شرح حكم نهج البلاغة

الشيخ عباس القمي



كلمة المؤسّسة

انّ نهج البلاغة الّذي هو من أعلى المصادر الاسلامية شأنا في الثقافة الاسلامية فيجب أن تتوفّر عند الباحث تلك المقدرة العلمية حتى يستطيع دراسة كلّ أبعاده و زواياه و سبر أغوار كلام الامام عليه السلام و من ثمّ يستنير به في فلسفته الالهية و الايدئولوجية الاسلامية و يهتدي الى صراط للحياة السعيدة.

و هذه مهمّة تفوق طاقة انسان واحد، فيجب أن يكرّس رهط من العلماء جهودهم في سبيل هذا المنشور.

و ممّا منّ اللّه علينا تأسيس مؤسسة نهج البلاغة في عام (١٣٥٥ ه. ق) و اجتمع فيها اخوة مخلصون و بدأوا العمل لتحقيق الأهداف التّالية:

١ تصنيف المعارف العلوية السامية الّتي يحتوي عليها نهج البلاغة.


٢ إعداد البطاقات عن المواضيع المستخرجة من نهج البلاغة.

٣ إعداد تفسير موضوعي عن المعارف الكامنة في نهج البلاغة.

٤ إعداد دروس في الحقول المختلفة من نهج البلاغة من أجل استفادة كلّ الفئات في المجتمع.

٥ تأسيس مؤسّسة للمراسلة و نشر دروس عن نهج البلاغة و سائر المعارف الاسلامية من أجل التعريف بالاسلام من نافذة نهج البلاغة و المصادر الاسلاميّة الاخرى.

٦ تحقيق نصّ نهج البلاغة و طبعه طبعة محققة على أحسن المناهج المتبعة في تحقيق النصوص.

٧ إعداد ترجمة فارسية من نهج البلاغة ترجمة دقيقة تخلو قدر المستطاع من كلّ عيب و نقص.

٨ ترجمة نهج البلاغة إلى اللّغات العالمية الحية.

٩ نشر التّرجمات القديمة الموجودة من نهج البلاغة.

١٠ تحقيق و نشر شروح نهج البلاغة الّتي ظلّت غير مطبوعة حتى الآن.

و غيرها من البرامج و الاعمال اللازمة الّتي جاءت في خلال منشوراتنا و ساير المراكز الاعلامية.

و لتحقيق هذا الهدف الأخير، قام فرع من المؤسسة بمسؤولية جمع من الأفاضل و المحققين الذين لهم نشاط واسع في العلوم الاسلامية


بتحقيق شروح نهج البلاغة التي عيّن لهم اللجنة العليا للطّرح و البرنامج في مؤسسة نهج البلاغة كشرح الكيذرى البيهقي المسمى ب « حدائق الحقايق » و غيره.

و في هذه الفرصة نقدّم الى القارئ الكريم، شرحا آخر للمحدث الخبير و المؤلف الألمعى و هو المحقق القمي رحمه اللّه الذي كتب شرحه على الحكم على الترتيب الأبجدي، و هو مع اختصاره مغني و مع قلته مكفي.

نسأل اللّه تعالى أن يوفقنا بحفظ تلك الكلمات في الرّوح و العمل انشاء اللّه تعالى.

طهران مؤسسة نهج البلاغة ١٣٧٥



بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

مقدّمة التحقيق

الحمد للّه الذي لا يبلغ مدحته القائلون، و لا يحصي نعماءه العادّون، و لا يؤدّي حقّه المجتهدون، الذي لا يدركه بعد الهمم و لا يناله غوص الفطن.(١) ثمّ الصلاة و السلام على رسوله محمّد المصطفى أشرف الأنبياء،

و على آله و عترته سادات الأتقياء، لا سيّما ابن عمّه و وصيّه و وارث علمه عليّ بن أبي طالب سيّد الأوصياء.

و بعد، فيعتبر « نهج البلاغة » عند العلماء و المفكّرين إحدى الذخائر الإسلاميّة الكريمة، بعد كتاب اللّه و السنّة النبويّة، و من كنوز الإسلام النفيسة. فهو كتاب « يتضمّن من عجائب البلاغة، و غرائب الفصاحة، و جواهر العربيّة، و ثواقب الكلم الدينيّة و الدنيويّة ما لا

____________________

(١) من الخطبة ١ من خطب نهج البلاغة.


يوجد مجتمعا في كلام، و لا مجموع الأطراف في كتاب ».(١) قال محمد بن طلحة الشافعيّ (٦٥٢ ق): الفصاحة تنسب إليه و البلاغة تنقل عنه و البراعة تستفاد منه، و علم المعاني و البيان غريزة فيه.(٢) و قال سبط ابن الجوزي (٦٥٤ ق): كان عليّ عليه السلام ينطق بكلام قد حفّ بالعصمة، و يتكلّم بميزان الحكمة، كلام ألقى اللّه عليه المهابة، فكلّ من طرق سمعه راعه فهابه، و قد جمع اللّه له بين الحلاوة و الملاحة و الطلاوة و الفصاحة، لم يسقط منه كلمة و لا بارت له حجّة، أعجز الناطقين و حاز قصب السّبق(٣) في السابقين، ألفاظ يشرق عليها نور النبوّة و يحيّر الأفهام و الألباب.(٤) و قال الشيخ محمّد عبده أحد شرّاح نهج البلاغة في مقدّمة شرحه:

و ليس في أهل هذه اللغة إلاّ قائل بأنّ كلام الإمام علي بن أبي طالب هو أشرف الكلام و أبلغه بعد كلام الله تعالى و كلام نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و أغزر مادّة، و أرفعه أسلوبا، و أجمعه لجلائل المعاني. ٥

____________________

(١) من خطبة الرضيّ (ره)، نهج البلاغة ٣٤.

(٢) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ٤٧.

(٣) أطلق على كلّ مبرّز و مشمّر. (أقرب الموارد قصب)

(٤) تذكرة الخواصّ ١١٩ ١٢٠.

(٥) شرح الشيخ عبده على النهج ١ ٥.


و لذا نرى اهتمام كثير من العلماء و المفكّرين في جمع خطب الإمام و رسائله و أقواله قبل الشريف الرضيّ (ره)، حتّى أنّ المعاجم و كتب الفهرست تحتفظ بذكر رجال تصدّوا إلى جمع كلام الإمام علي عليه السلام،

ذكر السيّد عبد الزهراء الخطيب في كتابه « مصادر نهج البلاغة » ١١٤ كتابا من المؤلّفين الذين تصدّوا إلى جمع كلام الإمام و تأليفه قبل أن يولد الشريف الرضيّ(١) و من الواضح أنّ كلمات الإمام عليه السّلام كانت معروفة لدى العلماء و متداولة بين الأدباء، و قديما استعان به كبراء العربيّة لأدبهم و تفكيرهم، كعبد اللّه بن المقفّع، و عبد الحميد الكاتب، و ابن نباتة و أضرابهم من الكتّاب و البلغاء و الأدباء.

و من المجمع عليه أنّ كلام الإمام عليّ عليه السّلام مل‏ء قلوب العلماء و الأدباء و مل‏ء أسماعهم و أبصارهم، استهوتهم روائعه، و سحرتهم أساليبه و ألوانه، فوصفوه بما يدلّ على بعد أثره فيهم و إعجابهم به.

قال الجاحظ البصريّ (٢٥٥ ق) في البيان و التبيين: قال عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: « قيمة كلّ امرئ ما يحسن ».(٢) فلو لم نقف من هذا الكتاب إلاّ على هذه الكلمة، لوجدناها كافية شافية، و مجزية مغنية، بل

____________________

(١) مصادر نهج البلاغة ١ ٢٨ ٤١.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٨١.


لوجدناها فاضلة على الكفاية، و غير مقصّرة عن الغاية. و أحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، و معناه في ظاهر لفظه.(١) و قال الجاحظ أيضا: حدّثني ثمامة، قال: سمعت جعفر بن يحيى،

و كان من أبلغ الناس و أفصحهم، يقول: الكتابة ضمّ اللفظة إلى أختها،

ألم تسمعوا قول شاعر لشاعر، و قد تفاخرا: أنا أشعر منك لأنّي أقول البيت و أخاه، و أنت تقول البيت و ابن عمّه ثمّ قال: و ناهيك حسنا بقول عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: « هل من مناص أو خلاص، أو معاذ أو ملاذ، أو فرار أو محار ».(٢) و كان جعفر يعجب أيضا بقول عليّ عليه السّلام: « أين من جدّ و اجتهد،

و جمع و احتشد، و بنى فشيّد، و فرش فمهّد، و زخرف فنجّد »(٣) قال: ألا ترى أنّ كلّ لفظة منها آخذة بعنق قرينتها، جاذبة إيّاها إلى نفسها،

دالّة عليها بذاتها قال أبو عثمان: فكان جعفر يسمّيه فصيح قريش.(٤) و قال ابن أبي الحديد (٦٥٦ ق) في ديباجة شرحه على نهج البلاغة: و أمّا الفصاحة فهو عليه السّلام إمام الفصحاء، و سيّد البلغاء، و في كلامه قيل: دون كلام الخالق و فوق كلام المخلوقين.

____________________

(١) البيان و التبيين ١ ١٠٦.

(٢) نهج البلاغة، من الخطبة ٨٣ المسمّاة بالخطبة الغرّاء.

(٣) احتشد: اجتمع. نجّد: زيّن.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ٦ ٢٧٧ ٢٧٨.


و لمّا قال محفن بن أبي محفن لمعاوية: جئتك من عند أعيا الناس،

قال له: ويحك كيف يكون أعيا الناس فو اللّه ما سنّ الفصاحة لقريش غيره.(١) و قال الشريف الرضيّ بعد الخطبة ١٦ من خطب نهج البلاغة: إنّ في هذا الكلام الأدنى من مواقع الإحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان، و فيه زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان، و لا يطّلع فجّها إنسان.(٢) و قال أيضا بعد الخطبة ٢١: إنّ هذا الكلام لو وزن بعد كلام اللّه سبحانه و بعد كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، بكلّ كلام لمال به راجحا، و برّز عليه سابقا.(٣)

تأثير كلام الإمام عليّ عليه السّلام في الأدب العربيّ:

و بما أنّ الإمام عليّا عليه السّلام كان بحرا لا ينزف، و غمرا لا يسبر،

يؤاتيه الكلام و يتابعه، و لا يطاق لسانه، و كلامه عليه السّلام بيّن المنهج و سهل المخرج، مطّرد السياق و القياس، « على أمثلته حذا كلّ قائل خطيب،

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١ ٢٤.

(٢) نهج البلاغة ٥٨.

(٣) نهج البلاغة ٦٣.


و بكلامه استعان كلّ واعظ بليغ، و مع ذلك فقد سبق و قصّروا، و قد تقدّم و تأخّروا، لأنّ كلامه عليه السّلام الكلام الّذي عليه مسحة(١) من العلم الإلهيّ، و فيه عبقة(٢) من الكلام النبويّ ».(٣) قال ابن واضح اليعقوبيّ (٢٩٢ ق) في كتابه « مشاكلة الناس لزمانهم »: و حفظ الناس عنه الخطب، فإنّه خطب بأربعمائة خطبة،

حفظت عنه، و هي التي تدور بين الناس و يستعملونها في خطبهم.(٤) و قال المسعوديّ (٣٤٦ ق) في « مروج الذهب »: و الذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة و نيف و ثمانون خطبة يوردها على البديهة، و تداول الناس ذلك عنه قولا و عملا.(٥) و قال الكلينيّ (٣٢٨ ٣٢٩ ق) بعد نقل خطبة له عليه السّلام في التوحيد ما لفظه: و هذه الخطبة من مشهورات خطبه عليه السّلام، حتّى لقد ابتذلها

____________________

(١) مسحة: أثر أو علامة.

(٢) عبقة: رائحة. قال منتجب الدين (من أعلام القرن السادس) في فهرسته،

ص ١٧٦: الشيخ القاضي جمال الدين محمّد بن الحسين قاضي قاشان فاضل فقيه، كان يكتب نهج البلاغة من حفظه، و له رسالة « العبقة » في شرح قول السيّد الرضيّ في خطبة النهج.

(٣) نهج البلاغة ٣٤.

(٤) مصادر نهج البلاغة ١ ٥٠.

(٥) مروج الذهب ٢ ٤٣١.


العامّة(١) و هي كافية لمن طلب علم التوحيد إذا تدبّرها و فهم ما فيها،

فلو اجتمع ألسنة الجنّ و الإنس ليس فيها لسان نبيّ على أن يبيّنوا التوحيد بمثل ما أتى به بأبي و أمّي ما قدروا عليه، و لو لا إبانته عليه السّلام ما علم الناس كيف يسلكون سبيل التوحيد.(٢) و قال ابن دأب الليثيّ(٣) (١٧١ ق) في عليّ عليه السّلام: ثمّ البلاغة، مال الناس إليه حيث نزل من المنبر، فقالوا: ما سمعنا يا أمير المؤمنين أحدا قطّ أبلغ منك و لا أفصح، فتبسّم و قال: و ما يمنعني؟ و أنا مولد مكيّ، و لم يزدهم على هاتين الكلمتين.

ثمّ الخطب، فهل سمع السامعون من الأوّلين و الآخرين بمثل خطبه و كلامه؟ و زعم أهل الدواوين لو لا كلام عليّ بن أبي طالب و خطبه و بلاغته في منطقه ما أحسن أحد أن يكتب إلى أمير جند و لا إلى رعيّة.(٤) و قال ابن ميثم في مقدّمة شرحه على نهج البلاغة: و أمّا الفصحاء

____________________

(١) أي اشتهرت بينهم فكأنّها صارت مبتذلة.

(٢) الكافي ١ ١٣٦.

(٣) هو أبو الوليد عيسى بن يزيد، من أهل المدينة، و كان أكثر أهل عصره أدبا و علما و معرفة بأخبار الناس و أيّامهم و كان خطيبا شاعرا توفّي سنة ١٧١ ق.

(الأعلام ٥ ١١١، الكنى و الألقاب ١ ٢٨١).

(٤) الاختصاص، للشيخ المفيد ١٤٨.


فمعلوم أنّ جميع من ينسب الى الفصاحة بعده (عليّ عليه السّلام) يملؤون أوعية أذهانهم من ألفاظه، و يضمّنونها كلامهم و خطبهم فتكون منها بمنزلة ورد العقود كابن نباتة و غيره، و الأمر في ذلك ظاهر.(١) و قال ابن أبي الحديد: و أمّا الفصاحة فهو عليه السّلام إمام الفصحاء،

و سيّد البلغاء... و منه تعلّم الناس الخطابة و الكتابة. قال عبد الحميد بن يحيى: حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع، ففاضت ثمّ فاضت.

و قال ابن نباتة: حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الإنفاق إلاّ سعة و كثرة، حفظت مائة فصل من مواعظ عليّ بن أبي طالب.(٢) و جاء أبو هلال العسكري (٣٩٥ ق) ببعض الأخذ من كلام الإمام عليّ عليه السّلام و قال:

سمع أبو تمّام قول عليّ بن أبي طالب للأشعث بن قيس: إنّك إن صبرت جرى عليك قضاء... إلى آخره ٣، و إن صبرت صبر الأكارم،

و إلاّ سلوت سلوّ البهائم ٤، فحكاه حكاية حسنة في قوله:

و قال عليّ في التعازي لأشعث

و خاف عليه بعض تلك المآثم

____________________

(١) شرح ابن ميثم ١ ٧٨.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١ ٢٤.

(٣) الحكمة ٢٩١ من حكم نهج البلاغة.

(٤) الحكمة ٤١٤ من حكم نهج البلاغة.


أ تصبر للبلوى عزاء و حسبة

فتؤجر أم تسلو سلوّ البهائم

١ و قال أبو هلال أيضا: و من حسن الاتّباع أيضا قول إبراهيم بن العبّاس حيث كتب: إذا كان للمحسن من الثواب ما يقنعه، و للمسي‏ء من العقاب ما يقمعه، ازداد المحسن في الإحسان رغبة، و انقاد المسي‏ء للحقّ رهبة... أخذه من قول عليّ بن أبي طالب، أخبرنا به أبو أحمد قال: أخبرنا أبو بكر الجوهريّ عن المنقري عن ابن جرير قال: قال عليّ بن أبي طالب: يجب على الوالي أن يتعهّد أموره و يتفقّد أعوانه،

حتّى لا يخفى عليه احسان محسن و لا إساءة مسي‏ء. ثمّ لا يترك واحدا منهما بغير جزاء، فإن ترك ذلك تهاون المحسن، و اجترأ المسي‏ء، و فسد الأمر، و ضاع العمل.(٢) و قال أبو هلال أيضا بعد نقل بيت ابن طباطبا: « فقيمة كلّ الناس ما يحسنونه »: أخذ ابن طباطبا قول عليّ عليه السّلام بلفظه و أخرجه بغيضا متكلّفا، و الجيّد قول الآخر: « فقيمة كلّ امرئ علمه »، فهذا و إن كان أخذه ببعض لفظه، فإنّ « كلا » في بيته أحسن موقعا منه في بيت ابن طباطبا.(٣)

____________________

(١) كتاب الصناعتين ٢٣٢، ديوان أبي تمّام ٣٠٠.

(٢) كتاب الصناعتين ٢٣٥.

(٣) كتاب الصناعتين ٢٥٢ ٢٥٣.


و قال صلاح الدين الصفديّ في ترجمة أحوال محمّد بن عبد الملك بن عبد الحميد الشهير بالزاهد الفارقي (٥٦٤ ق) ما لفظه: و كان دعا الخلق إلى اللّه تعالى و كان يتكلّم على الناس كلّ جمعة بعد الصلاة بجامع القصر... و كان يحفظ كتاب نهج البلاغة و يغيّر عبارته، و كان الكبار يحضرون مجلسه و الأعيان و الفضلاء، و كان يتكلّم على لسان أهل الحقيقة بلسان عذب و كلام لطيف و عبارة رشقة و منطق بليغ فانتفع الناس به.(١) و نختم الكلام بذكر ما قاله الدكتور زكيّ مبارك في كتابه « عبقريّة الشريف الرضيّ »: إنّي لأعتقد أنّ النظر في كتاب نهج البلاغة يورث الرجولة و الشهامة و عظمة النفس، لأنّه فيض من روح قهّار واجه المصاعب بعزائم الأسود.

و هناك خدمة ثانية أدّاها كتاب نهج البلاغة للّغة العربيّة، فقد كان فرصة ثمنية لحركة الأفهام و العقول.

ألا تعرفون شرح ابن أبي الحديد؟

إنّ ذلك الشرح هو من ذخائر اللّغة العربيّة: ففيه فوائد أدبيّة و لغويّة و تاريخيّة و فقهيّة لا يستهين بها إلاّ الغافلون عمّا في ماضيّنا الأدبيّ و العلميّ من أطايب و فرائد و آيات.

____________________

(١) الوافي بالوفيات ٤ ٤٤.


فإن ذكرتم أنّ نهج البلاغة شرح نحو أربعين مرّة، و إن ذكرتم أنّ فيه فصولا ترجمت إلى بعض اللغات الشرقيّة و الغربيّة، و إن ذكرتم أنّه فتح أمام النقد أبوابا و مذاهب، و إن ذكرتم أنّ له فضلا على أكثر الفصحاء من الخطباء، و إن ذكرتم أنّه أشهر مجموعة و أكبر مجموعة حفظت منسوبة إلى عصر الخلفاء، و إن ذكرتم أنّ له شرق و غرب و لم تخل منه مكتبة عربيّة أو أعجميّة من المكتبات التي تستوفي أصول المراجع، و إن ذكرتم أنّ مفنّديه لم ينكروا قيمته الأدبيّة...

إن ذكرتم كلّ هذه الخصائص عرفتم أنّ الشريف خدم الأدب و اللغة و الأخلاق بجمع أصول ذلك الكتاب الفريد.(١) هذا و قال السيّد المرتضى علم الهدى و أجاد فيما قال:(٢)

نهج البلاغة نهجة لذوي البلاغة واضح

و كلامه لكلام أرباب الفصاحة فاضح

العلم فيه زاخر و الفضل فيه راجح

و غوامض التوحيد فيه جميعها لك لائح

و وعيده مع وعده للناس طرا ناصح

تحظى به هذي البريّة صالح أو طالح

____________________

(١) عبقرية الشريف الرضي ١ ٢٢٣ ٢٢٤.

(٢) منهاج البراعة ١ ٢٤٣.


و قال آخر:(١)

كتاب كأنّ اللّه رصّع لفظه

بجوهر آيات الكتاب المنزّل

حوى حكما كالدرّ ينطق صادقا

فلا فرق إلاّ أنّه غير منزل

شروح نهج البلاغة:

و قد تصدّى لشرح كتاب « نهج البلاغة » كثيرون من العلماء و الفضلاء، ذكر السيّد هبة الدين الشهرستاني أنّها تنوف على الخمسين شرحا ٢، ما بين مبسوط و مختصر، منهم أبو الحسن البيهقيّ، و فخر الدين الرازيّ، و القطب الراونديّ، و كمال الدين محمّد بن ميثم البحراني، و ابن أبي الحديد من المتقدّمين، و حبيب بن محمّد بن هاشم الهاشميّ، و الشيخ محمّد عبده و محمّد نائل المرصفيّ و الشيخ محمّد تقيّ التستريّ من المتأخرين.

من هو الشريف الرضيّ؟

هو أبو الحسن محمّد بن أبي أحمد ولد ببغداد في سنة تسع و خمسين و ثلاثمائة (٣٥٩) و كان نقيب الطالبيّين ببغداد، كان يلقّب بالرضيّ ذا

____________________

(١) نفس المصدر ١ ٢٤٥.

(٢) ما هو نهج البلاغة ١٣ ١٨.


الحسبين، و كان من أهل الفضل و الأدب و العلم.

قال الخطيب البغداديّ: ذكر لي أحمد بن عمر بن روح عنه أنّه تلقّن القرآن بعد أن دخل في السنّ، فجمع حفظه في مدّة يسيرة. قال:

و صنّف كتابا في معاني القرآن يتعذّر وجود مثله، و كان شاعرا محسنا،

سمعت أبا عبد اللّه الكاتب بحضرة أبي الحسين بن محفوظ و كان أحد الرؤساء يقول: سمعت جماعة من أهل العلم بالأدب يقولون: الرضيّ أشعر قريش. فقال ابن محفوظ: هذا صحيح، و قد كان في قريش من يجيد القول إلاّ أنّ شعره قليل، فأمّا مجيد مكثر فليس إلاّ الرضيّ.

و قال الثعالبي: ابتدأ يقول الشعر بعد أن جاوز العشر سنين بقليل،

و هو اليوم أبدع أبناء الزمان، و أنجب سادة العراق، يتحلّى مع محتده الشريف، و مفخره المنيف، بأدب ظاهر و فضل باهر، و حظّ من جميع المحاسن وافر، ثمّ هو أشعر الطالبيّين، من مضى منهم و من غبر على كثرة شعرائهم المفلقين... و لو قلت: إنّه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق و سيشهد بما أجريه من ذكره شاهد عدل من شعره العالي القدح،

الممتنع عن القدح، الذي يجمع إلى السلاسة متانة، و إلى السهولة رصانة، و يشتمل على معان يقرب جناها، و يبعد مداها.

و قال ابن أبي الحديد: كان أبوه النقيب أبو أحمد جليل القدر،

عظيم المنزلة في دولة بني العباس و دولة بني بويه، و لقّب بالطاهر ذي


المناقب، و خاطبه بهاء الدولة أبو نصر بن بويه بالطاهر الأوحد، و ولي نقابة الطالبيّين خمس دفعات... عرف الرضيّ من الفقه و الفرائض طرفا قويّا، و كان (ره) عالما أديبا، و شاعرا مفلقا، فصيح النظم، ضخم الألفاظ، قادرا على القريض، متصرّفا في فنونه، إن قصد الرقّة في النسيب أتى بالعجب العجاب، و إن أراد الفخامة و جزالة الألفاظ في المدح و غيره أتى بما لا يشقّ فيه غباره ١، و إن قصد في المراثي جاء سابقا و الشعراء منقطع أنفاسها على أثره. و كان مع هذا مترسّلا ذا كتابة قويّة. و كان عفيفا شريف النفس، عالي الهمّة، ملتزما بالدين و قوانينه...

توفي الرضيّ (ره) في المحرّم سنة ستّ و أربعمائة (٤٠٦) و دفن في داره بمسجد الأنباريّين.(٢)

المحدّث القميّ الشارح:

هو المحدّث الخبير و العالم البصير، الشيخ عبّاس بن محمّد رضا القمّيّ. ولد في سنة ١٢٩٤ ق ببلدة قم و نشأ فيها، و اشتغل بالتعليم. و في

____________________

(١) يضرب للسابق المبرّز، و لمن لا قرن له يجاريه، و يراد أنّه لا غبار فيه فيشقّ و ذلك لسرعة عدوه و خفّة وطئه. (فرائد الأدب ٩٩٤)

(٢) توجد ترجمته في تاريخ بغداد ٢ ٢٤٦ ٢٤٧، يتيمة الدهر ٣ ١٣١،

شرح ابن أبي الحديد ١ ٣١ ٤١.


سنة ١٣١٦ ق هاجر إلى العراق، و قدم النجف الأشرف و التزم مصاحبة أستاذه في الحديث و الرجال، الحجّة العلاّمة الميرزا حسين الطبرسيّ النوريّ (ره) و أخذ منه الرجال و الحديث.

قال العلاّمة الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ (ره) في ترجمته له: « قد عرفته جيّدا، فرأيته مثال الإنسان الكامل، و مصداق الرجل العلم الفاضل، و كان دائم الاشتغال، شديد الولع في الكتابة و التدوين و البحث و التنقيب، لا يصرفه عن ذلك شي‏ء، و لا يحول بينه و بين رغبته و اتّجاهه إليه حائل ».

توفّي المحدّث القمّيّ (ره) في النجف سنة ١٣٥٩ ق و دفن في الصحن الشريف.(١) له مؤلّفات مفيدة جدّا تبلغ ٦٧ كتابا و رسالة، ذكرتها بحسب حروف الهجاء في مقدّمة كتاب « بيت الأحزان في مصائب سيّدة النسوان ». منها هذا الشرح الذي بأيدينا، و هو شرح قسم الحكم من نهج البلاغة.

يقول ابن أبي الحديد في شرح قسم الحكم من نهج البلاغة: اعلم أنّ هذا الباب من كتابنا كالروح من البدن، و السواد من العين، و هو

____________________

(١) بيت الأحزان ١١ ١٦.


الدرّة المكنونة التي سائر الكتاب صدفها.(١) و هذا الشرح رتّب بالترتيب الأبجديّ و هو شرح موجز و مفيد،

ذكر الشارح فيه مسائل هامّة تاريخيّة و أدبيّة و دينيّة حسب دأبه في التأليف. و كثيرا ما استفاد من شرحي ابن أبي الحديد و ابن ميثم البحرانيّ على نهج البلاغة، و عوّل عليهما و إنّي أشرت إلى مواضعها في الهامش.

عملي في تحقيق الكتاب:

حينما شرعت في تحقيق هذا الكتاب بذلت الجهد الممكن في تصحيح المتن، و تخريج المنقولات و مقابلتها مع مصادرها الأصليّة من كتب الأدب و اللغة و التاريخ و الحديث و دواوين الشعراء، و ضبط الأعلام و النصوص اللغويّة و الشعريّة ضبطا صحيحا، و بعض التعليقات في الحواشي.

و وضعت فهارس عامّة في آخر الكتاب لتتميم الفائدة.

و جدير بالذكر أنّ أرقام الخطب و الكتب و الحكم في هذا الشرح تطابق أرقام النسخة الّتي صحّحها الدكتور صبحي الصالح، و استفدت أيضا من نسخة نهج البلاغة الّتي طبعت في مؤسّسة نهج البلاغة.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٨١.


و أمّا النسخة الوحيدة الّتي عليها مدار التحقيق، هي النسخة الخطّيّة الثمينة بخطّ المؤلّف (ره) تقع في ١٥٣ صفحة بقطع ٢١ ١٥ سم و كان تاريخ تأليفها سنة ١٣٢٨ ق.

و من الواجب عليّ أن أتقدّم بوافر الشكر لحفيد المؤلّف (ره) السيّد « حسين محدّث زاده » الّذي تفضّل عليّ بالنسخة المصوّرة من النسخة الخطّيّة، و « مؤسّسة نهج البلاغة » الّتي قامت بطبع هذا الكتاب و نشره.

و ختاما أسأل المولى سبحانه و تعالى أن يقبل منّي هذا المشروع بمنّه و كرمه.

طهران باقر قرباني زرّين ١٤١٧ ه. ق ١٣٧٥ ه. ش







حرف الألف

١ أزرى بنفسه من استشعر الطّمع، و رضي بالذّلّ من كشف ضرّه [ عن ضرّه ]، و هانت عليه نفسه من أمّر عليها لسانه.(١) هذه ثلاثة فصول: الأوّل في الطمع:

« أزرى بنفسه »، أي حقّرها و قصّر بها. « استشعر الطمع »، أي جعله شعاره أي لازمه.

و في الحديث: الطمع الفقر الحاضر.(٢) و كان يقال: أكثر مصارع الألباب تحت ظلال الطمع.(٣) الثاني في الشكوى:

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٨٥.

(٣) نفس المصدر ١٨ ٨٤. و في نهج البلاغة، الحكمة ٢١٩: أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع.


« من كشف ضرّه »، أي شكى إلى الناس بؤسه و فقره. و في معناه:

لا تشكونّ إلى أحد فإنّه إن كان عدوّا سرّه، و إن كان صديقا ساءه،

و ليست مسرّة العدوّ و لا مساءة الصديق بمحمودة.(١) الثالث في حفظ اللسان، و قد ورد فيه ما لا يحصى منها: سلامة الإنسان في حفظ اللسان ٢، و منها: ربّ كلمة سفكت دما، و أورثت ندما.(٣) قال الشاعر:

يموت الفتى من عثرة بلسانه

و ليس يموت المرء من عثرة الرجل

٤(٢) اعجبوا لهذا الإنسان ينظر بشحم، و يتكلّم بلحم، و يسمع بعظم،

و يتنفّس من [ في خ ل ] خرم.(٥) قال ابن أبي الحديد: هذا كلام محمول بعضه على ظاهره، لما تدعو إليه الضرورة من مخاطبة العامّة بما يفهمونه، و العدول عمّا لا تقبله

____________________

(١) نفس المصدر السابق ١٨ ٨٥.

(٢) بحار الأنوار ٧١ ٢٨٦ نقلا عن جامع الأخبار، ص ١٠٩.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٨٥.

(٤) نفس المصدر ١٨ ٨٦. زبان سرخ سر سبز مى‏دهد بر باد. منه (ره).

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٨.


عقولهم، و لا تفي به.(١) ٢ انتهى.

و الخرم بضمّ الخاء المعجمة الثقب ٣، و هنا ثقب الأنف.

نبّه عليه السّلام على لطف خلق الإنسان ببعض أسرار حكم اللّه فيه،

و غايته من ذلك الاستدلال على حكمة صانعه و مبدعه، و ذكر أربعة من محالّ النظر و الاعتبار، و هي آلة البصر و الكلام و السمع و التنفّس.

و راعى في القرائن الأربع السجع المتوازي.

٣ إذا أقبلت الدّنيا على أحد [ قوم خ ل ] أعارته [ أعارتهم ] محاسن غيره [ غيرهم ]، و إذا أدبرت عنه [ عنهم ] سلبته [ سلبتهم ] محاسن نفسه [ أنفسهم ].(٤) كان الرشيد أيّام كان حسن الرأي في جعفر بن يحيى، يحلف باللّه أنّ جعفرا أفصح من قسّ بن ساعدة، و أشجع من عامر بن الطفيل،

و أكتب من عبد الحميد بن يحيى، و أسوس من عمر بن الخطّاب،

و أحسن من مصعب بن الزبير مع أنّ جعفرا ليس بحسن الصورة،

و كان طويل الوجه جدّا، و أنصح له من الحجّاج لعبد الملك، و أسمح من عبد اللّه بن جعفر، و أعفّ من يوسف بن يعقوب، فلّما تغيّر رأيه فيه

____________________

(١) في المصدر: و لا تعيه قلوبهم.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٠٣.

(٣) المصباح المنير ١ ٢٠٤ خرم.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٩.


أنكر محاسنه الحقيقيّة الّتي لا يختلف إثنان أنّها فيه، نحو كياسته و سماحته. و لم يكن أحد يجسر أن يردّ على جعفر قولا و لا رأيا.(١) ٤ إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه.(٢) روي أنّ مصعب بن الزبير لمّا وليّ العراق عرض الناس ليدفع إليهم أرزاقهم، فنادى مناديه: أين عمرو بن جرموز و هو الّذي قتل أباه الزبير؟ فقيل له: أيّها الأمير، إنّه أبعد في الأرض، قال: أوظنّ الأحمق أنّي أقتله بأبي عبد اللّه قولوا له: فليظهر آمنا، و ليأخذ عطاه مسلّما.(٣) ٥ أعجز النّاس من عجز عن اكتساب الإخوان، و أعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم.(٤) روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بكى لمّا قتل جعفر بمؤتة، و قال: المرء كثير بأخيه.(٥) و كان أبو أيّوب السجستانيّ(٦) يقول: إذا بلغني موت أخ لي،

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٠٥.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ١١.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١١٠.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ١٢.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١١٢.

(٦) في المصدر: السختيانيّ.


فكأنّما سقط عضو منّي.(١) قال الشاعر:

أخاك أخاك [ إنّ ] من لا أخا له

كساع إلى الهيجا بغير سلاح

و إنّ ابن عمّ المرء فاعلم جناحه

و هل ينهض البازي بغير جناح

٢(٦) إذا وصلت إليكم أطراف النّعم فلا تنفّروا أقصاها بقلّة الشكر.(٣) استعار لفظ التنفير لشبهها بالطير المتّصل إذا سقط أوّله اتّصل به آخره إن لم ينفّر. و فيه إيماء إلى أنّ دوام الشكر مستلزم لدوامها و كثرتها كقوله تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ..(٤) ٥(٧) أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم فما يعثر منهم عاثر إلاّ و يد اللّه [ و يده بيد اللّه خ ل ] ترفعه [ يرفعه ].(٦) قيل في المروءة: اللذة ترك المروءة، و المروءة ترك اللذة.(٧) و قال معاوية لعمرو: ما ألذّ الأشياء؟ قال: مر فتيان قريش أن

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١١٢ ١١٣.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١١٢ ١١٣.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ١٣.

(٤) سورة إبراهيم (١٤) ٧.

(٥) شرح ابن ميثم ٥ ٢٤٦.

(٦) نهج البلاغة، الحكمة ٢٠.

(٧) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٢٨.


يقوموا، فلّما قاموا قال: اسقاط المروءة.(١) قال ابن أبي الحديد: لام معاوية يزيد على سماع الغناء و حبّ الفتيان، و قال له: أسقطت مروءتك، فقال يزيد: أتكلّم بلساني كلمة قال: نعم، و بلسان أبي سفيان بن حرب و هند بنت عتبة مع لسانك،

قال: و اللّه لقد حدّثني عمرو بن العاص و استشهد على ذلك ابنه عبد اللّه بصدقه أنّ أبا سفيان كان يخلع على المغنّي الفاضل و المضاعف من ثيابه، و لقد حدّثني أنّ جاريتي عبد اللّه بن جدعان غنّتاه يوما فأطربتاه، فجعل يخلع عليهما أثوابه ثوبا ثوبا حتّى تجرّد تجرّد العير،

و لقد كان هو و عفّان ابن أبي العاص ربّما حملا جارية العاص بن وائل على أعناقهما، فمرّا بها على الأبطح و جلّة قريش ينظرون إليهما، مرّة على ظهر أبيك، و مرّة على ظهر عفّان، فما الّذي تنكر منّي فقال معاوية: اسكت لحاك اللّه و اللّه ما أحد ألحق بأبيك هذا إلاّ ليغرّك و يفضحك، و إن كان أبو سفيان ما علمت(٢) لثقيل الحلم، يقظان الرأي، عازب الهوى، طويل الأناة، بعيد القعر، و ما سوّدته قريش إلاّ لفضله.(٣)

____________________

(١) نفس المصدر ١٨ ١٢٩.

(٢) معترضة. منه (ره).

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٣٠.


٨ امش بدائك ما مشى بك.(١) يقول: مهما وجدت سبيلا إلى الصبر على أمر من الأمور الّتي قد دفعت إليك و فيها مشقّة عليك، فاصبر و لا تتعاجز به، بل كن في صورة الأصحّاء.

و قيل: فيه إيماء إلى ما أمر به من كتمان المرض كما قال الرسول صلّى اللّه عليه و آله: من كنوز البرّ كتمان الصدقة و المرض و المصيبة.(٢) ٩ أفضل الزّهد إخفاء الزّهد.(٣) إنّما كان كذلك لأنّ الجهر بالعبادة و الزّهادة و الإعلان بذلك قلّ أن يسلم من مخالطة الرياء.

لطيفة: رأى المنصور رجلا واقفا ببابه، فقال: مثل هذا الدرهم بين عينيك و أنت واقف ببابنا فقال الربيع: نعم، لأنّه ضرب على غير السكّة.(٤) ١٠ إذا كنت في إدبار و الموت في إقبال، فما أسرع الملتقى(٥) هذا ظاهر، لأنّ إدباره هو توجّهه إلى الموت، و إقبال الموت هو

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢٧.

(٢) شرح ابن ميثم ٥ ٢٥١.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٢٨.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٣٩.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٢٩.


توجّه الموت نحوه، فقد حقّ إذن الالتقاء سريعا، و مثال ذلك سفينتان بدجلة أو غيرها، تصعد إحداهما، و الأخرى تنحدر نحوها، فلا ريب أنّ الالتقاء يكون و شيكا.

١١ أشرف الغنى ترك المنى.(١) المنى: جمع منيّة بمعنى التمنّي. و ظاهر أنّ ترك المنى يستلزم القناعة و استلزامها للغنى النفسانيّ و عدم الحاجة ظاهر.

١٢ احذروا صولة الكريم إذا جاع، و اللّئيم إذا شبع.(٢) يراد بالكريم شريف النفس، ذو الهمّة العليّة، و بجوعه ضميمه،

و امتهانه، و شدّة حاجته. و ذلك مستلزم لثوران غضبه و حميّته عند عدم التفات الناس إليه، و شبع اللئيم كناية عن غناه و عدم حاجته.

و ذلك يستلزم تمرّده و أذيّته لمن كان تحت يده، و من يحتاج إليه من الناس، فربما كان جوعه سببا لتغيّر أخلاقه و تجويدها، و نحن شاهدنا ذلك كثيرا.

١٣ أولى النّاس بالعفو أقدرهم بالعقوبة [ على العقوبة ].(٣) قالت الحكماء: ينبغي للإنسان إذا عاقب من يستحقّ العقوبة، أن

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمتين ٣٤ و ٢١١.

(٢) المصدر، الحكمة ٤٩.

(٣) نفس المصدر، الحكمة ٥٢.


لا يكون سبعا في انتقامه، و أن لا يعاقب حتّى يزول سلطان غضبه،

لئلاّ يقدم على ما لا يجوز، و لذلك جرت سنّة السلطان بحبس المجرم حتّى ينظر في جرمه، و يعيد النظر فيه.(١) و قالوا أيضا: لذّة العفو أطيب من لذّة التشفّي و الإنتقام، لأنّ لذّة العفو يشفعها حميد العاقبة، و لذّة الانتقام يتّبعها ألم الندم. و قالوا:

و العقوبة ألأم حالات ذي القدرة و أدناها، و هي طرف من الجزع.(٢) ١٤ إذا حيّيت بتحيّة فحيّ بأحسن منها، و إذا أسديت إليك يد فكافئها بما يربي عليها، و الفضل مع ذلك للبادئ.(٣) هذا الكلام أورده ابن أبي الحديد في الشرح و لم أجده في هذا المقام من النهج، و قال: اللفظة الأولى من القرآن(٤) العزيز، و الثانية تتضمّن معنى مشهورا.

و قوله: « و الفضل مع ذلك للبادئ »، يقال في الكرم و الحثّ على فعل الخير.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٨٣.

(٢) نفس المصدر السابق.

(٣) ليس هذا الكلام في أكثر نسخ النهج الخطّيّة، و لكن ذكره الشيخ محمد عبده و الدكتور صبحي الصالح من نسخة شرح ابن أبي الحديد تحت الرقم ٦٢ من الحكم.

(٤) و هو قوله تعالى في سورة النساء (٤) ٨٦: وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوْهَا.


ثمّ ذكر توسّل بعض الأشخاص برحم أو قرابة و إسداء معروف و نحو ذلك، فنالوا منهم بسببه مالا جزيلا.(١) ١٥ أهل الدّنيا كركب يسار بهم و هم نيام.(٢) قال ابن أبي الحديد في الشرح: هذا التشبيه واقع و هو صورة الحال لا محالة.

و قد أتيت بهذا المعنى في رسالة كتبتها إلى بعض الأصدقاء تعزية،

فقلت: و لو تأمّل الناس أحوالهم، و تبيّنوا مآلهم، لعلموا أنّ المقيم منهم بوطنه، و الساكن إلى سكنه، أخو سفر يسرى به و هو لا يسري،

و راكب بحر يجرى به و هو لا يدري.(٣) ١٦ إذا لم يكن ما تريد فلا تبل كيف [ ما ] كنت.(٤) كان أصل « لا تبل » لا تبال، فحذفت الألف تخفيفا لكثرة الاستعمال، و مراده عليه السّلام بهذا الكلام أي إذا فاتك مرادك من الأمر فلا تبل بفوات ما أمّلته، و لا تحمل لذلك همّا كيف كنت، و على أيّ حال كنت، من حبس أو مرض أو فقر أو فقد حبيب، و بالجملة، لا تبال بالدهر، و لا تكثرت بما يعكس عليك من غرضك، و يحرمك من

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٠١.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٦٤.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٩٣.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٦٩.


أملك، و ذلك لأنّ الأسف على فوات المراد يستلزم غمّا و ألما و هو مضرّة عاجلة لا يثمر فائدة فارتكابه سفه، و هذا مثل قوله عليه السّلام: « فلا تكثر على ما فاتك منها أسفا »(١) و مثل قوله تعالى: لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى ما فاتَكُمْ.(٢) ١٧ إذا تمّ العقل نقص الكلام.(٣) تمام العقل يستلزم كمال قوّته على ضبط القوى البدنيّة و تصريفها بمقتضى الآراء المحمودة الصالحة، و وزن ما يبرز إلى الوجود الخارجيّ عنها من الأقوال و الأفعال بميزان الاعتبار و في ذلك من الكلفة و الشرائط ما يستلزم نقصان الكلام بخلاف ما لا يوزن و لا يعتبر من الأقوال.

قالوا: إذا رأيتم الرجل يطيل الصمت و يهرب من الناس، فاقربوا منه فإنّه يلقّى الحكمة.(٤) ١٨ إنّ الأمور إذا اشتبهت اعتبر آخرها و بأوّلها.(٥) روي: « إذا استبهمت »، و المعنى واحد و هو حقّ، و ذلك أنّ

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢١٥.

(٢) سورة الحديد (٥٧) ٢٣.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٧١.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢١٧.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٧٦.


المقدّمات تدلّ على النتائج، و الأسباب تدلّ على المسبّبات، فإذا اشتبهت أمور على العاقل الفطن و لم يعلم إلى ماذا تؤول، فإنّه يستدلّ على عواقبها بأوائلها، و على خواتمها بفواتحها.(١) و إلى معنى كلامه عليه السّلام أشير في هذا المثل بالفارسيّة: سالى كه نكوست از بهارش پيداست.(٢) ١٩ أوصيكم بخمس لو ضربتم إليها آباط الإبل لكانت لذلك أهلا:

لا يرجونّ أحد منكم إلاّ ربّه، و لا يخافنّ إلاّ ذنبه، و لا يستحينّ أحد منكم إذا سئل عمّا لا يعلم أن يقول: لا أعلم، و لا يستحينّ أحد [ منكم ] إذا لم يعلم الشّي‏ء أن يتعلّمه، و عليكم بالصّبر، فإنّ الصّبر من الإيمان كالرّأس من الجسد، و لا خير في جسد لا رأس معه، و لا خير في إيمان لا صبر معه.(٣) كنّى عليه السّلام بضرب آباط الإبل عن الرحلة في طلبها، و ذلك لأنّ الراكب يضرب إبطي راحلته برجليه ليحثّها على السير.

فأحد الخمس: الرجاء للّه دون غيره، و من لوازم ذلك إخلاص العمل له، و دوام طاعته.

و الثانية: أن يخاف ذنبه دون غيره، و ذلك لأنّ أعظم ما يخافه

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٩١.

(٢) نظيره في العربيّة قولهم: من الأوّل حسن الآخر. و يكفيك ممّا لا ترى ما قد ترى. (أمثال و حكم دهخدا ج ٢، ص ٩٤٠).

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٨٢.


الإنسان هو عقاب اللّه، و لمّا كان إنّما يلحق العبد بواسطة ذنبه فبالأولى أن يجعل الخوف من الذنب دون غيره.

الثالثة: عدم استحياء من لا يعلم الشي‏ء من قول « لا أعلم »، فإنّ الاستحياء من ذلك القول يستلزم القول [ العمل ] بغير علم و هو ضلال و جهل يستلزم إضلال الغير و تجهيله و فيه هلاك الآخرة. قال صلّى اللّه عليه و آله:

من أفتى بغير علم لعنته ملائكة السماء و الأرض.(١) الرابعة: عدم استحياء من لا يعلم الشي‏ء من تعلّمه، و إلاّ لبقي على جهله و نقصانه.

قالوا: من استحيا من المسألة لم يستحي الجهل منه.

و كان يقال: يحسن بالإنسان التعلّم مادام يقبح منه الجهل، و كما يقبح منه الجهل ما دام حيّا كذلك يحسن به التعلّم ما دام حيّا.(٢) الخامسة: فضيلة الصبر و الأمر باقتنائها، لأنّ كلّ الفضائل لا تخلو منه، و أقلّ ذلك الصبر على اكتسابها ثمّ على البقاء عليها، و لذلك شبّهه من الإيمان بالرأس من الجسد، و ذلك لأنّ الصبر لمّا كان موجودا في كلّ الفضائل الّتي مجموعها هو الإيمان فلا يقوم إلاّ به أشبه الرأس من الجسد في عدم قيامه بدونه، ثمّ أكّد التشبيه و المناسبة بينهما بقوله: لا

____________________

(١) شرح ابن ميثم ٥ ٢٨٢.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٣٢.


خير في جسد... إلى آخره.

٢٠ أوضح العلم ما وقف على اللّسان، و أرفعه ما ظهر في الجوارح و الأركان.(١) هذا حقّ، لأنّ العالم إذا لم يظهر من علمه إلاّ لقلقة لسانه من غير أن يظهر منه العمل، كان عالما ناقصا، و أمّا إذا شاهده الناس عاملا بعلمه، فإنّ النفع يكون به عامّا تامّا، و ذلك لأنّ الناس يقولون: لو لم يكن يعتقد حقيقة ما يقوله، لما أدأب نفسه.

و أمّا الأوّل فيقولون فيه: كلّ ما يقوله نفاق و باطل، لأنّه لو كان يعمل حقيقة ما يقول لأخذ به، و لظهر ذلك في حركاته، فيقتدون بفعله لا بقوله.

٢١ إنّ هذه القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكم [ الحكمة خ ل ].(٢) النفوس قد يقع لها انصراف عن العلم الواحد و ملال للنظر فيه بسبب مشابهة بعض أجزائه لبعض، فإذا اطلعت النفس على بعضه قاست(٣) ما لم تعلم منه على ما علمت و لم يكن الباقي عندها من

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٩٢.

(٢) المصدر، الحكمة ٩١.

(٣) من القياس. منه (ره).


الغريب لتلتذّ به و تدوم النظر فيه، أو المراد أنّ القلوب تملّ من الأنظار العقليّة، في البراهين الكلاميّة على التوحيد و العدل، فعند ذلك فابتغوا لها طرائف الحكمة، أي الأمثال الحكميّة الراجعة إلى الحكمة العملية،

مثل مدح الصبر، و الشجاعة، و الزهد، و العفّة، و ذمّ الغضب، و الشهوة،

و الهوى، و ما يرجع إلى سياسة الإنسان نفسه، و ولده، و منزله،

و صديقه، و نحو ذلك.

٢٢ إنّ أولى النّاس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به، ثمّ تلا عليه السّلام: إنّ أوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهيِمَ لَلَّذِيِنَ اَتَّبَعُوهُ وَ هَذَا النَّبِيُّ...(١) الاية، ثمّ قال: إنّ وليّ محمّد من أطاع اللّه و إن بعدت لحمته، و إنّ عدوّ محمّد من عصى اللّه و إن قربت قرابته.(٢) قال ابن أبي الحديد: هكذا الرواية، و الصحيح « أعملهم » لأنّ استدلاله بالآية يقتضي ذلك، و كذا قوله فيما بعد: « انّ وليّ محمّد من أطاع اللّه... » إلى آخر الفصل، فلم يذكر العلم، و إنّما ذكر العمل.

اللحمة بالضمّ: النسب و القرابة، و هذا مثل الحديث المرفوع:

« ائتوني بأعمالكم، و لا تأتوني بأنسابكم، إنّ أكرمكم عند اللّه

____________________

(١) سورة آل عمران (٣) ٦٨.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٩٦.


أتقاكم »(١) انتهى.

و قال ابن ميثم: و لمّا كان الغرض من الأنبياء جذب الخلق إلى اللّه بطاعته، فكلّ من كان أبلغ في الطاعة كان أشدّ موافقة لهم، و أقرب إلى قلوبهم، و أقوى نسبة إليهم، و لمّا لم يكن طاعتهم إلاّ بالعلم بما جاؤوا به، كان أعلم الناس بذلك أقربهم إليهم، و أولاهم به، و برهان ذلك الآية المذكورة(٢) انتهى.

٢٣ اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية، لا عقل دراية ٣، فإنّ رواة العلم كثير، و رعاته قليل.(٤) نهاهم عليه السّلام أن يقتصروا إذا سمعوا منه أو من غيره أطرافا من العلم و الحكمة، على أن يرووا ذلك رواية، كما يقرأ أكثر الناس القرآن دراسة و لا يدري من معانيه إلاّ اليسير.

و أمرهم أن يعقلوا ما يسمعونه عقل رعاية أي معرفة و فهم.

ثمّ قال لهم: « إنّ رواة العلم كثير، و رعاته قليل »، أي من يراعيه و يتدبّره.

٢٤ إنّ الدّنيا و الآخرة عدوّان متفاوتان، و سبيلان مختلفان، فمن

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٥٢.

(٢) شرح ابن ميثم ٥ ٢٨٩.

(٣) في النهج: رواية.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٩٨.


أحبّ الدّنيا و تولاّها أبغض الآخرة و عاداها، و هما بمنزلة المشرق و المغرب، و ماش بينهما، كلّما قرب من واحد بعد من الآخر، و هما(١) ضرّتان.(٢) هذا الكلام لا يحتاج إلى بيان، لأنّ عمل كلّ واحدة من الدّارين مضادّ لعمل الأخرى.

٢٥ إنّ اللّه تعالى فرض(٣) عليكم فرائض فلا تضيّعوها، و حدّ لكم حدودا فلا تعتدوها، و نهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها، و سكت لكم عن أشياء و لم يدعها نسيانا فلا تتكلّفوها.(٤) فرائض اللّه: واجبات دينه. و حدوده: نهايات ما أباحه من نعمة و رخّص فيه.(٥) و انتهاك الحرمة تناولها بما لا يحلّ ٦، إمّا بارتكاب ما نهي عنه أو بالإخلال بما أمر به.

و قوله عليه السّلام: « فلا تتكلّفوها » أي بالسؤال، و البحث عنه، و نحو

____________________

(١) في النهج: و هما بعد.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ١٠٣.

(٣) في النهج: افترض.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ١٠٥.

(٥) شرح ابن ميثم ٥ ٢٩٤.

(٦) مجمع البحرين ٥ ٢٩٦ نهك


ذلك. قال تعالى: يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ.(١) و جاء في الأثر: أبهموا ما أبهم اللّه.(٢) و حكي عن بعض الصالحين أنّه قال لبعض الفقهاء: لم تفرض مسائل لم تقع و أتعبت فيها فكرك حسبك بالمتداول بين الناس.(٣) و قال شريك في أبي حنيفة: أجهل الناس بما كان، و أعلمهم بما لم يكن.(٤) ٢٦ إذا استولى الصّلاح على الزّمان و أهله، ثمّ أساء رجل الظّنّ برجل لم تظهر منه حوبة [ خزية ] فقد ظلم، و إذا استولى الفساد على الزّمان و أهله، فأحسن رجل الظّنّ برجل، فقد غرّر.(٥) يريد أنّه يتعيّن على العاقل سوء الظنّ حيث الزمان فاسد، و لا ينبغي له سوء الظنّ حيث الزمان صالح. و قد جاء في الخبر النهي عن أن يظنّ المسلم بالمسلم ظنّ السوء ٦، و ذلك محمول على المسلم الذي

____________________

(١) سورة المائدة (٥) ١٠١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٦٧.

(٣) المصدر نفسه.

(٤) نفس المصدر السابق.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ١١٤.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٧٨.


لم تظهر منه حوبة، كما أشار إليه عليه السّلام.

و الحوبة: المعصية، و في بعض النسخ: الخزية، و هي الفضيحة،

و الخبر هو ما رواه جابر، قال: نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى الكعبة، فقال:

مرحبا بك من بيت ما أعظمك و أعظم حرمتك و اللّه إنّ المؤمن أعظم حرمة منك عند اللّه عزّ و جلّ، لأنّ اللّه حرّم منك واحدة، و من المؤمن ثلاثة: دمه و ماله و أن يظنّ به ظنّ السوء.(١) قيل لصوفيّ: ما صناعتك؟ قال: حسن الظنّ باللّه، و سوء الظنّ بالناس.(٢) و كان يقال: ما أحسن حسن الظنّ إلاّ أنّ فيه العجز، و ما أقبح سوء الظنّ إلاّ أنّ فيه الحزم.(٣) قال الطغرائي:

« و حسن ظنّك بالأيّام معجزة »

٤ ٢٧ إضاعة الفرصة غصّة.(٥)

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٧٨.

(٢) المصدر ١٨ ٢٧٩.

(٣) نفس المصدر السابق.

(٤) من قصيدته اللاميّة المعروفة بلاميّة العجم. انظر معجم الأدباء، لياقوت ج ١٠ ٦٧.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ١١٨.


أي إنّ تضييع الأمر وقت إمكانه من نفسه يستلزم الغصّة،

و الأسف، و الحزن على تفويته.

و في المثل: انتهزوا الفرص، فإنّها تمرّ مرّ السحاب.(١) ٢٨ إنّ للّه ملكا ينادي في كلّ يوم: لدوا للموت، و ابنوا للخراب،

و اجمعوا للفناء.(٢) اللامات الثلاثة تسمّى لام العاقبة، مثل قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَ حَزَناً.(٣) فإنّهم ما التقطوه لهذه العلّة، بل للتبنّي، لكن كان عاقبة التقاطهم إيّاه العداوة و الحزن، و كذلك قوله تعالى: وَ لَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّم كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ.(٤) و بالجملة، خلاصة كلامه عليه السّلام التنبيه على أنّ الدنيا دار فناء و عطب، لا دار بقاء و سلامة، و أنّ الولد يموت، و الدور تخرّب، و ما يجمع من الأموال يفنى.

و قد نظم الشاعر بقوله:

له ملك ينادي كلّ يوم

لدوا للموت و ابنوا للخراب

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٨٣.

(٢) في نهج البلاغة، الحكمة ١٣٢ تقديم و تأخير بين الفقرتين الأخيرتين.

(٣) سورة القصص (٢٨) ٨.

(٤) سورة الأعراف (٧) ١٧٩.


٢٩ استنزلوا الرّزق بالصّدقة.(١) لا ريب أنّ التصدّق على الغير يستلزم تأليف قلبه و اجتماع همّه على دعاء اللّه لصلاح حال المتصدّق و هو سبب لاستنزال الرزق مع أنّ لكلّ نفس رزق مقدّر فإذا صرت سبب الوصول تستنزل رزقه عليك و لهذا ورد: « من وسّع وسّع عليه، و كلّما كثر العيال كثر الرزق ».(٢) و بهذا المعنى أشار عليه السّلام بقوله بعد هذا الكلام: « تنزل المعونة على قدر المؤونة ».(٣) ٣٠ اعتصموا [ استعصموا خ ل ] بالذّمم في أوتادها.(٤) الذمم: العهود و العقود و الأيمان، و في أوتادها، أي في مركزها و مظانّها، أي لا تستندوا إلى ذمام الكافرين و المارقين، فإنّهم ليسوا أهلا للاستعصام بذممهم، كما قال تعالى: لاَ يَرْقُبُون فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَ لاَ ذِمَّةً.(٥) و قال: إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ.(٦)

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١٣٧.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٣٧.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ١٣٩.

(٤) المصدر، الحكمة ١٣٩.

(٥) سورة التوبة (٩) ١٠.

(٦) سورة التوبة (٩) ١٢.


و هذه كلمة قالها بعد انقضاء أمر الجمل و حضور قوم من الطّلقاء بين يديه ليبايعوه، منهم مروان بن الحكم.(١) ٣١ الإعجاب إنّما يمنع من الازدياد.(٢) إعجاب المرء بفضيلته الداخلة كعلمه، أو الخارجة كغناه إنّما يكون عن تصوّر كماله فيها و اعتقاده أنّه قد بلغ منها الغاية القصوى،

و هذا الاعتقاد يمنعه عن طلب الزيادة منها، و إنّما يطلب الزيادة من يستشعر التقصير لا من يتخيّل الكمال.

و ورد في ذمّ العجب روايات كثيرة منها قوله عليه السّلام: « ثلاث مهلكات: شحّ مطاع، و هوى متّبع، و إعجاب المرء بنفسه ».(٣) ٣٢ الأمر قريب، و الاصطحاب قليل.(٤) هذه الكلمة تذكّر بالموت و سرعة زوال الدّنيا، و المراد بالأمر أمر اللّه و هو الموت.

٣٣ إذا هبت أمرا فقع فيه، فإنّ شدّة توقّيه أعظم ممّا تخاف منه.(٥) إنّ للنفوس فيما يتوقّع مكروهه انفعالا كثيرا و فكرا عظيما في كيفيّة

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٧٢.

(٢) في نهج البلاغة، الحكمة ١٦٧: الإعجاب يمنع الازدياد.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٩٢.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ١٦٨.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ١٧٥.


دفعه، و الخلاص منه، و ذلك أصعب بكثير من الوقوع فيه لطول زمان الخوف هناك و تأكّده بتوقّع الأمر المخوف.

٣٤ آلة الرّياسة سعة الصّدر.(١) الرئيس محتاج إلى أمور، منها الجود، و منها الشجاعة، و منها و هو الأهمّ سعة الصدر، و هي فضيلة تحت الشجاعة، و هي أن لا يدع الإنسان قوّة التجلّد عند ورود الأحداث المهمّة، و الخطوب العظيمة عليه، و لا يحار أو يدهش فيها بل يتحمّلها.

٣٥ أزجر المسي‏ء بثواب المحسن.(٢) قال أبو العتاهية:

إذا جازيت بالإحسان قوما

زجرت المذنبين عن الذنوب

فمالك و التناول من بعيد

و يمكنك التناول من قريب

٣ ٣٦ احصد الشّرّ من صدر غيرك بقلعه من صدرك.(٤) هذا يفسّر على وجهين:

أحدهما: أن يريد: لا تضمر لأخيك سوءا حتّى لا يضمر هو لك سوءا، لأنّ القلوب يشعر بعضها ببعض، فإذا صفوت لواحد صفا لك.

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١٧٦.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ١٧٧.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٤١٠.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ١٧٨.


الثاني: أن يريد: لا تعظ الناس، و لا تنههم عن منكر إلاّ و أنت مقلع عنه.

٣٧ إنّما المرء في الدّنيا غرض تنتضل فيه المنايا، و نهب تبادره المصائب، و مع كلّ جرعة شرق، و في كلّ أكلة غصص. و لا ينال العبد نعمة إلاّ بفراق أخرى، و لا يستقبل يوما من عمره إلاّ بفراق آخر من أجله، فنحن أعوان المنون، و أنفسنا نصب الحتوف، فمن أين نرجو البقاء و هذا اللّيل و النّهار لم يرفعا من شي‏ء شرفا، إلاّ أسرعا الكرّة في هدم ما بنيا، و تفريق ما جمعا.(١) هذا فصل لطيف من الموعظة مشتمل على ثمان كلمات.

الغرض: الهدف، تنتضل أي ترتمي، و النهب بمعنى المنهوب.

و قوله: « مع كلّ جرعة... » إلى آخره كناية عن تنغيص لذّات الدّنيا بما يشوبها و يخالطها من الأعراض و الأمراض.

و أمّا قوله: « و لا ينال العبد نعمة إلاّ بفراق أخرى » لأنّ النعمة الحقّة هي اللذّة، و ظاهر أنّ النفس في الدّنيا لا يمكن أن يحصل على لذّتين دفعة، مثلا الذي حصلت له لذّة الجماع حال ماهي حاصلة له،

لا بدّ أن يكون مفارقا لذّة الأكل و الشرب، و كذلك العكس و هكذا.

و المنون: الموت، و أمّا كوننا أعوانه باعتبار أنّ كلّ نفس و حركة

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١٩١.


من الإنسان فهي مقرّبة له إلى أجله، فكأنّه ساع نحو أجله و مساعد عليه، و هذا كقوله عليه السّلام: « نفس المرء خطاه إلى أجله ».(١) و النصب بمعنى منصوبة.

و قوله: « فمن أين نرجو » إلى آخره استفهام عن جهة رجاء البقاء استفهام إنكار لوجودها مع وجود الزمان الذي من شأنه أنّه لم يرفع بشي‏ء شرفا، و يجمع الأمر شملا إلاّ أسرع العود في هدم ما رفع،

و تفريق ما جمع.

٣٨ إنّ للقلوب شهوة و إقبالا و إدبارا، فأتوها من قبل شهوتها و إقبالها، فإنّ القلب إذا أكره عمي.(٢) أمر عليه السّلام بإعمال النفوس فيما ينبغي إعمالها فيه من فكر و نظر، حين ميلها إليه، و إقبالها عليه. و نفّر عن حملها عليه مع النفرة عنه و الكراهيّة له، لأنّ إكراه النفس على الفكر في الشي‏ء حين نفرتها عنه ملال أو ضعف، قوة يزيدها كراهيّة، و يمنعها ذلك عن إدراك ما تفكّر فيه، فلا يدركه و إن كان واضحا حتّى يكون كالأعمى.

٣٩ إنّ مع كلّ إنسان ملكين يحفظانه، فإذا جاء القدر خلّيا بينه

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٧٤.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ١٩٣.


و بينه، و إنّ الأجل جنّة حصينة.(١) أي إذا جاء القدر بموته على وفق القضاء الإلهيّ خلّيا بينه و بين القدر، و هو كقوله تعالى: و يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أحَدَكُمُ المُوتُ(٢) الآية.

٤٠ أيّها النّاس، اتّقوا اللّه الّذي إن قلتم سمع، و إن أضمرتم علم،

و بادروا الموت الّذي إن هربتم منه أدرككم، و إن اقمتم أخذكم، و إن نسيتموه ذكركم.(٣) رغّب في تقوى اللّه، و الخشية منه، و مبادرة الموت، و مسابقته بالأعمال الصالحة.

٤١ أوّل عوض الحليم من حمله أنّ النّاس أنصاره على الجاهل.(٤) فيه ترغيب على فضيلة الحليم بما يلزمه من نصرة الناس لصاحبها على الجاهل عند سفهه عليه.

٤٢ إن لم تكن حليما فتحلّم، فإنّه قلّ من تشبّه بقوم إلاّ أو شك أن يكون منهم.(٥)

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢٠١.

(٢) سورة الأنعام (٦) ٦١.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٢٠٣.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٢٠٦.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٢٠٧.


التحلّم: تكلّف الحلم، و الذي قاله عليه السّلام قد جرّب و شوهد مرارا،

و ذلك لأنّ من تشبّه بقوم و تكلّف التخلّق بأخلاقهم، و التأدّب بآدابهم، و استمرّ على ذلك، و مرن عليه الزمان الطويل، اكتسب رياضة قويّة، و ملكة تامّة، و صار ذلك التكلّف كالطبع له، و انتقل عن الخلق الأوّل، و ذلك مشاهد في حال الأعرابيّ الجلف(١) الجافي إذا دخل المدن و القرى و خالط أهلها فإنّه يصير بعد زمان طويل شبيها بساكني المدن، يلطف طبعه، بل هذا مشاهد في الحيوانات كالبازي و الصقر و الفهد الّتي تراض حتّى تذلّ، و تأنس و تترك طبعها القديم،

بل قد شوهد ذلك في الأسد، و هو أبعد الحيوانات من الإنس، حتّى نقل أنّ عضد الدولة بن بويه كانت له أسود يصطاد بها كالفهود فتمسكه عليه حتّى يدركه فيذكيّه، و هذا من العجائب الطريفة.(٢) ٤٣ اتّقوا اللّه تقيّة من شمّر تجريدا، و جدّ [ جرّد خ ل ] تشميرا،

و أكمش(٣) في مهل، و بادر عن وجل، و نظر في كرّة الموئل، و عاقبة المصدر، و مغبّة المرجع.(٤)

____________________

(١) قال في الصحاح ٤ ١٣٣٩ مادّة جلف: قولهم: أعرابيّ جلف، أي جاف،

و أصله من أجلاف الشاة، و هي المسلوخة بلا رأس و لا قوائم و لا بطن.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٧.

(٣) في النهج: كمّش.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٢١٠.


أكمش، أي جدّ و أسرع، و المهل: الإمهال. أي: اتّقوا اللّه كتقيّة من شمّر عن ساق الجدّ في طاعة اللّه، و جرّد نفسه لمرضاته تشميرا، و سارع بالأعمال الصالحة مادام في مهلة الحياة، و بادر مغفرته في وجل من ثمرات سيّئاته.

و الكرّة: الرجعة، و الموئل: المرجع، و المغبّة: العاقبة.

٤٤ أغض على القذى و الألم ترض أبدا.(١) الإغضاء على القذى كناية عن كظم الغيظ، و احتمال المكروه. و لمّا كانت طبيعة الدّنيا معجونة بالمكاره لم يخل الإنسان في أكثر أحواله من ورودها عليه، فما لم يقابلها بالاحتمال بل بالتسخّط و الغضب بها لم يزل ساخطا تاعبا بغضبه لدوام ورود المكاره عليه.

٤٥ أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع [ الأطماع خ ل ].(٢) اعلم أنّ من شأن النفس مخادعته العقل، و غروره بزينة الحياة الدّنيا، و قيناتها(٣) و إطماعه بها، فالعقول الضعيفة غير المؤيّدة من اللّه أكثر ما تتخدّع و تتضرّع في جريها للنفوس الأمّارة إذا لاح لها مطمع و هميّ من الدنيا.

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢١٣.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٢١٩.

(٣) القينات: الإماء المغنيّات (لسان العرب ١١ ٣٧٧ مادّة قين).


٤٦ إنّ قوما عبدوا اللّه رغبة فتلك عبادة التجّار، و إنّ قوما عبدوا اللّه رهبة فتلك عبادة العبيد، و إنّ قوما عبدوا اللّه شكرا فتلك عبادة الأحرار.(١) إنّ العبادة لرجاء الثواب تجارة و معاوضة، و إنّ العبادة لخوف العقاب لمنزلة من يستجدي لسلطان قاهر يخاف سطوته، و تلك ليس عبادة نافعة، و هي كمن يعتذر إلى إنسان خوف أذاه و نقمته، و أمّا العبادة للّه شكرا لأنعمه فهي عبادة نافعة، و لكنّ هذا مقام جليل تتقاصر عنه قوى أكثر البشر.(٢) ٤٧ اتّق اللّه بعض التّقى و إن قلّ، و اجعل بينك و بين اللّه سترا و إن رقّ.(٣) يقال في المثل: ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه.(٤) فالواجب على من عسرت عليه التقوى بأجمعها أن يتّقي اللّه في البعض، و أن يجعل بينه و بينه سترا و إن كان رقيقا.

و في أمثال العامّة: اجعل بينك و بين اللّه روزنة، و الروزنة لفظة

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢٣٧.

(٢) و أشار عليه السلام إليها في موضع آخر، فقال: ما عبدتك خوفا من عقابك، و لا طمعا في ثوابك، بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك. (شرح ابن ميثم ٥ ٣٦١)

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٢٤٢.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٧٥.


صحيحة معرّبة، أي لا تجعل ما بينك و بينه مسدودا مظلما بالكليّة.(١) و بالفارسيّة يقولون: « هميشه جاى صلح باقى گذار ».

٤٨ إذا ازدحم الجواب، خفي الصّواب.(٢) أي إذا كثر الجواب في مسألة واحدة خفي الصواب فيها لالتباس الحقّ من تلك الأجوبة.

٤٩ إنّ للّه في كلّ نعمة حقّا، فمن أدّاه زاده منها، و من قصّر فيه خاطر بزوال نعمته.(٣) حقّ اللّه في النعمة شكرها الواجب، و أمّا استلزام أدائه للمزيد منها و كون التقصير مظنّة زوالها فلقوله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ(٤) الآية.

٥٠ إذا كثرت القدرة [ المقدرة خ ل ] قلّت الشّهوة.(٥) هذا واضح، و له علّة أوردها ابن أبي الحديد في الشرح، ليس هنا مجال نقلها.(٦)

____________________

(١) نفس المصدر السابق.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٢٤٣.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٢٤٤.

(٤) سورة إبراهيم (١٤) ٧.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٢٤٥.

(٦) انظر: شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٧٨ ٧٩.


٥١ احذروا نفار النّعم، فما كلّ شارد بمردود.(١) هذا أمر بالشكر على النعمة و ترك المعاصي، فإنّ المعاصي تزيل النّعم كما قيل:

إذا كنت في نعمة فارعها

فإنّ المعاصي تزيل النّعم

٢ و من كلامهم: الشكر جنّة من الزوال، و أمنة من الانتقال.(٣) و أيضا: إذا كانت النعمة و سيمة فاجعل الشكر لها تميمة..(٤) ٥ ٥٢ أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه.(٦) إنّما كان كذلك، لأنّ فائدة الأعمال الصالحة تطويع النفس الأمّارة للنفس المطمئنة و رياضتها بحيث تصير مؤتمرة للعقل، و إكراه النفس على الأمر يكون لشدّته، فكلّما كان أشدّ كان أقوى في رياضتها، و أنفع في تطويعها و كسرها، و بحسب ذلك يكون أكثر منفعة فكان أفضل.

و لهذا قال صلّى اللّه عليه و آله: « أفضل الأعمال [ العبادة خ ل ] أحمزها »، أي أشقّها.(٧)

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢٤٦.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٨٠.

(٣) نفس المصدر السابق.

(٤) التميمة: عوذة تعلّق على الانسان. (لسان العرب ٢ ٥٤ مادّة تمم)

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٨٠.

(٦) نهج البلاغة، الحكمة ٢٤٩.

(٧) شرح ابن ميثم ٥ ٣٦٤.


٥٣ إذا أملقتم فتاجروا اللّه بالصّدقة.(١) الإملاق: الفقر. قال تعالى: وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتيهُ اللَّهُ.(٢) قال بعض الشعراء في حقّ أمير المؤمنين عليه السلام يذكر فيه تصدّقه عليه السلام بقرص الخبز، و إعادة الشمس عليه عليه السلام و لقد أجاد فيما أفاد:

جاد بالقرص و الطّوى مل‏ء جنبيه

، و عاف الطعام و هو سغوب

٣

فأعاد القرص المنير عليه القرص

و المقرض الكرام كسوب

٤ ٥٤ أحسنوا في عقب غيركم تحفظوا في عقبكم.(٥) أكثر ما في هذه الدّنيا يقع على سبيل القرض و المكافأة، فقد رأينا عيانا من ظلم الناس فظلم عقبه و ولده، و رأينا من قتل الناس فقتل عقبه و ولده، و رأينا من أخرب دورا فأخربت داره، و رأينا من

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢٥٨.

(٢) سورة الطلاق (٦٥) ٧.

(٣) السغوب: الجائع.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ١٠١.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٢٦٤.


أحسن إلى أعقاب أهل النعم فأحسن اللّه إلى عقبه و ولده.

٥٥ إنّ كلام الحكماء إذا كان صوابا كان دواء، و إذا كان خطأ كان داء.(١) و ذلك لقوّة اعتقاد الخلق فيهم، و شدّة قبولهم لما يقولون، فإن كان حقّا كان دواء من الجهل، و إن كان باطلا أوجب للخلق داء الجهل.

و لذلك قيل: زلّة العالم زلّة العالم.(٢) ٥٦ أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، و أبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما.(٣) الهون بالفتح: التأنّي و السكينة و الوقار، و هو صفة مصدر محذوف، أي حبّا هيّنا معتدلا. و البغيض: المبغض. و فائدة هذا الكلام الأمر بالاعتدال في المحبّة و البغض، و عدم الإفراط فيهما، فربّما انقلب من تودّ فصار عدوّا، و ربّما انقلب من تعاديه فصار صديقا.

٥٧ إنّ الطّمع مورد غير مصدر، و ضامن غير و في. و ربّما شرق شارب الماء قبل ريّه، و كلّما عظم قدر الشّي‏ء المتنافس فيه عظمت الرّزيّة لفقده. و الأمانيّ تعمي أعين البصائر، و الحظّ يأتي من لا يأتيه.(٤)

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢٦٥.

(٢) شرح ابن ميثم ٥ ٣٧٨.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٢٦٨.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٢٧٥.


قوله عليه السلام: « و ربّما شرق... » إلى آخره كلام فصيح، و هو مثل لمن يخترم بغتة(١) أو تطرقه الحوادث و الخطوب و هو في تلهية من عيشه.(٢) و مثل الكلمة الأخرى قولهم: على قدر العطيّة تكون الرزيّة.(٣) « و الحظّ يأتي من لا يأتيه »، أي الحظّ لمن كان له حظ يصل اليه و إن لم يسع في طلبه.

و بالجملة، نفّر عليه السلام في هذا الفصل عن الطمع في الدنيا، و الحرص في طلبها و تمنّيها و اقتنائها.

و قد ضرب الحكماء مثالا لفرط الطمع، أحببت إيراده، قالوا:

إنّ رجلا صاد قبّرة فقالت: ما تريد أن تصنع بي؟ قال: أذبحك و آكلك، قالت: و اللّه ما أشفي من قرم، و لا أسمن، و لا أغنى من جوع،

و لكنّي أعلّمك ثلاث خصال هي خير لك من أكلي، أمّا واحدة فأعلّمك إيّاه و أنا في يدك، و أمّا الثانية فإذا صرت على الشجرة، و أمّا الثالثة فإذا صرت على الجبل. فقال: هاتي الأولى، قالت: لا تلهّفنّ على ما فات، فخلاّها، فلمّا صارت على الشجرة قال: هاتي الثانية،

قالت: لا تصدّقنّ بما لا يكون أنّه يكون، ثمّ طارت، فصارت على

____________________

(١) أي: يأتيه الموت بغتة.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ١٦٦.

(٣) نفس المصدر السابق.


الجبل، فقالت: يا شقيّ لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درّتين، وزن كلّ واحدة ثلاثون مثقالا، فعضّ على يديه، و تلهّف تلهّفا شديدا،

و قال: هاتي الثالثة، فقالت: أنت قد أنسيت الإثنتين، فما تصنع بالثالثة،

ألم أقل لك: لا تلهّفنّ على ما فات و قد تلهّفت، و ألم أقل لك: لا تصدّقن بما لا يكون أنّه يكون. و أنا و لحمي و دمي و ريشي لا يكون عشرين مثقالا، فكيف صدّقت أنّ في حوصلتي درّتين كلّ واحدة منهما ثلاثون مثقالا ثمّ طارت و ذهبت.(١) ٥٨ اللّهمّ إنّي أعوذ بك من أن تحسّن في لامعة العيون علانيتي،

و تقبّح فيما أبطن لك سريرتي، محافظا على رئاء النّاس من نفسي بجميع ما أنت مطّلع عليه منّي، فأبدي للنّاس حسن ظاهري، و أفضي إليك بسوء عملي، تقرّبا إلى عبادك، و تباعدا من مرضاتك.(٢) لامعة العيون إضافة للصفة إلى الموصوف، أي العيون اللامعة.

٥٩ إذا أضرّت النّوافل بالفرائض فارفضوها.(٣) و هذا يقرب من قوله عليه السلام: « لا قربة بالنوافل إذا أضرّت بالفرائض ».(٤)

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ١٦٥ ١٦٦.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٢٧٦.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٢٧٩.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٣٩.


٦٠ إذا أرذل اللّه عبدا حظر عليه العلم.(١) أرذله، أي جعله رذلا.

قيل: من علامة بغض اللّه تعالى للعبد أن يبغّض إليه العلم.(٢) قال الشاعر:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي

فأرشدني إلى ترك المعاصي

و علّله بأنّ العلم فضل

و فضل اللّه لا يؤتيه عاصي

٣ ٦١ أصدقاؤك ثلاثة، و أعداؤك ثلاثة، فأصدقاؤك: صديقك،

و صديق صديقك، و عدوّ عدوّك. و أعداؤك: عدوّك، و عدوّ صديقك،

و صديق عدوّك.(٤) و الأصل في هذا أنّ صديقك جار مجرى نفسك، فاحكم عليه بما تحكم به على نفسك، و عدوّك ضدّك، فاحكم عليه بما تحكم به على الضدّ.

٦٢ إنّ المسكين رسول اللّه، فمن منعه فقد منع اللّه، و من أعطاه فقد أعطى اللّه.(٥)

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢٨٨.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ١٨٢.

(٣) في شرح ابن أبي الحديد ١٩ ١٨٢: و قال لأنّ حفظ العلم فضل.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٢٩٥.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٣٠٤.


هذا حضّ على الصدقة.(١) و ورد: « اتّقوا النار و لو بشقّ تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيّبة ».

و ورد: « لو صدق السائل لما أفلح من ردّه ».(٢) ٦٣ اتّقوا ظنون المؤمنين، فإنّ اللّه(٣) جعل الحقّ على السنتهم.(٤) كان يقال: ظنّ المؤمن كهانة.(٥) و ذلك لأنّه لا يتخطّأ لصفاء نفسه،

و كمال استعدادها للفكر الصحيح كما قال صلّى اللّه عليه و آله: « اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه ».(٦) ٦٤ إنّ للقلوب إقبالا و إدبارا، فإذا أقبلت فاحملوها على النّوافل، و إذا أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض.(٧) لا ريب أنّ القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، و تقبل تارة على العلم و تارة على العمل، و تدبر تارة عنهما.

قال عليه السلام: فإذا رأيتموها مقبلة أي قد نشطت و ارتاحت للعمل فاحملوها على النوافل، أي أدّوا الفريضة و تنفّلوا بعدها. و إذا

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢١٠.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢١٠.

(٣) في النهج: فإنّ اللّه تعالى.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٣٠٩.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢١٥.

(٦) شرح ابن ميثم ٥ ٣٩٨.

(٧) نهج البلاغة، الحكمة ٣١٢.


رأيتموها قد ملّت و سئمت فاكتفوا على الفرائض، فإنّه لا انتفاع بعمل لا يحضر القلب فيه.

٦٥ أنا يعسوب المؤمنين، و المال يعسوب الفجّار.(١) قال السيّد: و معنى ذلك أنّ المؤمنين يتبعونني، و الفجّار يتبعون المال، كما تتبع النحل يعسوبها، و هو رئيسها.(٢) ٦٦ اتقوا معاصي اللّه في الخلوات، فإنّ الشّاهد هو الحاكم.(٣) إذا كان الشاهد هو الحاكم استغنى عمّن يشهد عنده، فالإنسان إذن جدير أن يتّقي اللّه حقّ تقاته، لأنّه تعالى الحاكم فيه و هو الشاهد عليه.

٦٧ إنّ اللّه سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلاّ بما منع(٤) غنيّ، و اللّه تعالى [ جدّه ] سائلهم عن ذلك.(٥) أراد بذلك الفرض الزكاة، و رهّب عليه السلام الأغنياء بقوله: « و اللّه سائلهم عن ذلك ».

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٣١٦.

(٢) نهج البلاغة، ص ٥٣١.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٣٢٤.

(٤) في النهج: بما متّع به غنيّ.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٣٢٨


٦٨ الاستغناء عن العذر أعزّ من الصّدق به.(١) روي: « خير من الصدق ».(٢) و المعنى: لا تفعل شيئا تعتذر عنه و إن كنت صادقا في العذر، فإنّ الاستغناء عن العذر بعدم فعل ما يعتذر عنه أعزّ عليك و أنفع لك من أن تفعل ثمّ تعتذر عنه و إن كنت صادقا.

و يحتمل أن يكون معنى « أعزّ » أي أكثر عزّة لك، إذ الإتيان بالعذر يحتاج إلى ذلّة و مهانة، كما قيل: لا يقوم عزّ الغضب بذلّة الاعتذار.(٣) ٦٩ أقلّ ما يلزمكم للّه سبحانه أن لا تستعينوا بنعمه على معاصيه.(٤) و ذلك أنّ العدل أن تستعينوا بنعمه على طاعته، فإنّ لم تفعلوا ذلك فلا أقلّ من أن يستعملوها في الأمور المباحة دون معصيته، فإنّ ذلك ممّا يعدّ لسخطه، فإنّه من القبيح الفاحش أن ينعم الملك على بعض رعيّته بمال و عبيد و سلاح، فيجعل ذلك المال مادّة لعصيانه و الخروج عليه، ثمّ يحاربه بأولئك العبيد، و بذلك السلاح بعينه.

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٣٢٩.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٤١.

(٣) نفس المصدر السابق.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٣٣٠.


٧٠ إنّ اللّه سبحانه جعل الطّاعة غنيمة الأكياس عند تفريط العجزة.(١) طاعته غنيمة الأكياس باعتبار استلزامها للنعيم المقيم في الآخرة.

و سبب الغنيمة غنيمة.

و الأكياس هم الذين استعملوا فطنهم و حركاتهم في تحصيل ما ينبغي من علم و عمل، و العجزة هم المقصّرون عمّا ينبغي لهم، و هذا مثل صيد استذفّ(٢) لرجلين: أحدهما جلد و الآخر عاجز، فقعد عنه العاجز لعجزه و حرمانه، و اقتنصه الجلد لشهامته و قوّة جدّه.(٣) ٧١ أشدّ الذّنوب ما استهان به صاحبه.(٤) و ذلك لأنّ استهانته به يستلزم انهماكه فيه، و استكثاره منه، و عدم إقلاعه عنه حتّى يصير ملكة بخلاف ما يستصعبه من الذنوب.

٧٢ أكبر العيب أن تعيب ما فيك مثله.(٥) هذا مثل قوله عليه السلام: « من نظر في عيوب غيره ٦، فأنكرها، ثمّ

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٣٣١.

(٢) استذفّ: أمكن و تهيّأ. (لسان العرب ٥ ٤٦ مادّة ذفف).

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٤٣.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٣٤٨.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٣٥٣.

(٦) في النهج: عيوب الناس.


رضيها لنفسه، فذلك الأحمق بعينه ».(١) ٧٣ أيّها النّاس، ليريكم اللّه من النّعمة وجلين، كما يراكم من النّقمة فرقين إنّه من وسّع عليه في ذات يده، فلم ير ذلك استدراجا فقد أمن مخوفا، و من ضيّق عليه في ذات يده فلم ير ذلك اختبارا فقد ضيّع مأمولا.(٢) الاستدراج: الأخذ على غرّة. و أمر بالوجل من نعمة اللّه حال إفاضتها خوف الاستدراج بها كما يخاف من النقمة، و ذلك أنّ النعمة بلاء يجب مقابلته بالشكر كما أنّ النقمة بلاء يجب مقابلته بالصبر،

و الغرض الحثّ على فضيلتي الشكر و الصبر.

و حذّر من الركون إلى النعمة و الغفلة فيها عن اللّه بقوله: « إنّه من وسّع » إلى قوله « مخوفا » و كذلك حذّر الفقير أن يغفل عن كون فقره بلاء أو اختبارا بما يلزم ذلك من تضييع المأمول، و ذلك لأنّه يستعدّ باعتقاد أنّه اختبار من اللّه له للصبر عليه، و يؤمّل منه تعالى الأجر الجزيل في الآخرة، و إذا لم يعتقد ذلك ضيّع مأموله منه.

٧٤ إذا كانت لك إلى اللّه سبحانه حاجة فابدأ بمسألة الصّلاة على

____________________

(١) نهج البلاغة، من الحكمة ٣٤٩.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٣٥٨.


النبيّ(١) صلّى اللّه عليه و آله، ثمّ سل حاجتك، فإنّ اللّه أكرم من أن يسأل حاجتين، فيقضي إحداهما و يمنع الأخرى.(٢) ٧٥ إنّ اللّه سبحانه وضع الثّواب على طاعته، و العقاب على معصيته، ذيادة لعباده عن نقمته، و حياشة لهم إلى جنّته.(٣) الذودة: الدفع و المنع. و حياشة مصدر: حشت الصيد بضمّ الحاء،

أحوشه، إذا جئته من حواليه لتصرفه إلى الحبالة.(٤) أشار عليه السلام إلى غايتي الحكمة الإلهية من وضع الثواب و العقاب و هما دفع عباد اللّه عن نقمته و جمعهم إلى جنّته.

٧٦ إنّ الحقّ ثقيل مري‏ء، و إنّ الباطل خفيف و بي‏ء.(٥) مرؤ الطعام بالضمّ فهو مري‏ء على « فعيل » كخفيف. و وبى‏ء البلد بالكسر فهو وبي‏ء على « فعيل » أيضا.(٦) و المراد أنّ الحقّ و إن كان ثقيلا إلاّ أنّ عاقبته محمودة، و الباطل و إن كان خفيفا إلاّ أنّ عاقبته مذمومة، فلا يحملنّ أحدكم حلاوة

____________________

(١) في النهج: على رسوله.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٣٦١.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٣٦٨.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٩٨.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٣٧٦.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣١٣.


عاجل الباطل على فعله، فلا خير في لذّة قليلة عاجلة، يتعقّبها مضارّ عظيمة آجلة، و لا يصرفنّ أحدكم عن الحقّ ثقله، فإنّه سيحمد عقبى ذلك، كما يحمد شارب الدواء المرّ شربه فيما بعد إذا وجد لذّة العافية.

٧٧ احذر أن يراك اللّه عند معصيته، و يفقدك عند طاعته، فتكون من الخاسرين، و إذا قويت فاقو على طاعة اللّه، و إذا ضعفت فاضعف عن معصية اللّه.(١) حذر من الأمرين بما يلزمه من دخوله في زمرة الخاسرين لثواب اللّه يوم القيامة، ثمّ أمر بالقوّة على طاعة اللّه ليتمّ الاستعداد بها لرحمته،

و بالضعف عن معصيته ليضعف الاستعداد بها عن قبول سخط اللّه و نقمته.

٧٨ ألا و إنّ من البلاء الفاقة، و أشدّ من الفاقة مرض البدن، و أشدّ من مرض البدن مرض القلب، ألاّ و إنّ من النّعم سعة المال، و أفضل من سعة المال صحّة البدن، و أفضل من صحّة البدن تقوى القلب.(٢) أشار عليه السلام إلى درجات البلاء و تفاوتها بالشدّة و الضعف، و إلى ما يقابلها من درجات النعمة كذلك.

فأمّا مرض القلب و صحّته فالمراد بها التقوى، و صحّتها، قال اللّه

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٣٨٣.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٣٨٨.


تعالى: إِلاّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَليِمٍ.(١) و قال بعض الشعراء:

المال للمرء في معيشته

خير من الوالدين و الولد

و إن تدم نعمة عليك تجد

خيرا من المال صحّة الجسد

و ما بمن نال فضل عافية

و قوت يوم فقر إلى أحد

٢ ٧٩ ازهد في الدّنيا يبصّرك اللّه عوراتها، و لا تغفل فلست بمغفول عنك.(٣) لمّا كانت محبّة الدّنيا مستلزمة لإخفاء عيوبها عن إدراك محبّيها،

كما قيل: « حبّك الشي‏ء يعمي و يصمّ » ٤، كان بغضها و السخط عليها رافعا لذلك الستر.

أمر عليه السلام بالزهد فيها لهذه الغاية، فإنّه إذا زهد فيها فقد سخطها،

و إذا سخطها أبصر عيوبها مشاهدة لا رواية. و هذا كما قال القائل:

و عين الرضا عن كلّ عيب كليلة

و لكنّ عين السّخط تبدي المساويا

٥

____________________

(١) سورة الشعراء (٢٦) ٨٩.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٣٧.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٣٩١.

(٤) جمهرة الأمثال ١ ٣٥٦.

(٥) البيت لعبد اللّه بن معاوية، الأغاني ١٢ ٢١٤.


ثمّ نهى عن الغفلة فيها، إنّك غير مغفول عنك، فلا تغفل أنت عن نفسك، فإنّ أحقّ الناس و أولاهم أن لا يغفل عن نفسه من ليس بمغفول عنه، و من عليه رقيب و شهيد و من يناقش عليه الفتيل(١) و النقير.(٢) ٨٠ إنّ للوالد على الولد حقّا، و إنّ للولد على الوالد حقّا ٣، فحقّ الوالد على الولد أن يطيعه في كلّ شي‏ء إلاّ في معصية اللّه سبحانه، و حقّ الولد على الوالد أن يحسّن اسمه، و يحسّن أدبه، و يعلّمه القرآن.(٤) أمّا صدر الكلام فمن قول اللّه سبحانه: أنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصيرُ. وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُما.(٥) ٨١ افعلوا الخير و لا تحقروا منه شيئا، فإنّ صغيره كبير، و قليله كثير، و لا يقولنّ أحدكم: إنّ أحدا أولى بفعل الخير منّي، فيكون و اللّه كذلك.(٦)

____________________

(١) الفتيل: ما يكون في شقّ النواة. (الصحاح ٥ ١٧٨٨ فتل)

(٢) النقير: النقرة التي في ظهر النواة. (الصحاح ٢ ٨٣٥ نقر)

(٣) في النهج تقديم و تأخير في هاتين الفقرتين.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٣٩٩.

(٥) سورة لقمان (٣١) ١٤ ١٥.

(٦) نهج البلاغة، الحكمة ٤٢٢.


القليل من الخير خير من عدم الخير أصلا.

قوله: « و لا يقولنّ » إلى آخره كناية عن ترك المرء الخير اعتمادا على أنّ غيره بفعله أولى، مثل ردّ السائل عن الباب و إحالته إلى آخر بقوله: اذهب إلى فلان، فهو أولى بأن يتصدّق عليك منّي.

« فيكون و اللّه كذلك » أي أنّ اللّه يوفّق ذلك الشخص الذي أحيل السائل عليه، فيصدّق عليه، فتكون كلمة ذلك الإنسان الأوّل قد صادف قدرا و قضاء، و وقع الأمر بموجبها.

٨٢ إنّ للخير و الشرّ أهلا، فمهما تركتموه منهما كفاكموه أهله.(١) هذا ترغيب في الخير و تنفير عن الشرّ.

٨٣ إنّ للّه عبادا يختصّهم [ اللّه ] بالنّعم لمنافع العباد، فيقرّها في أيديهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، ثمّ حوّلها إلى غيرهم.(٢) و قريب من ذلك قول الشاعر:(٣)

لم يعطك اللّه ما أعطاك من نعم

إلاّ لتوسع من يرجوك إحسانا

فإن منعت فأخلق أن تصادفها

تطير عنك زرافات و وحدانا

٨٤ إنّ أعظم الحسرات يوم القيامة حسرة رجل كسب مالا في غير

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٤٢٢.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٤٢٥.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ٧٠.

(٤) الزرافات: الجماعات. منه (ره).


طاعة اللّه، فورّثه رجلا(١) فأنفقه في طاعة اللّه سبحانه، فدخل به الجنّة،

و دخل الأوّل به النّار.(٢) و يناسب هنا نقل قوله عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام: « يا بنيّ، لا تخلّفنّ وراءك شيئا من الدّنيا... ».(٣) ٨٥ إنّ أخسر النّاس صفقة، و أخيبهم سعيا، رجل أخلق بدنه في طلب ماله، و لم تساعده المقادير على إرادته، فخرج من الدّنيا بحسرته، و قدم على الآخرة بتبعته.(٤) هذه حال أكثر الناس، و ذلك لأنّ أكثرهم يكدّ بدنه و نفسه في بلوغ الآمال الدنيويّة، و القليل منهم من تساعده المقادير على إرادته،

و إن ساعدته على شي‏ء منها بقي في نفسه ما لا يبلغه، فأكثرهم إذن يخرج من الدّنيا بحسرته، و يقدم على الآخرة بتبعته.

٨٦ اذكروا انقطاع اللّذّات، و بقاء التّبعات.(٥) قال الشاعر:

تفنى اللذاذة ممّن نال بغيته

من الحرام، و يبقى الإثم و العار

____________________

(١) في النهج: فورثه رجل.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٤٢٩.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٤١٦.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٤٣٠.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٤٣٣.


تبقى عواقب سوء في مغبّتها

لا خير في لذّة من بعدها النّار

١ ٨٧ أخبر تقله.(٢) قال الرضيّ (ره): و من الناس من يروي هذا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،

و ممّا يقوّي أنّه من كلام أمير المؤمنين عليه السلام ما حكاه ثعلب، قال: حدّثنا ابن الأعرابيّ قال: قال المأمون: لو لا أنّ عليّا عليه السلام قال: أخبر تقله لقلت أنا: أقله تخبر.(٣) المعنى: اخبر الناس و جرّبهم تبغضهم، فإنّ التجربة تكشف لك عن مساويهم و سوء أخلاقهم، فضرب مثلا لمن يظنّ به الخير و ليس هناك.

قيل: طيّروا الدم في وجوه الشباب، فإن حلموا و أحسنوا الجواب فهم هم، و إلاّ فلا تطمعوا فيهم.(٤) طيّروا الدم في وجوه الشباب، أي أغضبوهم، لأنّ الغضبان يحمّر وجهه.

قال الشاعر:

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ٧٩.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٤٣٤. قلاه يقليه قلى بالكسر و قلاء بالفتح أبغضه. و الهاء مزيدة للسكت. (شرح ابن ميثم ٥ ٤٥٢).

(٣) نهج البلاغة، ص ٥٥٣.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ٨٠.


ذممتك أوّلا حتّى إذا ما

بلوت سواك عاد الذمّ حمدا

و لم أحمدك من خير و لكن

وجدت سواك شرّا منك جدّا

فعدت إليك مضطرّا ذليلا

لأنّي لم أجد من ذاك بدّا

كمجهود تحامى أكل ميت

فلمّا اضطرّ عاد إليه شدّا

١ ٨٨ أولى النّاس بالكرم من عرّقت فيه الكرام.(٢) عرّقت أي ضربت عروقه في الكرم، أي له سلف و آباء كرام.

قال البحتريّ:

و أرى النجابة لا يكون تمامها

لنجيب قوم ليس بابن نجيب

٣ ٨٩ إذا كان في رجل خلّة رائقة [ رائعة خ ل ]، فانتظروا منه أخواتها.(٤) مثال ذلك إنسان مستور الحال عنّا رأيناه و قد صدرت عنه حركة تروعك و تعجبك، إمّا لحسنها أو لقبحها، فينبغي أن ينتظر و يترقّب منه أخوات ما وقع منه، و ذلك لأنّ العقل و الطبيعة التي فيه المحرّكة له إلى فعل تلك الحركة، لا بدّ أن تحرّكه إلى فعل ما يناسبها،

لأنّها ما دعته إلى فعل تلك الحركة لخصوصيّة تلك الحركة، بل لما فيها

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ٨١.

(٢) في نهج البلاغة، الحكمة ٤٣٦: من عرفت به الكرام.

(٣) ديوان البحتريّ ١ ١٧٠.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٤٤٥. و ليست كلمة « منه » في النهج.


من المعنى المقتضي وقوعها، و هذا يتعدّى إلى غيرها ممّا يجانسها،

و لذلك لا ترى أحدا قد شرب الخمر إلاّ و سوف يشربها فيما بعد،

و بالعكس في الأمور الحسنة.

٩٠ ألا حرّ يدع هذه اللّماظة لأهلها؟ إنّه ليس لأنفسكم ثمن إلاّ الجنّة، فلا تبيعوها إلاّ بها.(١) اللماظة بفتح اللام(٢) ما تبقى في الفم من الطعام، قال الشاعر يصف الدّنيا:

لماظة أيّام كأحلام نائم

٣ « ألا حرّ » مبتدأ، و خبره محذوف، أي في الوجود. و قوله: « ليس لأنفسكم ثمن إلاّ الجنّة » إشارة إلى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنينَ أنْفُسَهُمْ وَ أَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّة.(٤) ٩١ إنّ لبني أميّة مرودا يجرون فيه، و لو اختلفوا(٥) فيما بينهم ثمّ

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٤٥٦.

(٢) في أساس البلاغة و الصحاح و غيرهما: اللماظة بضمّ اللام.

(٣) قبله:

و ما زالت الدنيا يخون نعيمها

و تصبح بالأمر العظيم تمخّض

لماظة أيّام كأحلام نائم

يذعذع من لذّاتها المتبرّض

كذا في أساس البلاغة ١٤ لمظ.

(٤) سورة التوبة (٩) ١١١.

(٥) في النهج: قد اختلفوا.


كادتهم الضّباع لغلبتهم.(١) قال الرضيّ رضي اللّه عنه: و هذا من أفصح الكلام و أغربه، و المرود ها هنا مفعل من الإرواد، و هو الإمهال و الإنظار، فكأنّه عليه السلام شبّه المهلة التي هم فيها بالمضمار الذي يجرون فيه إلى الغاية، فإذا بلغوا منقطعها انتقض نظامهم بعدها.(٢) قال الفاضل المؤرّخ الأديب عبد الحميد المشهور بابن أبي الحديد: هذا إخبار عن غيب صريح، لأنّ بني أميّة لم يزل ملكهم منتظما لمّا لم يكن بينهم اختلاف، و إنّما كانت حروبهم مع غيرهم كحرب معاوية في صفين، و حرب يزيد أهل المدينة، و ابن الزبير بمكّة، و حرب مروان الضحّاك، و حرب عبد الملك ابن الأشعث و ابن الزبير، و حرب يزيد ابنه بني المهلب، و حرب هشام زيد بن عليّ، فلمّا ولي الوليد ابن يزيد و خرج عليه ابن عمّه يزيد بن الوليد و قتله، اختلفت بنو أميّة فيما بينهما، و جاء الوعد و صدق من وعد به فإنّه منذ قتل الوليد دعت دعاة بني العبّاس بخراسان، و أقبل مروان بن محمّد من الجزيرة يطلب الخلافة، فخلع إبراهيم بن الوليد، و قتل قوما من بني أميّة، و اضطرب أمر الملك و انتشر، و أقبلت الدولة الهاشميّة و نمت، و زال ملك بني أميّة،

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٤٦٤.

(٢) نهج البلاغة، ص ٥٥٧.


و كان زوال ملكهم على يد أبي مسلم، و كان في بدايته أضعف خلق اللّه و أعظمهم فقرا و مسكنة، و في ذلك تصديق قوله عليه السلام: « ثمّ كادتهم الضباع لغلبتهم ».(١) انتهى.

قلت: و لفظ الضباع قد يستعار للأراذل و الضعفاء. و نحن قد ذكرنا شرح حال الخلفاء و ما وقع في أيّامهم في كتابنا المسمّى ب « تتمّة المنتهى في وقايع أيّام الخلفاء ».

٩٢ إذا احتشم المؤمن أخاه فقد فارقه.(٢) ليس يعني أنّ الاحتشام علّة الفرقة بل هو دلالة و أمارة على الفرقة، لأنّه لو لم يحدث عنه ما يقتضي الاحتشام لانبسط على عادته الأولى، فالانقباض أمارة المباينة.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ١٨٢ ١٨٣.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٤٨٠.


حرف الباء

٩٣ بقيّة السّيف أنمى عددا، و أكثر ولدا.(١) قال ابن ميثم: لا أرى ذلك إلاّ للعناية الإلهيّة ببقاء النوع و حفظه و إقامته.(٢) و قال ابن أبي الحديد في شرحه: قال شيخنا أبو عثمان: ليته لمّا ذكر الحكم ذكر العلّة ثمّ قال: قد وجدنا مصداق قوله في أولاده و أولاد الزبير و بني المهلّب و أمثالهم ممّن أسرع القتل فيهم.

و أتي زياد بامرأة من الخوارج فقال: أما و اللّه لأحصدنّكم حصدا، و لأفنينّكم عدّا، فقالت: كلاّ، إنّ القتل ليزر عنا، فلمّا همّ بقتلها

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٨٤.

(٢) شرح ابن ميثم ٥ ٢٨٣.


تستّرت بثوبها، فقال: اهتكوا سترها لحاها اللّه(١) فقالت: إنّ اللّه لا يهتك ستر أوليائه، و لكن الّتي هتك(٢) سترها على يد ابنها سميّة، فقال:

عجّلوا قتلها أبعدها اللّه فقتلت.(٣) ٩٤ بئس الزّاد إلى المعاد، العدوان إلى(٤) العباد.(٥) لأنّ الظلم رذيلة عظيمة مستلزمة للشقاء الأشقى في يوم الطامة(٦) الكبرى.

و في الحديث: الظلم ظلمات يوم القيامة.

٩٥ بكثرة الصّمت تكون الهيبة، و بالنّصفة يكثر الواصلون،(٧) و بالافضال تعظم الأقدار، و بالتّواضع تتمّ النّعمة، و باحتمال المؤن يجب السّؤدد، و بالسّيرة العادلة يقهر المناوى، و بالحلم عن السّفيه تكثر

____________________

(١) قال في الصحاح ٦ ٢٤٨١ مادّة لحي: و قولهم: لحاه اللّه، أي قبّحه و لعنه.

(٢) إشارة إلى ما وقع في زمان معاوية بن أبي سفيان من إلحاق زياد بأبيه بشهادة أبي مريم السّلوليّ في محضر زياد بزناء أبي سفيان بسميّة. منه (ره).

انظر تفصيل ذلك في شرح ابن أبي الحديد ١٦ ١٨٧ نقلا عن المدائنيّ.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٣٥.

(٤) في النهج: على.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٢٢١.

(٦) الكافي ٢: ٣٣٢.

(٧) في النهج: المواصلون.


الأنصار عليه.(١) قال يحيى بن خالد: ما رأيت أحدا قطّ صامتا إلاّ هبته حتّى يتكلّم، فإمّا أن تزداد تلك الهيبة أو تنقص.(٢) و لا ريب أنّ الإنصاف سبب انعطاف القلوب إلى المصنف، و أنّ الإفضال و الجود يقتضي عظم القدر، لأنّه إنعام، و المنعم مشكور،

و هكذا إلى آخره، فإنّ الاستقراء و اختبار العادات تشهد بجميع ذلك.

قوله: « و بالسيرة العادلة يقهر المناوئ »، المناواة: المعاداة، و ذلك لأنّ العدوّ لا يجد لصاحب السيرة العادلة عيبا يستظهر به عليه،

و يسعى به في فساد أمره فيبقى مقهورا مأمورا.

٩٦ بينكم و بين الموعظة حجاب من الغرّة.(٣) اعلم أنّ الدنيا بشهواتها و لذّاتها حجاب بين العبد و بين الموعظة،

لأنّ الإنسان يغترّ بالعاجلة، و يتوهّم دوام ما هو فيه، و إذا خطر بباله الموت وعد نفسه رحمة اللّه و عفوه، هذا إذا كان ممّن يعترف بالمعاد،

و إلاّ فإنّ كثيرا ممّن يظهر القول بالمعاد فهو في الحقيقة غير مستيقن له.

و بالجملة، الإخلاد إلى عفو اللّه و الاتّكال على المغفرة مع الإقامة

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢٢٤.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٤٨.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٢٨٢.


على المعصية، غرور لا محالة، و الحازم من عمل لما بعد الموت، و لم يمنّ نفسه الأمانيّ الباطلة.

٩٧ البخل جامع لمساوئ العيوب، و هو زمام يقاد به إلى كلّ سوء.(١) البخل رذيلة التفريط من فضيلة السخاء، و هي مستلزمة للجهل و الفجور و حبّ الدّنيا و الجبن و الظلم و الحرص و الحسد و الشرّ و دناءة الهمّة و الكذب و الغدر و الخيانة و قطع الرحم و عدم المواساة.

و بالجملة، أكثر الرذائل من توابع البخل و لواحقه، و إنّه زمام إلى كلّ منها.

و في الحديث النبويّ صلّى اللّه عليه و آله: « ثلاث مهلكات: شحّ مطاع، و هوى متّبع، و إعجاب المرء بنفسه ».(٢)

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٣٧٨.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣١٦.


حرف التاء

٩٨ تذلّ الأمور للمقادير، حتّى يكون الحتف في التّدبير.(١) قال ابن أبي الحديد: إذا تأملت أحوال العالم وجدت صدق هذه الكلمة ظاهرا، و لو شئنا أن نذكر الكثير من ذلك لذكرنا ما يحتاج في تقييده بالكتابة مثل حجم كتابنا هذا.(٢) أي كتاب شرحه على النهج.

ثمّ ذكر قليلا منه، طوينا عن ذكره كشحا.

٩٩ توقّوا البرد في أوّله، و تلقّوه في آخره، فإنّه يفعل في الأبدان كفعله في الأشجار، أوّله يحرق، و آخره يورق.(٣) هذه مسألة طبيعيّة قد ذكرها الحكماء، قالوا: لمّا كان تأثير

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١٦.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٢٠.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ١٢٨.


الخريف في الأبدان، و توليده الأمراض كالزكام و السعال و غيرهما أكثر من تأثير الربيع، مع أنّهما جميعا فصلا اعتدال، و أجابوا بأنّ برد الخريف يفجأ الإنسان و هو معتاد للحرّ بالصيف فينكأ فيه، و يسدّ مسامّ دماغه، لأنّ البرد يكثف و يسدّ المسامّ فيكون كمن دخل من موضع شديد الحرارة إلى خيش(١) بارد.

فأمّا المنتقل من الشتاء إلى فصل الربيع فإنّه لا يكاد برد الربيع يؤذيه ذلك الأذى، لأنّه قد اعتاد جسمه برد الشتاء، فلا يصادف من برد الربيع إلاّ ما قد اعتاد ما هو أكثر منه، فلا يظهر لبرد الربيع تأثير في مزاجه، على أنّ الصيف و الخريف يشتركان في اليبس فإذا ورد البرد حينئذ ورد على أبدان استعدّت بحرارة الصيف و يبسه للتخلخل و تفتّح المسامّ و الجفاف، فاشتدّ انفعال البدن عنه، و أسرع تأثيره في قهر الحرارة الغريزيّة، فيقوى بذلك في البدن قوّتا البرد و اليبس اللّتان هما طبيعة الموت، فيكون بذلك يبس الأشجار و احتراق أوراقها،

و ضمور الأبدان و ضعفها.

فأمّا لم أورقت الأشجار و أزهرت في الربيع دون الخريف؟ فلما في الربيع من الكيفيّتين اللّتين هما منبع النموّ و النفس النباتيّة، و هما الحرارة

____________________

(١) الخيش: قيل: هو بيت يتّخذ من أغصان الخلاف بورقها، و يرشّ عليه الماء ليضربه الهواء فيبرد، يتّخذ للجلوس فيه بالصيف. كذا قيل. منه (ره)


و الرطوبة، و الخريف خال من هاتين الكيفيّتين و مستبدل بهما ضدّهما،

و هما البرودة و اليبس المنافيان للنشوء و حياة الحيوان و النبات.(١) ١٠٠ تنزل المعونة على قدر المؤونة.(٢) المؤونة: التعب و الشدّة، و المراد أنّ الشدّة و الثقل بالعيال و نحوهم معدّ لاستنزال معونة اللّه برزقه و قوّته على القيام بأحوالهم و دفع المؤونة من جهتهم.

و قد مرّ قريبا من هذا في قوله عليه السلام: « استنزلوا الرزق بالصدقة ».(٣) ١٠١ ترك الذّنب أهون من طلب التّوبة.(٤) إذ الترك لا كلفة فيه لكونه عدما، بخلاف التوبة، فإنّه إذا واقع الإنسان الذنب، ثمّ طلب التوبة، فقد لا يخلص داعيه إليها، ثمّ لو خلص فكيف له بحصولها على شروطها، و لا ريب أنّ ترك الذنب من الابتداء أسهل من طلب توبة هذه صفتها.

____________________

(١) نقل المؤلّف الشارح (ره) أقوال الحكماء من شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣١٩ و شرح ابن ميثم ٥ ٣١١.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ١٣٩.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ١٣٧.

(٤) في نهج البلاغة، الحكمة ١٧٠: طلب المعونة.


١٠٢ تكلّموا تعرفوا، فإنّ المرء مخبوء تحت لسانه.(١) قال ابن أبي الحديد: هذه إحدى كلماته عليه السلام الّتي لا قيمة لها، و لا يقدر قدرها ٢، و المعنى قد تداوله الناس قال:

و كائن ترى من صامت لك معجب

زيادته أو نقصه في التكلّم

٣

لسان الفتى نصف و نصف فؤاده

فلم يبق إلاّ صورة اللّحم و الدّم

٤ ١٠٣ التّقى رئيس الأخلاق.(٥) التّقى هو الورع و الخوف من اللّه، و إذا حصل حصلت الطاعات كلّها، و انتفت القبائح كلّها، و تلك طبقة عالية أشرف من جميع الطبقات الّتي يمدح بها الإنسان.

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٣٩٢.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٤٠.

(٣) أي: و كم صامت يعجبك صمته فتستحسنه و إنّما تظهر زيادته و نقصانه عن غيره عند التكلّم.

(٤) البيتان لزهير بن أبي سلمى، من معلّقته بشرح الزوزني، ص ٨٠.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٤١٠.


حرف الثاء

١٠٤ ثمرة التّفريط النّدامة، و ثمرة الحزم السّلامة.(١) التفريط: إضاعة الحزم في الأمور، و أصل الحزم قوّة العقل، و كثرة التجربة، فإنّ العاقل خائف أبدا، و الأحمق لا يخاف، و من خاف أمرا توقّاه، فهذا هو الحزم.

١٠٥ الثّناء بأكثر من الاستحقاق ملق، و التّقصير عن الاستحقاق عيّ أو حسد.(٢) الملق هو اللطف الشديد بالقول، و الإفراط في المدح، و أمّا إذا قصّر به عن استحقاقه كان المانع إمّا من جانب المثني فقطّ من

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١٨١.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٣٤٧.


غير تعلّق له بالمثنى عليه، أو مع تعلّق به، فالأوّل هو العيّ و الحصر،

و الثاني هو الحسد و المنافسة.


حرف الجيم

١٠٦ الجود حارس الأعراض، و الحلم فدام السّفيه، و العفو زكاة الظّفر، و السّلوّ عوضك ممّن غدر، و الاستشارة عين الهداية. و قد خاطر من استغنى برأيه، و الصّبر يناضل الحدثان، و الجزع من أعوان الزّمان.

و أشرف الغنى ترك المنى. و كم من أسير عند(١) هوى أمير و من التّوفيق حفظ التّجربة، و المودّة قرابة مستفادة، و لا تأمننّ مملولا [ ملولا خ ل ].(٢) مثل قوله عليه السلام: « الجود حارس الأعراض » قولهم: كلّ عيب فالكرم يغطّيه.(٣) و الفدام: خرقة تجعل على فم الإبريق، فشبّه الحلم بها، فإنّه يردّ

____________________

(١) في النهج: تحت.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٢١١.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣١.


السفيه عن السفه كما يردّ الفدام الخمر عن خروج القذى منها إلى الكأس.(١) و المناضلة: المراماة.(٢) قوله: « و الجزع من أعوان الزمان »، يعني أنّ الإنسان إذا جزع عند المصيبة فقد أعان الزمان على نفسه، و أضاف إلى نفسه مصيبة أخرى.

و قد سبق القول في ترك المنى.

و حفظ التجربة: لزومها و مداومتها لغاية الانتفاع بها.

« و لا تأمننّ ملولا » لأنّ الملول يصرفه ملاله عن الثبات على الصداقة و العهد و كتمان السرّ و نحوها.

١٠٧ جاهلكم مزداد، عالمكم(٣) مسوّف.(٤) أي مزداد من الإثم، مسوّف بالتوبة

____________________

(١) نفس المصدر السابق.

(٢) لسان العرب ١٤ ١٨١ نضل.

(٣) في النهج: و عالمكم.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٢٨٣.


حرف الحاء

١٠٨ الحذر الحذر فو اللّه لقد ستر، حتّى كأنّه قد غفر.(١) حذّر من سخط اللّه بسبب معصيته لطول إمهاله و ستره إلى الغاية المذكورة، فيجب أن يحذر غضبه، و يجتنب معصيته، و يرجع إلى طاعته الّتي هي الغاية من عنايته بستره.

١٠٩ حسد الصّديق من سقم المودّة.(٢) إذا حسدك صديقك على نعمة أعطيتها لم تكن صداقته صحيحة،

فإنّ الصديق حقّا من يجري مجرى نفسك، و الإنسان لم يحسد نفسه.

١١٠ الحجر الغصب(٣) في الدّار رهن على خرابها.(٤)

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٣٠.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٢١٨.

(٣) في النهج: الغصيب.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٢٤٠.


قال الرضيّ (ره): و قد روي ما يناسب هذا الكلام عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و لا عجب أن يشتبه الكلامان، فإنّ مستقاهما من قليب،

و مفرغهما من ذنوب.

الذنوب بالفتح: الدلو الملأى، و لا يقال لها و هي فارغة.

و معنى الكلمة أنّ الدار المبنيّة بالحجارة المغصوبة و لو بحجر واحد، لا بدّ أن يتعجّل خرابها، و كأنّما ذلك الحجر رهن على حصول التخرّب، أي كما أنّ الرهن لا بدّ أن يفتكّ، كذلك لا بدّ لما جعل ذلك الحجر رهنا عليه أن يحصل.

و قال ابن بسّام لأبي عليّ بن مقلة لمّا بنى داره بالزاهر ببغداد من الغصب و ظلم الرعيّة:

قل لابن مقلة مهلا لا تكن عجلا

فإنّما أنت في أضغاث أحلام

تبني بأنقاض دور الناس مجتهدا

دارا ستنقض أيضا بعد أيّام

و كان ما تفرّسه ابن بسّام فيه حقّا، فإنّ داره نقضت حتّى سوّيت

____________________

(١) نهج البلاغة، ص ٥١١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٧٢.


بالأرض في أيّام الراضي باللّه.(١) ١١١ الحدّة ضرب من الجنون، لأنّ صاحبها يندم، فإن لم يندم فجنونه مستحكم.(٢) كأن يقال: لا يصحّ لحديد رأي، لأنّ الحدّة تصدي‏ء العقل كما يصدئ الخلّ المرآة فلا يرى صاحبه فيه صورة حسن فيفعله، و لا صورة قبيح فيجتنبه.(٣) و كان يقال أيضا: أوّل الحدّة جنون، و آخرها ندم.(٤) ١١٢ الحلم عشيرة.(٥) لأنّه يحمي صاحبه ممّن ينافره و يعاديه كما يحميه عشيرته.

قالوا: من غرس شجرة الحلم، اجتنى ثمرة السلم.(٦) و قالوا أيضا: الحلم جنود مجنّدة لا أرزاق لها.(٧) قال الشاعر:

و للكفّ عن شتم اللئيم تكرّما

أضرّ له من شتمه حين يشتم

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٧٩ ٧٣.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٢٥٥.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٩٦.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٩٦.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٤١٨.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ٦١.

(٧) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ٦١.

(٨) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ٦١.


١١٣ الحلم غطاء ساتر، و العقل حسام قاطع، فاستر خلل خلقك بحلمك، و قاتل هواك بعقلك.(١) لمّا جعل اللّه الحلم غطاء، و العقل حساما، أمره أن يستر خلل خلقه بذلك الغطاء، و أن يقاتل هواه بذلك الحسام، و كون الحلم غطاء باعتبار انّه يستر سورة الغضب و قبيح ما يصدر عنه من الأفعال.

١١٤ الحلم و الأناة توأمان، ينتجهما علوّ الهمّة.(٢) و ذلك لأنّ عالي الهمّة يستحقر كلّ ذنب و مذنب في حقّه، فيحلم عنه و يتأنّى عن المبادرة إلى مقابلته.

قالوا: علّمنا اللّه تعالى فضيلة الأناة بما حكاه عن سليمان،

سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ.(٣) ٤ و كان يقال: الأناة حصن السلامة، و العجلة مفتاح الندامة.(٥) و قيل أيضا: التأنّي مع الخيبة خير من التهوّر مع النجاح.(٦)

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٤٢٤.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٤٦٠.

(٣) سورة النمل (٢٧) ٢٧.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ١٧٧.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ١٧٧.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ١٧٧.


حرف الخاء

١١٥ خالطوا النّاس مخالطة إن متّم معها بكوا عليكم، و إن عشتم حنّوا إليكم.(١) حنّوا بالحاء المهملة من الحنين، و هو الشوق و توقان النفس،

من حنّ إليه يحنّ بالكسر حنينا.(٢) و قال ابن أبي الحديد: و قد روي « خنّوا » بالخاء المعجمة، من الخنين، و هو صوت يخرج من الأنف عند البكاء. و إلى تتعلّق بمحذوف،

أي حنّوا شوقا إليكم.(٣) و فيه كما ترى.

و بالجملة، هذا الكلام في الأمر بإحسان العشرة مع الناس، و قد

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١٠.

(٢) الصحاح ٥ ٢١٠٤ حنن.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٠٧.


ورد في هذا الباب كثير واسع.

قال محمّد بن الحنفيّة: قد يدفع باحتمال المكروه ما هو أعظم منه.(١) و روي: حسن السؤال نصف العلم، و مداراة الناس نصف العقل،

و القصد في المعيشة نصف المؤونة.(٢) و في معنى كلامه عليه السلام قول السعديّ بالفارسيّة:(٣)

چنان زى كه ذكرت به تحسين كنند

چو مردى نه بر گور نفرين كنند

١١٦ خذ الحكمة أنّى كانت، فإنّ الحكمة تكون في صدر المنافق فتلجلج في صدره حتّى تخرج فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن.(٤) قال الرضيّ رضى اللّه عنه: و قال عليه السلام في مثل ذلك:

١١٧ الحكمة ضالّة المؤمن، فخذ الحكمة و لو من أهل النّفاق.(٥) أمر عليه السلام بأخذ الحكمة و تعلّمها أين وجدت، و لو من المنافقين،

و رغّب من عساه يستنكف من أخذها من بعض المواضع أن يأخذها من كلّ موضع وجدها.

و كنّى بتلجلجها أو اختلاجها على الروايتين عن اضطرابها،

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٠٨.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٠٨.

(٣) كليّات سعدي، ص ٢٦٠.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٧٩.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٨٠.


و عدم ثباتها في صدر المنافق إلى أن تخرج إلى مظنّها و هي صدر المؤمن، فتسكن إلى صواحبها من الحكم فيه.

و استعار لفظ الضالّة للحكمة، بالنسبة إلى المؤمن باعتبار أنّها مطلوبه الّذي يبحث عنها و ينشدها كما ينشد الضالّة صاحبها.

و حكي أنّه خطب الحجّاج فقال: إنّ اللّه أمرنا بطلب الآخرة،

و كفانا مؤونة الدّنيا، فليتنا كفينا مؤونة الآخرة، و أمرنا بطلب الدّنيا فسمعها الحسن ١، فقال: هذه ضالّة المؤمن خرجت من قلب المنافق.(٢) ١١٨ الخلاف يهدم الرّأي.(٣) أصله: أنّ رأي الجماعة يجتمع على أمر تكون المصلحة فيه، فيقع من بعضهم خلاف فيه، فيهدم ما اجتمعوا عليه و رأوه من المصلحة.

كما رأى هو عليه السلام و جماعة من أصحابه عند رفع أهل الشام المصاحف صبيحة ليلة الهرير من إتمام القتال، و هو المصلحة، فهدم ذلك الرأي من خالف فيه من أصحابه حتّى وقع بذلك ما وقع.(٤) ١١٩ خيار خصال النّساء شرار خصال الرّجال: الزّهو، و الجبن،

____________________

(١) أي البصريّ. منه (ره)

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٢٩.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٢١٥.

(٤) شرح ابن ميثم ٥ ٣٥٢.


و البخل، فإذا كانت المرأة مزهوّة لم تمكّن من نفسها، و إذا كانت بخيلة حفظت مالها و مال بعلها، و إذا كانت جبانة فرقت من كلّ شي‏ء يعرض لها.(١) الأخلاق الثلاثة المذكورة رذائل للرجال و هي فضائل للنساء،

و بيان ذلك ما ذكره عليه السلام.

و المزهوّة: المتكبّرة، تقول: زهي الرجل علينا، فهو مزهوّ، إذا افتخر. و فرقت: خافت.(٢) ١٢٠ خذ من الدّنيا ما أتاك، و تولّ عمّا تولّى عنك، فإن أنت لم تفعل فأجمل في الطّلب.(٣) الإجمال في طلب الدّنيا طلبها برفق من الوجه الذي ينبغي، و على الوجه الّذي ينبغي، و هي من الألفاظ النبويّة، قال صلّى اللّه عليه و آله: « إنّ روح الأمين نفث في روعي أنّه لن تموت نفس حتّى تستكمل رزقها، [ ألا ظ ] فأجملوا في الطلب.(٤)

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢٣٤.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٦٥.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٣٩٣.

(٤) الكافي ٢ ٧٤.

قال في النهاية ٥ ٨٨ مادّة نفث: نفث في روعي: أي أوحى و ألقى، من النفث


حرف الدال

١٢١ الدّهر يخلق الأبدان، و يجدّد الآمال، و يقرّب المنيّة، و يبعّد(١) الأمنيّة، من ظفر به نصب، و من فاته تعب.(٢) إخلاق الدهر للأبدان إعداده لضعفها و فسادها بمروره، و ما يلحق أجزاءه و فصوله من الحرّ و البرد و المتاعب المنسوبة إليه،

و تجديده للآمال بحسب الغرور الحاصل بالبقاء، و الصّحة فيه، و أكثر ما يعرض ذلك للمشايخ، فإنّ طول أعمارهم و تجاربهم لما يعرض فيه من الحاجة و الفقر، يغريهم بالحرص على الجمع، و مدّ الأمل فيه لتحصيل الدّنيا، و تقريبه للمنيّة بحسب إخلاقه للأبدان، و تبعيده للأمنيّة بحسب بالفم، و هو شبيه بالنفخ، و هو أقلّ من التفل.

و قال في المصباح المنير ١: ١٣٦ مادّة جمل: أجملت في الطلب: رفقت.

____________________

(١) في النهج: يباعد.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٧٢.


تقريبه للمنيّة.

و من ظفر بالدهر، شقي بضبطها و حفظها، و من فاته، تعب في تحصيلها.

و لا يخفى ما في كلّ من القرينتين من السجع.(١) قال بعض الحكماء: الدّنيا تسرّ لتغرّ، و تفيد لتكيد، كم راقد في ظلّها قد أيقظته، و واثق بها قد خذلته، بهذا الخلق عرفت، و على هذا الشرط صوحبت.

و قال شاعر فأحسن:

كأنّك لم تسمع بأخبار من مضى

و لم تر بالباقين ما صنع الدهر

فإن كنت لا تدري فتلك ديارهم

عفاها فحال الريح بعدك و القطر

و هل أبصرت عيناك حيّا بمنزل

على الدهر إلاّ بالعراء له قبر

____________________

(١) في القرينتين الأوليين السجع المتوازن، و في المتوسطتين السجع المطرّف، و في الأخيرتين السجع المتوازي.

(٢) شرح ابن الحديد ١٨ ٢١٨.


فلا تحسبنّ الوفر مالا جمعته

و لكنّ ما قدمت من صالح وفر

مضى جامعو الأموال لم يتزوّدوا

سوى الفقر يا بؤسى لمن زاده الفقر

فحتّام لا تصحو و قد قرب المدى

و حتّام لا ينجاب عن قلبك السكر

بلى سوف تصحو حين ينكشف الغطا

و تذكر قولي حين لا ينفع الذكر

و ما بين ميلاد الفتى و وفاته

إذا انتصح الأقوام أنفسهم عمر

لأنّ الذي يأتيه شبه الذي مضى

و ما هو إلاّ وقتك الضيق النّزر

فصبرا على الأيّام حتّى تجوزها

فعمّا قليل بعدها يحمد الصبر

١٢٢ الدّنيا دار ممرّ لا در مقرّ، و النّاس فيها رجلان:

رجل باع نفسه‏فأوبقها، و رجل ابتاع نفسه

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢١٨ ٢١٩.

(٢) في النهج: باع فيها نفسه.


فأعتقها.(١) أو بقها، أي أهلكها، و كون الدّنيا دار ممرّ باعتبار أنّها طريق إلى الآخرة الّتي هي دار المقرّ.

١٢٣ الدّاعي بلا عمل كالرّامي بلا وتر.(٢) من خلا من العمل فقد أخلّ بالواجبات، و من أخلّ بالواجبات فقد فسق، و اللّه تعالى لا يقبل دعاء الفاسق.

و شبّهه بالرامي بلا وتر، فإنّ سهمه لا ينفذ.(٣) و نحوه قول الرسول صلّى اللّه عليه و آله: أحمق الناس من ترك العمل و تمنّى على اللّه.(٤) ١٢٤ الدّهر يومان: يوم لك، و يوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، و إذا كان عليك فاصبر.(٥) قد ذكر هذا المعنى في كلمات الفصحاء و أشعار الشعراء كثيرا، فمن كلامهم: الدهر يومان: يوم بلاء، و يوم رخاء. و الدهر ضربان:

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١٣٣.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٣٣٧.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٥٢.

(٤) شرح ابن ميثم ٥ ٤٠٨.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٣٩٦.


حبرة(١) و عبرة. و الدّهر وقتان: وقت سرور، و وقت ثبور.(٢) ٣ و من أشعارهم:(٤)

فيوم علينا و يوم لنا

فيوم نساء و يوم نسرّ

و قال آخر:

هي طورا هجر و طورا وصال

ما أمرّ الدّنيا و ما أحلاها

إلى غير ذلك.

١٢٥ الدّنيا خلقت لغيرها، و لم تخلق لنفسها.(٥) أي خلقت للاستعداد فيها و بها لدرك ثواب اللّه في الآخرة، لا ليلتذّ بها الجاهلون.

قال أبو العلاء المعرّيّ مع ما كان يرمى به:

خلق الناس للبقاء فضلّت

أمّة يحسبونهم للنّفاد

إنّما ينقلون من دار أعما

ل إلى دار شقوة أو رشاد

٦

____________________

(١) الحبرة: السرور و النعمة.

(٢) الثبور: الهلاك.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٦٤.

(٤) العقد الفريد ٣ ٥٩.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٤٦٣.

(٦) شرح التنوير على سقط الزند ١ ٣٠٦.



حرف الراء

١٢٦ رأي الشّيخ أحبّ إليّ من جلد الغلام. و يروى: من مشهد الغلام.(١) جلد الغلام: قوّته. و خصّ الرأي بالشيخ، و الجلد بالغلام لأنّ كلاّ منهما مظنّة ما خصّه به، و إنّما قال: « رأي الشيخ أحبّ إليّ من جلد الغلام » لأنّ الشيخ كثير التجربة، فيبلغ من العدوّ برأيه ما لا يبلغ بشجاعته الغلام الحدث غير المجرّب، لأنّه قد يغرّر بنفسه فيهلك و يهلك أصحابه، و لا ريب أنّ الرأي مقدّم على الشجاعة، و لذلك قال أبو الطيّب:(٢)

الرأي قبل شجاعة الشّجعان

هو أوّل و هي المحلّ الثاني

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٨٦.

(٢) ديوانه بشرح البرقوقي ٤ ٣٨٩.


فإذا هما اجتمعا لنفس مرّة

بلغت من العلياء كلّ مكان

١٢٧ ربّ عالم قد قتله جهله، و علمه معه لم ينفعه.(١) قال ابن أبي الحديد: قد وقع مثل هذا كثيرا، كما جرى لعبد اللّه بن المقفّع، و فضله مشهور، و حكمته أشهر من أن تذكر.

ثمّ ذكر كيفيّة قتله و مجمله أنّه كان كاتبا لعيسى و سليمان ابني عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، و كتب لعبد اللّه بن عليّ عمّ المنصور كتاب أمان ليعرض على المنصور، و يوجد فيه خطّه، فكان من جملته:

و متى غدر أمير المؤمنين بعمّه عبد اللّه، أو أبطن غير ما أظهر، أو تأوّل في شي‏ء من شروط هذا الأمان فنساؤه طوالق، و دوابّه حبس،

و عبيده و إماؤه أحرار، و المسلمون في حلّ من بيعته.

فاشتدّ ذلك على المنصور، فكتب إلى عامله بالبصرة سفيان بن معاوية يأمره بقتله.

و كيفيّة قتله أنّه كان سفيان عليه ساخطا لأنّه قال يوما له: يا بن المغتلمة فدخل ابن المقفّع يوما على سفيان، و عنده غلمانه و تنّور نار يسجر، فقال له سفيان: أتذكر يوما قلت لي كذا و كذا أمي مغتلمة، إن لم أقتلك قتلة لم يقتل بها أحد، ثمّ قطع أعضاءه عضوا عضوا، و ألقاها [ في النار ] و هو ينظر إليها، حتّى أتى على جميع جسده، ثمّ أطبق التنور

____________________

(١) في نهج البلاغة، الحكمة ١٠٧: لا ينفعه.


عليه....(١) ١٢٨ الرّاضي بفعل قوم كالدّاخل فيه معهم، و على كلّ داخل في باطل إثمان: إثم العمل به، و إثم الرّضا به.(٢) وجه التشبيه اشتراكهم في الرضا به المستلزم للعمل إليه، و نفّر عن الدخول في الباطل بما يلزمه من الإثمين: أحدهما من حيث إنّه أراد القبيح، و الآخر من حيث إنّه فعله.

١٢٩ الرّحيل وشيك.(٣) الوشيك: السريع، و المراد من الرحيل ها هنا الرحيل عن الدّنيا و هو الموت.

و من كلامه عليه السلام: كان كثيرا ما ينادي به أصحابه:

تجهّزوا رحمكم اللّه فقد نودي فيكم بالرّحيل، و أقلّوا العرجة(٤) على الدنيا، و انقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزّاد.(٥) ١٣٠ رسولك ترجمان عقلك، و كتابك أبلغ ما ينطق عنك.(٦)

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٦٩ ٢٧٠.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ١٥٤.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ١٨٧.

(٤) قال في مجمع البحرين ٢ ٣١٨ مادّة عرج: و أقلّوا العرجة بالضمّ، أي الإقامة.

(٥) نهج البلاغة، الخطبة ٢٠٤، ص ٣٢١.

(٦) نهج البلاغة، الحكمة ٣٠١.


قالوا في المثل: الرسول على قدر المرسل.(١) و قال الشاعر:(٢)

تخيّر إذا ما كنت في الأمر مرسلا

فمبلغ آراء الرجال رسولها

و روّ و فكّر في الكتاب فإنّما

بأطراف أقلام الرجال عقولها

و أمّا أنّ الكتاب أبلغ من ينطق عنه فلضبط مراده فيه دون لسان الرسول، لأنّه ربّما لم يؤدّ الرسالة على وجهها سهوا أو لغرض، فيقع الخلل بسبب ذلك، و ربّما قد يكون فيه هلاك المرسل.

١٣١ ردّوا الحجر من حيث جاء، فإنّ الشّرّ لا يدفعه إلاّ الشّرّ.(٣) الحجر كناية عن الشرّ، و ردّه من حيث جاء كناية عن مقابلة الشرّ بمثله، و لا ريب أنّ هذا ليس عامّا لأمره بالحلم في مواضع كثيرة،

بل كلّ ما لا يقطع إلاّ بالشرّ فواجب أن يقطع به.

و هذا مثل قولهم: إنّ الحديد بالحديد يفلح.(٤)

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٠٧.

(٢) نفس المصدر السابق.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٣١٤.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٢١.


قال الشاعر:(١)

فلّما صرّح الشرّ

فأمسى و هو عريان

و لم يبق سوى العدوا

ن دنّاهم كما دانوا

و بعض الحلم عند الجه

ل للذّلّة إذعان

و في الشرّ نجاة حي

ن لا ينجيك إنسان

و في وصايا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأبي ذرّ (ره): كن ذئبا و إلاّ أكلتك الذئاب.(٢) ١٣٢ ربّ مستقبل يوما ليس بمستدبره، و مغبوط في أوّل ليلة قامت بواكيه في آخره.(٣) الغرض التنبيه من رقدة الغفلة و المعنى ظاهر.

و مثله قول الشاعر:(٤)

يا راقد الليل مسرورا بأوّله

إنّ الحوادث قد يطرقن اسحارا

____________________

(١) هو الفند الزمانيّ، انظر شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٢١.

(٢) في تحف العقول، باب قصار مواعظ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الموعظة ١٤٠: يأتي على الناس زمان يكون الناس فيه ذئابا، فمن لم يكن ذئبا أكلته الذئاب.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٣٨٠. و في الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام،

ص ٦٩:

فكم من صحيح مات من غير علّة

و كم من عليل عاش دهرا إلى دهر

و كم من فتى يمسي و يصبح آمنا

و قد نسجت أكفانه و هو لا يدري

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٢١.


و مثله:(١)

لا يغرّنك عشاء ساكن

قد يوافي بالمنيّات السّحر

و قال السعديّ:(٢)

شخصى همه شب بر سر بيمار گريست

چون روز آمد، بمرد و بيمار بزيست

و قال آخر:(٣)

كم سالم صيحت به بغتة

و قائل عهدي به البارحه

أمسى و أمست عنده قينة

و أصبحت تندبه النائحه

٤

طوبى لمن كان موازينه

يوم يلاقي ربّه راجحة

١٣٣ الرّكون إلى الدّنيا مع ما تعاين منها جهل، و التّقصير في حسن العمل إذا وثقت بالثّواب عليه غبن، و الطّمأنينة إلى كلّ أحد قبل الاختبار له عجز.(٥)

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٢١.

(٢) كليّات سعدي، ص ١١٦. و قال أبو العتاهية:

فكن مستعدّا لريب المنون

فإنّ الّذي هو آت قريب

و قبلك داوى الطبيب المريض

فعاش المريض و مات الطبيب

[ العقد الفريد ٣ ١٤ ]

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٦٢.

(٤) القينة: الأمة.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٣٨٤.


لا ريب أنّ الطمأنينة إلى من لا يعرف و لم يختبر، عجز أي عجز في العقل و الرأي، فإنّ الوثوق مع التجربة فيه ما فيه، فكيف قبل التجربة قال الطغرائيّ:

« و حسن ظنّك بالأيّام معجزة »

١ قال الشاعر:(٢)

و كنت أرى أنّ التجارب عدّة

فخانت ثقات الناس حين التجارب

١٣٤ ربّ قول أنفذ من صول.(٣) أي قد يبلغ الإنسان بالقول ما لا يبلغه بالشدّة و الصولة، فيكون القول أنفذ في غرضه.

و من هذا قولهم: و القول ينفذ ما لا تنفذ الإبر.(٤) و روي مكان أنفذ، أشدّ.(٥) و المعنى: ربّ قول يقوله الإنسان،

فيكون ضرره عليه أشدّ من صولة عدوّه، أو ربّ قول يسمعه من

____________________

(١) قد مضى آنفا في شرح الكلمة ٢٦، فراجع.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٢٥.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٣٩٤.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٥٩.

(٥) شرح ابن ميثم ٥ ٤٣٨.


غيره كقذف أو هجر مثلا يكون أشدّ عليه من صولة العدوّ و هذا كما قال القائل:(١)

جراحات السّنان لها التيام

و لا يلتام ما جرح اللسان

١٣٥ الرّزق رزقان: طالب و مطلوب، فمن طلب الدّنيا طلبه الموت حتّى يخرجه عنها، و من طلب الآخرة طلبته الدّنيا حتّى يستوفي منها رزقه.(٢) هذا تحريض على طلب الآخرة، و وعد لمن طلبها بأنّه سيكفي طلب الدّنيا، و إنّ الدنيا ستطلبه حتّى يستوفي رزقه منها.

و قد قيل: مثل الدّنيا مثل ظلّك، كلّما طلبته بعد عنك، فإن أدبرت عنه تبعك.(٣) و لهذا قال عليه السلام كما في الديوان المنسوب إليه:

« إنّما الدّنيا كظلّ زائل ».

٤

____________________

(١) قال العلاّمة الشريف الأردكانيّ في جامع الشواهد، ص ١١٩: « لم يسمّ قائله،

و البيت من شواهد الجامي في النحو ».

و مثله قول الحمدوني:

و قد يرجى لجرح السيف برء

و لا برء لما جرح اللسان

[ العقد الفريد ٢ ٢٨٠ ]

(٢) في نهج البلاغة، الحكمة ٤٣١: رزقه منها.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ٧٦.

(٤) البيت بتمامه:


١٣٦ ربّ مفتون بحسن القول فيه.(١) طالما فتن الناس بثناء الناس، فقصّروا في تكميل الفضائل، كما رأينا كثيرا من طلبة العلم قصّر في اكتساب العلم اتّكالا على ثناء الناس عليه، و هكذا العابد في عبادته، فينبغي أن لا يغترّ الإنسان بثناء الناس، و لا أعجب بنفسه فيهلك، و لهذا ورد:

احثوا في وجوه المدّاحين التراب.(٢)

إنّما الدّنيا كظلّ زائل

أو كضيف بات ليلا فارتحل

ديوانه ٩٠.

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٤٦٢.

(٢) بحار الأنوار ٧٣ ٢٩٤ نقلا عن أمالي الصدوق.



حرف الزاي

١٣٧ الزّهد كلّه بين كلمتين من القرآن: قال اللّه سبحانه: لكيلا تأسوا على ما فاتكم، و لا تفرحوا بما آتاكم ١، و من لم يأس على الماضي، و لم يفرح بالآتي فقد أخذ الزّهد بطرفيه.(٢) و يناسب هنا نقل كلام له عليه السلام كتبه إلى ابن عبّاس.(٣)

____________________

(١) سورة الحديد (٥٧) ٢٣.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٤٣٩.

(٣) لعلّ مراد المؤلّف (ره) هذا الكتاب: أمّا بعد، فإنّ المرء قد يسرّه درك ما لم يكن ليفوته، و يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، و ليكن أسفك على ما فاتك منها، و ما نلت من دنياك فلا تكثر به فرحا، و ما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا، و ليكن همّك فيما بعد الموت.

كان ابن عبّاس يقول: ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كانتفاعي بهذا الكلام.

[ نهج البلاغة، الكتاب ٢٢، ص ٣٧٨ ]


١٣٨ زهدك في راغب فيك نقصان حظّ، و رغبتك في زاهد فيك ذلّ نفس.(١) أي نقصان حظّ لك، لأنّه ليس من حقّ من رغب فيك أن تزهد فيه، لأنّ الإحسان لا يكافأ بالإساءة.

قال العبّاس بن الأحنف في نسيبه، و كان جيّد النسيب:

ما زلت أزهد في مودّة راغب

حتّى ابتليت برغبة في زاهد

هذا هو الداء الذي ضاقت به

حيل الطبيب و طال يأس العائد

٢ يقول المؤلّف، العبّاس بن محمّد رضا القمّيّ (عني عنه): و ما أشبه حالي بحال العبّاس

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٤٥١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ١٠١.


حرف السين

١٣٩ سيّئة تسوءك خير [ عند اللّه ] من حسنة تعجبك.(١) لأنّ السيئة الّتي تسوءه مستلزمة للندم و التوبة عليها، و التوبة ماح لها، مع أنّ التوبة و الرجوع إلى اللّه تعالى فضيلة ندب الشارع لها بخلاف الحسنة المستعقبة للعجب.

١٤٠ السّخاء ما كان ابتداء، فإذا كان(٢) عن مسألة فحياء و تذمّم.(٣) التذمّم: الاستنكاف. و السخاء عبارة عن ملكة بذل المال لمن يستحقّه بقدر ما ينبغي ابتداء عن طيب نفس، و حسن المواساة لذوي الحاجة منه، و بهذا الرسم يتبيّن أنّ ما كان عن مسألة فخارج عن

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٤٦.

(٢) في النهج: فأما ما كان.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٥٣.


رسم السخاء.

و ذكر عليه السلام له سببين: أحدها: الحياء من السائل، أو من الناس،

فيتكلّف البذل لذلك.

الثاني: الاستنكاف ممّا يصدر من السائل من لجاج أو نسبته إلى البخل و نحوه.

و يعجبني في هذا المقام ذكر هذا الشعر:

ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله

عوضا و لو نال الغنى بسؤال

و إذا النّوال إلى السؤال قرنته

رجح السؤال و خفّ كلّ نوال

١ ١٤١ سوسوا إيمانكم بالصّدقة، و حصّنوا أموالكم بالزّكاة، و ادفعوا أمواج البلاء بالدّعاء.(٢) سوسوا: أي املكوا. و ذلك أنّ الصدقة من الإيمان التامّ مملكه و حفظه لا يكون بدونها، و قد ورد في الصدقة و الزكاة و الدعاء ما لا يخفى.

و في الحديث: إنّ الدعاء يردّ البلاء و قد أبرم إبراما.(٣) ١٤٢ السّلطان وزعة اللّه في أرضه.(٤)

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٨٤.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ١٤٦.

(٣) الكافي ٢ ٤٦٩.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٣٣٢.


الوازع عن الشي‏ء: الكافّ عنه، و المانع منه، و الجمع: وزعة، مثل قاتل و قتلة.(١) و قد قيل هذا المعنى كثيرا، قالوا: لا بدّ للناس من وزعة.(٢)

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٤٤.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٤٤.



حرف الشين

١٤٣ الشّفيع جناح الطّالب.(١) استعار له لفظ الجناح باعتبار كونه وسيلة له إلى مطلوبه كجناح الطائر.

١٤٤ شتّان بين(٢) عملين: عمل تذهب لذّته و تبقى تبعته، و عمل تذهب مؤونته و يبقى أجره.(٣) شتّان بين العملين: أي بعد ما بينهما. و الأوّل: العمل للدنيا، و تبعته هو ما يتبعه من الشقاوة الأخرويّة. و الثاني: عمل الآخرة، و ظاهر أنّ فيهما فرقا عظيما و بونا بعيدا.

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٦٣.

(٢) في النهج: ما بين.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ١٢١.


١٤٥ شاركوا الّذين قد أقبل عليهم الرّزق ١، فإنّه أخلق للغنى،

و أجدر بإقبال الحظّ.(٢) أخلق و أجدر: أي أولى. و لمّا كان إقبال الرزق بتوافق أسبابه في حقّ من أقبل عليه، كانت مشاركته مظنّة إقبال حظّ الشريك، و إقبال الرزق عليه بمشاركته.

١٤٦ شرّ الإخوان من تكلّف له.(٣) أي من أحوج إلى الكلفة له. و ذلك لأنّ الإخاء الصادق بينهما يوجب الانبساط و ترك التكلّف، فإذا احتيج إلى التكلّف له فقد دلّ ذلك على أن ليس هناك إخاء صادق، و من ليس بأخ صادق فهو من شرّ الإخوان.

____________________

(١) في النهج: شاركوا الذي قد أقبل عليه الرزق.

(٢) في نهج البلاغة، الحكمة ٢٣٠: بإقبال الحظّ عليه.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٤٧٩.

قال الرضيّ (ره): لأنّ التكليف مستلزم للمشقّة، و هو شرّ لازم عن الأخ المتكلّف له، فهو شرّ الإخوان. (نهج البلاغة، ص ٥٥٩).


حرف الصاد

١٤٧ الصّبر صبران: صبر على ما تكره، و صبر عمّا تحبّ.(١) النوع الأوّل أشقّ من النوع الثاني، لأنّ الأوّل صبر على مضرّة نازلة، و الثاني صبر على محبوب متوقّع لم يحصل.

سئل بزرجمهر في بليّته عن حاله، فقال: هوّن عليّ ما أنا فيه فكري في أربعة أشياء: أوّلها أنّي قلت: القضاء و القدر لا بدّ من جريانهما، و الثاني أنّي قلت: إن لم أصبر فما أصنع و الثالث أنّي قلت:

قد كان يجوز أن تكون المحنة أشدّ من هذه و الرابع أنّي قلت: لعلّ الفرج قريب(٢) ١٤٨ الصّلاة قربان كلّ تقيّ، و الحجّ جهاد كلّ ضعيف. و لكلّ شي‏ء

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٥٥.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٨٩.


زكاة، و زكاة البدن الصّوم ١، و جهاد المرأة حسن التّبعّل.(٢) إنّما كان الحجّ جهاد الضعيف لما فيه من مشقّة السفر، و مجاهدة الطبيعة، و مقاومة النفس الأمّارة بالسوء، و خصّ الضعيف بذلك لأنّ للقويّ جهاد آخر هو المشهور.

و أمّا أنّ الصوم زكاة البدن، فلما فيه من تنقيص قوّته و كسر شهوته لغاية طاعة اللّه و الثواب الأخرويّ، كما أنّ الزكاة تنقيص في المال مستلزم لزيادة الثواب في الآخرة.

و أمّا أنّ جهاد المرأة حسن التبعّل، فمعناه حسن معاشرة بعلها و حفظ ماله و عرضه، و طاعته فيما يأمر به و ينهى عنه، و ترك الغيرة و نحو ذلك.

قيل: أوصت امرأة ابنتها و قد أهدتها إلى بعلها فقالت: كوني له فراشا، يكن لك معاشا، و كوني له وطاء، يكن لك غطاء، و إيّاك و الإكتئاب إذا كان فرحا، و الفرح إذا كان كئيبا، و لا يطّلعنّ منك على قبيح، و لا يشمّنّ منك إلاّ طيّب ريح.(٣) ١٤٩ صحّة الجسد من قلّة الحسد.(٤)

____________________

(١) في النهج: الصيام.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ١٣٦.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٣٣.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٢٥٦.


معناه أنّ القليل الحسد لا يزال معا في بدنه، و الكثير الحسد يمرضه ما يجده في نفسه من مضاضة المنافسة، و ما يتجرّعه من الغيظ،

و مزاج البدن يتبع أحوال النفس.

و لقد أحسن الشيخ الشيرازيّ:(١)

الا تا نخواهى بلا بر حسود

كه آن بخت برگشته خود در بلاست

چه حاجت كه با او كنى دشمنى

كه او را چنين دشمنى در قفاست

١٥٠ صاحب السّلطان كراكب الأسد: يغبط بموقعه، و هو أعلم بموضعه.(٢) أي يتمنّى موقعه و هو يعلم أنّه في غاية من المخاطرة بالنفس و التعزير بها.

و قريب منه قولهم: صاحب السلطان كراكب الأسد يهابه الناس،

و هو لمركوبه أهيب.(٣) ١٥١ صواب الرّأي بالدّول: يقبل بإقبالها، و يدبر بإدبارها [ و يذهب

____________________

(١) كليّات سعدي، ٢٠٩.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٢٦٣.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ١٤٩.


بذهابها خ ل ].(١) حكي أنّه اجتمع بنو برمك عند يحيى بن خالد في آخر دولتهم و هم يومئذ عشرة، فأداروا بينهم الرأي في أمر فلم يصلح لهم، فقال يحيى: إنّا للّه ذهبت و اللّه دولتنا كنّا في إقبالنا يبرم الواحد منّا عشرة آراء مشكلة في وقت واحد، و اليوم نحن عشرة في أمر غير مشكل،

و لا يصحّ لنا فيه رأي نسأل اللّه حسن الخاتمة.(٢)

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٣٣٩.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٥٤.


حرف الضاد

١٥٢ ضع فخرك، و احطط كبرك، و اذكر قبرك.(١) قيل لحكيم: ما الشي‏ء الذي لا يحسن أن يقال و إن كان فخرا [ صدقا ظ ]؟ قال: مدح الإنسان نفسه.(٢)

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٣٩٨.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٥٣.



حرف الطاء

١٥٣ الطّمع رقّ مؤبّد.(١) استعار لفظ الرقّ للطمع باعتبار ما يستلزمه من التعبّد للمطموع فيه، و الخضوع له كالرقّ، و تأييده باعتبار دوام التعبّد بسببه، فإنّ الطامع دائم العبوديّة لمن يطمع فيه ما دام طامعا.

قال الشاعر:

تعفّف و عش حرّا و لا تك طامعا

فما قطّع الأعناق إلاّ المطامع

٢ و في المثل: أطمع من أشعب ٣، رأى سلاّلا يصنع سلّة، فقال له:

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١٨٠.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٤١٣.

(٣) قال الميداني في مجمع الأمثال ٢ ٣٠١: هو رجل من أهل المدينة، يقال له:

أشعب الطمّاع، و هو أشعب بن جبير مولى عبد اللّه بن الزبير، و كنيته أبو العلاء.


أوسعها. قال: مالك و ذاك؟ قال: لعلّ صاحبها يهدي لي فيها شيئا.(١) و قيل: لم يكن أطمع من أشعب إلاّ كلبه، رأى صورة القمر في البئر فظنّه رغيفا، فألقى نفسه في البئر يطلبه، فمات.(٢) ١٥٤ الطّامع في وثاق الذّلّ.(٣) قال الشاعر:(٤)

و اليأس إحدى الراحتين و لن ترى

تعبا كظنّ الخائب المكدود

و من الكلمات المشهورة قولهم: عزّ من قنع، و ذلّ من طمع.(٥)

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٤١٣.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٤١٣.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٢٢٦.

(٤) هو البحتريّ، انظر ديوانه ١ ١٢.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٥٠.


حرف الظاء

١٥٥ الظّفر بالحزم، و الحزم بإجالة الرّأي، و الرّأي بتحصين الأسرار.(١) الحزم أن يقدّم العمل في الحوادث الواقعة في باب الإمكان قبل وقوعها بما هو أقرب إلى السلامة، و أبعد من الغرور.

و إجالة الرأي: إعماله. و تحصين الأسرار: كتمانها.

أشار إلى المبدأ القريب للظفر و هو الحزم، و إلى البعيد منها و هو كتمان السرّ، و إلى الوسط منها و هو إجالة الرأي.

قالوا: إذاعة السرّ من قلّة الصبر، و ضيق الصدر، و توصف به ضعفة الرجال و النساء و الصبيان، و السبب في أنّه يصعب كتمان السرّ أنّ للإنسان قوّتين: إحداهما آخذة، و الأخرى معطية، و كلّ واحدة

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٤٨.


منهما تتشوّق إلى فعلها الخاصّ بها، فعلى الإنسان أن يمسك هذه القوّة و لا يطلقها إلاّ حيث يجب إطلاقها.(١)

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٧٧ ١٧٨.


حرف العين

١٥٦ عيبك مستور ما أسعدك جدّك.(١) سعادة الجدّ عبارة عن حسن البخت و توافق أسباب المصلحة في حقّ الإنسان و من مصالحه ستر العيوب و الرذائل، و بحسب دوام ذلك يدوم سترهما.

سمع من امرأة من الأعراب ترقص ابنا لها فتقول له: رزقك اللّه جدّا يخدمك عليه ذوو العقول، و لا رزقك عقلا تخدم به ذوي الجدود.(٢) ١٥٧ العفاف زينة الفقر، و الشّكر زينة الغنى.(٣)

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٥١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٨٢.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٦٨.


العفاف: العفّة. و هي فضيلة القوّة الشهويّة، و الفقير إذا ضبط شهوته بزمام عقله عن ميولها الطبيعيّة، كملت نفسه بفضيلة العفّة،

و زان فقره بفضيلته في أعين المعتبرين، و إذا أهملها و أسلس قيادها تقّحمت به في موارد الهلكة، و قادته إلى الحرص و الهلع، و الحسد و المنى و الكدية، و حصل بسببها في أقبح صورة.

و أنشد الأصمعيّ لبعضهم:

أقسم باللّه لمصّ النوى * و شرب ماء القلب المالحه

أحسن بالإنسان من ذلّه * و من سؤال الأوجه الكالحه

فاستغن باللّه تكن ذا غنى * مغتبطا بالصفقة الرابحه

طوبى لمن يصبح ميزانه * يوم يلاقي ربّه راجحه

١ و قال بعضهم: وقفت على كنيف و في أسفله كنّاف، و هو ينشد:

و أكرم نفسي عن أمور كثيرة * ألاّ إنّ إكرام النفوس من العقل

و أبخل بالفضل المبين على الأولى * رأيتهم لا يكرمون ذوي الفضل

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢١٣.


و ما شانني كنس الكنيف و إنّما * يشين الفتى أن يجتدي نائل النذل

١

و أقبح ممّا بي وقوفي مؤمّلا * نوال فتى مثلي، و أيّ فتى مثلي

٢ و نظير قوله عليه السلام: « و الشكر زينة الغنى »، قولهم: العلم بغير عمل قول باطل، و النعمة بغير شكر جيّد عاطل.(٣) ١٥٨ عجبت لمن يقنط و معه الاستغفار.(٤) القنوط هو اليأس من الرحمة.

و ورد: الاستغفار دواء الذنوب.(٥) و حكى عنه أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام أنّه قال:

كان في الأرض أمانان من عذاب اللّه، فرفع(٦) أحدهما، فدونكم الآخر فتمسّكوا به: أمّا الأمان الذي رفع فهو رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و أمّا الأمان الباقي فالاستغفار، قال اللّه تعالى: وَ مَا كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ

____________________

(١) أي يطلب عطاء اللئيم. النذل ضدّ الشريف. منه (ره)

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢١٣ ٢١٤.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢١٤.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٨٧.

(٥) ثواب الأعمال ١٩٧.

(٦) في النهج: و قد رفع.


وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ مَا كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِروُنَ.(١) قال الرضيّ (ره): و هذا من محاسن الاستخراج، و لطائف الاستنباط.(٢) ١٥٩ عجبت للبخيل يستعجل الفقر الّذي منه هرب، و يفوته الغنى الّذي إيّاه طلب، فيعيش في الدّنيا عيش الفقراء، و يحاسب في الآخرة حساب الأغنياء، و عجبت للمتكبّر الّذي كان بالأمس نطفة، و يكون غدا جيفة، و عجبت لمن شكّ في اللّه، و هو يرى خلق اللّه، و عجبت لمن نسي الموت، و هو يرى من يموت ٣، و عجبت لمن أنكر النّشأة الأخرى، و هو يرى النّشأة الأولى، و عجبت لعامر دار الفناء و تارك دار البقاء.(٤) تعجّب عليه السلام من ستّة هم محلّ العجب، و الغرض التنفير عن رذائلهم.

قيل: الرزق الواسع لمن لا يستمتع به بمنزلة الطعام الموضوع على قبر.(٥) و رأى حكيم رجلا مثريا يأكل خبزا و ملحا، فقال: لم تفعل هذا؟

____________________

(١) سورة الأنفال (٨) ٣٣.

(٢) نهج البلاغة، ص ٤٨٣.

(٣) في النهج: و هو يرى الموتى.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ١٢٦.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣١٥.


قال: أخاف الفقر، قال: فقد تعجّلته.(١) و قوله عليه السلام: « عجبت لمن أنكر النشأة الأخرى » الخ، أي عجبت لمن أنكر النشأة الأخرى و إعادة الأبدان بعد عدمها مع اعترافه بالنشأة الأولى و هي الوجود الأوّل للخلق من العدم الصرف، و ظاهر أنّ هذا محلّ التعجّب، لأنّ الأخرى أهون، كما قال تعالى: وَ هُوَ أَهْونُ عَلَيْهِ.(٢) ١٦٠ عظّم الخالق عندك يصغّر المخلوق في عينك.(٣) هذا أمر وجده العارفون باللّه، فإنّ من عرف عظمة اللّه و جلاله و لحظ جميع المخلوقات بالقياس إليه حتّى علم مالها من ذواتها و هو الإمكان و الحاجة، علم أنّها في جنب عظمته عدم، و لا أحقر من العدم. و شدّة صغر المخلوق في اعتبار العارف بحسب درجته في عرفانه.

قيل لبعض العارفين: فلان زاهد، فقال، فيماذا؟ فقيل: في الدّنيا،

فقال: الدّنيا لا تزن عند اللّه جناح بعوضة، فكيف يعتبر الزهد فيها؟

____________________

(١) نفس المصدر السابق.

(٢) سورة الروم (٣٠) ٢٧.

(٣) هكذا ضبطها الشارح (ره) و لكن في نهج البلاغة، الحكمة ١٢٩ ضبطت هكذا:

عظم الخالق عندك يصغّر المخلوق في عينك.


و الزهد إنّما يكون في شي‏ء، و الدّنيا عندي لا شي‏ء.(١) ١٦١ عليكم بطاعة من لا تعذرون في جهالته [ بجهالته خ ل ].(٢) يمكن أن يكون أراد بالموصول « اللّه » تعالى، أو أراد به نفسه عليه السلام،

لأنّه إمام واجب الطاعة بالنصّ، فلا يعذر أحد من المكلّفين في جهالة إمامته.

و قيل: هو إيجاب لطاعة من يجب طاعته من أئمّة الحقّ الّذين يجب العلم بحقيّة إمامتهم، و لا يعذر الناس في الجهل بهم لتعلّم قوانين الدين و أحكامه منهم.(٣) ١٦٢ عاتب أخاك بالإحسان إليه، و اردد شرّه بالإنعام عليه.(٤) أي اجعل مكان عتابه بالقول و الفعل، الإحسان إليه و الإنعام في حقّه، فإنّهما أنفع في دفع شرّه عنك، و عطف جانبه إليك. قال اللّه تعالى:

ادْفَعْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذا الَّذي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيُّ حَميمٌ.(٥)

____________________

(١) شرح ابن ميثم ٥ ٣١١ ٣١٢.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ١٥٦.

(٣) شرح ابن ميثم ٥ ٣٣٣.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ١٥٨.

(٥) سورة فصّلت (٤١) ٣٤.


١٦٣ عجب المرء بنفسه أحد حسّاد عقله.(١) يعني أنّ الحاسد لا يزال مجتهدا في إظهار معايب المحسود و إخفاء محاسنه، فلّما كان عجب الإنسان بنفسه كاشفا عن نقص عقله كان كالحاسد الذي دأبه إظهار عيب المحسود و نقصه.

١٦٤ العجب لغفلة الحسّاد، عن سلامة الأجساد(٢) لمّا كان الغالب أنّ الحسد إنّما يكون بالغنى و الجاه، و سائر قينات الدّنيا فترك الحسّاد الحسد بصحّة الجسد مع كونها أكبر نعم الدّنيا محلّ التعجّب.

١٦٥ عرفت اللّه سبحانه بفسخ العزائم، و حلّ العقود.(٣) هذا أحد الطرق إلى معرفة الباري سبحانه، و هو أن يعزم الإنسان على أمر، و يصمّم رأيه عليه، ثمّ لا يلبث أن يخطر اللّه بباله خاطرا صارفا له عن ذلك الفعل، و لم يكن في حسابه، أي لو لا أنّ في الوجود ذاتا مدبّرة لهذا العالم لما خطرت الخواطر التي لم تكن محتسبة.

١٦٦ العمر الّذي أعذر اللّه فيه إلى ابن آدم ستّون سنة.(٤) « أعذر اللّه فيه » أي سوّغ لابن آدم أن يعتذر، يعني أنّ ما قبل

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢١٢.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٢٢٥.

(٣) في نهج البلاغة، الحكمة ٢٥٠ زيادة: « و نقض الهمم ».

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٣٢٦.


الستّين هي أيّام الصبا و الشبيبة و الكهولة، و قد يمكن أن يعذر الإنسان فيه على اتّباع هوى النفس لغلبة الشهوة، و شره الحداثة، فإذا تجاوز الستّين دخل في سنّ الشّيخوخة، و ذهبت عنه غلواء شهرته، فلا عذر له في الجهل.

و قد قالت الشعراء نحو هذا المعنى في دون هذه الّتي عيّنها عليه السلام.

قال بعضهم:

إذا ما المرء قصّر ثمّ مرّت * عليه الأربعون عن الرجال

و لم يلحق بصالحهم فدعه * فليس بلا حق أخرى الليّالي

١ و قال الشيخ الشيرازيّ بالفارسيّة:(٢)

چو دوران عمر از چهل درگذشت * مزن دست و پا كابت از سر گذشت

نزيبد مرا با جوانان چميد * كه بر عارضم صبح پيرى دميد

١٦٧ العلم علمان: مطبوع و مسموع، و لا ينفع المسموع إذا لم يكن المطبوع.(٣)

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٣٨.

(٢) كليّات سعدي، ص ٣٨٣ ٣٨٤.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٣٣٨.


المراد من المطبوع هو العقل بالملكة و هو الاستعداد بالعلوم الضروريّة للانتقال منها إلى العلوم المكتسبة و المسموعة من العلماء،

فإذا لم يكن هناك استعداد لم ينفع الدرس و التكرار.

و قد ذكر الغزّاليّ في أقسام العلوم هذين القسمين أيضا، ثم قال:

و كلا القسمين قد يسمّى عقلا، قال علي عليه السلام:(١)

رأيت العقل عقلين * فمطبوع و مسموع

و لا ينفع مسموع * إذا لم يك مطبوع

كما لا تنفع الشمس * وضوء العين ممنوع

١٦٨ عند تناهي الشّدّة تكون الفرجة، و عند تضايق حلق البلاء يكون الرّخاء.(٢) الفرجة بفتح الفاء: التفصّي من الهمّ، قال الشاعر:

ربّما تجزع النفوس من الأمـ * ـر له فرجة كحل العقال

٣ و من كلامه عليه السلام: إنّ للنكبات غايات.(٤) و كان يقال: إذا اشتدّ المضيق، اتّسعت الطريق، و يقال أيضا:

____________________

(١) إحياء علوم الدين ١ ٧٦، في بيان حقيقة العقل و أقسامه.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٣٥١.

(٣) البيت لأمية بن أبي الصلت. الصحاح ١ ٣٣٤ فرج.

(٤) تحف العقول، باب قصارى كلمات أمير المؤمنين عليه السلام، الحديث ١٢.


توقّعوا الفرج عند ارتتاج المخرج.(١) ١٦٩ العلم مقرون بالعمل، فمن علم عمل، و العلم يهتف بالعمل، فإن أجاب و إلاّ ارتحل.(٢) إنّ اللّه تعالى جعل للنفس العاقلة قوّتين: علميّة و علميّة، و جعل كمالها باستكمال هاتين القوّتين بالعلم و العمل، و لا كمال لها بالعلم دون اقترانه بالعمل بل هو حجّة على صاحبه، و كذلك العكس.

قال عليه السلام: قصم ظهري رجلان، عالم متهتّك، و جاهل متنسّك.(٣) ١٧٠ العين حقّ، و الرّقى حقّ، و السّحر حقّ، و الطّيرة ليست بحقّ،

و العدوى ليست بحقّ، و الطّيب نشرة، و العسل نشرة، و الرّكوب نشرة،

و النّظر إلى الخضرة نشرة.(٤) و يروى: « الغسل نشرة » بالغين المعجمة، أي التطهير بالماء.(٥) و في الحديث: العين حقّ، و لو كان شي‏ء يسبق القدر لسبقته العين.(٦)

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٦٧.

(٢) في نهج البلاغة، الحكمة ٣٦٦: فإن أجابه و إلاّ ارتحل عنه.

(٣) منية المريد ١٨١.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٤٠٠.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٧٢.

(٦) المصدر السابق.


و الإصابة بالعين هي أن تستحسن النفس صورة مخصوصة و تتعجّب منها، و تكون تلك النفس خبيثة جدّا، فينفعل جسم تلك الصورة مطيعا لتلك النفس كما ينفعل البدن للسمّ.

و حكي أنّ علماء الفرس و الهند و أطباء اليونانييّن و دهاة العرب و أهل التجربة يكرهون الأكل بين يدي السباع يخافون عيونها للّذي فيها من النّهم و الشره، و لما ينحلّ عند ذلك من أجوافها من البخار الردي‏ء، و ينفصل من عيونها ممّا إذا خالط الإنسان نقض بنية قلبه و أفسده. و كانوا يكرهون قيام الخدم بالمذابّ(١) و الأشربة على رؤوسهم خوفا من أعينهم و شدّة ملاحظتهم إيّاهم، و كانوا يأمرون بإشباعهم قبل أن يأكلوا، و كانوا يقولون في الكلب و السنّور إمّا أن يطرد أو يشغل بما يطرح له.(٢) و قالت الحكماء: نفوس السباع أردأ النفوس و أخبثها لفرط شرهها و شرّها.(٣) و عن الكافي مسندا عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

الكلاب من ضعفة الجنّ، فإذا أكل أحدكم الطعام و شي‏ء منها بين يديه

____________________

(١) جمع المذبّة، و هو ما يذبّ به الذباب. منه (ره).

(٢) كتاب الحيوان، للجاحظ ٢ ١٣١ ١٣٢.

(٣) نفس المصدر ٢ ١٣٢.


فليطعمه أو ليطرده فإنّ لها أنفس سوء.(١) و عن الأصمعيّ، قال: رأيت رجلا عيونا(٢) كان يذكر عن نفسه أنّه إذا أعجبه الشي‏ء وجد حرارة تخرج من عينه.(٣) و قد حكي من تأثير العين آثار عجيبة، منه ما نقل أنّه سمع عيون صوت بول من وراء جدار حائط، فقال: إنّك كثير الشخب، فقالوا:

هو ابنك، فقال: أوه انقطع ظهره فقيل: لا بأس عليه إن شاء اللّه،

فقال: و اللّه لا يبول بعدها أبدا، فما بال حتّى مات.(٤) و الكلام في كلّ ذلك يخرج عن وضع الكتاب، و قد أطنب الفاضل ابن أبي الحديد في شرحه لهذا الكلام و ذكر حكايات كثيرة تتعلّق بالطير و الفأل و نكتا ممتّعة من مذاهب العرب و تخيّلاتها و خرافاتها و الأعاجيب الكثيرة من اعتقاداتها، من أرادها فليراجع ثمّة.(٥) و النشرة كالعوذة و الرقية، نشّرت فلانا تنشيرا، أي رقيته و عوّذته.(٦)

____________________

(١) الكافي ٦ ٥٥٣ الحديث ٩.

(٢) أي الشديد الإصابة بالعين.

(٣) شرح بن أبي الحديد ١٩ ٣٧٧.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٧٧.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٧٢ ٤٢٩.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٤٢٩.


١٧١ علامة(١) الإيمان أن تؤثر الصّدق حيث يضرّك على الكذب حيث ينفعك، و أن لا يكون في حديثك فضل عن علمك ٢، و أن تتّقي اللّه في حديث غيرك.(٣) ينبغي أن يكون هذا الحكم مقيّدا لا مطلقا، أي إذا كان الضرر غير عظيم، لأنّه إذا أضرّ الصدق ضررا عظيما يؤدّي إلى تلف النفس أو قطع العضو لم يجز فعله صريحا، و لزمت المعاريض حينئذ.

قوله عليه السلام: « و أن تتّقي اللّه في حديث غيرك »، قيل: أراد به أن يحتاط في النقل و الرواية فيرويه كما سمعه من غير تحريف.(٤) ١٧٢ العين وكاء السّته.(٥) قال السيّد (ره): و هذه من الاستعارات العجيبة، كأنّه شبّه الستة بالوعاء، و العين بالوكاء، فإذا أطلق الوكاء لم ينضبط الوعاء. و هذا القول في الأشهر الأظهر من كلام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و قد رواه قوم لأمير المؤمنين عليه السلام، و ذكر ذلك في المبرّد في الكتاب المقتضب في باب اللفظ

____________________

(١) ليست كلمة « علامة » في النهج.

(٢) في النهج: عن عملك.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٤٥٨.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ١٧٥.

(٥) في نهج البلاغة، الحكمة ٤٦٦: وكاء السه.


المعروف.(١) و قد تكلّمنا على هذه الاستعارة في كتابنا الموسوم بمجازات الآثار النبوية.(٢) انتهى.

استعار عليه السلام لفظ الوكاء و هو رباط القربة للعين باعتبار حفظ الإنسان في يقظته لنفسه من أن يخرج منه ريح و نحوها كما يحفظ الوكاء ما يوكى به، و في ذلك ملاحظة تشبيه السته بالوعاء كالقربة.

و من تمام الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: فإذا نامت العينان استطلق الوكاء.(٣)

____________________

(١) في النهج: اللفظ بالحروف.

(٢) نهج البلاغة، ص ٥٥٧.

(٣) شرح ابن ميثم ٥ ٤٦٢.


حرف الغين

١٧٣ الغنى في الغربة وطن، و الفقر في الوطن غربة.(١) قال رجل لسقراط ٢: ما أشدّ فقرك أيّها الحكيم؟ قال: لو عرفت راحة الفقر لشغلك التوجّع لنفسك عن التوجّع لي، الفقر ملك ليس عليه محاسبة.(٣) قال بعض الحكماء: ألا ترون ذا الغنى ما أدوم تعبه، و أقلّ راحته،

و أخسّ من ماله حظّه، و أشدّ من الأيّام حذره، و أغرى الدهر بنقصه و ثلمه و قد بعث الغنى عليه من سلطانه العناء، و من أكفائه الحسد،

و من أعدائه البغي، و من ذوي الحقوق الذمّ، و من الولد الملامة و تمنّي

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٥٦.

(٢) في شرح ابن أبي الحديد: لبقراط.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٩٠.


الفقدان، لا كذي البلغة فقنع فدام له السرور.(١) و قالوا: حسبك من شرف الفقر أنّك لا ترى أحدا يعصي اللّه ليفتقر، أخذه الشاعر فقال:(٢)

يا عائب الفقر ألا تزدجر * عيب الغنى أكبر لو تعتبر

إنّك تعصي اللّه تبغي الغنى * و ليس تعصي اللّه كي تفتقر

١٧٤ غيرة الرّجل إيمان، و غيرة المرأة كفر.(٣) أمّا الأوّل فلأنّ غيرة الرجل يستلزم سخطه لما سخط اللّه من اشتراك رجلين في امرأة و ذلك إيمان بخلاف المرأة فلأنّها تقوم بغيرتها في تحريم ما أحلّ اللّه و هو اشتراك مرأتين فما زاد في رجل واحد و يقابله بالردّ و الإنكار و تحريم ما أحلّ اللّه و سخطه ما رضيه ردّ عليه و هو لا محالة كفر.

و أيضا فإنّ المرأة قد تؤدّي بها الغيرة إلى ما يكون كفرا على الحقيقة كالسحر، فقد ورد في الحديث: أنّه كفر.(٤) ١٧٥ الغنى الأكبر اليأس عمّا في أيدي النّاس.(٥)

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٩١.

(٢) نفس المصدر ١٨ ١٩٠.

(٣) في نهج البلاغة، الحكمة ١٢٤ تقديم و تأخير في الفقرتين.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣١٢.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٣٤٢.


أشار بهذا إلى ذمّ الطمع و مدح الناس و قد أكثر الناس في هذا المعنى نظما و نثرا، و ممّا يروى لعبد اللّه بن المبارك الزاهد:(١)

قد أرحنا و استرحنا * من غدوّ و رواح

و اتّصال بأمير * و وزير ذي سماح

بعفاف و كفاف * و قنوع و صلاح

و جعلنا اليأس مفتا * حا لأبواب النجاح

١٧٦ الغنى و الفقر بعد العرض على اللّه.(٢) أي لا يعدّ الغني غنيّا في الحقيقة، إلاّ من حصل له ثواب الآخرة،

و لا يعدّ الفقير فقيرا إلاّ من لم يحصل له ذلك، فإنّه لا يزال شقيّا معذّبا، و ذاك هو الفقر بالحقيقة.

فأمّا غنى الدّنيا و فقرها عرضيّان، زوالهما سريع، و انقضاؤهما وشيك.

١٧٧ الغيبة جهد العاجز.(٣) أكثر ما تصدر الغيبة عن الأعداء و الحسّاد الذين يعجزون عن بلوغ أغراضهم، و شفاء صدورهم فيعدلون إلى إظهار المعايب لما

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٤٦.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٤٥٢.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٤٦١.


يجدون فيه من اللّذّة.

و نفّر عنها بنسبة فاعلها إلى العجز، و أنّها غاية جهده ليأنف من ذلك النقصان و لا يرضى به.

قيل للأحنف: من أشرف الناس؟ قال: من إذا حضر هابوه، و إذا غاب اغتابوه.(١)

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ١٧٩.


حرف الفاء

١٧٨ فاعل الخير خير منه، و فاعل الشّرّ شرّ منه.(١) و ذلك لأنّ الخير و الشرّ ليسا عبارة عن ذات حيّة قادرة، و إنّما هما فعلان، أو عدمان، أو مختلفان، فلو قطع النظر عن الذات الحيّة القادرة الّتي يصدران عنها، لما انتفع أحد بهما و لا استضرّ، فالنفع و الضرر إنّما حصلا من الحيّ الموصوف بهما لا منهما على انفرادهما،

فلذلك كان فاعل الخير خيرا من الخير، و فاعل الشرّ شرّا من الشرّ.

قال ابن أبي الحديد:(٢)

خير البضائع للإنسان مكرمة * تنمي و تزكو إذا بارت بضائعه

فالخير خير و خير منه فاعله * و الشرّ شرّ و شرّ منه صانعه

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٣٢.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٤٩.


١٧٩ فقد الأحبّة غربة.(١) استعار لفظ الغربة لفقد الأحبّة باعتبار ما يلزمهما من الوحشة و عدم الأنس.

و مثله قوله عليه السلام: الغريب من ليس له حبيب.(٢) قال الشاعر:

إذا ما مضى القرن الذي كنت فيهم * و خلّفت في قرن فأنت غريب

٣ ١٨٠ فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها.(٤) قال كمال الدين بن ميثم: غير أهلها هم اللئام و محدثو النعمة و ساقطو الأصول، و إنّما كانت أهون لأنّ فوتها يستلزم غمّا واحدا و أمّا طلبها إلى غير أهلها فإنّها لا تحصل غالبا فيستلزم غمّ فوتها ثمّ ثقل الاستنكاف و الندم [ الذمّ ظ ] من رفعها إليهم ثمّ غمّ ذلّ الحاجة إلى اللئام و له ألم عظيم، كما قال: الموت أحلى من سؤال اللئام. ثمّ غمّ ردّهم لها، و هي غموم أربعة. و كذلك إن قضيت كان فيها غمّ ثقل الاستنكاف، ثمّ ذلّ الحاجة إليهم فكان فوتها أهون على كلّ حال.

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٦٥.

(٢) في نهج البلاغة، الكتاب ٣١، ص ٤٠٤: الغريب من لم يكن له حبيب.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢١٠.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٦٦.


و هذه الكلمة تجذب إلى فضيلتي القناعة و علوّ الهمّة.(١) انتهى.

و من كلامهم: لا تطلبوا الحوائج إلى ثلاثة: إلى عبد يقول: الأمر إلى غيري، و إلى رجل حديث الغنى، و إلى تاجر همّته أن يستربح في كلّ عشرين دينارا حبّة.(٢) ١٨١ الفقيه كلّ الفقيه من لم يقنّط النّاس من رحمة اللّه، و لم يؤيسهم من روح اللّه، و لم يؤمنهم من مكر اللّه.(٣) قلّ موضع من الكتاب العزيز يذكر فيه الوعيد إلاّ و يمزجه بالوعد، مثل أن يقول: « إنّه شديد العقاب » ثمّ يقول: « و إنّه لغفور رحيم »، فالفقيه التامّ في العلم من يعلم فقه وضع الكتاب العزيز و جذب الناس إلى اللّه بوجوه من الترغيب و الترهيب و الوعد و الوعيد و البشارة و النذارة و لم يكتف مثلا على قوله تعالى: يَا عِبَاديَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعاً(٤) بل على قوله تعالى: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ.(٥)

____________________

(١) شرح ابن ميثم ٥ ٢٧٢ ٢٧٣.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٩٥.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٩٠.

(٤) سورة الزمر (٣٩) ٥٣.

(٥) سورة الأعراف (٧) ٩٩.


١٨٢ الفقر الموت الأكبر.(١) أمّا كونه موتا فلانقطاع الفقير عن مشتهياته و مطلوباته التي هي مادّة الحياة، و تألّمه لفقدها.

و أمّا أنّه أكبر فلتعاقب آلامه على الفقير مدّة حياته.

و أمّا ألم الموت ففي وقت واحد، و هو مبالغة في شدّته.

١٨٣ في تقلّب الأحوال، علم جواهر الرّجال.(٢) أي في تقلّب أحوال الدّنيا على المرء كرفعته بعد اتّضاعه و بالعكس، و كنزول الشدائد به، يعلم جوهره و باطنه من خير و شرّ و جلادة و ضعف.

قال الشاعر:

لا تحمدنّ امرأ حتّى تجرّبه * و لا تذمّنّه إلاّ بتجريب

٣ ١٨٤ في القرآن(٤) نبأ ما قبلكم، و خبر ما بعدكم، و حكم ما بينكم.(٥) الأقسام الثلاثة كلّها موجود في القرآن، فنبأ ما قبلهم أخبار

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١٦٣.

(٢) هكذا ضبطها الشارح (ره)، و في نهج البلاغة، الحكمة ٢١٧ ضبطت هكذا:

علم جواهر الرّجال.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٨.

(٤) في النهج: و في القرآن.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٣١٣.


القرون الماضية، و خبر ما بعدهم ذكر أحوال الموت و القيامة و الوعد و الوعيد و غيرها، و حكم ما بينهم بيان الأحكام الخمسة المتعلّقة بأفعالهم.

١٨٥ الفكر مرآة صافية، و الاعتبار منذر ناصح، و كفى أدبا لنفسك تجنّبك ما كرهته لغيرك.(١) و في المثل: كفى بالاعتبار منذرا، و كفى بالشيب زاجرا، و كفى بالموت واعظا.(٢) و قال بعض الحكماء: إذا أحببت أخلاق امرى‏ء فكنه، و إن أبغضتها فلا تكنه. أخذه شاعر فقال:

إذا أعجبتك خصال امرى‏ء * فكنه يكن منك ما يعجبك

فليس على المجد و المكرمات * إذا جئتها حاجب يحجبك

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٣٦٥.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٨٣.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٨٣.



حرف القاف

١٨٦ قرنت الهيبة بالخيبة، و الحياء بالحرمان، و الفرصة تمرّ مرّ السّحاب، فانتهزوا فرص الخير.(١) كانت العرب إذا أوفدت وافدا قالت له: إيّاك و الهيبة، فإنّها خيبة،

و لا تبت عند ذنب الأمر و بت عند رأسه.(٢) ١٨٧ قدر الرّجل على قدر همّته، و صدقه على قدر مروءته،

و شجاعته على قدر أنفته، و عفّته على قدر غيرته.(٣) اعلم أنّ كبر الهمّة خلق مختصّ بالإنسان فقط، و أمّا سائر الحيوانات فليس يوجد فيها ذلك، و إنّما يتجرّ أكلّ نوع منها الفعل بقدر

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٣١.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٤٧.


ما في طبعه.

و علوّ الهمّة حال متوسّطة بين التفتّح و هو تأهّل الإنسان لما لا يستحقّه و بين دناءة الهمّة و هو صغر الهمّة أي تركه لما يستحقّه لضعف في نفسه. ثمّ اعلم أنّ كبير الهمّة من لا يرضى بالهمم الحيوانيّة،

و لا يقنع لنفسه أن يكون عند رعاية بطنه و فرجه، بل يجتهد في معرفة صانع العالم و مصنوعاته، و في اكتساب المكارم الشرعيّة ليكون من أولياء اللّه في الدنيا و مجاوريه في الآخرة.

١٨٨ قلوب الرّجال و خشيّة، فمن تألّفها أقبلت عليه.(١) جعل عليه السلام أصل طبيعة القلوب التوحّش، و إنّما تستمال لأمر من خارج و هو التألّف و الإحسان.

و في معنى كلامه قولهم: من لان استمال، و من قسا نفّر، و ما استعبد الحرّ بمثل الإحسان إليه.(٢) ١٨٩ القناعة مال لا ينفد.(٣) قال رجل لسقراط(٤) الحكيم ورآه يأكل العشب: لو خدمت الملك لم تحتج إلى أن تأكل الحشيش، و قال له الحكيم: و أنت لو أكلت

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٥٠.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٨٠.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٥٧.

(٤) في شرح ابن أبي الحديد: لبقراط.


الحشيش لم تحتج أن تخدم الملك.(١) و قد أخذ هذا المعنى شيخنا البهائيّ، و نظمه بالفارسيّة في كتاب « نان و حلوا » ٢: نوجوانى از خواص پادشاه إلى آخره.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٩٢.

(٢) تمام الحكاية هكذا (انظر « كليّات شيخ بهائيّ »، ص ١٩):

نوجوانى از خواص پادشاه

مى‏شدى با حشمت و تمكين به راه

دل ز غم خالى و سر پر از هوس

جمله اسباب تنعّم پيش و پس

بر يكى عابد در آن صحرا گذشت

كو علف مى‏خورد چون آهوى دشت

هر زمان در ذكر حىّ لا يموت

شكر گويان كش ميسّر گشت قوت

نوجوان سويش خراميد و بگفت

كاى شده با وحشيان در قوت جفت

سبز گشته چون زمرّد رنگ تو

چونكه نايد جز علف در چنگ تو

شد تنت چون عنكبوت از لاغرى

چون گوزنان چند در صحرا چرى

گر چو من بودى تو خدمتكار شاه

در علف خوردن نمى‏گشتى تباه

پير گفتش كاى جوان نامدار

كت بود از خدمت شه افتخار

گر چو من تو نيز مى‏خوردى علف

كى شدى عمرت در اين خدمت تلف؟


و من كلام الحكماء: قاوم الفقر بالقناعة، و قاهر الغنى بالتعفّف، و طاول عناء الحاسد بحسن الصنع، و غالب الموت بالذكر الجميل.(١) و قال الشاعر:(٢)

أنا كالثعبان جلدي ملبسي

لست محتاجا إلى ثوب الجمال

فالخمول العزّ و اليأس الغنى

و القنوع الملك هذا ما بدا لي

١٩٠ قيمة كلّ امرى‏ء ما يحسنه.(٣) قال الرضيّ: هذه الكلمة التي لا تصاب لها قيمة، و لا توزن بها حكمة، و لا تقرن اليها كلمة.(٤) الغرض من هذا الكلام التحريض و الترغيب في أعلى ما يكتسب من الكمالات النفسانيّة و الصناعات و نحوها، فإنّ أرفع الناس في نفوس الناس منزلة أعظمهم كمالا، و أنقصهم درجة أحسنهم فيما هو عليه من حرفة أو صناعة و نحو ذلك.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٩٢.

(٢) البيت للغزّيّ، انظر شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ٢٤٤.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٨١.

(٤) نهج البلاغة، ص ٤٨٢.


١٩١ و ١٩٢ و ١٩٣ قلّة العيال أحد اليسارين، و التّودّد نصف العقل، و الهم نصف الهرم.(١) اليسار الثاني كثرة المال، يقول عليه السلام: إنّ قلّة العيال مع الفقر كاليسار الحقيقيّ مع كثرتهم، فإنّ العيال أرضة المال كما في أمثال الحكماء.(٢) و أمّا التودّد، و هو جميل المعاشرة و حسن الصحبة و المسامحة و المعاملة بين الناس على الظاهر، و هو نصف العقل أي العقل العمليّ،

فلا يحتاج إلى بيان.

و أمّا الهمّ نصف الهرم، فلأنّ الهرم إمّا طبيعيّ و إمّا لسبب من خارج و هو الهمّ و الحزن و الخوف المستلزم له، فهو اذن قسيم للسبب الطبيعيّ للهرم و قسم من أسبابه، فصار بمنزلة النصف له، أي نصف سبب الهرم.(٣) ١٩٤ قد بصّرتم إن أبصرتم، و قد هديتم إن اهتديتم، و أسمعتم إن استمعتم.(٣) قال اللّه تعالى: وَ أمَّا ثَمُودَ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلى

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١٤١ و ١٤٢ و ١٤٣.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٣٩.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ١٥٧.


الْهُدى‏.(١) و قال: وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ.(٢) ١٩٥ قد أضاء الصّبح لذي عينين.(٣) هذا الكلام جار مجرى المثل و مثله: و الشمس لا تخفى عن الأبصار.(٤) ١٩٦ و ١٩٧ قليل تدوم عليه أرجى (مدوم عليه خير) من كثير مملول منه.(٥) لا ريب أنّ من أراد حفظ كتاب مثلا، فحفظ منه قليلا قليلا،

و دام على ذلك، فإنّ ذلك أنفع له و أرجى لفلاحه من أن يحفظ كثيرا و لا يدوم عليه لملاله إيّاه و ضجره منه، و التجربة تشهد بذلك.

و القول في غير الحفظ كالقول في الحفظ، نحو العطاء اليسير الدائم الذي هو خير من الكثير المنقطع إلى غير ذلك.

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إنّ هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، فإنّ

____________________

(١) سورة فصّلت (٤١) ١٧.

(٢) سورة البلد (٩٠) ١٠.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ١٦٩.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٩٥.

(٥) انظر نهج البلاغة، الحكمتين ٢٧٨ و ٤٤٤.


المنبتّ لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى.(١) و يعجبني نقل كلام السعدي و لو كان بالفارسيّة ها هنا:(٢)

به چشم خويش ديدم در بيابان

كه آهسته سبق برد از شتابان

سمند باد پاى از تك فرو ماند

شتربان همچنان آهسته مى‏راند

١٩٨ قطع العلم عذر المتعلّلين.(٣) أي العلم بالدين و ما بلّغه الرسول صلّى اللّه عليه و آله من البشارة و النذارة،

فإنّ ذلك قاطع لعذر من عساه يقول:

إنّا كنّا عن هذا غافلين، و يعلّلون أنفسهم بالباطل و يقولون: إنّ الربّ كريم رحيم، فلا حاجة لنا إلى إتعاب أنفسنا بالعبادة.

١٩٩ القلب مصحف البصر.(٤) أي كما أنّ الإنسان إذا نظر في المصحف قرأ ما فيه، كذلك إذا أبصر الإنسان صاحبه فإنّه يرى قلبه بوساطة رؤية الخطّ الذي في المصحف ما يدلّ الخطّ عليه.

قال الشاعر:(٥)

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ٩٤.

(٢) كليّات سعدي، ص ٢٠٢.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٢٨٤.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٤٠٩.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ٤٦.


إنّ العيون لتبدي في تقلّبها

ما في الضمائر من ودّ و من حنق

١ و قال آخر:(٢)

تخبّرني العينان ما القلب كاتم

و ما جنّ بالبغضاء و النظر الشّزر

٣

____________________

(١) الحنق: البغض.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ٤٦.

(٣) نظر شزر: فيه إعراض كنظر المعادي المبغض، و قيل: هو النظر بمؤخّر العين،

و أكثر ما يكون النظر الشزر في حال الغضب. (لسان العرب ٧ ١٠٧ شزر)


حرف الكاف

٢٠٠ كن في الفتنة كابن اللّبون، لا ظهر فيركب، و لا ضرع فيحلب.(١) ابن اللّبون: ابن الناقة الذكر إذا استكمل السنّة الثانية و دخل في الثالثة، و هو لا يكون قد كمل و قوي ظهره على أن يركب، و ليس بأنثى ذات ضرع فتحلب و هو مطّرح لا ينتفع به.

و أيّام الفتنة هي أيّام الخصومة و الحرب بين رئيسين ضالّين يدعوان كلاهما إلى ضلالة كفتنة عبد الملك و ابن الزبير، و فتنة الحجّاج و ابن الأشعث و نحو ذلك، فأمّا إذا كان أحدهما صاحب حقّ فليست أيّام فتنة كالجمل و صفّين و نحوهما بل يجب الجهاد مع صاحب الحقّ ببذل المال و النفس.

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١.


و في الكلام حذف، تقديره: له.(١) ٢٠١ كن سمحا و لا تكن مبذّرا، و كن مقدّرا و لا تكن مقتّرا.(٢) كلّ كلام جاء في هذا فهو مأخوذ من قوله سبحانه: وَ لاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَ لاَ تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً.(٣) و نحو قوله: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إخْوانَ الشَّياطيِنِ.(٤) و قوله تعالى: وَ الَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَواماً.(٥) ٢٠٢ كلّ معدود منقض، و كلّ متوقّع آت.(٦) الفقرة الأولى إشارة إلى أنفاس العباد و حركاتهم، و الثانية تخويف بما يتوقّع من الموت و توابعه.

٢٠٣ كم من مستدرج بالإحسان إليه، و مغرور بالسّتر عليه،

و مفتون بحسن القول فيه و ما ابتلى اللّه أحدا بمثل الإملاء له.(٧)

____________________

(١) يعني: لا ظهر له فيركب، و لا ضرع له فيحلب.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٣٣.

(٣) سورة الإسراء (١٧) ٢٩.

(٤) سورة الإسراء (١٧) ٢٧.

(٥) سورة الفرقان (٢٥) ٦٧.

(٦) نهج البلاغة، الحكمة ٧٥.

(٧) نهج البلاغة، الحكمة ١١٦.


المستدرج: المأخوذ على غرّة. و الإملاء: الإمهال و تأخير المدّة.

و لمّا كانت غاية الابتلاء بهذه الأمور التي كلّها نعم في الحقيقة، إمّا شكرها أو كفرها، و كان الشكر هو الغاية الخيريّة المطلوبة بالذات نبّه المبتلى بالنعمة الأولى على وجوب شكرها بأنّه كثيرا ما يستدرج بها فينبغي أن لا يغفل عنها. و نبّه المبتلى بالثانية على أنّها كثيرا ما يكون سببا لغرّته باللّه و الأمن من مكره فينهمك في المعاصي. و نبّه الثالث بكون نعمته قد يكون سببا لفتنته و ارتكابه لرذيلة العجب بنفسه. و نبّه الرابع بكون نعمته أعظم ما يبتلى به من النعم.(١) ٢٠٤ كم من صائم ليس له من صيامه إلاّ الجوع و العطش [ و الظمّأ خ ل ]، و كم من قائم ليس له من قيامه إلاّ السّهر و العناء، حبّذا نوم الأكياس و إفطارهم.(٢) إنّما مدح نوم الأكياس و إفطارهم، لأنّ الكيّس هو الذي يستعمل ذكاه و فطنته في طريق الخير و على الوجه المرضيّ للشارع، و يضع كلّ شي‏ء موضعه، و من كان كذلك كان نومه و إفطاره و جميع تصرّفاته في عباداته موضعة موضعها من رضاء اللّه و محبّته بخلاف الجاهلين باللّه و بشرائط العبادة، فإنّ نصيبهم من الصيام و القيام ما ذكره أمير

____________________

(١) مأخوذ من شرح ابن ميثم ٥ ٣٠٣ ٣٠٤.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ١٤٥.


المؤمنين عليه السلام.

قال تعالى: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ. تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً(١) و ورد: ربّ تال القرآن، و القرآن يلعنه.(٢) ٢٠٥ كم من أكلة منعت (تمنع خ ل) أكلات(٣) هذا حقّ و قد أخذ هذا المعنى بلفظه الحريريّ، فقال في المقامات:

ربّ أكلة هاضت الآكل، و منعته مآكل.(٤) و أخذه ابن العلاّف الشاعر فقال في سنّوره الذي يرثيه:(٥)

أردت أن تأكل الفراخ و لا

يأكلك الدهر أكل مضطهد

يا من لذيذ الفراخ أوقعه

ويحك هلاّ قنعت بالغدد

كم أكلة خامرت حشا شره

فأخرجت روحه من الجسد

٦ و العرب تعيّر بكثرة الأكل، و تعيب بالجشع و الشره و النهم، و قد كان فيها قوم موصوفون بكثرة الأكل، منهم معاوية، كان يأكل حتّى يستلقي و يقول: يا غلام، ارفع فلأنّي و اللّه ما شبعت و لكن مللت.(٧)

____________________

(١) سورة الغاشية (٨٨) ٣ ٤.

(٢) بحار الأنوار ٩٢ ١٨٤، نقلا عن جامع الأخبار.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ١٧١.

(٤) مقامات الحريريّ، المقامة الكوفيّة، ص ٤١. و فيه: حرمته مآكل.

(٥) و فيات الأعيان ٢ ١١٠، حياة الحيوان للدميري ٢ ٤٠٣.

(٦) في الوفيات: « كم دخلت لقمة حشا شره » بدل المصراع الأول.

(٧) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٩٨.


قال الشاعر:

و صاحب لي بطنه كالهاويه

كأنّ في أمعائه معاويه

و كان عبيد اللّه بن زياد يأكل في اليوم خمس أكلات أخراهنّ خيبة (؟) بعسل، و يوضح بين يديه بعد أن يفرغ الطعام عناق أو جدي فيأتي عليه وحده.(١) و كان سليمان بن عبد الملك المصيبة العظمى في الأكل. حكي أنّه دخل الحمّام فأطال، ثمّ خرج فأكل ثلاثين خروفا بثمانين رغيفا، ثمّ قعد على المائدة فأكل مع الناس كأنّه لم يأكل شيئا.(٢) و نوادر آثاره في الأكل كثيرة.

و كان الحجّاج و هلال بن أشعر المازنيّ و هلال بن أبي بردة و عنبسة و ميسرة الرأس موصوفين بكثرة الأكل و لهم نوادر أوردها ابن أبي الحديد في الشرح.(٣) و كان أبو الحسن العلاّف والد أبي بكر العلاّف الشاعر المحدّث أكولا، دخل يوما على الوزير أبي بكر محمّد المهلبيّ، فأمر الوزير أن يؤخذ حماره فيذبح و يطبخ بماء و ملح، ثمّ قدّم له على مائدة الوزير،

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٩٨.

(٢) نفس المصدر السابق.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٤٠٠ ٤٠١.


فأكل و هو يظنّه لحم البقر، و يستطيبه حتّى أتى عليه، فلمّا خرج ليركب طلب الحمار، فقيل له: في جوفك.(١) و كان أبو العالية أكولا، نذرت امرأة حامل إن أتت بذكر تشبع أبا العالية خبيصا، فولدت غلاما، فأحضرته، فأكل جفان خبيصا، ثمّ أمسك، و خرج، فقيل له: إنّها كانت نذرت أن تشبعك، فقال: و اللّه لو علمت ما شبعت إلى الليل.(٢) ٢٠٦ كلّ وعاء يضيق بما جعل فيه إلاّ وعاء العلم، فإنّه يتّسع به.(٣) الأوعية المحسوسة لمّا كانت متناهية الاتّساع، فمن شأنها أن يضيق بما يجعل فيها، و أوعية العلم معقولة و هي النفوس، و قوّة إدراك العلوم فيها غير متناهية، و كلّ مرتبة من إدراكها تعدّ لما بعدها إلى غير النهاية، فبالواجب أن يتّسع بالعلم و يزيد بزيادته.

٢٠٧ كفى بالقناعة ملكا، و بحسن الخلق نعيما.(٤) استعار لفظ الملك للقناعة لأنّ غاية الملك الغناء عن الخلق،

و الترفّع عليهم بذلك. و الالتذاذ و القناعة مستلزمة لهذه الغايات،

و كذلك استعار لفظ النعيم لحسن الخلق باعتبار استلزامها للالتذاذ.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٤٠٠.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٤٠١.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٢٠٥.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٢٢٩.


و ما ورد في فضل القناعة أكثر من أن يحصى.

و سئل عليه السلام عن قول اللّه عزّ و جل: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً،(١) فقال: هي القناعة.(٢) و ذلك لأنّه لا ريب أنّ الحياة الطيّبة هي حياة الغنى، و الغنى هو القنوع، لأنّه إذا كان الغنى عدم الحاجة فأغنى الناس أقلّهم حاجة إلى الناس، و لذلك كان اللّه تعالى أغنى الأغنياء، لأنّه لا حاجة به إلى شي‏ء، و على هذا دلّ النبي صلّى اللّه عليه و آله بقوله:

ليس الغنى بكثرة العرض، إنّما الغنى غنى النفس.(٣) ٢٠٨ الكرم أعطف من الرّحم.(٤) أي الكريم بكرمه أعطف على المنعم عليه من ذي الرحم على رحمه، لأنّ عاطفة الكريم طبع و عاطفة ذي الرحم قد يكون تكلّفا و قد لا يكون أصلا.

و مثل هذا قول أبي تمّام لابن الجهم:(٥)

إلاّ يكن نسب يؤلّف بيننا

أدب أقمناه مقام الوالد

____________________

(١) سورة النحل (١٦) ٩٧.

(٢) نهج البلاغة، ص ٥٠٩.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٥٥.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٢٤٧.

(٥) ديوان أبي تمّام، ص ٨٦ و فيه: « أو يفترق » بدل « إلاّ يكن ».


أو يختلف ماء الوصال فماؤنا

عذب تحدّر من غمام واحد

٢٠٩ كلّ معاجل يسأل الإنظار، و كلّ مؤجّل يتعلّل بالتّسويف.(١) قال اللّه سبحانه: حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ ربِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فيما تَرَكْتُ كَلاّ... الآية.(٢) فهذا سؤال الإنظار لمن عوجل، فأمّا من أجّل فإنّه يعلّل نفسه بالتسويف، و يقول: سوف أتوب، سوف أقلع عمّا أنا عليه، فأكثرهم يخترم(٣) من غير أن يبلغ هذا الأمل. و تأتيه المنيّة و هو على أقبح حال و أسوئها، و منهم من تشمله السعادة فيتوب قبل الموت، و أولئك الذين ختمت عاقبتهم بخير، و قليل ما هم جعل اللّه عواقب أمورنا خيرا بمحمّد و آله صلوات اللّه عليهم.

٢١٠ كفى بالأجل حارسا.(٤) استعار له لفظ الحارس باعتبار أنّ الإنسان لا يهلك ما دام أجله كالحارس.

و كان عليه السلام يقول: إنّ عليّ من اللّه جنّة حصينة، فإذا جاء يومي

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢٨٥.

(٢) سورة المؤمنون (٢٣) ٩٩ ١٠٠.

(٣) يقال: اختر مته المنيّة من بين أصحابه: أخذته من بينهم. (لسان العرب ٤ ٧٧ خرم)

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٣٠٦.


أسلمتني، فحينئذ لا يطيش السهم، و لا يبرأ الكلم.(١) و عن مناقب ابن شهر آشوب: كان مكتوبا على درع أمير المؤمنين عليه السلام:

أيّ يوميّ من الموت أفر

يوم لا يقدر أم يوم قدر

يوم لا يقدر لا أخشى الوغى

يوم قد قدّر لا يغني الحذر

٢ ٢١١ الكلام في وثاقك ما لم تتكلّم به، فإذا تكلّمت به صرت في وثاقه، فاخزن لسانك كما تحزن ذهبك و ورقك، فربّ كلمة سلبت نعمة و جلبت نقمة.(٣) كان يقال: لا خير في الحياة إلاّ لصموت واع، أو ناطق محس.(٤) و قيل لحذيفة: قد أطلت سجن لسانك فقال: لأنّه غير مأمون.(٥) و من أمثال العجم: زبان سرخ سر سبز مى‏دهد بر باد(٦) ٢١٢ كلّ مقتصر عليه كاف.(٧) هذا من باب القناعة، و إنّ من اقتصر على شي‏ء و قنعت به نفسه

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢١٢.

(٢) مناقب آل أبي طالب ٣ ٢٩٨، العقد الفريد ١ ٩٦.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٣٨١.

(٤) و (٥) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٢٢.

(٦) أمثال و حكم ٢ ٨٩٣.

(٧) نهج البلاغة، الحكمة ٣٩٥.


فقد كفاه، و قام مقام الفضول الّتي يرغب فيها المترفون.

٢١٣ كفاك أدبا لنفسك اجتناب ما تكرهه من غيرك.(١) و قد قال عليه السلام نظير هذه الكلمة، فراجع به.

٢١٤ كفاك من عقلك ما أوضح لك سبل غيّك من رشدك.(٢) الغرض من العقل العمليّ هو ما ذكره عليه السلام، و كفى به.

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٤١٢.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٤٢١.


حرف اللاّم

٢١٥ لنا حقّ، فإنّ أعطيناه، و إلاّ ركبنا أعجاز الإبل، و إن طال السّرى.(١) قال السيّد الرضيّ رضى اللّه عنه: و هذا القول من لطيف الكلام و فصيحه،

و معناه: أنّا إن لم نعط حقّنا كنّا أذلاّء، و ذلك أنّ الرديف يركب عجز البعير، كالعبد و الأسير و من يجري مجراهما.(٢) انتهى.

قد فسّر كلامه عليه السلام على وجهين: أحدهما أنّ راكب عجز البعير يلحق مشقّة و ضررا، و هذا قريب ممّا فسّره الرضيّ. و الثاني أنّ راكب عجز البعير إنّما يكون إذا كان غيره قد ركب على ظهر البعير، و راكب الظهر متقدّم على راكب العجز، فأراد أنّا إذا منعنا حقّنا تأخّرنا و تقدّم

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢٢.

(٢) نهج البلاغة، ص ٤٧٢.


غيرنا علينا، فكنّا كالراكب رديفا لغيره، و أكّد المعنى على كلا التفسيرين بقوله: « و إن طال السرى » السرى: سير الليل، أي المشقّة.

و هذا الكلام قاله يوم السقيفة أو في تلك الأيّام، و قيل: قاله يوم الشورى.(١) ٢١٦ لا قربة بالنّوافل إذا [ ما خ ل ] أضرّت بالفرائض.(٢) هذا الكلام يمكن أن يحمل على حقيقته و يمكن أن يحمل على مجازه، فإن حمل على حقيقته فمعناه: لا يصحّ التنفّل ممّن عليه قضاء فريضة فاتته، و هذا مذهب كثير من الفقهاء. و أمّا إذا حمل على مجازه فإنّ معناه: يجب الابتداء بالأهمّ و تقديمه على ما ليس بأهمّ، نحو أن تقول لمن توصيه: لا تبدأ بخدمة حاجب الملك قبل أن تبدأ بخدمة ولد الملك، فإنّك إنّما تروم القربة للملك بالخدمة، و لا قربة إليه في تأخير خدمة ولده و تقديم خدمة غلامه.

٢١٧ لسان العاقل وراء قلبه، و قلب الأحمق وراء لسانه.(٣) قال الرضيّ (ره): و هذا من المعاني العجيبة الشريفة، و المراد به أنّ العاقل لا يطلق لسانه إلاّ بعد مشاورة الرويّة، و مؤامرة الفكرة،

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٣٣.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٣٩.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٤٠.


و الأحمق تسبق حذفات لسانه، و فلتات كلامه، مراجعة فكره،

و مما خضة رأيه، فكأنّ لسان العاقل تابع لقلبه، و كأنّ قلب الأحمق تابع للسانه.(١) قال: و قد روي عنه عليه السلام هذا المعنى بلفظ آخر، و هو قوله عليه السلام:

٢١٨ قلب الأحمق في فيه، و لسان العاقل في قلبه.(٢) و معناهما واحد. انتهى.

الكلام في العقل و الحمق أكثر من أن يذكر و نحن نذكر ها هنا نبذا يسيرا على حسب دأبنا في هذا الشرح.

قالوا: كلّ شي‏ء إذا كثر رخص إلاّ العقل، فإنّه كلّما كان أكثر كان أعزّ و أغلى.(٣) و كان عبد الملك يقول: أنا للعاقل المدبر أرجى منّي للأحمق المقبل.(٤) قيل لبعضهم: العقل أفضل أم الجدّ؟ فقال: العقل من الجدّ.(٥) و قال أرسطو: العاقل يوافق العاقل، و الأحمق لا يوافق العاقل،

____________________

(١) نهج البلاغة، ص ٤٧٦.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٤١.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٥٩.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٥٩.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٦٠.


و الأحمق(١) كالعود المستقيم الذي ينطبق على المستقيم، فأمّا المعوجّ فإنّه لا ينطبق على المعوجّ و لا على المستقيم.(٢) قلت: و منه قول الطغرائيّ في « لاميّة العجم »:

و شان صدقك عند الناس كذبهم

و هل يطابق معوجّ بمعتدل

٣ قال هشام بن عبد الملك يوما لأصحابه: إنّ حمق الرجل يعرف بخصال أربع: طول لحيته، و بشاعة كنيته، و نقش خاتمه، و إفراط نهمته.

فدخل عليه شيخ طويل العثنون، فقال هشام: أمّا هذا فقد جاء بواحدة فانظروا أين هو من الباقي، قالوا له: ما كنية الشيخ؟ قال: أبو الياقوت، فسألوه عن نقش خاتمه، فإذا هو: وَ جَاؤُوا عَلَى قَميصهِ بِدَمٍ كَذِبٍ(٤) فقيل له: أي الطعام تشتهي؟ قال: الدبّاء(٥) بالزيت، فقال هشام: إنّ صاحبكم قد كمل.(٦) و أرسل ابن لعجل بن لجيم فرسا له في حلبة، فجاء سابقا، فقيل له:

سمّه باسم يعرف به، فقام ففقأ عينه، و قال: قد سمّيته الأعور، فقال

____________________

(١) كذا في المتن. و الصحيح: و لا أحمق، كما في شرح ابن أبي الحديد.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٦٠.

(٣) معجم الأدباء ١٠ ٦٧.

(٤) سورة يوسف (١٢) ١٨.

(٥) الدبّاء: القرع.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٦٠ ١٦١.


شاعر يهجوه:

رمتني بنو عجل بداء أبيهم

و أيّ عباد اللّه أنوك من عجل

أ ليس أبوهم عار عين جواده

فأضحت به الأمثال تضرب بالجهل

١ و كان عبد الملك بن هلال عنده زنبيل مملوء حصا للتسبيح، فكان يسبّح بواحدة واحدة، فإذا ملّ طرح اثنتين اثنتين، ثمّ ثلاثا ثلاثا،

فإذا ازداد ملاله قبض قبضة و قال: سبحان اللّه عددك فإذا ضجر أخذ بعرا الزنبيل و قلّبه، و قال: سبحان اللّه بعدد هذا.(٢) وصف بعضهم إنسانا أحمق، فقال: و اللّه للحكمة أزلّ عن قلبه من المداد عن الأديم الدهين.(٣) ٤ و من حمقى العرب و جهلائهم كلاب بن صعصعة، خرج إخوته يشترون خيلا، فخرج معهم، فجاء بعجل يقوده، فقيل له: ما هذا؟

فقال: فرس اشتريته، قالوا: يا مائق(٥) هذه بقرة، أما ترى قرنيها

____________________

(١) العقد الفريد ٧ ١٧٣.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٦٤.

(٣) الدهين فعيل من الدهن. منه (ره)

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٦٥.

(٥) المائق: الأحمق.


فرجع إلى منزله فقطع قرنيها، ثمّ قادها، فقال لهم: قد أعددتها فرسا كما تريدون، فأولاده يدعون بني فارس البقرة.(١) و استعمل معاوية عاملا من كلب، فخطب يوما، فذكر المجوس،

فقال: لعنهم اللّه ينكحون أمّهاتهم، و اللّه لو أعطيت عشرة آلاف درهم ما نكحت أمّي، فبلغ ذلك معاوية، فقال: قبّحه اللّه أترونه لو زادوه فعل و عزله.(٢) و شرد بعير لهبنّقة و اسمه يزيد بن شروان فجعل ينادي: لمن أتى به بعيران، فقيل له: كيف تبذل ويلك بعيرين في بعير فقال: لحلاوة الوجدان.(٣) ٢١٩ لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني، و لو صببت الدّنيا بجمّاتها على المنافق على أن يحبّني ما أحبّني.

و ذلك أنّه قضي فانقضى على لسان النّبيّ الأمّيّ صلّى اللّه عليه و آله، أنّه قال: يا عليّ، لا يبغضك مؤمن، و لا يحبّك منافق.(٤) جمّاتها بالفتح: جمع جمّة، و هي المكان يجتمع فيه الماء. و هذه استعارة لمجتمع المال.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٦٥.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٦٦.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٦٦.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٤٥.


و الخيشوم: أقصى الأنف، و مراده عليه السلام من هذا الفصل إذكار الناس ما قاله فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو: لا يبغضك مؤمن و لا يحبّك منافق.

٢٢٠ لا غنى كالعقل، و لا فقر كالجهل، و لا ميراث كالأدب، و لا ظهير كالمشاورة.(١) قال بزرجمهر الحكيم: ما ورثّت الاباء ابناءها شيئا أفضل من الأدب، لأنّها إذا ورّثتها الأدب اكتسبت بالأدب المال، فإذا ورثّتها المال بلا أدب اتلفته بالجهل، و قعدت صفرا من المال و الأدب.(٢) و كان يقال: عليكم بالأدب، فإنّه صاحب في السفر، و مؤنس في الوحدة، و جمال في المحفل، و سبب إلى طلب الحاجة.(٣) و سيأتي مثل هذا الكلام بعد هذا.

٢٢١ اللّسان سبع، إن خلّي عنه عقر.(٤) قالت الحكماء: النطق أشرف ما خصّ به الإنسان، لأنّه صورته المعقولة الّتي باين بها سائر الحيوانات، و لذلك قال سبحانه: خَلَقَ

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٥٤.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٨٧.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٨٨.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٦٠.


الإنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ ١، و لم يقل: « و علّمه » بالواو، لأنّه سبحانه جعل قوله: « علّمه البيان » تفسيرا لقوله: « خلق الإنسان »، لا عطفا عليه، تنبيها على أنّ خلقه له هو تخصيصه بالبيان الذي لو توهّم مرتفعا لارتفعت إنسانيّته، و لذلك قيل: ما الإنسان لو لا اللسان إلاّ بهيمة مهملة، أو صورة ممثّلة.(٢) قالوا: و الصمت من حيث هو صمت مذموم، و هو من صفات الجمادات، فضلا عن الحيوانات، و كلام أمير المؤمنين عليه السلام و غيره من العلماء و الحكماء في مدح الصمت محمول على من يسي‏ء الكلام، فيقع منه جنايات عظيمة في أمور الدين و الدّنيا، كما ورد في الخبر: إنّ الإنسان إذا أصبح قالت أعضاؤه للسانه: اتّق اللّه فينا، فإنّك إن استقمت نجونا، و إن زغت هلكنا.(٣) ٢٢٢ لا تستح من إعطاء القليل، فإنّ الحرمان أقلّ منه.(٤) أراد بقوله: أقلّ منه، أي أحقر بالاعتبار، و هذا نوع من الحثّ على الإفضال و الجود لطيف.

سئل أرسطو: هل من جود يستطاع أن يتناول به كلّ أحد؟ قال:

____________________

(١) سورة الرحمن (٥٥) ٣ ٤.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٩٦.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٩٧.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٦٧.


نعم، أن تنوي الخير لكلّ أحد.(١) ٢٢٣ لا ترى الجاهل إلاّ مفرطا أو مفرّطا.(٢) العدالة هي الخلق المتوسّط، و هو محمود بين مذمومين، فالشجاعة محفوفة بالتهوّر و الجبن، و الذكاء بالغباوة و الجربزة، و لجود بالشحّ و التبذير، و الحلم بالجمادية و الاستشاطة، و على هذا كلّ ضدّين من الأخلاق فبينهما خلق متوسّط، و هو المسمّى بالعدالة، فلذلك لا يرى الجاهل إلاّ مفرطا و هو الجهل المركّب أو مفرّطا و هو الجهل البسيط كصاحب الغيرة، فهو إمّا أن يفرط فيها، فيخرج عن القانون الصحيح فيغار لا من موجب، بل بالوهم و بالخيال و بالوسواس، و إمّا أن يفرّط فلا يبحث عن حال نسائه و لا يبالي ما صنعن، و كلا الأمرين مذموم، و المحمود الاعتدال.

٢٢٤ لا يستقيم قضاء الحوائج إلاّ بثلاث: باستصغارها لتعظم،

و باستكتامها لتظهر، و بتعجيلها لتهنؤ.(٣) اشترط في استقامة الحوائج ثلاث شرائط:

أحدها: استصغار قاضي الحاجة لها ليعرف بالسماحة و كبر

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢١٢.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٧٠.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ١٠١.


النفس فيعظم عطاؤه و يشتهر.

الثانية: أن يكتمها، فإنّ طباع الناس أدعى إلى إظهار ما استكتم،

و أكثر عناية به من غيره.

الثالثة: أن يعجّلها لتهنؤ، أي لتكون هنيئة، و ذلك لأنّ الإبطاء بقضاء الحاجة ينغّصها على طالبها، فتكون لذّتها مشوبة بتكدير بطؤها.

و لهذا قالوا: و خير الخير ما كان عاجله.(١) و كان يقال: المنع أروح من التأخير.(٢) و قال خالد بن صفوان: لا تطلبوا الحوائج في غير حينها، و لا تطلبوها إلى غير أهلها، و لا تطلبوا ما لستم له بأهل فتكونوا للمنع خلقاء.(٣) ٢٢٥ لا يترك النّاس شيئا من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم إلاّ فتح اللّه عليهم ما هو أضرّ منه.(٤) مثال ذلك إنسان يضيّع وقت صلاة الفريضة عليه، و هو مشتغل

____________________

(١) و في الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: إنّ اللّه يحبّ من الخير ما يعجّل. (الكافي ٢ ١٤٢)

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٥٨.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٥٨.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ١٠٦.


بمحاسبة وكيله و مخافته على ماله، خوفا أن يكون خانه في شي‏ء منه،

فهو يحرص على مناقشته عليه، فتفوته الصلاة.

٢٢٦ لا يقيم أمر اللّه سبحانه إلاّ من لا يصانع، و لا يضارع، و لا يتّبع المطامع.(١) المصانعة: بذل الرشوة، و في المثل: من صانع بالمال، لم يحتشم من طلب الحاجة.(٢) و يضارع: يتعرّض لطلب الحاجة، و يجوز أن يكون من الضراعة، و هي الخضوع.

٢٢٧ لا مال أعود من العقل، و لا وحدة أوحش من العجب، و لا عقل كالتّدبير و لا كرم كالتّقوى، و لا قرين كحسن الخلق، و لا ميراث كالأدب،

و لا قائد كالتّوفيق، و لا تجارة كالعمل الصّالح، و لا زرع(٣) كالثّواب، و لا ورع كالوقوف عند الشّبهة، و لا زهد كالزّهد في الحرام، و لا علم كالتّفكّر،

و لا عبادة كأداء الفرائض، و لا إيمان كالحياء و الصّبر، و لا حسب كالتّواضع،

و لا شرف كالعلم، و لا عزّ كالحلم، و لا مظاهرة أوثق من المشاورة.(٤) أمّا المال فإنّ العقل أعود منه، لأنّ الأحمق ذا المال طالما ذهب

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١١٠.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٧٤.

(٣) في النهج: و لا ربح.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ١١٣.


ماله بحمقه، فعاد أحمق فقيرا، و العاقل الذي لا مال له طالما اكتسب المال بعقله.

و أمّا العجب فيوجب المقت، و من مقت أفرد عن المخالطة و استوحش منه.

و لا ريب أنّ التدبير هو أفضل العقل، لأنّ العيش كلّه في التدبير.

و أمّا التقوى فقد قال اللّه تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقَاكُمْ.(١) و أمّا الأدب فقالت الحكماء: ما ورّثت الآباء أبناءها كالأدب.(٢) و أمّا التوفيق فمن لم يكن قائده ضلّ.

و أمّا العمل الصالح، فإنّه أشرف التجارات، فقد قال اللّه تعالى:

هَلْ أدُلُّكُمْ عَلى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أليم.(٣) ثمّ عدّ الأعمال الصالحة.

و أمّا الثواب فهو الربح الحقيقيّ، و أمّا ربح الدنيا فشبيه بحلم النائم.

و أمّا الوقوف عند الشبهات فهو حقيقة الورع.

و لا ريب أنّ من يزهد في الحرام أفضل ممّن يزهد في المباحات،

____________________

(١) سورة الحجرات (٤٩) ١٣.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٧٧.

(٣) سورة الصفّ (٦١) ١٠.


كالمآكل اللذيذة، و الملابس الناعمة.

و قد وصف اللّه أرباب التفكّر فقال: وَ يَتَفكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمواتِ وَ الأَرضِ(١) و قال: أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا.(٢) و لا ريب أنّ العبادة بأداء الفرائض فوق العبادة بالنوافل.

و الحياء مخّ الإيمان، و الصبر رأس الإيمان.

و التواضع مصيدة الشرف، و ذلك هو الحسب.

و أشرف الأشياء العلم، لأنّه خاصّة الإنسان، و به يقع الفصل بينه و بين سائر الحيوان.

و المشهورة من الحزم، فإنّ عقل غيرك تستضيفه إلى عقلك.

و من كلام بعض الحكماء: إذا استشارك عدوّك في الأمر فامحضه النصيحة في الرأي، فإنّه إن عمل برأيك و انتفع ندم على تفريطه في منا و أتك، و أفضت عداوته إلى المودّة، و إن خالفك و استضرّ عرف قدر أمانتك بنصحه، و بلغت مناك في مكروهه.(٣) ٢٢٨ لأنسبنّ الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي. الإسلام هو التّسليم، و التّسليم هو اليقين، و اليقين هو التّصديق، و التّصديق هو

____________________

(١) سورة آل عمران ١٩١.

(٢) سورة الأعراف ١٨٥.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٧٧.


الإقرار، و الإقرار هو الأداء، و الأداء هو العمل.(١) حاصل هذا الترتيب يؤول إلى نتاج أنّ الإسلام هو العمل بمقتضى أوامره، و هو تفسير بخاصّة من خواصّه.

٢٢٩ لا يكون الصّديق صديقا حتّى يحفظ أخاه في ثلاث: في نكبته، و غيبته، و وفاته.(٢) النكبة ما تصيب الإنسان من حوادث الدهر، من قصر و مرض إلى غير ذلك.

قال الشاعر:

و كان أخلاّئي يقولون مرحبا

فلّما رأوني مقترا مات مرحب

٣ ٢٣٠ لكلّ امرى‏ء عاقبة حلوة أو مرّة.(٤) هكذا وجد في كثير من النسخ، و وجدوا أيضا في بعض النسخ:

« لكلّ أمر » و هو الأليق.(٥)

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١٢٥.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ١٣٤.

(٣) حكي أنّه سمع رجل هذا الشعر، فقال: خطأ الشاعر، إنّ مرحبا لم يمت و إنّما قتله عليّ بن أبي طالب عليه السلام. منه (ره).

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ١٥١.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٦١.


و على كلّ حال فمعناه ظاهر.

٢٣١ لكلّ مقبل إدبار، و ما أدبر، و ما أدبر فكأن [ كأن خ. ل ] لم يكن.(١) هذا معنى قد استعمل كثيرا، فمنه:

ما طار طير و ارتفع

إلاّ كما طار وقع

٢ و قول الشاعر:

بقدر العلوّ يكون الهبوط

و إيّاك و الرّتب العاليه

٣ و في أمثال العجم: فوّاره چون بلند شود سرنگون شود.(٤) قال بعض الحكماء: حركة الإقبال بطيئة، و حركة الإدبار سريعة،

لأنّ المقبل كالصاعد من مرقاة إلى مرقاة، و مرقاة المدبر كالمقذوف به من علو إلى أسفل.(٥) ٢٣٢ لا يعدم الصّبور الظّفر و إن طال به الزّمان.(٦) قالت الحكماء: الصبر ضربان: جسميّ و نفسيّ، فالجسمي تحمّل المشاقّ بقدر القوّة البدنيّة، كالصبر على المشي و رفع الحجر، و الصبر على المرض و احتمال الضرب و القطع، و ليس ذلك بفضيلة تامّة، و أمّا

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١٥٢.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٦٣.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٦٣.

(٤) امثال و حكم دهخدا ج ٢ ١١٤٩. و هذا نظير: خسوف البدر عند تمامه.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٦٣.

(٦) نهج البلاغة، الحكمة ١٥٣.


النفسيّ ففيه تتعلّق الفضيلة، و هو ضربان: صبر عن مشتهى، و يقال له:

عفّة، و صبر على تحمّل مكروه أو محبوب. و تختلف أسماؤه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان في نزول مصيبة لم يتعدّ به اسم الصبر،

و يضادّه الجزع و الهلع و الحزن، و إن كان في محاربة سمّي شجاعة و يضادّه الجبن، و إن كان في إمساك النفس عن قضاء و طر الغضب سمّي حلما، و يضادّه الاستشاطة. و إن كان عن فضول العيش سمّي قناعة و زهدا، و يضادّه الحرص و الشره، إلى غير ذلك.

فهذه كلّها أنواع الصبر، و لكن اللفظ العرفيّ واقع على الصبر الجسمانيّ، و على ما يكون في نزول المصائب، و ينفرد باقي الأنواع بأسماء تخصّها.(١) ٢٣٣ للظّالم البادي غدا بكفّه عضّة.(٢) هذا من قوله تعالى: وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ٣، و إنّما قال: « للبادي » لأنّ « من انتصر بعد ظلمه فلا سبيل عليه ».(٤)

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٦٦.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ١٨٦.

(٣) سورة الفرقان (٢٥) ٢٧.

(٤) هذا مأخوذ من الآية الكريمة: وَ لَمنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فأولئكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبيلٍ [ سورة الشورى (٤٢) ٤١ ]


٢٣٤ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.(١) قال ابن ميثم: و ذلك كالوضوء بالماء [ المغصوب ]، و الصلاة في الدار المغصوبة. و يحمل النفي هنا على نفي جواز الطاعة، كما هو المنقول عنه و عن أهل بيته عليهم السلام. و عند الشافعيّ: قد يصحّ الطاعة و النفي لفضيلتها.(٢) ٢٣٥ لا يعاب المرء بتأخير [ بأخذ خ. ل ] حقّه، إنّما يعاب من أخذ ما ليس له.(٣) ٢٣٦ اللّجاجة تسلّ الرّأي.(٤) أي: تأخذه و تذهب به. و هذا قريب من قوله عليه السلام: « لا رأي لمن لا يطاع » ٥، و ذلك لأنّ عدم الطاعة هو اللجاجة، و هو خلق يتركّب من خلقين: أحدهما الكبر، و الآخر الجهل بعواقب الأمور.

٢٣٧ لا خير في الصّمت عن الحكم، كما أنّه لا خير في القول

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١٦٥.

(٢) شرح ابن ميثم ٥ ٣٣٥.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ١٦٦. قال ابن ميثم في شرح هذه الحكمة: أخذ الحقّ قد يكون واجبا لمن هو له و قد يكون مندوبا، و أقلّه أن يكون مباحا و لا حرج في أمر المباح. و أمّا أخذ ما ليس له فظلم و هو من أقبح الرذائل التي يعاب بها المرء.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ١٧٩.

(٥) نهج البلاغة، الخطبة ٢٧، ص ٧١.


بالجهل.(١) هذان طرفا تفريط و إفراط، و الحقّ العدل هو النطق بالحكمة و فيه الخير كلّ الخير.

و كان يقال: ما الإنسان لو لا اللسان إلاّ بهيمة مهملة، أو صورة ممثّلة.(٢) ٢٣٨ لم يذهب من مالك ما وعظك.(٣) هذا مثل قولهم: إنّ المصائب أثمان التجارب.(٤) و في أمثال العجم: هر ضررى عقلى را زياد مى‏كند.(٥) ٢٣٩ لا يزهّدنّك في المعروف من لا يشكره لك، فقد يشكرك عليه من لا يستمتع بشي‏ء منه، و قد تدرك من شكر الشّاكر أكثر ممّا أضاع الكافر، و اللّه يحبّ المحسنين.(٦) نهى عن الزهد في المعروف بسبب عدم شكر المحسن إليه.

٢٤٠ لتعطفنّ الدّنيا علينا بعد شماسها عطف الضّروس على ولدها،

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١٨٢.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٩.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ١٩٦.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ١٥.

(٥) أمثال و حكم دهخدا ج ٤ ١٩٣١.

(٦) نهج البلاغة، الحكمة ٢٠٤.


و تلا عقيب ذلك: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ.(١) الشماس: مصدر الشمس الفرس إذا صنع من ظهره، و الضروس:

الناقة السّيئة الخلق تعضّ حالبها ليبقى لبنها لولدها، و ذلك لفرط شفقتها عليه.

و هذا إشارة إلى دولتهم في آخر الزمان عجّل اللّه فرجهم.

٢٤١ ليس من العدل القضاء على الثّقة بالظّنّ.(٢) أي من كان عندك ثقة معروفا بالأمانة فحكمك عليه بالخيانة عن ظنّ خروج عن العدل و هو رذيلة الجور.

٢٤٢ لو قد استوت قدماي من هذه المداحض لغيّرت أشياء.(٣) المداحض: المزالق. و استواء قدميه كناية عن ثباته و تمكّنه من إجراء الأحكام الشرعيّة على وجوهها، و ذلك لأنّه في خلافته لم يتمكّن من تغيير شي‏ء من أحكام الخلفاء قبله، و كان له في بعضها رأي غير ما رأوه، و لهذا قال لقضاته: « اقضوا كما كنتم تقضون حتّى يكون للنّاس جماعة ».(٤)

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢٠٩، و الآية الكريمة في سورة القصص (٢٨) ٥.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٢٢٠.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٢٧٢.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ١٦١.


٢٤٣ لا تجعلوا علمكم جهلا، و يقينكم شكّا. إذا علمتم فاعملوا، و إذا تيقّنتم فأقدموا.(١) أمرهم بالعمل على وفق اعلمهم، و الإقدام على وفق يقينهم،

و نهاهم عن ترك العمل.

٢٤٤ ليست الرّويّة مع الإبصار ٢، فقد تكذب العيون أهلها، و لا يغشّ العقل من انتصحه [ استنصحه خ. ل ].(٣) هذا تنبيه على وجوب إعمال الفكر فيما ينبغي، و أنّ العقل هو مستند الحواسّ و هو الناقد البصير و الناصح الشفيق الّذي لا يغشّ من استنصحه.

« فقد تكذب العيون أهلها » أي قد يكذب الأحكام الوهميّة على مدركات العيون كالحكم بكون القطرة النازلة خطّا مستقيما، و الشعلة الّتي تدار بسرعة كالدائرة و نحوه.

٢٤٥ لو لم يتوعّد اللّه [ سبحانه ] على معصيته لكان يجب أن لا يعصى شكرا لنعمه.(٤)

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢٧٤.

(٢) في النهج: ليست الرويّة كالمعاينة مع الإبصار.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٢٨١.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٢٩٠. قال ابن ميثم: و مقتضى الكلمة أنّه لو لم يتوعّد اللّه على معصيته لكان يجب تركها شكرا له، أي لأجل شكره فكيف و قد


٢٤٦ لا تصحب المائق، فإنّه يزيّن لك فعله، و يودّ أن تكون مثله.(١) المائق: الشديد الحمق، و إنّما يزيّن لك فعله لأنّه يعتقد فعله صوابا بحمقه، فيزيّنه لك كما يزيّن العاقل لصاحبه فعله لاعتقاد كونه صوابا.

و قوله عليه السلام: « و يودّ أن تكون مثله »، و ذلك لأنّ كلّ أحد يودّ أن يكون صديقه مثل نفسه في أخلاقه و أفعاله، إذ كلّ أحد يعتقد صواب أفعاله و طهارة أخلاقه و لا يشعر بعيب نفسه، كما تخفى عن العاشق عيوب المعشوق.

٢٤٧ لا يصدق إيمان عبد، حتّى يكون بما في يد اللّه [ سبحانه ] أوثق منه بما في يده.(٢) هذا كلام في التوكّل.

قال بعض العلماء: لا يشغلك المضمون لك من الرزق عن المفروض عليك من العمل، فتضيّع أمر آخرتك، و لا تنال من الدّنيا إلاّ ما كتب اللّه لك.(٣) ٢٤٨ لو رأى العبد الأجل و مسيره ٤، لأبغض الأمل توعّد مع ذلك عليها فبالأولى أن يجب تركها. (شرح ابن ميثم(٥) ٣٩١).

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢٩٣.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٣١٠.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢١٦.

(٤) في النهج: و مصيره.


و غروره.(١) أي لو كان الأجل بصورة سائر محسوس فشاهد العبد سيره به الى الموت، و علم غايته لقطع آماله الدنيويّة، و لم يغترر بها.

و كان يقال: وا عجبا لصاحب الأمل الطويل و ربما يكون كفنه في يد النسّاج و هو لا يعلم.(٢) ٢٤٩ لكلّ امرى‏ء في ماله شريكان: الوارث و الحوادث.(٣) أخذه الرضيّ رضى اللّه عنه فقال:

خذ تراثك ما استطعت فإنّما

شركاؤك الأيّام و الورّاث

لم يقض حقّ المال إلاّ معشر

نظروا الزمان يعيث فيه، فعاثوا

٤ و من كلامه عليه السلام: بشّر مال البخيل بحادث أو وارث.(٥) ٢٥٠ للظّالم من الرّجال ثلاث علامات: يظلم من فوقه بالمعصية،

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٣٣٤.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٥٠.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٣٣٥.

(٤) ديوان الشريف الرضيّ ١ ٢٢٨. و العيث: الفساد.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٥١.


و من دونه بالغلبة، و يظاهر القوم الظّلمة.(١) لا بدّ لكلّ ظالم من اجتماع هذه العلامات الثلاث فيه.

قال كمال الدين بن ميثم: ظلمه لمن فوقه عصيان اللّه و تعدّيه لحدوده العادلة، و الثانية مستلزمة للأولى و الثالثة مستلزمة للأوليين.(٢) ٢٥١ لا تظنّنّ بكلمة خرجت من أحد سوءا، و أنت تجد لها في الخير محتملا.(٣) بهذا المضمون وردت روايات كثيرة.

و قال الشاعر:

إذا ما أتت من صاحب لك زلّة

فكن أنت محتالا لزلّته عذرا

٤ ٢٥٢ لا تسأل عمّا لم يكن ٥، ففي الّذي قد كان لك شغل.(٦) قال كمال الدين بن ميثم: أمر عليه السلام بالسلو عمّا لا يكون من زيادة رزق و نحوه من المطالب الدنيويّة بما قد كان و وقع من المطالب الّتي

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٣٥٠.

(٢) شرح ابن ميثم ٥ ٤١٤.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٣٦٠.

(٤) لسالم بن وابصة، أمالي القالي ٢ ٢٢٤.

(٥) في النهج: لا يكون.

(٦) نهج البلاغة، الحكمة ٣٦٤.


أعطيها الإنسان.(١) قلت: يمكن أن يكون لكلامه عليه السلام معنى آخر و هو المنع عن المسائل الّتي لم تقع و لم تتّفق بل السؤال عن المطالب الّتي اتّفقت و وقعت، فإنّها أكثر من أن تحصى و كفى بها شغلا، و هذا ظاهر.

٢٥٣ لا شرف أعلى من الإسلام، و لا عزّ أعزّ من التّقوى، و لا معقل أحسن من الورع، و لا شفيع أنجح من التّوبة، و لا كنز أغنى من القناعة، و لا مال أذهب للفاقة من الرّضى بالقوت. و من اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الرّاحة، و تبوّأ خفض الدّعة. و الرّغبة مفتاح النّصب، و مطيّة التّعب،

و الحرص و الكبر و الحسد دواع إلى التّقحّم في الذنوب، و الشّرّ جامع لمساوئ العيوب.(٢) استعار للورع لفظ المعقل باعتبار تحصّن الإنسان به من عذاب اللّه.

قوله عليه السلام: « و لا شفيع... » الى آخره، و ذلك لاستلزام التوبة العفو عن جريمة التائب.

« انتظم الراحة »، أي في سلك الراحة من الهمّ بطلب الدّنيا و مجاذبة أهلها.

____________________

(١) شرح ابن ميثم ٥ ٤١٩.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٣٧١، و في النهج: جامع مساوئ العيوب.


« و تبوّأ خفض الدعة »، أي اتّخذ لين السكون مباءة و مرجعا.

« و الرغبة مفتاح »، أي الرغبة في الدّنيا تفتح باب التعب على الراغب، و النصب كتعب لفظا و معنى.

و التقحّم: الدخول بسرعة.

٢٥٤ لا تأمننّ على خير هذه الأمّة عذاب اللّه، لقوله سبحانه:(١) فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ(٢) و لا تيأسنّ لشرّ هذه الأمّة من روح اللّه لقوله سبحانه ٣: إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ.(٤) ٥ قال كمال الدين بن ميثم: أدّب السامع بهذين الأدبين محتجّا بعموم الآيتين، و لفظ المكر مستعار لإمهال اللّه، ثمّ أخذه فهو في صورة المكر و الخداع، و المراد ظاهر(٦) انتهى.

٢٥٥ لا تقل ما لا تعلم، بل لا تقل كلّ ما تعلم، فإنّ اللّه سبحانه قد فرض(٧) على جوارحك كلّها فرائض يحتجّ بها عليك يوم

____________________

(١) في النهج: لقوله تعالى.

(٢) سورة الأعراف (٧) ٩٩.

(٣) في النهج: لقوله تعالى.

(٤) سورة يوسف (١٢) ٨٧.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٣٧٧.

(٦) شرح ابن ميثم ٥ ٤٣١.

(٧) في النهج: فإنّ اللّه فرض.


القيامة.(١) نهى عليه السلام عن قول ما لا يعلم، لأنّه كذب أو محتمل للكذب، أو لأنّه قول بالجهل فيجب الاحتراز فيه. و أمّا النهي عن قول كلّ ما يعلم فلجواز أن يكون فيه مضرّة لنفسه أو لغيره كإذاعة سرّ يستلزم أذاه أو أذى من أسرّه إليه و نحو ذلك.

و لهذا قيل: ما كلّ ما يعلم يقال.

٢٥٦ للمؤمن ثلاث ساعات: فساعة يناجي فيها ربّه، و ساعة يرمّ فيها معايشه ٢، و ساعة يخلّي فيها(٣) بين نفسه و بين لذّتها فيما يحلّ و يجمل. و ليس للعاقل أن يكون شاخصا إلاّ في ثلاث: مرمّة لمعاش، أو حظوة(٤) في معاد، أو لذّة في غير محرّم.(٥) رمّ المعاش: إصلاحه. و الشاخص، أي الراحل و الذاهب من بلد إلى بلد. و الحظوة بالحاء المهملة و الظاء المعجمة أي عمل لمعاد و هو العبادة و الطاعة.

قسّم عليه السلام زمان المؤمن العاقل إلى ثلاثة أقسام بحسب ما ينبغي له

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٣٨٢.

(٢) في النهج: يرمّ معاشه.

(٣) ليست « فيها » في النهج.

(٤) في النهج: خطوة.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٣٩٠.


بمقتضى الحكمة العمليّة، و الرأي الحقّ. قسم في العبادة و المناجات و هو المطلوب بنفسه و قسم في تحصيل المعاش، و قسم ثالث في تخليته بين النفس و لذّاتها المباحة و هذان القسمان مرادان للأوّل، إذ لا يمكن بدونهما.

و إلى الأمور الثلاثة يرجع قوله عليه السلام: « و ليس للعاقل... » إلى آخره.

٢٥٧ لا تجعلنّ ذرب لسانك على من أنطقك، و بلاغة قولك على من سدّدك.(١) ذرب اللسان: حدّته، أي قبيح لمن يحصّل من إنسان علما و فائدة أن يستعين بها عليه، كأن يتفاصح على من علّمه الفصاحة، و هذا كمن ينعم على إنسان بسيف فإنّه يقبح منه أن تقتله بذلك السيف ظلما قبحا زائدا على ما لو قتله بغيره.

قال الشاعر:

أعلّمه الرماية كلّ يوم

فلمّا استدّ ساعده رماني

٢

و كم علّمته نظم القوافي

فلمّا قال قافية هجاني

٣ ٢٥٨ لا ينبغي للعبد أن يثق بخصلتين: العافية و الغنى. بينا تراه

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٤١١.

(٢) قال السعدي الشيرازيّ: [ كليّات، ص ١٠١ ]

كس نياموخت علم تير از من

كه مرا عاقبت نشانه نكرد

(٣) محاضرت الأدباء ١ ٤٦. و فيه: اشتدّ، بدل: استدّ.


معافى إذا سقم، و بينا تراه غنيّا إذ افتقر.(١) قد قال الشعراء في هذا المعنى كثيرا، و منها قول الشاعر:

و ربّ غنيّ عظيم الثراء

أمسى مقلاّ عديما فقيرا

و كم بات من مترف في القصور

فعوّض في الصبح عنها القبورا

٢ و قال آخر:

و إذا ما أعارك الدهر شيئا

فهو لا بدّ آخذ ما أعارا

٣ ٢٥٩ ليس بلد بأحقّ بك من بلد. خير البلاد ما حملك.(٤) ما حملك أي ما حمل مؤونتك، و وجدت فيه صلاح معاشك فأمكنك الإقامة به.

قال الشاعر:

لي عن بلاد الأذى و الهون متّسع

ما بين حرّ و بين الدار من نسب

٥

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٤٢٦.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ٧١.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ٧١.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٤٤٢.

(٥) البيت لعليّ بن مقرّب البحرانيّ، انظر شرح ابن ميثم ٥ ٤٥٥.


حرف الميم

٢٦٠ من ضيّعه الأقرب أتيح له الأبعد.(١) أي من ضيّعه و خذله قومه و أهله قدّر لمنفعته و معونته الأبعد، فإنّ الإنسان قد ينصره من لا يرجو نصره و إن أهمله أقربوه و خذلوه، فقد تقوم به الأجانب من الناس، و قد وجدنا ذلك في حقّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،

ضيّعه رهطه من قريش و خذلوه، و تمالئوا عليه، فقام بنصره الأوس و الخزرج، و هم أبعد الناس نسبا منه، لأنّه من عدنان و هم من قحطان.

و قامت ربيعة بنصر أمير المؤمنين عليه السلام في صفّين، و هم أعداء مضر الذين هم أهله و رهطه.

و قامت الخراسانيّة و هم عجم بنصر الدولة العبّاسيّة، و هي

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١٤.


دولة العرب.(١) ٢٦١ ما كلّ مفتون يعاتب.(٢) هذه الكلمة قالها أمير المؤمنين عليه السلام لسعد بن أبي وقّاص و محمّد بن مسلمة و عبد اللّه بن عمر لمّا امتنعوا من الخروج معه لحرب أصحاب الجمل.(٣) و قال فيهم أيضا:

٢٦٢ خذلوا الحقّ و لم ينصروا الباطل.(٤) و نظير قوله عليه السلام: « ما كلّ مفتون يعاتب » أو قريب منه قول أبي الطيّب:(٥)

فما كلّ فعّال يجازى بفعله

و لا كلّ قوّال لديّ يجاب

و ربّ كلام مرّ فوق مسامعي

كما إنّ في لوح الهجير ذباب

قال ابن ميثم: الفتنة قد تكون في الدين و قد تكون في الدنيا

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١١٨.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ١٥.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١١٩.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ١٨.

(٥) لم أجده في ديوانه و لكن أورده ابن أبي الحديد في شرحه ١٨ ١١٩.


و قد تكون فيهما، و على التقديرات فقد تلحق الإنسان بسبب منه من جهل بسيط أو مركّب و قد تلحقه بأسباب قدريّة خارجيّة معلومة و غير معلومة. و الذي يعاتب على فتنته من هؤلاء من كانت أسباب فتنته منه أو بعضها كوقوع الفتنة لمصاحبة الفسّاق و نحوه.

هذا إذا حملنا اللفظ على ظاهره، و يحتمل أن يريد: ليس كلّ مفتون ينفع معه العتاب.(١) ٢٦٣ من جرى في عنان أمله عثر بأجله.(٢) روى أبو سعيد الخدريّ أنّ أسامة بن زيد اشترى وليدة بمائة دينار إلى شهر، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ألا تعجبون من أسامة يشتري إلى شهر إنّ أسامة لطويل الأمل.(٣) قال أبو عثمان الهنديّ: قد بلغت نحوا من ثلاثين و مائة سنة، فما من شي‏ء إلاّ قد عرفت النقص فيه إلاّ أملي، فإنّه كما كان.(٤) كما قال الشاعر:

أراك تزيدك الأيّام حرصا

على الدّنيا كأنّك لا تموت

____________________

(١) شرح ابن ميثم ٥ ٢٤٦.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ١٩.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٢٧.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٢٧.


فهل لك غاية إن صرت يوما

إليها قلت حسبي قد رضيت(١)

٢٦٤ من أبطأ به عمله لم يسرع به حسبه [ نسبه خ. ل ].(٢) هذا الكلام حثّ و حضّ و تحريض على العبادة، و له نظائر كثيرة.

٢٦٥ و في رواية اخرى: من فاته حسب نفسه لم ينفعه حسب آبائه.(٣) كان يقال: أجهل الناس من افتخر بالعظام البالية، و تبجّح(٤) بالقرون الماضية، و اتّكل على الأيّام الخالية.(٥) قال الشاعر:

كن ابن من شئت و اكتسب أدبا

يغنيك محموده عن النّسب

إنّ الفتى من يقول ها أنا ذا

ليس الفتى من يقول كان أبي

٦ ٢٦٦ من كفّارات الذّنوب العظام إغاثة الملهوف، و التّنفيس عن المكروب.(٧)

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٢٧.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٢٣.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٣٨٩.

(٤) أي سرّ و فرح. منه (ره)

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٣١.

(٦) في الديوان المنسوب إلى الإمام عليّ عليه السلام، ص ٣٧، و بعده:

فليس يغني الحسيب نسبته

بلا لسان له و لا أدب

(٧) نهج البلاغة، الحكمة ٢٤.


قد جاء في هذا المعنى آثار كثيرة و أخبار جميلة لا يتّسع لذكره نطاق البيان.

٢٦٧ ما أضمر أحد شيئا إلاّ ظهر في فلتات لسانه، و صفحات وجهه.(١) الفلتة: الأمر يقع من غير تروّ. و صفحة الوجه: بشرته.

و ما قاله عليه السلام شهدت به التجربة. قال الشاعر:

تخبّرني العينان ما القلب كاتم

و ما جنّ بالبغضاء و النظر الشّزر

٢ ٢٦٨ من أسرع إلى النّاس بما يكرهون، قالوا فيه(٣) ما لا يعلمون.(٤) هذا المعنى كثير واسع و لنقتصر على حكاية مختصرة:

روي عن أبان بن الأحمر أنّ شريك ابن الأعور دخل على معاوية، فقال له: و اللّه إنّك لشريك و ليس له شريك، و إنّك لابن الأعور و البصير خير من الأعور، و إنّك لدميم و الجيّد خير من الدميم،

فكيف سدت قومك؟ قال: إنّك معاوية و ما معاوية إلاّ كلبة عوت فاستعوت [ و استعرت خ. ل ]، و إنّك لابن صخر و السهل خير من

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢٦.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٣٧.

(٣) في النهج: بما.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٣٥.


الصخر، و إنّك لابن حرب و السلم خير من الحرب، و إنّك لابن أميّة و ما أميّة إلاّ تصغير أمة صغّرت فاستصغرت، فكيف صرت أمير المؤمنين؟ فغضب معاوية و خرج شريك و هو يقول:

أيشتمني معاوية بن صخر

و سيفي صارم و معي لساني

و حولي من ذوي يزن ليوث

ضراغمة تهشّ إلى الطعان

فلا تبسط علينا يا ابن هند

لسانك إن بلغت ذرى الأماني

١ ٢٦٩ من أطال الأمل أساء العمل.(٢) لمّا كان طول الأمل في الدّنيا مستلزما للإقبال عليها و الانهماك في العمل لها و الغفلة عن الآخرة، كان ذلك عملا سيّئا بالنسبة إلى الآخرة.

و قد تقدّم منّا كلام في الأمل.

٢٧٠ المال مادّة الشّهوات.(٣) كان يقال: ثلاثة يؤثرون المال على أنفسهم: تاجر البحر،

و المقاتل بالأجرة، و المرتشي في الحكم، و هو شرّهم لأنّ الأوّلين ربّما

____________________

(١) نقلها المؤلّف (ره) في سفينة البحار ١ ٦٩٧ عن ابن شهر آشوب، و نقلها العلاّمة السيّد محسن الأمين في أعيان الشيعة ٧ ٣٤٤ عن « النبذة المختارة من كتاب تلخيص أخبار شعراء الشيعة » للمرزبانيّ.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٣٦.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٥٨.


سلما، و لا سلامة للثالث من الإثم.(١) ٢٧١ من حذّرك كمن بشّرك.(٢) هذا مثل قولهم: اتّبع أمر مبكياتك، لا أمر مضحكاتك.(٣) و مثله: صديقك من نهاك، لا من أغراك.(٤) و بالفارسيّة يقولون: دوست آن است كه بگرياند، دشمن آن است كه بخنداند.(٥) قال الشاعر:

به نزد من آن كس نكو خواه تست

كه گويد فلان خار در راه تست

چه خوش گفت يك روز دارو فروش

شفا بايدت داروى تلخ نوش

٦ ثمّ اعلم أنّ التحذير هو النصح، و هو تعريف الإنسان ما فيه صلاحه، و دفع المضرّة عنه.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٩٣.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٥٩.

(٣) مجمع الأمثال ١ ٤٩.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٩٥.

(٥) أمثال و حكم دهخدا، ج ٢ ٨٣٦.

(٦) كليّات سعدي ٢٥٩.


و معنى قوله عليه السلام: « كمن بشّرك »، أي ينبغي لك أن تسرّ بتحذيره لك، كما تسرّ لو بشّرك بأمر تحبّه، و أن تشكره على ذلك، كما تشكر لو بشّرك بأمر تحبّه، لأنّه لو لم يكن يريد بك الخير لما حذّرك من الوقوع في الشرّ.

٢٧٢ المرأة عقرب حلوة اللّسبة.(١) استعار للمرأة لفظ العقرب باعتبار أنّ من شأنها الأذى، لكن أذاها مشوب بما فيها من اللذّة بها، و هو كأذى الجرب المشوب بلذّته في زيادة حكّته.

اللّسبة: اللّسعة، لسبته العقرب بالفتح و لسبت العسل بالكسر: لعقته.

و منه قولهم: من الفواقر امرأة سوء إن حضرتها لسبتك، و إن غبت عنها لم تأمنها.(٢) قد أكثروا القول في ذمّ النساء، و لا يناسب كتابنا الطويل.

نظر حكيم إلى امرأة مصلوبة على شجرة، فقال: ليت كلّ شجرة تحمل مثل هذه الثمرة.(٣)

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٦١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٠٠.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٩٨.


كتب فيلسوف على باب داره: ما دخل هذا المنزل شرّ قطّ، فقال بعضهم: اكتب: إلاّ المرأة.(١) و في كلام الحكماء: اعص هواك و النساء، و افعل ما شئت.(٢) و في الحديث: المرأة ضلع عوجاء إن داريتها استمتعت بها، و إن رمت تقويمها كسرتها.(٣) قال الشاعر في هذا المعنى:

هي الضّلع العوجاء لست تقيمها

ألا إنّ تقويم الضّلوع انكسارها

أ يجمعن ضعفا و اقتدارا على الفتى

أليس عجيبا ضعفها و اقتدارها

٤ و من كلامهم: ليس ينبغي للعاقل أن يمدح امرأة إلاّ بعد موتها.(٥) و في الأمثال: لا تحمدنّ أمة عام شرائها، و لا حرّة عام بنائها.(٦) و كان يقال: ما نهيت امرأة عن أمر إلاّ أتته.(٧)

____________________

(١) نفس المصدر السابق.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٩٩.

(٣) نفس المصدر السابق.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ١٩٩.

(٥) المصدر السابق.

(٦) مجمع الأمثال ٣ ١٥٤.

(٧) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٠٠.


و قال حكيم: أضرّ الأشياء بالمال و النفس و الدين و العقل و العرض شدّة الإغرام بالنساء، و من أعظم ما يبتلى به المغرم بهنّ أنّه لا يقتصر على ما عنده منهنّ و لو كنّ ألفا، و يطمح إلى ما ليس له منهنّ.(١) و قال بعض الحكماء: من يحصي مساوئ النساء اجتمع فيهنّ نجاسة الحيض و الاستحاضة، و دم النفاس، و نقص العقل و الدين،

و ترك الصوم و الصلاة في كثير من أيّام العمر، ليست عليهنّ جماعة و لا جمعة، و لا يسلّم عليهنّ، و لا يكون منهنّ إمام و لا قاض و لا أمير، و لا يسافرن إلاّ بوليّ.(٢) قلت: و كفى في هذا المقام كلام أمير المؤمنين عليه السلام: « معاشر الناس إنّ النساء... ».(٣) ٢٧٣ من نصب نفسه للنّاس إماما فعليه أن يبدأ(٤) بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، و ليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، و معلّم نفسه و مؤدّبها أحقّ بالإجلال من معلّم النّاس و مؤدّبهم.(٥)

____________________

(١) المصدر السابق.

(٢) نفس المصدر السابق.

(٣) نهج البلاغة، الخطبة ٨٠.

(٤) في النهج: فليبدأ.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٧٣.


اعلم أنّ الفروع تابعة للأصول، فإذا كان الأصل معوجّا استحال أن يكون الفرع مستقيما، كما قال صاحب المثل: « و هل يستقيم الظلّ و العود أعوج » ١، فمن نصب نفسه للناس إماما، و لم يكن قد علّم نفسه ما(٢) انتصب ليعلّمه الناس، كان مثل من نصب نفسه ليعلّم الناس الصياغة و النجارة، و هو لا يحسن أن يصوغ خاتما، و لا ينجر لوحا،

و هذا نوع من السفه، بل السفه كلّه.

ثمّ قال عليه السلام: و ينبغي أن يكون تأديبه لهم بفعله و سيرته قبل تأديبه لهم بلسانه، و ذلك لأنّ الفعل أدلّ على حال الإنسان من القول،

و الطباع لمشاهدة الأفعال أطوع و أسرع انفعالا منها للأقوال. و لهذا قال بعض الخلفاء: أنتم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال.

ثمّ رغّب في تأديب النفس بكون مؤدّب نفسه أحقّ بالتعظيم و الإجلال من مؤدّب غيره، لأنّ من علّم نفسه محاسن الأخلاق أعظم قدرا ممّن تعاطى تعليم الناس ذلك و هو غير عامل بشي‏ء منه.

٢٧٤ من ترك قول « لا أدري » أصيبت مقاتله.(٣) ترك هذا القول كناية عن القول بغير علم، و إصابة المقاتل كناية

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٢٠.

(٢) « ما » مفعول علّم. منه (ره)

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٨٥.


عن الهلاك الحاصل بسبب القول بالجهل لما فيه من الضلال و الإضلال و ربّما يكون بسببه هلاك الدّنيا و الآخرة.

جاءت امرأة إلى بزرجمهر، فسألته عن مسألة، فقال: لا أدري،

فقالت: أيعطيك الملك كلّ سنة كذا و كذا و تقول: لا أدري، فقال: إنّما يعطيني الملك على ما أدري، و لو أعطاني على ما لا أدري لما كفاني بيت ماله.(١) و كان يقول: « لا أعلم » نصف العلم.(٢) ٢٧٥ من أصلح ما بينه و بين اللّه أصلح اللّه ما بينه و بين النّاس، و من أصلح أمر آخرته أصلح اللّه له أمر دنياه، و من كان له من نفسه واعظ كان عليه من اللّه حافظ.(٣) مثل الكلمة الأولى قولهم: رضا المخلوقين عنوان رضا الخالق.(٤) و السرّ في ذلك أنّ رضا الخالق يكون بالتقوى، و من تقوى العبد إصلاح قوّتي الشهوة و الغضب اللذين هما مبدءا الفساد بين الناس و لزوم العدل فيهما، فإذا جانب العبد من الفساد بين الناس رضي الناس عنه.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٣٦.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٣٦.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٨٩.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٤٢.


و إلى مفاد الكلمة الثانية أشار بعض من دعا في قوله:

أنا شاكر أنا مادح أنا حامد

أنا خائف أنا جائع أنا عار

هي ستّة و أنا الضّمين بنصفها

فكن الضّمين بنصفها يا باري

١ و مثل الكلمة الثانية قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ.(٢) ٢٧٦ مثل الدّنيا كمثل الحيّة ليّن مسّها، و السّمّ النّاقع في جوفها،

يهوي إليها الغرّ الجاهل، و يحذرها ذو اللّبّ العاقل.(٣) قد أخذ أبو العتاهية هذا المعنى فقال:(٤)

إنّما الدهر أرقم ليّن المسّ

و في نابه السّقام العقام

٢٧٧ من قصّر في العمل ابتلي بالهمّ، و لا حاجة للّه فيمن ليس للّه في ماله و نفسه نصيب.(٥) قوله عليه السلام: « من قصّر في العمل »، هذا مخصوص بأصحاب اليقين، و الاعتقاد الصحيح، فإنّهم الذين إذا قصّروا في العمل ابتلوا بالهمّ، فأمّا غيرهم من المسرفين على أنفسهم و ذوي النقص في اليقين

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٤٢.

(٢) سورة النحل (١٦) ١٢٨.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ١١٩.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٨٤.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ١٢٧.


و الاعتقاد، فإنّه لا همّ يعروهم و إن قصّروا في العمل.

و قال ابن ميثم: المقصّر في العمل للّه يكون غالب أحواله متوفّرا على الدّنيا مفرطا في طلبها و جمعها، و بقدر التوفّر عليها يكون شدّة الهمّ في جمعها و تحصيلها أوّلا، ثمّ في ضبطها و الخوف على فواتها ثانيا.

و في المشهور: « خذ من الدّنيا ما شئت و من الهمّ ما ضعفه ». فنفّر عليه السلام عن التقصير في الأعمال البدنيّة و الماليّة بقوله: و لا حاجة للّه.. الى آخره. و كنّى بعدم حاجته فيه عن إعراضه عنه و عدم النظر إليه بعين الرحمة لعدم استعداده لذلك.(١) ٢٧٨ من أعطي أربعا لم يحرم أربعا: من أعطي الدّعاء لم يحرم الاجابة، و من أعطي التّوبة لم يحرم القبول، و من أعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة، و من أعطي الشّكر لم يحرم الزّيادة.(٢) قال الرضيّ: و تصديق ذلك في كتاب اللّه سبحانه، قال في الدعاء:

اُدْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ.(٣) و قال في الاستغفار: وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَو يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً.(٤)

____________________

(١) شرح ابن ميثم ٥ ٣١٠ ٣١١.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ١٣٥.

(٣) سورة غافر (٤٠) ٦٠.

(٤) سورة النساء ١١٠.


و قال في الشكر: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ.(١) و قال في التوبة: إِنَّما التَّوبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ كَانَ اللَّهُ عَليماً حَكِيماً.(٢) ٣ الأمور الأربعة الأولى إذا كانت بإخلاص كان كلّ منها سببا في إعداد النفس لقبول صورة الرحمة الإلهيّة من واهبها.

٢٧٩ ما عال من اقتصد.(٤) أي: ما افتقر من أنفق بقدر الحاجة المتعارفة، و ذلك لأنّ قدر الحاجة من المال قد تكفّل اللّه تعالى بإدراره مدّة البقاء و هو ما لا بدّ للمقتصد منه. قال تعالى: وَ الَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُروا وَ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً.(٥) ٢٨٠ المرء مخبوء تحت لسانه.(٦) أي حاله مستور عند عدم نطقه، و تحت لسانه كناية عن سكوته،

____________________

(١) سورة إبراهيم (١٤) ٧.

(٢) سورة النساء (٤) ١٧.

(٣) نهج البلاغة، ص ٤٩٤.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ١٤٠.

(٥) سورة الفرقان (٢٥) ٦٧.

(٦) نهج البلاغة، الحكمة ١٤٨.


و ذلك لأنّ مقداره بمقدار عقله و مقدار عقله يعرف من مقدار كلامه.

و هذه اللفظة لا نظير لها في الإيجاز و الدلالة على المعنى، و هي من ألفاظه المعدودة.

و إليه أشار السعديّ في نظمه بالفارسيّة:

تا مرد سخن نگفته باشد

عيب و هنرش نهفته باشد

١ ٢٨١ ما اختلفت دعوتان إلاّ كانت إحداهما ضلالة.(٢) لمّا كانت الدعوة إمّا إلى الحقّ أو إلى غيره، و كان كلّ ما عدا الحقّ ممّا يدعى إليه فهو ضلال عن الحقّ و عدول عن سبيل اللّه لا جرم لم يختلف دعوتان إلاّ كانت إحداهما حقّا و الاخرى ضلالة.

٢٨٢ ما كذبت و لا كذّبت، و لا ضللت و لا ضلّ بي.(٣) هذه كلمة قد قالها مرارا، إحداهنّ في وقعة النهروان.(٤) و لا كذّبت بالضمّ أي لم يخبرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن المخدج(٥) خبرا كاذبا، لأنّ أخباره صلّى اللّه عليه و آله كلّها صادقة.

____________________

(١) كليّات سعدي، ص ٧٩.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ١٨٣.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ١٨٥.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٦٨.

(٥) المخدج: ناقص اليد، و هو ذو الثدية كبير الخوارج، قتل يوم النهروان. (سفينة البحار ١ ١٢٩).


٢٨٣ من أبدى صفحته للحقّ هلك.(١) أي: من نابذ اللّه و حاربه هلك، يقال لمن خالف و كاشف: قد أبدى صفحته.(٢) ٢٨٤ ما شككت في الحقّ مذ أريته.(٣) أي: منذ أعلمته، و يجب أن يقدّر ها هنا مفعول محذوف، أي منذ أريته حقّا، لأنّ « أرى » يتعدّى إلى ثلاثة مفاعيل.

٢٨٥ من وضع نفسه مواضع التّهمة فلا يلومنّ من أساء به الظّنّ.(٤) لأنّه هو السبب في إساءة الظنّ بنفسه.

قال ابن أبي الحديد: رأى بعض الصحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله واقفا في درب من دروب المدينة و معه امرأة فسلّم عليه، فردّ عليه، فلمّا جاوزه، ناداه فقال: هذه زوجتي فلانة، قال: يا رسول اللّه، أوفيك يظنّ فقال: إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.(٥) ٢٨٦ و ٢٨٧ من ملك استأثر، و من استبدّ برأيه هلك، و من شاور

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١٨٨.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٧١.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ١٨٤.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ١٥٩.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٨٠.


الرّجال شاركهم(١) في عقولهم.(٢) هذه ثلاث كلمات: تريد بالأولى: أنّ الأغلب في كلّ ملك أن يستبدّ و يستأثر على الرعيّة بالمال و العزّ و الجاه، و ذلك لتسلّطهم و عدم المنازع لقواهم الأمّارة بالسوء.

و نحو هذا المعنى قولهم: من غلب سلب، و من عزّ بزّ.(٣) و أريد بالثانية: أنّ من انفرد برأيه، و لم يقبل النصيحة فهو في مظنّة الهلاكة، و ذلك معلوم.

و بالثالثة: الترغيب في الاستشارة، و ذلك لأنّه يستنتج منها الرأي الأصلح ليعمل به.

قالوا: المشورة لقاح العقول، و رائد الصواب.(٤) و من ألفاظهم البديعة: ثمرة رأي المشير أحلى من الأري(٥) المشور.(٦)

____________________

(١) في النهج: شاركها في عقولها.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ١٦٠ و ١٦١.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٨١.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٨٣.

(٥) الأري: العسل. و شار العسل: استخرجه. و المشور: المستخرج. (لسان العرب ٧ ٢٣٣ شور).

(٦) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٨٣.


٢٨٨ من كتم سرّه كانت الخيرة بيده.(١) أي كان مختارا في إذاعته و كتمانه بخلاف من أذاع سرّه، فإنّه لا يتمكّن بعد ذلك من كتمانه.

قال الشاعر:

فلا تفش سرّك إلاّ إليك

فإنّ لكلّ نصيح نصيحا

٢ ٢٨٩ من قضى حقّ من لا يقضي حقّه فقد عبّده.(٣) عبّده بالتشديد أي: اتّخذه عبدا، و المقصود مدح من يقضي حقّ من لا يقضي حقّه، أي من فعل ذلك بإنسان فقد استعبد ذلك الإنسان، لأنّه لم يفعل ذلك معه مكافأة له عن حقّ قضاه إيّاه، بل فعل ذلك إنعاما مبتدأ، فقد استعبده بذلك.

٢٩٠ من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ.(٤) لا شكّ أنّ المتصفّح لوجوه الآراء و المفكّر في أيّها أصوب لا بدّ أن يعرف مواقع الخطأ في الأمور و مظانّها و هو ترغيب في الاستشارة و الفكر في استصلاح الأعمال.

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١٦٢.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٨٤.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ١٦٤.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ١٧٣.


٢٩١ من أحدّ سنان الغضب للّه قوي على قتل أشدّاء الباطل.(١) هذا من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و المعنى أنّ من أرهف عزمه على إنكار المنكر، و قوي غضبه في ذات اللّه، و لم يخف مخلوقا أعانه اللّه على إزالة المنكر و إن كان قويّا.

٢٩٢ من لم ينجحه الصّبر أهلكه الجزع.(٢) يحتمل أن يريد بالهلاكة هلاكة الدّنيا أو هلاكة الآخرة أو كليهما،

فإنّ الجزع سبب لكلّ ذلك.

٢٩٣ متى أشفي غيظي إذا غضبت؟ أحين أعجز عن الانتقام فيقال لي: لو صبرت أم حين أقدر عليه، فيقال لي: لو عفوت.(٣) هذا الفصل فصيح لطيف المعنى، أي لا سبيل لي إلى شفاء غيظي عند غضبي، لأنّي إمّا أن أكون قادرا على الانتقام فيصدّني عن تعجيله قول القائل: لو عفوت لكان أولى و إمّا أن لا أكون قادرا فيصدّني عنه كوني غير قادر عليه.

٢٩٤ من حاسب نفسه ربح، و من غفل عنها خسر، و من خاف أمن،

و من اعتبر أبصر، و من أبصر فهم، و من فهم علم.(٤)

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١٧٤.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ١٨٩.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ١٩٤.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٢٠٨.


قد جاء في الحديث: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.(١) قوله عليه السلام: « و من خاف أمن » أي من اتّقى اللّه أمن من عذابه.

« و من اعتبر أبصر » أي من قاس الأمور بعضها ببعض، و اتّعظ بآيات اللّه و أيّامه أضاءت بصيرته، و من أضاءت بصيرته فهم، و من فهم علم.

و الفهم ها هنا معرفة المقدّمات، و العلم هو معرفة النتيجة.(٢) ٢٩٥ من لان عوده كثفت أغصانه.(٣) تكاد هذه الكلمة أن تكون إيماء إلى قوله تعالى: وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ.(٤) و المعنى أنّ من حسن خلقه، و لانت كلمته كثر محبّوه و أعوانه و أتباعه.(٥) و نحوه قوله: من لانت كلمته، وجبت محبّته.

قال تعالى: وَ لَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ

____________________

(١) أمالي المفيد ٢٧٤.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٨.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٢١٤.

(٤) سورة الأعراف (٧) ٥٨.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٥.


حَوْلِكَ ١، و الأصل في الكلمة أنّه إذا كان اليبس غالبا على شجرة كانت أغصانها أخفّ، و كان عودها أدقّ، و إذا كانت الرطوبة غالبة كانت أغصانها أكثر، و عودها أغلظ، و ذلك لاقتضاء اليبس الذبول،

و اقتضاء الرطوبة الغلظ و العبالة و الضخامة، ألا ترى أنّ الإنسان الذي غلب اليبس على مزاجه لا يزال مهلوسا نحيفا، و الذي غلبت الرطوبة عليه لا يزال ضخما عبلا.

٢٩٦ من نال استطال.(٢) يجوز أن يريد به: من أثرى و نال من الدّنيا حظّا استطال على الناس. و يجوز أن يريد به: من جاد استطال بجوده.

يقال: نالني فلان بكذا، أي جاد به عليّ، و رجل نال، أي جواد.(٣) ٢٩٧ من أشرف أفعال(٤) الكريم غفلته عمّا يعلم.(٥) أي تغافله و إغضاؤه عمّا يعلم من معائب الناس، و من هفواتهم.

____________________

(١) سورة آل عمران ١٥٩.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٢١٦.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٧.

(٤) في النهج: أعمال.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٢٢٢.


و كان يقال: التغافل من السؤدد.(١) و قال أبو تمّام:

ليس الغبيّ بسيّد في قومه

لكنّ سيّد قومه المتغابي

٢ ٢٩٨ من كساه الحياء ثوبه، لم ير النّاس عيبه.(٣) قيل: الحياء انقباض النفس عن القبائح، و هو من خصائص الإنسان، و هو خلق مركّب من جبن و عفّة، و لذلك لا يكون الفاسق مستحيا، و لا المستحي فاسقا. و قلّما يكون الشجاع مستحيا و المستحيي شجاعا، و لعزّة وجود ذلك ما يجمع الشعراء بين المدح بالشجاعة و الحياء.(٤) ٢٩٩ من أصبح على الدّنيا حزينا فقد أصبح لقضاء اللّه ساخطا، و من أصبح يشكو مصيبة نزلت به، فإنّما يشكو ربّه ٥، و من أتى غنيّا فتواضع له لغناه ذهب ثلثا دينه، و من قرأ القرآن فمات فدخل النّار فهو ممّن كان يتّخذ آيات اللّه هزوا، و من لهج قلبه بحبّ الدّنيا التاط منها(٦) بثلاث: همّ لا

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٤٤.

(٢) ديوان أبي تمّام ٢٨.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٢٢٣.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٤٥.

(٥) في النهج: فقد أصبح يشكو ربّه.

(٦) في النهج: التاط قلبه منها.


يغبّه، و حرص لا يتركه، و أمل لا يدركه.(١) قيل في قوله عليه السلام: « و من أتى غنيّا.. » إلى آخره وجوها، منها: أنّ مدار الدين على الاعتقاد بالقلب و الإقرار باللّسان و العمل بالأركان،

و من شأن المتواضع للغنيّ لغناه اشتغال لسانه بمدحه و شكره، و اشتغال جوارحه بخدمته عن طاعة اللّه و القيام بشكره، فهو مهمل لثلثي دينه.

قوله عليه السلام: « التاط بقلبه » أي لصق. و « لا يغبّه »، أي لا يأخذه غبّا و هو يوم و يوم لا بل يلازمه دائما، و ذلك لأنّ حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة، و حبّ الدّنيا هو الموجب للهمّ و الغمّ و الحرص و الأمل و الخوف على ما اكتسبه أن ينفذ، و الشحّ بما حوت يده، و غير ذلك من الأخلاق الذميمة.

٣٠٠ من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطّويلة.(٢) قال الرضيّ رضي اللّه عنه: و معنى ذلك أنّ ما ينفقه المرء من ماله في سبيل الخير و البرّ و إن كان يسيرا فإنّ اللّه تعالى يجعل الجزاء عليه عظيما كثيرا، و اليدان ها هنا عبارة عن النعمتين، ففرق بين نعمة العبد و نعمة الربّ تعالى ذكره، بالقصيرة و الطويلة، فجعل تلك قصيرة و هذه طويلة، لأنّ نعم اللّه أبدا تضعّف على نعم المخلوقين أضعافا كثيرة، إذ

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢٢٨.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٢٣٢.


كانت نعم اللّه أصل النعم كلّها، فكلّ نعمة إليها ترجع، و منها تنزع.(١) ٣٠١ المرأة شرّ كلّها، و شرّ ما فيها أنّه لا بدّ منها.(٢) أي أنّ أحوالها كلّها شرّ على الرجل، أمّا من جهة مؤونتها فظاهر،

و أمّا من جهة لذّتها و استمتاعه بها فلاستلزام ذلك، البعد عن اللّه و الاشتغال عن طاعته.

و أسباب الشرّ شرور و إن كانت غرضيّة. و لمّا كان كونها لا بدّ منها، أعني وجوب الحاجة إليها في طبيعة الوجود الدنيويّ هو السبب في تحمّل الرجل للمرأة، و وقوعه في شرورها وجب أن يكون ذلك الاعتبار أقوى الشرور المتعلّقة بها، لأنّ السبب أقوى من المسبّب.(٣) ٣٠٢ من أطاع التّواني ضيّع الحقوق، و من أطاع الواشي ضيّع الصّديق.(٤) الواشي: النّمام.

٣٠٣ من ظنّ بك خيرا فصدّق ظنّه.(٥) من كلام بعضهم: إنّي لأستحيي أن يأتيني الرجل يحمرّ وجهه

____________________

(١) نهج البلاغة، ص ٥٠٩.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٢٣٨.

(٣) شرح ابن ميثم ٥ ٣٦١.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٢٣٩.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٢٤٨. و هذا كلامه لولده الحسن عليهما السلام.


تارة من الخجل، و يصفرّ أخرى من خوف الردّ قد ظنّ بي الخير و بات عليه و غدا عليّ أن أردّه خائبا.(١) ٣٠٤ مرارة الدّنيا حلاوة الآخرة، و حلاوة الدّنيا مرارة الآخرة.(٢) لمّا كانت الدنيا ضدّ الآخرة وجب أن يكون مرارة آلام الدّنيا اللازمة عن ترك اللذّة طلبا للآخرة مستلزمة لحلاوة الآخرة و لذّاتها،

و كذلك العكس.

٣٠٥ من تذكّر بعد السّفر استعدّ.(٣) ٣٠٦ ما قال النّاس لشي‏ء « طوبى له » إلاّ و قد خبأ له الدّهر يوم سوء.(٤) أي: ما استحسن الناس من الدنيا شيئا إلاّ و في قوّة الدهر إعداد لفساده و إهلاكه يوما ما. و قد شاهدنا ذلك في الدّنيا كثيرا.

٣٠٧ ما أكثر العبر و أقلّ الاعتبار.(٥) ما أوجز هذه الكلمة و ما أعظم فائدتها و لا ريب أنّ العبر كثيرة

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٨٢.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٢٥١.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٢٨٠. و هذا مثل قولهم في المثل: الليل طويل و أنت مقمر (جمهرة الأمثال ٢ ١٨٩).

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٢٨٦.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٢٩٧.


جدّا، بل كلّ شي‏ء في الوجود ففيه عبرة، و لا ريب أنّ المعتبرين بها قليلون، و أنّ الناس قد غلب عليهم الجهل و الهوى، و أرداهم حبّ الدنيا، و أسكرهم خمرها، و أنّ اليقين في الأصل ضعيف عندهم، و لو لا ضعفه لكانت أحوالهم غير هذه الأحوال.

٣٠٨ من بالغ في الخصومة أثم، و من قصّر فيها ظلم، و لا يستطيع أن يتّقي اللّه من خاصم.(١) هذا مثل قوله عليه السلام في موضع آخر: الغالب بالشرّ مغلوب.(٢) و كان يقال: ما تسابّ اثنان إلاّ غلب ألأمهما.(٣) و قد نهى العلماء عن الجدل و الخصومة في الكلام و الفقه، و قالوا:

إنّهما مظنّة المباهاة و طلب الرئاسة و الغلبة، و المجادل يكره أن يقهره خصمه، فلا يستطيع أن يتّقي اللّه. و هذا هو كلام أمير المؤمنين عليه السلام بعينه.(٤) ٣٠٩ ما أهمّني أمر [ ذنب خ. ل ] أمهلت بعده حتّى أصلّي ركعتين و أسأل اللّه العافية.(٥)

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢٩٨.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٣٢٧.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٠٤.

(٤) المصدر السابق.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٢٩٩.


أي: ما أحزنني ذنب أمهلني اللّه بعده حتّى أصلّي ركعتين، لأنّ الصلاة تكفّر الذنب.

قال السيّد الطباطبائي (ره) في « الدرّة »:(١)

و إنّها للحسنات المذهبه

للسيّئات و المعاصي الموجبه

و شأنها كشأن نهر جار

تقلع رين الذنب بالتكرار

تنهى عن المنكر و الفحشاء

اقصر فذاك منتهى الثناء

٢ ٣١٠ ما المبتلى الّذي قد اشتدّ به البلاء، بأحوج إلى الدّعاء من المعافى الّذي(٣) لا يأمن البلاء.(٤) أي إنّهما سواء في الحاجة إلى دعاء اللّه، فذاك لحاجته إلى الخلاص من بلائه، و هذا لبقاء عافيته و أمنه من لحوق البلاء. و هو حثّ لأهل العافية على الدعاء و التضرّع إلى اللّه تعالى.

٣١١ ما زنى غيور قطّ.(٥) و ذلك لأنّ الغيور إذا همّ بالزنا تخيّل مثل ذلك في نفسه من الغير،

____________________

(١) « الدرّة المنظومة » في الفقه للسيّد بحر العلوم الشهير بالعلاّمة الطباطبائي (ره) لها شروح ذكرها العلاّمة الطهرانيّ (ره) في الذريعة ٨ ١٠٩ ١١١.

(٢) الدرّة المنظومة، باب الصلاة.

(٣) في النهج: بأحوج إلى الدعاء الذي.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٣٠٢.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٣٠٥.


فيعارض خياله داعيه فيحجم عنه.

فقد ورد: من زنى زني به و لو في عقب عقبه.(١) و هذا قد جرّب فوجد حقّا، و قلّ من ترى مقداما على الزنا إلاّ و القول في حرمه و أهله و ذوي محارمه كثير فاش.

٣١٢ مودّة الآباء قرابة بين الأبناء، و القرابة أحوج إلى المودّة(٢) من المودّة إلى القرابة.(٣) استعار لفظ القرابة للمودّة المتأكّدة بين الأبناء فهي كالقرابة.

قال الشاعر:

أ بقى الضّغائن آباء لنا سلفوا

فلن تبيد و للآباء أبناء

٤ و ورد: الحبّ و البغض يتوارثان.(٥) و من كلام بعضهم، لمّا قيل له: أيّما أحبّ إليك؟ أخوك أم صديقك؟

[ فقال: ] إنّما أحبّ أخي إذا كان صديقا.(٦) فالقربى محتاجة إلى المودّة، و المودّة مستغنية عن القربى.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢١١.

(٢) في النهج: إلى المودّة أحوج.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٣٠٨.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢١٤.

(٥) نفس المصدر.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢١٤.


٣١٣ ما ظفر من ظفر الإثم به، و الغالب بالشّرّ مغلوب.(١) هذا مثل قوله عليه السلام: من بالغ في الخصومة أثم. إلى آخره.(٢) ٣١٤ المسؤول حرّ حتّى يعد.(٣) قد كثر القول في الوعد و المطل. و من كلام يحيى بن خالد لبنيه: يا بنيّ، كونوا أسدا في الأقوال، نجّازا في الأفعال، و لا تعدوا إلاّ و تنجزوا،

فإنّ الحرّ يثق بوعد الكريم، و ربما ادّان عليه.(٤) ٣١٥ معاشر النّاس، اتّقوا اللّه، فكم من مؤمّل مالا يبلغه، و بان مالا يسكنه، و جامع ما سوف يتركه، و لعلّه من باطل جمعه، و من حقّ منعه،

أصابه حراما، و احتمل به آثاما، فباء بوزره، و قدم على ربّه، آسفا لاهفا، قد خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ، ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ.(٥) ٦ معاني هذه الفقرات واضحة، و كم قد شاهدنا من أمل ما لا يبلغه،

و من بنى ما لا يسكنه، و جمع ما تركه.

و لقد أحسن من قال:

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٣٢٧.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٢٩٨.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٣٣٦.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٤٨.

(٥) سورة الحجّ (٢٢) ١١.

(٦) نهج البلاغة، الحكمة ٣٤٤.


وا حسرتا مات حظّي من وصالكم

و للحظوظ كما للناس آجال

إن متّ شوقا و لم أبلغ مدى أملي

كم تحت هذي القبور الخرس آمال

١ ٣١٦ من العصمة تعذّر المعاصي.(٢) أي من أسباب العصمة، و ذلك لأنّ الإنسان يتعوّد بتركها حين لا يجدها حتّى يصير ذلك ملكة له.

٣١٧ ماء وجهك جامدا يقطره السّؤال، فانظر عند من تقطره.(٣) قد أخذ الشعراء معنى هذا الكلام، و ذكروها في أشعارهم. قال الشاعر:

ما ماء كفّيك إن أرسلت مزنته

من ماء وجهي إذا استقطرته عوض.

٤ ٣١٨ من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره، و من رضي برزق اللّه لم يحزن على ما فاته، و من سلّ سيف البغي قتل به، و من كابد الامور عطب، و من اقتحم اللّجج غرق، و من دخل مداخل السّوء اتّهم،

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٥٩.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٣٤٥.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٣٤٦.

(٤) البيت لأبي تمّام في ديوانه ٣٩٢.


و من كثر كلامه كثر خطؤه، و من كثر خطؤه قلّ حياؤه، و من قلّ حياؤه قلّ ورعه، و من قلّ ورعه مات قلبه، و من مات قلبه دخل النّار، و من نظر في عيوب غيره ١، فأنكرها، ثمّ رضيها لنفسه، فذلك الأحمق بعينه. و القناعة مال لا ينفد، و من أكثر من ذكر الموت رضي من الدّنيا باليسير، و من علم أنّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلاّ فيما يعنيه.(٢) تلك عشرة كاملة، رابعها: « من كابد الأمور عطب، و من اقتحم اللجج غرق »، أي من قاساها بنفسه استعدّ بها للهلاك. مثل هذا قول القائل:

من حارب الأيّام أصبح رمحه

قصدا و أصبح سيفه مفلولا

٣ و سادسها: « من كثر كلامه... الى قوله: دخل النار »، هذا تنفير عن المنطق الزائد، و ما فيه من المحذور.

و كان يقال: قلّما سلم مكثار، أو أمن من عثار.(٤) و عاشرها: من علم أنّ كلامه... إلى آخره، لا ريب أنّ الكلام عمل من الأعمال، و فعل من الأفعال، فكما يستهجن من الإنسان أن لا يزال يحرّك رأسه أو يده و إن كان عابثا، كذلك يستهجن أن لا يزال

____________________

(١) في النهج: في عيوب الناس.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٣٤٩.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٦٥.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٦٥.


يحرّك لسانه فيما هو عبث، أو يجري مجرى العبث.

٣١٩ من ضنّ بعرضه فليدع المراء.(١) ضنّ، أي بخل، و حدّ المراء الجدال المتّصل لا يقصد به الحقّ، و لا ريب أنّ المراء داعية ثوران القوّة الغضبيّة، من الممارين و مبدء المشاتمة و المسابّة.

قيل لميمون بن مهران: مالك لا تفارق أخا لك عن قلى؟ قال:

لأنّي لا أشاريه(٢) و لا أماريه.(٣) ٣٢٠ من الخرق المعاجلة قبل الإمكان، و الأناة بعد الفرصة.(٤) الخرق: الحمق و قلّة العقل، و كلتا الجملتين دليل على الحمق و النقص.

٣٢١ من هوان الدّنيا على اللّه أنّه لا يعصى إلاّ فيها، و لا ينال ما عنده إلاّ بتركها.(٥) قد ورد في ذمّ الدّنيا أكثر من أن يحصى. و ورد أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مرّ على شاة ميّتة، فقال: أترون أنّ هذه الشاة هيّنة على أهلها؟ قالوا:

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٣٦٢.

(٢) أي لا أجادله. منه (ره).

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٨٠.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٣٦٣.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٣٨٥.


نعم، و من هوانها ألقوها. فقال: و الذي نفسي بيده للدّنيا أهون على اللّه من هذه الشاة على أهلها، و لو كانت الدّنيا تعدل عند اللّه جناح بعوضة لما سقى كافرا منها شربة ماء.(١) ٣٢٢ من طلب شيئا ناله أو بعضه.(٢) هذا مثل قولهم: من طلب شيئا وجدّ وجد، و من قرع بابا و لجّ ولج.(٣) و ظاهر أنّ الطلب معدّ لحصول المطلوب، فإنّ تمّ الاستعداد له نال الكلّ و إلاّ فبقدر نقصان الاستعداد يكون نقصان المطلوب.

٣٢٣ ما خير بخير بعده النّار، و ما شرّ بشرّ بعده الجنّة، و كلّ نعيم دون الجنّة فهو محقور، و كلّ بلاء دون النّار عافية.(٤) « خير » برفع، اسم « ما » و « بعده النار » صفة له، و موضعه رفع،

و موضع الجارّ و المجرور نصب لأنّه خبر ما، و الباء زائدة، و التقدير: ما خير تتعقّبه النار بخير، و كذلك قوله عليه السلام: « ما شرّ بشرّ بعده الجنّة ».

و الجملتان الأقربان تكونان كالتفسير للفقرتين الأوليين.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٣٠.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٣٨٦.

(٣) شرح ابن ميثم ٥ ٤٣٥.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٣٨٧.


٣٢٤ المنيّة و لا الدّنيّة، و التّقلّل و لا التّوسّل.(١) أي المنيّة أسهل من الدنيّة، أي الخسيسة من الأمر ترتكب في طلب الدنيا. و هذا كما قال الحسين عليه السلام:

الموت أولى من ركوب العار

و العار أولى من دخول النّار

٢ و معنى الفقرة الثانية أنّ القناعة بالقليل من العيش و التبلّغ به خير من التوسل إلى أهل الدنيا في طلبها. قال الشاعر:

أقسم باللّه لمصّ النّوى

و شرب ماء القلب المالحه

٣

أحسن بالإنسان من ذلّه

و من سؤال الأوجه الكالحه

فاستغن باللّه تكن ذا غنى

مغتبطا بالصفقة الرابحه

فالزهد عزّ و التّقى سؤدد

و ذلّة النفس لها فاضحه

كم سالم صيح به بغتة

و قائل عهدي به البارحه

أمسى و أمست عنده قينة

و أصبحت تندبه نائحه

طوبى لمن كانت موازينه

يوم يلاقي ربّه راجحه

٤ ٣٢٥ من لم يعط قاعدا لم يعط قائما.(٥)

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٣٩٦.

(٢) أورده الجاحظ في البيان و التبيين ٣ ٢٥٥.

(٣) القلب بضمّتين: جمع قليب، و هي البئر. (لسان العرب قلب)

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٦٢.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٣٩٦.


أي إنّ الرزق قد قسمه اللّه تعالى، فمن لم يرزقه قاعدا لم يجب عليه القيام و الحركة.

قال ولده الشهيد المظلوم عليه السلام:

و إن تكن الأرزاق قسما مقدّرا

فقلّة حرص المرء في الرزق أجمل

١ و قال الشاعر:

جرى قلم القضاء بما يكون

فسيّان التحرّك و السكون

جنون منك أن تسعى لرزق

و يرزق في غشاوته الجنين

٢ ٣٢٦ مقاربة النّاس في أخلاقهم أمن من غوائلهم.(٣) الغائلة: الحقد، و ذلك لأنّ مباعدة الناس في أخلاقهم تستلزم منافرتهم و عداوتهم و أحقادهم فالعدول عنها إلى المقاربة و المشاكلة يستلزم الأمن من ذلك منهم.

و كان يقال: إذا نزلت على قوم فتشبّه بأخلاقهم، فإنّ الإنسان من حيث يوجد، لا من حيث يولد.(٤)

____________________

(١) مقتل الحسين (اللهوف على قتلى الطفوف)، لابن طاووس ٣١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٦٣.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٤٠١.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ٣.


٣٢٧ من أومأ إلى متفاوت خذلته الحيل.(١) المتفاوت: كالأمور المتضادّة أو التي يتعذّر الجمع منها.

٣٢٨ ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلبا لما عند اللّه،

و أحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتّكالا على اللّه سبحانه.(٢) تيه الفقراء على الأغنياء أصعب عليهم و أشقّ من تواضع الأغنياء لهم. إذ كان تيههم يستدعي كمال التوكّل على اللّه، و هو درجة عالية في الطريق إليه، فلذلك كان أفضل و أحسن لقوله صلّى اللّه عليه و آله: أفضل الأعمال أحمزها(٣) قال الشاعر:

قنعت فأعتقت نفسي و لن

أملّك ذا ثروة رقّها

و نزّهتها عن سؤال الرجال

و منّة من لا يرى حقّها

و إنّ القناعة كنز اللبيب

إذا ارتتقت فتقت رتقها

فما فارقت مهجة جسمها

لعمرك أو وفّيت رزقها

٤

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٤٠٣.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٤٠٦. و ليست « سبحانه » في النهج.

(٣) شرح ابن ميثم ٥ ٤٤١.

(٤) شرح ابن ابي الحديد ٢٠ ٣٩.


٣٢٩ ما استودع اللّه امرأ عقلا إلاّ ليستنقذه(١) به يوما ما.(٢) العقل إمّا أن ينقذ الإنقاذ الدينيّ، و هو الفلاح و النجاح على الحقيقة، أو ينقذ من بعض مهالك الدّنيا و آفاتها.

كان يقال: العاقل يروّي ثمّ يروي و يخبر ثمّ يخبر.(٣) ٣٣٠ من صارع الحقّ صرعه.(٤) هذا مثل قوله عليه السلام: من أبدى صفحته للحقّ هلك.(٥) ٣٣١ من صبر صبر الأحرار و إلاّ سلا سلوّ الأغمار.(٦) و في خبر آخر أنّه عليه السلام قال للأشعث بن قيس معزيا عن ابن له:

٣٣٢ إن صبرت صبر الأكارم، و إلاّ سلوت سلوّ البهائم.(٧) الأغمار: الجهّال، جمع غمر. و ذكر أبو تمّام هذا الخبر في قوله:

و قال عليّ في التّعازي لأشعث

و خاف عليه بعض تلك المآثم

أ تصبر للبلوى عزاء و حسبة

فتؤجر أم تسلو سلوّ البهائم

٨

____________________

(١) في النهج: استنقذه.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٤٠٧.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ٤١.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٤٠٨.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ١٨٨.

(٦) نهج البلاغة، الحكمة ٤١٣.

(٧) نهج البلاغة، الحكمة ٤١٤.

(٨) ديوان أبي تمّام ٣٠٠.


٣٣٣ مسكين ابن آدم مكتوم الأجل، مكنون العلل، محفوظ العمل، تؤلمه البقّة، و تقتله الشّرقة، و تنتنه العرقة.(١) « مسكين » خبر ل « ابن آدم »، و التقدير: ابن آدم مسكين، ثمّ بيّن مسكنته من ستّة أوجه: أجله مكتوم لا يدري متى يخترم، و علله باطنة لا يدري بها حتّى تهيج عليه، و عمله محفوظ: مَا لِهَذا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَ لاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ٢، و قرص البقّة يؤلمه،

و الشرقة بالماء تقتله، و إذا عرق أنتنته العرقة الواحدة و غيّرت ريحه،

فمن كان على هذه الصفات فهو مسكين لا محالة، لا ينبغي أن يأمن و لا أن يفخر.

٣٣٤ من أصلح سريرته أصلح اللّه علانيته، و من عمل لدينه كفاه اللّه أمر دنياه، و من أحسن فيما بينه و بين اللّه أحسن اللّه ما بينه و بين النّاس.(٣) لا ريب أنّ الأعمال الظاهرة تبع للأعمال الباطنة، فمن صلح باطنه صلح ظاهره و بالعكس، و ذلك لأنّ القلب أمير مسلّط على الجوارح، و الرعيّة تتبع أميرها و لا ريب أنّ من عمل لدينه كفاه اللّه أمر دنياه، قال تعالى: وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجَاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٤١٩.

(٢) سورة الكهف (١٨) ٤٩.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٤٢٣.


حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ(١) و لهذا أيضا علّة ظاهرة، و هي أنّ الناس إذا حسنت عقيدتهم في إنسان و علموا متانة دينه بوّبوا له إلى الدنيا أبوابا لا يحتاج أن يتكلّفها، و لا يتعب فيها، فيأتيه رزقه من غير كلفة و لا كدّ.

و قوله: « و من أحسن... » إلى آخره، و ذلك لأنّ القلوب بالضرورة تميل إليه و تحبّه، و ذلك لأنّه إذا كان محسنا بينه و بين الناس عفّ عن أموالهم و دمائهم و أعراضهم، و ترك الدخول فيما لا يعينه،

و لا شبهة أنّ من كان بهذه الصفة فإنّه يحسن ما بينه و بين الناس.

٣٣٥ من شكا الحاجة إلى مؤمن فكأنّما شكاها إلى اللّه، و من شكاها إلى كافر فكأنّما شكا اللّه.(٢) شكاية المؤمن إلى المؤمن شكاية في موضعها. إذ كانت ثمرة الشكاية المعاونة على دفع الأمر المشكوّ منه، و المؤمن من شأنه ذلك،

بخلاف الكافر. و رغّب في الأوّل بتشبيهها بالشكاية إلى اللّه، و وجه الشبه أن المؤمن حبيب اللّه و مقرّب عند اللّه فكأنّ المشتكي إليه جعله وسيلة إلى اللّه في شكواه فأشبه الشكوى إليه، بخلاف الشكاية إلى الكافر فإنّه عدوّ اللّه، فمن شكا إليه أمرا فكأنّما شكا من اللّه إلى عدوّه.

____________________

(١) سورة الطلاق (٦٥) ٢ ٣.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٤٢٧.


٣٣٦ ما كان اللّه ليفتح على عبد باب الشّكر و يغلق عنه باب الزّيادة،

و لا ليفتح على عبد باب الدّعاء و يغلق عنه باب الإجابة، و لا ليفتح عليه(١) باب التّوبة و يغلق عنه باب المغفرة.(٢) فتح اللّه هذه الأبواب بقوله: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ(٣) و ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ.(٤) ٣٣٧ ما أنقض النّوم لعزائم اليوم.(٥) قال ابن ميثم: « ما » ها هنا للتعجّب. و هذه الكلمة تجري مجرى المثل، يضرب لمن يعزم على أمر فيغفل عنه أو يتهاون فيه و يتراخى عن فعله حتّى ينتقض عزمه عنه. و أصله أنّ الإنسان قد ينوي السفر مثلا أو الحركة بقطعة من الليل ليتوفّر في نهاره على سيره فيغلبه النوم إلى الصباح، فيفوت وقت عزمه، فينتقض ما كان عزم عليه في يومه.(٦)

____________________

(١) في النهج: و لا ليفتح لعبد.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٤٣٥.

(٣) سورة إبراهيم (١٤) ٧.

(٤) سورة غافر (٤٠) ٦٠. لم يذكر المؤلّف (ره) الباب الثالث و هو باب التوبة و المغفرة في قوله تعالى: وَ إنّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدى سورة طه (٢٠) ٨٢.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٤٤٠.

(٦) شرح ابن ميثم ٥ ٤٥٤.


٣٣٨ من اتّجر بغير فقه فقد ارتطم في الرّبا.(١) ارتطم فلان في الوحل و الأمر إذا ارتبك فيه و لم يقدر على الخروج منه، و إنّما قال ذلك لأنّ مسائل الربا مشتبهة بمسائل البيع، و لا يفرق بينهما إلاّ الفقيه الكامل.

٣٣٩ من عظّم صغار المصائب ابتلاه اللّه بكبارها.(٢) و إنّما لزمه ذلك لاستعداده بتضجّره و تسخّطه من قضاء اللّه لزيادة البلاء و لو قد حمد اللّه على بلائه لاستعدّ بذلك لدفعه.

٣٤٠ من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته.(٣) قال الشاعر:

فإنّك إن أعطيت بطنك سؤله

و فرجك نالا منتهى الذمّ أجمعا

٤ ٣٤١ ما مزح امرؤ مزحة إلاّ مجّ من عقله مجّة.(٥) استعار لفظ المجّ بما يطرحه الإنسان من عقله في مزحه أو مزحاته، فكأنّه قد مجّه كما يمجّ الماء من فيه.

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٤٤٧.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٤٤٨.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٤٤٩. و فيه: شهواته.

(٤) البيت لحاتم الطائيّ، انظر ديوانه ١٧ و فيه: و إنّك مهما تعط...

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٤٥٠.


و كان يقال: خير المزاح لا ينال، و شرّه لا يستقال.(١) و قيل: لكلّ شي‏ء بذر و بذر العداوة المزاح.(٢) و قيل: سمّي المزاح مزاحا لأنّه أزيح عن الحقّ.(٣) ٣٤٢ ما زال الزّبير رجلا منّا أهل البيت حتّى نشأ ابنه المشؤوم عبد اللّه.(٤) عبد اللّه بن الزبير:(٥) أمّه أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر. قيل:

هو أوّل مولود ولد في الإسلام من المهاجرين بعد الهجرة، ففرحوا به فرحا شديدا، و ذلك لأنّه قيل لهم: إنّ اليهود سحرتكم فلا يولد لكم.

و شهد مع أبيه و خالته الجمل، و كان شديد البأس، و مبارزته مع الأشتر، و قوله: « اقتلوني و مالكا و اقتلوا مالكا معي » معروف. و كان أطلس لا لحية له و لا شعر في وجهه كقيس بن سعد الأنصاري،

و أحنف بن قيس، و شريح القاضي، و يقال لهم: السادات الطلس.

و كان بخيلا، ضيّق العطن، سيّئ الخلق، حسودا كثير الخلاف،

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ١٠٠.

(٢) غرر الحكم ٥ ٢٤، ح ٧٣١٦.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ١٠٠.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٤٥٣.

(٥) انظر تفصيل ما قاله المؤلّف (ره) في مروج الذهب ج ٣ و الاستيعاب ج ٢ و شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ١٠٢ ١٤٩.


و أخرج محمد بن الحنفيّة من مكّة و المدينة، و نفى عبد اللّه بن عبّاس إلى الطائف، و الكلمات التي ردّت بينهما معروفة.

و كان عدوّا لأمير المؤمنين عليه السلام و كانت عائشة تحبّه شديدا حتّى قيل: لم يكن أحد أحبّ اليها بعد أبي بكر من عبد اللّه بن الزبير.

و كان لسنا، و هو الذي قال في جواب فضالة بن شريك الوالبيّ حيث قال له: لعن اللّه ناقة حملتني إليك، قال: إنّ(١) و راكبها.(٢) و من اطّلع على هذه القضيّة يطّلع على شدّة بخله أيضا.

و قد ذكر المسعوديّ و غيره أنّ عبد اللّه بن الزبير جمع بني هاشم كلّهم و منهم محمّد بن الحنفيّة في سجن عارم، و أراد أن يحرقهم بالنار،

فجعل في فم الشعب حطبا كثيرا إذ ورد أبو عبد اللّه الجدلي من جانب المختار في أربعة آلاف و قصد الشعب بإخراج الهاشميّين منه و هرب ابن الزبير فلاذ بأستار الكعبة.(٣) قال ابن أبي الحديد: قال المسعوديّ: و كان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبد اللّه في حصر بني هاشم في الشعب، و جمعه الحطب ليحرقهم و يقول: إنّما أراد بذلك أن لا تنتشر الكلمة، و لا يختلف المسلمون، و أن

____________________

(١) « إنّ » ها هنا بمعنى نعم، كأنّه إقرار بما قال.

(٢) نقله أبو الفرج في الأغاني ١ ١٥.

(٣) مروج الذهب ٣ ٨٥.


يدخلوا في الطاعة، فتكون الكلمة واحدة، كما فعل عمر بن الخطّاب ببني هاشم لمّا تأخّروا عن بيعة أبي بكر، فإنّه أحضر الحطب ليحرق عليهم الدّار.(١) و روى أيضا عن المسعوديّ عن سعيد بن جبير، أنّ ابن عبّاس دخل على ابن الزبير، فقال له ابن الزبير: إلام تؤنّبني و تعنّفني قال ابن عبّاس: إنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: « بئس المرء المسلم يشبع و يجوع جاره » و أنت ذلك الرجل، فقال ابن الزبير: و اللّه إنّي لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة. و تشاجرا، فخرج ابن عبّاس من مكّة، فأقام بالطائف حتّى مات.(٢) و بالجملة قتله الحجّاج الثقفيّ في أيّام عبد الملك بمكّة و صلب جسده، و به أخبر أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه في قوله: « خبّ ضبّ، يروم أمرا و لا يدركه، ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا،

و هو بعد مصلوب قريش ».(٣) ٣٤٣ ما لابن آدم و الفخر أوّله نطفة، و آخره جيفة. لا يرزق(٤) نفسه،

____________________

(١) مروج الذهب ٣ ٨٦، شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ١٤٧.

(٢) مروج الذهب ٣ ٨٩، شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ١٤٨.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٧ ٤٨.

(٤) في النهج: و لا يرزق.


و لا يدفع حتفه.(١) و قد أخذ الشاعر هذا الكلام في قوله:

ما بال من أوّله نطفة

و جيفة آخره يفخر

يصبح ما يملك تقديم ما

يرجو و لا تأخير ما يحذر

٢ قال بعض الحكماء: الفخر هو المباهاة بالأشياء الخارجة عن الإنسان، و ذلك نهاية الحمق لمن نظر بعين عقله، و انحسر عنه قناع جهله، فأعراض الدّنيا عارية مستردّة، لا يؤمن في كلّ ساعة أن ترتجع، و المباهي بها مباه بما في غير ذاته.(٣) ٣٤٤ منهومان لا يشبعان: طالب علم و طالب دنيا.(٤) نهم فلان بكذا فهو منهوم، أي مولع به، و اقتبس عليه السلام هذه الكلمة من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: « منهومان لا يشبعان: منهوم بالمال، و منهوم بالعلم ».(٥) ٣٤٥ ما المجاهد الشّهيد في سبيل اللّه بأعظم أجرا ممّن قدر فعفّ،

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٤٥٤.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ١٥٠.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ١٥٠.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٤٥٧.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ١٧٤.


لكاد العفيف أن يكون ملكا من الملائكة.(١) في حكمة سليمان بن داود: إنّ الغالب لهواه أشدّ من الّذي يفتح المدينة وحده.(٢) و قال سليمان بن داود: يا بني إسرائيل، أوصيكم بأمرين أفلح من فعلهما: لا تدخلوا أجوافكم إلاّ الطيّب، و لا تخرجوا من أفواهكم إلاّ الطيّب.(٣) ٣٤٦ ما أخذ اللّه على أهل الجهل أن يتعلّموا حتّى أخذ على أهل العلم أن يعلّموا.(٤) لمّا كان التعلّم على الجاهل فريضة، و لا يمكن إلاّ بمعلّم عالم، كان وجوب التعلّم على الجاهل مستلزما لوجوب التعليم على العالم. روي:

من علم علما و كتمه ألجمه اللّه يوم القيامة بلجام من نار.(٥)

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٤٧٤.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ٢٣٣.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ٢٤١.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٤٧٨.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ٢٤٧.



حرف النون

٣٤٧ نفس المرء خطاه إلى أجله.(١) استعار للنفس لفظ الخطا باعتبار أنّه على التعاقب و التقضّي، فهو مقرّب من الغاية الّتي هي الأجل كالخطا المتعاقبة الموصلة للإنسان إلى غايته من طريقه.

٣٤٨ نحن النّمرقة الوسطى الّتي يلحق بها التّالي(٢) و إليها يرجع الغالي.(٣) النمرق و النمرقة بالضمّ فيهما: و سادة صغيرة، و يقال للطنفسة فوق الرحل نمرقة.

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٧٤.

(٢) في النهج: نحن النمرقة الوسطى، بها يلحق التالي.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ١٠٩.


و المعنى أنّ كلّ فضيلة فإنّها مجنّحة بطرفين معدودين من الرذائل،

و المراد أنّ آل محمّد عليهم السلام هم الأمر المتوسّط بين الطرفين المذمومين،

فكلّ من جاوزهم فالواجب أن يرجع إليهم، و كلّ من قصّر عنهم فالواجب أن يلحق بهم.

٣٤٩ و ٣٥٠ النّاس أعداء ما جهلوا.(١) و العلّة في أنّ الإنسان عدوّ ما يجهله أنّه يخاف من تقريعه بالنّقص و بعدم العلم بذلك الشي‏ء، خصوصا إذا ضمّه ناد أو جمع من الناس فإنّه تتصاغر نفسه عنده إذا خاضوا فيما لا يعرفه، و يحقره في أعين الحاضرين، و كلّ شي‏ء آذاك و نال منك فهو عدوّك.

و في الديوان: « و الجاهلون لأهل العلم أعداء ».(٢) ٣٥١ النّاس في الدّنيا عاملان: عامل في الدّنيا(٣) للدّنيا، قد شغلته دنياه عن آخرته، يخشى على من يخلّف(٤) الفقر، و يأمنه على نفسه،

فيفني عمره في منفعة غيره. و عامل عمل في الدّنيا لما بعدها، فجاءه الذي له من الدّنيا بغير عمل، فأحرز الحظّين معا، و ملك الدّارين جميعا، فأصبح

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمتين ١٧٢ و ٤٣٨.

(٢) ديوان الإمام عليّ عليه السلام ١٥.

(٣) في النهج: عامل عمل في الدنيا.

(٤) في النهج: يخلفه الفقر.


وجيها عند اللّه، لا يسأل اللّه حاجة فيمنعه.(١) قوله عليه السلام: « و يأمنه على نفسه »، أي لا يبالي أن يكون هو فقيرا،

لأنّه يعيش عيش الفقراء و إن كان ذا مال، لكنّه يدّخر المال لولده فيفني عمره في منفعة غيره.

و يجوز أن يكون معناه أنّه لكثرة ماله قد أمن الفقر على نفسه مادام حيّا، و لكنّه لا يأمن الفقر على ولده لأنّه لا يثق من ولده بحسن الاكتساب.

٣٥٢ النّاس أبناء الدّنيا، و لا يلام الرّجل على حبّ أمّه.(٢) و قال عليه السلام في موضع آخر: « الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم ».(٣) ٣٥٣ نعم الطّيب المسك، خفيف محمله، عطر ريحه.(٤) كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كثير التطيّب بالمسك و بغيره من أصناف المسك.(٥) و عن عائشة قالت: كأنّي أنظر إلى و بيض المسك في مفارق رسول

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢٦٩.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٣٠٣.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٠٩.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٣٩٧.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٤١.


اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو محرم.(١) و جاء في الخبر عنه صلّى اللّه عليه و آله: حبّب إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب،

و النساء، و قرّة عيني في الصلاة.(٢) و ورد: خير طيب الرجال ما ظهر ريحه و خفي لونه، و خير طيب النساء ما ظهر لونه و خفي ريحه.(٣)

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٤٢.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٤١.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٣٤١.


حرف الواو

٣٥٤ وا عجبا(١) أتكون الخلافة بالصّحابة و القرابة.(٢) قال الرضيّ رضى اللّه عنه: و روي له شعر في هذا المعنى:

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم

فكيف بهذا و المشيرون غيّب

و إن كنت بالقربى حججت خصيمهم

فغيرك أولى بالنبيّ و أقرب

٣ قال ابن أبي الحديد: حديثه في النثر و النظم المذكورين مع أبي بكر و عمر، أمّا النثر فإلى عمر توجيهه، لأنّ أبا بكر لمّا قال لعمر: أمدد

____________________

(١) في النهج: وا عجباه.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ١٩٠. و رواه ابن أبي الحديد في شرحه ١٨ ٤١٦ هكذا: « وا عجبا أن تكون الخلافة بالصحابة، و لا تكون بالصحابة و القرابة ».

(٣) نهج البلاغة، ص ٥٠٣.


يدك، قال له عمر: أنت صاحب رسول اللّه في المواطن كلّها، شدّتها و رخائها، فامدد أنت يدك، فقال عليّ عليه السلام: إذا احتججت لاستحقاقه الأمر بصحبته إيّاه في المواطن، فهلاّ سلّمت الأمر إلى من قد شركه في ذلك، و زاد عليه « بالقرابة » و أمّا النظم فموجّه إلى أبي بكر، لأنّ أبا بكر حاجّ الأنصار في السقيفة، فقال: نحن عترة رسول اللّه و بيضته الّتي تفقّأت عنه، فلمّا بويع احتجّ على الناس بالبيعة، و أنّها صدرت عن أهل الحلّ و العقد، فقال عليّ عليه السلام: أمّا احتجاجك على الأنصار بأنّك من بيضة رسول اللّه و من قومه، فغيرك أقرب نسبا منك إليه، و أمّا احتجاجك بالاختيار و رضا الجماعة بك، فقد كان قوم من جملة الصحابة غائبين، لم يحضروا العقد فكيف يثبت(١) انتهى.

و يمكن أن يكون توجّه كلامه إلى عثمان، لما روي هذا القول عنه عليه السلام بعد بيعة عثمان. و اختار ذلك ابن ميثم في الشرح.(٢) ٣٥٥ و اللّه لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم.(٣) العراق: جمع عرق، و هو العظم عليه شي‏ء من اللحم. و ذلك نهاية

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٤١٦.

(٢) شرح ابن ميثم ٥ ٣٤٢.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٢٣٦.


حقارة الدّنيا و هوانها في عينه عليه السلام، لأنّ العرق لا خير فيه، فإذا تأكّد بكونه من خنزير ثمّ بكونه في يد مجذوم بلغت النفرة منه الغاية. و من تأمّل سيرته في حالتي خلوّه من العمل و ولايته الخلافة يعرف أنّ الدّنيا كانت في عينه بهذه المنزلة بل أهون. صلوات اللّه و سلامه عليه.

٣٥٦ الوفاء لأهل الغدر غدر عند اللّه، و الغدر بأهل الغدر وفاء عند اللّه.(١) و ذلك أنّ من عهد اللّه في دينه الغدر و عدم الوفاء لهم إذا غدروا،

لقوله: وَ إمّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنينَ.(٢) قيل: نزلت في يهود بني قينقاع و كان بينهم و بين الرسول صلّى اللّه عليه و آله عهد، فعزموا على نقضه، فأخبره اللّه تعالى بذلك، و أمره بحربهم و مجازاتهم بنقض عهدهم، فكان الوفاء لهم غدرا بعهد اللّه، و الغدر بهم إذا غدروا وفاء بعهد اللّه.(٣) ٣٥٧ الولايات مضامير الرّجال.(٤) قال ابن ميثم: أراد بالمضامير مظانّ معرفة جودة الفرس

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢٥٩.

(٢) سورة الأنفال (٨) ٥٨.

(٣) شرح ابن ميثم ٥ ٣٧٠.

(٤) نهج البلاغة، الحكمة ٤٤١.


[ و ردائته ]، و هي الأمكنة التي يقرن فيها الخيل للسباق، و استعار عليه السلام لفظها للولايات باعتبار أنّها مظانّ ظهور جودة الوالي من خسّته و ردائته، كما أنّ المضامير للخير كذلك.(١)

____________________

(١) شرح ابن ميثم ٥ ٤٥٤.


حرف الهاء

٣٥٨ هلك فيّ رجلان: محبّ غال، و مبغض قال.(١) لمّا كانت محبّة أولياء اللّه فضيلة نفسانيّة كان الطرفان منها رذيلتين يستلزمان هلاك صاحبهما في الآخرة.

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: و اللّه لو لا أنّي أشفق أن تقول طوائف من أمّتي فيك ما قالت النصارى في ابن مريم، لقلت فيك اليوم مقالا لا تمرّ بأحد من الناس إلاّ أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة.(٢) و مع كونه صلّى اللّه عليه و آله لم يقل فيه ذلك المقال فقد غلت فيه غلاة كثيرة العدد منتشرة في الدّنيا.

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١١٧.

(٢) الإرشاد للشيخ المفيد ١ ١١٧، شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٢٨٢.


٣٥٩ هلك امرؤ لم يعرف قدره.(١) لا ريب أنّ من لا يعرف منزلته و محلّه يوشك أن يتجاوز عن مرتبته، فيدركه هلاك الدّنيا، مثل أن يجلس من ليس له من العلم مثلا مجلس العالم، فبذلك تلعّب ألسنة الناس و أيديهم به و يكون هلاكه بذلك، أو متصدّي لمنصب القضاء فيكون هلاك آخرته بذلك و هكذا.

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١٤٩.


حرف الياء

٣٦٠ يا ابن آدم، إذا رأيت ربّك سبحانه يتابع عليك نعمه و أنت تعصيه فاحذره.(١) هذا الكلام تخويف و تحذير من الاستدراج، قال تعالى:

سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ.(٢) و ذلك لأنّ العبد بغروره يعتقد أنّ موالاة النعم عليه و هو عاص من باب الرضا عنه، و لا يعلم انّه استدراج له و نقمة عليه. فينبغي له الحذر، فإنّ ترادف النعم عليه و هو مصرّ على المعصية كالمنبّه له على وجوب الحذر.

مثال ذلك من هو في خدمة ملك، و هو عون ذلك الملك في دولته،

و يعلم أنّ الملك قد عرف حاله، ثمّ يرى نعم الملك مترادفة إليه، فإنّه

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٢٥.

(٢) سورة الأعراف (٧) ١٨٢.


يجب بمقتضى الاحتياط أن يشتدّ حذره، لأنّه يقول: ليست حالي مع الملك حال من يستحقّ هذه النعم، و ما هذه إلاّ مكيدة و تحتها غائلة،

فيجب عليه إذن أن يحذر.

٣٦١ ينزل الصّبر على قدر المصيبة، و من ضرب يده على فخذه [ فخذيه خ. ل ] عند مصيبته حبط أجره.(١) إنّ اللّه سبحانه جعل للإنسان قوّة استعداد لأن يصبر بمقدار مصيبته، فمن تمّ استعداد أفيض عليه ذلك المقدار من الصبر، و من قصر في الاستعداد لحصول هذه الفضيلة و ارتكب ضدّها و هو الجزع،

حبط أجره و هو ثوابه على الصبر.

و كنّى عن الجزع بما يلزمه في العادة من ضرب اليدين على الفخذين.

و قيل: بل يحبط ثوابه السابق، لأنّ شدّة الجزع يستلزم كراهيّة قضاء اللّه و سخطه و عدم الالتفات إلى ما وعد به الصابرين، و هذا موجب لمحو الحسنات.(٢) و قد ورد في فضيلة الصبر ما لا يخفى. و كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول عند التعزية: عليكم بالصبر، فإنّ به يأخذ الحازم، و يعود

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١٤٤، و فيه: حبط عمله.

(٢) شرح ابن ميثم ٥ ٣٢٠.


إليه الجازع.(١) و قال أبو خراش الهذليّ يذكر أخاه عروة:(٢)

تقول أراه بعد عروة لاهيا

و ذلك رزء لو علمت جليل

فلا تحسبي أنّي تناسيت عهده

و لكنّ صبري يا أميم جميل

٣٦٢ يا ابن آدم، ما كسبت فوق قوتك، فأنت فيه خازن لغيرك.(٣) أخذ هذا المعنى بعضهم، فقال:

ما لي أراك الدهر تجمع دائبا

ألبعل عرسك لا أبا لك تجمع

٤ ٣٦٣ يوم المظلوم على الظّالم أشدّ من يوم الظّالم على المظلوم.(٥) المراد بيوم المظلوم على الظالم يوم القيامة، و كان أشدّ لأنّ ذلك اليوم يوم الجزاء الكلّي، و الانتقام الأعظم، و قصارى أمر الظالم في الدّنيا أن يقتل غيره فيميته ميتة واحدة، ثمّ لا سبيل له بعد إماتته إلى أن يدخل عليه ألما آخر، و أمّا يوم الجزاء فإنّه يوم لا يموت الظالم فيه فيستريح، بل عذابه دائم متجدّد. نعوذ باللّه من سخطه و عذابه و قرب منه قوله عليه السلام في موضع آخر:

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ ٣٤٢.

(٢) نفس المصدر السابق.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ١٩٢.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ١٠.

(٥) نهج البلاغة، الحكمة ٢٤١.


٣٦٤ يوم العدل على الظّالم أشدّ من يوم الجور على المظلوم.(١) ٣٦٥ يا ابن آدم، كن وصيّ نفسك، و اعمل في مالك(٢) ما تؤثر أن يعمل فيه من بعدك.(٣) أي كما توصي من بعدك أن يوضع مالك موضع القربات و انتفاع أهلك به فكن أنت ذلك الوصيّ، وضعه تلك المواضع في حياتك.

٣٦٦ يا ابن آدم، لا تحمل همّ يومك الّذي لم يأتك على يومك الّذي أتاك،(٤) فإنّه إن يكن(٥) من عمرك يأت اللّه فيه برزقك.(٦) خلاصة هذا الكلام النهي عن الحرص على الدّنيا و الاهتمام لها،

و إعلام الناس أنّ اللّه قد قسم الرزق لكلّ حيّ من خلقه، فلو لم يتكلّف الإنسان لأتاه رزقه من حيث لا يحتسب، و إذا نظر الإنسان إلى الدودة المكنونة داخل الصخرة كيف ترزق، علم أنّ صانع العالم قد تكفّل لكلّ ذي حياة بمادّة تقيم حياته إلى انقضاء عمره.

و هذا مثل قوله عليه السلام لبعض أصحابه:

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٣٤١.

(٢) في النهج: كن وصيّ نفسك في مالك، و اعمل فيه.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٢٥٤.

(٤) في النهج: قد أتاك.

(٥) في النهج: إن يك.

(٦) نهج البلاغة، الحكمة ٢٦٧.


٣٦٧ لا تجعلنّ أكثر شغلك بأهلك و ولدك، فإن يكن أهلك و ولدك أولياء اللّه فإنّ اللّه لا يضيع أولياءه، و إن يكونوا أعداء اللّه، فما همّك و شغلك بأعداء اللّه؟.(١) و مثل قوله عليه السلام:

٣٦٨ لو سدّ على رجل باب بيت، و ترك فيه، من أين كان يأتيه رزقه؟

فقال عليه السلام: من حيث يأتيه أجله.(٢) ٣٦٩ ينام الرّجل على الثّكل، و لا ينام على الحرب.(٣) قال السيّد: و معنى ذلك أنّه يصبر على قتل الأولاد، و لا يصبر على سلب الأموال.(٤) قال كمال الدين بن ميثم: الحرب: سلب الأموال. و إنّما كان كذلك،

و إن كان المال و الولد محبوبين، للطمع في استخلاص المال بالنهوض له و الحرب عنه، دون الثكل.(٥) ٣٧٠ يا أسرى الرّغبة، أقصروا، فإنّ المعرّج على الدّنيا لا يروعه إلاّ

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ٣٥٢.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٣٥٦.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٣٠٧.

(٤) نهج البلاغة، ص ٥٢٩.

(٥) شرح ابن ميثم ٥ ٣٩٧.


صريف أنياب الحدثان. أيّها النّاس، تولّوا عن أنفسكم(١) تأديبها، و اعدلوا بها عن ضراية(٢) عاداتها.(٣) التعريج بالشي‏ء: الإقامة و الانعطاف عليه. و الصريف: صوت الأسنان إمّا عند رعدة أو عند شدّة الغضب و الحنق، و الحرص على الانتقام، أو نحو ذلك.

شبّه عليه السلام الحدثان و هو الموت بالبعير الهائج أو بالفهد إذا وثب و الذئب إذا حمل. و ذلك لأنّ الفهد و الذئب في هذه الحالات يصرف نابها، و يقولون لكلّ خطب و داهية: جاءت تصرف نابها.

و ضرى كرمى، أي جرى و سال. أي اعدلوا بها عن عاداتها الجارية، من باب إضافة الصفة إلى الموضوف.(٤) ٣٧١ يأتي على النّاس زمان لا يبقى فيهم من القرآن إلاّ رسمه، و من الاسلام إلاّ اسمه، و مساجدهم يومئذ عامرة من البناء، خراب من الهدى،

سكّانها و عمّارها شرّ أهل الأرض، منهم تخرج الفتنة، و إليهم تأوي الخطيئة، يردّون من شذّ عنها فيها، و يسوقون من تأخّر عنها إليها. يقول

____________________

(١) في النهج: من أنفسكم.

(٢) في النهج: ضراوة.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٣٥٩.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٩ ٢٧٦.


اللّه سبحانه: فبي حلفت لأبعثنّ على أولئك فتنة أترك(١) الحليم فيها حيران، و قد فعل، و نحن نستقيل اللّه عثرة الغفلة.(٢) هذه صفة حال أهل الضلال و الفسق و الرياء من هذه الامّة،

و لعلّ المراد بقوله: « فتنة »، أي استئصالا و سيفا حاصدا يترك الحليم أي العاقل اللبيب، « و روي: الحكيم »(٣) فيها حيران، لا يعلم كيف وجه خلاصه.

و قوله عليه السلام: « و قد فعل »، ينبغي أن يكون قد قال هذا الكلام في أيّام خلافته، لأنّها كانت أيّام السيف المسلّط على أهل الضلال من المسلمين. و اللّه أعلم.

٣٧٢ يأتي على النّاس زمان عضوض، يعضّ الموسر فيه على ما في يديه، و لم يؤمر بذلك، قال اللّه سبحانه: وَ لاَ تَنْسوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ،(٤) ينهد(٥) فيه الأشرار، و يستذلّ(٦) الأخيار، و يبايع المضطرّون، و قد نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن بيع المضطرّين.(٧)

____________________

(١) في النهج: تترك.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ٣٦٩.

(٣) شرح ابن ميثم ٥ ٤٢٤.

(٤) سورة البقرة (٢) ٢٣٧.

(٥) في النهج: تنهد و تستذلّ.

(٦) في النهج: تنهد و تستذلّ.

(٧) نهج البلاغة، الحكمة ٤٦٨.


« زمان عضوض »، أي كلب على الناس، كأنّه يعضّهم، و فعول للمبالغة. « يعضّ الموسر »، أي يبخل و يمسك. و « ينهد »: يرتفع و يعلو،

أي ينهضون إلى الولايات و الرياسات، و ترتفع أقدارهم في الدّنيا.

« و يبايع المضطرّون »، أي يكون على وجه الاضطرار و الإلجاء كمن بيع ضيعته، و هو ذليل ضعيف، من ربّ ضيعة مجاورة لها ذي ثروة و عزّ و جاه فيلجئه بمنعه الماء و استذلاله الأكرة و الوكيل إلى أن يبيعها عليه، و ذلك منهيّ عنه، لأنّه حرام محض.(١) ٣٧٣ يهلك فيّ رجلان: محبّ مطر ٢، و باهت مفتر.(٣) قال السيّد: و هذا مثل قوله عليه السلام: يهلك فيّ اثنان: محبّ غال،

و مبغض قال.(٤) المحبّ المطري بكثرة المدح كالغلاة و هم في طرف الإفراط،

و الذي يبهته و يفتري عليه بأنّه العياذ باللّه كافر و مخطئ كالخوارج و هم في طرف التفريط. و كلاهما رذيلتان خارجتان عن فضيلة العدل. و الرذائل مهاوي الهلاك الأخرويّ.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٢٠ ٢١٨.

(٢) في النهج: مفرط.

(٣) نهج البلاغة، الحكمة ٤٦٩.

(٤) نهج البلاغة، ص ٥٥٨.


و قد تقدّم قريب من هذا الكلام في باب الهاء.(١) قد تمّ على يد جامعه عبّاس بن محمّد رضا القمّيّ عفي عنه في سنة ١٣٢٨ ق.

____________________

(١) نهج البلاغة، الحكمة ١١٧.

قد تمّ تصحيح الكتاب و تحقيقه على يد العبد الفاني باقر قرباني عفي عنه في سنة ١٤١٧ ق: ١٣٧٥ ش.



١ فهرس الآيات الكريمة

السورة رقمها الآية رقمها الصفحة

١. البقرة(٢) و لا تنسوا الفضل بينكم ٢٣٧ ٢٦٩

٢. آل عمران(٣) إنّ أولى الناس بإبراهيم... ٦٨ ٤٣

٣. آل عمران(٣) و لو كنت فظّا... ١٥٩ ٢٢٦

٤. آل عمران(٣) و يتفكّرون في خلق... ١٩١ ١٨٩

٥. النساء(٤) إنّما التوبة... ١٧ ٢١٩

٦. النساء(٤) و إذا حيّيتم... ٨٦ ٣٧

٧. النساء(٤) و من يعمل سوءا... ١١٠ ٢١٨

٨. المائدة(٥) يا أيّها الذين آمنوا لا تسألوا... ١٠١ ٤٦

٩. الأنعام(٦) و يرسل عليكم حفظة... ٦١ ٥٤

١٠. الأعراف(٧) و البلد الطيّب... ٥٨ ٢٢٥


١١. الأعراف(٧) أفأمنوا مكر اللّه... ٩٩ ١٥٥، ٢٠١

١٢. الأعراف(٧) و لقد ذرأنا... ١٧٩ ٤٨

١٣. الأعراف(٧) سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ١٨٢ ٢٦٣

١٤. الأعراف(٧) أو لم ينظروا ١٨٥ ١٨٩

١٥. الأنفال(٨) و ما كان اللّه ليعذّبهم ٣٣ ١٣٨

١٦. التوبة(٩) لا يرقبون في مؤمن ١٠ ٤٩

١٧. التوبة(٩) إنّهم لا أيمان لهم ١٢ ٤٩

١٨. التوبة(٩) إنّ اللّه اشترى... ١١١ ٧٨

١٩. يوسف ١٢ و جاؤوا على قميصه ١٨ ١٨٠

٢٠. يوسف ١٢ إنّه لا يبأس... ٨٧ ٢٠١

٢١. إبراهيم ١٤ لئن شكرتم لأزيدنّكم(٧) ٣٣، ٥٨ ٢١٩، ٢٤٥

٢٢. النحل ١٦ فلنحيينّه حياة طيّبة ٩٧ ١٧٣

٢٣. النحل ١٦ إنّ اللّه مع الذين... ١٢٨ ٢١٧

٢٤. الإسراء ١٧ إنّ المبذّرين كانوا إخوان الشياطين ٢٧ ١٦٨

٢٥. الإسراء ١٧ و لا تجعل يدك مغلولة... ٢٩ ١٦٨

٢٦. الكهف ١٨ ما لهذا الكتاب لا يغادر... ٤٩ ٢٤٣


٢٧. الحجّ ٢٢ خسر الدنيا و الآخرة... ١١ ٢٣٤

٢٨. المؤمنون ٢٣ حتّى إذا جاء أحدهم الموت... ٩٩ ١٠٠ ١٧٤

٢٩. الفرقان ٢٥ و يوم يعضّ الظالم على يديه ٢٧ ١٩٢

٣٠. الفرقان ٢٥ و الذين لم يسرفوا... ٦٧ ١٦٨، ٢١٩

٣١. الشعراء ٢٦ إلاّ من أتى اللّه بقلب سليم ٨٩ ٧٢

٣٢. النمل ٢٧ سننظر أصدقت... ٢٧ ٩٦

٣٣. القصص ٢٨ و نريد أن نمنّ...(٥) ١٩٥

٣٤. القصص ٢٨ فالتقطه آل فرعون...(٨) ٤٨

٣٥. الروم ٣٠ و هو أهون عليه ٢٧ ١٣٩

٣٦. لقمان ٣١ أن اشكرلي و لوالديك... ١٤ ١٥ ٧٣

٣٧. الزمر ٣٩ يا عبادي الّذين... ٥٣ ١٥٥

٣٨. غافر ٤٠ ادعوني أستجب لكم ٦٠ ٢١٨، ٢٤٥

٣٩. فصّلت ٤١ و أمّا ثمود فهديناهم... ١٧ ١٦٤

٤٠. فصّلت ٤١ ادفع بالّتي هي أحسن ٣٤ ١٤٠

٤١. الحجرات ٤٩ إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم ١٣ ١٨٨

٤٢. الرحمن ٥٥ خلق الإنسان علّمه البيان(٣) ٤ ١٨٤

٤٣. الحديد ٥٧ لكيلا تأسوا على ما فاتكم... ٢٣ ٣٩، ١١٨


٤٤. الصفّ ٦١ هل أدلّكم على تجارة... ١٠ ١٨٨

٤٥. الطلاق ٦٥ و من يتّق اللّه يجعل...(٢) ٣ ٢٤٤

٤٦. الطلاق ٦٥ و من قدر عليه رزقه...(٧) ٦٠

٤٧. الغاشية ٨٨ عاملة ناصبة...(٣) ٤ ١٧٠

٤٨. البلد ٩٠ و هديناه النجدين ١٠ ١٦٤


٢ فهرس القوافي

الهمزة

الشطر الثاني للبيت الأوّل القائل عدد الأبيات الصفحة

فلن تبيدو للآباء أبناء(١) ٢٣٣

و الجاهلون لأهل العلم أعداء الإمام عليّ عليه السلام(١) ٢٥٤

الباء

لدوا للموت و ابنوا للخراب(١) ٤٨

زجرت المذنبين عن الذنوب أبو العتاهية(٢) ٥١

و عاف الطعام و هو سغوب(٢) ٦٠

لنجيب قوم ليس بابن نجيب البحتري(١) ٧٧

فخانت ثقات الناس حين التجارب(١) ١١٣


و خلّفت في قرن فأنت غريب(١) ١٥٤

و لا تذمنّه إلاّ بتجزيب(١) ١٥٦

فلمّا رأوني مقترا مات مرحب(١) ١٩٠

ما بين حرّ و بين الدار من نسب البحرانيّ(١) ٢٠٤

و لا كلّ قوّال لديّ يجاب المتنبيّ(٢) ٢٠٦

يغنيك محموده عن النسب الإمام عليّ عليه السلام(٢) ٢٠٨

لكن سيّد قومه المتغابي أبو تمّام(١) ٢٢٧

للسيّئات و المعاصي الموجبه بحر العلوم(٣) ٢٣٢

فكيف بهذا و المشيرون غيّب الإمام عليّ عليه السلام(٢) ٢٥٧

التاء

على الدنيا كأنّك لا تموت(٢) ٢٠٧

الثاء

شركاؤك الأيّام و الورّاث الشريف الرضيّ(٢) ١٩٨


الحاء

كساع إلى الهيجا بغير سلاح(٢) ٣٣

و قائل عهدي به البارحه(٣) ١١٢

و شرب ماء القلب المالحه(٧) ١٣٦، ٢٣٩

من غدوّ و رواح ابن المبارك(٤) ١٥١

فإنّ لكلّ نصيح نصيحا(١) ٢٢٣

الدال

خير من الوالدين و الوالد(٣) ٧٢

بلوت سواك عاد الذمّ حمدا(٤) ٧٧

أمّة يحسبونهم للنفاد أبو العلاء المعرّي(٢) ١٠٥

حتّى ابتليت برغبة في زاهد العبّاس بن الأحنف(٢) ١١٨

تعبا كظنّ الخائب المكدود البحتري(١) ١٣٢

يأكلك الدهر أكل مضطهد ابن العلاّف(٣) ١٧٠

أدب أقمناه مقام الوالد أبو تمّام(٢) ١٧٣


الراء

من الحرام و يبقى الإثم و العار(٢) ٧٥

و لم تر بالباقين ما صنع الدهر ١٠ ١٠٢

فيوم نساء و يوم نسرّ(١) ١٠٥

إنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا(١) ١١١

قد يوافي بالمنيّات السحر(١) ١١٢

عيب الغنى أكبر لو تعتبر(٢) ١٥٠

و ما جنّ بالبغضاء و النظر الشزر(١) ١٦٦، ٢٠٩

يوم لا يقدر أم يوم قدر الإمام عليّ عليه السلام(٢) ١٧٥

فكن أنت محتالا لزلّته عذرا سالم بن وابصه(١) ١٩٩

أمسى مقلاّ عديما فقيرا(٢) ٢٠٤

فهو لا بدّ آخذ ما أعارا(١) ٢٠٤

ألا إنّ تقويم الضلوع انكسارها(٢) ٢١٣

أنا خائف أنا جائع أنا عار(٢) ٢١٧

و العار أولى من دخول النار الإمام الحسين عليه السلام(١) ٢٣٩

و جيفة آخره يفخر(٢) ٢٥٠


الزاي

و حسن ظنّك بالأيّام معجزة الطغرائي(١) ٤٧، ١١٣

الضاد

من ماء وجهي إذا استقطرته عوض(١) ٢٣٥

العين

فما قطّع الأعناق إلاّ المطامع(١) ١٣١

فمطبوع و مسموع الإمام عليّ عليه السلام(٣) ١٤٣

تنمي و تزكو إذا بارت بضائعه ابن أبي الحديد(٢) ١٥٣

إلاّ كما طار وقع(١) ١٩١

و فرجك نالا منتهى الذمّ أجمعا حاتم الطائي(١) ٢٤٦

ألبعل عرسك لا أبا لك تجمع(١) ٢٦٥

القاف

ما في الضمائر من ودّ و من حنق(١) ١٦٦


أملّك ذا ثروة رقّها(٤) ٢٤١

الكاف

فكنه يكن منك ما يعجبك(٢) ١٥٧

اللام

و ليس يموت المرء من عثرة الرجل(١) ٣٠

فمبلغ آراء الرجال رسولها(٢) ١١٠

إنّما الدنيا كظلّ زائل الإمام عليّ عليه السلام(١) ١١٤

عوضا و لو نال الغنى بسؤال(٢) ١٢٠

ألا إنّ إكرام النفوس من العقل(٤) ١٣٦

عليه الأربعون عن الرجال(٢) ١٤٢

له فرجة كحلّ العقال أميّة(١) ١٤٣

لست محتاجا إلى ثوب الجمال الغزّي(٢) ١٦٢

و هل يطابق معوج بمعتدل الطغرائي(١) ١٨٠

و أيّ عباد اللّه أنوك من عجل(٢) ١٨١

و للحظوظ كما للناس آجال(٢) ٢٣٥


قصدا و أصبح سيفه مفلولا(١) ٢٣٦

فقلّة حرص المرء في الرزق أجمل الإمام الحسين عليه السلام(١) ٢٤٠

و ذلك رزء لو علمت جليل أبو خراش الهذليّ(٢) ٢٦٥

الميم

فإنّ المعاصي تزيل النعم(١) ٥٩

لماظة أيّام كأحلام نائم(١) ٧٨

زيادته أو نقصه في التكلم زهير بن أبي سلمي(٢) ٨٨

فإنّما أنت في أضغاث أحلام ابن بسّام(٢) ٩٤

أضرّ له من شتمه حين يشتم(١) ٩٥

و في نابه السّقام العقام أبو العتاهية(١) ٢١٧

و خاف عليه بعض تلك المآثم أبو تمّام(٢) ٢٤٢

النون

إلاّ لتوسع من يرجوك إحسانا(٢) ٧٤

فأمسى و هو عريان الفند الزمانيّ(٤) ١١١

و لا يلتام ما جرح اللسان(١) ١١٤


فلمّا استدّ ساعده رماني(٢) ٢٠٣

و سيفي صارم و معي لساني شريك الأعور(٣) ٢١٠

فسيان التحرّك و السكون(٢) ٢٤٠

الهاء

ما أمرّ الدنيا و ما أحلاها(١) ١٠٥

الياء

فأرشدني إلى ترك المعاصي(٢) ٦٤

و لكنّ عين السخط تبدي المساويا عبد اللّه بن معاوية(١) ٧٢

هو أوّل و هي المحلّ الثاني المتنبّي(٢) ١٠٧

كأنّ في أمعائه معاويه(١) ١٧١

و إيّاك و الرتب العاليه(١) ١٩١


٣ فهرس الأبيات و الأمثال الفارسيّة

الأبيات و الأمثال الصفحة

سالى كه نكوست از بهارش پيداست. ٤٠

الا تا نخواهى بلا بر حسود، كه آن بخت برگشته خود در بلاست ١٢٧

چه حاجت كه با او كنى دشمنى، كه او را چنين دشمنى در قفاست ١٢٧

به نزد من آن كس نكو خواه تست، كه گويد فلان خار در راه تست ٢١١

شخصى همه شب بر سر بيمار گريست، چون روز آمد بمرد و بيمار بزيست ١١٢

چو دوران عمر از چهل در گذشت، مزن دست و پا كابت از سر گذشت ١٤٢

زبان سرخ سر سبز مى‏دهد بر باد. ٣٠، ١٧٥

تا مرد سخن نگفته باشد، عيب و هنرش نهفته باشد ٢٢٠


سمند باد پاى از تك فرو ماند، شتربان همچنان آهسته مى‏راند ١٦٥

دوست آن است كه بگرياند، دشمن آن است كه بخنداند ٢١١

هر ضررى عقلى را زياد مى‏كند ١٩٤

چنان زى كه ذكرت به تحسين كنند، چو مردى نه بر گور نفرين كنند ٩٨

فوّاره چون بلند شود سرنگون شود ١٩١

نزيبد مرا با جوانان چميد، كه بر عارضم صبح پيرى دميد ١٤٢

هميشه جاى صلح باقى گذار. ٥٨

چه خوش گفت يك روز دارو فروش، شفا بايدت داروى تلخ نوش ٢١١

به چشم خويش ديدم در بيابان، كه آهسته سبق برد از شتابان ١٦٥

نوجوانى از خواصّ پادشاه، مى‏شدى با حشمت و تمكين به راه ١٦١


٤ فهرس أعلام الأفراد

الإسم الصفحة

الألف

آدم عليه السلام ١٤١، ٢٤٣، ٢٤٩، ٢٦٣، ٢٦٥، ٢٦٦

أبان بن الأحمر ٢٠٩

إبراهيم عليه السلام ٤٣

إبراهيم بن الوليد ٧٩

ابن أبي الحديد ٣٠، ٣٤، ٣٧، ٣٨، ٤٣، ٥٨، ٧٩، ٨١، ٨٥، ٨٨، ٩٧، ١٠٨ ١٤٦، ١٥٣، ١٧١، ٢٢١، ٢٤٨، ٢٥٧

أحنف بن قيس ١٥٢، ٢٤٧

أرسطو ١٧٩، ١٨٤

أسامة بن زيد ٢٠٧


أسماء بنت أبي بكر ٢٤٧

أشعب بن جبير ١٣١

ابن الأشعث ٧٩

أشعث بن قيس ٢٤٢

الأصمعيّ ١٣٦، ١٤٦

ابن الأعرابيّ ٧٦

أميّة ٧٩، ٢١٠

أبو أيّوب السجستانيّ ٣٢

الباء

الإمام الباقر عليه السلام ١٣٧

البحتريّ ٧٧، ١٣٢

بحر العلوم الطباطبائيّ ٢٣٢

برمك ١٢٨

بزرجمهر ١٢٥، ١٨٣

ابن بسّام ٩٤

البصريّ (الحسن) ٩٩


أبو بكر ٢٤٨، ٢٤٩، ٢٥٧، ٢٥٨

الشيخ البهائيّ ١٦١

التاء

أبو تمّام ١٧٣، ٢٢٧، ٢٣٥، ٢٤٢

الثاء

ثعلب ٧٦

الجيم

جابر ٤٧

الجاحظ ٨١

جعفر بن أبي طالب ٣٢

جعفر بن يحيى ٣١

ابن الجهم ١٧٣


الحاء

حبيب بن أوس أبو تمّام

الحجّاج الثقفيّ ٣١، ٩٩، ١٧١، ٢٤٩

حذيفة ١٧٥

الحريريّ ١٧٠

الحسن بن عليّ عليهما السلام ٧٥

الحسين بن عليّ عليهما السلام ٢٣٩، ٢٤٠

ابن الحنفيّة (محمّد) ٩٨، ٢٤٨

أبو حنيفة ٤٦

الخاء

خالد بن صفوان ١٨٦

أبو خراش الهذليّ ٢٦٥

الذال

أبو ذرّ ١١١


الراء

الراضي باللّه ٩٥

الربيع ٣٥

الرضيّ ٦٦، ٧٦، ٧٩، ٩٤، ٩٨، ١٣٨، ١٤٧، ١٦٢، ١٧٧، ١٧٨، ١٩٨، ٢١٨ ٢٢٨، ٢٥٧، ٢٦٧، ٢٧٠

الزاي

الزبير ٣٢، ٨١

ابن الزبير (عبد اللّه) ٧٩، ٢٤٧، ٢٤٨، ٢٤٩

ابن الزبير (عروة) ٢٤٨

ابن الزبير (مصعب) ٣١، ٣٢

زياد ٨١

زيد بن عليّ ٧٩

السين

سعد بن أبي وقّاص ٢٠٦


سعدي الشيرازىّ ٩٨، ١١٢، ١٢٧، ١٤٢، ١٦٥، ٢٢٠

سعيد بن جبير ٢٤٩

أبو سعيد الخدريّ ٢٠٧

أبو سفيان ٣٤

سفيان بن معاوية ١٠٨

سقراط ١٤٩، ١٦٠

سليمان بن داود ٩٦، ٢٥١

سليمان بن عبد الملك ١٧١

سليمان بن عليّ ١٠٨

سميّة ٨٢

الشين

الشافعي ١٩٣

شريح القاضي ٢٤٧

شريك ٤٦

شريك بن الأعور ٢٠٩، ٢١٠

ابن شهر آشوب ١٧٥


الصاد

الإمام الصادق عليه السلام ١٤٥

صخر ٢٠٩

الضاد

الضحّاك ٧٩

الطاء

الطغرائيّ ٤٧، ١١٣، ١٨٠

العين

عائشة بنت أبي بكر ٢٤٨، ٢٥٥

العاص بن وائل ٣٤

أبو العالية ١٧٢

عامر بن الطفيل ٣١

ابن عبّاس (عبد اللّه) ١١٧، ٢٤٨، ٢٤٩


العبّاس بن الأحنف ١١٨

عبد الحميد بن يحيى ٣١

أبو عبد الله الجدلي ٢٤٨

عبد اللّه بن جدعان ٣٤

عبد اللّه بن جعفر ٣١

عبد اللّه بن عليّ ١٠٨

عبد اللّه بن عمر ٢٠٦

عبد اللّه بن عمرو ٣٤

عبد اللّه بن المبارك ١٥١

عبد الملك ٣١، ٧٩، ١٧٩، ٢٤٩

عبد الملك بن هلال ١٨١

عبيد اللّه بن زياد ١٧١

أبو العتاهية ٥١، ٢١٧

أبو عثمان الهنديّ ٢٠٧

عثمان بن عفّان ٢٥٨

عجل بن لجيم ١٨٠، ١٨١

عدنان ٢٠٥


عروة الهذليّ ٢٦٥

عضد الدولة ٥٥

عفّان بن أبي العاص ٣٤

أبو العلاء المعرّيّ ١٠٥

العلاّف (أبو الحسن) ١٧١

ابن العلاّف ١٧٠

الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام في أكثر الصفحات

عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس ١٠٨

عمر بن الخطّاب ٣١، ٢٤٩، ٢٥٧، ٢٥٨

عمرو بن جرموز ٣٢

عمرو بن العاص ٣٣، ٣٤

عنبسة بن زياد ١٧١

عيسى بن عليّ ١٠٨

عيسى بن مريم ٢٦١

الغين

الغزّالي ١٤٣


الفاء

فضالة بن شريك ٢٤٨

القاف

قحطان ٢٠٥

قسّ بن ساعدة ٣١

القمّيّ (المحدّث) ١١٨، ٢٧١

قيس بن سعد ٢٤٧

قينقاع ٢٥٩

الكاف

كلاب بن صعصعة ١٨١

الميم

المأمون ٧٦

مالك الأشتر ٢٤٧


المبرّد ١٤٧

المتنبّي ١٠٧، ٢٠٦

محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في أكثر الصفحات

محمّد بن مسلمة ٢٠٦

المختار ٢٤٨

المخدج ٢٢٠

المروان ٧٩

المروان بن محمّد ٢٤٨، ٢٤٩

المسعوديّ ٢٤٨، ٢٤٩

مسلم ٨٠

معاوية ٣٣، ٣٤، ٧٩، ١٧٠، ١٨٢، ٢٠٩، ٢١٠

ابن المقفّع ١٠٨

ابن مقلة ٩٤

المنصور ٣٥، ١٠٨

المهلبيّ (أبو بكر محمّد) ١٧١

ابن ميثم ٤٤، ١٥٤، ١٩٣، ١٩٩، ٢٠١، ٢٠٧، ٢١٨، ٢٤٥، ٢٥٨، ٢٥٩ ٢٦٧


ميسرة الرأس ١٧١

ميمون بن مهران ٢٣٧

الهاء

هارون الرشيد ٣١

هبنّقة (يزيد بن شروان) ١٨٢

هشام ٧٩، ١٨٠

هلال بن أبي بردة ١٧١

هلال بن أشعر ١٧١

هند بنت عتبة ٣٤

الواو

وكيع ٦٤

الوليد ٧٩

الياء

يحيى بن خالد ٨٣، ١٢٨


ابن يزيد ٧٩

يزيد بن شروان هبنّقة

يزيد بن معاوية ٣٤، ٧٩

يزيد بن الوليد ٧٩

يوسف بن يعقوب ٣١



٥ فهرس الأماكن و البقع

المدن الصفحة

الأبطح ٣٤

البصرة ١٠٨

بغداد ٩٤

الجزيرة ٧٩

خراسان ٧٩

السقيفة ١٧٨، ٢٥٨

الشام ٩٩

شعب أبي طالب ٢٤٨

صفّين ٧٩، ٢٠٦

الطائف ٢٤٨، ٢٤٩


العراق ٣٢

الفرس ١٤٥

الكعبة ٤٧، ٢٤٨

مؤتة ٣٢

المدينة ٧٩، ٢٤٨

مكّة ٧٩، ٢٤٨، ٢٤٩

نهروان ٢٢٠

الهند ١٤٥

اليونان ١٤٥


٦ فهرس المنابع

١ القرآن الكريم، ضبط عثمان طه.

٢ آقا بزرگ الطهرانيّ، محمّد محسن (١٣٨٩ ق)، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، دار الأضواء بيروت، ١٤٠٣ ق.

٣ ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة اللّه (٦٥٦ ق)، شرح البلاغة، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربيّة مصر، ١٣٨٥ ق:

١٩٦٥ م.

٤ ابن الأثير الجزريّ، مجد الدين (٦٠٦ ق)، النهاية في غريب الحديث و الأثر، تحقيق طاهر أحمد الزاوي، محمود محمّد الطناحي، مصر.

٥ ابن الجوزي، سبط (٦٥٤ ق)، تذكرة الخواصّ، تقديم السيّد محمّد صادق بحر العلوم، مكتبة نينوى الحديثة طهران

٦ ابن خلّكان، أبو العبّاس شمس الدين أحمد بن محمّد (٦٨١ ق)، و فيات


الأعيان و أنباء أبناء الزمان، تحقيق الدكتور إحسان عبّاس، قم،

١٣٦٤ ش.

٧ ابن شعبة الحرّاني، أبو محمّد الحسن بن عليّ (القرن الرابع)، تحف العقول عن آل الرسول، تحقيق عليّ أكبر الغفّاري، جماعة المدرّسين قم،

١٤٠٤ ق.

٨ ابن شهر آشوب، أبو جعفر رشيد الدين محمّد بن عليّ المازندرانيّ (٥٨٨ ق)، مناقب آل أبي طالب، تحقيق السيّد هاشم الرسوليّ المحلاّتي،

قم.

٩ ابن طاووس، السيّد عليّ بن موسى (٦٦٤ ق)، مقتل الحسين (اللهوف على قتلى الطفوف)، مكتبة الداوري قم.

١٠ ابن طلحة الشافعيّ، محمّد (٦٥٢ ق)، مطالب السؤول في مناقب آل الرسول، الطبعة الحجرية ايران، ١٢٨٧ ق.

١١ ابن عبد البرّ، أبو عمرو يوسف بن عبد اللّه (٤٦٣ ق)، الاستيعاب في معرفة الأصحاب (بهامش الإصابة)، مصر، ١٣٢٨ ق.

١٢ ابن عبد ربّه الأندلسيّ، أحمد بن محمّد (٣٢٨ ق)، العقد الفريد، دار الكتب العلميّة بيروت، ١٤٠٧ ق: ١٩٨٧ م.

١٣ ابن منظور، محمّد بن مكرّم (٧١١ ق)، لسان العرب، تحقيق عليّ شيري، دار إحياء التراث العربيّ بيروت، ١٤٠٨ ق: ١٩٨٨ م.


١٤ ابن ميثم البحرانيّ، كمال الدين (٦٧٩ ق)، شرح نهج البلاغة، مؤسّسة النصر طهران، ١٣٧٨ ق.

١٥ أبو تمّام، حبيب بن أوس الطائيّ (٢٢٨ ق)، ديوان، بشرح الأديب شاهين عطيّة، دار الكتب العلميّة بيروت، ١٤٠٧ ق: ١٩٨٧ م.

١٦ أبو العلاء المعرّي، أحمد بن عبد اللّه (٤٤٩ ق)، شرح التنوير على سقط الزند، مصر.

١٧ أبو الفرج الأصبهانيّ (٣٥٦ ق)، الأغاني، دار إحياء التراث العربيّ بيروت.

١٨ الأردكانيّ، محمّد باقر، جامع الشواهد، طهران، ١٣٧٩ ق.

١٩ أمير المؤمنين، عليّ بن أبي طالب عليه السلام (٤٠ ق)، ديوان، بشرح الدكتور يوسف فرحات، دار الكتاب العربيّ بيروت، ١٤١١ ق: ١٩٩١ م.

٢٠ الأمين العامليّ، السيّد محسن (١٣٧١ ق)، أعيان الشيعة، تحقيق السيّد حسن الأمين، دار التعارف بيروت، ١٤٠٣ ق: ١٩٨٣ م.

٢١ البحتريّ، أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى (٢٨٤ ق)، ديوان، بشرح الدكتور يوسف الشيخ محمّد، دار الكتب العلميّة بيروت، ١٤٠٧ ق:

١٩٨٧ م.

٢٢ بحر العلوم الطباطبائيّ، السيّد محمّد مهديّ (١٢١٢ ق)، الدرّة المنظومة، الطبعة الحجرية إيران، ١٣٢٠ ق.


٢٣ البهائيّ، الشيخ محمّد بن الحسين العامليّ (١٠٣١ ق)، كليّات، تصحيح غلامحسين جواهري، طهران، ١٣٦٦ ش.

٢٤ الثعالبيّ، أبو منصور عبد الملك بن محمّد بن إسماعيل (٤٢٩ ق)، يتيمة الدهر، دار الكتب العلميّة بيروت، ١٣٩٩ ق: ١٩٧٩ م.

٢٥ و ٢٦ الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر (٢٥٥ ق)، البيان و التبيين،

تحقيق حسن السندوبي، دار الفكر بيروت. كتاب الحيوان، تحقيق عبد السلام محمّد هارون، دار إحياء التراث العربيّ بيروت.

٢٧ الجوهريّ، إسماعيل بن حمّاد (٣٩٣ ق)، الصّحاح، تحقيق أحمد عبد الغفور عطّار، دار العلم للملايين بيروت، ١٤٠٤ ق: ١٩٨٤ م.

٢٨ حاتم الطائيّ (٦٠٥ م)، ديوان، المكتبة الأهليّة بيروت.

٢٩ الحريريّ، القاسم بن عليّ (٥١٦ ق)، المقامات، دار صادر بيروت.

٣٠ الخطيب، السيّد عبد الزهراء الحسينيّ، مصادر نهج البلاغة و أسانيده،

مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات بيروت، ١٣٩٥ ق: ١٩٧٥ م.

٣١ الخطيب البغداديّ، الحافظ أبو بكر أحمد بن عليّ (٤٦٣ ق)، تاريخ بغداد، دار الفكر بيروت.

٣٢ الخوانساريّ، جمال الدين محمّد (١١٢٥ ق)، شرح غرر الحكم لعبد الواحد الآمديّ (٥٤٧ ق)، تصحيح المحدّث الأرمويّ، طهران،

١٣٦٠ ش.


٣٣ الخوئيّ، حبيب اللّه الهاشمي (١٣٢٤ ق)، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، تصحيح السيّد إبراهيم الميانجيّ، المكتبة الإسلاميّة طهران،

١٤٠٠ ق.

٣٤ الدميريّ، كمال الدين محمّد بن موسى (٨٠٨ ق)، حياة الحيوان الكبرى، مصر، ١٣٩٠ ق: ١٩٧٠ م.

٣٥ دهخدا، علي أكبر (١٣٣٤ ش)، أمثال و حكم، مؤسّسة أمير كبير طهران، ١٣٦١ ش.

٣٦ الراغب الأصبهانيّ، الحسين بن محمّد (٥٠٢ ق)، محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء، بيروت، ١٩٦١ م.

٣٧ و ٣٨ الرضيّ، الشريف محمّد بن الحسين بن موسى (٤٠٦ ق)،

ديوان، مطبعة وزارة الإرشاد الإسلاميّ إيران، ١٤٠٦ ق نهج البلاغة، تصحيح الدكتور صبحي الصالح، هجرت قم، ١٣٩٥ ق.

٣٩ الزركليّ، خير الدين (١٣٩٦ ق)، الأعلام، دار العلم للملايين بيروت، ١٩٨٩ م.

٤٠ زكي مبارك، عبقريّة الشريف الرضيّ، مصر، ١٣٧١ ق: ١٩٥٢ م.

٤١ و ٤٢ الزمخشريّ، أبو القاسم محمود بن عمر (٥٣٨ ق)، أساس البلاغة، تحقيق عبد الرحيم محمود، دار المعرفة بيروت، ١٣٩٩ ق:

١٩٧٩ م. ربيع الأبرار، تحقيق الدكتور سليم النعيمي، منشورات


الرضيّ قم، ١٤١٠ ق.

٤٣ الزوزني، أبو عبد اللّه الحسين بن أحمد (٤٨٦ ق)، شرح المعلّقات السبع، الطبعة الثالثة، ١٤٠٧ ق: ١٩٨٧ م.

٤٤ سعدي، مشرّف الدين مصلح بن عبد اللّه شيرازي (٦٩١ ٦٩٥ ق)،

كليّات، تصحيح محمّد عليّ فروغي، انتشارات جاويدان طهران.

٤٥ الشرتوني اللبنانيّ، سعيد الخوري (١٩١٢ م)، أقرب الموارد في فصح العربيّة و الشوارد، مكتبة آية اللّه المرعشيّ قم، ١٤٠٣ ق.

٤٦ الشهرستانيّ، السيّد هبة الدين الحسينيّ، ما هو نهج البلاغة، مطبعة النعمان النجف الأشرف، ١٤٠٠ ق.

٤٧ الشهيد الثاني، زين الدين بن عليّ العامليّ (٩٦٥ ق)، منية المريد في أدب المفيد و المستفيد، تحقيق رضا المختاري، قم، ١٤٠٩ ق.

٤٨ الصدوق، محمّد بن عليّ بن بابويه (٣٨١ ق)، ثواب الأعمال، تحقيق علي أكبر الغفّاري، مكتبة الصدوق طهران، ١٣٩١ ق.

٤٩ الصفدي، صلاح الدين خليل (٧٦٤ ق)، الوافي بالوفيات، الطبعة الثانية، بيروت.

٥٠ الطريحيّ، الشيخ فخر الدين (١٠٨٥ ق)، مجمع البحرين، تحقيق السيّد أحمد الحسينيّ، المكتبة المرتضويّة طهران.

٥١ عبده، الشيخ محمّد (١٣٢٣ ق)، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمّد محي


الدين عبد الحميد، مطبعة الاستقامة مصر.

٥٢ و ٥٣ العسكري، أبو هلال حسن (بعد ٣٩٥ ق)، جمهرة الأمثال،

تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم و عبد المجيد قطامش، دار الجيل بيروت.

كتاب الصناعتين، تحقيق الدكتور مفيد قميحة، دار الكتب العلميّة بيروت، ١٤٠٩ ق: ١٩٨٩ م.

٥٤ الغزّالي، أبو حامد محمّد بن محمّد (٥٠٥ ق)، إحياء علوم الدين،

دمشق.

٥٥ الفيّومي، أحمد بن محمّد بن عليّ المقري (٧٧٠ ق)، المصباح المنير،

تصحيح محمّد محي الدين عبد الحميد، مصر، ١٣٤٧ ق: ١٩٢٩ م.

٥٦ القالي، أبو عليّ (٣٥٦ ق)، الأمالي، دار الكتاب العربيّ بيروت.

٥٧ ٥٩ القمّيّ، الشيخ عبّاس (١٣٥٩ ق)، بيت الأحزان في مصائب سيّدة النسوان، تحقيق باقر قرباني زرّين، مؤسّسة النبأ طهران،

١٤١٤ ق. سفينة البحار و مدينة الحكم و الآثار، دار المرتضى بيروت.

الكنى و الألقاب، تقديم الشيخ محمّد هادي الأميني، مكتبة الصدر طهران، ١٣٩٧ ق.

٦٠ الكلينيّ، محمّد بن يعقوب (٣٢٨ ٣٢٩ ق)، الكافي، تحقيق علي أكبر الغفّاري، طهران، ١٣٨٨ ق.

٦١ المتنبّي، أبو الطيّب أحمد بن الحسين (٣٥٤ ق)، ديوان، بشرح عبد


الرحمن البرقوقي، مصر، ١٣٥٧ ق: ١٩٣٨ م.

٦٢ المجلسيّ، محمّد باقر (١١١٠ ق)، بحار الأنوار، المكتبة الإسلاميّة طهران.

٦٣ المسعوديّ، أبو الحسن عليّ بن الحسين بن عليّ (٣٤٦ ق)، مروج الذهب و معادن الجوهر، تحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد، مصر،

١٣٨٤ ق: ١٩٦٤ م.

٦٤ معلوف، لويس (١٩٤٦ م)، فرائد الأدب (طبع مع المنجد في اللغة)، دار المشرق بيروت.

٦٥ ٦٧ المفيد، أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان (٤١٣ ق)،

الاختصاص، تحقيق علي أكبر الغفّاري، جماعة المدرّسين قم.

الإرشاد، تحقيق مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث قم، ١٤١٣ ق. الأمالي، تحقيق الحسين استاد ولي و علي أكبر الغفّاري، جماعة المدرّسين قم، ١٤٠٣ ق.

٦٨ منتجب الدين، أبو الحسن عليّ بن عبيد اللّه بن بابويه الرازيّ (القرن السادس)، فهرست أسماء علماء الشيعة و مصنّفيهم (فهرست الشيخ منتجب الدين)، تحقيق السيّد عبد العزيز الطباطبائي (ره)، مجمع الذخائر الإسلاميّة قم، ١٤٠٤ ق.

٦٩ الميدانيّ، أبو الفضل أحمد بن محمّد (٥١٨ ق)، مجمع الأمثال، تحقيق


محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار الجيل بيروت، ١٤٠٧ ق: ١٩٨٧ م.

٧٠ ياقوت الحموي، شهاب الدين أبو عبد اللّه (٦٢٦ ق)، معجم الأدباء،

دار الفكر بيروت، ١٤٠٠ ق: ١٩٨٠ م.


الفهرس

كلمة المؤسّسة ٣

مقدّمة التحقيق ٧

تأثير كلام الإمام عليّ عليه السّلام في الأدب العربيّ: ١١

شروح نهج البلاغة: ١٨

من هو الشريف الرضيّ؟ ١٨

المحدّث القميّ الشارح: ٢٠

عملي في تحقيق الكتاب: ٢٢

حرف الألف ٢٩

حرف الباء ٨١

حرف التاء ٨٥

حرف الثاء ٨٩

حرف الجيم ٩١

حرف الحاء ٩٣

حرف الخاء ٩٧

حرف الدال ١٠١

حرف الراء ١٠٧

حرف الزاي ١١٧

حرف السين ١١٩

حرف الشين ١٢٣

حرف الصاد ١٢٥

حرف الضاد ١٢٩

حرف الطاء ١٣١


حرف الظاء ١٣٣

حرف العين ١٣٥

حرف الغين ١٤٩

حرف الفاء ١٥٣

حرف القاف ١٥٩

حرف الكاف ١٦٧

حرف اللاّم ١٧٧

حرف الميم ٢٠٥

حرف النون ٢٥٣

حرف الواو ٢٥٧

حرف الهاء ٢٦١

حرف الياء ٢٦٣

فهرس الآيات الكريمة ٢٧٣

فهرس القوافي ٢٧٧

فهرس الأبيات و الأمثال الفارسيّة ٢٨٥

فهرس أعلام الأفراد ٢٨٧

فهرس الأماكن و البقع ٣٠١

فهرس المنابع ٣٠٣