الوهّابيّون
والـبيوت المـرفوعة
الشيخ محمد علي بن حسن
الهمداني السنقري الكردستاني
بسم الله الرحمن الرحيم
( في بيوت أذن الله أن تُرفعَ ويذكر فيها اسمه يسبّح له فيها بالغدوّ والاصال )
( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلبُ فيه القلوب والابصار )
القرآن الكريم، سورة النور (٢٤)، الايتان (٣٦ - ٣٧)
المؤلّف:
ولد في السابع من جمادى الاُولى عام ١٢٩٣، وكان والده من علماء مدينة همدان في غرب إيران، فأخذ منه ومن جمع من علماء عصره وتعلّم اللّغات المختلفة منها «العبرية والسريانية، عند أحد القساوسة الذي اعتنق الاسلام، وهو فخر الاسلام صاحب (أنيس الاعلام) فكان يحاجج اليهود والنصارى، بما في كتبهم، وهدى الله جمعاً منهم إلى الاسلام على يديه وهاجر إلى المحاضر العلمية، وأخذ منها ما يروي الغلة.
ثمّ استقر في مدينة (سنقر) الكردستانية في إيران، لتبليغ الاسلام، فكانت له محاضر ومجالس ضخمة، وعلى يديه اهتدى جمع كثير من اصحاب المذاهب الاُخرى لقوة حجّته وسلامة منطقه.
وتوفي في شهر محرم عام ١٣٧٨هـ في زيارة له إلى العراق، له مؤلّفات عديدة، نشر بعضها.
الّفه الشيخ العلامة السنقريّ، لمّا قام اصحاب الفرقة بهدم بعض المساجد والبيوت المنسوبة إلى زوجات النبي اُمهات المؤمنين وبعض الصحابة الكرام، وكذلك ما كان لاهل البيت النبويّ الطاهر وقرباه، من البيوت والمشاهد والقباب التي كانت تظلّل قبورهم، ويستظلّ بها الذين كانوا يصلون إلى هذه الاماكن لتجديد الذكرى بأصحابها.
مع أن القاصدين لهذه المواضع كانوا من طوائف المسلمين والمذاهب المختلفة وكلها تجوّز قصدها للتقرّب إلى الله عزّوجلّ بتجديد العهد مع الله بمشاهدة تلك الاماكن التي وقعت فيها حوادث السيرة النبويَّة، ووضعت فيها جثثت شهداء الاسلام، ومع أن الفقهاء للمذاهب يجوّزون زيارة تلك المواضع، اعتماداً على أدلة الكتاب والسنّة والاجماع إلاّ أن الدعاة حاولوا تحكيم رأيهم وفرض فتاواهم، على سائر المسلمين، ولقد قاموا بهدم تلك البيوت، على فتاوى من علمائهم.
وقد ألّف علماء المسلمين في هذا كتباً قيّمة، للاستدلال على بطلان تلك الفتاوى ومنها هذا الكتاب.
وقد احتوى على الاجابة عن كل الادلّة التي ذكرها مؤسس الفرقة وإمامها في كتابه الموسوم بـ (كشف الشبهات) وهو أهم كتبه في هذا الباب.
قدّم المؤلّف لكتابه مقدمة قصيرة، مركّزاً على أهم ما قصدهُ في جوابه هذا.
ثمّ بناه على مقامات ثلاثة:
المقام الاول: في أنّ مجرّد دعاء شخص لشخص، ليس عبادة من الداعي، للمدعوّ، فالعبادة تحتاج إلى أكثر من مجرّد الدعاء، وهو قصد العبودية من الداعي والالوهية في المدعوّ:
فالاستغاثة بالانبياء والائمة والاولياء بجعلهم وسائط إلى الله، لقربهم منه، ليس عبادة لهم، بل هو عبادة له، لانّه أمرنا بهذا.
ومثل ذلك الاستشفاع بهؤلاء.
ثم أثبت الادلة على ثبوت الشفاعة للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأجاب عن أدلّة الوهابيّة في إنكارها وكل ذلك في المقام الثاني.
وأثبت أنّ الاستشفاع يتحقّق في الحيّ والميّت بلا فرق، لورود ذلك في الادعية والزيارات المأثورة، كما عليها سيرة الامة الاسلامية، مدى العصور والقرون الاُولى التي هي خير القرون، وعلى طول الاعوام المتعاقبة.
ولانّ الذين يزورهم المسلمون: أحياء في قبورهم يرزقون، بنصّ الكتاب والسنّة.
وفيه الردّ على التفريق بين الحياة والموت في شأن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والتوسّل به.
وكذا الدعوى على المسلمين كافة، بقصد الشرك وغيره من الباطل، رجماً بالغيب وافتراء وبهتاناً.
وفي المقام الثالث: أتيت الاوامر الشرعيّة بالتوسل والاستغاثة وزيارة الاموات وبناء الضرائح والقباب.
والجواب عن الشبهات بدعوى أن البناء تصرّف في الارض المسبلة والوقف.
وإثبات أنّ قباب آل البيت في البقيع، كانت ملكاً لهم، لا وقفاً مُسبّلاً.
والاجابة عن شبهة تسنيم القبور، وعن حرمة زيارة القبور.
وفيه شىء من انتهاك اولئك لحرمات الاموال والدماء عندما سيطروا على الحرمين والطائف.
وفي الخاتمة: أورد المؤلّف الاحاديث النبوية التي دلّت على ظهور هذه الفرقة، وحذّرت منها، وهي من (دلائل النبوّة ومعاجزها).
إن المؤلّف العلامة، عرض جميع هذه المواضيع، بشكل هادىء، ومستند وقويّ، وأوجز في العرض بشكل رائع وواضح.
وناقش بحجج علمية متينة، ممّا دلّ على امتلاكه لازمّة العلم والتحقيق.
عملنا:
وقد قمنا بإخراج الكتاب في حلّة حديثة، مع التعريف بالمؤلّف، وتوزيع الكتاب بشكل فنّي، ووضع العناوين اللازمة في مواقعها بين المعقوفتين.
كما قمنا بتخريج الاحاديث المهمة للتسهيل والتوثيق.
وعملنا فهارس للايات والاحاديث والالفاظ تسهيلاً على المراجعين.
والحمد لله على إحسانه ونسأله الرضا عنا بجلاله وإكرامه إنّه ذو الجلال والاكرام.
لجنة التحقيق
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله الذي توحيدُه في تنزيهه، وغاية معرفته في تقديسه. تفرّد بالكبرياء والاحَديّة، وتسربل بالعظمة والمعبوديّة.
والصلاة والسلام على من اصطفاه الله واختاره واجتباه، ختم به النبوّة، وحباه بالوسيلة والشفاعة، فصدع بأمره في أُمّته، وقَرَنَ بين كتاب الله وعترته، بعد أن اختصّهم بفرض المودّة واتّباع الاُمّة.
محمّد وآله الذين صلّى الله عليهم وسلّم تسليماً، وأذْهِبْ عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
وبعدُ: فإنّي بعدما أسلفتُ شطراً من الكلام فى الجواب عمّا كان قد نسجته أوهام ابن تيميّة في شبهاته، وأورده في «منهاج سُنّته» فقد ظفرت اليوم برسالة اُخرى للمقتفي آثاره مرجع الوهّابيّين «محمد بن عبد الوهاب» الموسومة بـ «كشف الشبهات» في التشكيك بالمتشابهات.
فمحصّل الجواب عمّا نسجه بوهمه وتشكيكه في رسالته لمعنى العبادة والشرك ; بأنّ دعآء الغير عبادة له، والتوسّل به عبوديّة له، منافية لتوحيد الله والاخلاص به.
هو أنّه لا ريب في أنّ مطلق الدعاء للغير ليس عبادة له ولا مطلق الاستغاثة والاستعانة به عبوديّة له ; ضرورة افتقار العباد في حاجاتهم ونيل أمورهم في عاديّاتهم، بل وفي عباديّاتهم، كما أمر الله تعالى بالتعاون على البرّ والتقوى.
وكذا لاشبهة في أنّ مطلق الخضوع والانقياد وخفض الجناح لغيره تعالى، ليس بعبادة له، ومنافية لتوحيد الله والاخلاص له تعالى.
فلو كان مطلق التعاون والاستعانات والاستغاثات والتوسّلات شِركاً، لكان الوّهابيّون بذلك أوّل المشركين. ولو كان مطلق الخضوع والانقياد والخفض للغير شركاً في عبادة الله، لما أمر الله تعالى به، ولكان الامر بالسجدة في قوله تعالى لملائكته:( اُسجُدُوالادَمَ ) أمراً بالشرك؟!
وكان لابليس أن يعترض عليه سبحانه في ذلك، فيقول:
ياربِّ لِمَ تأمُرني بالسجودِ لِغيِرِك، وهوالشرك المنافي لتوحيدك والاخلاص لك!
ولكان الاستدلال بذلك أولى من استدلاله بالقياس الفاسد.
ولكان إبليس بامتناعه هذا من السجدة أوّل الموحّدين، كمازعمه جمع من الصوفيّة، وقاله بعضهم في «فصوص حكمه»، وتبعه أتباعه في شروحهم عليه، فالمدار على الحقائق دون الصور!
فلو كان مطلق الخضوع شركاً وعبادة للغير، لكان خضوع العبيد للموالي والرعايا للرؤساء والملوك، والزوجات للازواج والتلميذ للمعلّم، كلّها خضوعاً لغير الله وشركاً به وعبادة لغيره!
ولم يقل به أحد، ومعه لا يقوم حجر على حجر.
ولو كان ذلك شِرْكاً في عبادته، لكان تقبيل الحجر الاسود واستلامه عبادته!
ولكان مسّ الاركان والتبرّك بها عبادتها!
ولكان أمر الله لبني إسرائيل في أريحا يوم دخول القرية بالخضوع لباب حطّة.
وأمر الله نبيّه بخفض الجناح لمن اتّبعه من المؤمنين.
وأمر الله عباده بالخفض للوالدين، والزوجة للزوج. كل ذلك أمراً بالشرك؟!
ولكان يعقوب وولده بسجودهم ليوسف حين خرّواله ساجدين، وكلُّ من أُولئك في خضوعهم المأمورين به مشركين؟!
وذلك لوضوح أنّ كلّ هذا إنّما هو عبادة الامر بها، لا عبادتها إيّاها.
سبحان الله.
ما أجهل المعترضين على الايات، وما أغفلهم عن البيّنات.
وما أشدّ إعراضهم عن المحكمات إلى المتشابهات.
فليس ذلك إلاّ لانّ العبادة ليس المراد منها معناها اللغوي - أعني مطلق الطاعة والدعاء -. بل إنّما حقيقة العبادة هي مجرّد الطاعة والامتثال لامر الله الواجب وجوده، العظيم لذاته ; ونفسُ الانقياد وإتباعه بكلّ ما أمر به دعاءً كان أو نداءً أو خضوعاً أو سجدة أو توسّلاً أو استشفاعاً إلى غير ذلك، ممّا يرجع إليه بالاعتبار اللفظي أو العقلي أو العادي. وتدور العبادة والشرك - وجوداً وعدماً - مدار الطاعة والانقياد بقصد الامتثال والاستقلال في المألوهية ; بمعنى أنّ العبادة
هي ما قُصد به الامتثال بداعي الامر بها مطلقاً.
وأمّا الشرك: فهو تشريك الغير بالاستقلال في المعبوديّة، واتّخاذه دون الله أو مع الله بالالوهية. فما هذا التمويه والمغالطة؟! وما هذا الخلط الظاهر وخبط العشواء؟! وما أغفلهم عن كلمات الله؟! وليتهم تعلّموا من إبليس ; حيث إنّه لم يَرَ الامر بالسجدة للغير شرْكاً بالله منافياً لتوحيده تعالى.
بل، ودرى بها - من حيث إنّها مأمور بها - عين توحيده وعبوديّته، فلم يردّ على الله بشيء من ذلك، إلاّ باختياره عصيانه ومخالفته، وسلوكه مسلك الاستكبار بحسده وعُتُوّه وكِبْره وغُلُوّه، ولذلك طغى وعصى وتمرّد وأدبر واستكبر فكفر.
وأمّا الذين ينكرون ويجحدون ما جاء في مأثور السُّنّة ; من الاستشفاع إلى الله بالانبياء والاولياء، فحق أن يُتلى فيهم قوله تعالى:( أمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إبْرَاهِمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَ آتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عظيماً ) .
فلا يُغرّنّك الانتساب إلى التوحيد، ولا تلاوة آيات الله المجيد.
ولا تحكُمْ بأوّلِ ما تراهُ فأوّلُ طالع فجرٌ كذوبُ
الاوّل: بيان جواز مطلق الدعاء للغير والاستعانة بالغير، وأنّها لا تكون شركاً
بالله وعبادة لغيره.
الثاني: ثبوت الشفاعة - من حيث الكبرى - للشافعين من الانبياء والمرسلين، بل وغيرهم من المؤمنين، وأنّها تعّم الاحوال والنشآت دنياً أو آخرة ; حيّاً كان الشفيع أو ميّتاً.
الثالث: ثبوتها - من حيث الصغرى - بالعمومات الواردة في الاستشفاعات والتوسّلات ; كتاباً وسُنّة وإجماعاً وعقلاً.
المقام الاوّل
قد ظهر ممّا تقدّم في معنى العبادة والشرك ما يُعرف به فساد ما ادّعاه المتكلّف.
فقوله: «والدعاء مخّ العبادة...» إلى آخره.
تمويه في استدلاله بالمغالطة الواضحة، وما اكتفى به حتّى بنى عليها قذفه لعباد الله وموحّديه بالشرك والارتداد، وسعى في خراب العباد والبلاد، فهاك فصيح الجواب عنها بالاشارة إلى موضع تمويهه:
أمّا قوله: «فإنّ الدعاء مُخّ العبادة».
فمسلّم، كما هو المرويّ عن أئمّتنا - سلام الله عليهم - لكن هذه المغالطة غير مُجدية لدعواه، فإنّه إن جعلها صُغرى لقياسه ; بأن يقول: الدعاء مُخّ العبادة، وكلّ
عبادة لغير الله شِرك.
قلنا: وهل يخفى على أحد أنّ قوله ذلك لا يصحّ منه إلاّ قضيّة شخصيّة، وهي دعاء الله، فإنّ دعاءه يكون مخّ عبادته ; من حيث معرفته والالتجاء إليه، والاعتراف بأنّه الاله الواحد القادر المطلق.
وأين هذا من دعائي ولدي، وأقول: يا فلان أعطني كذا، أو توسّط لي عند فلان بكذا.
هذا، وإن زعم أنّها كلّيّة ; بمعنى: أنّ كلّ دعاء من كلّ أحد لكلّ أحد في كلّ عنوان، هو عبادة له ومخّ العبادة.
فهذا الزعم واضح البطلان، فلينظر إلى أصحابه وعلمائه وأُمرائه، فكم يدعو وينادي الرجل منهم غيره، ويستعين به في حوائجه في حَلّهم وارتحالهم، وسلمهم وحربهم، وقضائهم وسياستهم.
فهل كلّ هذا عبادة لغير الله وشِرْك به؟! وهل كلٌّ منهم مشركون؟!
وأمّا قوله فيما استشهد به من قول الله في سورة القصص:( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) .
فقد دلّت الاية على جواز الاستغاثة بالمخلوق في إبقاء الحياة ; وحفظ النفس من الهلكة; أولغيرذلك من الغايات، كمااستشهدبه هولذلك،وناقض به دعواه الاولى.
وأمّا دعواه جواز حصرها في أمر الدنيا وفيما هو المقدور للعباد من الاحياء بزعمه وقياسه.
فإنّما تردّها الايات المطلقة التي استدلّ بها على دعواه ; حسبما ادّعاه على أنّ
مطلق الاستعانة بالغير والابتهال إليه والتضّرع لديه شرْك به تعالى.
على أنّه يردّها قوله تعالى في غير موضع من القرآن( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ ) .
حيث دلّت الاية على لزوم الدعاء إلى الله في قضاء الحاجات، والنجاة من الهلكات منه سبحانه تعالى، وأنّ ما عداه شِرْك مُناف للاخلاص.
وعليه يلزم التناقض بين الايتين.
ودفعه لا يكون إلاّ بدعوى: أنّ الاستعانة بالغير على وجه الاستقلال والاستبداد - بإلغاء ذي الواسطة - فيكون شركاً مُنافياً للعبادة والخلوص، كما تقدّم في معنى الشرك.
وهذا من غير فرق بين جعل الواسطة في الاُمور المتعلّقة بهذه النشأة أو غيرها ; حيث إنّ الشرك حرام شرعاً وقبيح عقلاً، وحكم العقل ليس قابلاً للتخصيص ولا التبعيض، وقد قَبِله الشرع مع اتّحاد المناط في الحرمة.
فدعوى المتكلّف: أنّ الاستشفاع بغير الله شرك، مستدلاّ:
تارة بقوله:( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاَّ بِإذْنِهِ ) .
وأخرى بقوله تعالى:( وَلاَ يَشْفَعُونَ إلاَّ لِمَن اِرْتَضَى ) .
ومرّة بقوله تعالى في سورة سبأ:
( وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) .
وتارة بقوله تعالى في سورة طه:( يَوْمَئِذ لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ) .
وأُخرى بقوله تعالى:( مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى ) .
إلى آخر ما استشهد به لدعواه.
فقد يردّها: أنّ الشفاعة من المعاني النسبيّة القائمة بالطرفين، نظير العقود والمعاملات القائمة بالموجب والقابل، فمتى لم يرضَ المُشفِّع، كما لو لم يشفع الشفيع، تقع الشفاعة لغواً.
فعدم الشفاعة تارة لفقد المقتضي، أعني قابليّة الشفيع للشفاعة، أو المشفَّع له.
أو لوجود مانع هناك ; أعني بلوغ المعصية إلى حدّ تمنع عنها حسبما نراه في المتعارفات الخارجية.
مضافاً إلى دلالة غير واحدة من الايات عليه، مثل قوله:( إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح) الاية، حيث نهى الله نبيّه من الشفاعة في ولده ; لانّه قد بلغ في المعصية والمخالفة مالا تصحّ معها الشفاعة له.
ومثله قوله تعالى: أمّا في المنافقين ففي موضعين من القرآن:
أحدهما: في سورة براءة (التوبة):( إنْ تَسْتَغفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ) .
والاُخرى: في سورة المنافقين قوله تعالى:( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ) .
وأمّا في المشركين فقوله تعالى في سورة براءة (التوبة):( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالّذِينَ آمَنُوا أن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ )
، فتأمّل في قوله( مِنْ بعْدِ مَا تَبَيَّن ) ولا تغفل.
وقال بعض المفسّرين في قوله تعالى في سورة المدثّر:( فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) : إنّ معناه لا شافع ولا شفاعة، فالنفي راجع إلى الموصوف والصفة معاً، والاية من باب( لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً ) من حيث إنّها سالبة بانتفاء الموضوع.
بل، وإذا اشتدّ المانع تجافى الشفيع عن الشفاعة.
وربّما ينقلب الشفيع خصيماً، كما في سورة نوح قوله تعالى:( رَبِّ إنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً ) ، وهذا معنى قوله:( وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى ) وقوله:( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ) ، فمتى صحّ الاذن صحّت الشفاعة، ومتى لم يأتِ الاذن تقع الشفاعة لغواً، والطلب من المشفَّع له باطلاً.
وهذا لا دخل له بحديث الشرك وتضمّن بعض الايات غايتها الدالة على أنّ العبادة للشفيع بإزاء شفاعته يكون شركاً باطلاً، لا أنّ جعل الشفيع يكون كفراً وارتداداً.
بل يكون أمراً راجحاً يحكم به ضرورة العقل، فضلاً عن الشرع، كما سيجيء بيانه في المقام الثاني.
وأمّا الجواب عن ]استدلاله بـ [ قوله تعالى في سورة مريم:( لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ) .
فليس في ظاهر الاية أنّ المقصود منها خصوص أنّ المجرمين لا يملكون الشفاعة لغيرهم، أو خصوص أنّهم لا يملكون شفاعة غيرهم لهم.
لانّ المصدر كما يجوز ويحسن إضافته إلى الفاعل، كذلك يجوز ويحسن إضافته إلى المفعول.
إلاّ أن نقول: إنّ حمل الاية على الوجه الثاني أولى ; لانّ حملها على الوجه الاوّل يجري مجرى إيضاح الواضحات، فإنّ كلّ أحد يعلم أنّ المجرمين الذين يُساقون إلى جهنّم وِرْداً، لا يملكون الشفاعة لغيرهم، فتعيّن حملها على الوجه الثاني.
بل الاية صريحة في الاستدلال بها للشفاعة لاهل الكبائر لقوله تعالى:( إلاَّ مَنِ اتَّخَذَ ) فكلّ من اتّخذ عند الرحمن عهداً بالتوحيد والاسلام أو الايمان بالله، فهو ممّن يجب أن يكون داخلاً تحت هذه الاية، فالاية بظاهرها حجّة عليهم، لالهم.
وأمّا قوله تعالى عن المشركين في سورة الزمر:( مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى ) .
فلوضوح أنّ المذمّة واللوم لم تكن على اعتقاد الشفاعة أو التقرّب إلى الله زُلفى، بل على العبادة الحقيقيّة منهم لاصنامهم، بأنّ لهم مع الله تعالى التصرّف الاستقلالي في الاكوان، وعلّلوها: بأنّا لا نقدر على عبادة الله، فنكتفي بعبادة هؤلاء الاصنام.
وأمّا الجواب عن [الاستدلال بـ ]سائر الايات كلّها:
أنّها مختصّة بالكفّار ; جمعاً بينها وبين الادّلة.
فإنّها بين ما سيقت لذلك، ولدفع توهّم الاستقلال بالشفاعة، مع بيان عظمة الله وكبريائه، وأنّه لا يُدانيه أحد ليقدر على تغيير ما يريده شفاعة وضراعة ; فضلاً عن أن يدافعه عناداً أو مناصبة.
كما في قوله تعالى:( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإذْنِهِ ) .
فالاية مُثبتة للشفاعة، و نظيرها الايات السابقة التي استدلّ بها المتكلّف.
وتؤكّدها الاستثناءات الكاشفة عن ثبوتها.
قال الرازي في قوله تعالى:( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ ) : استفهام معناه الانكار والنفي، أي لا يشفع عنده أحد إلاّ بأمره، وذلك أنّ المشركين كانوا يزعمون أنّ الاصنام تشفع لهم، وقد أخبر الله عنهم: أنّهم يقولون: هؤلاء شفعاؤنا، ما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زُلفى.
فأخبر الله أنّه لا شفاعة عنده لاحد إلاّ من استثناه الله بقوله:( إلاّ بإذنه ) .
ونظيره قوله في سورة النبأ:( يَوْمَ يُقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَ يَتَكَلَّمُونَ إلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقَالَ صَوَاباً ) إنتهى.
وفي سورة النجم:( وَكَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمَواتِ لاَتُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ إلاّ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ) .
وبين ما نزلت ردّاً للمشركين من عَبَدة الاصنام، ورغماً عمّا كانوا يزعمونه من الشفاعة لالهتهم.
كما في سورة بني إسرائيل (الاسراء):( قلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً ) .
وكما في سورة سبأ في قوله تعالى:(
قُلِ ادْعُو الذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ
يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّة ) إلى قوله:( وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلاَّ ) .
وَكَما في قوله تعالى في سورة الزمر:( أَم اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَ لَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ * قُلْ للهِِ الشَّفَاعَةُ ) .
والعجب من المتكلّف حيث أعجبه التمسّك بهذه الاية في منع الاستشفاعات في غير موضع من كتابه.
وهي كما ترى، والمغالطة في إسقاطهم لصدر الاية كما عرفت.
ومثلها ما في سورة يونس:( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَالاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ ) .
وفي سورة الروم:( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الُْمجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ ) .
وفي سورة الاعراف:( يَوْمَ يَأتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا ) .
وفي سورة الكهف:( وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً ) .
وفي سورة الانعام( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةِ بَاسِطُوا أَيدِيهُمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ.. ) إلى قوله:( وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ شُرَكَاء ) إلى غيرها فانها صريحة وافية للمقام.
وبين ما سيقت للردّ على مقالة اليهود ; حيث قالوا: نحن أبناء الانبياء، وآباؤنا يشفعون لنا.
فأجابهم الله بقوله تعالى في سورة البقرة:( وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ) .
وقال تعالى في هذه السورة:( وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً وَلاَ
يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ) .
قال المفسّرون: إنّ حكم هذه الايات مختصّ باليهود ; حيث قالوا: نحن أبناء الانبياء وآباؤنا يشفعون لنا، فآيسهم الله من ذلك، فخرج الكلام مخرج العموم، والمراد به الخصوص.
أقول: وهب أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوصيّة السبب، إلاّ أنّ تخصيص مثل هذا العامّ بمثل هذا السبب المخصوص، ممّا يكفي فيه أدنى دليل ; وكيف بالدلائل القطعيّة القائمة للشفاعة؟! فيخصّص بها قطعاً.
فسقط الاستدلال بالنكرة في سياق النفي تارة.
وبعدم الانتصار اُخرى.
وبعدم إجزاء نفس عن نفس ثالثة.
وهكذا الكلام في نظائرها.
وبين ما سيقت لبيان شدّة الموقف وأهواله، وأنّه - يومئذ - لا ينفع الكفّار بيعهم وخلّتهم وشفاعتهم - بعضهم - في دفع العذاب عن خليله أو مولاه:
مثل ما في سورة الدخان قوله تعالى:( يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلىً عَنْ مَوْلىً شَيْئاً إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللهُ ) .
وقوله في سورة البقرة:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ ) .
قال الرازي: لما قال:( وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ ) أوهم ذلك - أي ألخُلّة والشفاعة مطلقاً - فذكر تعالى عقيبه:( والْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ليدلّ على أنّ ذلك النفي مختصّ بالكافرين، وعلى هذا التقدير تكون الاية دالّة على إثبات الشفاعة في حقّ الفسّاق.
وبين ما لبيان أنّ الشفاعة الثابتة مختصّة بالمرضيّين:
كقوله تعالى في سورة طه( يَوْمَئِذ لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ) .
وقوله تعالى:( وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى ) أي لمن ارتضى الله دينه، وسيأتي بيانه.
أو لبيان أنّ المجرمين غير قادرين على الشفاعة إذ لا يملكونها:
كما في سورة مريم قوله تعالى:( وَنَسُوقُ الُْمجْرِمِينَ إلَى جَهَنَّمَ وِرْداً * لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ ) ألا تنظر إلى قوله بعده:( إلاَّ مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ) إلى غير ذلك.
المقام الثاني
اعلم: أنّ الشفاعة أن يستوهب أحد لاحد شيئاً، ويطلب له حاجة، وأصلها من الشفع الذي هو ضدّ الوتر، كأنّ صاحب الحاجة كان فرداً، فصار الشفيع له شفعاً، أي صارا زوجاً.
وقد أجمع المسلمون كافّة على ثبوت الشفاعة، خلافاً للخوارج وبعض المعتزلة، حيث خصّوها بزيادة المنافع للمؤمنين ورفع درجات المثوبين والمستحقّين.
مع ضرورة حكم العقل بحسن العفو عن الكبائر وصريح الُمحْكمات من الكتاب والسُّنّة، كما سيجيء ذكرها.
مع ما عرفت من الجواب عمّا تمسّك به المانع المتكلّف من المتشابهات.
ولو لم يقم الاجماع على ثبوتها بهذا المعنى، وكانت الشفاعة بحيث يصحّ إطلاقها على مجرّد طلب الزيادة، لكنّا شافعين للرسول بقولنا: «اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد».
ضرورة أنّا لم نطلب له(صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ الزيادة في فضله.
وحيث بطل هذا القسم تعيّن الثاني.
لا يقال: إنّ ذلك إنّما كان لوضوح علوّ رتبة الشفيع على المشفوع له وانحطاطهم عنه، وإنّ غرض السائل من الصلوات هو التقرّب بذلك إلى المسؤول ; وإن لم يستحقّ المسؤول له بذلك السؤال منفعة زائدة.
فإنّا نقول: إنّ الرتبة غير معتبرة في الشفاعة، ويدّل عليه لفظ الشفيع المشتقّ من الشفع.
على أنّا، وإن قطعنا أنّ الله يكرّم رسوله ويعظّمه ; سواء سألت الاُمّة ذلك أو لم تسأله، ولكنّا لم نقطع بأنّه لا يجوز أن يزيد في إكرامه بسبب سؤال الاُمّة ; على وجه لولا سؤالهم لما حصلت الزيادة، ومع جواز هذا الاحتمال وجب أن يبقى جواز كوننا شافعين للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
قال العلامة القوشجي: اتّفق المسلمون في ثبوت الشفاعة ; لقوله تعالى:( عَسَى رَبُّك أَنْ يَبْعَثَكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ) ، وفُسّر بالشفاعة.
قال: ثمّ اختلفوا: فذهب المعتزلة إلى أنّها زيادة المنافع للمؤمنين المستحقّين للثواب.
وأبطله المصّنف: بأنّ الشفاعة لو كانت كذلك لكُنّا شافعين للنبيّ ; لانّا نطلب زيادة المنافع له.
والتالي باطل ; لانّ الشفيع أعلى رتبة من المشفوع له. انتهى.
وقال العلاّمة في «البحار» في ما حكاه عن النَوَويّ في «شرح صحيح مسلم»(١) : إنّه قال: قال القاضي عياض: مذهب أهل السُّنّة جواز الشفاعة عقلاً.
ووجوبها سمعاً بصريح الايات وبخبر الصادق(عليه السلام)، وجاءت الاثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحّة الشفاعة لمذنبي المؤمنين، وأجمع السلف ومن بعدهم من أهل السُّنّة عليها.
ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها، وتعلّقوا بمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار، واحتجّوا بقوله تعالى:( فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ) وأمثاله، وهي في الكفّار.
وأمّا تأويلهم أحاديث الشفاعة وغيرها فهي صريحة في بطلان مذهبهم وإخراج من استوجب النار. انتهى.
وأمّا العقل فقد قالت الفلاسفة في هذا المقام: إنّ واجب الوجود عامّ الفيض تامّ الجود، فحيث لا تحصل الشفاعة فإنّما هو لعدم كون القابل مستعدّاً، ومن الجائز أن لا يكون مستعداً لقبول ذلك الفيض من شىء قبله عن واجب الوجود، فيكون ذلك الشيء كالمتوسّط بين واجب الوجود وبين ذلك الشيء الاوّل.
ومثاله في المحسوس أنّ الشمس لا تضيء إلاّ للقابل المقابل، وسقف البيت لما لم
____________________
(١) شرح صحيح مسلم، للنووي ٣/٣٥ باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحّدين من النار.
يكن مقابلاً لجِرْم الشمس، فلا جَرَمَ لم يكن فيه استعداد لقبول النور عن الشمس، إلاّ أنّه إذا وضع طشت مملوّ من الماء الصافي، ووقع عليه ضوء الشمس، انعكس ذلك الضوء من ذلك الماء إلى السقف، فيكون ذلك الماء الصافي متوسّطاً في وصول النور من قُرص الشمس إلى السقف الذي غير مقابل للشمس.
وأرواح الانبياء والاوصياء والصالحين، كالوسائط بين واجب الوجود وبين الخلق.
والتحقيق: أنّ المعصية ليست بما هي علّة للتعذيب والخلود، وإنّما هي المقتضي له لولا المانع ; من الاستشفاعات المنصوبة من الله الرؤوف المالك للشفاعة.
كما يشهد به الكتاب والسُّنّة وبداهة حكم العقل مع قرينة شدّة الرأفة والرحمة منه تعالى.
ولذلك فرّق الشارع بين نيّة الحسنة ونيّة السيّئة في الاستحقاق وعدمه، مع أنّهما في الاقتضاء سواء ; سبقت رحمته غضبه.
فقد ظهر: أنّ الحديثين إنّما سيقا لبيان الاقتضاء:
أمّا الاوّل: فبدليل قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في النبوي: (لو لم ترسلوا عليها ناراً فتحرقوها).
أمّا الثاني: فبضرورة ما في السباق من احتمال العثرات، وصريح ما ورد في الحَبْط من الايات والعمومات، النافية لاستحقاق العقوبة على نيّة السيّئات، وأنّها لا تكتب مالم يتلبّس بها.
وبالجملة: فلو لم تكن المعاصي مقتضيات لما كان النادم عليها ماحياً لها تائباً عنها، كما صحّ: أنّ (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (من سرّته حسنته وسأته سيّئته فهو مؤمن).
وذلك لوضوح أنّ من ساءته سيّئة، فهو النادم منها التائب عنها الماحي لها، ومعه فلا غَرْوَ ولا عجب أن يجعل الله الامر بالمودّة والتمسّك والتوسّل بذوي القربى من أهل بيت رسوله، مانعاً لتأثير المعصية، شافعاً فيها، توبة عنها، ماحياً لها، وإن رغم الراغمون، وخسر هنالك المبطلون.
وليت شعري، ولا يكاد ينقضي تعجبي، من هؤلاء الاخوان، وما أدري أنّهم - في إنكارهم للشفاعة - أشعريّة أم معتزلة، وبأيّهما اقتدوا؟ وبأيّ ديانة دانوا فتديّنوا؟
فإن كانوا في الاُصول أشعرية فقد عرفت أنّ مذهبهم على ثبوتها وإثباتها.
وإلاّ فيرد عليهم ما يرد على المعتزلة من المناقضة لاصلهم، فإنّ من قال بقاعدة التقبيح والتحسين، فقد التزم في المسألة موافقة الاشعريّين، فظهر أنّهم دانوا بالشفاعة من حيث لا يشعرون.
وأمّا الايات: فقد قال الله تعالى في سورة الاسراء:( عَسى رَبُّكَ أن يَبْعَثَكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) .
وقال في سورة الضحى:( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) .
وقال في سورة المؤمن:( ألَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤمِنونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْء رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْن الَّتِي
وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهمْ إنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) .
وقال تعالى في سورة يوسف حاكياً مقالة الاسباط:( قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ) إلى قوله:( سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ) .
وقال تعالى في سورة النساء:( وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُم جَاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً ) .
وقال تعالى في حكايته عن عيسى(عليه السلام):( إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
وقال تعالى حكاية عن إبراهيم:( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
فقد دلّت الايات كغيرها على ثبوت الشفاعة لنبيّنا خاصّة وللملائكة والنبيّين والاولياء والصالحين عامّة وشفاعة القرآن أيضاً.
حيث لا يجوز حمل هذه الايات على الكافر، فإنّه ليس أهلاً للمغفرة بالاجماع.
ولا يجوز حملها على صاحب الصغيرة.
ولا على صاحب الكبيرة بعد التوبة ; لانّ غفرانه لهم واجب عقلاً عند الخصم، فلا حاجة له إلى الشفاعة.
فلم يبقَ حملها إلاّ على صاحب الكبيرة قبل التوبة.
ويؤيّد ذلك: ما رواه الرازي عن البيهقي: (أن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا تلا هاتين الايتين رفع يديه، وقال: إلهي أُمّتي أُمّتي، وبكى، فقال الله: يا جبرائيل اذهب إلى محمّد - وربّك أعلم - فَسَلْهُ ما يبكيك؟ فأتاه جبرائيل، وسأله فأخبره
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بما قال، فقال الله: يا جبرائيل اذهب إلى محمد وقل له: إنّا سنُرضيك في أُمّتك)(١) .
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الصحيح: (ادّخرتُ شفاعتي لاهل الكبائر من أُمّتي)(٢) .
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (واُعطيت الشفاعة) رواه البخاري(٣) .
وصحّ أيضاً عنه فيما أخرجه بإسناده عن عمران بن حصين، قال: (يخرج من النار بشفاعة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)فيدخلون الجنّة، ويسمّون الجهنّمّيين)(٤) إلى غير ذلك.
وقال الرازي في قوله تعالى:( وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ) إجلالاً له حيث أكرمه بوحيه، وجعله سفيراً بينه وبين خلقه، ومن كان كذلك فإنّ الله لا يردّ شفاعته، فكانت الفائدة في العدول عن لفظ الخطاب إلى الغيبة ما ذكرناه(٥) .
____________________
(١) التفسير الكبير للرازي.
(٢) مجمع الزوائد ٧/٥، مسند أحمد ٢/٣١٣ و ٣/٢٠ بلفظ أخّرت، ولاحظ سنن ابن ماجة ٢/١٤٤١، والترمذي ٤/٤٥، والحاكم في المستدرك ١/٦٩ و ٢/٣٨٢.
(٣) صحيح البخاري ١/١١٣ و ٢١١، وصحيح مسلم ٢/٦٣، وسنن النسائي ١/٢١١، والدارمي ١/٣٢٣، ومسند أحمد ٤/٤٣٤.
(٤) صحيح البخاري ٧/٢٠٢ و ٢٠٣ الرقاق، وصحيح مسلم ١/١٢٣ الايمان، والترمذي ٤/١١٤، وسنن ابن ماجة ٢/١٤٤٣ الزهد، ومسند أحمد ٤/٤٣٤، وراجع مجمع الزوائد للهيثمي ١٠/٣٧٩، وكنز العمال ١٤/٤٠٨ و ٥٠٦ و ٥١٣ و ٥٤١.
(٥) التفسير الكبير للفخر الرازي.
أقول: ومثلها في الدلالة قوله:( الذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ) فإنّ هذه الاية نصّ صريح في المدّعى، ولا سيّما بقرينة ذكر الاستغفار الملازم لاسقاط العقاب وذكر( الذين آمنوا ) و( الذين تابوا ) إلى غير ذلك.
والمناقشة فيها: بأنّ قيد التوبة واتّباع السبيل مما هي قرينة على ثبوت الشفاعة بالمعنى الخاصّ وصرفها عن عموم الدعوى لانّ التائب والمتّبِع للسبيل لا يفتقران إلى الشفاعة بالمعنى العامّ.
مدفوعة: بالنقض بقيد المغفرة الظاهرة في معنى الحطّ والستر للذنب، وحلاًّ: بأنّ القيدين هنا من باب ذكر بعض أفراد العامّ وأقسامه، فلا يُخصّص العامّ بها، وهذا ثابت في علم أُصول الفقه.
ثم يدلّ أيضاً على ثبوت الشفاعة للملائكة قوله تعالى في صفتهم في سورة الانبياء:( وَلاَ يَشْفَعُونَ إلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى ) .
ووجه الاستدلال: أنّ صاحب الكبيرة هو المرتضى عند الله بحسب إيمانه وتوحيده، وكلّ من صدق عليه أنّه المرتضى عند الله بهذا الوصف وجب أن يكون من أهل الشفاعة، فإنّ الاستثناء من النفي إثبات.
وإذا ثبت أنّ صاحب الكبيرة داخل في شفاعة الملائكة، وجب دخوله في شفاعة الانبياء وشفاعة نبيّنا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)بعدم القول بالفصل.
(لا يقال:) إنّ صاحب الكبيرة فاسق، والفاسق ليس بمرتضىً بحسب فسقه وعصيانه.
لانا نقول: قد تبيّن في العلوم المنطقية أنّ المهملتين لا تتناقضان، فالمرتضى بحسب إيمانه لا ينافيه عدمه بحسب فسقه.
وقال الرازي: اعلم أنّ هذه الاية أقوى الدلائل لنا في إثبات الشفاعة لاهل الكبائر.
وتقريره: هو أنه من قال: «لا إلهَ إلاّ الله» فقد ارتضاه في ذلك، ومتى صدق عليه أنّه ارتضاه الله في ذلك فقد صدق عليه أنّه ارتضاه الله، لانّ المركّب متى صدق فقد صدق - لا محالة - كلّ واحد من أجزائه، وإذا ثبت أنّ الله قد ارتضاه وجب اندراجه تحت هذه الاية.
وقال في قوله تعالى:( فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) ، كما نرى في المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيّين.
ثم قال: احتجّ أصحابنا بمفهوم هذه الاية، وقالوا: إنّ تخصيص هؤلاء بأنّهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدلّ على أنّ غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين.
وفي تفسير آخر: فما تنفعهم شفاعة الشافعين كما نفعت للموحّدين.
وقال في قوله تعالى:( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّك مَقَاماً مَحْمُوداً ) :
قال الواحدي: أجمع المفسّرون على أنّه مقام الشفاعة كما قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الاية (هو المقام الذي أشفع فيه لاُمّتي).
ثمّ أخذ في بيان وجوه الاستدلال بها، وتضعيف ما فسّره البعض بآرائهم.
ورواه أبو السعود في تفسيره عن أبي هريرة.
وقال في قوله تعالى:( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) : عن تفسير وكيع قال: ولسوف يُشفّعك، يا محمّد، يوم القيامة في جميع أهل بيتك وفي أُمّتك، وتدخلهم الجنّة ترضى بذلك عن ربّك.
وعن فردوس الديلمي قال: الشفعاء خمسة: القرآن والرحم والامانة ونبيّكم وأهل بيت نبيكم.
والعلاّمة أبو السعود في تفسيره عن سعيد بن جبير قال: يدخل المؤمن الجنّة، فيقول: أين أبي وولدي؟ وأين زوجي؟ فيقال له: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: إنّي كنتُ أعمل لي ولهم، فيقال: أدخلوهم الجنّة بشفاعته وسبق الوعد
بالادخال.
ثمّ قال في الجواب عن شبهة هؤلاء: والادخال لا يستدعي حصول الموعود بلا توسّط شفاعة واستغفار، وعليه مبنى من قال: إنّ فائدة الاستغفار زيادة الكرامة والثواب، والاوّل هو الاولى، لانّ الدعاء بالادخال فيه صريح، وفي الثاني ضمنيّ، انتهى كلامه.
وعن بشر بن ذريح البصري، عن محمّد بن عليّ(عليهما السلام) في قوله تعالى:( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) قال: قال: (الشفاعة، والله الشفاعة، والله الشفاعة).
وقال الرازي في هذه الاية: يعني به الشفاعة تعظيماً لنبيّه.
قال: عن عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وابن عبّاس: إنّ هذا لهو الشفاعة في الاية.
يروى أنّه لما نزلت الاية قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (إذن لا أرضى وواحد من أُمّتي في النار).
ثمّ قال: واعلم أنّ الحمل على الشفاعة متعيّن، ويدلّ عليهوجوه ذكرها هناك(١) .
وفي «النهاية» لابن الاثير قال في ترجمة «وحا» من في حديث أنس: (شفاعتي لاهل الكبائر من أمّتي حتّى حكم وحاء)(٢) . قال: وهما قبيلتان جافيتان من وراء رمل يَبْرِيْنَ، ومثله قال في ترجمة «حَكَم».
وفي مرفوعة جابر عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث له أنّه قال: (أنا سيّد ولد آدم ولا فخر،
____________________
(١) التفسير الكبير للرازي.
(٢) انظر كنز العمال ١٤/٤١٢.
وفي ظلال الرحمن يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه ولا فخر، ما بال قوم يزعمون أنّ رحمي لا ينفع، بل حتّى يبلغ حانكم أنّي لاشفع فأُشفّع) الخبر إلى قوله: (حتّى إنّ إبليس ليتطاوَل طمعاً في الشفاعة)(١) .
وعن عبدالله بن عبّاس عن النبيّ أنّه قال: ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً، إلاّ شفّعهم الله فيه(٢) .
إلى غير ذلك من الايات والروايات في إثبات عموم الشفاعة بما ورد من أعيان علماء السُّنّة والجماعة ومفسّريهم، مالا يحتمله هذا المختصر، فليراجع المطوّلات.
وبعدما أسلفناه وما سيأتي في معنى الاستشفاع بالاولياء، فلا يُصغى إلى شىء ممّا تكلّف به محمد بن عبد الوهّاب في رسالته من التمويه والمغالطة تبعاً لامامَيْهِ ابن القيّم وابن تيميّة بقوله:
فإن قال: إنّ النبيّ أُعطي الشفاعة وأطلبه مما أعطاه الله.
فالجواب: إنّ الله أعطاه الشفاعة، ونهاك عن هذا ; يعني به الشرك، وقال( فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً ) .
إن كنت تدعو الله أن يشفّعه فيك فأطعه في قوله:( فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِأَحَداً ) .
____________________
(١) مجمع الزوائد ١٠/٣٧٦ و ٣٨٠ عن الطبراني في الاوسط.
(٢) مسلم ٣/٥٣، والترمذي ٢/٢٤٧، وابن ماجة ١/٤٧٧، والنسائي ٤/٧٥، مسند أحمد ٣/٦٦ كلهم في الجنائز، وانظر كنز العمال ١٥/٥٨١، ومجمع الزوائد ٥/٢٩٢.
وأيضاً فإنّ الشفاعة أعطاها غير النبيّ، فصحّ أنّ الملائكة يشفعون، والاولياء يشفعون، والافراط يشفعون أتقول: إنّ الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم؟! فإن قلت هذا، رجعت إلى عبادة الصالحين.
أقول: إعلم أنّ موضع المغالطة من كلامه، هو أنّه زعم أنّ الشفاعة هي شفع الغير مع الله في المسألة والدعوة لقضاء الحوائج.
ولم يَدْرِ المسكين أنّ الشفاعة - كما مرّ تعريفها في صدر المقام - هو شفع الغير وضمّه مع المستشفع للذهاب إلى الله وتوجّههما معاً إليه سبحانه، ودعاؤنا الشفيع دعوته لذلك، لا ما توهّمه المغالط.
وبعدما ثبتت الشفاعة إجمالاً وتفصيلاً، كتاباً وسنةً، إجماعاً وعقلاً، حيّاً كان الشفيع أو ميّتاً، فقد علم بالضرورة من الشريعة:
أنّها ليست بشرك.
وأنّ الاستشفاعات والتوسّلات لا تنافي شيئاً من التوحيد ولا الاخلاص.
وأنّ دعاء الصالحين والالتماس منهم إنّما هو لكي يدعو الله للعباد بالرحمة والمغفرة، فليس من الدعاء المنهيّ عنه.
وإنّما الدعاء المنهيّ عنه في قوله تعالى:( فَلاَ تَدْعوا مَعَ اللهِ أَحَداً ) هو أنّ العبد يقرن الصالحين بالله في دعائه، ويسألهما معاً في عرض واحد، وذلك بقرينة لفظ «مع»، وكما هو معنى الشرك والتشريك في العبادة، فإنّ الاشراك هنا وضع المعبوديّة في غير الله.
كما في قوله:( يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) .
وقوله تعالى عن إبليس:( إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ) .
قال الرازي: أي بإشراككم إيّاي مع الله في الطاعة.
وقوله تعالى عن موسى:( وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) .
بجعله شريكاً له معه في النبوّة.
وأمّا إذا لم يكن سؤاله حقيقة إلاّ من الله، ولم يكن له النظر مستقلاًّ إلاّ إليه تعالى دون غيره، فيدعو الله ويسأله بوجه نبيّه، فهذا ليس من الشرك في شىء.
يفصح منه لفظ الشرك المشتقّ من مادّة الاشراك بجعل الشريكين على نمط واحد.
فلو سأل العبد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يغفر له ذنبه، أو سأل النبيّ مع الله بقوله: يا ألله ويا نبيّ الله اغفرا لي ذنبي، كان ذلك شركاً منه.
وأمّا لو سأله أن يسأل الله غفران ذنبه، فهذا من غفران الذنب الموعود من الله بالشفاعة، والسؤال منه تعالى، لا من النبيّ.
وإنّما المسؤول من النبيّ التماس دعائه من الله تعالى ليسأله بوجهه.
وهذه دعواتنا المأثورة عن الائمّة(عليهم السلام)، حيث نقول:
(اللّهمّ إن كانت الذنوب والخطايا قد أخلقت وجهي، فإنّي أسألك بوجه حبيبك محمّد).
وفي الدعاء عند النوافل الليليّة:
(اللّهمّ إنّي أتوجّه إليك بنبيّك نبيّ الرحمة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأُقدّمهم بين يدي حوائجي في الدنيا والاخرة، فاجعلني بهم عندك وجيهاً في الدنيا والاخرة ومن
المقرّبين.
أللّهمّ ارحمني بهم، ولا تعذبّني بهم...) الدعاء.
فليس المراد بالاستغاثات والتوسّلات إلاّ طلب الدعاء من المستغاث، كما في قوله عزّوجلّ في القدسيّات: (يا موسى ادعُني بلسان لم تعصِني به، فقال: يا ربّ وأين ذلك؟ فقال: بلسان الغير).
وأيضاً، فإنّ بني إسرائيل قد دعوا الله بلسان نبيّهم في مواضع من القرآن ; حيث حكى الله عنهم في قوله تعالى:( لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعَام وَاحِد فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ) الايات.
فأنِصفْ وراجع.
أين هذا من دعاء الغير أو شركة الغير مع الله في الدعاء؟!
سُبحانك إنْ هذا إلاّ بهتان عظيم.
وكيف كان، فقد عرفت أنّ الايات والروايات لاتدلّ على النهي بشيء من ذلك كلّه، بل الايات على خلافه كما عرفت.
ثمّ، ومن أوهن المناقشات والشفاعات والتوسّلات، هو المناقشة في جوازها بعد موت الشفيع.
وذلك لثبوت جوازها مطلقاً ; من غير فرق بين النشآت.
بعد صريح عبارته في رسالته بشفاعة الملائكة والاولياء والافراط.
وصريح الايات بحياتهم المستقرّة بعد موتهم.
ومع اتّحاد المناط في الغايات.
وحكم العقل بحسن الواسطة من غير تخصيص ولا تبعيض.
وبالجملة: فقد أطنب الوهابيّة في شبهة العابد بالمعبود، وشبهة الزيارة بالعبادة ; حتّى صاروا بجمودهم وخضوعهم لشبهتهم هذه، كأنّهم آلة هدم الاسلام باسم الاسلام.
قد أوضحنا الجواب عن الاُولى.
وأمّا الثانية: فأمّا قوله فيما نسجه:
«ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الاولياء التي لا يقدر عليها إلاّ الله...» إلى قوله: «وأمّا بعد موته - يعني به النبيّ - فحاشا إنّهم ما سألوه عند قبره، بل أنكر السلف...» إلى آخر كلماته.
فأقول:
وليت شعري ما هذا النكير؟!
وما قياس الانبياء والشهداء - المصرّح بحياتهم المستقرّة في القرآن - بسائر الموتى؟!
وما معنى إضافة الاستغاثة إلى العبادة؟!
وما المانع من الاستغاثة عند قبور الاولياء؟!
وما المراد بقوله: «لا يقدر عليها إلاّ الله»؟!
وما هذا الخبط؟!
ثمّ وما هذا التحاشي والخلط ودعوى الانكار؟
أفعلى عمد تركوا كتاب الله ونبذوه وراء ظهورهم؟
فإن كان المانع منها هو شبهة الشرك، فقد عرفت فساده بما لا مزيد عليه.
وقد تقدّم أنّ الساعي لحاجة إخوانه عند باب مولاه لا يرتفع عن مقام العبودية بشيء.
فليست الشفاعة والاستشفاع إلاّ قسماً من الدعاء الشامل لجميع الناس، واختصاص الاولياء والخواصّ بها باعتبار قبولها.
وقد ورد في باب زيارة النبيّ - كما عن حُجّة الاسلام الغزالي - قال: «ثمّ ترجع وتقف عند رأس رسول الله - بين القبر والاُسطوانة اليوم - وتستقبل القبلة...» إلى قوله: «ثمّ تقول: (أللّهمّ إنّك قلت - وقولك الحقّ..( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاؤُوكَ وَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحيماً ) .
أللّهمّ إنّا قد سمعنا قولك، وأطعنا أمرك، وقصدنا نبيّك متشفّعين به إليك في ذنوبنا وما أثقل ظهورنا من أوزارنا، تائبين من زللنا)...» إلى قوله: (أللّهمّ لا تجعله آخر العهد من قبر نبيّك ومن حرمك يا أرحم الراحمين).
ومعاذ الله أن يرفع المسلمون أحداً من هؤلاء المَزُورين عن مقام العبوديّة، أو يذكرهم في الدعاء بغير الاستشفاع والتوسّل.
فأين وصمة الشرك؟!
ثم وما حديث التبعيض والتخصيص؟!
وهل ظفر المتكلّف بعد ما تقدّم في الشفاعات والتوسّلات بآية أو رواية تخصّص بها العمومات، أو تقيد بها المطلقات؟
أو يناقض بها ما صرّح به من قبل بقوله: «فصحّ أنّ الملائكة يشفعون، والاوليآء يشفعون، والافراط يشفعون»؟!
وليت شعري، فإن كان المناط في الشرك هو مجرّد التوسّل بالغير والاستشفاع به.
فهو الموجود عيناً في الاخرة، كما ورد أنّ الناس يسألونهم الشفاعة يوم
القيامة، فيشفعون لهم عند الله، فيُشفَّعون فيهم.
وإذا كانت المسألة والتوسّل موجوداً في النشأتين، والمناط قائم في المقامين.
فمن أين جاءت هذه الخصوصية؟!
على أنّه يلزم منه أن يكون الباطل بما هو باطل ينقلب في الاخرة حقّاً، والحقّ بما هو حقّ يكون في الدنيا باطلاً وشركاً.
وهذا هو التناقض البيّن وصريح الانقلاب المحال.
وإن كان المانع منهما هو الموت فقد أثبت محكم القرآن حياتهم المستقرّة حياةً مخصوصة بهم، فيسمعون ويعقلون ويعرفون من يخاطبهم.
ولا غرو في الحياة بعد الموت مع الاقرار بعموم قدرته تعالى، فجاعل الروح في النطفة يضعها في التراب وحيث يشاء.
فلو كان خطاب الموتى ممّا يوجب عند الجاهل عبثاً، فلا يوجب كفراً وشركاً.
وبالجملة: فإطلاق الموت وخصوصيّة كيفيّة عود الاجسام المختصّة بالقيامة، ممّا لا ينافي شىء منها لحياتهم المستقرّة الثابتة لهم بعد الموت.
وعليه اعتقاد أعاظم المحققين من علماء السُّنّة والجماعة.
ويعاضده الاحاديث المعتبرة كما لا يخفى.
وكما في تفسير قوله تعالى:( واسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا ) .
وكان الاُستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي شيخ الشافعي يقول: إنّ الانبياء لا تبلى أجسادهم، ولا تأكل الارض منهم شيئاً، ولقد التقى نبيّنا مع
إبراهيم وموسى بن عمران.
وقال الرازي في قوله تعالى:( بَلْ أَحْيَاءٌ ) :
«إنّهم في الوقت أحياء كان الله أحياهم لايصال الثواب إليهم، وهذا قول أكثر المفسّرين».
ثمّ أخذ يستدلّ على حياتهم المستقرّة بوجوه، سادسها: زيارة قبور الشهداء وتعظيمها انتهى.
على أنّهم يسمعون السلام، ويفهمون الكلام.
وأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يبلغه صلوات المصلّين عليه، ويسمعهم، وهو يعلم بهم وبمقامهم، كما ورد في الصحاح:
منها: ما عن سنن أبي داود، رواه عن أبي هريرة قال: قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (ما من أحد يسلّم عليّ إلاّ ردّ الله عليّ روحي حتّى أردّ السلام)(١) .
وعن صحيح النسائي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (إنّ لله ملائكة في الارض يبلّغوني من أُمّتي السلام)(٢) .
وفي مرفوعة ابن عبّاس عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة، فإنّ صلاتكم معروضة عليّ... - إلى قوله -: فإنّ الله حرّم على الارض لحوم الانبياء)(٣) .
____________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي ٥/٢٤٥ باب زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومجمع الزوائد للهيثمي ١٠/١٦٢ عن الطبراني في الاوسط، وكنز العمال ١/٤٩١ عن أبي داود.
(٢) سنن النسائي ٣/٤٣ في نوع آخر من التشهّد.
(٣) سنن النسائي ٣/٩١، وسنن الدارمي ١/٣٦٩، وسنن ابن ماجة ١/٣٤٥ و ٥٢٤، ومستدرك الحاكم ١/٢٧٨ و ٤/٥٦٠، والسنن الكبرى للبيهقي ٣/٢٤٩، وكنز العمال ١/٤٩٩ و ٧/٧٠٨.
وفي حديث آخر صحّ عنه قال: (علمي بعد مماتي كعلمي في حياتي)(١) .
وفي آخر قال: (إنّ الله وكّل ملَكاً يُسمعني أقوال الخلائق، يقوم على قبري، فلا يصلّي عليّ أحد إلاّ قال: يا محمّد إنّ فلان بن فلان يصلّي عليك، صلّوا عليّ حيثما كنتم، فإنّ صلاتكم تبلغني)(٢) .
كما في المرويّ عن الدار قطني في السنن عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: (من زار قبري وجبت له شفاعتي)(٣) .
وعن ابن عمر - مرفوعاً عنه - أنّه قال: (من جاءني زائراً ليس له حاجة إلاّ زيارتي، كان حقاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)(٤) .
وفي آخر: (من زارني كنت له شهيداً أو شفيعاً).
ثمّ إنّ هؤلاء المزورين من الاولياء والصالحين، إن هم إلاّ عباد الله الذين تشرّفوا بطاعتهم وعبادتهم وتوحيدهم له جلّ شأنه، ولهم التقدّم بسابقتهم في
____________________
(١) لم أجده، لكن في مجمع الزوائد ٤/٢: من حجّ، فزار قبري في مماتي كان كمن زارني في حياتي، رواه الطبراني في الكبير والاوسط.
(٢) مجمع الزوائد ١٠/١٦٢ عن الطبراني في الكبير والاوسط، وكنز العمال ١/٤٩٤ عن الفردوس.
(٣) مجمع الزوائد ٤/٢ عن البزار.
(٤) مجمع الزوائد ٤/٢ عن الطبراني في الكبير والاوسط.
الاسلام، واجتهادهم في الدين.
وقد ورد في الشريعة المطهّرة والسُّنّة النبويّة من الرجحان في زيارة سائر المؤمنين من أهل القبور والتسليم عليهم، فكيف بهؤلاء؟!
وهل يكون التسليم على مثل هؤلاء الصالحين شِركاً وقد سلّم الله - عزّوجلّ - في كتابه على آحاد من الانبياء والمرسلين، فقال:( سَلاَمٌ عَلَى نُوح فِي الْعَالَمِينَ سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَ هَرُونَ ) .
وقد سلّم على يحيى وإلْياسين، وصلّى على الصابرين من المؤمنين، وأمر رسوله بالسلام عليهم.
وأوجب على المسلمين كافّة أن يُخاطبوا نبيّهم في كلّ يوم خمس مرّات إلى يوم القيامة بالصلوات عليه فيقولوا: (السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته).
وفرض السلام على عباد الله الصالحين من جميع المؤمنين السالفين منهم واللاحقين.
وأن لا يتمّ لاحد صلاته إلاّ بالصلوات على نبيّه محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)الطاهرين. ولَنِعْم ما قال الشافعي، كما روى عنه ابن حجر في «الصواعق»:
يا آل بيتِ رسول الله حبُّكُمُ فرضٌ من الله في القرآنِ أنزلَهُ
كفاكُمُ من عظيم الفخرِ أنّكُمُ من لا يصلّي عليكم لا صلاةَ لَهُ
وأمّا ما ذكره ابن الالوسي البغدادي فيما رّوج به أمر الوهابيين من «تاريخ نجد» - في صفحة ٤٨ - قال:
والذي اعتقدوه في النبيّ أنّ رتبته أعلى مراتب المخلوقين على الاطلاق،
وأنّه حيّ مرزوق في قبره حياة مستقرّة أبلغ من ]حياة [الشهداء المنصوص عليها في التنزيل ; إذ هو أفضل منهم، وأنّه يسمع سلام من يسلّم عليه، وأنّه تسنّ زيارته غير أنّه لا تُشدّ إليه الرحال.
ففيه أوّلاً: أنّ صراحة الايات الُمحكمة في التنزيل، كما تراها ممّا تعمّ النبيّ وغيره من الشهداء والاولياء ممّن قُتل في سبيل الله، فلا اختصاص لها بالنبيّ، وإلاّ لافرده الله بالذكر دونهم.
وإذا كان كذلك فيتبعها لا محالة آثارها ولوازمها، من السلام والدعاء والتوسّل، كما في حياتهم.
وثانياً: أنّ المراد من الحياة الثابتة لهم بقوله تعالى:( بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) إنّما هو الاكمل والابلغ من الحياة البرزخيّة الثابتة لعموم الموتى، وذلك لوجهين:
الاوّل: تخصيص الشهداء بالذكر هنا دونهم.
والثاني: إفراد سائر الموتى بالذكر في آية أُخرى، لقوله تعالى فيهم:( وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ) .
وقال في حياة الكفّار منهم:( أَلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً ) ; وذلك لانّ حياة القيامة ليس فيها بُكرة ولا عشيّ. هذا مع رعاية الافضليّة.
وفي المعتبرة أنّه لما سُئل النبيّ عن تكلّم الموتى، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) (نعم إنّهم يتزاورون).
وشواهد المقام لا تُحصى.
فقد ظهر فساد قوله في رسالته: ونحن أنكرنا الاستغاثة التي يفعلونها عند قبور الاولياء، التي لا يقدر عليها إلاّ الله.
فإنّك بعدما عرفت النصوص الصريحة من القرآن، مع تصريح هؤلاء الوهّابيين واعترافهم للاولياء والصالحين بحياتهم المستقرّة، وأنّهم فيها مرزوقون منعّمون، فرحون مستبشرون، متزاورون، ولمن حيّاهم بتحيّة، أو سألهم مسألة سامعون، وبهم عارفون، وإلى الله متضرّعون سائلون، فقد اعترفوا بالمقدور.
وأمّا رفع الحاجة والسؤال في كلّ حال من الاحوال إلى الله القادر على كلّ شىء فممّا ليس فيه إشكال.
وأما شدّة إنكارهم لزيارة القبور والوقوف عليها والدعاء لديها.
فالجواب عنه فضلاً عمّا عرفت: هو البيان بدليل القرآن وجميع المأثور في زيارة القبور وما ورد في فضلها، وأنها من السُّنّة، وما ورد من الاعمال والادعية هناك.
فضلاً عن سيرة رسول الله في زيارته شهداء أُحد، وحضوره لزيارة مقابر البقيع، ووقوفه عليها في الترحيم والتسليم، وأمره وحثّه وترغيبه وتقريره عليها.
كما ورد قوله: (كنتُ قد نهيتُكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنّها تذكّركم الاخرة)(١) .
____________________
(١) سنن النسائي ٤/٩٠ و ٧/٢٣٥، وفي مسلم ٣/٦٥ وفيه: تذكّر الموت، وكذا ابن ماجة ١/٥٠١، ومستدرك الحاكم ١/٣٧٥، والسنن الكبرى للبيهقي ٤/٧٦، وعقد البيهقي باباً لخصوص زيارة القبور في البقيع فلاحظ ٥/٢٤٩، ولاحظ مجمع الزوائد ٣/٥٨ و ٤/٢٦، وكنز العمال ٥/١٠٨ و ٣٧٧ و ٨٥٩، وانظر ١٥/٦٤٦ وما بعدها.
وفي المروي عن الحاكم عن أبي ذر قوله: (زر القبور تذكر بها الاخرة)، ومثله المرويّ عن أبي هريرة فيما سيأتي بيانه.
وقد روى حجّة الاسلام الغزالي في الاحياء عن ابن أبي مليكة، قال: «أقبلت عائشة يوماً من المقابر، فقلت: يا أُمّ المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبدالرحمن. فقلت: أليس كان رسول الله نهى عنها؟ قالت: نعم، ثمّ أمر بها».
والسرّ في النهي الاوّل: أنه كان ذلك بدوَ الاسلام، وفي زيارة القبور وتذكار الموتى كان باعثاً على الجبن عن الجهاد، حتّى إذا قوي الاسلام أمرهم بها.
ومثله غير عزيز.
وقد سُئل عليّ(عليه السلام) في الخضاب عن قول النبيّ (غيّروا الشيب، ولا تشبّهوا باليهود) فقال: (إنّما قال(صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك والدين قلّ، فأما الان وقد اتّسع نطاقه، وضرب بجرانه، فامرؤ وما اختار).
وفي الاحياء عن ابن أبي مليكة قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) (زوروا موتاكم، وسلّموا عليهم، فإن لكم فيهم عبرة).
وفيه عن نافع، عن ابن عمر: أنّه كان لا يمرّ بقبر أحد إلاّ وقف عليه، وسلّم عليه.
وكانت فاطمة بنت النبيّ تزور قبر عمّها حمزة في الايّام، فتصلّي وتبكي عنده.
وفيه: قال قال النبيّ: (من زار قبر أبويه أو أحدهما في كلّ جمعة غُفر له وكُتب بَرّاً).
وقال: قال رسول الله: (ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلاّ استأنس به وردّ عليه روحه حتى يقوم).
وقال: قال سليمان بن سحيم: «رأيت رسول الله في النوم قلنا: يا رسول الله هؤلاء الذين يأتونك يُسلّمون عليك أتفقه سلامهم؟ قال: نعم وأردّ عليهم».
وقد تواترت الاحاديث الصحيحة الواردة عن آل محمد وحثّهم على زيارة الحسين بن عليّ بن أبي طالب(عليهم السلام).
وقال أحمد بن تيميّة في رسالته التي عملها في «مناسك الحج»(١) : «فالزيارة الشرعية المقصود بها السلام على الميّت والدعاء له، كما يقصد بالصلاة على جنازته، فزيارته بعد موته من جنس الصلاة عليه، فالسنّة أن يسلّم على الميّت، ويدعو له ; سواء كان نبيّاً أو غير نبيّ، وكما كان النبيّ يأمر أصحابه إذا زار القبور أن يقول أحدهم: السلام عليكم أهل الديار... إلى آخر الزيارة.
قال: وهكذا يقول إذا زار أهل البقيع ومن به من الصحابة.
وفي المنقول عن كتاب له في فتاواه (مسألة ٢٢)(٢) قال: «لو سافر إلى المسجد النبوي، ثم ذهب معه إلى قبا، فهذا يستحبّ، كما يستحبّ زيارة أهل البقيع
____________________
(١) صفحة ٣٩٢.
(٢) ص١٨٦.
وشهداء أُحد» انتهى كلامه.
وأما الدعاء عندها فلقو له تعالى:( وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ) .
حيث ذكر المفسّرون - كأبي السعود والامام الرازي وغيرهم من أعاظم المفسّرين -: أنّ النبيّ كان من عادته إذا دُفن الميّت، وقف على قبره ساعة، ودعا له.
ففي الاية دلالة على أنّ القيام على القبور للدعاء عبادة مشروعة، ولولا ذلك لم يخصّ بالنهي عن الكافر.
وبها استدلّ أيضاً شيخ الوهّابية ومؤسّس ديانتهم أحمد بن تيمية فيما نقل عنه من كتاب له في فتاواه (في جواب مسألة ٥١٨)(١) قال:
«فأمّا الزيارة الشرعية فهي من جنس الصلاة على الميّت ; يقصد بها الدعاء للميّت، كما يقصد بالصلاة عليه، كما قال الله في حقّ المنافقين( وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ) فلمّا نهى عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم، دلّ ذلك بطريق مفهوم الخطاب وعلّة الحكم على أنّ ذلك مشروع في حقّ المؤمنين.
والقيام على قبره بعد الدفن هو من جنس الصلاة عليه قبل الدفن ; يُراد به الدعاء له.
وهذا هو الذي نطقت به السُّنّة، واستحبّه السلف عند زيارة قبور الانبياء
____________________
(١) مجلد ٤ ص٣٠٦.
والصالحين».
انتهى كلامه على غلوّهم فيه وغلوّه في تحريم إتيان القبور والوقوف عليها والدعاء لديها وقراءة القرآن عندها.
وقد أورد الغزالي أيضا في «الاحياء» عن محمد بن أحمد المروزي، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا دخلتم المقابر فاقرؤوا بفاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو الله أحد، واجعلوا ثواب ذلك لاهل المقابر، فإنه يصل إليهم...
إلى غير ذلك.
وبالجملة: فإذا كان الامر كذلك.
فما معنى تخصيص جواز زيارة القبور بالنبيّ خاصّة دون غيره.
وما خصوصية الحاضر دون السفر إليه وشدّ الرحل نحوه؟!
أليس هذا هو التقوّل بالغيب والفتوى في دين الله بالريب؟!
هذا، وأصالة الجواز فيما لم يرد فيه النهي كما تراها في الكّل محكّمة، وليست بمخصّصة، وعلى مدّعيه الاثبات، ودونه خرط القتاد.
أوليس قد صحّ ما ورد عن الغزالي عن النبي أنه قال: (من وجد سعة ولم يغدُ إليّ فقد جفاني).
فإنّ وجدان السعة إنما هو يصح للمسافر الذي يشدّ الرحل إليه.
ومن العجب تمسّكهم في ذلك بحديث: (لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد) المروي عن أبي هريرة.
مع أنّ ذكر المساجد في المستثنى بعد تسليم الحديث وصحّته، دليل على أنّ المستثنى منه هو خصوص المساجد، لا مطلق السفر ; أي لا تُشدّ الرحال إلى
مسجد من المساجد، فيكون الحديث ناظراً إلى الامر بشدّ الرحال إلى المساجد المعظّمة لادراك جمعتها وجماعتها، وليس المراد النهي عن مطلق شدّ الرحل، وإلاّ لزم تخصيص الاكثر إذ لو أُخذ بعمومه لانتقض بمطلق الاسفار المباحة والمندوبة والواجبة، مع وجوب شدّ الرحل إليها، فليكن منها شدّ الرحال إلى المشاهد المشرّفة والبيوت التي أذن الله أن ترفع، ويذكر فيها اسم الله، ولتعظيم شعائر الله.
فإن قالوا هناك بالتخصيص قلنا فيها أيضاً، وإن قالوا بالتخصّص فكذلك قلنا فيها.
هذا مع ما روى بعض أجلّة الاعلام بما شاهد ممّا أُلّف وصُنِّف في هذا المقام.
فمنها: كتاب «شفاء السقام في زيارة خير الانام»، «شنّ الغارة على من أنكر فضل الزيارة) تأليف قاضي قضاة المسلمين في القرن الثامن، الشيخ الحافظ تقي الدين أبي الحسن السبكي، المطبوع بمصر - القاهرة، المرتّب على أبواب في إثبات حياة الانبياء والشفاعة وفضل الزيارة والسفر إليها ومسنونيتها، وأنها من القربة، وأبواب في الاستغاثات والتوسّلات.
ومنها: «الجوهر المنظّم في زيارة قبر النبي المكرّم» تأليف أحمد بن حجر الشافعي كذلك...
إلى غير ذلك من المؤلفات.
وأما قوله فيما اعترف به من حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّه يسمع سلام من يسلّم
عليه»، فهذا كلام من ينقض فعلُهُ قولَهُ، ولا يعتقد بشيء مما يتفوّه به.
وإلاّ، فلِمَ لم يُراعوا بالامس حرمته في حرمه وضريحه، وقاتلوا وقتلوا من المسلمين حول حرمه وحماه ; ممّن يستغيث برسول الله ; وذلك بمراءىً منه ومسمع فيسمعه إغاثته بقوله: وا محمّداه!(١)
والناس إلى اليوم يُضربون على قول: «يا رسول الله»!؟
وأيضاً ما يرون هؤلاء في قول الله( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ ) ، وكذا قوله تعالى:( لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ) الاية.
هل هي من الاحكام الباقية إلى القيامة أم لا؟
فإن قالوا: لا، فقد كذبوا وخالفوا كتاب الله والسيرة المستمّرة وإجماع الاُمّة.
وإلاّ فليخبرونا ما الوجه في ذلك؟
ولْيذعنوا أنها ليس إلاّ لحياته ولمعاملة الاُمّة معه معاملة الاحياء.
والعجب ممّن يظهر التحاشي، وينكر إنكار السلف على من قصد دعاء الله عند القبر، وقد شاع ما ورد في الكتب المعتبرة من فعل أعاظم الصحابة، من الشيخين وغيرهما إلى زمان التابعين والخلفاء.
ولم يزالوا خلفاً عن سلف يتشرّفون بزيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويتبرّكون بحرمه وتقبيل قبره ومنبره من خارج الحرم، بعدما كانوايدخلون عليه في بُرهة من
____________________
(١) لقد انتشر نبأ قتل الوهابية للمسلمين اللاجئين بحرم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في جميع كتب التاريخ، فراجع.
الزمان، وفي الحجرة عائشة ليس بينها وبين القبر إلاّ حائل من ستر أو بناء من جدار.
ثمّ بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حول القبر، وبقي كذلك إلى أن بنوا جدارين من ركني القبر الشماليّين، وحرّفوهما حتّى التقيا ; لئلاّ يتمكّن أحد من استقبال القبر.
هذا ولم تزل الحجرة مزاراً للمؤمنين معاذاً للاّئذين.
ومن أحاط خبراً بتاريخ السلف وترجمة أحوال مهاجري الصحابة علم أنّهم كانوا كثيراً ما يقصدون المدينة لادراك زيارة الحجرة المنوّرة.
ولولا خوف الاطالة لاتيتُ على ذكرهم ولملاتُ هذا الكرّاس من تراجمهم.
هذا، ولم ينكر عليهم لا الشيخان ولا كبار الصحابة بشيء.
وهذا أمير المؤمنين علي(عليه السلام) أتى بعد موت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ووقف على قبره الشريف، وخاطبه بقوله: (طبت حيّاً، وطبت ميّتاً... إلى قوله: بأبي أنت وأُمّي اذكرنا عند ربك، واجعلنا من بالك وهمّك...) إلى آخر كلماته.
ووقف أيضاً يوم دفنه فاطمةَ (عليها السلام) على قبره، وخاطبه بقوله: (السلام عليك يا رسول الله عنّي وعن ابنتك النازلة بفنائك، البائتة في الثرى ببقعتك. قلّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري، وعفا عن سيّدة نساء العالمين تجلّدي...) إلى آخر كلماته.
وهذا الحسين بن علي(عليهما السلام) سبطه وفرخه ; لما أراد المسير إلى العراق، أتى قبر جدّه وضريحه ثلاثة أيّام، زائراً مودّعاً داعياً مصلّياً، سائلاً منه التكليف لامره وحرمه وصحبه ; مخاطباً إيّاه بقوله: (يا جدّاه أنا الحسين بن فاطمة، فرخك وابن فرختك، وسبطك الذي خلّفته في أُمّتك).
هل ترون أنّه كان بذلك مخاطباً للاموات؟
أم كان يسأله من أمره وتكليفه؟
ولم يزل حتّى أجابه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (اُخرج إلى العراق، فإنّ الله شاء أن يراك قتيلاً...) إلى آخر ما أجابه من أمر حرمه وعيالاته.
وبالجملة: فإن كان المراد من النكير مجرّد الزيارة للقبور والتبرّك بها والصلوات والدعاء عندها، فقد عرفت أنه أمر راجح مسنون، وستعرف الامر بها في العمومات من الايات والقرآن العظيم، فانتظر المقام الثالث.
وإن أراد من ذلك عبادتها واتّخاذها - معاذ الله - آلهة تُعبد من دون الله، فحاشا، ثمّ حاشا من ذلك.
حيث لم نَرَ ولم نشهد ولم نسمع أنّ أحداً من المسلمين اعتقد بشيء من ذلك، أو خطر بباله، فكيف بالشيعة الاماميّة، وهم أوّل الموحّدين، وأحوطهم في تقديس الله ربّ العالمين، وأدقّهم في تقديسه ومعرفته(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ ورثوا وأخذوا علومهم ومعارفهم عن مهابط الوحي والتنزيل؟!
فما معنى إنكار التبرّك بالقبور وزيارتها وتعاهدها، وبناء القِباب عليها والوقوف عندها؟!
وأيّ وجه للرمي بأنّها وسيلة للشرك؟!
وقد علمت أنّه ليس ذلك إلاّ للغايات الدينية، حفظاً لاثارهم وقبورهم الكريمة، وصيانة عن الاندراس والانطماس وفوات انتفاع المؤمنين بزيارتهم، والاسراج بها لتلاوة القرآن وذكر الله عندها.
أو ما تقدّم أنّ العبادة ليست مطلق الخضوع، وإلاّ لكان الوهّابيّون الخاضعون لشهواتهم العابدون لاهوائهم في معاصيهم كفّاراً.
وإنّما العبادة هي الخضوع الخاصّ المقرون بالاخلاص عند أمر الله الواجب العظيم لذاته.
على أنّ تعظيم المأمور به لتعظيم أمر الله - عزّ وجلّ - إنّما هو في الحقيقة عبادة الله وتعظيمه تعالى ; من غير فرق بين أن يكون ذلك المأمور به إنساناً أو حجراً أو مدراً أو غيرها، كالامر بالسجود لادم فإنّه كان تعظيماً لامر الله تعالى وعبادة له، كما أنّه كان للملائكة امتحاناً، ولادم تشريفاً، فإنّ الغايات تتعدّد بالاعتبارات.
وكذلك أمر الشارع بفرض الطواف على أحجار البيت، وتقبيل الحجر الاسود واستلام الاركان والتزام المستجار.
وإلاّ لكان الامر بجميع ذلك أمراً بالشرك.
فمن تبّرك بشيء لامر الله، كان في الحقيقة عبادة الامر به.
وهذا عبدالله بن أحمد بن حنبل - كما هو المروي عن كتاب «العلل والسؤالات» - قال: سألتُ أبي عن الرجل يمسّ منبر رسول الله، ويتبّرك بمسّه وتقبيله، ويفعل بالقبر ذلك رجاء ثواب الله.
فقال: لا بأس به.
فالتواضع والتبرّك والاكرام والاحترام لما هو معظَّم عند الله، إنّما هو من تعظيم الله.
كما أنّ تعظيم بيوته ومساجده وقرآنه، بل والجلد والغلاف منه، إنّما هو لانتسابها إلى الله.
فمن قبّل الحجر الاسود أو عظّم البيت أو استلم الاركان أو وجد شيئاً من آيات القرآن وكلماته ملقىً مهاناً، فبادر إليها برفعها وتعظيمها وتقبيلها، فإنّما قبّل
آيات الله وعظّم شعائر الله وتبّرك بآثار ربّه أينما وجدها وحيثما رآها.
فلها منزل على كلّ أرض وعلى كلّ دِمْنةِ آثارُ
ونعم ما قال العامري:
أمرّ على الديارِ ديارِ ليلى أُقبِّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارا
وما حبُّ الديارِ شَغفْنَ قلبي ولكنْ حبُّ مَنْ سَكَن الديارا
كلا، وليس استلام الحجر إلاّ لاستحضار ]معنى[ المبايعة لله على طاعته، والتصميم من المكلف لعزيمته على الوفاء ببيعته( وَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) .
ولذلك قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (الحجر الاسود يمين الله في الارض ; يصافح بها خلقه، كما يصافح الرجل أخاه).
ولما قبّله عمر، قال: «لاعلم إنّك حجر ; لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أنّي رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقبّلك لما قبّلتك»(١) .
فقال عليّ: (يا عمرُ مَهْ بل يضرّ وينفع، فإنّ الله سبحانه أخذالميثاق على بني آدم حيث يقول:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) الاية، القمه هذا الحجر ليكون شاهداً عليهم بأداء أمانتهم، وذلك معنى قول الانسان عند استلامه: (أمانتي أدّيتها وميثاقي تعاهدته ;لتشهد لي عند ربّك بالموافاة)(٢)
____________________
(١) الحديث إلى هنا في صحيح البخاري ٢/١٦٠، ومسلم ٤/٦٦، سنن النسائي ٥/٢٢٧، ولاحظ التخريج التالي.
(٢) أورد جواب علي(عليه السلام) لعمر، الحاكم في المستدرك على الصحيحين ١/٤٥٨ وفي آخره:
فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لستَ فيهم، يا أبا حسن.وأورده في كنزالعمّال (٥/١٧٧) رقم ١٢٥٢١ عن ابن الجنديّ في فضائل مكة وأبي الحسن القطّان في الطوالات والمستدرك وعبد الرزّاق في الجامع.
أقول: ونقله الاميني فى الغدير (٦/١٠٣) وفى الطبعة الحديثة (٦/١٤٨-١٤٩) عن الجامع الكبير للسيوطي كما في ترتيبه (٣/٣٥) وأضاف: تاريخ عمر لابن الجوزي(١٠٦) وفي طبعة (١١٥) وإرشاد الساري للقسطلاني(٣/١٩٥) وفي طبعة (٤/١٣٥)ح ١٥٩٧ وعمدة القاري للعيني (٤/٦٠٦) وفي طبعة (٩/٢٤٠) والازرقي في أخبار مكّة (١/٣٢٣) والاحسان في تقريب صحيح ابن حبّان (٩/١٣٠) ح ٣٨٢١ و٣٨٢٢ وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد(٣/١٢٢) وفي طبعة (١٢/١٠٠)الخطبة ٢٢٣ والفتوحات الاسلاميّة لاحمد زيني دحلان (٢/٤٨٦) وفي طبعة (٢/٣١٨).
وكذلك التعلّق بأستار الكعبة والالتصاق بالملتزم، إنّما هو لاستحضار طلب القرب من الله حبّاً لله، وشوقاً إلى لقائه، وتبرّكاً بالمماسّة، والالحاح في طلب الرحمة.
وهكذا أسرار السعي والهرولة بين الصفا والمروة والوقوفين والرمي والهدي...
إلى غير ذلك من الاحكام الشرعية، فإنّ لكلٍّ منها أسراراً إلهيّة وحكماً ومصالح روحية، كما هي المروية عن أهل بيت العصمة.
والمسكين المحروم منها هو الجامد على الظواهر، القاصر عن إدراكها.
وكما أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) المشرّع لزيارة قبور المؤمنين المُسِنّ لها ; بتعاهدها والوقوف لديها والدعاء عندها، فقد أشار إلى بعض غاياتها ومصالحها فيما تقدّم من الصحيح بقوله: (ألا فزوروها، فإنها تذكّركم الاخرة).
وفي حديث آخر المروي عن الحاكم عن أبي ذر: (زر القبور تذكر بها الاخرة).
وما رواه الغزالي عن ابن أبي مليكة قال: (زوروا موتاكم وسلّموا عليهم، فإنّ لكم فيهم عبرة).
إلى غير ذلك من الغايات.
وذلك لان الحضور عند المزور إنّما يمثّل للزائر شخصيات المزور بجوامع مآثره ومجامع صفاته وآثاره، ولا سيّما إذا كان المزور من أكابر الاولياء والشهداء ; ممّن له في الاسلام - لهمّته وسابقته وعلمه وزهده وفتاواه - مقامات تاريخية ومواقف كريمة ومزايا عظيمة.
فتُلقي الزيارة على الزائرين - حينئذ - أبحاثاً جليّة، علميّة مبدئيّة مَعاديّة أخلاقيّة اجتماعيّة، يعتبر بها حسبما يتجلّى له من الحكم والمصالح العائدة إلى النفس التي لا ينبغي تفويتها، ويجب على الشارع الرؤوف الرحيم الحريص على تربية الاُمّة التنبيه عليها.
فالظاهريّة بجمودهم غَلَوا وأفرطوا فقتلوا حقائق الديانة، كغُلُوّ الباطنية في تفريطهم واعتبارهم القشريّة لظواهر الكتاب والسُّنّة.
فكأنّ الفريقين تظاهرا على قتل الشريعة ظهراً وبطناً.
مع أنّ الاحرى لهم التحرّي إلى التوسّط والاعتدال، وسلوكهم في الدين مسلك النبيّ محمّد والال.
ثمّ بعدما عرفت الغايات الدينية لبناء القباب وزيارتها وتعاهدها، فلا يخفى عليك أنه ليس في بناء القباب وتعليتها تجديداً للقبر، وإنّما هو وضع علامة عليها بعيدة عنها ; لتكون كما عرفت دلالة وعَلَماً على المزور، وحفظاً لبقاء الاثار، وتوصّلاً لزيارة الاطهار، وإرغاماً لغير المسلمين من الكفّار، وتعظيماً لشعائر الله المندوب إليها بالرفع والتشييد، ومعاونة على البّر لزوّارهم، واستكثاراً لتلاوة القرآن وذكر الله لديهم، وإهداء ثوابها لهم وإليهم.
كلّ هذا تقرّباً بالمسنونات، وأداء لحقّ سابقتهم في الاسلام، ووقاية للزائرين من الحرّ والبرد.
أو ليسوا من كبار الصحابة والتابعين ودعائم الدين وأئمّة المسلمين؟؟
ومن الواضح غير الخفيّ أنّ التعظيم ليس لقبورهم بما هي حفرة وتراب، بل إنّما هو لذلك الشأن العظيم لهم في الاسلام.
أو ليس عمر أوّل من بنى قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وسوّاه باللبن؟!
واقتدى به بعده الخلفاء خلفاً عن سلف من تسقيفه وعمارة ما حوله؟!
كما بنى عثمان المسجد بعد ذلك بالحجارة المنقوشة إلى أن بنوه بأحسن بناء.
أو ما كان قصد عمر والخلفاء من بعده هو التعظيم لشعائر الله.
أو هل قصد عمر بفعله هذا عبادة قبره(صلى الله عليه وآله وسلم) وجعله وسيلة للشرك بربّه، حاشاه؟!
هذا، ولم يكن وضع القباب على القبور حادثاً في هذه القرون، بل كان ثابتاً في القرون السالفة من قبل الهجرة إلى أعصار الصحابة والتابعين والخلفاء الراشدين.
كما يظهر من تراجم الماضين وأحوالهم في الكتب المعتبرة، وأنّ للمعتبر بها
وبالاثار الباقية منها لعبرة.
فمنها قبر إبراهيم الخليل بفلسطين، وقبور سائر الانبياء السالفين ببيت المقدس.
وبمكّة في الحجر قبر إسماعيل وأُمّه هاجر، وفي تستر قبر دانيال... إلى غيرها من القبور وقبابها في أقطار العالم.
وكذلك تعلية القبور في الاسلام، فهذا «صحيح البخاري» فيما رواه عن خارجة بن زيد قال رأيتني ونحن شبّان في زمن عثمان، وإنّ أشدّنا وثبةً الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه.
وقال: قال عثمان بن حكيم: أخذ بيدي خارجة فأجلسني على قبر، وأخبرني عن عمّه يزيد بن ثابت قال: إنّما كره ذلك لمن أحدث عليه.
وقال نافع: كان ابن عمر يجلس على القبر. وفيه أيضاً بإسناده إلى أبي بكر بن عباس عن سفيان التمار: أنه حدّثه: أنه رأى قبر النبيّ مسنَّماً.
وهذا التاريخ يعلن بقبر العباس بن عبد المطلب عمّ النبيّ وبناء القبّة عليه، الباقية إلى أواخر القرن الاول، كما عن ابن خلّكان.
وقد كان ينبغي لهم الاُسوة بإمضاء الشيخين وبقيّة الخلفاء.
أو ليس إبقاء هذه الاثار في عصرهم - مع قدرتهم وسلطنتهم على تلك الاقطار والديار - إمضاءً منهم وتقريراً لهم، وهي السُّنّة الباقية منهم؟!
أو ليس النكير عليهم ومخالفتهم وترك سنّتهم بدعة وضلالة؟!
والحاصل: أنّ حرمة موتى المؤمنين وقبورهم مما ثبت شرعاً.
وقد صحّ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: (حرمة المؤمن ميّتاً كحرمته حيّاً).
وضرورة المسلمين بل الملّيّين، بل وجبلّة البشر على زيارة قبور موتاهم وتعاهدها.
فضلاً عمّا ورد في الشريعة من وجوب احترام موتى المسلمين، كالامرة بوجوب تغسيلهم وتكفينهم وتطييبهم، والرفق بهم، ودفنهم ومواراتهم.
وحرمة إهانتهم بجسارة أو بجناية، أو بمثلة بأجسادهم، وهتك لقبورهم.
كما ورد في مناهي النبيّ: من كراهة الجلوس على قبر المؤمن ووطئه بإهانة.
وحرمة سبّ الموتى، كما في البخاري في باب «ما ينهى عنها سبّ الاموات».
ففي المعتبرة أيضاً قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) (من وطىء قبراً فكأنما وطىء جمراً).
وفيما أخرجه النووي في «الكنوز»(١) عن الديلمي: (إياكم والبول في المقابر، فإنه يورث البرص).
وروى الرازي في تفسيره الكبير عن «الكشّاف» في حديث طويل، رواه عند قوله تعالى( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) إلى قوله: (ألا ومن مات على حُبِّ آلِ مُحمّد فُتح في قبره بابان إلى الجنّة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزاراً لملائكة الرحمة).
هذا كلّه في قبور سائر الموتى.
فكيف إذا كان الميّت نبيّاً أو وصيّاً أو وليّاً أو أحداً من الصالحين؟؟
____________________
(١) في ٥٢.
وحسبك ما يظهر منها من الكرامات وخوارق العادات، المشهودة المشهورة في كلّ عصر، ما يفتح أبواب معرفة الله الواهب لاثار صنعه، وعجائب قدرته وبركاته لاوليائه.
وهذا هو الامام الشافعي في المرويّ عن الشيخ في «اللمعات» حيث قال: «إنّ قبر الامام موسى الكاظم(عليه السلام) تِرياق مجرّب للاجابة»(١) .
وبالجملة: فمن المغالطة الواضحة والافتراء العظيم نسبة هؤلاء الزائرين في إقامة الصلوات والدعوات وقراءة القرآن والايات في المشاهد المشرّفة والمقامات المتبرّكة، إلى عبادتها!!
وإنّما هو البهتان العظيم والافك الكبير.
فليت شعري متى خصّ الله هؤلاء المفترين بعلم الغيب؟!
وكيف اطّلعوا على سرائر العباد وضمائرهم؟!
ومن أين وقفوا على نيّاتهم؟!
أو ما علموا ودَرَوا أنّ لمكان المصلّي دخلاً في الراجحية والمرجوحية من حيث الخِسّة والشرافة؟
أو مانهى النبيّ عن الصلاة في المزابل والمذابح ومبارك الابل ومرابط الخيل وقُرى النمل والاراضي السبخة وبيت فيه المسكر والطرق والشوارع؟!
أو ليس لله أن يفضّل الناس بعضهم على بعض؟
كما فضّل الرسل، وقال:( وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعض ) .
وَفضّل بعض الناس على بعض، فقال:( وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض ) .
____________________
(١) لم أجده، ولكن روى الذهبي في سير أعلام النبلاء ٩/٣٤٣ عن إبراهيم الحربي، قوله في قبر معروف الكرخي: إنه الترياق المجرّب.
وفضّل الرجال على النساء، فقال:( أَلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ ) .
أوَ ما شرّف الله بقعة على بقعة كما شرّف المساجد أيضاً على البقاع، وكما شرّف المساجد الاربع على سائر المساجد، وشرّف المسجدين على غيرهما؟!
أوَ لم يرد في الاحاديث: أنّ الاعمال يتضاعف أجرها لشرف المكان أو الزمان؟!
أوَ لم يفضّل الله الاشهر الحُرُم على سائر الشهور، وفضّل شهر رمضان عليها؟!
أوَما صحّ أنّ النبىّ(صلى الله عليه وآله وسلم) خطب خطبته التي خطبها آخر جمعة من شعبان في فضيلة شهر رمضان، ومنها قوله(صلى الله عليه وآله وسلم)فيها: (شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيّامه أفضل الايّام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات...) إلى قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (من أدّى فيه فرضاً كان له ثواب من أدّى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور، ومن قرأ فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور) الخطبة.
وبالجملة: فقد شرّف الله بعض الاحجار على بعض، والمقامات بعضها على بعض، كما شرّف أحجار البيت والحرم والحجر الاسود وزمزم وركن الحطيم ومقام إبراهيم، فقال:( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً ) أو ليست هي إلاّ صخرة عليها أثر قدم إبراهيم الخليل، وفيه قبر إسماعيل؟!
أوَ ما قرأت قوله تعالى:( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً) حيث أمضى الله سبحانه فعلهم، وهم المؤمنون، وعليه المفسّرون؟
وهذا وجه رغبة الشيخين في دفنهما مع الرسول في الروضة المنوّرة وجواره الشريف ; تبرّكاً بحرمته وشرفه وبركته.
وكذلك حكم العقل في حرمة حرمه وقبره.
فإنّ حرمة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا تذهب بعد موته ضياعاً.
أفهل كان رغبتهما في الدفن عند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ التبرّك بعظمته وتعظيماً لمضجعه بجميع مراتب التعظيم؟!
ومن ذلك رغبة عائشة، وادّخارها مكان القبر لها لكنّها آثرت عمر لما استأذن منها.
أوَ هل يستطيع المسلم أن يُنكر المقام العظيم في الاسلام لمثل هؤلاء الذين هُتكت حرمتهم بهدم قبابهم؟!
ثم، وهذا الافتراء منهم وإفكهم، كقياسهم الحلف والنذورات والهدايا وذبائح المسلمين الواقعة لله رب العالمين، بما كان يفعله المشركون.
سُبحانك اللهم ونعوذ بك من هذا البهتان العظيم، وتفريق الكلمة وشقّ عصا الاُمّة من غير رويّة وبيّنة وحجّة.
وما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حُرمات الله ورمي عباده الموحّدّين!
وهل يخفى على مثل هؤلاء الموحّدين من أعلام الدين: أنّ الحلف بغير الله على وجه إرادته تعالى منه مما يوجب الخروج من رِبْقة المسلمين؟
فالايمان الواقعة بغيره تعالى ممّا لا يُراد منها حقيقة القسم.
وحاشا أن يقع منهم ذلك على وجه إرادته تعالى، وإنما هو مجرّد العبارة وزيادة التأكيد.
فإنّ مثل هذا الصادر كثيراً في كلمات أعاظم الصحابة غير عزيز، كما لا يخفى على المتتّبع في كلماتهم.
وهل الحلف ببيت الله وكلمات الله وآيات الله، أو بضريح النبيّ وشيبته ومنبره وتربته، إلاّ لمجّرد التثبّت والتأكيد؟!
فإن لم يحضروا بلاد الشيعة الموحّدين، ولم يطّلعوا على سرائرهم، فهاهي بين أيديهم الكتب من فقه الامامية وسائر المسلمين - المطبوع منها وغير المطبوع - التي ملات أقطار العالم، فإنّ فيها ما يزجرهم عن هذا الافتراء العظيم.
وهل جعل الله للمسلمين حرمة أعظم من حرمة بيته وكعبته؟!
أوَ ما حرّم الله ظنّ السوء وسوء القول؟!
وهل يخفى على فحول العلماء والفقهاء - من أهل الجمعة والجماعة وإمعان النظر في الاحكام - أنّ الذبح لغير الله العظيم - تعالى شأنه - حرام؟
وهذه أبواب فقههم مصرّحة بأنّ النذر لا ينعقد إلاّ لله سبحانه، ولا الذبائح والقرابين إلاّ له جلّ شانه، ولا تحصل التذكية إلاّ باسمه - تعالى اسمه -.
فلو لم يخصّ النذر بالله وبإنشائه له تعالى لم ينعقد، كما أنه إذا لم يُستقبل بالذبيحة ولم يسمّ الله عليها لا تحلّ ; وتقع ميتة نجسة.
وأمّا نسبتها بعد ذلك إلى النبيّ والوصيّ والوليّ، فإنّما هي لكي يصل الثواب إليهم، كما نقرأ القرآن ونهدي إليهم ثوابه، ونصلّي وندعو لهم، ونفعل جميع الخيرات عنهم، وفيه أجر عظيم.
وكان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يذبح بيده، ويقول: (أللّهمّ هذا عنّي وعمّن لم يضحِّ من أُمّتي).
وكان عليّ يضحّي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بكبش، وكان يقول: (أوصاني أن أُضحّي عنه دائماً).
كذلك النذر، فانه لا يقع لغير الله بل على معنى أنها صدقة منذورة لله يهدي ثوابها إلى أولياء الله، وهذا لا يزيد عمن نذر لابيه وأمه أو حلف أو عاهد أن يتصدق عنهما.
كما أن اختيارهم لها الاماكن المشرفة ليس إلا لشرف المكان وتضاعف الحسنات فيها.
وبالجملة فان النذر عنهم، لا لهم.
فاين تذهبون وأنّى تؤفكون؟
وما هذا الرمي بالباطل والافك العظيم؟
سبحانك اللهم ما أحلمك!
وكيف كان، فقد انقدح بما ذكرنا في المقامين: أنّ استدلال المموِّه المغالط بالمتشابه من آيات الشفاعة على دعواه، غلط باطل، وخلط ظاهر فساده.
كفساد استدلال المعتزلة والخوارج على نفي الشفاعة بها تارة، واُخرى بقوله تعالى:( وَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) ، ومرّة بقوله:( مَآ لِلظَّالِمينَ مِنْ حَمِيم وَلاَ شَفِيع يُطَاعُ ) .
فإنّ الايات - كما عرفت - سوقها للكفّار، وأنّ الظالم على إطلاقه هو الكافر بقرينة العهد وخصوصية مورد النزول.
فسلب المقيّد لا يستلزم سلب المطلق، ونفي المطاع لا يستلزم نفي المجاب ; بمعنى أنّ نفي الشفيع الخاصّ لا ينافي إثبات مطلق الشفيع والشفاعة.
وبداهة العلم بأنه تعالى ليس فوقه أحد، وكون الشفيع لا محالة دون المشفوع ممّا لا يوجب حملها على نفي المجاب، إذ غايتها أنّها سالبة كلّية، ونقيضها السلب الجزئي الملازم للايجاب الجزئي.
فسوق الايات لعموم السلب لا لسلب العموم.
على أنّا لا نسلّم عموم الازمان والاحوال فيها ; لجواز اختصاصها بموردها.
كما أن قوله تعالى:( مَا لِلظَّالِمِينَ من أنصار ) وقوله:( وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ) ممّا لا تدلاّن على دعواه، فإنّ نفي النصرة لاتستلزم نفي الشفاعة ; لانها طلب على خضوع، وأما النصرة فربما ينبىء عن مدافعة ومكافأة.
المقام الثالث
في ثبوت الامر بالتوسّلات والاستغاثات والاستشفاعات.
وفيه الامر ببناء الضرائح والقِباب المتعلّقة بمشاهدهم.
فقد صحّ حديث توسّل آدم بالنبيّ من قبل أن يخلقه الله، ويبعثه إلى الدنيا، وكذا غيره من الانبياء.
كما في آيات المواثيق عن الانبياء بنبوّته(صلى الله عليه وآله وسلم) قال الله تعالى:( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ ) .
وقال تعالى:( وَإِذِ ابْتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ ) فيما ورد التفسير به.
فقد أجمع السنّة والجماعة على حديث التوسّل حتّى ابن تيميّة وابن القيّم.
وممّا ورد في التوسّل ما أورده الحاكم وصحّحه، قال: (إنّ آدم لما اقترف
الخطيئة، قال: يا ربّ أسألك بحقّ محمّد لمّا غفرت لي. فقال: يا آدم كيف عرفته؟ قال: لانك لما خلقتني نظرت إلى العرش فوجدت مكتوباً فيه: «لا إله إلاّ الله محمد رسول الله»، فرأيت اسمه مقروناً مع اسمك، فعرفته أحبّ الخلق إليك)(١) .
ويؤيّده: أنه لما سأل أبو جعفر المنصور الامام مالكاً، فقال له: أأستقبل القبلة وأدعو الله، أو أستقبل قبر النبيّ؟
فقال له: يا أبا عبدالله، ولِمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم!؟(٢)
والقاضي أبو عمرو عثمان ابن أحمد رواه مرفوعاً عن ابن عبّاس، عن النبي أنه قال: (لما اشتملت آدم الخطيئة، نظر إلى أشباح تضيء حول العرش فقال: يا ربّ إنّي أرى أشباحاً تشبه خلقي، فما هي؟
قال الله تعالى: هذه الانوار أشباح اثنين من ولدك:
أحدهما محمد، أبدأ النبوّة بك، وأختمها به.
والاخر أخوه وابن أخي أبيه، اسمه عليّ، أُأيّد محمّداً به، وأنصره على يده.
والانوار التي حولهما أنوار ذرّيّة هذا النبيّ من أخيه هذا ; يزوّجه ابنته تكون له زوجة، يتصل بها أول الخلق إيماناً وتصديقاً له، أجعلها سيّدة النسوان، وأفطمها وذرّيّتها من النيران، فتقطع الاسباب والانساب يوم القيامة إلاّ سببه ونسبه.
____________________
(١) المستدرك على الصحيحين للحاكم ٢/٦١٥.
(٢) ذكر ذلك القاضي عياض في الشفا بالتعريف بحقوق المصطفى وانظر شفاء السقام للسبكي، الباب الرابع، دفع الشبه للحصني ص١٤٠.
فسجد آدم شكراً لله أن جعل ذلك في ذرّيّته فعوّضه الله عن ذلك السجود أن اسجد له ملائكته...) إلى آخره.
وما رواه القاضي زكريا الحنفي - قاضي قسطنطينة في عصر السلطان محمد الفاتح - ذكره في حاشية له على «الكشاف» في تفسير قوله تعالى:( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ) ، رُوي: أنّه الميثاق في المهدي من ولده، القائم في آخر الزمان.
وتبعه تلميذه خرّم اُوغْلي في تعليقته عليه.
ومنها: ما رواه الشيخ ابن بِطْريق في «العمدة» عن الشيخ الحافظ أبي إسحاق أحمد بن محمد بن نعيم الثعلبي في كتاب «الكشف والبيان في تفسير القرآن»، روى بإسناده عن القابوسي، عن الحسين بن سعيد، عن أبان بن تغلب، عن نفيع بن الحارث، عن أنس بن مالك، عن بريدة.
ورواه غيره - من أعاظم أهل السُّنّة بطرقهم - عن أنس وبريدة وابن عباس أنه قال: قرأ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)( في بُيُوت أذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالاْصَالِ رِجَالٌ ) .
فقام إليْه رجل، وقال: أيّ بيوت هذه يا رسول الله؟ قال: بيوت الانبياء.
فقام إليه أبو بكر، فقال: يا رسول الله هذا البيت منها؟ وأشار إلى بيت عليّ وفاطمة، فقال: نعم، من أفاضلها.
ثم ذكر:
وبيت تقاصر عنه البيوت * وطال عُلوّاً على الفَرْقَدِ
تحوم الملائكُ من حولِهِ * ويصلح للوحي دار الندي
بيان: الاية عقيب آية النور(١) .
والتقدير: أن المشكاة الثابتة في بيوت هذه صفتها.
والرازي: أنّ التقدير كمشكاة فيها مصباح في بيوت أذن الله، وهو اختيار كثير من المحّققين انتهى.
ولا شكّ أنّ البيوت أعمّ من المساجد، ومن بيت علم الله ووحيه وأنوار هدايته تعالى.
كما أنها تعمّ الرجال ومساكنهم ومحلّ التعاهد إليهم.
ويؤيّده: قرينة المشكاة، فإنّ مجرّد كون المشكاة في المساجد ممّالا معنى محصّل لها، ولا فائدة مهمّة لذكرها.
فالاية تمثيل لنور هدايته تعالى، وإعلانه عن شرافة أهل بيت نبيّه وأطائب عترته ; ممن خصّهم الله بعلمه ونور هدايته، ومن نصبهم لارشاد عباده، ومثّل نور هدايتهم المقتبسة من نوره تعالى بالمشكاة، فالظرفية متعلّقة بالنور المذكور في صدر الاية، لمظهريّته عن نور الله تعالى، ولم تكن قيداً للمشبَّه، ولا خبراً عن رجال.
ويؤيّد هذا التفسير للبيت: قوله تعالى:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .
وقد صحّ تفسيرها وتواتر من طرق السنة والجماعة، نزولها في خصوص الخمسة ممن اجتمع تحت العباء الخيبرية.
كما ورد في تفسير قوله تعالى:( وَأْتُوا الْبُيُوتَ من أَبوابِهَا ) : أنها ليس المراد منها ظاهرها، بل هي من الكنايات، كما هو المتعارف في المحاورات.
ويؤيده ايضا قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ان الله اختار من البيوتات أربعة، ثم تلا قوله تعالى:( إِنَّ اللهَ اصطَفَى آدَمَ ونُوحاً وآلَ إِبراهيمَ وآلَ عِمْرَانَ عَلَى العالَمِينَ ) .
ويؤيّده قراءة أهل البيت (يُسَّبح) بالمبني للمفعول، والوقف على (الآصال)، والابتداء بـ (برجال).
____________________
(١) أي قوله تعالى
وفي المعتبرة من طرق الخاصة عن الإمام جعفر بن محمد (عليه السلام) أنه قال: (إلتمسوا البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فإنّ الله أخبركم أنهم رجال).
ولما حضر قتادة قاضي قضاة البصرة عند الإمام ابي جعفر محمد ابن علي (عليه السلام) قال: (أصلحك الله يابن رسول الله، والله لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدام ابن عباس، فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قدامك؟
فقال أبو جعفر: (أما تدري أين أنت؟! أنت بين يدي( بيوتٍ أذِنْ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيهَا اسمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ والآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بيَْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وإِقَامَ الصَّلاةِ وإِيتاءِ الزَّكاةِ ) ونحن أولئك ) .
فقال له قتادة: صدقت والله جعلني الله فداك ماهي بيوت حجارة ولاطين). الخبر.
فقد ظهر: أن البيوت أعمّ من ذلك.
كما أنّ الرفع بإطلاقه يعمّ جميع معانيه:
فكما أنّ رفعها يكون بالسير اليها، لأخذ علومهم ومعارفهم التي ورثوها عن لسان الوحي، وارتضعوها من ثدي الرسالة.
كذلك يكون بالتعهد لمشاهدهم وضرائحهم، والتبّرك بها وتعظيمها، والدعاء عندها وبتعميرها وبنائها وتشييدها، لقوله تعالى( رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ) ، وقوله تعالى:( وَإِذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ) .
ويؤيده هذا المعنى من الرفع حديث أبي عامر البناني - واعظ أهل الحجاز - قال: أتيت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، وقلت له: يابن رسول الله ما لمن زار قبره - يعني أمير المؤمنين - وعمّر تربته؟
قال: يا أبا عامر، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده الحسين بن علي، عن علي (عليه السلام): أنّ رسول الله قال: (والله لتقتلَنّ بأرض العراق وتُدفن بها. قلت: يا رسول الله ما لمن زار قبورنا وتعاهدها؟ فقال لي: يا أبا الحسن إنّ الله جعل قبرك وقبر ولدك، بقاعاً من بقاع الجنة، وعرصة من عرصاتها، وإن الله جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوة من عباده، تحنّ إليكم، وتحتمل المذلّة والأذى، فيعمرون قبوركم، ويكثرون زيارتها تقرباً منهم الى الله ومودة منهم لرسوله، أولئك - يا علي - المخصوصون بشفاعتي، الواردون حوضي، وهم زواري غداً في الجنّة.
ياعلي من عمّر قبوركم وتعاهدها، فكأنما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس.
ومن زار قبوركم عدل ذلك ثواب سبعين حجة بعد حجة الاسلام، وخرج من ذنوبه حتى يرجع من زيارتكم كيوم ولدته أُمّه.
فأبشر وبشر محبيك من النعيم وقرة العين بما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
ولكن حثالة من الناس يعيرون زوار قبوركم كما تعير الزانية بزنائها، أُولئك شرار أُمتي، لا أنا لهم الله شفاعتي، ولا يردون حوضي).
رواه السيد الإمام المعظم الزاهد العابد، أبو المظفّر غياث الدين بن طاوس الحسيني بسلسلة إسناده، عن عمارة بن يزيد، عن أبي عامر البناني، ورواه غير واحد بإسناد آخر، كما رواه الشيخ العلامة عن محمد بن علي بن الفضل.
فالحديث يدلّ على تعمير القباب، وعليه استمرار طريقة الأصحاب.
ومنها: قال الله تعالى( يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِليْهِ الْوَسِيلَةَ ) .
ولا شكّ أنّ حسن التوسل إنّما يحكم به الادلة الاربعة، من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، بل وعرف العادات في الملوك والسلاطين.
وهل العبادات والطاعات إلا القربات والوسائل لنيل المثوبات؟!
أو لا ترى أنّ لرفع الحاجات الى الله وسائل واقعية، من الدعاء والإلحاح ونوافل الصلوات والصدقات وأنحاء القُرُبات، من الذبائح والتوسّلات.
وذلك لأنّها جرت عادة الله في الاُمور مجرى العرف والعادة بتوسّط الأسباب والمسبّبات، فجعل للعقاقير دخلاً في الاسشفاء بها وأثراً في عالم الطبيعة، وهو خالق الطبيعة وجاعل آثارها فيها.
ولكلّ نفل من العبادة خواصّ وآثار تزداد لفاعلها آثارها، وهو تعالى يقدر على إعطائها بدونها، مع علمه بحوائج عباده ولطفه الشامل لخلقه، وجواز قضائها وإنجاحها بعلمه من غير توسيط تلك الوسائل، ولولا ذلك لزم إلغاء كثير من العمومات الآمرة بها، ولكان الأمر بها لغواً وعبثاً، تعالى الله عن ذلك عُلُوّاً كبيراً.
مع ان المشهود من الإجابة بتوسيطها ضروريّ محسوس لاينكره إلا مكابر.
ولا يتخلّف المشروط بها إذا لم يكن محتوماً، وكان موافقاً لحكمته ومشيّته تعالى، كما أنّها ربما تتخلّف إن بلغت المسمى المحتوم، كما قال (عليه السلام): (يامن لاتبدِّل حكمته الوسائل).
ألم تر أنّ الله قال لمريم * وهزّي اليك الجذع تساقط الرطب
فلو شاء أن تجنيهِ من غير هزة * جنته ولكن كل شيء له سببْ
فمن شدة رافته تعالى بعباده جعل لهم وسائل بينه وبينهم، ليتشفعوا للمرتضين منهم بإذنه، وللمتخذين عهد التوحيد والإيمان به بكرمه ورحمته، كما قال:( ولا يشفعون الا لمن ارتضى ) ، أو( من اتخذ عند الرحمن عهداً ) .
فلا بأس بمن توسل الى الله بمعظم، من قرآن أو نبيّ او وصي أو ولي ونحوها من آياته العظيمة، وسأل الله بحقهم، فإن حق الشيء وحاقه وسطه، وأوسطه، وهم الوسائط بين عباده.
قال الجوهري: سقط فلان على حاقّ رأسه، اي وسط راسه، وجئته في حاق الشتاء، أي وسطه.
والفيروزآبادي: حقّه وحاقه وسطه.
والمخلوقية مما لا تمنع الوساطة، بل وانما تؤكد العلاقة العابدية والمعبودية، وتؤيد ربطها بها ربط المتضايفين، بل وهي الأنسب بمقام العبودية بما فيها من الاشارة الى جلالة مولاه وعظمة معبوده.
فتفسير بعضهم الوسيلة بخصوص الفرائض - مع ما عرفت انها تعم الوسائل الى الله كلها - تفسير بالرأي.
قال ابن الاثير في (النهاية) في حديث الأذان: اللهم آت محمداً الوسيلة، وهي في الاصل ما يتوصل به الى الشيء ويتقرب به، وجمعها وسائل. يقال: وسل اليه وسيلة وتوسل، والمراد به في الحديث القرب من الله، وقيل: هي الشفاعة. انتهى.
وفي تفسير (الكشف والبيان) لأبي اسحاق الثعلبي عن الامام جعفر بن محمد (عليه السلام) أنه قال: (ابتغوا اليه الوسيلة: تقربوا اليه بالامام).
وهب ان المراد من الوسيلة الفريضة، او ليست المودة لذوي القربى من الفرائض؟! بل وأهمّها المسؤول عنها في قوله تعالى:( قل لا أسألكم عليه أجراً الا المودة في القربى ) .
وإذ قد تبين من الآيات ثبوت الشفاعة للمرتضين وللمتخذين عهد توحيدهم وإيمانهم بربّ العالمين.
وظهر: أنّ اتخاذ العهد والاتضاء بحسب الإيمان مما لاينافي عدمها باعتبار
فسق المعصية، كما تقدم، فلا توجب المعصية ارتداداً وكفراً، ولا تخرج العباد عن الارتضاء شيئاً، فقد ثبت ان المعاصي ليست علّة تامة للتعذيب، وانما هي مقتضيات لولا المانع عن التأثير.
فكما أنّ الله جعل بفضله وكرمه الندم عن المعصية توبةً وعفواً، فلا غرو ان جعل الله الأمر بابتغاء الوسيلة بأوليائه، وايجاب فرض المودة لذوي قربى نبيه وأطائب عترته ولحمته مانعاً لها رافعاً لتأثيرها، ماحياً لموضوعها، مقرباً أولياءهم الى الله، موجباً لنيل حوائجهم وان رغم الراغمون، وهنالك يخسر المبطلون.
ثم لايخفى ان تفسيرهم الوسيلة هنا، ليست بأعجب من تفسيرهم (الإمام) في الحديث المتواتر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (من مات ولم يعرف إمام زمانه فقد مات ميتة الجاهلية)(١) .
حيث قالوا: إن المراد من الإمام القرآن؟
مع وضوح فساده، الظاهر من إضافة الإمام الى الزمان، المضاف الى ماصدق عليه الموصول في الحديث.
مع أن القرآن انما هو الامام المستمر الباقي، الذي لايختص بزمان دون زمان.
فلم يكن لتفسيرهم في المقامين وجه، فتدبر.
____________________
١ - وفي مسند احمد ٤ / ٩٦: من مات بغير امام..، وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم ١/٧٧ و١١٧: ومن مات وليس عليه إمام...، ونقله في مجمع الزوائد ٥ /٢٢٤، ورواه بلفظ بغير إمام في مجمع الزوائد ٥ / ٢١٨، وبلفظ: ليس لإمام... ٥ / ٢١٩، ورواه في كنز العمال ٢ / ١٠٣ بلفظ (بغير إمام) عن احمد والطبراني، وبلفظ (ليس عليه إمام) في ١ / ٢٠٧ وانظر ٢٠٨ و٦/٦٥، ولكن اكثر مصادر الحديث اثبتوها بألفاظ اُخرى مثل (بغير سلطان، أو أمير أو بغير طاعة، أو من فارق الجماعة، أو ليس في عنقه بيعة...، ولاحظ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ياعلي، من مات وهو يبغظك مات ميتة جاهلية، رواه الطبراني في الكبير راه في مجمع الزوائد ٩ /١١١ و ٩ /١٢١ و١٢٢، وكنز العمال ١١ / ٦١١ و١٣/١٥٩.
هذا، وقد صح حديث التوسل بالنبي من أعيان الصحابة من قبل، بل والتوسل بغير النبي من الصحابة.
ومن ذلك حديث استسقاء عمر بن الخطاب بوجه عباس بن عبد المطلب عم النبي، وقوله: (أللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل اليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل اليك بعم نبيك فاسقنا). رواه البخاري في الصحيح.
مع ان صحة التوسل بغير النبي مما يدل بالفحوى على التوسل بأطائب عترته وأهل بيته.
ورواه ابن عبد البر في (الاستيعاب) وغيره في غيره، وفيه: (فأرخت السماء عزاليها،(١) فأخصبت الأرض، فقال عمر: (هذه والله الوسيلة الى الله والمكان منه).
ومنها قوله تعالى في سورة الحجّ:( ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب ) .
فسر الشعائر بمعالم الدين وطرقه المنصوبة الى الله تعالى والى معارفه، بل واطلاقه شامل لكل مايشعر ويشير اليه تعالى ويعرفه سبحانه.
ففي (النهاية) لابن الاثير عن الازهري قال: الشعائر المعالم التي ندب الله اليها وامر بالقيام عليها.
وقال السيوطي: الشعار العلامة، فالبدنة - وهي النسك للحاج القارن - من
____________________
١ - العَزالي والعَزالَى: مصبّ الماء من القِربة ونحوها.
احدى مصاديق الشعار، كما هو الظاهر من قرينة (من) التبعيضية، ودخولها على منتهى الجموع.
على ان ذكر البعض مما لاينافي ثبوت الاخرين، فتخصيص الشعائر بالهدي والنسك خاصة دون غيره، تخصيص بلا دليل.
فإن قلت: إن الدليل هو الجعل فيه دون غيره، فتكون النسك مجعولاً في الشعارية.
قلت: لما كانت البدنة لذاتها مع قطع النظر من اعتبار النسكية للحج، غير ظاهرة في الشعارية، كما ان النعل وتقليدها ايضا كذلك، فكانت - لا جرم - تحتاج الى مايصرفها اليها، وهو قرينة الجعل.
كما ان الصفا والمروة والهرولة فيهما، مما هي بذاتها مفتقرة اليها، ولم تكن غنية عنها، فنص عليها بقوله تعالى:( ان الصفا والمروة من شعائر الله ) .
بخلاف ما اذا كان الشيء ظاهراً في الشعارية، فإنّه لا يحتاج اليها، فالتمسك باطلاق الشعار كاف في مصاديقه مالم يقم دليل على خلافه في الشعارية.
هذا، وأنت ترى ان المشاهد والقباب المشرفة للأئمة وأكابر الصحابة من عترة الرسول، بمظهريتها عن اولئك الاطائب، من آيات الله، وحملة علمه ووحيه وحماة دينه وشريعته والدعاة اليه، من اظهر مصاديق الشعائر؟
كيف، وهي البيوت التي( أذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه ) .
كما ان الحلي والحلل والزينة اللائقة بها فيها، مما يقصد بها الابهة الدينية، تجاه الاجانب من منكري دين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ربما تعدّ ايضا من الشعائر.
هذا كله لان تعظيم ماهو شعائر الله مما يرجع الى تعظيم الله سبحانه، بل هو تعظيمه في الحقيقة، والانفاق في هذه السبيل انما هو من امتحان القلب للتقوى تقوى القلب.
قال الرازي في قوله تعالى:( اولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ) : أي امتحنها ليعلم منه التقوى، فان من يعظم واحداً من أبناء جنسه لكونه رسولاً مرسلاً، يكون تعظيمه للمرسل اعظم، وخوفه منه اقوى.
وهذا كما في قوله تعالى:( ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب ) ، اي تعظيم أوامر الله تعالى من تقوى القلوب. انتهى.
ومنها: قوله تعالى في سورة الحج:( ومن يعظم حرمات الله فهو خير له ) .
والحرمة والحرمات والحرام ما لا يحل انتهاكه، وقيل: ما وجب القيام به، وحرم التفريط فيه.
وتعظيمها ترك ملابستها تعظيماً لله سبحانه، وتكريماً واجلالاً لأمره ونهيه، ومنه المشعر الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والبيت الحرام والشهر الحرام، كلّ هذا باعتبار وجوب رعاية القيام بتعظيمها وحرمة انتهاكها، والتبرك بها باضافتها الى معظمها.
وعقد الاحرام هو الالتزام بتروكه والاتيان بواجباته.
والمحرم للحج هو الممنوع عما حرمه الله عليه بدخوله في حرمه.
وتكبيرة الاحرام، لان المصلي يكون معها ممنوعاً من الكلام ومن سائر المنافيات.
والمسلم محرم، اي يحرم اذاه، يعني بتسليمه الى الله وخصوعه لوجه الله كأنه داخل في حرم الله.
فحرمة هذه العناوين كلها بسبب اضافتها التشريفية وانتسابها الى مشرفها ومظهريتها عنه سبحانه.
ومنه قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في (احد) كما في (صحيح البخاري) عن النبي لما طلع له (احد) فقال: (هذا جبل يحبنا ونحبه. اللهم أن ابراهيم حرم مكة واني احرم مابين لابتيها، يعني المدينة)(١) .
فتخصيصها بالمناسك دون غيرها تخصيص بغير دليل، والاطلاق كاف لشموله جميع المصاديق، كما تقدم في الشعائر، وقرينة اتصالها بآية النسك لاتزيد على الاشارة الى احدى مصاديقها شيئاً، فكيف بتخصيصها بها؟!
هذا وقد ورد في تفسير اهل البيت وباطن القرآن تفسيرها بهم (عليه السلام) كما عن الامام ابي جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام) في المعتبر انه قال: (نحن حرمات الله الأكبر).
وفي المروي عن الامام جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) انه قال: (إنّ الله حرمات ثلاثاً مثلهن: كتابه هو حكمته ونوره، وبيته الذي جعله قبلة للناس، وعترة نبيكم)(٢) .
وفي المرفوعة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (ستة لعنتهم ولعنهم الله، وكلّ نبيّ مجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمتسلط بالجبروت، ليذل من أعزه الله، ويعزّ من اذله الله، والمستحل لحرم الله، والمستحل لعترتي ما حرم الله، والتارك لسنتي).
ومنها: قوله تعالى في سورة آل عمران:( واعتصموا بحبل الله جميعاً
____________________
١ - صحيح البخاري ٥ / ١٣٦ باب نزول النبي (صلى الله عليه وآله) الحجر.
٢ - رواه الصدوق الامامي في كتابه (معاني الاخبار ص ١١٨ وانظر كتابه الخصال ص ١٤٦ باب: لله عز وجل حرمات ثلاث).
ولا تفرقوا ) .
قال الرازي في هذه الآية: أمر الله بالتمسك والاعتصام بما هو كالاصل لجميع الخيرات والطاعات، وهو الاعتصام بحبل الله.
واعلم ان كل من يمشي على طريق دقيق يخاف ان تزلق رجله، فاذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق، أمن من الخوف.
ولاشك ان طريق الحق طريق دقيق، وقد زلقت ارجل الكثير من الخلق عنه، فمن اعتصم بدلائل الله وبيناته، فإنه يأمن من ذلك الخوف.
فكان المراد من الحبل ههنا كل شيء يمكن التوصل به الى الحق في طريق الدين، وهو انواع كثيرة.
ثم عد منها العهد في قوله تعالى:( وافوا بعهدي ) .
ومنها القرآن...
الى قوله: وروي عن ابي سعيد الخدري، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (اني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله حبل ممدود من الأرض عترتي واهل بيتي) والحديث متواتر بين الفريقين(١) .
وزاد فيما رواه عبد الله بن احمد بن حنبل، وأخرجه باسناده عن ابن نمير، عن عبد الملك بن سليمان، عن عطية العوفي، عن ابي سعيد الخدري، عن رسول
____________________
١ - حديث الثقلين متواتر بحكم جمع من أعلام الحديث وهو على كل حال مجمع على صحته، فأورده مسلم في صحيحه ٧/١٢٢ - ١٢٣، وبشرح النوري ١٥/١٧٩ - ١٨١، وأحمد في المسند ٣/١٤ و١٧/٢٦ و٥٩ و٤/٣٧١، والدارمي في السنن ٢/٤٣٢، والحاكم في المستدرك على الصحيحين ٣/١٠٩، وقال: صحيح على شرط الشيخين و٣/١٤٨ وقال مثله، والبيهقي في السنن الكبرى ٧ /٣٠ و١٠ /١١٤، وانظر مجمع الزوائد للهيثمي ٩ / ١٦٣، وكنز العمال ١ / ١٨٦ و ٥ / ٢٩٠ و ١٣/١٠٤ و ٣/٦٤١ و١٤/٤٣٥، وأقرأ بحثاً مفصلاً عن الحديث ومصادره ودلالته في مجلة (علوم الحديث) العدد الأول لسنة ١٤١٨ هـ.
الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال بعده: (إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض).
وقال: قال ابن نمير: قال بعض أصحابنا عن الأعمش أنه قال: (انظروا كيف تخلفوني فيهما).
وفي رواية: (ألا وإني مخلف فيكم الثقلين: الثقل الاكبر القرآن، والثقل الاصغر عترتي أهل بيتي، وهما حبل الله ممدود بينكم وبين الله عز وجل، ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا، سبب - أو طرف - منه بيد الله وسبب بأيديكم، ان اللطيف الخبير قد نبأني انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كاصبعي هاتين وجمع بين سبابتيه) الحديث.
وعن تفسير (الكشف والبيان) لأبي اسحاق الثعلبي في هذه الآية، روي باسناده، رفعه الى الامام جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: (نحن حبل الله الذي قال الله:( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولاتفرقوا ) .
وفي حديث العنبري وقوله: (يارسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ماهذا الحبل الذي امرنا الله بالاعتصام به والا نتفرق عنه؟
فأطرق مليا، ثم رفع راسه، واشار بيده الى علي بن ابي طالب، وقال: هذا حبل الله الذي من تمسك به عصم به في دنياه، ولم يضل به في آخرته.
فوثب الرجل الى علي (عليه السلام) فاحتضنه من وراء ظهره، وهو يقول: اعتصمت بحبل الله وحبل رسوله) الحديث.
وفي حديث محمد بن عبد الله المعمر الطبري الناصبي - بطبرية سنة ٣٣٣ - رواه في وفد اليمانيين على رسول الله، والحديث مشهور الى قوله: (فقالوا يارسول الله بين لنا ماهذا الحبل؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) هو قول الله:( الا بحبل من الله وحبل من الناس ) فالحبل من الله كتابه، والحبل من الناس وصييي، ولم يعلم تأويله الا الله) الحديث.
فالآية كناية عن الالتزام بمودة ذوي القربى من اهل البيت واخذ العلم منهم
والتعظيم لاثارهم.
ومثله (العروة الوثقى) فيما أخرجه أبو المؤيد موفق بن احمد، عن عبد الرحمن ابن ابي ليلى، قال، قال رسول الله لعلي (عليه السلام): (أنت العروة الوثقى).
ومنها: قوله تعالى:( وأتوا البيوت من ابوابها ) (١) .
والتقريب: أنّ الهداة من عترة الرسول انما هم ابواب مدينة علمه وخزنة وحيه ورسالته، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أنا مدينة العلم وعلي بابها، ولا توتى البيوت الا من ابوابها).
والحديث متواتر اللفظ والمعنى في طريق الفريقين.
ورواه ابن بطريق في (العمدة) بإسناده عن ابن المغازلي الواسطي الفقيه الشافعي في (المناقب) بإسناده عن علي بن عمر، عند حذيفة، عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي غير: (أنا مدينة الحكمة وعلي بابها)، ومن اراد الحكمة فليأت الباب).
وفيما اخرجه المناوي عن الترمذي (أنا دار الحكمة)، وفي بعضها مارواه باسناده عن ابن المغازلي، عن أحمد بن محمد بن عيسى سنة عشر وثلاث مائة معنعناً عن رسول الله (ص) أنه قال: (ياعلي انا المدينة وانت الباب، كذب من زعم انه يصل المدينة الا من الباب).
____________________
١ - أورده الحاكم في المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٢٧، وفي مجمع الزوائد ٩ / ١١٤، وكنز العمال ١٣ / ١٤٨ وتتكلموا حول إسناده.
وقد اشبع الامام المجتهد الحافظ احمد بن محمد بن الصديق الغماري الحسني المغربي المتوفي (١٣٨٠ هـ)البحث عنه، واثبت صحته في كتاب (فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي) المطبوع طبعة ثانية بالقاهرة عام ١٣٨٩هـ.
قال الرازي: فجعل الله اتيان البيوت من ظهورها كناية عن العدول عن الطريق الصحيح، وإتيانها من أبوابها كناية عن التمسك بالطريق المستقيم، وهذا طريق مشهور في الكناية، فإن من ارشد غيره على الوجه الصواب، يقول له: ينبغي أن تاتي الأمر من بابه، وفي ضده يقال: إنه ذهب الى الشيء من غير بابه.
قال الله:( فنبذوه وراء ظهورهم ) ، وقال:( واتخذتموه وراءكم ظهرياً ) .
فلما كان هذا طريقاً مشهوراً معتاداً في الكنايات ذكره الله ههنا. انتهى.
فقد ظهر: أنّ الآية كناية عن التمسك والتوسل بأهل البيت.
ومنها قوله تعالى في سورة الكهف:( وقال الذين غلبو على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً ) .
دلت الآية بالتقرير والامضاء على جواز العبادة عند قبور الاولياء والصالحين، بل وعلى اتخاذها للمسجدية تبريكاً للمكان.
ففي (تفسير الجلالين) و (الكشاف) وابي السعود:( الذين غلبوا على امرهم ) وهم المؤمنون:( لنتخذن عليهم مسجداً ) يصلي فيه المسلمون، ويتبركون بمكانهم، وفعل ذلك على باب الكهف. انتهى.
ومما اخرجه المناوي في (الكنوز)(١) عن الديلمي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن بمسجد الخيف قبر سبعين نبياً) ورواه ايضاً في (صفحة ١٠٥) عن الطبراني.
وفي (صفحة ٤١) فيما أخرجه عن الحكيم الترمذي في (النوادر) قوله (عليه السلام): أنّ قبر اسماعيل في الحجر، ورواه ايضا (صفحة ١٠٦) عن الديلمي.
____________________
١ - صفحة ٥٧.
هذا كله، مع ماكان الاحرى والاجدر بهؤلاء النجديين - في صيانتهم لشعائر الدين، ووجوب التحفظ والرعاية لحرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أطائب عترته ولحمته وأركان أصحابه وأعاظم العلماء والشهداء من حملة وحيه وعلمه.
إبقاء مآثرهم وضرائحهم وبقاعهمالتي كان قد بناها المسلمون، أداءً لفرض المودة وأجر الرسالة.
كما كان الأوفق والاصلح لهم بجمع الكلمة واجتماع الامة، التبينُّ والتثبت فيما بلغهم عن موحدي المسلمين من الافك العظيم، او راموها بظنونهم فيهم، فرموهم بها.
لا التهجم عليهم بالهمجية، بهدم قباب هؤلاء الائمة وأطائب العترة، ففعلوا ما فعلوا، والتاريخ يعلن عما فعلوا، واغضبوا الله ورسوله.
كما كان الأوفى والأقرب بالنصف أن يكون لهؤلاء غنى فيما استدل به السمهودي والسبكي والمدني والنووي والمناوي بالإجماع والكتاب والسنة على الزيارات والتوسلات.
وفيما ارسل اليهم الشيخ الوحيد والمصلح الكبير بذلك الكتاب الناصح المشفق، بما فيه من الدلائل الواضحة والبراهين القوية، من الكتاب والسنة وإجمع الامة في جوامع ما عليه الامامية من التوحيد وتنزيهم عن إفك الشرك لو أنصفوا ولم يعودوا.
وكان الباعث لهم في الحقيقة الى تعذيب المسلمين وإلقاء نار الشقاق في الموحدين، هو ما تمكن في نفوسهم من حب الاستئثار بالسطوة والسلطان،
وجشع استعمار البلاد، واسترقاق العباد، من غير رأفة ولا رقة ولا شفقة بإخوانهم في الدين، فضلاً عن البشرية.
فقاموا بمقتضاه وشمروا على هتك حرمات الله، ولقد جاؤوا بها شيئاً إداً( تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا ) .
واما بحسب الظاهر فبجهلهم وجمودهم:
فتارة بشبهة التمسك بحديث ابي الهياج المروي في صحيح مسلم في قوله: (لا تدع تمثالا الا طمسته، ولا قبراً مشرفاً الا سويته)(١) .
مع وضوح فساد التمسك به بما تقدم من السيرة النبوية، وما ورد من أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بزيارة القبور وحثه [عليها] وتعاهدها والدعاء عندها.
والنبي من لا ينطق عن الهوى( إن هو إلا وحي يوحى )
كيف يأمر بهدم القبور من هو يأمر بزيارتها؟!
أم كيف يأمر بهدمها وهو يزورها، ويقف عليها، ويدعو الله عندها؟!
على انّ تسوية القبور وتسطيحها وتعديلها المقابل لتسنيمها، المشتق من سنام البعير شرفه وعلوه، كما يدل عليه قوله: مشرفاً، والا كان هذا القيد لغواً عبثاً.
وعليه فالحديث يدل على مرجوحية التسنيم للقبور الذي أخذته العامة لها شعاراً، مع مخالفته فعل رسول الله بتسطيحه قبر ولده ابراهيم، وكما استشهد به لذلك شراح الحديث كالقسطلاني وغيره.
ويدل بمفهومه على افضلية ما ذهب اليه الامامية، ووافقهم عليه الإمام
____________________
١ - صحيح مسلم ٣ / ٦١.
الشافعي من التسطيح.
هذا، مع ان الحديث بمعزل عن ذلك كله لوروده مورد قبور عظماء الكفار وتماثيلهم وآلهتهم هناك.
وفي ذم اليهود والنصارى من كفار الحبشة، وما كانوا عليه من اتخاذهم لقبور صلحاء موتاهم كهيئة تمثال صاحب القبر أصناماً يعبدونها من دون الله.
فأمر النبي علياً (عليه السلام) بطمس تلك الهياكل والتماثيل وهدمها وتخريبها ومحوها ومساواتها، ويدل عليه قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ولاتدع تمثالاً).
ومثلها ما ورد من [الاحاديث] الناهية عن اتخاذ القبور مساجد للصلاة.
والمغالطة فيها، فانها - كما ترى - مقيدة بما كان [عليه] اليهود وغيرهم من المشركين، كانوا يمثلون هناك الصور والتماثيل لصاحب القبر.
أو ماكانوا يجعلون البارز من القبر قبلة يستقبلونها بايّ جهة كانت، ويصلّون تجاهها، فنهي النبي عن ذلك.
حتى انه روى البخاري عن أنس قال: (كان قرام لعائشة - أي ستر خفيف - سترت به جانب بيتها، فقال النبي: أميطي عنّا قرامك، فإنه لايزال تصاويره تعرض في صلاتي)(١) .
وكل هذا مما لاينكره احد من المسلمين.
ويدل على الوجه الاول: مارواه كل من البخاري ومسلم في صحيحه عن النبي (ص) أنه قال: (إن اولئك اذا كان فيهم الرجل الصالح فمات فبنوا على قبره
____________________
١ - صحيح البخاري ١ / ٩٩.
مسجداً وصوروا فيه تلك الصورة)(١) .
وعلى الوجه الثاني: ماورد ايضاً في الصحيحين عن عائشة عن النبي قوله (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور انبيائهم مساجد)(٢) .
ولذلك قالت عائشة: (ولولا ذلك أبرز قبره غير انه خشي أن يتخذ مسجداً)(٣) .
فالظاهر من الرواية - بمساعدة ما فهمته عائشة منها، بحيث لم ينكر عليها أحد ممن روى الخبر عنها-:
أنّ المنهي عنه إنما هو خصوص الصلاة الى القبر باتخاذ البارز من القبر قبلة.
لا مجرد الصلاة عند القبر بالتوجه الى الكعبة.
وقد عرفت صحة الاتخاذ بهذا المعنى فيما مضى وستأتي الحجة عيله من القرآن والسنة الصحيحة.
وهذا معنى الحديث.
ولولا ذلك لما كان الابراز سبباً لحصول الخشية، فان المخشي منه هو استقبال القبر بجعله واتخاذه قبلة، واما الصلاة الى الكعبة فممّا لا يتوقف على البارز.
ويؤكد هذا المعنى للحديث صريح مارواه المناوي(٤) ، وأخرجه عن ابن حبان في صحيحه: (أنّ النبي نهى عن الصلاة الى القبور).
ومثله في الوهن ما أوردوه من الشبهة في النهي عن الصلاة في المقابر.
____________________
١ - صحيح البخاري ١ / ١١١ و ١١٢ و ٤ / ٢٤٥، وصحيح مسلم ٢ / ٦٦.
٢ - صحيح البخاري ١ / ١١٠ و ١١٢ و ١١٣، و ٢ / ٩١ و ١٠٦، و ٤ / ١٤٤، و ٥ / ١٣٩ و ١٤٠، و ٧ / ٤١، وصحيح مسلم ٢ / ٦٧.
٣ - لاحظ صحيح البخاري ٢ / ٩١، ولاحظ ص ١٠٦ و ٥ / ١٣٩، وصحيح مسلم ٢ / ٦٧.
٤ - في ص ١٦٩ من الكنوز.
وكذا كل مايتشبث به الوهابيون من المناهي حول عنوان القبر، من التجصيص والتجديد والكتابة عليها، كما تراها بمعزل عما رموا به المسلمين.
فان المشاهد المشرفة مما ليس هناك قبر بارز، وانما هو مجرد الصندوق والشباك الواقعين على السرداب الاجنبي عن القبر، ليكون حريماً وعلامة لايوطأ ولايصلى عليه، عملاً بالنهي.
هذا، مع ان النهي محمول على الكراهة، بل ومخصوص بما فسره شراح الحديث.
وقد قال ابن الاثير في (النهاية)، وانما النهي عن الصلاة في المقابر، لاختلاط ترابها بصديد الموتى، والا فان صلى في مكان طاهر منها صحت صلاته.
قال: ومنه الحديث: (لاتجعلوا بيوتكم مقابر) أي لاتجعلوها كالقبور، فلا تصلواا فيها، فان العبد اذا مات، وصار في قبره لم يصلّ، ويشهد له قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً). انتهى كلامه.
وهذا احمد بن حنبل، فقد روى في مسنده مايفسر الحديثين المذكورين، كما روى عنه المناوي في (الكنوز).
أما بالنسبة الى العنوان الاول:أي اتخاذ القبور مساجد:
فقد روى عن مسنده(١) عن النبي انه قال: (لاتجعلوا على القبور ولا تصلوا اليها). وماروى فيه ايضا عن الطبراني في الحديث قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا تصلوا الى قبر، ولا على قبر).
وأما بالنسبة الى العنوان الثاني:
فقد روى عن مسند احمد(٢) عن النبي قال: (لا تتخذوا بيوتكم قبوراً، صلوا فيها).
____________________
١ - كنوز المناوي ص ١٨١، ومسند احمد ٤ / ١٣٥.
٢ - كنوز المناوي ص ١٧٩، ومسند احمد ٤ / ١١٤.
ومثله ما تقدمه عن ابن الاثير.
فلا يغنى المتكلف مطلق النهي، ولا النهي عن مطلق الاتخاذ.
نعم هكذا يراد قتل الحقائق، ورمي عباد الله الموحدين بسهم العصبية، فانظر وراجع وانتصف.
فأين مناسبة هذه الروايات لما رامه الجاهل المعاند؟!
وياليتهم دروا من الروايات مواردها، أو من التسوية والمساواة اشتقاقها.
وليتهم إذا لم يدروا وقفوا، ولم يفتوا.
كما اطالوا الكلام تارة حول الارض المسبلة، وأفتوا بغير ما أنزل الله، لشبهة أن البناء في المسبلة مانع عن الانتفاع بالمقدار المبني عليه، فهو غصب يجب رفعه، وبه أفتى قاضي قضاتهم على هتك حرمات الله.
ومن الواضح ان هذه المختصات من الابنية وغيرها في نظر الشارع الاسلامي، كأملاك لا يسوغ لغير مالكها او من يقوم مقامه في التصرف فيها.
مع ما تقدم من وجوب حرمة المؤمن ميتاً كوجوبه حياً فيحرم هتك حرمته بهدم حرمه وقبره.
وكيف التجرؤ عليه بمجرد دعوى التسبيل من غير حجة ودليل؟
على ان مقتضى القاعدة فيها ونظائرها التمسك في الاباحة الاصلية مالم يثبت هناك عروض الملكية، ودونه خرط القتاد.
وحيث لم يقرع سمع أحد من المسلمين، ولم يوجد حديث او تاريخ على ان البقيع مما استملكها أحد، ثم وقفها احد وسبلها لدفن الموتى، فهي باقية بعد على اباحتها، يجوزها من يشاء من المسلمين من غير ان يتعرضه احد ومع الشك في
العروض يبقى استصحاب الاباحة الاصلية سليمة عن المزاحم.
ثم لو فرض مع هذا ثبوت الوقف قبل الحيازة - ومن المحال ثبوته - فلا ينفع المتكلف بشي، ولم يسمع منه ذلك الا بعد اثباته وقوعه منه على غير مجرى عرف أهل المعرفة من المسلمين وعاداتهم في مجاري البر والخير، من الرعاية لحق العظيم في الاسلام والمحترمين من الصحابة والأولياء، ممن يكثر زوارهم من المسلمين التالين لكتاب الله لديهم وإهداء ثوابها اليهم، عملاً بالسنة المأثورة وقياماً لأداء حق عظيم شرفهم في الاسلام.
كلا وليس في المسلمين أحد ممن يوقف مقبرة للمسلمين على غير الوجه الأمثل، لرعاية البر والطاعة، والأقرب بأداء الحقوق، والأوفى بتعظيم الشعائر.
ولم تزل السيرة القطعية - من أكابر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين الى زمان الائمة الاربعة والخلفاء، من الامويين والعباسيين، وجهابذة العلماء وأساطين الدين باقتدارهم وسلطنتهم وكمال تضلعهم في اجراء السنة ومحو البدعة طول هذه المدة - جارية في ابقاء ماثبت من الابنية، من غير نكير منهم في حين.
وسيرتهم حجة قاطعة لايزاحمها شيء، ولم يحتمل احد منهم أحدوثة التسبيل أو توهمه.
سوى ماظهر في يومنا هذا من العلم المخزون والديانة المحتكرة في اعراب نجد!
وهذا أحمد بن تيميه [شيخ الاسلام] مؤسس الوهابية وإمام زعيمهم، ممن صرح بسيرة هؤلاء.
فحكم في باب الوضوء بغسل الرجلين تمسكاً بها، بان رعاية الاقرب في العطف في قوله تعالى( فامسحوا برؤوسكم وارجلكم ) مما كان يوجب مسح الرجلين، لولا السيرة المستمرة على الغسل؟
وقد استدل قاضي قضاة الوهابيين بمكة المكرمة في الحين بعمل المسلمين على
امامة من قهر الناس، واستولى عليهم: بأنه على ذلك جرى المسلمون في غالب الاعصار.
كما في (صفحة ٥) في سؤال وجوابه في مدعي الخلافة المطبوع في سنة (١٣٤٤).
وفي (صفحة ٩) منها حيث قال: كما جرى على ذلك عمل المسلمين من بعد الخلفاء الراشدين. انتهى كلامه.
هذا، وقد تقدم مايشهد به التاريخ على قبة العباس بن عبد المطلب، المحتوي على قبور الائمة الاربعة مع جدتهم فاطمة بنت رسول الله على قول، وفاطمة بنت اسد، في القرن الأول.
وما يظهر منها انه اول مقبرة في البقيع لبني هاشم بنيت في دار عقيل بن ابي طالب المختصة بهم، كما ذكره السمهودي عن عبد العزيز وكما يظهر منه: أنها كانت تدعي يومئذٍ مسجد فاطمة.
وروي عن الطبري عن الشيخ ابي العباس المرسي: انه كان اذا زار البقيع وقف امام قبلة قبة العباس، وسلم على فاطمة.
وفيما حكاه عن ابن جماعة: أن في قبر فاطمة قولين:
أحدهما: انه الصندوق الذي امام المصلي.. إلى قوله:
وثانيهما: أنه المسجد المنسوب اليها بالبقيع، أي البناء المربع في جهة قبلة قبة العباس للمشرق، وهو المعني بقول الغزالي، ويصلي في مسجد فاطمة. انتهى كلامه.
وروي عن المسعودي والسبط ابن الجوزي فيما نقله عن الطبري
المدني المولود بالمدينة سنة ثلاثين ومائة - مايؤيد هذا المقام.
وروى باسناده عن زيد بن السائب، عن جده، ان عقيل بن ابي طالب بنى على قبر أم حبيبة ام المؤمنين بيتاً.
قال: قال ابن السائب: فدخلت ذلك البيت ورأيت فيه ذلك القبر انتهى.
وبالجملة: وبعدما عرفت - كما تقدم - من الحجج الواضحة في الجواب عن الشبهات بالأحاديث المتشابهات.
فبأي وجه تجرؤوا على هتك حرمات الله ورسوله في حرمه، وسفك دماء الصالحين من عترته، والموحدين من امته؟!
فلا يستخفنهم المهل والاستدراج فانه - عز وجل - لايخفره البدار، ولا يخاف عليه فوت الثار، وهو العالم بالعباد، وبالظالمين لبالمرصاد.
وهذه مساجد الله ومحاريبه والمزارات والمقامات والقباب المهدومة بايدي هؤلاء، أصبحت تشتكي الى الله.
وحرماته المهتوكة بظلمهم في الحرمين الشريفين والطائف، أمست تصرخ وتستغيث بعدل الله( ومن اظلم ممن منع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ) الآية.
واليك اسماء القباب الشريفة التي هدمومها في الثامن من شوال سنة (١٣٤٤) في البقيع خارجه وداخله.
الاول: قبة اهل البيت (عليهم السلام) المحتوية على ضريح سيدة النساء فاطمة الزهراء - على قول - ومراقد الائمة الاربعة: الحسن السبط، وزين العابدين، ومحمد الباقر، وابنه جعفر بن محمد الصادق (عليهم الصلاة والسلام)، وقبر العباس
ابن عبد المطلب عم النبي، وبعد هدم هذه القباب درست الضرائح.
الثاني: قبة سيدنا ابراهيم ابن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
الثالث: قبة ازواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
الرابعة: قبة عمات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
الخامسة: قبة حليمة السعدية مرضعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
السادسة: قبة سيدنا اسماعيل ابن الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام).
السابعة: قبة ابي سعيد الخدري.
الثامنة: قبة فاطمة بنت اسد.
التاسعة: قبة عبد الله والد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
العاشرة: قبة سيدنا حمزة خارج المدينة.
الحادية عشرة: قبة علي العريضي ابن الامام جعفر بن محمد خارج المدينة.
الثانية عشرة: قبة زكي الدين خارج المدينة.
الثالثة عشرة: قبة مالك ابي سعد من شهداء احد داخل المدينة.
الرابعة عشرة: موضع الثنايا خارج المدينة.
الخامسة عشرة: مصرع سيدنا عقيل بن ابي طالب (عليه السلام).
السادسة عشرة: سيدنا عثمان بن عفان.
السابعة عشرة: بيت الاحزان لفاطمة الزهراء.
ومن المساجد مسجد الكوثر، ومسجد الجن، ومسجد ابي القبيس، ومسجد جبل النور، ومسجد الكبش … الى ماشاء الله.
كهدمهم من المآثر والمقامات وسائر الدور والمزارات المحترمة، كما صرح بها في (المفاوضات).
هذا، بعدما نهبوا جميع ما فيها.
كما قد نهبوا حرم النبي من قبل، ولم يراعوا حرمته، فأخذوا في تلك السنة ما كان في خزانة الرسول من الحلي والحلل، كما عن تاريخ عجائب الآثار للجبروتي.
قال - في ضمن تاريخ سنة ١٢٢٣ -: ويقال إنّه ملأ الوهابي اربعة صناديق من الجواهر المحلاة بالألماس والياقوت العظيمة القدر.
من ذلك أربع شمعدانات من الزمرد وبدل الشمعة قطعة الماس تضيء في الظلام.
ونحو مائة سيف لا تقوم قراباتها، ملبسة بالذهب الخالص، ومنزل عليها ألماس والياقوت، ونصابها من الزمرد واليشم ونحو ذلك، ونصلها من الحديد الموصوف، وعليها أسماء الملوك والخلفاء السالفين.
وليت شعري بأي حق لهم، وبأي وجه نهبوا وأخذوا؟!
وباي حكم حكموا في أموال المسلمين، وخالفوا كتاب الله و[سنة] رسوله وسنة الشيخين؟!
أو ماذكر عند عمر بن الخطاب حلي الكعبة، فقال قوم: لو أخذته فجهزت به جيوش المسلمين كان أعظم للأجر، وما تصنع الكعبة بالحلي؟!
فهم عمر بذلك، وسأل عنه امير المؤمنين، فقال: (ان القرآن انزل على النبي والاموال اربعة: أموال المسلمين، فقسمها بين الورثة، والفرائض والفيء، فقسمها على مستحقيها، والخمس فوضعه حيث وضعه، والصدقات فجعلها حيث يجعلها. وكان حلي الكعبة فيها - يومئذٍ - فتركه الله على حاله، ولم يتركها نسياناً، ولم يخف عنه مكاناً فأقره حيث أقره الله ورسوله).
فقال عمر: (لولاك لافتضحنا)، وترك الحلي بحاله.
ثم، وبعدما اجترؤوا على هتك حرمات الله ورسوله بهدم قبابها ونهب ما فيها، تجاسروا على سفك دماء المسلمين، واشراف المؤمنين من الموحدين، والسادة المنتجبين من قاطني حرم الله، ومجاوري الطائف من بيت الله.
وما ذنبهم الا التوحيد وقراءة القرآن المجيد، فسفكوا دماءهم، وأباحوا اموالهم واعراضهم وحرائرهم بمرأىً من الله ورسوله ونصب عينه.
وهم يصرخون ويضجون ويعجون وينادون: ياالله، يامحمداه، يارسول الله.
وكان قد تألف في هذه السنة (١٣٤٥) وفد من اشراف الهند ومؤمنيهم، قاصدين الى الحجاز بعنوان (جميعة خدام الحرمين) وذلك ليتحققوا عظمة سلطان نجد والوهابيين عن مهاجماتهم للطائف والحرمين الشريفين.
فسألوهم حول هذه العناوين عن مسائل (٨٩) تسعة وثمانين.
فكان نتيجة التحقيق من أمر الطائف ما ذكروه في الصحيفة الخامسة، نمرة (هـ) من منشورها بعنوان (المفاوضات الخطية) المتبادلة المطبوعة في محروسة الهند، غضون يناير - فبراير سنة (١٩٢٦) -.
قال: كل احد حتى السلطان ومستشاره اعترفوا بأن النجديين اعطوا أهل الطائف الأمان، ثم نهبوا تلك البلدة، وقتلوا بالرصاص الرجال والنساء.
وأخرجوا بعض النساء وحبسوهن في بستان ثلاثة ايام بلا طعام، وبعد ذلك اعطوا لكل مائة شخص منهم كيساً من دقيق.
وجرّوا اجساد الموتى كما تجر البهائم الى الدفن بلا صلاة ولا تغسيل.
وعذبوا اناساً كثيرين لاخراج الكنوز.
وارسلوا الباقين حفاة عراة الى مكة.
ونهبوا أموال المسلمين كغنيمة.
وأمراء الطائف اليوم في مكة فقراء، والمخدرات اللواتي لم تكن غير السماء ترى وجوههن، يشتغلن اليوم بغسل الحوائج وطحن الحنطة بحالة تفتت الاكباد.
والسلطان يظهر البراءة من هذه الفضائع، ويتمثل في الجواب عنها بقصة خالد ابن الوليد.
ولكنه في الوقت نفسه أخذ خمس الغنائم ومنهوبات المسلمين، ودخل جند ابن السعود مكة سلماً لا حرباً.
وهدموا المساجد والمزارات والقباب والمقامات، وصور أنقاضها لدينا، وسننشرها على حدة مع احصاء المساجد والمزارات والمقامات الجليلة المهدمة.
وقال: واما حرمة المعتقدات فهي مفقودة في الحجاز، وليس للسلطان حرمة والناس يضربون على قول: (يارسول الله)!
والنجديون اذا طافوا يدفعون الناس ويحقرون المذاهب (المدارس).
ودور الكتب اقفلها النجديون او بعضها.
والسلطان اعطى قليلاً منها اعانات زهيدة، بشرط تعلم مبادئ الوهابية.
والتي لاتفعل، لاتفتح.
التدخين: يعاقبون عليه عقاباً شديداً.
ولكل نجدي الحق بانزال العقاب حسب مشيته.
والسلطان يتقاضى رسوم الدخان!
ويغري الناس على جلبه! حتى اذا شربوه عاقبهم. انتهى.
فاعتبر ايها المنصف.
أو لم يكن للبلاد المسلمين - ولاسيما لمجاوري حرم الله ورسوله ومن بحماه -
حرمة وأمن؟!
أو لم يجعل الله لهم بشرف جوارهم احتراماً؟!
أو لم يلعن الله ورسوله من حقر مسلماً، أو استحل حرمة، كما لعن المستحلين لحرمة عترته في الحديث المتقدم؟!
أو لم يلعن الله من أحدث في المدينة أو آوى محدثاً؟!
ففي (الكنوز) للمناوي باب الميم قال: (من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبيّ) أخرجه من مسند أحمد(١) .
وفيه عن صحيح ابن حبان: (من اخاف اهل المدينة أخافه الله)(٢) .
وفي (جامع البخاري) قال: (لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع لما ذعرتها)، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (مابين لا بتيها حرام)(٣) .
وفيه عن النبي: (لا يكيد اهل المدينة أحد الا انماع كما ينماع الملح في الماء)(٤) .
وعن (الجمع بين الصحيحين) للحميدي، من الثامن والأربعين من أفراد مسلم، في الصحيح من مسند ابي هريرة، عن الاعمش، عن ابي صالح، عن ابي هريرة، عن النبي قال: (المدينة حرم فمن احدث فيها حدثا، او آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين، ولا يقبل الله منه عدلاً ولا صرفاً)(٥) .
____________________
١ - مسند احمد ٤ / ٥٥.
٢ - لاحظ مجمع الزوائد ٣ / ٣٠٧.
٣ - صحيح البخاري ٢ / ٢٢١.
٤ - صحيح البخاري ٢ / ٢٢٢.
٥ - صحيح البخاري ٢ / ٢٢١ و ٤ / ٦٧ و ٨ / ١٠ و ٨ / ١٤٨، وصحيح مسلم ٤ / ١١٥ و ٢١٧.
وزاد في حديث سفيان: (وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أحقر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه يوم القيامة عدلاً ولا صرفاً).
أقول: وبعد ذلك فإن أردت الحقيقة فأنسب حديث الانتحال الى التوحيد تارة، والتشبّث بحديث أبي الهياج أخرى.
ثم اعتبرهما بما ورد من النبي في الصحاح والقياس الى بعض الاقلّ من هذه الصادرات، من الدماء المسفوكات وهتك الحرمات، فتجد الحقيقة كالشمس الضاحية.
واعتبرها ايضاً بعد ذلك بحديث المنع من الصلوات على سيد الكائنات.
فإن شيخهم وزعيمهم ممن كان يكره الصلوات على رسول الله، ويتأذى من استماعها، ويمنع منها والاعلان بها على المنارات في ليالي الجمعة.
وكان بحيث لو سمعها ممن جهر بها عاقبة بها، يزعم أنها منافية للتوحيد.
وقد سبقه الى هذا عبد الله بن الزبير، فقطعها من الجمعة والجماعة، ومنع عنها أتباعه وأشياعه.
قال ابن أبي الحديد فيما رواه عن المدائني، قال: قطع عبد الله بن الزبير في الخطبة ذكر رسول الله جمعاً كثيرة، فاستعظم الناس ذلك.
فقال:: إنّي لا أرغب عن ذكره، ولكن له أًهيل سوء! إذا ذكرته أتلعوا أعناقهم فأنا أحب ان اكبتهم(١) …
____________________
١ - لاحظ تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٦١، ومروج الذهب ٣ / ٨٨.
الى قوله: ولم يذكر رسول الله في خطبته، لا يوم الجمعة ولا غيرها، عاتبه قوم من خاصته وتشاءموا بذلك منه، وخافوا عاقبته.
فقال: ماتركت ذلك علانية إلاّ وأنا أقوله سراً وأكثر منه، لكن لما رأيت بني هاشم إذا سمعوا ذكره اشرأبوا واحمرت الوانهم، وطالت رقابهم.
والله ماكنت لآتي سروراً وأنا أقدر عليه.
والله لقد هممت ان احظر لهم حظيرة، ثم اضرمها ناراً.
فإني لا اقتل منهم الا آثماً كفاراً سحاراً.
لا انماهم الله ولا بارك عليهم.
بيت سوء لا أوّل لهم ولا آخر…
الى آخر ما كفر به.
ومن بعده زياد ابن ابيه حيث خطب الخطبة البتراء، لم يحمد الله فيها، ولم يصل على النبي وآله، كما في تفسير (مجمع البيان) سورة الكوثر(١) .
وأما محمد بن عبد الوهاب:
فقد كان في مسجد الدرعية وعاصمة بلده ومركزه، وهو يقول في خطبته: من توسل بالنبي فقد كفر.
واعلم ان امر ابن الزبير وابن سمية أهون من امر الرجل واشياعه.
فإن اعتذارهما فيما أنكره من الصلوات إن كان من اهل محمد، فقد كان الرجل إنكاره من محمد نفسه.
والعياذ بالله ممن طبع الله على قلبه وأعماه.
مع ماعرفت من اجماع اهل القبلة على وجوب التوسل به، فكيف
____________________
١ - لاحظ الصحاح للجوهري (مادة: بتر) ٢ / ٥٨٤، وكذلك لسان العرب.
بالصلوات عليه؟
فلعن الله منكري الضرورة من الدين، وجاحدي آيات القرآن المبين.
وهذا كتاب الله الحكم الفصل
وقد صلى الله وملائكته على نبيه، فقال تعالى:( إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ) .
خاتمة
[من دلائل النبوة: التحذير من الفتنة]
ومن معجزات نبينا الباقية.
ما أخبر به - زهاء ألف سنة قبل هذا - بظهور هذه الفتنة ممن يسعى ويجد في هدم أعلام الدين وبقية النبييّن، وإطفاء مآثرهم وتخريب آثارهم ومشاهدهم وبقاعهم، وتعيير الصالحين من زوارهم والمعاهدين لديهم، فلا يزداد بذلك أمر الله الا علواً ونوراً، كما أخبر الله تعالى به في قوله:( ويابى الله الا ان يتم نوره ولو كره الكافرون ) :
[أحاديث تنبئ بالمنع عن الزيادة وبالعداء للمشاهد](١)
منها: ما صحّ لي روايته ورواه الحفاظ وأجلة الاثبات والثقات، وهو الحديث المتقدم باسنادهم الى عمارة بن يزيد، عن أبي عامر البناني واعظ أهل الحجاز، عن الإمام جعفر بن محمد، عن ابيه، عن جده الحسين بن علي (عليه السلام)، عن ابيه عليّ، عن
____________________
١ - لاحظ كتاب (شفاء السقام) للامام السبكي في الحث على زيارة المشاهد وتعظيمها.
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ولكن حثالة من الناس يعيرون زوار قبوركم، كما تعير الزانية بزنائها، أولئك شرار امتي لا أنا لهم الله شفاعتي، ولا يردون حوضي)(١) .
ومنها: مارواه رئيس المحدثين في المائة الثالثة مولانا الشيخ ابو جعفر محمد بن قولويه(٢) ، وأخرجه بإسناده عن الامام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، عن عقيلة اهل البيت عمته زينب بنت علي بن أبي طالب، عن أبيها أمير المؤمنين (عليه السلام).
وأخرى روته عن أم ايمن، عن رسول الله، عن جبرئيل، عن الله - عز وجلّ - في حديث طويل يذكر فيه ما سيكون من امته، وما يجري منهم من بعده على أهل بيته، من عظيم شهادة ولده وعترته في يوم الطفّ….
الى قوله: (ثم يبعث الله قوماً من امتك لا يعرفه الكفار، ولم يشركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولا نية، فيوارون أجسامهم، ويقيمون رسماً لقبر سيد الشهداء بتلك البطحاء، ويكون علماً لأهل الحق، وسبباً للمؤمنين الى الفوز، وتحفّه ملائكة من كل سماء مائة الف ملك في كل يوم وليلة يصلون عليه، ويسبحون الله عنده، ويستغفرون الله لزواره، ويكتبون اسماء من يأتيه زائراً من أمتك متقرباً الى الله واليك بذلك، واسماء آبائهم وعشائرهم وبلدانهم، ويوسمون بميسم نور الله: (هذا زائر قبر خير الشهداء وابن خير الانبياء)، فاذا كان يوم القيامة
____________________
١ - رواه الطوسي الامامي في تهذيب الاحكام ٦ / ٢٢ و ١٠٧، ورواه العلامة الحلي الامامي في كتاب منتهى المطلب ٢ / ٨٩٠، والشهيد في الذكرى ص ٦٩ و ١٥٥، وانظر الحدائق الناضرة ١٧ / ٤٠٥، وجواهر الكلام ٤ / ٣٤١ و ٢٠ / ٩٢، وانظر وسائل الشيعة ١٠ / ٢٩٨، ومستدرك الوسائل ١٠ / ٢١٥.
٢ - رواه في كامل الزيارات ص ٢٦٥، وعنه في مستدرك الوسائل ١٠ / ٢٢٩.
يطلع في وجوههم من اثر ذلك الميسم نور تغش منه الابصار تدل عليهم ويعرفون به.
وكأني بك يا محمد بيني وبين ميكائيل وعلي امامنا، ومعنا من ملائكة الله ملا تحصى، ونحن نلتقط من ذلك الميسم في وجهه من بين الخلائق، حتى ينجيهم الله من هول ذلك اليوم وشدائده.
وذلك حكم الله وعطاؤه لمن زار قبرك يامحمد او قبر أخيك او قبر سبطيك لا يريد به غير الله عز وجلّ.
ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم): وسيجد اناس ممن حقت عليهم من الله اللعنة والسخط ان يعفوا رسم ذلك القبر ويمحوا أثره، فلا يجعل الله تعالى لهم الى ذلك سبيلاً).
ومما رواه الامام علي بن الحسين (عليه السلام) أنها قالت في حديثها له يوم الطف وتسليتها إيّاه:
(يابن أخي لايجز ما ترى، فو الله ان ذلك لعهد معهود من رسول الله جدك وابيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق اناس من هذه الامة لا يعرفهم فراعنة أهل الارض، وهم معروفون في أهل السموات، وانهم يجمعون هذه الاعضاء المتفرقة، فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة.
وينصبون لهذا الطف علماً لقبر ابيك سيد الشهداء، لايدرس اثره ولا يعفو رسمه على كرور الايام والليالي.
وليجتهدن ائمة الكفر واشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد اثره الا ظهوراً وأمره الا علواً)(١) .
تنبيه: أم ايمن في الحديث تعد من الثقات جداً، وهي المنعوتة في لسان النبي
____________________
١ - لاحظ بحار الانوار للمجلسي الامامي ٢٨ / ٥٧.
أنها امرأة من اهل الجنة، وفيما اخرجه المناوي عن ابن عساكر قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ام ايمن امي بعد امي).
ومنها: مارواه حجة الاسلام السيد العلامة صد الدين الحسيني العاملي الكاظمي، عن شيخ الاسلام احمد بن زيني دحلان في كتابه (خلاصة الكلام)، رواه عن النبي انه قال: (سيظهر من نجد شيطان تتزلزل جزيرة العرب من فتنته).
ويؤيده هذا الحديث في ذم نجد باعتبار أهله، أحاديث رواها اهل الحديث، تكون جواباً عن اعتذار العالم النجدي للعالم العراقي عن الصحيحة التي رواها البخاري عن ابن عمران: (هنالك الزلازل والفتن، وفيها يطلع قرن الشيطان)(١) .
ومثله مارواه في الصحيحين عن أبي هريرة عنه انه قال: (رأس الكفر نحو المشرق، والفتنة ههنا حيث يطلع قرن الشيطان)(٢) وغيرها.
فاعتذر عنهما: بأن ماورد في ذم نجد مما لا يوجب الرمي به أهله:
فمنها: مارواه في (شرح السنة) باسناده عن عقبة بن عامر، قال: (اشار رسول الله بيده نحو اليمن، وقال: الايمان يماني ههنا، الا ان القسوة وغلظ القلوب في الفدادين، عند اصول اذناب الابل، حيث يطلع قرن الشيطان في ربيعة ومضر)(٣) .
____________________
١ - صحيح البخاري ٢ / ٢٣ و ٨ / ٩٥، مسند احمد ٢ / ١١٨ و ١٢٦، وسنن الترمذي ٥ / ٣٩٠.
٢ - صحيح البخاري ٤ / ٤٦ و ٩٣، و ٥ / ١٢٢، و ٨ / ٩٥، وصحيح مسلم ٨ / ١٨٠، ومسند احمد ٢ / ١٨ و ٧٢ و ٩٣ و ١١١.
٣ - صحيح البخاري ٤ / ٩٧، وانظر ٤ / ١٥٤، و ٥ / ١٢٢، و ٦ / ١٧٨، وصحيح مسلم ١ / ٥١، ومسند احمد ٢ / ٢٥٨، و ٢ / ٢٧٠ و ٢٧٢ و ٤٠٨ و ٤١٨ و ٤٢٦ و ٤٥٧ و ٤٨٤ و ٥٠٦، و ٣ / ٣٣٢، و ٤ / ١١٨، و ٥ / ٢٧٣.
ويؤيده: حديث عيينة بن حصين يوم عرض الخيل، وذلك لما اغضب النبي بما مدح به النجديين، فغضب حتى ظهر الدم في وجهه فرد عليه بقوله: (كذبت، بل الجفاء والقسوة في الفدادين اصحاب الوبر ربيعة ومضر، من حيث يطلع قرن الشمس …) الى قوله: (لعن الله الملوك الاربعة جمداً ومخوساً ومشرحاً وأبضعة وأختهم العمردة)(١) الحديث.
وقد اخرج المناوي بعض هذا الحديث في (الكنوز) عن الدارقطني(٢) عنه (عليه السلام) قوله: (الجفاء والقسوة وغلظ القلوب في الفدّادين).
وليكن هنا آخر كلامنا من هذه الرسالة.
والحمد لله رب العالمين(٣) .
____________________
١ - مسند احمد ٤ / ٣٨٧، والمستدرك على الصحيحين ٤ / ٨١، ومجمع الزوائد ١٠ / ٤٣، وكنز العمال ١٢ / ٥٤.
٢ - الكنوز للمناوي ٦٧ الكافي، لابي جعفر الرازي ٨ / ٧٠.
٣ - الفدّ: صوت الحدي للإبل، كنى به عن الجمالين من اصحاب الابل.
اصحاب الوبر: أهل البوادي، فإن بيوتهم يتخذونها منه.
قال الجوهري: قرن الشمس أعلاها، وأول ما يبدو منه في الطلوع، والمراد منه شرقي المدينة.
قال الفيروزآبادي: مخوس - كمنبر - ومشرح، وجمد وابضعة: بنو معدي كرب، الملوك الاربعة الذين لعنهم رسول الله ولعن اختهم العمردة، وفدوا مع الاشعث، فأسلموا ثم ارتدوا، فقتلوا يوم النجير فقال نائحتهم:
ياعين ابكي للملوك الاربعة * جمداً ومخوساً مشرحاً ابضعة
ونجد: يطلق على نجد برق، ونجد خال، ونجد الثرا، ونجد عفر، ونجد العقاب، ونجد كب كب، ونجد اليمن.
قال ياقوت الحموي: وبعض نجد اليمن في شرقي تهامة، وهي قليلة الجبال مستوية البقاع، ونجد اليمن غير نجد الحجاز، غير ان جنوبي نجد الحجاز يتصل بشمالي نجد اليمن، وبين النجدين برية ممتنعة. (معجم البلدان).
الفهرس
المؤلّف والكتاب ٥
هذا الكتاب: ٦
[المقدّمة] ٩
[الفرق بين الدعاء، والعبادة] ١٠
[حقيقة العبادة] ١١
[حقيقة الشرك] ١٢
[منكرو الشفاعة] ١٢
ها هنا مقامات ١٢
المقام الاوّل ١٤
[أن مطلق الدعاء ليس عبادةً ولا شركاً] ١٤
[هل الدعاء عبادة؟] ١٤
[الاستغاثة بالوسائط] ١٥
[أدلة المنع من الاستشفاع] ١٦
[الردّ على ذلك] ١٧
[الادلة على جواز الشفاعة] ١٧
[استدلال آخر لنفي الشفاعة] ١٨
[الاية صريحة في إثبات الشفاعة] ١٩
[التقرّب بالاصنام] ١٩
[الايات المانعة عن الاستشفاع خاصة] ١٩
المقام الثاني ٢٥
[ثبوت الشفاعة في العقيدة الاسلاميّة] ٢٥
[الاجماع على الشفاعة] ٢٦
[العقل يدل على صحّة الشفاعة] ٢٧
[تذبذب بين المعتزلة والاشعرية] ٢٩
[الايات الدالة على ثبوت الشفاعة] ٢٩
[الروايات الدالة على ثبوت الشفاعة] ٣٠
[تمويه في إنكار الشفاعة] ٣٥
[ليست الشفاعة بشرك] ٣٦
[صور من الادعية المأثورة] ٣٧
[الاستشفاع بالاموات] ٣٨
[الزيارة والعبادة] ٣٩
[المزورون أحياء في قبورهم] ٤١
[دفاع الالوسي] ٤٤
[السنة والسيرة في زيارة القبور] ٤٦
[ابن تيمية يعترف بمشروعية الزيارة] ٤٨
[إسلام السلفية والوهابية] ٤٩
[حديث لا تشدّ الرحال...] ٥٠
[المؤلّفات في جواز الزيارات] ٥١
[تناقض التصرّفات] ٥١
[لا فرق بين حياة الرسول وموته في تعظيمه] ٥٢
[تعظيم ما أمر الله، هو من عبادة الله وطاعته] ٥٥
[زيارة القبور سنّة نبويّة وغايتها] ٥٨
[بناء المشاهد والمزارات عمل شرعيّ] ٥٩
[كرامات الاولياء من قبورهم] ٦٢
[يفترون على المسلمين] ٦٤
[الحلف عند المسلمين] ٦٤
المقام الثالث: في ثبوت الامر بالتوسّلات والاستغاثات والاستشفاعات وفيه الامر ببناء الضرائح والقِباب المتعلّقة بمشاهدهم ٦٩
[توسل آدم(عليه السلام) بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)] ٦٩
[البيوت المرفوعة] ٧١
[ومعنى رفع البيوت] ٧٣
[الوسيلة الى الله] ٧٤
[التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم] ٧٨
[تعظيم الشعائر] ٧٨
[تعظيم حرمات الله ] ٨٠
[الاعتصام بحبل الله] ٨١
[أبواب البيوت] ٨٤
[اتخاذ المساجد] ٨٥
[أهداف الفرقة] ٨٦
[شبهة تسنيم القبور] ٨٧
[اتخاذ القبور مساجد] ٨٨
[الصلاة في المقابر؟] ٨٩
[البناء في الارض المسبلة] ٩١
[قبور ائمة البقيع ملك لبني هاشم] ٩٣
[المقامات المهدومة] ٩٤
[سفك الدماء] ٩٧
[هتك حرمة العقائد] ٩٨
[حرمة المدينة] ٩٩
[منع الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)] ١٠٠
[الله: يصلي في القرآن على نبيّه ] ١٠٢
خاتمة: ١٠٣
[من دلائل النبوة: التحذير من الفتنة] ١٠٣
ومن معجزات نبينا الباقية ١٠٣
[احاديث في نجد وشروره] ١٠٦