سبعة من السلف
التجميع مناظرات وردود
الکاتب آية الله السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

سبعة من السلف

آية الله العظمى

السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي


هذا الكتاب

طبع ونشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلمية في الشبكة


سَبْعَةٌ مِنَ السَّلَفِ بتحقيق جَديد

تأليف

آية الله العُظمى

السيِّد مُرتضى الحسيني الفيروزآبادي

مُراجعة وتَحقيق

السيِّد مُرتضى الرَّضوي

مؤلِّف كتاب مَعَ رجال الفِكر في القاهرة



إجازة المؤلِّف طاب ثراه حول التَّعليق على هذا الكتاب

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وله الحمد :

وبعد، فقد طَلب مِنِّي ولدي السيِّد مُرتضى الرضوي، أن يقوم بطبع كتابي :( سَبعة مِن السَّلف ) مع النظر فيه، والتعليق على الأحاديث الواردة فيه، وقد أذنت له أنْ يقوم بطبعه ونشره، والله الموفِّق والمُعين .

المؤلِّف

مُرتضى الحسيني الفيروزآبادي

١٥/ جمادى الأوَّل ١٤٠١ه-



حياة المؤلِّف طاب ثراه

اختارها المُعلِّق مِن كتاب : الهُدى إلى حياة سيِّدنا المُرتضى

للعلاَّمة السيِّد محمد الفيروزآبادي، نجل المؤلِّف طاب ثراه

ولادته ونشأته :

ولِد في مدينة النجف الأشرف - العراق - في آخر ربيع الأوَّل، عام ١٣٢٩ مِن الهِجرة النبويَّة، ونشأ وتربَّى في أحضان والده الشريف، أحسن تربية وأطيب نشأة، وظهرت فيه مَخايل النَّجابة، وحَبُّ العلم مِن أُولى سِنيِّ حياته ؛ حيث كان سبَّاقاً في الدراسة، مَيَّالاً إلى الهدوء، وهو لم يَزل بعد في دورة الطفولة المُبكِّرة.

برز بين أقرانه، بما أوتي مِن الجَلَد على التحصيل، والصبر على الدراسة الجادَّة، والشوق إلى المَزيد مِن العلم والمَعرفة.

أساتذته :

آية الله العُظمى، الحاج ميرزا علي الأيرواني(١) ،

وفي الفقه والأصول.

____________________

(١) صاحب الحاشية المُعروفة على المكاسب، والكفاية.


آية الله العظمى، المِيرزا أبو الحسن المِشكيني(١) .

آية الله العظمى، الشيخ محمد حسين الكمپاني(٢) .

آية الله العظمى، السيِّد أبو الحسن الأصبهاني.

آية الله العظمى، الشيخ محمد كاظم الشيرازي.

آية الله العظمى، المِيرزا محمد تَقي الشيرازي.

آية الله العظمى، السيِّد علي القاضي، في الأخلاق.

هِجرته إلى إيران :

هاجر المؤلِّف ( قدس الله روحه الطاهرة ) - مع عائلته الكريمة وأنجاله الأطياب وبناته، مُعرِضاً عن جرائم حزب البعث العراقي الغادر - إلى إيران عام ١٣٩١ هِجريَّة، وأقام في مدينة قُمْ المُقدَّسة حتَّى نهاية عُمره الشريف.

أولاده :

له مِن الأولاد الذكور ثلاثة، وهم:

العلاَّمة الجليل، حُجَّة الإسلام السيِّد محمد الفيروزآبادي.

ولِد في مدينة النجف الأشرف - العراق - عام ١٣٤٩ هِجريَّة(٣) .

____________________-

(١) صاحب الحاشية على الكفاية.

(٢) كان المؤلِّف طاب ثراه يقول : حضرتُ مُدَّة قليلة، وكانت مَليئة بالبركة، وكنتُ أُلحُّ عليه كثيراً في بعض المسائل، وكان يقول لي الأُستاذرحمه‌الله : أين كنت عندما كان لي نشاط وصحة ؟ ! ( يَقصد قبل الشيوخة ).

(٣) قرأ المُقدِّمات والسطوح، على والده المؤلِّف طاب ثراه، وقرأ أُصول الفقه على أُستاذه ووالد زوجته، آية الله العظمى السيِّد حسن البجنوردي ( طاب ثراه ) وكان يقول عنه : ذوقه في الفِقه جَيِّد.

وحضر أبحاث كلٍّ مِن مراجع العصر :

آية الله العظمى، السيِّد مِيرزا عبد الهادي الشيرازيقدس‌سره .

آية الله العظمى، السيِّد عبد الأعلى السبزواري ( طاب ثراه ).

آية الله العظمى، السيِّد أبو القاسم الخوئي ( طيَّب الله رمسه ).

ولبَّى نداء ربِّه عزَّ وجلَّ، في يوم ٢١ رجب، عام ١٤١٥ هِجريَّة، تغمَّده الله برحمته الواسعة، وحشره الله تعالى مع آبائه الأئمَّة البررة الأطهار، عليهم أفضل الصلاة وأتمُّ السلام.


الأُستاذ السيِّد علي الفيروزآبادي.

ولِد في مدينة النجف الأشرف، عام ١٣٥٦ه-، وهو اليوم يُزاول التجارة، ويُدير شركة الدكتور.

السيِّد حسن الفيروزآبادي.

ولِد في النجف الأشرف، سنة ١٣٧٠ هِجريَّة، حصل على الدكتوراه بدرجة عالية، ويَعمل في مُستشفى رجائي في طهران، ولمَهارته وتخصُّصه تبعثه الدولة دوماً إلى الخارج، وله روابط حَسَنة مع الزُّعماء والأعلام، مِن رجال الدولة وغيرهم.

وكان لسيِّدنا المؤلِّف ( طاب ثراه ) مِن البنات أيضاً ثلاث، وهُنَّ :

الأُولى : تزَّوجها الوجيه، السيِّد أبو القاسم الفيروزآبادى، صاحب انتشارات فيروزآبادي - قم.

الثانية : تزوَّجها الوجيه، الفاضل السيِّد حسن المَدني، أخو الشهيد آية الله السيِّد أسد المَدني.

الثالثة: تزوَّجها العلاَّمة حجة الإسلام، السيِّد عبد الحميد الموسوي الأصفهاني، حفيد آية الله العُظمى، السيِّد أبو الحسن الموسوي الأصبهاني، المُقيم في مدينة مَشهد المُقدَّسة.

وفاته ومَدفنه :

اختار الله تعالى لسيِّدنا المؤلِّف ( طاب ثراه ) الدار الآخرة ؛ فتوفَّاه إليه في اليوم السابع عشر، مِن شهر ذي الحَجَّة الحرام، سنة ١٤١٠ مِن الهِجرة، ودُفِن في مدينة قُم المُقدَّسة، في مكان يُدعَى ب- ( باغ بهشت ) - بستان الجَنَّة -، تَغمَّده الله برحمته الواسعة، وحشره الله تعالى مع آبائه الأئمَّة الطاهرينعليهم‌السلام .


مؤلَّفاته وآثاره :

تمتاز مؤلَّفات سيِّدنا المؤلِّف بالجِدَّة في الموضوع، والتحقيق في مُختلَف المَصادر المُهمَّة، كما تمتاز كتبه الأصوليَّة والفقهيَّة بعُمق البحث والشمول وطراوة التعبير، وهي بصورة عامَّة تدلُّ على ذَوق جيِّد في الاختيار، والعرض، والتنسيق ؛ لذا حضيت بإقبال الباحثين والقُرَّاء عليها، واشتهرت في الحوزات العلميَّة، والأَوساط الدينيَّة، وكانت موضع قبول وعناية، لدى كِبار العلماء وجَهابذة العلم، وإليك أسماءها :

١ - عناية الأُصول في شرح كفاية الأُصول(١) ، وهو شرح مُهمٌّ مَقبول، صدر في ستَّة أَجزاء.

٢ - فضائل الخمسة مِن الصِّحاح الستَّة(٢) وغيرها مِن الكتب المُعتبَرة، صدر في ثلاثة أجزاء.

٣ - سبعة مِن السَّلف مِن الصحاح الستَّة(٣) ، وغيرها مِن الكُتب المُعتبَرة، صدر في مُجلَّدٍ واحد.

٤ - مُنتخَب المسائل في مسائل فقهيَّة وفروع الأحكام، طُبِع في قُمْ.

٥ - خُلاصَة الجواهر، شرح استدلالي لمُنتخَب المسائل، نُجِّز منه إِلى مسائل مِن كتاب الحَجّ(٤) .

٦ - الفروع المُهمَّة في أحكام الأُمَّة.

فقه استدلالي مُفصَّل جِدَّاً، نُجِّز منه كتاب الطهارة في ثلاث مُجلَّدات كِبار.

وله مِن التعاليق والشروح، التي كتبها للكُتب الدراسيَّة المُختلفة.

وله أيضاً مُؤلَّفات

____________________

(١) طُبِع لأوَّل مَرَّة في النجف الأشرف، وتكرَّرت طبعته في إيران، ولُبنان.

(٢) طُبِع لأوَّل مَرَّة في النجف الأشرف، وأُعيد طبعه في إيران، ولُبنان.

(٣) طُبِع في بيروت - لُبنان -، وتكرَّر طبعه في مدينة قُم - إيران.

(٤) طُبِع منه كتاب الطهارة في ثلاثة أجزاء - بقُم.


في موضوعات مُتفرِّقة.

رؤيا صادِقة :

رؤيا سيِّدنا المؤلِّف ( طاب ثراه ) لجَدَّته الزهراء فاطمةعليها‌السلام في المَنام.

يُحدِّث العلاَّمة أحمد قاضي زاهدي، ويقول :

ومِن الرؤيا الصادقة، التي رآها العالم المُتتبِّع والمُفكِّر، آية الله السيِّد مُرتضى الحسيني الفيروزآبادي، وكان يُحدِّث بها في جلساته، وسمعتها منه أكثر مِن مَرَّة :

يقول : عندما كنتُ في النجف الأشرف، رأيت في إحدى الليالي، على ما يرى النائم، رأيت في داري التي كنتُ أُقيم فيها مَجلساً، بذِكرى وفاة سيِّدتنا الزهراء فاطمةعليها‌السلام :

كانت الزهراء فاطمةعليها‌السلام جالسة ومُرتدية الحِجاب، وكان بعض المؤمنين وقوفاً إِلى جانبها في صَفٍّ، وكلُّ واحد مِن هؤلاء، كان يأتي إليها ويُسلِّم عليها، ويستأذن منها، حتَّى ذهب الجميع، وعند ذلك حانت مِنِّي التفاتة بعد مُغادَرة الجَمع، وإِذا بها وضعت الحِجاب وأَزاحت السِّتار عن رأسها أمامي، وشعرت أنَّ عملها هذا، يَدلُّ على أنِّي مِن مَحارمها وأولادها، ونظرت إليها، وقلت:

إنَّها شبيهة برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبعد هذا أشكلت على نفسي بما فَهتُ به، وقلت في نفسي :

هل أنَّك رأيتَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بقولك : شبيهة برسول الله ؟

ثم قلتُ : جمال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مَنقوش على قَلب كلِّ مؤمن.

ثمَّ قلت : يا والدة، هل صحيح ما يَنقِل - قبل ألف وأَربعمائة عام - الخُطباء، عن زوجك أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب : أنَّ القوم بعد رسول الله، وضعوا الحبل في عُنُقه، وأخرجوه مِن الدار ملبَّباً، حاسر الرأس، وليس على رأسه عِمامة ولا عليه قباء، ولا رداء يَجرُّونه إلى المَسجد.

فقالتعليها‌السلام :


( استصغروا أبا الحسن بعد رسول الله ).

وقلت :

مُنذ ألف وأربعمائة عام، ذكر المؤرِّخون وأعلن الخُطباء على المَنابر :

( وفي عَضدها كمِثل الدُّملج ) ؟

فأجابت : نعمْ، فكشفت الرِّداء عن يمينها ؛ فرأيته مُسودَّاً مِن ضرب السياط.

ويقول : العلاَّمة أَحمد قاضي زاهدي:سمعتُ بهذه الرؤيا في يوم الأحد ٢٧ ذي الحَجَّة الحرام عام١٣٩٨ه-(١) .

* * *

____________________

(١) الهُدى إلى حياة سيِّدنا المُرتضى.


تَرجمة

لصاحب التعليق على سَبعة مِن السَّلف

بتحقيق جَديد

قَدَّم لها

صاحب السماحة حُجَّة الإسلام والمسلمين

الشيخ علي الكوراني العاملي



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أطلعني فاضل عزيز، على ترجمة العالم الفاضل، السيِّد مُرتضى الرضوي ( دامت بركاته )، وطلب مِنِّي أنْ أُبدي رأيي فيها وفي المُترجِم، وقد رأيت الترجمة عَرْضاً لا بأس به، لحياة هذا السيِّد الجليل، وأحسن ما فيها، أنَّها تَضمَّنت جدولاً بأعماله العلميَّة، مِن الكُتب التي ألَّفها، أو قَدَّم لها، أو نشرها.

في اعتقادي أنَّه يَنبغي الاهتمام - أكثر - بتراجم العلماء والمؤلِّفين، خاصَّة أصحاب الحياة الغنيَّة بالعلم والعمل، بلْ يَحسن أنْ يَكتُب العالِم ترجمته بقلمه، كما فعل الشهيد الثانيقدس‌سره وغيره، فكمْ مِن عالم بَحَثَ، وألَّف، وعَمِل، وجاهد، ثمَّ لم يُترجِم لنفسه، ولم يُترجِم له أحد قَريب مِن عصره ؛ فنَسي التاريخ كثيراً مِن جهود وثمرات قلمه، وإنْ كانت مُسجَّلة مَحفوظة عند الله تعالى.

والعالم الجليل، السيِّد مُرتضى الرضوي ( دامت بركاته ) سَليل أهل البيت الطاهرينعليهم‌السلام ، وواحد مِن أولئك القلائل، الذين بذلوا عُمرهم، في خِدمة قضيَّة أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونَشْرِ ثقافتهم.

ففي شَبابه أسَّسَ مَكتبة النجاح، في النجف الأشرف، وقَدَّم بواسطتها خدمات مَشكورة للحوزة العلميَّة وغيرها.

وفي كُهولته هاجر إلى القاهرة، ونَشَر مطبوعات النَّجاح فيها، ونَشر عدداً مِن مَصادر الحديث، والفقه، والعقائد، وعَمِل مع المَرحوم الشيخ محمد تقي القُمِّي، والشيخ محمود شلتوت، وشَخصيَّات مِصريَّة عَديدة، في التقريب بين مَذاهب المسلمين، وتعريف كلٍّ منهم بمصادر الآخرين.

ثمَّ استقرَّ به المَقام في طهران، وأسَّس مَكتبة النجاح أيضاً، وواصل عمله في التأليف والنشر ؛ فكان عمره عمراً مُبارَكاً، أمضى منه أكثر مِن نِصف قَرن في جهاد الفكر والعلم ،


ونشر الثقافة.

مَدَّ الله في عُمره المَليء، ووفَّقه للمَزيد مِن النِّتاج المُفيد، وثبَّته الله وإيَّانا على خَطِّ أجداده الطاهرين، ورزقنا شفاعتهم يوم تَزلُّ الأقدام، ولا ينفع عَمَلٌ إلاَّ بولايتهم وشفاعتهم.

كتبه : عليُّ الكورانيُّ العامليُّ


تَرجمة العلاَّمة الكاتب القدير

السيِّد مُرتضى الرضوي

مؤلِّف : ( مع رجال الفِكر في القاهرة )، وصاحب مَكتبة النجاح في النجف وطهران، ومَطبوعات النجاح بالقاهرة.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

السيِّد مُرتضى الرضوي، ابن العالم الوَرع التقي، آية الله الحاج السيِّد محمد الرضوي الكشميري، نَجْل سيِّد العلماء العاملين، وآية الله السيِّد مُرتضى الرضوي الكشميري، المَدفون في كربلاء، في إحدى حُجرات الصَّحن الحسيني الشريف، المَعروفة ب-( مَقبرة النواب الكابلي ) ، قُرْب باب الصحن المَعروف ب-( الباب الزينبي) .

الولادة والدراسة :

ولد في النجف الأشرف، ليلة الجمعة ٢٨ جمادى الآخرة، عام ١٣٤٨ هِجريَّة، وكان والده آنذاك خارج العراق.

وجِد في أحد كُتب المرحوم، السيِّد والده ( طاب ثراه ) بخَطِّه ما يلي :

ولِد قُرَّة العين، ولَدي أبو العُلى مُرتضى، المُلقَّب بالسيِّد، بعد مُضيِّ ساعتين إلا رُبع، مِن ليلة الجمعة، الثامنة والعشرين مِن شهر جمادي الأولى سنة ١٣٤٨ هِجريَّة، في الغَري، في دارنا بقُرب باب القِبلة(١) .

وقد أتاني خَطُّ البِشارة، وأنا - إذ ذاك - بمَشهد جَدِّنا الرضاعليه‌السلام بمَسجد كوهر

____________________

(١) هذه الدار، لم يَبقَ اليوم منها أيُّ أثر، وقد هدَّمتها الحكومة العراقيَّة، في العهد المَلكي.


شاد ( وبذِكرى مولده ) في ٢٨ ج٢ سنة ١٣٤٨ ؛ فسَجدت شُكراً لربِّ العِباد، وكان في الخَطِّ هذا البيت، وهو لصُهرنا أبي المهدي(١) :

في ليلة الجُمعة نور قد أضا

في بيتك المَيمون وهو المُرتضى

وأُمُّه بنت خالي، العالم الزكيِّ النقيِّ، جَناب السيِّد محمد تقي الشاه عبد العظيمي ( دام بقاه)، فهو شريف الجَدَّين.

وأرسلت الجواب مِن دزداب وصدرته بهذا البيت :

الحمد لله وشُكراً ورِضا

بالخير والنِّعمة والفضل قَضى

ثمَّ كتبت بيتين أنشأتُهما في جوابه :

أتاني مِن أبي المهديِّ خط

يُبشِّرني بمولودٍ أتاني

أراني في أبي المهديِّ ربِّي

سروراً في بَنيه كما أراني(٢)

قرأ على والده المُقدَّس، آية الله السيِّد محمد الرضوي : المُقدِّمات.

وقرأ الفِقه على آية الله المُقدَّس، الشيخ علي القُمِّي طاب ثراه، وعلى العلاَّمة الكبير، السيِّد زين العابدين الكاشانيقدس‌سره ، عندما كان في مدينة مَشهد المُقدَّسة.

أجازه في رواية الحديث، آية الله المِيرزا محمد العسكري، والد العلاَّمة الشيخ نجم الدين العسكري.

رحل إلى مِصر وسائر البُلدان العربيَّة، حوالي ثلاثين رِحلة.

تَحدَّث مع شَخصيَّات علميَّة كبيرة في مِصر، وألَّف كتاباً أسماه : مع رجال الفِكر في القاهرة، طُبِع أربع مَرَّات في مِصر وإيران.

دعا إلى التقريب بين المذاهب الإسلاميَّة، وألَّف كتاباً أسماه : في سبيل الوحدة الإسلاميَّة، طُبِع في مِصر والكويت والباكستان وإيران.

____________________-

(١) أبو المهدي هذا، هو آية الله السيِّد محمود المرعشي ( طاب ثراه ).

(٢) أنيس الغريب وجَليس الأريب ( مَخطوط ).


سافر إلى بيت الله الحرام ؛ لأداء فريضة الحَجِّ، عام ١٣٧٩ هِجريَّة.

سافر إلى الديار المُقدَّسة للعُمرة، عام ١٤٠٠ هِجريَّة.

مؤلَّفاته وآثاره المَطبوعة :

١ - مع رجال الفِكر في القاهرة، طُبِع في مُجلَّدين، في ٩٠٠ صفحة، بمِصر.

٢ - في سبيل الوحدة الإسلاميَّة، طُبِع في مِصر والكويت وغيرهما.

٣ - آراء عُلماء مِصر المُعاصرين، حول آثار الإماميَّة، طُبِع في القاهرة.

٤ - البُرهان على عدم تحريف القرآن، طُبِع في بيروت - الدار الإسلاميَّة.

٥ - مُلحَق البراهين الجَليَّة، في الرَّدِّ على الوهابيَّة، طُبِع مع البراهين.

٦ - آراء علماء المسلمين في : التقيَّة، والصحابة، وصيانة القرآن الكريم، طُبِع في بَمبي الهند، وأُعيد طبعه بزيادات وتعليقات كثيرة، وطُبِع في بيروت.

٧ - صفحة عن الوهابيِّين، طُبِع في بَمبي الهند.

٨ - بِضعة المُصطفى في جُزءين في أربعمائة صفحة ( مَخطوط ).

الشَّخصيَّات الإسلاميَّة التي قَرَّضت كتابه ( مع رجال الفِكر في القاهرة ) :

١ - الدكتور حامد حفني، داود أُستاذ كرسي الأدب العباسي في الجزائر.

٢ - الأستاذ عبد الفتَّاح عبد المَقصود، مُدير مَكتب الرئيس جمال عبد الناصر ( سابق ).

٣ - الأستاذ عبد الكريم الخطيب، مُعاوِن وزير الأوقاف بمِصر ( سابق ).

٤ - الدكتور محمد عبد المُنعم خفاجي، مِن الأساتذة البارزين في جامعة الأزهر.

٥ - الأُستاذ عبد الله يحيى العلوي، سفير اليمن في أندنوسي، وعضو الجامعة العربيَّة بمِصر.

٦ - الأُستاذ عبد الهادي مَسعود، مدير المَكتبات الفرعيَّة بدار الكُتب المِصريَّة ( سابق ).

٧ - الأُستاذ فِكري عثمان أبو النصر، مُحرِّر في جريدة الأهرام اليوم.


٨ - الشيخ حسن طراد، مِن عُلماء لبنان، وإمام جامع في بيروت.

٩ - الدكتور محمد جواد الخليلي، كاتب ومؤلِّف في كَندا.

١٠ - السيِّد جواد شُبَّر، مِن المُؤلِّفين، ومِن مَشاهير الخُطباء في العراق.

تعليقاته على الكُتب :

١ - وسائل الشيعة ومُستدرَكاتها، طُبِع منه خمسة أجزاء بمِصر.

٢ - دلائل الصدق للشيخ محمد حسن المُظفَّر، طُبِع في ثلاث مُجلَّدات بمِصر.

٣ - الشيعة وفنون الإسلام، للسيِّد حسن الصدر، طُبِع في مِصر.

٤ - الشيعة الإماميَّة، للسيِّد محمد صادق الصدر، طُبِع في مِصر.

٥ - عليٌّ ومُناوئوه، للدكتور نوري جعفر، طُبِع في مِصر أكثر مِن مَرَّة.

٨ - الروائع المُختارة مِن خطب الإمام الحسن السبط، للسيِّد مصطفى الموسوي، طُبِع في مِصر.

٩ - مِن وحي الأخلاق لمؤلِّف ( الروائع المُختارة )، طُبِع في مِصر.

١٠ - مَصادر الحديث عند الإماميَّة، للسيِّد محمد حسين الجلالي، طُبِع في مِصر.

١١ - مُحاورَة حول الإمامة والخِلافة ( مؤتمَر علماء بغداد )، طُبِع في بيروت.

١٢ - تفسير القرآن الكبير، للسيد عبد الله شُبَّر، طُبِع في القاهرة.

١٣ - سبعة مِن السلف لآية الله العظمى السيِّد مُرتضى الفيروزآبادي، طُبِع في مدينة قُمْ المُقدَّسة.

مُقدِّماته على الكُتب :

١ - رجال السُّنَّة في الميزان، لآية الله الشيخ محمد حسن المُظفَّر، طُبِع بمِصر.

٢ - المُتعَة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي، للأُستاذ المُحامي توفيق الفكيكي، طُبِع بمِصر.


٣ - الفَرْق بين الفريضة والنافلة، لآية الله الشيخ مُنير الدين البروجردي، طُبِع بمِصر.

٤ - الوضوء في الكتاب والسنَّة، لآية الله الشيخ نَجْم الدين العسكري، طُبِع بمِصر.

مِن آثار الشيعة الإماميَّة التي نشرها في مِصر :

١ - المُراجعات، الطبعة ( ١٧ ) و( ٢٠ )، للإمام شرف الدين العاملي ( طاب ثراه ).

٢ - أصل الشيعة وأصولها، الطبعة العاشرة، للإمام محمد الحسين آل كاشف الغطاء.

٣ - عقائد الإماميَّة، الطبعة الثالثة، لآية الله الشيخ محمد رضا المُظفَّر.

٤ - الصراع بين الأُمويِّين ومبادئ الإسلام، الطبعة الثانية للدكتور نوري جعفر.

٥ - علي ومناوئوه، الطبعة الثانية والرابعة، للدكتور نوري جعفر.

٦ - فلسفة الحُكم عند الإمام، الطبعة الثانية، للدكتور نوري جعفر.

٧ - فَدْك ( هُدى المِلَّة إلى أنَّ فَدك نِحلة )، الطبعة الثانية، لآية الله السيِّد محمد حسن القزويني ( طاب ثراه).

٨ - الوضوء في الكتاب والسُّنَّة، الطبعة الأولى، لآية الله الشيخ نجم الدين العسكري.

٩ - البراهين الجَليَّة في دفع تشكيكات الوهابيَّة، الطبعة الثانية، لآية الله السيَّد محمد حسن القزويني.

١٠ - الأرض والتربة الحسينيَّة، الطعبة الثانية، للإمام كاشف الغطاء.

١١ - عليٌّ لاسِواه وصي رسول الله بنصٍّ مِن الله، للعلاَّمة السيِّد محمد الرضي الرضوي، مؤلِّف كتاب : التحفة الرضويَّة في مُجرَّبات الإماميَّة.

١٢ - المُتعَة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي، الطبعة الثانية، للأُستاذ توفيق الفكيكي.

١٤ - الفَرْق بين الفريضة والنافلة، لآية الله الشيخ مُنير الدين البروجردي.


الرسالة التي بعثها له الإمام الشهيد محمد باقر الصدر

بسمه تعالى

فضيلة الأخ العزيز، المُجاهد السيِّد مُرتضى الرضوي ( دام عِزُّه )

السلام عليكم زِنَة تقديري وإعجابي.

وبعد : فقد وصلتني رسالتكم الكريمة ؛ ففرِحت بما توصَّلتْ إليه جهودكم المَشكور، مِن افتتاح جناح لكُتب الشيعة الإماميَّة، في دار الكُتب المِصريَّة(١) ، فإنَّ هذا الجناح له أهميَّته الكبيرة بالنسبة إلينا ؛ إذ يكون نافذ لأفكارنا، وفقهنا، وثقافتنا المَكنوزة ؛ فجزاكم الله عن المذهب والدين أفضل الجزاء، وكتبكم في زُمرة العاملين في سبيل إعلاء كلمة الله، والإسلام والأرض، وحَقَّق بكم الآمال المَعقودة على هِمَّتكم وإخلاصكم، والسلام عليكم أوَّلاً وآخر(٢) .

النجف الأشرف - العراق

محمد باقر الصدر

٢/٩/١٩٦٥

ذِكريات مع الإمام شرف الدين وصاحب العرفان

كتب السيِّد الرضوي ما يلي: حديث بيني وبين الأُستاذ أحمد عارف الزين، مُدير مَجلَّة العرفان صيدا - لبنان :

في كانون الأوَّل عام ١٣٥٧، عُدْت مِن القاهرة إلى بيروت، ومَررت على مكتبة العرفان، في شارع سوريا، وإذا بالأُستاذ الشيخ أحمد عارف الزين، كان جالسا إلى جنب الحاج إبراهيم زين عاصي، صاحب مكتبة العرفان، وإذا بالأستاذ الشيخ أحمد عارف الزين، يسألني عن وقت وصولي إلى بيروت ؛ فأجبته، ثمَّ قال : كمْ تنوي الإقامة هنا ؟ قلت : عشرة أيَّام، ثمَّ أعود إلى القاهرة ؛ فطلب مِنِّي بقاء هذه المُدَّة عنده بمِنزله في صيدا ؛ فلبَّيت

____________________

(١) إنَّ هذا الأمر لم يتمَّ، بالرغم مِن كَثرة الجهود التي بُذِلت لتحقيقه.

(٢) السيِّد محمد الحسيني : الإمام الشهيد محمد باقر الصدر، مُلحَق رقم ٤ ص٣٧١ط بيروت.


طلبه، وذهبت إلى منزله في صيدا. وقلت له : عندما كنت في القاهرة، أعددت كُتباً للطبع هناك، وفي أحد الأيَّام سألت الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي عن المطبع ؛ فأخذ بيدي وجاء بي إلى دار العهد الجديد للطباعة، الواقعة في باب الشعريَّة، فدخلنا المطبعة، وتحدَّثنا مع مُديرها الفنِّي، الأستاذ سيِّد عطوة حول الشروع بالطبع، وكان الكتاب :( وسائل الشيعة ومُستدركاته ) ، وقرَّر سيِّد عطوة الشروع بطبع الكتاب يوم الأحد، وقد عقدنا الاتِّفاق معه في يوم الخميس، وصادف أنِّي ذهبت في ذلك اليوم - يوم الخميس - إلى إحدى المكتبات بالأزهر الشريف، فتناولت ديواناً، وكان الديوان( ديوان الوزير ) ، ولمَّا فتحته، وإذا في صفحة ٢٣ منه يقول :

قد طال في الوعد الأمد

والحُرُّ يُنجز ما وعد

ووعدتني يوم الخميس

فلا خميس ولا الأحد

وإذا اقتضيتك لم تَزد

عن قول إيْ والله غد

فأعدُّ أيَّاماً تمر

وقد ضجرت مِن العدد

وبعد شهر وصلني عدد العرفان إلى القاهرة، أرسله لي الأستاذ الشيخ أحمد عارف الزين، وإذا بالحديث هذا، جاء في العدد الثالث مِن العرفان ص٢٩٥ عام ١٣٧٧ هِجريَّة، كانون الثاني عام ١٩٥٨م تحت عنوان :( نوادر وخواطر )

فأخذت العدد إلى المطبعة، وأطلعت السيد عطوة عليه ؛ وتأثَّر كثيراً.

وقال الإمام شرف الدين العاملي ( طاب ثراه )، عند ذكره لمؤلَّفات آية الله السيِّد حسن الصدرقدس‌سره :

٥٩ - الشيعة وفنون الإسلام :

كتاب ما أجلَّه قَدْراً، وما أعظمه سِفْراً، قد اختصره مِن كتابه السابق( تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ) وانتشر ببركة الطبعة، ومَن وقف عليه عَرف مَبلغ الأصل مِن العَظمة في بابه.

وعلَّق على هذا، نَجل الإمام شرف الدين، السيِّد عبد الله، وقال :


وقد طُبِع حديثاً، طبعة مُمتازة في القاهرة، مع مُقدِّمة ضافية، بقلم الدكتور سليمان دنيا، وطُبِعت هذه المُقدِّمة في كتاب( مع رجال الفِكر في القاهرة ص ٥٩ وما بعدها للسيِّد مُرتضى الرضوي ) (١) حفظه الله(٢) .

بعض مَن ترجم له :

ترجم للسيِّد الرضوي، السيِّد عارف حسين النقوي، فقال :

مولانا سيِّد مرتضى رضوي ( مَدَّ ظِلُّه ) آب نى تمام تعليم نجف أشرف مى حاصل كى، آب نى تبليغ كى سلسل مين مصر مين كافى وقت كزاراهى. آب علمائى نجف وقم مين معروف هين، آب كى حسب ذيل تأليفات هين :

١ - ( مع رجال الفِكر في القاهرة ) يه كتاب مذهب شيعه كى بارى مين داكتر طه حسين مرحوم اورديكر أساتذه الأزهر كى انترويوبر مُشتمل هى، أصل كتاب عربى مين هى فارسى مين بهى إس كا ترجمه جماهى.

تذكرة علماء إماميَّة باكستان ص٢٧٣ سنة ١٤٠٤ هِجريَّة

مركز تحقيقات فارسي إيران وباكستان - إسلام آباد

وكتب العلاَّمة الشيخ محمد الرازي، فقال :

دانشمند گرامى وفاضل مجاهد آقاى حاج سيِّد مرتضى رضوى كه در نجف أشرف مُتولِّد شده ودر بيت تقوا وفضيلت پرورش و به تحصيل پرداخته و بعد از فرا گرفتن علوم و استفاده از مرحوم والد ومدرسى ديگر از راه مناظره و تأليف و طبع و نشر كتب مذهبى به ترويج دين پرداخته و سفرى به مصر و قاهره و با بزرگان و

____________________

(١) هو حَفيد العلاَّمة الزاهد الكبير، السيِّد مُرتضى الكشميري. فاضل أديب، وكاتب شَهير، له مساعٍ مشكورة، وجهود مُقدَّرة في إحياء ونشر أهمِّ آثار علماء الطائفة، جزاه الله عن العلم والدين خير الجزاء. ( عبد الله شرف الدين ).

(٢) بُغية الراغبين: ١/٣١٩ طبع الدار الإسلاميَّة - بيروت - لبنان.


دانشمندان أهل سنت مصر وغيره مباحثه حسنه و آنها را مجاب نموده و قبل از حادثه أَخير بعثيها به إيران مهاجرت كرده و در طهران إِقامت نموده است.

از آثار گرانقدر إيشان كه بطبع رسيده است كتابى به نام ( مع رجال الفِكر في القاهرة ) مى باشد. در اين گفتگو و مناظرات خود با سى و نه نفر از دانشمندان متفكِّر أهل سنت مصر را تقرير و تحرير نموده وإنصافاً كتابى مُفيد در موضوع خود مى باشد زيرا در اين مناظرات إثبات فضائل أهل بيت رسالتعليهم‌السلام وقدح و ظلم غاصبين وظالمين آل محمدعليهم‌السلام را نموده است.

گنجينه دانشمندان: ٦/٣٧٦ طبع طهران

بعض ذكريات الشعر :

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قد فُتحت لقُدومك الأبواب

لتُسرَّ وقت لقائك الأحباب

أقبلت تَحمل في الفؤاد عقيدة

وعلى يديك مِن العلوم كتاب

ألفيت نَهج الحَقِّ أفضل مَنهجٍ

بهُداه تشرق حِكمة وصواب

يدعو الأنام له بأصدق مَنطقٍ

طه الهُدى وأئمَّة أطياب

بيروت ٢٢/٨/١٤١١ه-، بقلم أخيه المُخلص المُحبِّ : حسن طراد

* * *


تنبيه :

نورِد في آخر الكتاب مصادره، مع الإشارة إلى طبعاته. وعند نقلنا للحديث نُشير إلى مصدره، مع ذكر الصفحة.

وعند نقلنا مِن التفاسير نُشير إلى السورة والآية ؛ فنرجوا مِن المُطالعين الكرام، إذا أرادوا التحقيق منها ؛ لئلاَّ يَحصل الاختلاف في عدد الأجزاء، وأرقام الصفحات ؛ ولئلاّ نُتَّهم بالسهو والنسيان، وإِنْ كان الإنسان لا يَخلو منهما ( والله العالم ).

المؤلِّف

النجوم الواردة في المَتن وفي الهامش كلُّها مِن المُعلِّق.

( الرضوي )


كلمة المُحقِّق

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله , والصلاة على محمد , وعِترته الأئمة الأطياب , وأعدال الكتاب , سلام الله تعالى عليهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد , فإنَّ كتاب سبعة مِن السلف , دبَّجته يَراع سماحة آية الله سيِّدنا الأجلِّ , السيِّد مُرتضى الفيروزآباديقدس‌سره , ذكر فيه بعض ما وقع مِن الظلم والاضطهاد الوارديَن على جَدَّتنا، وبضعة نَبيِّنا، فاطمة الزهراء، المجهول قدرها , والمظلوم بعلها، والمغصوب حَقُّها , والمَكسور ضلعها، والمَمنوعة مِن إرثها، صلوات الله عليها وعلى بعلها وأبنائها، الأئمَّة الهُداة الأطهار، عترة النبي المُختار , المُضطهدين مِن ملوك عصرهم الطغاة الجبابرة، مِن أَُمويِّين وعباسيِّين، ومَن سبقهم ومَهَّد لهم طريق الظلم والجور، وعلى ربِّهم جميعاً حِسابهم، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ مُنقلَب يَنقلبون، والعاقبة للمُتَّقين.

وقد حقَّقت مَتن الكتاب، وعَلَّقت ما تيسَّر لي عليه، مِن مصادر العامَّة، بحسب الوِسع والطاقة , وما توفيقي إلاّ بالله، عليه توكَّلت وإليه أُنيب.

السيِّد مُرتضى الرضوي


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على أَشرف الأوَّلين والآخرين , محمد ( صلى الله عليه وآله ) المبعوث إلى الخلائق أجمعين , المخصوص بالصبر على الأذى مِن المُشركين والمُنافقين ؛ فصبر وتَحمَّل مِن قومه، أضعاف ما تَحمَّله سائر الأنبياء والمُرسلين , والمُبتلى بأصحاب قد ارتدُّوا(١) مِن بعده عن الدين، إلاَّ القليل مِمَّن رعى

____________________

(١) صحيح البخاري ٢/٢٣٣، بحاشية السندى، كتاب بَدء الخَلق ( باب قول الله تعالى :( وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَليلاً ) ، وفي كتاب التفسير في ( باب :( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ) )، وفى الرقاق : الحوض ( في باب ) , وفي كتاب الفِتن ٨/٨٦ ( باب ما جاء في قول الله تعالى : (( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) ) الحديث الثاني.

(*) أخرج البخاري عن ابن عباسرضي‌الله‌عنه ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :

( إنَّكم مَحشورون حُفاة , عُراة غُرلاً )، ثمَّ قرأ:( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) ). وأوَّل مَن يُكسى يوم القيامة إبراهيم. وإنَّ أُناساً مِن أصحابي يؤخَذ بهم ذات الشمال ؛ فأقول : أصحابي أصحابي ! فيقول : إنَّهم لم يزالوا مُرتدِّين على أعقابهم مُنذ فارقتهم )، صحيح البخاري بحاشية السندي (٢/٢٣٣ - ٢٣٤) باب( وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَليلاً ) .

(*) أخرج البخارى عن أبي وائل، أنَّه قال : قال عبد الله , قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( أنا فرطُكم على الحوض، ليَرُفعنَّ إليَّ رجالٌ منكم، حتَّى إذا أهويت لأُناولهم اختلجوا دوني ؛ فأقول : أيْ ربِّي أصحابي ؟! يقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك).

صحيح البخاري: ٤/٢٢١، بحاشية السندي، كتاب الفتن، باب ما جاء في قول الله تعالى :( وَاتَّقُوا فِتْنَةً ) .

وأخرج أبو يعقوب، عن سعيد بن المُسيِّب، عن أبي هريرة، أنَّه كان يُحدِّث : أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : ( يَرد عليَّ يوم القيامة رهط من أصحابي ؛ فيُجلون عن الحوض ؛ فأقول : يا ربِّ، أصحابي ؛ فيقول : إنَّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنَّهم ارتدُّوا على أدبارهم القهقري ). مُسنَد عمر بن الخطاب ص٨٦ط بيروت.

(*) الرَّهْط : الرجال ما دون العشرة , وقيل : إلى الأربعين، عن هامش مُسنَد عمر بن الخطاب ص٨٧.


حرمته في آله الطاهرين , ثمَّ الصلاة والسلام على أهل بيته المظلومين : عليٌّ , وفاطمة، والحسن، والحسينعليهم‌السلام سادة(١) أهل الجَنَّة أجمعين , ثمَّ على التسعَة المعصومين الطيِّبين، بقيَّة الأئمَّة الاثني عشر الهُداة المهديّين , واللَّعنة الدائمة على أعدائهم , ومُعادي أوليائهم , وموالي أعدائهم مِن الآن إلى يوم الدين.

أمَّا بعد، فهذه نُبذَة مِمَّا ورد في السبعة :( أبو بكر ) و( عمر ) و( عثمان ) و( عائشة ) و( حفصة ) و( معاوية ) و( خالد ) ، وقد أخذتها مِن الصحاح الستَّة، وغيرها مِن الكُتب، المُعتبَرة عند أهل السُّنَّة والجماعة ؛ فجمعته , وأودعتها في هذا الكتاب، وأرجو مِن الله تعالى، أنْ يَجعل مِثلها كمَثَل القرآن الكريم ؛ فتكون شِفاءً (٢) ورحمةً للمؤمنين , وخَساراً , وغيظاً , ونَكالاً للظالمين.

____________________

(١) صحيح ابن مَاجة ص٣٠٩ مِن طبع الفاروقي , دلهي الهند.

(٢) كان مقصودي مِن هذه العبارة، هو : الإشارة إلى ما في القرآن الكريم، مِن الآية الشريفة في سورة بَني إسرائيل.

ومِن العَجيب أنِّي بعد ما شرعت في تأليف هذا الكتاب، وكتبت جُملة مِن مَطاعن هؤلاء السبعة، تفألت بالقرآن الكريم , وسألت الله جلَّ وعلا في أمر كتابي هذا , وأنَّه هل هو مَحبوب، مَقبول مَرضيٌّ عنده، أم لا ؟ فخرجت هذه الآية المُباركة:

( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا ) الإسراء : ٨٢.


وقد رتَّبت الكتاب على مَقاصد , وخاتمة.

فالمقاصد فيما ورد في السبعة المذكورين , والخاتمة في جُملة مِن الأباطيل، التي ترويها العامَّة ؛ فما يأباه العقل , والذوق السليم , ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العليِّ العظيم.

* * *


المَقصد الأوَّل

في بيان ما ورد عن أبي بكر بن أبي قُحافة

(١)

أبو بكر بن أبي قُحافة



١ - باب ( إنَّ لأبي بكر شيطان يَعتريه )(*) .

١ - روى ابن جرير الطبري بسنده , عن عاصم بن عدي , قال : نادى مُنادي أبي بكر مِن بعد الغَد مِن مُتوفَّى رسولِ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وساق الحديث - إلى أنْ قال - : وقام في الناس - يعني أبا بكر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال :

يا أيُّها الناس إلى أنْ قال :

فإنْ استقمتُ فتابعوني , وإنْ زِغت فقوُّموني - إلى أنْ قال - :

ألاْ وإنَّ لي شيطاناً يَعترينى , فإذا أتاني فاجتنبوني. ( الخُطبة )(١)

٢ - قال ابن قتيبة في ضمن خُطبة أبي بكر : وما أنا إلاَّ كأحدكم , فإِذا رأيتموني قد استقمت فاتَّبعوني , وإنْ زِغت فقوُّموني , واعلموا أنَّ لي شيطاناً يَعتريني أحياناً , فإذا رأيتموني غَضبت فاجتنبوني ؛ لا أُوثِّر في

____________________

(*) في هذا الباب أربعة أحاديث.

(١) تاريخ الأُمم والملوك : ٣/٢١٠ - ٢١١ طَبْع المطبعة الحُسينيَّة بمِصر.


أشعاركم , وأبشاركم ثم نزل(١) .

٣ - روى ابن حجر الهيثمي , عن عيسى بن عطيَّة، قال :

قام أبو بكر الصِدِّيق الغد(*) حين بويع، فخَطب الناس، فقال :

أيُّها الناس، إنِّي قد أقلتكم( **) رأيكم , إنِّي لستُ بخيركم ؛ فبايعوا خيركم - إلى أنْ قال - إنَّ لي شيطاناً يَحضرني - إلى أنْ قال - فإنْ استقمت فاتَّبعوني , وإنْ زِغت فقوُّموني. الخُطبة.

قال : رواه الطبراني(٢) .

٤ - روى المُتَّقي عن الحسن : أنْ أبا بكر خطب، فقال :

أما والله , ما أنا بخيركم , ولقد كنتُ لِمقامي هذا كارهاً - إلى أنْ قال - :

أفتظنُّون أنَّي أعمل فيكم بسُنَّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ ! إذنْ لا أقوم بها، إنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يُعصَم بالوحي , وكان معه مَلَك , وإنَّ لي شيطاناً يعتريني، فإذا غضبت فاجتنبوني(٣) .

المؤلِّف : ومِن العجيب أخبار هذا الباب ؛ وذلك لِما يَظهر منها مِن الفَرق العظيم جِدَّاً، بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبين أبي بكر الذي جلس مَجلسه , وقام مقامه ؛ فرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حسب تصريح أبي بكر - في الرواية الأخيرة - كان يُعصَم بالوحي , وكان معه مَلَك , وأبو بكر معه شيطان يَعتريه ؛ فإذا اعتراه وجب على المسلمين أنْ يَجتنبوه، كما نبَّه عليه بقوله : فاجتنبوني.

____________________

(١) الإمامة والسياسة ١/١٦، الطبعة الأخيرة عام ١٩٦٩م بمصر.

(*) أيْ بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

(**) الإقالة : مَصدر فسخ العقد، وكلُّ ما التزم به إنسان نحوَ آخر.

(٢) مَجمع الزوائد: ٥/١٨٢. كنز العُمَّال: ٣/١٣٥ط حيدر آباد الهند، باختلاف يسير، وقال : رواه الطبراني في الأوسط.

(٣) كنز العُمَّال: ٣/١٣٦ط حيدر آباد الهند , صِفة الصفوة: ١/٢٦١ وزاد في آخره : لا أُوثِّر في أشعاركم وأبشاركم. وانظر شرح النهج لابن أبي الحديد : ٢/٨ الطبعة الأولى، تحت عنوان : خُطبة أبي بكر في اليوم الثاني مِن خِلافته.

البداية والنهاية : ٦/٣٠٧ط، دار الكتب العلميَّة بيروت.


ثمَّ مِن العجيب أيضاً، أنَّ الشيطان كيف تَسلَّط على أبي بكر ؛ فجعل يعتريه وهو لا يرضى بذلك طبعاً، وقد قال الله تعالى :

( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ) . الحِجر: ٤٢ - ٤٣.

وقال أيضاً :

( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) . النحل : ٩٩ - ١٠٠.

ثمَّ هل المُراد مِن الشيطان، الذي كان يعتري أبا بكر، هو شيطان مِن شياطين الجِنِّ ؟ فإنَّ الشياطين على قِسمين، كما صرَّح به القرآن الكريم ؛ حيث قال :

( شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ ) . الأنعام : ١١٢.

أو هو شيطان من شياطين الإنس ؟ وقد يكون الإنس هو أخبث مِن شيطان الجِنِّ بكثير.

والذي احتمله - قويَّاً - : أنَّ المُراد هو الثاني ؛ فكأنَّ مقصود أبي بكر، أنَّ هناك رجُلاً مِن الإنس يخلو به في خَلواته , ويُحرِّضه على شهواته , ويَصدُّه عن طريق الحَقِّ والهُدى , ويُلهمه الباطل , ويُرشده إلى الضَّلال، ويَجرَّه إلى النار، كما هو شان كلِّ شيطان إنسيِّ أو جنِّيٍّ، ويُحتمل أنْ يكون المُراد هو الأوَّل.

وعلى كلِّ حال، لعَنَ الله شيطان أبي بكر، قولوا : آمين - أيُّها المسلمون - جميعاً(*) .

____________________

(*) وقال المؤيَّد في الدين داعي الدعاة :

أُمَّةٌ ضَيَّع الأمانة فيها

شيخها الخامل الظلوم الجهول

بِئْسَ ذاك الإنسان في زمرة

الإنس وشيطانه الخدوع الخذول

وقال الأُستاذ عمر فرُّوخ، في تعليقه على هذين البيتين :

أُمَّة : أهل السُّنَّة مِن المسلمين الأمانة : وصيَّة رسول الله بالخلافة لعليِّ بن أبي طالب، شيخها إلخ : أبو بكر الصديق ؛ لأنَّه قَبِل أنْ يتولَّى الخلافة بعد الرسول وهى لعليٍّ ).

شيطانه = شيطان أبي بكر، عمر بن الخطَّاب ؛ لأنَّ أبا بكر، لم يَكُن يُريد أنْ يتولَّى الخلافة، فما زال به عمر حتَّى أقنعه.

تاريخ الأدب العربي : ٣/١٨١ - ١٨٢.


٢ - باب في بعث أبي بكر عمر إلى دار عليٍّعليه‌السلام .

ودعا عمر بالحَطب ؛ ليَحرُق الدار، وفيها فاطمة بِضعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ابن قتيبة تحت عنوان :

( كيف كانت بيعة عليِّ بن أبي طالب )

قال : وإنَّ أبا بكررضي‌الله‌عنه ، تَفقَّد قوماً تخلَّفوا عن بيعته، عند علي ( كرَّم الله وجهه ) ؛ فبعث إليهم عمر ؛ فجاء فناداهم وهم في دار عليٍّ، فأبوا أنْ يَخرجوا ؛ فدعا بالحطب، وقال :

والذي نفس عمر بيده , لتَخرجُنَّ , أو لأُحرقنَّها على مَن فيها(١) ؛ فقيل له يا أبا حفص،

____________________

(١) ومِمَّا يؤيَّد قول عمر في هذا الحديث ( أو لأحرقنَّها على مَن فيها) ما ذكره المُتَّقي الهندي، مِن حديث قال فيه عمر لفاطمة :

وأيْمَ الله، ما ذاك بمانعي، إنْ اجتمع هؤلاء النّفر عندكم أنْ أمرتهم أنْ يُحرَق عليهم الباب. قال :

أخرجه ابن أبي شيبة انظر: كنز العُمَّال : ٣/١٣٩ط حيدر آباد الهند. المؤلِّف.


إِنَّ فيها فاطمة، فقال : وإنْ ؛ فوقفت فاطمة على بابها، فقالت :

( لا عَهد لي بقوم حضروا أسوأ مَحضر منكم , تركتم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جَنازة بين أيدينا , وقطعتم أمركم بينكم , لم تستأمرونا , ولم تردُّوا لنا حقّاً ).

فأتى عمر أبا بكر، فقال له :

ألاْ تأخذ هذا المُتخلِّف عنك بالبيعة ؟

فقال أبو بكررضي‌الله‌عنه لقُنفذ - وهو مولى له - اذهب فادعُ لي عليَّاً، قال :

فذهب إلى عليٍّ.

فقال : ( ما حاجتك ؟ ).

فقال :يدعوك خليفة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال عليٌّ : ( لَسريعٌ ما كذبتم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ).

فرجع، فأبلغ الرسالة.

قال :فبكى أبو بكر طويلاً .

فقال عمر الثانية :أنْ لا تُمهِل هذا المُتخلِّف عنك بالبيعة (١) .

فقال أبو بكررضي‌الله‌عنه لقُنفذ :عُدْ إليه، فقُل له :

____________________

(١) روى الحاكم، عن حبّان الأسدي، أنَّه قال : سمعت عليَّاً، يقول : ( قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنَّ الأُمَّة سَتغدر بك بعدي , وأنت تَعيش على مِلَّتي , وتُقتَل على سُنَّتي , مَن أحبَّك أحبَّني , ومَن أبغضك أبغضني , وإنَّ هذه ستُخضَّب مِن هذا )، يعني : لِحْيته مِن رأسه. مُستدرك الصحيحين : ٣/١٤٦ , تلخيص المُستدرك : ٣/١٤٦.

وأخرج الترمذي بسنده، عن أبي سعيد الخدري، أنَّه قال :

إنَّا كنَّا نعرف المُنافقين ببُغضهم علي بن أبي طالب. سُنَن الترمذي: ٥/٦٣٥، كتاب تحقيق إبراهيم عطوه عوض. وأخرج الترمذي عن المساور الحميري، عن أُمِّه قالت :

دخلت على أُمِّ سَلمة، فسمعتها تقول :

كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( لا يُحبُّ عليَّاً مُنافق , ولا يُبغضه مؤمن ). المصدر نفسه ٥/٦٣٥.

وأخرج الترمذي، عن البرَّاء بن عازب، أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال لعليِّ بن أبي طالب : ( أنتْ مِنِّي وأنا مِنك ). المَصدر نفسه.


خليفة رسول الله، يدعوك لتُبايع ؛ فجاءه قُنفذ فأدَّى ما أُمر به ؛ فرفع عليٌّ صوته، فقال : ( سبحان الله، لقد ادَّعى ما ليس له ).

فرجع قُنفذ، فأبلغ الرسالة ؛ فبكى أبو بكر طويلاً .

ثمَّ قام عمر، فمشى معه جماعة، حتَّى أتوا باب فاطمة، فدقُّوا الباب، فلمَّا سمعتْ أصواتهم ؛ نادت بأعلى صوتها : ( يا أبتِ، يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك مِن ابن الخطَّاب , وابن أبي قحافة ).فلمَّا سمع القوم صوتها , وبكاءها ؛ انصرفوا باكين , وكادت قلوبهم تَنصدع , وأكبادهم تَتفطَّر، وبقي عمر ومعه قوم، فأخرجوا عليَّاً، فمضوا به إلى أبي بكر , فقالوا له بايعْ . فقال : ( إنْ أنا لم أفعلْ ). قالوا :إذاً، والله الذي لا اله إلاَّ هو، نَضرب عُنقك. قال : ( إذاً، تقتلون عبداً لله , وأخا رسوله ). قال عمر :أمَّا عبد الله فنعمْ , وأمَّا أخا رسوله فلا .وأبو بكر ساكت، لا يتكلَّم . فقال له عمر: ألاْ تأمر فيه بأمرك ؟

فقال :لا أُكرهه على شيء، ما كانت فاطمة إلى جَنبه .

فلَحِق عليٌّ بقبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يَصيح , ويبكي , ويُنادي :

( يا بن أمْ، إنَّ القوم استضعفوني , وكادوا يقتلونني ) الحديث.(١) -(*)

____________________

(١) الإمامة والسياسة : ١/١٢ - ١٣ط الحلبي الطبعة الأخيرة عام ١٩٦٩م، والإمامة والسياسة ص١٩ - ٢٠، تحقيق الدكتور طه محمد الزيني بمصر.

(*) أخرج البلاذري، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أنَّه قال : بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى عليرضي‌الله‌عنه ، حين قعد عن بيعته، وقال: ائتني به بأعنف العُنف. فلمَّا أتاه جرى بينهما كلام. أنساب الأشراف : ١/٢٨٧ط مصر. وأخرج الزبير بن بكار، عن عمار بن ياسر، عن أبيه، عن جَدِّه، عن عمار بن ياسر قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( أوصي مَن آمن بالله , وصدَّقني بولاية علي بن أبي طالب، مَن تولاَّه فقد تولاَّني , ومَن تولاَّني فقد تولَّى الله , ومَن أحبَّه فقد أحبَّني , ومَن أحبَّني فقد أحبَّ الله عَزَّ وجلَّ ). الأخبار الموفقيَّات للزبير بن بكار ص٣١٢ط رئاسة ديوان الأوقاف بغداد، تحقيق الدكتور سامي مَكِّي. وقال ابن حجر : وأخرج الترمذي، مِن حديث زيد بن أرقم، أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال ل- ( عليٍّ، وفاطمة، والحسن، والحسين : ( أنا حربٌ لمَن حاربهم , وسلمٌ لمَن سالمهم ) الإصابة : ٤/٣٧٨. وأخرج الحاكم بسنده، عن ابن عباس، أنَّه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليٍّ : ( أما إنَّك سَتلقى بعدي جُهداً، قال : في سلامة من ديني ؟ قال : في سلامة مِن دينك ). ثمَّ قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. المُستدرك : ٣/١٤٠. وروى المُتَّقي الهندي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( مَن آذى عليَّاً فقد آذاني ). كنز العُمَّال : ١١/٦٠١ رقم الحديث ٣٢٩٠١. وقال السيوطي : أخرج الطبراني في الأوسط، عن جابر بن عبد الله، قال : خَطَبَنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فسمعته وهو يقول : ( أيُّها الناس، مَن أبغضنا أهل البيت حشره الله تعالى يوم القيامة يهوديَّاً ). إحياء الميِّت ص٢٢ط بيروت , مَجمع الزوائد : ٩/١٧٢.


المؤلِّف : ومِن العجيب، قول قُنفذ لعليٍّعليه‌السلام يدعوك خليفة رسول الله ! يعني بها أبا بكر وهم يزعمون أنَّه مات رسول الله، ولم يستخلِف أحداً، حتَّى قال عمر(*) عند موته :

إنْ أستخلف، فقد استخلف مَن هو خيرٌ مِنِّي، يعني به أبا بكر , وإنْ أدَعْ فقد وَدْعَ مَن هو خيرٌ مِنِّي ، يعني به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأعجب منه، بُكاء أبي بكر طويلاً مَرَّتين : مَرَّة عندما أبلغه قُنفذ قول عليٍّعليه‌السلام : لَسريعٌ ما كذبتم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم , ومَرّة أُخرى عندما أبلغه قول عليٍّعليه‌السلام .

لقد ادِّعى ما ليس له ؛ إذ ليس هذا موضع رِقَّة , ورحمةٍ , ولينٍ , بلْ هو موضع قَهْرٍ , وغَلبة , وكِبرياء , وعَظمة. فما الذي دعاه إلى البُكاء طويلاً.

والذي أحتمله قويَّاً، بلْ أقطع به إنَّه عَرف صِدق قول عليٍّعليه‌السلام :

( لَسريعٌ ما كذبتم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) , وعلم أنَّ قول عليٍّعليه‌السلام : ( لقد ادِّعى - يعني أبا بكر -

____________________

(*) الإمامة والسياسة لابن قتيبة : ١/٢٣، الطبعة الأخيرة عام ١٩٦٩م تحت عنوان : تولية عمر بن الخطَّاب الستَّة الشورى.


ما ليس له ). هو كلام حَقٍّ صحيح، وأنَّه افتَتن هو، وسقط في الفِتنة، وقد قال الله تعالى :

( الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) .

وقال أيضاً:( مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) آل عمران: ١٧٩.

وأعجب مِن الجميع، تجسُّرهم على عليٍّعليه‌السلام ، بقولهم :

إذاً، والله الذي لا إله إلاَّ هو نضرب عُنقك , وتجُّسر عمر بالخصوص على عليٍّعليه‌السلام ، بقوله : أمَّا عبد الله فنعمْ , وأمَّا أخو رسوله فلا.

١ - ( ألمْ يعلموا ) أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم آخى بين أصحابه , ولمْ يتَّخذ لنفسه أخاً سِوى عليَّ بن أبي طالب ؟!

وقال له : ( أنت أخي في الدنيا والآخرة ). وقد تواترت الأخبار في ذلك(١) .

٢ - ( ألم يعلموا ) بأنَّ

____________________

(١) أُنظر : صحيح الترمذي , صحيح ابن ماجة , مُستدرَك الحاكم , مُسنَد الإمام أحمد , طبقات ابن سعد , الدُّرُّ المنثور للسيوطي , كنز العُمَّال للمُتَّقي , أُسد الغابة لابن الأثير , الاستيعاب لابن عبد البَرِّ , حُلية الأولياء لأبي نعيم , ذخائر العُقبى والرياض النضرة للمُحبِّ الطبري , والإصابة لابن حجر , تاريخ بغداد للخطيب وغيرهم وغيرهم.

وحديث المؤاخاة بين الرسول والإمام، هذه بعض مَصادره :

الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر: ٢/٥٠٧ط مصر.

البداية والنهاية، لابن كثير الدمشقي: ٧/٣٤٨ حديث المؤاخاة.

إحياء العلوم لأبي حامد الغزالي : ٢/١٧٣ الباب الثالث، في حَقِّ المسلم والرَّحم، ط دار القلم بيروت.

أُسد الغابة، لابن الأثير : ٢/٢٢١ط مصر.

إسعاف الراغبين للصبَّان : ص١٤٩ - ١٥٥، بهامش نور الأبصار، للشبلنجي ط مصر عام ١٣٢١ه-

الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبد البَرّ : ٣/١١٠٣، تحقيق علي محمد البجاوي ط مصر نهضة مصر.

أسمى المطالب، للجزري الدمشقي : ص٦٢ط بيروت.

الأعلام، للزركلي: ٤/٢٩٥ط سابعة عام ١٩٨٦م بيروت دار العلم للملايين.

الإمام جعفر الصادق، لعبد الحليم الجندي : ص٢٠ط مصر عام ١٩٧٧ توفيق عويضة.

تاريخ الأُمَم والملوك، لابن جرير الطبري: ٢/٢١٧ الطبعة الأولى المطبعة الحسينيَّة بمصر.


____________________

تاريخ الخُلفاء، للشيخ عبد الرحمان السيوطي : ص١٦٦ - ١٧٠، تحقيق محمد مُحيي الدين عبد الحميد ط مصر.

تذكرة الخواصّ، لسبط ابن الجوزي : ص٣٠، مؤسَّسة أهل البيت بيروت عام ١٤٠١ه-. ترجمة الإمام علي مِن تاريخ دمشق، لابن عساكر: ١/١١٧ - ١٢٥ط بيروت. ترجمة الإمام علي مِن تاريخ دمشق، لابن عساكر : ٢/٤٤٢ط بيروت. تلخيص المُستدرَك للذهبي : ٣/١٤ط حيدر آباد الهند. جامع الأصول، لابن الاثير الجزري : ٩/٤٦٨ط مصر.

جريدة السياسة المِصريَّة، مُلحَق عدد ٢٧٥١ : صادر في ١٩ مارس عام ١٩٣٢ بالقاهرة. حُلية الأولياء، لأبي نعيم الأصبهاني : ٧/٢٥٦ط مؤسَّسة الخانجي بالقاهرة. حياة محمد , محمد حسين هيكل : ص١٠٤، الطبعة الأولى بمصر عام ١٩٥٤م. خصائص أمير المؤمنين، للنسائي : ص١٨ - ١٩ط مصر عام ١٣٤٨ه-. ذخائر العُقبى للمُحبِّ الطبري: ص٦٥ط حسام الدين صاحب، مكتبة القُدسي بمصر. الرياض النضرة للمحب الطبري: ٣/١١١ - ١١٣ دار الندوة الجديدة بيروت. السُّنَن لابن ماجه القزويني: ١/٤٤ ط مصر، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. سُنَن الترمذي، لأبي عيسى محمد: ٥/٦٣٦، تحقيق إبراهيم عطوة عوض ط مصر. السيرة النبويَّة لابن هشام : ٢/٥٠٥، تحقيق مصطفى السقاط مصر. شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد : ١/٢٨٤ - ٣٩٩، الطبعة الأولى عيسى البابي بمصر. شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد : ٢/٦١ - ٤٢٩ - ٤٣١، الطبعة الأولى عيسى البابي بمصر. شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد : ٣/٢٥٩ - ٢٦١، الطبعة الأولى عيسى البابي بمصر. شواهد التنزيل، للحسكاني : ١/٢٧٤ط بيروت.

الشرف المؤبَّد لآل محمد، للنبهاني : ص٦٢ط بيروت عام ١٣٠٩ه- شذرات الذهب، لابن العماد الحنبلي : ١/٥٠ط القاهرة. شذرات الذهب، لابن العماد الحنبلي : ٣/٣٨٣ط القاهرة. الطبقات الكُبرى لابن سعد : ٣/١٤ط ليدن ٣/٢٢ط بيروت. عليٌّ وحقوق الإنسان، جورج جرداق : ١/٦٠ط بيروت. عليُّ بن أبي طالب، عبد الكريم الخطيب : ص١١٠ط مصر عام ١٩٦٩ دار الفكر العربي. فرائد السمطين، للحمويني الشافعي : ١/١١١ - ١١٧ - ١٢١ط بيروت. فيض القدير، لمحمد بن عبد الرؤوف المنَّاوي: ٤/٣٥٥، طبعة مصر. كفاية الطالب، للگنجي الشافعي : ص١٦٨ - ١٩٣ - ٢٣٨ط دار إحياء التراث بيروت. كنوز الحقائق، للمنَّاوي : ١/٥١، بهامش الجامع الصغير، للسيوطي ط القاهرة. كنز العُمَّال : ١١/٥٩٨ رقم الحديث ٣٢٨٧٩ط مؤسسة الرِّسالة بيروت. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، لابن حجر الهيثمي : ٩/١١١ - ١١٢ - ٢٠٩ط مصر. مُستدرك الصحيححين، للحاكم : ٣/١٤.

مُسنَد أحمد بن حنبل : ١/١٥٩ - ٢٣٠ط مصر. مُعجم المؤلِّفين، عمر رضا كحاله : ٧/١١٢ط بيروت. مناقب علي بن أبي طالب، للمغازلي : ص٣٧ - ٣٩. مُنتخب كنز العُمَّال، للمُتَّقي الهندي : ٥/٣٢ - ٤٦ - ١١٧ط مصر.

معجم الشيوخ، لابن الأعرابي : ( مخطوط ) الورق ١٧، كما في ترجمة الإمام علي مِن تاريخ دمشق لابن عساكر. نُزل الأبرار، للبدخشي: ٦٥ط بمبى الهند. نظم دُرَر السمطين، للزرندي : ص٩٤ط العراق. نور الأبصار، للشيخ مؤمن الشبلنجي : ص٥ ط مصر. وفيات الأعيان، لابن خلكان : ٥/٢٣١ط مصر.

ينابيع المودَّة، للقندوزي الحنفي : ١/٥٦ط استانبول عام ١٣٠١.


عليَّاًعليه‌السلام ، مِمَّن أذهب الله عنهم الرِّجْس وطهَّرهم تطهيراً(١) .

٣ -( أَلَمْ يَعْلَمُوا ) أنَّ عليَّاًعليه‌السلام نفس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ حيث قال الله تعالى :( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) .

____________________

(١) صحيح مسلم : ٤/١٨٨٣ , صحيح الترمذي : ٥/٣٥٢ - ٦٦٣ , مُسنَد الإمام أحمد بن حنبل : ٤/١٠٧، مُستدرك الصحيحين : ٢/٤١٦ , تلخيص المُستدرك : ٢/٤١٦ , تفسير جامع البيان لابن جرير الطبري : ٢٢/٥ , الدُّرُّ المَنثور في التفسير بالمأثور : ٥/١٩٨ - ١٩٩ , خصائص النسائي ص٤.

(*) وانظر المصادر التي عثرنا عليها، وهي زيادة على ما ذكرها المؤلِّف ( طاب ثراه ) :

السُّنَن الكُبرى للبيهقي : ٢/ ١٤٨ , الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر: ٢/٥٠٩ , مَجمع الزوائد للهيثمي : ٩/١١٩ - ١٦٩ - ٢٠٧ , الرياض النضرة للمُحبِّ الطبري: ٣/١٣٥ , أُسد الغابة، لابن الأثير : ٢/١٢ و٤/٢٩، في أنَّ آية التطهير، قد نزلت في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم , وعليٍّعليه‌السلام , وفاطمةعليها‌السلام , والحسن، والحسينعليهما‌السلام .


آل عمران : ٦١(١) .

____________________

(١) صحيح مسلم : ٤/١٨٧١، كتاب فضائل الصحابة، باب مِن فضائل عليِّ بن أبي طالب، صحيح الترمذي : ٥/٦٣٨، رقم الحديث ٣٧٢٤، تفسير الكشاف : ١/٤٣٤، تفسير الفخر الرازي : ٨/٩٠، تفسير الطبري : ٣/٢١٢ - ٢١٣، الدُّرُّ المنثور : ٢/٣٨ - ٣٩، أسباب النزول للواحدي : ص٩٥.

الرضوي : انظر المصادر التي عثرنا عليها : (*)

(*) - تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٦٩، تفسير لُباب التأويل للخازن : ١/٢٤٢، وقال : المُراد بالنفس نفسهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليَّاًرضي‌الله‌عنه ، ينابيع المودَّة للقندوزي الحنفي : ١/٥٢، قال :

إنَّ عليَّاً رضي‌الله‌عنه ،كنفس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، تفسير محاسن التأويل للقاسمي : ٤/١١٤، قال : قال جابر :وأنفسنا وأنفسكم : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،وعلي بن أبي طالب ، تفسير القرآن العظيم لابن كثير الدمشقي : ١/٣٧١، قال :وأنفسنا : رسول الله،وعليِّ بن أبي طالب ، والمُحبُّ الطبرى، قال :وأنفسنا : رسول الله،وعلي بن أبي طالب ، ذخائر العُقبي ص٢٥ تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي ص٣٠، معالم التنزيل للبغوي : ١/٤٨١، مدارك التنزيل للنسفي : ١/١٦١، غرائب القرآن للنيسابوري : ٣/٢١٤، وقال :وإنَّما يُعلَم إتيانه بنفسه مِن قرينة ذكر النفس، ومِن إحضار مِن هُمْ أعَزُّ مِن النفس مِن قرينة أنَّ الإنسان لا يدعو نفسه السراج المُنير للشربيني : ١/٢٢٢، روح المعاني للآلوسي البغدادي : ٣/١٨٨، الجواهر في تفسير القرآن، للشيخ طنطاوي المصري : ١/١٢٦، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي : ٤/١٠٤، تفسير المراغي ( محمد مصطفي ) : ٣/١٧٤ - ١٧٥، كفاية الطالب للگنجي الشافعي : ص١٢٢، تفسير أبي السعود ( إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم ) : ١/٤٩٧، أُسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير : ٤/٢٦، أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي ٢/٢٢، ذخائر العُقبى للمُحبِّ الطبري ص٢١ - ٢٥، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني : ٢/٥٠٩ط مصر. وقال الفخر الرازي : والذييَدلُّ عليه قوله تعالى :( وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) ،وليس المُراد بقوله :( وَأَنْفُسَنَا ) ،نَفس محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛لأنَّ الإنسان لا يدعو نفسه، بلْ المُراد به غيره .

وأجمعوا على أنَّ ذلك النفس، هو عليُّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه ؛ فدلَّت الآية على أنَّ نفس عليٍّ هي نفس محمد، ولا يُمكن أنْ يكون المُراد منه، أنَّ هذه النفس هي عين تلك النفس. فالمُراد : أنَّ هذه النَّفس مِثل تلك النَّفس، وذلك يقتضى الاستواء في جميع الوجوه، تُرِكَ العمل بهذا العموم في حَقِّ النبوَّة، وفي حَقِّ الفضل لقيام الدلائل، على أنَّ محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان نبيَّاً وما كان عليٌّ كذلك، ولانعقاد الإجماع، على أنَّ محمداً كان أفضل مِن عليٍّرضي‌الله‌عنه ، فيبقى فيما وراءه معمولاً به. ثمَّ الإجماع، دلَّ على أنَّ محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كان أفضل مِن سائر الأنبياءعليهم‌السلام ؛ فيلزم أنْ يكون عليٌّ أفضل مِن سائر الأنبياء. هذا وجه الاستدلال بظاهر هذه الآية ويؤيِّد الاستدلال بهذه الآية، الحديث المقبول عند الموافق والمُخالف، وهو قولهعليه‌السلام : ( من أراد أنْ يرى آدم في علمه، ونوحاً في طاعته، وإبراهيم في خِلَّته، وموسى في هَيبته، وعيسى في صَفوته ؛ فلينظر إلى علي بن أبي طالبعليه‌السلام ). فالحديث دلَّ، على أنَّه اجتمع فيه ما كان متفرِّقاً فيهم ؛ وذلك يدلُّ على أنَّ عليَّاًعليه‌السلام أفضل مِن جميع الأنبياء، سِوى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان نفس محمد، أفضل مِن الصحابة ( رضوان الله عليهم ) ؛ فوجب أنْ يكون نفس عليٍّ أفضل أيضاً مِن سائر الصحابة. تفسير مَفاتيح الغيب : ٨/٩٠ط مصر.


٤ - ( ألمْ يعلموا ) أنَّ النبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال لعليٍّعليه‌السلام : ( أنت مِنِّي بمَنزلة هارون مِن موسى )، وقد تواترت الأخبار في هذا القول(١) .

٥ - ( ألمْ يعلموا ) أنَّ عليَّاً أحبُّ الخَلق إلى الله ورسوله، كما نَطق به حديث الطير المشويّ، الذي تواترت الأخبار في شأنه(٢) .

٦ - ( ألمْ يعلموا ) أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :

____________________

(١) صحيح البخاري : ٤/٢٠٨ ط استانبول، صحيح مسلم : ٤/١٨٧٠، كتاب فضائل الصحابة، باب مِن فضائل عليٍّ، صحيح الترمذي : ٥/٦٤١ رقم الحديث ٣٧٣٠، سُنن ابن ماجة: ١/٤٣، رقم الحديث ١١٥، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، مُستدرَك الصحيحين: ٣/١٣٣، خصائص النسائي ص١٧، طبقات ابن سعد : ٣/٢٣ - ٢٤ط بيروت حُلية الأولياء : ٧/١٩٤ - ١٩٥ - ١٩٦.

كنز العُمَّال: ١١/٥٩٩ - ٦٠٣ - ٦٠٦ - ٧٤٠، ط مؤسسة الرسالة بيروت، الرياض النضرة للمُحبِّ الطبري : ٣/١٠٥ط بيروت.

أُسد الغابة : ٤/٢٧، مُسنَد أحمد، / تاريخ بغداد، / تاريخ الطبري، وغيرهم.

وانظر المصادر التي عثرنا عليها، زيادة على ما ذكرها المؤلِّف ( رضوان الله تعالى عليه ) (*)، وهي :

(*) - الإصابة لابن حجر : ٢/٥٠٧ط مصر، ذخائر العقبى ص٦٣ - ٦٤، الرياض النضرة للمُحبِّ الطبري : ٣/١٠٥، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص١٦٨، مجمع الزوائد لابن حجر : ٩/١١٠ - ١١١، جامع الأصول لابن الأثير : ٩/٤٦٨ - ٤٦٩.

(٢) صحيح الترمذي : ٥/٦٣٧، مُستدرَك الصحيحين : ٣/١٣٠، تلخيص المُستدرَك : ٣/١٣٠، ينابيع المودَّة : ١/٥٦، أُسد الغابة لابن الأثير : ٤/٣٠، ذخائر العُقبى ص٦١، الرياض النضرة : ٣/١٠٣، مُجمع الزوائد : ١/١٢٥ - ١٢٦، تاريخ بغداد، فتح القدير : ٤/٣٥٧ - ٣٥٨ رقم الحديث ٥٥٩٧.


( إنِّي تاركٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعِترتي )(*) ، وقد تواترت الأخبار في هذا المعنى(١) .

____________________

(*) - حديث الثقلين، دلالته على عصمة أئمَّة أهل البيتعليهم‌السلام ؛ لاقترانهم بالكتاب، الذي لا يأتيه الباطل مِن بين يديه، ولا مِن خَلفه، وتصريحه بعدم افتراقهم عنه.( ومن البديهي، أنَّ صدور أيَّة مُخالفة للشريعة، سواء كانت عن عَمد، أم سهو، أمْ غَفلة، تُعتبَر افتراقاً مِن القرآن في هذا الحال، وإنْ لم يَتحقَّق انطباق عنوان المَعصية عليها أحياناً، كما في الغافل، والساهي، والمَدار في صدق عنوان الافتراق عنه، عدم مُصاحبته لعدم التقيُّد بأحكامه، وإنْ كان مَعذوراً في ذلك ؛ فيُقال : فلان - مَثلاً - افترق عن الكتاب، وكان مَعذوراً عنه، والحديث صريح في عدم افتراقهما، حتَّى يردا عليَّ الحوض ). الأصول العامَّة للفقه المُقارن ص١٦٦. ومِن خُطبة للإمام الحسن السبطعليه‌السلام ، فيما خصَّ الله به أهل البيتعليهم‌السلام قال : ( وأُقسم بالله، لو تمسَّكت الأُمَّة بالثقلين ؛ لأعطتهم السماء قَطرها، والأرض بَركتها ؛ ولأكلوا نِعمتها خضراء، مِن فوقهم، ومِن تحت أرجلهم، مِن غير اختلاف بينهم إلى يوم القيامة.قال الله عَزَّ وجلَّ :( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) . وقال عَزَّ وجلَّ :( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ). الروائع المُختارة مِن خُطب الإمام الحسن السبط، ص٥٨ط مصر

وقال آية الله السيِّد محمد باقر الحُجَّة الطباطبائي الحائريقدس‌سره .

عند انضمام ما أتى مِن الأثر

ضِمن حديث الثقلين المُعتَبر

ما إنْ تَمسَّكتم بعتره الهُدى

وبالكتاب لنْ تضلُّوا أبداً

فمَن تراه ترك التَّمسُّكا

بهم ففي نهج الضلال سَلَكا

وشيعة الطُّهر أبي السِبطين

مولاي بعد سيِّد الكونين

تَمسَّكوا بآله الأطياب

تَمسُّك الأُمَّةِ بالكتاب

فاتَّخذوهم كالكتاب حُجْجَاً

ومَن رآهم حُججاً فقد نجا

(*) الشهاب الثاقب منظومة في الإمامة.

انظر : تراثنا العدد ٤١ - ٤٢ ص ٢٩٨ - ٢٩٩.

(١) صحيح مسلم : ٤/١٨٧٤١٨٧٣ رقم الحديث ٣٧ كتاب فضائل الصحابة، صحيح الترمذي : ٥/٦٦٢، رقم الحديث ٣٧٨٦ مُستدرَك الصحيحين : ٣/١٤٨، مُسنَد أحمد بن حنبل : ٣/١٤ و٤/٣٦٧، حلية الأولياء : ١/٣٥٥، مجمع الزوائد : ٩/١٦٢، وانظر المصادر التي عثرنا عليها (*) :

(*) - الإمامة والسياسة لابن قتيبة : ١/١٠٩، ينابيع المودَّة للقندوزي الحنفي : ١/٣٨ - ٣٩ - ٤٠ - ٤١ ط استانبول، إحياء المَيْت بفضائل أهل البيت للسيوطي : ص١٢ - ٢٥ - ٣٦ - ٤٨، السُّنَن الكُبرى للبيهقي : ٢/ ن١٤٨، مُسند الدارمي : ٢/٤٣٢٤٣١، فيض القدير للمناوي : ٣/١٤ رقم الحديث ٢٦٣١ مَجمع الزوائد : ٩/١٠٨ وفي باب فضائل أهل البيت ١٦٢ - ١٦٣، المُعجم الكبير للطبراني : ٥/١٥٣ - ١٥٤ - ١٨٢ - ١٨٣، تلخيص المُستدرك، ٣/١٤٨، مُستدرك الصحيحين : ٣/١٤٨.


٧ - ( ألم يعلموا ) أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال يوم غدير خُمٍّ(*) :( ألستُ أولى بالمؤمنين مِن أنفسهم ؟ ) قالوا: بلى. وقال أيضاً : ( فمَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ).

وقال : ( اللَّهمَّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه ).

وقد ورد الأخبار في ذلك فوق التواتر(**) .

____________________

(*) - قال عبد المؤمن بن عبد الحَقِّ البغدادي : خُمّ : بِئر قريب مِن المِيثب، حفرها مُرَّة بن كعب، نُسب إلى ذلك غدير خُمٍّ. وهو بين مَكَّة والمدينة، على ثلاثة أميال مِن الجُحفة. وقيل : على مِيل. وهناك مَسجد للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة والبِقاع: ١/٤٨١. وقال أبو ريحان، محمد بن أحمد البيروني المُتوفَّى عام ٤٤٠ ه- : واليوم الثامن عشر ( مِن شهر ذي الحَجَّة )، يُسمَّى غدير خُمٍّ، وهو اسم مرحلة نزل بها النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، عند مُنصرفه مِن حَجَّة الوداع، وجمع القتب والرحال، وعلاها - آخذاً بعضد عليّ بن أبي طالب -عليه‌السلام وقال : ( أيُّها الناس، ألستُ أولى بكم مِن أنفسكم ؟ قالوا : بلى. قال : مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللَّهمَّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وانصُر مَن نَصره، واخذل مَن خذله، وأدرِ الحَقَّ معه حيثُما دار. اللَّهمَّ هلْ بلَّغت - ثلاثاً - ). الآثار الباقية عن القرون الخالية ص٣٣٤ ط ألمانيا، عام ١٩٢٣م.

(**) - صحيح الترمذي : ٥/٦٣٣، سُنَن ابن ماجة : ١/٤٣ فضل عليِّ بن أبي طالب، رقم الحديث ١٦٦ - ١١٧، مُستدرك الصحيحين : ٣/١١٠، مُسند الإمام أحمد بن حنبل : ١/١١٨ - ١٥٢، الدرُّ المنثور : ٢/٢٥٩ - ٢٩٣، تفسير الفخر الرازي : ١١/١٤٠ط دار الفكر، تاريخ بغداد : ٨/٢٩٠، خصائص النسائي ص٢٢، كنز العمَّال : ١١/٦٠٢ ط بيروت، رقم الحديث ٣٢٩٠٤، الإصابة : ٢/٥٠٩، أُسد الغابة : ٤/٢٨.وانظر المصادر التي عثرنا عليها (*) : (*) - مجمع الزوائد للهيثمي : ٩/١٠٣ - ١٠٨، تلخيص المُستدرك : ٣/١١٠ - ١١٦، تاريخ الخلفاء للسيوطي : ص١٦٩، ذخائر العُقبى للمُحبِّ الطبري : ٦٧ - ٦٨، فيض القدير : ٤/٣٥٧، ٦/٢١٧ ، وروى جمال الدين، محمد بن يوسف الزرندي الحنفي، عن عليٍّعليه‌السلام ، قال : ( عمَّمني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يوم ( غدير خُمٍّ ) بعِمامة، فسدل نمرقها على منكبي، وقال : إنَّ الله أمدَّني يوم بدر وحُنين بملائكة مُعمَّمين هذه العِمامة ). وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جَدِّه : ( أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عَمَّم عليَّ بن أبي طالب عمامته السحابة، وأرخاها مِن بين يديه، ومِن خَلفه، ثُمَّ قال : أقبِل ؛ فأقبَل، ثُمَّ قال : أدبِر ؛ فأدبَر، فقال : هكذا جائتني الملائكة، ثُمَّ قال : ( مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللهم والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وانصُر مَن نصره، واخذل مَن خذله ). قال حسان بن ثابت : يا رسول الله ائذن لي أنْ أقول أبياتاً تسمعها ؛ فقال : ( قُلْ على بركة الله ) ؛ فقام حسان، فقال : يا معشر قريش، اسمعوا قولي بشهادة مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمَّ أنشأ يقول :

يناديهمُ يوم الغدير نبيُّهم

بخمٍّ وأسمِع بالرسول مُنادياً

فقال فمَن مولاكمُ ونَبِيّكم

فقالوا : ولم يبدوا هناك التعامياً

إلهك مولانا وأنت وليُّنا

ولنْ تَجدَنَّ مِنّا لك اليوم عاصياً

هناك دعا اللَّهمَّ والِ وليَّه

وكُنْ للذي عادى عليَّاً مُعادياً

فقال له : قُمْ يا عليٌّ فإنَّني

رضيتك مِن بعدي إماماً وهادياً

نظم دُرَر السمطين، في فضائل المصطفى والمُرتضى والبتول والسبطين ص١١٠ - ١١١ط العراق.


بلى والله، لقد علموا جميع ذلك كلَّه، وسمعوها، ووعوها، وعرفوها حَقَّ المعرفة، ولكنْ صدق اللّعين إبليس ؛ حيث قال:(*)

____________________

(*) سقط في أصل الكتاب ( الشبكة).


٣ - باب ( إنَّ أبا بكر عند موته يودُّ أنَّه لم يكشف بيت عليٍّ وفاطمةعليهما‌السلام )(*) .

١ - ابن جرير، روى بسنده، عن عمر بن عبد الرحمان بن عوف، عن أبيه، أنَّه دخل على أبي بكر، في مرضه الذي تُوفِّي فيه، فأصابه مُهتِّماً

قال أبو بكر:أجلْ، إنِّي لا آسي على شيءٍ مِن الدنيا، إلاَّ على ثلاث فعلتهُنَّ، وددَّت أنِّي تركتهُنَّ ...، فوددَّت أنِّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيءٍ وإنْ كانوا قد غلَّقوه على الحرب . ( الحديث )(١) .

٢ - الذهبي : ذكر عن العقيلي حديثاً مُسنداً، قد اعترف هو بصحَّته :

عن عبد الرحمان بن عوف، أنَّه قال : دخلت على أبي بكر ؛ فاستوى جالساً، فقلت : أصبحت بحمد الله بارئاً

ما أرى بك بأساً، والحمد لله، فلا تأسَ على الدنيا

____________________

(*) فيه ثلاثة أحاديث.

(١) تاريخ الطبري : ٤/٥٢ ط المطبعة الحسينيَّة بمصر، في ترجمة أبي بكر، حوادث السنة الثانية عشرة.


فقال أبو بكر :إنِّي لا آسي على شيءٍ، إلاّ على ثلاث، وددَّت أنِّي لم أفعلهنَّ، وددَّت أنَّي لم أكشف بيت فاطمة، وتركته، وإنْ أعلن على الحرب . ( الحديث )(١) .

٣ - قال ابن قتيبة، تحت عنوان : مرض أبي بكر واستخلافه عمر :

ثمَّ إنَّ أبا بكر عَمِل سنتين، وشهوراً، ثمَّ مَرِض مَرَضه الذي مات فيه ؛ فدخل عليه أناس مِن أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيهم :

عبد الرحمان بن عوف، فقال له :كيف أصبحت يا خليفة رسول الله ؟ فإنِّي أرجو أن تكون بارئاً ،

قال :أترى ذلك ؟

قال :نعم.

قال أبو بكر : والله،إنِّي لشديد الوَجع - إلى أنْ قال - :والله، لا آسي إلاّ على ثلاث فعلتهنَّ، ليتني كنتُ تركتهنَّ - إلى أنْ قال - :فليتني تركت بيت عليٍّ، وإنْ كان أعلن عليَّ الحرب . (الحديث) (٢) .

* * *

____________________

(١) ميزان الاعتدال : ٢/٢١٥.

(٢) الإمامة والسياسة، ١/١٨، تحت عنوان : مرض أبي بكر واستخلافه عمر. الطبعة الأخيرة عام ١٩٦٩ م.


٤ - باب ( إنَّ فاطمة مَن أغضبها أغضب الله ورسوله، وقد أغضبها أبو بكر وعمر ؛ فهجرتهما حتَّى تُوفِّيت )(*) .

هذا الباب يشتمل على ثلاثة مطالب :

المطلب الأوَّل : إنَّ مَن أغضب فاطمةعليها‌السلام فقد أغضب الله.

المطلب الثاني : إنَّ مَن أغضب فاطمةعليها‌السلام فقد أغضب رسول الله.

المطلب الثالث : إنَّ أبا بكر وعمر قد أغضبا فاطمةعليها‌السلام ؛ فهجرتهما حتَّى تُوفِّيت.

أمَّا المطلب الأوَّل : فقد جاء فيه أخبار كثيرة، وهذا تفصيل ما ظفرتُ عليه على العُجالة :

١ - الحاكم روى بسنده، عن علي أنَّه قال : ( قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لفاطمة : إنَّ الله يغضب لغضبك، ويرضى

____________________

(*) فيه إحدى عشر حديثاً.


لرِضاك )(١) (٢) .

٢ - الذهبي ذكر عن الطبراني حديثاً، عن عليٍّ، قد اعترف بصحَّته ( أنَّه )(٣) قال : ( قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لفاطمة : ( إنَّ الرَّبَّ يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك )(٤) .

٣ - المُتَّقي الهندي قال : إنَّ الله ( عزَّ وجلَّ ) يغضب لغضب فاطمة، ويرضى لرضاها، قال : أخرجه الديلمي، عن عليٍّ - يعني - عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمَّ أخرجه ثانيا بفصل غير بعيد، وقال : أخرجه أبو يعلى، وأبو نعيم في فضائل الصحابة(٥) .

٤ - [ المُحبُّ الطبري ] : روى عن علي بن أبي طالب : ( أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( يا فاطمة، إنَّ الله ( عزَّ وجلَّ ) يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك ).

قال : أخرجه أبو سعيد في شرف النبوّة، وابن المُثنّى في مُعجمه(٦) .

وأمَّا المطلب الثاني : وهو أنَّ مَن أغضب فاطمة، فقد أغضب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

١ - روى البخاري، بسنده عن المسوَّر بن مخرمة، أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :

____________________-

(١) رواه الحاكم في مُستدرك الصحيحين ٣/١٥٤، وقال هذا حديث صحيح الإسناد، تلخيص المُستدرك للذهبي ٣/١٥٤.

(٢) أُسد الغابة : ٥/٥٢٢، وابن حجر في : الإصابة : ٨/١٥٩ ط كلكتا الهند، وفي تهذيب التهذيب : ١٢/٤١١، وأورده المُتَّقي الهندي في :

كنز العُمَّال : ٧/١١١، وقال : أخرجه ابن النجار.

(٣) ما بين المعقوفتين لم يكن في الأصل.

(٤) ميزان الاعتدال : ٢/٧٢.

(٥) كنز العُمَّال : ٦/٢١٩ ط حيدر آباد - الهند، مجمع الزوائد : ٩/٢٠٣، باب مناقب فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

(٦) ذخائر العُقبى في مناقب ذوي القُربى ص٣٩.


( فاطمة بِضعة مِنِّي ؛ فمن أغضبها أغضبني )(١) .

٢ - روى البخاري حديثا مُسنداً، عن المسوَّر بن مخرمة، قال فيه : - أي أنَّه - قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( [ فاطمة ](٢) فإنَّما هي بِضعة مِنِّي، يُريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها )(٣) .

وأمَّا المطلب الثالث : وهو أنَّ أبا بكر وعمر، قد أغضبا فاطمةعليها‌السلام ؛ فهجرتهما حتَّى توفِّيت، فقد جاء فيه أخبار كثيرة أيضاً، لا يبعد بلوغها حَدَّ التواتر، وهذا تفصيل ما عثرتُ عليه على العُجالة :

١ - روى البخاري بسنده، عن عروة بن الزبير : أنَّ عائشة أمَّ المؤمنين أخبرته: أنَّ فاطمة عليها‌السلام ابنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،سألت أبا بكر الصديق، بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ يُقسِّم

____________________

(١) صحيح البخاري، مشكول بحاشية السندي، طبعة الحلبي بمصر : ٢/٣٠٨، باب مناقب فاطمةعليها‌السلام ، صحيح البخاري : ٤/٢١٩ط استانبول، باب مناقب فاطمةعليها‌السلام ، كنزل العمَّال : ٦/٢٢٠، وقال : أخرجه ابن أبي شيبة، فيض القدير شرح الجامع الصغير للمنَّاوي : ٤/٤٢١، وقال : استدلَّ به السهيلي : على أنَّ مَن سبَّها كفر ؛ لأنّه يغضبه : وأنَّها أفضل مِن الشيخين، قال الشريف السمهودي : ومعلوم أنَّ أولادها بِضعة منها ؛ فيكونون بواسطتها بِضعة منه ؛ ومِن ثَمَّ لمَّا رأت أُمُّ الفضل في النوم، أنَّ بضعة منه، وضِعت في حِجرها، أوَّلَها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بأنْ تلد فاطمة غُلاماً ؛ فيوضع في حِجرها، فوَلدت الحسن، فوضِع في حِجرها ؛ فكلّ مَن يُشاهَد الآنْ مِن ذرّيتها بِضعة مِن تلك البِضعة، وإنْ تعدَّدت الوسائط. وذكر هذا الحديث النسائي في خصائصه ص٣٥.

المؤلِّف : هذا ما جاء بلفظ : فمَن أغضبها أغضبني.

(٢) ما بين المعقوفين لم يكن في الأصل.

(٣) صحيح البخاري، مشكول بحاشية السندي : ٣/٢٦٥، صحيح مسلم : ٤/١٩٠٢، باب فضائل فاطمة بنت النبي ( عليها الصلاة والسلام ) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، سُنَن الترمذي : ٥/٦٩٨ - ٦٩٩، تحقيق إبراهيم عطوة عوض، مُسند أحمد بن حنبل : ٤/٣٢٣ ورد بلفظ : ( فاطمة مضغة مِنِّي، يقبضني ما قبضها، ويبسطني ما بسطها )، وفي حلية الأولياء لأبي نعيم : ٢/٤٠، وفي مُستدرك الصحيحين للحاكم : ٣/١٥٤، وفي تلخيص المُستدرك، ٣/١٥٤ عن المسوَّر مرفوعاً.

( إنَّما فاطمة شجنة مِنّي، يبسطني ما يبسطها، ويقبضني ما يقبضها ).

وقال المؤلِّفقدس‌سره : ورواه البيهقي في سُنَنه ج٧، وكنز العمَّال : ج٦، وأبو داود في صحيحه في جلد ١٢ وغيره.

وانظر : مُسند أحمد بن حنبل : ٤/٥.


لها ميراثها، مِمَّا ترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مِمَّا أفاء الله عليه.

فقال لها أبو بكر : إنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : ( لا نورِّثْ، ما تركناه صدقة ) ؛ فعضبت فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ فهجرت أبا بكر، فلم تزل مُهاجرته حتَّى توفِّيت، وعاشت بعد رسول الله ستَّة أشهر.

قالت : وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها، مِمَّا ترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن خيبر، وفدك، وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك. الحديث(١) .

٢ - روى البخاري بسنده، عن عروة عن عائشة : أنَّ فاطمةعليها‌السلام بنت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أرسلت إلى أبي بكر، تسأله ميراثها مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مِمَّا أفاء الله عليه بالمدينة، وفدك، وما بقي مِن خُمس خيبر.

فقال أبو بكر : إنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( إنَّا لا نُوِّرث، ما تركناه صدقة )، إنَّما يأكل آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا المال، وإنِّي والله، لا أُغيِّر شيئاً مِن صدقة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، عن حالها التي كان عليها، في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولأعَملنَّ فيها بما عمِل به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فأبى أبو بكر أنْ يدفع إلى فاطمة منها شيئاً ؛ فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك ؛ فهجرته ؛ فلم تُكلِّمه حتَّى تُوفِّيت، وعاشت بعد النبي ستَّة أشهر، فلَمَّا توفِّيت دفنها زوجها عليٌّ ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر وصلّى عليها عليٌّ. الحديث(٢) .

٣ - البخاري روى بسنده عن عروة، عن عائشة : أنَّ فاطمة والعباسعليهما‌السلام أتيا أبا بكر

____________________

(١) صحيح البخارى : ٢/١٨٦ باب فرض الخمس ( الحديث الثاني )، وانظر : مُسند أحمد بن حنبل : ١/٦ - ٩، السُّنَن الكبرى للبيهقي : ٦/٣٠٠ - ٣٠١، الطبقات الكبرى لابن سعد : ٨/١٨ط ليدن.

(٢) صحيح البخاري : ٢/١٨٦ و٣/٥٥ طبعة الحلبي بمصر، الجامع الصحيح لمسلم بن الحجاج القشيري : ٥/١٥٣ط استانبول عام ١٣٣٤ه-، كتاب الجهاد والسير، باب قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( لا نُورِّث )، السُّنَن الكبرى للبيهقي : ٦/٣٠٠ مُشكل الآثار للطحَّاوي : ١/٤٧، الطبقات الكبرى لابن سعد : ٢ القسم الثاني /٨٤، ولم يذكر قِصَّة دفنها ليلاً، وذكره المُتَّقي الهندي في كنز العمَّال : ٣/١٢٩، ولم يذكر أيضاً قصَّة دفنها ليلاً.

وقال : رواه ابن الجارود، وابن عوانة، وابن حبّان.


يلتمسان ميراثهما مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهما حينئذٍ يطلبان أرضيهما مِن فدك، وسهمهما مِن خيبر، فقال لهما أبو بكر : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( لا نورِّثُ، ما تركناه صدقة ) - إلى أنْ قال - : فهجرته فاطمة ؛ فلم تكلِّمه حتَّى ماتت(١) .

٤ - الترمذي محمد بن عيسى، روى بسنده عن أبي هريرة : أنَّ فاطمةعليها‌السلام جاءت أبا بكر وعمر ؛ تسأل ميراثها مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقالا : سمعنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( إنّي لا أورِّث ).

قالت : ( والله لا أكلِّمكما أبداً ؛ فماتت ولم تكلِّمهما )(٢) .

٥ - ابن قتيبة قال : - تحت عنوان - : كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب.

فقال عمر لأبي بكر انطلق : بنا إلى فاطمة ؛ فإنَّا قد أغضبناها ؛ فانطلقنا جميعاً، فاستأذنَّا على فاطمة، فلم تأذَن لهما ؛ فأتيا عليَّاً، فكلَّماه فأدخلهما عليها، فلمَّا قعدا عندها حوَّلت وجهها إلى الحائط، فسلَّما عليها فلم تردَّعليهما‌السلام

فقالت - يعني - فاطمة : ( أرأيتكما إن حدَّثتكما حديثا عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تعرفانه وتفعلان به )

قالا : نعم.

فقالت : ( نشدتكما الله، ألم تسمعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : رضا فاطمة مِن رضاي، وسخط فاطمة مِن سَخطي ؛ فمَن أحبَّ فاطمة ابنتي فقد أحبَّني، ومَن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومَن أسخط فاطمة فقد أسخطني).

قالا : نعم، سمعناه مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قالت : ( فإنِّي أُشهد الله وملائكته، أنَّكما أستخطتماني، وما أرضيتماني، ولإنْ لقيت

____________________

(١) صحيح البخاري مشكول : ٤/١٦٤، كتاب الفرائض، باب قول النبي : ( لا نورِّثْ، ما تركنا صدقة )، وفي الجامع الصحيح لمسلم بن الحجاج القشيري : ٥/١٥٥ط استانبول، كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي : ( لا نورِّث، ما تركناه فهو صدقة )، مُسند أحمد بن حنبل: ١/١٠٩، السُّنَن الكبرى للبيهقي : ٦/٣٠٠.

(٢) صحيح الترمذي : ج١. باب ما جاء في تركة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طبعة بولاق عام ١٢٩٢ه-.


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأشكونَّكما إليه ).

فقال أبو بكر(١) : أنا عائذ بالله تعالى مِن سخطه، وسخطك يا فاطمة.

ثمَّ انتحب أبو بكر يبكي، حتَّى كادت نفسه أنْ تزهق، وهي تقول :

والله، لأدعونَّ الله عليك في كلِّ صلاة أُصلِّيها. ثمَّ خرج باكياً، فاجتمع إليه الناس، فقال لهم : يبيت كلُّ رجل منكم مُعانقاً حليلته، مسروراً بأهله، وتركتموني، وما أنا فيه. لا حاجة لي في بيعتكم، أقيلوني بيعتي. الحديث(٢) .

المؤلِّف : ومِن العجيب جِدَّاً ما ادَّعاه أبو بكر في أكثر أخبار، ما ورد في المطلب الثالث، من قوله :

إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : لا نورَث، ما تركنا صدقة ؛ ( إذ لا إشكال ) بمُقتضى أخبار المطلب الثالث، أنَّ فاطمةعليها‌السلام ، قد غضبت على أبي بكر بمُجرَّد أنْ سمعت منه هذا القول ؛ فهجرته ولم تزل مُهاجرته حتَّى توفِّيت.

( كما لا إشكال ) بمُقتضى الأخبار الواردة في المطلب الأوَّل والثاني :

أنَّ فاطمة مَهْما غضبت، غضب الله ورسوله لأجل غضبها، فلو كان ما ادَّعاه أبو بكر حديثاً حقَّاً، صحيحاً صدقاً ؛ لزم أنْ يكون غضب فاطمةعليها‌السلام بغير حَقٍّ ؛ وكان غضب الله وغضب رسوله لأجل غضبها أيضاً بغير حقٍّ، وهذا كُفر بَيِّن ؛ فإنّ الله أجلُّ مِن أنْ يغضب بغير حَقٍّ، وهكذا رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فيُعرَف مِن هذا كُلِّه :

أنَّ الحديث الذي رواه أبو بكر، وادَّعى أنَّه قد سمعه مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم يدَّع أحد مِن أهل

____________________

(١) أخرج الخطيب البغدادي، عن محبوب بن موسى الأنطاكي، قال :

سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول : سمعت أبا حنيفة يقول : إيمان أبي بكر الصدِّيق، وإيمان إبليس واحد.

قال إبليس يا ربِّ، وقال أبو بكر : يا ربِّ. تاريخ بغداد : ١٣/٣٧٢ طبع القاهرة.

(٢) الإمامة والسياسة : ١/١٣ - ١٤ الطبعة الأخيرة عام ١٩٦٩م.


لا إله إلاّ الله سماعه غير عمر، حديث لا أصل له، وإنَّما قد حدَّث به ؛ ليقطع به يد فاطمةعليها‌السلام من المال ؛ لئلا يجتمع الناس حول عليٍّعليه‌السلام لأجله ؛ فيَضعف أمر أبي بكر ويَفشل.

* * *


٥ - باب ( إنَّ فاطمة قد دُفنِت ليلاً وصلّى عليها عليٌّعليه‌السلام ولم يؤذِن بها أبا بكر )(*) .

المُؤلِّف : قد سمعت في الباب السابق، مِن رواية البخاري، في كتاب بَدء الخلق، في باب غزوة خيبر : أنَّ فاطمةعليها‌السلام لمَّا توفِّيت، دفنها زوجها عليٌّعليه‌السلام ، ولم يؤذِن بها أبا بكر، وصلّى عليها عليٌّعليه‌السلام .

وأنَّ الرواية قد رواها مسلم أيضاً في صحيحه، والبيهقي في سُنَنه، والطحَّاوي في مُشكِل الآثار، وابن سعد في طبقاته، وكلُّهم قد رووها مُشتَملة على هذه القصَّة، أعني : قصة دفنها ليلاً، وإنَّ عليَّاًعليه‌السلام لم يؤذِن بها أبا بكر، ونَزيدك في هذا الباب روايتين أُخريين في هذا المعنى.

١ - ما رواه الحاكم بسنده عن عروة، عن عائشة، قال :

دفِنت فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلاً، دفنها عليٌّ، ولم يُشعِر بها أبا بكر حتَّى دفنت، و

____________________

(*) - فيه حديثان.


صلى عليها عليُّ بن أبي طالب(١) .

٢ - ما رواه البيهقي بسندين، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة في قصَّة الميراث : أنَّ فاطمة بنت رسول الله (عليه وآله وسلّم )، عاشت بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ستَّة أشهر، فلمَّا توفِّيت، دفنها عليُّ بن أبي طالب ليلاً، ولم يؤذِن بها أبا بكر، وصلّى عليها عليّ(٢) .

المؤلِّف : ولأيِّ الأمور قد دَفن عليٌّعليه‌السلام فاطمةعليها‌السلام ليلاً، ولم يؤذِن بها أبا بكر، فإنَّ عليَّاًعليه‌السلام مع شِدَّة تأذيه مِن أبي بكر وعمر ؛ لأجل ما سمعت، في باب بعث أبي بكر عمر إلى دار عليٍّعليه‌السلام ، وأن القوم قد أخرجوه من الدار إِلى أبي بكر، وكادوا يقتلونه، وأنكروا أُخوَّته لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتَّى لحِق بقبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصيح، ويبكي، ويُنادي : ( يا بن أُم، إنَّ القوم استضعفوني، وكادوا يقتلونني )، هو - مع ذلك - ألين على أبي بكر وعمر مِن فاطمةعليها‌السلام ؛ فإنَّه هو الذي أدخلهما على فاطمةعليها‌السلام ، بعد ما امتنعت هي مِن الإذن لهما، حين انطلقا إليها. فكيف عليٌّعليه‌السلام لم يؤذِن أبا بكر [ عند ](٣) دفن فاطمةعليها‌السلام ، ولا الصلاة عليها، ولا تشييعها وحضور جَنازتها، ولَعمري، إنَّه ليس ذلك كلُّه إلاّ بوصيَّة مِن نفس فاطمة ؛ فهي التي أوصت بذلك لشدَّة تأذِّيها مِن أبي بكر وعمر، حتَّى سمعتَ في الباب السابق، أنَّها حوَّلت وجهها إلى الحائط، ولم تردَّعليهما‌السلام ، لمَّا سلَّما عليها.

وجواب السلام، إذا كان مِن المسلم، واجب لازم، وهي أعرف بتكليفها وواجبها.

وسمعتَ أيضاً قولها لأبي بكر وعمر : ( لإنْ لقيتُ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لأشكونَّكما إليه - إلى أنْ قالت - لأبي بكر خاصَّة : والله لأدعونَّ عليك في كلِّ صلاة أُصليِّها ). ( الحديث ).

____________________

(١) مُستدرك الصحيحين : ٣/١٦٢ في كتاب معرفة الصحابة، في ذِكر وفاة فاطمة.

(٢) مُستدرك الصحيحين : ٣/١٦٢، تلخيص المُستدرك للذهبي : ٣/١٦٢، عن عائشة قالت: دُفِنت فاطمة ليلاً، دفنها عليٌّ ولم يَشعر بها أبو بكر حتَّى دُفنِت. وقال الأزرى :

ولأيِّ الأُمور تُدفَن سِرَّاً

بضعة المصطفى ويُعفى ثراها

بنت مَن أُمُّ مَن حَليلة مَن

ويلٌ لمَن سَنَّ ظلمها وأذاها

(٣) ما بين المعقوفين لم يكن في الأصل.


٦ - باب ( إنَّ أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أحدثوا بعده ما أحدثوا وارتدُّوا على أعقابهم )(*) .

قال الله تعالى:( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) آل عمران : ١٤٤.

١ - روى البخاري بسنده، عن ابن عباس، أنَّه قال : خطب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال : ( يا أيُّها الناس، إنَّكم محشورون حُفاة، عراةً عُزْلاً، ثمَّ قال :( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) الأنبياء: ١٠٤.

ثمَّ قال : ألاْ وإنَّ أوَّل الخلايق يُكسى يوم القيامة إبراهيم، ألاْ وإنَّه يُجاء برجالٍ مِن أُمَّتي فيؤخَذ بهم ذات الشمال ؛ فأقول : يا ربِّ أصحابي، فيقول :

إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح :( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ) المائدة : ١١٧.

____________________

(*) فيه إحدى عشر حديثاً.


فيُقال : إنَّ هؤلاء لم يزالوا مُرتدِّين على أعقابهم مُنذ فارقتَهم )(١) .

٢ - روى البخاري بسنده عن ابن عباس، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( تحشرون عراةً عُزْلاً. ثم قرأ:( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) الأنبياء : ١١٤.

فأوَّل مَن يُكسى إبراهيم، ثمَّ يؤخذ برجال مِن أصحابي ذات اليمين، وذات الشمال ؛ فأقول :

أصحابي، فيقال : إنَّهم لم يزالوا مُرتدِّين على أعقابهم، منذ فارقتهم(٢) ؛ فأقول كما قال العبد الصّالح عيسى بن مريم :( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) المائدة : ١١٨.

المؤلِّف : ورواه البخاري في كتاب الرقاق، ثانيا في باب الحوض : ٧/٢٠٦ - ٢٠٩.

٣ - روى البخاري بسنده، عن عبد الله، عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :

____________________

(١) صحيح البخاري : ٥/١٩١ كتاب التفسير باب( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ ) طبعة استانبول، صحيح البخاري بحاشية السندي ٣/١٢٧، صحيح مسلم : ٤/٢١٩١ في كتاب الجَنَّة وصفة نعيمها، باب فَناء الدنيا، تحقق محمد فؤاد عبد الباقي، سُنَن الترمذي : ٤/٦١٥ تحقيق إبراهيم عطوة عوض، باب ما جاء في شأن الحشر، وفي أبواب تفسير القرآن رقم الحديث ٢٤٢٣، رواه بطريقين. مُسند أحمد بن حنبل : ١/٢٣٥ - ٣٥٣، الاستيعاب : ١/١٦٣ - ١٦٤ ( ترجمة بسر بن أرطاة، رواه بطريقين ) تحقيق علي محمد البجاوي، ورواه أبو داود الطيالسي في مُسنده ج عاشر، في أحاديث سعيد بن جبير عن ابن عباس، ورواه الحاكم في المُستدرَك مُختصراً : ٢/٤٤٧، والذهبي في تلخيص المُستدرك : ٢/٤٤٧، والسيوطي في تفسيره الدُّرُّ المنثور : ٢/٣٤٩ في تفسير قوله تعالى :( وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ) في آخر سورة المائدة، وقال : أخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبّان، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس.

(٢) صحيح البخاري طبعة استانبول : ٤/١١٠ كتاب بدء الخلق، باب قول الله تعالى :( وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَليلاً ) . ورواه أحمد بن حنبل في المُسند : ١/٣٨٤ وص٤٠٢ - ٤٠٦ - ٤٠٧ - ٤٥٥، وفي ٢/٢٨١.


( أنا فرطكم على الحوض، وليُرفعُنَّ رجال منكم، ثمَّ ليُختلجَنَّ دوني ؛ فأقول : يا ربِّ أصحابي ؛ فيقال : إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك )(١) . ثمَّ رواه عن حذيفة عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمَّ عن أبي هريرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذا اللفظ: أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :

( يَرد عليَّ يوم القيامة رَهط مِن أصحابي، فيُجلون عن الحوض ؛ فأقول : يا ربِّ أصحابي ؛ فيقول : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنَّهم ارتدَّوا على أدبارهم القهقرى ). ثمَّ رواه عنه ابن المسيب باختلاف يسير(*) .

٤ - روى البخاري بسنده عن أبي وائل، عن عبد الله : أنَّه قال : قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( أنا فرطكم على الحوض، ليُرفعنَّ إليَّ رجال منكم، حتَّى إذا أهويت لأُناولهم اختلجوا دوني ؛ فأقول : أيْ ربِّ أصحابي، يقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك )(٢) .

٥ - روى مسلم بن حجاج، بسنده عن أبي هريرة، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( ترد عليَّ أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه، كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله - إلى أنْ قال - وليُصدَّنَّ عنِّي طائفة منكم، فلا يَصِلون، فأقول يا ربِّ : هؤلاء مِن أصحابي ؛ فيجيبني مَلَك فيقول : وهل تدري ما أحدثوا بعدك ؟! )(٣) .

٦ - روى مسلم بطرق عديدة، عن عبد الله، وبطريق واحد، عن حذيفة بهذا اللفظ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( أنا فرطُكم على الحوض، ولأُنازعنَّ أقواماً، ثم لأغلِبنَّ عليهم، فأقول : يا ربِّ أصحابي أصحابي ؛ فيقال :

____________________

(١) المصدر نفسه : ٧/٢٠٦.

(*) المصدر نفسه : ٧/٢٠٨.

(٢) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، كنز العمَّال : ٧/٢٢٤ط الهند، رواه المُتَّقي الهندي عن ابن مسعود مرَّة وعن حذيفة أُخرى، كنز العمَّال : ٧/٢٢٥، ورواه عن سُمرة، وكلٌّ باختلاف يسير في اللفظ.

(٣) صحيح مسلم : ١/٢١٧ كتاب الطهارة في الوضوء، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.


إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ).

ثمَّ رواه عن أنس بن مالك بلفظ آخر، قال :

إنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( ليَردنَّ عليَّ الحوض رجال مِمَّن صاحبني، حتَّى إذا رأيتهم ورُفِعوا إليَّ واختلجوا دوني، فلأقولنَّ : أيْ ربِّ أُصيحابي أُصيحابي ؛ فليُقالنَّ لي : إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك )(١) .

٧ - روى ابن ماجة بسنده، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو على ناقته بعرفات، فقال :

( أتدرون أي يوم هذا وأي شهر هذ، وأي بلد هذا ؟

قالوا : هذا بلد حرام، وشهر حرام، ويوم حرام.

قال : ألاْ وإنَّ أموالكم ودماءكم عليكم حرام، كحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا، في يومكم هذا، ألاْ وإنِّي فرطُكم على الحوض، وأُكاثر بكم الأُمَم، فلا تسوِّدوا وجهي، ألاْ وإنِّي مُستنقِذ أُناساً، ومُستنقَذ منِّي أُناساً ؛ فأقول : يا ربِّ أُصيحابي ؛ فيقول : إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك)(٢) .

٨ - روى الإمام أحمد بن حنبل، بسنده عن أبي هريرة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنَّه قال : ( ليُذادنَّ أُناسٌ مِن أصحابي عن الحوض، كما تُذاد الغريبة مِن الإبل ).

ورواه في ص٣٠٠ أيضاً وص ٤٠٨، وقال في آخرة(٣) : ( أناديهم هلمَّ، فيُقال : إنَّهم قد بدَّلوا بعدك ؛ فأقول: سُحقاً سُحقاً ).

٩ - عن أبي سعيد الخدري ما هذا لفظه :

____________________

(١) المصدر نفسه كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبيّنا مُسند أحمد : ٥/٥٠٤٨ عن أبي بكر، ورواه في ص٣٨٨ - ٤٠٠، عن حذيفة ورواه باللفظ الأوَّل في ٥/٣٩٣.

(٢) سُنَن ابن ماجه : ٢/١٠١٥ كتاب المناسك، باب الخُطبة يوم النحر، رقم الحديث ٣٠٧٥ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

(٣) المُسند : ٢/٤٥٤.


أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( فأقول : أصحابي أصحابي، فقيل : إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك - قال - فأقول بُعداً بُعداً - أو قال - : سُحقاً سُحقاً لمَن بدَّل بعدي )(١) .

١٠ - وروى ابن جرير الطبري بسنده، عن قتادة قوله :( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ ) الآية : لقد كفر أقوام بعد إيمانهم كما تسمعون، ولقد ذكر لنا أنَّ نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقول :

( والذي نفس محمد بيده، ليَرِدنَّ عليَّ الحوض - مِمَّن صَحِبني أقوام - حتَّى إذا رفعوا إليَّ ورأيتهم اختلجوا دوني ؛ فلأقولنَّ : ربِّ أصحابي أصحابي، فليُقالنّ : إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك )(٢) .

١١ - روى المُتَّقي الهندي، عن عبد الرحمان بن أبي بكر، قال: وفدنا على معاوية، ومعنا أبو بكرة، فقال يا أبا بكرة، حدِّثنا بشيءٍ سمعته مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ فقال أبو بكرة ( وساق الحديث إلى أنْ قال ) : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( ليَردنَّ عليَّ الحوض رجال مِمَّن صَحِبني ورآني، وإذا رُفِعوا إليَّ ورأيتهم اختلجوا دوني، فأقول ربِّ أصحابي ( قال ) : وفي لفظ أصحابي ؛ فيُقال : إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ).

قال: أخرجه ابن عساكر(٣) .

المؤلِّف : ومِن العجيب جِدَّاً، أنَّ جملة مِن علماء العامَّة - أعني من أهل السُّنَّة والجماعة - بعد اليأس عن المُناقشة في سند الأخبار المُتقدِّمة ؛ لصحة إسنادها وتواترها، قد حملوها على قوم من الأعراب، الذين امتنعوا مِن بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن أداء الزكاة إلى أبي بكر.

كمالك بن نويرة، وغيره، وهذا تأويل بعيد [ ورد ](٤) في لفظين.

الأوَّل :

____________________

(١) المصدر نفسه.

(٢) تفسير جامع البيان : ٤/٢٧.

(٣) كنز العمَّال : ٦/٤٢٤ط حيدر آباد الهند ،مجمع الزوائد : ١٠/٣٦٤، عن سُمرة، وفي ص٣٦٥ عن ابن مسعود، وقال : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.

(٤) ما بين المعقوفين لم يكن في الأصل.


في لفظ الأصحاب، فإنَّ هذا اللفظ ظاهر جِدَّاً، بل هو نَصٌّ قطعاً فيمن صاحب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان معه دائماً في ليله ونهاره، وسفره وحضره، وحروبه وغزواته، وجمعته وجماعته، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمان بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة الجراح، وأبي سعيد الخدري، والبرَّاء ابن عازب ونظرائهم.

لا مِثل مالك بن نويره وغيره، مِمَّن سكن خارج المدينة على فراسخ، ولم يرَ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طول عمره، إلاَّ مرَّة أو مرَّتين، أو ما يَقرب مِن ذلك.

الثاني : في لفظ الارتداد ؛ فإنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( إذا صرَّح في أوائل نبوَّته )، عند نزول قوله تعالى :( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) ، وقال لعليعليه‌السلام (١) هذا أخي ووصيِّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب :قد أمرك أنْ تسمع لابنك وتطيع .

وقال في أواسط نبوّته لقضيَّة وقعت هناك : ( ما تُريدون مِن عليٍّ، إنَّ عليَّاً مِنِّي وأنا منه، وهو وليُّ كلِّ مؤمن(٢) مِن بعدي ). وقال في أواخر أيّامه : في يوم غدير خُمٍّ : ( كأنِّي دُعيت فأُجبت، أو إنِّي قد يوشَك أنْ أُدعى فأُجيب ثمَّ قال : ألستُ أولى بالمؤمنين مِن أنفسهم ؟ قالوا بلى. قال : فمَن كنتُ مولاه فعليٌّعليه‌السلام مولاه )(٣) .

____________________

(١) ابن جرير في تاريخه ٢/٦٢، كنز العمَّال ٦/٣٩٢ - ٣٩٧، وقال : أخرجه : ابن جرير، وابن إسحاق، وابن أبي حاتم وابن مردويه في الدلائل.

(٢) صحيح الترمذي ٢/٢٩٧، ومُسند أحمد بن حنبل ٤/٤٣٨ وج٥/٣٥٦، ومُسند أبي داود والطيالسي ٣/١١١ وج١١/٣٦٠، وحِلية الأولياء لأبي نعيم ٦/٢٩٤، وخصائص النسائي ص١٩ و٢٣ و٢٤، والرياض النضرة للمُحبِّ الطبري ٢/٢٠٣١٧١، وكنز العمَّال للمُتَّقي ٦/١٥٤ - ١٥٥ - ١٥٩ - ٣٦٩ - ٣٩٩ - ٤٠١ط الهند، وكنوز الحقائق للمنَّاوي ص١٨٦، ومجمع الزوائد ٩/١٠٩ و١١٩ وص١٢٧ وص١٢٨، وأُسد الغابة ج٥ ص٩٤، وفيض القدير : ٤/٣٥٧/٣٥٨ والإصابة لابن حجر ٦ القسم ١- ٣٢٥ وج ٦/١٥٥، الرضوي : - يأتي محلُّ طبع هذه المصادر في آخر الكتاب.

(٣) صحيح الترمذي ٥/٦٣٢ رقم الحديث ٣٦١٤، وصحيح ابن ماجة ١/٤٣، ومُسند أحمد ومُستدرك الصحيحين، والدُّرُّ المنثور للسيوطي ٢٥٦ - ٢٩٢، وتاريخ بغداد ٨/٢٩٠، وخصائص النسائي ص٢٣، والرياض النضرة ٣/١١٤ط بيروت، والصواعق المُحرقة، وكنز العمَّال ١١/٦٠٢ط بيروت، والإصابة ٢/٥٠٩ط بيروت، وأُسد الغابة ٤/٢٨، ومُشكل الآثار، وسُنَن النسائي : ١/٤٥ وفيض القدير ٤/٣٥٧. إلى غير ذلك من الكتب الكثيرة. وكلٌّ منها قد رواه بطُرق عديدة، بلْ بعضها بطرق مُتواترة.


واعترف بذلك عمر، بل وأبو بكر أيضاً ؛ فقالا لعليعليه‌السلام (١) :أصبحتَ وأمسيتَ مولى كلِّ مؤمن ومؤمنة.

ثم نبذوا هذه النصوص - كلَّها - وراء ظهورهم.

واتَّخذوا أبا بكر خليفة، وبدَّلوا شخصاً غير الذي قيل لهم.

وهجموا بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - بأيَّام قلائل - على دار فاطمةعليها‌السلام ، ولم يُخلِّف عَفيُّهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذريَّةً مِن صُلبه سِوى فاطمة، وهي سيِّدة نساء العالمين، وأفضلهم.

وقد سمعوا ذلك من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِراراً، وعرفه كلُّ فرد مِن أفراد المسلمين، حتَّى الخوارج، والنواصب والنساء والأطفال، وهي بضعة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يغضب الله ورسوله لغضبها، كما عرِفته في باب إنَّ فاطمةعليها‌السلام مَن أغضبها أغضب الله ورسوله. إلخ.

هجموا على دارٍ كانت مِن أفاضل(٢) بيوت الأنبياء، هجموا على دار كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُسلِّم ويَستأذن(٣) ، إذا أراد الدخول فيها ،

____________________

(١) مُسند الإمام أحمد بن حنبل ٤/٢٨١، والتفسير الكبير للفخر الرازي، في ذيل تفسير قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) ، وتاريخ بغداد ٨/٢٩٠، وفيض القدير للمنَّاوي ٦/٢١٧، وذخائر العُقبى ص٦٧، والصواعق المُحرقة ص١٠٧، والرياض النضرة ٢/١٧٠ط مصر.

(٢) الدُّرُّ المنثور للسيوطي : ٥/٥٠، في تفسير قوله تعالى :( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) ، قال: وأخرج ابن مردويه، وبريدة قال : قرأ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذه الآية، فقام إليه رجل، فقال : أيُّ بيوت هذه يا رسول الله ؟ قال : ( بيوت الأنبياء )، فقام إليه أبو بكر فقال : يا رسول الله، هذا البيت منها بيت علي وفاطمة ؟ قال : ( نعمْ، مِن أفاضلها ).

(٣) حِلية الأولياء لأبي نعيم ٢/٤٢ روى بسنده عن عمران بن حصين : أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :

( ألاْ تنطلق بنا نعود فاطمةعليها‌السلام ؟ فإنَّها تَشتكي

قلت : بلى.

قال : فانطلقنا حتَّى إذا انتهينا إلى بابها، فسلَّم واستأذن.

فقال : أدخل أنا ومَن معي ؟

قالت : نعم ). وساق الحديث إلى آخره، وفيه : ( يا بنيَّة، أمْا ترضين أنَّك سيدة نساء العالمين ؟! )، ( وفيه أيضاً ) : ( أمْا والله زوَّجتك سيِّداً في الدنيا والآخرة ).

وقد روى هذا الحديث مِن الأعاظم : كالطحَّاوي في مُشكل الآثار، والحافظ أبو القاسم الدمشقي على ما ذكره المُحبُّ الطبري في الذخائر، وغيرهما.


هجموا على دارٍ، كان رسول الله يمرُّ ببابها ستَّة أشهر - إذا خرج إلى(١) صلاة الفجر، وكان يقول: ( الصلاة، يا هل البيت،( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .وفي بعض الروايات(٢) ثمانية أشهر، وفي بعضه(٣) تسعة أشهر.

هجموا على تلك الدار، وأرادوا حَرقها بمَن فيها.

فقيل لعمر :إنَّ فيها فاطمة عليها‌السلام .

فقال : وإنْ. كما تقدَّم ذلك في باب بعث أبي بكر عمر إلى دار عليعليه‌السلام .

هجموا على تلك الدار وأخرجوا عليَّاً بتك الحالة، إلى أبي بكر وكادوا يقتلونه، وهم يَعلمون أنَّ عليَّاًعليه‌السلام مِمَّن أذهب الله عنه الرجس وطهَّره تطهيراً. وأنَّه أخو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وابن عَمِّه، وهو مِنه بمنزلة هارون مِن موسى، بلْ هو نفس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأحبُّ الخَلق إلى الله ورسوله، وأحد الثقلين اللذين خلَّفهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أُمَّته.

وقد عرفت تفصيل هذا كلِّه، مشروحاً في الباب المذكور - أعني باب بعث أبي بكر عمر إلى دار عليعليه‌السلام - فحَمْلُ لفظ الارتداد على هذا الفعل الشنيع، الذي لم يرتكبه أحد مِن الأُمَم السابقة أولى وأقرب، أم حَمْلُه على امتناع قوم مِن أداء الزكاة إلى أبي بكر بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

ولَعمري، إنَّ هذا كلَّه واضح لا يحتاج إلى إطالة الكلام، ومَزيد النقض وإلا برام، غير

____________________-

(١) صحيح الترمذي ٢/٢٠٩ط بولاق مصر.

(٢) الدُّرُّ المنثور في تفسير( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ ) في آخر سورة طه.

(٣) الدُّرُّ المنثور في تفسير : آية التطهير.


إنَّ( مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ) (١) ، وقد صدق الله جَلَّ وعَلا ؛ حيث قال:

( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا - أي خلقنا -لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) (٢) .

هذا كلُّه مضافاً إلى أنَّ لنا جملة مِن الأخبار، الواردة في المقام، وفيها إشارة جليَّة، بلْ ودلالة واضحة، على أنَّ المُراد مِن الأصحاب، الذين قد أحدثوا مِن بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما أحدثوا هم : أبو بكر، وعمر، وعثمان، ونظرائهم مِن صحب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكانوا معه في ليله ونهاره، سفره وحضره، لا مِثل مالك بن نويرة، وغيره مِمَّن سكن خارج المدينة على فراسخ.

منها : ما رواه الإمام مالك، بسنده عن مولى عمر بن عبيد الله، أنَّه بلغه أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال لِشهداء أُحُد : ( هؤلاء أشهد لهم، فقال أبو بكر : ألسنا - يا رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - إخوانهم ؟ ! أسلمنا كما أسلموا، وجاهدناكما جاهدوا.فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( بلى، ولكنْ لا أدري ما تُحدِثون بعدي ؛ فبكى أبو بكر، ثمَّ بكى، ثمَّ قال : أئنّا لكائنون بعدك ؟ !(٣) ؛ فإنَّ هذا الحديث هو مِمَّا فيه إشارة واضحة على أنَّ أبا بكر مِمَّن يُحدِث بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما يُحدِث ؛ ومِن هنا جعل أبو بكر يبكي، ثمَّ يبكي، ولم يَنهه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن بُكائه ؛ فلو كان مِمَّن علم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنَّه لا يُحدِث بعده شيئاً لمنعه عن البكاء جِدَّاً، وهذا واضح ظاهر.

ومنها : ما رواه ابن حجر، عن سعيد بن منصور، أنَّه قال : حدَّثنا خلف بن خليفة، عن العلاء بن المُسيِّب، عن أبيه، عن أبي سعيد، قلنا له : هنيئاً لك برؤية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصحبته قال : إنَّك لا تدري ما أحدثنا بعده(٤) .

ومنها : ما رواه البخاري بسنده، عن العلاء بن المُسيِّب، عن أبيه، قال : لقيت البرَّاء بن

____________________

(١) سورة النور : ٤٠.

(٢) سورة الأعراف : ١٧٩.

(٣) الموطأ ٢/٤٦٠ كتاب الجهاد في سبيل الله تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

(٤) الإصابة في تمييز الصحابة : ٣ القِسم الأوَّل ص٨٤.


عازب، فقلت : طوبى لك ؛ صحبت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ وبايعته تحت الشجرة، فقال : يا بن أخي، إنَّك لا تدري ما أحدثنا بعده(١) .

ومنها : ما رواه ابن حجر، عن عمرو بن ثابت، أنَّه قال :لمَّا مات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كفر الناس إلاّ خمسة (٢) .

المؤلِّف : ويؤيِّد حديث عمرو بن ثابت - في الجملة - ما روي مِن طُرقنا الإماميَّة، وهو ما ذكره في الوافي في باب إنَّ عامَّة الصحابة نقضوا عهدهم، وارتدُّوا بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الكشي، أنَّه روى بإسناده عن أبي جعفرعليه‌السلام ، أنَّه قال : ( ارتدَّ الناس إلاّ ثلاثة نفر : سلمان، وأبو ذر، والمُقداد.

قيل : فعمَّار.

قال : كان جاض جيضةً(٣) ثم رجع ).

ومِن المُحتمَل قويَّاً، أنَّ المُراد مِن الخمسة في حديث عمرو بن ثابت، الذين لم يكفروا بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، هم الخمسة الذين صَرَّح بأسمائهم الحديث المروي مِن طُرقنا أيضاً، وهو ما ذكره الوافي في الباب المُتقدِّم عن الكشي، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، عن أبيه عن جَدّه عن عليعليه‌السلام قال : ( ضاقت الأرض بستَّة، بهم تُرزقون، وبهم تُنصرون، وبهم تُمطرون، منهم :

سلمان الفارسي، والمقداد، وأبو ذر، وعمار، وحذيفةرحمهم‌الله

قال : وكان عليّعليه‌السلام يقول : وأنا إمامهم، وهم الذين صلّوا على فاطمةعليها‌السلام ).كما أَنَّ مِن المُحتمل - قويَّاً - أنَّ هؤلاء النفر المعدودين، حيث لم يكفروا مِن بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم ينقضوا عهده، ولم يرتدُّوا على أعقابهم ؛ فورد في شأنهم : عن أنس بن مالك، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إنَّ الجنة لَتشتاق إلى ثلاثة : عليّ، وعمار، وسلمان )(٤) . و

____________________

(١) صحيح البخاري بحاشية السندى : ٣/٤٤، كتاب المغازى باب غزوة الحُديبيّة.

(٢) أُنظر : تهذيب التهذيب ٨/٩ط بيروت.

(٣) الجيضة المَيل يميناً أو يساراً.

(٤) صحيح الترمذى : ٢/٣١٠ط بولاق مصر عام ١٢٩٢ه-، المُستدرك على الصحيحين : ٣/١٧٣، أُسد الغابة : ٢/٣٣٠، الرياض النضرة للمُحبِّ الطبرى : ٢/٢٠٩ الطبعة الأولى، كنوز الحقائق للمنَّاوي ص٦٠.


رواه أبو نعيم، عن بريدة عن أبيه، وعن أنس : ( إِنّ الجنة لتشتاق إلى أربعه : إلى علي، وأبي ذر، وعمار، والمقداد )(١) ، إلى غير ذلك مِن الأخبار الكثيرة، الواردة في هذا المعنى، بلْ ورد في شأنهم، قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (٢) -(*) .

* * *

____________________

(١) حِلية الأولياء : ١/١٩٠ - ١٤٢، كنز العمَّال : ٦/١٦٣ - ٤٢٨ط الهند.

(٢) جامع البيان الطبرى : ٣٠/١٧١، الدُّرُّ المنثور : ٦/٣٧٩، الصواعق المُحرِقة ص٩٦، نور الأبصار ص٧٠ - ١٠١ مِن أنَّ عليَّاً وشيعته هم خير البريَّة. بلْ وما في الدُّرِّ المنثور، والمحرقة لابن حجر ص٩٦ - ١٣٩ مِن أنَّ عليَّاً وشيعته هم الفائزون ( انتهى ).

(٣) جعلنا الله تعالى منهم، وأَماتنا الله تعالى على موالاتهم، وحشرنا الله تعالى يوم القيامة معهم.

(*) - فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( والذي نفسي بيده، إِنَّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة )، ونزلت :

( إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ؛ فكان أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أقبل علي قالوا : جاء خير البريَّة.

وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال :

لمَّا نزلت( إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) .

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي : ( هو أنت وشيعتك يوم القيامة، راضين مرضيين ). الدُّرُّ المنثور : ٦/٣٧٩.


٧ - باب ( في إعطاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدكاً لفاطمةعليها‌السلام وقد غَصبه أبو بكر وعمر )(*) .

المؤلِّف : أمَّا إعطاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فَدكاً لفاطمةعليها‌السلام ، فقد رواه السيوطي، في تفسير قوله تعالى:( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) في سورة الإسراء، وقال :

١ - أخرج البزَّار، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخِدري، قال : لمَّا نزلت هذه الآية( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمةعليها‌السلام فأعطاها فدكاً(١) .

٢ - وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال : لمَّا نزلت( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) أقطع(٢) رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمةعليها‌السلام فدكاً.

٣ - وروى الهيثمي، عن أبي سعيد، قال : لمَّا نزلت( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) دعا

____________________

(*) - فيه خمسة أحاديث.

(١) الدُّرُّ المنثور في التفسير بالمأثور : ٤/١٧٧.

(٢) أَقطع له قطعة مِن المال : أي أفرزها له.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمةعليها‌السلام ، فأعطاها فدكاً، وقال: رواه الطبراني.

٤ - وروى المُتَّقي الهندي، عن أبي سعيد، قال :

لمَّا نزلت( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) ، قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( يا فاطمة، لك فدك )، وقال: أخرجه الحاكم في تاريخه، وابن النجار(١) .

٥ - وذكر الذهبي حديثاً مُسنداً، وقد صحَّحه، عن أبي سعيد، قال : لمَّا نزلت( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) ، دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمةعليها‌السلام فأعطاها فدكاً(٢) .

غصب فَدك وغيرها من آل البيت :

غصب أبو بكر وعمر فدكاً، بلْ وغير فدك ؛ فقد روى الهيثمي، عن عمر قال :

لمَّا قُبِض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، جئت أنا وأبو بكر إلى عليعليه‌السلام ، فقلنا : ما تقول فيما ترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

قال : ( نحن أحقُّ الناس برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ).

قال: فقلت : والذي بخيبر ؟

قال : ( والذي بخيبر ).

قلت : والذي بفَدك ؟

قال : ( والذي بفَدك ).

فقلت : أما والله، حتَّى تحزُّوا رقابنا بالمَناشير فلا.قال : رواه الطبراني في الأوسط(٣) .

* * *

____________________

(١) كنز العمَّال : ٢/١٥٨ط الهند.

(٢) ميزان الاعتدال : ٢/٢٢٨.

(٣) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : ٩/٣٩.


٨ - باب ( لم يُعطِ أبو بكر قُربى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(*) .

روى أبو داود، بسنده عن جبير بن مطعم، أنَّه جاء هو وعثمان بن عفان، يكلِّمان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيما قَسَّم مِن الخُمس بين بني هاشم، وبني المطلب، فقلت :يا رسول الله، قَسَّمت لإخواننا بني المطلَّب، ولم تُعطنا شيئاً، وقرابتنا وقرابتهم منك واحدة ؟!.

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إنَّما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد ).

قال جبير : ولم يُقسِّم لبني عبد شمس ولا لَبني نوفل، مِن ذلك الخُمس، كما قَسّم لبني هاشم وبني المطلب، قال :

وكان أبو بكر يُقسِّم الخمس، نحو قِسم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، غير إنَّه لم يكن يُعطي قُربى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُعطيهم ( الحديث ). ثمَّ رواه بطريق آخر عن جبير أيضاً مُختصراً(١) .

* * *

____________________

(*) فيه حديث واحد.

(١) سُنن أبي داود : ٣/٢٦، تحقيق سعيد محمد اللّحام، باب بيان مواضع قِسَم الخُمس، مُسند الإمام أحمد ٤/٨٣، السُنَن الكبرى للبيهقى : ٦/٢٤٣ باب سهم ذي القُربى مِن الخُمس، ورواه الهيثمى في مجمع الزوائد : ٥/٣٤١. وقال :

رواها أحمد ورجاله رجال الصحيح.


٩ - باب ( في رفع أبي بكر وعمر أصواتهما عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى نزل النهي )(*) .

١ - روى البخاري بسنده، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، قال : كاد الخيِّران أنْ يُهلكا - أبو بكر وعمر - رفعا أصواتهما عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين قَدِم عليه رَكْبُ بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس - أخي بني مجاشع - وأشار الآخر برجل آخر قال نافع :

لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر :

ما أردت إلاَّ خلافي ؛ فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله :( لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ) (١) .

ورواه بطريق آخر - أيضاً - هنا، وقبل ذلك في كتاب بدأ الخلق، قال فيها :

فقال أبو بكر : أمِّر القعقاع بن معبد.

وقال عمر : بلْ أمِّر الأقرع بن حابس - إلى أنْ قال - فتماريا حتَّى ارتفعت أصواتهما الحديث.

____________________

(*) فيه ثلاثة أحاديث.

(١) صحيح البخاري ٦/٤٦ - ٤٧ط استانبول.


ورواه أيضاً في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يُكره مِن التعمُّق والتنازع، وذكر بعد الآية المُتقدِّمة آيةً أُخرى، وهي قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) .

٢ - روى الترمذي بسنده، عن ابن أبي مليكة، قال : حدَّثنى عبد الله بن الزبير : أنَّ الأقرع بن حابس قَدِم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال أبو بكر : يا رسول الله، استعمله على قومه، فقال عمر : لا تستعمله - يا رسول الله - فتكلَّما عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتَّى ارتفعت أصواتهما.

فقال أبو بكر لعمر : ما أردت إلاَّ خلافي.

قال عمر : ما أردت خِلافك.

قال : فنزلت هذه الآية( لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ) إلى آخر الآية(١) .

٣ - روى النسائي بسنده، عن عبد الله بن الزبير، أنَّه قَدِم رَكْب مِن بني تميم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : أبو بكر أمِّر القعقاع بن معبد. وقال عمر : بلْ أمِّر الأقرع بن حابس ؛ فتماريا حتَّى ارتفعت أصواتهما ؛ فنزلت في ذلك، وذكر أربع آيات، أعني الآيتين المتقدمتين، وهما قوله تعالى( لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ ) ، وقوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ ) ، وقوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (*) .

المؤلِّف : إنَّ أخبار هذا الباب، على اختلافها - في الجملة - بعضها مع بعض، هي مِمَّا تدلُّ دلالة واضحة جليَّة، ظاهرة بيِّنة، على سوء أدب أبي بكر وعمر مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنهما كانا كالأعراب، الذين يسكنون البوادي والصحاري، في الخشونة والبُعد عن المعرفة والآداب الإنسانيَّةكما إنّ الآية الثانية، وهي قوله تعالى :

( إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ ) إلخ، هي صريحة في أنَّ أبا بكر وعمر ليسا مِن الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ؛ ليكون لهما مغفرةٌ وأجر عظيم، وإلاّ لكانا مِن الذين يغضُّون أصواتهم

____________________

(١) سُنن الترمذي : ٥/٣٨٧ كتاب تفسير القرآن باب ٥٠ ( سورة الحجرات ).

(*)- صحيح النسائي : ٢/٣٠٤ المطبعة الميمنيَّة بمصر، ورواه الطحَّاوي في مُشكل الآثار : ١/١٤١ - ١٤٢ بثلاثة طُرق، ورواه في ٢/٢٩٩ بطريق.


عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لا مِن الذين رفعوا أصواتهم عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا واضح ظاهر، يَعرِفه كلُّ أحد بأدنى تأمُّل.

* * *


١٠ - باب ( في انهزام أبي بكر وعمر يوم خيبر وأحُد )(*) .

١ - روى الحاكم بسنده، عن أبي ليلى، عن عليٍّعليه‌السلام أنَّه قال : ( يا أبا ليلى، أما كنتَ معنا بخيبر ؟

قال : بلى - والله - كنت معكم.

قال : ( فإنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث أبا بكر إلى خيبر، فسار بالناس وانهزم ورجع ). وقال :

هذا حديث صحيح الإسناد(١) .

٢ - روى المُتَّقي الهندي حديثاً، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، قال فيه : فإنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث أبا بكر - يعني يوم خيبر - فسار بالناس ؛ فانهزم حتَّى رجِع عليه، وبعث عمر ؛ فانهزم بالناس حتَّى انتهى إليه ؛ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( لأعطينَّ الراية رجُلاً يُحبُّ الله ورسوله، يفتح الله له ليس بفرَّار ). وساق الحديث إلى آخره.

وقال:

أخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، وابن ماجة، والبزَّار، وابن جرير وصحَّحه، والطبراني في الأوسط، والحاكم، والبيهقي في الدلائل، والضياء

____________________

(*) فيه تسعة أحاديث.

(١) المُستدرك على الصحيحين : ٣/٣٧.


المَقدسي(١) .

٣ - قال الهيثمي، وعن ابن عباس، قال : بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى خيبر أحسبه قال : أبا بكر، فرجع مُنهزماً ومن معه، فلمَّا كان مِن الغد بعث عمر، فرجع مُنهزماً يُجبِّن أصحابه ويُجبِّنه أصحابه ؛ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( لأعطينَّ الراية غَداً رجُلاً يُحبُّ الله ورسوله، ويُحبُّه الله ورسوله، لا يرجع حتَّى يفتح الله عليه ). ثم ساق الحديث في إعطاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رايته إلى علي، وأنَّ الفتح كان في يديه، وقال : رواه الطبراني.

٤ - روى الهيثمي حديثاً، عن أبي ليلى، قال فيه : فإنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا أبا بكر - يعني يوم خيبر - فعقد له لواء، ثمَّ بعثه فسار بالناس، فانهزم حتَّى إذا بلغ ورجع، فدعا عمر فعقد له لواء، فسار ثمَّ رجع مُنهزماً بالناس ؛ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( لأعطينَّ الراية رجُلاً يُحبُّ الله ورسوله، ويُحبُّه الله ورسوله، يفتح الله له ليس بفرَّار ). وساق الحديث إلى آخره، وقال: رواه البزَّار(٢) .

٥ - روى الحاكم بسنده، عن أبي موسى الحنفي، عن عليٍّ قال : ( سار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى خيبر، فلمَّا أتاها بعث عمر، وبعث معه الناس إلى مدينتهم أو قصرهم، فقاتلوهم فلم يَلبثوا أنْ هَزموا عمر وأصحابه، فجاءوا يُجبَّنونه ويُجبّنهم ) ( الحديث ).

قال : هذا حديث صحيح الإِسناد(٣) .

٦ - روى الحاكم بسنده، عن جابر أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دفع الراية يوم خيبر إلى عمر، فانطلق فرجع يُجبِّن أصحابه ويُجبِّنونه.

قال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم(٤) .

____________________

(١) كنز العمَّال : ٦/٣٩٤. ط. حيدر آباد - الهند.

(٢) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : ٩/١٢٤.

(٣) المُستدرك : ٣/٣٧ط حيدر آباد الهند.

(٤) المصدر نفسه : ٣/٣٨.


٧ - روى المُتَّقي الهندي، عن عليعليه‌السلام ، قال : ( سار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى خيبر، فلمَّا أتاها بعث عمر ومعه الناس إلى مدينتهم، وإلى قصرهم فقاتلوهم، فلم يَلبثوا أنْ هزموا عمر وأصحابه ؛ فجاء يُجبِّنهم ويُجبنِّونه ؛ فساء ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ فقال : لأبعثنَّ عليهم رجُلاً يُحبُّ الله ورسوله، ويُحبُّه الله ورسوله ). ثمَّ ساق الحديث في إعطاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لوائه إلى عليعليه‌السلام ، وقتل عليعليه‌السلام مرحباً، وفتح خيبر على يديه.

قال : أخرجه ابن شيبة والبزَّار. قال : وسنده حَسَن(*) .

٨ - روى المُتَّقي الهندي، عن بريدة، قال نزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخضرة خيبر ؛ ففزع أهل خيبر، فقالوا : جاء محمّد في أهل يثرب، فبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمر بن الخطاب بالناس، فلقي أهل خيبر، فردُّوه وكشفوه هو وأصحابه، فرجعوا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُجبِّن أصحابه ويُجبِّنه أصحابه ؛ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( لأعطينَّ اللواء غداً رجُلا يُحبُّ الله ورسوله، ويُحبُّه الله ورسوله ). ثمَّ ساق الحديث في إعطاء النبي لوائه إلى عليعليه‌السلام ، وقتل عليٍّعليه‌السلام مرحباً، وفتح خيبر على يديه قال : أخرجه ابن أبي شيبة(١) .

٩ - روى المُتَّقي الهندي، عن عائشة، قالت : كان أبو بكر إذا ذكر يوم أُحدٍ بكى - إلى أن قالت - ثمَّ أنشأ، تعني : أبا بكر يُحدِّث، قال :كنت أوّل مَن فاء يوم أُحُد . ( الحديث )(٢) .

المؤلِّف : الفيء الرجوع، ومن المعلوم أنَّه لا رجوع إلاَّ بعد الفِرار، قال : أخرجه الطيالسي، وابن سعد، وابن السني، والشاشي، والبزَّار، والطبراني في الأوسط، وابن حبّان، والدار قطني في الإفراد، وأبو نعيم في المعرفة، وابن عساكر، والضياء المَقدسي.

____________________

(*) كنز العمَّال : ٥/٢٨٣ط. حيدر آباد - الهند، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : ٦/١٥١ رواه البزَّار.

(١) كنز العمَّال : ٥/٢٨٤. ط الهند، تاريخ الأُمَم والملوك للطبرى : ٢/٣٠٠، مطبعة الاستقامة بمصر خصائص النسائي ص٥، مجمع الزوائد : ٦/١٥٠، الرياض النضرة : ٢/١٨٧ ( الطبعة الأولى ) وقال : أخرجه الغيبانى، والحافظ الدمشقى في الموافقات.

(٢) المصدر نفسه : ٥/٢٧٤.


ثمَّ إنَّ الفِرار مِن الزَّحف، هو مِن الذنوب التي لا كفارة لها، كالشرك على ما ذكره المنَّاوي في شرح الجامع الصغير السيوطي(١) .قال في المَتْن : خمس ليس لهنَّ كفارة : الشرك بالله، وقتل النَّفس بغير حقٍّ - إلى أن قال - :

والفِرار مِن الزَّحف. وقال : أخرجه أحمد بن حنبل في مُسنده، وأبو الشيخ في التوبيخ عن أبي هريرة، وقال في الشرح : ورواه عنه أيضاً الديلمي.

* * *

____________________

(١) فيض القدير : ٣/٤٥٨، رقم الحديث ٣٩٦٤.


١١ - باب ( في إعراض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أبي بكر وعمر حين تكلَّما في يوم بدر )(*) .

١ - روى الإمام أحمد بن حنبل، بسنده عن أنس : أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شاور الناس يوم بدر، فتكلَّم أبو بكر ؛ فأعرض عنه، ثمَّ تكلَّم عمر ؛ فأعرض عنه.

فقالت الأنصار : يا رسول الله، إيَّانا تريد ؟

فقال المقداد بن الأسود : يا رسول الله، والّذي نفسي بيده، لو أمرتنا أنْ نُخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أنْ نضرب أكبادنا إلى بَرك الغُماد فعلنا، فشأنك يا رسول الله ؛ فندب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصحابه، فانطلق حتَّى نزل بدراً ( الحديث )(١) .

المؤلِّف : ثمَّ رواه الإمام أحمد بطريق آخر بلا فصل، باختلاف يسير، وقال فيه :

فقال سعد بن عبادة : إيَّانا تريد ؟ يا رسول الله إلخ.

٢ - عن أنس بن مالك : أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شاور حيث بلغه إقبال أبي سفيان، قال : فتكلَّم أبو بكر ؛ فأعرض عنه، ثمَّ تكلَّم عمر ؛ فأعرض عنه، فقال سعد بن عبادة : إيَّانا يريد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أنْ نُخيضها البحار لأخضناها، ولو أمرتنا أنْ

____________________

(*) فيه ثلاثة أحاديث.

(١) مُسند الإمام أحمد بن حنبل : ٣/٢١٩.


نضرب أكبادها إلى بَرك الغُماد لفعلنا - إلى أنْ قال - فندب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الناس، فانطلقوا حتَّى نزلوا بدراً، ووردت عليهم رَوايا قريش ( الحديث )(١) .

٣ - وروى الإمام أحمد بن حنبل، بسنده عن ربعي، عن عليعليه‌السلام ، قال : ( جاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُناس مِن قريش، فقالوا : يا محمّد، إنَّا جيرانك، وحُلفاؤك، وإنَّ ناساً مِن عبيدنا، قد أتوك ليس بهم رغبة في الدين، ولا رغبة في الفقه، إنَّما فرُّوا مِن ضِياعنا وأموالنا ؛ فارددهم إلينا، فقال لأبي بكر ما تقول ؟

قال : صدقوا، إنَّهم جيرانك وحلفاؤك.

قال : فتغيَّر وجه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمَّ قال لعمر ما تقول ؟

قال : صدقوا، إنَّهم جيرانك وحُلفاؤك ؛ فتغيّر وجه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ).

المؤلِّف : وروى هذا الحديث النسائي(٢) ، وزاد في آخره، فقال :

ثمَّ قال : - يعني النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - :

( يا معشر قريش، والله ليَبعثنَّ الله عليكم رجُلاً منكم، امتحن الله قلبه للإيمان، فيضربكم على الدين أو يضرب بعضكم.

قال أبو بكر : أنا هو يا رسول الله ؟

قال : لا.

قال عمر : أنا هو يا رسول الله ؟

قال : لا، ولكنْ ذلك الذي يخصف النعل ).

وقد كان أعطى عليَّاً نعلاً يخصفها.

* * *

____________________

(١) نفس المصدر : ٣/٢٥٧.

(٢) خصائص الإمام أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ص١١.


١٢ - باب ( إنَّ أبا بكر لسانه قد أورده الموارد )(*) .

١ - روى الإمام مالك، بسنده عن عمر بن الخطاب :

أنَّه دخل على أبي بكر، وهو يُحبِّذ(١) لسانه.فقال له عمر : مَهْ، غفر الله لك.

فقال أبو بكر : إنَّ هذا أوردني الموارد(٢) .

٢ - روى ابن سعد، بسنده عن زيد بن أسلم، عن أبيه : أنَّه رأى أبا بكر آخذاً بطرف لسانه، وهو يقول : إنَّ هذا أوردني الموارد(٣) .

٣ - روى أبو نعيم، بسنده عن أسامة بن زيد، عن أبيه عن جَدِّه - يعني - أسلم : أنَّ عمر اطَّلع على أبي بكر، وهو آخذ بطرف لسانه فيُعضعضه، وهو يقول : إنَّ هذا أوردني الموارد(٤) .

____________________

(*) فيه خمسة أحاديث.

(١) يُحبِّذ لسانه : أيْ يَجذبه ويمدَّه.

(٢) الموطأ : كتاب الجامع ( ما جاء فيما يَخاف مِن اللّسان ). لم نَجد في الموطأ الذي حقَّقه محمد فؤاد عبد الباقي، في كتاب الجامع أيَّ ذكر لهذا الحديث.

(٣) الطبقات الكبرى : ٥/٥ ط ليدن، كنز العمَّال، ٢/١٧٣ط الهند، وقال : رواه مالك، وابن المُبارك، وسعيد بن منصور، وابن أَبي شيبة، وأحمد بن حنبل، وهناد، والخرائطبي.

(٤) حلية الأولياء : ٩/١٧.


٤ - قال السيوطي : وأخرج أحمد، والنسائي، والبيهقي، عن زيد بن أسلم، عن أبيه : أنَّ عمر بن الخطاب اطَّلع على أبي بكر، وهو يَمدُّ لسانه.

قال : ما تصنع يا خليفة رسول الله ؟!.

قال : إنَّ هذا الذي أوردني الموارد ( الحديث )(١) .

٥ - روى ابن حجر الهيثمي، عن أسلم : أنَّ عمر اطَّلع على أبي بكر، وهو يَمدُّ لسانه.

فقال : ما تصنع يا خليفة رسول الله ؟!

فقال : إنَّ هذا أوردني الموارد. إنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

قال : ليس شيء مِن الجسد، إلاَّ يشكو ذَرِب(٢) اللّسان.

وقال : رواه أبو يعلى(٣) .

* * *

____________________

(١) الدُّرُّ المنثور في التفسير بالمأثور : ٢/٢٢١.

(٢) ذَرب اللسان : أي بَذائته.

(٣) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : ١٠/٣٠٢، كنز العمَّال : ٢/١٧٣ط حيدر آباد - الهند.

وقال : رواه أبو يعلى في شِعب الإيمان.

قال : وقال ابن كثير : جَيِّد - يعني : سَند الحديث -.


١٣ - باب ( إنَّ أبا بكر لا يَنفلت مِن الدنيا )(*) .

١ - روى الحاكم بسنده، عن زيد بن أرقم، قال : كنَّا مع أبي بكر، فدعا بشراب، فأتي بماء وعسل، فلمَّا أدناه مِن فيه بكى وبكى، حتَّى أبكى أصحابه، فسكتوا وما سكت، ثمَّ عاد فبكى حتَّى ظنّوا أنَّهم لم يقدروا على مسألته.

قال : ثمَّ مسح عينيه.

فقالوا : يا خليفة رسول الله، ما أبكاك ؟!

قال : كنت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فرأيته يدفع عن نفسه شيئاً، ولم أرَ معه أحداً.

فقلت : يا رسول الله، ما الّذي تدفع عن نفسك ؟

قال : ( هذه الدُّنيا مُثِّلت ليْ، فقلت لها : إليكِ عنّي ؛ فتنَّحت، ثمَّ رجعت، فقالت : إِنَّك إِنْ أفلتَّ مِنِّي، فَلن يُنفلِت مِنِّي مَن بعدك ).

قال : هذا حديث صحيح الإسناد(١) .

* * *

____________________

(*) فيه حديث واحد.

(١) مُستدرك الصحيحين : ٤/٣٠٩، تاريخ بغداد : ١٠/٢٦٨، ورواه أبو نعيم في حلية الأولياء : ١/٣٠، وزاد في آخره : فخشيت أنْ تكون قد لحقتني ؛ فذاك الذي أبكاني.

وفي ٢/١٦٤ مِن حلية الأولياء، قال في آخره :

فظننت أنَّها أدركتني، وحالت بيني وبين رسول الله ( صلّى الله عليه [ آله ] وسلّم ) ؛ فهو الّذي هيَّجني على ما هيَّجني عليه.

وذكره : المُتَّقي أيضاً في كنز العمَّال : ٤/٣٧ط حيدر آباد الهند، وزاد في آخره : فخشيت أنْ تكون لحقتني فذاك بكائي.

قال : أخرجه البيهقي في شِعب الإيمان.


١٤ - باب ( إنَّ أبا بكر وعمر لا يعرِفان معنى قوله تعالى( وَفَاكِهَةً وَأَبَّاً ) )(*) .

١ - روى المُتَّقي الهندي، عن إبراهيم التيمي، قال :

سُئل أبو بكر عن الأبِّ، ما هو - يعني في قوله تعالى - :( وَفَاكِهَةً وَأَبَّاً ) في سورة عَبَسَ، فقال:

أيُّ سَماء تُظلُّني ؟! وأيُّ أرض تُقلُّني ؟! إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم.

قال : أخرجه أبو عبيدة، وابن أبي شيبة، وعبد بن عيد(١) .

٢ - روى ابن سعد، بسنده عن أنس بن مالك، قال : كنَّا عند عمر بن الخطاب، وعليه قميص في ظهره أربع رِقاع، فقرأ :( وَفَاكِهَةً وَأَبَّاً ) ، فقال ما الأبّ ؟

ثمَّ قال : إنَّ هذا لهو التكلَّف، فما عليك أنْ لا تدري ما الأبّ ؟!(٢) .

المؤلِّف : إنَّ الأبّ، بتشديد الباء، هو ما رعته الأغنام، وهو للأغنام كالفاكهة للإنسان.

والعَجب مِن أبي بكر وعمر، فإنَّهما مِن أهل اللسان، وكانت تربيتهما في أُناس هم مِن أفصح العرب، وأعرفهم، وأبصرهم بلُغاتهم، وهم أهل مَكَّة، ومع ذلك لم يَعرِفا معنى الأبّ، ولم يدريا ما يقولان في تفسيره، واعتذر الأوَّل، بأنَّه : أيُّ سماء تُظلُّني، وأيُّ أرض تُقلُّني، إذا قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم !

وتخلَّص بهذه الوسيلة والسبب، عن مذلَّة العجز عن الجواب !

واعتذر الثاني : بأنَّه تكلُّف ( وأعجب مِن ذلك كلِّه ) أنْ اتَّخذهما المسلمون خليفة، و

____________________

(*) فيه حديثان.

(١) كنز العمَّال : ١/٢٧٤ط - الهند.

(٢) الطبقات الكبرى : ٣ القسم الأوَّل /٢٧٧ط ليدن.


هما بهذه الصفة مِن قِلَّة العلم، وبهذه المنزلة مِن الجهل بكتاب الله تعالى، وتركوا عليَّاًعليه‌السلام ، وهو يقول : ( علَّمني(١) رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألف باب مِن العلم، واستنبطت مِن كلِّ باب ألف باب !!

أو سَلوني قبل أنْ تفقدوني ؛ فأنا لا أُسئل عن شيء دون العرش، إلاّ أخبرتُ عنه(٢) !!

أو سَلوني ؛ فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة، إلاَّ حدَّثتكم(٣) ، سَلوني عن كتاب الله ؛ فو الله ما مِن آية، إلاَّ أنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل ( أو والله ما نزلت ) آية إلاَّ وقد علمت فيمَ أنزلت، وأين أُنزلت(٤) ( أو لا يسألني أحد ) عن آية مِن كتاب الله، إلاَّ أخبرته(٥) ، أو سلوني قبل أنْ تَفقدوني ؛ فلأنْا أعلم بطُرق السماء مِنِّي بطُرق الأرض )(٦) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( أنا مدينة العلم وعليٌّعليه‌السلام بابها )(٧) : ( وأنا دار الحِكمة وعليٌّعليه‌السلام بابها )(٨) .

وقال الحسن بن عليعليه‌السلام - بعد ما قتل أمير المؤمنين - :

____________________

(١) الفخر الرازي، في تفسير قوله تعالى :( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً ) ، الآية في أوائل آل عمران، وكنز العمَّال ٦/٣٩٢ط. الهند، والثعلبي في قَصص الأنبياء، في تفسير قوله تعالى :( إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ ) ، فراجع.

(٢) كنز العمَّال : ٦/٤٠٥ط. حيدر آباد - الهند.

(٣) كنز العمَّال : ١/٢٢٨، ورواه ابن سعد في طبقاته : ٢ القسم الثاني /١٠١، ابن حجر في تهذيب التهذيب : ٧/٣٣٧ط حيدر آباد، دكن. وفي إصابته ٤/٢٧٠، وابن عبد البَرّ في الاستيعاب : ٢/٤٦٣. ط. حيدر آباد - الهند.

(٤) حلية الأولياء ١/٦٧، ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى : ٢ القسم الثاني /١٠١، وكنز العمَّال : ٦/٣٩٦ط حيدر آباد - الهند.

(٥) تفسير ابن جرير : ٢٦/١١٦.

(٦) نهج البلاغة.

(٧) رواه في مُستدرك الصحيحين، وتاريخ بغداد، وأُسد الغابة، وفيض القدير، وكنز العمَّال، وتهذيب التهذيب، ومجمع الفوائد، والمُحبُّ الطبري، وكنوز الحقائق وغيرهم، وكلٌّ بطُرق عديدة.

(٨) رواه في صحيح الترمذي، وحلية الأولياء، وفيض القدير، وتاريخ بغداد وغيرهم وغيرهم.


( قد فارقكم رجُل بالأمس، لم يسبقه الأوَّلون(١) بعلم، ولا يُدركه الآخرون بعلم ).

وقال ابن عباس : لقد أُعطي عليَّ بن أبي طالبعليه‌السلام تسعة أعشار العلم، وأيْمَ الله، لقد شارككم في العُشر العاشر(٢) .

وقال معاوية - لمَّا بلغه قَتْل علي بن أبي طالبعليه‌السلام - : ذهب الفقه والعلم، بموت ابن أبي طالب(٣) .

وقال ابن مسعود : إنَّ القرآن أُنزِل على سبعة أحرف(٤) ، ما منها حرف إلاَّ وله ظَهر وبَطن.

وإنَّ علي بن أبي طالبعليه‌السلام عنده علم الظاهر والباطن(٥) .

وقال الغزالي : قد عَلِم الأوَّلون والآخرون أنَّ فَهْم كتاب الله مُنحصِر إلى علم عليِّعليه‌السلام .

قال : ومَن جَهل ذلك، فقد ضَلَّ عن الباب، الذي مِن ورائه يَرفع الله عن القلوب الحجاب، حتَّى يتحقَّق اليقين الذي لا يتغيَّر بكشف الغطاء(٦) .

* * *

____________________

(١) رواه أحمد بن حنبل، وأبو نعيم، وكنز العمَّال، وغيرهم وغيرهم.

(٢) رواه في أُسد الغابة : ٤/٢٢، وفي الاستيعاب : ٢/٤٦٢.

(٣) رواه في الاستيعاب : ٢/٤٦٣ط الهند.

(٤) حلية الأولياء لأبي نعيم : ١/٦٥.

(٥) حلية الأولياء لأبي نعيم : ١/٦٥.

(٦) المنَّاوي في فيض القدير : ٣/٤٦، ذكره في الشرح عن الغزالي فراجع. الرضوي : راجعنا فيض القدير، الجزء الثالث الطبعة الثانية، طبعة دار الفكر بيروت عام ١٩٧٢م، وقد حَذف منها قول الغزالي مِن ص٥٤ - ٥٥، ونقل المؤلِّف مِن الطبعة الأولى منه.



المقصد الثاني

في بيان ما ورد عن عمر بن الخطاب

(٢)

عمر بن الخطَّاب



١ - باب ( في منع عمر مِن أنْ يكتب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند مماته كتاباً وقال : إنَّه يَهجر )(*) .

١ - روى البخاري بسنده، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أنَّه قال :

لمَّا اشتدَّ بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعه، قال : ( ائتوني بكتاب ؛ أكتب لكم كتاباً لا تضلُّوا بعده ).

قال عمر : إنَّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غلبه الوَجع، وعندنا كتاب الله حسبُنا ؛ فاختلفوا وكَثر اللَّغط.

قال : ( قوموا عنِّي، ولا ينبغي عندي التنازع ).

فخرج ابن عباس يقول : إنَّ الرزيَّة كلَّ الرزيَّة، ما حال بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين كتابه(١) .

٢ - روى البخاري بطريقين، عن معمَّر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أنَّه قال :

لمَّا حَضر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي البيت رجال، فيهم عمر بن الخطاب، قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( هلُمَّ أكتب لكم كتاباً، لا تضلُّوا بعده ).

فقال عمر :

____________________

(*) - فيه سبعة أحاديث.

(١) صحيح البخاري بحاشية السندي : ١/٣٢ - ٣٣ كتاب العلم، باب كتابة العلم.


إنَّ النَّبي قد غلب عليه الوَجع، وعندكم القرآن، حسبُنا كتاب الله ؛ فاختلف أهل البيت فاختصموا : منهم مَن يقول :

قرَّبوا يكتب لكم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم مَن يقول : ما قال عمر ؛ فلمَّا أكثروا اللَّغو والاختلاف عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( قوموا ).

قال عبيد ال له: فكان ابن عباس يقول : إنَّ الرزيَّة كلَّ الرزيَّة، ما حال بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين أنْ يُكتب لكم ذلك الكتاب ؛ من اختلافهم ولغَطهم(١) .

٣ - وروى البخاري بسنده، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنَّه قال : يوم الخميس، وما يوم الخميس ! ثمَّ بكى حتَّى خضَّب دمعه الحَصباء، فقال :

اشتدَّ برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وَجَعه يوم الخميس، فقال :

( ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلُّوا بعده أبداً، فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبيٍّ تنازع -، فقالوا : هَجَر رسول الله.

قال : دعوني، فالذي أنا فيه خير مِمَّا تدعوني إليه ) ( الحديث )(*) .

المؤلِّف : ورواه بطريق آخر أيضاً، عن سليمان باختلاف يسير، في الجِزية والموادعة مع أهل الحرب، في باب إخراج اليهود مِن جزيرة العرب(٢) .

____________________

(١) صحيح البخاري بحاشية السندي : ٤/٧ كتاب المرضى، باب قول المريض قوموا عنِّي.

وفي المصدر نفسه : ٤/٢٧١، كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة باب كراهية الخلاف.

صحيح مسلم : ٣/١٢٥٩ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، كتاب الوصيّة باب ترك الوصيّة.

مُسند أحمد بن حنبل : ١/٢٤ - ٣٢٥٣، طبقات ابن سعد : ٢ق ٢/٣٧ط ليدن.

(*) - صحيح البخاري بحاشية السندي : ٢/١٧٨، كتاب الجهاد والسير باب هل يُستشفَع إلى أهل الذمَّة.

(٢) لم نَعثر على الحديث الّذي أشار إليه المؤلِّف في باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب. راجع : صحيح البخاري : ٤/٦٢ط الآستانة باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب، راجع : صحيح مسلم : ٣/١٢٥٧ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي في كتاب الوصية باب ترك الوصيَّة، مُسند الإمام أحمد بن حنبل : ١/٢٢٢، وقال في آخره : فقالوا : ما شأنه أهجر؟.

الرضوي :

قال سفيان : يعني هذى استفهموه، فذهبوا يُعيدون عليه، فقال : ( دعوني، فالذي أنا فيه خير مِمَّا تدعوني إليه ). الحديث، ورواه ابن سعد في طبقاته : ٢/ القسم الثاني ص٣٦ط ليدن، ولفظه قريب مِن لفظ أحمد.


٤ - روى مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنَّه قال :

يوم الخميس، وما يوم الخميس، ثمَّ جعل تسيل دموعه، حتَّى رأيت على خدَّيه كأنَّها نظام اللّؤلؤ، قال :

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( ائتوني بالكِتف، والدَّواة - [ أو ] اللّوح والدواة - أكتب لكم كتاباً لن تضلُّوا بعده أبداً ).

فقالوا : إنَّ رسول الله يَهجر(١) .

٥ - روى ابن سعد بن جبير، عن ابن عباس، أنّه قال :

اشتكى النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الخميس، فجعل - يعني ابن عباس - يبكي، ويقول :

يوم الخميس، وما يوم الخميس اشتدَّ بالنّبي وَجعه، فقال :

( ائتوني بدواة وصحيفة ؛ أكتب لكم كتاباً لا تضلُّوا بعده أبداً.

قال : فقال بعض مَن كان عنده :

إنّ نبيّ الله ليهجر(٢) .

قال : فقيل له : ألا نأتيك بما طلبت.

قال : أوَ بعد ماذا ).

قال : فلم يدعُ به(٣) .

٦ - روى الإمام أحمد بن حنبل، بسنده عن جابر أنَّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا عند موته بصحيفة ؛ ليكتب فيها كتاباً لا يضلُّون بعده، قال : فخالف عليها عمر بن الخطاب، حتَّى رفضها(٤) .

٧ - روى ابن سعد، بسنده عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، أنّه قال :

____________________-

(١) صحيح مسلم : ٣/١٢٥٩ كتاب الوصية باب ترك الوصية، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، مُسند أحمد بن حنبل : ١/٣٥٥، طبقات ابن سعد : ٢ق ٢/٣٧ط ليدن.

(٢) القائل :إنَّ نبي الله يَهجر هو عمر بن الخطّاب ، كما تقدَّم في الحديث رقم (٢).

(٣) مُسند الإمام أحمد بن حنبل : ٣/٣٤٦، الطبقات : ٢ق ٢/٣٦ - ٣٧.

(٤) الطبقات الكبرى : ٢ق ٢/٢٦ط ليدن.


كنُّا عند النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبيننا وبين النّساء حِجاب، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( اغسلوني بسبع قِرب، وأتوني بصحيفةٍ ودواةٍ ؛ أكتب لكم كتاباً لن تضلُّوا بعده أبداً.

فقال النسوة :ائتو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحاجته قال عمر :

فقلت :اُسكتن فإنكنّ صواحبه إذا مرض عصرتن أعينكن، وإذا صحّ أخذتن بعنقه.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( هنّ خير منكم ).(١)

المؤلّف : وذكر هذا الحديث الهيثمي(٢) باختلاف في اللّفظ قال:

وعن عمر بن الخطاب أنّه قال:

لمّا مرض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: (ادعوا لي بصحيفةٍ ودواةٍ أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدي أبدا)(٣) فكرهنا ذلك أشدّ الكراهة ثم قال:

(ادعوا لي بصحيفةٍ أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً).

فقال النّسوة مِن وراء الستر: ألا تسمعون ما يقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت: إنَّكنّ صواحبات(٤) يوسف، إذا مرض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عصرتن أعينكنّ، وإذا صحّ ركبتّن رقبته.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : دعوهن فإنّهن خير منكم.

قال: رواه الطبراني في الأوسط.(٥)

المؤلِّف : إنّ في جُملةٍ مِن الروايات المتقدِّمة، قد وقع التصريح باسم عمر، فقال : قال عمر :

إنَّ النبي غلبه الوَجع، وفي بعضها قال : فبعض مَن كان عنده : إنّ نبّي الله ليَهجر، وفي بعضها قال : فقالوا : هَجر رسول الله، أو يَهجر، أو ليَهجر، ولكنْ يعرف مِن المجموع أنَّ

____________________

(١) الطبقات الكبرى : ٢ق ٢/٣٧ط ليدن.

(٢) انظر : مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : ٩/٣٤.

(٣) المصدر السابق : ٩/٣٤.

(٤) في نسخة : ( صواحب ) كما جاء في هامش ٩/٣٤ مِن مجمع الزوائد.

(٥) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : ٩/٣٤. كنز العمَّال : ٣/١٣٨ط. حيدر آباد - الهند.

وقال : رواه الطبراني في الأوسط.


القائل في الجميع هو شخص واحد، وهو عمر فهو الذي تجرَّأ، وتجسَّر على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالكلام الخشن المذكور ؛ فإنَّه كلام خارج عن حدود الآداب.

بلْ صَحَّ أنْ يُقال : إنَّه خارج عن حدود الإيمان. فإنَّه سواء قال : غلبه الوَجع، أمْ قال : يَهجر معناه : أنَّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن شِدَّة المرض يَخلط في الكلام ويهذي، وقد سمعت مِن سفيان إنَّ هجر يعني هذى، وهو كذلك في اللغة، وحاشا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ يهذو، وقد جاء في القرآن المجيد إنَّه :

( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) النجم : ٤.

وحاشا ربِّنا أنْ يُرسِل إلى العباد رسولاً يهذو ويهجر ؛ فإنّ الرسول الذي هو بهذه الصفة، لا يُعتمَد على كلامه، فقد يؤدّي خلاف ما أرسله الله به، وهذا أنقض للغرض بلا شُبهة، ونقض الغرض قبيح ؛ فيمتنع مِن الله جلَّ وعلا عقلاً، ولا يقع ذلك في الخارج أبداً.

وأمَّا قول عمر كتاب الله حسبُنا، أو حسبُنا كتاب الله، فهو ساقط إلى النهاية، مُخالف للوجدان والضرورة، فإنَّ القرآن المجيد إنَّما يكفي للناس، إذا أمكنهم استنباط جميع ما يحتاجونه منه، ولا يمكنهم ذلك قطعاً ؛ وإلاَّ لمَا اختلف الفقهاء في الأحكام الشرعيَّة ؛ ولمَا احتاجوا إلى ضبط الأحاديث النبويَّة، ولا إلى استعمال القياس، والاستحسان ونحو ذلك.

هذا مُضافاً إلى ما جاء مِن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مِمّا يَدلُّ دلالة واضحة، على بطلان قول عمر، فهذا كنز العمَّال يذكر حديثاً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا لفظه :

( ألاْ إنِّي قد أوتيت الكتاب ومِثله معه، ألاْ يوشِك رجلٌ شبعان على أريكته، يقول :

عليكم بهذا القرآن، فما وجدُّتم فيه مِن حلال فأحلُّوه، وما وجدُّتم فيه مِن حرام فحرِّموه ) ( الحديث )(١) .

____________________

(١) كنز العمَّال : ١/٤٤ حيدر آباد الهند، وقال الهندي : أخرجه أحمد في مُسنده، وأبو داود في صحيحه ط الهند، عن المقدام بن معدي كرب، وذكره علي بن سلطان في مرقاة المفاتيح : ١/١٩٥ وقال : رواه أبو داود، والدارمي، وابن ماجة في سُنَنهم.


وهذا الإمام الشافعي، قد ذكر في مُسنده في كتاب الرسالة ص١٣٦ حديثاً، عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وما هذا لفظه : إنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( لألفينَّ أحدكم مُتَّكأً على أريكته يأتيه الأمر مِن أمري، ما أمرتُ به، أو نَهيت عنه ؛ فيقول :

لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ).

وقد ذكره : علي بن سلطان أيضاً(١) ، عن أبي رافع، عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقال : رواه أحمد في مُسنده، وأبو داود في صحيحه، والترمذي في صحيحه، وابن ماجة في صحيحه والبيهقي في دلائله، وهذا علي بن سلطان يذكر حديثاً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرقاة المفاتيح : ١/١٩٧، وما هذا لفظه وعن الرياض بن سارية، قال :

قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال : ( أيحسبُ أحدكم مُتَّكأً على أريكته، يظنُّ أنَّ الله يُحرِّم شيئاً ما في هذا القرآن.

ألاْ وإنِّي والله قد أمرت، ووعظت، ونَهيت عن أشياء إنِّها لمثل القرآن أو أكثر ). ( الحديث)(٢) .

المؤلِّف : ما الذي دعا عمر بن الخطاب إلى منع النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مِن أنْ يكتب لهم كتاباً لن يضلِّوا من بعده أبداً، حتَّى آل الأمر إلى الاختلاف، واللَّغط عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد نهاهم الله تعالى - قبل ذلك - عن رفع أصواتهم فوق صوته ؛ فكيف باللَّغط، والاختلاف في مجلسه وحضوره ؛ فتأذَّىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقال :

____________________

(١) انظر : مرقاة المفاتيح : ١/١٩٤. ط المطبعة الميمنيَّة بمصر.

(٢) المصدر نفسه : ١/١٩٤.


( قوموا عنِّي )، ولم يكتب الكتاب، حتَّى ضلَّ أكثرهم مِن بعد النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ بسبب ترك ذلك الكتاب.

ولعلَّه إليه يُشير ابن عباس، بقوله المُتقدِّم :

إنَّ الرزيَّة كلَّ الرزيَّة ما حال بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين كتابه.

وعلى كلِّ حال، إنَّ الضَّلال هو في عاتق عمر بن الخطاب ؛ فهو الذي أوجب ضَلال أكثر الناس، وقد جرى في ذلك مجرى الشيطان، حيث يقول جلَّ وعلا :

( وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلَّاً كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) يس : ٦٢.

والذي أعتقدهُ أنا، أنَّ عمر قد أحسَّ أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يُريد الاستخلاف والتَّنصيص على شخصٍ مُعيَّنٍ، يَرجع الناس إليه مِن بعده، كما هو شأن كلِّ نبِّي، أو وصيٍّ نبيٍّ، مِن آدم إلى خاتم النبوَّة، بلْ جرت عليه سيرة العُقلاء عامَّة، مِن غير اختصاص بالأنبياء، والأوصياء فقط، فكلُّ مَلِكٍ أو زعيمٍ، إذا حضره الموت، أو قبل أنْ يحضره الموت، لابُدَّ وأنْ ينصَّ على شخصٍ مُعيَّنٍ مِن بعده، ولا يترك الأمر فوضى بين الناس ؛ كي ينجرَّ إلى النزاع والقتال، ونحو ذلك ؛ ومِن هنا قال ابن عمر لأبيه - بعد ما طُعِن لمَّا بلغه أنَّه غير مُستخلِف - :إنِّي سمعت الناس (١) يقولون مقالة، فآليتُ أنْ أقولها لك :

زعموا أنَّك غير مُستخلِف، وقد علمت أنَّه لو كان لك راعي إبلٍ، أو راعي غَنمٍ، ثمَّ جاءك وتركها رأيت أنْ قد ضيَّع، فرعاية الناس أشدُّ ( الحديث ).

وفي رواية أُخرى، أنَّ ابن عمر قال لعمر بن الخطاب(٢) :

لو استخلفتَ.

قال : مَن ؟

قال : تجتهد، فإنَّك لستَ لهم بربٍّ، تجتهد أرأيتَ لو أنَّك بعثت إلى راعي غنمك، ألم تكن تُحبُّ أنْ يستخلف رجُلاً حتَّى يرجع ؟ الحديث.

____________________

(١) صحيح مسلم : ٣/١٤٥٤ باب الاستخلاف وتركه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، السُّنَن الكبرى للبيهقي ٨/١٤٨ باب الاستخلاف، وقال : أخرجه مسلم والبخاري، حلية الأولياء لأبي نعيم : ١/٤٤.

(٢) الطبقات الكبرى لابن سعد : ٣/٢٤٨ط ليدن.


بل الذي أَعتقدهُ أنا وأقطع به : أنَّ عمر، قد أحسَّ أنَّ النّبي يُريد التنصيص على شخص عليٍّعليه‌السلام ؛ تأكيداً ( للنَّصِّ الذي قد صدر منه ) قبل وفاته بشهرين - تقريباً - يوم غدير خُمٍّ(١) ؛ فقال : ( كأنِّي دُعيت فأُجبت، [ أو ] إنِّي يُوشك أنْ أُدعى فأُجيب ).

وقال : ( ألستُ أولى بالمؤمنين مِن أنفسهم ؟

قالوا : بلى.

قال : فمَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه )، واعترف بذلك عمر، بلْ وأبو بكر أيضاً ؛ فقالا لعليٍّعليه‌السلام :أصبحتَ وأمسيتَ مولى كلِّ مؤمن ومؤمنة .

بلْ النَّصُّ الذي قد صدر منه أوائل نبوَّته، عند نزول قوله تعالى :

( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) ، فقال : ( هذا أخي، ووصيِّي، وخليفتي ؛ فاسمعوا له وأطيعوا).

فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أنْ تَسمع لابنك وتُطيع.

بلْ وهكذا للنَّصِّ الذي صدر منه في أواسط أيَّامه ؛ لقضيَّة وقعت هناك : ( ما تُريدون مِن عليٍّ، إنَّ عليَّاً مِنِّي وأنا منه، وهو وليُّ كلِّ مؤمن بعدي ).

وقد أُشير - قبلاً - إلى هذه النصوص جميعا، وإلى مداركها في الهامش بنحو الاختصار، في ما ورد عن أبي بكر، في باب إنَّ أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أحدثوا ما أحدثوا، وارتدُّوا على أعقابهم فراجع.

وبالجملة : إنَّ عمر قد أحسَّ أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يُريد التنصيص على عليٍّعليه‌السلام (*) .

فمنَعه مِن أنْ يكتب لهم الكتاب، بلْ ونسب إليه الهُجر، والهذيان، وهي كلمة خارجة عن حدود الأداب كما تقدَّم، بل عن حدود الإيمان [ بلْ إنّها ](**) مُخالفة للعقل والنقل جميعاً ؛ فلا العقل يجوِّز هذيان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا الكتاب يجوِّزه، بلْ يمنعه الكتاب، كما

____________________

(١) تقدَّم في المقصد الأوَّل مُفصَّلاً، ما ورد عن أبي بكر فراجع.

الرضوي

(*) سيأتي في هامش الصفحة الآتية : نَصُّ كلام عمر نقلناه مِن شرح النهج لابن أبي الحديد.

الرضوي

(**) ما بين المعقوفين لم يكن في الأصل.


عرفت(١) .

ولو أحسَّ عمر، أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُريد التنصيص باسمه، أو باسم صاحبه، لما منع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن الكتاب، كما لم يمنع أبا بكر حينما نَصَّ عليه - أيْ على عمر - في كتاب له عند مماته، قد كتبه له عثمان، وهذا كلُّه واضح لا يرتاب فيه مِن له أدنى إنصاف، ومُروَّة، وترك التعصُّب وطريقة الآباء، والسلف الصالح،( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) . الشعراء : ٢٢٧(٢) (٣) (٤) .

____________________

(١) قال ابن أبي الحديد : وقال النقيب :ومِمَّا جرَّأ عمر على بيعة أبي بكر، والعدول عن عليٍّ، ما كان يسمعه مِن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أمره، إنَّه أنكر مِراراً على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أموراً... مِن الأمور التي كان يرى فيها المصلحة، مِمَّا هي خِلاف النَّصِّ، وذلك نحو : إنكاره في الصلاة على عبد الله بن أُبي المُنافق، وإنكاره وفد أُسارى بدر، وإنكاره عليه تبرُّج نسائه للناس، وإنكاره قضيَّة الحديبيَّة، وإنكاره أمان العباس لأبي سفيان بن حرب، وإنكاره واقعة أبي حذيفة بن عتبة، وإنكاره أمره بالنداء : مَن قال : لا اله إلا الله دخل الجَنَّة، وإنكاره أمره بذبح النواضح. وإنكاره على النساء بحضرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هيبتهنَّ له دون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .إلى غير ذلك مِن أُمور كثيرة تشتمل عليها كتب الحديث، ولو لم يكن إلاَّ إنكاره قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرضه :

( ائتوني بدواة وكتف، أكتب لكم ما لا تضلّون بعدي ).وقوله ما قال، وسكوت رسول الله عنه .

وأعجب الأشياء، أنَّه قال ذلك اليوم : حسبُنا كتاب الله ؛ فافترق الحاضرون مِن المسلمين في الدار ؛ فبعضهم يقول : القول ما قال رسول الل هصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،وبعضهم يقول : القول ما قال عمر .

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم -وقد كثُر اللغط وعلت الأصوات - : ( قوموا عنِّي ؛ فما ينبغي لنبيٍّ أنْ يكون عنده هذا التنازع )، فهل بقي للنبوّة مَزيَّة، أو فضل ؟! .

فمَن بلغت قوَّته وهمَّته، إلى هذا، كيف يُنكر منه أنْ يُبايع أبا بكر لمصلحة رآها، ويعدل عن النَّصِّ، ومَن الذي كان يُنكر عليه ذلك. وهو في القول الذي قاله للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في وجهه، غير خائف مِن الأنصار ولا يُنكر عليه أحد ...، وهو أشدُّ مِن مُخالفته النَّصِّ في الخلافة، وأفضع وأشنع.

شرح نهج البلاغة : ٣/١١٧ - ١١٨ الطبعة الأُولى.

(٢) وقال الإمام شرف الدين العاملي ( طاب ثراه ) :ومَن ألمَّ بما حول هذه الرزّية مِن الصّحاح، يعلم إنَّ أوَّل مَن قال يومئذ : هَجر رسول الله إنَّما هو عمر، ثمَّ نسج على منواله مِن الحاضرين مَن كانوا على رأيه .

وقد سمعت قول ابن عباس، فاختلف أهل البيت واختصموا : منهم مَن يقول : قرِّبُوا يكتب لكم النَّبي كتاباً لن تضلّوا بعده. ومنهم مَن يقول : ما قال عمر - أيْ يقول : هَجر رسول الله.


____________________

وفي رواية أخرجها الطبراني في الأوسط، عن عمر قال : لمَّا مَرِض النبي قال : ( ائتوني بصحيفة ودواة، أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً ).

فقالت النّسوة مِن وراء السِّتر: ألاْ تسمعون ما يقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال عمر : إنَّكن صواحبات يوسف، إذا مرض رسول الله عصرتنَّ أعيُنكنَّ، وإذا صَحَّ ركبتُنَّ عُنقه، قال :

فقال رسول الله : ( هُنَّ خيرٌ منكم ). أ ه-.

وأنت ترى أنَّهم ( لم يتعبَّدوا ) هنا بنصِّه، الذي لو تعَّبدوا به لأمنوا مِن الضَّلال، وليتهم اكتفوا بعدم الامتثال، ولم يردُّوا قوله، إذ قالوا : حسبُنا كتاب الله، حتَّى كأنَّه لا يعلم بمكان كتاب الله منهم، أو أنَّهم أعلم منه بخواصِّ الكتاب وفوائده.

وليتهم اكتفوا بهذا كلِّه، ولم يفاجئوه بكلمتهم تلك : ( هَجر رسول الله ) وهو مُحتضِر بينهم، وأيُّ كلمةٍ كانت وداعاً منهم لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكأنَّهم - حيث لم يأخذوا بهذا النَّصِّ اكتفاءً منهم بكتاب الله على ما زعموا - لم يسمعوا هِتاف الكتاب آناء الليل، وأطراف النّهار في أنديتهم :

( وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) الحشر : ٧.

وكأنَّهم حيث قالوا : هَجر، لم يقرءوا قوله تعالى :( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (*) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (*) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (*) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ) التكوير : ١٩ - ٢٢.

وقوله عَزَّ مَن قائل :( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (*) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَليلاً مَا تُؤْمِنُونَ (*) وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَليلاً مَا تَذَكَّرُونَ (*) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) الحاقَّة : ٤٠ - ٤٣.

وقوله جَلَّ وعلا :( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (*) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (*) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (*) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) النجم : ٢.

إلى كثيرٍ مِن أمثال هذه الآيات البيِّنات، المنصوص فيها على عصمة قوله مِن الهُجر.

على أنَّ العقل بمجرَّده مُستقلٌّ بذلك، لكنَّهم علموا أنَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إنَّما أراد توثيق العهد بالخِلافة، وتأكيد النَّصِّ بها على عليٍّ خاصَّة، وعلى الأئمَّة مِن عِترته ؛ فصدُّوه عن ذلك(*) .

كما اعترف به الخليفة الثاني، في كلام دار بينه وبين ابن عباس.

وأنت إذا تأمَّلت في قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلُّوا بعده ).

وقوله في حديث الثقلين : ( إنِّي تارك فيكم ما إنْ تمسَّكتم به لن تضلُّوا، كتاب الله وعِترتي أهل بيتي )،تعلم أنَّ المرمى في الحديثين واحد، وأنَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد في مرضه تفصيل ما أوجبه عليهم في حديث الثقلين، وإنَّما عدل عن ذلك ؛ لأنَّ كلمتهم التي فاجئوه بها اضطرَّته إلى العدول ؛ إذ لم يبقَ بعدها أثر لكتابة الكتاب، سِوى الفتنة، والاختلاف مِن بعده، في أنَّه :


____________________

هل هَجر فيما كتبه - والعياذ بالله - ؟ أولم يهجر كما اختلفوا في ذلك، فاختصموا، وأكثروا اللّغو، واللّغط نُصب عينيه ؛ فلم يتسنَّ له يومئذٍ أكثر مِن قوله لهم : ( قوموا )كما سمعت .

ولو أصرَّ فكتب الكتاب للجُّوا في قولهم : هَجر، ولأوغل أشياعهم في إثبات هَجره - والعياذ بالله - فسَّطروا به أساطيرهم، وملأوا طواميرهم رَدَّاً على ذلك الكتاب وعلى مَن يَحتجُّ به.

لهذا اقتضت حكمته البالغة، أن يُضرِب صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن ذلك الكتاب، سواء عليهم أُكتِب، أم لم يُكتب، وغيرهم لا يعمل به، ولا يعتبره لو كُتِب، فالحكمة - والحال هذه - توجب تركه ؛ إذ لا أثر بعد تلك المُعارضة سِوى الفتنة كما لا يخفى.

المراجعات : ص٢٤٣ - ٢٤٥ المراجعة ٨٦ رزيَّة يوم الخميس. الطبعة العشرون بالقاهرة بتقديم الدكتور حامد حفني داود، والأُستاذ فكري عثمان أبو النصر.

(٣) وقال الأُستاذ أحمد حسين يعقوب المُحامي، تحت عنوان : أسوء وداع لأعظم إمام عَرِفته البشريَّة :لم يَصدف طوال التاريخ البشري أنْ يدعو وليُّ الأمر - سواء كان خليفة أم مَلِكاً - وهو مريض بالقسوة والجَلافة التي عومل بها رسول الله.

ولم يَصدِف أنْ اعتَرَض المسلمون خليفة، إذا أراد أنْ يكتب توجيهاته النهائيَّة، أو يَستخلف مِن بعده، بلْ على العكس.

قال ابن خلدون في مُقدِّمته :إنَّ الخليفة ينظر للناس حال حياته، ويَتبع ذلك أنْ ينظر لهم بعد وفاته، ويُقيم لهم مَن يتولَّى أمورهم .

مقدِّمة ابن خلدون : ص١٧٧، وكتابنا : الخطط السياسيَّة ص٣٨٢.

لقد مَرِض أبو بكر مَرضا شديداً قبل أنْ يموت، وقبل وفاته بقليل دعا عثمان ؛ ليكتب له توجيهاته النهائيَّة، وأصغى المسلمون لأبي بكر ونفَّذوا توجيهاته النهائيَّة بدقَّة، وعاملوه بكلِّ الاحترام، والتوقير، ولم يقُل أحد منهم:

إنَّ أبا بكر قد هَجر، ولا قالوا :


____________________

إنَّ المرض قد اشتدَّ به، ولا قالوا : حسبُنا كتاب الله.

(*) -نَصُّ كلامِ عمر : إنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد أنْ يذكره ؛ للأمر في مرضه فصددته عنه إلخ. شرح النهج لابن أبي الحديد : ٣/١١٤.

راجع : تاريخ الطبري ٣/٤٢٩، وسيرة عمر لابن الجوزي ص٣٧، وتاريخ ابن خلدون : ٢/٧٥ وكتابنا : النظام السياسي ص١٩٥.

وعندما كتب أبو بكر توجيهاته النهائيَّة، كان عمر يقول :

أيُّها الناس، اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله

راجع : تاريخ الطبري : ١/١٣٨.

مُقارنة بين موقف عمر وحزبه مِن أبي بكر وموقفهم مِن رسول الله !!

فهل لأبي بكر قيمة وقداسة عند عمر وحزبه، أكثر مِن قيمة الرسول وقداسته ؟!!!

أجب كما يَحلو لك، فإنَّه الواقع المُرُّ.

ثمَّ انظر إلى موقف المسلمين، عند طعن عمر، وأراد أنْ يكتب توجيهاته النهائيّة، وقد اشتدَّ به المرض أكثر مِمَّا اشتدَّ برسول الله.

راجع : الإمامة والسياسة لابن قتيبة : ١/٢١ - ٢٢، والطبقات لابن سعد : ٢/٣٦٤، وكتابنا : الخطط السياسيَّة ص٣٦٧ - ٣٦٨.

ومع هذا، كتب عمر توجيهاته، وعَهِد للستَّة نظريَّاً، وعَهِد لعثمان عمليَّاً، وأمر بضرب عُنق مَن يُخالف تعليماته النهائيَّة.

راجع : الطبقات لابن سعد ٣/٢٤٧، وأنساب الأشراف ٥/١٨، وتاريخ الطبري ٥/٣٣.

وصارت توجيهات أبي بكر وعمر، شرعاً سياسيَّاً نافذاً، لم يَقل أحد : إنَّ عمر قد هَجر !!

ولم يقل أحد : حسبُنا كتاب الله.

إنَّما عومِل عمر بكلِّ التقديس والاحترام، ونُقِلت توجيهاته النهائيَّة حرفيَّاً، كأنّها كتاب مُنزَل مِن عند الله وأكثر.

فهل لأبي بكر وعمر قداسة عند المسلمين أكثر مِن رسول الله، وبأيِّ كتاب قد أُنزِل بأنَّها أولى بالاحترام والطاعة مِن رسول الله ؟!!

أجِب كما يحلو لك ؛ فإنَّك لن تُغيِّر الحقيقة المرّة !!

الوجيز في الإمامة والولاية ص١٧٠ - ١٧١ ( مخطوط ).

(٤) صرَّح الشيخ المصري محمد متولي الشعراوي، بمظلوميَّة فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، وذلك في إحدى حَلقات التفسير، في مسجد الشيخ سليمان في الهرم ( محافظة الجيزة )، والتي تُذيعها القناة الفضائيَّة المِصريَّة ظُهر كلِّ جُمُعة :


____________________

فقد كان يتحدَّث في تفسير قوله تعالى :

( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) السجدة : ١٦، قائلاً : بأنَّ المُتهجِّدين لا يَقرُّ لهم قرار وهم في فراشهم ؛ لأنَّ فيهم شوقاً للقاء الله والقيام بين يديه .

أراد الشيخ ( الشعراوي ) أنْ يأتي بمَثل لكيفيَّة توديع الحبيب لحبيبه، فجاء بالكلمة التي ودَّع بها أمير المؤمنين عليه‌السلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والزهراء عليها‌السلام بعد دفنها :

( السلام عليك يا رسول الله، وعلى ابنتك النازلة في جوارك، والسريعة اللُّحوق بك، قَلَّ يا رسول الله عن صفيَّتك صَبري، ورقَّ عنها تَجلُّدي، على أنَّ لي بفادح مُصيبتك موضع تعزٍّ فقد وسَّدتك في مَلحودة قبرك، وفاضت بين صدري ونحري نفسك ).

وهذا اعتراف مِن المُفسِّر الشهير : بأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قضى نحبه - بأبي وأُمِّي - في صدر عليعليه‌السلام ، وليس في صدر عائشة، كما أدَّعت هي، وكما يُصرِّح علماء أهل السُّنَّة.

ثمَّ أكمل الشيخ قول الإمامعليه‌السلام .

( وستُخبرك ابنتك عن حال أُمَّتك، وتظافرها على هضمها، هذا والعهد قريب، ولم يخلُ منك الذِّكر ).

وهذا تصريح نادر جِدَّاً.. عند علماء السُّنَّة، لاسيَّما إذا كان الموقف علنيَّاً إلى جماعة مِن المسلمين، ثمَّ سيُبثُّ إلى ملايين المسلمين، في مَشارق الأرض ومَغاربها وفيه : التنبيه على أنَّ الزهراءعليها‌السلام قد هُضِمت، وعلى أنَّ عليَّاًعليه‌السلام لم يستطع منع ذلك، وعلى عدم رضاه، وعلى شكواه إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكلُّها اتِّهام لمَن صار إليهم الأمر بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بعد ذلك أتى الشيخ بموضع الشاهد مِن قول الإمامعليه‌السلام :

( أمَّا حُزني فسَرمد، وأمَّا ليلي فمُسهَّد، إلى أنْ يختار الله لي دارك التي أنت بها مُقيم، والسلام عليكما سلام مُودِّع، لا قالٍ، ولا سَئم، فإنْ أنصرف فلا عن مَلالة، وإنْ أقِم فلا عن سوء ظنٍّ بما وعد الله الصابرين ).

مجلَّة أهل البيت، تُصدِرها رابطة أهل البيت الإسلامية العالميَّة بلندن. العدد ٣٣/٣ شوال ١٤١٥ آذار ١٩٩٦م.

٥ - ويقول الأُستاذ عبد الفتَّاح عبد المقصود : إنَّ الله سبحانه وتعالى، قد كَفل للمسلم حَقَّ الوصيَّة في المال، بقوله عَزَّ مَن قائل :

( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقَّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ ) .

فهلاَّ يَحقُّ لرسول الإسلام - وقد حضرته الوفاة - أنْ يوصي لأُمَّته مِن بعده بما هو خَير لها في الدنيا والدين ؟!!!

ولماذا إذنْ كان ذلك الموقف الغريب، الذي وقفه ابن الخطاب، وأدَّى إلى حِرمان محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حَقَّه في الإيصاء ؟!!!

ثمَّ ما هو التفسير المَقبول لهذا الموقف، ولسكوت أبي بكر عن عمر، ولم يراجعه فيه ..؟!!!


٢ - باب ( إنّ الله ورسوله قد أحلاَّ مُتعة الحَجِّ للأبد وقد حرَّمها عمر )(*) .

المؤلِّف : ولتوضيح ما في هذا الباب، لابُدَّ مِن تقديم مُقدِّمات ثلاث :

____________________

إنَّ كثيرين كانوا يرون، ولا يزالون إلى الآنْ، أنَّ هذا الذي كان إنَّما جاء نتيجة تدبيرٍ سابقٍ أبرمه الصاحبان، قبل وفاة الرسول الكريم

بلْ قد جاء قبل يوم صحيفة الوصيَّة، التي طواها عن أعيُن المسلمين، وعن سمع الزمان، كنَصٍّ مَكتوب ومَقروء، ذلك الصاحب منها المحسوب بين صفوة أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وخيرة رجال الإسلام..

بلْ قد جاء قبل وذاك مِن الأيَّام بوقت لم يتكشَّف لنا مداه، ربَّما يقصر، وربَّما يطول

الشيخان كما يُقال، عقدا اتّفاقاً وضعاه في الخفاء، وغلَّفاه بالإسرار ثمَّ مضيا إلى غايته على طريق رسماه

ورافقهما في هذه الرحلة ( السلطانيَّة ) قَدماً بقدمٍ، وكتفاً إلى كتفٍ، وساعةً بساعةٍ ثالث ثلاثتهم - :أبو عبيدة بن الجرّاح

فهل هو حقٌّ الذي يُقال : ؟..

ما قد نُسب إلى الشيخين : أبي بكر الصدِّيق وعمر بن الخطاب، مِن اتِّفاقٍ في قضيَّة الخلافة يكاد يبديهما، كأنَّما استحوذا على إمرة المؤمنين غصباً بعد تدبير مُحكم دقيق، ومن وراء الظهور والأبواب

وهذا التدبير - في رأي مَن يقولون بحدوثه - يرجع إلى ما قبل موعد اجتماع السقيفة بوقت لا يذكرون مَداه ؛ لأنَّه لا يُعرف على وجه التحقيق والتحديد

لكنَّه يسبق وفاة رسول الله، بطبيعة الحال.

ويَجمع أبا عبيدة بن الجرّاح إلى صاحبيه الكبيرين في رباط واحد، جمع قَرين إلى قَرين

ويرسم الرجال الثلاثة كطلاَّب سيادةٍ، ما أنْ تَسنح لهم الفرصة، التي ترقَّبوها حتَّى يلقفوا الإمرة المُنتظرة، ليتداولوها مِن بعدُ تباعاً، كلُّ واحدٍ بميقات

السقيفة والخلافة : ٢٤٣ - ٢٤٥

(*) فيه ستَّة عشر حديثاً.


(*) المُقدِّمة الأُولى :

إنَّ معنى متعة الحَجِّ، أو حَجُّ التَمتُّع هو : أنَّ مَن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، يُحرِم مِن الميقات للعُمرة، في أشهر الحَجِّ - برغم أهل الجاهليَّة، الذين يرون العُمرة في أشهر الحَجّ مِن أفجر الفجور في الأرض كما ستعرف تفصيله -، فيأتي مَكَّة، ويطوف بالبيت سَبعاً، ويُصلِّي رَكعتين في مقام إبراهيم، أو خَلفه ثمَّ يَسعى بين الصَّفا والمروة سَبعاً، ثمَّ يَحلُّ مِن إحرامه ؛ فيجوز له كلَّما حَرُم عليه بالإحرام، حتَّى التطيّب بالطيب، ومُجامعة النساء في فروجهنَّ كما شاء مَرَّة، أو مِراراً، برغم أنف مِن يكره ذلك، بزعم أنَّه أبَّر وأتقى، مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وبهذا سُمِّي هذا القسم مِن الحج بالتمتُّع، وأصله مِن الالتذاذ والاستمتاع، فإذا كان يوم التروية أحرم مِن مَكَّة إحراماً جديداً للحَجِّ، وخرج إلى عَرفات ووقف بها، ثمَّ إلى المِشعر ووقف به، ثمَّ إلى مِنى، وأدَّى مَناسكه مِن الرمي، والذبح، والحَلق، أو التقصير. ثمَّ يأتي مَكَّة، ويطوف بالبيت سَبعاً، ويُصلِّي رَكعتين، ويسعى بين الصفا والمروة سَبعاً ثانيا، ويُصلِّي رَكعتين ؛ فتَحلُّ له النساء أيضاً، فيرجِع إلى مِنى ؛ للمبيت ليلتين أو ثلاثاً، وللرمي يومين أو ثلاثاً، وهذا هو حَجُّ التمتُّع.

(*) المقدمة الثانية :

إنَّ العُمرة في أشهر الحَجِّ، أعني : شهر شوَّال، وشهر ذي القعدة، وشهر ذي الحَجَّة، كان عند أهل الجاهليَّة مِن أفجر الفجور في الأرض، كما أُشير إليه آنفاً، وقد نطق بذلك نصوص كثيرة، ونحن نذكر لك بعضها وفيها الكفاية.

١ - روى البخاري بسنده، عن ابن عباس، أنّه قال :

كانوا يرون العُمرة في أشهر الحَجِّ مِن أفجر الفجور في الأرض(١) ، ويجعلون المُحرَّم صَفراً ( أيْ يسمّون المُحرَّم صَفراً )، ويقولون :

____________________

(١) أيْ مِن أعظم الذنوب.


إذا برأ الدُّبَر، وعفا الأثر، وانسلخ صَفر حلَّت العمرة لمَن اعتمر، فلمَّا قَدِم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه صبيحة رابعة ( أيْ مِن ذي الحَجَّة ) مُهلِّين بالحج، فأمرهم أنْ يجعلوها عُمرَة ؛ فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا : يا رسول الله، أيُّ الحِلِّ.

قال : ( حِلٌّ كلُّه )(١)

٢ - وروى الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن ابن عباس قال :

ما أعمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عائشةَ ليلة الحصبة ؛ إلاّ قطعاً لأمر أهل الشرك ؛ فإنَّهم كانوا يقولون :

إذا برأ الدُّبَر، وعفا الأثر، ودخل صَفر، فقد حلَّت العُمرة لمَن اعتمر(٢) .

(*) المقدمة الثالثة :

إنَّ الإحلال بعد عُمرة التمتُّع، ومُجامعة النِّساء في فروجهنَّ مِن قبل أنْ يُحرِم للحَجِّ، ويَخرج إلى مِنى وعرفات، كان عظيماً عند ضعفاء العقول مِن المسلمين، ثقيلاً عليهم، وكانوا يكرهونه جِدَّاً، حتَّى كادوا يعصون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، في أمره بالإحلال مُعلِّلين كراهتهم له.

وللترخيص في مُجامعة النّساء بما قالوه : مِن أنَّه يروح أحدنا إلى مِنى، وذَكَرَه يَقطُر مَنيِّاً - يعني مِن مُجامعة النِّساء أو رأسه يقطُر ماءً - يعني مِن غُسل الجنابة، فكأنَّهم يرون أنفسهم أبرَّ، وأتقى لله مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقد ورد في هذا المعنى نصوص مُتواترة، بلْ فوق التواتر، كما يَظهر بمراجعة كتب الأخبار، ولكن نحن نذكر بعضها، وفيها الكفاية.

____________________

(١) صحيح البخاري : ٢/١٥٢ كتاب الحَجّ، باب التمتُّع والإقران والإفراد، صحيح مسلم : ٢/٩٠٨ كتاب الحج، باب جواز العُمرة في أشهر الحَجّ، مُسند أحمد بن حنبل ١/٢٥٢، السُّنَن الكبرى للبيهقي : ٤/٣٤٥، مُشكل الآثار للطحَّاوي : ٣/١٥٥، شرح معاني الآثار للطحَّاوي : ٢/١٥٨، تحقيق محمد زهري النجَّار.

(٢) مُسند الإمام أحمد بن حنبل : ١/٢٦١، السُّنن الكبرى للبيهقي : ٤/٣٤٤ - ٣٤٥، وقال : والله، ما أعمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عائشة في ذي الحَجَّة ؛ إلاّ ليقطع أمر أهل الشرك إلخ. ورواه الطحَّاوي في مُشكل الآثار : ٣/١٥٥ - ١٥٦، وقال : ما أعمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عائشة في ذي الحَجَّة ؛ إلاّ ليقطع بذلك أمر الجاهلية إلخ.


١ - روى البخاري بسنده، عن عطاء، عن جابر : وعن طاووس، وعن ابن عباس أنَّه قال :

قَدِمنا مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صبح رابعة مِن ذي الحَجَّة، مُهلِّين بالحَجّ لا يخلطهم شيء، فلمَّا قَدمنا أَمَرَنا فجعلناها عُمرة، وأنْ نَحلَّ إلى نسائنا، ففشت في ذلك القالة.

قال عطاء : فقال جابر : فيروح أحدنا إلى مِنى، وذَكَره يقطُر مَنِّياً.

فقال جابر : فبلغ ذلك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ فقام خطيباً فقال : ( بَلغني أنَّ أقواماً يقولون : كذا وكذا.

والله لأنا أبرُّ، وأتقى لله منهم، ولو أنِّي استقبلت مِن أمري ما استدبرت ما أهديت ولو لا أنَّ معي الهدي لأحللت

فقام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال : يا رسول الله، هي لنا، أو للأبد.

فقال: لا، بلْ للأبد ) ( الحديث )(١) .

٢ - روى البخاري بسنده، عن جابر بن عبد الله أنَّه قال :

كنَّا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلبَّينا بالحَجِّ، وقَدِمنا مَكَّة لأربعٍ خلون مِن ذي الحَجَّة، فأمَرَنا النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنْ نَطوف بالبيت، وبالصَّفا والمَروة، وأنْ نجعلها عُمرة ونَحلُّ، إلاَّ مَن كان معه هدي.

قال : ولم يكُن مع أحد مِنَّا هدي غير النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وطلحة - إلى أنْ قال - : فقالوا : ننطلق إلى مِنى وذَكَرُ أحدِنا يقطُر.

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إنِّي لو استقبلت مِن أمري ما استدبرت ما أدَّيت، ولولا أنَّ معي الهدي لحللتُ ).

قال : ولقِيَه سراقة، وهو يرمي جمرة العقبة، فقال يا رسول الله : ألنا هذة خاصَّة.

قال : ( لا.

____________________

(١) صحيح البخاري في الشركة في الطعام، باب الاشتراك في الهدي هكذا ذَكَر المؤلِّف، ولم نجد لهذا الباب أثراً في الصحيحين - البخاري ومسلم - ولا في الترمذي وأبي داود، بلْ ورد مضمون هذا الحديث في صحيح مسلم : ٤/٣٧ طبع استانبول عام ١٣٣٤ه-. فراجع.( الرضوي ) .


بلْ للأبد )(١) .

٣ - روى البخاري بسنده، عن عطاء قال :

سمعت جابر بن عبد الله في أُناس معه، قال :

أهللنا أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الحَجِّ خالصاً، ليس معه عُمرة.

قال عطاء :

قال جابر : فقَدِم النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رابعة مَضت مِن ذي الحَجَّة، فلَّما قَدِمنا أمرنا النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ نَحلَّ، وقال : ( أحلِّو، وأصيبوا مِن النّساء ).

قال عطاء : قال جابر : ولم يَعزم عليهم، ولكن أحلَّهن لهم، فبلغه أنَّا نقول :

لمَّا لم يكن بيننا، وبين عَرفة إلاَّ خمس، أمرنا أنْ نَحلَّ إلى نسائنا، فنأتي عَرفة تقطُر مَذاكيرنا المِنيَّ - إلى أنْ قال - فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال :

( قد علمتم أنَّي أتقاكم لله، وأصدقكم، وأبرَّكم، ولولا هديي لحللْتُ كما تُحلّون. فحِلُّوا، فلو استقبلت مِن أمري ما استدبرت ما أهديت ).فحلَلْنا وسمعنا وأطعنا(٢) .

____________________

(١) صحيح البخاري بحاشية السندي : ٤/٢٤٩ كتاب التمنِّي، باب لو استقبلت مِن أمري ما استدبرت، سُنَن أبي داود : ١/٤٠٢ تحقيق سعيد محمد اللّحام، كتاب الحَجّ، إفراد الحَجّ باختلاف يسير، مُسند الإمام أحمد : ٣/٣٠٥، وقال المؤلِّف طاب ثراه : ورواه غير هؤلاء أيضا مِن جمع كثير مِن أئَّمة الحديث، ولا حاجة إلى استقصاء الكلِّ مِمَّن رواه جميعاً.

(٢) صحيح البخاري : ٨/١٦٢١٦١ط الأستانة، صحيح مسلم : ٢/٨٨٤٠ كتاب الحَجّ، باب وجوه الإحرام، وزاد في آخره. قال سراقة بن جعشم :يا رسول الله، ألعامِنا هذا أم لأبدٍ ؟

قال : ( لأبدٍ ).

ورواه ابن ماجة في السُّنن : ٢/٩٩٢، في أبواب المَناسك، باب فسخ الحَج، وقال : فلَّما طِفنا بالبيت وسَعينا بين الصَّفا والمَروة، أمرنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ نَجعلها عُمرة، وأنْ نَحلَّ إلى النّساء - إلى أنْ قال - فقال سراقة بن مالك :أمُتعتنا هذه لعامنا هذا أم لأبدٍ ؟

فقال : ( لا، بلْ لأبدِ الأبد ). ورواه أبو داود في السُّنن تحقيق اللّحام : ١/٤٠٢ كتاب الحَجّ، باب إفراد الحَجّ، رقم الحديث ١٧٨٧. وقال : فطفنا وسَعينا، ثمَّ أمرنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ نَحلَّ.

وقال : ( لو لا هديي لحللت ).

ثمَّ قام سراقة بن مالك، فقال : يا رسول الله،أرأيت مُتعتنا هذه ألعامنا هذا ؟ أم للأبد ؟

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( بلْ هي للأبد ).

ورواه الإمام أحمد بن حنبل في مُسنده : ٣/٣١٧، وفي غير هذه الصفحة أيضاً، بلْ ورواه غير هؤلاء أيضاً مِن جَمعٍ كثيرٍ مِن أئَّمة الحديث وعلماء الخبر ؛ فلا حاجة إلى استقصاء الجميع فرداً فرداً.


٤ - روى مسلم بسنده، عن جابر بن عبد اللهرضي‌الله‌عنه قال :

أهللنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالحَجّ، فلمَّا قَدِمنا مَكَّة أمرنا أنْ نَحلَّ، ونجعلها عُمرة ؛ فكبُر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا.

فبلغ ذلك النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فما ندري أشيء بلغه من السماء أم شيء مِن قِبَل الناس !

فقال : ( أيُّها الناس، أحلِّوا. فلو لا الهدي الّذي معي، فَعَلت كما فعلتُم ).

قال : فأحللنا، حتَّى وطئنا النّساء، وفعلنا ما يفعل الحُلاَّل. حتَّى إذا كان يوم التروية، وجعلنا مَكَّة بظَهر أهللنا بالحَجّ(١) .

٥ - روى ابن ماجة بسنده، عن البرَّاء بن عازب قال : خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه، فأحرمنا بالحَجّ، فلمَّا قَدِمنا مَكّة قال : ( اجعلوا حَجَّتكم عُمرة ) ؛ فقال الناس : يا رسول الله، قد أحرمنا بالحَجّ، فكيف نجعلها عُمرة ؟!

قال : ( انظروا ما آمركم به فافعلوا ) ؛ فردُّوا عليه القول فغضب ؛ فانطلق ثمَّ دخل على عائشة غَضبان، فرأت الغضب في وجهه ؛ فقالت :

مَن أغضبك أغضبه الله ؟

قال : ( ومالي لا أغضب، وأنْ آمر أمراً فلا أُتَّبع )(٢) .

٦ - روى الإمام أحمد بن حنبل، بسَنده عن ابن عمر، أنّه قال :

قَدِم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مَكَّة وأصحابه مُلبِّين - إلى أنْ قال - :

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( مَن شاء أنْ يجعلها عُمرة، إلاَّ مَن كان معه الهدي ).

قالوا : يا رسول الله، أيروح أحدنا إلى مِنى وذكره يقطُر مَنِّيا ؟!

قال : ( نعم ). وسَطَعت المجامر. ( الحديث )(٣) .

____________________

(١) صحيح مسلم : ٢/٨٨٤ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، كتاب الحج باب بيان وجوه الإحرام.

(٢) سُنن ابن ماجة : ٢/٩٩١ كتاب المناسك، باب التمتُّع بالعُمرة إلى الحَجّ، مُسند أحمد بن حنبل : ٤/٢٨٦.

(٣) مُسند أحمد بن حنبل : ٢/٢٨ وراجع المُسند : ٢/٣٨٨، وقال فيه : سَطَعت المجامر، ووقعت النّساء. إلى غير ذلك مِن النّصوص المُتواترة، كما أشرنا، الواردة في هذا المعنى، بلْ هي فوق التواتر بكثير ؛ فلا حاجة إلى استقصاء الجميع.


المؤلِّف : ثمَّ إنَّك إذا عرفت هذه المُقدِّمات الثلاث، فنقول :

إنَّ مُتعة الحَجّ هي مِمَّا أحلَّها الله ورسوله، وقد حرَّمها عمر، كما تقدَّم في عنوان الباب.

أمَّا تحليل الله تبارك وتعالى لها، ففي كتابه المجيد ؛ حيث قال في سورة البقرة :

( فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) .

وأمَّا تحليل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لها ؛ فالروايات في ذلك فوق التواتر، بلْ فوق الإحصاء، كما يظهر ذلك بمراجعة كتب الأخبار.

وقد عرفت جملةً منها في المُقدِّمة الثالثة، وسيأتي جُملة أُخرى منها في ضِمن ما دلَّ على تحريم عمر مُتعة الحَجِّ، فلا حاجة إلى استقصاء الجميع بتمامها.

كما أنَّ الروايات في تصريحهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بأنَّ مُتعة الحَجِّ هي للأبد، بعدما سأله سراقة بن مالك بن جعشم : مِن أنَّ مُتعتنا هذه ألعامنا هذا أم للأبد ؟

بلْ تصريحه بأنَّها لأبدِ الأبد، أو إلى يوم القيامة، أو دخلت العُمرة في الحَجِّ إلى يوم القيامة، هي أيضاً مُتواترة جِدَّاً، وقد تقدَّم بعضها في المُقدِّمة الثالثة، والبقيَّة في كتب الأخبار موجودة فراجع(١) .

وأمَّا تحريم عمر لمُتعة الحَجِّ، مع تحليل الله تعالى ورسوله لها - كما عرفت - بلْ ومع تصريح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنَّها للأبد، بلْ لأبدِ الأبد، أو إلى يوم القيامة.

فالروايات في ذلك أيضا مُتواترة، ونحن نذكر لك جُملةً منها وفيها الكفاية.

____________________

(١) صحيح مسلم : ٢/٩١٤ كتاب الحج، باب التقصير في العُمرة، وفي كتاب النكاح باب نكاح المُتعة : ٣/١٠٢٢. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.


٧ - وروى البخاري بسنده، عن عمران بن حصين قال :

أُنزلت آية المُتعة(١) ، ففعلناها مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم ينزل قرآن يُحرِّمها، ولم يَنهِ عنها حتَّى مات. قال رجُل برأيه ما شاء - يعني بالرَّجُل عمر -.

ورواه أيضاً - باختلاف يسير - في كتاب الحَجِّ، في باب جواز التمتُّع(٢) .

ورواه مسلم في صحيحه، في كتاب الحَجِّ، في باب جواز التمتُّع، رواه بطريقين، بلْ روى في الباب المذكور، عن عمران بن حصين روايات عديدة في هذا المعنى، يَقرُب مِن نحو عشرة أحاديث فراجع(٣) .

٨ - روى مسلم بسنده، عن أبي نضرة قال : كنت عند جابر بن عبد الله، فأتاه آتٍ، فقال:

إنَّ ابن عباس، وابن الزبير اختلفا في المُتعتين - يعني الحَجَّ والنساء - فقال جابر : فعلناهما مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمَّ نهانا عنهما عمر.

ورواه أحمد بن حنبل - أيضاً - في مُسنده : ١/٥٢ باختلاف في اللّفظ، وفيه تصريح مِن عمر : بأنَّ المُتعتين كانتا على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فنهانا عنهما عمر(٤) .

____________________

(١) ذكر الراغب الأصبهاني : أنَّ عبد الله بن الزبير، عيَّر ابن عباس بتحليله المُتعة ؛ فقال له ابن عباس : سل أُمَّك : كيف سَطعت المجامر بينها وبين أبيك ؟فسألها، فقالت : والله ما ولدتك إلاَّ بالمُتعة. أنظر المحاضرات ط مصر.( الرضوي ).

(٢) صحيح البخاري : ١/٢٧٤ بحاشية السندي ط مصر.

(٣) سُنَن الترمذي : ٢/٩٩١، كتاب المناسك، باب التمتُّع بالعُمرة إلى الحَجّ، وفي مُسند أحمد : ٤/٤٢٨ - ٤٢٩ رواية أُخرى، عن عمران بن حصين في هذا المعنى، بلْ وفي ص٤٣٨ - ٤٣٩ روايات جديدة عن عمران بن حصين في هذا المعنى، ورواه جمع آخرون أيضاً مِن أئَّمة الحديث بطُرق عديدة، ولا حاجة إلى استقصاء الجميع بتمامها.

(٤) سُنن النسائي : ٥/١٧٨ بشرح السيوطي وبحاشية السندي، تحت عنوان : إباحة فسخ الحَجّ بعُمرة لم يَسبق الهدي.

سُنن ابن ماجة : ٢/٩٩٢، باب فسخ الحَجِّ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، سُنَن أبي داود : ١/٥٥٠ كتاب المناسك، باب إفراد الحَجِّ، مُسند الإمام أحمد بن حنبل : ١/٢٣٦ - ٢٥٣ - ٢٥٩.

إلى غير ذلك مِن مواضع أُخر مِن مُسند أحمد، ومِن كُتب أُخر عديدة غير مُسند أحمد وما قبله، ولا حاجة إلى استقصاء الجميع على الضبط والدقَّة فرداً فرداً. -المؤلِّف -


ورواه أبو داود الطيالسي أيضاً في مُسنده : ٨/٢٤٠: والبيهقي في سُنَنه: ٥/٢١ ،

وقالا فيه :

قال عمر :

فافصلوا حَجَّكم مِن عُمرتكم، وأبُتُّوا نكاح هذه النّساء، فلا أُوتى برجُل تزوَّج امرأة إلى أجلٍ إلاَّ رجمته!!

ورواه البيهقي في سُنَنه : ٧/٢٠٤، باب نكاح المُتعة بطريقين، قال في الطريق الثاني :

قال عمر :

مُتعتان كانتا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا أنهى عنهما، وأُعاقب عليهما :

إحداهما : مُتعة النساء، ولا أقدر على رجُل تزوَّج امرأة إلى أجلٍ، إلاَّ غيَّبته بالحِجارة، والأُخرى مُتعة الحَجّ.

افصلوا حَجَّكم مِن عُمرتكم، فإنَّه أتمُّ لحَجِّكم، وأتمُّ لعُمرتكم.

ورواه الطحَّاوي في شرح معاني الآثار : ٣/٢٦ باب نكاح المُتعة.

وذكره المُتَّقي الهندي في كنز العُمَّال : ٨/٢٩٤ط الهند بطريقين وقال :

أخرجهما ابن جرير.

وقال في الثاني :

فأتوا الحَجَّ والعُمرة كما أمركم الله، وأتمُّوا نكاح هذه النساء، فلا أُوتى برجُلٍ تزوَّج امرأة، إلاّ رجمته بالحجارة.

ورواه جَمع آخرون أيضاً مِن أئَّمة الحديث، ولا حاجة إلى استقصاء الجميع فرداً فرداً.

٩ - روى الترمذي بسنده، عن ابن شهاب، أنَّ سالم بن عبد الله حدَّثه، أنَّه سمع رجُلاً مِن أهل الشام، وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتُّع بالعمرة إلى الحَجِّ.


فقال عبد الله بن عمر :هي حلال .

فقال الشامي :إنَّ أباك قد نهى عنها .

فقال عبد الله بن عمر :أرأيت إنْ كان أبي نهى عنها، وصنعها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أأمر أبي نَتَّبع ؟! أم أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

فقال الرجل :بلْ أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال: لقد صنعها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال الترمذي : وفي الباب عن علي، وعثمان، وجابر، وسعد، وأسماء بنت أبي بكر(١) .

١٠ - روى النّسائي بسنده، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الله بن الحارث :

أنّه سمع سعد بن أبي وقاص، والضّحاك بن قيس، عام حَجِّ معاوية بن أبي سفيان، وهما يذكران التمتُّع بالعُمرة إلى الحَجّ.

فقال الضّحاك :لا يَصنع ذلك إلاَّ مَن جَهِل أمر الله تعالى .

فقال سعد :بِئْسَما قلت يا بن أخي .

قال الضّحاك :فإنَّ عمر بن الخطاب نهى عن ذلك .

قال سعد :قد صنعها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصنعناها معه (٢) .

١١ - روى الدارمي بسنده، عن محمد بن عبد الله بن نوفل، قال :

سمعت عام حَجِّ معاوية، يسأل سعد بن مالك : كيف تقول بالتمتُّع بالعُمرة إلى الحَجِّ ؟

قال :حَسَنة جميلة .

____________________

(١) سُنن الترمذي : ٣/١٨٥ كتاب الحَجِّ، باب ما جاءَ في التَمتُّع. شرح معاني الآثار : ٢/١٤١.

(٢) سُنن النسائي : ٥/١٥٢ - ١٥٣، التمتُّع. سُنن الترمذي : ٣/١٨٤ باب ما جاء في التمتُّع، مُسند الإمام أحمد بن حنبل : ١/١٧٤، الموطِّأ للإمام مالك : ١/٣٤٤ باب ما جاء في التمتُّع، السُّنن الكبرى للبيهقي : ٥/١٧١٦ باب مَن اختار التمتُّع بالعُمرة إلى الحَجِّ، شرح معاني الآثار : ٢/١٤١، كتاب مناسك الحَجِّ. ورواه جمع آخرون أيضاً. ولا حاجة إلى استقصاء الجميع بتمامه. -المؤلف -


فقال :قد كان عمر ينهى عنها، فأنت خيرٌ مِن عمر ؟!

قال :عمر خيرٌ مِنِّي، وقد فعل ذلك النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،وهو خير من عمر (١) .

١٢ - روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن ابن أبي مليكة، قال :

قال عروة لابن عباس : حتَّى متى تُضلُّ الناس، يا بن عباس ؟

قال :ما ذاك يا عُرية ؟

قال :تأمرنا بالعُمرة في أشهر الحَجِّ، وقد نهى أبو بكر وعمر ؟!

فقال ابن عباس :قد فعلها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال عروة :كانا هما أتبع لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،وأعلم به منك (٢) .

١٣ - روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن سالم قال :

كان عبد الله بن عمر يُفتي بالذي أنزل الله عَزَّ وجَلَّ به مِن الرّخصة بالتمتُّع، وسَنَّ رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه ؛ فيقول ناس لابن عمر :

كيف تُخالف أباك، وقد نهى عن ذلك ؟!

فيقول لهم عبد الله : ويلكم ! ألا تتَّقون الله - إلى أنْ قال - :

فلِمَ تُحرِّمون ذلك، وقد أحلَّه الله وعَمِل به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أفرسول الله أحقُّ أنْ تتَّبعوا سُنَّته أم سُنَّة عمر ؟!(٣) .

١٤ - روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن أبي إسحاق بن يسار أنَّه قال :

إنَّا لبمَكَّة، إذ خرج علينا عبد الله بن الزبير، فنهى عن التمتُّع بالعُمرة إلى الحَجِّ، وأنكر أنْ يكون الناس صنعوا ذلك مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ فبلغ ذلك عبد الله بن عباس ؛ فقال : وما علم

____________________

(١) سُنن الدارمي : ٢/٣٥ - ٣٦.

(٢) مُسند الإمام أحمد بن حنبل : ١/٢٥٢، ورواه في ص٣٣٧ وزاد فيه :أراهم سيهلكون. أقول : قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،ويقولون نهى أبو بكر وعمر .

(٣) مُسند الإمام أحمد بن حنبل : ٢/٩٥، ورواه البيهقي في السُنن الكبرى : ٥/٢١ بطريقين، قال في أحدهما :أفكتاب الله عَزَّ وجَلَّ أحقُّ أنْ يُتَّبع أم عمر ؟!


ابن الزبير بهذا، فليرجِع إلى أُمِّه أسماء بنت أبي بكر ليسألها، فإنْ لم يكُن الزبير قد رجع إليها حلالاً، وحلَّت، فبَلَغ ذلك أسماء

فقالت : يغفر الله لابن عباس، ولقد أفحش، قد - والله - صدق ابن عباس، لقد حَلُّوا، أحللْنا، وأصابوا النّساء(١) .

١٥ - وروى الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن أبي موسى الأشعري، أنّه قال :

بعثني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أرض قومي، فلمّا حضر الحَجُّ حَجَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحَجَجْت، فقدمت عليه وهو نازل بالأبطح، فقال لي : ( بِمَ أهللت يا عبد الله بن قيس ؟ )

قال : قلت لبيك بحَجٍّ كحَجِّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال : ( أحسنت ).

ثمَّ قال : ( هل سُقت هدياً ؟ ).

فقلت : ما فعلت.

فقال لي : ( اذهب فطُف بالبيت، وبين الصَّفاء والمَروة ثمَّ احلل ).

فانطلقت. ففعلت ما أمرني، وأتيت امرأةً مِن قومي، فغسلتْ رأسي بالخَطمي وفلَتْهُ، ثمَّ أهللْت يوم التروية.

فما زلت أُفتي الناس بالّذي أمرني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتَّى توفِّي، ثمَّ زمن أبي بكر، ثمَّ زمن عمررضي‌الله‌عنه ، فبينا أنا قائم عند الحَجر الأسود، أو المُقام أُفتي الناس بالّذي أمرني به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ أتاني رجُلٌ فسارَّني، فقال :

لا تَعجل بفُتياك ؛ فإنَّ عمر قد أحدث في المَناسك، فساق الحديث في مُلاقاته مع عمر، ونهى عمر عَمَّا أمر به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢) .

١٦ - وروى الطحَّاوي بسنده، عن ابن عمر أنّه قال :

قال عمر : مُتعتان كانتا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنا أنهى عنهما، وأُعاقب عليهما : مُتعة

____________________

(١) مُسند أحمد بن حنبل : ٤/٤.

(٢) المصدر نفسه : ٤/٣٩٣، وروى في ص٣٩٥ - ٤١٠ روايتين أُخريين، عن أبي موسى في هذا المعنى.


النّساء، ومُتعة الحَجِّ(١) .

ما العِلَّة في تحريم عمر مُتعة الحَجِّ ؟

بقي شيء، وهو أنّه ما العِلّة في تحريم عمر مُتعة الحَجِّ، وقد أحلّها الله، ورسوله للأبد - كما عرفت - فنقول :

إنَّه قد ورد في عِلَّة تحريمه لها جُملة مِن الروايات، فنحن نذكرها أوَّلاً، ثمَّ نستظهر منها أنَّه ما عِلَّة تحريمه لها، ونهيه عنها.

وهذا هو تفصيل تلك الروايات :

١ - روى مسلم بسنده، عن أبي موسى الأشعَرِيْ، أنَّه كان يُفتي بالمُتعة(٢) ، فقال له رجُل : رويدك ببعض فُتياك ؛ فإنَّك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النُّسك بعد، حتَّى لقيه فسأله.

فقال عمر : قد علمت أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد فعلها وأصحابه، ولكنْ كرهت أنْ يظلّوا مُعرِّسين بهنَّ في الأراك(٣) ثمَّ يروحون في الحَجِّ تقطُر رؤوسهم(٤) .

٢ - روى البيهقي بسنده، عن ابن عمر، أنَّ عمررضي‌الله‌عنه كان يقول :

أنْ تفصلوا بين الحَجِّ والعُمرة، وتجعلوا العُمرة في غير أشهر الحَج أتمُّ لحَجِّ

____________________

(١) شرح معاني الآثار : ٢/١٤٦، ورواه في ص٣٧٥ باختصار عن سعيد بن المسيّب، وذكره المُتَّقي الهندي في كنز العمَّال : ٨/٢٩٣ط حيدر آباد الهند، وقال : أخرجه أبو صالح كاتب اللّيث

وقال المُتَّقي الهندي في كنز العمَّال ٨/٢٩٣ط الهند : روي عن جابر أنَّه قال :

تمتَّعنا مُتعة الحَجِّ، ومُتعة النساء، على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمَّا كان عمر نهانا.

قال : أخرجه ابن جرير.

(٢) تقدَّم حديث أبي موسى الأشعري، المروي في مُسند أحمد بن حنبل : /٣٩٣ فراجعه.( الرضوي ) .

(٣) قال محمد فؤاد عبد الباقي، في شرح هذا الحديث : ( مُعرِّسين بهنَّ في الأراك ) الضمير في بهنّ يعود إلى النساء ؛ للعلم بهنَّ وإنْ لم يُذكَرنَ. ومعناه : كرهتُ التمتُّع ؛ لأنَّه يقتضي التحلُّل ووطء النساء، إلى حين الخروج إلى عرفات. وأعرس، إذا صار ذا عروس، ودخل بامرأته عند بنائها. والمراد هنا الوطء :

أيْ مقاربين نساءهم. وقوله في الأراك : هو موضع بعَرفة قُرب نمرة.

أُنظر : هامش صحيح مسلم : ٢/٨٩٦.

(٣) صحيح مسلم : ٢/٨٩٦ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.


أحدكم، وأتمُّ لعُمرته(١) .

وروى البيهقي رواية أُخرى في ص ( ٢٠ ) عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب في هذا المعنى باختلاف في اللفظ.

٣ - روى أبو نعيم بسنده، عن سعيد بن المسيّب : أنَّ عمر بن الخطاب نهى عن المُتعة، في أشهُر الحَجِّ، وقال : فعلتها مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنا أنهى عنها ؛ وذلك أنّ أحدكم يأتي مِن أُفق مِن الآفاق شَعِثاً، نَصِباً، مُعتمراً في أشهُر الحَجِّ، وإنَّما يكون شَعثه، ونَصبه، وتلبيته في عُمرته، ثمَّ يَقدِم فيطوف بالبيت، ويَحلُّ ويلبس، ويتطيَّب ويَقع على أهله - إنْ كانوا معه، حتَّى إذا كان يوم التروية أهلَّ بالحَجِّ، وخرج إلى مِنى يُلبِّي بحَجِّه، لا شَعِثاً، ولا نَصباً، ولا تلبية إلاَّ يوماً، والحَجُّ أفضل مِن العُمرة، ولو خلَّينا بينهم وبين هذا لعانقوهم تحت الأَراك ( الحديث )(٢) .

٤ - روى أبو نعيم بسنده، عن سعيد بن المسيّب، أنّه قال : قام عمر في الناس، فنهاهم أنْ يستمتعوا بالعُمرة إلى الحَجِّ.

فقال : إنْ تُفردوها حتَّى تجعلوها في غير أشهر الحَجِّ، أتّم لحَجِّكم، وعُمرتكم، ثمَّ قال :

وإنِّي أنهاكم عنها، وقد فعلها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفعلناها معه(٣) .

٥ - روى الطحَّاوي بسنده، عن أبي سعيد الخدري، أنَّه يقول :

قام عمر خطيباً حين استُخلف فقال :

إنَّ الله عَزَّ وجَلَّ كان رخَّص لنبيِّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما شاء الله، ألا وإنَّ نبي الله قد انطلق به فأحصِنوا

____________________

(١) السُنن الكبرى : ٥/٥، شرح معاني الآثار : ٢/١٤٧، كتاب مناسك الحَجِّ، باب ما كان النبي به مُحرماً.

ورواية أُخرى أيضاً في هذا المعنى باختلاف في اللّفظ. -المؤلِّف -

(٢) حِلية الأولياء : ٥/٢٠٥.

(٣) المصدر نفسه : ٥/٢٠٥.


فروج هذه النساء، وأتمُّوا الحَجَّ والعُمرة لله، كما أمركم به(١) .

ثمَّ إنَّك إذا عرفت هذه الروايات فنقول :

إنَّه يظهر مِن قول عمر في الرواية الثانية.

إنْ تفصلوا بين الحَجِّ والعُمرة، وتجعلوا العُمرة في غير أشهُر الحَجِّ. إلخ.

أو في الثالثة : إنْ تُفردوها حتَّى تجعلوها في غير أشهُر الحَجِّ. إلخ.

وما في الرواية الرابعة، مِن أنَّ عمر بن الخطاب نهى عن المُتعة في أشهر الحج. إلخ.

إنَّ العِلَّة في نهيه عن مُتعة الحَجِّ، هو إحياء سُنَّة أهل الجاهليَّة والشرك ؛ لِمَا عَرِفت في المُقدِّمة الثانية في صدر الباب :

مِن أنَّ العُمرة في أشهُر الحَجِّ، كانت هي مِن أفجر الفُجور عندهم في الأرض، وكانوا يقولون :

إذا برأ الدُّبَر، وعفا الأثَر، وانسلخ صَفر حلَّت العُمرة لمَن اعتمر.

غايته :

إنَّ عمر قَدْ مَوَّهَ الأمر على الجُهّال مِن الناس، في أمره بالعُمرة في غير أشهُر الحَجِّ، بقوله :

أتمُّ لحَجِّ أحدكم، وأتمُّ لعُمرته، أو أتمُّ لحَجِّكم وعُمرتكم.

يريد بذلك الاستدلال بقوله تعالى :

( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) كما صرَّح به في آخر الرواية الأخيرة، وهو استدلال باطل جِدَّاً ؛ فإنّ معنى قوله تعالى في سورة البقرة :

( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) أيْ أتمُّوهما بمَناسكهما، وحدودهما، وتأدية كلِّ ما فيهما ،

____________________

(١) شرح معاني الآثار : ٢/١٩٥، كتاب مناسك الحَجِّ، باب مَن أحرم بحَجَّة فطاف لها، تحقيق الشيخ محمد زهري النجار.


كما عن : ابن عباس، ومجاهد.

وقيل معناه : أقيموهما إلى آخر ما فيهما، كما عن سعيد بن جبير، ومسروق، والسدّي.

ومَرجع المَعنيين إلى شيء واحد، كمالا يَخفى.

ولو كان معنى قوله تعالى :( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) هو:

أنْ تَجعلوا العُمرة في غير أشهر الحَجِّ، لَمَا شرَّع الله تبارك وتعالى مُتعة الحَجِّ في نفس تلك الآية، ولَمَا أمر الله بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالإتيان بالعُمرة، والحَجِّ - كليهما - في أشهر الحَجِّ بينهما إحلال، واستمتاع بالطيب، والنّساء ونحوهما.

وهذا واضح ظاهر، يَعرفه كلُّ أحد حتَّى النّساء والأطفال.

كما أنَّه يَظهر مِن قول عمر، في الرواية الأُولى :

ولكنْ كَرهت أنْ يَظلُّوا مُعرِّسين بهنَّ في الأراك، ثمَّ يروحون في الحَجِّ تقطُر رؤوسهم.

إنَّ العِلَّة في نَهيه عن مُتعَة الحَجِّ، هو ما تقدَّم في المُقدِّمة الثالثة، في صدر الباب : مِن أنَّ الإحلال، ومُجامعة النساء في فروجهنَّ، مِن قبل أنْ يُحرِم للحَجِّ، ويخرج إلى مِنى وعرفات، كان عظيماً عند ضعفاء العقول مِن المسلمين، تقبلاً عليهم، وكانوا يكرهونه جِدَّاً، حتَّى كادوا يعصون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما أمرهم به مِن الإحلال.

فكأنّهم يرون أنفسهم : أبرَّ وأتقى مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ حتَّى قام خطيباً فيهم فقال : ( والله لأنا أبرُّ وأتقى لله منهم )

أو : ( إنِّي أتقاكم لله، وأصدقكم، وأبرَّكم )

أو نحو ذلك مِن التعبيرات المُتقدِّمة.

وقد يُشعِر بهذه العِلَّة الثانية قول عمر في الرواية الرابعة :

ولو خلَّينا بينهم وبين هذا لعانقوهم تحت الأراك.

أو في الرواية الأخيرة :

فأحصنوا فروج هذه النساء، وأتمَّوا الحَجَّ والعُمرة لله كما أمركم.

وعلى كلِّ حال : إنَّ نهي عمر عن مُتعة الحَجِّ، مع تحليل الله تبارك وتعالى لها في كتابه المجيد، كما عرفت، وأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بها، كما تقدَّم في الروايات المُتواترة، سِيَّما مع تصريح


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنَّها للأبد، أو لأبدِ الأبد، أو إلى يوم القيامة.

هو حُكم مِن عمر بغير ما أنزل الله، وقول منه في دين الله برأيه، وقد قال الله تعالى :( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) المائدة : ٤٤.

وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( مَن قال في ديننا برأيه فاقتلوه )(١)

* * *

____________________

(١) رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد : ٩/٢٢٩ في ترجمة سويد بن سعيد.


٣ - باب ( إنَّ الله ورسوله قد أحلاَّ مُتعة النساء وقد حرَّمها عمر )(*) .

المؤلِّف : أمّا معنى مُتعة النساء بنحو الاختصار، فهي النكاح المؤجَّل إلى وقت مُعيَّن، مِن شهر أو شهرين ونحوهما، ولا أجل في النكاح الدائم أبداً. ويُعتبر في المُتعة تعيين المَهر أيضاً، ولا يُعتبر ذلك في النكاح الدائم أصلاً.

فإذا قالت المرأة للرجل في النكاح الدائم :

زوَّجتك نفسي.

وقال الرجل: قَبِلت .

صَحَّ وكفى، بخلاف الثاني ؛ فلا يَصحُّ. ولا يكفي ما لم تقُل المرأة زوَّجتك نفسي شهراً - مَثلاً - بدينارين - مَثلاً -.

وكلُّ مِن النكاحين مِمَّا له عِدَّة إذا دخل بها.

فعِدَّة الدائم ثلاثة أقراء، وعِدَّة المُتعة قِرءان، أيْ : حيضتان.

وفي بعض الأخبار الآتية : حَيضة واحدة، ولا عِبرة به عند الإماميَّة.

وأمَّا تحليل الله تبارك وتعالى لمُتعة النساء، فهو قوله :

____________________

(*) فيه : إحدى وعشرون حديثاً.


( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) سورة النساء : ٢٤.

فإنَّ المُراد به نكاح المُتعة، كما عن ابن عباس، والسدي، وسعيد بن جبير، وجماعة مِن التابعين، ، وهو مذهب أصحابنا الإماميَّة ( رضوان الله عليهم جميعاً ).

وقيل : إنَّ المُراد به نكاح الدائم، وليس بشيء.

ويَشهد للأوَّل ما ذكره الحافظ، جلال الدين السيوطي في الدُّرِّ المنثور، في تفسير قوله تعالى :( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ )

قال :

وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، مِن طريق عطاء، عن ابن عباس :

قال : يرحم الله عمر ؛ ما كانت المُتعة إلاَّ رحمة مِن الله، رَحِم بها أُمَّة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولو لا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلاَّ شقيٌّ

قال : وهي التي في سورة النساء( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ) ، إلى كذا وكذا مِن الأجل، على كذا وكذا، يعني : على كذا وكذا مِن المهر

قال : وليس بينهما وراثة، ( الحديث ).

ويؤيَّده ما روي عن جماعة مِن الصحابة منهم : أُبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وسعيد بن جبير، أنَّهم قرأوا :( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلِى أَجَلٍ مُّسَمَّىفَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) ، وهذا صريح في أنَّ المُراد مِن الآية، هو نكاح المُتعة، أيْ المؤجَّل إلى وقت مُعيَّن.

وقد حُكي عن الثعلبي في تفسيره، أنَّه روى عن حبيب بن أبي ثابت، قال : أعطاني ابن عباس مُصحفاً فقال: هذا على قراءة أُبيّ، فرأيت في هذا المصحف :( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلِى أَجَلٍ مُّسَمَّى) .

وحُكي عنه أيضاً، أنَّه روى بإسناده عن أبي نضرة، قال : سألت ابن عباس عن المُتعة ؛ فقال: أما تَقرأ سورة النساء ؟!

فقلت : بلى.

فقال : فما تقرأ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلِى أَجَلٍ مُّسَمَّى ) ؟!

قلت : لا أقرؤها هكذا.

قال ابن عباس : والله هكذا أنزلها الله تعالى ثلاث مَرَّات.


وأمَّا تحليل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمُتعة النساء، وتحريم عمر لها، فقد ورد في هذا المعنى روايات مُتواترة، وهذا ما ظفرتُ عليه على العُجالة مِن الأخبار الواردة في ذلك :

١ - روى البخاري بسنده، عن جابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع، قالا :

كنَّا في جيش، فأتانا رسول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال : ( إنَّه قد أُذِن لكم أنْ تستمتعوا )(١) .

٢ - روى البخاري بسنده، عن أبي سعيد الخدري، في غزوة بني المُصطلق أنَّهم أصابوا سبايا، فأرادوا أنْ يستمتعوا ولا يحملن فسألوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن العزل، فقال : ( ما عليكم أنْ لا تفعلوا، فإن الله قد كتب مَن هو خالق إلى يوم القيامة )(٢) .

٣ - روى مسلم بسنده، عن عطاء قال : قَدِم جابر بن عبد الله معتمراً، فجئناه في منزله، فسأله القوم عن أشياء. ثمَّ ذكروا المُتعة

فقال نعم :استمتعنا على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر وعمر (٣) .

٤ - وروى مسلم بطُرق عديدة، عن إسماعيل، عن قيس قال : سمعت عبد الله يقول :كنَّا نغزو مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،ليس لنا نساء .

فقلنا :ألا نستخصي ؛ فنهانا عن ذلك. ثمَّ رخَّص لنا أنْ ننكح المرأة بالثوب إلى أجلٍ .

ثمَّ قرأ عبد الله :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ

____________________

(١) صحيح البخاري بحاشية السندي : ٣/٢٤٦، كتاب النكاح، باب نهي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن نكاح المُتعة. صحيح مسلم : ٢/١٠٢٢ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، كتاب النكاح، باب نكاح المُتعة بطريقين، مُسند الإمام أحمد بن حنبل: ٤/٤٧ - ٥١، شرح معاني الآثار : ٣/٢٤ - ٢٥ باب نكاح المُتعة، تحقيق محمد زهري النجار، رواه باختلاف في اللفظ.

(٢) صحيح البخاري بحاشية السندي : ٤/٢٧٨ كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى :( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) ، وفي ٣/٣٧ كتاب المغازي، باب غزوة بني المُصطلق مِن خزاعة، رواه البخاري بسنده عن ابن مُحيريز، عن أبي سعيد الخدري مع اختلاف في اللفظ.

(٣) صحيح مسلم : ٢/١٠٢٢ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.


الْمُعْتَدِينَ ) (١) (٢) .

٥ - روى مسلم بسنده، عن أبي الزبير قال :

سمعت جابر بن عبد الله يقول :كنا نستمتع بالقبضة مِن التمر والدقيق الأيَّام، على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر، حتَّى نهى عمر عنه في شأن عمرو بن حريث (٣) .

٦ - روى مسلم بطريقين، عن بيزانة قال :

دخلت أنا وأبو الصرمة على أبي سعيد الخدري، فسأله أبو الصرمة، فقال :يا أبا سعيد، هل سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يذكر العَزل ؟

فقال : نعم، غزونا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غزوةً بالمصطلق، فسبينا كرائم العرب، فطالت علينا العُزبة، ورغبنا في الفداء ؛ فأردنا أنْ نستمتع ونَعزل ؛ فقلنا : نفعل ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين أظهرنا لا نسأله، فسألنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال : ( لا عليكم أنْ لا تفعلوا، ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة ألا ستكون )(٤) .

٧ - روى الإمام أحمد بن حنبل، بسنده عن عبد الرحمان بن نعم أو نعيم، قال :

سأل رجل ابن عمر عن المُتعة وأنا عنده - مُتعة النساء - فقال والله ما كنَّا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زانين ولا مُسافحين.

ورواه في ص١٠٣ أيضاً بطريق آخر، وقال فيه :

فغضب - يعني ابن عمر - وقال : ما كنَّا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زنَّائين ولا

____________________

(١) صحيح مسلم : ٢/١٠٢٢ باب نكاح المُتعة. السُّنَن الكبرى للبيهقى : ٧/٢٠٠ - ٢٠١، باب نكاح المُتعة، رواه بأربعة طُرق. شرح معاني الآثار : ٣/٢٤ - ٢٥ باب نكاح المُتعة. مُسند الإمام الشافعي ص١٦٢ - ٢٨٦ط دار الكتب العلمية بيروت، قال :رخَّص لنا أنْ ننكح إلى أجلٍ بالشيء.

(٢) المائدة : ٨٧.

(٣) صحيح مسلم : ٢/١٠٢٢ رقم الحديث ١٦. تهذيب التهذيب لابن حجر : ١٠/٣٧١. السُّنَن الكبرى البيهقي : ٧/٢٣٧، باب ما يجوز أنْ يكون مَهراً بطريقين. كنز العمَّال : ٨/٢٩٤ط حيدر آباد - الهند، قال في آخره :وكنَّا نعتدُّ مِن المُستمتع منهنَّ بحيضة . وقال: أخرجه عبد الرزَّاق.

(٤) صحيح مسلم : ٢/١٠٦١ باب حكم العَزل عن أبي محيريز أنَّه قال : دخلت انا وأبو صرمة إلخ


مُسافحين (١) .

٨ - روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن أبي سعيد الخدري، قال :كنَّا نتمتَّع على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالثوب (٢) .

٩ - روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن جابر بن عبد الله، قال :كنَّا نتمتَّع على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر وعمر، حتَّى نهانا عمر أخيراً، يعني : مُتعة النساء (٣) .

١٠ - روى أبو داود الطيالسي بسنده، عن مسلم القرشي، قال :دخلنا على أسماء بنت أبي بكر، فسألناها عن مُتعة النساء، فقالت : فعلناها على عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٤) .

١١ - روى الطحاوي بسنده، عن سعيد بن جبير، قال :سمعت عبد الله بن الزبير يخطُب، وهو يُعرِّض بابن عباس يُعيب عليه قوله في المُتعة .

فقال ابن عباس :يسأل أُمَّه إنْ كان صادقاً ؛ فسألها .

فقالت :صدق ابن عباس، قد كان ذلك .

فقال ابن عباس :لو شئت لسمَّيت رجالاً مِن قريش ولدوا فيها - يعني في المُتعة -(٥)(*) .

١٢ - روى الطحاوي بسنده، عن عطاء، عن ابن عباس، قال : ما كانت المُتعة إلاّ رحمةً

____________________

(١) المُسند : ٣/٩٥.

(٢) المُسند : ٣/٢٢.

(٣) المصدر نفسه : ٣/٣٠٤.

(٤) مُسند أبي داود الطيالسي : ٧/٢١٧.

(٥) شرح معاني الآثار : ٣/٢٤، تحقيق الشيخ محمد زهري النّجار.

(*) -الرضوي : وقال البيهقي : فأبى ابن عباس أنْ ينتكل عن ذلك، حتَّى طفق بعض الشعراء يقول :

أقول للشيخ لمّا طال مجلسه

يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس

هل لك في ناعم خود مبتَّلة

تكون مَثواك حتَّى مصدر الناس

السُّنن الكبرى : ٧/٢٠٥.


رَحِم الله بها هذه الأُمَّة، ولولا نهي عمر بن الخطاب عنها ؛ ما زنى إلاَّ شَقيٌّ.

قال عطاء :كأنِّي أسمعها مِن ابن عباس - إلاّ شَقيّ -(١) .

١٣ - روى الطحاوي بسنده، عن عطاء عن جابر :أنَّهم كانوا يتمتَّعون مِن النساء، حتَّى نهاهم عمر .

ورواه ابن جرير أيضاً، على ما ذكره المُتَّقي في كنز العمَّال ٨/٢٩٣ط، الهند(٢) .

١٤ - ابن حجر العسقلاني، قال : قال عمر ابن شبه :واستمتع سلمة بن أُميَّة مِن سلمى، مولاة حكيم ابن أُميَّة بن الأوقص الأسلمي، فولدت له فجَحد ولدها .

قال ابن حجر : قلت : وذكر ابن الكلبي، وزاد، فبلغ ذلك عمر ؛ فنهى عن المُتعة(٣) .

قال : وروي أيضاً، أنَّ سلمة استمتع بامرأة ؛ فبلغ عمر فتوعَّده.

وقال ابن حزم في المُحلّى :ثبت على تحليل المُتعة بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن الصحابة ابن مسعود، وابن عباس، وجابر، وسلمة، ومغيرة ابنا أُميَّة بن خلف .

قال : وذكر آخرين ( انتهى ).

وقال في ٣/١٣٣ : روى ابن منده - إلى أنْ قال - عن سليمان بن سمير، عن أبيه قال :كنَّا نتمتَّع على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٤) .

وقال أيضاً - في ترجمة سلمى - : إنَّه ذكر هشام الكلبي، في كتاب المثالب أنَّ سلمة بن أُميَّة بن خلف استمتع منها - يعني مِن سلمة - ؛ فولدت له، ثمَّ جحده، فبلغ ذلك عمر ؛ فنهى عن المُتعة(٥) .

١٥ - روى المُتَّقي، عن سليمان بن يسار، عن أم عبد الله ابنة أبي خيثمة : أنَّ رجُلاً قَدِم مِن

____________________

(١) المصدر نفسه : ٣/ ٢٦.

(٢) المصدر نفسه : ٣/٢٦.

(٣) الإصابة في تمييز الصحابة : ٤/٣٣٣ط كلكتا - الهند.

(٤) الإصابة : ط كلكتا : الهند.

(٥) الإصابة : ٤ قسم ١/٣٣٣ط أوَّل بمصر عام ١٣٢٨ ه-.


الشام، فنزل عليها، فقال : إنَّ العُزبة قد اشتدَّت عليَّ ؛ فابغيني امرأة أتمتَّع معها. قالت : فدللته على امرأة، فشارطها، وأشهدوا على ذلك عدولاً، فمكث معها ما شاء الله أنْ يَمكث.

ثمَّ إنَّه خرج، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب، فأرسل إليَّ فسألني أحقٌّ ما حُدِّثت ؟

قلت :نعم . قال :فإذا قَدِم فآذنيني به، فلمَّا قَدِم أخبرته ؛ فأرسل إليه . فقال :ما حملكَ على الذي فعلته ؟ قال :فعلتُه مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،ثمَّ لم ينهنا عنه حتَّى قبضه الله.

ثمَّ مع أبي بكر، فلم يَنهَ عنه حتَّى قبضه الله. ثمَّ معك، فلم تُحدِّث لنا فيه نَهياً.

فقال عمر :أمْا والذي نفسي بيده، لو كنتُ تقدَّمتُ في نهي لرجمتك بينواً (١) ،حتَّى يُعرَف النكاح مِن السفاح . قال : أخرجه ابن جرير(٢) .

١٦ - الفخر الرازي، في تفسيره الكبير، في سورة النساء، في ذيل تفسير قوله تعالى :( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) ، قال : وروى محمد بن جرير الطبري، في تفسيره، عن علي بن أبي طالب، أنَّه قال :لولا أنَّ عمر نهى الناس عن المُتعة ؛ ما زنى إلاَّ شَقيٌّ (٣) (*) .

____________________

(١) هكذا وجدتها، ولكنَّ الصحيح لعلَّه هكذا ( بِتَّواً )، بتقديم الباء وتشديد التاء، من البتِّ، أيْ : القطع، فالبيع الباتُّ، أيْ : القطعي الذي لا خيار ولا عود فيه -المؤلف -.

(٢) كنز العمَّال : ٨/٢٩٤، ط. حيدر آباد - الهند.

(٣) مفاتيح الغيب : ١٠/٥١ط دار الفكر بيروت.

(*)الرضوي : وقال : الأُستاذ الدكتور صلاح الدين المنجد : وأجاز القرآن المُتعة بالنساء المُحدَّدة بوقت، باتِّفاق الرجُل والمرأة، لقاء أجر( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) . وكان ابن عباس، وأُبيّ بن كعب يَقرآن هذه الآية كما يلي :( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) . وكان الأجر على الأغلب ضئيلاً، كما ذكر جابر بن عبد الله الصّحابي، قال :كنَّا نستمتع بالقبضة مِن التمرة والدقيق ليالياً، على عهد رسول الله، وأبي بكر . ولم تُنسخ هذه الآية بآية ثانية، بلْ أبطل عمر بعد العمل بها ؛ لأنَّ بعض العرب - على قول ابن الكلبي - استمتعوا بنساءٍ ؛ فولدن لهم أولاداً ؛ فجحدوا الأولاد، ولكنَّ ظلَّ ابن عباس، وطائفة مِن الصحابة يقولون : بإباحتها للضرورة، واتَّبع الناس قول ابن عباس، وسارت فُتياه في الآفاق، حتَّى دخلت في الشعر :

قد قلت للشيخ لمَّا طال مجلسه

يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس

هل لك في رخصةٍ الأطراف آنسةً

تكون مثواك حتَّى مصدر الناس

وسار بعض التابعين فيما بعد، على الترخيص في المُتعة. وكان أحد الأعلام الثقاة، وفقيه أهل مَكَّة في زمانه، تزوَّج نحواً من تسعين امرأة نكاح المُتعة. وكان يرى الرُّخصة في ذلك. ولا شكَّ أنَّ المُتعة الحلال، باتِّفاق المرأة والرَّجل، قد يَسَّرت على الرجال، وخلَّصتهم مِن كثير مِن العُسر. فقد رُخِّص بالمُتعة للمُضطر ؛ للحاجة إلى المرأة في الغزو، أو لعدم استطاعته الزواج في الحَضر ؛ لأنَّ قيودها أخفُّ مِن قيود الزواج ؛ فهي تكون إلى أجلٍ مُسمَّى. وهي لا توجِب الميراث.

الحياة الجنسيَّة عند العرب، ص١٩ط بيروت. السُّنَن الكبرى للبيهقى : ٧/٢٠٥.


١٧ - روى الإمام الشافعي بسنده، عن عروة :أنَّ خولة بنت حكيم، دخلتْ على عمر بن الخطاب فقالت : إنَّ ربيعة بن أُميَّة استمتع بامرأة ؛ فحملت منه، فخرج عمر يَجرُّ رِداءه فَزْعَاً، فقال :

هذه المُتعة، ولو كنت تقدَّمت فيه لرجمت (١) .

١٨ - روى مسلم بسنده، عن أبي نضرة قال :كنتُ عند جابر بن عبد الله، فأتاه آتٍ، فقال : إنَّ ابن عباس، وابن الزبير اختلفا في المُتعتين - يعني مُتعتي الحَجِّ والنساء - فقال جابر : فعلناهما مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،ثمّ نهانا عنهما عمر. فلم نَعد لهما (٢) .

ورواه أحمد بن حنبل أيضاً، في مُسنده ١/٥٢ باختلاف في اللفظ، وفي ٣/٣٢٥ - ٣٢٦ باختصار.

____________________

(١) مُسند الإمام الشافعي : ص ١٣٢ ط آگره - الهند، السُّنَن الكبرى للبيهقي : ٧/٢٠٦.

(٢) صحيح مسلم : ٢/١٠٢٣، كتاب النكاح تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.


ورواه الطحاوي أيضاً، في شرح معاني الآثار ٢/١٤٢، في كتاب مناسك الحَجِّ، باب ما كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم به مُحرِما في حَجَّة الوداع : باختصار.

ورواه المُتَّقي أيضاً، في كنز العمَّال ٨/٢٩٤ ط حيدر آباد - الهند، وقال :

أخرجه ابن جرير وفي ص٢٩٣ باختصار.

١٩ - روى أبو داود الطيالسي، عن أبي نضرة، يقول : قلت لجابر بن عبد الله :إِنَّ ابن الزبير ينهى عن المُتعة، وإنَّ ابن عباس يأمر بها .

قال جابر - على يدي دار الحديث - :تمتَّعنا على عهد رسول الله، فلمَّا كان عمر بن الخطاب - وساق الحديث إلى أن قال - فافصلوا حَجَّكم مِن عُمرتكم وأبتُّوا نكاح هذه النساء ؛ فلا أوتى برجُل تزوَّج امرأة إلى أجلٍ إلاّ رجمته (١) .

ورواه البيهقي أيضاً في سُننه ٥/٢١، وفي ٧/٢٠٦، وفيه مِن قول عمر :كانتا مُتعتان على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،وأنا أنهى عنهما، وأُعاقب عليهما، أحديهما مُتعة النساء، ولا أقدر على رجُل تزوَّج امرأة إلى أجل، إلاَّ غيَّبته بالحجارة، والأُخرى مُتعة الحَجِّ . إلخ.

وذكره المُتَّقي أيضاً في كنز العمَّال ٧/٢٩٤ط حيدر آباد - الهند، وفيه قول عمر :

فأتمُّوا الحَجَّ والعُمرة، كما أمركم الله، وأتمّوا نكاح هذه النساء، فلا أوتى برجل تزوَّج امرأة إلى أجل، إلاّ رجمته بالحجارة .

قال : أخرجه ابن جرير.

٢٠ - المُتَّقي الهندي، عن جابر قال :

تمتَّعنا مُتعة الحَجِّ ومُتعة النساء، على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،فلمَّا كان عمر نهانا.

قال أخرجه ابن جرير(٢) .

٢١ - روى الطحاوي بسنده، عن ابن عمر قال:

____________________

(١) مُسند أبي داود الطيالسي : ٨/٢٤٧.

(٢) كنز العمَّال : ٨/٢٩٣ط حيدر آباد - الهند.


قال عمر :مُتعتان كانتا على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،أنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما : مُتعة النساء، ومُتعة الحَجِّ (١) .

المؤلِّف : ثمَّ إنَّك إذا تأمَّلت ما في هذا الباب تماماً، وعرفت أنَّ الله ورسوله قد أحلاّ مُتعة النساء، وحرَّمها عمر؛ علمت أنَّ عمر في تحريمه مُتعة النساء، قد حَكم بغير ما أنزل الله، وقال في دين الله برأيه.

وقد تقدَّم في آخر الباب السابق، قول الله تبارك وتعالى :( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) .

وقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( مَن قال في ديننا برأيه فاقتلوه ) ؛ فصار نتيجة هذا الباب كالباب السابق عيناً مِن أوَّله إلى آخره.

* * *

____________________

(١) شرح معاني الآثار : ٢/١٤٦ كتاب مناسك الحَجِّ، وذكر المؤلِّف عن أبي قلابة، وقال فيه :أنا أنهى عنهما وأضرب فيهما. وقال : أخرجه ابن جرير وابن عساكر، كنز العمَّال : ٨/٢٩٣ط حيدر آباد - الهند.

وقال : أخرجه أبو صالح كاتب اللّيث.

الرّضوي : لم نعثر على حديث أبي قلابة في مناسك الحَجِّ، في الطبعة التي عندنا.


٤ - باب ( في بِدعة عمر في الطلاق الثلاث )(*) .

المؤلِّف : توضيح ما في هذا الباب بنحو الاختصار.

إِنَّ الطلاق الثلاث في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأبي بكر، وشيء مِن زمن عمر كان يُعدُّ بواحدة ؛ فإذا قال الزوج : أنتِ طالق ثلاثاً، أو أنتِ طالق ؛ كان يُحسب ذلك طلاقاً واحداً ؛ فإذا رجع إليها الزوج في العِدَّة، أو عقد عليها بعد العِدَّة حلَّت له، مِن غير حاجة إلى مُحلِّل لها، بأنْ تَنكح زوجاً آخر ويُواقعها ويُطلِّقها.

نعم، إنَّ الزوج إذا طلَّقها، أو رجع إليها في العِدَّة، أو عقد عليها بعد العِدَّة، ثمَّ طلَّقها ثانياً، ثمَّ رجع إليها في العِدَّة.

أو عقد عليها بعد العِدَّة، ثم طلَّقها ثالثاً ؛ فعند ذلك لا يجوز للزوج الرجوع إليها في العدة، ولا العقد عليها بعد العِدَّة، حتَّى تنكح زوجاً غيره، كما في الآية الكريمة، ويواقعها

____________________

(*) فيه أربعة أحاديث.


ويُطلِّقها، وتنقضي عدَّتها ؛ فعند ذلك تَحلُّ لزوجها الأوَّل، بمعنى أنَّه إنْ شاء عقد عليها وتزوَّجها.

فعمر بن الخطاب، لمّا رأى في أيام إمارته أنَّ الناس قد أكثروا في الطلاق الثلاث، بمعنى أنَّهم يُطلِّقون أزواجهم بهذا القول أنت طالق ثلاثاً ؛ أو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق ؛ عَدَّ ذلك القول طلاقاً ثلاثاً، فلم يَسمح لهم الرجوع إليها في العِدَّة، ولا العقد عليها بعد العِدَّة، حتَّى تنكح زوجاً غيره.

كلُّ ذلك برأيه ونظره ؛ فأبدى رأياً في قِبال رأي الله تعالى ورسوله، وتظهر الثمرة بين الرأيين، فيما إذا طلَّق زوجته بقوله : أنت طالق ثلاثاً، أو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ثمَّ رجع إليها في العِدَّة، أو عقد عليها بعد العِدَّة.

فحَسَب حُكم الله تعالى ورسوله، أنَّها زوجته وهو بَعلها.

وحَسَب حُكم عمر، أنَّها ليست زوجته، ولا هو بَعلها، حتَّى تنكح زوجاً غيره.

فإذا فرض أنَّها قد تزوَّجت بآخر - والحالة هذه - ودخل بها.

فبحَسَب حُكم الله تعالى ورسوله، قد حَرُمت على الثاني مؤبَّداً ؛ لأنَّه قد تزوَّج بذات بَعل، وقد دخل بها.

وبحَسَب حُكم عمر هي حلال له حرام على الأوَّل.

هذا كلُّه توضيح ما في هذا الباب بنحو الاختصار.

وأمَّا الأخبار الواردة في هذا المعنى، أيْ : في إمضاء عمر بن الخطاب الطلاق الثلاث، المعدود واحدة، طلاقاً ثلاثاً عليهم، فهذا تفصيل ما ظفرت عليه على العُجالة.

١ - روى مسلم بسنده، عن ابن عباس، قال :كان الطلاق على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،وأبي بكر، وسنتين مِن خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب : إنَّ الناس قد استعجلوا في أمر، قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضينا عليهم فأمضاه عليهم (١) .

____________________

(١) صحيح مسلم : ٤/١٨٣ط الآستانة، مُستدرك الحاكم : ٢/١٩٦، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. مُسند أحمد : ١/٣١٤، السُّنن الكبرى للبيهقي : ٧/٣٣٦. سُنن الدار قطني كتاب الطلاق : ٤/٤٦ - ٤٧ ط عالم الكتب، الدُّرُّ المنثور عن تفسير قوله تعالى :( الطَّلاقُ مَرَّتَانِ ) .

قال : أخرجه عبد الرزاق، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والحاكم، والبيهقي


٢ - روى مسلم بسنده، عن طاووس، أنَّ أبا الصهباء قال لابن عباس :

أتعلم أنَّما كانت الثلاث تُجعل واحدة، على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأبي بكر، وثلاثاً مِن إمارة عمر ؟

فقال ابن عباس :نعم (١) .

ورواه النسائي أيضاً في صحيحه ج٢، باب طلاق الثلاث ط. الميمنيَّة بمصر، ورواه أبو داود أيضاً في صحيحه ١٣/٢١٦. ط. الطبعة الكستليَّة عام ١٢٨٠ه-.

ورواه الإمام الشافعي أيضاً في مُسنده، في كتاب الطلاق ص١١٢.

وذكره السيوطي أيضاً، في تفسير قوله تعالى : ( الطَّلاقُ مَرَّتَانِ )، في سورة البقرة(٢) ، وقال: أخرجه الشافعي، وعبد الرزاق، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والبيهقي.

٣ - روى مسلم بسنده، عن طاووس، أنَّ أبا الصهباء قال لابن عباس :هات مِن هناتك، ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،وأبي بكر واحدة ؟

فقال : قد كان كذلك، فلمَّا كان في عهد عمر، تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم (٣) .

٤ - روى أبو داود بسنده، عن طاووس أنَّ رجُلاً يُقال له أبو الصهباء، كان كثير السؤال لابن عباس قال :أما علمت أنَّ الرجُل كان إذا طلَّق امرأته ثلاثاً قبل أنْ يدخل بها، جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،وأبي بكر، وصَدراً مِن إمارة عمر ؟

قال ابن عباس : بلى، كان الرجل إذا طلَّق امرأته ثلاثاً، قبل أنْ يدخل بها، جعلوها واحدة على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأبي بكر، وصَدراً مِن إمارة عمر، فلمَّا رأى أنَّ الناس تتابعوا

____________________

(١) صحيح مسلم : ٤/١٨٤ط الآستانة. السُّنن الكبرى للبيهقى : ٧/٣٣٦، شرح معاني الآثار : ٣/٥٥ باب الرجل يُطلِّق امرأته ثلاث، تحقيق الشيخ محمد زهرى النجار.

(٢) الدُّرُّ المنثور : ١/٢٧٧.

(٣) صحيح مسلم : ٤/١٨٣ - ١٨٤ ط. الآستانة.


فيها قال : أُجيزهنَّ عليهم(١) .

وذكره السيوطي في الدُّرِّ المنثور، في تفسير قوله تعالى :( الطَّلاقُ مَرَّتَانِ ) ، في سورة البقرة وقال :أجيزوهنَّ عليهم .

* * *

____________________

(١) سُنن أبي داود : ٢/٤٩٠، تحقيق سعيد محمد اللحام، رقم الحديث ٢١٩٩. السُّنن الكبرى : ٧/٣٣٦. سُنن الدار قطني : ٤/٤٦ - ٤٧ط عالم الكتب.


٥ - باب ( إنَّ عمر يُفتي : أنَّ مَن لم يَجد الماء لا يُصلِّي )(*) .

١ - روى مسلم بسنده، عن عبد الرحمان بن أبزي، أنَّ رجُلاً أتى عمر، فقال :إنِّي أجنبت فلم أجد ماءً.

فقال :لا تُصلِّ .

فقال عمّار :أما تذكر - يا أمير المؤمنين - إذ أنا وأنت في سريَّة فأجنبنا، فلم نجد ماءً.

أمَّا أنت فلم تُصلِّ .

وأمَّا أنا فتمعَّكت في التراب فصلَّيت، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إنَّما كان يكفيك أنْ تَضرب بيديك الأرض، ثمَّ تنفخ، ثمَّ تمسح بهما وجهك وكفَّيك ) ؟!

فقال عمر :اتَّقِ الله يا عمّار .

قال: إنْ شِئت لم أُحدِّث به (١) .

٢ - روى النّسائى بسنده، عن عبد الرحمان بن أبزي، قال :كنَّا عند عمر، فأتاه رجُل، فقال : يا أمير المؤمنين، رُبَّما نمكث الشهر والشهرين، ولا نجد الماء .

فقال عمر :

____________________

(*) فيه خمسة أحاديث.

(١) صحيح مسلم : ١/١٩٣ - ١٩٤ط الآستانة. صحيح مسلم : ١/٢٨٠ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي سُنن النسائي : ١/١٦٥ - ١٦٦ التيمُّم في الحضر، سُنن ابن ماجة : ١/١٨٨، باب ما جاء في التيمُّم تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، السُّنن الكبرى للبيهقي : ١/٢٠٩ بطُرق عديدة، باب كيفيَّة ذكر التيمّم. شرح معاني الآثار للطحاوي : ١/١١٠ باب صفة التيمّم كيف هي، تحقيق الشيخ محمد زهري النجار.


أمّا أنا، فإذا لم أجد الماء ؛ لم أكُن لأِصلِّي، حتَّى أجد الماء.

فقال عمار بن ياسر :أتذكر يا أمير المؤمنين، حيث كنت بمكان كذا وكذا، ونحن نرعى الإبل، فتعلم أنَّا أجنبنا ؟

قال :نعم .

أمَّا أنا فتمرَّغت في التراب، فأتينا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،فضحك، فقال : ( إنْ كان الصعيد لكافيك)،وضرب بكفَّيه إلى الأرض، ثمَّ نَفخ فيهما، ثمَّ مسح وجهه، وبعض ذراعيه .

فقال - يعني عمر - :اتَّقِ الله يا عمار . فقال :يا أمير المؤمنين، إنْ شئت لم أذكره .

قال : لا، ولكنْ نولِّيك مِن ذلك ما تولَّيت(١) (٢) .

٣ - روى النسائي بسنده، عن ابن أبزي، عن أبيه، قال: أجنب رجُل، فأتى عمر فقال : إنِّي أجنبت فلم أجد ماءً .قال : لا تُصلِّ. قال له عمار : أمْا تذكر أنَّا كنَّا في سريَّة، فأجنبنا .

فأمَّا أنت فلم تُصلِّ. وأمّا أنا فإنِّي تمعَّكت صلَّيت، ثمَّ أتيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فذكرت ذلك له، فقال : ( إنَّما كان يكفيك )، وضرب بكفَّيه ضربة، ونفخ فيهما، ثمَّ دلَّك أحديهما بالأُخرى، ثمَّ مسح بهما وجهه. فقال له عمر :شيئاً لا أدري ما هو . فقال: إنْ شئت لا حدَّثته (٣) .

٤ - روى النسائى بسنده، عن عبد الرحمان بن أبزي، عن أبيه :أنَّ رجُلاً سأل عمر بن الخطاب عن التيمم، فلم يَدرِ ما يقول ؛ فقال عمار : أتذكر حيث كنَّا في سريَّة، فأجنبت فتمعَّكت في التراب، فأتيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،فقال : ( إنَّما هكذا )، وضرب بيديه على ركبتيه، ونفخ في يديه، ومسح بهما وجهه وكفَّيه مَرَّةً واحدة ؟(٤) .

٥ - روى أبي داود الطيالسي بسنده، عن عبد الرحمان ابن أبزي، قال :أتى رجل عمر، فذكر أنَّه كان في سَفَر فأجنب، ولم يجد الماء . فقال: لا تُصلِّ . فقال عمار :

____________________

(١) سُنن النسائي : ١/١٦٨ - ١٧٠ بشرح السيوطي وحاشية السندي.

(٢) سُنَن النسائي : ١/١٦٨ باب التيمم في السَفَر.

(٣) سُنَن النسائي : ١/١٦٥ - ١٦٦ التيمّم في الحَضر. مُسند الإمام أحمد بن حنبل : ٤/٢٦٥. سُنن أبي داود : ١/٨١ تحقيق سعيد محمد اللّحام.

(٤) سُنن النّسائي : ١/١٦٩ نوع آخر مِن التيمّم. مُسند أحمد بن حنبل : ٤/٣٢٠. كنز العمَّال : ٥/١٤٣ط حيدر آباد - الهند، وقال: أخرجه عبد الرزاق. سُنَن ابن ماجة : ١/١٨٨ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. باب ما جاءَ في التيمم ضربة واحدة.


أمْا تذكر يا أمير المؤمنين، إذ كنتُ أنا وأنت في سريّة، فأجنبنا فلم نجد الماء.

فأمّا أنت فلم تُصلِّ.

وأمّا أنا فتمعَّكت في التراب، وصلَّيت، فلمَّا قَدِمنا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذكرنا ذلك له ؛ فقال لك : ( أمّا أنت فلم يكُن ينبغي لك أنْ تدع الصلاة.

وأمّا أنت يا عمّار، فلم يكن ينبغي لك أنْ تُمعِّك كما تتمعَّك الدابة، إنَّما كان يُجزئك -وضرب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيده الأرض إلى التراب، فقال - هكذا )، فنفخ فيها، ومسح وجهه ويديه إلى المفصل، وليس فيه إلى الذراعين ؟

ورواه بطريق آخر أيضاً في ص٨٩(١) .

المؤلِّف : قال الله تبارك وتعالى:( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوَّاً غَفُوراً ) ، النساء : ٤٣.

وقال في سورة المائدة بمثل ذلك، إلاّ أنَّه قال في آخر الآية :( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) المائدة : ٦.

فمع وجود الآيتين الكريمتين في القرآن المجيد، وكلتاهما في التيمُّم، بلْ وسِيَّما مع ما اتَّفق لعمر وعمار، مِن أنَّهما قد أجنبا في سريَّة، ولم يجدا الماء ؛ فلم يُصلِّ عمر، وتمعَّك عمار في التراب وصلّى، فأتيا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فبيَّن لهما كيفيَّة التيمم، بلْ قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمر [ كما ] في الرواية الأخيرة :

( أمَّا أنت، فلم يكُن ينبغي لك أنْ تدع الصلاة ) إلخ.

كيف قد أفتى عمر مِن إنَّ مَن لم يجد الماء لا يُصلِّي ؟!

أ فهل كان ذلك جهلاً بالآيتين الكريمتين ؟!

أو نسياناً لمِا اتَّفق له ولعمار في السريَّة ؟!

وهذا - لَعمْري - بعيد جِدَّاً، فإنَّ عمر رجل صحابي، كان مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دائماً في السَّفَر والحَضر، والجُمعة، والجَماعة، وغير ذلك، فكيف يجهل آيتي التيمّم ،

____________________

(١) مُسند أبي داود الطيالسي : ٣/ ٨٨. ط حيدر آباد - الهند.


والتيمُّم مِن ضروريَّات الدين الإسلامي، يعرفه كلُّ مسلم، إلاّ الأعرابي، والبدوي الذي هو أجدر أنْ لا يَعلم حدود ما أنز الله ؟!

إلاّ أنْ يُقال : إنَّ الجهل ليس مِن عمر ببعيد، كما يشهد له ما في الرواية الأخيرة مِن أنَّ رجُلاً سأل عمر بن الخطاب عن التيمم، فلم يدر ما يقول، وله شواهد أُخر أيضاً في غير هذا المقام، يظهر لك تفصيلها في بعض الأبواب الآتية إنْ شاء الله تعالى.

أو أنَّ عمر تأوَّل الآيتين، وزعم أنَّ التيمُّم لا يكون مشروعاً في الحَضر، وهذا أبعد مِن الأوَّل بكثير ؛ فإنَّ صريح الرواية الأخيرة - أي رواية الطيالسي -، وظاهر بقيَّة الأخبار، أنَّ الرجل الذي قد سأل عمر قد أجنب في السَّفر، لا في الحَضر، ولم يجد الماء فسأل عمر عن حُكم ذلك، فقال: لا يُصلِّي.

أو أنَّ عمر قد أبدى رأياً في قِبال رأي الله.

فرأي الله جلَّ وعَلا : إنَّ مَن لم يجد الماء يتيمَّم ويُصلِّي.

ورأى عمر : إنَّ مَن لم يجد الماء لا يُصلّي، حتَّى يجد الماء، كما هو ظاهر قول عمر، في الرواية الثانية : أمّا أنا، فإذا لم أجد الماء، لم أكُن لأُصلِّي حتَّى أجد الماء.

بلْ وظاهر قوله في الرواية الأولى والثانية لعمار : اتَّق الله يا عمار.

لمّا عارضه في فَتواه بترك الصلاة، وذكَّره بما اتَّفق لهما في السفر إلى آخره، هو الاحتمال الثالث [ و ] الأخير، وأنَّ له رأياً في قِبال رأي الله جَلَّ وعلا : مِن قَبيل تحريمه مُتعة الحَجّ، وتحريمه مُتعة النساء، وبدعته في الطلاق الثلاث، فيكون عُمر في التيمُّم - أيضاً - مِمَّن حكم بغير ما أنزل الله عن عَمد، وقال في دين الله برأيه لا عن سَهو.

وقد عرفت في باب مُتعة الحَجِّ، وباب مُتعة النساء، وباب بِدعة عمر في الطلاق الثلاث حُكْم مَن حَكَم بغير ما أنزل الله.

* * *


٦ - باب ( إنَّ عمر لا يَفهم معنى الكَلاَلة أبداً )(*) .

١ - المُتَّقي الهندي قال : عن سعيد بن المسيّب : إنَّ عمر سأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كيف يورِّث الكَلاَلة ؟

قال : ( أوليس قد بيَّن الله ذلك )، ثمَّ قرأ :( وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ ) إلى آخر الآية. النساء : ١٢.

فكأنَّ عمر لم يَفهم ؛ فأنزل الله :( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلاَلَةِ ) إلى آخر الآية.

فكأنَّ عمر لم يفهم ؛ فقال لحفصة : إذا رأيت مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طْيب نفس فاسأليه عنها، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( أبوك ذكر لك هذا، ما أرى أباك يعلمها أبداً ).

فكان يقول :ما أراني أعلمها أبداً، وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما قال .

قال : أخرجه ابن راهويه، وابن مردويه. وهو صحيح : وذكره السيوطي أيضاً في الدُّرّ المنثور في ذيل تفسير قوله تعالى :( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلاَلَةِ ) في آخر سورة النساء، آية ١٧٦ باختلاف يسير.

____________________

(*) فيه خمسة أحاديث.


وقال أيضاً : أخرجه ابن راهويه، وابن مردويه(١) .

٢ - قال الشيخ جلال الدين السيوطي، في ذيل تفسير قوله تعالى :( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلاَلَةِ ) في آخر سورة النساء.

ثمَّ قال السيوطي : وأخرج مالك، ومسلم، ابن جرير، والبيهقي، عن عمر، قال : ما سألت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن شيء، أكثر ما سألته عن الكلالة، حتَّى طعن بإصبعه في صدري، وقال : ( تكفيك آية الصيف، التي في آخر سورة النساء ) : آية ١٧٦.

وقال السيوطي : وأخرج ابن جرير، عن عمر قال :

لإَنْ أكون أعلم الكلالة، أحبُّ إليَّ مِن أنْ يكون لي جزية قصور الشام.

وقال : وأخرج ابن جرير، عن الحسن بن مسروق، عن أبيه قال :

سألت عمر وهو يخطُب الناس عن ذي قُرابة لي ورث كَلاَلة، فقال : الكَلاَلَةِ الكَلاَلَةِ الكَلاَلَةِ، وأخذ بلحيته.

ثمَّ قال : والله، لإَنْ أعلمها أحبُّ إليَّ مِن أنْ يكون لي ما على الأرض مِن شيء، سألت عنها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال : ( ألمْ تسمع الآية التي أنزلت في الصيف فأعادها ثلاث مَرَّات ).

وقال السيوطي : وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن سيرين، قال : كان عمر بن الخطاب إذا قرأ( يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ) .

قال :اللَّهُمَّ مَن بيّنت له الكلالة فلم تتبيَّن لي .

المؤلِّف : إنَّ الكَلاَلَةِ هي الإخوة والأخوات، مِن قِبَل الأم فقط، ومنه قوله تعالى - في أوائل سورة النساء - :( وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ) .

وقد تُطلَق الكَلاَلَةِ ويُراد منها الإخوة والأخوات مِن قِبَل الأبوين، أو مِن قِبَل الأب

____________________

(١) كنز العمَّال : ٦/٢٠. ط حيدر آباد - الهند.


فقط، إذا لم يكُن الإخوة مِن الأبوين موجودين، ومنه قوله تعالى - في آخر سورة النساء - :( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) .

ثمَّ إنَّ الآية الثانية، أيْ التي في آخر النساء، يُقال لها : آية الصيف الرابعة : ( ألم تسمع الآية التي أنزلت في الصيف ؟! ) إلخ.

وقيل في وجه التسمية : إنَّ الله تعالى أنزل في الكَلاَلة آيتين، أحديهما في الشتاء، وهي التي في أوَّل سورة النساء : آية ١٢، وأُخرى في الصيف، وهي التي في آخر سورة النساء: ١٧٦.

وعلى كلِّ حال مِن العجيب جِدَّاً، أنَّ عمر لم يفهم معنى الكَلاَلة كلَّما فهَّمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتَّى قال :

ما سألت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن شيء أكثر ما سألته عن الكَلاَلة، وحتَّى قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لحفصة : ( ما أرى أباك يعلمها أبداً )، وطعن بإصبعه الشريف في صدر عمر، وقال : ( تكفيك آية الصيف )، أو ( ألم تسمع الآية التي أُنزلت في الصيف )، يُعيدها ثلاث مَرَّات وقد حزن لذلك عمر، حتَّى قال :

ما أراني أعلمها، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قال.

أو لإنْ أكون أعلم الكَلاَلة، أحبُّ إليّ مِن أنْ يكون لي جِزية قصور الشام، أو ما على الأرض مِن شيء.

نعم، يُمكن أنْ يُقال : إنَّ عمر الذي لا يعلم مَعنى قوله تعالى :( وَفَاكِهَةً وَأَبَّاً ) ، كما تقدَّم في آخر أبواب مطاعن أبي بكر.

أو إذا سُئل عن التيمم، فلم يدر ما يقول، كما تقدَّم في بعض روايات الباب المُتقدِّم.

أو لا يعلم أنَّ الأُخت لا ترث مع وجود الولد، كما هو صريح القرآن الكريم، وستعرف تفصيله وتفصيل أمر أخر مِن هذا القبيل، في الباب الآتي، بلْ وفي باب آخر أيضاً بعده، حتَّى قال:

كلُّ الناس أفقه مِن عمر.

ليس منه بعجيب، إذا لم يعرف معنى الكَلاَلة كلَّما فهَّمه


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ومِمَّا يوجب نفي التعجُّب في المقام، ما ورد مِن أنَّ عمر قد تعلَّم سورة البقرة، في اثنتي عشر سنة.

قال السيوطي - في ذيل بيان فضل سورة البقرة ما لفظه - :

وأخرج الخطيب في رواة مالك والبيهقي، في شِعب الإيمان، عن ابن عمر، قال : تعلَّم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلمَّا ختمها نحر جَزوراً(١) .

فإذا كان تعلُّمه لسورة البقرة، في اثنتي عشر سنة، مع أنَّ القرآن بتمامه مِمَّا يتعلَّمه الصبيان - نوعاً - في أقلِّ مِن سنة، أو ثمانية أشهر، بلْ ستَّة أشهر ؛ فلا عجب منه، إذا لم يعرف معنى الكلالة أبداً، حتَّى مات ولحق بأصحابه وحِزبه.

* * *

____________________

(١) الدُّرُّ المنثور في التفسير بالمأثور : ١/٢١. تاريخ الإسلام للذهبي، عهد الخلفاء الراشدين ص٢٦٧.


٧ - باب ( كلُّ الناس أفقه مِن عمر وأعلم مِن عمر )(*) .

١ - روى البيهقي بسنده، عن الشعبي قال : خطب عمر بن الخطاب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وقال :

ألاْ لا تُغالوا في صداق النساء ؛ فإنَّه لا يبلغني عن أحد، ساق أكثر مِن شيء، ساقه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو سيق إليه، إلاَّ جعلت فضل ذلك في بيت المال، ثمَّ نزل، فعرضت له امرأة مِن قريش.

فقالت :يا أمير المؤمنين، أكتاب الله أحقُّ أنْ يُتَّبع، أو قولك ؟

قال :بلْ كتاب الله تعالى، فما ذاك ؟

قالت :نهيت الناس - آنفاً - أنْ يُغالوا في صداق النساء، والله تعالى يقول في كتابه :( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً (**) فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً ) .

فقال عمر :كلُّ أحد أفقه مِن عمر - مرَّتين أو ثلاثاً - ثمَّ رجع إلى المنبر، فقال للناس :

____________________

(*) - فيه خمسة أحاديث.

(**) - القِنطار المال الكثير.


إنِّي كنتُ نَهيتكم أنْ تُغالوا في صداق النساء، ألاْ فليفعل رجُل في ماله ما بدا له(١) .

٢ - قال السيوطي : وأخرج سعيد بن منصور، وأبو يعلى، بسند جيِّد، عن مسروق، قال : ركب عمر بن الخطاب المنبر، ثمَّ قال :

أيُّها الناس ما إكثاركم في صداق النساء، وقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه، وإنَّما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى الله أو مَكرمة، لم تسبقوهم إليها، فلا أعرِفنَّ ما زاد رجُل في صداق امرأة على أربعمائة درهم، ثمَّ نزل فاعترضته امرأة مِن قريش.

فقالت له :يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أنْ يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم ؟ قال :نعم .

فقالت :أما سمعت ما أنزل الله، يقول :( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ) .

فقال :اللَّهمَّ غُفراً، كلُّ الناس أفقه مِن عمر، فركب المنبر فقال : يا أيها الناس، إنِّي كنتُ نهيتكم أنْ تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمَن شاء أنْ يُعطي مِن ماله ما أحب (٢) .

٣ - الزمخشري، في تفسير قوله تعالى :( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً ) ، في سورة النساء.

قال :وعن عمر أنَّه قام خطيباً، فقال : أيُّها الناس، لا تُغالوا بصداق النساء، فلو كانت مَكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله ؛ لكان أولاكم بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،ما أصدق امرأة مِن نسائه أكثر مِن اثني عشر أوقية .

فقامت إليه امرأة فقالت : يا أمير المؤمنين، لم تمنعنا حَقَّاً جعله الله لنا، والله يقول :( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ) .

فقال عمر :كلُّ أحد أعلم مِن عمر. ثمَّ قال لأصحابه :

____________________

(١) السُّنن الكبرى : ٧/٢٣٣. كنز العمَّال : ٨/٢٩٨ط حيدر آباد - الهند. وقال : أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي.

(٢) الدُّر المنثور في التفسير بالمأثور : ٢/١٣٣، في تفسير سورة النساء، وذكر هذا الحديث المُتَّقى الهندي في كنز العمَّال: ٨/٢٩٨ط - الهند باختلاف يسير، وقال : أخرجه سعد بن منصور، وأبو يعلى، والمحاملي في أماليه، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد : ٤/٢٨٣، وقال : رواه أبو يعلى في الكبير.


تسمعونني أقول هذا القول، فلا تُنكرونه عليَّ، حتَّى تردَّ عليَّ امرأة ليست مِن أعلم النساء(١) .

المؤلِّف : وذكره الفخر الرازي أيضاً، في ذيل تفسير الآية الشريفة باختصار، وقال : فقالت امرأة : يا بن الخطاب، الله يُعطينا وأنت تمنع وتَلَت هذه الآية.

قال : فقال عمر :كلُّ الناس أفقه مِن عمر (٢) .

الزمخشري، في تفسير قوله تعالى :( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) ، أنا أدعوه أنْ يجعلني مِن ذلك القليل.

فقال عمر : كلُّ الناس أعلم مِن عمر.

المؤلِّف : وذكره السيوطي أيضاً، في الدُّرِّ المنثور، في ذيل تفسير الآية المذكورة، وقال: أخرجه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن إبراهيم التيمي(٣) .

٥ - روى المُتَّقي عن عبد الله بن مصعب، قال : قال عمر :لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، فمَن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال .

فقالت امرأة :ما ذاك لك .

قال :ولِمَ ؟

قالت :لأنَّ الله تعالى يقول :( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ) الآية.

فقال عمر :امرأة أصابت ورجل أخطأ .

قال : أخرجه الزبير بن بكار في الموفَّقيَّات، وابن عبد البرّ في العلم(٤) .

* * *

____________________

(١) تفسير الكشَّاف : ١/٥١٤ طبع دار المعرفة بيروت.

(٢) الفخر الرازي : مفاتيح الغيب : ١٠/١٤ط دار الفكر بيروت.

(٣) الدُّرُّ المنثور في التفسير بالمأثور : ٥/٢٢٩.

(٤) كنز العمَّال : ٨/٢٩٨ - ط حيدر آباد - الهند.


٨ - باب ( ما جاء في جَهل عمر بالكتاب والسُّنَّة )(*) .

المؤلِّف : أمَّا ما جاء في جهل عمر بالكتاب المجيد، فقد تقدَّم في آخر أبواب مطاعن أبي بكر، جهل أبي بكر وعمر بقوله تعالى :( وَفَاكِهَةً وَأَبَّاً ) ، وتقدَّم آنفاً جهل عمر بآيتي الكَلاَلة، في أوَّل النساء آية : ١٢ وآخرها آية : ١٧٦، وأنَّه كلَّما فهَّمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معناها، فلم يفهمه، حتَّى قال لحفصة :

( ما أرى أباك يعلمها أبداً ).

وتقدَّم أيضاً في الباب السابق، جهل عمر بقوله تعالى :( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ) ، حتَّى ردّت عليه امرأة قرشيَّة، واستدلَّت هي بهذه الآية، فقال عمر :

كلُّ أحد أفقه مِن عمر.

وهذه جُملة أُخرى، مِمَّا جاء في جهل عمر بالكتاب المجيد، مِمَّا ظفرت عليه على العُجالة.١ - السيوطي قال : وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق، عن ثور الكندي أنَّ عمر

____________________

(*) فيه تسعة أحاديث.


ابن الخطاب، كان يعسُّ بالمدينة مِن الليل، فسمع صوت رجل في بيت يتغنَّى، فتسوَّر عليه، فوجد عنده امرأة، وعنده خمر.

فقال :يا عدوَّ الله، أظننت أنَّ الله يسترك، وأنت على معصية ؟!

فقال :وأنت يا أمير المؤمنين، لا تعجل عليّ إنْ أكون عصيتُ الله [ في ] واحدة، فقد عصيتَ الله في ثلاث .

قال الله :( وَلا تَجَسَّسُوا ) وقد تجسَّست .

وقال :( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ) ،وقد تسوَّرت عليَّ، ودخلت عليَّ بغير إذن .

وقال الله تعالى :( لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ) .

قال عمر :فهلْ عندك مِن خير إنْ عفوت عنك ؟

قال :نعم، فعفا عنه وخرج وتركه (١) .

المؤلِّف : قد تجسَّس وتسوَّر البيت، ودخله بغير إذن، كان كلُّ ذلك جهلاً منه بالآيات الكريمة، فنبَّهه الرجل بها، فعفا عنه وخرج، لا أنَّه كان مِن علم وعصيان، أو عن علم ونسيان ؛ فإنَّ ذلك بعيد جِدَّاً.

ثمَّ إنَّ عمر، وإنْ ارتكب معاصي ثلاث مِن : التجسُّس، والتسوُّر، والدخول بغير إذن.

ولكنْ بعدما ارتكب هذه المعاصي الثلاث، واطَّلع على حال الرجل، وأنَّه على معصية الله كيف جاز له أنْ يعفو عنه ؟! سِيَّما بعد اعتراف الرجل بالمعصية ؛ حيث قال :

إنْ أكون عصيتُ الله في واحدة، فقد عصيتَ الله في ثلاث. وظاهر عصيانه الله في واحدة هو عصيانه في شرب الخمر ؛ وعليه، فعفو عمر عن الرجل، بعد اعترافه بالمعصية، معصية رابعة مِن عمر فلا تغفل.

٢ - روى المُتَّقي الهندي عن السدي، قال :

خرج عمر بن الخطاب، فإذا هو بضوء نار، ومعه عبد الله بن مسعود، فاتَّبع الضوء، حتَّى دخل داراً، فإذا بسراج في بيت، فدخل - وذلك في جوف الليل - فإذا شيخ جالس، وبين

____________________

(١) الدُّرُّ المنثور : ٦/٩٣. كنز العمَّال : ٢/١٦٧ط حيدر آباد، قال : أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق.


يديه شراب وقينَة تُغنِّيه، فلم يشعر حتَّى هَجم عليه عمر.

فقال : ما رأيت كالليلة مَنظراً أقبح مِن شيخ ينتظر أجله ؛ فرفع رأسه إليه، فقال : بلى يا أمير المؤمنين، ما صنعتَ أنت أقبح ؛ تجسَّست، وقد نُهي عن التجسُّس، وقد دخلتَ بغير إذن.

فقال عمر : صدقت، ثمَّ خرج عاضَّاً على ثوبه يبكي، وقال : ثكلتْ عمر أُمَّه إنْ لم يَغفر له رَبُّه(١) .

٣ - روى الحاكم بسنده، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، قال : جاء إلى ابن عباس رجل فقال :

رجل توفِّي وترك بنته وأُخته لأبيه وأمّه ؟

فقال :لابنته النصف، وليس لأُخته شيء .

قال الرجل :فإنَّ عمر قضى بغير ذلك، جعل للابنة النصف، وللأُخت النصف .

قال ابن عباس :أنتم أعلم أم الله ؟!.

فلم أدرِ ما وجه هذا، حتَّى لقيت ابن طاوس، فذكرت له حديث الزهري.

فقال :أخبرني أبي، أنَّه سمع ابن عباس يقول : قال الله عَزَّ وجلَّ :( إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ) .

قال ابن عباس :فقلتم أنتم : لها النصف، وإنْ كان له ولد !!

قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين(٢) .

ثمَّ إنَّ الآية الشريفة، التي استدلَّ بها ابن عباس، هي في آخر سورة النساء، ومُحصَّل الآية : إنَّه إذا مات رجل، وليس له ولد مِن ذكرٍ أو أنثى، وله أُخت ؛ فللأُخت نصف ما ترك، وأمّا إذا كان له ولد ليس للأُخت شيء.

وظاهر عمر، الذي قد أفتى بأنَّ للأُخت النصف حتَّى مع البنت، هو أنَّ ذلك كان منه على وجه الجهل بالآية الكريمة، وإلاّ فبعيد منه أنَّه مع العلم بها يُفتي بخلاف ما أنزل الله

____________________

(١) كنز العمَّال : ٢/١٤١، ط حيدر آباد - الهند.

(٢) مُستدرك الصحيحين : ٤/٣٣٩، وفي : ٢/٣١٠ باختلاف يسير في اللّفظ. السُّنن الكبرى للبيهقى : ٦/٢٣٣.


والله أعلم(١) .

٤ - روى ابن سعد بسنده، عن عائشة قالت :لمَّا توفِّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استأذن عمر، والمغيرة بن شعبة، فدخلا عليه فكشفا الثوب عن وجهه، فقال عمر :

واغَشِيَّا ما أشدَّ غَشيِّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،ثمَّ قاما، فلمَّا انتهيا إلى الباب، قال المغيرة : يا عمر، مات - والله - رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛فقال عمر كَذَبت، ما مات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم -إلى أنْ قال - ثمَّ جاء أبو بكر وعمر يخطُب الناس فقال له أبو بكر : اسكُت ؛ فسكت. فصعد أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قرأ :( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) ، ثمَّ قرأ :( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) ،حتَّى فرغ مِن الآية - إلى أنْ قال -

فقال عمر :هذا في كتاب الله ؟!

قال :نعم . ( الحديث ).

ورواه بطريق آخر أيضاً، باختلاف في اللفظ.

وفي رواية البخاري، في باب مرض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووفاته.

قال عمر : والله ما هو إلاّ أنْ سمعتُ أبا بكر تلاها(٢) .

٥ - روى البيهقي بسنده، عن أبي الأسود الدئلي :أنَّ عمر أُتي بامرأة، قد ولدت لستَّة أشهر ؛ فهمّ برجمها، فبلغ ذلك عليَّاً عليه‌السلام .

فقال : ( ليس عليها رجم ).

فبلغ ذلك عمر - إلى أنْ قال - فسأله، فقال :( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ) ... ، وقال :( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) ؛ فستَّة أشهر حمله، وحولان تمام رضاعه لا حدَّ عليها ). أو قال : ( لا رجم عليها )، قال : فخلّى عنها ثم ولدت.(٣)

____________________

(١) مُستدرك الحاكم : ٤/٣٣٩.

(٢) الطبقات الكبرى : ٢ق ٢/٥٤.

(٣) السُّنن الكبرى : ٧/٤٤٢. الرياض النضرة للمُحبِّ الطبرى : ٢/١٩٤ الطبعة الأُولى، وقال فيه : فترك عمر رجمها، وقال :لو لا علي لهلك عمر . كنز العمَّال : ٣/٩٦ - ٢٢٨، وذكر في الموضعين جُملة مِن أئَّمة الحديث رووها. وفي الاستيعاب : ٢/٤٦١ط - الهند قال : فكان عمر يقول :لو لا علي لهلك عمر .


هذا كلُّه فيما جاء في جهل عمر بالكتاب المجيد.

وأمَّا ما جاء في جهل عمر بالسُّنَّة، وبالأحكام الشرعيَّة الإلهيَّة، فكثير.

ونحن نذكر لك جُملة مِن ذلك مِمَّا ظفرتُ عليه على العُجالة.

٦ - عن أبي سعيد الخدري :كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُصلِّي، فمرَّ أعرابي بحَلوبة له، فأشار إليه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلم يَفهم ؛ فناداه عمر :

يا أعرابي، وراءك فلمَّا سلَّم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال: مَن المُتكلِّم ؟! قالوا :عمر . قال :ما لهذا فقه . قال : رواه الطبراني في الأوسط.

٧ - روى الدار قطني بسنده، عن سعيد بن المسيّب :أنَّ عمر خرج على أصحابه .

فقال :ما ترون في شيء صنعت اليوم ؟أصبحتُ صائماً، فمرَّت بي جارية، فأعجبتْني ؛ فأصبت منها ؛ فعظَّم القوم عليه ما صَنع، وعليٌّ ساكت .

فقال :ما تقول ؟ قال : ( أتيت حلالاً ويوم مكان يوم ). قال :أنت خيرهم فتوى (١) .

المؤلِّف : إنَّ عمر، لو كان يعرف حُكم المسألة، فما الذي دعاه إلى السؤال من أصحابه ؟ ثمَّ السؤال مِن عليٍّعليه‌السلام ؟

وإنْ كان جاهلاً به - كما هو ظاهره - فما الذي جَرَّأه على ما لا يعلم حِلِّيَّته مِن قَبل أنْ يسأل عن حُكمه؟ فإنَّ مِثل عمر، الذي هو يزعم أنَّه خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإمام المسلمين ومُقتداهم، إذا اقتحم في الشُّبهات، وأقدم على ما لا يعرف جوازه شرعاً ؛ فكيف بحال ساير الناس الذين يجب عليهم الاقتداء بالخليفة والإمام ؟

قال الله تبارك وتعالى :( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) الإسراء : ٧١، وقال أيضاً :( وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبيلاً ) الإسراء : ٧٢.

٨ - روى أبو داود بسنده، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال : أُتي عمر بمجنونة قد زنت، فاستشار فيها أُناساً، فأمر بها عمر أنْ تُرجَم، فمُرَّ بها على عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، فقال : ( ما شأن هذه ؟ ).

قالوا : مجنونة بني فلان زنت ؛ فأُمر بها أنْ تُرجَم.

قال : فقال : ( ارجعوا بها ).

ثمَّ أتاه

____________________

(١) سُنن الدار قطني : كتاب الصيام، باب القُبلة للصائم الطبقات الكبرى : ٢ق ٢/١٠٢.


فقال : ( يا عمر، أما علمت أنَّ القلم قد رُفِع عن ثلاثة : عن المجنون حتَّى يَبر، وعن النائم حتَّى يستيقظ، وعن الصبي حتَّى يَعقل ؟! ).

قال :بلى .

قال : ( فما بالُ هذه ترجم ؟! ). قال:لا شيء .

قال : ( فأرسِلْها ). قال: فجعل يُكبِّر (١) .

المؤلِّف : ورواه في الباب المذكور بطرق عديدة، قال في بعضها : فجعل عمر يُكبِّر، وذكره المناوي وقال : أخرجه أحمد وقال في آخره :

فقال عمر :لو لا عليّ لهلك عمر .

قال :واتَّفق له مع أبي بكر نحوه . انتهى(*) .

ورواه أحمد بن حنبل أيضاً، في مسنده ج١ بطريقين.

قال : روى المُحبُّ الطبري، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جَدِّه، قال : ( أُتي عمر بامرأة حامل، قد اعترفت بالجور ؛ فأمر برجمها، فتلقَّاها عليٌّعليه‌السلام ، فقال : ما بال هذه ؟

فقالوا : أمر عمر برجمها، فردَّها عليٌّعليه‌السلام .

وقال : هذا سلطانك عليها، فما سلطانك على ما في بطنها ؟! ولعلَّك انتهرتها وأخفتها ؟!

قال : قد كان ذلك.

قال : أوَ ما سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : لا حدَّ على مُعترفٍ بعد بلاء، إنَّه مِن قيدٍ أو حبسٍ أو تهدُّد، فلا إقرار له فخلَّى سبيلها ).

قال : أخرجه ابن السمان في الموافقة(٢) .

* * *

____________________

(١) سُنن أبي داود : ٣/٣٣٩ باب المجنون يسرق أو يُصيب، تحقيق سعيد محمد اللحام، سُنن الدار قطني : ٣/١٣٩ط عالم الكتب - بيروت - صحيح البخاري : ٤/١٧٦ بحاشية السندي رواه باختصار - باب لا يُرجم المجنون والمجنونة - المُستدرك على الصحيحين : ٤/٣٨٩ كتاب الحدود - ذكر مَن رُفِع عنهم القلم. رواه بطريقين وقال في أحدهما : وقد روى بإسناد صحيح.

(*) - فيض القدير : ٤/٣٥٧.

(٢) الرياض النضرة : ٢/١٩٥. وفي طبعة دار الندوة بيروت : ٣/١٤٣ ذخائر العقبى في مناقب ذوى القُربى للمُحبِّ الطبرى ص٨٠، وذكر هذا المُتَّقى في كنز العمَّال ج٣ط حيدر آباد - الهند، وقال : أخرجه عبد الرزاق.


٩ - باب ( ما جاء في فضل الحَجر الأسود وجهل عمر بذلك كلّه حتَّى قال : إنَّه حَجر لا يَضرُّ ولا ينفع )(*) .

المؤلِّف : أمّا ما جاء في فضل الحَجر الأسود، فهو كثير، ونحن نذكر لك جُملة مِمَّا ظفرتُ عليه على العُجالة.

١ - روى النسائي بسنده، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( الحَجر الأسود مِن الجَنَّة )(١) .

ورواه أحمد بن حنبل مع زيادة، قال : ( الحَجر الأسود مِن الجَنَّة، وكان أشدَّ بياضاً مِن الثلج، حتَّى سوَّدته خطايا أهل الشرك )(٢) .

____________________

(*) - فيه ثمانية عشر حديثاً.

(١) سُنن النسائي : ٥/٢٢٦ط بيروت. مُسند الإمام أحمد بن حنبل : ٣/٢٧٧ رواه عن أنس، السُّنن الكبرى للبيهقي: ٥/٧٥، عن أنس بهذا اللّفظ : ( الحَجر الأسود مِن حجارة الجَنَّة )، فيض القدير للمنَّاوي : ٣/٤٠٨.

(٢) مُسند الإمام أحمد بن حنبل : ١/٣٠٧ - ٣٧٣، وجاء في الجامع الصغير : ١/٥٨٧ رقم الحديث ٣٧٩٩ ط دار الفكر.


٢ - روى الترمذي بسنده، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( نزل الحَجر الأسود مِن الجَنَّة، وهو أشدُّ بياضاً مِن اللَّبن، فسوَّدته خطايا بني آدم ).

قال : وفي الباب عن عبد الله بن عمرو أبي هريرة(١) .

٣ - وروى الترمذي بسنده، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الحَجر : (والله، ليَبعثنَّه الله يوم القيامة له عينان، يبُصر بهما، ولسان يَنطق به، يَشهد على مَن استلمه بحَقٍّ )(٢) .

وذكره محمد عبد الرءوف المنَّاوي، عن عائشة باختلاف في اللفظ، قال :أشهِدوا هذا الحَجر خيراً ؛ فإنَّه يوم القيامة شافع مُشفَّع، له لسان وشَفَتان، يَشهد لم استَلِمه (٣) .

٤ - روى البيهقي بسنده، عن عبد الله بن عمر، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إنَّ الركن والمقام، ياقوتتان مِن يواقيت الجَنَّة طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب ).

ثمَّ روى عنه - أيضاً - يقول : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إنَّ الركن والمقام، مِن ياقوت الجَنَّة، ولولا مَسَّهما مِن خطايا بني آدم لأضاءا ما بين المشرق والمغرب، وما مَسَّهما مِن ذي عاهة، ولا سقيم إلاّ شُفي ).

ثم روى عنه - أيضاً - يرفعه، قال : ( لو لا ما مَسَّه مِن أنجاس الجاهليَّة، ما مَسَّه ذو عاهة إلاّ شُفي، وما على الأرض شيء مِن الجَنَّة غيره )(٤) .

روى ابن سعد بسنده، عن ابن عباس حديثاً أوَّله :خرج آدم من الجنة - إلى أنْ قال -فأُهبِط آدم على جبل بالهند - إلى أنْ قال -فلمَّا حَجَّ آدم، وضع الحَجر الأسود على أبي قُبيس، فكان يُضيء لأهل

____________________

(١) سُنن الترمذي : ٣/٢٢٦، باب ما جاء في فضل الحَجر الأسود. فيض القدير للمناوي : ٤/ ٥٤٦. الجامع الصغير للسيوطي : ٢/٢٦٨. رقم الحديث ٦٢١١ط دار الفكر بيروت.

(٢) سُنن الترمذي : ٣/٢٩٤، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، المُسند : ١/٢٤٧ - ٢٩١ سُنن البيهقي : ٥/٧٥. حلية الأولياء لأبي نعيم : ٤/٣٠٦، سُنن ابن ماجة : ٢/٩٨٢ باب استلام الحَجر، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

(٣) فيض القدير : ١/٥٢٧ - ٣/٤٠٨ - ٤٠٩. الجامع الصغير : ١/٥٨٧ ط دار الفكر.

(٤) السُّنن الكبرى : ٥/٧٥.


مَكّة في ليالي الظلم، كما يُضيء القمر، فلمَّا كان قُبيل الإسلام بأربع سنين، وقد كان الحُيَّض والجُنُب يصعدون إليه يمسحونه ؛ فاسودَّ فأنزلته قريش مِن أبي قُبيس . (الحديث)(١) .

وقال المنَّاوي فيه :فكان يُضيء بالليل، كأنَّه القمر، فحيث بلغ ضوؤه كان مِن الحرم (٢) .

المؤلِّف : ويَظهر مِن هذا الحديث، أعني حديث ابن عباس، إنَّ حَجر الأسود الى قبيل الإسلام، كان أبيضَ، يُضيء لأهل مَكَّة، وهو وإنْ كان بعيداً في بدو الأمر، ولكنْ يؤيِّده ما ذكره ابن حجر العسقلاني.

قال : وأخرج أبو علي بن السكن، مِن طريق الطفيل، عن أبيه، عن جَدِّه، قال : رأيت الحَجر الأسود في الجاهليَّة أبيض(٣) ( والله العالم ).

وقال المنَّاوي : الحَجر الأسود ياقوتة بيضاء، مِن ياقوت الجَنَّة، وإنَّما سوَّدته خطايا المُشركين، يُبعث يوم القيامة مِثل أُحُد، يَشهد لمَن استلمه وقبَّله مِن أهل الدنيا.

قال : أخرجه أبي خزيمة، عن ابن عباس، وسنده صحيح(٤) .

٦ - روى الخطيب البغدادي بسنده، عن جابر بن عبد الله، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( الحَجر الأسود يمين الله في الأرض، يُصافِح بها عباده )(٥) .

قال المنَّاوي : الحَجر يمين الله تعالى ؛ فمَن مسحه ؛ فقد بايع الله.

قال : أخرجه الديلمي في الفردوس، عن عكرمة - وفيه أيضاً - أنَّ الحَجر الأسود نَزل به

____________________

(١) الطبقات الكبرى : ١ق ١/١٢، ط ليدن.

(٢) فيض القدير شرح الجامع الصغير : ٤/٥٤٦.

(٣) الإصابة في تمييز الصحابة : ٤/١١٠ط كلكتا - الهند.

(٤) فيض القدير : ٣/٤٠٩، الحامع الصغير : ١/٥٨٧ط دار الفكر - بيروت.

(٥) تاريخ بغداد : ٦/٣٢٨. فيض القدير : ٤/٣٠٩، قال : أخرجه ابن عساكر، كنوز الحقائق : ٦٥ قال : أخرجه أبو شيخ.


مَلَك مِن السماء.

قال : أخرجه الأزرقي عن أُبي(١) .

٧ - روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، أنَّه سمع أباه يقول لابن عمر : مالي لا أراك تستلم إلاَّ هذين الركنين : الحَجر الأسود، والرُّكن اليماني ؟!

فقال ابن عمر : إنْ أفعل، فقد سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( إنَّ استلامهما يَحطُّ الخطايا ) إلخ(٢) . وذكره وقال : أخرجه الديلمي، ولفظه : ( مَسْحُ الحَجر والرُّكن يَحطَّان الخطايا حَطَّاً)(٣) . روى ابن ماجة بسنده، عن ابن عمر، قال : استقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحَجر، ثمَّ وضع شَفيته عليه يَبكي طويلاً، ثمَّ التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي، فقال : ( يا عمر، ههنا تُسكَب العَبرات )(٤) .

٨ - روى الحاكم بسنده، عن أبي سعيد الخدري، قال : حَججنا مع عمر بن الخطاب، فلمَّا دخل الطواف استقبل الحَجر، فقال :إنِّي أعلم أنَّك حَجر، لا تَضرُّ ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبَّلك ما قبَّلتك، ثمَّ قبَّله .

فقال له عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام : ( بلى يا عمر، إنَّه يَضرُّ وينفع ).

قال :بم ؟!

قال : ( بكتاب الله تبارك وتعالى ).

قال : وأين ذلك مِن كتاب الله ؟!

قال : ( قال الله عَزَّ وجَلَّ :( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ) .

خلق الله آدم، ومسح على ظهره، فقرَّرهم بأنَّه الرَّبُّ، وأنَّهم العبيد، وأخذ عهودهم ومواثيقهم، وكتب ذلك في رَقٍّ، وكان لهذا الحَجر عينان ولسان، فقال له : افتح فاك.

قال : ففتح فاه، فألقمه ذلك الرَقَّ.

وقال : اشهد لمَن وافاك بالموافاة يوم

____________________

(١) فيض القدير : ٣/٤١٠.

(٢) مُسند أحمد بن حنبل : ٢/٣.

(٣) كنوز الحقائق : ص١٣٢ط استانبول عام ١٢٨٥ه-.

(٤) سُنن ابن ماجة : ٢/٩٨٢ كتاب المناسك باب استلام الحَجر.


القيامة، وإنِّي أشهد لسمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : يؤتى يوم القيامة بالحَجر الأسود له لسان ذلق يَشهد لمَن استلمه بالتوحيد، فهو يا عمر يَضرُّ وينفع ).

فقال عمر :أعوذ بالله أنْ أعيش في قوم لستَ فيهم - يا أبا حسن -(١) .

المؤلِّف : وذكر هذا الحديث الفخر الرازي أيضاً، في تفسيره الكبير، في تفسير سورة والتين، وقال في آخره :

قال عمر :

لا بقيت في قوم لستَ فيهم - يا أبا الحسن -.

وقال المناوي في فيض القدير ٣/٤٦ وصحَّ عنه - يعني عن عمر - مِن طرق، أنَّه كان يتعوَّذ مِن قوم ليس هو فيهم، يعني ليس عليُّعليه‌السلام فيهم.

هذا كلُّه جُملة مِن الأخبار الواردة، في فضل حَجر الأسود، مِمَّا ظفرتُ عليه على العُجالة، ولم أستقص الجميع.

وأمَّا ما جاء في قول عمر للحَجر الأسود : إنَّه حَجر لا يَضرُّ ولا ينفع، فقد تقدَّم بعض ذلك آنفاً، في صدر رواية المُستدرك، ونحن نذكر لك بقيَّة ما جاء في هذا المعنى، مِمَّا ظفرت عليه على العُجالة واحداً بعد واحد، فنقول:

١ - روى البخاري بسنده، عن عابس بن ربيعة، عن عمر أنّه جاء إلى الحَجر الأسود فقبَّله فقال :إنِّي أعلم أنَّك حَجر لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أنَّي رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُقبِّلك ما قبَّلتك (٢) .

٢ - روى البخاري بسنده، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أنَّ عمر بن الخطاب قال للرُّكن

____________________

(١) مُستدرك الصحيحين : ١/٤٥٧. الدُّرُّ المنثور : ٣/١٤٤، كنز العمَّال : ٣/٣٥ط حيدر آباد - الهند، ذكر المُتَّقى والسيوطى : أنَّ جمعاً مِن أئَّمة الحديث أخرجوه، ورووه.

(٢) صحيح البخاري : ٢/١٦٢ط استانبول، باب الحَجر الأسود. سُنن النسائي : ٥/٢٢٧، سُنن الترمذي : ٣/٢١٤ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. سُنن أبي داود : ٢/٤١٩، باب في تقبيل الحَجر تحقيق سعيد محمد اللّحام. مُسند أحمد بن حنبل : ١/١٦ - ٢٦ - ٤٦. سُنن البيهقي : ٥/٧٤، باب تقبيل الحَجر.


اليماني :

أما والله، إنِّي لأعلم أنَّك حَجر لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استلمك ما استلمتك فاستلمه . إلخ(١) .

٣ - روى البخاري بسنده، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال : رأيت عمر بن الخطاب، قبَّل الحَجر وقال :لولا أنِّي رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبّلك ما قبَّلتك (٢) .

٤ - روى مسلم بسنده، عن عبد الله بن سرجس، قال : رأيت الأصلع يعني عمر بن الخطاب، يُقبِّل الحَجر ويقول :

والله، إنِّي لأُقبِّلك وإنِّي أعلم أنَّك حَجر، وأنَّك لا تَضرُّ ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبَّلك ما قبَّلتك (٣) .

٥ - روى النّسائي حديثاً، عن طاوس، عن ابن عباس، عن عمر، أنَّه قال لحَجر الأسود :إنَّك حَجر لا تنفع ولا تضرُّ، ولولا أنِّي رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبَّلك ما قبَّلتك (٤) .

٦ - روى الإمام مالك بسنده، عن عروة، أنَّ عمر بن الخطاب قال - وهو يطوف بالبيت للركن الأسود - :

إنَّما أنت حَجر، ولولا أنِّي رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبَّلك ما قبَّلتك، ثمَّ قبَّله(٥) .

٧ - روى بسنده الإمام أحمد بن حنبل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنَّ عمر بن الخطاب أكبَّ على الرُّكن، فقال :

إنِّي لأعلم أنَّك حَجر، ولولم أرَ حبيبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبَّلك أو استلمك ما استلمتك، ولا قبَّلتك .

____________________

(١) صحيح البخاري : ٢/١٦١ ط استانبول، باب الرمل في الحَج.

(٢) المصدر نفسه : ١٦٢ باب تقبيل الحَجر ط استانبول.

(٣) صحيح مسلم : ٢/٩٢٥، كتاب الحَجِّ، باب استحباب تقبيل الحَجر الأسود في الطواف، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. سُنن ابن ماجة : ٢/٩٨١ باب استلام الحَجر. مُسند أحمد بن حنبل : ١/٣٤ - ٥١.

(٤) سُنن النسائي : ٥/٢٢٧.

(٥) الموطِّأ : ١/٣٦٧، باب تقبيل الرُّكن الأسود في الاستلام.


إلخ(١) .

٨ - وروى الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن ابن عمر، أنَّ عمر قبَّل الحَجر، ثمَّ قال: قد علمتُ أنَّك حَجر، ولولا أنِّي رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبَّلك ما قبَّلتك (٢) .

٩ - روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن سويد بن غفلة، قال : رأيت عمر يُقبِّل الحَجر ويقول :إنِّي لأعلم أنَّك حَجر، لا تضرُّ ولا تنفع، ولكنِّي رأيت أبا القاسم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بك حَفيَّاً (٣) .

المؤلِّف : إنَّك قد سمعت ما جاء في فضل الحَجر الأسود، مِن طريق ابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عبيد، وجابر بن عبد الله، وأنس، وعكرمة، وأُبي، وأنَّه نزل مِن الجَنَّة، وهو أشدُّ بياضاً مِن اللَّبن، أو مِن الثلج، وأنَّ استلامه يَحطُّ الخطايا، وأنَّه مِن ياقوت الجَنَّة، وأنَّه يمين الله في أرضه، يُصافِح بها عباده، أو مَن مسحه فقد بايع الله، وأنَّه أنزل مع آدم، ووضع على أبي قُبيس، وكان يُضيء لأهل مَكَّة كالقمر، وأنَّه التَقَمَ الرَّقَّ، الذي كتب الله فيه إقرار بني آدم في عالم الذَّرْ : بأنَّ الله تعالى هو الرَّبُّ وأنَّهم العبيد له، وأنَّه يؤتى به يوم القيامة له لسان ذَلِق، يَشهد لمَن استلمه بالتوحيد أو بحَقٍّ.

فمِن العجيب جِدَّاً، أنَّ عمر بن الخطاب، لم يبلغه شيء مِن هذه الأخبار كلِّها، أصلاً حتَّى قال - للحجر الأسود كما سمعت - :

إنِّي أعلم أنَّك حَجر لا تَضرُّ ولا تنفع، مع أنَّ جُملة مِن تلك الفضائل، هي مِن طريق ابنه عبد الله، فإنَّ عمر أولى مِن ابنه، مِن الاطِّلاع على ما حدَّثه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أفلم يكُن هو مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سَفَره وحَضَره، وجُمعته وجَماعته، وليله ونهاره ؟ أم كان ولكنْ لم يكُنْ له قلب عَقولاً ؛ كي يعقل هذه الأمور وشبهها ؟

____________________

(١) المُسند : ١/٢١.

(٢) المصدر نفسه : ١/٣٤ - ٣٥.

(٣) المُسند : ١/٣٩.


الظاهر هو الثاني ؛ فإنَّ مَن لم يعرف معنى فاكهة وأبّاً، وإذا سُئِل عن التيمّم، فلم يدر ما يقول.

ولم يَعرف معنى الكَلاَلة أبداً، كلَّما فهَّمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولم يَعرف مِن الكتاب والسُّنَّة ما شاء الله أنْ لا يَعرف - كما عَرفت تفصيله - مشروحاً في الباب السابق، وقبله في باب كلِّ الناس أفقه مِن عمر، ليس بعجيب ولا ببعيد منه أنْ لا يعلم شيئاً مِن الأخبار المُتقدِّمة في فضل حَجر الأسود أصلاً، وأنْ يقول له - مِن جَهله وعدم علمه - : إنَّك حَجر لا تضرُّ ولا تنفع، حتَّى ردَّ عليه أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، كما سمعت في رواية مُستدرك الصحيحين وغيره، وفهَّمه أنَّه مِمَّا يضرُّ وينفع ؛ فقال عمر :

أعوذ بالله أنْ أعيش في قوم ليستَ فيهم - يا أبا حسن -، أو - يا أبا الحسن -.

* * *


١٠ - باب ( في تجسُّر عمر على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسوء أدبه معه في مواردَ شتّى ) (*) .

١ - روى البخاري بسنده، عن ابن عمر :أنَّ عبد الله بن أُبيّ لمَّا توفِّي جاء ابنه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال : يا رسول الله، أعطني قميصك أُكفِّنه فيه، وصلِّ عليه، واستغفِر له، فأعطاه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قميصه، فقال : ( آذنِّي أصلِّي عليه )، فآذنه فلمَّا أراد أنْ يُصلِّي عليه جذبه عمر(١) ، فقال : أليس الله نهاك أنْ تُصلِّي على المُنافقين ؟!

[ فقال : ( أنا بين خيرتين ) ](٢) .

قال :( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ) ؛ فصلَّى عليه. ( الحديث )(٣) .

____________________

(*) - فيه ثلاثة أحاديث.

(١) جَذَبَه حوَّله عن موضعه. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير.

(٢) ما بين المعقوفين حُذِف مِن طبعة استانبول : ٧/٣٦، ومِن طبعة الحلبي حاشية السندي : ٤/٢٥، والمؤلِّف رحمة الله نقل الحديث مِن طبعة مصر المطبعة الخيريَّة عام ١٣٢٠ه-.

(٣) صحيح البخاري. بحاشيه السندى : ٤/٢٥، باب لبس القميص صحيح البخاري : ٧/٣٦ط استانبول. سُنن ابن ماجة : ١/٤٨٧ - ٤٨٨، باب الصلاة على أهل القبلة، وفيه ( أنا بين خيرتين ). صحيح الترمذي : ٢/١٨٥ط بولاق مصر عام ١٢٩٢ه-. سُنن النسائي : ٤/٣٦، ولم يسقط الناشر العبارة الواردة بين المعقوفين. الاستيعاب في معرفة الأصحاب : ٣/٩٤١ تحقيق على محمد البجاوي. وفيه : ( أنا بين خيرتين ).


٢ - روى مسلم بسنده، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، أنَّ عائشة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالت :أعتم (١) رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة مِن الليالي بصلاة العشاء، وهي التي تُدعى العُتْمَة، فلم يخرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتَّى قال عمر بن الخطاب : نام النساء والصبيان، فخرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأهل المسجد، حين خرج عليهم وساق الحديث - إلى أنْ قال - قال ابن شهاب : وذُكِر لي أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( ما كان لكم أنْ تنزروا(٢) رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الصلاة )،وذلك حين صاح عمر بن الخطاب (٣) .

٣ - روى أبو نعيم بسنده، عن أبي عسيب، قال : خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلاً، فدعاني فخرجت إليه، ثمَّ مَرَّ بأبي بكر فدعاه ؛ فخرج ثمَّ مَرَّ بعمر فدعاه ؛ فخرج إليه، فانطلق حتَّى دخل حائطاً لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط : ( أطعمنا بُسراً ) ؛ فجاء بعِذق فوضعه فأكلوا. ثمَّ دعا بماء فشرب.

فقال : ( لتُسئلُنَّ عن هذا يوم القيامة ).قال : وأخذ عمر العِذق، فضرب به الأرض، حتَّى تناثر البُسر نحو وجه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ثمَّ قال :يا رسول الله، إنّا لمَسئولون عن هذا يوم القيامة ؟

قال : ( نعم ). ( الحديث )(٤) .

المؤلِّف : أمّا جذب عمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الرواية الأُولى، لمّا أراد أنْ يُصلِّي على عبد الله بن أُبي، وقوله له :

أليس الله نهاك أنْ تُصلِّي على المُنافقين، فإنَّ فيه دلالة واضحة، على تجسُّر عمر على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وسوء أدبه معه، بلْ يظهر منه أنَّ عمر كان يرى الصلاة على عبد الله أمراً حراماً شرعاً، وأنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد ارتكب الحرام الشرعي، فأراد أنْ ينهاه عن المُنكر ،

____________________

(١) أيْ أبطأ وتأخَّر.

(٢) أيْ تستعجلوا.

(٣) صحيح مسلم : ٢/١١٥ط استانبول، باب وقت العشاء وتأخيره. صحيح مسلم : ١/٤٤١ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

(٤) حلية الأولياء : ٢/٢٧ - ٢٨. الإصابة في تمييز الصحابة : ٤/١٣٤، وورد الحديث في ترجمة أبي عصيب مِن الإصابة. مُسند أحمد بن حنبل : ٥/٨١. جامع البيان للطبري : ٣٠/١٨٥ - ١٨٦ مُرقاة المفاتيح : ٤/٣٩٧ط مصر ١٣٠٩، وقال : رواه أحمد والبيهقي في شِعب الإيمان.


ولم يكتف بالنهي عنه بالكلام فقط، بلْ نهاه عنه قولاً وعملاً ؛ فجذبه وقال له :

أليس الله نهاك أنْ تُصلِّي على المُنافقين ؟!

ومِن المعلوم أنَّ مَن يَنهى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن المُنكر، هو يرى نفسه أتقى لله وأورع.

وهذا - لَعمري - إنْ لم يكُن كُفراً مَحضاً - كما لا يبعد - فهو ضلال بيِّن لا مَحالة، لا يرتاب فيه إلاّ أهل الضلال.

ولو كان مقصود عمر، مُجرَّد الاستفهام والاطلاع، على السبب الباعث لصلاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ابن أُبيّ ؛ لتقدَّم إلى استفهامه بالكلام الطيِّب، ولم يتجسَّر عليه بجذبه عن الصلاة، وبالقول الخشن(١) .

____________________

(١) وإلى القاري الكريم، نورد هنا كلام الأُستاذ الكاتب المصري صالح الورداني، على تصرُّف عمر مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال : وهذا الحديث، يُشير الى دلالات خطيرة. ليست في صالح عمر، بلْ تضعه في موقفٍ مُحرِجٍ شرعاً.

فالقوم أرادوا أنْ يُثبِتوا له مَنقبة الفقه، فطعنوا في الرسول

وأرادوا أنْ يُثبتوا له الموافقة مع القرآن ؛ فأوقعوه في الرسول

أمّا الدلالات التي يُشير إليها الحديث، فهي :

- أنَّ الرسول كان يجهل النهي وذكَّره به عمر

- أنَّ الرسول أصرَّ على موقفه المُخالف للقرآن

- أنَّ عمر جذبه مِن ثوبه كي يَمنعه مِن ارتكاب هذه المُخالفة

- أنَّ الرسول تحايل على النَّصِّ القرآني بمنع الاستغفار للمُنافقين

- أنَّ القرآن نزل يوافق عمر

وما يُثير الشكَّ في هذا الحديث، هو أنَّ آية النَّهي عن الصلاة على المُنافقين / نزلت بعد صِدْام عمر مع الرسول.

بينما عمر يقول للرسول : أتُصلِّي عليه، وقد نهاك الله أنْ تُصلِّي عليه قبل نزولها ؟!

- فهل كان عمر يعلم الغيب ؟! أم كان على اتِّصال بالوحي ؟!

إنَّ مِثل هذا الموقف مِن عمر - على فرض التسليم بصِحَّة هذه الرواية - يضعه في زُمرة المُنافقين ؛ إذ كيف لصحابي أنْ يعترض على الرسول بهذه الطريقة، ويُخاطبه بهذا القول الذي هو مِن أخصِّ خصائصه وهو الوحي ؟!وكأنَّ الرسول لا يعرف الأمر والنهي !

ثمَّ هو يجذبه مِن ثوبه.

أليس مِثل هذا الموقف يُشكِّك في مصداقيَّة الرسول، ويُقلِّل مِن هيبته أمام المسلمين ؟!

وكيف تُبارك السَّماء مثل هذا السلوك مِن عمر مع رسول الله، وتُنزل القرآن موافقة لموقفه ؟!ألاْ يعني هذا أنَّ ثِقة السَّماء قد ضَعفت برسول الله ؟!..

الخُدعة : ص١٣٠ط دار النخيل بيروت.


وأمَّا صياح عمر بن الخطاب، على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الرواية الثانية، حين تأخَّر في الخروج الى صلاة العشاء، كما يَظهر مِن آخر الرواية ؛ حيث قال :

وذلك حين صاح عمر بن الخطاب ؛ فهو تَجسُّر أوضح مِن الأوَّل، غير أنَّ الأوَّل كان نهياً عن المُنكر بزعمه، وهذا أمرٌ بالمعروف ؛ حيث حرَّض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الخروج إلى صلاة العشاء.

وهذا - لعمري - عجيب مِن عمر.

ألم يَسمع قول الله تبارك وتعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ ) ؟! الحُجرات : ٤ - ٥.

ألم يَسمع قول الله تبارك وتعالى - في أوَّل السورة - :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ) .

وقد تقدَّم في مطاعن أبي بكر - في باب رفع أبي بكر وعمر أصواتهما عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتَّى نزل النهي - أنَّهما قد رفعها أصواتهما عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حين قَدِم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس، أنْ يستعمله على قومه، وأشار الآخر برجل آخر ؛ فتماريا ؛ حتَّى ارتفعت أصواتهما ونزل النهي.

وأمَّا أخذ عمر العِذْق في الرواية الثالثة، وضرب به الأرض ؛ حتَّى تناثر البُسر نحو وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقوله له :

إنَّا لمسئولون عن هذا يوم القيامة، فهو تجسُّر على الله ورسوله جميعاً، لا على الرسول فقط، وتحقير لنعمة الله جَلَّ وعلا ؛ فكأنَّ البُسر كان في نظره شيئاً حَقيراً هيّناً، لا


يُعتدُّ به ؛ فقال في حَقِّه ما قال، وهو مِمَّا يَدلُّ على جهله، وقِلَّة علمه، مُضافاً إلى تجسُّره وعدم كونه شاكراً خاضعاً لأنعُم الله تعالى.

ولكنَّ الذي يُهوِّن الخَطْب في هذا كلِّه، أنَّ الذي يَتجسَّر على الله ورسوله، ويقول للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند مَماته - حين قال : ( ائتوني بكتاب أكتُب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده ) - [ فقال أحدهم : هجر، أو ليَهجر ](١) إنَّه يهجر، أو غلبه الوَجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، أو حسبنا كتاب الله، وقد تقدَّم التفصيل مشروحاً في باب مُستقلٍّ ؛ فأمثال هذه الأمور المذكورة ههنا في هذا الباب، هي هيِّنة يسيرة جِدَّاً، لا ينبغي التعجُّب منها أبداً.

* * *

____________________

(١) ما بين المعقوفين لم يكن في الأصل، والقائل كان عمر، كما جاء في النهاية لابن الأثير( الرضوي ).


١١ - باب ( في تجسُّر عمر على أبي بكر فتفل في كتابه ومحاه، وعلى أبي هريرة فضربه بلا ذنب ) (*) .

١ - قال السيوطي : وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبيدة السلماني، قال :جاء عيينة بن حصين، والأقرع بن حابس إلى أبي بكر، فقالا : يا خليفة رسول الله، إنَّ عندنا أرضاً سَبِخة، ليس فيها كَلاء ولا منفعة، فإنْ رأيت أنْ تُعطيناها ؛ لعلَّنا نحرثها ونزرعها ؛ ولعلَّ الله أنْ ينفعنا بها، فأقطعهما إيَّاها، وكتب لهما بذلك كتاباً، وأشهد لهما، فانطلقا إلى عمر ؛ ليُشهداه على ما فيه، فلمَّا قرئا على عمر ما في الكتاب ؛ تناوله مِن أيديهما، فتفل فيه فمحاه ؛ فتذمَّرا وقالا له مقالة سيِّئة. ( الحديث )(١) .

وذكره المُتَّقي أيضاً في كنز العمَّال ٢/١٨٩ط حيدر آباد - الهند وزاد في آخره

____________________

(*) فيه ثلاثة أحاديث.

(١) الدُّرُّ المنثور في التفسير بالمأثور : ٣/٢٥٢، وذكر هذا الحديث العسقلاني في الإصابة : القسم ١/٥٦ ط كلكتا - الهند، وقال : أخرجه البخاري في التاريخ الصغير، والمحاملي في أماليه.


فقال :فأقبلا إلى أبي بكر وهما يتذمَّران، فقالا : والله، ما ندري أنت الخليفة أم عمر ؟!

فقال :بلْ هو، ولو شاء كان. قال : أخرجه ابن أبي شيبة، والبخاري في تاريخه، ويعقوب بن سفيان، وابن عساكر ( انتهى).

٢ - روى المُتَّقي الهندي، عن نافع :أنَّ أبا بكر أقطع الأقرع بن حابس والزبرقان قطيعة، وكتب لهما كتاباً. فقال عثمان :أشهِدا عمر ؛ فإنَّه أحرز لأمركما ؛ وهو الخليفة بعده، فأتيا عمر .فقال :مَن كتب لكما هذا الكتاب ؟

قالا :أبو بكر .

قال :لا والله، ولا كرامة - إلى أنْ قال - وتفل فيه فمحاه، فأتيا أبا بكر، فقالا : ما ندري أنت الخليفة أم عمر؟! ثمَّ أخبراه.

قال :إنَّا لا نُجيز إلاَّ ما أجازه عمر (١) .

٣ - روى مسلم بن حجَّاج بسنده، عن أبي هريرة رواية طويلة، قال فيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبي هريرة : ( اذهب بنعليَّ هاتين، فمَن لقيت مِن وراء هذا الحائط، يشهد أنْ لا إله إلاّ الله، مُستيقناً بها قلبه ؛ فبشِّره بالجَنَّة ).فكان أوَّل مَن لقيتُ عمر.

فقال :ما هاتان النعلان يا أبا هريرة ؟

قلت :هاتان نعلا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، بعثني بها مَن لقيت يشهد أنْ لا إله إلاّ الله، مُستيقناً بها قلبه بشَّرته بالجَنَّة.

قال :فضرب عمر بيده بين ثدييَّ ؛ فخررت لإستي.

فقال :ارجِع - يا أبا هريرة - ؛ فرجعت إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأجهشت بكاء، وركبني عمر، وإذا هو على أثَرَي.

فقال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( مالك - يا أبا هريرة - ).

فقلت :لقيت عمر، فأخبرته بالذي بعثتني به، فضرب بين ثدييَّ ضربة ؛ فخررت لإستي، فقال : ارجِع.

فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( يا عمر، ما حملك على ما فعلت ؟! ).

قال : (يا رسول الله ،

____________________

(١) كنز العمَّال : ٦/٣٣٥. ط حيدر آباد - الهند.


أبعثت أبا هريرة بنعليك : مَن لَقي يشهد أنْ لا إله إلا الله، مُستقيناً بها قلبه بشِّره بالجَنَّة؟

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( نعم ).

قال :فلا تفعل ؛ فإنِّي أخشى أنْ يتَّكل الناس عليها، فخلَّهم يعملون. ( الحديث )(١) .

المؤلِّف : إنَّ الرواية الأخيرة - مُضافاً على اشتمالها على ضرب عمر أبا هريرة بلا ذنب ولا تقصير - صريحة، في أنَّ عمر قد نهى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مِن أنْ يُبشِّر مَن يشهد أنْ لا إله إلاَّ الله، مُستيقناً بها قلبه بالجَنَّة ؛ مخافة أنْ يتَّكل الناس عليها ؛ فلا يعملون ؛ ومُقتضى ذلك : أنَّ عمر في زعمه، هو أعرف مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمصالح والمفاسد، بلْ وأعرف مِن الله الذي أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتبشير المذكور ؛ إذ مِن المعلوم أنَّ رسول الله لا يأمر بشيء، ولا ينهى عن شيء، إلاّ بأمر الله تعالى ؛ حيث يقول جَلَّ وعلا :( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ) .

* * *

____________________

(١) صحيح مسلم : ١/٤٤ - ٤٥ ط استانبول، باب مَن لقي الله بالإيمان، صحيح مسلم : ١/٦٠ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي باب الدليل على من مات على التوحيد.


١٢ - باب ( إنَّ عمر لم يُعط قُربى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن الخُمس ما فرض الله لهم ) (*) .

١ - روى أبو داود بسنده، عن يزيد بن هرمز : أنَّ نجدة الحروري حين حَجَّ(١) في فتنة ابن الزبير، أرسل إلى ابن عباس ؛ يسأله عن سهم ذي القُربى، ويقول : لمن تراه ؟

قال ابن عباس: لقُربى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قسَّمه لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد كان عمر عرض علينا مِن ذلك عَرضاً، رأيناه دون حَقِّنا ؛ فرددناه عليه وأبيْنا أنْ نقبله (٢) .

٢ - روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن يزيد بن هرمز، قال : كتب نجدة بن عامر إلى ابن عبّاس، يسأله عن أشياء، فشهدت ابن عباس حين قرأ كتابه، وحين كتب جوابه، فقال ابن عباس :والله، لولا أردَّه عن شَرٍّ يقع فيه ما كتبت إليه، ولا نُعْمَة عين .

قال :فكتب إليه : إنَّك سألتني عن سهم ذوي القُربى - الذي ذكره الله عزَّ وجلَّ - مَن هم ؟ وإنَّا كنَّا

____________________

(*) - فيه خمسة أحاديث.

(١) في مُسند أحمد بن حنبل : حين خرج، ولعلَّه هو الصواب( الرضوي )

(٢) صحيح أبي داود : ١٨ط المطبعة الكستليَّة عام ١٢٨٠ه. مُسند الإمام أحمد بن حنبل : ١/٣٢٠. وفي السُّنن الكبرى : ٦/٣٤٥ رواه بطريقين باختلاف في اللّفظ.


نرى قَرابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هم، فأبى ذلك علينا قومنا . ( الحديث )(١) .

٣ - روى البيهقي بسنده، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، قال :لقيت عليَّاً عليه‌السلام عند أحجار الزيت.

فقلت له :بأبي وأمي، ما فعل أبو بكر وعمر في حَقِّكم أهل البيت، مِن الخُمس - إلى أنْ قال - : (إنَّ عمر قال : لكم حَقٌّ، ولا يبلغ عِلمي إذا كثر أنْ يكون لكم كلَّه، فإنْ شِئتم أعطيتكم منه بقدر ما أرى لكم ؛ فأبينا عليه إلاّ كلَّه ؛ فأبى أنْ يُعطينا كلَّه )(٢) .

٤ - روى المُتَّقي الهندي، عن ابن عباس، قال :كان عمر يُعطينا مِن الخُمس نحواً، مِمَّا كان يرى أنَّه لنا ؛ فرغبنا عن ذلك، فقلنا : حَقُّ ذوي القُربى خُمس. ( الحديث )(٣) .

وذكر الشافعي فيما قاله ابن عباس في جواب الكتاب :

وكتبت تسألني عن الخُمس، وإنّا كنَّا نقول : هو لنا، فأبى ذلك علينا قومنا، فصبرنا عليه (٤) .

* * *

____________________

(١) المُسند : ١/٢٤٨.

وروى هذا الحديث في ١/٢٩٤ أيضاً باختلاف في اللفظ.

ورواه الطحاوي أيضاً في شرح معاني الآثار : ٢/١٧٩١٣٦، باختلاف في اللفظ.

وذكره المُتَّقي في كنز العمَّال : ٢/٣٠٥ط - الهند، وقال :

أخرجه أبو عبيدة، وابن الأنباري في المصاحف.

(٢) السُّنن الكبرى : ٦ باب سهم ذي القُربى.

(٣) كنز العمَّال : ٢/٣٠٥ط الهند.

(٤) حلية الأولياء : ٣/٢٠٦.


١٣ - باب ( في انهزام عمر وعثمان يوم أُحُد ).

الفخر الرازي في تفسيره الكبير في ذيل قوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ) في سورة آل عمران : ١٥٥.

قال : ومِن المُنهزمين - يعني - يوم أُحُد عمر، إلاّ أنَّه لم يكُن في أوائل المُنهزمين ولم يبعُد، بلْ ثبت على الجبل إلى أنْ صعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال : ومنهم - يعني : مِن المُنهزمين - عثمان، انهزم مع رجُلين مِن الأنصار، يُقال لهما : سعد وعقبة، انهزموا حتَّى بلغوا موضعاً بعيداً، ثمَّ رجعوا بعد ثلاثة أيَّام(١) .

* * *

____________________

(١) مفاتيح الغيب : ٩/٥٢.


١٤ - باب ( في افتراء عمر على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حديثاً كذباً ) (*) .

١ - روى ابن ماجة بسنده، عن الأشعث بن قيس، قال :ضِفت عمر ليلة، فلمَّا كان في جوف الليل قام إلى امرأته يضربها، فحجزتُ بينهما، فلمَّا آوى إلى فراشه قال لي :

يا أشعث إحفَظ عنِّي شيئاً، سَمعته مِن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( لا يُسئَل الرجُل فيمَ يَضرب امرأته ). ( الحديث )(١) .

٢ - روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن الأشعث بن قيس، قال : ضِفت عمر، فتناول امرأته فضربها، وقال : يا أشعث، إحفَظ عنِّي ثلاثاً حفظتُهنَّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ( لا تَسئل الرجل فيمَ ضرب امرأته، ولا تَنَم إلاَّ على وِتر ) ونسيتُ الثالثة.(٢) .

المؤلِّف : إنَّ مِن الواضح البديهي مجعوليَّة هذا الحديث، الذي افتراه عمر على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإنَّه كَذِبٌ لم يقُل به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا مِمَّا رضي به الله جَلَّ وعلا، وهل

____________________

(*) فيه حديثان.

(١) سُنن ابن ماجة : ١/٦٣٩ رقم الحديث ١٩٨٩ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

(٢) المُسند : ١/٢٠.


يُعقل أنَّ الرجل إذا ضرب امرأته - ولو ظُلماً وعُدواناً - لا يسأله الله تعالى يوم القيامة عن ظُلمه وعدوانه ؟!!

حاشا ثمَّ حاشا.

قال الله تبارك وتعالى في سورة النحل :( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) .

وهل ضَرْبُ الرجل امرأته إذا كان بغير حَقٍّ إلاّ مِن الفحشاء والمُنكر والبغي ؟!

وهل يُمكن أنْ ينهى الله تبارك وتعالى عن ذلك كلِّه، ثمَّ إذا ارتكبه الرجل لا يسأله عنه ؟!

كما أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قد أوصى بالنساء كثيراً، حتَّى عبَّر عنهنَّ بالقوارير.

فكيف يُرخِّص في ضربهنَّ ولو ظلماً وعدواناً ؟!

ولَعمري، إنَّ سوء أخلاق عمر في الجاهليَّة والإسلام، أمر معروف مشهور، يعرفه جُلُّ الناس، بلْ كلُّهم، حتَّى أنَّه عُرف بالفَظِّ الغليظ ؛ فالذي احتمله قويَّاً، بلْ أجزم به أنَّه ضَرب امرأته في تلك الليلة ظلماً وعدوانا، وقد عرف ذلك منه الأشعث ؛ فافترى هذا الحديث على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لكي لا يعترض عليه بما ارتكبه، ويُعاتبه على ما لا ينبغي صدوره مِن مِثله ( والله العالم).

* * *


١٥ - باب ( لا خَيرَ في يد عمر ) (*) .

روى البيهقي بسنده، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، أنَّ سلمان لمَّا قَدِم المدينة، أتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهديَّة على طَبق، فوضعها بين يديه.

فقال : ( ما هذا يا سلمان ؟ ).

قال :صدقة عليك وعلى أصحابك.

قال : ( إنِّي لا آكل الصدقة )،فرفعها. ثمَّ جاءه مِن الغَد بمثلها، فوضعها بين يديه.

فقال : ( ما هذا ؟ ).

قال :هديَّة لك.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأصحابه : ( كلوا ).

قال : ( لمَن أنت ؟ ).

قال :لِقوم.

قال [صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ] : ( فاطلب إليهم أنْ يُكاتبوك ).

قال :فكاتبوني على كذا وكذا نخلة، أغرسها لهم، ويقوم عليها سلمان، حتَّى تُطعِم.

قال :ففعلوا.

قال :فجاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فغرس النَّخل كلَّه، إلاّ نَخلة واحدة، غرسها عمر، فأطعَم نخله مِن سَنَتِه، إلاّ تلك النخلة.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( مَن غرسها ؟ ).

قالوا : عمر، فغرسها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن يده ؛ فحملت مِن عامها(١) .

* * *

____________________

(*) فيه حديث واحد.

(١) السُّنن الكبرى : ١٠/٣٢١.


١٦ - باب ( إنَّ عمر قد أغضب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) (*) .

روى الهيثمي، عن ابن عباس أنَّه قال :

توفِّي ابنٌ لصفيَّة، عمَّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فبكت عليه وصاحت، فأتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال لها : ( يا عمة ما يبكيك ؟ ).

قالت : توفِّي ابني.

قال : ( يا عمَّة، مَن توفِّي له ولد في الإسلام فصبر ؛ بنى الله له في الجَنَّة بيتاً ).

فسكتت، ثمَّ خرجت مِن عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فاستقبلها عمر بن الخطاب.

فقال : يا صفيَّة، قد سمعتُ صراخك، إنَّ قرابتك مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لن تُغني عنك مِن الله شيئاً ؛ فبكت، فسمعها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان يُكرمها ويُحِبُّها.

فقال : ( يا عمَّة، أتبكين وقد قلتُ لك ما قلت ؟! ).

قالت : ليس ذلك أبكاني يا رسول الله، استقبلني عمر بن الخطاب.

فقال : إنَّ قرابتكِ مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لن تُغني عنكِ مِن الله شيئاً.

قال : فغضب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : ( يا بلال ،

____________________

(*) فيه حديث واحد.


هَجِّر بالصلاة ) ؛ فهجَّر بلال بالصلاة، فصعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال:

( ما بالُ أقوام يزعمون أنَّ قرابتي لا تنفع ؟!.

كلُّ سبب ونسب مُنقطع يوم القيامة، إلاّ سببي ونسبي ؛ فإنَّها موصولة في الدنيا والآخرة ). ( الحديث )(١) .

* * *

____________________

(١) مجمع الزوائد : ٨/٢١٦.


١٧ - باب ( إنّ عمر يتغنّى ويأمرُ بالتغنّي ) (*) .

١ - عن الحارث بن عبد الله بن عباس، عن أبيه :أنَّه بينا هو يسير مع عمر في طريق مَكَّة في خلافته، ومعه المهاجرون والأنصار، فترنَّم عمر ببيت.

فقال له رجل مِن أهل العراق - ليس معه عراقي غيره - : غيرك فليقلها يا أمير المؤمنين فاستحيى عمر [ من ذلك ] (**) وضرب راحلته، حتَّى انقطعت مِن الركب.

قال : أخرجه البيهقي والشافعي(١) .

٢ - قال ابن حجر : وروى السراج في تاريخه، من طريق ضمرة بن سعيد، عن قيس بن أبي حذيفة عن خوات بن جبير قال :

خرجنا حُجَّاجاً مع عمر، فسرنا في ركب فيهم أبو عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمان بن عوف.

فقال القوم :غنِّنا مِن شِعر ضرار.

فقال عمر :دعوا أبا عبد الله فليُغنِّ مِن بنات فؤاده، فما زلتُ أُغنِّيهم، حتَّى كان السَّحَر.

فقال عمر :ارفع لسانك - يا خوات - فقد أسحرنا

____________________

(*) فيه ثلاثة أحاديث.

(**) ما بين المعقوفين في السُّنن الكبرى للبيهقي : ٥/٦٩.( الرضوي )

(١) كنز العمَّال : ٧/٣٣٦ط - الهند. سُنن البيهقي : ٥/٦٩.


وروى هذا الحديث البيهقي باختلاف يسير في اللفظ.

قال :خرجنا حُجَّاجاً مع عمر بن الخطاب.

قال :فسرنا في ركب فيهم أبو عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمان بن عوف.

قال :فقال القوم : غنِّنا يا خوات ؛ فغنَّاهم.

فقالوا :غنِّنا مِن شِعر ضرار.

فقال عمر :دعوا أبا عبد الله يتغنَّى مِن بُنيَّات فؤاده، يعني : مِن شِعره ؛ فما زلتُ أُغنِّيهم، حتَّى إذا كان السحر. ( الحديث )(١) .

٣ - ابن حجر : في ترجمة ضرار بن الخطاب، قال :

وروى الذهلي في الزهريات، مِن حديث الزهري، عن السائب بن يزيد، قال :

بينا نحن مع عبد الرحمان بن عوف في طريق مَكَّة، إذ قال عبد الرحمان لرياح بن المعترف : غنِّنا

فقال له عمر : فإنْ كنت آخذاً، فعليك بشِعر ضرار بن الخطاب(٢) .

* * *

____________________

(١) الإصابة في تمييز الصحابة : ١/٤٥٧ ترجمة خوات بن جبير.

(٢) المصدر نفسه : ٢ق ١/٢٠٩ ترجمة خولة بنت ثعلبة.


١٨ - باب ( إنَّ عمر في الجاهليَّة كان عُميراً يرعى الضأن ) (*) .

قال أبو عمرو بن عبد البر : وقد روى خليد بن دعلج، عن قتادة، قال :

خرج عمر مِن المسجد، ومعه الجارود العبدي، فإذا بامرأة برزت على ظهر الطريق، فسلَّم عليها عمر، فردَّتعليه‌السلام .

وقالت: هيهات يا عمر، عهدتُك وأنت تُسمّى : عميراً في سوق عكاظ، ترعى الضأن بعصاك، فلم تذهب الأيَّام حتى سُمِّيت : عمراً، ثمَّ لم تذهب الأيَّام حتَّى سُمِّيت : أمير المؤمنين ؛ فاتَّق الله. ( الحديث )(١) .

* * *

____________________

(*) فيه حديث واحد.

(١) الاستيعاب : ٢/٧٢٣ط حيدر آباد -. الاستيعاب : ١/١٨٣١ط القاهرة، تحقيق على محمد البجاوي. الإصابة في تمييز الصحابة : ٨ القسم ١/٦٩ط الهند. الإصابة : ٤ق الأوَّل ٢٩٠. شذرات الذهب لابن العماد الحنبلى : ٢/٢٧٤. الفتوحات الإسلاميَّة لابن زينى دحلان : ٢/٢٣٣ - ٢٣٤. نور الأبصار شبلنجي ص٥٨ط مصر. تاريخ المدينة المنوَّرة لابن شبة : ٢/٢٧٤.


١٩ - باب ( إنَّ عمر يتمنَّى أنْ يكون عَذَرة ولا يكون بشراً ).

روى المُتَّقي الهندي، عن الضحَّاك أنَّه قال :

قال عمر: يا ليتني كنتُ كبشَ أهلي، سمنَّوني ما بدا لهم، حتَّى إذا كنتُ أسمن ما أكون، زارهم بعض مَن يُحبِّون، فجعلوا بعضي شِواءً وبعضي قَديداً، ثمَّ أكلوني، فأخرجوني عَذرةً ولم أكنْ بَشراً.

قال : أخرجه هناد(١) .

* * *

____________________

(١) كنز العمَّال : ٦/٣٤٥ رقم الحديث ٥٥٣٦ ط حيدر آباد - الهند. كنز العمَّال : ١٢ رقم الحديث /٦١٩ط بيروت.

وعثرنا على مصادر أُخرى أنظر :

١ - الفتوحات الإسلاميَّة، للسيِّد أحمد بن زينى دحلان مُفتي مَكَّة المُكرَّمة : ٢/٤٠٨.

٢ - حياة الصحابة للكاندهلوي : ٢/٩٩ دار المعرفة بيروت.

٣ - حلية الأولياء لأبي نعيم : ١/٥٢ مكتبة الخانجي بمصر.

٤ - نور الأبصار، للشيخ مؤمن شبلنجي ص٦٠ط مصر.

٥ - تاريخ الخلفاء، للشيخ جلال الدين السيوطي ص١٤٤، وقد حَذف الشيخ السيوطي مِن الحديث لفظة ( وأخرجوني عذرةً ) وذكر بقيَّة الحديث.



المقصد الثالث

في بيان ما ورد في عثمان بن عفّان

(٣)

عثمان بن عفّان



١ - باب ( في أنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قصَّر الصلاة بمِنى وخالفه عثمان مِن بعده فأتمَّها ) (*) .

المؤلِّف : أمّا ما جاء في أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قصّر الصلاة بمِنى، مِن دون اشتماله على مُخالفة عثمان مِن بعده، فالأخبار الواردة في هذا المعنى كثيرة، وهذا هو بعضها مِمَّا ظفرتُ عليه على العُجالة.

١ - روى البخاري بسنده، عن حارثة بن وهب، قال :

صلَّى بنا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم آمن ما كان بمِنى برَكعتين (١) .

المؤلِّف : وقول حارثة آمن ما كان، يُشير به إلى أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلَّى قصراً بمِنى ؛ مِن جِهة السفر، لا مِن جِهة الخوف ؛ فإنَّ الخوف هو سبب آخر للقصر غير السفر.

ثمَّ إنَّ الرواية المذكورة، قد رواها البخاري ثانياً في كتاب الحَجِّ، في باب الصلاة بمِنى باختلاف يسير.

____________________

(*) - فيه أربعة عشر حديثاً.

(١) صحيح البخاري : ٢/٣٥، أبواب التقصير باب الصلاة بمِنى البخاري ط استانبول. شرح معاني الآثار : ٤/٤١٦.


قال - بعد ذكر السند - : عن حارثة بن وهب الخزاعي، قال :

صلَّى بنا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونحن أكثر ما كنَّا قَطّ وآمنه بمِنى رَكعتين (١) .

وقد روى النسائي أربعة أحاديث، في أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يُصلِّي بمِنى قصراً(*) .

وأمَّا ما جاء في أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قصَّر الصلاة بمِنى، مع اشتماله على مُخالفة عثمان مِن بعده فأتمَّها، فالأخبار الواردة في هذا المعنى كثيرة جِدَّاً، وهذه جُملة منها، مِمَّا ظفرتُ عليه على العُجالة.

٢ - روى مسلم بسنده، عن عبد الرحمان بن يزيد، يقول :صلَّى بنا عثمان بن عفان بمِنى أربع رَكعات ؛ فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود ؛ فاسترجع، ثمَّ قال :

صلَّيت مع رسول الله بمِنى رَكعتين، وصلَّيت مع أبي بكر بمِنى رَكعتين، وصلَّيت مع عمر بن الخطاب بمِنى رَكعتين، فليت حظِّي مِن أربع ركعات رَكعتان مُتقبَّلتان (٢) .

( الصلاة بمِنى ) .

٣ - روى البخاري بسنده، عن عبد الرحمان بن يزيد، عن عبد الله، قال :

صلَّيت مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رَكعتين، ومع أبي بكر رَكعتين، ومع عمر رَكعتين، ثمَّ تفرَّقت بكم الطُّرق، فيا ليتَ حظّي مِن أربع رَكعات رَكعتان مُتقبَّلتان (٣) .

____________________

(١) صحيح البخاري ط استانبول : ٢/١٧٣، كتاب الحَجِّ باب الصلاة جامعة. شرح معاني الآثار للطحاوي : ٤/٤١٦ باب صلاة المُسافر. كنز العمَّال للمُتَّقي ط الهند : ٣/٣١، قال : أخرجه العدني، والطحاوي، والعقيلي. حلية الأولياء : ٤/٣٤٤ - ٧/١٨٨ رواه بطريقين.

(*) -الرضوي : الحديث الذي رواه النسائي، عن عبد العزيز بن رُفيع، قال : سألت أنس بن مالك فقلت : اخبرني بشيء عقلته عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أين صلَّى الظهر يوم التروية ؟قال : بمِنى. ولم يقُل صلَّى قصراً.

سُنن النسائي : ٥/٢٤٩ - ٢٥٠، أين يُصلّى الإمام الظهر يوم التروية.

(٢) صحيح مسلم ط استانبول : ٢/١٤٦ - ١٤٧. صحيح النّسائي ط المطبعة الميمنيّة بمصر : ١/٢١٢ باختصار. مُسند أحمد بن حنبل: ١/٣٧٨ - ٤٢٥. السُّنن الكبرى : ٣/١٤٣. سُنن أبي داود : ١/٤٣٨، كتاب الحَجِّ، باب الصلاة بمِنى تحقيق سعيد محمد اللّحام. شرح معاني الآثار للطحاوي : ١/٤١٦ باب صلاة المُسافر.

(٣) صحيح البخاري ط استانبول : ٢/١٧٣، باب الصلاة بمِنى. سُنن الدارمي : ٢/٥٥. سُنن البيهقي : ٣/١٤٣. سُنن أبي داود : ١/٤٣٨، كتاب الحَجّ رواه باختلاف يسير في اللّفظ.


٤ - روى أبو حنيفة بسنده، عن علقمة، عن عبد الله، أنَّه أتى، فقيل :صلَّى عثمان بمِنى أربعاً.فقال : إنّا لله، وإنّا إليه راجعون ؛ صلَّيت مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رَكعتين، ومع أبي بكر رَكعتين، ومع عمر رَكعتين، ثمَّ حضر مع عثمان فصلَّى معه أربع رَكعات.

فقيل :له استرجعت، وقلتَ ما قلتَ، ثمَّ صلَّيت أربعاً ؟!

قال :الخلافة.

ثمَّ قال : وكان أوَّل مَن أتمَّها أربعاً(١) .

٥ - روى المُتَّقي الهندي، عن قتادة :أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأبا بكر، وعمر، وعثمان صدراً مِن خِلافته، كانوا يُصلُّون بمَكَّة وبمِنى رَكعتين. ثمَّ إنَّ عثمان صلاَّها أربعاً، فبلغ ذلك ابن مسعود ؛ فاسترجع.

ثمَّ قام فصلّى أربعاً.فقيل له : استرجعتَ، ثمَّ صلَّيت أربعاً ؟!

قال : الخِلاف شَرٌّ.

قال : أخرجه عبد الرزاق في الجامع(٢) .

٦ - روى البيهقي بسنده، عن معاوية بن قرة بواسط، عن أشياخ الحيِّ، قال: صلَّى عثمان الظهر بمِنى أربعاً، فبلغ ذلك عبد الله ؛ فعاب عليه. ( الحديث )(٣) .

٧ - روى أحمد بن حنبل بسنده، عن القاسم بن عوف الشيباني، عن رجل، قال :كنَّا قد حملنا لأبي ذَرْ شيئاً، نُريد أنْ نُعطيه إيَّاه، فأتينا الرَّبَذَة فسألنا عنه، فلم نجده. قيل : استأذن في الحَجِّ فأُذِنَ له، فأتيناه بالبلدة - وهي مِنى - فبينا نحن عنده، إذ قيل له : إنَّ عثمان صلَّى أربعاً ؛ فاشتدَّ ذلك على أبي ذَرْ وقال قولاً شديداً.

وقال :صلَّيت مع رسول الله، فصلَّى رَكعتين، وصلَّيت مع أبي بكر وعمر - إلى أنْ قال أبو ذَرْ - :أمرنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ لا يغلبونا على ثلاث : أنْ نأمر بالمعروف، وننهى عن المُنكر، ونعلّم الناس السُّنَن (٤) .

٨ - روى مسلم بطريقين، عن نافع عن ابن عمر، أنَّه قال :

____________________

(١) مُسند الإمام أبي حنيفة : ص١٦. مطبعة محمدي لاهور - باكستان.

(٢) كنز العمَّال : ٤/٢٤٢. ط حيدر آباد - الهند.

(٣) السُّنن الكبرى : ٣/١٤٤.

(٤) المُسند : ٥/١٦٥.


صلَّى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمِنى رَكعتين، وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدراً مِن خِلافته. ثمَّ إنَّ عثمان صلَّى بعده أربعاً، فكان ابن عمر إذا صلَّى مع الإمام، صلَّى أربعاً، وإذا صلاَّها وحده صلَّى رَكعتين (١) .

٩ - روى مسلم بطريقين، عن حفص بن عاصم، عن ابن عمر، قال :صلَّى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمِنى صلاة المُسافر، وأبو بكر، وعمر، وعثمان ثماني سِنين أو ( قال : ) سِتَّ سِنين .

قال حفص : وكان ابن عمر يُصلِّي بمِنى رَكعتين، ثمَّ يأتي فراشه ؛ فقلت له : أيْ عمِّ لو صلَّيت بعدها رَكعتين؟

قال :لو فعلتُ لأتممتُ الصلاة (٢) .

روى البخاري بسنده، عن عبد الله بن عمر، قال :صلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمِنى رَكعتين، وأبو بكر، وعمر، وعثمان صدراً مِن خِلافته (٣) .

المؤلِّف : يعني أنَّه أتمَّها بَعداً.

١٠ - روى مسلم بسندين، عن سالم بن عبد الله بن أبيه، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أنَّه صلَّى صلاة المُسافر بمِنى وغيره رَكعتين، وأبو بكر، وعمر، وعثمان ركعتين صدراً مِن خلافته. ثمَّ أتمَّها أربعاً (٤) .

١١ - قال الترمذي : وقد صَحَّ عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنَّه كان يُقصِّر في السفر، وأبو بكر، وعمر، وعثمان صدراً مِن خلافته.

ثمَّ روى بسنده عن أبي نضرة قال :

١٢ - سُئل عمران بن حصين، عن صلاة المُسافر، فقال :حَجَجت مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________________

(١) صحيح مسلم : ٢/١٤٦ط استانبول، كتاب الصلاة، باب قصر الصلاة بمِنى. المُسند : ٢/١٦ - ١٥ باختصار.

(٢) المصدر نفسه : ٢/١٤٦، باب قصر الصلاة بمِنى. مُسند أحمد بن حنبل : ٢/٣١ باختصار.

(٣) صحيح البخاري : ٢/١٧٣ط استانبول، باب الصلاة بمِنى. شرح معاني الآثار للطحاوى : ٤/٤١٦، باب صلاة المُسافر تحقيق الشيخ محمد زهرى النجار.

(٤) صحيح مسلم : ٢/١٤٥ - ١٤٦، باب قصر الصلاة بمِنى. مُسند أحمد بن حنبل : ٢/١٤٠. مُسند الطيالسي : ٨/٢٥٠ط حيدر آباد - الهند. سُنن الدارمي : ١/٣٥٤ و٢/٥٥. السُّنن الكبرى للبيهقي : ٣/١٢٦. شرح معاني الآثار للطحاوي : ٤/٤١٧ - ٤١٨، باب صلاة المسافر، تحقيق الشيخ محمد زهري النجار.


فصلّى رَكعتين، وحَججت مع أبي بكر فصلَّى رَكعتين، ومع عمر فصلَّى رَكعتين، ومع عثمان سِتَّ سنين مِن خلافته أو ثمان سِنين فصلَّى رَكعتين(١) .

ورواه أحمد بن حنبل - أيضاً - في مُسنده ٤/٤٤٠ مُختصراً وص٤٣٠ مبسوطاً، وفيه التصريح بأنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما سافر إلاّ وقصَّر، وفي مَكَّة وحُنين والطائف.

وقصّر أبو بكر، وعمر، وعثمان صدراً مِن إمارته.

قال في آخره : ثمَّ إنَّ عثمان صلَّى بعد ذلك أربعاً.

١٣ - روى أحمد بن شعيب النسائي بسنده، عن أنس بن مالك، أنَّه قال :صلَّيت مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمِنى، ومع أبي بكر، وعمر ركَعتين، ومع عثمان رَكعتين، صدراً مِن إمارته . يعني : أنَّه صلَّى بعداً تماماً.(٢)

ورواه الطحاوي - أيضاً - في شرح معاني الآثار، في باب صلاة المُسافر.

وقال في آخره : ثمَّ أتمّها بعد ذلك، يعني : عثمان.

١٤ - روى الإمام مالك بسنده، عن هاشم بن عروة، عن أبيه: أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد صلَّى الصلاة بمِنى رَكعتين، وأنَّ أبا بكر صلاّها بمِنى رَكعتين، وأنَّ عمر بن الخطاب صلاَّها بمِنى رَكعتين، وأنَّ عثمان صلاَّها بمِنى رَكعتين شَطر إمارته. ثمَّ أتمَّها بعد (٣) .

المؤلِّف : إنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعدما قصَّر الصلاة بمِنى، وفي مُطلق السفر، سِيَّما بعدما تبعه أبو بكر وعمر، بلْ وعثمان أيضاً بنفسه في صدرٍ مِن إمارته ؛ فلا يبقى مجال لعثمان أنْ يُتمَّ الصلاة بعداً بمِنى، أو في مُطلق السفر ؛ فإنَّ التأويل والاجتهاد في مُقابل النَّصِّ الصريح

____________________

(١) سُنن الترمذي : ٢/٤٣٠، تحقيق أحمد محمد شاكر، باب ما جاء في التقصير في السفر. السُّنن الكبرى للبيهقي : ٣/١٣٥ - ١٥٣ رواه مبسوطاً.

(٢) صحيح النسائي : ١/٢١٢، ط مصر عام ١٣١٢ه-. مُسند أحمد بن حنبل : ٣/١٤٤ - ١٤٥ - ١٦٨.

شرح معاني الآثار الطبعة الأُولى للطحاوي : كتاب مناسك الحَجِّ.

كنز العمَّال للمُتَّقي الهندي : ٣/٣١ط حيدر آباد - الهند، قال : أخرجه العدني، والطحاوي، والعقيلي.

(٣) موطِّأ الأمام مالك : ١/٤٠٢، كتاب الحَجِّ، باب الصلاة بمِنى، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. شرح معاني الآثار : ٤/٤١٨، تحقيق الشيخ محمد زهري النجار.


مِمَّا لا معنى له، وإنْ هو إلاّ حُكم منه بغير ما أنزل الله، وقول منه في دين الله برأيه ؛ فإنَّ الذي يُتمُّ الصلاة في السفر، هو مِمَّن يحكم به لا محالة، ويقول به، ويُفتي به قطعاً.

وقد عرفت - في آخر باب تحريم عمر مُتعة الحَجِّ - حُكم مَن حكم بغير ما أنزل الله، وحُكم مَن قال في دين الله برأيه.

ويؤيِّد ذلك كلَّه، بلْ يَدلُّ عليه، ما رواه البيهقي بسنده، عن صفوان بن محرز، قال :سألت ابن عمر عن صلاة السفر.

قال :رَكعتان. مَن خالف السُّنَّة كفر (١) .

وعليه ؛ فصار نتيجة هذا الباب مِن أوَّله إلى آخره، أنَّ حال عثمان كحال عمر عيناً، وإنْ شِئت التفصيل أكثر مِن ذلك، فراجع باب تحريم عمر مُتعة الحَجِّ ؛ ليتَّضح لك الأمر بنحو أكمل.

* * *

____________________

(١) السُّنن الكبرى للبيهقي : ٣/١٤٠.


٢ - باب ( إنَّ الله ورسوله قد أحلاّ مُتعة الحَجِّ للأبد وقد حرَّمها عثمان كما حرَّمها عمر مِن قبل )(*) .

المؤلِّف : إنَّك قد عرفت - في باب تحريم عمر مُتعة الحَجِّ - معنى مُتعة الحَجِّ، وأنَّ الله تبارك وتعالى قد أحلَّها في كتابه ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سنته، وأنَّها للأبد، أو لأبد الأبد، أو إلى يوم القيامة، على اختلاف التعبيرات في الروايات المُتواترة ؛ فلا حاجة هنا إلى إعادة الكلام في هذا كلِّه أبداً، وإنَّما اللازم هنا، هو ذكر الأخبار المُشتملة على نهي عثمان مِن مُتعة الحَجِّ، كما نهى عنها عمر مِن قبلُ، على ما عرفت التفصيل كما هو، فنقول هذه جُملة مِن تلك الأخبار مِمَّا ظفرتُ عليه على العُجالة.

١ - روى البخاري بسنده، عن مروان بن الحكم، قال :شهدتُ عثمان وعليَّاً، وعثمان

____________________

(*) فيه سبعة أحاديث.


ينهى عن المُتعة وأنْ يُجمع(*) بينهما، فلمَّا رأى عليٌّ ذلك ؛ أهلَّ بهما.

[ فقال : ] ( لبّيك بعُمرةٍ وحَجَّة ).

قال : ( ما كنتُ لأدعَ سنّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقول أحد )(١) .

٢ - روى البخاري بسنده، عن سعيد بن المسيّب، قال :اختلف عليٌّ وعثمان، وهما بعسفان في المُتعة، يعني : في مُتعة الحَجِّ .

فقال عليّ : ( ما تُريد إلاّ أنْ تنهى عن أمرٍ، فعله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )، فلمَّا رأى ذلك عليّ أهلّ بهما جميعاً(٢) .

____________________

(*) ومعنى أنَّ عثمان ينهى عن المُتعة وأنْ يُجمع بينهما هو : أنَّه ينهى أنْ يُجمع بين العُمرة والحَجِّ في أشهُر الحَجِّ، فالجمع بين العُمرة والحَجِّ هو عبارة أُخرى عن مُتعة الحَجِّ.

وتوضيحه : إنَّك قد عرفت - في المُقدِّمة الثانية، مِن باب تحريم عمر مُتعة الحَجِّ - أنَّ العمرة في أشهُر الحَجِّ، أعني : في شوال، وذي القعدة، وذي الحَجَّة، كانت عند أهل الجاهليَّة مِن أفجر الفجور، وكانوا يقولون : إذا برأ الدُّبَر وعفا الأثَر وانسلخ صَفر، أو دخل صَفر حلَّت العُمرة لمَن اعتمر.

كما أنَّك قد عرفت أيضاً، في الباب المذكور، تحت عنوان :

ما العِلَّة في تحريم عمر مُتعة الحَجِّ، أنَّ عمر قد أمر بالفصل بين العُمرة والحَجِّ، وأنْ لا يُجمع بينهما، وأنْ تُجعل العُمرة في غير أشهُر الحَجِّ ؛ إحياءً لسُنَّة أهل الشرك والجاهليَّة ؛ مُعلِّلاً ذلك في الظاهر، بأنَّه أتمُّ لحَجِّ أحدكم، وأتمُّ لعُمرته قاصداً بذلك تمويه الأمر على الجُهَّال مِن الناس.

فعثمان الذي ينهى عن الجَمع بين العُمرة والحَجِّ، مقصوده هو النهي عن مُتعة الحَجِّ، أي : عمَّا نهى عنه عمر ؛ اتِّباعاً لسُنَّته ؛ وإحياء لبدعته ؛ وإماتة لسُنَّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإنْ كان في ذلك عِصيان الله ورسوله، بلْ كان ذلك كفراً مَحضاً يوجب الارتداد والقتل شرعاً ؛ لأنَّه حُكم بغير ما أنزل الله ؛ وقول في دين الله بالرأي، فراجع : باب تحريم عمر مُتعة الحَجِّ تحصل لك بصيرة في المقام بنحو أكمل. -المؤلّف -

(١) صحيح البخاري : ٢/١٥١ط استانبول، كتاب الحَجِّ باب المُتمتِّع. صحيح النّسائي : ٢/١٤ط المطبعة الميمنيَّة بمصر رواه : بعدّة طُرق.

سُنن الدرامي : ٢/٦٩ - ٧٠. مُسند الطيالسي : ١/٩١ط حيدر آباد - الهند.

السُّنن الكبرى للبيهقي : ٤/٣٥٢ - ٥/٢٢، ورواه الطحاوي في معاني الآثار، في كتاب مناسك الحَجِّ.

كنز العمَّال : ٣/٣١ باب التمتُّع والإقران والإفراد بالحَجِّ ط استانبول. مُسند أحمد بن حنبل : ١/١٣٦ مُنسد الطيالسي: ١/١٦ط حيدر آباد - الهند. السُّنن الكبرى للبيهقي : ٥/٢٢. شرح معاني الآثار، كتاب مناسك الحَجِّ، رواه بطريقين. انظر الطبعة الأُولى منه.

(٢) صحيح البخاري : ٢/١٥٣، باب التمتُّع والإقران والإفراد بالحَجِّ ط استانبول. مُسند أحمد بن حنبل : ١/١٣٦. مُسند الطيالسي : ١/١٦ط حيدر آباد - الهند. السُّنن الكبرى للبيهقي : ٥/٢٢. شرح معاني الآثار، كتاب مناسك الحَجِّ، رواه بطريقين. انظر الطبعة الأُولى منه.


٣ - روى مسلم بسندين، عن عبد الله بن شقيق، قال :كان عثمان ينهى عن المُتعة، وكان عليٌّ يأمر بها .

فقال عثمان لعليّ كلمة، ثمَّ قال عليٌّ : ( لقد علمتَ أنَّا قد تمتَّعنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ).

فقال :أجل، ولكنَّا كنَّا خائفين (١) .

وذكره المُتَّقي أيضاً، وقال : أخرجه أبو عوانة، والطحاوي، والبيهقي في السُّنن الكبرى(٢) .

المؤلِّف : وتعليل عثمان للتمتُّع مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنَّا كنَّا خائفين، هو في غاية الوهن والفساد ؛ فإنَّ مُقتضى الخوف مِن أهل الجاهليَّة والشرك، هو أنْ لا يتمتَّعوا ولا يأتوا بالعُمرة في أشهُر الحَجِّ ؛ مُجاملةً معهم ؛ لأنَّهم يرونها مِن أفجر الفجور - كما تقدَّم غير مرة - لا أنْ يتمتَّعوا ويأتوا بالعُمرة في الحَجِّ، وفي أشهُر الحَجِّ على رغم أنف أهل الجاهليَّة والشرك.

وإذا كان مُراد عثمان مِن الخوف : إنَّا كنَّا خائفين مِن أهل الشرك، أنْ لا يدعونا للعُمرة بعداً، في غير أشهُر الحَجِّ ؛ فلذلك أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتمتُّع، وبإتيان العُمرة في أشهُر الحَجِّ في تلك السنة، فهذا أفسد مِن الأوَّل بكثير ؛ فإنَّ السبب في تشريع التمتُّع ؛ لو كان هو ذلك لَما صرَّح به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بأنَّ مُتعة الحَجِّ هي للأبد، أو لأبدٍ، أو إلى يوم القيامة.

وقد عرفت في باب تحريم عمر مُتعة الحَجِّ أنَّها هي كذلك أي للأبد.

وأنَّ الروايات بذلك فوق التواتر، فراجع.

هذا كلُّه، مُضافاً إلى ما يحتمل في المقام، لولا الظنُّ به، أو القطع مِن أنَّ تشريع التمتُّع مِن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو كان في حَجَّة الوداع ؛ ومِن الضروري أنَّ عام حَجَّة الوداع، هو أقوى أيَّام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكيف يأمر فيه بالتمتُّع خوفاً مِن

____________________

(١) صحيح مسلم : ٤/٤٦، باب جواز التمتُّع ط استانبول. سُنن البيهقي : ٥/٢٢٥. المُسند رواه بطريقين : ١/٦١ - ٩٧.

(٢) كنز العمَّال : ٣/٣٣ط حيدر آباد - الهند.


أهل الشرك والجاهليَّة.

وهذا كلُّه - لَعمري - واضح ظاهر، لا يرتاب فيه أحد، غير إنَّ :

( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ) النور : ٤٠.

( مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ) الأعراف : ١٨٦.

٤ - روى النسائي بسنده، عن سعيد بن المسيّب، يقول :

حَجَّ عليّ وعثمان، فلمَّا كنّا ببعض الطريق، نهى عثمان عن التمتُّع، فقال عليّ : ( إذا رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا )،فلبّى عليٌّ وأصحابه بالعُمرة، فلم يَنههم عثمان .

فقال عليّ : ( ألم أُخبر إنَّك تنهى عن التمتُّع ؟! ).

قال :بلى .

قال له عليّ : ( ألم تسمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تمتَّع ).

قال :( بلى ) (١) .

٥ - روى مالك بن أنس، عن المقداد بن الأسود :أنَّه دخل على عليّ بن أبي طالب بالسُّقيا (*) - إلى أنْ قال - فقال : هذا عثمان بن عفان ينهى أنْ يُقرَن (**) بين الحَج والعُمرة ؛ فخرج عليّ بن أبي طالب، وعلى يديه أثر الدقيق والخبط، فما أنسى أثر الدقيق والخبط على ذراعيه، حتَّى دخل على عثمان بن عفان.

فقال : ( أنت تنهى أنْ يُقرَن بين الحَجِّ والعُمرة ؟! ).

فقال عثمان : ذلك رأيي ؛ فخرج عليّ مُغضباً وهو يقول : ( لبّيك اللَّهمَّ بحَجٍّ وعُمرةٍ مَعاً )(٢) .

____________________

(١) سُنن النسائي : ٥/١٥٢ - التمتُّع. مُستدرك الصحيحين : ١/٤٧٢ رواه، وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم. مُسند أحمد بن حنبل : ١/٥٧ - ٦٠. سُنن الدار قطني : ٢/٢٨٧ رقم الحديث ٢٣١ رواه بطريقين.

(*) بالسقيا قرية جامعة بطريق مَكَّة. عن هامش الموطِّأ ٣٣٦.

(**) إنَّ النهي عن القِران بين الحَجِّ والعُمرة، هو عين النهي عن الجمع بينهما، وقد عرفت - في الرواية الأولى في ذيل التعليق على قوله، وعثمان ينهى عن المُتعة، وأنْ يُجمَع بينهما - أنَّ الجمع بين العُمرة والحَجِّ، هو عبارة أُخرى عن مُتعة الحَجِّ فتأمَّل التعليق جيِّداً -المؤلف -.

(٢) موطِّأ الإمام مالك : ١/٣٣٦ كتاب الحَجِّ - باب القِران في الحَجِّ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.


٦ - روى الطحاوي بسنده، عن مروان بن الحكم، قال :كنَّا نسير مع عثمان بن عفان، فإذا رجلاً يهتف بالحَجِّ والعُمرة .

فقال عثمان: مَن هذا ؟

قالوا :عليّ (١) .

٧ - روى الطحاوي بسنده، عن عبد الله بن شقيق :أنَّ عثمان خطب فنهى عن المُتعة ؛ فقام عليّ عليه‌السلام ،فلبَّى بهما ؛ فأنكر عثمان ذلك .

فقال له عليّعليه‌السلام : ( إنَّ أفضلنا في هذا الأمر أشدُّنا اتِّباعاً له )، يعني : لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢) .

* * *

____________________

(١) شرح معاني الآثار : ٢/١٥٧، تحقيق الشيخ محمد زهري النجار.

(٢) المصدر نفسه : ٢/١٥٧، كتاب مناسك الحَجِّ.


٣ - باب ( ما جاء في جهل عثمان بالكتاب والسنّة )(*) (١) .

____________________

(*) فيه أربعة أحاديث.

(١) وقال الأُستاذ الكاتب المصري صالح الورداني :

والطريف في الأمر، أنّ عثمان حين استُخلف واستتبَّ له الأمر، خرج على الكتاب والسُّنَّة، وسُنَّة الشيخين، وكفر به القوم، حتَّى الذين رشَّحوه واختاروه والسؤال الّذي يطرح نفسه، هنا هو : هل عمل عمر هذا يُطابق الشورى وروح الإسلام ؟ والجواب بالطبع : لا. فقد كان اختيار عمر لمجموعة الشورى، يقوم على أساس قبلي بحت، ولم يكُن وضع الإمام علي في هذه المجموعة، سِوى مُحاولة للتغطية على الهدف الحقيقي، مِن وراء اختيار هذه المجموعة، الّتي أشار البعض على عمر أنْ يضع ولده عبد الله فيها. فتح الباري : ٧/٦٧. لقد سنَّ عمر للخطِّ الأُموي بهذا العمل، سُنَّة أتاحت له فرصة البروز، والحصول على الشرعيّة مِن خلال عثمان واستثمار هذه السُّنَّة، فيما بعد في ضرب فِكرة الشورى في الإسلام، ودعم نظام الوراثة

وجعلُ الشورى في سِتَّة أفراد مُتناقضين، مُتنافرين - فضلاً عن كونه أمر مغرضٍ - هو يَصطدم بالقرآن الذي يقول :( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) ، أيْ بين المؤمنين جميعاً، وليس بين فِئة مُحدَّدة ويصطدم بسُنَّة الرسول، الذي طبَّق النَّصَّ القرآني، وعمل به بين الصَّحابة، وفتح الباب لحُرِّيَّة الرأي الذي أغلقه أبو بكر وعمر ؛ ليفتح الباب على مصراعيه لدكتاتوريَّة الخطِّ الأُموي وإذا كان عمر، وهو يُنازع في حيرة مِن أمره، يستخلف أو لا يستخلف ؟ مُردَّداً : إنْ لم أستخلف، فلم يستخلف الذي هو خَيرٌ مِنِّي - أي الرسول - وإنْ أستخلف فقد استخلف أبو بكر. البخاري ومسلم. وقد انتهز فُرصة حيرة عمر هذه، رجل لم تَكشف لنا الرّوايات مَن يكون، وقال له : استخلف عبد الله بن عمر فقال عمر : قاتلك الله، والله ما أردت الله بهذا. أستخلف مَن لم يُحسِن أنْ يُطلِّق امرأته

فتح الباري : ٧/٦٧، وانظر تاريخ الخلفاء.

إِلاّ أنَّ عمر مال إلى الاستخلاف، في حدود مجموعة، لنْ تَحيد عن الخطِّ القبلي، الذي وضع أساسه مع أبي بكر، وهي في النّهاية سوف تستقرُّ على واحد مِن أنصار هذا الخطِّ، ولن تتَّجِهْ بحال إلى الحيدة والاتجاه نحو علي وعلى الرغم مِن مَوقف عمر مِن ولده عبد الله، وكونه صاحب شخصيَّة ضعيفة تَجعل منه عديم القُدرة على اتِّخاذ القرار، على الرغم مِن ذلك جَعله في أهل المُشاورة ؛ جَبراً لخاطره. وقال عمر : إذا اجتمع ثلاثة على رأي، وثلاثة على رأي فحكِّموا عبد الله بن عمر، فإنْ لم ترضوا بحُكمه، فقدِّموا مَن معه عبد الرحمان بن عوف، وإنْ ولي عثمان فرجل فيه لينٌ، وإنْ ولي عليٌ فستختلف عليه النّاس، وإنْ ولي سعدٌ، وإِلاّ فليستعن به الوالي. المرجع السابق، والسؤال هنا لماذا لم يُرشِّح عمر أبا ذَر أو عمّار - مثلا - بدلاً مِن ولده ؟! وما يجب ذكره هنا، هو أنّ ابن عمر هذا رفض بيعة علي، بعد عثمان، وبايع معاوية وولده يزيد، وقد أطال الله في عمره، حتَّى لَحِق بالحجَّاج، وكان يُصلِّى خلفه، ومعه أنس بن مالك.

أُنظر : تاريخ ابن عمر في كتب التراجم. وقال الأُستاذ الورداني :

فحين تشاور القوم مال الزبير لعليٍّ، ومال سعد لعثمان، ومال طلحة لعبد الرحمان، ثمَّ انسحب عبد الرحمان، ورفض ترشيح نفسه، ومال لعثمان لتُصبح النتيجة ثلاثة إلى واحد. ثلاثة مع عثمان، وواحد مع علي. فعبد الرحمان عند ما مال لعثمان، مال طلحة معه. وفي رواية أُخرى انتهت النتيجة اثنين، أي : تعادلت الأصوات، وهنا عرض عبد الرحمان على الإمام، أنْ يُبايع على كتاب الله وسُنَّة رسوله، وسُنَّة الشيخين، فأبى إلزامه بسُنَّة الشيخين. فطلب مِن عثمان ذلك، فوافق ؛ فأعلن بيعته.

السيف والسياسة ص٨٤ - ٨٥.


١ - قال الإمام مالك :إنَّ عثمان بن عفان أُتي بامرأةٍ، قد ولدت في سِتَّة أشهر ؛ فأمر بها أنْ تُرجَم ؛ فقال له عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام : ( ليس ذلك عليها ؛ إنَّ الله تبارك وتعالى يقول في كتابه :

( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ) الأحقاف : ١٥.

وقال :( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ) البقرة : ٢٣٣.


؛ فالحمل يكون ستَّة أشهُر ؛ فلا رجم عليها ).

فبعث عثمان في أثرها، فوجدها قد رُجِمت(١) .

٢ - روى أبو جعفر الطبري بسنده، عن بعجة بن زيد الجهني :أنَّ امرأة منهم دخلت على زوجها، وهو رجل منهم - أيضاً - فولدت له في سِتَّة أشهُر، فذُكِر ذلك لعثمان بن عفان ؛ فأمر بها أنْ تُرجَم، فدخل عليه عليّ بن أبي طالب، فقال : ( إنَّ الله تبارك وتعالى يقول في كتابه :( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ) الأحقاف : ١٥.

وقال :( وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ) ).

قال :فو الله، ما عَبَد عثمان أنْ بعث إليها تُرَدُّ .

قال : يونس - يعني : الراوي - قال ابن وهب عَبَد استنكف(٢) .

المؤلِّف : فيكون المعنى هكذا : فو الله، ما استنكف عثمان أنْ بعث إلى المرأة، التي أمر برجمها أنْ تُردُّ.

٣ - السيوطي في ذيل تفسير قوله تعالى :

( وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ) الأحقاف : ١٥ قال :

وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن بعجة بن عبد الله الجهني، قال :

تزوَّج رجل مِنَّا امرأة مِن جهينة، فولدت له تماماً لسِتَّة أشهُر، فانطلق زوجها إلى عثمان بن عفان ؛ فأمر برجمها، فبلغ ذلك عليَّاً فأتاه، فقال : ( ما تصنع ؟ ).

قال :

____________________

(١) موطِّأ الإمام مالك : ٢/٨٢٥، كتاب الحدود، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. السُّنَن الكبرى للبيهقي : ٧/٤٤٢ - ٤٤٣.

(٢) تفسير الطبري : ٢/٦١ط بولاق مصر.

المُعلِّق : راجعنا تفسير الطبري سورة البقرة آية ٣٣، في تفسير :( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ ) إلخ، وراجعنا التفسير المذكور، في آية ١٥ مِن سورة الأحقاف :( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ) ، وراجعنا التفسير في سورة لقمان آية : ١٤ :( وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ) إلخ لم نعثر على رواية بعجة بن زيد الجهنى، التي ذكرها المؤلِّف ( طاب ثراه ) والظاهر أنّها أُسقطت مِن الطبعة التي تلتها.

( الرضوي )


ولدت تماماً لسِتَّة أشهُر، وهل يكون ذلك ؟!

قال عليّ : ( أما سمعت الله يقول :

( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ) .

وقال :( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ) ، فكم تجده بقي إلاّ سِتَّة أشهُر ! ).

فقال عثمان :والله ما فطنت لهذا، عَلَيَّ بالمرأة، فوجدوها قد فُرِغَ منها .

وكان من قولها لأُختها : يا أُخيَّة، لا تحزني، فو الله، ما كشف فرجي أحد قطّ غيره .

قال :فشبَّ الغلام بعد، فاعترف الرجل به، وكان أشبه الناس به (١) .

٤ - روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي، قال :

كان أبي - الحارث - على أمرٍ مِن أمرِ مَكَّة في زمن عثمان، فأقبل عثمان إلى مَكَّة.

- فقال عبد الله بن الحارث - : فاستقبلت عثمان بالنزل بقَديد، فاصطاد أهل الماء حِجَّلاً، فطبخناه بماء وملح، فجعلناه عَراقاً للثريد، فقدّمناه إلى عثمان وأصحابه، فأمسكوا.

فقال عثمان : صيد لم أصطده، ولم نأمر بصيده، اصطاده قوم حِلٌّ، فأطعموناه فما بأس.

فقال عثمان : مَن يقول في هذا ؟

فقالوا : عليّ ؛ فبعث إلى عليّ ؛ فجاء.

- قال عبد الله بن الحارث : - فكأنِّي انظُر إلى عليّ حين جاء وهو يَحتُّ الخبط عن كفَّيه.

فقال له عثمان : صيد لم نصطده، ولم نأمر بصيده، اصطاده قوم حِلٌّ فاطعموناه، فما بأس ؟ - قال : - فغضب عليّ، وقال :

( أَنشد الله رجُلاً، شهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين أُتي بقائمة حمار وحش ؛ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنَّا قوم حُرُمٌ، فأطعموه أهل الحِلِّ ).

- فقال : - فشهد اثنا رجُلاً مِن أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ثمَّ قال عليّ : ( أُشهد الله رجُلاً، شهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّا قوم حُرُمٌ، أطعموه أهل الحِلِّ ).

- قال : - فشهد دونهم مِن العِدَّة مِن الاثني عشر.

- قال : -

____________________

(١) الدُّرُّ المنثور في التفسير بالمأثور : ٦/٤٠.


فثنى عثمان وِركه عن الطعام، فدخل رحله، وأكل ذلك الطعام أهل الماء(١) .

المؤلِّف : ورواه بعد هذا بطريقين آخرين مُختصَراً.

* * *

____________________

(١) المُسند : ١/١٠٠. شرح معاني الآثار للطحاوي : ٢/١٦٨، كتاب الحج، رواه مُختصَراً. كنز العمَّال للمُتَّقى الهندي : ٣/٥٣ط حيدر آباد - الهند، قال : أخرجه ابن جرير، وصحَّحه وأخرجه الطحاوي وأبو يعلى. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي : ٣/٢٢٩، قال : رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه والبزَّار، ثمَّ قال : فيه علي بن زيد، وفيه كلام كثير، وقد وثِّق.


٤ - باب ( في أمْرِ عثمان بحَرق المَصاحف )(*) .

١ - روى البخاري في هذا الباب، رواية طويلة مُفصَّلة، وقال في جُملتها :فأرسل - أيْ عثمان - إلى كلِّ أُفق بمَصحف مِمَّا نسخوا، وأمر بما سواه مِن القرآن في كلِّ صحيفة أو مَصحف أنْ يُحرَق (١) .

٢ - روى البيهقي بسنده، عن أنس بن مالك :أنَّ حذيفة بن اليمان، قَدِم على عثمان بن عفان في ولايته - فسَاَقَ البيهقي الحديث إلى أنْ قال : - ففزع لذلك عثمان، فأرسل إلى حفصة بنت عمر أنْ أرسلي إلينا بالصُّحف التي جُمع فيها القرآن ؛ فأرسلت بها إليه حفصة، فأمر عثمان زيد بن ثابت، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمان بن الحارث بن هشام، أنْ ينسخوها في المَصاحف - إلى أنْ قال - ففعلوا، حتَّى كُتِبت المَصاحف، ثمَّ ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة.

____________________

(*) فيه خمسة أحاديث.

(١) صحيح البخاري : ٦/٩٨ - ٩٩، كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، ط استانبول. صحيح البخاري : ٣/٢٢٥، باب جمع القرآن بحاشية السندي.


وأرسل إلى كلِّ جُنْدٍ مِن أجناد المسلمين بمَصحف، وأمرهم أنْ يُحرقوا كلَّ مَصحف يُخالف المَصحف الذي أرسل به، وذلك زمان أُحرقت المَصاحف(١) .

٣ - روى الطحاوي بسنده، عن سالم وخارجة :إنَّ أبا بكر كان جمع القرآن في قراطيس، وكان قد سأل زيد بن ثابت النظر في ذلك، فأبى عليه، حتَّى استعان بعمر بن الخطاب ففعل. وكانت تلك الكتب عند أبي بكر حتَّى توفِّي. ثمَّ كانت عند عمر حتَّى توفِّي، ثمَّ كانت عند حفصة زوج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،فأرسل إليها عثمان، فأبت أنْ تدفعها إليه، حتَّى عاهدها ليردَّنها إليها، فبعثت بها إليه، فنسخها عثمان في هذه المَصاحف، ثمَّ ردّها إليها. فلم تزل عندها حتَّى أرسل مروان بن الحكم، فأخذها فحرَّقها (٢) .

ورواه بعينه - سَنداً ومَتناً - في الجزء الرابع.

٤ - روى المُتَّقي الهندي، عن مصعب بن سعد، قال :أدركت الناس مُتوافرين، حين حرَّق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، ولم يُنكر ذلك منهم أحد.

قال : أخرجه ابن أبي داود، وابن الأنباري في المَصاحف(٣) .

المؤلِّف : ثمَّ إنّ ههنا حديثاً، يُناسب ذكره في خاتمة هذا الباب، وهو ما ذكره المُتَّقي الهندي، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

قال : - ( ٥ ) - ( يجيء يوم القيامة : المَصحف والمَسجد والعِترة.

فيقول المَصحف : يا ربّ، حرَّقوني ومزَّقوني.

ويقول المسجد : يا ربّ، خرّبوني وعطَّلوني وضيَّعوني.

وتقول العِترة : طردونا وقتلونا وشرَّدونا.

وأجثو برُكبتيَّ للخصومة، فيقول الله :

ذلك إليَّ وأنا أولى بذلك ).

قال : أخرجه الديلمي

____________________

(١) السُّنن الكبرى : ٢/٤١، وذكر هذا الحديث المُتَّقى الهندي في كنز العمَّال : ١/٢٨٢ط حيدر آباد - الهند باختلاف يسير في اللفظ، وقال : أخرجه ابن أبي داود، وابن الأنباري معاً في المَصاحف، وابن حبّان.

(٢) مُشكل الآثار : ٣/٤ الطبعة الأُولى.

(٣) كنز العمَّال : ١/٢٨١ط حيدر آباد - الهند.


عن جابر، يعني : عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال : وأحمد بن حنبل، والطبراني، وسعيد بن منصور، وعن أبي أمامة، يعني : عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) .

المؤلِّف : ومِن العجيب جِدَّاً ما ارتكبه عثمان، مِن الأمر بما سوى مَصحفه، الذي أرسل به إلى الآفاق مِن المَصاحف الكثيرة أنْ تُحرق، كما يظهر كثرتها مِن قوله في الرواية الأُولى : وأمر بما سواه مِن القرآن في كلِّ صَحيفة أو مَصحف أنْ يُحرَق، أو في الرواية الثانية : وذلك زمان أُحرقت المَصاحف، أو في الرواية الأخيرة : حين حرَّق عثمان المَصاحف.

وأعجب مِن ذلك كلِّه، ما سمعته في الرواية الأخيرة، مِن قوله : فأعجبهم ذلك، ولم يُنكر ذلك منهم أحد، أوليس الاحتراق هَتكاً للكتاب المُقدَّس الإلهي ؟! أوليس هذا أمراً واضحاً عرفيَّاً، يعرفه كلُّ مَن له أدنى أدب وإنسانيَّة ؟! فلو كان مقصد عثمان هو إتلاف ما سوى مَصحفه مِن المَصاحف ؛ لئلاّ يحصل الاختلاف بين المسلمين في قرآنهم الكريم، فما الذي دعاه إلى الأمر بالحَرق، بلْ كان يحصل مقصده بمحو ما سواه مِن المصاحف، أو بدفنه، أو بإلقائه في بحر، أو ماء جاري، أو نحو ذلك مِن الإتلافات الغير الموجبة للهَتك، ولا المُنافية للأدب الإنساني، ولكن ما عسى أنْ أقول عن قوم أفضلهم بزعمهم : أبو بكر وعمر، وقد رفعا أصواتهما عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتَّى نزل النهي :( لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ - إلى قوله : -أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ) ، وقد سمعت تفصيل ذلك كلِّه، في مطاعن أبي بكر، في باب مُستقلٍّ.

وقد قال عمر للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند مَماته - حين ما قال : ( ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده ) -: إنّه يَهجر، أو غلبه الوَجع، حسبُنا كتاب

____________________

(١) كنز العمَّال : ٦/٤٦.


الله.

وقد عرف تفصيل ذلك، في مطاعن عمر، في باب مُستقلٍّ أيضاً.

وقد تجسَّر عمر على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في موارد أُخر شتَّى غير ذلك. حين جذبه عندما أراد الصلاة على عبد الله بن أُبي.

وحين صاح على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما تأخَّر ليلة مِن الليالي، عن الخروج إلى صلاة العشاء.

وحين أخذ عِذق البُسر، وضرب به الأرض، حتَّى تناثر البُسر نحو وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وعرفت تفصيل هذه الموارد كلِّها، في أبواب مُستقلَّة أيضاً.

فإذا كان عمر، وهو أفضل مِن عثمان بكثير، لا يرى هذا كلَّه قبيحاً، خارجاً عن حدود الآداب والإنسانيَّة، بلْ بعضه خارج عن حدود الإيمان بلا كلام.

فما ظنُّك بعثمان، الذي هو دون عمر في الفضل بكثير.

بلْ وما ظنُّك بقوم يعتقدون بإمامة عثمان، وأنَّه خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهم دون عثمان في الفضل بأكثر مِن ذلك.

* * *


٥ - باب ( ما جاء في فضل أبي ذر وأنَّ عثمان قد نفاه إلى الرَّبذَة )(*) .

١ - روى الحاكم بسنده، عن عبد الرحمان، قال :

كنت مع أبي الدرداء، فجاء رجل مِن قِبَل المدينة فسأله، فأخبره أنَّ أبا ذر مُسيَّر إلى الرَّبذَة .

فقال أبو الدرداء :إنَّا لله، وإنَّا إليه راجعون، لو أنَّ أبا ذر قطع لي عُضواً أو يداً ما هجَّنته ؛ بعدما سمعت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( ما أظلَّت الخضراء، ولا أقلَّت الغبراء مِن رجُلٍ أصدق لَهْجَةً مِن أبي ذر )رحمه‌الله (١) .

٢ - روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن عبد الرحمان بن غنم :أنَّه زار أبا الدرداء بحمص، فمكث عنده ليالي، وأمر بحماره فأوكف، فقال أبو الدرداء :

ما أراني إلاّ مُتّبعك ؛ فأمر بحماره فأُسرج، فسارا جميعاً على حماريهما، فلقيا رجُلاً شهد الجمعة بالأمس عند معاوية بالجابيَّة، فعرفهما الرجُل ولم يعرفاه، فأخبرهما خبر الناس. ثمَّ إنَّ الرجل قال :

____________________

(*) فيه ثلاثة أحاديث.

(١) مُستدرك الصحيحين : ٣/٣٤٤.


وخبر آخر كرهت أنْ أُخبركما ؛ أراكما تَكرهانه

فقال أبو الدرداء :فلعلّ أبا ذر نُفيَ ؟

قال : نعم والله.فاسترجع أبو الدرداء وصاحبه قريباً مِن عشر مَرَّات .

ثم قال أبو الدرداء :فارتقبهم واصطبر (١) كما قيل لأصحاب الناقة :

اللَّهمَّ إنْ كَذَّبوا أبا ذر، فإنِّي لا أُكذِّبه، اللَّهمَّ وإنْ اتَّهموه، فأنِّي لا أتَّهمه، اللَّهمَّ وإنْ استغشُّوه، فإنِّي لا أستغشُّه؛ فإنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يأتمنه حين لا يأتمن أحداً، ويسير إليه حين لا يسير إلى أحد.

أمْا والذي نفس أبي الدرداء بيده، لو أنَّ أبا ذر قطع يميني ما أبغضته ؛ بعد الذي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :

( ما أظلَّت الخضراء، ولا أقلَّت الغبراء مِن ذي لَهْجَةٍ أصدق مِن أبي ذر )(٢) .

المؤلِّف : لا إشكال في أنَّ الحديثين الشريفين، قد دلاَّ على فضل أبي ذر فضلاً عظيماً، وأنَّه قد نُفي ( رضوان الله عليه )، وإنْ لم يكن في الثاني تصريح بالرَّبذَة، ولا في الحديثين تصريح بالذي قد نفاه، ولكنَّ القصَّةَ مشهورةٌ واضحةٌ جِدَّاً، مُسجَّلة في التواريخ وغيرها مِن الكُتب، يعرفها المسلمون وغيرهم، وأنَّ النافي له عثمان، وأنَّه قد نفاه إلى الرَّبَذَة لا إلى غيرها.

ثمَّ إنَّ ههنا حديثاً في شأن عبادة بن الصامت الأنصاري، تُشبه قصَّته قصَّة أبي ذر ؛ فمِن المُناسب ذكره في خاتمة هذا الباب، وهو ما رواه الإمام أحمد بن حنبل، وفيه قال عبادة لأبي هريرة :

(٣) يا أبا هريرة، إنَّك لم تكُن معنا، إذ بايعنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إنَّا بايعناه على السمع والطاعة، في النشاط والكَسَل ،

____________________

(١) سورة القمر : ٢٦، وتمام الآية هكذا :( إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ) الآية.

(٢) المُسند : ٥/١٩٧.


وعلى النفقة، في اليسر والعسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، وعلى أنْ نقول في الله تبارك وتعالى، ولا نخاف لومة لائم. [ وفيه : ] وعلى أنْ ننصُر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا قَدِم علينا يثرب، فنمنعه ما نمنع منه أنفسنا، وأزواجنا، وأبنائنا، ولنا الجَنَّة.

فهذه بيعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي بايعنا عليها، فمَن نَكث فإنَّما يَنكث على نفسه، ومَن وفَّى ؛ وفَّى الله تبارك وتعالى بما بايع عليه نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكتب معاوية إلى عثمان بن عفان :

أنَّ عبادة بن الصامت، قد أفسد عليَّ الشام وأهله، فإمَّا يكُن إليك عبادة، وإمَّا أُخلِّي بينه وبين الشام ؛ فكتب إليه أنْ رحِّل عبادة، حتَّى تُرجعه إلى داره مِن المدينة ؛ فبعث بعبادة حتَّى قَدِم المدينة، فدخل على عثمان في الدار، وليس في الدار غير رجُلٍ مِن السابقين، أو مِن التابعين، قد أدرك القوم. فلم يُفجَ عثمان، إلاّ وهو قاعد في جنب الدار، فالتفت إليه.

فقال :يا عبادة بن الصامت ، مالنا ولك ؟

فقام عبادة بين ظهري الناس فقال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أبا القاسم محمداً يقول : ( إنَّه سَيَلي أُموركم بعدي رجال، يعرِّفونكم ما تُنكرون ويُنكرون عليكم ما تَعرفون، فلا طاعة لمَن عصى الله تبارك وتعالى )(١) .

المؤلِّف : إنْ كان مقصود عبادة بن الصامت ( رضوان الله عليه ) مِن قوله : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا القاسم محمداً يقول : ( إنَّه سَيَلي أُموركم بعدي رجال ) إلخ.

أنْ عثمان هو مِمَّن يأمر بالمُنكر، وينهي عن المعروف ؛ فلا تجب إطاعته ؛ لأنَّه مِمَّن عصى الله تعالى.

فهذا مِمَّا يدلُّ على تفسيقه له، وإنْ كان مقصوده :

____________________

(١) مُسند الإمام أحمد : ٥/٣٢٥.


إنَّ معاوية هو مِمَّن يأمر بالمُنكر، وينهى عن المعروف ؛ فهذا مِمَّا يدلُّ على تفسيقه لمعاوية وعثمان جميعاً ؛ فإنَّ مَن استعمل الفاسق فاسق أيضاً.

وعلى كلَّ حال، يظهر مِن أحاديث هذا الباب، أنَّ أبا ذر، وعبادة ( رضوان الله تعالى عليهما ) يجريان مَجرى واحداً، وكانا هما مِن القوَّالين بالحَقِّ، الآمرين بالمعروف، والناهين عن المُنكر، ولم يأخذهما في الله لومة لائم أبداً ؛ فأوذوا في سبيل الله، وظُلمِوا ظُلماً شديداً.

( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ )

( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ ) .

* * *


٦ - باب ( في انهزام عثمان يوم أُحُد )(*) .

المؤلِّف : قد سمعت في مطاعن عمر، مِن الفخر الرازي، في تفسيره الكبير، في ذيل قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ) في سورة آل عمران : ١٥٥.

إنَّ مِن المُنهزمين - يعني: يوم أُحُد - عمر، وإنَّ مِن المُنهزمين - أيضاً - عثمان انهزم مع رجلين مِن الأنصار، يُقال لهما : سعد، وعقبة. انهزموا حتَّى بلغوا موضعاً بعيداً، ثمَّ رجعوا بعد ثلاثة أيَّام(١) .

وههنا نذكر لك حديثين آخرين، قد جاءا في انهزام عثمان يوم أُحُد، مِن دون تعرُّض لحال عمر، وقد ذكرهما ابن حَجر العسقلاني، في ترجمة رافع بن المعلَّى الأنصاري الزرقي.

١ - قال : وروى ابن مندة، مِن طريق ابن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ) ،نزلت في

____________________

(*) فيه حديثان.

(١) مفاتيح الغيب للفخر الرازي : ٩/٥٢ ط دار الفكر بيروت.


عثمان ورافع بن المعلّى، وخارجة بن زيد(١) .

ثانيهما في ترجمة سعيد بن عثمان الأنصاري.

٢ - قال : روى إسحاق بن راهويه في مُسنده، مِن طريق الزبير، قال :

والله، إنِّي لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يَغشاني : لو كان لنا مِن الأمر شيء، ما قُتلنا ههنا، ثمَّ قال : وقوله :( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ) .

قال :منهم عثمان بن عفان، وسعيد بن عثمان، وعلقمة بن عثمان الأنصاريان. قال : بلغوا جَبلاً بناحية المَدينة ببطن الأعوص، فأقاموا هناك ثلاثاً (٢) .

* * *

____________________

(١) الإصابة في تمييز الصحابة : ١/٤٩٩ الطبعة الأُولى بمصر عام ١٣٢٨ه-.

(٢) الإصابة في تمييز الصحابة : ٣ق ١/١٠١، ط كلكتا - الهند، هكذا أورده المؤلِّف.


المقصد الرابع

في بيان ما يَشترك بين عائشة وحَفصة

(٤).(٥)

عائشة وحفصة



١ - باب ( إنَّ عائشة وحفصة هما المرأتان اللتان قال الله تعالى فيهما )(*) :

( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) التحريم : ٤.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .

( قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) .

( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ) (١) .

( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ

____________________

(*) فيه سِتَّة عشر حديثاً.

(١)الرضوي : قال الزمخشري : وروي أنَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لها - لحفصة - : ( ألم أقُل لكِ اكتمي عليّ ؟! ).

قالت : والذي بعثك بالحَقِّ ما ملكت نفسي

وقال الزمخشري : قلت : ليس الغرض بيان مَن المُذاع إليه ومَن المُعرّف، وإنَّما هو ذكر جِناية حَفصة في وجود الإنباء به وإفشائه مِن قِبَلها. تفسير الكشَّاف : ٤/١٢٧.


وَالمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ) .

( عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً ) التحريم : ١ - ٥.

١ - روى البخاري بسنده، عن عبد الله بن أبي ثور، عن عبد الله بن عباس، قال :

لم أَزل حريصاً أنْ أسأل عمر رضي‌الله‌عنه عن المرأتين مِن أزواج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اللَّتين قال الله لهما :( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ (١) قُلُوبُكُمَا ) ، فحجَجت معه، فعدل وعدلت معه بالإداوة، فتبرَّز حتَّى جاء، فسكبت على يديه مِن الإداوة، فتوضَّاً، فقلت : يا أمير المؤمنين، مَن المرأتان مِن أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اللّتان قال لهما :( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ ) ؟

فقال :

واعجباً لك - يا بن عباس - : عائشة، وحفصة. الحديث(٢) (٣) .

____________________

(١) روى الطبري في تفسيره بسنده، عن ابن عباس، قوله :( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) . يقول : زاغت قلوبكما، يقول : قد أثمت قلوبكما.

وعن مُجاهد قال : كنَّا نرى أنَّ قوله :( فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) شيء هَيِّن حتَّى سمعت قراءة ابن مسعود :( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ - زاغت - قُلُوبُكُمَا ) .

وعن عبيد قال : سمعت الضحاك، يقول في قوله :( فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) . أيْ مالت قلوبكما.

وعن سفيان قال :( صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) ، قال : زغت قلوبكما. جامع البيان : ٢٨/١٠٤.

وقال المؤلِّف : والزيغ هو الإثم، كما سمعت مِن ابن عباس. وفي اللُّغة الزيغ : هو المَيل عن الحَقِّ، والمعنيان مُتقاربان، بلْ هما واحد.( منه).

الرّضوي : وقال الطبري : وقوله :( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ) ، يقول تعالى : للَّتي أسرَّ إليها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حديثه، والتي أفشت إليها حديثه وهما : عائشة وحفصة. جامع البيان : ٢٨/١٠٤.

٢ - صحيح البخاري ط استانبول : ٣/١٠٣ - ١٠٤، كتاب المظالم، باب الغرفة والعلَّية المُشُرّفة.

الرضوي : وذكر هذا الحديث السيوطي في تفسيره الدُّرُّ المنثور : ٦/٢٤٢.

٣ - صحيح البخاري ط استانبول : ٦/١٤٧ - ١٤٨، كتاب النكاح، باب موعظة الرجُل ابنته لحال زوجها. صحيح مسلم دار الفكر بيروت : ٤/١٨٨، كتاب الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء :. صحيح الترمذي ٢/٢٣١ط بولاق مصر عام ١٢٩٢ه-، وقال في آخره بعد قوله : واعجباً لك يا بن عباس ( ما لفظه ) قال الزهري : وكَره والله - يعني عمر - ما سأله عنه ولم يَكتمه، فقال : عائشة وحفصة. إلخ. مُسند أحمد بن حنبل : ١/٣٣. السُّنن الكبرى للبيهقي : ٧/٣٧. الطبقات الكبرى لابن سعد : ٨/١٣١ط ليدن. الطبقات: ٨/١٨٢ط بيروت. كنز العمَّال : ١/٢٠٩ط حيدر آباد - الهند، وذكر المُتَّقي الهندي : أنَّ جَمعاً كثيراً مِن أَئَّمة الحديث قد أخرجوه.


٢ - روى البخاري بسنده، عن عبيد بن حنين، أنَّه قال : سمعت ابن عباس يقول :

أردت أنْ أسأل عمر، عن المرأتين اللَّتين تظاهرتا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فمكثتُ سنةً، فلم أجد موضعاً حتَّى خرجت معه حاجَّاً. فلمَّا كنَّا بظهران، ذهب عمر لحاجته، فقال: أدركني بالوضوء، فأدركته بالإداوة، فجعلت أسكب عليه، ورأيت موضعاً فقلت :

يا أمير المؤمنين، مَن المرأتان اللَّتان تظاهرتا ؟(١) .

قال ابن عباس :فما أتممت كلامي، حتَّى قال : عائشة، وحفصة (٢) .

٣ - روى البخاري بسنده، عن عبيد بن حنين، أنَّه سمع ابن عباس يُحدِّث أنَّه قال :مَكثتُ سنةً أُريد أنْ أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما استطيع أنْ أسأله ؛ هَيبةً له حتَّى خرج حاجَّاً، فخرجت معه، فلمَّا رجعت، وكنّا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له .

قال :فوقفت له. حتَّى فرغ. ثمَّ سرتُ معه .

فقلت: يا أمير المؤمنين، مَن اللّتان تظاهرتا على النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن أزواجه ؟

فقال :تلك حفصة وعائشة . الحديث(٣) .

____________________

(١) التظاهر على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التعاون عليه بالإيذاء. ( منه )

(٢) صحيح البخاري بحاشية السندي : ٣/٢٠٦، كتاب التفسير سورة التحريم.

الرضوي : وأورد هذا الحديث ابن حجر العسقلاني في فتح الباري : ٨/٥٣٥.

(٣) صحيح البخاري بحاشية السندي : ٣/٢٠٥، كتاب التفسير سورة التحريم، ورواه البخاري في صحيحه : ٤/٣٢، كتاب اللّباس، باب ما كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتجوَّز مِن اللّباس والبُّسط، وفيه قال عمر :

وكان بيني وبين امرأتي كلام، فأغلظتْ لي

فقلت لها : وإنَّك لهناك ؟

قالت : تقول هذا لي، وابنتك تؤذي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

صحيح مسلم ٤/١٨٨ط دار الفكر بيروت، رواه بطريقين في كتاب الطلاق، بباب في الإيلاء واعتزال النساء. تفسير الطبري جامع البيان : ٢٨/١٠٣ - ١٠٤ - ١٠٥. مُسند أحمد بن حنبل : ١/٣٣ - ٤٨ باختلاف في اللّفظ. الطبقات الكبرى لابن سعد : ٨/١٣١ط ليدن. الطبقات لابن سعد ٨/١٨٢ط بيروت باختصار.

الرَّضوي : وأورد حديث ابن عباس الزمخشري في تفسيره حقائق التنزيل : ٤/١٢٧، وابن حجر العسقلاني


٤- روى مسلم بسنده عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب رواية طويلة قال فيها:

ونزلت هذه الأية- أية التخيير( عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً ) وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على رسول الله - (الحديث).(١)

٥- روي أحمد بن شعيب النسائي، عن ثابت، عن أنس :أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانت له أمة يطأها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرّمها على نفسه، فأنزل الله عزّ وجلّ :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .(٢)

٦- روى الطبري بسنده عن ابن عباس: قوله:( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) قال: كانت حفصة وعائشة متحابتين، وكانتا زوجتي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فذهبت حفصة إلى أبيها فتحدثت عنده،فأرسل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى جاريته، فظلت معه في بيت حفصة وكان اليوم الذي يأتي فيه عائشة، فرجعت حفصة فوجدتها في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها وغارت غيرة شديدة، فأخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسلم جاريته ودخلت حفصة، فقالت: رأيت من كان عندك، والله لقد سئتني، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

____________________

في فتح الباري بشرح صحيح البخاري : ٨/٥٣٣.

وأخرج الدار قطني عن ابن عباس، أنَّه قال :

وجدتْ حفصة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع أُمِّ إبراهيم في يوم عائشة، فقالت : لأُخبرنّه، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( هي علىَّ حرام إنْ قربتها)، فأخبرت عائشة بذلك، فأعلم الله عَزَّ وجَلَّ رسوله بذلك. فعرَّف حفصة بعض ما قالت، قالت له : مَن أخبرك ؟! قال : ( نبَّأني العليم الخبير ). فآلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن نسائه شهراً، فأنزل الله :( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) الآية. قال ابن عباس : فسألت عمر : مَن اللّتان تَظاهرتا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

فقال : حفصة وعائشة. سُنن الدار قطني : ٤/٤٢ - ٤٣.

(١) صحيح مسلم : ٤/١٨٩ط دار الفكر بيروت، كتاب الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء. وذكره المُتَّقي في كنز العمَّال : ١/٢٧٠ط حيدر آباد - الهند، وقال : أخرجه عبد بن حميد في تفسيره، وأبو يعلي، وابن مردويه.

(٢) صحيح النسائي ط المطبعة الميمنيَّة بمصر عام ١٣١٢ه- : ٢/١٤٠، مُستدرك الصحيحين : ٢/٤٩٣، وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم، السُنن الكبرى للبيهقي : ٧/٣٥٣.


(والله لأرضينك، فإنِّي مُسرٌّ إليك سِرَّاً فاحفظيه ).

قالت :ما هو ؟

قال : ( إنِّي أُشهدك أنَّ سريَّتي هذه عليَّ حرام ؛ رضاً لك ).

وكانت حفصة وعائشة تَظاهران على نساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فانطلقت حفصة إلى عائشة، فأسرَّت إليها أنْ أبشري أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد حرَّم فتاته، فلمَّا أخبرت بسرِّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أظهر الله عزَّ وجلَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليه، فأنزل الله على رسوله لمَّا تَظاهرتا عليه :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ ) إلخ(١) .

٧ - روى البيهقي بسنده، عن الضحاك :أنَّ حفصة أُمَّ المؤمنين زارت أباها ذات يوم، وكان يومها، فلمَّا جاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يَرها في المنزل، فأرسل إلى أمته ماريَّة القبطيَّة، فأصاب منها في بيت حفصة، فجاءت حفصة على تلك الحالة .

فقالت: يا رسول الله، أتفعل هذا في بيتي وفي يومي ؟!

قال : ( فإنَّها عليَّ حرام، لا تُخبري بذلك أحداً )، فانطلقت حفصة إلى عائشة، فأخبرتها بذلك : فأنزل الله عزَّ وجلَّ في كتابه :

( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ - إِلَى قَوْلِهِ -وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) .

فأُمر أنْ يُكفِّر عن يمينه، ويُراجِع أمته(٢) .

قال : وبمعناه ذكره الحسن البصري مُرسَلا.

٨ - ثمَّ روى بسنده، عن مسروق، أنّه قال :

إنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيت حفصة، فدخلت فرأت فتاته معه ؛ فقالت : في بيتي ويومي ؟!

فقال : ( أسكُتي، فو الله لا أقربها وهي عليَّ حرام )(٣) .

٩ - روى ابن سعد بسنده، عن شعبة قال : سمعت ابن عباس يقول :

____________________

(١) تفسير الطبري : ٢٨/١٠١. السُنن الكبري البيهقي : ٧/٣٥٢. الطبقات الكبرى لابن سعد : ٨/١٣٥ عن عروة بن الزبير، باختلاف في اللفظ، وقال في آخره : ثيّبات وأبكاراً.

(٢) السُّنن الكبرى : ٧/٣٥٣.

(٣) السُنن الكبرى : ٧/٣٥٣.


خرجت حفصة مِن بيتها، وكان يوم عائشة، فدخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بجاريته وهي مُخمِّرة وجهها، فقالت حفصة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

أما أنِّي قد رأيت ما صنعت.

فقال لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( فاكتُمي عنِّي، وهي عليَّ حرام ).

فانطلقت حفصة إلى عائشة، فأخبرتها وبشَّرتها بتحريم القبطيَّة، فقالت له عائشة : أمَّا يومي فتُعرِّس فيه القبطيَّة، وأمَّا ساير نسائك، فتُسلِّم لهن أيَّامهُنَّ، فأنزل الله.

( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً - لحفصة -فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ * إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا - يعني عائشة وحفصة -وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ - يعني حفصة وعائشة -فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ ) الآية، فتركهنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسعاً وعشرين ليلة، ثمَّ نزل :( يَا أَچُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )، رأمر فكفَّر يمينه، وحبس نساءه عليه $ ١ ) "


١٠ - روى ابن سعد بسنده، عن محمد بن جبير بن مطعم، قال :

خرجت حفصة مِن بيتها، فبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى جاريته، فجاءته في بيت حفصة، فدخلت عليه حفصة، وهي معه في بيتها. فقالت : يا رسول الله في بيتي، وفي يومي، وعلى فراشي ؟!

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( اسكُتي، فلك يمين الله لا أقربها أبداً، ولا تذكريه ).

فذهبت حفصة، فأخبرت عائشة فأنزل الله :

( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) ،فكان ذلك التحريم حلالاً . ثمَّ قال :( قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ) ،فكفَّر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن يمينه حين آلى . ثمَّ قال :( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً - يعني حفصة -فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ - حين أخبرت عائشة -وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ ) - يعني حفصة - لما أخبره الله قالت حفصة :( قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ * إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا - يعني حفصة وعائشة -وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ - لعائشة، وحفصة - فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ ) الآية. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( ما أنا بداخل عليكنَّ شهراً)(١) .

١١ - روى المُتَّقي، عن ابن عباس، قال :قلتُ لعمر بن الخطاب : مَن المرأتان اللتان تَظاهرتا ؟

قال :عائشة وحفصة .وكان بدأ الحديث في شأن ماريَّة أُمِّ إبراهيم القبطيَّة، أصابها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيت حفصة، في يومها ؛ فوجدت حفصة ؛ فقالت : يا نبيَّ الله، لقد جئت إليَّ شيئاً، ما جئته إلى أحدٍ مِن أزواجك في يومي، وفي داري، وعلى فراشي ! قال : ( ألا ترضين أنْ أُحرِّمها، فلا أقربها ؟ ).

قالت : بلى. فحرَّمها وقال : ( لا تذكري ذلك لأحدٍ ).

فذكرته لعائشة، فأظهره الله عليه، فأنزل الله :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ ) ،الآيات كلَّها، فبلغنا أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كفَّر عن يمينه، وأصاب جاريته .

قال : أخرجه ابن جرير، وابن المنذر(٢) .

١٢ - روى المُتَّقي، عن ابن عباس، قال :كنَّا نسير، فلَحِقنا عمر بن الخطاب، ونحن نتحدَّث في شأن حفصة وعائشة فسكتنا حين لحقنا . فقال :ما بالُكم سكتُّم حين رأيتموني ؟ فأي شيء تُحدِّثون ؟

قالوا :لا شيء يا أمير المؤمنين . قال :عزمت عليكم لتُحدِّثوني .

قالوا :تذاكرنا عن شأن عائشة وحفصة، وشأن سودة .

فقال عمر :

____________________

(١) الطبقات الكبرى : ٨/١٣٥١٣٤ط ليدن، وروى ابن سعد في ص١٣٥، عن أُمِّ سلمة مِثل ذلك.

(٢) كنز العمَّال : ١/٢٧١ط حيدر آباد - الهند.


أتاني عبد الله بن عمر، وأنا في بعض حشوش المدينة.

فقال :إنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طلَّق نساءه .

قال عمر :فدخلت على حفصة، وهي قائمة تلتدم (١) - إلى أنْ قال - فقلتُ : يا رسول الله،أطلّقت نساءك فغضب وقال لي :

قُمْ عنِّي، فخرجت فمكث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسعاً وعشرين ليلة.

ثمَّ إنَّ الفضل بن العباس نزل بالكَتف وفيها [ نزل ] :

( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) السورة كلَّها.

ونزل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال : أخرجه ابن مردويه(٢) .

١٣ - روى المُتَّقي، عن ابن عباس، قال :أردت أنْ أسأل عمر بن الخطاب، عن قوله عَزَّ وجلَّ :( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ) ،فكنت أهابه، حتَّى حَجَجْنا معه، فلمَّا قضينا حَجَّتنا، قال :

مرحبا بابن عم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ما حاجتك ؟

قلت :أخْبِرني عن قول الله عزَّ وجلَّ :( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ) مَن هما ؟

قال :ما سئل بذلك أحد أعلم بذلك منِّي - وساق الحديث إلى أنْ قال -حتَّى إذا كان يوم حفصة قالت : يا رسول الله، لي حاجة إلى أبي، فأذن لي آتيه ؛ فأذن لها. ثمَّ أرسل إلى ماريَّة جاريته، فأدخلها بيت حفصة، فوقع عليها.

فقالت حفصة : فوجدتُ الباب مُغلَقاً، فجلست عند الباب، فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو فزع وجهه يَقطر عرقاً، وحفصة تبكي.

فقال : ( ما يبكيك ؟! ).

فقالت: أما أذنت لي مِن أجل هذا، أدخلت أمتك بيتي، ثمَّ وقعت عليها على فراشي، ما كنت تصنع هذا بامرأة منهنَّ.

أما والله،لا يحلُّ لك هذا يا رسول الله.

فقال : ( والله ما صدقتِ، أليس هي جاريتي؟ وقد أحلّها الله لي ؟

أشهد أنَّها عليَّ حرام ؛ ألتمس

____________________

(١) اللَّدم : ضرب الوجه والصدر.

(٢) كنزل العمَّال : ١/٢٧١ حيدر آباد - الهند.


رضاك، لا تُخبري بهذا امرأة منهنَّ ؛ فهي عندك أمانة ).

فلمَّا خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرعت حفصة بالجدار الذي بينها، وبين عائشة فقالت : ألاْ أُبشِّرك أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد حرَّم عليه أمته، وقد أراحنا الله منها ؛ فأنزل الله :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) .

ثمَّ قال :( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ) ،فهي عائشة وحفصة، كانت لا تَكتم احديهما الأُخرى شيئاً . ( الحديث ).

قال :أخرجه الطبراني في الأوسط، وابن مردويه(١) .

١٤ - روى الدار قطني بسنده، عن ابن عباس، عن عمر قال :

دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأُمِّ ولده ماريَّة، في بيت حفصة، فوجدته حفصة معها ؛ فقالت له : تُدخلها بيتي ! ما صنعتَ بي هذا مِن بين نسائك إلاّ مِن هواني عليك.

فقال : ( لا تذكري هذا لعائشة، فهي عليَّ حرام إنْ قربتها ).

قالت حفصة: وكيف تَحرُم عليك وهي جاريتك ؟

فحلف لها : ( لا أقربها ).

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( لا تذكريه لأحدٍ ).

فذكرته لعائشة ؛ فآلى لا يدخل على نسائه شهراً ؛ فاعتزلهُنَّ تسعاً وعشرين ليلة، فأنزل الله :( لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) الآية.

قال : والحديث بطوله طويل.

ثمَّ روى رواية أُخرى، عن ابن عباس، قال :

١٥ -وجدتْ حفصة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع أُمِّ إبراهيم في يوم عائشة .

فقالت :لأُخبرنَّها . فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( هي عليَّ حرام إنْ قربتها ).

فأخبرت عائشة بذلك، فأعلم الله عزَّ وجلَّ رسوله ذلك، فعرَّف حفصة بعض ما قالت.

قالت له :مَن أخبرك ؟ قال :( نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ) فآلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن نسائه شهراً ؛ فأنزل الله .( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) الآية.

قال ابن عباس :

____________________

(١) كنز العمَّال : ١/ ٢٧٢.


فسألت عمر : مَن اللتان تظاهرتا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

فقال :حفصة وعائشة (١) .

١٦ - الزمخشري في تفسير قوله تعالى :( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ) التحريم : ١٠ - ١٢.

قال الزمخشري :وفي طَيِّ هذين التمثيلين تعريض بأُمَّي المؤمنين - يعني بهما عائشة وحفصة -المذكورتين في أوَّل السورة، وما فُرِّط منهما مِن التظاهر على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما كرهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشدِّه ؛ لِما في التمثيل مِن ذِكر الكُفر، ونحوه في التغلظ قوله تعالى :( وَمَن كَفَرَ فَإِنّ اللّهَ غَنِيّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) .

ثمَّ قال :وأشار إلى أنَّ مِن حَقِّهما أنْ تكونا، في الإخلاص والكمال فيه، كمَثل هاتين المؤمنتين، وأنْ لا تَتَّكلا على أنَّهما زوجا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛فإنَّ ذلك الفضل لا ينفعهما إلاَّ مع كونهما مُخلصتين .

والتعريض بحفصة أرجح ؛ لأنَّ امرأة لوط أفشت عليه، كما أفشت حفصة على رسول الله(٢) .

وقال الفخر الرازي - أيضاً في تفسيره الكبير - ما لفظه :

وفي ضمن هذين التَّمثيلين تعريض بأُمَّي المؤمنين، وهما حفصة وعائشة ؛ لما فُرِّط منهما، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشدِّه ؛ لِما في التمثيل مِن ذكر الكُفر ( انتهى )(٣)

____________________

(١) سُنن الدار قطني : ٤/٤١ - ٤٢ رقم الحديث ١٢٢ - ١٢٣.

(٢) تفسير الكشَّاف : ٤/١٣١.

(٣) مفاتيح الغيب : ٣٠/٤٩، في تفسير قوله تعالى :( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ ) الآية.


( في بيان المراد مِن صالح المؤمنين )

المؤلِّف : إنَّك قد عرفت مِن أوَّل هذا الباب إلى هنا - مَتنا وهامشاً - أنَّ المُراد مِن المرأتين، اللتين قال الله تعالى فيهما :( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) عائشة وحفصة، وأنَّ المُراد مِن صغت قلوبكما، أي: أثمت قلوبكما، ومالت عن الحَقِّ.

وأنَّ المُراد مِن المرأتين المُتظاهرتين على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هما : عائشة وحفصة أيضاً.

وأنَّ التظاهر على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو التعاون عليه بالإيذاء.

وأنَّ المُراد مِن بعض أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي أسرَّ إليها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حديثاً، وأفشت عليه، وأخبرت به، ولم تكتمه كما أمرها به، هي : حفصة.

ولكنْ : مَن المُراد مِن صالح المؤمنين، الذي قال الله تعالى :( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) ؟

فنقول : إنَّ المُراد منه هو : أمير المؤمنين، علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

وقد ورد في ذلك روايات كثيرة. ونحن نذكر لك ههنا جُملةً منها، مِمَّا ظفرنا عليه على العَجالة.

١ - السيوطي في ذيل تفسير قوله تعالى :( فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) في سورة التحريم.

قال : وأخرج ابن مردويه، عن أسماء بنت عميس : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( وصالح المؤمنين - قال: - علي بن أبي طالب ).

وقال أيضاً :

وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر، عن ابن عباس، في قوله :( وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) .

قال : هو علي بن أبي طالب(١) .

٢ - روى المُتَّقي، عن علي، قال :

____________________

(١) الدُّرُّ المنثور : ٦/٢٤٤.


قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، في قوله :( وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) ، قال :( هو علي بن أبي طالب ).قال : أخرجه ابن أبي حاتم(١) .

٣ - ابن حجر العسقلاني : وأخرج الطبري، عن مجاهد : أنَّ صالح المؤمنين علي بن أبي طالب.

وقال أيضاً :

٤ - وذكر النقاش، عن ابن عباس، ومحمد بن علي الباقر، وابنه جعفر بن محمد الصادق : ( أنَّ صالح المؤمنين علي بن أبي طالب )(٢) .

٥ - قال ابن حجر الهيتمي المَكِّي، في حديث ورد موقوفاً، ومرفوعاً :

صالح المؤمنين عليٌّ كرَّم الله وجهه(٣) .

قال ابن أبي بكر الهيثمي :وعن حبيب بن يسار، لمَّا أُصيب الحسين بن علي، قام زيد بن أرقم على باب المسجد .

فقال :أفعلتموها ؟! أشهد لسمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :

( اللَّهمَّ، إنِّي أستودعكهما، وصالح المؤمنين ).

فقيل لعبيد الله بن زياد :إنَّ زيد بن أرقم قال : كذا وكذا ؟

قال :شيخ قد ذهب عقله .

قال : رواه الطبراني.

المؤلِّف : والمُراد مِن ضمير التثنية، في قوله :

( اللَّهمَّ، إنِّي أستودعكهما ) : هو الحسن والحسينعليهما‌السلام ، والمراد مِن صالح المؤمنين : هو عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

فالمعنى هكذا : اللَّهمّ، إنِّي أستودعك الحسن والحسين، وعليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام .

____________________

(١) كنز العمَّال : ١/٢٣٧، ط حيدر آباد - الهند.

(٢) فتح الباري في شرح صحيح البخاري : ١٣/٢٧. هكذا نقله المؤلِّف مِن طبعة مُصطفى البابي الحلبي عام ١٣٧٦ه-.

(٣) الصواعق المُحرقة ص١٤٤ط مصر.


ولذا لمَّا قيل لعبيد الله بن زياد : إنَّ زيد بن أرقم قال : كذا وكذا، غضب وقال : ذاك شيخ قد ذهب عقله(١) .

* * *

____________________

(١) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : ٩/١٩٤.


٢ - باب ( في احتيال عائشة وحفصة مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتواطيهما على الكذب )(*) .

١ - روى البخاري بسنده، عن عبيد بن عمير، يقول :سمعتْ عائشة أنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يَمكث عند زينب ابنة جحش، ويشرب عندها عَسلاً [ تقول : ]فتواصيتُ أنا وحفصة أنْ أيَّتُنا دخل عليها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلتقُل : إنِّي أجد منك ريح مَغافير (١) ،أكلتَ مغافير ؟

فدخل على احديهما، فقالت له ذلك.

فقال : ( لا، بلْ شَربت عسلاً عند زينب ابنة جحش، ولنْ أعود له ) ؛ فنزلت :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ - إلى قوله -إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ ) لعائشة وحفصة( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ ) لقوله : ( بلْ شربت عسلاً )(٢) .

____________________

(*) فيه ثلاثة أحاديث.

(١) مغافير جمع المغفر، وهو صمغ يَسيل مِن بعض الأشجار.

(٢) صحيح البخاري بحاشية السندي : ٣/٢٧٢، كتاب الطلاق، باب :( لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) . المُسند : ٦/٢٢١. السُّنن الكبرى للبيهقي : ٧/٣٥٣. حلية الأولياء : ٣/٢٧٦. الطبقات الكبرى : ٨/٧٦ط ليدن. صحيح مسلم ط استانبول : ٤/١٨٤، كتاب الطلاق، باب وجوب الكفارة على مَن حَرَّم امرأته.

صحيح البخاري ط استانبول : ٦/٦٨، سورة التحريم، باب :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) ، وزاد بعد قوله : ( فلنْ أعود له ) : وقد حلفتُ لا تُخبري بذلك أحداً.

صحيح البخاري : ٧/٢٣٢، باب إذا حرَّم طعامه. سُنن النسائي : ٦/١٥١ - ١٥٢،( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) .

الطبقات الكبرى : ٨/١٠٧ط بيروت. مُسند أحمد بن حنبل : ٦/٢٢١. سُنن أبي داود : ٢/٣٦١، كتاب الأشربة، باب شراب العسل، رواه بطريقين ط دار الجنان بيروت.


٢ - روى ابن سعد بسنده، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قلَّ يوم إلاَّ وهو يطوف على نسائه، فيدنو منه أهله، فيضع يده ويقبِّل كلَّ امرأة مِن نسائه، حتَّى يأتي على آخرهن، فكان يومها قعد عندها، وإلاّ قام فكان إذا دخل بيت أُمِّ سلمة، يحتبس عندها، فقلت أنا وحفصة - وكانتا جميعا يداً واحدة - ما نرى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمكث عندها إلاَّ أنْ يخلو معها - تعنيان الجُماع - .

قالت :واشتدَّ ذلك علينا، حتَّى بعثنا مَن يطَّلع لنا ما يحبسه عندها، فإذا هو إذا صار إليها أخرجت له عَكَّة مِن عسل، فتحت له فَمَها، فيلعق منه لقماً، وكان العسل يُعجبه، فقالتا ما مِن شيء نُكرِّهه إليه حتَّى لا يلبث في بيت أُمِّ سلمة .

فقالتا : ليس شيء أكره إليه مِن أنْ يُقال : نجد منك ريحَ شيء، فإذا جاءك، فدنا منك ؛ فقولي :

إنِّي أجد منك ريحَ شيء ؛ فإنه يقول : مِن عسل أصبتُه عند أُمِّ سلمة، فقولي له :

أرى نحله(١) جَرَسَ(٢) عُرفطاً(٣) ، فلمَّا دخل على عائشة، فدنا منها.

قالت :إنِّي لأجد منك شيئاً، ما أصبت ؟

فقال : ( عسل مِن بيت أُمِّ سلمة ).

فقالت :يا رسول الله، أرى نحله جرس عُرفطاً.

ثمَّ خرج مِن عندها، فدخل على حفصة، فدنا منها، فقالت مِثل الذي قالت عائشة.

فلمَّا قالتاه ؛ اشتدَّ عليه ؛ فدخل على أُمِّ سلمة بعد ذلك، فأخرجت له العسل.

فقال :أخرجيه عنِّي لا حاجة لي فيه .

فقالت :

____________________

(١) النحل : ذُباب العسل.

(٢) جَرَسَ الشيء : لحسه بلسانه.

(٣) عُرفط بالضمِّ : شجر مِن العضاة. والعضاة : كلُّ شجر يعظم، وله شوك.


فكنتُ - والله - أرى أنْ قد أتينا أمراً عظيماً، منعنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئاً كان يشتهيه(١) .

٣ - روى الحاكم بسنده، عن أبي أسيد الساعدي - وكان بدريَّاً - قال :

تزوَّج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أسماء بنت النعمان الجونيَّة، فأرسلني، فجئت بها.

فقالت حفصة لعائشة :أخضبيها أنتِ، وأنا أُمشِّطها، ففعلتا .

ثمَّ قالت لها احداهما :إنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُعجبه مِن المرأة، إذا دخلت عليه أنْ تقول :

أعوذ بالله منك، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكُمِّه على وجهه، فاستتر به.

وقال : ( عذتُ بمُعاذ ثلاث مَرَّات ).

قال أبو أسيد :

ثمَّ خرج إليَّ فقال يا أبا أسيد : ( ألحِقها بأهلها ومتعها برازقيتين )، يعني : كرباسين(٢) .

٤ - ورواه ابن سعد، وقال في آخره :

فكانت تقول -يعني أسماء بنت النعمان - : ادعوني الشقيَّة.

ثمَّ روي عن عباس بن سهل، قال : سمعت أبا أسيد الساعدي يقول:

لما طلعت بها على الصَّرم(٣) تصايحوا وقالوا :

إنَّك لغير مُباركٍ، ما دهاك ؟!

فقالت :خُدِعت (٤) .

* * *

____________________

(١) الطبقات الكبرى : ٨/١٢٢ط ليدن الطبقات : ٨/١٧٠ ط بيروت.

(٢) مُستدرك الصحيحين : ٤/٣٧.

(٣) الصَّرم : الهَجر والقطيعة.

(٤) الطبقات الكبرى : ٨/١٠٤ط ليدن.


المقصد الخامس

في بيان ما يختصُّ بعائشة وفيه أبواب



١ - باب ( في سوء أدب عائشة مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسوء تعبيرها للرؤيا )(*) .

١ - روى أبو داود بسنده، عن النعمان بن بشير، قال :

استأذن أبو بكر على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فسمع صوت عائشة عالياً، فلمَّا دخل تناولها ليلطمها وقال :

لا أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،فجعل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحجزه. ( الحديث )(١) .

٢ - روى أحمد بن حنبل، عن النعمان بن بشير، قال :

جاء أبو بكر يستأذن على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،فسمع صوت عائشة، وهي رافعة صوتها على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأذن له فدخل .

فقال :يا ابنة أمُّ رومان - وتناولها - أترفعين صوتك على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال :فحال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________________

(*) فيه ثمانية أحاديث.

(١) سُنن أبي داود : ٢/٧١٨، رقم الحديث ٤٩٩٨ ط دار الجنان، باب ما جاء في المزاح.


بينه وبينها . ( الحديث )(١) .

٣ - روى ابن سعد بسنده، عن ابن المسيب، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبي بكر : ( يا أبا بكر، الأُتعذرني مِن عائشة ؟ ).

قال :فرفع أبو بكر يده، فضرب صدرها ضربةً شديدةً . ( الحديث )(٢) .

٤ - روى أحمد بن شعيب النّسائي بسنده، عن عبادة بن الصامت، أنَّ عائشة قالت :التمست رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأدخلت يدي في شعره.

فقال : ( قد جاءك شيطانك ؟! ).

فقلت :أما لك شيطان ؟

فقال : ( بلى، ولكنَّ الله أعانني عليه فأسلم )(٣) .

٥ - روى الإمام مالك بسنده، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، عن عائشة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنَّها قالت :

كنتُ أنام بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني، فقبضت رُجلي فإذا قام بسطتهما . ( الحديث )(٤) .

المؤلِّف : ورواه الطحاوي أيضاً، في شرح معاني الآثار، في باب المرور بين يدي المُصلِّي.

٦ - ولفظه بعد ذكر السند، عن عائشة، قالت :

كنتُ أمدُّ رجلي قبلة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو يُصلِّي فإذا سجد غمزني فرفعتهما، فإذا قام

____________________

(١) المُسند : ٤/٢٧٣.

(٢) الطبقات الكبرى : ٨/٥٦ط ليدن الطبقات : ٨/٨١ط بيروت.

(٣) صحيح النسائي : ج٢ باب الغرَّة ط الميمنيَّة بمصر عام ١٣١٢ ه-.

(٤) الموطِّأ : ١/١١٧، كتاب الصلاة الليل - باب ما جاء في صلاة الليل.


مددتهما.

٧ - ثمَّ روي، عن أبي سلمة :أنَّ عائشة أخبرتني أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يُصلِّي، وهي مُعترضة أمامه في القبلة، فإذا أراد أنْ يوتر غمزها برجله، فقال : تنحِّي .

ثمَّ إنَّ الروايات في هذا المعنى جِدَّاً، ولكنَّا قد اقتصرنا فيه على ما ذكرناه وبه الكفاية.

٨ - روى الدارمي بسنده، عن عائشة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قالت :كانت امرأة مِن أهل المدينة، لها زوج تاجر يختلف، فكانت ترى رؤيا كلَّما غاب عنها زوجها، وقلَّما يغيب إِلاَّ تركها حاملاً، فتأتي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،فتقول :

إنَّ زوجي خرج تاجراً، فتركني حاملاً فرأيت فيما يرى النائم أنّ سارية بيتي انكسرت، وإنِّي ولدت غلاماً أعوراً، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( خيرٌ، يرجِع زوجك عليك إنْ شاء الله تعالى صالحاً، وتلدين غُلاماً برّاً ).

فكانت تراها مَرَّتين، أو ثلاثاً، كلُّ ذلك تأتي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيقول ذلك لها.

فيرجع زوجها، وتلد غُلاماً.

فجاءت يوماً، كما كانت تأتيه، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غائب، وقد رأت تلك الرؤيا، فقلت لها : عَمَّ تسألين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يا أمَةَ الله ؟

فقالت :رؤيا كنتُ أراها ؛ فآتي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،فأسأله عنها، فيقول : خيراً ؛ فيكون كما قال :

فقلت :فأخبريني ما هي .

قالت :حتَّى يأتي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،فأعرضُها عليه، كما كنت أعرض. فو الله ما تركتُها حتَّى أخبرتني .

فقلت :والله، لئن صَدَقت رؤياك، ليموتَنَّ زوجك، وتلدين غُلاماً فاجراً، فقعدت تبكي .

فقالت :


مالي حين عرضت عليك رؤياي.

فدخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي تبكي.

فقال لها : ( مالها - يا عائشة - ؟ ).

فأخبرته الخبر، وما تأولت لها.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( مَه - يا عائشة - إذا عبَّرتم للمسلم الرؤيا فأعبروها على الخير ؛ فإنَّ الرؤيا تكون على ما يُعبرِّها صاحبها ).

فمات - والله - زوجها، ولا أرها إلاَّ ولدت غُلاماً فاجراً(١) .

* * *

____________________

(١) سُنن الدارمي : ٢/١٣١.


٢ - باب ( في شِدَّة حَسد عائشة وبُخلها )(*) .

١ - روى البخاري بسنده، عن عائشة :أنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لعائشة وحفصة، وكان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدَّث ؛ فقالت حفصة : ألاْ تركبين الليلة بَعيري، وأركب بَعيرك تنظرين وانظر .

فقالت :بلى. فركبت، فجاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلَّم عليها. ثمَّ سار حتَّى نزلوا وافتقدته عائشة، فلمَّا نزلوا جعلت رجليها بين الإذخِر، وتقول : يا ربِّ، سلِّط عليَّ عقرباً، أو حيَّة تلدغني، ولا أستطيع أنْ أقول له شيئاً (١) .

٢ - روى مسلم بسنده، عن عائشة :أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج مِن عندها ليلاً .[ قالت : ]فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع .

فقال : ( مالك يا عائشة أغرتِ ؟! ).

[ قالت : ] فقلت :ومالي لا يَغار مِثلي على مِثلك .

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( أقد جاءك شيطانك ؟! ).

قالت :يا رسول الله، أو معي

____________________

(*) فيه عشرة أحاديث.

(١) صحيح البخاري : بحاشية السندي : ٣/٢٦٢، كتاب النكاح، باب القرعة بين النساء، إذا أراد سفراً. صحيح البخاري ط استانبول : ٦/١٥٤.


شيطان ؟!

قال :نعم . ( الحديث )(١) .

٣ - روى الترمذي بسنده، عن أنس قال :

أهدت بعض أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طعاماً في قَصعَة، فضربت عائشة القَصعَة بيدها ؛ فألقت ما فيها.

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( طعامٌ بطعامٍ، وإناءٌ بإناء )(٢) .

٤ - روى النّسائي بسنده، عن عائشة، قالت :ما رأيت صانعة طعام مِثل صفيَّة، أهدت إلى النب يصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إناءً فيه طعام ؛ فما ملكت نفسي أنْ كَسَرْته، فسألت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن كفَّارته .

فقال : ( إناءٌ كإناء، وطعامٌ كطعامٍ )(٣) .

٥ - روى ابن ماجة بسنده، عن رجل مِن بني سواة، قال :

قلت : لعائشة أخبريني عن خُلُق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قالت : أوَ ما تقرأ القرآن :( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) .

قالت :كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع أصحابه، فصنعتُ له طعاماً، وصنعتْ له حفصة طعاماً .

قالت :فسبقتني حفصة .

فقلت للجارية :انطلقي فأكفئي قَصعتها، فلحقتها - وقد همَّت أنْ تضع بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم -فاكفأتها ؛ فانكسرت القَصعة وانتشر الطعام .

قالت :فجمعها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما فيها مِن الطعام، على النَّطع، فأكلوا. ثمَّ بعث بقَصعتي فدفعها إلى حفصة .

قال : ( خذوها، ظرفاً مكان ظرف، وكلوا ما فيها ).

قالت :فما رأيت ذلك في وجه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٤) .

٦ - روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن عائشة، قالت: بعثت صفيَّة إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بطعام، قد صنعته له، وهو هندي، فلمَّا رأيت الجارية أخذتني رعدة - إلى

____________________

(١) صحيح مسلم : ٤/٢١٦٨، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. مُسند أحمد بن حنبل : ٦/١١٥.

(٢) صحيح الترمذي : ١/٢٥٤ط بولاق عام ١٢٩٢ه-.

(٣) صحيح النسائي : ٢/، باب الغيرة ط مصر عام ١٣١٢ه-.

(٤) سُنن ابن ماجة : ٢/٧٨١ - ٧٨٢. المُسند : ٦/١١١. مُشكل الآثار للطحاوي : ٤/٣١٧.


أنْ قالت- فضربتُ القَصعة، فرميت بها .

قالت :فنظر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،فعرفت الغضب في وجهه .

فقلت :أعوذ برسول الله، أنْ يلعنني اليوم - إلى أنْ قالت - قلت : وما كَفَّارته، يا رسول الله ؟

قال : ( طعام كطعامها، وإناء كإنائها )(١) .

٧- روى الطحاوي بسنده، عن أُمِّ سلمة :أنَّها جاءت بطعام في صَحفَة لها، إلى الن بيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه، فجاءت عائشة مُلتفَّة بكساء، ففلقت الصحفة، فجمع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين فِلقَي الصَحفَة .

وقال : ( كُلوا، غارت أُمُّكم )مَرَّتين، ثمَّ أخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صحفة عائشة فبعث بها الى ام سلمة وأعطى أم سلمة لعائشة (٢) .

٨ - روى الدار قطني بسنده، عن أنس قال :كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيت عائشة، معه بعض نسائه، ينظرون طَعِيماً .

[ قال : ]فسبقتها حفصة بصَحيفة فيها ثريد، [ قال : ] فوضعتها ؛ فخرجت عائشة فأخذت الصحفة ، [ قال : ] -وذلك قبل أنْ يُحجَّبن - [ قال : ]فضربت بها فانكسرت، فأَخذها نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيده ، [ قال : ]فضمها، وقال :

( غارت أُمُّكم ) -مَرَّتين -، وأرسل بالصَحفَة إِلى حَفصَة، وأرسل بالمكسورة إلى عائشة، فصارت قضيَّة : مَن كسر شيئاً فهو له، وعليه مِثله (٣) .

٩ - الإمام مالك بن أنس في كتاب الصدقة، ولفظه :

وحدَّثني عن مالك، قال : بلغني أنَّ مِسكينا استطعم عائشة، أُمَّ المؤمنين، وبين يديها عِنَب.

فقالت لإنسان :

خُذْ حَبَّة فأعطه إيَّاها، فجعل ينظر إليها ويَعجب، فقالت عائشة :

كمْ ترى في هذه الحَبَّة مِن مِثقال ذرَّة(٤) .

١٠ - روى الحاكم بسنده، عن عائشة، قال :

____________________

(١) مُسند أحمد بن حنبل : ٦/٢٧٧.

(٢) مُشكل الآثار : ٤/٣١٦.

(٣) سُنن الدارقطني : ٤/١٥٣ط عالم الكتب بيروت. مُسند أحمد بن حنبل : ٣/١٠٥، باختلاف في اللّفظ.

(٤) الموطِّأ : ٢/٩٩٧، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، باب الترغيب في الصَّدقة.


أَهديت ماريَّة إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومعها ابن عَمٍّ لها، [ قالت : ] فوقع عليها، تعني : النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقعة فاستمرَّت حاملا [ قالت : ] فعزلها عند ابن عَمِّها [ قالت : ]

فقال أهل الإفك والزور :مِن حاجته إلى الولدان ادَّعى وَلَد غيره .

وكانت أُمُّة قليلة اللبن، فابتاعت له ضائنة لبون، فكان يَغذْي بلبنها، فحسن عليه لحمه.

قالت عائشة :فدخل به على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذات يوم .

فقال : ( كيف ترين ؟ ).

فقلت :مَن غَذِيَ بلحم الضأن يَحسُن لحمه .

قال : ( ولا الشَّبَه ؟ ).

قالت :فحملني ما يحمل النساء مِن الغِيرَة أنْ قلت : ما أرى شيئاً [ قالت : ] وبلغ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما يقول الناس .

فقال لعلي : ( خُذْ هذا السيف، فانطلق فاضرب عُنق ابن عَمِّ ماريَّة حيث وجدته ) [ قالت : ]فانطلق، فإذا هو في حائط على نخلة، يخترق رطباً [ قال : ] فلمَّا نظر إلى عليٍّ، ومعه السيف ؛ استقبلته رَعْدَة [ قال : ] فسقطت الخرقة، فإذا هو لم يَخلق الله عزَّ وجلَّ ما للرجال، شيء ممسوح (١) .

* * *

____________________

(١) مُستدرك الصحيحين : ٤/٣٩.


٣ - باب ( في احتيال عائشة مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(*) .

١ - روي البخاري بسنده، عن عائشة، قال :

كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُحبُّ العسل والحلواء، وكان إذا انصرف مِن العصر، دخل على نسائه، فيدنو مِن إحداهنَّ، فدخل على حفصة بنت عمر، فاحتبس أكثر ما كان يحتبس ؛ فغرت ؛ فسألت عن ذلك. فقيل لي : أهدت لها امرأة مِن قومها عَكَّة مِن عسل فسقت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منه شِربة.

فقلت : أما والله،لنَحتالنَّ له .

فقلت لسودة بنت زمعة :إنَّه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي :

أَكلتَ مَغافير(١) ؛ فإنَّه سيقول لك : لا.

فقولي له :ما هذه الريح التي أَجد منك ؛ فإنَّه سيقول : سقتني حفصة شِربة عسل .

فقولي له :

____________________

(*) فيه ثلاثة أحاديث.

(١) قد تقدَّم في المقصد السابق، في باب احتيال عائشة وحفصة، معنى مغافير، ومعنى النحل، ومعنى جَرَسَ، ومعنى عُرفط. فراجع الهامش ولا نُعيد.


جَرَسَت نحله العُرفط.

وسأقول ذلك.

وقولي أنت - يا صفيَّة - ذلك.

قالت :

تقول سودة :فوالله، ما هو إلاّ أنْ قام على الباب، فأردت أنْ أُبادية بما أمرتني به فَرَقاً منك، فلمَّا دنا منها.

قالت له سودة: يا رسول الله، أكلتَ مغافير ؟

قال : ( لا ). قالت :فما هذه الريح التي أجد منك ؟!

قال : ( سقتني حفصة شِربة عسل ).

فقالت :جَرَست نحله العُرفط، فلمَّا دار إليَّ، قلت له نحو ذلك، فلمَّا دار إلى صفيَّة، قالت له مِثل ذلك .فلمَّا دار إلى حفصة، قالت :يا رسول الله، ألا أسقيك منه ؟

قال : ( لا حاجة لي فيه ). قالت سودة :والله، لقد حَرَمْناه، قلت لها اسكُتي (١) .

ورواه في كتاب المُحاربين باب رجم الحُبلى.

٢ - روى ابن سعد بسنده، عن ابن عباس، قال :

تزوَّج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أسماء بنت النعمان، وكانت مِن أجمل أهل زمانها وأشبه.

قال : فلمَّا جعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتزوَّج الغرائب، قالت عائشة : قد وضع يده في الغرائب، يوشكنَ أنْ يَصرفنَ وجهه عنَّا، وكان خَطبها حين وفدت كندة عليه إِلى أَبيها، فلمَّا رآها نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حَسدنَها. فقلن لها : إنْ أردت أنْ تَحظي عنده ؛ فتعوَّذي بالله منه إذا دخل عليك. فلمَّا دخل وألقى الستر مَدَّ يده إليها.

فقالت :أَعوذ بالله مِنك. فقال : ( أمِن عائذ الله ألحقي بأهلك )(٢) .

٣ - وروي بسنده، عن أَبي معشر، قال :تزوَّج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مليكة بنت كعب، وكانت تُذكَر بجمالٍ بارعٍ، فدخلت عليها عائشة

____________________

(١) صحيح البخاري : ٦/١٦٧ ط استانبول، كتاب الطلاق، باب :( لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ ) . صحيح البخاري بحاشية السندي: ٣/٢٧١. صحيح مسلم : ٤/١٨٥ط استانبول دار الفكر بيروت. السُّنن الكبرى للبيهقي : ٧/٣٥٤. الطبقات الكبرى لابن سعد : ٨/٥٩ط ليدن. الطبقات : ٨/٨٥ ط بيروت.

(٢) الطبقات الكبرى : ٨/١٠٤ط ليدن. الطبقات : ٨/١٤٥ ط بيروت.


فقالت لها :أما تستحين أنْ تُنكحي قاتل أَبيك ؛ فاستعاذت مِن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛فطلَّقها، فجاء قومها إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقالوا يا رسول الله :إِنِّها صغيرة، وإِنَّها لا رأي لها، وإنَّها خُدِعت فارتجعها . ( الحديث )(١) (٢) .

* * *

____________________

(١) المصدر نفسه : ٨/١٠٦ط ليدن. الطبقات : ٨/١٤٨ ط بيروت.

المؤلِّف : وذكره ابن حجر العسقلاني، وقال : وكان أبوها قتل يوم فتح مَكَّة، قتله خالد بن الوليد. إلخ.

الرضوي : وذكر العسقلاني، أنَّ أباها قتله خالد بن الوليد، قال : فاستعاذت مِن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فطلَّقها، فجاء قومها يسألونه أنْ يُراجعها، واعتذروا عنها بالصغر، وضعف الرأي وأنَّها خُدعت، فأبى. فاستأذنوا أنْ يُزوِّجوها قريباً لها، مِن بني عذرة، فأذن لهم. انظر الإصابة في تمييز الصحابة : ٤/٤١٠ ط مصر.

(٢)المؤلِّف :الرضوي : وأخرج ابن سعد، عن حمزة بن أبي أسيد الساعدي، عن أبيه، وكان بدريَّاً، قال :

تزوَّج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أسماء بنت النعمان الجونيَّة، فأرسلني، فجئت بها، فقالت حفصة لعائشة أو عائشة لحفصة : اخضبيها أنت، وانا أُمشِّطها، ففعلنَ. ثمَّ قالت لها إحداهما :

إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُعجبه مِن المرأة، إذا دخلت عليه أنْ تقول : أعوذ بالله منك.

فلمَّا دخلت عليه، وأغلق الباب، وأرخى الستر، مدَّ يده إليها، فقالت : أعوذ بالله منك. فتال بكُمِّه على وجهه فاستتر به، وقال : ( عذتُ مُعاذاً ) ثلاث مَرَّات.

قال أبو أسيد : ثمَّ خرج عليَّ فقال : ( يا أبا أسيد، ألحقها بأهلها، ومتِّعها برزّاقيتّين ) - يعني كرباستين، فكانت تقول :ادعوني الشقيَّة .

الطبقات الكبرى : ٨/١٠٤ ط ليدن. الطبقات : ٨/١٤٦ط بيروت. سُنن الدار قطني : ٤/٣٩ ط.


٤ - باب ( إنَّ عائشة تحدِّث الرّجال بما جرى بينها وبين النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِمَّا يَقبح ذكره، كالتقبيل، ومَصِّ اللسان والإدخال بغير إنزال ونحو ذلك )(*) .

١ - روى ابن ماجه بسنده، عن القاسم بن محمّد، عن عائشة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالت :إذا التقى الختانان، فقد وجب الغُسل ؛ فعلتُه أنا ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاغتسلنا (١) .

____________________

(*) فيه سِتَّة أحاديث.

(١) سُنن ابن ماجة : ١/١٩٩، كتاب الطهارة، باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان، وأورده الخطيب البغدادي، عن عبد الرحمان بن القاسم بهذا اللفظ قال :

حدّثني القاسم بن محمد عن عائشة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالت :

إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغُسل ؛ فعلته أنا والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاغتسلنا. تاريخ بغداد : ٢/٢٣١.

وأورده الدارقطني بهذا اللّفظ :

عن عبد الرحمان بن أبي الأسود، قال : دخلت على عائشة، وعندها رجُل فقال : يا أمتاه، ما يوجب الغُسل ؟

قالت : إذا التقت المواسي فقد وجب الغُسل. سُنن الدارقطني : ٢/١٨٩ ط عالم الكتب بيروت.

وأورده الإمام أحمد بن حنبل بهذا اللفظ : عن عبد العزيز بن النعمان، عن عائشة، قالت :

كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

إذا التقى الختانان اغتسل. المُسند : ٦/١٢٣ - ٢٢٧. مُسند الإمام الشافعي ص٩٣ط الهند.


٢ - روى أبو داود بسنده، عن مصدع أبي يحيى، عن عائشة :

أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يُقبّلها وهو صائم، ويَمصُّ لسانها(١) .

٣ - روى الإمام أحمد بن حنبل، بطُرق عديدة، في بعضها عن طلحة، وفي بعضها عن ابن عبد الله، وفي الكلِّ، عن عائشة، قالت :

أهوى إليَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليُقبِّلَني، فقلت : إنِّي صائمة.

قال : ( وأنا صائم ).

قالت :فأهوى إليَّ فقبَّلني (٢) .

٤ - روى البيهقي بسنده، عن مسروق، عن عائشة قالت :

إنْ كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليظلُّ صائماً فيقبّل أين شاء مِن وجهي حتَّى يُفطر(*) .

٥ - روى الدار قطني بسنده، عن الزهري قال :

سألت عروة، عن الذي يجامع، ولا ينزل ؟

فقال: قول الناس أنْ يأخذوا بالآخر مِن أمر

____________________

(١) سُنن أبي داود : ١/٧٢٦ ط، دار الجنان بيروت. مُسند الإمام أحمد بن حنبل : ٦/١٢٣ - ٢٣٤. السُّنن الكبرى للبيهقي : ٤/٢٣٤.

الرَّضوي : وأورد هذا الحديث الدار قطني بسنده، عن أبي عاصم، عن عمرو بن ميمون، عن عائشة : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يُقبِّل في رمضان. قال أبو عاصم : ولم يقُل يُقبِّلها. انظُر : سُنن الدارقطني : ٢/١٨٠ باب القُبلة للصائم.

وروى الدارمي بسنده، عن إبراهيم بن الأسود، عن عائشة قالت :

كان النبي يُباشرها وهو صائم. سُنن الدارمي : ١/١٩٧ باب المُباشرة للصائم.

(٢) مُسند الإمام أحمد بن حنبل : ٦/١٣٤ - ٢٧٠، ورواه عن طلحة بن عبد الله بن عثمان، وعن طلحة بن عبد الله بن عوف، وعن سعد التميمي ص٢٧٠، وانظر مُسند أبي داود الطيالسي : ٧/٢٤٠، رواه عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن عائشة.

(*) السُّنن الكبرى : ٤/٢٣٣. ورواه الشيباني في الآثار في باب قُبلة الصائم باختلاف في اللفظ، وأبو حنيفة في مُسنده ص١٩٨، باختلاف في اللفظ، كذا ذكره المؤلِّف ( طاب ثراه ).


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحدّثتني عائشة : أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يفعل ذلك ولا يغتسل(١) .

٦ - روى أبو داود، عن عمارة بن غراب، قال :

إنَّ عَمَّةً له، حدَّثته أنَّها سألت عائشة، قالت : إحدانا تحيض، وليس لها ولزوجها إلاَّ فراش واحد، قالت : أُخبرك بما صنع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دخل فمضى إلى مسجده - قال أَبو داود : تعني مسجد بيته - فلم ينصرف، حتَّى غلبتني عيني، وأوجعه البرد.

فقال : ( ادني مِنِّي ).

فقلت :إنِّي حائض .

فقال : ( وإنْ، اكشفي عن فَخذيك )،فكشفت فخذيَّ، فوضع خَدَّه وصدره على فخذي، وحنيت عليه حتّى دفِئ ونام (٢) .

المؤلِّف : والظاهر أنَّ العِلَّة التي دعت عائشة، إلى أنْ تُحدِّث الرجال بما جرى بينها، وبين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِمَّا يقبح ذكره : كالتقبيل، ومَصِّ اللِّسان، والكشف عن الفَخِذ، ووضع الخَدِّ والصدر عليه، والجُماع بغير إنزال، ونحو ذلك مِمَّا تقدَّم ذِكره.

إنَّها قد زعمت أنَّ كلَّ ذلك فضيلة لها ومنقبة، ولم تدرِ أنَّ جميع ذلك كلِّه أُمور عاديَّة، وعادات بشريَّة، تجري بين كلِّ نبيٍّ وزوجته، مِن آدم إلى خاتم النبوَّة، إلاّ مَن لم يتزوج منهم: كيحيى، وعيسى، مِن غير اختصاص له بنبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وزوجته عائشة.

ولم يُسمَع - إلى الآن - أنَّ أحداً مِن أزواج الأنبياء السابقين، أو أحداً مِن أزواج نبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير عائشة، يُحدِّث بمِثل ما حدَّثته عائشة مِمَّا يَقبح ذِكره.

ولو كان مقصد عائشة، مِن ذكر تلك الأُمور، التي جرت بينها وبين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، هو بيان فعل المعصوم ؛ نظراً إلى أنَّ فعله حُجَّة قاطعة في المسألة الفقهيَّة على الجواز، وعلى نفي الحُرمة ؛ لأمكنها بيان فعله بدون أنْ تذكر أنَّه قد جرى ذلك الفعل بينها وبين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فإذا سُئلت - مَثلا - عن :

____________________

(١) سُنن الدارقطني : ١/١٢٧. التعليق المُغني على الدارقطني : ١/١١١، كتاب الطهارة، باب وجوب الغسل بالتقاء الختانين وإنْ لم يُنزل، وفي باب نسخ قوله الماء مِن الماء : ١/١٢٧. شرح معاني الآثار، تحقيق الشيخ محمد زهري النّجار : ١/٥٣، باب الذي يُجامع ولا يُنزل.

(٢) سُنن أبي داود : ١/١٢٠، كتاب الطهارة، باب في الرجل يُصيب منها ما دون الجُماع.


التقاء الختانين، أو عن المُجامعة بغير إنزال، أو عن التقبيل في حال الصوم، فكانت تقول :

قد فعله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

واغتسل هو وزوجته، أو فعله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو صائم، ونحو ذلك مِن التعبيرات السَّحنة، الغير القبيحة مِن دون لزوم التصريح :

بأنْ فعلته أنا ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأنَّه قبَّلني، ومَصَّ لساني.

وأنَّه قبَّل أينَ شاء مِن وجهي حتَّى يُفطر.

وبالجُملة، إنَّ عائشة كانت تَظنُّ أنَّ جميع ما جرى بينها وبين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مِمَّا يجري بين كلِّ رجُل وزوجته هو فضيلة لها ومنقبة !

ولكنْ، قد أخطأ حَدْسها، وخاب ظنُّها ؛ فإنَّ المعيار عند الله تعالى في أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغيرهن هو التقوى ؛ قال الله تعالى :( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) سورة الحجر آية : ١٣. وقال :( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ) إلى أنْ قال :( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ) الأحزاب : ٣٢ - ٣٣.

وقال مُخاطباً لأزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً ) الأحزاب : الآيات ٢٩ - ٣١.

وقد سمعت في آخر باب أنَّ عائشة وحفصة، هما المرأتان اللَّتان قال الله تعالى فيهما، في أوَّل سورة التحريم :( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) ، مِن الزمخشري في الكشَّاف، في تفسير قوله تعالى، في آخر سورة التحريم الآيات : ١٠ - ١٢( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ ) - إلى أنْ قال - :

( وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ ) ( الآية ) ما هو قوله بلفظه :


وفي طَيِّ هذين التمثيلين تعريض بأُمَّي المؤمنين المذكورتين، في أوَّل السورة، وما فُرِّط منهما، مِن التظاهر على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما كرهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشدِّه ؛ لما في التمثيل مِن ذِكر الكُفر - إلى أنْ قال - وأشار إلى أنَّ مِن حَقِّهما أنْ تكونا في الإخلاص، والكمال كمَثل هاتين المؤمنتين يعني :

امرأة فرعون، ومريم ابنت عمران

قال : وأنْ لا تتَّكلا على أنَّهما زوجا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ فإنَّ ذلك الفضل لا ينفعهما، إلاّ مع كونهما مُخلصتين. إلخ.

وقد سمعت أيضاً مِن الفخر الرازي، في تفسيره الكبير، ما يقرب مِن ذلك، بلْ كاد أنْ يكون عينه تحقيقا. فراجع.

* * *


٥ - باب ( في الأباطيل التي تنسبها عائشة إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(*) .

١ - روى البخاري بسنده، عن عائشة أنَّها قالت :

دخل عليَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعندي جاريتان تُغنِّيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش، وحوَّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال :

مِزمارة الشيطان عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - إلى أنْ قال - :

فلمَّا غَفل غَمزتُهما فخرجت، وكان يوم عيدٍ، يلعب السودان بالدِّرق والحِراب.

فإمَّا سألتُ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإمَّا قال :

( تَشتهين تنظرين ؟ ).

قلت :نعم ؛ فأقامني وراءه خَدِّي على خَدِّه، وهو يقول :

( دونكم يا بني أرفدة ).

حتّى إذا مللت، قال : ( حسبك ؟ ).قلتُ : نعم.

قال: ( فاذهبي )(١) .

٢ - روى مسلم بسنده، عن عائشة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قالت :

____________________

(*) فيه ثلاثة أحاديث.

(١) صحيح البخاري ط استانبول : ٢/٢، كتاب العيدين، باب الحِراب والدِّرق يوم العيد. وفي: ٣/٢٢٨ كتاب الجهاد والسير باب الدروق.

صحيح البخاري بحاشية السندي : ١/١٧٦١٦٩، باب إذا فاته العيد. وعن عروة، عن عائشة، أنَّ أبا بكررضي‌الله‌عنه دخل عليها، وعندها جاريتان في أيَّام متى تَدفقان وتَضربان. إلخ.

صحيح مسلم : ٢/٦٧، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، في كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللَّعب بطُرق عديدة، وبألفاظ مُختلفة.

مُسند الإمام أحمد بن حنبل : ٦/٨٤. مُشكل الآثار للطحاوي : ١/١١٧ باختلاف في اللفظ، وقال المؤلِّف ( رضوان الله تعالى عليه ) : وقد روى الترمذي في صحيحه ج٢، في مناقب عمر حديثاً، يقرُب مضمونه مِن مضمون هذا الحديث.


إِنَّ رجلاً سأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الرجل يُجامع أهله، ثمَّ يكسل هو، عليها الغسل ؟ وعائشة جالسة، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( إنِّي لأفعل ذلك أنا وهذه، ثمَّ نغتسل )(١) .

٣ - روى الإمام أحمد بسنده، عن عائشة، قالت :

خرجت مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بعض أسفاره، وأنا جارية لم أحمل اللحم، ولم أُبدِن.

فقال للناس : ( تقدَّموا ) ؛ فتقدَّموا. ثمَّ قال لي : ( تعالي حتَّى أُسابقك ) ؛ فسابقته فسبقته، فسكت عنِّي، حتَّى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت، خرجت معه في بعض أَسفاره.

فقال للناس : ( تقدَّموا ) ؛ فتقدَّموا، ثمَّ قال : ( تعالي حتَّى أُسابقك ) ؛ فسابقته فسبقني، فجعل يَضحك وهو يقول : ( هذه بتلك )(٢) .

المؤلِّف : وهل يُعقَل أنَّ جاريتين تُغنِّيان وتَدفقان، وتَضربان في بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولو كان يوم عيد، والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ساكت لا ينهى عن ذلك.

____________________

(١) صحيح مسلم : ١/١٨٧ ط استانبول، كتاب الطهارة، باب نسخ الماء مِن الماء، ووجوب الغسل بالتقاء الختانين. السُّنن الكبرى للبيهقي : ١/١٦٤، باب وجوب الغسل بالتقاء الختانين. شرح معاني الآثار للطحاوي : ١/٥٥، تحقيق الشيخ محمد زهري النجار، كتاب الطهارة، باب الذي يُجامع ولا يُنزِل. سُنن الدارقطني : ١/١١، كتاب الطهارة، باب وجوب الغسل بالتقاء الختانين وإنْ لم يُنزل، وفي باب نسخ الماء مِن الماء ص١٢٧.

(٢) مُسند الإمام أحمد بن حنبل : ٦/٢٦٤.

الرضوي : وأخرج الطحاوي، عن أبي هريرة، أنَّه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( أذا قعد (*) الرجل بين شُعَبها الأربع، ثمَّ اجتهد، وجب الغسل ).

(*) إذا قعد، أيْ : جلس أحدكم بين شُعبها، أي : المرأة، والشُعب بضَمِّ السين المُعجمة، وفتح العين المُهملة : النواحي، واحدها شُعبة. قال زين العرب : والمُراد منها ههنا رجلاها وطرفا شطريها. وقيل :

هي الرجلين واليدين.

وقيل : الرجلين والفَخذين. عن هامش شرح معاني الآثار : ١/٥٦. وأخرج الطحاوي، عن عروة بن الزبير، عن عائشة : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( إذا جاوز (١) الختان الختان، فقد وجب الغسل ). شرح معاني الآثار : هامش : ١/١.٥٦ - إذا جاوز الختان الختان أيْ تعدَّى الختان وهو موضع القطع مِن فَرجَي الذكر والأُنثى كما مَرَّ. قال العلاَّمة أبو الطيِّب في شرح الترمذي : وهو أعمَّ مِن أنْ يكون مَختوناً أم لا ؛ إذ مُجاوزة ختانها كناية لطيفة عن الجُماع، وهو غيبوبة الحَشفة. شرح معاني الآثار : ١/ هامش ص٥٦.


وهل يُعقَل أنْ يَحُسَّ أبو بكر قُبْح ذلك حتَّى انتهر عائشة ؟!

وقال : مزمارة الشيطان عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا يَحسُّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وركاكته.

وهل يُعقل أنْ يُقيم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عائشة مِن ورائه واضعاً خَدَّه على خَدِّها ؛ لتنظر عائشة إلى لعب السودان بالدِّرق في يوم العيد ؟!!

أوليس إذا وضع خَدَّه على خَدِّها، وهما ينظران إلى اللعب، فيراهما السودان، ومَن اجتمع حوله مِن الخَلق الكثير، وهما بتلك الحالة ؟!!

أفهل يوجد في المسلمين أحد، يُحبُّ ويرضى أنْ يراه الناس، وهو واضع خَدَّه على خَدِّ زوجته الشابة ؟!

أفهل يُعقَل أنْ يسأل رجل عادي مِن المسلمين، أو مِن غير المسلمين، مِمَّن له عقل وغيرة، عن حُكم الإدخال بغير الإنزال، فيُشير إلى زوجته الشابَّة الحاضرة في المجلس، فيقول :

( أنا أفعل ذلك مع هذه ) ؟!!

أفهل يُعقل أنَّ رجلاً مِن أهل الفضل والشرف، إذا كان في سفر يقول لأصحابه :

تقدَّموا ؛ ليتسابق هو وزوجته الشابَّة في البيداء ؟!!

حاشا وكلاّ، أنْ يَصدر شيء مِن هذه الأفعال الركيكة المُستهجَنة، عن رجل عادي مِن المسلمين، فضلاً عن نبيِّ هذه الأُمَّة، وأعقلهم، وأغيرهم، وأوقرهم أجمعين.

ولَعمري، ليس العَجَب مِن عائشة ؛ حيث افترت هذه الأَكاذيب الباطلة، على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهي تَحسَب أنَّ كلَّ ذلك فضيلة لها ومنقبة، كما تقدَّم في الباب السابق عيناً.

ولكنَّ العَجَب كلَّ العَجَب مِن أئمَّة الحديث، وحَمَلة الأخبار، كيف قد أعمى الله قلوبهم، فهم لا يُبصرون، ولا يشعرون، ويُدوِّنون مِثل هذه الأحاديث الكاذبة في كتبهم بلا حياء، ولا خَجل، وهم يزعمون أنَّها مِن صِحاح الأخبار.

أو ليس هذه الأخبار، إذا نظر إليها الأجانب مِن اليهود والنصارى وغيرهم ؛ قالوا :

إنَّ نبيَّ المسلمين، ليس إلاّ رجُلاً عيّاشاً همُّه الشهوات واللّعب بالنساء، والتلذُّذ بهنَّ


أنواع التلذُّذ في الحياة الدنيا، فيكونون هم السبب لضلالتهم وغوايتهم، وعدم رغبتهم، في الدخول في الإسلام.

أفهل ترى جِناية أعظمَ مِن ذلك، وظلماً وجريمةً أشدَّ منه، حاشا وكلاَّ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ) ابراهيم: ٤٢.

بقي حديث واحد :

وهو ما رواه الإمام احمد بن حنبل، عن عائشة، قالت :أتت سهلة بنت سُهيل بن عمر - وكانت تحت أبي حذيفة بن عتبة - رسولَ الله، فقالت : إنَّ سالماً مولى أبي حذيفه يدخل علينا، وأنْا فُضُل (١) وإنْ كنَّا نراه ولداً، وكان أبو حذيفة تبنَّاه، كما تبنَّى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زيداً، فأنزل الله :( ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ) ،فأمرها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند ذلك أنْ تُرضِع سالماً ؛ فأرضعته خَمس رضعات، وكان بمنزلة ولدها مِن الرضاعة، فذلك كانت عائشة تأمر أخواتها وبنات أخواتها، أنْ يُرضِعن مَن أحبَّت عائشة أنْ يراها، ويدخل عليها - وإنْ كان كبيراً - خَمس رضعات ؛ ثمَّ يدخل عليها .

وأبت أُمُّ سلمة وسائر أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ يُدخِلن عليهن بتلك الرضاعة أحداً مِن الناس، حتَّى يُرضع في المَهْد(٢) .

ورواه الإمام مالك بن أنس - أيضاً - في موطِّأه، في كتاب الرضاع، في باب ما جاء في الرضاعة بعد الكِبر، باختلاف في اللفظ، وقال فيه :

إنَّ عائشة كانت تأمر أُختها، أُمَّ كلثوم بنت أبي بكر، وبنات أخيها، أنْ يُرضِعن مِن الرجال مَن أحبَّت هي أنْ يدخل عليها.

____________________

(١) الفُضُل، بضمِّ الفاء والضاد، الثوب الذي يُبتذل في الشغل، أو النوم، أو يَتوشَّح به الإنسان في بيته. ويُقال : رجل فُضُل، أي : مُتفضِّل في ثوبه، وكذلك امرأة فُضُل.

(٢) المُسند : ٦/٢٧١ - ٢٢٨ - ٢٦٩ - ٣٩. مُسند الإمام الشافعي : ص١٧٧ كتاب الرضاع. سُنن ابن ماجة : ١/٦٢٦، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. السُن الكبرى للبيهقي : ٧/٤٦٠، كتاب الرضاع، باب رضاع الكبير، وقال :

رواه البخاري في الصحيح.


المؤلِّف : ولعلَّ هذا الحديث، أبطل مِن جميع ما تقدَّم في هذا الباب، مِمَّا نسبته عائشة إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مِن الأحاديث الكاذبة، وهل يُعقل أنْ يأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالرضاع في حال الكِبر - كما ادعته عائشة في سالم مولى ابي حذيفة - ؟!!

ولو سُلِّم جواز ذلك، بمعنى تأثير الرضاع في هذا الحال، في نشر الحُرمة، وحصول المَحْرميَّة، فكيف يأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنْ يَرتضع الرجل الأجنبي مِن ثدي المرأة الأجنبيَّة ؟

إذ مِن الواضح المعلوم أنَّ الرضاع، مِمَّا لا يوجب نشر الحُرمة، إلاَّ إذا كان مِن الثدي، وإلاَّ فلا ينشر الحُرمة، ولا تحصل المَحْرميَّة وهل ذلك، أيْ : ارتضاع الرجل الأَجنبي، مِن ثَدي المرأة الأجنبيَّة، إِلاَّ مِمَّا يُضحِك به الثَّكْلى ؟!فكيف تُدوَّن مِثل هذه الأَباطيل الكاذبة، في الكتب الفقهيَّة، ويُنسَب هو إلى النبي الأَعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!!

وهل ذلك وأمثاله إِلاَّ مُصيبة على الإسلام والمسلمين، قد أَوردتها عائشة وأُناسٌ مِن حَملة الأحاديث، ورواة الأخبار ؟!! إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون(*) .

____________________

(*) قال الأُستاذ محمد السماوي التيجاني :

إنَّ الباحث عندما يقرأ مِثل هذه الروايات ؛ يُكذِّب عينيه لأوَّل وَهْلة، ولا يُصدِّق ما يرى وما يقرأ، ولكنَّها الحقيقة المؤلِمة، الّتي شَوَّهت عِصمة الرَّسول، وجعلت منه شخصاً مُستهتراً بالقيم الأخلاقيَّة إلى أبعد الحدود، ويجعل مِن دين الله أحكاماً تُضحِك المَجانين، ولا يُقرِّها عقلٌ، ولا ذوق، ولا مُروءَة، ولا شَهامة، ولا حياء، ولا إيمان، وإلاَّ كيف يقبل المسلم مِثل هذه الأحاديث المُنكَرة، عن رسول الله، الذي جعل الغيرة، والحَياء مِن دعائم الإيمان.

وهل يقبل مؤمن أنْ يَسمح لزوجته، أنْ تُخرج ثدييها إلى شابِّ بلغ مَبالغ الرجال ؛ لَيرضعها وتُصبِح بعد ذلك أُمَّاً له ؟؟؟؟؟

سبحانك إنَّه بُهتان عظيم، ولستُ أتصوَّر كيف منع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحرَّم علينا لَمس ومُصافحة المرأة الأجنبيَّة، وأباح لنا مَصَّ ثدييها.

أنا لم أفهم المقصود مِن وضع هذا الحديث، ولكنَّ المسألة لم تَقف عند حِدِّ الحديث، بل تعدَّاه وأصبح سُنَّة مُتَّبعة ؛ فكانت عائشة تبعث بالرجال، الذين كانت تُحبُّ أنْ يدخلوا عليها، إلى أُمِّ كلثوم أُختها فترضعهم.

وما عليك أيُّها القارئ، إلاّ أنْ تعرف بأنَّه لابُدَّ مِن خمس رضعات شَبِعات، حتَّى تُبيح لهم عائشة الدخول عليها، فقد روت عائشة فقالت :

كان فيما أنزل مِن القرآن عشر رَضعات معلومات يُحرِّمنَ، ثمَّ نُسخِنَ بخمسٍ مَعلومات، فتُوفِّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهُنَّ فيما يُقرأ مِن القرآن.

صحيح مسلم : ٤/١٦٧ باب التحريم بخمس رضعات.

لأكون مع الصادقين ص١١٨ - ١٢٠ط مؤسسة البُشرى - باريس.


٦- باب إنّ عائشة تبغض علياًعليه‌السلام وتحسده وقد سُرّت بقتلهعليه‌السلام

١- روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن عبيد الله بن عبد الله عباس، عن عائشة قالت: لمّا مرض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيت ميمونة، فاستأذن نساءه أن يمرض في بيتي، فأذِنَّ له، فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معتمداً على عباس وعلى رجل آخر ورجلاه تخطان في الأرض.

قال عبيد الله: فقال ابن عباس : أتدري من ذلك الرجل؟ هو: علي بن أبي طالب، ولكن عائشة لا تطيب لها نفساً، الحديث(١) .

ورواه أيضاً وقال فيه(٢) : قال: عبيد الله:

فحدثت به ابن عباس فقال:

تدرون من الرجل الآخر لم تسم عائشة ؟ هو : علي، ولكن عائشة لا تطيب له

____________________

(*) فيه ثلاثة أحاديث.

(١) المُسند : ٦/٣٨ - ٢٥١. صحيح النسائي : ١/١٣٤. صحيح ابن ماجة : ١١٧. مُستدرك الصحيحين : ٢/٥٦. سُنن الدارمي : ١/٢٨٧. السُّنن الكبرى للبيهقي : ١/٣١ وفي ٣/٨٠ وفي ٨/١٥١. المُسند : ٢/٥٢. الطبقات الكبرى لابن سعد : ٢/ قسم ٢ ص١٩ - ٢٨ - ٢٩، وقال فيه : قال ابن عباس : هو عليٌّ، إنَّ عائشة لا تَطيب له نفساً بخير. الحديث.

صحيح مسلم : ٢:٢١ط استانبول. رواه بطُرق عديدة.

(٢) مُسند الإمام أحمد بن حنبل : ٦/٢٢٨.


نفساً.

ورواه البخاري أيضا، في كتاب الوضوء، في باب الغسل والوضوء، في المخضب(١) ، وفي كتاب الصلاة، في باب حَدِّ المريض أنْ يشهد الجماعة(٢) ، وفي باب إنَّما جعل الإمام ليؤتم به، وفي كتاب الهِبة، باب هِبة الرجل لامرأته(٣) ، وفي كتاب بدأ الخَلق، في باب مرض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي كتاب الطِبِّ، في باب حدَّثنا بشر بن محمد(٤) .

٢ - روى الامام احمد بن حنبل بسنده، عن النعمان بن بشير، قال :استأذن أبو بكر، على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،فسمع صوت عائشة عالياً، وهي تقول : والله، لقد عَرفت أنَّ عليَّاً أحبَّ إليك مِن أبي ومِنِّي - مَرَّتين أو ثلاث - فاستأذن أبو بكر، فدخل فأهوى إليها .

فقال :يا بنت فلانة، ألاْ أسمعك ترفعين صوتك على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!(٥) .

ورواه النسائي - أيضاً - صاحب الصحيح، وقال :فأهوى لها لَيلطمها، وقال لها :

يا بنت فلانة، أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،فأمسكه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،وخرج أبو بكر مُغضِبا . ( الحديث )(٦) .

٣ - قال ابن سعد : قالوا : وذهب بقتل عليٍّ إلى الحِجاز، سفيان بن أُميَّة بن أبي سفيان بن أُميَّة بن عبد شمس، فبلغ ذلك عائشة، فقالت :

فألقت عصاها وأستقرَّت بها النوى

كما قرَّ عيناً بالإياب المُسافر(٧)

المؤلِّف : وهذا البيت مِمَّا يُضرب به المَثل، إذا حصلتْ الراحة بعد الشِّدَّة، والفرح بعد الكَرب والمَشقَّة ؛ فتمثُّل عائشة به مِمَّا يُنبئ، بلْ هو صريح في سرورها بقتل عليٍّعليه‌السلام .

____________________

(١) صحيح البخاري بحاشية السندي : ١/٤٩.

(٢) المصدر نفسه : ١/١٢٢ - ١٢٦.

(٣) صحيح البخاري بحاشية السندي : ٢/٩١.

(٤) صحيح البخاري بحاشية السندي : ٤/١٢ طبعة الحلبي.

(٥) المُسند : ٤/٢٧٥.

(٦) خصائص أمير المؤمنين ص٢٨ط مصر عام ١٣٤٨.

(٧) الطبقات الكبرى : ٣ق ١/٢٧.


بقي شيء :

وهو أنَّه قد تحصَّل لك، مِن مجموع أخبار هذا الباب، أنَّ عائشة كانت مِمَّن يُبغِض عليَّاًعليه‌السلام ويكرهه.

وأمَّا حُكم مَن أبغض عليَّاًعليه‌السلام وكَرِهه، فيظهر لك تفصيله بمراجعة كتابنا الموسوم : بفضائل الخمسة مِن الصحاح السِّتَّة ج١. باب جُملة مِن الآيات النازلة في أعداء عليٍّعليه‌السلام وج٢. باب ما جاء في بُغض أهل البيت وأذاهم، وباب مَن أحبَّ عليَّاًعليه‌السلام ؛ فقد أحبَّ الله، ومَن أبغض عليَّاًعليه‌السلام ؛ فقد أبغض الله. وباب أنَّ حُبَّ عليٍّعليه‌السلام إيمان وبُغضه نفاق. وباب أنَّ حُبَّ عليٍّعليه‌السلام حسنة ويأكل الذنب، وجواز النار وبراءة منها، ويُثبِّت القدم، وبُغضه سيِّئة لا تنفع معها حسنة.

* * *


٧ - باب ( إنَّ فاطمةعليها‌السلام أوصت أنَّها إذا ماتت لا تدخل عليها لا عائشة ولا غيرها )(*) .

١ - روى البيهقي بسنده، عن أُمِّ جعفر بنت محمد بن جعفر :أنَّ فاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالت : ( يا أسماء، إنِّي قد استقبحت ما يُصنع بالنساء، أنْ يُطرَح على المرأة الثوب فيصفها ).

فقالت أسماء :يا بنت رسول الله، ألاْ أُريك شيئاً رأيته بأرض الحبشة، فدعت بجرائد رَطِبَة فحنتها، ثمَّ طرحت عليها ثوباً .

فقالت فاطمة : ( ما أحسن هذا وأجمله !(١) يُعرف به الرجل مِن المرأة ؛ فإذا أنا مُتُّ، فاغسليني أنت وعليٌّ، ولا تُدخِلي عليَّ أحداً ).

فلمَّا توفِّيت جاءت عائشة ؛ تدخل.

فقالت أسماء : لا تَدخُلي ؛ فشكت أبا بكر، فقالت :

____________________

(*) فيه حديث واحد.

(١) الرضوي : الظاهر أنّ لفظة [ لا ] ساقطة منه، والصواب : لا يُعرَف به الرجل مِن المرأة.


إنَّ هذه الخثعميَّة، تحول بيني وبين ابنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد جعلتْ لها مثل هَوْدَج العروس.

فجاء أبو بكر، فوقف على الباب.

وقال :يا أسماء ما حملك أنْ مَنعتِ أزواج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدخلنَ على ابنة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعلتِ لها مِثل هَوْدَج العروس ؟

فقالت :أمرتْني أنْ لا تُدخلي عليَّ أحداً، وأريتها هذا الذي صنعت، وهي حيَّة ؛ فأمرتْني أنْ أصنع ذلك لها .

فقال أبو بكر :فاصنعي ما أمرتْكِ، ثمَّ انصرف، وغسَّلها عليٌّ وأسماء (١) .

المؤلِّف : إنَّ فاطمةعليها‌السلام ، وإنْ أَوصت أسماء أنْ لا تُدخِل عليها أحداً بنحو العموم، لا عائشة ولا غيرها، ولكنَّ الظاهر أنَّ المقصود - بالأصالة - مِن المَنع هو : عائشة بالخصوص، وإنَّما أوصت بنحو العموم ؛ حيث لا يُمكن التبعيض بين أزواج النبي، فتُرخِّص لبعضٍ دون بعضٍ.

ولَعمري، إنَّ مِن الواضح المعلوم، أنَّ ما دعت فاطمةعليها‌السلام إلى الوصيَّة المذكورة، إلاَّ أنَّها كانت تعلم أنَّ عائشة تُبغِضها، وتَسرُّ بموتها، كما عرفت في الباب السابق، أنَّها كانت تُبغِض عليَّاًعليها‌السلام وتحسده، وقد سَرَّت بقتله ووفاته، فلو كانت عائشة مِمَّن تُحبُّ فاطمةعليها‌السلام ، لمْا أوصتْ بالوصيَّة المذكورة، ولمْا مَنعت أسماء عائشة مِن الدخول على فاطمةعليها‌السلام أبداً.

* * *

____________________

(١) السُّنن الكبرى : ٤/٣٤، باب ما ورد في النعش للنّساء.


٨ - باب ( إنَّ الله ورسوله قد أمر نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلزوم البيت )(*) .

المؤلِّف : أما أمر الله تبارك وتعالى نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بلزوم البيت، فذلك قوله تعالى في سورة الأحزاب : ٣٢، ٣٣.

( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ - إلى أنْ قال : -وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ) .

وأما أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نسائه بلزوم البيت(١) ، فالأخبار في ذلك كثيرة، وهذه جُملةٌ منها

____________________

(*) - فيه سِتَّة أحاديث.

(١) يقول السيد مرتضى الرضوي، صاحب التعليق على هذا الكتاب : في عام ١٩٦٥م :زرت الدكتور طه حسين في منزله بالقاهرة، وسألته عن رأيه في عائشة، فقال : كان أحد الأساتذة يقول :

لو أدركت عائشة لأوجعتها ضرباً، حتّى أقعدتها في بيتها ؛ لقوله تعالى :( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ) الأحزاب: ٣٣.

ثمَّ قال الدكتور طه :ولما بلغ عائشة خِلافة الإمام علي، قالت :

ليتَ السّماء قد أطبقت على الأرض.

ولمَّا بلغها وفاته فَرِحت، وتمثَّلت بهذا البيت :

فألقت عصاها واستقرَّت بها النّوى

كما قَرَّ عيناً بالإياب المُسافر

انظر : مع رجال الفكر في القاهرة ص١٩٨، الحلقة الأُولى ط مصر عام ١٣٩٩ه-.


مِمَّا ظفرتُ عليه على العَجالة.

١ - روى ابن سعد بسنده، عن عطاء بن يسار :أنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لأزواجه : ( أيَّكُنَّ اتَّقت الله، ولم تأت بفاحشة مُبيَّنة، ولزمت ظهر حصيرها ؛ فهي زوجتي في الآخرة )(١) .

٢ - وروى ابن سعد بسنده، عن أبي هريرة، قال :قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لنسائه في حَجَّة الوداع : ( هذه، ثمَّ ظُهور الحُصُر ).

قال :وكُنَّ يَحجُجن كلهُنَّ، إلاَّ سودة بنت زمعة، وزينب بنت جحش. قالتا : لا تُحرِّكنا دابَّة بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٣ - وروى ابن سعد بسنده، عن عبد الرحمان بن سعيد بن يربوع :أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لنسائه في حَجَّة الوداع : ( هذه الحَجَّة، ثمَّ ظُهور الحُصُر )(٢) .

٤ - روى الخطيب البغدادي بسنده، عن واقد بن أبي واقد، عن أبيه : أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لسنائه في حَجَّته : ( هذه، ثمَّ الحَجَّة ظُهور الحُصُر )(٣) .

المؤلِّف : وقيل في الشرح، أُيْ : إنَّكُنَّ لا تَعدُنَ تَخرجن مِن بيوتكُنَّ، وتَلزمن الحُصُر جمع حصير، الذي يُبسط في البيوت. ( انتهى ).

٥ - قال ابن حجر : وعن أُمِّ سلمة، قالت : قال لنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حَجَّة الوداع : ( هي هذه الحَجَّة، ثمَّ الجلوس على ظهور الحُصُر في البيوت ).

قال : رواه أبو يعلى، والطبراني في الكبير بنحوه. ورجال أبي يعلي ثقات(٤) .

٦ - وقال ابن حجر : وعن ابن عمر : أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمَّا حَجَّ بنسائه، قال :

____________________

(١) الطبقات الكبرى : ٨/١٥٠ط ليدن.

(٢) المصدر نفسه : ٨/١٥٠. أُسد الغابة : ٥/٤٦٤، ترجمة زينب بنت جحش.

(٣) تاريخ بغداد : ٧/١١٠. تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني : ١١/١٠٧.

(٤) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : ٣/٢١٤.


( إنَّما هي هذه، ثمَّ عليكم بظهور الحُصُر )(*) .

قال : رواه الطبراني في الأوسط(١) .

* * *

____________________

(*) -الرضوي : في هامش تاريخ بغداد : ٧/١١٠، تعليق على كلمة الحُصُر، قال : أيْ إنَّكُنَّ لا تَعدُنَ تَخرجُنَ مِن بيوتكُنَّ، وتلزمْنَ الحُصُر، جمع حصير، الذي يُبسط في البيوت.

(١) مجمع الزوائد : ٣/٢١٤.


٩ - باب ( في نهي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عائشة عن قتال عليعليه‌السلام وقد أخبرها أنَّها تنبحها كلاب الحوأب )(*) .

١ - روي الحاكم بسنده، عن أُمِّ سلمة، قالت : ذكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خروج بعض أُمَّهات المؤمنين، فضحكتْ عائشة، فقال :

( انظري - يا حُميراء - أنْ لا تكوني أنت ). ( الحديث )(١) .

٢ - روى المُتَّقي، عن طاووس : أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لنسائه :

( أيَّتُكنَّ تَنبحها كِلاب كذا وكذا، إيِّاك يا حُميراء ؟ ).

قال : أخرجه نعيم بن حماد في الفتن. قال : وسنده صحيح(٢) .

٣ - روى الطبري بسنده، عن الزهري، قال :بلغني أنَّه لمَّا بلغ طلحة والزبير مِنزل عليٍّ

____________________

(*) فيه اثنا عشر حديثاً.

(١) مُستدرك الصحيحين : ٣/١١٩.

(٢) كنز العمَّال : ٦/٨٤. ط حيدر آباد - الهند.


بذي قار، انصرفوا إلى البصرة، فاخذوا على المُنكدر، فسمعت عائشة نُباح الكِلاب.

فقالت :أيُّ ماءٍ هذا ؟

فقالوا :الحوأب .

فقالت : إنَّا لله، وإنَّا إليه راجعون، إِنِّي لهيه. قد سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول - وعنده نساءه - :

( ليت شِعري أيَّتُكنَّ تنبحها كِلاب الحوأب ؟ ).

فأرادت الرجوع، فأتاها عبد الله بن الزبير، فزعم أنَّه قال :

كَذِب مَن قال : إِنَّ هذا الحوأب.

ولم يَزل حتَّى مضت، فَقَدِموا البصرة. ( الحديث )(١) .

٤ - روى الحاكم بسنده، عن قيس بن أبي حازم، قال :لمَّا بلغت عائشة بعض ديار بني عامر، نبحت عليها الكِلاب .

فقالت :أيُّ ماءٍ هذا ؟

قالوا :الحوأب.

قالت :ما أظُنِّي إِلاَّ راجعة .

فقال الزبير :لا بَعد. تقدَّمي ويراك الناس، ويُصلِح الله ذات بينهم.

قالت :ما أظُنَّني إلاَّ راجعة ؛ سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( كيف بإحداكُنَّ، إذا نبحتها كِلاب الحوأب؟).

قال العسقلاني : أخرج هذا أحمد، وأَبو يعلى، والبزَّار. وصحَّحه ابن حبان، والحاكم. وسنده على شرط الصحيح(٢) .

٥ - روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن قيس بن أبي حازم :أنَّ عائشة قالت - لمَّا أتت على الحوأب سمعت نباح الكلاب - [ فقالت ] : ما أظنُّني إلاَّ راجعة ؛ إنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لنا : ( أيَّتُكنَّ تنبح عليها كِلاب الحوأب ؟ ).

فقال لها الزبير :ترجعين عسى الله عزَّ وجلَّ أَنْ يُصلح بكِ بين الناس (٣) .

٦ - روى ابن حجر، في ترجمة سلمى بنت مالك بن حذيفة، قال :

وكانت سلمى سُبيت، فاعتقتها عائشة، ودخل بها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي عندها فقال : ( إِنَّ

____________________

(١) تاريخ الطبري : ٣/٤٨٥. ط مطبعة الاستقامة بالقاهرة عام ١٣٥٧ه-.

(٢) مُستدرك الصحيحين : ٣/١٢٠.

(٣) المُسند : ٦/٩٧. مجمع الزوائد : ٧/٢٣٤، قال : رواه أحمد، وأبو يعلي، والبزَّار. ورجال أحمد رجال الصحيح.


أحداكُنَّ تَستنبح كِلاب الحوأب )(١) .

٧ - روى علي بن أبي بكر الهيثمي، عن ابن عباس، قال :

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لنسائه : ( ليتَ شِعري أيَّتكُنَّ صاحبة الجَمل الأَدبب، تخرج فتنبحها كِلاب الحوأب، يُقتل عن يمينها وعن يسارها قَتلى كثير، ثمَّ تنجو بعدما كادت ؟ )(٢) .

٨ - وروى الهيثمي، عن عائشة، قالت :كان يوم مِن السنة، تَجتمع فيه نساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنده يوماً إلى الليل - وساق الحديث إلى أنْ قال - قالت :

وفي ذلك اليوم قال : ( كيف بإحداكُنَّ تنبح عليها كِلاب الحوأب ؟ ).

قال : رواه الطبراني في الأوسط(٣) .

٩ - روى المُتَّقي، عن عائشة، أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لأزواجه : ( أيَّتُكنَّ التي تنبحها كلاب الحوأب ؟ )، فلمَّا مَرَّت عائشة ببعض مِياه بني عامر ليلاً، نبحت الكلاب عليها، فسألت عنه.

فقيل لها : هذا ماء الحوأب ؛ فوقفت وقالت :

ما أظنُّني إلاَّ راجعة ؛ إنِّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال - ذات يوم - :

( كيف بإِحداكُنَّ تنبح عليها كلاب الحوأب ؟ ).

قيل لها :يا أُمَّ المؤمنين، إنَّما تُصلحين بين الناس .

قال : أخرجه ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في الفِتن(٤) .

١٠ - روى ابن عبد البرّ بسنده، عن ابن عباس، قال :

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( أيَّتُكنَّ صاحبة الجَمل الأَدبب، يُقتَل حولها قتلى كثير، وتنجو ما

____________________

(١) الإصابة في تمييز الصحابة : ٨ق ١/١١١. ط كلكتا - الهند.

(٢) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : ٧/٢٣٤. فتح الباري : ١٦/١٦٥، قال : رواه البزَّار ورجاله ثقات. الطبعة الأُولى.

(٣) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : ٨/٢٨٩.

(٤) كنز العمَّال : ٦/٨٣ ط. حيدر آباد - الهند.


كادت ).

قال ابن عبد البرّ : وهذا الحديث مِن إعلام نبوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) .

١١ - قال ابن قتيبة :فلمَّا انتهوا إلى ماء الحوأب، في بعض الطريق، ومعهم عائشة نبحها كِلاب الحوأب .

فقالت لمحمد بن طلحة :أَيُّ ماءٍ هذا ؟

قال :هذا ماء الحوأب .

فقالت :ما أراني إِلاَّ راجعة .

قال :ولِمَ ؟!

قالت :سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لنسائه :

( كأنِّي بإحداكُنَّ قد نبحتها كِلاب الحوأب وإِياك أَنْ تكوني أنت يا حُميراء ).

فقال لها محمد بن طلحة :تقدَّمي - رحمك الله - ودعي هذا القول .

وأتى عبد الله بن الزبير، فحلف لها بالله لقد خلَّفتيه أوَّل الليل، وأتاها ببيَّنة زور مِن الأَعراب، فشهدوا بذلك، فزعموا أَنَّها أَوَّل شهادة زور في الإِسلام (٢) .

١٢ - قال الشبلنجي :ونقل غير واحد، أَنَّهم مَرُّوا بمكانٍ اسمه الحوأب، فنبحتهم كِلابه .

فقالت عائشة :أيُّ ماءٍ هذا ؟

قيل :هذا ماء الحوأب ؛ فصرخت وقالت :

إِنَّا لله، وإنَّا إليه راجعون ؛ سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول - وعنده نساءه - :

( ليتَ شِعري أيَّتُكنَّ تنبحها كِلاب الحوأب ؟ ).

ثمَّ ضربت عَضُد بعيرها فأناخته، وقالت : تردُّوني، فأناخوا يوماً وليلة، وقال لها عبد الله بن الزبير :

إِنَّه كَذِب، يعني : ليس هذا ماء الحوأب. ولم يَزل بها وهي تَمتنع ؛ فقال :

النَّجا النَّجا ؛ فقد أدرككم عليُّ بن أبي طالب، فارتحلوا ونزلوا على البصرة. ( القصة )(٣) .

* * *

____________________

(١) الاستيعاب : ٢/٧٥٠ط حيدر آباد - الهند.

(٢) الإمامة والسياسة : ١/٥٩ ط مصر عام ١٩٦٩م، في توجُّه عائشة، وطلحة، والزبير إلى البصرة.

(٣) نور الأبصار للشيخ مؤمن الشبلنجي : ص٨١، قصة أهل الجَمل. تاريخ الطبري : ٥/١٧٨ط الحسينيَّة بمصر.


١٠ - باب ( في إخبار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن الفتنة ورأس الكُفر مِن بيت عائشة )(*) .

١ - البخاري قال : حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا جويرية، عن نافع، عن عبد الله، قال : قام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطيباً، فأشار نحو مَسكن عائشة، فقال : ( ههنا الفتنة - ثلاثا - مِن حيث يطلع قَرن الشيطان )(١) .

٢ - الإمام أحمد بن حنبل، قال : حدَّثنا عبد الله، حدَّثني أبي، حدَّثنا وكيع، حدَّثني عكرمة بن عمار، عن سالم، عن ابن عمر، قال :خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن بيت عائشة، فقال :

( رأس الكُفر مِن ههنا مِن حيث يطلع قَرن الشيطان )(٢) .

المؤلِّف : وروى هذا الحديث أيضاً، وقال فيه :

٣ - خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن بيت عائشة، فقال :

( إنَّ الكُفر مِن ههنا، مِن حيث يطلع قَرن الشيطان )(٣) ، ولم يقُل رأس الكُفر مِن ههنا.

* * *

____________________

(*) فيه ثلاثة أحاديث.

(١) صحيح البخاري بحاشية السندي : ٢/١٨٩، كتاب الجهاد والسير، باب ما جاء في بيوت أزواج النبي.

(٢) المُسند : ٢/٢٣.

(٣) المصدر نفسه : ٢/٢٦.


١١ - باب ( إنَّ عائشة قد ندمت مِن خروجها على عليٍّعليه‌السلام وتَمنَّت أنْ تكون حَيضةً مُلقاة )(*) .

١ - قال الهيثمي : وعن جميع بن عمير :أَن أُمَّه وخالته دخلتا على عائشة

قال : فذكر الحديث - إلى أنْ قال - قالتا :فاخبرينا عن عليٍّ عليه‌السلام .

قالت :عن أيِّ شيء تسألنَ ؟

عن رجُل وضع مِن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مَوضعاً ؛ فسالت نفسه في يده، فمسح بها وجهه، واختلفوا في دفنه ؛ فقال : ( إنَّ أحبَّ البِقاع إلى الله مكان قُبِض فيه نبيَّه ).

قالتا :فَلِمَ خرجت عليه ؟!

قالت :أمرٌ قضى، ووددتُ أنْ أفديه ما على الأرض مِن شيء .

قال : رواه أبو يعلى(١) .

٢ - قال ابن حجر العسقلاني : وأخرج الطبراني، مِن طريق محمد بن قيس، قال :

ذُكِر لعائشة يومُ الجَمل.

قالت : والناس يقولون يوم الجَمل ؟

قالوا :نعم .

قالت :وددت أنِّي جلست كما جلس غيري، فكان أحبَّ إليَّ مِن أنْ أكون ولدت مِن

____________________

(*) فيه تسعة أحاديث.

(١) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : ٩/١١٢.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عشرة، كلَّهم مِثل عبد الرحمان بن الحارث بن هشام(١) .

٣ - روى الحاكم بسنده، عن هشام وقيس، عن عائشة، قالت :

وددت أنِّي كنت ثُكِلت عشرةً مِثل الحارث بن هشام، وأنِّي لم أسِرْ مسيري مع ابن الزبير(٢) .

٤ - روى أبو نعيم بسنده، عن أَبي الضحى، قال :

حدَّثني مَن سَمع عائشة تقرأ :( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) فتبكي، حتَّى تَبلُّ خِمارها (٣) .

٥ - روى ابن سعد بسنده، عن عمارة بن عمير، قال :

حدَّثني مَن سمع عائشة إذا قرأت هذه الآية :( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) بكت حتَّى تَبلُّ خِمارها(٤) .

٦ - قال السيوطي : وأخرج ابن أبي شيبة، وابن سعد، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر عن مسروق، قال :

كانت عائشة إذا قرأت :( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) بكت حتى تبل خمارها(٥) .

٧ - روى ابن جرير الطبري بسنده، عن أبي يزيد المديني، يقول :

قال عمار بن ياسر لعائشة - حين فرغ القوم - :يا أُمَّ المؤمنين، ما أبعد هذا المَسير مِن العهد الذي عُهِد إليك !

قالت :أبو اليقظان ؟

قال :نعم .

قالت: والله، إنَّك - ما علمت - قوَّال بالحَقِّ .

قال :الحمد لله الذي قضى لي على لسانك (٦) .

٨ - روي الخطيب البغدادي بسنده، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال :ما ذكرت عائشة

____________________-

(١) فتح الباري : ١٦/١٦٥. ط مصطفى البابي الحلبي بمصر عام ١٣٧٦ه-.

(٢) مُستدرك الصحيحين : ٣/١١٩.

(٣) حلية الأولياء : ٢/٤٨ - ٤٩.

(٤) الطبقات الكبرى : ٨/٥٦، ط ليدن.

(٥) الدُّرُّ المنثور في التفسير بالمأثور : ٥/١٩٦، في تفسير قوله تعالى :( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) . الآية.

(٦) تاريخ الأُمَم والملوك : ٥/٢٢٥ - ٢٢٦ط المطبعة الحسينيّة بمصر.


مسيرها في وقعة الجَمل قَطْ، إلاَّ بكت حتَّى تُبِلَّ خمارها وتقول :

يا ليتني كنتُ نسياً منسيَّاً !

قال الخطيب : قال سفيان : النَّسي المَنسيِّ : الحَيضة المُلقاة(١) .

المؤلف : قد سمعت مِن الرواية الأخيرة، قول عائشة : يا ليتني كنتُ نسياً منسيَّاً، وسمعت مِن الخطيب أنَّه قال : قال سفيان :

النَّسي المَنسي الحَيضة المُلقاة.

وهنا رواية أُخرى، ودَّت فيها عائشة أنَّها كانت نَسياً مَنسيَّاً. قالت: ذلك عند موتها وهي :

٩ - ما رواها الإِمام أحمد بن حنبل بسنده، عن ذكوان صاحب عائشة :

أنَّه جاء عبد الله بن عباس، يستأذن على عائشة، فجئت وعند رأسها ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمان، فقلت :

هذا ابن عباس يستأذن - وهي تموت - فقالت : دعني مِن ابن عباس.

فقال :يا أُمَّتاه، إنَّ ابن عباس مِن صالحي بَنيك، لُيسلِّم عليك ويودِّعك .

فقالت :ائذن له، إنْ شئت .

[ قال : ]فأدخلته، فلمَّا جلس قال : أبشري - ثمَّ ساق الحديث إلى أنْ قال - فقالت [ أي عائشة] : دَعني مِنك يا بن عباس، فوالذي نفسي بيده، لوددت أنِّي كنتُ نَسياً مَنسيَّاً (٢) .

ثمَّ إنَّ ههنا حديثين، يُناسب ذكرهما في خاتمة هذا الباب.

أحدهما : ما رواه البخاري، في صحيحه، في كتاب الفتن، قال :

حدَّثنا عثمان بن الهيثم، حدَّثنا عوف، عن الحسن، عن أبي بكرة، قال :

لقد نفعني الله بكلمة سمعتُها مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيَّام الجَمل، بعدما كِدت أنْ ألحقَ

____________________

(١) تاريخ بغداد : ٩/١٨٥.

(٢) المُسند : ١/٢٧٦.


بأصحاب الجَمل، فأقاتل معهم، قال :

لمَّا بلغ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنَّ أهل فارس قد مَلَّكوا عليهم بنت كِسرى، قال :

( لنْ يُفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة )(١) .

المؤلِّف : ورواه الترمذي - أيضاً - في صحيحه، في أبواب الفتن مُسنداً عن أبي بكرة.

قال : عصمني الله بشيء، سمعته مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمَّا هلكت كِسرى قال : ( استخلفوا ؟ ).

قالوا : ابنته.

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( لنْ يُفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة ).

قال :فلمَّا قدمت عائشة - يعني البصرة - ذكرت قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعصمني الله به (٢) .

ورواه جمع كثير - أيضاً - مِن أمَّة الحديث، غير مَن ذكرناهم. ولا حاجة إلى استقصاء الجميع فرداً فرداً.

وثانيهما : ما رواه الحاكم بسنده، عن أبي بكرة : أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أتاه بَشيرٌ يبشِّره بظَفر خيل له - إلى أنْ قال - فقام ؛ فخرَّ الله تعالى ساجداً، فلما انصرف أنشأ يسأل الرسول، فحدَّثه فكان فيما حدَّثه، مِن أمر العدو وكانت تليهم امرأة.

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( هلكتْ الرجال حين أطاعتْ النساء ).

قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد(٣) .

* * *

____________________

(١) صحيح البخاري بحاشية السندي : ٤/٢٢٨، كتاب الفِتن بعد باب الفتنة تموج كموج البحر.

(٢) سُنن الترمذي : ٤/٥٢٧، كتاب الفِتن، باب ٧٥ رقم الحديث ٢٢٦٢ تحقيق إبراهيم عطوة. سُنن النسائي : ٧/٢٢٧، تحت عنوان : النهي عن استعمال النساء في الحُكم. مستدرك الصحيحين : ٣/١١٩ و٤/٥٢٤ - ٥٢٥.

(٣) مُستدرك الصحيحين : ٤/٢٩١.


١٢ - باب ( وَدَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ تموت عائشة في حياته فيهيِّئُها ويدفنها )(*) .

١ - روى ابن سعد بسنده، عن ابن شهاب، قال : قالت عائشة بدأ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شكواه، الذي توفِّي فيه، وهو في بيت ميمونة، فخرج في يومه ذلك، حتَّى دخل علي [ قالت : ] فقلت وارأساه.

فقال : ( وَدَدت أنَّ ذلك يكون وأنا حَيٌّ فأُصلي عليك وأدفنك ). الحديث(١) .

المؤلِّف : ولعلَّ السّر في أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وَدّ أنْ تموت عائشة في حياته، فيهيِّئُها ويدفنها.

إنَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعلم، أنَّ عاقبة أمر عائشة، أنَّها تخرج عن طاعة الله، ورسوله، وتُخالف قول الله تعالى :( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) ، وقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لنسائه في حَجَّة الوداع : ( هي هذه الحَجَّة، ثمَّ الجلوس على ظهور الحُصُر في البيوت ) - كما عرفت ذلك في بابٍ مُستقلٍّ - وتعصي نهي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن قتال عليعليه‌السلام - كما عرفت ذلك في بابٍ مُستقلٍّ أيضاً - فتُقاتل

____________________

(*) - فيه حديث واحد.

(١) الطبقات الكبرى : ٢ق ٢/١٠. مُسند أحمد بن حنبل : ٦/١٤٤، وقال فيه : ( وددت أنّ ذلك كان وأنا حَيٌّ، فهيأتك ودفنتك ).


عليَّاًعليه‌السلام ، ويُقتل حولها خَلقٌ كثير، فتكون هي السبب لقتلهم، بلْ هي السبب لفتح باب الفِتنة على المسلمين، بلْ باب الكُفر - كما سمعت ذلك في بابٍ مُستقلٍّ أيضاً - ؛ فأحَبَّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ تموت عائشة في حال حياته ؛ لتسلمَ عن هذه الجريمة العُظمى، وهي الخروج على إمام زمانه، والتسبُّب إلى قتل خَلقٍ كثير مِن المسلمين، وفتح باب الفِتنة والكُفر عليهم ؛ كي لا تدخل النار، وتستحقَّ العذاب الأليم، ولكنَّه صدق الله تبارك وتعالى ؛ حيث خاطب نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كتابه المجيد فقال :

( أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) الزمر آية : ١٩.

* * *


المقصد السادس

في بيان ما ورد في مُعاوية بن أبي سفيان

(٦)

مُعاوية بن أبي سفيان



١ - باب ( في قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا أشبع الله بطن مُعاوية )(*) .

١ - روى مسلم بسنده، عن أبي حمزة القصَّاب، عن ابن عباس، قال :

كنت ألعب مع الصبيان، فجاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فتواريتُ خلف بابٍ، قال: فجاء فحَطأني(١) حَطأةً، وقال: ( اذهب وادعُ لي مُعاوية ).

قال : فجئت، فقلت : هو يأكُل.

قال : ثمَّ قال لي : ( اذهب فادعُ لي مُعاوية ).

قال :فجئت، فقلت : هو يأكُل .

فقال : ( لا أشبع الله بطنه )(٢) .

ورواه بطريق آخر - أيضاً - عن أبي حمزة، عن ابن عباس باختلاف يسير.

٢ - الطيالسي [ حديث أبي حمزة القصَّاب، عن ابن عباس ] قال : حدَّثنا يونس، قال : حدَّثنا أبو داود، قال : حدَّثنا هشان وأبو عوانة، عن أبي حمزة القصَّاب، عن ابن عباس :أنَّ

____________________

(*) فيه ثلاثة أحاديث.

(١) أيْ : دَفَعَني وأمالني.

(٢) صحيح مسلم : ٤/٢٠١٠، كتاب البِرِّ والصِّلة، باب مَن لعنه النبي، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث إِلى مُعاوية، ليكتُب له.

فقال :إنَّه يأكُل، ثمَّ بعث إليه .

فقال :إنَّه يأكُل .

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( لا أشبع الله بطنه )(١) .

٣ - روى المُتَّقي الهندي، عن سفيان، قال :أتيت حسن بن علي عليهما‌السلام ،بعد رجوعه إلى المدينة، فقلت له : فكان مِمَّا احتجَّ عليَّ أنْ قال :

سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( لا تذهب الأيَّام والليالي، حتَّى يجتمع أمر هذه الأُمَّة على رجل واسع السُّرم(٢) ضَخم البلعوم، يأكل ولا يشبع )، وهو مُعاوية ؛ فعلمت أنَّ أمر الله واقع.

قال : أخرجه نعيم بن حماد في الفِتن(٣) .

* * *

____________________

(١) مُسند أبي داود الطيالسي : ١١/٣٥٩. ط حيدر آباد - الهند.

(٢) السُّرم الدُّبر.

(٣) كنز العمَّال : ٦/٨٧ط - الهند.

الرضوي : أخرج نصر، عن عبد الله بن عمر :أنَّ مُعاوية في الدَّرك الأسفل مِن النار، ولولا كلمة فرعون :( أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ) ما كان أحدٌ أسفل مِن مُعاوية .

وأخرج نصر، عن عبد الله بن عمر - أيضاً - عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( يموت مُعاوية على غير الإسلام ).

وأخرج نصر، عن جابر بن عبد الله، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( يموت مُعاوية على غير مِلَّتي ).

وأخرج نصر، عن البرَّاء بن عازب، قال :أقبل أبو سفيان، ومعه مُعاوية، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( اللَّهمَّ الِعَنْ التابع والمَتبوع، اللَّهمَّ عليك بالأُقيعس ).

فقال البرَّاء لأبيه :مَن الأُقيعس ؟

قال:مُعاوية .

وقعة صِفِّين ص٢٧، شرح وتحقيق عبد السلام محمد هارون ط مصر.


٢ - باب ( في دعاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على مُعاوية وعمرو بن العاص )(*) .

١ - الذهبي ذكر حديثاً - قد صرَّح بصحَّته - عن أبي برزة، قال :

تغنَّى مُعاوية وعمرو بن العاص ؛ فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( اللَّهمَّ أركسهما في الفِتنة رَكس، ودعَّهما في النار)(١) .

٢ - الذهبي ذكر حديثاً، عن أبي برزة، قال :كنَّا مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،فسمع صوت غناء، فإذا عمرو ومُعاوية يتغنَّيان ؛ فقال : ( أركسهما في الفِتنة رَكساً ودعَّهما إلى النار دَعَّا )(٢) .

٣ - قال الهيثمي : وعن ابن عباس، قال :سمع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صوت رجُلين وهما يتغنَّيان - إلى أنْ قال - فسأل عنهما .

فقيل له :مُعاوية وعمرو بن العاص .

فقال : ( اللَّهمَّ أركسهما(٣) في الفتنة رَكساً ودعَّهما إلى النار دَعَّاً ).

قال : رواه الطبراني(٤) .

____________________

(*) فيه ثلاثة أحاديث.

(١) ميزان الاعتدال : ٣/٣١١.

(٢) المصدر نفسه : ٣/٣١١.

(٣) يُقال : ركست الشيء وأركسته، إذا رددته ورجعته. هامش مجمع الزوائد : ٨/١٢١.

(٤) مجمع الزوائد : ٨/١٢١.


٣ - باب ( في قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما اجتمع مُعاوية وعمرو بن العاص إلاَّ على غَدرة )(*) .

١ - المُتَّقى الهندي قال : روي مُسنداً عن شدَّاد بن أوس : أنَّه دخل على مُعاوية، وهو جالس وعمرو بن العاص على فراشه، فجلس شدّاد بينهما، وقال:

هل تدريان ما يُجلسني بينكما ؟ لأنِّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :

( إذا رأيتموهما جميعاً ففرَّقوا بينهما ؛ فو الله ما اجتمعا إلاَّ على غَدرة ) ؛ فأحببت أنْ أُفرِّق بينكما.

قال : أخرجه ابن عساكر(١) ، وذكره في ص٤٧ باختصار، وقال : أخرجه الطبراني.

* * *

____________________

(*) - فيه حديث واحد.

(١) كنز العمَّال : ٦/٨٨ط حيدر آباد - الهند. مجمع الزوائد : ٧/٢٤٨. وقال : أخرجه الطبراني.


٤ - باب ( إنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعن مُعاوية وعمرواً والمُغيرة )(*) .

١ - روى الهيثمي، عن أبي مجلز، قال :عمرو والمُغيرة بن شعبة لمُعاوية : إنَّ الحسن بن علي رجل عييٌّ (١) -إلى أنْ قال - فصعد عمرو المُنبر، فذكر عليَّاً عليه‌السلام ووقع فيه. ثمَّ صعد المُغيرة بن شعبة، فحمد الله، وأثنى عليه. ثمَّ وقع في عليٍّ عليه‌السلام .

ثمَّ قيل للحسن بن عليٍّعليهما‌السلام : اصعد.

فقال : ( لا أصعد ولا أتكلَّم، حتَّى تُعطوني إنْ قلتُ حقَّاً أنْ تُصدِّقوني، وإنْ قلتُ باطلاً أنْ تُكذِّبوني ).

فأعطوه ؛ فصعد المِنبر، فحمد الله وأثنى عليه، فقال : ( أَنشدك بالله، يا عمرو، ويا مُغيرة، أتعلمان أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :

لعن الله السايق والراكب أحدهما مُعاوية ؟ ).

قالا :اللَّهمَّ بلى.

قال : ( أَنشدك بالله، يا مُعاوية، ويا مُغيرة، أتعلمان أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعَنَ عمرواً بكلِّ قافية قالها لعنة ؟).

قالا :اللَّهمَّ بلى .

قال : ( أَنشدك بالله، يا عمرو، ويا مُعاوية بن أبي سفيان، أتعلمان أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعَنَ قوم

____________________

(*) فيه حديثان.

(١) العَجز عن الكلام والجهل.


هذا ؟ ).

قالا :بلى .

قال الحسنعليه‌السلام : ( فإنِّي أحمد الله، الذي وقعتم فيمن تبرَّأ مِن هذا ).

قال : رواه الطبراني، عن شيخه زكريا بن يحيى الساجي(١) .

المؤلِّف : وذكر هذا الحديث الهيثمي ثانياً، باختلاف في المعنى، قال :

٢ - وعن عبد الرحمان بن أبي عوف، قال : قال عمرو بن العاص، وأبو الأعور السلمي لمُعاوية :

إنَّ الحسن بن عليعليهما‌السلام عييٌّ، فقال مُعاوية :لا تقولا ذلك ؛ فإنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد تفل في فيه ؛ ومَن تفل في فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فليس بعييٍّ، فقال الحسن بن علي : ( أمَّا أنت يا عمرو، فتنازع فيك رجُلان فانظر أيَّهما أباك، وأمَّا أنت يا أبا الأَعور، فإنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعن رعلاً، وذكوان، وعمرو بن سفيان ) .

قال : رواه الطبراني(٢) .

* * *

____________________

(١) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : ٧/٢٤٧.

(٢) المصدر نفسه : ٩/١٧٧ - ١٧٨.


٥ - باب ( في قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مُعاوية وأبيه قولاً قد استعاذ لأجله الأصحاب )(*) .

١ - ابن سعد، قال : أُخبرت عن أبي مالك، كثير بن يحيى البصري، قال : حدَّثنا غسان بن مضر، قال : حدَّثنا سعيد بن يزيد، عن نصر بن عاصم الليثي، عن أبيه، قال :

دخلت مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقولون :

نعوذ بالله مِن غَضب الله، وغَضب رسوله !

قلت :ما هذا ؟

قالوا :مُعاوية مَرَّ قُبيل هذا، آخذاً بيد أبيه، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على المنبر يَخرجان مِن المسجد، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيهما قولاً (١) .

* * *

____________________

(*) فيه حديث واحد.

(١) الطبقات الكبرى : ٧ قسم ١/٥٥.


٦ - باب ( ما جاء في عدم لياقة مُعاوية للخلافة )(*) .

١ - ابن الأثير، في ترجمة مُعاوية بن صخر، وهو مُعاوية بن أبي سفيان، قال :

وروى عبد الرحمان بن أبزي، عن عمر، أنَّه قال : ( هذا الأَمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثمَّ في أهل أُحد ما بقي منهم أحد، ثمَّ في كذا وكذا وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمُسلِمَةِ الفتح شيء ). أخرجه الثلاثة(١) .

ابن عبد البرِّ في ترجمة عبد الرحمان بن غنم الأشعري، قال :

ويعرف بصاحب معاذ ؛ لمُلازمته له، وسمع مِن عمر بن الخطاب، وكان مِن أفقه أهل الشام، وهو الذي فقَّه عامَّة التابعين بالشام، وكانت له جَلالة وقدر، وهو الذي عاتب أبا هريرة، وأبا الدرداء بحمص ؛ إذ انصرفا منه عند عليٍّعليه‌السلام رسولين لمُعاوية، وكان مِمَّا قال لهما : عجباً منكما ! كيف جاز عليكما ما جئتما به ؟! تدعون عليَّاًعليه‌السلام أنْ يجعلها شورى، وقد علمتما أنَّه بايعه المُهاجرون والأنصار، وأهل الحجاز وأهل العراق، وأنَّ مَن رَضِيَه

____________________

(*) فيه حديث واحد.

(١) أُسد الغابة في معرفة الصحابة : ٤/٣٧٨. الطبقات الكبرى لابن سعد : ٣ قسم ١/٢٤٨.


خيرٌ مِمَّن كرهه، ومَن بايعه خيرٌ مِمَّن لم يبايعه، وأيُّ مَدخل لمُعاوية في الشورى ؛ وهو مِن الطُّلقاء، الذين لا تجوز لهم الخلافة، وهو وأبوه مِن رؤوس الأحزاب.

قال : فندما على مسيرهما، وتابا منه بين يديه(١) .

* * *

____________________

(١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب : ٢/٨٥٠، تحقيق على محمد البجاوي. أُسد الغابة في معرفة الصحابة : ٣/٣١٨.


٧ - باب ( في أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليَّاًعليه‌السلام بقتال القاسطين وهم مُعاوية وأصحابه )(*) .

١ - الخطيب البغدادي، روى بسنده، عن علقمة والأسود، قالا : أتينا أبا أيوب الأنصاري، عند مُنصرفه مِن صِفِّين، فقلنا له :

يا أبا أيوب، إنَّ الله أكرمك بنزول محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبمجيء ناقته تفضُّلاً مِن الله وإكراماً لك، أناخت ببابك دون الناس، ثمَّ جِئت بسيفك على عاتقك، تضرب به أهل لا اله إلاَّ الله !

فقال يا هذا : إنَّ الرائد لا يَكذِب أهله، وإنَّ رسول الله أمرنا بقتال ثلاثة مع علي : بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين.

فأمَّا الناكثون :فقد قاتلناهم : أهل الجَمل، طلحة والزبير .

وأمَّا القاسطون: فهذا مُنصرفنا مِن عندهم، يعني: مُعاوية وعمروا .

وأمَّا المارقون : فهم أهل الطُرقات، وأهل السُّعيفات، وأهل النُّخيلات، وأهل النُّهروانات. والله ما أدري أين همْ، ولكنَّه لابُدَّ مِن قتالهم إنْ شاء الله.

قال : وسمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لعمار :

____________________

(*) فيه ثلاثة أحاديث.


( تقتلك الفئة الباغية، وأنت إذ ذاك مع الحَقِّ، والحَقُّ معك.

يا عمار بن ياسر، إنْ رأيت عليَّاً قد سلك وادياً، وسلك الناس وادياً غيره، فاسلك مع عليٍّ ؛ فإنَّه لن يُدْليك في ردى ولنْ يُخرجك مِن هُدى.

يا عمار، مَن تقلَّد سيفاً، أعان به عليَّاً على عدوه ؛ قلّده الله يوم القيامة وِشاحين مِن دُرٍّ، ومَن تقلَّد سيفاً أعان به عدوَّ عليٍّ عليه ؛ قلده الله يوم القيامة وِشاحين مِن نار ).

قلنا :يا هذا، حسبُك رحمك الله، حسبك رحمك الله (١) .

٢ - روى المُتَّقي الهندي عن الثوري، ومعمر عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن أبي صادق، قال :

قَدِم علينا أبو أيُّوب الأنصاري العراق، فقلت له : يا أبا أيُّوب، قد كرَّمك الله بصُحبة نبيِّه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنزوله عليك، فمالي أراك تستقبل الناس تُقاتلهم ! تستقبل هؤلاء مَرَّة ! وهؤلاء مَرَّة !

فقال : إنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عَهِد إلينا أنْ نُقاتل مع عليٍّ الناكثين، فقد قاتلناهم، وعَهِد إلينا أنْ نُقاتل مع القاسطين، فهذا وجهنا إليهم، يعني : مُعاوية وأصحابه، وعهد إلينا أنْ نُقاتل مع عليٍّ المارقين، فلم أرَهم بعد.

قال : أخرجه ابن عساكر(٢) .

٣ - وروى المُتَّقي الهندي، عن عليٍّ، قال : ( أُمرت بقتال ثلاثة : القاسطين، والناكثين، والمارقين. فأمَّا القاسطون، فأهل الشام، وأمَّا الناكثون فذكرهم. وأمَّا المارقون، فأهل النهروان يعني الحروريَّة ).

قال : أخرجه الحاكم في الأربعين، وابن عساكر(٣) .

المؤلِّف : إنَّ الروايات الواردة في هذا المعنى كثيرة جِدَّاً، وقد ذكرنا مُقداراً مُهمَّاً منها

____________________

(١) تاريخ بغداد : ١٣/١٨٦. كنز العمَّال : ٦/١٥٥ط حيدر آباد - الهند، وزاد فيه : ( لنْ يَدلُّك على ردى، ولن يُخرجك مِن هُدى ).

وقال : أخرجه الديلمي، عن عمار بن ياسر، وعن أبي أيوب.

(٢) كنز العمَّال : ٦/٨٨. ط. حيدر آباد - الهند.

(٣) المصدر نفسه : ٦/٧٢. ط. حيدر آباد - الهند.


في كتابنا : الموسوم بفضائل الخمسة مِن الصحاح السِّتَّة، في الجزء الثاني منه، وعقدنا له باباً مُستقلَّاً سمَّيناه بباب: إنَّ عليَّاًعليه‌السلام أمره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين. ( فراجع ).

* * *


٨ - باب ( في إخبار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عماراً أنْ تقتله الفِئة الباغية وقد قتله مُعاوية وأصحابه )(*) .

المؤلّف : الأخبار الواردة في قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنَّ عماراً تقتله الفِئة الباغية، مُتواترة جِدَّاً، بلْ فوق التواتر، حتَّى صار القول المذكور مِن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن الضروريَّات بين المسلمين، وقد ذكرنا قَدراً مُهمَّاً منها، في كتابنا الموسوم بفضائل الخمسة مِن الصحاح السِّتَّة، في الجزء الثاني منه، وقد عقدنا له باباً سمَّيناه ب- : باب إخبار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عماراً أنْ تقتله الفئة الباغية، وقد قتله أهل الشام. ونحن نقتصر ههنا على ذكر جُملة منها، فنقول :

١ - روى الحاكم بسنده، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، قال :

شَهِد خزيمة بن ثابت الجَمل، وهو لا يَسلُّ سيفاً، وشَهِد صِفِّين، قال : أنا لا أضلُّ أبداً بقتل عمار، فأنظر مَن يقتله ؛ فإنِّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( تقتلك الفئة الباغية ).

قال :فلمَّا قُتِل عمّار ؛ قال خزيمة : قد حانت لي الضلالة ثمَّ أقرب .

وكان الذي قتل عماراً أبو غادية المزني بالرمح، فسقط، فقاتل حتَّى قُتل وكان يومئذ

____________________

(*) فيه سبعة عشر حديثاً.


يُقاتل وهو ابن أربع وتسعين، فلمَّا وقع كَبَّ عليه رجل آخر، فاحتزَّ رأسه، فأقبلا يختصمان، كلٌّ منهما يقول : أنا قتلته.

فقال عمرو بن العاص :والله، إنْ يختصمان إلاَّ في النار، فقال عمرو : هو والله ذاك، والله، إنَّك لتعلمه، ولوددت أنِّي [ مُتُّ ] مِن قبل هذا بعشرين سنة (١) .

٢ - روى الحاكم بسنده، عن محمد بن عمرو بن حزم، قال :لمَّا قُتِل عمار بن ياسر، دخل عمرو بن حزم، على عمرو بن العاص، فقال : قُتل عمار، وقد سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( تقتله الفئة الباغية) ؛ فقام عمرو فَزِعا حتَّى دخل على مُعاوية، فقال مُعاوية : ما شأنك ؟

فقال :قُتل عمار بن ياسر.

قال :فماذا ؟

قال عمرو :سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( تقتله الفئة الباغية ).

فقال له مُعاوية :أنحن قتلناه ؟! إنَّما قتله علي وأصحابه ؛ جاؤوا به حتَّى ألقوه بين رماحنا وسيوفنا .

قال الحاكم : صحيح على شرطهما، يعني : شرط الشيخين.

المؤلف : وسيأتي جواب عليٍّعليه‌السلام عن قول مُعاوية، فيقول :

( إنْ كنتُ قتلتُه ؛ فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قتل حمزة، حين أرسله إلى قتال الكفار ).

٣ - وروى الحاكم بسنده، عن أبي عبد الرحمان السلمي، قال :

شَهِدنا صِفِّين، فكنَّا إذا توادعنا دخل هؤلاء في عسكر هؤلاء، وهؤلاء في عسكر هؤلاء، فرأيت أربعة يسيرون: مُعاوية بن أبي سفيان، وأبو الأعور السلمي، وعمرو بن العاص، وابنه، فسمعت عبد الله بن عمرو يقول لأبيه عمرو :

قد قتلنا هذا الرجل ؛ وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه ما قال !

قال :أيُّ الرجل ؟

قال :عمار بن ياسر .

أما تذكر يوم بنى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المسجد، فكنَّا نحمل لُبنةً لُبنةً، وعمار يحمل لُبنتين لُبنتين، فمَرَّ على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحمل لُبنتين لُبنتين، وأنت مِمَّن حضر، قال : ( أَما إنَّك

____________________

(١) مُستدرك الصحيحين : ٣/٣٨٥. الطبقات الكبرى : ٣/١٨٥. أُسد الغابة : ٤/٤٧.


ستقتلك الفئة الباغية، وأنت لَمِن أهل الجَنَّة ).

فدخل عمرو على مُعاوية، فقال : قتلنا هذا الرجل، وقد قال فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قال !

فقال :اسكُت، فوالله ما تزال تَرحض (*) في بولك، أنحن قتلناه ؟! إنَّما قتله عليٌّ وأصحابه ؛ جاءوا به حتَّى ألقوه بيننا (١) .

المؤلِّف : قد أُشير - آنفا - إلى ما هو الجواب عن قول مُعاوية، وسيأتي تفصيله بنحو أبسط.

٤ - روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن عبد الله بن الحارث، قال :

إنِّي لأسير مع مُعاوية، في مُنصرفه مِن صِفِّين بينه وبين عمرو بن العاص، قال : فقال عبد الله بن عمرو بن العاص : يا أبت، ما سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لعمار :

( ويحك يا بن سُميَّة، تقتلك الفئة الباغية ).

قال : فقال عمرو لمُعاوية :ألا تسمع ما يقول هذا ؟!

فقال مُعاوية :لا تزال تأتينا بهِنَّة (**) أنحن قتلناه ؟! إنَّما قتله الذين جاءوا به (٢) .

المؤلِّف : قد عرفت الجواب عن ذلك، فلا تغفل.

٥ - وروى الإمام أحمد بسنده، عن حنظلة بن خويلد العنبري، قال :بينما أنا عند مُعاوية، إذ جاء رجلان يَختصمان في رأس عمار، يقول كلُّ واحد منهما : أنا قتلته.

فقال عبد الله بن عمرو :ليَطِب به أَحدُكما نفساً لصاحبه ؛ فإِنِّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( تقتله الفئة الباغية ).

قال مُعاوية :فما بالك معنا ؟!

قال :إنَّ أبي شكاني إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ فقال: أطع أباك ما دام حيَّاً، ولا تَعصه، فأنا معكم ولستُ أُقاتل (٣) .

٦ - روى ابن سعد بسنده، عن هني مولي عمر بن الخطاب، قال :

____________________

(*) أي : تزلق في بولك.

(١) مُستدرك الصحيحين : ٣/٣٨٧. في تاريخ الأُمم والملوك : ٦/٢٣ مُفصَّلاً.

(**) جمعها هنَّات، وهي خصال الشَّر.

(٢) المُسند : ٢/١٦١.

(٣) المصدر نفسه : ٢/١٦٤.


كنت أوَّل شيء مع مُعاوية على عليٍّ، فكان أصحاب مُعاوية يقولون : لا والله، لا نقتل عمَّاراً أبداً، إنْ قتلناه، فنحن كما يقولون، فلمَّا كان يوم صِفِّين، ذهبت أنظر في القتلى، فإذا عمار بن ياسر، [ فقال هني:] فجئت إلى عمرو بن العاص، وهو على سريره، فقلت : أبا عبد الله.

قال :ما تشاء ؟

قلت :انظر أُكلِّمك.

فقام: إليَّ.

فقلت :عمار بن ياسر ما سمعت فيه ؟

فقال :قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( تقتله الفئة الباغية ) .

فقلت :هو ذا - والله - مقتول .

فقال :هذا باطل !

فقلت :بصر عيني به مقتول.

قال :فانطلق فأرينه ؛ فذهبت به فأوقفته عليه، فساعة رآه انتقع لونه. ثمَّ أعرض في شِقٍّ وقال : إنَّما قتله الذي خرج به (١) .

المؤلِّف : تقدَّم الجواب عن ذلك فلا تغفل.

ابن الأثير في ترجمة ذي الكلاع، قال :

ثمِّ إنَّ ذا الكلاع خرج إلى الشام، وأقام به، فلمَّا كانت الفتنة، كان هو القيِّم بأمر صِفِّين وقتل فيها.

قيل :إنَّ مُعاوية سَرَّه قَتْلُه ؛ وذلك أنَّه بلغه أنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعمار بن ياسر : ( تقتله الفئة الباغية ) ؛ فقال لمُعاوية وعمرو : ما هذا ؟! وكيف نُقاتل عليَّاً وعماراً ؟!

فقالا : إنَّه يعود إلينا، ويُقتل معنا، فلمَّا قُتل ذو الكلاع، وقُتل عمار، قال مُعاوية : لو كان ذو الكلاع حيَّاً لمال بنصف الناس إِلى علي(٢) . ابن قتيبة، في قَتْل عمار بن ياسر، قال :

ثمَّ قال عمار :اليوم ألقى الأحبَّة (*)محمداً وحِزبه.

ثمَّ حمل عمار وأصحابه، فالتقى عليه رجُلان فقتلاه، وأقبلا برأسه إلى مُعاوية يتنازعان، كلٌّ يقول : أنا قتلته، فقال لهما عمرو بن العاص : والله إنْ تتنازعان إلاَّ في النار. سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : تقتل عماراً الفئة الباغية ، فقال مُعاوية :

____________________

(١) الطبقات الكبرى : ٣ق ١/١٨١. ط ليدن.

(٢) أُسد الغابة في معرفة الصحابة : ٢/١٤٣.


قبَّحك الله مِن شيخٍ، فما تزال تزلق في بولك، أوَ نحن قتلناه ؟! إِنَّما قتله الذين جاءوا به. إلخ(١) .

المؤلِّف : قد عرفت الجواب عن ذلك، فلا نُعيده ثانياً.

٩ - روى الهيثمي، عن أبي عبد الرحمان السلّمي، قال :شَهِدنا مع عليٍّ صِفِّين - إلى أنْ قال - فكان عمار بن ياسر، علماً لأصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يسلك وادياً مِن أودية صِفِّين، إلاَّ تبعه أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فانتهينا إلى هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وقد ركز الراية .

فقال مالك :يا هاشم أعور وجبناً، لا خير في أعور لا يغشى الناس ؛ فنزع هاشم الراية وهو يقول :

أعور يبغي أهله مَحلاَّ

قد عالج الحياة حتَّى مَلاَّ

لابُدَّ أنْ يَفلَّ أو يُفلاَّ

فقال له عمار :أقبل ؛ فإنَّ الجَنَّة تحت الأبارقة، وقد تزين الحور العين مع محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحزبه في الرفيق الأعلى فما رجعا حتَّى قُتِلا - إلى أنْ قال - فسمعت عبد الله بن عمرو يقول لأبيه : يا أبت، قد قتلنا هذا الرجل، وقد قال فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قال .

قال :وأيُّ رجلٍ ؟

قال :عمار بن ياسر .

أما سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول - يوم بناء المسجد، ونحن نحمل لُبنة لُبنة، وعمار يحمل لُبنتين لُبنتين وأنت ترحض - : ( أما أنَّه ستقتلك الفئة الباغية، وأنت مِن أَهل الجَنَّة ) ؟

فدخل عمرو على مُعاوية فقال : قتلنا هذا الرجل، وقد قال فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قال.

فقال مُعاوية : أُسكُت، فو الله ما تزال تدحض في بولك، أنحن قتلناه ؟! إنَّما قتله مَن جاءوا به فألقوه بين رِماحنا(٢) .

____________________

(١) الإمامة والسياسة : ١/١٢٦، الطبعة الأخيرة عام ١٩٦٩ط، شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر.

(٢) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : ٧/٢٤١.


المؤلِّف : قد عرفت الجواب عن ذلك فلا تغفل.

ثمَّ إنَّ الحديث قد رواه - على ما صرَّح به الهيثمي والطبراني - قال : ورواه أحمد باختصار، وأبو يعلى بنحو الطبراني، والبزَّار.

قال : ورجال أحمد وأبي يعلى ثقات. ( انتهى ).

ثمَّ إنَّ الظاهر ( وأنت ترحض ) إمَّا أنَّه ستقتلك إلخ، هو قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمار، وإمَّا معنى أَنت ترحض أيْ محموم.

١٠ - قال الهيثمي : وعن عبد الله بن الحارث، أنَّ عمرو بن العاص قال لمُعاوية: أما سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول - حين كان يبني المسجد - لعمار :

( إِنَّك حريص على الجهاد، وإِنَّك لمِن أهل الجَنَّة، ولتقتلنَّك الفئة الباغية ) ؟

قال :بلى .

قال :فلم قتلتموه ؟!

قال :والله ما تزال تدحض في بولك، نحن قتلناه ؟! إِنَّما قتله الذي جاء به .

قال : رواه الطبراني ورجاله ثقات(١) .

المؤلِّف : قد أُشير إلى الجواب عن قول مُعاوية : إنَّما قتله الذي جاء به. وستعرف تفصيله بنحو أبسط.

١١ - قال الشبلنجي :وفي عقائد الشيخ أبي إِسحاق الفيروزآبادي .

إنَّ عمرو بن العاص، كان وزير مُعاوية، فلمَّا قُتِل عمار بن ياسر أَمسك عن القتال، وتابعه على ذلك خَلق كثير.

فقال له مُعاوية :لِمَ لا تُقاتل ؟!

قال :قد قتلنا هذا الرجل، وقد سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول تقتله الفئة الباغية ؛ فدلَّ على أنَّا نحن بُغاة .

قال له مُعاوية :أَمسِك، والله لا تزال تدحض في بولك، أنحن قتلناه ؟! إِنَّما قتله علي وأصحابه جاءوا به حتَّى أَلقوه بيننا.

قال : وفي رواية قال :قتله مَن أرسله إلينا يُقاتلنا، وإِنَّما دفعنا عن أنفسنا فقتل، فبلغ ذلك عليَّاً.

فقال : ( إنْ كنتُ قتلتُه أَنا ؛ فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قتل حمزة، حين أرسله إِلى قتال الكفَّار )(٢) .

____________________

(١) مجمع الزوائد : ٩/٢٩٧.

(٢) نور الأبصار : ص٨٩ ط القاهرة.


المؤلِّف : إنْ كان عليٌّعليه‌السلام هو الذي قتل عماراً ؛ حيث أرسله إِلى مُعاوية ؛ فالله تعالى هو الذي قتل جُملة مِن أنبيائه ؛ حيث أرسلهم الى الكفَّار ليدعوهم إلى الإيمان فقُتلوا.

قال الله تبارك وتعالى :( أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ) البقرة : ٨٧.

ثمَّ إِنَّ ههنا جُملة مِن الأحاديث، يناسب ذكرها في خاتمة هذا الباب.

منها :

١٢ - ما ذكره المُتَّقي، عن خالد بن الوليد، عن ابنة هشام بن الوليد بن المُغيرة، قال : - وكانت تمرِّض عماراً - قالت :جاء مُعاوية إلى عمار يعوده، فلمَّا خرج مِن عنده قال : اللَّهمَّ، لا تجعل مَنيَّته بأيدينا، فإنِّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( تقتل عماراً الفئة الباغية ).

قال : أخرجه أبو يعلى، وابن عساكر(١) .

ومنها :

١٣ - ما رواه ابن سعد مُسنداً، عن الحسن، قال: قال عمرو بن العاص : إنِّي لأَرجو أنْ لا يكون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مات يوم مات، وهو يُحبُّ رجُلاً، فيُدخله الله النار.

[ قال : ] فقالوا :قد كنَّا نراه يُحبُّك، وكان يستعملك !

[ قال : ] فقال: الله أعلم أحبَّني أمْ تألَّفني، ولكنَّا كُنَّا نراه يُحبُّ رجُلاً.

قالوا :فمَن ذاك الرجل ؟

فقال :عمار بن ياسر .

قالوا :فذاك قتيلكم يوم صِفِّين ؟

قال :قد - والله - قتلناه . ورواه بطريق آخر قال فيه : قال صدقتم، والله لقد قتلناه(٢) .

١٤ - روى مسلم بسنده، عن أبي شماسة المهري، قال :حضرنا عمرو بن العاص، وهو في سياقة الموت، فبكى طويلاً، وحوَّل وجهه إِلى الجدار، فجعل ابنه يقول :

يا أبتاه، أما بشَّرك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكذا ؟ أما بشَّرك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكذا ؟ فأقبل بوجهه - وساق الحديث إلى أنْ قال - وما كان أَحداً أحبَّ إليَّ مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا أجلَّ في عيني منه، وما كنتُ أُطيق أنْ أملأ عيني منه ؛ إِجلالاً له، ولو سُئلت أنْ أصفه ما أطقت ؛ لأَنِّي

____________________

(١) كنز العمَّال : ٧/٧٣. ط. حيدر آباد - الهند.

(٢) الطبقات الكبرى: ٣ ق ١/١٨٨. ط. ليدن.


لم أكُن أملأ عيني منه، ولو مُتُّ على تلك الحال، لرجوت أنْ أكون مِن أهل الجَنَّة، ثمَّ ولينا أَشياء ما أَدري ما حالي فيها. ( الحديث )(١) .

منها :

١٥ - ما ذكره ابن الأثير، قال :

روى أبن أبي الدنيا، عن محمد بن أَبي معشر، عن أَبيه، قال :

بينا الحَجَّاج جالساً، إذ أقبل رجل مُقارب الخَطو، فلمَّا رآهُ الحَجَّاج قال : مَرحباً بأبي الفادية. وأَجلسه على سريره، وقال : أنت قتلت ابن سميَّة ؟

قال :نعم .

قال :كيف صنعت كذا حتَّى قتلته ؟

فقال الحَجَّاج لأَهل الشام :مَن سرَّه أَنْ ينظر إلى رجلٍ عظيم الباع يوم القيامة، فلينظر إلى هذا ! ثمَّ سارَّه أَبو غادية يسأله شيئاً، فأبى عليه ؛ فقال أبو غادية : نوطِّأ لهم الدنيا، ثمَّ نسألهم فلا يُعطوننا، وزعم أَنِّي عظيم الباع يوم القيامة - إلى أنْ قال : - والله، لو أَنَّ عماراً قتله أهل الأرض لدخلوا النار.

ومنها :

١٦ - ما رواه أبو نعيم بسنده، عن أبي سنان الدؤلي، صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال :رأيت عمار بن ياسر دَعَا بشراب، فأُتي بقدح مِن لَبن، فشرب منه، ثمَّ قال : صدق الله ورسوله.

اليوم أَلقى الأحبَّة

محمدا وحزبه

إنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( إنَّ آخر شيء تزوده مِن الدنيا ضَيْحَة لَبن ).

ثمَّ قال :والله، لو هزمونا حتَّى يَبلغونا سعفات هَجَر، لعلمنا أَنَّا على حَقٍّ، وهم على باطل.

١٧ - ثمَّ روى أَبو نعيم، عن أبي المليح الأَنصاري، عن عليٍّ، قال :

( ذكرت للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عماراً فقال: أما أنَّه سيشهد معك مَشاهد أجرها عظيم، وذِكْرها كثير، وثناؤها حَسَن)(٢) .

____________________

(١) صحيح مسلم : ١/١١٢، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

مُسند أحمد بن حنبل : ٤/١٩٩، رواه باختلاف في بعض الألفاظ، وقال في آخره :فإذا مُتُّ فلا تبكى عليَّ، ولا تتَّبعني مادحاً، ولا ناراً وشدُّواعليَّ إزاري ؛ فإنِّي مُخاصَم . الحديث.

(٢) حلية الأولياء : ١/١٤١ - ١٤٢.


بقي شيء : وهو أنَّه قد ورد جُملة مِن الروايات، في لحوق جماعة بعليٍّعليه‌السلام يوم صِفِّين لأجل عمارٍ وأُويس.

وورد جُملة أُخرى مِن الروايات، في تأسُّف عبد الله بن عمر بن الخطاب ؛ أنَّه لِمَ لم يُقاتل الفئة الباغية مع عليٍّعليه‌السلام ! وأنَّه لماذا استقال عليَّاً البيعة !

وورد غير واحد مِن الروايات، في تأسُّف عبد الله بن عمرو بن العاص ؛ أنَّه لِمَ كان مع الفئة الباغية، أَعني : مُعاوية وأصحابه في يوم صِفِّين، وودَّ أنَّه مات قبله بعشر سنين.

وورد جُملة مُهمَّة مِن الروايات، في الأَمر بملازمة عليٍّعليه‌السلام وعمار عند الفتنة والاختلاف، وقد عقدنا لكلٍّ مِن هذه الأقسام الأربعة باباً مُستقلَّاً، في كتابنا الموسوم ب- : فضائل الخمسة مِن الصحاح السِّتَّة(١) في الجزء الثاني منه، فراجع الأَبواب الأَربعة بدقَّة.

* * *

____________________

(١) طبع هذا الكتاب في العراق وإيران ولبنان أكثر مِن مَرَّة.


٩ - باب ( في قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنَّ عليَّاًعليه‌السلام وقومه آية الجَنَّة ومُعاوية وقومه آية النار )(*) .

١ - روى الهيثمي، عن عمرو بن الحمق الخزاعي، قال :

بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سريَّة - إلى أنْ قال - ثمَّ هاجرتُ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فبينا أنا عنده ذات يوم، فقال لي :

( يا عمر، وهل لك أنْ أُريك آية الجَنَّة، تأكُل الطعام وتشرب الشراب، وتمشي في الأسواق ! ).

قلت :بلى بأبي أنت !

قال : ( هذا وقومه )،وأشار بيده إلى عليِّ بن أبي طالب عليه‌السلام .

وقال لي : ( يا عمرو، هل لك أنْ أُريك آية النار، تأكل الطعام، وتشرب الشراب، وتَمشي في الأسواق ! ).

قلت :بلى بأبي أنت .

قال : ( هذا وقومه آية النار )،وأشار إلى مُعاوية .

فلمَّا وقعت الفِتنة، ذكرت قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،ففررت مِن آية النار إلى آية الجَنَّة - إلى أنْ قال : -والله إنْ كنتُ في جِحرٍ في جوف جِحر، لاستخرجني بنو أُميَّة حتَّى يقتلوني .

____________________

(*) فيه ثلاثة أحاديث.


حدَّثني به [ حبيبي ](١) رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنَّ رأسي أوَّل رأس يُحتزُّ في الإسلام، ويُنقَل مِن بَلدٍ إلى بلد.

قال : رواه الطبراني في الأوسط(٢) .

٢ - ذكر المُتَّقي الهندي، عن عبيد الله بن رافع :أنَّ مُعاوية طلب عمرو بن الحمق ليقتله ؛ فهرب منه نحو الجزيرة، ومعه رجل مِن أصحاب عليٍّ عليه‌السلام ، يقال له : زاهر، فلمَّا نزلا الوادي نهشت عمرواً حيَّة جوف الليل فأصبح مُنتفِخاً.

فقال لزاهر :تنحَّ عنِّي ؛ فإنَّ خليلي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أخبرني : أنَّه سيشترك في دَمي الإنس والجِنِّ، ولابُدَّ لي مِن أنْ أُقتل، فقد أصابتني بَلْيَّة الجِنِّ بهذا الوادي.

فبينما هم كذلك، إذ رأيا نواصي الخيل في طلبه ؛ فأمر زاهراً يتغيَّب.

قال: فإذا قُتلت فإنَّهم يأخذون رأسي، فارجع إلى جسدي فادفنه.

فقال له زاهر: بلْ أَنثر نبلي ثمَّ أرميهم، حتى إذا فنيت نبلي قُتلت معك .

قال:لا، ولكنِّي سأزوِّدك مِنِّي ما ينفعك الله به، فاسمع مِنِّي : آية الجَنَّة محمد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلامتهم عليُّ بن أَبي طالب عليه‌السلام .

وتوارى زاهر، فاقبل القوم، فنظروا إلى عمرو، فنزل إليه رجل منهم آدم(٣) ، فقطع رأسه، وكان أوَّل رأس في الإسلام نصب في الناس، وخرج زاهر إليه فدفنه.

قال : أخرجه ابن عساكر(٤) .

ثمَّ إنَّ ههنا حديثاً يُناسب ذِكره في خاتمة هذا الباب، وهو ما رواه الطحاوي بسنده :

٣ - عن أبي تميم الجيشاني قال :اشترى مُعاوية بن أبي سفيان قلادة، فيها تِبْر وزبرجد

____________________

(١)الرضوي : ما بين المعقوفين موجود في الأصل، الّذي نقل منه المؤلِّف [ طاب ثراه ]، وسقط مِن طبعات هذا الكتاب.

(٢) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : ٩/٤٠٦.

(٣) أي أسمر.

(٤) كنز العمَّال : ٧/٦٣. ط. حيدرآباد - الهند.


ولؤلؤ وياقوت بستمأة دينار، فقام عبادة بن الصمت حين طلع مُعاوية المنبر، أو حين صلَّى الظهر، فقال :

ألاْ إنَّ مُعاوية اشترى الربا وأكله، أَلاْ إنَّه في النار إلى حلقه.

قال الطحاوي : فقد يجوز أنْ تكون تلك القلادة، كان فيها مِن الذهب أكثر مِمَّا اشتُريت به ؛ فكان من عبادة ما كان لذلك(١) .

* * *

____________________

(١) شرح معاني الآثار : ٢/٢٣٨. الطبعة الأُولى عام ١٣٠٠ه-.


١٠ - باب ( في قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إذا رأيتم مُعاوية على منبري فاقتلوه ) )(*) .

١ - الذهبي قال : روى عباد بن يعقوب، عن شريك، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إذا رأيتم مُعاوية على منبري فاقتلوه ).

المؤلِّف : وقد صحَّح الذهبي الحديث المذكور، وكلُّ حديث قد صحَّحه الذهبي، فهو في أعلى درجة الاعتبار، عند أهل السُّنَّة والجماعة(١) .

٢ - الذهبي ذكر حديثاً - قد صرَّح بصحَّته - عن أبي سعيد، رَفَعَه : ( إذا رأيتم مُعاوية على منبري فاقتلوه).

وذكر نحوه عن أبي جذعان(٢) .

٣ - ابن حجر - في ترجمة عباد بن يعقوب الرواجني - قال : روي عن شريك، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله مرفوعا : ( إذا رأيتم مُعاوية على منبري فاقتلوه )(٣) .

٤ - ابن حجر - في ترجمة علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة - قال : حدَّث حماد بن

____________________

(*) فيه سبعة أحاديث.

(١) ميزان الاعتدال : ٢/١٧.

(٢) ميزان الاعتدال : ٢/١٢٩.

(٣) تهذيب التهذيب : ٥/١١٠. ط. حيدرآباد - الهند.


سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي نصرة، عن أبي سعيد، رَفَعَه : ( إذا رأيتم مُعاوية على هذه الأعواد فاقتلوه ).

قال ابن حجر : وأخرجه الحسن بن سفيان في مُسنده، عن إسحاق، عن عبد الرزَّاق، عن ابن عيينة، عن علي بن يزيد، قال : والمحفوظ عن عبد الرزَّاق، عن جعفر بن سليمان، عن علي، ولكنَّه لفظ ابن عيينة : ( فارجموه )، قال : أورده ابن عدي، عن الحسن بن سفيان(١) .

٥ - ابن حجر - في ترجمة عمرو بن عبيد بن باب - قال : حدَّثنا بندار، حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا حماد بن زيد :قيل لأيُّوب : إنَّ عمرو روى عن الحسن، أنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( إذا رأيتم مُعاوية على منبري فاقتلوه )(٢) .

٦ - المنَّاوي : ( إذا رأيتم مُعاوية على منبري فاقتلوه ).

قال : أخرجه الديلمي، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٣) .

المؤلِّف : يحتمل قويَّاً أنْ يكون المُراد مِن المنبر، في قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( اذا رأيتم مُعاوية على منبري فاقتلوه)، هو مُطلق المنبر ؛ بدعوى أنَّ كلَّ منبر يُصعد عليه في الاسم، ويُخطب عليه، ويُبيَّن الأحكام، فهو منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ويُحتمل أنْ يكون المُراد منه هو خصوص منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي كان بالمدينة.

ويؤيِّده ما تقدَّم في حديث أبي سعيد : ( إذا رأيتم مُعاوية على هذه الأعواد فاقتلوه ). وعلى أيِّ تقدير، فإنَّ مُعاوية حَسَب الأحاديث المُتقدِّمة، هو مِمَّن يجب قتله، بحُكم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد سامح فيه أكثر المسلمين - لا سامحهم الله - فلم يمتثلوا أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم يُطيعوا قوله.

أمَّا وجوب قتله على الاحتمال الأوَّل، فواضح ظاهر.

وأمَّا على الاحتمال الثاني، فكذلك ؛ حيث روى أهل السير والتواريخ مَجيء مُعاوية

____________________

(١) تهذيب التهذيب : ٧/٣٢٤ ط. حيدرآباد - الهند.

(٢) تهذيب التهذيب : ٨/٧٤ط. حيدرآباد - الهند.

(٣) كنوز الحقائق في أحاديث خير الخلائق ص٩.


إلى المدينة وصعَّوده على منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

منهم ابن سعد قال :

٧ - أخبرنا : إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، عن أيُّوب، عن نافع، قال :

لمَّا قَدِم مُعاوية المدينة، حلف على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليقتلنَّ ابن عمر(١) .

ثمَّ رواه بطريق آخر عن نافع فراجع.

* * *

____________________

(١) الطبقات الكبرى : ٤/١٣٤ - ١٣٥ط ليدن.


١١ - باب ( إنَّ ليلة القدر خيرٌ مِن أَلف شهر يملكها بنو أُميَّة )(*) .

١ - روى الترمذي بسنده، عن القاسم بن الفضل الحمداني، عن يوسف بن سعد، قال :

قام رجل إلى الحسن بن عليعليهما‌السلام بعدما بايع مُعاوية، فقال :

سوَّدت وجوه المؤمنين، أو يا مسوِّد وجوه المؤمنين.

فقال : ( لا تؤنِّبني - رحمك الله - فإنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أرى بني أُميَّة على منبره ؛ فساءه ذلك ؛ فنزلت :

( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) يا محمد، يعني : نهراً في الجَنَّة، ونزلت :

( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) ، يملكها بنو أُميَّة يا محمد ! ).

قال القاسم :فعددناها، فإذا هي أَلف شهر، لا يزيد يوم ولا ينقص (١) .

٢ - روى الحاكم بسنده، عن يوسف بن مازن الرسبي، قال :قام رجل إلى الحسن بن علي، فقال : سوَّدت وجوه المؤمنين.

فقال الحسن : ( لا تؤنِّبني - رحمك الله - فإنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد رأى بني أُميَّة يخطبون على منبره رجُلاً رجُلاً ؛ فساءه ذلك ؛ فنزلت :

____________________

(*) فيه سِتَّة أحاديث.

(١) سُنن الترمذي : ٥/٤٤٤ - ٤٤٥ تحقيق إبراهيم عطوة.


( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) ، نهر في الجَنَّة، ونزلت :( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) تملكها بنو أُميَّة ! ).

قال :فحَسبنا ذلك هو لا يزيد ولا ينقص (١) .

قال الحاكم : هذا إسنادٌ صحيح، ثمَّ روى بسنده، عن سفيان بن الليل الهمداني مِثله.

٣ - ابن جرير، روى بسنده عن القاسم بن الفضل، عن عيسى بن مازن، قال :قلت للحسن بن علي عليهما‌السلام :يا مُسوِّد وجوه المؤمنين، عمدت إلى هذا الرجل، فبايعت له، يعني : مُعاوية بن أَبي سفيان.

فقال : ( إنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، رأى في منامه بني أُميَّة يعلون منبره خليفة ؛ فشقَّ ذلك عليه ؛ فأنزل الله :( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) و( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) ، يعني : مُلك بني أُميَّة ! ).

قال القاسم : فحسبنا مُلك بني أُميَّة، فإذا هو ألف شهر(٢) .

٤ - الفخر الرازي، قال : روى القاسم بن الفضل، عن عيسى بن مازن، قال :قلت للحسن بن علي عليهما‌السلام : يا مسوِّد وجوه المؤمنين، عمدت إلى هذا الرجل، فبايعت له، يعني : مُعاوية.

فقال : ( إِنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، رأى في منامه بني أُميَّة، يطئون منبره واحداً بعد واحدٍ [ قال: وفي رواية ] (ينزون على منبره نزو القردة ؛ فشقَّ ذلك عليه ؛ فأنزل الله تعالى :( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) إلى قوله :( ... خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) ، يعني مُلك بني أُميَّة ! ).

قال القاسم : فحسبنا مُلك بني أُميَّة، فإذا هو ألف شهر(٣) .

٥ - الفخر الرازي، قال : إنَّ رجُلاً قام إلى الحسن بن عليعليهما‌السلام وقال :سوَّدت وجوه المؤمنين ؛ بأنْ تركت الإمامة لمُعاوية.

فقال : ( لا تؤذيني - يرحمك الله - فإنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، رأى بني أُميَّة في المنام، يصعدون منبره رجُلاً فرجُلاً ؛ فساءه ذلك، فأنزل الله تعالى :( إِنَّا

____________________

(١) مُستدرك الصحيحين : ٣/١٧٠ - ١٧١. الدُّرُّ المنثور : ٦/٣٧٠، وقال السيوطي : أخرجه الطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن يوسف بن مازن. مُستدرك الصحيحين : ٣/١٧٠.

(٢) تفسير الطبري ( جامع البيان ) : ٣٠/١٦٧.

(٣) مفاتيح الغيب التفسير الكبير : ٣٢/٣١، في تفسير سورة القدر.


أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) ، و( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) ، يعني : مُلك بني أُميَّة كذلك، ثمَّ انقطعوا وصاروا مبتورين !) (١) .

٦ - السيوطي قال : وأخرج الخطيب في تاريخه، عن ابن عباس، قال : رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بني أُميَّة على منبره ؛ فساءه ذلك ؛ فأوحى الله إليه إنَّما هو مُلك يُصيبونه، ونزلت :( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) .

وقال أيضاً : واخرج الخطيب، عن ابن المسيب، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( رأيت بني أُميَّة يصعدون منبري ؛ فشقَّ ذلك عليَّ ؛ فأنزل الله :( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) )(٢) .

* * *

____________________

(١) المصدر نفسه : ٣٢/١٣٤، في تفسير سورة الكوثر.

(٢) الدُّرُّ المنثور في التفسير بالمأثور : ٦/٣٧١.


١٢ - باب ( ما جاء عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذمِّ بني أُميَّة عموماً )(*) .

١ - روى الحاكم بطريقين، عن راشد بن سعد، عن أَبي ذر، قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( إذا بلغتْ بنو أُميَّة أربعين اتَّخذوا عباد الله خَوَلاً، ومال الله نَحَلاً، وكتاب الله دَغَلاً )(١) .

٢ - وروى الحاكم بسنده، عن أبي برزة الأسلمي، قال :كان أبغض الأحياء إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنو أُميَّة، وبنو حنيفة، وثَقيف.

قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين(٢) .

٣ - وروى الحاكم بسنده، عن أبي سعيد الخدري، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إنَّ أهل بيتي سيلقون مِن بعدي مِن أُمَّتي قتلاً وتشريداً، وإِنَّ أشدَّ قومنا لنا بُغضاً بنو أُميَّة، وبنو المُغيرة، وبنو مَخزوم ).

____________________

(*) فيه إحدى عشر حديثاً.

(١) مُستدرك الصحيحين : ٤/٤٧٩. كنز العمَّال : ٦/٣٩ط حيدر آباد - الهند، وقال : مال الله دَخَلا.وقال : أخرجه ابن عساكر.

(٢) مُستدرك الصحيحين : ٤/٤٨٠ - ٤٨١. حلية الأولياء : ١٠/٧١، قال : رواه أبو يعلى.


قال : هذا حديث صحيح الإسناد(١) .

٤ - روى أبو نعيم بسنده، عن أبي عثمان النهدي، عن عمران بن حصين، قال :توفِّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،وهو يُبغض ثلاث قبائل : بني حنيفة، وبني مَخزوم، وبني أُميَّة.

قال : ورواه هشام بن حسان، عن الحسن، عن عمران بن حصين(٢) .

٥ - روى المُتَّقي الهندي، عن بجالة، قال :قلت لعمران بن حصين، حدِّثني عن أبغض الناس إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال :تكتم عليَّ حتَّى أموت ؟

قلت :نعم .

قال: بنو أُميَّة، وثقيف، وبنو حذيفة.

قال : أخرجه نعيم بن حماد في الفتن(٣) .

٦ - وروى المُتَّقي، عن عمر بن الخطاب، في قوله :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً ) قال هما الأفجران مِن قريش : بنو أُميَّة، وبنو المُغيرة.

فأَمَّا بنو المُغيرة، فقطع الله دابرهم يوم بدر، وأمَّا بنو أُميَّة فمُتِّعوا إلى حين.

قال : أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والطبراني في الجامع الصغير.

المؤلِّف : وذكر هذا الحديث في سورة إبراهيم، وقال : أخرجه الطبراني في الأَوسط، والحاكم وصحَّحه.

قال :

____________________

(١) مُستدرك الصحيحين : ٤/٤٨٧. كنز العمَّال : ٦/٤٠ط حيدر آباد - الهند، وقال : أخرجه نعيم بن حماد في الفتن.

(٢) حلية الأولياء : ٦/٢٩٣ - ٢٩٤.

الرضوي : لم نعثر على هذا النّص في الطبعة التي عندنا.

(٣) كنز العمَّال : ٦/٦٨ط حيدر آباد - الهند.

(٤) المصدر نفسه : ١/٢٥٢.


وأخرج ابن مردويه، عن عليعليه‌السلام : أنَّه سُئِل عن( الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً ) قال : ( بنو أُميَّة، وبنو مخزوم رهط أبي جهل )(١) .

الزمخشري في تفسير قوله تعالى :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً ) في سورة إبراهيم، وروي عن عمر قال :

هم : الأفجران مِن قريش : بنو المُغيرة، وبنو أُميَّة.

فأمَّا بنو المُغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأمَّا بنو أُميَّة فمُتِّعوا حتَّى حين(٢) .

المؤلِّف : وذكر هذا الحديث السيوطي في الدُّرِّ المنثور.

وقال : أخرجه البخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن عمر بن الخطاب(٣) .

٨ - روى المُتَّقي الهندي، عن حمران بن جابر الحنفي - وكان أحد الوفد - قال :

سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( ويلٌ لبني أُميَّة ) - ثلاث مَرَّات -.

قال : أَخرجه ابن مندة، وأبو نعيم(٤) .

٩ - وروى المُتَّقي، عن ابن مسعود، قال: إنَّ لكلِّ دين آفة، وآفة هذا الدين بنو أُميَّة.

قال : أَخرجه نعيم بن حماد في الفتن(٥) .

١٠ - وروى المُتَّقي، عن ابن مسعود، قال: إنَّ لكلِّ دين آفة، وآفة هذا الدين بنو أُميَّة.

قال : أخرجه نعيم بن حماد في الفتن(٦) .

١١ - وروى المُتَّقي قال: لا تقوم الساعة حتَّى يخرج ثلاثون كذَّاباً - إلى أنْ قال : -وشرُّ

____________________

(١) المصدر نفسه : ١/٢٥٢.

(٢) تفسير الكشَّاف : ٢/٣٧٧، تفسير سورة إبراهيم، ط دار الفكر بيروت.

(٣) الدُّرُّ المنثور في التفسير بالمأثور : ٤/٨٤.

(٤) كنز العمَّال : ٦/٩١ط حيدر آباد - الهند.

(٥) المصدر نفسه : ٧/١٤٢.

(٦) كنز العمَّال : ٧/١٤٢. طبعة حيدر آباد - الهند.


قبائل العرب بنو أُميَّة، وبنو حنيفة، والثقيف.

قال : أَخرجه ابن أبي شيبة، وابن عدي عن الزهري.

المؤلِّف : وذكر هذا الذهبي في ميزان الاعتدال ٢/١٨١. وصحَّحه، وقال : عن ابن الزبير، قال: رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( لا تقوم الساعة ) ( إلى آخره )(١) .

* * *

____________________

(١) ميزان الاعتدال : ٧/١٧١.


١٣ - باب ( في رؤيا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنَّ بني أُميَّة ينزون على منبره نزو القِردة وإنَّهم مِن شَرِّ الملوك )(*) .

١ - الفخر الرازي، في ذيل تفسيره قوله تعالى :

( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ ) .

سورة بني إسرائيل : ٦٠.

قال :وفي هذه الرؤيا أقوال - إلى أنْ قال : -والقول الثالث قال : سعيد بن المسيب : رأى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بني أُميَّة ينزون على منبره نزو القردة ؛ فساءه ذلك.

قال : وهذا قول ابن عباس في رواية عطا(١) .

٢ - السيوطي في ذيل تفسير الآية المُتقدِّمة قال :

____________________

(*) فيه سبعة أحاديث.

(١) تفسير مفاتيح الغيب : ٢٠/٢٣٧ط بيروت، آية( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا ) .


وأخرج ابن أبي حاتم، عن يعلى بن مُرَّة، قال :

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( أُريتُ بني أُمية على منابر الأرض، وسيمتلَّكونكم ؛ فتجدونهم أرباب سوء ).

واهتمَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لذلك فانزل الله( وَمَا جَعَلْنَا الرّؤْيَا الّتِي أَرَيْنَاكَ إِلّا فِتْنَةً لّلنّاسِ ) .(١)

٣ - وقال أيضاً : أخرج ابن مردويه، عن الحسين بن عليعليهما‌السلام : ( أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أصبح وهو مهموم، فقيل : مالك يا رسول الله ؟

فقال : إِنِّي رأيت في المنام، كأنَّ بني أُميَّة يتعاورون منبري هذا.

فقيل : يا رسول الله، لا تهتم ؛ فإنَّها دنيا تنالهم، فانزل الله :( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ) )(٢) .

٤ - وقال أَيضاً : أخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر عن سعيد بن المسيب، قال :

رأى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بني أُميَّة على المنابر ؛ فساءهُ ذلك ؛ فأوحى الله إليه : إنَّما هي دنيا أُعطُوها فقرَّت عينه، وهي قوله :( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ) يعني بلاء للناس.

المؤلِّف : وذكر هذا الحديث(٣) المُتَّقي، وقال : كما في الدُّرِّ المنثور أَخرجه ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر(٤) .

ثمَّ إنَّ في المقام روايات أُخرى، في رؤيا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بني أُميَّة ينزون على منبره نزو القردة، قد وردت في بني الحَكم بن أَبي العاص، وأنَّهم الشجرة الملعونة في القرآن، وأنَّ مروان بن الحكم هو الوزغ بن الوزغ، الملعون بن الملعون، وأنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعن الحكم و

____________________

(١) الدُّرُّ المنثور في التفسير بالمأثور : ٤/١٩١.

(٢) الدُّرُّ المنثور : ٤/١٩١.

(٣) كنز العمَّال : ٧/١٤٢، ط الهند.

(٤) الدُّرُّ المنثور : ٤/١٩١.


ما يخرج مِن صُلبه إلى يوم القيامة، وأنَّهم إذا بلغوا ثلاثين رجُلاً اتَّخذوا مال الله دولاً، وعباد الله خَولاً، ودين الله دَغَلاً.

وقد عقدنا لمجموع هذه الروايات، وما يقرب منها باباً مُستقلَّاً، في كتابنا الموسوم بفضائل الخمسة مِن الصحاح السِّتَّة، في الجزء الثالث منه، وسميناه ب- : باب ما جاء في ذمِّ مروان، وولده، وأبيه الحكم بن أبي العاص ( فراجع ).

٥ - روى الترمذي بسنده، عن سعيد بن جهان، قال :

حدَّثني سفينة، قال :قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( الخلافة في أُمَّتي ثلاثون سنة، ثمَّ مَلَك بعد ذلك )، ثمَّ قال لي سفينة : أَمسِك عليك خلافة أَبي بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان، ثمَّ قال لي : أمسِك خلافة عليٍّ عليه‌السلام .

قال :فوجدناها ثلاثين سنة.

قال سعيد :فقلت له : إنَّ بني أُميَّة يزعمون أنَّ الخلافة فيهم.

قال :كَذبوا بنو الزرقاء، بلْ هم مُلوك مِن شَرِّ المُلوك.

قال الترمذي : قد رواه غير واحد، عن سعيد بن جهان(١) .

قال ابن حجر : وقال علي بن عاصم، عن أبي ريحانة، عن سفينة، رفعه : ( الخلافة بعدي ثلاثون سنة )،فقال رجل في مجلس عليٍّ : دخلتْ مِن هذة الثلاثين سِتَّة شهور، في خلافة مُعاوية !

فقال :مِن ههنا أتيت، تلك الشهور كانت البيعة للحسن بن علي، بايعه أَربعون ألفاً (٢) .

ابن عبد البرِّ، في ترجمة مُعاوية بن أبي سفيان، قال : وقال ابن بكير، عن الليث :

مات مُعاوية في رجب لأربعِ ليالٍ بقين مِن سنة ٦٠.

وقال: إنَّه أوَّل مَن جعل ابنه وليَّ العهد، خليفةً مِن بعده، في أيَّام حياته.

قال :

____________________

(١) سُنن الترمذي : ٤/٦٠٣، كتاب الفتن تحقيق إبراهيم عطوة عوض.

(٢) تهذيب التهذيب : ٢/٢٥٩ط، دار الفكر بيروت.


وقال الزبير : هو أوَّل مَن اتَّخذ ديوان الخاتم، وأمر بهدايا النيروز، والمَهرجان، واتَّخذ المقاصير في الجوامع.

وأوَّل مَن قتل مُسلماً صبراً حِجْراً وأَصحابه.

وأوَّل مَن أَقام على رأسه حرساً، وأَوَّل مَن قُيِّدت بين يديه النجائب.

وأوَّل مَن اتَّخذ الخصيان في الإِسلام.

وأوَّل مَن بلغ درجات المِنبر خمس عشر مُرقاة، وكان يقول : أنا أوَّل الملوك(١) .

* * *

____________________

(١) الاستيعاب : ٣/١٤١٩ - ١٤٢٠ تحقيق على محمد البجاوى ط بمصر.


١٤ - باب ( في خُطبة مُعاوية بن يزيد في ذمِّ جَدَّه مُعاوية بن أبي سفيان وفي ذمِّ أبيه يزيد بن مُعاوية )(*) .

قال ابن حجر : ومات - يعني - مُعاوية بن يزيد بن مُعاوية، سنة أربع وستِّين، لكنْ عن ولد شابٍّ صالحٍ، عُهِد إليه فاستمرَّ مريضاً إلى أنْ مات، ولم يخرج إلى الناس، ولا صلَّى بهم، ولا أدخل نفسه في شيء مِن الأُمور، وكانت مُدَّة خلافته أربعين يوماً، وقيل : شهرين، وقيل : ثلاثة أشهُر، ومات عن إحدى وعشرين سنة، وقيل : عشرين.

قال : ومِن صلاحه الظاهر، أنَّه لمَّا وَليَ صعد المنبر، فقال :

إنَّ الخلافة حَبل الله، وإنَّ جَدِّي مُعاوية نازع الأمر أهله، ومَن هو أحقُّ به منه، عليُّ بن أبي طالب، وركب بكم ما تعلمون، حتَّى أتته منيَّته، فصار في قبره، رهيناً بذنوبه، ثمَّ قلَّد أبي الأمر، وكان غير أهل له، ونازع ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقصف عمره، وانبتر عقبه، وصار في قبره رهيناً بذنوبه. ثمَّ بكى.

____________________

(*) فيه حديث واحد.


وقال : مِن أعظم الأُمور علينا، علمنا بسوء مصرعه، وبؤس مُنقلبه، وقد قتل عِترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأباح الخمر، وخرَّب الكعبة، ولم أذق حَلاوة الخلافة، فلا أتقلَّد مَرارتها، فشأنكم أَمركم. والله، لئن كانت الدنيا خيراً فقد نلنا منها حظَّاً، ولئن كانت شَرَّاً فكفى ذريَّة أبي سفيان ما أصابوا منها.

قال :ثمَّ تغيَّب في منزله، حتَّى مات بعد أربعين يوماً - كما مَرَّ - ف رحمه‌الله أَنصفُ مِن أبيه، وعرف الأمر لأهله (١) .

المؤلف : مُعاوية بن يزيد، أنصف مِن أبيه وجَدِّه جميعاً ؛ حيث صرَّح أنَّ جَدَّه - يعني مُعاوية بن أبي سفيان - نازع الأمر أهله، ومَن هو أحقُّ به منه، علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وأنَّه ركب بالناس ما يعلمون، حتَّى أَتته منيَّته، فصار في قبره رهيناً بذنوبه، وهذا هو عين الإنصاف منهرحمه‌الله ولكنَّ ابن حَجر لا يَطيب نفساً، أنْ يعترف مُعاوية بن يزيد بخطأ جَدِّه مُعاوية بن أبي سفيان، وأنَّه في قبره مرهون بذنوبه وخطاياه، أسئل الله أنْ يحشره معه، وأَنْ يجعله مِن جُلسائه ورفقائه حيث ما كان.

( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) الإسراء : ٧١.

* * *

____________________

(١) الصّواعق المُحرقة : ص١٣٤. ط مصر عام ١٣١٢ه-.


١٥ - باب ( إنَّ مُعاوية قد حرَّم مُتعة الحَجِّ كما حرَّمها عمر مِن قبل )(*) .

١ - روى النسائي بسنده، عن طاوس، قال : قال مُعاوية لابن عباس :أعلمت أنِّي قصَّرت مِن رأس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند المروة ؟

قال : لا.

يقول ابن عباس :هذا مُعاوية نهى الناس عن المُتعة، وقد تمتَّع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) .

المؤلِّف : وروى هذا الحديث أحمد بن حنبل، عن طاوس، عن ابن عباس، قال :

٢ - قال لي مُعاوية : علمت أنِّي قصَّرت مِن رأس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمِشقَص ( يعني عند المَروة كما صُرِّح به في جُملة مِن الروايات التي رواها في المقام ).

فقلت له : لا أعلم هذا إلاَّ حجَّة عليك. انتهى(٢) .

ومعنى أنَّه حجَّة عليك أنْ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا قصَّر عند المروة، فهذا إحلال مِن العُمرة ؛ فإنَّ الإحلال مِن الحَجِّ يكون بمِنى، فإذا ثبت أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أحلَّ مِن عُمرته عند المروة

____________________

(*) فيه أربعة أحاديث.

(١) سُنن النسائي : ٥/١٥٣ - ١٥٤، ط مصر.

(٢) المُسند : ٤/٩٧.


فقد ثبت أنَّه قد أتى بحَجِّ التمتُّع، فإنَّ التمتُّع عُمرة، ثمَّ إحلالٌ، ثمَّ حَجٌّ، وإذا أَتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحَج التمتَّع، فلا يبقى مجال لنهي مُعاوية عنها أبداً.

٣ - روى مسلم بسنده، عن غنيم بن قيس، قال :سألت سعد بن أبي وقَّاص، عن المُتعة.

فقال :فعلناها، وهذا يومئذٍ كافر بالعرش، يعني : بيوت مَكَّة (١) .

ثمَّ رواه بطريق آخر، وقال فيه : عن المُتعة في الحَجِّ.

ورواه البيهقي وقال :وأراد سعد بن أبي وقَّاص بما قال : مُعاوية بن أَبي سفيان، وأراد بالعرش : بيوت مَكَّة.

ثمَّ رواه بطريق آخر، قال فيه : غنيم بن قيس، قال :سألت سعد بن مالك، عن التمتَّع بالعُمرة إِلى الحَجِّ.

فقال :فعلتُها مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهذا يومئذٍ كافر في العرش، يعني : مَكَّة، ويعني به : مُعاوية . انتهى(٢) .

ورواه الطحاوي أَيضاً، وقال فيه :غنيم بن قيس، سألت سعد بن مالك، عن مُتعة الحَجِّ، فقال : فعلناها وهو يومئذ مُشرك بالعُرُش (٣) ،يعني : مُعاوية في بيوت مكة (٤) .

ثمَّ إنَّك قد عرفت - في باب نهي عمر عن مُتعة الحَجِّ - إنَّ مُتعة الحَجِّ هي مِمَّا أحلَّها الله ورسوله، وقد حرَّمها عمر، وعرفت في آخر الباب المذكور، قول الله تبارك وتعالى :

( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَ-ئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) .

٤ - وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( مَن قال في ديننا برأيه فاقتلوه )، وأنَّه صار نتيجة ذلك الباب مِن أوَّله إلى آخره أنَّه كافر، يجب قتله بالكتاب والسُّنَّة.

وعليه، فإذا عُرِف في هذا الباب

____________________

(١) صحيح مسلم : ٤/٤٧ استانبول. صحيح مسلم بشرح النووي : ٨/٢٠٤ جواز التمتُّع. مُسند أحمد بن حنبل : ١/١٨١، وقال : هذا كافر بالعرش، يعني : مُعاوية.

(٢) السنن الكبرى : ٥/١٧.

(٣) بالعُرُش : بضمّ عين وراء جمع ( عريش ) أراد بيوت مَكَّة، أي : فعلنا مُتعة الحَجِّ قبل إسلام مُعاوية ؛ فإنَّه أسلم عام الفتح، وكان متعتهم سنة سبع. عن هامش شرح معاني الآثار : ٢/١٤١.

(٤) شرح معنى الآثار : ٢/١٤١، تحقيق الشيخ محمد زهري النجّار.


أنَّ مُعاوية أيضاً قد حرَّم مُتعة الحَجِّ، فيكون حاله كحال غيره عيناً ؛ فهو أَيضاً كافر يجب قتله بالكتاب والسُّنَّة.

* * *


١٦ - باب ( إنَّ مُعاوية أَتَمَّ الصلاة بمَكَّة كما أَتمَّها عثمان مِن قبلُ خِلافاً للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(*) .

١ - روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، قال :لمَّا قَدِم علينا مُعاوية حاجَّاً، قَدِمنا معه مَكَّة [ قال : ] فصلَّى بنا الظهر ركعتين، ثمَّ انصرف إلى دار الندوة - إلى أنْ قال - فلمَّا صلَّى بنا الظهر رَكعتين، نهض إِليه مروان بن الحكم، وعمرو بن عثمان، فقالا له :

ما عاب أحد ابن عَمِّك بأقبح ما عِبته به.

فقال لهما :وما ذاك ؟!

[ قال : ] فقالا له :ألم تعلم أنَّه أتمَّ الصلاة بمَكَّة ؟!

[ قال : ] فقال لهما :ويحَكما، وهل كان غير ما صنعت، قد صلَّيتهما مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،ومع أَبي بكر، وعمر !

قالا :فإنَّ ابن عَمِّك قد كان أتمَّهما، وإنَّ خلافك إيَّاه له عَيب.

قال: فخرج مُعاوية إِلى العصر، فصلاَّها بنا أربعاً (١) .

* * *

____________________

(*) فيه حديث واحد.

(١) المُسند : ٤/٩٤.


١٧ - باب ( في ترك الناس التلبية بعرفات خوفاً مِن مُعاوية )(*) .

١ - روى النسائي بسنده، عن سعيد بن جبير، قال : كنت مع ابن عباس بعرفات، فقال : مالي لا أسمع الناس يلبُّون ؟

قلت : يخافون مِن مُعاوية، فخرج ابن عباس مِن فِسطاطه، فقال : لبيّك اللَّهمَّ، لبيك لبيك ؛ فإنهم قد تركوا السُّنَّة مِن بُغضِ عليٍّ(١)

و رواه البيهقي في باب التلبية يوم عرفة باختلاف يسير قال:

فيه سعيد بن جبير كانا عند ابن عباس بعرفة فقال: يا سعيد، مالي لا أسمع الناس يلبون ؟ فقلت: يخافون معاوية، فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال:

لبيك اللّهمّ لبيك وإن رغم أنف معاوية، اللهمّ العنهم فقد تركوا السنّة من بغض علي.(٢)

____________________

(*) فيه حديث واحد.

(١) سُنن النسائي : ٥/٢٥٣ التلبية بعَرفة.

(٢) السُّنن الكبرى : ٥/١١٣.


المؤلِّف : وقالوا في شرح هذا الحديث ما حاصله :

إنَّ عليَّاًعليه‌السلام كان مُتقيِّداً بالسُّنن، ومنها التلبية في عرفات، فتركوها خوفاً مِن مُعاوية ؛ لأنَّه كان يُبغض عليَّاً.

* * *


١٨ - باب ( إنَّ مُعاوية منع الخُمس مِن بني هاشم كما منعه أبو بكر وعمر مِن قبلُ )(*) .

المؤلف : أمَّا منع أبي بكر وعمر الخُمس مِن بني هاشم، فقد تقدَّم تفصيله في الأبواب السابقة.

وأَمَّا ما جاء في منع مُعاوية الخُمس مِن بني هاشم، فهذا ما ظفرتُ عليه على العَجالة.

١ - روى ابن سعد بسنده، عن يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن أبيه، قال :لمَّا قَدِم علينا مال الخُمس مِن عند عمر بن عبد العزيز، وقَسّم مِن عنده ومِن الكتيبة فِضَّة، على بني هاشم الرجال والنساء، فكُتب إليه في بني المطَّلب، فكَتب : إنَّما هم مِن بني هاشم فأُعطوا.

قال عبد الملك بن المُغيرة :فاجتمع نفر مِن بني هاشم، فكتبوا كتاباً، وبعثوا به مع رسول إِلى عمر بن عبد العزيز يتشكَّرون له ما فعله بهم مِن صِلة أرحامهم، وإِنَّهم لم

____________________

(*) فيه حديث واحد.


يزالوا مَجْفيِّين مُنذ كان مُعاوية.

فكتب عمر بن عبد العزيز :قد كان رأيي قبل اليوم هذا، ولقد كلَّمت فيه الوليد بن عبد الملك، وسليمان فأبيا عليَّ، فلمَّا وَلَيتُ هذا الأَمر تحرَّيت به الذي أظنُّه أوفق إنْ شاء الله (١) .

المؤلِّف : وروى ابن سعد، عن يحيى بن شبل، قال :جلستُ مع علي بن عبد الله بن عباس، وأبي جعفر محمد بن علي، فجاءهما آتٍ، فوقع بعمر بن عبد العزيز ؛ فنهياه، وقالا : ما قُسِّم علينا خُمس مِنذ زمن مُعاوية إلى اليوم، وأنَّ عمر بن عبد العزيز، قَسَّمه على بني عبد المطَّلب . ( الحديث )(٢) .

* * *

____________________

(١) الطبقات الكبرى : ٥/٢٨٩.

(٢) الطبقات الكبرى : ٥/٢٨٨ - ٢٨٩.


١٩ - باب ( إنَّ مُعاوية مِمَّن يُعرِّفون الناس المُنكر ويُنكرون عليهم المَعروف )(*) .

١ - روى الحاكم - في ذِكر مناقب عبادة بن الصامت - عن أزهر بن عبد الله، قال :

أقبل عبادة بن الصامت حاجَّاً مِن الشام فحَجَّ، ثمَّ قَدِم المدينة، فأتى عثمان بن عفان مُتظلِّماً، فقال : إِنِّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - محمداً أبا القاسم - يقول : ( سَيَلْي أُموركم مِن بعدي رجال يُعرِّفونكم ما تُنكرون، ويُنكرون عليكم ما تعرفون ؛ فلا طاعة لمَن عصى الله، فلا تعتبوا أنفسكم )، فوالذي نفسي بيده إِنَّ مُعاوية مِن أُولئك، فما راجعه عثمان حرفاً.

قال الحاكم : وقد روي هذا الحديث بإسناد صحيح على شرط الشيخين، ثمَّ إنَّه رواه بطريق آخر عن عبيد بن رفاعة، في الصفحة المذكورة(١) .

٢ - روى الإِمام أَحمد بن حنبل بسنده، عن إسماعيل بن عبيد الأنصاري حديثاً، قال فيه عبادة لأَبي هريرة :

يا أبا هريرة، إنَّك لم تكُن معنا، إذ بايعنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنَّما بايعناه على السمع والطاعة

____________________

(*) فيه ستة أحاديث.

(١) مُستدرك الصحيحين : ٣/٣٥٧. تلخيص المُستدرك للذهبي : ٣/٣٥٧.


في النشاط والكسل، وعلى النفقة في اليُسر والعُسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، وعلى أنْ نقول في الله تبارك وتعالى، ولا نخاف لَومة لائمٍ فيه، وعلى أنْ ننصُر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا قَدِم علينا يَثرب، فنمنعه مِمَّا نمنع منه أنفُسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجَنَّة.

فهذه بيعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي بايعنا عليها، فمَن نكث فإنَّما ينكث على نفسه، ومَن أوفى بما بايع عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وَفى الله تبارك وتعالى بما بايع عليه نبيَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فكتب مُعاوية إلى عثمان بن عفان : إنَّ عبادة بن الصامت، قد أفسد عليَّ الشام وأهله، فإمَّا يكُن إليك عبادة، وإمَّا أُخلِّي بينه وبين الشام ؛ فكتب إليه : أنْ رحِّل عبادة، حتَّى تُرجعه إلى داره مِن المدينة، فبعث بعبادة حتَّى قَدِم المدينة، فدخل على عثمان في الدار - وليس في الدار غير رجلٍ مِن السابقين، أو مِن التابعين قد أدرك القوم - فلم يفجأ عثمان إلاّ وهو قاعد في جنب الدار، فالتفت إليه.

فقال: يا عبادة بن الصامت، ما لنا ولك ؟!

فقام عبادة بين ظهري الناس، فقال :سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - أبا القاسم محمداً - يقول : ( إنَّه سَيَلي أُموركم بعدي رجال يُعرِّفونكم ما تُنكرون، ويُنكرون عليكم ما تَعرفون ؛ فلا طاعة لمَن عصى الله تبارك وتعالى ).

المؤلِّف : وقد تقدَّم ذِكر هذا الحديث بطوله، في باب ما جاء في فضل أبي ذر، وأنَّ عثمان قد نفاه إِلى الرَّبْذَة(١) .

وههنا جُملة مِن الأَحاديث يُناسب ذِكرها في خاتمة هذا الباب.

٣ - ما رواه الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري : أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: ( لا يَمنعنَّ أحدكم مَخافة الناس، أنْ يقول بالحقِّ إِذا شهده أَو علمه ).

قال أَبو سعيد :

____________________

(١) المُسند : ٥/٣٢٥.


فحملني على ذلك، أَنِّي ركبت إلى مُعاوية، فملأت أُذنيه ثمَّ رجعت(١) .

المؤلِّف : وهذا الحديث هو كالصريح، في أنَّ مُعاوية كان مِمَّن يرتكب الأُمور المُنكرة الباطلة، وأنَّ قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( لا يَمنعن أحدكم مَخافة الناس، أنْ يقول بالحقِّ ) هو الذي حمل أبا سعيد الخدري، وهو مِن أجلاِّء الصحابة، على أنْ يركب إلى مُعاوية، ويملأ أُذنيه مِن المَواعظ والنصائح الحقَّة. ولكنَّه هيهات أَنْ تؤثِّر فيه المواعظ والنصايح شيئاً !

وكيف تؤثِّر ؟! وهو مِن مصاديق قوله تعالى :( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) لقمان: ٦.

٤ - ما رواه الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن عبد الرحمان بن عبد ربِّ الكعبة، قال : انتهيت إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو جالس في ظلِّ الكعبة، فسمعته يقول :

بينا نحن مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سفر، إذ نزل مَنزلاً، فمنَّا مَن يَضرب خِباءهُ - إلى أنْ قال - إذ نادى مُناديه : الصلاة جامعة [ قال : ] فاجتمعنا [ قال : ] فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فخطبنا، فقال :

( إنَّه لم يكن نبيٌّ قبلي إلاَّ دَلَّ أُمَّته على ما يعلمه خيراً لهم، ويحذِّرهم ما يعلمه شرَّاً لهم، وإنَّ أُمَّتكم هذه جعلت عافيتها في أوَّلها، وإنَّ آخرها سيُصيبهم بلاءٌ شديدٌ، وأُمور تُنكرونها - إلى أنْ قال - فمَن سرَّه منكم أنْ يُزحْزَح عن النار، وأنْ يدخل الجَنَّة فلتُدركه موتته، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يُحبُّ أنْ يؤتى إليه ) - إلى أنْ قال - قال عبد الرحمان : فأدخلت رأسي مِن بين الناس.فقلت : أنشدك بالله، أنت سمعت هذا مِن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،[ قال : ]فأشار بيده إلى أُذنيه، فقال : سمِعتْه أُذناي، ووعاه قلبي .

[ قال : ]فقلت : هذا ابن عمِّك مُعاوية، يأمرنا بأكل أموالنا بيننا بالباطل، وأنْ نقتل أنفسنا، وقد قال الله تعالى :

____________________

(١) المصدر نفسه : ٣/٨٤.


( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ) .

[ قال : ] فجمع يديه، فوضعهما على جبهته، ثمَّ نكَّس هُنيهة، ثم رفع رأسه فقال:

أطعِه في طاعة الله، واعصِه في معصية الله عزَّ وجلَّ(١) .

المؤلِّف : وروى هذا الحديث البيهقي - أيضاً - في سُننه، باختلاف في اللفظ وتقديم وتأخير(٢) .

٥ - ما رواه البيهقي بسنده، عن نافع :أنَّ مُعاوية بعث إلى ابن عمر مائة أَلف، فلمَّا دعا مُعاوية إِلى بيعة يزيد بن مُعاوية.

قال :أترون هذا أراد ؟ إنَّ دِيْني إِذاً عندي لرخيص.

٦ - ما ذكره ابن عبد البرّ، في ترجمة عبد الرحمان بن خالد بن الوليد، قال :ثمَّ إنَّه لمَّا أراد مُعاوية البيعة ليزيد، خطب أهل الشام، وقال لهم :

يا أهل الشام، إنَّه قد كَبُر سنِّي، وقرب أجلي، وقد أردت أنْ أعقد لرجل يكون نظاماً لكم، وإنَّما أنا رجل منكم، فأروا رأيكم فأصفقوا، واجتمعوا.

وقالوا :رضينا عبد الرحمان بن خالد ؛ فشقَّ ذلك على مُعاوية، وأسرَّها في نفسه.

ثمَّ إنَّ عبد الرحمان مَرض، فأمر مُعاوية طبيباً عنده يهودياً، وكان عنده مَكيناً أنْ يأتيه، فيسقيه سَقية يقتله بها، فأتاه فسقاه ؛ فانحرق بطنه فمات. إلخ(٣) .

* * *

____________________

(١) المُسند : ٢/١٦١.

(٢) السُنن الكبرى : ٨/١٦٩.

(٣) الاستيعاب في معرفة الأصحاب : ٢/٨٢٩ - ٨٣٠، تحقيق على محمد البجاوي.


٢٠ - باب ( في نهي مُعاوية عن تقسيم الغنائم وأمره باصطفاء الصفراء والبيضاء له )(*) .

١ - روى الحاكم بسنده، عن الحسن، قال :

بعث زياد الحكم بن عمرو الغفاري على خراسان، فأصابوا غنائم كثيرة، فكتب إليه زياد أما بعد : فإنَّ أمير المؤمنين كتب أنْ يُصطفى له البيضاء والصفراء، ولا تُقسِّم بين المسلمين ذهباً ولا فِضَّة ؛ فكتب إليه الحَكم.

أمَّا بعد : فإنَّك كتبت تذكر كتاب أمير المؤمنين، وإنِّي وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين، وإنِّي أُقسم بالله، لو كانت السماوات والأرض رَتقا على عبد، فاتَّقى الله ؛ لجعل له مِن بينهم مَخرجاً والسلام.

وأمر الحَكم مُنادياً ؛ فنادى : أنْ اغدوا على فَيئكم فقسَّمه بينهم، وإنَّ مُعاوية لمَّا فعل الحَكم في قِسمة الفَيء ما فعل، وجَّه إليه مَن قيَّده وحبسه، فمات في قيوده، ودُفن فيها، وقال : إني مُخاصِّم(١) .

____________________

(*) فيه حديثان.

(١) مُستدرك الصحيحين : ٣/٤٤٢ - ٤٤٣. الطبقات الكبرى : ٧ق ١ ص١٨. ورواه ابن عبد البرّ في الاستيعاب بطريقين، بينهما اختلاف يسير في بعض الألفاظ. ورواه ابن الأثير في أُسد الغابة : ٢/١٦٤، باختلاف في السَّند والمَتن، قال : قال ابن حبيب. كتب زياد إلى أبيه إلخ.


كتب زياد بن أبيه إلى الربيع بن زياد هذا :

١ - إنَّ أمير المؤمنين مُعاوية، كتب يأمرك أنْ تُجهِّز الصفراء والبيضاء، وتُقسِّم ما سِوى ذلك ؛ فكتب إليه : إِنِّي وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين. ونادى في الناس : أنْ اغدوا على غنائمكم، فأخذ الخُمس، وقسَّم الباقي على المسلمين، ودعا الله تعالى أَنْ يُميته.

قال :فما جمع حتى مات (١) .

* * *

____________________

(١) أُسد الغابة في معرفة الصحابة : ٢/١٦٤.


٢١ - باب ( إنَّ مُعاوية يَشرب الشراب الذي حرَّمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(*) .

١ - روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن عبد الله بن بريدة، قال :دخلت أنا وأبي على مُعاوية، فأَجلسنا على الفراش، ثمَّ أُتينا بالطعام فأكلنا، ثمَّ أتينا بالشراب فشرب مُعاوية، ثمَّ ناول أبي ؛ فقال : ما شربته مُنذ حرَّمه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) .

ويؤيِّد هذا الحديث، المُشتمل على شرب مُعاوية الشراب الذي حرَّمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ما ذكره ابن حجر العسقلاني.

٢ - قال ابن حجر : وأخرج الحسن بن سفيان في مُسنده، وابن قانع وابن منده مِن طريق ابن إسحاق، عن بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب القرظي، قال :

غزا عبد الرحمان بن سهل الأنصاري، في زمن عثمان - ومُعاوية أمير على الشام - فمَرَّت به روايا الخمر ؛ فقام إليها برمحه، فنقر كلَّ راوية منها فناوشه الغلمان، حتَّى بلغ شأنه مُعاوية، فقال :

____________________

(*) فيه حديثان.

(١) المُسند : ٥/٣٤٧.


دعوه ؛ فإنَّه شيخ قد ذهب عقله. فبلغه.

فقال :كلاَّ والله، ما ذهب عقلي، ولكنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهانا أَنْ نُدخل بطوننا وأَسقيتنا خمراً، وأحلف بالله، لَئِن بقيت حتَّى أرى في مُعاوية ما سمعت مِن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لابُدَّ مِن بَطنه أو لأموتنَّ دونه (١) .

المؤلِّف : ومعنى قوله : لابدَّ مِن بَطنه، أو لأموتنَّ دونه، أَيْ : لابدَّ لي مِن شَقِّ بطنه، أو لأموتن دونه.

وكأنَّ عبد الرحمان بن سهل، قد سمع مِن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مُعاوية، أَنَّه سيرتكب أَمراً يستحقُّ به القتل، فهو ينتظر صدور ذلك الأمر منه ؛ ليقتله أو يموت دون القتل ( والله العالم ).

* * *

____________________

(١) الإصابة في تمييز الصحابة : ٤ق ١٦٢. ط كلكتا عام ١٨٥٣م. الاستيعاب في معرفة الأصحاب : ٢/٨٣٦ تحقيق على محمد الجباوي


٢٢ - باب ( إنَّ مُعاوية هيَّأ رجالاً يشهدون أنَّ عليَّاًعليه‌السلام قتل عثمان )(*) .

١ - ابن الأثير في ترجمة شرحبيل بن السمط، قال :

أدرك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان يُكنَّي : أبا يزيد، وكان أميراً على حَمص لمُعاوية، وكان له أثر عظيم في مُخالفة عليٍّ وقتاله.

وسبب ذلك، أنَّ عليَّاً أَرسل جرير بن عبد الله البجلي إلى مُعاوية، فاحتبسه أشهراً، فقيل لمُعاوية : إنَّ شرحبيل عدوٌّ لجرير ؛ ليُحضره ؛ ليناظر جريراُ ؛ فاستدعى مُعاوية شرحبيل، ووضع على طريقه مَن يشهد أنَّ عليَّا قتل عثمان، منهم :

بسر بن أرطأة، ويزيد بن أسد جَدُّ خالد القسري، وأبو الاعور السُلَّمي، وغيرهم، فلقي جريراً وناظره أنَّ عليَّاً قتل عثمان، ثمَّ خرج في مدائن الشام، يُخبر بذلك ويندب إلى الطلب بثأر عثمان(١) .

٢ - ابن عبد البرّ في ترجمة شرحبيل بن السمط، قال :

____________________

(*) فيه حديثان.

(١) أُسد الغابة في معرفة الصحابة : ٢/٣٩٢.


كان شرحبيل بن السمط على حَمص، فلمَّا قَدِم جرير على مُعاوية، رسولاً مِن عند عليٍّ، حبسه أشهُراً يتحيَّر ويتردَّد في أمره، فقيل لمُعاوية : إنَّ جريراً قد ردَّ بصائر أهل الشام، في أنَّ عليَّاً ما قتل عثمان، ولابدَّ لك مِن رجل يُناقضة في ذلك، مِمَّن له صُحبة ومنزلة، ولا نعلمه إلاَّ شرحبيل بن السمط ؛ فإنَّه عدو لجرير، فاستقدمه مُعاوية؛ فقَدِم عليه، فهيَّأ له رجالاً يشهدون عنده، أنَّ عليَّاًعليه‌السلام قتل عثمان، منهم :

بسر بن أرطأة، ويزيد بن أسد جَدُّ خالد بن عبد الله القسري، وأبو الأعور السلمي، وحابس بن سعد الطائي، ومخارق بن الحارث الزبيدي، وحمزة بن مالك الهمداني، قد واطأهم مُعاوية على ذلك ؛ فشهدوا عنده أنَّ عليَّاًعليه‌السلام قتل عثمان، فلقي جريراً فناظره، فأبى أَنْ يرجع، وقال : قد صحَّ عندي أنَّ عليَّاًعليه‌السلام قد قتل عثمان، ثمَّ خرج إلى مدائن الشام، يُخبر بذلك، ويندب إلى الطلب بدم عثمان(١) .

المؤلِّف : والعجب مِن هؤلاء الرجال، أعني : مِن بُسر بن أرطأة، ويزيد بن أسد، وأبو الأعور السلمي، وحابس بن سعد، ومخارق بن الحارث، الذين هيّأهم مُعاوية ؛ ليشهدوا عند شرحبيل أنَّ عليَّاًعليه‌السلام قتل عثمان، وأنَّهم كيف باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، وشهدوا زوراً عند شرحبيل، وهم يعلمون أنَّها شهادة زور، كما يظهر مِن قول : ( قد واطأهم مُعاوية ) ؛ حتَّى خرج شرحبيل إلى مدائن الشام وندب الناس إلى قتال عليٍّعليه‌السلام والطلب بدم عثمان، وأُريق مِن دماء المسلمين ما لا يُحصى عددهم على الدِقَّة إلاَّ الله جلَّ وعلا، وهي على عاتقهم.

وقد صدق عمرو بن العاص ؛ حيث قال :

إنَّ أهل الشام أطوع الناس للمخلوق في معصية الخالق.

وروى الهيثمي عن علي بن يزيد، قيل لعمرو بن العاص :صِف لنا أهل الأَمصار، قال :

أهل الحجاز أحرص الناس على فِتنة، وأعجزهم عنها .

____________________

(١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب : ٢/٦٩٩ - ٧٠٠ تحقيق على محمد البجاوي.


وأهل العراق أحرصهم على علمٍ وأبعدهم منه.

وأهل الشام أطوع الناس للمخلوق في معصية الخالق.

وأهل مصر أكيس الناس صغيراً، وأحمقهم كبيراً.

وقال : رواه الطبراني في الأوسط(١) .

* * *

____________________

(١) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : ١٠/٢٦٨ط مصر.

الرضوي : لم نعثر على هذا الحديث في المُجلَّد المذكور.


٢٣ - باب ( إنَّ الله يغضب لقتل حِجر وهكذا أَهل السماء وقد قتله مُعاوية وندم عند الموت )(*) .

١ - روى المُتَّقي الهندي، عن أَبي الأسود، قال :دخل مُعاوية على عائشة، فقالت : ما حملك على قتل أهل عذراء : حِجر وأصحابه ؟!

فقال :يا أُمَّ المؤمنين، إنِّي رأيت قتلهم صلاحاً للأُمَّة، وبقاءهم فساداً للأُمَّة .

فقالت :سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( سيُقتل بعذراء ناسٌ يغضب الله لهم وأهل السماء ).

قال : أخرجه ابن عساكر(١) .

٢ - روى المُتَّقي، عن سعيد بن أَبي هلال :أَنَّ مُعاوية حَجَّ، فدخل على عائشة.

فقالت :يا مُعاوية، قتلت حجر ابن الأَدبر وأصحابه ! أما والله، لقد بلغني أَنَّه : ( سيُقتل بعذراء سبعةُ نفرٍ يغضب الله لهم وأَهل السماء ).

قال :

____________________

(*) فيه ثلاثة أحاديث.

(١) كنزل العمَّال : ٧/٨٧ ط الهند.


أَخرجه ابن عساكر(١) .

٣ - ابن حجر، قال : وقال ابن المبارك في الزهد :

أنبأنا أَبو بكر بن عياش، قال :دخل عبد الله بن يزيد بن أسد على مُعاوية، وهو في مرضه الذي مات فيه، فرأى منه جَزْعَا.

فقال :يا أَمير المؤمنين، ما يُجزعك ؟! إِنْ مُتَّ فإِلى الجنّة، وإِنْ عشت فقد عَلمت حاجة الناس إليك .فقال :رحم الله أَباك ؛ إِنَّه كان لنا ناصحاً، نهاني عن قتل ابن الأدبر، يعني : حجر بن عدي.

المؤلِّف : وظاهر كلام مُعاوية - في جواب سؤال عبد الله بن يزيد - : رحم الله أَباك ؛ إِنَّه كان لنا ناصحاً، نهاني عن قتل ابن الأدبر. إلخ، أنَّ جزعه الذي رآه منه عبد الله، هو لقتل حِجر بن عدي، وهو مِن مُعاوية عجيب جداً ؛ فإِنَّه [ هو ] الذي هيَّأ جماعة ليشهدوا زوراً عند شرحبيل أنَّ عليَّاًعليه‌السلام قتل عثمان - كما عَرفت في الباب السابق - فخرج شرحبيل إلى مدائن الشام، وندب الناس إلى قتال عليعليه‌السلام وأُريق مِن دماء المسلمين عدداً لا يُحصيه على الضبط والدِّقَّة إِلاَّ الله.

وقَتل مِن أَصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مِن المُهاجرين والأنصار عدداً كثيراً، وعلى رأسهم عمار بن ياسر، الذي تواترت الروايات في أخبار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( أنَّ عماراً تقتله الفئة الباغية )، وقد قتله مُعاوية وأصحابه - كما عرفت تفصيله في الأبواب السابقة -.

وقَتل مِن التابعين الأخيار عدداً أَكثر مِن ذلك، وعلى رأسهم أُويس القرني، وقد روى الحاكم، وأبو نعيم، وابن سعد(٢) ، وغير هؤلاء مِن أَئمَّة الحديث، بإسنادهم عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، قال :

لمَّا كان يوم صِفِّين نادى مُنادٍ مِن أَصحاب مُعاوية، أَصحاب عليٍّعليه‌السلام : أفيكم أُويس القرني ؟

قالوا :نعم .

فضرب دابَّته حتَّى دخل معهم، ثمَّ قال :

____________________

(١) كنز العمِّال : ٧/٨٨ ط. الهند.

(٢) مُستدرك الصحيحين : ٣/٤٠٢. حلية الأولياء : ٢/٨٦. الطبقات : ٦/١١٢ - ١١٣.


سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :

( خير التابعين أويس القرني ) ؛ فقتل هؤلاء كلِّهم لم يجزع لأجله مُعاوية عند الموت، إلاَّ لقتل حِجر وأصحابه ؛ فإنَّهم وإن كانوا مِن الأعاظم الأجلاَّء، الذين قلَّ نظيرهم في الإِسلام، ولكنَّ قَتْله وقَتْل أصحابه بالنسبة إِلى قَتْل مَن سواهم، مِن العدد الكبير مِن الأصحاب والتابعين أهون بكثير.

وأَعجب مِن الجميع، أنَّه قد روى أبو نعيم والحاكم(١) روايات عديدة، قد صرَّحت - جميعاً - بأنَّ الحسنعليه‌السلام قد سُمَّ مِراراً، ومات بالآخرة مسموماً.

وصرَّح ابن حَجر في الصواعق كافَّة، بأَنَّه كان السبب لوفات الحسنعليه‌السلام ، وأنَّ زوجته جَعدة بنت الأَشعث بن قيس الكندي، دَسَّ إليها يزيد أنْ تسمَّه ويتزوَّجها، وبذل لها مِئة أَلف درهم، ففعلت ؛ فمرض أربعين يوماً، فلمَّا مات بعثت إلى يزيد، تسأله الوفاء بما وعدها، فقال لها : إنَّا لم نَرضَك للحسنعليه‌السلام ، فنرضاك لأَنفسنا.

ثمَّ قال ابن حجر : وبموته مسموماً شهيداً، جزم غير واحد مِن المُتقدِّمين : كقتادة، وأبي بكر بن حفص، والمُتأخِّرين، كالزين العراقي في مُقدِّمة شرح التقريب. إلخ(٢) .

ومِن الواضح المعلوم، أنَّه لم يكُن للحسن بن عليعليهما‌السلام في ذلك الوقت، عدوٌّ يقتله بالسَمِّ سِوى مُعاوية بن أَبي سفيان ؛ فإنَّه الذي سمَّه ؛ ليتمَّ الأمر مِن بعده لولده يزيد، كما سَمَّ عبد الرحمان بن خالد بن الوليد لهذه الغاية - وقد عرفت تفصيله في آخر باب إِنَّ مُعاوية مِمَّن يُعرِّفون الناس المُنكر -

وأوضح مِن ذلك كلِّه، أنَّه مِن المُتسحيل أنْ يدسَّ يزيد إلى جَعدة بنت الأشعث، أنْ تسمَّ الحسنعليه‌السلام ، ويُرسِل إليها مئة ألف درهم، كلُّ ذلك بدون أمر مُعاوية، بلْ هو بأمره بلا شُبهة، فإِذا كان بأمره ؛ فهو الذي قتل - والله - الحسن بن عليعليهما‌السلام ، فكيف هو لا يجزع عند الموت لهذا الأمر الفظيع الذي ارتكبه، والجناية العظمى التي فعلها، وأَيُّ أمرٍ أَفظع مِن قتل سبط النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وسيِّد شباب أَهل الجَنَّة، وخامس أهل

____________________

(١) حلية الأولياء : ٢/٣٨. مُستدرك الصحيحين : ٣/١٧٣ - ١٧٦.

(٢) الصواعق المُحرقة ط مصر عام ١٣١٢ه-.


الكساء، ويجزع لقتل حِجر وأصحابه فقط، وهذا - لَعمري - عجيب جِدَّاً كما ذكرنا.

وعلى كلِّ حال، قد قال الله تبارك وتعالى :

( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .

( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ) (٢) .

* * *

____________________

(١) الشعراء : ٢٢٧.

(٢) إبراهيم : ٤٢.



المقصد السابع

في بيان ما ورد في خالد بن الوليد

(٧)

خالد بن الوليد



١ - باب ( في قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( اللَّهمَّ إنِّي أبرأ إليك مِمَّا صنع خالد ) وفي غضبه عليه )(*) .

١ - روى البخاري بسنده، عن سالم عن أبيه، قال :

بعث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خالد بن الوليد، إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يُحسنوا أنْ يقولوا : أسلمنا ؛ فجعلوا يقولون : صبأنا صبأنا ؛ فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كلِّ رجُلٍ منَّا أسيره، حتَّى إذا كان يوم آخر، أمر خالد أنْ يقتل كلُّ رجُلٍ مِنَّا أسيره، فقلت :

والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجُلٌ مِن أصحابي أسيره، حتَّى قَدِمنا على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فذكرناه له ؛ فرفع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يده، فقال :

( اللَّهمَّ إِنِّي أبرأ إِليك مِمَّا صنع خالد - مرتين - )(١) .

____________________

(*) فيه خمسة أحاديث.

(١) صحيح البخاري حاشية السندي : ٣/٧١، باب بعث النبي خالد بن الوليد : ٤/١٠٤، باب رفع الأيدي في الدعاء. صحيح البخاري ط استانبول : ٥/١٠٧، باب بعث النبي خالد بن الوليد إلى بني جذيمة. مُسند أحمد بن حنبل : ٢/١٥٠، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر. مُشكل الآثار للطحاوي : ٤/٢٥٤ ط حيدر آباد - الهند. ورواه النسائي في صحيحه : ٢، باب الرَّدِّ على الحاكم إذا قضى بغير الحَقِّ ط المطبعة الميمنيَّة بمصر عام ١٣١٢ه-. فتح الباري : ٨/٤٧.


وقال ابن حجر بعد مَرَّتين ما لفظه : وفي رواية الباقين ثلاث مَرَّات، قال : وزاد الباقرعليه‌السلام في روايته : ( ثمَّ دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليَّاً، فقال : اخرج إلى هؤلاء القوم، واجعل أمر الجاهليَّة تحت قدميك، فخرج حتَّى جاءهم، ومعه مال فلم يبقَ لهم أحداً إلاَّ ودَّاه )(١) .

٢ - ابن سعد قال : قالوا :لمَّا رجع خالد بن الوليد مِن هدم العزّى، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مُقيم بمَكَّة، بعثه إلى بني جذيمة ؛ داعياً إلى الإسلام، ولم يبعثه مُقاتلاً، فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلاً، مِن المُهاجرين والأَنصار وبني سليم، فانتهى إليهم خالد، فقال : ما أنتم ؟

قالوا :مُسلمون، قد صلَّينا وصدَّقنا بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،وبنينا المساجد في ساحاتنا وأذَّنا فيها .

قال :فما بالُ السلاح عليكم ؟

فقالوا :إنَّ بيننا وبين قوم مِن العرب عداوة، فخفنا أنْ تكونوا هم ؛ فأخذنا السلاح.

قال :فضعوا السلاح.

[ قال : ]فوضعوه.

فقال :استأسروا فاستأسر القوم، فأمر بعضهم فكتف بعضاً، وفرَّقهم في أصحابه، فلمَّا كان في السحر نادى خالد : مَن كان معه أسير فليُدافه. والمُدافة الإِجهاز عليه بالسيف .

فأمَّا بنو سليم، فقتلوا مَن كان في أيديهم، وأمَّا المُهاجرون والأنصار، فأرسلوا أُساراهم.

فبلغ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما صنع خالد.

فقال : ( اللَّهمَّ إنِّي أبرأ إليك مِمَّا صنع خالد ).

وبعث علي بن أبي طالب، فودَّى لهم قتلاهم وما ذهب منهم، ثمَّ انصرف إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبره(٢) .

٣ - روى ابن جرير بسنده، عن محمد بن إسحاق في قصَّة خالد مع بني جذيمة، قال :حدَّثني بعض أهل العلم، عن رجل مِن بني جذيمة، قال : لمَّا أَمرنا خالد بوضع السلاح، قال رجل منَّا، يُقال له جحدم : ويْلَكم يا بني جذيمة، إنَّه خالد، والله ما بعد وضع السلاح إلاَّ

____________________

(١) فتح الباري لابن حجر : ٨/٤٦ - ٤٧ط. عبد الرحمان محمّد بمصر عام ١٣٤٨ ه-.

(٢) الطبقات الكبرى : ٢، القسم ١/١٠٦ - ١٠٧. ط ليدن.


الإسار، ثمَّ ما بعد الإِسار إلاَّ ضرب الأعناق. والله، لا أَضع سلاحي أَبداً.

قال : فأخذه رجال مِن قومه، فقالوا: يا جحدم، أتُريد أنْ تسفك دماءنا، إنَّ الناس قد أسلموا، ووضعت الحرب، وأمِنَ الناس. فلم يزالوا به حتَّى نزعوا سلاحه، ووضع القوم السلاح لقول خالد.

فلمَّا وضعوه أمر بهم خالد عند ذلك فكُتفوا، ثمَّ عرضهم على السيف، فقُتل مَن قُتل منهم.

فلمَّا انتهى الخبر إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رفع يديه إلى السماء، ثمَّ قال : ( اللَّهمَّ إِنِّي أَبرأ إليك مِمَّا صنع خالد بن الوليد ).

ثمَّ دعا علي بن أبي طالب، فقال : ( يا علي، اخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهليَّة تحت قدميك ).

فخرج حتَّى جاءهم، ومعه مال قد بعثه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم به، فودَّى لهم الدماء، وما أُصيب مِن الأموال، حتَّى إنَّه ليدي مِيلَغة(١) الكلب، حتَّى إذا لم يبقَ شيء مِن دمٍ، ولا مال إلاَّ ودَّاه، بقيت معه بقيَّة مِن المال.

فقال لهم علي - حين فرغ منهم - : ( هل بقي لكم دمٌ، أو مال لم يؤدَّ إليكم ؟ ).

قالوا : لا.

قال : ( فإنِّي أُعطيكم هذه البقيَّة مِن هذا المال ؛احتياطاً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مِمَّا لا يعلم ولا تعلمون )، ففعل.

ثمَّ رجع إِلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبره الخبر.

فقال :( أصبت وأحسنت ).

ثمَّ قام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاستقبل القبلة قائماً، شاهراً يديه، حتَّى إنَّه ليُرى بياض ما تحت مِنكبيه، وهو يقول : ( اللَّهمَّ إنِّي أَبرأ إليك مِمَّا صنع خالد بن الوليد - ثلاث مَرَّات - )(٢) .

٤ - ابن الأثير في ترجمة خالد بن الوليد، قال :ولمَّا فتح رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مَكَّة، بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، مِن بني عامر بن لؤي، فقتل منهم مَن لم يَجز له قتله.

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( اللَّهمَّ إِنِّي أبرأ إليك مِمَّا صنع خالد )،فأَرسل مالاً مع علي بن أبي طالب عليه‌السلام ،فودَّى القتلى، وأَعطاهم ثمن ما أُخذ منهم، حتَّى ثمن مِيلَغة الكلب.

وفضل معه فضلة مِن المال، فقسَّمها فيهم، فلمَّا أُخبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك استحسنه، ولمَّا رجع خالد بن الوليد مِن بني جذيمة، أَنكر عليه عبد الرحمان بن عوف ذلك، وجرى بينهما كلام ؛ فسبَّ خالد

____________________

(١) الرضوي : مِيلَغة بكسر الميم وفتح اللاّم : الإناء الذي يُسقى فيه الكلب.

(٢) تاريخ الطبري : ٣/١٢٤ ط الحسينيَّة بمصر.


عبد الرحمان بن عوف، فغضب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ( الحديث )(١) .

٥ - روى المُتَّقي، عن سلمة بن الأكوع، قال :

لمَّا قَدِم خالد بن الوليد على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بعدما صنع ببني جذيمة ما صنع، عاب عبد الرحمان بن عوف على خالد ما صنع.

قال :يا خالد، أخذت بأمر الجاهليَّة ؟ قتلتهم بعمِّك الفاكه (٢) قاتلك الله .

وأعانه عمر بن الخطاب على خالد.

فقال خالد :أخذتهم بقتل أبيك.

فقال عبد الرحمان :كذبت والله، لقد قتلتُ قاتل أبي بيدي، وأشهدت على قتله عثمان بن عفان.

ثمَّ التفت إلى عثمان فقال :أَنشدك الله، هل علمت أَنِّي قتلت قاتل أبي ؟

فقال عثمان :اللَّهمَّ نعم.

ثم قال عبد الرحمان :ويحك يا خالد، ولو لم اقتل قاتل أبي، كنت تقتل قوماً مِن المسلمين بأبي في الجاهلية ؟!

قال :ومَن أخبرك أنَّهم أَسلموا ؟!

فقال :أهل السريَّة - كلُّهم - يخبرون أنَّك قد وجدتهم قد بنوا المساجد، وأقرّوا بالإِسلام، ثمَّ حملتهم على السيف.

قال :جاءني أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ أغير عليهم، فأغرت عليهم بأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال عبد الرحمان :كذبت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وغالظ عبد الرحمان، وأعرض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن خالد، وغضب عليه. الحديث.

قال : أخرجه الواقدي وابن عساكر(٣) .

المؤلِّف : وهنا حديث يُناسب ذكره في خاتمة هذا الباب، وهو ما رواه الطحاوي بسنده، عن قيس بن أبي حازم، عن خالد بن الوليد :أنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعثه إِلى أُناس مِن خَثْعَم

____________________

(١) أُسد الغابة في معرفة الصحابة : ٢/٩٤.

(٢) الفاكه : هو الرجل المازح، ويقال للمُعجَب الأشر البطر أيضاً.

(٣) كنز العمَّال : ٦/٤٢٠ط حيدر آباد - الهند.


فاستعصموا بالسجود، فقتلهم ؛ فودَّاهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنصف الديَّة . ( الحديث )(١) .

* * *

____________________

(١) مُشكل الآثار : ٤/٢٥٦. ط حيدر آباد - الهند.


٢ - باب ( إنَّ خالداً قد سبَّ عماراً ومَن سبَّ عماراً سبَّه الله )(*) .

١ - روى الحاكم بسنده، عن الأَشتر، قال :

سمعت خالد بن الوليد يقول : بعثني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سريَّة، ومعي عمار بن ياسر، فأَصبنا ناساً، منهم أَهل بيت قد ذكروا الإِسلام.

فقال عمار :إِنَّ هؤلاء قد وحَّدوا، فلم ألتفت إلى قوله، فأصابهم ما أصاب الناس.

قال : فجعل عمار يتوعَّدني : لو قد رأيت رسول الله فأَخبرته، فأتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأَخبره، فلمَّا رآه لا ينصره ولَّى وعيناه تدمعان.قال : فدعاني، فقال : ( يا خالد، لا تسبَّ عماراً ؛ فإِنَّ مَن يسبُّ عماراً يسبُّه الله )

قال خالد : استغفر لي يا رسول الله ، فو الله ، ما منعني أنْ أُجيبه إِلا تسفيهي إِيَّاه

قال خالد : وما مِن شيء أخوف عندي مِن تسفيهي عمار بن ياسر يومئذٍ.

قال الحاكم : صحيح الإِسناد.

ثمَّ إنَّه رواه في ص ٣٩٠ مَرَّة باختصار، وأُخرى باختلاف يسير(١) .

____________________

(*) - فيه خمسة أحاديث.

(١) المُستدرك على الصحيحين : ٣/٣٨٩ - ٣٩٠، ورواه الطحاوي في مُشكل الآثار : ٤/٢٥٥ باختلاف يسير، ورواه الطيالسي في مُسنده : ٥/١٨٥ باختصار، وذكره المُتَّقي الهندي في كنز العمَّال : ٧/٧٣ط - الهند. وقال : أخرجه النسائي، والطبراني، والحاكم، وفي ٦/١٨٥ أيضاً بتقديم وتأخير وزيادة : ( ومَن يُحقِّر عماراً يُحقِّره الله ).


٢ - روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده، عن خالد بن الوليد، قال :كان بيني وبين عمار بن ياسر كلام ؛ فأغلظت له في القول ؛ فانطلق عمار يشكوني إِلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فجاء خالد وهو يشكوه إِلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال :فجعل يُغلِظ له ولا يزيد إِلاَّ غِلظة، والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ساكت لا يتكلَّم ؛ فبكى عمار، وقال : يا رسول الله، ألا تراه.

فرفع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأسه وقال : ( مَن عادى عماراً عاداه الله، ومَن أَبغض عماراً أَبغضه الله ). الحديث.

ورواه في ص - ٩٠ - وزاد فيه : ( مَن يَسبُّه يسبُّه الله عزَّ وجلَّ )(١) .

٣ - روى المُتَّقي الهندي، عن السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال :

بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي، على سريَّة، ومعه في السريَّة عمار بن ياسر، [ قال : ] فخرجوا حتَّى أتوا قريباً مِن القوم، الذين أرادوا أنْ يُصبِّحوهم، فنزلوا في بعض الليل [قال: ] وجاء القوم النذير ؛ فهربوا حيث بلغوا، فأقام رجل منهم كان قد أسلم هو وأهل بيته فأمر أهله فتحمَّلوا.

وقال :قفوا حتَّى آتيكم.

ثمَّ جاء حتَّى دخل على عمار.

فقال :يا أَبا اليقظان، إنِّي قد أسلمت وأهل بيتي، فهل ذلك نافعي إنْ أنا أقمت ؟ فإنَّ قومي قد هربوا حيث سمعوا بكم.

[ قال : ] فقال له عمار :فأَقم، فأنت آمن ؛ فانصرف الرجل هو وأَهله.

[ قال : ]فصَّبح خالد القوم، فوجدهم قد ذهبوا، فأخذ الرجل هو وأَهله .

فقال له عمار: أَنْ لا سبيل لك على الرجل ؛ قد أسلم .

قال :وما أَنت وذاك ! أتُجير عليَّ وأَنا الأمير ؟!

قال :نعم، أُجير عليك وأنت الأَمير ؛ إنَّ الرجل قد آمن، ولو شاء لذهب كما ذهب أَصحابه

____________________

(١) المُسند : ٤/٨٩. ورواه المُتَّقي الهندي في كنز العمَّال : ٧/٧٣، وقال : أخرجه أبي شيبة، ، وأحمد بن حنبل، والنسائي.


فأمرته بالمقام لإِسلامه، فتنازعا في ذلك، حتَّى تشاتما، فلمَّا قَدِما المدينة اجتمعا عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - إلى أنْ قال -فتشاتما عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال خالد :يا رسول الله، أيشتمني هذا العبد عندك ؟! أما والله، لولاك ما شتمني.

فقال نبيُّ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( كف - يا خالد - عن عمار، فإِنَّ مَن يبغض عماراً يبغضه الله عزَّ وجلَّ، ومَن يلعن عماراً يلعنه الله عزَّ وجلَّ ).

ثمَّ قام عمار فولَّى.

قال : أخرجه ابن جرير، وابن عساكر. ثمَّ ذكره أيضاً عن ابن عساكر باختلاف يسير، وقال : سنده حَسَن(١) .

٤ - روى المُتَّقي الهندي، عن خالد بن الوليد، قال :ما عملتُ عملاً أخوف عندي أَنْ يُدخلني النار مِن شأن عمار.

قيل :وما هو ؟

قال :بعثني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ناس مِن أَصحابه، إِلى حيٍّ مِن العرب، فأصبتهم وفيهم أَهل بيت مسلمون ؛ فكلَّمني عمار في أُناس مِن أَصحابه.

فقال :أرسِلهم .

فقلت :لا - إلى أنْ قال -فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( مَن يُحقِّر عماراً يُحقِّره الله، ومَن يسبُّ عماراً يَسبُّه الله، ومَن يُبغض عماراً يُبغضه الله ). ( الحديث ).

قال : أَخرجه أبو يعلى وابن عساكر(٢) .

٥ - وروى المُتَّقي الهندي، عن خالد بن الوليد :أنَّه أتى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : يا رسول الله، لو لا أنت ما سبَّني ابن سميَّة.

فقال : ( مَهلاً - يا خالد - مَن سبَّ عماراً سبَّه الله، ومَن حقَّر عماراً حقَّره الله، ومَن سفَّه عماراً سفَّهه الله).

قال : أخرجه ابن النجار(٣) .

المؤلِّف : ويُستفاد مِن قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الروايات المُتقدِّمة : ( يا خالد، لا تسبَّ عماراً ؛

____________________

(١) كنز العمَّال : ١/٢٤٢. وذكر المُتَّقي هذا الحديث في الكنز : ٦/١٨٥ باختصار، وقال : أخرجه ابن عساكر، عن ابن عباس المُقدَّس، عن خالد بن وليد. راجع كنز العمَّال : ٧/٧٣. ط. حيدر آباد - الهند.

(٢) ذكر المُتَّقي الهندي هذا الحديث، وقال : أخرجه أبو يعلى، وابن قانع، والطبراني، والضياء.

(٣) كنز العمَّال : ٧/٧٣ط الهند.


فإنَّ مَن يسبُّ عماراً يسبُّه الله، ومَن يُبغض عماراً يُبغضه الله، ومَن يلعن عماراً يلعنه الله ). إلخ، أنَّ خالداً قد سبَّ عماراً وأَبغضه ولعنه، بل وحقَّره وسفَّهه وشتمه ؛ وإلاَّ فلا معنى لأنْ ينهى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خالداً عن ذلك كلِّه.

وإِذا ثبت أنَّ خالداً قد سبَّ عماراً، وأبغضه، ولعنه، دخل في قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( مَن يسبُّ عماراً يسبُّه الله، ومَن يُبغض عماراً يُبغضه الله، ومَن يلعن عماراً يلعنه الله ) ؛ فيكون خالداً مِمَّن سبَّه الله وأَبغضه ولعنه.

وبعبارة أُخرى : إنَّ المُستفاد مِن مجموع كلام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، في الروايات المُتقدِّمة هو قضيَّة منطقيَّة، مركبة مِن صُغرى وكُبرى وهي :

إنَّ خالداً قد سبَّ عماراً وأبغضه ولعنه، وهذه هي الصُغرى. ومَن سبَّ عماراً أو أبغضه ولعنه سبَّه الله وأبغضه ولعنه.

وهذه هي الكُبرى.

والنتيجة : أنَّ خالداً سبَّه الله وأبغضه ولعنه.

* * *


٣ - باب ( إنَّ خالداً قتل مالك بن نويرة وهو مسلم ودخل بزوجته )(*) .

١ - روى ابن جرير بسنده، عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمان بن أبي بكر: أنَّ أبا بكر كان مِن عهده إِلى جيوشه : أَنْ إِذ أغشيتم داراً مِن دور المسلمين، فسمعتم فيه أذاناً للصلاة، فأمسِكوا عنه أَهلها، حتَّى تسألوهم ما الذي نقموا، وإنْ لم تسمعوا أذاناً فشنُّوا الغارة، فاقتلوه وأحرقوا.

وكان مِمَّن شَهِد لمالك بالإِسلام، أبو قتادة الحارث بن ربعي، أخو بني سلمة، وقد كان عاهد الله أنْ لا يشهد مع خالد بن الوليد حرباً، أبداً بعدها، وكان يُحدِّث : أنَّهم لمَّا غشوا القوم راعوهم تحت الليل، فأخذ القوم السلاح.

[ قال : ]فقلنا : إنَّا المسلمون.

فقالوا :ونحن المسلمون.

قلنا :فما بال السلاح معكم ؟

قالوا لنا :فما بال السلاح معكم ؟

قلنا :فإنْ كنتم كما تقولون، فضعوا السلاح.

[ قال : ]فوضعوها، ثمَّ صلَّينا وصلُّوا - إلى أنْ قال -ثمَّ أقدمه، يعني : خالد مالكاً فضرب عُنقه وأعناق أصحابه.

____________________

(*) فيه حديث واحد.


[ قال : ]فلمَّا بلغ قتلهم عمر بن الخطاب، تكلَّم فيه عند أبي بكر، فأكثر وقال :

عدوُّ الله عدا على امرءٍ مسلم فقتله، ثمَّ نزا على امرأته.

وأَقبل خالد بن الوليد قافلاً، حتَّى دخل المسجد، وعليه قباء له عليه صدأ الحديد مُعتجراً بعمامة له، قد غرز في عمامته أسهُماُ، فلمَّا أَنْ دخل المسجد، قام إِليه عمر، فانتزع الأسهُم مِن رأسه فحطَّمها.

ثمَّ قال :أرئاءً قتلت امرأً مسلماً، ثمَّ نزوت على امرأته ؟! والله، لأرجمنَّك بأحجارك . ( الحديث )(١) .

٢ - روى ابن حجر في ترجمة خالد بن الوليد :وكان سبب عزل عمر خالداً، يعني : مِن الشام واستعماله أَبا عبيدة عليه ما ذكره الزبير بن بكار، قال :

كان خالداً إذا صار إليه المال، قسَّمه في أهل الغنائم، ولم يرفع إلى أبي بكر حساباً، وكان فيه تقدُّم على أبي بكر، يفعل أشياء لا يراها أبو بكر، وعرض الديَّة على متمّم بن نويرة.

وأمر خالدا بطلاق امرأة مالك، ولم يرَ أنْ يعزله. وكان عمر يُنكر هذا وشِبهه على خالد (٢) .

المؤلِّف : إنَّ هنا حديثاً في صنع خالد بن الوليد، وإحراقه بالنار، يُناسب ذكره في خاتمة هذا الباب، وهو ما رواه ابن سعد، قال : أخبرنا أَبو معاوية الضرير، قال : حدَّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، قال :

كانت في بني سليم رُدَّة ؛ فبعث أبو بكر خالد بن الوليد، فجمع منهم رجالاً في حضائر، ثمَّ أحرقهم بالنار، فجاء عمر إلى أبي بكر، فقال :

انزع رجلاً عَذَّب بعذاب الله.

فقال أبو بكر: لا والله. ( الحديث )(٣) .

____________________

(١) تاريخ الأُمَم والملوك : ٢/٥٠٢. ط مطبعة الاستقامة بمصر عام ١٣٥٧ه-.

(٢) الإصابة في تمييز الصحابة : ١/ قسم الأوَّل / ٤١٤ - ٤١٥.

(٣) الطبقات الكبرى : ٧/ ق٢/ ١٢٠.


المؤلِّف : إِنَّ خالداً بعدما أضرَّ المسلمين في أيَّام كُفره وجاهليَّته، في وقعة أُحد - ولعلَّ في غيرها أيضاً والقصَّة مشهورة - وإنْ كان قد أسلم وخدم الدين، وقاتل الكفار والمُشركين، ولكن لم تكُن خدمته عن تقوى وبصيرة في الدين، بلْ كانت على طِبق العادات الجاهليَّة، وأعمال الأغراض الشخصيَّة، والشهوات النفسانيَّة، وقد سمعت - في الباب الأوَّل - ما صنعه ببني جذيمة مِن الأسر والقتل، بعدما قالوا : صبأنا صبأنا، وإنْ لم يُحسنوا أنْ يقولوا : أسلمنا - في رواية البخاري وجُملة مِن أئمَّة الحديث - بلْ بعدما صرَّحوا بأنَّا مسلمون، قد صلَّينا، وصدَّقنا محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبنينا المساجد في ساحاتنا، وأذَّن-ا فيها - في رواية ابن سعد - ولم يَجزْ له قتلهم - كما في رواية ابن الأثير - حتَّى عاب عليه عبد الرحمان بن عوف - في رواية كنز العمَّال - وقال :

يا خالد، أخذت بأمر الجاهليَّة، قتلتهم بعمِّك الفاكه ؟ وأعانه عمر بن الخطاب على خالد، بلْ قال له عبد الرحمان : كَذبت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغالظه، وأعرض عنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وغَضِب عليه، أَعني : على خالد، بلْ دعا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جميع روايات ذلك الباب، ورفع يده، وقال :

( اللَّهمّ إنِّي أبرأ إليك مِمَّا صنع خالد - مَرَّتين - ).

وفي رواية ابن جرير : فاستقبل القبلة قائماً، شاهراً يديه، حتَّى إِنَّه ليُرى بياض ما تحت مِنكبيه، وقال : ( اللَّهمّ إنِّي أبرأ إليك مِمَّا صنع خالد بن الوليد - ثلاث مَرَّات - ).

وأَرسل عليَّاً ومعه مال، فودَّى قتلاهم، وأعطاهم ثمن كلِّ شيء قد أُخذ منهم، حتَّى ثمن مِيلَغة الكلب.

وسمعت في الباب الثاني : ما صنعه خالد حين بعثه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سريَّة، ومعه عمار بأهل بيت قد ذكروا الإسلام ووحَّدوا، واعترضه عمار، فلم يلتفت إليه وسَّبه، وأبغضه، ولعنه، بلْ وحقّره وأبغضه ولعنه، بل وحقّره وسفَّهه وشتمه.

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( يا خالد، لا تسبَّ عماراً ؛ فإِنَّ مَن يَسبُّ عماراً يسبُّه الله، ومَن يُبغض عماراً يُبغضه الله ). إلخ.


وسمعت - في هذا الباب الأَخير - ما صنعه بمالك بن نويرة، وهو مسلم، كما صرَّح به أبو قتادة، في حديث ابن جرير، بلْ يشهد بإِسلامه ما في هذا الحديث مِن قول : ثمَّ صلَّينا وصلُّوا، فلم يكتف بذلك، وقدَّمه فضرب عُنقه وعُنق أصحابه، بلْ ولم يكتف بذلك أيضاً، حتَّى دخل بزوجته في تلك الليلة، فتكلَّم فيه عمر عند أبي بكر، وقال :

عدوُّ الله عدا على امرءٍ مسلم فقتله، ثمَّ نزا على امرأته، بلْ لم يكتف بذلك عمر، حتَّى قام إِليه - بعد أنْ دخل خالد المسجد - فانتزع الأسهُم مِن رأس خالد فحطَّمها، ثم قال :

أرئاءً قتلت امرأً مسلما، ثمَّ نزوت على امرأته ؟ والله لأرجمنَّك بأحجارك.

وأَما أبو بكر فعرض الديَّة على متمّم بن نويرة، وأمر خالد بطلاق امرأة مالك.

فيظهر لك مِن جميع هذا كلِّه، أنَّ خالداً إمَّا هو رجل جاهل، لا يعرف حدود ما أنزل الله، أو فاسق مُتعمِّد في معصية الله ؛ فإنَّ الدخول بزوجته حرام بالإجماع والضرورة، ولو فُرِض أنَّ زوجها كان كافراً ؛ إذ لا يَحلُّ الدخول بها إلاَّ بعد الاستبراء.

وبالجملة : إنَّ خالداً إمَّا جاهل بالأحكام الشرعية ؛ فيكون مَثله مَثل الأعراب، الذين وصفهم الله تبارك بقوله:

( الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ ) .

وإمَّا مُتعمِّد في قَتْل مَن لم يَجُز له قتله، وفي الدخول بزوجة المقتول ؛ فيكون رجلاً فاسقاً فاجراً، يندرج في الحديث المُتواتر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إنَّ الله يؤيِّد هذا الدين بالرجل الفاجر ).

وقد رواه البخاري في صحيحه، وأحمد بن حنبل في مُسنده، والدارمي في سُننه، والبيهقي في سُننه الكبرى، وأبو نُعيم في حليته، والطحاوي، والمنَّاوي. وغيرهم مِن أئمَّة الحديث وأرباب الروايات والأخبار فراجع.

* * *



خاتمة

في الأباطيل التي ترويها العامَّة

وتنسبها إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم



١ - باب ( فيما روته العامَّة مِن أَنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بال قائماً على سِباطة قوم ).

الحديث المروي في هذا المعنى، قد رواه أرباب الصِحاح وغيرهم، ونحن نقتصر على ذكر طريقي البخاري، وأحمد بن حنبل فقط، وفيهما الكفاية، فنقول :

قال البخاري :حدَّثنا آدم، قال : حدَّثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: أتى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سُباطة قوم، فبال قائماً. ثمَّ دعا بماءٍ فجئته بماء فتوضأ.

ورواه الإمام أحمد بن حنبل وقال : حدَّثنا عفان، حدَّثنا حماد بن سلمة، أخبرنا عاصم بن بهدلة، وحماد عن أبي وائل، عن المغيرة بن شعبة :أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أتى على سُباطة بني فلان، فبال قائماً.

قال : قال حمّاد ابن أبي سليمان ففحج رجليه(١) .

المؤلِّف : السُباطة، بضم السين هي المَزبلة، أي : الموضع التي تُطرح فيه الكناسة

____________________

(١) صحيح البخاري بحاشية السندي : ١/٥٢. صحيح البخاري ط استانبول : ١/٦٢، وروى هذا الحديث أيضاً في باب البول عند سُباطة قوم، في نفس الصفحة. المُسند : ٤/٢٦٤.( الرضوي )


والأوساخ، وأما قوله : ففجَّ(١) رجليه، أي : فتح ما بين رجليه وباعد، وفجَّت الناقة للحلب، أي : فرجت ما بين رجليها.

ولا يخفى أنْ هذا الحديث هو مِن الأباطيل، وهل ترى أنَّ أحداً مِن أواسط الناس - فَضلاً عن أهل الفضل والشرف - يفعل ذلك، فبينما هو يمشي في الطريق، إذ مَرَّ على مِزبلة، ففرج بين رجليه وبال قائما كالحيوانات ؟!

وهل يُعقل أنْ يرتكب ذلك رجل عاديّ - فَضلاً عن أهل المَجد والكرامة - إلاَّ السفلة، الذين لا يُبالون بما فعلوا، أو بما فُعِل بهم ؟!!فكيف يُنسب ذلك إلى النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو سيّد الأوَّلين والآخرين، ويُدرج مِثل هذا الحديث الباطل في الصِّحاح، ويُزعَم أنَّه مِن صِحاح الأخبار ؟!

أوليس ذلك مِن عَمى القلب، قال الله تعالى :

( فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) الحجِّ : ٤٦.

* * *

____________________

(١) جاء في المُسند ( ففحج ) بدل ( ففجَّ ).


٢ - باب ( فيما روته العامَّة مِن أنَّا نرى ربنا يوم القيامة )(*) .

اعلم أنَّ الروايات الواردة في هذا المعنى كثيرة جِدَّاً، بلْ مُتواترة قد روتها أرباب الصِّحاح السِّتَّة وغيرهم، غير أنَّا نقتصر على ذكر جُملة منها، وبها الكفاية، ويأتي بعضها في باب ضحكه إنْ نشاء الله تعالى.

١ - روى البخاري بسنده، عن أبي هريرة : أنَّ الناس قالوا : يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟قال :(هل تُمارون في الشمس ليس دونها سحاب ؟! ) .

قالوا : لا.

قال :( فإنَّكم ترونه كذلك ) . ( الحديث ) وفيه( فيضحك الله عزَّ وجلَّ [ منه ] ) (١) .

٢ - ورواه في الرقاق أيضاً، في باب الصراط جِسر جهنَّم(٢) ، وقال فيه :( وتبقى هذه الأُمَّة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول :

أنا ربكم ؛ فيقولون : نعوذ بالله مِنك، هذا مكاننا حتَّى يأتينا ربُّنا، فإذا أتانا ربُّنا عرفناه

____________________

(*) فيه عشرة أحاديث.

(١) صحيح البخاري : ١/١٩٥ط استانبول، صحيح البخاري بحاشية السندي : ١/١٤٦.

(٢) صحيح البخاري : ٧/٢٠٥ط استانبول، صحيح البخاري : ٤/١٣٩ - ١٤٠ بحاشية السندي ط مصر.


فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول : أنا ربُّكم ؛ فيقولون : أنت ربُّنا فيتَّبعونه ) إلخ.

ورواه في كتاب التوحيد أيضاً، باب :( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) .

ورواه أيضاً مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، في باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربِّهم(١) .

٣ - روى البخاري بسنده، عن أبي سعيد الخدري :أنَّ أُناساً في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،قالوا : يا رسول الله، هل نرى ربَّنا يوم القيامة ؟

قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( نعم، هل تُضارون في رؤية الشمس بالظهيرة، ضوء ليس فيها سحاب ؟! ) .

قالوا :لا .

قال :( وهل تُضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر، ضوء ليس فيها سحاب ؟! ).

قالوا :لا .

قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( ما تضارُّون في رؤية الله عزَّ وجلَّ في يوم القيامة، إلاّ كما تُضارُّون في رؤية أحدهما - إلى أنْ قال - حتَّى إذا لم يبقَ إلاَّ مَن كان يَعبد الله، مِن برٍّ أو فاجر، أتاهم ربُّ العالمين في أدنى صورة مِن التي رأوه فيها ) إلخ (٢) .

ورواه في كتاب التوحيد - أيضاً - في باب ما جاء في دعاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى توحيد الله تبارك وتعالى، وقال فيه :( فيأتيهم الجبَّار، في صورةٍ غير صورته التي رأوه فيها أوَّل مَرَّة، فيقول : أنا ربّكم.

فيقولون :أنت ربنا ؟! فلا يكلمه إلاَّ الأنبياء.

فيقول :هل بينكم وبينه آية تعرفونه ؟

فيقولون :الساق. فيكشف عن ساقه، فيسجد له كلُّ مؤمن ) . ( الحديث ).

ورواه مسلم أيضاً في صحيحه، في كتاب الإِيمان، في باب أثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربِّهم باختلاف يسير(٣) .

٤ - روى البخاري فيه حديثاً طويلاً، عن أنس في الشفاعة، وفيه يقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( فأستأذن على ربِّي في داره، فيؤذَن لي عليه، فإِذا رأيته وقعت ساجداً - إلى أنْ قال : -ثمَّ أعود فأستأذن على ربِّي في داره، فيؤذَن لي عليه، فإِذا رأيته وقعت ساجداً - إلى أنْ قال : -

____________________

(١) صحيح مسلم : ١/١١٢ - ١١٣ط استانبول. صحيح مسلم : ١/١٦٤ - ١٦٧، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

(٢) صحيح البخاري : ٣/١١٨ - ٤/٢٨٣ بحاشية السندي. صحيح البخاري : ٥/١٧٩ط استانبول.

(٣) صحيح مسلم : ١/١٦٣، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.


ثمَّ أَعود الثالثة فأستأذن على ربِّي في داره، فيؤذَن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجداً ).

٥ - روى مسلم بسنده، عن صهيب، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( إذا دخل أَهل الجَنَّة [ قال : ] يقول الله تبارك وتعالى : تريدون شيئا أزيدكم ؟

فيقولون :ألم تبيضُّ وجوهنا ؟ أَلم تُدخِلنا الجَنَّة وتُنجِنا مِن النار ؟

[ قال :]فيكشف الحِجاب، فما أُعطوا شيئاً أحبَّ إليهم مِن النظر إلى ربِّهم ) .(١)

ورواه الترمذي أيضاً في صحيحه ٢/٨٩ ط بولاق مصر عام ١٢٩٢ه-.

ورواه ابن ماجة أيضا في باختلاف في اللفظ.

٦ - الترمذي روى بسنده، عن أبي هريرة : أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال :( يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثمَّ يَطلُع عليهم ربُّ العالمين - إلى أنْ قال : -ويبقى المسلمون، فيَطلُع عليهم ربُّ العالمين، فيقول : أَلا تتْبعون الناس ؟

فيقولون :نعوذ بالله منك، نعوذ بالله منك ربِّنا - إلى أنْ قال : -ثمَّ يتوارى، ثمَّ يطلُع، فيُعرِّفهم نفسه، ثمَّ يقول : أَنا ربكم فاتْبعوني ) (٢) .

٧ - روى الترمذي بسنده، عن ابن عباس، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( أَتاني ربِّي في أحسن صورة، فقال : يا محمد.

قلت: لبَّيك ربِّي وسَعْدَيك.

قال :فيْمَ يختصم الملأ الأعلى ؟

قلت :ربِّي لا أَدري.

فوضع يده بين كتفيَّ، فوجدت بَرْدَها بين ثدييَّ، فعلمت ما بين المشرق والمغرب ).

ورواه بطريق آخر، قال فيه :( حتَّى وجدت بَرْد أَنامله بين ثدييَّ، فتجلَّى لي كلُّ شيء وعرفت ) . ( الحديث )(٣)

٨ - روى ابن ماجة بسنده، عن جابر بن عبد الله، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( بينا أهل الجَنَّة

____________________

(١) صحيح مسلم : ١/١١٢ استانبول. صحيح مسلم : ١/١٦٣، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، كتاب الإيمان، باب إثبات المؤمنين في الآخرة ربِّهم.

(٢) صحيح الترمذي : ٢/٩١ ط بولاق مصر.

(٣) صحيح الترمذي : ٢/٢١٥ ط بولاق مصر.


في نعيمهم، إِذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإِذا الربُّ قد أشرف عليهم مِن فوقهم.

فقال : السلام عليكم يا أهل الجَنَّة - إلى أنْ قال : -فينظر إليهم وينظرون إليه، ولا يلتفتون إلى شيء مِن النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتَّى يحتجب عنهم ) . ( الحديث )(١) .

٩ - روى الإمام أحمد بن حنبل بسندين، عن ابن عباس خُطبة طويلة في الشفاعة، خَطبها في البصرة، ذكر فيها قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( فآخذُ بحلقة الباب - يعني باب الجَنَّة -فأقرع الباب.

فيقال: مَن أنت ؟

فأقول :أَنا محمد ؛ فيُفتَح لي، فآتي ربِّي عزَّ وجلَّ على كرسيِّه أو سريره، فأخرُّ له ساجداً ) . (الحديث)(٢) .

١٠ - روى الخطيب البغدادي بسنده، عن ابن عباس، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( رأيت ربِّي في صورة شابٍّ أَمرد، عليه حُلَّة حمراء ) ، وروى عن أنس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( ليلة أُسري بيَّ إِلى السماء وانتهيت، فرأيت ربِّي عزَّ وجلَّ، بيني وبينه حِجاب بارز، فرأيت كلَّ شيء منه، حتَّى رأيت تاجاً مُخوَّصاً مِن لؤلؤ ) (٣) .

قال الله تبارك وتعالى :( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (٤) .

فكلُّ حديث أثبت الرؤية، وأنَّه تُدركه الأبصار، وأنَّ العيون مِمَّا تنظر إليه سبحانه وتعالى، كما تنظر إلى الشمس، والقمر، ونحوهما مِن الأجسام، فذلك الحديث زُخْرُف باطل، يُضرب به على الجدار ؛ لمُخالفته للكتاب العزيز.

نعم : قد يُتوهَّم أنَّ قوله تعالى :( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) (٥) مِمَّا يُثبت النظر إليه

____________________

(١) سُنن ابن ماجة : ١/٦٥ - ٦٦، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

(٢) المُسند : ١/٢٨١ - ٢٨٢.

(٣) تاريخ بغداد : ١١/٢١٤. وفي : ١٠/١٣٥ ضمن ترجمة عبد الله بن محمد الأنطاكي.

(٤) الأنعام : ١٠٣.

(٥) القيامة : ٢٢.


ولكنَّ الجواب عنه - كما عن جماعة مِن علماء التفسير مِن الصحابة والتابعين وغيرهم - أنَّ المُراد هكذا :

أيْ : إلى ثواب ربِّها ناظرة، بمعنى أنَّها ناظرة إلى نعيم الجَنَّة حالاً بعد حال، فيزداد بذلك سرورها، هذا مُضافاً إلى استحالة النظر إلى الله تعالى عقلاً ؛ فإن الله تعالى إذا جاز النظر إليه، كما جاز النظر إلى الشمس، والقمر، وغيرهما مِن الأجسام، وكان له صورة، بلْ صورٌ عديدة بمُقتضى ما تقدَّم مِن قول :( فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول :

أَنا ربُّكم - إلى أنْ قال : -فيأتيهم الله في الصورة التي رأوه فيها ) .

أَو :( فيأتيهم الجبَّار في صورة، غير صورته التي رأوه فيها أوَّل مَرَّة ) .

أو :( أَتاني ربِّي في أحسن صورة ) .

أو :( في صورة شابٍّ أمرد، عليه حُلَّة حمراء ) .

أو :( فرأيت كلَّ شيء منه، حتَّى رأيت تاجاً مُخوصَّاً مِن لؤلؤ ) .

وكان له مكان ؛ بمُقتضى ما تقدَّم مِن قول :( فأَستأذن على ربِّي في داره فيؤذن لي ) .

أو :( فآتي ربِّي عزَّ وجلَّ على كرسيِّه فأخرُّ له ساجداً ) .

( وكان له حِجاب ؛ بمُقتضى ما تقدَّم مِن قول :( فيَكشف الحِجاب، فما أُعطوا شيئاً أحبَّ إليهم مِن النظر إلى ربِّهم ) إلخ ؛ كان إذاً هو كأحدنا، يسكن الدار، ويجلس على الكرسي، ويلبس الحُلَّة الحمراء، ويضع على رأسه التاج المُخوَّص مِن لؤلؤ، غير أَنَّه شابٌّ أمرد، لم تنبت اللحية في وجهه بعد.

وكأنَّ الله - على هذا كلِّه - جسماً له الطول، والعرض، والحجم ؛ فيحتاج إلى مَن حدَّد له هذه الحدود الثلاثة، وهو كُفر مَحض بلا كلام ؛ فإِن الله تبارك وتعالى غنيٌّ بالذات، لا يحتاج إلى أحدٍ بوجهٍ مِن الوجوه أَصلاً.

وبالجُملة، إنَّ أخبار هذا الباب، وكلَّ خبر آخر، قد أثبت الرؤية وجواز النظر إليه بالعين، فهو كما ذكرنا زُخْرُفٌ باطلٌ، يُضرب به على الجدار، لا يؤخَذ به أَبداً، بلْ بما أنَّه يستلزم القول : بأَنَّه تعالى جسم، له طول، وعرض، وحجم، وهو مِمَّا يحتاج إِلى مَن يحدِّد له


هذه الحدود الثلاثة ؛ يكون هو كفر مَحض، ومَحضُ كُفرٍ ؛ ويكون حال القائل بهذا القول، كحال المُشركين، مِمَّن يعبدون الأوثان والأصنام بلا شُبهة.

* * *


٣ - باب ( فيما روته العامَّة في نزوله تعالى إلى السماء الدنيا )(*) .

١ - روى البخاري بسنده، عن أَبي هريرة : أَنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال :( ينزل ربُّنا تبارك وتعالى كلَّ ليلة، إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثُلُث الليل الآخر، يقول :

مَن يدعوني فأستجب له ؟ مَن يسألني فأُعطيه ؟ مَن يستغفر فأغفر له ؟ ).

ورواه في كتاب الدعوات أَيضاً، باب الدعاء نصف الليل.

ورواه في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى :( إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ) ، وباب قول الله تعالى :

( يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ ) (١) .

ورواه في الأدب المُفرد أيضاً، باب الدعاء إذا ذهب ثُلُث الليل(٢) .

ورواه مسلم أيضاً في صحيحه، في كتاب صلاة المُسافرين، باب الترغيب في الدعاء

____________________

(*) فيه أربعة أحاديث.

(١) صحيح البخاري : ٤/١٠١، بحاشية السندي، ط القاهرة. صحيح البخاري : ٧/١٤٩ط استانبول، باب الدعاء نصف الليل.

(٢) ط مدينة آگره - الهند عام ١٣٠٦ه-.


بطرق عديدة(١)

ورواه الترمذي أيضاً في صحيحه : ١/٩٠، وفي ج٢/٢٦٣ ط بولاق مصر عام ١٣٩٢ه-.

ورواه أبو داود في سُننه(٢)

ورواه مالك بن أنس أيضاً في موطِّأه : ١/٢١٤، كتاب القرآن، باب ما جاء في الدعاء.

٢ - روى الترمذي بسنده، عن عائشة، قالت : فقدت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة، فخرجت فإذا هو بالبقيع، فقال : ( أكنتِ تخافين أَنْ يَحيف الله عليكِ ورسولُه ؟ ).

قلت: يا رسول الله، إِنِّي ظننت أَنَّك أَتيت بعض نسائك.

فقال :( إنَّ الله عزَّ وجلَّ ينزل ليلة النِّصف مِن شعبان، إلى السماء الدنيا، فيَغفِر لأكثر مِن عدد شَعر غنمِ كلبٍ ) .

ورواه ابن ماجة أيضاً بطريقين في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في أيِّ ساعات الليل أفضل(٣) .

٣ - روى الإمام أحمد بن حنبل بسندين، عن عليعليه‌السلام ، قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :( لولا أنْ أَشقَّ على أُمَّتي، لأمرتهم بالسواك عند كلِّ صلاة، ولأخَّرت عشاء الآخرة إلى ثُلُث الليل الأوَّل ؛ فإنَّه إذا مضى ثُلُث الليل الأوَّل، هبط الله تعالى إلى السماء الدنيا، فلم يزل هناك حتَّى يطلع الفجر ) . (الحديث)(٤) .

٤ - روى الإمام أَحمد بن حنبل بسنده، عن عبد الله، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( إنَّ الله عزَّ وجلَّ، يفتح أبواب السماء ثُلُث الليل الباقي، ثمَّ يَهبط إلى السماء الدنيا، ثمَّ يبسط يده، ثمَّ يقول : إلا عبد يسألني فأٌعطيه، حتَّى يسطع الفجر ) (٥) .

المؤلِّف : إنَّ إسناد النزول إلى الله جلَّ وعلا في كلِّ ليلة، أو في ليلة النِّصف مِن شعبان

____________________

(١) صحيح مسلم : ٢/١٧٥ط استانبول.

(٢) سُنن أبي داود : ١/٢٩٦، تحقيق سعيد محمد اللّحام.

(٣) صحيح الترمذي : ١/١٤٣ط بولاق مصر.

(٤) المُسند : ١/١٢٠.

(٥) المُسند : ١/٤٤٦.


إلى السماء الدنيا باطلٌ جِدَّاً ؛ فإنَّ الانتقال مِن مكان إلى مكان هو مِن شأن الجسم، وقد عرفت - في الباب السابق - بطلان كونه تعالى جسماً، له الطول، والعَرْض، والحَجم.

مضافاً إِلى أنَّه تبارك وتعالى ليس بأصمّ ؛ كي ينزل إلى السماء الدنيا، فيسمع دعاء مَن يدعوه فيستجيب له، واستغفار مَن يستغفره فيغفر له ؛ قال الله تعالى :( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) (١) .

وأبطل مِن الجميع، دعوى أنَّه تعالى يهبط في كلِّ ليلة إلى السماء الدنيا، فلم يزل هناك حتَّى يطلع الفجر ؛ فإنَّ مُقتضى ذلك أنْ يكون هو دائماً في السماء الدنيا، فإنَّ الفجر إذا طلع علينا، في مكاننا هذا، فلم يطلع على قومٍ آخرين، في مكانٍ ثانٍ في جِهة الغرب.

وإذا طلع عليهم بعد ساعة، فلم يطلع في مكانٍ ثالثٍ، في تلك الجِهة، وهكذا إلى أنْ يصل إلى مَكاننا هذا ؛ إذ في كلِّ آنٍ مِن الآنات هو قبل طلوع الفجر، لقومٍ مخصوصين، في مكانٍ مخصوص.

وعليه ؛ فيجب أنْ يكون هو دائماً في السماء الدنيا، لا في خصوص ثُلُثي الأخير مِن الليل.

وبالجُملة، إنَّ أحاديث هذا الباب، وكلَّ حديثٍ آخر، قد نسب النزول والهبوط، أَو الصعود والعروج إلى الله تعالى، وكان المقصود منهما، هو التحوُّل مِن مكانٍ إلى مكانٍ، هو باطل جِدَّاً ليس، إلاَّ مِن أكاذيب الراوي قطعاً، سواء كان قد نسبه إِلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أم إلى عليٍّ أمير المؤمنينعليه‌السلام ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما في الرواية الأُولى لأحمد.

* * *

____________________

(١) سورة البقرة : الآية ١٨٦.


٤ - باب ( فيما روته العامَّة في ضحكه تعالى وفي وضع قَدَمه على جهنَّم )(*) .

الأخبار التي روتها العامَّة، في ضحكه تعالى كثيرة جِدَّاً، وقد تقدَّم بعضها في باب رؤيته تعالى، وهكذا الأخبار المُشتملة على وضع قَدَمه على جهنَّم كثيرة أَيضاً، ونحن نقتصر هنا على ذكر جُملة مِن الطائفتين، وفيها الكفاية، فنقول :

١ - روى مسلم فيه روايةٍ طويلةٍ، قال فيها : فضحك ابن مسعود.

فقال: ألا تسألوني مِمَّ أضحك ؟

قالوا:مِمَّ تضحك ؟

قال :هكذا ضَحك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،فقالوا : مِمَّا تَضحك يا رسول الله ؟

قال :( مِن ضِحك ربِّ العالمين ) .

٢ - وروى مسلم، عن جابر بن عبد الله، قال فيها :ثمَّ يأتينا ربُّنا بعد ذلك، فيقول : مَن تنتظرون ؟

فيقولون :ننتظر ربَّنا.

فيقول :أنا ربُّكم.

فيقولون :حتَّى ننظر إليك، فيتجلَّى لهم يضحك (١) .

____________________

(*) فيه سبعة أحاديث.

(١) صحيح مسلم : ١/١١٩ - ١٢٠ط استانبول. مُسند أحمد بن حنبل : ٤/٤٠٧، عن أبي موسى الأشعري باختلاف في اللفظ.


٣ - روى ابن ماجة بسنده، عن أبي رزين، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( ضَحك ربُّنا مِن قنوط بعض عباده، وقرب غيره.

قلت :يا رسول الله، أوَ يَضحك الربُّ ؟!

قال :نعم .

قلت :لنْ نَعدمَ مِن ربٍّ يضحك خيراً (١) .

٤ - روى البخاري فيه حديثاً، عن أنس، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( يُلقي في النار وتقول : هل مِن مَزيد ؟ حتَّى يضع قَدَمه ؛ فتقول قَطْ قَطْ ).

ثمَّ روى حديثاً عن أبي هريرة، قال فيه :يُقال لجهنم : هلْ امتلأت ؟ وتقول : هلْ مِن مزيد ؛ فيضع الربُّ تبارك وتعالى قَدمه عليها ؛ فتقول قَطْ قَطْ.

ثمَّ روى عن أبي هريرة أيضاً حديثاً، قال فيه: فأمَّا النار، فلا تمتلئ حتَّى يضع رِجْلَه - يعني : الله جلَّ وعلا ؛ فتقول : قَطْ قَطْ، فهنالك تمتلئ، ويزوي بعضها إلى بعض (٢) .

وقد روى الحديث الأخير، مسلم - أيضاً - في صحيحه، في كتاب الجَنَّة، باب النار يدخلها الجبَّارون بطُرق عديدة(٣) .

وروى الحديث الأوَّل الترمذي - أيضاً - في صحيحه : ج٢ : ص٢٢٢، باختلاف في اللفظ، ط بولاق مصر.

٥ - روى الخطيب الحديث المُتقدِّم في تاريخه، وقال فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا تزل جَهنَّم يُلقى فيها، فتقول هلْ مِن مزيد ؟ حتَّى يضع الجبَّار قَدَمه فيها ؛ فينزوي بعضها في بعض ؛ فتقول : قَطْ قَطْ قَطْ ) (الحديث )(٤) .

٦ - روى البخاري بسنده، عن أنس بن مالك، قال :

____________________

(١) سُنن ابن ماجة : ١/٦٤، باب فيما أنكرت الجهميَّة، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. مُسند أحمد بن حنبل : ٤/١١ بطُرق.

(٢) صحيح البخاري : ٦/٤٧ط استانبول. صحيح البخاري بحاشية السندي : ٣/١٩٢.

(٣) صحيح مسلم : ٨/١٥١ط استانبول. صحيح مسلم : ٤/٢١٨٦، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

(٤) تاريخ بغداد : ٥/١٢٧.


قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا تزال جهنَّم تقول : هلْ مِن مزيد ؟ حتَّى يضع ربُّ العِزَّة فيها قَدَمه ؛ فتقول : قَطْ قَطْ وعِزَّتك، ويزوي بعضها إلى بعض ) (١) .

وروى في كتاب التوحيد، في باب قول الله تعالى :( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) ، في سورة الذاريات حديثاً قال فيها :( حتَّى يضع فيها ربُّ العالمين قَدَمه، فينزوي بعضها إلى بعض، ثمَّ تقول : قدْ قدْ ) (٢) .

وفي باب قول الله تعالى :

( إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ) حديثين آخرين في هذا المعنى(٣) .

٧ - روى الترمذي حديثاً طويلاً، عن أبي هريرة، قال فيه :

ويبقى أهل النار، فيُطرح منهم فيه فوج، ثمَّ يُقال : هلْ امتلأتِ ؟ تقول : هلْ مِن مزيد.

ثمَّ يُطرح فيها فوج، فيُقال : هلْ امتلأت، فتقول :هلْ مِن مزيد، حتَّى إذا أوعبوا فيها، وضع الرحمان قَدَمه فيها، وأَزوى بعضها إلى بعض، ثمَّ قال : قَطْ ؟ قالت : قَطْ قَطْ (٤) .

المؤلِّف : وأَحاديث هذا الباب مِن الأَباطيل جِدَّاً ؛ فإنَّ الله أعزُّ وأجلُّ مِن أنْ يَضحك ؛ فإنَّ الضحك منشأه العَجَب، والعَجَب لازمه جَهل المُتعجِّب، مِن قبل أنْ يطَّلع على الأمر العجيب.

مُضافاً إلى أنَّ الضحك هو انبساط الوجه، وانفتاح الفمْ على نحو يظهر أَسنان الضاحك، وترتفع قَهقهته غالباً، وكلُّ ذلك يستلزم أنْ يكون تعالى جسماً، كما أنَّ وضع قَدَمه على جَهنَّم ؛ فتقول : قَطْ قَطْ. أو : قَطْ قَطْ قَطْ، يستلزم - أيضاً - أنْ يكون جسماً ؛ وقد عَرفتَ بطلان القول : بكونه تعالى جسماً، في باب إنَّا نرى ربَّنا يوم القيامة، فلا نُعيد.

____________________

(١) قال البخاري : رواه شعبة عن قتادة.

(٢) صحيح البخاري : ٤/٢٧٥ بحاشية السندي. صحيح البخاري : ٨/١٦٥ ط استانبول، باب : أنا الرّزاق ذو القوَّة المتين.

(٣) صحيح البخاري : ٤/٢٨٩ بحاشية السندي : ٨/٢٨٦ - ٢٨٧ ط استانبول.

(٤) راجعنا سُنن الترمذي بتعليق إبراهيم عوض، كتاب صِفة جهنَّم إلخ، ولم نعثر على الحديث المذكور.

والمؤلِّف طاب ثراه، أورده مِن صحيح الترمذي طبعة بولاق مصر عام ١٢٩٢ه-.( الرضوي )


٥ - باب ( فيما روته العامَّة مِن أنَّ الله يقبض يديه لآدم ويكشف عن ساقه يوم القيامة ويدخل جَنَّة عَدْن كلَّ سَحَر )(*) .

١ - روى الترمذي، عن أَبي هريرة، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لمَّا خلق الله آدم، ونفخ فيه الروح، عطس فقال : الحمد لله. فحمد الله بإِذنه.

فقال له ربُّه :رحمك الله يا آدم - إلى أنْ قال : -

فقال الله له - ويداه مقبوضتان - :اخِتَر أيُّهما شِئت.

قال :اخِتَرتُ يمين ربِّي، وكلتا يدَيْ ربِّي يمين مُباركة، ثمَّ بسطها فإذا فيها آدم وذريَّته.

فقال :أيْ ربِّ، ما هؤلاء ؟

فقال:هؤلاء ذُريّتك ) ( الحديث )(١) .

٢ - روى البخاري بسنده، عن أَبي سعيد الخدري، قال : سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :( يكشف ربُّنا عن ساقه، فيسجد له كلُّ مؤمن ومؤمنة، ويبقى مَن كان يسجد في الدنيا رِئاءً وسُمعةً

____________________

(*) فيه ثلاثة أحاديث.

(١) صحيح الترمذي : ٢/٢٤١ ط بولاق عام ١٢٩٢ه-. مُستدرك الحاكم : ١/٦٤، وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم. تلخيص المُستدرك : ١/٦٤.


فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقاً واحداً ).

المؤلِّف : وقد تقدَّم - في باب إنَّا نرى ربنا يوم القيامة، عن البخاري، في كتاب التوحيد(١) ، في باب وكان عرشه على الماء - حديث عن أبي سعيد الخدري. قال فيه :( فيأتيهم الجبَّار، في صورة غير صورته التي رأوه فيها أوَّل مَرَّة، فيقول : أَنا ربُّكم.

فيقولون :أَنت ربُّنا ؟ فلا يُكلِّمه إِلاَّ الأنبياء.

فيقول :هلْ بينكم وبينه آية تعرفونه ؟

فيقولون :الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كلُّ مؤمن ) .

ورواه مسلم - أيضاً - في صحيحه، في كتاب الإيمان باختلاف في اللفظ وتقديم [ فيه ] وتأخير(٢) .

٣ - روى الخطيب بسنده، عن أبي سعيد، قال :إنَّ الله تعالى خَلق جَنَّة عَدْنٍ، مِن ياقوتة حمراء.

ثمَّ قال لها :تزيَّني ؛ فتزيَّنت.

ثمَّ قال لها :تكلَّمي ؛ فقالت : طوبى لمَن رَضيتَ عنه، فأَطبقها وعلَّقها بالعرش، فلم يَدْخلها بعدُ إلاَّ الله لا آله غيره، يدخلها كلَّ سحر، فذاك برد السَّحَر (٣) .

المؤلِّف : ومِن الأباطيل أحاديث هذا الباب أيضاً.

أَمَّا بُطلان الحديث الأوَّل فواضح ؛ فإنَّ إثبات اليد له تعالى، مِمَّا يستلزم القول : بكونه تعالى جسماً، وقد عرف بُطلان ذلك، في باب إِنَّا نرى رَبَّنا يوم القيامة، فلا نُعيد.

نعم : إِنَّ في سورة الفتح :( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) ، والمُراد مِن اليد ههنا - كما قيل : - هو القوَّة، أيْ : قوَّة الله في نُصرة نبيِّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوق نصرتهم إِيَّاه.

وفي سورة المائدة :( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ) ، والمُراد مِن بَسط يده فيه هو الإِنفاق كيف يشاء.

ولكنْ ما المُراد مِن قوله في المقام :( ويداه مقبوضتان - إلى أنْ قال : -ثمَّ بسطها، فإِذا فيها آدم وذُريَّته) مُضافا إلى أنَّ مؤدَّى هذا الحديث :إِنَّ الله تعالى يَقبض يديه لآدم، ويقول

____________________

(١) صحيح البخاري : ٨/١٧٥ط استانبول. صحيح البخاري بحاشية السندي : ٤/٢٨٠ط مصر. صحيح مسلم : ١/١٦٣، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

(٢) صحيح مسلم : ١/١١٢، باب إِثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربّهم. ط استانبول.

(٣) تاريخ بغداد : ١١/٢١٣. ترجمة عمر محمد الشطوي.


له : اخِتَر أيُّهما شِئت ).

وحينئذٍ، فما معنى : ( ثمَّ بسطها، فإذا فيها آدم وذُريَّته )، فإنَّ مُقتضى ذلك أَنْ يكون هناك آدمان : آدم يقبض الله تعالى يديه له، ويقول له : اخِتَر أيُّهما شِئت، وآدم آخر كان مستوراً في يده تعالى، هو وذُريَّته، قد ظهروا بعدما بَسطها لآدم الأوَّل !!

وأَمَّا بطلان الحديث الثاني، فلعلَّه أوضح مِن الأَوَّل، فإنَّ الله تعالى إذا كان له ساق، ويكشف عنه يوم القيامة، فلابدَّ وأنْ يكون له فوق الساق رُكْبَة، وفوق الرُّكْبة فَخِذ، وفوق الفَخِذ فَرْج وسُرَّة.

فيا ليت كان يكشف عن الجميع، ويراه الناس جميعاً ؛ فيرون رُكْبته، وفَخِذه، وفَرْجه، وسُرَّته، مِثل ما يرون ساقه.

ولَعمري : مِن العَجْب جِدَّاً دَرْجُ مِثل هذه الأحاديث الباطلة، في كتب الأَخبار، ونِسبتُها إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ودعوى أنَّ المجموع مِن صِحاح الأخبار ؛ فإِنَّ الله تعالى كما تقدَّم لك غير مَرَّة ليس بجسمٍ ؛ كي يكون له ساق ونحوه.

وأمَّا الآية الشريفة :( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ) ، فالمُراد منها : يومٌ فيه الأهوال والشدائد، أو يبدو عنه الأمر الشديد الفظيع، كما عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير، وحُكي عن عكرمة أنَّه سأل ابن عباس، عن قوله :( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ) ، فقال : إذا خَفي عليكم شيء في القرآن، فابتغوه في الشِّعر، فإنَّه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر : وقامت الحرب بنا على ساقٍ.

هو يوم كَرْبٍ وشدَّة.

وعن القتيبي : أصل هذا، إِنَّ الرجل إذا وقع في أمر عظيم، يحتاج إلى الجَدِّ فيه، يُشمِّر عن ساقه ؛ فاستُعير الكشف عن الساق في موضع الشدَّة.

وأَمَّا بُطلان الحديث الثالث ؛ فلأنَّه مِمَّا يستلزم التحوُّل مِن مكانٍ إلى مكانٍ، نظير النزول والهبوط إلى السماء الدنيا في كلِّ ليلة، أو في ليلة النصف مِن شعبان، وقد عرفت بُطلان ذلك فيما تقدَّم فلا نُعيد.

* * *


٦ - باب ( فيما رواه البخاري مِن انكشاف عَورة موسىعليه‌السلام لبني إسرائيل وأَنَّه لَطَم عِزرائيل ففقأ عينه )(*) .

١ - روى البخاري بسنده، عن أبي هريرة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( كانت بنو إِسرائيل يغتسلون عُراة، ينظر بعضهم إِلى بعض، وكان موسى عليه‌السلام يغتسل وحده.

فقالوا :والله ما يمنع موسى عليه‌السلام أنْ يغتسل معنا إلاَّ أنَّه آدر (١) ،فذهب مَرَّة يغتسل، فوضع ثوبه على حَجر، ففرَّ الحَجر بثوبه، فجمع (٢) موسى عليه‌السلام في أثره يقول : ثوبي يا حَجر، ثوبي يا حَجر، حتَّى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى عليه‌السلام .

فقالوا :والله، ما بموسى عليه‌السلام مِن بأس، وأخذ ثوبه، فطفق بالحَجر ضَرْباً (٣) .

____________________

(*) فيه حديثان.

(١) الأدرة نفخة في الخصية هكذا عن الجوهري.

(٢) فجمع أي جرى مسرعاً.

(٣) صحيح البخاري : ١/٧٣ط استانبول. صحيح البخاري بحاشية السندي : ١/٦٠ط مصر كتاب الغسل، باب مَن اغتسل عُرياناً.


٢ - روى البخاري بسنده، عن أبي هريرة، قال :أُرسل مَلَكُ الموت إلى موسى عليه‌السلام ،فلمَّا جاءه صَكَّه، فرجع إلى ربِّه.

فقال :أرسلتني إلى عبدٍ لا يُريد الموت، فردَّ الله عليه عينه، وقال : ارجع، فقل له : يضع يده على مَتن ثورٍ فله بكلِّ ما غطَّت به يده بكلِّ شَعرة سنة .

قال :أيْ ربِّ، ثمَّ ماذا ؟

قال :ثمَّ الموت.قال : فالآن. ( الحديث ).

المؤلِّف : ومِن الأكاذيب الباطلة، هذان الحديثان المجعولان، إذ مِن المعلوم أَنَّ الحَجر، مِمَّا لا يفرُّ بثوب موسى، إلاَّ بأمرٍ مِن الله جلَّ وعلا، وهل يُعقل أنَّه تعالى يأمر الحَجر بذلك، لينكشف به عورة نبيِّه أمام الناس ؟!

أوليس ذلك مِن القبيح جِدَّاً ؟!

وما الغاية المُترتِّبة على هذا القبيح، سِوى أنْ يعلم بنو إسرائيل أنَّ موسى ليس بآدر أي ليس بخصيته نفخة ؟!

أفهذه غاية شريفة مُهمَّة، يُرتكب لأجلها مِثل هذا القبيح ؟! كلاَّ.

وأكذب مِن ذلك كلِّه، الحديث الثاني ؛ فإنَّ موسىعليه‌السلام ، وإنْ كان نبيَّاً مُرسَلاً، ولكنَّه بشر كأحدنا، وهل يقدر البشر أَنْ يلطم المَلَك المُقرَّب العظيم، الذي له سُلطة على قبض أرواح العالمين بأجمعهم، لطماً يخرج به عين عزرائيل عن الحدقة، حتَّى يردَّها الله إليه ثانياً.

ولو سُلِّم أنَّ موسى يقدر على ذلك، أوليس ذلك جِناية وجريمة ؟!! وهو نبيُّ الله المُرسَل ؛ فإنَّ عِزرائيل وإنْ جاء لقبض روحه، ولكنَّه لم يكُن ذلك مِن قِبَل نفسه، بلْ بأمر الله تعالى، فكيف يجوز لموسى أنْ يرتكب معه هذا الظلم الفاحش ؟!! ويصدر منه هذا التعدِّي العظيم !! فإنَّ النبيَّ المُرسَل، إذا كان هذا حاله ؛ فلا يُبالي أنْ يظلم غيره بغير حَقٍّ، فكيف بأُمَّته الذين هو مُرشدهم وهاديهم ؟!!

أوليس هذا كلُّه باطلاً يضحك به الثَّكلى ؟!

أوليس ينبغي أنْ تُتْلى مِثل هذه الأحاديث الكاذبة، في أيَّام الفرح والسرور، في المَهرجانات ونحوها، ليضحك الناس به ؛ ويتمَّ لهم الفرح والسرور ؟!

ومِن المؤسِف جِدَّاً دَسُّ مِثل هذه الروايات الكاذبة، في كتب الأخبار والأَحاديث النبويَّة، وتسمية المجموع بالصحيح.

وهل ترى مُصيبة أعظم مِن ذلك ؟!!

إنَّا لله، وإِنَّا إليه راجعون.


٧ - باب ( فيما روته العامَّة مِن أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان عنده نساء مِن قريش بلا حِجاب فلمَّا دخل عمر هِبْنَه وابتدرن الحِجاب )(*) .

١ - روى البخاري بسنده، عن محمد بن سعد، عن أبيه، قال :

استأذن عمر بن الخطاب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعنده نسوة مِن قريش، يسألنه ويستكثرنه عاليةٌ أصواتهن، فلمَّا استأذن عمر تبادرنَ الحِجاب، فأذِن له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فدخل والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يضحك.

فقال :أضحك الله سِنَّك - يا رسول الله - بأبي أَنت وأُمِّي.

فقال :( عجبت مِن هؤلاء اللاتي كُنَّ عندي، لمَّا سمعنَ صوتك تبادرنَ الحِجاب ) .

فقال :أنت أحقَّ أنْ يَهبن يا رسول الله . ( الحديث )(١) .

رواه في كتاب بدأ الخَلق أيضاً، في باب مناقب عمر بن الخطاب، وقال فيه :

____________________

(*) فيه حديث واحد.

(١) صحيح البخاري : ٤/٦٣ بحاشية السندي. صحيح البخاري : ٧/٩٢ ط استانبول.


عاليةٌ أصواتهنْ على صوته(١) .

وذكره المُحبُّ الطبري - أيضاً - وقال فيه :(٢)

قال عمر للنسوة :يا عدوَّات أنفسهنْ، تَهبْنَني ولا تَهبْنَ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !

فقلن :نعم، أنت أفظُّ وأغلظ . ( الحديث ).

قال : أخرجه النسائي، وأَبو حاتم، وأَبو القاسم في الموافقات، وأَحمد(٣) .

المؤلِّف : إنَّ المُستفاد مِن قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمر :( لمَّا سمعنَ صوتك تبادرنَ الحِجاب ) ، أنَّ النسوة اللآتي كُنَّ عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن قَبِل أنْ يَسمعنَ صوت عمر كُنَّ بلا حِجاب، ويظهر مِن قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( عجبت مِن هؤلاء اللاتي كُنَّ عندي، لمَّا سمعنَ صوتك تبادرنَ الحِجاب ) أنَّ النساء اللاتي كُنَّ عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكُنَّ مِن مَحارمه، بلْ كُنَّ أجنبيَّات ؛ إذ لو كُنَّ مِن محارمه، فابتدارهُنَّ الحِجاب، لمَّا سمعِنَ صوت عمر، كان أمراً على القاعدة، ولم يوجب أنْ يتعجَّب منه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وبالجُملة، إنَّ المُستفاد مِن الحديث المذكور - مِن أوَّله إلى آخره - أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان عنده نساء مِن قريش أجنبيَّات، وكُنَّ بلا حِجاب ؛ لأنَّهنَّ لا يَهبِنَ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمَّا سمعِنَ صوت عمر هِبْنَه، وابتدرن الحِجاب ؛ فتعجَّب مِن ذلك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ فضَحك لأجله.

وسأله عمر عن سبب الضحك، فبيَّن له.

فقال عمر : أنت أحقُّ أنْ يَهبنَ، يا رسول الله.

أو قال للنسوة : يا عدوَّات أنفسهنْ، تَهبْنَني ولا تَهبن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وهذا - لَعمري - حديث باطلٌ

____________________

(١) صحيح البخاري : ٢/٢٩٤ بحاشية السندي ط مصر. صحيح مسلم : ٤/١٨٦٤، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، رواه عن محمد بن سعد، وعن أبي هريرة باختلاف يسير. مُسند أحمد : ١/١٧٠.

(٢) الرضوي : لم يكُن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه فظاظة ولا غِلظة، وقد نفى الله سبحانه عنه الفظاظة والغِلظة ؛ فقال عَزَّ مَن قائل :( وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) آل عمران : ١٥٩، بلْ أورعَ فيه العظمة، والخُلُق الرفيع العالي، وقد عبّر الله تعالى عنه بقوله :( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) القلم : ٤.

(٣) الرّياض النضرة : ٢/٢٩٩.


جداً، وهل يُعقل أنْ يدع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم النساء الأجنبيَّات عنده بلا حِجاب، حتَّى يسمعنَ صوت عمر فيَهِبْنه، ويبتدرنَ الحِجاب ؟!!

وكأنَّ الراوي المُفتري لهذا الحديث الباطل، قد غَفل عن لوازم ما افتراه، وإنَّه وإنْ كان مَنقبةً لعمر مِن حيث الهيبة، ولكنَّه افتراء على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورمي له بالمعصية ؛ مِن حيث تركه النساءِ الأجنبيَّات عنده بلا حِجاب، وهذا واضح.

* * *


٨ - باب ( فيما روته العامَّة مِن أنَّ جاريةً كانت تضرب بالدَّفِّ بين يدي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتُغنِّي ثمَّ دخل عمر فألقت الدَّفِّ )(*) .

١ - روى الترمذي بسنده، عن عبد الله بن بريدة، يقول :خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بعض مغازيه، فلمَّا انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت : يا رسول الله، إنِّي كنتُ نذرت إنْ ردَّك الله صالحاً، أنْ أضرب بين يديك بالدَّفِّ وأتغنَّى.

فقال لها رسول الله :( إنْ كنتِ نذرتِ فاضربي، وإلاَّ فلا ) .

فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب الطَّبل، ثمَّ دخل عليٌّ وهي تضرب الطَّبل، ثمَّ دخل عثمان وهي تضرب، ثمَّ دخل عمر فألقت الدَّفَّ تحت إسْتِها، ثمَّ قعدت عليه.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنَّ الشيطان ليخاف منك يا عمر ؛ إنِّي كنت جالساً وهي تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثمَّ دخل عليٌّ وهي

____________________

(*) فيه أربعة أحاديث.


تضرب، ثمَّ دخل عثمان وهي تضرب، فلمَّا دخلت أنت يا عمر ألقت الدَّفَّ ) (١) .

قال الترمذي : وفي الباب عن عمر وسعد بن أبي وقاص وعائشة انتهى.

ورواه ابو داود، فيما يؤمر به مِن الوفاء مِن النذر(٢) ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، باختلاف في اللفظ وباختصار.

ورواه أحمد بن حنبل، عن ابن أبي أوفى، باختلاف واختصار ويسير(٣) .

٢ - روى المُحبُّ الطبري، عن عائشة، قالت : دخلتْ امرأة مِن الأنصار عليَّ، فقالت :إِنِّي أَعطيت الله عهداً، إذا رأيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أمنٍ، لأنقُرنَّ على رأسه بالدَّفِّ [ قالت عائشة : ] فأخبرت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك .

فقال :( قولي لها : فلتفِ بما حلفت ) .

فقامت بالدَّفِّ على رأس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فنقرت نقرتين أو ثلاثاً، فاستفتح عمر ؛ فسقط الدَّفُّ مِن يدها، وأسرعت إلى خِدر عائشة.

فقالت :لها عائشة ما لك ؟!

قالت :سمعت صوت عمر فهِبْتُه .

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنَّ الشيطان ليفرُّ مِن حِسِّ عمر ) .

قال : أخرجه ابن السمان في الموافقة(٤) .

ثمَّ إنَّ ههنا حديثين آخرين، يُناسب ذكرهما في خاتمة هذا الكتاب :

٣ -أحدهما : ما رواه أبو نُعيم بسنده، عن الأسود بن سريع، قال :أتيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،فقلت: قد حمدت ربِّي بمحامِدَ ومدحٍ وإيَّاك .

فقال :( إنَّ ربَّك عَزَّ وجَلَّ يُحبُّ الحمد )، فجعلت أُنشده، فاستأذن رجل طويل أصلع.

فقال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( أسكُت ).

فدخل، فتكلَّم ساعة.

____________________-

(١) سُنن الترمذي : ٥/٦٢١، تحقيق وتعليق إبراهيم عطوة.

(٢) سُنن أبي داود: ٣/١٠٣ - ١٠٤ تحقيق سعيد محمد اللّحام.

(٣) المُسند : ٤/٣٥٣، وفي : /٥/٣٥٣، في حديث بريدة الأسلمي، كما تقدَّم عن الترمذي، باختلاف يسير. كنز العمَّال : ٦/٣٣٨، وقال المُتَّقى - بعد ذكره الحديث - : أخرجه أحمد، وأبو يعلى، وابن عساكر. راجع : الكنز ط. حيدر آباد - الهند.

(٤) الرياض النضرة للمُحبِّ الطبري : ٢/٣٠٠ - ٣٠١.


ثمَّ خرج فأنشدته، ثمَّ جاء فسكَّتني النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتكلَّم، ثمَّ خرج ففعل ذلك مَرَّتين أَو ثلاثاً.

فقلت :يا رسول الله، مَن هذا الذي أَسكتَّني له.

فقال :( هذا عمر رجُل لا يُحبُّ الباطل ).

ثمَّ رواه بطريق آخر عن الأسود التميمي، قال :

قَدِمت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فجعلت أُنشده، فدخل رجُل طوال أقنى.

فقال لي :( أمسك ).

فلمَّا خرج، قال : ( هات )، فجعلت أُنشده، فلم ألبث أنْ عاد.

فقال لي :( أمسك ) .

فلمَّا خرج، قال : ( هات )، فجعلت أُنشده، فلم ألبث أنْ عاد.

فقال لي :( أمسك ).

فلمَّا خرج، قال : ( هات ).

فقلت :مَن هذا - يا نبيَّ الله - الذي إذا دخل قلت : أمسِك، وإذا خرج قلت : هات ؟

قال :( هذا عمر بن الخطاب، وليس مِن الباطل في شيء ) (١) .

٤ -ثانيهما : ما رواه الإِمام أحمد بن حنبل بسنده، عن السائب بن يزيد :أنَّ امرأة جاءت إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال :( يا عائشة، أتعرفين هذه ؟ ) . قالت :( لا، يا نبيَّ الله ).

فقال :( هذه قينة بني فُلان، تُحبيِّن أنْ تُغنيِّك ؟ ). قالت :نعم .

[ قال : ]فأعطاها طبقاً، فغنَّتها . فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( قد نفخ الشيطان في مِنخريها ) (٢) .

المؤلِّف : إنَّ الضرب بالدَّفِّ هكذا والتغنَّي، إنْ كان حراماً شرعاً، فكيف يَحلُّ بالنذر، ويُرخِّص فيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!! وهل يُعقل أنْ يَحلَّ الحرام الشرعي كالزنا، وشرب الخمر، واللعب بالقمار، ونحو ذلك بالنذر ؟! كلا

وإنْ كان حلالاً ذاتاً، أو فرضنا أنَّ الحرام يَحلُّ بالنذر - كما هو ظاهر ما نسبه الراوي إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مِن قول :( إنْ كنتِ نذرتِ فاضربي، وإلاَّ فلا ) - فلا وجه لإلقاء الجارية الدَّفَّ تحت إسْتِها وقعودها عليه، بمُجرَّد أنْ دخل عمر ؟ فكأنَّ عمر أعلم بالحلال والحرام مِن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!! أوَ كان أتقى منه لله وأبعد مِن الإِثم ؟!! ثمَّ لا وجه لأنْ يقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد كون الضرب بالدَّفِّ حلالاً ذاتاً، أو فرض أنَّه

____________________

(١) حلية الأولياء : ١/٤٦. رياض النّضرة : ٢/٣٠٢، وقال : أخرجه أحمد. عن الأسود بن سريع.

(٢) مُسند الإمام أحمد : ٣/٤٤٩.


يصير حلالاً بالنذر :( إِنَّ الشيطان ليخاف منك يا عمر ) ، فعبَّر عن الجارية التي تضرب بالدَّفِّ وتُغنِّي بالشيطان!

ثمَّ هل يُعقل أنْ يخاف الشيطان مِن عمر ويَفرُّ منه، ولا يخاف مِن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا يفرُّ منه، بلْ يضرب بين يديه بالدَّفِّ ويُغنِّي ؟!!

أوَ ليس كلُّ ذلك باطلاً في باطلٍ.

ونظير ذلك في البطلان الرواية الثالثة ؛ فإنَّ ما أنشده الأسود للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنْ كان مِن الشعر الباطل - كما يظهر مِن قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( هذا عمر رجل لا يُحبُّ الباطل ) - فكيف يُحبُّه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا يمنع عنه ؟!!

وهل يُعقل أنَّ عمر لا يُحبُّ الباطل ؛ ولذا أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أسوداً بالسكوت بمُجرَّد أنْ دخل عمر، والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُحبُّه ؟!!

وأمَّا إذا لم يكُن هو مِن الشعر الباطل - كما هو ظاهر قول الأسود : قد حمدت ربِّي بمحامدَ ومدح وإِيَّاك، فلا معنى لأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أسوداً بالسكوت، كلَّما دخل عمر ؛ مُعلِّلاً بأنَّه رجل لا يُحبُّ الباطل، أو أنَّه ليس مِن الباطل في شيء.

وأبطل مِن الجميع الرواية الرابعة، المُشتملة على قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعائشة :

( هذه قينة بني فلان، تُحبِّين أنْ تُغنِّيك ؟ )

قالت : نعم، فأعطاها طبقاً، وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - بعدما غنَّت - :( قد نفخ الشيطان في مِنخريها ) .

فإنَّها قد فعلت أمراً حلالاً جايزاً، في حضور النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبأمره وبإذنه، وإنْ كان حراماً، فكيف يأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالحرام، لأجل عائشة، بمُجرَّد أنْ تُحبَّ ذلك وتستأنس به ؟!

أوَ ليس


ذلك بأبطل مِن الجميع، وأفسد مِن الكلِّ.

فأنصفوا في المقام - أَيُّها المُنصفون - واحكموا فيه بالحقِّ إِذا حكمتم أيُّها المؤمنون.

هذا آخر ما أراد الله لنا إيراده في هذا الكتاب، والحمد لله أوَّلاً

وآخراً وظاهراً وباطناً، وقد وقع الفراغ في الخامس والعشرين مِن

شهر ربيع الثاني، سنة ١٣٨٦، بقلم المؤلِّف وبتحرير يده.

مُرتضى الحسيني



المصادر

التي نقلنا منها للتعليق على الكتاب

مُرتَّبة

على حروف المُعجم







الفهرس

سبعة من السلف آية الله العظمى السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي ١

سَبْعَةٌ مِنَ السَّلَفِ بتحقيق جَديد تأليف آية الله العُظمى السيِّد مُرتضى الحسيني الفيروزآبادي ٣

إجازة المؤلِّف طاب ثراه حول التَّعليق على هذا الكتاب ٥

حياة المؤلِّف طاب ثراه ولادته ونشأته : أساتذته : ٧

هِجرته إلى إيران : أولاده : ٨

وفاته ومَدفنه : ٩

مؤلَّفاته وآثاره : ١٠

رؤيا صادِقة : ١١

تَرجمة لصاحب التعليق على سَبعة مِن السَّلف بتحقيق جَديد ١٣

تَرجمة العلاَّمة الكاتب القدير السيِّد مُرتضى الرضوي الولادة والدراسة : ١٧

مؤلَّفاته وآثاره المَطبوعة : ١٩

تعليقاته على الكُتب : مُقدِّماته على الكُتب : ٢٠

مِن آثار الشيعة الإماميَّة التي نشرها في مِصر : ٢١

الرسالة التي بعثها له الإمام الشهيد محمد باقر الصدر ذِكريات مع الإمام شرف الدين وصاحب العرفان ٢٢

بعض مَن ترجم له : ٢٤

بعض ذكريات الشعر : ٢٥

تنبيه : ٢٦

كلمة المُحقِّق ٢٧

المَقصد الأوَّل في بيان ما ورد عن أبي بكر بن أبي قُحافة (١) أبو بكر بن أبي قُحافة ٣١

١ - باب ( إنَّ لأبي بكر شيطان يَعتريه )(*) ٣٣

٢ - باب في بعث أبي بكر عمر إلى دار عليٍّ عليه‌السلام ٣٦


٣ - باب ( إنَّ أبا بكر عند موته يودُّ أنَّه لم يكشف بيت عليٍّ وفاطمة عليهما‌السلام )(*) ٤٨

٤ - باب ( إنَّ فاطمة مَن أغضبها أغضب الله ورسوله، وقد أغضبها أبو بكر وعمر ؛ فهجرتهما حتَّى تُوفِّيت )(*) ٥٠

٥ - باب ( إنَّ فاطمة قد دُفنِت ليلاً وصلّى عليها عليٌّ عليه‌السلام ولم يؤذِن بها أبا بكر )(*) ٥٧

٦ - باب ( إنَّ أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أحدثوا بعده ما أحدثوا وارتدُّوا على أعقابهم )(*) ٥٩

٧ - باب ( في إعطاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدكاً لفاطمة عليها‌السلام وقد غَصبه أبو بكر وعمر )(*) ٧٠

٨ - باب ( لم يُعطِ أبو بكر قُربى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(*) ٧٢

٩ - باب ( في رفع أبي بكر وعمر أصواتهما عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى نزل النهي )(*) ٧٣

١٠ - باب ( في انهزام أبي بكر وعمر يوم خيبر وأحُد )(*) ٧٦

١١ - باب ( في إعراض النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أبي بكر وعمر حين تكلَّما في يوم بدر )(*) ٨٠

١٢ - باب ( إنَّ أبا بكر لسانه قد أورده الموارد )(*) ٨٢

١٣ - باب ( إنَّ أبا بكر لا يَنفلت مِن الدنيا )(*) ٨٤

١٤ - باب ( إنَّ أبا بكر وعمر لا يعرِفان معنى قوله تعالى ( وَفَاكِهَةً وَأَبَّاً ) )(*) ٨٥

المقصد الثاني في بيان ما ورد عن عمر بن الخطاب (٢) عمر بن الخطَّاب ٨٩

١ - باب ( في منع عمر مِن أنْ يكتب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند مماته كتاباً وقال : إنَّه يَهجر )(*) ٩١

٢ - باب ( إنّ الله ورسوله قد أحلاَّ مُتعة الحَجِّ للأبد وقد حرَّمها عمر )(*) ١٠٤

٣ - باب ( إنَّ الله ورسوله قد أحلاَّ مُتعة النساء وقد حرَّمها عمر )(*) ١٢١

٤ - باب ( في بِدعة عمر في الطلاق الثلاث )(*) ١٣١

٥ - باب ( إنَّ عمر يُفتي : أنَّ مَن لم يَجد الماء لا يُصلِّي )(*) ١٣٥

٦ - باب ( إنَّ عمر لا يَفهم معنى الكَلاَلة أبداً )(*) ١٣٩

٧ - باب ( كلُّ الناس أفقه مِن عمر وأعلم مِن عمر )(*) ١٤٣

٨ - باب ( ما جاء في جَهل عمر بالكتاب والسُّنَّة )(*) ١٤٦

٩ - باب ( ما جاء في فضل الحَجر الأسود وجهل عمر بذلك كلّه حتَّى قال : إنَّه حَجر لا يَضرُّ ولا ينفع )(*) ١٥٢


١٠ - باب ( في تجسُّر عمر على النبي ١٦٠

١١ - باب ( في تجسُّر عمر على أبي بكر فتفل في كتابه ومحاه، وعلى أبي هريرة فضربه بلا ذنب ) ١٦٥

١٢ - باب ( إنَّ عمر لم يُعط قُربى رسول الله ١٦٨

١٣ - باب ( في انهزام عمر وعثمان يوم أُحُد ) ١٧٠

١٤ - باب ( في افتراء عمر على النبي ١٧١

١٥ - باب ( لا خَيرَ في يد عمر ) ١٧٣

١٦ - باب ( إنَّ عمر قد أغضب النبي ١٧٤

١٧ - باب ( إنّ عمر يتغنّى ويأمرُ بالتغنّي ) ١٧٦

١٨ - باب ( إنَّ عمر في الجاهليَّة كان عُميراً يرعى الضأن ) ١٧٨

١٩ - باب ( إنَّ عمر يتمنَّى أنْ يكون عَذَرة ولا يكون بشراً ) ١٧٩

المقصد الثالث في بيان ما ورد في عثمان بن عفّان (٣) عثمان بن عفّان ١٨١

١ - باب ( في أنَّ النبي ١٨٣

٢ - باب ( إنَّ الله ورسوله قد أحلاّ مُتعة الحَجِّ للأبد وقد حرَّمها عثمان كما حرَّمها عمر مِن قبل )(*) ١٨٩

٣ - باب ( ما جاء في جهل عثمان بالكتاب والسنّة )(*) (١) ١٩٤

٤ - باب ( في أمْرِ عثمان بحَرق المَصاحف )(*) ١٩٩

٥ - باب ( ما جاء في فضل أبي ذر وأنَّ عثمان قد نفاه إلى الرَّبذَة )(*) ٢٠٣

٦ - باب ( في انهزام عثمان يوم أُحُد )(*) ٢٠٧

المقصد الرابع في بيان ما يَشترك بين عائشة وحَفصة (٤).(٥) عائشة وحفصة ٢٠٩

١ - باب ( إنَّ عائشة وحفصة هما المرأتان اللتان قال الله تعالى فيهما )(*) : ٢١١

٢ - باب ( في احتيال عائشة وحفصة مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتواطيهما على الكذب )(*) ٢٢٤

المقصد الخامس في بيان ما يختصُّ بعائشة وفيه أبواب ٢٢٧

١ - باب ( في سوء أدب عائشة مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسوء تعبيرها للرؤيا )(*) ٢٢٩

٢ - باب ( في شِدَّة حَسد عائشة وبُخلها )(*) ٢٣٣


٣ - باب ( في احتيال عائشة مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(*) ٢٣٧

٤ - باب ( إنَّ عائشة تحدِّث الرّجال بما جرى بينها وبين النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِمَّا يَقبح ذكره، كالتقبيل، ومَصِّ اللسان والإدخال بغير إنزال ونحو ذلك )(*) ٢٤٠

٥ - باب ( في الأباطيل التي تنسبها عائشة إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(*) ٢٤٥

٦- باب إنّ عائشة تبغض علياً عليه‌السلام وتحسده وقد سُرّت بقتله عليه‌السلام ٢٥٠

٧ - باب ( إنَّ فاطمة عليها‌السلام أوصت أنَّها إذا ماتت لا تدخل عليها لا عائشة ولا غيرها )(*) ٢٥٣

٨ - باب ( إنَّ الله ورسوله قد أمر نساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلزوم البيت )(*) ٢٥٥

٩ - باب ( في نهي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عائشة عن قتال علي عليه‌السلام وقد أخبرها أنَّها تنبحها كلاب الحوأب )(*) ٢٥٨

١٠ - باب ( في إخبار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن الفتنة ورأس الكُفر مِن بيت عائشة )(*) ٢٦٢

١١ - باب ( إنَّ عائشة قد ندمت مِن خروجها على عليٍّ عليه‌السلام وتَمنَّت أنْ تكون حَيضةً مُلقاة )(*) ٢٦٣

١٢ - باب ( وَدَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ تموت عائشة في حياته فيهيِّئُها ويدفنها )(*) ٢٦٧

المقصد السادس في بيان ما ورد في مُعاوية بن أبي سفيان (٦) مُعاوية بن أبي سفيان ٢٦٩

١ - باب ( في قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا أشبع الله بطن مُعاوية )(*) ٢٧١

٢ - باب ( في دعاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على مُعاوية وعمرو بن العاص )(*) ٢٧٣

٣ - باب ( في قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما اجتمع مُعاوية وعمرو بن العاص إلاَّ على غَدرة )(*) ٢٧٤

٤ - باب ( إنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعن مُعاوية وعمرواً والمُغيرة )(*) ٢٧٥

٥ - باب ( في قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مُعاوية وأبيه قولاً قد استعاذ لأجله الأصحاب )(*) ٢٧٧

٦ - باب ( ما جاء في عدم لياقة مُعاوية للخلافة )(*) ٢٧٨

٧ - باب ( في أمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليَّاً عليه‌السلام بقتال القاسطين وهم مُعاوية وأصحابه )(*) ٢٨٠

٨ - باب ( في إخبار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عماراً أنْ تقتله الفِئة الباغية وقد قتله مُعاوية وأصحابه )(*) ٢٨٣


٩ - باب ( في قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنَّ عليَّاً عليه‌السلام وقومه آية الجَنَّة ومُعاوية وقومه آية النار )(*) ٢٩٢

١٠ - باب ( في قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إذا رأيتم مُعاوية على منبري فاقتلوه ) )(*) ٢٩٥

١١ - باب ( إنَّ ليلة القدر خيرٌ مِن أَلف شهر يملكها بنو أُميَّة )(*) ٢٩٨

١٢ - باب ( ما جاء عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذمِّ بني أُميَّة عموماً )(*) ٣٠١

١٣ - باب ( في رؤيا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنَّ بني أُميَّة ينزون على منبره نزو القِردة وإنَّهم مِن شَرِّ الملوك )(*) ٣٠٥

١٤ - باب ( في خُطبة مُعاوية بن يزيد في ذمِّ جَدَّه مُعاوية بن أبي سفيان وفي ذمِّ أبيه يزيد بن مُعاوية )(*) ٣٠٩

١٥ - باب ( إنَّ مُعاوية قد حرَّم مُتعة الحَجِّ كما حرَّمها عمر مِن قبل )(*) ٣١١

١٦ - باب ( إنَّ مُعاوية أَتَمَّ الصلاة بمَكَّة كما أَتمَّها عثمان مِن قبلُ خِلافاً للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(*) ٣١٤

١٧ - باب ( في ترك الناس التلبية بعرفات خوفاً مِن مُعاوية )(*) ٣١٥

١٨ - باب ( إنَّ مُعاوية منع الخُمس مِن بني هاشم كما منعه أبو بكر وعمر مِن قبلُ )(*) ٣١٧

١٩ - باب ( إنَّ مُعاوية مِمَّن يُعرِّفون الناس المُنكر ويُنكرون عليهم المَعروف )(*) ٣١٩

٢٠ - باب ( في نهي مُعاوية عن تقسيم الغنائم وأمره باصطفاء الصفراء والبيضاء له )(*) ٣٢٣

٢١ - باب ( إنَّ مُعاوية يَشرب الشراب الذي حرَّمه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(*) ٣٢٥

٢٢ - باب ( إنَّ مُعاوية هيَّأ رجالاً يشهدون أنَّ عليَّاً عليه‌السلام قتل عثمان )(*) ٣٢٧

٢٣ - باب ( إنَّ الله يغضب لقتل حِجر وهكذا أَهل السماء وقد قتله مُعاوية وندم عند الموت )(*) ٣٣٠

المقصد السابع في بيان ما ورد في خالد بن الوليد (٧) خالد بن الوليد ٣٣٥

١ - باب ( في قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( اللَّهمَّ إنِّي أبرأ إليك مِمَّا صنع خالد ) وفي غضبه عليه )(*) ٣٣٧


٢ - باب ( إنَّ خالداً قد سبَّ عماراً ومَن سبَّ عماراً سبَّه الله )(*) ٣٤٢

٣ - باب ( إنَّ خالداً قتل مالك بن نويرة وهو مسلم ودخل بزوجته )(*) ٣٤٦

خاتمة في الأباطيل التي ترويها العامَّة وتنسبها إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ٣٥١

١ - باب ( فيما روته العامَّة مِن أَنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بال قائماً على سِباطة قوم ) ٣٥٣

٢ - باب ( فيما روته العامَّة مِن أنَّا نرى ربنا يوم القيامة )(*) ٣٥٥

٣ - باب ( فيما روته العامَّة في نزوله تعالى إلى السماء الدنيا )(*) ٣٦١

٤ - باب ( فيما روته العامَّة في ضحكه تعالى وفي وضع قَدَمه على جهنَّم )(*) ٣٦٤

٥ - باب ( فيما روته العامَّة مِن أنَّ الله يقبض يديه لآدم ويكشف عن ساقه يوم القيامة ويدخل جَنَّة عَدْن كلَّ سَحَر )(*) ٣٦٧

٦ - باب ( فيما رواه البخاري مِن انكشاف عَورة موسى عليه‌السلام لبني إسرائيل وأَنَّه لَطَم عِزرائيل ففقأ عينه )(*) ٣٧٠

٧ - باب ( فيما روته العامَّة مِن أنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان عنده نساء مِن قريش بلا حِجاب فلمَّا دخل عمر هِبْنَه وابتدرن الحِجاب )(*) ٣٧٢

٨ - باب ( فيما روته العامَّة مِن أنَّ جاريةً كانت تضرب بالدَّفِّ بين يدي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتُغنِّي ثمَّ دخل عمر فألقت الدَّفِّ )(*) ٣٧٥

المصادر التي نقلنا منها للتعليق على الكتاب مُرتَّبة على حروف المُعجم ٣٨١

الفهرس ٣٨٧