شخصيَّات ومواقف
جعفر البيَّاتي
شخصيَّات ومواقف
جعفر البيَّاتي
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، وأزكى الصلاة وأتمُّ السلام على الرسول المؤيَّد، المُصطفى أحمد، أبي القاسم محمد، وعلى آله أُولي النُهى والحِجى والسُّؤدد.
هذه بين أيدينا صورٌ مِن التاريخ.. تعالوا نتأمَّلْ في ملامحها، في ألوانِها ومعانيها وآفاقها.
و التاريخ عِبَرٌ ومواقف.. وقد أحببنا أنْ نستخلص منها بعض الدروس، مِن خلال شخصيّات موفَّقة، وأُخرى خائبة. هذه سلكت إلى الله (تبارك وتعالى)، وصبرت وصابرت واتَّقت حتَّى أفلحت. وتلك انحرفت وغوت وتمادت حتَّى خسرت.
كما أحببنا أنْ نتعرَّف على السرِّ الذي يقف وراء ذلك، مع أنَّ هنالك مَن ضلَّ، بلْ وأضلَّ، وهو في أجواء الإيمان والهُدى، وهنالك مَن اهتدى، بلْ وهدى، وهو في أجواء الكفر والضلال والفساد. فكان ذا موفَّقاً ربح، وكان الآخرُ خائباً خسِر.
والتوفيق له قصصٌ في حياة الإنسان.. تتلخَّص في أنَّ العبد إذا
واجه هداية َ الله بالقبول والتسليم والإخلاص والسعي؛ نال الخير والسعادة. أمَّا إذا واجه هداية الله بالصدِّ والتعالي والعناد والتعصُّب الأعمى والمُكابرة؛ فإنَّ مآله إلى الشرُّ والشقاء.
ومصاديق ذلك كثيرة.. وضعنا بين يدي القارئ الكريم بعضاً منها، يُطالعها في رحلةٍ مؤنسة، لا ينسى خلالها أنْ يذكرنا بدعواته المُخلِصة.
مشهد المُقدَّسة / ٧ ذي الحجة ١٤١٨
تمهيد:
الحمد لله الذي أرسل أنبياءَه حُجَّة ً على العالمين، وعقَّبهم بالأوصياء تكميلاً للدين المُبين، واصطفى منهم خمسةً وهُم أولو العَزم، فضَّلهم على أنبيائه المُرسَلين، واختار مِن بينهم محمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم، وجعله نبيَّاً وآدمُ بين الماءِ والطين، ثمَّ فضَّل أوصياءَه (صلوات الله عليهم)، وصيَّرهم حُجَّة ً على أهل السماواتِ والأرضين، وفضَّل مِن بينهم ابنَ عمِّه وأخاه وباب مدينة علمه، على الخلْق أجمعين، وخصَّه باسم ٍ حُرَّم على غيره بأنْ يُسمَّى به، وهو أمير المؤمنين، صلوات الله عليه وعلى أولاده المعصومين، مِن يومنا هذا إلى يوم الدين، واللَّعنُ الدائم المُتواصل على أعدائهم أجمعين.
وبعد: الإيمان وَمَضٌ، إذا أشرق في قلب العبد شخصت أمامه الحقائق، فنهضت جوارحه تتبنَّاها اعتقاداً راسخاً، وسعياً دَؤوباً، وصوتاً يهتف في ضمائر الناس بياناً نيِّراً، ودعوةً غيورة إلى إحقاق الحقِّ وإبطال الباطل.
ولكنْ.. متى يُشرق ذلك الوَمَض؟ إنَّ الله تبارك وتعالى يقول:
( ... قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ) (١) ، ويقول جَلَّ وعلا:( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ ) (٢) .
ويقول عزَّ مِن قائل:( تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ) (٣) .
والإنابة - أخوتَنا المؤمنين الأكارم - هي الرجوع إلى الله تبارك وتعالى بالتوبة وإخلاص العمل، والقصد إليه بالتوكُّل والتوسُّل وطلب الهداية.
وقد أناب قومٌ إلى ربِّهم سبحانه وتعالى، فلمَّا اطَّلع الله جَلَّ جلالُه على قلوبهم، ووجد فيها الإخلاص وطلب الحقِّ والبحثَ عن الحقيقة بصدق.. كتبَ لها التوفيق، وسكبَ فيها أنوار الإيمان حتَّى اُشربتِ التقوى وشعَّت بالبصيرة. وكان مِن ذلك القوم مَسارٌ على طريق الهداية، ثمَّ كان منهم أنْ أحقُّوا الحقَّ وأبطلوا الباطل - بإذن الله وتسديده - وتحمَّلوا في ذلك مَشقَّةً وعناءً وآلاماً، وشهادةً حُكْمِيَّة وشَّحوا بها حياتهم خاتِمةً مُباركة.
( خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) (٤) .
____________________
١ - الرعد: ٢٧.
٢ - الزُّمر: ١٦، ١٧.
٣ - سورة ق: ٨.
٤ - المُطفِّفين: ٢٦.
وإنّه لَمِن دواعي الإجلال والإكبار أنْ ينتزع العبدُ نفسه مِن وسطٍ غارقٍ في الكفر والإثم والفساد، فيكون عبداً صالحاً، مُصلِحاً لنفسه ولِمَن حوله، مُجابِهاً للظلم مواجهاً للانحراف، قائلاً كلمة الحقِّ في وجوه الطُّغاة، مُنْجياً نفسه مِن مُضِلاَّت الفتن ومزالق شياطين الجنِّ والإنس.
وقد احتجَّ علينا التاريخ - أيُّها الإخوةُ الأفاضل - بعبادٍ مؤمنين صالحين، عاشُوا لله موحِّدين، وإليه مُنيبين، مضوا على بصيرةٍ مِن أمرهم، حتّى انقلبوا إلى ربِّهم مُهتدين، وآبوا إليه مظلومين، مُستشهَدين.
وكان منهم:
مؤمن آل فرعون
الذي عاش في آل فرعون، ولم يكن يؤول أمرُه إليه، بلْ آل إلى ربِّه بالطاعة. فآمن بالله ربَّاً، وكفر بفرعون.
ولكنْ.. مَن هو مؤمن آل فرعون؟!
في تفسير الإمام العسكري (عليه السلام)، عن آبائه، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال:(كان (حِزقيل) مؤمنُ آل فرعون، يدعو قومَ فرعون إلى توحيد الله ونبوَّة موسى، وتفضيل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم على جميع رُسُل الله وخَلْقه، وتفضيل عليِّ بن أبي طالب والخيار مِن الأئمَّة (عليهم السلام) على سائر أوصياء النبيِّين، وإلى البراءة مِن ربوبيَّة فرعون.
فوشى به واشون إلى فرعونَ، وقالوا: إنَّ حزقيل يدعو إلى مُخالفتك، ويُعين أعداءَك على مُضادَّتك. فقال لهم فرعون: إنَّه ابن عمِّي، وخليفتي على مُلكي، ووليُّ عهدي، إنْ فعل ما قلتم فقد استحقَّ العذاب على كُفره نعمتي! وإنْ كنتُم كاذبين فقد استحققتُم أشدَّ العذاب لإيثاركمُ الدخولَ في مَساءته.
فجاء بحِزقيل، وجاء بهم فكاشفوه وقالوا: أنت تَجحد ربوبيَّة
فرعون وتكفر نعماءَه؟ فقال حزقيل: أيُّها المَلِك! هل جرَّبت عَلَيَّ كذباً قطُّ؟ قال: لا، قال: فسَلهم مَن ربُّهم؟ فقالوا: فرعون، قال: ومَن خالقكم؟ قالوا: فرعون، قال: ومَن رازقكم؟ الكافل لمَعاشكم والدافع عنكم مكارهَكم؟ قالوا: فرعون هذا، قال حزقيل: أيَّها المَلك! فاشهد ومَن حضرك أنَّ ربَّهم ربِّي، وخالقهم هو خالقي، ورازقُهم هو رازقي، لا ربَّ لي وخالق ولا رازق غيرُ ربِّهم وخالقهم ورازقهم، وأُشهِدك ومَن حضرك أنَّ كلَّ ربٍّ وخالق سوى ربِّهم فأنا بريءٌ منه ومِن ربوبيَّته، كافر بإلهيَّته.
يقول حزقيلُ هذا، وهو يعني أنَّ ربَّهم هو الله ربِّي، ولم يقل: إنَّ الذي قالوا ربُّهم هو ربِّي.
وخفيَ هذا المعنى على فرعونَ ومَن حضره، وتوهَّموا أنَّه يقول: فرعون ربِّي وخالقي ورازقي. فقال لهم فرعون: يا طُلاَّبَ الفساد في مُلكي، و مُريدي الفتنة بيني وبين ابن عمِّي وهو عَضدي!
أنتم المُستحقُّون لعذابي؛ لإرادتكم فسادَ أمري و إهلاكَ ابن عمِّي.
ثمَّ أمر بالأوتاد، فجُعِل في ساق كلِّ واحدٍ منهم وَتَدٌ، وأمر أصحاب أمشاط الحديد فشقُّوا بها لحومهم مِن أبدانهم.
فلذلك ما قال الله تعالى: ( فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا... ) ، به لمَّا وشوا
به إلى فرعون ليُهلكوه، ( ... وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ) (١) ،وهُمُ الذين وَشوا بحزقيل إليه لمَّا أوتد فيهم الأوتاد، ومشَّط عن أبدانهم لحومهم بالأمشاط) (٢) .
* وفي رواية أُخرى:( ( فَوَقَاهُ اللَّهُ... ) ، أي: صرف اللهُ عنه سوءَ مكرهم، فجاء مع موسى (عليه السلام) حتَّى عَبر البحر) (٣) .
* ولكنْ.. هنالك مَن يروي أنَّ مؤمن آل فرعون قد وُفِّق للشهادة، فكان ذلك وقايةً مِن الفتنة.
* قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام):(ولقد قطَّعوه إرْباً إرباً، ولكنْ وقاه الله أنْ يفتنوه في دينه) (٤) .
* وعن البرقي عن أبيه، عن عليّ بن النعمان، عن أيّوب بن الحُرِّ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله:( فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا... ) قال:(أما لقد سَطَوا عليه وقتلوه، ولكنْ.. أتدرونَ ما وقاه؟! وقاه أنْ يفتنوه في دينه) (٥) .
ونمضي مع حزقيل (رضوان الله تعالى عليه)، فنسمع مِن الرواة
____________________
١ - غافر (المؤمن): ٤٥.
٢ - قصص الأنبياء والمرسلين، للسيد نعمة الله الجزائري - الفصل الخامس: ٢٥٨.
٣ - قَصص الأنبياء والمُرسلين، للسيِّد نعمة الله الجزائري - الفصل الخامس: ٢٥٨.
٤ - قَصص الأنبياء، للجزائري: ٢٦٠.
٥ - تفسير نور الثقلين، للشيخ عبد علي بن جمعة الحويزي ٤: ٥٢١ ح ٥٢ عن (المحاسن) للبرقي، و(أُصول الكافي) للشيخ الكليني.
أنََّه كان نجَّاراً، وهو الذي نجر التابوت لأُمِّ موسى حين قذفتْه في البحر. وأنَّه كان خازناً لفرعونَ مئة سنة، وكان مؤمناً مُخلصاً يكتم إيمانه إلى أنْ ظهر موسى (عليه السلام) على السحرة، فأظهر حزقيل يومئذ إيمانه(١) ، فأُخِذ وقُتِل مع السَّحرةِ صَلْباً.
____________________
١ - تُراجَع الآيات مِن ٣٦ - ٤٥ مِن السورة المُسمَّاة بـ (غافر) أو (المؤمن) نسبة إلى مؤمن آل فرعون.
زوجة مؤمن آل فرعون
وأمَّا زوجة حزقيل.. فإنَّها كانت ماشطةَ بنات فرعون، وكانت مؤمنة.. رُوي عن ابن عبّاس أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(لمَّا أُسريَ بي مرَّت بي رائحة ٌ طيِّبة، فقلت لجبرئيل: ما هذه الرائحة؟ فقال: هذه ماشطة آل فرعون وأولادها، كانت تُمشِّطها فوقعت المِشْطة مِن يدها، فقالت: بسم الله، فقالت بنت فرعون: أبي؟ قالت: لا، بلْ ربِّي وربُّكِ وربُ أبيك. فأخبرت فرعون فدعا بها وبوِلْدها، وقال: مَن ربُّك؟ قالت: إنَّ ربِّي وربُّك الله. فأمر بتنُّور مِن نُحاسٍ فأُحمي، فدعا بها وبوِلْدها، فقالت: إنَّ لي إليك حاجة، وهي أنْ تجمع عظامي وعظام ولْدي فتدفنها، فقال: ذلك لكِ، لِمَا لكِ مِن حقٍّ. فأمر بأولادها فألُقوا واحداً واحداً بالتنُّور، حتَّى آخر وِلْدها، وكان صبيَّاً مُرضَعاً، فقال: اصبري يا أُمَّاه، إنَّكِ على الحقِّ! فألُقيت في التنُّور مع وِلْدها) (١) .
____________________
١ - قِصص الأنبياء، للجزائري: ٢٦٠.
آسية بنت مزاحم
وأمَّا امرأة فرعون (آسية).. فكانت مِن بني إسرائيل، وكانت مؤمنة خالصة، وكانت تعبد الله سِرَّاًً إلى أنْ قتل فرعون امرأة حزقيل، فعاينت حينئذ الملائكة يعرجون بروحها، فزادت يقيناً و إخلاصاً.
فبينا هي كذلك.. إذ دخل عليها فرعون يُخبرها بما صنع، فقالت: الويل لك يا فرعون! ما أجرأكَ على الله (جلَّ وعلا) فقال لها: لعلَّكِ اعتراك الجنونُ الذي اعترى صاحبتك؟ فقالت: ما اعتراني جنون، بلْ آمنتُ بالله ربِّي وربِّك وربِّ العالمين.
فدعا فرعون أُمَّها فقال لها: إنَّ ابنتكِ أخذها الجنون. فأُقسم، لَتذوقنَّ الموت أو لتكفرنَّ بأله موسى. فخَلَتْ بها أُمُّها، فسألتْها موافقته في ما أراد، فأبتْ وقالت: أمَّا أنْ أكفر بالله.. فلا. فأمر بها فرعون حتَّى مُدَّت بين أربعة أوتاد، ثمَّ لا زالت تُعذَّب حتَّى ماتت.
* وعن ابن عبّاس، قال: أخذ فرعون امرأته آسية - حين تبيَّن له إسلامُها - يُعذِّبها لتدخل في دينه. فمرَّ بها موسى وهو يُعذِّبها، فشكت إليه بإصبعها، فدعا الله موسى أنْ يُخفِّف عنها، فلم تجد
للعذاب ألماً. وإنَّها ماتت مِن عذاب فرعون، فقالت - وهي في العذاب -:( ... رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ... ) (١) ، وأوحى اللهُ إليها أنْ ارفعي رأسكِ، فرفعت فرأت البيت في الجَنَّة بُنيَ مِن دُرٍّ، فضحكت.
وقيل: إنَّها كانت تُعذَّب بالشمس، وإذا انصرفوا عنها اظلَّتْها الملائكة، وجعلت ترى بيتها في الجَنَّة(٢) .
وأصبحت آسية بنت مُزاحم (رضوان الله تعالى عليها) مثلاً إيمانيَّاً شريفاً في كتاب الله، فنقرأ قول الله تعالى:( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (٣) .
وهكذا اختارت (آسية بنت مزاحم) جوار ربِّها والقُرب منه، على أنْ تكون أنيسة فرعون وعشيقته، وهي ملكة مصر. وآثرتْ بيتاً يبنيه لها ربُّها على بيت فرعون، الذي فيه ممَّا تشتهيه الأنفس وتتمنَّاه القلوب ما تقف دونه الآمال. فقد كانت عزفت نفسها عمَّا هي فيه مِن زينة الحياة الدنيا وهي لها خاضعة، وتعلَّقت بما عند ربِّها مِن الكرامة والزُلْفى، فآمنت بالغيب واستقامت على إيمانها حتَّى قضت.
____________________
١ - التحريم: ١١.
٢ - قَصص الأنبياء، للجزائري: ٢٦٠-٢٦١.
٣ - التحريم:١١.
وهذه المواقف هي التي قدَّمتها إلى أنْ جعلها الله مَثلاً للذين آمنوا.. فقد انتزعت مِن كلِّ ما يلهيها عن ربِّها، فلاذت بربِّها تُريد القُرب منه تعالى، والإقامة في دار كرامته.
على أنَّ الحضور عنده تعالى والقُرب منه كرامة معنويَّة، والاستقرار في الجنَّة كرامة صوريَّة، وسؤالُ الجمع بينهما سؤال الجمع بين الكرامتين.
( ... وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ... ) تبرٍّ منها، وسؤال أنْ يُنجيها الله مِن شخص فرعون، ومِن عمله الذي تدعو ضرورة الصُّحبة والمُعاشرة إلى التلبُّس به.
( ... وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) تبرٍّ آخر، والقوم الظالمون همْ قوم فرعون، وهذا سؤال أنْ يُنجِّيها الله مِن المُجتمع العامِّ، كما أنَّ السؤال السابق كان أنْ يُنجِّيها مِن المُجتمع الخاصِّ(١) .
وأمَّا في الحديث النبوي الشريف.. فمَن تكون آسية بنت مُزاحم؟
* قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(حَسْبُك مِن نساء العالمين مريم بنت عمران، وآسية بنت مُزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمَّد) (٢) .
* وعن ابن عباس، قال: خطَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [ آله ] وسلَّم) في الأرض أربعة
____________________
١ - الميزان في تفسير القرآن، للسيِّد محمّد حسين الطباطبائي١٩: ٣٤٤.
٢ - الاستيعاب، لابن عبد البرِّ ٢: ٧٢٠.
خطوط، وقال:(أتدرون ما هذا؟!) ، قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم):(أفضل نساء أهل الجَنَّة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مُزاحم امرأة فرعون) (١) .
ومِن أولئك الذين رفعوا رأس التاريخ أيضاً:
____________________
٦ - أُسد الغابة، لابن أثير٥: ٤٣٧.
فِتية الكهف
وهذا مُلخَّص قِصَّتهم:
* في (قصص الأنبياء) للراوندي، بإسناده إلى ابن عباس.. إنّ قوماً مِن أحبار اليهود أتَوا عمرَ بن الخطَّاب في عهده، فسألوه أسئلةً فنكس رأسَه، ثمّ قال للإمام عليِّ (عليه السلام): يا أبا الحسن، ما أرى جوابَهم إلاَّ عندك.
فاشترط أمير المؤمنين عليٌّ (عليه السلام) أنْ إذا أخبرهم بما في التوراة دخلوا في الإسلام، فقالوا: نعم.
فأجابهم، وكانوا ثلاثة، فوثب اثنانِ وقالا: أشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمّداً عبده ورسوله. فوقف الحَبْر الآخر وقال: يا عليّ، لقد وقع في قلبي ما وقع في قلوب أصحابي، ولكنْ بقيَت خِصلة أسألك عنها. فقال (عليه السلام):(سَلْ) . قال: أخبرْني عن قومٍ كانوا في أوَّل الزمان فماتوا ثلاثمائةٍ وتسعَ سنين، ثمَّ أحياهمُ الله.. ما كانت قصَّتُهم؟
فابتدأ علي (عليه السلام) وأراد أنْ يقرأ سورة الكهف، فقال الحَبر: ما أكثرَ
ما سمعنا قراءتكم! فإنْ كنت عالماً فأخبِرْنا بقِصَّة هؤلاءِ وبأسمائهم وعددهم، واسم كلبهم واسم كهفهم، واسم مَلِكهم، واسم مدينتهم.
فقال عليٌّ (عليه السلام):(لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العليِّ العظيم! يا أخا اليهود، حدَّثني محمّد صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه كان بأرض الروم مدينة يُقال لها: (أقسوس)، وكان لهم مَلِك صالح فمات مَلِكهم، فاختلفت كلمتهم. فسمع مَلك مِن ملوك فارس يُقال له: (دقيوس)، فأقبل في مئة ألفٍ حتَّى فتح مدينة أقسوس، فاتَّخذها دار مملكته واتَّخذ فيها قصراً... ثمَّ علا على السرير فوضع التاج على رأسه .
فوثب اليهوديّ فقال: مِمَّ كان تاجه؟ قال:(مِن الذهب المُشبَّك، له سبعة أركان، على كلِّ ركن لؤلؤة بيضاء كضوء الصبح في الليلة الظلماء... فلمَّا نظر الملِك إلى ذلك عتا وتجبَّر، فادَّعى الربوبيَّة مِن دون الله، ودعا إلى وجوه قومه.. فكلُّ مَن أطاعه إلى ذلك أعطاه وكساه، وكلُّ مَن لم يُبايعه قتله. فاستجابوا له رأساً، واتَّخذ لهم عيداًفي كلِّ سنةٍ مَرَّة .
فبينا هم ذاتَ يومٍ في عيدٍ لهم، والبطارقة عن يمينه والهراقلة عن يساره.. إذ أتاه بطريق فأخبره أنَّ عساكر الفُرس قد غشيتْه، فاغتمَّ لذلك حتَّى سقط التاج عن ناصيته. فنظر إليه أحد الثلاثة الذين كانوا عن يمينه يُقال له :(تلميخا). وكان له غلاماً، فقال في نفسه: لو كان دقيوس إلهاً - كما يزعم - إذنْ ما كان يغتمُّ ولا يفزع ولا يبول ولا
يتغوَّط، وما كان ينام.. وليس هذا مِن فعل الإله .
وكان الفتية كلَّ يومٍ عند أحدهم، وكانوا ذلك اليوم عند تلميخا، فاتَّخذ لهم مِن طيِّب الطعام، ثمَّ قال لهم: يا إخوتاه، قد وقع في قلبي شيء منعني الطعام والشراب والمنام، قالوا: وما ذاك - يا تلميخا -؟! قال: أطلت فكري في هذه السماء.. فقلت: مَن رفع سقفها محفوظةً بلا عَمَد ولا علاقة مِن فوقها؟ ومَن أجرى فيها شمساً وقمراً آيتانِ مُبصرتان؟! ومَن زيَّنها بالنجوم؟! ثمَّ أطلت الفكرَ في الأرض، فقلتُ: مَن سطَّحها على صميم الماء الزَخَّار؟! وَمن حبسها بالجبال أنْ تَميد على كلِّ شيء؟ وأطلت فكري في نفسي مَن أخرجني جنيناً مِن بطن أُمِّي؟! ومَن غذَّاني ومَن ربَّاني ؟!
إنَّ لها صانعاً مُدبِّرا غير دقيوس المَلِك. وما هو إلاَّ ملِك الملوك وجبَّار السماوات .
فانكبَّت الفتية على رجلَيهِ يُقبِّلونهما، وقالوا: بك هدانا الله مِن الضَلالة إلى الهُدى، فأشِرْ علينا. فوثب تمليخا فباع تمراً مِن حائط له (١) بثلاثة آلاف درهم، وصرَّها في رُدنه، وركبوا خيولهم وخرجوا مِن المدينة .
فلمَّا ساروا ثلاثة أميال قال لهم تمليخا: يا إخوتاه، جاءت مَسكنة الآخرة وذهب مُلْك الدنيا.. انزلوا عن خيولكم وامشوا على
____________________
١ - أي بُستان.
أرجلكم، لعلَّ الله أنْ يجعل لكم مِن أمركم فرَجاً ومَخرجاً. فنزلوا عن خيولهم ومشوا على أرجُلهم سبعة فراسخ في ذلك اليوم، فجعلت أرجلهم تقطر دماً .
فاستقبلهم راعٍ، فقالوا: يا أيُّها الراعي، هلْ شربةِ لبن أو ماء؟ فقال الراعي: عندي ما تُحبُّون، ولكنْ أرى وجوهكم مِن وجوه الملوك، وما أظنُّكم إلاَّ هِراباً مِن دقيانوس المَلك. قالوا: يا أيُّها الراعي، لا يحلُّ لنا الكذب، أفيُنجينا منك الصدق؟ فأخبروه بقصَّتهم، فانكبَّ الراعي على أرجُلهم يُقبِّلها ويقول: يا قوم، لقد وقع في قلبي ما وقع في قلوبكم، ولكنْ أمهلوني حتَّى أردَّ الأغنام على أربابها وألحقَ بكم. فتوقَّفوا له، فردَّ الأغنام وأقبل يسعى يتْبعه الكلب) .
فوثب اليهوديُّ فقال: يا عليّ، ما اسم الكلب وما لونه؟ فقال له عليّ (عليه السلام):(لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العليِّ العظيم.. أمَّا لون الكلب فكان أبلقَ بسواد، وأمَّا اسم الكلب فـ (قطمير) .
فلمَّا نظر الفتية إلى الكلب قال بعضهم: إنَّا نخاف أنْ يفضحنا الكلب بنباحه. فألحُّوا عليه بالحجارة، فأنطق اللهُ الكلبَ وقال: ذروني حتَّى أحرسَكم مِن عدوِّكم .
فلم يَزلْ الراعي يسير بهم، حتَّى علاهم جبلاً فانحطَّ به على كهفٍ يُقال له: (الوصيد)، فإذا بفِناء الكهف عيونٌ وأشجار مُثمرة، فأكلوا مِن الثمر وشربوا مِن الماء، وجنَّهمُ الليل .
فأوحى الله تعالى إلى مَلَك الموت بقبض أرواحهم، ووكَّلَ اللهُ بكلِّ رجلٍ مَلَكينِ يُقلِّبانهِ مِن ذات اليمن إلى ذات الشمال، وأوحى الله إلى خُزَّان الشمس، فكانت تَزاوَرُ كهفهم ذات اليمين وتقرضهم ذات الشمال .
فلمَّا رجع دقيوس مِن عيده سأل عن الفتية، فأُخبر أنَّهم خرجوا هرَباً، فركب.. فلم يزل يقفو أثرهم حتَّى علا فانحطَّ إلى كهفهم. فلمَّا نظر إليهم فإذا هم نيام، فقال المَلك: لو أردت أنْ أُعاقبهم بشيءٍ لَما عاقبتهم بأكثر ممَّا عاقبوا أنفسهم، ولكنِ ائتوني بالبنَّائين. فسدَّ باب الكهف بالكِلْس والحجارة، وقال لأصحابه: قولوا لهم: يقولوا لإلهِهم في السماء: لِيُنجّيَهم، وأنْ يُخرجهم مِن هذا الموضع) .
قال عليٌّ (عليه السلام):(يا أخا اليهود، فمكثوا ثلاثمئة وتسعَ سنين، فلمَّا أنْ أراد الله أنْ يُحيِيهم أمر إسرافيلَ أنْ ينفخ فيهمُ الروح، فنفخ، فقاموا مِن رقدتهم...
فأقبل تمليخا (مِن السوق) حتَّى دخل الكهف، فلمَّا نظروا إليه اعتنقوه وقالوا: الحمد لله الذي نجَّانا مِن دقيوس، قال تمليخا: دعوني عنكم وعن دقيوسكم، كمْ لبثتم؟! قالوا: لبثْنا يوماً أو بعض يوم، قال تمليخا: بلْ لبثتم ثلاثمئة وتسع سنين، وقد مات دقيوس وقرن بعد قرن، وبعث الله نبيَّاً يقال له: (المسيح عيسى بنُ مريم) ورفعه الله إليه ..
قالوا: يا تمليخا، أتُريد أنْ تجعلنا فتنةً للعالمين؟! قال تمليخا: فما تُريدون؟ قالوا: ادعُ الله (جلّ ذِكْرهُ) وندعو معك حتَّى يقبضَ أرواحنا. فرفعوا أيديَهم، فأمر الله تعالى بقبض أرواحهم، وطمس اللهُ باب الكهف على الناس...) .
ثمّ قال الإمام عليّ (عليه السلام):(يا يهوديّ، أيوافق هذا ما في توراتِكم؟! قال: ما زدتَ حرفاً ولا نقصت، وأنا أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله) (١) .
هذه قصَّة أصحاب الكهف، الذين وضعونا أمام عِدَّة دروس،
منها: أنَّ أرض الله واسعة، فإنْ امتنع على أحد أنْ يعبد الله في ناحية مِن الأرض، فسَتسَعُه لعبادة الله أرض أُخرى. وقد قال تعالى - في مُحكَم تنزيله الكريم -:( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الملاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً ) (٢) ، وقال عزَّ مِن قائل:( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِِ ) (٣) .
والمعنى: اعبُدوني وحدي ولا تعبدُوا غيري، فإنْ لم يُمْكِنْكُم
____________________
١ - قَصص الأنبياء، للجزائري (باب في قِصَّة أصحاب الكهف والرقيم) مُختصراً: ٤٤١ - ٤٤٦. وهنالك بحث مُفصَّل حول هذه القصَّة مدعوم بوثائق أثريَّة (جغرافيَّة وتاريخيَّة) تجده في تفسير الميزان ١٣: ٢٧٨-٢٩٩.
٢ - النساء: ٩٧.
٣ - العنكبوت: ٥٦.
عبادتي في مكانٍ مِن الأرض، فهاجروا إلى غيرها واعبدوني فيها وحدي.
ومنها: أنَّ الإيمان فتوَّة وحيويَّة. فقد جاء عن سليمان بن جعفر الهمدانيّ أنَّه قال: قال لي جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام):(يا سليمان، مَنِ الفتى؟!) ، فقلت له: جُعلت فِداك، الفتى عندنا الشابُّ. قال لي:(أما علمتَ أنَّ أصحاب الكهف كانوا كُهولاً فسمَّاهم الله فتيةً بإيمانهم؟! يا سليمان، مَن آمنَ بالله واتَّقى فهو الفتى) (١) .
ومنها: أنَّ لكِتمان الإيمان في حال التقيَّة ثوابَه، كما للإيمان ثوابه.
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال:(إنَّ أصحابَ الكهف أسرُّوا الإيمانَ وأظهروا الكفر.. فآجَرَهمُ اللهُ مرَّتين) (٢) .
ومِن هنا كان أبو طالب (رضي الله عنه) قد حظي بمنزلةٍ عاليةٍ عند الله، وعند رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، حتَّى روى اليعقوبيُّ قائلاً: لمَّا قيل لرسول الله: إنَّ أبا طالب قد مات.. عظُم ذلك في قلبه واشتدَّ له جزعه، ثمَّ دخل فمسح جبينَه الأيمن أربع مرَّات، وجبينه الأيسر ثلاثَ مرَّات، ثمّ قال:(ياعمُّ، ربَّيت صغيراً، كفلتَ يتيماً، ونصرتَ كبيراً، فجزاك اللهُ عنِّي خيراً) . ومشى بين يدي سريره، وجعل يعرضه ويقول:(وصلتْك
____________________
١ - تفسير العيَّاشيّ - سورة الكهف / آية ١٠.
٢ - تفسير العيَّاشيّ - سورة الكهف / آية ١٠.
رَحِمٌ وجُزيتَ خيراً) (١) .
أجل.. فقد كان أبو طالب (رحمه الله) مؤمناً يكتم إيمانه على كفَّار قريش؛ مخافةً على بني هاشم أنْ تنبذهم قريش.
* عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال:(إنَّ مَثَل أبي طالب مَثَلُ أصحاب الكهف، أسرُّوا الإيمان و أظهروا الشرك، فآتاهم اللهُ أجرهم مرَّتين) (٢) .
* وعن عبد الرحمان بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام):(أتى جبرائيل في بعض ما كان عليه، فقال: يا محمّد، إنَّ ربَّك يُقرئك السلام ويقول لك: إنَّ أصحاب الكهف أسرُّوا الإيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرَّتين، وإنَّ أبا طالب أسرَّ الإيمان وأظهر الشرك، فآتاه اللهُ أجره مرَّتين.. وما خرج مِن الدنيا حتَّى أتتْه البشارةُ مِن الله تعالى بالجَنَّة.. وقد نزل جبرائيلُ ليلة مات أبو طالبٍ فقال: يا محمّد، أخرجْ مِن مَكَّة، فمالك بها ناصر بعد أبي طالب) (٣) .
____________________
١ - تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٦، ويُراجَع في ذلك وغيره: دلائل النبوَّة، للبيهقي. وتاريخ بغداد، للخطيب البغدادي ١٣: ١٩٦. ويُراجَع ابن كثير ٣: ١٢٥. وتذكرة خواصِّ الأُمَّة، لسبط ابن الجوزي: ٦.. وغيرها كثير.
٢ - أمالي الصدوق: ٣٦، وروضة الواعظين، لابن فتَّال النيسابوري: ١٢١.
٣ - ضياء العالمين، للفتوني. وتفسير أبي الفتوح الرازي٤: ٢١٢. وبحار الأنوار، للعلاَّمة المجلسي١٩: ١٤.. وغيرها مِن المصادر ذكرها العلاَّمة الأميني في أثره المُبارَك (الغدير)٧: ٣٩٠.
سلمان المحمَّدي
وأمَّا في صدر الإسلام.. فشخصيَّة (سلمان الفارسيّ - المحمّدي -) تأتي في طليعة الباحثين عن الحقيقة، والمُقتفين آثارَ النبوَّة عِبر مئات السنين، في رحلةٍ شاقَّةٍ هرب فيها مِن أجواء الشرك. دعونا نقرأ قصَّة سلمان وهو يحكيها لعبد الله بن عبّاس، قائلاً له:
كنت رجلاً مِن أهل أصفهان مِن قريةٍ يُقال لها: (جي)، وكان أبي دهقان قومه(١) ، وكان يُحبُّني حُبَّاً شديداً.. يحبسني في البيت كما تُحبس الجارية. وكنت صبيَّاً لا أعلم مِن أمر الناس إلاَّ ما أرى مِن المجوسيَّة، حتَّى إنَّ أبي بنى بُنياناً وكان ضيعة، فقال: يا بُنيّ، شغلني مِن اطِّلاع الضيعة ما ترى، فانطلقْ إليها ومُرْهم بكذا وكذا، ولا تحبس عنِّي(٢) .
فخرجت أُريد الضيعة، فمررت بكنيسة النصارى فسمعتُ
____________________
١ - الدِّهقان: رئيس القرية، ورئيس الإقليم، ومَن له مال وعقار، والتاجر، ومَن كان قويَّاً على التصرُّف مع شِدَّة خُبرة.
٢ - في نسخة أُخرى: ولا تحتبسْ عنِّي.
أصواتَهم، فقلت: ما هذا؟! قالوا: هؤلاء النصارى يُصلُّون، فدخلتُ أنظر، فأعجبني ما رأيت مِن حالهم. فو الله، ما زلت جالساً عندهم حتَّى غربت الشمس، وبعث أبي في طلبي في كلِّ وجه، حتَّى جئتُه حين أمسيت ولم أذهب إلى ضيعته. فقال أبي: أين كنت؟ قلت: مررت بالنصارى فأعجبني صلاتُهم ودعاؤهم. فقال: أيْ بُنيّ، إنَّ دين آبائك خير مِن دينهم، فقلت: لا والله، ما هذا بخير مِن دينهم، هؤلاءِ قوم يعبدون اللهَ ويَدْعونه ويصلُّون له، وأنت إنِّما تعبد ناراً أوقدتَها بيدك، إذا تركتَها ماتت.
فجعل في رُجلي حديداً وحبسني في بيتٍ عنده، فبعثتُ إلى النصارى فقلت: أين أصْل هذا الدين؟ قالوا: بالشام، قلت: إذا قدِم عليكم مِن هناك ناس فأْذنوني، قالوا: نفعل. فبعثوا بعدُ أنَّه قَدِم تُجَّار، فبعثتُ إذا قضَوا حوائجهم وأرادوا الخروج فأْذنوني به. قالوا: نفعل.
ثمَّ بعثوا إليَّ بذلك، فطرحتُ الحديدَ مِن رُجْلي وانطلقتُ معهم، فلمَّا قدِمتُ إلى الشام قلت: مَن أفضل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف صاحب الكنيسة. فجئت فقلت: إنِّي أحببتُ أنْ أكون معك وأتعلَّمَ منك الخير. قال: فكنْ معي. فكنت معه.. وكان رجل سوء، يأمرهم بالصدقة، فإذا جمعوها اكتنزها ولم يُعطها المساكين منها ولا بعضها. فلم يلبث أنْ مات، فلمَّا جاؤوا أنْ يدفنوه قلتُ: هذا رجل سوء!
ونبَّهتُهم على كنزه، فأخرجوا سبع قِلال مملوَّة ذهباً، فصلبوه على خشبة ورمَوه بالحجارة، وجاءوا برجلٍ آخر فجعلوه مكانه.
فلا والله - يا ابن عبّاس - ما رأيت رجلاً قطُّ أفضلَ منه، وأزهدَ في الدنيا، وأشدَّ اجتهاداً منه، فلم أزلْ معه حتَّى حضرتْه الوفاة، وكنت أُحبُّه، فقلت: يا فلان، قد حضرك ما ترى مِن أمر الله، فإلى مَن تُوصي بي؟ قال: أيْ بُنيّ، ما أعلم إلاَّ رجلاً بالموصل، فأْتِه فإنَّك ستجده على مثْل حالي. فلمَّا مات وغُيِّب.. لحقت بالموصل، فأتيته فوجدته على مثل حاله مِن الاجتهاد والزُّهادة، فقلت له: إنَّ فلاناً أوصى بي إليك، فقال: يا بنيّ، كُنْ معي. فأقمتُ عنده حتَّى حضرتْه الوفاة، قلت: إلى مَن توصي بي؟ قال: ما أعلم إلاَّ رجلاً بـ (عَمُّوريَّة) مِن أرض الروم، فأتهِ فإنَّك ستجده على مثل ما كنَّا عليه. فلمَّا واريتُه خرجت إلى (عَمُّوريَّة) فأقمت عنده فوجدته على مثل حالهم، واكتسبتُ غُنيمةً وبقرات، إلى أنْ حضرته الوفاة، فقلت: إلى مَن توصي بي؟ قال: لا أعلم أحداً على مثل ما كنَّا عليه، ولكنْ قد أظلَّك زمانُ نبيٍّ يُبعَث مِن الحرم، مَهاجره بين حرَّتين إلى أرضٍ ذات سبخة ذات نخل، وإنَّ فيه علاماتٍ لا تخفى: بين كتفَيهِ
خاتَم النبوُّة، يأكل الهديَّة، ولا يأكل الصدقة، فإنْ استطعت أنْ تمضيَ إلى تلك البلاد فافعل.
فلمَّا واريناه أقمت حتَّى مرَّ رجال مِن تُجَّار العرب مِن كلب، فقلت لهم: تحملوني معكم حتَّى تُقدِّموني أرضَ العرب وأُعطيكم غُنيمتي هذه وبقراتي؟ قالوا: نعم. فأعطيتهم إيَّاها، وحملوني، حتَّى إذا جاءوا بي وادي القُرى ظلموني وباعوني عبداً مِن رجلٍ يهوديٍّ. فواللهِ، لقد رأيت النخل وطمعت أنْ يكون البلدَ الذي نعتَ لي فيه صاحبي. حتَّى قَدِم رجل مِن بني قريظة مِن يهود وادي القُرى، فابتاعني مِن صاحبيَ الذي كنت عنده، فخرج حتَّى قَدِم بيَ المدينة. فوالله، ما هو إلاَّ أنْ رأيتها وعرفت نعتها، فأقمت مع صاحبي، وبعث اللهُ رسولَه بمَكَّة لا يُذكَر لي شيء مِن أمره، مع ما أنا فيه مِن الرِقِّ.
حتَّى قَدِم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (قِبا)، وأنا أعمل لصاحبي في نخلٍ له. فوالله، إنِّي لكذلك.. إذ جاء ابن عمٍّ له فقال: قاتل الله بني قيلة(١) . والله، إنَّهم لفي (قِبا) يجتمعون على رجلٍ مِن مَكَّة يزعمون أنَّه نبيٌّ. فواللهِ، ما هو إلاَّ قد سمعتها فأخذتْني الرعدة حتَّى ظننتُ لأسقطنَّ على صاحبي، ونزلتُ أقول: ما هذا الخبر؟! ما هو؟! فرفع مولاي يدَه فلكَمني، فقال: مالك ولهذا؟ أقبِل على عملك.
فلمَّا أمسيت.. وكان عندي شيء مِن طعام، فحملته وذهبتُ إلى
____________________
١ - قيلة: أُمُّ الأوس والخزرج.
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بـ (قِبا) فقلت: بلغني أنَّك رجل صالح، وأنَّ معك أصحاباً، وكان عندي شيءٌ مِن الصدقة فها هو ذا، فكُلْ منه. فأمسك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لأصحابه:(كُلوا) . ولم يأكل، فقلت في نفسي: هذه خِلَّة ممَّا وصف لي صاحبي، ثمَّ رجعت وتحوَّل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، فجمعت شيئاًً كان عندي، ثمَّ جئتهُ به فقلت: إنِّي قد رأيتك لا تأكل مِن الصدقة، وهذه هديَّة وكرامة ليست مِن الصدقة. فأكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأكل أصحابه، فقلت: هاتان خِلَّتان. ثمَّ جئتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتْبع جَنازة وعليه شَملتان، وهو في أصحابه، فاستدرت به لأنظر إلى الخاتم في ظهره، فلمَّا رآني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استدبرته عرفَ أنِّي أستثبت شيئاً قد وُصِف لي، فرفع رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتَم بين كَتْفَيهِ كما وصف لي صاحبي، فأكببتُ عليه أُقبِّله وأبكي. فقال: تحوَّلْ يا سلمان هنا. فتحوَّلت وجلست بين يديه، وأحبَّ أنْ يُسمع أصحابُه حديثي عنه، فحدَّثته - يا ابن عبَّاس - كما حدَّثتك..(١) .
ثمَّ كاتبه النبيُّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وكان الرقُّ قد حبس سلمانَ حتَّى فاته مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بدرٌ وأُحد، ثمَّ إذا عُتق لم يفتْه معه مشهد مِن الخندق (معركة الأحزاب) فما بعدها.
وانطلق سلمان (رضي الله عنه) يدعو إلى الإسلام ويُجاهد دونه، ويروي عن
____________________
١ - بحار الأنوار ٢٢: ٣٦٢-٣٦٥، عن قَصص الأنبياء للراوندي.
المُصطفى الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ويُبيّن حقائق الدين ومعالمَه. وقد مَثَّل الإنسانَ الباحث عن الحقيقة، والرجلَ الذي شدَّ ركائبه إلى الله تعالى في رحلةٍ روحيَّة، امتدَّت مِن صباه حتَّى كُهولته وحتَّى وفاته.
وكانت عيناه تبحث عن معالم الحقِّ، وكان قلبه يهفو إلى أنوار اليقين، وكانت قدماه في سفرٍ نحو موطن الهُدى، حتَّى التقى بالمُصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.. فآمن به، ولم يؤمن على عَمى، بلْ تقصَّى الأخبار، واقتفى الآثار، وتحقَّق في الأُمور، فإذا تيقَّن انكبَّ على عَتبة الإيمان يتلو: أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمّداً عبده ورسوله. شهادةً انطلقت مِن أعماق عقله ووسط قلبه، ومِن كلِّ ضميره.
فواكب الرسالة حتَّى انغمر فيها، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتَّى أُشرِب مودَّته ومودَّة قُرباه، وتثبَّت على الولاية حتَّى عُدَّ مِن أركان الإسلام مع أبي ذَرٍّ والمُقداد وعمَّار. ولم يخرج مِن الدنيا إلاَّ بسيرة محمودة تتمثَّلها الأجيال إعجاباً واقتداءً، وهو الذي قال فيه نبيُّنا الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم:(سلمانُ مِنَّا أهل البيت) (١) .
____________________
١ - بحار الأنوار ٢٢: ٣٢٦ عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام) للشيخ الصدوق. والاحتجاج، لأبي منصور الطبرسيّ: ٢٦٠.
السيّد الحِمْيَريّ
والمثال الآخر مِن أمثلة الموفَّقين إلى معرفة الحقِّ، وتمييزه عن الضَّلال والباطل.. الشاعر السيِّد الحِمْيريّ.
تعالوا - أخوتَنا الأفاضل - نتعرَّف عليه.
هو إسماعيل بن محمّد بن يزيد الحميريّ، يُكنَّى بـ (أبي هاشم وأبي عامر)، ويُلقَّب مُنذ صِغَر سِنِّه بـ (السيِّد (. قال الكشِّي في رجاله: رُوي أنَّ أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) لقي السيِّد الحميريّ فقال له:(سمَّتْك أُمُّك سيِّداً، وُفِّقت في ذلك، وأنت سيِّد الشعراء) (١) .
وُلِد بـ (عُمان) سنة ١٠٥ هـ، ونشأ بالبصرة، وقد نظم فأكثر. ذكر ابن المُعتزِّ في (طبقات الشعراء) أنَّه رُؤي حمَّالٌ في بغداد مُثقَل، فسُئل عن حمله فقال: ميميَّات السيِّد. وللسيِّد الحميريّ مُناظرات ومُحاججات مع القاضي سوار وغيره. وكان إذا جلس في مجلس لا يدع أحداً يتكلَّم إلاَّ بفضائل آل بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. فكان يوماً في مجلسٍ خاضَ فيه الناس في ذِكر النخل والزرع، فغضب السيِّد
____________________
١ - رجال الكشِّيّ: ١٨٦.
وقام، فقيل له: مِمَّ القيام يا أبا هاشم؟! فأنشد يقول:
إنِّي لأكره أن أُطيلَ بمجلسٍ لا ذِكْر فيه لآل بيتِ محمّدِ
لا ذِكْرَ فيه لأحمدٍ ووصيِّهِ وبنيهِ ذلك مجلس قَصِفٌ ردي
إنَّ الذي ينساهمُ في مجلسٍ حتَّى يُفارقَه لَغيرُ مُسَدَّدِ
ذكره ابن شهر آشوب في شعراء أهل البيت المُجاهرين. وقد استنفذ شعره في مدحهم، ولم يترك منقبةً لأمير المؤمنين عليّ (صلوات الله عليه) إلاَّ نظم فيها شعراً(١) .
وذكر له العلاَّمة الأمينيّ في (الغدير)(٢) عشر غديريَّات رائعة، امتازت إحداهنَّ بتوفيقٍ خاصٍّ، وهي عينيَّته التي يقول فيها:
لأُمِّ عَمْرٍ باللّوى مَربعُ طامسةٌ أعلامَها بَلقعُ
تروع عنها الطيرُ وحشيَّةً والوحش مِن خيفته تفزعُ
لمَّا وقفتُ العِيسَ في رسمها والعينُ مِن عرفانها تدمعُ
ذكرتُ مَن قد كنتُ ألهو بهِ فبتُّ والقلبُ شَجٌ مُوجَعُ
كأنَّ بالنارِ لِما شفَّني مِن حُبِّ (أروى) كبِدي لُدَّعُ
عجِبتُ مِن قومٍ أتوا أحمداً بخُطَّةٍ ليس لها موضعُ
قالوا له لو شِئتَ أخبرتَنا إلى مَن الغايةُ والمَفزعُ
إذا تُوفِّيتَ وفارقْتَنا وفيهمُ في المُلْك مَن يطمعُ
____________________
١ - يُراجع أدب الطفِّ أو شعراء الحسين (عليه السلام) للسيِّد جواد شُبَّر ١: ٢٠٠- ٢٠٧.
٢ - يُراجع الجزء الثاني منه ص ٢١٣-٢٧٨.
فقال لو أعلمتُكم مَفْزَعاً كنتم عَسيتُم فيه أنْ تصنعوا
صنيعَ أهلِ العِجْلِ إذْ فارقوا هارونَ.. فالتَّركُ له أوسعُ
وفي الذي قال بيانٌ لِمَن كان إذا يَعقلُ أو يسمعُ
ثمَّ أتتْه بعدَ ذا عَزْمةٌ مِن ربِّهِ ليس لها مَدفعُ
بلِّغْ.. وإلاَّ لم تكن مُبْلِغاً واللهُ منهم عاصمٌ يمنعُ
فعندها قام النبيُّ الذي كان بما يُؤمرْ به يَصدعُ
يَخطب مأموراً وفي كَفِّهِ كَفُّ عليٍّ ضاهرٌ تلمعُ
رافعُها أكرِمْ بكفِّ الذي يرفعُ والكفِّ التي تُرفَعُ
يقول والأملاكُ مِن حولهِ واللهُ فيهم شاهدٌ يسمعُ
مَن كنتُ مولاهُ فهذا لَهُ مولىً.. فلم يرضَوا ولم يقنعوا
فاتَّهمُوهُ وحنَتْ فيهمُ على خلاف الصادقِ الأضلُعُ
وضلَّ قومٌ غاضهم فعلُه كأنَّما آنافُهم تُجدعُ
حتَّى إذا وارَوه في لحدِهِ وانصرفوا عن دفنِه.. ضيَّعوا
ما قال بالأمس وأوصى بهِ واشترَوُا الضُرَّ بما يَنفعُ
قال العلاَّمة المجلسي(١) : وجدتُ في بعض تأليفات أصحابنا أنَّه رُوي بإسنادٍ عن سهل بن ذبيان، قال: دخلتُ على الإمام عليِّ بن موسى الرضا (عليه السلام) في بعض الأيَّام، قبل أنْ يدخل عليه أحدٌ مِن الناس، فقال لي:(مرحباً يا ابن ذبيان.. الساعةَ أراد رسولُنا أنْ يأتيَك
____________________
٤ - في بحار الأنوار ٤٧: ٣٢٨.
لتحضر عندنا) . فقلت: لماذا - يا ابنَ رسول الله -؟! فقال:(لمَنامٍ رأيته البارحة..) ، فقلت: خيراً يكون إنْ شاء الله تعالى. فقال:(يا ابن ذبيان، رأيت كأنِّي قد نُصب لي سُلَّم فيه مئة مِرقاة، فصعدتُ إلى أعلاه) . فقلتُ: يا مولاي، أُهنِّيك بطول العمر، وربَّما تعيش مئة سنة.. فقال لي (عليه السلام):(ما شاء الله كان - ثمّ قال: -يا ابن ذبيان، فلمَّا صعدت إلى أعلى السُّلَّم رأيت كأنِّي دخلتُ في قُبَّة خضراء، يُرى ظاهرُها مِن باطنها، ورأيت جَدِّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالساً وإلى يمينه وشماله غلامان حَسَنان يُشرق النور مِن وجوههما، ورأيت امرأةً بهيَّة الخُلْقة، ورأيت بين يديه شخصاً بهيَّ الخُلقة جالساً عنده، ورأيت رجلاً واقفاً بين يديه وهو يقرأ هذه القصيدة :
لأُمّ عَمْرٍ باللوى مَربعُ =
فلمَّا رآني النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال لي: مرحباً بك - يا ولدي - يا عليّ بن موسى الرضا، سَلِّمْ على أبيك عليٍّ. فسلَّمتُ عليه، ثمَّ قال لي: سلِّمْ على أُمِّك فاطمة الزهراء (عليها السلام). فسلّمتُ عليها. فقال لي: وسلِّمْ على أبويك الحسن والحسين. فسلَّمتُ عليهما، ثمَّ قال لي: وسَلِّمْ على شاعرنا ومادحنا في دار الدنيا، السيِّد إسماعيل الحميريّ. فسلَمتُ عليه وجلست، فالتفت النبيُّ إلى السيِّد إسماعيل وقال له: عُدْ إلى ما كنَّا فيه مِن إنشاد القصيدة. فأنشأ يقول :
لأم عَمْرٍ باللوى مربعُ طامسةٌ أعلامها بَلقعُ
فبكى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فلمَّا بلغ إلى قوله :
(ووجههُ كالشمس إذ تطلعُ)
بكى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وفاطمة (عليها السلام) ومَن معه، ولمَّا بلغ إلى قوله: قالوا له :
لو شئتَ أعلمتنا = إلى مَن الغايةُ والمفزعُ
رفع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يدَيه، وقال: إلهي، أنت الشاهدُ علَيَّ وعليهم أنِّي أعلمتُهم أنَّ الغايةَ والمفزع عليُّ بن أبي طالب. و أشار بيده إليه وهو جالس بين يديه صلوات الله عليه) .
قال عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام):(فلمَّا فرغ السيِّد إسماعيل الحميريّ مِن إنشاد القصيدة التفتَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إليَّ وقال لي: يا عليّ بن موسى، احفظْ هذه القصيدة ومُرْ شيعتنا بحفظها، وأعلمْهُم أنَّ مَن حفظها وأدمن قراءتَها ضمِنتُ له الجنَّةَ على الله تعالى) .
قال الرضا (عليه السلام):(ولم يزل يُكرِّرها عليَّ حتَّى حفظتُها منه) .
والآن.. كيف بلغ السيِّد إسماعيل الحميريّ كلَّ هذا التوفيق؟ ومِن أين انطلق؟ وكيف بدأ؟ وإلى أين انتهى؟
لقد كانت حياة السيِّد الحميري رحلةً عقائديَّة تُرى عليها مسحة التوفيق بوضوح.. ذلك أنَّ أبوي السيِّد كانا أباضيَّين، وكان السيِّد يقول في غرفتهما: طالما سُبَّ أمير المؤمنين في هذه الغرفة. فإذا سُئل عن التشيُّع: أين وقع له؟ قال: غاصت علَيَّ الرحمةُ غوصاً.
أجل.. كان أبواه ناصبيَّين يسبُّان الإمامَ عليَّاً (عليه السلام)، فلمَّا عَلِما بمذهب ابنهما إسماعيل همَّا بقتله، فأتى عقبة بن مسلم الهنائي فأخبره بذلك، فأجاره وبوَّأه منزلاً وهبه له، فكان فيه حتَّى ماتا فورثهما(١) .
وروى إسماعيل بن الساحر أنّه قال: كنت أتغدَّى مع السيِّد إسماعيل في منزله، فقال لي: طالما - والله - ما شُتِم أمير المؤمنين (عليه السلام) ولُعن في هذا البيت. قلت: ومَن فعل ذلك؟! قال: أبواي، كانا أباضيِّين. قلت: وكيف صرت شيعيَّاً؟! قال: غاصت عليَّ الرحمةُ فاستنقذَتْني.
وعن أبي حودان قال: شكا إليَّ السيِّد أنَّ أُمَّه كانت توقظه بالليل وتقول له: أنِّي أخاف أنْ تموت على مذهبك فتدخل النار، فقد لهجتَ بعليٍّ ووِلْدِه، فلا دنيا ولا آخرة! ولقد نغَّصتْ علَيَّ مطعمي ومشربي، وقد تركت الدخول إليها(٢) .
وعن محمّد بن زكريَّا العلائيّ، قال: حدَّثتْني (العبّاسةُ) بنت السيّد الحميريّ قالت: قال لي أبي: كنتُ - وأنا صبيّ - أسمع أبوَيَّ يَثْلبانِ أميرَ المؤمنين (عليه السلام)، فأخرج عنهما وأبقى جائعاً، وأُوثر ذلك
____________________
١ - الأغاني، لأبي الفرج ألإصبهانيّ٧: ٢٣٠.
٢ - أخبار شُعراء الشيعة، للمرزبانيّ:١٥٣- ١٥٤، وكذلك مُعجم الشعراء للمرزبانيّ.
على الرجوع إليهما، فأبيت في المساجد جائعاً لحُبِّي لفراقهما وبُغضي إيَّاهما، حتَّى إذا أجهدني الجوع رجعت فأكلت ثمّ خرجت.. فلمَّا كبرتُ قليلاً وعقلت وبدأت أقول الشعر، قلت لأبويَّ: إنَّ لي عليكما حقَّاً يصغر عند حقِّكما علَيّ، فجنِّباني إذا حضرتُكما ذكْرَ أمير المؤمنين (عليه السلام) بسوء، فإنَّ ذلك يُزعجني وأكره عقوقكما بمُقابلتكما. فتماديا في غيِّهما، فانتقلتُ عنهما، وكتبتُ إليهما شعراً. فتواعدني (أبي) بالقتل، فأتيت الأمير عقبة بن مسلم فأخبرته خبري فقال لي: لا تقْربهما. وأعدَّ لي منزلاً أمرَ لي فيه بما أحتاج إليه، وأجرى عليّ جرايةً تَفْضل على مؤونتي(١) .
وفي (الخرائج والجرائح)(٢) .. رُوي أنَّ الباقر (عليه السلام) دعا للكميت، لمَّا أراد أعداءُ آل محمّدٍ أخْدَه وإهلاكه، وكان مُتوارياً.. فخرج في ظلمة الليل هارباً، وقد أقعدوا على كلِّ طريق جماعةً؛ ليأخذوه إذا ما خرج في خيفة. فلمَّا وصل الكميت إلى الفضاء وأراد أنْ يسلك طريقاً، جاء أسدٌ فمنعه مِن أنْ يسريَ منها، فسلك جانباً آخَرَ فمنعه منه أيضاً.. وكأنَّه أشار إلى الكميت أنْ يسلك خلْفَه، ومضى الأسد في جانب الكميت إلى أنْ أمِنَ وتخلَّص مِن الأعداء. وكذلك كان حال السيِّد الحميريّ.. دعا له الصادق (عليه السلام) لمَّا هرب مِن أبويه
____________________
١ - أخبار شُعراء الشيعة، للمرزبانيّ:١٥٣- ١٥٤، وكذلك مُعجم الشعراء للمرزبانيّ.
٢ - لقطب الدين الراونديّ:٢٦٤.
، وقد حرَّشا السلطان عليه، لنصبهما، فدلَّه سَبُعٌ على طريقٍ ونجا منهما.
هكذا نجا السيِّد الحميريّ (رحمه الله) مِن ضلال أبويه وإضلالهما، فعانى ممَّا كانا يوصلانِ إلى سمعه مِن سبِّ أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) بعد صلاة الفجر، وخلال النهار إلى آخر الليل. ثمَّ نجا مِن كيدهما، وقد أغريا السلطان الجائر بقتله بعد أنْ نغَّصا عليه مطعمه ومشربه ومنامه ومسكنه.
ولكنْ.. بعد هذا كلِّه، كاد أنْ يسقط في امتحان آخر، إذ خُدِع بفكرة الفرقة الكيسانيَّة، التي اعتقدت بإمامة محمّد بن الحنفيَّة بعد شهادة الأمام الحسين (عليه السلام)، ثمَّ قالت بغيبته بعد وفاته. وهنا تعود الرحمة على السيِّد الحميريّ لتغوص في إنقاذه.. دعونا نستمع إليه وهو يروي قِصَّته الثانية:
كنت أقول بالغلوِّ، واعتقد غيبةَ محمّد بن الحنفيّة (رضي الله عنه). قد ضللتُ في ذلك زماناً، فمَنَّ الله علَيَّ بالصادق جعفر بن محمّدٍ (عليه السلام) وأنقذني به مِن النار، وهداني إلى سواء الصراط. فسألته - بعد ما صَحَّ عندي بالدلائل التي شاهدتها منه، أنَّه حُجَّة الله علَيَّ وعلى جميع أهل زمانه، وأنَّه الإمامُ الذي فرض اللهُ طاعتَه وأوجب الاقتداءَ به -..
فقلت له: يا ابن رسول الله، قد رُوي لنا أخبارٌ عن آبائك (عليهم السلام) في الغَيبة وصحَّة كونها، فأخبرْني بمَن تقع؟ فقال (عليه السلام):(ستقع بالسادس
مِن ولْدي، وهو الثاني عشر مِن الأئمَّة الهُداة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. أوَّلُهم أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب، وآخرُهمُ القائمُ بالحقِّ، بقيَّة الله في الأرض، وصاحب الزمان. واللهِ، لو بقي في غيبته ما بقي نوحٌ في قومه، لم يخرج مِن الدنيا حتَّى يظهر، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً) .
قال السيِّد: فلمَّا سمعتُ ذلك مِن مولاي الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام) تُبْتُ إلى الله (تعالى ذِكْرُه) على يديه، وقلتُ قصيدةً أوَّلُها:
فلمَّا رأيت الناس في الدين قد غووا تجعفرتُ باسم الله فيمَن تَجعفروا
تجعفرتُ باسمِ الله واللهُ أكبرُ وأيقنت أنَّ الله يعفو ويغفرُ
ودِنتُ بدينٍ غير ما كنتُ دَيِّناً به ونهاني واحدُ الناسِ جعفرُ
... وقلت بعد ذلك:
أيا راكباً نحو المدينة جَسرَةً عَذافرةً يُطوى بها كلُّ سَبسَبِ(١)
وفي رواية أُخرى عن داود الرقِّيّ أنَّ السيّد الحميريّ بلغه أنَّه ذُكِرَ عند الصادق (عليه السلام) فقال:(السيّد كافر) . فأتاه السيِّد وقال له: يا سيّدي، أنا كافرٌ مع شِدَّة حُبِّي لكم ومُعاداتي الناسَ فيكم؟! قال:(وما ينفعك
____________________
١ - كمال الدين وتمام النعمة، للشيخ الصدوق١: ١١٢- ١١٥.
ذاك وأنت كافر بحُجَّة الدهر والزمان؟!) .
ثمَّ أخذ الصادق (عليه السلام) بيد السيِّد بيتاً.. فإذا في البيت قبر، فصلَّى (عليه السلام) ركعتين ثمَّ ضرب بيده على القبر فصار القبر قطَعاً، فخرج شخص مِن قبره ينفض الترابَ عن رأسه ولحيته. فقال له الصادق (عليه السلام):(مَن أنت؟) ، قال: أنا محمّد بن عليّ المُسمّى بابن الحنفيَّة. فقال:(فمَن أنا؟) ، قال: جعفر بن محمّد، حُجَّة الدهر والزمان. فخرج السيِّد يقول:
تجعفرتُ باسم اللهِ فيمَن تجعفروا...(١) .
ويُختَم للسيِّد الحميريّ بخير.. فقد حدَّث أبو الحسن بن أيُّوب المروزيّ، قال: رُوي أنَّ السيِّد الشاعر أسودَّ وجهُه عند الموت، فقال: أهكذا يُفعَل بأوليائكم يا أمير المؤمنين؟! فابيضَّ وجهُه كأنَّه القمر ليلةَ البدر، فأنشأ يقول:
أحبُّ الذي مَن مات مِن أهلِ وِدَّهِ تلقَّاه بالبُشرى لدى الموت يضحكُ
ومَن مات يهوى غيرَه مِن عدوِّهِ فليس له إلاَّ إلى النار مَسلكُ
أبا حسن تفديك نفسي وأُسرتي ومالي وما أصبحتُ في الأرض أملِكُ
____________________
١ - مناقب آل أبي طالب، لابن شهرآشوب٣: ٣٧٠.
أبا حسنٍ إنِّي بفضلك عارفٌ وإنِّي بحبلٍ مِن هواك لَمُمسِكُ
وأنت وصيُّ المُصطفى وابنُ عمِّهِ وإنَّا نُعادي مُبغضيك ونتركُ
مُواليك ناجٍ مؤمنٌ بيِّنُ الهُدى وقاليك معروفُ الضلالة مُشرِك(١)
وعن الحسين بن أبي حرب، قال: دخلت على السيِّد بن محمّد الحميريّ عائداً في عِلَّته التي مات فيها، فوجدتُه يُساق به، ووجدت عنده جماعةً مِن جيرانه وكانوا عثمانيَّة. وكان السيِّد جميل الوجه، رحب الجبهة، عريضاً ما بين السالفتين.. فبدت في وجهه نُكتة سوداء مثل النقطة مِن المِداد، ثمَّ لم تزل تزيد وتَنمى حتَّى طبَّقت وجهه - يعني اسوداداً -، فاغتمَّ لذلك مَن حضره مِن الشيعة، وظهر مِن الناصبة سرورٌ وشماتة. فلم يلبث بذلك إلاَّ قيلاً حتَّى بدت في ذلك اليوم مِن وجهه لمعةٌ بيضاء، فلم تزل تزيد أيضاً وتنمى حتَّى أسفر وجهُه وأشرق، وافترَّ السيِّد ضاحكاً وأنشأ:
كذِب الزاعمون أنَّ عليّاً لن يُنجِّي مُحبَّه مِن هَناتِ
قد وربِّي دخلتُ جَنَّة عدنٍ وعفا لي الإلهُ عن سيِّئاتي
فابشِروا اليوم أولياء عليٍّ وتولَّوا علِيَّ حتَّى المماتِ
____________________
١ - رجال الكشِّيّ: ١٨٥.
ثمّ مِن بعدِه تولَّوا بنيهِ واحداً بعدَ واحدٍ بالصفاتِ
ثمَّ أتْبع قولَه هذا: أشهد أنْ لا إله إلاَّ اللهُ حقَّاً حقَّا ً، أشهد أنَّ محمّداً رسولُ اللهِ حقَّاً حقَّاً، أشهد أنَّ عليَّاً أميرُ المؤمنين حقَّاً حقَّاً، أشهد أنْ لا إله إلاَّ الله. ثمَّ أغمض عينَيه بنفسه فكأنَّما كانت روحه ذُبالةً طُفئت، أو حَصاةً سقطت. فانتشر هذا القول في الناس، فشهد جنازتَه - والله - الموافقُ والمُفارق(١) .
____________________
١ - أمالي ابن الشيخ الطوسيّ:٤٣. وكشف الغُمَّة للأربليّ ١: ٥٤٩. ومجالس المؤمنين للقاضي نور الله التستري ٢: ٥١٥.
مُعاوية الثاني
ومِن بين المُتميّزين - الذين انتشلوا أنفسهم مِن أوساط الكُفر والشِّرك والضلال وأجواء الفساد والإفساد، وخطوط التضليل والانحراف.. - مُعاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سُفيان، المعروف بـ (مُعاوية الأصغر) أو (مُعاوية الثاني).
وقد أحببنا أنْ تكون لنا وقفة خاصَّة على هذه الشخصيَّة، نمرُّ عليها عِبْر انحدارها العائليّ وسُلالتها الأُسريَّة، فنتعرَّف على بني أُميَّة.. مَن هو جَدُّهم؟ ومَن هم كبار عشيرتهم؟ لنعرف كيف كان مُعاوية بن يزيد؟ وكيف أصبح وكيف أمسى؟ وكيف غُمر في تاريخ المسلمين؟ ذلك لأنَّ أغلب صفحاته قد كتبتْه أقلام البلاط، ونقله - بتحريف وتشويه وتزوير - وعَّاظ السلاطين. أمَّا أقلام الأحرار والغيارى فقد كُسِرت، وأمَّا أيديهم فقد قُيِّدت بالأغلال، وأمَّا ألسنتهم فقد أُطبِق عليها، أمَّا أصواتهم فقد خُنِقت. ومَن نجا فقد عاش في الأرض غريباً مُشرَّداً خائفاً يترقَّب، وكم أُخمِدت أنفاسٌ بسيفٍ غادر، أو سُمٍّ قاتل، أو يدٍ كافرة في غياهب السجون
وظلم المطامير، وأعماق الزنزانات الأُمويَّة وألعبَّاسيَّة.
لذا.. لم يحفظ لنا التاريخ عن حياة الأبرار إلاَّ النَّزْرَ اليسير، ولم يُدوِّن إلاّ أسطُراً تناثرت - في غفلةٍ مِن أُمراء الجور والضلال - في كُتبٍ تبعثرت، أتى على بعضها الإحراق، وعلى بعضها الإغراق.
ومع ذلك كلِّه بقي ما هو حُجَّةٌ علينا.. إنَّ الإنسان يستطيع أنْ يعيش حُرَّ العقيدة، إذا تجرَّد مِن نوازعه العنصريَّة وتعصُّباته القوميَّة أو الأُسريَّة، وكان باحثاً عن الحقائق أينما كانت وعند مَن كانت. لا يَفتُر في سعي، ولا يخشى الله في لومة لائم، ولا يكون منه وَهْنٌ أمام الأهواء أو التهديدات... ثمَّ لا يُبالي بعد ذلك أنْ يؤول أمرُه إلى أنَّ يُظلَم حتَّى لو قُتِل، فتلك الشهادة وهي الشرف الأسمى خاتمةً لحياة العبد. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(أشرف الموت قتلُ الشهادة) (١) ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم - أيضاً -:(فوقَ كلِّ بِرٍّ بِرٌّ حتَّى يُقتَلُ الرجلُ في سبيل الله.. فإذا قُتِل في سبيل الله عزَّ وجلَّ فليس فوقه بِرٌّ) (٢) .
وكان على هذا السبيل رجال، وكان منهم مُعاوية الثاني، وهو مِن بَنْي أُميَّة وليس منهم. وهذه شواهد الحقيقة ودلائلها:
____________________
١ - بحار الأنوار ١٠٠: ٨، عن أمالي الصدوق.
٢ - الخصال، للشيخ الصدوق: ٩ح ٣١.
إنَّ أُميَّة كان غلاماً روميَّاً لـ (عبد شمس)، فلمَّا ألفاه كَيِّساً فطِناً أعتقه وتبنَّاه، فقيل: (أُميَّة بن عبد شمس)(١) .
إذاً، فبنو أُميَّة ليسوا مِن قريش، وإنَّما لُحِقوا ولُصِقُوا بهم، وكان ذلك مِن دأب العرب والجاهليَّة. ويُصدِّق ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه إلى مُعاوية:
(وأما قولُك: إنَّا بنو عبد مناف، ليس لبعضنا على بعض فضل. فكذلك نحنُ، ولكنْ ليس أُميَّة كهاشم، ولا حرب كعبد المُطَّلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا المُهاجر كالطليق، ولا الصريح كاللَّصيق، ولا المُحقُّ كالمُبطل، ولا المؤمن كالمُدغل. ولبئس الخَلَف خَلَفاً يتْبع سَلَفاً هَوى في نار جهنَّم. وفي أيدينا بعدُ فضلُ النبوَّة التي أذللنا بها العزيز، ونَعَشْنا بها الذليل. ولمَّا أدخل اللهُ الربُّ في دينه أفواجاً، وأسلمت هذه الأمَّةُ طوعاً وكرهاً.. كنتم مِمَّن دخل في الدين: إمَّا رغبة، وإمَّا رهبة، على حين فاز أهل السَّبقِ بسَبقِهم، وذهب المُهاجرونَ الأوَّلونَ بفضلهم..) (٢) .
____________________
١٥ - كامل بهائي ١: ٢٦٩، عنه سفينة البحار، للشيخ عبّاس القمّيّ _باب شهد.
١٦ - شرح نهج البلاغة، لابن ميثم البحرانيّ٤: ٣٨٩.
* عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(بعثني الله نبيَّاً فأتيت بني أُميَّة فقلت: يا بني أُميَّة، إنِّي رسول الله إليكم، قالوا: كَذِبْت، ما أنت برسول. ثمَّ أتيت بني هاشم فقلت: إنِّي رسول الله إليكم، فآمنَ بي عليُّ بن أبي طالب سِرَّاً وجَهْراً، وحماني أبو طالب جَهْراً وآمن بي سِرَّاً. ثمَّ بعث اللهُ جبرئيلَ بلوائه فوكزه في بني هاشم، وبعث إبليس بلوائه فوكزه في بني أُميَّة.. فلا يزالون أعداءَنا، وشيعتُهم أعداء شيعتنا إلى يوم القيامة) (١) .
ونزل كتاب الله تعالى وغدت آياته تترى.. فماذا قالت في بَنْي أُميَّة؟
* أخرج المُحدِّث الشهير (المُتَّقي الهنديّ) - وهو مِن علماء السُّنَّة - في كتابه الكبير(كنز العُمَّال) ، عن عمر بن الخطَّاب في قوله تعالى:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً... ) (٢) قال: هما الأفجرانِ مِن قريش: بنو المُغيرة، وبنو أُميَّة. قال: أخرجه ابن جرير، وابن المُنذر، وابن مردويه(٣) .
____________________
١ - كنز جامع الفوائد، أوْ تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العِترة الطاهرة، للسيِّد شرف الدين عليّ الحسينيّ الأستربادي ٢: ٨٠٦.
٢ - سورة إبراهيم:٢٨.
٣ كنز العمَّال١: ٢٥٢، روايتان.
* وفي تفسير (الكشَّاف) روى الزمخشري في ظلِّ الآية نفسها عن عمر بن الخطّاب أيضاً: هم الأفجرانِ مِن قريش: بنو المُغيرة وبنو أُميَّة.. فأمَّا بنو المُغيرة فكُفيتُموهم يوم بدر، وأمَّا بنو أُميَّة فتمتَّعوا حتَّى حين.
وذكره السيوطيّ - أيضاً - في (الدُّرِّ المنثور) وقال: أخرجه البخاريّ في تاريخه، وابن جرير وابن المُنذر وابن مردويه عن عمر بن الخطّاب.
* وأخرج البريُّ في تفسير (جامع البيان)(١) ، عن القاسم بن الفضل، عن عيسى بن مازن، عن الحسن بن عليٍّ أنَّه قال: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أُري في المنام بَنْي أُميَّة يَعلُون مِنبرَه، خليفةً خليفة، فشقَّ عليه ذلك، فأنزل الله:( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) يعني مُلْك بني أُميَّة. قال القاسم: فحَسَبنا مُلْك بَنْي أُميَّة فإذا هو ألف شهر(٢) .
وفي ردِّه على (عُتبة بن أبي سفيان) قال له الإمام الحسن بن عليٍّ (عليه السلام):(.. فأنت ذُرِّيَّة آبائك الذين ذكرهم الله في القرآنِ فقال: ( عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ
____________________
١ - وكذلك: سُنَن الترمذيّ ج٢، والمُستدرك على الصحيحين٣: ١٧٠، والتفسير الكبير للفخر الرازيّ في ظِلِّ سورة القدر وسورة الكوثر، والدُّرُّ المنثور في ظِلِّ سورة القدر.
٢ - جامع البيان في تفسير القرآن ٣٠: ١٦٧، والآية ٣ في سورة القدر.
إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ * لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ) ) (١) .
* أخرج علاَّمة الشافعيَّة ابن حجر الهيثميّ، عن عمرو بن الحمق الخزاعيّ أنَّه قال: إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) قال لي ذات يوم:(يا عمرو، هل لك أنْ أُريك آية النار، تأكل الطعام وتشرب الشرابَ، وتمشي في الأسواق؟) ، قلت: بلى - بأبي أنت وأُمِّي! - قال:(هذا وقومُه آية النار - وأشار إلى مُعاوية -) (٢) .
* وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم):(إنَّ لكلِّ دين آفة، وآفة هذا الدين بَنو أُميَّة) (٣) .
* وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تقوم الساعة حتَّى يخرج ثلاثون كذَّاباً... (إلى أنْ قال:)وشَرُّ قبائل العرب: بَنو أُميَّة، وبنو حنيفة، والثقيف) (٤) .
* وروى الحاكم النيسابوريّ بسنده، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم):(إنَّ أهل بيتي سيَلْقَون مِن بعدي مِن أُمَّتي قَتلاً
____________________
١ - سفينة البحار، باب عتب، والآيات في سورة الغاشية: ٣-٧.
٢ - مجمع الزوائد ٩: ٤٠٥.
٣ - كنز العمَّال ٧: ١٤٢.
٤ - كنز العمَّال: ص١٧١، وأخرجه ابن أبي شيبة وابن عديّ عن الزهريّ. وذكره الذهبيُّ أيضاً في ميزان الاعتدال ٢: ١٨١، وصحَّحه ورواه عن ابن الزبير.
وتشريداً، وإنَّ أشدَّ قومنا لنا بُغضاً: بَنو أُميَّة وبنو المُغيرة وبنو مَخزوم) (١) .
* وعن حمران بن جابر الحنفيّ، قال: سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) يقول:(ويلٌ لبني أُميَّة - ثلاث مرَّات -) (٢) .
* وعن أبي ذَرٍّ الغفاريّ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:(إذا بلغت بَنو أُميَّة أربعين اتَّخذُوا عبادَ اللهِ خَولاً، ومالَ الله نِحلاً، وعبادَ الله دَغَلاً) (٣) .
قال تعالى في مُحكم تنزيله الكريم:( ... وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراًً ) (٤) .
فماذا ورد في سبب نزول هذه الآيه الكريمة، وتأويلها وتفسيرها؟
____________________
١ - المُستدرك على الصحيحين ٤: ٤٨٧، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وذكره المتَّقي الهنديّ في كنز العمَّال ٦: ٤٠، وقال: أخرجه نعيم بن حمّاد في (الفتن).
٢ - كنز العمَّال ٦: ٩١، قال المتَّقي الهنديّ: أخرجه أبو مندة وأبو نعيم.
٣ - المُستدرك على الصحيحين ٤: ٤٧٩، وذكره المتَّقي الهنديّ أيضاً في كنز العمَّال ٦: ٣٩، وقال:(ومال الله دخلاً) ، وقال: أخرجه ابن عساكر.
٤ - الإسراء: ٦٠.
* قال الفخر الرازيّ: وفي هذه الرؤيا أقوال... - إلى أنْ قال: - والقول الثالث: قال سعيد بن المسيَّب: رأى رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) بَني أُميَّة يَنْزُون على مِنبرِه نَزْوَ القِرَدة.. فساءَه ذلك. وهذا قول ابن عبّاس في رواية عطاء(١) .
* وفي ذيل الآية نفسها قال السيوطيّ: أخرج ابن أبي حاتم عن يعلى بن مُرَّة، قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم):(أُريتُ بَني أُميّة على منابر الأرض، وسيملكونكم فتجدونهم أربابَ سوء) . واهتمَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) لذلك، فأنزل الله:( ... وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ... ) .
وأخرج ابن مردويه عن الحسين بن علي (عليه السلام):(أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصبح وهو مهموم، فقيل: مالك - يا رسول الله -؟! فقال: إنِّي أُريت في المنام كأنَّ بَني أُميَّة يتعاورون منبري هذا. فقيل: يا رسول الله! لا تهتمَّ؛ فإنَّها دنيا تنالهم. فأنزل الله: ( ... وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ... ) ).
وأخرج البيهقي في الدلائل، وابن عساكر عن سعيد بن المسيَّب، قال: رأى رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) بَني أُميَّة على المنابر فساءه ذلك، فأوحى الله إليه:(إنَّما هي دنيا أُعطوها) . فقرَّت عينُه، وهي قوله:( ... وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ... ) ، يعني بلاء للناس(٢) .
____________________
١ - التفسير الكبير، في ظِلِّ الآية ٦٠ مِن سورة الإسراء.
٢ - تفسير الدُّرِّ المنثور، في ظِلِّ الآية المُتقدِّمة. وكنز العمَّال ٧: ١٤٢.
* وأخرج ابن أبي الحديد المُعتزليّ عن المدائنيّ.. أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) رُفِع له مُلْك بني أُميَّة، فنظر إليهم يَعلُون منبره واحدٌ واحد، فشقَّ ذلك عليه، فأنزل الله تعالى في ذلك قرآناً، قال له:( ... وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ... ) (١) .
ألا يكفي هذا إيضاحاً لتأويل الشجرة الملعونة في القرآن؟! أمْ في المَزيد تبيانٌ مُستفيض ودليل قاطع...
* قال ابن كثير: المُراد بالشجرة الملعونة بَنو أُميَّة(٢) .
* وقال الفخر الرازي: قال ابن عبّاس: الشجرة بنو أميّة(٣) .
* وجاء في هذا المعنى قول النيسابوريّ في تفسيره المُسمَّى بـ (غرائب القرآن ورغائب الفرقان)(٤) .
ولكن.. لماذا نزلت اللعنة على تلك الشجرة؟ أ لأنَّها خبيثة؟ أمْ لأنَّها ظالمة؟ يُجيبُنا على ذلك المُفسِّر الشافعيّ السيِّد شهاب الدين الآلوسيّ في موضعين:
الأوَّل: في ظِلِّ قوله تعالى:( وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ
____________________
١ - شرح نهج البلاغة ١٦: ١٦.
٢ - تفسير ابن كثير ٣: ٤٩.
٣ - التفسير الكبير، عند تفسير الآية.
٤ - هامش تفسير الطبريّ ١٥: ٥٥.
مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ) (١) .. حيث قال: تفسير هذه الآية ببَني أُميَّة.. (ثمَّ قال:) وأحوال بَني أُميَّة التي يستحقُّون بها ما يستحقُّون غيرُ خفيَّةٍ عند الموافق والمُخالف(٢) .
والثاني: في ظِلِّ آية( ... وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ... ) .. إذْ قال: (والشجرة الملعونة) في عبارة بعض المُفسِّرين هي بَنو أُميَّة.. - إلى أنْ قال: - وفيه مِن المُبالغة في ذَمِّهم ما فيه. وجعل ضمير( ... وَنُخَوِّفُهُمْ... ) على هذا، لِما كان أوَّلاً، أو للشجرة باعتبار أنَّ المُراد بها بَنو أُميَّة. ولعنهم؛ لِما صدر منهم مِن استباحة الدماء المعصومة، والفروج المُحْصَنة، وأخذ الأموال مِن غير حِلِّها، ومنعِ الحقوق عن أهلها، وتبديل الأحكام، والحُكمِ بغير ما أنزل الله تعالى على نبيِّه (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) (إلى غير ذلك) مِن القبائح العظام، والمخازي الجِسام، التي لا تكاد تُنسى ما دامتِ الليالي والأيَّام. وجاء لعنُهم في القرآن على الخصوص وعلى العموم(٣) .
أجل.. فقد سُرقت الخلافة الإسلاميَّة، وشقَّ بَنو أُميَّة عصى المسلمين، فاستقلُّوا ببلاد الشام مُتمرِّدين على الولاية الشرعيَّة لأمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، وكان قد مهَّد لهم ذلك عمر بن الخطّاب وعثمان
____________________
١ - إبراهيم: ٢٦.
٢ - تفسير روح المعاني ١٣: ١٩٣.
٣ - تفسير روح المعاني ١٥: ١٠٠. وراجع في هذا الباب بحار الأنوار ٣١: ٥٠٧ - ٥٦٦، باب ٣١، ما ورد في لعن بني أُميَّة وبني العبَّاس وكُفرهم.
بن عفّان؛ إذ ثبَّتوهم على إمرة الشام، فإذا ملكوا حكموا بغير ما أنزل الله تعالى، وخلاف ما شرَّع على لسان نبيَّه الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وسُنَّته الشريفة(١) . فشاعت المفاسد العقائديَّة، والانحرافات الإجتماعيَّة، وطغى الظلم والقتل والإرهاب، وطال الحبسُ والتشريد كلَّ مَن خالف بَني أُميَّة أو عارضهم. وقِصَّة سَبِّ الإمام عليٍّ (عليه السلام) على سبعين ألف منبر(٢) ، وقصّة أبي ذَرٍّ على ذلك شاهد واضح، كما أنَّ قتْل مالك الأشتر ومحمّد بن أبي بكر وسعيد بن جبير وحجر بن عديّ والمئات، بلْ الآلاف مِن الصحابة والتابعين شاهد صارخ.
وكان مِن أمجاد الدولة الأُمويَّة قتل ثلاثين ألف مسلم بريء على يد (بِسْر بن أرطأة) قائد مُعاوية(٣) ، وقتل ثمانية آلاف مسلم مِن أهل البصرة على يد (سُمرة بن جُندب)(٤) . وأين الهاربون مِن الوقائع المُفجعة: واقعة صِفِّين، وواقعة عاشوراء - كربلاء - وواقعة الحَرَّة التي يندى منها جبين التاريخ؟! ثمَّ أين هُمْ عن هدم الكعبة المُعظَّمة وتمزيق كتاب الله تعالى بالسهام؟!
لقد كان ذلك استمراراً طبيعيَّاً لعِداء بَني أُميَّة لبني هاشم، وحقد
____________________
١ - بحار الأنوار ٣٠: ٢٨٧ / ح ١٥١، والمُنتظم لابن الجوزي ٤: ٧، ومعاني الأخبار للشيخ الصدوق ٣٤٦ _ ٣٤٧ / ح ١، والاحتجاج ١:٢٧٥.
٢ - كما يذكر ابن عبد ربَّه في العقد الفريد ٢: ٢٦٠.
٣ - شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١: ٦.
٤ - تاريخ الطبريّ ٦: ٣٢.
بني أُميَّةَ على الإسلام ورسوله، وانتقام بني أُميَّة عمَّا أودى بها في معركة (بدر) و(الأحزاب) وفتح مَكَّة(١) .
أمَّا الشواهد البيِّنة على ذلك، فتأتينا جليَّة إذا تعرَّفنا على سيرة ثلاث شخصيَّات أُمويَّة فقط.. مِن خلال وثائق المسلمين.
شخصيَّة بارزة في العائلة الأُمويَّة، لها تاريخها المعروف قبل الإسلام، ثمَّ بعد الإسلام لها سيف مسلول على هذا الدين، وعلى نبيِّه وصحابته قرابة عشر سنوات.
فلْنقرأ صفحاته، لنُفسِّر القديم والجديد في حياة بَني أُميَّة!
في الجاهليَّة: عُرِف أبو سفيان قبل الإسلام بمُراودة البغايا والتردُّد على دور البِغاء. حتَّى أخرج سبط ابن الجوزيّ الحنبليّ عن كتاب (مثالب العرب) لأبي المنذر هشام الكلبيّ أنَّه قال: وكان الزُّناة - الذين اشتهروا بمَكَّة - جماعةً، منهم: أبو سفيان، وعُتبة بن أبي سفيان أخو مُعاوية(٢) .
وقد نقلت كُتب التاريخ عيِّناتٍ شاهدة على ذلك.. فقد اشتهرت
____________________
١ - لا بأس بمُراجعة: النزاع والتخاصم فيما بين بني أُميَّة وبني هاشم، للمقريزيّ، ومُلحقه: رسالة الجاحظ في بني أُميَّة: ١٢١ - ١٣٢.
٢ - تذكرة خواصّ الأمّة: ١١٧.
علاقاته مع المُحصنات، ومنهنَّ (أُمُّ زياد بن أبيه)، فقد وُلِد زياد على فراش عُبيد مولى ثقيف، فقال أبو سفيان يوماً: واللهِ، إنّي لأعرف الذي وضعه في رحم أُمِّه. فقال له عليّ بن أبي طالب (عليه السلام):(ومَن هو يا أبا سفيان؟!) ، قال: أنا. قال:(مَهلاً يا أبا سفيان) . فأنشد أبياتاً داليَّة(١) .
ومع (أُمِّ عَمْر بن العاص) كانت له مُعاشِرة، حتَّى إنَّ عَمْراً اختصم فيه يوم ولادته رجلان: أبو سفيان والعاص بن وائل، فقيل: لتَحكمْ أُمُّه، فقالت: إنَّه مِن العاص، فقال أبو سفيان: أما إنِّي لأشكُّ، أنَّني وضعتُه في رحم أُمِّه. فأبت إلاَّ العاص، فقيل لها: أبو سفيان أشرف نسباً، فقالت: إنَّ العاص بن وائل كثير النفقة عليَّ، وأبو سفيان شَحيح. وفي ذلك يقول حسَّان بن ثابت يُخاطب عَمْر بن العاص - حينما هَجا رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم -:
أبوك أبو سفيان لا شكَّ قد بدَتْ لنا فيك منه بيِّناتُ الدلائلِ
ففاخِرْ به إمَّا فخرتَ ولا تكنْ تُفاخر بالعاص الهجينِ بنِ وائلِ(٢)
والزِّنا في الأسرة الأُمويَّة أمرٌ عريق، رافق الكُفر والشِّرك والفِسق، حتَّى عُرِفت منها نساء كثيرات كُنَّ مِن ذوات الأعلام والرايات،
____________________
١ - الاستيعاب، لابن عبد البرِّ ١: ١٩٥. وتاريخ دمشق، لابن عساكر ٥: ٤١٠.
٢ - شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٢: ١٠١.
ومنهنَّ جَدَّة أبي سفيان - أمُُّ أُمِّه - (حمامة).
ومَن هي حمامةُ يا تُرى؟!
يُعرِّفها الثقفيّ في خبر طريف يقول فيه: إنَّ عقيل بن أبي طالب ورد على مُعاوية بن أبي سفيان، فقال له مُعاوية: يا أبا يزيد، ما تقول فيَّ؟ قال عقيل: دَعْ عنك. قال: لتقولنَّ. قال: أتعرف حمامة؟ قال مُعاوية: ومَن حمامة؟ قال: أخبرتُك.
ومضى عقيل وخرج، فأرسل مُعاوية إلى بعض النسَّابة فقال: أخبرْني مَن حمامة؟ قال: أعطني الأمان على نفسي وأهلي. فأعطاه الأمان، قال: حمامة جَدَّتُك، وكانت بغيَّةً في الجاهليَّة - لها راية ٌ - تؤتى..!!
قال أبو بكر بن الزبير: هي أُمُّ أُمِّ أبي سفيان(١) .
وأمَّا (أُمُّ جميل) فهي أُخت أبي سفيان، وقد كان لها قَدَم السَّبق في مُحاربة الرسول والرسالة، ولقيت في ذلك عناءً مِن جمعها الأشواك، وإلقائها في طريق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كيما تجرح قدميهِ الكريمتين. حتَّى نزلت فيها وفي زوجها سورة كاملة تختم عليهما بالعذاب المُقيم.
( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ* مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي
____________________
١ - الغارات، لأبي إسحاق إبراهيم بن محمّد الثقفيّ ١: ٦٥.
جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) (١) .
قال الشيخ الطنطاوي: (حمَّالة الحطب) أي حطب جَهنَّم؛ لأنَّها في الدنيا كانت تحمل الأوزار بالسعاية بين الناس، والنميمة، ومُعاداة الرسول (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم)، وتحمل زوجها على إيذائه، وكانت توقد نار الخصومة.( فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) ، أي: حال كونها في عُنقها حبلٌ مِن الحبال المفتولة فتْلاً شديداً، سواء أكان ليفاً أم جلداً أم غيرهما، فهذا معنى المَسَد، وهو ما مُسِّد - أي: فُتِل -. فالمعنى أنَّها تحمل تلك الحزمةَ مِن الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطَّابون؛ تحقيراً لها وتصويراً بصورة الحطَّابات(٢) .
وقال العلاَّمة الطباطبائيّ: التبُّ والتُّباب هو الخُسران والهلاك - على ما ذكره الجواهريّ -، ودوام الخُسران على - ما ذكره الراغب - وقيل: الخَيْبة... وأبو لهب هو عبد العِزَّى بن عبد المُطَّلب عمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.. كان شديد المُعاداة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، مُصِرَّاً على تكذيبه، مُبالغاً في إيذائه بما يستطيعه مِن قول وفعل...
( سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ ) ، أيْ: سيدخل ناراً، وهي نار جهنَّم الخالدة، وفي تنكير لَهَب تفخيم له وتهويل.( وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ) ، عطف على ضمير الفاعل المُستكنِّ في (سيصلى)، والتقدير: وستصلى امرأتُه.. و (حمالةَ الحطب) بالنصب، وصف مقطوع عن الوصفيَّة للذمِّ، أيْ: أذمَّ حمالةَ الحطب، وقيل: حال مِن (امرأته).( فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) .. والظاهر أنَّ المُراد أنَّها ستتمثّل في النار التي تصلاها يوم القيامة، في هيئتها التي كانت تتلبَّس بها في الدنيا، وهي أنَّها كانت تحمل أغصان الشوك وغيرها وتطرحها بالليل في طريق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تُؤذيه بذلك، فتُعذَّب بالنار وهي تحمل الحطب، وفي جيدها حَبْلٌ مِن مَسَد...
وفي (تفسير القُمِّيّ): في قوله تعالى:( وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ) قال: كانت أُمُّ جميل بنت صخر، وكانت تنمُّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
____________________
١ - سورة المَسَد.
٢ - تفسير الجواهر ٢٥: ٢٨٥.
وتنقل أحاديثه إلى الكُفَّار.
وفي (قُرْب الإسناد) للحميريّ، بإسناده إلى موسى بن جعفر (عليه السلام):(.. ومِن ذلك أنَّ أُمَّ جميل، امرأة أبي لهب، أتتْه حين نزلت سورة (تبَّت) ومع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر بن أبي قحافة، فقال: يا رسولَ الله، هذه أُمُّ جميل مُحفِظة - أي مُغضبة - تُريدك، ومعها حجَر تُريد أنْ ترميَك به، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّها لا تراني. فقالت لأبي بكر: أين صاحبُك؟.. جئتُه، ولو أراه لَرميته، فإنَّه هجاني، واللاتِ والعزَّى إنِّي لشاعرة. فقال أبو بكر: يا رسول الله، لَمْ تَرَك؟!
قال صلى الله عليه وآله وسلم: لا، ضرب اللهُ بيني وبينها حِجاباً) (١) .
وأمَّا زوجة أبي سفيان فهي (هند)، وهي أشهر مِن أنْ تُعرَّف؛ لأنَّها كانت بالفضائح تُعرَف..، فهي في الجاهليَّة مِن ذوات الأعلام، تستقبل كلَّ وارد على أيِّ حال(٢) .
وحينما وُلِد لها مُعاوية تنازع عليها أربعة رجال؛ لأنَّهم كانوا واقعوها في طُهرٍ واحد.
وبعد أنْ جَنَّدت (هند بنت عُتبة) - وهي مِن الشجرة الملعونة في القرآن - كلَّ جهودها، وعبَّأت أُسرتها وقومها ليلاً ونهاراً ضِدَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحاربت الإسلام بجيوش قريش والأحزاب عشرين عاماً
____________________
١ - الميزان ٢٠: ٣٨٤-٣٨٧.
٢ - ناسخ التواريخ، للميرزا محمّد تقيّ لسان الملك سبهر - تاريخ معاوية: ٣٢٩.
ـ ثلاثة عشر عاماً قبل الهِجرة بمَكَّة وسبعة أعوام بعد الهِجرة إلى فتح مَكَّة -، وبعد أنْ حرَّضت المُشركين واليهود لشَنِّ الحروب ضِدَّ المسلمين، وبعد أنْ أغرت (وحشيَّاً) بنفسها ومالِها لقتل حمزة سيِّد الشهداء، ثمَّ جاءت فمثَّلت بجسده الزاكي، فشقَّت بطنه ولاكت كبِدَه، وشربت دمه، وقطَّعت أصابع يديه.
وبعد أنْ فُتِحت مَكَّة وخابت قريش.. أتت هند تُبايع النبيَّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم على شروط أيةٍ مِن سورة (المُمتَحَنة)(١) .. وهذه رواية البيعة:
* إنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بايعهنَّ، وكان على الصفا وكان عمر أسفلَ منه، وهند بنت عُتبة مُتنكِّرة مع النساء؛ خوفاً مِن أنْ يعرفها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:(أُبايعكنَّ على أنْ لا تُشركْنَ بالله شيئاً) ، فقالت هند: إنَّك لَتأخذ علينا أمراً ما رأيناك أخذتَه على الرجال!. وذلك أنَّه بايع الرجال يومئذٍ على الإسلام والجهاد فقط، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:(ولا تَسرقْن) ، فقالت هند: إنَّ أبا سفيان رجل مُمسِك - أي بخيل - وإنِّي أصبتُ مِن ماله هنات - أي سرقت منه شيئاً -.. فلا أدري أيحلُّ لي أم لا؟! فقال أبو سفيان: ما أصبتِ مِن مالي فيما مضى فهو لكِ حلال. فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعرفها، فقال:(وإنَّكِ لَهندُ بنت عتبة؟) ، قالت: نعم، فاعفُ عمَّا سلف يا نبيَّ الله، عفا اللهُ عنك. فقال:(ولا تَزْنينَ) ، فقالت هند: أوَ تزني الحُرَّة؟! فتبسَّم عمرُ بن الخطّاب؛ لِما جرى بينه
____________________
١ - الآية ١٢.
وبينها في الجاهليَّة(١) .
وهند هذه.. هي بنتٌ لعتبة بن ربيعة، وبنتُ أخٍ لشيبة بن ربيعة، وأختٌ للوليد بن عتبة. وهؤلاءِ الثلاثة سمَّاهمُ القرآن (مُفسدين) و (فُجَّار).
* روى الحافظ الحاكم الحسكانيّ الحنفيّ بأسانيد عديدة، قال في بعضها: عن ابن عبّاس( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ... ) : عليٌّ وحمزة وعبيدةُ بن الحارث( ... كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ... ) : عُتبةُ وشيبةُ والوليد،( ... أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ... ) : عليٌّ وأصحابه( ... كَالْفُجَّارِ... ) عتبة وأصحابه(٢) .
وفي حديث آخر، عن ابن عبّاس أنَّها نزلت في عتبة وشيبة، والوليد بن عتبة(٣) .
في الإسلام:
ويُمكِّن الله تعالى رسولَه صلى الله عليه وآله وسلم مِن طُغاة قريش، وخونة اليهود، وناقضي العهود والمواثيق، وتُفتَح مَكَّة فيُخذَل أبو سفيان وجنوده،
____________________
١ - مجمع البيان، في ظِلِّ آية مُبايعة النساء: المُمتحنة: ١٢، وتذكرة خواصِّ الأُمَّة: ١١٤-١١٧، وجمهرة رسائل العرب: ٥٥٤، وشرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٢: ١٠٢. والفخريّ، لابن الطقطقا: ٧٤، وغير ذلك مِن المصادر.
٢ - شواهد التنزيل ٢: ١١٢ -١١٣، والآية في سورة ص: ٢٨.
٣ - تفسير فرات الكوفيّ: ١٣١.
ولم تنظر العيون إلاَّ نظراتِ الدهشة والإعجاب، لمَّا رأت مِن هيبة الإسلام وعظمة رسوله وعِزَّة المؤمنين.
قال العبّاس بن عبد المُطَّلب - وهو يتحدَّث حول فتح مَكَّة -: فلمَّا أصبح غدوتُ به - أي بأبي سفيان - على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلمَّا رآه قال: ويحك - يا أبا سفيان -! ألم يأنِ لك أنْ تعلم أنْ لا إله ألاَّ الله؟ فقال: بأبي أنت وأُمِّي! ما أوصلك وأكرمك، وأرحمك وأحلمك! واللهِ، لقد ظننتُ أنْ لو كان معه إلهٌ لأغنى يوم بدر ويوم أُحد. فقال: ويحك - يا أبا سفيان -! ألَم يأن لك أنْ تعلم أنِّي رسول الله؟ فقال: بأبي أنت وأُمِّي! أمّا هذه.. فإنَّ في النفس منها شيئاً. قال العبّاس: فقلتُ له: ويحك(١) ! اشهدْ بشهادة الحقِّ قبل أنْ يُضرَب عُنقك. فتشهَّد..(٢) .
* وفي روايةٍ أُخرى حول فتح مكَّة أيضاً: سأل أبو سفيان بديلَ بن ورقاء: ما هذه النيران؟ قال: هذه خزاعة. قال: خزاعةُ أقلُّ وأقلُّ مِن أنْ تكون هذه نيرانهم، ولكنْ لعلَّ هذه تميمُ أو ربيعة. قال العبّاس: فعرفت صوت أبي سفيان، فقلت: يا أبا حنظلة، قال: لبَّيك، فمَن أنت؟ قلت: أنا العبّاس. قال: فما هذه النيرانُ؟ فداك أبي وأمي! قلت: هذا رسول الله في عشرة ألاف مِن المسلمين. قال: فما الحيلة؟ قلت: تركب في عجز هذه البغلة فأستأمن لك رسول الله.
____________________
١ - وفي نسخة أُخرى: ويلك.
٢ - مجمع البيان ١٠: ٥٥٤ -٥٥٧، عنه بحار الأنوار ٢١: ١٠٤.
قال العبّاس: فأردفته خَلْفي ثمَّ جئت به. فكلَّما انتهيتُ إلى نار قاموا إليَّ، فإذا رأَوني قالوا: هذا عمُّ رسول الله، خلُّوا سبيله.. فجلست عند رأس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: بأبي أنت وأُمِّي! أبو سفيان وقد أجَرْتُه. قال: أدخِلْه. فقام بين يديه فقال: وَيْحك - يا أبا سفيان -! أما آنَ لك أنْ تشهد أنْ لا إله إلا الله، وأنِّي رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأُمِّي! ما أكرمك، وأوصلَك وأحلمك! أما والله، لو كان معه إلهٌ لأغنى يوم بدر ويوم أُحد، وأمَّا أنَّك رسول الله.. فوَ الله، إنَّ في نفسي منها لَشيئاً. قال العبّاس: يُضرَب - واللهِ - عُنُقك في هذه الساعة، أو تشهد أنْ لا إله إلا الله، وأنَّه رسول الله. قال: فإنِّي أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأنَّك لرسول الله. تلجلج بها فوه(١) ..(٢) .
حتَّى إذا أحسّ أبو سفيان بالأمان، عاد يكيد المكائد، لا سِيَّما بعد أنْ ولاَّه أبو بكر، فأظهر كفرَه ونفاقَه مِن جديد، حتَّى اشتهر عنه أنَّه نادى: يا بني أُميَّة، تلاقفوها تلاقف الصبيانِ للكُرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان.. لا جَنَّة ولا نار(٣) .
____________________
٣٥ - في مناقب آل أبي طالب ١: ١٧٧ - ١٨٠: فتلجلج لسانه وعليٌّ يقصده بسيفه، والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مُحدق بعليّ. فقال العبّاس: يُضرَب - والله - عُنقك الساعة أو تشهد الشهادتين. فأسلم اضطراراً.
٣٦ - إعلام الورى بأعلام الهُدى، للطبرسيّ: ١١٤والإرشاد، للمُفيد: ٦٠ - ٦٤.
٣٧ - ذكر ابن عبد البرِّ في الاستيعاب بذيل (الإصابة في تمييز الصحابة) لابن حجر العسقلانيّ ٤: ٨٧ ما يقرب منه.
أي اهجموا على الزعامة والسلطة والحُكم، وهذا ما جابَه بهِ الإمامُ الحسن (عليه السلام) معاوية، في احتجاج كبير اجتمع فيه رؤوس الضلال: عمرو بن عثمان، وعمرو بن العاص، وعتبة بن أبي سفيان، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، والمُغيرة بن شعبة.. وقد تواطئوا على أمرٍ واحدٍ يقوده عليهم معاوية. فتكلَّموا ونضحوا كُفراً ونفاقاً، وكان الإمام الحسن (عليه السلام) يُجابههم بحُجَجٍ دامغة، ويُذكِّرهم مثالبهم في الجاهليَّة والإسلام.. وكان مِن ذلك قوله لمُعاوية:
(.. ثمَّ أُنشدكم بالله، هل تعلمون أنَّ أبا سفيان دخل على عثمان - حين بُويع في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - فقال: يا ابن أخي، هل علينا مِن عين؟ (١) قال: لا، فقال أبو سفيان: تداولُوا الخلافة - يا فتيانَ بني أُميَّة -! فو الذي نفسُ أبي سفيان بيده، ما مِن جنَّةٍ ولا نار! وأُنشدُكم بالله، أتعلمونَ أنَّ أبا سفيان أخذ بيد الحسين حين بُويع عثمان وقال: يا ابن أخي، اخرجْ معي إلى بقيع الغرقد. فخرج حتَّى إذا توسَّط القبور اجترَّه فصاح بأعلى صوته: يا أهلَ القبور، الذي كنتم تُقاتلونا عليه (٢) صار بأيدينا وأنتم رميم؟!) (٣) .
قالها صريحة.. كما قاتل الإسلام مِن قبلُ بسيوف صريحة.
____________________
١ - أي: مِن رجلٍ غريب.
٢ - يقصد الحُكم.
٣ - الاحتجاج، للشيخ أبي منصور أحمد بن عليّ الطبرسي: ٢٧٥.
فعشرون عاماً كانت تشهد عليه أنَّه أفرز أحقاده على الدين الحنيف وأهله.. حتَّى نزل قولُه تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) (١) ، فرُوي عن مُجاهد قال: نزلت في نفقة أبي سفيان على الكفَّار يوم أُحد(٢) . وحتّى نزل قوله تعالى:( ... فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ) (٣) ، فجاء عن مُجاهد وغيره أنَّ الآية نزلت في أبي سفيان وأصحابه.. وتسالم على ذلك غير واحد مِن أهل التفسير والحديث والتاريخ والسيرة(٤) .
ومِن هنا توافرت روايات اللعن على أبي سفيان، أيَّامَ كان في الجاهليَّة يُقاتل دين الله، وأيَّام تظاهر بالإسلام يكيد به وبأهله.
تعالوا نتبيَّنْ ذلك في الأخبار:
* ذكر ابن أبي الحديد المُعتزليّ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعنَ أبا سفيان في سبعة مواطن:
الأوَّل: يوم لقيَ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم خارجاً مِن مكَّة إلى الطائف، يدعو ثقيفاً إلى الدين. فوقع برسول الله وسبَّه وشتمه، وكذَّبه
____________________
١ - الأنفال: ٣٦.
٢ - جامع البيان، للطبريّ ١٠: ١٥٩-١٦٠. والكشَّاف، للزمخشريّ ٢: ١٣. وتفسير الرازي ٤: ٣٧٩. وتفسير ابن كثير ٤: ٣٧.. وغيرها
٣ - التوبة:١٢.
٤ - جامع البيان ١٠: ٦٢. وتفسير الخازن، للبغداديّ الصوفيّ ٣: ٥٣، وغيرهما.
وتوعَّده وهَمَّ أنْ يبطش به، فلعنه الله ورسوله، وصُرِف عنه.
الثاني: يوم العير، إذ عرض لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي جائية مِن الشام، فطردها أبو سفيان وساحَلَ بها، فلم يطُف المسلمون بها، ولعنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودعا عليه، فكانت واقعة بدر لأجلها.
الثالث: يوم أُحد.. حيث وقف أبو سفيان تحت الجبل ورسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم في أعلاه، وأبو سفيان يُنادي: (أُعلُ هُبَل، اُعلُ هُبَل - مِراراً -.. فلعنه رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر مرَّات، ولعنه المسلمون.
الرابع: يوم جاء أبو سفيان بالأحزاب، وغطَفان واليهود.. فلعنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابتهل - أيْ: دعا عليه -.
الخامس: يوم جاء أبو سفيان في قريش فصدُّوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المسجد الحرام، والهَدْيَ معكوفاً أن يَبلُغَ مَحِلَّه، وذلك يومَ الحُديبية، فلعن رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا سفيان، ولعن القادةَ والأتْباع، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(ملعونونَ كلُّهم، وليس فيهم مَن يؤمن) . فقيل: يا رسول الله، أفما يُرجى الإسلام لأحدٍ منهم؟! فكيف باللعنة؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تُصيبُ اللعنةُ أحداً مِن الأتباع، وأمَّا القادة فلا يُفلح منهم أحد) .
السادس: يوم الجمل الأحمر.
السابع: يوم وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في (العَقَبة) ليستنفروا ناقته، وكانوا اثني عشر رجلاً، منهم أبو سفيان(١) .
____________________
١ - شرح نهج البلاغة ٢: ١٠٢-١٠٢.
ولعلَّ هذا الخبر مُستفاد مِن خبرٍ أشرنا إليه آنفاً في احتجاج الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية و أزلامه.. حيث خاطبه بصريح القول وواضح العبارة:
(... أُنشدكم بالله، هل تعلمون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن أبا سفيان في سبعة مواطن ؟:
أوّلُهنَّ: حين خرج مِن مَكَّة إلى المدينة - وأبو سفيان جاءٍ من الشام - فوقع فيه أبو سفيان فسبَّه و أوعده وهَمَّ أنْ يبطش به، ثمَّ صرفه الله عزَّ و جلَّ عنه .
والثاني: يوم العْيِر، حيث طردها أبو سفيان ليُحرزها مِن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
والثالث: يوم أُحد.. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهُ مولانا ولا مولى لكم. وقال أبو سفيان: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. فلعنه الله وملائكته ورسوله والمؤمنون أجمعون .
والرابع: يوم حُنين، يوم أبو سفيان بجمع قريش وهوازن، وجاء عُيينةُ بغطفان واليهود، فردَّهمُ الله عزَّ وجَلَّ بغيظهم لو ينالوا خيراً(١) .. هذا قول الله عزَّ وجلَّ له في سورتين في كليتهما يُسمِّي أبا سفيان وأصحابه كفَّاراً، وأنت يا معاوية يومئذ مُشرك على رأي أبيك
____________________
١ - إشارةٌ إلى قوله تعالى:( وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيَّاً عَزِيزاً ) الأحزاب: ٢٥.
بمَكَّة، وعليٌّ يومئذٍ مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى رأيه ودينه .
والخامس: قول الله عزَّ وجلَّ: (... وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ...) (١)، وصددتَ أنت وأبوك ومُشركو قريشٍ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلعنه الله لعنةً شملتْه وذرَّيَّتَه إلى يوم القيامة .
والسادس: يوم الأحزاب، يوم جاء أبو سفيان بجمع قريش، وجاء عُيينهُ بن حُصين بن بدر بغطفان، فلعن رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم القادةَ والأتباع والساقةَ إلى يوم القيامة. فقيل: يا رسول الله، أمَا في الأتباعِ مؤمن؟ فقال: لا تُصيب اللعنةُ مؤمناً مِن الأتباع، أمَّا القادة فليس فيهم مؤمنٌ ولا مُجيبٌ ولا ناجٍ .
والسابع: يوم الثنيَّة، يوم شدَّ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثنا عشر رجلاً، سبعة منهم مِن بني أُميَّة وخمسة مِن سائر قريش. فلعن الله تبارك وتعالى، ورسولُه صلى الله عليه وآله وسلم مَن حلَّ الثنيَّة غيرَ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وسائقِه وقائده...) (٢) .
ومَن لعنه رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم - دعياً مِن الله تعالى أنْ يطرده مِن رحمته، وهو مُستجاب الدعوة - فإنَّ مآله - لا شكَّ ولا ريب - لإلى الهاوية والسعير، وبئس المصير.
____________________
١ - الفتح: ٢٥.
٢ - الاحتجاج: ٢٧٤. وتذكرة خواصِّ الأُمَّة: ١١٤-١١٩. وفي المثالب، لهاشم بن محمّد الكلبيّ تفصيل، فراجع. ولا يفوتنَّ علينا كتاب الفتن مِن بحار الأنوار: ج٢٨.
وما أدرانا ما معاوية! إنَّه على سِرِّ أبيه في كلِّ شيء، بلْ زاد عليه في كلِّ شيء.. مِن الكفر والنفاق والضلال والإضلال، فهو وصيَّة أبي سفيان أنَّ يواصل دربه في القضاء على الإسلام الأصيل، بطمس معالمه، وتشويه حقائقه، وتحريف شريعته وعقائده.. والقضاء على المسلمين الأحرار، بالقتل والسجن والتشريد، فضلاً عن الإساءة إلى سُمعتهم وكرامتهم.
والأفضل أنْ ندع التاريخ هو المُتحدِّث عن هذه الشخصيَّة، البارزة في السلالة الأُمويَّة، والأُسرة السفيانيَّة، والعائلة الحاكمة في الشام بتمهيدٍ مِن عمر وعثمان.
النَّسَب: أسلفنا مَن هو أُميَّة، ومَن هُمْ بنو أُميَّة.. وتعرَّفنا على الأبوين الشهرين لـ (معاوية): أبي سفيان وهند. وإذا كان قد ثبت أنَّ الأُمَّ هند، فإنَّ الأب يبقى مشكوكاً، فالشعبيّ يرى أنَّ رجال التاريخ يذكرون لمُعاوية أربعة آباءٍ مِن قريش، هُمْ: عمارة بن الوليد المخزوميّ، ومسافر بن أبي عمر، وأبو سفيان، والعبّاس بن عبد المُطَّلب. والزمخشريّ يُضيف إلى شُهرة أبي سفيان أنَّه أبو معاوية أربعةَ رجال آخرين يعدُّهم في كتابه (ربيع الأبرار)، هُمْ: مسافر بن عمر، وعمارة بن الوليد، والعبّاس، ورجل أسود يُدْعى الصبّاح. بينما يرى إسماعيل بن عليّ الحنفيّ في كتاب (مثالب بني أُميَّة) أنَّ مسافر بن عمر جامعَ هندَ بنت عتبة سفاحاً، فحملت منه، وفي أثناء حملها تزوَّجها أبو سفيان، فولدت له معاوية بعد ثلاثة أشهر فقط مِن تاريخ زواجهما.
فمعاوية - إذاً - منسوب إلى أبي سفيان، وخلَّف ذلك عُقدةً في
نفسه، فحاول أنْ يُسرِّيّ هذا التلوُّث إلى غيره ويُعطيه طابعاً شرعيَّاً، فاستلحق زياد بن أبيه، الذي كان قد وُلِد على فراش عبيد مولى ثقيف.. وجعله أخاً له لادِّعاء أبي سفيان أنَّه هو الذي قذفه في رحِم أُمِّه سُميَّة (وهي الأُخرى مِن ذوات الأعلام والرايات)(١) .
وصحَّ عند الأُمَّة قول نبيِّها صلى الله عليه وآله وسلم:(مَن ادَّعى أباً في الإسلام غير أبيه - وهو يعلم أنَّه غير أبيه - فالجنَّة عليه حرام) (٢) .
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(مَن ادَّعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله المُتتابعة إلى يوم القيامة) (٣) .
أكثر مواقفه كانت تحكي بغضَه للدين الجديد، وكراهيَّته للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنْ نكتفي بموقفين له:
الأوَّل: ذكَره الإمام الحسن (عليه السلام) في احتجاجه الكبير معه في محضر جلاوزة معاوية، قال في أوَّله - رادَّاً عليهم، ومُناشداً لهم بالحقائق الدامغة -:
____________________
١ - تاريخ ابن عساكر ٥: ٤١٠. والاستيعاب ١: ١٩٥. والعِقد الفريد ٣: ٣. وتاريخ اليعقوبيّ ٢: ١٩٤. ومروج الذهب، للمسعوديّ ٢: ٥٦.. وقد بحث العلاَّمة الأمينيّ هذا الموضوع بتفصيل في سِفْره المُبارك (الغدير) ١٠: ٢١٦-٢٢٧.
٢ - رواه البخاريّ ومسلم وأبو داود وابن ماجة، كما في سُنَن البيهقيّ ٧: ٤٠٣.
٣ - الترغيب والترهيب، للمُنذريّ ٣: ٢٢، عن أبي داود.
(الحمد لله الذي هدى أوَّلَكم بأوَّلِنا، وآخركم بآخرنا، وصلَّى الله على جَدِّي محمّدٍ النبيّ وآله وسلَّم .
اسمعوا منِّي مقالتي وأعيروني فهْمَكم. وبك أبدأُ يا معاوية،.. - إلى أنْ قال له بعد عرض لجملةٍ مِن أدلَّة إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) ومواقفه الغيورة، ولجملةٍ مِن مخازي معاوية: -أُنشدكمْ بالله.. هل تعلمون أنَّ ما أقول حقَّاً، إنَّه لقيَكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر ومعه - أيْ مع الإمام عليّ (عليه السلام) - راية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، ومعك - يا معاوية - راية المُشركين وأنت تعبد اللاتَ والعُزَّى، وترى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرضاً واجبا؟ ولقيكم يوم أُحد ومعه راية النبيّ، ومعك - يا مُعاويةُ - راية المُشركين؟ ولقيكم يوم الأحزاب ومعه رايةُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومعك - يا معاويةُ - راية المُشركين؟ كلُّ ذلك يَفلُج الله حُجَّتَه، ويُحقَّ دعوته، ويصدِّق أُحدوثتَه، وينصر رايتَه.. وكلُّ ذلك كان رسول الله عنه راضياً في المواطن كلِّها، ساخطاً عليك...
ـ ثمَّ قال: -أُنشدكم بالله، هل تعلمون أنَّ ما أقول حقَّاً؟ إنَّك - يا معاويةُ - كنت تسوقُ بأبيك على جمل أحمر يقوده أخوك هذا القاعد - يقصد عتبة بن أبي سفيان - وهذا يوم الأحزاب، فلعن رسولُ اللهِ القائدَ والراكبَ والسائق، فكان أبوك الراكب، وأنت - يا ازرقُ - السائق،
وأخوك هذا القاعدُ القائد) (١) .
الثاني: كان قد تظاهر بالإسلام مُضطرَّاً، فلمَّا استقرَّ به مُلكُه في الشام، مكث أربعين جمعةً يُصلِّي بالناس ويخطب فيهم دون أنْ يُصلِّيَ على النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فسأله بعض أصحابه عن ذلك فقال: لا يمنعني عن ذكْرِه إلاَّ أنْ تشمخ رجالٌ بآنافها(٢) .
فإذا انبسطت له الأوضاع أفرغ ما في نفسه مِن الحقد على المُصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.. دعونا نُصغي إلى ما رواه مُطرف بن المغيرة بن شعبة، حيث يقول:
وفدتُ مع أبي على معاوية، فكان أبي يتحدَّث عنده ثمَّ ينصرف إليَّ وهو يذكر معاوية وعقله، ويُعجَب بما يرى منه، وأقبل ذات ليلةٍ وهو غضبان، فأمسك عن العشاء، فانتظرتُه ساعةً، وقد ظننت أنَّه لشيءٍ حدث فينا أو في عملنا، فقلت: ما لي أراك مُغتمَّاً مُنذ الليلة؟! قال: يا بُنيّ، جئتك مِن عند أخبث الناس، قلت: ما ذاك؟ قال: خلوتُ بمعاوية فقلت له: إنَّك قد بلغتَ مُناك يا أميرَ المؤمنين، فلو أظهرتَ عدلاً، وبسطتَ خيراً؛ فإنَّك كبرت. ولو نظرتَ إلى إخوتك مِن بني هاشم فوصلتَ أرحامهم، فو الله، ما عندهمُ اليومَ شيءٌ تخافه.
____________________
١ - الاحتجاج: ٢٧٢-٢٧٤. وينظر: شرح نهج البلاغة ٢: ١٠٢. وتذكرة خواصِّ الأمَّة ١١٥. وجمهرة خُطب العرب ١:٤٢٨.
٢ - النصائح الكافية لمَن يتولَّى مُعاوية، للسيِّد محمّد بن عقيل العلويّ: ٩٧.
فثار معاوية واندفع يقول: هيهاتَ هيهات! مَلَك أخو تَيم فعدل، وفعل ما فعل. فواللهِ، ما عدا أنْ هلك فهلك ذِكرُه إلاَّ أنْ يقول قائل: أبو بكر. ثمَّ ملَكَ أخو عَدِيٍّ فاجتهد وشمَّر عشر سنين. فوالله، ما عدا أنْ هلك فهلك ذكْرُه إلاَّ أنْ يقول قائل: عمر. ثمَّ ملَك أخونا عثمان.. فعُمِل به ما عُمِل. فواللهِ، ما عدا أنْ هلك فهلك ذكره. وإنَّ أخا هاشم - يقصد النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم - يُصرَخُ به كلَّ يوم خمس مرَّات: أشهد أنَّ محمّداًَ رسولُ الله. فأيُّ عملٍ يبقى بعد هذا - لا أُمَّ لك -؟! واللهِ، سُحقاً سُحقاً، واللهِ دفناً دفناً(١) .
هنا نتساءل: هذا الذي يتوعَّد بلسان حاقد أنْ يسحق آثار النبوَّة ويدفنها.. أيستحقُّ أنْ يكون خليفة النبيّ ووصيَّه على الأُمَّة؟!
لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى بعين بصيرته الرحمانيَّة ونبوَّته الإلهيَّة أنَّ معاوية رجلٌ يشتهي الرئاسة، وسيانلها فيطغى، فقال في ذلك:(إذا رأيتُم معاوية على منبري فاقتلوه) .
ولعلَّ مُشكِّكاً يقول: ربَّما وضع هذا الحديث أعداءُ معاوية مِن الشيعة وغيرهم! ولكي يزول الشكُّ وتذوب (ربَّما) نوقفه
____________________
١ - شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٢: ٢٩٧. والموفَّقيات للزبير بن بكَّار ٥٧٦ _ ٥٥٧. ومروج الذهب ٣: ٤٥٤.
على هذه المصادر التي ذكرت هذا الحديث:
١- ميزان الاعتدال، للذهبيّ ٢: ٧.. قال: روى عباد بن يعقوب، عن شريك بن عاصم، عن زرِّ عن عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا رأيتم معاويةَ على منبري فاقتلوه) . وقد صحَّحه الذهبيّ، وهو مِن علماء أهل السُّنَّة المُتشدِّدين في الرواية، ثمَّ رواه مرَّة أُخرى على الصفحة ١٢٩ مِن الجزء نفسه ولكنْ عن طريق أبي سعيد الخدريّ رفعه، ثمَّ ذكر نحوه عن أبي جذعان.
٢- تهذيب التهذيب، لابن حجر العسقلانيّ ٥: ١١٠ في ترجمة عبّاد بن يعقوب الرواجنيّ، فجاء بالسند والحديث. ثمَّ عاد في الجزء السابع مِن الكتاب نفسه، فقال على الصفحة ٣٢٤ في ترجمة عليّ بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة: حدَّث حمّاد بن سلمة، عن عليّ بن زيد عن نضرة، عن أبي سعيد، رفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا رأيتم معاويةَ على هذه الأعواد فاقتلوه) . ثمَّ قال ابن حجر: وأخرجه الحسن بن سفيان في مُسنده عن إسحاق عن عبد الرزّاق، عن ابن عيينة، عن عليّ بن زيد.. ولكنَّ لفظ ابن عيينة: فارجموه. ثمّ يعود ابن حجر على الحديث نفسه، في الجزء السابع على الصفحة ٧٤، في ترجمة عمرو بن عبيد بن باب، بسندٍ ينتهي إلى أنَّ عَمْراً روى عن الحسن أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال:(إذا رأيتم معاويةَ على منبري فاقتلوه) .
٣- كنوز الحقائق، للمنَّاويّ: ٩.. ولفظ الحديث:(إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه) . ثمَّ قال المنَّاويّ: أخرجه الديلميّ..
٤- ونقل الحديثَ - أيضاً - جمهرة كبيرة مِن الحُفَّاظ والمُحدِّثين، والمُفسِّرين والمؤرِّخين، جاء في بعضها قول الحسن: فما فعلوا ولا أفلحوا.
يُراجَع: تاريخ الطبريّ، وتاريخ بغداد - للخطيب البغداديّ، وكتاب صِفِّين - لنصر بن مُزاحم، وشرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد، والكامل في التاريخ - لابن الأثير، واللآلي المصنوعة - للسيوطيّ.. وغيرها مِن المصادر.
والآن.. نحن نتساءل: ألَم يرَ المسلمون معاوية وقد ارتقى منبرَ الخلافة. وهو مِنبرُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! وإذا كانوا رأوه فلماذا لم يقتلوه؟!
أهنالك شُبهة أنَّ المقصود مِن المنبر في الحديث، هو عين منبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في مسجده بالمدينة المنّورة؟! فإذا كان ذلك قال العلماء: الظاهر أنَّ الحديث يُشير إلى مطلق المنابر التي عليها اسم الإسلام وخلافته وإمارته.. وقد صعد معاوية منبرَ الخلافة في الشام فوجب قتله. أمّا إذا تنزَّلنا وأخذنا الحديثَ المرويَّ عن أبي سعيد:(إذا رأيتم معاوية على هذه الأعواد فاقتلوه) ، وأراد المسلمون أنْ
يعملوا بظاهره، فإنَّ معاوية قَدِم إلى المدينة المنوَّرة وصعد على منبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وحَلف ليَقتُلَنَّ ابنَ عمر. وهذا ما رواه ابن سعد(١) عن إسماعيل بن إبراهيم الأسديّ، عن أيّوب عن نافع. ثمَّ رواه بطريقٍ آخر عن نافع، فراجع.
ثمَّ نقول للمُتسائل المُشكِّك: أين أنت عن قولة عمر بن الخطّاب: هذا الأمر في أهل بدر ما بقي أحد، ثمَّ في أهل أُحد ما بقي منهم أحد.. ثمَّ في كذا وكذا، وليس فيها لطليق، ولا لولد طليق، ولا لمُسلمةِ الفتح شيء(٢) ؟
بلْ أين عمر بن الخطَّاب نفسه مِن قولته هو نفسه وقد ولَّى مُعاويةَ الشامَ في عهده بعد موت أخيه يزيد بن أبي سفيان..(٣) .
وبعد أنْ ولاَّه لم يُحاسبه على صغيرة ولا كبيرة، وعمر هو المعروف بشِدَّته وصرامته في مُحاسبة الولاة؟!
قال عبد الرحمان بن الجوزيّ: ولاَّه عمر بن الخطَّاب مكان أخيه يزيد بن أبي سفيان لمَّا مات، فلم يزل كذلك خلافة عمر، وأمَّره
____________________
١ - الطبقات الكبرى ٤: ١٣٦ - القسم الأوَّل.
٢ - أُسد الغابة ٤: ٣٨٧ - في ترجمة معاوية بن أبي سفيان، والرواية عن عبد الرحمان بن أبزي. وروى الخبر أيضاً ابن سعد في طبقاته ٣: ٢٤٨- القسم الأوَّل.
٣ - وقد جاء لعنه على لسان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، يُراجَع: كتاب وقعة صِفِّين: ٢٤٧، وتاريخ الطبريّ ١١: ٣٥٧.
عثمان وأفرد له جميعَ الشام!!(١) .
ثمَّ أين عمر مِن رأي تلميذه (عبد الرحمان بن غنم الأشعري)، وقد سمع عبد الرحمان الحديثَ مِن عمر بعد أنْ كان صاحبَ مُعاذ بن جبل ومُلازمه، فصار مِن أفقه أهل الشام ففقَّه عامَّة التابعين بالشام، - كما يترجم له ابن عبد البَرِّ فيُضيف: وكانت لعبد الرحمان جلالة وقَدْر، وهو الذي عاتب أبا هُريرة وأبا الدرداء بحمص، إذ انصرفا مِن عند عليّ (عليه السلام) رسولَين لمعاوية، وكان ممَّا قال لهما: عجَباً منكما! كيف جاز عليكما ما جئتما به تدعوانِ عليّاً أنْ يجعلها - أي الخلافة - شورى، وقد علمتما أنَّه قد بايعه المُهاجرون والأنصار وأهل الحجاز وأهل العراق. وأنَّ مَن رضيه خيرٌ ممَّن كرهه، ومَن بايعه خيرٌ ممَّن لم يُبايعه، وأيُّ مدخل لمعاوية في الشورى وهو مِن الطُّلقاءِ(٢) الذين لا تجوز لهم الخلافة، وهو وأبوه مِن رؤوس الأحزاب(٣) ؟ قال: فندما على مسيرهما وتابا منه بين يديه(٤) .
لقد مَلَك مُعاوية فماذا فعل؟ إنَّه لم يستطع أنْ يكتم شهوةَ
____________________
١ - المُنتظم في تاريخ الملوك والأُمَم ٤: ٧ - طبعة دار الفكر - بيروت. ويُراجَع: معاني الأخبار ٣٤٦- ٣٤٧ / ج١.
٢ - بعد فتح مَكَّة، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لأهلها:(اذهبوا فأنتمُ الطُلَقاء) .
٣ - الذين تألَّبوا عليه في واقعة الخندق ليقضوا على الإسلام وأهله.
٤ - الاستيعاب ٢: ٤٠٢، وذكر الخبر أيضاً ابن الأثير في أُسد الغابة ٣: ٣١٨ باختلاف يسير.
التسلُّط على الناس في نفسه، وحدَّة حُبِّ الزعامة وقد أخذت مأخذها مِن قلبه، فيوم دخل الكوفة بعد التوقيع على وثيقة الصلح مع الإمام الحسن (عليه السلام) لِيُطْبق جيشه على تلك المدينة.. خاطب أهلها بصريح الخطاب:
يا أهلَ الكوفة، أَتَروني أُقاتلكم على الصلاة والزكاة والحَجِّ - وقد علمتُ أنَّكم تُصلُّون وتُزكُّون وتحجُّون -؟! ولكنَّني أُقاتلكم لأتأمَّر عليكم وعلى رقابكم، وقد آتانيَ اللهُ ذلك وأنتم كارهون(١) .
ولكي يُطْبقَ على الناس؛ فلا يترك لهم فُسحةً يتحرَّكون فيها أو مُتنفَّساً يشْكون مِن خلاله ولا فُرصة ليقوموا في وجهه.. انتخب عُمَّالَه مِن الزعانفة الفَجَرة أعداء الإسلام: بُسر بن أرطأة، ومروان بن الحَكَم، والمُغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه، وعبد الله الفزاريّ، وسفيان بن عوف، والضحّاك بن قيس، وسمرة بن جندب، وعَمْر بن العاص.. ونظرائهم، فاستعملهم على عباد الله - وهو يعرفهم حقَّ المعرفة - غير مُبالٍ بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(مَن تولَّى مِن أمر المسلمين شيئاً، فاستعمل عليهم رجلاً وهو يعلم أنَّ فيهم مَن هو أَولى بذلك وأعلم بكتاب الله وسُنَّةِ رسوله، فقد خان الله ورسوله وجميع المؤمنين) (٢) .
____________________
١ - شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١٦: ١٥.
٢ - مجمع الزوائد، للهيثميّ ٥: ٢١١.
ولنأخذ - أخي القارئ - نموذجاًَ مِمَّن ولاَّهم معاوية بعد أنْ تولَّوه.. وهو زياد ابن أبيه!
* يقول اليعقوبيّ في تاريخه: وكان زياد بن عبيد (أي ابن أبيه) عاملَ عليّ بن أبي طالب على فارس، فلمَّا صار الأمر إلى معاوية، كتب إلى زياد يتوعَّده ويتهدَّده، فقام زياد خطيباً فقال:
إنَّ ابنَ آكلة الأكباد وكهفَ النفاق وبقيَّة الأحزاب، كتب إليَّ يتوعَّدني ويتهدَّدني، وبيني وبينه ابنا بنت رسول الله - أيْ: الحسن والحسين [ عليهما السلام ] - في تسعين ألفاً، واضعي قبائع سيوفهم تحت أذقانهم.. أما والله، لئن وصل إليَّ لَيجدُني أحمز، ضرَّاباً بالسيف. فوجَّه معاويةُ إليه المُغيرةَ بن شعبة، فأقدمه ثمَّ ادَّعاه - أي: ادَّعى معاوية أنَّ زياداً هو ابن أبي سفيان - وأنَّ أبا سفيان قال: واللهِ، لَهُوَ ابني، ولأنا وضعتُه في رَحِم أمّه!)، وألحقه معاوية بأبي سفيان، وولاَّه البصرة..(١) .
وأمَّا كاتبه وصاحب أمره، فسرجون بن منصور الرومّي النصرانيّ! ذكر ذلك ابن الجوزيّ، ثمَّ أضاف قائلاً: وكان معاوية أوَّل مَن اتَّخذ الحرس..(٢) .
____________________
١ - تاريخ اليعقوبي ٢: ٢١٨.
٢ - المُنتظم في تاريخ الملوك والأُمَم ٤: ٧، دار الفكر بيروت.
مُنذ أنْ حَلَّ معاوية أرض الشام، أخذت المفاسد تموج بالناس وتسري إلى جميع شؤون حياتهم. فقد شاعت العقائد المُنحرفة، وتفشَّت الرذائل والموبقات، وعمَّ الظلم والجور والإرهاب، وابتُلي القوم بحروبٍ ومذابح.
وإذا أردنا أنْ نبسط الحديث في ذلك، احتجنا إلى تأليف كتابٍ كبير يجمع ولا يُحيط، ويُلمُّ ولا يُحصي.. فجرائم معاوية تنوَّعت وتعدَّدت؛ لذا نبتغي الإشارة ويعذرنا القارئ الكريم.
ما أنْ سيطر معاوية على الحُكم حتَّى أخذ يُثبِّت زعامته الجاهليَّة، ويُحاول طمس معالم الإسلام وتزييفها، وقد خطا خُطواتٍ في السيطرة على مشاعر المسلمين وعقولهم، فأوجد بينهم تبريراً دينيَّاً لسلطانه؛ لاستفراغ روح الثورة مِن النفوس، وكبح جماح النقمة الجماهيريَّة الإسلاميَّة بدعايات ذات صِبغة دينيَّة، فاختلق الأحاديث والأخبار، وافترى على الرسالة والرسول، واشترى الأقاويل والأكاذيب مِن باعة الضمير. وابتدع فرقاً (سياسيَّةً - دينيَّة) باسم الإسلام تتَّخذ اسم المُرجِئة تارةً، والجَبْريَّة تارةً أُخرى، لتحريم الثورة ضِدَّه.. فالأُمور تجري بقضاء الله، ولا يجوز الاعتراض على قضاء الله، ومعاوية خليفة الله، والمال مال الله، وهو مُوكَّل عليه وعلى رقابِ عبادِ الله!!
وقد أصبح المُرجِئة عوناً وسنداً لحُكم معاوية، فجاءت آراؤهم ومُعتقداتهم تبريراً لإمارته، وإقناعاً للمسلمين بوجوب طاعته. وقد وجد الجُهَّال وطلاَّب العافية والسلامة ضالَّتَهمُ المنشودة في الأفكار الجَبْريَّة؛ ليعيشوا في ظِلِّ السلطان آمنين، فكلُّ ما يجري هو قضاء الله مُحتَّم مِن ربِّ العالمين!(١)
ثمَّ أشاع معاوية الروحَ العنصريَّة والقوميَّة، ونفخ بها نفوس أهل الشام، فتهيَّئوا للفتن والعصبيَّات والأحقاد. ثمَّ انكبَّ على شريعة الإسلام يُبدِّل ويُغيِّر، ويُحرِّف ويَزيد ويُنقص، ويُعطِّل الحدود ويَحكُم خلاف ما أنزل الله تعالى في صريح كتابه وخلاف ما اشتهر مِن سُنَن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
واجتناباً عن الإطالة نُشير إشارات:
* أتمَّ معاوية الصلاة في سفره، كما أخرج الطبرانيّ وأحمد بإسناد صحيح، مِن طريق عبّاد بن عبد الله بن الزبير.
* أحدث معاوية أذاناً وإقامة لصلاة العيدين، وقدَّم الخُطبة على الصلاة، كما ذكر ابن حزم في المُحلَّى ٥: ٨٢.
* صلَّى معاوية صلاة الجمعة يوم الأربعاء عند مسيره إلى صِفِّين، وفي ضحى الجمعة لا ظهرها.
____________________
١ - مقالات الإسلاميِّين، للأشعريّ: ١٤١. وحركات الشيعة في العصر العبَّاسي الأوَّل، لمحمّد جابر عبد العال.
* جوَّز معاوية الجمع بين الأختين، كما نقل السيوطيّ في الدُّرّ المنثور ٢: ١٣٧.
* وأحدث في الدِّيَّات وقصَّرها إلى النصف، كما أرَّخ لذلك ابن كثير في تاريخه ٨: ١٣٩.
* وشهد أبو هريرة أنَّ معاوية أوَّل مَن ترك التكبير المسنون في الصلوات، أخرجه الطبرانيُّ وغيره كثير.
* أخرج النسائيّ في سُنَنه ٥: ٢٥٣، والبيهقيّ في السُّنَن الكُبرى ٥: ١١٣مِن طرق سعيد بن جبير، قال: كان ابن عبّاس بعَرَفة فقال: يا سعيد، مالي لا أرى الناس يُلبُّون؟! فقلت: يخافون معاوية. فخرج ابن عبّاس مِن فسطاسه فقال: لبَّيك اللَّهمَّ لبَّيك، وإنْ رغم أنف معاوية. اللَّهمَّ اللعنهم، فقد تركوا السُنّة مِن بُغض عليٍّ(١) .
* رأى المقدام بن مَعْدِي كرب في بيت معاوية يُلبَس الذهب وجلود السباع والحرير(٢) .
* جعل معاوية الخلافة وراثيَّة، فعيَّن مِن بعده يزيد.. وما أدراك ما يزيد؟! سنفرغ له بعد صفحات. وكانت تلك بِدْعةً سيِّئة(٣) .
* وقد عقد العلاَّمة الشيخ الأمينيّ (رحمه الله) فصولاً في كتابه (الغدير) - لاسِيَّما
____________________
١ - البداية والنهاية ٨: ١٣٠.
٢ - يُراجع مُسند أحمد ٤: ١٣٠، وقد أخرج في ذلك خبراً عن أبي داود.
٣ - يُنظَر: الاستيعاب ١: ١٤٢، وتاريخ ابن كثير ٨: ٧٩.
في الجزء العاشر منه - لبيان ذلك، ونحن إذْ نُحيل القارئ الكريم إليه لا يفوتنا أنْ ننقل عن الأمينيّ هذه اللوعة:
انظرْ إلى مَبلغ هؤلاءِ الرجال أبناء بيت أُميَّة مِن الدين، ولعبهم بطقوس الإسلام، وجرأتهم على الله وتغيير سُنَّته..(١) .
وفي نفسه.. كيف كان معاوية؟ لنسمع أجوبة هذا السؤال مِن ألسنةِ أقلامِ أئمَّة الحديث وأصحاب السير:
* في مُسنده.. كتب أحمد بن حنبل: مِن طريق عبد الله بن بُريدة، قال: دخلت أنا وأبي على معاوية فأجْلَسَنا على الفرش، ثمَّ أُتينا بطعامٍ فأكلْنا، ثمَّ أُتينا بالشراب فشرب معاوية ثمَّ ناول أبي، ثمَّ قال أبي: ما شربتهُ مُنذ حرَّمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(٢) .
* وفي تاريخ.. قال ابن عساكر: وفد عبد الله بن الحارث بن أُميَّة بن عبد شمس على معاوية، فقرَّبه حتَّى مسَّت ركبتاه رأسَه، ثمَّ قال له معاوية: ما بقيَ منك؟(٣) قال: ذهبَ - واللهِ - خيري وشَرِّي.
فقال له معاوية: ذهب - واللهِ - خيرٌ قليل، وبَقيَ شَرٌّ كثير، فما لنا عندك؟ قال: إنْ أحسنتَ لم أحمدْك، وإنْ أسأتَ لُمْتُك. قال معاوية: واللهِ، ما أنصفتَني. قال: ومتى أُنصفك؟! فواللهِ، لقد شججتُ أخاك
____________________
١ - الغدير ١٠: ١٩١.
٢ - مُسند ابن حنبل ٥: ٣٤٧.
٣ - كان عبد الله شيخاً كبيراً.
حنظلة فما أعطيتُك عقلاً ولا قوداً، وأنا الذي أقول:
أصخرَ بن حربٍ لا نُعدُّك سيِّداً فسُدْ غيرَنا إذْ كنتَ لستَ بسيِّد
وأنت الذي تقول:
شربتُ الخمرَ حتَّى صرتُ كَلاَّ على الأدنى ومالي مِن صديقِ
وحتَّى ما أُوَسَّدُ مِن وسادٍ إذا أنسوا سوى التُرب السحيق
ثمَّ وَثَب على معاويةَ يخبطه بيده، ومعاويةُ ينحاز ويضحك(١) .
* وفي الإصابة، ذكر ابن حجر سنداً ينتهي إلى محمّد بن كعب القرظيّ، أنَّه قال: غزا عبد الرحمان بن سهل الأنصاريّ في زمن عثمان، ومعاويةُ أميرٌ على الشام، فمرَّت به روايا خَمرٍ لمعاوية، فقام عبد الرحمان إليها برمحه فبقر كلَّ راوية منها فناوشه الغلمان، حتَّى بلغ شأنُه معاويةَ فقال: دَعُوه؛ فإنَّه شيخٌ قد ذهب عقله. فقال عبد الرحمان: كلاَّ واللهِ، ما ذهب عقلي، ولكنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم نهانا أنْ نُدخِل في بطوننا وأسقيتنا خمراً، أحلف باللهِ، لئن بقيتُ حتَّى أرى في معاوية ما سمعتُ مِن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبقُرَنَّ بطنه.. أو لأموتنّ دونَه(٢) .
____________________
١ - تاريخ دمشق ٧: ٣٤٦. وروى الخبر كذلك ابن حجر في الإصابة ٢: ٢٩١، قال: روى الكوكبيّ مِن طريق عنبسة بن عمرو وقال: وفد عبد الله بن الحارث..
٢ - الإصابة ٢: ٤٠١، ولخَّصه ابن حجر في تهذيب التهذيب ٦: ١٩٢، وأخرجه مُلخَّصاً أبو عمر في الاستيعاب المطبوع في هامش الإصابة، وذكره ابن الأثير في أُسد الغابة ٣: ٢٩٩، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق.
ولا ندري ماذا كان قد سمع عبد الرحمان بن سهل الأنصاريّ مِن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. أأمْرَه:(إذا رأيتُم معاويةَ على منبري فاقتلوه) ؟! أم غيره؟! كقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(الخلافة مُحرَّمة على آل أبي سفيان، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطْنَه) (١) .
وماذا نُعدِّد بعدُ مِن مفاسد معاوية؟! وهو الذي أكل الربا، كما شهد عليه عبادة بن الصامت، وثبَّت ذلك مالك في الموطِّأ ٢: ٥٩، والنسائيّ في سُنَنه ٧: ٢٧٩، والبيهقيّ في السُّنَن الكُبرى ٥: ٢٨٠، ومسلم في صحيحه ٥: ٤٣، والقرطبيّ في تفسيره ٣: ٣٤٩، وأحمد في مُسنده ٥: ٣١٩، وابن عساكر في تاريخه ٧: ٢٠٦، والمُتَّقي الهنديّ في كنز عمَّاله ٧: ٧٨، وغيرهم كثير.
ثمَّ ماذا نُنكر عليه.. أحروبه؟! وقد سفك فيها دماء عشرات الآلاف مِن المسلمين، في صِفِّين وغيرها على يد سراياه وقادته أمثال: بسر بن أرطأة، الذي قتل بعد التحكيم ثلاثين ألفَ مسلمٍ في اليمن وغيرها مِن البلاد، عدا مَن أُحرِق بالنار.. وسمرة بن جُندب الذي قتل ثمانية آلاف مِن أهل البصرة.. وزياد اللّقيط بن أبيه المجهول، الذي قطع الأيدي والأرجل، وسَمل العيون(٢) .
____________________
١ - مقتل الحسين (عليه السلام)، للخوارزميّ ١: ١٨٥. والملهوف على قتلى الطفوف، لابن طاووس، ٢٠.
٢ - يُراجَع: تاريخ الطبريّ ٦: ٣٦. وشرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٢: ٦، ١٧.
وكانت لمعاوية غارات، وكذلك غدرات!! فقتل بيده وبيد جلاوزته خِيرَة الصحابة والتابعين، أمثال: عمّار بن ياسر، وسعيد بن جبير، وعمرو بن الحمق، وحجْر بن عدِيّ، ومالك الأشتر، ومحمّد بن أبي بكر(١) .. وسيِّدهم الإمام الحسن المُجتبى (عليه السلام). وكان في كلِّ مرَّة ينتشي ولا يخفي سرورَه ثمَّ يقول:(إنّ للهِ جنوداً مِن عسل) (٢) . يقصد أنَّه دسَّ سُمَّه في عسلٍ وسقاه عن طريق غدرتهِ إلى أولياءِ الله والمؤمنين، وكانت (جَعْدة) إحدى الخائنات في التاريخ، أغراها معاوية بأنْ يزوِّجها مِن ابنه يزيد ويهبها أموالاً كثيرة، فلمَّا قتلت سيِّدَنا الحسن (عليه السلام) تبرَّم مِن عهده، كما تبرَّم مِن ميثاق الصلح وشوطه، وقد عقده مع الإمام الحسن (عليه السلام) حين خطب في الكوفة فقال: ألا إنَّ كلَّ مالٍ أو دَمٍ أُصيب في هذه الفتنة فمطلول، وكلُّ شرط شرطتُه فتحتَ قدَميَّ هاتين(٣) .
وأين نحن مِن ظلمه وإرهابه وقد طبَّقا آفاق المسلمين؟! ونال ذلك الظلم خيرَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومنهم أبو ذَرٍّ الغفاريّ، الذي وشى به معاوية عند عثمان بن عفّان، فنفاه إلى الربذة، عاش فيها أيَّاماً حتَّى مات فيها غريباً.. لماذا؟
____________________
١ - يُراجَع: الغدير ١١: ١٦- ٧٠.
٢ - عيون الأخبار، لابن قتيبة ١: ٢٠١.
٣ - شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١٦: ١٥.
روى البلاذريّ: لمَّا أعطى عثمانُ مروانَ بن الحكم - وهو طريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - ما أعطاه، وأعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص ثلاثمئة ألف درهم، وأعطى زيد بن ثابت الأنصاريّ مئة ألف درهم.. جعل أبو ذَرٍّ يقول:بشّرِ الكانزين بعذابٍ أليم . ويتلو قول الله عزَّ وجلَّ:( ... وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (١) . فرفع ذلك مروانٌ بن الحكم إلى عثمان، فأرسل إلى أبي ذَرٍّ (ناتلاً) مولاه أنْ انتهِ عمَّا يبلغني عنك، فقال: أَيَنْهاني عثمانٌ عن قراءة كتاب الله! وعيب مَن ترك أمرَ الله؟! فواللهِ، لَئن أُرضي اللهَ بسخط عثمان أحبُّ إليَّ وخيرٌ لي مِن أنْ أُسخط الله برضاه. فأغضب عثمانَ ذلك وأحفظه، فتصابر وكفَّ.
وقال عثمانُ يوماً: أيجوز للإمام أنْ يأخذ مِن المال، فإذا أيسر قضى؟ فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك. فقال أبو ذَرٍّ: يا ابن اليهوديَّينِ، أتُعلِّمُنا دينَنا؟! فقال عثمان: ما أكثرَ أَذاك لي وأوْلَعك بأصحابي! الحقْ بمكتبك. وكان مكتبه بالشام إلاَّ أنَّه كان يَقدِم حاجَّاً ويسأل عثمانَ الإذنَ له في مجاورة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيأذن له في ذلك. وإنَّما صار مكتبه بالشام لأنَّه قال لعثمان حين رأى البناءَ قد بلغ سَلْعاً: إنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:(إذا بلغ البناءُ سَلْعاً فالهرب..) فأْذَنْ لي آتي الشامَ فأغزو هناك. فأذِن له.
____________________
١ - التوبة: ٣٤.
وكان أبو ذَرٍّ يُنكر على معاوية أشياءَ يفعلها، وبعث إليه معاوية بثلاثمئة دينار، فقال أبو ذرّ: إنْ كانت مِن عطائيَ الذي حَرَمْتُمونيهِ عامي هذا قبلتُها، وإنْ كانت صلةً فلا حاجة لي فيها.
وبنى معاويةُ (قصر الخضراء) بدمشق، فقال له أبو ذرٍّ: يا معاوية، إنْ كانت هذه الدار مِن مال الله، فهي خيانة.. وإنْ كانت مِن مالك، فهذا الإسراف. فسكت معاوية.
وكان أبو ذرٍّ يقول: واللهِ، لقد حدثتْ أعمال ما أعرفها. واللهِ، ما هي في كتابِ اللهِ ولا سُنَّة نبيِّه. واللهِ، إنِّي لأرى حقَّاً يُطفأ، وباطلاً يُحيى، وصادقاً يُكذَّب، وأثَرَةً بغير تُقى، وصالحاً مُستأثَراً عليه. فقال حبيب بن مسلمة لمعاوية: إنَّ أبا ذرّ مُفسدٌ عليك الشام، فتداركْ أهله إنْ كانت لكم به حاجة. فكتب معاوية إلى عثمان فيه. فكتب عثمان إلى معاوية: أمَّا بعد، فاحمل جندباً - أي: أبا ذَرٍّ - إليَّ على أغلظِ مركبٍ و أوعره. فوجَّه معاوية مَن سار به الليلَ والنهار، فلمَّا قَدِم أبو ذرٍّ المدينة جعل يقول: تَستعمل الصبيانَ وتحمي الحمى، وتُقرِّب أولاد الطلقاء؟!
فبعث إليه عثمان: الحقْ بأيِّ أرضٍ شئت. فقال: بمَكَّة. قال: لا. قال: فبيت المَقْدس. قال: لا. قال: فبأحَدِ المصرين(١) . قال: لا، ولكنِّي مُسيِّرُك إلى الرَّبذة.
____________________
١ - أي: إمَّا مصر أو البصرة.
فسيَّره إليها.. فلم يزل بها حتَّى مات(١) .
وقد ذكر القصَّة بأنحاء مُختلفة: الواقديّ، والمسعوديّ، والبخاريّ في صحيحه، وابن حجر في (فتح الباري)، وغيرهم.
وقد فصَّل فيها ابن أبي الحديد، حتَّى ذكر أنَّ أبا ذرٍّ لما نُفي إلى الربذة ودَّعه أميرُ المؤمنين عليّ (عليه السلام) فقال له:(يا أبا ذرٍّ، إنّك غضبتَ لله.. إنَّ القومَ خافوك على دنياهم، وخِفتَهم على دينك، فامتحنوك بالقَلى ونفوك إلى الفَلا. واللهِ، لو كانت السماواتُ والأرض على عبد رَتْقاً ثمَّ اتَّقى اللهَ لجعل له منها مخرجاً. يا أبا ذرّ، لا يؤنسنَّكَ إلاَّ الحقُّ، ولا يوحشنَّك إلاَّ الباطل) .
ثمَّ قال لأصحابه:(ودِّعوا عمَّكم) ، وقال لعقيل:(ودِّع أخاك) . فتكلَّم عقيل وقال: ما عسى ما نقول - يا أبا ذرٍّ -؟! وأنت تعلم أنَّا نُحبُّك وأنت تُحبُّنا، فاتَّقِ الله فإنَّ التقوى نجاة، واصبر فإنَّ الصبر كرم، واعلم أنَّ استثقالك الصبرَ مِن الجزع، واستبطاءَك العافيةَ مِن اليأس، فدَعِ اليأسَ والجزع.
ثمَّ تكلَّم الحسن فقال:(يا عمَّاه، لو لا أنَّه لا ينبغي للمودِّع أنْ يسكت، وللمُشيِّع أنْ ينصرف.. لَقَصُر الكلام وإنْ طال الأسف. وقد أتى مِن القوم إليك ما ترى، فضَعْ عنك الدنيا بتذكُّر فراغها، وشِدَّة
____________________
١ - عن الغدير ٨: ٢٩٢.
ما اشتدَّ منها برجاءِ ما بَعدها، واصبر حتَّى تلقى نبيَّك صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنك راضٍ) .
ثمَّ تكلّم الحسين (عليه السلام) فقال:(يا عمَّاه، إنَّ الله تعالى قادر أنْ يُغيِّر ما ترى. اللهُ كلَّ يوم في شأن، وقد منعك القومُ دنياهم ومنعتَهم دينَك، فما أغناكَ عمَّا منعوك، وأحوجَهم إلى ما منعتَهم! فاسألِ الله الصبر والنصر، واستعِذْ بِه مِن الجَشَع والجَزع لا يؤخِّر أجَلاً) .
ثمَّ تكلَّم عمّار مُغضباً فقال: لا آنسَ مَن أوحشك، ولا آمَنَ مَنْ أخافك. أمَا والله.. لو أردتَ دنياهم لأمَّنُوك، ولو رضيتَ أعمالَهم لأحبُّوك، وما منعَ الناس أنْ يقولوا بقولك إلاَّ الرضى بالدنيا والجزعُ مِن الموت، ومالوا إلى ما سلطانُ جماعتهم عليه. والمُلْك لمَن غلب، فوهبوا لهم دينهم، ومنحهمُ القومُ دنياهم، فخسروا الدنيا والآخرة، ألا ذلك الخُسران المُبين.
فبكى أبو ذرٍّ (رحمه الله) - وكان شيخاً كبيراً - وقال: رحِمَكمُ اللهُ - يا أهلَ بيت الرحمة -! إذا رأيتُكم ذكرتُ بكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. مالي بالمدينة سكَنٌ ولا شجنٌ غيركم. إنِّي ثقلتُ على عثمان بالحجاز كما ثقلتُ على معاوية بالشام، وكرِهَ أنْ أُجاورَ أخاه وابن خالهِ بالمصرَين(١) ،
____________________
١ - كان على مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخو عثمان مِن الرضاعة، وعلى البصرة عبد الله بن عامر ابن خال عثمان.
فأُفسدَ الناسَ عليهما، فسَيَّرني إلى بلدٍ ليس لي به ناصرٌ ولا دافعٌ إلاَّ الله. واللهِ، ما أُريد إلاَّ اللهَ صاحباً، وما أخشى مع الله وحشة(١) .
هذا أثر مِن آثار معاوية ومعاويةُ والٍ على الشام بتثبيتٍ مِن عثمان.. فإذا قُتِل عثمان أشاع معاوية الإرهاب، وشدَّد على مُحبِّي أمير المؤمنين (عليه السلام) حتَّى كتب إلى أحد قادة جيوشه: فاقتلْ كلَّ مَن لقِيتَه مِمَّن ليس هو على مثْلِ رأيك، واضربْ كلَّ ما مررتَ به مِن القرى، وأَحرِبِ الأموال.. فإنَّ حرَبَ الأموال شبيه بالقتل، وهو أوجع للقلب(٢) .
وكتب إلى ولاته في جميع الأمصار: انظروا مَن قامت عليه البيِّنةُ أنَّه يُحبُّ عليَّاُ وأهلَ بيته فامحُوه مِن الديوان، وأسقطوا عطاءَه ورزقَه(٣) .. وفي كتاب آخر جاء فيه: مَنِ اتَّهمتُموه بموالاة هؤلاءِ القوم فنكِّلُوا به واهدموا دارَه(٤) .
والآن.. دعونا ننظر إلى الصورة التي يُصوِّرها لنا الإمام الباقر (عليه السلام)؛ ليعكس لنا حال الأُمَّة في عهد معاوية:
(.. فقُتِلت شيعتُنا بكلِّ بلدة، وقُطعت الأيدي والأرجل على الظنَّة،
____________________
١ - شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد٢: ٣٧٥- ٣٨٧.
٢ - شرح نهج البلاغة ٢: ٨٦.
٣ - شرح نهج البلاغة ١١: ٤٥.
٤ - شرح نهج البلاغة ١١: ٤٥.
وكلُّ مَن يُذكر بحُبِّنا والانقطاع إلينا سُجن، أو نُهب ماله، أو هُدِمت داره. ثمَّ لم يزل البلاء يشتدُّ ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين [ عليه السلام ]) (١) .
وسُرقت الأموال ووزِّعت على أنصار معاوية، واشتُرِيت بها الضمائر الرخيصة والنفوس الضعيفة والأهواء المُبتذلة، وحُورِب الدين بشريعته وأنصارها حرباً شعواء.
وهل وقف الأمر إلى هذا الحدّ؟! لا والله!
فقد سَنَّ معاوية سبَّ أمير المؤمنين علي (عليه أفضل الصلاة والسلام) على المنابر جهاراً نهاراً في صلوات الجمعة، حتَّى استمرَّ ذلك ثمانين سنةً تقريباً في مُدن البلاد الإسلاميَّة - كما يذكر السيوطيّ في تاريخ الخُلفاء مُبيِّناً: - وكان في الدولة الإسلاميَّة سبعون ألفَ مِنبرٍ يُشتَم عليها عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام).
وكمْ يعترض البعض على انتقاد صحابيّ في مسألة خلافيَّة، فيُحتَجُّ له بألف حُجَّةٍ وحُجَّة، وتُقام له الدنيا ولا تُقعد؛ لأنَّ الصحابة كالنجوم، كلُّهم قدوة وأُسوة! ولكنَّ الإمامَ عليَّاً (عليه السلام) يُسَبُّ ثمانين عاماً ثمَّ يُسدل على ذلك ستار أسود، وتُطوى سجلاَّت هذه الجريمة العظمى والكارثة الكبرى، ويُقال بعد كلمة (معاوية): رضي الله عنه وأرضاه. ألم يكنِ الإمام عليٌّ (عليه السلام) مِن الصحابة؟! ألم يكن
____________________
١ - شرح نهج البلاغة ١١: ٤٣.
خليفة المسلمين؟! ألم يُسَلَّم عليه يوم الغدير بإمرة المؤمنين؟! فكيف سُكِت ويُسكَت على لعنه ثمانين سنة، وعلى أكثر مِن سبعين ألف منبر في حواضر البلاد الإسلاميَّة؟!(١) .
إنَّها الخيانة المتوارَثة! والتسالم على بُغض النبيّ وأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم، وقد رُوي مِن طريق السُّنَّة - فضلاً عن الشيعة -.. أنَّ الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قد قال:(يا عليّ، مَن قتلَك فقد قتلني، ومَن أبغضك فقد أبغضني، ومَن سبَّك فقد سبَّني؛ لأنَّك منِّي كنفسي.. روحك مِن روحي، وطينتُك مِن طينتي. وإنَّ الله تبارك وتعالى خلقني وخلقك مِن نوره، واصطفاني واصطفاك.. فاختارني للنبوَّة، واختارك للإمامة، فمَن أنكر إمامتَك فقد أنكر نبوَّتي..) (٢) .
ومعاوية قد اتَّخذ سبَّ الإمام عليّ (عليه السلام) سُنَّةً على منابر الجمعة والعيدَين. ورُبَّ مُتسائل مُستغرب: أين مصادر هذه الجناية؟! فرُبَّما لصقها أعداء معاوية بمعاوية؟!
نعم.. (ربَّما)، إذا كان الأمر يتعلَّق بكرامة معاوية! ولكنْ دعونا نُقلِّب هذه الصفحات: ص ١٢٠ مِن الجزء ٧ مِن صحيح مسلم. وص ١٧١ مِن الجزء ١٣ مِن صحيح الترمذيّ. وص ١٠٩ مِن الجزء ٣ مِن مُستدرك الصحيحين - للحاكم. وص ٦١، مِن الجزء الأوَّل مِن
____________________
١ - كما ذكر ذلك الزمخشري مُفصَّلاً في (ربيع الأبرار).
٢ - ينابيع المودَّة، للشيخ سليمان القندوزيّ الحنفيّ ١: ٥٣.
مروج الذهب - للمسعودي. وص ١٢ مِن تذكرة خواصِّ الأُمَّة - لسبط ابن الجوزي.
ولو كان معاوية بريئاً مِن هذه الجناية فلماذا لم يَنْهَ عنها؟! بلْ لماذا أمرَ عقيلاً أنْ يلعن عليَّاً، فلعنَ عقيلُ معاوية - كما جاء في العِقد الفريد لابن عبد ربَّه ٢: ١٤٤. والمُستطرف للأبشيهيّ ١: ٤٥ -؟! ولماذا دعا عبيدَ الله بن عمر - لمَّا قدِم إلى الشام - أنْ يشتم عليَّاً فتحرَّج - كما بيَّن ذلك نصر بن مزاحم في كتاب صِفِّين ١: ٩٢، وابن أبي الحديد في شرح النهج ١: ٢٥٦ -؟! ولماذا اعترض أنس على سَبِّ عليّ (صلوات الله عليه) كما بيَّن شهر بن حوشب، وذكره ابن الأثير في أُسد الغابة ١: ١٣٤ -؟! ولماذا نصح الأحنفُ بن قيس معاويةَ أنْ يترك لعن عليٍّ بعد شهادته، فأصرَّ معاويةُ على أنْ يقوم الأحنف هو نفسه فيلعن - كما جاء في العِقد الفريد ٢: ١٤٤، والمُستطرف ١: ٥٤ -؟! ولماذا اشترط الإمام الحسن (عليه السلام) في وثيقة الصلح مع معاوية ألا يَشتُم عليّاً، فلم يُجب معاوية إلى الكفِّ عن شتم عليّ، فطلب الحسن ألا يُشْتَمَ عليٌّ وهو يسمع، فأجابه معاوية إلى ذلك ثمَّ لم يفِ به - كما ورد في تاريخ الطبري ٦: ٩٢، والكامل في التاريخ لابن الأثير ٣: ١٧٥، وتاريخ ابن كثير ٨: ١٤، وتذكرة خواصِّ الأُمَّة: ١١٣، والإتحاف بحُبِّ الأشراف للشبراويّ: ٣٦؟!
وماذا يقول المُتسائل إذا أخبره الطبريّ في تاريخه ٦: ٩٦، وابن
الأثير في الكامل ٣: ١٧٩، وأحمد بن حنبل في مُسنده ١: ١٨٨، والحاكم في مُستدركه ١: ٣٨٥، وابن أبي الحديد في شرحه ١: ٣٦٠، والسيوطيّ في تاريخ الخُلفاء: ١٢٧، وابن حجر في الصواعق المُحرِقة: ٣٣، وغيرهم أنَّ عمَّال معاوية، ومنهم: بسر بن أرطأة في البصرة، وكُثير بن شهاب في الريّ، والمغيرة بن شعبة في الكوفة، ومروان بن الحكم في المدينة.. وغيرُهم، أنَّهم كانوا يشتمون عليَّاً على منابر الجُمعات والأعياد؟!
ولماذا لمَّا قُتِل الإمام الحسن (عليه السلام) حجَّ معاوية، فدخل المدينة وأراد أنْ يلعن عليَّاً (عليه السلام) على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قيل له: إنَّ سعداً لا يرضى، فأمسك، ثمَّ لمَّا مات سعد لعن عليَّاً على المنبر وكتب إلى عمَّاله أنْ يلعنوه على المنابر، ففعلوا.. فكتبت أُمُّ سلَمة زوجة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى معاوية: إنَّكم تلعنون الله ورسولَه على منابركم؛ وذلك أنَّكم تلعنون عليَّ بن أبي طالب ومَن أحبَّه، وأنا أشهد أنَّ اللهَ أحبَّه ورسولَه، فلم يلتفت معاوية إلى كلامها؟!(١)
وبعد.. فقد كان في سيرة معاوية نقض العهود، ونكث المواثيق، والغدر والخيانة، ولا أدلَّ مِن تمزيقه مُعاهدة الصلح مع الإمام الحسن (عليه السلام) والإخلال بشروطها مِن أوَّل يوم. قال أبو إسحاق
____________________
١ - يُراجَع تفصيل ذلك في: العِقد الفريد ٢: ٣٠١.
السبيعي: إنَّ معاوية قال في خُطبته بالنُخيلة: ألا إنَّ كلَّ شيءٍ أعطيتُه الحسنَ بنَ عليِّ تحت قدمَيَّ هاتين.. لا أفي به(١) . قال أبو إسحاق: وكان معاوية - والله - غدَّاراً(٢) .
وكيف لا؟! وقد بيَّن له الإمام الحسن (عليه السلام) في جملةٍ مِن مثالب معاوية في محضره حتَّى قال له:
(.. ومنها: أنَّ عمر بن الخطّاب ولاَّك الشامَ فخنتَ به، وولاَّك عثمانُ فتربَّصتَ به ريبَ المنون. ثمَّ أعظم مِن ذلك جُرأتُك على الله ورسوله أنَّك قاتلت عليَّاً (عليه السلام)، وقد عرَفتَه وعرفتَ سوابقَه وفضلَه، وعلمَه على أمرٍ هو أولى به منك ومِن غيرك عند الله وعند الناس، ولآذيتَه بلْ أوطأتَ الناس عَشْوَة، وأرقتَ دماءَ خلْقٍ مِن خلْقِ الله بخُدعك وكيدِك وتمويهِك، فِعْلَ مَن لا يؤمنُ بالمَعاد، ولا يخشى العقاب، فلمَّا بلغ الكتابُ أجَلَه صرتَ إلى شرِّ مَثْوى، وعليٌّ إلى خير مُنقلَب، واللهُ لك بالمُرصاد..) (٣) .
ولم يسلم منه المسلمون، حتَّى مَن كان آمناً في حرم الله (مكَّة)، فقد أمر معاوية بالإغارة عليها، وهي البلد الآمن والحرم الآمن - كما جاء في كتاب الله تعالى -:( ... أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى
____________________
١ - شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٤: ١٦.
٢ - يُراجَع: المُختصر في أخبار البشر، لإسماعيل بن عليّ بن محمّد المعروف بـ (أبي الفداء).
٣ - الاحتجاج: ٢٧٥.
إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ... ) ؟(١) ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آَمِناً... ) ؟(٢) ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً... ) (٣) . وقد روَّوا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(إنَّ هذا بلد حرم الله يومَ خلقَ السمواتِ والأرض، وهو حرام بحُرمة الله إلى يوم القيامة، وإنَّه لم يحلَّ القتال فيه لأحدٍ قبلي..) (٤) .
وفي المدينة المنوَّرة الطيِّبة قال المُصطفى صلى الله عليه وآله وسلم - كما روَوا -:(المدينة حرمٌ بين عِير إلى ثور، مَن أحدث فيها حدثاً - أيْ: إثماً أو قتلاً -أو آوى مُحدِثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يُقبَل منه صَرْف ولا عمل. ذِمَّة المسلمين واحدة، فمَن أخفر مسلماً - أيْ: غدر به -فعليه لعنة الله والملائكةِ والناس أجمعين، لا يُقبَل منه صَرْف ولا عدل) (٥) .
ولكنَّ معاوية بن هند أمر بالاستحواذ على المدينة المنوَّرة، وإخافةِ أهلها والوقيعة فيهم واستقراء مَن يوجد فيها مِن شيعة الإمام عليّ (عليه السلام)(٦) .
____________________
١ - القصص: ٥٧.
٢ - العنكبوت:٦٧.
٣ - البقرة: ١٢٥.
٤ - صحيح البخاريّ ٣: ١٦٨ - باب لا يحلُّ القتال بمَكَّة. وصحيح مسلم ٤: ١٠٩.
٥ - صحيح البخاريّ ٣: ١٧٩، وصحيح مسلم ٤: ١١٤...، ومُسند أحمد ١: ٨١ و ٢: ٤٥٠، وسُنَن البيهقي ٥: ١٩٦، وسُنَن أبي داود ١: ٣١٨.
٦ - يُراجَع: الغدير ١١: ٣٤.
ولمَّا سيطر معاوية على زمام الأُمور ومقاليد الحكم قيل له: لو سكنتَ المدينة، فهي دار الهجرة وبها قبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. فقال: قد ضللتُ إذاً وما أنا مِن المُهتدين(١) .
ثمَّ جاء يزيدُ ابنُه مِن بعدُ فهتكها في واقعة الحَرّة - كما سيأتي -.
وأخيراً.. مع بعض النصوص الصريحة في معاوية، نختار غيضاً مِن فيض؛ لتستريح النفوس وتهدأ الضمائر:
* عن عبد الله بن عمر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مِن فَجٍّ، فنظر إلى أبي سفيان وهو راكب، ومعاويةُ وأخوه أحدهما قائد، والآخر سائق، فلمَّا نظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(اللَّهمَّ، العنِ القائدَ والسائق والركب) . قيل لابن عمر: أنت سمعتَ رسولَ الله؟! قال: نعم، وإلاَّ فصُمَّتا أُذُناي كما عميتا عيناي(٢) .
* أخرج محمّد بن جرير الطبريّ(٣) : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(يطلع مِن هذا الفَجِّ رجلٌ مِن أُمَّتي، يُحشَر على غير مِلَّتي) . فطلع معاوية.
____________________
١ - المناقب والمثالب، للقاضي نعمان المصري: ٧٠.
٢ - كتاب وقعة صِفِّين: ٢٤٧، وتاريخ الطبري ١١: ٣٥٧. وتذكرة خواصِّ الأمَّة:١١٥. وجمهرة خطب العرب ١: ٤٢٨. وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢:١٠٢.
٣ - في تاريخه ١١: ٣٥٧.
* وأخرج البلاذري(١) ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: كنتُ جالساً عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال:(يطلع عليكم مِن هذا الفَجِّ رجل يموت - يوم يموت - على غير مِلَّتي) . قال: وتركتُ أبي يلبس ثيابه، فخشيتُ أنْ يطلع، فطلع معاوية.
* وكتب ابن أبي الحديد المُعتزلي: روى ابن ديزيل عن عبد الله بن عمر، عن زيد بن الحُباب، عن علاء بن جرير العنبري، عن الحكم بن عمير الثُّمالي - وكانت أُمُّه بنت أبي سفيان بن حرب - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه ذات يوم...
ثمّ قال:(يا معاوية، كيف بك إذا وُلِّيت؟!) ، قال: الله ورسوله أعلم. فقال:(أنت رأس الحُطْم، ومفتاحُ الظُّلْم، حَصَباً وحَقباً، تتَّخذ الحسَنَ قبيحاً، والسَّيِّئةَ حَسنة، يربو فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، أجَلُك يسير، وظلمك عظيم!) (٢) .
* وقال البراء بن عازب: أقبل أبو سفيان ومعه معاوية، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(اللَّهمَّ، العنْ التابعَ والمتبوع.. اللَّهمَّ، عليك بالأُقيعس) . فقال ابن البراء لأبيه: مَن الأُقيعس؟ قال: معاوية(٣) .
والأُقيعس: الرجل الذي أخرج صدره، ولعلّه كناية عن التكبّر.
____________________
١ - أنساب الأشراف - الجزء الأوَّل.
٢ - شرح نهج البلاغة ٣: ٩٧.. والحُطم: الأكول الذي لا يشبع.
٣ - كتاب وقعة صِفِّين: ٢٤٤.
* ودعا النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم على معاوية وعمرو بن العاص فقال - وقد رفع يديه -:(اللَّهمَّ أركِسْهما رَكْساً، ودُعَّهُما إلى النار دَعَّاً) (١) .
* وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إنَّ معاوية في تابوت مِن نار في أسفل دركٍ منها..) (٢) .
وعند الصحابة:
وأمَّا الصحابة.. فقد سمَّاه أبو أيُّوب الأنصاري كهف المنافقين(٣) ، وقال له قيس بن سعد بن عبادة: فإنَّما أنت وثنٌ ابنُ وَثن، دخلتَ في الإسلام كرهاً، وخرجت منه طوعاً.
وذمَّه محمَّد بن أبي بكر في كُتبٍ له عديدة(٤) .
وقال له معن بن يزيد بن الأخنس السلميّ - الصحابيّ الذي شهد بدراً -: ما ولدت قرشيَّة مِن قرشيِّ شَرَّاً منك(٥) .
هذا فضلاً عمَّا جاء في مصادر المسلمين، مِن كتب وكلمات للإمام عليّ (عليه السلام) وولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) في ذَمِّ معاوية وبيان مثالبه وجرائمه النكراء في هذا الدين وهذه الأُمَّة(٦) .
____________________
١ - مسندُ أحمد بن حنبل ٤: ٤٢١، وقعة صِفِّين: ٢٤٦.
٢ - تاريخ الطبريّ ١١: ٣٥٧.
٣ - شرح نهج البلاغة ٢: ٢٨٠.
٤ - مروج الذهب ٢: ٥٩، جمهرة رسائل العرب ١: ٥٤٢.
٥ - الإصابة ٣: ٤٥٠.
٦ - على سبيل المثال: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٤: ٦، ١٦، والإمامة والسياسة، لابن قتيبة الدينوريّ ١: ١٣١، ونهج البلاغة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ولا بأس بمُراجعة الغدير ١٠: ١٤٩ - ١٧٧.
واختصاراً للمسافة وتجنّباً للعناء ننصح بمراجعة كتاب (السبعة من السلف) للسيّد مرتضى الفيروزآباديّ من ص١٨٣ إلى ص٢٢٣، فهناك نجد ما يدهش من كتب أهل السنّة فيما جاء من شؤون معاوية.
وأمّا ما كتبه الكاتب المصريّ المعروف (محمود أبو ريّة)، فيحمل حقائقَ تنسجم مع الإنصاف كثيراً، حيث جاء في كتابه ((شيخ المُضيرة أبو هريرة الدوسيّ)) قولُه تحت عنوان: معاوية بن أبي سفيان:
ومعاويةُ مطعون في دينه، وقد كان في الجاهليّة زنديقاً، وأصبح في الإسلام طليقاً(١). ((وقد وَرِث عن أبيه قوّتَه وقسوته، وكيدَه ودهاءه، ومرونته كذلك! ولم تكنْ أمّ معاوية بأقلَّ من أبيه تنكّراً للإسلام وبغضاً لأهله وحفيظةً عليه(٢)، وهم قد وتروها يوم بدر، فثأر لها المشركون يومَ أُحُد، ولكنّ ضغنها لم يهدأ وحفيظتها لم تسكن حتّى فُتِحت مكّة، فأسلمَتْ كارهةً كما أسلم زوجها
____________________
والسياسة، لابن قتيبة الدينوريّ ١: ١٣١ و ١٥٣، ونهج البلاغة لأمير المؤمنين (عليه السلام) في مواضع عديدة، ولا بأس بمراجعة الغدير ١٠: ١٤٩ - ١٧٧.
(١) أي ممّن أطلقهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعد فتحه مكّة، وهم لاحقّ لهم في الحكم والزعامة؛ لأنّهم طلقاء!
(٢) الحفيظة هي: الغضب، والحميّة.
كارهاً!))(١)، وكما أسلم ابنها معاوية. وهند هذه.. هي التي أغرتْ وحشيّاً بحمزة عمِّ النبيّ حتّى قتله، ثمّ أعتقته، ولمّا قُتِل حمزة بقرت بطنه ولاكتْ كبِدَه، وفعلت فعلاتها بجثّته!
وإذا كان معاوية قد ورث بغضَ عليٍّ عن آبائه، فإنّ هناك أسباباً أخرى تسعر من نار هذا البغض، منها أنّ عليّاً قتل أخاه حنظلة يوم بدر، وخاله الوليد بن عُتبة، وغيرهما كثيرين من أعيان وأماثل عبد شمس. ومن أجل ذلك كان معاوية أشدَّ الناس عداوةً لعليّ، يتربّص به الدوائر دائماً، ولا يفتأ يسعى في الكيد له سرّاً وعلانية، قولاً وعملاً.
معاوية وحروب الجمل:
وقد انتهز معاوية فرصة حروب الجمل، فأخذ يحرّض طلحةَ والزبير وعائشة ويُظاهرُهم، حتّى إذا انتهت هذه الحرب بهزيمة مَن أثاروها، أشعل الحربَ بينه وبين عليٍّ في صٍِفّين وغيرها، ثمّ انتهى الأمر بقتل عليٍّ بمؤامرة. ولا ننسى أنّه لم يبايع عليّاً عندما بُويع له - كما بايع كلُّ الولاة - وخرج عليه.
انصراف معاوية إلى أولاد عليّ بعد قتل أبيهم:
ولم يُشبع نهم الحقد الأُمويّ قتلُ هذا الإمام العظيم، بل صرف معاويةُ كيدَه وبغيه أوّل الأمر إلى الحسن (رضي الله عنه)، الذي كان (معاويةُ)
____________________
(١) عليّ وبنوه لطه حسين: ٦١.
يُزاحمه بحقِّه في الخلافة، وما زال يراوغه بكيده، حتَّى تخلَّص منه بالسمِّ(١) .
ومات معاوية قبل أن يُلحِق الحسينَ بأخيه الحسن، وهما ريحانتا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وترك ذلك لابنه يزيد!)(٢) .
والآن.. إلى وريثه، ولده يزيد.
أمَّا أبوه.. فاشتهر أنَّه معاوية، وأمَّا الأُمُّ.. فميسون، ومَن هي ميسون يا تُرى؟!
هي امرأة مِن بني كلب، وأبوها شيخ كلب كان يُسمَّى (بجدل)، وكان له عبدٌ له اسمه (سفَّاح)، وقد زنى سفَّاح بميسون وهي بنت فحَملت منه، ثمَّ حُملت إلى معاوية فوجدها (ثَيِّباُ). فكان بينهما ما كان، حتَّى نظمت ميسون أبياتاً مِن الشعر، تُعرِب فيها عن رغبتها في العودة إلى أهلها وديارها.
فطلَّقها معاوية وأرسلها إلى (حُوَّارين) فوضعت حملها، وقيل: وضعت ولداً فأسماه معاويةُ (يزيد) على اسم أخيه يزيد بن أبي سفيان.
____________________
(١) سمَّته امرأته جعدة بنت الأشعث بتدسيس معاوية، وكان وعدها بأنْ يزوِّجها مِن يزيد (الاستيعاب لابن عبد البر ١: ١٤٣) (منه).
(٢) شيخ المضيرة أبو هريرة الدوسي، بقلم محمود أبو ريَّة: ١٥٧ - ١٥٨.
هكذا جاء في (تجارب السَّلَف) للعالم السُّنِّي (هندوشاه بن سنجر بن عبد الله صاحبي) - وهو مِن أعلام القرن الثامن الهجري - فقد أورد هذه الأخبار على الصفحة ٦٦، ثمَّ قال بعد ثلاث صفحات: وإلى هذا أشار النسَّابةُ الكلبيّ بقوله:
فإنْ يكنِ الزمانُ أتى علينا بقتل التُّرك والموتِ الوَحِيِّ
فقد قتل الدعيُّ وعبدُ كلبٍ بأرض الطفِّ أولادَ النبيِّ
ومُراده بـ (عبد كلب) يزيدُ بن معاوية؛ لأنّه مِن عبد بجدل الكلبيّ.
فـ (يزيد) وُلِد في حُوَّارين لأبوين.. ولكنْ كيف نشأ في ديار حوّارين؟ تنقل لنا كتبُ التاريخ أنَّ حُوَّارين مسيحيَّة الأجواء، فنشأ فيها يزيد مع النصارى بعيداً عن نفحات الإسلام، ولم يبقَ في دمشق إلاَّ أيَّاماً قليلة(١) ، وإنَّما ذهب إليها بعد هلاك أبيه معاوية(٢) بعشرة أيَّام(٣) ، فوجده مدفوناً فصلَّى على قبره(٤) .
____________________
١ - معاوية بن أبي سفيان وعصره، لعمر أبو النصر: ٢٨٢.
٢ - الفتوحات المَكِّيَّة، لابن عربي ٤: ٢٦٥.
٣ - دائرة معارف القرن العشرين، لمحمد فريد وجدي ٤: ٧٧١.
٤ - الكامل في التاريخ ٣: ٤٩.
وهنا نترك القلم للبعض يُنصفون يزيدَ بن معاوية في الحديث حول نشأته:
كتب (عبد الله العلايليّ): إذا كان يقيناً أو يُشبه اليقين.. أنَّ تربية يزيد لم تكن إسلاميَّةً خالصة، أو بعبارة أُخرى: كانت مسيحيَّة خالصة، فلم يبقَ ما يُستغرَب معه أنْ يكون مُتجاوزاً مُستهتراً مُستخفَّاً بما عليه الجماعة الإسلاميَّة، لا يحسب لتقاليدها واعتقادها أيَّ حساب، ولا يُقيم لها وزناً. بلْ الذي نستغربه أنْ يكون على غير ذلك(١) .
وكتب عمر أبو النصر: أمَّا أُستاذ يزيد - أو أساتذته إذا كانوا غير واحد - فإنَّهم مجهولون، وقد أسف (لامنس) المُستشرق اليسوعيّ لهذا النقص التاريخيّ(٢) ؛ لأنَّه يعتقد أنَّ أُستاذ يزيد لا يبعُد أنْ يكون مسيحيَّاً مِن مشارقة النصارى(٣) .. خصوصاً يزيد نفسه قد كلَّف كاهناً مسيحيَّاً بتثقيف ولده (خالد)، وهذه ظاهرة تُروِّج إلى أنَّه قد يكون تلقَّى العلم عند واحدٍ منهم(٤) .
____________________
١ - الإمام الحسين (عليه السلام) أو سموُّ المعنى في سموُّ الذات: ٥٩.
٢ - معاوية بن أبي سفيان: ٣٥٩.
٣ - يزيد بن معاوية فرع الشجرة الملعونة في القرآن، للأُستاذ أحمد المَكِّيّ: ٧٤.
٤ - تاريخ الآداب العربيَّة، بقلم المُستشرق (هوار): ٦١. وتاريخ الفلسفة في الإسلام، بقلم المُستشرق ت. ج دي بور (جامعة امستردام)، ترجمة: الدكتور أبو ريده: ٧. ومعاوية بن أبي سفيان: ١٩٠.
أمَّا أصحاب يزيد.. فلا بُدَّ أنَّهم مِن ديار حُوَّارين، مِن النصارى ونُدماء مجالس الخمر واللهو والمجون. دعونا نقرأ ما دوَّنه أبو الفرج الإصبهانيّ، حيث كتب:
إنَّ يزيد كان يُنادم (الأخطل) الشاعر المسيحيَّ الخليع، فكانا يسمعان معاً الغناء، وكانا يشربان معاً الخمر. وإذا أراد يزيد السفر صحِبَه معه.
(والأخطل عليه جُبَّة خَزّ، وفي عنقه سلسلة مِن ذهب، والخمر يقطرُ مِن لحيته)(١) .
ونترك - هنا - تعليلَ السبب في دفاع النصارى - أمسِ واليوم - عن يزيد.. نتركه للأُستاذ عمر أبو النصر، حيث كتب يقول:
لقد حاول مُستشرقو (الفرنجة) في كثيرٍ مِن البراعة والبيان - وما يزالون يُحاولون - الانتصاف ليزيد بن معاوية، والتلويحَ إلى حِلمه وأدبه وعلمه وسياسته ولياقته.. وغيرِ ذلك مِن الفضائل، التي أنكرها عليه مُؤرِّخو العرب.
وقد كان أكثرَهم حرارةً في ذلك الأبُ (لامنس) اليسوعيّ.
ثمَّ قال أبو النصر: ولكنَّ إغراق المُستشرقين لا يُنكر، ونَصفتهم ليزيد بعيدة كلَّ البعد عن الحقيقة الواقعة..(٢) .
____________________
١ - الأغاني ٧: ١٧.
٢ - معاوية بن أبي سفيان: ١٩٧ - ١٩٨.
ولعلَّ أحد أدلَّة ما ذهب إليه أبو النصر.. ما دوَّنه ابن كثير في تاريخه، حيث كتب بصريح العبارة: كان يزيد صاحبَ شراب، فأحبَّ معاوية أنْ يَعِظَه في رفق، فقال له: يا بُنَيَّ، ما أقدرَك على أنْ تصلَ حاجتك مِن غير تهتُّك يذهب بمرؤمتك وقَدْرك، ويشمت بك عدوَّك، ويُسيء بك صديقَك. ثمَّ قال: يا بُنيّ، إنِّي مُنشِدُك أبيتاً فتأدَّبْ بها واحفظْها. فأنشدَه:
انصبْ نهارَك في طِلاب العُلى وأصبرْ على هجر الحبيبِ القريبْ
حتَّى إذا الليل أتى بالدُّجى واكتحلتْ بالغُمضِ عينُ الرقيبْ
فباشِرِ الليلَ بما تشتهي فإنَّما الليلُ نهارُ الأريب
كمْ فاسقٍ تحسَبُه ناسكاً قد باشرَ الليلَ بأمرٍ عجيب
غطَّى عليه الليلُ أستارَهُ فبات في أمنٍ وعيشٍ خصيب
ولذَّة الأحمقِ مكشوفةٌ يسعى بها كلُّ عدوٍّ مُريب(١)
____________________
١ - تاريخ ابن كثير ٨: ٢٢٨.
ثمَّ كتب ابن كثير بعد صفحتين فقط: وكان فيه أيضاً - أيْ: في يزيد - إقبالٌ على الشهوات، وترك بعض الصلوات.
سيرته:
ونتركها لأقلام التاريخ تروي أخبارها، متجنبِّين التعليق عليها:
* أخرج الطبريّ عن المنذر بن الزبير أنَّ يزيد بن معاوية بعث إليه بمئة ألفٍ ليشتري منه دْينَه، ويُبايعه لأجلها. فأخذ المنذرُ المالَ وخطب في أهل المدينة وقال - فيما قال -: إنَّه أجازني بمئة ألف، ولا يمنعني ما صنع بي أنْ أُخبركم خبره.. واللهِ، إنّه لَيشرب الخمر. واللهِ، إنَّه ليسكر حتَّى يدعَ الصلاة(١) .
* وذكر المؤرِّخون أنَّ يزيد بن معاوية كان كَلِفاً بالصيد لاهياً به، وكان يُلبِس كلابَ الصيد الأساورَ مِن الذهب والخِلالَ المنسوجة منه، ويهَب لكلِّ كلبٍ عبداً يخدمه(٢) .
* كتب المسعوديّ: وكان يزيد صاحبَ طربٍ وجوارح وكلاب، وقرود وفهود، ومُنادمةٍ على الشراب. وحَبَس ذات يوم على شرابه - وعن يمينه ابن زياد - وذلك بعد قتل الحسين، فأقبل على ساقِية فقال:
____________________
١ - تاريخ الطبريّ ٤: ٣٦٨. ويُراجع أيضاً: الكامل في التاريخ ٤: ٤٥، وتاريخ ابن كثير ٨: ٢١٦.
٢ - الفخري: ٤٥.
اسقِني شَرْبَةً تُرِّوي مُشاشي ثمَّ مِلْ فاسْقِ مِثلَها ابنَ زيادِ
صاحبَ السرِّ والأمانةِ عندي ولتسديد مَغنمي وجهادي
وغلب على أصحاب يزيد وعمَّاله ما كان يفعله مِن الفسوق. وفي أيَّامه ظَهَر الغناء بمَكَّة والمدينة، واستُعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب، وكان له قردٌ يُكنَّى بأبي قيس، يُحضِره مجلسَ مُنادمته ويُطرَح له مُتَّكأً...
وليزيد وغيره أخبار عجيبة، ومثالب كثيرة، مِن: شرب الخمر، وقتل ابن بنت الرسول، ولَعْن الوصيِّ، وهدم البيت وإحراقه، وسفك الدماء، والفسق والفجور.. وغير ذلكِ ممَّا قد ورد فيه الوعيد باليأس مِن غفرانه، كوروده فيمن جحد توحيده وخالف رسُلَه(١) .
وقال البلاذريّ: كان ليزيد بن معاوية قرد يجعله بين يديه، ويُكنِّيه (أبا قيس) ويقول: هذا شيخ مِن بني إسرائيل أصاب خطيئةً فمُسخ. وكان يسقيه النبيذَ ويضحك ممَّا يصنع. وكان يحمله على أتانٍ وحشيَّةٍ ويُرسلها مع الخيل فيسبقها، فحمله يوماً وجعل يقول:
تمسَّكْ أبا قيس بفضل عنانها فليس عليها إنْ سقطتَ ضمانُ
____________________
١ - مروج الذهب ٣: ٧٧ - ٨١، مِن فصل: ذكرْ لُمع مِن أخبار يزيد وسيره، ونوادر مِن (بعض) أفعاله.
ألا مَن رأى القردَ الذي سبقَتْ به جياد أمير المؤمنين أتانُ(١)
ويروي الزبير بن بكّار ذلك على نحو مِن التفصيل، فيقول:
كان يزيد بن معاوية في مجونه نادم قرداً، فأخذه يوماً فحمله على أتانٍ وحشيَّة، وشَدَّ عليها رباطاً، ثمّ أرسل الخيل في إثْرها حتَّى كسرتها فماتت الأتان، فقال في ذلك يزيد:
تمسَّكْ أبا قيس بفضل عنانها فليس عليها إنْ هلكتَ ضمانُ
فما فعلَ الشيخُ الذي سبقَتْ به جيادَ أمير المؤمنين أتانُ
وبذلك سبَّه أبو حمزة في خُطبته حين يقول: خالفَ القرآن، واتَّبع الكُهَّان، ونادم القرد، وفعل ما يُشبهه، حتَّى مضى لسبيله لعنه الله!(٢)
وقد ذاع بين الناس هيام يزيد وشغفه بالقرود، حتَّى لقَّبوه بها، ويقول رجل مِن تنوخ هاجياً له:
يزيد صديق القرد مَلَّ جوارنا فحنَّ إلى أرض القرودِ يزيدُ
فتبَّاً لِمَن أمسى علينا خليفةً صحابته الأدنَونَ منه قرودُ(٣)
____________________
١ - أنساب الأشراف ٤: ١. ويُراجع أيضاً: مروج الذهب ٣: ٦٧ - ٦٨.
٢ - الأخبار الموفقيَّات ٣٤٦.
٣ - أنساب الأشراف ٤: ٢.
* وأكثر شعر يزيد في الخمر والغناء، مثل قوله:
معشرَ الندمان قوموا واسمعوا صوتَ الأغاني
واشربوا كأس مُدامٍ واتركوا ذكْر المثاني(١)
شغلتْني نغمةُ العي دانِ عن صوتٍ الأذانِ
وتعوَّضتُ مِن الحو ر عجوزاً في الدنانِ
وقوله:
عليَّة هاتي واعْلِني وترنَّمي بذلك إنِّي لا أُحبُّ التناجيا
ألا هاتِ سقّيني على ذات قهوةٍ تخيّرها العنسيّ كرماً شآميا
إذا ما نظرنا في أُمورٍ قديمةٍ وجدنا حلالاً شربها متوالي(٢)
* وروى الطبريّ مِن شعر ابن عرادة أنَّ يزيد كان شرَّيباً للخمر طوال حياته، وقد مات بين كأس الخمر وزقِّ الخمر، وبين المُغنِّية وآلة الطرب.. وقد قال:
أ بَني أُميَّةَ إنَّ آخر مُلككم جسدٌ بحُوَّارينَ ثَمَّ مُقيمُ
طرقتْ منيَّته وعند وسادِه كوب وزقُّ راعفٌ مرثومُ
ومرِئّة تبكي على نشوانه بالصنج.. تقعدُ تارةً وتقومً
والزقُّ: قِربة الخمر، وراعف مرثوم أيْ مفتوح لم يُغلق. أمَّا المرئَّة فهي المُغنِّية التي أمست تبكي على سُكر يزيد بضرب الصنج. وقد
____________________
١ - أيْ اتركوا الصلاة، والمثاني هي سورة الحمد التي تُقرأ في الصلاة.
٢ - تذكرة خواصّ الأُمَّة: ١٦٤.
ذكر المسعوديّ أنَّ يزيد حينما سمع بمقتل الحسين (عليه السلام) جلس للشراب وعن يمينه عبيدُ الله بن زياد، فقال:
اسقِني شَرْبَةً تُرِّوي مُشاشي ثمّ مِلْ فاسْقِ مِثلَها ابنَ زيادِ
صاحبَ السرِّ والأمانةِ عندي ولتسديد مَغنمي وجهادي
ثمَّ أمر المُغنِّين فغنُّوا(١) .
* وعرَّف الفخريُّ يزيدَ بن معاوية فقال:
يزيد.. هو أوَّل مَن خلقَ الغناء، واستمع إلى المُغنِّيات والمُغنِّين، وجلس مجالس اللهو والعبث، دون غيره وسواه مِن رجالات عصره وكبار زمانه(٢) . أوَّل مَن فعل ذلك، يعني مِن الحكام، مُتجاهراً بهذه المفاسد.
* أخرج ابن قتيبة عن عتبة بن مسعود أنَّه قال في حديثٍ له:
يزيد.. وهو يشرب الخمر، ويلهو بالقيان، ويستهتر بالفواحش(٣) .
وروى البلاذريّ عن المدائنيّ، أنَّ يزيد دعا بأُمِّ خالد (زوجته) لينال منها، فأبطأت عليه، وعرضت له جارية سوداء مِن جواريه فوقع عليها، فلمَّا جاءت أُمُّ خالد أنشأ يقول:
أسْلَمي أُمَّ خالدِ ربَّ ساعٍ لقاعدِ
____________________
١ - مروج الذهب ٣: ٦٧.
٢ - عنه كتاب: معاوية بن أبي سفيان: ٢٨١.
٣ - الإمامة والسياسة ١: ١٦٧.
إنَّ تلك التي تَرَيـ ـن سَبتْني بواردِ
(إلى آخر أبياته القذرة الفاحشة، التي هي أولى بها أنْ تُقبَر مِن أن تُذكَر!)(١) .
* وروى أبو الفرج الإصبهاني قائلاً: كان يزيد بن معاوية أوَّل مَن سَنَّ الملاهي في الإسلام مِن الخلفاء، وآوى المُغنِّين، وأظهر الفتك وشرِب الخمر، وكان يُنادم عليها سرجونَ النصرانيّ مولاه، والأخطل - الشاعرَ النصرانيّ - وكان يأتيه مِن المُغنِّين (سائب خاثر) فيُقيم عنده فيخلع عليه..(٢) .
* وقال البلاذري: وكان يزيد بن معاوية أوَّلَ مَن أظهر شرب الشراب والاستهتار بالغناء والصيد، واتِّخاذَ القِيانِ والغلمان، والتفكُّة بما يَضحك منه المُترفون مِن القرود، والمُعافرةَ بالكلاب والديكة(٣) .
* وقبل أن يهلك معاوية أرسل ولدَه يزيد إلى الحجِّ، وقيل: أخذه معه، فجلس يزيد على شراب...(٤) .
ولمَّا أراد معاوية أنْ يأخذ البيعةَ ليزيد على الناس، طلب مِن زياد ابن أبيه أنْ يأخذ بيعة المسلمين في البصرة، فكان جواب زيادٍ له: ما
____________________
١ - أنساب الأشراف ٤: ٢.
٢ - الأغاني ١٦: ٦٨، وأنساب الأشراف ٤: ٣.
٣ - أنساب الأشراف ٤: ١.
٤ - الأغاني ١٤: ٦١، وتاريخ ابن الأثير ٤: ٥٠.
يقول الناس: إذا دعوناهم إلى بيعة يزيد.. وهو يلعب بالكلاب والقرود، ويلبس المُصبَّغات، ويُدمن الشراب، ويمشي على الدفوف، وبحضرتهمُ الحسينُ بن عليّ، وعبد الله بن عبّاس، وعبد الله ابن الزبير، وعبد الله بن عمر؟! ولكنْ تأمره يتخلَّق بأخلاق هؤلاءِ حَولاً أو حولين، فعسانا أنْ نُموِّه على الناس(١) .
ولمَّا حجَّ معاوية وحاول أنْ يأخذ البيعة مِن أهل مَكَّة والمدينة، فأبى عبد الله بن عمر وقال: نُبايع مَن يلعب بالقرود والكلاب، ويشرب الخمر ويُظهر الفسوق؟!(٢) .
وقال الإمام الحسين (عليه السلام) لمعاوية: كأنَّك تصف محجوباً أو تنعت
____________________
١ - تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٢٠.
٢ - تاريخ اليعقوبي: ٢٢٨، وإنْ كان عبد الله بن عمر فيما بعد بايع على يد الحجّاج، بعد أن صلب الحجّاجُ عبد الله بن الزبير، فأقبل عبد الله بن عمر على الحجّاج يقول له: مُدََّ يدك لأُبايعك لعبد الملك، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهليّة. فأخرج الحجّاج رِجْلَه وقال: خُذْ رِجْلي؛ فإنّ يدي مشغولة! فقال ابن عمر: أتستهزئ منّي؟! قال الحجّاج: يا أحمق بني عديّ، ما بايعت مع عليّ وتقول اليوم: مَن مات ولم يعرفْ إمام زمانه مات ميتةً جاهليّة؟! أَوَما كان عليٌّ إمام زمانك؟! والله ما جئت إليَّ لقول النبيّ، بل جئت مخافة تلك الشجرة التي صُلِب عليها ابن الزبير! المسترشد لابن جرير الطبريّ ١٧٧. نثر الدرّ في المحاضرات للآبيّ ٢: ٦٦ - الباب الرابع من كلام الصحابة - عبد الله بن عمر. الفصول المختارة للشيخ المفيد ١٩٧. مروج الذهب للمسعودي ٢: ٣٦١. البصائر والذخائر لأبي حيّان التوحيديّ ج٨ وفيه: قال الحجاج له: أتتخلّف عن بيعة عليّ بن أبي طالب وتبايع عبد الملك؟! بايعْ رجلي؛ فإنّ يدي عنك مشغولة! ومدّ إليه رجْلَه.
غائباً، أو تُخبر عمَّا كان احتويته لعلمٍ خاصٍّ، وقد دلَّ يزيد مِن نفسه على موقع رأيه؟! فخُذْ ليزيد في ما أخذ مِن استقرائه الكلاب المُهارَشة عند التحارش، والحَمام السَّبق لأترابهنَّ، والقينات ذوات المعازف وضروب الملاهي.. تجِدْه ناصراً، ودَعْ عنك ما تُحاول(١) .
* نعم , فشُهرة يزيد أطغى مِن أنْ يُمَوَّه عليها. قال ابن كثير: اشتهر يزيد بالمعازف وشرب الخمور والغناء والصيد، واتِّخاذ القيان والكلاب، والنطاح بين الأكباش والدِّباب والقرود. وما مِن يوم إلاَّ ويُصبح فيه مخموراً. وكان يشدُّ القردَ على فرس مُسرَّجةٍ بحبال، ويسوق به، ويُلبس القرد قلانسَ الذهب، وكذلك الغلمان، وكان يُسابق بين الخيل، وكان إذا مات القرد حزن عليه..(٢) .
ومِن هنا رفض الإمام الحسين (عليه السلام) أنْ يُساوم أو يُهادن، فقال مُخاطباً والي المدينة:(إنَّا أهل بيت النبوَّة، ومعدن الرسالة، ومُختلفُ الملائكة ومَهبِطُ الرحمة.. بنا فتح الله وبنا يختم. ويزيدُ رجلٌ شارب الخمر، وقاتل النفس المُحترمة، مُعْلِنٌ بالفِسق، ومثلي لا يُبايع مثْلَه..) (٣) .
وقال (عليه السلام) جواباً لمروان بن الحَكَم:
____________________
١ - الإمامة والسياسة ١: ١٧٠.
٢ - تاريخ ابن كثير ٨: ٤٣٦.
٣ - تاريخ الطبريّ ٧: ٢١٦، والكامل في التاريخ ٣: ٢٦٢.
(إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام إذا بُليتِ الأُمَّةُ براعٍ مثْلِ يزيد! ولقد سمعتُ جَدَّي رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: الخلافة مُحرَّمةٌ على آل أبي سفيان، فإذا رأيتُم معاويةَ على منبري فابقروا بطنَه، وقد رآه أهلُ المدينة فلم يبقروا، فابتلاهم الله بـ (يزيد) الفاسق) (١) .
* قال الأُستاذ (محمّد عبد الباقي سرور): لو بايع الحسينُ (يزيدَ) الفاسق المُستهترَ، الذي أباح الخمر والزنا، وحطَّ بكرامة الخلافة إلى مجالسة الغانيات، وعقد حلقاتِ الشراب في مجلس الحكم، والذي ألبس الكلاب والقرودَ خلاخلَ مِن ذهب، ومئاتُ الألوف مِن المسلمين صرعى الجوع والحرمان.. لو بايعَ الحسينُ يزيدَ على هذا الوضع، لكانت فُتيا مِن الحسين بإباحة هذا للمسلمين..(٢) .
لقد ثار أبو عبد الله الحسين (عليه السلام)، فشرَّع حكم الجهاد في ذلك الوقت على حكم بني أُميَّة قاطبة، وعلى يزيد بالذات. فاندلعت
____________________
١ - مقتل الحسين (عليه السلام)، للخوازميّ ١: ١٨٥. والملهوف على قتلى الطفوف، لابن طاووس: ٢٠، وفي (معاني الأخبار ص ٣٤٦): أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال - مُشيراً إلى معاوية -:(مَن أدرك هذا يوماً أميراً، فليبقرْ خاصرته بالسيف!) ، فرأى رجلٌ معاوية يَخطب بالشام، فاخترط سيفه ومشى إليه، فحال الناس بينه وبينه، قالوا: يا عبد الله، مالك؟! قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:(مَن أدرك هذا يوماً أميراً، فليبقر خاصرته بالسيف) ! قالوا: أتدري مَن استعمله؟! - أيْ: مَن جعله عامله على الشام -، قال: لا، قالوا: أمير المؤمنين عمر!
٢ - الثائر الأوَّل في الإسلام: ٩٧.
الثورات بعد واقعة كربلاء، وسرَت روح الثورة والجهاد والمُقاومة في نفوس الأحرار، ولم يهدأ للأُموييِّن بال حتَّى اندثرت دولتُهم.
وكان ممَّن نهض في وجه الطاغية يزيد.. عبدُ الله بن غسيل الملائكة حنظلة، فخطب في أهل المدينة خُطبةً قال فيها:
فوالله، ما خرجنا على يزيد حتَّى خِفْنا أنْ نُرمى بالحجارة مِن السماء! إنَّ رجلاً ينكح الأُمَّهاتِ والبناتِ والأخَوات، ويشرب الخمر، ويدَع الصلاة.. واللهِ، لو لم يكن معي أحدٌ مِن الناس لأبليت للهِ فيه بلاءً حسَناً!!
وقد ذكر هذه الخُطبةَ ابنُ الأثير في الكامل ٣: ١١٧، وابن حجر في الصواعق المُحرقة: ١٣٢، وأخرج الخبرَ عن الواقدي مِن طُرق عديدة وقال: وخرج على يزيد غيرُ واحد، ولم يُبارك اللهُ في عُمُره.
وذكر الخبرَ - أيضاً - ابنُ سعد في الطبقات ٥: ٤٧ فروى عن غير واحد أنَّهم قالوا: لمَّا وثب أهلُ المدينة ليالي الحَرَّة، فأخرجوا بني أُميَّة عن المدينة، وأظهروا عيب يزيد بن معاوية وخلافتِه، أجمعوا على عبد الله بن حنظلة، فأسندوا أمرَهم إليه فبايعهم على الموت، وقال: يا قوم، اتَّقُوا الله وحدَه لا شريك له! فواللهِ، ما خرجنا على يزيد حتَّى خِفْنا أنْ نُرمى بالحجارةِ مِن السماء!.. إنَّ رجلاً ينكح الأُمَّهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر ويدع الصلاة. والله، لو لم يكن معي واحد مِن الناس لأبليتُ لله فيه بلاءً حسناً!! فتواثب الناس يومئذٍ
يُبايعون مِن كلِ النواحي(١) .
كان ذلك في واقعة الحَرَّة.. فما جرى فيها مِن الفضائع؟!
الحَرَّة، واقعة في مدينة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أو قُرْبها، وحين ثار أهلُها على يزيد وطردوا بني أُميَّة منها - لظلمهم وفجورهم - وأنكروا على يزيد فُسقه وكفره وانتهاكه لحرمات الله، ومِن ذلك قتلُ سيِّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة الطفِّ.. غضب يزيد، فكتب تهديداً إلى أهل المدينة جاء فيه: لئن آثرتُ أنْ أضعكم تحت قدَمَيَّ لأطأنَّكم وطأةً أُقِلُّ منها عددَكم، وأترككم أحاديثَ تتناسخ كأحاديث عادٍ وثمود..(٢) .
فبعث إلى مسلم بن عقبة وقال له: سِرْ في اثنَي عشر ألفاً مِن جيش الشام إلى المدينة، فاقتُل مَن ظفرتَ به منهم، وانهبْها ثلاثاً(٣) .
وقال له: السيفَ السيف! أجهزْ على جريحهم، وأقبل على مُدبرهم، وإيَّاك أن تُبقيَ عليهم(٤) .
____________________
١ - يُراجع قصَّة ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) في (الإمامة والسياسة ٢: ٧-١٣).
٢ - دائرة معارف القرن العشرين ٤: ٧٧٤.
٣ - يراجع: تتمَّة المُختصر في أخبار البشر، لابن الورديّ ١: ٢٦٢، والكامل في التاريخ.
٤ - دائرة معارف القرن العشرين ٤: ٧٧٥.
وفي هذا إشارةٌ واضحة للإباحة: إباحة الأموال والدماء والنساء.. وكان مسلم بن عقبة مُستعدَّاً لذلك. يقول اليعقوبيّ: طلب يزيد بن معاوية مسلمَ بن عقبة المري مِن فلسطين، وأدخله منزله وقَصَّ عليه قصَّةَ خلع أهلِ المدينة إيَّاه، فقال مسلم: يا أميرَ المؤمنين، وَجِّهْني إليهم. فواللهِ، لأدَعنَّ أسفلَها أعلاها - يعني مدينةَ الرسول(١) .
فوضع مسلمُ بن عقبة السيفَ في أعناق أهل المدينة، مدينةِ المُصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثاً - أيْ: ثلاثة أيَّام -.. فماذا كان؟!
ذكر المؤرِّخون أنَّ عدد قتلى (واقعة الحَرَّة) بلغ ألفاً وسبعمئة مِن وجوه الناس مِن قريش والأنصار والمُهاجرين وأصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.. وكان ممَّن أُوذي أبو سعيد الخدريّ، أخرجوه فنتفوا لحيته وضربوه ضربات، ثمَّ نهبوا كلَّ ما في بيته حتَّى الصوف.
أمَّا جابر بن عبد الله الأنصاريّ فأرادوا قتله، ثمَّ أُنقذ مِن أيدي الغزاة.
كما ذكر المؤرِّخون أنَّ عدد القتلى بلغ: سبعمئة مِن الصحابة، وألفاً وسبعمئة مِن أولاد الصحابة، وعشرةَ آلاف مِن الموالي وغيرهم(٢) .
____________________
١ - تاريخ اليعقوبيّ ٢: ٣٧. ويُراجع كذلك: تاريخ الإسلام، للذهبيّ ٢: ٣٥٤. والإمامة والسياسة، لابن قتيبة الدينوريّ ٢: ١٣ - ١٦.
٢ - يُراجع: دائرة المعارف الإسلاميَّة الشيعيَّة، لحسن الأمين ٢: ١٠.
قيل: وقُتِل من سائر الناس عشرة آلاف، سوى النساء والصبيان(١) .
وروي عن أنس بن مالك أنَّه قال: قُتِل يوم الحَرَّة مِن حَمَلة القرآن سبعمئة(٢) .
وجاء عن الذهبيّ أنَّه كان يُؤتى بالصحابيّ ويُقال له: بايعْ على أنَّك عبدٌ ليزيد، فيقول: أُبايع على سُنَّة الله ورسوله. فلا تُقبَل منه بيعته فيُضرَب عُنُقه(٣) . وقد قُتِل ثلاثة مِن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
وجاسَ الجندُ ديارَ الرسالة والوحي، يسعون فيها الفساد، ويهلكون الحرث والنسل، ويعيثون ويُدمِّرون، ويهتكون الحُرمات، فانتشروا في الأزقَّة والطُّرقات، ثمَّ هجموا على البيوت بعد أنْ اختبأ فيها أهلُها.. فماذا فعلوا؟!
ما ترك جند مسلم بن عقبة بيتاً إلاَّ نهبوه، ثمَّ منح مسلم الأمان لجمع مِن الأعيان في المدينة، فلمَّا مَثَلُوا بين يديه قتلَهم واحداً بعد واحد(٤) .
وليت الأمر انتهى عند هذا.. فما يُدْمي القلوب، ويُنكِّس الرؤوس، ويُندي جباه الغيارى، أنَّ جيش يزيد هذا قد انتهك الأعراض على مَقربةٍ مِن ضريح المُصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وحَرمه!!
____________________
١ - الإمامة والسياسة - في ذكرْ واقعة الحَرَّة ٢: ٥ - ٧، ١٣ - ١٦.
٢ - تاريخ الإسلام ٢: ٣٥٩.
٣ - تاريخ الإسلام ٢: ٣٥٩.
٤ - ناسخ التواريخ - مُجلَّد زين العابدين (عليه السلام): ٣٤٣.
لقد خطب مسلم بن عقبة في جُنده قائلاً: هذه المدينة لكم مُباحةٌ ثلاثة أيَّام: دماؤُها، نساؤها، أموالها!!
ونادى مُنادٍ عن لسان مسلم بهم: يا أهل الشام، إنَّ أميرَكم مسلم بن عقبة - بأمرِ أمير المؤمنين يزيد بن معاوية - أباح لكم هذه المدينة كلَّها ثلاثة أيَّام، ومَن زنى بامرأةٍ فذلك له!!!
فوقع جيش الشام في الزنا بالمسلمات.. وفيهنَّ بنات المهاجرين والأنصار، وفيهنَّ ذوات الأزواج، وفيهنَّ الأبكار والمُخدَّرات. هجم عليهنَّ ذئاب يزيد، فكان أنْ انتُهكت بكارة ألف بنت في هذه المأساة!! وحملت مِن التجاوز بالزنا في تلك الأيَّام سبعمئة امرأة!! وقُتلت كثيرٌ مِن النساء على أثر مُكابرتهنَّ!!!(١) .
وولدت الأبكارُ منهنَّ ألف امرأة لا يُعرَف مَن أوْلَدهنَّ - كما يقول اليعقوبيّ في تاريخه -(٢) .
وكان هنالك أَسْرٌ للمسلمين.. أولاد المُهاجرين والأنصار، أمر مسلم بن عقبة أنْ يُثقَلُوا بالحديد ثمَّ يُدْعَوا إلى بيعة يزيد(٣) .
ولمَّا وصلت هذه الأخبارُ المُفجِعة إلى يزيد.. سُرَّ بها كثيراً، وأخذ يُنشد أبياتَ عبدِ الله بن الزبعرى - كما أنشدها بعد قتل الحسين (عليه السلام) -:
____________________
١ - يُراجع: يزيد بن معاوية فرع الشجرة الملعونة: ١١٧.
٢ - تاريخ اليعقوبيّ ٢: ٣٥٩.
٣ - دائرة معارف القرن العشرين ٤: ٧٧٩.
ليت أشياخي ببدرٍ شهِدوا جزعَ الخزرج مِن وقْع الأسَلْ
لأهلُّوا واستهلُّوا فرحاً ثمَّ قالوا يا يزيدُ لا تُشَلّ(١)
وكان يزيد قد كتب مِن قبلُ إلى أهل المدينة: أمّا بعد، فإنِّي قد حملتكم على رأسي، ثمَّ على عيني، ثمَّ على فمي، ثمَّ على صدري (أو: بطني). واللهِ، لئن وضعتكم تحت قَدَميَّ لأطأنّكم وطأةً.. أُقِلُّ منها عددَكم، وأتركُكم أحاديث تُنسخ مع أحاديث عادٍ وثمود!(٢)
ولا بأس أن نطالع ما كتبه اليعقوبيّ في تاريخه حول هذه الواقعة العجيبة، والربة، والغيبة، ثم قال وهو يتحدّث عن جرائم يزيد في واقعة الحرّة وحرق الكعبة المعظّمة بالمنجنيق!:
وولّى يزيدُ عثمان بن محمّد بن أبي سفيان المدينة، فأتاه ابن مينا عامل صوافي معاوية، فأعلمه أنّه أراد حمل ما كان يحمله في كلّ سنة من تلك الصافي من الحنطة والتمر، وأنّ أهل المدينة منعوه من ذلك، فأرسل عثمان إلى جماعة منهم فكلّمهم بكلام غليظ، فوثبوا به وبمَن كان معه بالمدينة من بني أميّة، وأخرجوهم من المدينة واتّبعوهم يرجمونهم بالحجارة، فلمّا انتهى الخبر إلى يزيد بن معاوية وجّه إلى مسلم بن عقبة، فأقدمه من فلسطين، وهو مريض، فأدخله منزله، ثمّ قصّ عليه القصّة، فقال: يا أمير المؤمنين!
____________________
(١) دائرة معارف القرن العشرين: ٧٤٤ - ٧٤٥.
(٢) العقد الفريد ٢: ٢٥٦. صبح الأعشى ٦: ٣٩٠. الأخبار الموفقيّات: ١٩٧.
وجِّهني إليهم، فو الله لأدعنَّ أسفها أعلاها، يعني مدينة الرسول. فوجَّهه في خمسة آلاف إلى المدينة، فأوقع بأهلها وقعة الحرَّة، فقاتله أهل المدينة قتالاً شديداً، وخندقوا على المدينة، فرام ناحية مِن نواحي الخندق، فتعذَّر ذلك عليه، فخدع مروان بعضهم، فدخل ومعه مئة فارس، فأتبعه الخيل حتَّى دخلت المدينة، فلم يبقَ بها كثير أحدٍ إلاَّ قُتل، وأباح حرم رسول الله، حتَّى ولدت الأبكار لا يُعرَف مَن أولدهنَّ! ثمَّ أخذ الناس على أنْ يبايعوا على أنَّهم عبيدُ يزيد بن معاوية، فكان الرجل مِن قريش يُؤتى به، فيقال: بايعْ آية أنَّك عبدٌ قنٌّ ليزيد، فيقول: لا! فيُضرَب عنقه.
وكان جيش مسلم خمسة آلاف رجل: مِن فلسطين ألف رجل، عليهم روح بن زنباع الجذاميّ، ومِن الأردن ألف رجل، عليهم حبيش بن دَلَجة القينيّ، ومِن دمشق ألف رجل عليهم عبد الله بن مسعدة الفزاريّ، ومِن أهل حمص ألف رجل، عليهم الحُصَين بن نُمير السكونيّ، ومِن قنسرين ألف رجل، عليهم زفر بن الحارث الكلابيّ.
وكان المدبِّر لأمر أهل المدينة والرئيس في محاربة أهل الشام، عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الأنصاريّ.
وخرج مسلم بن عقبة مِن المدينة يُريد مكَّة لمحاربة ابن الزبير،
فلمَّا صار بثنيّة المُشلّل احتُضر، واستخلف الحصين بن نمير، وقال له: يا برذعة الحمار! لو لا حبيش بن دلجة القينيّ لما ولَّيتك، فإذا قدمت مكَّة فلا يكون عملك إلاَّ الوقاف ثمَّ الثقاف، ثمَّ الانصراف، ثمَّ قال: اللهمَّ، إنْ عذَّبتني بعد طاعتي لخليفتك يزيد بن معاوية وقتل أهل الحرَّة، فإنّي - إذاً - لشقيّ. ثمَّ خرجَتْ نفسه فدُفن بثنيّة المُشلّل، وجاءت أمُّ ولد يزيد بن عبد الله بن زمعة، فنبشته وصلبته على المُشلِّل، وجاء الناس فرجموه، وبلغ الخبر الحصين بن نمير فرجع فدفنه، وقتل جماعةً مِن أهل ذلك الموضع، وقيل: لم يدع منهم أحداً.
وقدم الحصين بن نمير مكَّة فناوش ابن الزبير الحرب في الحرم، ورماه بالنيران حتّى أحرق الكعبة. وكان عبد الله بن عمير اللّيثيّ قاضي ابن الزبير، إذا تواقف الفريقان قام على الكعبة، فنادى بأعلى صوته: يا أهل الشام، هذا حرم الله الذي كان مأمَناً في الجاهلية يأمن فيه الطير والصيد، فاتَّقوا الله يا أهل الشام! فيصيح الشاميّون: الطاعة الطاعة! الكرَّة الكرَّة! الرواح قبل المساء! فلم يزل على ذلك حتّى أُحرقت الكعبة، فقال أصحاب ابن الزبير: نُطفئ النار، فمنعهم، وأراد أنْ يغضب الناس للكعبة، فقال بعض أهل الشام: إنَّ الحرمة والطاعة اجتمعتا، فغلبت الطاعة الحرمة. وكان حريق الكعبة في سنة ٦٣ هـ(١) .
____________________
(١) تاريخ اليعقوبيّ ٢: ٢٥٠ - ٢٥١.
أجل.. ومِن قبل ذلك كانت ليزيد جريمةٌ عُظمى، تلك هي واقعة كربلاء، قتل فيها الإمامِ الحسين (عليه السلام) وأهلَ بيته وأصحابَه، وسبى نساءَه فسيَّرهم مع اليتامى والأطفال إلى الكوفة ثمَّ إلى الشام، ورؤوس الشهداء مرفوعة على أسنَّة الرماح. أعرضنا عن تفصيل الواقعة لِعظم فجيعتها، ولطول تفصيلها.. فنأتي إلى ما بعدها:
قال ابن الأثير: حتَّى إذا مضت ثلاثة أيَّام مِن شهر ربيع الأوَّل سنة أربع وستِّين رمَوُا البيت بالمجانيق، وحرقوه بالنار، وأخذوا يرتجزون:
خَطَّارةٌ مثلُ الفَنيقِ المُزْبِدِ نرمي بها أعوادَ هذا المسجدِ(١)
ورُوي أنَّ صاعقة مِن السماء نزلت فأحرقتِ الموكَّلين بالمجانيق مِن أجناد الشام(٢) . وهكذا أُحرقت الكعبة المُعظَّمة.
ذكر البلاذريّ - عن ابن الكلبيّ وأبي مخنف وغيرهما - جملةً مِن مفاسد يزيد: قتلُ الحسين، وقتلُ أهل الحَرَّة، ورميُ البيت وإحراقه(٣) .
____________________
(١) - الكامل في التاريخ ٤: ١٢٤. الإمامة والسياسة ٢: ١٩ - ٢٠.
(٢) - ناسخ التواريخ: ٤٥١.
(٣)ـ أنساب الأشراف ٤: ١.
وهنا يحسن بنا أنْ نذكر ما كتب ابن عبّاس في جوابٍ له على رسالة أتته مِن يزيد.. حيث كتب اليعقوبي في تاريخه يقول:
وأخذ ابنُ الزبير عبد الله بن عباس بالبيعة له، فامتنع عليه، فبلغ يزيد بن معاوية أنَّ عبد الله بن عباس قد امتنع على ابن الزبير، فسرَّه ذلك، وكتب إلى ابن عبّاس: أمَّا بعد، فقد بلغني أنَّ المُلحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته، وعرض عليك الدخول في طاعته؛ لتكون على الباطل ظهيراً وفي المأثم شريكاً، وأنَّك امتنعت عليه، واعتصمت ببيعتنا وفاءً منك لنا، وطاعةً لله فيما عرَّفك مِن حقِّنا، فجزاك الله مِن ذي رحم بأحسن ما يجزي به الواصلين لأرحامهم؛ فإنِّي ما أنسَ مِن الأشياء فلست بناسٍ برَّك، وحسن جزائك، وتعجيل صلتك بالذي أنْت منّي أهله في الشرف والطاعة والقرابة بالرسول. وانظر - رحمك الله - فيمَن قبلك مِن قومك، ومَن يَطرُؤ عليك مِن الآفاق ممَّن يسحره المُلحدُ بلسانه وزُخرف قوله، فأعلمهم حُسن رأيك في طاعتي، والتمسُّك ببيعتي؛ فإنَّهم لك أطوع، ومنك أسمع منهم للمُحلّ المُلحد، والسلام.
فكتب إليه عبد الله بن عباس: مِن عبد الله بن عباس إلى يزيد بن معاوية. أمَّا بعد، فقد بلغني كتابك بذكر دعاء ابن الزبير إيَّاي إلى نفسه وامتناعي عليه في الذي دعاني إليه مِن بيعته، فإنْ يكُ ذلك كما
بلغك، فلستُ حمدك أردت ولا ودَّك، ولكنَّ الله بالذي أنوي عليم. وزعمت أنَّك لست بناسٍ ودِّي، فلعمري ما تؤتينا ممَّا في يديك مِن حقِّنا إلاَّ القليل، وإنَّك تحبس عنَّا منه العريض الطويل. وسألتني أنْ أحثَّ الناس عليك وأخذَّلهم عن ابن الزبير، فلا، ولا سروراً، ولا حبوراً، وأنت قتلت الحسين بن عليّ، بفيك الكَثْكَثُ، ولك الأثْلَب، إنّك - إنْ تُمنِّك نفسُك ذلك - لعازب الرأي، وإنّك لأنت المُفنِد المهوّر. لا تحسبني - لا أباً لك - نسيت قتلك حسيناً وفتيان بني عبد المطّلب، مصابيح الدُّجى، ونجوم الأعلام، غادرهم جنودك مصرَّعين في صعيد مرمَّلين بالتراب، مسلوبين بالعراء لا مُكفَّنين، تسفي عليهم الرياح، وتعاورهم الذئاب، وتنشي بهم عرج الضباع، حتّى أتاح الله لهم أقواماً لم يشتركوا في دمائهم، فأجنُّوهم في أكفانهم، وبي - والله - وبهم عززت وجلست مجلسك الذي جلست، يا يزيد!
وما أنْسَ - مِن الأشياء - فلست بناسٍ تسليطك عليهم الدعيَّ العاهر، ابن العاهر، البعيد رحماً، اللّئيم أباً وأمّاً، الذي في ادّعاء أبيك إيّاه ما اكتسب أبوك به إلاّ العار والخزي والمذلّة في الآخرة والأُولى، وفي الممات والمَحْيا، إنّ نبيّ الله قال: الولدُ للفراش، وللعاهر الحجر. فألحقه بأبيه كما يُلحق بالعفيف النقيِّ ولده الرشيد، وقد أمات أبوك السنّة جهلاً، وأحيا البِدعَ والأحداث المضلّة عمداً.
وما أنْسَ - من الأشياء - فلست بناسٍ اطِّرادك الحسين بن عليّ مِن حرم رسول الله إلى حرم الله، ودسَّك إليه الرجال تغتاله، فأشخصته مِن حرم الله إلى الكوفة، فخرج منها خائفاً يترقَّب، وقد كان أعزَّ أهل البطحاء بالبطحاء قديماً، وأعزَّ أهلها بها حديثاً، وأطوع أهل الحرمين بالحرمين لو تبوَّأ بها مقاماً واستحلَّ بها قتالاً، ولكنْ كره أنْ يكون هو الذي يستحلُّ حُرمة البيت وحرمة رسول الله، فأكبر مِن ذلك ما لم تكبر، حيث دسست إليه الرجال فيها ليقاتل في الحرم. وما لم يكبر ابن الزبير حيث ألحد بالبيت الحرام وعرضه للعائر وأراقل العالم، وأنت! لأنت المستحلّ فيما أظنُّ!! بلْ لا شكُّ فيه أنَّك للمُحَرِّفُ العريف!! فإنّك حِلْفُ نسوة!! صاحب ملاهٍ!! فلمّ!ا رأى سوء رأيك شخص إلى العراق، ولم يبتغك ضراباً، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.
ثمَّ إنَّك الكاتب إلى ابن مرجانة أنْ يستقبل حسيناً بالرجال، وأمرته بمُعاجلته، وترك مُطوالته، والإلحاح عليه، حتَّى يقتله ومَن معه مِن بني عبد المطّلب، أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً، فنحن أولئك لسنا كآبائك الأجلاف الجفاة الأكباد الحمير.
ثمَّ طلب الحسين بن عليّ إليه الموادعة، وسألهم الرجعة، فاغتنمتم قلَّة أنصاره، واستئصال أهل بيته، فعدوتم عليهم، فقتلوهم
كأنَّما قتلوا أهل بيت مِن التُّرك والكفر، فلا شيء عندي أعجب مِن طلبك ودِّي ونصري، وقد قتلت بني أبي، وسيفُك يقطر مِن دمي، وأنت آخذٌ ثأري، فإنْ يشأ الله لا يطلْ لديك دمي ولا تسبقني بثأري، وإنْ سبقتني به في الدنيا، فقبلنا ما قُتل النبيُّون وآل النبيّين، وكان الله الموعد، وكفى به للمظلومين ناصراً، ومِن الظالمين مُنتقماً. فلا يعجبنّك أنْ ظفرت بنا اليوم، فو الله، لنظفرنَّ بك يوماً.
فأمَّا ما ذكرت مِن وفائي، وما زعمت مِن حقِّي؛ فإنْ يكُ ذلك كذلك، فقد - والله - بايعتُ أباك، وإنِّي لأعلم أنَّ ابني عمِّي وجميع بني أبي أحقُّ بهذا الأمر مِن أبيك، ولكنَّكم - معاشر قريش - كاثرْتمونا، فاستأثرتم علينا سلطاننا، ودفعتمونا عن حقِّنا، فبُعداً على مَن يجترئ على ظُلمِنا! واستغوى السفهاء علينا، وتولَّى الأمر دوننا! فبُعداً لهم كما بَعُدت ثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، ومُكذِّبو المرسلين!
ألا ومِن أعجب الأعاجيب وما عشت أراك الدهرُ العجيب، حملُك بنات عبد المطلب وغلمةً صغاراً مِن ولده إليك بالشام كالسبيّ المجلوب، تُري الناسُ أنَّك قهرتنا، وأنَّك تأمر علينا، ولعمري، لئن كنت تُصبح وتُمسي آمناً لجرح يدي، إنِّي لأرجو أنْ يعظم جراحك بلساني ونقضي وإبرامي، فلا يستقرُّ بك الجدل، ولا يُمهلك الله بعد قتلك عترة رسول الله إلاَّ قليلاً، حتَّى يأخذك أخذاً
أليماً، فيُخرجك اله من الدنيا ذميماً أثيماً، فعِشْ لا أباً لك، فقد والله أرداك عند الله ما اقترفت. والسلام على من أطاع الله(١)
ثمَّ ماذا نقول عن يزيد هذا؟! وقد ولَّى على رقاب المسلمين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان على المدينة المنوَّرة، وعمروَ بن سعيد بن العاص الأشدق على مكَّة ثمَّ على المدينة، وعبيد الله بن زياد على البصرة ثمَّ على الكوفة(٢) .. وجملةً مِن السفَّاحين والمُفسدين والسُرَّاق! ففعل ما فعل، وفعلوا ما فعلوا في حُكم ثلاث سنوات وتسعة أشهر فقط.. في الأُولى كانت فاجعة كربلاء، وفي الثانية كانت إباحة المدينة، وفي الثالثة إحراق الكعبة.
ولِمَ لا يفعل ذلك؟! ويزيد مُستشارُه رجل مسيحيٌّ مشبوه مِن نصارى الرومان، اسمه (سرجون)، وكان مشاورَ أبيه معاوية وموضع أسراره وشريك مُخطَّطاته. فما يُنتظَر غير الفتك بالمسلمين، وهتك الحُرمات والمُقدَّسات، وملء السجون بالأبرياء والبريئات؟!
ثمَّ ماذا يُنتظَر مِن أهل البيت (عليهم السلام) إلاَّ إنقاذ الإسلام مِن المُحرّفين، وإنهاض المسلمين مِن الذِّلَّة والمهانة؟!
____________________
(١)- تاريخ اليعقوبي٢٤٧:٢_٢٥٠
(٢)- يراجع: كربلاء بين الحقائق, والأوهام, تأليف إبراهيم إشكاني:٧٠-٧٨
وهنا نترك القلم للسيّد عبد الرزّاق الموسويّ المقرّم؛ ليضع يزيد في ميزان الاعتدال، ويجول بنا في آراء علماء أهل السنَّة حوله.. حيث كتب يقول:
لقد كان بين الله سبحانه وتعالى وبين أوليائه المُخلصين أسرار غامضة، تنبو عنها بصائر غيرهم وتنحسر أفكار القاصرين، حتّى أمَّتهم العصبيّة فتجرَّأوا على قُدْس المنقذ الأكبر، وأبوا إلاَّ الركون إلى تعصُّب الشائن، فقالوا: إنَّ الحسين قُتل بسيف جدِّه؛ لأنّه خرج على إمام زمانه (يزيد) بعد أنْ تمَّت البيعة له وكملت شروط الخلافة بإجماع أهل الحلِّ والعقد، ولم يظهر منه ما يُشينه ويُزري به!(١)
وقد غفل هذا القائل عن أنَّ ابن ميسون (يزيد) لم يكن له يوم صلاحٍ حتَّى يُشينه ما يبدو منه، وليس لطامَّاته ومخازيه قبلُ وبعد،
____________________
(١) العجب مِن التزام القائل بصحَّة خلافة يزيد، وهو يقرأ حديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يزال أمرُ أُمّتي قائماً بالقسط حتّى يكون أوّل مَن يثلمه رجل من بني أُميّة يقال له: يزيد) . رواه ابن حجر في (مجمع الزوائد ٥: ٢٤١) عن مسند أبي يعلى والبزّاز، وفي (الصواعق المحرقة: ١٣٢) عن مسند الرويانيّ عن أبي الدرداء عنه صلى الله عليه وآله وسلم:(أوّل مَن يبدِّل سُنّتي رجل مِن بني أميَّة يقال له: يزيد) . وفي كتاب الفتن مِن (صحيح البخاري) باب قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:(هلاك أُمّتي على يدي أُغليمة مِن أُمّتي) . وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:(هلكة أُمتي على يدي غلمةٍ مِن قريش) ، قال ابن حجر في شرح الحديث مِن (فتح الباري ٣: ٧): كان أبو هريرة يمشي في السوق ويقول: اللّهمّ، لا تُدركني سنة ستِّين ولا إمارة الصبيان. قال ابن حجر: أشار بذلك إلى خلافة يزيد؛ فإنَّه في سنة ستِّين ولم يتعقَّبه.
وقد ارتضع درَّ ثَدْي (الحلبيّة) المزي بالشهوات، وتربَّى في حِجْر مَن لُعِن على لسان الرسول الأقدس(١) وأمر الأمَّة بقتله متى شاهدته متسنِّماً صهوة منبره(٢) ، ولو امتثلت الأُمَّة الأمر الواجب لأمنت العذاب الواصب المُطلَّ عليها مِن نافذة بدع الطاغية ومِن جرَّاء قسوته المُبيدة لها، لكنَّها كفرت بأنعُم الله فطفقت تستمرئ ذلك المورد الوبيء ذعافاً مُمقِراً، فألبسها الله لباس الخوف وتركها ترزخ تحت نير الاضطهاد، وترسف في قيود الذلِّ والاستعباد، ونصب عينها استهتار الماجنين وتهتُّك المُنهمكين بالشهوات، وكلُّ ما تنضح به الآنية الأُمويَّة الممقوتة.. شبَّ (يزيد الأهواء) بين هاتيك
____________________
(١) في (تاريخ الطبريّ ١١: ٣٥٧ - حوادث سنة ٢٨٤) و(تاريخ أبي الفداء ٢: ٥٧ - حوادث سنة ٢٣٨هـ) وكتاب (صفّين لنصر: ٢٤٧) - طبعة مصر، و(تذكرة الخواصّ) لسبط ابن الجوزيّ: ١١٥ -: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى أبا سفيان على جمل وابنه يزيد يقوده ومعاوية يسوقه، فقال:(لعن الله الراكب والقائد والسائق) .
(٢) في (تاريخ بغداد للخطيب البغداديّ ١٢: ١٨١) و(تهذيب التهذيب لابن حجر ٢: ٤٢٨ و ٥: ١١٠) و(تاريخ الطبريّ ١١: ٣٥٧) وكتاب (صفّين: ٢٤٣ و ٢٤٨) و(شرح النهج الحديديّ ١: ٣٤٨) و(كنوز الدقائق) للمناوي على هامش (الجامع الصغير ١: ١٨) و(اللآلئ المصنوعة للسيوطي ١: ٣٢٠ - كتاب المناقب) وفي (ميزان الاعتدال للذهبيّ ١: ٢٦٨ - مصر في ترجمة الحم بن ظهير و٢: ١٢٩ ترجمة عبد الرزّاق بن همّام) وفي (سير أعلام النبلاء ٣: ٩٩ ترجمة معاوية) و(مقتل الحسين للخوارزمي ١: ١٨٥ - الفصل ٩) و(تاريخ أبي الفداء ٢: ٥٧ - حوادث سنة ٢٨٣ هـ).. قال رسول الله (صلى اله عليه وآله):(إذا رأيتم معاوية على مِنْبري فاقتلوه) .
النواجم مِن مظاهر الخلاعة.
ولقد أعرب عن كلِّ ما أضمره مِن النوايا السيِّئة على الإسلام، والصادع به جذلاً بخلاء الجوِّ له، فيقول الآلوسيّ:
مَن يقول: إنَّ يزيد لم يعصِ بذلك ولا يجوز لعنه فيبتغي أنْ ينتظم في لسلسلة أنصار يزيد، وأنا أقول: إنّ الخبيث لم يكن مصدِّقاً بالرسالة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وإنّ مجموع ما فعله مع أهل حرم الله وأهل حرم نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم وعترته الطيّبين الطاهرين في الحياة وبعد الممات، وما صدر منه مِن المصحف الشريف في قذر. ولا أظنُّ أنّ أمره كان خافياً على أجلّة المسلمين إذ ذاك، ولو سُلِّم أنّ الخبيث كان مسلماً فهو مسلم جمع مِن الكبائر ما لا يُحيط به نطاق البيان. وأنا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين، ولو لم يُتصوّر أنْ يكون له مثلٌ مِن الفاسقين! والظاهر أنّه لم يتب، واحتمال توبته أضعف مِن إيمانه.
ويُلحق به ابنُ زياد وابن سعد وجماعة، فلعنة الله عليهم وعلى أنصارهم وأعوانهم وشيعتهم ومَن مال إليهم إلى يوم الدين، ما دمعت عين على أبي عبد الله الحسين (عليه السلام). ويُعجبني قول شاعر العصر ذي الفضِّ الجليّ عبد الباقي أفندي العريّ الموصليّ، وقد سُئل عن لعن يزيد فقال:
يزيد على لعني عريضٌ جنابُه فأغدو به طولَ المدى ألعنُ اللَّعنا
ومَن يخشى القيل والقال مِن التصريح بلعن ذلك الضِّلِّيل فليقلْ: لعن الله عزَّ وجلَّ مَن رضي بقتل الحسين (عليه السلام) ومَن آذى عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغير حقٍّ ومَن غصبهم حقَّهم؛ فإنَّه يكون لاعناً ليزيد؛ لدخوله تحت العموم دخولاً أوَّليَّاً في نفس الأمر، ولا يُخالف أحد في جواز اللّعن بهذه الألفاظ ونحوها سوى ابن العربيّ المارِّ ذِكره وموافقيه، فإنَّهم على ظاهر ما نُقل عنهم لا يُجوِّزون لعن مَن رضي بقتل الحسين، وذلك - لعمري - هو الضلال البعيد، الذي يكاد يزيد على ضلال يزيد!
ثمَّ قال الآلوسيّ: نقل البرزنجيّ في (الإشاعة) والهيثميّ (في الصواعق) أنَّ أحمد بن حنبل لمَّا سأله ابنه عبد الله عن لعن يزيد قال: كيف لا يُلعَن مَن لعنه الله في كتابه؟! فقال أحمد: إنَّ الله يقول:
( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ... ) (١) ، أيُّ فساد وقطيعة أشدُّ ممّا فعله (يزيد)؟!
وقد جزم بكفره وصرّح بلعنه جماعة مِن العلماء، منهم: القاضي أبو يعلى والحافظ ابن الجوزيّ(٢) ، وقال التفتازانيّ: لا نتوقَّف في شأنه بلْ في إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه. وصرَّح
____________________
(١) سورة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: ٢٢، ٢٣.
(٢) يُراجع كتابه: الردّ على المتعصِّب العنيد المانع عن لعن يزيد.
بلعنه جلال الدين السيوطيّ.
وفي (تاريخ ابن الورديّ) وكتاب (الوافي بالوفيات): لمّا ورد على يزيد نساء الحسين وأطفاله والرؤوس على الرماح، وقد أشرف على ثنيَّة (جيرون) ونعب الغراب قال:
لما بَدَتْ تلك الحمولُ وأشرقت تلك الشموسُ على رُبى جيرونِ
نَعِب الغرابُ فقلت: قلْ أو لا تقلْ فلقَدْ قضيتُ مِن النبيِّ دُيوني
يعني أنَّه قتل بمَن قتله رسول الله يوم بدر، كجدِّه عُتبة وخاله ولد عتبة وغيرهما، وهذا كفر صريح، فإذا صحَّ عنه فقد كفر به، ومثله تمثُّله بقول عبد الله بن الزِّبعْرى قبل إسلامه (ليتَ أشياخي..) الأبيات، انتهى(١) .
إلى كثيرٍ مِن موبقاته وإلحاده، فاستحقّ بذلك اللّعنَ مِن الله وملائكته وأنبيائه، ومَن دان بهم مِن المؤمنين إلى يوم الدين، ولم يتوقّف في ذلك إلاَّ مَن حُرم ريح الإيمان وأعمته العصبيّة عن السلوك في جادَّة الحقِّ، فأخذ يتردّد في سيره، حيران لا يهتدي إلى طريق، ولا يخرج مِن مضيق.
ولم يتوقّف المحقّقون مِن العلماء في كفر يزيد وزندقته، فيقول
____________________
(١) تفسير روح المعاني للآلوسي ٢٦: ٧٣ - آية( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ.. ) .
ابن خلدون: غلط القاضي أبو بكر ابن العربيّ المالكيّ؛ إذ قال في كتابه (العواصم والقواصم):
إنّ الحسين قُتل بسيف شرعه! غفلةً مِن اشتراط الإمام العادل في الخلافة الإسلاميّة، ومَن أعدل مِن الحسين في زمانه وإمامته وعدالته في قتال أهل الآراء؟! وفي ص٢٥٤ ذكر ابن خلدون الإجماع على فسق يزيد، ومعه لا يكون صالحاً للإمامة، ومِن أجله كان الحسين (عليه السلام) يرى مِن المُتعيّن الخروج عليه وقعود الصحابة والتابعين عن نصرة الحسين لا لعدم تصويب فعله.. فلا يجوز نصرة يزيد بقتال الحسين بل قتله مِن فعلات يزيد المؤكِّدة لفسقه، والحسين فيها شهيد(١) .
ويقول ابن مفلح الحنبليّ: جوَّز ابن عقيل وابن الجوزيّ الخروج على الإمام غير العادل، بدليل خروج الحسين على يزيد لإقامة الحقّ. وذكره ابن الجوزيّ في كتابه (السرّ المصون) مِن الاعتقادات العاميّة التي غلبت على جماعة مِن المنتسبين إلى السنَّة، فقال: ولو نظروا في السِّيَّر لعلموا كيف عُقدت البيعة ليزيد، وأُلزم الناس بها، ولقد فعل مع الناس في ذلك كلَّ قبيح. ثمّ لو قدَّرنا صحّة خلافة يزيد، فقد بدرت منه بوادر، وظهرتْ منه أُمور كلٌّ منها يُوجب فسْخَ ذلك العقد: مِن نهبِ المدينة، ورمي الكعبة بالمنجنيق، وقتلِ
____________________
(١) مقدّمة ابن خلدون ص٢٥٤ و ٢٥٥ - عند ذِكر ولاية العهد.
الحسين وأهل بيته وضربه على ثناياه بالقضيب وحمل رأسه على خشبة، وإنّما يميل إلى هذا جاهلٌ بالسيرة عامّيُّ المذهب يظنُّ أنَّه يغيظ بذلك الرافضة!(١)
وقال التفتازانيّ: الحقّ أنَّ رضى يزيد بقتل الحسين واستبشاره به، وإهانته أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ممّا تواتر معناه، وإنْ كان تفاصيله آحاد فنحن لا نتوقَّف في شانه بلْ في إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه(٢) .
وقال ابن حزم: قيام يزيد بن معاوية لغرض دنيا فقط، فلا تأويل له وهو بغيّ مجرّد(٣) . ويقول الشوكانيّ: لقد أفرط بعض أهل العلم فحكموا بأنَّ الحسين السبط (رضي الله عنه) وأرضاه باغٍ على الخمِّير السكّير الهاتك لحرمة الشريعة المطهّرة يزيد بن معاوية، لعنهم الله. فيا للعجب!! مِن مقالات تقشعرّ منها الجلود، ويتصدَّع مِن سماعها كلُّ جلمود!(٤) .
وقال الجاحظ: المنكرات التي اقترفها يزيد، مِن: قتل الحسين وحمله بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبايا، وقرعه ثنايا الحسين بالعود،
____________________
(١) الفروع في تصحيح الفروع، لابن مفلح المقدسيّ ٦: ١٥٣ - باب قتال أهل البغي.
(٢) شرح العقائد النسفيّة: ١٨١ - طبع الآستانة سنة ١٣١٣ هـ.
(٣) المُحلّى ١١: ٩٨.
(٤) نيل الأوطار ٧: ١٤٧.
وإخافته أهل المدينة، وهدم الكعبة.. تدلُّ على القسوة والغلظة والنصب وسوء الرأي والحقد والبغضاء والنفاق والخروج عن الإيمان، فالفاسق ملعون، ومَن نهى عن شتم الملعون فملعون!(١)
ويحدّث البرهان الحلبيّ أنَّ الشيخ محمّد البكريّ تبعاً لوالده كان يلعن يزيد ويقول: زاده الله خزياً وضعة، وفي أسفل سجّين وضعه(٢) . كما عنه أبو الحسن عليُّ بن محمد الكياهراسيّ وقال: لو مددتُ ببياض لمددت العنان في مخازي الرجل(٣) . وحكى ابن العماد عنه أنّه سُئل عن يزيد بن معاوية فقال: لم يكن مِن الصحابة؛ ولأحمد فيه قولان تلويح وتصريح، ولمالك قولان تلويح وتصريح، ولأبي حنيفة قولان تلويح وتصريح، ولنا قول واحد تصريح دون تلويح! وكيف لا يكون كذلك وهو اللاّعب بالنرد ومدمن الخمر وشِعره في الخمر معلوم(٤) . ويقول الدكتور علي إبراهيم حسن: كان يزيد مِن المتَّصفين بشرب الخمر واللّهو والصيد(٥) .
وقال الذهبيّ في (سير أعلام النبلاء): كان يزيد بن معاوية ناصبيّاً
____________________
(١) رسائل الجاحظ: ٢٩٨ - الرسالة الحادية عشرة في بني أُميّة.
(٢) السيرة الحلبيّة، للحلبيّ.
(٣) وفيات الأعيان لابن خلّكان - ترجمة عليّ بن محمّد بن عليّ الكياهراسيّ. ومرآة الجنان لليافعيّ ٣: ١٧٩ - طبعة سنة ٥٠٤ هـ.
(٤) شذرات الذهب لابن العماد الحنبليّ ٣: ص١٧٩ - طبعة سنة ٥٠٤ هـ.
(٥) تاريخ الإسلام العام: ٢٧٠ - الطبعة الثالثة.
فظّاً غليظاً جلفاً، يتناول المسكر ويفعل المنكر، افتتح دولته بقتل الشهيد الحسين وختمها بوقعة الحرّة، فمقته الناس ولم يُبارك في عمره(١) .
وقال الشيخ محمّد عبده: إذا وُجد في الدنيا حكومة عادلةٌ تُقيم الشرع، وحكومةٌ جائرةٌ تُعطِّله.. وجب على كلِّ مسلم نصرُ الأُولى وخذل الثانية.
ومِن هذا الباب.. كان خروج الإمام الحسين سبط الرسول (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) على إمام الجور والبغي - الذي وُلِّيَ أمرَ المسلمين بالقوَّة والمُنكر - يزيد بن معاوية، خذله الله وخذل مَن انتصر له..(٢) .
وقال ابن تغري بردى الحنفيّ: كان يزيد فاسقاً مدمن الخمر(٣) .
وقال سبط ابن الجوزيّ: سُئل ابن الجوزيّ عن لعن يزيد فقال: أجاز أحمد لعنه، ونحن نقول: لا نحبّه؛ لِما فعل بابن بنت نبيّنا وحمله آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبايا إلى الشام على أقتاب الجمال، وتجرّيه على آل رسول الله، فإن رضيتم بهذه المصالحة بقولنا لا نحبّه، وإلاّ رجعنا إلى أصل الدعوى وهو جواز لعنته(٤)(٥) .
فلم يَسلم مِن يزيد.. لا الإسلام، ولا المسلمون. وذاك ما حذَّر
____________________
١ - نقله عنه في الروض الباسم للوزير اليماني ٢: ٣٦.
٢ - تفسير المنار، لمحمّد رشيد رضا ١: ٣٦٧و ١٢: ١٨٣.
٣ - النجوم الزاهرة ١: ١٦٣.
٤ - مرآة الزمان ٨: ٤٩٦ - طبعة حيدر آباد.
٥ - مقتل الحسين (عليه السلام) للسيد عبد الرزَّاق الموسوي المقرَّم ٢٨ - ٣٣.
منه الرسول المُكرَّم صلى الله عليه وآله وسلم ونبَّه إلى خطر أبي سفيان ومعاوية، ثمَّ خطر يزيد.
* روى ابن حجر: أخرج الروياني في مُسنده عن أبي الدرداء، قال: سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) يقول:(أوَّل مَن يُبدِّل سُنَّتي رجلٌ مِن بني أُميَّةَ يُقال له: يزيد) (١) .
فلم يحكم بالقرآن، بل حكم بخلافه.. وقد قال تعالى:( ... وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) (٢) ،( ... وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (٣) ،( ... وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (٤) .
وأمَّا كُفر يزيد فلْيقرّره أهل السُّنَّة بإنصاف، دون إجحاف:
روى المؤرِّخون: أنَّ يزيد بن معاوية كان جالساً في منظرة على (جيرون)، فلمَّا رأى السبايا والرؤوس على أطراف الرماح - جيء بهم مِن كربلاء - وقد أشرفوا على جيرون نعب غراب، فأنشأ يزيد يقول:
____________________
١ - الصواعق المُحرِقة: ١٣٢.
٢ - المائدة: ٤٤.
٣ - المائدة: ٤٥.
٤ - المائدة: ٤٧.
لمَّا بدتْ تلك الحمولُ وأشرقتْ تلك الرؤوس على شَفا جيرونِ
نعِبَ الغرابُ فقلتُ قلْ أو لا تقلْ فقدِ اقتضيتُ مِن الرسولِ دُيوني
قال السيِّد عبد الرزَّاق المُقرَّم (رحمه الله): ومِن هنا حكم ابن الجوزيّ والقاضي أبو يعلى والتفتازانيّ والجلال السيوطيّ بكُفره ولعنه..(١) .
كيف؟!
* قال الآلوسي: أراد يزيد بقوله: (فقد اقتضيتُ مِن الرسول دُيوني)، أنَّه قتلَ بما قتله رسولُ الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) يوم بدر، كجدِّه عتبة وخاله وغيرهما، وهذا كُفرٌ صريح. ومثلُه تمثُّلُه بقول ابن الزّبعرى قبل إسلامه (ليت أشياخي..) الأبيات(٢) .
ولكن.. ما هي أبيات ابن الزبعرى تلك ياتُرى؟!
لمَّا جيء بالسبايا إلى الشام - بعد قتل الإمام الحسين (عليه السلام) - وأُدخلت إلى قصر يزيد، أخذ هذا يتمثَّل بأبيات عبد الله الزّبعرى:
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا جزَعَ الخزرج مِن وقْع الأسَلْ
____________________
١ - مقتل الحسين (عليه السلام): ٣٤٨، للسيِّد عبد الرزَّاق المُقرَّم - فصل في الشام.
٢ - تفسير روح المعاني ٢٦: ٧٣، في ظل الآية:( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ... ) ٢٢: مِن سورة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.
لأهلُّوا واستهلُّوا فرَحاً ثمَّ قالوا يا يزيدُ لا تُشَلْ
قد قتلنا القِرْم مِن ساداتهم وعدلناه ببدرٍ فاعتدلْ
لعِبتْ هاشمُ بالمُلكِ فلا خبَرٌ جاء ولا وحيٌ نزلْ
لستُ مِن خِندفَ إنْ لم أنتقمْ مِن بني أحمدَ ما كان فعَلْ
فسمعتْه زينب بنتُ عليّ (عليهما السلام) فقامت، وقالت: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على رسوله وآله أجمعين. صدق الله سبحانه حيث يقول:( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ) (١) .
أظننتَ - يا يزيد - حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نُساق كما تُساق الأُسارى.. أنَّ بنا على الله هواناً، وبك عليه كرامة، وأنَّ ذلك لعِظم خطرِك عنده؟! فشمخت بأنفك، ونظرت في عِطفك جذلانَ مسروراً، حيث رأيتَ الدنيا لك مُستوسقة، والأُمور مُتَّسقة، وحين صفا لك مُلكُنا وسلطاننا، فمهلاً مهلاً، أنسيتَ قول الله تعالى:( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (٢) .
أمِن العدل - يا بنَ الطُلقاء -! تخديرُك حرائرَك وإماءك، وسوقُك بنات رسول الله سبايا، قد هتكتَ ستورَهنّ، وأبديت وجوهَهنّ؟!
____________________
١ - الروم: ١٠.
٢ - آل عمران: ١٧٨.
تحدو بهنَّ الأعداءَ مِن بلدٍ إلى بلد، ويستشرفهنَّ أهلُ المناهل والمعاقل، ويتصفَّح وجوهَنَّ القريب والبعيد، والدنيُّ والشريف، ليس معهنَّ مِن حُماتهنَّ حميٌّ، ولا مِن رجالهنَّ وليٌّ؟!
وكيف يُرتجى مُراقبة مَن لفظَ فُوهُ أكبادَ الأزكياء، ونبت لحمُه مِن دماء الشهداء؟! وكيف يُستبطأ في بُغضنا - أهل البيت - مَن نظر إلينا بالشنف و الشنآن، والإحن والأضغان؟! ثمَّ تقول - غيرَ مُتأثِّم، ولا مُستعظِم -:
لأهلُّوا واستهلُّوا فرحاً ثمَّ قالوا يا يزيدُ لا تُشلْ
مُنحنياً على ثنايا أبي عبد الله، سيِّد شباب أهل الجنَّة، تنكتها بمِخصرتك!!(١) . وكيف لا تقول ذلك وقد نكأتَ القرحة، واستأصلت الشأفة بإراقتك دماءَ ذُرِّيَّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ونجومِ الأرض مِن آل عبد المُطَّلب؟! وتهتف بأشياخك زعمتَ أنَّك تُناديهم، فلَتَرِدَنَّ وشيكاً مَوردَهم، ولَتودَّنَّ أنَّك شُللتَ وبُكمت، ولم تكن قلتَ ما قلت، وفعلتَ ما فعلت!
فواللهِ، ما فريتَ إلاَّ جِلْدَك!! ولا حززتَ إلاَّ لحمَك!! ولَتَرِدَنَّ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما تحمَّلتَ مِن سفك دماء ذُرِّيَّته، وانتهكتَ مِن
____________________
١ - المِخصرة كالسوط وشِبهه.
حُرمته في عِترته ولُحْمَته، حيث يجمع الله شملَهم، ويلمُّ شعثَهم، ويأخذ بحقّهم،( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (١) .
وحسبُك باللهِ حاكماً! وبمحمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم خصيماً! وبجبرائيل ظهيراً! وسيعلم مَن سوَّل لك ومكَّنك مِن رقاب المسلمين.. بئس للظالمينَ بدَلاً، وأيُّكم شرٌّ مكاناً وأضعفُ جُنْداً.
ولئن جرَّت علَيَّ الدواهي مُخاطبتَك.. إنِّي لأستصغر قَدْرَك، وأستعظم تقريعَك، وأستكثر توبيخك. لكنَّ العيون عبرى، والصدور حَرَّى.
ألا فالعجبُ كلُّ العجب! لقتل حزبِ اللهِ النجباء، بحزب الشيطانِ الطلقاء. فهذه الأيدي تَنطِف مِن دمائنا، والأفواه تتحلَّب مِن لحومنا، وتلك الجُثث الطواهر الزواكي تنتابُها العواسل، وتعفِّرها أُمَّهات الفراعل.
ولَئنِ اتَّخذتَنا مَغْنماً، لَتجدنُا وشيكاً مَغرَماً.. حين لا تجد إلاَّ ما قدَّمت يداك! وما ربُّكَ بظَلّامٍ للعبيد! وإلى الله المُشتكى وعليه المُعوَّل!
فكِدْ كيدَك، واسْعَ سعيَك، وناصِبْ جهدَك! فواللهِ، لا تمحو ذِكْرَنا! ولا تُميت وحيَنا! ولا يُدحض عنك عارُها! وهل رأيُك إلاَّ فَنَد؟!
____________________
١ - آل عمران: ١٦٩.
وأيَّامُك إلاَّ عَدَد؟! وجمعُك إلاَّ بَدَد، يوم يُنادي المُنادي: ألا لعنةُ اللهِ على الظالمين!!
والحمد لله ربِّ العالمين، الذي ختم لأوَّلنا بالسعادة والمَغفرة، ولآخرِنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أنْ يُكمل لهمُ الثواب، ويُوجِبَ لهمُ المزيد، ويُحسن علينا الخلافة إنَّه رحيمٌ ودود، وحسبُنا الله ونعم الوكيل!
فقال يزيد:
يا صيحةً تُحمَدُ مِن صوائح ما أهونَ النوحَ على النوائح(١)
نعود إلى أبيات ابن الزّبعرى، وقد أنشدها يزيد بن معاوية مُنتشياً، فنقرأ ما كُتب في محتواها:
قال الأُستاذ أحمد المكَّي:
١- تمنَّى يزيد حضور أجداده وكبار المُشركين، الذين قُتلوا في وقعة (بدر الكبرى) حين سلُّوا سيوفهم في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقصدوا قتله وإبادة كلِّ المسلمين ومحو الإسلام.. هؤلاءِ الذين قال القرآن عنهم:( ... أَئِمَّةَ الْكُفْرِ... ) يتمنَّى يزيد لو كانوا أحياءً ولم يُقتلوا، حتَّى يشهدوا وينظروا جزعَ أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مُصيبتهم
____________________
١ - البداية والنهاية، لابن الأثير ٨: ١٩٢. والملهوف: ١٠٢. ومقتل الحسين (عليه السلام)، للخوارزميّ ٢: ٦٦. وشرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٣: ٣٨٣. وأعلام النساء، لعمر رضا كحالة ١: ٥٠٤.
بابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. الحسين (عليه السلام).
٢- إبداء فرحة بقتل القِرم مِن سادات أهل البيت، الذين أذهب الله عنهمُ الرجسَ وطهَّرهم تطهيراً.
٣- انتقامه مِن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقتل أهل بيته إزاء قتل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للمُشركين في (وقعة بدر)، وأنَّ هذه بتلك.
٤- تسمية النبوَّة والسفارة الإلهيَّة بـ (المُلْك)، إنكاراً للرسالة والرسول.
٥- توصيف أتعاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وما لاقاه في سبيل الدعوة إلى الله مِن العَنَت والمصائب.. (اللّعِب).
٦- إنكار الوحي المُعجِز (القرآن الكريم).
٧- تكذيب إخبار الله تعالى نبيَّه بما أخبره به.
٨- افتخار (يزيد) بانتسابه إلى (خِندف)، وما خندف إلاَّ امرأة جاهليَّة، إيغالاً منه في إحياء آثار الجاهليَّة.
٩- إظهار (يزيد) حقدَه الدفين على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وانتقامَه مِن أولادِ أشرف الأوَّلين والآخرين، لما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأشياخه يوم بدر وأُحد وحُنين والأحزاب، حيث لم يُمكنه الانتقام مِن شخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(١) .
____________________
١ - يزيد بن معاوية فرع الشجرة الملعونة: ٧٧ - ٧٨.
يزيد في الحديث النبويّ:
والآن.. وقد تبيَّن الكثير مِن أفعال يزيد، تعالَوا نتعرَّف عليه مِن خلال النصوص النبويَّة الشريفة، ننقلُها مِن كتب الخاصَّة ومصادرها الموثوقة لديها فقط:
* أخرج المُتَّقي الهنديّ، بسنده عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال - في حديث له -:(لا بارك اللهُ في يزيد الطعَّان، اللعَّان! أما إنَّه نُعي إليَّ حبيبي حسينُ وأُتيت بتُربته، ورأيت قاتلَه..) (١) .
قال: أخرجه ابن عساكر عن عبد الله بن عمر.
* وأخرج ابن حجر الهيثميّ عن معاذ بن جبل، قال - في حديث -:
.. فقال النبيّ (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم):(يزيد.. لا بارك الله في يزيد. ثمَّ ذَرفت عيناه بالدموع، فقال: نُعيَ إليَّ الحسين وأُتيت بتُربته، وأُخبرتُ بقاتله!!) . ثمّ قال (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم):(واهاً لفِراخ آل محمّد مِن خليفةٍ مُستخلَف مُترَف، يقتل خلَفي وخلَفَ الخلَف!!) (٢) .
* وأخرج ابن عربيّ عن ابن عبّاس، قال: لمَّا أتت على الحسين سنتانِ مِن مولده.. خرج النبيّ (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) في سفرٍ له، فلمَّا كان في بعض الطريق وقف فاسترجع، قال:(إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون!) . ودمعت عيناه، فسُئل عن ذلك فقال:(هذا جبرائيل يُخبرني عن أرضٍ بشاطئ الفرات
____________________
١ - كنز العمَّال ٦: ٢٢٣.
٢ - مجمع الزوائد ٩: ١٩٠.
يُقال لها: كربلاء. يُقتَل بها ولدي الحسينُ بن فاطمة) .
فقال نفر: مَن يقتله - يا رسول الله -؟ فقال:(رجلٌ يُقال له: يزيد. لا بارك الله في نفسه.. وكأنَّي أنظر إلى مصرعه ومَدفنه بها، وقد أُهدي برأسه. واللهِ، ما ينظر أحدٌ إلى رأس ولدي الحسين فيفرح إلاَّ خالف اللهُ بين قلبه ولسانه) .
إلى أنْ قال (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم):(فلعنة الله على قاتله وخاذلهِ إلى آخر الدهر!) (١) .
* وبألفاظ أُخرى.. أخرج المُتَّقي الهنديّ أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) قال:(أنا محمّدٌ النبيّ، أُوتيت فواتحَ الكلام وخواتيمَه، فأطيعوني مادُمت بين أظهركم - إلى أنْ قال: -يزيد.. لا بارك الله في يزيد! نُعي إليَّ الحسينُ وأوتيت بتُربته، وأُخبرتُ بقاتله! والذي نفسي بيده، لا يُقتَل بين ظهرانَي قومٍ لا يمنعونه إلاَّ خالف اللهُ بين صدورهم وقلوبهم! وسلَّط عليهم شرارَهم! وألبسَهم شِيَعاً! واهاً لفِراخ ألِ محمّدٍ مِن خليفةٍ مُستخلَف مُترف، يقتل خلَفي وخلَفَ الخلَف!) (٢) .
ثمَّ قال المُتَّقي الهنديّ: أخرجه الطبرانيّ عن معاذ.
نعم.. وذكر الهيثميّ ما يقرب منه(٣) ، قال: وعن معاذ بن جبل قال: خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) مُتغيِّرَ اللون، فقال:(أنا محمّد..
____________________
١ - الفتوحات المكِّيَّة ٤: ٢١٦ - ٢١٩. ومقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي ١: ١٦٣ _ ١٦٤.
٢ - كنز العمَّال ٦: ٣٩.
٣ - في مجمع الزوائد ٩: ١٨٩.
أُوتيت فواتح الكلام وخواتمَه - إلى أنْ قال: -تناسخت النبوَّة فصارت مُلْكاً، رحِمَ اللهُ مَن أخذها بحقِّها! وخرج منها كما دخلها. امسكْ - يا معاذ - واحصِ) . قال معاذ: فلمَّا بلغتْ خمساً قال:(يزيد.. لا بارك الله في يزيد!) . ثمَّ ذرفت عيناه، ثمَّ قال:(نُعيَ إليَّ حسين) . وساق الحديثَ كما تقدَّم. ثمَّ قال الهنديّ: رواه الطبرانيّ.
أجل.. وذكره المنَّاويّ أيضاً في (فيض) باختصار وقال: أخرجه ابن عساكر عن سلمةَ بن الأكوع. هذا في المتن، أمّا في الشرح فقال: ورواه عنه أبو نعيم والديلميّ.
* وروى أحمد بن أعثم الكوفيّ عن ابن عبّاس أنّه قال: لمَّا أتت على الحسين سنتانِ مِن مولده خرج النبيّ (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) في سفر.. ثمَّ ساق الحديثَ - الذي ذكرناه قبل قليل(١) - حتَّى قال ابن عبّاس:
ولمَّا قَفل النبيّ (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) مِن سفره كان مغموماً، فصعِد المنبر ووعظ المسلمين، وقد حمل حفيدَيهِ وريحانتَيه الحسنَ والحسين (عليهما السلام)، فرفع رأسه صوب السماء وقال:(اللّهمَّ، إنِّي محمّدٌ عبدُك ونبيُّك، وهذانِ أطايب عِترتي وخيار ذُرِّيَّتي وأُرومتي، ومَن أُخلِّفُهم في أُمَّتي. اللَّهمَّ، وقد أخبرني جبرئيلُ بأنَّ ولدي هذا، وأشار إلى الحسين - مقتولٌ مخذول. اللَّهمَّ، باركْ له في قتله، واجعلْه مِن سادات الشهداء إنَّك على كلِّ شيءٍ قدير. اللَّهمَّ، ولا تُبارك في قاتله وخاذله) .
فبكى الصحابة.. فقال لهم النبيّ (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم):(أتبكون ولا تنصرونه؟!
____________________
١ - مِن الفتوحات المكِّيَّة.
اللَّهمَّ، فكن له أنت وليَّاً وناصراً) .
قال ابن عبّاس: وبقيَ النبيّ مُتغيِّرَ اللون مُحمَرَّ الوجه، فصعد المنبر مرَّة أُخرى، وخطب الناسَ خُطبة بليغةً موجزةً وعيناه تهملانِ دموعاً، ثمَّ قال:
(أيُّها الناس، إنِّي قد خلَّفتُ فيكمُ الثقلَين: كتابِ الله وعترتي وأُرومتي، ومزاج مائي وثمرتي، لن يفترقا حتّى يرِدا علَيَّ الحوض، ألا وإنَّي لا أسألكم في ذلك إلاَّ ما أمرني ربِّي أنْ أسألَكمُ المودَّة في القُربى. فانظروا أنْ لا تلقوني غداً على الحوض وقد أبغضتُم عترتي!! ألا وإنَّه سيردُ علَيَّ في القيامة رايات مِن هذه الأُمَّة: راية سوداء مُظلمة قد فزعت لها الملائكة! فتقف علَيَّ فأقول: مَن أنتم؟ فينسون ذكْري ويقولون: نحن مِن أهل التوحيد مِن العرب، فأقول: أنا أحمدُ نبيُّ العرب والعَجم، فيقولون: نحن مِن أُمَّتك يا أحمد. فأقول لهم: كيف خلَّفتموني مِن بعدي في أهلي وعِترتي وكتابِ ربِّي؟ فيقولون: أمَّا الكتاب.. فضيَّعناهُ ومزَّقناه، وأمَّا عترتك.. فحرصنا على أنْ نُبيدَهم مِن جديد الأرض. فأُولِّيَ عنهم وجهي فيصدرون ظِماءً عُطاشى مُسْوَدَّةً وجوههم !!
ثمَّ ترِدُ علَيَّ راية أُخرى أشدُّ اسوداداً مِن الأُولى، فأقول لهم: مَن أنتم؟ فيقولون كما تقول الأُولى - أنّهم مِن أهل التوحيد -:نحن مِن مِلَّتك، فأقول لهم: كيف خلَّفتموني في الثقلَين: الأصغرِ والأكبر -في
كتابِ الله وفي عترتي -؟ فيقولون: أمَّا الأكبر.. فخالفنا، وأمَّا الأصغر.. فخذلنا ومزَّقناهم كلَّ مُمَزَّق! فأقول: إليكم عنِّي. فيصدرون ظِماءً عُطاشى مُسْوَدَّةً وجوهُهم .
ثمَّ تردِ علَيَّ رايةٌ أُخرى تلمع نوراً، فأقول لهم: مَن أنتم؟ فيقولون: نحن كلمة التوحيد، نحن أُمَّة محمّدٍ (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم)، ونحن بقيَّة أهل الحقِّ، الذين حملْنا كتابَ ربِّنا فأحللْنا حلاله، وحرَّمْنا حرامَه، وأحببْنا ذُرِّيَّة نبيِّنا محمّدٍ (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم)، فنصرناهم بما نصرنا أنفسنا وقاتلْنا معهم، وقاتلْنا مَن ناوَأَهم. فأقول لهم: أبشِروا! أنا نبيُّكم محمّد.. ولقد كنتم في دار الدنيا كما وصفتُم. ثمَّ أسقيهم مِن حوضي فيصدرون مَرويِّين .
ألا وإنَّ جبرئيلَ قد أخبرني بأنَّ أُمَّتي تَقتلُ ولدي الحسينَ بأرض كربٍ وبلاء..!! ألا لعنة الله على قاتله وخاذله إلى أخر الدهر!!) .
قال ابن عبّاس: ثمَّ نزل عن المنبر، ولم يبقَ أحدٌ مِن المُهاجرين والأنصار إلاَّ استيقن أنَّ الحسين مقتول(١) .
* وأخرج القاضي نعمان المصريّ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه نظر يوماً إلى معاوية يتبختر في حَبرةٍ وينظر إلى عِطفَيه.. فقال مُخاطباً إيَّاه:
(أيَّ يومٍ لأُمَّتي منك! وأيَّ يومٍ لذُرِّيَّتي منكَ مِن (جرو) يخرج مِن
____________________
١ - الفتوحات المكِّيَّة ٤: ٢١٦ - ٢١٩. ومقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي ١: ١٦٣ _ ١٦٤.
صُلْبِك! يتَّخذ آياتِ اللهِ هُزُواً، ويستحلُّ مِن حُرمتي ما حرَّم اللهُ عزَّ وجلَّ) (١) .
* ومِن كتب الخاصَّة.. نكتفي بهذه الرواية، ينقلها العلاَّمة المجلسيّ عن ابن نما (رحمه الله) مِن كتابه (مثير الأحزان) مُسنِدَها إلى ابن عبّاس الذي قال:
لمَّا اشتدَّ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرضهُ الذي مات فيه.. ضمَّ الحسينَ (عليه السلام) إلى صدره يسيل مِن عَرَقِه عليه، وهو يجود بنفسه ويقول:(مالي وليزيد!! لا بارك الله فيه! أللَّهمَّ، العنْ يزيد) .
ثمَّ غُشي عليه طويلاً وأفاق، وجعل يُقبِّل الحسينَ وعيناه تذرفانِ ويقول له:(أمَا إنَّ لي ولقاتلِك مقاماً بين يدَي الله عزَّ وجلَّ) (٢) .
نهاية يزيد:
وأخيراً.. كيف انتهت حياة يزيد؟! أفي سوح الجهاد شهيداً؟! أم في دياره وهو يطوي ساعات ليله في القيام وساعات نهاره في الصيام؟! هل مات تائباً عابداً مُنيباً مُستغفراً؟! أم مات في الملاهي مُستهتراً؟! دعونا نُقلِّب أوراق التاريخ فنقرأ ما جاء فيها مِن صور!
* قال عبد الرحمان الغنَويّ: فواللهِ، لقد عُوجل الملعون يزيد،
____________________
١ - المناقب والمثالب: ٧١.
٢ - بحار الأنوار ٤٤: ٢٦٦ح ٢٤.
ولم يتمتَّع بعد قتله - أيْ للإمام الحسين (عليه السلام) - ولقد أُخذ مُغافَصةً.. بات سكراناً وأصبح ميِّتاً مُتغيِّراً كأنَّه مطليّ بقار(١) .
وهذا ما أكَّده المُظفَّريّ في تاريخه، ولكنْ.. هنالك تفصيل آخر في مِيتة يزيد، نُطالعها في الكُتب القديمة:
* قال ابن كثير: اشتهر يزيد بالمعازف وشرب الخمور، والغناء والصيد، واتِّخاذ القيان والكلاب، والنطاح بين الأكباش والدِّباب والقرود، وما مِن يوم إلاَّ ويًُصبح فيه مخمور.. وقيل: إنَّ سبب وفاته أنَّه حمل قِِردةً وجعل يُنقزِّها، فعضَّتْه..(٢) .
* وقال البلاذريّ - يروي عن شيخٍ من أهل الشام -: إنَ سبب وفاة يزيد حمل قردةً على الأتان، وهو سكران، ثمَّ ركض خلفها فسقط فاندقَّت عُنقه أو انقطع في جوفه شيء(٣) .
ورُوي عن ابن عيّاش أنَّه قال: خرج يزيد يتصيَّد بـ (حُوَّارين) وهو سكران، فركب وبين يديه أتانٌ وحشيَّة قد حمل عليها قرداً وجعل يُركِّض الأتانَ ويقول:
أبا خلَفٍ إحتَلْ لنفسِك حيلةً فليس عليها إنْ هلكتَ ضَمانُ
____________________
١ - كامل الزيارات، لابن قولويه: ٦١. ومُغافَصةً: أي فجأةً وبلا مُهلة، والقار: النفط الأسود (الزفت).
٢ - تاريخ ابن كثير ٨: ٤٣٦. ويُنقِّزه: أيْ يوثِّبها ويُرقِّصها.
٣ - أنساب الأشراف ٤: ٢. والأتان هي الحمارة.
فسقط واندقَّت عُنقه(١) .
ودُفِن يزيد في الرابع عشر مِن ربيع الأوَّل، سنة أربع وستِّين مِن الهجرة في دمشق، بعد أنْ حُمل إليها بمقبرة باب الصغير، فأصبح قبره - ومازال - مزبلة يتزاحم عليها الذباب، كقبر أبيه معاوية، وقد خاطبه الشاعر السوريّ المُعاصر (محمّد مجذوب) قائلاً:
أين القصورُ أبا يزيد ولَهوُها والصافناتُ وزهوُها والسُّؤْددُ
هذا ضريحُك لو بصرت ببؤسهِ لأسال مَدمعَك المصيرُ الأسودُ
كُتَلٌ مِن التُّربِ المَهينِ بخربةٍ سكَرَ الذبابُ بها فراحَ يُعربدُ
خَفيت معالمُها على سُكَّانها فكأنَّها في مَجهلٍ لا يُقصَدُ
ومشى بها ركْبُ البِلى فجدارُها عانٍ يكادُ مِن الضراعة يسجدُ
أأبا يزيد وتلك حكمةُ خالقٍ ماذا أقولُ وباب سمعك مُوصَدُ
قُمْ وارمقِ النجفَ الأغرَّ بنظرةٍ يرتدَّ طَرْفُك وهْو باكٍ أرمدُ
تلك العظامُ أعزَّ ربُّك شأنَها فتكاد لولا خوفُ ربِّك تُعبَدُ
أبداً تُباكرها الوفود يحثُّها مِن كلِّ صوبٍ شوقُها المُتوقِّدُ
وبمثل هذه القصيدة يستطيع كلُّ شاعرٍ أنْ يُخاطب يزيدَ، ويقول له: قمْ وارمق كربلاءَ المُعلاَّةَ بنظرة، ليرتدَّ طرفُك بعد ذاك وهو باكٍ أرمد، لا سِيَّما - يا يزيد - إذا وجدتَ قبرك قد أصبح خرِبةً تتزاحم عليها الحشرات، والقاذورات.
____________________
١ - أنساب الأشراف ٤: ٢. ويبدو أنَّ أبا خلف هو قرده الآخر غير قرده أبي قيس.
وهل هذا فحسب؟! لا.. فإنَّ العذاب مُستمرٌّ، وإنَّ المُنقلَبَ لإلى خُسرانٍ مُبين، وهولٍ مُفزع للظالمين.
قال الإمام الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام):(ولقد خرجت نفسُ عُبيدِ الله بن زياد ويزيد بن معاوية، فشهِقت جهنَّمُ شهقةً.. لولا أنَّ الله حبسها بخُزَّانها لأحرقتْ مَن على الأرض مِن فورها) (١) .
عودة إلى معاوية الثاني:
وبعد أنْ تعرَّفنا على بعض أعلام بني أُميَّة، ومَن كان أُميَّة، ومَن هُمْ أحفاده.. مِن أبي سفيان إلى معاوية فيزيد، ومِن حمامة إلى هند بنت عتبة إلى غيرهما.. يواجهُنا سؤال تاريخيّ مُلفتٌ وعجيب: هل يُتَوقَّع أنْ يخرج رجلٌ مِن هذا البيت يُخالف أهلَه، ويُشير إلى الحقِّ، ويدين الظلم والفجورَ ولو كانا في أُسرته؟!
والجواب - بكلِّ بساطة -: نعم، ذلك مُمكن، فإذا عرَفَ اللهُ تعالى في قلبِ عبدِه طلباً صادقاً للحقيقة، وتجرُّداً عن التعصُّب الأعمى.. نفخ في عقله وضميره وروحه عرفانَ ونبذَ الباطل، وأجرى على لسانه البيان الصادع والقول البليغ والكلمة الصادعة.
وكان المَثَل الساطع في هذا هو ابن يزيد، معاوية.. المُسمَّى
____________________
١ - كامل الزيارات: ٨١.
بـ (معاوية الثاني) تمييزاً له عن جَدِّه معاوية بن أبي سفيان، والمُسمَّى بـ (معاوية الأصغر) مرَّةً أُخرى، وإنْ كان هو الأكبر عقلاً وقلباً وإيماناً!
* ذكر البلاذريّ عن محمّد بن مصفّى الحمصيّ قوله: كان (معاوية الثاني) فتىً صالحاً، كثير الفكر في أمر مَعاده(١) .
* وعبَّر عنه اليعقوبيّ - في وصفه إيَّاه - قائلاً: وكان له مذهب جميل(٢) .
أمَّا مَن هو معاوية بن يزيد؟.. فذلك ما لم يحدِّثنا التاريخ عنه إلاَّ بنزرٍ يسير مِن الأخبار المُقتضَبة، وذلك لأمرين:
الأوَّل: لأنَّه تُوفِّيَ عن عمر لم يتجاوز الواحد والعشرين عاماً على أغلب الروايات.
والثاني: لأنَّه كان مُعارضاً للبيت الأُمويّ، فعُتِّم عليه وقُبِر ذِكْرُه مِن قِبَل بني أُميَّة؛ لأنَّه لم يكن على هواهم، ولم ينسج نسجهم. ولكنْ.. لا يسقط الميسور بالمعسور، وما لا يُدرَك كلُّه لا يُترك كلُّه.
____________________
١ - أنساب الأشراف ٥: ٣٨٢ (طبعة دار الفكر - بيروت).
٢ - تاريخ اليعقوبيّ ٢: ٢٥٤.
يوم الأربعاء، في الرابع عشر مِن شهر ربيع الأوَّل، سنة ٦٤ مِن الهجرة النبويَّة.. هلك يزيد بن معاوية يَجرُّ إلى قبره عظائم الذنوب وكُبرى الجرائم(١) .
وبما أنَّ معاوية بن أبي سفيان قد جعل الخلافة وراثةً - يرثها الأبناء عن الآباء -؛ لذا كان ليزيد وليُّ عهد، وهو ابنه معاوية بن يزيد، المعروف بـ (معاوية الثاني).
فكيف أتته التوليَة يا تُرى؟!
* قال البلاذريّ: ولاَّه أبوه يزيد عهدَه في صِحَّته، ويُقال: بايع له حين احتُضر، فلمَّا مات يزيد بايع الناسُ معاوية (الثاني)، وأتته بيعةُ الآفاق إلاَّ ما كان مِن ابن الزبير...
قال هشام بن عمّار: سمعت الوليد بن مسلم يقول: كانت أمُّ معاوية بن يزيد - وهي أُمُّ هاشم بنت أبي هاشم بن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس - امرأة برزة.. فدعا يزيد يوماً بمعاوية بن يزيد وأُمُّه حاضرة، فأمره بأمر، فلمَّا ولَّى معاوية (أيْ ذهب لذلك الأمر) قالت له: لو ولَّيت معاوية عهدَك! فقال: أفعل. وناظرَ يزيد حسَّانَ بن
____________________
١ - يُراجَع: تتمَّة منتهى الآمال، للشيخ عبّاس القُمِّيّ: ٤٨.
مالك بن بجدل الكلبيّ في أمره فشجَّعه على البيعة له، فأحضر يزيد الناس وأعلمهم أنَّه قد ولاَّه الخلافة بعده، فبايع له ابن بجدل والناس. فلمَّا مات يزيد بحُوَّارين بُويع لمعاوية (الثاني) بالخلافة وهو كاره!
وأكَّد ذلك ابن هشام الكلبيّ (النسَّابة) قائلاً: كان معاوية بن يزيد كارهاً للخلافة!
كذلك قال الحمصيّ - راوياً عن مشايخه - قائلاً: إنَّ معاوية بن يزيد قَبِل البيعةَ وهو لها كاره!
وعن الواقديّ.. ينقل البلاذريّ أنَّ صالح بن كيسان قال: ولَّى يزيدُ بن معاوية معاوية بنَ يزيد - ابنَه - الخلافةَ بعده، وكان (معاوية الثاني) كارهاً لها..
ولعلَّ مِن مصاديق ذلك ما أورده البلاذريّ بقوله: لم يعزلْ معاويةُ بن يزيد أحداً مِن عمَّال أبيه، ولا حرَّك شيئاً، ولا أمر ولا نهى(١) .
ولكنَّ (معاوية الثاني) هذا لم يحكم - على أغلب الروايات والأخبارـ إلاَّ أربعين يوماً، هي مدَّة خلافته في الشام(٢) .
أجل.. بُويع له بالخلافة يومَ موت أبيه، فأقام فيها أربعين يوماً، على بعض
____________________
١ - أنساب الأشراف ٥: ٣٧٩ - ٣٨٢ (طبعة دار الفكر - بيروت).
٢ - يُراجَع: تتمَّة منتهى الآمال، للشيخ عبّاس القُمِّيّ: ٤٨.
التعابير(١) . وعلى بعضها الآخر: ولي الأمرَ أربعين ليلة(٢) . وذلك ما يؤكِّده المُؤرِّخ اليعقوبيّ في تاريخه حيث يقول: ثمَّ ملكَ معاوية بن يزيد بن معاوية.. أربعين يوماً(٣) .
وكتب المسعوديّ: ومَلَك معاوية بن يزيد بن معاوية بعد أبيه، فكانت أيَّامُه أربعين يوماً إلى أنْ مات(٤) .
وهذا ما أكَّده الحلبي في سيرته حيث قال: إنَّ معاوية بن يزيد مكث في الخلافة أربعين يوماً(٥) .
وهذا ما عليه أكثرُ المؤرِّخين، ثمَّ يُردفون ما ذهبوا إليه بـ (قيل)، حيث يُنقَل عن البعض أنَّه يرى خلافة معاوية الثاني كانت أكثر مِن أربعين يوماً. فيذهب السيِّد الشهيد نور الله القاضي التستريّ إلى أنَّ خلافة معاوية بن يزيد كانت ثلاثة أشهر(٦) . بينما يذكر اليعقوبيّ أكثر مِن ذلك يسبقه الرأي بـ (قيل)، فيقول: وقيل: بلْ أربعة أشهر(٧) . في
____________________
١ - حياة الحيوان، للدَّميريّ ١: ٨٨ - باب ألإوزِّ. ومجالس المؤمنين، للشهيد السيِّد القاضي نور الله التستريّ ٢: ٢٥٢.
٢ - الاختصاص، للشيخ المُفيد: ١٣١.
٣ - تاريخ اليعقوبيّ ٢: ٢٥٤.
٤ - مروج الذهب ٣: ٨٢.
٥ - السيرة الحلبيَّة ١: ١٦٩.
٦ - مجالس المؤمنين ٢: ٥٢٥، ولعلَّه أخذ ذلك عن (أنساب الأشراف ٥: ٣٧٩ - طبعة دار الفكر، بيروت).
٧ - تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٥٤.
حين يقول الدِّميري: وقيل: أقام فيها - أيْ الخلافة - خمسة أشهر وأيَّاماً(١) . وتردَّد ابن حجر فقال: وكانت مُدَّة خلافته أربعين يوماً، وقيل: شهرين، وقيل: ثلاثة أشهر(٢) .
قال المسعوديّ: وقيل: مَلَك شهرين. وقيل: غير ذلك. وكان يُكنَّى بأبي يزيد، وكُنِّي حين وليَ الخلافة بأبي ليلى؛ وكانت هذه الكُنية للمُستضعَف مِن العرب، وفيه يقول الشاعر:
إنِّي أرى فتنةً هاجَتْ مراجلُها والمُلْك بعد أبي ليلى لمَن غَلَبا(٣)
في خلافة معاوية الثاني يقول ابن قتيبة: لمَّا مات يزيد بن معاوية، استخلف ابنه معاوية بن يزيد، وهو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة، فلبث والياً شهرين وليالي محجوباً لا يُرى، ثمَّ خرج بعد ذلك... (ثمَّ ذكر خلع نفسه، وعلَّق بعد ذلك بهذه العبارة: وماج أمر بني أُميَّة واختلفوا(٤) .
والآن نتساءل: لماذا لم تستمرَّ خلافة معاوية بن يزيد أكثر مِن ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر، أو خمسة أشهرٍ وأيَّام؟! هل تُوفِّي؟! أم عُزل؟! أم ماذا؟!
____________________
١ - حياة الحيوان ١: ٨٨.
٢ - الصواعق المُحرِقة: ١٣٤.
٣ - مروج الذهب ٣: ٨٢.
٤ - الإمامة والسياسة ٢: ١٧ - ١٨.
يُجيبُنا على ذلك الدِّميريُّ بوضوح فيقول: ثمَّ خلع نفسه(١) .
فنعود نتساءل: ولماذا خلع هذا الشابُّ نفسه مِن الخلافة، وهي مُلْك عظيم ذلك اليوم، وهو شابٌّ في ريعان شبابه، وقد جاءتْه هيِّنةً؟! فلماذا زهد بها وعزف عنها؟! أليس ذلك بالأمر العجيب، والموقف الغريب؟!
وكيف خلع نفسه ومتى.. ثمَّ كيف استطاع ذلك؟!
قال الدميريّ: وذكر غيرُ واحدٍ أنَّ معاوية بن يزيد لمَّا خلع نفسه، صعد المنبر فجلس طويلاً، ثمَّ حمِد الله وأثنى عليه بأبلغ ما يكون مِن الحمد والثناء، ثمَّ ذكر النبيّ (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) بأحسنِ ما يُذكَر به، ثمَّ قال: أيُّها الناس، ما أنا بالراغب في الائتمارِ عليكم، لعظيمِ ما أكرهه منكم، وإنِّي لأعلمُ أنَّكم تكرهوننا أيضاً، لأنَّا بُلينا بكم، وبُليتُم بنا...(٢) .
ولكنْ.. كيف كان ذلك وبأيَّة مُناسبة؟! هل دعا معاوية الثاني الناسَ إلى خُطبةٍ مُهمَّة فيخبرهم فيها ما أراد مِن خَلْع نفسه عن الخلافة؟!
على ما يبدو.. لا، وإنَّما كان ذلك يومَ الجمعة، وفي خُطبة صلاة الجمعة، حيث ارتقى معاوية الثاني منبره، فأخبر المُصلِّين - على ما
____________________
١ - حياة الحيوان ١: ٨١.
٢ - حياة الحيوان ١: ٨٨.
يُروى - أنَّه أعجز مِن أنْ ينهض بأعباء الخلافة ومسؤوليَّاتها الثقيلة الجسيمة، وأنَّه غير لائق لمثل هذا المنصب الكبير(١) .
نُقلت خُطبة (معاوية الثاني) في عددٍ مِن كُتب السيرة، بنصوص مُتفاوتة تفاوتاً يسيراً في الألفاظ والطُول والقِصر، وإنْ اتَّفقت في المضامين وتقاربت.
* يرويها البلاذريّ عن طريقين، بصورتين:
الأُولى: عن ابن عيّاش الهمدانيّ، عن أبي أسماء السَّكْسكيّ قال:
كان معاوية بن يزيد يُظهِر التألُّه، وكان ضعيفاً في أمر دنياه [ أيْ:غير راغبٍ فيه، ربَّما هكذا قصد ]، فكُنِّي أبا ليلى، فلمَّا أفضى الأمر إليه قام خطيباً فقال:
أيُّها الناس، إنْ يكنْ هذا الأمر خيراً فقد استكثر منه آلُ أبي سفيان، وإنْ يكنْ شرَّاً فما أولاهم بتركه! واللهِ، ما أُحبُّ أنْ أذهبَ إلى الآخرة وأدعَ لهمُ الدنيا..
والثانية: عن صالح بن كيسان - كما روى الواقديّ - أنّه قال:
____________________
١ - يُراجَع: مجالس المؤمنين ٢: ٢٥٢.
ولَّى يزيد بن معاوية ابنَه معاوية بن يزيد الخلافة بعده، وكان كارهاً لها، فلمَّا مات أبوه خطب الناس فقال:
إنْ كانت الخلافة خيراً فقد استكثر آلُ أبي سفيان منه، وإنْ كانت شرَّاً فلا حاجة لنا فيه، فاختاروا لأنفسكم إماماً تُبايعونه هو أحرص على هذا الأمر منِّي، واخلعوني فأنتم في حِلٍّ من بيعتي..(١) . وروى اليعقوبيّ قصَّة الخلع هكذا:
.. فخطب الناسَ فقال: أمَّا بعد حمد الله والثناء عليه.. أيُّها الناس، فإنَّا بُلينا بكم وبُليتم بنا، فما نجهل كراهتكم لنا وطعنكم علينا. ألا وإنَّ جَدِّي معاوية بن أبي سفيان نازع الأمرَ مَن كان أولى به منه في القرابة برسول الله، وأحقَّ في الإسلام، سابِقَ المسلمين، وأوَّل المؤمنين، وابنَ عمِّ رسول ربِّ العالمين، وأبا بقِّيةِ خاتَم المرسَلين. فركب (أيْ معاوية) منكم ما تعلمون، وركبتُم منه ما لا تُنكرون، حتَّى أتتْه منيَّتُه وصار رهناً بعمله. ثمّ قَلَّدَ أبي (أيْ يزيد) وكان غيرَ خليقٍ للخير، فركب هواه، واستحسن خَطأه، وعظم رجاؤُه فأخلفه الأمل، وقصُر عنه الأجل، فقلَّت مِنعته، وانقطعت مُدَّته، وصار في حفرته رهناً بذنْبه، وأسيراً بجرمه.
ثمَّ بكى (أيْ معاوية الثاني) وقال: إنَّ أعظم الأُمور علينا علمُنا بسوء مصرعه، وقُبح مُنقلَبه (أيْ يزيد بن معاوية)، وقد قتل عترةَ الرسول،
____________________
١ - أنساب الأشراف ٥: ٣٨١، ٣٨٢ (طبعة دار الفكر - بيروت).
وأباح الحُرمة، وحرق الكعبة(١) . وما أنا المُتقلِّدَ أُمورَكم، لقد نِلْنا منها حظَّاً، وإنْ تكن شرَّاً فحسب آل أبي سفيان ما أصابوا منها(٢) .
* ونقلها ابن قتيبة هكذا، قال:
فجمع الناسَ، فحَمِد اللهَ وأثنى عليه ثمَّ قال: أيُّها الناس، إنِّي نظرتُ بعدكم فيما صار إليَّ مِن أمركم، وقلَّدتُه مِن ولايتكم، فوجدتُ ذلك لا يسعُني فيما بيني وبين ربِّي، أنْ أتقدَّم على قومٍ فيهم مَن هو خيرٌ منِّي، وأحقُّهم بذلك، وأقوى على ما قُلِّدتُه(٣) .. فاختاروا منِّي إحدى خصلتين: إمَّا أنْ أخرج منها واستخلف عليكم مَن أراه لكم رضىً ومُقنِعاً، ولكم الله علَيَّ ألا آلُوكم نُصحاً في الدين والدنيا، وإمَّا أنْ تختاروا لأنفسكم وتُخرجوني منها.
قال: فأنِف الناس مِن قوله، وأبَوْا مِن ذلك، وخافتْ بنو أُميَّة أنْ تزول الخلافة منهم، فقالوا: ننظر في ذلك يا أمير المؤمنين ونستخير الله، فأمهِلْنا. قال: لكم ذلك، وعجِّلوا علَيَّ.
قال: فلم يلبثوا بعدها إلاَّ أيَّاماً حتَّى طُعِن، فدخلوا عليه فقالوا له:
____________________
١ - إشارة إلى الجرائم الثلاث: قتل أهل البيت (عليهم السلام) في كربلاء، وإباحة المدينة المُنوَّرة في واقعة الحَرَّة، وضرب الكعبة بالمنجنيق وإحراقها.
٢ - تاريخ اليعقوبيّ ٢: ٢٥٤.
٣ - لعلَّه يُشير معاوية الثاني هنا إلى آل عليٍّ، أو إلى الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام) على وجه التعيين.
استخلفْ على الناس مَن تراه لهم رضىً. فقال لهم: عند الموت تُريدون ذلك؟! لا والله لا أتَزوَّدها، ما سعدتُ بحلاوتها، فكيف أشقى بمرارتها؟!
ثمَّ هلك (رحمه الله) ولم يستخلف أحداً... فلمَّا دُفن معاوية بن يزيد، وسُوِّيَ عليه التراب، وبنو أُميَّة حول قبره، قال مروان بن الحكم: أما واللهِ، - يا بني أُميَّة - إنَّه لأبو ليلى! ثمّ قال:
.......... المُلْكُ بعد أبي ليلى لمَن غَلَبا
وماج أمر بني أُميَّة واختلفوا(١) .
* أمَّا الدمِيريّ.. فقد ذكر تفصيلاً أكثر للخُطبة، فقال: ذكرَ غيرُ واحدٍ.. أنَّ معاوية بن يزيد لمَّا خلع نفسه صعِد المِنبر فجلس طويلاً، ثمَّ حمِد الله وأثنى عليه بأبلغ ما يكون مِن الحمد والثناء، ثمَّ ذكر النبيَّ (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) بأحسنِ ما يُذكر به، ثمَّ قال:
أيُّها الناس، ما أنا بالراغب في الائتمار عليكم، لعظيم ما أكرهه منكم. وإنِّي لأعلم أنَّكم تكرهوننا أيضاً؛ لأنَّا بُلينا بكم وبُليتُم بنا. ألا إنَّ جدَّي معاوية.. قد نازع في هذا الأمر مَن كان أولى به منه ومِن غيره [ أيْ عليَّاً (عليه السلام) ] لقرابته مِن رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم)، وعِظَمِ فضله وسابقته. أعظمُ المُهاجرينَ قدْراً، وأشجعهم قلباً، وأكثرهم علماً، وأوَّلهم إيماناً، وأشرفهم منزلة، وأقدمهم صُحبة، ابنُ عمِّ رسول
____________________
١ - الإمامة والسياسة ٢: ١٧ - ١٨.
الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) وصهرُه وأخوه، زوَّجه (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) ابنته فاطمة وجعله لها بعلاً باختياره لها، وجعلها له زوجةً باختيارها له، أبو سِبطَيه سيِّدَي شباب أهل الجنَّة، وأفضل هذه الأُمَّة، تربية الرسول، وابنَي فاطمةَ البتول، مِن الشجرة الطيِّبة الطاهرة الزكيَّة.
فركب جدَّي منه ما تعلمون، وركبتُم معه ما لا تجهلون(١) ، حتَّى انتظمت لجَدِّيَ الأُمور.. فلمَّا جاءه القدَرُ المحتوم، واخترمتْه أيدي المنون، بقيَ مُرتهَناً بعمله، فريداً في قبره، ووجَدَ ما قدَّمت يداه، ورأى ما ارتكبه واعتداه.
ثمَّ انتقلت الخلافة إلى يزيد أبي، فتقلَّد أمرَكم لهوىً كان أبوه فيه(٢) .. ولقد كان أبي يزيد - بسوءِ فعله، وإسرافه على نفسه - غيرَ خليقٍ بالخلافة على أُمَّة محمّد (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم)، فركب هواه، واستحسن خطأه، وأقدمَ على ما أقدَم: مِن جُرأته على الله، وبغيهِ على مَن استحلَّ حُرمته مِن أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقلَّت مُدَّته، وانقطع أثرهُ، وضاجع عملَه، وصار حليف حُفرتِه، رهينَ خطيئتِه. وبقيت أوزاره وتَبِعاته، وحصل على ما قدَّم، وندم حيث لا ينفع الندم. وشغلَنا الحزنُ له عن الحزن عليه، فليت شعري! ماذا قال، وماذا قيل له؟! هل عُوقب
____________________
١ - أيْ: مِن قتاله (صِفِّين)، وقتل أبنائه، ومُلاحقة ذراريه، ومِن سَبِّه على المنابر قرابة ثمانين عام.. وغير ذلك مِن المآثم العُظمى.
٢ - لعلَّ في ذلك إشارة إلى هوى معاوية أنْ تكون السلطة وراثيَّة مُتداولة في بني أُميَّة لا تخرج عن أيديهم.
بإساءته، وجُوزيَ بعمله؟! وذلك ظَنِّي.
ثمَّ اختنقته العَبرةُ فبكى طويلاً وعلا نحيبُه، ثمَّ قال: وصرتُ أنا ثالثَ القوم، والساخطُ علَيَّ مِن الراضي. وما كنتُ لأتحَّملَ آثامَكم، ولا يراني الله (جلَّت قُدرتُه) مُتقلِّداً أوزاركم، وألقاه بتبعاتكم، فشأنكم أمركم فخُذوه، ومَن رضِيتُم به عليكم فولُّوه، فلقد خلعتُ بيعتي مِن أعناقكم، والسلام(١) .
* وقد نقل الخُطبة بمضمونٍ مُختصر.. الشهيد السيِّد نور الله القاضي التُستريّ، وأشار إلى تنصُّل (معاوية الثاني) عن الخلافة المُكلَّلة بجرائم جَدِّه معاوية وأبيه يزيد. كما بيَّن للحاضرين في صلاة الجمعة أنَّهم لو أرادوا أنْ يعرفوا مَن أولى بالخلافة وأحقُّ بها فهو الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام)، فليذهبوا إليه ويُبايعوا هذا الرجلَ الذي لا شائبةَ ولا طعنَ في سيرته(٢) .
* كما نقل المُحدِّث الشيخ عبَّاس القُمِّيّ مضموناً آخَرَ، جاء في خُطبة معاوية الثاني، وهو: لَعْنُه لجَدِّه وأبيه، والتبرُّؤُ مِن أفعالهم.. وأنَّه حينما ذكر ذلك في خُطبته بكى بكاءً شديداً(٣) .
____________________
١ - حياة الحيوان ١: ٨٨.
٢ - مجالس المؤمنين ٢: ٢٥٢.
٣ - تتمَّة مُنتهى الآمال: ٤٨.
والآن.. لابدَّ لنا أنْ ننتبه إلى المضامين التي طرقها (معاوية الثاني) في خُطبته، فهي إشارات خطيرة هزَّت البيت الأُمويَّ بأسره، وأحدثت ما أحدثت بين الناس مِن الإيقاظ.
الإشارة الأولى: بيَّن (معاوية الثاني) أنَّ السلطة الأُمويَّة كانت قائمةً على الترغيب والترهيب، والخداع والإضلال، ولم تكن يوماً قائمةً على مَحبَّة الناس واعتقادهم بها. فالسلطة الأُمويَّة كانت تُغدِق الأموال على شراء الضمائر وكسب الألسن والأقلام لصالحها، وقد انساق بذلك عُنقٌ مِن الناس إلى بلاط معاوية ويزيد. وكانت - مِن جهةٍ أُخرى - تقسو على المُعارضين الأحرار، بقتلهم أو حبسهم في الزنزانات الرهيبة، وتقطيع أيديهم وأرجلهم وتسميل عيونهم، إضافةً إلى تشريدهم وإبعادهم. فمَن التفَّ حول السلطة كان يعلم أنَّه يركن إلى الظالمين ويُعينهم على جرائمهم.
وهذه حالة النفاق التي تسرَّبت إلى صفوف الأُمَّة، كانت إحدى الظواهر التي فتكتْ بها. فأشار إليها معاوية الثاني إشارةً لطيفة، وصارح الناس فيها صراحةً ظريفة.. فقال لهم: فما نجهل كراهتكم لنا وطعنكم علينا(١) . أو قال لهم: وإنِّي لأعلم أنَّكم تكرهوننا أيضاً(٢) .
____________________
١ - كما أسلفنا عن تاريخ اليعقوبيّ.
٢ - كما مَّر في حياة الحيوان.
فالناس يُجارون الظلَمة فيما يشتهون، مع ما في أنفسهم مِن الكراهة لهم، والاحتقارِ في أنفسهم.
الإشارة الثانية: اعترف (معاوية الثاني) بأنَّ الأوْلى بمنصب الخلافة هُمْ أهلُ بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ لفضلِهمُ الذي لا يُدانى، ولقُرباهم منه فهم أهل بيت الوحي، ولسابقتهم في الإسلام، وأوَّلُهم أميرُ المؤمنين عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام)، والذي كلَّله رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم بأحاديث التجليل الفريدة، وزوَّجَه ابنته فاطمةَ الزهراء سيِّدةَ نساء العالمين (عليها السلام).
وكانت كلمات (معاوية الثاني) تعرض بعضَ أدلَّة الإمامة، أو قُلْ: علاماتِ الأحقَّ بالخلافة بعد المُصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، مُعرِّجاً بذلك على خصائص البيت النبويّ وملَكاتهِ الإلهيَّة، وفضائله التي لا يُشاركه فيها بيت آخر.
وهل كالإمام عليٍّ ظهير للنبوَّة والنبيّ؟!(١) ، وهل جاءت في غيره أنَّه بعد الرسولِ الوصيّ؟! فيوم كان أبو سفيان يُحاول قبر الإسلام واغتيال رسوله.. كان الإمامُ عليٌّ (عليه السلام) الناصرَ والمُحامي، والأخَ المُعاضد. ويوم كان معاوية يشنُّ على الإسلام غاراته في بدر وأُحد وغيرهما - مع أبيه - أبي سفيان وأُمِّه هند - آكلة الأكباد - كان الإمامُ
____________________
١ - يُراجَع في ذلك: الدُّرَّ المنثور في ذيل الآية ٤مِن سورة التحريم، وكنز العمَّال ١: ٢٣٧، وفتح الباري ١: ٢٧، ومجمع الزوائد ٩: ١٩٤.
عليّ (عليه السلام) يحمل راية المسلمين، ويقود عساكرَهم دفاعاً عن بَيضة الإسلام. ويوم كان أبو سفيان يتردَّد على ذوات الرايات والأعلام، وينحدر إلى نوادي الخمرة ومجالس الفجور.. كان الإمامُ عليٌّ (عليه السلام) يصحب النبيَّ إلى غار (حِراء)، حتَّى قال في خُطبةٍ له:
(وقد علِمتُم موضعي مِن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة. وضعني في حِجْرهِ وأنا ولدٌ يضمَّني إلى صدره، ويكنُفُني في فراشه، ويُمِسُّني جسَدَه، ويُشمُّني عَرْفَه... ولقد كنتُ أتَّبِعُهُ اتِّباعَ الفصيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يرفع لي كلِّ يومٍ مِن أخلاقِهِ عَلَماً، ويأمرُني بالاقتداء به. ولقد كان يُجاور في سنةٍ بـ (حِراء) فأراه، ولا يراه غيري. ولم يجمعْ بيتٌ واحدٌ يومئذٍ غيرَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخديجةَ وأنا ثالثُهما. أرى نورَ الوحي والرسالة، وأشُمُّ ريح النبوَّة..) (١) .
هناك كان الإمامُ عليّ (عليه السلام) فأين كان معاوية؟! أين قضى أيَّامه.. حتَّى إذا كبر نازعَ عليَّاً (عليه السلام) الخلافة! ألم يُحرِّم رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم الخلافة على الطُّلقاء كما أشار إلى ذلك عمر، وروى عنه عبد الرحمان بن أبزي!(٢) ، وإنْ كان عمر قد ولاَّه على الشام فيما بعد، ومعاوية طليق ابن طُلقاء، تحكي ذلك قِصّةُ فتح مَكَّة.. وقد
____________________
١ - الخُطبة ١٩٣ مِن نهج البلاغة.
٢ - أُسد الغابة ٤: ٣٨٧.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الخلافة محرمة على آل ابي سفيان!)(١) .
الإشارة الثالثة: خَلع (معاوية الثاني) نفسه عن الخلافة مُعرِباً عن جُملةٍ مِن الأُمور.
منه: تأنيبُ ضميره أنْ ينهض بخلافة هي ولاية الله في الأرض، تتطلَّب القيام بمسؤوليَّات رساليَّة عُظمى.
ومنه: إيماؤُه إلى أنَّ الخلافة لها أهل، حاضرون هناك، قد نحَّاهم سلاطينُ الجور ودفعوهم عن مقامهم.
ومنه: عرْضُ براءته ممَّا ارتكبه جَدُّه معاوية وأبوه يزيد مِن الجرائم المَهولة بحقِّ الدين وأئمَّة المسلمين وشعائر المؤمنين. حتَّى قيل: إنَّه أنشأ - بعد الخلع - يقول:
ياليتَ لي بيزيدٍ حين أنتسبُ أباً سواه وإنْ أزرى به النسَبُ
برئتُ مِن فعله واللهُ يشهد لي أنِّي برئتُ وذا في الله قد يجبُ(٢)
تعالَوا - بعد هذا - نتبَّينْ فيما رُوي مِن أنَّ (معاوية الثاني) قد كشف هذا الأمر في خُطبة الخلع:
* روى أبو المحاسن، قال: خطب معاوية بن يزيد الناسَ فقال:
____________________
١ - مقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي ١: ١٨٥.
٢ - مجالس المؤمنين ٢: ٢٥٢.
أيُّها الناس، إنَّ جَدِّي معاويةَ نازع الأمرَ أهلَه ومَن هو أحقُّ به لقُرابته مِن رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم)، وهو عليّ بن أبي طالب، وركب لكم ما تعلمون.. حتَّى أتتْه منيَّتُه، فصار في قبره رهيناً بذنوبه، وأسيراً بخطاياه.
ثمَّ تقلَّد أبي الأمر، فكان غيرَ أهلٍ لذلك، وركب هواه، وأخلفَه الأمل، وقصر به الأجَل، وصار في قبره رهيناً بذنوبه، وأسيراً بجُرمه...(١) .
* فيما أخرج ابن حجر - في بيان موت يزيد، قال: إنَّ معاوية ابن يزيد قال - فيما قال:
ومِن أعظم الأُمور علينا علمُنا بسوءِ مصرعه (يعني أباه يزيد)، وبؤسِ مُنقلَبهِ، وقد قتل عترةَ رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم)، وأباح الخمر وخرَّب الكعبة. ولم أذقْ حلاوة الخلافة، فلا أتقلَّد مرارتها، فشأنكم أمركم. واللهِ، لَئن كانت الدنيا خيراً فقد نلنا منها حَظَّاً، ولئن كانت شرَّاً فكفى ذُرَّيةَ أبي سفيان ما أصابوا منها(٢) .
قال ابن حجَر بعد ذلك: فرحمه الله، أنصف مِن أبيه، وعرَف الحقَّ لأهله.
وكان ابن حجر قد ذكر أنَّ معاوية الثاني قد قال في أوَّل خُطبته: إنَّ هذه الخلافة حبلُ الله، وإنَّ جدَّي معاويةَ نازع الأمرَ أهلَه،
____________________
١ - النجوم الزاهرة ١: ١٦٤.
٢ - الصواعق المُحرِقة: ١٣٤.
ومَن هو أحقُّ به منه، عليَّ بنَ أبي طالب، وركبَ بكم ما تعلمون، حتَّى أتته منيَّتُه فصار في قبره رهيناً بذنوبه. ثمَّ قلَّد أبي الأمرَ، وكان غيرَ أهلٍ له، ونازع ابنَ بنت رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم)(١) ، فقُصِف عُمره، وانبتر عَقِبُه، وصار في قبره رهيناً بذنوبه.
ثمَّ بكى وقال: مِن أعظم الأُمور علينا علمُنا بسوء مصرعه..(٢) .
* وقال ابن السبكيّ: إنَّ معاوية بن يزيد بن معاوية لمَّا خلع نفسه صَعِد المنبر فجلس طويلاً، ثمَّ حمد اللهَ وأثنى عليه بأبلغ ما يكون مِن الحمد والثناء! ثمَّ ذكر النبيَّ (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) بأحسن ما يُذكر به، ثمّ قال:
أيُّها الناس، ما أنا بالراغب في الائتمار عليكم؛ لِعظيم ما أكرهه منكم، وإنِّي أعلم أنَّكم تكرهونا أيضاً؛ لأنَّا بُلينا بكم وبُليتم بنا، ألا إنَّ جدِّي معاوية نازع هذا الأمرَ مَن كان أولى به منه ومِن غيره؛ لقرابته مِن رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم)، وعظيم فضله وسابقته، أعظمَ المُهاجرين قَدْراً، وأشجعهم قلباً، وأكثرهم علماً، وأوَّلهم إيماناً، وأشرفهم منزلة، وأقدمهم صُحبة، ابنُ عمِّ رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) وصهره وأخوه، زوَّجه ابنتَه - رضي الله عنها - وجعله لها رجلاً باختياره لها، وجعَلَها له زوجةً باختيارها له، أبو سبطَيه سيِّدَي شباب أهل الجنَّة، وأفضل
____________________
١ - أيْ الإمام الحسين (عليه السلام).
٢ - الصواعق المُحرِقة: ١٣٤.
هذه الأُمَّة، تربية الرسول، وابنا فاطمة البتول - رضي الله عنها - حتَّى انتظمت لجَدِّي معاوية الأُمور، فلمَّا جاءه القَدَر المحتوم، واخترمته أيدي المنون، بقيَ مُرتهَناً بعمله، فريداً في قبره، ووجد ما قدَّمَتْ يداه، فرأى ما ارتكبه واعتداه.
ثمَّ انتقلتِ الخلافة في أبي يزيد، فتقلَّد أمرَكم لهوىً كان أبوه هَويه فيه، ولقد كان أبي يزيدُ بسوء فعله وإسرافه على نفسه غيرَ خليق بالخلافة على أُمَّة محمّد (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم)، فركب هواه، واستحسن خطأه، وأقدم على ما قَدِم مِن جُرأته على الله تعالى، وبغيه على مَن استحلَّ حُرمته مِن أولاد رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم)، فقلَّت مُدَّته، وانقطع أثره، وضاجع عمله، وصار حليف حُفرته، رهينَ خطيئته، وبقيت أوزاره وتبعاته، فهل عُوقب بإساءته. وجُوزي بعمله؟! وذلك ظَنِّي.
ثمَّ خنقته العبرة فبكى طويلاً، وعلا نحيبه، وحمد الله، ثمَّ قال: وصرتُ أنا ثالثَ القوم، والساخطُ عَلَيَّ أكثر مِن الراضي، وما كُنتُ لأتحمَّل آثامَكم، ولا يراني الله جلَّت قدرته مُتقلِّداً أوزارَكم، وألقاه بتبعاتكم، فشأنُكم وأمركم فخذوه، ومَن رضيتم به عليكم فوَلُّوه، فلقد خلعتُ بيعتي مِن أعناقكم، والسلام.
فقال له مروان بن الحكم - وكان تحت المنبر -: أسُنَّة عمريَّة يا أبا ليلى؟ فقال: اغدُ عنِّي، أعن ديني تخدعوني؟! فوالله، ما ذقت حلاوة خلافتكم فأتجرَّع مرارتها، أئتني برجال مثل رجال عمر، على أنَّه
كان حين جعلها شورى، وصرفها عَمَّن لا يشكُّ في عدالته - ظلوماً. والله، لئن كانت الخلافة مغنماً لقد نال أبي معها مغرماً ومأثماً!! ولئن كانت شرَّاً فحسبه منها ما أصابه!!
ثمَّ نزل فدخل عليه أقاربه وأُمًّه فوجدوه يبكي، فقالت له أُمُّه: ليتك كنت حيضة، ولم أسمع بخبرك، فقال: وددت - والله - ذلك، ثمَّ قال: ويلي! إنْ لم يرحمني ربِّي.
ثمَّ إنَّ بني أُميَّة قالوا لمُؤدِّبه القصوص: أنت علَّمته هذا ولقَّنته إيَّاه وصددته عن الخلافة، وزيَّنت له حُبَّ عليٍّ وأولاده، وحملته على ما وَسَمَنا به مِن الظلم، وحسنت له البدع حتَّى نطق بما نطق وقال ما قال!! فقال: والله، ما فعلته ولكنَّه مجبول ومطبوع على حُبِّ عليٍّ وأولاده، فلم يقبلوا منه ذلك، وأخذوه ودفنوه حيَّا حتَّى مات رحمه الله(١) .
لابدَّ أنَّ بني أُميَّة كانوا حاضرين في صلاة الجمعة، وقد سمعوا معاوية الثاني وهو يذكر فضائح زُعمائهم.. فماذا كان موقفهم؟
تذكر بعض الأخبار أنَّ أقرباءه بعد أنْ نزل مِن المنبر دخلوا عليه مع أُمِّه، فكان كلام وجواب. وليس ذلك فحسب، بلْ عمدوا
____________________
١ - سِمط النجوم العوالي ٣: ٢١٢ - ٢١٣.
إلى مؤدِّبه فقتلوه(١) .
أمَّا أُمُّه.. فماذا قالت يا تُرى؟! بلْ - وقبل كلِّ شيء - مَنْ هي أُمُّه يا تُرى؟
قال اليعقوبيّ: وأُمُّه أُمّ هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة(٢) . فهي حفيدة (عتبة بن ربيعة) أحد المُفسدين في الأرض وأحد الفُجَّار،( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) (٣) ؟! - كما جاء عن ابن عبّاس، حيث قال: نزلت هذه الآية في ثلاثةٍ مِن المسلمين.. فهُمُ المُتَّقون الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ، وثلاثةٍ مِن المُشركين.. فهمُ المُفسدون في الأرض. فأمَّا الثلاثةُ مِن المسلمين: فعليُّ بن أبي طالب، وحمزة، وعبيدة. وأمَّا الثلاثة مِن المُشركين: فعتبةُ بن ربيعة، وشيبة، والوليد بن عتبة. وهمُ الذين تبارزوا يوم (بدر).. فقتل عليٌّ الوليد، وقتل حمزةُ عتبة، وقتل عبيدةُ شيبة(٤) .
فأُمُّ هاشم هذه والتي هي أُمُّ معاوية الثاني.. هي سليلة المُفسدين الفُجَّار، ووريثه أحقادهم، وهي الحريصة كلَّ الحرص على أنْ تبقى
____________________
١ - يُراجَع: حياة الحيوان ١: ٨٩.
٢ - تاريخ اليعقوبيّ ٢: ٢٥٤.
٣ - سورة ص: ٢٨.
٤ - تفسير فرات الكوفيّ: ١٣١.
الزعامة في بني أُميَّة لا تخرج عن أيديهم، لا سِيَّما وقد تُوِّج بها زوجها يزيد، ثمَّ ورَّثها إلى ولدها معاوية.
فكانت خُطبة معاوية الثاني صاعقةً نزلتْ على قلبها، فتحطَّم كيانها وخابت آمالها، وضاع منها أمرٌ خامر أحلامها دهراً. فماذا كان ردُّ فعلها بعد أنْ نزل معاوية ابنها مِن منبره؟!
* يذكر البلاذريّ: أنَّ أُمَّ معاوية الثاني - وهي أُمُّ هاشم سليلة آل أبي سفيان - قالت له بعد خُطبته تلك:
لَوددتُ - يا بُنيَّ - أنَّك كنتَ نَسياً منسيَّاً، وأنَّك لم تَضعف هذا الضَّعْف!
فقال لها: وددتُ - واللهِ - أنَّي كنتُ نسياً منسيَّاً، ولم أسمع بذِكْر جهنَّم!(١) .
* يذكر الدميريّ أنَّ معاوية لمَّا نزل دخل عليه أقاربُه وأُمُّه، فوجدوه يبكي، فقالت له أُمُّه: ليتَك كنتَ حِيضةً ولم أسمع بخبرك. فقال: وددتُ - واللهِ - ذلك. ثمَّ قال: ويلي إنْ لم يرحمْني ربِّي!(٢) .
أو يُروى أنَّ أُمَّه قالت له: ليتَك كنت حَيضةً في خِرقة، فقال: وأنا وددتُ ذلك يا أُمَّاه، أما علمتِ أنَّ للهِ ناراً يُعذِّب بها مَن عصاه
____________________
١ - أنساب الأشراف ٥: ٣٨٢ (طبعة دار الفكر - بيروت).
٢ - حياة الحيوان ١: ٨٩. والحِيضة: الخِرقة التي تضعها المرأة لتتلَّقى بها دم الحيض.
وأخذ غيرَ حقّه!(١) .
فكان في جوابه مؤدَّباً مع أُمِّه، وإنْ أرادت به سوءً، ولامتْه على تنكُّب طريق جهنَّم، فقد بيَّن لها موقفه مقروناً بالدليل الواضح والبيان الصريح، وحاججها بكلمات قليلةٍ كانت عَرْضاً للحقِّ في صورة جليَّةٍ وبرهانٍ قاطع لا محيص عن مُغالطته أو الفرار عنه.
ورُوي أنَّها كانت قد قالت له: ليتك كنت حيضةً ولم أسمع ما قلتَه على المنبر. أو قالت: ليتك كنتَ حَيضة فلم تُخلَق ولم أكن أرى يومك. فأجابها: وددت ذلك - والله - ولم أكن أتقلَّد هذا الأمر.. أأتحمَّل وزر الخلافة ويفوز بحلاوتها بنو أُميَّة؟! ذلك لن يكون!(٢) .
كتب البلاذريّ: فلمَّا احتُضر قيل له: لو بايعتَ لأخيك خالد بن يزيد، فإنَّه أخوك لأبيك وأُمِّك! فقال: سبحان الله! كُفيتُها حياتي، وأتقلَّدها بعد موتي!(٣) .
وكتب المسعوديّ: ولمَّا حضرته الوفاة، اجتمعتْ إليه بنو أُميَّة فقالوا: اعهدْ إلى مَن رأيتَ مِن أهل بيتك، فقال: واللهِ، ما ذقتُ حلاوة خلافتكم، فكيف أتقلَّد وِزْرَها؟! وتتعجَّلون أنتم حلاوتها، وأتعجَّل مرارتها! اللَّهمَّ إنِّي بريء منها، مُتخلٍّ عنها.. فقالت له أمُُّه: ليتَ أنِّي
____________________
١ - عن (أدب الطفِّ) للسيِّد جواد شبَّر ٣: ١٣.
٢ - تتمَّة مُنتهى الآمال: ٤٨.
٣ - أنساب الأشراف ٥: ٣٨٢ (طبعة دار الفكر - بيروت).
خرقة حيضة ولم أسمع منك هذا الكلام! فقال لها: وليتني - يا أُمَّاه - خرقة حيض ولم أتقلَّد هذا الأمر، أتفوز بنو أُميَّة بحلاوتها، وأبوء بوزرها ومنعِها أهلَها؟! كلاَّ، إنِّي لبريء منها(١) .
أجل.. فقد كان البعض يتربَّص بها، أنْ يعيش في ظلِّها أميراً أو والياً أو نائلاً لأغراضه الدنيويَّة، وإنْ كانت عن طريق الخداع والسرقة والظلم.
والآن.. ما كان موقف مروان بن الحَكَم مِن خلع معاوية الثاني نفسَه عن الخلافة؟! بلْ مَن هو مروان هذا - أوَّلاً -؟!
* أخرج الحاكم النيسابوريّ، مِن طريق عبد الرحمان بن عوف أنَّه قال: كان لا يولد لأحدٍ بالمدينة ولَدٌ إلاَّ أتى به إلى النبيّ (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم). فأُدخل عليه مروانُ بن الحُكم، فقال:(هو الوزَغُ ابنُ الوزغ، الملعون بن الملعون) (٢) .
____________________
١ - مروج الذهب ٣: ٨٢.
٢ - المُستدرك على الصحيحين ٤: ٤٧٩. وذكره أيضاً: الدميريّ في (حياة الحيوان) ٢: ٣٩٩، وابن حجر في (الصواعق المُحرقة): ١٠٨، والحلبيّ في (السيرة الحلبيّة) ١: ٣٧٧.
* وأخرج ابن النجيب، مِن طريق جُبير بن مُطعم، قال: كنَّا مع رسول الله (صلى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) فمرَّ الحكم، فقال النبيّ (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم):(ويلٌ لأُمَّتي ممَّا في صلْب هذا) (١) .
* وأخرج ابن الأثير وغيره أنَّ مروان بن الحكم وعبد الرحمان بن أبي بكر اختصما يوماً، فسمعت عائشة أنَّ مروان يُعيِّر أخاها ويقول له: ألستَ الذي قال لوالدَيهِ( ... أُفٍّ لَكُمَا... ) ؟!
وفي رواية: هذا الذي قال الله فيه:( وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا... ) (٢) ! فأجابته عائشة: كذِب مروان، كذِب مروان.. ولكنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) لعنَ أبا مروانَ ومروانُ في صُلبه، فمروانُ فضَضٌ مِن لعنةِ الله. وفي لفظٍ آخر: ولكنَّ رسول الله لعنَ أباكَ وأنت في صُلْبه، فأنت فضضٌ مِن لعنة الله(٣) .
فمروان بنصِّ الأحاديث الشريفة وَزغ، وهو حيوان أبرص سامٌّ، وملعون وهو في صُلب أبيه؛ لأنَّه أحد جنود إبليس، وصاحب فتنٍ وبدعٍ في الإسلام. قال البلاذريّ: كان مروان يُلقَّب
____________________
١ - أُسد الغابة ٢: ٣٤، والإصابة ١: ٣٤٦، وكنز العمَّال ٦: ٤٠، والسيرة الحلبيَّة ١: ٣٣٧.
٢ - الأحقاف: ١٧.
٣ - أُسد الغابة ٢: ٣٤. ويُراجع أيضاً: المُستدرك على الصحيحين ٤: ٤٨١، وتفسير القرطبي ١٦: ١٩٧، وتفسير الزمخشريّ ٣: ٩٩، وتفسير ابن كثير ٤: ١٥٩، وتفسير الرازيّ ٧: ٤٩١. وغير ذلك كثير.
(خيطَ باطل)؛ لدِقَّته وطوله شبه الخيط الأبيض الذي يُرى في الشمس(١) .
ومَن أراد الاستزادة في التعرُّف على شخصيَّة مروان، فيكفيه الرجوع إلى كتاب العلاَّمة الأميني (الغدير)(٢) . وهنا نكتفي بما وصفه الإمام الحسن (عليه السلام) في مجلس معاوية، وقد اجتمع هذا مع جلاوزته: عمرو بن عثمان بن عفَّان، وعمرو بن العاص، وعتبة بن أبي سفيان، والوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط، والمُغيرة بن شعبة.. وقد تواطأوا على أمرٍ واحد، وبعثوا إلى الإمام الحسن (عليه السلام) فسبُّوا بني هاشم ورهطَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعرَّضوا لأهل بيته بالطعن والتُّهمة وبذيء القول. فأجابهم الإمام الحسن المُجتبى (عليه السلام) بما يُفحمهم ويُخزيهم، ويُبيِّن فضائل أهل بيت الرسالة (عليهم السلام)، فأُخرِسوا بما فيهم معاوية، وقد بيَّن الإمام مثالب آل أبي سفيان ومَن حضر لسبِّ آل أبي طالب.
فلمَّا سمع مروان بن الحَكم بما لقيَ معاويةُ وأصحابه المذكورون مِن الإمام الحسن بن عليّ (عليهما السلام) جاء إلى المجلس فقال: أفلا أحضرتموني ذلك! فواللهِ، لأسبَّنَّه ولأسبَّنَّ أباه وأهل البيت سبَّاً تتغنَّى به الإماء والعبيد!!
____________________
١ - أنساب الأشراف ٥: ١٢٦.
٢ - الجزء الثامن ص ٢٥٧ - ٢٦٧.
فأَرسل إلى الحسن (عليه السلام)، فحضر وقال لمروان:(وما الذي أردتَ؟) ، قال مروان: واللهِ، لأسبَّنَّك وأباك وأهلَ بيتك سبَّاً تتغنَّى به الإماءُ والعبيد!!
فقال الإمام الحسن (عليه السلام):(أمَّا أنتَ يا مروان.. فلستُ سببتُك ولا سببتُ أباك، ولكنَّ الله عزَّ وجلَّ لعنكَ ولعنَ أباك، وأهلَ بيتك وذُرِّيَّتكَ، وما خرج مِن صُلب أبيكَ إلى يوم القيامة، على لسان نبيِّهِ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم. والله - يا مروان -، ما تُنكر أنتَ ولا أحدٌ مِمَّن حضر هذه اللعنةَ مِن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكَ ولأبيك مِن قبلك. وما زادك اللهُ - يا مروانُ - بما خوَّفك إلاَّ طُغياناً كبيراً.. فوثب معاوية فوضع يده على فمِ الحسن..) (١) .
ويوم خطب (معاوية الثاني) خُطبتَه تلك، وأظهر فيها مثالب بني أُميَّة، لاسِيَّما آل أبي سفيان، وخصوصاً يزيدَ أباه ومعاويةَ جَدَّه.. ماذا كان مِن مروان بن الحَكَم، وهو يومئذ هناك يتربَّص بالخلافة بعد معاوية، ولا يرضى لنفسه - وقد قاتل الإسلام وكاد به خمسين عاماً - إلاَّ بإمرة الشام إنْ لم يتسنَّ الأمرُ له بإمرة كلِّ بلاد المسلمين؟
ذكر البلاذريّ: أنَّ أوَّل المُتصدِّين لمعاوية الثاني بعد خُطبته تلك - إهانةً له، واقتناصاً للغنيمة - هو مروان، فقيل: دخل عليه قائلاً له:
____________________
١ - الاحتجاج: ٢٧٨ - ٢٧٩.
لقد أعطيت مِن نفسك ما يُعطي الذليلُ المَهين! ثمَّ رفع صوته فقال:
مَن أراد أنْ ينظر في خالفةِ آل حرب بن أُميَّة فلْينظر إلى هذا! فقال له معاوية: يا بن الزرقاء، أُخرجْ عنِّي، لا قَبِلَ اللهُ لك عُذراً يوم القيامة!(١) .
هذا بعد ما كان معه في المسجد.
يذكر بعض المؤرِّخين أنَّ معاوية الثاني لمَّا خطب الناس تلك الخُطبة، كان مروان تحت المنبر، فلمَّا خلع معاوية الثاني بيعتَه مِن أعناق الناس، قال له مروان ومعاويةُ ما زال على المنبر لم ينزل بعد: أسُنَّة عُمَريَّة - يا أبا ليلى -؟ فأجابه معاوية الثاني (مُعرِضاً): أُغْدُ عنِّي.. أعن ديني تخدعُني؟! فواللهِ، ما ذقت حلاوة خلافتكم فأتجرَّع مرارتَها!.. ثمَّ قال: واللهِ، لئن كانت الخلافة مَغنماً، لقد نال أبي منها مغرماً ومَأْثَماً، ولئن كانت سوءً فحسبُه منها ما أصابه.
ثمَّ نزل فدخل عليه أقاربه وأُمًّه فوجدوه يبكي..(٢) .
ويبدو أنَّ عبارة مروان هكذا: سُنَّةً عُمريَّة! على صيغة التخصيص أو التوبيخ، أيْ أراد أنْ يقول له: هلاَّ جعلتها سُنَّةً عُمريَّة؟! أو: لماذا لم تجْعلها سُنَّة عُمريَّة؟! أو: هلاَّ تجعلُها سُنَّةً عُمريَّة؟! ما زال في الحال
____________________
١ - أنساب الأشراف ٥: ٣٨١ (طبعة دار الفكر - بيروت).
٢ - حياة الحيوان ١: ٨٨ - ٨٩.
فُسحة. أيْ تجعلها قسمةً بينكم (يا بني أُميَّة) وبيننا نحن (آل مروان) نتشاطر الخلافة ونتعاقبها إنْ أنت عزفت عنها، كما أوصى عمر بن الخطَّاب - وهو على فراش الموت - أنْ تكون الخلافة مِن بعده شورى - بلا أيِّ دليل شرعيٍّ - في سِتَّة رجال - كما سنُبيِّن.
ودليلُ ما ذهبنا إليه، أنَّ الذي طرحه مروان بن الحَكم على معاوية الثاني مِن الرأي.. هو ما يُروى:
أنَّ مروان قال له: يا أبا ليلى، سُنَّةً عُمريَّة! فقال: يا مروان، تخدعُني عن ديني.. اِئتِني برجالٍ كرجال عمر أجعلِ الأمرَ بينهم شورى!! واللهِ، لئن كانت الخلافة مَغنماً، فلقد أصابَنا منها حظَّاً، وإنْ كانت شرَّاً فحسْب آل أبي سفيان ما أصابوا منها. ثمَّ نزل..(١) .
وهذا ما أكَّده المُحدِّث الشيخ عبَّاس القُمِّيّ، حيث روى أنَّ مروان - ومِن تحت المنبر - قد خاطب معاوية الثاني بـ: يا أبا ليلى، (وهذه كنية تُطلق على ضعفاء العرب)، وطلب منه أنْ يجعل أمر الخلافة شورى كما فعل عمر إنْ كان غير راغبٍ هو (أيْ معاوية الثاني) فيها(٢) .
ولعلَّ مروانَ هذا يقصد أنْ تكون الخلافة مُنشطرة في جماعتين:
____________________
١ - يُراجَع: تاريخ اليعقوبيّ ٢: ٢٥٤.. وفيه: فقال له مروان بن الحكم: سُنَّها فينا عُمريَّة! فأجابه معاوية: ما كنتُ أتقلَّدكم حيَّاً وميِّتاً.
٢ - يُراجع: تتمَّة مُنتهى الآمال: ٤٨.
الشطرُ الأوَّل مِن بني أُميَّة أو مِن آل سفيان.
والشطر الثاني في آل مروان وعلى رأسهم ابن الحَكَم مروان.
والآن.. اقتضى السياق أنْ نتعرَّف على السُنَّة العُمريَّة، التي دعا إليها مروان بن الحَكَم.. وهي في الاستخلاف، كما تُشير إليه قرينة الحال.
قال اليعقوبيّ: وصيَّر (عمر) الأمرَ - أيْ الخلافة - شورى بين ستَّة نفر مِن أصحاب رسول الله: عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفّان، وعبد الرحمان بن عوف، والزبير بن العوَّام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقّاص. فقيل له: في ابنه عبد الله بن عمر، فقال: حسب آل الخطَّاب ما تحمَّلوا منها! إنَّ عبد الله لم يُحسِن أنْ يُطلِّق امرأته.
وأمر صهيباً أنْ يُصلِّيَ بالناس حتَّى يتراضوا مِن الستَّة بواحد. واستعمل أبا طلحةَ زيدَ بن سهلٍ الأنصاريّ وقال: لئن رضيَ أربعة، وخالفَ اثنان.. فاضربْ عنُقَ الاثنين. وإنْ رضي ثلاثةٌ، وخالفَ ثلاثة.. فاضرب أعناق الثلاثة الذي ليس فيهم عبد الرحمان. وإنْ جازت الثلاثةُ أيَّام ولم يتراضوا بأحدٍ. فاضرب أعناقَهم جميعاً(١) .
وهذا أمرٌ عجيب! بلْ عجيبٌ جدَّاً جدَّاً! إذْ لم نسمعْ به مِن قَبلِ
____________________
١ - تاريخ اليعقوبيّ ٢: ١٦٠.
هذا ولا مِن بعد، لا في شرائع الله تبارك وتعالى ولا في شرائع الناس، ولا في أحكام العقلاء؛ إذ كيف يكون المرءُ مِن أفضل رجال الأُمَّة، ويُعَدُّ للخلافة خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا لم يتراضَ عليه الخمسة الذين معه ضُرِب عُنقُه، فإنْ هو لم يتراضَ معهم ضربت أعناقُهم جميعاً؟!
وكيف إذْ هُمْ خيار المسلمين، فإنْ اختلف الرأي بينهم وانشطروا تُقتل الجماعة التي ليس فيها فلان (عبد الرحمان بن عوف)؟! وبأيِّ دليل يُقتَل أفاضل الأُمَّة؟! وما هو امتياز عبد الرحمان هذا مِن العصمة والحَصانة كي تُصانَ جماعتُه وتُضرَب أعناق الجماعة المُقابلة التي ترى غيرَ ما يراه مِن الرأي؟!
أيَّةُ سُنَّة تلك؟! وأيُّ حُكْم ذاك؟! حتَّى لَيكون الرجل: إمَّا خليفةً لرسول ربِّ العالمين، وإماماً مُطلقاً على رؤوس المسلمين، وإمَّا قتيلاً حالُه كحال أسوأ المُجرمين!
ثمَّ ما الدليل على حصر الشورى في سِتَّة.. يا عمر؟! ثمَّ: هل غفل الإسلام عن حُكمٍ يُؤتى فيه برأيٍ لا دليل فيه ولا برهان، كهذا؟!
قال الكاتب عبد الله العلايليّ: إنَّ عمر تردَّد بين أنْ يتَّبع طريقة أبي بكر أو طريقة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وخاف الاختلاف فجمع الطريقتين. غير أنَّ الستَّة الذين حصر الانتخاب بهم اختلفوا وهو حيٌّ،..
وعبد الرحمان بن عوف لعب دوراً مُهمَّاً حين وسَّع دائرة الانتخاب، وانتقل به الشعب حتَّى لم يُتمَّ مُدَّة الشورى. وذلك أنَّ عليَّاً (عليه السلام) كان الفائزَ - لا محالةَ - في الانتخاب التداوليِّ الذي حصل بين الستَّة، فإنَّ المؤهِّلات التي اجتمعت له لم تجتمع لواحدٍ منهم..(١) .
* عن عامر بن واثلة، قال: كنتُ في البيت يوم الشورى، فسمعتُ عليَّاً (عليه السلام) وهو يقول:(استخلفَ الناسُ أبا بكرٍ وأنا - واللهِ - أحقُّ بالأمرِ وأَولى به منه.. إلاَّ أنَّ عمرَ جعلني مع خمسةٍ أنا سادسُهم لا يُعرَف لهم علَيَّ فضل، ولو أشاء لاحتججتُ عليهم بما لا يستطيع عربيُّهم ولا عجميُّهم، المُعاهد منهم والمُشرك تغييرَ ذلك) .
ثمّ قال:(نشدتُكمْ بالله أيُّها النفر، هل فيكم أحدٌ وحَّد الله قبلي؟!) ، قالوا: اللَّهمَّ لا. قال:(نشدتُكم بالله، هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنت منِّي بمنزلة هارونَ مِن موسى إلاَّ أنَّه لا نبيَّ بعدي، غيري؟!) ، قالوا: اللَّهمَّ لا...(٢) .
ثمَّ أخذ (عليه السلام) يُعدِّد فضائله، وأدلَّة أفضليَّته على غيره بما يقرب
____________________
١ - الإمام الحسين (عليه السلام)، أو سموُّ المعنى في سموِّ الذات: ٢٦٦ - ٢٦٧.
٢ - الخصال، للشيخ الصدوق: ٥٥٣ وما بعدها. عنه بحار الأنوار ٣١: ٣١٥ - ٣٢٩. يُراجع في هذا الموضوع: الغدير ١: ١٥٩ - ٢١٣، باب المُناشدة والاحتجاج بحديث الغدير.
ـ في نقله - مِن أربع عشرة صفحة، والقوم يُصدِّقون على ما يقول، بـ: اللَّهمَّ نعم.
والآن نتساءل.. ألم تكن طريقة النبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في الاستخلاف هي التبليغ، بأنَّ عليَّاً هو أمير المؤمنين، وخليفة رسول ربِّ العالمين، وبايعه على ذلك مئة وعشرون ألفاً أو أقلُّ في واقعة الغدير العُظمى؟
وتلك آيتان شاهدتان:( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (١) .
وهذه آية التبليغ.. فلمَّا بلَّغ المُصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بأمر الله على مسمع ومشهد عشرات آلاف المسلمين في خُطبة عظيمة مُطوَّلة.. نزلت آية إكمال الدين، وهي قوله تعالى:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً... ) (٢) .
وتلك مصادر المسلمين: مِن التفاسير إلى كُتب الحديث، إلى كُتب السيرة والتاريخ.. كلُّها نقلت الواقعة بإيجازٍ أو تفصيل، نذكر منها القليل ونُرجئ الكثير إلى مَن يُشكِّك في ذلك. يُراجع: الكشف والبيان في تفسير القرآن، للثعلبيّ. فرائد السمطين،
____________________
١ - المائدة: ٦٧.
٢ - المائدة: ٣.
للحموينيّ. الفصول المُهمَّة، لابن الصبَّاغ المالكيّ. صحيح مسلم ١٥: ١٨٨. صحيح البخاريّ ٥: ٨٣. مُسند أحمد ٤: ٢٨١. مناقب عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، لابن المغازليّ الشافعيّ... وغيرهم. حتَّى أُحصي مِن علماء السُّنَّة وعشرون عالماً نقلوا في كتبهم رواية الغدير بشأن ولاية أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام).
واختصاراً للمسافة، وتجنُّباً للعناء نُشير إلى مُراجعة كتاب الغدير - الجزء الأوَّل (بأكمله).
نعود إلى العلايليّ فنسأله: كيف تردَّد عمر بين طريقة النبيّ وطريقة أبي بكر في الاستخلاف؟ ألم يكن يعلم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان معصوماً؟! وكان مُبلِّغاً عن الله تبارك وتعالى؟! أم كان شاكَّاً - والعياذ بالله - في ذلك؟! ثمَّ ألم يُقلْها عمر صريحة: كانت بيعةُ أبي بكرٍ فلتةً، وقى الله المسلمين شرَّها.. ثمَّ أعقبَ ذلك بقوله: فمَنْ عاد إلى مثْلِها فاقتلوه؟!(١) .
فكيف يتردَّد عمر في فلتةٍ أمرَ بأنْ يُقتَل مَن يعود إليها؟! ثمَّ ماذا
____________________
١ - يُراجع على سبيل المثال: صحيح البخاريّ ١٠: ٤٤، مُسند أحمد ١: ٥٥، تاريخ ابن كثير ٥: ٢٤٦، تاريخ الطبريّ ٣: ٢٠٠ - ٢٠٥، سيرة ابن هشام ٤: ٣٣٨، السيرة الحلبيَّة ٣: ٣٨٨ - ٣٩٢، الكامل في التاريخ ٢: ١٣٥، أنساب الأشراف ٥: ١٥، النهاية لابن الأثير ٣: ٢٣٨، الصواعق المُحرقة: ٥، ٨، ٢١، تاج العروس للزبيديّ ١:٥٦٨، التمهيد للباقلانيّ: ١٩٦، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢: ١٩ و ١: ١٢٤.. وغيرها.
كانت طريقة أبي بكرٍ في الاستخلاف؟
* قال ابن أبي الحديد: أحضر أبو بكرٍ عثمانَ، وهو (أيْ أبو بكر) يجود بنفسه. فأمره أنْ يكتب عهداً، وقال: اكتبْ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهِد به عبد الله إلى المسلمين، أمَّا بعدُ. ثمَّ أُغميَ عليه، فكتب عثمان: قد استخلفتُ عليكمُ ابنَ الخطَّاب.
وأفاق أبو بكر فقال: اقرأ. فقرأه عثمان فكبَّر أبو بكرٍ وسُرَّ وقال: أراكَ خِفتَ أنْ يختلف الناسُ إنْ مِتُّ في غَشيتي! قال: نعم. قال: جزاك اللهُ خيراً عن الإسلام وأهله. ثمَّ أتمَّ العهدَ وأمرَه أنْ يُقرأ على الناس، فقُرئ. ثمَّ أوصى عمرَ(١) .
فأين أبو بكر - إذاً - مِن طريقة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟! وأين عمر هنا مِن طريقة أبي بكرٍ في الاستخلاف؟! وهل كان الإسلام - حاشاه - بهذه السذاجة حتَّى يتركَ أمراً خطيراً كالخلافة والاستخلاف، فلا يُعيِّن شخصاً ولا طريقةً في ذلك؟ ثمَّ أين الشورى التي زُعمتْ في خلافة أبي بكر؟! لِمَ تُجرَ في خلافة عمر؟! ألم يكن دليل أبي بكرٍ في خلافته أنَّ الشورى مِن الناس، بلْ مِن الأُمَّة، كانت هي المُعيِّنة له خليفةً لرسول الله بعد رسول الله؟! لماذا - إذاً - لم يَدَعْ أبو بكر تلكَ الأُمَّةَ التي عيَّنته هي التي تُعيِّن الخليفةَ مِن بعدَه؟! وما الدليلُ الشرعيّ الذي خوَّله أنْ يستبدَّ برأيه فيُعيِّنُ شخصاً بعينه
____________________
١ - شرح نهج البلاغة ١: ١٦٥.
دون أنْ يرجع إلى أحدٍ مِن أعيان الأُمَّة فيستشيره؟! ولا ندري: أكان تعيين عمر أمراً تعجَّل به عثمان؟! أم اقتراحاً اقترحه فأمضاه أبو بكر وهو في سكرات الموت؟! ثمَّ إنْ كان هذا صواباً.. فلِمَ لم يأخذ به عمر فيُعيِّن مَن يرغب، واحداً مِن الناس، دون أنْ يجعلها سِتَّةً يُعرِّضهم - إذا اختلفوا - إلى ضرب الأعناق؟! ومتى كان ضرب الأعناق حكماً شرعيَّاً يُجرى على مِن اختلف رأيُه مع الآخرين، أو كان في الجماعة المُقابلة لجماعة عبد الرحمان بن عوف؟!
نعود إلى السُّنَّة العُمريّة.. فنقول: هل استقرَّ رأي عمر على مَن عيَّنَهم مِن مجلس الخلافة في سِتَّة نفر؟
* قال اليعقوبيّ - وروايته جواب: رُويَ عن ابن عبّاس أنَّه قال: طرقني عمر بن الخطّاب بعد هدأةٍ مِن اللّيل فقال: أُخرج بنا نحرسْ نواحي المدينة.. فقلت له: يا أميرَ المؤمنين، ما أخرجك إلى هذا الأمر؟! قال: غصْ غوَّاص،.. قلتُ: ذكرتَ هذا الأمرَ بعينه (أيْ أمر الخلافة) وإلى مَن تُصيِّره؟! قال: صدقت! فقلت له: أين أنت مِن عبد الرحمان بن عوف؟ فقال: ذاك رجلٌ مُمسك (أي بخيل)، وهذا الأمر لا يصلح إلاَّ لمُعطٍ في غير سرَف، ومانعٍ مِن غير إقتار. فقلت: سعد بن أبي وقَّاص؟ قال: مؤمنٌ ضعيف. فقلت: طلحة بن عبيد الله، قال: ذاك رجلٌ يُناول للشرف والمديح، يُعطي مالَه حتَّى
يصلَ إلى مال غيره، وفيه بأْوٌ(١) وكِبْر. فقلت: فالزبير بن العوّام؟ فهو فارس الإسلام، فقال: ذاك يوم إنسان، ويوم شيطان، وعفَّة نفس إنْ كان ليَكادح على المِكْيلة مِن بكرةٍ إلى الظهر حتَّى يفوته الصلاة. فقلت: عثمان بن عفّان؟ قال: إنْ ولي حمل ابنَ معيط وبني أُميَّة على رقاب الناس، وأعطاهم مال الله، ولئن ولي ليفعلنَّ والله، ولئن فعل لتسيرنَّ العرب إليه حتَّى تقتله في بيته. ثمَّ سكت، قال ابن عبّاس: فقال: (عمر): امضِها - يا ابنَ عبّاس، أترى صاحبَكم (أيْ عليّاً عليه السلام) لها موضعاً؟ قلت: وأين يتبعَّد مِن ذلك مع فضله وسابقته، وقرابته وعمله؟ قال: هو - واللهِ - كما ذكرت.. ولو وَلِيهم تحمَّلهم على منهج الطريق، فأخذ المَحجَّةَ الواضحة، إلاَّ أنّ فيه خصالاً (فطعن واتَّهم حتّى قال أنَّ فيه حداثةَ السنِّ). قال ابن عبّاس: فقلت: هلاَّ استحدثتم سِنَّه يوم الخندق إذ خرج عمرو بنُ ودِّ؟! وقد كعم(٢) عنه الأبطال وتأخَّرت عنه الأشياخ! ويومَ بدرٍ إذْ كان يقطُّ الأقرانَ قَطَّاً! ولا سبقتموه بالإسلامِ إذ كان جعلته السّعب(٣) وقريش يستوفيكم؟ فقال عمر: إليك يا ابنَ عبّاس، أتُريد أنْ تفعل كما فعل أبوك وعليٌّ بأبي بكرٍ يوم دخلا عليه؟ قال ابن عبّاس: فكرِهتُ أنْ أُغضبه، فسكتُّ.
____________________
١ - البأو: الكِبر والتعظيم للنفس.
٢ - عُقِل لسانهم عن الكلام، خوفاً.
٣ - هكذا في الأصل.
فقال (عمر): واللهِ - يا ابنَ عبّاس - لابن عمِّك لأحقُّ الناس به (أي بأمر الخلافة)، ولكنَّ قريشاً لا تحتمله، ولئن وليهم ليأخذنَّهم بمُرِّ الحقِّ لا يجدون عنده رخصة، ولئن فعلَ لينكُثُنَّ بيعته، ثمَّ ليتحاربُنَّ(١) .
والآن سؤالُنا إلى عمر: إنْ كان هؤلاء همْ خِيرة الأُمَّة، وقد انتخبتَهم أنت بنفسك واستخلفتهم.. فلماذا تطعن فيهم؟! وإنْ كنتَ تراهم هكذا فلماذا استخلفتَهم؟! وإنْ كنت استخلفتهم فلماذا أبديت عدمَ رضاك فيهم؟!
* كتب ابن أبي الحديد: قالوا:.. وهذا عمر بن الخطّاب يشهد لأهل الشورى أنَّهم النَّفَر الذين تُوفِّي رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) وهو عنهم راضٍ، ثمَّ يأمر بضرب أعناقهم إنْ أخَّروا فصلَ حال الإمامة، هذا بعد أن ثَلَبَهم، وقال في حقِّهم ما لو سمِعَتْه العامَّة اليومَ مِن قائل لَوضعتْ ثوبَه في عُنقه سَحْباً إلى السلطان، ثمَّ شهِدتْ عليه بالرفض واستحلَّت دمَه، فإنْ كان هذا الطعن على بعض الصحابة رفضاً فعمرُ بن الخطّاب أرفضُ الناس وإمام الروافض كلِّهم!
ثمَّ ما شاع واشتهر مِن قول عمر: كانت بيعةُ أبي بكر فلْتةً وقى الله شرَّها، فمَن عاد إلى مِثْلها فاقتلوه! وهذا طعنٌ في العَقْد، وقَدْح في البيعة الأصليَّة. ثمَّ ما نُقل عنه مِن ذِكْر أبي بكرٍ في صلاته، وقولِه عن
____________________
١ - تاريخ اليعقوبي ٢: ١٥٨ - ١٥٩.
عبد الرحمان ابنه (ابن أبي بكر): دَوَيِّبة سوء! ولَهُوَ خيرٌ مِن أبيه! ثمَّ عمر القائل في سعد بن عُبادة - وهو رئيس الأنصار وسيِّدها: اقتلوا سعداً، قتَلَ اللهُ سعداً، اقتلوه فإنَّه مُنافق! وقد شتم (عمر) أبا هريرة وطعن في روايته، وشتم خالدَ بن الوليد وطعن في دِينه، وحكم بفِسقه وبوجوب قتله! وخوَّن عَمْرَ بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان ونسبهما إلى سرقة مالِ الفيء واقتطاعه.
وكان (عمر) سريعاً إلى المَساءة، كثيرَ الجَبْه والشتم والسبِّ لكلِّ أحد، وقلَّ أنْ يكون في الصحابة مَن سَلِم مِن معرَّة لسانِه أو يده؛ ولذلك أبغضوه ومَلُّوا أيَّامه مع كثرة الفتوح فيها، فهلاَّ احترم عمرُ الصحابةَ كما تحترمُهم العامَّة؟! إمَّا أنْ يكون عمر مُخطئاً، وإمَّا أنْ تكون العامَّة على الخطأ!(١) .
* وكتب ابن أبي الحديد (في ذكره قصِّة الشورى أنَّ عمرَ قال للستَّة الذين عيَّنهم للشورى): أمَّا أنت يا زبير، فوَعقٌ لقِس(٢) ، مؤمنُ الرضى كافرُ الغضب. يوماً إنسان، ويوماً شيطان. ولعلَّها لو أفضتْ إليك ظِلتَ يومك تُلاطمُ بالبطحاء على مُدٍّ مِن شعير. أفرأيتَ إنْ أفضتُ إليك.. فليت شعري مَن يكون للناس يوم تكون شيطاناً، ومَن يكون يوم تغضب؟! أمَا وما كان اللهُ ليجمع لك أمرَ هذه
____________________
١ - شرح نهج البلاغة ٢٠: ٢١.
٢ - الوعِق: الضَجِر المتبِّرم، واللَّقِس: الذي لا يستقيم على وجه.
الأُمَّة وأنت على هذه الصفة.
ثمَّ أقبل على طلحة فقال له: أقول أم أسكت؟ قال: قلْ.. قال: إمَا إنِّي أعرفك مُنذ أُصيبت إصبعك يوم أُحد والبأْو الذي حدث لك، ولقد مات رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم) ساخطاً عليك بالكلمةِ التي قُلتَها يومَ أُنزلت آية الحجاب(١) .
ثمَّ أقبل على سعد بن أبي وقَّاص، فقال: إنَّما أنت صاحب مِقنب(٢) مِن هذه المقانب تُقاتل به، وصاحب قنْصٍ وقوس وأسهُم.. وما زهرةُ والخلافةُ وأُُمور الناس!
ثمَّ أقبل على عبد الرحمان بن عوف، فقال: وأمَّا أنت - يا عبدَ الرحمان بن عوف - فلو وُزن إيمان المسلمين بإيمانك لرجح إيمانك به، ولكنْ ليس يُصلح هذا الأمرَ مَن فيه ضعف كضعفك، وما زُهرة وهذا الأمر!
ثمَّ أقبل على عليّ (عليه السلام) فقال: للهِ أنت! (ثمَّ أراد أنْ يطعن فلم يجد إلاَّ أنْ يتَّهم) فقال: لولا دُعابةٌ فيك. (حاشاه وهو العابد المُتوجِّه
____________________
١ - أي الآية:( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى... ) الأحزاب / ٣٣، أو( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ... ) الأحزاب / ٣٢. فقال طلحة: ما الذي يُغنيه حجابُهنَّ اليوم؟! وسيموت غداً فننكَحهُنَّ. كما نقل الجاحظ.
٢ - المِقنب: جماعة الخيل، وزهرة: قبيلة سعد بن أبي وقّاص. وأشار إلى أنَّها غير لائقة للخلافة.
بكُلِّه إلى الله، المُقبلُ على الناس بإصلاحهم وتنفيس كربهم) ثمَّ قال: أما واللهِ، لئن ولَيتهم لَتحملَّنهم على الحقِّ الواضح والمَحجَّة البيضاء. (إذاً، لِمَ لم تجعل جهتَه هي الراجحة إذا اختلف رجال الشورى وانشطروا؟!).
ثمَّ أقبل على عثمان فقال له: هيهاتَ إليك! كأنِّي بك قد قلَّدتْك قريشٌ هذا الأمرَ لحُبِّها إيَّاك، فحملتَ بني أُميَّة وبني أبي مُعيط على رقاب الناس، وآثرتَهم بالفيء، فسارت إليك عصابة مِن ذؤبان العرب فذبحوك على فراشك ذبحاً، واللهِ، لئن فعلوا لَتفعلنَّ(١) ، ولئن فعلتُ ليفعلُنَّ(٢) ، ثمَّ أخذ بناصية (عثمان) فقال: فإذا كان ذلك فاذكرْ قولي، فإنَّك كائن.
ثمَّ قال ابن أبي الحديد: ذكرَ هذا الخبرَ كلَّه شيخُنا أبو عثمان (الجاحظ) في كتاب (السفيانيَّة)، وذكره جماعةٌ غيرُه(٣) .
هذه هي السُّنَّة العُمَريَّة، وقصَّةُ الشورى العُمريَّة، التي كانت فيها بِدعٌ وبدع، يُشير إليها العلاَّمة المجلسيّ ويُعدِّدها، ونحن نذكرها على إيجاز:
____________________
١ - أي: لئن فعل رجال قريش بأنْ قلَّدوك الأمر لتحمل بني أُميَّة على رقاب الناس.
٢ - أي: لئن استخلفتك ليقتلوك.
٣ - شرح نهج البلاغة ١: ٦٢، ١٨٥ - ١٨٦. وقد ذكر المُحبُّ الطبريّ في (الرياض النضرة ١: ٤١٣ - ١٤١) أنَّ عمر زكَّى السِّتَّة مِن أصحاب الشورى، حينما طعن وأشرف على الموت. وما ندري كيف كان عمر لا يستقرُّ على رأي؟!.
مِن تلك البدع: أنَّه خرج عن النصِّ والاختيار معاً...
ومنها: أنَّه وصف كلَّ واحد منهم بوصفٍِ زعم أنَّه يمنع مِن الإمامة، ثمَّ جعل الأمرَ فيمَن له هذه الأوصاف...
ومنها: أنَّه أمر بضرب أعناق قوم - أقرَّ بأنَّهم أفضلُ الأُمَّة - إنْ تأخَّروا عن البيعة أكثر مِن ثلاثة أيَّام، ومعلومٌ أنَّهم بذلك لا يستحقُّون القتل؛ لأنَّهم إذا كانوا إنَّما كُفلِّوا أنْ يجتهدوا آراءَهم في اختيار الإمام.. فربَّما طال زمان الاجتهاد وربَّما قصُر، بحسب ما يَعرض فيه مِن العوارض، فأيُّ معنى للأمر بالقتل إذا تجاوزوا الأيَّام الثلاثة؟! ثمَّ أمر بقتل مَن يُخالف الأربعة، وبقتل مَن يُخالف العددَ الذي فيه عبد الرحمان، وكلُّ ذلك ممَّا يُستحقُّ به القتل...
ومنها: أنَّهم روَوا أنَّ عمر قال - بعد ما طُعن -: لو كان (سالمٌ)(١) حيَّاً لم يُخالجني فيه شكٌّ واستخلفته. مع أنَّ الخاصَّةَ والعامَّةَ - إلاَّ شذوذاً لا يُعبأ بهم - اتَّفقت على أنَّ الإمامة لا تكون إلاَّ في قريش، وتظافرت بذلك الروايات. ورووا أنَّه شهد عمر يوم السقيفة بأنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال:(الأئمَّة مِن قريش) . وذلك مُناقضة صريحة ومُخالفة للنصِّ والاتِّفاق...(٢) .
____________________
١ - وهو سالم مولى أبي حُذيفة.
٢ - بحار الأنوار ٣١: ٦٠ - ٨٦.
والآن.. نعود إلى مروان بن الحكم - مَرَّةً أُخرى - ونسائلُه عن طلبه مِن معاوية الثاني أنْ يجعل الخلافة على نهج السُّنَّة العُمريَّة، أو عن توبيخه لماذا لم يجعلها سُنَّة عُمريَّة؟ أو عن حَثِّه - إنْ كان هناك فُسحة مِن الوقت والحال - أنْ يجعلها سُنَّة عُمريَّة.. ماذا يقصد مروان بالسُّنَّة العُمريَّة؟
ولَنِعْمَ ما أجابه معاوية الثاني: أُغدُ عنِّي، أعن ديني تخدعني؟!(١) وقد قيل له - كما يُروى: اعْهَدْ إلى مَن أحببتَ، فإنَّا له سامعون مُطيعون. فقال: أتزوَّد مرارتَها وأتركها لبني أُميَّة حلاوتَها؟!.
فقال له مروان بن الحكم: سُنَّها فينا عُمريَّة! قال (معاوية الثاني): ما كنت أتقلَّدُكم حيَّاً وميِّتاً..(٢) .
فتبرَّأ مِن الوضع الفاسد الظالم، الذي كان عليه آل أبي سفيان، وتنزَّه عن أنْ يُدخل نفسه في أمرٍ يُسأل عنه غداً، ويتحمَّل مسؤوليَّتَه أمام الله تعالى وأمامَ الناس.
قال ما قال، ثمَّ عمِل بما قال.. فقد ذهب إلى بيته ولم يخرج، وسدَّ الباب في وجه مَن يُريد أنْ يُعاتبه أو يُقنعه بالعودة إلى الخلافة، ولم يخرج مِن منزله ذلك حتَّى أُخرج ميِّتاً.
____________________
١ - حياة الحيوان ١: ٨٨.
٢ - كما جاء في تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٥٤.
* قال ابن حجر: ولم يخرج (معاوية الثاني) إلى الناس، ولا صلَّى بهم، ولا أدخل نفسَه في شيءٍ مِن الأُمور..(١) . بعدها قال: ثمَّ تغيَّب في منزله حتَّى مات بعد أربعين يوماً - كما مرَّ - فرحمه الله..(٢) .
اتَّفقت أكثرُ المصادر على أنَّ (معاوية الثاني) مات بعد خلع الخلافة ودخوله منزله بأربعين يوماً، أو أربعين ليلة. هذا ما أكَّده ابن حجر، فقال: ثمَّ تغيَّب في منزله حتَّى مات بعد أربعين يوماً (ـ كما أسلفنا قبل قليل).
* يذكر البلاذريّ أكثر مِن رأي، فيقول: حُدِّثتُ عن ابن الكلبيّ أنَّه قال: وليَ أبو ليلى معاوية بن يزيد أربعين يوماً، وتُوفِّي وهو ابن ثلاث وعشرين سنة وثمانية عشر يوماً. وقبلها قال البلاذريّ: وكان موته سنة أربعٍ وستِّين وهو ابن تسع عشرة سنة. ويُقال: ابن عشرين. ويُقال: ابن ثماني عشرة سنة. ويُقال: ابن إحدى وعشرين سنة، ودُفِن بدمشق(٣) .
الدميريّ هو الآخر ينقل أكثر من رأي في هذا الأمر، فيقول:
____________________
١ - الصواعق المُحرقة: ١٣٤.
٢ - الصواعق المُحرقة: ١٣٤.
٣ - أنساب الأشراف ٥: ٣٨٠ (طبعة دار الفكر - بيروت).
وتُوفِّي معاوية بن يزيد (رحمه الله) بعد خلعه نفسَه بأربعين ليلة، وقيل: بسبعين. وكان عمره ثلاثاً وعشرين سنة. وقيل: إحدى وعشرين سنة. وقيل: ثماني عشرة.. ولم يُعقِّب(١) .
فيما رأى الشيخ المُفيد أنَّ عمره يوم وفاته كان إحدى وعشرين سنة(٢) ، ويرى اليعقوبيُّ غيرَ ذلك، فيقول: وتُوفِّي وهو ابن ثلاث وعشرين سنة(٣) .. ثمَّ يقول: ودُفِن بدمشق، وكان بها ينزل(٤) .
بينما رأى المُحدِّث القُمِّيّ أنَّ (معاوية الثاني) قد ودَّع الدنيا وعمره اثنتان وعشرون سنة(٥) .
إذاً.. لا يتعدَّى عمرُه أنْ يكون ما بين الثمانية عشر عاماً والثالثة والعشرين عاماً، وهو عمر - كما نعلم - قصيرٌ جدَّاً، يُشَكُّ أنَّه لم ينتهِ بالقتل. لا سِيَّما وأنَّ معاوية الثاني كان مُعارضاً - بشدِّةٍ - للبيت الأُمويّ وهو منه، وكان جريئاً - كما بيَّنا، فهو لا يخشى أنْ يذكر مثالبَ ومخازي هذه الأُسرة الحاكمة بشكل دقيق، لا سِيَّما ما كان في سيرة جَدِّه معاوية وأبيه يزيد بن معاوية.
____________________
١ - حياة الحيوان ١: ٨٩. ولم يُعقِّب: أيْ لم يكن له نسل وذريَّة.
٢ - الاختصاص: ١٣١.. قال: هلك معاوية بن يزيد وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وولي الأمر أربعين ليلة.
٣ - تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٥٤.
٤ - تاريخ اليعقوبيّ ٢: ٢٥٤.
٥ - تتمَّة مُنتهى الآمال: ٤٨.
فهو رجلٌ مُعارض.. فإذا كان قد ختم الأمر بأنْ خلع نفسه وانزوى في داره، وربَّما في غرفته، حيث لا يرغب في مُعاشرة أُسرته كما لا ترغب هي في مُعاشرته، فإنَّ فضيحة آل أبي سفيان لم تنتهِ بعد. فقد شرخ فيها (معاوية الثاني) شرخاً كبيراً بعد أنْ كشف عن جرائمها، ومنها سرقتها للخلافة وليست هي بجديرةٍ بها.
ثمَّ إنَّ القلوب لا تزال عليه ناقمة حاقدة، ولا يُشفي غليلَها إلاَّ الانتقام. وما الضمان إذا كبُر (معاوية الثاني) قليلاً، وتهيَّأت بعضُ الفرص أنْ يُشارَ إليه فيُحتجَّ به أنَّه رمز المُعارضة للبيت الأُموي، وقد يكون ذريعةً للبعض أنْ ينتفض باسمه ويجعله شعاراً يضرب به آل أُميَّة مِن داخلهم.
ثمَّ أين نحن مِن مروان بن الحَكَم ومكائده، وهو الماكر الذي لا تُرى أفعاله حتَّى لُقِّب بـ (خيط الباطل)؟! أفلا يُظَنُّ أنَّه قد مَدَّ إليه أصابع الخنق أو أظفار السمِّ، فقضى عليه؟! وإلاَّ.. فشابٌّ في العشرين مِن عمره، يموت ولا يُعلم سببٌ لموته، وهو الماكث في بيت قد كشف القناعَ عن وجهه الإجراميِّ الآثم، كيف يُترك ويُخلَّى عنه؟!
ولهذا وذاك.. يرى البعض أنَّ معاوية الثاني قد اغتيل وقُتِل سِرَّاً داخل منزله، ثمَّ دُفن وقُبِر ذِكْرُه. هكذا أراد له أهلُه وذووه - كما يُظنُّ -.. لا سِيَّما وأنَّ بعض المصادر تذكر أنَّ (معاوية الثاني) قد مات مسموماً.
منها: كتاب (مروج الذهب)(١) ، في الجزء الثالث، على الصفحة ٨٢ ما نصُّه: وقد تُنوزع في سبب وفاته، فمنهم مَن رأى أنَّه سُقي شربة، ومنهم مَن رأى أنَّه مات حتف أنفه، ومنهم مَن رأى أنَّه طُعِن، وقُبض وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، ودُفِن بدمشق، وصلَّى عليه الوليد بن عُتْبة بن أبي سفيان؛ ليكون الأمر له مِن بعده، فلمَّا كبَّر الثانية طُعِن فسقط ميِّتاً قبل تمام الصلاة..
ومنها: كتاب (مجالس المؤمنين)(٢) ، في الجزء الثاني، على الصفحة ٢٥٢، ما ترجمته: (وأخيراً قتلوه بالسمّ...
ومنها: كتاب (مُنتهى الآمال)(٣) ، التتمَّة / على الصفحة ٤٩، ما ترجمته: (وقال البعض: إنَّه سمّوه بشربةِ زهر، بعد ذلك أراد (الوليد بن عتبة بن أبي سفيان) أنْ يُصلِّيَ على جنازته - وكان الوليد هذا طامعاً بالخلافة - فلمَّا كان في التكبيرة الثانية طُعن فأُلحق بمعاوية، فصلَّى عليه غيره، ودُفِن بدمشق.. وبدفنه انقرضت سلطة أل أبي سفيان، وانتقلت إلى آل مروان.
وليس غريباً على بني أُميَّة أنْ يقتلوا ولدَهم (معاوية الثاني) وهُمْ
____________________
١ - للمسعوديّ أبي الحسن عليّ بن الحسين.
٢ - للقاضي الشهيد السيِّد نور الله التستريّ (رحمه الله).
٣ - للمُحدَّث الشيخ عبّاس القُمِّيّ (رحمه الله).
يَرون أنَّه خانهم وفضحهم، وقضى على مُلكهم(١) . وكان مِن انفعالهم أنْ عمدوا إلى مؤدِّبه فقتلوه.
* يقول الّدَميريّ:.. ثمَّ إنَّ بني أُميَّة قالوا لمؤدِّبه (عمر المقصوص): أنت علَّمته هذا ولقَّنتَه إيَّاه، وصددتَه عن الخلافة، وزيَّنتَ له حُبَّ عليٍّ وأولاده، وحملتَه على ما وسمَنا به مِن الظلم، وحسَّنتَ له البِدعَ حتَّى نطق بما نطق، وقال ما قال؟!! فقال: واللهِ، ما فعلتُه.. ولكنَّه مجبول ومطبوعٌ على حُبِّ عليٍّ. فلم يقبلوا منه ذلك، وأخذوه ودفنوه حيَّاً حتَّى مات(٢) . ولا يخفى أنَّ للتربية أثرَها البالغ.
ورُويَ بما يقرب مِن ذلك:.. وكان له مودِّبٌ يميل إلى عليٍّ، فظنَّ به آلُ أبي سفيان أنَّه دعاه إلى هذه الخُطبة، فأخذوه بعد موته (أيْ بعد موت معاوية الثاني) فدفنوه حيَّاً(٣) .
كما رُوي أنَّه بعد خلع معاوية بن يزيد نفسَه مِن الخلافة.. جاء جماعة مِن بني أُميَّة إلى (عمر بن المقصوص)(٤) مؤدِّبِه، فقالوا له: أنت الذي علَّمتَه حُبَّ عليٍّ وبُغض أُميَّة؟! فقال: ليس هكذا، لكنَّه
____________________
١ - وإنْ كنَّا نحتمل أنَّ مروان هو الذي دبَّر قتله، لا سِيَّما وقد لاحت له الخلافة، ولم يبقَ أحد يُزاحمه عليها، فوثب ومكر.
٢ - حياة الحيوان ١: ٨٩.
٣ - أدب الطفِّ ٣: ١٣ - ١٤.
٤ - وفي نسخة أُخرى: عمر القوصيّ.
جُبل على ذلك. فلم يسمعوا قوله، فأخذوه ودفنوه حيَّاً(١) .
يرى البعض أنَّ هداية (معاوية الثاني) واستبصاره كان على يد مؤدِّبه ومُعلِّمه (عمر المقصوص)، الذي يُظَنُّ أنَّه كان شيعيَّاً موالياً للإمام عليٍّ أمير المؤمنين (عليه السلام)(٢) . فقد أنفذ الولاءَ والولاية إلى قلب (معاوية الثاني)، وبيَّن له فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، ومثالب أعدائهم من آل بني أُميَّة وغيرهم.
على أنَّ ابن فهد الحِلِّيّ رأى أنَّ الذي كان وراء خلع (معاوية الثاني) نفسَه هو ما طرق سمعه مِن حديث جرى بين جَوارٍ له في قصره.. يقول (رضي الله عنه): وقيل: إنَّ السبب المُوجِبَ لنزول معاوية بن يزيد بن معاوية عن الخلافة أنَّه سمع جاريتينِ له تتباحثان، وكانت إحداهما بارعة الجمال، فقالت الأُخرى لها: قد أكسبكِ جمالُك كِبْرَ الملوك. فقالت الحسناء: وأيُّ مُلْكٍ يُضاهي مُلْكَ الحُسْن؟! وهو قاضٍ على الملوك فهو الملْكُ حَقَّاً. فقالت لها الأُخرى: وأيُّ خيرٍ في المُلك.. وصاحبُه إمَّا قائمٌ بحقوقه، وعامل بشكرٍ فيه، فذاك مسلوب اللَّذَّة والقرار، مُنغَّص العيش. وإمَّا مُنقاد لشهواته، ومُؤْثِرٌ
____________________
(١) - كما يرى الشهيد السيِّد نور الله القاضي التستريّ، حيث يعدُّه مِن علماء الشيعة، يُراجع كتابه (مجالس المؤمنين ٢: ٢٥٢).
(٢) - عُدَّة الداعي ونجاح الساعي، لابن فهد الحلِّيّ: ١٢٤ - ١٢٥.
لِلذَّاته، مُضيِّع للحقوق ومُضرِب عن الشكر، فمصيره إلى النار.
فوقعت الكلمة في نفس معاوية موقعاً مؤثِّراً، وحملته على الانخلاع مِن الأمر، فقال له أهله: اعهدْ إلى أحدٍ يقوم بها مكانك، فقال: كيف أتجرَّع مرارة فقْدِها، وأتقلَّد تبِعةَ عهدها؟! ولو كنتُ مُؤْثراً أحداً لآثرتُ بها نفسي. ثمَّ انصرف وأغلق بابه ولم يأذن لأحدٍ، فلبث بعد ذلك خمساً وعشرين ليلةً ثمَّ قُبِض.
ورُوي أنَّ أُمَّه قالت له - عندما سمعت منه ذلك -: ليتك كنتَ حِيضة! فقال: ليتني كنتُ كما تقولين، ولا أعلم أنَّ للناس جنَّةً ولا ناراً(١) .
وأنْ كنَّا نرى أنَّ هذا هذا كان هو العاملَ الوحيد أو الأهمَّ في دفع (معاوية الثاني) إلى خلع نفسه عن الخلافة. ودليلُنا ما جاء في خُطبته مِن بيانٍ لأسباب ترك الأمر.. وقد تضمَّن الخشيةَ مِن الله تعالى، والورعَ في مُنازعة الإمامةِ أهلَها والتنزُّه عن استلام إمرةٍ ورثها عن الظالمين والمُفسدين، والإشارة إلى مَن هُمْ أَولى بالأمر مِن غيرهم، وهُمْ أهل البيت (عليهم السلام).
مع أنَّ هذا الحادث لا يتعارض مع سابقه مِن تأثير مُعلِّمه ومؤدِّبه (عمر المقصوص) في عقيدته، وإقناعه بأنَّ بني أُميَّة غاضبون للخلافة التي هي مِن حقِّ آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. كما لا تُعارض رواية ابن
____________________
١ - تتمَّة مُنتهى الآمال: ٤٩.
فهد الحلِّيّ (رضي الله عنه) مع مَن يرى أنَّ فطرةَ (معاوية الثاني) كانت مُستعدَّة لتلقِّي العقيدةِ الحقَّة والآراء السليمة. فكانت روحه مُستعدَّة لمَحبَّة الإمام عليٍّ وأولاده (عليهم السلام)؛ لأنَّهم أهل لذلك، لأنَّهم أهلُ الفضائل والمكارم والمناقب لا يُنازَعون عليها.. كما كانت روحه مُبغضةً لآل أبي سفيان - وإنْ كانوا أجدادَه وأهلَه وذويه وبني رحِمه -؛ لأنَّهم أهلُ الرذائل والمثالب والمآثم والمخازي.
فجِبلَّتُه كانت لا تُحبُّ الظلم وإنْ كان في أُسرته، بلْ كانت تُحبُّ العدل وإنْ كان في أعداء عائلته، كانت تُحبُّ الحقَّ وأهله.. كان مَن كانوا! وتُبغض الباطل وأهلَه.. كان مَن كانوا! وكانت فطرتُه تكره الظالمين إلى حدٍّ تنتفضُ عليهم وإنْ رأى أنَّهم سيقتلونه، وتُحبُّ المظلومين إلى حدٍّ تبوح بمدحهم وإنْ رأى أنَّه سيُقتل بسببهم.
وكأنَّ التقوى قد تمكَّنت مِن قلبه، فرأى هولَ ما عليه أنْ يكون خليفةَ رسول الله، ويُعزل عن الخلافة عليِّ بن الحسين.. ابنُ رسول الله. يتأمَّر على الناس وليس هو أعلَمهم ولا أتقاهم، وبين ظهرانيهم عالِمُ آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم. ومَن يا تُرى يستطيع أنْ ينهض بأعباء هذه المُهمَّة الثقيلة (الخلافة) إلاَّ أهلُها؟! ومَنِ اختارَهم اللهُ تعالى لها!(١) ،
____________________
١ - يُراجَع في الإمامة والإمام: أصول الكافي، للشيخ الكليني ١: ١٥٤ - باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته.
وأنَّ الذي يُنازعهم عليها لظَلوم جَهول، فالله تعالى يقول - ولَنِعْمَ ما يقول:( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) (١) . تلك الأمانة هي الإمامة، أو هي الولاية.. مَن ادَّعاها بغير حقٍّ فقد كفر.
وكأنَّ (معاوية الثاني) هالَه أنْ يدَّعي الإمامة، وعظُم عليه أنْ يُنادى بأمير المؤمنين، وخليفة المسلمين. فأين هو مِن هذا؟! وما أهَّله لمثل هذا؟! وماذا سيُجيب ربَّه إذا سأله عن كلِّ هذا؟!
لذا نُقل عنه أنَّه عندما تذكَّر ما خلَّفه مِن الجرائم أبوه يزيد، وما أورثه مِن الخلافة المغصوبة مِن أهلها جدُّه معاوية.. بكى بكاءً شديداً وهو على المنبر، وبكى بكاءً حارَّاً بعد أنْ نزل عن المنبر، وبكى بكاءً مُرَّاً بعد أنْ دخل منزله. وحين قالت له أُمُّه: ليتكَ كنتَ حِيضةً ولم أسمع بخبرك! قال لها - بلهفة المُتمنِّي -: وددت - واللهِ - ذلك. ثمَّ قال: ويلي إنْ لم يرحمْني ربِّي!(٢) . وكان قد ذكَّر أُمَّه بالآخرة،.. فأرشدها، وبرَّر موقفه لها، فقال لها:أماعلمت أنَّلله تعال ناراً يُعذِّب بها مَن عصاه وأخذ غير حقِّه؟!(٣) . ويعني الخلافة. فالحياة ليست مُلكاً يُستأثر به وحسب، فهناك موت.. وهنالك بعث وقيامةٌ وحساب، وهنالك أشدُّ العقاب، وأمرُّ العذاب.
____________________
١ - الأحزاب: ٧٢.
٢ - حياة الحيوان ١: ٨٩.
٣ - أدب الطفِّ ٣: ١٣.
وربَّما اطَّلع الله جلَّ وعلا على قلبه، فرأى فيه صدقاً في طلب الحقِّ، وهِمَّةً في إصابة الحقيقة.. فجلَّى له فطرتَه، ونقَّى له جِبلَّتَه، وهيَّأ له ما يُبصر به الحقَّ، ويُغلغله في أعماق قلبه.. وإنْ كان يعيش في وسط الضلال والفساد. حتَّى شبَّهه السيِّد الشهيد نور الله التُستريّ بمؤمن آل فرعون، وقال: بأنَّ معرفته بأحقِّيَّة أهل البيت بالخلافة كانت عن إلهام ربَّانيّ، وفطرةٍ سليمةِ المباني(١) . وكأنَّه يُريد أنْ يقول: إنّ (معاوية الثاني) كان مؤمن آل أبي سفيان.
ومِن هنا.. ترحَّم عليه كثيرٌ مِن علماء الخاصَّة والعامَّة، وذكروه بعبارات المدح والثناء والتجليل:
* فقال ابن حجر: مات (يزيد) سنة أربع وستِّين، لكنْ عن ولدٍ شابٍّ صالح... ومِن صلاحه الظاهر أنَّه لمَّا وُلِّي صعِد المنبرَ فقال: إنَّ هذه الخلافةَ حبلُ الله، وإنَّ جدِّي نازع الأمرَ أهلَه ومَن هو أحقُّ به منه.. عليَّ بن أبي طالب، وركب بكم ما تعملون، حتَّى أتته منيَّتُه فصار في قبره رهيناً بذنوبه. ثمَّ قَلَّد أبي الأمرَ وكان غيرَ أهلٍ له، ونازع ابن بنت رسول الله (صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم)، فقُصف عُمرُه، وانبتر عقبه، وصار في قبره رهيناً بذنوبه. (إلى آخر الخُطبة.. ثمَّ قال ابن حجر:) ثمَّ
____________________
١ - مجالس المؤمنين ٢: ٢٥٢.
تغيَّب في منزله حتَّى مات بعد أربعين يوماً. فرحمه الله أنصفُ مِن أبيه، وعرف الحقَّ لأهله(١) .
* وذكره الخوارزميّ فوصفه بأنَّه كان بارَّاً فاضلاً(٢) .
* كما أثنى عليه اليعقوبيّ فقال: وكان له مذهب جميل(٣) .
* وعرَّفه به عماد الدين الحسن بن عليّ الطبرسيّ (مِن علماء القرن السابع الهجريّ)، فذكره في فصل خُلفاء بني أُميَّة، فقال:.. ثمَّ معاوية بن يزيد، وكان شيعيَّاً، أخذ التشيُّع مِن أديبه المُتشيِّع (أي عمر بن مقصوص)، واستُخلف أربعين يوماً وسَمُّوه فمات منه، وقُتل بعده أديبه، ودُفنا في حُفرةٍ واحدة، فصعد المنبر يوماً ولعن أباه وجدَّه وجدَّ جدِّه، وكانت أُمُّه حاضرة، قالت: يا ليتك كنت حيضة في خرقة! فسمع منها هذا الكلام، قال: وددت - يا أُمَّاه - أنِّي كنتُ كذلك!(٤) .
* وتعرَّض له الدميريّ بشيءٍ مِن التفصيل، فقال فيه: ثمَّ قام بالأمر بعده - أيْ بعد يزيد - ابنُه معاوية، وكان خيراً مِن أبيه، فيه دينٌ وعقل(٥) .
____________________
١ - الصواعق المُحرقة: ١٣٤.
٢ - يُراجع: أدب الطفِّ ٣: ١٣.
٣ - تاريخ اليعقوبيّ ٢: ٢٥٤.
٤ - أسرار الإمامة ٣٠٠. وانظر: حياة الحيوان١: ٨٨ - ٨٩، وتاريخ اليعقوبيّ ٢: ٢٥٤.
٥ - حياة الحيوان ١: ٨٨.
* ومدحه السيِّد نور الله القاضي التستريّ، فقال ما ترجمته: معاوية بن يزيد بن معاوية الأُمويّ.. المُلقَّب بـ (الراجع إلى الله)، بمُقتضى الكلام المُعجز، قوله تعالى:( ... يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ... ) (١) . وقد كان ذا سيرة حَسَنة وصاحبَ دين، وكان مُحبَّاً لآل سيِّد الأبرار صلى الله عليه وآله وسلم(٢) .
ولذلك.. يُظَنَّ أنَّه لا تشمله اللعناتُ المُنصبَّة على بني أُميَّة، ممَّا جاءت في صريح الأدعية والزيارات، والأخبار والروايات، إنْ كان (معاوية الثاني) قد تنازل عن الخلافة لعرفانه بأنَّه ليس أهلاً لها، وإنَّما الذين هُمْ أهلٌ لها مَن أوصى بهم النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، وكان منهم في زمانه الإمام زينُ العابدين، عليّ بن الحسين (عليه السلام)، والذي تظافرت روايات العامَّة والخاصَّة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ذكره بالاسم واللقب أنَّه وصيُّه بعد الإمام الحسين (عليه السلام)(٣) .
وإذا كان (معاوية الثاني) ناقماً على بني أُميَّة؛ لِما أَتوا به مِن ظلمٍ في حقِّ الرسول وآله (صلوات الله عليه وعليهم).. فهو ليس مِن بني أُميَّة، ولا ينتمي إلى آل أُميَّة؛ ذلكَ لأنَّ آلَ الرجل أتْباعُه، والفعل منه:
____________________
١ - الروم: ١٩.
٢ - مجالس المؤمنين ٢: ٢٥٢.
٣ - يُراجَع في ذلك على سبيل المثال: ينابيع المودَّة - الباب ٧٦ص ٤٤٠و ٤٤٣ طبع سنة ١٣٠٢ه، والباب ٩٣ص ٤٨٦. وفرائد السمطين، للحموينيّ. وكفاية الطالب، للكنجيّ الشافعيّ.
آلَ يَؤول أَوْلاً وماَلاً، أي رجع، وآلُ فلان مَن يؤولون إليه ويرجعون إليه أَولى فأَولى، بالهوى والاعتقاد والمُناصرة.
وقد جاء عن بعض أهل المعنى والمعرفة: إنَّ آل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كلُّ مَن يؤول إليه، وهُمْ قسمان:
الأوَّل: مَن يؤول إليه صلى الله عليه وآله وسلم ماَلاً صوريَّاً جسمانيَّاً، كأولاده صلى الله عليه وآله وسلم ومَن يحذو حذَوَهم مِن أقاربه الصوريِّين، الذين يحرم عليهمُ الصدقة في الشريعة المُحمديّة.
الثاني: مَن يؤول إليه صلى الله عليه وآله وسلم معنويَّاً روحانيَّاً، وهم أولاده الروحانيُّون مِن العلماء الراسخين، والأولياء الكاملين، والحكماء المُتألِّهين المُقتبسين مِن مشكاة أنواره.. ولا شكَّ أنَّ النسبة الثانية آكد مِن الأُولى، وإذا اجتمعت النسبتان كان نوراً على نور، كما في الأئمَّة المشهورين مِن العِترة الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين).
وكما حُرِّم على الأولاد الصوريِّين الصدقةُ الصوريَّة.. كذلك حُرِّم على الأولاد المعنويِّين الصدقةُ المعنويَّة، أعني تقليد الغير في العلوم والمعارف(١) .
فمعاوية الثاني.. إنْ لم يكن أمره قد آل إلى بني أُميَّة فهو ليس مِن بني أُميَّة، ولا تُصيبه اللعنات التي أصابتهم. جاء عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى:( ... أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ
____________________
١ - كتاب الأربعين، للشيخ البهائيّ: ١٦٥.
الْعَذَابِ ) (١) قال:(واللهِ ما عنى إلاَّ ابنتَه) (٢) .
ذلك أنَّ امرأة حزقيل (مؤمن آل فرعون) كانت ماشطة لبنت فرعون، فوقعت المشْطةُ يوماً مِن يدها فقالت: بسم الله، فقالت بنت فرعون: أبي؟! قالت: لا، بلْ ربِّي وربُّكِ وربُّ أبيكِ. فأخبرتْ فرعونَ فدعا بها وبوِلْدها وقال: مَن ربُّكِ؟ فقالت: إنَّ ربِّي وربَّك الله. فأمر بتنُّورٍ مِن نحاسٍ فأُحمي، فدعا بها وبوِلْدها... فأُلقيتْ في التنُّور مع وِلْدها(٣) .
ولم تكنِ امرأةُ فرعون مِن آل فرعون.. فقد كانت (آسية بنت مزاحم) مِن بني إسرائيل، وكانت مؤمنةً خالصة، وكانت تعبد اللهَ سرَّاً، إلى أنْ قتل فرعونُ امرأة حزقيل. فدخل عليها فرعون يُخبرها بما صنع، فقالت: الويل لك - يا فرعون -! ما أجرأك على الله جلّ وعلا! فقال لها: لعلَّكِ اعتراكِ الجنونُ الذي اعترى صاحبتَكِ؟! فقالت: ما اعتراني جنون.. بلْ آمنتْ باللهِ ربِّي وربِّكَ وربِّ العالمين... فأمر بها فرعونُ حتَّى مُدَّت بين أربعة أوتاد، ثمَّ لا زالت تُعذَّب حتَّى ماتت(٤) .
وإنَّما آلُ فرعون مَن آل إليه، يَدينُ بدينه ويُصدِّق ادِّعاءَه بالربوبيَّة. وآل أبي سفيان مَنْ آلُوا إليه، يُناصرونه على مُحاربة الإسلام، وقتل
____________________
١ - غافر: ٤٦.
٢ - معاني الأخبار، للشيخ الصدوق: ٩٤ح ٢.
٣ - قصص الأنبياء، للجزائريّ: ٢٦٠.
٤ - قصص الأنبياء، للجزائريّ: ٢٦٠ - ٢٦١.
رسول الله وأهل بيته (عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام)، فأولئك هُمُ المشمولون باللعنات.
* روي أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لعنَ يوماً (آل فلان) فقيل: يا رسولَ الله، إنَّ فيهم فلاناً، وهو مؤمن. فقال:(إنَّ اللعنة لا تُصيب مؤمناً) (١) .
* وفي ذكر المواطن السبعة التي لعن فيها رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا سفيان: يومَ جاء أبو سفيان بجمع مِن قريش، وجاء عُيينة بن حصن بن بدر بغطَفان، فلعنَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم القادةَ والأتْباع والساقةَ إلى يوم القيامة. فقيل: يا رسولَ الله، أمَا في الأتْباع مؤمن؟! قال:(لا تُصيب اللعنةُ مؤمناً مِن الأتباع، أمَّا القادةُ فليس فيهم مؤمنٌ ولا مُجيبٌ ولا ناجٍ) (٢) .
فآلُ أُميَّة مَن آبُوا إليهم يُوافقونهم على الكفر والظلم، ويُعاضدون على الإثم والعدوان، لا مَن يُنكرون عليهم ذلك، ويُخالفونهم بالقول والعمل، ويُحبُّون أهلَ بيت النبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
*عن أبي حمزة، قال: دخل سعد بن عبد الملك - وكان أبو جعفر (الباقر) (عليه السلام) يُسمِّيه (سعدَ الخير)، وهو من ولْدِ عبد العزيز بن مروان، على أبي جعفر (عليه السلام). فبينا ينشج كما تنشج النساء قال له أبو جعفر (عليه السلام):(ما يُبكيك يا سعد؟!) ، قال: وكيف لا أبكي وأنا مِن الشجرة
____________________
١ - المُحتضر، للشيخ حسن بن سليمان الحلِّيّ (مخطوطة).
٢ - الاحتجاج: ٢٧٤.
الملعونة في القرآن؟! فقال له:(لستَ منهم، أنت أُمويّ منَّا أهل البيت، أمَا سمعتَ قولَ الله عزَّ وجلَّ يحكي عن إبراهيم (عليه السلام): ( ... فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي... ) ) (١) .
فالانتساب.. إنَّما يكون بالاعتقاد والمُجاراة في الأفعال، أمَّا مَن كان نسبُه السُّلاليّ والعِرقيّ إلى فلان، وهو مُخالف له، فهو ليس منه ولا مِن آله، فالمرء يؤول إلى مَن يتَّبع عقيدةً وعملاً.
ويبدو أنَّ (معاوية الثاني) تخلَّى قلباً وعقلاً عن بني أُميَّة، وتبرَّأ منهم روحاً وعقيدةً وضميراً، وتجرَّد عن معائب أُسرته ومثالبها ومخازيها وجرائمها في حقِّ هذا الدين، وأئمَّته، وفي حقِّ المسلمين.
وهنا يحفظ له التاريخ موقفه ذاك، ويُكرمُه ويُكْبره على ما صدر منه، مِن إعلاءٍ لكلمةِ الحقِّ، ودحضٍ لكلمة الباطل. فأصبح يفتخر به مَن هو على هواه ونهجه، ومنهم الشاعر الأبيورديّ.
ومِنْ هو - يا تُرى - الشاعر الأبيورديّ؟!
هو المُظفّر محمّد بن أحمد بن محمّد بن أحمد، المُلقَّب
____________________
١ - الاختصاص، للشيخ المُفيد: ٨٥، والآية في سورة إبراهيم: ٣٦. ونشج الباكي نشيجاً: تردَّد البكاء في صدره مِن غير انتحاب.
بـ (الأُموي المُعاويّ) و (الأبيورديّ). قيل: ينتهي نسبه إلى (عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان صخر بن حرب الأُمويّ).. وفيه يقول في قصيدة يرثي بها الحسين (عليه السلام):
وجَدِّي وهْو عنبسةُ بن صخرٍ بريءٌ مِن يزيدَ ومِن زيادِ(١)
لم تُعرف سنة مولده، لكنْ ذُكِر أنَّه مات بـ (إصبهان)، في العشرين مِن شهر ربيع الأوَّل، عام ٥٠٧ هـ.
و (الأبيورديّ) نسبةً إلى (أَبيورْد).. مدينة في خُراسان. قال ياقوت الحمويّ: كان الأبيورديّ إماماً في كلِّ فنٍّ مِن العلوم، عارفاً بالنحو واللُّغة والنَّسَب والأخبار، ويده باسطة في البلاغة والإنشاء، وله تصانيف في جميع ذلك، وشعره سائر مشهور(٢) .
كان (الأبيورديّ) نسَّابةً، وكان يكتب في نسبه (المُعاويّ)، يُنسَب إلى (معاوية الصغير) أو (معاوية الثاني) في عمود نسبه. أمَّا وفاته.. فكانت بأصبهان، قضى بها مسموماً.
قيل: جاء إلى بغداد، وتولَّى فيها الإشراف على خُزانة دار الكتب النظاميَّة، بعد القاضي أبي يوسف بن سليمان الإسفرائينيّ المُتوفَّى سنة ٤٩٨ هـ. وخاف أخيراً مِن سعي أعدائه عند الخليفة المُستظهر
____________________
١ - مُعجم الأُدباء، لياقوت الحمويّ ١٧: ٢٣٥.
٢ - يُراجَع: أعيان الشيعة، للسيِّد محسن الأمين العامليّ. والكُنى والألقاب، للشيخ عبّاس القُمِّيّ. وأدب الطفِّ ٣: ١٠ وما بعدها. ومُعجم الأُدباء ١٧: ٢٣٥ - ٢٤٤.
العبَّاسيّ المُتوفَّى سنة ٥١٢ هـ، لاتِّهامه بهجو الخليفة ومدح صاحب مصر.. ففرَّ إلى همدان، ثمَّ سكن إصفهان، حتَّى تُوفِّي فجأة أو مسموماًً سنة ٥٠٧ هـ.
وأخذ الأبيورديّ عن جماعة، وذكروا أنَّه كان مِن أخبر الناس بعلم الأنساب، مُتصرِّفاً في فنونٍ جمَّة مِن العلوم، وافرَ العقل.
له ديوان مطبوع مشهور، قسَّمه إلى: (العراقيَّات، والنجديَّات، والوجديَّات). وله تصانيفُ كثيرة، منها: كتاب (ما اختلف وائتلف في أنساب العرب)، و(تاريخ أبيورد ونسا)، و(قبسة العجلان في نسب آل أبي سفيان)، و(الطبقات في كلِّ فنٍّ)، و(تَعِلَّة المُشتاق إلى ساكني العراق)، و(المُجتبى مِن المُجتنى) في الرجال، و(نُهزة الحافظ)، و(الدُّرَّة الثمينة)، و(كوكب المُتأمِّل) يصف فيه الخيل، و(تَعِلَّة المقرور) يصف فيه البرد والنيران، و(صهلة القارح) يردُّ فيه على أبي العلاء المعرِّيّ.
كان فيه تيه وعزَّة نفس وعلوٌّ هِمَّة. ومِن شعره:
يا مَن يُساجلني وليس بمُدركٍ شأْوي وأين له جلالةُ منصبي
لا تَتعَبنَّ فدونَ ما أمَّلتَه خرطُ القَتادة وامتطاءُ الكوكبِ
المجدُ يعلم أيُّنا خيرٌ أباً فاسألْه تعلمْ أيَّ ذي حسَبٍ أبي
جَدِّي معاويةُ الأغرُّ سمَتْ به جرثومةٌ مِن طينِها بُغض النبي
وورثْتُه شرفاً رفعتُ منارَه فبنو أُميَّةَ يفخرون به وبي
قيل: إنَّه كان يفتخر بجدِّه (معاوية الأصغر)، ويرثي الإمام الحسين (عليه السلام) ويمدح أهل البيت (عليهم السلام).
ومِمَّن مدح أهل البيت (عليهم السلام) أيضاً: مروان بن محمّد السروجيّ. قال المرزبانيّ: هو مِن بني أُميَّة مِن أهل سروج بديار مُضر، كان شيعيَّاً.. وهو القائل:
يا بني هاشمِ بنِ عبد منافٍ إنَّني مَعْكُمُ بكلِّ مكانِ
أنتمُ صفوة الإلهِ ومنكم جعفرٌ ذو الجناحِ والطَيَرانِ
وعليٌّ وحمزةٌ أسدُ اللـ ـهِ وبنتُ النبيِّ والحسَنانِ
فلئن كنتُ مِن أُميَّةَ إنِّي لَبريءٌ منها إلى الرحمانِ(١)
وذكر هذه الأبيات القاضي صفيّ الدين أحمد بن صالح اليماني، في كتابه (مطالع البدور ومجمع البحور)، وقال: قال بعض الموالين للعترة الطاهرة، وهو مِن بني أُميَّة (الأبيات).
وقال أبو الفرج الإصبهانيّ: أبو عَدِيّ الأُمويّ شاعر بني أُميَّة.. وهو عبد الله بن عمرو بن عديّ بن ربيعة بن عبد العزَّى بن عبد شمس. كان يكره ما يجري عليه بنو أُميَّة مِن ذكْر عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) وسبِّه على المنابر، ويُظهر الإنكار لذلك، فشهد عليه قوم مِن بني أُميَّة ذلك وأنكروا عليه، ونهَوه عنه فلم ينتهِ فنفوه مِن مَكَّة إلى المدينة، فقال في ذلك:
____________________
١ - مُعجم الشعراء، للمرزبانيّ: ٣٢١.
شرَّدوا بي عند امتداحي عليَّاً ورأوا ذاك فيَّ داءً دويَّا
فوربِّي لا أبرح الدهرَ حتَّى تمتلي مُهجتي بحُبِّي عليَّا
وبنيهِ لحُبِّ أحمدَ إنِّي كنتُ أحببتُهم لحُبِّي النبيِّا
حبُّ دِينٍ لا حُبُّ دنيا وشرُّ ال حبِّ حُبَّاً يكون دنياويَّا
صاغني الله في الذُؤابة منهم لا زنيماً ولا سنيداً دَعِيَّا
عدويَّاً خالي صريحاً وجدِّي عبدُ شمس وهاشمٌ أبوَيَّا
فسواءٌ علَيَّ لستُ أبالي عبشميَّاً دُعيتُ أَم هاشميَّا(١)
وذاك الخليعيّ أبو الحسن جمال الدين عليّ بن عبد العزيز الموصلي الحلّيّ، صار شاعر أهل البيت المفلَّق، نظم فيهم فأكثر، ومدحهم حتّى كان مجموع شعره ليس فيه إلاّ مدحهم ورثاؤهم.
____________________
١ - مِن مجموعة المرحوم الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء، مُختار مِن كتاب الأغاني.
الخاتمة
وها نحن على مشارف نهاية هذا الحديث.. رأينا أنْ نقف وقفة وجيزة. حيث أحببنا أنْ نقول: إنَّ هنالك قُدرتين مصدرهما واحد:
القُدرة الإلهيَّة: وهي ذاتيَّة.. فالله تعالى هو القادر على كلِّ شيء، وهو سبحانه يقضي ويحكم بما يشاء كيف يشاء، وله في كلِّ ذلك غاية وحكمة وإرادة.
والقُدرة الثانية: هي القُدرة البشريَّة (أو قدرة الاختيار).. وهي مِن الله الخالق البارئ جلَّت عظمتُه، وتتحرَّك هذه القدرة ضمن دائرة المشيئة الربَّانيَّة، لا تخرج عنه. فالإنسان.. لا يحكمه الجبرُ في كلِّ حالاته، ولا يُرخِّصه التفويضُ في جميع شؤونه. إنَّما هو في شأن(لا جبرَ ولا تفويض، ولكنْ أمرٌ بين الأمرين) .
فصحيح.. أنَّ الإنسان لا اختيار له في مَن يكون أبوه أو مَن تكون أُمُّه، كما لا اختلاف في خلقته ومُحيطه وبيئته. وما لا اختيارَ له فيه لا يُحاسَبُ عليه. ولكنْ.. للإنسان اختياراتُه الكثيرة، وهي تعتمد على قدرة الله تعالى، وعلى إخلاص العبد وسعيه.
فيستطيع المرء أنْ يختار العقيدة الحقَّة والمذهبَ الصحيح، إذا أراد، وإذا توكَّل على القدرة الإلهيَّة اللا مُتناهية، وتوسَّل إلى الله عزَّ شأنُه بالوسائل الشريفة، واتَّجه إلى ربِّه لا يميل إلى أحدٍ سواه، وتوجَّه بقلبٍ مُخلص مُتجرِّدٍ عن التعصُّبات العمياء. فحاشا لله - وهو الرؤوف الرحيم - أنْ يُسْلِمه إلى أعاصير الشيطان، ووساوسه وأضاليله. وسبحان الله - هو القادر القدير - أنْ يعجز عن انتشاله مِن مزالق الهلاك والغواية.
يقول الله عزَّ مِن قائل - في مُحكم كتابه المجيد -:( بسم الله الرحمنِ الرحيم *... * قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (١) .. قال الإمام الصادق (عليه السلام):(يعني المؤمنَ مِن الكافر، والكافرَ مِن المؤمن) (٢) .
وفي تفسير القُمِّيّ.. في ظِلِّ قوله تعالى:( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ) (٣) . عن أهل البيت (عليهم السلام)(.. يُخرج المؤمنَ مِن الكافر،
____________________
۱ - آل عمران: ٢٦، ٢٧.
٢ - تفسير نور الثقلين ١: ٣٢٥ح ٨٠.
٣ - الروم: ١٩.
ويُخرج الكافرَ مِن المؤمن..) (١) .
أجل.. فما عذرُ الكافر وقد تجلَّت أمامَه حقائق الإيمان، وما عذرُنا وقد رأينا أنَّ كثيراً وكثيراً جِدَّاً مِن المؤمنين.. قد وُلدوا أو نشأوا أو عاشوا في مُحيطات الكفر والضلالة والانحراف، فصانوا أنفسهم وتثبَّتوا على التوحيد وآمنوا بالله ورسوله، وصدعوا بالحقِّ ورفعوا الحقائق، وحاججوا بالخير والصواب والفضيلة والهداية. حتَّى أُوذوا في الله، وعانَوا ما عانوا في سبيل الله، فمنهم مَن قضى نحبَه صابراً شهيد، ومنهم مَنِ انتظر صابر، حتَّى وفَّاه اللهُ أجلَه فانقلب إلى ربِّه مسروراً.
وهنا نتساءل.. إذاً، أين القهرُ الاجتماعيّ والمُحيطيّ الذي يتذرَّع الجبريَّة بأنَّه حاكمٌ على الجميع؟! وأين هُمْ مِن مؤمن آل فرعون وزوجته.. ومِن آسية امرأةِ فرعون.. ومِن فِتْية الكهف.. ومِن سلمان الفارسي المحمدي وبلال الحبشي، والسيِّد الحِمْيريّ.. ومِن معاوية الثاني، وغيرهم؟!
إنَّ هؤلاءِ أمسَوا شواهدَ وحُججاً على مَن يقول بالقهر الاجتماعيّ والحَتْم الوراثيّ والقاهر المُحيطيّ. وأصبح هؤلاءِ حُجَّةً علينا جميعاً أنَّ الإنسان يستطيع - بلُطفِ الله ورحمته وجميل عنايته - أنْ يكسر أطواق الضَلال ويعيش حُرَّاً في داخله لا يخضع لأصنام
____________________
١ - تفسير القُمِّيّ ج٢، في ظِلِّ الآية الكريمة.
الشرك والإلحاد، ولا يميل مع عواصف الأهواء والمفاسد.
إنَّ الحياة ذات ابتلاءات وامتحانات.. واللهُ تبارك وتعالى - وقد أقام علينا حُجَجَه البالغة - يختبرنا ويبتلينا ليُميِّزن، وهو القائل جَلَّ وعلا:( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) (١) . فإنَّما هو امتحان، يُراد له: الثبات على الإيمان، والتقوى، والصبر والإحسان.. حينذاك يكون العبد في حِصن الله تعالى، ومَنْ كان في حصن الله عزَّ وجلّ أمِنَ ونجا، وكيف إذا كان الله معنا على أنْ نكونَ نحن معه؟! وهو القائل جلَّت آلاؤه:( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) (٢) .
( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) (٣) .
فالأمر يتطلَّب الجهاد، والصبرُ مِن الجهاد، والإيمانُ يُعطي ذلك كلَّه. ومِن الإيمان أنْ نُسلِّمَ لله تعالى تسليماً، فنرضى بقِسَمِه، ولا نعترضُ على قضائه، ولا نتبرَّمُ مِن بلائه أو ابتلائه، بلْ نُحسن الظنَّ بما يقضي ويشاء، فهو الحكيم.. وكان مِن حكمته جلَّت عظمتُه أنْ
____________________
١ - العنكبوت: ٢، ٣.
٢ - النحل: ١٢٨.
٣ - العنكبوت: ٦٩.
يُخرج الحيَّ مِن الميّت، فكان معاوية الثاني مِن صُلب يزيد، كما كان السيّد الحميريّ مِن أبوينِ ناصبيّين، وسلمان الفارسيّ المحمّديّ مِن أبوَينِ مجوسيّينِ ضالّين، كما كان فتيةُ الكهف يعيشون في جوِّ الإلحاد، وكذا مؤمن آل فرعون (حزقيل) وزوجته، وامرأة فرعون.. وكثيرٌ ممَّن انتفض على الضلال وهو في أجوائه( قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) (١) .
فلم يُجبرِ الله تعالى أحداً على الهداية، فيتعذَّرَ أهلُ الضلال أنَّ الله أجبرهم على الغواية. وإنَّما هو الامتحان.. يفوزُ به المُحسنون إلى أنفسهم، المُختارون لها أسبابَ السعادة الدائمة والنعيم المُقيم. كتب رجلٌ إلى أبي ذَرٍّ (رحمه الله): يا أبا ذرّ، أطْرِفْني بشيءٍ من العلم. فكتب إليه: إنَّ العلم كثير، ولكنْ إنْ قدرت أنْ لا تُسيء إلى مَن تُحبُّه، فافعلْ. فقال له الرجل: وهل رأيتَ أحداً يُسيء إلى مَن يُحبُّه؟! فقال له: نعم، نفسُك أحبُّ الأنفس إليك، فإذا أنت عصيتَ اللهَ فقد أسأتَ إليها(٢) .
فهنيئاً للذين مزَّقوا شِباك الكفر وحطَّموا قيودَ العصبيَّة الجاهليَّة، وأزاحوا عن عيونهم غشاوة الجهل.. فمضوا مؤمنين مُطمئنين!
____________________
١ - الأنعام: ١٤٩.
٢ - أصول الكافي ٢: ٣٣٢ - باب مُحاسبة العمل ح٢٠، والرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام).
وهنيئاً للّذين قتلوا في نفوسهم حُبَّ الدنيا مِن الجاه والأموال والتكاثر والتفاخر.. فمضَوا أعزَّاء مُختارين، سُعداء مرضيِّين.
* روي أنَّ عيسى (عليه السلام) كان مع بعض الحواريِّين في بعض سياحته، فمرُّوا على بلد.. فلمَّا قربوا منه وجدوا كنزاً على الطريق، فقال مَن معه: ائذنْ لنا - يا روح الله - أنْ نُقيم ها هنا ونحوز هذا الكنز؛ لئلا يضيع. فقال (عليه السلام) لهم:(أقيموا ها هنا، وأنا أدخل البلد، ولي فيه كنز أطلبه) .
فلمَّا دخل البلدَ وجال فيه.. رأى داراً خَرِبةً فدخلها، فوجد فيها عجوزة، فقال له:(أنا ضيفُكِ في هذه الليلة،، وهل في هذه الدار أحد غيركِ؟) ، قالت: نعم، لي ابنٌ مات أبوه وبقي يتيماً في حِجري، وهو يذهب إلى الصحاري ويجمع الشوك ويأتي البلد فيبيعه، ويأتي بثمنها نتعيَّش به.
فهيَّأتْ لعيسى (عليه السلام) بيت.. فلمَّا جاء ولدها قالت له: بعث الله لنا في هذه الليلة ضيفاً صالحاً يسطع مِن جبينه أنوارُ الزهد والصلاح، فاغتنمْ خدمتَه وصُحبتَه. فدخل الابن على عيسى (عليه السلام) وخدمَه وأكرمه، فلمَّا كان في بعض الليل.. سأل عيسى (عليه السلام) الغُلامَ عن حاله ومعيشته وغيرها، فتفرَّس (عليه السلام) فيه آثار العقل والفطانة والاستعداد للترقِّي على مدارج الكمال، لكنْ وجد فيه أنَّ قلبه مشغول بهمٍّ عظيم، فقال له:(يا غلام، أرى قلبك مشغولاً بهمٍّ لا
يبرح، فأخبرْني به، لعلَّه يكون عندي دواء دائك) . فلمَّا بالغ عيسى (عليه السلام) قال: نعم، في قلبي همٌّ وداء لا يقْدر على دوائه أحد إلاَّ الله تعالى. فقال:(أخبرني به، لعلَّ الله يُلهمني ما يُزيله عنك) . فقال الغلام: إنِّي كنت يوماً أحمل الشوك إلى البلد.. فمررتُ بقصرِ ابنة الملك، فنظرتُ إلى القصر فوقع نظري عليها، فدخل حبُّها شغاف قلبي، هو يزداد كلَّ يوم، ولا أرى لذلك دواءً إلاَّ الموت. فقال عيسى (عليه السلام):(إنْ كنت تريدها.. أنا أحتال لك حتَّى تتزوَّجها) .
فجاء الغلام إلى أُمِّه، وأخبرها بقوله. فقالت أُمُّه: يا ولدي، إنِّي لا أظنُّ هذا الرجلَ يعِد بشيءٍ لا يُمكنه الوفاء به، فاسمعْ له وأطعْه في كلِّ ما يقول. فلمَّا أصبحوا قال عيسى (عليه السلام) للغلام:(اذهب إلى باب الملِك.. فإذا أتى خواصُّ الملِك ووزراؤه ليدخلوا عليه قل لهم: أبلغوا الملِكَ عنِّي أنَّي جئتُه خاطباً كريمته. ثمَّ ائتِني وأخبرني بما جرى بينك وبين الملك) .
فأتى الغلامُ باب الملك.. فلمّا قال ذلك لخاصَّة الملك ضحكوا وتعجَّبوا مِن قوله، ودخلوا على الملك وأخبروه بما قال الغلام، مُستهزئين به. فاستحضره الملك.. فلمَّا دخل على الملك وخطب ابنته، قال الملك - مُستهزئاً به -: أنا لا أُعطيك ابنتي إلاَّ أنْ تأتيَني مِن اللآلي والياقوت والجواهر الكبار.. كذا وكذا. ووصف له ما لا يوجد
في خزانة ملكٍ مِن ملوك الدنيا. فقال الغلام: أنا أذهب وآتيك بجواب هذا الكلام.
فرجع إلى عيسى (عليه السلام)، فأخبره بما جرى. فذهب به عيسى (عليه السلام) إلى خرِبَةٍ كانت فيها أحجار ومدَر كبار، فدعا الله تعالى فصيَّرها كلَّها مِن جنس ما طلب الملك وأحسن منه. فقال:(يا غلام، خُذْ منها ما تُريد، واذهب به إلى الملك) .
فلمَّا أتى الملكَ به.. تحيَّر الملكُ وأهلُ مجلسه في أمره، وقالوا: لا يكفينا هذا. فرجع إلى عيسى (عليه السلام) فأخبره، فقال:(اذهب إلى الخَرِبَة وخُذْ منها ما تُريد، واذهب بها إليهم) . فلمَّا رجع بأضعاف ما أتى به أوَّلاً زادت حيرتُهم، وقال الملك: إنَّ لهذا شأناً غريباً! فخلا بالغلام واستخبره عن الحال، فأخبره بكلِّ ما جرى بينه وبين عيسى (عليه السلام) وما كان مِن عشقه لابنته، فعلم الملك أنَّ الضيف عيسى، فقال: قُلْ لضيفك يأتيني ويزوِّجك ابنتي.
فحضر عيسى (عليه السلام) وزوَّجها منه، وبعث الملك ثياباً فاخرة إلى الغلام فألبسها إيَّاه، وجمع بينه وبين ابنته تلك الليلة. فلمَّا أصبحا طلب الغلامَ وكلَّمه، فوجده عاقلاً فهِماً ذكيَّاً، ولم يكن للملك ولد غير هذه الابنة.. فجعل الغلامَ وليَّ عهده ووارث مُلكه، وأمر خواصَّه وأعيان مملكته ببيعته وطاعته.
فلمَّا كانت الليلة الثانية مات الملك فجأةً، وأجلسوا الغلامَ على
سرير الملك وأطاعوه، وسلَّموا إليه خزائنه. فأتاه عيسى (عليه السلام) في اليوم الثالث ليودِّعه، فقال الغلام: أيُّها الحكيم، إنَّ لك عَلَيّ حقوقاً لا أقوم بشكر واحدٍ منها لو بقيت أبدَ الدهر.. ولكنْ عرض في قلبي البارحة أمر لو لم تُجبني عنه لا أنتفع بشيءٍ ممَّا حصَّلتها لي. فقال:(وما هو؟) ، قال الغلام: إنَّك إذا قدرت على أنْ تنقلني مِن تلك الحالة الخسيسة إلى تلك الدرجة الرفيعة في يومين.. فلِمَ لا تفعل هذا بنفسك؟! وأراك في تلك الثياب وفي هذه الحالة! فلمَّا أحفى في السؤال قال له عيسى (عليه السلام):(إنّ العالِمَ بالله وبدار كرامته وثوابه، والبصير بفَناء الدنيا وخِسَّتها ودناءتها.. لا يرغب إلى هذا المُلك الزائل وهذه الأُمور الفانية. وإنَّ لنا في قُربه تعالى، ومعرفته ومحبَّته، لذَّاتٍ روحانيَّةً، لا نعدُّ تلك اللَّذاتِ الفانية عندها شيئاً) .
فلمَّا أخبره بعيوب الدنيا وآفاتها، ونعيم الآخرةِ ودرجاتها.. قال له الغلام: فلي عليك حُجَّةٌ أُخرى: لِمَ اخترت لنفسك ما هو أولى وأحرى، وأوقعتَني في هذهِ البليَّة الكُبرى؟ فقال له عيسى:(إنّما اخترتُ لك ذلك؛ لأمتحنك في عقلك وذكائك، وليكون لك الثواب في ترك هذه الأُمور المُيسَّرة لك أكثر وأوفى، وتكون حُجَّةً على غيرك) .
فترك الغلامُ المُلك، ولبس أثوابه البالية، وتبع عيسى (عليه السلام). فلمَّا رجع عيسى إلى الحواريِّين قال:(هذا كنزي الذي كنتُ أظنُّه في هذا
البلد.. فوجدتُه، والحمد لله) (١) .
هنيئاً لمَن اختار طريق الله، وفاز بمرضاة الله.
نسأله تعالى ذلك، وآخِر دعوانا أنْ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأفضلُ الصلاة وأزكاها على المُصطفى الهادي الأمين، وعلى آله الهُداة الميامين، الطاهرين المعصومين.
____________________
١ - بحار الأنوار ١٤: ٢٨٠ - ٢٨٢، وذكر الثعالبيّ في (قصص الأنبياء: ٢٢٠ - ٢٢١) نحواً مِن ذلك باختصار.
المصادر
* القرآن الكريم.
* الإتحاف بحُبِّ الأشراف: عبد الله بن محمّد بن عامر الشبراويّ، المطبعة الأدبيَّة - بمصر، منشورات الرضيّ - قُمْ ١٩٨٥م.
* الاحتجاج: أبو منصور أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطِبرسيّ (ق٦هـ)، مؤسَّسة الأعلميّ - بيروت ط ٢، ١٤٠٣هـ / ١٩٨٣م.
* أخبار شُعراء الشيعة: أبو عبد الله محمّد بن عمران المرزبانيّ الخراسانيّ (ت٣٨٤ هـ)، شركة الكتبيّ للطباعة والنشر - بيروت ط١، ١٣٨٨هـ/١٩٦٨م.
* الاختصاص: محمّد بن محمّد بن النعمان العكبريّ البغداديّ المُلَّقب بـ (الشيخ المُفيد) (ت ٤١٣هـ)، طبع جماعة المُدرِّسين في الحوزة العلميَّة - بقُمْ، إيران.
* أدب الطفِّ أو شُعراء الحسين (عليه السلام): السيِّد جواد شبَّر، دار المُرتضى - بيروت ط١، ١٤٠٩هـ /١٩٨٨م.
* الإرشاد إلى حُجج الله على العباد: الشيخ المُفيد، نشر: مكتبة بصيرتي - قُمْ.
* الاستيعاب في معرفة الأصحاب، المطبوع في (الإصابة في تمييز الصحابة) لابن حجر: ابن عبد البَرّ النمريّ القرطبيّ (ت٤٦٣ هـ)، مكتبة المثنَّى - بغداد.
* أُسد الغابة في معرفة الصحابة: أبو الحسن عليّ بن أبي الكرم الشيبانيّ المعروف بـ (ابن الأثير) (ت٦٣٠هـ)، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت ١٩٧٠م.
* الإصابة في تمييز الصحابة: أحمد بن عليّ العسقلانيّ المعروف بـ (ابن حجر) (ت٨٥٢ هـ)، مطبعة السعادة - مصر١٣٢٨ هـ.
* أصول الكافي: أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكلينيّ الرازيّ (ت٣٢٩ هـ)، المكتبة الإسلاميَّة - طهران ١٣٨٨ه.
* أعلام النساء في عالَمي العرب والإسلام: عمر رضا كحالة - مؤسَّسة الرسالة - بيروت ط٥، ١٤٠٤هـ / ١٩٨٤م.
* إعلام الورى بأعلام الهُدى: أبو عليّ الفضل بن الحسن الطبرسيّ (ت٥٤٨ هـ)، دار الكتب الإسلاميّة - طهران.
* أعيان الشيعة: السيِّد محسن الأمين العامليّ (ت١٣٧١ هـ)، مطبعة ابن زيدون - دمشق ط٣، ١٣٧٠ه.
* الأغاني: أبو فرج عليّ بن الحسين الإصفهانيّ (ت٣٥٦ هـ)، دار الفكر للجميع - بيروت ١٣٩٠ه.
* أمالي الطوسيّ: أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسيّ (ت٤٦٠ هـ)، مؤسَّسة الوفاء - بيروت ١٤٠١هـ/١٩٨١م.
* أمالي الصدوق: أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القُمِّيّ (ت٣٨١ هـ)، مؤسَّسة الأعلميّ - بيروت ط٥، ١٤٠٠هـ/١٩٨٠م.
* الإمام الحسين (عليه السلام) أو سموُّ المعنى في سموِّ الذات: عبد الله العلايليّ دار مكتبة الربيبة - بيروت ١٩٧٢م.
* الإمامة والسياسة: ابن قتيبة الدينوريّ عبد الله بن مسلم (ت٢٧٦ هـ)، دار المعرفة - بيروت ط٢، ١٣٩٣هـ /١٩٧٣م.
* أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى بن جابر البغداديّ البلاذريّ (ت٢٧٩ هـ)، مكتبة المُثنَّى - بغداد.
* بحار الأنوار الجامعة لدُرر أخبار الأئمَّة الأطهار: الشيخ محمّد باقر بن الشيخ محمّد تقيّ المجلسيّ (ت١١١١ هـ)، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت ١٤٠٣ه.
* البداية والنهاية: ابن الأثير، مكتبة المعارف - بيروت، مكتبة النصرـ الرياض، ط١، ١٩٦٦م.
* تاج العروس: السيِّد محمّد مُرتضى الحسينيّ الواسطيّ الزَّبيديّ (ت١٢٠٥ هـ)، ط١، المطبعة الخيريَّة المُنشأة بجماليَّة مصر المحميَّة ١٣٠٦ه.
* تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام: شمس الدين بن محمّد بن أحمد الذهبيّ (ت٧٤٨ هـ)، تحقيق: الدكتور عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربيّ - بيروت ط٢، ١٤٠٩هـ/١٩٨٩م.
* تاريخ بغداد، أو مدينة السلام: أبو بكر أحمد بن عليّ الخطيب البغداديّ (ت٤٦٣ هـ)، مكتبة الخانجي بالقاهرة، والمكتبة العربيَّة ببغداد، مطبعة السعادة بجوار محافظة مصر ط١، ١٣٤٩هـ/١٩٣١م.
* تاريخ الخُلفاء: جلال الدين عبد الرحمان بن أبي بكر السيوطيّ (ت٩١١هـ)، مطبعة السعادة - مصرط١، ١٣٧١هـ/١٩٥٢م.
* تاريخ دمشق: عليّ بن الحسن المعروف بـ (ابن عساكر) (ت٥٧١ هـ)، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت ١٤٠٧ هـ.
* تاريخ الطبريّ (تاريخ الأُمَم والملوك): أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ (ت٣١٠ هـ)، دار التراث - بيروت.
* تاريخ الفلسفة في الإسلام: المُستشرق ت. ج دي بور (جامعة امستردام)، نقله إلى العربيّة: الدكتور محمّد عبد الهادي أبو ريده، دار النهضة العربيّة - بيروت ط٥، ١٩٨١م.
* تاريخ اليعقوبيّ: أحمد بن إسحاق بن يعقوب (ت٢٩٢ هـ)، دار صادر - بيروت.
* تتمَّة المُختصر في أخبار البشر المعروف بـ (تاريخ ابن الورديّ): ابن الورديّ زين الدين عمر بن مُظفَّر (ت٧٤٩ هـ)، منشورات المطبعة الحيدريَّة - النجف الأشرف ط٢، ١٣٨٩هـ/ ١٩٦٩م.
* تتمَّة المُنتهى في وقائع أيَّام الخُلفاء: الشيخ عبّاس القُمِّيّ (ت١٣٥٩ هـ) المكتبة المركزيَّة - طهران ١٣٦٥ه.
* تجارب السلف: هندوشاه سنجر بن عبد الله حاجبي نخجواني، انتشارات طهوري - طهران ١٣٤٤ه.
* تذكرة خواصِّ الأُمَّة: يوسف بن فرغليّ المعروف بـ (سبط ابن الجوزي) (ت٦٥٤ هـ)، مؤسَّسة أهل البيت (عليهم السلام) - بيروت ١٤٠١هـ/ ١٩٨١م.
* الترغيب والترهيب مِن الحديث الشريف: عبد العظيم بن عبد القويّ المُنذريّ (ت٦٥٦ هـ)، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت ط٣، ١٣٨٨هـ/ ١٩٦٨م.
* تفسير الإمام العسكريّ (عليه السلام): الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) (ت ٢٦٠ هـ)، تحقيق ونشر: مدرسة الإمام المهديّ (عليه السلام) - قُمْ ١٤٠٢ هـ.
* تفسير الخازن المُسمَّى (لباب التأويل في معاني التنزيل): علاء الدين عليّ بن محمّد البغداديّ الصوفيّ المعروف بـ (الخازن)، المكتبة التجاريَّة الكُبرى - مصر.
* تفسير العياشيّ: محمّد بن مسعود بن عيّاش السلميّ (ت٣٢٠ هـ)، المكتبة العلميَّة الإسلاميَّة - طهران.
* تفسير فرات الكوفيّ: فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفيّ (ق٣ هـ)، المطبعة الحيدريَّة في النجف الأشرف ١٣٥٤ هـ.
* تفسير القرآن العظيم: إسماعيل بن عمر المعروف بـ (ابن كثير) (ت٧٧٤ هـ) دار الفكر - بيروت ١٣٨٩ هـ.
* تفسير القرطبيّ المعروف بـ (الجامع لأحكام القرآن): محمّد بن أحمد الأنصاريّ (ت٦٧١ هـ)، طبعه بالأوفسيت دار إحياء التراث العربيّ - بيروت ١٣٧٢هـ/ ١٩٥٢م.
* تفسير القُمِّيّ: الشيخ عليّ بن إبراهيم القُمِّيّ (ق٤ هـ)، مؤسَّسة دار الكتاب - قُم ١٤٠٤ه.
* التفسير الكبير: محمّد بن عمر الفخر الرازيّ (ت٦٠٦ هـ)، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت.
* تفسير المنار أو (تفسير القرآن الحكيم): محمّد رشيد رضا (ت١٣٥٤ هـ)، دار المعرفة - بيروت.
* تفسير نور الثقلين: الشيخ عبد عليّ بن جمعة العروسيّ الحويزيّ (ت١١١٢ هـ)، المطبعة العلميَّة - قُمْ ١٣٨٢ هـ.
* التمهيد في الردِّ على المُلحدة والرافضة والخوارج والمُعتزلة: أبو بكر محمّد بن الطيِّب الباقلاَّنيّ (ت٤٠٣ هـ)، دار الفكر العربيّ - القاهرة.
* تهذيب التهذيب: ابن حجر العسقلانيّ، دار صادر - بيروت ١٨٦٨م.
* الثائر الأوَّل في الإسلام: محمّد عبد الباقي سرور.
* جامع البيان في تفسير القرآن: محمّد بن جرير الطبريّ، شركة ومكتبة ومطبعة مصطفى البابيّ الحلبيّ - القاهرة ١٣٨٨هـ/ ١٩٦٨م.
* جمهرة رسائل العرب في عصور العربيَّة الزاهرة: أحمد زكي صفوت، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابيّ الحلبيّ - مصر ط١، ١٣٥٦هـ/ ١٩٣٧م.
* الجواهر في تفسير القرآن الكريم: الشيخ طنطاويّ جوهريّ، الناشر: المكتبة الإسلاميَّة - مصر ط٣، ١٩٧٤م.
* حركات الشيعة في العصر العبَّاسيّ الأوَّل: محمّد جابر عبد العال، مطبعة السُّنَّة المحمّديَّة - القاهرة ١٣٧٣ هـ.
* حياة الحيوان الكُبرى: كمال اليدين محمّد بن موسى الدَّميريّ (٨٠٨ هـ)، منشورات الرضيّ - قُمْ ١٩٨٦ه، أوفسيت عن طبعة شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبيّ - مصر.
* الخرائج والجرائح: قطب الدين أبو الحسين سعيد بن هبة الله الراونديّ (ت٥٧٣ هـ)، دار نشر مصطفوي - قُمْ.
* الخصال: الشيخ الصدوق، منشورات جماعة المُدرِّسين التابعة للحوزة العلميَّة - بقُمْ ١٤٠٣ هـ.
* دائرة المعارف الإسلاميَّة الشيعيَّة: حسن الأمين، دار التعارف - بيروت ط٣، ١٤٠١هـ/ ١٩٨١م.
* دائرة معارف القرن العشرين: محمّد فريد وجدي، دار المعرفة - بيروت ط٣، ١٩٧١م.
* الدُّرُّ المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين السيوطيّ، نشر: محمّد أمين دحج - بيروت.
* دلائل النبوَّة: أحمد بن الحسين البيهقيّ (ت٤٥٨ هـ)، دار الكتب العلميَّة - بيروت ١٤٠٥ هـ.
* ربيع الأبرار ونصوص الأخبار: محمود بن عمر الزمخشريّ (ت٥٣٨ هـ)، منشورات الشريف الرضيّ - قُمْ ١٤١٠ هـ.
* رجال الكشَّيّ المعروف بـ (اختيار معرفة الرجال): محمّد بن الحسن الطوسيّ، طبعته كليَّة الإلهيَّات في مشهد المُقدَّسة ١٣٤٨ هـ.
* روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: أبو الفضل شهاب الدين محمود الآلوسيّ البغداديّ (ت١٢٧٠ هـ)، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت.
* روض الجِنان ورَوح الجَنان في تفسير القرآن، المشهور بـ (تفسير أبي الفتوح الرازيّ): الحسين بن عليّ بن محمّد الخزاعيّ النيشابوريّ (ق٦ هـ)، مجمع البحوث الإسلاميَّة في الآستانة الرضويَّة المُقدَّسة - مشهد، إيران ١٤١٣هـ/ ١٩٩٣م.
* روضة الواعظين: محمّد بن الفتَّال النيسابوريّ (ت٥٠٨ هـ)، منشورات الرضيّ - قُمْ، عن طبعة النجف الأشرف ١٣٨٦ه.
* الرياض النضرة في مناقب العشرة: أحمد بن عبد الله، المعروف بـ (المُحبُّ الطبريّ) (ت٦٩٤ هـ)، دار الكتب العلميَّة - بيروت.
* السبعة مِن السلف: السيِّد مرتضى الحسينيّ الفيروزآباديّ (ت١٤١٢هـ)، منشورات مكتبة الفيروزآباديّ - قُمْ ط٢، ١٤٠٢هـ.
* سفينة البحار ومدينة الحِكم والآثار: الشيخ عبّاس القُمِّيّ، مجمع البحوث الإسلاميَّة في الآستانة الرضويَّة المُقدَّسة - مشهد ١٤١٦هـ.
* سُنن أبي داود: سليمان بن الأشعث السجستانيّ الأَزديّ (ت٢٧٥هـ)، دار إحياء السُّنَّة النبويَّة.
* سُنن الترمذيّ: أبو عيسى محمّد بن عيسى بن سورة الترمذيّ (ت٢٧٩هـ)، دار الفكر - بيروت ١٤٠٠هـ/ ١٩٨٠م.
* السُّنن الكُبرى: أحمد بن الحسين البيهقيّ، دار المعرفة - بيروت.
* السيرة الحلبيَّة: عليّ بن برهان الدين الحلبيّ الشافعيّ (ت١٠٤٤هـ)، المكتبة الإسلاميَّة - بيروت.
* السيرة النبويَّة: ابن كثير، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت ١٣٨٣هـ/ ١٩٦٤م.
* السيرة النبويَّة: ابن هشام، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت.
* شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد المُعتزليّ، أبو حامد عبد الحميد بن هبة الله (ت٦٥٥هـ)، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربيَّة - مصرط١، ١٣٧٨هـ/ ١٩٥٩م.
* شرح نهج البلاغة: كمال الدين ميثم بن عليّ بن ميثم البحرانيّ (ت٦٧٩هـ)، منشورات دفتر نشر الكتاب، مؤسَّسة النصر - طهران ١٣٧٨هـ.
* شواهد التنزيل لقواعد التفصيل: عبيد الله بن عبد الله الحسَكانيّ (ق٥هـ)، منشورات الأعلميّ - بيروت ١٣٩٣هـ.
* صحيح البخاريّ: محمّد بن إسماعيل الجعفيّ البخاريّ (ت٢٥٦هـ)، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت.
* صحيح مسلم: مسلم بن الحجَّاج بن مسلم القشيريّ (ت٢٦١هـ)، دار الفكر - بيروت ط٢، ١٣٩٨هـ/ ١٩٦٥م.
* الطبقات الكُبرى: محمّد بن سعد بن منيع البصريّ الزهريّ (ت٢٣٠هـ)، دار صادر - بيروت ١٣٨٠هـ/ ١٩٦٠م.
* عُدَّة الداعي ونجاح الساعي: أحمد بن فهد الحِلِّيّ (ت٨٤١هـ)، دار الكتاب الإسلاميّ - إيران ط١، ١٤٠٧هـ/ ١٩٨٧.
* العِقد الفريد: أحمد بن محمّد بن عبد ربَّه الأندلسيّ (ت٣٢٨هـ)، دار الكتب العلميَّة - بيروت ط١، ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٣م.
* عيون الأخبار: ابن قتيبة، منشورات الشريف الرضيّ - قُمْ ١٤١٥هـ.
* عيون أخبار الرضا (عليه السلام): الشيخ الصدوق، مكتبة طوس - قُمْ ١٩٨٥م.
*الغارات: إبراهيم بن محمّد الثقفيّ الكوفيّ الإصفهانيّ (ت٢٨٣هـ)، سلسلة انتشارات أنجمن آثار ملِّي - طهران ط٢، ١٣٩٥هـ.
* الغدير: الشيخ عبد الحسين أحمد الأمينيّ النجفيّ (ت١٣٩٣هـ)، دار الكتب الإسلاميَّة - طهران ١٩٨٨م.
* غرائب القرآن ورغائب الفُرقان: نظام الدين الحسن بن محمّد القُمِّيّ النيسابوريّ (ت٧٢٨هـ)، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابيّ الحلبيّ - مصر ط١، ١٣٨١هـ/ ١٩٦٢م.
* فتح الباري لشرح صحيح البخاريّ: ابن حجر العسقلانيّ، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت ط٢.
* الفتوحات المَكِّيَّة: أبو عبد الله محمّد بن عليّ المعروف بـ (ابن عربيّ) (ت٦٣٨هـ)، دار صادر - بيروت.
* الفخريّ في الآداب السلطانيَّة والدول الإسلاميَّة: محمّد بن عليّ بن طباطبا المعروف بـ (ابن الطقطق) (ت٧٠٩هـ)، دار صادرـ بيروت.
* فرائد السمطين في فضائل المُرتضى والبتول والسبطين والأئمَّة مِن ذُرِّيَّتهم (عليهم السلام): إبراهيم بن محمّد بن المؤيَّد الجوينيّ الخراسانيّ (ت٧٣٠هـ)، مؤسَّسة المحموديّ - بيروت ط١، ١٣٩٨هـ/ ١٩٧٨م.
* الفصول المُهمَّة في معرفة الأئمَّة: عليّ بن محمّد بن أحمد المالكيّ المَكِّيّ (ت٨٥٥هـ)، مطبعة العدل - النجف الأشرف.
* فيض القدير شرح الجامع الصغير: محمّد المدعوّ بـ (عبد الرؤوف المنَّاويّ)، دار الفكر - بيروت ط٢، ١٣٩١هـ/ ١٩٧٢م.
* قُرب الإسناد: أبو العبّاس عبد الله بن جعفر الحِمْيريّ القُمِّيّ (مِن أصحاب الإمام العسكريّ عليه السلام) (ق٣هـ)، إصدار مكتبة نينوى الحديثة - طهران.
* قَصص الأنبياء المُسمَّى بـ (عرائس المجالس): أبو إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم النيشابوريّ المُلقَّب بـ (الثعلبيّ) (ت٤٢٧هـ)، المكتبة الثقافيَّة - بيروت.
* قَصص الأنبياء والمُرسلين: السيِّد نعمة الله الجزائريّ، انتشارات الشريف الرضيّ - قُمْ ١٤١٥هـ.
* كامل بهائي: الحسن بن عليّ المشهور بـ (عماد الدين الطبريّ) (ق٧هـ)، انتشارات المرتضويّ - طهران.
* كامل الزيارات: الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه (ت ٣٦٧ هـ)، المطبعة المُباركة المُرتضويَّة في النجف الأشرف ١٣٥٦ه.
* الكامل في التاريخ: ابن الأثير، دار صادر - دار بيروت ١٣٨٥ هـ/ ١٩٦٥م.
* كتاب الأربعين: محمّد بن الحسين العامليّ المعروف بـ (الشيخ البهائيّ) (ت ١٠٣٠ هـ)، مكتبة الصابريّ - تبريز، إيران ١٣٧٨ هـ.
* كربلاء بين الحقائق والأوهام: إبراهيم إشكناني، دار التعارف - بيروت ط ١، ١٣٩٨هـ / ١٩٧٨م.
* الكشَّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشريّ (ت ٥٣٨ هـ)، دار المعرفةـ بيروت.
* كشف الغُمَّة في معرفة الأئمَّة: أبو الحسن عليّ بن عيسى بن أبي الفتح الأربليّ (ت ٦٩٣هـ)، المطبعة العلميَّة - قُمْ، الناشر: مكتبة بني هاشم - تبريز، إيران، ١٣٨١ هـ.
* الكشف والبيان في تفسير القرآن (مخطوط): الثعلبيّ.
* كفاية الطالب: محمّد بن يوسف الكنجيّ الشافعيّ (ت ٦٥٨ هـ)، مطبعة الفارابيّ - طهران.
* كمال الدين وتمام النعمة: الشيخ الصدوق، مؤسَّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المُدرِّسين - بقُمْ ١٤٠٥ هـ.
* الكُنى والألقاب: الشيخ عبّاس القُمِّيّ، المطبعة الحيدريَّة في النجف الأشرف ١٣٧٦ هـ / ١٩٥٦ م.
* كنز جامع الفوائد المُسمَّى بـ (تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العِترة الطاهرة): السيِّد شرف الدين عليّ الحسينيّ الإسترباديّ الغرويّ (ق ١٠ هـ)، مؤسَّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المُدرِّسين - بقُمْ ١٤٠٩ هـ.
* كنز العمّال في شتَّى الأقوال والأفعال: علاء الدين المُتَّقي بن حسام الدين الهنديّ (ت ٩٧٥ هـ)، مؤسَّسة الرسالة - بيروت ط ٥، ١٤٠٥ هـ / ١٩٥٨ م.
* كنز الحقائق في حديث خير الخلائق، المطبوع في (الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير - للسيوطيّ): عبد الرؤوف المنَّاويّ - دار الكتب العلميَّة - بيروت ط ٤، ١٣٧٣ هـ / ١٩٥٤ م.
* اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة: جلال الدين السيوطيّ، دار المعرفة - بيروت ١٤٠٣م.
* مجالس المؤمنين: السيِّد نور الله القاضي التستريّ (ت١٠١٩هـ)، المكتبة الإسلاميَّة - طهران ١٣٦٥هـ.
* مجمع البيان في تفسير القرآن: الشيخ أبو عليّ الفضل بن الحسن الطبرسيّ (ت٥٤٨هـ)، منشورات مكتبة السيِّد المرعشيّ - قُمْ ١٤٠٣هـ.
* مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: عليّ بن أبي بكر الهيثميّ (ت ٨٠٧هـ)، دار الكتاب العربيّ - بيروت ط٣، ١٤٠٢هـ/ ١٩٨٢م.
* المحاسن: أبو جعفر أحمد بن محمّد بن خالد البرقيّ (ت ٣٧٤هـ)، دار الكتب الإسلاميَّة - قُمْ ١٣٧١هـ.
* المُحتضر (مخطوطة): الشيخ حسن بن سليمان الحلِّيّ.
* المُحلَّى: أبو محمّد عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم (ت ٤٥٦هـ)، منشورات دار الآفاق الجديدة - بيروت.
* مُختار مِن كتاب الأغاني: الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (ت١٣٧٣هـ)، دار الكتاب الإسلاميّ - قُمْ ط٢، ١٤٠٨هـ/ ١٩٨٨م.
* المُختصر في أخبار البشر: إسماعيل بن عليّ بن محمّد، أبو الفداء عماد الدين (ت٧٣٢هـ)، دار المعرفة - بيروت.
* مروج الذهب ومعادن الجوهر: أبو الحسن عليّ بن الحسين بن عليّ المسعوديّ (ت٣٤٦هـ)، دار الأندلس - بيروت ١٣٨٥هـ/ ١٩٦٥م.
* المُستدرَك على الصحيحين: أبو عبد الله محمّد بن عبد الله الحاكم النيسابوريّ (ت٤٠٥هـ)، دار الكتب العلميَّة - بيروت ط١، ١٤١١هـ/ ١٩٩٠م.
* المُستطرَف في كلِّ فنٍّ مُستظرَف: أحمد بن محمّد الأبشيهيّ (ت٨٥٠هـ)، دار الفكر - بيروت.
* مُسند أحمد بن حنبل: أحمد بن محمّد بن حنبل الشيبانيّ (ت٢٤١هـ)، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت ١٤١٢هـ/ ١٩٩١م.
* معاني الأخبار: الشيخ الصدوق، مؤسَّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المُدرِّسين - بقُمْ ١٣٧٩هـ.
* معاوية بن أبي سفيان وعصره: عمر أبو النصر.
* مُعجم الأُدباء: ياقوت بن عبد الله الحمويّ (ت٦٢٦هـ)، دار الفكر - بيروت ط٣، ١٤٠٠هـ/ ١٩٨٠م.
* مُعجم الشُّعراء: المرزبانيّ، مكتبة القُدْس - القاهرة ١٣٥٤هـ.
* مقالات الإسلاميِّين: الأشعريّ عليّ بن إسماعيل (ت٣٢٤هـ)، دار الحداثة - بيروت ١٤٠٥هـ.
* مقتل الحسين (عليه السلام): أبو المؤيِّد الموفَّق بن أحمد المكّيّ الخوارزميّ (ت٥٦٨هـ)، منشورات مكتبة المُفيد - قُمْ ١٣٦٧هـ.
* مقتل الحسين (عليه السلام): عبد الرزَّاق الموسويّ المُقرَّم (ت١٣٩١هـ)، منشورات قسم الدراسات الإسلاميَّة في مؤسَّسة البعثة - إيران.
* الملهوف على قتلى الطفوف: السيِّد عليّ بن موسى بن طاووس (٦٦٤هـ)، منشورات المكتبة الحيدريَّة في النجف الأشرف ١٣٨٥هـ/ ١٩٦٥م.
* مناقب آل أبي طالب: الشيخ محمّد بن عليّ بن شهرآشوب المازندرانيّ السرويّ (ت٥٨٨هـ)، مؤسَّسة انتشارات العلاَّمة - قُمْ.
* مناقب عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): أبو الحسن عليّ بن محمّد الواسطيّ الشافعيّ الشهير بـ (ابن المغازليّ) (ت٤٨٣هـ)، المكتبة الإسلاميَّة - طهران ١٤٠٣هـ.
* المناقب والمثالب: القاضي نعمان المصريّ.
* الموطِّأ: مالك بن أنس (ت١٧٩هـ)، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت.
* ميزان الاعتدال في نقد الرجال: أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبيّ (ت ٧٤٨هـ)، دار المعرفة - بيروت ١٣٨٢هـ.
* الميزان في تفسير القرآن: السيِّد محمّد حسين الطباطبائيّ (ت ١٤٠٢هـ)، مؤسَّسة إسماعيليَّان - قُمْ ١٣٩٣هـ/ ١٩٧٣م.
* ناسخ التواريخ: الميرزا محمّد تقيّ لسان المُلك سبهر، انتشارات المكتبة الإسلاميَّة - طهران ط٢، ١٩٨٥م.
*النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: أبو المحاسن يوسف بن تغري بردى (ت ٨٧٩هـ)، المؤسَّسة المصريَّة العامَّة - القاهرة ١٣٨٣هـ.
* النزاع والتخاصم فيما بين بني أُميَّة وبني هاشم: تقيّ الدين أحمد بن عليّ المقريزيّ (ت٨٤٥هـ)، تحقيق: الدكتور حسين مؤنس، مطبعة الإبراهيميَّة - مصر ١٩٣٧م.
* النصائح الكافية لمَن يتولَّى معاوية: السيِّد محمّد بن عقيل بن عبد الله العلويّ (ت ١٣٥٠هـ)، مطبعة النعمان في النجف الأشرف ١٣٨٥هـ/ ١٩٦٩م.
* النهاية في غريب الحديث والأثر: ابن الأثير، منشورات إسماعيليَّان - قُمْ - ط٤، ١٩٨٦م.
* نهج البلاغة: مجموع ما اختاره الشريف الرضيّ (ت ٤٠٤هـ) مِن كلام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) (ت ٤٠هـ)، ضبط الدكتور صبحي الصالح، دار الكتاب اللّبنانيّ - بيروت ١٣٨٧هـ، طبع بالأُوفسيت في إيران بإشراف انتشارات الهجرة - قُمْ ١٣٩٥هـ.
* وقعة صِفَّين: نصر بن مزاحم المنقريّ (ت ٢١٢هـ)، تحقيق: عبد السلام محمّد هارون، منشورات السيِّد المرعشيّ النجفيّ - قُمْ ١٤٠٣هـ.
* يزيد بن معاوية فرع الشجرة الملعونة في القرآن: أبو جعفر أحمد المَكِّيّ، ط١، ١٣٩٨هـ/ ١٩٧٨م.
* ينابيع الموَّدة: الشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزيّ الحنفيّ (ت١٢٩٤هـ)، انتشارات محمّدي - قُمْ ط ٨، ١٣٨٥هـ.
الفهرس
مُفتتَح الحديث ٧
تمهيد: ٩
مؤمن آل فرعون ١٢
زوجة مؤمن آل فرعون ١٦
آسية بنت مزاحم ١٧
فِتية الكهف ٢١
سلمان المحمَّدي ٢٩
السيّد الحِمْيَريّ ٣٥
مُعاوية الثاني ٤٧
مَن هو أُميَّة؟ ٤٩
بنو أُميَّة في صدر الإسلام: ٥٠
بنو أُميَّة في حديث المُصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: ٥٢
الشجرة الملعونة في القرآن: ٥٣
أبو سفيان: ٥٨
مُعاويَة بن أبي سفيان: ٧٢
حقده على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: ٧٣
الخلافة: ٧٦
حُكْمُه: ٨٣
معاوية في الحديث النبوي: ١٠١
يزيد بن معاوية: ١٠٦
نشأة يزيد: ١٠٧
حرق الكعبة: ١٢٦
مجمع المفاسد ١٢٩
عودة إلى معاوية الثاني: ١٥٨
توليَتُه: ١٦٠
الخَلْع: ١٦٤
الخُطبة: ١٦٥
إشارات: ١٧١
ماذا كان بعد الخلع؟ ١٧٨
مع مروان بن الحَكَم بشكل مُختصَر: ١٨٢
السُنَّة العُمريَّة: ١٨٨
عودة: ٢٠١
وفاته: ٢٠٢
مَن كان وراء ذلك؟ ٢٠٧
حسُن ظنّ: ٢١١
على النهج: ٢١٧
الخاتمة ٢٢٢
المصادر ٢٣٢