كَشْفُ الحَقَائِق
كَشْفُ الحَقَائِق
كَشْفُ الحَقَائِق
ردٌّ عَلى
« هذِهِ نَصيْحَتي إلى كُلّ شِيْعي »
تأليف
الشَّيْخ عَلي آل مُحْسِنْ
بسم الله الرحمن الرحيم
( هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق )
صدق الله العلي العظيم
تقاريض
تفضل مشكوراً العلامة الفاضل السيد عبد الستار الحسني دامت إفاضاته بهذه القصيدة:
أبــا حسنٍ(١) للديـنِ لا زلــتَ ناصـراً * تـنـاضــلُ عنه كــلَّ بــاغٍ مُضلِّـلِ
وتدمــغُ بالحــقِّ الصّــراحِ مـبــادراً * أبـاطـيــلَ حاكتْهـا أنــامــلُ مبطلِ
فكم لـكَ من برهــانِ صـدقٍ على العــدا * صدعْــتَ به بـالنــصِّ غيــرَ مؤوَّلِ
فكـــان علـى أعـــداءِ آل مـحـمـدٍ * (كجلمودِ صخرٍ حطّــه السيلُ من عـلِ)
جدَعــتَ بــه أنـفَ الكذوبِ وسِمتَـــه * هوانــاً بتقريــرِ الدلـيــلِ المكمَّــلِ
وحسبُـك ما أظهـرتَ من بَهْتِ (جابــر) * وطبَّقتَ من (إلزامِــه) كلَّ مِفصَـلِ(٢)
فعاد (أبو بكــر) بصفـقــةِ خاســـرٍ * غداةَ بـ (كشفِ الحقِّ) أفلجه (علي)(٣)
غــدا حيثُ قد سمَّى الخــداعَ (نصيحةً) * شبيهـاً بمـن يُعـزَى لديــنِ السمــوألِ
وما ضــرَّ من والـى عليــاً ونسلَـــه * كــلامُ جهــولٍ نــاصبــيٍّ مغفَّــلِ
كمـا نسبــوا للمصطفى الطهــرِ ضلّــةً * من (الهجرِ) ما شانوا به كــلَّ محفــلِ
وفي ردِّه (ما ينطقُ) الدهـرُ شاهــدٌ * وتقريرُ هذا في (المسـانـدِ) فاسـألِ
فللهِ درِّ الفـذِّ مـن (آلِ مـحـسـنٍ) * قريعِ المعالـي والفـخــارِ المؤثَّــلِ
بما ذبَّ عن نهــجِ الهــدى بِيَراعِـهِ * وذادَ عــن الآلِ الكــرامِ بِمِقْــوَلِ
بآثـارِه لاحــتْ شواهــدُ فضلِــه * فدونَكَهـا مـن مجـمــلٍ ومفصَّـلِ
____________________
(١) كنية المؤلف.
(٢) يريد بجابر: أبا بكر جابر الجزائري.
(٣) يريد بأبي بكر: أبا بكر الجزائري، وبعلي: المؤلف، وفي البيت من الإشارة اللطيفة ما لايخفى.
وتلكَ أياديـهِ على (حوزةِ الهــدى) * كغيـثٍ توالـى بـالمكـارمِ مُسْبِــلِ
(سبــوحٌ لها منها عليهــا شواهدٌ) * فما شئتَ من أقْباسِها الزُّهْــرِ فاجْتَـلِ
* * *
وقال في تأريخ عام صدور الطبعة الثانية من الكتاب:
لاح (كشفُ الحقِّ) كالشمسِ سَنَاً * عَمَّ منه الكـونَ نـورٌ ثاقــبً
سَرَّ أبنـاءَ الهدى فـي نشــرِه * وبه غِيظَ الكذوبُ النــاصـب
جَلَّ من ذي صولةٍ أرِّخْ: بهــا * (لأبي بكـرٍ) (عليٌّ) غالـب
٨ - ٢٦٥ - ١١٠ - ١٠٣٣
١٤١٦هـ
* * *
وسَمَح بهذه الأبيات الأديب الشاعر البارع الأستاذ محمد سعيد عبد الحسين الكاظمي، في ذي الحجة الحرام سنة ١٤١٦هـ، فشكراً له على ما جاد به:
أجِب يا (أبا بكر) (عليــاً) فإنه * دعاك لمفـروضٍ على كلِّ مؤمــنِ
أتيتَ بدلوٍ فاحذرِ البــحرَ مائجــاً * وبِعْ ماءَ هذا الدلوِ في غيــرِ موطنِ
فدونَك أخطــارٌ ودون المنى ضُبىً * وأربــابُ أقـلامٍ وأفـذاذُ ألســنِ
أنُصْحاً وقد سطَّــرتَ غيَّاً وفِرْيـةً * أسأتَ وكلُّ النصحِ في (آلِ محسنِ)
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمَة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل خلقه، وأشرف بريته محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم إلى قيام يوم الدين، وبعد:
فقد صدر منذ مدة في البلاد السعودية كُتَيِب صغير، أسماه مؤلِّفه:
« هذه نصيحتي إلى كل شيعي »
ولقي هذا الكتيب قبولاً عظيماً في أوساط أهل السنة في هذه البلاد، إذ رأى فيه كثير منهم أنه قد حقَّق نصراً عظيماً وفتحاً كبيراً لمذهب أهل السنـة عـلى مذهـب شيعة أهل البيت عليهم السلام. كما لـقي رواجـاً كبيراً، فطُبع عدة طبعات، ووُزِع مجـاناً على نطـاقٍ واسـع، وضويق به كثير من الشيعة في في أماكن كثيرة من هذه البلاد.
والسبب في كل هذه العناية يرجع إلى أمرين:
الأمر الأول: أن المؤلف زعـم أنـه قـد اعتمد فيما وصل إليه من نتائج على كتاب « الكافي »، الذي يعتبر من أهم مصادر استنباط الأحكام الفرعية عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية.
والأمر الثاني: أن المـؤلف ظهر في زي الناصح المشفق على الشيعة، الذي يريد لهم الهداية والخير والسعادة في الدين والدنيا.
إلا أني لما تأملت هـذا الكتيب وجدته ركيك الأُسلوب، واهي المعـاني، متـداعـي
المبـاني، ممـلـوءاً بالحجـج الضعيفة، والمغالطات المكشوفة، والتُهم المفضوحة، والأكاذيب الملفقة. قد سمَّى المؤلف الفرية حقيقة، والخديعة نصيحة، والضلال هداية، وتلبَّس بالنصيحة وهو بعيد عنها، وتظاهر بالمحبة وهو بمنأىً منها.
ووجدتُه قد بادر إلى تكفير الشيعة بلا حجَّة صحيحة، وسارع إلى تضليلهم بلا بيِّنة معتمدة، فوقع في خطأ فاحش، وأقدم على ظلم عظيم بتكفير طائفة كبيرة من طوائف المسلمين، مخالفاً بذلك ما نصَّ عليه المنصفون من علماء أهل السنة من حرمة تكفير أحد من أهل القبلة بذنب.
هذا مع أن هذا الكتيب لا يعدو أن يكون واحداً من كثيرٍ من الكتب والكراسات والنشرات التي ظهرت في السنين الأخيرة ضد الشيعة، بسبب الأوضاع السياسية المعاصرة في المنطقة.
ومع كل هذا فقد رأيت أن أكتب في ردّه ما يرفع الشبهة، ويدفع الفرية، ويكشف الباطل من الحق، والكذب من الصدق، نظراً للاهتمام الكبير الذي حظي به هذا الكتيب عند كثيرٍ من الناس.
سائلاً المولى جل شأنه أن ينفع به إخواني المؤمنين، وينفعني بـه يوم
فـقري وفاقتي، إنه سميع قريب مجيب، وهو الهادي إلى الحق والصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين الأطياب.
السبت ١/٩/١٤١٤هـ
علي آل محسن
رَدّ
ما جاء في المقدِّمة
مخالفة المؤلف لمنهج البحث العلمي
اعتمد المؤلف في كل ما أورده في هذا الكتيب عـلى أحاديث وردت في كتاب « الكافي »، الذي يُعتبر من مصادر استنباط الأحكام الفرعية عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية، لمؤلفه ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، المتوفى سنة ٣٢٩هـ.
ووصف المؤلف كتاب « الكافي » بأنه عمدة القوم - يعني الشيعة - في إثبات مذهبهم(١) ، وأنه أهم كتاب يعتمد عليه الشيعة في إثبات مذهبهم(٢) ، وأنه عمدة مذهب الشيعة ومصدر تشيعهم(٣) .
كما وصف ما ذكره في كتيبه بأنها حقائق علمية، وكرَّر ذلك كثيراً، وزعم أنه استخلصها من كتاب « الكافي »(٤) ، وأن هذه « الحقائق » هي أصـل مذهـب كـل شيـعي، وهـي قواعد نِحلته(٥) التي تأسس عليها مذهبه، وتوطد بها.
ووصل المؤلف في خاتمة بحثه إلى نتائج كثيرة، منها:
- أن المذهب الشيعي دين مستقل عن دين المسلمين، له أصوله ومبادؤه وكتابه وسنِّته وعلومه ومعارفه(٦) .
____________________
(١) ص٤.
(٢) ص٥.
(٣) ص٦.
(٤) ص٤، ٥.
(٥) ص٦.
(٦) ص٣٥.
- وأن مذهب الشيعة مذهب هدَّام مظلم، وأن عقيدتهم عقيدة باطلة(١) .
- وأن الشيعة يكفِّرون المسلمين ويلعنونهم ويعادونهم(٢) ، وأنهم يحيكون المؤامرات ببدعة الإمامة ضد خلافة المسلمين، ويثيرون الحروب الطاحنة بين المسلمين(٣) ، وأن غرضهم هو هدم الإسلام وتمزيق شمل المسلمين(٤) ، والقضاء على الإسلام خصم اليهودية والمجوسية، وإعادة دولة المجوس الكسروية التي هدم الإسلام أركانها وقوَّض عروشها(٥) .
إلى غير ذلك من الأمور العظيمة التي أودعها في ثنايا كلامه.
إلا أن المؤلف لم يُثبت لقارئه أن كتاب « الكافي » هو من كتب الشيعة المعتمدة في إثبات المذهب، فضلاً عن كونه أهم كتاب يعتمدون عليه في ذلك.
كما أنـه لم يُثـبت أن الشيعـة يصحِّحون كل أحاديث الكافي أو أكثرها، أو عـلى الأقـل يصحِّحون الأحاديث التي احتج بها في حقائقه السبع، أو يعتقدون بمضمون ما دلَّت عليه تلك الأحاديث.
فالمؤلف لم يُثبت ذلك ولم يبيِّنه ولم يحم حوله مع أنه أمر مهم ينبغي إثباته وإيضاحه، لأن كل نتائجه التي استخلصها من حقائقه السبع كانت معتمدة على هذا الإثبات.
و من الواضح أن كل تلك النتائج تسقط عن الاعتبار لو ثبت أن الشيعة لا يرون كتاب « الكافي » بهذه المنزلة، ولا يعتمدون عليه في إثبات مذهبهم، ولا يعوّلون على كل حديث فيه، ولا سيما ما يرتبط منها بالأصول الاعتقادية، بل يُضعِّفون كثيراً من رواياته ويُسقطونها عن الحجيَّة والاعتبار كما سيأتي بيانه.
وعليه، فاللازم على المؤلف قبل كل شيء أن يبرهن على ما اعتـمد علـيه في إثبات حقـائقه، بنقـل ما قاله علماء الشيعة في كتاب « الكافي » وما اشتمل عليه من
____________________
(١) ص٣٦.
(٢) ص٣٥.
(٣) ص٣٤.
(٤) ص٣٦.
(٥) ص٣٣.
أحاديث، ولا سيما الأحاديث التي احتج بها في حقائقه السبع.
ونحن إن شـاء الله تعالى سنذكـر فيما يـأتي مـن الكـلام منزلـة كتاب « الكافي » عند الشيعة الإمامية، وما قاله أعلام الطائفة في هذا الشأن، ليتضح أن المؤلف لم يتبع الأسلوب الصحيح للبحث العلمي، وأنه أسَّس بنيانه على شفا جرف هارٍ، فأخطأ المرمى، وابتعد عن القصد.
كتاب الكافي
كتاب الكافي لثقة الإسلام محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي من أجّل كتب الحديث المعتمدة التي دارت عليها رحى استنباط الأحكام الفقهية عند الشيعة الإمامية، يحتوي على ما لا يحويه غيره، جليل القدر عظيم المنزلة، جامع لكثير من الأحاديث المنقولة عن آل الرسول عليهم السلام في الفروع والأصول، حسن التبويب والترتيب، ألَّفه الكليني في عشرين سنة في زمن السفارة في الغيبة الصغرى.
يشتـمل على أربعـة وثلاثين كتابـاً، وثلاثمائة وستة وعشرين باباً، وأحاديثه حُصرت في ١٦١٩٩ حديثاً، فتكون أحاديثه أكثر من أحاديث الصحاح الستة عند أهل السنة.
ومـن خصائصه أن مؤلفه كان حياً في زمن سفراء المهدي عليه السلام، وأنه حاوٍ لكثير من العلوم الإلهية التي لم يحوها غيره في الأصول والفروع.
وقد طُبع طبعات كثيرة، وكثرت عليه الشروح والحواشي، وتعاهده الشيعة على ممر العصور بالعناية والضبط.
من أجَل شروحه وأشهرها كتاب « مرآة العقول في شرح أخبار الرسول » في ستة وعشرين مجلداً، لصاحب موسوعة « بحار الأنوار » المولى محمد باقر المجلسي أعلى الله مقامه، المتوفى سنة ١١١٠هـ، وشرح المولى محمد صالح المازندراني المتوفى سنة ١٠٨٠هـ وغيرهما.
١ - قال الشيخ المفيد (ت٤١٣ هـ): كتاب الكافي وهو من أجل كتب الشيعة وأكثرها فائدة(١) .
٢ - وقال الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي (ت ٧٨٦هـ) في إجـازته لابن الخازن: كتاب الكافي في الحديث الذي لم يُعمل للإمامية مثله، للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني(٢) .
٣ - وقال المحقق الشيخ عـلي الكركي (ت ٩٤٠هـ) في إجازته للقاضي صفي الدين عيسى: ومنها جميع مصنفات ومرويات الشيخ الإمام السعيد الحافظ المحدِّث الثقة جامع أحاديث أهل البيت عليهم السلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني صاحب الكتاب الكبير في الحديث المسمَّى بالكافي الذي لم يُعمل مثله... وقد جمع هذا الكتاب من الأحاديث الشرعية والأسرار الدينية ما لا يوجد في غيره(٣) .
٤ - وقال الشيخ إبراهيم القطيفي (ت ٩٥٠هـ) في إجازته للشيخ شمس الدين الإسترابادي: وكتاب محمد بن يعقوب الكليني، فإنه كاسمه كافٍ شافٍ واف(٤) .
٥ - وقال الفيض الكاشاني (ت ١٠٩١هـ): أما الكافي فهو... أشرفها - يعني الكتب الأربعة - وأوثقها وأتمها وأجمعها، لاشتماله على الأصول من بينها، وخلوِّه من الفضول وشينها(٥) .
٦ - وقال المولى محمد باقر المجلسي: كتاب الكافي للشيخ الصدوق ثقة الإسلام، مقبول طوائف الأنام، ممدوح الخاص والعام، محمد بن يعقوب الكليني... كان أضبط الأصول وأجمعها، وأحسن مؤلفات الفرقة الناجية وأعظمها(٦) .
٧ - وقال السيد بحر العلوم (ت ١٢١٢هـ): كتاب الكافي الذي صنَّفه هذا
____________________
(١) تصحيح الاعتقاد، ص٥٥.
(٢) بحار الأنوار ١٠٧/١٩٠.
(٣) المصدر السابق ١٠٨/٧٥.
(٤) المصدر السابق ١٠٨/١١٤.
(٥) الوافي ١/٦.
(٦) مرآة العقول ١/٣.
الإمام طاب ثراه … كتاب جليل عظيم النفع، عديم النظير، فائـق عـلى جميع كتب الحـديث بحسن الترتيب، وزيـادة الضبط والتهذيب، وجمعه للأصول والفروع، واشتماله على أكثر الأخبار الواردة عن الأئمة الأطهار عليهم السلام(١) .
لقد نصَّ غير واحد من الأعلام على أن من الأسباب التي جعلت هذا الكتاب يتبوأ هذه المكانة بين كتب الحديث المعروفة عند الشيعة الإمامية هي أن الكافي حوى ما لم يحوه غيره من أحاديث الأصول والفروع والأخلاق والمواعظ وغيرها من فنون الدين.
قال الميرزا حسين النوري قدس سره (ت ١٣٣٠هـ) بعد أن أورد كلمة الشيخ المفيد المتقدمة: إنما كان أكثر فائدة من غيره من حيث إنه جامع للأصول والأخلاق والفروع والمواعظ والآداب وغير ذلك من المواضيع(٢) .
وقال السيد هاشم معروف: ويؤيد ذلك ما جاء في أسباب تأليف الكافي من أنه ألَّفه إجابة لمن طلب منه كتاباً يجمع من جميع فنون الدين ما يكتفي به المتعلم، ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل بالآثار الصحيحة عن الصادقِين عليهم السلام، والسنن القائمة التي عليها العمل، وبها يؤدَّى فرض الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله(٣) . فاستجاب لطلبهم وألَّفه في تلك المدة الطويلة التي حدَّدها كل من ترجمه وتعرض لتاريخه بعشرين عاماً، فجاء جامعاً لما يحتاج إليه المحدِّث والفقيه والمتكلم والواعظ والمجادل والمتعلم. والكتاب الذي يحتوي على هذه المواضيع لا بد وأن يُلفت الأنظار، ويصادف تقدير الباحثين من العلماء، لأنه يوفِّر عليهم عناء البحث عن الروايات، ويسد حاجة الفقيه والمحدِّث والمتكلم وغيرهم في آن واحد.
هذا بالإضافة إلى ما كان يتمتع به مؤلفه من ثقة عالية، وشهرة واسعة، ومكانة في العلم والدين تؤهله لأن يحتل المكانة التي تليق به في النفوس(٤) .
____________________
(١) رجال بحر العلوم ٣/٣٣٠.
(٢) مستدرك الوسائل ج٣.
(٣) الكافي ١/٨.
(٤) دراسات في الحديث والمحدثين ص١٣١.
ومن أسباب شهرة هذا الكتاب أيضاً وسمو مكانته أنه امتاز بحسن الترتيب، وزيادة الضبط والإتقان كما مر، وذلك لأن الكليني رحمه الله قد تأنَّى في تأليفه، فصرف في جمعه من عمره الشريف عشرين سنة، بذل فيها جهده، وسافر فيها إلى البلدان الكثيرة لمصاحبة شيوخ الإجازات، وملاقاة المهرة في معرفة الأحاديث.
هذا مع أنه عاش في زمن سفراء الإمام المهدي عليه السلام حيث كانت الأصول الأربعمائة التي حوت آثار الصادقين عليهم السلام متداولة ومتوافرة، وهذان الأمران ربما يسَّرا له السبيل للتحقق من صحة رواياته.
إن علماء الشيعة الإمامية لم يعطوا كتاب الكافي ولا غيره من كتب الحديث تلك المنزلة التي أعطاها علماء أهل السنة إلى صحيحي البخاري ومسلم، الذين أجمعوا على صحة كل ما فيهما من أحاديث، وحكموا بأنها صادرة من النبي صلى الله عليه وآله قطعاً. وإنما حكم علماء الإمامية بأن ما في الكافي من الأحاديث، منه الصحيح المعتبر، ومنه الضعيف الذي لا يُحتج به ولا يعوَّل عليه.
قال المحقق السيد الخوئي أعلى الله مقامه: لم تثبت صحة جميع روايات الكافي، بل لا شك في أن بعضها ضعيفة، بل إن بعضها يُطمأن بعدم صدورها من المعصوم عليه السلام(١) .
وقال السيد محمد المجاهد قدس سره (ت ١٢٤٢هـ): الذي عليه محققو أصحابنا عدم حجية ما ذكره الكليني، ولهذا لم يعتمدوا على كل رواية مروية في الكافي، بل شاع بين المتأخرين تضعيف كثير من الأخبار المروية فيه سنداً... وقد اتفق لجماعة من القدماء كالمفيد وابن زهرة وابن إدريس والشيخ والصدوق الطعن في بعض أخبار الكافي... وقد ذُكرت عباراتهم في الوسائل(٢) .
وبهـذا يتضح أن علـماء الإمامية وقفوا من كتاب الكافي موقفاً معتدلاً، لم يجنحوا فيه إلى طرف الإفراط بتصحيح كل أحاديثه، فيسـاووه بكتاب الله العزيـز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولم يميلوا إلى جانب التفريط بإسقاطه عن الحجية
____________________
(١) معجم رجال الحديث ١/٩٢.
(٢) مفاتيح الأصول، ص٣٣٤.
والاعتبار فيبخسوه حقه.
قال السيد هاشم معروف: ومع أنه نال إعجاب الجميع وتقديرهم لم يغالِ به أحد غلو محدِّثي السنة في البخاري، ولم يدَّعِ أحد بأنه صحيح بجميع مروياته لا يَقبل المراجعة والمناقشة، سوى جماعة من المتقدمين تعرضوا للنقد اللاذع من بعض من تأخر عنهم من الفقهاء والمحدثين، ولم يقل أحد بأن من روى عنه الكليني فقد جاز القنطرة كما قال الكثيرون من محدّثي السنة في البخاري، بل وقف منه بعضهم موقف الناقد لمروياته من ناحية ضعف رجالها، وإرسال بعضها، وتقطيعها، وغير ذلك من الطعون التي تخفف من حدة الحماس له والتعصب لمروياته(١) .
فأحاديث الكافي إذن فيها الصحيح وفيها الضعيف، بل إن الضعيف منها أكثر من الصحيح كما نص عليه كثير من الأعلام، مثل فخر الدين الطريحي (ت ١٠٨٥هـ)(٢) ، والشيـخ يـوسف البحـراني (ت ١١٨٦هـ) عـن بعـض مشائـخه المتـأخرين(٣) ، والسيد بحر العلوم(٤) ، والميرزا محمد بن سليمان التنكابني (ت ١٣١٠هـ)(٥) ، وآغـا بزرك الطهراني(٦) ، وغيرهم.
قـال الطـريحي قـدس سـره: أمـا الكـافي فجميع أحاديثه حُصرت في [١٦١٩٩ ] ستة عشر ألف حديث ومائة وتسعة وتسعين حديثاً، الصحـيح منها باصـطلاح مَن تأخر [ ٥٠٧٢ ] خمسة آلاف واثنان وسبعون، [ والحسن مائة وأربعة وأربعون حديثاً ]، والموثَّق [ ١١١٨ ] ألـف ومـائة وثمانية عشر حديثاً، والقوي منها [ ٣٠٢ ] اثنان وثلاثمائة، والضعيف منها [ ٩٤٨٥ ] أربعمائة وتسعة آلاف وخمسة وثمانون حديثاً، والله أعلم.
والحاصل أن الكليني رضوان الله عليه مع أنه حاول أن يجمع في كتابه الكافي الأحاديث الصحيحة التي يكون بنظره عليها المعوّل، وبها يؤدَّى فرض الله عز وجل كما أوضح في مقدمة الكتاب، إلا أن علـماء الإمـامية لـم يتابعوه في تصحيح كل
____________________
(١) دراسات في الحديث والمحدثين ص١٣٢.
(٢) جامع المقال، ص١٩٣.
(٣) لؤلؤة البحرين، ص٣٩٤.
(٤) رجال السيد بحر العلوم ٣/٣٣١.
(٥) قصص العلماء، ص٤٢٠.
(٦) الذريعة إلى تصانيف الشيعة ١٧/٢٤٥.
الأحاديث التي رواها في كتابه، وفي جواز العمل بها، بل ضعَّفوا كثيراً من أحاديثه كما تقدم، مع أنه من أجَل الكتب عندهم وأكثرها فائدة، من حيث إنه حوى أكثر من ستة آلاف وسبعمائة حديث معتبر.
وبذلك يتضح الفارق بين نظر أهل السنة إلى صحيح البخاري، ونظر الشيعة إلى كتاب الكافي، فإن مكانة صحيح البخاري التي تبوَّأها عند أهل السنة إنما حصلت بسبب إجماع علماء أهل السنة على صحة أحاديثه كلها(١) ، بخلاف الكافي وغيره من كتب الحديث عند الشيعة الإمامية، فإنها لم تنل هذه المنزلة عندهم.
ولهذا نرى جمعاً من حفَّاظ الحديث من أهل السنة مع أنهم صنَّفوا كتباً التزموا فيها جمع الصحيح من الحديث بنظرهم(١) ، إلا أن كتبهم تلك لم تنل مكانة صحيح البخاري عند أهل السنة، فإن العلماء لم يُجْمِعوا على صحَّة كل ما روي فيها من أحاديث، كما كان الحال في أحاديث صحيح البخاري.
ومن ذلك يتضح أن حال كتاب الكافي عند الشيعة الإمامية حال المستدرك على الصحيحين أو صحيح ابن حبان وغيرهما من المصنفات التي حاول مؤلفوها جمع الصحيح فيها فقط، ولم يتحقق إجماع على قبول كل ما فيها من أحاديث.
وحينئذ فلا مناص من عرض أحاديث هذه المجاميع على قواعد علم الدراية، لتمييز الصحيح من غيره، فيُحكم بصحة ما كان مستجمعاً لشرائط الصحة، وبضعف ما لم يستجمع تلك الشرائط وإن حكم مؤلفٌ ما بصحة هذا الحديث أو ذاك، لأن اجتهاد مجتهد لا يكون حجَّة على غيره من المجتهدين.
____________________
(١) قال الحافظ أبو نصر الوايلي السجزي: أجمع أهل العلم - الفقهاء وغيرهم - على أن رجلاً لو حلف بالطلاق أن جميع ما في كتاب البخاري مما روي عن النبي قد صح عنه، ورسول الله (ص) قاله، لا شك أنه لا يحنث، والمرأة بحالها في حبالته (مقدمة ابن الصلاح، ص١٣). وقال أبو المعالي الجويني: لو حلف إنسان بطلاق امرأته ان ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي (ص) لما ألزمته الصلاق ولا حنثته، لإجماع علماء المسلمين على صحتهما (صحيح مسلم بشرح النووي ١/٢٠، تدريب الراوي ١/١٣١). وقال ابن تيمية في كتابه علوم الحديث، ص٧٢: ومن الصحيح ما تلقاه بالقبول والتصديق أهل العلم بالحديث، كجمهور أحاديث البخاري ومسلم، فإن جميع أهل العلم بالحديث يجزمون بصحة جمهور أحاديث الكتابين، وسائر الناس تبع لهم في معرفة الحديث.
وهذه المسألة تتضح بأمور:
١- أن كتـاب الكـافي - كمـا أوضحنا - فيه الأحاديث الصحيحة المعتبرة، وفيه الأحـاديث الضعيفة، وعليه فلا يصح الاستناد في إثبات شيء من الأحكام الشرعية الفقهية، فضلاً عن إثبات المذاهب الكلامية والأصول الاعتقادية على أي حديث مروي في كتاب الكافي ما لم يستجمع شرائط الاعتبار والحجية.
٢- أن أصول الدين لا يصح إثباتها بأخبار الآحاد(١) وإن كانت تلك الأخبار صحيحة، وذلك لأن المسائل الاعتقادية يشترط فيها أن تكون قطعية، وأخبار الآحاد لا تفيد إلا الظن الذي لا يجوز التعويل عليه في هذه المسائل.
قـال السيد المرتضى أعـلى الله مـقامـه (ت ٤٣٦هـ) في معرض الجواب عـن جـواز الرجـوع في تعرُّف الأحـكام إلى رسالـة « المقنعة » للمفيد، أو رسالة ابن بابويه، أو كتاب « الكافي » للكليني، أو غيرها: إن الرجوع فيالأصول إلى هذه الكتب خطأ وجهل(٢) .
وقال في النكير على من يعمل بأخبار الآحاد مطلقاً: ألا ترى أن هؤلاء بأعيانهم قد يحتجّون في أصول الدين من التوحيد والعدل والنبوة والإمامة بأخبار الآحاد، ومعلوم عند كل عاقل أنها ليست بحجة في ذلك(٣) .
وقال الشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري أعلى الله مقامه (ت ١٢٨١هـ): ظاهر الشيخ [ الطوسي ] في « العُدّة » أن عدم جواز التعويل في أصول الدين على أخبار الآحاد اتفاقي، إلا عن بعض غَفَلة أصحاب الحديث. وظاهر المحكي في « السرائر » عن السيد المرتضى عدم الخلاف فيه أصلاً(٤) .
وقال شيخنا الشهيد الثاني أعلى الله مقامه (ت ٩٦٦هـ) في « المقاصد العلية » بعد أن ذكر أن المعرفة بتفاصيل البرزخ والمعاد غير لازمة: وأما ما ورد عنه صلى الله عليه وآله في ذلك من طريق الآحاد فلا يجب التصـديق بـه مطلقاً وإن كان طريقه صحيحاً، لأن الخبر
____________________
(١) وهي الأحايث غير المتواترة. وكون أكثر أحاديث الكافي من أخبار الآحاد مما لا نزاع فيه.
(٢) رسائل الشريف المرتضى ٢/٣٣٣.
(٣) المصدر السابق ١/٢١١.
(٤) فرائد الاصول ١/٣٧٢.
الواحد ظني، وقد اختُلف في جواز العمل به في الأحكام الشرعية الظنية، فكيف بالأحكام الاعتقادية العلمية؟!(١) .
وعليه، فالـذي يجب اعتقاده هـو مـا دلَّ عليه ظاهر كتاب الله المجيد، وما عُلم بالتواتر من أقوال النبي صلى الله عليه وآله والأئمة المعصومين من أهل بيته عليهم السلام وأفعالهم وتقريرهم، وما عُلم بالضرورة أنه من دين الإسلام.
وأما ما عدا ذلك فهو موضوع عن الناس، لا يجب عليهم الاعتقاد به إلا إذا حصل لهم العلم به.
قال الشيخ الأنصاري قدس سره: المستفاد من الأخبار المصرّحة بعدم اعتبار معـرفة أزيد مما ذُكـر فيها - وهو الظاهر من جماعة من علمائنا الأخيار، كالشهيدين في الألفية وشرحها، والمحقق الثاني في الجعفرية وشارحها وغيرهم - هو أنه يكفي في معرفة الرب التصديق بكونه موجوداً، وواجب الوجود لذاته، والتصديق بصفاته الثبوتية الراجعة إلى صفتي العلم والقدرة، ونفي الصفات الراجعة إلى الحاجة والحدوث، وأنه لا يصدر منه القبيح فعلاً أو تركاً...
ويكفي في معرفة النبي صلى الله عليه وآله معرفة شخصه بالنسب المعروف المختص بـه، والتصديق بنبوته وصدقه، فلا يعتبر في ذلك الاعتقاد بعصمته - أعني كـونه معصوماً بالملكة - من أول عمره إلى آخره...
إلى أن قال: ويكفي في معرفة الأئمة صلوات الله عليهم معرفتهم بنسبهم المعروف، والتصديق بأنهم أئمة يهدون بالحق، ويجب الانقياد إليهم والأخذ منهم، وفي وجوب الزائد على ما ذُكر من عصمتهم الوجهان...
ويكفي في التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله التصديق بما عُلم مجيئه به متواتراً من أحوال المبدأ والمعاد، كالتكليف بالعبادات، والسؤال في القبر وعذابه، والمعاد الجسماني، والحساب والصراط والميزان والجنة والنار إجمالاً...
ثم قال: وما استقربناه فيما يعتبر في الإيمان وجَدْتُه بعد ذلك في كلام محكي عن المحقق الورع الأردبيلي في شرح إرشاد الأذهان(١) .
____________________
(١) المصدر السابق ١/٣٧١.
(٢) فرائد الاصول ١/٣٧٧ - ٣٨٠.
أن أبا بكر الجزائري لم يتَّبع في « نصيحته » إلى كل شيعي المنهج الصحيح للبحث العلمي، إذ وصف كتاب الكافي بأنه عمدة الشيعة في إثبات مذهبهم، وأنه أهم كتاب يعتمدون عليه في إثبات المذهب، وأنه عمدة مذهب الشيعة، ومصدر تشيعهم.
وهـذا كـله لـم يثبت، بل الثابت خلافه، فإن كتاب الكافي وإن كان من أجَل الكتب المعتمدة عند الشيعة الإمامية في استنباط الأحكام الشرعية، إلا أن فيه أحاديث ضعيفة لا يجوز الاستناد إليها في فروع الدين فضلاً عن أصوله، كما لا يصح الاستناد إلى أحاديث الكافي وغيره - وإن كـانت صحيحة - في إثبات المذهب، أو إثبات شيء من أصوله وعقائده التي لا بد أن تكون معلومة بالقطع واليقين، اللهم إلا ما كان منها متواتراً قد عُلم صدوره من النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الطاهرين من أهل البيت عليهم السلام.
ثم إن علماء المذهب قدس الله أسرارهم قد أثبتوا صحة مذهب الإمامية وسلامة عقائده بالأدلة القطعية، العقلية منها والنقلية، واحتجوا على خصومهم بما صحَّ من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله مما رواه الخصوم في كتبهم المعتمدة، ولم يُلزِموا مخالفيهم بما رووه هم في كتبهم من الأحاديث التي لا يسلِّم بها غيرهم.
وهذا معلوم من حالهم، يعرفه كل من اطّلع على ما حرروه في كتبهم الكلامية، وما كتبوه في إثبات المذهب وإبطال مذاهب أهل الخلاف، فراجـع إن شئت كتاب « الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد » للشيخ محمد بـن الحسن الطوسي، وكتاب « كشف المراد » و « نهج المسترشدين » و « الباب الحادي عشر » و « نهج الحق وكشف الصدق » و « كشف اليقين » كلها للعلامة الحلّي، وكتاب « الغدير » للشيخ عبد الحسين الأميني، وكتاب « المراجعات » للسيد عبد الحسين شرف الدين... وغيرها من الكتب التي لا تحصى كثرة.
ولهذا كله لم يحاول الجزائري أن يُثْبت شيئاً مما ادّعاه، بالنقل عن جهابذة علماء الشيعة وأساطين المذهب الذين حرّروا هذه المسألة في مصنفاتهم المعروفة.
كما أنـه لـم يحاول أن يُثبت لقارئـه أيضـاً أن « حقائقه » التي ذكرها في كُتيّبه قد استخلصها من أحاديث صحيحة، وأن الشيعة يعتقدون بمفادها، ويعدُّونها من أُسس
تشيّعهم وأصول مذهبهم.
وهذا كله لو حاول إثباته فلن يتأتى له، لأن علماءنا الأبرار قد أثبتوا في مصنفاتهم أن كتـاب الكافي - كما تقـدم - فيه جملة وافرة من الأحاديث الضعيفة التي لا يجوز العمل بها، ولا يصح الاحتجاج بها في فروع الدين وأصوله، وصرَّحوا أنه لا يلزم الشيعي حتى يكون شيعياً أن يعتقد بتفاصيل التوحيد والنبوة والإمامة وغيرها، بل يجب عليه أن يعتقد بالأُسس العامة للمذهب كما أوضحناه مفصلاً.
ومـن الغـريب أن هذا الرجل قد اختار أحاديث ضعيفة زعم أن الشيعة تعتقد بمفادها، وزعم أنه توصَّل بها إلى حقائق ثابتة هي أصل مذهب التشيع، مع أن تلك الأحاديث - مضافاً إلى ضعف سندها - لا تدل على ما ادّعى أنها تدل عليه، فإنه حمَّلها ما لا تحتمل من الوجوه الضعيفة والمعاني الباطلة.
هذا مضافاً إلى أنه جاء ببعض الأحاديث التي حرَّفها بأبشع تحريف، ونسبها إلى الكافي كما سيتضح في كشف الحقيقة السابعة إن شاء الله تعالى. وهذا مما يؤسف له، ويدل على أن الرجل لم يكن مخلصاً في نصيحته، ولا صادقاً في دعوته، ولا أميناً في نقله، ولا ثقة في قوله، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون )
كشف
الحقيقة الأولى
قال الجزائري:
الحقيقة الأولى
استغناء آل البيت وشيعتهم عن القرآن الكريم بما عند آل البيت
من الكتب الإلهية الأولى التي هي التوراة والزبور والإنجيل
إن الذي يثبت هذه الحقيقة ويؤكدها، ويلزمك أيها الشيعي بها: هو ما جاء في كتاب الكافي من قول المؤلف: « باب أن الأئمة عليهم السلام عندهم جميع الكتب التي نزلت من الله عز وجل، وأنهم يعرفونها كلها على اختلاف ألسنتها » مستدلاً على ذلك بحديثين يرفعهما إلى أبي عبد الله، وأنه كان يقرأ الإنجيل والتوراة والزبور بالسريانية.
وأقول:
الحديث الأول: أخرجه الكليني رحمه الله بسنده عن هشام بن الحكم في حديث بُرَيه، أنه لما جاء معه إلى أبي عبد الله عليه السلام فلقي أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام، فحكى له هشام الحكاية، فلما فرغ قال أبو الحسن عليه السلام لبريه: يا بريه، كيف علمك بكتابك؟ قال: أنا به عالم. ثم قال: كيف ثقتك بتأويله؟ قال: ما أوثقني بعلمي فيه. قال: فابتدأ أبو الحسن عليه السلام يقرأ الإنجيل، فقال بريه: إيَّاك كنتُ أطلب منذ خمسين سنة أو مثلك. قال: فآمن بريه، وحسن إيمانه، وآمنت المرأة التي كانت معه.
فدخل هشام وبريه والمرأة على أبي عبد الله عليه السلام، فحكى له هشام الكلام الذي جرى بين أبي الحسن موسى عليه السلام وبين بريه، فقال أبو عبد الله عليه السلام:( ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ) . فقال بريه: أنَّى لكم التوراة والإنجيل وكتب الأنبياء؟ قال: هي عندنا وراثة من عندهم، نقرأها كما قرأوها، ونـقولها كمـا قـالوا، إن الله لا يجعل حـجَّة في
أرضه يُسأل عن شيء فيقول: لا أدري(١) .
سند الحديث
هذا الحديث ضعيف السند، لجهالة أحد رواته، وهو الحسن بن إبراهيم.
قال المولى محمد باقر المجلسي قدس سره: [ في سنده ] مجهول(٢) .
وقال المامقاني قدس سره في ترجمة الراوي المذكور: الحسن بن إبراهيم الكوفي، عـدَّه الشيخ في رجـاله مـن أصحاب الرضا عليهم السلام... وظاهره كونه إمامياً إلا أن حاله مجهول(٣) .
والحديث الثاني : رواه الكليني أيضاً عن مفضل بن عمر، قال: أتينا باب أبي عبد الله ونحن نريد الإذن عليه، فسمعناه يتكلم بكلام ليس بالعربية، فتوهمنا أنه بالسريانية، ثم بكى فبكينا لبكائه، ثم خـرج إلينا الغلام، فـأذن لنا فدخلنا عليه، فقلت: أصلحك الله، أتيناك نريد الإذن عليك، فسمعناك تتكلم بكلام ليس بالعربية، فتوهمنا أنه بالسريانية، ثم بكيت فبكينا لبكائك. فقال: نعم، ذكرتُ إلياس النبي، وكان من عبَّاد أنبياء بني إسرائيل، فقلت كما كان يقول في سجوده. ثم اندفع فيه بالسريانية، فلا والله ما رأينا قسًّاً ولا جاثليقاً أفصح لهجة منه به، ثم فسره لنا بالعربية، فقال: كان يقول في سجوده: أتراك معذِّبي وقد أظمأتُ لك هواجري؟ أتراك معذّبي وقد عفّرت لك في التراب وجهي؟ أتراك معذّبي وقد اجتنبتُ لك المعاصي؟ أتراك معذبي وقـد أسهرت لك ليلي؟. قال: فأوحى الله إليه أن ارفع رأسك، فإني غير معذبك، قال: فقال: إن قلتَ: « لا أعذِّبك » ثم عذَّبتَني ماذا؟ ألستُ عبدك، وأنت ربّي؟! قال: فأوحى الله إليه أن ارفع رأسك، فإني غير معذّبك، إني إذا وعدتُ وعداً وفيتُ به(٤) .
سند الحديث
هذا الحديث أيضاً ضعيف السند.
____________________
(١) أصول الكافي ١/٢٢٧. والحديث بطوله مذكور في مرآة العقول ٣/٢٥، وكتاب التوحيد، ص٢٧٠.
(٢) مرآة العقول ٣/٢٤.
(٣) تنقيح المقال ١/٢٦٥.
(٤) أصول الكافي ١/٢٢٧.
قال المولى المجلسي قدس سره: الحديث الثاني ضعيف(١) .
وحسبك أن من جملة رواته سهل بن زياد، وبكر بن صالح، ومحمد بن سنان.
أما سهل بن زياد فذهب المشهور إلى أنه ضعيف.
قال المامقاني قدس سره: إن علماء الرجال قد اختلفوا في الرجل على قولين:
أحدهما: أنه ضعيف، وهو خيرة النجاشي وابن الغضائري والشيخ في الفهرست، والعلاَّمة في الخلاصة وجملة من كتبه الفقهية كالمنتهى والمختلف وغيرهما، وابن داود في رجاله، والمحقق في الشرائع ومواضع من نكت النهاية والمعتبر، والآبي في محكي كشف الرموز، والسيوري في التنقيح، والشهيد الثاني والشيخ البهائي وصاحب المدارك والمولى الصالح المازندراني والمحقق الأردبيلي والسبزواري وغيرهم، بل هو المشهور بين الفقهاء وأصحاب الحديث وعلماء الرجال(٢) .
وقـال المحقق الخوئي قـدس سـره: وكيف كان فسهل بن زياد الآدمي ضعيف جزماً، أو لم تثبت وثاقته(٣) .
وأما بكر بن صالح فقد ضعَّفه النجاشي(٤) .
وقال ابن الغضائري: بكر بن صالح الرازي ضعيف جـداً، كثير التفـرد بالغرائب(٥) .
وضعَّفه العلاَّمة في الخلاصة بنحو ما قاله ابن الغضائري(٦) .
وذكره ابن داود في القسم الثاني وضعَّفه، ونقل كلام ابن الغضائري، كما ضعَّفه الشيخ البهائي في الوجيزة(٧) .
قال المامقاني قدس سره: ضعْف بكر بن صالح الضبي الرازي الراوي عن الكاظم
____________________
(١) مرآة العقول ٣/٢٨.
(٢) تنقيح المقال ٢/٧٥.
(٣) معجم رجال الحديث ٨/٣٤٠.
(٤) رجال النجاشي ١/٢٧٠.
(٥) تنقيح المقال ١/١٧٨.
(٦) رجال العلامة الحلي، ص٢٠٧.
(٧) تنقيح المقال ١/١٧٨.
عليه السلام مما لا ينبغي الريب فيه، واشتراك غيره معه مـن دون تمييز صحيح يُسقِط كـل رواية لبكر بن صالح - أيّ بكر كان - عن الاعتبار(١) .
وأما محمد بن سنان فالمشهور أيضاً أنه ضعيف.
قال المامقاني بعد أن ذكر أنه اختلف فيه على قولين: أحدهما: أنه ضعيف، وهو المشهور بين الفقهاء وعلماء الرجال.
ثم نقل تضعيفه عن الشيخ الطوسي في رجاله وفهرسته، والنجاشي وابن عقدة أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد وابن الغضائري والمفيد الذي قال فيه: محمد بن سنان وهو مطعون فيه، لا تختلف العصابة في تهمته وضعفه، ومن كان هذا سبيله لا يُعتمد عليه في الدين(٢) .
قال المامقاني: وممن ضعَّفه المحقق رحمه الله في مواضـع من المعتبر، والعلاّمة في موضع من المختلف، وكاشف الرموز والشهيد الثاني في باب المهور من المسالك، وصاحب المدارك، والمحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة، وصاحب الذخيرة، وهو المحكي عن المعتصم والمنتقى ومشرق الشمسين والحبل المتين وحاشية المولى صالح والتنقيح والفخري في مرتب مشيخة الصدوق والذكرى والروضة وغيرها(٣) .
قال السيد الخوئي قدس سره: تضعيف هؤلاء الأعلام يصدّنا عن الاعتماد عليه والعمل برواياته(٤) .
مناقشة الجزائري في دلالة الحديثين:
قال الجزائري: وقصد المؤلف من وراء هذا معروف، وهو أن آل البيت - وشيعتهم تبع لهم - يمكنهم الاستغناء عن القرآن الكريم بما يعلمون من كتب الأوّلين.
وهذه خطوة عظيمة في فصل الشيعة عن الإسلام والمسلمين، إذ ما من شك في أن من اعتقد الاستغناء عن القرآن الكريم بأي وجه من الوجوه فقد خرج من
____________________
(١) المصدر السابق ١/١٧٩.
(٢) المصدر السابق ٣/١٢٤.
(٣) المصدر السابق ٣/١٢٥.
(٤) معجم رجال الحديث ١٦/١٦٠.
الإسلام، وانسلخ من جماعة المسلمين.
ثم قال: إن اعتقاد امرئ الاستغناء عنه أو عن بعضه بأي حال من الأحوال، هو ردَّة عن الإسلام ومروق منه، لا يبقيان لصاحبها نسبة إلى الإسلام ولا إلى المسلمين.
أقول:
لو سلمنا بصحَّة الحديثين جدلاً فهما مع ذلك لا يدلان على شيء مما قاله.
أما الحديث الأول: فهو لا يدل على أن أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم قـد استغنوا بكتب الأوَّلِين عن القرآن الكريم، وإنما يدل بوضوح على أن أهل البيت عليهم السلام عندهم تلك الكتب غير محرَّفة ولا مبدَّلة، ورثوها من النبي صلى الله عليه وآله، وهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها كما عنْوَنَ الكليني رحمه الله الباب بذلك.
وظاهر الحديث أن أبا الحسن موسى عليه السلام قرأ على بُريه من الإنجيل ما يُلزمه ويأخذ بعنقه للدخول في الإسلام، بدليل أنه أسلم في الحال، ولعلَّه قرأ عليه من الإنجيل ما يدل على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله، فإن ذلك مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل كما أخبر سبحانه وتعالى في محكم كتابـه إذ قـال:( والذين هـم بآياتنا يؤمنون * الذين يتبعون الرسول الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم... ) (١) .
قال ابن كثير: هذه - يعني قوله تعالى( يأمرهم بالمعروف... ) الآية - صفة محمد صلى الله عليه وآله في كتب الأنبياء، بشَّروا أُممهم ببعثه، وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم، يعرفها علماؤهم وأحبارهم(٢) .
وقال: إن الأنبياء عليهم السلام لم تزل تنعته وتحكيه في كتبها على أممها، وتأمرهم باتّباعه ونصره ومؤازرته إذا بعث(٣) .
وقال البيهقي: إن الله تعالى أمَر عيسى عليه السلام فبشَّر به قومه، فعرفه بنو إسرائيل
____________________
(١) سورة الاعراف، الآتيان ١٥٦ - ١٥٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٢/٢٥١.
(٣) المصدر السابق ٤/٣٦٠.
قبل أن يُخلق(١) .
قلت: يدل على ذلك قوله تعالى( وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدِّقاً لما بين يدي من التوراة ومبشِّراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ) (٢) .
والاحتجاج بالتوراة والإنجيل على أهل تلك الملل جائز لا ضير فيه، فقد أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن عمر (رض) أن اليهود جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وآله برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقـال لهم: كيف تفعـلون بمن زنى منكم؟ قالوا: نُحمِّمُهما(٣) ونضربهما. فقال: لا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئاً. فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم، فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين. فوضع مِدْراسها الذي يُدَرِّسها منهم كفَّه على آية الرجم، فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم. فأمر بهما فرجما قريباً من حيث موضع الجنائز عند المسجد، فرأيت صاحبها يجنأ عليها(٤) ، يقيها الحجارة(٥) .
ولهذا أفتى مَن وقفنا على فتاواه من العلماء بجواز اقتناء التوراة والإنجيل، بل كتب الضلال كلها لنقضها أو للاحتجاج بها على من يعتقد بها.
وعليه، فلعل اقتناء أهل البيت عليهم السلام لهـذه الكتب كان لأجل هذه الغاية، فلا يستخرجون شيئاً منها إلا وقت الحاجة إليه، كما صنع الإمام عليه السلام مع بُريه.
وقد ورد ما يشهد لذلك في كتبهم، فقد قال الشيخ محمد بن علي الصبان: إن المهدي يستخرج تابوت السكينة من غار أنطاكية، وأسفار التوراة من جبل بالشام، يحاج بها اليهود، فيسلم كثير منهم(٦) .
ومما ينبغي بيانه ههنا أن الكتب السماوية التي في أيدي الناس لا ريب في كونها
____________________
(١) دلائل النبوة ١/٨١.
(٢) سورة الصف، الآية ٦.
(٣) أي نسكب عليهما الماء الحميم، وقيل: نجعل في وجوههما الحمة، أي السواد.
(٤) أي يحني ظهره عليها.
(٥) صحيح البخاري ٦/٤٦ كتاب التفسير، سورة آل عمران، ٩/٢٠٥ كتاب المحاربين من أهل الردة والكفر، باب الرجم في البلاط، وصفحة ٢١٤ باب أحكام أهل الذمة. وراجع صحيح مسلم ٣/١٣٢٦ كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا.
(٦) إسعاف الراغبين ص١٥٠، وأخرج السيوطي في كتابه « العرف الوردي في أخبار المهدي » المطبوع ضمن الحاوي للفتاوي ٢/٨١ نقلا عن أبي عمرو الداني في سننه، عن ابن شورب قال: إنما سمي المهدي لأنه يهدى إلى جبل من جبال الشام، يستخرج منه أسفار التوراة، يحاج بها اليهود فيسلم على يديه جماعة من اليهود.
من كتب الضلال، بسبب ما دخلها من التحريف، وأما ما عند أهل البيت عليهم السلام من كتب الأنبياء السابقين فهي وإن كانت منسوخة قد انتهى أمد العمل بها، إلا أنها لا تشتمل على ضلال، لأن الله سبحانه لا يقول إلا الحق، ولا يُنْزل إلى الناس باطلاً.
قال صاحب الجواهر أعلى الله مقامه: ليس من كتب الضلال كتب الأنبياء السابقين، ما لم يكن فيها تحريف، إذ النسخ لا يُصيُرها ضلالاً، ولذا كان بعضها عند أئمتنا عليهم السلام، وربما أخرجوها لبعض أصحابهم، بل ما كان منها مثل الزبور ونحوه من أحسن كتب الرشاد، لأنها ليست إلا مواعظ ونحوها على حسب ما رأينا، والله أعلم(٢) .
ولهذا قال الإمام عليه السلام في حديث الكافي الذي نحن بصدد الكلام فيه: « نقرؤها كما قرأوها، ونقولها كما قالوا »: أي أن ما نقـرؤه منها هو عين ما كان يقرؤه الأنبياء عليهم السلام من هذه الكتب، لا تحريف فيه ولا تغيير، وأن ما نقوله للناس في تفسيرها وتأويلها هو عين ما يقولونه عليهم السلام من التفسير والتأويل.
وبهذا يتضح مما تقدم أن أئمة أهل البيت عليهم السلام وإن كانت كتب الأنبياء السابقين عندهم، إلا أن ما يخصُّون شيعتهم به من العلوم الإلهية والمعارف الدينية هو مما أنزله الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله، فعلَّمه لباب مدينة العلم، الأُذُن الواعية لعلمه، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي أفاض علومه على مَن جاء بعده من أئمة العترة النبوية الطاهرة، ثم أفاض كل إمام ما عنده من العلوم على الإمام الذي يأتي من بعده.
وما أحسن قول الشاعر:
إذا شئتَ أن تبغــي لنفسـك مذهبــاً * وتعلـمَ أن النـاس في نقـل أخبــارِ
فدَعْ عنــك قــولَ الشافعـي ومالكٍ * وأحمـدَ والمروي عن كعـب أحبــارِ
ووالِ أنــاســاً قولُهـم وحديثـهـم * روى جـدُّنا عـن جبرئيلَ عن الباري
* * *
وأما الحديث الثاني: فهو لا يدل أيضاً على ما قاله، بل إن أقصى ما
____________________
(١) جواهر الكلام ٢٢/٦٠.
يدل عليه الحديث أن أبا عبد الله عليه السلام كان يدعو بدعاء النبي إلياس عليه السلام.
أما أن هذا الدعاء كان مذكوراً في أحد الكتب السماوية، أو مما رواه الصادق عليه السلام عن آبائه الطاهرين عن النبي صلى الله عليه وآله أو غير ذلك، فهذا لم يتضح من الحديث.
وعلى كل الاحتمالات فلا دلالة في ذلك على الاستغناء عن كتاب الله العزيز، فإن مجرد الدعاء بمثل ما دعا به أحد الأنبياء عليهم السلام لا يدل على الرغبة عما جاء به النبي صلى الله عليه وآله كما هو واضح.
ولو سلمنا أن ما دعا به أبو عبد الله عليه السلام كان قد أخذه من أحد الكتب السماوية، فإن التحديث عن تلك الكتب التي لم تصل إليها يد التحريف ولا سيما في الدعاء وما شابهه جائز، وهو أولى من التحديث عن اليهود والنصارى الذي جوّزه علماء أهل السنَّة.
فقد أخـرج البخاري والترمذي وأحمد بن حنبل - واللفظ لهم - وأبو داود وغيرهم عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وآله قال: بلّغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار(١) .
قال ابن حجر العسقلاني في شرح الحديث: أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم، لأنه كان قد تقدم منه صلى الله عليه وآله الزجر عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك. وكأن النهي قد وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدينية خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك، لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار.
وقال الشافعي: من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وآله لا يجيز التحدث بالكذب، فالمعنى حدِّثوا عن بني اسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوِّزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم(٢) .
وقال المناوي: « حدِّثوا عن بني إسرائيل » أي بلِّغوا عنهم قصصهم ومواعظهم
____________________
(١) صحيح البخاري ٤/٢٠٧ كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل. سنن أبي داود ٣/٣٢٢. مسند أحمد بن حنبل ٢/١٥٩، ٢٠٢، ٤٧٤، ٥٠٢، ٣/٤٦. سنن الدارمي ١/١٣٦. سنن الترمذي ٥/٤٠. صحيح سنن أبي داود ٢/٦٩٧. صحيح الجامع الصغير ٢/٦٠٠. الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٨/٥٠ - ٥١. الجامع الصغير ١/٥٧٠.
(٢) فتح الباري ٦/٣٨٨.
ونحو ذلك مما اتَّضح معناه، فإن في ذلك عبرة لأولي الأبصار، « ولا حرج » عليكم في التحديث عنهم ولو بغير سند، لتعذِّره بطول الأمد، فيكفي غلبة الظن بأنه عنهم، إنما الحرج فيما لم يتَّضح معناه(١) .
وقول الجزائري: وكيف تجوز قراءة تلك الكتب المنسوخة المحرَّفة والرسول صلى الله عليه وآله يرى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفي يده ورقة من التوراة فينتهره قائلاً: ألم آتيكم بها بيضاء نقية؟!
جوابه: أن ما عند أئمة أهل البيت عليهم السلام من كتب الأنبياء السابقين لم تصل إليها يد التحريف كما مر، وحينئذ يجوز التحديث عنها وإن كانت منسوخة، ولا سيما فيما يتعلق بالدعاء والمواعظ ونحوهما.
وأما نهر النبي صلى الله عليه وآله لعمر فلعله كان في بداية الدعوة، ثم رُفع المنع منه لما استقرت الأحكام كما تقدم في كلام ابن حجر.
أو لعل النبي صلى الله عليه وآله علم أن عمر أراد أن يأخذ بما حوَتْه تلـك الورقـة من عقـائد فاسدة وأحكام باطلة أو منسوخة لا يجوز العمل بها، لا مثل الدعاء والمواعظ التي لا بأس بالنظر فيها.
أو أن النبي صلى الله عليه وآله خشي أن يُعنى المسلمون بما يجدونه بأيدي أهل الكتاب من التوراة والإنجيل، فيأخـذون ما لا يصح، ويعملون بما لا يجوز، فنهى عمرَ عن ذلك سدًّا لهذا الباب الذي يأتي منه الفساد.
وقوله: إن اعتقاد امرئ الاستغناء عن القرآن أو عن بعضه بأي حال من الأحوال هو ردة عن الإسلام ومروق منه.
جوابه: أنه لا نزاع بيننا في أنه لا يجوز لمسلم أن يهجر كتاب الله العزيز أو يعتقد الاستغناء عنه بغيره، وإنما الكلام في أن الشيعة الإمامية هل يعتقدون جواز الاستغناء عن القرآن بالتوراة والإنجيل كما زعم الجزائري أم لا؟
والذي أقوله: إن عقيدة الشيعة الإمامية في كتاب الله العزيز أشهر من أن نتكلف بيانها، أو نتجشَّم إيضاحها، إلا أنا نذكر شيئاً مما قاله بعض علمائنا الأعلام في
____________________
(١) فيض القدير ٣/٣٧٧.
بيان عقيدة الإمامية في القرآن، قطعاً لشغب المشاغبين، وتشويش المشوِّشين، فنقول:
١- قال أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه المعروف بالصدوق (ت ٣٨١هـ): اعتقادنا في القرآن أنه كلام الله ووحيه وتنزيله وقوله وكتابه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم عليم، وأنه القصص الحق، وأنه لقول فصل وما هو بالهزل، وأن الله تبارك وتعالى محدِثه ومنزله وربّه وحافظه والمتكلم به(١) .
٢- وقال الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء قدس سره: يعتقد الشيعة الإمامية... أن الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه - يعني النبي صلى الله عليه وآله - للإعجاز والتحدّي ولتعليم الأحكام وتمييز الحلال من الحرام، وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة، وعلى هذا إجماعهم(٢) .
٣- وقال الشيخ محمد رضا المظفر قدس سره: نعتقد أن القرآن هو الوحي الإلهي المنزل من الله تعالى على لسان نبيه الأكرم، فيه تبيان لكل شيء، وهو معجزته الخالدة التي أعجزت البشر عن مجاراتها في البلاغة والفصاحة وفيما حوى من حقائق ومعارف عالية، لا يعتريه التبديل والتغيير والتحريف، وهذا الذي بين أيدينا نتلوه هو نفس القرآن المنزل على النبي، ومن ادّعى فيه غير ذلك فهو مخترق أو مغالط أو مشتبه، وكلهم على غير هدى، فإنه كلام الله الذي( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) (٣) .
ومن الغريب أن الجزائري قد اختار هذين الحديثين، وزعم أنهما يدلان على أن أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم قد استغنوا عن القرآن الكريم بالتوراة والإنجيل المحرَّفين، ليصل إلى النتيجة التي يريدها، وهي أن كل من اعتقد الاستغناء عن كتاب الله فهو كافر، والشيعة يعتقدون ذلك، فهم كفار مارقون من الدين، مرتدون عن الإسلام.
فأقدم على تكفير الشيعة بهذين الحديثين الضعيفين، اللذين حمَّلهما من المعاني ما لا يحتملانه، وأعرض عن الأحاديث الكثيرة الصحيحة التي أخرجها الكليني في « الكافي » في فضل القرآن، وفضل قراءته والعمل به.
____________________
(١) عقائد الصدوق، ص٣٠.
(٢) أصل الشيعة وأصولها، ص١٣٢.
(٣) عقائد الإمامية، ص٩٥.
ومن راجع كتاب الكافي يجد أن الكليني رحمه الله جعل للقرآن كتاباً كاملاً، أسماه « كتاب فضل القرآن »، وذكر فيه ١٢٤ حديثاً، رتَّبها في أبواب مختلفة، منها:
- باب فضل حامل القرآن.
- باب من يتعلم القرآن بمشقة.
- باب من حفظ القرآن ثم نسيه.
- باب في قراءته.
- باب البيوت التي يقرأ فيها القرآن.
- باب ثواب قراءة القرآن.
- باب قراءة القرآن في المصحف.
- باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن.
- باب فيمن يظهر الغشية عند قراءة القرآن.
- باب في كم يُقرأ القرآن ويُختم.
- باب في أن القرآن يُرفع كما أُنزل.
- باب فضل القرآن(١) .
فمما ورد في فضل العامل بالقرآن الحافظ له ما رواه الفضيل بن يسار في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: الحافظ للقرآن العامل به مع السفَرة الكرام البررة(٢) .
ومما ورد في الحث على قراءته ما رواه حريز في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: القرآن عهد الله إلى خلقه، فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده، وأن يقرأ منه في كل يوم خمسين آية(٣) .
ومما ورد في ثواب قراءته ما رواه الفضيل بن يسار في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ما يمنع التاجر منكم المشغول في سوقه إذا رجع إلى منزله أن لا ينام حتى يقرأ سورة من القرآن، فتُكتب له مكان كل آية يقرؤها عشر حسنات، ويمحى عنه عشر سيئات(٤) .
هذا مع أن الكليني رحمه الله قد روى في « الكافي » في باب الرد إلى الكتاب والسنة
____________________
(١) راجع الجزء الثاني من أصول الكافي من ص٥٩٦ إلى ص٦٣٤.
(٢) أصول الكافي ٢/٦٠٣.
(٣) المصدر السابق ٢/٦٠٩.
(٤) المصدر السابق ٢/٦١١.
ما يدل على أنه ليس شيء من الحلال والحرام وما يحتاج إليه الناس إلا وقد جاء في كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وآله.
ومن ذلك صحيحة حمَّاد عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: ما من شيء إلا وفيه كتاب أو سنة(١) .
وفي موثَّقة سماعة، عن أبي الحسن موسى عليه السلام، قال: أّكُلُّ شيء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله؟ أو تقولون فيه؟ قـال: بل كل شيء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله(٢) .
وروى رحمه الله أيضاً في باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب ما يدل على لزوم الأخذ بما وافق الكتاب من الأحاديث المروية، وطرح ما خالفه.
ومن ذلك صحيحة أيوب بن الحر، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كـل شيء مـردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف(٣) .
وخبر هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: خطب النبي صلى الله عليه وآله بمنى، فقال: أيها الناس، ما جاءكم عني يوافـق كتـاب الله فـأنا قلـته، وما جـاءكم يخـالف كتاب الله فلم أقله(٤) .
وهذا كله يدل على أن مَن يعتقد ذلك في كتاب الله العزيز لا يتّجه منه اعتقاد الاستغناء عن القرآن الكريم بغيره من كتب الأنبياء السابقين عليهم السلام وإن كانت غير محرفة.
والحاصل أن تمسُّك العترة النبوية الطاهرة وشيعتهم بكتاب الله المجيد واحتجاجهم به وتعويلهم عليه مما لا يخفى على أحد، وإنكار ذلك مكابرة ظاهرة وسفسطة واضحة.
____________________
(١) المصدر السابق ١/٥٩.
(٢) المصدر السابق ١/٦٢.
(٣) المصدر السابق ١/٦٩.
(٤) المصدر السابق ١/٦٩.
كشف
الحقيقة الثانية
قال الجزائري:
الحقيقة الثانية
اعتقاد أن القرآن الكريم لم يجمعه ولم يحفظه أحد من أصحاب
النبي صلى الله عليه وآله إلا علي والأئمة من آل البيت
هذا الاعتقاد أثبتَه صاحب كتاب « الكافي » جازماً به مستدلاً عليه بقوله: عن جابر قال: سمعتُ أبا جعفر عليه السلام يقول: ما ادّعى أحد من الناس أنه جَمَع القرآن كله إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نُزِّل إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده.
وأقول:
أخرج الكليني رحمه الله طائفة من الأحاديث في باب « أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة عليهم السلام، وأنهم يعلمون علمه كله »(١) ، ومنها الحديث الذي ذكره الجزائري في حقيقته هذه، وفي سنده عمرو بن أبي المقدام، وهو مختلف في وثاقته.
قال المولى المجلسي قدس سره: الحديث الأول [ في سنده ] مختلف فيه(٢) .
والذي يظهر من كلمات الأعلام أن الأكثر ذهب إلى تضعيفه(٣) .
وكيف كان فالرجل لم تثبت وثاقته بدليل معتمد، ولا سيما مع اضطراب كلام العلماء فيه، فإن ابن الغضائري وثَّقه في أحد قوليه، وضعَّفه في قوله الآخر، وذكره العلاّمة قدس سـره مرة في القسم الأول من خلاصته في الثقات، وذكره مرة ثانية في القسم
____________________
(١) أصول الكافي ١/٢٢٨.
(٢) مرآة العقول ٣/٣٠.
(٣) راجع تنقيح المقال ٢/٣٢٤، رجال العلامة، ص٢٤١.
الثاني منها في الضعفاء(١) ، وكذلك صنع ابن داود في رجاله(٢) . وعليه فالرجل لا يُعتمد حديثه لجهالته.
وأما الحديث الثاني فقد رواه الكليني عن محمد بن الحسين، عن محمد بن الحسن، عن محمد بـن سنان، عن عمار بن مروان، عن المنخَّل، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ما يستطيع أحد أن يدّعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأصياء.
وهذا الحديث ضعيف السند أيضاً، وحسبك أن من جملة رواته محمد بن سنان والمنخَّل.
أما محمد بن سنان فقد مرَّ بيان حاله، وأما المنخَّل فهو المنخل بن جميل الأسدي، وهو ضعيف جداً.
قال فيه النجاشي: ضعيف فاسد الرواية(٣) .
وقال ابن الغضائري: ضعيف، في مذهبه غلو(٤) .
وقال العلاّمة: كان كوفياً ضعيفاً، وفي مذهبه غلو وارتفاع. قال محمد بن مسعود: سألت علي بن الحسين عن المنخل بن جميل، فقال: هو لا شيء، متَّهم(٥) .
وقال المامقاني: كأن الكل متفقون على ضعفه(٦) .
وأما باقي أحاديث الباب فكلها تدل على أن الأئمة عليهم السلام عندهم علم الكتاب كله.
ومنها : رواية سلمة بن محرز، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن مِن علْم ما أُوتينا تفسير القرآن وأحكامه، وعلم تغيير الزمان وحدثانه... ثم قال: ولو وجدنا أوعية أو مستراحاً لقلنا(٧) ، والله المستعان.
____________________
(١) رجال العلامة، ص١٢٠، ٢٤١.
(٢) راجع تنقيح المقال ٢/٣٢٤.
(٣) رجال النجاشي ٢/٣٧٢.
(٤) راجع تنقيح المقال ٣/٢٤٧.
(٥) رجال العلامة، ص٢٦١.
(٦) تنقيح المقال ٣/٢٤٧.
(٧) قال المجلسي في مرآة العقول ٣/٣٢ - ٣٣: « الأوعية » جمع وعاء... أي قلوباً كاتمة للأسرار حافظة لها، =
ومنها: رواية عبد الأعلى مولى آل سام، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: والله إني لأعلم كتاب الله من أوله إلى آخره كأنه في كفّي، فيه خبر السماء وخبر الأرض، وخبر ما كان وخبر ما هو كائن، قال الله عز وجل( فيه تبيان كل شيء ) .
ومنها : رواية عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: وعندنا والله علم الكتاب كله.
ومنها: حسنة أو صحيحة بريد بن معاوية، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام:( قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) (١) قال: إيانا عنى، وعليٌّ أوَّلنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي صلى الله عليه وآله.
ومعرفة الأئمة عليهم السلام بعلم الكتاب لا كلام لنا فيه الآن، فإن الجزائري لم يذكره، فلنكتفِ بمناقشته فيما عَنْوَن به حقيقته، ومناقشته في دلالة الحديثين الأولين اللذين استخلص منهما حقيقته هذه، فنقول:
مناقشة الجزائري في دلالة الحديثين
قال: إن اعتقاداً كهذا - وهو عدم وجود مَن جمع القرآن وحفظه من المسلمين إلا الأئمة من آل البيت - اعتقاد فاسد وباطل، القصد منه عند واضعه هو تكفير المسلمين من غير آل البيت وشيعتهم، وكفى بذلك فساداً وباطلاً [ كذا ] وشراً.
أقول:
ليس المراد بجمع القرآن وحفظه من الحديثين هو جمع سوره وآياته في مصحف كما ظن الجزائري، بل المراد بجمعه أحد معنيين:
المعنى الاول : هو العلم بتفسيره ومعرفة ما فيه من أحكام ومعارف.
ويدل على ذلك قوله عليه السلام في الحديث الثاني: « ما يستطيع أحد أن يدّعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء »، فإنه ظاهر فيما قلناه، وإلا لو كان
____________________
= « أو مستراحاً » أي من لم يكن قابلاً لفهم الأسرار وحفظها كما ينبغي، لكن لا يفشيها ولا يذيعها، ولا يترتب ضرر على اطلاعه عليها فتستريح النفس بذلك.
(١) سورة الرعد: ٤٣.
المراد بجمع القرآن في الحديث جمع ألفاظه في مصحف لكان أكثر هذه الأمّة يدّعون أن عندهم جميع القرآن كلّه. أما ادّعاء العلم بالقرآن وفهم آياته ومعانيه الظاهرة والباطنة كما أنزلها الله سبحانه فهذا لم يقع من أحد من هذه الأمة إلا من أهل بيت النبوة عليهم السلام.
وقوله: « ظاهره وباطنه » يرشد إلى ذلك، فإن ظاهر القرآن وباطنه مرتبطان بمعانيه لا بألفاظه(١) ، وجمع الظاهر والباطن يعني الإحاطة بمعاني آيات الكتاب العزيز كلها، أو أن الظاهر هو لفظه، والباطن معناه، فيكون المعنى أنه لا يستطيع أحد أن يدَّعي أن عنده علماً بألفاظ القرآن ومعانيه كاملة إلا الأوصياء عليهم السلام.
ولو كان المراد بجمع القرآن جمع ألفاظه كاملة في مصحف لما صحَّ لنا أن نقول: « إن غير علي عليه السلام من أئمة أهل البيت عليهم السلام قد جَمَعه »، لأنه إذا كان علي علي السلام قد جمعه قبلهم، فكيف يتأتى لهم أن يجمعوا ما كان مجموعاً؟!
هذا مضافاً إلى أن الظاهر من أحاديث الباب أنها جاءت تؤكد حقيقة واحدة، هي أن أئمة أهل البيت عليهم السلام علموا تفسير القرآن وفهموا معانيه كلها، وعرفوا أحكامه كما أرادها الله سبحانه، وأن أحداً من هذه الأمة لا يستطيع أن يدّعي أنه يعلم ذلك إلا هُم. وأما مسألة جمع القرآن بالمعنى الذي ذكره الجزائري فلم يكن مراداً بالحديثين الأولين، ولم تحـمْ حوله باقي الأحـاديث الأُخـر المذكورة في هذا الباب.
المعنى الثاني: أن المراد بجمع القرآن كما أُنزل هو جمعه في مصحف رُتِّب فيه المنسوخ قبل الناسخ، والمكّي قبل المدني، والسابق نزولاً قبل اللاحق، وهكذا.
وجمع القرآن بهذا النحو لم يتأتَّ لأحد من هذه الأمّة إلا لعليٍّ بن أبي طالب علي السلام.
فقد أخرج ابن سعد وابن أبي داود وغيرهما عن محمد بن سيرين، قال: لمَّا توفي النبي صلى الله عليه وآله أبطأ عـلي عن بيعة أبي بكر، فلقيه أبو بكر فقال: أكرهت إمارتي؟ فقال: لا، ولكن آليت أن لا أرتدي بردائي إلا إلى الصلاة حتى أجمع القرآن. فزعموا أنه كتبه على تنزيله. فقال محمد: لو أصيب ذلك الكتاب كان فيه العلم(٢) .
____________________
(١) الظاهر: ما ظهر معناه، والباطن: ما خفي تأويله.
(٢) الطبقات الكبرى ٢/٢٣٨، المصاحف ص١٦، وراجع تاريخ الخلفاء، ص١٧٣، الإتقان في علوم القرآن ١/١٢٧، كنز العمال ٢/٥٥٨، حلية الأولياء ١/٦٧، الفهرست لابن النديم، ص٤١.
وقال السيوطي: وأخرجه ابن أشته في المصاحف من وجه آخر عن ابن سيرين، وفيه أنه - يعني عليًّا عليه السلام - كتَب في مصحفه الناسخ والمنسوخ، وأن ابن سيرين قال: تطلَّبتُ ذلك الكتاب، وكتبتُ فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه(١) .
* * *
وقول الجزائري: « والقصد منه عند واضعه هو تكفير المسلمين من غير آل البيت وشيعتهم ».
يردّه أن القول بأن أهل البيت عليهم السلام جمعوا القرآن كله ظاهره وباطنه - أي علموا تفسيره وفهموا معانيه وأحكامه كما أرادها الله سبحانه، وأن غيرهم ليس كذلك - لا يلزم منه تكفير أحد من أهل القبلة، بل إن ذلك من تمام نعم الله على هذه الأمة أن جعل فيهم أئمة يهدون إلى الحق وبه يعدلون.
بل حتى لو قلنا: إن المراد بجمع القرآن هنا هو جمع ألفاظه كما ظن الجزائري، فإن ذلك لا يستلزم تكفير أحد من المسلمين الذين تلقَّوا القرآن من غيرهم ناقصاً قد سقطت بعض آياته أو كلماته، لأنه يحتمل أن يكون الناقص مما لا يجب الاعتقاد به، ولا يضر جهله بجاهله، إذ ليس كل ما في القرآن يجب على كافة المسلمين أن يعرفوه ويعتقدوا به، وإلا كان واجباً على كل مسلم أن يكون جامعاً لعلوم القرآن وأحكامه، وعارفاً بمعانيه، ومعتقداً بمضامينه، وهذا لا يقول به أحد.
* * *
ثم إن الجزائري قد ذكر ما يستلزمه اعتقاد أن أهل البيت عليهم السلام هم الذين جمعوا ألفاظ القرآن كله دون غيرهم، وحيث إنَّا قد أوضحنا أن ما فهمه من معنى جمع القرآن غير صحيح، فإن اللوازم التي ذكرها لا نحتاج إلى تكلّف ردّها، إلا أنا سنذكرها مع ذلك لبيان فسادها في نفسها، فنقول:
قال: [ يلزم من ذلك ] تكذيب كل من ادّعى حفظ كتاب الله وجمعه في صدره أو
____________________
(١) الإتقان في علوم القرآن ١/١٢٧.
في مصحفه كعثمان وأُبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وغيرهم من مئات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله.
والجواب:
لقد نص الحديث على كذب كل من ادَّعى العلم بأحكام القرآن وفهم معانيه الظاهرة والباطنة كما أرادها الله تعالى من غير أئمة أهل البيت عليهم السلام.
أما تكذيب من ادّعى حفظه عن ظهر قلب أو في مصحف فغير مراد بالحديث كما أوضحنا، بل إن حفظه بهذا المعنى لا يتَّجه إنكاره البتة، بسبب وقوعه من كثير من الناس حتى الصِّبْية الذين لم يبلغوا الحلم.
اللهم إلا إذا قلنا: إن مَن جمعه في مصحف أو حفظه لم يجمعه كما أُنـزل، أي مـرتباً على حسب النزول، بأنْ جَمَع المنسوخ منه قبل الناسخ، والمكي قبل المدني، والسابق نزولاً قبل اللاحق، فحينئذ يصح لنا أن نكذّب كل مَن ادّعى جمعه أو حفظه بهذا النحو.
ومن الواضح أن معرفة تفسير القرآن وفهم معانيه كما أرادها الله سبحانه لم تُدّعَ لأحد من علماء الصحابة وغيرهم إلا لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
فقد أخرج أبو نعيم الأصفهاني وابن عساكر وغيرهما عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: إن القرآن أُنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلا له ظهر وبطن، وإن علي بن أبي طالب عنده علم الظاهر والباطن(١) .
وكان أمير المؤمنين عليه السلام يخبر بذلك مراراً، كما أخرج ابن سعد وأبو نعيم وغيرهما عن علي عليه السلام أنه قال: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت، إن ربي وهب لي قلباً عقولاً، ولساناً صادقاً ناطقاً(٢) .
وأخرج ابن سعد وغيره عن علي عليه السلام، قال: سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل(٣) .
____________________
(١) حلية الأولياء ١/٦٥، ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق ٣/٣٢.
(٢) حلية الأولياء ١/٦٨، الطبقات الكبرى ٢/٣٣٨.
(٣) الطبقات الكبرى ٢/٣٣٨.
قال الجزائري: [ ويلزم ] ضلال عامة المسلمين ما عدا شيعة آل البيت، وذلك أن من عمل ببعض القرآن دون البعض لا شك في كفره وضلاله، إذ من المحتمل أن يكون بعض القرآن الذي لم يحصل عليه المسلمون مشتملاً على العقائد والعبادات والآداب والأحكام.
وأقول:
لقد أوضحنا المراد بالحديث، ومعنى الحديث لا يستلزم ما ذكره من ضلال أو كفر عامة المسلمين، بل حتى لو كان معنى الحديث ما زعمه هو فلا يجوز تكفير أحد من أهل القبلة تلقّى القرآن ناقصاً كما مرَّ آنفاً.
وقوله: « إن من عمل ببعض القرآن دون البعض لا شك في كفره وضلاله » غير صحيح، لأن مَن تلقى القرآن ناقصاً وعمل بما عنده من كتاب الله لا يجوز تكفيره ما لم ينكر شيئاً عُلِم بالضرورة أنه من الدين.
وقوله: « لأنه لم يعبد الله تعالى بكل ما شرع » غير صحيح، لأن ما يُفترض أنه سقط من القرآن يُحتمل أن لا يكون من الواجبات العبادية، وعلى فرض كونه منها فقد يكون موضَّحاً في السنّة النبوية الشريفة، ثم إن مَن لم يأتِ ببعض التكاليف لعذر كالجهل ونحوه لا يوصف بالكفر أو الضلال.
وقال: إذ من المحتمل أن يكون بعض القرآن الذي لم يحصل عليه المسلمون مشتملاً على العقائد والعبادات والآداب والأحكام.
وجوابه: أن احتمال ذلك لا يرفع احتمال عدمه، فلعل ما يُفترض أنه ساقط من القرآن هو من الآداب والسُنن، لا من الأصول التي يجب اعتقادها.
ولو سلّمنا بأن ما يفترض سقوطه من كتاب الله هو من العقائد التي يجب اعتقادها، فلا يلزم من ذلك الحكم بكفر أحد، إذ يُحتمَل أن تلك المعتقدات كانت موضّحة أيضاً في سنة النبي صلى الله عليه وآله المتواترة التي أخذ بها المسلمون وحفظوها.
* * *
قال: هذا الاعتقاد لازمه تكذيب الله في قوله( إنا نحن نزَّلنا الذكر وإنَّا له
لحافظون ) وتكذيب الله تعالى كفر، وأي كفر.
وأقول:
إن الاعتقاد بأن الله سبحانه قد اختص أهل البيت عليهم السلام بفهم معاني القرآن الظاهرة والباطنة، ومعرفة أحكامه كلها، لا يستلزم تكذيباً لله تعالى ولا لنبيه صلى الله عليه وآله كما هو واضح.
بل حتى لو قلنا: إن القرآن الكريم لم يجمعه أحد من هذه الأمة كما أُنزل إلا أئمة أهل البيت عليهم السلام، فإن هذا القول لا ينافي الآية المباركة، لأن المحصَّل حينئذ أن الله سبحانه حفظ الذِّكْر بأئمة الحق عليهم السلام.
وإذا كان هذا الحديث الضعيف المروي في كتاب « الكافي » الدال على أن أهل البيت عليهم السلام جمعوا القرآن بالمعنى الذي بيَّنَّاه، يستلزم تكذيب قول الله تعالى( إنا نحن نزَّلنا الذكر وإنَّا له لحافظون ) ، فما بالك بالأحاديث الكثيرة التي رواها أهل السنة وصحَّحوها، التي تدل على سقوط كلمات بل آيات بل سوَر من القرآن الكريم؟!
ألا يدل ذلك على تكذيب الله عز وجل في حفظ كتابه العزيز، ولا سيّما أن أهل السنة لا يرون أن أحداً من هذه الأمة عنده قرآن غير هذا القرآن الذي هو في أيدي الناس.
وإذا أردت قارئي العزيز أن تطّلع على بعض تلك الأحاديث فإنّا نسوق لك شيئاً منها، ونقسِّم ما نورده لك إلى طوائف:
الطائفة الأولى: تدل على ذهاب سُوَر من كتاب الله.
ومن ذلك ما أخرجه مسلم وغيره عن أبي الأسود، قال: بعث أبو موسى الأشعري إلى قرَّاء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقرَّاؤهم، فاتلوه ولا يطولَنَّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنّا كنا نقرأ سورة، كنا نشبِّهها في الطول والشدة ببراءة، فأُنسيتها غير أني حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. وكنا نقرأ سورة كنا نشبّهها بإحدى المسبِّحات(١)
____________________
(١) هي السور التي افتتحت بسبحان وسبَّح ويسبِّح وسبِّح.
فأُنسيتها، غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لمَ تقـولون مـا لا تفعلون، فتُكتب شهادةً في أعناقكم فتُسألون عنها يوم القيامة(١) .
الطائفة الثانية: تدل على نقصان سورة براءة والأحزاب.
ومن ذلك ما أخرجه الحاكم والهيثمي وغيرهما عن حذيفة رضي الله عنه، قال: ما تقرأون ربعها، وإنكم تسمُّونها سورة التوبة، وهي سورة العذاب(٢) .
وأخرج الحاكم وصحَّحه وأحمد - واللفظ له - والسيوطي والبيهقي والطيالسي وغيرهم، عن زر بن حبيش قال: قال لي أُبَي بن كعب: كائن تقرأ سورة الأحزاب؟ أو كائن تعدُّها؟ قال: قلت: ثلاثاً وسبعين آية. فقال: قط؟ لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عليم حكيم(٣) .
وفي لفظ آخر له: قال: كم تقرأون سورة الأحزاب؟ قال: بضعاً وسبعين آية. قال: لقد قرأتُها مع رسول الله صلى الله عليه وآله مثل البقرة أو أكثر، وإن فيها آية الرجم(٤) .
الطائفة الثالث: تدل على ذهاب آيات من القرآن، منها:
١ - آية الرجْم: أخرج البخاري ومسلم - واللفظ له - والترمذي وأبو داود وابن ماجة ومالك وأحمد والحاكم والبيهقي والهيثمي وغيرهم، عن عبد الله بن عباس، قال عمر بن الخطاب وهو جالس على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله قد بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجْم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجَم رسول الله ورجَمْنا بعـده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: « ما نجد الرجم في كتاب الله » فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله...(٥)
____________________
(١) صحيح مسلم ٢/٧٢٦ كتاب الزكوة، باب (٣٩) لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثاً.
(٢) المستدرك ٢/٣٣١. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. مجمع الزوائد ٧/٢٨. وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات. الدر المنثور ٤/١٢٠.
(٣) المستدرك ٤/٣٥٩ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. مسند أحمد ٥/١٣٢. السنن الكبرى ٨/٢١١. كنز العمال ٢/٤٨٠. مسند أبي داود الطيالسي، ص٧٣. الدر المنثور ٦/٥٥٨ عن عبدالرزاق في المصنف والطيالسي وسعيد بن منصور وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن منيع والنسائي وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف والدار قطني في الأفراد والحاكم وابن مردويه والضياء في المختارة.
(٤) مسند أحمد ٥/١٣٢.
(٥) صحيح البخاري ٨/٢٠٨ - ٢٠٩ كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب رجم الحبلى من الزنا =
وفي رواية أبي داود، قال: وأيم الله لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله عز وجل لكتبتُها(١) .
وفي رواية الموطأ، قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، يقول قـائل: « لا نجد حدَّين في كتاب الله »، فقد رجم رسول الله صلى الله عليه وآله ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا يقول الناس: « زاد عمر في كتاب الله » لكتبتها: « الشيخ والشيخة فارجموهما البتة » فإنا قد قرأناها(٢) .
وأخرج الحاكم عن أبي أمامة أن خالته أخبرته، قالت: لقد أقرأنا رسول الله صلى الله عليه وآله آية الرجم: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة(٣) .
٢ - آية ثانية: ورد ذكرها في حديث طويل أخرجه البخاري عن ابن عباس، أن عمر قال: ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: « أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم »(٤) .
٣ - آية ثالثة: تقدم ذكرها في الطائفة الأولى، وهي قوله: « لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ».
وأخرج أحمد وغيره عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى عمر رحمه الله يسأله، فجعل عمر ينظر إلى رأسه مرة وإلى رجليه أخرى، هل يرى عليه من البؤس، ثم قال له عمر: كم مالك؟ قال: أربعون من الإبل. قال ابن عباس: قلت: صدق الله ورسوله: لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تـاب. فقال عمر: مـا هذا؟ قلت: هكذا أقرأنيها أُبيّ. قال: فمُرْ بنا إليه. قال: فجاء إلى أُبي، فقال: ما يقول هذا؟ قال أُبي: هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: أفأثبتُها في المصحف؟ قال: نعم(٥) .
____________________
= إذا أحصنت. صحيح مسلم ٣/١٣١٧ كتاب الحدود، باب رجم الثيب في الزنا. سنن الترمذي ٤/٣٨ - ٣٩. سنن أبي داود ٤/١٤٤ - ١٤٥. سنن ابن ماجة ٢/٣٥٩. الموطأ، ص٤٥٨ حديث ١٥٠١، المستدرك ٤/٣٥٩ وصححه ووافقه الذهبي. السنن الكبرى ٨/٢١٢ - ٢١٣. مجمع الزوائد ٦/٥ - ٦.
(١) سنن أبي داود ٤/١٤٤ - ١٤٥ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣/٨٣٥ وإرواء الغليل ٨/٣. قال الزركشي في « البرهان في علوم القرآن » ٢/٣٦: ظاهر قوله: « لولا أن يقول الناس... الخ » أن كتابتها جائزة لزم أن تكون ثابتة، لأن هذا شأن المكتوب.
(٢) الموطأ، ص٤٥٨.
(٣) المستدرك ٤/٣٥٩ وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة. ووافقه الذهبي.
(٤) صحيح البخاري ٨/٢١٠ كتاب المحاربين أهل من الكفر والردة، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
(٥) عن مجمع الزوائد ٧/١٤١ وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
وأخرج الترمذي - واللفظ له - وأحمد والطيالسي والحاكم والسيوطي والهيثمي وغيرهم عن أُبي بن كعب، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: إن الله أمرني أن أقرأ عليك. فقرأ عليه:( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ) ، فقرأ فيها: إن ذات الدين عند الله الحنيفية المسلمة، لا اليهودية ولا النصرانية، مَن يعمل خيراً فلن يكفره. وقرأ عليه: ولو أن لابن آدم وادياً من مال لابتغى إليه ثـانياً، ولو كـان له ثانياً لابتغى إليه ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب(١) .
الطائفة الرابعة: تدل على سقوط كلمات من بعض آيات القرآن أو زيادتها.
ومن ذلك ما أخرجه البخاري أن أبا الدرداء سأل علقمة (راوي الحديث)، قال: كيف كان عبد الله(٢) يقرأ( والليل إذا يغشى * والنـهار إذا تجلى ) (٣) . قلت:( والذكر والأنثى ) . قال: ما زال بي هؤلاء حتى كادوا يستزلوني عن شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله(٤) .
وفي رواية أخرى: فقرأت( والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * والذكر والأنثى ) . قال: أقرأنيها النبي صلى الله عليه وآله فاه إلى فيَّ، فما زال هؤلاء حتى كادوا يَردُّوني(٥) .
ومنه ما أخرجه الحاكم وغيره عن علي رضي الله عنه، أنه قرأ: والعصر ونوائب الدهر إن الإنسان لفي خسر(٦) .
وأخرج مسلم وغيره عن أبي يونس مولى عائشة، أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً، وقالت: إذا بلغتَ هذه الآية فآذنِّي:( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) (٧) . فلما بلغتُها آذنتُها، فأملَتْ عليَّ: حافظوا على الصلوات
____________________
(١) سنن الترمذي ٥/٦٦٥، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. مسند أحمد ٥/١٣٢. مسند أبي داود الطيالسي، ص٧٣. المستدرك ٢/٢٢٤، ٥٣١، وقال الحاكم في الموضعين: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. مجمع الزوائد ٧/١٤٠. الدر المنثور ٨/٥٨٦ - ٥٨٨. تفسير القرآن العظيم ٤/٥٣٦.
(٢) يعني ابن مسعود.
(٣) سورة الليل: ١، ٢.
(٤) صحيح البخاري ٥/٣١ كتاب فضائل أصحاب النبي (ص)، باب مناقب عمار وحذيفة رضي الله عنهما.
(٥) المصدر السابق ٥/٣٥ كتاب فضائل أصحاب النبي (ص)، باب مناقب عبدالله بن مسعود رضي الله عنه.
(٦) المستدرك ٢/٥٣٤ وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. الدر المنثور ٨/٦٢١. تفسير الطبري ٣٠/١٨٧ وزاد: وإنه فيه: إلى آخر الدهر.
(٧) سورة البقرة: ٢٣٨.
والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين. قالت عائشة: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وآله(١) .
الطائفة الخامسة : تدل على أن المعوذتين ليستا من القرآن.
ومن ذلك ما أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند، عن عبد الرحمن بن يزيد، قـال: كان عبد الله - يعني ابن مسعود - يَحُكّ المعوذتين من مصاحفه ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله(٢) .
قال السيوطي: أخرج أحمد والبزار والطبراني وابن مردويه من طُرق صحيحة عن ابن عباس وابن مسعود أنه كان يَحُك المعوذتين من المصحف ويقول: لا تخلطوا القرآن بما ليس منه، إنهما ليستا من كتاب الله، إنما أُمر النبي صلى الله عليه وآله أن يتعوذ بهما، وكان ابن مسعود لا يقرأ بهما(٣) .
هذا مع أنهم رووا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: مَن أحبّ أن يقرأ القرآن غضاً كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد(٤) - يعني ابن مسعود.
ورووا عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يعرض القرآن على جبريل عليه السلام كل عام مرة، فلما العام الذي قبض فيه عرضه عليه مرتين، وكان آخر القراءة قراءة عبد الله(٥) .
ورووا عن مسروق أنه قال: ذُكر عبد الله بن مسعود عند عبد الله بن عمرو فقال: ذلك رجل لا أزال أُحبه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود - فبدأ به - وسالم مولى أبي حذيفة ومعاد بن جبل وأُبي بن كعب(٦) .
____________________
(١) صحيح مسلم ١/٤٣٧ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب رقم ٣٦. سنن الترمذي ٥/٢١٧. سنن النسائي ١/٢٣٦. سنن أبي داود ١/١١٢.
(٢) مسند أحمد بن حنبل ٥/ ١٢٩ - ١٣٠. وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/١٤٩ وقال: رواه عبدالله بن أحمد والطبراني، ورجال عبدالله رجال صحيح، ورجال الطبراني ثقات.
(٣) الدر المنثور ٨/٦٨٣. وراجع مجمع الزوائد ٧/١٤٩. قال الهيثمي: رواه البزار والطبراني ورجالهما ثقات.
(٤) سنن ابن ماجة ١/٤٩. مسند أحمد ١/٧، ٢٦، ٣٨، ٤٤٥، ٤٥٤. المستدرك ٣/٢٢٧، ٣١٨ وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. مجمع الزوائد ٩/٢٨٧ أخرجه بطرق رجاله بعضها ثقات. وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ١/٢٩ وسلسلة الأحاديث الصحيحة ٥/٣٧٩.
(٥) مجمع الزوائد ٩/٢٨٨ قال الهيثمي: رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح.
(٦) صحيح البخاري ٥/٤٥ باب مناقب أبي بن كعب، ص٣٤ باب مناقب بن مسعود. صحيح مسلم ٤/١٩١٣ كتاب فضائل الصحابة، باب ٢٢. سنن الترمذي ٥/٦٧٤. المستدرك ٣/٢٢٥، ٥٢٧.
قال الفخر الرازي: إن قلنا إن كونهما من القرآن كان متواتراً في عصر ابن مسعود لزم تكفير من أنكرهما، وإن قلنا إن كونهما من القـرآن كان لم يتواتر في عصر ابن مسعود لزم أن بعض القرآن لم يتواتر.
قال: وهذا عقدة عصبة(١) .
هذا غيض من فيض، ولو شئنا أن نذكر كل ما وقفنا عليه من هذه الأحاديث لطال بنا المقام، وخرجنا عن موضوع الكتاب.
وهنا نسأل الجزائري: ألا تدل هذه الأحاديث الصحيحة على تكذيب قول الله تعالى( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ؟
فإن أجاب: بأن هذه الأحاديث وأمثالها تدل على أن من آيات القرآن الكريم ما نُسخت تلاوته، بمعنى أن آية الرجم وغيرها كانت مما أُنزل من القرآن على النبي صلى الله عليه وآله، إلا أنها نُسخت، فأمر النبي صلى الله عليه وآله بإزالتها من المصاحف ونهى عن التعبد بتلاوتها.
قلنا له: إن ظاهر كثير من الأحاديث يدفع هذا التخريج، فإن قول عمر: « لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتُها » دال - كما تقدّم عن الزركشي - على أن هذه الآية كانت ثابتة في كتاب الله، إلا أن خوف عمر من الناس منعه عن كتابتها في المصحف.
كما أن جواب أُبيّ بن كعب بـ « نعم »، لما سأله عمر عن إثبات « لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب » في المصحف، دال بوضوح على أنها من القرآن، ولم تُنسخ تلاوتها، وإلا لما جاز إثباتها في المصحف.
وقول أبي الدرداء: « ما زال بي هؤلاء حتى كادوا يستزلّوني عن شيء سمعته من رسول الله » ظاهر في أن( وما خلق الذكر والأنثى ) ليست من القرآن المنزل على النبي، وإنما هو شيء أثبته القوم من عند أنفسهم.
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة الدالة على ما قلناه.
هذا مضافاً إلى أن هناك أحاديث أُخر تصرِّح بأن التحريف وقع بعد زمان
____________________
(١) فتح الباري ٨/٦٠٤.
النبي صلى الله عليه وآله:
منها : ما أخرجه مسلم ومالك والترمذي وأبوداود والنسائي وغيرهم عن عائشة، أنها قالت: كان فيما أُنزل من القرآن « عَشر رضعات معلومات يُحرِّمن » ثم نُسخن بـ « خمس معلومات »، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وهن فيما يُقرأ من القرآن(١) .
ومنها : ما أخرجه ابن ماجة وأحمد والدارقطني وغيرهم عن عائشة، قالت: لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً. ولقد كان في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وآله وتشاغلنا بموته دخَل داجن(٢) فأكلها(٣) .
ومنها: ما أخرجه السيوطي عن عائشة، قالت: كانت سورة الأحزاب تُقرأ في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم يُقْدَر منها إلا على ما هو الآن(٤) .
وأخرج عن حميدة بنت أبي يونس، قالت: قرأ عليَّ أبي وهو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة « إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلُّوا عليه وسلموا تسليماً وعلى الذين يصَلّون في الصفوف الأُوَل ». قالت: قبل أن يغير عثمان المصاحف(٥) .
وعن ابن عمر، قال: لَيقولنَّ أحدكم: « قد أخذتُ القرآن كلّه »، وما يدريه ما كلّه، قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقُل: قد أخذتُ منه ما ظهر(٦) .
وثانياً: أن ما ذكروه من آية الرجم وغيرها لا يشبه أُسلوبها الأُسلوب القرآني ولا يدانيه، بل هو كلام ألفاظه ركيكة، ومعانيه ضعيفة، لا يصح نسبة مثله إلى الله جل
____________________
(١) صحيح مسلم ٢/١٠٧٥ كتاب الرضاع، باب ٦. الموطأ، ص٣٢٤ كتاب الرضاعة، باب ٣. سنن الترمذي ٣/٤٥٦. سنن أبي داود ٢/٢٢٣ - ٢٢٤. سنن النسائي ٦/١٠٠. صحيح سنن أبي داود ٢/٣٨٩. صحيح سنن النسائي ٢/٦٩٦. إرواء الغليل ٧/٢١٨. سنن الدارمي ٢/١٥٧. السنن الكبرى ٧/٤٥٤. كتاب الأم ٥/٢٦.
(٢) الداجن: هي الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم، وقد يطلق على غير الشاة مما يألف البيوت كالطير وغيرها.
(٣) سنن ابن ماجة ١/٦٢٥ - ٦٢٦. مسند أحمد ٦/٢٦٩. سنن الدارقطني ٤/١٧٩. الدر المنثور ٢/٤٧١ في تفسيره الآية ٢٣ من سورة النساء. صحيح سنن ابن ماجة ١/٣٢٨.
(٤) الدر المنثور ٦/٥٦٠. الإتقان في علوم القرآن ٢/٥٢ - ٥٣.
(٥) الإتقان في علوك القرآن ٢/٥٣.
(٦) المصدر السابق ٢/٥٢.
شأنه.
والحاصل أن دلالة هذه الأحاديث على التحريف ثابتة، لا تندفع بما قالوه من نسخ التلاوة وغيره من الوجوه التي لا يخفى ضعفها.
* * *
قال الجزائري:هل يجوز لأهل البيت أن يستأثروا بكتاب الله تعالى وحدهم دون المسلمين إلا من شاؤوا من شيعتهم؟!
أقول:
أما كتاب الله العزيز فهو بين أيدي المسلمين، لم يرفعه الله تعالى منذ أن أنزله على نبيه الكريم صلى الله عليه وآله. وأما فهم معانيه الظاهرة والباطنه ومعرفة أحكامه فهو مما اختص الله به أئمة أهل البيت عليهم السلام.
وأهل البيت عليهم السلام لم يألوا جهداً في هداية الناس وإرشادهم والنصح لهم، إلا أن كثيراً من الناس أعرضوا عنهم ورغبوا عما عندهم، وقدموا غيرهم عليهم.
وقوله: « أليس هذا احتكاراً لرحمة الله واغتصاباً لها، يُنَزَّه أهل البيت عنه » كلام ركيك المعنى، إذ كيف يتحقق احتكار الرحمة واغتصابها حتى يُنزَّه أهل البيت عليهم السلام عنها؟!
إن رحمة الله سبحانه واسعة كما قال الله في كتابه العزيز( ورحمتي وسعت كل شيء ) (١) ، إلا أنه تعالى قد يختص بعض عباده برحمة منه كما قال( والله يختص برحمته من يشـاء والله ذو الفضل العظيم ) (٢) ، وقال( نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ) (٣) .
وفهْم أهل البيت عليهم السلام معاني القرآن ومعرفة أحكامه رحمة اختصهم الله سبحانه وتعالى بها فيما اختصّهم به، وهذا لا محذور فيه.
____________________
(١) سورة الاعراف، الآية ١٥٦.
(٢) سورة البقرة، الآية ١٠٥.
(٣) سورة يوسف، الآية ٥٦.
قال: اللهم إنا لنعلم أن آل بيت رسولك بُرَآء من هذا الكذب، فالعن اللهم من كذب عليهم وافترى.
أقول:
لقد أوضحنا فيما تقدم أنا لم نقُل إن كل إمام من أئمة العترة النبوية الطاهرة جمع ألفاظ القرآن الكريم في مصحف، فإنا قد بيَّنا فساده.
بل الذي ذهب إليه مَن وقفنا على قوله من علماء الشيعة الأبرار أن القرآن كان مجموعاً في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله غير متفرق.
فقد ذكر أمين الإسلام الطبرسي رضوان الله عليه (ت ٥٤٨هـ) ما أفاده السيد المرتضى رحمه الله في هذه المسألة إذ قال:
وذكر [ في أجوبة المسائل الطرابلسيات ] أيضاً أن القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله مجموعاً مؤلَّفاً على ما هو عليه الآن، واستدل على ذلك بأن القرآن كان يُدرَس ويُحفظ جميعه في ذلك الزمان، حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له، وأنه كان يُعرَض على النبي صلى الله عليه وآله ويُتلَى عليه، وأن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وأُبَي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي صلى الله عليه وآله عدة ختمات، وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعاً مرتَّباً غير مبتور ولا مبثوث. وذكَر أن مَن خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يُعتَد بخلافهم، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنّوا صحَّتها، لا يُرجَع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته(١) .
وقال السيد شرف الدين قدس سره: إن القرآن عندنا كان مجموعاً على عهد الوحي والنبوة، مؤلَّفاً على ما هو عليه الآن، وقد عرَضه الصحابة على النبي صلى الله عليه وآله وتَلَوه عليه من أوله إلى آخره، وكان جبرئيل عليه السلام يعارضه صلى الله عليه وآله بالقرآن في كل عام مرة، وقد عارضه به عام وفاته مرتين، وهذا كله من الأمور الضرورية لدى المحقّقين من علماء الإمامية، ولا عبرة ببعض الجامدين منهم، كما لا عبرة بالحشوية من أهل السنة القائلين بتحريف القرآن والعياذ بالله، فإنهم لا يفقهون(٢) .
____________________
(١) مجمع البيان ١/١٥.
(٢) أجوبة مسائل جار الله، ص٣٠.
وهذا ما دلَّت عليه الأحاديث الصحيحة عند أهل السنة، فقد أخرج البخاري ومسلم والترمذي وأحمد والطيالسي وغيرهم، عن أنس رضي الله عنه أنه قال: جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وآله أربعة كلهم من الأنصار: أُبَيّ ومعاذ بن جبل وأبو زيد وزيد بن ثابت(١) .
* * *
قال الجزائري: لازم هذا الاعتقاد أن طائفة الشيعة هم وحدهم أهل الحق والقائمون عليه، لأنهم هم الذين بأيديهم كتاب الله كاملاً غير منقوص، فهم يعبدون الله بكل ما شرع. وأما من عداهم من المسلمين فهم ضالون لحرمانهم من كثير من كتاب الله تعالى وهدايته فيه.
أقول:
كل طائفة من طوائف هذه الأمة تعتقد أو تدَّعي بأنها هي الطائفة المحقِّة والفرقة الناجية، أهل السنة والشيعة في ذلك سواء.
والشيعة الإمامية يعتقدون بأنهم هم أهل الحق، لأنهم تأمَّلوا المذاهب، ونظروا في قول النبي صلى الله عليه وآله: « ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة »(٢) ، ورأوا أن النبي قد عيَّن هذه الفرقة في أحاديث صحيحة، منها قوله صلى الله عليه وآله:
____________________
(١) صحيح البخاري ٥/٤٥ كتاب مناقب الأنصار، باب مناقب زيد بن ثابت. صحيح مسلم ٤/١٩١٤، ١٩١٥ كتاب فضائل الصحابة، باب رقم ٢٣. سنن الترمذي ٥/٦٦٦. مسند أحمد ٣/٢٣٣، ٢٧٧. مسند أبي داود الطيالسي، ص٢٧٠.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه ٥/٢٥، ٢٦، وأبو داود في سننه ٤/١٩٧، ١٩٨، وابن ماجة كذلك ٢/١٣٢١، ١٣٢٢، والدارمي كذلك ٢/٢٤١، واحمد في المسند ٢/٣٢، ٣/١٢٠، ١٤٥، والحاكم في المستدرك ١/٦، ١٢٨، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٨/٢٥٨، وابن أبي عاصم في كتاب السنة ١/٧، ٢٥، ٣٢، ٣٣، والسيوطي في الجامع الصغير ١/١٨٤، والدر المنثور ٢/٢٨٩، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠/٢٠٨، والبغوي في شرح السنة ١/٢١٣، والخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح ١/٦١، وابن حجر العسقلاني في المطالب العالية ٣/٨٦، ٨٧، والهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٢٥٨، ٢٦٠. وصححه الترمذي والحاكم والذهبي والبغوي والسيوطي فيما تقدم من كتبهم، والبوصيري في مصباح الزجاجة ٣/٢٣٩، والسخاوي في المقاصد الحسنة، ص١٥٨، والشاطبي في الاعتصام ٢/١٨٩، والسفاريني في لوامع الأنوار البهية ١/٩٣، والزين العراقي في المغني عن حمل الأسفار في الأسفار ٣/٢٣٠، وابن تيمية في كتاب المسائل كما في سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/٣٥٩، والألباني في سلسلته الصحيحة ١/٣٥٦، ٣٥٨، وصحيح الجامع الصغير ١/٢٤٥، ٥١٦، وصحيح سنن أبي داود =
« إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما فلن تضلُّوا بعدي أبداً »(١) ، وكَشَف المراد بأهل بيته في أحاديث أخر، حيث قال: « اللهم هؤلاء أهلي » أو «... أهل بيتي »(٢) ، يعني علياً وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.
وعيَّن صلى الله عليه وآله عدد أئمة الحق بقوله: « لا يزال الاسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة... كلهم من قريش »(٣) . ورأوا أن أئمة أهل البيت الاثني عشر قد اتفقت الأمة
____________________
= ٣/٨٦٩. وصحيح سنن ابن ماجة ٢/٣٦٤، بل ادعى السيوطي تواتره كما في فيض القدير ٢/٢١، وكذلك الكتاني في نظم المتناثر، ص٥٧.
(١) أخرجه الترمذي في سننه ٥/٦٦٢، ٦٦٣، وأحمد في المسند ٣/١٤، ١٧، ٢٦، ٥٩، ٥/١٨١، ١٨٩، والحاكم في المستدرك ٣/١٠٩ - ١١٠، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/١٩٤، وابن ابي عاصم في كتاب السنة، ص٦٢٩ - ٦٣٠، والسيوطي في الجامع الصغير ١/٤٠٢ والدر المنثور ٧/٣٤٩ في تفسير الآية ٢٣ من سورة الشورى، وفي إحياء الميت، ص ٢٨، ٢٩، ٣٩، ٤٠، ٤٨، ٥٥، ٥٦، وابن حجر العسقلاني في المطالب العالية ٤/٦٥، والخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح ٣/١٧٣٥، أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء ١/٣٣٥، والبغوي في شرح السنة ١٤/١١٩، والنسائي في خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ص٩٦، والهيثمي في مجمع الزوائد ١/١٧٠، ٩/١٦٢ وما بعدها، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم ٤/١١٣، وفي البداية والنهاية ٥/١٨٤. وصححه الترمذي والحاكم والذهبي والسيوطي وابن حجر العسقلاني والهيثمي وابن كثير فيما تقدم من كتبهم. وصححه كذلك ابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة، ص٤٥، ٢٢٨، والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٣٥٥ وصحيح الجامع الصغير ١/٤٨٢.
(٢) قال صلى الله عليه وآله ذلك في أحاديث كثيرة، مها حديث المباهلة وحديث الكساء. راجع صحيح مسلم ٤/١٨٧١، ١٨٨٣، وسنن الترمذي ٥/٢٢٥، ٣٥٢، والمستدرك ٣/١٠٨ - ١٠٩، ١٣٣، ١٤٦، ١٤٧، ١٥٠، ١٥٨، ومجمع الزوائد ٩/١٦٦، وما بعدها، ومسند أحمد ١/١٨٥، ٣٣٠ - ٣٣١، ٤/١٠٧، ٦/٢٩٢، ٣٢٣، والاحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٩/٦١، والسنن الكبرى ٢/١٤٩، ومسند أبي داود الطيالسي، ص٢٧٤، وكتاب السنة، ص٥٨٨ - ٥٨٩، ومشكاة المصابيح ٣/١٧٣١، والدر المنثور ٦/٦٠٣ وما بعدها في تفسير آية التطهير، وتاريخ بغداد ١٠/٢٧٨، وخصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ص ٣٠ - ٧، ٤٧ - ٤٩، ٧٣.
(٣) أخرج حديث الخلفاء الاثني عشر باختلاف ألفاظه: البخاري في صحيحه ٩/١٠١ كتاب الأحكام، باب ٥١، ومسلم في صحيحه ٣/١٤٥٢ - ١٤٥٤ كتاب الإمارة، باب ١ بتسعة طرق، والترمذي في سننه ٤/٥٠١ بطريقين صححهما، وأبو داود في مسنده ٤/١٠٦. بثلاثة طرق صحّحها الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣/٨٠٧. وأخرجه أحمد في مسنده ١/٣٩٨، ٥/٨٦ - ٩٠، ٩٢ - ١٠١، ١٠٦ - ١٠٨، والحاكم في المستدرك ٣/٦١٧، ٦١٨، وأبو داود الطيالسي في مسنده، ص١٨٠، وأبو نعيم الأصفهاني في حلية الاولياء ٤/٣٣٣، وأبو عوانة في مسنده ٤/٣٩٦ - ٣٩٩، وابن أبي عاصم في كتاب السنة ٢/٥١٨، ٥٣٤، ٥٤٤، ٥٤٩، والبيهقي في دلائل النبوة ٦/٥١٩ - ٥٢٣ والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٢/١٢٦، والهيثمي في مجمع الزوائد ٥/١٩٠،=
على نجاتهم ونجاة أتباعهم.
فلما رأوا كل ذلك اتبَّعوهم، فصاروا بذلك هم الناجين دون غيرهم(٢) .
أما أن الشيعة رأوا أنهم هم أهل الحق لما قاله الجزائري فهذا غير صحيح، وقد أوضحنا ذلك فيما تقَّدم، فلا نعيده.
* * *
قال الجزائري: أرأيت لو قيل لهذا القائل: أرِنا هذا القرآن الذي خَصَّ به آل البيت شيعتهم، أرنا منه سورة أو سوراً - يتحداه في ذلك، فماذا يكون موقفه؟
أقول:
إن أئمة أهل البيت عليهم السلام لم يخصُّوا شيعتهم بقرآن غير هذا القرآن الذي يتداوله الناس، ولو كان عندهم قرآن آخر لأظهروه ولما خافوا في الله لومة لائم، وكل مَن نسب إليهم غير هذا فهو كاذب مفترٍ عليهم، وقد أوضح ذلك أعلام المذهب في مصنفاتهم المعروفة، وأثبتوا أن ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله هو ما بين الدفتين، لم يُزَد فيه ولم يُنقَص منه.
قال الشيخ الصدوق: إعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وآله هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سُوَره عند الناس مائة وأربع عشرة سورة... ومَـن نسب إلينا أنا نقول: « إنه أكثر من ذلك » فهو كاذب(٢) .
وقال أمين الاسلام الطبرسي (ت ٥٤٨ هـ): الكلام في زيادة القرآن ونقصانه... لا يليق بالتفسير، فأما الزيادة فيه فمُجمَع على بطلانها، وأما النقصان منه
____________________
= ١٩١، وابن حجر العسقلاني في المطالب العالية ٢/١٩٧، وابن حبان في صحيحه كما في الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٨/٢٢٦، ٢٢٩، ٢٣٠، والبغوي في شرح السنة ١٥/٣٠، ٣١ والألباني في صحيح ابن الجامع الصغير ٢/١٢٧٤، وسلسلة الأحاديث الصحيحة ١/٦٥١ رقم ٣٧٦، ٢/٦٩٠ رقم ٩٦٤.
(١) راجع كتابنا دليل المتحيرين، فإنا ذكرنا فيه مزيداً من الأدلة الدالة على ان الفرقة الناجية هم الشيعة الإمامية دون غيرهم.
(٢) الاعتقادات، ص٧٤ - ٧٥.
فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييراً ونقصاناً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذي نصره المرتضى قدس الله روحه واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء(١) .
وقال شيخ الطائفة الشيخ الطوسي (ت ٤٦٠ هـ): الكلام في زيادته ونقصانه... الزيادة فيه مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهـو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى رحمه الله، وهو الظاهر في الروايات(٢) .
وقال الشيخ المفيد أعلى الله مقامه: أما النقصان فإن العقول لا تحيله ولا تمنع منه... وقد قال جماعة من أهل الإمامة: إنه لم ينقص من كلِمِه ولا من آيِهِ ولا من سورِه، ولكن حُذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين عليه السلام من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله...
وقد يسمَّى تأويل القرآن قرآناً... وعندي أن هذا القول أشبه مِن مقال مَن ادَّعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل، وإليه أميل.
وقال: وأما الزيادة فمقطوع على فسادها(٣) .
وقال السيد رضي الدين ابن طاووس (ت ٦٦٤ هـ): كان القرآن مصوناً من الزيادة والنقصان كما يقتضيه العقل والشرع(٤) .
وقال الميرزا محمد حسن الإشتياني قدس سره: المشهور بين المجتهدين والأصوليين، بل أكثر المحدثين عدم وقوع التغيير مطلقاً، بل ادّعى غير واحد الإجماع على ذلك(٥) .
والحاصل أن القول بسلامة القرآن من التحريف بالزيادة أو النقصان هو الذي عليه عامة علماء الشيعة الإمامية قديماً وحديثاً، ومن ذهب إلى غير هذا القول فهو شاذ لا يعتد به ولا يعول عليه.
____________________
(١) مجمع البيان ١/١٥.
(٢) التبيان في تفسير القرآن ١/٣.
(٢) أوائل المقالات، ص٩١ - ٩٢.
(٤) سعد السعود، ص١٩٣ - ١٩٤.
(٥) بحر الفوائد، ص٩٩.
كشف
الحقيقة الثالثة
قال الجزائري:
الحقيقة الثالثة
استئثار آل البيت وشيعتهم دون المسلمين
بآيات الأنبياء كالحجر والعصا
يشهد لهذه الحقيقة ويثبتها ما أورده صاحب الكافي بقوله: عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: خرج أمير المؤمنين عليه السلام في ليلة مظلمة وهو يقول: هَمْهَمة همهمة، وليلة مظلمة، خرج عليكم الإمام عليه قميص آدم، وفي يده خاتم سليمان وعصا موسى.
وأورد أيضاً قوله: عن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قـال: سمعته يقول: ألواح موسى عندنا، وعصا موسى عندنا، ونحن ورثة النبيين.
أقول
كل الأحاديث المروية في هذا الباب من الكافي ضعيفة(١) .
أما الحديث الأول: الذي أورده الجزائري في حقيقته هذه فقد رواه الكليني
____________________
(١) الحديث الأول من الباب هو خبر محمد بن الفيض عن أبي جعفر عليه السلام، ومن جملة رواته سلمة بن الخطاب، وهو ضعيف ضعفه النجاشي في رجاله، ص١٣٣، وابن الغضائري كما في معجم رجال الحديث ٨/٢٠٤، والعلامة في الخلاصة، ص٢٢٧ وغيرهم. ومن رواته أيضا منيع بن الحجاج البصري ومحمد ابن الفيض وهما مجهولان. وأما الحديث الثاني فهو خبر أبي حمزة الثمالي عن أبي عبدالله عليه السلام، وهو الحديث الثاني الذي ذكره الجزائري في حقيقته هذه، وسيأتي بيان ما فيه. وأما الحديث الثالث والرابع (وهو أول الحديثين اللذين ذكرهما الجزائري ههنا) فمن رواتهما موسى بن سعدان، وهو ضعيف كما سيتضح حاله. وأما الحديث الخامس والأخير فمن رواته بشر بن جعفر وهو مجهول الحال، والمفضل بن عمر وهو مختلف في وثاقته، والمشهور ضعفه، إذ ضعفه النجاشي في رجاله، ص٢٩٥، وابن الغضائري والعلامة في الخلاصة، ص٢٨٥، وابن داود وغيرهم. راجع تنقيح المقال ٣/٢٣٨.
رحمه الله عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن أبي الحسن الأسدي، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام.
وحسبك أن من جملة رواته موسى بن سعدان، وهو موسى بن سعدان الحناط الكوفي، وهو ضعيف لا يعتمد حديثه.
قال النجاشي: موسى بن سعدان الحناط ضعيف في الحديث(١) .
وقال ابن الغضائري: موسى بن سعدان الحناط كوفي، روى عن أبي الحسن عليه السلام، ضعيف، في مذهبه غلو(٢) .
ومثله كلام العلامة في الخلاصة(٣) .
وأما الحديث الثاني: فقد رواه الكليني رحمه الله عن أحمد بن إدريس، عن عمران بن موسى، عن موسى بن جعفر البغدادي، عن علي بن أسباط،عن محمد بن الفضيل، عن ابي حمزة الثمالي، عن أبي عبدالله عليه السلام.
وعمران بن موسى مشترك بين عمران بن موسى الخشاب، وهو مجهول الحال، وبين عمران بن موسى الأشعري، وهو مجهول أيضاً، وبين عمران بن موسى الزيتوني الثقة.
وأما موسى بن جعفر البغدادي فهو مجهول الحال ايضاً. قال المامقاني: ظاهره كونه إمامياً، إلا أن حاله مجهول(٤) .
وأما محمد بن الفضيل فهو مشترك بين الضعيف وغيره.
قال المامقاني: الرجل إما ضعيف أو مجهول، اتحد أو تعدد(٥) .
* * *
قال الجزائري: وبعد: أيها الشيعي إن هذا المعتقد في هذه الحقيقة بالذات يلزمك
____________________
(١) رجال النجاشي، ص٢٨٩.
(٢) راجع تنقيح المقال ٣/٢٦٥، والخلاصة، ص٢٥٧.
(٣) الخلاصة، ص٢٥٧.
(٤) تنقيح المقال ٣/٢٥٤.
(٥) المصدر السابق ٣/١٧٢.
أموراً في غاية الفساد والقبح، لا يمكنك وأنت العاقل إلا أن تتبرأ منها ولا تعترف بها، وهي:
١ - تكذيب علي رضي الله عنه في قوله - وقد سئل: هل خصّكم رسول الله صلى الله عليه وسلم آل البيت بشيء؟ فقال: لا، إلا ما كان في قراب سيفي هذا. فأخرج صحيفة مكتوباً فيها أموراً أربعة، ذكرها أهل الحديث كالبخاري ومسلم.
أقول:
كل ما ذكره من اللوازم غير لازم للشيعة، وذلك لأمرين:
الأول: أن أحاديث هذا الباب كما قلنا كلها ضعيفة، والحديث الضعيف لا يُلزِم ولا يُلزَم به كما هو واضح.
الثاني : ما ظنه الجزائري من اللوازم - ولا سيما الثـالـث والرابع مما ذكره - هو في حقيقة الأمر ليس بلازم، وهذا ما سيتضح فيما سيأتي قريباً.
أما ما ذكره من لزوم تكذيب علي عليه السلام فيما قاله في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم فغير صحيح، وذلك لأن هذا الحديث الذي ساقه ليس متواتراً عن علي عليه السلام، وإنما هو حديث رواه أهل السنة في كتبهم، فلا يصح الاحتجاج به على غيرهم.
ولو سلَّمنا بصحته فلا نقطع بصدوره من علي عليه السلام وإن كان حجة يلزم العمل به، وذلك لأن الخبر الصحيح لا يفيد القطع، بل غاية ما يفيده الظن.
ثم إنَّا لو صحَّحنا هاتين الروايتين - أعني رواية الكليني ورواية البخاري - وسلَّمنا بالتعارض بينهما، فمَن أخذ بأحد الخبرين المتعارضين المرويين عن علي عليه السلام وترك الآخر فإنه لا يُعَد مكذِّباً له عليه السلام، وإلا لما جاز العمل بالأخبار المتعارضة.
ثم إن أكثر الشيعة ولا سيَّما عوامّهم لم يطَّلعوا على هذا الحديث الذي رووه عن علي عليه السلام، فكيف يتحقق تكذيبهم لكلام لم يطلعوا عليه؟!
هذا مع أنه لا تعارض في البين بين أحاديث هذا الباب من الكافي والحديث الذي رووه عن علي عليه السلام، وذلك لأن المروي في صحيح البخاري أن علي عليه السلام سُئل: هل عندكم كتاب؟ فقال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه
الصحيفة...(١) .
وفيه أيضاً: عن علي رضي الله عنه، قال: ما كتبنا عن النبي صلى الله عليه وآله إلا القرآن وما في هذه الصحيفة، قال النبي صلى الله عليه وآله: المدينة حرام ما بين عائر إلى كذا، فمن أحدث أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة و الناس أجمعين...(٢) .
وفيه أيضاً: أن علياً خطب فقال: ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة...(٣) .
وفي رواية مسلم أن علياً قال: من زعم أن عندنا شيئاً نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة، (قال: وصحيفة معلقة في قراب سيفه) فقد كذب...(٤) .
ولو سلَّمنا بصحة هذه الأحاديث فالظاهر منها أن علياً عليه السلام قد أخبر أنه ليس عند آل بيت النبي صلى الله عليه وآله شيء مكتوب يقرؤونه، قد خصَّهم به رسول الله صلى الله عليه وآله دون الناس غير القرآن إلا تلك الصحيفة.
ولهذا قال ابن حجر في شرح قول السائل: « هل عندكم كتاب »: أي مكتوب أخذتموه عن رسول الله صلى الله عليه وآله مما أوحي إليه. ويدل على ذلك رواية المصنف - يعنى البخاري - في الجهاد: « هـل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ »(٥) ، وله في الديات: « هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ »(٦) ، وفي مسند إسحاق بن راهوايه: عن جرير، عن مطرف: « هل علمت شيئا من الوحي؟ »(٧) .
وقال السندي في حاشيته على سنن النسائي في شرح قول السائل: « هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وآله شيء سوى القرآن؟ »: أي شيء مكتوب، وإلا فلا شك أنه كان عنده أكثر مما ذكر(٨) .
____________________
(١) صحيح البخاري ١/٣٨ كتاب العلم، باب كتابة العلم.
(٢) المصدر السابق ٤/١٢٤ - ١٢٥ كتاب الجزية، باب إثم من عاهد ثم غدر.
(٣) المصدر السابق ٤/١٢٢ كتاب الجزية، باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة...
(٤) صحيح مسلم ٢/١١٤٧ كتاب العتق، باب تتحريم تولي العتيق غير مواليه.
(٥) صحيح البخاري ٤/٨٤ كتاب الجهاد، باب فك الاسير.
(٦) المصدر السابق ٩/١٣ - ١٤ كتاب الديات، باب العاقلة.
(٧) فتح الباري ١/١٦٥.
(٨) سنن النسائي بشرح السيوطي ٨/٢٣.
ويدل على ذلك أيضاً أن ما ذكر في الصحيفة لم يكن من الأمور المخصوصة بعلي عليه السلام دون سائر المسلمين(١) .
قال أبو الطيب العظيم آبادي: ليس يخفى أن ما في كتابه - أي صحيفة علي عليه السلام - ليس من الأمور المخصوصة(٢) .
ومثله قول السندي في حاشيته على سنن النسائي(٣) .
وهذا يدل على أن مراد السائل هو معرفة ما إذا كان النبي صلى الله عليه وآله قد اختص علياً عليه السلام دون الناس بشيء مكتوب فيه شيء من العلم. لأن داعي السؤال هو أن علياً عليه السلام كان إذا وقع حدث قال: صدق الله ورسوله. وهذا يشعر بأن النبي صلى الله عليه وآله كان قد اختصّه بأمور غيبيّه تقع، أخبره بها ولم يخبر أحداً سواه.
قال ابن حجر: السبب في سؤالهم لعلي رضي الله عنه عن ذلك أخرجه أحمد والبيهقي في الدلائل من طريق أبي حسّان، أن علياً كان يأمر بالأمر فيقال: قد فعلناه. فيقول: صدق الله ورسوله. فقال له الأشتر: هذا الذي تقول أهو شيء عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وآله خاصةً دون الناس...(٤) .
وجواب علي عليه السلام يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله لم يخصه بشيء مكتوب دون الناس إلا ما في تلك الصحيفة التي حوت أموراً غير مخصوصة به. أما ما خصّه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير ما ذُكر فلم يقع في جواب علي عليه السلام وإن قصده السائل.
ومنه يتضح أن الأحاديث المذكورة في الكافي في باب ما عند الأئمة عليهم السلام من
____________________
(١) ما ذكر في الصحيفة هو: لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الارض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله آوى محدثا (راجع صحيح مسلم ٣/١٥٦٧، ومسند أحمد ١/١١٨). وذكر فيها أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات وفيها أيضا: المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، ومن ادعى الى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا، (راجع صحيح مسلم ٢/١١٤٧، ومسند أحمد ١/١١٩، ١٢٢، ١٥١، ١٥٢، وسنن النسائي ٨/١٩، ٢٣، وسنن أبي داود ٤/١٨٠ - ١٨١ وما سبق ذكره من صحيح البخاري).
(٢) عون المعبود ١٢/١٦٠.
(٣) سنن النسائي بشرح السيوطي ٨/١٩.
(٤) فتح الباري ١/١٦٦.
آيات الأنبياء عليهم السلام لا تتنافى مع ما أخرجه البخاري ومسلم من أحاديث الصحيفة، لأن تلك الأخبار تدل على أن النبي صلى الله عليه وآله قد اختص أهل بيته ببعض آيات الأنبياء، كقميص آدم وعصا موسى وخاتم سليمان، وأحاديث الصحيفة تنفي أن يكون النبي صلى الله عليه وآله قد اختص علياً وأهل بيته عليهم السلام بكتاب غير القرآن إلا تلك الصحيفة، وهذا لا ينفي اختصاصه صلى الله عليه وآله لأهل بيته بغير ذلك من المقتنيات والعلوم.
على أنَّا لو لم نقل إن النبي صلى الله عليه وآله ورّث أهل بيته بعض آيات الأنبياء التي كانت عنده فلا نجد محذوراً في القول بحيازتهم لها بعد ذلك، إذ للّها كانت في أيديهم عندما قُبض رسول الله صلى الله عليه وآله، فبقيت كذلك، كما قالوا في حيازة أبي بكر لخاتم النبي صلى الله عليه وآله، وحيازة عائشة لبعض ثيابه، وحيزة غيرهما لغيرها.
فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر (رض)، قال: اتخَّذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاتماً من ورِق(١) ، وكان في يده، ثم كان بعدُ في يد أبي بكر، ثم كان بعدُ في يد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع بعد في بئر أريس، نقشه: محمد رسول الله(٢) .
وأخرج البخاري أيضاً بسنده عن أبي بردة، قال: أخرجتْ إلينا عائشة رضي الله عنها كساءاً ملبَّداً، وقالت: في هذا نُزع روح النبي صلى الله عليه وآله.
وزاد سليمان، عن حميد، عن أبي بـردة، قـال: أخرجتْ إلينا عائشة رضي الله عنها إزاراً غليظاً مما يُصنع باليمن، وكساءاً من هذه التي تدْعونها الملبَّدة(٣) .
وهذه المقتنيات وغيرها بقيت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله بيد مَن كانت عنده كما نصَّ على ذلك ابن حجر، حيث قال: إنه صلى الله عليه وآله لم يوُرِّث ولا بِيْع موجودُهُ، بل تُرك بيد مَن صار إليه للتبّرك به، ولو كانت ميراثاً لبيعت وقُسِّمت(٤) .
وعليه، فلا ينبغي الريب في أن أهل البيت عليهم السلام كانت عندهم بعض مقتنيات رسول الله صلى الله عليه وآله كالثياب والسلاح وغيرها، لأنهم أولى الناس به.
وقد دلَّت بعض الأخبار على ذلك:
____________________
(١) أي فضة.
(٢) صحيح البخاري ٧/٢٠٢ كتاب اللباس، باب نقش الخاتم. وراجع ص٢٠٣، باب هل يجعل نقش الخاتم ثلاثة أسطر، ٤/١٠٠ كتاب فرض الخمس، باب ما ذكر من درع النبي (ص) وعصاه... الخ. صحيح مسلم ٣/١٦٥٦ كتاب اللباس والزينة، باب لبس النبي (ص) خاتماً من ورق... الخ.
(٣) صحيح البخاري ٤/١٠١ كتاب فرض الخمس، باب ما ذكر من درع النبي صلى الله عليه وآله وعصاه... الخ.
(٤) فتح الباري ٦/١٦٠.
فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن شهاب: أن علي بن حسين حدَّثه أنهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية [ بعد ] مقتل حسين بن علي رحمة الله عليه لقيه المسور بن مخرمة، فقال له: هل لك إليَّ من حاجة تأمرني بها؟ فقلت له: فهل أنت معطيَّ سيف رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه، وأيم الله لئن أُعطيتنيه لا يُخلص إليه أبداً حتى تبلغ نفسي...(١) .
وبهذا يتضح السر في إخفاء النبي صلى الله عليه وآله حيازته لمواريث الأنبياء عليهم السلام عن الناس، إذ لم نجد في الأحاديث المروية عنه صلى الله عليه وآله في كتب أهل السنة مما يتعلق بذلك عيناً ولا أثراً، وذلك حتى لا يُغلب عليها أهل البيت عليهم السلام من بعده كما غُلبوا على غيرها.
* * *
قال الجزائري: ٢ - الكذب عليه رضي الله عنه بنسبة هذا القول إليه.
أقول:
لقد أوضحنا أن أحاديث هذا الباب من الكافي كلها ضعيفة. وعليه فنحن لا نعلم بصدور هذا القول من أمير المؤمنين عليه السلام، ولم نقل نحن ولا قال الكليني قدس سره بأنه عليه السلام قد قاله حتى تتجه نسبة الكذب إليه أو إلينا، ولا سيما أنا لا نقطع بصدور هذا القول منه عليه السلام حتى لو صحَّ الخبر عنه، فمع عدم صحّته لا يحصل عندنا ظن بالصدور كما هو واضح.
هذا مضافاً إلى أن الكليني رحمه الله روى هذه الأحاديث عن غيره، ولم يقل: « إن علياً عليه السلام قاله » حتى ننسبه إلى الكذب على علي عليه السلام، وإنما قال: « حدثني فلان عن فلان أن علياً عليه السلام قال كذا وكذا »، والكليني صادق فيما قال من تحديث غيره له، أما أن علياً عليه السلام قد قال ذلك أو لم يقله فهذا ما لا نعلمه، ولا نُسأل عنه، ولا نُحاسب عليه.
ولا أدري لمَ جزم الجزائري بـأن علياً عليه السلام لم يقل ذلك القول، مع أنه لم يكن
____________________
(١) صحيح البخاري ٤/١٠١، صحيح مسلم ٤/١٩٠٣ كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة عليها السلام.
مناقضاً لنص القرآن الكريم، أو مخالفاً للسنة المتواترة أو الإجماع القطعي أو حكم العقل.
وكونه خبراً ضعيفاً لا يدل على عدم وقوعه وإن كان بعض رواته معروفاً بالكذب، لأن الكذوب قد يصدق، ولهذا أمر الله سبحانه عباده المؤمنين أن يتبيّنوا في أخبار الفاسقين، حيث قال:( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينَّوا أن تصيبوا قـوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) (١) .
فأمر بالتبيُّن في أخبارهم، ولم يأمر بردها. ومن البيِّن أن هذا الأمر إنما اتَّجه لأجل احتمال صحة خبر الفاسق ولو في بعض الأحيان.
والحاصل أن جزم الجزائري بأن هذا الخبر مكذوب على أمير المؤمنين عليه السلام في غير محله، لعدم جريانه على القواعد العلمية. اللهم إلا إذا كان يدَّعي أن لديه ملكة قدسية نورانية، يستطيع بها تمييز الحديث المكذوب من غيره... وهذا ما يحتاج منه إلى إثبات(٢) .
والظاهر أن الجزائري جزم بكذب أحاديث هذا الباب من الكافي لأنه استعظم أن يكون عند علي عليه السلام قميص آدم عليه السلام، وفي يده خاتم سليمان وعصا موسى عليهما السلام، مع أنهم روَوا أن دابة الأرض التي تظهر في آخر الزمان، تخرج وفي يدها خاتم سليمان وعصا موسى.
فقد أخرج الترمذي وحسَّنه وابن ماجة وأحمد والطيالسي والحاكم وغيرهم، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: تخرج الدابة معها خاتم سليمان وعصا موسى، فتجلو وجه المؤمن، وتختم أنف الكافر بالخاتم، حتى إن أهل الخِوان ليجتمعون فيقول: ها ها يا مؤمن. ويقال: ها ها يا كافر. ويقول هذا: يا مؤمن. وهذا: يا كافر(٣) .
____________________
(١) سورة الحجرات، الآية ٦.
(٢) قال ابن حجر العسقلاني في « نزهة النظر » ص٤٤: والحكم عليه - أي على الحديث - بالوضع إنما هو بطريق الظن الغالب لا بالقطع، إذ قد يصدق، لكن لا لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك، وإنما يقوم بذلك منهم من يكون اطلاعه تاما، وذهنه ثاقبا، وفهمه قويا، ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة.
(٣) سنن الترمذي ٥/٣٤٠. سنن ابن ماجة ٢/١٣٥١. مسند أحمد ٢/٢٩٥، ٤٩١. مسند أبي داود الطيالسي، ص٣٣٤. الجامع الصغير ١/٥٠٢. المستدرك ٤/٤٨٥. الدر المنثور ٦/٣٨١. تفسير الطبري ٢٠/١١. تفسير القرآن العظيم ٣/٣٧٥، ٣٧٦. كنز العمال ١٤/٣٤١.
وروَوا أن دابة الجنة هي علي بن أبي طالب عليه السلام فيما أخرجه الهيثمي والمتقي الهندي وغيرهما عن عمرو بن الحمق، قال: هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فبينما أنا عنده ذات يوم قال لي: هل أُريك دابة الجنة تأكل الطعام، وتشرب الشراب، وتمشي في الأسواق؟ قال: قلت بلى بأبي أنت. قال: « هذا دابة الجنة ». وأشار إلى علي بن أبي طالب(١) .
وروَوا عن علي عليه السلام أنه سُئل عن دابة الأرض فقال: أمَا والله ما لها ذنَب، وإن لها لَلِحية.
قال الماوردي: وفي هذا القول منه إشارة إلى أنها من الإنس وإن لم يصرّح به(٢) .
قال القرطبي: ولهذا - والله أعلم - قال بعض المتأخرين من المفسرين: إن الأقرب أن تكون هذه الدابة إنساناً متكلماً يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم لينقطعوا، فيهلك من هلك عن بيِّنة، ويحيا من حيَّ عن بينة(٤) .
أقول: ويدل على أنها من الإنس أنها تكلِّم الناس كما في قوله تعالى( تكلِّمهم ) ، وأنها تميِّز المؤمن من الكافر، وأنها تسِمُ المؤمن بالعصا، وتختم الكافر بالخاتم... وذلك كله من الصفات المعهودة في البشر لا في غيرهم.
وعلى كل حال، فإن قلنا إن دابة الأرض هي علي بن أبي طالب عليه السلام، فليس من الإنصاف أن ننكر أن عنده عصا موسى وخاتم سليمان، وإن قلنا إن دابة الأرض غيره، فليس من الإنصاف أن نستعظم حيازته عليه السلام للعصا والخاتم، ولا نستعظم حيازة الدابة لهما.
* * *
قال الجزائري: ٣ - الازدراء من نفس صاحب هذا المعتقد والدلالة القاطعة على تفاهة فهمه، ونقصان عقله، وعدم احترامه لنفسه، إذ لو قيل له: أين الخاتم؟ أو أين
____________________
(١) مجمع الزوائد ٩/١١٨. كنز العمال ١١/٦٢٦.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١٣/٢٣٦.
(٣) المصدر السابق.
(٤) المصدر السابق.
العصا؟ أو أين الألواح مثلاً؟ لما حار جواباً، ولما استطاع أن يأتي بشيء من ذلك، وبه يتبيَّن كذب القصة من أولها إلى آخرها.
وأقول:
لا أدري كيف يُلزَم كل شيعي بالازدراء منه؟! وهل يُعد الازدراء من الشيعة من الأمور التي يُلزَمون بها إذا اعتقدوا أن آل البيت عليه السلام عندهم مواريث الأنبياء؟!
ولا أدري لِمَ يزدري الجزائري ممن يعتقد أن آيات الأنبياء كخاتم سليمان وعصا موسى وقميص آدم، قد صانها الله سبحانه وحفظها عند أشرف خلقه وهم أنبياؤه ورسله، إلى أن صارت عند أئمة العترة النبوية الطاهرة، ولا يزدري ممن يعتقد أن خاتم سليمان وعصا موسى يكونان في آخر الزمان عند دابة الأرض التي وصفوها بأنها دابة ذات قوائم أربع لها زغَب(١) وريش، ورُغاء كرغاء الإبل؟!(٢) .
هذا مع أنَّا قد قلنا فيما تقدم أن هذا وأمثاله مما لا يجب معرفته ولا يضر بالشيعي جهله، ولعل أكثر عوام الشيعة لا يعرفون شيئاً من ذلك.
ومن الغريب أن هذا الرجل قد استدل على تفاهة فهم ونقصان عقل من يعتقد بأن آيات الأنبياء عليهم السلام عند أهل البيت بأنه لو قيل له: أين الخاتم؟ أو أين العصا؟ أو أين الألواح مثلاً؟ لما حار جواباً، ولما استطاع أن يأتي بشيء من ذلك.
ومن الواضح أنا لا نقول: « إن هذه الآيات عندنا » حتى نُطالَب بأن نأتي بها، بل هي عند أهل البيت عليهم السلام يتوارثونها.
وقال: وأوضح من ذلك فإنه قد يُقال: لو كان ما قد قيل حقاً لِمَ لا
____________________
(١) الزغب هو صغار الشر والريش.
(٢) قال القرطبي في بيان أقوال علماء أهل السنة في دابة الأرض: فأول الأقوال أنه فصيل ناقة صالح، وهو أصحها... إلى أن قال: وذلك أن الفصيل لما قتلت الناقة هرب، فانفتح له حجر فدخل في جوفه، ثم انطبق عليه، فهو فيه حتى يخرج بإذن الله عز وجل. وروي أنها دابة مزغبة شعراء ذات قوائم أربع، طولها ستون ذراعاً، ويقال إنها الجساسة، وهو قول عبد الله بن عمر... وروي أنها جمعت من خلق كل حيوان، وذكر الماوردي والثعلبي: وروي أنها جمعت من خلق كل حيوان، وذكر الماوردي والثعلبي: رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وإذنها أذن فيل، وقرنها قرن إيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصل ومفصل اثنا عشر ذراعاً - الزمخشري: بذراع آدم عليه السلام - ويخرج معها عصا موسى وخاتم سليمان... الخ. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٣/٢٣٥.
يستخدم آل البيت هذه الآيات كالعصا والخاتم في تدمير أعدائهم والقضاء عليهم، وهم قد تعرضوا لكثير من الأذى والشر من قِبلهم؟!
والجـواب:
١ - أن أهل البيت عليهم السلام عباد لله مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. والله قادر على نصرهم بغير العصا، ولكن اقتضت حكمته جل شأنه أن يمهل أعداء الدين من أئمة الجور، ويملي لهم ليزدادوا إثماً، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. قال تعالى( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، ولهم عذاب مهين ) (١) .
٢ - لقد كان أعداء أهل البيت يُظهِرون الإسلام أو يتظاهرون به، ولم يكن حالهم في إعلان الحرب لله كحال فرعون الذي عتا عتواً كبيراً. قال تعالى( إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً، يستضعف طائفةً منهم يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ) (٢) .
ثم تمادى في غيِّه فادّعى الربوبية لنفسه، وكذب بموسى عليه السلام لما جاءه بالدلائل الواضحة الدالة على صدقه. قال سبحانه( اذهب إلى فرعون إنه طغى * فقل له هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى * فأراه الآية الكبرى * فكذب وعصى * ثم أدبر يسعى * فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الأعلى ) (٣) .
فلما آمن بموسى من آمن توعدَّهم فرعون بالتنكيل والقتل( قال آمنتم به قبل أن آذن لكم، إنه لكبيركم الذي علَّمكم السحر فلسوف تعلمون، لأقطعنَّ أيديكم وأرجلكم من خـلاف ولأصلبنَّكم أجمعين ) (٤) .
____________________
(١) سورة آل العمران، الآية ١٧٨.
(٢) سورة القصص، الآية ٤.
(٣) سورة النازعات، الآيات ١٧ - ٢٤.
(٤) سورة الشعراء، الآية ٤٩.
وقال تعالى( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب * فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال ) (١) .
ثم سعى لقتل موسى عليه السلام ومن آمن معه. قال تعالى( وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدعُ ربَّه، إني أخاف أن يبدل دينكم، أو أن يُظهر في الأرض الفساد ) (٢) .
فأوحى الله إلى موسى عليه السلام أن يخرج ليلاً هو ومن آمن معه. قال سبحانه( وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متَّبَعون ) (٣) ( فأتبعهم فرعون بجنوده ) (٤) ( فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمُدرَكون * قال كلا إن معي ربي سيهدين * فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم * وأزلفنا ثم الآخرين * وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ثم أغرقنا الآخرين ) (٥) .
والحاصل أن الله سبحانه قد استنفد مع فرعون كل السبل، إلا أنه أبى واستكبر وأسرف وعلا علواً كبيراً،( فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ) (٦) ، فهل كان حال أعداء أهل البيت كحال فرعون؟!
٣ - إن إنزال العذاب معلق على مشيئة الله سبحانه، كما أخبر في كتابه العزيز إذ قال( ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذِّب من يشاء ويغفر لمن يشاء، والله على كل شيء قدير ) (٧) ،( قال عذابي أُصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء ) (٨) .
وقد شاء الله سبحانه أن يمهل أعداء الدين ويملي لهم ليزدادوا إثماً كما تقدم.
٤ - إن أهل البيت عليهم السلام رحمة مهداة إلى هذه الأمة وأمان لها، بهم يرفع الله
____________________
(١) سورة غافر، الآيات ٢٣ - ٢٥.
(٢) سورة غافر، الآية ٢٦.
(٣) سورة الشعراء، الآية ٥٢.
(٤) سورة طه، الآية ٧٨.
(٥) سورة الشعراء، الآيات ٦١ - ٦٦.
(٦) سورة النازعات، الآية ٢٥.
(٧) سورة المائدة، الآية ٤٠.
(٨) سورة الأعراف، الآية ١٥٦.
العذاب عن الناس، فإذا ذهبوا أتى الأمَّة ما يوعدون، كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله فيما أخرجه الحاكم وصحَّحه عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: النجوم أمان لأهل السماء، فإن طُمست أتى السماء ما يُوعَدون، وأنا أمان لأصحابي، فإذا قُبِضت أتى أصحابي ما يُوعدون، وأهل بيتي أمان لأمتي، فإذا ذهب أهل بيتي أتى أمتي ما يوعدون(١) .
قال المناوي: شبَّههم بنجوم السماء، وهي التي يقع بها الإهتداء، وهي الطوالع والغوارب والسيارات والثابتات، فكذلك بهم الإقتداء وبهم الأمان من الهلاك(٢) .
* * *
قال الجزائري: ٤ - إن الهدف من هذا الكذب المرذول هو إثبات هداية الشيعة وضلال مَن عداهم من المسلمين.
وأقول:
إن هداية الشيعة لا تثبت بمثل هذه الأحاديث الضعيفة، بل حتى لو صحَّت هذه الأحاديث وسلَّم بها الخصم، فإنها مع ذلك لا تدل على هداية فئة ولا ضلال فئة أخرى، وهو واضح.
قال: والقصد من وراء ذلك الإبقاء على المذهب الشيعي ذا كيان مستقل عن جسم الأمة الإسلامية، ليتحقق لرؤساء الطائفة ولمن وراءهم من ذوي النيات الفاسدة والأطماع الخبيثة ما يريدونه من العيش عـلى حساب هدم الإسلام وتمزيق شمل المسلمين.
أقول:
هذا القول من التُّهَم الكثيرة الباطلة التي سَوَّد بها كتيّبه، وحسبك أنه لم يقم دليلاً واحداً يُثبت به ما قاله.
____________________
(١) المستدرك ٣/٤٥٧. وراجع مجمع الزوائد ٩/١٧٤، الجامع الصغير ٢/٦٨٠، والمطالب العالية ٤/٧٤، وإحياء الميت، ص٣٧، ٤٥، والخصائص الكبرى ٢/٢٦٦، وفضائل الصحابة ٢/٦٧١.
(٢) فيض القدير ٦/٢٩٧.
ولا أدري كيف يتحقق الإبقاء على المذهب الشيعي ذا كيان مستقل عن جسم الأمة الإسلامية، و كيف يعيش علماء الشيعة على حساب هدم الإسلام وتمزيق شمل المسلمين بإثبات أن أهل البيت عليهم السلام قد ورثوا بعض آيات الأنبياء السابقين صلى الله عليه وآله من رسول الله صلى الله عليه وآله؟! أين هذا من ذاك؟!
ثم ما هو مراده بالأمة الإسلامية؟
إن كان مراده بالأمّة باقي المسلمين، فما قاله يُلزم أهل السنة كما يلزم الشيعة، لأن كل فرقة لها كيان عقائدي مستقل عن غيرها من باقي فرق المسلمين.
وإن عنى بالأمّة أهل السنة، فمخالفتهم لا تضر ولا تشين، لأنَّا لم نجد دليلاً واحداً في كتاب الله أو في سُنة نبيِّه صلى الله عليه وآله يحذِّر من مخالفة مَن يُعرفون بهذا الاسم، بل إن الأدلة الصحيحة تحث على لزوم اتِّباع أئمة أهل البيت صلى الله عليه وآله دون غيرهم(١) .
* * *
وقوله: ليتحقق لرؤساء هذه الطائفة ولمن وراءهم من ذوي النيات الفاسدة والأطماع الخبيثة ما يريدونه من العيش على حساب هدم الإسلام وتمزيق شمل المسلمين.
جوابه: أن أئمة أهل البيت عليهم السلام مع أنهم كانوا هم أولى الناس بالأمر إلا أنهم لم يدّخروا وسعاً في إرشاد الناس عامة و نصح الخلفاء خاصة بما يضمن للمسلمين عزّهم ووحدتهم.
قال الشيخ محمد رضا المظفر قدس سره في طي كلامه الذي عقده لبيان عقيدة الشيعة في الوحدة الإسلامية: عُرف آل البيت عليهم السلام بحرصهم على بقاء مظاهر الإسلام والدعوة إلى عزّته ووحدة كلمة أهله، وحفظ التآخي بينهم، ورفع السخيمة من القلوب والأحقاد من النفوس.
____________________
(١) من الآيات الدالة على لزوم اتباع أهل البيت عليهم السلام قوله سبحانه( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطيراً ) الأحزاب: ٣٣. راجع ما كتبه السيد عبد الحسين شرف الدين أعلى الله مقامه في كتابه الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء، ص ١١ - ٥٢ حول هذه الآية. ومن الاحاديث قوله صلى الله عليه وآله: (اني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي الثقلين، أحدهما أكبر من ألآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، ألا وإنهما لي يفترقا حتى يردا عليّ الحوض). راجع ما كتبناه حول هذا الحديث في كتابنا دليل المتحيرين، ص١٨٩ - ٢٠٠.
ثم ذكر جملة من مواقف أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام الدالَّة على ذلك، ثم قال:
وكذلك باقي الأئمة عليهم السلام في مواقفهم مع ملوك عصرهم وإن لاقوا منهم أنواع الضغط والتنكيل، فإنهم لما علموا أن دولة الحق لا تعود إليهم انصرفوا إلى تعليم الناس معالم دينهم، وتوجيه أَتْباعهم التوجيه الديني العالي. وكل الثورات التي حدثت في عصرهم من العلويين لم تكن عن إشارتهم ورغبتهم، بل كانت كلها مخالفة صريحة لأوامرهم وتشديداتهم، فإنهم كانوا أحرص على كيان الدولة الإسلامية من كل أحد حتى من خلفاء بني العباس أنفسهم.
وكفى أن نقرأ وصية الإمام موسى بن جعفر عليه السلام لشيعته: لا تذلّوا رقابكم بترك طاعة سلطانكم، فإن كان عادلاً فاسألوا الله بقاءه، وإن كان جائراً فاسألوا الله إصلاحه، فإن صلاحكم في صلاح سلطانكم، وإن السلطان العادل بمنزلة الوالد الرحيم، فأحبوا له ما تحبون لأنفسكم، واكرهوا له ما تكرهون لأنفسكم(١) .
قال: وهذا غاية ما يُوصف في محافظة الرعية على سلامة السلطان أن يحبُّوا له ما يحبون لأنفسهم، ويكرهوا له ما يكرهون لها(٢) .
وأما علماء الشيعة الإمامية فهم تبع لأئمة أهل البيت عليهم السلام في ذلك، ومواقفهم وكلماتهم وفتاواهم في هذا الشأن أدل دليل على ذلك، إذ تدل بوضوح على أنهم أكثر علماء هذه الأمة سعياً في رأب الصدع ولمّ الشمل وتوحيد الكلمة.
وحسبك دليلاً على ذلك ما أفتى به مَن وقفنا على فتواه منهم من استحباب الصلاة في جماعة أهل السنة، وحرمة أو كراهة التظاهر بمخالفة أهل السنة في المسائل الخلافية بين السنة والشيعة، وحرمة مخالفة أهل السنة في وقوف الحج في عرفات وغير ذلك مما يعرفه المتتبّع.
ثم ما الذي يستفيده علماء الشيعة الإمامية من العيش على حساب هدم الإسلام وتمزيق شمل المسلمين وهـم الذين صرفوا زهرة أعمارهم في الذب عن الإسلام والمسلمين؟! هذا مع أنهم لو ساروا في ركاب الحكَّام والأُمراء و السلاطين وأكلوا من
____________________
(١) وسائل الشيعة ١١/٤٧٢.
(٢) عقائد الامامية، ص١٤٤.
فتات موائدهم كما يصنع غيرهم، لكان ذلك أرغد لدنياهم وأرخى لبالهم.
هذا في الوقت الذي كان كثير من علماء أهل السنّة قد دأبوا منذ مئات السنين إلى يومنا هذا على تصنيف المصنفات الكثيرة التي نقدوا فيها عقائد الشيعة الإمامية، وحكموا فيها بضلالهم وكفرهم، وأفتوا فيها بإباحة دمائهم وأموالهم.
ومن العجب أن هذا الرجل الذي يكتب مثل هذا الكتيّب الذي يؤجّج به نائرة الفتنة، ويزيد به الفُرقة بتكفير طائفة كبيرة من طوائف المسلمين، يرمي علماء الشيعة بهدم الإسلام وتمزيق شمل المسلمين، وهل هذا إلا مصداق قوله سبحانه( ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرمِ به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبينا ) (١) .
____________________
(١) سورة النساء، الآية ١١٢.
كشف
الحقيقة الرابعة
قال الجزائري:
الحقيقة الرابعة
اعتقاد اختصاص أهل البيت وشيعتهم بعلوم
ومعارف نبوية وإلهية دون سائر المسلمين
ومستند هذه الحقيقة ما أورده صاحب الكافي بقوله: عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام، فقلت: جُعلت فداك، إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علَّم علياً عليه السلام ألف باب من العلم يفتح منه ألف باب. قال: فقال: يا أبا محمد، علَّم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام ألف باب، يفتح له من كل باب ألف باب. قال: قلت: هذا بذاك. قال: ثم قال: يا أبا محمد، وإن عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلت: جعلت فداك، وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأملاه من فلق فيه، وخط علي بيمينه كل حلال وحرام، وكل شيء يحتاج إليه الناس حتى الأرش والخدش. قال: قلت: هذا والله العلم! قال: إنه لعلم وليس بذاك. ثم سكت ساعة ثم قال: عندنا الجفر، ما يدريهم ما الجفر؟ قال: وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل. قال: قلت: إن هذا العلم! قال: إنه العلم، وليس بذاك. ثم سكت ساعة، ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام، وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد! قال: قلت: هذا والله العلم. قال: إنه العلم، وليس بذاك. ثم سكت ساعة، ثم قال: وإن عندنا علم ما كان وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة. انتهى بالحرف الواحد.
مناقشة الجزائري فيما استخلصه من الحديث:
لقد بنى الجزائري على هذا الحديث أموراً غريبة ونتائج عجيبة، حيث قال:
و بعد: إن النتيجة الحقيقية لهذا الاعتقاد الباطل لا يمكن أن تكون إلا كما يلي:
١- الاستغناء عن كتاب الله تعالى، وهو كفر صراح.
والجــواب
إن هذا الحديث لا يدل على هذه النتيجة ولا على غيرها من النتائج التي ذكرها كما سيتضح قريباً إن شاء الله تعالى.
وهذا الحديث المروي في الكافي صحيح الإسناد، فيه بيان ما خُصَّ به أهل البيت عليهم السلام من الصحائف والكتب وما عندهم من العلوم الشرعية والمعارف الإلهية التي لم تكن عند غيرهم من الناس.
ومنها: الصحيفة الجامعة: وهي صحيفة أملاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكتبها أمير المؤمنين عليه السلام، طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. والظاهر من الأخبار أنها تشتمل على كل الأحكام الشرعية من الحلال والحرام وكل ما يحتاج إليه الناس حتى أرش الخدش كما نصَّ عليه هذا الحديث وغيره(١) .
ومنها: مصحف فاطمة عليها السلام: وهو كتاب فيه علم ما يكون وأسماء من يملكون إلى قيام الساعة، بإملاء جبرئيل عليه السلام وبخط علي بن أبي طالب عليه السلام، كما دلت عليه الأخبار الكثيرة كخبر حماد بن عثمان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة، وذلك أني نظرت في مصحف فاطمة عليها السلام. قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: إن الله تعالى لما قبض نبيّه صلى الله عليه وآله دخل على فاطمة عليها السلام من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، فأرسل الله إليها ملَكاً يسلّي غمّها و يحدّثها، فشكَت ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: إذا أحسستِ بذلك وسمعت الصوت قولي لي. فأعلمته بذلك، فجعل أمير المؤمنين عليه السلام يكتب كل ما سمع، حتى أثبت من ذلك مصحفاً. قال: ثم قال: أما إنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام، ولكن
____________________
(١) راجع بحار الأنوار ٢٥/١١٦، ٢٦/١٨، ٢٠، ٢١، ٢٢، ٢٣، ٣٣، ٣٤، ٣٥، ٣٦، ٣٨، ٣٩، ٤١، ٤٥، ٤٦، ٤٨، ٤٧/٢٦.
فيه علم ما يكون(١) .
وفي صحيحة أبي عبيدة الحذاء، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن فاطمة مكثت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسة وسبعين يوماً، وكان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرئيل عليه السلام يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ويطيّب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها، وكان عـلي عليه السلام يكتب ذلك، فـهذا مصحف فاطمة عليها السلام(٢) .
وأما الجفر فهو كما في الأخبار وعاء من جلد فيه كتب الأنبياء السابقين كـالزبور والتـوراة والإنجيل وصحف إبراهيم ومصحف فاطمة، وفيه الحلال والحرام وغير ذلك، وهو الجفر الأبيض.
وأما الجفر الأحمر فهو وعاء آخر فيه سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يخرجه الإمام المهدي عليه السلام حين خروجه كما في صحيحة الحسين بن أبي العلاء، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن عندي الجفر الأبيض. قال: قلت: فأي شيء فيه؟ قال: زبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى وصحف إبراهيم عليه السلام والحلال والحرام، ومصحف فاطمة، ما أزعم أن فيه قرآناً، وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلى أحد، حتى فيه الجلدة ونصف الجلدة وربع الجلدة وأرش الخدش، وعندي الجفر الأحمر. قال: قلت: وأي شيء في الجفر الأحمر؟ قال: السلاح، وذلك إنما يُفتح للدم، يفتحه صاحب السيف للقتل...(٣) .
إذا اتضح ذلك نقول:
إن حيازة مثل هذه الكتب وغيرها لا تدل بأية دلالة على الاستغناء بها عن كتاب الله العزيز، وإلا كان حيازة كتب الفقه والحديث والتاريخ وغيرها كفراً صراحاً.
ثم إن الاستغناء عن كتاب الله عز وجل لا يتحقق إلا بالإعراض عنه إلى غيره، وأما الاستفادة من الكتب المدونة في شتى العلوم والفنون فهي لا تدل على الرغبة عن كتاب الله العزيز، ولا سيما إذا كانت مبيِّنة لمجملات القرآن، وموضحة لما يحتاج منه إلى
____________________
(١) الكافي ١/٢٤٠.
(٢) المصدر السابق ١/٢٤١.
(٣) المصدر السابق ١/٢٤٠.
بيان كما هو الحال في الصحيفة الجامعة، التي تشتمل على الحلال والحرام وما يحتاج إليه الناس مفصّلاً، أو كانت مشتملة على بيان الملاحم والفتن وما يكون إلى قيام الساعة، كما هو الحال في مصحف فاطمة عليها السلام.
وعلى كل حال فإن الصحيفة الجامعة كتاب جامع في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومصحف فاطمة عليها السلام كتاب مشتمل على حديث جبرئيل عليه السلام، وباقي الكتب هي من كلام الله عز وجل، وكل ذلك حق لا يجوز نسبته إلى الباطل كما هو واضح.
على أنّا لو أردنا أن نثير الدفائن ونُخرج المخبوء لقلنا: إن غير الشيعة الإمامية هم الذين قد استغنوا عن كتاب الله العزيز بما سطّروه في كتبهم المعتمدة من أحاديث واهية وأخبار ضعيفة مخالفة لآيات الكتاب العزيز كما سيتضح في كشف الحقيقة السابعة إن شاء الله تعالى.
وعليك أيها القارئ العزيز بمراجعة ما سبق بيانه في ردّ ما تمسَّك به الجزائري في إثبات هذه التهمة في حقيقته الأولى.
شُبْهة وجوابها
لعل الخصم يقول: إن كل ذلك لا يصح، ولو أنا علمنا أن علياً عليه السلام كتب الصحيفة الجامعة من إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومصحف فاطمة عليها السلام من إملاء جبريل عليه السلام لما نازعناكم في كل ذلك، ولكن ذلك لم يثبت، فلا يمكن قبوله بحال.
والجواب: أنا قد تلقَّينا ذلك من الثقات الأَثبات فلا نردّه، كما لا نرد غيره مما نقله الثقات في أمور الدين والدنيا، ونحن لا نُلزم الخصم به، إلا أن ردّه مع عدم استحالته مشكل، ولا سيما مع ورود النهي عن رد ما قاله أهل الكتاب مما لم تثبت صحته ولم يتّضح بطلانه.
فقد أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة، أنه قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسِّرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا( آمنا بالله وما أُنزل إلينا وما أُنزل إليكم ) الآية(١) .
وأخرج أبو داود وأحمد والحاكم وابن حبان وغيرهم عن أبي نملة الأنصاري،
____________________
(١) صحيح البخاري ٣/٢٣٧ كتاب الشهادات، باب لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرها، ٦/٢٥ كتاب التفسير، تفسير سورة البقرة، باب وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه، ٩/١٣٦ كتاب الاعتصام، باب قول النبي (ص): لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء.
عن أبيه: أنه بينما هو جالس عند رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده رجل من اليهود مرّ بجنازة، فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ فـقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الله أعلم. فقال اليهودي: إنها تتكلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنّا بالله ورسله. فإن كان باطلاً لم تصدّقوه، وإن كان حقاً لم تكذّبوه(١) .
* * *
قال الجزائري: ٢ - اختصاص آل البيت بعلوم ومعارف دون سائر المسلمين، وهو خيانة صريحة تنسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ونسبة الخيانة إليه صلى الله عليه وآله كفر لا شك فيه ولا جدال.
والجـواب
١ـ أن اختصاص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحداً من هذه الأمة بعلم لا يُعد خطأ ولا خيانة، ولا سيما إذا كانت ثمة منفعة خاصة أو عامة، ولهذا خص النبي صلى الله عليه وآله وسلم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه بأسماء المنافقين دون غيره من الناس حتى سُمّي بصاحب سر رسول الله.
كما خص بعض أزواجه بحديث وسألها كتمانه(٢) ، فلما أفشته أطلعه الله عليه.
قال عز من قائل( وإذ أسرَّ النبي إلى بعض أزواجه حديثاً فلما نبّأت به وأظهره الله عليه عرَّف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبَّأها به قالت من أنبأك هذا قال نبَّأني العليم الخبير ) (٣) .
وخصَّ فاطمة عليها السلام بما خصّها به عند وفاته فيما أخرجه البخاري بسنده عن عائشة، قالت: أقبلتْ فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: مرحباً بابنتي. ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسرَّ إليها حديثاً فبكت، فقلت لها: لمَ تبكين؟ ثم أسرَّ إليها حديثاً فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرَحاً أقربَ من حزن.
____________________
(١) سنن ابي داود ٣/٣١٨ حديث ٣٦٤٤. مسند أحمد ٤/١٣٦. المستدرك على الصحيحين ٣/٣٥٨. الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٨/٥٢. شرح السنة ١/٢٦٨.
(٢) قيل نبأها بأن أبا بكر وعمر يليان الأمر من بعده، وهو مروي عن ابن عباس. وقيل: نبأها بأنه حرم مارية على نفسه، أو حرم على نفسه شرب العسل. راجع تفسير القرآن العظيم ٤/٣٩٠، التفسير الكبير ٣٠/٤٢ - ٤٣، الدر المنثور ٨/٢١٨.
(٣) سورة التحريم، الآية ٣.
فسألتها عما قال، فقالت: ما كنت لأفشي سرَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى قُبض النبي صلى الله عليه وآله فسألتها فقالت: أسرَّ إليَّ: إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العامَ مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي. فبكيت، فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين. فضحكت لذلك(١) .
وخصَّ أمير المؤمنين عليه السلام بما لم يخص به غيره كما أخرج الترمذي بسنده عن جابر، قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً يوم الطائف فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما انتجيته ولكن الله انتجاه(٢) .
وأخرج أحمد والحاكم وغيرهما عن أم سلمة، قالت: والذي أحلف به إن كان علي لأقرب الناس عهداً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قالت: عدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غداة بعد غداة، يقول: « جاء علي؟ » مراراً. قالت فاطمة: كان بعثه في حاجة. قالت: فجاء بعد. قالت: فظننت أن له إليه حاجة، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب، وكنت من أدناهم إلى الباب، فأكبَّ عليه علي فجعل يسارُّه ويناجيه، ثم قُبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يومه ذلك، فكان علي أقرب الناس به عهداً(٣) .
وأخرج ابن سعد وأبو نعيم والهيثمي وغيرهم عن ابن عباس قال: كنا نتحدّث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد إلى علي سبعين عهداً لم يعهدها إلى غيره(٤) .
هذا كله مضافاً إلى أن آية النجوى وهي قوله سبحانه( يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدّموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر، فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم ) (٥) لم يعمل بها أحد من هذه الأمة إلا علي بن أبي طالب عليه السلام كما نص عليه كل من وقفنا على قوله في الآية من العلماء والحفاظ والمفسرين.
أخرج الحاكم في المستدرك وغيرُه عن علي عليه السلام أنه قال:... إن في كتاب الله
____________________
(١) صحيح البخاري ٤/٢٤٧ - ٢٤٨ كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام.
(٢) سنن الترمذي ٥/٦٣٩. قال الملا علي القاري في شرح الحديث في مرقاة المفاتيح ١٠/٤٧١: والمعني أني بلغته عن الله ما أمرني أن أبلغه إياه على سبيل النجوى. وقال: قال الطيبي رحمه الله: كان ذلك أسرارا إلهية وأمورا غيبية جعله من خزائها.
(٣) مسند احمد ٦/٣٠٠. المستدرك ٣/١٣٨ وقال: هذا حديث صحيح الإسنا ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. فضائل الصحابة ٢/٦٨٦.
(٤) الطبقات الكبرى ٢/٣٣٨. حلية الأولياء ١/٦٨٦. مجمع الزوائد ٩/١١٣.
(٥) سورة المجادلة، الآية ١٢.
لآية ما عمل بها أحد ولا يعمل بها أحد بعدي، آية النجوى( يا أيها الذين آمنو إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) الآية. قال: كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم، فناجيت النبي صلى الله عليه وآله، فكنت كلما ناجيت النبي صلى الله عليه وآله قدمت بين يدي نجواي درهماً، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد، فنزلت( أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات ) الآية.(١)
٢ - كانت لأمير المؤمنين عليه السلام منزلة عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن لأحد غيره، فهو ربيبه وصهره على ابنته سيدة نساء العالمين فاطمة عليها السلام وابن عمه وأخوه بالمؤاخاة دون غيره من المسلمين، ولهذا كان أمير المؤمنين عليه السلام يدخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الوقت الذي لا يدخل عليه فيه أحد من الناس، كما أخرج النسائي وأحمد وابن خزيمة وغيرهم عن علي عليه السلام، أنه قال: كانت لي منزلة من رسول الله ٠لم تكن لأحد من الخلائق، آتيه بأعلى سَحَر، فأقول: السلام عليك يا نبي الله. فإن تنحنح انصرفت إلى أهلي، وإلا دخلت عليه(٢) .
وأخرج أحمد وابن خزيمة والبيهقي والطحاوي وغيرهم عن علي عليه السلام أنه قال: كانت لي ساعة من السَّحَر أدخل فيها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن كان في صلاته سبَّح، فكان ذلك إذنه لي، وإن لم يكن في صلاته أذن لي(٣) .
وروى السيد الرضي أعلى الله مقامه في نهج البلاغة عن علي عليه السلام أنه قال واصفاً منزلته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويُمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه...
إلى أن قال: ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل إثر أمّه، يرفع لي في كل يوم من
____________________
(١) المستدرك ٢/٤٨٢، قال الحاكم: هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. راجع جامع البيان في تفسير القرآن ٢٨/١٤. تفسير القرآن العظيم ٤/٣٢٦. الجامع لأحكام القرآن ١٧/٣٠١. التفسير الكبير ٢٩/٢٧٠. الدر المنثور ٨/٨٣. الكشاف ٤/٧٦.
(٢) سنن النسائي ٣/١٢ كتاب السهو، باب رقم ١٧. مسند أحمد ١/٨٥. صحيح ابن خزيمة ٢/٥٤. خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ص١٣٢. مرقاة المفاتيح ١٠/٤٧٨.
(٣) مسند أحمد ١/٧٧. صحيح ابن خزيمة ٢/٥٤. السنن الكبرى ٢/٢٤٧. مشكل الآثار ٢/٣٠٦. خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ص١٣٠.
أخلاقه علَماً، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوة، ولقد سمعت رنَّة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: يا رسول الله، ما هذه الرنة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته، وإنك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلا أنك لست بنبي، ولكنك لوزير، وإنك على خير(١) .
والحاصل أن منزلة علي عليه السلام من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تقتضي أن يسمع منه صلى الله عليه وآله ما لا يسمعه غيره، وأن يعلم منه ما لا يعلمه غيره، كما صحَّ عندهم مثل ذلك في أبي هريرة فيما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة إذ قال: إن الناس يقـولون: أكثَرَ أبو هـريرة. ولـولا آيتان في كتاب الله ما حدَّثت حديثاً. ثم يتلو( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات ) إلى قوله( الرحيم ) ، إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق في الأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون(٢) .
وأخرج أيضاً عنه أنه قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، فأما أحدهما فبثثْته، وأما الآخر فلو بثثْته قُطع هذا البلعوم(٣) .
فإذا صح عندهم مثل ذلك في حق أبي هريرة فمن باب أولى يصح مثله على الأقل في حق علي عليه السلام الذي صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذ نعومة أظفاره إلى أن التحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى جوار ربه، بينما لم تزد صحبة أبي هريرة أكثر من ثلاث سنين(٤) .
٣ - كان علي عليه السلام شديد الحرص على تحصيل العلوم، فكان يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمور الدين والدنيا، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يحرص على تعليمه كما أخرج الترمذي و حسَّنه عن عبد الله بن عمرو بن هند الحبلي، قال: قال علي: كنت إذا سألت رسول الله
____________________
(١) نهج البلاغة، ص٢٠٠.
(٢) صحيح البخاري ١/٣٩ كتاب العلم، باب حفظ العلم.
(٣) المصر السابق ١/٤٠.
(٤) أخر البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام ٤/٢٣٩، بسنده عن أبي هريرة، قال: صحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث سنين لم أكن في سني أحرص على أن أعي الحديث مني فيهن.
صلى الله عليه وآله وسلم أعطاني، و إذا سكتُّ ابتدأني(١) .
وأخرج ابن سعد عن علي عليه السلام أنه قيل له: مالَك أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثاً؟ فقال: إني كنت إذا سألته أنبأني، وإذا سكتُّ ابتداني(٢) .
هذا مضافاً إلى ما ورد من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سأل الله جل شأنه أن يجعل علياً عليه السلام الأذن الواعية لعلمه، حيث قال عند نزول قوله تعالى( وتعيها أذن واعية ) (٣) : سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي. قال علي: فما نسيت شيئاً بعد ذلك، وما كان لي أن أنسى(٤) .
هذا كله مع ما امتاز به علي عليه السلام من شدة الذكاء والفطنة ورجاحة العقل وقوة الحافظة، ولهذا كان عليه السلام يقول: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيمَ نزلت، وأين نزلت، إن ربي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً سؤولاً(٥) .
وبالجملة فمن كل ما تقدم يتضح أنه لا محذور في أن يخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام بما شاء من العلوم، ولا استبعاد في أن يكتب علي عليه السلام شيئاً مما كان قد سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صحيفة أسماها أو سُمّيت بعد ذلك الصحيفة الجامعة، ولا سيما أن غيره من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يكتبون بعض مسموعاتهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم كعبد الله بن عمرو بن العاص، كما في حديث البخاري الذي رواه عن أبي هريرة إذ قال: ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحد أكثر حديثاً عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب(٦) .
هذا مع نص بعض أعلام أهل السنة على أن علياً عليه السلام كان ممن يكتب حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
____________________
(١) سنن الترمذي ٥/٦٤٠.
(٢) الطبقات الكبرى ٢/٣٣٨. ترجمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من تاريخ دمشق ٢/٤٥٦.
(٣) سورة الحاقة، الآية.
(٤) جامع البيان في تفسير القرآن ٢٩/٣٥، ٣٦. الدر المنثور ٨/٢٦٧. تفسير القرآن العظيم ٤/٤١٣. التفسير الكبير ١٠/١٠٧. الجامع لأحكام القرآن ١٨/٢٦٤. الكشاف ٤/١٣٤. فتح القدير ٥/٢٨٢. تفسير غريب القرآن المطبوع بهامش تفسير الطبري ٢٩/٣٠ - ٣١. أسباب النزول، ص٢٩٤. لباب النقول في أسباب النزول، ص٢١٩.
(٥) الطبقات الكبرى ٢/٣٣٨. حلية الأولياء ١/٦٧ - ٦٨. ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق ٣/٢٦.
(٦) صحيح البخاري ١/٣٨ كتاب العلم، باب كتابة العلم.
قال ابن الصلاح: اختلف الصدر الأول رضي الله عنهم في كتابة الحديث، فمنهم من كرِه كتابة الحديث والعلم وأمروا بحفظه، ومنهم من أجاز ذلك...
إلى أن قال: وممن روينا عنه إباحة ذلك أو فعَله علي وابنه الحسن وأنس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص في جمع آخرين من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين(١) .
وقال السيوطي: وأباحها - أي كتابة الحديث - طائفة وفعلوها، منهم عمر وعلي وابنه الحسن وابن عمرو وأنس وجابر وابن عباس وابن عمر أيضاً، والحسن وعطاء وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز، وحكاه عياض عن أكثر الصحابة والتابعين(٢) .
* * *
قال الجزائري: ٣ - تكذيب علي رضي الله عنه في قوله الثابت الصحيح: لم يخصنا رسول الله آل البيت بشيء، وكذب على علي كالكذب على غيره حرام لا يحل.
والجــواب
أنا قد أوضحنا فيما تقدم أن هذا القول المروي عن علي عليه السلام ليس متواتراً حتى يلزم تكذيبه، وإنما هو مما رواه أهل السنة في كتبهم، فلا يصح الاحتجاج به على غيرهم.
على أنا لو سلَّمنا بصحة هذا الحديث وغيره مما يؤدِّي معناه فالظاهر منه أن علياً عليه السلام قد أخبر أنه ليس عند أهل البيت عليهم السلام شيء مكتوب يقرؤونه قد خصَّهم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون الناس غير القرآن إلا تلك الصحيفة كما بيَّناه فيما تقدم.
أما أن علياً عليه السلام قد كتب أو لم يكتب صحيفة أخرى تشتمل على بعض ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهذا شيء آخر لم يرد له ذكر في تلك الأحاديث، فإن ظاهر بعض تلك الأحاديث يدل على أن علياً عليه السلام قد سُئل عما خصَّه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما هو مكتوب، أما ما كتبه هو عليه السلام من حديثه صلى الله عليه وآله وسلم فلم يُرِده السائل، ولم يرِد في جوابه
____________________
(١) مقدمة ابن الصلاح، ص٨٧ - ٨٨.
(٢) تدريب الراوي ٢/٦٥.
عليه السلام. هذا وقد سبق بيان المزيد في هذا الحديث، فراجعه.
* * *
قال الجزائري: ٤ - الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو من أعظم الذنوب وأقبحها عند الله، إذ قال عليه الصلاة والسلام: إن كذباً عليَّ ليس ككذب على أحدكم، من كذب عليَّ متعمداً فليلج النار.
والجــواب
إن أراد أن ما جاء في الحديث من أن رسول الله صلى الله عليه وآله علَّم علياً عليه السلام ألف باب من العلم، يُفتح له من كل باب ألف باب هو كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيردُّه أنه مروي في كتبهم أيضاً فيما أخرجه المتقي الهندي في منتخب كنز العمال عن علي عليه السلام أنه قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألف باب، كل باب يفتح ألف باب.
وعن ابن عباس قال: إن علياً خطب الناس فقال: يا أيها الناس، ما هذه المقالة السيئة التي تبلغنيعنكم؟ والله لتقتلُنَّ طلحة والزبير ولتفتحُنَّ البصرة، ولتأتينكم مادة من الكوفة، ستة آلاف وخمسمائة وستين، أو خمسة آلاف وستمائة وخمسين. قال ابن عباس: فقلت الحرب خدعة. قال: فخرجت فأقبلت أسأل الناس: كم أنتم؟ فقالوا كما قال. فقلت: هذا مما أسرَّه إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إنه علَّمه ألف ألف كلمة، كل كلمة تفتح ألف ألف كلمة(١) .
هذا مع أنا قد أوضحنا فيما تقدَّم أن علياً عليه السلام كان ملازماً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان شديد الحرص على التعلم منه واقتفاء آثاره، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم شديد العناية به والرعاية له والحرص على تعليمه، فكان يجيب علياً عليه السلام إذا سأله، ويبتدؤه إذا لم يسأله.
وإذا صح عندهم أن أبا هريرة كان عنده وعاءان من العلم تلقَّاهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبثَّ أحاديثه الكثيرة من أحد ذينك الوعاءين، فكيف يُستبعد أن يحوي علي عليه السلام ألف باب من العلم، يُفتح له من كل باب ألف باب، مع قرب منزلته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكثرة ملازمته له، وطول صحبته، وكثرة مساءلته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،
____________________
(١) منتخب كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد ٥/٤٣.
وشدة ذكائه، وقوة حافظته كما مر بيانه مفصلاً؟!
هذا مضافاً إلى أن علياً عليه السلام قد أحاط بعلوم القرآن كما مرَّ(١) من قوله عليه السلام: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيمَ أُنزلت وأين نزلت.
وقوله عليه السلام: سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل.
وقول ابن مسعود رضي الله عنه أن عليّا عليه السلام أُوتي علم الظاهر والباطن(٢) .
هذا كله مع ما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها(٣) .
وأما إذا أراد أن ما جاء في الحديث من أن الجامعة هي من إملاء رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو كذب على النبي صلى الله عليه وآله، فهذا أمر لا يُجزم بعدم وقوعه، فلا يصح نفيه، ولا سيما أن الأحاديث التي سقناها إليك آنفاً قد دلَّت على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كثيراً ما كان ينتجي عليًّا عليه السلام فيخصّه بما شاء، وكان علي عليه السلام يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيجيبه، بل كان يبتدؤه بالتعليم ابتداءاً فيفيده، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يكتب بعض ما سمعه من حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وعليه فلا استبعاد ولا غرابة في أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أملى على أمير المؤمنين عليه السلام صحيفة جامعة في الحلال والحرام، ولا سيما أن بعض الأحاديث الصحيحة قد نصَّت على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يكتب للأمّة كتاباً، فحِيل بينه وبين كتابة ذلك الكتاب.
فقد أخرج البخاري - واللفظ له - ومسلم وأحمد وابن حبان وغيرهم عن ابن عباس، قال: لما حُضِر(٤) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلُّوا بعده. فقال عمر: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قرِّبوا يكتب لكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً لن تضلُّوا بعده. ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغط عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قوموا. قال عبيد الله: فكان ابن
____________________
(١) تقدم في ص٥٠.
(٢) راجع الطبقات الكبرى ٢/٣٣٨.
(٢) صححه الحاكم في المستدرك ٣/١٢٦، وحسنه السيوطي في تاريخ الخلفاء، ص١٥٩، وابن حجر والزركشي والعلائي كما في فيض القدير ٣/٤٦، ٤٧.
(٤) أي حضره الموت.
عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم(١) .
وأخرج مسلم عن ابن عباس، قال: يوم الخميس وما يوم الخميس. ثم جعل تسيل دموعه، حتى رأيت على خدّيه كأنها نظام اللؤلؤ. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ائتوني بالكتف والدواة (أو اللوح والدواة) أكتب لكم كتاباً لن تضلُّوا بعده. فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يهجر(٢) .
والذي احتمله النووي وغيره أن الذي أراده النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك الكتاب هو أن يكتب مهمات أحكام الدين، أو ينص على الخلفاء من بعده(٣) ، فإن صح الاحتمال الأول(٤) فليس من البعيد أن نقول: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما حيل بينه وبين كتابة ذلك الكتاب أملاه على أمير المؤمنين عليه السلام، فكتب من إملائه صلى الله عليه وآله وسلم صحيفة جامعة مشتملة على كل أحكام الدين من الحلال والحرام، والله العالم بحقائق الأمور.
* * *
قال الجزائري: ٥ - الكذب على فاطمة رضي الله عنها بأن لها مصحفاً خاصاً يعدل
____________________
(١) صحيح البخاري ٧/١٥٥ - ١٥٦ كتاب الطب، باب قول المريض قوموا عني. ٩/١٣٧ كتاب الاعتصام، باب كراهية الخلاف. ٦/١١ كتاب المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووفاته، ٤/١٢١ كتاب الجزية، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب، ٤/١٨٥ كتاب الجهاد، باب هل يستشفع إلى اهل الذمة ومعاملتهم. صحيح مسلم ٣/١٢٥٩ كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه. مسند أحمد ١/٣٢٤ - ٣٢٥، ٣٣٦. الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٨/٢٠١.
(٢) صحيح مسلم ٣/١٢٥٩. مسند أحمد ١/٣٥٥. وراجع مسند أحمد ١/٢٢٢، ٢٩٣ المستدرك ٣/٤٧٧. مجمع الزوائد ٤/٢١٤، ٥/١٨١.
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ١١/٩٠.
(٤) الصحيح هو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن ينص على أمير المؤمنين عليه السلام خليفة من بعده، وذلك لأن مهمات الأحكام كانت مبينة وموضحة في ذلك الحين، وقد أكمل الله الدين وأتم النعمة قبل هذا اليوم، ولأن النص على الخلفاء أهم من إعادة أحكام مبينة، وبالنص على الخلفاء يندفع كل اختلاف وبلاء وتضليل، ولأن من خفيت عليه مهمات الأحكام فخالفها لا يكون ضالا بل حتى لو خالفها وهو بها عالم، فإنه يكون فاسقا لا غير، ولان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو أراد أن يكتب مهمات الأحكام لما حدث اللغط والاختلاف ونسبة الهجر إليه، وما سبب اللغط إلا علمهم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يريد أن ينص على الخلفاء من بعده، ثم إن المناسب في ذلك الوقت - وهو قبيل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأيام قليلة - مع شدة وجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانشغاله بنفسه أن ينص على من يقوم بالأمر من بعده لا كتابة مهمات الأحكام قبيل وفاته بأيام قليلة.
القرآن ثلاث مرات، وليس فيه من القرآن حرف واحد.
والجــواب
لقد أوضحنا فيما سبق أن مصحف فاطمة عليها السلام هو كتاب فيه علم ما يكون وأسماء من يملكون إلى قيام الساعة، بإملاء الملَك أو جبرئيل عليه السلام وبخط علي بن أبي طالب عليه السلام.
وإنما سُمِّي مصحفاً لأنه كتاب جامع لصُحُف مكتوبة، وكل ما كان كذلك فهو مصحف لغة، وإن لم يكن قرآناً أو فيه شيء من سُوَره وآياته.
شُبهة وجوابها:
قد يقول قائل: إن ادِّعاء تكليم الملائكة غير الأنبياء باطل، فلا يصح ادعاء سماع فاطمة وعلي عليهما السلام كلام الملائكة عامة أو جبريل خاصة.
والجواب: أن الأحاديث التي أخرجها حفاظ الحديث من أهل السنة قد دلَّت على أكثر من ذلك في حق مَن هم دون أمير المؤمنين فاطمة عليها السلام.
ولنا أن نقسم تلك الأحاديث إلى أربع طوائف:
الطائفة الأولى : دلَّت على أن الناس لو استقاموا لصافحتهم الملائكة.
ومن ذلك ما أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد والحميدي والطيالسي وابن حبان وغيرهم عن حنظلة التميمي الأسيدي، أن النبي صلى الله عليه وآله قال: يا حنظلة، لو كنتم تكونون كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم أو في طرقكم(١) .
وفي رواية أخرى، قال: لو كنتم تكونون إذا فارقتموني كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة بأكُفِّها، ولزارتكم في بيوتكم(٢) .
____________________
(١) صحيح مسلم ٤/٢١٠٦ - ٢١٠٧ كتاب التوبة، باب رقم ٣. سنن الترمذي ٤/٦٦٦ وقال: هذا حديث حسن صحيح. سنن ابن ماجة ٢/١٤١٦. مسند أحمد ٢/٣٠٥، ٣/١٧٥، ٤/١٧٨، ٣٤٦، الجامع الصغير ٢/٤٢٨ حديث رقم ٧٤١٨، ٧٤١٩. مسند أبي داود الطيالسي، ص١٩١. شرح السنة ١/١٦٧. الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٩/٢٤٠ - ٢٤١. وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢/٤١٥ - ٤١٦، وصحيح الجامع الصغير ٢/٩٣١، ١١٩٠، وسلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٦٠٦.
(٢) مسند أبي داود الطيالسي، ص٣٣٧.
وعلى ذلك يُحمل تكليم الملائكة لمريم عليها السلام فيما حكاه الله سبحانه في كتابه العزيز، إذ قال( واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً * فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سويًّا * قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيًّا * قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكيًّا * قالت أنَّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيًّا * قال كذلك قال ربك هو علي هيِّن ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضيًّا ) (١) .
وقال عز من قائل( وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهَّرك واصطفاك على نساء العالمين * يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ) (٢) .
وعليه فهل يحق لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن ينفي عن أمير المؤمنين عليه السلام الاستقامة التي تؤهّله لأن تتحدَّث معه الملائكة في بيته، وهو مولى كل مؤمن ومؤمنة(٣) ، الذي يدور معه الحق حيثما دار(٤) ، وأخو النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا والآخرة(٥) ، وباب مدينة علمه(٦) ، الذي يحبه الله ورسوله، و يحبه الله
____________________
(١) سورة مريم، الآيات ١٦ - ٢١.
(٢) سورة آل عمران، الآيتان ٤٢، ٤٣.
(٣) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « من كنت مولاه فعلي مولاه ». راجع سنن الترمذي ٥/٦٣٣. سنن ابن ماجة ١/٤٣. المستدرك ٣/١٠٩، ١١٠. مسند أحمد ١/٨٤، ١١٨، ١١٩، ١٥٢، ٣٢١، ٤/٢٨١، ٣٦٨، ٣٧٠، ٣٧٢، ٥/٣٤٧، ٦٦، ٤١٩. حلية الاولياء ٤/٢٣، ٥/٢٧، ٣٦٤. مجمع الزوائد ٩/١٠٣ - ١٠٦. كتاب السنة، ص٥٩٠، ٥٩٦. عده السيوطي في قطف الازهار المتناثرة، ص٢٧٧ من الاحاديث المتواترة، وكذا الكتاني في نظم المتناثر، ص٢٠٥، والزبيدي في لقط اللآلئ المتناثرة، ص٢٠٥، والحافظ شمس الدين الجزري في أسنى المطالب، ص٥، والألباني في سلسلة الاحايث الصحيحة ٤/٣٤٣. وصححه جمع من اعلام اهل السنة. راجع كتابنا دليل المتحيرين، ص٣٧٠.
(٤) أخرج الحاكم في المستدرك ٣/١٢٤ - ١٢٥ عن علي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم أدر الحق معه حيث دار. وقال: هذاحديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. راجع كتابنا المذكور، ص٢٥٣ - ٢٥٤.
(١) أخرج الترمذي في سننه ٥/٦٣٦ وحسنه، والحاكم في المستدرك ٣/١٤ وغيرهما، عن ابن عمر، قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه، فجاء علي تدمع عيناه، فقال: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد! فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنت أخي في الدنيا والآخرة.
(٢) أخرج الحاكم في المستدرك ٣/١٢٦ - ١٢٧ وصححه عن علي عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: انا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب. وأخرجه الترمذي في سننه ٥/٦٣٧، إلا أنه قال: أنا دار الحكمة.... راجع مصادر هذا الحديث في كتاب الغدير للأميني ٦/٦١ - ٨١.
ورسوله(١) ،ومنزلته من النبي كمنزلة هارون من موسى(٢) ،ولا يحبّه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق(٣) ؟!
وهل يحق لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن ينفي عن فاطمة الزهراء عليها السلام الأهلية لذلك، وهي سيّدة نساء العالمين، وسيدة نساء أهل الجنة(٤) ، وبضعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي يؤذيه ما يؤذيها(٥) ، والتي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها(٦) .
الطائفة الثانية: دلَّت على أن بعضاً من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع كلام بعض الملائكة.
ومنها ما أخرجه أحمد عن حذيفة بن اليمان أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: بينما أنا أصلّي
____________________
(١) أخرج البخاري في صحيحه ٥/٢٢ - ٢٣، ومسلم كذلك ٤/١٨٧١ - ١٨٧٢، والترمذي في سننه ٥/٦٣٨ وصححه، وأحمد في المسند ١/٧٨، ٩٩، ١٣٣، ١٨٥، ٣٣٠، ٥/٣٣٣، ٣٥٨، والحاكم في المستدرك ٣/٣٨، ١٠٩، ٤٣٧ وصححه ووافقه الذهبي، عن سعد وغيره، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لاعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.
(٢) أخرج البخاري في صحيحه٥/٢٤، ومسلم كذلك ٤/١٨٧٠-١٨٧١، والترمذي في سننه ٥/٦٣٨ وصححه، وابن ماجة في سننه ١/٤٢، وأحمد في المسند ١/١٧٠،١٧٣،١٧٤،١٧٥،١٧٧،١٧٩،١٨٢،١٨٤،١٨٥،٣٣٠،٣/٣٢، ٣٣٨،٦/٣٦٩،٤٣٨، والحاكم في المستدرك ٣/١٠٩ وصححه ووافقه الذهبي، أبو داود الطيالسي في مسنده ص٢٩، عن سعد وغيره، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي.
(٣) أخرج مسلم في صحيحه ١/٨٤، ٩٥، ٢٦٢، والترمذي في سننه ٥/٦٤٣، ٦٤٥، وابن ماجة في سننه ١/٤٢، وأحمد في المسند ١/١٧٠، سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٢٩٨، صحيح سنن ابن ماجة ١/٢٥، صحيح سنن النسائي ٣/١٠٣٣.
(٤) صحيح البخاري ٥/٢٥ كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ص٣٦ مناقب فاطمة عليها السلام. ٥/٢٤٧ كتاب المناقب،باب علامات النبوة في الإسلام. ٨/٧٩ كتاب الاستئذان، باب من ناجى بين يدي الناس... الخ. صحيح مسلم ٤/١٩٠٤ - ١٩٠٦ كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة عليها السلام. سنن الترمذي ٥/٦٦٠. سنن ابن ماجة ١/٥١٨. صحيح سنن ابن ماجة ١/٢٧٠. سنن الطيالسي، ص١٩٦. المستدرك ٣/١٥١، ١٥٦ وصححه وافقه الذهبي. الطبقات الكبرى ٨/٢٦. مسند أحمد ٥/٣٩١، ٦/٢٨٢. حلية الاولياء ٢/٣٩، ٤٢. مشكل الآثار ١/٤٨، ٥٠. مجمع الزوائد ٩/٢٠١. در السحابة، ص٢٧٤، ٢٧٦. شرح السنة ١٤/١٦٠ وقال: هذا حديث متفق على صحته. مشكاة المصابيح ٣/١٧٣١. فضائل الصحابة ٢/٧٦٣.
(٥) صحيح البخاري ٥/٣٦ كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، باب مناقب فاطمة عليها السلام. ٧/٤٧ كتاب النكاح، باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف. صحيح مسلم ٤/١٩٠٢ - ١٩٠٤ كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة عليها السلام. سنن أبي داود ٢/٢٢٦. سنن الترمذي ٥/٦٩٨، ٦٩٩ وصححهما. سنن ابن ماجة ١/٦٤٣. صحيح سنن أبي داود ٢/٣٩١. مسند أحمد ٤/٢٢٣، ٢٣٦، ٣٢٨، ٣٣٢. المستدرك ٣/١٥٤، ١٥٨، ١٥٩. مشكاة المصابيح ٣/١٧٣٢. فضائل الصحابة ٢/٧٥٥، ٧٥٦، ٧٦٥. السنن الكبرى ١٠/٢٠١. شرح السنة ١٤/١٥٨، ١٥٩، وقال: هذا حديث متفق على صحته.
(٦) المستدرك ٣/١٥٤ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. مجمع الزوائد٩/٢٠٣ قال: رواه الطبراني، وإسناده حسن. در السحابة، ص٢٧٧.
إذ سمعت متكلماً يقول: اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، بيدك الخير كله، إليك يرجع الأمر كله، علانيته وسرّه، فأهل أن تُحمد، إنك على كل شيء قدير، اللهم اغفر لي جميع ما مضى من ذنبي، واعصمني فيما بقي من عمري، وارزقني عملاً زاكياً ترضى به عني. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ذاك ملَك أتاك يعلِّمك تحميد ربك(١) .
الطائفة الثالثة: ما دلَّ على أن جمعاً من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأوا جبرئيل عليه السلام.
ومن ذلك ما أخرجه مسلم - واللفظ له - والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد وغيرهم عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً بارزاً للناس، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر. قال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. قال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لا تراه فإنه يراك.
إلى أن قال: ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رُدُّوا عليَّ الرجل. فأخذوا ليَردُّوه فلم يروا شيئاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هذا جبريل جاء ليُعَلِّم الناس دينهم(٢) .
وممن رُوي أنه رأى جبريل عليه السلام عائشة فيما أخرجه ابن سعد عنها أنها قالت: لقد رأيت جبريل واقفاً في حجرتي هذه على فرس ورسول الله يناجيه، فلما دخل قلت: يا رسول الله، من هذا الذي رأيتك تناجيه؟ قال: وهل رأيتِه؟ قلت: نعم. قال: فبمن شبَّهتِه؟ قلت: بدحية الكلبي. قال: لقد رأيتِ خيراً كثيراً، ذاك جبريل...(٣) .
وأخرج أحمد عن عائشة أنها قالت: رأيتك يا رسول الله وأنت قائم تكلم دحية الكلبي. فقال: وقد رأيتِه؟ قالت: نعم. قال: فإنه جبريل، وهو يقرئك السلام. قالت: وعليه السلام ورحمة الله، جزاه الله من زائر ودخيل، فنعم الصاحب ونعم الدخيل(٤) .
ومنهم : عبد الله بن العباس فيما أخرجه أحمد عن ابن عباس، قال: كنت مع أبي
____________________
(١) مسند أحمد ٥/٣٩٦.
(٢) صحيح مسلم ١/٣٦ - ٤٠ كتاب الإيمان، باب رقم ١. سنن أبي داود ٤/٢٢٣. سنن الترمذي ٥/٦. سنن ابن ماجة ١/٢٤ - ٢٥. سنن النسائي ١/٢٤٩. مسند أحمد ١/٢٧، ٢٨، ٥٢، ٥٣.
(٣) الطبقات الكبرى ٨/٦٧ - ٦٨.
(٤) مسند أحمد ٦/٧٤ - ٧٥، ١٤٦.
عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده رجل يناجيه، فكان كالمعرض عن أبي، فخرجنا من عنده، فقال لي أبي: أي بُني، ألم ترَ إلى ابن عمك كالمعرض عني؟ فقلت: يا أبتِ، إنه كان عنده رجل يناجيه. قال: فرجعنا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال أبي: يا رسول الله، قلتُ لعبد الله كذا وكذا، فأخبرني أنه كان عندك رجل يناجيك، فهل كان عندك أحد؟ فقـال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وهل رأيتَه يا عبد الله؟ قال: قلت: نعم. قال: فإن ذاك جبريل، وهو الذي شغلني عنك(١) .
ومنهم : محمد بن مسلمة فيما أخرجه الذهبي عنه، قال: مررت فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الصفا واضعاً يده على يد رجل، فذهبت. فقال: ما منعك أن تسلِّم؟ قلت: يا رسول الله، فعلتَ بهذا الرجل شيئاً ما فعلته بأحد، فكرهت أن أقطع عليك حديثك، مَن كان يا رسول الله؟ قال: جبريل، وقال لي: هذا محمد بن مسلمة لم يسلِّم، أما إنه لو سلَّم رددنا عليه السلام(٢) .
ومنهم: حارثة بن النعمان فيما أخرجه ابن سعد والهيثمي عنه، قال: رأيت جبريل من الدهر مرتين، يوم الصَّوْرَين حين خرج رسول الله إلى بني قريظة، مرَّ بنا في صورة دحية، فأمرَنا بلبس السلاح، ويوم موضع الجنائز حين رجعنا من حنين(٣) .
وأخرج أحمد عنه، قال: مررت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه جبريل جالس في المقاعد، فسلَّمت عليه ثم أجزت، فلما رجعت وانصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: هل رأيت الذي كان معي؟ قلت: نعم. قـال: إنه جبريل عليه السلام وقد ردَّ عليك السلام(٤) .
الطائفة الرابعة: دلت على أن بعض صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت الملائكة تسلِّم عليه وتصافحه ويراهم عياناً.
ومن ذلك ما أخرجه مسلم عن عمران بن حصين - في حديث - قال: وقد كان يُسَلَّم عليَّ حتى اكتويتُ فتُرِكْتُ، ثم تَركْتُ الكَيّ فعاد.
وعن مطرف قال: بعث إليَّ عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه فقال:
____________________
(١) المصدر السابق ١/٢٩٣ - ٢٩٤، ٣١٢.
(٢) سير أعلام النبلاء ٢/٣٧٠.
(٣) الطبقات الكبرى ٣/٤٨٨.
(٤) مسند أحمد ٥/٤٣٣، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣١٣: رواه أحمد والطبراني، ورجاله رجال الصحيح.
إني كنت محدِّثك بأحاديث لعل الله ينفعك بها بعدي، فإن عشتُ فاكتم عني، وإن متُّ فحدِّث بها إن شئت، إنه قد سُلِّمَ عليَّ...(١) .
قال النووي في الشرح: ومعنى الحديث أن عمران بن الحصين رضي الله عنه كانت به بواسير، فكان يصبر على المهمات، وكانت الملائكة تسلِّم عليه، فاكتوى فانقطع سلامهم عليه، ثم ترك الكي، فعاد سلامهم عليه(٢) .
وأخرج ابن سعد عن قتادة: أن الملائكة كانت تصافح عمران بن حصين حتى اكتوى فتَنَحَّتْ(٣) .
قال الذهبي في ترجمة عمران بن حصين: وكان ممن يسلّم عليه الملائكة...
وقال: وكان به داء الناصور فاكتوى لأجله، فقال: اكتوينا فما أفلحن ولا أنجحن. وروينا أنه لما اكتوى انقطع عنه التسليم مدة ثم عاد إليه(٤) .
وقال ابن حجر: وكانت الملائكة تصافحه قبل أن يكتوي(٥) .
وقال النووي: كانت الملائكة تسلّم عليه ويراهم عياناً كما جاء مصرحاً به في صحيح مسلم(٦) .
وقال ابن عبد البر: يقول عنه أهل البصرة: إنه كان يرى الحفَظة، وكانت تكلّمه حتى اكتوى(٧) .
إلى غير ذلك مما لا يُحصى كثرة، ولا نحتاج إلى تتبّعه واستقصائه(٨) .
وبالجملة فالأحاديث المروية الدالة على رؤية جمع الصحابة للملائكة،
____________________
(١) صحيح مسلم ٢/٨٩٩: كتاب الحج، باب جواز التمتع.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٨/٢٠٦.
(٣) الطبقات الكبرى ٤/٢٨٨.
(٤) تذكرة الحفاظ ١/٢٩ - ٣٠.
(٥) تهذيب التهذيب ٨/١١٢.
(٦) تهذيب الأسماء واللغات ٢/٣٦.
(٧) الاستيعاب ٣/٢٢.
(٨) راجع إن شئت سنن أبي داود ٤/٥. مسند أحمد ٤/٤٢٧. المستدرك ٣/٤٧٢. أُسد الغابة ٤/١٣٨. الإصابة ٣/٢٦، ٢٧. سير أعلام النبلاء ٢/٥٠٨، ٥١٠، ٥١١. شذرات الذهب ١/٥٨. تاريخ الإسلام ٣/٢٧٥، ٢٧٦. البداية والنهاية ٨/٦٢.
وسلامهم عليهم وكلامهم معهم لا تُحصى كثرة، وفيما ذكرناه كفاية.
ومن كل ذلك نخلص إلى أن سماع أمير المؤمنين وسيدة نساء العالمين عليهما السلام حـديث الملَك أو جبرئيل عليه السلام ممكن الوقوع، بل إن ذلك غير مستبعد منهما، ولا سيما بعدما رأينا الأحاديث الكثيرة الدالة على تكليم الملائكة وسلامهم ومصافحتهم لمن هو دونهما عليهما السلام، فالجرأة على إنكار كلام الملائكة مع علي وفاطمة عليهما السلام خطأ بيِّن فاحش لا يجوز لمسلم أن يقدم عليه، لأنه طعن واضح في العترة النبوية الطاهرة، أعاذنا الله من ذلك.
* * *
قال الجزائري: ٦ - صاحب هذا الاعتقاد لا يمكن أن يكون من المسلمين أو يُعَد من جماعتهم وهو يعيش على علوم ومعارف وهداية ليس للمسلمين منها شيء.
والجــواب
الظاهر أنه يشير إلى اعتقاد أن أهل البيت عليهم السلام عندهم الجامعة والجفر ومصحف فاطمة عليها السلام بقرينة قوله: وهو يعيش على علوم ومعارف وهداية ليس للمسلمين منها شيء.
وكيف كان، فالذي يعتقد بذلك لحصول أدلة صحيحة عنده لا يجوز التسرُّع في الحكم بكفره والجزم بخروجه عن جماعة المسلمين، لأن هذا الاعتقاد لو سلَّمنا ببطلانه جدلاً فمَن اعتقد به عن شُبهة لا يُكفَّر بل ولا يُفسَّق، لأنه لم يجحد ما عُلم ثبوته في الدين بالضرورة، بل إن شُبهته تمنع من الإقدام على تكفيره حتى لو أنكر ضرورياً فضلاً عن غيره.
ومن الواضح أن اعتقاد حيازة أهل البيت عليهم السلام لهذه الكتب لا يستلزم إنكار ضروري في الدين، بل إن إنكار ذلك فيه احتمال الوقوع في الهلكة برد ما هو ثابت وصحيح، وبالإقدام على النيل من العترة النبوية الطاهرة، عصمنا الله من ذلك بمنّه وكرمه. وقد مر ما ينفع في المقام آنفاً عند ذِكرنا للأحاديث الناهية عن رد ما يقوله أهل الكتاب، فراجعه.
وتعليل خروج من يعتقد بهذا الأمر عن دائرة الإسلام وجماعة المسلمين بأنه يعيش على علوم ومعارف وهداية ليس للمسلمين منها شيء تعليل باطل، لأن اعتقاد ذلك لا يعني أن هذه الكتب والصحف هي في حيازة الشيعة يهتدون بها دون سائر المسلمين، ولو سلَّمنا بذلك فلا محذور في أن يتمسك الشيعة الإمامية بالعترة النبوية الطاهرة، فيأخذون بهديهم، ويتزوَّدون من علومهم، وينهلون من معارفهم اتباعاً لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتمسك بالثقلين الذين خلَّفهما للأمة، إذ قال: إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلُّوا بعدي الثقلين، أحدهما أكبـر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض(١) .
هذا مضافاً إلى أن الفرقة الناجية لا بد أن تكون لها هداية ومعارف ليست لغيرها من الطوائف، وإلا لما كان في المسلمين فرقة ناجية واحدة، ووجب أن تكون كل فِرَق المسلمين ناجية، وهو باطل.
* * *
قال الجزائري:٧ - وأخيراً فهل مثل هذا الهراء الباطل والكذب السخيف تصح نسبته إلى الإسلام، دين الله الذي لا يقبل غيره؟!
( ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يُقبَل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) .
والجــواب:
أنَّا أوضحنا بما لا مزيد عليه أن كل ما أنكره الجزائري وشنع به على الشيعة لا محذور فيه، والأحاديث الصحيحة المروية في كتب أهل السنة تعضِّده وتؤيِّده، مع أن مثله مذكور في كتب أهل السنة أو أكثر منه. وكل ما ذكره من اللوازم غير لازم، فإنه حمَّل حديث « الكافي » الذي افتتح به حقيقته هذه ما لا يحتمل من الخيالات الباطلة والأوهام الفاسدة، التي كان الداعي إلى ذكرها هو التعلق بكل ما يكفّر به الشيعة وإن كان باطلاً.
وعليه فأي هراء باطل في هذا الحديث وأي كذب سخيف؟!
____________________
(١) سبق تخريج مصادره في صفحة ٧٣ من هذا الكتاب.
والذي رأيناه في كلمات القوم أنهم يرون كل فضيلة لأهل البيت عليهم السلام هراءاً باطلاً وكذباً سخيفاً، وكل فضيلة لغيرهم هي من الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وكلام الجزائري هنا جارٍ على هذا المنوال، فلا نتعجب من صدور ذلك منه وممن هو على شاكلته، والله المستعان وإليه المشتكى، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
كشف
الحقيقة الخامسة
قال الجزائري:
الحقيقة الخامسة
اعتقاد أن موسى الكاظم قد فدى الشيعة بنفسه!!
أورد صاحب الكافي هذه الحقيقة بقوله: إن أبا الحسن موسى الكاظم - وهو الإمام السابع من أئمة الشيعة الاثني عشرية - قال: الله عز وجل غضب على الشيعة، فخيَّرني نفسي أو هم، فوقيتهم بنفسي.
أقــول:
هذا الحديث رواه الكليني رحمه الله عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن موسى عليه السلام. فهو حديث ضعيف الإسناد، لأنه مرسَل قد جُهل بعض رواته.
* * *
قال الجزائري: والآن أيها الشيعي، فما مدلول هذه الحكاية التي ألزموك باعتقادها، بعدما فرضوا عليك الإيمان بها وتصديق مدلولها حسب ألفاظها قطعاً؟
إن موسى الكاظم رحمه الله تعالى قد رضي بقتل نفسه فداءً لأتباعه، من أجل أن يغفر الله لهم، ويدخلهم الجنة بغير حساب.
والجواب:
أنا ذكرنا أن هذا الحديث ضعيف السند، فلا يصح العمل به ولا الاعتقاد بمضمونه، لأنا أوضحنا مكرراً أن الحديث الضعيف لا يحتج به لا في المعتقدات ولا في
الفروع الفقهية، فكل ما ذكره الجزائري مما زعم أنها لوازم غير لازم.
وعليه، فزعم الجزائري أن مضمون هذا الخبر مما أُلزم الشيعي باعتقاده وفُرض عليه الإيمان به زعم باطل لم يستند إلى حجة، ومجرد روايته في الكافي لا يدل على أن الشيعة يعتقدون به كما أوضحناه فيما تقدم.
وما ذكره من التعليل في قوله: « إن موسى الكاظم رحمه الله تعالى قد رضي بقتل نفسه فداءً لأتباعه من أجل أن يغفر الله لهم، ويدخلهم الجنة بغير حساب » لا يدل عليه الحديث، فإن ظاهر الحديث قد دلَّ على أن الإمام الكاظم عليه السلام قد وقى الشيعة بنفسه من القتل في الدنيا، أما أنه علي السلام قد فداهم بنفسه لغفران ذنوبهم ولإدخالهم الجنة بغير حساب فلا يدل عليه الحديث بأي دلالة كما هو واضح.
معنى الحديث
قوله عليه السلام: « إن الله غضب على الشيعة » يعني به جماعة من الشيعة المعاصرين له عليه السلام، وإنما غضب عليهم لأمور وقعت منهم.
قال المولى المجلسي أعلى الله مقامه: « غضب على الشيعة » إما لتركهم التقية، فانتشر أمر إمامته عليه السلام، فتردد الأمر بين أن يقتل الرشيد شيعته ويتتبعهم، أو يحبسه عليه السلام ويقتله، فدعا عليه السلام لشيعته، واختار البلاء لنفسه. وإما لعدم انقيادهم لإمامهم وخلوصهم في متابعته وإطاعة أوامره، فخيَّره الله تعالى بين أن يخرج على الرشيد فتُقتل شيعته إذا يخرج، فينتهي الأمر إلى ما انتهى إليه.
وقيل: خيَّرني الله بين أن أوطِّن نفسي على الهلاك والموت، أو أرضى بإهلاك الشيعة، « فوقيتهم والله بنفسي » يعني فاخترتُ هلاكي دونهم.
وقيل: أي فخيرني بين إرادة موتي أو موتهم، لتحقّق المفارقة بيني وبينهم، فاخترتُ لقاء الله شفقة عليهم(١) .
وحاصل معنى الحديث أن الله سبحانه قد غضب على بعض الشيعة لأمور قبيحة صدرت منهم، فدار الأمر حينئذ بين قتل الإمام موسى بن جعفر عليه السلام وبين هلاك الشيعة، فاختار الإمام عليه السلام قتله، ووقى شيعته بنفسه، فحصلت لهم بذلك
____________________
(١) مرآة العقول ٣/١٢٦.
النجاة من القتل والبلاء.
قال الجزائري: تأمل أيها الشيعي وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه من صالح المعتقد والقول والعمل. تأمل هذه الفرية ولا أقول غير الفرية(١) ، وذلك لمجانبتها الحق، وبعدها كل البعد عن الواقع والصدق، تأملها فإنك تجدها تلزم معتقدها بأمور عظيمة، كل واحد لا ترضى أن ينسب إليك أو تنتسب أنت إليه ما دمت ترضى بالله ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبيًّا.
والجــواب:
أنَّا أوضحنا أن هذا الحديث ضعيف السند، والحديث الضعيف كما مر لا يُلزم الشيعة بشيء مما جاء فيه، ولا يُحتج عليهم به.
على أنَّا لو سلَّمنا بصحة هذا الحديث فإن معناه لا تردُّه العقول، ولا يستلزم شيئاً من اللوازم الفاسده التي ذكرها الجزائري، لإمكان حمله على وجوه صحيحة لا تأباها ألفاظ الحديث كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
* * *
ثم إن الجزائري أخذ في سرد أمور جعلها لوازم يُلزَم بها كل واحد من الشيعة الإمامية، فقال:
وتلك الأمور: ١ - الكذب على الله عز وجل في أنه أوحى إلى موسى الكاظم بأنه غضب على الشيعة، وأنه خيَّره نفسه أو شيعته، وأنه فداهم بنفسه، فهذا والله لكذب عليه عز وجل، وهو يقول ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ) .
والجـواب:
١ - أن الحديث لا دلالة فيه على أن الله أوحى إلى الإمام موسى الكاظم عليه السلام أنه غضب على الشيعة وأنه خيَّره نفسه أو الشيعة، لأنه عليه السلام لم يقل: « إن الله عز وجل أوحى إليَّ ذلك ».
____________________
(١) صدق الجزائري في هذا القول، فإنه لم يقل في كتيبه هذا على الشيعة إلا الفرية.
والحديث لا يدل على أكثر من أن الإمام عليه السلام علم بأن الله سبحانه قد غضب على جمع من الشيعة، أما كيف علم الإمام عليه السلام بذلك فهذا شيء آخر.
ويحتمل في المقام أمران:
١ - أنه عليه السلام علم ذلك بالإلهام، فإن الإلهام يقع في هذه الأمَّة، وأثبته أهل السنة لجمع من الناس، منهم عمر بن الخطاب.
واستدلوا على ثبوت الإلهام لخصوص عمر بن الخطاب بما أخرجه البخاري مسلم والترمذي وأحمد والحاكم وابن حبان والطيالسي والطحاوي وغيرهم عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدَّثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر(١) .
قال ابن حجر: « محدَّثون » جمع محدَّث، واختُلف في تأويله، فقيل: مُلهَم. قاله الأكثرون، قالوا: المحدَّث هو الرجل الصادق الظن، وهو مَن أُلقي في روعه شيء من قِبَل الملأ الأعلى، فيكون كالذي حدَّثه غيره به(٢) .
وقال أيضاً: وتمحَّضت الحكمة في وجودهم - يعني المحدَّثين - وكثرتهم بعد العصر الأول في زيادة شرف هذه الأمة بوجود أمثالهم فيه، وقد تكون الحكمة في تكثيرهم مضاهاة بني إسرائيل في كثرة الأنبياء فيهم، فلما فات هذه الأمة كثرة الأنبياء فيها لكون نبيّها خاتم الأنبياء، عُوِّضوا بكثرة الملهَمين(٣) .
وعلى هذا فليس بمستبعد أن يكون الإمام الكاظم عليه السلام واحداً من هؤلاء المحدَّثين الكثيرين في هذه الأمة. لأنه إمام من أئمة المسلمين وواحد من رؤساء الدين. وهذه كلمات أعلام أهل السنة تصدح في الإشادة بجلالته والتنويه بعظمته وسمو مكانته، وهي أكثر من أن يتسع لها المقام، وإليك بعضاً منها:
قال ابن حجر: موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، أبو
____________________
(١) صحيح البخاري ٤/٢١١ كتاب الأنبياء، باب رقم ٥١. صحيح مسلم ٤/١٨٦٤ كتاب فضائل الصحابة، باب رقم ٢. سنن الترمذي ٥/٦٢٢. مسند أحمد ٢/٣٣٩، ٦/٥٥. المستدرك ٣/٨٦. الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٩/٢١. مسند أبي داود الطيالسي، ص٣٠٨. مشكل الآثار ٢/٢٥٦. فضائل الصحابة ١/٣٥٤ - ٣٥٥، ٣٦١، ٣٦٢. در السحابة، ص١٦١. مشكاة المصابيح ٣/١٧٠٢. الفردوس بمأثور الخطاب ٣/٢٧٨.
(٢) فتح الباري ٧/٣٩.
(٣) المصدر السابق ٧/٤٠.
الحسن الهاشمي، المعروف بالكاظم، صدوق عابد(١) .
وقال: ومناقبه كثيرة(٢) .
وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، إمام من أئمة المسلمين(٣) .
وقال الذهبي: كان صالحاً عابداً جواداً حليماً كبير القدر(٤) .
وقال: قد كان موسى من أجواد الحكماء ومن العُبَّاد الأتقياء، وله مشهد معروف ببغداد(٥) .
وقال أيضاً: أجلّ آل جعفر وأشرفهم ابنه موسى الكاظم، الإمام القدوة السيد أبو الحسن العلوي والد الإمام علي بن موسى الرضا، مدني نزل بغداد(٦) .
وقال كذلك: روى أصحابنا أنه دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسجد سجدة في أول الليل، فسُمع وهو يقول في سجوده: « عظُم الذنب عندي، فليحسن العفو من عندك، يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة »، فجعل يردّدها حتى أصبح. وكان سخيًّا كريماً، يبلغه عن الرجل أنه يؤذيه فيبعث إليه بصرّة فيها ألف دينار(٧) .
وقال يحيى بن الحسن بن جعفر النسابة: كان موسى بن جعفر يُدعى العبد الصالح من عبادته واجتهاده(٨) .
وقال ابن الجوزي: كان يُدعى العبد الصالح، لأجل عبادته واجتهاده وقيامه بالليل، وكان كريماً حليماً، إذا بلغه عن رجل أنه يؤذيه بعث إليه بمال(٩) .
وقال ابن كثير: كان كثير العبادة والمروءة، إذا بلغه عن أحد أنه يؤذيه أرسل له بالذهب والتحف(١٠) .
____________________
(١) تقريب التهذيب، ص٥٥٠.
(٢) تهذيب التهذيب ١٠/٣٠٣.
(٣) الجرح والتعديل ٨/١٣٩.
(٤) العبر في خبر من غير ١/٢٢٢.
(٥) ميزان الاعتدال ٤/٢٠٢.
(٦) سير أعلام النبلاء ٦/٢٧٠.
(٧) المصدر السابق ٦/٢٧١.
(٨) تهذيب التهذيب ١٠/٣٠٢.
(٩) صفة الصفوة ٢/١٨٤.
(١٠) البداية والنهاية ١٠/١٨٩.
وقال ابن تيمية: وموسى بن جعفر مشهور بالعبادة والنّسك(١) .
وقال السويدي: هو الإمام الكبير القدر، الكثير الخير، كان يقوم ليله، ويصوم نهاره، وسُمّي كاظماً لفرط تجاوزه عن المعتدين... وكانت له كرامات ظاهرة ومناقب لا يسع مثل هذا الموضع ذكرها(٢) .
وبالجملة، فالإمام موسى بن جعفر عليه السلام هو بدرجة من الجلالة والرفعة وعظم الشأن بحيث لا يُنكر في حقه أن يكون واحداً من أولئك المحدَّثين.
٢ـ لعلَّ الإمام عليه السلام إنما قال ذلك بناءً على ما هو الظاهر من أن الله سبحانه يغضب على مَن فعَل فعلاً من الأمور العظيمة التي يكون لها آثار سيّئة على الإسلام والمسلمين، فإن الإمام عليه السلام لما رأى أن جماعة من الشيعة قد تركوا التقية وصرَّحوا باسم الإمام عليه السلام، علِمَ أن الله قد غضب عليهم، بتعريضهم الإمام عليه السلام أو باقي الشيعة للقتل والهلاك، لأن مَن أعان على قتل امرئ مسلم ولو بشطر كلمة لقي الله مكتوباً بين عينيه: « آيس من رحمة الله » كما جاء في الخبر(٣) ، فكيف بمن تسبَّب في قتل إمام المسلمين؟!
* * *
قال الجزائري: ٢ - الكذب على موسى الكاظم رحمه الله وبهته بهذه الفرية التي هو منها والله لبراء.
والجـواب:
أن الكليني قدس سره روى هذا الحديث في كتابه الكافي بظن أنه معتبر، وغيره من علماء الشيعة لم يوافقوه في ذلك، فالكليني اجتهد في الحديث فأخطأ في الحكم عليه بالاعتبار، وهذا من الأمور المغتفرة للعالم المجتهد كما هو معلوم.
والحديث مع قولنا بضعفه إلا أنّا لا نجزم بأنه مكذوب على الإمام الكاظم
____________________
(١) منهاج السنة النبوية ٢/١٢٤.
(٢) سبائك الذهب، ص٧٥.
(٣) أخرجه ابن ماجة في السنن ٢/٨٧٤، والبيهقي في السنن الكبرى ٨/٢٢، والمنذري في الترغيب والترهيب ٣/١٨٥، والتبريزي في مشكاة المصابيح ٢/١٠٣٥ وغيرهم.
عليه السلام، وقد اتضح ذلك مما تقدم. على أنه لو ثبت أن هذا الحديث مكذوب على الإمام الكاظم عليه السلام فمن الجور أن يُنْسب الشيعة كلهم إلى الكذب في الوقت الذي نرى فيه علماء الشيعة لا يصحّحون هذا الحديث ولا يعتقدون بمضونه.
وكيف كان فلو جاز ذلك لحق لنا نسبة كل الطوائف إلى الكذب، لأنه ما من طائفة إلا وفي كتبها المعتمدة كثير من الأحاديث المكذوبة كما لا يخفى على من تتبّع كتب الأحاديث.
وقوله: «وبهته بهذه الفرية التي هو منها والله براء » فيه أن البهتان هو الكذب على المرء بما ليس فيه مما يشينه ويضعه كما دلَّت عليه الأحاديث المفرِّقة بين الغيبة والبهتان، فإن الغيبة هي أن تتكلم في الرجل بما فيه، والبهتان هو أن تتكلم فيه بما ليس فيه(١) .
وما نحن فيه ليس كذلك، فإن الحديث فيه مدح للإمام عليه السلام بأنه وقى شيعته بنفسه، فكيف يتحقق بهته عليه السلام بذلك؟!
هذا مع أن الجزائري قد أكثر من الحلف بالله على ما لا يعلم، والله سبحانه يقول( ولا تجعلوا الله عرضة لأَيمانكم ) (٢) ، فحلفه دائر بين أمرين اثنين، لأنه لا يخلو إما أن يكون كاذباً فحلفه محرَّم، وإما أن يكون صادقاً فحلفه مكروه.
قال الفخر الرازي: الذي ذكره أبو مسلم الأصفهاني - وهو الأحسن - أن قوله( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ) نهي عن الجراءة على الله بكثرة الحلف به.
وقال: وقد ذم الله تعالى مَن أكثر الحلف بقوله( ولا تطع كل حلاَّف مهين ) وقال( واحفظوا أيمانكم ) ، والعرب كانوا يمدحون الإنسان بالإقلال من الحلف... والحكمة في الأمر بتقليل الأَيمان أن مَن حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه
____________________
(١) من ذلك ما أخرجه مسلم - واللفظ له - والترمذي وأبو داود وأحمد والدارمي وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته. راجع صحيح مسلم ٤/٢٠٠١ كتاب البر والصلة والآداب، باب رقم ٢٠. سنن أبي داود ٤/٢٦٩. سنن الترمذي ٤/٣٢٩. مسند أحمد ٢/٢٣٠،٣٨٤، ٣٨٦، ٤٥٨. سنن الدارمي ٢/٢٩٩.
(٢) سورة البقرة، الآية ٢٢٤.
بذلك، ولا يبقى لليمين في قلبه وقع، فلا يؤمَن إقدامه على اليمين الكاذبة، فيختل ما هو الغرض الأصلي في اليمين، وأيضاً: كلما كان الإنسان أكثر تعظيماً لله تعالى كان أكمل في العبودية، ومن كمال العبودية أن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية(١) .
* * *
قال الجزائري:٣ - اعتقاد نبوّة موسى الكاظم رحمه الله، وما هو والله بنبي ولا رسول، فقول المفتري: إن الله أخبر موسى الكاظم بأنه غضبان على الشيعة، وأنه خيَّره بين نفسه وشيعته فاختار شيعته، ورضي لنفسه بالقتل فداءاً لهم، يدل دلالة واضحة بمنطوقه ومفهومه على نبوة موسى الكاظم، مع العلم بأن المسلمين مجمعون على كفر من اعتقد نبوة أحد بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك لتكذيبه بصريح قوله تعالى ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) .
والجـواب:
أن عقيدة الشيعة الإمامية في الأئمة الاثني عشر عليهم السلام أشهر من أن تُذكر، وأظهر من أن تُنكر، ولا أحد من الشيعة يعتقد بنبوة الإمام الكاظم أو غيره من الأئمة عليهم السلام.
والحديث الذي رواه الكليني رحمه الله مع ضعفه لا يدل على أن الله سبحانه أوحى إلى الإمام عليه السلام، ولو سلَّمنا بدلالته على ذلك فالوحي لا يستلزم النبوة، فإن الله جل شأنه أوحى إلى أُم موسى عليه السلام، فقال( وأوحينا إلى أُم موسى أن أرضعيه فإذا خفتِ عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنَّا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين ) (٢) .
قال الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى( قال قد أُوتيتَ سؤلك يا موسى * ولقد منَنَّا عليك مرة أخرى * إذ أوحينا إلى أُمك ما يوحى ) (٣) : اتفق الأكثرون على أن أُم موسى عليه السلام ما كانت من الأنبياء والرسل، فلا يجوز أن يكون المراد من هذا الوحي هو الوحي
____________________
(١) التفسير الكبير ٦/٧٥.
(٢) سورة القصص، الآية ٧.
(٣) سورة طه، الآيات ٣٦ - ٣٨.
الواصل إلى الأنبياء. وكيف لا نقول ذلك والمرأة لا تصلح للقضاء والإمامة، بل عند الشافعي رحمه الله لا تمكَّن من تزويج نفسها، فكيف تصلح للنبوة؟! ويدل عليه قوله تعالى( وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم ) ، وهو صريح في الباب، وأيضاً فالوحي قد جاء في القرآن لا بمعنى النبوة، قال تعالى( وأوحى ربّك إلى النحل ) ، وقال( وإذ أوحيت إلى الحواريين ) (١) .
وقال القرطبي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أُوحي إليها كما أوحي إلى النبيين(٢) .
والحاصل أن زعمه بأن الحديث يدل دلالة واضحة بمنطوقه ومفهومه على نبوة موسى الكاظم زعم باطل، فإن الحديث بمنطوقه لا يدل - كما قلنا - على أكثر من أن الإمام الكاظم عليه السلام قد علم أن الله غضب على جماعة من الشيعة، فخيَّره الله نفسه أو الشيعة، فاختار عليه السلام وقايتهم بنفسه.
أما كيف علم الإمام عليه السلام أن الله قد غضب على الشيعة، وكيف خيَّره الله بين ذينك الأمرين، فهذا لم يتضح لا من منطوق الحديث ولا من مفهومه كما هو واضح، وقد بيَّنَّاه فيما تقدم.
وأما المفهوم، فإن كان لهذا الحديث مفهوم فهو مفهوم اللقَب، وهو غير حجة كما هو معلوم عند الأصوليين.
والظاهر أن الجزائري ذكر هذه الكلمة وهو لا يعرف معناها في الاصطلاح، ويدل على ذلك زعمه دلالة المنطوق والمفهوم كليهما على معنى واحد، وهو غير صحيح، لأن المنطوق والمفهوم لا بـد أن يـدل كل واحد منهما على معنى لا يدل عليه الآخر، وهو واضح لمن لديه أدنى معرفة بالمفاهيم.
وعلى كل حال، فإنا لو سلَّمنا جدَلاً بدلالة هذا الحديث على ما قاله فعقيدة الشيعة في الإمام موسى الكاظم عليه السلام معروفة غير خافية على أحد، ولا يمكن أن يُشكَّك فيها بحديث ضعيف مروي في كتاب الكافي أو في غيره من مصادر الحديث المعتمدة عند الشيعة.
____________________
(١) التفسير الكبير ٢٢/٥١.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١١/١٩٥.
قال الجزائري:٤ - إتحاد الشيعة والنصارى في عقيدة الصلب والفداء، فكما أن النصارى يعتقدون أن عيسى فدى البشرية بنفسه، إذ رضي بالصلب تكفيراً عن خطيئة البشرية، وفداءً لها من غضب الرب وعذابه، فكذلك الشيعة يعتقدون بحكم هذه الحقيقة أن موسى الكاظم خيَّره ربه بين إهلاك شيعته أو قتل نفسه، فرضي بالقتل وفدى الشيعة من غضب الرب وعذابه، فالشيعة إذن والنصارى عقيدتهما واحدة، والنصارى كفَّار بصريح كتاب الله عز وجل، فهل يرضى الشيعي بالكفر بعد الإيمان؟
قد هيَّؤوكَ لأمــرٍ لو فطنتَ له * فاربأ بنفسِكَ أن ترعَى مع الهمَلِ
والجـواب:
أنا قد أوضحنا أن الحديث الذي بنى عليه الجزائري حقيقته هذه مع ضَعفه لا يدل على ما ادَّعى الجزائري دلالته عليه، والذي دلَّ عليه الحديث - كما مرَّ مكرَّراً - أن الإمام عليه السلام قد وقى الشيعة بنفسه لئلا يقتلهم هارون الرشيد، لا أن قتله عليه السلام كان تكفيراً عن ذنوب الشيعة وفداءً لهم من غضب الرب وعذابه كما زعم الجزائري.
ولعل غضب الله عليهم إنما كان لتركهم التقية كما تقدم، إذ صرَّحوا باسم الإمام عليه السلام، أو لأنهم تركوا طاعة الإمام عليه السلام فعملوا ما يستوجب غضب الرشيد، فرأى الإمام عليه السلام أنه إن نجا بنفسه تتبَّع الرشيد الشيعة ولاحقهم، فإما أن يهلكهم، أو يظفر بالإمام عليه السلام، فاختار الإمام عليه السلام أن يظهر للرشيد وقاية للشيعة مما يتوقع نزوله بهم من القتل.
فالإمام عليه السلام أخبر بأنه فعل ما يوجب حفظ الشيعة وحقن دمائهم مع ما صدر منهم من الأفعال التي نتج عنها تعريض الإمام عليه السلام للقتل.
والحاصل أن الحديث لا يدل على أن الإمام فدى الشيعة من غضب الله وعذابه حتى يلزم منه اتحاد الشيعة والنصارى في عقيدة الصلب والفداء، ولو سلَّمنا بدلالة الحديث على ذلك فمع ضعف سنده لا يصلح للاحتجاج به على شيء.
ومع الإغماض عن ذلك، وتسليم أن الشيعة يعتقدون أن الإمام الكاظم عليه السلام قد فداهم من غضب الرب وعذابه، فهذا لا يستلزم أن تكون عقيدة الشيعة والنصارى واحدة، لأن النصارى يعتقدون ذلك في المسيح عليه السلام لا الإمام الكاظم،
ولو سلمنا بأن الشيعة يعتقدون الفداء من الإمام الكاظم عليه السلام، فهم لا يعتقدون ذلك من المسيح عليه السلام، ومجرد تشابه المعتقدات من بعض الجهات لا يعني اتحادها، فإن النصارى يعتقدون أن المسيح عليه السلام هو خاتم الأنبياء، والمسلمون يعتقدون أن خاتمهم هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا لا يعني اتحاد المسلمين والنصارى في إحدى العقائد، وإلا لكان المسلمون والوثنيون وعُبَّاد غير الله سبحانه متَّحدين في عقيدة الربوبية، وهذا باطل بالإتفاق.
هذا مع أن مجرد الإتحاد بين الإديان في بعض المعتقدات لا يدل على اتحادها في كل العقائد، فإن المسلمين والنصارى يعتقدون بنزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان، وهـذا لا يعني اتحاد المسلمين والنصارى في عقائدهم حتى يترتب على أولئك ما يترتب على هؤلاء، ويلزم إحدى الطائفتين ما يلزم الأخرى.
والحاصل أن الشيعة والنصارى لم تتَّحد عقيدتهم في هذه المسألة التي ذكرها، وهي عقيدة الصلب والفداء، ولو سلَّمنا جدلاً باتحادهم فيها، فهذا لا يعني أن عقائد الشيعة والنصارى واحدة كما هو واضح.
ومنه يتَّضح وجه المغالطة الواهية في قوله: فالشيعة إذن والنصارى عقيدتهم واحدة، والنصارى كفَّار بصريح كتاب الله عز وجل، فهل يرضى الشيعي بالكفر بعد الإيمان؟!
* * *
قال الجزائري: وأخيراً، انقذ نفسك أيها الشيعي، وتبرَّأ من هذه الخزعبلات والأباطيل، ودونك صراط الله وسبيل المؤمنين.
وأقول:
إن الشيعي بحمد الله ومنِّه قد أنقذ نفسه بالسير في صراط الله المستقيم، واتَّباع سبيل المؤمنين، والتمسّك بكتاب الله العزيز، والعترة النبوية الطاهرة، أخذاً بوصية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لأمته حيث قال: إني تارك فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلُّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي
أهل بيتي، ولن يتفرّقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلِّفونِّي فيهما.
وقال: النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس(١) .
وقال: مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرق(٢) .
وما أحسن قول القائل:
لما رأيتُ النــاسَ قد ذهبتْ بهـم * مذاهبُهم في أبحــر الغي والجهـلِ
ركبت على اسم الله في سفن النجا * وهم أهل بيت المصطفى سيدِ الرُّسْلِ
وأمسكتُ حبلَ الله وهـو ولاؤهــم * كما قد أُمرنا بالتمسُّــك بالحبــلِ
إذا افترقتْ في الدين سبعون فرقـةً * فقُل لي بها يا ذا الرجاحة والعقــلِ
أفي الفِرقــة الهُلاَّك آلُ محمــدٍ * أم الفرقة اللاتي نجَتْ؟ قــل لـي
فإن قلتَ في الناجين فالقـول واحد * وإن قلتَ في الهُلاَّك حدتَ عن العدل
إذا كان مولى القوم منهــم فإننـي * رضيتُ بهم لا زال في ظلِّهم ظلّـي
رضيتُ عليًّا لي إمامـاً ونسلَـــه * وأنت من الباقين في أوسـع الحِـل
ولهذا كان الشيعة هـم الفائزين الناجين من كـل فِرَق هذه الأمة، وهـذا ما أخبر بـه الصادق الأمين صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: عليٌّ وشيعته هم الفائزون يوم القيامة(٣) .
ولما نزل قوله تعالى( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ) (٤) ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: هو أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين
____________________
(١) المستدرك ٣/١٤٩ وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. مجمع الزوائد ٩/١٦٨. إحياء الميت، ص٤١ - ٤٢. الخصائص الكبرى ٢/٢٦٦. حلية الاولياء ٤/٣٠٦. تاريخ بغداد ١٢/٩١. وأخرجه السيوطي في الجامع الصغير ٢/٥٣٣ ورمز له بالحسن.
(٢) المستدرك ٢/٣٤٣، ٣/١٥٠. مجمع الزوائد ٩/١٦٨. مشكاة المصابيح ٣/١٧٤٢. إحياء الميت، ص٤١ - ٤٢. الخصائص الكبرى ٢/٢٦٦. حلية الاولياء ٤/٣٠٦. تاريخ بغداد ١٢/٩١. المعجم الصغير ١/١٣٩/١٤٠.
(٣) الدر المنثور ٨/٥٨٩. فتح القدير ٥/٤٧٧. ترجمة الامام علي بن أبي طالب عليه السلام من تاريخ دمشق ٢/٣٤٨. شواهد التنزيل، ص٨٢٠. الفردوس بمأثور الخطاب ٣/٦١.
(٤) سورة البينة، الآية ٧.
مرضيين(١) .
وأخرج الطبراني في معجمه الكبير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام: أنت وشيعتك تَرِدُون عليَّ الحوض رُوَاءً مَرْوِيِّين، مُبَيَّضَة وجوهكم، وإن عدوّك يردون عليَّ ظِماءً مُقَبَّحين.
وقال: إن أول أربعة يدخلون الجنة: أنا، وأنت، والحسن، والحسين، وذرارينا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذرارينا، وشيعتنا عن أَيماننا وعن شمائلنا(٢) .
ولستُ أدري بمَ يعتذر الجزائري وغيره عن طرح الأحاديث الصحيحة - كحديث الثقلين وغيره - الدالَّة بما لا يدع مجالاً للشك على لزوم اتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام دون غيرهم، ناهيك عن غيرها من الأدلة الأخرى الكثيرة التي مُلِئتْ بها كتبهم.
وعليك قارئي العزيز بمطالعة ما كتبناه في كتابينا (دليل المتحيِّرين) و(مسائل خلافية) من الأدلِّة الدالة على لزوم اتِّباع مذهب أهل البيت عليهم السلام، وعلى أن أَتْباعهم بحق هم الشيعة الإمامية، فإنه مهم جداً.
____________________
(١) جامع البيان في تفسير القرآن ٣٠/١٧١. الدر المنثور ٨/٥٨٩. فتح القدير ٥/٤٧٧. الصواعق المحرقة، ص١٩١. شواهد التنزيل، ص٨١٤ - ٨١٩.
(٢) المعجم الكبير للطبراني ١/٣١٩.
كشف
الحقيقة السَّادسة
قال الجزائري:
الحقيقة السادسة
اعتقاد أن أئمة الشيعة بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العصمة والوحي
والطاعة وغيرها، إلا في أمر النساء، فلا يحل لهم ما يحل له صلى الله عليه وآله وسلم
هذا المعتقد الذي يجعل أئمة الشيعة بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله أثبته صاحب الكافي بروايتين:
أولهما: أنه قال: كان المفضَّل عند أبي عبد الله، فقال له: جُعلتُ فداك، أيفرض الله طاعة عبد على العباد ويحجب عنه خبر السماء؟ فقال له أبو عبد الله - الإمام -: لا، الله أكرم وأرحم وأرأف بعباده من أن يفرض طاعة عبد على العباد ثم يحجب عنه خبر السماء صباحاً ومساءً.
وأقـول:
هذه الرواية ضعيفة السند، فإن من جملة رواتها سهل، وهو سهل بن زياد، وقد مرّ بيان حاله.
ومن رواتها أيضاً جماعة بن سعد الخثعمي أو الجعفي، وهو ضعيف في الحديث، خطَّابي المذهب، خرج مع أبي الخطاب الملعون على لسان الإمام الصادق عليه السلام وقُتل معه.
وقد ضعَّفه ابن الغضائري وابن داود(١) والعلاَّمة الحلي(٢) والمامقاني(٣)
____________________
(١) كما في تنقيح المقال ١/٢٣٠.
(٢) رجال العلامة الحلي، ص٢١١.
(٣) تنقيح المقال ١/٢٣٠.
والخوئي(١) وغيرهم(٢) .
ثم إن هذه الرواية كما لا يخفى لا تدل على ما عنوَن الجزائري به حقيقته هذه، من أن الأئمة عليهم السلام بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العصمة والوحي والطاعة وغيرها.
* * *
قال الجزائري:فهذه الرواية تثبت بمنطوقها أن أئمة الشيعة قد فرض الله طاعتهم على الناس مطلقاً، كما فرض طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنهم - أئمة الشيعة - يوحى إليهم، ويتلقَّون خبر السماء صباحاً مساءً، وهم بذلك أنبياء مرسلون أو كالأنبياء المرسلين سواء بسواء.
والجـواب:
أنا لو صرفنا النظر عن ضعف الرواية، فهي - كما قلنا - لا تدل على ما قاله الجزائري، بل إنها لا تدل على أكثر من أن الله سبحانه إذا فرض طاعة عبد على العباد - سواء أكان نبيًّا أم إماماً - فإنه لا يحجب عنه خبر السماء.
أما أن الأئمة عليهم السلام تجب طاعتهم مطلقاً أو في حدود معينة، وأنهم يوحى إليهم أو يُلهمون أو يتلقَّون علومهم من بعضهم أو من غيرهم، وأنهممعصومون أو يخطئون، فهذا لم يرد له بيان في هذه الرواية كما هو واضح.
وعلى كل حال لو تركنا الرواية جانباً، وأردنا أن ننظر إلى عقيدة الشيعة في طاعة الأئمة عليهم السلام، وفي الوحي إليهم، فإنا نقول:
أما طاعتهم فهي واجبة مطلقاً، لأنه قد ثبت في محلِّه أنهم عليهم السلام معصومون، والمعصوم تجب طاعته مطلقاً، لأن عصمته مانعة من خطئه، فلا ينطق ولا يأمر إلا بالحق، والحق أحق أن يُتَّبع.
ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردُّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بـالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن
____________________
(١) معجم رجال الحديث ٤/١٤٣.
(٢) مجمع الرجال ٢/٤٩. جامع الرواة ١/١٦٤.
تأويلاً ) (١) .
قال الفخر الرازي: إنه تعالى أمر بطاعة الرسول وطاعة أولي الأمر في لفظة واحدة، وهو قوله( وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ، واللفظة الواحدة لا يجوز أن تكون مطلقة ومشروطة معاً. فلما كانت هذه اللفظة مطلقة في حق الرسول وجب أن تكون مطلقة في حق أولي الأمر(٢) .
قلت: كل مَن أوجب الله طاعته مطلقاً لا بد أن يكون معصوماً، لئلا تجب طاعته في فعل المعاصي والقبائح وفي ترك الواجبات، وهو محال.
قال الفخر الرازي: إن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم(٣) في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بد أن يكون معصوماً عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهيٌّ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وإنه محال. فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أن أولي الأمر المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون معصوماً(٤) .
قلت: وعليه، فإن قلنا بعصمة أئمة أهل البيت عليهم السلام وجبت طاعتهم مطلقاً دون غيرهم.
وإن قلنا بعدم عصمتهم لزم التكليف بالمحال، إذ أوجب الله علينا طاعة المعصوم، والمعصوم معدوم حسب الفرض، لتحقق إجماع المسلمين كافة على أن غيرهم ليس بمعصوم، والتكليف بالمحال محال على الله، وبهذا تثبت عصمتهم ووجوب طاعتهم مطلقاً.
وأما الوحي إليهم فإن أُريد به أنهم محدَّثون فهذا لا نمنعه، وقد تقدم بيانه، وإن
____________________
(١) سورة النساء، الآية ٥٩.
(٢) التفسير الكبير ١٠/١٤٦.
(٣) يعني أن الامر بالطاعة لم يقع مقيدا او مشروطا بشيء، وهو معنى كونه مطلقا.
(٤) التفسير الكبير ١٠/١٤٤.
أُريد به أنهم عليهم السلام يُوحَى إليهم قرآن كما يوحى إلى النبي صلى الله عليه وآله، فهذا لا نقول به، ولا يدل عليه الحديث المزبور.
قال المجلسي أعلى الله مقامه: « خبر السماء » أي الخبر النازل من السماء، سواءً نزل عليهم بالتحديث، أو نزل على مَن قبله.
وقال: وكون مثل هذا العالِم بين العباد لطف ورأفة بالنسبة إليهم، ليرجعوا إليه في كل ما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم، والله أرأف بعباده من أن يمنعهم مثل هذا اللطف، ويفرض طاعة من ليس كذلك، فيصير سبباً لمزيد تحيّرهم(٢) .
* * *
قال الجزائري:وهم بذلك أنبياء مرسلون أو كالأنبياء المرسلين سواءً بسواء.
وأقـول:
إن القول بأن الله تعالى لا يحجب عن الأئمة عليهم السلام خبر السماء لا يستلزم أن يكونوا أنبياء، إذ يحتمل أنه تعالى يُلهِمهم أخبار السماء وما يحتاج إليه الناس، أو يحدِّثهم الملَك، أو أنهم تلقَّوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله.
ثم إنا بيَّنَّا أن الأئمة عليهم السلام ليسوا بأنبياء مرسلين، بل إن القول بنبوة واحد منهم كفر بلا إشكال، وإنما هم علماء صادقون محدَّثون ملهَمون، وبهذا نطقت الأخبار الثابتة، كصحيحة محمد بن إسماعيل، قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: الأئمة علماء صادقون مفهَّمون محدَّثون(٢) .
أمَّا أنهم عليهم السلام كالأنبياء المرسلين فهذا لا نمنعه، إذا كان المراد بذلك أنهم كالأنبياء في أنهم حُجج الله على خلقه، وأن طاعتهم واجبة على العباد، وأنهم معصومون، ويعلمون كل ما يحتاج إليه الناس في دينهم ودنياهم.
____________________
(١) مرآة العقول ٣/١٣٠.
(٢) الكافي ١/٢٧١. قال المجلسي في مرآة العقول ٣/١٦٤: علماء أي هم العلماء المذكورون في قوله تعالى( هل يستوي الذين يعملون ) الاية. صادقون إشارة إلى قوله سبحانه( وكونوا مع الصادقين ) . مفهومون من جهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهمهم القرآن وتفسيره وتأويله وغير ذلك من العلوم والمعارف. محدثون من الملك.
وأما إذا أراد بذلك أن الشيعة يعتقدون أن الأئمة عليهم السلام كالأنبياء في أنهم يُوحى إليهم قرآن أو كُتُب، أو في نزول الوحي عليهم، فهذا محض افتراء على الشيعة، والحديث الذي ساقه لا يدل عليه بأي دلالة، وهو جلي واضح.
* * *
قال الجزائري:واعتقاد نبي يوحي الله إليه بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله ردَّة في الإسلام وكفر بإجماع المسلمين، فسبحان الله كيف يرضى الشيعي المغرور بعقيدة تُفترى له افتراءً، ويلزم اعتقادها ليعيش بعيداً عن الإسلام كافراً من حيث إنه ما اعتقد هذا الباطل إلا من أجل الإيمان والإسلام ليفوز بهما ويكون من أهلهما.
وأقـول:
لا ريب في أن من يعتقد بنبوَّة نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو كافر بإجماع المسلمين، إلا أن محل الكلام هو أن الشيعة الإمامية هل يعتقدون بنبوة واحد من الأئمة عليهم السلام أم لا؟
ومن البيِّن أن هذه المسألة لا ينبغي الكلام ولا الخوض فيها، لأنها فرية بلا مرية، وبهتان عظيم لم يَسبق الجزائري إليه أحدٌ من العالَمين.
ومن الغريب أن هذا الرجل يعمد إلى أحاديث ضعيفة، ويحمِّلها من الوجوه الفاسدة ما لا تحتمله، ثم يأتي بما يزعم أنها لوازم يُلزم بها الشيعة، ويكفِّرهم بها بلا رويَّة ولا خوف من الله، مع أنه يعلم معتقَد الإمامية في المسألة التي يتحدَّث فيها.
ثم كيف يرضى هذا الرجل لنفسه أن يكتب مثل هذه الأباطيل المكشوفة والإفتراءات المفضوحة، ليكفِّر بها طائفة من طوائف المسلمين، والله جل شأنه يقول( تالله لتُسألُنَّ عما كنتم تفترون ) (١) ، ويقول( وليُسألُن يوم القيامة عما كانوا يفترون ) (٢) ، و( إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون ) (٣) .
____________________
(١) سورة النحل، الآية ١١٦.
(٢) سورة العنكبوت، الآية ١٣.
(٣) سورة النحل، الآية ١٠٥.
وبعد هذا كله لا أدري ما هي الغاية التي يريد الجزائري أن يحقِّقها من تسرُّعه في تكفير الشيعة وبهتهم بهذا البهتان العظيم، مع أن في تكفير المسلم إيقاعاً للنفس في المهالك، فقد أخرج مسلم وغيره عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّما امرئ قال لأخيه: « يا كافر » فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلا رجعتْ إليه(١) .
وأخرج البخاري ومسلم ومالك وأحمد وغيرهم عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: إذا كفَّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما(٢) .
هذا مع أن في تكفير مَن شهد الشهادتين مخالفة صريحة لما نصَّ عليه أعلام أهل السنة من عدم جواز تكفير أحد من أهل القبلة بذنب.
قال النووي: اعلم أن مذهب أهل الحق - يعني أهل السنة - أنه لا يُكفَّر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا يُكفَّر أهل الأهواء والبِدَع(٣) .
* * *
قال الجزائري:وثانيتهما: قال: عن محمد بن سالم، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الأئمة بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنهم ليسوا بأنبياء، ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي، فأما ما خلا ذلك فهم بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأقـول:
هذا الحديث أيضاً ضعيف السند، وحسبك أن من جملة رواته عبد الله بن بحر، وهو ضعيف في الحديث.
قال المامقاني قدس سره: عبد الله بن بحر... وقد ضعَّف الرجل ابن الغضائري، حيث قال: عبد الله بن بحر كوفي صيرفي، يروي عن أبي العباس، ضعيف مرتفع القول(٤) .
____________________
(١) صحيح مسلم ١/٧٩ كتاب الإيمان، باب رقم ٢٦.
(٢) صحيح البخاري ٨/٣٢ كتاب الأدب، باب منكفر أخاه بلا تأويل فهو كما قال. صحيح مسلم ١/٧٩ كتاب الإيمان، باب رقم ٢٦. الموطأ، ص٥٣٨، مسند أحمد ٢/٤٤، ٦٠، ٧٧، ١٠٥، ١١٣.
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ١/١٥٠.
(٤) قال المامقاني في مقباس الهداية ٢/٣٠٥: قولهم: « مرتفع القول » جعله في الدراية من الفاظ الجرح، وفسره بأنه لا يقبل قوله ولا يعتمد عليه... والذي أظن أن المراد بقولهم: « مرتفع القول » أنه من أهل الارتفاع والغلو، فيكون لذلك جرحا حينئذ لذلك، فتأمل.
ونقَل تضعيفه عن كل من العلاَّمة الحلي في الخلاصة، وابن داود في رجاله، والشيخ البهائي في الوجيزة(١) .
قلت: وضعفه كذلك المحقق الخوئي(٢) ، وضعف رواياته النجفي في الجواهر، والعاملي في المدارك، والبحراني في الحدائق، والحكيم في المستمسك وغيرهم(٣) .
* * *
قال الجزائري: هذه الرواية، فإنها وإن كان في ظاهرها بعض التناقض، فإنها كسابقتها تقرِّر عصمة الأئمة ووجوب طاعتهم، وأنهم يُوحى إليهم، لأن عبارة « الأئمة بمنزلة الرسول إلا في موضوع النساء » صريحة في أنهم يوحى إليهم وأنهم معصومون، وأن طاعتهم واجبة، وأن لهم جميع الكمالات والخصائص التي هي للنبي صلى الله عليه وسلم.
والجـواب:
أن الرواية المذكورة مع ضعف سندها لا تناقض فيها، والظاهر أنه ظن أن قوله: « الأئمة بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم » يستلزم القول بأنهم عليه السلام يُوحَى إليهم، وهذا عنده يناقض قوله عليه السلام: « إلا أنهم ليسوا بأنبياء »، مع أن المراد بالعبارة الأولى هو أن الأئمة عليه السلام بمنزلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العصمة ووجوب الطاعة، وأنهم يعلمون كل ما يحتاج إليه الناس في دينهم ودنياهم.
والمراد بأنهم ليسوا بأنبياء هو أنهم وإن اشتركوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كثير من الأمور، إلا أنهم لا يشتركون معه في النبوة وأمر النساء.
ومن ذلك يتَّضح أن ليس المراد بأن الأئمة عليهم السلام بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو أنهم يساوون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الفضل، فإن المسلمين قاطبة - سنة وشيعة - قد اتفقوا على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو سيِّد ولد آدم من الأولين والأخرين.
____________________
(١) تنقيح المقال ٢/١٦٩.
(٢) معجم رجال الحديث ١٠/١١٨.
(٣) راجع جواهر الكلام ١/٢٣١، ١٩/١٨٥. مدارك الاحكام ٨/٥٦، الحدائق الناضرة ٢٤/٢٢٢، مستمسك العروة الوثقى ١٤/٣٣٥.
وإنما المراد هو أنهم لمَّا كانوا هم القائمين بالأمر من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن ذلك يعني أنهم علماء معصومون صادقون مفهَّمون محدَّثون، يعلمون كل ما يحتاج إليه الناس في أمور دينهم ودنياهم، وأنهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فتثبت لهم المودة الواجبة، والطاعة المفروضة. إلا أنهم ليسوا بأنبياء، ولا يحل لهم من النساء أكثر من أربع، فإن ذلك ليس مما تقتضيه الخلافة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما لا يخفى.
هذا وقد نص النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غدير خُم على أن أمير المؤمنين عليه السلام له ما للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من كونه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، إذ قال: أيها الناس، ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فمن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللهم والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه(١) .
فأثبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام ما هو ثابت له من الولاية الواجبة والطاعة المفروضة، كما أثبت لأهل بيته أنهم بمنزلته في أمور لا يختلف فيها الناس، وهي كثيرة، منها:
١ـ الصلاة عليهم : فقد أخرج البخاري - واللفظ له - ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك وأحمد والدارمي وغيرهم، عن كعب بن عجرة، أنه قال: سألْنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإن الله قد علَّمنا كيف نسلِّم؟ قال: قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد(٢) .
وإنما سأل الناس عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمَّا توجَّه إليهم الأمر من الله
____________________
(١) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند ١/١١٨، ١١٩، ٤/٢٨١، ٣٧٠، ٣٧٢، ٥/٣٤٧ وابن ماجة في السنن ١/٤٣. وابن حبان في صحيحه كما في الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٩/٤٢. وابن أبي عاصم في كتاب السنة، ص٥٩٢. والحاكم في المستدرك ٣/١٠٩ - ١١٠، ١١٦. وقال: صحيح على شرط الشيخين. والهيثمي في مجمع الزوائد ٩/١٠٤ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة. وأخرجه كذلك النسائي في خصائص أمير المؤمنين عليه السلام، ص٩٩، ١٠٠. وصححه الألباني في سلسلة الاحاديث الصحيحة ٤/٣٣٠، وصحيح سنن ابن ماجة ١/٢٦، راجع صفحة ١٣٧ من هذا الكتاب.
(٢) صحيح البخاري ٤/١٧٨ كتاب الانبياء، باب يزفون النسلان في المشي. و٦/١٥١ كتاب التفسير، تفسير سورة الاحزاب. و٨/٩٥ كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم رقم ٣١، وباب ٣٢. صحيح مسلم ١/٣٠٥ كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد التشهد. سنن الترمذي ٥/٣٥٩. سنن أبي داود ١/٢٥٧. سنن النسائي٣/٤٥. سنن الدارمي ١/٣٩٠. الموطأ، ص٨٣. مسند أحمد ١/١٦٢، ٣/٢٧، ٤/١١٨، ٢٤١، ٢٤٣، ٢٤٤، ٥/٢٧٤، ٣٧٤، ٤٢٤.
سبحانه بالصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال( إن الله وملائكته يصلُّون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلُّوا عليه وسلِّموا تسليماً ) (١) .
٢ - التطهير من الرجس وإذهاب السوء والفحشاء عنهم: قال عز من قائل( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيراً ) (٢) .
٣ - تحريم الصدقة عليهم تنزيهاً لهم عنها: فقد روي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد(٣) .
إلى غير ذلك مما هو معلوم ومشهور.
ثم لا أدري لمَ ينكرالجزائري وجوب طاعة أئمة أهل البيت عليهم السلام مع صحة حديث الثقلين عندهم، الدال بأتم وأوضح دلالة على وجوب التمسّك بهم والاهتداء بهديهم. بينما لا يرى هو ولا وغيره من أهل السنة غضاضة في طاعة سلاطين الجور والضلال، بل إنهم يرون أن طاعتهم واجبة، وأن مَن عصاهم فقد عصي الله، ومَن فَارقَهم فقد فَارق الجماعَة، وأحاديثهم الدالة على ذلك كثيرة جداً.
منها: ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن يعصني فقد عصى الله، ومَن يطع الأمير فقد أطاعني، ومَن يعصِ الأمير فقد عصاني(٤) .
ومنها: ما أخرجه مسلم عن أبي يونس، قال: سمعت أبا هريرة يقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، وقال: « من أطاع الأمير »، ولم يقل: « من أطاع أميري »، وكذلك في حديث همام عن أبي هريرة(٥) .
____________________
(١) سورة الاحزاب، الآية ٥٦.
(٢) سورة الاحزاب، الاية ٣٣.
(٣) صحيح مسلم ٢/٧٥٤ كتاب الزكاة، باب رقم ٥١. ص٧٥١ باب رقم ٥٠ وما بعده. وراجع صحيح البخاري ٢/١٥٦ كتاب الزكاة، باب أخذ صدقة التمر، ص١٥٧ باب ما يذكر في صدقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ٣/٧١ كتاب البيوع، باب رقم ٤، ٤/٩٠ كتاب الجهاد، باب من تكلم بالفارسية، ٧/٦١ كتاب الطلاق، باب رقم ١٤. الموطأ، ص٥٤٦. سنن أبي داود ٢/١٢٣. سنن الترمذي ٣/٤٦. سنن النسائي ٥/١٠٧. مسند أحمد ١/٢٠٠، ٢٧٩، ٤٤٤، ٤٧٦، ٣/٤٩٠، ٤/٣٥، ٥/٣٥٤، ٣٩٠.
(٤) صحيح البخاري ٤/٦٠ كتاب فضل الجهاد والسير، باب يقاتل من وراء الامام ويتقى به، ٩/٧٧ كتاب الاحكام، الباب الاول. مسند أحمد ٢/٢٥٢ - ٢٥٣، ٣٤٢، ٤١٦، ٤٦٧.
(٥) صحيح مسلم ٣/١٤٧٦ كتاب الامارة، باب وجوب طاعة الامراء في غير معصية.
ومنها: ما أخرجه البخاري - واللفظ له - ومسلم وأحمد والدارمي والبيهقي وغيرهم، عن ابن عباس، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: مَن رأى من أميره شيئاً فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة جاهلية(٣) .
فإذا كان الحال كذلك فأي غضاضة في أن تكون طاعة أئمة أهل البيت عليهم السلام واجبة، ويكون اتِّباعهم لازماً، فإنهم أحد الثقلين اللذين حثَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على مراعاتهما والتمسّك بهما، وإنهم الذين أوجب الله مودَّتهم، وأذهب عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً، وعلى أقل تقدير فطاعتهم أولى من طاعة سلاطين الجور من الطُّلقاء وأبناء الطلقاء وغيرهم.
* * *
قال الجزائري:والقصد الصحيح من هذا الاختلاق والكذب الملفَّق - أيها الشيعي - هو دائماً فصل أمَّة الشيعة عن الإسلام والمسلمين للقضاء على الإسلام والمسلمين، بحجَّة أن أمَّة الشيعة في غنىً عما عند المسلمين من وحي الكتاب الكريم وهداية السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وذلك بما لديها من مصحف فاطمة الذي يفوق القرآن الكريم، والجفر والجامعة وعلوم النبيين السابقين ووحي الأئمة المعصومين الذين هم بمنزلة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلا في مسألة نكاح أكثر من أربع نسوة، وما إلى ذلك مما سَلَخ أمة الشيعة المعتقدة لهذا الاعتقاد من الإسلام، وسلَّها من المسلمين انسلال الشعرة من العجين.
والجـواب:
أنا لا نعلم كيف يتم فصل أمَّة الشيعة عن الإسلام، إلا إذا قلنا بكفرهم ومروقهم من الدين.
وعليه، فكيف يكون القصد الصحيح عند مَن اختلق هذا الحديث - وهو شيعي على الظاهر - هو إخراج أمَّة الشيعة من الإسلام؟!
ثم كيف يثبت كفر الشيعة ومروقهم من الدين باعتقادهم أن أئمة أهل البيت
____________________
(١) صحيح البخاري ٩/٥٩ كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: سترون بعدي امورا تنكرونها، ٩/٧٨ كتاب الاحكام، باب السمع والطاعة للامام ما لم تكن معصية. صحيح مسلم ٣/١٤٧٧ كتاب الامارة، باب رقم ١٣. مسند أحمد ١/٢٧٥، ٢٩٧، ٣١٠. سنن الدارمي ٢/٢٤١. السنن الكبرى ٨/١٥٧.
عليهم السلام هم الذين تجب مودَّتهم وموالاتهم وطاعتهم، والاقتداء بهم، والتمسّك بحبلهم، ويجب اعتقاد عصمتهم، وما إلى ذلك مما ثبت لهم بالأدلة الصحيحة، ولا يثبت كفر أهل السنة باعتقادهم وجوب موالاة كافة الصحابة حتى المنافقين منهم والطلقاء وأبناء الطلقاء، ووجوب التمسك بهم واقتفاء آثارهم، كما تجب طاعـة سلاطـين الجور المتسلِّطين على الأمة بالقوة والقهر، ويجب اعتقاد عصمة هذه الأمة من الخطأ، إلى غير ذلك مما هو معلوم من عقائدهم؟!
وأما فصل أمَّة الشيعة عن المسلمين فقد أجبنا عنه فيما تقدَّم، وقلنا بأنه إن كان مراده بالمسلمين هم مَن يُعرفون بأهل السنة فهؤلاء لا يجب اتِّباعهم، وإن أراد بهم غيرهم فكل طائفة من طوائف المسلمين قد افترقت عن غيرها في أصولها وفروعها، والمحذور هو مخالفة الكتاب والسنة، وأما ما عدا ذلك فلا محذور في مخالفته أصلاً.
وقوله: « إن القصد من اختلاق هذه الأحاديث هو فصل الشيعة عن الإسلام والمسلمين، للقضاء على الإسلام والمسلمين » لا يخفى ما فيه من الضعف والركاكة(١) ، لأن الأحاديث المذكورة أحاديث ضعيفة، لا يمكن أن يكون لها هذا الأثر العظيم في فصل الشيعة عن باقي المسلمين، ولا سيما إذا علمنا بوجود الأحاديث الكثيرة الصحيحة التي تحث على حسن معاشرة أهل السنة، والصلاة معهم، وعيادة مرضاهم، وحضور جنائزهم، والشهادة لهم وعليهم... وما إلى ذلك.
ثم إن الشيعة إذا خرجوا من الإسلام، وفارقوا باقي فِرَق المسلمين أو أهل السنة بخصوصهم كيف يتسبَّب من ذلك القضاء على الإسلام والمسلمين، وهم لم يشهروا على باقي المسلمين سيفاً، ولم يكيدوا لهم مكيدة أبداً في سرٍّ أو علانية؟!
والإنصاف أن هذا الحديث وأمثاله لا ينشأ منه فصل الشيعة عن الإسلام ولا عن باقي المسلمين، وإنما يسبب افتراق المسلمين واختلافهم ما يكتبه هؤلاء الكُتَّاب الذين يسعون باذلين جهدهم لتكفير طائفة عظيمة من طوائف المسلمين، متشبِّثين بأحاديث
____________________
(١) إن الكاتب ليشعر بالخجل من العلماء والمفكرين والمثقفين وهو يرد على هذا الكلام الركيك المضطرب وأمثاله مما ملأ الجزائري به كتيبه، ولكن يلجئني إلى رده خوفي من أن ينخدع به بعض ضعفة المؤمنين، والله المستعان.
ضعيفة لم يفهموا معانيها، أو فهموها ولكن سوَّلت لهم أنفسهم أمراً، فحمَّلوها ما لا تحتمل من الوجوه الفاسدة والاحتمالات الواهية... فكفَّروا مَن شاؤوا بلوازم فاسدة، لمعانٍ غير صحيحة، لأحاديث ضعيفة.
وقوله: « بحجَّة أن أمة الشيعة في غنىً عما عند المسلمين من وحي الكتاب الكـريم وهدايـة السنة النبوية... وذلك بما لديها من مصحف فاطمة... إلى آخره » واضح الضعف، فإن الشيعة الإمامية لم يفارقوا باقي فرق المسلمين حتى يتذرعوا لمفارقتهم بأمثال هذه الخيالات الواهية أو بغيرها، ولم يستغنوا عن كتاب الله العزيز وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغيرهما. وهذه كتبهم ومصنفاتهم تنص على أن الكتاب والسنة هما أهم مصادر الاستنباط عندهم، فكيف يستغنون عن الكتاب والسنة بمصحف فاطمة والجفر والجامعة وغيرها من الكتب التي ليست عندهم، بل لم يرَوها ولم يطَّلعوا على ما فيها؟!
* * *
قال الجزائري:أَلا قاتل الله روح الشر التي اقتطعت قطعة عزيزة من جسم أمَّة الإسلام باسم الإسلام، وأبعدت خلقاً كثيراً عن طريق آل البيت باسم نصرة آل البيت.
وقال: اللهم اقطع يد الإجرام الأولى التي قطعت هؤلاء الناس عنك، وأضلَّتهم عن سبيلك.
وأقـول:
إن روح الشر في حقيقة الأمر هي الروح التي تسعى لإثارة الفُرقة بين المسلمين، بتكفير طائفة كبيرة من أتباع أهل البيت عليه السلام، وإن يد الإجرام هي اليد التي تكتب من غير حجَّة معتمَدة أو برهان صحيح في الطعن في مذهب أهل البيت عليهم السلام، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم باتِّباعهم والتمسّك بحبلهم.
ومن الواضح أن الذين أشار إليهم الجزائري بيد الإجرام الأولى وروح الشر
التي أبعدت الشيعة عن طريق أهل البيت هم علماء الشيعة الأولون قدس الله أسرارهم.
وهذا القول غير مستبعد ممن يلقي الكلام على عواهنه، ولا يتورَّع عن التهمة بكل وجه قدر عليه.
ومن البيِّن أن علماء الشيعة الأبرار - رحم الله الماضين منهم، وحفظ الباقين - هم الصلحاء الأتقياء الزهَّاد العُبَّاد، الذين لم يسيروا كغيرهم في ركاب سلاطين الجور، ولم يأكلوا من فتات موائدهم، ولم يحلِّلوا لهم الحرام، ويحرِّموا لهم الحلال، ولم يصحِّحوا أخطاءهم، ويبرِّروا قبائحهم، ولو أرادوا ذلك لعرفوا الطريق إليه، وسَعَوا في الحرص عليه(١) .
وهم مع ذلك لم يغرِّروا بأحد من الشيعة ولا من غيرهم، وحسبك أنهم أوجبوا على كل مكلَّف أن يأخذ أصول دينه ومعتقداته الحقَّة بالدليل القطعي لا بالإتباع والتقليد، وأكَّدوا على ذلك في كتبهم الكلامية، وهذه طريقة لا يتَّبعها مَن يريد أن يغرِّر بالعوام من الناس، ويسعى لإضلالهم عن سبيل الله، وإبعادهم عن دين الله.
وأما قوله:« إن علماء الشيعة قد اقتطعوا الشيعة من جسم أمة الإسلام، وأبعدوهم عن طريق آل البيت باسم نصرة آل البيت » فيردّه أن علماء الشيعة الأبرار كان لهم الدور الأساس في متابعة عوام الشيعة لأهل البيت عليهم السلام؛ لأنهم أثبتوا المذهب، وفندوا كلام الخصوم، وكل عاقل منصف لا يرتاب في أن الشيعة هم أتباع أهل البيت عليهم السلام، وممايدل على ذلك:
أولاً: أن الشيعة الإمامية قصَروا الإمامة في أهل البيت عليهم السلام، وحصَروا التقليد
____________________
(١) قال المناوي في فيض القدير ٢/٤١٩: لما مات [ عمر ] بن عبد العزيز أراد القائم من بعده أن يمشي على نمطه، حتى شهد له أربعون شيخا بأن الخليفة لا حساب عليه ولا عقاب.
ويكفي شهادة المناوي في وصف أكثر علماء زمانه الذين يظهر منه أنهم من علماء أهل السنة، حيث قال: واكثر علماء الزمان ضربان: ضر منكب على حطام الدنيا، لا يمل من جمعه، وتراه شهره ودهره يتقلب في ذلك كالهمج في المزابل، يطير من عذرة إلى عذرة، وقد أخذت الدنيا بمجامع قلبه، ولزمه خوف الفقر وحب الاكثار.... وضرب هم أهل تصنع ودهاء وخداع وتزين للمخلوقين وتملق للحكام، شحا على رئاستهم، يلتقطون الرخص، ويخادعون الله بالحيل، ديدنهم المداهنة، وساكن قلوبهم المنى،طمأنينتهم إلى الدنيا، وسكونهم إلى أسبابها...
فيهم، فلا حجة إلا لقولهم، ولا حق إلا ما صدر منهم.
ولهذا تتابع الشيعة خلفاً عن سلف في تدوين علومهم، وكتابة أحاديثهم في أصول الدين وفروعه حتى جمعوا الشيء الكثير.
وعليه، فالداعي إلى متابعتهم والأخذ بهديهم والسير على نهجهم - وهو اعتقاد إمامتهم دون سواهم - موجود، والمانع من متابعتهم مفقود، فلا بد من حصول الاتِّباع وتحقق الموالاة.
وثانياً: اعتراف جمع من أرباب التحقيق من أهل السنة بمتابعة الشيعة لأهل البيت عليهم السلام ومشايعتهم لهم.
١ - قال الشهرستاني: الشيعة هم الذين شايعوا عليًّا رضي الله عنه على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصًّا ووصيّة، إما جليًّا وإما خفيًّا، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده(١) .
وقال في ترجمة الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: وهو ذو علم غزير في الدين، وأدب كامل في الحكمة، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات... وقد أقام بالمدينة مدة يفيد الشيعة المنتمين إليه، ويفيض على الموالين له أسرار العلوم(٢) .
٢ـ وقال ابن منظور في لسان العرب، والفيروزآبادي في القاموس المحيط، والزبيدي في تـاج العروس: وقد غلب هذا الاسم - أي الشيعة - على مَن يتوالى عليًّا وأهل بيته رضوان الله عليهم أجمعين، حتى صار لهم اسماً خاصاً، فإذا قيل: « فلان من الشيعة »، عُرف أنه منهم(٣) .
٣ - وقال الزهري: والشيعة قوم يهوون هوى عترة النبي ٠ ويوالونهم(٤) .
٤ - وقال ابن خلدون: اعلم أن الشيعة لغةً: الصَّحْب والأَتْباع، ويطلق في عُرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف على أَتْباع علي وبنيه رضي الله عنهم(٥) .
____________________
(١) الملل والنحل ١/١٤٦.
(٢) المصدر السابق ١/١٦٦.
(٣) لسان العرب ٨/١٨٩. القاموس المحيط ٣/٤٩. تاج العروس ٢١/٣٠٣.
(٤) لسان العرب ٨/١٨٩. تاج العروس ٢١/٣٠٣.
(٥) مقدمة ابن خلدون، ص١٩٦.
ثالثاً: سلوك الشيعة الكاشف عن ولائهم لأهل البيت عليهم السلام ومتابعتهم لهم، فقد دأبوا على تدوين معارفهم وعلومهم، ورواية أحاديثهم، وأخذ أقوالهم، والتسليم لهم، ونشر فضائلهم، وكتابة سِيَرهم، وإقامة مآتمهم، والحزن على مصابهم وما جرى عليهم، ووالوا أولياءهم، وتبرَّأوا من أعدائهم، حتى حكموا بضعف كل من انحرف عنهم، وبنجاسة كل من تجاهر بمعاداتهم.
وبالجملة، فإنّا لو لم نقل بأن الشيعة الإمامية هم أتباع أئمة أهل البيت عليهم السلام مع تحقق هذه الأمور، لحقَّ لنا إنكار متابعة كل فرقة لمن تنتسب إليه، ولأمكننا أن نشكِّك في متابعة أهل السنة لأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم.(١)
____________________
(١) اقرأ المزيد من الأدلة على أن الشيعة الإمامية هم أتباع أهل البيت عليهم السلام في كتابنا (مسائل خلافية حار فيها أهل السنة)، في الفصل السابع منه، وهو: من هي الفرقة الناجية؟
كشف
الحقيقة السَّابعة
قال الجزائري:
الحقيقة السابعة
اعتقاد ردَّة وكفر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته
ماعدا آل البيت ونفراً قليلاً كسلمان وعمار وبلال
هذا المعتقد يكاد يجمع عليه رؤساء الشيعة من فقهائهم وعلمائهم، وبذلك تنطق تآليفهم وتصرِّح كتبهم، وما ترك الإعلان به أحد منهم غالباً إلا من باب التقية الواجبة عندهم.
وأقـول:
إن الشيعة الإمامية لا يعتقدون بكفر عامة صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا نفر قليل كما زعم الجزائري، وعقيدتهم في هذه المسألة معروفة، وقد بيَّنها العلماء في كتبهم، وأوضحوها في مصنفاتهم.
ويمكن أن نجملها بأن نقول:
عقيدة الشيعة الإمامية في الصحابة
يعتقد الشيعة الإمامية أن من اصطُلح عليهم بصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينقسمون إلى ثلاث فئات:
الفئة الأولى: هم الذين آمنوا بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، واتَّبعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، حتى جعلوا كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتَّبعوهم بإحسان.
وهؤلاء هم الذين مدحهم الله في كتابه وأثنى عليهم بقوله( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتَّبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدَّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم ) (١) .
الفئة الثانية: هم المنافقون الذين كانوا يتربَّصون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم الدوائر، ويكيدون المكائد للإسلام ولخُلَّص المؤمنين.
وهم الذين عناهم الله سبحانه بقوله( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مرَدوا على النفاق لا تعلَمهم نحن نعلَمهم سنعذّبهم مرتين ثم يُردّون إلى عذاب عظيم ) (٢) .
وهؤلاء المنافقون قد دلَّت الأحاديث الكثيرة على وجودهم في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته صلى الله عليه وآله وسلم وبعد مماته.
ومن ذلك ما أخرجه مسلم عن حذيفة أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: في أصحابي اثنا عشر منافقاً، فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سَم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدُّبيلة(٣) ، وأربعة لم أحفظ ما قال شعبة فيهم(٤) .
والفئة الثالثة: وهم المؤمنون الذين خلطوا عملاً صالحاً بآخر سيّئ، فلم يبلغوا بأعمالهم إلى مرتبة الفئة الأولى، ولم تحطَّهم ذنوبهم إلى أن يكونوا من الفئة الثانية.
ومن هؤلاء مَن وصفهم الله سبحانه بقوله( وآخرون خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيِّئاً عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم ) (٥) .
ومنهم مَن أشار إليهم بقوله جل شأنه( قالت الأعراب آمنَّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا
____________________
(١) سورة التوبة، الآية ١٠٠.
(٢) سورة التوبة، الآية ١٠١.
(٣) قال في لسان العرب ١١/٢٣٥: الدبيلة: خراج ودمل كبير تظهر في الجوف، فتقتل صاحبها غالباً. وورد تفسيرها في بعض الأحاديث كما في البداية والنهاية ٥/١٩ ودلائل النبوة ٥/٢٦١ بأنها شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك.
(٤) صحيح مسلم ٤/٢١٤٣ كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث ٩.
(٥) سورة التوبة، الآية ١٠٢.
أسلمنا ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلِتْكم من أعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم ) (١) .
هذا ما يعتقده الشيعة الإمامية في صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكل من نسب إليهم غير ذلك إما جاهل بعقيدتهم غير متثبِّت في نقلها، أو كاذب مفترٍ عليهم.
وهذا الذي قلناه هو ما قرَّره علماؤنا الأعلام في كتبهم وأوضحوه في تآليفهم.
قال السيد شرف الدين الموسوي أعلى الله مقامه:
إن مَن وقف على رأينا في الصحابة علم أنه أوسط الآراء، إذ لم نفرِّط فيه تفريط الغلاة الذين كفَّروهم جميعاً، ولا أفرطنا إفراط الجمهور الذين وثَّقوهم أجمعين، فإن الكاملية ومن كان في الغلو على شاكلتهم قالوا بكفر الصحابة كافة، وقال أهل السنة بعدالة كل فرد ممن سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو رآه من المسلمين مطلقاً، واحتجوا بحديث كل من دب أو درج منهم أجمعين أكتعين أبصعين.
أما نحن فإن الصحبة بمجرَّدها وإن كانت عندنا فضيلة جليلة، لكنها - بما هي ومن حيث هي - غير عاصمة، فالصحابة كغيرهم من الرجال فيهم العدول، وهم عظماؤهم وعلماؤهم، وأولياء هؤلاء، وفيهم البغاة، وفيهم أهل الجرائم من المنافقين، وفيهم مجهول الحال، فنحن نحتج بعدولهم ونتولاهم في الدنيا والآخرة، أما البغاة على الوصي أخي النبي، وسائر أهل الجرائم والعظائم كابن هند وابن النابغة وابن الزرقاء وابن عقبة وابن أرطاة وأمثالهم، فلا كرامة لهم، ولا وزن لحديثهم، ومجهول الحال نتوقف فيه حتى نتبيَّن أمره(٢) .
ومما تقدم يظهر أن ما زعمه الجزائري من أن كفر عامة الصحابة مما يكاد يجمع عليه رؤساء الشيعة وبه تنطق تآليفهم وتصرِّح كتبهم، غير صحيح، وحسبك أنه لم يدلِّل على زعمه بدليل واحد منقول من كلمات علماء الشيعة، الذين ينبغي الاحتجاج بكلماتهم في هذه المسألة، فإن ذلك أولى من ذكر حديث يمكن المناقشة في سنده ودلالته.
هذا مع أن الحديث الذي نقَلَه ليس من أحاديث الكافي، ولا يدل على مطلوبه كما سيأتي بيانه، وهذا دليل واضح على عوز النصوص التي يحتاج إليها لإثبات
____________________
(١) سورة الحجرات، الآية ١٤.
(٢) أجوبة مسائل جار الله، ص١٤ - ١٥.
حقيقته.
ثم إن ما قاله يتعارض مع قوله: « وما ترك الإعلان به أحد منهم غالباً إلا من باب التقيَّة الواجبة عندهم »، وذلك لأن التقية إذا كانت واجبة عند الشيعة، وكانت تقتضي ترك الإعلان بهذا المعتقَد، فكيف نطقت به تآليف علماء الشيعة وصرَّحت به كتبهم؟!
* * *
قال الجزائري: وتدليلاً على هذه الحقيقة وتوكيداً لها نورد النصوص الآتية:
جاء في روضة الكافي للكليني صاحب كتاب الكافي ص ٢٠٢ قوله: عن حنان، عن أبيه، عن أبي جعفر قال: ارتد الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة هم: المقداد وسلمان وأبو ذر. كما جاء في تفسير الصافي - والذي هو من أشهر وأجل تفاسير الشيعة وأكثرها اعتباراً - روايات كثيرة تؤكد هذا المعتقد، وهو أن أصحاب رسول الله قد ارتدوا بعد وفاته إلا آل البيت ونفراً كسلمان وعمار وبلال رضي الله تعالى عنهم.
وأقـول:
هذا الحديث لم يروه الكليني في الكافي بهذا اللفظ(١) ، لا في الروضة ولا في غيرها، بل ولم يرد له ذكر في باقي الكتب الأربعة المشهورة عند الإمامية، وإنما جاء مروياً في رجال الكشِّي(٢) وبعض الكتب الأخرى التي لا يعوَّل عليها في إثبات الأحاديث.
ومع ذلك فهذا الحديث لا يدل على ما عنوَنَ به الجزائري حقيقته هـذه، فـإن الارتداد في اللغة هو الرجوع عن الشيء. قال عز من قائل( فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) (٣) ، وقال( قال الذي
____________________
(١) بل رواه بلفظ آخر سنذكره قريباً إن شاء الله، ولعل عدول الجزائري عنه إلى الحديث الذي احتج به على حقيقته مع أنه لم يرو في الكافي، إنما كان لأن الحديث الذي ذكره يوهم في الجلالة على مطلوبه أكثر من غيره، والله أعلم.
(٢) اختيار معرفة الرجال، ص٥.
(٣) سورة يوسف، الآية ٩٦.
عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ) (١) ، وقال( مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم ) (٢) .
وإذا أُريد بالارتداد الرجوع عن الدين قُيِّد، ولهذا لم يَرِد في كتاب الله إلا مقيَّداً. قال سبحانه( مَن يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبّونه ) (٣) ، وقال( ومن يرتدد منكم عن دينه فيمُت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ) (٤) ، وقال( إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبيَّن لهم الهدى الشيطان سوَّل لهم ) (٥) ، وقال( ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ) (٦) .
والحاصل أن الحديث الذي احتج به الجزائري لم يقيَّد فيه الارتداد بأنه عن الدين أو على الأدبار والأعقاب.
وعليه، فمعنى الحديث هو أن الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجعوا عما التزموا به في حياته صلى الله عليه وآله وسلم من مبايعة علي عليه السلام بإمرة المؤمنين، فبايعوا غيره.
وبهذا المعنى للارتداد فسَّر ابن الأثير هذه اللفظة التي وردت في أحاديث الحوض التي سيأتي ذكرها، حيث قال:
وفي حديث القيامة والحوض: « فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أدبارهم القهقرى »: أي متخلِّفين عن بعض الواجبات. ولم يُرِد ردَّة الكفر، ولهذا قيَّده بأعقابهم، لأنه لم يرتد أحد من الصحابة بعده، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب(٧) .
فإذا صحَّ ذلك يلتئم الحديثان، ويتطابق معناهما، ويكون المراد بارتداد الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو أنهم رجعوا عن أهم الواجبات الدينية المنوطة بهم، وهي مبايعة علي عليه السلام بإمرة المؤمنين وخلافة رسول رب العالمين.
____________________
(١) سورة النمل، الآية ٤٠.
(٢) سورة إبراهيم، الآية ٤٣.
(٣) سورة المائدة، الآية ٥٤.
(٤) سورة البقرة، الآية ٢١٧.
(٥) سورة محمد، الآية ٢٥.
(٦) سورة المائدة، الآية ٢١.
(٧) النهاية في غريب الحديث ٢/٢٢١٤. ونقل ابن منظور هذه العبارة بعينها في لسان العرب ٣/١٧٣.
والذي يدل على أن ما قلناه هو المراد بالحديث ما رواه الكليني رحمه الله في الروضة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: كان الناس أهل ردة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا ثلاثة. فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، رحمة الله وبركاته عليهم، ثم عرَف أناسٌ بعدَ يسير(١) . وقال: هؤلاء الذين دارت عليهم الرحا وأبوا أن يبايعوا، حتى جاؤوا بأمير المؤمنين مكرَهاً فبايع، وذلك قوله تعالى( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين ) (٢) .
فإن هذا الحديث ظاهر في أن الثلاثة المذكورين التزموا ببيعة أمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبايعوا غيره، حتى بايع مكرَهاً فبايعوا بعده.
ومن الغريب أن الجزائري الذي ساق هذا الحديث ونسبه للكافي وفسَّر معناه بغير ما هو مراد، نسي أو تناسى أحاديث كثيرة صحيحة أخرجها البخاري ومسلم وغيرهما تدل على ردَّة زُمَر وأقوام من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته.
ومن ذلك ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة أنه كان يحدِّث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يرِد عليَّ يوم القيامة رهط من أصحابي، فيُحَلَّؤن(٣) عن الحوض، فأقول: يا ربِّ أصحابي. فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى(٤) .
وعن أبي هريرة أيضاً، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: بينما أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلُمَّ. فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى. ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلُمَّ. قلت: أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى. فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همَل النعم(٥) .
____________________
(١) أي ثم إن أناسا عرفوا أن أمير المؤمنين عليه السلام هو الأولى بالأمر بعد وقت يسير.
(٢) روضة الكافي، ص٢١٣ - ٢١٤.
(٣) أي يطردون يبعدون.
(١) صحيح البخاري ٨/١٥٠ كتاب الرقاق، باب في الحوض.
(٢) صحيح البخاري ٨/١٥٠. قال في لسان العرب ١١/٧١٠: وفي حديث الحوض: « فلا يخلص منهم =
قلت: الظاهر أن الضمير المجرور في « فلا يخلص منهم » يعود على صحابته صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يعود على خصوص المرتدين على أدبارهم، لأن هؤلاء المرتدين لا يخلص منهم أحد.
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: يرِد عليَّ الحوض رجال من أصحابي، فيحلّؤون عنه، فأقول: يا ربِّ أصحابي. فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى(١) .
وأخرج مسلم عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا فرَطكم(٢) على الحوض، ولأُنازَعَنَّ أقواماً ثم لأُغلَبَنَّ عليهم(٣) ، فأقول: يا رب، أصحابي أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك(٤) .
وأخرج البخاري - واللفظ له - ومسلم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله: إني فرطكم على الحوض، من مرَّ عليَّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، لَيَرِدن عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم.
قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش، فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم. فقال: أَشهدُ على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها: فأقول: إنهم مني. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيَّر بعدي(٥) .
وهذه الأحاديث رواها حفَّاظ الحديث من أهل السنة بطرق كثيرة جداً وبألفاظ متقاربة، وفيما ذكرناه كفاية(٦) .
____________________
= إلا مثل همل النعم » الهمل: ضوال الإبل، واحدها هامل، أي أن الناجي منهم قليل في قلة النعم الضالة.
(١) صحيح البخاري ٨/١٥٠.
(٢) أي سابقكم ومتقدمكم.
(٣) أي سأجادل عن أقوام رغبة في خلاصهم فلا ينفعهم ذلك.
(٤) صحيح مسلم ٤/١٧٩٦ كتاب الفضائل، باب رقم ٩.
(٥) صحيح البخاري ٨/١٥٠. صحيح مسلم ٤/١٧٩٣.
(٦) راجع إن شئت سنن الترمذي ٥/٣٢١. سنن النسائي ٢/١٣٣، ٤/١١٧. سنن ابن ماجة ٢/١٠١٦. مسند أحمد ١/٢٣٥، ٢٥٣، ٢٥٤، ٣٨٤، ٤٠٢، ٤٠٦، ٤٠٧، ٤٢٥، ٤٣٩، ٤٥٣، ٤٥٥، ٣/٢٨، ١٠٢، ٢٨١، ٥/٤٨، ٥٠، ٣٨٨، ٣٩٣، ٤٠٠، ٤١٢. صحيح ابن خزيمة ١/٦. مجمع الزوائد ١٠/٣٦٣ - ٣٦٥. صحيح سنن النسائي ٢/٤٩٩. صحيح سنن ابن ماجة ٢/١٨٢.
قال الجزائري:وأما بخاصة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ففي كتب القوم نصوص لا تحصى كثرة في تكفير الشيعة لهما، ومن ذلك ما جاء في كتاب الكليني صفحة ٢٠ حيث قال: سألت أبا جعفر عن الشيخين. فقال: فارقا الدنيا ولم يتوبا، ولم يتذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين، فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وأورد أيضاً في صفحة ١٠٧ قوله: تسألني عن أبي بكر وعمر؟ فلعمري لقد نافقا وردَّا على الله كلامه، وهزئا برسوله، وهما الكافران عليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وأقـول:
مما يؤسف له أن يعمد الجزائري للتدليل على حقائقه إلى اختلاق أحاديث مكذوبة ينسبها إلى الكافي، لتكفير طائفة كبيرة من طوائف المسلمين.
ومع أن هذين الحديثين لا يشبهان أحاديث أهل البيت عليهم السلام، ولم يسبق أن قرأتهما لا في الكافي ولا في غيره، فإني بحثت عنهما فيه وفي باقي الكتب الأربعة فلم أجد لهذين الحديثين عيناً ولا أثراً.
نعم الذي وجدته مروياً في صفحة ١٠٧ من روضة الكافي بسند ضعيف(١) مكاتبة الإمام الكاظم عليهم السلام لعلي بن سويد، وهي مشتملة على أجوبة مسائل عديدة سُئل عنها الإمام عليهم السلام.
ومما جاء في هذه المكاتبة قوله عليهم السلام: وسألتَ عن رجلين اغتصبا رجلاً مالاً كان ينفقه على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل وفي سبيل الله، فلما اغتصباه ذلك لم يرضيا حيث غصباه حتى حمَّلاه إياه كرهاً فوق رقبته إلى منازلهما، فلما أحرزاه تولَّيا إنفاقه، أيبلغان بذلك كفراً؟ فلعمري لقد نافقا قبل ذلك، وردَّا على الله عز وجل كلامه، وهزئا برسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهما الكافران، عليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وهذه الفقرة الأخيرة هي التي نقلها الجزائري في الحديث الذي احتج به بعد أن وضع لها سؤالاً من عنده، ليلائم الغرض الذي يريده.
____________________
(١) روي هذا الحديث بثلاثة طرق. الأول منها في سنده سهل بن زياد، وقد مر تضعيفه، ومحمد بن منصور الخزاعي وهو مجهول. والطريق الثاني: فيه حمزة بن بزيع، وهو واقفي ضعيف. والطريق الثالث: فيه محمد بن منصور، وهو الخزاعي المذكور آنفاً.
وكيف كان، فلا يمكن أن نقول: إن المراد بالرجلين المذكورين في هذه المكاتبة أبو بكر وعمر، إلا بحمل ألفاظ الحديث على ما لا تحتمله، فإن المال لا يمكن أن يرمز به إلى الخلافة، لأن الحديث قد نصَّ على أن صاحب المال كان ينفقه على الفقراء والمساكين، والخلافة لا يُنفق شيء منها على فقير أو مسكين.
ثم كيف حمَّل أبو بكر وعمر عليًّا عليه السلام الخلافة إلى منازلهما لينفقا منها كيف شاءا؟
وجواب الإمام عليه السلام بأن الرجلين المسؤول عنهما قد نافقا فيه بيان بأن الذي لا يسلَم المسلمون من يده ولسانه فليس بمسلم، وإظهاره للإسلام إذا لم يعمل به هو ضرب من النفاق.
والحاصل أن تحريف الجزائري لهذا الحديث يدل دلالة واضحة على أنه لم يعثر على حديث واضح يدلِّل به على حقيقته هذه، وأن ما قاله من أن النصوص المروية في كتب الشيعة في تكفير أبي بكر وعمر لا تحصى كثرة، غير صحيح.
وعلى كل حال فإنَّا لا ننكر أن في بعض كتب الشيعة أحاديث ظاهرها الطعن في بعض مَن صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أن هذه الأحاديث مع التسليم بصحتها ووضوح دلالتها لا تستلزم كفراً، وإلا لزم تكفير الأمة جمعاء، لأن كتب الشيعة إن كانت مشتملة على أحاديث ظاهرها الطعن في بعض الصحابة، فكتب أهل السنة مملوءة بأحاديث كثيرة تطعن في بعض آخر منها، بل فيها ما هو أدهى وأمَرّ، وهو الطعن في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما سيتّضح فيما سيأتي إن شاء الله تعالى.
* * *
قال الجزائري:وبعد أيها الشيعي، فهل من المعقول الحكم بالكفر والردة على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم حواريوه وأنصار دينه، وحملة شريعته، رضي الله عنهم في كتابه، وبشَّرهم بجنَّته على لسان نبيِّه، حمى الله بهم الدين، وأعزَّ بهم المسلمين، وخلّد لهم ذكراً في العالمين وإلى يوم الدين؟!
والجواب:
لقد أوضحنا آنفاً أنَّا لم نقل بكفر أو ارتداد أو فسق عامة الصحابة، وبيَّنَّا بما لا
مزيد عليه أن رأي الشيعة الإمامية في الصحابة هو أعدل الآراء، وهو الموافق لآيات الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهَّرة.
والذي لا ينبغي إنكاره والمناقشة فيه أن بعض من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان منافقاً في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعد وفاته، وأن بعضهم ارتد بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما دلَّت عليه الأحاديث المتقدمة وغيرها، ومن أنكر ذلك فهو مكابر متعصب عنيد، أو جاهل بليد.
وأما أصحاب رسول الله المنتجبون، وحواريوه وأنصار دينه وحملة شريعته، الذين رضي الله عنهم في كتابه، وبشّرهم بجنّته على لسان نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، وحمى الله بهم الدين، وأعزَّ بهم المسلمين، فهؤلاء نتولاهم في الدنيا والآخرة، وندعو لهم، ونترحم عليهم.
وأما غيرهم من المنافقين وأعداء أمير المؤمنين وأهل بيته الطيبين الطاهرين فلا حرمة لهم ولا كرامة، وإن تسمَّوا بالصحبة، وتظاهروا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمودة والمحبة.
وتمييز هذين الصنفين من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا بد فيه من الإجتهاد والنظر، بدراسة سِيَرهم ومعرفة أحوالهم وما صدر منهم.
واختلاف الاجتهاد في هذه المسألة وإن أدَّى إلى الحكم بكفر أو نفاق بعضهم لا يستلزم تكفير طائفة من طوائف المسلمين أو أحد من أهل القِبلة، ولا سيما إذا كان صدور ذلك الحكم ناشئاً عن خطأ وشبهة.
ولو تأملنا صحاح أهل السنة ومصادر الحديث عندهم لوجدناها مملوءة بأمثال هذه الإجتهادات، وحسبك ما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وأحمد وغيرهم عن عمر أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق(١) - يعني حاطب بن أبي بلتعة الذي هو واحد من أهل بدر.
ومن ذلك ما ورد في حديث الإفك المروي عن عائشة، أن أسيد بن الحضير قال لسعد بن عبادة: إنك منافق تجادل عن المنافقين(٢) .
ومنه ما أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة وغيرهم عن جابر، أنه قال: صلى
____________________
(١) صحيح البخاري ٤/٧٢ - ٧٣ كتاب الجهاد، باب الجاسوس. صحيح مسلم ٤/١٩٤١ كتاب فضائل الصحابة، باب رقم ٣٦. سنن الترمذي ٥/٤٠٩. سنن ابي داود ٣/٤٧. مسند أحمد ١/٧٩ - ٨٠، مسند حميدي ١/٢٧. وأخرجه السيوطي في الدر المنثور ٨/١٢٥ عن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود والنسائي وأحمد والحميدي وأبي عوانة وابن حبان وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وأبي نعيم وعبد بن حميد.
(٢) صحيح البخاري ٣/٢٢٩ كتاب الشهادات، باب تعديل النساء، ٥/١٥٣ كتاب المغازي، باب حديث الإفك، ٦/١٣٠ كتاب التفسير، تفسير سورة النور.
معاذ بن جبل الأنصاري بأصحابه العشاء، فطوَّل عليهم، فانصرف رجل منا فصلى، فأُخبر معاذ عنه، فقال: إنه منافق. فلما بلغ ذلك الرجل، دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره ما قال معاذ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أتريد أن تكون فتَّاناً يا معاذ؟ إذا أممت الناس فاقرأ بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، واقرأ باسم ربك، والليل إذا يغشى(١) .
وقد كانت عائشة تكفِّر عثمان، وكانت تقول: اقتلوا نعثلاً فقد كفر(٢) .
فلما أرادت بعد قتله أن تطالب بدمه قال لها ابن أم كلاب:
منكِ البداءُ ومنكِ الغيـرْ * ومنكِ الرياحُ ومنكِ المطر
وأنتِ أمرتِ بقتلِ الإمام * وقلتِ لنا: إنه قد كفــرْ
فهبنـا أطعناكِ في قتلِهِ * وقاتلُه عندنا مَن أمَـرْ(٣)
ولما حُصِر عثمان في بيته كفَّر كل أهل المدينة من الصحابة وغيرهم.
قال الطبري: لما رأى عثمان ما قد نزل به، وما قد انبعث عليه من الناس، كتب إلى معاوية بن أبي سفيان وهو بالشام:
بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإن أهل المدينة قد كفروا، واخلفوا الطاعة، ونكثوا البيعة، فابعث إليَّ من قِبَلك من مقاتلة أهل الشام على كل صعب وذلول(٤) .
هذا مضافاً إلى أن جمهور أهل السنة قد ذهبوا إلى كفر أبي طالب عليه السلام، مع أنه من أجِلاء صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإسلامه ودفاعه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذبّه عن الإسلام أوضح من أن يحتاج إلى بيان. وحسبك دليلاً على إيمانه أقواله المأثورة وأشعاره المشهورة.
ومنها قوله:
واللهِ لن يصلـوا إليـكَ بجمعِهــم * حتـى أُوسَّدَ في التـرابِ دفينــا
____________________
(١) صحيح مسلم ١/٣٤٠ كتاب الصلاة، باب رقم ٣٦. سنن النسائي ٢/١٧٢. سنن ابن ماجة ١/٣١٥.
(٢) شرح نهج البلاغة ٢/٧٧.
(٣) تاريخ الطبري ٣/٤٧٧. الكامل في التاريخ ٣/٢٠٦.
(٤) تاريخ الطبري ٣/٤٠٢.
فاصدعْ بأمرِك ما عليكَ غضاضةٌ * وابشرْ بـذاك وقـرَّ منكَ عيونــا
ولقد علمتُ بــأن دينَ محمــدٍ * مِن خيرِ أديانِ البريَّـةِ دينــا(١)
وقوله:
ألا أبلِغـا عني على ذاتِ بينِنــا * لُؤيًّا وخُصَّـا من لؤيّ بني كعْـبِ
ألم تعلمـوا أنَّـا وجدنــا محمداً * نبيًّا كمـوسى خُطَّ في أولِ الكتْـبِ
وأن عليه في العبــادِ محبــة * ولا خير ممن خصَّه الله بالحُبِّ(٢)
والحاصل أن القول بكفر واحد ممن صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن جلَّ عند قوم لا يستلزم كفر طائفة من طوائف المسلمين أو أحد من أهل القبلة، وما يُلزَم به الشيعة من تكفير بعض من يعتبرهم أهل السنة من أجلاء الصحابة، يرِد على أهل السنة سواءً بسواء، بل إن الحجة على أهل السنة أتم وأظهر، وذلك لأن أبا طالب عليه السلام الذي تجرَّأوا على تكفيره، يعترف جمع من علمائهم بإيمانه، فكان الواجب عليهم ألا يتسرَّعوا في تكفير من اختلفوا هم أنفسهم في إيمانه وكفره، بخلاف من كفره الشيعة، فإنهم لم يختلفوا فيه، وشتان ما بين هذين الأمرين.
* * *
قال الجزائري:فقل لي بربك أيها الشيعي، ألم يكن لهذا التكفير واللعن والبراء لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هدف وغاية؟ بلى أيها الشيعي، إن هناك هدفاً وأي هدف؟ وغاية وأية غاية؟ إن الهدف هو القضاء على الإسلام خصم اليهودية والمجوسية وعدو كل شرك ووثنية!!
والجـواب:
أنا لم نقل بارتداد عامة الصحابة عن الدين كما أوضحناه مكرَّراً، وإنما قلنا
____________________
(١) البداية والنهاية ٣/٤١. المواهب اللدنية ١/٤٦. أسنى المطالب، ص٢٥. وهذه الأبيات أورده الأميني رضوان الله عليه في موسوعة الغدير ٧/٣٣٤ وقال: رواها الثعلبي في تفسيره وقال: قد اتفق على صحة نقل هذه الأبيات عن أبي طالب مقاتل وعبدالله بن عباس والقسم بن محضرة وعطاء بن دينار.
(٢) السيرة النبوية ١/٣٥٢. البداية والنهاية ٣/٨٤. أسنى المطالب، ص٢٤.
برجوع أكثرهم عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا المعنى هو المراد بالارتداد المذكور في الحديث الذي احتج به.
وأما ما ألصقه بالشيعة من القول بارتداد عامة الصحابة إلا نفراً قليلاً - وإن كنا لا نقول به - إلا أنه هو الظاهر من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث البخاري المتقدم الذي قال فيه: « فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همَل النعَم » كما بيَّنَّاه آنفاً.
وبعبارة أخرى: إن ما ألصقه بالشيعة من القول بارتداد أكثر الصحابة عن الدين بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يقوله الشيعة، ولا تدل عليه الأحاديث المروية من طرقهم، بل دلَّت عليه الأحاديث الصحيحة عند أهل السنة التي ذكرنا بعضاً منها.
ومما تقدَّم يتَّضح سقوط كل ما سيأتي من اللوازم الفاسدة التي ساقها الجزائري، لأنها كلها مبتنية على القول بارتداد عامة الصحابة عن الدين، ونحن لا نقول به كما بيَّنَّاه مفصَّلاً، وهو واضح.
وقوله: «إن الهدف من هذا التكفير واللعن والبراء لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو القضاء على الإسلام خصم اليهودية والمجوسية » لا يخفى فساده، ولا يستحق الرد عليه، إلا أنا مع ذلك نقول:
إن أراد بأصحاب النبي كل أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم، فنحن لا نكفِّرهم ولا نلعنهم جميعاً كما أوضحناه فيما تقدَّم.
وإن أراد بعضهم فارتداد ونفاق بعض من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم متَّفق عليه، ودلَّت عليه الأحاديث الصحيحة عند أهل السنة كما مر آنفاً.
والنتيجة المتحصَّلة هي أن الشيعة وأهل السنة في هذه المسألة سواء، فما يلزم أولئك يلزم هؤلاء.
ثم إنا لا نعلم كيف يتم القضاء على الإسلام بسبب الاعتقاد بنفاق أو ارتداد بعض صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أن الشيعة وأهل السنة كلهم يرون ذلك والإسلام بحمد الله باقٍ، وسيبقى إن شاء الله تعالى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها!!
ولا يخفى أن الجزائري في كلامه هنا بل في كل ما سطَّره في هذا الكتيِّب يريد بالإسلام مذهب أهل السنة، المبني على القول بعدالة كل من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مع
أن القول بعدالة كل الصحابة يبطله الكتاب والسنة والإجماع والعقل، والإسلام غير منحصر في مذهب تبطله الأدلة الصحيحة.
والحكم بأن الغاية من اعتقاد ردَّة بعض من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي القضاء على الإسلام خصم اليهودية والمجوسية حكم باطل، بل هو من الكلام الذي لا يجوز قوله، لما فيه من رد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الثابتة.
ثم كيف يتسبَّب من اعتقاد ردَّة بعض من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم القضاء على الإسلام؟ والحال أن الردة حقيقة تاريخية لا ينكرها أحد، غاية ما في الأمر أنهم يقولون إنها وقعت في كل الأمصار ما عدا الحرمين والطائف، ولو سلَّمنا بذلك فصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا متوافرين في بلاد العرب كلها.
وأما هدف الشيعة من بيان أن جمعاً من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ارتدّوا من بعده فهو بيان ما أراد رسول الله بيانه للأمة، حتى لا يُغتَر بكل من يدَّعي الصحبة، ويتخذها وسيلة لإضلال الأمة المهدية وتحريف السنة النبوية.
* * *
قال الجزائري:وإن الغاية هي إعادة دولة المجوس الكسروية بعد أن هَدم الإسلام أركانها، وقوَّض عروشها، ومحا أثر وجودها، وإلى الأبد إن شاء الله تعالى، وهاك إشارة مغنية عن عبارة: ألم يُقتل ثاني خليفة للمسلمين بيد غلام مجوسي؟
ألم يحمل راية الفتنة ضد الخليفة عثمان فيذهب ضحيَّتها وتكون أول بذرة للشر والفتنة في ديار المسلمين، اليهودي عبد الله بن سبأ؟
والجـواب:
أن إعادة دولة المجوس الكسروية ليست من غايات الشيعة، ولو كانت هذه هي غايتهم لَسَعوا إليها وأعادوا بناءها، فإن الشيعة قامت لهم دول على ممر العصور، ولم يعيِدوا المجوسية ولا اليهودية، ولم يدعُوا إليهما.
وأما ما أشار إليه من قتل عمر بن الخطاب بيد غلام مجوسي، فهذا لا علاقة له بالشيعة، لأن هذا الغلام لم يكن شيعياً ولا مملوكاً لواحد من الشيعة، وإنما كان غلاماً
للمغيرة بن شعبة الذي كان من المنحرفين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
وكان هذا الغلام حدَّاداً نقَّاشاً نجَّاراً حاذقاً، وكان المغيرة قد ضرب عليه مائة درهم في الشهر كما في بعض الأخبار، أو أربعة دراهم في اليوم كما في بعض آخر، فاشتكى إلى عمر شدة الخراج، فقال له عمر: ما خراجك بكثير. فانصرَف ساخطاً يتذمّر، وأضمر لعمر السوء، فكمن له وقتله(١) .
هذا مع أن الذي ذكره غير واحد أنه كان غلاماً نصرانيًّا ولم يكن مجوسيًّا(٢) ، ولا أقل فالأخبار في دينه متضاربة. ولعله كان مسلماً، إلا أنه لمَّا قتل عمر وصَموه بالمجوسية، والله أعلم بحقائق الأمور.
وأما عبد الله بن سبأ: فإن مذهب الشيعة الإمامية لا يرتبط به من قريب ولا بعيد، وحسبك دليلاً على ذلك:
١ - أنا لا نجد حديثاً واحداً مروياً عنه في كتب الإمامية، ولا قولاً منقولاً له فيها، ولا سيرة له مُتَّبعة، ولا فتوى له معمولاً بها، ولا شيئاً في المذهب يمتّ إليه بصلة، ولو كان مذهب الشيعة من صنيعة عبد الله بن سبأ لكانت آثاره في مذهبهم لائحة، وأخباره جليّة واضحة، ولكانت أقواله منقولة، وفتاواه مدوَّنة، وآراؤه في الفروع والأصول في كتبهم ومصنفاتهم مبثوثة، فإذا لم يكن شيء من ذلك فكيف تصح نسبة مذهبهم إليه؟!
وأما ما نسبه خصوم الشيعة إلى ابن سبأ من عقائد الإمامية ككون عليّ عليه السلام وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه دابة الأرض، وكذا القول بالرجعة، فهو مكذوب مختلق عليه، من أجل أن تتم لهم هذه الفرية، وتلتئم به هذه الكذبة، فإن ذلك كله ورد إما في روايات سيف بن عمر الوضَّاع، وهي لا يعوَّل عليها، وإما في أقوال بعض علماء أهل السنة التي ليس لها مستنَد إلا أخبار سيف المذكورة.
وقد دلَّت بعض الأخبار على أن ابن سبأ كان يؤلِّه أمير المؤمنين عليه السلام، ومن الواضح أن مَن يؤلِّهه لا يعتقد فيه أنه دابة الأرض، أو أنه وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
____________________
(١) الطبقات الكبرى ٣/٣٤٥. المستدرك ٣/٩١. تاريخ الإسلام ٣/٢٧٧. تاريخ الخلفاء، ص١٠٦. تاريخ الخميس ٢/٢٤٨. مروج الذهب ٢/٣٢٠. الكامل في التاريخ ٣/٤٩.
(٢) المستدرك ٣/٩١. الكامل في التاريخ ٣/٤٩.
ثم إن القول بالوصاية لأمير المؤمنين عليه السلام لم يختص به الشيعة الإمامية، بل كان جمع من الصحابة يقولون به، ودلَّ على ذلك الكثير المنقول من أقوالهم وأشعارهم(١) .
وكذا القول بأن عليًّا عليه السلام هو دابة الأرض، فقد روى أهل السنة ما يمكن أن يستفاد منه ثبوت ذلك لعلي عليه السلام، وليس هذا محل ذكره، فإنه خارج عن موضوع الكتاب(٢) .
٢ - أن الأحاديث المروية في بعض كتب الإمامية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام قد وردت بذمِّه ولعنه والبراءة منه.
منها: صحيحة هشام بن سالم، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول وهو يحدِّث أصحابه بحديث عبدالله بن سبأ، وما ادَّعى من الربوبية في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: إنه لما ادَّعى ذلك فيه استتابه أمير المؤمنين عليه السلام فأبى أن يتوب، فأحرقه بالنار.
منها: صحيحة أبان بن عثمان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لعن الله عبد الله بن سبأ، إنه ادَّعى الربوبية في أمير المؤمنين عليه السلام، وكان والله أمير المؤمنين عليه السلام عبداً لله طائعاً، الويل لمن كذب علينا، وإن قوماً يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم، نبرأ إلى الله منهم.
ومنها: صحيحة أبي حمزة الثمالي، قال: قال علي بن الحسين عليه السلام: لعن الله من كذب علينا، إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادّعى أمراً عظيماً، ما له لعنه الله؟! كان علي عليه السلام والله عبداً لله صالحاً، أخو رسول الله، ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله، وما نال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكرامة من الله إلا بطاعته(٣) .
وإنك لا تجد طائفة من طوائف المسلمين تروي في كتبها ولو بأسانيد ضعيفة روايات تتضمن الطعن واللعن في من أسّس تلك الطائفة، فضلاً عن روايتها بأسانيد صحيحة.
____________________
(١) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١/٤٨، ط محققه ١/١٤٧.
(٢) راجع كتابنا (عبد الله بن سبأ)، ص ٢٤١-٢٨٩.
(٣) اختيار معرفة الرجال، ص ١٠٦-١٠٨.
٣ - أن علماء الإمامية نصّوا على كفر عبد الله بن سبأ وسوء حاله:
فقد قال الشيخ محمد بن الحسن الطوسي في رجاله: عبد الله بن سبأ الذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلو(١) .
وقال العلاَّمة الحلي في كتابه خلاصة الأقوال: عبد الله بن سبأ غالٍ ملعون، حرَّقه أمير المؤمنين عليه السلام بالنار، كان يزعم أن عليًّا عليه السلام إله، وأنه نبي(٢) .
وهذه العبارة هي عين عبارة السيد أحمد بن طاووس في كتابه (حل الإشكال في معرفة الرجال) المنقولة في التحرير الطاووسي(٣) .
وقال أبو عمرو الكشي: كان يدَّعي النبوة وأن عليًّا عليه السلام هو الله، فاستتابه عليه السلام ثلاثة أيام، فلم يرجع فأحرقه بالنار في جملة سبعين رجلاً ادَّعوا فيه ذلك(٤) .
وقال الشيخ يوسف البحراني: وابن سبأ هذا هو الذي كان يزعم أن أمير المؤمنين عليه السلام إله، فاستتابه أمير المؤمنين ثلاثة أيام، فلم يتب فأحرقه(٥) .
وهذه الكلمات وأمثالها هي مضمون الروايات التي رواها الكشي في رجاله وقد مرَّ آنفاً ذِكر بعضها، ولعلّ هؤلاء الأعلام قالوا بذلك اعتماداً على تلك الروايات.
وإنك لا تجد واحداً من علماء الشيعة الإمامية قديماً وحديثاً دافع عن ابن سبأ أو برَّأ ساحته، أو أثنى عليه أو مدحه، أو نعته بما فيه كمال ورِفعة، ولو كان مذهب الشيعة الإمامية من صنيعته لما عدمتَ من يمدحه ويثني عليه، ويدافع عنه.
٤- أن مذهب الشيعة الإمامية مذهب متكامل في أصوله وعباداته ومعاملاته وأحكامه، وهي كلها منقولة بالنقل الصحيح عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، وهذه كتبهم الكلامية والحديثية تشهد بذلك، والناظر فيها يعلم علماً يقينياً أن شيئاً من تلك الأصول والفروع لم يؤخذ عن عبد الله بن سبأ.
وأما ما رواه سيف بن عمر من أن ابن سبأ هو أول من قال: إن عليًّا عليه السلام وصي
____________________
(١) رجال الطوسي، ص ٥١.
(٢) رجال العلامة الحلي، ص٢٣٧.
(٣) التحرير الطاووسي، ص١٧٣.
(٤) عن رجال ابن داود، ص ٣٠ من القسم الثاني، تنقيح المقال ٢/١٨٤، وكلمة الكشي هذه غير مذكورة في (اختيار معرفة الرجال) المعروف برجال الكشي.
(٥) الحدائق الناضرة ٨/٥١١.
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنه هو دابة الأرض، وإنه أفضل صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنه أول من أحدث القول بالرجعة، فهذه كلها مع أنها منحولة على ابن سبأ كما حقَّقناه في كتابنا (عبد الله بن سبأ)، فهي لا تعدو أن تكون أربع مسائل من آلاف المسائل في أصول مذهب الشيعة وفروعه.
وعليه، فكيف يصح أن يُنسب مذهب الشيعة الإمامية جميعه لرجل جهر بمسائل أربع هي في الأصل كانت موجودة قبل ذلك، وقامت عليها الأدلة الصحيحة كما قلنا، ولا يصح نسبة مذاهب أهل السنة إلى اليهود، مع أنهم قد أخذوا كثيراً من المسائل الأصولية والفرعية من بعض اليهود ككعب الأحبار وغيره إما بالمباشرة أو بالواسطة؟!
مِن كل ذلك نخلص إلى أن مذهب الشيعة الإمامية بريء من عبد الله بن سبأ، ولا علاقة له به، ولا شيء من أصوله و فروعه مأخوذ منه، بل إن الشيعة يتبرّؤون من عبد الله بن سبأ، ويلعنونه ويلعنون كل من يعتقد باعتقاداته، ويأخذ بمبادئه، ومن نسب إليهم غير ذلك فهو كاذب مفترٍ عليهم.
وما أحسن ما قاله الأستاذ محمد كرد علي في كتابه (خطط الشام)، فإنه قال:
أما ما ذهب إليه بعض الكتّاب من أن أصل مذهب التشيّع من بدعة عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء فهو وهم وقلة علم بحقيقة مذهبهم، ومن علم منزلة هذا الرجل عند الشيعة وبراءتهم منه ومن أقواله وأعماله وكلام علمائهم في الطعن فيه بلا خلاف بينهم في ذلك، علم مبلغ هذا القول من الصواب(١) .
هذا مضافاً إلى أن جمعاً من الكتَّاب والباحثين من أهل السنة ذهبوا إلى أن عبد الله بن سبأ شخصية مختلقة، اختلقها خصوم الشيعة كيداً لهم وإزراءً عليهم.
قال الدكتور طه حسين: إن أمر السبئية وصاحبهم ابن السوداء إنما كان متكلَّفاً منحولاً، قد اختُرع بأخَرَة، حين كان الجدال بين الشيعة وغيرهم من الفِرق الإسلامية، أراد خصوم الشيعة أن يُدخِلوا في أصول هذا المذهب عنصراً يهوديًّا، إمعاناً في الكيد لهم والنيل منهم(٢) .
____________________
(١) خطط الشام ٦/٢٤٦.
(٢) علي وبنوه، ص ٥١٨.
وقال الدكتور عبد العزيز الهلابي الأستاذ في قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة الملك سعود بالرياض: وعلى أية حال، فسَيف - وهو راوي قصة ابن سبأ كما سيأتي - أراد طعن الشيعة في الصميم، وذلك بنسبة مذهب التشيع إلى يهودي حاقد على الإسلام، يريد تقويضه من الداخل، وأن أفكار الشيعة - المعتدلين منهم والغلاة - ليست سوى أفكار هذا اليهودي(١) .
وقال الكاتب المصري الأستاذ أحمد عباس صالح في كتابه (اليمين واليسار في الإسلام): وعبد الله بن سبأ شخص خرافي بغير شك، فأين هو من هذه الأحداث جميعاً؟ وأين هو من الصراعات الناشبة في هذا العالم الكبير المتعدد... وماذا يستطيع شخص مهما تكن قيمته أن يلعب بمفرده بين هذه التيارات المتطاحنة؟ إن الأحداث السريعة العنيفة المتلاحقة لم تكن في حاجة إلى شخص ما حتى ولو كان الشيطان نفسه؛ لأن أصولها بعيدة الغور، وقوة اندفاعها لا قبل لأحد بالسيطرة عليها أو توجيهها، فضلاً عن تشابكها وتعددها بما لا يدع لأي قوة أن تزيدها تعقيداً.
وساذج بغير شك التفكير الذي يتّجه إلى خلق شخصية خرافية كهذه ليعطيها أي أثر فيما حدث من أحداث، وأكثر سذاجة منه من يظن لهذا الرجل تأثيراً ما على كبار الصحابة، ومنهم أبو ذر الغفاري نفسه الذي لم يقبل مناقشة من أبي هريرة المحدث المعروف وضربه فشجّه قائلاً في ازدراء: « أتعلّمنا ديننا يا ابن اليهودية »، إنما كل ما حيك من قصص حول عبد الله بن سبأ هو من وضع المتأخرين، فلا دليل على وجوده في المراجع القديمة، فضلاً عن سخافة التفكير في احتمال وجوده أصلاً(٢) .
وقد أشبعنا هذا الموضوع بحثاً وتحقيقاً، وكشفنا كل غموض حول هذه الشخصية في كتابنا (عبد الله بن سبأ)، فمن أراد التوسع في هذا الموضوع فليراجعه ففيه مباحث نافعة.
* * *
قال الجزائري:وفي هذه الرحم المشؤومة تخلَّق شيطان الشيعة ووُلد من ساعته، يحمل راية بدعة (الولاية) و(الإمامة) كسيفين مصلتين على رأس الإسلام والمسلمين.
____________________
(١) عبد الله بن سبأ للهلابي، ص ٢٦.
(٢) اليمين واليسار في الإسلام، ص ٩٥.
والجـواب:
أن الشيعة لا شيطان لهم، ولا شيطان لواحد من أئمتهم عليهم السلام، وقصة تخلّق هذا الشيطان الذي ذكره الجزائري أشبه ما تكون بأساطير اليونان القديمة التي لا واقع لها ولا دليل عليها.
على أنَّا لو تأمَّلنا الأحاديث الصحيحة التي يعتقد أهل السنة بمضمونها لوجدناها تدل على أنهم يعتقدون بأن كل واحد منهم له شيطان يستفزّه ويضلّه.
ومن ذلك ما أخرجه مسلم والنسائي وأحمد وغيرهم عن عروة، أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حدَّثتْه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج من عندها ليلاً. قالت: فغِرتُ عليه، فجاء فرأى ما أصنع، فقال: ما لكِ يا عائشة؟ أغِرْتِ؟ فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أقد جاءك شيطانك؟ قلت: يا رسول الله، أو معي شيطان؟ قال: نعم. قلت: ومع كل إنسان؟ قال: نعم. قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم(١) .
وأخرج أحمد والهيثمي وابن حبان وابن خزيمة وغيرهم، عن ابن عباس وغيره، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه من الشياطين. قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: نعم، ولكن الله أعانني عليه فأَسلم(٢) .
ومن هذا الباب ما روي عن أبي بكر أنه قال في خطبته الأولى لما تولَّى الأمر: أما بعد، فإني وُلِّيتُ هذا الأمر وأنا له كاره، ووالله لوددتُ أن بعضكم كفانيه... ألا وإنما أنا بشَر، ولست بخير من أحد منكم فراعوني، فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني، وإن رأيتموني زغت فقوّموني، واعلموا أن لي شيطاناً يعتريني، فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني، لا أُوثر في أشعاركم وأبشاركم(٣) .
هذا مع أن الله جل شأنه قد قال في كتابه العزيز( ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيض
____________________
(١) صحيح مسلم ٤/٢١٦٨ كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب رقم ١٦. سنن النسائي ٧/٧٢. مسند أحمد ٦/١١٥. وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ٣/٨٣١.
(٢) مسند أحمد ١/٢٥٧. مجمع الزوائد ٨/٢٢٥، وقال: رواه الطبراني والبزار، ورجال الصحيح. الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٨/١٠٠. صحيح ابن خزيمة ١/٣٣٠. المطالب العالية ٤/٢٩.
(٣) الطبقات الكبرى ٣/٢١٢. تاريخ الطبري ٢/٤٦٠. البداية والنهاية ٦/٣٠٧. مجمع الزوائد ٥/١٨٣.
له شيطاناً فهو له قرين ) (١) ، وقال( ألم ترَ أنّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزّهم أزّاً ) (٢) ، وقال( هل أنبِّئكم على مَن تَنَزَّل الشياطين * تَنَزَّل على كل أفَّاك أثيم ) (٣) ، وقال( ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً ) (٤) .
وقول الجزائري: «يحمل راية بدعة الولاية والإمامة كسيفين مصلتين على رأس الإسلام والمسلمين » عجيب منه، فإن الولاية والإمامة من شعائر الإسلام المؤكدة التي لا تخفى على أحد.
فإن الجزائري إن أراد بالولاية الإمارة فلا يسعه إنكار لزومها، لاتفاق المسلمين على أنه لا بد لهم من أمير يحفظ الثغور، ويؤمّن السُّبُل، ويقيم الحدود، ويفض المنازعات، وينتصف للمظلوم من الظالم.
هذا وقد أخرج مسلم وأحمد وغيرهما - في حديث - عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إن بعضكم على بعض أمَراء تكرمة الله هذه الأمّة(٥) .
فإن إمارة بعض المسلمين على بـعض مضافاً إلى لزومها وضرورتها فهي مما كرَّم الله به هذه الأمة وشرَّفها به كما يدل عليه هذا الحديث.
وأما إذا أراد بالولاية النصرة والمحبة، فيدل على ثبوتها قوله تعالى( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) (٦) .
وإن أراد بالولاية الأولوية بالتصرف، وهو معنى الإمامة العظمى والخلافة الكبرى، فيدل عليه قوله تعالى( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتولَّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) (٧) .
وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غدير خم: أيها الناس، ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟
____________________
(١) سورة الزخرف، الآية ٣٦.
(٢) سورة مريم، الآية ٨٣.
(٣) سورة الشعراء، الآيتان ٢٢١، ٢٢٢.
(٤) سورة النساء، الآية ٣٨.
(٥) صحيح مسلم ١/١٣٧ كتاب الإيمان، باب رقم ٧١. مسند أحمد ٤/٢١٧.
(٦) سورة التوبة، الآية ٧١.
(٧) سورة المائدة، الآيتان ٥٥ - ٥٦.
قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه(١) .
وأما الإمامة فهي أحد معاني الولاية التي مرَّ بيانها، وهو المعنى الأخير لها. وقد أثبتها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز في آيات كثيرة، فأخبر أنه قد جعل بعض أنبيائه أئمة للناس، إذ قال( قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذرّيّتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) (٢) .
وقال عز من قائل( ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلاً جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ) (٣) .
وأخبر جل شأنه أنه جعل للناس أئمة يدعون إلى الحق، فقال( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) (٤) ، وقال( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) (٥) .
ثم إن الأحاديث النبوية الدالة على ثبوت الإمامة أكثر من تُحصر.
ومنها: ما أخرجه أحمد والهيثمي والطيالسي وأبو نعيم وابن حجر وابن أبي عاصم والطبراني والبيهقي والسيوطي وغيرهم، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: الأئمة من قريش(٦) .
* * *
____________________
(١) سبق تصحيحه وتخريجه في صفحة ١١٩، ١٥٧.
(٢) سورة البقرة، الآية ١٢٤.
(٣) سورة الأنبياء، الآيتان ٧٢، ٧٣.
(٤) سورة السجدة، الآية ٢٤.
(٥) سورة القصص، الآية ٥.
(٦) مسند أحمد ٣/١٢٩، ١٨٣. مسند أبي داود الطيالسي، ص١٢٥، ٢٨٤. حلية الأولياء ٣/١٧١، ٥/٨، ٧/٢٤٢، ٨/١٢٣. مجمع الزوائد ٥/١٩٢. السنن الكبرى ٣/١٢١. كتاب السنة، ص٥١٧، ٥١٨. المعجم الصغير للطبراني ١/١٥٢. الجامع الصغير ١/٤٨٠. صحيح الجامع الصغير ١/٥٣٤. إرواء الغليل ٢/٢٩٨. وقد نص على تواتر هذا الحديث السيوطي في « قطف الأزهار المتناثرة »، ص٢٤٨، والكتاني في « نظم المتناثر »، ص١٦٩.
قال الجزائري:وبالدعوة إلى الولاية كُفِّر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولُعِنوا، وكُفِّر ولُعن كل من يرضى عنهم أو يترضى عليهم من المسلمين.
والجـواب:
لقد أوضحنا فيما تقدم عقيدة الشيعة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبيَّنَّا أنَّا لا نكفِّر أحداً منهم إلا المنافقين الذين كانوا يكيدون للإسلام المكائد، ويدسُّون له الدسائس.
وهذه مصنفات علماء الإمامية التي كتبوها عبر العصور تؤكد أن كل من شهد الشهادتين فهو مسلم، له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، إلا من قامت الأدلة على كفره كالناصبي والغالي ومن أنكر ضروريًّا من ضروريات الدين.
ثم ما هو التلازم بين الدعوة إلى الولاية أو موالاة علي عليه السلام خاصة وأهل البيت عليهم السلام عامة وبين تكفير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والحال أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أول من دعا إليها، حيث قال: من كنت مولاه فعلي مولاه.
وقال: إن عليَّا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي(١) .
وقال: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما(٢) .
وهذا هو معنى الولاية التي نعتقد بها، ولا نعني بها شيئاً آخر غير هذا.
* * *
قال الجزائري:وببدعة الإمامة حيكت المؤامرات ضد خلافة المسلمين، وأُثيرت الحروب الطاحنة بين المسلمين، وسُفكت دماء، وهُدم بناء، وعاش الإسلام مفكك الأوصال، مزعزع الأركان، أعداؤه منه كأعدائه من غيره، وخصومه من المنتسبين إليه كخصومه من الكافرين به.
____________________
(١) سنن الترمذي ٥/٦٣٢. مسند أحمد ٤/٤٣٧ - ٤٣٨، ٥/٣٥٦. الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٩/٤٢. المستدرك ٣/١١٠ وصححه ووافقه الذهبي. سلسلة الأحاديث الصحيحة ٥/٢٦١، ٢٦٣.
(٢) سبق تخريج مصادره في ص٧٣.
والجـواب:
أن الإمامة والخلافة شيء واحد، ولهذا ورد التعبير عن أولي الأمر تارة بالأئمة كما في حديث « الأئمة من قريش »، وتارة بلفظ الخلفاء كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة... كلهم من قريش(١) .
وعليه، فكيف تكون الإمامة بدعة ولا تكون الخلافة كذلك؟!
ثم كيف تحاك المؤامرات بالإمامة ضد الخلافة؟!
هذا مع أنا لو سبرنا ما حدث منذ العصر الأول إلى يومنا هذا فإنا لا نجد التاريخ يحدِّث أن ثمة مؤامرات حاكها الشيعة ضد خلافة المسلمين، أو أن حروباً طاحنة أثارها الشيعة قد وقعت بين المسلمين.
وأما أن الإسلام عاش مفكك الأوصال، مزعزع الأركان، فكل ذلك إنما حصَل بسبب ابتعاد المسلمين عن الأخذ بشعائر الإسلام المهمة التي منها اتباع أئمة أهل البيت عليهم السلام وتقديمهم والتمسك بحبلهم، فإن الناس لما مالوا عنهم إلى غيرهم، وصارت الخلافة العظمى يتداولها الطلقاء وأبناء الطلقاء، وصارت أمور المسلمين بيد كل طامع متغلِّب، آلت الأحوال إلى ما هي عليه الآن.
* * *
قال الجزائري: على هذا الأساس أيها الشيعي وُضعت عقائد الشيعة وسُن مذهبها، فكان ديناً مستقلاً عن دين المسلمين، له أصوله ومبادئه وكتابه وسنَّته وعلومه ومعارفه. وقد تقدم في هذه الرسالة مصداق ذلك وشاهده، فارجع إليه وتأمله إن كنت فيه من الممترين.
والجـواب:
أن الشيعة الإمامية أخذوا عقائدهم من أئمة أهل البيت الذين أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم باتباعهم والتمسك بحبلهم، ونصَّ في أحاديث كثيرة على أنهم هم الناجون الفائزون دون غيرهم، وقد ذكرنا ما يدل على ذلك فيما تقدم.
____________________
(١) سبق تخريج مصادره في ص٧٤.
وأما أن الشيعة لهم دين مستقل عن دين المسلمين فإثبات ذلك دونه خرط القتاد، والأحاديث المروية عند أهل السنة تكذِّب ذلك، بل تثبت بما لا يدع مجالاً للريب أن الشيعة مسلمون مؤمنون محسنون.
فإن تلك الأحاديث دلَّت على أن الإسلام قد بُني على خمس كما روي عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت(١) .
كما دلَّت على أن الإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقَدَر خيره وشرِّه. وأن الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك كما في حديث سؤال جبرئيل عليه السلام الذي تقدَّم ذكره(٢) .
وأما أصول مذهب الشيعة الإمامية ومبادئه وعلومه ومعارفه فهي معلومة ومبثوثة فيما صنَّفه علماء المذهب قدَّس الله أسرارهم، وهي غير خافية على الجزائري ولا على غيره ممن كتب ضد الشيعة. وكان الأجدر بالجزائري الذي يزعم هذا الزعم أن ينقل لقارئه شيئاً من أصول ومبادئ وعلوم مذهب الإمامية التي خالفوا بها قواعد الإسلام، ليتيسَّر له ما يريد، بدلاً من أن يتجشم تكفير الشيعة بلوازم فاسدة، لأحاديث ضعيفة قد حمَّلها من الخيالات والأوهام ما لا تحتمله، ثم نسب ذلك كله إلى الشيعة.
* * *
قال الجزائري: ولولا القصد السيئ والغرض الخبيث لما كان للولاية من معنى يفرق المسلمين، ويبذر الشر والفتنة والعداء فيهم.
والجـواب:
أن ولاية أمير المؤمنين وأئمة أهل البيت عليهم السلام مضافاً إلى ثبوت وجوبها بالأدلة
____________________
(١) صحيح البخاري ١/١٠ كتاب الايمان، باب رقم ٢. صحيح مسلم ١/٤٥ كتاب الايمان، باب رقم ٥. سنن الترمذي ٥/٥. سنن النسائي ٨/١٠٧. مسند أحمد ٢/٢٦، ٩٣، ١٢٠، ١٤٣، ٤/٣٦٣. صحيح ابن خزيمة ١/١٥٩، ٣/١٨٧. السنن الكبرى ٤/١٩٩. الإحسان بترتيب ابن حبان ١/١٨٨، ٣/٣. صحيح سنن النسائي ٣/١٠٢٩. إرواء الغليل ٣/٢٤٨.
(٢) تقدم في صفحة ١٠١ من هذا الكتاب.
الصحيحة فهي جامعة لشمل الأمة، عاصمة لهم من الشقاق والافتراق كما دلَّت على ذلك الأخبار والآثار.
ومن ذلك ما أخرجه الحاكم وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس(١) .
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأمتي(٢) .
* * *
قال الجزائري:إذ المسلمون أهل السنة والجماعة، والذين هم وحدهم يُطلق عليهم بحق كلمة المسلمين، لا يوجد بينهم فرد واحد يكره آل بيت رسول الله.
والجـواب:
أما أن الذين يُطلق عليهم بحق كلمة « المسلمون » هم أهل السنة وحدهم فهذا ادِّعاء محض، لأن لفظ « المسلم » يصح إطلاقه على كل من شهد الشهادتين، وأظهر شعائر الإسلام، ولم ينكر ضروريًّا من ضروريات الدين. هذا ما دلَّت عليه الأحاديث النبوية ونصَّ عليه أعلام أهل السنة.
ومن تلك الأحاديث ما أخرجه البخاري والنسائي وغيرهما، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من شهد أن لا إله إلا الله، واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم(٣) .
قال السندي في حاشيته على سنن النسائي: قوله « من صلى صلاتنا » أي من أظهر شعائر الإسلام(٤) .
____________________
(١) سبق تخريج مصادره في صفحة ١٢٠.
(٢) الجامع الصغير ٢/٦٨٠ ورمز له بالحسن. مجمع الزوائد ٩/١٧٤. المطالب العالية ٤/٧٤، ٣٧٤. إحياء الميت، ص٣٧، ٤٥. الخصائص الكبرى ٢/٢٦٦. فضائل الصحابة ٢/٦٧١.
(٣) صحيح البخاري ١/١٠٣ كتاب الصلاة، باب فضل استقبال القبلة. سنن النسائي ٧/٧٥، ٨/١٠٥، ١٠٩.
(٤) سنن النسائي ٨/١٠٥.
وأخرج البخاري عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مَن صلَّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذاك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته(١) .
فكل من أظهر شعائر الإسلام حُكِم بإسلامه، وحَرُم إيذاؤه بنفي الإسلام عنه، كما قال سبحانه( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لستَ مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا ) (٢) ، وذلك لأن الإيمان أمر خفي لا يقدر أحد على الجزم بنفيه.
وأما أن أهل السنة لا يوجد بينهم فرد واحد يبغض آل البيت فغير صحيح، لأن كثيراً من علمائهم وإن كانوا يزعمون أنهم يحبّون أهل البيت عليهم السلام إلا أن ما يظهر منهم خلاف ذلك.
ويكفي في الدلالة على ذلك أن علماء أهل السنة حكموا بأن التشيع لأهل البيت منقصة قادحة في وثاقة الراوي، فيضعّفون الرجل لموالاته لأهل البيت عليهم السلام، فيطرحون رواياته، وإن كان صدوقاً ثبتاً، وينبزونه بالرفض، ويصمونه بما لا يحسن من قبيح الصفات، فصار كل من يحبّهم أو يروي فضائلهم، أو ينقل مآثرهم، وينوِّه بذكرهم، أو يفضّلهم على غيرهم، شيعيًّا مذموماً، أو رافضيًّا خبيثاً، لا حرمة له ولا كرامة.
حتى أن الإمام الشافعي الذي هو علَم من أعلام أهل السنة وإمام من أئمتهم قد رُمي بالتشيع لما تجاهر بحب أهل البيت عليهم السلام، فقيل له: إن أناساً لا يصبرون على سماع منقبة أو فضيلة لأهل البيت، فإذا رأوا أحداً يذكر شيئاً من ذلك قالوا: تجاوزوا عن هذا، فهو رافضي. فأنشأ يقول:
إذا في مجلسٍ نذكر علياً * وابنيهِ وفاطمةَ الزكيَّــهْ
يُقــال: تجاوزوا يا قومُ هذا * فهـذا من حديثِ الرافضيــهْ
بـرئتُ إلى المهيمنِ من أناسٍ * يرون الرفضَ حبَّ الفاطميهْ(٣)
____________________
(١) صحيح البخاري ١/١٠٣.
(٢) سورة النساء، الآية ٩٤.
(٣) نور الابصار، ص٢٠٠، والأبيات موجودة في الديوان، ص٩٠.
وقيل له: إن فيك بعض التشيع! قال: وكيف؟ قالوا: ذلك لأنك تظهر حب آل محمد. فقال: يا قوم... أليس من الدين أن أحب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كانوا من المتقين، لأنه كان يحب قرابته، وأنشد:
يا راكبا قفْ بالمحصَّبِ من مِنى * واهتفْ بساكنِ خيفِها والناهــضِ
سحَراً إذا فاضَ الحجيجُ إلى مِنى * فيضاً كملتطمِ الفـراتِ الفائــضِ
إن كان رفضاً حُـبُّ آل محمدٍ * فليشهدِ الثقلانِ أني رافضــي(١)
وهناك جمع من الحفَّاظ والرواة والعلماء البارزين من أهل السنّة عُرفوا ببغض أهل البيت عليهم السلام ومعاداتهم لهم.
فمن حفاظ الحديث إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: عدَّه الذهبي(٢) والسيوطي(٣) من حفَّاظ الحديث، وهو من رجال الجرح والتعديل عندهم، روى له أبو داود والترمذي والنسائي، ووثَّقه النسائي والدارقطني وابن حبان، مشهور بالنصب والتحامل على علي عليه السلام!(٤) .
ومنهم: حريز بن عثمان الحافظ أبو عثمان الرحبي: عدَّه الذهبي(٥) والسيوطي(٦) وابن العماد الحنبلي(٧) من حفَّاظ الحديث، وهو ناصبي معروف، روى له البخاري والأربعة، سُئل عنه أحمد بن حنبل فقال: ثقة ثقة. وقال: ليس بالشام أثبت
____________________
(١) الانتقاء في فضائل الثلاثة الائمة الفقهاء، ص٩١.
(٢) تذكرة الحفاظ ٢/٥٤٩. العبر ١/٣٧٢. ميزان الاعتدال ١/٧٥.
(٣) طبقات الحفاظ، ص٢٤٤.
(٤) راجع تهذيب التهذيب ١/١٥٨. ميزان الاعتدال ١/٧٥.
(٥) تذكرة الحفاظ ١/١٧٦. سير اعلام النبلاء ٧/٧٩.
(٦) طبقات الحفاظ، ص٧٨.
(٧) شذرات الذهب ١/٢٥٧.
من حريز. ووثَّقه ابن معين ودحيم وأحمد ابن يحيى والمفضل بن غسان والعجلي وأبو حاتم وابن عدي والقطان. قال ابن المديني: لم يزل من أدركناه من أصحابنا يوثِّقونه. كان يلعن أمير المؤمنين عليه السلام وينتقصه وينال منه. قال ابن حبان: كان يلعن عليًّا بالغداة سبعين مرة، وبالعشي سبعين مرة(١) .
وأما النواصب من رواة الأحاديث فكثيرون:
منهم: عبد الله بن شقيق العقيلي، وإسماعيل بن سميع الكوفي الحنفي، والحصين بن نمير الواسطي، وزياد بن جبير بن حية الثقفي البصري، وزياد بن علاقة بن مالك الثعلبي، وعبيد الله بن زيد بن قلابة الجرمي، ومحمد بن زياد الألهاني، ونعيم بن أبي هند الأشجعي، وخالد ابن سلمة بن العاص المعروف بالفأفأ وغيرهم(٢) .
وأما النواصب من علماء أهل السنة فكثيرون أيضاً، منهم ابن تيمية وابن كثير الدمشقي وابن الجوزي وشمس الدين الذهبي وابن حزم الأندلسي وغيرهم، وهؤلاء وإن نفوا عن أنفسهم النَّصْب إلا أن المتأمل في كتبهم يحصل له الجزم بما قلناه، ولولا خشية الإطالة والخروج عن موضوع الكتاب لأقمنا الأدلة الواضحة الدالة على عداوتهم لأهل البيت عليهم السلام من كتبهم ومن أقوال العلماء الآخرين فيهم.
* * *
قال الجزائري:فلماذا تمتاز طائفة الشيعة بوصف الولاية، وتجعلها هدفاً وغاية، وتعادي من أجلها المسلمين، بل تكفرهم وتلعنهم كما سبق أن عرفت وقدمناه.
والجـواب:
أن الولاية وإن كانت من شعائر الإسلام المؤكدة التي دلَّت عليها آيات الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة، إلا أن الشيعة لم يجعلوها هدفاً وغاية - كما زعم الجزائري - يُعادون من أجلها المسلمين، أو يكفِّرونهم أو يلعنونهم.
بل إن أئمة أهل البيت عليهم السلام كانوا يحثُّون شيعتهم ومواليهم على حسن الجوار
____________________
(١) راجع تهذيب التهذيب ٢/٢٠٧. ميزان الاعتدال ١/٤٥٧. تهذيب الكمال ٥/٥٦٨. سير اعلام النبلاء ٧/٧٩. تاريخ بغداد ٨/٢٦٥.
(٢) راجع ما كتبناه عن هؤلاء الرواة في كتابنا دليل المتحيرين، ص٣٥٨ - ٣٥٩.
مع أهل السنة وعلى التلطّف في معاشرتهم(١) ، وأحاديثهم في ذلك كثيرة جداً.
منها: صحيحة معاوية بن وهب، قال: قلت له: كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وبين خلطائنا من الناس ممن ليسوا على أمرنا؟ قال: تنظرون إلى أئمتكم الذين تقتدون بهم، فتصنعون كما يصنعون، فوالله إنهم ليعودون مرضاهم، ويشهدون جنائزهم، ويقيمون الشهادة لهم وعليهم، ويؤدّون الأمانة إليهم(٢) .
وفي صحيحة زيد الشحام، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: إقرأ على من ترى أنه يطيعني ويأخذ بقولي السلام، وأوصيكم بتقوى الله عز وجل، والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وطول السجود، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد صلى الله عليه وآله وسلم. أدّوا الأمانة إلى من ائتمنكم عليها برًّا أو فاجراً، وعودوا مرضاهم، وأدّوا حقوقهم، فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق في حديثه، وأدَّى الأمانة، وحسن خلقه مع الناس، قيل: هذا جعفري. فيسرُّني ذلك، ويدخل عليَّ منه السرور، وقيل: هذا أدَب جعفر. وإذا كان على غير ذلك دخل عليَّ بلاؤه وعاره، وقيل: هذا أدَب جعفر. فوالله لَحدَّثني أبي عليه السلام أن الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة علي عليه السلام فيكون زينها، آداهم للأمانة، وأقضاهم للحقوق، وأصدقهم للحديث، إليه وصاياهم وودائعهم، تسأل العشيرةَ عنه، فتقول: مَن مثل فلان؟ إنه لآدانا للأمانة، وأصدقنا للحديث(٣) .
وفي خبر أبي علي، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن لنا إماماً مخالفاً وهو يبغض أصحابنا كلهم. فقال: ما عليك من قوله، والله لئن كنتَ صادقاً لأنت أحق بالمسجد منه، فكن أول داخل وآخر خارج، وأحسن خلقك مع الناس، وقل خيراً(٤) .
____________________
(١) كل من خالط الشيعة الامامية وجاورهم يتضح له انهم يتوددون إلى اهل السنة، ولا يحملون حقدا ولا ضغينة على احد منهم. قال الشيخ محمد ابو زهرة في كتابه تاريخ المذاهب الاسلامية ١/٥٠: والاثنا عشرية يوجدون الآن في العراق... وهم عدد كبير يقارب النصف، يسيرون على مقتضى المذهب الاثنا عشري في عقائدهم ونظمهم في الاحوال الشخصية والمواريث والوصايا والاوقاف والزكوات والعبادات كلها، وكذلك أكثر أهل إيران، ومنهم من ينبثون في بقاع من سوريا ولبنان وكثير من البلاد الاسلامية، وهم يتوددون إلى من يجاورونهم من السنيين ولا ينافرونهم.
(٢) الكافي ٢/٦٣٦.
(٣) المصدر السابق.
(٤) وسائل الشيعة ٥/٣٨٢.
والإنصاف أن أهل السنة هم الذين جعلوا موالاة كل الصحابة سبباً لتكفير كل من لا يرى رأيهم، فقد أفتى جمع من أعلامهم بأن كل من كره واحداً منهم أو طعن في روايته فهو كافر.
قال ابن حجر بعد أن ساق قوله تعالى( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ) إلى قوله( ليغيظ بهم الكفار ) الآية(١) : ومن هذه الآية أخذ الإمام مالك بكفر الروافض الذين يبغضون الصحابة، قال: لأن الصحابة يغيظونهم، ومن غاظه الصحابة فهو كافر.
وقال ابن حجر: وهو مأخذ حسن يشهد له ظاهر الأية، ومن ثم وافقه الشافعي رضي الله عنه في قوله بكفرهم، ووافقه جماعة من الأئمة(٢) .
وقال القرطبي: لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله، فمن نقص واحداً منهم أو طعن عليه في روايته فقد ردَّ على الله رب العالمين، وأبطل شرائع الإسلام(٣) .
أقـول: إن الإنصاف في هذه المسألة يقتضي الحكم على كل من قال بعدالة كل الصحابة بأنه قد ردَّ آيات الكتاب العزيز الدالة بأوضح دلالة على وجود النفاق في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واستفحاله، حتى نزلت فيهم آيات كثيرة بل سورة بكاملها سُمّيت بهم، ولم نعثر على دليل واحد تام يعدّل كل الصحابة، وكل ما تمسَّكوا به إنما هو مجرد خيالات واهية وأوهام فاسدة كما هو واضح جلي لكل ذي عينين.
وأما هذه الآية فلا تدل على أن كل من اغتاظ من واحد من الصحابة فهو كافر، وإلا لحكمنا بكفر جمع من الصحابة كانوا يحملون على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ويبغضونه، أمثال معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وبسر بن أرطأة، وآخرين لا نود ذكرهم كانوا لا يستطيعون إخفاء بغضهم له عليه السلام حتى في محضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما تريدون من علي؟ إن عليًّا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي.
____________________
(١) سورة الفتح، الآية ٢٩.
(٢) الصواعق المحرقة، ص٢٤٣. وراجع تفسير القرآن العظيم ٤/٢٠٤.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٦/٢٩٦.
بل ظاهر الآية أن صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم - بنحو العموم المجموعي - يغيظ الله بهم الكفار، لا بنحو العموم الأفرادي، يعني أن الله سبحانه قد أغاظ الكفار بصحابته صلى الله عليه وآله وسلم بما هم مجموع، لا بكل فرد منهم، فإن بعضهم كما هو معلوم لم يُغظ واحداً من الكفار، ولا سيما بعض من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد فتح مكة.
ولو سلَّمنا أن الآية تدل على هذا المعنى، فهي لا تدل على أن كل من أغاظوه أو اغتاظ منهم فهو كافر، وهذا واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان.
* * *
قال الجزائري:والإمامة أيضاً: أليس من السخرية والعبث أن يترك الإسلام للمسلمين أمر اختيار مَن يحكمهم بشريعة الإلـه ربهم وهدي نبيّهم، فيختارون مَن شاؤوا ممن يرونه صالحاً لإمامتهم وقيادتهم بحسب كفاءته ومؤهلاته، فتقول جماعة الشيعة: لا، لا، يجب أن يكون موصى به، منصوصاً عليه، ومعصوماً ويوحى إليه، ومتى يجد المسلمون هذا الإمام؟ أمن أجل هذا تنحاز الشيعة جانباً تلعن المسلمين وتعاديهم؟!
والجـواب:
أن الله سبحانه لم يجعل الخلافة شورى، ولم يترك للمسلمين أمر اختيار مَن يحكمهم، بل اختار لهم الأصلح لهم في دينهم ودنياهم.
ويدل على بطلان الشورى في الخلافة أمور:
١ - أن الشورى تسبِّب الاختلاف والتنازع، وهذا ما وقع بين المسلمين في سقيفة بني ساعدة، واستمر الخلاف بسبب ذلك إلى يومنا هذا، مع أن من غايات الشارع المقدس إغلاق كل باب يؤدي إلى النزاع، وسد كل ثغرة تؤدي إلى الخلاف.
وعليه، فلا يمكن أن يفتح الله للمسلمين باباً يؤدي إلى الفرقة مع إمكان النص على الخليفة الذي تجتمع عليه الأمة، وتتَّحد به الكلمة.
٢ - أن منصب الخلافة الكبرى والإمامة العظمى من أهم المناصب الدينية التي تترتب عليها أعظم المصالح وأشد المفاسد، فلا يصح إيكالها إلى الناس الذين لا يعلمون بخفايا النفوس ولا خبايا القلوب، إذ لا يؤمن حينئذ اختيار أهل
الشقاق والنفاق خلفاء على المسلمين وأئمة للمؤمنين، فيحرِّفون الكتاب، ويبدِّلون السنَّة، ويحرِّمون الحلال، ويحلِّلون الحرام، ويتَّخذون عباد الله خِوَلاً، ومال المسلمين دِوَلاً.
٣ - أن الشورى مبتنية على اختيار الأكثر، والله سبحانه لم يجعل ذلك علامة على الحق، بل ذمَّ الكثرة في آيات كثيرة من كتابه العزيز، فقال جل شأنه( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل الله إن يتَّبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) (١) . وقال( لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون ) (٢) . وقال( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) (٣) ، وقال( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (٤) .
وأما قوله تعالى( وشاورهم في الأمر ) (٥) وقوله( وأمرهم شورى بينهم ) (٦) فلا يراد بهما الشورى في الخلافة، وإلا لكان على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يشاور أصحابه في اختيار الخليفة من بعده، مع أنه لم يصدر منه ذلك بالاتفاق، وإنما كان يشاور أصحابه فيما يتعلق بمصالح الحروب ونحوها.
قال ابن كثير: كان صلى الله عليه وسلم يشاورهم في الحروب ونحوها(٧) .
وقال الفخر الرازي: قال الكلبي وكثير من العلماء: هذا الأمر - أي في( وشاورهم ) - مخصوص بالمشاورة في الحروب(٨) .
وقال القرطبي: وقد كان يشاور أصحابه في الآراء المتعلقة بمصالح الحروب(٩) .
____________________
(١) سورة الانعام، الآية ١١٦.
(٢) سورة الزخرف، الآية ٧٨.
(٣) سورة يوسف، الآية ١٠٣.
(٤) سورة الأعراف، الآية ١٧٨. سورة يوسف، الآية ٢١. سورة النحل، الآية ٣٨. سورة الروم، الآية ٦. سورة القصص، الآية ٣٠، سورة سبأ، الآية ٣٦.
(٥) سورة آل عمران، الآية ١٥٩.
(٦) سورة الشورى ٣٨.
(٧) تفسير القرآن العظيم ١/٤٢٠.
(٨) التفسير الكبير ٩/٦٧.
(٩) الجامع لأحكام القرآن ١٦/٣٧.
ثم إن أهل السنة صحَّحوا خلافة عمر مع أنها لم تكن بمشورة من المسلمين، وإنما كانت بنصٍّ من أبي بكر.
والحاصل أن مسألة الشورى لا دليل صحيح يدل على أنها من شرائع الإسلام، ولو كانت كذلك لبُيِّنت أحكامها وحدودها، فإن أهم أُسُسها - وهو مَن يدخل في الشورى ومَن لا يدخل - اختلف علماء أهل السنة فيه على أقوال كثيرة(١) ، فكيف بسائر أحكامها؟!
وهذا دليل واضح على أن مسألة الشورى في اختيار الخلفاء إنما وضعها الناس من عند أنفسهم.
ولهذا قال القرطبي: وقد جعل عمر رضي الله عنه الخلافة - وهي أعظم النوازل - شورى(٢) .
أما أن الإمام يجب أن يكون معصوماً فلأن غير المعصوم ظالم لنفسه لوقوع المعاصي منه، وكل من وقعت منه معصية فهو ظالم لنفسه على الأقل، فلا يصلح للإمامة العظمى، لقوله جل وعلا( قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) (٣) .
ثم إن غير المعصوم لا يُوثق بصحة قوله، ويُشَك في نفاذ أمره وحكمه، لاحتمال خطئه ونسيانه وغفلته وجهله وتعمده للكذب، فلا يتوجه الأمر بطاعته مطلقاً في قوله تعالى( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) (٤) مع أن الله سبحانه ساوى في هذه الآية بين طاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر - وهم الأئمة عليهم السلام - وذلك لانتفاء الخطأ في الكل، وقد تقدّم بيان ذلك مفصَّلاً.
هذا مضافاً إلى أن الإمامة العظمى والخلافة الكبرى التي يتوقف عليها بقاء الدين واستقامة أمور المسلمين لا يصح أن توكل إلى إمام يصيب ويخطئ، ويحكم في
____________________
(١) قيل: لا يدخل في الشورى إلا أهل المدينة. وقيل: خصوص الصحابة. وقيل: أهل الحل والعقد. وقيل: سائر المسلمين. وقيل غير ذلك.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٤/٢٥١.
(٣) سورة البقرة، الآية ١٢٤.
(٤) سورة النساء، الآية ٥٩.
القضية بحكم ثم ينقضه، ويفتي في المسألة بفتوى ثم يبدّلها، فينمحق الدين وتتبدَّل أحكام شريعة سيد المرسلين مع توالي الأئمة وتطاول الأزمنة.
لأجل ذلك كله وجب أن يكون إمام المسلمين معصوماً منصوصاً عليه.
أما متى يجد المسلمون هذا الإمام؟ فالجواب أنه موجود، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم نص على الأئمة من بعده، فبيَّن أنهم من أهل بيته حيث قال: إني تارك فيكم الثقلين: « كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسَّكتم بهما فلن تضلّوا بعدي أبداً ».
وبيَّن المراد بأهل بيته فيما أخرجه مسلم عن عائشة، قالت: خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليه مِرْط مرحَّل من شَعر أسوَد، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال:( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً ) (١) .
وبيَّن أن الأئمة من بعده اثنا عشر، فقال: لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة... كلهم من قريش.
وبيَّن أن هؤلاء الأئمة هم الذين اجتمعت الأمّة على صلاحهم وحسن سيرتهم، وطيب سريرتهم، إذ قال في بعض الطرق الصحيحة: كلهم تجتمع عليه الأمة(٢) .
ومن ذلك كله يتضح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نص على الأئمة من بعده، فذكر عددهم وأوصافهم التي لا تنطبق إلا على أئمة أهل البيت الاثني عشر عليهم السلام.
هذا مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يكتب قبل موته كتاباً يبيِّن فيه الخلفاء من بعده، فأمر بإحضار دواة وكتف، فعلم القوم بغرضه، فحالوا بينه وبين كتابة ذلك الكتاب، وقد مرَّ بيان ذلك، فراجعه.
فإذا كانوا قد تجَّرأوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحالوا بينه وبين كتابة أسماء الخلفاء، فجرأتهم من بعده على جحد النصوص الكلامية سهلة ومتوقعة، إلا أن ما بقي من
____________________
(١) صحيح مسلم ٤/١٨٨٣ كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل اهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي رواية قال (ص): رب إن هؤلاء أهل بيتي (المستدرك ٣/١٠٨ - ١٠٩ وصححه ووافقه الذهبي). وفي رواية أخرى قال: اللهم هؤلاء أهلي (المستدرك ٣/١٤٦ وصححه ووافقه الذهبي أيضا). راجع روايات الباب في كتابنا دليل المتحيرين ص٢٠٦ - ٢٠٩.
(١) أخرجه أبو داود في سننه ٤/١٠٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣/٨٠٧.
النصوص فيه غنىً وكفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
* * *
قال الجزائري:أيها الشيعي اعلم أنك مسؤول عن نجاة نفسك ونجاة أسرتك، فابدأ بإنقاذهما من عذاب الله، واعلم أن ذلك لا يكون إلا بالإيمان الصحيح والعمل الصالح، وأن الإيمان الصحيح كالعمل الصالح لا تجدهما إلا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنك - وأنت محصور في سجن المذهب الشيعي المظلم - لا يمكنك أن تظفر بمعرفة الإيمان الصحيح ولا العمل الصالح إلا إذا فررت إلى ساحة أهل السنة والجماعة، حيث تجد كتاب الله خالياً من شوائب التأويل الباطل، الذي تعمّده المغرضون من دعاة الشيعة للإضلال والإفساد .
والجـواب:
أما أن المرء لا يمكنه أن يظفر بالإيمان الصحيح والعمل الصالح إلا إذا فرَّ إلى ساحة أهل السنة والجماعة فهذا ادِّعاء محض، يدَّعيه أهل السنة ويدَّعي مثله غيرهم، لأن( كل حزب بما لديهم فرحون ) وبما عندهم راضون.
وساحة أهل السنة التي ذكرها رأيناها بعد مزيد الفحص والتتبُّع جدباء مقفرة، فيها ظلمات بعضها فوق بعض.
ثم إن أهل السنة أنفسهم اختلفوا إلى مذاهب عديدة يطعن بعضهم في بعض، ولو أردنا أن نستقصي هذه الطعون لملأنا الصحف والطوامير، إلا أنا نذكر يسيراً يغني عن كثير:
ومن ذلك ما ذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد عن أبي بكر بي أبي داود السجستاني أنه قال يوماً لأصحابه: ما تقولون في مسألة اتفق عليها مالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، والحسن بن صالح وأصحابه، وسفيان الثوري وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه؟ فقالوا: يا أبا بكر، لا تكون مسألة أصح من هذه. فقال: هؤلاء كلهم اتفقوا على ضلال أبي حنيفة(١) .
____________________
(١) تاريخ بغداد ١٣/٣٤٩.
وقال الأوزاعي وحماد وسفيان الثوري وابن عون: ما وُلد مولود في الإسلام أضر على الإسلام من أبي حنيفة(١) .
وذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن ابن معين قال: كان مالك يتكلم في سعد سيد من سادات قريش. وقال: إنما ترك مالك الرواية عنه لأنه تكلم في نسَب مالك، فكان مالك لا يروي عنه، وهو ثَبْتٌ لا شك فيه.
قال ابن حجر: يقال إن سعداً وعظ مالكاً، فوجد عليه فلم يروِ عنه(٢) .
وقال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله: قال سلمة بن سليمان لابن المبارك: وضعتَ من رأي أبي حنيفة، ولم تضع من رأي مالك؟ قال: لم أره علماً(٣) .
وقال: وقد تكلم ابن أبي ذؤيب في مالك بن أنس بكلام فيه جفاء وخشونة كرهت ذكره، وهو مشهور عنه... وكان إبراهيم بن سعد يتكلم فيه ويدعو عليه، وتكلم في مالك أيضاً - فيما ذكره الساحي في كتاب العلل - عبد العزيز بن أبي سلمة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن إسحاق وابن أبي يحيى وابن أبي الزناد، وعابوا عليه أشياء من مذهبه، وتكلم فيه غيرهم... وتحامل عليه الشافعي وبعض أصحاب أبي حنيفة في شيء من رأيه حسَداً لموضع إمامته، وعابه قوم في إنكاره المسح على الخفين في الحضر والسفر، وفي كلامه في علي وعثمان، ونسبوه في ذلك إلى ما لا يحسن ذكره(٤) .
وقال أيضاً في نفس المصدر: ومما نقم على ابن معين وعيب به قوله في الشافعي: إنه ليس بثقة. وقال: قد صح عن ابن معين أنه كان يتكلم في الشافعي.
إلى غير ذلك مما يطول ذكره، فراجع إن شئت كتاب جامع بيان العلم وفضله
____________________
(١) راجع ما كتبه الخطيب البغدادي عن أبي حنيفة في تاريخ بغداد ١٣/٣٦٩ - ٤٥١، وقد ذكر الخطيب أكثر من ١٥٠ قولاً في ذمّه. وراجع كذلك ما كتبه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٨/٤٤٩. وكتاب الانتقاء، ص ١٤٧-١٥٢. والكامل في ضعفاء الرجال ٧/٥-١٢. والمصنف لابن أبي شيبة ٦/٢٧٦، فإنه ذكر ١٢٥ مورداً خالف فيها أبو حنيفة المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(٢) تهذيب التهذيب ٣/٤٠٣.
(٣) جامع بيان العلم وفضله ٢/١٥٧.
(٤) المصدر السابق ٢/١٦٠.
لابن عبد البر(١) ، فإنه ذكر شيئاً كثيراً من هذه النظائر.
وبعد هذا كله، نسأل الجزائري: أي ساحة من هذه الساحات هي التي نظفر فيها بمعرفة الإيمان الصحيح والعمل الصالح؟!
إن الأدلة الصحيحة الثابتة - وهي الكتاب والسنة المتواترة - التي يلزمنا الرجوع إليها لمعرفة الطريق الذي نسلكه والمذهب الذي نتَّبعه، كلها ترشد إلى اتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام دون غيرهم.
وأما مذاهب أهل السنة فما أمر الله ولا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم باتباعها والأخذ منها، وما أحسن قول الشاعر:
قال الشريفُ الفاطمـي أحمدُ * أَبدأُ باسـم الله ثم أَحمَـــدُ
مصلِّياً على النبي المرسَــلِ * مدينةِ العلـمِ وبابِهــا علي
وأهلِ بيتِ الوحيِ والتنزيـلِ * ومعدَنِ الحكمـةِ والتأويــلِ
بعدُ: فهاك ما عن المختـارِ * مضمونَ ما شاع من الأخبارِ
تفترقُ الأمَّةُ بعدما ضحــى * ظِل النبيِّ فِرَقاً لن تبـرحـا
واحدةٌ ناجيـةٌ والباقيـــهْ * هالكةٌ وفي الجحيـمِ هاويـهْ
فاصغِ لما أقول يا عمروُ فما * تقول في آلِ النبيِّ الكُرمـا؟
هل هلكوا؟! أَستغفرُ الله وقدْ * قام لفسطـاط الهدى بهم عَمَدْ
لا بل نجوا ومَن عداهم هلكوا * ونحـن ممن بهمُ تمسَّكــوا
وقد أخذنا قولَهـم ففزنـــا * وعن سوى آل النبي جزنــا
متَّخذيـــن مذهب الأطائـــبِ * من آلِه لا سائـــرَ المذاهــبِ
فمَذهب الصادق(٢) خيـرُ مذهبِ * وهو وبيــتِ اللهِ أولى بالنبــي
وما أخذتــم منهـمُ وعنهـــمُ * بل اتَّبعتــم مَـن همُ دونَهـــمُ
حتى انتهـى الأمـرُ إلى التقليد في * شرائع الديــن القويــم الحنفي
قلَّدتـمُ النعمـــان أو محمــدا * أو مالكَ بنَ أنــسٍ أو أحمدا(٣)
____________________
(١) المصدر السابق ٢/١٥٠ - ١٦٣.
(٢) هو مذهب الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، وهو مذهب الشيعة الامامية الجعفرية الاثني عشرية.
(٣) يعني بالنعمان أبا حنيفة، ومحمد هو الشافعي، وأحمد هو ابن حنبل.
فهل أتى الذِّكْرُ بـه أو وصَّـــى * به النبـيُّ أو وجـدتم نصَّا؟!(١)
وأما زعمه أنا نجد عند أهل السنة كتاب الله خالياً من شوائب التأويل الباطل فغير صحيح، لأن كل متأمل فيما كتبه علماء أهل السنة في تفسير القرآن الكريم يجد أنهم يصرِفون أكثر الآيات النازلة في أهل البيت عامة وفي علي عليه السلام خاصة إلى غيرهم، أو يؤوِّلونها بما يخرجها عن أن تكون فضيلة خاصة بهم.
فصرفوا آية التطهير - وهي قوله تعالى( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيراً ) - عن أصحاب الكساء، وزعموا نزولها في نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، أو فيهن وفي علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، مع أن الأحاديث الدالة على أن المراد بأهل البيت في الآية هم علي وفاطمة وابناهما عليهم السلام كثيرة جداً(٢) .
منها: ما أخرجه الترمذي وصحَّحه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصحَّحه وابن مردويه والبيهقي في سُننه من طُرُق(٣) ، عن أم سلمة قالت: في بيتي نزلت( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين، فجلَّلهم رسول الله بكساء كان عليه، ثم قال: هؤلاء أهل بيتي، فأذهِبْ عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً.
والتجلُّل بالكساء يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يبيِّن أن الذين أذهب الله عنهم الرجس هم هؤلاء الخمسة دون نسائه صلى الله عليه وآله وسلم ومنهن أم سلمة التي وقعت الحادثة أو نزلت هذه الآية في بيتها، ولهذا جذب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكساء من يدها لما أرادت أن تدخل معهم، ومنعها من ذلك، وقال لها: أنت على خير، أنت على خير(٤) .
ولولا دلالة التجلُّل بالكساء على ذلك لكان هذا الفعل عبثاً لا يليق بأدنى الناس فضلاً عن سيد الأنبياء والمرسلين.
____________________
(١) منظومة الشهاب الثاقب، ص١١٩ - ١٢٠.
(٢) راجع ما كتبناه حول هذه الآية في كتابنا دليل متحيرين، ص٢٠٦ - ٢١٥.
(٣) عن فتح القدير ٤/٢٧٩.
(٤) راجع فتح القدير ٤/٢٧٩. سنن الترمذي ٥/٣٥١. مسند أحمد ٦/٢٩٢، ٣٠٤. المستدرك ٢/٤١٦ وصححه ووافقه الذهبي. تفسير القرآن العظيم ٣/٤٨٤، ٤٨٥. الدر المنثور ٦/٦٠٣، ٦٠٤. الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٨٣.
وكذلك صرفوا قوله تعالى( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) (١) عن أمير المؤمنين عليه السلام، فزعموا أن المراد بـ( الذين أمنوا ) هم المؤمنون عامة، مع أنهم رووا الأحاديث الكثيرة الدالة على نزول هذه الآية في علي عليه السلام لما تصدَّق بخاتمه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(٢) .
والولي هنا لا يصح أن يكون بمعنى الناصر والمحب، بل هو بمعنى الأولى بالتصرّف، لأن الولاية لو كانت بمعنى النصرة والمحبة لكانت عامة للمؤمنين، لقوله تعالى( المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) (٣) مع أن الآية نزلت في علي عليه السلام كما دلَّت عليه الأحاديث الكثيرة.
مضافاً إلى أن الآية حصرت الأولياء في ثلاثة، وهم: الله، ورسوله، والمؤمنون المتصفون بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم راكعون. وعموم المؤمنين لم يتصفوا بهذه الصفات، وهذا يدلّ بوضوح على أن المراد بالذين آمنوا في الآية بعض المؤمنين لا كلهم.
ومن هذا البيان يتضح أن معنى هذه الآية هو معنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه. لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيَّن المراد بالمولى بقوله قبل ذلك: أيها الناس، ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟ وقد تقدَّم بيان ذلك مكرراً.
وكذلك صرفوا قوله تعالى( قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ) (٤) عن آل البيت عليهم السلام، وزعموا أن النبي سأل قريشاً أن يودُّوه لأجل القربى التي بينه وبينهم، أو أنه صلى الله عليه وآله وسلم سأل الناس عامة أن يودُّوا قراباتهم، مع أن الأحاديث المؤكَّدة على لزوم مودّة أهل البيت عليهم السلام أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تُذكر.
منها: ما أخرجه مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال يوم غدير خم: أُذكِّركم الله في أهل بيتي(٥) .
____________________
(١) سورة المائدة، الآية ٥٥.
(٢) راجع تفسير القرآن العظيم ٢/٧١. الدر المنثور ٣/١٠٤ - ١٠٦. جامع البيان في تفسير القرآن ٦/١٨٦. الجامع لأحكام القرآن ٦/٢٢١ - ٢٢٢. فتح القدير ٢/٥٣. الكشاف ١/٣٤٧. التفسير الكبير ١٢/٢٦.
(٣) سورة التوبة، الآية ٧١.
(٤) سورة الشورى، الآية ٢٣.
(٥) صحيح مسلم ٤/١٨٧٣ كتاب الفضائل، باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه. الجامع الصغير ١/٢٤٤ ورمز له بالصحة. وصححه الالباني في صحيح =
وأخرج الترمذي وابن ماجة وأحمد والحاكم والهيثمي وغيرهم، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان حتى يحبّكم لله ولقرابتي(١) .
وأخرج الترمذي عن ابن عباس، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أحِبُّوا الله لما يغذُوكم بنِعَمه، وأحبّوني بحب الله، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي(٢) .
هذه نماذج من تأويل علماء أهل السنة لآيات الكتاب العزيز التي صرفوها عن المراد بها إلى ما يوافق عقيدتهم وإن خالفوا الأحاديث الصحيحة التي يروونها في كتبهم المعتمدة.
ولعل الجزائري أراد بالتأويل الباطل الذي تبرَّأ منه هو تأويل بعض الآيات القرآنية التي اشتملت على نسبة اليد أو الوجه أو الأعين أو الساق أو ما شاكل ذلك إلى الله جل شأنه، فإن الشيعة الإمامية أوَّلوا هذه الآيات بالمعاني المناسبة لها الدالة على تنزيه الله سبحانه عن أن يكون له أجزاء أو أعضاء كأعضاء الآدميين.
أما أهل السنة - وبالأخص الحنابلة منهم - فإنهم نظروا في الآيات التي ورد فيها ذكر ذلك فحملوها على معانيها الحقيقية، فأثبتوا لله يداً ووجهاً وساقاً وعيناً تليق بجلاله في زعمهم.
قال السفاريني: وجب أن يُحمَل الوجه في حق الباري على وجه يليق به، وهو أن يكون صفة زائدة على تسمية قولنا ذات(٣) .
وقال أبو الحسن الأشعري: مَن سأَلَنا فقال: أتقولون إن لله سبحانه وجهاً؟ قيل له: نقول ذلك خلافاً لما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك قوله عز وجل( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) ... فإن سُئلنا: أتقولون إن لله يدَيْن؟ قيل: نقـول ذلك، وقد دلَّ عليه قوله عز وجـل( يد الله فوق أيديهم ) وقوله عز وجل( لما خلقت بيدي ) (٤) .
____________________
= الجامع الصغير ١/٢٨٧ وتخريج شرح العقيدة الطحاوية، ص٤٩٠. كتاب السنة، ص٦٢٩.
(١) سنن الترمذي ٥/٦٢٥ وقال: هذا حديث حسن صحيح. سنن ابن ماجة ١/٥٠. مسند أحمد ١/٢٠٧، ٢٠٨، ٤/١٦٥. المستدرك ٤/٧٥. مجمع الزوائد ١/٨٨، ٩/١٧٠. الفردوس بمأثور الخطاب ٤/٣٦١.
(٢) سنن الترمذي ٥/٦٦٤ وقال: حديث حسن.
(٣) لوامع الأنوار البهية ١/٢٢٧.
(٤) الإبانة عن اصول الديانة، ص٧٨.
وقال: إن معنى قوله( بيدي ) إثبات يدين ليستا جارحتين ولا قُدرتين ولا نعمتين، ولا يوصفان إلا بأنهما يدان ليستا كالأيدي، خارجتان عن سائر الوجوه الثلاثة(١) .
وقال السفاريني: مذهب السلف والأئمة الأربعة وبه قال الحنفية والحنابلة وكثير من الشافعية وغيرهم هو إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها(٢) .
أقول: إن إثبات اليد والوجه والساق وغيرها لله تعالى هو عين التشبيه والتكييف، فإن اليد وإن اختلفت صُوَرها إلا أن حقيقتها واحدة، ولولا ذلك لما سُمّيتْ يداً، وكذلك الوجه والساق والعين وغيرها، فأهل السنة شبهوا الله بخلقه، وجعلوه جسماً وإن نفوا عنه الجسمية، فإنهم ينفون التسمية، ويثبتون الماهية.
وقد وجدتُ كلاماً يناسب المقام لتاج الدين السبكي في الرد على أستاذه الحافظ شمس الدين الذهبي الذي حاول الغضَّ من أبي الحسن الأشعري في ترجمته له في كتابه تاريخ الإسلام، فقال مخاطباً له:
وأما إشارتك بقولك « ونبغض أعداءك » إلى أن الشيخ من أعداء الله، وأنك تبغضه، فسوف تقف معه بين يدي الله تعالى، يوم يأتي وبين يديه طوائف العلماء من المذاهب الأربعة، والصالحين من الصوفية، والجهابذة الحفَّاظ المحدّثين، وتأتي أنت تتسكَّع في ظُلَم التجسيم الذي تدَّعي أنك بريء منه، وأنت من أعظم الدعاة إليه، وتزعم أنك تعرف هذا الفن وأنت لا تفهم فيه نقيراً ولا قطميراً، وليت شعري مَن الذي يصف الله بما وصف به نفسه؟ مَن شبَّهه بخَلْقه، أم من قال:( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) ؟!(٣)
* * *
قال الجزائري:وتجد السنة النبوية خالية من الكذب والتشيُّع، وبذلك يمكنك
____________________
(١) المصدر السابق، ص٨٢.
(٢) لوامع الانوار البهية ١/٢٢٥.
(٣) طبقات الشافعية ٣/٣٥٣.
أن تفوز بالإيمان الصحيح والعقيدة الإسلامية السليمة، وبالعمل الصالح الذي شرعه الله تعالى لعباده يزكّي به أنفسهم، ويعدهم به للفوز والفلاح .
والجـواب:
أن صحاح أهل السنة وكتبهم الحديثية والكلامية مملوءة بالأحاديث الكثيرة المكذوبة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الدالة على ما يخالف آيات الكتاب العزيز، وما لا يصح شيء منه في دين الإسلام.
وهي أحاديث كثيرة لا يسعنا استقصاؤها في هذا الكتاب، إلا أنا نذكر منها ما يدل على بطلان قوله وفساد زعمه، ونكتفي بذكر طائفتين من تلكم الأحاديث.
الطائفة الأولى: ما نسَبَتْ إلى الله جل شأنه ما لا يليق به.
منها: ما دل على أن لله صورة كصورة آدم عليه السلام: فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، قال: خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً...(١)
وأخرج مسلم في الموضع نفسه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته.
قال السيد عبد الحسين شرف الدين أعلى الله مقامه: وهذا مما لا يجوز على رسول الله (ص) ولا على غيره من الأنبياء ولا على أوصيائهم عليهم السلام. ولعل أبا هريرة إنما أخذه عن اليهود بواسطة صديقه كعب الأحبار أو غيره، فإن مضمون هذا الحديث إنما هو عين الفقرة السابعة والعشرين من الإصحاح الأول من إصحاحات التكوين من كتاب اليهود - العهد القديم -، وإليك نصها بعين لفظه، قال: فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلَقه ذكراً وأنثى خلَقهم(٢) .
ومنها: ما دل على أن لله أصابع: فقد أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله رضي الله عنه، قال: جاء حَبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا محمد، إنّا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدَت
____________________
(١) صحيح البخاري ٨/٦٢ كتاب الاستئذان، الباب الاول. صحيح مسلم ٤/٢١٨٣ كتاب الجنة، باب رقم ١١.
(٢) أبو هريرة، ص٦٠
نواجذه تصديقاً لقول الحَبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ) (١) .
ومنها: ما دل على أن لله قدماً: فقد أخرج البخاري ومسلم عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تزال جهنم يُلقى فيها وتقول: هل من مزيد. حتى يضع رب العزة فيها قدَمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قَط قَط، بعزّتك وبكرمك(٢) .
وفي رواية أخرى: فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رِجله، فتقول: قَط قَط قَط. فهنالك تمتلئ ويُزوى بعضها إلى بعض(٣) .
ومنها: ما دلَّ على أن الله على صورة الآدميين وأن صورته تتبدَّل وتتغير: فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة حديثاً طويلاً رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال فيه: يجمع الله الناس فيقول: مَن كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمّة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربّكم. فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه. فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربّنا. فيتبعونه(٤) .
الطائفة الثانية: ما نسبت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما لا يليق به.
منها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدَّم لغيره طعاماً ذُبح على الأنصاب: فقد أخرج البخاري عن سالم أنه سمع عبد الله يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بَلْدَح، وذاك قبل أن يُنَزَّل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوحي، فقدَّم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منها، وقال: إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا مما ذُكر اسم الله عليه(٥) .
ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم همَّ بالصلاة جُنُباً: فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي
____________________
(١) صحيح البخاري ٦/١٥٧ كتاب التفسير، سورة الزمر.
(٢) صحيح البخاري ٨/١٦٨ كتاب الايمان والنذور، باب الحلف بعزة الله وصفاته. ٩/١٤٣ كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى( أنا الرزاق ذو القوة المتين ) . صحيح مسلم ٤/٢١٨٨ كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب رقم ١٣.
(٣) صحيح البخاري ٦/١٧٣ كتاب التفسير، سورة ق. صحيح مسلم ٤/٢١٨٧ - ٢١٨٨.
(٤) صحيح البخاري ٨/١٤٧ كتاب الرقاق، باب الصراط جسر جهنم. ٩/١٥٦ كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء. صحيح مسلم ١/١٦٣، ١٦٧ كتاب الايمان، باب معرفة طريق الرؤية.
(٥) صحيح البخاري ٧/١١٨ كتاب الذبائح والصيد، باب ما ذبح على النصب والاصنام.
هريرة، أنه قال: أُقيمت الصلاة وعُدّلت الصفوف قياماً، فخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنُب، فقال لنا: مكانكم. ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبَّر فصلّينا معه(١) .
ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يغضب ويسب ويلعن بغير حق: فقد أخرج مسلم عن عائشة، قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلان فكلّماه بشيء لا أدري ما هو، فأغضباه فلعنهما وسبَّهما، فلما خرجا قلت: يا رسول الله مَن أصاب من الخير شيئاً ما أصابه هذان. قال: وما ذاك؟ قالت: قلت: لعنتهما وسببتهما. قال: أوما علمتِ ما شارطتُ عليه ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشَر، فأي المسلمين لعنتُه أو سببتُه فاجعله له زكاة وأجراً.
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم إنما أنا بشَر، فأيما رجل من المسلمين سببتُه أو لعنتُه أو جلدتُه فاجعلها له زكاة ورحمة(٢) .
ومنها: أن النبي يبول قائماً: فقد أخرج البخاري ومسلم عن حذيفة، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم سباطة قوم فبال قائماً، ثم دعا بماء فجئته بماء فتوضأ(٣) .
ومنها: أن النبي أبدى عورته أمام الناس: فقد أخرج البخاري ومسلم - واللفظ له - عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال له العباس عمُّه: يا ابن أخي، لو حللتَ إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة. قال: فحلَّه فجعله على منكبه، فسقط مغشياً عليه، قال: فما رؤي بعد ذلك اليوم عرياناً(٤) .
ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسمع الغناء: فقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشة: أن أبا بكر رضي الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان في أيام منى، تدفِّفان وتضربان والنبي صلى الله عليه وآله وسلم مُتَغَشٍّ بثوبه، فانتهرهما أبو بكر فكشف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن وجهه فقال: دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد. وتلك الأيام أيام منى(٥) .
____________________
(١) صحيح البخاري ١/٧٤، ١/١٥٥. صحيح مسلم ١/٤٢٢ - ٤٢٣ كتاب المساجد ومواضع الصلاة.
(٢) صحيح مسلم ٤/٢٠٠٧. وراجع صحيح البخاري ٨/٩٦ كتاب الدعوات، باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم من آذيته فاجعله له زكاة ورحمة.
(٣) صحيح البخاري ١/٦٤ كتاب الوضوء، باب البول قائماً وقاعداً. وراجع الباب الذي يليه، وهو باب البول عند سباطة قوم، وباب البول عند صاحبه والتستر بالحائط. صحيح مسلم ١/٢٢٨ كتاب الطهارة، باب رقم ٢٢.
(٤) صحيح مسلم ١/٢٦٨. صحيح البخاري ٥/٥١ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب بنيان الكعبة.
(٥) صحيح البخاري ٢/٢٠. ٤/٢٢٥ كتاب المناقب باب قصة الحبش. صحيح مسلم ٢/٦٠٧ - ٦٠٩ كتاب صلاة العيدين، باب رقم ٤.
ومنها: أن النبي في رأسه قمل، وتفليه امرأة أجنبية: فقد أخرج البخاري ومسلم عن أنس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدخل على أم حَرَام بنت مِلحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأطعمته وجعلت تفلي رأسه...(١)
ومنها: أن النبي لا يغسل ثيابه من المني: فقد أخرج مسلم عن عائشة في المني قالت: كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(٢) .
وفي رواية ثانية: ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فركاً، فيصلِّي فيه(٣) .
وفي رواية أخرى، قالت: لقد رأيتني وإني لأحكُّه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يابساً بظفري(٤) .
وفي رواية ثالثة، قالت: إن كنت لأفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم يصلي فيه(٥) .
ومنها: أن النبي كلما أبطأ عنه الوحي أراد أن يقتل نفسه: فقد أخرج البخاري وأحمد وغيرهما، عن عائشة - في حديث طويل - قالت: وفَتَر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما بلَغَنا حزناً غدا منه مراراً كي يتردَّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذِروة جبل لكي يلقي نفسه تبدَّى له جبريل، فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقاً. فيسكن لذلك جأشه، وتقر عينه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدَّى له جبريل فقال مثل ذلك(٦) .
هذا غيض من فيض، ولو أردنا أن نستقصي ما روي في كتب أهل السنة من أمثال هذه الأحاديث الباطلة لطال بنا المقام، ولخرجنا بذلك عن موضوع الكتاب، إلا أن فيما ذكرناه غنىً وكفاية لكل باحث منصف ليطلع على هذه السنة (الصحيحة) التي
____________________
(١) صحيح البخاري ٤/١٩ كتاب الجهاد، باب الدعاء بالجهاد والشهادة. صحيح مسلم ٣/١٥١٨ كتاب الإمارة، باب رقم ٤٩.
(٢) صحيح مسلم ١/٢٣٨ كتاب الطهارة، باب حكم المني.
(٣) صحيح مسلم ١/٢٣٨. صحيح ابن حبان ٤/ ٢١٧.
(٤) صحيح مسلم ١/٢٤٠.
(٥) صحيح ابن حبان ٤/ ٢١٩.
(٦) صحيح البخاري ٩/٣٨ كتاب تعبير الرؤيا، الباب الأول. مسند أحمد ٦/٢٣٣.
ينادي الجزائري بالتمسك بها(١) .
ثم كيف نجد السنة النبوية الصحيحة عند أهل السنة وهم يروون بأنهم ضيَّعوا كل شيء كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى الصلاة. فقد أخرج البخاري وغيره عن الزهري أنه قال: دخلتُ على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئاً مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضُيِّعتْ.
وفي رواية أخرى قال: ما أعرف شيئاً مما كان على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قيل: الصلاة؟ قال: أليس ضيَّعتم ما ضيَّعتم فيها؟!(٢)
وكيف نجد هذه السنَّة النبوية الصحيحة خالية من الكذب مع أن أبا حنيفة - كما قيل - لم يصح عنده إلا سبعة عشر حديثاً أو نحوها، ولم يصح عند الإمام مالك بن أنس إلا ما في الموطَّأ فقط، وغايتها ثلاثمائة حديث أو نحوها(٣) .
هذا مضافاً إلى أن أهل السنة قد تفرَّقوا إلى مذاهب كثيرة، واختلفوا في أكثر المسائل إلى أقوال عديدة، فأين كانت هذه السنة الصحيحة الخالية من الكذب التي يلزمهم الرجوع إليها لرفع ذلك الخلاف الحاصل بينهم؟!
ثم إنك لا تجد إماماً من أئمتهم إلا وله فتاوى غريبة وأقوال عجيبة مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وما أحسن قول الزمخشري:
إذا سألوا عن مذهبي لم أبُحْ به * وأكتمُـــهُ كتمانُـهُ لي أسلَـمُ
فإن حنفيًّا قلتُ قالوا بأننــي * أبيح الطلا وهو الشرابُ المحرَّمُ
وإن مالكيًّا قلتُ قالوا بأننـي * أبيحُ لهم أكلَ الكلابِ وهمْ هـمُ
وإن شافعيًّا قلتُ قالوا بأننـي * أبيحُ نكاح البنتِ والبنتُ تحـرمُ
____________________
(١) للأطلاع على المزيد من أمثال هذه الاحاديث راجع كتاب (أبو هريرة) للسيد عبدالحسين شرف الدين رضوان الله عليه، وكتاب (تأملات في الصحيحين) لمحمد صادق نجمي، وكتاب (فاسألوا أهل الذكر) للدكتور محمد التيجاني السماوي.
(٢) صحيح البخاري ١/١٣٣ كتاب مواقيت الصلاة وفضلها، باب تضييع الصلاة عن وقتها.
(٣) مقدمة ابن خلدون، ص٤٤٤. وأحاديث الموطأ المطبوع تنيف على الف وثمانمائة حديث أكثرها مراسيل، ولعل المسند منها ثلاثمائة حديث أو نحوها.
وإن حنبليًّا قلتُ قالوا بأننـي * ثقيلٌ حلولي بغيـضٌ مجسِّــمُ
وإن قلتُ من أهلِ الحديثِ وحزبِهِ * يقولـون تَيْسٌ ليس يدري ويفهمُ(١)
وقال ابن الحجاج:
الشافعيُّ من الأئمــةِ قائـــلٌ * اللعْبُ بالشطرنجِ غيــرُ حــرامِ
وأبو حنيفةَ قـالَ وهو مصــدَّق * فيمــا يبلِّغُــه منَ الأحكـــامِ
شُرْبُ المثلّثِ والمنصَّفِ جائــز * فاشرب على طــرَبٍ من الأيـامِ
وأباحَ مالــك الفُقاعَ تطرّقـــاً * وبه قوامُ الدينِ والإســـلامِ(٢)
والحَبْرُ أحمدُ حلَّ جَلْدَ عميرة(٣) * وبذاك يُستغنــى عن الأرحــامِ
فاشرب ولُط وازنِ وقامرْ واحتجِجْ * في كل مسألةٍ بقــول إمـــامِ
* * *
قال الجزائري:واعلم أخيراً أني لم أتقدم إليك بهذه النصيحة طمعاً فيما عندك، أو عند غيرك من بني الناس، أو خوفاً منك أو من غيرك من البشر، كلا والله، وإنما هو الإخاء الإسلامي وواجب النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، هذا الذي حملني على أن أقدم إليك هذه النصيحة، راجياً من الله تعالى أن يشرح صدرك لها، وأن يهديك بها إلى ما فيه سعادتك في دنياك وآخرتك، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين .
وأقـول:
لقد اتضح للقارئ العزيز أن كل ما أورده الجزائري في هذا الكتيِّب مما أطلق عليه حقائق لا يعدو أن يكون اتهامات باطلة وادعاءات فاسدة.
والظاهر أن هذا الكتيِّب قد أبرز رغبة في نفس الجزائري لتكفير الشيعة الإمامية، فأظهر هذا التكفير في صورة نصيحة منمَّقة، وتظاهر بأنه مشفق على
____________________
(١) تفسير الكشاف ٤/٣١٠.
(٢) جلد عميرة هو الاستمناء.
(٣) رواه بعضهم هكذا: وأباح مالك اللواط تكرما في ظهر جارية وظهر غلام.
الشيعة حريص على هدايتهم، إلا أن فلتات لسانه قد فضحته، فبدا لكل ذي عينين بادي العورة، منكشف السريرة، قد باء بالخيبة والخذلان، ورجع بالحسرة والخسران.
ومن الغريب أنه في الوقت الذي يُكفِّر فيه الشيعة ويخرجهم من دائرة المسلمين، يذْكر أن الذي حداه لهذه النصيحة هو الإخاء الإسلامي وواجب النصيحة للمسلمين، فما أبعد ما بين حكمه على الشيعة بأنهم كفَّار، وبين اعتبارهم إخوة مسلمين تجب عليه نصيحتهم.
وعلى كل حال، فإن الشيعة لا يردُّون النصيحة الصادقة، ولا يأبون سماع وأخذ الحقيقة، ولا يرفضون الأخوة الإسلامية، ولكن يردُّون الإتهامات الباطلة، والإفتراءات الكاذبة، ويمقتون إلباس الحق بالباطل والصدق بالكذب، وتسمية الفرية حقيقة، والغش نصيحة، والباطل هداية.
هذا تمام ما تيسَّر لي كتابته في الرد على ما كتبه أبو بكر الجزائري في كتيّبه الذي أسماه « هذه نصيحتي إلى كل شيعي »، ولولا خشية الإطالة لأشبعت الجواب عن كل مسألة ذكَرها بأكثر مما صنعت، إلا أن فيما ذكرته من الردود غنىً وكفاية لكل طالب للحق راغب فيه، والحمد لله ربِّ العالمين على توفيقه لإتمامه، وصلى الله على نبيِّنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
هذه نصيحتي
هذه نصيحتي
نصيحتي للجزائري أن يقرأ كتابي هذا قراءة متأمِّل منصف، ليرى أن حقـائقه قد تهدَّمت أركانها، وصارت خاوية على عروشها، وما كانت إلا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءاً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.
وليعلم أنه قد أذنب ذنباً فاحشاً، وارتكب موبقة عظيمة بكتابة هذا الكتيِّب، لأنه ألْبَسَ الحق بالباطل، ونصر الباطل وخذل الحق، وكفَّر طـائفة كبيرة مـن طوائف المسلمين بغير حـق، ونسَب إليهم مـا هم بُرآء منه، واتَّهم شيعة أهل البيت عليهم السلام بأنهم يريدون تقويض الإسلام عدوِّ المجوسية واليهودية، وزعم أن مذهب أهل البيت عليهم السلام مذهب هدَّام مظلم، فظَلَمَهم سلام الله عليهم أيَّ ظلم، وجارَ على شيعتهم ومحبّيهم أيَّ جور.
فليستغفر الله من ذنبه العظيم، وليكفِّر عن خطيئته، وليرجع إلى ما كتبه في ذلك فيضرب عليه بالقلم، وليكتب في نقضه ما يكون لله فيه رِضا وللناس فيه صلاح وفائدة.
وأرجو ألا يكون قد ضلَّ بكتابه واحد من جُهَّال الشيعة، أو شكَّ مؤمن بسببه في إيمانه، أو جزَم مبطل بسببه بباطله، فإنه إن وقع ذلك كان الجزائري من الهالكين.
وآمُل منه - كما آمل من كل كاتب من كتَّاب أهل السنة - ألا يكتب إلا ما به تجتمع الكلمة، وتأتلف الفرقة، وتطيب النفوس، وتبرأ الكلوم، وتزول الضغائن والأحقاد، فنحن المسلمين اليوم أحوج ما نكون للألفة، ونبذ الاختلاف والفرقة، فإن أعداء الإسلام يتربّصون به وبأهله الدوائر، وهم كثيرون، والمسلمون غافلون، بأْسُهم بينهم شديد، قد شُغِلوا ببعضهم عن الخطر المحدق بهم الذي ينتظرهم، فصار
بعضهم يكفِّر بعضاً، وبعضهم يطعن في بعض، وبعضهم يحارب بعضاً.
فليكتب كل كاتب ما يسرُّه أن يكون في صحيفة أعماله الصالحة مما ينفع الناس ويمكث في الأرض، ولا يكتب ما يكون عليه عاراً في الدنيا ووبالاً في الآخرة.
وما أحسن قول من قال:
وما مِن كاتــب إلا وتبقى * كتابته وإن فنِيـَتْ يــداهُ
فلا تكتبْ بخطِّك غير شيءٍ * يسرُّك في القيامـة أن تراهُ
وعلى الكاتب الرسالي أن يدعو إلى ما يرى أنه هو الحق بما أمر الله به الداعي إليه، إذ قال( ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) ، فيسلك سبيل الرِّفق واللِّين، ويلتزم بالحق وقول الصدق، ويجتنب التكفير وكيل الإتهامات الباطلة، لتتحقّق الغاية المرجوة والمنفعة المطلوبة.
* * *
ونصيحتي لإخواني المؤمنين من الشيعة الكرام ألا يُعنَوا بأمثال هذه الكتب الهدَّامة، التي مُلِئتْ بالأباطيل المنمَّقة، والإتِّهامات الملفَّقة، والأكاذيب المزوَّقة، فإنها عديمة الفائدة، معلومة المضرَّة، لأنها إن لم تُحدِث في نفس قارئها شكًّا، فلا بد أن تحدث في قلبه همًّا وحزناً وغيضاً.
وعليهم أن يقرأوا ما كتبه في هذا المجال علماؤنا الأعلام جزاهم الله نقَّحوا المذهب، وزيَّفوا شُبُهات المخالفين، وأبطلوا تشكيكاتهم وحججهم بما لا مزيد عليه، حتى بدا الحق جليًّا واضحاً لا مرية فيه، ولا شبهة تعتريه. فإن أقل ما ينتفع به قارِئُها أنها تزيده إيماناً في دِينه، ورسوخاً في معتقده، ناهيك عما فيها من علم جليل نافع، ومعرفة كثيرة بما يصح في الدين وبما لا يصح.
* * *
ونصيحتي لإخواني الكرام من أهل السنة ألا يأخذوا كل ما كتبه كُتَّابهم في نقض عقائد الشيعة أخذ المسلَّمات، وليحتملوا فيه الخطأ كما يحتملون فيه الصواب،
وعليهم أن يقرأوا بالمقابل ما كتبه علماء الشيعة في هذا الشأن، ليحصل لهم اليقين بصحة ما هم عليه أو بفساده، ولئلا يكـونوا جائـرين في حكمهم، ظـالمين لغـيرهم، ومقصِّرين في حق أنفسهم، إذا سمعوا قول أحد الخصمين المتنازعين، ولم يسمعوا قول الآخر، فحكموا بصحة القول الذي سمعوه دون غيره.
وليعلموا - وفَّقهم الله لطاعته - أن علماء الشيعة حمَلَة حق ودعاة إلى الصدق، يدعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادلون غيرهم بالتي هي أحسن، رغبة في ثواب الله، وطمعاً في جزيل إحسانه. وأن قضيَّتهم ليست هي تكفير أهل السنة، أو تكفير أحد من المسلمين، ولو شاؤوا إبداء عورات أهل السنة وكشف فضائحهم من كتبهم لفعلوا وهم قادرون، ولكنهم رأوا أن السبيل الأقوم هو أن يدْعوا كافة طوائف المسلمين إلى الوحدة، وأن يناشدوهم بالأخوة والمحبة والألفة، ليكونوا معهم كالبنيان المرصوص الذي يشدّ بعضه بعضاً، وكالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعَت له سائر الأعضاء بالحمى والسهر.
* * *
وفي الختام أسأل الله أن يجمع شمل المسلمين، ويوحِّد صفوفهم، ويجمع كلمتهم، ويؤلّف بين قلوبهم، ويجعل كلمتهم هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
مصادر الكتاب
١ - الإبانة عن أصول الديانة: أبو الحسن الأشعري، دار الكتاب العربي - بيروت ١٤٠٥هـ.
٢ - أبو هريرة: السيد عبد الحسين شرف الدين، دار الزهراء - بيروت ١٤٠٦هـ..
٣ - الإتقان في علوم القرآن: جلال الدين السيوطي، دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٧هـ.
٤ - أجوبة مسائل جار الله: السيد عبد الحسين شرف الدين، دار الكتاب الإسلامي - بيروت ١٤١٠هـ.
٥ - الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٧هـ.
٦ - إحياء الميت في فضائل آل البيت: جلال الدين السيوطي، تحقيق مصطفى عبدالقادر عطا، دار الجيل - بيروت ١٤٠٧هـ.
٧ - إختيار معرفة الرجال: أبو عمرو محمد بن عمر الكشي، طبع إيران.
٨ - إرواء الغليل: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت ١٤٠٥هـ.
٩ - أسباب النزول: علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، دار الكتب العلمية - بيروت ١٣٩٥هـ.
١٠ - أُسد الغابة: عز الدين ابن الأثير، جمعية المعارف بمصر ١٢٨٠هـ.
١١ - إسعاف الراغبين: محمد بن علي الصبان، مطبوع بهامش نور الأبصار للشبلنجي، مطبعة البابي الحلبي - مصر ١٣٦٧هـ.
١٢ - أسنى المطالب في نجاة أبي طالب: أحمد زيني دحلان.
١٣ - الإصابة في تمييز الصحابة: ابن حجر العسقلاني، المطبعة الخديوية - مصر ١٣٢٨هـ.
١٤ - أصل الشيعة وأصولها: الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء، مصر ١٣٧٧هـ.
١٥ - الاعتصام: أبو إسحـاق إبراهيم بن موسى الشاطبي الغرناطي، دار المعرفة - بيروت ١٤٠٦هـ.
١٦ - الأم: محمد بن إدريس الشافعي، دار المعرفة - بيروت.
١٧ - الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء: يوسف بن عبد البر القرطبي، دار الكتب العلمية - بيروت.
١٨ - الأنساب: عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني، تحقيق عبد الله عمر البارودي، دار الجنان - بيروت ١٤٠٨هـ
١٩ - أوائل المقالات: الشيخ محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالمفيد، دار الكتاب الإسلامي - بيروت ١٤٠٣هـ.
٢٠ - بحار الأنوار: المولى محمد باقر المجلسي، دار إحياء التراث العربي - بيروت ١٤٠٣هـ.
٢١ - بحر الفوائد في شرح الفرائد: الميرزا محمد حسن الإشتياني. مطبوع على الحجر في إيران.
٢٢ - البداية والنهاية: ابن كثير الدمشقي، تحقيق د. أحمد أبو ملحم وجماعة. دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٥هـ.
٢٣ - البرهان في علوم القرآن: بدر الدين الزركشي، دار الفكر - بيروت ١٤٠٠هـ.
٢٤ - تاج العروس: السيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، تحقيق مصطفى حجازي، وزارة الإرشاد والأنباء. الكويت ١٣٨٩هـ.
٢٥ - تاريخ الإسلام: شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق د. عمر عبد السلام تدميري، دار الكتاب العربي - بيروت ١٤٠٨هـ.
٢٦ - تاريخ الخلفاء: جلال الدين السيوطي. دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٨هـ.
٢٧ - تاريخ الخميس: حسن بن محمد الديار بكري، دار صادر - بيروت.
٢٨ - تاريخ الطبري المعروف بتاريخ الأمم والملوك: محمد بن جرير الطبري، مؤسسة
الأعلمي للمطبوعات ١٤٠٣هـ.
٢٩ - تاريخ المذاهب الإسلامية: الشيخ محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي - بيروت ١٩٨٧م.
٣٠ - تاريخ بغداد: أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية - بيروت.
٣١ - تاريخ مدينة دمشق: علي بن الحسن المعروف بابن عساكر، مجمع اللغة العربية - دمشق.
٣٢ - التحرير الطاووسي: الشيخ حسن بن زين الدين الشهيد الثاني، تحقيق السيد محمد حسن ترحيني، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت ١٤٠٨هـ.
٣٣ - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: جلال الدين السيوطي، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف. دار الكتب العلمية - بيروت ١٣٩٩هـ.
٣٤ - تذكرة الحفاظ: شمس الدين الذهبي، ط الهند مصورة دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٣٥ - ترجمة الامام علي بن أبي طالب (ع) من مدينة دمشق: علي بن الحسن المعروف بابن عساكر، تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي. مؤسسة المحمودي للطباعة والنشر - بيروت ١٣٩٨هـ.
٣٦ - الترغيب والترهيب: عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، دار مكتبة الحياة - بيروت ١٤٠٧هـ.
٣٧ - تصحيح الاعتقاد بصواب الانتقاد (شرح عقائد الصدوق): الشيخ المفيد، مكتبة التراث الإسلامي - بيروت ١٤٠٣هـ.
٣٨ - تفسير القرآن العظيم: ابن كثير الدمشقي. مصورة دار المعرفة - بيروت ١٤٠٣هـ.
٣٩ - التفسير الكبير: فخر الدين الرازي، مصورة دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٤٠ - تقريب التهذيب: ابن حجر العسقلاني، تحقيق محمد عوامة. دار الرشيد - حلب ١٤٠٦هـ.
٤١ - تلخيص المستدرك - المطبوع بذيل المستدرك على الصحيحين: شمس الدين الذهبي. ط الهند، مصورة دار الكتب العلمية - بيروت ١٣٩٨هـ.
٤٢ - تنقيح المقال: الشيخ عبد الله المامقاني، المطبعة المرتضوية - النجف ١٣٥٠هـ.
٤٣ - تهذيب الأسماء واللغات: محي الدين بن شرف النووي، مصورة دار الكتب العلمية - بيروت.
٤٤ - تهذيب التهذيب: ابن حجر العسقلاني. دار الفكر - بيروت ١٤٠٤هـ.
٤٥ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال: جمال الدين يوسف المزي، تحقيق د. بشار عواد معروف. مؤسسة الرسالة - بيروت ١٤٠٦هـ.
٤٦ - التوحيد: أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه المعروف بالصدوق، دار المعرفة - بيروت.
٤٧ - جامع البيان في تفسير القرآن (تفسير الطبري): محمد بن جرير الطبري. المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق - مصر ١٣٢٣هـ.
٤٨ - جامع الرواة: محمد بن علي الأردبيلي، دار الأضواء - بيروت ١٤٠٣هـ.
٤٩ - الجامع الصغير: جلال الدين السيوطي، دار الفكر - بيروت ١٤٠١هـ.
٥٠ - جامع المقال في علم الرجال: فخر الدين الطريحي، مطبعة حيدري - طهران.
٥١ - جامع بيان العلم وفضله: ابن عبد البر القرطبي، دار الكتب العلمية - بيروت.
٥٢ - الجامع لأحكام القرآن: محمد بن أحمد القرطبي، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٥٣ - الجرح والتعديل: عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، ط الهند.
٥٤ - جواهر الكلام: محمد حسن النجفي، دار إحياء التراث العربي - بيروت ١٩٨١م.
٥٥ - الحدائق الناضرة: الشيخ يوسف البحراني، دار الأضواء - بيروت ١٤٠٥هـ.
٥٦ - حلية الأولياء: أبو نعيم الأصفهاني، دار الكتاب العربي - بيروت ١٤٠٥هـ.
٥٧ - خصائص الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه): أحمد بن شعيب النسائي.
٥٨ - الخصائص الكبرى: جلال الدين السيوطي. طبع في حيدر آباد الدكن - الهند ١٣٢٠هـ.
٥٩ - در السحابة في مناقب القرابة والصحابة: محمد علي الشوكاني، تحقيق د. حسين بن عبد الله العمري. دار الفكر المعاصر - بيروت، دار الفكر - دمشق ١٤١١هـ.
٦٠ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين السيوطي. دار الفكر - بيروت ١٤٠٣هـ.
٦١ - دراسات في الحديث والمحدثين: هاشم معروف الحسني، دار التعارف للمطبوعات - بيروت.
٦٢ - دلائل النبوة: أحمد بن حسين البيهقي، تحقيق د. عبد المعطي قلعجي. دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٥هـ.
٦٣ - دليل المتحيرين: للمؤلف، دار الصفوة - بيروت ١٤١٥هـ.
٦٤ - ديوان الشافعي: محمد بن إدريس الشافعي، جمع محمد بن عفيف الزعبي، دارالجيل - بيروت ١٣٩٢هـ.
٦٥ - الذريعة إلى تصانيف الشيعة: آغا بزرك الطهراني، دار الأضواء - بيروت ١٤٠٣هـ.
٦٦ - رجال السيد بحر العلوم المعروف بالفوائد الرجالية: السيد محمد مهدي بحر العلوم، مؤسسة مطبوعات إسماعيليان - قم، إيران.
٦٧ - رجال العلامة الحلي المعروف بالخلاصة: الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف ١٣٨١هـ.
٦٨ - رجال النجاشي: أبو العباس أحمد بن علي النجاشي، دار الأضواء - بيروت ١٤٠٨هـ.
٦٩ - رسائل الشريف المرتضى: علي بن الحسين الموسوي، مؤسسة النور للمطبوعات - بيروت.
٧٠ - سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب: محمد أمين البغدادي السويدي، مطبوع على الحجر، مصورة دار إحياء العلوم - بيروت.
٧١ - سعد السعود: علي بن موسى بن طاووس، دار الذخائر للمطبوعات - قم.
٧٢ - سلسلة الأحاديث الصحيحة: محمد ناصر الدين الألباني. المكتب الإسلامي - بيروت ١٤٠٥هـ.
٧٣ - سلسلة الأحاديث الضعيفة: محمد ناصر الدين الألباني. المكتب الإسلامي - بيروت ١٤٠٥هـ.
٧٤ - سنن أبي داود: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق محمد محي
الدين عبد الحميد. دار الفكر - بيروت.
٧٥ - سنن ابن ماجة: محمد بن يزيد بن ماجة، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. مصورة دار الفكر - بيروت.
٧٦ - سنن الترمذي: محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر. دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٧٧ - سنن الدارقطني: علي بن عمر الدارقطني، عالم الكتب - بيروت ١٤٠٣هـ.
٧٨ - سنن الدارمي: عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، دار الكتب العلمية - بيروت.
٧٩ - السنن الكبرى: أبو بكر البيهقي، دار الفكر - بيروت.
٨٠ - سنن النسائي بشرح السيوطي: أحمد بن شعيب النسائي. دار القلم - بيروت.
٨١ - سير أعلام النبلاء: شمس الدين الذهبي، تحقيق شعيب الأرنؤوط وجماعة. مؤسسة الرسالة - بيروت ١٤١٠هـ.
٨٢ - السيرة النبوية: ابن هشام، مكتبة البابي الحلبي - مصر ١٩٧٣م.
٨٣ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب: عبد الحي بن العماد الحنبلي، دار المسيرة - بيروت.
٨٤ - شرح السنة: الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق الشاويش والأرنؤوط. المكتب الإسلامي - بيروت ١٤٠٣هـ.
٨٥ - شرح الشفا: الملا علي القاري، المطبعة العثمانية - اسطنبول ١٣١٩هـ.
٨٦ - شرح العقيدة الطحاوية: محمد بن علي بن أبي العز الحنفي، المكتب الإسلامي - بيروت ١٤٠٤هـ.
٨٧ - شرح نهج البلاغة: عبد الحميد هبة الله المدائني الشهير بابن أبي الحديد، دار الكتب العربية الكبرى - مصر ١٣٢٩هـ. والطبعة الجديدة بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. دار إحياء الكتب العربية - مصر ١٣٨٧هـ.
٨٨ - شرح نهج البلاغة: محمد عبده، تحقيق محمد أحمد عاشور ومحمد إبراهيم البنا. دار ومطابع الشعب - مصر.
٨٩ - شواهد التنزيل: الحاكم الحسكاني، مؤسسة أهل البيت - بيروت ١٤٠٩هـ.
٩٠ - صحيح البخاري: محمد بن إسماعيل البخاري، مطابع الشعب - مصر ١٣٧٨هـ.
٩١ - صحيح ابن خزيمة: محمد بن إسحاق بن خزيمة، تحقيق د. محمد مصطفى
الأعظمي. المكتب الإسلامي - بيروت ١٣٩٥هـ.
٩٢ - صحيح الجامع الصغير: محمد ناصر الدين الألباني. المكتب الإسلامي - الرياض ١٤٠٦هـ.
٩٣ - صحيح سنن أبي داود: محمد ناصر الدين الألباني. مكتب التربية العربي لدول الخليج - الرياض ١٤٠٩هـ.
٩٤ - صحيح سنن ابن ماجة: محمد ناصر الدين الألباني. مكتب التربية العربي لدول الخليج - الرياض ١٤٠٨هـ.
٩٥ - صحيح سنن النسائي: محمد ناصر الدين الألباني. مكتب التربية العربي لدول الخليج - الرياض ١٤٠٩هـ.
٩٦ - صحيح مسـلم: مسـلم بن الحجاج القشري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، مصورة دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٩٧ - صحيح مسلم بشرح النووي: محي الدين بن شرف النووي. مصورة دار الفكر - بيروت ١٤٠١هـ.
٩٨ - صفة الصفوة: عبد الرحمن بن علي بن الجوزي. دار المعرفة - بيروت ١٤٠٦هـ.
٩٩ - الصواعق المحرقة: أحمد بن حجر الهيتمي، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف.ـ ط بيروت.
١٠٠ - الضعفاء والمتروكون: أبو الحسن الدارقطني، مكتبة المعارف - الرياض ١٤٠٤هـ.
١٠١ - طبقات الحفاظ: جلال الدين السيوطي، تحقيق علي محمد عمر. مكتبة وهبة - مصر ١٣٩٣هـ، ودار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٣هـ.
١٠٢ - طبقات الشافعية الكبرى: عبد الوهاب بن علي السبكي، تحقيق الطناحي والحلو. دار إحياء الكتب العربية - مصر ١٩٧٦م.
١٠٣ - الطبقات الكبرى: محمد بن سعد، مصورة دار صادر - بيروت.
١٠٤ـ عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة: د. عبد العزيز الهلابي - لندن.
١٠٥ - عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى: السيد مرتضى العسكري، دار الزهراء - بيروت ١٤١٢هـ.
١٠٦ - العبر في خبر من غبر: شمس الدين الذهبي، تحقيق محمد السعيد زغلول. دار
الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٥هـ.
١٠٧ - العرف الوردي المطبوع ضمن الحاوي للفتاوي: جلال الدين السيوطي.
١٠٨ - عقائد الإمامية: الشيخ محمد رضا المظفر، دار الزهراء - بيروت ١٤٠٣هـ.
١٠٩ - عقائد الصدوق (الاعتقادات) المطبوع ضمن كتاب نصوص الدراسة في الحوزة العلمية: محمد بن علي بن بابويه المعروف بالصدوق، مؤسسة الأعلمي - بيروت ١٤٠٨هـ.
١١٠ - علم الحديث: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق موسى محمد علي. عالم الكتب - بيروت ١٤٠٥هـ.
١١١ - علي بن أبي طالب وبنوه: طه حسين، دار الكتب اللبناني - بيروت ١٩٧٣م.
١١٢ - عون المعبود شرح سنن أبي داود: أبو الطيب محمد شمس الدين العظيم آبادي. دار الفكر - بيروت.
١١٣ - الغدير: عبد الحسين الأميني، دار الكتاب العربي - بيروت ١٤٠٣هـ.
١١٤ - فتح الباري: أحمد بن حجر العسقلاني. المطبعة البهية المصرية - مصر ١٣٤٨هـ.
١١٥ - فتح القدير: محمد بن علي الشوكاني. دار المعرفة - بيروت.
١١٦ - فرائد الأصول: الشيخ مرتضى الأنصاري، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت ١٤١١هـ.
١١٧ - الفردوس بمأثور الخطاب: شيرويه بن شهر دار الديلمي. تحقيق السعيد بن بسيوني زغلول. دار الكتب العلمية - بيروت.
١١٨ - الفَرق بين الفِرَق: عبد القاهر بن طاهر البغدادي، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد. مصورة دار المعرفة - بيروت.
١١٩ - الفصل في الملل والأهواء والنحل: محمد بن علي بن حزم. ط مصر ١٣٢١هـ.
١٢٠ - فضائل الصحابة: الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق وصي الله بن محمد عباس. جامعة أم القرى - مكة المكرمة ١٤٠٨هـ.
١٢١ - الفهرست: محمد بن إسحاق بن النديم. دار المعرفة - بيروت ١٣٩٨هـ.
١٢٢ - فيض القدير: محمد عبد الرؤوف المعروف بالمناوي. ط مصر ١٣٩١هـ.
١٢٣ - القاموس المحيط: محمد بن يعقوب الفيروزآبادي. مطبعة البابي الحلبي بمصر ١٣٧١هـ.
١٢٤ - قصص العلماء: الميرزا محمد بن سليمان التنكابني، بيروت.
١٢٥ - قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة: جلال الدين السيوطي، تحقيق الشيخ خليل محي الدين الميس. المكتب الإسلامي - بيروت ١٤٠٥هـ.
١٢٦ - الكافي: محمد بن يعقوب الكليني، دار الأضواء - بيروت ١٤٠٥هـ.
١٢٧ - الكامل في التاريخ: علي بن أبي الكرم المعروف بابن الأثير. دار صادر - بيروت ١٣٩٩هـ.
١٢٨ - كتاب الثقات: محمد بن حبان البستي. حيدر آباد الدكن - الهند ١٣٩٣هـ.
١٢٩ - كتاب السنة: عمر بن أبي عاصم الشيباني، المكتب الإسلامي - بيروت ١٤٠٥هـ.
١٣٠ - الكشاف: جار الله الزمخشري. ط مصر، مصورة دار المعرفة - بيروت.
١٣١ - الكفاية في شرح الدراية: الخطيب البغدادي.
١٣٢ - كنز العمال: علي المتقي بن حسام الدين الهندي. مؤسسة الرسالة - بيروت ١٣٩٩هـ.
١٣٣ - لؤلؤة البحرين: الشيخ يوسف البحراني، دار الأضواء - بيروت ١٤٠٦هـ.
١٣٤ - لباب النقول في أسباب النزول: جلال الدين السيوطي، دار إحياء العلوم - بيروت ١٤٠٣هـ.
١٣٥ - لسان العرب: محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي. دار صادر - بيروت.
١٣٦ - لسان الميزان: أحمد بن حجر العسقلاني. ط حيدرآباد الدكن - الهند ١٣٣١هـ.
١٣٧ - لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة: محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، تحقيق محمد عبد القادر عطا. دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٥هـ.
١٣٨ - لوامع الأنوار البهية: محمد بن أحمد السفاريني، المكتب الإسلامي - بيروت ١٤٠٥هـ.
١٣٩ - مجمع البيان في تفسير القرآن: الشيخ أبو علي الفضل الطبرسي، دار إحياء التراث العربي - بيروت ١٣٧٩هـ.
١٤٠ - مجمع الرجال: المولى عناية الله علي القهبائي، مؤسسة مطبوعات إسماعيليان - قم.
١٤١ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: علي بن أبي بكر الهيثمي، دارالكتاب العربي
- بيروت ١٤٠٢هـ.
١٤٢ - مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام: السيد محمد بن علي العاملي، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث - قم ١٤١١هـ.
١٤٣ - مرآة العقول: المولى محمد باقر المجلسي، دار الكتب الإسلامية - طهران ١٤٠٤هـ.
١٤٤ - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: الملا علي القاري، تحقيق صدقي محمد العطار. المكتبة التجارية - مكة المكرمة ١٤١٢هـ.
١٤٥ - مروج الذهب: علي بن الحسين المسعودي. دار الأندلس - بيروت ١٩٨٣م.
١٤٦ - المستدرك على الصحيحين: محمد بن عبد الله المعروف بالحاكم النيسابوري، ط الهند.
١٤٧ - مستدرك الوسائل: الميرزا حسين النوري، مطبوع على الحجر في إيران.
١٤٨ - مستمسك العروة الوثقى: السيد محسن الحكيم، دار إحياء التراث العربي - بيروت ١٣٨٧هـ.
١٤٩ - مسند أبي داود الطيالسي: سليمان بن داود المعروف بابن داود الطيالسي، ط حيدر آباد الدكن - الهند ١٣١٢هـ.
١٥٠ - مسند أبي عوانة: يعقوب بن إسحاق الاسفرائني، دار المعرفة - بيروت.
١٥١ - مسند أحمد بن حنبل: أحمد بن حنبل. المطبعة الميمنية بمصر ١٣١٣هـ.
١٥٢ - مسند الحميدي: عبد الله بن الزبير الحميدي، عالم الكتب - بيروت، مكتبة المتنبي - القاهرة.
١٥٣ - مشكاة المصابيح: محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي، تحقيق الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت ١٤٠٥هـ.
١٥٤ - مشكل الآثار: أبو جعفر الطحاوي، دار صادر - بيروت.
١٥٥ - المصاحف: أبو بكر بي أبي داود السجستاني، دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٥هـ.
١٥٦ - مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة: أحمد بن أبي بكر البوصيري، دار الكتب الحديثة - مصر.
١٥٧ - المطالب العالية: ابن حجر العسقلاني، تحقيق الأعظمي، دار المعرفة - بيروت.
١٥٨ - المعجم الصغير: أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٣هـ.
١٥٩ - معجم رجال الحديث: السيـد أبو القاسم الخوئي، منشورات مدينة العلم - قم ١٤٠٣هـ.
١٦٠ - المغني عن حمل الأسفار في الأسفار (المطبوع بحاشية إحياء علوم الدين): زين الدين العراقي، دار المعرفة - بيروت.
١٦١ - مفاتيح الأصول: السيد محمد الطباطبائي المعروف بالمجاهد، مطبوع على الحجر في إيران.
١٦٢ - المقاصد الحسنة: شمس الدين السخاوي، دار الكتب العلمية - بيروت ١٣٩٩هـ.
١٦٣ - مقباس الهداية في علم الدراية: الشيخ عبد الله المامقاني، تحقيق الشيخ محمد رضا المامقاني، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث - قم ١٤١١هـ.
١٦٤ - مقدمة ابن خلدون:عبد الرحمن بن خلدون، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت.
١٦٥ - مقدمة ابن الصلاح: عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح، دار الكتب العلمية - بيروت ١٣٩٨هـ.
١٦٦ - الملل والنحل: محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، دار المعرفة - بيروت.
١٦٧ - منتخب كنز العمال - المطبوع بهامش مسند أحمد بن حنبل: علي بن حسام الدين الشهير بالمتقي الهندي، دار صادر بيروت.
١٦٨ - منظومة الشهاب الثاقب: محمد باقر الحجة، المطبعة المرتضوية - النجف الأشرف ١٣٥٤هـ.
١٦٩ - منهاج السنة النبوية: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، المطبعة الكبرى الأميرية - مصر ١٣٢٢هـ.
١٧٠ - المواهب اللدنية: أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني، دار الكتب العلمية - بيروت.
١٧١ - الموطأ: مالك بن أنس، دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٥هـ.
١٧٢ - ميزان الإعتدال: شمس الدين الذهبي، دار المعرفة - بيروت.
١٧٣ - نزهة النظر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، مكتبة جدة ١٤٠٦هـ.
١٧٤ - نظم المتناثر من الحديث المتواتر: جعفر بن إدريس الحسني المعروف بالكتاني، دا ر الكتب العلمية - بيروت.
١٧٥ - نور الأبصار: مؤمن بن حسن مؤمن الشبلنجي، مكتبة البابي الحلبي بمصر ١٣٦٧هـ.
١٧٦ - الوافي: المولى محمد محسن المعروف بالفيض الكاشاني، مطبوع على الحجر في إيران.
١٧٧ - وسائل الشيعة: محمد بن الحسن الحر العاملي، دار إحياء التراث العربي - بيروت ١٤٠٣هـ.
الفهرس
تقاريض ٩
المقدمَة ١١
رَدّ ما جاء في المقدِّمة ١٣
مخالفة المؤلف لمنهج البحث العلمي ١٥
كتاب الكافي ١٨
منزلته عند الشيعة ومزاياه ١٨
ثناء العلماء عليه ١٩
أسباب شهرة الكافي وسموّ مكانته ٢٠
كتاب الكافي فيه الصحيح والضعيف ٢١
لا يُحتج بكتاب الكافي في إثبات المذهب ٢٤
الخلاصة ٢٦
الحقيقة الأولى ٣١
الحقيقة الثانية ٤٥
الحقيقة الثالثة ٦٧
الحقيقة الرابعة ٨٥
الحقيقة الخامسة ١٠٩
الحقيقة السادسة ١٢٥
الحقيقة السابعة ١٤٣
هذه نصيحتي ١٩٥
مصادر الكتاب ١٩٩