، وأساسا فإنّ معنى حكمة الله هو ان يجعل لكلّ ما في الكون حدّا ومقدارا ونظاما.
وكلّ ما حصلناه اليوم من اسرار الكون بواسطة العلوم يؤكّد هذه الحقيقة ، فمثلا نرى انّ دم الإنسان ـ الذي هو المادّة الحياتية لوجود الإنسان والذي يقوم
بنقل المواد الضروريّة اللازمة لخلايا الجسم ـ يتركّب من عشرين مادّة او اكثر ، وبنسب ثابتة دقيقة بحيث لو تمّ اي تغيير فيها لتعرّضت سلامة الإنسان للخطر ، ولهذا السبب ولمعرفة النقص الحاصل في الجسم يقومون بتحليل الدم وقياس نسبة السكر والدهن وسائر مركّبات الدم الاخرى ، ويتمّ تشخيص العلّة بواسطة معرفة زيادة او نقصان هذه النسب ، وليس دم الإنسان وحده له هذه الميزة ، بل كلّ ما في الوجود له نفس هذه الدقّة في النظام.
ولا بدّ هنا من التنبيه على انّ ما يظهر لنا في بعض الأحيان من عدم النظام في عالم الوجود هو في الواقع ناتج من قصور في علومنا ومعرفتنا ، فالإنسان الذي يؤمن بالله لا يمكن ان يتصوّر ذلك ، وبتطوّر العلوم تتأكّد لنا هذه الحقيقة.
وكي نستطيع ان نتعلّم هذا الدرس وهو انّ المجتمع الانساني الذي هو جزء من عالم الوجود إذا أراد له العيش بسلام ، فعليه ان يجعل شعار( كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ) يسود جميع جوانبه ، ويجتنب الإفراط والتفريط في اعماله وتخضع جميع مؤسساته الاجتماعية للحساب والموازين.
3 ـ الغيب والشهادة سواء عند الله
استندت هذه الآيات الى انّ الغيب والشهادة معلومان عند الله ، فهما مفهومان نسبيان وتستخدمان للكائن الذي علمه ووجوده محدود ، وعلى سبيل المثال نحن نمتلك حواسا ذات مدى نسبي ، فمتى ما كان الشيء داخلا في هذا المدى فهو شاهد بالنسبة لنا ، وما كان خارجا عنه فهو غيب ، فلو فرضنا انّ أبصارنا لها قدرة غير محدودة ويمكنها النفوذ في باطن الأشياء وإدراكها ، فإنّ كلّ شيء يعتبر شاهد عندنا.
وبما انّ كلّ شيء له حدّ محدود غير الذات الالهيّة ، فإنّ لغير الله تعالى غيب وشهادة ، ولانّ ذات الله غير محدودة ووجوده عام ومطلق فإنّ كلّ شيء بالنسبة
اليه شهادة ، ولا معنى للغيب بالنسبة اليه ، وإذا ما قلنا ـ انّ الله عالم الغيب والشهادة فهو ما نعتبره نحن غيب وشهادة ، امّا هو فهما عنده سواء. لنفترض انّنا ننظر ما في أيدينا في النهار ، فهل نجهل ما فيها؟! جميع الكون في مقابل علم الله أوضح من هذا واظهر.
4 ـ الآثار التربوية في إدراكنا لعلم الله
أثناء قراءتنا للآيات الماضية التي تقول : انّ الله يعلم السرّ والجهر من القول وحركاتكم في الليل والنهار وكلّها مشهودة عنده ، هل نجد في أنفسنا ايمانا بهذه الحقيقة؟ لو كنّا مؤمنين بذلك حقّا ونشعر بأنّ الله تعالى مطّلع علينا فإنّ هذا الايمان والاحساس الباطني يبعث على تغيير عميق في روحنا وفكرنا وقولنا وضمائرنا؟.
نقل عن الامام الصادقعليهالسلام في جوابه لمن سأله عن طريقتهم في الحياة قال : «علمت انّ الله مطلع عليّ فاستحييت».
كما نشاهد كثيرا من المواقف من تأريخ المسلمين وحياتهم تتجلّى فيها هذه الحقيقة ، يقال : دخل أب وابنه في بستان ، فتسلّق الأب شجرة ليقطف ثمارها دون اذن صاحبها ، بينما بقي الابن أسفل الشجرة لمراقبة الأوضاع. وفجأة صاح الابن الذي كان مؤمنا ومتعلّما ونادى أباه بأن ينزل بسرعة ، عندها خاف الأب ونزل فورا وسأل من الذي رآني؟ قال : الذي هو فوقنا ، فنظر الأب الى الأعلى فلم يجد أحدا ، وسأل من الذي رآني؟ قال : الذي هو فوقنا ، فنظر الأب الى الأعلى فلم يجد أحدا ، فقال الابن : كان قصدي هو الله المحيط بنا جميعا ، كيف يمكن ان تخاف ان يراك الإنسان ، ولا تخاف ان يراك الله؟! اين الايمان؟!
* * *
الآية
( لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (11) )
التّفسير
المعقّبات الغيبية!
علمنا في الآيات السابقة انّ الله بما انّه عالم الغيب والشهادة فإنّه يعلم أسرار الناس وخفاياهم ، وتضيف هذه الآية انّه مع حفظ وحراسة الله لعبادة فإنّ( لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ ) (1) .
ولكي لا يتصوّر احد انّ هذا الحفظ بدون شروط وينغمس في المزلّات ، او يرتكب الذنوب الموجبة للعقاب ، ومع كلّ ذلك ينتظر من الله او الملائكة ان يحفظوه ، يعلّل القرآن ذلك بقوله :( إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما
__________________
(1) هناك حديث بين المفسرين في ان الضمير (له) لمن يعود ، وكما تشير الآية فإنه يعود للإنسان كما تؤكد عليه الآيات السابقة ، ولكن بعضهم قال : يعود للنبي او لله. وهذا يخالف ما جاء في ذيل الآية [فتأمل].
بِأَنْفُسِهِمْ ) .
وكي لا يتبادر الى الأذهان انّه مع وجود الملائكة الحافظة فأيّ معنى للعذاب او الجزاء؟ هنا تضيف الآية( وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ ) ولهذا السبب فإنّه حين صدور العذاب الالهي على قوم او امّة ، فسوف ينتهي دور المعقّبات ويتركون الإنسان عرضة للحوادث
* * *
بحوث
1 ـ ما هي المعقّبات؟
«المعقّبات» كما جاء في مجمع البيان للعلّامة الطبرسي وكما قاله بعض المفسّرين جمع (معقبة) وهي بدورها جمع (معقّب) ومعناه المجموعة التي تعمل بشكل متناوب ومستمر. والظاهر من الآية انّ الله سبحانه وتعالى امر مجموعة من الملائكة بأن يحفظوا الإنسان في الليل والنهار ومن بين يديه ومن خلفه.
انّ الإنسان ـ بدون شك ـ معرّض في حياته الى كثير من الحوادث الروحية والجسمية ، فالامراض والمتغيّرات في السّماء والأرض محيطة بالإنسان ، وخصوصا في مرحلة الطفولة التي لا يدرك فيها ما يجري حوله ويكون هدفا سهلا للإصابة بها ، فقد يتعجّب الإنسان كيف ينجو الطفل وينمو من بين جميع هذه الحوادث ، وخصوصا في العوائل التي لا تدرك هذه المسائل وتعاني من قلّة الامكانيات كأبناء الريف الذين يعانون من الحرمان والفقر وهم معرضون للامراض اكثر من غيرهم.
وإذا ما امعنّا النظر في هذه المسائل فسوف نجد انّ هناك قوى محافظة ، تحفظ الإنسان في مقابل هذه الحوادث كالدرع الواقي.
وكثيرا ما يتعرّض الإنسان الى حوادث خطرة ويتخلّص منها بشكل
اعجازي تجعله يشعر انّ كلّ ذلك ليس صدفة وانّما هناك قوى محافظة تحميه.
وهناك كثير من الأحاديث المنقولة عن ائمّة المسلمين تؤكّد ذلك ومن جملتها : الحديث المروي عن الامام الباقرعليهالسلام في تفسير هذه الآية يقول : «يحفظ بأمر الله من ان يقع في ركي او يقع عليه حائط او يصيبه شيء ، حتّى إذا جاء القدر خلوا بينه وبينه يدفعونه الى المقادير ، وهما ملكان يحفظانه بالليل وملكان من نهار يتعاقبانه».
وفي حديث آخر عن الامام الصادقعليهالسلام يقول : «ما من عبد الّا ومعه ملكان يحفظانه فإذا جاء الأمر من عند الله خليا بينه وبين امر الله».
ونقرا في نهج البلاغة عن امير المؤمنينعليهالسلام «انّ مع كلّ انسان ملكين يحفظانه فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه».
كما نقرا في نهج البلاغة في وصف الملائكة من الخطبة الاولى «ومنهم الحفظة لعباده».
انّ عدم إدراكنا لوجود المعقّبات عن طريق الحسّ او التجربة العلمية ليس دليلا على عدم وجودهم ، لانّه غير منحصر في هذا المجال فقط ، فالقرآن الكريم والمصادر المعرفية الاخرى اشارت الى امور كثيرة وراء الحسّ والتي لا يمكن إثباتها بالطرق العادية. واكثر من ذلك ما قلنا سابقا من انّنا نتعرّض في حياتنا الى كثير من المخاطر والتي لا يمكن النجاة منها الّا بوجود هذه القوى المحافظة (ورأيت في حياتي بعض من هذه النماذج المحيّرة ، والتي كانت بالنسبة لي كشخص صعب التصديق دليلا على وجود هذا المعقّب اللامرئي).
2 ـ التغيير يبدأ من النفس (قانون عام)
تبيّن الجملة( إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ ) والتي جاءت في موردين متفاوتين في القرآن الكريم ، انّها قانون عام ، قانون حاسم ومنذر!
هذا القانون الذي هو واحد من القوانين الاساسيّة لعلم الاجتماع في الإسلام ، يقول لنا : انّ ما يصيبكم هو من عند أنفسكم ، وما أصاب القوم من السعادة والشقاء هو ممّا عملت أيديهم ، وما يقال من الحظّ والصدفة وما يحتمله المنجّمون ليس له أساس من الصحّة ، فالأساس والقاعدة هي ارادة الامّة إذا أرادت العزّة والافتخار والتقدّم ، او العكس ان أرادت هي الذلّة والهزيمة ، حتّى اللطف الالهي او العقاب لا يكون الّا بمقدّمة. فتلك ارادة الأمم في تغيير ما بأنفسهم حتّى يشملهم اللطف او العذاب الالهي.
وبتعبير آخر : انّ هذا الأصل القرآني الذي يبيّن واحدا من اهمّ المسائل الاجتماعية في الإسلام ، يؤكّد لنا ان اي تغيير خارجي للأمم مرتبط بالتغيير الداخلي لها ، واي نجاح او فشل يصيب الامّة ناشئ من هذا الأمر ، والذين يبحثون عن العوامل الخارجية لتبرير اعمالهم وتصرّفاتهم ويعتبرون القوى المستعمرة والمتسلّطة هي السبب في شقائهم يقعون في خطأ كبير ، لانّ هذه القوى الجهنميّة لا تستطيع ان تفعل شيئا إذا لم تكن لديها قدرة ومركز في داخل المجتمع.
المهمّ ان نطهّر مجتمعاتنا من هذه المقرّات والمراكز للمستعمرين ولا نجعلها تنفذ في داخل مجتمعنا ، فهؤلاء بمنزلة الشياطين ، ونحن نعلم انّ الشيطان ليس له سبيل على عباد الله المخلصين ، فهو يتسلّط على الذي مهّد له السبيل في داخله.
يقول هذا الأصل القرآني : انّنا يجب ان نثور من الداخل كي ننهي حالة الشقاء والحرمان ، ثورة فكرية وثقافية ، ثورة ايمانيّة وأخلاقية ، وأثناء وقوعنا في مخالب الشقاء يجب ان نبحث فورا عن نقاط الضعف فينا ، ونطهّر أنفسنا منها بالتوبة والرجوع الى الله ونبدأ حياة جديدة مفعمة بالنّور والحركة ، كي نستطيع في ظلّها ان نبدّل الهزيمة الى نصر ، لا ان نخفي نقاط الضعف وعوامل الهزيمة هذه ونبحث عنها في خارج المجتمع ونظلّ ندور في الطرق الملتوية.
هناك كتب ومؤلّفات كثيرة كتبت عن عوامل انتصار المسلمين الأوائل ثمّ تضعضع سلطانهم بعد حين ، وكثير من تلك الأبحاث ظلّت تتعثّر في الطرق الملتوية ، ولكن إذا ما أردنا ان نستلهم من الأصل أعلاه والصادر من منبع الوحي فيجب ان نبحث عن ذاك النصر او تلك الهزيمة وعن عواملها الفكرية والعقائدية والاخلاقية في المسلمين. ففي الثورات المعاصرة ومن جملتها الثورة الاسلامية في ايران ، او ثورة الجزائر او ثورة المسلمين الافغان ، نشاهد بوضوح انطباق هذا الأصل القرآني عليها. فقبل ان تغيّر الدول المستعمرة والمستكبرة طريقتها في التعامل معنا ، غيّرنا نحن ما بأنفسنا فتغيّر كلّ شيء.
وعلى ايّة حال فهذا درس ليومنا ولغدنا ولمستقبلنا ولكلّ المسلمين والأجيال القادمة. ونحن نرى انّ القيادات المنتصرة فقط هي التي استطاعت ان تقود وتغيّر شعوبها على أساس هذا الأصل الخالد ، وفي تاريخ المسلمين والإسلام شواهد على ذلك كثيرة.
* * *
الآيات
( هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (13) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (14) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (15) )
التّفسير
قسم آخر من دلائل عظمة الله :
يتطرّق القرآن الكريم مرّة ثانية الى آيات التوحيد وعلائم العظمة واسرار الخلقة. فهذه الآيات تحاول ان تقرّب العلاقة بين الإنسان وربّه من خلال الاشارة الى بعض الظواهر الطبيعيّة بشكل موجز وعميق المعنى لكي يشعّ نور الايمان في
قلوب الناس ، فتشير اوّلا الى البرق( هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً ) فالبرق بشعاعه يبهر العيون من جانب ، ويحدث صوتا مخيفا وهو الرعد من جانب آخر ، وقد يسبّب أحيانا الحرائق للناس وخصوصا في المناطق الصحراوية فيبعث على خوفهم ومن جانب آخر فإنّه يسبّب هطول الأمطار ويروي ظمأ الصحراء ويسقي المزروعات فيطمع فيه الناس ، وبين هذا الخوف والرجاء تمرّ عليهم لحظات حسّاسة. ثمّ تضيف الآية( وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ) القادرة على ارواء ظمأ الاراضي الزراعية.
بركات الرعد والبرق :
نحن نعلم انّ ظاهرة البرق في المفهوم العلمي هي اقتراب سحابتين إحداهما من الاخرى ، وهما تحملان شحنات سالبة وموجبة ، فيتمّ تفريغ الشحنات بين السحابتين فتحدث شرارة عظيمة ، ويحدث مثل ذلك عند اقتراب سلكين أحدهما سالب والآخر موجب ، وإذا كنّا قريبين منهما فإنّنا نسمع صوتا خفيفا ، ولكن لاحتواء الغيوم على شحنات هائلة من الالكترونات فانّهما تحدثان صوتا شديدا يسمّى الرعد.
وإذا ما اقتربت سحابة تحمل الشحنة الموجبة من الأرض التي تحتوي على شحنات سالبة فستحدث شرارة تسمّى بالصاعقة ، وخطورتها تكمن في انّ الأرض والمناطق المرتفعة تعتبر راس السلك السالب ، حتّى الإنسان في الصحراء يمكن ان يمثّل هذا السلك فيحدث تفريغ للشحنات يحوّل الإنسان الى رماد في لحظة واحدة ، ولهذا السبب عند وقوع البرق والرعد في الصحراء يجب ان يلجأ الإنسان الى شجرة او حائط او الى الجبال او الى اي مرتفع آخر ، او ان يستلقي في ارض منخفضة.
وعلى ايّة حال فإنّ للبرق ـ الذي يسمّى في بعض الأحيان مزاح الطبيعة ـ
فوائد جمّة عرفت من خلال ما كشفه العلم الحديث. ونشير هنا الى ثلاثة منها :
1 ـ السقي : ـ من الطبيعي انّ البرق تتولّد منه حرارة عالية جدّا قد تصل بعض الأحيان الى (15) الف درجة مئوية ، وهذه الحرارة كافية لان تحرق الهواء المحيط بها ، وفي النتيجة يقلّ الضغط الجوي ، فيسبّب سقوط الأمطار. ولهذا السبب نرى هطول الأمطار الغزيرة بعد حدوث البرق.
وهذه في الواقع واحدة من وظائف البرق (السقي).
2 ـ التعقيم : ـ ونتيجة للحرارة العالية التي يسبّبها البرق فسوف يزداد مقدار الاوكسجين في قطرات الماء ، ويسمّى هذا الماء بالماء الثقيل او الماء المؤكسد (2 O 2 H ) ومن آثاره قتل المكروبات ، ولهذا السبب يستعمل لغسل الجروح ، فعند نزول هذه القطرات الى الأرض سوف تبيد بيوض الحشرات والآفات الزراعية ، ولهذا السبب يقال انّ السنة الكثيرة الآفات الزراعية هي السنة القليلة البرق والرعد.
3 ـ التغذية والتسميد : ـ تتفاعل قطرات الماء مع الحرارة العالية للبرق لتنتج حامض الكاربون ، وعند نزولها الى الأرض وتركيبها مع محتوياتها تضع نوعا من السّماد النباتي ، فتتمّ تغذية النبات من هذا الطريق.
يقول بعض العلماء : انّ مقدار ما ينتجه البرق من الاسمدة في السنة يصل الى عشرات الملايين من الاطنان ، وهذه كميّة كبيرة جدّا.
وعلى ايّة حال نرى من خلال ظاهرة طبيعيّة صغيرة كلّ هذه المنافع والبركات ، فهي تقوم بالسقي ورشّ السموم والتغذية ، فيمكن ان تكون دليلا واضحا لمعرفة الله ، كلّ ذلك من بركات البرق. كما انّه يمكن ان يكون البرق عاملا مهمّا في إشعال الحرائق من خلال الصاعقة ، وقد تحرق الإنسان او الأشجار ، ومع انّها نادرة الحدوث ويمكن الوقاية منها ، فهي مع ذلك عامل خوف للناس ، فمفهوم الخوف والطمع للبرق قد يكون اشارة الى جميع هذه الأمور.
ويمكن ان تكون الجملة( وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ) لها علاقة بالبرق الذي يصنع هذه الغيوم المليئة بالمياه.
الآية الاخرى تشير الى صوت الرعد الذي يتزامن مع البرق( وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ) (1) .
نعم ، فهذا الصوت المدوّي في عالم الطبيعة يضرب به المثل ، فهو مع البرق في خدمة هدف واحد ولهما منافع متعدّدة كما أشرنا إليها ، ويقومان بعملية التسبيح ، وبعبارة اخرى فالرعد لسان حال البرق يحكي عن عظمة الخالق وعن نظام التكوين. فهو كتاب معنوي ، وقصيدة غرّاء ، ولوحة جميلة وجذّابة ، نظام محكم ومنظّم ومحسوب بدقّة ، وبلسان حاله يتحدّث عن علم ومهارة وذوق الكاتب والرسام والمعمار ويحمده ويثني عليه ، كلّ ذرّات هذا العالم لها اسرار ونظام دقيق. وتحكي عن تنزيه الله وخلوّه من النقص والعيوب (وهل التسبيح غير ذلك؟!).
وتتحدّث عن قدرته وحكمته (وهل الحمد غير بيان صفات الكمال؟!).
وقد احتمل بعض الفلاسفة انّ لكلّ ذرّات هذا العالم نوعا من العقل والشعور ، فهي من خلال هذا العقل تسبّح الله وتقدّسه ، ليس بلسان الحال فقط ، بل بلسان المقال ايضا.
وليس الرعد وسائر اجزاء العالم تسبّح بحمده تعالى ، بل حتّى الملائكة( وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ) (2) فهم يخافون من تقصيرهم في تنفيذ الأوامر الملقاة على عاتقهم ، وبالتالي فهم يخشون العقاب الالهي ، ونحن نعلم انّ الخوف يصيب أولئك الذين يحسّون بمسؤولياتهم ووظائفهم خوف بنّاء يحثّ الشخص على
__________________
(1) للتوضيح اكثر في معنيي التسبيح والتقديس للكائنات سيأتي في ذيل الآية( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) الاسراء ، 44.
(2) يقول الشيخ الطوسيرحمهالله في تفسيره التبيان : الخيفة بيان لحالة الشخص امّا الخوف فمصدر.
السعي والحركة.
وللتوضيح اكثر في مجال البرق والرعد تشير الآية الى الصاعقة( وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ ) ومع كلّ ذلك ـ وبمشاهدة آيات العظمة الالهية في عالم التكوين من السّماء والأرض والنباتات والأشجار والبرق والرعد وأمثالها ، وفي قدرة الإنسان الحقيرة تجاه هذه الحوادث ، حتّى في مقابل واحدة منها مثل شرارة البرق ـ نرى انّ هناك جماعة جاهلة تجادل في الله( وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ ) .
«المحال» في الأصل «الحيلة» بمعنى التدبير السرّي وغير الظاهر ، فالذي له القدرة على هذا التدبير يمتلك العلم والحكمة العالية ، ولهذا السبب يستطيع ان ينتصر على أعدائه ولا يمكن الفرار من حكومته.
وذكر المفسّرون وجوها عديدة في تفسير( شَدِيدُ الْمِحالِ ) فتارة بمعنى «شديد القوّة» ، او «شديد العذاب» ، او «شديد القدرة» او «شديد الأخذ»(1) .
الآية الاخيرة تشير الى مطلبين :
الاوّل : قوله تعالى :( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِ ) فهو يستجيب لدعواتنا ، وهو عالم بدعاء العباد وقادر على قضاء حوائجهم ، ولهذا السبب يكون دعاؤنا ايّاه وطلبنا منه حقّا ، وليس باطلا.
ولكن دعاء الأصنام باطل( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ ) نعم هكذا في دعوة الباطل ليست اكثر من وهم ، لانّ ما يقولونه من علم وقدرة الأصنام ما هو الّا أوهام وخيال ، او ليس الحقّ هو عين الواقع واصل الخير والبركة؟ والباطل هو الوهم واصل الشرّ والفساد؟ ولتصوير هذا الموضوع يضرب لنا القرآن الكريم مثالا حيّا ورائعا يقول :( إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ
__________________
(1) فسر البعض «المحال» من «المحل ، الماحل» بمعنى المكر والجدال والتصميم على العقوبة ، ولكن ما أشرنا اليه أعلاه هو الصحيح ، والتفسيران قريبا المعنى.
فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ ) . فهل يستطيع احد ان يجلس على بئر ويطلب الماء بإشارة يد ليبلغ الماء فاه؟ هذا العمل لا يصدر الّا من انسان مجنون!
وتحتمل الآية تفسيرا آخر ، فهي تشبّه المشركين كمن بسط كفّه في الماء ليتجمع فوقها الماء ، وعند خروجها من الماء لم يجد فيها شيئا منه لانّ الماء يتسرّب من بين أصابع الكفّ المفتوحة.
وهناك تفسير ثالث وهو انّ المشركين ـ لحلّ مشاكلهم ـ كانوا يلجأون الى الأصنام ، فمثلهم مثل الذي يحتفظ بالماء في يده ، هل يحفظ الماء في يد؟! وهناك مثل معروف بين العرب لمن يسعى بدون فائدة يقال له : هو كقابض الماء باليد ، ويقول الشاعر :
فأصبحت فيما كان بيني وبينها |
من الودّ مثل القابض الماء باليد |
ولكنّنا نعتقد انّ التّفسير الاوّل أوضح!
وللتأكيد على هذا الحديث يأتي في نهاية الآية قوله تعالى :( وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ) وايّ ضلال اكبر من ان يسعى الإنسان ويجتهد في السبيل الضالّ ولكنّه لا يصل الى مقاصده. ولا يحصل على شيء نتيجة تعبه وجهده.
الآية الأخيرة من هذه المجموعة ، ولكي تبرهن كيف انّ المشركين ضلّوا الطريق تقول :( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ) .
* * *
بحوث
1 ـ ما هو المقصود من سجود الكائنات؟
السجدة في هذه الموارد تعني الخضوع والتسليم ، فإنّ جميع الملائكة
والناس ذوي العقول والأفكار متواضعين لله وخاضعين لأوامره ، وهناك نوعان من السجود ، سجود تكويني وهو انّ الكلّ خاضعون ومسلّمون للقوانين الطبيعيّة مثل الحياة والممات والمرض و و ، والبعض منهم له سجود تشريعي بالاضافة الى السجود التكويني ، فهم بميلهم وإرادتهم يسجدون لله.
2 ـ ما هو معنى( طَوْعاً وَكَرْهاً ) ؟
عبارة( طَوْعاً وَكَرْهاً ) يمكن ان تكون اشارة الى انّ المؤمنين خاضعون لله بميلهم وإرادتهم ، وامّا غير المؤمنين فهم خاضعون كذلك للقوانين الطبيعيّة التي تسير بأمر الله ان شاؤوا وان أبوا.
و (الكره) بضمّ الكاف تعني الكراهية في داخل الإنسان ، و (كره) بفتح الكاف ما حمل عليه الإنسان من خارج نفسه ، وبما انّ الأشخاص غير المؤمنين مقهورون للعوامل الخارجية وللقوانين الطبيعيّة ، استعمل القرآن (كره) بفتح الكاف.
ويحتمل في تفسير( طَوْعاً وَكَرْهاً ) انّ المقصود من «طوعا» هو التوافق والميل الفطري والطبيعي بين الإنسان والأسباب الطبيعيّة (مثل حبّ اي انسان للحياة) والمقصود من «كرها» هو ما فرض على الإنسان من الخارج مثل موت أحد الأشخاص بسبب المرض او اي عامل طبيعي آخر.
3 ـ ما هو معنى كلمة الظلال؟
«الظّلال» جمع «ظل» واستعمال هذه الكلمة في الآية يشير الى انّ المقصود في السجود ليس فقط السجود التشريعي ، فظلال الكائنات ليست خاضعة لارادتهم واختيارهم ، بل هو تسليم لقانون الضوء ، وعلى هذا يكون سجودهم تكويني ، يعني التسليم لقوانين الطبيعيّة.
وطبيعي ليس المقصود من «الظلال» انّ جميع ما في السّماوات والأرض لها وجود مادّي كي يكون لها ظلال ، ولكن الآية تشير الى تلك الأشياء التي لها ظلال ، فمثلا يقال : انّ جمعا من العلماء وأبنائهم شاركوا في المجلس الكذائي ، وليس المقصود هنا انّ لكلّ العلماء أبناء «فتدبّر».
وعلى ايّة حال فإنّ الظلّ امر عدمي ، وهو ليس اكثر من فقدان النّور ، ولكن له آثارا ووجودا بسبب النّور المحيط به ، ولعلّ الآية تشير الى هذه النقطة ، وهي انّه حتّى الظلال خاضعة لله.
4 ـ ما هو معنى كلوة( الْآصالِ ) ؟
«الآصال» جمع «اصل» وهي جمع «اصيل» ومعناه آخر وقت من النهار ، ولذلك يعتبر اوّل الليل ، والغدو جمع غداة بمعنى اوّل النهار.
ورغم انّ السجود والخضوع للأشياء الكونية في مقابل الأوامر الالهيّة دائمة ومستمرّة في كلّ وقت ، ولكن ذكرها هنا في موقعين (الصبح والعشاء) امّا انّه كناية عن دوام الوقت ، فمثلا تقول : انّ فلانا يطلب العلم صباحا ومساء ، فالمقصود وهو انّه في كلّ وقت يطلب العلم ، وامّا ان يكون المقصود من الآية ما جاء في الكلام عن الظلال والتي تكون واضحة اكثر في اوّل النهار وآخره.
* * *
الآية
( قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (16) )
التّفسير
لماذا عبادة الأصنام؟
كان البيان في الآيات السابقة عن معرفة الله واثبات وجوده ، وهذه الآية تبحث عن ضلال المشركين والوثنيين وتتناوله من عدّة جهات ، حيث تخاطب ـ اوّلا ـ النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث تقول :( قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) ثمّ تأمر النّبي ان يجيب على السؤال قبل ان ينتظر جوابهم( قُلِ اللهُ ) ثمّ انّه يلومهم ويوبّخهم بهذه الجملة( قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا ) .
لقد بيّن ـ اوّلا ـ عن طريق ربوبيته انّه المدبّر والمالك لهذا العالم ، ولكلّ خير
ونفع من جانبه ، وقادر على دفع اي شرّ وضرّ ، وهذا يعني انّكم بقبولكم لربوبيته يجب ان تطلبوا كلّ شيء من عنده لا من الأصنام العاجزة عن حلّ ايّة مشكلة لكم. ثمّ يذهب الى ابعد من ذلك حيث يقول : انّ هذه الأصنام لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرّا فكيف يمكنها ان تنفعكم او تضرّكم؟ وهم والحال هذه لا يحلّون اي عقدة لكم حتّى لو قمتم بعبادتهم ، فهؤلاء لا يستطيعون تدبير أنفسهم فما ذا ينتظر منهم؟
ثمّ يذكر مثالين واضحين وصريحين يحدّد فيها وضع الافراد الموحّدين والمشركين ، فيقول اوّلا :( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ) فكما لا يستوي الأعمى والبصير لا يستوي المؤمن والكافر ، ولا يصحّ قياس الأصنام على الخالق جلّ وعلا.
ويقول ثانيا :( أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ ) كيف يمكن ان نساوي بين الظلام الذي يعتبر قاعدة الانحراف والضلال ، وبين النّور المرشد والباعث للحياة ، وكيف يمكن ان نجعل الأصنام التي هي الظّلمات المحضة الى جنب الله الذي هو النّور المطلق ، وما المناسبة بين الايمان والتوحيد اللذان هما نور القلب والروح ، وبين الشرك اصل الظلام؟!
ثمّ يدلل على بطلان عقيدة المشركين عن طريق آخر فيقول :( أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ) والحال ليس كذلك ، فإنّ المشركين أنفسهم لا يعتقدون بها ، فهم يعلمون انّ الله خالق كلّ شيء ، وعالم الوجود مرتبط به ، ولذلك تقول الآية :( قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) .
* * *
بحوث
1 ـ الخالقية والرّبوبية يتطلّبان العبادة
يمكن ان يستفاد من الآية أعلاه انّ الخالق هو الربّ المدبّر ، لانّ الخلقة امر مستمر ودائمي ، وليس من خلق الكائنات يتركهم وشأنهم ، بل انّه تعالى يفيض بالوجود عليهم باستمرار وكلّ شيء يأخذ وجوده من ذاته المقدّسة ، وعلى هذا فنظام الخلقة وتدبير العالم كلّها بيد الله ، ولهذا السبب يكون هو النافع والضارّ. وغيره لا يملك شيء الّا منه ، فهل يوجد احد غير الله احقّ بالعبادة؟
2 ـ كيف يسأل ويجيب بنفسه؟
بالنظر الى الآية أعلاه يطرح هذا السؤال : كيف امر الله نبيّه ان يسأل المشركين : من خلق السماوات والأرض؟ وبعدها بدون ان ينتظر منهم الجواب يأمر النّبي ان يجيب هو على السؤال وبدون فاصلة يوبّخ المشركين على عبادتهم الأصنام ، اي طراز هذا في السؤال والجواب؟
ولكن مع الالتفات الى هذه النقطة يتّضح لنا الجواب وهو انّه في بعض الأحيان يكون الجواب للسؤال واضح جدّا ولا يحتاج الى الانتظار. فمثلا نسأل أحدا : هل الوقت الآن ليل ام نهار؟ وبلا فاصلة نجيب نحن على السؤال فنقول : الوقت بالتأكيد ليل. وهذه كناية لطيفة ، حيث انّ الموضوع واضح جدّا ولا يحتاج الى الانتظار للجواب ، بالاضافة الى انّ المشركين يعتقدون بخلق الله للعالم ولم يقولوا ابدا انّ الأصنام خالقة السّماء والأرض ، بل كانوا يعتقدون بشفاعتهم وقدرتهم على نفع الإنسان ودفع الضرر عنه ، ولهذا السبب كانوا يعبدوهم. وبما انّ الخالقية غير منفصلة عن الرّبوبية يمكن ان نخاطب المشركين بهذا الحديث ونقول : أنتم الذين تقولون بأنّ الله خالق ، يجب ان تعرفوا انّ الربوبية لله كذلك ،
ويختصّ بالعبادة ايضا لذلك.
3 ـ العين المبصرة ونور الشمس شرطان ضروريان
يشير ظاهر المثالين (الأعمى والبصير) و (الظّلمات والنّور) الى هذه الحقيقة ، وهي انّ النظر يحتاج الى شيئين : العين المبصرة ، وشعاع الشمس ، بحيث لو انتفى واحد منهما فإنّ الرؤية لا تتحقّق ، والآن يجب ان نفكّر : كيف حال الافراد المحرومين من البصر والنّور؟ المشركون المصداق الواقعي لهذا ، فقلوبهم عمي ومحيطهم مليء بالكفر وعبادة الأصنام ، ولهذا السبب فهم في تيه وضياع. وعلى العكس فالمؤمنون بنظرهم الى الحقّ ، واستلهامهم من نور الوحي وارشادات الأنبياء عرفوا مسيرة حياتهم بوضوح.
4 ـ هل انّ خلق الله لكلّ شيء دليل على الجبر؟
استدلّ جمع من اتباع مدرسة الجبر انّ جملة( اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) في الآية أعلاه لها من السعة بحيث تشمل حتّى عمل الافراد ، فالله خالق اعمالنا ونحن غير مختارين.
يمكن ان نجيب على هذا القول بطريقين :
اوّلا : الجمل الاخرى للآية تنفي هذا الكلام ، لانّها تلوم المشركين بشكل اكيد فإذا كانت اعمالنا غير اختيارية ، فلما ذا هذا التوبيخ؟! وإذا كانت ارادة الله ان نكون مشركين فلما ذا يلومنا؟! ولماذا يسعى بالأدلّة العقليّة لتغيير مسيرتهم من الضلالة الى الهداية؟ كلّ هذا دليل على أنّ الناس أحرار في انتخاب طريقهم.
ثانيا : انّ الخالقية بالذات من مختصّات الله تعالى. ولا يتنافى مع اختيارنا في الأفعال ، لانّ ما نمتلكه من القدرة والعقل والشعور ، وحتّى الاختيار والحرية ، كلّها
من عند الله ، وعلى هذا فمن جهة هو الخالق (بالنسبة لكلّ شيء وحتّى أفعالنا) ومن جهة اخرى نحن نفعل باختيارنا ، فهما في طول واحد وليس في عرض وأفق واحد ، فهو الخالق لكلّ وسائل الأفعال ، ونحن نستفيد منها في طريق الخير او الشرّ.
فمثلا الذي يؤسّس معملا لتوليد الكهرباء او لإنتاج أنابيب المياه ، يصنعها ويضعها تحت تصرّفنا ، فلا يمكن ان نستفيد من هذه الأشياء الّا بمساعدته ، ولكن بالنتيجة يكون التصميم النهائي لنا ، فيمكن ان نستفيد من الكهرباء لامداد غرفة عمليات جراحية وانقاذ مريض مشرف على الموت ، او نستخدمها في مجالس اللهو والفساد ، ويمكن ان نروي بالماء عطش انسان ونسقي وردا جميلا ، او نستخدم الماء في إغراق دور الناس وتخريبها.
* * *
الآية
( أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ (17) )
التّفسير
وصف دقيق لمنظر الحقّ والباطل :
يستند القرآن الكريم ـ الذي يعتبر كتاب هداية وتربية ـ في طريقته الى الوقائع العينيّة لتقريب المفاهيم الصعبة الى أذهان الناس من خلال ضرب الأمثال الحسّية الرائعة من حياة الناس ، وهنا ـ ايضا ـ لأجل ان يجسّم حقائق الآيات السابقة التي كانت تدور حول التوحيد والشرك ، الايمان والكفر ، الحقّ والباطل ، يضرب مثلا واضحا جدّا لذلك
يقول اوّلا :( أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ) الماء عماد الحياة واصل النمو والحركة ،
( فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها ) تتقارب السواقي الصغيرة فيما بينها ، وتتكوّن الأنهار وتتّصل مع بعضها البعض ، فتسيل المياه من سفوح الجبال العظيمة والوديان وتجرف كلّ ما يقف امامها ، وفي هذه الأثناء يظهر الزّبد وهو ما يرى على وجه الماء كرغوة الصابون من بين أمواج الماء حيث يقول القرآن الكريم :( فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً ) .
«الرابي» من «الربو» بمعنى العالي او الطافي ، والربا بمعنى الفائدة مأخوذ من نفس هذا الأصل.
وليس ظهور الزبد منحصرا بهطول الأمطار ، بل( وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ) (1) اي الفلزات المذابة بالنّار لصناعة أدوات الزينة منها او صناعة الوسائل اللازمة في الحياة.
بعد بيان هذا المثال بشكله الواسع لظهور الزبد ليس فقط في الماء بل حتّى للفلزات وللمتاع ، يستنتج القرآن الكريم( كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ ) ثمّ يتطرّق الى شرحه فيقول :( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ) .
فأمّا الزبد الذي لا فائدة فيه فيذهب جفاء ويصير باطلا متلاشيا ، وامّا الماء الصافي النقي المفيد فيمكث في الأرض او ينفذ الى الاعماق وتتكوّن منه العيون والآبار تروي العطاش ، وتروي الأشجار لتثمر ، والازهار لتتفتّح ، وتمنح لكلّ شيء الحياة.
وفي آخر الآية ـ للمزيد من التأكيد في مطالعة هذه الأمثال ـ يقول تعالى :( كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ ) .
* * *
__________________
(1) تشير هذه الآية الى الافران التي تستعمل لصهر الفلزان ، فهذه الافران تتميّز بوجود النّار من تحتها ومن فوقها يعني نار تحت الفلز ونار فوقه ، وهذه من أفضل انواع الافران حيث تحيط بها النّار من كلّ جانب.
بحوث
هذا المثال البليغ الذي عبّر عنه القرآن الكريم بألفاظ موزونة وعبارات منظّمة. وصوّر فيها الحقّ والباطل بأروع صورة ، فيه حقائق مخفيّة كثيرة ونشير هنا الى قسم منها :
1 ـ ما هي علائم معرفة الحقّ والباطل؟
يحتاج الإنسان في بعض الأحيان لمعرفة الحقّ والباطل ـ إذا أشكل عليه الأمر ـ الى علائم وأمثال حتّى يتعرّف من خلالها على الحقائق والأوهام. وقد بيّن القرآن الكريم هذه العلامات من خلال المثال أعلاه :
الف : ـ الحقّ مفيد ونافع دائما ، كالماء الصافي الذي هو اصل الحياة. امّا الباطل فلا فائدة فيه ولا نفع ، فلا الزبد الطافي على الماء يروي ظمآنا أو يسقي أشجارا ، ولا الزبد الظاهر من صهر الفلزات يمكن ان يستفاد منه للزينة او للاستعمالات الحياتية الاخرى ، وإذا استخدمت لغرض فيكون استخدامها رديئا ولا يؤخذ بنظر الاعتبار كما نستخدم نشارة الخشب للإحراق.
باء : ـ الباطل هو المستكبر والمرفّه كثير الصوت ، كثير الأقوال لكنّه فارغ من المحتوى ، امّا الحقّ فمتواضع قليل الصوت ، وكبير المعنى ، وثقيل الوزن(1) .
جيم ـ الحقّ يعتمد على ذاته دائما ، امّا الباطل فيستمدّ اعتباره من الحقّ ويسعى للتلبّس به ، كما انّ (الكذب يتلبّس بضياء الصدق) ولو فقد الكلام الصادق من العالم لما كان هناك من يصدق الكذب. ولو فقدت البضاعة السليمة من العالم لما وجد من يخدع ببضاعة مغشوشة. وعلى هذا فوجود الباطل راجع الى شعاعه الخاطف واعتباره المؤقّت الذي سرقه من الحقّ ، امّا الحقّ فهو مستند الى نفسه واعتباره منه.
__________________
(1) يقول الامام عليعليهالسلام في وصفه أصحابه يوم الجمل «وقد ارعدوا وابرقوا ومع هذين الأمرين الفشل ، ولسنا نرعد حتّى نوقع ولا نسيل حتّى نمطر».
2 ـ ما هو الزّبد؟
«الزبد» بمعنى الرغوة التي تطفوا على السائل ، والماء الصافي اقلّ رغوة ، لانّ الزبد يتكوّن بسبب اختلاط الأجسام الخارجية مع الماء ، ومن هنا يتّضح انّ الحقّ لو بقي على صفائه ونقائه لم يظهر فيه الخبث ابدا ، ولكن لامتزاجه بالمحيط الخارجي الملوّث فإنّه يكتسب منه شيئا ، فتختلط الحقيقة مع الخرافة ، والحقّ بالباطل ، والصافي بالخابط. فيظهر الزبد الباطل الى جانب الحقّ.
وهذا هو الذي يؤكّده الامام عليعليهالسلام حيث يقول : لو انّ الباطل خلص من مزاج الحقّ لم يخف على المرتادين ، ولو انّ الحقّ خلص من لبس الباطل انقطعت عنه السن المعاندين».(1) .
يقول بعض المفسّرين انّ للآية أعلاه ثلاث امثلة : «نزول آيات القرآن» تشبيه بنزول قطرات المطر للخير ، «قلوب الناس» شبيهة بالأرض والوديان وبقدر وسعها يستفاد منها ، «وساوس الشيطان» شبيهة بالزبد الطافي على الماء ، فهذا الزبد ليس من الماء ، بل نشأ من اختلاط الماء بمواد الأرض الاخرى ، ولهذا السبب فوساوس النفس والشيطان ليست من التعاليم الالهية ، بل من تلوّث قلب الإنسان ، وعلى ايّة حال فهذه الوساوس تزول عن قلوب المؤمنين ويبقى صفاء الوحي الموجب للهداية والإرشاد.
3 ـ الاستفادة تكون بقدر الاستعداد واللياقة!
يستفاد من هذه الآية ـ ايضا ـ انّ مبدا الفيض الالهي لا يقوم على البخل والحدود الممنوعة ، كما انّ السحاب يسقط امطاره في كلّ مكان بدون قيد او
__________________
(1) نهج البلاغة ، الخطبة 50.
شرط ، وتستفيد الأرض والوديان منها على قدر وسعها ، فالأرض الصغيرة تستفيد اقلّ والأرض الواسعة تستفيد اكثر ، وهكذا قلوب الناس في مقابل الفيض الالهي.
4 ـ الباطل والأوضاع المضطربة
عند ما يصل الماء الى السهل او الصحراء ويستقرّ فيها ، تبدا المواد المختلطة مع الماء بالترشّح ويذهب الزبد فيظهر الماء النقي مرّة ثانية ، وعلى هذا النحو فالباطل يبحث عن سوق مضطربة حتّى يستفيد منها ، ولكن بعد استقرار السوق وجلوس كلّ تاجر في مكانه المناسب وتحقق الالتزامات والضوابط في المجتمع ، لا يجد الباطل له مكانا فينسحب بسرعة!
5 ـ الباطل يتشكّل بأشكال مختلفة
انّ واحدة من خصائص الباطل هي انّه يغيّر لباسه من حين لآخر ، حتّى إذا عرفوه بلباسه يستطيع ان يخفي وجهه بلباس آخر ، وفي الآية أعلاه اشارة لطيفة لهذه المسألة ، حيث تقول : لا يظهر الزبد في الماء فقط ، بل يظهر حتّى في الافران المخصوصة لصهر الفلزات بشكل ولباس آخر ، وبعبارة اخرى فإنّ الحقّ والباطل موجودان في كلّ مكان كما يظهر الزبد في السوائل بالشكل المناسب لها. وعلى هذا يجب ان لا نخدع بتنوّع الوجوه وان نعرف أوجه الباطل ونطرحه جانبا.
6 ـ ارتباط البقاء بالنفع
تقول الآية :( وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ) ليس الماء فقط يبقى ويذهب الزبد الطافي عليه ، بل حتّى الفلزات تلك التي تستعمل للزينة او للمتاع
يبقى الخالص منها ويذهب خبثه. وعلى هذا النحو فالناس والمدارس والمبادئ لهم حقّ الحياة على قدر منفعتهم ، وإذا ما رأينا بقاء اصحاب المبادئ الباطلة لفترة فإنّ ذلك بسبب وجود ذلك المقدار من الحقّ الذي اختلط فيه ، وبهذا المقدار له حقّ الحياة.
7 ـ كيف يطرد الحقّ الباطل؟
«الجفاء» بمعنى الإلقاء والإخراج ، ولهذا نكتة لطيفة وهي انّ الباطل يصل الى درجة لا يمكن فيها ان يحفظ نفسه ، وفي هذه اللحظة يلقى خارج المجتمع ، وهذه العملية تتمّ في حالة هيجان الحقّ ، فعند غليان الحقّ يظهر الزبد ويطفو على سطح ماء القدر ويقذف الى الخارج ، وهذا دليل على انّ الحقّ يجب ان يكون في حالة هيجان وغليان دائما حتّى يبعد الباطل عنه.
8 ـ الباطل مدين للحقّ ببقائه
كما قلنا في تفسير الآية ، فلو لم يكن الماء لما وجد الزبد ، ولا يمكن له ان يستمر ، كما انّه لولا وجود الحقّ فإنّ الباطل لا معنى له ولو لم يكن هناك اشخاص صادقون لما وقع احد تحت تأثير الافراد الخونة ولما صدّق بمكرهم ، فالشعاع الكاذب للباطل مدين في بقائه لنور الحقّ.
9 ـ صراع الحقّ والباطل مستمر
المثال الذي ضربه لنا القرآن الكريم في تجسيم الحقّ والباطل ليس مثالا محدودا في زمان ومكان معينين ، فهذا المنظر يراه الناس في جميع مناطق العالم المختلفة ، وهذا يبيّن انّ عمل الحقّ والباطل ليس مؤقتا وآنيا. وجريان الماء
العذب والمالح مستمر الى نفخ الصور ، الّا إذا تحوّل المجتمع الى مجتمع مثالي (كمجتمع عصر الظهور وقيام الامام المهديعليهالسلام ) فعنده ينتهي هذا الصراع ، وينتصر الحقّ ويطوي بساط الباطل ، وتدخل البشرية مرحلة جديدة من تاريخها ، والى ان نصل الى هذه المرحلة فالصراع مستمر بين الحقّ والباطل ، ويجب ان نحدّد موقفنا في هذا الصراع.
10 ـ تزامن الحياة مع السعي والجهاد
المثال الرائع أعلاه يوضّح هذا الأساس لحياة الناس ، وهو انّ الحياة بدون جهاد غير ممكنة ، والعزّة بدون سعي غير ممكنة ايضا ، لانّه يقول : يجب ان يذهب الناس الى المناجم لتهيئة مستلزمات حياتهم في المتاع والزينة( ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ ) . وللحصول على هذين الشيئين يجب تنقية المواد الخام من الشوائب بواسطة نيران الافران للحصول على الفلز الخالص الصالح للاستعمال ، وهذا لا يتمّ الّا من خلال السعي والمجاهدة والعناء.
وهذه هي طبيعة الحياة حيث يوجد الى جانب الورد الشوك ، والى جانب النصر توجد المصاعب والمشكلات ، وقالوا في القديم : (الكنوز في الخرائب وفوق كلّ كنز يوجد ثعبان نائم) ، فإنّ هذه الخربة والثعبان تمثّلان المشاكل والصعوبات للحصول على الموفّقية في الحياة.
ويؤكّد القرآن الكريم هذه الحقيقة وهي انّ التوفيق لا يحصل الّا بتحمّل المصاعب والمحن ، يقول جلّ وعلا في الآية (214) من سورة البقرة :( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ ) .
الأمثال في القرآن :
انّ دور المثال في توضيح وتفسير الغايات له اهميّة كبيرة غير قابلة للإنكار ، ولهذا السبب لا يوجد اي علم يستغني عن ذكر المثال لاثبات وتوضيح الحقائق وتقريب معناها الى الأذهان ، وتارة ينطبق المثال مع المقصود بشكل يجعل المعاني الصعبة تنزل من السّماء الى الأرض وتكون مفهومة للجميع ، فيمكن ان يقال : انّ المثال له دور مؤثّر في مختلف الأبحاث العلمية والتربوية والاجتماعية والاخلاقية وغيرها ، ومن جملة تأثيراته :
1 ـ المثال يجعل المسائل محسوسة :
من المعلوم أنّ الإنسان يأنس بالمحسوسات أكثر ، أمّا الحقائق العلمية المعقّدة فهي بعيدة المنال. والأمثال تقرّب هذه الفواصل وتجعل الحقائق المعنوية محسوسة ، وإدراكها يسير ولذيذ.
2 ـ المثال يقرّب المعنى :
تارة يحتاج الإنسان لاثبات مسألة منطقية او عقلية الى ادلّة مختلفة ، ومع كلّ هذه الادلّة تبقى هناك نقاط مبهمة محيطة بها ، ولكن عند ذكر مثال واضح منسّق مع الغاية يقرّب المعنى ويعزّز الادلّة ويقلّل من كثرتها.
3 ـ المثال يعمّم المفاهيم
كثير من البحوث العلمية بشكلها الاصلي يفهمها الخواص فقط ، ولا يستفيد منها عامّة الناس ، ولكن عند ما يصحبها المثال تكون قابلة للفهم ، ويستفيد منها الناس على اختلاف مستوياتهم العلمية ، ولهذا فالمثال وسيلة لتعميم الفكر
والثقافة.
4 ـ المثال ، يزيد في درجة التصديق :
مهما تكن الكليّات العقلية منطقية ، فإنّها لا تخلق حالة اليقين الكافية في ذهن الإنسان ، لانّ الإنسان يبحث عن اليقين في المحسوسات ، فالمثال يجعل من المسألة الذهنيّة واقعا عينيّا ، ويوضّحها في العالم الخارجي ، ولهذا السبب فإنّ له اثره في زيادة درجة تصديق المسائل وقبولها.
5 ـ المثال يخرس المعاندين :
كثيرا ما لا تنفع الادلّة العقليّة والمنطقيّة لاسكات الشخص المعاند حيث يبقى مصرّا على عناده ولكن عند ما نصب الحديث في قالب المثال نوصد الطريق عليه بحيث لا يبقى له مجال للتبرير ولا لاختلاق الاعذار. ولا بأس ان نطرح هنا بعض الامثلة حتّى نعرف مدى تأثيرها : نقرا في القرآن الكريم انّ الله سبحانه وتعالى يرد على الذين اشكلوا على ولادة السّيد المسيحعليهالسلام كيف انّه ولد من امّ بغير أب( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ) .(1)
لاحظوا جيدا ، فنحن مهما حاولنا ان نقول للمعاندين : انّ هذا العمل بالنسبة الى قدرة الله المطلقة لا شيء ، فمن الممكن ان يحتجّوا ايضا ، ولكن عند ما نقول لهم هل تعتقدون انّ آدم خلقه الله من تراب؟ فإنّ الله الذي له هذه القدرة كيف لا يستطيع إيجاد شخص بدون أب؟!
__________________
(1) آل عمران ، 59.
وبالنسبة الى المنافقين الذين يقضون في ظلّ نفاقهم ايّاما مريحة ظاهرا ، فإنّ القرآن الكريم يضرب مثالا رائعا عن حالهم ، فيشبهّهم بالمسافرين في الصحراء فيقول( يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .(1) .
فهل يوجد أوضح من هذا الوصف للمنافق التائه في الطريق ، ليستفيد من نفاقه وعمله كي يستمرّ في حياته؟
وعند ما تقول للافراد : انّ الإنفاق يضاعفه لكم الله عدّة مرّات قد لا يستطيعون ان يفهموا هذا الحديث ، ولكن يقول القرآن الكريم :( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ) (2) ، وهذا المثال الواضح اقرب للإدراك.
وغالبا ما نقول : انّ الرياء لا ينفع الإنسان ، فقد يكون هذا الحديث ثقيلا على البعض ، كيف يمكن لهذا العمل ان يكون غير مفيد ، فبناء مستشفى او مدرسة حتّى لو كان بقصد الرياء لماذا ليست له قيمة عند الله؟!
ولكن يضرب الله مثالا رائعا حيث يقول :( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً ) .(3) ولكي لا نبتعد كثيرا فالآية التي نحن بصدد تفسيرها تبحث في مجال الحقّ والباطل وتجسّم هذه المسألة بشكل دقيق ، المقدّمات والنتائج ، والصفات والخصوصيات والآثار ، وتجعلها قابلة الفهم للجميع وتسكت المعاندين ، واكثر
__________________
(1) البقرة ، 20.
(2) البقرة ، 261.
(3) البقرة ، 264.
من ذلك تكفينا تعب البحوث المطوّلة.
وفي مناظرة للإمام الصادقعليهالسلام مع احد الزنادقة حول قوله تعالى :( كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ) قال : فما بال الغير؟
أجابه الامام : «ويحك هي هي وهي غيرها!» قال : فمثّل لي ذلك شيئا من امر الدنيا! قال : «نعم ، أرأيت لو انّ رجلا أخذ لبنة فكسرها ثمّ ردّها في ملبنها ، فهي هي وهي غيرها»(1) .
ولا بدّ هنا من ملاحظة هذه اللفظة وهي انّ المثال وما له من تأثير كبير ودور فعّال يجب ان يكون مطابقا وموافقا للمقصود ، والّا يكون ضالا ومنحرفا.
ولهذا السبب يستفيد المنافقون من هذه الامثلة المنحرفة ليضلّوا بها الناس البسطاء ، فهم يستعينون بشعاع المثال ليصدق الناس اكاذيبهم ، فيجب ان نحذر من هذه الامثلة المنحرفة ونلاحظها بدقّة.
* * *
__________________
(1) الاحتجاج ، ص 354.
الآية
( لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (18) )
التّفسير
الذين استجابوا لدعوة الحقّ :
بعد ما كشفت الآيات السابقة عن وجهي الحقّ والباطل من خلال مثال واضح وبلي ، اشارت هذه الآية الى مصير الذين استجابوا لربّهم والذين لم يستجيبوا لهذه الدعوة واتّجهوا صوب الباطل. تقول اوّلا :( لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى ) .
«الحسنى» في معناها الواسع تشمل كلّ خير وسعادة ، بدءا من الخصال الحسنة والفضائل الاخلاقية الى الحياة الاجتماعية الطاهرة والنصر على الأعداء وجنّة الخلد.
ثمّ تضيف الآية( وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ) .
لا توجد صيغة أوضح من هذه الآية في بيان شدّة عذابهم وعقابهم ، يمتلك الإنسان كلّ ما في الأرض وضعفه ايضا ويفتدي به للنجاة ولا يحصل النجاة.
تشير هذه الجملة في الواقع الى آخر امنية والتي لا يمكن ان يتصوّر اكثر منها ، وهي ان يمتلك الإنسان كلّ ما في الأرض ، ولكن شدّة العذاب للظالمين ومخالفي الحقّ تصل بهم الى درجة ان يفتدوا بكلّ هذه الامنية او أكثر منها لنجاتهم. ولنفرض انّها قبلت منهم فتكون نجاتهم من العذاب فقط ، ولكن الثواب العظيم يكون من نصيب الذين استجابوا لدعوة الحقّ.
ومن هنا يتّضح انّ العبارة( وَمِثْلَهُ مَعَهُ ) ليس المقصود منها ان يكون لهم ضعف ما في الأرض ، بل انّهم مهما ملكوا اكثر من ذلك فانّهم مستعدّون للتنازل عنه مقابل نجاتهم من العذاب. ودليله واضح ، لانّ الإنسان يطلب كلّ شيء لمنفعته ، ولكن عند ما يجد نفسه غارقا في العذاب فما فائدة تملكه للدنيا كلّها؟
وعلى اثر هذا الشقاء (عدم قبول ما في الأرض مقابل نجاتهم) يشير القرآن الكريم الى شقاء آخر( أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ ) . فما هو المقصود من سوء الحساب؟
للمفسّرين آراء مختلفة حيث يعتقد البعض انّه الحساب الدقيق بدون اي عفو او مسامحة ، فسوء الحساب ليس بمفهوم الظلم ، لانّ الله سبحانه وتعالى هو العدل المطلق ، ويؤيّد هذا المعنى الحديث الوارد
عن الامام الصادقعليهالسلام انّه قال لرجل : «يا فلان مالك ولأخيك؟» قال : جعلت فداك كان لي عليه حقّ فأستقصيت منه حقّي الى آخره ، وعنده سماع الامام لهذا الجواب غضب وجلس ثمّ قال : «كأنّك إذا استقصيت حقّك لم تسيء اليه! أرأيت ما حكى اللهعزوجل ( وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ ) أتراهم يخافون الله ان يجور عليهم؟! لا والله ما خافوا الّا الاستقصاء
فسمّاه اللهعزوجل سوء الحساب ، فمن استقصى فقد أساءه»(1) .
وقال البعض : المقصود من سوء الحساب ، انّه يلازم حسابهم التوبيخ والملامة وغيرها ، فبالاضافة الى خوفهم من العذاب يؤلمهم التوبيخ.
ويقول البعض الآخر : المقصود هو الجزاء الذي يسوؤهم ، كما نقول : انّ فلان حسابه نقي ، او لآخر : حسابه مظلم ، وهذا يعني نتيجة حسابهم جيدة او سيّئة ، او تقول : (ضع حسابه في يده) يعني حاسبه طبقا لعمله.
هذه التفاسير الثلاثة غير متضادّة فيما بينها ، ويمكن ان يستفاد منها في تفسير الآية ، وهذا يعني انّ هؤلاء الافراد يحاسبون حسابا دقيقا ، وأثناء حسابهم يوبّخون ويلامون ومن ثمّ يستقصى منهم.
وفي نهاية الآية اشارة الى الجزاء الثّالث او النتيجة النهائية لجزائهم( وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ) .
«المهاد» جمع مهد ، بمعنى التهيؤ ، ويستفاد منها معنى السرير الذي يستخدم لراحة الإنسان ، هذا السرير يهيّأ للاستراحة ، وقد ذكر القرآن الكريم هذه الكلمة للاشارة الى انّ هؤلاء الطغاة بدلا من ان يستريحوا في مهادهم يجب ان يحرقوا بلهيب النار.
* * *
بحث
يستفاد من الآيات القرآنية انّ الناس في يوم القيامة ينقسمون الى مجموعتين ، فمجموعة يحاسبهم الله بيسر وسهولة وبغير تدقيق( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً ) .(2)
__________________
(1) تفسير البرهان ، المجلّد الثّاني ، صفحة 288.
(2) الانشقاق ، 8.
وعلى العكس من ذلك هناك مجموعة يحاسبون بشدّة حتّى الذرّة والمثقال من الأعمال يحاسبون عليه ، كما حدث لبعض البلاد التي كان أهلها من العاصين ،( فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً ) (1) .
انّ هذا الحساب الشديد هو نتيجة لما كان يقوم به هؤلاء في حياتهم من استقصاء الآخرين حتّى الدينار الأخير ، وإذا ما حدث خطأ من احد فإنّهم يعاقبون بأشدّ ما يمكن ، ولم يسامحوا أحدا حتّى أبناءهم وإخوانهم وأصدقائهم ، وبما انّ الآخرة انعكاس لحياة الدنيا فإنّ الله سبحانه وتعالى يحاسبهم حسابا شديدا على اي عمل عملوه بدون ادنى سماح ، وعلى العكس فهناك اشخاص سهلون ومسامحون ومن اهل العفو ، خصوصا في مقابل أصدقائهم واقربائهم وذوي الحقوق عليهم او الضعفاء ، ويغضّون النظر عنهم وعن كثير من زلّاتهم الشخصيّة ، وفي مقابل ذلك فإنّ الله سبحانه وتعالى يشملهم بعفوه ورحمته الواسعة ويحاسبهم حسابا يسيرا.
وهذا درس كبير لكلّ الناس وخصوصا أولئك الذين يتصدّرون الأمور.
* * *
__________________
(1) الطلاق ، 8.
الآيات
( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) )
التّفسير
الأبواب الثّمانية للجنّة وصفات اولي الألباب :
تتحدّث هذه الآيات عن سيرة اولي الألباب وصفاتهم الحسنة ، وفيها تكميل
للبحث السابق.
في الآية الاولى من هذه المجموعة استفهام انكاري :( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى ) .
وهذا وصف رائع ، فهو لم يقل : أفمن يعلم انّ هذا القرآن على الحقّ كمن لا يعلم؟ بل قال : كمن هو أعمى؟ وهذه اشارة لطيفة الى انّه من المحال ان لا يعلم احد بهذه الحقيقة الّا ان يكون أعمى القلب ، فكيف يمكن لإنسان يمتلك عينا سليمة ولا يرى نور الشمس ، وهذا القرآن كالشمس. ولذلك يجيء في نهاية الآية قوله تعالى :( إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ) .
«الألباب» جمع لبّ بمعنى جوهر الشيء ، ويقابل اولي الألباب اولوا الجهل والعمى.
انّ هذه الآية ـ وكما يذهب اليه بعض المفسّرين ـ تحثّ الناس على طلب العلم ومحاربة الجهل ، لانّها تعدّ الفرد الفاقد للعلم كمن هو أعمى. ثمّ بيّن سيرة اولي الألباب من خلال ذكر صفاتهم الحميدة ، واوّل ما أشار القرآن اليه وفاؤهم بالعهد وعدم نقضهم له و( الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ) .
انّ «عهد الله» له معنى واسع ، ويشمل العهود الفطرية التي عاهدوا بها ربّهم كالفطرة على التوحيد وحبّ الحقّ والعدالة ، والمواثيق العقليّة التي يدركها الإنسان من خلال التفكير والتعقّل لعالم الوجود ، والمبدإ والمعاد ، وتشمل كذلك العهود الشرعيّة ، وهي ما عاهدوا الرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم عليه من الطاعة للأوامر الالهيّة وترك المعاصي والذنوب.
وتشمل هذه المجموعة كذلك الوفاء بالعهد بين الافراد ، لانّ الله سبحانه وتعالى اوصى بها ، بل تدخل ضمن الوفاء الشرعي والميثاق العقلي.
الصفة الثّانية من صفات اولي الألباب هي( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) .
لا نجد صيغة أوسع من هذه في هذا المجال ، فالإنسان له صلات وروابط كثيرة ، صلة مع ربّه ، ومع الأنبياء والقادة ، وروابطه مع الأصدقاء والجيران والأقرباء ومع كلّ الناس ، والآية تأمر ان تحترم هذه الصلات ، وتنهى عن اي عمل يؤدّي الى قطع هذه الصلات والروابط.
والإنسان في الحقيقة ليس منزويا او منفكّا من عالم الوجود ، بل تحكم كلّ وجوده الصلات والروابط ، ومن جملة هذه الصلات :
1 ـ صلته بالله سبحانه وتعالى ، والتي إذا ما قطعها الإنسان تؤدّي الى هلاكه كما في انطفاء نور المصباح في حالة قطع التيار الكهربائي عنه ، وعلى هذا فإنّ هذه الصلة التكوينيّة بين الإنسان وربّه يجب ان تتبعها صلة بأوامره واحكامه من حيث الطاعة والعبودية.
2 ـ صلته بالأنبياء والائمّةعليهمالسلام على أساس انّهم قادة للبشرية وقطعها يؤدّي بالإنسان الى الضلال والانحراف.
3 ـ صلته بالمجتمع كافّة وخصوصا بذوي الحقوق عليه أمثال الأب والامّ والأقرباء.
4 ـ صلته بنفسه ، من حيث انّه مأمور بحفظها وإصلاحها وتكاملها.
انّ اقامة اي صلة من هذه الصلات ، هي في الواقع مصداق للآية( يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) وقطعها قطع لما امر الله به ان يوصل ، لانّ الله سبحانه وتعالى امر بأن توصل ولا تقطع.
وبالاضافة الى ما قلناه ، فهناك أحاديث واردة بخصوص هذه الآية يتّضح منها انّ المراد القرابة مرّة ، ومرّة الامامة او آل الرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومرّة اخرى كلّ المؤمنين! فقد جاء عن الامام الصادقعليهالسلام في تفسير الآية قال : «قرابتك» وعنه ايضاعليهالسلام قال : «نزلت في رحم آل محمّد وقد يكون في قرابتك»(1) ومن الطريف
__________________
(1) نور الثقلين ، ج 2 ، صفحة 494.
انّهعليهالسلام يقول في نهاية الحديث : «فلا تكونن ممّن يقول للشيء انّه في شيء واحد» وهذه الجملة اشارة واضحة الى المعاني الواسعة للقرآن الكريم.
وعن الامام الصادقعليهالسلام في حديث ثالث يقول : «هو صلة الامام في كلّ سنة (اي بالمال) بما قلّ او اكثر ، ثمّ قال : وما أريد بذلك الّا تزكيتكم»(1) .
الصفة الثّالثة والرّابعة من سيرة اولي الألباب هي قوله تعالى :( وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ ) .
لمعرفة الفرق بين «الخشية» و «الخوف» المتقاربان في المعنى يقول البعض : «الخشية» هي حالة الخوف مع احترام الطرف المقابل ومع العلم واليقين ، ولذلك عدّها القرآن الكريم من خصوصيات العلماء حيث يقول :( إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ) .
ولكن بالنظر الى استخدام القرآن الكريم لكلمة الخشية مرّات كثيرة يتّضح لنا انّها تأتي بمعنى الخوف وتستعمل معها بشكل مترادف.
هنا يطرح هذا السؤال : إذا كان الخوف من الخالق هو نفس الخوف من حسابه ، فما هو الفرق بين( يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ) و( يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ ) ؟
الجواب : انّ الخوف من الله سبحانه وتعالى ليس ملزما دائما ان يكون خوفا من حسابه وعقابه ، بل انّ العظمة الالهيّة والاحساس بالعبوديّة له توجد حالة من الخوف في قلوب المؤمنين (بغضّ النظر عن الجزاء والعقاب) ، والآية (28) من سورة فاطر قد تشير الى هذا المعنى.
وهناك سؤال آخر يتعلّق بسوء الحساب ، وهو : هل من الصحيح انّ هناك ظلم في محاسبة الافراد؟
وقد تقدّم الجواب على هذا السؤال قبل عدّة آيات من هذه الآية وقلنا انّ المراد هو التدقيق الشديد في الحساب من دون عفو او تسامح وذكرنا ايضا
__________________
(1) المصدر السابق ، صفحة 495.
حديثا في هذا الصدد.
الصّفة الخامسة من صفات اولي الألباب الاستقامة في مقابل جميع المشاكل التي يواجهها الإنسان في مسيرة الطاعة وترك المعصية ، وجهاد الأعداء ومحاربة الظلم والفساد(1) ، والصبر في مرضاة الخالق ، ولذلك يقول تعالى :( وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ) لقد أشرنا مرارا الى مفهوم الاستقامة التي هي المعنى الواسع للصبر.
امّا معنى العبارة( وَجْهِ رَبِّهِمْ ) فقد تشير الى احد معنيين :
اوّلا : كلمة الوجه في هذه الموارد تعني العظمة ، كما نقول للرأي الصائب والمهمّ «هذا وجه الراي» باعتبار انّ الوجه يمثّل الشكل الظاهر والمهمّ للشيء ، كما في وجه الإنسان الذي يعتبر اهمّ جزء من جسده ، وفيه يقع السمع والبصر والنطق.
ثانيا : الوجه هنا بمعنى رضا الخالق ، فهم يصبرون على المحن والمشاكل لجلب مرضاة الله ، فاستعمال الوجه بهذا المعنى بسبب انّ الإنسان عند ما يريد ان يجلب رضا شخص يمعن النظر في وجهه (وعلى ذلك فهو يستعمل للكناية عن الشيء). وعلى ايّة حال فإنّ هذه الجملة تبيّن انّ كلّ صبر وعمل خير تكون له قيمة عند ما يصبح لوجه الله ، وايّ عمل آخر يقع تحت تأثير الرياء والغرور لا قيمة له مطلقا.
يقول بعض المفسّرين : انّ الإنسان يصبر مرّة لكي يقول عنه الناس : انّ هذا كثير الاستقامة. واخرى لخشيته ان يقولوا عنه انّه قليل الصبر ، او يصبر حتّى لا يشمت به الأعداء ، او يعلم ان لا فائدة من الجزع كلّ هذه الأمور والنيّات لا تدخل ضمن الكمال الانساني الّا إذا كانت خالصة لوجه الله. فهو يصبر ويستقيم لانّه يعلم انّ ايّ فاجعة او مصيبة لها حكمة ودليل ، ولا يقول ما يسخط الربّ ،
__________________
(1) ليس الصبر على الطاعة والمعصية والمصيبة فقط بل الصبر على النعم كذلك حتّى لا يصيب الإنسان الغرور.
فهذا الصبر هو المعني بقوله تعالى :( ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ ) .
الصفة السّادسة من صفاتهم هي( وَأَقامُوا الصَّلاةَ ) . رغم انّ اقامة الصلاة هي مصداق للوفاء بعهد الله وكذلك المصداق البارز لحفظ ما امر الله به ان يوصل ، ومصداق للصبر والاستقامة ، ولكن هناك بعض مصاديق تلك المفاهيم الكلّية اكثر اهميّة في مصير الإنسان ، فهذه الجملة والجمل التي ما بعدها تشير الى ذلك.
اي شيء اهمّ من هذا؟! انّ الإنسان يجدّد عهده وصلته بالله سبحانه وتعالى صباحا ومساء ، ويتفكّر بعظمة الخالق ويدعوه ، ويطهّر نفسه من الذنوب ، ويرتبط بالحقّ المطلق ، نعم فإنّ الصلاة لها كلّ هذه الآثار والبركات.
ثمّ يبيّن الصفة السّابعة لدعاة الحقّ حيث يقول تعالى :( وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً ) .
وهذه الآية ليست الوحيدة التي تشير الى مسألة الإنفاق او الزكاة بعد ذكر الصلاة ، فكثير من الآيات تشير الى هذا الترادف ، فواحدة تحكم الصلة بين العبد وربّه والثّانية بين العباد.
والجملة( مِمَّا رَزَقْناهُمْ ) تشمل كلّ العطايا من الأموال والعلوم والقوّة والجاه ، والإنفاق كذلك يشمل جميع هذه الابعاد. والعبارة( سِرًّا وَعَلانِيَةً ) اشارة اخرى الى هذه الحقيقة وهي انّ إنفاقهم يتمّ بشكل مدروس ، فتارة يكون سرّا ويترتّب عليه اثر كبير ، وذلك في الحالات التي توجب ان يحفظ فيها ماء الوجه للطرف الآخر او تصون الطرف المنفق من الرياء ، ومرّة يكون الإنفاق العلني اكثر تأثيرا وذلك في الحالات التي تدعو الآخرين لكي يتأسّوا بهذا العمل الخيّر ويقتدوا به ، فيكون سببا لكثير من اعمال الخير.
ومن هنا يتّضح انّ القرآن الكريم يدقّق في اعمال الخير بشكل كبير ، ليس فقط في اصل العمل ، بل حتّى في كيفيّة تنفيذه.
الصفة الثّامنة والاخيرة هي قوله تعالى :( وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) .
ومعنى هذه العبارة انّهم لم يكتفوا بالتوبة والاستغفار فقط عند ارتكابهم الذنوب ، بل يدفعونها كذلك بالحسنات على مقدار تلك الذنوب ، حتّى يطهّروا أنفسهم والمجتمع بماء الحسنات.
«يدرءون» مضارع «درأ» على وزن «زرع» بمعنى دفع.
ويحتمل في تفسير الآية انّهم لا يقابلون السيء بالسيء ، بل يسعون من خلال إحسانهم للمسيئين ان يجعلوهم يعيدون النظر في مواقفهم ، كما نقرا في الآية (34) من سورة فصلت قوله تعالى :( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) .
وفي نفس الوقت ليس هناك مانع من انّ الآية تشير الى هذين المعنيين ، كما اشارت إليها الأحاديث الاسلامية. ففي الحديث عن الرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لمعاذ بن جبل : «إذا عملت سيّئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها»(1) .
وعن الامام عليعليهالسلام قال «عاتب أخاك بالإحسان اليه واردد شرّه بالانعام عليه»(2) .
ولا بدّ هنا من الالتفات الى هذه النقطة ، وهي انّ هذه الأحكام أخلاقية تخصّ الحالات التي يحصل فيها تأثير على الآخرين ، وهناك قوانين واحكام جزائية واردة في التشريع الاسلامي لمعاقبة المسيئين.
وبعد ما ذكر القرآن الكريم الصفات الثمانية لاولي الألباب ، أشار في نهاية الآية الى عاقبة أمرهم حيث يقول تعالى :( أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ) (3) .
الآية الاخرى توضّح هذه العاقبة( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ) .
__________________
(1) مجمع البيان ذيل الآية أعلاه.
(2) الكلمات القصار في نهج البلاغة ، الكلمة 158.
(3) «العقبى» بمعنى العاقبة او نهاية العمل خيرا كان او شرّا ، ولكن بالنظر الى قرينة الحال في الآية أعلاه تشير الى العاقبة الحسنة.
والشيء الذي يكمل هذه النعم الكبيرة واللامتناهية( وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) فهذه السلامة جاءت بعد ما صبرتم على الشدائد وتحمّلتم المسؤوليات الجسام والمصائب ، ولكم هنا كامل الطمأنينة والامان ، فلا حرب ولا نزاع ، وكلّ شيء يبتسم لكم ، والراحة الخالية من المتاعب ـ هنا ـ معدّة لكم.
* * *
بحوث
1 ـ لماذا ذكر الصبر فقط؟
جملة( سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ ) تشير الى مسألة الصبر فقط ، في الوقت الذي نرى فيه الآيات السابقة اشارت الى ثمانية صفات لاولي الألباب ، فما هو السرّ في ذلك؟
للاجابة على هذا الاستفهام نورد ما جاء عن الامام عليعليهالسلام في حديث قيّم وذي مغزى كبير ، حيث قال : «انّ الصبر من الايمان كالرأس من الجسد ، ولا خير في جسد لا راس معه ، ولا في ايمان لا صبر معه».
في الحقيقة انّ كلّ الأفعال الحيّة والصفات الحميدة للافراد والمجتمعات تستند الى الصبر والاستقامة ، وبدونها لا يمكن ان نحصل على اي شيء من هذه الصفات ، لانّ في مسيرة عمل الخير عقبات وموانع لا يمكن ان ننتصر عليها الّا بالاستقامة ، فلا الوفاء بالعهد يمكن تنفيذه بدون الصبر والاستقامة ولا الصلات الالهيّة ، ولا الخوف من الله ، ولا اقامة الصلاة ولا الإنفاق يمكن بلوغها بغير الصبر والاستقامة.
2 ـ أبواب الجنّة
يستفاد من آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة انّ للجنّة عدّة أبواب ، ولكن هذا التعدّد للأبواب ليس لكثرة الداخلين الى الجنّة فيضيق عليهم الباب الواحد ، وليس كذلك للتفاوت الطبقي حتّى تدخل كلّ مجموعة من باب ، ولا لبعد المسافة او قربها ، ولا لجمال الأبواب وكثرتها ، فأبواب الجنّة ليست كأبواب القصور والبساتين في الدنيا ، بل تعدّدت هذه الأبواب بسبب الأعمال المختلفة للافراد. ولذا نقرا في بعض الاخبار انّ للأبواب اسماء مختلفة ، فهناك باب يسمّى باب المجاهدين ، والمجاهدون يدخلون بسلاحهم من ذلك الباب الى الجنّة ، والملائكة تحييهم(1) !
وروي عن الامام الباقرعليهالسلام «واعلموا انّ للجنّة ثمانية أبواب ، عرض كلّ باب مسيرة أربعين سنة»(2) .
ومن الظريف انّ القرآن الكريم يذكر لجهنّم سبعة أبواب( لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ ) (3) وطبقا للرّوايات فإنّ للجنّة ثمانية أبواب ، وهذه اشارة واضحة الى انّ طرق الوصول الى السعادة وجنّة الخلد اكثر من طرق الوصول الى الشقاء والجحيم. ورحمة الله سبقت غضبه «يا من سبقت رحمته غضبه».
ومن الطف ما في الأمر انّ الآيات السابقة اشارت الى ثمان صفات من صفات اولي الألباب ، وكلّ واحدة منها ـ في الواقع ـ هي باب من أبواب الجنّة وطريق للوصول الى السعادة الابدية.
__________________
(1) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة ، المجلّد الثّالث ، ص 995.
(2) الخصال للصدوق ، الباب الثاني.
(3) الحجر ، 44.
3 ـ يلحق بأهل الجنّة اقرباؤهم
الآية أعلاه وآيات اخرى من القرآن الكريم تصرّح انّ من بين اهل الجنّة آباؤهم وأزواجهم وأبناؤهم الصالحون ، وهذا انّما هو لإتمام النعمة عليهم ، وكي لا يشعروا بفراق احبّائهم ، وبما انّ تلك الدار متكاملة وكلّ شيء يتجدّد فيها ، فإنّ أصحابها يدخلون فيها بوجوه جديدة واكثر محبّة والفة. المحبّة التي تضاعف من نعم الجنّة لهم.
لا شكّ انّ الآية أعلاه اشارت الى الآباء والأزواج والأبناء ، ولكن في الواقع كلّ الأقرباء سيجتمعون هناك ، لانّه من غير الممكن وجود الأبناء والآباء بدون إخوانهم وأخواتهم وحتّى جميع اقربائهم ، فالأب الصالح يلحق به ابناؤه واخوته ، وعلى هذا الأساس يكون حضور الأقرباء معهم بشكل طبيعي.
4 ـ ما هي جنّات عدن؟
«العدن» الاستقرار ، وهنا جاءت الكلمة بمعنى الخلود ، ومنه المعدن لمستقرّ العناصر الفلزية. ويستفاد من مختلف آيات القرآن انّ الجنّة دار خلود لأهلها ، ولكن ـ كما قلنا في ذيل الآية (72) من سورة التوبة ـ جنّات عدن هي محلّ خاص في الجنّة ، ولها صفات ومنازل عالية ، ولا يدخلها الّا ثلاثة : الأنبياء والصدّيقون والشهداء(1) .
5 ـ التطهير من آثار الذنوب
ممّا لا شكّ فيه انّ الحسنات والسيئات لها اثر متقابل في النفس ونحن نرى في حياتنا اليوميّة كثيرا من النماذج بخصوص هذا الموضوع ، فمرّة يتحمّل الإنسان مشاق سنين كثيرة ويسعى للحصول على الثروة ، ولكن يفقدها بعمل
__________________
(1) للتوضيح اكثر راجع ما ذكر ذيل الآية (72) من سورة التوبة.
بسيط ناتج عن اللامبالاة ، او ليس هذا احباطا للحسنات المادية. ومرّة اخرى على العكس حيث يرتكب الإنسان كثيرا من الاخطاء في حياته ويتحمّل الخسارة الكبيرة ، ولكن يسترجعها من خلال عمل شجاع ومحسوب.
والآية( وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) اشارة الى هذا الموضوع ، لانّ الإنسان غير معصوم ، وهو معرّض للخطأ والمعصية ، فعليه ان يفكّر بإصلاح ما فسد ، فأعمال الخير لا تمحو الآثار الاجتماعية للذنوب ، بل كذلك تمحو من قلبه الظلمة وتعيده الى النّور والصفاء الفطري. وهذه الحالة تسمّى في القرآن الكريم بـ «التكفير» (كما تقدّم في ذيل الآية 217 من تفسير سورة البقرة إشارات كثيرة في هذا المجال).
ولكن كما قلنا ـ في تفسير الآية أعلاه ـ يمكن ان تكون اشارة الى الفضيلة الاخلاقية لاولي الألباب ، وذلك انّهم لا يواجهون السيّئة بالسيّئة ، بل العكس يقابلون الانتقام بالإحسان والسيّئة بالحسنة.
* * *
الآيتان
( وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ (26) )
التّفسير
المفسدون في الأرض!
بعد ما ذكرت الآيات السابقة صفات اولي الألباب ودعاة الحقّ ، اشارت هذه الآيات الى قسم من الصفات الاصليّة للمفسدين الذين فقدوا حظّهم من العلم والمعرفة حيث يقول جلّ وعلا :( وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) .
في الحقيقة يتلخّص فساد عقيدتهم في الجمل الثلاث الآتية :
1 ـ نقض العهود الالهيّة : وتشمل المواثيق الفطرية والعقليّة والتشريعيّة.
2 ـ قطع الصلات : وتشمل الصلة مع الله والرسل والناس ومع أنفسهم.
3 ـ الإفساد في الأرض : وهو نتيجة حتمية لنقض العهود وقطع الصلات.
او ليس المفسد هو الذي ينقض عهد الله ويقطع الصلات؟!
فهذا السعي من قبل هذه المجموعة من الافراد بهدف الوصول الى الأغراض المادّية ، وعوضا ان تصل بهم هذه الجهود المبذولة الى الاهداف النّبيلة تبعدهم عنها ، لانّ اللعن هو عبارة عن الابتعاد من رحمة الله(1) .
ومن الظريف انّ الدار هنا وفي الآية السابقة جاءت بصيغة مطلقة ، وهذه اشارة الى انّ الدار الحقيقيّة هي الدار الآخرة ، واي دار ما عداها فانية وزائلة.
قوله تعالى :( اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ) وهذه اشارة لأولئك الذين يسعون للحصول على دخل اكثر فهم يفسدون في الأرض وينقضون عهد الله ويقطعون ما امر الله به ان يوصل لكي يزيدوا من دخلهم المادّي ، وهم غافلون عن هذه الحقيقة وهي انّ الرزق ـ في زيادته ونقصه ـ بيد الله سبحانه وتعالى.
وبالاضافة الى ذلك يمكن ان تكون هذه الجملة جوابا على سؤال مقدّر ، وهو : كيف انّ الله سبحانه وتعالى يرزق كلّ هؤلاء الناس الصالح منهم والطالح من فيض كرمه.
والآية تجيب على هذا السؤال وتقول :( اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ ) ومع ذلك فهو متاع قليل وزائل ، وما ينبغي السعي اليه هو الآخرة والسعادة الابديّة.
وعلى ايّة حال فإنّ المشيئة الالهيّة في مجال الرزق هي انّ الله سبحانه وتعالى لا يبسط الرزق لأحد بدون الاستفادة من الأسباب الطبيعيّة له «ابى الله ان يجري الأمور الّا بأسبابه».
__________________
(1) يقول الراغب في مفرداته : اللعن بمعنى الطرد مع الغضب ، واللعن في الآخرة تشير الى العقوبة وفي الدنيا الابتعاد من رحمة الله ، وإذا كان من قبل الناس فمعناه دعاء السوء.
ثمّ تضيف الآية( وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ ) .
وقد ذكر «متاع» بصيغة النكرة لبيان تفاهة الدنيا بالمقارنة مع الآخرة.
* * *
بحثان
1 ـ من هو المفسد في الأرض؟
الفساد يقابله الإصلاح ، ويطلق على كلّ عمل تخريبي ، ويقول الراغب في مفرداته : «الفساد خروج الشيء عن الاعتدال قليلا كان او كثيرا ، ويضادّه الصلاح ، ويستعمل ذلك في النفس والبدن والأشياء الخارجة عن الاستقامة» وعلى ذلك فكلّ عمل فيه نقص ، وكلّ افراط وتفريط في المسائل الفردية والاجتماعية هو مصداق للفساد!
وفي كثير من موارد القرآن الكريم ذكر الفساد في مقابل الإصلاح( الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ) (1) ، وقوله تعالى :( وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ) ،(2) وقوله تعالى :( وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (3) .
كما ذكر الايمان والعمل الصالح في مقابل الفساد ، وحيث يقول جلّ وعلا( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ) .(4)
ومن جانب آخر ذكر الفساد ، مع كلمة «في الأرض» في كثير من آيات القرآن الكريم نحو عشرين آية ونيّف ، وهي توضّح الجوانب الاجتماعية للمسألة.
__________________
(1) الشعراء ، 152.
(2) البقرة ، 220.
(3) الأعراف ، 142.
(4) سورة ص ، 28.
ومن جانب ثالث ذكر الفساد والإفساد مع ذنوب اخرى ، ويحتمل ان يكون مصداقا لها ، وبعض هذه الذنوب كبيرة وبعضها الآخر أصغر فمثلا قوله تعالى :( إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً ) ،(1) وقوله تعالى( وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ ) (2) ( النَّسْلَ ) ، وقوله تعالى :( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ) ،(3) وقوله تعالى :( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً ) .(4)
ومرّة يعتبر فرعون من المفسدين ، وأثناء توبته عند غرقه في النيل يقول :( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) .(5)
وقد استعمل «الفساد في الأرض» تعبيرا عن السرقة كما في قصّة يوسفعليهالسلام ( تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ ) .(6)
ومرّة اخرى كناية عن قلّة البيع ، كما في قصّة شعيب حيث نقرا قوله تعالى :( وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) .(7)
وأخيرا استخدم القرآن الكريم الفساد في التعبير عن اضطراب النظام الكوني( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا ) .(8)
نستفيد من مجموع هذه الآيات انّ الفساد ـ بشكل عام ـ او الفساد في الأرض ، له معنى واسع جدّا ، بحيث يشمل اكبر الجرائم مثل جرائم فرعون وسائر
__________________
(1) المائدة ، 33.
(2) البقرة ، 205.
(3) البقرة ، 27.
(4) القصص ، 83.
(5) يونس ، 91.
(6) يوسف ، 73.
(7) هود ، 85.
(8) الأنبياء ، 22.
الطواغيت ، كما يشمل الأعمال الأقل اجراما منها مثل بخس الناس أشياءهم ، ويشمل كذلك اي خروج عن حالة الاعتدال كما أشرنا اليه سابقا. وبالنظر الى انّ العقوبة يجب ان تكون مطابقة للجريمة يتّضح لنا انّ كلّ مجموعة من هؤلاء المفسدين لها عقوبة معيّنة وجزاء خاص.
ونرى في الآية (33) من سورة المائدة التي ذكرت «الفساد في الأرض مع محاربة الله ورسوله» انّ هناك اربع عقوبات ويجب على الحاكم الشرعي ان يختار العقوبة المناسبة على مقدار الجريمة (القتل ـ الصلب ـ قطع الايدي والأرجل ـ النفي) كما بيّن فقهاؤنا في كتبهم شروط وحدود المفسد في الأرض وعقوباته(1) .
ولأجل ان نجتثّ هذه المفاسد ، يجب ان نستخدم الوسائل الكافية في كلّ مرحلة من مراحلها ، ففي المرحلة الاولى نستخدم أسلوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن طريق النصائح والتذكير ، ولكن إذا ما استوجب الأمر نستعمل الشدّة حتّى لو ادّى ذلك الى القتال.
وبالاضافة الى ما أشرنا اليه ، فإنّ الجملة( وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ) ترشدنا الى هذه الحقيقة في حياة المجتمع الانساني ، وهي انّ الفساد الاجتماعي لا يبقى في مكان معيّن ولا يمكن حصره في منطقة معيّنة ، بل ينتشر بين اوساط المجتمع وفي كافّة بقاع الأرض ويسري من مجموعة الى اخرى.
ويستفاد من الآيات القرآنية انّ واحدة من اهداف بعثة الأنبياء هو إنهاء حالة الفساد في الأرض (في معناه الواسع) كما نقرا في سورة هود الآية (88) قول النّبي شعيبعليهالسلام ( إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ) .
__________________
(1) ونحن أشرنا اليه بشكل مفصّل في ذيل الآية (33) من سورة المائدة.
2 ـ الرزق بيد الله سبحانه وتعالى ولكن ...!
لا نستفيد من الآية أعلاه فقط أنّ الرزق في زيادته ونقصانه بيد الله ، بل نستفيد من آيات أخر انّ الله سبحانه وتعالى يبسط الرزق لمن يشاء وينقصه لمن يشاء ، ولكن ليس كما يعتقده بعض الجهلاء من عدم الكسب والجلوس في زاوية البيت حتّى يبعث الله لهم الرزق ، ان هؤلاء الافراد ـ الذين يعتبر تفكيرهم السلبي ذريعة لمن يقول بأنّ الدين افيون الشعوب ـ قد غفلوا عن نقطتين اساسيتين هما :
اوّلا : انّ الارادة والمشيئة الالهيّة التي اشارت إليها الآيات القرآنية ليست مسألة اعتباطية وغير محسوبة ، بل ـ وكما قلنا سابقا ـ انّ المشيئة الالهيّة غير منفصلة عن حكمته جلّ وعلا وتدخل فيها الاستعدادات والتوفيقات.
ثانيا : انّ هذه المسألة لا تعني نفي الأسباب ، لانّ عالم الأسباب هو عالم الوجود ، وهذه العوالم وجدت بإرادة الله وهي غير منفصلة عن المشيئة التشريعيّة.
وبعبارة اخرى : انّ ارادة الله في مجال بسط الرزق نقصه مشروطة بشرائط تتحكّم في حياة الناس ، فالسعي والإخلاص والإيثار ، وبعكس ذلك الكسل والبخل وسوء النيّة ، لها دور فعّال وكبير ، ولهذا السبب نرى القرآن الكريم يشير مرارا الى انّ الإنسان رهين بسعيه وارادته وعمله ، وما يستفيده من حياته انّما هو بمقدار هذا السعي والاجتهاد( لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) .
ولهذا فإنّ هناك بابا في السعي لتحصيل الرزق يذكره المحدّثون في موسوعاتهم الحديثة «كوسائل الشيعة» في باب التجارة ، ويوردون أحاديث كثيرة في هذا المجال ، كما انّ هناك أبوابا اخرى تذمّ البطالة والكسل ، ومن جملتها الحديث المرويّ عن الامام عليعليهالسلام حيث يقول : «انّ الأشياء لمّا ازدوجت ازدوج الكسل والعجز فنتجا بينهما الفقر»(1) .
وعن الامام الصادقعليهالسلام «لا تكسلوا في طلب معايشكم فإنّ آباءنا كانوا
__________________
(1) وسائل الشيعة ، المجلّد 12 ، صفحة 37.
يركضون فيها ويطلبونها»(1) .
وعن الامام الباقرعليهالسلام قال : «انّي لابغض الرجل ان يكون كسلانا عن امر دنياه ، ومن كسل عن امر دنياه فهو عن امر آخرته أكسل»(2) .
وعن الامام موسى بن جعفرعليهالسلام «انّ الله تعالى ليبغض العبد النوّام ، انّ الله ليبغض العبد الفارغ»(3) .
* * *
__________________
(1) وسائل الشيعة المجلّد 12 صفحة 37 و 38.
(2) وسائل الشيعة المجلّد 12 صفحة 38.
(3) وسائل الشيعة المجلّد 12 صفحة 37 و 38.
الآيات
( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) )
التّفسير
الا بذكر الله تطمئنّ القلوب :
في سورة الرعد ـ كما أشرنا سابقا ـ بحوث كثيرة حول التوحيد والمعاد والنبوّة ، فالآية الاولى من هذه المجموعة تبحث مرّة اخرى في دعوة الرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وتبيّن واحدا من اعذار المشركين المعاندين حيث يقول تعالى :( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ) .
جملة «يقول» فعل مضارع للدلالة على انّ هذا العذر كان يجري على ألسنتهم كثيرا ، رغم ما يرونه من معجزات الرّسول (فعلى كلّ نبي ان يظهر المعجزة كدليل على صدقه) ومع ذلك كانوا يحتجّون عليه ولا يؤمنون بالمعاجز
السابقة ، ويطلبون منه معاجز جديدة تلائم افكارهم.
وبعبارة اخرى إنّ هؤلاء وجميع المنكرين لدعوة الحقّ كانوا دائما يطلبون «المعاجز الاقتراحية» ، ويتوقّعون من النّبي ان يجلس في زاوية الدار ويظهر لكلّ واحد منهم المعجزة التي يقترحها ، فإن لم تعجبهم لم يؤمنوا بها!.
في الوقت الذي نرى فيه انّ الوظيفة الرئيسيّة للأنبياء هي التبليغ والإرشاد والإنذار وهداية الناس ، وامّا المعجزة فهي امر استثنائي وتكون بأمر من الله لا من الرّسول ، ولكن نحن نقرا في كثير من الآيات القرآنية انّ هذه المجموعة المعاندة لا تأخذ هذه الحقيقة بنظر الاعتبار ، وكانت تؤذي الأنبياء دائما بهذه الطلبات. ويجيبهم القرآن الكريم حيث يقول :( قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ ) .
وهذه اشارة الى انّ العيب ليس من ناحية الاعجاز ، لانّ الأنبياء قد أظهروا كثيرا من المعاجز ، ولكن النقص من داخل أنفسهم. وهو العناد والتعصّب والجهل والذنوب التي تصدّ عن الايمان.
ولأجل ذلك يجب ان ترجعوا الى الله وتنيبوا اليه وترفعوا عن عيونكم وافكاركم ستار الجهل والغرور كي يتّضح لكم نور الحقّ المبين.
تشير الآية الثانية بشكل رائع الى تفسير( مَنْ أَنابَ ) حيث يقول تعالى :( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ ) . ثمّ يذكر القاعدة العامّة والأصل الثابت حيث يقول تعالى :( أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) .
وتبحث الآية الاخيرة مصير الذين آمنوا حيث تقول :( الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) .
كثير من المفسّرين قالوا : انّ كلمة «طوبى» مؤنّث «أطيب» ، وبما انّ المتعلّق محذوف فإنّ للكلمة مفهوما واسعا وغير محدود ، ونتيجة طوبى لهم هو ان تكون لهم أفضل الأشياء : أفضل الحياة والمعيشة ، وأفضل النعم والراحة ، وأفضل
الألطاف الالهيّة ، وكلّ ذلك نتيجة الايمان والعمل الصالح لأولئك الراسخين في عقيدتهم والمخلصين في عملهم.
وما ذكره جمع من المفسّرين في معنى هذه الكلمة وأوصلها صاحب مجمع البيان الى عشرة معاني ، فانّها في الحقيقة تصبّ كلّها في هذا المعنى الواسع والشامل الذي ذكرناه.
ونقرا في روايات متعدّدة انّ «طوبى» شجرة أصلها في بيت النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم او الامام عليعليهالسلام في الجنّة ، وتنتشر أغصانها على رؤوس جميع المؤمنين وعلى دورهم ، ولعلّ هذا تجسيما لقيادتهم وإمامتهم والصلات القويّة التي تربط بين هؤلاء القادة وأصحابهم ، وتكون ثمرتها كلّ هذه النعم المختلفة.
(وإذا ما رأينا انّ طوبى جاءت مؤنثّة لاطيب الذي هو مذكّر ، فإنّ ذلك بسبب انّها صفة للحياة والمعيشة او النعمة وكلّ هذه مؤنثة).
* * *
بحوث
1 ـ كيف يطمئن القلب بذكر الله؟
انّ الاضطراب والقلق من اكبر المصاعب في حياة الناس ، والنتائج الحاصلة منهما في حياة الفرد والمجتمع واضحة للعيان ، والاطمئنان واحد من اهمّ اهتمامات البشر ، وإذا حاولنا ان نجمع سعي وجهاد الانسانية على طول التاريخ في بحثهم للحصول على الاطمئنان بالطرق الصحيحة غير الصحيحة ، فسوف تتكوّن لدينا كتب كثيرة ومختلفة تعرض تلك الجهود.
يقول بعض العلماء : عند ظهور بعض الأمراض المعدية ـ كالطاعون ـ فإنّ من بين العشرة الافراد الذين يموتون بسبب المرض ـ ظاهرا ـ أكثرهم يموت بسبب القلق والخوف ، وعدّة قليلة منهم تموت بسبب المرض حقيقة. وبشكل
عام «الاطمئنان» و «الاضطراب» لهما دور مهمّ في سلامة ومرض الفرد والمجتمع وسعادة وشقاء الانسانية ، وهذه مسألة لا يمكن التغافل عنها ، ولهذا السبب الّفت كتب كثيرة في موضوع القلق وطرق التخلّص منه ، وكيفيّة الحصول على الراحة ، والتاريخ الانساني مليء بالمواقف مؤسفة لتحصيل الراحة ، وكيف انّ الإنسان يتشبّث بكلّ وسيلة غير مشروعة كأنواع الاعتياد على المواد المخدّرة لنيل الاطمئنان النفسي.
ولكن القرآن الكريم يبيّن اقصر الطرق من خلال جملة قصيرة ولكنّها كبيرة المعنى حيث يقول :( أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) !
ولتوضيح هذا المعنى ومعرفة عوامل القلق والاضطراب لا بدّ من ملاحظة ما يلي :
اوّلا : يحدث الاضطراب مرّة بسبب ما يجول في فكر الإنسان عن المستقبل المظلم ، فيحتمل زوال النعمة ، او الأسر على يد الأعداء ، او الضعف والمرض ، فكلّ هذه تؤلم الإنسان ، لكن الايمان بالله القادر المتعال الرحمن الرحيم ، الله الذي تكفّل برحمة عباده هذا الايمان يستطيع ان يمحو آثار القلق والاضطراب ويمنحه الاطمئنان في مقابل هذه الاحداث ويؤكّد له انّك لست وحيدا ، بل لك ربّ قادر رحيم.
ثانيا : ومرّة يشغل فكر الإنسان ماضيه الأسود فيمسي قلقا بسبب الذنوب التي ارتكبها وبسبب التقصير والزلّات ، ولكن بالنظر الى انّ الله غفّار الذنوب وقابل التوبة وغفور رحيم ، فإنّ هذه الصفات تمنح الإنسان الثقة وتجعله اكثر اطمئنانا وتقول له : اعتذر الى الله من سوالف أعمالك السيّئة واتّجه اليه بالنيّة الصادقة.
ثالثا : ضعف الإنسان في مقابل العوامل الطبيعيّة ، او مقابل كثرة الأعداء يؤكّد في نفسه حالة القلق وانّه كيف يمكن مواجهة هؤلاء القوم في ساحة الجهاد او في
الميادين الاخرى؟
ولكنّه إذا تذكّر الله ، واستند الى قدرته ورحمته هذه القدرة المطلقة التي لا يمكن ان تقف امامها ايّة قدرة اخرى ، سوف يطمئنّ قلبه ، ويقول في نفسه : نعم انّني لست وحيدا ، بل في ظلّ القدرة الالهيّة المطلقة!
فالمواقف البطولية للمجاهدين في ساحات القتال ، في الماضي او الحاضر ، وشجاعتهم النادرة حتّى في المنازلة الفردية لهم ، كلّها تبيّن حالة الاطمئنان التي تنشأ في ظلّ الايمان.
نحن نشاهد او نسمع انّ احد الضبّاط المؤمنين فقد بصره مثلا او اصابته جراحات كثيرة بعد قتال شديد مع اعداء الإسلام ولكن عند ما يتحدّث كأنّه لم يكن به شيء ، وهذه نتيجة الاستقرار والطمأنينة في ظلّ الايمان بالله.
رابعا : ومن جانب آخر يمكن ان يكون اصل المشقّة هي التي تؤذي الإنسان ، كالاحساس بتفاهة الحياة او اللاهدفية في الحياة ، ولكن المؤمن بالله الذي يعتقد انّ الهدف من الحياة هو السير نحو التكامل المعنوي والمادّي ، ويرى انّ كلّ الحوادث تصبّ في هذا الإطار ، سوف لا يحسّ باللاهدفيّة ولا يضطرب في المسيرة.
خامسا : ومن العوامل الاخرى انّ الإنسان مرّة يتحمّل كثيرا من المتاعب للوصول الى الهدف ، ولكن لا يرى من يقيّم اعماله ويشكر له هذا السعي ، وهذه العملية تؤلمه كثيرا فيعيش حالة من الاضطراب والقلق ، وامّا إذا علم انّ هناك من يعلم بهذا السعي ويشكره عليه ويثيبه ، فليس للاضطراب والقلق هنا محل من الاعراب.
سادسا : سوء الظنّ عامل آخر من عوامل الاضطراب والذي يصبّ كثيرا من الناس في حياتهم ويبعث فيهم الألم والهمّ ، ولكنّ الايمان بالله ولطفه المطلق وحسن الظنّ به التي هي من وظائف الفرد المؤمن سوف تزيل عنه حالة العذاب
والقلق وتحلّ محلّها حالة الاطمئنان والاستقرار.
سابعا : الهوى وحبّ الدنيا من اهمّ عوامل القلق والاضطراب ، وقد تصل الحالة في عدم الحصول على لون خاص في الملبس ، او اي شيء آخر من مظاهر الحياة البرّاقة ان يعيش الإنسان حالة من القلق قد تستمر ايّاما وشهورا.
ولكن الايمان بالله والتزام المؤمن بالزهد والاقتصاد وعدم الاستئسار في مخالب الحياة المادية ومظاهرها البرّاقة ينهي حالة الاضطراب هذه ، وكما قال الامام عليعليهالسلام : «دنياكم هذه أهون عندي من ورقة في فمّ جرادة تقضمها» فمن كانت له مثل هذه الرؤية كيف يمكن ان تحدث عنده حالة الخوف والقلق نتيجة لعدم الحصول على شيء من وسائل الحياة الماديّة او فقدانها؟!
ثامنا : من العوامل المهمّة الاخرى الخوف من الموت ، وبما انّ الموت لا يحصل فقط في السنّ المتأخّرة ، بل في كافّة السنين وخصوصا أثناء المرض والحروب ، والعوامل الاخرى فالقلق يستوعب كافّة الافراد. ولكن إذا اعتقدنا انّ الموت يعني الفناء ونهاية كلّ شيء (كما يعتقده المادّيون) فإنّ الاضطراب والقلق في محلّه ، ولا بدّ ان يخاف الإنسان من هذا الموت الذي ينهي عنده كلّ الآمال والاماني والطموحات. ولكن الايمان بالله يمنحنا الثقة بأنّ الموت هو باب لحياة أوسع وأفضل من هذه الحياة ، وبرزخ يمرّ منه الإنسان الى دار فضاؤها رحب ، فلا معنى للقلق حينئذ ، بل انّ مثل هذا الموت ـ إذا ما كان في سبيل الله يكون محبوبا ومطلوبا.
انّ عوامل الاضطراب لا تنحصر بهذه العوامل ، فهناك عوامل كثيرة اخرى ، ولكن كلّ مصادرها تعود الى ما ذكرناه أعلاه.
وعند ما رأينا انّ كلّ هذه العوامل تذوب وتضمحلّ في مقابل الايمان بالله سوف نصدّق انّه( أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (1) .
__________________
(1) للاستفادة اكثر راجع كتاب (طرق التغلّب على الاضطراب والقلق).
2 ـ الطمأنينة والخوف من الله
طرح بعض المفسّرين هنا هذا السؤال ، وخلاصته : نحن قرانا في الآية أعلاه( أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) ومن جانب آخر فإنّ الآية 2 من سورة الأنفال تقول :( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) فهل انّ هاتين الآيتين متناقضتين؟
الجواب : انّ الطمأنينة المحمودة هي ما كانت في مقابل العوامل المادية التي تقلق الإنسان ـ كما أشرنا اليه سابقا ـ ولكن المؤمنين لا بدّ وان يكونوا قلقين في مقابل مسئولياتهم ، وبعبارة اخرى : انّ المؤمنين لا يشكون من الاضطراب المدمّر الذي يشكّل غالبية أشكال القلق والاضطرابات ، ولكن القلق البنّاء الذي يحسّ به الإنسان تجاه مسئولياته امام الله فهو المطلوب ولا بدّ منه ، وهذا هو الخوف من الله(1) .
3 ـ ما هو ذكر الله ، وكيف يتمّ؟
«الذكر» كما يقول الراغب في مفرداته : حفظ المعاني والعلوم ، ويستعمل الحفظ للبدء به ، بينما الذكر للاستمرار فيه ، ويأتي في معنى آخر هو ذكر الشيء باللسان او القلب ، لذلك قالوا : انّ الذكر نوعين «ذكر القلب» و «ذكر اللسان» وكلّ واحد منها على نوعين : بعد النسيان او بدونه.
وعلى ايّة حال ليس المقصود من الذكر ـ في الآية أعلاه ـ هو ذكره باللسان فقط فنقوم بتسبيحه وتهليله وتكبيره ، بل المقصود هو التوجّه القلبي له وادراك علمه وبأنّه الحاضر والناظر ، وهذا التوجّه هو مبدا الحركة والعمل والجهاد والسعي نحو الخير ، وهو سدّ منيع عن الذنوب ، فهذا هو الذكر الذي له كلّ هذه الآثار والبركات كما اشارت اليه عدّة من الرّوايات.
__________________
(1) وقد أشرنا الى هذه المسألة من تفسير الأمثل ذيل الآية (2) من سورة الأنفال.
فمن وصايا النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم للإمام عليعليهالسلام يقول له : «يا علي ، ثلاث لا تطيقها هذه الامّة : المواساة للأخ في ماله ، وانصاف الناس من نفسه ، وذكر الله على كلّ حال ، وليس هو سبحان الله والحمد لله ولا اله الّا الله والله اكبر ، ولكن إذا ورد على ما يحرم عليه خاف اللهعزوجل عنده وتركه»(1) .
وقال الامام عليعليهالسلام : «الذكر ذكران : ذكر اللهعزوجل عند المصيبة ، وأفضل من ذلك ذكر الله عند ما حرّم الله عليك فيكون حاجزا»(2) .
ولهذا السبب اعتبرت بعض الرّوايات الذكر وقاية ووسيلة دفاعية ، كما ورد عن الامام الصادقعليهالسلام قال : «انّ النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم خاطب أصحابه يوما فقال لهم : اتّخذوا جننا ، فقالوا يا رسول الله امن عدو وقد أظلنا؟ قال : لا ، ولكن من النار ، قولوا : سبحان الله والحمد لله ولا اله الّا الله والله اكبر»(3) .
وإذا ما رأينا انّ بعض الرّوايات تتحدّث عن «ذكر الله» انّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فذلك لانّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يذكّر الناس بالله تعالى ، وقد روي عن الامام الصادقعليهالسلام في تفسير الآية( أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) قال : «بمحمّد تطمئن القلوب وهو ذكر الله وحجابه».
* * *
__________________
(1) سفينة البحار ، المجلّد الاوّل ، صفحة 484.
(2) المصدر السّابق.
(3) المصدر السّابق.
الآيات
( كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (30) وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (31) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (32) )
اسباب النّزول
قال بعض المفسّرين : انّ الآية الاولى نزلت في صلح الحديبيّة في السنة السادسة للهجرة ، وذلك عند ما أرادوا كتابة معاهدة الصلح ، قال النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لعلي
عليهالسلام : «اكتب : بسم الله الرّحمن الرّحيم ...» قال سهيل بن عمرو ومعه المشركون : نحن لا نعرف الرّحمان! وانّما هناك رحمان واحد في اليمامة «وكان قصدهم مسيلمة الكذّاب» بل اكتب «باسمك اللهم» كما كانوا يكتبونه في الجاهلية ، ثمّ قال النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليعليهالسلام : «اكتب : هذا ما اتّفق عليه محمّد رسول الله ...» فقال المشركون : إذا كنت رسول الله فإنّه لظلم كبير ان نقاتلك ونمنعك من الحجّ ، ولكن اكتب : هذا ما اتّفق عليه محمّد بن عبد الله! وفي هذه الأثناء غضب صحابة الرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وقالوا : دعنا نقاتل هؤلاء المشركين ، ولكنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «لا ، اكتب كما يشاءون» وفي هذه الأثناء نزلت الآية أعلاه ، وهي توبّخ المشركين على عنادهم ومخالفتهم في اسم الرّحمن الذي هو واحد من صفات الله جلّ وعلا.
هذا السبب في النّزول يمكن ان يكون صحيحا في حالة اعتقادنا بأنّ السورة مدنيّة حتّى توافق حادثة صلح الحديبيّة ، ولكنّ المشهور انّها مكيّة. الّا إذا اعتبرنا انّ سبب النّزول هو ردّ على المشركين كما في الآية (60) من سورة الفرقان( اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ ) .
وعلى ايّة حال ، وبغضّ النظر عن سبب النزول ، فإنّ الآية لها مفهوم واضح سوف نتطرّق اليه في تفسيرنا لها.
وقال بعض المفسّرين في سبب نزول الآية الثّانية : انّها جواب لمجموعة من مشركي مكّة ، حيث كانوا جالسين خلف الكعبة وطلبوا النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فجاءهمصلىاللهعليهوآلهوسلم «على امل هدايتهم» قالوا : إذا كنت تحبّ ان نكون من أصحابك فأبعد هذه الجبال قليلا الى الوراء حتّى تتّسع لنا الأرض! وشقّ الأرض لكي تتفجّر العيون والأنهار حتّى نغرس الأشجار ونقوم بالزراعة! الم تعتقد بأنّك لا تقلّ عن داود الذي سخّر الله له الجبال تسبح معه؟ او انّ تسخّر لنا الرّيح حتّى نسافر عليها الى الشام ونحلّ مشاكلنا التجارية وما نحتاج اليه ثمّ نعود في نفس
ذلك اليوم! كما كانت مسخّرة لسليمانعليهالسلام ، الم تعتقد انّك لا تقلّ عن سليمان ، أو احيي لنا جدّك «قصي» او اي واحد من موتانا كي نسأله هل انّ ما تقوله حقّ ام باطل ، او ليس عيسى كان يحيي الموتى!
وفي هذه الأثناء نزلت الآية الثانية تذكرهم بأنّ كلّ ما يقولونه سببه الخصومة والعناد لا لكي يؤمنوا ، والّا فهناك معاجز كثيرة حصلت لهم.
التّفسير
لا امل في ايمان اهل العناد :
تبحث هذه الآيات مرّة ثانية مسألة النّبوة ، والآيات أعلاه تكشف عن قسم آخر من جدال المشركين في النبوّة وجواب القرآن عليهم فيقول الآية : كما انّنا أرسلنا رسلا الى الأقوام السالفة لهدايتهم :( كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ ) والهدف من ذلك( لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) . في الوقت الذي( وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ ) يكفرون بالله الذي عمّت رحمته كلّ مكان ، وشمل فيضه المؤمن والكافر.
ثمّ قل لهم : انّ الرّحمن الذي عمّ فضله هو ربّي( قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ ) .
ثمّ يجيب أولئك الذين يتشبّثون دائما بالحجج الواهية فيقول : لو انّ الجبال تحرّكت من مكانها بواسطة القرآن :( وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى ) . فمع ذلك لا يؤمنون به.
ولكنّ كلّ هذه الأفعال بيد الله ويفعل ما يريد متى يشاء( بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً ) . ولكنّكم لا تطلبون الحقّ ، وإذا كنتم تطلبونه فهذا المقدار من المعجزة التي صدرت من الرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم كاف لايمانكم.
ثمّ يضيف القرآن الكريم( أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى
النَّاسَ جَمِيعاً ) (1) وهذه اشارة الى انّ الله سبحانه وتعالى يستطيع ان يجبر الناس وحتّى المعاندين على ان يؤمنوا ، لانّه القادر على كلّ شيء ، ولكنّه لا يفعل ذلك ابدا ، لانّ هذا الايمان الاجباري لا قيمة له وهو فاقد للمعنى والتكامل الذي يحتاجه الإنسان في حياته.
ثمّ تضيف الآية( وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ ) وهذه مصائب تنزل عليهم بشكل ابتلاءات مختلفة او على شكل هجوم المسلمين عليهم. وهذه المصائب انّ لم تنزل في دارهم فهي( أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ ) لكي يعتبروا بها ويرجعوا الى الله جلّ وعلا.
وهذا الإنذار مستمر( حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ ) .
وهذا الوعد الأخير قد يشير الى الموت ، او الى يوم القيامة ، او على قول البعض الى فتح مكّة التي سحقت آخر معقل للعدو.
وعلى ايّة حال فالوعد الالهي اكيد :( إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ) .
الآية الاخيرة من هذه المجموعة تخاطب النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فتقول له : لست الوحيد من بين الأنبياء تعرّض لطلب المعاجز الاقتراحية والاستهزاء من الكفّار ، بل( وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ ) . ولكن لم نعاقب هؤلاء الكفّار فورا ، بل( فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) لكي يستيقظوا ويعودوا الى طريق الحقّ ، او نلقي عليهم الحجّة الكافية على الأقل. لانّ هؤلاء إذا كانوا مذنبين فإنّ لطف الله وكرمه وحكمته لا تتأثّر بأفعال هؤلاء.
__________________
(1) «ييأس» مأخوذة من مادّة اليأس ، ولكن يقول جمهور من المفسّرين : انّها جاءت هنا بمعنى العلم ، وامّا ما يقوله البعض [طبقا لما نقله الفخر الرّازي] ان «يئست» لا تأتي بمعنى «علمت» إطلاقا ، ويرى الرّاغب في مفرداته انّ اليأس هنا هو نفس معناه ، ولكن يحتاج لتحقّقه الى العلم بعدم تحقّق الموضوع ، وعلى هذا يكون ثبوت يأسهم يتوقّف على علمهم وتكون نتيجته انّ اليأس هنا ليس العلم بالوجود ، بل العلم بالعدم ، وهو مخالف لمفهوم الآية ، وعلى ذلك فالحقّ ما قاله جمهور المفسّرين ، وما ذكروه من شواهد في قول العرب على ذلك ، وقد ذكر الفخر الرّازي في تفسيره امثلة من هذه الشواهد [دقّقوا النظر].
وعلى ايّة حال فهذا التأخير ليس بمعنى نسيان العقاب ، بل( ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ) وهذا المصير ينتظر قومك المعاندين ايضا.
* * *
بحوث
1 ـ لماذا التركيز على كلمة «الرّحمان»؟
توضّح الآية أعلاه ، وما ذكرناه في اسباب النّزول ، انّ كفّار قريش لم يوافقوا على وصف الله بالرحمن ، وبما انّ ذلك لم يكن سائدا لديهم ، فانّهم كانوا يستهزئون به ، في الوقت الذي نرى فيه الآيات السابقة تصرّ وتؤكّد على ذلك ، لانّ في هذه الكلمة لطفا خاصّا ، ونحن نعلم انّ صفة الرّحمانية تعمّ وتشمل المؤمن والكافر ، الصديق والعدو ، في الوقت نفسه فانّ صفة الرّحيم خاصّة بعباده المؤمنين.
فكيف لا تؤمنون بالله الذي هو اصل اللطف والكرم حتّى شمل أعداءه بلطفه ورحمته ، فهذا منتهى الجهل.
2 ـ لماذا لم يستجب النّبي لمطاليبهم
ومرّة اخرى نواجه هنا ما يقوله البعض من انّ النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لم تكن لديه معجزة غير القرآن الكريم ، ويستندون في ذلك الى الآية أعلاه وأمثالها ، لانّ ظاهر هذه الآيات انّ النّبي لم يستجب الى طلبهم في اظهار المعاجز المختلفة من قبيل تسيير الجبال او شقّ الأرض واظهار العيون واحياء الموتى والتكلّم معهم.
ولكن ـ كما قلنا مرارا ـ الاعجاز يتمّ لإظهار الحقيقة فقط ، ولأولئك الذين يطلبون الحقّ ، فليس النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم رجل سحر حتّى ينفّذ لهم كلّ ما يطلبونه منه او
يقترحونه عليه ثمّ بعد ذلك لا يقبلون منه.
إنّ مثل هذا الطلب للمعاجز (المعاجز الاقتراحية) كان يصدر ـ فقط ـ من الافراد المعاندين والجاهليين الذين لم يستجيبوا لايّ حقّ. والآيات أعلاه تشير الى ذلك بوضوح ، ففي الآية الاخيرة تتحدّث عن استهزائهم بالنّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهذا يعني انّهم لم يطلبوا المعجزة من اجل الحقّ ، بل كان طلبهم استهزاء بالرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وبالاضافة الى ما ذكرناه من اسباب النّزول في بداية التّفسير لهذه الآيات ، يمكن ان نستفيد من خلال طلبهم من النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم احياء واحد من أجدادهم لكي يسألوه : هل انّ ما تقوله حقّ ام باطل؟
فلو استجاب لهم النّبي هذا الطلب فما معنى سؤالهم انّ النّبي على حقّ ام باطل؟ وهذا يوضّح انّ هؤلاء هم افراد متعصّبون ومعاندون وهدفهم ليس البحث عن الحقيقة ، (ولنا توضيح آخر من هذا الموضوع في ذيل الآية 90 من سورة الاسراء).
3 ـ ما هي القارعة؟
«القارعة» مأخوذة من مادّة «قرع» بمعنى طرق ، وعلى ذلك تكون القارعة بمعنى الطارقة ، وتشير هنا الى الاحداث التي تقرع الإنسان وتنذره وإذا كان مستعدّا للنهوض أيقظته.
وفي الحقيقة انّ للقارعة معنى واسعا ، فهي تشمل كلّ مصيبة ومشكلة وحادثة تحيط بالإنسان.
ولذلك يعتقد بعض المفسّرين انّها تعني الحروب والجفاف والقتل والأسر ، ويرى آخرون انّها تشير الى الحروب التي كانت تقع في صدر الإسلام تحت
عنوان «السرية» التي لم يكن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يشترك فيها ، بل كان يأمر أصحابه بها ، ولكن معنى القارعة يشمل جميع هذه الاحداث.
ومن الطريف انّ الآيات أعلاه تشير الى انّ الحوادث هذه امّا ان تنزّل عليهم او تقع قريبا من دارهم ، وهذا يعني : إذا لم تصيبهم هذه الحوادث في دارهم ، فانّها سوف تقع قريبة منهم ، فهل لا تكفي هذه الحوادث لايقاظهم؟
* * *
الآيتان
( أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (33) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (34) )
التّفسير
كيف تجعلون الأصنام شركاء مع الله؟!
نعود مرّة اخرى في هذه الآيات الى البحث حول التوحيد والشرك ، وهي تخاطب الناس من خلال دليل واضح حيث يقول تعالى :( أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ) (1) وهذه الجملة تريد ان تقول بوضوح انّ الله سبحانه وتعالى وكأنّه واقف على راس كلّ شخص ويعلم بما يفعلونه ويجازي عليه وبيده تدبير الأمور ، ولذلك فإنّ كلمة «قائم» لها معنى واسع يشمل كلّ هذه الأمور ، مع انّ
__________________
(1) الجملة أعلاه مبتدا لخبر محذوف تقديره( أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ) كمن ليس كذلك.
مجموعة من المفسّرين يرى لها ابعادا خاصّة.
ولإتمام البحث السابق ، ومقدّمة للبحث الآتي ، يقول تعالى :( وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ) .
ثمّ يجيبهم بلا فاصلة وبعدّة طرق : يقول اوّلا :( قُلْ سَمُّوهُمْ ) .
والمقصود من تسميتهم هو امّا ان يكونوا ليست لهم ايّة قيمة بحيث لا تستطيعون تسميتهم ، فكيف تجعلون هذه الموجودات التي لا تستحق حتّى الأسماء والتي لا قيمة لها ، في عداد الخالق القادر المتعال؟
او يكون المقصود : بيّنوا صفاتهم لكي نرى هل يستحقّون العبادة ، فنحن نقول في صفات الله جلّ وعلا بأنّه الخالق ، والرازق ، والمحيي والعالم والقادر ، فهل تستطيعون ان تمنحوا هذه الصفات للأصنام؟! او بالعكس إذا أردنا تسميتها نقول بأنّها أحجار وأخشاب ساكنة وفاقدة للعقل والشعور ، ومحتاجة لمن يعبدها ، وخلاصة القول انّها فاقدة لكلّ شيء! فكيف نجعلها سواء مع الله؟ أفلا تعقلون؟!
او يكون المقصود : عدّوا لنا اعمالهم ، فهل كشفوا الضرّ لأحد او منحوا الخير لأحد؟ وهل حلّوا العقد والمشاكل؟! ومع هذا الوضع فأي عقل يجيز لكم ان تجعلوهم قرناء مع الله جلّ وعلا وهو مصدر الخير والبركة والنافع والضارّ والمثيب والمعاقب!.
طبعا لا مانع من ان تجتمع كلّ هذه المعاني في جملة( سَمُّوهُمْ ) !
ويقول ثانيا :( أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ ) .
وهذا التعبير في الحقيقة أفضل أسلوب للجواب على حديثهم الواهي ، وكمثال على ذلك يقول لك احد الأشخاص : انّ فلانا كان ضيفا عندكم البارحة ، فتقول له : هل تخبرني عن ضيف لا علم لي به؟! يعني هل من الممكن ان أحدا
يكون ضيفي ولا اعلم به وأنت تعلم بذلك؟!
ثالثا : حتّى أنتم في الواقع لا تؤمنون بذلك في قرارة أنفسكم ، بل( أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ) .
ولهذا السبب نرى المشركين عند ما تضيق بهم المشاكل الحياتية يلوذون بالله ، لانّهم يعلمون في قلوبهم انّ الأصنام لا يمكن ان تعمل لهم شيئا ، كما بيّن القرآن الكريم حالهم في الآية (65) من سورة العنكبوت حيث يقول تعالى :( فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ) .
رابعا : انّ المشركين ليس لهم ادراك صحيح ، وبما انّهم تابعين لاهوائهم وتقليدهم الأعمى ، فإنّهم غير قادرين على ان يقضوا بالحقّ وبشكل صحيح ، ولهذا السبب ضلّوا الطريق ، يقول تعالى :( بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ) .
وقد قلنا مرارا : انّ هذا الضلال ليس جبرا ، ولا هو اعتباطا وبدون حساب ، بل الإضلال الالهي انعكاس لما يقوم به الإنسان من الأعمال السيّئة التي تجرّه الى الضياع ، وبما انّ هذه الخاصيّة قد جعلها الله سبحانه وتعالى لمثل هذه الأعمال فلذلك نسب هذا العمل اليه.
ويشير القرآن الكريم في الآية الاخيرة من هذه المجموعة الى العقاب الأليم الذي يشملهم في الدنيا والآخرة ، الشقاء والهزيمة والحرمان وغيرها ، حيث تقول :( لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُ ) لانّها دائمة ومستمرة ، جسدية وروحية ، وفيها انواع الآلام.
وإذا اعتقدوا بأنّ لهم طريقا للفرار او سبيلا للدفاع في مقابل ذلك ، فإنّهم في اشتباه كبير ، لان( وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ ) .
* * *
الآية
( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (35) )
التّفسير
بالنظر الى تناوب آيات هذه السورة في بيان التوحيد والمعاد وسائر المعارف الاسلامية الاخرى ، تحدّثت هذه الآية مرّة اخرى حول المعاد وخصوصا نعم الجنّة وعذاب الجحيم. يقول تعالى اوّلا :( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) (1) .
قد يكون التعبير بـ «مثل» اشارة الى هذه النكتة ، وهي انّ الجنّة وسائر النعم الاخروية غير قابلة للوصف بالنسبة الى الساكنين في هذا العالم المحدود الذي هو في مقابل عالم بعد الموت يعتبر صغيرا جدّا ، ولذلك نستطيع ان نضرب لهم مثلا او صورة عن ذلك ، كما انّ الجنين في بطن امّه لو كان يعقل لا يمكن ان نصوّر له كلّ نعم الدنيا ، الّا من خلال أمثال ناقصة وشاحبة!
__________________
(1) هناك نقاش بين المفسّرين حول تركيب هذه الجملة فقال البعض : انّ «مثل» مبتدا و «تجري» خبرها ، وقال بعض آخر : انّ «مثل» مبتدا وخبره محذوف تقديره «فيما نقص عليكم مثل الجنّة».
الوصف الثّاني للجنّة هو( أُكُلُها دائِمٌ ) .
فهي ليست كفاكهة الدنيا فصلية وتظهر في وقت معيّن من السنة ، بل في بعض الأحيان وبسبب الآفات الزراعية تنقطع تماما ، لكن ثمار الجنّة ليست فصلية ولا موسمية وغير مصابة بآفة ، بل كإيمان المؤمنين المخلصين دائمة وثابتة.
وكذلك( وَظِلُّها ) ليس كظلّ أشجار الدنيا التي يظهر ظلّها إذا كانت الشمس افقية ويزول او يقل إذا صارت عمودية ، او يظهر في الربيع والصيف عند ما تكون الأشجار مورقة ، ويزول في الخريف والشتاء عند تساقط الأوراق ، (بالطبع هناك أشجار قليلة تعطي ثمارا وازهارا على مدار السنة ، وهذه تكون في المناطق المعتدلة التي ليس فيها شتاء).
الخلاصة : ظلال الجنّة كبقيّة النعم الاخرى خالدة ، ودائمة ، ومن هذا يتّضح ان ليس في الجنّة فصل لتساقط الأوراق ، ونعلم من ذلك ـ ايضا ـ انّ شعاع الشمس موجود في الجنّة ، والّا كان التعبير بالظل هناك بدون شعاع الشمس ليس له اي مفهوم ، وامّا ما جاء في الآية (13) من سورة الدهر( لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً ) قد تكون اشارة الى اعتدال الهواء ، فلا الشمس محرقة ولا البرد قارس ، وهذا لا يعني ان لا تكون هناك شمس أصلا.
انّ انطفاء الشمس ليس دليلا على زوالها ابدا ، لانّ القرآن الكريم يقول :( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ ) (1) تكون أوسع وبهيئة جديدة.
وإذا قيل : ان كانت شمس الجنّة غير محرقة ، فعلام الظلّ؟
نقول في جوابهم : انّ الظلّ ليس مانعا لحرارة الشمس فقط ، بل انّ الرطوبة المعتدلة الصادرة من الأوراق باتّحادها مع الاوكسجين تعطي نشاطا ولطافة خاصّة للظلّ ، ولذلك كان ظلّ الأشجار مختلفا عن ظلّ السقوف الجافّة.
__________________
(1) ابراهيم ، 48.
وبعد بيان هذه الصفات الثلاث قال تعالى في آخر الآية :( تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ ) .
لقد بيّن وفصّل في هذه العبارة نعم الجنّة ، ولكن بالنسبة الى اصحاب النّار ذكر جملة قصيرة وبعنف حيث ذكر انّ عاقبة أمرهم الى النار!
* * *
الآية
( وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) )
التّفسير
المؤمنون والأحزاب!
اشارت هذه الآية الى ردّ الفعل المتفاوت للناس في مقابل نزول الآيات القرآنية ، فالأفراد الذين يبحثون عن الحقيقة يفرحون بما انزل على الرّسول ، بينما المعاندون يخالفون ذلك.
يقول تعالى اوّلا :( وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) .
انّ الوصف ب( آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ) اشارة الى اليهود والنصارى وأمثالهم ممّن لهم كتاب سماوي وقد ذكرهم القرآن في مواطن كثيرة ، فكان الأشخاص الطالبون للحقّ من اليهود والنصارى وأمثالهم يفرحون عند نزول الآيات على الرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لانّهم كانوا من جهة يرونها مطابقة لما في أيديهم من العلامات ، ومن جهة اخرى كان سببا لحريتهم ونجاتهم من شرّ الخرافات ومن علماء اليهود
والمسيحيّة الذين كانوا يستعبدونهم ، وكانوا محرومين من حرية الفكر والتكامل الانساني.
وامّا ما قاله بعض المفسّرين الكبار من انّ المقصود من( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ) هم اصحاب النّبي محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم فبعيد جدّا ، لانّ هذا الوصف ليس معهودا بالنسبة للمسلمين ، بالاضافة الى ذلك فإنّها غير موافقة مع جملة( بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) (1) .
وبما انّ سورة الرّعد مكية فهي غير منافية لما قلناه آنفا ، مع انّ المركز الاصلي لليهود في الجزيرة العربية كان المدينة وخيبر ، والمركز الاصلي للمسيحيين هو نجران وأمثالها ، ولكنّهم كانوا يتردّدون على مكّة ويعكسون افكارهم ومعتقداتهم فيها ، ولهذا السبب كان اهل مكّة يعرفون علامات آخر نبي مرسل وكانوا ينتظرونه (قصّة ورقة بن نوفل وأمثالها معروفة).
وهناك شواهد لهذا الموضوع في آيات اخرى من القرآن الكريم والتي كان يفرح المؤمنين من اهل الكتاب عند نزول الآيات على النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فمثلا الآية (52) من سورة القصص تقول :( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ) .
ثمّ تضيف الآية( وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ ) المقصود من هذه المجموعة هي نفس جماعة اليهود والنصارى الذين غلبهم التعصّب الطائفي وأمثاله ، ولذلك لم يعبّر القرآن الكريم عنهم بأهل الكتاب ، لانّهم لم يتّبعوا كتبهم السّماوية. بل كانوا في الحقيقة أحزابا وكتلا تابعين لخطّهم الحزبي ، وهذه المجموعة كانت تنكر كلّ ما خالف ميلهم ولم يطابق أهواءهم.
ويحتمل ايضا انّ كلمة «الأحزاب» اشارة الى المشركين ، لانّ سورة
__________________
(1) لانّه يلازم هذا الحديث ان يكون ما انزل إليك هو نفس «الكتاب» فالاثنان يشيران الى القرآن ، في الوقت الذي نرى فيه من قرينة المقابلة انّ المقصود من «الكتاب» غير ما انزل إليك.
الأحزاب ذكرتهم بهذا التعبير ، وهؤلاء في الحقيقة ليس لهم دين ولا مذهب بل كانوا على شكل احزاب وكتل متفرّقة اتّحدوا في مخالفتهم للقرآن والإسلام.
ونقل العلّامة الطبرسي وبعض آخر من المفسّرين الكبار عن ابن عبّاس ، انّ هذه الآية اشارة الى المشركين الذين كانوا يخالفون وصف الله بالرحمن ، واهل الكتاب ـ خصوصا اليهود ـ يفرحون بهذا الوصف «الرحمان» في الآيات القرآنية ، ومشركي مكّة كانوا يسخرون منه بسبب عدم معرفتهم به.
وفي آخر الآية يأمر الله النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ان لا يعتني بهذا وذلك من المخالفين ، بل يدعوه الى الثبات على الخطّ الأصيل والصراط المستقيم حيث يقول تعالى :( قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ ) وتلك دعوة للموحّدين الصادقين والمؤمنين الرّساليين ان يسلّموا امام الأوامر الالهيّة ، فالرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم كان خاضعا لكلّ ما انزل عليه ، فلا يأخذ ما كان يوافق ميله ويترك غيره.
* * *
بحث
الايمان والائتلاف الحزبي :
رأينا في الآية كيف انّ الله سبحانه وتعالى عبّر عن المؤمنين من اليهود والنصارى بأهل الكتاب ، وعبّر عن أولئك التابعين للعصبية والأهواء بالأحزاب ، وهذا غير منحصر في تاريخ صدر الإسلام ، بل انّ هذا التفاوت موجود دائما بين المؤمنين الحقيقيين والذين يدّعون الايمان ، فالمؤمنون الحقيقيون يقولون بالتسليم المطلق لكلّ الأوامر الالهية ، ولا يقولون بالتبعيض ، ويجعلون ميلهم تحت ذاك الشعاع ، فهم اهل لان يسمّيهم القرآن اهل الكتاب والايمان.
بينما أولئك فهم مصداق الآية( نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ) ومعناه كلّ ما
طابق خطّهم الفكري وميلهم الشخصي وأهواءهم يقبلونه ، وكلّ ما خالف منافعهم الشخصيّة ينكرونه ، فهؤلاء ليسوا بمسلمين ولا مؤمنين ، بل احزاب وكتل يبحثون عن مصالحهم في الدين ، ولذلك كانوا يقولون بالتبعيض في التعاليم الاسلامية.
* * *
الآيات
( وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (37) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (38) يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (39) وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (40) )
التّفسير
الحوادث «الثّابتة» و «المتغيّرة» :
تتابع هذه الآيات المسائل المتعلّقة بالنبوّة ، ففي الآية الاولى يقول تعالى :( وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا ) .
«العربي» كما يقول الرّاغب في مفرداته «الفصيح البيّن من الكلام» ولذلك يقال للمراة العفيفة والشريفة : انّها «امراة عروبة» ثمّ تضيف الآية( حُكْماً عَرَبِيًّا )
قيل معناه مفصحا يحقّ الحقّ ويبطل الباطل.
ويحتمل في «العربي» انّ معناه «الشريف» لانّها جاءت في اللغة بهذا المعنى. وعلى هذا فوصف القرآن بالعربي لانّ احكامه واضحة وبيّنة. ولذلك وردت في عدّة آيات اخرى بعد «عربيا» مسألة الاستقامة وعدم الاعوجاج او العلم ، منها في الآية (28) من سورة الزمر قوله تعالى( قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ) وفي الآية (3) من سورة فصلت يقول تعالى :( كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) . وعلى هذا فما قبل هذه الآية وما بعدها يؤيّدان انّ المراد من «عربيا» هو الفصاحة والوضوح في البيان وخلوّه من الاعوجاج والالتواء.
وهذه العبارة وردت في سبع سور من القرآن الكريم ، ولكن ذكرت في عدّة موارد بشكل( لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) والتي يمكن ان يكون لها نفس المعنى. ويمكن ان يكون هذا الموضع الخاص اشارة الى اللسان العربي ، لانّ الله سبحانه وتعالى بعث كلّ نبي بلسان قومه ، حتّى يهدي قومه اوّلا ، ثمّ تنتشر دعوته في المناطق الاخرى.
ثمّ يخاطب القرآن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بلحن التهديد وبشكل قاطع حيث يقول :( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ ) وبما انّ احتمال الانحراف غير موجود إطلاقا في شخصيّة الرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم لما يتميّز به من مقام العصمة والمعرفة ، فهذا التعبير ـ اوّلا ـ يوضّح انّ الله سبحانه وتعالى ليس له ارتباط خاص مع اي احد حتّى لو كان نبيّا ، فمقام الأنبياء الشامخ انّما هو بسبب عبوديتهم وتسليمهم واستقامتهم.
وثانيا : تأكيد وإنذار للآخرين ، لانّ النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا لم يكن مصونا من العقوبات الالهيّة في حالة انحرافه عن مسيرة الحقّ واتّجاهه صوب الباطل ، فما بال الآخرين؟
ولا بدّ من ذكر هذه النقطة ، وهي انّ «ولي» و «واق» مع انّهما متشابهان في
المعنى ، ولكن هناك تفاوت بينهما وهو انّ أحدهما يبيّن جانب الإثبات والآخر جانب النفي ، فواحد بمعنى النصرة والدعم ، والآخر بمعنى الدفاع والحفظ.
الآية الاخرى ـ في الواقع ـ جواب لما كان يستشكله اعداء الرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم . ومن جملة هذه الإشكالات :
اوّلا : كان البعض يقول : هل من الممكن ان يكون الرّسول من جنس البشر ، يتزوّج وتكون له ذرّية؟ فالآية تجيبهم وتقول ليس هذا بالأمر الغريب :( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً ) (1) .
ويتبيّن من اشكالهم انّهم امّا ان يكونوا غير عالمين بتاريخ الأنبياء ، او انّهم يتجاهلون ذلك والّا لم يوردوا هذا الاشكال.
ثانيا : كان ينتظر هؤلاء من الرّسول ان يجيبهم على كلّ معجزة يقترحونها عليه بما تقتضيه اهواؤهم ، سواء آمنوا او لم يؤمنوا ، ولكن يجب ان يعلم هؤلاء انّ( وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) .
ثالثا : لماذا جاء نبي الإسلامصلىاللهعليهوآلهوسلم وغيّر احكام التوراة والإنجيل ، ا وليست هذه كتب سماوية؟ وهل من الممكن ان ينقض الله أوامره؟ (هذا الاشكال كان يطابق ما يقوله اليهود من عدم نسخ الأحكام).
وتجيب الجملة الاخيرة من الآية فتقول :( لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ) كيما تبلغ البشرية المرحلة النهائية من الرّشد والتكامل فليس من العجيب ان ينزّل يوما التوراة ، ويوما آخر الإنجيل ، ثمّ القرآن ، لانّ البشرية في تحوّلها وتكاملها بحاجة الى البرامج المتغيّرة والمتفاوتة.
ويحتمل انّ جملة( لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ) جواب لمن كان يقول : إذا كان الرّسول صادقا ، لماذا لا ينزل الله عذابه وسخطه على المخالفين والمعاندين؟ فيجيبهم
__________________
(1) يقول بعض المفسّرين في سبب نزول هذه الآية : انّها جواب لما كان يورده البعض من تعدّد ازواج الرّسول ، في الوقت الذي نرى انّ سورة الرّعد مكّية وتعدّد الزوجات لم يكن حينذاك.
القرآن بأنّ( لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ) وليس بدون حساب وكتاب ، وسوف يصل الوقت المعلوم للعقاب(1) .
الآية الاخرى بمنزلة التأكيد والاستدلال لما ورد في ذيل الآية السابقة ، وهو انّ لكلّ حدث وحكم زمن معيّن كما يقال : انّ الأمور مرهونة بأوقاتها ، وإذا رأيت انّ بعض الكتب السّماوية تأخذ مكان البعض الآخر وذلك بسبب( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) فيحذف بعض الأمور بمقتضى حكمته وارادته ويثبت أمورا اخرى ، ولكن الكتاب الأصل عنده.
وفي النّهاية وللتأكيد اكثر بالنسبة للعقوبات التي كان يوعدهم النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بها وكانوا ينتظرونها حتّى انّهم يقولون : لماذا لا تصبح هذه الوعود عملية؟ يقول تعالى( وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ) (من انتصارك عليهم وهزيمتهم وتحرير اتباعك وأسر اتباعهم في حياتك)( أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ ) .
* * *
نقطتان
يجب الانتباه الى هاتين النقطتين :
1 ـ لوح المحو والإثبات وامّ الكتاب
مع انّ جملة( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ ) نزلت في مجال المعاجز والكتب السّماوية الى الأنبياء ، لكنّها تبيّن قانونا عامّا وشاملا وقد أشير اليه في مختلف المصادر الاسلامية ، وهو انّ تحقّق وصيرورة الحوادث المختلفة للعالم لها مرحلتين : الاولى المرحلة القطعيّة او الثابتة ، ولا سبيل للتغيير فيها (والتي
__________________
(1) ولتطابق هذا المعنى يجب ان يكون هناك تقديم وتأخير في الجملة أعلاه ، ويقال في تقديره لكل كتاب اجل كما قاله بعض المفسّرين.
اشارت إليها الآية أعلاه بأمّ الكتاب) والاخرى المرحلة المتغيّرة او بعبارة اخرى «المشروطة» والتي يجد التغيير سبيلا إليها ، وقد عبّر عنها بالمحو والإثبات.
وأحيانا يقال عن المرحلتين : «اللوح المحفوظ» و «لوح المحو والإثبات» كأنّ ما كتب في اللوح الاوّل محفوظ لا يتغيّر ، امّا الثّاني فمن الممكن محو ما كتب فيه وتغييره.
وامّا حقيقة الأمر فإنّنا ـ أحيانا ـ ننظر الى الحوادث بأسباب وعلل ناقصة ، فمثلا إذا أخذنا بنظر الاعتبار السّمّ الذي بمقتضى طبعه يؤدّي الى قتل الإنسان وكلّ من يتناوله سوف يموت ، بدون علم مسبق انّ لهذا السّمّ ترياق آخر ضدّه لو شربناه بعده سوف يبطل مفعول الاوّل (وقد نكون على علم به لكن لا نريد ان نتحدّث لسبب او لآخر عن الترياق) لاحظوا هنا انّ هذه الحادثة (الموت بسبب استعمال السّمّ) ليس لها جانب قطعي ، وببيان آخر انّ مكانها في (لوح المحو والإثبات) ويجد التغيير سبيلا اليه بالنظر الى الأسباب الاخرى المرتبطة به.
ولكن لو نظرنا الى الحادثة من خلال العلّة التامّة لها ، يعني توفّر الشروط اللازمة وازالة الموانع (استعمال السّمّ بدون استعمال الترياق) تكون الحادثة هنا قطعيّة وببيان آخر : انّ مكانها في [اللوح المحفوظ وامّ الكتاب] ولا سبيل للتغيير فيها.
ويمكن ان نوضّح هذا الحديث بشكل آخر ، وهو : انّ للعلم الالهي مرحلتين (علم بالمقتضيات والعلل الناقصّة) و (علم بالعلل التامّة) فما ارتبط بالمرحلة الثانية نعبّر عنها ب (امّ الكتاب واللوح المحفوظ) وما ارتبط بالمرحلة الاولى نعبّر عنها ب (لوح المحو والإثبات) والّا فليس اللوح موضوعا في زاوية من السّماء حتى يكتبوا او يمحوا فيه شيئا ويثبتوا بدله شيئا آخر.
ومن هنا تتضح الاجابة على كثير من الاسئلة في ضوء ما ورد في المصادر الاصليّة في الإسلام ، لانّنا نقرا مرّة في الرّوايات او بعض الآيات القرآنية ، انّ
العمل الفلاني له الأثر الكذائي ، لكنّنا في بعض الأحيان لا نرى هذه النتيجة ، وذلك بسبب انّ تحقّق تلك النتيجة يعتمد على شرائط او موانع لم تتحقّق.
وهناك روايات كثيرة في باب (اللوح المحفوظ) و (لوح المحو والإثبات) وعلم الأنبياء والائمّةعليهمالسلام ، وعلى سبيل المثال نذكر قسما منها :
1 ـ اخرج ابن مردويه وابن عساكر عن عليعليهالسلام انّه سأل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن هذه الآية فقال له : «لاقرنّ عينيك بتفسيرها ولاقرّنّ عين امّتي بعدي بتفسيرها ، الصدقة على وجهها ، وبرّ الوالدين ، واصطناع المعروف ، يحول الشقاء سعادة ويزيد فيالعمر ويقي مصارع السّوء»(1) .
وهذه اشارة الى انّ الشقاء والسّعادة ليست أمورا حتمية ، حتّى إذا ارتكب الإنسان إثما وعدّ من الأشقياء فإنّ باستطاعته ان يغيّر من سلوكه ويتّجه صوب الخير ، وخصوصا مساعدة وخدمة عباد الله ، لانّ هذه الأمور مكانها في (لوح المحو والإثبات) لا (امّ الكتاب).
ويجب الالتفات الى انّ ما جاء في هذا الحديث يبيّن قسما من مفهوم الآية.
2 ـ عن الفضيل بن يسار قال : سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول : «من الأمور امور محتومة كائنة لا محالة ، ومن الأمور امور موقوفة عند الله يقدّم فيها ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء(2) .
وعن الامام علي بن الحسينعليهالسلام قال : «لولا آية في كتاب الله لحدّثتكم بما كان وما يكون الى يوم القيامة ، فقلت له : ايّة آية؟ فقال : قال الله( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) (3) .
وهذا الحديث دليل على انّ اللوح المحفوظ ولوح المحو والإثبات بكلّ
__________________
(1) تفسير الميزان ، المجلّد 11 ، ص 419.
(2) المصدر السّابق.
(3) نور الثقلين ، ج 2 ، صفحة 512.
خصوصياتها مختصّة بالله جلّ وعلا ، وهناك قسم منها يعلم بها الخواص من عباده إذا اقتضت الضرورة.
ونقرا في ادعية ليالي شهر رمضان المبارك : «وان كنت من الأشقياء فاكتبني عندك من السعداء».
وعلى ايّة حال فالمحو والإثبات بهذا الشكل الذي قلناه له معنى جامع يشمل كلّ تغيير في الحال بسبب تغيير الشروط وحدوث الموانع ، وامّا ما قاله بعض المفسّرين من انّ هذه الجملة اشارة الى مسألة محو الذنوب بسبب التوبة ، او زيادة ونقصان الرزق على اثر تغيير الشروط ، ليس صحيحا ، الّا إذا اعتبروها واحدا من مصاديقها.
2 ـ ما هو البداء؟
«البداء» احد البحوث العويصة بين الشيعة والسنّة.
يقول الرازي في تفسيره الكبير في ذيل الآية ـ محلّ البحث ـ : «يعتقد الشيعة انّ البداء جائز على الله ، وحقيقة البداء عندهم انّ الشخص يعتقد بشيء ثمّ يظهر له خلاف ذلك الاعتقاد ، ولاثبات ذلك يتمسكون بالآية( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ) ثمّ يضيف الرازي : انّ هذه العقيدة باطلة ، لانّ علم الله من لوازم ذاته ، ومحال التغيير والتبديل فيه».
وممّا يؤسف له حقّا عدم المعرفة بعقيدة الشيعة في مسألة البداء ادّت الى ان ينسب كثيرون تهما غير صحيحة الى الشيعة الاماميّة.
ولتوضيح ذلك نقول : «البداء» في اللغة بمعنى الظهور والوضوح الكامل ، وله معنى آخر هو الندم ، لانّ الشخص النادم قد ظهرت له ـ حتما ـ امور جديدة.
لا شكّ ، انّ هذا المعنى الأخير بالنسبة الى الله تعالى مستحيل ، ولا يمكن لاي
عاقل وعارف ان يحتمل انّ هناك أمورا خافية على الله ثمّ تظهر له بمرور الايّام ، فهذا القول هو الكفر بعينه ، ولازمه نسبة الجهل وعدم المعرفة الى ذاته المقدّسة ، وانّ ذاته محلّا للتغيير والحوادث.
وحاشا للشيعة الاماميّة ان يحتملوا ذلك بالنسبة لذات الله المقدّسة! انّ ما يعتقده الشيعة من معنى البداء ويصرّون عليه ، هو طبقا لما جاء في روايات اهل البيتعليهمالسلام : ما عرف الله حقّ معرفته من لم يعرفه بالبداء.
كثيرا ما يكون ـ وطبقا لظواهر العلل والأسباب ـ ان نشعر انّ حادثة ما سوف تقع او انّ وقوع مثل هذه الحادثة قد اخبر عنه النّبي ، في الوقت الذي نرى انّ هذه الحادثة لم تقع ، فنقول حينها : انّ «البداء» قد حصل ، وهذا يعني انّ الذي كنّا نراه بحسب الظاهر سوف يقع واعتقدنا تحقّقه بشكل قاطع قد ظهر خلافه.
والأصل في هذا المعنى هو ما قلناه في بحثنا السابق ، وهو انّ معرفتنا مرّة تكون فقط بالعلل الناقصة ، ولا نرى الشروط والموانع ونقضي طبقا لذلك ، ولكن بعد ان نواجه فقدان الشرط او وجود المانع ويتحقّق خلاف ما كنّا نتوقّعه سوف ننتبه الى هذه المسائل. وكذلك قد يعلم النّبي او الامام بأمور مكتوبة في لوح المحو والإثبات القابل للتغيير طبعا ، فقد لا تتحقّق أحيانا لمواجهتها بالموانع وفقدان الشروط.
ولكي تتّضح هذه الحقيقة لا بدّ من مقايسة بين «النسخ» و «البداء» : نحن نعلم انّ النسخ جائز عند جميع المسلمين ، يعني من الممكن ان ينزل حكم في الشريعة فيتصوّر الناس انّ هذا الحكم دائمي ، لكي بعد مدّة يعلن الرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم عن تغيير هذا الحكم وينسخه ، ويحلّ محلّه حكما آخر (كما قرانا في حادثة تغيير القبلة).
انّ هذا في الحقيقة نوع من «البداء» ولكن في القضايا التشريعيّة والقوانين والأحكام يسمّونه بـ «النسخ» وفي الأمور التكوينيّة يسمّى بـ «البداء» ويقال
أحيانا : (النسخ في الأحكام نوع من البداء ، والبداء في الأمور التكوينيّة نوع من النسخ).
فهل يستطيع احد ان ينكر هذا الأمر المنطقي؟ الّا إذا كان لا يفرّق بين العلّة التامّة والعلل الناقصة ، او كان واقعا تحت تأثير الدعايات المغرضة ضدّ شيعة اهل البيتعليهمالسلام ، ولا يجيز له تعصّبه الأعمى ان يطالع عقائد الشيعة من نفس كتبهم ، والعجيب انّ الرازي قد ذكر مسألة «البداء» عند الشيعة في ذيل الآية( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ) بدون ان يلتفت الى انّ البداء ليس اكثر من المحو والإثبات ، وهجم على الشيعة بعصبيته المعروفة واستنكر عليهم قولهم بالبداء.
اسمحوا لنا هنا ان نذكر امثلة مقبولة عند الجميع :
1 ـ نقرا في قصّة «يونس» انّ عدم طاعة قومه ادّت الى ان ينزل العذاب الالهي عليهم ، وقد تركهم النّبي لعدم هدايتهم واستحقاقهم العذاب ، لكن فجأة وقع البداء حيث راى احد علمائهم آثار العذاب ، فجمعهم ودعاهم الى التوبة ، فقبل الجميع ورفع العذاب( فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ) (1) .
2 ـ وجاء في التأريخ الاسلامي انّ السيّد المسيحعليهالسلام اخبر عن عروس انّها سوف تموت في ليلة زفافها ، لكنّها بقيت سالمة! وعند ما سألوه عن الحادثة قال : هل تصدّقتم في هذا اليوم؟ قالوا : نعم. قال : الصدقة تدفع البلاء المبرم(2) !.
لقد اخبر السيّد المسيحعليهالسلام عن هذه الحادثة بسبب ارتباطه بلوح المحو والإثبات ، في الوقت الذي كانت هذه الحادثة مشروطة (مشروطة بأن لا يكون هناك مانع مثل الصدقة) وبما انّها واجهت المانع أصبحت النتيجة شيئا آخر.
3 ـ ونقرا في قصّة ابراهيمعليهالسلام ـ محطّم الأصنام ـ في القرآن الكريم انّه امر
__________________
(1) يونس ، 98.
(2) بحار الأنوار الطبعة القديمة المجلّد الثّاني صفحة 131 ـ عن امالي الصدوق.
بذبح إسماعيل ، وذهب بابنه الى المذبح وتلّه للجبين ، فعند ما اظهر إسماعيل استعداده للذبح ظهر البداء الالهي وظهر انّ هذا الأمر امتحان لكي يرى الله تعالى مستوى الطاعة والتسليم عند ابراهيمعليهالسلام .
4 ـ ونقرا في سيرة موسىعليهالسلام انّه امر ان يترك قومه اوّلا ثلاثين يوما ويذهب الى مكان الوعد الالهي لاستلام احكام التوراة ، لكن المدّة زادت عليها عشرة ايّام اخرى (وذلك امتحانا لبني إسرائيل).
هنا يأتي هذا السؤال : ما هي الفائدة من هذه البداءات؟
الجواب على هذا السؤال ليس صعبا بالنظر الى ما قلناه سابقا ، لانّه تحدث مسائل مهمّة ـ أحيانا ـ مثل امتحان شخص مع قومه ، او تأثير التوبة والرجوع الى الله (كما في قصّة يونس) او تأثير الصدقة ومساعدة المحتاجين وعمل الخير ، كلّ ذلك يؤدّي الى دفع الحوادث المفجعة وأمثالها ، وهذا يعني انّ الحوادث المستقبلية قد نظّمت بشكل خاص ثمّ تغيّرت الشرائط فأصبحت شيئا آخر ، حتّى يعلم الناس انّ مصيرهم بأيديهم ، وهم قادرون ان يغيّروا مصيرهم من خلال تغيير سيرتهم وسلوكهم ، وهذه اكبر فائدة نلمسها من البداء «فتدبّر».
فما ورد من انّ أحدا إذا لم يعرف الله بالبداء لم يعرفه معرفة كاملة ، فهي اشارة لتلك الحقائق.
عن الامام الصادقعليهالسلام قال : «ما بعث اللهعزوجل نبيّا حتّى يأخذ عليه ثلاث خصال : الإقرار بالعبودية ، وخلع الأنداد ، وانّ الله يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء»(1) .
وفي الحقيقة انّ اوّل عهد مرتبط بالطاعة والتسليم لله. وثاني عهد محاربة الشرك ، والثّالث مرتبط بمسألة البداء ، ونتيجته انّ مصيره بيده ، فيستطيع ان يغيّر الشروط فيشمله اللطف او العذاب الالهي.
الملاحظة الاخيرة في هذا المجال يقول علماء الشيعة : انّنا حينما ننسب
__________________
(1) اصول الكافي ، المجلّد الاوّل ، صفحة 114 ـ سفينة البحار ، المجلّد الاوّل ، صفحة 61.
البداء الى الله جلّ وعلا فإنّه يكون بمعنى «الإبداء» بمعنى اظهار الشيء الذي لم يكن ظاهرا لنا من قبل ولم يكن متوقّعا.
وانّ ما ينسب الى الشيعة بأنّهم يعتقدون انّ الله يندم على عمله أحيانا ، او يخبر عن شيء لم يعلمه سابقا ، فهذه من اكبر التّهم ولا يمكن الصفح عنها ابدا.
لذلك نقل عن الائمّةعليهمالسلام انّهم قالوا : «من زعم ان اللهعزوجل يبدو له في شيء لم يعلمه أمس فابرءوا منه»(1) .
* * *
__________________
(1) سفينة البحار ، المجلّد الاوّل ، صفحة 61.
الآيات
( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (41) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (43) )
التّفسير
البشرية فانية ووجه الله باق :
بما انّ الآيات السابقة كانت تتحدّث مع منكري رسالة النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد تابعت هذه الآيات كذلك نفس البحث. والهدف هو دعوتهم الى التفكّر ، ثمّ الإصلاح عن طريق الإنذار والاستدلال وغيرها.
يقول تعالى اوّلا :( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها ) من الواضح انّ المقصود من الأرض هنا هم اهل الأرض ، يعني انّ هؤلاء لا ينظرون الى هذا الواقع من انّ الأقوام والحضارات والحكومات في حال الزوال والابادة ،
الأقوام الذين كانوا اكثر منهم قوّة وآثارا قد ألحدوا تحت الثرى حتّى العلماء والعظماء ـ الذين هم قوام الأرض ـ التحقوا بالرفيق الأعلى.
فهل انّ هذا القانون العامّ للحياة الذي يسري على جميع الافراد وكلّ المجتمع البشري صغيره وكبيره ، غير كاف لايقاظهم وتفهيمهم انّ هذه الايّام القلائل للحياة ليست ابدية؟!
ثمّ يضيف :( وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ ) ولذلك فإنّ قانون الفناء مكتوب على جبين كلّ الافراد والأمم من جهة ، ومن جهة اخرى لا يستطيع احد ان يغيّر هذا الحكم ولا الأحكام الاخرى ، ومن جهة ثالثة انّ حساب العباد سريع جدّا ، وبهذا الترتيب يكون جزاؤه قاطعا.
وقد جاءت في روايات متعدّدة في تفسير «البرهان» و «نور الثقلين» وسائر منابع الحديث ، انّ تفسير الآية أعلاه هو «فقدان العلماء» لانّ فقدهم نقصان الأرض ونقص المجتمع الانساني.
ونقل المفسّر الكبير الطبرسي عن الامام الصادقعليهالسلام في تفسير هذه الآية قال : «ننقصها بذهاب علمائها وفقهائها وخيارها»(1) .
ونقرا في حديث آخر انّ «عبد الله بن عمر» تلا هذه الآية حين استشهد امير المؤمنين عليعليهالسلام ( أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها ) .
ثمّ قال : «يا امير المؤمنين ، لقد كنت الطرف الأكبر في العلم ، اليوم نقص علم الإسلام ومضى ركن الايمان».
انّ للآية ـ بدون شكّ ـ معنى واسعا كما قلنا ، وهي تشمل كلّ نقص في ذهاب الافراد والمجتمع واهل الأرض ، وإنذار لكلّ الناس ، الصالح منهم والطالح ، حتّى العلماء الذين يشكّلون اركان المجتمع البشري يكون موت أحدهم أحيانا نقصانا للدنيا ، فهذا إنذار بليغ وساطع.
__________________
(1) تفسير البرهان ، المجلّد الثّاني ، صفحة 301.
وامّا ما احتمله بعض المفسّرين من انّ المقصود بالنقصان هو نقض ارض الكفّار واضافتها الى ارض المسلمين ، فلا نراه صحيحا إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار انّ السورة مكّية ، لانّ الفتوحات في ذلك الوقت لم تكن موجودة حتّى يراها الكفّار او يشير إليها القرآن الكريم.
وامّا ما قاله بعض المفسّرين الذين غرقوا في العلوم الطبيعيّة ، من انّ الآية أعلاه تشير الى نقص الأرض من ناحية القطبين واستواؤها في خطّ الاستواء ، فهذا كذلك نراه بعيدا عن الواقع ، لانّ القرآن الكريم ليس في مقام الاشارة الى ذلك.
ثمّ يستمرّ البحث في الآية الثانية ويقول : ليست هذه الفئة فقط نهضت بمكرها ومحاربتها لك ، بل( وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) . لكن خططهم كشفت ، وأجهضت مؤامرتهم بأمر من الله ، لانّه اعلم الموجودات بهذه المسائل( فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً ) ذاك هو العالم بكلّ شيء و( يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ) . ثمّ يحذرهم بصيغة التهديد من عاقبة عملهم ويقول :( وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ) .
الآية الاخيرة من هذا البحث (كما بدأت هذه السورة بكتاب الله والقرآن) تنهي سورة الرعد في التأكيد اكثر على معجزة القرآن يقول تعالى :( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً ) .
فهم يصطنعون كلّ يوم عذرا ، ويطلبون في كلّ وقت المعاجز ، ثمّ آخر الأمر يقولون : لست بنبي! قل في جوابهم( قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) فالله سبحانه وتعالى يعلم بأنّي رسوله ، وكذلك هؤلاء لهم المعرفة الكافية بأنّ القرآن هو كتاب سماوي ، فهم يعلمون جيّدا انّ هذا الكتاب ليس من صنع البشر ، ولا يمكن نزوله الّا من قبل الله.
وهذا تأكيد جديد على اعجاز القرآن بمختلف جوانبه وقد ذكرنا ذلك في أماكن اخرى.
وبناء على ما قلناه أعلاه فإنّ المقصود ب( مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) هم العالمون بمحتوى القرآن الكريم.
واحتمل بعض المفسّرين انّها تشير الى علماء اهل الكتاب الذين قرءوا علائم نبي الإسلامصلىاللهعليهوآلهوسلم في كتبهم السّماوية ، ومن جهة حبّهم ومعرفتهم آمنوا به.
لكن التّفسير الاوّل نراه اقرب الى الصحّة.
وقد ذكرت كثير من الرّوايات انّ المقصود ب( مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) هو علي بن أبي طالبعليهالسلام وائمّة الهدى ، وهذه الرّوايات جمعت في تفسير نور الثقلين والبرهان.
وهذه الرّوايات غير دالّة على الحصر ، وكما قلنا مرارا فإنّها تشير الى مصداق او مصاديق تامّة وكاملة ، وعلى ايّة حال فالتّفسير الاوّل الذي ذكرناه يؤيّد ذلك.
ومن المناسب ان ننهي حديثنا هنا بهذه الرّواية عن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : عن أبي سعيد الخدري قال : سألت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن قول الله جلّ ثناؤه :( قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ ) قال : «ذاك وصي اخي سليمان بن داود» فقلت له : يا رسول الله :( قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) قال : «ذاك علي بن أبي طالب»(1) .
اللهمّ افتح لنا أبواب رحمتك وألهمنا من علم الكتاب.
ربّنا أنر قلوبنا بمعرفة القرآن واحبس افكارنا على الحاجة إليك حتّى لا نتوجّه لغيرك في مسائلنا ، انّك موضع الحاجات.
* * *
__________________
(1) الميزان ، المجلّد 11 ، الصفحة 427.
سورة ابراهيم
مكّيّة
وعدد آياتها اثنان وخمسون آية
سورة ابراهيم
تحتوي على (52) آية ، السورة مكّية باستثناء الآيات (28) و (29) طبقا لما قاله كثير من المفسّرين انّها نزلت بالمدينة في قتلى المشركين في بدر.
محتوى السورة
المعلوم من اسم السورة انّ قسما منها نازل بشأن بطل التوحيد ومحطّم الأصنام سيّدنا ابراهيمعليهالسلام (قسم من ادعيته).
والقسم الآخر من هذه السورة يشير الى تاريخ الأنبياء السابقين أمثال نوح وموسى ، وقوم عاد وثمود ، وما تحتوي من دروس وعبر فيها.
وتكمل هذه المجموعة من البحوث في السورة آيات الموعظة والنصيحة والبشارة والإنذار.
كما نقرا في اغلب السور المكّية انّ قسما كبيرا منها ايضا يبحث مواضيع «المبدإ» و «المعاد» والتي تعمّق الايمان في قلب الإنسان وفي روحه ونفسه ثمّ في قوله وفعله ، فيظهر له نور آخر في مسيرة الحقّ والدعوة الى الله.
وخلاصة هذه السورة انّها تبيّن عقائد ونصائح ومواعظ سيرة الأقوام الماضية ، والهدف من رسالة الأنبياء ونزول الكتب السّماوية.
فضيلة السورة
روي عن النّبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «من قرا سورة ابراهيم والحجر اعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من عبد الأصنام وبعدد من لم يعبدها»(1) .
وكما أسلفنا مرارا فإنّ ما ورد من الثواب حول قراءة السور القرآنية يلازمه التفكّر ومن ثمّ العمل ، ولمّا كانت هذه السورة وسورة الحجر تبحثان موضوع التوحيد والشرك وأصولهما وفروعهما ، فإنّ من البديهي انّ العمل بمضمونهما له نفس الفضيلة ، أي انّهما تصيغان الإنسان بصياغتهما حتّى توصلاه الى مثل هذا الثواب.
* * *
__________________
(1) مجمع البيان ، ونور الثقلين ، في بداية السورة.
الآيات
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (3) )
التّفسير
الخروج من الظّلمات الى النّور!
شرعت هذه السورة ـ كبعض السور القرآنية الاخرى ـ بالحروف المقطّعة ، التي ذكرنا تفسيرها في بداية سورة البقرة وآل عمران ، والنقطة التي يجب ملاحظتها هنا انّ من بين 29 موردا لسور القرآن التي ابتدأت بالحروف المقطّعة هناك 24 مورد ذكر بعدها مباشرة القرآن الكريم ، والتي تبيّن انّ هناك علاقة بين
الاثنين ، اي بين الحروف المقطّعة والقرآن ، ولعلّ هذه العلاقة هي نفسها التي ذكرناها في بداية سورة البقرة ، فالله سبحانه وتعالى يريد ان يوضّح من خلال هذا البيان انّ هذا الكتاب السّماوي العظيم المتعهّد لقيادة الانسانيّة يتكوّن من مواد بسيطة تسمّى بحروف الالفباء ، وهذه تشير الى اهميّة هذا الاعجاز ، حيث يوجد اصدق بيان من ابسط بيان.
وعلى ايّة حال فبعد ذكر الحروف (الف لام راء) يقول تعالى :( كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) .
في الواقع انّ جميع الاهداف التربوية والانسانية ، المعنوية والمادية من نزول القرآن قد جمعت في هذه الجملة (الخروج من الظّلمات الى النّور) اي الخروج من ظلام الجهل الى نور المعرفة ، ومن ظلام الكفر الى نور الايمان ، من ظلم الظالمين الى نور العدالة ، ومن الفساد الى الصلاح ، ومن الذنوب الى الطهارة والتقوى ، ومن التفرقة والنفاق الى نور الوحدة.
ومن الطريف انّ «الظّلمات» هنا (كما في بعض السور الاخرى) جاءت بصيغة الجمع و «النّور» بصيغة المفرد ، وهذه اشارة الى انّ كلّ الحسنات والطيّبات والايمان والتقوى لها حالة واحدة في ظلّ التوحيد ونوره ، فهي مترابطة ومتّحدة فيما بينها ، فتصنع مجتمعا واحدا متّحدا وطاهرا من كلّ جهة.
بينما الظّلمات تعني التشتّت وتفرقة الصفوف ، وحتّى الطواغيت والمذنبين والمفسدين والمنحرفين في مسيرتهم الانحرافية نراهم غير متوحّدين غالبا ، وفي حالة حرب فيما بينهم.
ومن هنا لمّا كان مصدر كلّ الخير هي الذات الالهيّة المقدّسة ، والشرط الأساس لدرك التوحيد هو الالتفات الى هذه الحقيقة ، فإنّه يضيف بلا فاصلة( بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ) .
ولكي يبيّن اكثر ما هو النّور يقول تعالى :( إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) (1) فعزّته دالّة على قدرته ، لانّه لا يستطيع احد ان يغلبه ، والحميد دالّة على نعمه ومواهبه غير المتناهية ، لانّ الحمد والثناء دائما تكون في مقابل النعم والمواهب.
الآية الثانية ولكي تعرّف الله بصفاته ، تبيّن درسا من دروس التوحيد حيث تقول :( اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) (2) فله كلّ شيء ، لانّه خالق جميع الموجودات ، ولهذا السبب هو القادر والعزيز وواهب النعم والحميد.
ثمّ يتطرّق في نهاية الآية الى مسألة المعاد (بعد ان ذكر المبدإ) فتقول الآية :( وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ ) .
ثمّ يعرّف القرآن الكريم الكفّار في الآية الاخرى ، ويذكر لهم ثلاث صفات كيما نستطيع ان نعرّفهم من اوّل وهلة ، يقول تعالى اوّلا :( الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ ) (3) فهم يضحّون بالايمان والحقّ والعدالة والشرف التي هي من خصائص محبّي الآخرة ، من اجل منافعهم الشخصيّة وشهواتهم.
ثمّ يبيّن تعالى انّ هؤلاء غير قانعين بهذا المقدار من الضلال ، بل يسعون في ان يضلّوا الآخرين( وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) فهم في الواقع يوجدون الموانع المختلفة في طريق الفطرة الالهيّة فيزيّنون الهوى ، ويدعون الناس الى الذنوب ، ويخوّفونهم من الصدق والإخلاص.
ولا يقتصر عملهم على ذلك فحسب ، بل( وَيَبْغُونَها عِوَجاً ) ثمّ يحاولون ان يصبغوا الآخرين بصبغتهم ، ويسعون في ان يحرفوا السبيل للوصول الى هدفهم من خلال نشر الخرافات وابتداع السنن الخبيثة( أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) .
__________________
(1) «الى صراط الله» في الواقع بدل من «الى النّور» فالمقصود من الهداية الى النّور هو الهداية الى صراط العزيز الحميد ، و «كتاب أنزلناه» خبر لمبتدأ محذوف تقديره : هذا كتاب أنزلناه.
(2) (الله) : بالكسر لانّه بدل من( الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) .
(3) يقول الراغب في مفرداته : استحبّ الكفر على الايمان ، والاستحباب هو سعي الإنسان لان يحبّ شيئا ، وإذا ما تعدّى ب (على) فسوف يصرف عنه المعنى المتقدّم كما في( أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى ) .
وهذا الضلال قد أوجد بعد المسافة بينهم وبين الحقّ فكان من العسير جدّا عودتهم الى طريق الحقّ ، ولكن ذلك كان نتيجة لاعمالهم.
* * *
ملاحظات
1 ـ مثل الإيمان وطريق الله مثل النّور
بالنظر الى انّ النّور الطف الموجودات الماديّة في العالم ، وسرعة مسيره أعلى سرعة ، وبركته من اكبر البركات ، ويمكن ان يقال انّه اصل لكلّ المواهب والبركات ، فإنّه يتّضح الى اي مدى يشتمل النّور على معنى كبير بحيث انّ القرآن شبّه الايمان والسير في طريق الله بالنّور.
والنّور اصل التجمّع بينما الظلمة عامل للتفرّق ، النّور علامة الحياة والظلمة علامة الموت.
ولهذا السبب شبّه القرآن الكريم كثيرا من الأمور القيّمة بالنّور ، ومن جملتها العمل الصالح( يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ ) (1) .
وكذلك الايمان والتوحيد ، قال تعالى :( اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) (2) .
وقد شبّه القرآن الكريم بالنّور في قوله تعالى :( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (3) .
وكذلك الذين( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ ) .(4)
__________________
(1) الحديد ، 12.
(2) البقرة ، 257.
(3) الأعراف ، 157.
(4) التوبة ، 32.
بل اكثر من ذلك عبّر عن ذاته المقدّسة التي هي أفضل واسمى ما في الوجود بالنّور( اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) .(1)
ومع انّ كلّ هذه الأمور تعود الى تلك الحقيقة ، لانّها من الله ، ومن الايمان به ، فإنّها وردت بصيغة المفرد ، وعلى عكس الظّلمات التي هي عامل التشتّت لذلك وردت بصيغة الجمع التي تبيّن الكثرة والتعدّد.
وبما انّ الايمان بالله والسير في طريقه باعث على الحركة وموجبا لليقظة ، وعامل للاجتماع والوحدة ، ووسيلة للتقدّم والكمال ، فإنّ هذا التشبيه على كلّ حال اكثر محتوى ودلالة تربوية.
2 ـ التعبير بـ «لتخرج» في الآية الاولى تشير الى نقطتين :
الاولى : بما انّ القرآن الكريم كتاب هداية ونجاة للبشر ، لكنّه بحاجة الى من يطبقه ويجريه ، فيجب ان يكون هناك قائد كالرّسول لكي يستطيع ان يخرج الضالّين عن الحقيقة من ظلمات الشقاء وهدايتهم الى نور السعادة ، ولهذا فالقرآن الكريم بعظمته لا يمكن له ان يحلّ جميع المشاكل بدون وجود القائد والمنفّذ لهذه الأحكام.
الثانية : انّ صيغة الإخراج في الواقع دليل على التحرّك المشفوع بالتغيّر والتحوّل ، وكأنّ غير المؤمنين موجودون في محيط مغلق ومظلم ، والرّسول ـ او القائد ـ يأخذ بأيديهم ويدخلهم الى جوّ واسع ومنير.
3 ـ الملفت للنظر انّ بداية هذه السورة شرعت بمسألة هداية الناس من الظّلمات الى النّور ، ونهايتها ختمت بمسألة إبلاغ وإنذار الناس ، وهذه توضّح انّ الهدف الاصلي في كلّ الأحوال هو الناس ومصيرهم وهدايتهم ، فإنزال الكتب السّماوية وبعث الأنبياء في الواقع هو للوصول الى هذا الهدف.
* * *
__________________
(1) النّور ، 35.
الآيات
( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (7) )
التّفسير
الايّام الحسّاسة في الحياة :
كان الحديث في الآيات السابقة عن القرآن الكريم وآثاره الروحية ، وتتابع
الآية الاولى من هذه المجموعة نفس الموضوع ، لكن في بعد خاص وهو انّ دعوة الأنبياء وكتبهم السّماوية نزلت بلسان اوّل قوم بعثوا إليهم. يقول تعالى :( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ ) .
لانّ الأنبياء يرتبطون في الدرجة الاولى مع قومهم ، واوّل نور الوحي يشعّ من بينهم ، واوّل الصحابة والأنصار ينتخبون منهم ، لذلك فإنّ الرّسول يجب ان يحدّثهم بلغتهم وبلسانهم( لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) .
وفي الحقيقة فإنّ هذه الجملة تشير الى انّ دعوة الأنبياء لا تنعكس في قلوب اتباعهم بأسلوب مرموز وغير معروف ، بل كانت توضّح لهم من خلال التبيين والتعليم والتربية وبلسانهم الرائج.
ثمّ يضيف القرآن الكريم بعد ان بيّن لهم الدعوة الالهيّة( فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) فليست الهداية والضلال من عمل الأنبياء ، بل عملهم الإبلاغ والتبيين ، الله سبحانه وتعالى هو الموجّه والهادي الحقيقي لعباده.
ولكي لا يتصوّر احد انّ هذا القول بمعنى الجبر وسلب الحريّات ، فيضيف القرآن مباشرة( وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) وبمقتضى عزّته وقدرته فإنّه قادر على كلّ شيء ، ولا احد له قدرة على المقاومة في مقابل ارادته تعالى ، ولكن بمقتضى حكمته لا يهدي ولا يضلّ أحدا بدون سبب ودليل ، بل الخطوة الاولى تبدا من قبل العباد وبكامل الحرية في السير الى الله ، ثمّ يشعّ نور الهداية وفيض الحقّ في قلوبهم ، كما في سورة العنكبوت الآية (69)( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) .
وكذلك حال الذين تاهوا في وادي الضلالة وحرموا من فيض الهداية ، فهو نتيجة لتعصّبهم الأعمى ومحاربتهم للحقّ ، وغرقهم في الشّهوات ، وتلوّثهم بالظلم والجور. كما يقول تعالى :( كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ) ،(1) ويقول
__________________
(1) غافر ، 34.
ايضا :( وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ) ،(1) وقوله تعالى :( وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ ) (2) .
وعلى هذا النحو فإنّ محور الهداية والضلال في ايدي الناس أنفسهم.
تشير الآية الأخرى الى واحدة من نماذج إرسال الأنبياء في مقابل طواغيت عصرهم ، ليخرجوهم من الظّلمات الى النّور :( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) (3) .
وكما قرانا في الآية الاولى من هذه السورة فإنّ خلاصة دعوة رسول الإسلامصلىاللهعليهوآلهوسلم هي إخراج الناس من الظّلمات الى النّور ، فهذه دعوة كلّ الأنبياء ، بل جميع القادة الروحيين للبشر ، فهل الظلم غير الضلال والانحراف والذلّ والعبوديّة والفساد والظلم؟! وهل النّور غير الايمان والتقوى والحرية والاستقلال والعزّة والشرف؟! لذلك فإنّها تمثّل الخطّ المشترك والجامع بين كلّ دعوات القادة الإلهيين.
ثمّ يشير القرآن الكريم الى واحدة من اكبر مسئوليات موسىعليهالسلام حيث يقول تعالى :( وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ ) .
من المتيقّن انّ كلّ الايّام هي ايّام الله ، كما انّ كلّ الأماكن متعلّقة بالله جلّ وعلا ، وإذا كانت هناك نقطة خاصّة تسمّى (بيت الله) فذلك بدليل ميزاتها ، كذلك ايّام الله تشير الى ايّام مميّزة لها خصائص منقطعة النظير.
ولهذا السبب اختلف المفسّرون في تفسيرها : قال البعض : انّها تشير الى ايّام النصر للأنبياء السابقين وأممهم والايّام التي شملتهم النعم الالهيّة فيها على اثر استحقاقهم لها.
وقال البعض الآخر : انّها تشير الى العذاب الالهي الذي شمل الأقوام الطاغين
__________________
(1) البقرة ، 26.
(2) ابراهيم ، 27.
(3) المعجزات التي ظهرت من موسى بن عمران اشارت إليها الآية أعلاه بلفظ الآيات ، وهي 9 معاجز مهمّة طبقا للآية (101) من سورة الاسراء ، والتي سوف تأتي ان شاء الله في تفسير تلك الآية.
والعاصين لأمر الله.
وقال آخرون : انّها تشير الى المعنيين السابقين معا.
لكنّنا ـ حقّا ـ لا نستطيع ان نجعل هذه العبارة البليغة والواضحة محدودة ، فأيّام الله هي جميع الايّام العظيمة في تاريخ الانسانيّة. فكلّ يوم سطعت فيه الأوامر الالهيّة وجعلت بقيّة الأمور تابعة لها ، هي من ايّام الله ، وكلّ يوم يفتح فيه فصل جديد من حياة الناس فيه درس وعبرة ، او ظهور نبي فيه ، او سقوط جبّار وفرعون ـ او كلّ طاغ ـ ومحوه من الوجود. خلاصة القول : كلّ يوم يعمل فيه بالحقّ والعدالة ويقع في الظلم وتطفأ فيه بدعة ، هو من ايّام الله.
وكما سوف نرى انّ روايات الائمّةعليهمالسلام في تفسير هذه الآية تشير الى هذه الايّام الحسّاسة.
وفي آخر الآية يقول تعالى :( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) .
«صبّار» و «شكور» صيغة مبالغة فأحدهما تشير الى شدّة الصبر ، والاخرى الى زيادة الشكر ، وتعني انّ المؤمنين كما لا يستسلمون للحوادث والمشاكل التي تصيبهم في حياتهم ، كذلك لا يغترّون ولا يغفلون في ايّام النصر والنعم ، وذكر هاتين الصفتين بعد الاشارة الى ايّام الله دليل على ما قلناه.
تشير الآية الاخرى الى احد هذه الايّام التي كانت ساطعة ومثمرة في تاريخ بني إسرائيل ، وذكرها تذكرة للمسلمين حيث يقول تعالى :( وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) هؤلاء الفراعنة الذين كانوا( يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) .
اي يوم اكثر بركة من ذلك اليوم حيث أزال الله عنكم فيه شرّ المتكبّرين والمستعمرين ، الذين كانوا يرتكبون أفظع الجرائم بحقّكم ، واي جريمة أعظم من ذبح أبنائكم كالحيوانات (انتبه الى انّ القرآن عبّر بالذبح لا بالقتل) واهمّ من ذلك
فإنّ نواميسكم كانت خدما في ايدي الطامعين.
وليس هذا المورد خاصّ ببني إسرائيل ، بل في جميع الأمم والأقوام. فإنّ يوم الوصول الى الاستقلال والحرية وقطع ايدي الطواغيت يوم من ايّام الله الذي يجب ان نتذكّره دوما حتّى لا نعود الى ما كنّا عليه في الايّام الماضية.
«يسومونكم» من مادّة (سوم) على وزن (صوم) بمعنى البحث عن الشيء ، وتأتي بمعنى فرض عمل على الآخرين(1) ، ولهذا فإنّ معنى جملة يسومونكم سوء العذاب : انّ أولئك كانوا يفرضون عليكم اسوا الأعمال وأكثرها تعذيبا. وهل انّ تجميد وابادة الكتلة الفعّالة في المجتمع واستخدام نسائهم واذلالهنّ على يد فئة ظالمة وطاغية يعتبر امرا هيّنا؟! ثمّ انّ التعبير بفعل المضارع «يسومون» اشارة الى انّ هذا العمل كان مستمرّا لمدّة طويلة.
وجملة( يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ ) معطوفة على «سُوءَ الْعَذابِ » وفي عين الوقت هي من مصاديق سوء العذاب ، وذلك بسبب اهميّة هذين العذابين ، وهذا توضيح انّ فرعون وقومه الظالمين فرضوا على بني إسرائيل احكاما جائرة اخرى ، الّا انّ هذين العذابين كانا اشدّ وأصعب.
ثمّ يضيف القرآن الكريم( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ) (2) يمكن ان تكون هذه الآية من كلام موسى لبني إسرائيل التي دعاهم فيها الى الشكر في مقابل ذلك النجاة والنصر والنعم الكثيرة ، ووعدهم بزيادة النعم ، وفي حالة كفرهم هدّدهم بالعذاب ، ويمكن ان تكون جملة مستقلّة وخطابا للمسلمين ، ولكن على ايّة حال فالنتيجة واحدة ، لانّه حتّى إذا كان الخطاب موجّها لبني إسرائيل وروده في القرآن الكريم ليكون درسا بنّاء لنا.
__________________
(1) راجع المفردات للراغب ، وتفسير المنار ، [المجلّد الاوّل ، ص 308] وتفسير الرازي [المجلّد السابع ، ص 7].
(2) «تأذّن» من باب «تفعّل» بمعنى الاعلام للتأكيد ، لانّ مادة افعال من (إيذان) بمعنى أعلام ، ولمّا يصبح من باب تفعّل يستفاد منه الاضافة والتأكيد.
ومن الطريف انّه في حالة الشكر يقول بصراحة( لَأَزِيدَنَّكُمْ ) امّا في حالة كفران النعم فلا يقول (اعذّبكم) بل يقول :( إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ) وهذا التفاوت دليل على سموّ اللطف الالهي.
* * *
بحوث
1 ـ التذكّر لايام الله
كما قلنا في تفسير الآية أعلاه ، فإنّ اضافة «ايّام» الى «الله» اشارة الى الايّام المصيرية والمهمّة في حياة الناس ، فإنّها بسبب عظمتها أضيفت إليها كلمة «الله» ، وكذلك لانّ واحدة من النعم الالهيّة الكبيرة شملت حال قوم او امّة ، او احدى العقوبات الكبرى أصابت قوما طاغين بالعذاب الالهي ، وقد أراد الله تعالى ان يجعل هذه الايّام تذكرة باقية للناس.
الرّوايات الواردة من اهل البيتعليهمالسلام تشير انّهم فسّروا «ايّام الله» بأيّام مختلفة ، فعن الامام الباقرعليهالسلام قال «ايّام الله ، يوم يقوم القائمعليهالسلام ويوم الكرّة(1) ، ويوم القيامة»(2) .
وجاء في تفسير علي بن ابراهيم «ايّام الله ثلاثة ايّام ، يوم قيام المهديعليهالسلام ويوم الموت ، ويوم القيامة».
وعن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال «ايّام الله نعماؤه وبلاؤه ببلائه سبحانه»(3) .
وكما قلنا سابقا فإنّ مثل هذه الأحاديث غير دالّة على الحصر إطلاقا ، بل هي بيان لقسم من مصاديقها.
__________________
(1) يوم الكرّة ـ اي يوم الرجعة.
(2) نور الثقلين ، ج 2 ، 526.
(3) المصدر السّابق.
وعلى ايّة حال فتذكر الايّام العظيمة (من ايّام النصر او من ايّام الشدّة) له دور مؤثّر في يقظة الشعوب ، وبالإلهام من هذا النداء السّماوي سوف نحيي الايّام العظيمة في التاريخ الاسلامي ، ونخصّص لها ايّاما معيّنة في السنة لتجديد ذكراها ، لكي نتعلّم منها الدروس التي لها اثر مهمّ في يومنا هذا.
وفي تاريخنا المعاصر ـ خصوصا في تأريخ الثورة الاسلامية في ايران ـ توجد ايّام مثيرة جدّا والتي هي بحقّ مصداق لـ «ايّام الله» ويجب ان نذكرها في كلّ سنة ، وهي التي امتزجت بذكرى الشهداء ، المقاتلين ، المجاهدين الكبار ، ومن ثمّ نستلهم منها ونحفظ ميراثهم الكبير.
وعلى هذا الأساس يجب ان ندخل هذه الايّام العظام ضمن برامج الكتب الدراسيّة في مدارسنا ، وضمن التعليم والتربية لأبنائنا ، ولكي نعلم مسئوليتنا «وذكّرهم» في مقابل الأجيال القادمة.
لقد أشار القرآن الكريم مرارا الى «ايّام الله» فنسبها لبني إسرائيل مرّة ، واخرى للمسلمين ، وذكّرهم بأيّام النعم والعذاب.
2 ـ طريقة الجبّارين في التعامل
نقرا مرارا في آيات القرآن الكريم انّ الفراعنة كانوا يذبحون أبناء بني إسرائيل ويحتفظون بنسائهم ، وهذا العمل لا يقتصر على فرعون ، بل كان على طول التاريخ طريقة كلّ المستعمرين حيث كانوا يبيدون قسما من القوى الفاعلة والمقاومة ، ويضعفون قسما آخر منها ويستخدمونها في منافعهم الخاصّة ، وبدون هذا العمل لا يمكنهم الاستمرار في استعمارهم.
والمهمّ يجب ان نعلم انّهم كانوا يذبحون الأبناء مباشرة مرّة (كالفراعنة) وأحيانا يبيدوهم بالادمان على المخدّرات والمشروبات الكحولية ، وإغراقهم في دوّاهة الفحشاء لذلك يجب ان ينتبه المسلمون الى هذه المسألة ، فإذا سلك
جيل الشباب هذه المسالك المهلكة وفقد سلاح الايمان ومقدرته الجسدية ، فيجب ان يعلم عبوديته للأجانب حتمية.
3 ـ الحرية من أفضل النعم
من الطريف انّ الآية أعلاه بعد ان ذكرت «ايّام الله» اشارت بصراحة الى يوم واحد منها ، وهو يوم نجاة بني إسرائيل من قبضة الفراعنة( إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) انّ تاريخ بني إسرائيل مليء بالايّام العظيمة التي وهبهم الله فيها النعم الكبيرة تحت ظلّ هداية موسى ، ولكن ذكر (يوم النجاة) في الآية أعلاه دليل على اهميّة الحرية والاستقلال في مصير الأمم.
نعم لا تستطيع اي امّة ان تظهر نبوغها واستعدادها الّا من خلال قطع التبعية للاجنبي والتحرّر من قبضة الاستعمار واسره. ولا يمكن ان ترفع قدما في سبيل الله الّا من خلال محاربة الشرك والظلم.
ولهذا السبب كان العمل الاوّل للقادة الإلهيين هو تحرير الشعوب من التبعيّة الفكرية والثقافية والسياسيّة والاقتصادية ، ثمّ العمل في إيجاد البرامج التوحيديّة والانسانيّة لهم.
4 ـ الشكر سبب لزيادة النعم والكفر سبب للفناء
ممّا لا شكّ فيه انّ الله سبحانه وتعالى ليس بحاجة الى شكرنا في مقابل نعمه علينا ، وإذا أمرنا بالشكر فذاك لنستوجب نعمة اخرى وهي واحدة من المبادئ السامية في التربية.
المهمّ ان نعرف ما هي حقيقة الشكر؟ لكي يتّضح علاقته في زيادة النعمة من اين؟ وكيف تستطيع ان تكون عاملا مهمّا للتربية؟
انّ حقيقة الشكر ليس فقط ما يقوله الإنسان (الحمد لله) او الشكر اللفظي ، بل
هناك ثلاث مراحل للشكر :
الاولى : يجب ان نعلم من هو الواهب للنعم؟ هذا العلم والايمان الركن الاوّل للشكر.
والثّانية : الشكر باللسان.
والثّالثة : وهي الاهمّ الشكر العملي ، اي ان نعلم الهدف من منحنا للنعمة ، وفي ايّ مورد نصرفها ، والّا كفرنا بها ، كما قال العظماء : (الشكر صرف العبد جميع ما أنعمه الله تعالى فيما خلق لأجله).
لماذا أعطانا الله تعالى العين؟ ولماذا وهبنا السمع والنطق؟ فهل كان السبب غير ان نرى عظمته في هذا العالم ، ونتعرّف على الحياة؟
وبهذه الوسائل نخطو الى التكامل ، ندرك الحقّ وندافع عنه ونحارب الباطل ، فإذا صرفنا النعم الالهيّة في هذا المسير كان ذلك هو الشكر العملي له ، وإذا أصبحت هذه الأدوات وسيلة للطغيان والغرور والغفلة والابتعاد عن الله فهذا هو عين الكفران!
يروى عن الامام الصادقعليهالسلام انّه قال : «ادنى الشكر رؤية النعمة من الله من غير علّة يتعلّق القلب بها دون الله ، والرضا بما أعطاه ، وانّ لا تعصيه بنعمة وتخالفه بشيء من امره ونهيه بسبب من نعمته»(1) .
وهنا يتّضح انّ شكر العلم والمعرفة والفكر والمال والسلامة ، كلّ واحد منها من اي طريق يتمّ؟ وكيف يكون كفرانها؟
الحديث الوارد عن الامام الصادقعليهالسلام دليل واضح على هذه التّفسيرات حيث يقول : «شكر النعمة اجتناب المحارم»(2) .
وتتّضح ايضا هذه العلاقة بين الشكر وزيادة النعمة ، لانّ الناس لو صرفوا
__________________
(1) سفينة البحار ، المجلّد الاوّل ، 710.
(2) نور الثقلين ، ج 2 ، 529.
النعم الالهيّة في هدفها الحقيقي ، فسوف يثبتون عمليّا استحقاقهم لها وتكون سببا في زيادة الفيوضات الالهيّة عليهم.
من الثابت انّ هناك نوعين من الشكر ، (شكر تكويني) و (شكر تشريعي).
«الشكر التكويني» هو ان يستفيد الكائن الحي من مواهبه في نموّه ورشده ، فمثلا يرى المزارع انّ القسم الفلاني من مزرعته تنمو فيه الأشجار بشكل جيد ، وكلّما يخدمها اكثر تنتج اكثر ، فهذا الأمر سوف يؤدّي الى ان يقوم المزارع على خدمة وتربية ذلك القسم بشكل اكبر ، ويوصي مساعديه بها ، لانّ الأشجار تناديه بلسان حالها : ايّها المزارع ، نحن لائقون مناسبون ، افض علينا من النعم ، وهو يجيبهم بالاثبات.
امّا إذا راى في قسم آخر أشجارا ذابلة ويابسة وليس لها ثمر ، فكفران النعمة من قبلها بهذه الصورة يسبّب عدم اعتناء المزارع بها ، وإذا استمرّ الوضع بهذا الحال سوف يقوم بقلعها.
وهذه الحالة موجودة في عالم الانسانيّة بهذا التفاوت ، وهو انّ الأشجار ليس لها الاختيار ، بل هي خاضعة للقوانين التكوينيّة ، امّا الإنسان فباستفادته في ارادته واختياره وتربيته التشريعيّة يستطيع ان يخطو في هذا المجال خطوات واثقة.
ولذلك فمن يستخدم نعمة القوّة في الظلم ، ينادي بلسان حاله : الهي ، انا غير لائق لهذه النعمة ، ومن يستخدمها لاقامة الحقّ والعدالة يقول بلسان حاله : الهي ، انا مناسب ولائق فزد نعمتك عليّ!
وهناك حقيقة غير قابلة ـ ايضا ـ للترديد ، وهي انّنا في كلّ مرحلة من مراحل الشكر الالهي ـ ان كان باللسان او العمل ـ سوف نحتاج الى شكر جديد لمواهب وعطايا جديدة ، ولذلك فلسنا قادرين ان نؤدّي حقّ الشكر ، كما نقرا في مناجاة الشاكرين للإمام زين العابدين علي بن الحسينعليهالسلام : «كيف لي بتحصيل
الشكر وشكري ايّاك يفتقر الى شكر ، فكلّما قلت لك الحمد وجب عليّ لذلك ان أقول لك الحمد»!
ولهذا فإنّ أعلى مراحل الشكر ان يظهر الإنسان عجزه امام شكر نعمائه تعالى ، كما
جاء في الحديث عن الامام الصادقعليهالسلام قال : «فيما اوحى اللهعزوجل الى موسى : اشكرني حقّ شكري ، فقال : يا ربّ ، وكيف أشكرك حقّ شكرك ، وليس من شكر أشكرك به الّا وأنت أنعمت به عليّ؟ قال : يا موسى ، الآن شكرتني حين علمت انّ ذلك مني»(1) .
هناك عدّة نقاط في مجال شكر النعمة :
1 ـ قال الامام عليعليهالسلام في احدى حكمه : «إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلّة الشكر»(2) .
2 ـ يجب الالتفات الى هذا الموضوع ، وهو انّ الشكر والحمد ليس كافيا في مقابل نعمائه تعالى ، بل يجب ان نشكر ـ كذلك ـ الأشخاص الذين كانوا وسيلة لهذه المواهب ونؤدّي حقوقهم من هذا الطريق ، ونشوّقهم اكثر بالخدمة في هذا السبيل ، كما نقرا في الحديث عن الامام علي بن الحسينعليهالسلام قال : «وانّ الله يحبّ كلّ قلب حزين ويحبّ كلّ عبد شكور ، يقول الله تبارك وتعالى لعبد من عبيده يوم القيامة : أشكرت فلانا؟ فيقول : بل شكرتك يا ربّ ، فيقول : لم تشكرني إذ لم تشكره ، ثمّ قال : أشكركم لله أشكركم للناس»(3) .
3 ـ انّ الوعد في زيادة نعم الشاكرين لا ينحصر في النعم المادية فقط ، بل الشكر نفسه مصحوبا بالتوجّه الخاص لله والحبّ لساحته المقدّسة هو واحد من النعم الالهيّة الروحيّة الكبيرة ، والتي لها تأثير كبير في تربية نفوس الناس ،
__________________
(1) اصول الكافي ، المجلّد الرابع ، صفحة 80 باب الشكر.
(2) نهج البلاغة الكلمات القصار ، رقم 13.
(3) اصول الكافي ، الجزء الثّاني ـ ص 99 ـ ح 30.
ودعوتهم لطاعة الأوامر الالهيّة ، بل الشكر ذاته طريق الى معرفة الله ، ولهذا السبب ورد عن علماء العقائد في علم الكلام انّ وجوب شكر المنعم طريق الى اثبات وجوب معرفة الله.
4 ـ انّ احياء روح الشكر في المجتمع وتقديمه الى مستحقّيه وتقديرهم وحمدهم وثنائهم على خدمتهم في طريق تحقيق الاهداف الاجتماعية بعلمهم ومعرفتهم وإيثارهم واستشهادهم ، هو عامل مهمّ في حركة ورقيّ المجتمع.
ففي المجتمع الفاقد للشكر والتقدير نجد القليل جدّا ممّن يريد الخدمة ، وعلى العكس فالمجتمع الذي يقيّم ويثني على خدمات الأشخاص ، يكون اكثر نشاطا وحيوية.
والالتفات الى هذه الحقيقة ادّى الى ان تقام في عصرنا مراسيم احتفال لتقدير وشكر الأساطين في الذكرى المئوية ، او الذكرى الالفية ، وضمن هذا الشكر لخدماتهم يدعى الناس الى الحركة والسعي بشكل اكبر.
احياء هذه الذكريات يساعد على ترشيد الإيثار والتفاني لدى الآخرين ، فيرتفع المستوى الثقافي والاخلاقي لدى الناس ، وبتعبير القرآن فإنّ شكر هذه النعمة سوف يبعث على الزيادة ، ومن دم شهيد واحد يبعث آلاف المجاهدين ، ويكون مصداقا حيّا ل( لَأَزِيدَنَّكُمْ ) .
* * *
الآيات
( وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (10) )
التّفسير
أفي الله شكّ؟
الآية الاولى من هذه المجموعة تؤيّد وتكمل البحث السابق في الشكر
والكفران ، وذلك ضمن الكلام الذي نقل عن لسان موسىعليهالسلام ( وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ) (1) .
انّ الشكر والايمان بالله ـ في الواقع ـ سبب في زيادة النعم والتكامل الانساني ، والّا فاللهعزوجل ليس بحاجة الى اي شيء ، ولو كفرت جميع الكائنات ولم تحمده لا تمسّ كبرياءه بأدنى ضرر ، لانّه حميد في ذاته.
ولو كان محتاجا لم يكن واجب الوجود ، وعلى هذا فمفهوم الغني هو اشتماله لجميع الكمالات ، وإذا كان كذلك فهو محمود في ذاته ، لانّ «الحميد» من استحقّ الحمد.
ثمّ يشرح مصير الفئات من الأقوام السابقة ضمن عدّة آيات ، الفئات التي كفرت بأنعم الله وخالفت الدعوة الالهيّة ، وهي تأكيد للآية السابقة يقول تعالى :( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) .
يمكن ان تكون هذه الجملة تعقيبا على كلام موسى ، او بيان مستقلّ يخاطب به المسلمين ، لكن النتيجة غير متفاوتة كثيرا ، ثمّ يضيف تعالى :( قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) فهؤلاء لم يطّلع على اخبارهم الّا الله( لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللهُ ) (2) .
ممّا لا شكّ فيه انّ قسما من اخبار قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم قد وصلتنا ، ولكن لم يصلنا القسم الأكبر منها ولا يعلمها الّا الله ، فتاريخ الأقوام الماضية مليء بالاسرار والخصوصيّات بحيث لم يصل إلينا منها الّا القليل. ولكي يوضّح القرآن الكريم مصيرهم يقول :( جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ ) اي وضعوا أيديهم على أفواههم من التعجّب والإنكار( وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا
__________________
(1) «إِنْ تَكْفُرُوا » جملة شرطيّة تقديرها محذوف ، وجملة «انّ الله لغني حميد» تدلّ على ذلك وكان التقدير «ان تكفروا لا تضرّوا الله شيئا».
(2) جملة( لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللهُ ) قد تكون معطوفة على ما قبلها والواو محذوفة ، وقد تكون جملة وصفية للجملة السابقة.
بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) . لماذا؟ بسبب( وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) . ومعه كيف يمكننا ان نؤمن بما تدعونا اليه؟
ويرد هنا سؤال ، وهو انّهم أظهروا الكفر وعدم الايمان بالرّسول في البداية ، ولكن بعد ذلك أظهروا الشكّ والريب ، فكيف ينطبق الاثنان؟
الجواب : انّ بيان الشكّ والترديد ـ في الحقيقة ـ علّة لعدم الايمان ، لانّ الايمان بحاجة الى اليقين ، والشكّ مانع لذلك.
وبما انّ الآية السابقة بيّنت قول المشركين والكفّار في عدم ايمانهم بسبب شكّهم وترديدهم ، فالآية بعدها تنفي هذا الشكّ من خلال دليل واضح وعبارة قصيرة حيث يقول تعالى :( قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) .
مع انّ «فاطر» من «فطر» وهي في الأصل بمعنى «شقّ» الّا انّه هنا كناية عن «الخلق» فالخالق هو الموجد للأشياء على أساس نظام دقيق ثمّ يحفظها ويحميها ، كأنّ ظلمة العدم شقّت بنور الوجود ، وكما يطلع الفجر من عتمة الليل ، وكما يتشقّق التمر من غلافه.
ولعلّ «فاطر» تشير الى تشقّق المادّة الاوّلية للعالم. كما نقرأ في العلوم الحديثة انّ مجموع مادّة العالم كانت واحدة مترابطة ثمّ انشقّت الى كراة مختلفة.
وعلى ايّة حال ، فالقرآن الكريم هنا ـ كما في اغلب الموارد الاخرى ـ يستند لاثبات وجود الخالق وصفاته الى نظام الوجود وخلق السّماوات والأرض ، ونحن نعلم انّه ليس هناك أوضح من هذا الدليل لمعرفة الله ، لانّ هذا النظام العجيب مليء بالاسرار في كلّ زواياه ، وينادي بلسان حاله : ليس هناك من له القدرة على هذه الهندسة الّا القادر الحكيم والعالم المطلق ، ولهذا السبب فكلّما تقدّمت العلوم ظهرت اسرار تدلّ على الخالق اكثر من السابق وتقرّبنا من الله في كلّ لحظة.
وما اكثر العجائب في القرآن؟ فكلّ بحوث معرفة الله والتوحيد ـ والتي
وردت بصيغة الاستفهام الانكاري ـ اشارت إليها هذه العبارة :( أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) وهذه العبارة إذا أردنا تجزئتها وتحليلها بشكل موسّع لا تكفيها آلاف الكتب.
انّ مطالعتنا لاسرار الوجود ونظام الخلقة لا تهدينا الى وجود الله فحسب ، بل الى صفاته الكمالية ايضا كعلمه وقدرته وحكمته.
ثمّ يجيب القرآن الكريم على ثاني اعتراض للمخالفين ، وهو اعتراضهم على مسألة الرسالة (لانّ شكّهم كان في الله وفي دعوة الرّسول) ويقول انّ من المسلّم انّ الله القادر والحكيم لا يترك عباده بدون قائد ، بل انّه بإرسال الرسل :( يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) (1) .
وزيادة على ذلك فإنّه( وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) كيما تسلكوا سبيل التكامل وتستفيدوا من موهبة الحياة بأقصى ما يمكنكم.
انّ غاية دعوة الأنبياء أمران : أحدهما غفران الذنوب ، بمعنى تطهير الروح والجسم والمحيط الانساني ، والثّاني استمرار الحياة الى الوقت المعلوم ، والاثنان علّة ومعلول ، فالمجتمع الذي يستمرّ في وجوده هو المجتمع النقي من الظلم والذنوب.
ففي طول التاريخ أبيدت مجتمعات كثيرة بسبب الظلم والذنوب واتّباع الهوى ، وبتعبير القرآن لم يصلوا( إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) .
روي في حديث جامع عن الامام الصادقعليهالسلام قال : «من يموت بالذّنوب اكثر ممّن يموت بالآجال ، ومن يعيش بالإحسان اكثر ممّن يعيش بالأعمال»(2) .
__________________
(1) هناك جدل بين المفسّرين في معنى «من» ، فقال بعضهم بالتبعيض ، اي يغفر قسما من ذنوبكم ، وهذا الاحتمال ضعيف لانّ الايمان يؤدّي الى غفران الذنوب كلّها (الإسلام يجب ما قبله) واحتمل البعض الآخر انّ «من» بدل ، فيكون معنى الجملة يدعوكم ليغفر ذنوبكم بدل الايمان ، وقال آخرون : انّ «من» هنا زائدة للتأكيد ، ومعناه : انّ الله تعالى يدعوكم للايمان ليغفر لكم ذنوبكم ، وهذا التّفسير نراه اقرب الى الصحّة.
(2) سفينة البحار ، المجلّد الاوّل ، ص 488.
وعن الامام الصادق ايضا : «انّ الرجل يذنب فيحرم صلاة الليل ، وانّ العمل السيء اسرع في صاحبه من السكّين في اللحم»(1) .
ونستفيد من هذه الآية ـ ضمنيا ـ انّ الايمان بدعوة الأنبياء والعمل بأحكامها يأخذ طابع الأجل المعلّق ، وتستمرّ حياة الإنسان الى «اجل مسمّى» (لانّنا نعلم انّ للإنسان نوعين من الآجال ، اجل محتوم ويكون بانتهاء الحياة في جسم الإنسان ، وأجل معلّق ويكون بفناء الإنسان على اثر عوامل وموانع في وسط العمر ، وهذا غالبا ما يكون بسبب اللامبالاة وارتكاب الذنوب ، وقد بحثنا هذا الموضوع في ذيل الآية (2) من سورة الانعام).
ومع كلّ ذلك لم يقبل الكفّار المعاندون دعوة الحقّ المصحوبة بوضوح منطق التوحيد ، ومن خلال بيانهم المشوب بالعناد وعدم التسليم كانوا يجيبون الأنبياء بهذا القول :( قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ) علاوة على ذلك( تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا ) واكثر من ذلك( فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) .
وقد ذكرنا مرارا (كما صرّح القرآن بذلك) انّ كون الأنبياء بشرا ليس مانعا لنبوّتهم ، بل هو مكمّل لها ، ولكن أولئك الأقوام يوردون هذه الحجّة دليلا لانكار الرسالة ، والهدف ـ غالبا ـ هو التبرير والعناد.
وكذلك الحال في الاستنان بسنّة الأجداد ، فإنّها وبالنظر الى هذه الحقيقة وهي انّ معرفة الأجيال القادمة اكثر من الماضين ، لا تعدو سوى خرافة وجهل.
ويتّضح من هنا انّ طلبهم لم يكن لاقامة البرهان الواضح ، بل لهروبهم من الحقيقة ، لانّ القرآن الكريم ـ كما قرانا مرارا ـ انّ هؤلاء المعاندين أنكروا الآيات الواضحة والدلائل البيّنة ، وكانوا يقترحون في كلّ مرّة معجزة ودليلا للتهرّب من الأمر الواقع.
وعلى كلّ حال نقرا في الآيات القادمة كيف أجابهم الأنبياء.
* * *
__________________
(1) سفينة البحار ، المجلّد الاوّل ، ص 488.
الآيتان
( قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) )
التّفسير
التوكّل على الله وحده :
نقرا في هاتين الآيتين جواب الرسل على حجج المخالفين المعاندين ، واعتراضهم على بشرية الرسل ، فكان جوابهم :( قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) يعني لو افترضنا انّ الله تعالى أرسل لكم ملائكة بدل البشر ، فهي لا تمتلك شيئا لذاتها ، فكلّ المواهب ومن جملتها موهبة الرسالة والقيادة هي من عند الله ، فالذي يستطيع ان يهب الملائكة هذا المقام قادر ان يعطيها للإنسان.
وبديهي انّ هذه المنح من قبل الله ليست بدون حساب ، وقد قلنا مرارا : انّ
المشيئة الالهيّة تساير حكمته تعالى ، فعند ما نسمع قول القائل : «انّ الله إذا أراد بعبد خيرا ...» يكون المراد العبد المستعدّ لهذه الموهبة. ومن المعلوم انّ مقام الرسالة موهبة الهيّة ، ونحن نرى انّ الأنبياء بالاضافة الى الرسالة الالهيّة لهم استعداد واهلية لتحمّلها.
ثمّ يجيب على السؤال الثّالث دون ان يجيب على الثاني ، وكأنّ الاعتراض الثّاني الذي هو الاستنان بسنّة الأجداد ليس له اي اهميّة وفارغ من المحتوى بحيث انّ ايّ انسان عاقل ـ بأقلّ تأمّل ـ يفهم جوابه ، بالاضافة الى انّ القرآن الكريم قد أجاب عنه في آيات أخر.
وجواب السؤال الثّالث هو انّ عملنا ليس الإتيان بالمعاجز ، فنحن لا نجلس في مكان ونلبّي لكم المعاجز الاقتراحية وكلّ ما سوّلت لكم أنفسكم ، بل( ما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) .
ومع ذلك فإنّ كلّ نبي كان يظهر لقومه المعاجز بمقدار كاف بدون ان يطلبها الناس منه ، وذلك لكي يثبت الأنبياء احقّيتهم ولتكون المعاجز سندا لصدقهم ، مع انّ مطالعة دعوتهم وحدها اكبر اعجاز لهم ، ولكن المعترضين غالبا لم يصغوا لذلك ، وهم يقترحون كلّ يوم شيئا جديدا ، فإن لم يستجب لهم الرّسول ، يقيموا الدنيا ويقعدوها. ولكي يردّ الرسل على تهديداتهم المختلفة يقولون :( وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) .
وبعد ذلك استدلّ الأنبياء على مسألة التوكّل حيث قالوا :( وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا ) فالذي منحنا أفضل المواهب ، يعني موهبة الهداية الى طرق السعادة ، سوف يقوم بحمايتنا في مقابل اي هجوم او مشكلة تعترضنا.
ثمّ أضافوا : انّ ملاذنا هو الله ، ملاذ لا يقهر وهو فوق كلّ شيء :( وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا ) وأخيرا انهوا كلامهم بهذه الجملة :( وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) .
* * *
ملاحظات
1 ـ ما هو معنى التوكّل؟
قرانا في الآية الاولى( فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) وفي الآية الثانية( فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) وكأنّ الجملة الثانية تشير الى مرحلة أوسع واعمّ من الجملة الاولى ، يعني انّ توكّل المؤمنون ممّا لا شكّ فيه ـ لانّ الايمان بالله غير منفصل عن الايمان بقدرته وحمايته والتوكّل عليه ـ بل حتّى غير المؤمنين ملجأهم الى الله ولا يجدون سبيلا غيره ، لانّ غيره فاقد للأشياء ، وكلّ ما في الوجود ملك لذاته المقدّسة ، ولذلك يجب ان يجعلوه وليّا لهم ، ويطلبوا منه ان يهديهم توكّلهم هذا للايمان بالله.
2 ـ المعاجز بيد الله تعالى
أجابت الآيات أعلاه ـ بشكل واضح ـ الأشخاص الذين كانوا ينكرون اعجاز الرسل. او ينكرون معاجز رسول الإسلام غير القرآن ، وتعلّمنا هذه الآيات انّ الرسل لم يقولوا ابدا : نحن لا نأتي بالمعاجز ، بل انّ الأوامر الالهيّة كانت تمنعهم من ذلك ، لانّ الاعجاز بيده وفي اختياره ، وكلّ ما يراه مصلحة يأمرنا به.
3 ـ ما هي حقيقة وفلسفة التوكّل؟
«التوكّل» في الأصل من «الوكالة» وكما قال الراغب : التوكيل ان تعتمد على غيرك وتجعله نائبا عنك. ونحن نعلم انّ الوكيل الصالح له اربع خصال رئيسيّة : العلم الكافي ، والامانة ، والقدرة ، والمبالغة في رعاية مصلحة موكّله. فانتخاب الوكيل المحامي يتمّ في الأعمال التي لا يستطيع الإنسان نفسه ان يدافع عنها ، فيستفيد من مساعدة قوّة الآخرين في حلّ مشاكله.
وعلى ذلك فالتوكّل على الله يتمّ في حالة عدم استطاعة الإنسان من حلّ
المشاكل الحياتية وفي مقابل الأعداء وإصرار المخالفين ، وأحيانا في الطرق المسدودة التي تواجهه في مسيرة اهدافه. ولذلك فهو يستند الى الله جلّ وعلا ويستمر في سعيه ، بل حتّى لو كان مستطيعا في أداء اعماله ، فيجب ان يعلم انّ الله هو المؤثّر الاصلي ، لانّ الله تعالى في نظر المؤمن هو منبع لكلّ القدرات.
والنقطة التي تقابل التوكّل على الله هي التوكّل على غيره ، يعني الاتّكالية في الحياة والتبعية للآخرين ، وعدم الاستقلاليّة ، يقول علماء الأخلاق : التوكّل الثمرة المباشرة لتوحيد افعال الله ، لانّه ـ وكما قلنا ـ من وجهة نظر المؤمن يرتبط كلّ ما في الكون بالنهاية بذات الله المقدّسة ، ولذلك فالموحّد يرى انّ جميع اسباب القدرة والنصر من عند الله.
فلسفة التوكّل
نستفيد ممّا ذكرناه انّه :
اوّلا : انّ الإنسان سوف تزداد مقاومته للمشاكل الصعبة لتوكّله على الله الذي هو منبع جميع القدرات والاستطاعات.
ولهذا السبب فعند ما انهزم المسلمون في «احد» يقول تعالى :( الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) .(1)
وهناك نماذج اخرى للمقاومة والثبات في ظلّ التوكّل ، ومن جملتها الآية 122 من آل عمران يقول تعالى :( إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) .
وفي الآية (12) من سورة ابراهيم يقول تعالى :( وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا ) .
__________________
(1) آل عمران ، 173.
وفي الآية (159) آل عمران( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) .
وكذلك يقول القرآن الكريم :( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) .(1)
نستفيد من مجموع هذه الآيات انّ القصد من التوكّل ان لا يحسّ الإنسان بالضعف في مقابل المشكلات العظيمة ، بل بتوكّله على قدرة الله المطلقة يرى نفسه فاتحا ومنتصرا ، وبهذا الترتيب فالتوكّل عامل من عوامل القوّة واستمداد الطاقة وسبب في زيادة المقاومة والثبات. وإذا كان التوكّل يعني الجلوس في زاوية ووضع احدى اليدين على الاخرى ، فلا معنى لأن يذكره القرآن بالنسبة للمجاهدين وأمثالهم.
وإذا اعتقد البعض انّ التوكّل لا ينسجم مع التوجه الى العلل والأسباب والعوامل الطبيعيّة ، فهو في خطأ كبير ، لانّ فصل العوامل الطبيعيّة عن الارادة الالهيّة يعتبر شركا بالله ، او ليست هذه العوامل تسير بأوامر ومشيئة الله؟
نعم إذا اعتقدنا انّ العوامل مستقلّة عن ارادته فهي لا تتناسب مع روح التوكّل. فهل من الصحيح ان نفسّر التوكّل بهذا التّفسير ، مع انّ الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي هو راس المتوكّلين لم يغفل من استخدام الخطط الصحيحة والاستفادة من الفرص المتاحة وانواع الوسائل والأسباب الظاهرية لتحقيق اهدافه ، انّ هذا يثبت انّ التوكّل ليس له مفهوم سلبي.
ثانيا : انّ التوكّل ينجّي الإنسان من التبعية التي هي اصل الذلّ والعبودية ، ويمنحه الحرية والاعتماد على النفس.
«التوكّل» و «القناعة» لهما جذور مشتركة ، وفلسفتهما متشابهة ، وفي نفس الوقت متفاوتة ، ولا بأس هنا ان نذكر عدّة روايات في مجال التوكّل وأصله
__________________
(1) النحل ، 99.
وجذوره : عن الامام الصادقعليهالسلام قال : «انّ الغنا والعزّ يجولان ، فإذا ظفرا بموضع التوكّل أوطنا»(1) وقد عرّف الامام التوكّل بأنّه موطن العزّة وعدم الحاجة للآخرين.
وعن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : سألت جبرئيل : ما هو التوكّل؟ قال : (العلم بأنّ المخلوق لا يضرّ ولا ينفع ، ولا يعطي ولا يمنع ، واستعمال اليأس من الخلق فإذا كان العبد كذلك لم يعمل لأحد سوى الله ولم يطمع في احد سوى الله فهذا هو التوكّل)(2) .
وسئل الامام الرضاعليهالسلام : ما حدّ التوكّل؟ فقال : «ان لا تخاف مع الله أحدا»(3) .
* * *
__________________
(1) اصول الكافي ، المجلّد الثّاني ، باب التفويض الى الله والتوكّل عليه حديث ـ 3.
(2) بحار الأنوار ، ج 15 القسم الثّاني في الأخلاق ، ص 14 الطبعة القديمة.
(3) سفينة البحار ، المجلد الثّاني ، ص 682.
الآيات
( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (14) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (17) )
التّفسير
خطط الجبّارين المعاندين ومصيرهم!
عند ما يعلم الظالمون بضعف منطقهم وعقيدتهم ، يتركون الاستدلال ، ويلجأون الى القوّة والعنف ، ونقرا هنا انّ الأقوام الكافرة العنيدة عند ما سمعوا منطق الأنبياء المتين والواضح قالوا لرسلهم :( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ) وكأنّ هؤلاء القوم يعتبرون جميع ما
في الأرض ملكهم ، حتّى انّهم لم يمنحوا لرسلهم حقوق المواطنة ، ولذلك يقولون «أرضنا». وفي الحقيقة فإنّ الله سبحانه وتعالى خلق الأرض وكلّ مواهبها للصالحين ، وهؤلاء الجبابرة في الواقع ليس لهم اي حقّ فيها.
وقد يتوهّم البعض انّ جملة( لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ) اشارة الى انّ الأنبياء السابقين كانوا من أنصار عبادة الأصنام ، مع انّ الحقيقة ليست كذلك ، لانّهم ـ وبصرف النظر عن كونهم معصومين حتّى قبل نبوّتهم ـ فعقلهم ودرايتهم كان اكبر من ان يفعلوا هذا العمل غير الحكيم ، فيسجدوا امام الأحجار والأخشاب.
ويمكن ان يكون هذا التعبير بسبب انّ الأنبياء قبل بعثهم لم يؤمروا بالتبليغ ، فسكوتهم أوجد هذا الوهم بأنّهم من المشركين.
بالاضافة الى انّ الخطاب وان كان موجّها للرسل ، الّا انّه في الواقع يشمل حتّى الاصحاب ، ونعلم انّهم كانوا مع المشركين من قبل ، فنظر المشركين كان منصرفا الى الاصحاب فقط ، وتعبير «لتعودنّ» من باب التغليب (يعني حكم الاكثرية يسري على العموم).
وهناك جواب آخر لهذا الوهم وهو انّ «عود» إذا عدّيت بـ «الى» يكون معناها الرجوع ، وإذا عديت بـ «في» فتفيد تغيير الحال لذلك فمعنى الآية( لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ) يكون مفهومها ان تغيّروا من حالكم وتدخلوا في ملّتنا ، وقد اختار هذا المعنى العلّامة الطباطبائي في الميزان ، ولكن عند مراجعتنا لبعض الآيات ومنها( كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها ) تبيّن ان «عود» حتّى لو عدّيت بـ «في» فمعناها الرجوع ايضا (فتدبّر).
ثمّ يضيف القرآن الكريم لتسلية قلوب الأنبياء( فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ) فلا تخافوا من وعيدهم ، ولا تظهروا الضعف في ارادتكم.
وبما انّ الظالمين كانوا يهدّدون الأنبياء بالتبعيد عن أرضهم ، فإنّ الله في مقابل ذلك كان يعد الأنبياء( وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) ولكن هذا النصر
والتوفيق لا يناله الّا( ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ ) فلطفه ومنّه ليس بدون حساب ودليل ، ولا يناله الّا من احسّ بمسؤوليته في مقابل العدل الالهي ، لا الظالمين والمعاندين لطريق الحقّ.
وحين انقطعت الأسباب بالأنبياء من كلّ جانب ، وادّوا جميع وظائفهم في قومهم ، فآمن منهم من آمن ، وبقي على الكفر من بقي ، وبلغ ظلم الظالمين مداه ، في هذه الأثناء طلبوا النصر من الله تعالى( وَاسْتَفْتَحُوا ) وقد استجاب اللهعزوجل دعاء المجاهدين المخلصين( وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) .
«خاب» من الخيبة بمعنى فقدان المطلوب.
و «جبّار» بمعنى المتكبّر هنا ، ورد في الحديث انّ امراة جاءت النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فأمرها بشيء ، فلم تطعه فقال النّبي : دعوها فإنّها جبّارة(1) .
وتطلق هذه الكلمة أحيانا على الله جلّ وعلا فتعطي معنى آخر ، وهو (جبر وإصلاح من هو بحاجة الى الإصلاح) او بمعنى (المتسلّط على كلّ شيء)(2) .
و «العنيد» في الأصل من «العند» على وزن (رند) بمعنى الاتّجاه ، وجاءت هنا بمعنى الانحراف عن طريق الحقّ.
ولذلك نقرا في رواية عن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «كلّ جبّار عنيد من ابى ان يقول لا اله الّا الله».(3)
وعن الامام الباقرعليهالسلام قال : «العنيد المعرض عن الحقّ».(4)
ومن الطريف انّ «جبّار» تشير الى صفة نفسانية بمعنى روح العصيان ، و «عنيد» تشير الى آثار تلك الصفة في افعال الإنسان حيث تصرفه عن طريق الحقّ. ثمّ يبيّن نتيجة عمل الجبّارين في الآخرة ضمن آيتين في خمسة مواضع :
__________________
(1) تفسير الفخر الرازي ذيل الآية.
(2) للتوضيح اكثر راجع تفسير الآية (43) من سورة المائدة من تفسيرنا هذا.
(3) نور الثقلين ، ج 2 ، ص 532.
(4) المصدر السابق.
1 ـ على اثر هذه الخيبة ، او انّ مثل هذا الشخص :( مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ ) .
مع انّ كلمة «وراء» بمعنى «الخلف» في مقابل امام ، الّا انّها في هذه الموارد تعني نتيجة وعاقبة العمل.
2 ـ امّا في جهنّم فإنّه( وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ) .
«الصديد» القيح المتجمّع بين اللحم والجلد ، وهو بيان للماء المتعفّن الكريه الذي يسقونه.
3 ـ فهذا المجرم المذنب عند ما يرى نفسه في مقابل هذا الشراب( يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ ) يسيغه : من اساغة ، وهي وضع الشراب في الحلق.
4 ـ ووسائل التعذيب كثيرة بحيث( وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ ) . حتّى يذوق وبال عمله وسيّئاته.
5 ـ وقد يتصوّر ان ليس هناك عقابا اكثر من ذلك ، ولكن( وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ ) .
وبهذا الترتيب فإنّ كلّ ما يخطر في ذهن الإنسان وما لا يخطر من شدّة العقاب هو في انتظار هؤلاء الظالمين والجبّارين والمذنبين ، أسوؤها الشراب المتعفّن الكريه ، والعقوبات المختلفة من كلّ طرف ، وفي نفس الوقت عدم الموت ، بل الاستمرار في الحياة وادامة العذاب.
ولكن لا يتصوّر انّ هذا العقاب غير عادل ، لانّه ـ وكما قلنا مرارا ـ النتيجة الطبيعيّة لعمل الإنسان ، بل تجسيم أفعالهم في الآخرة ، فكلّ عمل يجسّم بشكل مناسب ، وإذا ما شاهدنا جنايات بعض المجرمين في عصرنا او في التاريخ القديم لقلنا : حتّى هذه العقوبات قليلة.
* * *
بحوث
1 ـ ماذا يعني مقام الربّ؟
قرانا في الآيات أعلاه انّ النصر على الظالمين واسكان الأرض للذين يخافون مقام ربّهم ، فما هو المقصود من «المقام»؟ هناك عدّة احتمالات :
الف : ـ المقصود هو مقام الربّ عند الحساب ، كما ذكرت بعض الآيات الاخرى( وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ) ،(1) ( وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ) (2) .
باء : ـ المقام بمعنى القيام اي المراقبة ، ومعناه الشخص الذي يخاف من مراقبة الله له ، ويحسّ بالمسؤولية.
ج : ـ والمقام بمعنى «القيام لإجراء العدالة واحقاق الحقّ».
وعلى ايّة حال ، فلا مانع ان تكون الآية الشريفة متضمّنة لكلّ هذه المفاهيم ، فالذين يرون مراقبة الله لهم ، يخافون من حسابه واجراء عدالته ، خوفا بنّاء يجعلهم يحسّون بمسؤولياتهم في كلّ عمل يقومون به ، ويبعدهم عن الظلم والذنوب ، فالغلبة وحكومة الأرض من نصيبهم.
2 ـ هناك جدل بين المفسّرين حول جملة «واستفتحوا» حيث اعتقد البعض بأنّها بمعنى طلب الفتح والنصر ، كما ذكرناه سابقا ، وشاهدهم الآية (19) من سورة الأنفال( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ ) .
وقال بعض آخر : انّها بمعنى القضاء والحكومة ، يعني انّ الأنبياء طلبوا من الله ان يحكم بينهم وبين الكفّار ، وشاهدهم الآية (89) من سورة الأعراف( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ ) .
3 ـ جاء في التأريخ والتّفسير انّ الوليد بن يزيد بن عبد الملك الحاكم الاموي
__________________
(1) النازعات ، 40.
(2) الرحمان ، 46.
الجبّار تفألّ بالقرآن يوما لكي يرى حظّه في المستقبل ، فظهرت قوله تعالى( وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) في بداية الصفحة ، فاستوحش وأخذته العصبية بحيث مزّق القرآن الكريم ثمّ انشد :
اتوعد كلّ جبّار عنيد؟ |
فها انا ذاك جبّار عنيد؟ |
|
إذا ما جئت ربّك يوم حشر |
فقل يا ربّ مزّقني الوليد |
ولكن لم يمض وقت طويل حتّى قتل اسوا قتلة من قبل أعدائه ، وقطعوا رأسه وعلّقوه فوق سطح قصره ، ومن ثمّ نقلوه الى باب المدينة(1) .
* * *
__________________
(1) تفسير القرطبي ، ص 3579.
الآية
( مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (18) )
التّفسير
رماد اشتدّت به الريح :
ضربت هذه الآية مثالا واضحا وبليغا لاعمال الكفّار ، وبذلك تكمل بحث الآيات السابقة في مجال عاقبة أمرهم.
يقول تعالى :( مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ ) فيتناثر الرماد في الريح العاصف بحيث لا يستطيع احد جمعه ، كذلك منكرو الحقّ ليست باستطاعتهم ان يجمعوا ما كسبوا( لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ) .
* * *
بحوث
1 ـ لماذا شبّهت اعمالهم كرماد اشتدّت به الريح؟
الجواب :
1 ـ التشبيه بالرماد (مع إمكان الاستفادة من التراب والغبار في ذلك) لانّه عبارة عن بقايا الاحتراق ، والآية توضّح انّ اعمالهم ظاهرية فقط وليس لها اي محتوى ، فيمكن ان تنمو وردة جميلة في حفنة من التراب ، ولكن لا يمكن ان ينمو في الرماد حتّى العلف الرّديء.
2 ـ ان ذرّات الرماد غير متلاصقة ، وحتّى بمساعدة الماء لا يمكن ترابطها فالذرّات تنفصل عن بعضها البعض بسرعة ، وكأنّ ذلك يشير الى انّ اعمال الكفّار غير منسجمة ولا موحّدة ، على العكس من اعمال المؤمنين حيث نراها منسجمة وموحّدة ومترابطة وكلّ عمل يكمل العمل الآخر ، فروح التوحيد والوحدة لا تقتصر على توحيد الجماعة المؤمنة في ما بينهم بل تنعكس حتّى في اعمال الفرد المسلم.
3 ـ بالرغم من تناثر الرماد في اشتداد الريح ، الّا انّه يؤكّده في يوم عاصف ، لانّ الرياح إذا كانت محدودة وآنيّة فمن الممكن ان ينتقل الرماد من مكان الى مكان ليس بالبعيد ، ولكن إذا كان يوم عاصف فمن البديهي ان يتناثر الرماد بشكل واسع ، وتنتشر ذرّاته ولا يمكن لايّة قدرة جمعها.
4 ـ إذا كانت العاصفة تهبّ على التبن وأوراق الشجر وتنتثرها في أماكن بعيدة الّا انّه يمكن تشخيصها ، ولكن ذرّات الرماد من الصغر بحيث لو انتثرت لا يبقى لها اي اثر وكأنّ ليس لها وجود سابق.
5 ـ انّ الرياح وحتّى العواصف لها فوائد جمّة في الطبيعة بغضّ النظر عن آثارها المدمّرة في بعض الأحيان ، وفوائدها هي :
الف : ـ تقوم بنشر بذور النباتات في كلّ مكان من الكرة الارضيّة ، كالمزارع
والفلاح.
ب : ـ تلقّح الأشجار بنقل حبوب اللقاح من الذكور الى الإناث.
ج : ـ تقوم بتحريك السحاب من المحيطات الى الاراضي اليابسة.
د : ـ تحكّ الجبال العالية وتحوّلها الى تراب ناعم ومفيد.
ه : ـ تنقل الهواء من المناطق القطبية الى المناطق الاستوائية وبالعكس ، حيث تقوم بدور فعّال في تعديل درجات الحرارة.
و: ـ انّ حركة الرياح تثير البحار فتجعلها متلاطمة وموّاجة كي يدخل فيها الهواء ، لانّها إذا ركدت سوف تتعفّن ، وهكذا نجد انّ كلّ ما في الوجود من الأشجار والكائنات الحيّة قد استفاد من هبوب الرياح كلّ على قدره.
ولكن «الرماد» الخفيف الوزن والتافه وعديم الفائدة والذي لا يمكن لاي موجود ان يعيش فيه ، هذا الرماد المتناثر يتلاشى بسرعة حينما تهبّ الريح عليه ، ويزول حتّى ظاهره غير المفيد.
2 ـ لماذا فرغت اعمالهم من المحتوى؟
يجب ان نرى لماذا كانت اعمال الكفّار غير ذات قيمة وغير ثابتة؟ ولماذا لا يستطيع الكفّار الاستفادة من نتائج اعمالهم؟
ويتّضح الجواب على هذا السؤال لو درسنا المسألة من ناحية النظرة التوحيديّة للعالم ، لانّ النيّة والهدف والمنهجية هي التي تعطي للعمل شكله ومضمونه ، فإذا كانت الخطّة والنيّة والغاية سالمة وجديرة بالاهتمام فسوف يكون العمل كذلك ، ولكن لو قمنا بأحسن الأعمال بنيّة غير صادقة وخطّة سقيمة وهدف شيطاني ، فإنّ ذلك العمل يكون ممسوخا ويفقد محتواه ويزول كليّا كالرماد إذا اشتدّت به الريح!
ولا بأس هنا ان نذكر مثالا حيّا لذلك ، نشاهد الآن برامجا تحت عنوان
حقوق الإنسان في العالم الغربي ومن قبل القوى المستكبرة ، هذه البرامج نفسها كانت تجري من قبل الأنبياء ايضا ، ولكن حصيلة الاثنين متفاوتة كما بين الأرض والسّماء. فالقوى الاستكبارية عند ما تنادي بحقوق الإنسان فمن المسلّم انّ اهدافها غير انسانية وغير أخلاقية ، بل التغطية على جرائمهم واستعمارهم بشكل اكثر ، لذلك وعلى سبيل المثال لو اعتقل احد جواسيسهم في مكان ما ، فسوف يملا عويلهم وصراخهم الدنيا بالدفاع ، عن حقوق الإنسان ، ولكن عند ما تلطّخت أيديهم بدماء آلاف الناس في فيتنام ، وارتكبوا الفجائع في الدول الاسلامية ، ونسيت فيه حقوق الإنسان ، بل انّهم استغلّوا حقوق الإنسان لمساعدة الانظمة الجائرة والعميلة!
ولكن الأنبياءعليهمالسلام او أوصياءهم ينادون بحقوق البشر لتحرير الإنسان من القيود والأغلال والظلم ، وعند ما يرون إنسانا مظلوما نراهم يهبون للدفاع عنه بالقول والعمل.
وبهذا النحو يكون الاوّل رماد اشتدّت به الريح ، والثّاني ارض مباركة طيّبة لنمو النباتات والثمار والأوراد.
ويتّضح من هنا ما دار بين المفسّرين من المقصود من العمل في الآية أعلاه ، وهو انّ مراد الآية جميع اعمال الكفّار حتّى اعمالهم الحسنة في الظاهر ، الّا انّها مبطّنة بالشرك والإلحاد.
3 ـ مسألة الإحباط
هناك جدل كبير بين علماء المسلمين في مسألة «حبط الأعمال» فهل معناه ذهاب عمل الخير بسبب عمل الشرّ ، او بسبب الكفر وعدم الايمان ، ولكن الحقّ ما قلناه في ذيل الآية (217) من سورة البقرة ، من انّ الإصرار على الكفر والعناد وايضا بعض الأعمال الاخرى كالحسد والغيبة وقتل النفس لها آثار سيّئة كبيرة
بحيث تذهب بأعمال الخير والحسنات.
والآية أعلاه دليل آخر في إمكان حبط الأعمال(1) .
4 ـ هل للمخترعين والمكتشفين ثواب الهي؟
بالنظر للبحوث الآنفة الذكر يرد سؤال مهمّ ، وهو انّنا من خلال مطالعتنا في تأريخ العلوم والاختراعات والاكتشافات نرى انّ هناك مجموعة من العلماء استطاعوا ان يقدّموا خدمات جليلة للبشرية وتحمّلوا في سبيل خدمة البشرية منتهى الشدّة والصعوبة ليقدّموا اختراعاتهم واكتشافاتهم للناس ، فعلى سبيل المثال مخترع الكهرباء «اديسون» تحمّل الصعاب ويقال فقد حياته في هذا الطريق لكنّه أضاء العالم ، وحرّك المعامل ، وببركة اختراعه وجدت الآبار العميقة حيث اخضّرت الأرض وتغيّرت الدنيا. و «باستور» الذي اكتشف المكروب ، وأنقذ ملايين الناس من الموت المحتوم فهؤلاء وعشرات مثلهم كيف يجعلهم الله في جهنّم لكونهم غير مؤمنين؟ مع انّ هناك افرادا لم يقدّموا ايّة خدمة للانسانية طول حياتهم ، ويدخلون الجنّة!
الجواب : انّ العمل في حدّ ذاته ليس كافيا من وجهة نظر العقيدة الاسلامية ، بل قيمته في النيّة والقوى المحرّكة له ، فكثيرا ما نشاهد من اعمال الخير كبناء مدرسة او مستشفى او اي عمل آخر وهدف صاحبه في الظاهر هو خدمة المجتمع الانساني ، الّا انّه تحت هذا الغطاء شيء آخر وذاك هو حفظ جاهه او ماله او جلب انظار الناس اليه ، وتحكيم منافعه المادية ، او حتّى ستر خيانته بعيدا عن انظار الآخرين!
وعلى العكس ، فمن الممكن ان يعمل شخص عملا صغيرا ، الّا انّه مخلص في نيّته صادق ، والآن يجب ان نحقّق في ملفات هؤلاء الرجال العظام من وجهة
__________________
(1) للاطلاع اكثر راجع تفسير الآية (217) من سورة البقرة من تفسيرنا هذا.
نظر عملهم وكذلك الأسباب والدوافع ، وهي لا تخرج من احد امور :
الف : ـ يكون الهدف من الاختراع أحيانا عملا تخريبيّا (كما في اكتشاف الطاقة النووية حيث كان الهدف الاوّل منها صناعة القنابل النووية) ويمكن الاستفادة منها لخدمة الإنسان ، الّا انّه لم يكن الهدف الاصلي من اختراعها ، فقيمة عمل هذه المجموعة من المخترعين واضح تماما.
ب : ـ وقد يكون هدف المخترع او المكتشف الربح المادّي او الشهرة ، فحكمه ـ في الحقيقة ـ حكم التاجر الذي يقوم بتأسيس الخدمات العامّة لكي يحصل على أرباح اكثر ، ويقوم بتشغيل العمّال وانتاج المحاصيل الزراعية للبلد ، فالهدف من كلّ ذلك هو الحصول على اكبر وارد ممكن ، ولو كان هناك عمل اكثر ربحا لركض وراءه.
بالطبع فإنّ هذه التجارة لو كانت طبقا للموازين الشرعيّة ، فإنّها ليست حراما ، الّا انّها لا تحتسب عملا مقدّسا ومهمّا.
ومثل هؤلاء المخترعين والمكتشفين ليسوا قليلين على طول التاريخ ، فطريقة تفكيرهم ان يقدّموا العمل الأكثر ربحا ـ حتّى لو كان مضرّا بالمجتمع ـ (فمثلا صناعة الادوية لها من الفوائد 20 خ بينما في صناعة الهيروئين 50 خ فهم يرجّحون الثّاني على الاوّل) فحكم هذه المجموعة واضح ايضا ، حيث لم يطلبوا من الله ولا من الناس اي شيء وجزاؤهم الربح والشهرة فقط.
ج : ـ هناك مجموعة ثالثة لا شكّ في انّ دوافعها انسانية ، او الهيّة إذا كانت الجماعة مؤمنة ، وأحيانا يمضون سنين طويلة في زوايا المختبرات بكامل الفاقة والحرمان على امل ان يقدّموا خدمة لبني جنسهم ، او هديّة للعالم ، ليحلّوا أغلال المتعبين ، ويمسحوا التراب من وجوب المعذّبين. فإذا كان هؤلاء الافراد مؤمنين ودوافعهم الهيّة فمصيرهم واضح.
وامّا إذا كانوا غير مؤمنين ودوافعهم انسانيّة ، فسوف يحصلون على الجزاء
المناسب من الله بلا ادنى شكّ ، هذا الجزاء يمكن ان يكون في الدنيا او الآخرة ، فاللهعزوجل عالم وعادل لا يحرمهم من ذلك ، ولكن كيف؟ تفاصيله غير واضحة لنا ، ويمكن ان نقول : (انّ الله لا يضيع اجر هؤلاء المحسنين فيما إذا كانوا غير مقصّرين لعدم ايمانهم).
وليس عندنا اي دليل من انّ الآية( إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) لا تشمل هؤلاء الافراد ، فإطلاق المحسنين في القرآن ليس خاصّا بالمؤمنين فقط ، ولذلك نرى انّ اخوة يوسف لما حضروا عنده وهم لا يعرفوه ويظنّون انّه عزيز مصر قالوا :( إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) .(1)
وكذلك الآية( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) تشمل هؤلاء الافراد.
عن علي بن يقطين عن الامام الكاظمعليهالسلام قال : «كان في بني إسرائيل رجل مؤمن وجاره كافر ، وكان هذا الجار الكافر يحسن الى جاره المؤمن ، فعند ما ارتحل من الدنيا بنى له الله بيتا يمنعه من نار جهنّم. وقيل له : انّ هذا بسبب حسن سيرتك مع جارك المؤمن»(2) .
وعن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «انّ ابن جدعان اقلّ اهل جهنّم عذابا» قالوا : لماذا يا رسول الله؟ قال «انّه كان يطعم الطعام» وعبد الله بن جدعان احد مشركي مكّة المعروفين ومن زعماء قريش(3) .
وعن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعدي بن حاتم الطائي «رفع عن أبيك العذاب الشديد بسخاء نفسه»(4) .
وعن الامام الصادقعليهالسلام قال : «أتى رسول الله وفد من اليمن وكان فيهم رجل
__________________
(1) يوسف ، 90.
(2) البحار ، ج 3 ، مطبعة كمباني ص 377.
(3) المصدر السابق ، ص 382.
(4) البحار ، ج 2 ، ص 607.
أعظمهم كلاما واشدّهم في محاجة النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فغضب النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى التوى عرق الغضب بين عينيه ، وتغيّر وجهه واطرق الى الأرض فأتاه جبرئيل فقال : ربّك يقرئك السّلام ويقول لك : هذا رجل سخي يطعم الطعام ، فسكن عن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الغضب ورفع رأسه وقال : لولا انّ جبرئيل اخبرني عن اللهعزوجل انّك سخي تطعم الطعام ، لشدوت بك وجعلتك حديثا لمن خلفك ، فقال له الرجل : وانّ ربّك ليحبّ السخاء؟ فقال : نعم ، قال : انّي اشهد ان لا اله الّا الله وانّك رسول الله والذي بعثك بالحقّ لا رددت عن مالي أحدا»(1) .
وهنا يأتي هذا السؤال والذي يمكن ان نستفيده من بعض الآيات وكثير من الرّوايات ، وهو : هل انّ الايمان والولاية شرط لقبول الأعمال والدخول الى الجنّة؟ فإذا كان كذلك فإنّ أفضل اعمال الكفّار ليس مقبولا عند الله.
ويمكن ان نجيب على هذا السؤال بأنّ مسألة «قبول الأعمال» شيء ، و «الجزاء المناسب» شيء آخر ، فمثلا المشهور بين علماء المسلمين انّ الصلاة بدون حضور القلب او مع ارتكاب بعض الذنوب كالغيبة غير مقبولة عند الله ، ونحن نعلم انّ مثل هذه الصلوات صحيحة شرعا ، وتحتسب طاعة لاوامر الله وتفرغ بها ذمّة المصلّي والطاعة لا تكون بدون اجر. ولذلك فقبول العمل هو الدرجة العالية للعمل ، ونحن نقول هذا ايضا : إذا كانت الخدمات الانسانية مصاحبة للايمان فلها أعلى المضامين ، ولكن في غير هذه الصورة لا تكون بدون مضمون وجزاء ، وجزاء العمل لا ينحصر بدخول الجنّة. (هذه عصارة الفكرة بما يتناسب وهذا التّفسير ، وتفصيل ذلك في الأبحاث الفقهيّة).
* * *
__________________
(1) البحار ، ج 2.
الآيتان
( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (20) )
التّفسير
الخلق على أساس الحقّ :
بعد ما بحثنا عن الباطل وانّه كالرماد المتناثر إذا اشتدّت به الريح ، نبحث في هذه الآية عن الحقّ واستقراره. يقول الله تعالى مخاطبا النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم باعتباره الاسوة لكلّ دعاة الحقّ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ ) .
«الحقّ» كما يقول الراغب في مفرداته «المطابقة والتنسيق» وله استعمالات اخرى : فتارة يستعمل الحقّ في العمل الصادر وفقا للحكمة والنظام كما في قوله تعالى :( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِ ) .(1)
وتارة يطلق على الشخص الذي قام بهذا العمل المحكم ، كما نطلقها على الله
__________________
(1) يونس ، 5.
عزوجل ( فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُ ) .(1)
وتارة اخرى يطلق على الاعتقاد الذي يطابق الواقع كما في قوله تعالى :( فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِ ) .(2)
ومرّة يقال للقول والعمل الذي يتحقّق في الوقت المناسب كما في قوله تعالى :( حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ ) .(3)
وعلى ايّة الحال فمقابل «الحقّ» الباطل والضلال واللعب وأمثالهما.
لكنّ الآية التي نحن بصددها تشير الى المعنى الاوّل ، وهو إنشاء عالم الخلق. حيث توضّح السّماء والأرض انّ في الهدف من خلقها الحكمة والنظام والحساب. فالله تعالى ليس محتاجا في خلقها ولا ناقصا لكي يسدّ نقصه بها ، بل هو الغني عن كلّ شيء ، وهذا العالم الواسع دار لنمو المخلوقات وتكاملها.
ثمّ يضيف : انّ الدليل في عدم الحاجة إليكم ولا الى ايمانكم هو :( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) .
وهذا العمل ليس صعبا عند الله( وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ ) .
والشاهد على هذا القول في سورة النساء( وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيداً إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً ) .(4) وهذا التّفسير بخصوص الآية أعلاه منقول عن ابن عبّاس.
وهناك احتمال آخر ، وهو انّ الجملة أعلاه تشير الى مسألة المعاد وانّ الله قادرا على ان يفني جميع الناس ويأت بخلق آخر ، فهل تشكّون في مسألة المعاد وبعثكم من جديد؟
* * *
__________________
(1) يونس ، 32.
(2) البقرة ، 213.
(3) السجدة ، 13.
(4) النساء ، 131 الى 133.
الآيات
( وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (21) وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (22) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (23) )
التّفسير
المحادثة الصريحة بين الشيطان واتباعه :
اشارت الآيات السابقة الى العقاب الشديد للمخالفين والمعاندين
والكافرين ، وهذه الآيات تكمل ذاك البحث.
يقول تعالى اوّلا :( وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً ) (1) .
وفي هذه الأثناء يقول الضعفاء الذين تاهوا في وادي الضلالة للمستكبرين الذين كانوا سبب ضلالهم( فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ ) فيجيبونهم بدون توقّف( قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ ) .
ولكن للأسف فالمسألة منتهية( سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ) .
* * *
ملاحظات
1 ـ ما هو المراد من( وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً ) ؟
أوّل سؤال يطرح بخصوص هذه الآية هو : هل أنّ الناس في هذه الدنيا غير ظاهرين في علم الله لكي تقول الآية :( وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً ) ؟
في الجواب على هذا السؤال قال كثير من المفسّرين : انّ المقصود عدم احساس الناس بهذا الظهور والبروز امام الله في هذه الدنيا ، فيكون احساسهم ظاهرا لهم في الآخرة.
وقال بعض ايضا : المقصود هو البروز والظهور من القبور في ساحة العدل الالهي للحساب.
هذان التّفسيران جيدان وليس هناك مانع من ان تجمعا في مفهوم الآية.
__________________
(1) يجب الانتباه الى انّ «برزوا» فعل ماضي ، الّا انّه جاء هنا بصيغة المستقبل ، لانّ المسائل المتعلّقة بالقيامة قطعيّة وغير قابلة للنقاش ، ولذلك وردت في كثير من الآيات بصيغة الماضي.
2 ـ ما هو المقصود من جملة( لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ ) ؟
يعتقد كثير من المفسّرين انّ المقصود الهداية عن طريق النجاة من العقاب الالهي في ذلك العالم ، لانّ هذا الحديث قاله المستكبرون لاتباعهم حينما طلبوا منهم ان يغنوا عنهم قسما من العذاب ، فالسؤال والجواب متناسبان ويوحيان انّ المقصود هو هدايتهم للنجاة من العذاب.
وقد استخدم القرآن هذه الكلمة «الهداية» بخصوص الوصول الى نعم الجنّة ، كما يقول اهل الجنّة :( وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللهُ ) .(1)
وهناك احتمال انّ «قادة الضلالة» حينما يرون أنفسهم امام طلب اتباعهم ، ولكي يتنصّلوا من الذنب ويلقوا باللائمة على الغير ، كما هي طريقة كلّ المستكبرين ـ يقولون بكلّ وقاحة : ماذا نعمل؟ فلو كان الله قد هدانا الى الطريق الصحيح لهديناكم اليه! ومعناه انّنا مجبورون على ذلك وليست لنا ارادة حرّة.
وهذا هو منطق الشيطان بعينه ، او ليس هو القائل( فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) ؟ ولكن يجب ان يعلم المستكبرون انّهم يتحمّلون مسئولية ذنوب اتباعهم شاؤوا ام أبوا ، طبقا لصريح القرآن والرّوايات ، لانّهم المؤسّسون للانحراف والضلال دون ان ينقص اي شيء من عذاب اتباعهم.
3 ـ أوضح بيان في ذمّ التقليد الأعمى
يتّضح لنا من الآية أعلاه ما يلي :
اوّلا : الأشخاص الذين يضعون زمام أمورهم بيد الآخرين هم ضعفاء الشخصيّة ، وقد عبّر عنهم القرآن الكريم ب( الضُّعَفاءُ ) .
ثانيا : انّ مصيرهم ومصير قادتهم واحد ، وهؤلاء البؤساء لا يستطيعون حتّى في احلك الظروف ان يستفيدوا من حماية قادتهم المضلّين ، او ان يخفّفوا عنهم
__________________
(1) الأعراف ، 43.
قليلا من العذاب ، بل يسخرون منهم ويقولون لهم : لا تجزعوا ولا تفزعوا فلا طريق للخلاص والنجاة من العذاب!
ثالثا : «برزوا» في الأصل من مادّة «البروز» اي الظهور او الخروج من الصفّ في مقابل الخصم في ساحة القتال ، وتأتي ايضا بمعنى المقاتلة.
«المحيص» من «المحص» بمعنى التخلّص من العيوب او الألم.
ثمّ يشير القرآن الكريم الى موقف آخر من مواقف القيامة والعقاب النفسي للجبّارين والمذنبين واتباعهم الشياطين ، حيث يقول تعالى :( وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ) وبهذا الترتيب فالشيطان وجميع المستكبرين الذين هم قادة طرق الضلال ، أصبحوا يلومون ويوبّخون تابعيهم البؤساء.
ثمّ يضيف( وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ) ويستمرّ في القول( فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) .
أنتم فعلتم فاللعنة عليكم!!
وعلى كلّ حال فلا انا أستطيع انقاذكم من العذاب ولا أنتم تستطيعون انقاذي :( ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَ ) والآن أعلمكم بأنّي أتبرّأ من شرككم وإطاعتكم لي( إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ) فقد فهمت الآن انّ الشرك في الطاعة ادّى الى شقائي وشقائكم ، وهذه التعاسة ليس لها طريق للنجاة ، واعلموا( إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) .
* * *
بحوث
1 ـ جواب الشيطان الحاسم لاتباعه
مع انّ كلمة «الشيطان»(1) لها مفهوم واسع وتشمل كلّ الطواغيت ووساوس
__________________
(1) للتوضيح اكثر في معنى الشيطان في القرآن راجع تفسير الآية 36 من سورة البقرة من تفسيرنا هذا.
الجنّ والانس ، ولكن في قراءتنا لهذه الآية وما قبلها علمنا انّ المقصود هنا هو شخص إبليس الذي يعتبر رئيسا للشياطين ، ولذلك انتخب جميع المفسّرين هذا التّفسير ايضا.
ونستفيد بشكل اكيد من هذه الآية انّ وساوس الشيطان لا تسلب الإنسان اختياره وحرية ارادته ، بل هي مجرّد دعوة ليس اكثر ، فالناس هم الذين يلبّون دعوته بإرادتهم ، وقد تصل الارضيّة السابقة والدوام على الخلاف بالإنسان الى حالة من سلب الاختيار في مقابل وساوسه ، كما نشاهد بعض المدمنين على المخدرات ، ولكن نعلم انّ السبب الاوّل كان هو الاختيار. يقول تعالى في الآية (100) من سورة النحل :( إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ) .
وعلى هذا فالشيطان يجيب بشكل قاطع على الذين يعتبرونه العامل الاوّل في انحرافهم وضلالهم ، وما يقوله بعض الجهلاء لتبرئتهم من ذنوبهم ، فإنّ السلطان الحقيقي على الإنسان هو ارادته وعمله ولا شيء غيره.
2 ـ كيف استطاع الشيطان ان يلتقي باتّباعه ويلومهم في ذاك الموقف الكبير؟
الجواب : هو انّ الله تعالى يمنحه القدرة على ذلك ، وهذا في الواقع نوع من العقاب النفسي لاتباع الشيطان ، وإنذار لكلّ السائرين في طريقه في هذه الدنيا ، لكي يعلموا من الآن مصيرهم ومصير قادتهم ، وعلى ايّة حال فالله تعالى بطريقة ما يهيئ وسيلة الارتباط بين الشيطان واتباعه.
ومن الطّريف انّ هذه المواجهة غير منحصرة بالشيطان واتباعه ، بل انّ جميع ائمّة الضلالة في هذا العالم لهم نفس البرنامج ايضا ، يأخذون بأيدي اتباعهم (بموافقتهم طبعا) ويذهبون بهم الى أمواج العذاب والبلاء ، وحينما يرون الأوضاع سيّئة يتركونهم وشأنهم حتّى انّهم يلومونهم ويوبّخونهم في خسران
الدنيا والآخرة.
3 ـ «المصرخ» من مادّة «اصراخ» وفي الأصل من مادّة «صرخ» ، وهي بمعنى الاغاثة وطلب المساعدة ، ولذلك فالمصرخ بمعنى المغيث ، والمستصرخ طالب الاستغاثة.
4 ـ القصد من اتّخاذ الكفّار الشيطان شريكا في الآية أعلاه شرك الطاعة وليس شرك العبادة.
5 ـ في انّ جملة( إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) تابعة لحديث الشيطان ام كلام مستقل من الله تعالى ، هناك آراء مختلفة عند المفسّرين ، لكن التّفسير الأقرب هو انّ الجملة مستقلّة ومن كلام الله حيث قالها في نهاية حديث الشيطان مع اتباعه لتكون درسا تربويّا.
وبعد بيان حال الجبّارين والظالمين ومصيرهم المؤلم ، تتطرّق الآية الاخيرة من هذا البحث الى حال المؤمنين وعاقبتهم حيث يقول تعالى :( وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) الى آخر الآية.
«التحيّة» في الأصل «الحياة» وتستعمل لسلامة وحياة الافراد ، وتطلق لكلّ تحيّة وسلام ودعاء في بداية اللقاء.
قال بعض المفسّرين : «التحية» هنا من الله للمؤمنين قرينة على نعمهم وسلامتهم من كلّ أذى ونزاع (لذلك فتحيّتهم اضافة لمفعول ، وفاعله الله).
وقال البعض الآخر : انّ القصد هو تحيّة المؤمنين فيما بينهم ، او تحيّة الملائكة لهم ، وعلى ايّة حال فـ «سلام» التي قيلت بشكل مطلق لها من المفهوم الواسع بحيث يشمل كلّ سلامة من اي نوع من انواع العذاب الروحي والجسمي(1) .
* * *
__________________
(1) بحثنا هذا الموضوع «السّلام والتحيّة» في المجلد الثّاني ، ذيل الآية (86) : من سورة النساء من تفسيرنا هذا.
الآيات
( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (26) يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ (27) )
التّفسير
الشّجرة الطيّبة والشّجرة الخبيثة!
هنا مشهد آخر في تجسيم الحقّ والباطل ، الكفر والايمان ، الطيّب والخبيث ضمن مثال واحد جميل وعميق المعنى يكمل البحوث السابقة في هذا الباب.
يقول تعالى اوّلا :( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ) ثمّ يشير الى خصائص هذه الشجرة الطيّبة في جميع ابعادها ضمن عبارات قصيرة.
ولكن قبل ان نستعرض هذه الخصائص يجب ان نعرف ما المقصود من
«الكلمة الطيّبة»؟
قال بعض المفسّرين : انّها كلمة التوحيد (لا اله الّا الله).
وقال آخرون : انّها تشير الى الأوامر الالهيّة.
وقال البعض الآخر : انّه الايمان الذي محتواه ومفهومه (لا اله الّا الله).
وقال آخرون في تفسيرها : انّها شخص المؤمن.
وأخيرا قال بعضهم : انّها الطريقة والبرامج العمليّة.
ولكن بالنظر الى سعة مفهوم ومحتوى الكلمة الطيّبة نستطيع ان نقول : انّها تشمل جميع هذه الأقوال ، لانّ «الكلمة» في معناها الواسع تشمل جميع الموجودات ، ولهذا السبب يقال للمخلوقات «كلمة الله».
و «الطيّب» كلّ طاهر ونظيف ، فالنتيجة من هذا المثال انّه يشمل كلّ سنّة ودستور وبرنامج وطريقة ، وكلّ عمل ، وكلّ انسان والخلاصة : كلّ موجود طاهر ونظيف وذي بركة ، وجميعها كشجرة طيّبة فيها الخصائص التالية :
1 ـ كائن يمتلك الحركة والنمو ، وليس جامدا ولا خاملا ، بل ثابت وفاعل ومبدع للآخرين ولنفسه (التعبير بـ «الشجرة» بيان لهذه الحقيقة).
2 ـ هذه الشجرة طيّبة ، ولكن من ايّة جهة؟ بما انّه لم يذكر لها قسم خاص بها ، فإنّها طيّبة من كلّ جهة منظرها ، ثمارها ، ازهارها ، ظلالها ، ونسيمها جميعها طيب وطاهر.
3 ـ لهذه الشجرة نظام دقيق ، لها جذور وأغصان ، وكلّ واحد له وظيفته الخاصّة ، فوجود الأصل والفرع فيها دليل على سيادة النظام الدقيق عليها.
4 ـ أصلها ثابت محكم بشكل لا يمكن ان يقلعها الطوفان ولا العواصف.
وباستطاعتها ان تحفظ أغصانها العالية في الفضاء وتحت نور الشمس ، لانّ الغصن كلّما كان عاليا يحتاج الى جذور قوّية( أَصْلُها ثابِتٌ ) .
5 ـ انّ أغصان هذه الشجرة الطيّبة ليست في محيط ضيّق ولا رديء ، بل
مقرّها في عنان السّماء ، وهذه الاغصان والفروع تشقّ الهواء وتصعد فيه عاليا( وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ) .
ومن الواضح انّ الاغصان كلّما كانت عالية وسامقة تكون بعيدة عن التلوّث والغبار وتصبح ثمارها نظيفة ، وتستفيد اكثر من نور الشمس والهواء الطلق ، فتكون ثمارها طيّبة جدّا(1) .
6 ـ هذه الشجرة كثيرة الثمر لا كالأشجار الذابلة العديمة الثمر ، ولذلك فهي كثيرة العطاء( تُؤْتِي أُكُلَها ) .
7 ـ وثمارها ليست فصلية ، بل في كلّ فصل وزمان ، فإذا أردنا ان نمدّ يدنا الى أغصانها في اي وقت لم نرجع خائبين( كُلَّ حِينٍ ) .
8 ـ انّ إنتاجها من الثمار يكون وفق قوانين الخلقة والسنن الالهيّة وليس بدون حساب( بِإِذْنِ رَبِّها ) .
والآن يجب ان نفتّش ، اين نجد هذه الخصائص والبركات؟ نجدها بالتأكيد في كلمة التوحيد ومحتواها ، وفي الإنسان الموحّد ذي المعرفة ، وفي البرامج الحيّة النظيفة ، وجميعها نامية ومتحرّكة ولها اصول ثابتة ومحكمة وفروع كثيرة وعالية بعيدة عن التلوّث بالادران الجسديّة والدنيوية ، وكلّها مثمرة وفيّاضة.
وما من احد يأتي إليها ويمدّ يده الى فروعها الّا ويستفيد من ثمارها اللذيذة العطرة ، وتتحقّق فيه الخصال المذكورة ، فعواصف الاحداث الصعبة والمشاكل الكبيرة لا تزحزحه من مكانه ، ولا يتحدد ، وافق تفكيره في هذه الدنيا الصغيرة ، بل يشقّ حجب الزمان والمكان ويسير نحو المطلق اللامتناهي.
سلوكهم وبرامجهم ليست تابعة للهوى والهوس ، بل طبقا للأوامر الالهيّة
__________________
(1) ويظهر هذا الأمر بشكل واضح في ثمار الأشجار ، فثمار الاغصان العالية تكون انضج وأطيب طعما من ثمار الاغصان الواطئة.
وبإذن ربّهم ، وهذا هو مصدر الحركة والنمو في حركتهم.
الرجال العظام من المؤمنين هم كلمة الله الطيّبة ، وحياتهم اصل البركة ، دعوتهم توجب الحركة ، آثارهم وكلماتهم وأقوالهم وكتبهم وتلاميذهم وتاريخهم وحتّى قبورهم جميعها ملهمة وحيّة ومربّية.
نعم( وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) .
وهناك سؤال مطروح بين المفسّرين وهو : هل لوجود هذه الشجرة وصفاتها واقع خارجي؟
يعتقد البعض بوجودها وهي النخلة ، ولذلك اضطروا الى ان يفسّروا( كُلَّ حِينٍ ) بستّة أشهر.
ولكن لا حاجة الى الإصرار في وجود مثل هذه الشجرة ، بل هناك تشبيهات كثيرة وليس لها وجود خارجي أصلا.
وعلى ايّة حال ، فالهدف من التشبيه هو تجسيم الحقائق والمسائل العقليّة وصبّها في قالب الحواس ، وهذه الأمثال ليس فيها اي إبهام ، بل هي مقبولة ومؤثّرة وجذّابة.
وفي عين الحال هناك أشجارا في هذه الدنيا ثمارها لا تنقطع على طول السنة ، وقد رأينا بعض الأشجار في المناطق الحارّة وكانت مثمرة وفي نفس الوقت لها ازهار جديدة للثمار المقبلة!
وبما انّ احد أفضل الطرق لتوضيح المسائل هو الاستفادة من طريق المقابلة والمقايسة ، فقد جعلت النقطة المقابلة للشجرة الطيّبة ، الشجرة الخبيثة( وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ) .
والكلمة «الخبيثة» هي كلمة الكفر والشرك ، وهي القول السيء والرديء ، وهي البرنامج الضالّ والمنحرف ، والناس الخبثاء ، والخلاصة : هي كلّ خبيث ونجس.
ومن البديهي انّ مثل هذه الشجرة ليس لها اصل ، ولا نمو ولا تكامل ولا ثمار ولا ظلّ ولا ثبات ولا استقرار ، بل هي قطعة خشبيّة لا تصلح الّا للاشتعال بل اكثر من ذلك هي قاطعة للطريق وتزاحم السائرين وأحيانا تؤذي الناس!
ومن الطريف انّ القرآن الكريم فصل الحديث في وصف الشجرة الطيّبة بينما اكتفى في وصف الشجرة الخبيثة بجملة قصيرة واحدة( اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ) ، وهذا نوع من لطافة البيان ان يتابع الإنسان جميع خصوصيات ذكر «المحبوب» بينما يمرّ بسرعة في جملة واحدة بذكر «المبغوض»!
ومرّة اخرى نجد المفسّرين اختلفوا في تفسير الشجرة الخبيثة ، وهل لها واقع خارجي؟
قال البعض : انّها شجرة «الحنظل» والتي لها ثمار مرّة ورديئة.
واعتقد آخرون انّها «الكشوت» وهي نوع من الاعشاب المعقّدة التي تنبت في الصحراء ولها اشواك قصيرة تلتفّ حولها وليس لها جذر ولا أوراق.
وكما قلنا في تفسير الشجرة الطيّبة ، ليس من اللازم ان يكون للشجرة الخبيثة وجود خارجي في جميع صفاتها ، بل الهدف هو تجسيم الوجه الحقيقي لكلمة الشرك والبرامج المنحرفة والناس الخبثاء ، وهؤلاء كالشجرة الخبيثة ليس لها ثمار ولا فائدة الّا المتاعب والمشاكل. مضافا الى انّ الأشجار والنّباتات الخبيثة التي قلعتها الأعاصير ليست قليلة.
وبما انّ الآيات السابقة جسّدت حال الايمان والكفر ، الطيّب والخبيث من خلال مثالين صريحين ، فإنّ الآية الاخيرة تبحث نتيجة عملهم ومصيرهم النهائي ، يقول تعالى :( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ) لانّ ايمانهم لم يكن ايمانا سطحيا وشخصيتهم لم تكن كاذبة ومتلوّنة ، بل كانت شجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السّماء ، وبما انّ ليس هناك من لا يحتاج الى اللطف الالهي ، وبعبارة اخرى : كلّ المواهب تعود لذاته المقدّسة ، فالمؤمنون
المخلصون الثابتون بالاستناد الى اللطف الالهي يستقيمون كالجبال في مقابل ايّة حادثة. والله تعالى يحفظهم من الزلّات التي تعتريهم في حياتهم. ومن الشياطين الذين يوسوسون لهم زخرف الحياة ليزلّوهم عن الطريق.
وكذلك فالله تعالى يثبّتهم امام القوى الجهنّمية للظالمين القساة ، الذين يسعون لاخضاعهم بأنواع التهديد والوعيد.
ومن الطريف انّ هذا الحفظ والتثبّت الإلهيين يستوعبان كلّ حياتهم في هذه الدنيا وفي الآخرة ، فهنا يثبّتون بالايمان ويبرؤون من الذنوب ، وهناك يخلدون في النعيم المقيم.
ثمّ يشير الى النقطة المقابلة لهم( وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ) .
قلنا مرارا : انّ الهداية والضلال التي تنسب الى اللهعزوجل لا تتحقّقان الّا بأن يرفع الإنسان القدم الاوّل لها ، فاللهعزوجل عند ما يسلب المواهب والنعم من العبد او يمنحها له يكون ذلك بسبب استحقاقه او عدم استحقاقه.
ووصف «الظالمين» بعد جملة «يُضِلُّ اللهُ » أفضل قرينة لهذا الموضوع ، يعني ما دام الإنسان غير ملوّث بالظلم لا تسلب الهداية منه ، امّا إذا تلوّث بالظلم وعمّت وجوده الذنوب ، فسوف يخرج من قلبه نور الهداية الالهيّة ، وهذه عين الارادة الحرّة. وبالطبع إذا غيّر مسيره بسرعة فطريق النجاة مفتوح له ، ولكن إذا استحكم الذنب فإنّ طريق العودة يكون صعبا جدّا.
* * *
بحوث
1 ـ هل القصد من الآخرة في الآية هو القبر؟
نقرا في روايات متعدّدة انّ الله يثبت الإنسان على خطّ الايمان عند ما يواجه اسئلة الملائكة في القبر ، وهذا معنى الآية( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ) .
ولقد وردت كلمة «القبر» بصراحة في بعض هذه الرّوايات(1) .
ولكن هناك رواية شريفة عن الامام الصادقعليهالسلام قال : «انّ الشيطان ليأتي الرجل من أوليائنا عند موته عن يمينه وعن شماله ليضلّه عمّا هو عليه ، فيأبى اللهعزوجل له ذلك ، وهو قول اللهعزوجل :( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ) (2) .
واكثر المفسّرين يميلون الى هذا التّفسير ، طبقا لما نقله المفسّر الكبير العلّامة الطبرسي في مجمع البيان ولعلّ ذلك يعود الى انّ الآخرة ليست محلا للأعمال ولا للانحراف ، بل هي محلّ الحصول على النتائج فحسب ولكن عند وقوع الموت وحتّى في البرزخ (الذي هو عالم بين الدنيا والآخرة) قد تحصل بعض الهفوات ، فهنا يكون اللطف الالهي عاملا في حفظ وثبات الإنسان.
2 ـ دور الثبات والاستقامة
من بين جميع الصفات التي ذكرتها الآيات أعلاه للشجرة الطيّبة والخبيثة ، وردت مسألة الثبات وعدم الثبات بشكل اكثر ، وحتّى في بيان ثمار هذه الشجرة يقول تعالى :( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ) وبهذا الترتيب تتّضح لنا اهميّة الثبات ودوره في حياة الإنسان.
فكثير من الأشخاص من ذوي القابليات المتوسطة ، الّا انّهم ينالون انتصارات كبيرة في حياتهم ، ثمّ إذا حقّقنا في الأمر لم نجد دليلا الّا الثبات والاستقامة لديهم.
ومن جهة اجتماعية لا يتحقّق اي تقدّم في البرامج الّا في ظلّ الثبات ، ولهذا السبب نجد المخرّبين يسعون في تدمير الاستقامة ، ولا نعرف المؤمنين الصادقين
__________________
(1) تفسير نور الثقلين ، ج 2 ، صفحة 540 ـ 541.
(2) المصدر السابق.
الّا من خلال استقامتهم وثباتهم في مقابل الحوادث الصعبة.
3 ـ الشجرة الطيّبة والخبيثة في الرّوايات الاسلامية
كما قلنا أعلاه فإنّ كلمة «الطيّبة» و «الخبيثة» التي شبّهت الشجرتان بها ، لها مفهوم واسع بحيث تشمل كلّ شخص وبرنامج ومبدا وفكر وعلم وقول وعمل ، ولكن وردت في بعض الرّوايات في موارد خاصّة ولكن لا تنحصر بها.
ومن جملتها ما ورد في الكافي عن الامام الصادقعليهالسلام في تفسير الآية( كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ) قال : «رسول الله أصلها وامير المؤمنين فرعها ، والائمّة من ذرّيتهما أغصانها ، وعلم الائمّة ثمرها ، وشيعتهم المؤمنون ورقها ، هل فيها فضل؟» (اي هل يبقى شيء) قال قلت : لا والله ، قال : «والله انّ المؤمن ليولد فتورق ورقة فيها ، وانّ المؤمن ليموت فتسقط ورقة منها»(1) .
وعنه ايضاعليهالسلام حينما سأله سائل عن معنى الآية( تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ) قال : «ذاك علم الائمّة يأتيكم كلّ عام من كلّ المناطق»(2) .
وفي رواية اخرى : «الشجرة الطيّبة رسول الله وعلي وفاطمة وبنوها ، والشجرة الخبيثة بنو اميّة»(3) .
وفي بعضها الآخر فسّرت الشجرة الطيّبة بالنخل والخبيثة بالحنظلة.
وعلى ايّة حال ليس هناك من تضادّ بين هذه التفاسير ، بل بينها وبين ما قلناه أعلاه ترابط وتنسبق ، لانّها مصاديقها.
* * *
__________________
(1) نور الثقلين ، ج 2 ، ص 535.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق.
الآيات
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (29) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30) )
التّفسير
نهاية كفران النعم :
الخطاب في هذه الآيات موجّه للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو في الحقيقة عرض لواحد من موارد «الشجرة الخبيثة».
يقول تعالى اوّلا :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا ) الى نهاية الآية. هؤلاء هم جذور الشّجرة الخبيثة وقادة الكفر والانحراف ، لديهم أفضل نعمة وهو رسول الله ، وباستطاعتهم ان يستفيدوا منه في الطريق الى السعادة ، الّا انّ تعصّبهم الأعمى وعنادهم وحقدهم صارت سببا في تركهم هذه النعمة الكبيرة ، ولم يقتصروا على تركها فحسب. بل اضلّوا قومهم ايضا ممّا جعلهم يسلكون هذا السلوك.
مع انّ بعض المفسّرين الكبار عند متابعتهم للروايات الاسلامية فسّروا ـ
أحيانا ـ هذه النعمة بوجود النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأحيانا أخرى بالأئمةعليهمالسلام ، وفسّروا الكافرين بهذه النعمة «بني اميّة» و «بني المغيرة» مرّة ، ومرّة اخرى جميع الكفّار الذين عاصروا عهد النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولكن من المسلّم به انّ للآية مفهوما أوسع من هذا ، وليس مختصّا بمجموعة معيّنة ، بل تشمل جميع الافراد الذين يكفرون بالنعم الالهيّة.
وتثبّت الآية ضمنا هذه الحقيقة ، وهي انّ الاستفادة من وجود القادة العظام تعود لنفس الإنسان ، كما انّ الكفر بهذه النعمة العظيمة يؤدّي الى الهلاك والبوار.
ثمّ انّ القرآن الكريم يفسّر دار البوار بقوله تعالى :( جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ ) (1) .
ثمّ يشير في الآية الاخرى الى واحدة من أسوإ انواع كفران النعم( وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ) لكي يستفيدوا عدّة ايّام من حياتهم الماديّة ومن رئاستهم وحكومتهم في ظلّ الشرك والكفر لإضلال الناس عن طريق الحقّ.
ايّها النّبي( قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) .
فحياتكم هذه شقاء ورئاستكم فاسدة ، ومع ذلك فانّها تعدّ حياة لذيذة وسعيدة بالنسبة للنهاية التي تنتظرهم ، كما نقرا في آية اخرى( قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ ) .(2) .
* * *
بحوث
1 ـ يقال في العبارات الدارجة : انّ الشخص الفلاني كفر بنعمة الله ، ولكن الآية أعلاه تقول :( الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً ) انّ هذا التعبير الخاص يدلّ على
__________________
(1) «يصلون» من «الصلي» بمعنى الاشتعال والاحتراق بالنار.
(2) الزمر ، 8.
احد أمرين :
الف : المراد من تبديل «النعمة» الى «كفران» هو عدم شكرهم لهذه النعم ، فبدّلوا الشكر بالكفران (في الحقيقة كلمة الشكر مقدّرة ، ففي التقدير : الذين بدّلوا شكر نعمة الله كفرا).
ب : ـ انّ المقصود هو تبديلهم نفس «النعمة» «كفرا» ، وفي الحقيقة فإنّ النعم الالهيّة وسائل ، وطريقة استعمالها مرتبطة بإرادة الإنسان ، فمثلما يمكن ان نستفيد منها في طريق السعادة والايمان والعمل الصالح ، يمكن ان نستعملها كذلك في مسير الكفر والظلم والفساد ، فهي كالمواد الاوّلية التي يمكن بمساعدتها الحصول على انواع مختلفة من الانتاج ، الّا انّها خلقت في الأصل للخير والسعادة.
2 ـ ليس «كفران النعم» عدم الشكر اللساني فقط ، بل كلّ استفادة غير صحيحة ومنحرفة للنعم ، تلك هي حقيقة الكفران ، وامّا عدم الشكر باللسان ففي الدرجة الثانية ، وكما قلنا سابقا فإنّ شكر النعمة تعني صرفها في الهدف الذي خلقت من اجله ، والشكر عليها باللسان يأتي في الدرجة الثانية ، فإذا قلنا آلاف المرّات : الحمد لله ، ولكنّنا اسأنا عمليّا الاستفادة من النعم ، فذلك كفران للنعم.
وفي عصرنا الحاضر أفضل نموذج لتبديل النعم بالكفران هو استخدام الإنسان لمواهب الطبيعة بفكره ومهارته التي منحها الله للإنسان لخدمة منافعه الخاصّة. فالاكتشافات العلميّة والخبرات الصناعية غيّرت وجه العالم ورفعت عن كاهل الإنسان عبئا ثقيلا ووضعته على عجلات المعامل. فالمواهب والنعم الالهيّة اكثر من اي زمن آخر ، ووسائل نشر المعارف وانتشار العلوم ومعرفة جميع اخبار العالم متوفّرة في ايدي الجميع ، فيجب على الناس في هذا العصر ان يكونوا سعداء من الناحية الماديّة والمعنوية.
ولكن بسبب تبديل النعم الالهيّة الكبيرة الى كفران ، وصرف القوى الطبيعيّة
في طريق الظلم والطغيان واستخدام الاختراعات والاكتشافات في طريق الاهداف المخربة بحيث انّ كلّ تطور صناعي يستخدم اوّلا في عمليات التدمير.
وخلاصة القول : انّ عدم الشكر هذا والذي هو بعيد عن التعاليم الصالحة للأنبياء ادّى الى ان يجرّوا قومهم ومجتمعهم الى دار البوار.
ودار البوار هذه هي مجموعة من الحروب الاقليميّة والعالميّة بكلّ آثارها التخريبيّة ، وكذلك عدم الأمن والظلم والفساد والاستعمار حيث يبتلي بها في النهاية المؤسّسون لها ايضا ، كما رأينا في السابق ونراه اليوم.
وما الطف تصوير القرآن حيث جعل مصير كلّ الأقوام والأمم التي كفرت بأنعم الله الى دار البوار.
3 ـ «أنداد» جمع «ندّ» بمعنى «المثل» ولكن الراغب في مفرداته والزبيدي في تاج العروس قالا : انّ «الندّ» يقال للشيء الذي يشابه الشيء الآخر جوهريا ، و «المثل» يطلق على كلّ شيء شبيه لشيء ، ولذلك فالندّ له معنى اعمق وادقّ من المثل.
وطبقا لهذا المعنى نستفيد من الآية أعلاه انّ ائمّة الكفر كانوا يسعون لان يجعلوا لله شركاء ويشبهوهم في جوهر ذاتهم باللهعزوجل ، لكي يضلّوا الناس عن عبادة الله ويحصلوا على مقاصدهم الشريرة.
فتارة يقرّبون لهؤلاء الشركاء القرابين ، واخرى يجعلون قسما من النعم الالهيّة (كبعض الانعام) مخصوصة للأصنام ، ويعتقدون أحيانا بعبادتها. واوقح من ذلك كلّه كانوا يقولون أثناء حجّهم في عصر الجاهلية : (لبّيك لا شريك لك ـ الا شريك هو لك ـ تملكه وما ملك)(1) .
* * *
__________________
(1) تفسير الفخر الرازي ذيل الآية أعلاه.
الآيات
( قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (31) اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (33) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) )
التّفسير
عظمة الإنسان من وجهة نظر القرآن :
تعقيبا للآيات السابقة في الحديث عن برنامج المشركين والذين كفروا بأنعم الله وكون مصيرهم الى دار البوار ، تتحدّث هذه الآيات عن برنامج عباد الله المخلصين والنعم النازلة عليهم ، يقول تعالى :( قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا
الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً ) قبل ان يأتي ذلك اليوم الذي لا يستطيع فيه الإنسان من التخلّص من العذاب بشراء السعادة والنعيم الخالد ، ولا تنفع الصداقة حينئذ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ ) .
ثمّ تتطرّق الآية الى معرفة الله عن طريق نعمه ، معرفة تؤدّي الى احياء ذكره في القلوب ، وتحثّ الإنسان على تعظيمه في مقابل لطفه وقدرته ، لانّ من الأمور الفطرية ان يشعر الإنسان في قلبه بالحبّ والودّ لمن أعانه واحسن اليه.
ويبيّن هذا الموضوع من خلال عدّة آيات( اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ ) .
ثمّ انّه( وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ ) سواء من جهة موادّها الاوّلية المتوفّرة في الطبيعة ، او من جهة القوّة المحرّكة لها وهي الرياح التي تهب على البحار والمحيطات بصورة منتظمة لتسيير هذه السفن فتنقل الإنسان وما يحتاج اليه من منطقة الى اخرى بيسر وسهولة :( لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ) .
( وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ ) كي تسقوا من مائها زروعكم ، وتشربوا أنتم وانعامكم ، وفي كثير من الأحيان تكون طريقا للسفن والقوارب ، وتستفيدون منها في صيد الأسماك.
وليست موجودات الأرض ـ فقط ـ مسخّرة لكم ، بل( وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ ) (1) .
وليست مخلوقات العالم بذاتها فقط ، بل حتّى الحالات العرضية لها هي في خدمتكم :( وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ ) من احتياجاتكم البدنيّة والاجتماعية وجميع وسائل السعادة والرفاه( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها ) لانّ النعم المادية والمعنوية للخالق شملت جميع وجودكم
__________________
(1) «دائبين» من مادّة «الدؤوب» بمعنى ادامة العمل طبقا للسنّة الثابتة ، وبما انّ الشمس والقمر مستمرّان بشكل ثابت من ملايين السنين ، وما لها من فوائد عظيمة للكائنات ، لا نجد هناك عبارة لهما أفضل من دائبين.
وهي غير قابلة للاحصاء ، وعلاوة على ذلك فإنّ ما تعلمونه من النعم بالنسبة لما تجهلونه كقطرة في مقابل البحر.
وعلى الرغم من كلّ هذه الألطاف والنعم ف( إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) .
فلو كان الإنسان يستفيد من هذه النعم بشكلها الصحيح لاستطاع ان يجعل الدنيا حديقة غنّاء ولنفّذ مشروع المدينة الفاضلة ، ولكن بسبب عدم الاستفادة الصحيحة لها أصبحت حياته مظلمة ، واهدافه غير سامية ، فتراكمت عليه المشاكل والصعاب وقيّدته بالسلاسل والأغلال.
* * *
بحوث
1 ـ الصلة بالخالق والصلة بالخلق
نواجه في هذه الآيات مرّة اخرى وفي تنظيم برنامج المؤمنين الصادقين مسألة «الصلاة» و «الإنفاق» ، وفي البداية قد يطرح هذا السؤال ، وهو : كيف أشار القرآن الكريم لهاتين المسألتين من بين جميع البرامج العمليّة للإسلام؟ العلّة في ذلك انّ للإسلام ابعاد مختلفة يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط : علاقة الإنسان بربّه ، وعلاقته بخلق الله ، وعلاقته بنفسه ، وهذا القسم الأخير في الحقيقة نتيجة للقسم الاوّل والثاني ، فالصلاة والإنفاق كلّ واحدة منهما رمز للعلاقة الاولى والثانية.
والصلاة مظهر لصلة الإنسان بربّه وهذه الصلة تظهر في الصلاة بشكل أوضح من اي عمل آخر ، والإنفاق رمز للصلة بين المخلوقين ، فالرزق في مفهومه الواسع يشمل كلّ نعمة مادية ومعنوية.
وبالنظر الى انّ هذه السورة مكّية ، وأثناء نزولها لم يكن حكم الزكاة نازلا بعد ، لا نستطيع القول : انّ هذا الإنفاق مرتبط بالزكاة ، بل له معنى واسع بحيث
يشمل حتّى الزكاة بعد نزولها.
وعلى ايّة حال إذا تأصّل الايمان فسوف يتجلّى بالعمل فيقرب الإنسان الى ربّه من جانب ، الى عباده من جانب آخر.
2 ـ لماذا السرّ والعلانية؟
نقرا مرارا في آيات القرآن انّ المؤمنين ينفقون او يتصدّقون في السرّ والعلانية ، وبهذا الترتيب فإنّه تعالى مع ذكره للإنفاق يذكر كيفيّة الإنفاق ، لانّه يكون مرّة في السرّ اكثر تأثيرا وكرامة ، ويكون مرّة اخرى في الجهر سببا في تشجيع الآخرين واقتدائهم في اقامة الشعائر الدينيّة.
ولو قامت حرب بين دولة اسلامية واخرى كافرة لرأينا الناس المؤمنين يحملون كلّ يوم مقادير كبيرة من التبرعات الى المناطق المنكوبة لمساعدة المتضرّرين بالحرب ، او الجرحى والمعوّقين او المقاتلين ، ومن المعلوم انّ نشر اخبار هذه التبرّعات مفيد جدّا ولتكون دليلا على مواساتهم ، ودعمهم لمقاتليهم ، وإحياء لروح الانسانيّة في عامّة الناس ، وتشجيعا للذين تخلّفوا عن هذه القافلة لكي يوصلوا أنفسهم بها ، ومن البديهي انّ الإنفاق هنا في العلانية اكثر تأثيرا.
ويقول بعض المفسّرين : انّ الفرق بين الانفاقين هو انّ الإنفاق العلني مرتبط بالواجبات ، فلا يخشى عليه من الرياء ، لان العمل بالواجبات لازم للجميع ولا داعي لاخفائه ، وامّا الإنفاق المستحبّ ـ ولانّه زائد عن الوظيفة الواجبة ـ فمن الممكن ان تتخلّله حالة من التظاهر والرياء ولذلك كان إخفاؤه أفضل.
ولكن الظاهر انّ هذا التّفسير ليس أصلا كلّيا على حدة. بل هو فرع من التّفسير الاوّل.
3 ـ يوم لا بيع فيه ولا خلال
من المعلوم انّ يوم القيامة هو يوم استلام النتائج ومتابعة جزاء الأعمال ، وبهذا الترتيب لا يستطيع احد هناك ان ينجو من العذاب بفدية ، حتّى لو افترضنا انّه ينفق جميع ما في الأرض فإنّه لا يمكن ان يمحو ذرّة من جزاء اعماله ، لانّ صحيفته في «دار العمل» اي الدنيا مليئة بالاخطاء والذنوب وهناك «دار الحساب».
وكذلك لا تستطيع العلاقة المادية للصداقة مع اي شخص كان ان تنجيه من العذاب ، وبعبارة اخرى : انّ الإنسان غالبا ما يلجأ الى المال او الواسطة (الرشوة ، العلاقات) في نجاته من المصاعب في هذه الدنيا ، فإذا كان تصوّرهم انّ الآخرة كذلك فهذا دليل وهمّهم وجهلهم.
ومن هنا يتّضح انّ نفي وجود الخلّة والصداقة في هذه الآية لا يتنافى مع صداقة المؤمنين بعضهم لبعض في الآخرة والتي اشارت إليها بعض الآيات ، لانّها صداقة مودّة معنوية في ظلّ الايمان.
وامّا مسألة «الشفاعة» فقد قلنا كرارا انّها تخلو من اي مفهوم مادّي ، بل بالنظر الى ما صرّحت به بعض الآيات فإنّها في ظلّ العلاقات المعنوية وصلاحية البعض بسبب اعمال الخير (وقد شرحنا هذا الموضوع في ذيل الآية 254 من سورة البقرة).
4 ـ كلّ الموجودات تحت امرة الإنسان!
نواجه في هذه الآيات مرّة اخرى تسخير مختلف الموجودات في الأرض والسّماء للإنسان ، وقد قسمت الى ستّة اقسام : تسخير الفلك ، والأنهار ، والشمس ، والقمر ، والليل ، والنهار. ونرى انّ قسما من هذه المسخّرات من السّماء ، وقسما آخر من الأرض ، وقسما ثالثا من الظواهر بين الاثنين (الليل
والنهار).
وقلنا سابقا ، ونكرّر هنا للتذكرة : انّ الإنسان من وجهة نظر القرآن له من العظمة بحيث سخّر الله له جميع ما في الوجود ، امّا ان يكون زمام أمورها بيده او تتحرّك ضمن منافعه ، وعلى ايّة حال فهذه العظمة جعلته من اشرف الموجودات.
«فالشمس» : تسطع له بالنّور ، وتعطيه الحرارة ، وتساعد على نمو النباتات له ، وتطهّر محيطه من الأمراض ، وتخلق له البهجة والسرور ، وتعلّمه الحياة.
وامّا «القمر» : فمصباح في ليله المظلم ، ومفكرة طبيعيّة دائمة ، ومن آثاره تتكوّن ظاهرة الجزر والمدّ لتحلّ كثيرا من مشاكله ، فتسقي الأشجار (بسبب ارتفاع منسوب المياه في الأنهار المجاورة للبحار) وتتحرّك مياه البحار الراكدة كي لا تتعفّن ، وليدخل الاوكسجين فيها بسبب الأمواج ليكون تحت تصرّف الكائنات الحيّة.
«الرياح» : تؤدّي الى حركة السفن في المحيطات حيث تشكّل اكبر واسطة نقل وفي أوسع طريق للإنسان ، بحيث تستطيع ـ أحيانا ـ ان تدفع سفينة بحجم مدينة صغيرة بكامل افرادها وتنقلها في المحيطات.
«الأنهار» : تجري في خدمة الإنسان ، تسقي زرعه ، وتروي مواشيه ، وتجعل محيطة ذا طراوة ، وتربّي له الأسماك لتغذيته.
«ظلام الليل» : حيث هو سكن للإنسان ، ويمنحه الطمأنينة والراحة ، ويخفّف من حرارة الجو الملتهبة في النهار.
وأخيرا «ضياء النهار» : يدعوه الى الحركة والسعي ، ويخلق له الدفء والحرارة.
والخلاصة : انّ كلّ ما على الأرض وحولها لنفع الإنسان ، وبيان هذه النعم وشرحها يمنح الإنسان شخصية جديدة ، وتفهمه عظمة مقامه وتبعث فيه الاحساس بالشكر اكثر.
ونستفيد ايضا من هذا البيان انّ للتسخير في لغة القرآن معنيان :
الاوّل : التسخير لخدمة الإنسان وتحقيق منافعه ومصالحه (كتسخير الشمس والقمر).
والثّاني : التسخير الذي يكون زمام أموره بيد الإنسان (كتسخير الفلك والبحار).
وامّا ما اعتقده البعض من انّ هذه الآيات اشارة الى تسخير الإنسان للقمر وغيره في عصرنا الحاضر فإنّنا لا نراه صحيحا ، لانّ هناك بعض الآيات تقول :( وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ) (1) ، فلا يستطيع الإنسان ان يصل الى جميع الكرات السّماوية بتاتا.
نعم هناك بعض الآيات قد تشير الى هذا النوع من التسخير ، وسوف نبحث هذا الموضوع بإذن الله في تفسير سورة الرحمن (وسبق لنا بحث في تسخير الموجودات للإنسان في ذيل الآية (2) من سورة الرعد).
5 ـ دائبين
قلنا انّ «دائب» من مادّة «الدؤوب» بمعنى استمرار العمل طبقا للعادة والسنّة ، فالشمس لا تدور حول الأرض ، بل الأرض تدور حول الشمس ، ونحن نظنّ انّ الشمس تدور حولنا ، وهذه الحركة ليست المقصودة في معنى «دائب» بل الاستمرار في انجاز العمل يدخل في مفهوم الدؤوب ، ونحن نعلم انّ الشمس والقمر لهما برنامج في انبعاث النّور وما يتبعه من توقّف الحياة على الأرض عليه بشكل مستمر وفي غاية من الدقّة (وهناك حركات اخرى للشمس كما يقوله العلماء ، منها الحركة حول نفسها ، وحركتها مع المجموعة الشمسية).
__________________
(1) الجاثية ، 13.
6 ـ هل يعطينا الله كلّ ما نطلب منه؟
قرانا في الآيات أعلاه انّ اللهعزوجل لطف بكم وأعطاكم من كلّ ما سألتموه («من» في الآية تبعيضيّة) وذلك بسبب انّ كثيرا ممّا يطلبه الإنسان من ربّه قد يعود عليه بالضرر والهلاك ، ولكنّ الله حكيم وعالم ورحيم فلا يستجيب لمثل هذه الطلبات ، وفي المقابل نرى في اكثر الأحيان انّ الإنسان لا يطلب شيئا بلسانه ، ولكن يتمنّاه بفطرته ووجدانه فيستجيب الله له ، وليس هناك مانع من ان يكون السؤال في جملة( ما سَأَلْتُمُوهُ ) شاملا للسؤال باللسان والسؤال بالفطرة والوجدان.
7 ـ لماذا لا تحصى نعماؤه؟
نعم الله ـ في الحقيقة ـ تعمّ كلّ وجودنا ، وإذا ما طالعنا الكتب المختلفة في العلوم الطبيعيّة والانسانيّة والنفسيّة وأمثالها فسوف نرى الى اي مدى تتّسع أطراف هذه النعم ، وفي الحقيقة انّ لكلّ نفس يتنفّسه الإنسان نعمتان ، ولكلّ نعمة شكر واجب.
واكثر من ذلك فنحن نعلم بأنّ متوسّط عدد الخلايا الحيّة في جسم الإنسان نحو العشرة ملايين ميليارد ، وكلّ مجموعة تشكّل قسما فعّالا في الجسم ، وهذا العدد كبير جدّا بحيث لو أردنا إحصاءه نحتاج الى مئات السنين!
فهذا قسم من نعمه علينا ، ولذلك ـ حقّا ـ لا نستطيع عدّ نعمه ،( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها ) .
ويوجد في دم الإنسان مجموعتان من الكريّات (وهي خلايا صغيرة سابحة في الدم ولها وظائف حياتية مهمّة) ملايين من «الكريّات الحمراء» وظيفتها إيصال الاوكسجين لأجل الاحتراق وصنع خلايا الجسم ، وملايين من «الكريات البيض» وظيفتها حفظ سلامة الإنسان مقابل هجوم المكروبات ، والعجيب انّ
هذه الكريات في حالة حركة مستمرّة لخدمة الإنسان.
فهل نستطيع في هذه الأحوال ان نحصي نعمه تعالى غير المتناهية؟!
8 ـ أسفا انّ الإنسان ظلوم وكفّار
توصّلنا في البحوث السابقة الى هذه الحقيقة ، وهي انّ الله سخّر للإنسان جميع الموجودات ، وهيّأ له كلّ هذه النعم بحيث سدّ جميع احتياجاته ، ولكن الإنسان بسبب ابتعاده عن نور الايمان والتربية ، نراه يخطو في طريق الظلم والطغيان ويكفر بالنعم.
ويسعى المحتكرون في احتكار النعم الالهيّة الواسعة والسيطرة على منابعها الحياتية ، مع انّهم لا يستهلكون الّا الشيء القليل ويحرمون الآخرين منها ، ويظهر هذا الظلم بأشكال مختلفة من السيطرة على الشعوب الضعيفة واستعمارها والتجاوز على حقوق الآخرين ، فيعرّض الإنسان حياته الهادئة الى الهلاك ، يخلق الحروب ، ويسفك الدماء ، ويقضي على الأموال والأنفس.
وفي الحقيقة فإنّ القرآن الكريم يناديه : ايّها الإنسان ، كلّ شيء بالقدر الكافي تحت تصرّفك ، بشرط ان لا تكون ظلوما كفّارا ، عليك ان تقنع بحقّك ولا تتجاوز على حقوق الآخرين.
* * *
الآيات
( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (41) )
التّفسير
دعاء ابراهيمعليهالسلام :
لمّا كان الحديث في الآيات السابقة عن المؤمنين الصادقين والشاكرين لأنعم الله ، عقّبت هذه الآيات في بحث بعض ادعية وطلبات العبد المجاهد والشاكر لله ابراهيمعليهالسلام ليكون هذا البحث تكملة للبحث السابق ونموذجا حيّا للذين يريدون ان يستفيدوا من النعم الالهيّة أفضل استفادة.
يقول تعالى :( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ) لانّهعليهالسلام كان يعلم حجم البلاء الكبير الكامن في عبادة الأصنام ، ويعلم كثرة الذين ذهبوا ضحيّة في هذا الطريق( رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ ) فأيّ ضلال اكبر من هذا الضلال الذي يفقد الإنسان فيه حتّى عقله وحكمته.
الهي انّني ادعو الى توحيدك ، وادعو الجميع الى عبادتك( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
في الحقيقة انّ ابراهيمعليهالسلام أراد بهذه العبارة ان يقول لله تعالى : انّه حتّى لو انحرف ابنائي عن مسيرة التوحيد واتّجهوا الى عبادة الأصنام فإنّهم ليسوا منّي ، ولو كان غيرهم في مسيرة التوحيد فهم ابنائي وإخواني.
انّ تعبير ابراهيم المؤدّب والعطوف جدير بالملاحظة ، فهو لم يقل : ومن عصاني فإنّه ليس منّي وسأعاقبه عقابا شديدا ، بل يقول :( وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
ثمّ يستمر بدعائه ومناجاته( رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ) .
وكان ذلك عند ما رزقه الله إسماعيل من جاريته «هاجر» فأثار ذلك حسد زوجته الاولى «سارة» ولم تستطع تحمّل وجود هاجر وابنها ، فطلبت من
ابراهيم ان يذهب بهما الى مكان آخر ، فاستجاب لها ابراهيم طبقا للأوامر الالهيّة ، وجاء بإسماعيل وامّه الى صحراء مكّة القاحلة ، ثمّ ودّعهم وذهب.
ولم يمض قليل من الوقت حتّى عطشت الامّ وابنها في تلك الشمس المحرقة ، وسعت هاجر كثيرا في انقاذ ابنها ، ولكنّ الله تعالى أراد ان تكون تلك الأرض قاعدة عظيمة للعبادة فأظهر عين زمزم ، ولم يمض وقت حتّى علمت قبيلة «جرهم» البدوية التي كانت قريبة منهم بالأمر ، فرحلوا وأقاموا عندهم ، فأخذت مكّة بالتحضّر شيئا فشيئا.
ثمّ يتابع ابراهيمعليهالسلام دعاءه : الهي ، انّ اهلي قد سكنوا في هذه الصحراء المحرقة احتراما لبيتك المحرّم :( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) .
ومن هنا لمّا كان الإنسان الموحّد والعارف يعلم بمحدودية علمه في مقابل علم الله ، وانّه يعلم مصلحته الّا الله تعالى ، فما اكثر ما يطلب شيئا من الله وليس فيه صلاحه ، او لا يطلبه وفيه صلاحه ، وأحيانا لا يستطيع ان يقوله بلسانه فيضمره في اعماق قلبه ، ولذلك يعقّب على ما مضى من دعائه ويقول :( رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ) .
فان كنت مغتمّا لفراق ابني وزوجتي فأنت تعلم بذلك وترى دموع عيني المنهملة. وان كان قلبي قد ملأه همّ الفراق ، وامتزج بفرح العمل بالتكليف والطاعة لاوامرك فأنت اعلم بذلك وعند ما فارقت زوجتي وقالت لي : «الى من تكلني» فأنت أدرى بها وبمستقبلها ومستقبل هذه الأرض.
ثمّ يشير القرآن الى شكر ابراهيمعليهالسلام لنعمه تعالى والتي هي من اهمّ ما امتاز بهعليهالسلام شكره على منحه ولدين بارّين إسماعيل وإسحاق وذلك في سنّ
الشيخوخة( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ) (1) نعم( إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ) .
ثمّ يستمرّ بدعائه ومناجاته ايضا فيقول :( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ ) .
ثمّ يختم دعاءه هنا فيقول :( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ) .
* * *
بحوث
1 ـ هل كانت مكّة في ذلك الوقت مدينة؟
رأينا في الآيات السابقة انّ ابراهيم قال :( رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) وهذه اشارة الى اوّل دخوله ارض مكّة والتي كانت غير مزروعة ولا معمورة ولا ساكن فيها سوى اسّس بيت الله الحرام ، ومجموعة من الجبال الجرداء.
ولكنّنا نعلم انّها لم تكن رحلته الوحيدة الى مكّة ، بل وطأت قدمه عدّة مرّات تلك الأرض ، وفي الوقت نفسه كانت مكّة تأخذ طابع المدينة ، وسكنتها قبيلة «جرهم» وبظهور عين زمزم أصبحت صالحة للسكن.
والمعتقد انّ ادعية ابراهيم هذه كانت في احدى رحلاته ، ولذلك عبّر عنها بالبلد ، اي المدينة فقال :( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً ) .
وامّا قوله :( بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) فقد تكون اشارة الى رحلته الاولى او اشارة
__________________
(1) هناك اختلاف بين المفسّرين في سنّ ابراهيم عند ولادة إسماعيل وإسحاق ، فمنهم من قال : كان عمره عند ولادة إسماعيل 99 عاما وعند ولادة إسحاق 112 عام ، ومنهم من يقول اكثر من ذلك واقل ، ولكن القدر المسلّم به انّ عمره كان في سن يصعب ان يولد منه الأبناء.
الى ارض مكّة بعد ان أخذت طابع المدينة ، فإنّها لا زالت غير صالحة للزراعة ، لانّها من الناحية الجغرافية تقع بين جبال يابسة وقليلة المياه.
2 ـ أمان ارض مكّة
من الطريف انّ اوّل ما سأل ابراهيم من ربّه في هذه الأرض هو الامان ، وهذا يوضّح انّ نعمة الأمن هي من الشروط الاولى لحياة الإنسان وسكنه في منطقة ما ، فالمكان غير الآمن لا يمكن السكن فيه ، حتّى لو اجتمعت كلّ النعم الدنيويّة فيه ، وفي الحقيقة اي مدينة او بلد فاقد لنعمة الأمن سوف يفقد جميع النعم!
ولا بدّ هنا من الالتفات الى هذه النقطة ، وهي انّ استجابة الله لدعاء ابراهيم بخصوص امن مكّة له جهتان : فمن جهة منحها امنا تكوينيّا ، ولذلك لم تشهد في تاريخها الّا النزر القليل من إخلال الأمن ، ومن جهة ثانية منحها الأمن التشريعي ، اي انّ الله اقرّ ان يأمن جميع الناس ـ وحتّى الحيوانات ـ في هذه الأرض. ومنع صيد الحيوانات ، وعدم متابعة المجرمين الذين يلجأون الى حرم الكعبة ، ونستطيع ـ فقط ـ ان نمنع عليهم الغذاء لكي يخرجوا ، ومن ثمّ تطبيق العدالة في حقّهم.
3 ـ دعاء ابراهيم لاجتناب عبادة الأصنام؟
ممّا لا شكّ فيه انّ ابراهيمعليهالسلام كان نبيّا معصوما ، وكذلك ابناه إسماعيل وإسحاق كانا نبيّين معصومين ، لانّهما داخلان في كلمة «بنيّ» في الآية قطعا ، ومع ذلك يدعو الله ان يجنّبهم عبادة الأصنام!
وهذا دليل في التأكيد على محاربة عبادة الأصنام بحيث كان يطلب هذا الأمر من الله حتّى للأنبياء المعصومون ومحطّمو الأصنام ، وهذا نظير اهتمام النّبي في وصاياه لعلي ـ او الائمّة الآخرين بالنسبة لاوصيائهم ـ في امر الصلاة ، والتي
لا يمكن احتمال تركها من قبلهم ابدا ، بل انّ الصلاة أساسا قامت ببركة سعيهم وجهودهم.
وهنا يطرح هذا السؤال : كيف قال ابراهيم( رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ ) في حين انّ الأصنام ليست سوى أحجارا وخشبا ولا استطاعة لهنّ في إضلال الناس.
ويمكن الجواب على هذا السؤال من جهتين :
اوّلا : لم تكن الأصنام من الأحجار والخشب دائما ، بل هناك الفراعنة وأمثال نمرود الذين كانوا يدعون الناس لعبادتهم ويسمّون أنفسهم بالربّ الأعلى والمحي والمميت.
ثانيا : وأحيانا يكون القائمون بأمر الأصنام مظهرين تعظيمها وتزيينها بالشكل الذي تكون حقّا مضلّة لعوام الناس.
4 ـ من هم اتباع ابراهيم؟
قرانا في الآيات انّ ابراهيم قال :( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ) فهل انّ اتباع ابراهيم من كان في عصره فقط ، ام الذين كانوا على دينه في العصور اللاحقة ، او يشمل كلّ الموحدين والمؤمنين في العالم ـ باعتبار ابراهيمعليهالسلام مثالا في التوحيد ومحطّما للأصنام ـ؟
نستفيد من الآيات القرآنية ـ ومن ضمنها الآية 78 من سورة الحج ـ انّ دعاء ابراهيم يشمل جميع الموحدين والمجاهدين في طريق التوحيد. ويؤيّد هذا التّفسير ما ورد عن اهل البيتعليهمالسلام ايضا : فعن الباقرعليهالسلام قال «من احبّنا فهو منّا اهل البيت. قلت ، جعلت فداك : منكم؟ قال منّا والله ، اما سمعت قول ابراهيم( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ) (1) .
__________________
(1) نور الثقلين ج 4 ص 548.
ويوضّح هذا الحديث صيرورة الفرد من اهل البيت معنويا ان سار على خطّهم وتابع منهجهم.
وعن الامام عليعليهالسلام قال : «نحن آل ابراهيم ، أفترغبون عن ملّة ابراهيم! وقد قال الله تعالى :( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ) .
5 ـ واد غير ذي زرع والحرم الآمن
الذين سافروا الى مكّة يعلمون جيدا انّها تقع بين جبال صخرية يابسة لا ماء فيها ولا كلا ، وكأنّ الصخور وضعت في افران حارّة ثمّ صبّت في أماكنها. وفي نفس الوقت فهي اكبر مركز للعبادة واقدم قاعدة للتوحيد على وجه المعمورة ، وكذلك هي حرم الله الآمن.
وهنا قد يرد هذا السؤال في أذهان الكثيرين وهو : لماذا جعل الله هذا المركز المهمّ في مثل هذه الأرض؟
يجيب الامام عليعليهالسلام على هذا السؤال من خلال أوضح العبارات وأجمل التعابير الفلسفيّة خطبته القاصعة حيث يقول : «وضعه بأوعر بقاع الأرض صخرا واقلّ نتائق الدنيا مدرا بين جبال خشنة ورمال دمثة ولو أراد سبحانه ان يضع بيته الحرام ومشاعره العظام بين جنّات وانهار وسهل وقرار ، جمّ الأشجار ، داني الثمار ، ملتفّ البنا ، متّصل القوى ، بين برّة سمراء وروضة خضراء ، وأرياف محدقة ، وعراص مغدقة ورياض ناظرة وطرق عامرة ، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء ، ولو كان الأساس المحمول عليها والأحجار المرفوع بها بين زمردة خضراء ، وياقوتة حمراء ، ونور وضياء ، لخفّف ذلك مصارعة الشكّ في الصدور ، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب ، ولنفى معتلج الريب من الناس ، ولكنّ الله يختبر عباده بأنواع الشدائد ، ويتعبّدهم بأنواع المجاهد ، ويبتليهم بضروب المكاره ، إخراجا للتكبّر من قلوبهم ، وإسكانا للتذلّل في نفوسهم وليجعل
ذلك أبوابا فتحا الى فضله ، وأسبابا ذللا لعفوه»(1) .
6 ـ الدعوات السبعة لإبراهيم
دعا ابراهيمعليهالسلام في هذه الآيات سبع دعوات في مجال التوحيد والمناجاة ومحاربة الأصنام وعبادتها ومحاربة الظالمين :
اوّل هذه الدعوات هو أمان مكّة القاعدة العظيمة لمجتمع التوحيد (وما اعمق مغزى هذا الطلب).
الثّاني : دعاؤه في الاجتناب عن عبادة الأصنام والتي هي الأساس والقاعدة لجميع العقائد والبرامج الدينيّة.
الثّالث : دعاؤه في تمايل قلوب المؤمنين وارتباطهم العاطفي بالنسبة لأبنائه والتابعين لدينه.
دعاؤه الرابع : ان يرزقهم الله من انواع الثمرات ، لتكون عنوانا للشكر والالتفات بشكل اعمق لخالق النعم.
الدعاء الخامس : التوفيق لاقامة الصلاة والتي هي أقوى صلة بين الإنسان وربّه ، ودعاؤهعليهالسلام ليس له فقط ، بل حتّى لأبنائه.
دعاؤه السادس : قبول دعائه ، ونحن نعلم انّ الله يقبل الدعاء من مواقع الإخلاص والقلوب الطاهرة والأرواح السامية ، وفي الواقع انّ هذا الطلب من ابراهيمعليهالسلام يحتوي ضمنا الحصول على القلب الطاهر والروح السامية.
وآخر دعائهعليهالسلام : ان يشمله الله بلطفه ورحمته فيما إذا صدر منه ذنب او خطيئة ، وان يرحم امّه وأباه وجميع المؤمنين في يوم القيامة.
وبهذا الترتيب فإن دعواته تبدا بالأمن وتنتهي بالعفو والغفران ، ومن الطريف انّه لم يطلبها لنفسه فقط ، بل للآخرين كذلك ، لانّ عباد الرحمن ليسوا انانيّين!
__________________
(1) نهج البلاغة ، خطبة 192 (القاصعة).
7 ـ هل يدعو ابراهيم لأبيه؟
ممّا لا شكّ فيه انّ «آزر» كان يعبد الأصنام ، وكما يشير اليه القرآن فإنّ ابراهيم سعى جاهدا لان يهديه لكن خاب سعيه ، وإذا سلّمنا انّ آزر كان أبا لإبراهيم ، فلما ذا يدعو ابراهيم ان يغفر الله له في الوقت الذي نرى انّ القرآن يقول :( ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ) .(1)
ومن هنا يتّضح انّ آزر لم يكن أبا لإبراهيم ، وانّ كلمة أب تطلق أحيانا على العمّ ، وكثيرا ما يستعملها العرب كذلك ، بينما (الوالد) خاصّة بالأب الحقيقي والتي جاءت في الآيات أعلاه. امّا كلمة أب والتي وردت بخصوص آزر فمن الممكن انّ المراد بها العمّ.
ونستنتج من الآيات أعلاه وممّا ورد في سورة التوبة من النهي عن الاستغفار للمشركين انّ «آزر» لم يكن أبا لإبراهيم حتما. (وللتوضيح اكثر راجع تفسير الآية 74 من سورة الانعام و 36 من سورة الأعراف في تفسيرنا هذا).
* * *
__________________
(1) التوبة ، 113.
الآيات
( وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (43) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (45) )
التّفسير
اليوم الذي تشخّص فيه الأبصار!
كان الحديث في الآيات السابقة عن يوم الحساب ، وبهذه المناسبة تجسّم هذه الآيات حال الظالمين والمتجبّرين في ذلك اليوم ، ثمّ تبيّن المسائل المتعلّقة بالمعاد وتكمل الحديث السابق حول التوحيد وتبدا في تهديد الظالمين :( وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) .
وهذا في الواقع جواب لأولئك الذين يقولون : إذا كان لهذا العالم اله عادل فلما ذا يترك الظالمين وحالهم؟ هل هو غافل عنهم ام لا يستطيع ان يمنعهم وهو يعلم بظلمهم؟
فيجيب القرآن الكريم على ذلك بأنّ الله ليس غافلا عنهم ابدا ، لانّ عدم عقابهم مباشرة هو انّ هذا العالم محلّ الامتحان والاختبار وتربية الناس ، وهذا لا يتمّ الّا في ظلّ الحرية ، وسوف يأتي يوم حسابهم( إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ) .
«تشخص» من مادّة «الشخوص» بمعنى توقّف العين عن الحركة والنظر الى نقطة بدهشة.
«مهطعين» من مادّة «إهطاع» بمعنى رفع الرقبة ، ويعتقد البعض انّها بمعنى «السرعة» وقال آخرون : تعني «النظر بذلّة وخشوع». ولكن بالنظر الى الجمل الاخرى يكون المعنى الاوّل اقرب الى الصحّة.
«مقنعي» من مادّة «الاقناع» بمعنى رفع الراس عاليا.
ومفهوم جملة( لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ) لا يقدرون على ان يطرفوا من شدّة الهول ، وكأنّ أعينهم كأعين الأموات عاطلة عن العمل!
وجملة( أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ) بمعنى قلوبهم خالية ومضطربة بحيث ينسون كلّ شيء حتّى أنفسهم وفقدت قلوبهم وأنفسهم كلّ ادراك وعلم ، وفقدوا كلّ قواهم.
انّ بيان هذه الصفات الخمس : تشخص الأبصار ، مهطعين ، مقنعي رؤوسهم ، لا يرتدّ إليهم طرفهم ، افئدتهم هواء ، صورة بليغة لهول وشدّة ذلك اليوم على الظالمين الذين كانوا يستهزئون بكلّ شيء ، وأصبحوا في هذا اليوم لا يستطيعون حتّى تحريك أجفان أعينهم.
ولكي لا يشاهدوا هذه المناظر المفجعة ينظرون الى الأعلى فقط ، فهؤلاء كانوا يعتقدون بكمال عقولهم ويعدّون الآخرين من الحمقى ، فأصبحوا اليوم
مدهوشين لدرجة انّ نظرهم نظر المجانين. بل الأموات نظر جاف عديم الروح ومليء بالرعب والفزع نعم ، عند ما يريد القرآن الكريم ان يصوّر منظرا او يجسّم موقفا يستخدم اقصر العبارات في أكمل بيان كما في الآية أعلاه.
ولكي لا يعتقد احد انّ هذه المجازات تتعلّق بمجموعة معيّنة ، يقول تعالى لنبيّه الكريم :( وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) حتّى نستفيد من هذه الفرصة ثمّ( نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ) ولكن هيهات انّ ذلك محال( أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ ) فكلّ هذه الدروس لم تؤثّر بكم وأدمتم ظلمكم وجوركم ، والآن وبعد ان وقعتم في يد العدالة تطلبون تمديد المدّة ، اي مدّة؟ لقد انتهى كلّ شيء!
* * *
بحوث
1 ـ لماذا وجّه الخطاب هنا الى الرّسول الأكرم؟
ممّا لا شكّ فيه انّ النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يتصوّر ابدا انّ الله غافلا عن الظالمين ، ومع ذلك نرى الآيات أعلاه توجّه خطابها الى النّبي وتقول له :( وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) .
انّه ـ في الواقع ـ إيصال الخطاب بشكل غير مباشر الى الآخرين ، والذي هو احد فنون الفصاحة ، كما نقول : ايّاك اعني واسمعي يا جارة.
وبالاضافة الى ذلك فإنّ هذا التعبير كناية عن التهديد ، كما نقول في بعض الأحيان للشخص المقصّر «لا تعتقد انّنا غافلون عن افعالك» يعني سوف نحاسبك على ما فعلت!
وعلى اي حال فأساس الحياة يقوم على إعطاء المهلة الكافية للافراد حتّى ينفقوا ممّا عندهم ، ولكي لا يبقى عذر لأحد تعطى المهلة الكافية قبل ساعة الامتحان ، وإعطاء المهلة الكافية للرجوع والإصلاح للجميع.
2 ـ ما هو المقصود من( يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ ) ؟
لقد امر النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ان ينذر الناس بهذا اليوم الذي ينزل عليهم فيه العذاب الالهي ، ولكن اي يوم هذا؟ ذكر المفسّرون له ثلاث احتمالات :
الاوّل : يوم القيامة.
الثّاني : يوم وقوع الموت ، حيث تبدا مقدّمة العذاب الالهي للظالمين.
الثّالث : المقصود هو نزول جزء من العذاب والبلاء الدنيوي ، كعذاب قوم لوط وعاد وثمود وقوم نوح وفرعون ، والذي تمّ من خلال الطوفان او الزلازل والعواطف والريح وغيرها.
ومع انّ كثير من المفسّرين رجّحوا التّفسير الاوّل ، الّا انّ الآيات التي تليها تشير الى قوّة الاحتمال الثّالث ، والتي توضّح انّ المقصود هو العقاب الدنيوي لانّنا نقرا بعد هذه الآية( رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ) .
فالتعبير «اخّرنا» قرينة واضحة في الطلب لاستمرار الحياة في الدنيا ، لانّه لو كان في الآخرة لقالوا : ربّنا ارجعنا الى الدنيا ، كما نقرا في الآية (27) من سورة الانعام( وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) حيث يردّ عليهم القرآن الكريم ويقول :( وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) .
وقد يسأل سائل : إذا كانت هذه الآية تشير الى عذاب الدنيا ، والآية ما قبلها( وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً ) تشير الى عذاب الآخرة ، فكيف يمكن ان تتوافق هاتان الآيتان ، بالنظر الى انّ كلمة «انّما» دالّة على عقابهم في الآخرة فقط وليس في
الدنيا.
ويتّضح الجواب بملاحظة انّ العقاب الاخروي الذي يشمل جميع الظالمين ، ليس له اي تبديل وتغيير ، بينما الجزاء الدنيوي ـ بالاضافة الى انّه غير شامل ـ فهو قابل للتبديل.
ولا بدّ من ذكر هذه النقطة ايضا وهو انّ العقاب الدنيوي ـ كعقاب قوم نوح وفرعون وأمثالهم ـ إذا حلّ بهم سوف تغلق أبواب التوبة كليّا وليس لهم طريق للرجوع والتوبة ، لانّ اغلب المذنبين عند ما يرون العذاب يندمون على ما فعلوا ، وهذا الندم اضطراريوليس له اي قيمة ، ولذلك يجب عليهم ان يتوبوا قبل نزول العذاب(1) .
3 ـ لماذا لا تقبل المهلة؟
نقرا في آيات مختلفة من القرآن الكريم انّ الظالمين والمذنبين في مواقف متعدّدة ، يطلبون الرجوع الى الحياة لتصحيح مسيرتهم ، فبعض هذه المواقف مرتبط بيوم القيامة كما أشرنا في الآية (28) من سورة الانعام ، وبعض آخر مرتبط بساعة الموت كما تشير اليه الآية (99) من سورة المؤمنون( حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ ) والبعض الآخر يطلب الرجوع عند نزول العذاب المهلك ـ كما في هذه الآية ـ حيث يقول الظالمون عند رؤيتهم للعذاب( رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ) ومن الطريف انّ الجواب في جميع هذه المواقف يكون بالنفي.
ودليله واضح ، لانّ اي واحد من هذه الامنيات لا يمثّل حقيقة واقعيّة ولا جديّة ، ورجاؤهم هذا هو حالة اضطرارية تظهر حتّى عند أسوإ الأشخاص ، وليست حالة دالّة على التغيّر الذاتي والتصميم الواقعي الصادق لتصحيح مسيرة
__________________
(1) للمطالعة اكثر راجع ذيل الآية (18) من سورة النساء.
حياتهم ، كالمشركين عند ما يأخذهم الطوفان يسألون الله النجاة ، وعند ما ينجيهم الى الساحل ينكثون عهودهم كأن لم يكن يحدث شيء إطلاقا.
ولذلك يقول القرآن الكريم في بعض آياته ـ كما أشرنا اليه أعلاه ـ( وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ) .
* * *
الآيات
( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (46) فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (47) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (49) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (51) هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (52) )
التّفسير
لا فائدة من مكرهم!
اشارت الآيات السابقة الى نوع من عقاب الظالمين ، وفي هذه الآيات ايضا اشارت ـ اوّلا ـ الى جزء من أفعالهم ، ومن ثمّ الى قسم آخر من جزائهم الشديد وعقابهم الأليم.
تقول الآية الاولى :( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ) .
لقد عملوا كلّ ما بوسعهم من اجل طمس حقائق الإسلام ، بدء من الترغيب والتهديد وحتّى الأذى ومحاولات القتل والاغتيال وبثّ الشائعات ، ومع كلّ ذلك فإنّ الله مطّلع على جميع مؤامراتهم وقد احصى اعمالهم :( وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ ) وعلى اي حال فلا تقلق فانّهم لا يستطيعون بمكرهم هذا ان يصيبوك بسوء حتّى( وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ) .
«المكر» ـ وكما أشرنا اليه سابقا ـ بمعنى الاحتيال ، فمرّة يلازمه الفساد ومرّة اخرى لا يلازمه ، وفي تفسير جملة( وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ ) رأيان : يقول البعض ومن جملتهم العلّامة الطباطبائي في تفسير الميزان : المراد بكون مكرهم عند الله احاطته تعالى به بعلمه وقدرته.
ويقول البعض الآخر ، كالعلّامة الطبرسي في مجمع البيان : انّ المراد هو ثبوت جزاء مكرهم عند الله تعالى (وعلى هذا التّفسير يكون تقدير الآية : عند الله جزاء مكرهم) فكلمة الجزاء محذوفة.
وممّا لا شكّ فيه انّ التّفسير الاوّل اقرب الى الصحّة ، لانّه يوافق ظاهر الآية ولا يحتاج الى الحذف والتقدير ، وتؤيّده جملة( وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ) اي انّ مكرهم مهما كان قويّا. ومهما كانت لديهم قدرة على المؤامرة ، فإنّ الله اعلم بهم واقدر عليهم وسيدمر كلّ ما مكروا.
ثمّ يتوعّد الله الظالمين والمسيئين مرّة اخرى من خلال مخاطبة النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ( فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ) لانّ الأخلاف يصدر من الذي ليست له قدرة واستطاعة ، ولكن :( إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ ) .
وهذه الآية ـ في الواقع ـ مكمّلة للآية التي قبلها( وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) .
وتعني انّ المهلة التي أعطيت للظالمين ليست بسبب انّ الله غافل عنهم وعن
اعمالهم ولا مخلف لوعده ، بل سينتقم منهم في اليوم المعلوم. والانتقام لا يراد به ما كان مصحوبا بالحقد والثأر كما يستخدم عادة في اعمال البشر ، بل هو الجزاء والعقاب واقامة العدالة بحقّ الظالمين ، بل انّها نتيجة عمل الإنسان نفسه ، ولا حاجة الى القول بأنّ الله تعالى لو لم ينتقم من الظالمين لكان ذلك خلافا لعدله وحكمته.
ثمّ يضيف تعالى( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ ) وسوف يتجدّد كلّ شيء بعد الدمار ، ويبعث الإنسان في خلق جديد وعالم جديد يختلف في كلّ شيء عن هذا العالم ، في سعته ، في نعيمه وعقابه وسيظهر الإنسان بكلّ وجوده لله تعالى :( وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) .
و «البروز» من مادّة «البراز» على وزن «فراز» بمعنى الفضاء والمحلّ الواسع ، وغالبا ما تأتي بمعنى الظهور ، لانّ وجود الشيء في الفضاء الواسع بمعنى ظهوره ، وهناك آراء مختلفة للمفسّرين في معنى بروز الناس لله تعالى ، الكثير يرى انّها تعني الخروج من القبر.
ويحتمل ان يكون المعنى انكشاف بواطن وظواهر جميع الناس في يوم المحشر ، كما نقرا في الآية (16) من سورة غافر( يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ) وكذلك الآية (9) من سورة الطارق( يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ) وعلى اي حال فوصفه بالقهّار دليل على تسلطه على كلّ الأشياء وسيطرته على ظاهرها وباطنها.
وهنا يأتي هذا السؤال ، وهو : هل انّ شيئا خفي على الله في هذه الدنيا لكي يظهر في الآخرة؟ ام انّ الله لا يعلم بما في القبور ولا يعلم بأسرار الناس؟
ويتّضح الجواب من الالتفات الى هذه النقطة ، وهي انّ لنا ظاهرا وباطنا في هذه الدنيا ، وقد يشتبه على البعض ـ بسبب علمنا المحدود ـ انّ الله لا يرى باطننا ، ولكن سوف يظهر كلّ شيء في الآخرة ولا وجود للظاهر والباطن هناك ، وبعبارة
اخرى فالظهور بالقياس الى علمنا وليس الى علم الله المطلق.
وتصوّر الآية التالية كيفيّة بروزهم الى الله فنقول :( وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ) .
«الأصفاد» جمع «صفد» بمعنى الغلّ ، وقال البعض هو الغلّ والسلاسل التي تجمع اليد الى العنق.
«مقرنين» من مادّة «القرن والاقتران» وهي بنفس المعنى ، لكن لو استخدمت من باب التفعيل يستفاد منها التكثير ، وعلى ذلك فكلمة مقرّنين بمعنى الأشخاص المتقاربين مع بعضهم البعض.
وللمفسّرين ثلاث آراء حول المقصود من هذه الكلمة :
الاوّل : هو تقييد المجرمين بالسلاسل والأغلال بعضهم مع البعض الآخر وظهورهم بهذه الصورة في يوم القيامة ، انّ هذا الغل هو عبارة عن تجسيد للروابط العملية والفكرية بين المجرمين في هذه الدنيا ، حيث كان يساعد بعضهم البعض على الظلم والفساد ، وتتجسّد هذه العلاقة في الآخرة بصورة سلاسل تربطهم فيما بينهم.
الثّاني : انّ المجرمين يقرّنون مع الشياطين بالسلاسل في يوم القيامة بسبب علاقتهم الباطنية معهم في هذه الدنيا.
الثّالث : ان تقيّد أيديهم برقابهم في الآخرة.
ولا مانع هناك من ان تجمع هذه الصفات للمجرمين ، لكن المعنى الاوّل الذي ذكرناه يوافق ظاهر الآية.
ثمّ يتطرّق القرآن الكريم الى لباسهم والذي هو احد افراد المجازاة الشديدة( سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ) .
«سرابيل» جمع (سربال) على وزن (مثقال) بمعنى القميص من اي قماش كان ، ويقول البعض بأنّه كلّ انواع اللباس ، لكن الاوّل اقرب الى المعنى.
«قطران» بفتح القاف وسكون الطاء او بكسر القاف وسكون الطاء ، وهي مادّة تؤخذ من شجرة الأبهل ثمّ تغلى فتثخن وتطلى بها الإبل عند اصابتها بمرض الجرب ، وكانوا يعتقدون انّ المرض يزول بسبب وجود الحرقة في هذه المادّة ، وعلى اي حال فهي مادّة سوداء نتنة وقابلة للاشتغال(1) .
فيكون معنى الجملة( سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ ) انّهم يلبسون ثيابا من مادّة سوداء ونتنة وقابلة للاشتعال ، حيث تمثّل اسوا الالبسة لما كانوا يعملونه في هذه الدنيا من ارتكاب الذنوب والفواحش. وسوادها يشير إلى أنّ الذنوب تؤدّي إلى ان يكون الإنسان مسودّ الوجه امام ربّه ، وتعفّنها يشير الى تلوّث المجتمع بهم ومساعدتهم على إشعال نار الفساد ، وكأنّ القطران تجسيد لاعمالهم في الدنيا.
( وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ) بسبب لباسهم الذي هو من قطران ، لانّه عند اشتعاله لا يحرق جسمهم فقط ، بل يصل لهيبه الى وجوههم. كلّ ذلك لأجل( لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ) .
ومن الطريف انّه لم يقل انّ الجزاء بما كسبت أنفسهم ، بل يقول : «ما كسبت» ليكون تجسيدا حيّا لاعمالهم ، وهذه الآية بهذا التعبير الخاص دليل آخر على تجسّم الأشياء.
وفي الختام يقول تعالى :( إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ) وهذا واضح تماما لانّ كلّ انسان حسابه معه!
ونقرا في بعض الرّوايات : انّ الله تعالى يحاسب الخلائق كلّهم في مقدار لمح البصر. ولا ريب انّ الله تعالى لا يحتاج الى وقت لمحاسبة الافراد ، وما جاء في الرّواية أعلاه اشارة الى اقصر الفترات. (للتوضيح اكثر راجع تفسير الآية 202 من سورة البقرة من تفسيرنا هذا).
__________________
(1) يقول فريد وجدي في دائرة المعارف في مادّة (القطران) مائع ناتج من تقطير الفحم الحجري ، والقطران النباتي يتمّ الحصول عليه من بعض الأشجار.
وبما انّ آيات هذه السورة ـ وكذلك جميع الآيات ـ لها جانب الدعوة الى التوحيد وإبلاغ الأحكام الالهيّة الى الناس وإنذارهم ، يقول تعالى في آخر آية من هذه السورة :( هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ) .
* * *
بحوث
1 ـ تبديل الأرض غير الأرض والسماوات
قرانا في الآيات أعلاه انّ في يوم القيامة تبدّل الأرض غير هذه الأرض وكذلك السّماوات ، فهل التبديل تبديل ذاتي ، اي ان تفنى هذه الأرض وتخلق مكانها ارض اخرى للقيامة؟ ام المقصود هو تبديل الصفات ، يعني دمار ما في الأرض والسّماوات وخلق ارض وسماوات جديدة على انقاضها؟ حيث تكون النسبة بينهما انّ الثانية أكمل من الاولى.
الظاهر في كثير من الآيات القرآنية أنّها تشير الى المعنى الثاني ، ففي الآية (21) من سورة الفجر يقول تعالى :( كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ) وفي الآية الاولى من سورة الزلزال يقول تعالى :( إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ) وفي الآية (15) من سورة الحاقة( وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ) وقوله تعالى :( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً ـ لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً ـ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً ) ،(1) وقوله تعالى :( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ ) وقوله تعالى في سورة الانفطار( إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَواكِبُ
__________________
(1) سورة طه ، 108105 ـ.
انْتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ) .
يستفاد من مجموع هذه الآيات والآيات الاخرى التي تتحدّث عن بعث الناس من القبور ، انّ النظام الحالي للعالم لا يبقى بهذه الصورة التي هو عليها ، ولا يفنى فناء تامّا ، بل تتغيّر صورة العالم وتعود الأرض مسطّحة مستوية ويبعث الناس في ارض جديدة (بالطبع تكون الأرض اكثر كمالا لانّ الآخرة كلّ ما فيها أوسع وأكمل).
ومن الطبيعي انّ عالمنا اليوم ليس له الاستعداد لتقبّل مشاهد الآخرة ، وهو محدود المجال بالنسبة لحياتنا الاخروية وكما قلنا مرارا : انّ نسبة عالم الآخرة الى عالم الدنيا كنسبة عالم الجنين في الرحم الى الدنيا.
والآيات التي تقول :( يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) دليل واضح على هذه الحقيقة.
من الطبيعي انّنا لا نستطيع ان نصوّر الآخرة وخصائصها بشكل دقيق ـ كما هو حال الجنين في بطن امّه لو افترضنا انّ له عقلا كاملا ، فإنّه لا يستطيع ان يتصوّر عالم الدنيا ـ الّا انّنا نعلم انّه سوف يحدث تغيير عظيم لهذا العالم ، حيث يتمّ تدميره وتبديله بعالم جديد ، ومن الطريف ما ورد في الرّوايات من انّ الأرض تبدّل بخبزة نقيّة بيضاء يأكل الناس منها حتّى يفرغ من الحساب.
وقد وردت هذه الرّوايات بطرق مختلفة في تفسير نور الثقلين ، وأشار إليها القرطبي في تفسيره كذلك.
وليس من المستبعد ان يكون المقصود من هذه الرّوايات انّ الأرض سوف تغطّيها مادّة غذائية يمكن للإنسان ان يستعملها بسهولة ، ووصفها بالخبز لانّه الأكثر احتواء لهذه المادّة الغذائية.
2 ـ بداية وختام سورة ابراهيم
وكما رأينا فإنّ سورة ابراهيم ابتدأت في بيان دور القرآن الكريم في إخراج الناس من الظّلمات الى نور العلم والتوحيد ، وانتهت في بيان دور القرآن في إنذار الناس وتعليمهم التوحيد.
انّ هذه البداية والنهاية تبيّن هذه الحقيقة ، وهو انّ كلّ ما نحتاجه موجود في هذا القرآن ، حيث
يقول الامام عليعليهالسلام : «فيه ربيع القلوب وينابيع العلم ، فاستشفوه من أدوائكم»
وهذا البيان دليل على خلاف ما يراه بعض المسلمين من انّ القرآن الكريم كتاب مقدّس يقتصر وجوده في ترتّب الثواب لقارئه. بل هو كتاب شامل لجميع مراحل الحياة الانسانية.
كتاب رشد وهداية ودستور للعمل ، فهو يذكّر العالم ويستلهم منه عموم الناس.
انّ مثل هذا الكتاب يجب ان يأخذ موقعه في قلوب المسلمين ، ويشكّل قانونا ونظاما اساسيا في حياتهم ، ويجب عليهم ان يطالعوه ويبحثوا مضامينه بدقّة في تطبيقاتهم العمليّة.
انّ هجران القرآن الكريم واتّخاذ المبادئ المنحرفة الشرقيّة منها والغربية ، احد العوامل المهمّة في تأخّر المسلمين.
وما أروع ما قاله الامام عليعليهالسلام «واعلموا انّه ليس على احد بعد القرآن من فاقة ، ولا لأحد قبل القرآن من غنى».(1)
وما اشدّ مصيبتنا في غربتنا عن القرآن ، ومعرفة الغرباء به!
ومن المؤلم ان تكون وسيلة السعادة في دارنا ونحن نبحث عنها في دور الناس!
وما أعظم المصاب حين نكون الى جانب نبع ماء الحياة ، عطاشى ، ظمأى ،
__________________
(1) نهج البلاغة ، الخطبة 176.
او نهرول في الصحاري حفاة وراء السراب!
اللهمّ ارزقنا العقل والهداية والايمان حتّى لا نفقد وسيلة السعادة هذه ، التي هي من ثمار دماء الشهداء في سبيلك!
والطف علينا بالجدّ حتّى نعلم ضالّتنا في هذا الكتاب العظيم ولا نمدّ أيدينا الى الآخرين.
3 ـ التوحيد هو البداية والنهاية
الفائدة الاخرى التي علّمتنا ايّاها الآية أعلاه ، هي التأكيد على التوحيد بعنوان الحديث الأخير ، وعلى اولي الألباب بعنوان التذكّر الأخير.
نعم ، فالتوحيد اعمق اصل اسلامي حيث تنتهي اليه جميع خطوط التربية والتعليم في الإسلام ، ويجب ان نبتدئ به وننتهي اليه لانّه العمود الفقري للإسلام. وليس توحيد الله في العبادة فقط ، بل التوحيد في الهدف ، والتوحيد في صفوف القتال ، والتوحيد في البرامج العملية والتنفيذيّة ، فكلّها توضّح الأركان الاصليّة للدين ، وسبب وجود المشاكل الكثيرة في مجتمعاتنا الاسلامية هو حذف التوحيد من واقعنا العملي.
ومع الأسف الشديد نلاحظ انّ الدول العربية والتي هي مهد الإسلام قد اقترنت برامجها واهدافها بالشرك والقومية وتكالبت خلف أمجاد العروبة وعظمة العرب وأمثال ذلك من الاهداف والغايات الوهميّة ، واتّخذت الدول الاخرى لها أصناما من هذا القبيل ، وبذلك قطعوا أواصر التوحيد الاسلامي التي كانت تربط في ما مضى شرق العالم وغربه ، وتغرّبوا عن مبادئهم السّماوية الى درجة انّ الحرب والاقتتال فيما بينهم اكثر واشدّ من حربهم مع أعدائهم!!
حياة النّبي ابراهيمعليهالسلام
مع انّ سورة ابراهيم هي السورة الوحيدة في القرآن سمّيت بهذا الاسم ، رأينا من المناسب ان نفهرس حياة هذا الرجل العظيم ومحطّم الأصنام في نهايتها ـ مع العلم انّها لا تذكر حالات ابراهيم الاخرى التي وردت في آيات اخرى من القرآن ـ لكي يكون القارئ العزيز على علم كاف بحياة هذا الرجل العظيم التي تذكرها الآيات الاخرى ان شاء تعالى.
ونستطيع ان نقسّم مراحل حياته الشريفة الى ثلاث فترات :
1 ـ فترة ما قبل النبوّة.
2 ـ فترة نبوّته ومحاربته للأصنام في بابل.
3 ـ فترة الهجرة من بابل وتجواله في ارض مصر وفلسطين ومكّة.
ولادته وطفولته
ولد ابراهيمعليهالسلام في ارض «بابل» التي كانت من بلدان العالم المهمّة ، وتحكّمها حكومة قويّة وجائرة ، وفتح عينيه على العالم في الوقت الذي كان نمرود بن كنعان الملك الجبّار الظالم يحكم ارض بابل ويعتبر نفسه الربّ الأعلى(1) .
بالطبع لم يكن للناس في ذلك الوقت هذا الصنم فقط ، بل كانت لهم أصنام مختلفة يعبدونها ويتقرّبون إليها. والدولة في ذلك الوقت كانت تدافع بقوّة عن الأصنام ، لانّها الوسيلة المؤثّرة في تخدير وتسخيف المجتمع ، بحيث لو صدرت اي اهانة من احد تجاهها يعتبرونها خيانة عظمى.
__________________
(1) ذكر بعض المؤرّخين انّ ولادتهعليهالسلام ـ في مدينة (اور) التابعة لدولة بابل.
وقد نقل المؤرّخون قصّة عجيبة حول ولادة ابراهيمعليهالسلام وخلاصتها هي : توقّع المنجّمون انّه سوف يولد شخص ويحارب نمرود بكلّ قوّة ، ولذلك فقد سعى جاهدا لان يوقف ولادة هذا الشخص او ان يقتله حين ولادته ، الّا انّه لم يتمكّن من ذلك وولد المولود.
واستطاعت امّه ان تحفظه عبر تربيته في زوايا الغار القريب من مولده ، بالشكل الذي امضى ثلاثة عشر عاما هناك.
وفي النهاية وبعد ان ترعرع في مخفاه بعيدا عن انظار شرطة نمرود ، ووصل الى سنّ الشباب ، صمّم على الخروج منه والنّزول الى المجتمع ليشرح لهم دروس التوحيد التي استلهمها من دخيلة نفسه وتأمّلاته الفكرية.
محاربته للمجاميع المختلفة من الوثنيين
وفي هذه الأثناء التي كان يعبد فيها شعب بابل ـ بالاضافة الى الأصنام ـ الموجودات السّماوية كالشمس والقمر والنّجوم ، صمّم ابراهيمعليهالسلام على ان يوقظ وجدانهم عن طريق المنطق والادلّة الواضحة ، ويزيل عن فطرتهم النقيّة ستار الظّلمات حتّى يشعّ في نفوسهم نور الفطرة ويسلكوا في طريق التوحيد.
وكان يتفكّر في خلق السّماوات والأرض حتّى شعّ نور اليقين في قلبه [75 ـ الانعام].
الجهاد المنطقي مع الوثنيين
واجه ابراهيم اوّلا عبّاد النّجوم ووقف مع مجموعة ممّن يعبدون الزهرة ، التي تظهر بعد غروب الشمس مباشرة ، حيث كانوا منشغلين في عبادتها ، نادى ابراهيم ـ امّا من باب الاستفهام الانكاري ، او من باب التنسيق مع الطرف المقابل بعنوان المقدّمة ، لاثبات اشتباههم ـ (هذا رَبِّي) وحينما أقل قال( إنّي لا أُحِبُ
الْآفِلِينَ ) .
( فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً ) وبدا عبدة القمر مراسم دعائهم( قالَ هذا رَبِّي ) ؟( فَلَمَّا أَفَلَ قالَ : لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ) .
( فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً ) وقد نشرت اشعّتها الذهبية على السهول الخضراء ، وبدا عبّاد الشمس تضرّعهم وعبادتهم لها قال ابراهيم( هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) (1) . انّ هذه الآلهة دائمة الأفول والغروب ، فلا اختيار لها إطلاقا ، بل هي اسيرة القوانين الطبيعية فكيف تكون خالقه للكون؟
وانهىعليهالسلام هذه الفترة مع الوثنيين على أفضل صورة واستطاع ان يوقظ جماعة منهم ويجعل مجموعة اخرى تشكّ في عقيدتها.
ولم يمض وقت طويل حتّى شاع صيته هذا الشاب الذي أنار قلوب الناس بمنطقه وبيانه البليغين!
الحديث مع آزر
وفي مرحلة اخرى بدا حديثه مع عمّه آزر بعبارات محكمة جدّا وواضحة مقترنة بالمحبّة ، وأحيانا يوبّخه وينذره من مغبّة عبادة الأصنام ويقول له : لماذا تعبد شيئا لا يسمع ولا يرى ولا يغني عنك شيئا؟
( فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ) ،( إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ) الّا انّ عمّه لم يستجب له وهدّده بالرجم إذا لم يرجع عن مساره هذا ، لكن ابراهيم بقلبه الواسع قال :( سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ) 47 ـ مريم.
__________________
(1) الانعام ، 975 ـ 7.
نبوّة ابراهيمعليهالسلام
ليس عندنا دليل واضح على عمر ابراهيمعليهالسلام حينما تقلّد مقام النبوّة ، ولكن نستفيد من الآيات في سورة مريم ، انّه أثناء محاورته لعمّه كان من الأنبياء ، حيث يقول تعالى :( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ) .
ونعلم انّ هذه الحادثة كانت قبل القائه في النار ، وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار ما قاله بعض المؤرّخين من انّ عمره أثناء القائه في النّار كان 16 عاما سوف يثبت لدينا انّه تحمّل اعباء الرسالة منذ صباه.
الجهاد العملي مع الوثنيين
على أي حال ازداد صدامه مع الوثنيين يوما بعد يوم حتّى انتهى إلى قيامه بكسر الأصنام في معبد بابل (الّا كبيرهم) بالاستفادة من الفرصة الملائمة!
الحديث مع الحاكم المتجبّر!
لقد وصلت هذه الاحداث الى اسماع نمرود فأمر بإحضاره ليطفئ هذا النّور من خلال النصيحة والتهديد. وكان ماهرا في الدجل ، فسأل ابراهيم : إذا كنت لا تعبد الأصنام ، فمن هو إلهك؟
قال : ربّي الذي يحيي ويميت.
قال : انا احيي وأميت ، الا ترى انّي اطلق سراح المحكوم بالاعدام ، واعدم من أريد اعدامه؟
فأجابه ابراهيمعليهالسلام بكلام حاسم وقاطع :( فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ) .(1)
__________________
(1) البقرة ، 258.
وممّا لا شكّ فيه انّ ابراهيم كان يعلم انّ نمرود لا يستطيع ان يحيي الموتى ، ولكن مهارته في الدجل جعلت ابراهيم يأتيه بسؤال لا قدرة له على جوابه.
هجرة ابراهيم
لقد احسّت حكومة نمرود الجبّارة بخطر هذا الشاب على دولته وانّ من الممكن ان يسبّب يقظة الشعب الرازح تحت ظلمه ، وان يحطّم القيود الاستعمارية المتسلّطة على رقاب الشعب ، فصمّم على الإيقاع بإبراهيم من خلال إحراقه بالنّار التي اجّجها جهل الناس وإرهاب النظام الحاكم.
وحينما أصبحت النّار بردا وسلاما بأمر من الله تعالى وخرج ابراهيم سالما منها ، أصابت نمرود وحكومته الدهشة ، وفقدوا معنوياتهم لانّهم كانوا يصوّرون ابراهيم على انّه شاب مغامر يريد تفرقة الناس ، لكنّه ظهر قائدا الهيّا وبطلا شجاعا يستطيع ان يقارع الجبّارين لوحده.
ولهذا السبب صمّم نمرود وأعوانه ـ الذين كانوا يمتصّون قوّتهم من دماء الناس البؤساء ـ على ان يقفوا بوجه ابراهيم بكلّ قواهم.
ومن جهة اخرى فإنّ ابراهيم قد ادّى دوره في هذا المجتمع ، حيث جعل القلوب المستعدّة تميل اليه وتؤمن بدعوته ، ولذلك راى من الأفضل ان يترك ارض بابل هو والتابعون له ، ولأجل نشر دعوته سافر الى بلاد الشام وفلسطين ومصر ، واستطاع هناك ان يدعو كثيرا من الناس الى التوحيد وعبادة الواحد القهّار.
المرحلة الاخيرة للرسالة
امضى ابراهيمعليهالسلام عمره في جهاد الوثنيين وخصوصا صنمية الإنسان ، واستطاع ان ينير قلوب المؤمنين بنور التوحيد ، ويبعث فيهم روحا جديدة ،
ويحرّر مجاميع اخرى من قيود المتسلّطين.
والآن يجب ان يصل الى ذروة عبوديته لله ويبذل كلّ ما عنده في هذا الطريق بإخلا ، ويصل الى مرحلة الامامة بقفزة روحية كبيرة من خلال الامتحانات الالهيّة الكثيرة ، وفي نفس الوقت يقوم ببناء القواعد للكعبة حتّى تكون اكبر قاعدة للعبادة التوحيديّة ، ويدعو جميع المؤمنين لهذا المؤتمر العظيم الى جانب هذا البيت الكريم.
وقد ادّى حسد سارة زوجته الاولى لهاجر التي كانت جارية واختارها زوجة له وولدت له إسماعيل ادّى الى ان يأتي بها من فلسطين بأمر الله الى مكّة ويتركها وابنها بين الصحاري والجبال اليابسة ، بدون مأوى ولا قطرة ماء ، ويعود ثانية الى فلسطين.
انّ ظهور عين زمزم ومجيء قبيلة جرهم والسّماح لها بالسكن كلّ ذلك ادّى لان تعمّر هذه الأرض.( رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) .
ومن الطريف ان يقول بعض المؤرّخين : حينما وضع ابراهيم زوجته هاجر وابنه الرضيع إسماعيل في مكّة وأراد الرجوع ، نادته : يا ابراهيم ، من أمرك ان تضعنا في ارض قاحلة لا نبات فيها ولا ماء ولا انسان؟ فأجابها بجملة قصيرة : ربّي امرني بذلك ، قالت : ما دام كذلك فإنّ الله لا يتركنا.
وقد سافر إبراهيمعليهالسلام مرارا الى مكّة بقصد زيارة ابنه إسماعيل ، وفي واحدة من هذه السفرات ادّى مراسم الحجّ ، وجاء بإسماعيل الذي كان شابّا قويا ومؤمنا صادقا الى المذبح ليفتدي به بأمر من الله وعند ما لبّى امر ربّه وخرج من هذا الامتحان العظيم بأفضل صورة ، قبل الله سبحانه وتعالى فديته ، وحفظ له إسماعيل ، وبعث له كبشا ليفتدي به.
وفي النهاية وبعد ان ابلى بلاء حسنا نال كبير درجة من المقامات التي يمكن للإنسان ان يصل إليها حيث يقول القرآن الكريم :( وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) .
منزلتهعليهالسلام في القرآن
توضّح الآيات القرآنية انّ الله سبحانه وتعالى اعطى لإبراهيم مقاما لم يعطه لأحد من الأنبياء من قبله ، ويمكن ترتيب الآيات كما يلي :
1 ـ انّ الله تعالى ذكره بعنوان انّه «امّة» :( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (1) .
2 ـ مقام الخلّة( وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً ) .(2)
وقد جاء في بعض الرّوايات : (انّما اتّخذ الله ابراهيم خليلا لانّه لم يردّ أحدا ولم يسأل أحدا قطّ غير الله تعالى)(3) .
3 ـ وكان من( الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ ) (4) ، و( لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) (5) ،( وَالْقانِتِينَ ) (6) ،( وَالصِّدِّيقِينَ ) (7) ، وكان( لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) (8) ، ومن( الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ ) (9) .
4 ـ انّ ابراهيم كان محبّا للضيوف ، وقد ورد في بعض الرّوايات انّه كان
__________________
(1) النحل ، 120.
(2) النساء ، 125.
(3) سفينة البحار ، ج 1 ، ص 74.
(4) سورة ص ، 47.
(5) النحل ، 122.
(6) النحل ، 120.
(7) مريم ، 41.
(8) التوبة ، 114.
(9) النجم ، 37.
يلقّب بـ «أبي الأضياف».(1)
5 ـ وكان من المتوكّلين على الله ، ولا يطلب حاجة الّا منه ، وقد ورد في التاريخ انّه كان معلّقا بين السّماء والأرض أثناء قذفه بالمنجنيق سأله جبرئيل : هل لك حاجة؟ قال : نعم ، ولكن ليست منك بل من الله!(2) .
6 ـ وكان شجاعا مقداما حيث وقف وحيدا بوجه التعصّبات الوثنيّة ، ولم يظهر اي خوف في مقابلتهم ، كسّر أصنامهم وجعلها ركاما ، وتحدّث مع نمرود وأعوانه بكلّ شجاعة.
7 ـ كان لإبراهيمعليهالسلام منطق قوي واستطاع من خلال عباراته وجمله القصيرة المحكمة ان يبطل اقوال المضلّين. ولم يثنه بأسهم عن مواصلة الطريق ، بل كان يواجه الأمور بالصبر والحلم المعبّرين عن روحه الكبيرة ، كما جاء في محاجته مع نمرود ومع عمّه آزر ومع القضاة أثناء محاكمته حيث قالوا له :( أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ ، قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ) لقد استطاع من خلال هذه الجملة ان يفحمهم ويسدّ عليهم طريق الردّ عليه ، فإذا قالوا : آلهتنا لا تسمع ولا تنطق. فتبّا لهذه الآلهة! وإذا قالوا : تنطق.
فلما ذا لا يتكلّمون؟!( فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ) اي قالت لهم أنفسهم : انّكم ظالمون ، وعلى اي حال كان عليهم ان يجيبوا( ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ) هكذا كان جواب ابراهيم كالصاعقة على رؤوسهم( أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) .
وعند ما رأوا انّهم لا يستطيعون مقاومة هذا المنطق الرصين( قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) .
__________________
(1) سفينة البحار ، ج 1 ، ص 74.
(2) الكامل لابن الأثير ج 1 ـ ص 99.
هذا نموذج من المنطق الواضح المبيّن والذي كان ابراهيم فيه هو الفائز.
8 ـ لقد عدّ القرآن الكريم الحنيفيّة الابراهيميّة واحدة من مفاخر المسلمين(1) وانه هو الذي( سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ ) (2) .
9 ـ وضع مناسك الحجّ بأمر من الله ، ولذلك امتزج اسمه في جميع مراسيم الحجّ ، حيث يتذكّر كلّ مسلم أثناء ادائه للفرائض هذه الشخصيّة العظيمة ويحسّ بعظمة نبوّته في قلبه ، انّ أداء فريضة الحجّ بدون ذكر ابراهيم تصبح خاوية المعنى.
10 ـ لقد حاولت كلّ المذاهب ان تنسب ابراهيم لنفسها ، فاليهودية والنصرانية تؤكّدان على صلتهما به بسبب شخصيته الكبيرة ، ولكن القرآن الكريم ينفي هذه الصلة حيث يقول تعالى :( ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (3)
* * *
آمين ربّ العالمين
نهاية المجلد السّابع
__________________
(1) سورة الأنبياء ، 763 ـ 6 ، وسورة الحجّ ، 78( مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ ) .
(2) الممتحنة ، 4.
(3) آل عمران ، 67.
فهرس الموضوعات
تفسير الآيات : 69 ـ 73 5
جانب من حياة محطم الأصنام 5
تفسير الآيات : 74 ـ 76 11
تفسير الآيات : 77 ـ 80 14
قوم لوط وحياة الخزي 14
ملاحظات
تفسير الآية : 81 ـ 83 21
عاقبة الجماعة الظّالمة 21
ملاحظات
1 ـ لِمَ كان العذاب صباحاً 25
2 ـ لَمِ قلب الله عاليها سافلها 25
3 ـ لماذا الوابل من الأحجار 25
4 ـ لماذا العلامة المتميّزة 26
5 ـ تحريم الإنحراف الجنسي 27
فلسفة تحريم الميول الجنسية لأمثالها 28
أخلاق قوم لوط 31
تفسير الآيات : 84 ـ 86 32
مدين بل دة شعيب 32
تفسير الآيات : 87 ـ 90 37
المن طق الواهي 37
تفسير الآيات : 91 ـ 93 42
الت ّهديدات المتبادلة بين شعيب وقومه 42
تفسير الآيتا : 94 ـ 95 45
عاقب ة المفسدين في مدين 45
دروس تربوية في قصّة شعيب 46
1 ـ أهمية المسائل الإقتصادية 47
2 ـ لاينبغي التّضحية بالأصالة من أجل التعصب 47
3 ـ الصلاة تدعوالى التوحيد والتطهير 47
4 ـ النظرة الذاتيّة (الأنانيّة) رمزللجمود 48
5 ـ تلازم الإيمان والعمل 48
6 ـ الملكية غيرالمحدودة أساس الفساد 49
7 ـ هدف الأنبياء هوالإًصلاح 50
تفسير الآيات : 96 ـ 99 51
الب طل المبارز لفرعون 51
تفسير الآيات : 100 ـ 104 55
تفسير الآيات : 105 ـ 108 59
الس ّعادة الشّقاوة 59
ملاحظات
1 ـ هل أنّ السعادة والشقاوة ذاتيان 62
2 ـ واقع الانسان بين السعادة والشقاوة 64
3 ـ مسألة الخلود في القر آن 65
س ؤال مهم 65
الأجوبة غيرالمقنعة 66
الحلّ النهائي للإشكال 67
4 ـ مفهوم الخلود في هذه ال آيات 70
5 ـ ما معن ى الإستثناء في ال آي ة 71
أسباب السعادة والشقاء 73
تفسير الآيات : 109 ـ 112 77
الاستقامة والثّبات 77
المسؤولية الكبيرة 80
تفسير الآية : 113 82
الرّكون إلى الظالمين 82
ملاحظات
1 ـ ما هو مفهوم الرّكون 82
2 ـ في أيّ الأمور لا ينبغي الرّكون الى الظالمين 83
3 ـ فلسفة تحريم الركون إلى الظالمين 83
4 ـ من المقصود ب«الذين ظلموا» 84
5 ـ إشكال 85
تفسير ال آيتان : 114 ـ 115 87
الصلا ة والصبر 87
الأهمية القصوى للصلاة 89
أرجى آية في القر آن 91
تفسير الآيتان : 116 ـ 117 94
عامل ال إنحراف والفساد في المجتمعات 94
من هم (أولوا بقيّة) 96
تفسير الآيتان : 118 ـ 119 99
ملاحظات
تفسير الآيات : 120 ـ 123 103
أربع معطيات لقصص الماضين 103
ملاحظات
1 ـ علم الغيب خاص بالله 106
2 ـ العبادة لله وحده 107
سورة يوسف
«بداية سورة يوسف» 111
4 ـ قصّة يوسف قبل الإسلام وبعده 113
5 ـ لِمَ ذكرت قصّة يوسف في مكان واحد على خلاف قصص سائرالأنبياء 114
6 ـ فضيلة سورة يوسف 115
تفسير الأيات : 1 ـ 3 117
أحسن القصص بين يديك 117
أثر القصّة في حياة الناس 121
تفسير الآيات : 4 ـ 6 125
بارق ة الأمل وبداية المشاكل 125
ملاحظات
1 ـ الرّؤيا والحُلم 128
1 ـ التّفسير المادي 129
2 ـ التفسير المعنوي 130
تفسير الآيات : 7 ـ 10 136
الم ؤامرة 136
ملاحظات
5 ـ أثرالحسد المدمّرفي حياة الناس 140
تفسير الآيات : 11 ـ 14 144
الم ؤامرة المشؤومة 144
بحوث
1 ـ مؤامرة الأعداء في ثياب الأصدقا 147
2 ـ حاجة الإنسان الفطرية والطبيعة الى التنزّه والإرتياح 148
3 ـ الولدفي ظلّ الوالد 150
4 ـ لاقصاص ولا اتهام قبل الجناية 152
5 ـ تلقين العدوّ 152
تفسير الآيات : 15 ـ 18 154
الکذب المفضوح 154
ملاحظات
1 ـ حول الترك «الأ ول ى» 158
2 ـ دعاء يوسف البليغ الجذّاب 160
4 ـ تسويل النفس 161
5 ـ الكذاب عديم الحافظة 162
6 ـ ما هو الصبرالجميل 162
تفسير الآيات : 19 ـ 20 164
نحو أرض مصر 164
تفسير الآيتان : 21 ـ 22 167
في قصر عزيز مصر 167
ملاحظات
1 ـ ما هواسم «عزيز» مصر 170
2 ـ يوسف عليه السلام وتعبيرالأحلام 171
3 ـ المراد من قوله تعالى :( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ) 172
تفسير الآيتان : 23 ـ 24 175
العشق الملتهب 175
المراد من كلمة «ربّي» 182
ما المراد من برهان ربّه 182
ملاحظات
1 ـ جهاد النفس 183
2 ـ ثواب الإخلاص 185
3 ـ العفّة والمتانة في البيان 186
تفسير الآيات : 25 ـ 29 189
فضيح ة امرأة العزيز 189
ملاحظات
1 ـ من كان الشاهد 192
2 ـ الموقف الضعيف لعزيزمصر 194
3 حماية الله في الأزمات 194
4 ـ خطّة أمراة العزيز 195
تفسير الآيات : 30 ـ 34 196
م ؤامرة أُخرى 196
ملاحظات
تفسير الآيات : 35 ـ 38 204
الس ّجن بسبب البراءة 204
تفسير الآيات : 39 ـ 42 210
الس ّجن أو مركز التّربية 210
ملاحظات
1 ـ السّجن مركزللإرشاد أو بؤرة للفساد 214
2 ـ حين يُصلبُ المصلحون 215
3 ـ أكبردروس الحريّة 215
4 ـ إستغلال شعاربنّاء بشكل سييء 216
5 ـ التوجّة لغيرالله 217
تفسير الآيات : 43 ـ 49 219
ر ؤيا مل ك مصر وما جرى له 220
ملاحظات
تفسير الآية : 50 ـ 53 226
تبرئة يوسف من كلّ إتّهام 226
ملاحظات
1 ـ هذه عاقبة التقوى 230
2 ـ الهزائم التي تكون سبباً للتيقّظ 231
3 ـ الحفاظ على الشرف خير من الحرية الظاهرية 232
4 ـ النفس الأمّارة «المتمردّة» 232
تفسير الآية : 54 ـ 57 235
يوسف أميناً على خزائن مصر 235
بحوث
1 ـ كيف إستجاب يوسف لطلب طاغوت زمانه 238
2 ـ أهميّة المسائل الإقتصادية والإدارية 240
3 ـ الرقابة على الإستهلاك 242
4 ـ مدح النفس 244
5 ـ أفضليّة الجزاء المعنوي على سواه 245
6 ـ الدفاع عن المسجونين 245
تفسير الآيات : 58 ـ 62 247
إقتراح جديد من يوسف لاُخوته 247
بحوث
1 ـ لماذا يظهر يوسف حقيقته لإخوته 251
2 ـ لماذا أرجع يوسف الأموال إلى إخوته 251
3 ـ كيف وهب يوسف إلى إخوته أموال بيت المال 252
تفسير الآيات : 63 ـ 66 254
موافق ة يعقوب 254
بحوث
تفسير الآيتان : 67 ـ 69 259
تفسير الآيات : 69 ـ 76 263
يوسف يخ طّط للإحتفاظ بأخيه 263
بحوث
1 ـ لماذا لم يعترف يوسف بالحقيقة 268
2 ـ لماذا اتّهم يوسف أخاه 268
3 ـ لماذا اتّهام الجميع بالسرقة 269
4 ـ عقوبة السرقة في تلك الأزمنة 270
5 ـ السقاية أوالصواع 271
تفسير الآيات : 77 ـ 79 272
موقف إخوة يوسف 272
تفسير الآيات : 80 ـ 82 275
رجوع الإخوة إلى أبيهم خائبين 275
بحوث
1 ـ من هو أكبرالإخوة 278
2 ـ الحكم وفق الدلائل الظاهرة 278
تفسير الآيات : 83 ـ 86 280
يعقوب والآل طاف الإلهية 280
تفسير الآيات : 87 ـ 93 284
الي أس علامة الكفر 285
بحوث
1 ـ من الذي حمل قميص يوسف 291
2 ـ يوسف وجلالة شأنه 291
3 ـ الشكرعلى الإنتصار 292
تفسير ال آيات : 94 ـ 98 294
و أخيرا شملتهم رعاية الله ولطفه 294
ملاحظات
1 ـ كيف أحسّ يعقوب برائحة قميص يوسف 297
2 ـ إختلاف حالات الانبياء 298
3 ـ كيف رُدّ على يعقوب بصره 300
4 ـ الوعد بالإستغفار 300
5 ـ التوسّل جائز 301
6 ـ نهاية الليلة السوداء 301
تفسير الآيات : 99 ـ 100 302
عاقبة أمر يوسف وأبيه وإخوته 302
بحوث
1 ـ هل السجود لغيرالله جائز 305
2 ـ وساوس الشيطان 307
3 ـ الأمن نعمة الله الكبرى 307
4 ـ أهمية مقام العلم 308
5 ـ حسن العاقبة 308
6 ـ هل جاءت أم يوسف إلى مصر 309
7 ـ عدم ذكر القصّة للأب 309
تفسير الآيات : 102 ـ 107 311
الأ دعياء مشركون غالباً 311
تفسير الآيات : 108 ـ 111 316
أصدق الدروس والعبر 316
«نهاية سورة يوسف» 321
سورة الرعد
محتوى السّورة 325
تفسير الآيات : 1 ـ 4 327
آيات الله في السّماء والأرض وعالم النّبات 327
هناك عدّة نقاط 335
1 ـ ما هي وجه العلاقة بين التوحيد والمعاد 335
2 ـ الإعجاز العلمي للقرآن 336
3 ـ تسخير الشمس والقمر 336
تفسير الأيتان : 5 ـ 6 339
تعجّب الكفّارمن المعاد 339
ملاحظتان
1 ـ لماذا التعجّب في الخلق الجديد 341
2 ـ هل إنّ الله يعفو عن الظالمين 342
تفسير الآية : 7 343
ذريعة أُخرى 343
بحثان
هنا يرد سؤالان 344
1 ـ هل ال آي ة «إنّما أنت مذر ...» جواب للكفّار 344
2 ـ ما هوالمقصود من جملة (لكلّ قومٍ هاد) 345
تفسير الآيات : 8 ـ 10 347
عِلمِ الله المطلق 347
في تفسيرهذه الجمل الثلاث هناك آرا ء مختلفة بين المفسّرين 348
بحوث
1 ـ القر آن وعلم الآجن ّة 349
2 ـ كلّ شيء له مقدار 350
3 ـ الغيب والشهادة سواء عندالله 351
4 ـ ال آثار التربوي ة في إدراكنا لعلم الله 352
تفسير الآية : 11 353
المعقّبات الغيبية 353
بحوث
1 ـ ماهي المعقّبات 354
2 ـ التغيير بدأ من النفس (قانون عام) 355
تفسير ال آيات : 12 ـ 15 358
قسم ُ آخر من دلائل عظمة الله 358
بركات الرعد والبرق 359
بحوث
1 ـ ما هو المقصود من سجود الكائنات 363
2 ـ ما هو معنى (طوعاً وكرهاً) 364
3 ـ ما هو معنى كلمة (الظلَّال) 364
4 ـ ما هو معنى كلوة (ال آصلال) 365
تفسير الآية : 16 366
لماذا عبادة الأصنام 366
بحوث
1 ـ الخالقية والرّبوبية يتطلبّان العبادة 368
2 ـ كيف يسأل ويجيب بنفسه 368
3 ـ العين المبصرة ونورالشمس شرطان ضروريان 369
4 ـ هل أنّ خلق الله لكلّ شيء دليل على الجبر 369
تفسير الآية : 17 371
وصف دقيق لمنظرالحقّ والباطل 371
بحوث
1 ـ ما هي علائم معرفة الحق والباطل 373
2 ـ ما هو الزّبد 374
3 ـ الإستفادة تكون بقدرالإستعداد واللياقة 374
4 ـ الباطل والأوضاع المضطربة 375
5 ـ الباطل يتشكل باشكال مختلفة 375
6 ـ إرتباط البقاء بالنفع 375
7 ـ كيف يطرد الحقّ الباطل 376
8 ـ الباطل مدين للحق ببقائه 376
9 ـ صراع الحقّ والباطل مستمر 376
10 ـ تزامن الحياة مع السعي والجهاد 377
الأمثال في القر آن 378
1 ـ المثال يجعل المسا ئل محسوسة 378
2 ـ المثال يُقرب المعنى 378
3 ـ المثال يعمّم المفاهيم 378
4 ـ المثال ، يزيدُ في درجة التصديق 379
5 ـ المثال يُخرس المعاندين 379
تفسير الآية : 18 382
الذين استجابوا لدعوة الحقّ 382
بحث
تفسير الآيات : 19 ـ 24 386
الآبواب الث ّمانية للجنّة وصفات أولى الألباب 386
بحوث
1 ـ لماذا ذكر الصبر فقط 393
2 ـ أبواب الجنّة 394
3 ـ يلحق بأهل الجنّة أقرباؤهم 395
4 ـ ما هي جنّات عدن 395
5 ـ التطهير من آثار الذنوب 395
تفسير الآيتان : 25 ـ 26 397
المفس دون في الأرض 397
بحثان
1 ـ من هو المفسد في الأرض 399
2 ـ الرزق بيدالله سبحانه وتعالى ولكن 402
تفسير الآيات : 27 ـ 29 404
ألا بذكرالله تطمنّ القلوب 404
بحوث
1 ـ كيف يطمئن القلب بذكرالله 406
2 ـ الطمأنية والخوف من الله 410
3 ـ ماهو ذكرالله ، وكيف يتمّ 410
تفسير الآيات : 30 ـ 32 412
أسباب النّزول 412
لا أمل في إيمان أهل العناد 414
بحوث
1 ـ لماذا التركيز على كلمة «الرحمان» 416
2 ـ لماذا لم يستجب النّبي لمطاليبهم 416
3 ـ ما هي القارعة 417
تفسير الآيتان : 33 ـ 34 419
کيف تجعلون ال أصنام شركاء مع الله 419
تفسير الآية : 35 422
تفسير الآية : 36 425
المؤمنون والأحزاب 425
بحث
الإيمان ولإئتلاف الحزبي 427
تفسير الآيات : 37 ـ 40 429
الحوا دث «الثّابتة» والمتغيّرة» 429
نقطتان 432
1 ـ لوح المحو والإثبات وأمّ الكتاب 432
2 ـ ما هو البداء 435
تفسير الآيات : 41 ـ 43 440
البشري ة فانية ووجه الله باقٍ 440
سورة إبراهيم
محتوى السورة 447
فضيلة السورة 448
تفسير الآيات : 1 ـ 3 449
الخروج من ال ظّلمات إلى النّور 449
ملاحظات
1 ـ مثل الإيمان وطريق الله مثل النّور 452
تفسير الآيات : 4 ـ 7 454
الآي ام الحسّاسة في الحياة 454
بحوث
1 ـ التذّكر لأيام الله 459
2 ـ طريقة الجبّارين في التعامل 460
3 ـ الحرية من أفضل النعم 461
4 ـ الشكر سبب لزيادة النعم والكفرسبب للفناء 461
تفسير الآيات : 8 ـ 10 466
أفي الله شكّ 466
تفسير الآيتان : 11 ـ 12 471
التوک ّل على لله وحده 471
ملاحظات
1 ـ ما هو معنى التوكّل 473
2 ـ المعاجز بيد الله تعالى 473
3 ـ ما هي حقيقة وفلسفة التوكّل 473
فلسفة التوكّل 474
تفسير الآيات : 13 ـ 17 477
خ طط الجبّارين المعاندين ومصيرهم 477
بحوث
1 ـ ماذا يعني مقام الربّ 481
تفسير الآية : 18 483
رماد إشتدت به الريح 483
بحوث
1 ـ لماذا شبّهت أعمالهم كرماد إشتدّت به الريح 484
الجواب 484
2 ـ لماذا فرغت أعمالهم من المحتوى 485
3 ـ مسألة الإحباط 486
4 ـ هل للمخترعين والمكتشفين ثواب إلهي 487
تفسير الآيتان : 19 ـ 20 491
الخلق على أساس الحقّ 491
تفسير الآيات : 21 ـ 23 493
المحا دثة الصريحة بين الشيطان وأتباعه 493
ملاحظات
1 ـ ما هوالمراد من (وبرزوالله جميعا) 494
2 ـ ما هو المقصود من جملة (لو هدانا الله لهديناكم) 495
3 ـ أوضح بيان في ذم التقليد الأعمى 495
بحوث
1 ـ جواب الشيطان الحاسم لأتباعه 496
تفسير الآيات24 ـ 27 499
الشّجرة الطيّبة والشّجرة الخبيثة 499
بحوث
1 ـ هل القصد من ال آخر ة في الآية هوالقبر 504
2 ـ دور الثبات والإستقامة 505
3 ـ الشجرة الطيبّة والخبيثة في الرّوايات الإسلامية 506
تفسير الآيات : 28 ـ 30 507
نهاية كفران النعم 507
بحوث
تفسير الأيات : 31 ـ 34 511
عظمة الإنسان من وجهة نظر الق رآن 511
بحوث
1 ـ الصل ة بالخالق والصلة بالخلق 513
2 ـ لماذا السرّ والعلانية 514
3 ـ يوم لابيع فيه ولا خلال 515
4 ـ كلّ الموجودات تحت إمرة الإنسان 515
5 ـ دائبين 517
6 ـ هل يُعطينا الله كلّ ما نطلب منه 518
7 ـ لماذا لا تُحصى نعماؤه 518
8 ـ أسفاً..إنّ الإنسان ظلوم وكفّار 519
تفسير الآيات : 35 ـ 41 520
دعاء إبراهيم عليه السلام 521
بحوث
1 ـ هل كانت مكّة في ذلك الوقت مدينة 523
2 ـ أمان أرض مكّة 524
3 ـ دعاء إبراهيم لإجتناب عبادة الأصنام 524
4 ـ من هم أتباع إبراهيم 525
5 ـ وادٍ غيرذي زرع والحرم الأمن 526
6 ـ الدعوات السبعة لإبراهيم 527
7 ـ هل يدعو إبراهيم لأبيه 528
تفسير الآيات : 42 ـ 45 529
اليوم ال ذي تشخّص فيه الإبصار 529
بحوث
1 ـ لماذا وجّه الخطاب هنا إلى الرسول الأكرم 531
2 ـ ما هو المقصود من (يوم يأتيهم العذاب) 532
3 ـ لماذا لا تُقبل المهلة 533
تفسير الآيات : 46 ـ 52 535
لاف ائدة من مكرهم 535
بحوث
1 ـ تبديل الأرض غير الأرض والسماوات 540
2 ـ بداية وختام سورة إبراهيم 542
3 ـ التوحيد هوالبداية والنهاية 543
حياة النبّي إبراهيم عليه السلام 544
ولادته وطفولته 544
محاربته للمجاميع المختلفة من الوثنين 545
الجهاد المنطقي مع الوثنيين 545
الحديث مع آزر 546
نبوّة إبراهيم عليه السلام 547
الجهاد العملي مع الوثنيين 547
الحديث مع الحاكم المتجبّر 547
هجرة إبراهيم 548
المرحلة الأخيرة للرسالة 548
منزلته عليه السلام في القرآن 550
فهرس موضوعات 553