توظيف التفسير المفاهيمي
التجميع دراسات
الکاتب الشيخ عبد الهادي الطهمازي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

توظيف التفسير المفاهيمي

في إعداد المحاضرة الدينية

( نماذج تطبيقيّة )

تأليف: الشيخ عبد الهادي الطهمازي



الإهداء

إلى كلّ الذين ساهموا بخدمة المنبر الحسيني الشريف، وأسهموا في تعزيز دوره وأثره في حياة الأمة

أهدي هذا الجهد


مقدّمة

تحتاج الخطابة كأيّ فنّ من الفنون، أو علم من العلوم كي تستمر في عطائها، وتحقيق المرجو منها إلى تطوير وتنمية مستمرة، وباتجاهات مختلفة، أبرزها:

١ ـ تنمية وتطوير قدرات القائمين عليها، وهم هنا الخطباء، وذلك بتدريبهم على استخدام أنجع وسائل وأساليب التأثير، والإقناع للمخاطبين من خلال إيقافهم عن مجموعة على القواعد والاُصول التي تسهم حال مراعاتها بتحقيق ذلك الغرض، وتزويده بأدوات البحث والتحقيق، وتنقيح المعلومات والأفكار، واستخدام أفضل الطرق للوصول إلى النتائج العلمية السليمة؛ لضمان صحة المعلومات والأفكار التي يلقيها للسامعين، وتنويره بالمفاهيم العلمية والثقافية والأدبية الإسلامية منها وغيرها؛ ليتسنى له مواكبة التقدّم العلمي والثقافي الذي يشهده عالمنا المعاصر.

ومن المفروض أن يقع ذلك على عاتق معاهد الخطابة.

٢ ـ تطوير مضامين الخطب لإنعاشها بالجديد والمفيد، وبما يتناسب أيضاً مع العصر الراهن، وما طرأ عليه من تطوّرات فكريّة وثقافيّة وعلميّة بسبب


الانتشار الهائل للمعلومات التي ما انفكّت وسائل الاتصال الحديثة ترفد بها عقول وقلوب متابعيها، وبأساليب جذّابة ومتنوّعة. حيث تقدّم للمتلقّي المعلومة والفكرة بأيسر الطرق وأسهلها، وبأبخس الأثمان، وتتفنن في ترسيخ الفكرة في ذهن المتلقّي. فراح هذا يتشرّب ما تبثّه من أفكار، وما تنشر من ثقافات ومبادئ وقيم خيراً كانت أو شرّاً.

وإزاء هذا المدّ المعلوماتي الضخم لا ينبغي أن تقف مادّتنا الخطابية عند الموروث القديم، أو الحديث الذي أضحى في عصرنا هذا قديماً.

إنّ نمطيّة الشكل والمضمون تعدّ أحد أهم أسباب تراجع الخطابة، وإضعاف تأثيرها في الجماهير، ويمكن أن نلحظ ذلك في خطابتنا الحالية في انحسار الحضور الجماهيري المكثّف الذي كان يحتشّد في المساجد والحسينيات، ولا أقول أنّ هذا هو السبب الرئيس، أو الأهم في هذه الظاهرة، لكنّه بلا ريب أحد هذه الأسباب.

كما يلاحظ عليها ضعف التأثير الروحي؛ إذ لم تَعُدْ تلك الكلمات التي تُلقى على مسامع الناس ذات تأثير يُذكر في تغير سلوكهم واتجاهاتهم، ولم تَعُدْ تُتَرْجَم إلى سلوكٍ عملي يتحراه الناس في تصحيح مسار حياتهم.

كما يذكر المتخصصون سبباً آخر غير ما ذكرناه؛ لضعف الخطابة الدينية بالخصوص، وفقدانها للتأثير، وهو كثرة موضوعاتها، وتشتتها إلى درجةٍ لا يخرج السامع بحصيلةٍ ما عن الموضوع، أو القضية التي يبحثها الخطيب، وخطابتنا بصورتها الحالية مشتملة عليه.


ومن هذين السببين، وأسباب أخرى تُسهم في إضعاف تأثير الخطابة الدينية، وتفقدها جدواها على المستوى القريب والبعيد، أضحت الخطابة الدينية بعامّة، والخطابة الحسينيّة بخاصّة بحاجة إلى تغيير في نمط البحث وفهرسته، وفي تركيز الموضوع الذي يتناوله الخطيب في خطبته.

فلقد مرّ ـ مثلاً ـ على التطوّر الذي أوجده المرحوم الشيخ أحمد الوائلي (طاب ثراه) في شكل ومضمون المحاضرة أكثر من نصف قرن حين أدخل (رحمه الله) مادة التفسير، وبلونه التجزيئي في مضمون الخطبة الحسينيّة، وكان هذا يُعَدّ بحقٍّ إنجازاً رائعاً، وتطوّراً هائلاً في عالم الخطابة الحسينيّة.

وعاش الخطباء ردحاً من الزمن على خُطى مدرسته، ولا زال بريق ولمعان هذا اللون من المحاضرات يسود بتأثيره، ويسحر بعض روّاد المنبر، وربما يكافح بعض الخطباء جاهداً للوصول بأدائه ومضمون خطبته إلى المستوى المذكور.

ولكن من غير الصحيح أيضاً أن تقف عجلة التطوّر عند عتبة بابٍ دون أن تتخطّاها؛ لتفتح أُفقاً آخر أوسع وأرحب، بل ولعلّ هذه الخطوة قد أصبحت ضرورية، وللأسباب التي ذكرنا بعضها قبل قليل.

ولقد تنبّه بعض كبار الخطباء إلى هذه الظاهرة، فأخذوا بتجديد مضمون خطبهم بشكل فعلي، وبالكيفية التي سنشير إليها بعد قليل، أو تقترب منها.

إنّ طريقة التفسير التجزيئي الشائعة الآن بين خطباء المنبر الحسيني لم تَعُدْ تفي بالغرض المطلوب، وللأسباب التالية:


١ ـ إنّ هذه الطريقة أدخلها كما مرّ الشيخ الوائلي (شكر الله مساعيه) قبل نصف قرن من الزمن، وبأدنى تأمّل يمكن أن نلاحظ الفارق الكبير، والفجوة الواسعة بين زماننا وذاك الزمان.

٢ ـ إنّ تجزئة الآية إلى ثلاث أو أربع مقاطع، ثمّ الإتيان برأيٍ أو رأيين على كلّ مقطع منها، وشرح ذلك الرأي وتوضيحه بالشواهد الحديثة أو التاريخية، أو القصصية أو العلمية.... إلخ يجعل الخطبة مزيجاً من موضوعات عدّة.

صحيح إنّما ترضي الجمهور إذ يأخذ كلّ مستمعٍ منها ما يتّسع له وعاؤه ومستواه الثقافي، إلاّ أنّه بالوقت ذاته لا يخرج بحصيلة تامّةٍ، أو شبه تامّةٍ عن الموضوع.

وقد أشرنا قبل قليل أنّ من أسباب ضعف الخطابة عدم التركيز في الموضوعات التي تطرحها.

٣ ـ كما قد تتضمّن الآية التي يختارها الخطيب محوراً لبحثه بعض البحوث والمعلومات التي ليس لها أهمّية عملية في حياة الإنسان المؤمن، ولا يمكن للخطيب تجنّبها أو القفز عليها؛ لأنّها ستخلّ بمنهجه في البحث، إذ عليه وفق هذه المنهجية أن يشرح فقرات الآية، فقرة تلو أُخرى، ولا يمكنه بحالٍ من الأحوال تجنّب بعض الفقرات، وحينئذٍ سيتضمّن البحث كثيراً من الترف الفكري الذي لا يستفيد منه المؤمن كثيراً في حياته العملية.

٤ ـ كما تواجه الخطيب نفسه بهذه الطريقة عدّة مشاكل منها:


أ ـ تضعف قدرة الخطيب على اختيار التخلّص المناسب، وربط موضوع البحث بقضية الحسين (عليه السّلام)، فالخطيب مُجبر بحكم تسلسل البحث أن يربط آخر مقطعٍ من الآية بواقعة الطفّ، وقد لا يُتاح ذلك له، أو لا يتأتّ بسهولةٍ، أو بانسيابية، أو يتخلّص بتخلّص ضعيف؛ لضعف الملازمة بين مضمون المقطع الأخير ومضمون فقرة التخلّص، ممّا ينعكس ذلك على ضعف التأثير في عواطف الجمهور، وتشتّت انتباهم بسبب التخلّص الضعيف.

ب ـ ضياع بعض مقوّمات الأسلوب الخطابي والتي قد تكون مهمّة؛ لأنّ الوقت قد لا يسع الخطيب بتوكيد فكرته لتستقر في أذهان السامعين، كما لو أراد التكرار مثلاً. أو كان في الآية جانب ترغيب مثلاً وليس فيها جانب ترهيب؛ فإنّه لو استدعاه لربما طال به الوقت، وأثّر سلباً على الفقرات الأُخرى.


المنهج المقترح

والمنهج المقترح هو أن يختار مفهوماً أو موضوعاً من آية قرآنية، أو حديثٍ شريف، أو واقعةٍ تاريخية، أو قصّةٍ... إلخ كما فعلنا في هذه المجموعة من المحاضرات التي بين يديك، ويركّز الحديث حول ذلك المفهوم وحده بحيث يبحثة من كلّ الجوانب أو البعض المهمّ منها.

ويمكنه الاستعانة في تحقيق ذلك بآيات قرآنية أُخرى، ونصوص حديثة، وشواهد تاريخية، ونظريات علمية بحسب ما تقتضيه طبيعة البحث في ذلك المفهوم، وما يستوفي وقت المحاضرة.

وهذا كما هو ملاحظ نحوٍ من التفسير الموضوعي، إلاّ إنّ الباحث غير ملزمٍ بكلّ الآليات المنهجية المتّبعة في التفسير الموضوعي.

ويمكن إطلاق تسمية (التفسير المفاهيمي) عليه.

وهذا المنهج المقترح يمنح الخطيب عدداً من نقاط القوّة منها:

أوّلاً: إشباع ذلك المفهوم بحثاً، وخصوصاً في جوانبه الرئيسية والهامّة، وبذلك يوفّر الخطيب للسامع مادّة علميّةً وثقافيّةً متكاملة، أو شبه متكاملة حول الموضوع ـ المفهوم ـ، وأقلّ ما يخرج به السامع هو الاقتناع بما ذكره الخطيب فيه، ويصبح لديه تصوّر واضح عنه.


ثانياً: تُتيح للخطيب فرصة اختيار التخلّص المناسب، وذلك لتمكّنه من التقديم والتأخير في طرح الأفكار الفرعية المرتبطة بالموضوع، فيختار ما هو أشدّ تأثيراً في النفوس، وأظهر في الملازمة بين موضوع بحثه وبين مفردات واقعة الطفّ.

فمثلاً: إذا أراد أن يتحدّث عن أسباب قسوة القلوب، وعوامل ترقيقها انطلاقاً من قوله تعالى:( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ... ) (١) .

فله أن يُقدّم الأسباب ويؤخّر عوامل الترقيق، أو يفعل العكس، كما يمكنه أن يُقدّم ويؤخّر في الفقرات الفرعية من ذلك العنوان الرئيسي، فإذا ذكر العوامل التي تؤدّي إلى ترقيق القلب، رتّبها بهذا الشكل: قراءة القرآن، مجالسة العلماء والصالحين، التصدّق على الفقراء والمساكين ومعاشرتهم، حضور مجالس عزاء الحسين (عليه السّلام)، المسح على رؤوس اليتامى، أو يُقدّم هذه ويؤخّر فقرة حضور المجالس، وهكذا.

ثالثاً: لا يكون الخطيب مقيّداً بشرح كلّ ما في الآية ـ مورد بحثه من فقرات ـ، فله الاقتصار على ما يرتبط بموضوعه منها، ولا يخلّ ذلك بوحدة الموضوع، ويمكنة أيضاً أن يختصر البحث في بعض جوانبها بعد أن يذكر منهجه لسامعيه.

رابعاً: تمنح الخطيب قدرةً وعمقاً علميّاً وثقافيّاً في فهم واستيعاب الآيات القرآنية الأُخرى المرتبطة بالموضوع؛ لأنّ القرآن يُفسّر بعضه بعضاً.

ومع التوفّر على الآيات المرتبطة بذاك المفهوم، والأحاديث الواردة فيه، والبحوث

____________________

(١) سورة البقرة / ٧٤.


التي تدور حوله في كتب التفسير أو غيرها يخرج الخطيب، أو الباحث بحصيلةٍ ممتازةٍ ورؤية واضحة، ممّا يُغني ذلك ثقافته، وتمنحة فرصة انتقاء المعلومات والأفكار التي يضخّها للسامع، وترك ما لا يرى ضرورةً فيه، وسينعكس هذا الوضوح في الرؤية على جمهوره حتماً، بخلاف ما لو كان الموضوع غامضاً لديه، ولم يُحط بجميع جوانبه.

وفي طريقة التفسير التجزيئي لو أراد الإحاطة بكلّ ما تطرحة الآية من أفكار ومعلومات لاستغرق ذلك منه وقتاً طويلاً، وجهداً كبيراً.

وإليك عزيزي القارئ بعض المحاضرات التي كتبت بهذه المنهجية المقترحة.

ملتمساً من إخواني أصحاب الفضيلة والخطباء الأعزّاء توقيفي على بعض الهفوات والأخطاء التي فاتني معالجتها سهواً أو غفلةً، كما ألتمسهم الدعاء إلى الله (عزّ وجلّ) أن يوفّقنا جميعاً لخدمه دينه الحنيف والمنبر الحسيني الشريف.

والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّدٍ وآله الطاهرين.

١ / ج ٢ / ١٤٢٦ هـ


المحاضرة الأولى: نفي الرؤية والجسمية

بسم الله الرحمن الرحيم

( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (١) .

تنقسم صفات الباري (عزّ وجلّ) إلى قسمين: صفات ثبوتية، وصفات سلبية؛ والصّفات الثبوتية: هي تلك الصّفات التي تُنسب إلى الله تعالى وهي موجودة فيه، وهي نوعان:

الأوّل: الصّفات الذاتية: وهي مفاهيم منتزعة من الذّات الإلهية، بمعنى أنّ الله تعالى واجد لها، أو حائز لها؛ كالعلم والقدرة، والسمع والبصر، وغيرها من أنواع الكمالات.

الثاني: الصفات الفعلية: وهي مفاهيم منتزعة من علاقة الله بمخلوقاته.

مثل: الخالقية والرازقية والرحمانية، وغيرها من الصّفات الموجودة فيه تعالى، ولكن باعتبار علاقته تعالى بمخلوقاته(٢) .

____________________

(١) سورة الأنعام / ١٠٣.

(٢) راجع دروس في العقيدة الإسلاميّة ـ للشيخ مصباح اليزدي / ٨٢.


أمّا الصّفات السّلبية فهي تلك الصّفات التي يُنزّه الله عنها. وتُسلب منه، مثل: الوالدية، أو الزوجية، أو أنّه تعالى جسم، أو أنّه يُرى. تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

فهذه الصّفات يُنزّه الله تعالى عنها؛ فتُسمّى صفات سلبية.

إلاّ أنّ بعض المسلمين جعل من بعض الصّفات السّلبية صفاتاً ثبوتية.

فأثبتوا الجسمية له تعالى، واعتقدوا بلوازم الجسمية أيضاً، فقالوا بإمكان رؤيتة تعالى، وأنّه يتحرّك، و... و... إلى غير ذلك من اللوازم.

نريد أن نُناقش في هذه المحاضرة دليلهم على ذلك، ثمّ نُبيّن الأثر الخطير المترتّب على مثل هذا الاعتقاد، ومَنْ الذين أدخلوا هذه العقيدة في كتب بعض المسلمين، وما غرضهم من ذلك.

يتمسّك بعض المذاهب الإسلاميّة بالقول بجسمية الله تعالى، والاعتقاد بلوازم ذلك، كالرؤية مثلاً، اعتماداً على ظاهر بعض الآيات المباركة، وبعض الأحاديث الضعيفة التي دسّها البعض في كتب المسلمين عن عمد، وزعم أنّها مروية عن النبي (صلّى الله عليه وآله).

ولكن قبل أن نذكر بعض الآيات التي يستدلّون بها على الجسمية والرؤية، حريّ بي أن أُبيّن المراد من ظاهر الآيات.

هناك تقسيمات عديدة لآيات القرآن، مثل: المكي والمدني، والمحكم والمتشابه، وأحد هذه التقسيمات هو تقسيم الآيات إلى نصّ وظاهر.


والنص: ما دلّت عليه الآية دلالة قطعية لا تحتمل غيره(١) . مثل قوله تعالى:( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ) (٢) ، فالآية نصّ على أنّ نصيب الذكر من الميراث نصيب بنتين.

والظاهر: ما احتمل أكثر من معنى، ولكنّ أحد الاحتمالات أظهر من غيره(٣) .

ولكن يتعين أحياناً الأخذ بأحد الاحتمالات، وطرح الآخر لوجود مانع من الأخذ به.

ولنذكر بعض الأمثلة ليتّضح المقصود.

قال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ) (٤) .

فظاهر هذه الآية أنّ أموال اليتيم إذا اعتدى عليها أحد وأخذها تتحوّل يوم القيامة إلى قطع من نار يأكلها أولئك الظلمة.

وهذا معنى مَنْ يقول بتجسيم الأعمال، أي تحوّل العمل إلى جسم يسعد صاحبه إن كان صالحاً، ويشقيه إن كان سيِّئاً كما في المثال.

بينما هناك آيات لا يمكن التمسّك بظاهرها؛ لوجود مانع سنذكره، مثل قوله تعالى:

____________________

(١) مفتاح الوصول إلى علم الاُصول ـ الشيخ أحمد البهادلي ٢ / ٢٣.

(٢) سورة النساء / ١١.

(٣) مفتاح الوصول ٢ / ٤.

(٤) سورة النساء / ١٠.


( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) (١) ، ومثل قوله تعالى:( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ) (٢) .

فهذه الآيات يظهر منها أنّ لله تعالى يداً ورجل (ساق)، ولكن لا يمكن الأخذ بهذا الظهور؛ لوجود موانع.

منها آيات صريحة تنفي كونه تعالى جسماً، أو أنّه يمكن رؤيته، كقوله تعالى:( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (٣) ، وقوله تعالى:( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) (٤) ، وقوله تعالى:( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ... ) (٥) .

ومن الموانع: الأحاديث الكثيرة المرويّة عن آل البيت (عليهم السّلام)، وعن غيرهم، والتي تنفي أن يكون الله تبارك وتعالى جسماً، أو أنّه يمكن رؤيته، بل تنفي وتنهى عن مجرّد تصوّر ذلك.

يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام):« فمَنْ وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومَنْ قرنه فقد ثنّاه، ومَنْ ثنّاه فقد جزّأه، ومَنْ جزّأه فقد جهله، ومَنْ جهله فقد أشار إليه، ومَنْ أشار إليه فقد حدّه، ومَنْ حدّه فقد عدّه » (٦) .

ويمدح (عليه السّلام) الملائكة بقوله:

____________________

(١) سورة الفتح / ١٠.

(٢) سورة القلم / ٤٢.

(٣) سورة الشورى / ٩.

(٤) سورة طه / ١١٠.

(٥) سورة الأنعام / ١٠٣.

(٦) نهج البلاغة ـ الخطبة ١.


«ولا يتوهّمون ربّهم بالتصوير » (١) . أي أنّهم لا يتخيّلون الله تعالى، أو يتوهّمون أنّه يشبه شيئاً من مخلوقاته.

وهناك ما يُقارب اثنين وثلاثين حديثاً في اُصول الكافي عن الأئمّة (عليهم السّلام) تنفي كونه تعالى جسماً، أو أنّه يمكن أن يراه أحد، بل يسأل أحد الرواة، واسمه أبو قرّة، الإمام الرضا (عليه السّلام):

فتكذب بالروايات، يعني يقول للإمام: إنّ هناك روايات تقول بأنّ الله جسم، وأنّه يرى، فهل تكذّبها؟

فأجاب الإمام (عليه السّلام):« إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذّبتها، وما أجمع المسلمون عليه أنّه لا يُحاط به علماً، ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله شيء » (٢) .

وغير روايات آل البيت (عليهم السّلام) يروي الترمذي عن مسروق، عن السيّدة عائشة، قال: كنت مُتّكئاً عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة، ثلاث مَنْ تكلّم فيهنّ أعظم الفرية على الله؛ مَنْ زعم أنّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله) قد رأى ربّه فقد أعظم الفرية على الله؛ والله يقول:( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (٣) ،( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) (٤) .

وكنت مُتّكئاً، فجلست، فقلت: يا أُمّ المؤمنين، انظريني ولا تعجليني، أليس الله تعالى يقول:( وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) (٥) ،( وَلَقَدْ رَآَهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ ) (٦) ؟

____________________

(١) نهج البلاغة ـ الخطبة ١.

(٢) اُصول الكافي ح ٢٥٦.

(٣) سورة الأنعام / ١٠٣.

(٤) سورة الشورى / ٥١.

(٥) سورة النجم / ١٣.

(٦) سورة التكوير / ٢٣.


قالت: أنا والله أوّل مَنْ سأل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قال:« إنّما ذلك جبريل... » الحديث(١) .

ومن الموانع عن الأخذ بظاهر هذه الآيات، أنّها تُنافي العقل؛ إذ لو كان الله تعالى جسماً لكان معنى ذلك أنّه مركّب من أجزاء، وطبيعي أنّ كلّ مركّب محتاج لأجزائه، وواجب الوجود هو الغني، وغير محتاج لشيء.

فلو كان جسماً (تعالى الله عن ذلك) لكان محتاجاً إلى أجزاءه، وهذا غير معقول بحقّ الباري (عزّ وجلّ).

والخلاصة: إنّه لا يمكن التمسّك بظواهر هذه الآيات وإثبات الأجزاء لله تعالى؛ لوجود موانع، منها الآيات الصريحة التي ذكرناها، ومنها الأحاديث الكثيرة، ومنها عدم معقولية كونه تعالى جسماً.

الأثر الخطير في مثل هذه العقيدة

إنّ القول والاعتقاد بأنّ للحقّ تبارك وتعالى يداً ورجلاً وجسماً... إلخ له أثر خطير على فساد عقيدة الناس، وربما يدفع بالبعض إلى الإلحاد وإنكار وجود الله تعالى، أو قياسه على خلقه، وغير ذلك من الآثار الخطيرة التي تؤدّي إلى الانحراف عن جادّة الصواب.

____________________

(١) نقلاً عن الوهابية والتوحيد ـ الشيخ علي الكوراني / ١١.


وهذه الفكرة، أي كونه تعالى جسماً، تجدها أكثر ما تجدها في كتب العهدين عند اليهود والنصارى؛ التوراة والإنجيل المحرفان، وهؤلاء يتعمدون على بثّ هذه الفكرة في عقول الناس؛ لتحريفهم عن عقيدتهم، ومنهم دخلت في كتب المسلمين، كما ستسمع بعد قليل.

لنقرأ نموذجاً من التوراة المحرّفة في هذا الشأن:

جاء في الإصحاح الثاني والثالث من سفر التكوين: (حيث ذكرت أنّ الله أجاز لآدم أن يأكل من جميع الأثمار إلاّ ثمرة معرفة الخير والشرّ، وقال: إنّك يوم تأكل منها موتاً تموت، ثمّ خلق آدم وزوجته، وكانا عاريين في الجنة؛ لأنّهما لا يُدركان الخير والشرّ، وجاءت الحيّة وحرّضتهما على الأكل من الثمرة، ودلّتهما عليها. فلمّا أكلا منها انفتحت أعينهما، وعرفا أنّهما عاريان، فصنعا لأنفسهما مئزراً، فرآهما الربّ وهو يتمشّى في الجنّة فاختبأ آدم وحواء منه.

فنادى الله: يا آدم أين أنت؟

فقال آدم: سمعت صوتك واختبأت لأنّي عُريان.

فقال الله: ومَنْ أعلمك بأنّك عُريان، هل أكلت من الشجرة؟

ثمّ إنّ الله لمّا ظهر له أنّ آدم أكل من الشجرة قال: هو ذا آدم صار كواحد منّا)(١) .

____________________

(١) نقلاً عن البيان في تفسير القرآن / ٥٠.


فانظر واعجب؛ فإنّ الله تعالى يتمشّى في الجنّة ولا يدري أين يختبئ آدم... إلى آخر هذه الخزعبلات التي لا يمكن لعاقل تصديقها.

وللأسف فإنّ هؤلاء اليهود والنصارى نقلوها إلى المسلمين، وتسرّبت أحاديث الرؤية والتجسيم إلى كتب المسلمين، وقد قبلها بعض الأوائل على بساطتهم، وسجيتهم السليمة التي لا تعرف المغزى الخطير منها، وسأكتفي بشاهد واحد على ذلك.

روي في البحار عن ابن عباس أنّه حضر مجلس عمر بن خطاب يوماً وعنده كعب الأحبار، إذ قال عمر: يا كعب، أحافظ للتوراة أنت؟

قال كعب: إنّي أحفظ منها الكثير.

فقال رجل من جنب المجلس: يا أمير المؤمنين، سله أين كان الله (جلّ شأنه) قبل أن يخلق عرشه، وممّ خلق الماء الذي جعل عليه عرشه؟

فقال عمر: يا كعب، هل عندك من هذا علم؟

فقال كعب: نعم يا أمير المؤمنين؛ إنّا نجد في الأصل الحكيم أنّ الله تبارك وتعالى كان قديماً قبل خلق العرش، وكان على صخرة بيت المقدس في الهواء، فلمّا أراد أن يخلق عرشه تفل تفله كانت منها البحار الغامرة واللجج الدائرة، فهناك خلق عرشه من بعض الصخرة التي كانت تحته، وأخّر ما بقي منها لمسجد قدسه.


قال ابن عباس: وكان علي بن أبي طالب (عليه السّلام) حاضراً، فعظّم علي ربّه، وقام على قدميه، ونفض ثيابه، فأقسم عليه عمر لما عاد إلى مجلسه، ففعله.

فقال عمر: غص عليها يا غوّاص، ما تقول يا أبا الحسن، فما عرفتك إلاّ مفرّجاً للغمّ.

فالتفت علي إلى كعب فقال:«غلط أصحابك، وفتحوا الفرية على الله ـ لاحظ أنّه يعبّر بالفرية كما صنعت عائشة ـ. يا كعب، ويحك! إنّ الصخرة التي زعمت لا تحوي جلاله، ولا تسع لعظمته، والهواء الذي ذكرت لا يجوز أقطاره... إلى أن يقول (عليه السّلام): يا كعب، ويحك! إنّ مَنْ كانت البحار تفلته على قولك كان أعظم أن تحويه صخرة بيت المقدس، أو الهواء الذي أشرت أنّه حل فيه » .

فضحك عمر وقال: هذا هو الأمر، وهكذا يكون العلم لا كعلمك يا كعب، لا عشت لزمان لا أرى فيه أبا الحسن(١) .

إذاً هذه العقيدة الزائفة دخلت إلى عقول المسلمين عن طريق كعب الأحبار، ووهب بن منبه وأمثالهم، ولقد حاربها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بقوّة، وكشف الزيف فيها كما قرأت قبل قليل.

____________________

(١) بحار الأنوار ٣٦ / ١٩٤.


ولكنّ المهم هنا أن نعرف الأثر الخطير في إفساد عقيدة الناس عند القول بالتجسيم والرؤية.

هذا ما سأتركه لعلماء الغرب أنفسهم للإجابة على هذا السؤال، يقول وولتر أو سكار لندربرج، عالم الفسيولوجيا، والكيمياء الحيوية: أنّ أحد أسباب الإلحاد، وعدم الإيمان بخالق الكون، هو القول بجسمية الله.

يقول: عندما تتحرّر عقول الناس من الخوف، فليس من السهل أن تتحرّر من التعصّب والأهواء؛ ففي المنظّمات الدينية المسيحية تبذل محاولات لجعل الناس يعتقدون منذ طفولتهم في إله هو على صورة إنسان، بدلاً من الاعتقاد بأنّ الإنسان خُلِقَ خليفة لله على الأرض.

وعندما تنموا العقول بعد ذلك، وتتدرب على استخدام الطريقة العلمية، فإنّ تلك الصورة التي تعلّموها منذ الصغر لا يمكن أن تنسجم مع أسلوبهم في التفكير، أو مع أيّ منطق مقبول.

وأخيراً تفشل جميع المحاولات في التوفيق بين تلك الأفكار الدينية القديمة، وبين مقتضيات منطق التفكير العلمي، نجد هؤلاء المفكّرين يتخلّصون من الصراع بنبذ فكرة الله كليةً.

وعندما يصلون إلى هذه المرحلة يظنّون أنّهم قد تخلّصوا من أوهام الدين، وما يترتّب عليها من نتائج نفسية، ولا يحبّون التفكير بهذه الموضوعات، بل يقاومون أيّة فكرة جديدة تتّصل بالموضوع، وتدور حول وجود الله(١) .

____________________

(١) الله يتجلّى في عصر العلم ـ مصطفى الدمرداش / ١٧.


ويقول اينشتاين، صاحب النظرية النسبية فيما يتعلّق باعتقاد اليهود: أنّ هؤلاء بيّنوا الحقيقة دون ما هي عليه بكثير؛ حيث صوّروا الله بشكل إنسان.

ويقول ترتيباً على ذلك: إنّك لا تعثر بين الناس بشكل واضح إلاّ على نفرٍ من أهل البدع، المتأثرين بأحاسيس هذا الدين(١) .

فالهدف من تشبيه الباري (عزّ وجلّ) بخلقه، هو تحريف الناس عن عقائدهم، ودفعهم إلى الإيمان بالبدع والخرافات.

ولا تعجب بعد ذلك أن سمعت أنّ صبيّاً في أحد البلدان الإسلاميّة سأله أستاذه: كيف تعرف ربّك؟

فأجابه هذا الصبي البريء: بساقه المحروقة(٢) .

لأنّه يزقّ منذ صغره بأنّ المؤمنين لا يعرفون ربّهم يوم القيامة إلاّ بعد أن يكشف عن ساقه، وأنّه يضع رجله في النار حتى تقول: قط قط(٣) .

وإن قلنا لكم: إنّ بني أُميّة لعبوا دوراً كبيراً في نشر هذه الإسرائيليات بين المسلمين فلا تعجبوا، ولا تقولوا: إنّكم تعلّقون كلّ ما حلّ بالإسلام على شمّاعة بني أُميّة، ولكنّها للأسف هي الحقيقة، وأنقلها هذه المرّة على لسان الإمام مالك بن أنس إمام المالكية.

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء:

____________________

(١) التوحيد ـ الشيخ مرتضى مطهري / ٤٦.

(٢) الوهابيّة والتوحيد / ١٨.

(٣) البخاري ـ تفسير سورة ق ٣ / ١٢٧، مسلم ـ باب النار يدخلها الجبارون ٢ / ٢٨٢.


قال ابن القاسم: سألت مالكاً عمّن حدّث بالحديث الذي قالوا: إنّ الله خلق آدم على صورته، والحديث الذي جاء أنّ الله يكشف عن ساقه... إلخ، فأنكر مالك ذلك إنكاراً شديداً، ونهى أن يحدّث بها أحد،فقيل له: إنّ أُناساً من أهل العلم يتحدّثون به.

فقال: مَنْ هو؟

قيل: ابن عجلان عن ابن أبي الزناد.

فقال: لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء، ولم يكن عالماً.

وذكر ابن أبي زناد فقال: لم يزل عالماً لهؤلاء حتى مات(١) .

ويقصد أنّ راوي هذه الأحاديث (ابن أبي الزناد) كان عاملاً عند بني أُميّة، ينشر أفكارهم عن قصد وعمد، مستهدفين طمس الدين، وتغيير معالمه، ومحقه بالأحاديث المكذوبة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

ولقد تربّى يزيد بن معاوية بالذّات في بيئة نصرانية عند أخواله بني كلاب في حران، وأخذ منهم عاداتهم ومعتقداتهم حتى آخر لحظات حياة أبيه. ولم يكن يزيد مجاوراً للمسلمين، فليت شعري إذا تربّى شخص حتى جاور الثلاثين بيئةٍ فهل يحمل غير أفكارها وأخلاقها؟!

____________________

(١) سير أعلام النبلاء ـ الذهبي ٨ / ١٠٣.


المحاضرة الثانية: الشفاعة

بسم الله الرحمن الرحيم

( وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى‏ وَهُم مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) (١) .

تُعَدّ الشفاعة من أهم المعارف الإسلاميّة، ولها ارتباط مباشر بمباحث العدل الإلهي، كما إنّ لها مغزى عميقاً وفلسفة عظيمة لما تتضمّنة الشفاعة من دلالات عميقة، نذكر منها على سبيل المثال:

أوّلاً: أنّ الشّفاعة باب من أبواب الرحمة الإلهية؛ حيث تنطوي على أمل ورجاء بالنسبة للعاصين في رحمة الله (عزّ وجل).

فهي من هذه الجهة تشبه التوبة؛ حيث تُعَدّ التوبة فرصة للعاصي ينبغي عليه اغتنامها، وكما أنّ التوبة باب من أبواب رحمة الله (عزّ وجلّ) كذلك الشّفاعة.

إذ قد تفوت العبد فرصة التوبة من الذنب، أو بعض الذنوب؛ ولكي لا يُحرم العبد الرحمة يفتح له المولى تبارك وتعالى باباً آخر من أبواب رحمته، تسمّيه الشّريعة الشّفاعة.

____________________

(١) سورة الأنبياء / ٢٨.


ولكنّ باب الشّفاعة ليس اعتباطيّاً، بل على المسلم أن يسعى؛ لكي يكون مؤهّلاً للدخول في دائرة الشّفاعة.

ثانياً: تتضمّن الشّفاعة بياناً لمنزلة الشّافعين عند الله تعالى أمام الخلق أجمعين؛ ليعرف الناس منزلتهم، ودرجة قربهم من الله تعالى.

ثالثاً: وتتضمّن بيان أثر اتّباع الإنسان المسلم لتوجيهات هؤلاء الشّافعين والسير على هديهم.

فهي من هذا المنطلق بمثابة الجائزة لِمَنْ يسعى لأن يدخل في دائرة الشّفاعة.

ولكنّ الشّفاعة وقعت بين الإفراط والتفريط؛ فالبعض أخذ يعوِّل عليها كثيراً، جهلاً بحقيقة الشّفاعة، ممّا أدّى إلى انحرافهم عن أحكام الشّريعة. فلا يصلّي ولا يصوم، ويرتكب جميع المحرّمات معوّلاً على الشّفاعة.

وقد دفع هذا الفهم الخاطئ بآخرين إلى إنكار مبدأ الشّفاعة جملةً وتفصيلاً، فهم يقولون: إنّ الشّفاعة تجرّئ الناس على ارتكاب المعاصي. وهذا مرفوض قطعاً في الشّريعة الإسلاميّة. والحقّ: أنّ الشّفاعة ثابتة بنصّ القرآن الكريم، وطائفةً كبيرة من الأحاديث الشّريفة.

فبالإضافة إلى الآية التي صدرّنا بها البحث هناك آيات أُخرى تتحدّث عن الشّفاعة وثبوتها يوم القيامة. قال تعالى:


( مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ ) (١) .

وقال عزّ من قائل:( يَوْمَئِذٍ لاّ تَنفَعُ الشّفَاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ) (٢) .

وقال:( وَكَم مِن مَلَكٍ فِي السّماوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى ) (٣) .

فبمفهوم الاستثناء تثبت الشّفاعة لبعض الشّافعين، كما لاحظنا ذلك في الآيات الكريمة.

أمّا الأحاديث الواردة فيها فهي كثيرة، منها قوله (صلّى الله عليه وآله):« وأمّا شفاعتي ففي أصحاب الكبائر، ما خلا الشّرك والظلم » (٤) .

ومنها قوله المروي عنه (صلّى الله عليه وآله):« مَنْ لم يؤمن بشفاعتي لا أناله الله شفاعتي » (٥) .

____________________

(١) سورة البقرة / ٢٥٥.

(٢) سورة طه / ١٠٩.

(٣) سورة النجم / ٢٦.

(٤) التفسير المعين / ٤٩٥.

(٥) التفسير المعين / ٤٣١.


حقيقة الشفاعة

يمكن تصوّر شفاعة الشّفيع لدى الحاكم على نحوين:

الأوّل: أن تكون الشّفاعة قبل صدور الحكم، بحيث يكون للشّفيع تأثير على الحاكم.

الثاني: أن تكون بعد صدور الحكم، فتكون حينئذٍ من قبل الحاكم وبإذن منه.

فأمّا النحو الأوّل التي قبل صدور الحكم، فهي باطلة قطعاً بحكم العقل، ونصّ القرآن.

قال تعالى:( وَاتّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ) (١) .

أمّا لماذا يكون هذا النحو من الشفاعة باطلاً؟

فذلك لأنه يستلزم أن تكون للشّفيع القدرة على التأثير في الحاكم بأحد وسائل ثلاث:

الأولى: ما نعبّر عنه بتعبيراتنا (الواسطة)، وعبّرت عنه الآية الأخيرة( لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ) .

الثانية: الرشوة، وعبّرت عنة الآية بـ( لاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ) .

____________________

(١) سورة البقرة / ٤٨.


الثالثة: القوّة والمحسوبية، وعبّرت عنه الآية بقوله تعالى:( وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ) .

فالحاكم إذا عطّل الحكم ولم يحكم على الجاني بسبب إحدى هذة الوسائل الثلاث يعدّ العقلاء مثل هذا الحاكم جائراً، وتعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

وأمّا النحو الثاني من الشّفاعة التي بعد صدور الحكم، فهي الشّفاعة الصّحيحة التي أثبتها القرآن الكريم كما سمعتم، وكذلك الروايات، وسيأتي المزيد منها، كما لا يمنع منها العقل؛ لأنّها لا تخالف العدل، ولا تخالف الحكمة.

تصوير الموضوع بمثال

ولنصوِّر هذا الموضوع بمثالٍ: إذا قام مدير مدرسة بإنجاح أحد الطلاب بدون امتحان؛ أمّا برشوة، أو واسطة، أو محسوبية، فهذا يعدّ ظلماً بنظر العقلاء، وذلك الرجل جائر، والشّفاعة من هذا النوع باطلة، وهي مستحيلة على الله تعالى.

ولكنّ إذا أمتحن ذاك المدير جميع طلاب مدرسته، فحالهم لا يخلو من ناجحين أو راسبين أو مكملين؛ أمّا الناجحون والفاشلون فلا كلام فيهم؛ لأنّه يأخذ كلّ منهم استحقاقه وجزاءه، وأمّا المكملون فقد تحصل للمدير رغبة في إنجاح بعضهم، فهل يقوم بذلك اعتباطاً ومن دون ضوابط؟


الجواب: كلاّ، ولا بدّ أن يلجأ إلى تقنين قانون آخر، فيتوجّه إلى الأساتذة قائلاً لهم: أيّما تلميذ كان مجدّاً في دروسه، وطائعاً لكم ويحترمكم فقد أذنت لكم بإدراج اسمه في سجلّ الناجحين.

فأيّ مانع عقلي أو شرعي في مثل هذا إن كانت هذه هي رغبته، وأراد نسبة نجاح أكبر كما في المثال؟

وهذا يشبه حال يوم القيامة، فمن الناس مَنْ يدخلون الجنّة بأعمالهم« ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي، وأمّا المحسنون فما عليهم من سبيل » (١) .

ومن الناس مَنْ يدخل جهنم وساءت مصيراً بسوء أعمالهم وكفرهم وطغيانهم، ومن الناس مَنْ لا يستحق الجنّة ولا النار( خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآَخَرَ سَيِّئاً ) (٢) ، وبسعة رحمة الله (عزّ وجلّ) رأفته بعباده يريد بمشيئته التخفيف عنهم، فيأمر تعالى أنبياءه وأولياءه وملائكته بالشّفاعة لِمَنْ يشاء ويرضى.

وهؤلاء يعبّر عنهم بالشّفعاء، وعلى رأسهم نبي الرحمة (صلّى الله عليه وآله) وآل بيته الأطهار (عليهم السّلام)، بل والملائكة والأنبياء، والقرآن فهو شافع مشفّع، وماحل ومصدّق، ومنهم الشّهداء والعلماء والمؤمنون والرحم أيضاً... إلخ.

المحرومون من الشفاعة

قلنا في أوّل الحديث أنّ على المسلم أن يسعى لأن يكون مؤهّلاً للدخول في دائرة الشّفاعة؛ فهنالك من الناس مَنْ لا تنالهم الشّفاعة نذكر بعض منهم:

____________________

(١) ميزان الحكمة.

(٢) سورة التوبة / ١٠٢.


١ ـ التاركون للصّلاة والمستخفون بها.

روي عن الصادق (عليه السّلام) أنّه قال:« لا تنال شفاعتنا مستخفّاً بالصّلاة » (١) .

٢ ـ المفطرون عمداً في شهر رمضان.

روي عنهم (عليهم السّلام):« إنّ الملائكة تمرّ بالرجل إلى النار يوم القيامة فيصيح: يا رسول الله، اشفع لي. فيقول لهم (صلّى الله عليه وآله): أوقفوه. ما شأنه؟ فتقول الملائكة: إنّه أدرك شهر رمضان ولم يصمه. فيقول (صلّى الله عليه وآله): لم يؤذن لي بالشّفاعة فيمَنْ لم يصم شهر رمضان » .

٣ ـ الشّرك بالله تعالى.

وقد مرّ استثناؤه في الحديث النبوي« ما خلا الشّرك والظلم » .

٤ ـ طائفة أُخرى ذكرها القرآن الكريم، وهم: تاركوا الصّلاة كما مرّ، والمانعون للزكاة، والمكذّبون بيوم الدين، والخائضون بالباطل. قال تعالى:( قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضينَ * وَكُنّا نُكَذّبُ بِيَوْمِ الدّينِ * حَتّى‏ أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشّافِعِينَ ) (٢) .

٥ ـ الظلم.

____________________

(١) التفسير المعين / ٤٣١.

(٢) سورة المدثر / ٤٢ ـ ٤٨.


وقد مرّ استثناؤه أيضاً، وأفدح الظلم هو القتل بغير حقّ، وأفضع من ذلك قتل الأبرياء، وبالخصوص عترة محمد (صلّى الله عليه وآله).

لهذا كان زهير بن القين متنبّهاً إلى هذه القضية؛ لذا خاطب أهل الكوفة بقوله: عباد الله، لا يغرّنّكم عن دينكم هذا الجلف الجافي ـ أي شمر بن ذي الجوشن ـ وأشباهه، فو الله لا تنال شفاعة محمّد (صلّى الله عليه وآله) قوماً هرقوا دماء ذريته وأهل بيته، وقتلوا مَنْ نصرهم وذبّ عن حريمهم(١) .

____________________

(١) مقتل الحسين ـ السيد المقرّم / ٢٧٩.


المحاضرة الثالثة: الزيغ عن الحقّ ـ أسبابه وأهدافه

بسم الله الرحمن الرحيم

( فَأَمّا الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلّ مِنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا يَذّكّرُ إِلاّ أُولُوا الأَلْبَابِ ) (١) .

الزيغ في اللغة: هو الميل والانحراف عن الاستقامة(٢) . ممّا يعني ذلك أنّ مفهوم الزيغ يُقابل مفهوم الاستقامة.

والملاحظ في الآية المباركة وآيات أُخرى أنّ الله تعالى قد نسب الزيغ إلى القلب ولم ينسبه إلى العقل، ممّا يكشف ذلك أنّ عنصر الهوى والأنانية، والتعاطف مع ذلك الشيء له دخل في زيغ القلب وانحرافه عن الاستقامة.

والناس إزاء القضايا التي تعترّض حياتهم يمكن تقسيمهم إلى عدّة أقسام، لكنّ الرئيسية منها أربعة:

____________________

(١) سورة آل عمران / ٧.

(٢) مفردات الراغب / مادة (زيغ).


الأوّل: مَنْ يقدمون بتحليل القضايا بعقولهم أوّلاً، فإذا رأت عقولهم صحتها وصدقها وعقلانيتها أوعزوا للقلب للتعاطف مع تلك القضية، والتعلّق بها والدفاع عنها.

وهنا يكون دور العقل هو الأوّل، ثمّ يأتي دور القلب من بعده.

الثاني: بعض الناس يفتقدون إلى القدرة الجيدة على إدراك بعض القضايا والتأكد من صحتها عقلاً، ولكن بحسن فطرتهم وسلامة قلوبهم من الأمراض يأخذون من القسم الأوّل ما حسموه من القضايا، ويسلّموا لأولئك فيتبنّون ما يتبنّاه عقلاء قومهم أو علمائهم.

يقول أحد الأشخاص: إنّه تعترضني أحياناً بعض الشكوك حول العقيدة أو حول الإسلام، ولكنّي عندما أتذكّر أنّ هذا الدين هو دين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) أقول لنفسي: أنا لست بأفضل من الشيخ المفيد والشيخ الطوسي وأعلام هذه الطائفة، أفهل أنا أفهم منهم؟! فإذا خالفت كشفت ذلك عن خطل رأيي خصوصاً إذا لم أكن عالماً مثلهم.

الثالث: اُولئك الذين في قلوبهم زيغ وانحراف إلى الهوى وعبادة الذات، فهؤلاء يتبنّون مواقف إزاء القضايا تنبع من قلوبهم؛ بسبب حبّهم لهذا الشيء أو ذاك، ثمّ يأمرون عقولهم بأن توحي لهم بمجموعة من الحجج والذرائع لتصحيح تلك المواقف.


فهو إذن يتعاطف وينسجم مع الموضوع أوّلاً؛ لأنّه يحقّق رغبة نفسيّة له، ثمّ يأتي إلى عقله ويطالبه بدليل لتصحيح ما استقر عليه هواه.

الرابع: هم بعض الناس الذين ارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يتردّدون(١) ، فتراه متقلّباً إزاء القضايا والمواقف، يسمع شيئاً فيقبله ويتبنّاه، وبعد ساعة تجده عدل عن ذلك الرأي إلى رأي آخر وهكذا، يميل حيث تميل الرياح، وبتعبير الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام):« أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريح » (٢) .

والمهمّ في كلامنا هو القسم الثالث.

فهؤلاء قالت الآية المباركة أنّهم يتبعون المتشابهات، أي القضايا الملتبسة، والتي تحتمل عدّة معانٍ، أو مبهمةٍ غير واضحة فيتركون الواضحات والصراط المستقيم، ويجرون خلف المبهمات والمتلابسات؛ لأغراض وغايات ذكرتها الآية المباركة.

ولكن قبل ذكرها أرى أنّه من المفيد جدّاً أن نعرف ما هي أسباب زيغ القلب وانحرافه عن الاستقامة والصواب.

وممّا يكشف أهمية هذا الموضوع، أي استقامة القلب وعدم انحرافه، أنّ الله تعالى أردف هذه الآية بآية أُخرى علّم فيها عبادة المؤمنين الطلب منه (عزّ وجلّ) بثبات القلب واستقامته.

فقال (عزّ من قائل):( رَبّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً ) (٣) ، فاستقامة القلب وترك الزيغ رحمة من الله تعالى.

____________________

(١) إشارة إلى الآية ٤٥ من سورة التوبة.

(٢) نهج البلاغة ـ الحكمة ١٤٧.

(٣) سورة آل عمران / ٨.


أسباب زيغ القلب عن الحقّ

لعلّ أوّل أسباب الزيغ والانحراف عن الصّراط المستقيم هو إيذاء مَنْ يدعون إلى الحقّ وإلى الله سبحانه تعالى، فمعروف أنّ هناك مَنْ يستجيب، وهناك مَنْ لا يستجيب للدُّعاة إلى الحقّ ولكن لا يؤذيهم، وهناك مَنْ لا يستجيب ويعمد إلى إيذائهم، كما كانت تفعل عتاة قريش بالنبي (صلّى الله عليه وآله)، وما كانت تفعله حمّالة الحطب على سبيل المثال، حيث كانت تضع الشوك في طريق النبي (صلّى الله عليه وآله) إيغالاً في إيذائه.

قال تعالى:( وَإِذْ قَالَ مُوسَى‏ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَعْلَمُونَ أَنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمّا زَاغُوا أَزَاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (١) .

الثاني: عدم التسليم لإرادة الأنبياء والأولياء والدُّعاة إلى الله.

فهناك من الناس مَنْ يقبل دعوة الأنبياء، أو يكون تحت لواء ولي من الأولياء، ولكن مع ذلك يشاكسهم بعصيان أوامرهم، أو العمل ضدّ إرادتهم.

ومن الشواهد الواضحة على ذلك أهل الكوفة ومشاكستهم لأمير المؤمنين، وولده الإمام الحسن (عليهما السّلام).

يقول أمير المؤمنين في بعض خطبه:« مُنيت بمَنْ لا يطيع إذا أمرت، ولا يُجيب إذا دعوت... أقوم فيكم مستصرخاً، واُناديكم متغوّثاً فلا تسمعون قولاً، ولا تطيعون لي أمراً، حتّى تكشف الأمور عن عواقب المساءة » (٢) .

____________________

(١) سورة الصف / ٥.

(٢) نهج البلاغة ـ الخطبة ٣٩.


ويقول في أُخرى:« أمّا بعد، فإنّ معصية الناصح الشفيق، العالم المجرّب، تورث الحسرة، وتعقب الندامة » (١) .

ولقد صدق (صلوات الله عليه) فإنّكم تعلمون عاقبة ما وصل إليه العُصاة من أهل الكوفة وزيغهم عن الحقّ، حتى وصل الأمر بهم إلى قتل ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

ويمكن أن يستشّف هذا السبب للزيغ، والابتعاد عن الحقّ من قوله تعالى:( لَقَد تَابَ اللّهُ عَلَى النّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الّذِينَ اتّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ) (٢) .

وساعة العسرة هذه الأيام التي كان يجمع النبي (صلّى الله عليه وآله) أصحابه لمقاتلة الروم في تبوك، وكانت أيام قحط وشدّة، وأزمة اقتصادية حادّة كما يُقال، فأراد بعضهم عصيان أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) ومخالفته، فالقرآن يقول: لولا أنّهم رجعوا وسلّموا الأمر للنبي (صلّى الله عليه وآله) لأزاغ الله قلوبهم بسبب عدم طاعته وامتثال أمره (صلّى الله عليه وآله).

فيستشفّ من الآية المباركة أنّ عدم التسليم لأوامر الأنبياء والمعصومين (عليهم السّلام) وتوجيهاتهم تؤدّي بالعاصي إلى الزيغ والانحراف عن الاستقامة.

وباختصار:

____________________

(١) نهج البلاغة ـ الخطبة ٣٥.

(٢) سورة التوبة / ١١٧.


لاحظنا أنّ القرآن الكريم ذكر سببين للزيغ هما: إيذاء الدعاة إلى الله، وعدم التسليم لما يصدر منهم من أوامر ونواه أو نصائح.

أسباب اتّباع المتشابه من الآيات

ذكرت الآية المباركة أنّ الذين في قلوبهم زيغ يتّبعون المتشابه من الآيات، ولهم في ذلك أهداف:

الأوّل: ابتغاء الفتنة.

أي طلب الفتنة والسعي في إيقادها. والمراد من الفتنة هنا: هو الإضلال؛ إذ للفتنة معانٍ كثيرةٍ استُعملت في القرآن، وأحد هذه المعاني هو الإضلال والتضليل.

قال تعالى:( وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ ) (١) .

الثاني: ابتغاء تأويله.

ذهب الكثير من مفسري الآية إلى القول: بأنّ تأويل الآية المتشابهة هو تفسيرها وبيان مدلولها(٢) . فعلى هذا التفسير لمعنى كلمة (تأويل) يكون لمرضى القلوب وذوي الزيغ هدفين في اتّباع المتشابه من الآيات المباركة.

الأوّل: هو ما ذكرناه من الفتنة وإضلال الآخرين.

والثاني: إظهار أنفسهم في مقام العلم والمعرفة، والقدرة على فهم معاني، ومداليل كتاب الله العزيز،

____________________

(١) سورة المائدة / ٤٩.

(٢) علوم القرآن ـ السيد محمد باقر الحكيم / ٢٢٩.


وخصوصاً المتشابه منه؛ إذ لا يخفى أنّه مع ادّعاء العلم والفهم للكتاب العزيز من قبل هؤلاء يكون ذلك أدعى لقبول الآخرين بهم، وبالتالي تحقيق غايتهم الأساسية، وهي ابتغاء الفتنة، وفي ذلك إظهار لقدرتهم العلمية بحسب زعمهم.

ويمكن أن نفهم هذا المعنى من خلال المقارنة والمقابلة التي عقدتها الآية فيما بعد كردّ على هؤلاء، حيث قال تعالى:( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) ، ولا نريد الدخول في تفاصيل الاختلاف في الوقف على لفظ الجلالة، أو الوصل بما بعده.

والرأي الثاني يقول: إنّ المراد من التأويل هو ما تؤول إليه معاني الآيات المتشابهة(١) ؛ لأنّ الأوّل معناه الرجوع إلى الأصل(٢) .

وفي خصوص القرآن الكريم حينما يكون المعنى عامّاً، ويريد العقل أن يحدّده ويجسّده في صورة معينة، وهذه الصورة المعينة هي التأويل. ووفقاً لهذه النظرة فإنّ الذين في قلوبهم زيغ يحاولون أن يحدّدوا صورة معينة لمفاهيم الآيات المتشابهة؛ إثارة للفتنة(٣) .

وعلى هذا الرأي يكون الهدف واحداً وهو الفتنة، ولكنّ الوسيلة المستخدمة فيه هي تأويل معاني الآيات المتشابهة. وهذا ما يعبّر عنه بالمصطلحات الحديثة بالتمويه الأيديولوجي. أي إنّ لمرضى القلوب غاية هي إضلال الناس وإشغال الفتنة، ولا يتمّ لهم ذلك إلاّ من خلال توظيف الدين، وتوظيف النصوص القرآنية المتشابهة؛ لكي

____________________

(١) علوم القرآن ـ السيد محمد باقر الحكيم / ٢٣٠.

(٢) المفردات ـ مادة (أوّل).

(٣) علوم القرآن / ٢٣٠ (بتصرف في العبارة).


تنطلي اللعبة على أتباعهم، ومَنْ يسيرون في ركابهم، فيرجعون معاني هذه الآيات والمفاهيم إلى أغراض توافق أهوائهم، وتتسمّى وتستند إلى الدين والقرآن.

وهذه الظاهرة ثابتة في تاريخ المسلمين، وفي عصرنا الحالي أيضاً.

ولعلّ أشهر ممارسته للتمويه بالقرآن وبالمتشابه ما رفعه الخوارج شعاراً لهم (لا حكم إلاّ لله)، والتي قال الإمام أمير المؤمنين بأنّها:« كلمة حقّ يُراد بها باطل. نعم، إنّه لا حكم إلاّ لله، ولكنّ هؤلاء يقولون: لا إمرة إلاّ الله » (١) .

فلاحظ كيف أنّهم أرجعوا [مفهوم] قوله تعالى: (لا حكم إلاّ لله) إلى لا إمرة إلاّ لله كما أوضح ذلك الإمام (عليه السّلام)، وكشف هذا التمويه الذي استخدموه لغرّ أتباعهم باسم الدين وباسم القرآن.

____________________

(١) نهج البلاغة ـ الخطبة ٤٠.


المحاضرة الرابعة: الأولاد قرة العين

بسم الله الرحمن الرحيم

( رَبّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرّيّاتِنَا قُرّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتّقِينَ إِمَاماً ) (١) .

يعاني مجتمعنا من ضعف خطير، وتدهور في العلاقات الاجتماعية، واستُبدلت المشاعر الحميمة، المليئة بالحبّ والمودّة والتفهّم والانسجام بمشاعر الكراهية والنفور، والوجد في غالب الأحيان.

واقتصر في البعض القليل منها على المجاملات الرسمية، ووصل هذا التراجع في العلاقات إلى داخل الأسرة الواحدة أيضاً، وبين الأبناء والآباء، والبنات والأمهات، والذي يُفترض ألا توجد علاقة أقرب من علاقة الأبوّة والبنوّة، فإن كانت هذه قد أصابها الضعف والفتور فما بالك بغيرها.

إذ لم يَعُد الأولاد والأزواج قرّة أعين عند الكثير، كما لم يَعُد الآباء مشاعل ترسم طريق الخير والفضيلة للأبناء. وبتعبير القرآن للمتقين إماماً.

ولا أقول أنّ هذه الظاهرة تعمّ كلّ أطياف المجتمع، أو جميع الأسر، فهذا غير صحيح قطعاً؛

____________________

(١) سورة الفرقان / ٧٤.


فهناك الكثير من الأسر يسودها التفاهم والاحترام المتبادل، والروابط النفسية والاجتماعية الجيدة تلفّ أبناءها.

ولكن ما ذكرنا ظاهرة متفشّية في كلّ مكان، وليست بخافية على أحد، نريد أن نتحدّث عن أسباب هذه الظاهرة، والسبل الكفيلة في تصحيح العلاقة الأسرية قدر الإمكان؛ إذ قد لا يسعنا استيعاب الموضوع بشكل تامّ.

وقبل الدخول في التفاصيل نبدأ أوّلاً وللتذكير بـ:

أهميّة الولد

لا شك أنّ الذريّة بعامّة أهمية كبرى، ومساحة واسعة في حياة الإنسان، خصوصاً الأولاد في مجتمعاتنا الشرقيّة؛ وذلك لأنّ الولد يمثّل الامتداد الطبيعي لحياة الإنسان. فالإنسان يشعر بأنّه لم يمت طالما كانت له ذريّة تخلفه، كما يعدّ القرآن الأولاد زينة للإنسان فقال تعالى:( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا ) (١) .

والزينة: هي كلّ ما لا يشين الإنسان في شيء؛ لا في الدنيا، ولا في الآخرة. ومرّة تكون الزينة نفسية كحمل الصفات الحسنة، مثل: العلم والكرم، والشجاعة والمروءة. ومرة تكون في الجسم؛ كالقوام الممشوق، وجمال الوجه وغير ذلك، وأُخرى تكون خارجة عن الإنسان كالمال والبنين. وعلى كلّ حال، الزينة: ما يظهر حسن الإنسان(٢) .

____________________

(١) سورة الكهف / ٤٨.

(٢) المفردات ـ للراغب الاصفهاني مادة (زين).


فالولد بهذا الاعتبار بمثابة المرآة التي تُظهر حسن الأب، أما من خلال جمال تربيتة وتعليمه... إلخ.

وفي خصوص الآية التي صدّرنا بها البحث، فقد جعل الله تعالى الولد قرّة للأعين، وقرّة العين: هي ما يسرّ الإنسان(١) . وقد عبّرت آية أُخرى بهذا التعبير:( قُرّتُ عَيْنٍ لّي وَلَكَ ) (٢) .

والملاحظ أنّ الآية هي جزء من دعاء عباد الله الصالحين. قال تعالى:( وَعِبَادُ الرّحْمنِ الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرضِ هَوْناً... ) (٣) الآية، إلى قوله تعالى شأنه:( وَالّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرّيّاتِنَا قُرّةَ أَعْيُنٍ ) (٤) .

والولد نعمة من الله (عزّ وجلّ) على الإنسان باعتبارات شتى، ومَنْ غفل عن هذه النعمة فليتخيّل الحرمان منها، أو مجرد وقوع الأذى على الولد فما عساه أن يفعل؟

روى ابن عمر أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) بينما يخطب على المنبر إذ خرج الحسين (عليه السّلام) فوطئ ثوبه فسقط فبكى، فنزل النبي (صلّى الله عليه وآله) عن المنبر فضمّه إليه، وقال:« قاتل الله الشيطان! إنّ الولد لفتنة، والذي نفسي بيده ما دريت أنّي نزلت من منبري » (٥) .

____________________

(١) المصدر السابق ـ مادة (قر).

(٢) سورة القصص / ٩.

(٣) سورة الفرقان / ٦٣.

(٤) سورة الفرقان / ٧٤.

(٥) نَفَس المهموم ـ الشيخ عباس القمّي / ٢٤.


قيل: إنّ رجلاً كان يمرّ بطريق فصادف امرأة تبحث عن صبي لها، فسألها عن أوصافه لعلّه يراه ببعض الطريق، فقالت: إنّه كدُنينير الذهب. فلمّا قضى وطره عاد، وإذا بالمرأة تنهال على صبيّ لثماً وتقبيلاً، فسألها هل هذا ابنك؟

قالت: بلى.

قال: إنّه ليس كما وصفتِ؟

قالت: إن كنت لا تراه كذلك أنا أراه كذلك. ثمّ أنشدت:

يا حبّذا ريحُ الولدْ ريحُ الخزامى بالبلدْ

هل هكذا كلّ ولدْ أم لم يلد مثلي أحدْ

وباختصار تكمن أهمية الولد، أو الذريّة في عناصر كثيرة:

منها: أنّه قرّة عين للإنسان، أي مدعاة للسعادة والسرور.

ومنها: أنّه يسد حاجة نفسية للإنسان، وهي الرغبة بالخلود والبقاء.

ومنها: أنّ الأولاد مصدر نفع للإنسان في كثير من جوانب حياتهم.

ومنها: أنّهم زينة يظهرون حسن تربية آبائهم، وسموّ مكانتهم، وغير ذلك من الاعتبارات.

أسباب سوء العلاقة بين الأبناء والآباء

تعود أسباب سوء العلاقة بين الأبناء والآباء لما يلي:

١ ـ عدم معرفة كلّ من الأب والابن حدود حقوقه ووجباته تجاه الآخر.

ومردّ ذلك هو ضعف معرفتنا بتعاليم ديننا الحنيف. فالأب يتصوّر بأنّ له على الولد حقّاً مطلقاً، وفي كلّ شيء، ويستخدم البعض منهم هذا الحقّ


أحياناً بشكل مجحف، لا يخلو من الاضطهاد للولد، ولباقي أفراد الأسرة كالزوجة مثلاً.

والابن يظنّ أنّ له حقوقاً أكبر ممّا منحة الوالد، وقد غمط أباه هذه الحقوق؛ ولذا تتعالى بعض الاحتجاجات من الأبناء ضدّ آبائهم في كثير من تفاصيل الحياة؛ فبعضهم يقع في مشاكل كثيرة بسوء اختياره، ويطالب الأب بوضع الحلول لهذه المشاكل مرّة بعد أُخرى، وقد لا يستجيب الأب في كلّ مرّة أو بسهوله، فتتضخم الهوّة بينهما تدريجياً حتّى تصل لأن يتصوّر بعض الأبناء بكره أبيه له.

والخلاصة: هناك سوء فهم لحدود الحقوق والواجبات بين الطرفين، أو الأطراف المختلفة.

٢ ـ فقدان الصراحة في التعامل والتعاطي إزاء القضايا والمشاكل التي تحدق بالأسرة، أو بعض أفرادها، فهذا الغموض الذي يلفّ العلاقات والسلوكيات يلقي بضلاله على الثقة المتبادلة فيزعزعها.

٣ ـ فقدان أساليب التفاهم العقلائية. وهذة الفقرة ملازمة لسابقتها في بعض الأحيان. والملاحظ للأسف أنّه لا توجد في بعض الأسر وسيلة للتفاهم إلاّ الزعيق والشتم والسباب والضرب.

٤ ـ بعض أصدقاء السوء الذين يؤدّون دوراً كبيراً في إذكاء الحرائق الاجتماعية والأسرية، حتّى إن كان ذلك بصيغة مزاح، إلاّ أنّه يترك أثراً مشجّعاً على نفسية الولد أو البنت، والآباء كذلك عندما يجلسون إلى أقرانهم يحرّضه بعضهم ضدّ أُسرته.

وللأسف إنّ هذه


الظاهرة متفشيّة في مجتمعنا، فلا تجد أحداً يشكي جاراً له إلاّ وزاده الحضور حقداً عليه، ولا تجد امرأة تشكي زوجها إلاّ وملؤوا روحها بالتمرّد، وكأنّنا نسينا قوله تعالى:( إِنّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقّ وَتَوَاصَوْا بِالصّبْرِ ) (١) .

ويندرج في هذا السياق بعض الأفلام والمسلسلات، والمقاطع المسرحية التي تتضمّن بعض المشاهد منها استخفافاً بحقّ الأبوين، أو الاستهزاء بهم.

٥ ـ انعدام الاحترام المتبادل بين الأب والأُمّ ينسحب على الأولاد، حيث يقلّ احترامه للأب إذا كانت الأُمّ لا توليه ما يستحقّ من تقدير، وهكذا العكس، إذا كان الرجل لا يحترم الزوجة فإنّه يجرؤ عيالها عليها. وعندما يشعر الأب أو الأُمّ بالاحتقار داخل الأسرة يقوم بردّ فعل عكسي فتتوتر العلاقات داخل الأسرة، ويغلف سلوك أفرادها التشنّج.

٦ ـ وقليلاً ما يوتّر العلاقة بين الولد والوالد اعتماد الوالد نمطاً معيّناً، ومنهجاً خاصاً يقسر أولاده على السير فيه، كاختيار الوظيفة، أو محل السكن أو غير ذلك.

فالملاحظ أنّ بعض الآباء يريد أن يكون ابنه نسخة مستنسخة منه، وهذا ما لا يتاح لأحد غالباً.

____________________

(١) سورة العصر / ٢ ـ ٣.


سبل تصحيح العلاقة بين الآباء والأبناء

يجب على الجميع أن يسعوا في تصحيح العلاقة داخل الأسرة، بل وتنميتها نحو الأفضل. وبالرجوع إلى القرآن الكريم يمكن أن نلتمس من آياته المباركة عدداً من السبل التي تُسهم في ترطيب العلاقة بين الإنسان [وأبويه] نلخّصها بما يلي:

١ ـ الشكر للوالدين.

قال تعالى:( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ) (١) .

فلا شك أنّ شكرهما والاعتراف بالجميل لما أسدياه من نعم على الوالد في التربية والتنشئة يجعلهما يشعران بعدم ذهاب تلك الجهود المضنية التي بذلاها سُدى.

٢ ـ الإحسان لهما.

قال تعالى:( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) (٢) .

وطبيعي أنّ الإحسان يستأسر الغريب ويجلب محبّته فضلاً عن الوالدين.

٣ ـ حسن المعاشرة ومصاحبتهما بالمعروف.

ويتجسّد ذلك من خلال عدم نهر الأبوين، أو التعامل معهما بخشونة:( فَلا تَقُل لَهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا، وَصَاحِبْهُمَا فِي الدّنْيَا مَعْرُوفاً ) (٣) .

____________________

(١) سورة لقمان / ١٤.

(٢) سورة البقرة / ٨٣.

(٣) سورة الإسراء / ٢٣، وسورة لقمان / ١٥.


٤ ـ الدعاء لهما بالرحمة والمغفرة:( وَقُل رّبّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبّيَانِي صَغِيراً ) (١) .

علماً أنّ هناك خطوات أُخرى يمكن أن تكون سبباً في تصحيح العلاقة داخل الأسرة، مثل:

٥ ـ الاتّزان في التصرّفات، واحترام سمعة وكرامة الأسرة. فبعض الشباب مثلاً يُسيء إلى سمعة عائلته ويلوّث كرامتها، فمن الضروري تجنّب السلوكيات المنبوذة اجتماعياً.

٦ ـ محاولة تفهّم موقف الآباء تجاه القضايا التي تثير النقاش داخل الأسرة، ودراسة المسألة والتشاور فيها، لعلّ رأي الأب يكون صائباً في الموضوع الذي يختلف الولد معه فيه.

ويقع على الآباء والأُمّهات قسط من مسؤولية تصحيح علاقتهم بأبنائهم.

فعلى الأب والأُمّ أوّلاً احترام أبنائهم أمام الآخرين، وعدم إهدار كرامتهم حتّى وإن كانوا صغاراً، فلا ينبغي ضربه أو إهانته إمام الآخرين؛ لأنّ ذلك يؤثّر تأثيراً خطيراً في نفسيّاتهم، وبناء شخصيّاتهم المستقبلية، ويتسبّب في سحقها؛ فإنّ معظم الأمراض والعقد النفسية تأتي من سوء المعاملة والخطأ في التربية. والأفضل استخدام العقاب الجميل، والتذكير بقيم الخير والفضيلة حتّى يكون الأب فعلاً إماماً للمتّقين.

ويمكن مع ذلك استعمال العقاب المعنوي في حال حصول الخطأ من أبنائنا؛ كإلغاء سفرة مثلاً، أو تأجيل شراء حاجة، وغير ذلك، بدلاً من الالتجاء إلى العقاب الجسدي.

____________________

(١) سورة الإسراء / ٢٤.


وعلى الآباء ثانياً أن يُعينوا أبناءهم على برّهم، فقد ورد في الحديث:« رحم الله مَنْ أعان ولده على برّه؛ وهو أن يعفو عن سيئه، ويدعو له فيما بينه وبين الله » (١) .

وانتهاج اُسلوب الرحمة والعطف ثالثاً؛ فالولد أو البنت بحاجة إلى حنان، وبحاجة إلى مَنْ يشعرهم بمحبّته إيّاه؛ ومن هنا وردت في بعض الروايات استحباب التصابي للصبيان مثلاً؛ ليكون قريباً من قلوبهم، ومبادلتهم الابتسامة والتقبيل لهم إن كانوا صغاراً.

وروي أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) خرج على عثمان بن مظعون ومعه صبي يلثمه، قال له (صلّى الله عليه وآله):« ابنك هذا؟ » .

قال: نعم.

قال:« أتحبّه يا عثمان؟ » .

قال: أي والله يا رسول الله أحبّه.

فقال (صلّى الله عليه وآله):« أفلا أزيدك حبّاً له؟ » .

قال: بلى فداك أبي وأُمّي!

قال (صلّى الله عليه وآله):« إنّه مَنْ يرضي صبيّاً له من نسله حتّى يرضى ترضّاه الله يوم القيامة حتّى يرضى » (٢) .

وبإطلالة سريعة على العلاقة الأبويّة بين الأئمّة (عليهم السّلام) يمكن أن نكتشف نماذج رائعة خلّدها التاريخ، وغدت نبراساً نستلهم منها الدروس والعبر؛ فقد اشتهر الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) برعايته الكبيرة لولديه ولابنته زينب (عليهم السّلام)، إذ يلاحظ أنّه (عليه السّلام) ما كان ليفرّق بينهم في التقدير والاحترام.

وقد روى التاريخ أنّه (عليه السّلام) كان يفطر ليلة عند الحسن، وأُخرى عند الحسين، وثالثة عند أُم ّكلثوم التي هي زينب (عليها السّلام) كما عليه بعض المحقّقين.

____________________

(١) نقلاً عن حقّ الولد والوالدين ـ الشيخ نعيم قاسم / ٧٣.

(٢) المصدر السابق / ٨٩.


كما إنّه (عليه السّلام) كان دائم التوجيه والنصيحة لأولاده (عليهم السّلام) حتّى عندما كبروا، ويشهد بذلك مقاطع كبيرة من وصيته التي أوصى بها (عليه السّلام) عند دنوّ وفاته.« اُوصيكما بتقوى الله، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، وقولا بالحقّ، واعملا للأجر، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً.... » الوصية(١) .

____________________

(١) نهج البلاغة ـ الكتاب ٧٤.


المحاضرة الخامسة: مضلاّت الفتن

بسم الله الرحمن الرحيم

( وَاتّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصّةً وَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (١) .

الفتنة في اللغة: إدخال الذهب إلى النار لتعرف جودته من رداءَته، وتستعمل في الاختبار، أو الامتحان والابتلاء(٢) .

وقد استُعملت في القرآن بمعانٍ عديدة لا نريد الدخول في تفصيلاتها. وأحد تلك المعاني هو الاختبار، قال تعالى:( أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ) (٣) .

والفتن على أنواع؛ فهناك فتن السرّاء، كالأموال والبنين:( وَاعْلَمُوا أَنّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ) (٤) ، وهناك فتن الضرّاء:( وَلَنَبْلُوَنّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ... ) (٥) .

وهذه الفتن وغيرها لاختبار حال الإنسان، وإبراز ما فيه من الخير أو الشرّ، وما فيه من الإيمان أو الكفر، ومن صبر أو جزع... إلخ.

____________________

(١) سورة الأنفال / ٢٥.

(٢) مفردات الراغب / مادة (فتن).

(٣) سورة العنكبوت / ٢.

(٤) سورة التغابن / ١٥.

(٥) سورة البقرة / ١٥٥.


وثمّة نوع من أخطر أنواع الفتن، وهي المعبّر عنها بمضلاّت الفتن، فالإنسان لا بدّ وأن يكون مشتملاً على فتنة في ماله، أو ولده، أو جسمه.

يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام):« لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفِتْنَةِ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاّ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فِتْنَةٍ، وَلَكِنْ مَنِ اسْتَعَاذَ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلاّتِ الْفِتَنِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَخْتَبِرُهُمْ بِالأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ لِيَتَبَيَّنَ السَّاخِطَ لِرِزْقِهِ وَالرَّاضِيَ بِقِسْمِهِ، وَإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَكِنْ لِتَظْهَرَ الأَفْعَالُ الَّتِي بِهَا يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ » (١) .

فالمشكلة ليست في كلّ أنواع الفتن، إنّما المشكلة في المضلاّت من الفتن.

والفرق بين مضلاتّ الفتن، والأنواع الأُخرى من الفتنة: أنّ هذه لا تعدو أكثر من كونها اختباراً للعبد، كما سمعنا ذلك في كلام أمير المؤمنين (عليه السّلام)، وأكثر ما يصيب الإنسان فيها هو الفشل في ذلك الامتحان، وأشدّه عدم الرضى بما قسم الله، أو ترك شكره، أو الوقوع في المعصية.

أمّا الوقوع في مضلاّت الفتن، فمعناه خروج الإنسان عن سمت الهدى، والوقوع في دائرة الضلال، والابتعاد عن الحقّ، وبالتالي اتّباع الشيطان ودعوات الضلال.

يقول أمير المؤمنين (عليه السّلام):« أَلا وَإِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ (صلّى الله عليه وآله). وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً، وَلَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً، وَلَتُسَاطُنَّ سَوْطَ الْقِدْرِ حتّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلاكُمْ، وَ أَعْلاكُمْ أَسْفَلَكُمْ » (٢) .

____________________

(١) نهج البلاغة ـ الحكمة ٩٣.

(٢) نهج البلاغة ـ الخطبة ١٦.


فهي إذن مقاييس للصعود والهبوط، أو السقوط في دائرة الضلال، وحبائل الشيطان والغواية.

ومن هنا تركّزت الاستعاذة في كلمات آل البيت (عليهم السّلام)، وادعيتهم من مضلاّت الفتن، فقد مرّ قوله (عليه السّلام):« مَنْ استعاذ فليستعذ من مضلاّت الفتن » . وفي الدعاء:« ونجّني من مضلاّت الفتن برحمتك يا أرحم الراحمين » (١) .

ومضلاّت الفتن: هي طائفة من الحوادث والخلافات، والمنازعات والمنافسات على الملك والسلطان(٢) ، أو محاولة الاستحواذ على مشاعر الناس وقلوبهم، والتلاعب بعواطفهم، ودعوات بالأحقّية، والحقيقة المطلقة التي يدّعيها هذا أو ذاك، وهذة الفئة أو تلك، بحيث تسلب الرؤية من الناس... فيلتبس عليهم الحقّ بالباطل حتّى لا يميّزوا حقّاً من باطل، أو إمام هدى من إمام ضلال(٣) ، أو مبدأ حقّ من مبدأ باطل، وهي كما مرّ من أخطر أنواع الفتن.

أصل المشكلة

يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام)، وهو الخبير بهذه الفتن التي كان يعجّ بها عصره (عليه السّلام):

____________________

(١) الصحيفة السجادية ـ الدعاء ٥٤.

(٢) في رحاب القرآن ـ للشيخ الآصفي ٧ / ١٠٧.

(٣) المصدر نفسه.


« وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةً لأَنَّهَا تُشْبِهُ الْحَقَّ؛ فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ فَضِيَاؤُهُمْ فِيهَا الْيَقِينُ، وَدَلِيلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى، وَأَمَّا أَعْدَاءُ اللَّهِ فَدُعَاؤُهُمْ فِيهَا الضَّلالُ، وَدَلِيلُهُمُ الْعَمَى » (١) .

إذاً هذا هو أصل المشكلة، التباس الحقّ بالباطل، وتلبيس الباطل ثوب الحقّ:« فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ، وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ، فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ » (٢) .

فأهل الباطل يلبسون باطلهم ثوب الحقّ حتّى لا يدري الناس أين هو الحقّ وأين هو الباطل.

روي أنّ أحد جنود الإمام (عليه السّلام) جاءه في يوم الجمل، وقد تهيّب من قتال أصحاب الجمل، فشكى ذلك للإمام (عليه السّلام)، فقال له:« ويلك! إنّك ملبوس عليك، اعرف الحقّ تعرف أهله » (٣) .

أسباب حدوث هذه الفتن

لمضلات الفتن أسباب، فهي لا تحدث اعتباطاً، أو من غير سبب، أو كيفما اتّفق، بل هناك أسباب يجعلها تقع بلوىً على هذا المجتمع أو ذاك.

وبتعبير الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام):« يَحُمْنَ حَوْمَ الرِّيَاحِ، يُصِبْنَ بَلَداً، وَيُخْطِئْنَ بَلَداً » (٤) .

____________________

(١) نهج البلاغة ـ الخطبة ٣٨.

(٢) نهج البلاغة ـ الخطبة ٥٠.

(٣) راجع في رحاب القرآن / ١٥٥.

(٤) نهج البلاغة ـ الخطبة ٩٣.


وأسبابها كثيرة، نذكر منها:

أوّلاً: ابتداع أراء جديدة، واتّباع الهوى، والتولّي على غير دين الله.

وقد شخص الإمام علي (عليه السّلام) هذه الأسباب الثلاثة بقوله:« إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ، وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ اللَّهِ، وَيَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالاً عَلَى غَيْرِ دِينِ اللَّهِ » (١) .

من الناس مَنْ يتبع شخصاً من أجل دينه وصيانته، وليقرّبه إلى الطاعة ويبعده عن المعصية، وهناك مَنْ يتولّى شخصاً ليس للدين بل لمصلحةٍ.

وهذه المصالح تختلف نوعاً؛ فليس بالضرورة أن تكون المصلحة مصلحة مادية، فقد يحقّق الأتباع مصلحة معنوية، كما لو كان رأي الشخص المتبوع، أو المقولة تتّفق مع الهوى، أو المزاج، أو الطبيعة التي جُبل عليها الشخص.

وقد يتولّى شخصاً ما أنّ معتقداً معيّناً لا اعتقاداً بصحته، أو استصواباً لرأي ذاك الشخص، بل بغضاً بطرف آخر، أو معتقد آخر. ملاحظ وجداناً أنّ بعض الناس عندما يكره أحداً من قومه فقد يولي أعداء قومه بغضاً لمَنْ يكره.

لقد قال جيش ابن سعد للحسين (عليه السّلام): نقاتلك بغضاً لأبيك، ما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين.

والعبارة صريحة، فقتالهم له (عليه السّلام) ليس من أجل المال، ولا جهاد في سبيل الله مثلاً، فهم يعلمون أنّهم على باطل، ولكن رغبةً في التشفّي.

وبتعبير الإمام الحسين (عليه السّلام) يكون:« إلباً لأعدائه على أوليائه » (٢) .

____________________

(١) نهج البلاغة ـ الخطبة ٥٠.

(٢) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ للمقرّم / ٢٨١.


والخلاصة: لا يشترط في الاتّباع لغير الله أن يكون لمصلحة مادية، بل قد تسدّ للفرد حاجات نفسية واجتماعية أُخرى، وكلام الإمام (عليه السّلام) في كونه اتّباعاً للهوى، وابتداع الأحكام والآراء الجديدة واضح.

ثانياً: خبث سرائر الناس.

الخبث ضدّ الطيبة، والطيّب من الناس: مَنْ تعرّى من نجاسة الجهل والفسق، وقبائح الأعمال، وتحلّى بالعلم والإيمان، ومحاسن الأعمال(١) .

روت أُمّ المؤمنين زينب بنت جحش عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قالت: استيقظ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من نومه محمرّ الوجه، وهو يقول:« لا إله إلاّ الله، ويل للعرب من شرٍّ قد اقترب! » .

قالت: قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟!

قال:« إذا كثر الخبث » (٢) .

من هذا يستشفّ أنّه إذا ذهبت الطيبة من نفوس أبناء مجتمعٍ ما، واستبدلت بالخبث وسوء الضمائر، أنزل الله تعالى بهم مضلاّت الفتن عقاباً لهم.

ثالثاً: الدعايات المضللة.

والحرب النفسيّة التي يشنّها بعض أعداء ذلك المجتمع ضدّه؛ للتأثير في إرادة أبنائه وعواطفهم واتجاهاتهم، وهي وسيلة قد لا تظهر آثارها بسرعة، ولكن يظهر أثرها على المدى البعيد، وتستهدف إقناعه بقضية معينة، أو عزله عن المجتمعات الصديقة له، أو إثارة الفتن والنعرات في صفوفه، وقد تسعى إلى

____________________

(١) المفردات ـ مادة (طيب).

(٢) راجع في رحاب القرآن / ١٣٧.


كسب العناصر المعزولة في ذلك المجتمع إلى صف ذلك العدوّ، أو إضعاف الثقة بين أبناء ذلك المجتمع.

وأهم وسائلها: الشائعات، والحرب الفكرية، والخدع والأضاليل، وعمليات غسيل الدماغ، التي توجّه ضدّ بعض أبنائه، ثمّ يزرعون في صفوف ذلك المجتمع، وغير ذلك من الوسائل والأساليب.

وسائل النجاة من مضلاّت الفتن

أوّل الوسائل: النجاة من السقوط في الفتنة

هي التحرّي عن الحقّ ومحاولة اكتشافه، وإن استلزم ذلك جهداً:( وَالّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنّهُمْ سُبُلَنَا ) (١) . وإن استلزم أيضاً مخالفة الهوى؛ لأنّ اتّباع الهوى يصدّ عن الحقّ(٢) .

الثانية: العلم

روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله):« ستكون فتن يصبح فيها الرجل مؤمناً ويُمسي كافراً، إلاّ مَنْ أحياه الله تعالى بالعلم » (٣) .

إنّ المعرفة الشاملة للإسلام من خلال التدبّر بآيات القرآن الكريم، والاطّلاع على أحاديث آل البيت (عليهم السّلام) تكسب الإنسان قدرةً على التمييز بين الحقّ

____________________

(١) سورة العنكبوت / ٦٩.

(٢) إشارة للحديث المروي في اُصول الكافي ـ باب اتّباع الهوى ح ٣.

(٣) راجع في رحاب القرآن / ١٣٨.


والباطل، وبالتالي النجاة من الفتن.

كذلك معرفة سنن التاريخ؛ لأنّ التاريخ مصدر مهمّ من مصادر المعرفة، وفي حوادثه عبرة يعتبر بها الإنسان، فمَنْ كان له اطّلاع على التاريخ أمكنه معرفة الحقّ من الباطل وبسهولة.

الثالثة: الاهتداء بنور العقل

قد يكون للإنسان معلومات قليلة لكنّه بالتفكير ومحاكمة الحجج والأدلّة التي يطرحها هذا أو ذاك، وبالمقارنة يمكن أن يستشرف طريق الحقّ، فإذا فكّر الإنسان وحلّل الأدلّة أمكنه اكتشاف صحتها من خطئها.

أرسل معاوية عبد الله بن الحضرمي إلى البصرة أواخر أيام خلافة أمير المؤمنين (عليه السّلام) لإثارة فتنة في البصرة، فجاء الرجل فنزل عند بني تميم، واجتمعت إليه بعض الناس ممّن له هوىً ببني أُميّة، فخطبهم الرجل بكلام معسول، وندبهم إلى الثأر لدم عثمان.

فقام له الضحّاك بن عبد الله الهلالي، وقد عرف أنّها مكيدة، وأنّ هذا الإطراء يبغي من ورائه هدفاً، فقال: (قبّح الله ما جئتنا به وما دعوتنا إليه! جئتنا بمثل ما جاء به صاحباك(١) ، أتيانا وقد بايعنا علياً واجتمعنا له، فكلمتنا واحده، ونحن على سبيل مستقيم، فدعوانا إلى الفرقة، وقاما فينا بزخرف القول حتّى ضرب بعضنا ببعض ظلماً وعدواناً... إلى أن قال:... أفتأمرنا الآن أن نختلع أسيافنا من أغمادها ثمّ يضرب بعضنا بعضاً؛ ليكون معاوية أميراً، وتكون له وزيراً؟!)(٢) .

____________________

(١) يقصد طلحة والزبير، والأفضل للخطيب ترك ذكرهما.

(٢) شرح نهج البلاغة ـ للمعتزلي ٤ / ٣١.


فبمقارنةٍ بسيطة، وتفكير بسيط، استطاع هذا الرجل ذي البصيرة إن يكتشف الزيف والدجل، والغاية التي جاء من أجلها ابن الحضرمي، ألا وهي إشعال الفتنة بين أهل البصرة.

رابع مصابيح معرفة الحقّ من الباطل، والنجاة من مضلاّت الفتن هو: تقوى الله (عزّ وجلّ)، وطهارة القلب، وسلامة النيّة

يقول تعالى شأنه:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِن تَتّقُوا اللّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَاناً ) (١) ، والفرقان: هو ما يفرق بين الحقّ والباطل(٢) .

وروي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) أنّه قال:« وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ الْفِتَنِ، وَنُوراً مِنَ الظُّلَمِ » (٣) .

وبالإضافة للتقوى طهارة القلب، فما لم يتخلّص الإنسان من دخان الحسد والحقد، والأنانية والتكبّر، وسائر الرذائل؛ فإنّ عقله يكون عاجزاً عن هدايته إلى طريق الصواب(٤) .

الخامس: آل البيت (عليهم السّلام).

فالإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بنفسه كان مقياساً لمعرفة الحقّ من الباطل:«علي مع الحقّ، والحقّ مع علي، يدور معه حيثما يدور » (٥) .

____________________

(١) سورة الأنفال / ٩.

(٢) المفردات ـ مادة (فرق).

(٣) راجع في رحاب القرآن / ١٢٩.

(٤) المواعظ والحكم ـ للشيخ مطهري / ١٠٩.

(٥) راجع في رحاب القرآن / ١٤٩.


وكذلك ذريّته الطاهرة التي يقول فيها مخاطباً الناس:« شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة » (١) .

فعلي وولده (عليهم السّلام) علامات منصوبة لمعرفة الحقّ من الباطل.

____________________

(١) نهج البلاغة ـ الخطبة ٥.


المحاضرة السادسة: أثار المحبّة

بسم الله الرحمن الرحيم

( قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١) .

المحبّة عبارة عن الشعور بالميل وإرادة شيء، إمّا للإنسان فيه لذّة؛ كحبّ بعضنا لطعامٍ، أو شرابٍ معين، أو فيه نفع له؛ كحبّ الإنسان للمال والبنين؛ لاعتقاد وجود النفع فيهما، أو للاعتقاد بأنّ في ذلك الشيء المحبوب خيراً معنويّاً، كحبّ المؤمن لله سبحانه، وللأنبياء والرسل، والأوصياء وسائر عباد الله الصالحين، وكحبّ القيم والمبادئ والأعمال الخيرة، والتي فيها نفع للإنسانية، وإن لم يكن للشخص المحبّ فيها نفع خاص.

دور المحبّة في حياة الفرد والمجتمع

وللمحبّة دور كبير في بناء شخصية الإنسان واستقامته، وتنظيم سلوكة في الحياة، ولها دور كبير في تنظيم شؤون المجتمع، وتنمية العلاقات الاجتماعية، وعقد أواصر الترابط، وتوثيقها بين الناس؛ سواء أكانت هذه الروابط مبنية على

____________________

(١) سورة آل عمران / ٣١.


أساس العقيدة، كمحبّة المؤمن للمؤمن، أم على أساس العرق، كمحبّة الأهل والأقارب، أو غير ذلك من الروابط الدينية والاجتماعية والثقافية، بل قد يصل الأمر إلى مستوى الإيثار وتفضيل الآخرين على النفس.

( وَالّذِينَ تَبَوّءُوْا الدّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى‏ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) (١) .

كما للمحبّة دور في تسامي الإنسان، والتحلّي بالأخلاق الفاضلة، وتجنّب سفاسف الأخلاق، والغلظة والجفاء؛ لهذا اهتمّ الإسلام بهذا النوع من المشاعر الإنسانية، وأكّد على أهمّيتها، وحثّ على توجيهها إلى الوجهة السليمة الصحيحة؛ حتّى لا تذهب هذه الطاقة المحرّكة للكثير من السلوكيات والأفعال هدراً، أو لغير فائدةٍ، أو تستثمر في مواقع لا تستحق صرفاً من هذه الطاقات وتوجيهها إليها.

ومن هذا المنطلق ـ التسامي في الحبّ ـ شُجّع على محبّة الله تعالى، فقد روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قوله:« أحبّوا الله من كلّ قلوبكم » (٢) .

وأكّد على محبّة النبي (صلّى الله عليه وآله):« لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين » (٣) .

ومحبّة آل بيته (عليهم السّلام):( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (٤) ، بل إنّ أساس الدين محبّة آل البيت (عليهم السّلام).

____________________

(١) سورة الحشر / ٩.

(٢) المحبّة في الكتاب والسنة ـ محمد الريشهري / ١٩٩.

(٣) المصدر نفسه / ١٣٥.

(٤) سورة الشورى / ٢٣.


روي عنه (صلّى الله عليه وآله):« لكلّ شيء أساس، وأساس الدين حبّنا أهل البيت » (١) .

وتعدّى ذلك إلى محبّة المؤمنين، فـ:« ودّ المؤمن للمؤمن في الله من أعظم شعب الإيمان » (٢) .

ودعا الإسلام أيضاً إلى محبّة قيم الخير والفضيلة، وخلال الحمد، بل والتعصّب لها. فعن أمير المؤمنين (عليه السّلام):« فتعصّبوا لخلال الحمد من الحفظ للجوار، والوفاء بالذمام، والطاعة للبرّ، والمعصية للكبر، والأخذ بالفضل، والكف عن البغي، والإعظام للقتل، والإنصاف للخلق، والكظم للغيظ، واجتناب الفساد في الأرض » (٣) .

وحذّر الإسلام من التسافل في الحبّ، كحبّ الدنيا والسّلطان، والرياسات الباطلة، أو الأشخاص الذين ليس لهم ارتباط بالدين.

( لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادّونَ مَنْ حَادّ اللّهَ وَرَسُولَهُ... ) الآية(٤) .

إنّ كلّ إنسان منّا يحمل مشاعر الحبّ في جوانحه، وهذه المشاعر إذا لم توجّه إلى قيم الخير والفضيلة فقد تُهدر في محبّة قيم هابطة، أو دنيا زائلة، أو أشخاص لا يستحقّون هذه المشاعر، بل وقد يتسافل الإنسان أكثر فأكثر في المحبّة، وتتشوه

____________________

(١) المحبة في الكتاب والسنة ـ محمد الريشهري / ١٣٧.

(٢) المصدر نفسه / ١٣٨.

(٣) نهج البلاغة ـ الخطبة ١٩٢.

(٤) سورة المجادلة / ٢٢.


فطرته فيغدو متلذذاً بعذابات الآخرين، وتحرّكه الشهوة للقتل، وارتكاب أبشع الجرائم، لأتفه الأسباب، أو إرضاءً لثروة عابرة، أو إرضاء حقد مشتعل.

ولقد ذهب الإسلام شوطاً بعيداً أبعد ممّا صوّرناه قبل قليل، حينما اعتبرت بعض الروايات أنّ الدين هو الحبّ، وأمّا مذهب آل البيت (عليهم السّلام) فإنّهم أساس المحبّة.

آثار المحبّة

للمحبّة آثار وانعكاسات على سلوك الإنسان، ودوره ووظيفته في الحياة، وفي مستوى إيمانه، وغير ذلك ممّا يرتبط بهذه الجوانب، بل إنّ آثار الحبّ تظهر حتّى في الآخرة، وفي الآية التي صدرنا بها البحث شاهد صريح (يغفر ذنوبكم)، ولنأتي الآن إلى بعض الآثار.

أوّلاً: الحبّ أساس في تصنيف المجتمع في الدنيا والآخرة

الحبّ يقسّم الناس إلى فئتين؛ فئة في هذا الجانب تربطهم بعض الروابط، وأُخرى في جانب آخر إذا اجتمعوا على حبّ شيء آخر.

فالجماعات تصنّف على أساس الحبّ والبغض؛ لذا نرى الإسلام يريد من المؤمن أن يكون في فئة المؤمنين.

روى أنس بن مالك عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: جاء أعرابي إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال:

ـ يا رسول الله، متى تقوم الساعة؟

ـ فسكت النبي (صلّى الله عليه وآله) حتّى صلّى الظهر، ثمّ التفت فقال:« أين السائل عن الساعة؟ » .

ـ فقال الأعرابي: ها أنا يا رسول الله.


ـ فقال النبي (صلّى الله عليه وآله):« ما أعددت لها؟ » .

ـ فقال الأعرابي: والله، ما أعددت لها كثيراً من صلاة أو صيام، إلاّ إنّي أحبّ الله ورسوله.

ـ فقال (صلّى الله عليه وآله):« المرء مع مَنْ أحبّ » (١) .

وروي عن أبي جعفر الباقر (عليه السّلام) أنّ قوماً أتوه من خراسان، فنظر إلى رجل منهم وقد تشقّقت رجلاه، فقال له:« ما هذا؟ » .

فقال: بُعد المسافة يابن رسول الله، والله ما جاء بي من حيث جئت إلاّ محبّتكم أهل البيت.

قال له أبو جعفر:« أبشر، فأنت والله معنا تُحشر » .

قال: معكم يابن رسول الله؟!

قال (عليه السّلام):« نعم، ما أحبّنا عبد إلاّ حشره الله معنا، وهل الدين إلاّ الحبّ » (٢) .

ثانياً: المحبّة عنصر تشريك في آثار العمل

وللحبّ أثر آخر في هذا السياق، فهو ليس عنصر جمع بين فئة من الناس وحسب، بل له أثر في تشريك الشخص في أعمال تلك الفئة. إذ مجرّد محبّة عمل قوم، أو الرضى به يشرك الإنسان في ثواب ذلك العمل إن كان صالحاً، وفي عقابه إن كان العمل سيئاً.

روى جابر بن عبد الله الأنصاري عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله):« مَنْ أحبّ قوماً حُشر معهم ـ وهذا هو الأثر الأوّل ـ، ومَنْ أحبّ عمل قوم أُشرك في عملهم » (٣) .

____________________

(١) أخلاق أهل البيت (عليهم السّلام) ـ السيد مهدي الصدر.

(٢) المحبّة في الكتاب والسنة ـ محمد الريشهري / ١٨٧.

(٣) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ الشيخ عبد الزهرة الكعبي / ١٤٩.


ثالثاً: آثر الحبّ في الجانب الأخلاقي والتربوي

إنّ الإنسان يميل بطبعه إلى التقبّل من الأشخاص الذين يحبّهم؛ فالوعظ والإرشاد، وعملية التربية، وغير ذلك من وسائل التثقيف، لا تأخذ أثرها في نفس المتلقّي ما لم يكن مصدر هذه التعاليم والإرشادات محبوباً ومقبولاً لديه.

روي أنّ عروة بن مسعود الثقفي جاء إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)، وهو نازل في الحُديبية، فلمّا دخل عليه ورأى ما يصنع معه أصحابه، لا يتوضأ إلاّ ابتدروا وضوءه، ولا يبصق بصقاً إلاّ ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلاّ أخذوه، فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إنّي قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإنّي والله ما رأيت ملكاً في قوم قطّ مثل محمد في أصحابه(١) .

فهذا الحبّ لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو الذي كان يجعل أصحابه (رضي الله عنهم) يتقبّلون منه ويفدونه بأرواحهم.

رابعاً: الدور التغيري للحبّ في حياة الإنسان

يعدّ الحبّ أيضاً من أكبر الحوافز، والدوافع على تغيير الإنسان لأوضاعه واتجاهاته، فيتحوّل الإنسان بسبب الحبّ من حال إلى حال، من الجبن مثلاً إلى الشجاعة، والمحرّك الأساس في ذلك هو الحبّ.

تلاحظون أنّ الدجاجة مخلوق ضعيف وجبان، ولكن بمجرّد شعورها بالحبّ، وتجري خلفها أفراخها تتحوّل إلى حيوان شرس تدافع عنهم بكلّ حزم وشجاعة.

____________________

(١) سيرة ابن هشام ٣ / ٣٢٨.


بل قد ينسى المحبّ نفسه ليذوب في المحبوب، ويترك الدنيا وما فيها معرّضاً نفسه للقتل في سبيل المحبوب.

انظر إلى المؤمنين من الموالين لآل البيت (عليهم السّلام) ينفقون الأموال الطائلة في سبيل إحياء ذكرى الحسين (عليه السّلام)، وآخرين يذهبون إلى زيارة الحسين (عليه السّلام) رغم المخاطر التي تحدق بهم، وآخرين يقطعون آلاف الكيلومترات للتشرّف بزيارة الإمام الرضا (عليه السّلام).

مَنْ الذي دفع أصحاب الحسين (عليه السّلام) للتضحية بدمائهم الزكية؟! أليس هو الحبّ؟

جاء عابس بن شييب الشاكري (رحمه الله) يطلب الإذن من الحسين (عليه السّلام) ليخرج للقتال، فوقف أمام الحسين (عليه السّلام) قائلاً: ما أمسى على ظهر الأرض قريب ولا بعيد أعزَّ عليّ منك، ولو قدرت أن أدفع الضيم عنك بشيء أعزّ من نفسي لفعلت. السّلام عليك، أشهد أنّي على هداك وهدى أبيك(١) .

ثمّ مشى إلى القوم، وانهزموا بين يديه، وإنّه ليطرد أكثر من مئتين.

فهذه الطاقة التي يحملها عابس للدفاع عن الحسين (عليه السّلام) لم يفجّرها إلاّ الحبّ.

خامساً: ومن آثار الحبّ: ترسيخ العقيدة في قلوب الناس

أي دين، أو معتقد لا يمكن أن يستمر ويترسّخ في قلوب، وعقول الأجيال ما لم يتوفّر فيه عنصران؛

____________________

(١) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ السيد المقرّم / ٣٠٥.


العنصر العلمي والفكري، بمعنى أن يكون مبنيّاً على أُسسٍ فكريّة وعقليّة سليمة، ولكنّ القضايا الفكريّة لا تترسّخ، ولا يمكن التفاعل معها ما لم يتفاعل معها الإنسان عاطفيّاً.

( وَلكِنّ اللّهَ حَبّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ) (١) .

فالقضايا العقلية لا تدخل القلب، ولا يمكن تبنّيها ما لم تمتزج بالعاطفة ويحبّها الإنسان.

وأهمّ ما يدخل الفكرة إلى القلب لتأخذ تأثيرها في أمران:

الأوّل: المشاركة الوجدانية، كالفرح والحزن والبكاء؛ ولهذا أكّد أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) على مشاركة شيعتهم لهم في أفراحهم وأحزانهم، والأحاديث في هذا الشأن كثيرة جدّاً.

ثانياً: الأدب، كالشعر والقصّة؛ فإنّ لهما أثراً كبيراً في تفعيل الفكرة وترسيخها في القلب، وهذا أيضاً أكّده أئمّتنا (عليهم السّلام)، وشجّعوا على إنشاد الشعر في الحسين (عليه السّلام).

إنّ الشعر يدخل الفكرة إلى القلب، ويطوي مقدّمات كثيرة في أبيات قليلة؛ لذا تراه يقول:« ومَنْ قال في جدّي الحسين بيتاً من الشعر فبكى، أو أبكى كُتبت له في الجنة » (٢) .

ويروي أبو هارون المكفوف أنّ الإمام الصادق (عليه السّلام) قال له:« أنشدني في جدّي الحسين (عليه السّلام) » .

____________________

(١) سورة الحجرات / ٧.

(٢) ثورة الإمام الحسين في الوجدان الشعبي ـ الشيخ محمد مهدي شمس الدين / ١٣٧.


قال: فأنشدته فبكى، ثمّ قال:« أنشدني كما تنشدون » . أي بالرقّة، بصورة تثير العواطف.

فأنشدته:

اُمرر على جدثِ الحسيـ ـنِ فقل لأعظمه الزكيّه

يا أعظماً لا زلتِ من وطفاء ساكبة رويّه

ما لذّ عيشٌ بعدَ رضّـ ـكِ بالجياد الأعوجيّه

قال: فبكى، وسمعت بكاء نسائه من خلف الستر(١) .

____________________

(١) المصدر نفسه.


المحاضرة السابعة: التغيير الاجتماعي

بسم الله الرحمن الرحيم

( قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هذَا أَتَنْهَانَا أَن نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنّنَا لَفِي شَكّ مِمّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) (١) .

يقول علماء الاجتماع: إنّ تغيير عادات وتقاليد المجتمعات من الأمور الصعبة العسيرة جدّاً، بل يعدُّ الإمام الحسن العسكري (عليه السّلام) هذا الأمر بأنّه معجزة. يقول (عليه السّلام):« رياضة الجاهل وردُّ المعتاد عنه عادته كالمعجزة » (٢) .

لا شك أنّ ما يتعلّق بحياة الناس من عادات وتقاليد، أو غيرها من القيم الثقافية والاجتماعية على قسمين: عادات ماديّة، وعادات معنويّة.

والعادات الماديّة: يمكن تغييرها بسهولة كبيرة، كأن ينتقل شخص من سكن حيّ إلى حيّ آخر، أو بلد إلى بلد، صحيح فيه صعوبة لكن ليست بالغة. أو يركب سيارة ذات موديل قديم ثمّ يستبدلها بأُخرى ذات موديل حديث، أو يرتدي نوعاً معيناً من الثياب ثمّ يستبدلها بنوعٍ آخر.

____________________

(١) سورة هود / ٦٢.

(٢) التفسير المعين / ١٧٦.


والأمثلة تختلف تبعاً لمزاج الشخص وطبيعته، فقد يسهل التغيير على شخص ويصعب على شخص آخر، لكنّ الطابع العام إمكانية تغيير مثل هذه العادات بسهولة.

فقبل نصف قرن كانت الناس تسكن الأكواخ في القرى مثلاً، والآن بُنيت القصور العالية.

إمّا العادات المعنوية: كالتقاليد والأعراف، وبعض المعتقدات الراسخة في أذهان الناس، فهذه من الصعب جدّاً تغييرها واستبدالها بعادات وتقاليد أُخرى مغايرة.

وهذا هو السبب الذي يجعل الأنبياء والمصلحين يلاقون الأمرَّين على أيدي العتاة من أبناء مجتمعاتهم، ويتعرّضون إلى الأذى والازدراء والمضايقة، بل ربما يغرر بهم الجهلة والسفهاء للاعتداء عليهم.

وكمثال على ذلك ما تعرّض له النبي (صلّى الله عليه وآله)، حتّى قال (صلّى الله عليه وآله) فيما روي عنه:« ما اُوذي نبي قطّ كما اُوذيت » .

إنّ أيّ عملية تغيير، أو إصلاح، أو تصحيح؛ سواء كانت في عادات الناس، أو ما درجوا عليه، أو في تقاليدهم ومعتقداتهم يتصدى لها مصلحٌ، تجابه بحملة شديدة من الاعتراضات، ولدواع مختلفة ـ سنذكر بعضها ـ من قبل أغلب الناس.

وتختلف كثرة المعترضين صحيحة لا حاجة لتغيرها بقدر مساس هذه العادة، أو التقليد في حياتهم، وشعورهم بدرجة قدسيتها، وتبعاً للمستويات العلمية والثقافية؛ فإنّ تغيير عادة جماعة متعلّمة أيسر بكثير من تغيير عادات أو تقاليد مجتمع جاهل مثلاً.


وهؤلاء الذين يواجهون عمليات التغيير فيهم نفع وفيهم ضرر، ولكنّ ضررهم أكثر من نفعهم.

أمّا وجهة منفعتهم، فلكونهم يشكّلون سوراً لحماية المجتمع من دخول عادات وتقاليد أجنبية وغريبة عليه، قد يكون فيها ضرر اجتماعي مستقبلاً، كما يحصل في بعض المجتمعات الإسلاميّة، حيث تدخل التقاليد الغريبة كالثياب وطريقة تناول الطعام مثلاً، أو تبرّج النساء ولبسهنّ للبنطلون تقليداً لنساء الغرب، فهؤلاء عندما يقفون في وجه مثل هكذا تغيير فإنّهم ينفعون المجتمع.

لأنّ المجتمع ليس إلاّ مجموعة من الأعراف والعادات والتقاليد، فإذا صار المجتمع يتقبّل كلّ عادة دخيلة، وأيّ شيء جديد تفككت عراه، وانهار ذلك المجتمع، وذهبت قيمته وعاداته وتقاليده، ولم تعد لذلك المجتمع هويته الثقافية الخاصة به.

ولقد أصبحت هذه المسألة بالذّات من الخطورة بمكانٍ، بسبب ما تسعى إليه العولمة الثقافية من سحق الهوية الثقافية للشعوب، واستبدالها بنمط الحياة الأمريكية. فيجب أن نكون واعين لخطورة هذه المسألة، وهنا تكمن أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أمّا وجه ضررهم، فهؤلاء عادة لا يميّزون بين الجديد النافع والجديد الضار؛ لذلك يشكّلون في غالب الأحيان حجر عثرة في طريق تطوّر المجتمع ونموّه وازدهاره. وللأسف، فإنّ هذا النمط من الناس في مجتمعاتنا يعترضون على ما فيه مصلحة للإسلام والمسلمين أكثر من اعتراضهم على ما فيه ضرر للإسلام والمسلمين.


فلو ضربت بطرفك لرأيت الكثير من العادات والتقاليد المادية والمعنوية أخذت تتفشّى في أوساط المجتمع، ولا من رادعٍٍ أو منكرٍ، وإذا كانت هذه العادات من المنكرات فيجب الردع من باب النهي عن المنكر على أقل تقدير. إلاّ أنّ ذلك للأسف لا يحصل، ويحصل ما هو عكسه؛ حيث تسمع الكثير من الاحتجاجات عن بعض القضايا التي فيها نفع للإسلام.

ذكر الشيخ الوائلي (رحمه الله) أنّه عندما أسس الشيخ المظفر (رحمه الله) مدرسة للخطابة، أُشيعت حولها الكثير من الدعايات، وتعرّضت لحملة دعائية، وحرب إعلامية لا هوادة فيها؛ ممّا غرّر ذلك بالبعض بالهجوم على المدرسة، وتكسير وتدمير ما فيها من مستلزمات، وهرب القائمون عليها نجاة بأنفسهم.

وهكذا تعرّض السيد محسن الأميني (رحمه الله) إلى التشهير والإساءة عندما دعا إلى تطوّر الشعائر الحسينيّة، والكفّ عن ضرب الزنجيل والقامة. فالآن ترى الطريحات، وصاحبات النور، ومَنْ دخل فيهنّ العباس يكثرن يوماً بعد يوم، وينتشر سوقهنّ وتروّج بضاعتهنّ؛ إلاّ إنّنا لا نجد أحداً يرفض مثل هذه الخزعبلات إلاّ القليل النادر.

أمّا إذا دعا عالمٌ ـ مثلاً ـ إلى ترك عادةٍ سيئةٍ، أو اعتقاد من الاعتقادات الخاطئة، فإنّه يُرمى بألف تهمة، بل ربما يُضرب في الشارع.


أسباب الإصرار على بعض العادات والتقاليد

يرجع سبب الالتزام بالعادات والتقاليد، والتعصّب لها، وعدم قبول تغييرها، أو تصحيحها إلى أمرين:

الأوّل: اعتقاد الناس بأنّ كلّ شيء قديم هو شيء أصيل وصحيح، وأنّ كلّ جديد فهو فاسد، وكلّ دعوة جديدة فهي كاذبة، ولا تمتّ إلى الواقع بصلة، وأنّ أهدافاً ما وراءها.

الثاني: الاعتياد والتطبّع على هذه العادات والتقاليد حقّق نوعاً من التآلف والانسجام معها، بحيث إن ترك هذه العادات يوهم بفقدان السعادة وضياعها، كترك التدخين مثلاً.

القرآن والسنة الشريفة يحذّران الناس من ممارسة العادات، والتمسّك بالتقاليد من دون معرفة مصدرها، واكتشاف وجه الصحة والصواب فيها.

فالقرآن الكريم يوبّخ في ستّ آيات هذا الإصرار على الالتزام بما تعوّد عليه الناس، وألفوه من عادات وتقاليد.

قال تعالى:( قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ) (١) .

وقال:( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاّ سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الأَوَّلِينَ ) (٢) .

____________________

(١) سورة الأعراف / ٧٠.

(٢) سورة القصص / ٣٦.


وهناك ثلاث آيات أُخرى إضافة للآية التي صدّرنا بها البحث، وهي: الآية (٧٨) من سورة يونس، والآية (٧٤) من سورة الشعراء، والآية (٢٣) من سورة الزخرف.

وأمّا ما جاء عن آل البيت (عليهم السّلام) في الذّم على التعوّد على العادات السيئة فكثير:

روي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) مجموعة من الأحاديث في هذا الشأن.

منها:« للعادة على كلّ إنسان سلطان » (١) .

وعنه:« أفضل العبادة ترك العادة » (٢) .

وعنه:« غيّروا العادات تسهل عليكم الطاعات » (٣) .

أقول: خصوصاً عادة متابعة التلفزيون حتّى ساعة متأخرة من الليل، ولا أدري كيف يستيقظ المسلم بعدها صباحاً لأداء الصلاة.

ويأمر (عليه السّلام) بالتعوّد على الأخلاق الحسنة، وترك قبائح الأفعال.

« لا تسرعنّ بالغضب فيتسلّط عليك بالعادة » (٤) .

«عوّد نفسك فعل المكارم، وتحمّل أعباء المغارم؛ تشرف نفسك، وتعمر آخرتك، ويكثر حامدوك » (٥) .

____________________

(١) التفسير المعين / ١٥٩.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) المصدر نفسه.

(٤) المصدر نفسه.

(٥) المصدر نفسه.


الماجينة

الماجينة نموذج من نماذج العادات والتقاليد، وهي سيرة متّبعة منذ زمن النبي (صلّى الله عليه وآله) بمناسبة مولود سبطه الإمام الحسن (عليه السّلام). والغرض منها إدخال السرور على قلوب الصبية بإهدائهم بعض الحلويات والنقود، كتعبير عن المشاركة بالفرحة لآل الرسول (صلّى الله عليه وآله).

وهي عادة متّبعة، وتقليد شائع عند جميع فرق المسلمين ما عدا النواصب، وهذه العادة الحسنة أصابها للأسف بعض التشوّهات، والمطلوب منّا جميعاً المساهمة في تنقيتها.

فيجب أوّلاً: منع الأطفال من حمل الطبول وقرعها، وللأسف فإنّ هذه الظاهرة تنتشر في بعض مدننا، ومن الليالي الأولى من الشهر المبارك، وليس المقصود قطعاً الحرمة هنا؛ لأنّ هؤلاء الصبية ليس عليهم تكليف، ولكن لكي لا يتعوّدوا على ممارسة القرع بالطبول والاستئناس بهذا العمل.

ثانياً: تدخل بعض النساء هؤلاء الصبية إلى المنازل وهنّ كاشفات الشعور، وبالملابس المنزلية، ولا يخفى أنّ الصبية على قسمين:

١ ـ غير مميّز، وهؤلاء لا يشكّلون مشكلة.

٢ ـ الصبية المميّزون، وقد عرّفهم بعض العلماء: بأنّه مَنْ يتمكّن من وصف الأشياء والأشخاص.

وحينئذ قد يتحدّث لأحد عن شكل المرأة وأوصافها ومفاتنها وغير ذلك، وهذا في حدّ ذاته محذور، وتزداد المسألة خطورة بمَْن تجاوز عمرة الحادية عشرة فأكثر.


ثالثاً: الأهازيج والأناشيد التي يرددونها لا تمت إلى المناسبة بصلة. فالمناسبة هي مولد الإمام الحسن (عليه السّلام). والكلمات التي يرددونها غريبة لا ادري ما الفائدة منها وأي ثقافة تثقف الطفل المسلم؟

طيارة طارت فوق بيها بجامه وقعت على الدكتور كسرت لها جامه

فاسمع واعجب، أفي هذه المناسبة الشريفة العظيمة نربّي أفلاذ أكبادنا على هذه الثقافة السوقية الهابطة؟!

واستثمر هذه الفرصة بدعوة الشعراء الشعبيين بكتابة بعض الأبيات الشعرية، ذات البحور السريعة في الإلقاء، والتي تمجّد آل البيت (عليهم السّلام)، وتبرز معالم هذه المناسبة المباركة، ومن ثمّ تحفيظ الأطفال إيّاها لينشدونها في الماجينة.

ومن الأمور التي نتمنّى أن يتعوّد عليها المجتمع هي إقامة المواليد في مناسبات ولادة الأئمّة (عليهم السّلام). ولكن يلاحظ في هذه أيضاً جملة من الخروقات المخالفة لتعليمات الشرع الحنيف.

منها: أنّ هذه الجلسات لا تُفتتح بذكر الله تعالى، كالبسملة مثلاً، أو قراءة شيء من القرآن؛ ليكون كتاب الله (عزّ وجلّ) حاضراً في مناسباتنا.

كما إنّها تخلو من الفائدة الثقافية غالباً؛ حيث لا يتمّ التعريف بالإمام، أو الشخصية المحتفى بها، وبيان مكانتها ومنزلتها الدينية والاجتماعية والأخلاقية...


فيبدأ المجلس بالتصفيق، وينتهي بالتصفيق، من دون استغلال لهذه المناسبة لزرع قيم الخير والفضيلة في نفوس الحضور، واستلهام الدروس والعبر من سيرة المحتفى به.

ومنها: أنّ بعض المنشدين يلقي قصيدته في غالب الأحيان بأطوار وألحان أهل الفسق، وعلى أوزان بعض الأغاني، وهذا على أقل تقدير مخالف للاحتياط الوجوبي، فينبغي تنزيه مجالسنا من شبهة المعاصي.

ومنها: قيام بعض الشباب بالتصفيق الحادّ، المعبّر عنه بالتكسير، وهذا بحدّ ذاته يخرج المناسبة عن طور قدسيتها، والمشاركة الوجدانية للآل البيت (عليهم السّلام)، ويتحوّل إلى إشباع لغرائزنا.


المحاضرة الثامنة: استبدال الأفضل بالأدنى

بسم الله الرحمن الرحيم

( قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الّذِي هُوَ أَدْنَى‏ بِالّذِى هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ ذلِكَ بِأَنّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النّبِيّينَ بِغَيْرِ الْحَقّ ذلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) (١) .

لا يمكن أن نستوضح مداليل هذه الآية المباركة وبعض تطبيقاتها في حياتنا اليومية ما لم نعرف أوّلاً سبب نزولها. وقد أوضحت الآيات التي سبقتها بعضاً من جوانبها الغامضة، فيمكن القارئ مراجعتها من الآية التاسعة والأربعين إلى الآية الحادية والستين من سورة البقرة.

ولكن سنذكر هنا ملخّص القصّة على نحو الإجمال: لمّا عبر موسى (عليه السّلام) ببني إسرائيل البحر، وصاروا في الجهة الأُخرى، وأغرق الله تعالى فرعون وجنوده، وبعدها اتّخذوا العجل، وقولهم لموسى (عليه السّلام)( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ) (٢) فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون، بعثهم الله تعالى مرّة أُخرى من بعد موتهم؛ تحنناً منه ورحمة.

____________________

(١) سورة البقرة / ٦١.

(٢) سورة البقرة / ٥٥.


فقال عزّ من قائلٍ:( وَظَلّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنّ وَالسّلْوى‏ كُلُوا مِنْ طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) (١) .

المَنْ: مادة صمغية حلوة كالعسل، كانت تسقط لهم من الشجر.

والسلوى: نوع من الطيور، كان يسترسل لأكل هذه المادة من على الأغصان، فيلتصق بها فيأتي بنو إسرائيل فيصطادونه بسهولة ويُسر. لكنّهم لم يصبروا على ذلك الطعام الذي عبّر عنه الله تعالى بأنّه من طيبات الرزق، فقالوا:( يَا مُوسَى‏ لَنْ نَصْبِرَ عَلَى‏ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ) (٢) .

عند ذلك قال لهم موسى (عليه السّلام) كما حكى القرآن عن لسانه:( أَتَسْتَبْدِلُونَ الّذِي هُوَ أَدْنَى‏ بِالّذِى هُوَ خَيْرٌ... ) .

هذا الاستفهام في الآية استفهام إنكاري، أي أنّ موسى (عليه السّلام) يستنكر عليهم هذا الطلب؛ حيث يطلبون أشياء لا قيمة لها، ويتركون ما هو خير وأفضل منها.

هذه الآية المباركة تصلح لأن تكون قاعدة عامّة في حياة بني الإنسان؛ فكلّ قوم يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ينالهم عقاب وضعي من الله تعالى، وهو أنّه تُضرب عليهم الذلّة والمسكنة، ويبوءون بغضب من الله تعالى.

والملاحظ أنّ هذه الظاهرة ظاهرة عامّة في حياة الناس والمجتمعات، وليست هي مشكلة خاصّة ببني إسرائيل.

____________________

(١) سورة البقرة / ٥٧.

(٢) سورة البقرة / ٦١.


فالناس دائماً وغالباً يتركون الأشياء، والقضايا المفيدة في الدنيا والآخرة، ويسعون وراء التوافه للحصول عليها.

وبتعبير أوضح: إنّ أغلب المجتمعات تترك الأحسن والأفضل وتيمم وجهاً صوب الأسوأ، أو الأقل فائدة في كلّ شيء. ولهذه الظاهرة في حياة المجتمعات، ومنها مجتمعاتنا الإسلاميّة، آثار وضعية خطيرة على مستوى الدنيا قبل الآخرة.

وأمثلة هذه الظاهرة، أو هذا السلوك كثيرة حتّى في مجتمعاتنا الإسلاميّة مع الأسف، ومن أبرز هذه الأمثلة هي:

١ ـ تقديم المفضول على الفاضل.

ومعنى ذلك أن يقدّم مجتمع من المجتمعات شخصاً أقل كفاءة من الناحية العلمية، أو الأخلاقية، أو الخبرة الفنيّة... إلخ، بحسب ما تستوجبه طبيعة تلك الوظيفة التي يريد أن يشغلها على شخص آخر يتوفر على تلك الامتيازات، ويكون هذا التقديم لاعتبارات غير موضوعية كما حصل ذلك عند وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)؛ حيث قدّم جمع من المسلمين الخليفة الأوّل على الإمام أمير المؤمنين (عليه السذلام) رغم ما يتميّز به الإمام من كفاءة عالية وعلى مختلف المستويات، بحيث تؤهله لقيادة الأُمّة، مع غض النظر عن النصّ الوارد فيه؛ فإنّ هذه المؤهلات تفترض أن يكون هو المقدّم على غيره.

وهذه الظاهرة ـ أي تقديم الأقل كفاءة، أو المفضول على الفاضل، باعتقادي القاصر ـ هي السبب في تخلّف ما يسمّى بدول العالم الثالث.


فذو الاختصاص والمكانة العلمية والثقافية، والحائز على المؤهلات يُنحّى جانباً، ويُأتى بمَنْ ليس بأهل، ولا ذي خبرة فيوضع مكانه، لاعتبارات لا موضوعية؛ كالانتماءات العشائرية والحزبية والمناطقية، أو كالمجاملات الاجتماعية والثقافية، فمن نائب عريف إلى وزير دفاع!

بربّكم كيف يتطوّر بلد أو مؤسسة أو مجتمع تسوده مثل هذه الروحية؟!

روي أنّ معاوية ادّعى بعد الهدنة مع الإمام الحسن (عليه السّلام) بأنّ ما جرى كان اعترافاً من الإمام (عليه السّلام) بأهليته للخلافة؛ ولذا تنازل عنها، وأسندها إليه. فقال الإمام (عليه السّلام) في حديث:« وأقسم بالله، لو أنّ الناس بايعوا أبي حين فارقهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لأعطتهم السماء قطرها، وقد قال رسول الله (صّلى الله عليه وآله): ما ولّت أُمّة أمرها رجلاً وفيهم مَنْ هو أعلم منه إلاّ لم يزل يذهب أمرهم سفالاً حتّى يرجعوا إلى ما تركوا. فقد ترك بنو إسرائيل هارون وإنّهم يعلمون أنّه خليفة موسى فيهم، وقد تركت هذه الأُمّة أبي وبايعوا غيره » (١) .

وهناك مجموعة من الأحاديث أيضاً في هذا الصدد، منها ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السّلام):« مَنْ دعا الناس إلى نفسه وفيهم مَنْ هو أعلم منه فهو مبتدع ضال » (٢) .

وروي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله):« مَنْ تقدّم على قوم من المسلمين وهو يرى فيهم مَنْ هو أفضل منه فقد خان الله ورسوله والمسلمين » (٣) .

____________________

(١) بحار الأنوار نقلاً عن آراء في المرجعية الشيعية / ٢١٨.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) المصدر نفسه.


إنّ المجتمعات الإسلاميّة لا زالت للأسف لا تمتلك الشجاعة الكافية على مواجهة النفس، وتقديم مصلحة الإسلام الأُمّة الإسلاميّة؛ للتخلّص من هذه الظاهرة التي تقف حجر عثرة في تطوّر المجتمع، وتجاوز هذا النوع من الظلم على بعض أبنائها.

ولقد صدق السيد الحلّي حين قال:

ويقدّم الاُموي وهو مؤخّرٌ ويؤخّر العلوي وهو مقدّمُ

٢ ـ ومن الأمثلة الصارخة على هذه الظاهرة هي: تقديم العمل للدنيا على العمل للآخرة.

فالعديد منّا يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة، ويسعى للدنيا من مصرحاتها ومتشابهاتها أكثر ما يسعى لمرضاة الله، وطلب ما عنده، مع أنّا نقرأ القرآن وهو يصدح:( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (١) . ونسمع قوله تعالى:( وَلَلآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) (٢) .

ومع ذلك نجد الكثير مستقتلين على حطام الدنيا، يلهثون وراء حفنة زائدة من الدنانير، غير مبالين بحرام أو حلال.

____________________

(١) سورة الأنعام / ٣٢.

(٢) سورة الضحى / ٤ ـ ٥.


وتجد البعض يبيع آخرته بلذة ساعة، بل لحظات، ولو أردنا أن نستقصي أمثلة زائدة حول هذا الموضوع لطال بنا المقام.

٣ ـ ويلاحظ أيضاً زهد الناس في الثواب، والرغبة فيما يوجب إليهم العقاب، زائداً على العكس مما أمرت به الشريعة المقدّسة.

جاء في زيارة العباس (عليه السّلام):« فنعم الصابر، المجاهد، الناصر، والأخ الدافع عن أخيه، المجيب إلى طاعة ربّه، والراغب فيما زهد فيه غيره من الثواب الجزيل... » (١) .

إنّ باب طلب الثواب بأعمال الخير مفتوح على مصراعيه، وقد وعد الله تعالى بأن يُعطي بالحسنة عشرة أمثالها، ومع ذلك فنحن زاهدون، راغبون عن ثواب الله.

فما أكثر مَنْ لا يفكرون في حضور صلاة جماعة مثلاً، ولو بالشهر مرّة، أو حتّى بالسنة مرّة.

وما أكثر مَنْ يبخلون في علاقاتهم الاجتماعية حتّى بالسّلام، فترى مَنْ يمرّ على جاره لا يذكره بسلام.

والحديث في هذه الفقرة أيضاً ذو شجون، والأمثلة لا تُعدّ ولا تُحصى.

٤ ـ وقد وصلت الظاهرة حتّى إلى تسميات أبنائنا وبناتنا.

فقد ترك الكثير من الناس خصوصاً في البلدان الإسلاميّة في شمال أفريقيا، وحتى بعض المناطق في بلادنا، أقول: ترك هؤلاء الأسماء العربية والإسلاميّة ويمّموا

____________________

(١) مفاتيح الجنان / ٥١٠.


وجوههم صوب الأسماء التي يضعها الكفّار لأولادهم وبناتهم، فصارت الأسماء؛ جيهان، وشيرين، وماجي، و....

وعلى كلّ حالٍ، لو أردنا تتبّع الموارد التي يستبدل الناس فيها الأدنى بالذي هو خير لرأيناها كثيرة.

أوَ ليس ترك أهل الكوفة الحسين (عليه السّلام) وانقلبوا لنصرة يزيد وابن سُميّة؟

يقول أحد الشعراء يرثي مسلم بن عقيل (عليه السّلام):

خذلوه وانقبلوا إلى ابنِ سُميّةٍ وعن ابنِ فاطمةٍ يزيدُ بديلُ


المحاضرة التاسعة: المحرّمات من النساء

بسم الله الرحمن الرحيم

( وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً ) (١) .

هاتان الآيتان الشريفتان من سورة النساء بيّنتا حكماً من الأحكام الاجتماعية، له أهمّية عظمى في التشريعات السماوية، وخصوصاً في الإسلام، وتحدّدان مسؤولية الفرد، وحدود ما يُباح له من النساء عند الزواج، والطوائف التي يحرم إنشاء العلاقة الزوجية بهنّ.

وقد ذكرت الآيتان الكريمتان ثلاث طوائف من النساء يحرم الزواج منهنّ:

____________________

(١) سورة النساء / ٢٢ ـ ٢٣.


الطائفة الأولى: المحرّمات بالنسب، وهنّ سبعة:

١ ـ الأُمّ وإن علت، أي أُمّ الأُمّ، وأُمّ الأب؛ لأنّ الأُمّ هي مَن ولدتك، وأُمّ الأب مثلاً يصدق أنّها ولدتك.

٢ ـ البنت ولو نزلت، أي بنت البنت، وبنت الابن، وهكذا حتّى ابنة الزنا، فلا يجوز أن يتزوّج ابنته من الزنا عند كلّ المذاهب الإسلاميّة عدا الشافعي.

٣ ـ الأخوات.

٤ ـ العمّات: وهي أُخت الأب، وأُخت الجدّ.

٥ ـ الخالات: وهي أُخت الأُمّ، وأُخت الجدّة.

٦ ـ بنات الأخ، وبنات أولاد الأخ وبناته، وبنات بناته، وهكذا.

٧ ـ بنات الأُخت وبناتهنّ... إلخ.

الطائفة الثانية: المحرّمات بالمصاهرة وما يلحق بها، وهنّ:

١ ـ زوجة الأب، وزوجة الجدّ حتّى مع مجرّد العقد بلا دخول. فلو عقد الأب على امرأة فلا يجوز للولد الزواج منها بعد الطلاق، أو موت الأب.

والإسلام حرّم هذا النوع من الزيجات مع أنّه كان سنّة متّبعة عند الجاهلية، فكان إذا مات الأب وله زوجة فابنه أولى بها، يتزوّجها بعد أبيه، وقد حرّم الإسلام ذلك.

٢ ـ أُمّ الزوجة، وجدّة الزوجة.


وهنا أيضاً بمجرّد العقد على البنت تحرم عليه أُمّها، فلو طلّقها لا تحلّ عليه أُمّها.

٣ ـ بنت الزوجة بشرط الدخول بالأُمّ، فلو كان مجرّد عقد على الأُمّ لا تحرم البنت. نعم، لا بدّ أن يكون ذلك بعد خروج الأُمّ من حبالته؛ إمّا بالموت، أو الطلاق؛ فإن عقد على البنت والأُمّ ما زالت على ذمّته لم يصح العقد، وكذا لا يحكم ببقاء العقد على الأُمّ(١) .

٤ ـ زوجة الابن وابن الابن: مثلاً: إذا عقد الولد على فتاة ثمّ طلّقها، لا يجوز لأبيه العقد عليها فضلاً على الزواج طبعاً. ولكنّ هذا في الولد النسبي، أمّا الابن الادّعائي أو بالتبنّي فلا تثبت الحرمة.

وكمثال على ذلك: زيد بن حارثة الذي تبنّاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وزوجته ابنة عمّته زينب بنت جحش، ثمّ طلّقها زيد فتزوّجها النبي (صلّى الله عليه وآله).

قال تعالى:( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ ) (٢) .

٥ ـ أُخت الزوجة ما دامت الزوجة في حبائل الزوجية، أو مطلّقة لكنّها في العدّة، فلا يجوز التزوّح بأُختها، لا دواماً، ولا منقطعاً، أمّا إذا ماتت

____________________

(١) المسائل المنتخبة ـ للسيد السيستاني ـ مسألة ٩٧٧.

(٢) سورة الأحزاب / ٣٧.


الزوجة، أو طلّقت وانتهت عدّتها، فحينذاك يجوز التزوّج بأُختها.

وهذا النوع من الزواج يحصل كثيراً في مجتمعاتنا.

الطائفة الثالثة: المحرّمات بالرضاع.

قبل الدخول في البحث نودّ التنبيه على مسألتين:

الأولى: يجب منع النساء من الاسترسال في الرضاع حتّى لا تقع في مشكلة الزواج المحرّم، ولكن لا على نحو قطع سبيل المعروف، بل بتعليم النساء حدود الرضاع الناشر للحرمة.

الثانية: لا يجوز للمرأة الإرضاع إذا كان ذلك يعارض حقّ الزوج إلاّ أن يأذن هو بذلك، فإن لم يعارض حقّه فلا مانع.

شروط الإرضاع الذي ينشر الحرمة

وهي خمسة:

١ ـ أن يكون من ثدي المرأة مباشرة، فلو سحبت حليباً من صدرها ووضعته في قدح وشربه الطفل فلا عبرة بذلك.

٢ ـ أن يكون اللبن عن ولادة، والولادة شرعية. أي لو درّ الثدي من غير ولادة في فم الصبي فلا أثر لهذا الحليب، وهكذا لو كانت المرأة قد ولدت من الزنا، ثمّ ارتضع منها طفل فلا تحرم بنتها عليه.

٣ ـ أن يكون اللبن لرجل واحد وامرأة واحدة، فلو فرض أن كان لرجل زوجتين، وقد أرضعتا صبي خمسة عشر رضعة مشبعة فلا يكون لذلك الرضاع أثر شرعي.


٤ ـ أن يكون قبل بلوغ الصبي أو الصبيّة عامين، فلو ارتضع وعمره أكثر من سنتين فلا ينشر الحرمة، وكذلك لا يكون بعد الفطام. فإذا ارتضع، ثمّ فطم، ثمّ ارتضع بعد فترة لا يكون لهذا الرضاع أثر؛ لقوله (صلّى الله عليه وآله):« لا رضاع بعد فطام » . أي لا رضاع محرّم بعد الفطام، خلافاً لبعض المذاهب الإسلاميّة التي ترى أنّ الرضاع ينشر الحرمة حتّى لو كان المرتضع رجلاً(١) .

٥ ـ بلوغ الرضعات الحدّ الشرعي المقرّر؛ إمّا كمّاً، أو كيفاً، وذلك بأحد وجوه ثلاثة:

الأوّل: أن يكون عدد الرضعات خمس عشر رضعة مشبعة، أي أن يأتي الصبي للثدي جائعاً ويتركه راوياً، بشرط أن لا يفصل بين هذه الرضعات الخمس عشر رضاع من امرأة أُخرى، أو يتغذّى على طعام معتدٍّ به، (كالسريلاك، أو الحليب المجفّف)، ولا تهم الفترة الزمنية هنا، فإذا تحقّق هذا العدد، وبلا فاصل، وبالكيفية الموصوفة، أي يأتي للصدر جائعاً ويصدر راوياً، تحقّقت الرضاعة ونشرت الحرمة.

الثاني: أن يرتضع من امرأة يوماً وليلة بلا فاصل برضاعة من امرأة أُخرى، ولا فاصل بالتغذية بطعام آخر كما وصفنا، فإذا أرضعته هذه الفترة انتشرت الحرمة حتّى وإن لم تبلغ عدد الرضعات خمس عشرة؛ فالمهمّ هو تحقّق الفترة الزمنية، يوم وليلة.

____________________

(١) راجع إن شئت صحيح البخاري ومسلم ـ باب رضاعة الكبار.


الثالث: أن يكثر الرضاع حتّى يشتدّ العظم، وينبت اللحم والدم، بحيث يزيد نموّ الطفل بوجه محسوس، وأن تكون هذه الرضعات غذائه الرئيس، بحيث لولاه لما نما وكبر. وهذا الوجه ينشر الحرمة كما هو واضح حتّى مع الفصل بغذاء آخر.

فإذا تحقّق الرضاع بالشروط المذكورة، والتي يذكرها الفقهاء في الرسائل العلمية، حرم التزوّج بنفس ما كان يحرم بالنسب؛ لقوله (صلّى الله عليه وآله):« يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب » .

وبتعبير عصري مبسّط، يُعطي الإسلام المرتضع أو المرتضعة بالشروط المتقدّمة جنسيتين:

الأولى: من الأب والأُمّ النسبيين.

والثانية: من الأب والأُمّ الرضاعيين.

فمثلاً: لو أرضعت زوجتك ابنة الجيران، فعلى ذلك يُعطيها الإسلام هويتين؛ واحدة باسم أُمّها وأبيها، والأُخرى باسمك واسم زوجتك؛ فلا يجوز أن يتزوجها أولادك جميعاً؛ لأنّها أُختهم، ولا أخوك؛ لأنّه عمّها، ولا أخو زوجتك؛ لأنّه خالها، ولا تحلّ لأبيك؛ لأنّه جدّها. نعم، يجوز لأحد أولادك أن يتزوّج من أخواتها، أمّا هي فلا.

طوائف أُخرى محرَّمة

هناك نساء أُخريات يحرم الزواج منهنّ أيضاً ولم يرد ذكرهنّ في الآيتين المباركتين، لكنّ هناك أحاديث أو آيات أُخرى يفتي الفقهاء بموجبها بحرمة الزواج منهنّ، وهنّ:

١ ـ زوجات النبي (صلّى الله عليه وآله).


فلا يجوز التزوّج بهنّ بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بنصّ القرآن الكريم:( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً ) (١) . وقد عدّهنّ القرآن الكريم أُمّهات للمؤمنين:( وَأَزْوَاجُهُ أُمّهَاتُهُمْ ) (٢) .

٢ ـ مَنْ ترك طواف النساء في الحجّ أو العمرة المفردة حرمت عليه جميع النساء حتّى زوجته، وكذلك المرأة يحرم عليها الرجال حتّى زوجها، فإذا أتى بطواف النساء حلّت.

٣ ـ إذا عقد على امرأة متزوّجة، أو في العدّة مع علمه بذلك حرمت عليه مؤبداً. أمّا إن لم يكن يعلم بزواجها، أو أنّها لا زالت في العدّة فالعقد باطل، ولكنّها لا تحرم عليه، فإذا عقد على امرأة مثلاً وهي في عدّة الوفاة، أو على ذمّة زوج وهو يعلم بذلك حرمت عليه مؤبداً، فحتى لو طُلّقت بعد ذلك لا تحلّ له.

أمّا إذا لم يكن عالماً بالموضوع فالعقد باطل؛ وعليه لو طُلّقت، أو مات زوجها جاز له التزوّج منها بعد العدّة.

فالمدار: في العلم، وعدم العلم بالموضوع.

٤ ـ مَنْ زنا بامرأة متزوّجة، أو في العدّة الرجعية حرمت عليه مؤبداً. ولعلّه من باب العقوبة لأقامتها علاقة غير شرعية، وهتك حرمة فراش الزوجية، فبعض الأشخاص ـ والعياذ بالله ـ يُقيم علاقة مع امرأة متزوّجة نعبر عنها بالعشيق، ويعبّر عنها القرآن بالأخدان،( مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ) (٣) ،

____________________

(١) سورة الأحزاب / ٥٣.

(٢) سورة الأحزاب / ٦.

(٣) سورة النساء / ٢٧.


فمَنْ كانت له علاقة بامرأة من هذا النمط لا يجوز له التزوّج بها حتّى لو طُلّقت، أو مات زوجها وانتهت العدّة، وبعض الفقهاء يُفتي بالاحتياط الوجوبي.

٦ ـ إذا لاط شخص بغلام، حتّى إن كان اللائط غير بالغ، فإذا أوقب حرمت عليه أُمّ الغلام وأُخته وبنته. وإذا لاط بأخي زوجته، أو أبيها، أو ابنها حرمت عليه زوجته أيضاً.

٧ ـ إذا تزوّج المحرم في الحجّ، أو عقد على امرأة فإنّها تحرم عليه مؤبداً أيضاً.

إلى هنا انتهى الكلام عن النساء التي حرّم الإسلام الزواج منهنّ، ولنحاول الآن معرفة أسباب هذا التحريم وإن لم نستوعبه بشكل كلّي. وبتعبير آخر: لماذا يحرّم الإسلام الزواج من الأخوات، وزوجة الأب، والأخت بالرضاعة... إلخ؟

لا بدّ أن نؤكّد أنّ أحكام الله تعالى توقيفية لا يستطيع الإنسان معرفة أسباب هذا الحكم أو ذاك، ولكن لا بدّ أن يكون لكلّ حكم من علّة؛ لأنّ الأحكام خصوصاً عندنا تدور مدار المصالح والمفاسد، فما به مصلحة يأمر الباري (عزّ وجلّ) به، وما فيه مفسدة للعباد يحرّمه وينهى عنه، ومع ذلك يمكن أن نتصيّد جملة من الأسباب، منها:


أوّلاً: ثبت علمياً من خلال التجارب أنّ ردّ الاُصول إلى الفروع له آثار سيئة جدّاً على الحياة الصحية، وعلى سلامة الفرد، وهذه التجارب أُجريت فعلاً على بعض الحيوانات، حيث تُصاب بعض الولادات عند التزاوج من الأقارب بكثرة ببعض التشوهات الخلقية، وهذا ما أثبته الطب أيضاً.

ثانياً: أنّ الإسلام لا يمنع الإنسان من ممارساته الطبيعية التي أودعها الله فيه، أي أنّ الإسلام لا يُحارب الفطرة، بل يهذّبها من خلال تضييق بعض الأبواب أمامها؛ وذلك لتنمية الكمال الروحي لدى الإنسان.

وباختصار: إنّ الرجل إذا تعامل مع المرأة من منظار الشهوة الجنسية فلن يكون له هناك تدريب على حفظ النفس وحمايتها من الوقوع في أتون نيران الشهوة، فتحريم بعض النساء يعدّ نوعاً من التدريب على حفظ العفّة، والتعامل مع المرأة خارج إطار الشهوة والغريزة.

ثالثاً: ويُنمّي الإسلام إضافة إلى العفّة الآداب الاجتماعية؛ إذ من الملاحظ أنّ بعض الآداب ترتفع بين الزوجين، كستر العورة، وحرمة الفحش في القول، وغير ذلك، بينما لا يمكن للإنسان مخالفة الآداب أمام محارمه من النساء، والمجتمع يستهجن التفحّش بالقول أمام الأخوات مثلاً.

رابعاً: وربما تحدث بعض المشاكل الاجتماعية بين الزوجين، وقد تؤدّي إلى العداء والقطيعة بين الأُسر كما يحصل ذلك غالباً مع الطلاق، فلو تزوّج الأخ أُخته مثلاً ثم طلّقها فسيكون ذلك قطيعة للرحم، وإدخال أسباب العداء والشحناء في الأُسرة الواحدة.


خامساً: ولعلّ هذا أهم الأسباب، وهو تنمية الغيرة عند الرجل، تنمية روح الدفاع عن العرض وعن الشرف؛ فإنّ تحريم هذه النساء على الرجل إشعار له بأنّهنّ واقعات تحت حمايته، وأنّهنّ مقدّسات بالنسبة له؛ لذا تجد معظم الرجال ـ إلاّ مَنْ شذّ ـ يتفانون في الدفاع عن شرفهم ونسائهم، ولا يرضى تحت أقسى الظروف أن تُنتهك حرمته.

لاحظ أنّ الحسين (عليه السّلام) عندما نزل إلى المشرعة مدّ يده إلى الماء ليشرب، فناداه منادٍ: أتلتذّ بالماء وقد هُتكت حرمك.

فرمى الماء [ من ] يده ولم يشرب؛ لأنّه (عليه السّلام) يرى الحفاظ على العرض أهم من الحفاظ على النفس.


المحاضرة العاشرة: الإشاعات والموقف الشرعي منها(١)

بسم الله الرحمن الرحيم

( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدّوهُ إِلَى الرّسُولِ وَإِلَى‏ أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (٢) .

كلمة أمرٍ تستعمل في لغة العرب في عدّة معاني، أحدها الشأن، أو الشيء، ولعلّ المراد بالأمر في هذه الآية هو خصوص الخبر؛ لتناسبه مع الإذاعة؛ لأنّ الخبر هو الذي يُذاع ويُنشر.

ومن هنا تعدّ الآية المباركة من جملة الآيات التي تعرّضت لموضوع الإشاعة، وكيفية تطويقها، وتحجيم أثرها في المجتمع.

وفي المقابلة في الآية بين الأمن والخوف إشارة إلى أنّ مروّجي هذه الأخبار ينشرون كلّ خبر، وكلّ ما يسمعون حتّى وإن كان بعضها على طرفي نقيض، كالأمن والخوف، أي إنّهم لا يتوقّفون في نشر أيّ حكايةٍ أو خبرٍ أو قصّة.

ثمّ تُبيّن الآية الكريمة أحد الأساليب المتّبعة في تطويق الإشاعات، والحدّ من انتشارها، وقد عبّر القرآن عن هذا الاُسلوب بالردّ إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) واُولي الأمر، ويعبّر عنه في الدراسات النفسية والاجتماعية بـ (عيادة الإشاعات)، وهي مراكز متخصّصة تنشئها بعض الدول، وظيفتها الأساسية هي تحليل

____________________

(١) الصحيح أنّ يُقال: شائعات وليس إشاعات، ولكن جرياً على استعمال العرف استعملنا لفظ إشاعة وإشاعات.

(٢) سورة النساء / ٨٣.


الإشاعات التي تضرّ بمصالح ذلك البلد؛ تمهيداً للتصدّي لها، وإنهاء تأثيراتها السلبية.

الواقع أنّ موضوع الإشاعات من المواضيع الهامّة جدّاً، والتي يجب تحصين المجتمع من أخطارها وأضرارها؛ وذلك لأنّها تعدّ من أبرز وسائل الحرب النفسية التي يشنّها الأعداء ضدّ مجتمعٍ ما من المجتمعات، وفي أيام الحرب والسلم على السواء.

وغير خافٍ أنّ مجتمعاتنا الإسلاميّة عامّة، ومذهب آل البيت خاصّة، مستهدفة من أطراف عديدة، لعلّ أهونها الأطراف البارزة المعروفة من قوى الكفر والضلال التي تتربّص بالإسلام وأهله الدوائر.

وإذا كنّا نائمين عن بعض أعدائنا فإنّ أعداءنا لا ينامون عنّا؛ فيجب أن نكون على حذر.

ويكمن خطر الحرب النفسية في أنّك لا تعرف الجهة التي تحاربها، ولا تلتفت إلى الوسائل التي يستخدمها عدوّك في تلك الحرب.

(ويقصد بالحرب النفسية: استخدام الدعاية وغيرها من الأساليب؛ للتأثير في إرادة وعواطف، واتجاهات وعقائد، وسلوك جماعات معينة)(١) .

وتستهدف الحرب النفسية نشر الفرقة والانقسام في صفوف المجتمع الذي توجّه ضدّه، وإضعاف ثقته بنفسه عن طريق زعزعة ثقته بأفكاره وعقائده ومبادئه، وكذلك نزع الثقة بينه وبين قياداته، ومحاولة عزل المجتمع عنهم.

وتستهدف أيضاً نشر الخوف والقلق، والتمزّق بين أفراده؛ لشلّ تفكيرهم، مقدّمة للسيطرة على أفكارهم، وتغيير سلوكهم واتجاهاتهم.

____________________

(١) علم النفس الاجتماعي ـ د. عبد الرحمان محمد عيسوي / ٧.


كما قد تسعى إلى كسب بعض العناصر في المجتمع، وإمالتهم إلى صف العدوّ من خلال إبراز الصديق بثوب العدوّ، والعدوّ بثوب الصديق.

ومن الواضح أنّ الإشاعات من أهم الأساليب الدعائية الناجحة في الحرب النفسية؛ وذلك لشدّة تأثيرها في نفسية الجمهور، وسهولة استخدامها، وقلّة تكاليفها المادية... إلخ؛ لأنّ الإشاعات ليست إلاّ عبارة عن الأحاديث والأخبار والأقوال التي يتناقلها الناس، والقصص التي يروونها دون التثبّت من صحتها أو التحقّق من صدقها.

فهي أنباء وأخبار وقصص تُطرح من قبل جهة مستفيدة، ربما يكون شخصاً، أو مؤسسة، أو دولة؛ لتنشر في مجتمعات معينة للأهداف التي مرّت الإشارة إلى بعضها(١) .

الإشاعة في النصوص الإسلاميّة

لم يرد لفظ الإشاعة بشكل صريح في النصوص الإسلاميّة؛ لأنّه مصطلح متأخّر، لكن ورد بلفظة أُخرى مرادفة، وهي الإذاعة، كما مرّ في الآية المباركة (أذاعوا به)، وقد عقد الشيخ الكليني باباً خاصاً في كتابه (اُصول الكافي) ذكر فيه نحواً من اثني عشر حديثاً بعنوان باب الإذاعة، وهناك موارد كثيرة ذكرتها النصوص الإسلاميّة، وينطبق عليها مفهوم الإشاعة , منها:

الكذب: فعندما يختلق شخص أو جماعة كذبة، ثمّ ينشرونها بين الناس يصدق عليها أنّها إشاعة.

ومنها:

____________________

(١) الشائعات وآثارها النفسية والاجتماعية ـ للمؤلف / ٢٣.


الغيبة: وهي من أبرز مصاديق الإشاعة، وقد ورد في حديث للإمام الصادق (عليه السّلام) ما يدلّ على ذلك« تصديق خبر بلا مكاشفة » (١) . وقد مرّ في تعريف الإشاعة هذا المعنى.

ومنها: النميمة: وهي الرواية على المؤمنين، أي ذكر معايبهم بقصد إسقاطهم من أعين الناس، أو للتنفير منهم. روي عن الإمام الصادق (عليه السّلام):« مَنْ روى على مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم مروّته؛ ليسقط من أعين الناس، أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان، فلا يقبله الشيطان » (٢) .

ومنها: طلب عثرات المؤمنين وزلاّتهم، وتتبّع عيوبهم؛ لأجل التشهير بهم. فهذه الموارد وغيرها كلّها ينطبق عليها مفهوم الإشاعة، وإن كانت مسمّياتها في ألسنة الروايات مختلفة.

موقف الإسلام من الإشاعات

يمكن إجمال الموقف الشرعي من الإشاعات في النقاط الأربعة آلاتية:

أوّلاً: التوقّف عند الإشاعات

ينبغي بالمؤمن الواعي المتفّهم للأخطار المحدقة بالإسلام والمسلمين، والعارف بزمانه وما فيه من صراعات وأهواء، وإغراض شخصية تدفع البعض لاستخدام كلّ الوسائل للإيقاع بخصومهم، أن يتوقّف عند كلّ خبر، أو قصّة، أو رواية تدور حول شخص، أو جماعة ما من المجتمع؛ سواء سمعها من أفواه الناس

____________________

(١) التفسير المعين / ١٠٢.

(٢) اُصول الكافي ـ باب الرواية على المؤمن.


أو من الإذاعات والصحف، أو القنوات الفضائية، أو وسائل الاتصال الأُخرى، والتي لا يوثق غالباً بصحة نقلها، فيجب أن لا يتقبّلها من غير فحص، أو نقاش لمضمونها، أو غايتها.

وللأسف، فإنّ البعض ما أن يسمع خبراً أو قصّةً عن شخصٍ أو جماعة إلاّ وطار بها لينشرها بين الناس دون التثبّت من صحتها، أو فحص مدلولها، أو التفكير في الغاية من نشرها.

وهذه الظاهرة، سرعة انتشار الإشاعات، تكشف عن كون ذلك المجتمع أرضاً خصبة لانتشار الإشاعات؛ إمّا لكونه مجتمعاً جاهلاً لا يُدرك خطر الإشاعات وأضرارها، أو إنّ هذه الإشاعة تحقّق رغبة نفسيةً لناشريها، كأنّ يكره شخصاً أو جماعة ويظنّ بهم سوءاً، فإذا سمع خبراً يسوؤهم طار به فرحاً، وسعى لنشره في الأرجاء؛ لأنه يحقّق للناشر رغبةً في التشفّي من ذلك الشخص أو الجماعة.

فهم كما قال الشاعر:

إن يسمعوا ريبةً طاروا بها فرحاً منّي وما سمعوا من صالحٍ دفنوا

صمٌ إذا سمعوا خيراً ذُكرتُ به وإن ذُكرتُ بسوءٍ عندهم اُذنُ

والقرآن عندما تعرّض لقضية الإفك في سورة النور المباركة بيّن الموقف من الإشاعات بأكثر من التوقّف، حيث أمر بالأخذ بما يخالف مضمون الإشاعة، خصوصاً إذا كانت موجهة ضدّ المؤمنين، وتهدف إلى الإساءة لهم،( لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هذَا إِفْكٌ مّبِينٌ ) (١) .

____________________

(١) سورة النور / ١٢.


أي أن يعلن المؤمنون أنّ هذا الخبر كذب صريح.

ولاحظ التعبير في قوله تعالى (بأنفسهم)، حيث جعل المؤمنين كتلة واحدة ينبغي أن لا تظنّ ببعضها إلاّ الخير.

ثانياً: التحرّي عن واقع الإشاعة

وارتقى بنا القرآن على تحمّل مسؤولية أكبر تجاه الإشاعات، والمواد الإعلامية، حينما أمرنا بالبحث والتحرّي عن واقع الإشاعة؛ لأنّ مجرّد التوقّف لا تصديق ولا تكذيب قد يفوت مصلحة هامّة، أو ربما تترتّب بعض الآثار، والمواقف العملية على تلك الإشاعات، فيأتيّ هنا دور التبيّن بتعبير القرآن الكريم:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى‏ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (١) .

ولنا في هذه النقطة ملاحظتان:

الأولى: صحيح أنّ الآية قد أمرت بالتبيّن عن الخبر الذي ينقله الفاسق، ولكن لا يعني ذلك عدم التبيّن عن الخبر الذي ينقله العادل أو الثقة؛ لأنّ الثقة قد ينقل عن غير الثقة؛ إمّا تسامحاً، أو غفلةً عن حال مصدر الخبر، أو لحسن ظنّه بالناقل، أو قد يُسيء العادل، أو الثقة تفسير حادث من الحوادث، خصوصاً مع فقدان الوعي الإعلامي عند معظم الناس.

الثانية: أنّ التبيّن، أو الفحص عن صحة الخبر ليس أمراً سهلاً ومتاحاً لكلّ أحد، فيجب أن يتصدّى لهذه المهمّة مَنْ يتوفّر على وعي ومعرفة سليمة بمداخل

____________________

(١) سورة الحجرات / ٦.


الأمور ومخارجها.

ثالثاً: عدم ترديد الإشاعة، أو المساعدة في نشرها.

اهتمّ القرآن الكريم بهذه النقطة أكثر من سابقتيها؛ وذلك لأنّ الإشاعات لا تأخذ أثرها، ولا تتحقّق الغاية منها إلاّ بسبب إلقائها من فمٍ إلى آخر. قال تعالى في سورة النور:( إِذْ تَلَقّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيّناً وَهُوَ عِندَ اللّهِ عَظِيمٌ ) (١) .

أي إنّكم تنقلون هذه الأخبار الكاذبة والإشاعات، خصوصاً التي تُسيء إلى سمعة المؤمنين، أو تُضعف وحدتهم، أو تفقد الثقة في بعضهم البعض، والإلقاء هو الطرح ليجده كلّ أحد، أي يمكن تناوله بسهولة، والقول بالأفواه كناية عن كون الكلام مجرّد عبارات لا حقيقة لها في الواقع، ومع ذلك يستسهل البعض نقل الإشاعات والأخبار الملفّقة، ويعدّ الأمر هيّناً، ولكنّ ذلك عند الله عظيم.

ثمّ يوبّخ تبارك وتعالى لقبول بعض الناس، واستساغتهم مثل هذه الافتراءات:( وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مّا يَكُونُ لَنَا أَن نّتَكَلّمَ بِهذَا سُبْحَانَكَ هذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ) (٢) .

وهذه الآيات وإن كانت واردةً في حادثة الإفك، إلاّ إنّ المورد لا خصوصية له، فيشمل كلّ أنواع الإشاعات التي تلحق الضرر بالمسلمين، أفراداً وجماعات.

رابعاً: الردّ إلى الطبقة الواعية في الأُمّة.

والتي عبّر عنها القرآن الكريم بالردّ إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم.

____________________

(١) سورة النور / ١٥.

(٢) سورة النور / ١٦.


هناك طريقتان للقضاء على الإشاعات ومنع تأثيرها على المجتمع.

الأولى: أن تصدر الجهة التي وجّهت ضدّها الإشاعة تكذيباً لها، ولكنّ هذه الطريقة غير ناجحة؛ وذلك لأنّ تكذيبها يستلزم ترديدها مرّة أُخرى، فحتّى مَنْ لم يسمعها أوّلاً سيسمعها في التكذيب، كما إنّ هناك مَنْ يصدّق الإشاعة ولا يصدّق تكذيبها.

الثانية: تحليل الإشاعة بشكل علمي ومنطقي، وتفنيدها بالأدلّة والشواهد، وهذه الطريقة يعبّر عنها في الدراسات الحديثة التي تدور حول الإشاعات (بعيادة الإشاعة).

والأفضل أن يكون هذا التحليل مقروناً بالاستهزاء والتندّر بها كفكاهة؛ ليظهر للناس سخف وتفاهة مصمّمي تلك الإشاعة.

ومن الواضح أنّ تحليل الإشاعة وتفنيدها بشكل علمي ومنطقي لا يُتاح لكلّ أحد؛ لذا أمر القرآن بردّها إلى الرسول وإلى أولي الأمر، وقال (عزّ وجلّ):( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) .

والخلاصة

إنّ للإشاعات دوراً خطيراً في تمزيق المجتمع وزعزعة ثقة بعضه ببعض، وإلحاق الفتن، ونشر الخوف والذعر، وغير ذلك، ولعلّ إشاعة واحدة تكون سبباً في هزيمة جيشٍ بأكمله.

ذكر ابن هشام في السيرة النبويّة عن الزبير أنّ سبب الهزيمة في أُحد كان إشاعة مفادها مقتل النبي (صلّى الله عليه وآله)، قال: وصرخ صارخ: ألا أنّ محمداً قد قُتل


فانكفأنا، أي رجعنا، وانكفأ القوم علينا(١) .

ومن أجلى تأثيرات الإشاعة في الرأي العام وتضليله ما حدث لمسلم بن عقيل (عليه السّلام) في الكوفة؛ فقد بايعته أعداد غفيرة من أهلها، ولكنّ الطابور الخامس الموالي لأل أبي سفيان أخذ يبثّ الإشاعات التي أدخلت الخوف والذعر في صفوف أهل الكوفة، من قبيل: (أنّ يزيدَ قصد الكوفة بجيش جرّار).

وهكذا خدعت هذه الإشاعات الناس، فصار يأتي الرجل لابنه، والأخ لأخيه، والأُمّ لولدها تأخذه من خلف مسلمٍ (عليه السّلام)، ثمّ تحرّكت أجهزة الدعاية الأموية إلى تأليب الرأي العام ضدّ الحسين (عليه السّلام) وضد مسلم بن عقيل، وأوحوا للناس بأنّ الدنيا ستلقي بأزمّتها بين أيديهم إن هم خرجوا لحرب الحسين (عليه السّلام) حتّى جرى ما جرى.

والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين

____________________

(١) السيرة النبوية ـ لابن هشام ٣ / ٨٢.


الفهرس

الإهداء ٣

مقدّمة ٤

المنهج المقترح ٩

المحاضرة الأولى: نفي الرؤية والجسمية ١٢

الأثر الخطير في مثل هذه العقيدة ١٧

المحاضرة الثانية: الشفاعة ٢٤

حقيقة الشفاعة ٢٧

تصوير الموضوع بمثال ٢٨

المحرومون من الشفاعة ٢٩

المحاضرة الثالثة: الزيغ عن الحقّ ـ أسبابه وأهدافه ٣٢

أسباب زيغ القلب عن الحقّ ٣٥

أسباب اتّباع المتشابه من الآيات ٣٧

المحاضرة الرابعة: الأولاد قرة العين ٤٠

أهميّة الولد ٤١

أسباب سوء العلاقة بين الأبناء والآباء ٤٣

سبل تصحيح العلاقة بين الآباء والأبناء ٤٦

المحاضرة الخامسة: مضلاّت الفتن ٥٠

أصل المشكلة ٥٢

أسباب حدوث هذه الفتن ٥٣

وسائل النجاة من مضلاّت الفتن ٥٦

أوّل الوسائل: النجاة من السقوط في الفتنة ٥٦

الثانية: العلم ٥٦

الثالثة: الاهتداء بنور العقل ٥٧

رابع مصابيح معرفة الحقّ من الباطل، والنجاة من مضلاّت الفتن هو: تقوى الله (عزّ وجلّ)، وطهارة القلب، وسلامة النيّة ٥٨


الخامس: آل البيت (عليهم السّلام) ٥٨

المحاضرة السادسة: أثار المحبّة ٦٠

دور المحبّة في حياة الفرد والمجتمع ٦٠

آثار المحبّة ٦٣

المحاضرة السابعة: التغيير الاجتماعي ٦٩

أسباب الإصرار على بعض العادات والتقاليد ٧٣

الماجينة ٧٥

المحاضرة الثامنة: استبدال الأفضل بالأدنى ٧٨

المحاضرة التاسعة: المحرّمات من النساء ٨٥

شروط الإرضاع الذي ينشر الحرمة ٨٨

طوائف أُخرى محرَّمة ٩٠

المحاضرة العاشرة: الإشاعات والموقف الشرعي منها ٩٥

الإشاعة في النصوص الإسلاميّة ٩٧

موقف الإسلام من الإشاعات ٩٨

والخلاصة ١٠٢