شرح البداية في علم الدراية
التجميع علم الدراية
الکاتب الشيخ زين الدين علي بن محمد الجبعي العاملي (الشهيد الثاني)
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

شرحُ البِداية في عِلمِ الدِّراية

تأليف: زين الدين العاملي الملقّب

بالشهيد الثاني

الباب الأول

إخراج وتعليق وتحقيق:

عبد الحسين محمد علي بَقَّال


هذا الكتاب

طبع ونشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلمية في الشبكة


شرحُ البِداية

في

عِلمِ الدِّراية


حقوق الطبع محفوظة للمحقِّق

الطبعة المحقَّقة الأولى

١٤٠٢ه- - ١٩٨٢م

تنضيد الحروف: مطبعة (أفست)

فلم و زنگ و طبع: المطبعة العلمية

المراسلات بواسطة:

مكتبة چهل ستون العامة

المسجد الجامع - طهران

الكمية المطبوعة - ٢٠٠٠ نسخة


شرح البداية

١ - في: أوَّليَّاته.

٢ - في: علمِ الدِّراية.

٣ - في: فهارسه العامة.

إخراج وتعليق وتحقيق

عبد الحسين محمد علي بَقَّال


الجهد الأول:

في أوَّليَّات الكتاب

- الإهداء.

- التقديم.

- بين يدي الكتاب.

- المترجَم له في سطور.

- الشَّرح لدى الظهور.



الإهداء

إلى الذين يُشمِّرون عن سواعدِ الجدِّ ؛ من أجل خدمة أُمّتهم، وجيلهم، والأجيال القادمة.

إلى الذين عقدوا العزم على رفع كاهل البؤس الروحي، والشقاء الفكري، والتحلًّل الخُلقي، عن واقع إنسانيَّتنا المعذَّبة.

إليهم، في كل زمان ومكان... نقدِّم هذه الدراسة الموجزة، عن شخصيَّة فذَّة، لعبت دوراً مهمَّاً في تاريخ المعرفة يومها، ولا تزال.

ونُيسِّر هذا النتاج الحديثي لفقيه مرجعٍ، لا زالت بحوثه تحتل الصدارة في أروقة العلم وحلقات العلماء.

سائلاً من القدير أن يتغمَّد الجميع برحمته، والشهيد بجنَّته، وأن يوفِّقنا لأن تسهم الذكرى لمثل هذه الشخصية بعظيم نتاجها في مزيدٍ من الدراية ؛ كي يكون لنا فيها لحاضرنا عظةٌ، وفيما نرجوه لمستقبلنا عِبرة، بل كي نتأكَّد بأنَّ عاقبة الأتقياء الفقهاء الشهداء ليست فقط في حياتهم الأولى، وإنَّما - كما يقال - هي: خالدةٌ عطرةٌ مع الأيام.


التقديم

بقلم:

آية الله، الفقيه المرجع

أبو المعالي شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي وفَّقنا لرواية آلائه، وشرَّفنا بدراية نعمائه، والصلاة والسلام على سيِّد رسله وأنبيائه، وعلى اله قرناء الكتاب وزملائه.

وبعد، غير خفي على مَن ألقى السمع وهو شهيد أنَّ من أشرف العلوم الإسلامية: علم الدراية، الذي هو بمنزلة المقدِّمة لعلم الرجال، وكلاهما من أهم علوم الحديث، وعليهما تدور رحى استنباط الأحكام وردِّ الفروع إلى الأصول.

فمن ثَمَّ توجَّهت همم فطاحل الرجال إلى التأليف


والتصنيف حولهما، فلم يألوا الجهود في تنسيق الزبر والأسفار. فلله درُّ أصحابنا شيعة آل الرسول الأكرم(ص) ؛ حيث جادت أقلامهم، وجالت يراعاتهم، في هذا الشأن، فكم لهم من آثار في هذين العلمين ؛ كالعلاّمة الشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي صاحب كتابي:المُجلي ،والغوالي ، والعلاّمة الشيخ ضياء الدين علي العاملي، نجل شيخنا السعيد أبي عبد الله محمد بن مكِّي الشهيد الأول، والعلاّمة الفاضل المقداد السيوري الحلِّي صاحبكنز العرفان ،


والعلاّمة السيد أبي الرضا فضل الله الحسني الراوندي الكاشاني، والعلاّمة الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي، والد شيخنا البهائي، والعلاّمة الحاج الميرزا أبو طالب الموسوي الزنجاني، نزيل طهران ؛ من مشايخ والدي العلاّمة في الرواية، والعلاّمة الحاج الشيخ محمد الباقر البيرجندي صاحب كتابالكبريت الأحمر في شرائط المنبر ، وهو من أجلَّة مشايخنا في الرواية، والعلاّمة الأستاذ الحاج الشيخ عبدالله المامقاني


النجفي صاحب كتاب الرجال الكبير، وهو من مشايخنا في الرواية والدراية، وغيرهم من الأعلام.

وكذا علماء إخواننا أهل السُّنَّة والجماعة ؛ فقد ألَّف الكثير من أفاضلهم في هذا الموضوع: كالعلاّمة ابن الصّلاح صاحب المقدِّمة، والحافظ ابن حجر الشافعي العسقلاني، والعلاّمة الشيخ جلال الدين السيوطي، والعلاّمة الشيخ زين الدين العراقي، والعلاّمة شيخ الإسلام حفيد العلاّمة المولى سعد الدين التفتازاني،


والعلاّمة الكتَّاني الحسني المغربي المراكشي، من مشايخنا في رواية الصّحاح، وغيرهم قد طوينا عن ذكرهم كشحاً ؛ روماً للاختصار.

وممَّن وفَّقه المولى بالتأليف في علم الدراية العلاّمة السعيد الشيخ زين الدين علي العاملي، الشهيد الثاني، صاحب كتابَي:المسالك ، وشرح اللُّمعة ؛ فإنَّه (قدس‌ سره وطاب رمسه) جاء بكتاب قد أخذ السبق في السباق، وهو مع صغر حجمه حاوٍ لأكثر مسائل العلم، آجره ربُّه اللطيف بهذه الخدمة للدين والمذهب.


وقد طُبع وانتشر منذ طيلة سنين بحيث قد نفدت نُسَخه، إلى أنْ قام الشاب الفاضل النشيط الأستاذعبد الحسين محمد علي البقَّال النجفي وشمَّر الذيل في تجديد طبعه، مع التحقيق حول محتويات الكتاب، فجاء بحمد الله فوق ما يؤمَّل ويراد.

ألا وجزاه البارئ الكريم جزاء مَن أحسن عملاً، وهباه من الرحمة بكفليها، أمين.. أمين.

وفي الختام، أرجو من إخواني طلاّب العلوم الدينية، وروّاد الفضل، المراجعةَ إلى الكتاب والاستفادة من إفاداته، والاستنارة من أنواره.


رزقهم الله وإيَّانا والناشر في الدنيا زيارة مراقد الأئمَّة البررة، وفي الآخرة شفاعتهم.

والسلام على مَن اتبع الهدى ونأى بجانبه عن الهوى.

أملأه العبد الكئيب الغريب في وطنه، خادم علوم أهل البيتعليهم‌السلام

أبو المعالي شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي

في بلدة قم المشرَّفة

حرم الميامين وعشُّ آل محمَّد

في أصيل يوم الخميس، لتسع بقين من شهر الله رمضان المبارك، سنة ١٤٠١ق

حامداً مصلِّياً مسلِّماً مستغفراً



بين يدَي الكتاب

- ١ -

إنَّ هذا الجهد الذي أقدِّمه لقرَّائنا الأعزَّاء لم يكن نتاج حُبالةٍ طبيعية ؛ وإنَّما هو - كغيره من كُثَّرِ مخلَّفات شهدائنا الأبرار - قد مرَّ بولادةٍ عسيرةٍ، وقد رافقته مخاضاتٌ ومخاضات... لعل من آخرها محنة ما يسمَّى: التسفير!! هذا إنْ صحَّ في شرعة القانون والإنسان والإسلام والعُربان أنَّه تسفير.

أجل! تسفير بدون تفسير، أبَّان الحرب العراقية الإيرانية، في مطالع العقد الأول من القرن الرابع، بعد عشر قرون من هجرة رسولنا الكريم، وأوائل العقد ما قبلِ الأخير من القرن العشرين من ميلادِ سيِّدنا المسيح.

هو ذا الجُهد، تنقُّلٌ من تنقُّل، بين مراكز التوقيف والتسفير ؛ مع قوافل ما يسمَّون ب-: المهجَّرين ؛ وجحافل ما يسمَّون ب-: المعاودين ؛ وما يحلو لبعض أن يشير إليهم ب-: المطرودين..

هو ذا الجهد، طالما تُرك على الأرض، كغيره من بقيَّة نتاجات ؛ تلك التي قد غفلت عنها عيون وعيون، بعد أن رعتها عين ورحمة ذلكم الرقيب، الذي هو أقرب إلينا من حبل الوريد.

أجل، وكان لذلك الجهد أن يجتاز حدوداً، ويتوحَّل طيناً، ويرتاد ثلوجاً ؛ ويصعد جبالاً، وينزل وهاداً، ويقاسي من بردٍ، ويصحب مأساة عائلةٍ بأطفالٍ، ويكابد من مطر، ويتعرَّض لرياحٍ، ويتحمَّل غباراً، ويصاحب مع الضعف الكِبَر، ويئنُّ من كثرة مسير في العراء، إلاّ من أديم الأرض وغطاء السماء.


وكَم حُمل على الرؤوس... وكَم حُمِلَ على رقاب أعوادٍ أرعبتها الخشية والقلق، وهدَّها المرض، وأضناها السهر، وأتعبها التنقال، وآلمها نكران الجميل، وروَّعها تخلُّف الأحبَّة ؛ من ولِد وتلَد، من أهل وأصدقاء وأبناء بلد، بل وعلى عود متآكل عضَّ-ته أنياب السنين، وقد ضاع منه فيما ضاع في هذه المحنة والمصيبة الكثير من نتاجات العمر وحصائله، بل وعزَّ عليه مفارقةُ الوطن، وإنْ كان الإسلام وبلد الإسلام كلُّه وطنا، بل وشقَّ عليه مغادرة الوطن ؛ وطنِ الأنبياء، ومراقدِ الأئمة ومدارس الأولياء، وملاعِبَ دجلةَ والفرات.

ووطنٌ، يا ماحلا العمر فيه، وسما النضال من أجله... أرضٌ، يا ماحلا التّجوال فيه، وطاب العيش له... بلدٌ، يا ما صفت فيه مودّة، وسلمت فيه طويَّةٌ، رغم النكبات والنكبات، وطابت عنده أمّهات، وأخوات زكيَّاتٌ مجاهدات...

أليس هو مضجع آدم، ونوح، وذي الكفل، وعُزير، ويونس...؟

إنَّه بلد الغري وكربلاء، وأربيل وحدباء... إنَّه مقبرة العظماء ؛ من طوسيِّها، وكُلينيُّها، ومحقِّ-قُّها، وعلاَّمتها، وجواهريُّها، وأنصاريُّها، وغيرهم لازالوا كثيرين كثيرين.

هو - والله - يا ما حَلا فيه شعر وكتاب وخطبة، ويا ما حَنَّ قريض و(حسچه).

- ٢ -

إيه!! كلُّ هذا، وهو بعضٌ مِن كل، وهل يقوى بعضٌ من كل، وهل يقوى بعضٌ على ذكر ذلك الكُل...؟

إيه! إيه! وبعد هذا، كانت لنا إلى الشهيد عودة ؛ فعدنا نقلّب أوراقه، ونُجدِّد تلك المأثرة الحديثيَّة، بما يناسبها من جهد، وبما يتَّسع لنا من مجهود. عدنا، وكان من بين وريقات ذلك الزمان ؛ زمان الوصل والوداد، زمان العراق، وما أدراك ما العراق؟! زمان النجف الأشرف ومساجدها وحلقاتها...

كان من بين تلك الورقات ورقة تحمل تاريخ: ٢٥ شوَّال، ١٣٨٩ه-، ٦ كانون الأول، ١٩٧٠م.


وكانَ في مقدِّمةِ تلك الورقات، أسطرٌ كتبت يوم ذاك ؛ كي تكون وريقةً بين يدي أوراق(دراية الشهيد) .

- ٣ -

كتبتُ يومَها:

ما إنْ وقع نظري على كتاب: شرح البداية في علم الدراية، في علم مصطلح الحديث، ط ١٣٧٩ه- - ١٩٦٠م، الصادرة من مطبعة النعمان في النجف الأشرف، حتى رحت أتصفَّح أوراقه، مطَّلعاً على مواضيعه، متنقِّلاً بين روَّد آرائه. فهالني!! نعم هالني ما رأيتُ فيه!! من عقم في الإخراج، وكثرة في الأخطاء المطبعيَّة، وشيء من الساقطات النصيَّة. في حين أنَّ هذا السِّفر الفرد ما أعظم ما يتضمَّنه من مادة غزيرة في علم الدراية المقارن! قلَّ أن تتوفَّر في غيره من فنِّه، على هذا الاختصار المستوعِب، وبمثل هذه المتانة في الأسلوب، وتلك الدقّة في المنهجة ؛ على الأقل بحساب أيَّامه، وذلك الإتقان في التبويب بلحاظ وسطه ؛ خاصةً إنْ هو نُظِرَ إليه على صعيد المجهودات الإسلامية، أو الإمامية المعاصرة على وجه الخصوص.

وإزاء هذه الحالة، لم أملك صبراً حيال ما رأيت! حتّى أخذتُ القلم وبدأت القراءة ؛ مصحِّحاً مرقِّماً مخرِّجاً مُخْرِجاً. وكلِّي أملٌ في أنْ أجعل من هذا المقتنى نسخةً شخصيَّة معدَّة صالحةً للاستفادة، أرجع إليها في مطالعاتي الخاصة.

ولكن! هي المهمّة لم تكمل، وأنا بها عند هذا الحد، وإنَّما وجدتها ثريَّة معطاءة حينما أوقفتها على إخراج من مثل دراية الشهيد هذه، إخراجاً يليق بمكانته العلمية في مسار التاريخ الحديثي، وحينما صيَّرتها خدمةً عامَّةً يرجع إليها طلبةُ العلم ومحبِّي الدراسات الإنسانية.

وها أنا!! وبحدود المُستطاع، عمدتُ إلى إحياء هذا التراث ؛ طباعةً أنيقة، متوفِّرةً على مستلزمات الإخراج، ومتطلَّبات التعليق، ودواعي التحقيق ؛ من توزيع لنصوصه، وتنقيطٍ لفقراته، وترقيم لمطاليبه، وعَنْونة لموضوعاته، وتبويب لمباحثه، وفهرسة لمفرداته.


ومن تخريج لآياته، وإرجاع لأحاديثه، وترجمة لرجاله، وذكرٍ لمصادر أقواله، وبيانٍ لمعتمد لغاته. ومن استعراض لنُسَخ مخطوطاته، والتعريف بها من حيث مكان وجودها، وتاريخ كتابتها، وأطوَال قياساتها، وغير ذلك. فاعتماد على نصٍّ يكون الأصح من بين نصوص تلك النُّسخ، وإلاّ فالصحيح، وإلاّ فما يقاربه ؛ مع إشارة في هامشه إلى ما يخالفه، ومصدره، إنْ وجد.

وأمَّا التعريف بالشهيد الثاني كَعَلَمٍ عيلمٍ زينٍ شهيدٍ، كقطبٍ من أقطاب البحوث التشريعيَّة في القرن العاشر الهجريّ ؛ فإنَّ ما كتبه عنه العلاّمةُ الشيخ محمّد مهدي الآصفي في مقدِّمة كتاب:الرّوضة البهيّة بطبعته الجديدة، تُعتبر دراسةً موفَّقةً في حينها ؛ قد أتتْ على الكثير من جوانب شخصيَّته.

هذا، ولا يفوتني هنا أن أذكر:

١ - أنَّ طبعة النعمان، والتي هي الثانية في تاريخ طبعات الكتاب على ما يبدو، وبالرغم ممَّا فيها من نقصان، فهي لا تخلو من جهد في توزيع النص، الذي بذله الناشر العلاّمة الشيخ محمد جعفر آل إبراهيم.

٢ - أنَّ الطبعة الأُولى قبلها، والتي هي الإيرانية، بالرغم ممَّا فيها من إغفالٍ تامٍّ لفنِّ الإخراج ؛ فهي تمتازُ بالضَّبط الطباعي، كما أنَّ لها فضل السبق في إبراز هذا المجهود الفكري وجعله في متناول الأوساط العلميَّة.

هذا، ولا يفوتني هنا أن أذكر:

أنَّ كتابعلوم الحديث للدكتور صبحي الصالح كان لنا خير عون في الرجوع إلى مصادر آراء قسم كبيرٍ من أقطاب المدارس غير الإمامية، والتي واكبتْ الحركة الحديثيَّةَ في أيَّامها الطالعة.

وفي الختام، جزى الله خير الجزاء أولئك الذين ساهموا في بلورة هذا النِّتاج وتيسيره على مثل هذه الصورة.

- ٤ -

واليوم أقول وأنا في طهران، عاصمة الجمهورية الإسلامية في إيران، وبعدما يزيد على عشرة أعوام، أقول:

إنَّ المسير في خطِّ الله ونيل العلم فيما يُرضيه، يخلق من الرِّجال رجالا ً،


ويُوجدُ من أفاضلهم رُوَّاداً، ويمنح عظماءهم عظمةً في أن يفوز أحدهم بلقب:الشهيد .

وها نحن اليوم نقف بين يدي تاريخ شهيد سطَّر وكم سطَّر! من ملاحم بطولية في مواكب الإمامية المليئة بالتضحيات، والمفعمة بأطايب الدماء الزاكيات. نحنُ اليوم، نقف على مشارف نتاج شهيد ؛ وكم ترك وترك من أسفار عرفانية في تاريخ الإمامية ؛ الغزير بملفَّاته، الموسوعي في ثقافته. نقف، لا لنكتب ترجمةً وتأريخاً، ونزيد العظيم عظمةً ؛ فيكفي أنّ المعني بالأمرشهيد .

نقف لا لنعدِّد مآثره، ونُلملم له بطولاتٍ ؛ فيكفي أنَّه صاحب روضةٍ ورائد مسالك وصاحب دراية وحديث. عجباً!! مَن قال: أنَّ العظماء، حين يصبحون عظماء، هم بحاجة إلى تاريخ؟! مَن قالَ: أنَّ العلماءَ، حينَ يكونون علماءَ، هم طلاّب تعريف؟! مَن قال: أنَّ الشهداء، حين يرافقون الشهداء، هم مفتقرون إلى إشهاد؟! لنكُن واقعيِّين ؛ لِنقل: بل نحنُ اللذين نبغي صحبتهم، ولو بعد فوات الأوان ؛ وإنَّما نبغي بذلك الشهرة، ونطمح إلى الاستظلال بأفنان العظمة، ونسعى إلى الذِّكر الجميل والثناء الحسن. لنقل: بل، نحن الذين نبغي قراءتهم، ولو بمستوى ما نَفْهم ؛ وإنَّما نريد بذلك بلوغ بعض مكارمهم، والتجوُّل تحت أياء ظلالهم، والحصول على شيء من ثمرات أتعابهم.

نعم، هم الصفوة الأفذاذ فقط، ونحن التَّبَع ؛ هم الذين وحدهم يواصلون المسيرة، وعلى درب الريادة واستمزاج الخبرات ساروا على بصيرة. عفواً!ومع ذلك فهناك بقيَّة من سعاة الخير... عفواً! وإن كان للغالبية في مثل هذا المنحى غايةٌ وأمل ؛ غير أنَّ جيلنا - وبفضل الله وحمده - ما زال لم يعدم بعد أناساً يعملون الخير حبَّاً في الخير، ويجهدون لأن يوظِّفوا بعض أعمالهم - إن لم يكن كلّها - لله في الله.

- ٥ -

وهكذا كان...

وكنت ممَّن وفِّق للوقوف على أصول وَلَد الشهيد، ولو من بعيد. وكنت ممَّن كابد المعاناة والعناء كي يحضى بمرافقة وَلَد الشهيد ؛ توصُّلاً إلى حديث


الأب الشهيد. وكي يأمل في طلب مرضاةٍ... ؛ مرضاة مَن ليس تُغني عن مرضاتِه مرضاة. وهكذا كان، وعِشتُ أيَّاماً وأيَّاماً مع ابن الشهيد فيمعالم الدّين . وهكذا كان ؛ لأعيش بعدها، قراءةً وكتابةً، مع الزَّين الشهيد فيشرح البداية . فالحمد لله على ما أنعم، والرحمة لشهيدنا - وكل الشهداء - فيما خلَّف وقدَّم. والحمد لله حيث مكَّنني - وإنِّي منتظر لكل نقد - من مصاحبة هذا العملاق في بعض تراثه ؛ في كتابٍ كم نحن من زمن إليه محتاجون، وإليه في حوزتنا طالبون.

- ٦ -

على أنَّ هناك تصرُّفاتٌ شكليَّةٌ جماليَّةٌ قد سوَّغت لنفسي القيام بها ؛ بغية إظهار هذا الشرح بما يليق بمتطلَّبات العصرية، وما يساهم في تبسيط وتعميم الاستفادة منه، وما يساعد على إبراز الهيكل العام وأساسيَّاته ما أمكن.

قمتُ بها، وفي نفس الوقت أُشير إليها:

١ - فعبارة: (فالمقدّمة في بيان أُصوله واصطلاحاته التي يحتاج طالبه إلى معرفتها، ومدارها على المتن والسند والإسناد)، صيَّرتها إلى:

(المقدّمة ؛ ومدارها على: الخبر، والمتن، والسند، ونحوها) ؛ وذلك لأنَّه هو الذي يتلاءم وحداثة توزيع النص من جهةٍ، ويتَّفق مع ما يأتي من عناوين أساسية لقابل مطالبه من جهة ثانية.

٢ - الحقلُ الأول في الخبر ومرادفه. انتزعنا هذا العنوان من حديث ما بعده.

٣ - كلُّ ترقيمٍ أبجديٍّ أو عدديٍّ أوردناه، وكلُّ حقل ورُتْبَته، فهو ليس ممَّا في الكتاب، وإنَّما هو عيال عليه، تبنِّيناه بغية توزيع النص وإبرازه على أحسن وأفيد ما يكون.

٤ - كلُّ نقطة أو جملة ندخلها على النص، ممَّا ليست فيه، نجعلها بين قوسين مركَّنين، كي نُميِّزها في زيادتها عن الأصل.

٥ - وبما أنَّ المتن والشرح كلاهما لمازج واحد فقد حذفنا التقويسات بينهما، واكتفينا بطبع صورة نسخة ثمينة من أصل المتن في بداية الكتاب من جهة، ثم وضع خطوط أفقية حيال ألفاظه في الشرح من جهة ثانية، وأخيراً الاهتمام فقط بتقويس ما يخص الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة والأقوال المنقولة من جهة ثالثة ؛ ذلك لأنَّ كثرة التقويس مع أنَّها مدعاةٌ للإرباك والتشويش، فإنَّها أيضاً تقضي على جمال التنسيق، وتلبس على القارئ ما هو للمؤلِّف بما هو ناقلٌ فيه.


وحيثُ إنَّ العادة جرت في أن يخصِّص المحقِّقون للتراث صفحات تترجم بمجهوداتهم وتعرِّف بمَن هو وراء محقِّق كتابهم، ونظراً للظروف الخاصة التي أمرُّ بها... فإنِّي سأكتفي بالقول: إنَّ شهيدنا الجبعي قد استأنس كثيراً - فيما يبدو - بمثل كتابالخلاصة في أصول الحديث للطيِّبي ، وإنَّه نهج في شرحه المزجي جرياً على ما تعورف به في الوسط غير الأمامي كما ذكر لنا ذلك تلميذه العودي. وهذا إن دلّ على شيء، فإنَّما يدل على مدى انفتاحه ومرونته وإقراره لِمَا هو صحيح ؛ في نفس الوقت الذي هو فيه يعدِّل وينقص ويزيد ويجدِّد لِمَا يحتاج إلى تعديل أو نقص أو زيادة أو تجديد ؛ حفاظاً منه بذلك على وحدة الثقافة، وإيماناً بعدها بوحدة الكلمة والإسلام والمسلمين.

وأقول أيضاً: أنَّه ليس هو الأول فيمَن ألَّف في علم دراية الحديث من الشيعة كما ينقل ذلك الأب فردينان اليسوعي(١) ؛ وإنَّما هناك كثيرون من الإمامية كما نوَّه على بعضهم الحجَّة المرعشي في تقديمه. نعم، هو أوَّلُ مَن جدَّد واستوعب، فأجاد وأحسن...

____________________

(١) ينظر: المنجد في الأعلام، ص٣٩٥.


المُترجَم له في سطور

يَحِقُّ لمثل هؤلاء الأبطال الشهداء الذين نذروا أنفسهم لخدمةِ أخطر جانب حياتي ؛ أعني الميدان الثقافي، والتشريعيِّ منه على وجه

الخصوص، والحديثيّ بوجه أخص. يحقّ لمثل هؤلاء - منهم شهيدنا هذا - أن تدوَّن حياتهم، وتُترجم شخصيتهم ترجمة تليق بمكانتهم، متَّسعة جميع أبعادها، شاملةً مختلفَ مجالاتها.

وبما أنَّ مختلفَ الكتب الرجالية قد ترجَمت للشهيد، وبالخصوص الإمامية منها ؛ من قبيل:أمل الآمل والوسائل للحرِّ العاملي،ورياض العلماء للأفندي،ولؤلؤة البحرين للبحراني،والفوائد الرجاليَّة لبحر العلوم،وروضات الجنَّات للخوانساري،وأعيان الشيعة للعاملي، والأعلام

للزركلي، وغيرها الكثير الكثير... وبالإضافة إلى تلك الترجمة التي أشرنا إليها سابقاً في مقدِّمةالروضة البهيَّة . وبالإضافة إلى تلك التي نقلها أحد أحفاد الشهيد نفسه عمَّا كتبه العودي ؛ أحدُ تلامذة الشهيد، والمذكورة قسم منها في كتابالدرُّ المنثور .

لذا ؛ ولأنَّ المهم هو إحياء دراية الشهيد ؛ فإنِّي سأكتفي بهذه الإشارة المقتضبة، وانتقل منها إلى إعطاء فكرةٍ مناسبةٍ عن خصوصيَّات دفعشرح البداية إلى الظهور.


الشرح لدى الظهور

وحيث إنَّهذا الكتاب فريدٌ من نوعه، ومهمٌّ في بابه، وعظيم في مؤلِّفه، فقد انتشرت له نسخ خطِّ-يِّة ثمينةٌ ؛ كانت مكتباتٌ إيران لها السهم الأوفى من أمَّهات القديمة منها، رغم أنَّ كاتبه لبناني القطر، جبعي المسقط، عربي الموطن. وحق لإيران أن تحتضن مثل هذا التراث وغيره ؛ لأنَّها بلدٌ إسلامي عريق الحضارة، ومركز إمامي ثرُّ النتاج، ومركز علمي كثيرُ الكتَّاب والعلماء.

هذا، وإنَّ ممَّا يحضرني من معلومات حول نسخه، هي:

أوّلاً : في إيران

١ - نسخة تاريخ تحريرها عام ٩٦١ه-، منقولةٌ من نسخة المؤلِّف نفسه (قدس) ؛ وهي محفوظةٌ الآن في مكتبة آستان قدس في مشهد الإمام الرضاعليه‌السلام برقم ٨٩، كما جاء ذلك في فهرستها، مجلَّد ٦ / ص٦١٢، وهي مزدانة ببلاغاتٍ وتعليقات مهمَّة.

٢ - نسخة تاريخ تحريرها عم ٩٧٣ه- كما ورد ذلك في نفس الفهرس السابق.

٣ - نسخة تاريخ تحريرها عام ١٠٨٧ه-، وهي ناقصةٌ بمقدار سبعة أوراق من الأول ؛ غير أنَّها مكتوبة على نسخة الأصل، ومقروءة على الشيخ علي بن الشيخ محمد بن الشيخ حسن بن الشهيد الثاني، وعليها خطّه، كما ورد ذلك في نفس الفهرس السابق.

٤ - نسخة تاريخ تحريرها عام ٩٦٩ه-، بخط المولى شريف بن شهاب الدين، وهي من موقوفات السيد المشكاة بطهران، ضمن مجموعة.

ثانياً : في العراق

١ - نسخة تاريخ تحريرها ٩٧٩ه-، بخط أحمد بن شريف، ضمن مجموعة بمكتبة الميرزا محمد العسكري الطهراني في مدينة الكاظمية ؛ ولستُ أدري أين صفا بها الدّهر الآن، أم أنَّها صودرت بقانون حفظ التراث.


٢ - نسخة تاريخ تحريرها ١٠١١ه-، كانت من مقتنيات الدكتور حسين علي محفوظ، وقد استفدتُ من هوامشها. ولستُ الآن على علمٍ بمصيرها.

٣ - نُسخ متعدِّدة موجودة في مكتبات النجف الأشرف، وخاصة في مكتبة آية الله السيد محسن الحكيم العامة ؛ غير أنِّي أجهل أي شيء عن خصوصيَّاتها، وأفتقد أي معلوماتٍ عنها.

ثالثاً : مصر

حيثُ توجد نسخة في دار الكتب المصرية مذكورة فيفهرست المخطوطات المصوَّرة ، تصنيف فؤاد السيد / ج١ / ص؟، منسوخة في ١٠٦١ه-.

رابعاً : النسخةٌ المعتمدةُ

وهي النسخةُ المحفوظةُ في مكتبة آية الله المرعشي النجفي، والتي تفضَّل بتصويرها لي سماحةُ العلامة السيد أحمد الحسيني أمين المخطوطات فيها مشكوراً. وهذه النسخة تقع في ٩٧ ورقة / ١٩٤ صفحة، كلّ صفحةٍ بمعدَّل ١٣ سطراً غالباً، وبمقاس ١١ سم طولاً، و٦.٥ سم عرضاً. وهي مكتوبة بخطٍّ واضح مقروء، أشبه ما يكون بخط القرآن الكريم، مُعَلَّمة بخطوطٍ أفقية أسفل كلماتِ البداية، وما بينها من جملٍ ومفردات هي شرح لها. كما أنَّها مزدانة بكثير من البلاغات والتعليقات، ناهيك عن التصحيحات هنا وهناك.

وجاء في آخرها: (وقع الفراغ من كتابته بعون الله تعالى يوم الجمعة، خامس شهر المحرَّم الحرام، عام أربع وسبعين بعد الإلف، بقلم أقل العباد: حسين بن علي بن محمد بن الحسن بن زين الدين العاملي، عاملهم الله بلطفه، وعفى عنه وعنهم بمنِّه، حامداً مصلِّياً مسلِّماً).

كذلك جاء في هامش نفس الصفحة ما يلي: (أنهاه قراءةً وسماعاً الولد الأعز حسين، وأنَّه كاتب هذه الكلمات، وفَّقه الله لتحصيل مرتبتي العلم و

العمل، في أوقاتٍ آخرُها ثامن شهر ذي الحجة، من شهور السنة ١٠٧٤، وقد أجزت له روايته عنِّي بطريقي إلى مؤلِّفه (قدَّس الله روحه)، وكذا رواية غيره ممَّا صحَّت لي روايته، وكذا رواية ما ألَّفته وكتبته. أقل العباد: علي بن محمد بن الحسن بن مصنِّف هذا الكتاب، عفا الله عنهم بمحمد وآله صلوات الله عليهم).

وفي طرف آخر من هامش نفس الصفحة كتب آية الله شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي التعليقة التالية: (بسمه تعالى، لا يخفى أنَّ هذه النسخة وما يليها بخطِّ الشيخ حسين، ابن الشيخ علي حفيد الشهيد الثاني، وقد قراها الكاتب على والده، والشيخ حسين توفّي قبل والده، كما في الدرِّ المنثور لوالده ؛ وترجمته مذكورة هناك. وقد أطرى (قدس) في ترجمة ولده


هذا. ويظهر منها أنَّه توفِّي سنة ١٠٧٨، في ٢١ ذي الحجة، وكانت ولادته سنة ١٠٥٦، وقبره بمشهد الرضاعليه‌السلام ؛ حرَّره الراجي: شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي، ببلدة قم المشرّفة حرم الأئمَّة، ١٣٧٢ه-).

والآن - وأخيراً - أصبح واضحاً المسوِّغ الذي دعانا لاعتماد هذه النسخة بالذات، وفي مثل ظروفنا هذه، هو أنَّها بقلم عالم فقيه، من بيت علم وفقه وتقى، وابن فقيه عالم أديب، تربطه بمؤلِّف الكتاب العلقة النسَبيَّة، والمسيرة الإمامية، والدراسة الحوزوية الفقهية، وحب الحديث...

وفي الختام، حقُّ الرعاية يفرض عليَّ شكر:

١ - آية الله العظمى، سماحة الحاج السيد أبو المعالي شهاب الدين المرعشي النجفي (دام ظلُّه) ؛ لتفضُّله بكتابة مقدمةٍ لهذا الكتاب(الدراية) تليق وعظمة الشهيد، وتتناسب مع مقام السيد الرفيع.

٢ - صاحب السماحة، آية الله السيد موسى الزنجاني الشبيري ؛ لتفضُّله بمباركة هذا الجهد، واطمئنانه لِمَا جاء فيه من خلال ملاحظته لِمَا يُقارب الثمانين صفحة الأولى من الكتاب ونقده إيَّاها، واعتذاره عن تكملة البقية، مرجئاً أمرها إلى الطبعات اللاحقة بمشيئة الله ؛ نظراً لظروفه الصحية وكثرة مشاغله العلمية الحوزوية ؛ وكي لا يكون ذلك مدعاةً لتأخير الطبع، وعقبةً وراءَ سرعةِ نشره.

٣ - الأخ الفاضل الحجة، السيد أحمد محمد علي المددي ؛ نظراً لِمَا وردني منه من ملاحظاتٍ قيِّمةٍ جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا.

٤ - الأخ الفاضل الحجة، السيد محمد تقي الطباطبائي التبريزي ؛ لتفضُّله بقراءة الكتاب ونقده من أوله وحتى آخره.

٥ - وأخيراً: كل مَن ساهم في إخراج هذا الكتاب إلى حيِّز الطبع، وأذكر منهم:

أ - الأخ الفاضل الدكتور الجرَّاح عبد الجبار العسكري.

ب - سماحة الحجة الشيخ حسن سعيد، مسؤول مدرسة چهل ستون ومكتبتها العامة.

ج - الأخ الفاضل الأستاذ السيد كمال الدين الحاج جوادي، معاون وزير الإرشاد الإسلامي الإيرانية للشؤون الفنية.

سائلاً للجميع - ولكلِّ مَن يتحفنا بملاحظاته، ويعمل على إحياء التراث - الموفَّقية وحسن العاقبة، إنَّه سميعٌ مجيب.



ملاحظة:

من صفحة ٢٩ إلى صفحة ٤٢ صور للمخطوطات















الجهدُ الثاني:

شرحُ البِداية

في

علِم الدِّراية

تأليف:

الفقيه المحدِّث الشهيد الثاني

زينُ الدِّين بن عليِّ بن أحمد العاملي

٩١١ه- ٩٦٥ه-



بسم الله الرحمن الرحيم

نحمدُك اللَّهُم على حسن توفيق البداية، في علم الدراية والرواية، ونسألك حسن الرعاية، في جميع الأحوال إلى النهاية، ونصلِّي على نبيِّك وحبيبك محمَّد المنقذ للخلق من الغواية، المرشد لهم إلى الحقِّ وسبيل الهداية، وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار، صلاةً دائمةً متصلةً لا يُبلغ لها غاية، ونسلِّم تسليما.

وبعد الحمد لله بما هو أهله، والصلاة على مستحقِّها ؛ فهذا كتاب مختصر وضعناه في علم دراية الحديث، وهو علميبحث فيه عن: متن

الحديث، وطرقه من صحيحها وسقيمها وعللها، وما يحتاج إليه(١) ليعرف المقبول منه والمردود.

وموضوعه : الراوي، والمروي من حيث ذلك(٢) .

وغايته : معرفة ما يقبل من ذلك ليعمل به، وما يرد منه ليُتجنَّب.

ومسائله : ما يُذكر في كتبه من المقاصد ؛ ويذكر بيان مصطلحاتهم في هذا العلم ؛ من المفهومات المنقولة عن معانيها اللغوية، أو المخصصة لها، كما سيرد عليكم إنْ شاء الله تعالى.

جعلنا وضعه على وجه الإيجاز والاختصار، دون الإطناب والإكثار ؛ ليسهل حفظه،

____________________

(١) أي ما يحتاج إليه من شرائط القبول والرد.

(٢) علَّق الأخ الفاضل الحجة السيد أحمد محمد علي المددي هنا بقوله: أي من حيثُ معرفةُ الصحيح والسقيم، والمقبول والمردود، من الحديث والرواية.


ويكثُر نفعه، فإنَّ طباع أهل الزمان لا تحمل أعباء الكثير من العلم ؛ خصوصاً في هذا الشّأن.

وهو مرتَّب على:مقدِّمة ، وأربعةأبواب .

سائلين من الله تعالى إلهام الحقَّ، والدلالة على صوب الصواب.


المقدِّمة

ومدارُهاعلى:الحديثِ، والمتنِ، والسندِ، ونحوها



الحقلُ الأول:

في

الخبر، والحديثِ، والأثر

النّظر الأول(١) :

الخبرُ والحديثُ مترادفان ؛ بمعنىً واحد(٢)

- ١ -

وهو اصطلاحاً: كلامٌ لنسبته خارجٌ في أحد الأزمنة الثّلاثة ؛ أي يكون له في الخارج نسبة ثبوتية أو سلبية، تطابق ؛ أي تطابق تلك النسبة ذلك الخارج بأن يكونا سلبيَّين أو ثبوتيّين ؛ أو لاتطابقه ؛ بأن يكون أحدهما ثبوتيَّاً والآخر سلبيَّاً(٣) .

و(الكلامُ) في التعريف: بمنزلة الجنس.

وخرجَ بقوله: (لنسبته خارج) الإنشاء(٤) ؛ فإنَّه وإنْ اشتمل على النسبة إلاّ أنَّه لا خارج له منها، بل لفظه سبب لنسبة غير مسبوقة بأخرى.

- ٢ -

وتوضيحُ ذلك: أنَّ الكلام إمَّا أن تكون نسبته بحيث تحصل من اللفظ، ويكون اللّفظ موجداً لها، من غير قصدٍ إلى كونها دالَّة على نسبة حاصلةٍ في الواقع بين الشيئين ؛ وهو الإنشاء. أو تكون نسبته بحيث يقصد أنَّ لها نسبةً خارجيّةً ؛ أي ثابتة في نفس الأمر، تطابقه أو لا تطابقه ؛ وهو الخبر(٥) .

____________________

(١) الذي في النسخة الخظِّيَّة (ورقة ٢، لوحة ب، سطر ٨): (الخبر والحديث مترادفان) فقط ؛ بدون: (الحقل الأول: في الخبر والحديث و

الأثر. النظر الأول:).

(٢) ينظر: كليَّات أبي البقاء، ص١٥.

(٣) ينظر: شرح المختصر للتفتازاني، ص١٦.

(٤) الذي في النسخة الخطية (ورقة ٣، لوحة ١، سطر ١): الإنشا ؛ بدون ما يُسمَّى بالهمزة المتطرِّفة، كما أنَّها وردت هكذا بعد ذلك مراراً.

(٥) ينظر: شرح المختصر للتفتازاني، ص١٦.


- ٣ -

فإذا قلت مثلاً: زيدٌ قائمٌ، فقد أثبتَّ لزيد في اللفظ نسبة القيام إليه ؛ ثم في نفس الأمر لابدَّ أن يكون بينه وبين القيام نسبةٌ بالإيجاب أو السلب ؛ فإنَّه في نفس الأمر لا يخلو مِنْ أن يكون قائماً أو غير قائم.

بخلاف قولنا: قمْ ؛ فإنَّه وإن اشتمل على نسبة القيام إليه(١) ، لكنَّها نسبة حدثتْ من اللفظِ، لا تدلُّ على ثبوت أمرٍ آخر خارج عنها يطابق أولاً ؛ ومن ثَمَّ لم يحتمل الصدق والكذب، بخلاف الخبر.

[النظر الثاني:]

وهو ؛ أي الخبر المرادف للحديث، أعمُّ من أن يكون قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والإمامعليه‌السلام ، والصحابي، والتابعي، وغيرهم من العلماء والصلحاء ونحوهم. وفي معناه: فعلهم وتقريرهم.

هذا هو إلا شهر في الاستعمال، والأوفق لعموم معناه اللُّغوي.

- ١ -

وقد يُخصَّ الثاني - وهو الحديث - بما جاء عن المعصوم ؛ من النبي والإمام.

ويُخصُّ الأول - وهو الخبر - بما جاء عن غيره.

ومن ثَمَّ، قيل لمَن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها: الأخباري، ولمَن يشتغل بالسُّ-نَّة النبويّة: المحدِّث ؛ وما جاء عن الإمام عندنا: في معناه.

- ٢ -

أو يُجعلُ الثاني - وهو الحديثُ - أعمُّ من الخبر مطلقاً ؛ فيقال لكلِّ خبرٍ: حديث، من غير عكس.

وبكلِّ واحدٍ من هذه الترديدات قائل.

[النظر الثالث:]

والأثر: أعمُّ منهما مطلقاً ؛ فيقال لكل منهما: أثر، بأيّ معنى اعتُبِر.

وقيل: إنَّ الأثر مساوٍ للخبر.

____________________

(١) أي إلى زيدٍ، على تقدير كونه مخاطباً. خظِّيَّة الدكتور حسين علي محفوظ، ص٢.


وقيل: الأثر ما جاء عن الصحابي، والحديث ما جاء عن النبي، والخبر أعمُّ منهما(١) .

والأعرف: ما اخترناه(٢) .

____________________

(١) قال المددي: يبدو لي - بعد مراجعة المصادر الموثوق بها في هذا العلم - : أنَّ هذه الاحتمالات والأقوال إنَّما حَدَثت عند المتأخِّرين، خصوصاً بعد شيوع المنطق الأرسطي في الأوساط العلمية الدينية. وأمَّا كتب المتقدِّمين ؛ فهي خاليةٌ عن هذه الاحتمالات والأقوال، إن صحَّ التعبير بأنَّها أقوال.

كما أنَّه لا فائدة مهمَّة في تحقيق ذلك، وأنَّه متى ما دلَّ الدليل على حُجِّية الخبر وتحديدها، فهو عامٌ بدلالتهٍ ؛ وبالتالي يشمل: الخبر، و

الحديثَ، والأثرَ، سواءٌ تطابقت مفاهيمها أم تخالفت.

(٢) قال محمد جمال الدين القاسمي: والحديث: نقيض القديم، كأنَّه لوحظ فيه مقابلةُ القرآن ؛ والحديث: ما جاء عن النبي ؛ والخبر: ما جاء عن غيره.

وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق ؛ فكل حديث خبر من غير عكس.

والأثر: ما رُوي عن الصحابة، ويجوز إطلاقه على كلام النبي أيضاً.

قواعدُ التحديث من فنون مصطلح الحديث، ص٦١.


الحقلُ الثاني:

في

مَتْنِ الحديث(١)

والمتنُ لغةً: ما اكتنف الصُّلبَ من الحيوان، وبه شُبِّه المتن من الأرض. ومَ-تُنَ الشيء: قوِيَ متنُه(٢) ، ومنه: حبل متين. فمتن كل شيء: ما يتقوَّم به ذلك الشيء، ويتقوَّى به ؛ كما أنَّ الإنسان يتقوَّم بالظَّهر، ويتقوَّى به. فمتن الحديث: لفظ الحديث الذي يتقوَّم به المعنى(٣) ؛ وهو: مقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وما في معناه(٤) .

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة (ورقة ٣، لوحة ب، سطر ١٠): (والمتن لغة) فقط ؛ بدون: (الحقل الثاني: في متن الحديث).

(٢) ينظر: تهذيب اللغة، ١٤/ ٣٠٦.

(٣) ينظر: قواعد التحديث، ص٢٠٢.

(٤) أي: قول الأئمَّة. خطِّيَّة الدكتور حسين علي محفوظ، ص٣.


الحقلُ الثالث:

في

السَّند والإسناد(١)

- ١ -

والسَّند: طريقُ المتن ؛ وهو: جملةُ مَنْ رواه ؛ من قولهم: فلانٌ سندٌ؛ أي: معتمدٌ. فسُمّي الطريقُ سنداً ؛ لاعتماد العلماء في صحة الحديث وضعفهعليه(٢) . وقيل: إنَّ السَّند هو الإخبار عن طريقه ؛ أي طريق المتن(٣) . والأوّل: أظهر ؛ لأنَّ الصحة والضعف إنَّما ينسبان إلى الطريق باعتبار رواته، لا باعتبار الإخبار، بل قد يكون الإخبار بالطريق الضعيف صحيحاً ؛ بأنْ رواه الثقة الضابط بطريق ضعيف ؛ بمعنى: صحة الإخبار بكون تلك الرواة طريقه، مع الحكم بضعفه.

- ٢ -

والإسناد: رفع الحديث إلى قائله(٤) ؛ من: نبيٍّ، أو إمام، أو ما في معناهما(٥) .

والأولى: ردُّ المعنى الثاني للسَّند ؛ وهو الإخبار عن طريق المتن، إليه ؛ أي: إلى الإسناد أيضاً، لا أن يُجعل تعريفاً للسَّند ؛ لأنَّ الإخبار عن الطريق في الحقيقة هو الإسناد، كما يظهر من تعريفه.

- ٣ -

وعليه(٦) فالسَّند والإسناد بمعنى(٧) ؛ وعلى الأوَّل: هما غيران.

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة (ورقة ٤، لوحة ١، سطر ١): (والسَّند طريق المتن) فقط ؛ بدون: (الحقل الثالث: في السَّند والإسناد).

(٢) ينظر: تدريب الراوي، ص٥ - ٦، وشرح الزرقاني على البيقونيَّة، ص٩، وحاشية لقط الدُّرر، ص٤.

(٣) ينظر: قواعد التحديث، ص٢٠٢. وقال المددي: الظاهر أنَّه تعريف ل- (الإسناد) دون (السَّند) ؛ ولعلَّ وحدة المادة الأصليَّة هي التي سبَّبت الوقوع في مثل هذا الخطأ، بل قصد الإسناد هو مرادُ المؤلِّف (قدِّس) ممَّا سيأتي.

(٤) ينظر: قواعد التحديث، ص٢٠٢.

(٥) كالصحابي والتابعي. خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص٣.

(٦) قال المددي: أي على صحَّة المعنى الثاني للسَّند ؛ فالسند والإسناد متّحدان معنى. وأمَّا لو فسَّرنا السَّند بالمعنى الأوَّل، فإنَّه على هذا يختلف معناه عن معنى الإسناد ؛ إذ هو بذلك يكون بمعنى الإخبار عن السَّند.

(٧) ينظر: قواعد التحديث، ص٢٠٢.


الحقل الرابع:

في

صدق الخبر وكذبه(١)

ثم الخبر - بأيِّ معنىً اعتُبر - منحصرٌ في الصِّدقِ والكذب، على وجه منع الجمع والخلو، في الأصح من الأقوال.

وإنَّما قلنا: إنَّه منحصرٌ فيهما ؛ لأنَّه - كما قد عرفتَ - يقتضي نسبةً في اللفظ، ونسبةً في الواقع.

ثُمَّ إنْ طابق الواقعُ المحكيَّ باللفظ، فالأوّلُ ؛ وهو الصِّدقُ، وإلاّ يطابقه، فالثاني ؛ وهو الكذب، وبذلك ظهر وجه الحصر.

ولا يرد على الأوَّل مِثلُ قول مَن قال: محمد(٢) ومُسيلمة(٣) صادقان ؛ فإنَّه صادقٌ من إحدى الجهتين، وكاذب من أُخرى ؛ لأنَّا إنْ جعلناه خبراً واحداً، فهو كاذبُ، وإنْ جعلناه خبرين، كما هو الظاهر، فهو صادقٌ في أحدهما كاذبٌ في الآخر.

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة (ورقة ٤، لوحة ١، سطر ١٣): (ثم الخبر بأيِّ معنى) فقط، بدون: (الحقل الرابع: في صِدقِ الخبرِ وكِذبه).

(٢) هو رسولُنا رسولُ السلام ؛ محمدُ بن عبدالله بن عبد المطَّلب، الصادقُ الأمين. وُلِدَ صباحَ الجمعة في مكَّة المكرَّمة، عامَ الفيل، ١٧ ربيع الأوَّل. بُعِثَ للنبوَّة وعمرُهُ الشريف أربعون عاماً. هاجر إلى المدينة يوم الاثنين، ١٢ربيع الأوَّل، على رأس سنة ٥٤ من ولادته. كانت آخر حجَّة له سنة ١٠ من الهجرة ؛ وتُسمَّى بحجَّة الوَداع. بعد إتمام حجِّهِ قَفَلَ راجِعاً إلى المدينة، وفي غدير خُم - أثناء الطريق - عقد بأمرٍ من الله تعالى لعلي بن أبي طالبعليه‌السلام بالخلافة من بعده، وبايعه على ذلك عموم الحاضرين ؛ من شيوخ المهاجرين والأنصار. مَرض في أوَّل صفر سنة ١١ ه-، وتوفِّي يوم الاثنين ٢٨ منه. ودُفن في حجرته بعد أن غسَّله عليِّعليه‌السلام . كان على جانبٍ عظيمٍ من الخُلُق الإنسانيّ الرفيع كما مدحه القرآن بذلك بقوله:( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) . من أحاديثه الشريفة: (كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤولٌ عن رعيَّته)، و(كلّكم من آدمَ وآدمُ من تراب) و(أطلب العلمَ مِن المهدِ إلى اللّحد))؛ ينظر: لمحاتٌ من تاريخ أهل البيت: ص١١ - ١٥.

(٣) مُسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفيّ الوائلي، من المعمّرين ؛ وُلِدَ ونشأ باليمامة، نعتَهُ النبيُّ محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله بالكذّاب.

قُتِلَ سنة ١٢ه- في خلافة أبي بكر، على يدِ خالدِ بن الوليد.

ينظر: الأعلام للزركلي، ٨/ ١٢٥ - ١٢٦.

والمشهور: أنَّ الذي قتله وحشي، نفس قاتلِ حمزةَ عمِّ النبيِّعليه‌السلام ؛ حيثُ نُقِل عن وحشي شعرٌ مضمونُه: قتلتُ خيرَ البشر، وقتلتُ شرَّ البَشر.


[ونبَّهَ] بقوله: في الأصحِّ، على خلاف الجاحظ(١) حيث أثبت فيه واسطةً بينهما. وشَرَط في صدق الخبر، مع مطابقته للواقع، اعتقادَ المُخبر أنَّه مطابقٌ ؛ وفي كذبه، مع عدم مطابقته له، اعتقادَ أنَّه غير مطابق ؛ وما خَرَجَ عنهما فليس بصدقٍ ولا كِذب(٢) .

وتحريرُ كلامِهِ : أنَّ الخبر إمَّا مطابقٌ للواقع أو لا، وكُل منهما إمَّا مع اعتقاد أنَّه مُطابقٌ، أو اعتقادِ أنّه غير مطابقٍ، أو بدونِ الاعتقاد ؛ فهذه ستَّةُ أقسام: واحدٌ منها صادقٌ ؛ وهو المُطابق للواقع مع اعتقاد أنَّه مطابق ؛ وواحدٌ كاذبٌ ؛ وهو غيرُ المُطابق مع اعتقاد أنَّه غير مطابق. والأربعةُ الباقيةُ، وهي: المطابقةُ مع اعتقاد أن لا مُطابقة أو بدون الاعتقاد، وعدم المطابقة مع اعتقادها أو بدونِ الاعتقاد ؛ ليستْ بصدقٍ ولا كِذب. فكُلٌّ مِن الصِّدق والكذب بتفسيره، أخصُّ منه بتفسيرِ الجمهور.

واستند الجاحِظُ - في قوله - إلى قوله تعالى:( أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ ) ؟(٣) حيثُ حَصَرَ الكُفّار إخبارَ النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله في الافتراء والإخبار حال الجنّة ؛ على سبيل منع الخُلُو(٤) . ولا شُبْهَةَ في أنَّ المرادَ بالثاني غيرُ الكذب ؛ لأنَّهم جعلوه قسيمه ؛ وهو يقتضي أن يكون غيره، وغير الصدق أيضاً ؛ لأنَّهم لا يعتقدون صِدقه(ص).(٥)

____________________

(١) عمرو بن بحر بن محبوب، الكِناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشَّهير بالجاحظ، كبيرُ أئمَّة الأدب، ورئيسُ الفرقة الجاحظيّة من

المعتزلة. مولده ووفاته في البصرة، ١٦٣ - ٢٥٥ه-. فُلِجَ في آخر عمره، وكان مُشوَّه الخلقة. ومات والكتابُ على صدره ؛ قتلتهُ مُجَلَّداتٌ من الكُتُب وقعت عليه. له تصانيفُ كثيرةٌ ؛ منها: الحيوان، والبيان والتبيين... يُنظر: الأعلام للزركلي: ٥/ ٢٣٩.

(٢) يُنظر: شرح المختصر، ص١٨.

(٣) سورة سبأ، الآية ٩.

(٤) يُنظر: شرح المختصر، ص١٨ - ١٩.

(٥) يُنظر: المصدر نفسه، ص١٩.


ولمَّا كانوا من أهلِ اللِّسان، عارِفين باللُّغة، وقد أثبتوا الواسطةَ، لَزِمَ أنْ يكونَ من الخبَر ما ليسَ بصادقٍ ولا كاذبٍ ؛ ليكونَ هذا

منه، بزعمِهم(١) ، وإنْ كانَ صادقاً في نفسِ الأمر.

وأُجيب: بأنَّ الواسطةَ التي أثبتوها إنَّما هي بين افتراء الكذِبِ والصِّدقِ ؛ وهو غيرُ الكذب ؛ لأنَّه تعمُّدُ الكذب. وحيثُ لا عَمْدَ للمجنون، كانَ خبرُه قَسيماً للافتراء، الذي هو أخصُّ من الكذب، وإنْ لم يكن قسيماً للأعمِّ ؛ ومرجعه إلى حصر الخبرِ الكاذب في نوعيه، وهما: الكذبُ عَنْ عمدٍ، والكذبُ لا عن عمد(٢) .

[ونبَّه] بقوله: سواءٌ وافق اعتقادَ المُخبر، أم لا ؛ على خلافِ النِّظام(٣) ؛ حيثُ جعلَ صِدقَ الخبر مطابقته لاعتقاد المُخبر مُطلقاً، وكذبه عدم المطابقة كذلك. فجعل قول القائل: السماءُ تحتَنا، معتقداً

ذلك ؛ صدقاً. وقوله: السماء فوقنا، غير معتقد ذلك ؛ كذباً(٤) . مُحتجّاً بقوله تعالى:( إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ ) ؛ إلى قوله:( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ

____________________

(١) يُنظر: شرح المختصر، ص١٩.

(٢) يُنظر: المصدر نفسه.

(٣) الحسن بن محمَّد بن الحُسين القُمِّي النيسابوري، نظام الدين، مفسِّر، له اشتغالٌ بالحكمة والرَّياضيات. أصله من بلدة (قُم)، ومنشأه وسكنه في نيسابور. له كُتبٌ، منها: غرائبُ القرآن ورغائبُ الفرقان - ط في ثلاث مجلَّدات - يُعرف بتفسير النيسابوري، ألَّفه سنة ٨٢٨ه-، وأوقاف القرآن - ط، ولُبُّ التأويل - ط، و شرح الشافية في الصَّرف، يُعرَف بشرح النظام - ط، توفِّي بعد ٨٥٠ه-. يُنظر: الأعلام للزركلي: ٢/ ٢٣٤.

(٤) يُنظر: شرح المختصر، ص١٧.

(٥) سورة المنافقون، آية ١.


لَكَاذِبُونَ ) (١) ؛ حيثُ شهِدَ اللهُ تعالى عليهم بأنَّهم كاذبون في قولهم:( إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ) (٢) ، مع أنَّه مطابق للواقع، حيثُ لم يكن موافقاً لاعتقادهم فيه ذلك(٣) . فلو كانَ الصِّدقُ عبارةً عن مُطابقةِ الواقع مُطلقاً، لَمَا صحَّ ذلك.

وأُجيب : بأنَّ المعنى: لكاذبون فيالشَّهادة وادِّعائهم فيها مواطاةَ قلوبهم لألسنتهم. فالتكذيبُ راجعٌ إلى قولهم: نشهدُ ؛ باعتبار تضمُّنه خبراً كاذباً ؛ وهو أنَّ شهادتهم صادرةٌ عن صميم القلبِ وخلوصٍ الاعتقاد ؛ بشاهدٍ تأكيدهم الجملةَ ب-: إنَّ، و(اللاّم)، والجملة الاسميَّة(٤) . أوْ أنَّ المعنى: لكاذبون في تسمية هذا الإخبار: شهادةً، أوفي المشهود به ؛ أعني قولهم: إنَّك لرسول الله - في زعمهم - ؛ لأنِهم يعتقدون أنَّه غيرُ مطابق للواقع، فيكون كذباً عندهم، وإنْ كانَ صِدقاً في نفس الأمر ؛ لوجود مطابقته فيه(٥) . أوفي حَلْفِهم : أنَّهم لم يقولوا:( ... لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا... ) (٦) إلخ ؛ لِمَا رُويَ عن زيد بن أرقم(٧) أنَّه سمع عبدَ الله بن أُبي(٨) يقول ذلك، فأخبر النبي(صلَّى الله

____________________

(١) سورة المنافقون، آية ١.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) أي قول:( إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ) . خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص ٥. ويرى المددي أنَّ التعليقة المناسبة هنا هي: أي لاعتقادهم في النبيّ (ص) الرسالةَ الإلهيَّة.

(٤) يُنظر: شرح المختصر، ص١٨.

(٥) يُنظر: المصدر نفسه. والمقصودُ بلفظةٍ (فيه) أي: في نفسِ الأمر، كما في خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص٥.

(٦) سورة المنافقون، آية ٧.

(٧) زيدُ بنُ أرقم الخزرجيِّ الأنصاري، صحابي، غزا مع النبي(ص) سبع عشرة غزوة، وشهد صِفِّين مع علي، ومات بالكوفة. روى له البُخاري ومُسلم ٧٠ حديثاً، توفِّي سنة ٦٨ه-. يُنظر: الأعلام للزركلي: ٤/ ١٨٨.

(٨) عبدالله بن أُبيّ بن مالك الخزرجي، أبو الحُباب، المشهور بابن سلول ؛ رأس المنافقين في الإسلام ؛ من أهل المدينة. كان سيِّدَ الخزرج في آخر جاهليَّتهم، وأظهر الإسلام بعد وقعة بدر تقيّةً. ولمَّا تهيَّأ النبيُّ(ص) لوقعة أُحد، انعزل أبيُّ وكان معه ثلاثمائةُ رجلٍ، فعادَ بهم إلى المدينة، وفعل ذلك يوم التهيُّؤ لغزوة تبوك. وكان كُلَّما حلَّت بالمسلمين نازِلةٌ شَمُتَ بِهِم، وكُلَّما سَمِعَ سيِّئةً نشرها، وله في ذلك أخبار. ينظر: الأعلام للزركلي: ٤/ ١٨٨.


عليه وآله) به، فحلَفَ عبدُ الله أنَّه ما قال ؛ فنزلت(١) .

[ونبَّهَ] بقوله: وسواء قُصِد الخبر أم لا ؛ على خلاف: المُرتضى(٢) ، حيثُ ذهب إلى أنَّ الخبر لا يتحقَّق إلاّ مع قصد المُخبر ؛ استناداً إلى وجوده من: السَّاهي، والحاكي، والنائم ؛ ومثل ذلك لا يُسمَّى خبراً.

[وأُجيب:] والمحقِّقون على عدم اشتراطه ؛ لأنَّه لفظٌ وُضِعَ للخبريَّة، فلا يتوقّف على الإرادة كغيره من الألفاظ(٣) .

____________________

(١) أخرجَ البُخاري وغيرهُ عن زيد بن أرقم، قال: سمعتُ عبدَ الله بن أُبيّ يقول لأصحابه: (... لا تُنفقوا على مَنْ عندَ رسول الله حتّى ينفضّوا، فلئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزُّ منها الأذلّ)، فذكرتُ ذلك لعمّي ؛ فذكر ذلك عمّي للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فدعاني النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فحدّثته ؛ فأرسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى عبدِ الله بن أُبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا ؛ فكذّبني وصدّقه ؛ فأصابني شيء لم يصبني قطّ مثله، فجلستُ في البيت ؛ فقال عمّي: ما أردتَ إلا أن أكذبك رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومقتَكَ. فأنزلَ اللهُ:( إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ ) ، فبعث إليَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقرأها؛ ثم قال: (إنَّ الله قد صدَّقكَ). له طرقٌ كثيرةٌ عن زيدٍ ؛ وفي بعضها: أنَّ ذلك في غزوة تبوك، وأنّ نزولَ السورة ليلاً ؛ لُباب النقول في أسبابِ النّزول، ص٢١٤. ويُنظر: صحيح البخاري: ٣/ ١٢٥ - ١٢٦، ط الميمُنيّة، ورقم الحديث فيه: ٢٠٥٨، كما في فهارس صحيح مسلم: م٥/ ص٢٩٧، رقم الحديث: ٢٧٧٢، كما في صحيحه: م٤/ ص٢١٤٠ ؛ وينظر كذلك: مجمع البيان في تفسير القرآن: م٥/ ٢٩٣ - ٢٩٤، والدرّ المنثور: ٦/ ٢٢٢ - ٢٢٣، والبرهان: ٤/ ٣٣٧ - ٣٣٨، وجامع البيان في تفسير القرآن: ج٢٦/ ص٨٢، ولباب النقول في أسباب النزول، ص١٩٧ - ١٩٨.

(٢) عليُّ بنُ الحُسين الموسويّ، الملقَّب ذا المجدين علمَ الهدى ؛ ينتهي نسبُهُ من جهةِ أبيه بالإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام ؛ ومن جهة أمِّه بالإمام زين العابدين. كان أوحد أهل زمانه فضلاً وعلماً وكلاماً وحديثاً وشِعراً وخطابةً وجاهاً وكرماً. وُلِدَ في رجب سنة ٣٥٥ه-، له مُصنّفات كثيرةٌٌ، وديوانٌ يزيدُ على عشرين ألف بيت. وكانتْ وفاتُه (قدّس الله روحه) لخمسٍ بقين من شهر ربيع الأوّل/ سنة ٤٣٦ه-، يُنظر: روضات الجنَّات/ ٤/ ٢٩٤ - ٣١٢.

(٣) وعلَّق المددي هنا بقوله: أقول: لعلّ نظرَ المُرتضىرحمه‌الله في ذلك إلى أنَّ الدلالةَ التصديقيَّة تابعةٌ للإرادة، كما نُسِبَ ذلك إلى الشيخ الرئيس أبي علي سينا، والمحقِّق نصير الدين الطوسي، وجَمْع ممَّن تأخَّر عنهما.


الحقلُ الخامسُ:

في

القطع وخفائهِ(١)

ثُمّ الخبر: إمَّا أن يُعلَم صِدقُه قطعاً، أَو كذبُه كذلك، أو يخفَى الأمران(٢) . والعِلمُ بهما: قد يكون ضروريّاً، وقد يكون نظريّاً. فهذهِ خمسةُ

أقسامٍ، أشارَ إلى تفصيلها بقوله: إنَّ الخبرَ:

قد يُعلَمُ صِدقُهُ قَطعاً

أ - ضرورةً

١ - كالمتواتر لفظاً، وسيأتي تفسيرُهُ.

والحُكمُ بكونِ العلمِ به ضروريّاً مذهبُ الأكثر. ومستندُهُ: أنَّه لو كانَ نظريَّاً، لَمَا حَصَلَ لِمَن لا يكونُ من أهلِه كالصِّبيانِ والبلَّه(٣) ، ولافتَقَر إلى الدَّليل، فلا يحصلُ لِلعوامّ(٤) ؛ لكنَّه حاصِلٌ لهم، فيكونُ ضروريّاً.

____________________

(١) الذي في النسخةِ الخطِّيَّة (ورقة ٦، لوحة ١، سطر ١٢): (ثم الخبر) فقط ؛ بدون: (الحقل الخامس: في القطع وخفائه).

(٢) ينظر: كتابُ الكفاية في علمِ الرواية، للخطيب البغدادي، ص١٧.

(٣) في الخبر: (أكثرُ أهل الجنّة البُلَّه). البُلّه: جمع الأبله، وهو الذي فيه البَلَه (بفتحتين) ؛ يعني الغفلة. والمُراد: الغافِل عن الشّر، المطبوع على الخير. وقيل: البُلَّه - هنا - : هم الذين غلَبَتْ عليهم سلامةُ الصدور، وحُسنُ الظنِّ بالناس ؛ لأنَّهم غفلوا عن دُنياهم، فجهلوا حِذق التصرُّف فيها، وأقبلوا على آخرتهم فشغلوا أنفسهم بها، واستحقّوا أن يكونوا أكثر أهل الجنّة. فأمَّا الأبله الذي لا عقل له، فليس بمُراد. مجمع البحرين: ٦/ ٣٤٣.

(٤) العامّة: خَلافُ الخاصّة، والجمع: عوامّ ؛ مثل: دابّة ودوابّ، ومنه: (نتوب إليك من عوامّ خطايانا). والنسبةُ إلى العامّة: عاميّ ؛ والهاء في: عامّة، للتأكيد. وقوله: (لا يُعذّبُ اللهُ العامّةَ بعمل الخاصّة) ؛ أي لا يُعذّبُ الأكثر بعمل الأقلّ. وفي الحديث: (خُذ ما خالف العامّة) يعني: أهل

الخلاف، وقد ذهب عامّة النهار ؛ أي جميعه. مجمع البحرين: ٦/ ١٢٤.

وأقولُ: العوام كذلك: مَنْ لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد كما في قولهعليه‌السلام : (.... وأمَّا مَن كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمرِ مولاه ؛ فلِلعوام أن يقلِّدوه ؛ وذلك لا يكون إلاّ بعض فقهاء الشيعة لا كلّهم). ينظر: الاحتجاج للطبرسي: ٢/ ٢٦٣ - ٢٦٤، ووسائل الشيعة: ١٨/ ٩٤، وتفسير العسكري، ص١٤١.

والنتيجة - فيما يبدو - أنَّ العوامّ: مَنْ هُم دون المستوى المطلوب ؛ إنْ في عمق ثقافتهم، وإنْ في حذق تصرُّفهم. وبتعبير آخر: مَن هم في مهامِّ الحياة في مرحلةِ التقليد، لا التحقيق.


وذهب أبو الحسين البصري(١) والغزالي(٢) وجماعةٌ إلى أنَّه: نظريّ ؛ لتوقُّفه على مقدِّماتٍ نظريّةٍ ك-: انتفاء المواطاة، ودواعي الكذب، وكون المُخبر عنه محسوساً(٣) . وهو لا يستلزمُ المدّعى ؛ لأنَّ الاحتياج إلى النظر في المقدّمات البعيدة لا يُوجبُ كونَ الحُكم نظريّاً كلازم النتيجة. ولأنَّ المقتضى لحصول هذه، العلمُ بالمُخبر عنه، دون العكس.

٢ - وما عُلِمَ وجودُ مُخبَره (بفتح الباء) كذلك؛ أي بالضرورة، كوجود مكّة.

ب. لا ضرورة

بمعنى(٤) : أو يُعلَم صِدقه قطعاً ؛ لكن كسباً، لا ضرورةً ؛ ك-: خبر الله تعالى، لقُبح الكذب عليه بالاستدلال، وخبر الرَّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ أعمّ من خبر نبيِّناصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وخبر الإمام عندنا كذلك ؛ للعصمة المعتبرة فيهم(٥) ، بالدليل أيضاً. وخبر جميع الأُمّة ؛ باعتبار الإجماع الثابت حقيقةُ مدلوله بالاستدلال.

____________________

(١) محمّد بن عليّ الطبيب، أبو الحسين، البصري ؛ أحدُ أئمّة المعتزلة، وُلِدَ في البصرة وسكَنَ بغدادَ، وتُوفِّي بها سنةَ ٣٤٦ه-. قال الخطيب البغدادي: (له تصانيف وشُهرة بالذّكاء والدّيانة على بدعته). من كتبه: المعتمد في أصول الفقه - خ. ينظر: الأعلام: ٧/ ١٦١.

(٢) محمّد بن محمد بن محمّد الغزاليّ الطوسيّ، أبو حامد، حجّة الإسلام. له نحو مئتي مصنّفٍ. مولده ووفاته في الطابران ٤٥٠ه- - ٥٠٥ه-. رحل إلى نيسابور، ثُمَّ إلى بغداد، فالحجاز، فبلاد الشّام، فمصر، وعاد إلى بلدته. نسبته إلى صناعة الغزل ؛ عند مَن يقوله بتشديد الزّاي، أو إلى غزالة من قُرى طوس، لمَن قال بالتخفيف. من كتبه في أُصول الفقه: شفاء الغليل - خ، والمستصفى - ط، والمنخول - خ. ينظر: الأعلام: ٧/ ٢٤٧ - ٢٤٨.

(٣) وقال المدديّ: للاطّلاع على مذهب الغزالي في ذلك، يُراجع: المستصفى: ١/ ١٣٢ - ١٣٤، ١٤٠، فقد أعترف فيه بأنَّ حصولَ العلم بالمتواتر ضروريّ بمعنى، وإن كان غير ضروريّ بمعنىً آخر ؛ وفي الحقيقة يُفَصِّل بين معاني الضروريّ.

(٤) في النسخة الخطِّيَّة (ورقة ٦، لوحة ب، سطر ١١): (أو يُعلم صِدقه) فقط ؛ بدون: (ب. لا ضرورة، بمعنى).

(٥) مرجع الضمير: الأنبياء والأئمة. خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص٦.


والخبر المتواتر معنىً كشجاعة عليٍّ وكرمهِ(١) ، وكرم حاتم(٢) ، فإنَّه قد رُوي وقائع في شجاعته وكرمهما، وإنْ لم يتواتر كلُّ واحدٍ، لكنَّ القدر المشترك متواتر. والخبر المحتف بالقرائن: كمَن يخبر عن مرضه عند الحكيم، ونبضُه ولونُهُ يدُلاّن عليه، وكذا مَن يخبر عن موت أحد ٍ، والنّياحُ والصِّياحُ في بيته، وكُنّا عالمين بمرضه، وأمثال ذلك كثيرةٌ. وإنكار جماعةٍ(٣) أصل العلم به، للتَّخلُّف عنه، خطأ ؛ لجواز عدم الشرائط في صورة التخلُّف، خصوصاً مع عدم الضَّبط لهذه الجهات بالعبارات.

وما - أي: الخبرُ الذي - عُلِمَ وجودُ مخبَره: بالنّظر؛ كقولنا: مُحمّدٌ رسولُ الله.

وقد يُعلم كذبه كذلك:

أي: بالضرورة، أو النظر. وأمثلتهما تُعلم بالمقايسة على السابق. أ - فالمعلومُ كِذبه ضرورةً: ما خالفَ المتواتر، وما عُلِمَ عدمُ وجود مخبره ضرورةً: حِسّياً، أو وجدانيّاً، أو بديهيّاً. ب - و[المعلومُ كِذبُه] كَسباً: الخبرُ المخالِفُ لِمَا دَلَّ عليه دليلٌ قاطعٌ بالكسب. ومنه الخبر الذي تتوفّر الدّواعي على نقله ولم ينقل كسقوط المؤذّن عن المنارة، ونحو ذلك(٤) .

وقد يحتمل الخبر الأمرين:

الصِّدق والكذبُ، لا بالنظر إلى ذاته ؛ إذ جميع الأخبار تحتملها كذلك، كأكثر الأخبار ؛ فإنَّ الموافقَ منها للقسمين الأوّلين قليل(٥) .

____________________

(١) هو ابنُ أبي طالبعليه‌السلام . وُلدَ يوم الجمعة في ١٣ رجب، بعد ولادة النبيِّ بثلاثينَ عاماً، أشهر كُناه: أبو الحسن، أشهر ألقابه: المُرتضى. أوّل مَن آمن برسالة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، واختصَّه النبيُّ بالأخوَّة حين آخى بين المُسلمين. أمَّره النبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله في كثير من غزواته وسراياه. مُدِح في كثير من آيات القرآن العظيم، وعلى لسان النبيّ في أحاديثه الشّريفة. بُويع له بالخلافة في غدير خم في يوم ١٨ ذي الحجة، سنة ١٠ من الهجرة، وتسلَّمها سنةَ ٣٥ هجريّة. وبعد ذلك بخمس سنوات استشهد في عاصمة حكمه الكوفة، سنة ٤٠ للهجرة ؛ بضربةٍ الخارجيّ عبد الرحمن بن ملجم المرادي، ليلة ١٩ رمضان، أثناء أداء فريضة الفجر ؛ ودُفن في الغريّ. من كلماته: قيمةُ كُلّ امرئٍ ما يُحسنه. سرّك دمُك، فلا تجرينَّه إلاّ في أوداجك. يُنظر: لمحاتٌ من تأريخ أهل البيت، ص١٧ - ٢١.

(٢) حاتِم بن عبدالله بن سعد بن الحشرج الطائيّ القحطاني، أبو عدي، فارس، شاعر، جاهلي، يُضرب المثل بجوده. كان من أهل نجد، وزار الشّام، فتزوَّج ماويَّة بنت حجر الغسَّانيَّة، ومات في عوارضَ (جبل في بلاد طيٍّ) سنةَ ٤٦ ه-. شعره كثير ضاعَ معظمه، وبقي منه ديوانٌ صغير - ط. ينظر: الأعلام: ٢/ ١٥١.

(٣) قال المدديّ: منهم السيِّد المرتضى، اختاره في: الذريعة إلى أصول الشريعة/ ٢/ ٥١٧ - ٥١٨.

(٤) يُنظر: الكفاية في علم الرواية، ص١٧.

(٥) ينظر: المصدر نفسه، ص١٨.


الحقل السادس:

في

التواتَرِ وشروط تحقُّقه

وينقسِمُ الخبرُ مُطلقاً - أعمُّ من المعلوم صدقه وعدمه - إلى: متواترٍ، وآحاد.

أمَّا الحديثُ في هذا الحقلِ، فهو عن المتواتر من حيثُ:

أوَّلاً: شرائط مُخبِريه(١)

هو: ما بَلَغَتْ في الكثرة مبلغاً أحالتْ العادةُ تواطؤهم - أي اتِّفاقهم - على الكذب، واستمرَّ ذلك الوصف في جميع الطبقات حيثُ يتعدَّد ؛ بأن يرويه قومٌ عن قوم، وهكذا إلى الأوَّل. فيكونُ أوّله في هذا الوصف كآخره، ووسطهُ كطرفيه ؛ ليحصل الوصف: وهو استحالة التواطؤ على الكذب ؛ للكثرة في جميع الطبقات المتعدِّدة(٢) .

وبهذا ينتفي التواتُر عن كثير من الأخبار التي قد بلغت رواتها في زماننا ذلك الحد، لكن لم يتَّفق ذلك في غيره، خصوصاً في الابتداء، وظنَّ كونها متواترةً مَنْ لم يتفطَّنْ لهذا الشرط.

ولا ينحصر ذلك في عدد خاصٍّ على الأصحِّ ؛ بل المُعتَبَر العدد المحصِّل للوصف ؛ فقد يحصل في بعض المُخبرين بعشرةٍ وأقلِّ، وقد لا يحصل بمائة ؛ بسبب قُربهم إلى وصف الصدق وعدمه.

وقد خالف في ذلك قومٌ، فاعتبروا اثني عشر ؛ عدد النُقباء(٣) ؛ أو عشرين ؛ لآية العشرين

____________________

(١) الذي في النسخة المخطوطة (ورقة ٧، لوحة ب، سطر ٣): (والأوَّل: هو ما بلغت...)، بدون: (أمَّا الحديث في هذا الحقل، فهو عن: المتواتر ؛ من حيثُ أوَّلاً: شرايطُ مُخبِريه).

(٢) يُنظر: الكفاية في علم الدراية، ص١٦.

(٣) لِقولهِ تعالى في سورةِ المائدةِ، الآية ١٢:( وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ) .


الصابرين(١) ؛ أو السبعين ؛ لاختيار موسى لهم(٢) ، ليحصل العلمُ بخبرهم إذا رجعوا(٣) ؛ أو ثلاثمائة وثلاثة عشر ؛ عدد أهل بدر(٤) . ولا يخفى ما في هذه الاختلافات من فنون الجُزَافات(٥) . وأيُّ ارتباطٍ لهذا العدد بالمُراد(٦) ؟! وما الذي أخرجه عن نظائره، ممَّا ذُكِرَ في القُرآن من ضروب الأعداد(٧) ؟

ثانياً: شروطُ سامعيه(٨)

وشروطُ حصولِ العلمِ به - أي بالخبرِ المتواتَرِ -:

____________________

(١) لقوله تعالى في سورة الأنفال، الآية ٦٦:( إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ) .

(٢) قال الأب فردينان توتيل: موسى (القرن ١٣ ق. م) أشهر رجال التوراة، ومن أكبر مشترعي البشرية من سبط لاوي. ولد في مصر، وأنقذته ابنة فرعون من المياه، فتربَّى في قصر أبيها. بدأ رسالته في سنِّ الأربعين، بعد أن لجأ إلى بريِّة سينا، فأرسلَهُ الربُّ لينقذ بني إسرائيل من مظالم فرعون، فجازَ معهم بريَّة سينا مُدَّة أربعين سنةٍ. تلقّى من الربِّ - على جبل حوريب - الوصايا العشر ؛ فسلَّمهم إيَّاها، وسنَّ لهم الشرائع الأدبيَّة والكهنوتيَّة والاجتماعية، فكانت دستورهم الدينيّ والمدنيّ ؛ لهذا يعتبر موسى المؤسِّس والمخلِّص والمشترع. لُقّب: ب- (كليمِ الله). ماتَ ولم يدخل أرضَ الميعاد. المنجد في الأعلام، ص٦٩٤.

(٣) لقوله تعالى في سورة الأعراف، الآية ١٥٦:( وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا ) .

(٤) وعلَّق المددي هنا: (وقيل: بالأربعة ؛ قياساً على شهود الزِّنا، وقيل: بالخمسة ؛ قياساً على اللِّعان، وتوقَّف فيه القاضي الباقلاني، وقيل: سبعة ؛ قياساً على غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرَّات، وقيل: عشرة ؛ لقوله تعالى:( تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ) ، وقيل: أربعون ؛ إمَّا أخذاً من عدد الجمعة، وأمَّا لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (خيرُ السّرايا أربعون)، وقيل: خمسون ؛ قياساً على القَسامة). ينظر: المستصفى: ١/ ١٣٧ - ١٣٨، وفواتح الرّحموت بشرح مُسلَّم الثبوت: ٢/ ١١٦ - ١١٧ (المطبوع بهامش المستصفى)، وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: ٢/ ١٧٧ (الهامش).

(٥) وعلَّق فضيلتهُ أيضاً: (يلاحظ هنا أمران:

١ - أنَّ هذه الأقوال العجيبة - لعلَّ الأصح التعبير عنها بالمختلقة - لم تُنْسب إلى قائل معيَّن ؛ بل في كُل المصادر - في أصول الفقه، ودراية، الحديث - تذكر هذه الأقوال مجهولةَ القائل.

٢ - لعلَّ الأصل في هذه الأقوال أنَّها كانت من أهل التسنُّن ؛ غير الإماميّة، ثُمَّ تسرَّبت إلى كُتب الإماميَّة الاثني عشرية ؛ وإلاّ لم نجد في مصنَّف من مصنَّفاتنا شيئاً من هذه الأقوال، بل ولم يتوقَّف أحدٌ منهم في ترجيح قولٍ أو تضعيف آخر). (٦) قال ابن حجر: لا معنى لتعيين العدد على الصحيح. ينظر: شرح النخبة، ص٣.

(٧) كما في قوله تعالى في سورة الإسراء، الآية ١٠١:( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) ، وفي سورة المدثَّر، الآية ٣٠:( لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ *عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) ، وفي سورة ص، الآية ٢٣:( إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ ) ، وفي سورة الكهف، الآية ٢٥:( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً ) ، وهكذا في بقية آيات الأعداد القُرآنيّة.

(٨) الذي في النسخة الخطِّ-يِّة (ورقة ٨، لوحة ١، سطر ٥): (وشرطُ حصولِ العلمِ به) فقط، بدون (ثانياً: شروطُ سامعيه).


[أ -] انتفاؤه ؛ أيْ انتفاءُ العلمِ المستفادُ منه اضطراراً - عن السَّامع(١) ؛ لاستحالةِ تحصيل الحاصل. وتحصيلُ التقويةِ أيضاً محالٌ ؛ لأنَّ العلمَ يستحيلُ أن يكون أقوى ممَّا كان.

[ب -] وأنْ لا يسبق شبهةٌ إلى السامع، أو تقليد، ينافي موجب خبره (٢) ؛ بأنْ يكونَ مُعتقداً نفيهُ. وهذا شرط اختصَّ به السيِّد المرتضىرحمه‌الله ، وتبعه عليه جماعةٌ من المحقِّقين ؛ وهو جيِّد في موضعه(٣) .

واحتجَّ عليه: بأنَّ حصول العلم عقيب خبر التواتر، إذا كان بالعادة، جاز أن يختلف ذلك باختلاف الأحوال ؛ فيحصل للسامع إذا لم يكن قد اعتقد نقيض ذلك الحكم قبل ذلك، ولا يحصلُ إذا اعتقد ذلك.

وبهذا الشَّرط يحصل الجوابُ لِمن خالف الإسلام من الفِرق ؛ إذا ادّعى عدَم بلوغه التواتر بدعوى نبيِّناصلى‌الله‌عليه‌وآله النبوَّة، وظهور المعجزات على يده موافقةً لدعواه ؛ فإنَّ المانع لحصول العلم لهم بذلك، دون المُسلمين، سبق الشُّبهة إلى نفيه.

____________________

(١) أي يُشترط انتفاء العلم الضروريِّ عن السَّامع، كما لو أُخبِر عمَّا شاهده، فإنَّه لا يحصلُ حينئذٍ العلم مِنَ الخبر، وإلاّ لَزِم تحصيلُ الحاصل، أو تقوية العلم الضروريِّ، وكلاهم مُحالان. خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص٧.

(٢) أي موجب خبر التواتر. خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص٨.

(٣) قال السيِّد المرتضىرحمه‌الله : قلنا: لابُدَّ من شرط نختصُّ نحن به، وهو: أنْ يكونَ مَن أُخبر بالخبَر...، لم يُسبق بشُبهةٍ، أو تقليد، إلى اعتقاد نفي موجب الخبر ؛ لأنَّ هذا العلم [يعني: الحاصل من التواتر]، إذا كان مستنداً إلى العادة، وليس بموجَبٍ عن سببٍ، جاز في شروطه النّقصان و الزيادة، بحسب ما يعلم الله تعالى من المصلحة.

وإنَّما احتجنا إلى هذا الشرط ؛ لئلاّ يُقال لنا: أيُّ فرق بين خبر البلدان، والأخبار الواردة بمعجزات النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، سوى القرآن ؛ كحنين الجذع، وانشقاق القمر، وتسبيح الحصَى، وما أشبه ذلك؟! وأيُّ فرق - أيضاً - بين: أخبار البلدان، وخبر النصِّ الجليِّ على أمير المؤمنين عليِّعليه‌السلام ، الذي تنفرد الإماميّة بنقله؟! وألا أجزتم أن يكون العِلم بذلك كُلُّه ضروريّاً كما أجزتموه في أخبار البلدان...). يُنظر: الذريعة: ٢/ ٤٩١ - ٤٩٢، ومعالم الدين وملاذ المجتهدين، ص٤١٥.


- ٣ -

ولولا الشرطُ المذكور، لم يتحقَّق جوابُنا لهم عن غير مُعجزة القُرآن.

وبهذا أجابَ السيّد عن نفي مَن خالفهُ تواترَ النصِّ(١) على إمامة عليّعليه‌السلام ؛ حيث إنَّهم اعتقدوا نفي النصّ لِشُبهةٍ.

[ج- ] واستنادُ المخبِرين إلى إحساس ؛ بأن يكون المُخْبَر عنه محسوساً بالبصر، أو غيره من الحواسِّ الخمس. فلو كانَ مستندُهُ العقلَ - كحدوثِ العالَم، وصدقِ الأنبياء - لم يحصَل لنا العلم(٢) .

____________________

(١) يُمكن لنا أن نقول لمَن خالف الإسلام من اليهود والنصارى: بم أثبتم نبوَّة موسى وعيسى (على نبيِّنا وعليهما‌ السلام ) بعد ثبوت نبوَّة الأنبياء المتقدِّمينعليهم‌السلام ؟ فما جوابُكم فهو جوابُنا إثبات نبوّة خاتم الأنبياءعليه‌السلام عليكم كما لا يخفى. (م ح م د) عفى عنه، (هامش المخطوطة المتعمدة، ورقة ٨، لوحة ب).

وطبعاً معلومٌ أنَّ المراد بعبارة (مَن خالفه تواتر النص): مَن خالف السيد في القول بتواتر النص، وإلاّ فيُناسب أن يكون الفعل (خالف) مجرّداً من الضمير.

(٢) إنَّ هذا الشرط - كما وافقني بذلك صاحب السماحة الزِّنجاني دام ظلِّه -: هو من شروط المُخبِر، وليس السامع. وعليه، يظهر أنَّ هناك اشتباهاً قد حصل ؛ وكأنَّه من النسَّاخ، كيف لا وممَّا يؤيّد الإفادة قول صاحب (المعالم)؟! قالَ ابنُ الشهيد الثاني: إنَّ حصول العلم بالتواتر يتوقَّف على اجتماع شرائط بعضها في المخبِرين، وبعضُها في السامعين.

فالأوّل : ثلاثةٌ

الأوّل: أن يبلغوا في الكثرة حدَّاً يمتنع معه - في العادة - تواطؤهم على الكذب.

الثاني: أن يستند علمهم إلى الحسِّ ؛ فإنِّه في مثل حدوث العالم، لا يفيدُ قطعاً.

الثالث: استواء الطرفين والواسطة ؛ أعني: بلوغُ جميعٍ طبقات المخبِرين، في الأوّل والآخر والوسط، بالغاً ما بلغ عدد التواتر.

والثاني: أمران

الأوّل: أن لا يكونوا عالمين بما أخبروا عنه اضطراراً ؛ لاستحالة تحصيل الحاصل.

الثاني: أن لا يكون السامع قد سبق بشبهة، أو تقليد، تؤدِّي إلى اعتقاد نفي موجب الخبر، وهذا الشرط ذكره السيّد المُرتضى، وهو جيد.... معالمُ الدِّين وملاذ المجتهدين، ص٤١٤ - ٤١٥.

وواضحٌ بعد ذلك فيما أقول: كيف أنَّ من مثل مطلب (الأخبار) يمثِّل حلقة الوصل بين دراية الحديث باعتباره من أهمِّ مطالبه من جهة، وأصول الفقه باعتباره من مُهمّ مطالبه من جهةٍ ثانية. وكيف أنَّ ابن الشهيد، غايرَ الشهيدَ في جعل شرطه الثالث من شروطٍ السَّماع شرطاً ثانياً من شروط مخبريه. ونحنُ مع ابن الشهيد فيما يبدو لنا أنَّه الأنسب.


ثالثاً: مصاديق تحقِّقه(١)

وهو - أي التواتر - متحقِّق في أصول الشرائع - كوجوب الصلاة اليوميَّة وأعداد ركعاتها، والزكاة، والحجِّ - تحقُّقاً كثيراً.

وفي الحقيقة مرجع إثبات تواترها إلى المعنويِّ، لا اللفظي ؛ إذ الكلامُ في الأخبار الدّالّة عليه كغيرها. وقليلٌ تحقُّقه في الأحاديث الخاصّة، المنقولة بألفاظ مخصوصةٍ ؛ لعدم اتّفاق الطّرفين والوسط فيها، وإنْ تواتر مدلولُها في بعض الموارد ؛ كالأخبار الدالَّة على شجاعة عليٍّعليه‌السلام وكرم حاتم، ونظائرهما. فإنَّ كلَّ فرد خاص من تلك الأخبار الدالَّة على أنَّ عليَّاًعليه‌السلام قتل فلاناً وفعل كذا، غير متواتر ؛ وكذا الأخبار الدالَّة على أنَّ حاتماً أعطى الفرس الفلانيَّة، والجملَ والرمح وغيرها، إلاّ أنَّ القدر المشترك بينها متواترٌ ؛ تدلُّ عليه تلك الجزئيَّات، المتعدِّدةُ آحاداً، بالتضمُّن(٢) .

وعلى هذا يُنزَّل ما ادّعى المرتضى ومَن تبعه تواتره من الأخبار الدالَّة على النصِّ وغيره ؛ إذ لا شبهة في أنَّ كلَّ واحدٍ من تلك الأخبار آحادٌ، وقد أومأ إلى ذلك في مسائله التبَّانيَّات(٣) .

ولم نتحقَّق إلى الآن خبراً خاصَّاً بلغ حدَّ التواتر، إلاّ ما سيأتي ؛ حتّى قيلَ - والقائلُ

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة (ورقة ٨، لوحة ب، سطر ٩ - ١٠): (وهو، أي التواتر) فقط، بدون (ثالثاً: مصاديقُ تحقُّقه).

(٢) قال ابنُ الشهيد الثاني: قد تتكثَّرُ الأخبار في الوقائع وتختلف، ولكن يشتمل كلُّ واحدٍ منها على معنى مشترك بينها ؛ بجهةِ التضمُّن و الالتزام، فيحصل العلم بذلك القدر المشترك، ويُسمَّى: المتواتر من جهة المعنى. وذلك كوقائع أمير المؤمنين في حروبه ؛ من قتله في غزوات بدرٍ كذا، وفعله في أُحُدٍ كذا، إلى غير ذلك، فإنَّه يدلّ بالالتزام على شجاعته. وقد تواتر ذلك منه، وإن كان لا يبلغ شيء من ذلك الجزئيات درجةَ القطع. معالم الدين وملاذ المجتهدين، ص٤١٥.

(٣) التبّنيَّات: واحدُها التبّاني، وهو منسوبٌ إلى التبَّان، وهو رجلٌ بيَّاع للتبن، وكانَ من اليمن، سأل منه (رض) هذه المسائل. خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص٩.


ابن الصّلاح(١) - : (مَنْ سُئِل عن إبراز مثالٍ لذلك أعياه طلبه)(٢) ؛ هذا مع كثرة رواتهم، قديماً وحديثاً، وانتشارهم في أقطار الأرض.

قالَ: وحديثُ (إنَّما الأعمالُ بالنيَّات)(٣)

_____________________

(١) عثمان بن عبد الرحمن، المعروف بابن الصَّلاح. وُلِدَ في شرخان، قُرب شهرزور، سنة ٥٧٧ه-، وانتقل إلى الموصل ثُم إلى خُراسان، فبيت المقدس، حيث وُلِّي التدريس في الصَّلاحية، وانتقل إلى دمشق. ولاّه الملك الأشرف في دمشق تدريس دار الحديث، وتوفِّي فيها سنة ٦٤٣ه-. له كتاب (معرفة أنواع علوم الحديث - ط) يُعرف بمقدِّمة ابن الصّلاح. ينظر: الأعلام: ٤/ ٣٦٩.

(٢) قال ابن الصلاح: (ومَن سُئل عن إبراز مثال لذلك من الحديث أعياه تطلّبه). مقدّمة ابن الصلاح، ص ٣٩٣.

(٣) هكذا ورد الحديث في صحيح البخاري(١/ ٢، ط١، ١٣٠٤ه-)، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله؟ وجاء فيه: حدَّثنا الحميدي قال: حدّثنا سفيان قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأنصاري قال: أخبرني محمّد بن إبراهيم التيميّ: أنَّه سمع علقمة بن وقَّاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطَّابرضي‌الله‌عنه على المنبر قال: سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: (إنَّما الأعمالُ بالنيِّات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى، فمَن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه). كما جاء في هذا البخاري أيضاً حاشية للسَّنديّ جدُّ محترمة، حول قيمة هذا الحديث، وأوَّليَّ-ته في مقدمات الأعمال. ينظر: صحيح البخاري: ١/ ٢ - ٣.

هذا، وقد ورد الحديث أيضاً في صحيح مسلم(م٣/ ١٥١٥- ١٥١٦)، غير أنَّ لفظ: (النيَّة)، جاءت فيه بدلاً من: (النيَّات)، وعبارة: (لكلّ امرئ)، بدلاً من: (لامرئٍ)، وزيادة جملة: (فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله)، قبل جملة: (ومن كانت هجرته لدينا...).

نعم، الذي جاء في صحيح البخاري(١/ ١٤) هو المطابق لِمَا في صحيح مسلم(٣/ ١٥١٥).

وقال خادم السُّ-نَّة، محمد فؤاد عبد الباقي، في هامش صحيح مسلم(٣/ ١٥١٥):

(أجمع المُسلمون على عظم موقع هذا الحديث، وكثرة فوائده وصحَّته. قال الشافعي وآخرون: هو ثلث الإسلام. وقال الشافعي: يدخل في سبعين باباً من الفقه. وقال آخرون: هو ربع الإسلام. وقال عبد الرحمان بن مهديّ وغيره: ينبغي لمَن صنَّف كتاباً أن يبدأ فيه بهذا الحديث ؛ تنبيهاً للطالب على تصحيح النيَّة. ونقل الخطّابي هذا عن الأئمة مطلقاً، وقد فعل ذلك البُخاري وغيره، فابتدأوا به قبل كلِّ شيء، وذكره البخاري في سبعة مواضع من كتابه. قال الحُفَّاظ: ولم يصح هذا الحديث عن النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ من رواية عمر بن الخطَّاب! ولا عن عمر إلاّ من رواية علقمة بن وقَّاص! ولا عن علقمة إلاّ من رواية محمد بن إبراهيم التيميّ! ولا عن محمد إلاّ من رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ! وعن يحيى أنتشر!! فرواه عنه أكثر من مائتي إنسان، أكثرهم أئمَّة ؛ ولهذا قال الأئمَّة: ليس هو متواتراً، وإن كان مشهوراً عند الخاصة والعامّة ؛ لأنَّه فقد شرط التواتر في أوَّله.

وفيه طُرفة من طُرَف الإسناد ؛ فإنَّه رواه ثلاثة تابعيُّون، بعضهم عن بعض: يحيى، ومحمّد، وعلقمة. قال جماهير العُلماء - من أهل العربيّة والأصول وغيرهم - : لفظة (إنَّما) موضوعةٌ للحصر، تثبِت المذكور وتنفي ما سواه ؛ فتقديرُ هذا الحديث: إنَّ الأعمال تحسب إذا كانت بنِيّة، ولا تُحسب إذا كانت بلا نيَّة...). ويُلاحظ أيضاً: فتح الباري: ١/ ٨ - ٩.


ليسَ منه - أي من المتواتر(١) - وإنْ نقلَه الآن عددُ التواتر وأكثر، فإنَّ جميعَ علماء الإسلام ورواة الحديث الآن يروونه، وهم يزيدون عن عدد التواتر أضعافاً مضاعفة ؛ لأنَّ ذلك التواتر المدَّعى قد طرأ في وسط إسناده إلى الآن، دون أوّله ؛ فقد انفرد به جماعةٌ مترتِّبون، أو شاركهم مَنْ لا يخرج بهم عن الآحاد.

وأكثر ما ادُّعي تواتره من هذا القبيل: ينظر مُدَّعي التواتر إلى تحقُّقه في زمانه، أو هو وما قبله، من غير استقصاء جميع الأزمنة. ولو

أنصف، لوجدَ الأغلب خلوَّ أوّل الأمر منه، بل ربَّما صار الحديث الموضوع ابتداء متواتراً بعد ذلك(٢) ، لكن شرط التواتر مفقودٌ من جهة الابتداء.

ونازع بعض المتأخّرين في ذلك، وادَّعى وجودَ المتواترة بكثرةٍ(٣) ، وهو غريب.

نعم، حديثُ: (مَن كذب عليَّ متعمِّداً، فليتبوأ مقعده من النَّار)(٤) يُمكن ادّعاء تواتره ؛

_____________________

(١) وحديثُ: (إنَّما الأعمالُ بالنيَّات) ليس من ذلك السبيل، وإنْ نقله عدد التواتر وزيادة. مقدِّمةُ ابن الصلاح، ص٣٩٣.

(٢) وعلَّق المددي: (كما في قوله: (إقرار العقلاء على أنفسهم) ؛ فإنَّه اشتهر في ألسنة الفقهاء - سيَّما المتأخِّرين - إسناده إلى النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله . وادّعى الجواهري في كتاب (الإقرار) من كُتُبِ كتابه (جواهرُ الكلام في شرح شرائع الإسلام)، ادّعى: أنَّه مستفيضٌ ؛ بل متواتر. بل في السرائر (ص٣٩١): (لإجماع أصحابنا المنعقد: أنَّ إقرار العقلاء جائز فيما يوجب حكماً في شريعة الإسلام)، فهو في الحقيقة معقد الإجماع، وهكذا عند الجماعة، حيثُ لم نجدْ عندهم هذا المتن في مراجعهم الحديثيَّة، بكونه حديثاً ولو ضعيفاً.

(٣) ينظر: قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، ص١٤٦، والتدريب، ص١٩٠ - ١٩١، ومحمد الصباح، الحديث النبوي، ص٢٤٦ - ٢٤٨. ويُنظر: الأزهار المُتناثرة في الأخبار المتواترة، ط مطبعة دار التأليف، القاهرة.

(٤) يُنظر: صحيح البخاري: ١/ ٢٢، ط١، باب: أثِمَ مَن كذِبَ على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حديث: ١، ٢، ٣، ٤، ٥. وصحيح مسلم: ١/ ٩ - ١٠، باب: تغليظ الكذب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حديث: ١، ٢، ٣، ٤. وأُصول الكافي: ١/ ٦٢ ؛ كتاب: فضل العلم، باب: اختلاف الحديث، حديث ١. ويُنظر: مَن لا يحضره الفقيه: ٣/ ٣٧٢، باب: معرفة الكبائر التي أوعد الله عزَّ وجلَّ عليها النار، حديث ١٢. والمصدر نفسه: ٤/ ٢٦٤، باب: النوادر، حديث ٤، وفيه: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (يا علي، مَن كذِب عليَّ متعمِّداً فليتبوأ مقعده من النار). والاحتجاج للطبرسي: ١/ ٣٩٣.

وهناك مصادر أُخر أيضاً مذكورة في هامش علوم الحديث، لصُبحي الصالح: ص٢٠.


فقد نقلَهُ عن النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله من الصَّحابة الجمّ الغفير ؛ أي الجمعُ الكثير. قيل - الرواة منهم له - : أربعون. وقيلَ: نيِّف - بفتح النون وتشديد الياء مكسورةُ وقد تُخفَّف - [ وهو] ما زادَ على العقد إلى أن يبلغ العقد الآخر ؛ والمُراد هنا: اثنان - وستون صحابيَّاً. ولم يزَل العددُ الراوي لهذا الحديث في ازدياد(١) .

وظاهرٌ أنَّ التواتر يتحقَّق بهذا العدد، بل بما دونَه.

____________________

(١) يُنظر: مقدِّمة ابن الصلاح، ص٣٩٤، وقواعد التحديث، ص١٧٢ - ١٧٣.


الحقل السابع:

في

الآحاد ودرجاته(١)

وهو: ما لم ينته إلى المتواتر منه - أي من الخبر - سواءٌ كان الرّاوي واحداً أم أكثر.

ثُمّ هو ؛ أي خبر الواحد:

مستفيض:

إنْ زادت رواته عن ثلاثة في كلِّ مرتبةٍ(٢) ، أو زادت عن أثنين عندَ بعضهم ؛ مأخوذٌ من فاضَ الماءُ يفيضُ فيضاً(٣) . ويُقال له: المشهور

أيضاً، حين تزيدُ رواتُه عن ثلاثةٍ أو اثنين ؛ سُمّي بذلك لوضوحه. وقد يُغاير بينهما - أي بين المستفيض والمشهور - بأن يُجعَلَ المستفيض ما اتَّصف بذلك في ابتدائهِ وانتهائهِ على السواء، والمشهور أعمُّ من ذلك(٤) . فحديثُ (إنَّما الأعمال بالنيَّات) مشهور غير مستفيض ؛ لأنَّ الشهرة إنَّما طرأت له في وسطه كما مر.

وقد يُطلق المشهور على ما اشتهر على الألسنة، وإنْ اختصَّ بإسنادٍ واحدٍ، بل ما لا يوجد له إسناد أصلا.

وغريب:

إنْ انفرد به راوٍ واحدٌ(٥) ، في أيِّ موضعٍ وقع التفرُّد به من السَّند ؛ وإنْ تعدَّدت الطرق إليه أو منه.

____________________

(١) الذي في المخطوطة (ورقة ١٠، لوحة ١، سطر ٣): (وآحاد: وهو ما لم ينته...) فقط، بدون: (الحقل السابع: في الآحاد ودرجاته).

(٢) أي في كُلِّ طبقة من الطبقات. خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص٩. وينظر: الباعث الحثيث، ص١٦٥ - ١٦٦. هذا، وقد اختاره الشهيد في الذِّكرى، ص٤.

(٣) يُنظر: تهذيب اللّغة للأزهري، ١٢/ ٧٩.

(٤) يُنظر: شرح نخبة الفكر، ص٥، وتدريب الراوي، ص٣٦٨ - ٣٦٩.

(٥) وقد علَّق المددي هنا بقوله: (مثاله: ما انفردَ به أحمد بن هلال العبرتائيّ. وقد قال الشيخ في التهذيب(٩/ ٢٠٤) والاستبصار(٣/ ٢٨) قالقدس‌سره : (لا يُلتفت إلى حديثه فيما يختصُّ بنقلهِ).

كما روى الشيخ في الاستبصار أيضاً (٣/ ٣٥١) بإسنادٍ فيه أحمد بن هلال، عن أبي الحسنعليه‌السلام ، قال: (عُدَّة المرأة، إذا تُمُتِّع بها ثم ماتَ عنها زوجُها، خمسةٌ وأربعون يوما).


ثُمَّ إنْ كانَ الإنفراد في أصل سنده، فهو الفردُ المُطلق ، وإلاّ فالفردُ النِّسبي(١) .

وغيرهما - أي ينقسم خبر الواحد إلى غير المستفيض والغريب - وهو: ما عدا ذلك المذكور من الأقسام. فمنه: العزيز ؛ وهو الذي لا يرويه أقلُّ من اثنين، عن اثنين ؛ سُمِّي عزيزاً لقِلَّةِ وجودهِ، أو لكونه عزَّ -أي قوي - بمجيئه من طريقٍ أخرى(٢) . ومنه:المقبولُ ؛ وهو ما يجبُ العملُ به عند الجمهور، ك-: الخبرِ المحتفِّ بالقرائن(٣) ، والصحيحِ عند الأكثر، والحسن على قول. والمردودُ ؛ وهو الذي لم يترجَّح صدق المُخبر به(٤) ؛ لبعضِ الموانع(٥) ، بخلاف المتواتر، فكلُّه مقبولٌ ؛ لإفادته القطعَ بصدق مُخبره. ومنهُ: المُشتَبَه حالُهُ ؛ بسببِ اشتباهِ حال راويهِ،

____________________

(١) سُمّي نسبيَّاً ؛ لأنَّ التفرَّد فيه حَصَلَ بالنسبة إلى شخص مُعيَّن، وإنْ كان الحديثُ في نفسه مشهوراً. خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص١٠، وينظر: قواعد في علوم الحديث، للتهانوي، ص٣٣.

(٢) ينظر: شرح نُخبة الفكر، ص٥، وفتح المغيث، للعراقي، ٤/ ٢، وتدريب الراوي، ص٣٧٥، وقواعد في علوم الحديث، للتهانوي، ص٣٢.

(٣) وقد علَّق المددي هنا بقوله: (يُراد بالقرائن هنا عمل الأصحاب به، واعتمادهم عليه، واعتناؤهم بشأنه ؛ بتدوينه في كتبهم، وذكره في أكثر المجاميع الحديثيَّة. هذا كلُّه مضافاً إلى موافقته مع الكتابِ العزيز والسُّ-نَّة الشريفة ؛ بأن تكون عليه شواهدُ من الكتاب والسُّ-نَّة (فإنَّ - كما في صحيحة محمد بن مسلم - على كُلِّ حقٍّ حقيقةً، وعلى كلّ صوابٍ نوراً، فما وافقَ كتاب اللهِ فخذوه، وما خالفَ كتابَ الله فاطرحوه) ).

(٤) قال التهانوي: (المردود: وهو ما رجُحَ كِذبُ المُخبر به). قواعد في علوم الحديث، ص٣٣.

(٥) كالفسق ونحوه. خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص ١٠.


وهو مُلحقٌ بالمردود عندنا ؛ حيثُ نشترط ظهور عدالة الرَّاوي، ولا نكتفي بظاهر الإسلام أو الإيمان(١) .

_____________________

(١) وقد علَّق المددي هنا بقوله: (خلافاً لجمع من المحقِّقين، حيث اكتفوا بظاهرهما ؛ وكأنَّه مبنيٌّ على: أصالة العدالة) في كلِّ مَن لم يُذكر بمدحٍ ولا قدحٍ. وهذا الاكتفاء، من المسائل الدقيقة الهامّة ؛ حيث يبتنى عليه جوازُ العمل برواياتٍ كثيرةٍ جدَّاً، أو طرحها.


الحقلُ الثامن:

في

حصرِ الأخبار(١)

والأخبارُ مطلقاً - متواترةً كانت أم أحاداً، صحيحةً كانت أم لا - غير مُنحصرة في عددٍ مُعيَّن، بحيثُ لا يقبلُ الزيادةَ عليه ؛ لإمكان وجود أخبارٍ أُخرى بيد بعض الناس لم تصل إلى الجامع(٢) .

ومن بالغ في تتبُّعها وحصرها في عدد، كقول أحمد(٣) : (صحَّ من الأحاديث سبعمائة ألفٍ وكسر)(٤) فبحسب ما وصل إليه، لو سُلِّم ذلك

له. وحصر أحاديث أصحابنا أبعد ؛ لكثرة مَن روى عن الأئمةعليهم‌السلام منهم.

وكان قد استقرَّ أمر المتقدِّمين على أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف(٥) ؛ سمُّوها: الأُصول. وكان عليها اعتمادهم، ثم تداعت الحال إلى ذهاب معظم تلك الأُصول.

_____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة (ورقة ١٠، لوحة ب، سطر ١٠): (والأخبار مطلقاً) فقط، بدون: (الحقل الثامن: في حصر الأخبار).

(٢) قال ابن كثير: (ثمَّ إنَّ البخاريَّ ومسلماً لم يلتزما بإخراج جميع ما يُحكم بصحَّ-ته من الأحاديث، فإنَّهما قد صحَّحا أحاديث ليست في كتابيهما ؛ كما ينقل الترمذيُّ وغيره عن البخاريِّ تصحيح أحاديث ليست عنده، بل في السُّنن وغيرها). الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث: ص٢٥، ص٢٦ - ٣٦.

وقد علَّق المددي هنا بقوله: (كما اطَّلعنا على رواياتٍ كثيرةٍ للإمامية منثورة في كتب الزيديَّة ؛ من قبيل: تيسير المطالب في أمالي الإمام أبي طالب... وفي كتب غير الإمامية، وهي مرويَّة بطرق أصحابنا، ومأخوذةٌ عن أُصولنا الحديثية ؛ إلاّ أنَّ أصحابنا لم يذكروها في المجاميع الحديثيّة ؛ فتجد - مثلاً - روايات كثيرةً مرويَّةً عن كتب البرقيِّ، والصفّار، والحسين بن سعيد، وغيرهم، كما في شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني.

(٣) أحمد بن محمد بن حنبل، أبو عبدالله الشيباني الوائليَّ ؛ إمام المذهب الحنبليِّ. أصلُه من مرو، وكان أبوه والي سرخس. وُلِدَ ببغدادَ سنة ١٦٤ه-، فنشأ منكبَّاً على طلب العلم ، وسافر في سبيله أسفاراً كبيرةً إلى الكوفة، والبصرة، ومكَّة، والمدينة، واليمن، والشام، و الثغور، والمغرب، والجزائر، وفارس، وخراسان، والجبال، والأطراف. وصنَّف: المسند - ط، ستة مجلدات، يحتوي على ثلاثين ألف حديث، وتوفِّي سنة ٢٤١ه-. ينظر: الأعلام: ١/ ١٩٢ - ١٩٣.

(٤) ينظر: تدريب الراوي، ص٨.

(٥) ينظر: المُعتبر في شرح المختصر، للحلِّي، ص٥، والوجيزة، للشيخ البهائي، ص١٨٣، والذريعة، للطهراني: ٢/ ١٢٥ - ١٧٠، ٦/ ٣٠١ - ٣٧٤، وأعيان الشيعة، للعاملي: ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣، وذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، ص ٦.


ولخَّصها جماعة في كتبٍ خاصَّة، تقريباً على المتناول.

وأحسن ما جمع منها: الكتاب(الكافي )(١) لمحمد بن يعقوب الكليني(٢) ، و(التهذيب) (٣) للشيخ أبي جعفر الطوسي(٤) . ولا يُستغنى بأحدهما عن الآخر ؛ لأنَّ الأوَّل أجمع لفنون الأحاديث، والثاني أجمع للأحاديث المختصَّة بالأحكام الشرعيَّة.

وأمَّا(الاستبصار) (٥) ، فإنَّه أخصُّ من التهذيب غالباً، فيُمكن الغناء عنه به، وإنْ اختصَّ بالبحث عن الجمع بين الأخبار المختلفة، فإنَّ ذلك أمر خارج عن أصل الحديث.

فكتاب(مَن لا يحضره الفقيه) (٦) حسن أيضاً، إلاّ أنَّه لا يخرج عن الكتابين غالباً.

وكيف كان، فأخبارنا ليست منحصرةً فيها، إلاَّ أنَّ ما خرج عنها صار الآن غير مضبوط، ولا يُكلَّف الفقيه بالبحث عنه(٧) .

____________________

(١) قال الكليني: (وقلتَ: إنَّك تحبُّ أن يكون عندك كتاب كافٍ ؛ يجمعُ من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلِّم، ويرجع إليه المسترشِد، ويأخذُ منه مَن يريدُ علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقينعليهما‌السلام ). الكافي: ١/ ٨.

وكان هذا الكتاب معروفاً ب-: الكليني (يُنظر: الرجال، للنجاشي، ص٢٦٦)، ويُسمَّى أيضاً: الكافي (ينظر: الرجال، للنجاشي، ص٢٦٦، والفهرست، للطوسي، ص١٣٥، ومعالم العُلماء، لابن شهر آشوب، ص٨٨). علماً بأنَّه مؤلَّف في طبعته الثالثة (١٣٨٨ه-) من: جُزأين في الأصول، وخمسة في الفروع، وواحدٍ في الروضة ؛ فيكون المجموعُ: ثمانية.

(٢) محمد بن يعقوب بن إسحاق، أبو جعفر الكليني، فقيه إمامي، من أهل كُلين بالري. كان شيخ الإمامية بالريّ وبغداد، توفِّي في بغداد سنة ٣٢٩ه-. من كتبه: الكافي في علم الدين - ط، والردِّ على القرامطة، ورسائل الأئمَّة، وكتاب في الرجال. ينظر: الأعلام للزركلي: ٨/ ١٧، ورجال النجاشي، ص٢٦٦.

(٣) والمُسمَّى في طبعته الثالثة (١٣٩٠ه-): تهذيب الأحكام، وكما سمَّاه مؤلِّفه أيضاً في مقدِّمة الاستبصار (٢/١). وهو كتاب في شرح المقنعة، للشيخ المفيد (رضوان الله عليه) ؛ وهو يقع في عشرة أجزاء.

(٤) محمد بن الحسن بن علي الطوسي: مفسِّر. نعته السبكيُّ بفقيه الشيعة ومصنِّفهم. ولد سنة ٣٨٥ه-، وانتقل من خراسان إلى بغداد سنة ٤٠٨ه- وأقام أربعين سنة، ورحل إلى الغريِّ بالنجف. فاستقرّ فيها إلى أن توفِّي سنة ٤٦٠ه-. من تصانيفه: التّبيان الجامع لعلوم القرآن - تفسير كبير مطبوع، والاستبصار فيما اختلف فيه من الأخبار - ط، والمبسوط في الفقه - ط، والعُدَّة في الأصول - ط،.... ينظر: الأعلام للزركلي: ٦/ ٣١٥.

(٥) واسمه الكامل: الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، كما في طبعته الثالثة (سنة ١٣٩٠ه-).

(٦) كما سُمِّي بذلك من قِبَل مؤلِّفه في مقدِّمته (ج١/ ٣)، غير أنَّ التسمية على الغلاف في طبعته الخامسة (١٣٩٠ه-): فقيه مَن لا يحضره

الفقيه. وهو في أربعة أجزاء.

(٧) وقد علَّق المددي هنا بقوله: (في مثل هذا الإطلاق تأمُّل ؛ يتَّضح بعد الاطِّلاع على الكتب الفقهيَّة الاستدلاليَّة).


الحقل التاسع:

في

تحديد البحث(١)

واعلم أنَّ متن الحديث نفسه لا يدخل في الاعتبار - أي اعتبار أهل هذا الفنِّ - إلاّ نادراً، وإنَّما يدخل في اعتبار الباحث عنه بخصوصه ؛ كالفقيه في متون الأحاديث الفقهيَّة(٢) ، والشارح لها ؛ حيث يبحث عمَّا يتعلَّق به منها.

واستُثني النادر ليدخل مثل الحديث: المقلوب، والمصحَّف، والمضطرب، والمزيد ؛ فإنَّه يبحث عنها في هذا العلم مع تعلُّقها بالمتن، بل يكتسب الحديث صفةً من القوَّة والضَّعف وغيرهما من الأوصاف؛ بحسب أوصاف الرُّواة ؛ من العدالة، والضَّبط، والإيمان. وعدمها ؛ كغير ذلك من الأوصاف(٣) .

أو بحسب الإسناد ؛ من الاتصال، والانقطاع، والإرسال، والاضطراب، وغيرها.

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة (ورقة ١١، لوحة ب، سطر ١): (واعلم أنَّ متن الحديث) فقط، بدون: (الحقل التاسع: في تحديد البحث).

(٢) قال أبو نصر، حسين بن أحمد الشيرازي: (العالم: الذي يعلم المتن والإسناد جميعاً، والفقيه: الذي عرف المتن ولا يعرف الإسناد، والحافظ: الذي يعرف الإسناد ولا يعرف المتن، والراوي: الذي لا يعرف المتن ولا يعرف الإسناد). ينظر: تدريب الراوي، ص٥.

(٣) الثقة والضعف. خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص١١. والذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ١١، لوحة ب، سطر ٧): (كبين ذلك).


الحقل العاشر:

في

خطَّة البحث(١)

وتحرير البحث عن ذلك في هذا العلم ؛ بذكر أوصافه وتمييز بعضها عن بعض، ينجرُّ إلى: بيان أنواعه ؛ من الصحة وأضدادها، من الحسن والثقة والضّعف، وغيرها ؛ حتى يقال: حديث صحيح، أو حسن، أو موثَّق، أو ضعيف. وينجرُّ إلى:بيان الجرح للرواة والتعديل لهم ؛ فيُقال: فلانٌ ثقة، أو غير ثقة، أو متَّهم، أو مجهول، أو كذوب، ونحو ذلك ؛ ليترتَّب عليه ما سبق من الأنواع(١) .

وإذا نُظِرَ إلى حال الطالب، انجرَّ النظر إلىكيفيَّة أخذه ؛ وطُرُق تحمُّله من: القراءة، والسماع، والإجازة، والمناولة، وغيرها. وينجرُّ الكلام إلى البحث عن:أسماء الرواة المتَّفقة الإسم والمفترقة، وأنسابهم ، ونحو ذلك.

وهذا التقرير ؛ يُناسب إفرادَ كلِّ مطلبٍ منها ببابٍ يخصُّه ؛ فها هنا أبوابٌ أربعةٌ:

الأوّل : في أقسام الحديث.

والثاني : في مَن تُقبل روايتُه أو تُرَدُّ.

والثالث : في طُرق تحمُّله ومحلِّه وكيفية روايته.

والرابع : في أسماء الرجالِ وطبقاتهم.

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة (ورقة ١١، لوحة ب، سطر٨): (وتحرير البحث) فقط، بدون: (الحقل العاشر: في خطَّة البحث).


الباب الأوَّل:

في

أقسامِ الحديث



القسم الأوَّل:

في

الأحاديثِ الأصول

وفيه نظران:

النظر الأوَّل: في درجات الأصول

وفيه حقول:

الحقل الأوَّل:

في الصحيح(١)

وهو: ما اتّصل سندهُ إلى المعصوم، بنقل العدل الإمامي عن مثله، في جميع الطبقات، حيث تكونُ متعدِّدة، [وإنْ اعتراهُ شذوذٌ](٢) .

أ - فخرج باتّصال السند : المقطوع في أيِّ مرتبةٍ اتّفقت ؛ فإنَّه لا يُسمَّىصحيحاً ، وإن كان رواته من رجال الصحيح.

ب - وشمل قوله(إلى المعصوم) : النبيّ، والإمام.

ج- - وبقوله(بنقل العدل) : الحسن.

د - وبقوله(الإمامي) : الموثَّق.

ه- - وبقوله(في جميع الطبقات) : ما اتّفق فيه واحدٌ بغير الوصف المذكور ؛ فإنَّه - بسببه - يلحق بما يُناسبه من الأوصاف، لا بالصحيح ؛ وهو واردٌ على مَن عرَّفه من أصحابنا - كالشّهيد(٣) في الذكرى - بأنَّه: (ما اتّصلت روايتُهُ إلى المعصوم، بعدلٍ إمامي)(٤) ؛ فإنَّ اتّصالهُ

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة (ورقة ١٢، لوحة ١، سطر ٧): (الأوَّل: الصحيح) فقط، بدون: (النظر الأول: في درجات الأصول، وفيه حقول، الحقل الأول: في الصحيح).

(٢) هذه العبارة أضفناها، وقد استفدناها من تنبيه المؤلِّف إليها ؛ حيث يجيء فيما بعد: (ونبّه بقوله: وإن اعتراه شذوذ) ؛ ويحتمل أن تكون قد سقطت من قلم الناسخ.

(٣) الشهيد الأوّل (٧٣٤ - ٧٨٦ه-، ١٣٣٣ - ١٣٨٤م) محمد بن مكّي بن حامد العاملي النبطيّ الجِزّيني.... ينظر: الأعلام: ٧/ ٣٣٠.

(٤) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، ص٤.


بالعدلِ المذكور، لا يلزم أن يكونَ في جميع الطبقات، بحسبِ إطلاقِ اللّفظ، وإنْ كانَ ذلك مُراداً.

و - ونبَّهَ بقوله(وإن اعتراه شذوذ) : على خلافِ ما اصطلح عليه العامّة من تعريفه ؛ حيث اعتبروا سلامته من الشذوذ، وقالوا في تعريفه: إنَّه (ما اتّصل سنده، بنقل العدل الضابط(١) ، عن مثله، وسَلِمَ عن شذوذٍ وعِلّة)(٢) .

وشمل تعريفهم بإطلاق العدل جميع فِرَقِ المسلمين ؛ فقبلوا روايةَ المُخالف العدل، ما لم يبلغ خلافه حدَّ الكفر(٣) ، أو يكن ذا بدعة ويروي ما يقوِّي بدعته، على أصحّ أقوالهم(٤) .

وبهذا الاعتبار كثُرت أحاديثهم الصحيحةُ وقلّت أحاديثنا [الصحيحة]، مُضافاً إلى ما اكتفوا به في العدالة ؛ من الاكتفاء بعدم ظهور الفسق، والبناء على ظاهر حال المُسلم(٥) ؛ فالأخبار الحسنة والموثّقة عندنا، صحيحةٌ عندهم، مع سلامتها من المانِعين المذكورين(٦) .

واحترزوا بالسلامة من الشذوذ، عمَّا رواه الثقة، مع مخالفته ما روى الناس، فلا يكونُ صحيحاً.

وأرادوا بالعلّة: ما فيه أسباب خفيّةٌ قادِحةٌ، يستخرجُها الماهر في الفنّ ؛ وأصحابنا لم يعتبروا في حدّ الصحيح ذلك.

____________________

(١) المرادُ بالضابط: مَن يكون حافظاً ميتقّظاً، غيرَ مغفّلٍ ولا ساهٍ ولا شاكٍ، حالةَ التحمّل. خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص١٣.

(٢) الخلاصة في أصول الحديث، ص٣٥، وينظر: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ص٢٢.

(٣) علَّق المددي هنا بقوله: (ادّعى النواوي الاتفاق على عدم الاحتجاج بحديث مَن كُفّر ببدعته من المسلمين ؛ وتعقّبه السيوطي كما في تدريب الراوي (١/ ٣٢٤) بعدم ثبوت الاتفاق ؛ قال: فقد قيل أنَّه يُقبَل مُطلقاً، وقيلَ: يُقبل إن اعتقدَ حُرمةَ الكذب، وصحّحه صاحب (المحصول) ).

(٤) قال المددي: (حُكي عن مالك أنَّه لا يقبل أخبار أصحاب البدع والأهواء مُطلقاً ؛ والثوريّ والقاضي أبي يوسف وابن أبي ليلى: ما يُوافق ما في المتن ؛ وعن أحمد بن حنبل وابن حبّان والنواوي والسيوطي: أنَّه لا تُقبَلُ أخبارُ الداعية مُطلقاً، وتُقبَل أخبار غير الدّعاة، وقيل: هذا قولُ الأكثر عندهم. يُنظر: الكفاية للخطيب البغدادي، ص١٩٤ - ١٩٥، وتدريب الراوي: ١/ ٣٢٤ - ٣٢٥ ).

(٥) وعلَّق المددي هنا أيضاً بقوله: (نسبه الخطيب في الكفاية (ص١٤١) إلى أهل العراق، مخالفين بذلك الجمهور ؛ القائلين بعدم الاكتفاء بظاهر حال المسلم، وللتفصيل ينظر: تدريب الراوي: ١/ ٣١٦ - ٣٢٠ ).

(٦) قال المددي: أي: الشذوذ، والعِلّة.


والخلافُ في مجرّد الاصطلاح ؛ وإلاّ فقد يقبلون الخبرَ الشاذّ، والمعلَّل ؛ ونحن قد لا نقبلهما، وإنْ دخلا في الصحيح بحسبِ العوارض.

وقد يُطلَقُ الصحيحُ عندنا على سليمِ الطريقِ من الطّعنِ(١) ، بما يُنافي الأمرين ؛ وهما: كون الراويباتصالٍ، عدلاً إمامياً ، وإن اعتراه مع ذلك الطريقِ السالمِ إرسالٌ أو قطع(٢) .

وبهذا الاعتبار، يقولونَ كثيراً: روى ابن أبي عُمير(٣) في الصحيحِ كذا، أو في صحيحتهِ كذا(٤) ، مع كونِ روايته المنقولة كذلك مرسلَة.

ومثله وقع لهم في المقطوع كثيراً.

وبالجملة، فيطلقونالصحيح على ما كان رجال طريقه، المذكورين فيه، عدولاً إمامية، وإنْ اشتملَ على أمرٍ آخر بعد ذلك ؛ حتّى أطلقوا الصحيحَ على بعضِ الأحاديث المرويّة عن غير إمامي ؛ بسبب صحّةِ السّندِ إليه، فقالوا في صحيحةِ فلان: وجدناها صحيحة بِمَن عداه.

وفي الخُلاصة وغيرها: إنَّ طريقَ الفقيهِ إلى معاوية بن ميسرة(٥) ، وإلى عائذ الأحمَسيّ(٦) ،

____________________

(١) ذكرى الشيعة إلى أحكام الشريعة، ص٤.

(٢) يُنظر: المصدر نفسه.

وقد علَّق المددي هنا بقوله: (بحسب إطلاق اللفظ ؛ إذ الظاهر من (الاتّصال إلى المعصوم بعدلٍ إمامي)، باعتبار العدالة والإيمان في الراوي، عن المعصوم مباشرةً، ولا يدلّ على اعتبار العدالة والإيمان في جميع الطبقات).

(٣) محمد...، لقي أبا الحسن موسىعليه‌السلام ... وروى عن الرِّضاعليه‌السلام ، جليلُ القدر،.... ينظر: معجم رجال الحديث: ١٤/ ٢٩٥ - ٣١١.

(٤) قال المددي: هذه العبارات وقعت كثيراً، في كلام مَن تأخّر عن العلاّمة الحليّ كثيراً. وأمَّا قبله، فلم يكن مُتعارفاً عندَ الأصحاب. قالَ فخر المحقّقين - وهو نجلُ العلاّمة - في إيضاح الفوائد (١/ ٢٥ - ٢٦) في مسألة العجين النجس، وأنَّه هل يجوز بيعه أم لا؟ قالقدس‌سره ما نصُّه: (أقولُ: رواية البيع هي رواية محمد بن عليّ بن محبوب في الصحيح، عن محمد بن الحُسين، عن ابن أبي عُمير، عن بعض أصحابنا،...، قال: قيل لأبي عبد اللهعليه‌السلام : العجين يُعجن من الماء النّجس كيف يُصنع به؟ قال: (يُباع ممَّن يستحِلُّ أكل الميتة). وروى محمد بن أبي عُمير في الصحيح، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: (يُدفَن ولا يُباع،...).

(٥) ابن شريح بن الحارث الكندي القاضي، روى عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام .... ينظر: رجال ابن داوود، ق١، عمود ٣٥٠ - ٣٥١.

(٦) من أصحاب السجّادعليه‌السلام ،.... ينظر: معجم رجال الحديث: ٩/ ٢١٣ - ٢١٤.


والِى خالدِ بن نجيح(١) ، وإلى عبدِ الأعلى مولى آل سام(٢) ، صحيحٌ(٣) ؛ مع أنَّ الثلاثةَ الأُوَلَ لم يُنَصّ عليهم بتوثيقٍ ولا غيره، والرابع لم يوثِّقه، وإنْ ذكرَهُ في القسم الأوَّل(٤) .

وكذلك نقلوا الإجماع(٥) على تصحيح ما يصحُّ، عن أبانِ بنِ عُثمان(٦) ، مع كونِه فَطحِيّاً(٧) .

وهذا كلّهُ خارجٌ عن تعريفِ الصَّحيح الذي ذكروه في التعريفين ؛ خصوصاً الأوّلَ المشهور.

ثُمَّ في هذا الصحيح ما يُفيدُ فائدةَ الصحيح المشهور(٨) ، كصحيحِ أبان.

ومنهُ ما يُرادُ منهُ وصفُ الصحَّةِ دونَ فائدتِها(٩) ، كالسالم طريقُهُ مع لُحوقِ الإرسالِ به، أو القطع، أو الضعف، أو الجهالة بِمَنْ اتَّصلَ بهِ الصحيحُ، فينبغي التدبّر لذلك ؛ فقد زلّ فيه أقدامُ أقوامٍ.

____________________

(١) من أصحاب الصادق والكاظمعليهما‌السلام .... ينظر: معجم رجال الحديث: ٧/ ٣٨ - ٤٠.

(٢) من أصحاب الصادقعليه‌السلام ،.... ينظر: معجم رجال الحديث: ٩/ ٢٦٥ - ٢٦٧.

(٣) ينظر: خلاصة الأقوال في معرفة الرِّجال، ص٢٧٧ - ٢٧٨.

(٤) ينظر: المصدر نفسه، ص١٢٧.

وأَضاف المددي هنا بقوله: (لكنَّ العلاّمة جعلَ القسمَ الأوّل مختصّاً بالثّقات).

(٥) قال المددي: (الناقلُ هو الكشّيّ ؛ حيثُ قال: (أجمعت العُصابةُ على تصحيح ما يصحُّ عن هؤلاء، وتصديقهم كما يقولون، وأقرّوا لهم

بالفقه...، ستة نفر: جميل بن درّاج، وعبدالله بن مسكان، وعبدالله بن بكير، وحمّاد بن عثمان، وحمّاد بن عيسى، وأبان بن عثمان). وحولَ مغزَى هذا الإجماع وقعتْ أبحاث عميقةٌ في كتُب الرّجال، ويُعَبّر عنهم ب- : أصحاب الإجماع ).

(٦) من أصحاب الصادق والكاظمعليهما‌السلام ،.... ينظر: معجم رجال الحديث: ١/ ٣٢ - ٤٠.

(٧) نسبةً إلى الفطحيَّة ؛ وهذه الفرقة القائلة بإمامة عبد الله بن جعفر... ؛ سُمّوا بذلك لأنَّ عبد الله كان أفطح الرأس، وقال بعضُهُم: كان أفطح الرِّجلين.... كتابُ المقالات والفِرَق، ص٨٧.

(٨) قال المددي: أي: يصحّ الاعتماد عليه، والاحتجاج به، كسائر الروايات الصحاح.

(٩) وعلَّق المددي هنا بقوله: (يعني: هذا القسم، وإنْ صدَقَ عليه أنَّه صحيحٌ، إلاّ أنَّه لا يصح الاعتماد عليه، والعملُ به ؛ للإرسال، أو

الضعف، أو غيرهما، الطارئة له.


الحَقلُ الثاني:

في

الحَسَن(١)

وهو: ما اتّصلَ سندُهُ كذلك - أي إلى المعصوم - بإمامي ممدوحٍ، من غير نصٍّ على عدالته، مع تَحقُّق ذلك في جميع مراتبه - أي جميع [مراتب] رواة طريقه - أو تحقّق ذلك في بعضها ؛ بأن كانَ فيهم واحدٌ إمامي ممدوحٌ غير موثَّق، مع كون الباقي من الطريقِ من رجالِ الصحيح ؛ فيُوصفُ الطريقُ بالحسَن لأجلِ ذلك الواحد.

واحترز بكونالباقي من رجال الصحيح عمَّا لو كان دونه، فإنَّه يلحق بالمرتبة الدُّنيا، كما لو كان فيه واحدٌ ضعيفٌ فإنَّه يكون ضعيفاً، أو واحدٌ غير إمامي عدلٌ فإنَّه يكونُ مِن الموثَّق.

وبالجملة، فيَتْبع أخَسَّ ما فيه من الصفاتِ، حيثُ تتعدَّد.

وهذا كُلُّهُ واردٌ على تعريفِ مَنْ عرَّفه من الأصحاب - كالشهيدِرحمه‌الله - بأنَّه: (ما رواه الممدوح من غير نصٍّ على عدالته)(٢) .

أ - فإنَّه يشملُ: ما كان في طريقه واحدٌ كذلك(٣) ، وإن كانَ الباقي ضعيفاً، فضلاً عن غيرهِ.

ب - ويُزيد: أنَّهُ لم يُقيِّد الممدوحَ بكونه إمامياً، مع أنَّه مُراداً.

ويُطلقُ الحسنُ أيضاً على ما يشملُ الأمرين - وهما كونُ الوصفِ المذكور:في جميعِ مراتبهِ، وفي بعضها ؛ بمعنى كونُ روَاتهِ متَّصِفين بوصفِ الحسَن - إلى واحدٍ مُعيَّن،

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة (ورقة ١٣، لوحة ب، سطر ١٠): (الثاني: الحسن) فقط، بدون: (الحقل الثاني: في الحسن).

(٢) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، ص٤.

(٣) أي: الإمامي الممدوح. خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص١٤.


ثم يصيرُ بعد ذلك ضعيفاً أو مقطوعاً أو مرسلاً - كما مرَّ في الصحيح - مع اتصاف رواته بالوصفين ؛ وهما: كونُ كُلِّ واحدٍ إمامياً، وممدوحاً على وجهٍ لا تبلغُ العدالةُ كذلك ؛ أي كما أنَّ الصحيحَ يُطلقُ على سليمِ الطريقِ ممَّا يُنافي الأمرين - [وهما كونُ الراوي: عدلاً، إمامياً] - وإنْ لم يتّصلْ.

ومن هذا القسم حُكْمُ العلاّمةِ(١) وغيرُهُ: بكونِ طريقِ الفقيهِ(٢) إلى منذرِ بن جبير(٣) حسَناً ؛ مع أنَّهم لم يذكروا حالَ منذرٍ بمدحٍ ولا قَدح.

ومثلهُ طريقُه إلى إدريسِ بن يزيد(٤) .

وإنَّ طريقَه إلى سُماعة بن مهران(٥) حَسَنٌ(٦) ، مع أنَّ سُماعةَ واقفي(٧) . وإن كانَ ثقةً ؛ فيكون من الموثَّق، لكنَّه حسنٌ بهذا المعنى.

____________________

(١) الحسنُ بنُ يوسف بنُ المطهَّر الحلّي(٦٤٨ه- - ٧٢٦ه-).... ينظر: الأعلام: ٢/ ٢٤٤.

(٢) أي طريق الصدوق في كتاب (مَن لا يحضره الفقيه). ينظر: شرح مشيخة الفقيه: ٤/ ٩٩.

(٣) يُنظر: خُلاصة الأقوال في معرفة الرّجال، ص٢٨٠. وفي مستدرك الوسائل(٣/ ٦٨٨): (الصحيح: أنَّ منذر هو ابن جيفر) ؛ حيثُ قد قيل أيضاً: جعفر، وجيفر.

ويُراجَع كذلك: معجم رجال الحديث(١٨/ ٣٨٠ - ٣٨١).

أمَّا في نسختنا الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ١٤، لوحة ب، سطر ٢)، فإنَّه: منذرُ بن جُبير، بدلاً مِن كُلّ ما سَبَق.

(٤) مِن أصحابِ الصادقعليه‌السلام ،.... يُنظر: معجم رجال الحديث: ٤/ ١٤. والذي في النسخة المعتمدة (ورقة ١٤، لوحة ب، سطر ٤) (إدريس بن زيد)، بدلاً من إدريس بن يزيد.

(٥) روى عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهما‌السلام ،.... يُنظر: معجم رجال الحديث: ٨/ ٢٩٩ - ٣٠٤.

(٦) يُنظر: خلاصةُ الأقوال في معرفة الرجال، ٢٧٧.

(٧) نسبةً إلى الواقفة ؛ سُمُّوا بذلك: لوقوفهم على موسى بن جعفر، أنَّه الإمام القائم، ولم يأتمُّوا بعده، ولم يتجاوزوا إلى غيره. ينظر: كتاب المقالات والفِرق، ص٩٠.


وقد ذكر جماعةٌ من الفقهاء(١) : أنَّ روايةَ زرارةَ(٢) - في مُفسدِ الحجِّ، إذا قضاه ؛ أنَّ الأُولى حجّةُ الإسلام(٣) - مِن الحسن(٤) ؛ مع أنَّها مقطوعةٌ(٥) .

ومثلُ هذا كثيرٌ، فينبغي مراعاتُهُ كما مرَّ في الصحيح.

_____________________

(١) قالَ المددي: (منهم المحقق الثاني، كما في (جامع المقاصد): ١/ ١٨٤ ).

(٢) مِن أصحابِ الباقر والصادق والكاظمعليهم‌السلام ،.... يُنظر: معجم رجال الحديث: ٧/ ٢١٨ - ٢٤٠.

أمَّا القولُ بكونه من أصحاب الكاظمعليه‌السلام ، كما ذهبَ إلى ذلك مثلُ الشيخ الطوسيّ، فإنَّما بلحاظ أنَّهُ أدرك زمانه (صلواتُ الله عليه). وأمَّا مَن يَذهب إلى أنَّه لم يكن من أصحابهعليه‌السلام ، فذلك بلحاظ كونه لم يروِ عنهعليه‌السلام .

(٣) وقد علَّق المددي هنا بقوله: (روايةُ زرارة ؛ هي ما رواه الكليني - والشيخ عنه - بإسناده عن زرارة ؛ وفي ذيلها: (قلتُ: فأيُّ الحجَّ-تين لهما؟ قال: (الأولى التي أحدثا فيها ما أحدثا، والأخرى عليها عقوبة). ينظر: جامع أحاديث الشيعة: ١١/ ١٧٧).

(٤) وهنا علَّق المددي أيضاً بقوله: (باعتبار اشتمال السَّند على إبراهيم بن هاشم ؛ فهو وإن كان إمامياً، ممدوحاً، كثير الرواية، حتى أنَّه لا يُوجد أكثر روايةٍ منه في الكتب الأربعة، إلاّ أنَّه لم يُنص على توثيقه صريحاً ؛ وبذلك تكون الرواية باعتباره حسنة).

(٥) كما علَّق المددي هنا أيضاً بقوله: (مرادهُرحمه‌الله من المقطوعة: المضمرَة، وهذا دأبه في جميع مؤلَّفاتهقدس‌سره .

والمُضمرة: هي الروايةُ التي لم يُذكَر فيها المرويُّ عنه، ولم يُعلَم مَنْ هو المسؤولُ عنه.

وهذه الرواية رُويت عن زُرارة، قال: سألتهُ... إلخ، ولم يُعيِّن المسؤول عنه. وسيأتي الكلامُ في حجيَّة هذا القسم من الرّوايات).


الحقل الثالث:

في

الموثَّقِ(١)

سُمِّيَ بذلك لأنَّ راويه ثقة، وإن كانَ مُخالفاً ؛ وبهذا فارقَ الصحيحَ مع اشتراكهما في الثقة، ويُقالُ لهُ: القويُّ أيضاً ؛ لقُوّة الظنِّ بجانبه بسببِ توثيقهِ.

وهو:

[ أوَّلاً ]:

ما دخلَ في طريقهِ (مَن نصَّ الأصحابُ على توثيقه، مع فساد عقيدته)(٢) ؛ بأن كان من إحدى الفرق المُخالفة للإمامية، وإن كانَ من الشيعة.

واحترز بقوله(٣) : (نصَّ الأصحابُ على توثيقه) عمَّا لو رواه المخالفون في صحاحهم التي وثَّقوا رُواتها ؛ فإنَّها لا تدخلُ في الموثَّق عندنا ؛ لأنَّ العبرة بتوثيق أصحابنا للمُخالف، لا بتوثيق غيرنا ؛ لأنَّا لم نقبلْ إخبارَهم بذلك(٤) .

وبهذا يندَفِعُ ما يُتَوَهَّمُ: من عدمِ الفرقِ بينَ رواية مَن خالفنا، مِمَّن ذُكر في كتب حديثنا، وما رووه في كتبهم.

وحينئذٍ، فذلك كلُّهُ يلحق بالضّعيف عندنا ؛ لِمَا سيأتي من صِدق تعريفه عليه، فيُعمل منهُ بما يُعمل بهِ منه.

[ثانياً]:

ولم يشتَمل باقيه ؛ أي باقي الطريق، على ضعيف ؛ وإلاّ لكانَ الطريقُ ضعيفاً، فإنّه يتبعُ الأَخسَّ كما سبَق.

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ١٤، لوحة ب، سطر٨): (الموثَّق) فقط، بدون: (الحقل الثالث: في الموثَّق).

(٢) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، ص٤.

(٣) فيما يبدو: أنَّ مرجع الضمير هو: المعرِّف، وما شابه ذلك.

(٤) وقد علَّق المددي هنا بقوله: (لأنَّ مرجع التوثيق - على ما هو المعروف عندهم - مردُّه إلى الشهادة، والعدالة معتبرةٌ فيها).


وبهذا القيد سَلِمَ ممَّا يَرِد على تعريفِ الأصحاب لهُ بأنَّ الموثَّقَ: (ما رواهُ مَن نُصَّ على توثيقهِ، مع فسادِ عقيدته)(١) ؛ فإنَّهُ يشتَمِلُ بإطلاقه ما لو كانَ في الطريقِ واحدٌ كذلك، معَ ضعفِ الباقي، وليس بِمُرادٍ كما مرَّ.

وقد يُطلق القويّ على مرويِّ الإمامي ؛ غير الممدوح ولا المذموم(٢) ، ك-: نوح بن درَّاج(٣) ، وناجية بن أبي عُمارةَ الصيداويِّ(٤) ، وأحمد بن عبد الله بن جعفرِ الحِميريِّ(٥) ، وغيرهم، وهُم كثيرون.

وقولُنا:(غيرُ المَمدوح ولا المَذموم)

[أ] خيرٌ من قولِ الشهيدرحمه‌الله وغيرهِ في تعريفهِ:(... غيرُ المذموم) (٦) ، مُقتصرين عليه ؛ لأنَّه يشمُلُ الحَسَن، فإنَّ الإمامي المَمدوحَ: غيرُ مذموم، ولو فُرِضَ كونُهُ قد مُدِحَ وذُم كما اتّفق لكثير.

[ب] وردٌّ على تعريف الحسن أيضاً ؛ والأولى: أن يطلب حينئذ الترجيحُ، ويُعملُ بِمُقتضاهُ، فإن تحقَّقَ التعارضُ، لم يكُن حسَناً. وعلى هذا ؛ فينبغي زيادة تعريفِ الحسن: بكونِ المدحِ مقبولاً ؛ فيُقالُ: ما اتّصلَ سندُهُ بإمامي ممدوحٍ مدحاً مقبولاً... إلخ ، أَو غير معارض بذمٍّ ؛ ونحو ذلك.

____________________

(١) ينظر: ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، ص٤.

(٢) ينظر: المصدر نفسه.

(٣) من أصحابِ الصادقعليه‌السلام ،.... معجم رجال الحديث: ١٩/ ٢١٩ - ٢٢٢.

(٤) من أصحاب الباقرعليه‌السلام ،.... ينظر: معجم رجال الحديث: ١٩/ ١٤٤ - ١٤٥.

(٥) كان له مكاتبة،.... ينظر: معجم رجال الحديث: ٢/ ١٣٧.

(٦) ويبدو أنّ في المقام اشتباهاً: إمَّا من الشهيد الثاني في نقله، وإمَّا من قول الشهيد الأوَّل في نسخه ؛ ذلك لأنَّ الذي وردَ في الكتاب المطبوع (ذكرى الشيعة إلى أحكام الشريعة)(ص٤) جاءَ فيه: (وقد يُرادُ بالقويّ: مرويّ الإمامي، غير المذموم ولا الممدوح ؛ أو مرويّ المشهور في التقدُّم غير الموثّق ؛ والضعيف يقابلهُ ؛ وربَّما قابل الضعيف: القبيحُ، والحسنُ، والموثّقُ).


الحقل الرابع:

في

الضعيف(١)

وهو ما لا يجتمع فيه شروط أحد الثلاثة المتقدِّمةِ ؛ بأن يشتملَ طريقُهُ على مجروح بالفسقِ ونحوه، أو مجهول الحالِ، أو ما دونَ ذلك ؛ كالوضَّاعِ.

ويُمكن اندراجهُ في المجروح، فيُستغنَى به عنِ الشّقّ الأخير(٢) .

[أ] - ودرجاته في الضّعف متفاوتةٌ بحسبِ بُعده عن شروط الصحّة، فكلَّما بعُدَ بعضُ رجاله عنها، كانَ أقوى في الضّعف ؛ وكذا ما كثُر فيه الرواةُ المجروحون، بالنِّسبةِ إلى ما قلّ فيه(٣) .

كما تتفاوتُ درجاتُ الصحيح، وأخويه الحسن والمُوَثّق، بحسبِ تمكُّنه من أوصافها. فما رواهُ الإمامي الثقةُ، الفقيه الورع الضابطُ - كابنِ أبي عُميرٍ - أصحّ ممَّا رواه مَن نقصَ في بعضِ الأوصاف، وهكذا إلى أن ينتهي إلى أقلِّ مراتبه.

وكذلك ما رواه الممدوح كثيراً - كإبراهيم بن هاشمٍ(٤) - أحسنُ ممَّا رواه مَن هو دونه في المدح، وهكذا إلى أن يتحقَّق مُسمَّاهُ.

وكذا القولُ في المُوَثّق ؛ فإنَّ ما كانَ في طريقه، مثلُ عليّ بن فَضَّال(٥) ، وأبانِ بن عثمان(٦) ، أقوَى مِن غَيره، وهكذا...

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ١٥، لوحة ب، سطر ٧): (الرابع الضعيف) فقط، بدون: (الحقل الرابع: في الضعيف).

(٢) وقد علَّق المددي هنا بقوله: (ولعلّ الأحسنَ إبقاءه ؛ للفرق الواضح بينَ خبرِ شاربِ الخمر، وخبرِ الكذَّاب الوضَّاع).

(٣) سيأتي مزيدُ بيانٍ عن أنواعِ الحديثِ الضعيف في النظرِ الثاني من القسمِ الثاني مِن البابِ الأوّلِ، حسبَ الهيكل العامّ المعدَّل، الذي عملنا على رسمه.

(٤) من أصحاب الرّضاعليه‌السلام ،.... يُنظَر: معجم رجال الحديث: ١/ ١٧٧ - ١٩١.

(٥) هو عليُّ بن الحسَن بن فضّال الفطحيّ،.... يُنظر: معجم رجال الحديث: ١٢/ ١٢٣.

(٦) وقد علَّق المددي هنا بقوله: (أبانُ بن عثمان: ثِقةٌ جليلٌ ؛ وقد عُدَّ مِن أصحابِ الإجماع ؛ إلاّ أنَّه نوقشَ في مذهبه ؛ فعَنْ بعضِ نُسَخِ الكشّي: وكان من الناووسيّة. وعن المحقِّق - والعلاّمة في خاتمة الخلاصةِ - : أنَّهُ فطحيُّ. كما نُسِبَ إلى العلاّمةِ في محكيّ المختلَف: أنَّه واقفيّ.

ولم يثبت شيءٌ من ذلك كُلّهِ، وللتفصيلِ مجالٌ آخر، لا يسعه هذا المختصر).


[ب]. وَيَظهرٌ أثر القوّةعندَ التعارضِ ؛ حيث يعمَل بالأقسام الثلاثة، ويخرج أحد الأخيرين شاهداً(١) ، أو يتعارضُ صحيحان أو حسنان، حيثُ يجوزُ العملُ بهِ(٢) .

وكثيراً ما يُطلَق الضعيفُ في كلام الفُقهاء على روايةِ المجروحِ خاصة، وهو استعمالُ الضعيفِ في بعضِ مواردهِ، وأمرُهُ سهلٌ.

____________________

(١) أي: الحسن أو الموثّق، بأن جعله شاهداً للصحيح، بدون العمل به. خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص١٧.

(٢) وقد علَّق المددي هنا بقوله: (أي: بالقويّ (الموثَّق) ؛ فعند تعارضِ الصحيحين أو الحسنين، يُرجعُ إلى الموثَّق، ويُعمل به ِ؛ ويكونُ مُرَجِّحاً لأحدهما على الآخر).


النظرُ الثاني: في حُجِّيَّةِ العملِ بها

وفيه حُقول:

الحقل الأوَّل:

في

العملِ بخبرِ الواحد(١)

وأعلَم: أنَّ مَن منعَ العملَ بخبر الواحد مُطلقاً، كالسيِّدِ المرتضى، تنتَفي عندَهُ فائدةُ البحثِ عن الحديثِ غير المتواتر مُطلَقاً ؛ ومَنْ جوَّزَ العملَ بخبرِ الواحدِ، كأكثرِ المتأخّرين في الجُملة.

فائدةُ القيد: التنبيه، على أنَّ مَن عمِل بخبر الواحد، لم يعمل به مُطلقاً ؛ بَلمنهم مَن خصَّه بالصحيح،ومنهم من أضاف الحسَن،ومنهم من أضافَ الموثَّق،ومنهم من أضافَ الضعيفَ على بَعض الوجوه كما سننبّه عليهِ.

فالعاملُ بخبر الواحدِ على أيّ وجهٍ كان: قَطَعَ بالعمل بالخبر الصحيح ؛ لِعدم المانع منه، فإنَّ رواته عُدول، صحيحو العقايد ؛ لكن لم يُعمل به مطلقاً ؛ بل حيثُ لا يكون شاذّاً، أو معارضاً بغيره من الأخبارِ الصحيحة، فإنَّه حينئذٍ يُطلبُ المُرَجِّحُ.

ورُبَّما عمِل بعضهم بالشاذِّ أيضاً، كما اتّفقَ للشيخين(٢) في صحيحة زُرارة ؛ في مَن دخل في الصلاة بتيمُّم ثُمّ أحدثَ؟

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ١٦، لوحة ب، سطر ١٠): (النظر الثاني: في حُجِّ-يَّةِ العمل بها. وفيه حقول: الحقل الأول: في العمل بخبر الواحد) غير موجود ؛ وإنَّما أضفناه للضرورة المنهجية والإخراجيَّة.

(٢) يقول الفقيه المقداد السيوريّ في مقدِّمة كتابه (التنقيح الرائع لمختصر الشرائع)، وهو مخطوطٌ محفوظ في (مكتبة آية الله الحكيم العامّة) في النجف الأشرف، تحت رقم ٣٠٦، يقول المقدادُ: (المرادُ بالشيخ هو: الطوسيرحمه‌الله . وبالشيخين: هو مع المفيد. والثلاثة: هما مع المُرتضى. وعلَمُ الهدى: هو المُرتضى).


إنَّه: يتوضأُ حيث الماء، ويبني على الصلاة ؛ وإنْ خصَّاها بحالة الحدث ناسياً(١) ؛ ومثل ذلك كثيرٌ.

___________________

(١) قلتُ: صحيحة زرارة هذه، إنَّما هي من الشاذ بالتفسير الذي فسَّره به بعضُ العامَّة ؛ وهو ما انفرد به راوٍ واحد.

وأمَّا الشذوذ بالتفسير الذي ذكره أكثرهم، واعتمده الوالدقدس‌سره فيما يأتي، وهو: (ما رواه الثقة مخالفاً لِمَا رواه الأكثرُ)، فليسَ ذلك بمتحقِّق فيها ؛ إذ لم يرد بخلافها رواية، فضلاً عن رواية الأكثر له.

نعم، هي مخالفة للمعهود في نظائر الحكم من منافيات الصلاة ؛ ولفظُ التفسير كما لا يخفى، غير متناول لمثل هذه المخالفة، فليُنظر.

حسنرحمه‌الله (هامش الخطِّيَّة المعتمدة: روقة ١٦، لوحة ب)

والمقصود بعبارة (حسنرحمه‌الله ) هو: الشيخ حسن صاحب كتاب (المعالم)، وهو ابن الشهيد الثاني صاحبٍ (الدراية).

وأمَّا بخصوص الصحيحة، فينظر: مَن لا يحضرهُ الفقيه: ١/ ٥٨، باب التيمّم، حديث ٢١٤/ ٤، وتهذيب الأحكام (للشيخ الطوسي، في شرحِ المقنعة للشيخ المفيد): ١/ ٢٠٥، باب التيمّم وأحكامه، حديث ٥٩٥/ ٦٩، والاستبصار: ١/ ١٦٧، بابُ مَن دخلَ في الصلاةِ بتيمّم ثُمَّ وجدَ الماءَ، حديثُ ٥٨٠/ ٦.


الحقل الثاني:

في

العمل بالخبر الحسن(١)

واختلفوا في العمل بالحسن:

فمنهم مَنعمل به مطلقاً كالصحيح، وهو الشيخرحمه‌الله - على ما يظهر من عمله - وكلّ مَن اكتفى في العدالة بظاهر الإسلام، ولم يشترط ظهورها.

ومنهم مَن ردَّهمطلقاً ، وهم الأكثرون ؛ حيث أشترطوا في قبول الرواية: (الإيمانَ، والعدالةَ)، كما قطَع بهالعلاّمةُ في كتبه الأُصوليَّة،وغيره .

والعجبُ أنَّ الشيخرحمه‌الله اشترطَ ذلك أيضاً في كتبِ الأصولِ، ووقع له في الحديث وكتب الفروع الغرائب ؛ فتارة يعمل بالخبر الضعيف مطلقاً، حتّى أنَّه يُخصِّص به أخباراً كثيرةً صحيحةً، حيث تعارضه بإطلاقها، وتارةً يُصرِّح بردِّ الحديث لضعفه، وأخرى يردّ الصحيح ؛ معلِّلاً بأنَّه خبر واحد، لا يوجب علماً ولا عملاً كما هي عبارة المرتضى.

وفصّل آخرون في الحسن: كالمحقِّق في المُعتبر، والشهيد في الذّكرى ؛ فقبلوا الحسن، بل الموثَّق ؛ وربَّما ترقّوا إلى الضعيف أيضاً إذا كان العمل بمضمونه مشتهراً بين الأصحاب ؛ حتّى قدّموهُ حينئذٍ على الخبرِ الصحيحِ حيثُ لا يكونُ العملُ بمضمونهِ مشتهِراً.

____________________

(١) الذي في النسخةِ الخطِّيَّة (روقة ١٦، لوحة ب، سطر ٩): (الحقل الثاني: في العمل بالخبر الحسن)، غير موجود.


الحقل الثالث:

في

العمل بالخبرِ الموثَّق(١)

وكذا اختلفوا في العمل بالموثّق نحو اختلافهم في الحسن،فقبله قوم مطلقاً ،وردَّه آخرون، وفصّل ثالث [بالشهرة وعدمِها](٢) .

ويُمكنُ اشتراكُ الثلاثة في دليل واحدٍ يدلّ على جواز العمل بها مطلقاً ؛ وهو: أنَّ المانعَ من قبول خبرِ الفاسق هو فسقه ؛ لقوله تعالى:( إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا... ) (٣) . فمتى لم يُعلم الفسق، لا يجب التثبُّت عند خبر المُخبر مع جهل حاله ؛ فكيف مع توثيقه ومدحه، وإن لم يبلُغ حدَّ التعديل؟ وبهذا احتجَّ مَن قبل المراسيل.

وقدأجابوا عنه ب-: أنَّ الفسقَ لمَّا كان علَّة التثبُّتِ، وجبَ العلمُ بنفيه ؛ حتّى يُعلم وجود انتفاء التثبُّت، فيجب التفحُّصُ عن الفسق، ليُعلَم أو

عدمه، حتّى يُعلَم التثبُّت أو عدمه.

وفيه نظرٌ ؛ لأنّ الأصل عدمُ وجودِ المانع في المُسلمِ. ولأنَّ مجهولَ الحال، لا يُمكن الحكمُ عليهِ بالفسقِ ؛ والمُرادُ في الآية: المحكومُ عليهِ بالفسقِ.

____________________

(١) الذي في النسخة المعتمدةِ (ورقة ١٧، لوحة أ، سطر ٩): (الحقل الثالث: في العمل بالخبر الموثق) غير موجود.

(٢) هذه الزيادة غير موجودة في النسخة الخطِّيَّة المتداولة (ورقة ١٧، لوحة ب، سطر ١٠)، وإنَّما هي موجودة في طبعة النعمان المتداولة، وقد أثبتناها هنا لمزيد إيضاح وتوضيح.

(٣) سورة الحجرات، آية ٧.


الحقل الرابع:

في

العمل في الخبر الضعيف(١)

وأمَّا الضعيف ؛فذهبَ الأكثر إلى منع العمل به مُطلقاً ؛ للأمر بالتثبُّت عندَ إخبارِ الفاسق المُوجبِ لردِّهِ.

وأجازَهُ آخرون - وهُم جماعةٌ كثيرةٌ: منهم مَن ذكرناه - مع اعتضادِه بالشّهرة روايةً ؛ بأن يكثر تدوينها وروايتها: بلفظٍ واحدٍ، أو ألفاظٍ متغايرةٍ متقاربة المعنى، أوفتوىً بمضمونها في كتب الفقه ؛ لقوَّة الظنّ بصدق الرّاوي في جانبها - أي جانب الشّهرة - وإن ضعُفَ الطريقُ ؛ فإنَّ الطريقَ الضعيفَ، قد يثبُتُ بهِ الخبرُ مع اشتهارِ مضمونِهِ ؛ كما تُعلَمُ مذاهبُ الفِرَقِ الإسلاميَّة - كقول: أبي حنيفة(٢) ، والشافعيِّ(٣) ، ومالك(٤) ، و أحمد - بإخبار أهلها - مع الحكم بضعفهم عندَنا - وإن لم يبلغوا حدَّ التواتر.

وبهذا اعتُذر للشيخرحمه‌الله في عمَله بالخبر الضّعيفِ.

وهذهِ، حجّةُ مَنْ عمِلَ بالموثّق أيضاً، بطريقٍ أولى.

وفيه نظرٌ ، يخرج تحريره عن وضع الرسالة ؛ فإنَّها مبنيةٌ على الاختصار، ووجهُهُ على وجه الإيجاز: إنَّا نمنع من كون هذه الشُّهرة التي ادّعوها مؤثِّرةً في جبر الخبر الضّعيف ؛ فإنَّ هذا إنّما يتمّ لو كانت الشّهرة متحقّقةٌ قبلَ زمنِ الشيخرحمه‌الله ، والأمرُ ليس كذلك ؛ فإنَّ مَنْ قبله من العلماء كانوا بينَ مانع من خبر الواحد مُطلقاً - كالمرتضى والأكثر، على ما نقله جماعة - وبين جامع للأحاديث، من غير التفات إلى تصحيح ما يصحُّ، وردِّ ما يُرَدُّ. وكانَ البحثُ عن الفتوى مُجرَّدةً - لغيرِ الفريقين - قليلاً جداً كما لا يخفَى على مَن اطّلعَ على حالِهِم.

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ١٧، لوحة ب، سطر ٦): (الحقل الرابع: في العمل بالخبر الضعيف) غير موجود.

(٢) النعمان بن ثابت: ٨٠ - ١٥٠ه-،.... ينظر: الأعلام: ٩/ ٤ - ٥.

(٣) محمد بن إدريس: ١٥٠ - ٢٠٤ه-،.... ينظر: الأعلام: ٦/ ٢٤٩ - ٢٥٠.

(٤) مالك بن أنس: ٩٣ - ١٧٩،.... ينظر: الأعلام: ٦/ ١٢٨.


فالعمل بمضمون الخبر الضّعيف قبل زمن الشيخ، على وجه يجبر ضعفه، ليس بمتحقّقٍ. ولمّا عمل الشيخ بمضمونه، في كتبه الفقهيَّة، جاء مَن بعده من الفقهاء واتّبعه منهم عليها الأكثر ؛ تقليداً له، إلاّ مَن شذّ منهم. ولم يكن فيهم مَن يسبر الأحاديث، وينقِّب على الأدلّة بنفسه سوى الشيخ المحقِّق ابن إدريس(١) ، وقد كان لا يجيز العمل بخبر الواحد مطلقاً.

فجاء المتأخّرون بعد ذلك، ووجدوا الشيخ ومَن تبعه قد عملوا بمضمون ذلك الخبر الضّعيف ؛ لأمر ما رأوه في ذلك، لعلّ الله تعالى يعذرهم فيه ؛ فحسبوا العلم به مشهوراً، وجعلوا هذه الشّهرة جابرةً لضعفه. ولو تأمّل المنصف، وحرَّر المنقِّب، لوجد مرجع ذلك كلّه إلى الشيخ، ومثل هذه الشّهرة، لا تكفي في جبر الخبر الضّعيف.

ومن هنا، يظهر الفرق بينه وبين ثبوت فتوى المخالفين بأخبار أصحابهم ؛ فإنَّهم كانوا منتشرين في أقطار الأرض من أوّل زمانهم، ولم يزالوا في أزياد(٢) .

وممَّن اطّلع على أصل هذه القاعدة - التي بيَّنتُها وتحقَّقتُها - من غير تقليدٍ: الشيخ الفاضل المحقِّق سديد الدّين محمود الحُمُّصي(٣) ، والسيّد رضيّ الدّين ابن طاووس(٤) ، وجماعة.

قالَ السيّدرحمه‌الله في كتابه (البهجة لثمرة المهجة): (أخبرني جدّي الصالح، ورّام بن أبي فراس (قدّس الله سرّه)(٥) ، أنَّ الحُمُّصي حدَّثه: أنَّه لم يبق للإماميّة مفتٍ على التّحقيق، بل كلّهم حاكٍ.

____________________

(١) صاحب كتاب: (السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي)،.... ينظر: روضات الجنَّات: ٦/ ٢٧٤ - ٢٩٠.

(٢) أي: العلم بمذاهب المخالفين وفتاويهم مستفادٌ من أصحابهم، وحيثُ لم يكونوا ثقة عندنا، كان إخبارُهم بمذاهبهم من باب الأخبار الضعيفة، لكن اعتبرها أصحابنا، وحكموا بأنَّ هذا القول لأبي حنيفة، وهذا للشافعي، وغيرهما، استناداً إلى الشهرة التي انجبر الضعيف بها. وليس تلك الشّهرة كالشهرة التي ادّعاها أصحابنا في بعض الأخبار ؛ لِمَا عرفت أصلها. خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص٢٠.

(٣) علاّمةُ زمانه في الأُصولَين، ورع ثقة،.... ينظر: روضات الجنَّات: ٧/ ١٥٨ - ١٦٤.

(٤) السيّد الشريف: رضيّ الدين أبو القاسم علي، بن سعد الدين أبي إبراهيم موسى، بن جعفر، بن محمد، بن أحمد، بن محمد، بن أحمد، بن أبي عبد الله محمد، بن الطاووس ؛ ينتهي نسبه الشريف إلى الحسن المثنّى.... ينظر: البحار: ١/ ١٤٣ - ١٤٦.

وكذلك له ترجمةٌ ضافيةٌ في مقدِّمة: كشف المحجّة لثمرة المهجة، المطبوع في النجف الأشرف، بقلم البحّاثة الكبير آغا بزرگ الطهراني.

(٥) من أولاد مالك الأشتر النخعيّ، عالم فقيه،.... ينظر: روضات الجنَّات: ٨/ ١٧٧ - ١٧٩.


وقالَ السيّد عقيبه: والآن، فقد ظهر أنَّ الذي يُفتى به ويُجاب عنه، على سبيل ما حُفظ من كلام العلماء المتقدّمين)(١) انتهى.

وقد كشفتُ لك بذلك بعضَ الحال، وبقيَ الباقي في الخَيال، وإنَّما يتنبّه لهذا المقال، مَن عرف الرِّجال بالحقّ، وينكره مَن عرف الحقّ بالرّجال(٢) .

وجوّزَ الأكثر العمل به - أي بالخبر الضعيف - في نحو: القصص، والمواعظ، وفضائل الأعمال، لا في نحو: صفات الله المُتعال، وأحكام الحلال والحرام.

وهو حسن حيث لا يبلغ الضعف حدّ الوضع والاختلاق ؛ لِمَا اشتهر بين العلماء المحقِّقين من التساهل بأدلَّة السُّنن، وليس في المواعظ والقصص غير محض الخير، لِمَا ورد عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله - من طريق الخاصّة والعامّة - أنَّه قال: (مَن بلغه عن الله تعالى فضيلةً، فأخذها وعمل بما فيها إيماناً بالله ورجاء ثوابه، أعطاه الله تعالى ذلك وإنْ لم يكن كذلك)(٣) . وروى هشام بن سالم - في الحسن(٤) -، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: (مَن سمع شيئاً من الثواب على شيء، فصنعه، كان له أجر، وإن لم يكن على ما بلغه)(٥) .

____________________

(١) وقد علّق المددي هنا بقوله: (إنَّ كتاب (البهجة لثمرة المهجة) لم يصل إلينا، ولكنّ السيّد ابن طاووس ذكر هذا الكلام بعينه في كتابه: (كشف المحجّة لثمرة المهجة)(ص١٢٧)، المطبوع في النجف الأشرف).

(٢) هذه العبارة - فيما يبدو - مستلهمّة من قول أمير المؤمنينعليه‌السلام : (يا حَار... إنَّه ملبوس عليك ؛ إنَّ الحقّ لا يُعرف بالرجال، فاعرف الحقّ تعرف أهله)، وهذا من التضمين الجميل. يُنظر: البيان والتبيين للجاحظ: ٣/ ١٣٦.

(٣) ينظر: عُدّة الدّاعي، ص٤.

(٤) وقد علّق المددي هنا بقوله: (وصفه ب-: الحسن ؛ باعتبار أنَّ الكليني رواه بإسناد فيه إبراهيم بن هاشم، وهو إماميّ ممدوح ؛ إلاّ أنَّ البرقي رواه في المحاسن (ص٢٥) بسند صحيحٍ عن هشام بن سالم، مع اختلاف يسير في الألفاظ.

وقال السيّد ابن طاووس: ووجدنا هذا الحديث في أصل هشام بن سالم، رواه عن الصادقعليه‌السلام ). ينظر: البحار: ٢/ ٢٥٦.

(٥) ينظر: الأُصول من الكافي: ٢/ ٨٧، وعُدّة الدَّاعي، ص٣، والبحار: ٢/ ٢٥٦، وجامع أحاديث الشيعة: ج١، المقدّمات، الباب٩.


القسم الثاني:

في

الأنواعِ والفُروع

أمَّا وقد عرَفتَ تلكَ المعاني الأربعة(١) ، التي هي أصول علم الحديث، بقي هنا عبارات لمعانٍ شتّى:

منها: ما يشترك فيها الأقسام الأربعة ، إمَّا جميعها أو بعضها، بحيث لا يختصّ بالضعيف ؛ ليدخل فيه المقبول، فإنَّه ليس من أقسام الصحيح، وإنَّما يشترك فيه الثلاثة الأخيرة، على ظاهر الاستعمال ؛ وإن كان إطلاق مفهومه، قد يفهم منه كونه أعمُّ من الصحيح أيضاً.

وجملةُ المشتركِ: ثمانيةَ عشرَ نوعاً.

ومنها: ما يختصُّ بالضعيف ؛ وهو: ثمانية.

فجملة الأنواع الفروع: ستّة وعشرون، ومع الأصول: ثلاثون نوعاً ؛ وذلك على وجه الحصرالجعليّ ، أوالاستقرائي ؛ لإمكان إبداء أقسامٍ أخر(٢) .

[وعليه، ففي هذا القسم: نظران](٣)

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ١٩، لوحة ب، سطر ٢): (وإذ قد عرفت هذه المعاني الأربعة)، بدلاً من: (القسم الثاني: في الأنواع والفروع. أمَّا وقد عرفت تلك المعاني الأربعة).

(٢) قال أبو عمرو بن الصلاح بعد ذكر تعداد أنواع الحديث: وليس بآخر الممكن في ذلك، فإنَّه قابل للتنويع إلى ما لا يُحصى ؛ إذ لا تُحصى أحوال الرواة وصفاتهم، وأحوال متون الحديث وصفاتها. ينظر: مقدمة ابن الصلاح، ص٨١.

وقال ابن كثير في تعقيبه على ابن الصّلاح: وفي هذا كلّه نظر، بل في بسطه هذه الأنواع إلى هذا العدد نظر ؛ إذ يمكن إدماج بعضها في

بعض، وكان أليق ممَّا ذكره. الباعث الحثيث، ص٢١.

(٣) هذه الزيادة غير موجودة في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ١٩، لوحة ب، سطر ١٠) وإنَّما أثبتناها هنا للضرورة المنهجيَّة.


النظر الأوَّل: في أنواع المشترك

وفيه حقول:

الحقل الأوَّل:

في

المسند(١)

وهو ما اتّصل سنده مرفوعاً، من راويه إلى منتهاه، إلى المعصوم.

وأكثر ما يُستعمل في ما جاء عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) .

فخرج باتّصال السّند: المرسل، والمعلّق، والمعضل.

وبالغاية: الموقوف، إذا جاء بسند متّصل، فإنَّه لا يسمَّى في الاصطلاح مسنداً.

وربَّما أطلقه بعضهم على المتّصل مطلقاً(٣) ؛ وآخرون: على ما رُفع إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وإنْ كان منقطعاً.

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ١٩، لوحة ب، سطر ١١): (فمن القسم الأول - وهو المشترك - أمور ؛ أحدها: المسند)، بدلاً من (النظر الأوّل: في أنواع المشترك، وفيه حقول، الحقل الأوّل: في المسند)، وهذا ممَّا وضعناه للضرورة المنهجيَّة.

(٢) قال الحاكم: هو ما اتّصل إسناده إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقال الخطيب: هو ما اتّصل إلى منتهاه.

وحكى ابن عبد البرّ: إنَّه المرويّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، سواء كان متّصلاً أم منقطعاً.

وقال أحمد محمد شاكر: وعلى تعريف الخطيب يدخل الموقوف - على الصحابة إذا روي بسند - في تعريف المسند، وكذلك يدخل فيه ما روي عن التابعين بسندٍ أيضاً، ولا يدخلان فيه على تعريف الحاكم وابن عبد البرّ.

ويدخل المنقطع والمعضل على تعريف ابن عبد البرّ، ولا يدخل على تعريف الحاكم. ينظر: الباعث الحثيث، ص٤٤ - ٤٥ (جمعاً بين المتن والهامش)، وينظر: كتاب الكفاية في علم الرواية، ص٢١، ومعرفة علوم الحديث (مقدمة ابن الصلاح)، ص١٧.

(٣) وقد علّق المددي هنا بقوله:

أي: سواءٌ أكان مسنداً إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أم إلى الصحابة ؛ وهو المسمَّى: بالموقوف.


الحقل الثاني:

في

المتَّصل(١)

ويُسمَّى أيضاً: الموصول(٢) .

وهو ما اتّصل إسناده إلى المعصوم أو غيره، وكان كلّ واحد من رواته، قد سمعه ممَّن فوقه، أو ما هو في معنى السماع: كالإجارة، والمناولة.

وهذا القيد(٣) ، أخلّ به كثيرٌ، فورد عليهم ما تناوله ؛ سواءٌ كانَ مرفوعاً إلى المعصوم، أم موقوفاً على غيره.

وقد يُخص بما اتّصل إسناده إلى المعصوم، أو الصحابيّ، دون غيرهم.

هذا مع الإطلاق، أمَّا مع التقييد، فجائز مطلقاً [و] واقع ؛ كقولهم: هذا متّصل الإسناد بفلانٍ، ونحو ذلك.

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٢٠، لوحة أ، سطر ٣): (وثانيها المتّصل) فقط، بدون (الحقل الثاني: في المتَّصل).

(٢) الخلاصةُ في أصول الحديث، ص٤٦، وينظر: الباعث الحثيث، ص٤٥.

(٣) أي: قوله: أو ما هو في معنى السماع. خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص٢٢.


الحقل الثالث:

في

المرفوعِ(١)

- ١ -

وهو ما أضيف إلى المعصوم(٢) ؛ من قولٍ، بأن يقول في الرواية: أنَّهعليه‌السلام قال كذا، أوفعل ، بأن يقول: فعل كذا، أوتقرير ، بأن يقول: فعل فلان بحضرته كذا ولم ينكره عليه، فإنَّه يكون قد أقرَّه عليه، وأولى منه: ما لو صُرِّح بالتقرير.

سواء كان إسناده متَّصلاً بالمعصوم بالمعنى السابق، أم منقطعاً: بترك بعض الرواة، أو إبهامه، أو رواية بعض رجال سنده عمَّن لم يلقه(٣) .

وقد تبيَّن من التعريفات الثلاثة: أنَّ بين الأخيرين منها عموماً من وجه(٤) ؛ بمعنى: صدق كلٍّ منهما على شيء ممَّا صدق عليه الآخر، مع عدم استلزام صدق شيءٍ منهما صدق الآخر.

ومادّة تصادقهما هنا: فيما إذا كان الحديث متّصل الإسناد بالمعصوم، فإنَّه يصدق عليه الاتصال والرَّفع ؛ لشمول تعريفهما له.

ويختص المتّصل: بمتّصل الإسناد، على الوجه المقرَّر، مع كونه موقوفاً على غير المعصوم.

ويختصّ المرفوع: بما أضيف إلى المعصوم بإسناد منقطعٍ.

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٢٠، لوحة أ، سطر ١٠): (وثالثها: المرفوع) فقط، بدون:(الحقل الثالث: في المرفوع).

(٢) وقد علَّقَ المددي هنا بقوله: (وعند العامّة: خصوص ما أُضيفَ إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ).

(٣) ينظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٤٦، والباعث الحثيث، ص٤٥.

وقد علّق المددي هنا بقوله: (مثاله: ما رواه الشيخ في التهذيب(٩/ ٢٦) بإسناده عن ابن أبي عُمير، عن زرارة، عن محمد بن مسلم...، فإنَّ ابن أبي عُمير، لم يلقِ زرارة ؛ فحديثه عنه مرفوع).

(٤) العموم المطلق، والعموم من وجه، والخصوص المطلق، والخصوص من وجه، بل كذلك العموم والخصوص من وجه، كلّ هذه وغيرها اصطلاحات منطقيَّة. ينظر من مثل: (كتاب المنطق)، للشيخ المظفَّر.

ويظهر من هذا الحقل: كيف أنَّ علمَ المنطق يدخل في خدمة الحديث ؛ وكيف أنَّ العلوم في مباحثها بلحاظٍ ولحاظٍ متداخلةٌ....


وتبيَّن أيضاً: أنَّهما أعمُّ من الأوَّل مطلقاً ؛ بمعنى: استلزامُ صدقهِ صدقُهما، من غيرِ عكسٍ.

ووجهُ عمومهما كذلك، اشتراك الثلاثة في الحديث المتّصل الإسناد - على الوجه السابق - إلى المعصوم، واختصاص المتّصل بحالة كونه موقوفاً، والمرفوع بحالة انقطاعه.


الحقل الرابع:

في

المُعَنْعَن(١)

وهو ما يقال في سنده: فلان عن فلان(٢) ، من غير بيان للتّحديث والإخبار والسّماع ؛ وبذلك يظهر وجه تسميته: معنعناً.

وقد اختلفوا في حكم الإسناد المُعَنْعَن:

[أ -] فقيل: هو من قبيل المرسَل(٣) والمنقطِع(٤) ، حتّى يتبيَّن اتّصاله بغيره ؛ لأنَّ العنعنة أعمّ من الاتّصال لغةً.

[ب -] والصحيح - الذي عليه جمهور المحدِّثين، بل كاد يكون إجماعاً - أنَّه: متّصل إذا أمكن اللّقاء - أي: ملاقاة الراوي بالعنعنة لمَن رواه

عنه -، مع البراءة ؛ أي: براءته أيضاً من التدليس: بأن لا يكون معروفاً به(٥) .

وإلاّ لم يكْفِ اللقاء ؛ لأنَّ من عُرِفَ بالتدليس قد يتجوَّز في العنعنة مع عدم الاتّصال، نظراً إلى: ظهور صدقه في الإطلاق، وإنْ كان خلاف الاصطلاح، والمتبادر من معناه(٦) .

وقد استعمله - أي المُعَنْعَن - والمراد استعمال المصدر، وهو العنعنة في الأحاديث.

[ نعم، قد استعمله] أكثر المحدِّثين، مريدين به: الاتّصال، وأكثرهم لا يقول بالمرسل(٧) .

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٢٠، لوحة ب، سطر ١٢ - ١٣): (ورابعها: المعنعن) فقط، بدون: (الحقل الرابع: في المعنعن).

(٢) ينظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٤٧.

(٣) ينظر: المصدر نفسه.

(٤) ينظر: معرفة علوم الحديث، ص٢٨.

(٥) ينظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٤٧.

(٦) التبادُر والمتبادَر: من الألفاظ المستعملة في مباحث أصول الفقه الإماميَّة. ينظر من مثل: أصول الفقه، الشيخ المظفّر، والأصول العامّة للفقه المقارن، السيد محمد تقي الحكيم.

(٧) قالَ الحاكم: لا يسمَّى مُرسلاً، بل منقطعاً. معرفة علوم الحديث، ص٤٧.


وزادَ آخرونَ في الشرائط: كون الراوي قد أدرك المرويّ عنه بالعنعنة إدراكاً بيِّناً. وآخرون على ذلك: كونه معروفاً بالرواية عنه.

والأظهر: عدمُ اشتراطِهما(١) .

____________________

(١)(الأظهر) ، إنَّ هذه اللفظة كثيراً ما تستعمل في أوساط الفقه الإماميّة ؛ وخاصّةً من لدن المحقّق الحلّي، وحتّى اليوم، وقد جاء على بيان المراد منها، وأخواتٍ لها، الشيخُ المقداد السيوريّ، كما ذكرنا ذلك في مقدِّمتنا لكتاب: شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام.


الحقل الخامس:

في

المعلَّق(١)

- ١ -

وهو ما حذف من مبدء إسناده، واحدٌ فأكثر(٢) ؛ كقول الشيخرحمه‌الله : محمد بن أحمد(٣) ... إلخ، أو محمد بن يعقوب، أو روى زرارة عن الباقرعليه‌السلام أو الصادقعليه‌السلام ، أو قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أو الصادقعليه‌السلام ، أو نحو ذلك.

مأخوذ من تعليق الجدار أو الطّلاق ؛ لاشتراكهما في قطع الاتّصال، ولم يستعملوه فيما سقط وسطُ إسناده، أو آخره ؛ لتسميتها ب-: المنقطع، والمرسل(٤) .

ولا يخرج المعلَّق عن الصحيح ؛ إذا عرِف المحذوف من جهةِ ثقةٍ، خصوصاً إذا كان العلمُ من جهة الراوي، كقول الشيخ في كتابيه والصدوق في الفقيه: محمد بن يعقوب، أو أحمد بن محمّد(٥) ، أو غيرهما ممَّن لم يدركه، ثمّ يذكر في آخر الكتاب طريقه إلى كلّ واحد، ممّنَ ذَكَرَ في أوَّل الإسناد(٦) .

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٢١، لوحة أ، سطر ١٣): (وخامسها المعلّق) فقط، بدون: (الحقل الخامس: في المعلَّق).

(٢) الخلاصة في أصول الحديث، ص٤٧.

(٣) قال السيد الخوئيّ: (وقع بهذا العنوان في إسناد كثير من الروايات تبلغ ثلاثمائة وسبعة وتسعون مورداً،... ). ينظر: معجم رحال الحديث: ١٤/ ٣١٨ - ٣٢٦.

(٤) الخلاصة في أصول الحديث، ص٤٨.

(٥) قال السيد الخوئيّ: (وقع بهذا العنوان في إسناد عِدّة من الروايات تبلغ زهاء ٧١٦٤ مورداً،...). ينظر: معجم رجال الحديث: ٢/ ١٩٧.

(٦) قال الشيخ الطوسيّ في مشيخته: (فما ذكرناهُ في هذا الكتاب عن محمد بن يعقوب الكلينيرحمه‌الله ، فقد أخبرنا به الشيخ: أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمانرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويهرحمه‌الله ، عن محمد بن يعقوبرحمه‌الله ). ينظر: شرح مشيخة تهذيب الأحكام، ص٨، في نهاية كتاب تهذيب الأحكام، ط دار الكتب الإسلامية.


وهو حينئذٍ - أي حين يُعلم المحذوف - في قوّة المذكور ؛ لأنَّ الحذف إنََّما هو من الكتابة أو اللفظ، حيثُ تكون الرواية به، والقصد ما ذُكر.

وإلاّ يُعلم المحذوف من جهة ثقةٍ، خرج المعلّق عن الصحيح إلى الإرسال(١) ، وما في حُكمهِ.

____________________

وقال أيضاً: (ومن جملةٍ ما ذكرته عن أحمد بن محمد بن عيسى: ما رويته بهذه الأسانيد، عن محمد بن يعقوب، عن عدَّةٍ من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى.

ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمد بن خالد: ما رويته بهذه الأسانيد، عن محمد بن يعقوب، عن عدّةٍ من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد ). ينظر: المصدر السابق نفسه، ص٤٢ - ٤٤.

ومثل ذلك قال الطوسيّ: في الاستبصار، ط دار الكتب الإسلاميّة. ينظر: سند الكتاب: ٤/ ٣١٣ - ٣٢٤.

كما قال الشيخ الصدوق في مشيخته: (وما كان فيه عن محمّد بن يعقوب (رحمة الله عليه)، فقد رويته عن محمّد بن عصام الكليني، وعليّ بن أحمد بن موسى، ومحمد بن أحمد السِّنانيّ (رضي ‌الله‌ عنهم)، عن محمد بن يعقوبٍ كذلك) ؛ يُنظر: شرح مشيخة الفقيه، ص١١٦، في نهاية كتاب من لا يحضره الفقيه، طبعة دار الكتب الإسلاميّة.

وقال ايضاً: (وما كان فيه عن أحمد بن محمد بن آبي نصر البزنطي...). ينظر: المصدر السابق نفسه، ص١٨.

وقال أيضاً: (وما كان فيه عن أحمد بن أبي عبد الله محمد البرقي...)، ص٢٦.

وقال أيضاً: (وما كان فيه عن أحمد بن محمد بن عيسى...)، ص١١٢.

وقال أيضاً: (وما كان فيه عن أحمد بن محمد بن المطهَّر...)، ص١١٩.

(١) وقد علّق المددي هنا بقوله: (كما أنَّ الشيخ الصّدوققدس‌سره روى في الفقيه عن جماعةٍ كثيرةٍ - يبلغ عددهم ١٢٠ راوياً - لم يذكر طريقه إليهم، فتصبح تلك الروايات مُرسلة ؛ وللوقوف على أسمائهم ). يُنظر: المُستدرك: ٣/ ٧١٧ - ٧١٨.


الحقل السادس:

في

المُفرد(١)

وهو قسمان:

[أ -] لأنَّه إمَّا أن ينفرد به [راويه] عن جميع الرواة، وهو: الإنفراد المطلق(٢) ، وألحقه بعضهم بالشاذّ، وسيأتي أنَّه يخالفه.

[ب -] أو ينفرد به بالنسبة إلى جهةٍ: وهو النسبيّ(٣) ، كتفرُّد أهل بلد معيّنٍ كمكّة والبصرة والكوفةَ، أو تفرُّد واحدٍ من أهلها به.

ولا يضعف الحديث بذلك ؛ من حيث كونه إفراداً، إلاّ أن يلحق بالشاذّ، فيردّ لذلك(٤) .

____________________ -

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٢١، لوحة ب، سطر ١٢): (وسادسها: المفرد) فقط، بدون: (الحقل السادس: في المفرد).

قال الأستاذ صبحي السامرائيّ: (صنَّف الإمام أبو الحسن الدّارقطني(المتوفّى سنة ٣٨٥ه-) كتاباً حافلاً في الإفراد، يوجد الجزء الثاني والثالث منه في المكتبة الظاهرية، وقد رتَّبه على الأطراف الحافظُ أبو الفضل بن طاهر المقدسيّ في مجلَّدين مخطوط، نسخة منه في دار الكتب المصرية، رقم ٦٩٧ حديث، وهو مهمّ جدّاً.

والإفراد لأبي حفص بن شاهين(المتوفّى سنة ٣٨٥ه-)، يوجد منه أجزاء في الظاهرية). ينظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٤٩ (الهامش).

(٢) وقد علّق المددي هنا بقوله: (مثاله: ما انفرد بنقله أحمد بن هلال العبرتائي، فإنّ المشهور عدم العمل بما ينفرد به من الروايات. قال الشيخ في الإستبصار(٣/ ٢٨ - ذيل الحديث ٩٠) ما نصُّه:... لأنَّ راويه أحمد بن هلال، وهو ضعيفٌ فاسد المذهب، لا يلتفت إلى حديثه فيما يختص بنقله. وقاله أيضا في ذيل الحديث ٨١٢، من الجزء التاسع من التهذيب).

(٣) وقد علّق المددي هنا بقوله: (مثاله: ما ينفرد بنقله الفطحيّة ؛ فهناك روايات كثيرة بهذا السند: أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن عمرو بن سعيد، عن مصدّق بن صدقه، عن عمار الساباطي. وهؤلاء كلهم من الفطحية ؛ ولذا اشتهر حديثهم ب-: (حديث الفطحية).

(٤) ينظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٤٩.


الحقل السابع:

في

المُدرَج(١)

وهو ما أدرج فيه كلام بعض الرواة، فيُظَنُّ لذلك أنَّه منه ؛ أي: من الحديث.

أو يكون عنده متنان بإسنادين، فيدرجهما في أحدهما(٢) - أي: أحد إسنادي الحديثين - ويترك الآخر.

أو يسمع حديث واحد من جماعة مختلفين في سنده(٣) ؛ بأن رواه بعضهم بسند، ورواه غيره بغيره.

أو مختلفين في متنه، مع اتّفاقهم على سنده ؛ فيدرج روايتهم جميعاً، على الاتّفاق في المتن أو السند، ولا يذكر الاختلاف.

وتعمُّد كلّ واحد من الأقسام الثلاثة حرام(٤) .

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٢٢، لوحة أ، سطر ٣): (وسابعها: المدرج) فقط، بدون: (الحقل السابع: في المدرج).

وقال الأستاذ صبحي السامرائي: أفرَدَ المدرج بالتأليف الخطيبُ البغدادي في كتابه الجليل: الفصلُ للوصل المدرج في النقل، مخطوط، نسخة منه في مكتبة أحمد الثالث، رقم ٦١٢، والسيوطي في كتابه: المدرج إلى المدرج، مخطوط، نسخة منه في دار الكتب المصريّة، رقم ١٨٨٥ حديث. ينظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٥٠ (الهامش).

(٢) مثاله: رواية سعد بن أبي مريم، عن مالك، عن الزّهري، عن أنس: أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا) الحديث.

فقوله: (لا تنافسوا)، أدرجه ابن أبي مريم في متن حديثٍ آخر رواه مالك: عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وفيه: (ولا تجسّسوا، ولا تحسّسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا). ينظر: مقدَّمة ابن الصلاح، ص٢١٠، وخطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص٢٥، والخلاصة في أصول الحديث، ص٤٩، وصحيح البخاري: ٨/ ٢٣، كتاب: الأدب.

(٣) أي يروي الراوي حديثاً عن جماعة بينهم اختلاف في إسناده، فلا يذكر الاختلاف، بل يدرج روايتهم على الاتّفاق، مثاله: رواية عبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن كثير العبدي، عن الثوري، عن منصور والأعمش وواصل الأحدب، عن أبي وائل، عن عمرو بن شُرحبيل، عن ابن مسعود، قلت: يا رسول اللهَ! أيّ الذّنب أعظم؟ الحديث، وواصل إنَّما رواه: عن أبي وائل، عن عبد الله، من غير ذكر عمرو بن شرحبيل بينهما.

ينظر: مقدمة ابن الصلاح (٢٠٩ - ٢١٠)، وخطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص٢٥.

(٤) يُنظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٤٩ - ٥٠.


الحقل الثامن:

في: المشهور(١)

وهوما شاع عند أهل الحديث خاصّة، دون غيرهم ؛ بأن نقله منهم رواة كثيرون(٢) ؛ ولا يعلم هذا القسم إلاّ أهل الصّناعة. أوعندهم وعند غيرهم ، كحديث: (إنَّما الأعمال بالنيَّات)، وأمره واضح، وهو بهذا المعنى أعمُّ من الصّحيح. أوعند غيرهم خاصّة، ولا أصل له عندهم، وهو كثير(٣) .

قال بعض العلماء: أربعة أحاديث تدور على الألسن وليس لها أصل(٤) :

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٢٢، لوحة أ، سطر ٩): (وثامنها: المشهور) فقط، بدون: (الحقل الثامن: في المشهور).

قال الأستاذ صبحي السامرّائيّ: (ومَن أراد الوقوف على الأحاديث المشتهرة على الألسنة، فليراجع: المقاصد الحسنة للسخاوي - طُبِع، والتذكرة في الأحاديث المشتهرة - مخطوط، والبدر المنير للإمام الشعرانيّ، وكشف الخفاء للعجلوني - مطبوع، وأسنى المطالب للبيروني - طبع ). يُنظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٥١ (الهامش)، ويُنظر: الباعث الحثيث، ص١٦٥ - ١٦٦ (الهامش).

(٢) الخلاصة في أصول الحديث، ص٥٠.

(٣) وقد علّق المددي هنا بقوله:

كحديث: (إقرار العقلاء على أنفسهم جائزٌ) المشهور على ألسنة الفقهاء (كما في الوسائل: ١٦/ ١١١)، بل عدَّه البعض من الحديث النبوي المستفيض أو المتواتر(كما في جواهر الكلام: ٣٥/ ٣)، مع أنَّه لا أصل له في كتب الحديث إطلاقاً ، بل يبدو من (السرائر) أنَّه معقد إجماعهم.

وكذا حديث: (الصلاة لا تترك بحال)، فإنَّه مع شهرته على ألسنة الفقهاء، إلاّ أنَّه لا أصل له، بل هو ذيل لصحيحة زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام ،...، (وإلاّ فهي مستحاضة تصنع مثل النُفساء، ثُمّ تصلِّي ولا تدع الصلاة على حال).

فهذه الجملة الأخيرة حرِّقت وأصحبت هكذا: (الصلاة لا تترك بحال).

(٤) وقد رُوي عن الإمام أحمد أنَّه قاَل: (أربعة أحاديثٍ تدور بين الناس في الأسواق لا أصل لها). ينظر: مقدَّمة ابن الصلاح، ص٣٨٩ - ٣٩٠، والباعث الحثيث، ص١٦٦.

وقد صرّح السيوطيّ بوضعها، فقال: (وكلُّها باطلة لا أصل بها)، ينظر: تدريب الراوي، ص١٨٩.


[أ -] مَن بشَّرني بخروج آذار(١) بشّرته بالجنّة(٢) .

[ب -] ومَن آذى ذمِّياً فأنا خصمه يوم القيامة(٣) .

[ج -] ويوم نحركم يوم صومكم(٤) .

[د -] وللسائل حقّ وإنْ جاء على فرس(٥) .

____________________

(١) قيل: هو شهر صفر، وقيل: هو اسم الأول من شهور الرّبيع بالسريانية، نقلاً عن الخلاصة. ينظر: خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص٢٥.

وقال الأب لويس معلوف: أذار وآذار: شهر بعد شباط وقبل نيسان ؛ عدد أيَّامه: ٣١، وهو الثالث من السنة الشمسية، يقال له أيضاً: مارس، وكلمةُ آذار: سريانيّة. ينظر: المنجد في اللّغة، ص٦.

وقال المجمعيُّون اللُّغويون: آذار: الشهر السادس من الشهور السّريانية، يقابله: مارس من الشهور الرّومية (الميلاديّة)(م١، ص١).

(٢) يُنظر: اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة: ١/ ٤٨٤.

(٣) قال الأستاذ أحمد محمد شاكر في الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث (ص ١٦٦)، قال: (هو بهذا اللفظ لا أصل له، كما قال الإمام أحمد، ولكن ورد معناه بأسانيد لا بأس بها، أنظر الكلام عليه في: كشف الخفا، ج٢، ص٢١٨، برقم ٢٣٤١).

(٤) قال الأستاذ أحمد محمد شاكر في نفس المصدر السابق: (لفظه المعروف: يوم صومكم يوم نحركم، وهو أصل له، أنظر: كشف الخفا: ج٢، ص٣٩٨، برقم ٣٢٦٤).

(٥) قال الأستاذ أحمد في المصدر السابق نفسه: (هذا الحديث له أصل، فقد رواه أحمد في المسند (ج١، ص٢٠١، برقم ١٧٣٠) من حديث الحسين بن علي، ورواه أبو داوود من حديثه أيضاً، ومن حديث الحسن عن أبيه علي بن أبي طالب. وأنظر الكلام عليه في ذيل: القولُ المسدَّد في الذبِّ عن المسند (ص٦٨ - ٧٠)، وفي تعليقات الأستاذ العلاّمة الشيخ محمد حامد الفقي على منتقى الأخبار: ج٢، ص١٤٤، برقم ٢٠٤٣ ).


الحقل التاسع:

في

الغريبِ بقولٍ مُطلق(١)

وهو إمَّاغريب إسناداً ومتناً معاً ، وهو ما تفَرَّد برواية متنه واحدٌ.

أوغريب إسناداً خاصّةً لا متناً ، كحديثٍ يُعرف متنه عن جماعةٍ من الصحابة مثلاً، أو ما في حُكمهم(٢) ، إذا انفرد واحدٌ بروايته عن آخر

غيرهم(٣) ؛ ويُعبَّر عنه: بأنَّه غريب من هذا الوجه(٤) ، ومنه: غرائب المخرِّجين في أسانيد المتون الصحيحة(٥) .

أو غريب متناً خاصّة ؛ بأن اشتهر الحديث المفرد، فرواه - عمَّن تفرَّد به - جماعة كثيرة ؛ فإنَّه حينئذ يصير غريباً مشهوراً.

أو غريب متناً لا إسناداً ، بالنسبة إلى أحد طرفي الإسناد، فإنَّ إسناده متَّصف بالغرابة في طرفه الأوَّل، وبالشّهرة في طرفه الآخر(٦) .

وحديثُ: (إنَّما الأعمال بالنيَّات)، من هذا الباب ؛ فإنَّه:

[أ -] غريبٌ: في طرفه الأوّل ؛ لأنَّه ممَّا تفرَّد به من الصحابة عمر(٧) ، وإن كان قد خطب به على المنبر فلم يُنكر عليه ؛ فإنَّ ذلك أعمّ من كونهم سمعوه من غيره [أم لم يسمعوه(٨) ].

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٢٢، لوحة ب، سطر ٤): (وتاسعها: الغريب بقول مطلق) فقط، بدون: (الحقل التاسع: في الغريب بقول مطلق).

(٢) من أصحاب الأئمةعليهم‌السلام . خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص٢٥.

(٣) ينظر: مقدِّمة ابن الصلاح، ص٣٩٥.

(٤) وقد علّق المددي هنا بقوله: (عبَّر الترمذيّ بهذا التعبير عن قيمة كثير من الأحاديث في سننه).

(٥) قال محيي السنُّة: (ما ذكرتُ في المصابيح - في آخر الأحاديث -: غريبٌ ؛ وهو: ما تفرَّد به واحد من الرواة، ولم يروه غيره، وهو مع ذلك صحيح ؛ لكون كلّ واحد من نَقَلَته ثقة مأموناً). خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص٢٥.

(٦) ينظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٥١ - ٥٢.

(٧) ينظر: مقدِّمة ابن الصّلاح، ص١٧٤، ٣٨٩.

(٨) هذه الزيادة لم ترد في النسخة المعتمدة (ورقة ٢٣، لوحة أ، سطر ٢)، وإنَّما وردت في طبعة النعمان المتداولة.


ثمّ تفرّد به عنه علقمة(١) ، ثمَّ تفرَّد به عن علقمة: محمد بن إبراهيم(٢) ، ثمّ تفرَّد به يحيى بن سعيد(٣) : عن محمد.

[ب -] مشهور في طرفه الآخر ؛ لتعدُّد رواته بعد مَن ذكرنا، واشتهاره، حتّى قيل: إنَّه رواه عن يحيى بن سعيدٍ(٤) أكثر من مئتي نفسٍ، وحُكي عن إسماعيل الهرويّ(٥) : أنَّه كتبه من سبعمائة طريقٍ، عن يحيى بن سعيد.

وما ذكرناه من تفرُّد الأربعة بهذا الحديث، هو المشهور بين المحدّثين، ولكن ادّعى بعض المتأخّرين أنَّه روي أيضاً عن: عليٍّعليه‌السلام ، وأبي سعيد الخُدريّ(٦) ، وأنس(٧) -بلفظه ، ومن حديث جمع من الصحابة -بمعناه ، وعلى هذا فيخرج عن حدِّ الغرابة.

ونظائره في الأحاديث كثيرة ؛ فإنَّ كثيراً من الأحاديث ينفرد به واحدٌ، ثمّ تتعدَّد رواته، خصوصاً بعد الكتب المصنَّفة التي يودع الحديث فيها(٨) ، كما لا يخفى.

وقد يطلق على الغريب اسم: الشاذّ.

والمشهور المُغايرة بينهما، على ما ستعرفه في تعريف الشاذّ.

____________________

(١) ابن أبي وقّاص الليثيّ المدني التابعي. ينظر: مقدِّمة ابن الصلاح، ص١٧٤ (الهامش).

(٢) ابن الحارث التيميّ، تابع صغير، مدنيّ، وثقَّه الجمهور، مات سنة ١٢٠ه-،.... ينظر: تذكرة الحُفَّاظ: ج١/ ١٢٤.

(٣) مِن أكابر أهل الحديث، من أهل المدينة، توفي ١٤٣ه-،.... ينظر: الأعلام للزركلي: ٩/ ١٨١.

(٤) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٢٣، لوحة أ، سطر ٤): (محمد بن سعيد) ؛ والظاهر: أنَّه اشتباه في النسخ، والصحيح كما

ذكرناه، اعتماداً على ما ورد أعلاه.

(٥) وقد علَّق المددي هنا بقوله: (قال ابن حجر في فتح الباري(١/ ٩): وروى أبو موسى المدينيّ، عن بعض مشايخه، مذاكرة عن الحافظ أبي إسماعيل الأنصاري الهرويّ، قال: كتبته من حديث سبعمائةٍ من أصحاب يحيى.

ثم قال ابن حجر: قلت: وأنا استبعد صحّة هذا، فقد تتبَّعت طرقه من الروايات المشهورة والأجزاء المنثورة، منذ طلبت الحديث إلى وقتي هذا، فما قدرت على تكميل المائة).

(٦) سعد بن مالك بن سنان الخدري، ١٠ ق ه- - ٧٤ه-،.... ينظر: الأعلام: ٣/ ١٣٨.

(٧) ابن مالك، صاحب رسول الله، ١٠ ق ه- - ٩٣ه-،.... ينظر: الأعلام: ١/ ٣٦٥ - ٣٦٦.

(٨) الذي في النسخة الخطِّيَّة (ورقة ٢٣، لوحة أ، سطر ١٠): (التي يروغ الحديث فيها)، بدلاً ممَّا أثبتناه: التي يودع الحديث فيها.


الحقل العاشر:

في

المُصحَّفِ(١)

وهذا فنّ جليل، إنَّما ينهض بأعبائه الحُذَّاق من العلماء(٢) .

[والتصحيفُ بعدُ: نوعان.

أ - اللفظي

وهو ما يكون: في اللفظ، وقد وقع](٣) في:

- ١ -

الراوي ؛ كتصحيف مراجم، بالراء المهملة والجيم، أبو العوام، بمزاحم بالزاي(٤) والحاء(٥) . وتصحيف: حُريزٍ، بجرير. وبريدٍ، بيزيد، ونحو ذلك.

وقد صحَّف العلاّمة في كتب الرّجال كثيراً من الأسماء، مَن أراد الوقوف عليها، فليطالع:الخُلاصة (٦) له، وإيضاح الاشتباه في أسماء

الرّواة(٧) ، وينظر ما بينهما من الاختلاف.

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة (ورقة ٢٣، لوحة أ، سطر ١٢): (وعاشرها: المصحَّف) فقط، بدون: (الحقل العاشر: في المصحَّف).

قال الأستاذ صبحي السامرّائيّ: ووقفتُ على كتاب تصحيفات المحدِّثين للعسكري - وهو مخطوط، في دار الكتب المصريّة، رقم ٢ مصطلح الحديث، وهو كتاب مهمّ). ينظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٥٢ (الهامش)، وينظر: الباعث الحثيث، ص١٧١ (الهامش).

(٢) ينظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٥٢.

(٣) الذي في الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٢٣، لوح أ، سطر ١٣): (والتصحيف يكون)، فقط.

(٤) سمِّي هذا الحرف في الغالب: زاي، بياءٍ متطرِّفةٍ، وقيل أحياناً: زاء بهمزةٍ ومتطرِّفة: لغة في زاي. ينظر: القاموس المحيط: ١/ ١٨.

(٥) يُنظر: مقدِّمة ابن الصلاح، ص٤١٠، والباعث الحثيث، ص١٧٢، والخلاصة في أصول الحديث، ص٥٢.

(٦) أي: خلاصة الأقوال في معرفة الرّجال، للعلاّمة.

(٧) وهو: للعلاّمة أيضاً.


وقد نبّه الشيخ تقيّ الدّين بن داوود(١) على كثيرٍ من ذلك(٢) .

- ٢ -

وفي المتن ؛ كحديث: (مَن صام رمضان وأتبعه ستَّاً من شوّال)، صحَّ-فه بعضهم: بالشين المعجمةِ، ورواه كذلك)(٣) .

- ٣ -

ومتعلقه ؛ أي التصحيف: أمَّا البصر، أو السمع.

والأوّل : كما ذكر من الأمثلة، متناً وإسناداً ؛ لأنَّ ذلك التصحيف إنَّما يعرض للبصر لتقارب الحروف، لا للسمع ؛ إذ لا يلتبس عليه مثل ذلك.

والثّاني : تصحيف بعضهم: عاصم الأحول(٤) ، بواصل الأحدب(٥) ، فإنَّ ذلك لا يشتبه في الكتابة على البصر، وأشباه ذلك.

____________________

(١) مصنف كتاب (الرّجال)، مولده خامس جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وستمائة.... ينظر: كتاب الرّجال: ق ١/ عمود ١١١ - ١١٣.

(٢) وممَّا يجدر ذكره هنا: أنَّ السيّد مصطفى التفريشي ذكر ابن داوود وذكر اعتراضاته على العلاّمة، فقال(بعد أن أثنى عليه): وله في علم الرّجال كتاب حسن الترتيب، إلاّ أنَّ فيه أغلاطاً كثيرةً ؛ ينظر: كتاب الرّجال (لابن داوود)، ص٣.

ثم جاء بعد ذلك الحجَّة المامغاني ليقول: وأنت خبير بما فيه، فإنَّ تعريضاته على العلاّمة أغلبها متين، وليست بأغلاط. وإنَّما غرضه من الأغلاط ما أشار إليه الحائريّ ؛ من كون كتابه مشتملاً على الخبط وعدم الضبط، فإنَّك تراه كثيراً ما يقول: (جش)، والذي ينبغي: (كش) ؛ أو يقول: (كش)، وهو (جش) أو (جخ) ؛ أو يقول: (جخ)، وليس منه فيه أثر. وربّما يستنبط المدح، بل الوثاقة، ممَّا لا رائحة منه فيه. وربَّما يستنبط من موضع آخر، وينسبه إليها إلى غير ذلك.

ولعلَّ خطَّه(ره) كان رديئاً، وكان كلُّ ناسخ يكتب حسبما يفهمه منه، ولم تعرض النسخة عليه ؛ فبقيت سقيمةً ولم تصحَّح.

وأمَّا اعتراضاته وتعريضاته، فهي في تراجم الكلمات لا غير، وهو مصيب في جلِّها، إن لم نقل في كلها كم يظهر من الإيضاح وغيره، فلا اعتراض عليه من جهتها، ولا هي أغلاط، فافهم،.... ينظر: تنقيح المقال: ١/ ٢٩٣.

(٣) وعن الدارقطني أيضاً: أنَّ أبا بكر الصوليّ أملى في الجامع حديث أبي أيُّوب: (مَن صام رمضان واتبعه ستّاً من شوّال)، فقال فيه:

شيئاً، بالشين والياء. ينظر: مقدِّمة ابن الصلاح، ص٤١٢، وينظر أيضاً: الخلاصة في أصول الحديث، ص٥٢، وصحيح مسلم: ج١/ ص٨٢٢.

(٤) عاصم بن سليمان الأحول البصريّ، توفي ١٤٢ه-،.... ينظر: الأعلام: ٤/ ١٣.

(٥) يُنظر: مقدِّمة ابن الصّلاح، ص ٤١٣.


[ب - المعنوي

وهو ما يكون:](١) في المعنى، كما حُكي عن أبي موسى - محمّد بن المثنّى العنزيّ(٢) - أنَّه قال: نحن قوم لنا شرف ؛ نحن من عنزة، صلَّى إلينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

يريد بذلك ما روي: أنَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله صلّى إلى عنزة ؛ وهي: حَربةٌ تُنْصَب بين يديه، سترةً ؛ فتوهَّم أنَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله صلَّى إلى قبيلتهم بني عنزة(٣) ؛ وهو: تصحيفٌ معنويٌّ عجيبٌ.

____________________

(١) الذي في النسخة االخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٢٣، لوحة ب، سطر ١١): (والتصحيف أيضاً يكون في اللفظ كما ذكروا في المعنى)، بدلاً ممَّا أثبتناه ؛ ممَّا تستدعيه ضرورةُ المنهجة والإخراج.

(٢) أبو موسى العنزي: ١٦٧ه- - ٢٥٢ه-،... ينظر: الأعلام: ٧/ ٢٤٠.

(٣) ينظر: مقدِّمة ابن الصلاح، ص٤١٢، وتدريب الراوي، ص١٦٧، والخلاصة في أصول الحديث، ص٥٢ - ٥٣.


الحقل الحادي عشر:

في

العالي سنداً(١)

وهو قليل الواسطة مع اتِّصاله(٢) .

وطلبه - أي طلبُ علوِّ الإسناد - سُ-نَّة عند أكثر السّلف، وقد كانوا يرحلون إلى المشايخ في أقصى البلاد ؛ لأجل ذلك(٣) ، فبعلوِّه - أي

السند - يبعد الحديث عن الخلل المتطرّق إلى كلّ راوٍ [من الرواة] ؛ إذ ما من راوٍ من رجال الإسناد إلاّ والخطأ جائزٌ عليه(٤) . فكُلّما كثرت الوسائط وطال السند، كثرت مظانُّ التجويز، وكلّما قلّت قلّت، ولكن قد يتّفق في النزول مزيَّةٌ ليست في العلوِّ ؛ كأن يكون رواتُه أوثق أو أحفظ أو أضبط(٥) .

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٢٤، لوحة أ، سطر ٣): (وحادي عشرها العالي سنداً) فقط، بدون: (الحقل الحادي عشر: في العالي سنداً).

(٢) وقال البهائي (كما في الوجيزة في الدراية، ص٤ - ٥): (وقصير السلسلة عال) ، وقال الطيبي: من قبيل: ثلاثيَّات البخاري ؛ وهي الأحاديث التي يكونُ عددُ رواتها إلى الصحابة ثلاثةَ رواة.

وقال الكتّاني: (والثلاثيَّات للبُخاري هي اثنان وعشرون حديثاً، جمعها الحافظُ ابنُ حجر وغيرهُ، وشرحها غير واحدٍ) (الرسالة

المستطرفة، ص٩٧).

وقال السامرائي أيضاً: (ولم أقف على كتاب ابن حجر، ولكنِّي وقفت على ثلاثيَّات البخاريّ لصفّار - مخطوطٌ، نسخة منه في المكتبة

الظاهريّة). ينظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٥٣ (الهامش).

وعلّق المددي هنا بقوله: (من قبيل ثلاثيَّات الكُلَيني ؛ فإنَّه يروي رواياتٍ بهذا الإسناد: (علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ؛ مع العلم، بأنَّ الكُليني توفِّي بعدَ الإمام الصادقعليه‌السلام بمأة وثمانين عاماً).

(٣) ينظر: الباعث الحثيث، ص١٦٠، ١٦١.

(٤) ينظر: مقدِّمة ابن الصلاح، ص٣١٦، والخلاصة في أصول الحديث، ص٥٣.

(٥) ينظر: تدريب الراوي، ص١٨٠.


أو الاتّصال فيه أظهر ؛ للتصريح فيه باللقاء، واشتمال العالي على ما يحتمله وعدمه، كعن فلان ؛ فيكون النزول حينئذٍ أولى. ومنهم مَن رجَّح النزول مطلقاً ؛ استناداً إلى أنَّ كثرة البحث يقتضي المشقّة، فيعظمُ الأجر، وذلك ترجيح بأمرٍ أجنبيٍّ عمَّا يتعلَّق بالتصحيح والتضعيف.

والعلوّ: أقسام

- ١ -

أعلاه وأشرفه قرب الإسناد من المعصوم، بالنسبة إلى سند آخر يروى به ذلك الحديث بعينه بعددٍ كثيرٍ ؛ وهو: العلوّ المطلق. فإن اتّفق مع ذلك أن يكون سنده صحيحاً، ولم يرجح غيره عليه بما تقدّم ؛ فهو الغايةُ القصوى، وإلاَّ فصورةُ العلوِّ فيه موجودة، ما لم يكن موضوعاً فيكون كالمعدوم.

- ٢ -

ثُمَّ بعد هذه المرتبة في العلوِّ: قرب الإسناد المذكور من أحد أئمَّة الحديث(١) ؛ ك-: الشيخ، والصدوق، والكلينيّ، والحسين بن سعيد(٢) ، وأشكالهم.

- ٣ -

ثمّ بعده يتقدَّم زمان سماع أحدهما - أي: أحد الرَّاويين في الإسنادين - على زمان سماع الآخر، وإنْ اتّفقا في العدد الواقع في الإسناد، أو في عدم الواسطة ؛ بأن كانا قد رويا عن واحد، في زمانين مختلفين ؛ فأوّلهما سماعاً أعلى من الآخر ؛ لقرب زمانه من المعصوم بالنسبة إلى الآخر.

والعلوّ، بهذين المعنيين يُعبَّر عنه بالعلو النسبيِّ، وشرف اعتباره قليل، خصوصاً الأخير، لكن قد اعتبره جماعة من أئمَّة الحديث ؛ فذكرناه لذلك.

- ٤ -

وزاد بعضهم للعلوِّ معنى رابعاً، وهو: تقدُّم وفاة الرّاوي ؛ فإنَّه أعلى من إسناد آخر،

____________________

(١) وقد علّق المددي هنا بقوله: (ويكثر ذلك في سلسلة إجازات العلماء، وطرقهم إلى مصنّفات الأصحاب وكتبهم، كما يظهر من مراجعة إجازات البحار، و مستدرك الوسائل).

(٢) من موالي علي بن الحسينعليه‌السلام : ثقة، روى عن الرضا، وأبي جعفر الثاني، وأبي الحسن الثالثعليهم‌السلام ،.... ينظر: معجم رجال الحديث: ٥/ ٢٤٨ - ٢٧٠.


يساويه في العدد، مع تأخُّر وفاة مَن هو في طبقته عنه(١) .

مثاله: ما نرويه بإسنادنا، إلى الشيخ الشهيد، عن السيّد عميد الدّين(٢) ، عن العلاّمة جمال الدين بن المطهَّر ؛ فإنَّه أعلى ممَّا نرويه عن الشهيد، عن فخر الدين بن المطهّر(٣) ، عن والده جمال الدين، وإن تساوى الإسنادان في العدد ؛ لتقدّم وفاة السيد عميد الدين على وفاة فخر الدين بنحو خمس عشرة سنة.

والكلام في هذا العلوِّ: كالذي قبله وأضعف.

____________________

(١) قال ابن الصلاح: (مثاله: ما أرويه عن شيخ ؛ أخبرني به عن واحدٍ، عن البيهقيّ الحافظ، عن الحاكم أبي عبد الله الحافظ ؛ أعلى من روايتي لذلك: عن شيخ أخبرني به عن واحدٍ، عن أبي بكر عبد الله بن خَلَف، عن الحاكم، وإن تساوى الإسنادان في العدد ؛ لتقدّم وفاة البيهقي على وفاة ابن خلف، بنحو تسع وعشرين سنة) مقدِّمة ابن الصلاح، ص٢٣٥.

(٢) عبد المطَّلب بن محمد بن علي، الأعرج الحسينيّ عميد الدين، ابن أخت العلاّمة (قدس سرّهما)، له كتاب: منية اللّبيب في شرح التهذيب،...، وفاته بعاشر شعبان سنة أربع وخمسين وسبعمائة.... ينظر: تنقيح المقال: ٢/ ٢٢٧.

(٣) كما لقبَّه بذلك: والد العلاّمة الحلّي.... ينظر: روضات الجنَّات: ٦/ ٣٣٠.


الحقل الثاني عشر:

في

الشاذّ(١)

وهو ما رواه الراوي الثقةُ، مخالفاً لِمَا رواه الجمهور، أي: الأكثر(٢) ؛ سمِّي شاذَّاً: باعتبار ما قابله، فإنَّه مشهور. ويقال للطّرف الرّاجح: المحفوظ.

- ١ -

ثمَّ إن كان المخالف له الراجح أحفظ أو أضبط أو أعدل من راوي الشاذّ، فشاذ مردود ؛ لشذوذه ومرجوحيَّ-ته، لفقد أحد الأوصاف الثلاثة. وإن انعكس، فكان الراوي للشاذّ أحفظ للحديث، أو أضبط له، أو أعدل من غيره، من رواة مقابلة، فلا يردّ ؛ لأنَّ في كل مهما صفة راجحةً وصفةً مرجوحةً، فيتعارضان، فلا ترجيح. وكذا إن كان المخالف، أو راوي الشاذّ مثله ؛ أي مثل الآخر في: الحفظ والضبط والعدالة، فلا يردُّ ؛ لأنَّ ما معه من الثقة يوجب قبوله، ولا رجحان للآخر عليه من تلك الجهة.

- ٢ -

ومنهم مَن ردَّه مطلقاً ؛ نظراً إلى شذوذه، وقوّة الظنِّ بصحّة جانب المشهور.

- ٣ -

ومنهم مَن قبله مطلقاً، نظراً إلى كون راويه ثقةً في الجملة. ولو كان راوي الشاذّ المخالف لغيره : غير ثقةٍ، فحديثه منكر مردود ؛ لجمعه بين الشذوذ وعدم الثِّقة.

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٢٥، لوحة أ، سطر ٦): (ثاني عشرها: الشاذّ) فقط، بدون: (الحقل الثاني عشر: في الشاذّ).

(٢) يُنظر: ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، ص٤، والخُلاصة في أُصول الحديث، ص٦٩. وقال الشيخ البهائي (كما في الوجيزة، ص٥): (ومخالف المشهور شاذّ). وقد علَّق المددي هنا بقوله: (مثاله: ما رواه الشيخ في التهذيب والاستبصار بأسانيد متعدّدةٍ، بعضها صحيح، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، أنَّه سئل عن رجل كان في أرض باردةٍ، فتخوَّف إنْ هو اغتسل أن يصيبه عنت من الغسل، كيف يصنع؟ قال: يغتسل وإن أصابه ما أصابه... إلى آخر الحديث) كما في جامع أحاديث الشيعة(٣/ ٥٠ - ٥١)، فإنَّه مع صحَّة سنده، وكثرة طرقه ؛ أعرض عنه الجمهور، ولم يفتوا بمضمونه.


ويقال لمقابله: المعروف.

- ٤ -

ومنهم مَن جعلهما - أي الشاذّ، والمنكَر -: مترادفين(١) ؛ بمعنى: الشاذّ المذكور.

- ٥ -

وما ذكرناه من الفَرقِ أضبط.

____________________

(١) يُنظر: الباعث الحثيث، ص٥٨.


الحقل الثالث عشر:

في

المُسَلسلِ(١)

- ١ -

وهو ما تتابع فيه رجال الإسناد علىصفة (٢) ، كالتشبيك بالأصابع(٣) ، أوحالة (٤) ، كالقيام في الراوي للحديث(٥) ؛ سواء كانت تلك الصفة أو الحالة:

قولاً :

كقوله: سمعت فلاناً يقول: سمعت فلاناً يقول، إلى المنتهى، أي منتهى الإسناد، أو أخبرنا فلان والله، قال: أخبرنا فلان والله، إلى آخر

الإسناد(٦) ، وكالمسلسل: بقراءة سورة الصف.

أو فعلاً:

كحديث التشبيك باليد(٧) ، والقيام حالة الرواية(٨) ، والاتكاء حالتُه،

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٢٥، لوحة ب، سطر ٨): (ثالث عشرها: المسلسل) فقط، بدون: (الحقل الثالث عشر: في المسلسل).

(٢) ينظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٥٤.

(٣) قال الحاكم النيسابوري: (... شبَّك بيدي أحمد بن الحسين المُقرئ وقالَ: شبَّك بيدي أبو عمر عبد العزيز بن عمر بن الحسن بن بكر الشّرود الصنعاني وقال: شبَّك بيدي أبي وقال:...). ينظر: معرفة علوم الحديث، ص٣٣ - ٣٤، وتدريب الراوي، ص٣٨٠.

(٤) ينظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٥٤.

(٥) قال النيسابوري: (... منه: ما حدَّثناه أبو بكر محمد بن داوود بن سليمان الزاهد، حدَّثنا أبو عبد الله محمد بن المؤمَّل الضرير، حدَّثني إبراهيم بن راشد الآدمي، حدَّثني محمد بن يحيى الواسطي خادم أبي منصور الشنابزي قال: قال لي أبو منصور: قم فصبّ عليَّ حتى أريك وضوء منصور، فإنَّ منصوراً قال لي: قم فُصبّ عليَّ حتى أريك وضوء إبراهيم،... ). ينظر: معرفة علوم الحديث، ص٣٠.

(٦) ينظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٥٤.

(٧) ينظر: معرفة علوم الحديث، ص٣٣ - ٣٤، كما مرَّ سابقاً.

(٨) ينظر: المصدر نفسه، ص٣٠، كما مرَّ سابقاً.


والعدّ باليد في حديث تعليم الصّلاة على آل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

أو بهما ؛ أي بالقول والفعل:

١ - كالمسلسل بالمصافحة ؛ فإنَّه تضمَّن الوصفبالقول ، في قول كلّ واحد: صافحني بالكفّ التي صافحت بها فلاناً. وقوله: فما مسست خزَّاً ولا حريراً ألين من كفِّه.

والفعل ؛ وهو: نفس المصافحة، من كلِّ واحد من رجال الإسناد.

٢ - والمُسلسل بالتَّلقيم ؛ فإنَّه تضمَّن الوصف بالقول، كقول كلّ واحدٍ: لقمني فلان بيده لقمةً لقمةً.والفعل ؛ وهو: التلقيم.

٣ - ومثله: المسلسل، بقرِّب إليَّ جُبناً وجَوزاً.

٤ - والمسلسل، بأطعَمَني وسقاني.

٥ - والمسلسل، بالضيافة على الأسودين ؛ التمر والماء.

أو حالة في الرواية:

كالحدث المسلسل باتّفاق أسماء الرّواة ؛ كالمسلسل بالمحمّدين(٢) ، والأحمدين.

وأسماء آبائهم،

____________________

(١) قال النيسابوري: (من المسلسل ما عدَّهُنَّ في يدي أبو بكر بن أبي دارم الحافظ بالكوفة، وقال لي: عدَّهُنَّ في يدي علي بن أحمد بن الحسين العجلي، وقال لي: عدَّهُنَّ في يدي حرب بن الحسن الطحّان، وقال لي: عدَّهُنَّ في يدي يحيى بن المساور الحنَّاط، وقال لي: عدَّهُنَّ في يدي عمرو بن خالد، وقال لي: عدَّهُنَّ في يدي زيد بن علي بن الحسين، وقال لي: عدَّهُنَّ في يدي عليّ بن الحسين، وقال لي: عدَّهُنَّ في يدي أبي الحسين بن علي، وقال لي: عدَّهُنَّ في يدي علي بن أبي طالب، وقال لي: عدَّهُنَّ في يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عدَّهُنَّ في يدي جبريل، وقال جبريل: هكذا نزلتُ بهنَّ من عند ربِّ العزّة: (اللهمَّ صلّي على محمد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنّك حميدٌ مجيد،...). ينظر: معرفة علوم الحديث، ٣٢ - ٣٣، وينظر: تدريب الراوي، ص: ٣٨٠.

(٢) من باب التغليب ؛ كقوله: عن محمّد، عن محمّد، عن محمّد، عن محمّد، إلخ. خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص٢٩.


أو كُناهم(١) ، أو أنسابهم، أو بلدانهم(٢) .

وتسلسل هذه المذكورات، وقع في جميع الإسناد.

- ٢ -

وقد يقع التسلسل في معظم الإسناد دون جميعه، كالمسلسل بالأوَّلية ؛ وهو: أوّل ما يسمعه كلّ واحد منهم من شيخه من الأحاديث، فإنَّ تسلسله بهذا الوصف، ينتهي إلى سفيان بن عيينة(٣) ، فقط، وانقطع: في سماعه من عمرو(٤) ، وفي

____________________

(١) قال الصدوق في كتاب الخصال(١/ ٢٩): حدَّثنا أبو الحسن عليّ بن عبد الله بن أحمد الأسواريّ قال: حدَّثنا أبو يوسف أحمد بن محمد بن قيس السِّجزي المذكِّر قال: حدَّثني أبو محمد عبد العزيز بن علي السرخسيّ بمرو الروز قال: حدَّثني أبو بكر أحمد بن عمران البغداديّ، قال: حدَّثنا أبو الحسن ؛ قال: حدَّثنا أبو الحسن ؛ قال: حدَّثنا أبو الحسن ؛ قال: حدَّثنا الحسن، عن الحسن، عن الحسن: (أنَّ أحسن الحسن الخلُق الحسن).

فأمَّا أبو الحسن الأوَّل، فمحمّد بن عبد الرحمن التستريّ، وأمَّا أبو الحسن الثاني، فعليّ بن أحمد البصريّ التمَّار، وأمَّا أبو الحسن الثالث، فعليّ بن محمّد الواقديّ. وأمَّا الحسن الأوّل، فالحسن بن عرفة العبديّ، وأمَّا الحسن الثاني، فالحسن بن أبي الحسن البصري، وأمَّا الحسن الثالث، فالحسن بن عليّ بن أبي طالبعليهما‌السلام .

(٢) قال مسلم في صحيحه(٤/ ١٩٩٤): (حدَّثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن بهرام الدارميّ، حدَّثنا مروان (يعني ابن محمد الدمشقي)، حدَّثنا سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذرّ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى، أنَّه قال: (يا عبادي، إنِّي حرَّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّماً ؛ فلا تَظالموا. يا عبادي، كلُّكم ضالٌّ إلاّ مَن هديته ؛ فاستهدوني أهدكم. يا عبادي، كلُّكم جائع إلاّ مَن أطعمته ؛ فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي، كلُّكم عارٍ إلاّ مَن كسوته ؛ فاستكسوني أكسكم. يا عبادي، إنَّكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي، إنَّكم لن تبلغوا ضرّي فتضرُّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم و آخركم، وإنسكم وجنِّكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وأخركم، وإنسكم وجنِّكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وأخركم، وإنسكم وجنِّكم، قاموا صعيداً واحداً فسألوني، فأعطيت كلّ إنسان مسألته، ما نقص ذلك ممَّا عندي إلاّ كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي، إنَّما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفِّيكم إيَّاها، فمَن وجد خيراً فليحمد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلاّ نفسه).

قال سعيد: كان أبو إدريس الخولانيّ، إذا حدَّث بهذا الحديث، جثا على ركبتيه.

قال أبو زكريا النواويّ: (... فحديث أبي ذرّ: (... يا عبادي كلّكم...)، وقع لي مسلسلاً بالبلد، كلّهم دمشقيُّون، وأنا دمشقيّ ؛ وهذا نادر في هذه الأزمان...). ينظر: مقدِّمة ابن الصلاح، ص٤٠١ (الهامش).

(٣) محدِّث الحرم المكي، ١٠٧ - ١٩٨ه-،.... ينظر: الأعلام للزركلي: ٣/ ١٥٩.

(٤) ابن دينار الجمحيّ بالولاء، ٤٦ - ١٢٦ه-،.... ينظر: الأعلام: ٥/ ٢٤٥.


سماعه عن أبي قابوس(١) ، وفي سماعه من عبد الله، وفي سماعه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومَن رواه، مسلسلاً إلى منتهاه، فقد وهم.

- ٣ -

وهذا الوصف، وهو التسلسل، ليس له مدخل في قبول الحديث وعدمه، وإنَّما هو فنٌّ من فنون الرواية، وضروب المحافظة عليها، والاهتمام بها.

وفضيلته: اشتماله على مزيد الضبط(٢) ، والحرص على أداء الحديث بالحالة التي اتّفق بها من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأفضله: ما دلَّ على اتّصال السماع(٣) ؛ لأنَّه أعلى مراتب الرواية على ما سيجيء.

وقلّما تسلم المسلسلات عن ضعف في الوصف بالتسلسل، فقد طُعن في وصف كثير منها، لا في أصل المتن.

- ٤ -

ومن الحديث المسلسل ما ينقطع تسلسله في وسط إسناده، كالمسلسل بالأوَّليَّة، على الصحيح عند الناقدين، وإنْ كان المشهور بينهم خلافه.

____________________

(١) وقد علّق المددي هنا بقوله:

(رواه السيوطيّ في بغية الوعاة (٢/ ٣٩٦): حدَّثنا شيخنا الإمام، نحويّ العصر، تقيّ الدين أحمد بن محمّد الشمّنيّ من لفظه (وهو أوّل حديث سمعته منه)، حدَّثنا الشيخ الفقيه النحويّ، ناصر الدين سليمان بن عبد الناصر الأبشيطي (وهو أوّل حديث سمعته منه)،.... [إلى أن يقول:] حدَّثنا سفيان بن عيينة (وهو أوّل حديث سمعته منه)، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس - مولى عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء،...). ثم عقّب عليه السيوطيّ بقوله: (حديث صحيح، مسلسل بالأوّلية).

(٢) ينظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٥٦.

(٣) ينظر: المصدر نفسه.

(٤) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٢٦، لوحة ب، سطر ٩): (ومنه - أي من الحديث المسلسل - ما ينقطع)، غير أنَّنا حذفنا من المتن عبارة: (ومنه أي) ؛ لضرورة العنونة والتنسيق.


الحقل الرابع عشر:

في

المُزِيد

بمعنى: المُزيد(١) على غيره من الأحاديث المرويّة في معناه.

والزيادةُ تقع: فيالمتن ؛ بأن يروي فيه كلمةً زائدةً، تتضمَّن معنى لا يستفادُ من غيره(٢) .

وفيالإسناد (٣) ؛ كأن يرويه بعضهم بإسنادٍ مشتملٍ على ثلاثة رجال معيَّنين، مثلاً، فيرويه المُزيد بأربعة(٤) ، [بتخلُّل الرَّابع بين الثلاثة](٥) .

والأوّل: وهو المزيد في المتن

- ١ -

مقبولٌ إذا وقعت الزيادة من الثقة(٦) ؛ لأنَّ ذلك لا يزيد على إيراد حديثٍ مستقلٍّ، حيث

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٢٦، لوحة ب، سطر ١١ - ١٢): (رابع عشرها: المزيد على غيره) فقط، بدون: (الحقل الرابع عشر: في المزيد بمعنى المزيد).

(٢) وقد علّق المددي هنا بقوله: (كحديث أمّ عطيَّة الماشطة ؛ فإنّ ابن أبي عمير رواه مرسلاً عن أبي عبد الله، وفي ذيله: (ولاتَصِلي الشَّعرَ

بالشعر). ورواه محمد بن مسلم عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وليس فيه هذا الذيل). ينظر: وسائل الشيعة: ١٢/ ٩٢ - ٩٤.

(٣) وقد علّق المددي هنا بقوله: (مثاله: ما رواه الكليني في الكافي(٤/ ٣٠٦): بإسناده عن أيّوب، عن بريد العجليّ. ورواه الشيخ في التهذيب (٥/ ٤١٦): بإسناده عن أيّوب، عن حريز، عن بريد العلجي... فزاد في السند حريزاً، وأمثال ذلك كثير في روايات حريز، وأبن أبي عمير، والبرقيّ، وغيرهم).

(٤) قال ابن الصّلاح: (روى بعضهم عن عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن عبد الله بن يزيد بن جابر، حدَّثني بسر بن عبد الله، سمعت أبا إدريس يقول: سمعت وائلة بن الأسقع، سمعت أبا مرثد الغنويّ يقول: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: (لا تجلسوا على القبور، ولا تصلُّوا إليها).

ورواه آخرون عن ابن المبارك، فلم يذكروا (سفيان). وقال أبو حاتم الرازي: وهم ابن المبارك في إدخاله أبا إدريس في الإسناد، وهاتان زيادتان). ينظر: الباعث الحثيث، ص١٧٦ - ١٧٧.

(٥) هذه الزيادة وردت في طبعة النعمان المتداولة، وليست هي موجودة في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٢٧، لوحة أ، سطر ٢).

(٦) قال الخطيب: (مذهب الجمهور من الفقهاء وأهل الحديث: أنَّ الزيادة من الثقة مقبولة إذا انفرد بها). كتاب الكفاية في علم الدراية، ص٤٢٤.


لا يقع المزيد منافياً لِمَا رواه غيره من الثقات.

- ٢ -

ولو كانت المنافاة في العموم والخصوص ؛ بأن يكون المرويّ بغير زيادة، عامَّاً بدونها، فيصير بها خاصّاً أو بالعكس ؛ فيكون المزيد حينئذٍ

كالشاذّ، وقد تقدَّم حكمه.

- ٣ -

مثاله: حديث (وجُعِلت لنا الأرض مسجداً، وترابها طهوراً) فهذه الزِّيادة: تفرَّد بها بعض الرواة، ورواية الأكثر - لفظها: (جعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً)(١) .

فما رواه الجماعة، عامٌّ ؛ لتناوله لأصناف الأرض من الحجر والرّمل والتّراب.

وما رواه المتفرِّد بالزيادة، مخصوصٌ بالتراب ؛ وذلك نوعٌ من المخالفة، يختلف به الحكم(٢) .

والثاني: وهو المزيد في الإسناد

كما إذا أسنده وأرسلوه، أو وصله وقطعوه، أو رفعه إلى المعصوم، ووقفوه على مَن دونه، ونحو ذلك.

وهو مقبول كالأوّل - [وهو] غير المنافي - لعدم المنافاة ؛ إذ يجوز اطِّلاع المُسنِد والمُوصِل والرَّافع على ما لم يطّلع عليه غيره، أو تحريره لِمَا لم يحرِّروه ؛ وبالجملة: فهو كالزيادة غير المنافية، فيقبل.

وقيل: الإرسال نوع قدح في الحديث ؛ بناءً على ردّ المُرْسل، فيرجَّح على الموصول، كما يقدَّم الجرح على التعديل، عند تعارضهما.

____________________

(١) ينظر: دعائم الإسلام، ص١٤٦، ومستدرك الوسائل: ١/ ١٥٦، بإبدال: (جعلت لي)، بدلاً من: (جعلت لنا). نعم، في لفظ الحديث

اختلاف، يُلاحظ في ذلك: جامع أحاديث الشيعة: ٣/ ٥٣ - ٥٦.

ورواه البخاري بلفظ: (وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، صحيح البخاري: ج١/ ص٩٠، باب: التيمّم.

وروى مسلم أصل الحديث وزيادته، صحيح مسلم: ج١/ ص٣٧١، كتاب: المساجد.

وينظر: كتاب الكفاية في علم الرواية، ص٤٢٨.

(٢) ينظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٥٦.


وفيه - أي في هذا الدليل - : منع الملازمة بين تقديم الجرح على التعديل، وتقديم الإرسال على الوصل، مع وجود الفارق بينهما ؛ فإنَّ الجرح إنَّما قُدِّم على التعديل بسبب زيادة العلم من الجارح على المعدِّل، لأنَّه بنى على الظّاهر، واطَّلع الجارح على ما لم يطَّلع عليه المعدِّل.

وهي - أي زيادة العلم التي أو جبت تقديم الجارح - هنا ؛ أي في صورة تعارض الإرسال والوصل، مع مَن وصل، لا مع مَن أرسل(١) ؛ لانَّ مَن وصل اطّلع على أنَّ الراوي للحديث: فلان عن فلان... إلخ.

ومَن أرسل لم يطّلع على ذلك كلّه، فترك بعض السند لجهله له.

وذلك يقتضي ترجيح مَن وصل على مَن أرسل، كما يُقدَّم الجارح على المعدِّل بقلب الدَّليل.

____________________

(١) بمعنى: أنَّ زيادة العلم التي أوجبت تقديم الجارح في صورة تعارض الإرسال والوصل، هي مع مَن وصل، لا مع مَن أرسل.

وقال الطيبي في الخلاصة في أصول الحديث(ص٥٧):

(قيل: الإرسال نوع قدح في حديث الواصل، فترجيحه وتقديمه من قبيل تقديم الجّرح على التعديل.

ويجاب عنه: بأنَّ الجرح قُدِّم لِمَا فيه من زيادة العلم، والزيادة ها هنا مع مَن وصل).


الحقل الخامس عشر:

في

المختلَف(١)

وَصْفُه بالاختلاف نظراً إلى صنفه، لا إلى شخصه ؛ فإنَّ الحديث الواحد نفسه ليس بمختلَف، إنَّما هو مخالف لغيره ممَّا قد أدَّى معناه، كما ينبِّه عليه قوله: وهو أن يوجد حديثان متضادّان في المعنى ظاهراً(٢) .

قيِّد به(٣) : لأنَّ الاختلاف قد يمكن معه الجمع بينهما، فيكون الاختلاف ظاهراً خاصّة، وقد لا يمكن، فيكون ظاهراً وباطناً، وعلى التقديرين: فالاختلاف - ظاهراً - متحقِّق.

وحكمُه ؛ أي حكم الحديث المختلف، الجمع بينهما حيث يمكن الجمع، ولو بوجهٍ بعيدٍ يوجب تخصيص العامّ منهما، أو تقييد مطلقه، أو حمله على خلاف ظاهره(٤) .

[المثال الأول:]

كحديث: (لا عدوى...)(٥) ، وحديث: (لا يُورِد (بكسر الرّاء) مُمْرِض (بإسكان الميم

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٢٨، لوحة أ، سطر ٢): (وخامس عشرها: المختلف) فقط، بدون: (الحقل الخامس عشر: في المختلف).

(٢) ينظر: تدريب الراوي، ص١٩٧، والخلاصة في أصول الحديث، ص٥٩.

(٣) مرجع الضمير فيما يبدو كلمة: (ظاهراً).

(٤) قال الأستاذ أحمد محمد شاكر: (وقد كان الإمام أبو بكر بن خزيمة يقول: ليس ثمََّ حديثان متعارضان من كلّ وجه، ومَن وجد شيئاً من

ذلك فليأتني لأؤلِّف له بينهما). الباعث الحثيث، ص١٧٥ (الهامش).

وقال الحسن الطيبيّ: (قال ابن خزيمة: لا أعرف حديثين صحيحين متضادّين، فمَن كان عنده فليأتني لأؤلِّف بينهما). الخلاصة في أصول

الحديث، ص٥٩.

(٥) قال مسلم: (حدَّثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى (واللفظ لأبي الطّاهر)، قالا: أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، قال ابن شهاب: فحدَّثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، حين قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (لا عدوى، ولا صفر، ولا هامة) ؛ فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل تكون في الرّمل كأنَّها الظِّباء، فيجيء البعير الأجرب فيدخل فيها فيجربها كلّها؟ قال: (فمَن أعدى الأوّل؟!) ). صحيح مسلم: ٤/ ١٧٤٢ - ١٧٤٣ ، وينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر: ٣/ ٧٣.


الثانية وكسر الرّاء) على مُصِحٍ (بكسر الصاد) )(١) .

ومفعول يُورِد محذوف ؛ أي: لا يورد إبِلَه المِراض.

فالمُمْرِض صاحب الإبل [المريضة] ؛ مِن أُمْرِض الرجل: إذا وقع في ماله المرض...

والمُصح: صاحب الإبل الصِّحاح.

[١ -] فظاهر الخبرين: الاختلاف ؛ من حيث دلالة الأوّل على نفي العدوى، والثاني على إثباتها.

[٢ -] ووجه الجمع:

بحمل الأوّل على أنَّ العدوى المنفيّة عدوى الطبع ؛ بمعنى: كون المريض يُعدِي بطبعه، لا بفعل الله تعالى، وهو الذي يعتقده الجاهل ؛ ولهذا قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : (فمَن أعدى الأوّل؟!).

والثاني : على الإعلام بأنَّ الله تعالى جعل ذلك سبباً لذلك، وحذَّر من الضّرر الذي يغلب وجوده عند وجوده، مع أنَّ المؤثِّر هو الله تعالى(٢) .

[المثال الثاني]

ومثله قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (فِر مِن المجذوم فرارك من الأسد)(٣) ؛ ونهيه عن دخول بلد يكون فيه الوباء(٤)

____________________

(١) قال مسلم: (وحدَّثني أبو الطاهر وحرملة (وتقاربا في اللفظ) قالا: أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب: أنَّ أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف حدَّثه: أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (لا عدوى)، ويحدِّث: أنِّ رسول الله قال: (لا يُورِد مُمْرِض على مُصِحّ) ). صحيح مسلم: ٤/ ١٧٤٣؛ وينظر: ٤/ ٨٩.

(٢) ينظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٥٩ - ٦٠.

(٣) قال أحمد: (حدَّثنا عبد الله، حدّثني أبي، حدَّثنا وكيع قال: حدَّثنا النهَّاس عن شيخ بمكّة، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: (فِر مِن المجذوم فرارك من الأسد) ). مسند أحمد بن حنبل: ج٢/ ص٤٤٣، ورواه البخاري عن أبي هريرة: ج٧/ ص١٦٤، كتاب الطبّ، ورواه عن ابن عمر: ج٧/ ص١٨٠، ورواه عن أنس: ج٧/ ص١٨٠، وينظر: سفينة البحار: ١/ ١٤٧، ومَن لا يحضره الفقيه: ٢/ ٢٥٨.

(٤) قال ابن قتيبة: (وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (إذا كان بالبلد الذي أنتم به، فلا تخرجوا منه). وقال أيضاً: (إذا كان ببلد،

فلا تدخلوه).

يريد بقوله: (لا تخرجوا من البلد) إذا كان فيه، كأنَّكم تظنُّون أنَّ الفرار من قدر الله تعالى ينجيكم من الله.

ويريد بقوله: (وإذا كان ببلد، فلا تدخلوه) إنَّ مقامكم بالموضع الذي لا طاعون فيه أسكن لأنفسكم وأطيب لعيشكم).

كتاب تأويل مختلف الحديث، ص٧٠ - ٧١.


ونحو ذلك.

وإلاّ يمكن الجمع بينهما ، فإنَّ علمنا أنَّ أحدهما ناسخٌ، قدَّمناه ؛ وإلاّ رُجِّح أحدهما بمرجِّحه المُقرَّر في علم الأصول ؛ من صفة الرّاوي و

الرِّواية، والكثرة، وغيرهما(١) .

وهو أهمُّ فنون علم الحديث ؛ لأنَّه يضطَرُّ إليه جميع طوائف العلماء، خصوصاً الفقهاء.

ولا يمكن القيام به إلاّ المحقّقون من أهل البصائر، الغوَّاصون على المعاني والبيان، المتضلِّعون - أي المكثِرون - بقوّة من الفقه والأصول

الفقهيّة(٢) .

وقد صنّف فيه الناس كثيراً ؛ وأوّلهم: الشافعيّ(٣) ، ثُمَّ ابن قتيبة(٤) .

ومن أصحابنا: الشيخ أبو جعفر الطوسيّ، في كتاب: (الاستبصار فيما اختلف من الأخبار).

وجمعوا بين الأحاديث على حسب ما فهموه منه، وقلَّما يتّفق فهمان على جمع واحد.

ومَن أراد الوقوف على جليَّة الحال، فليطالع المسائل الفقهيّة الخلافيّة التي ورد فيها أخبار مختلفة ؛ ليطَّلع على ما ذكرناه(٥) .

____________________

(١) ينظر: كتاب الكفاية في علم الدراية، ٤٣٣ - ٤٣٧، والباعث الحثيث، ص١٧٥ - ١٧٦ (الهامش)، والخلاصة في أصول الحديث، ص٦٠.

(٢) ينظر: مقدِّمة ابن الصّلاح، ص٤١٤، والباعث الحثيث، ص١٧٤، والخلاصة في أصول الحديث، ص٥٩.

(٣) قال الأستاذ أحمد محمد شاكر: (إنَّ الشافعيّ كتب في الأمّ كثيراً من أبحاث اختلاف الحديث، وألَّف فيه كتاباً خاصّاً بهذا الاسم ؛ وهو مطبوع بهامش الجزء السابع من الأمّ، وذكره محمد بن إسحاق النديم في كتاب (الفهرست) ضمن مؤلَّف الشافعي (ص٢٩٥) ؛ وابن النديم من أقدم المؤرِّخين الذين ذكروا العلوم والمؤلِّفين، فإنَّه ألّف كتاب (الفهرست) حوالي سنة ٣٧٧ ؛ وقد ذكره الحافظ بن حجر في ترجمة الشافعي، التي سمّاها: (توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس)، ضمن مؤلَّفاته التي سردها نقلاً عن البيهقي (ص٧٨)، والبيهقي من أعلم الناس بالشافعي وكتبه، وذكره ابن حجر أيضاً في شرح النخبة). الباعث الحثيث، ص١٧٤.

(٤) كتاب ابن قتيبة طبع في مصر سنة ١٣٢٦، باسم: تأويل مختلف الحديث ، وتُنظر ترجمته في مثل: الأعلام للزركلي: ٤/ ٢٨٠.

(٥) من قبيل: الخلاف للشيخ الطوسيّ، وتذكرة الفقهاء للعلاّمة الحلّي.


الحقل السادس عشر:

في

الناسخِ والمنسوخِ(١)

فإنَّ من الأحاديث ما ينسخ بعضها بعضاً، كالقرآن.

والأوّل: وهو الناسخ

ما - أي حديث - دلّ على رفع حكم شرعيٍّ سابق.

فالحديث المدلول عليه ب-: ما، بمنزلة الجنس ؛ يشمل الناسخ وغيره، ومع ذلك، خرج به ناسخ القرآن.

والحكم المرفوع: شامل للوجوديّ والعدميّ.

وخرج بالشرعيّ - الذي هو صفة الحكم - : الشرع المبتدأ بالحديث، فإنّه يرفع به الإباحة الأصليّة، لكن لا يسمَّى شرعيَّاً.

وخرج بالسابق: الاستثناء، والصفة، والشّرط، والغاية الواقعة في الحديث ؛ فإنَّها قد ترفَع حكماً شرعيّاً، لكن ليس سابقاً.

والثاني: هو المنسوخ

ما رُفِع حكمه الشرعيّ، بدليل شرعيٍّ متأخّر عنه(٢) .

وقيوده تعلم بالمقايسة على الأوّل.

وهذا فنّ صعب مهمّ(٣) ؛ حتّى أدخل بعض أهل الحديث فيه ما ليس منه ؛ لخفاء معناه(٤) .

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٢٩، لوحة أ، سطر ٦): (وسادس عشرها: الناسخ والمنسوخ) فقط، بدون: (الحقل السادس عشر: في الناسخ والمنسوخ).

(٢) ينظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٦٠.

(٣) قال الزهريّ: (أعيا الفقهاء وأعجزهم، أن يعرفوا ناسخ الحديث من منسوخه). مقدِّمة ابن الصلاح، ص٤٠٥.

(٤) الخُلاصة في أصول الحديث، ص٦٠.


وطريق معرفته:

[١ -] النصّ من النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، مثل: (كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها...)(١)

[٢ -] أو نقل الصحابي، مثل: كان آخر الأمرين من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ترك الوضوء ممَّا مسَّت النار(٢) .

[٣ -] أو التأريخ، فإن ّ المتأخِّر منهما يكون ناسخاً للمتقدِّم(٣) ؛ لِمَا روي عن الضحّاك(٤) : نعمل بالأحدث فالأحدث(٥) .

[٤ -] أو الإجماع، كحديث قتل شارب الخمر في المرّة الرابعة(٦) ؛ نسخه الإجماع على خلافه ؛ حيث لا يتخلَّل الحدّ، والإجماع لا ينسخ

بنفسه، وإنَّما يدلُّ على النَّسخ.

____________________

(١) أخرجه: الإمام مالك، ومسلم، وأبو داوود، والنّسائيّ، والترمذيّ.

يُنظر: تيسير الوصول: ٤/ ١٨٤، وناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين، ص٣٤، وشرح النخبة، ص١٦، ومسند أحمد بن حنبل: ٢/ ص١٢٣٥/ ط٢، وصحيح مسلم: ٢/ ٦٧٢، ٣/ ١٥٦٤، ورواه ابن ماجة عن مسعود: ج١/ ص٥٠١/ رقم الحديث١٥٧١، وينظر: جامع أحاديث الشيعة: ٣/ ٥٢٩.

(٢) ينظر: مقدِّمة ابن الصلاح، ص٤٠٦، ورواه أبو داوود: ج١/ ص٨٨/ كتاب الطهارة، ورواه النسائي: ج١/ ص١٠٨، كلاهما عن جابر بن عبد الله.

(٣) قال الحافظ ابن كثير: (كما سلكه الشافعيّ في حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم)، وذلك قبل الفتح، في شأن جعفر بن أبي طالب، وقد قُتل بمؤتة، قبل الفتح بأشهر ؛ وقول ابن عبَّاس: (احتجم وهو صائم محرم)، وإنَّما أسلم ابن عبَّاس مع أبيه في الفتح). ينظر: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ص ١٧٠، ومقدِّمة ابن الصلاح، ص٤٠٧، ورواه الإمام أحمد في مسنده: ج٥/ ص٢٧٦، وأبو داوود: ج٢/ ص٤١٤/ كتاب الصوم، رقم الحديث ٢٣٦٧، وينظر: صحيح البخاري: ج٣/ ص٤٣/ كتاب الصيام.

(٤) في هامش النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (روقة ٢٩، لوحة ب، مقابل سطر٦) عبارة: (كأنَّه الصحابة كنا)، وفي طبعة النعمان: (لِمَا روي عن الصحابة: كنا نعمل بالأحدث فالأحدث).

(٥) رواه الخطيب البغدادي عن الزهري في: الفقيه والمتفقِّه: ١/ ١٢٦.

ووقع نظيره في أحاديث أهل البيتعليهم‌السلام ، ينظر: جامع أحاديث الشيعة: ١/ ٢٦٧ - ٢٦٨/ المقدِّمات/ الباب ٦، ما يعالج به تعارضُ الروايات.

(٦) رواه الإمامُ أحمد في المسند عن معاوية: ج٤/ ص٩٣، ورواه الشافعيّ والدارميّ وابن المنذر وابن حبّان وأهل السنن عن معاوية، ينظر: نيل الأوطار: ج٧/ ص٣٢٥.

(٧) يُنظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٦١.


الحقل السابع عشر:

في

الغريب لفظاً(١)

احتُرز به عن: الغريب المطلق، متناً أو إسناداً ؛ وقد تقدَّم(٢) .

وهو: ما اشتمل متنه على لفظ غامض، بعيد عن الفهم ؛ لقلّة استعماله في الشائع من اللُّغة.

وهو فنٌّ مهمٌّ من علوم الحديث، يجب أن يُتثبَّت فيه أشدّ تثبُّت(٣) ؛ لانتشار اللُّغة، وكثرة معاني الألفاظ العربيّة، فربَّما ظهر معنى مناسب للمراد، والمقصودُ غيرُه ممَّا لم يصل إليه.

وقد صنَّف فيه جماعةٌ من العلماء ؛ قيل: أوَّل مَن صنَّف فيه: النّضر بن شُمَيْل(٤) ؛ وقيل: أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنّى(٥) ، وبعدهما: أبو عبيد القاسم بن سلام(٦) ، ثُمَّ ابن قتيبة، ثُمَّ الخطَّابي(٧) ، فهذه أمَّهاتُه(٨) .

ثم تبعهم غيرهم بزوائد وفوائد، كابن الأثير(٩) ؛ فإنَّه قد بلغ (بنهايته) النهاية، ثُمَّ الزمخشري(١٠) ، ففاق في (الفائق) كلّ غاية، والهرويّ(١١) ، فزاد في (غريبه) غريب القرآن مع الحديث ؛ وغير مَن ذُكر من العلماء، شكر الله سعيهم.

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٢٩، لوحة ب، سطر ٨ - ٩): (وسابع عشرها: الغريب لفظاً) فقط، بدون: (الحقل السابع عشر: في الغريب لفظاً).

(٢) في صفحة...، الحقل التاسع، من النظر الأوّل، في القسم الثاني، أحد قسمي الباب الأوَّل من الكتاب.

(٣) يُنظر: الخُلاصة في أصول الحديث، ص٦٢.

(٤) أحد الأعلام بمعرفة أيَّام العرب، ورواية الحديث، وفقه اللغة، ١٢٢ه- - ٢٠٣ه-،.... ينظر: الأعلام للزركلي: ٨/ ٣٥٧ - ٣٥٨.

(٥) من أئمَّة العلم بالأدب واللغة، ١١٠ - ٢٠٩ه-،.... ينظر: الأعلام: ٨/ ١٩١.

(٦) من كبار العلماء بالحديث والأدب والفقه، ١٥٧ - ٢٢٤ه-،.... يُنظر: الأعلام: ٦/ ١٠.

(٧) حمدُ بن محمد بن إبراهيم بن الخطَّاب، ٣١٩ - ٣٨٨ه-، فقيه محدِّث،.... ينظر: الأعلام للزركلي: ٢/ ٣٠٤.

(٨) ينظر: الباعث الحثيث، ص١٦٧، والخلاصة في أصول الحديث، ص٦٢، وكشف الظنون: ٢/ ١٥٥ - ١٥٧، والنهاية في غريب الحديث والأثر: ١/ ٤ - ٦، وفيه استعراض لأوَّل مَن ألَّف، وتدرَّج التأليف في غريب الحديث.

(٩) المبارك بن محمد بن محمد، المحدِّث اللغوي الأصولي، ٥٤٤ - ٦٠٦ه-،.... يُنظر: الأعلام: ٦/ ١٥٢.

(١٠) محمود بن عمر الخوارزمي، ٤٦٧ - ٥٣٨،...، ينظر: الأعلام: ٨/ ٥٥.

(١١) أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، توفِّي سنة ٤٠١ه-،.... ينظر: الأعلام: ١/ ٢٠٣.


الحقل الثامن عشر:

في

المقبول(١)

- ١ -

وهو ما - أي الحديث الذي - تلقُّوه بالقبول، والعمل بالمضمون(٢) - اللاّم عوض عن المضاف إليه ؛ أي: مضمونه -، من غير التفات إلى صحَّ-ته وعدمها. وبهذا الاعتبار دخل هذا النوع في القسم المشترك بين الصحيح وغيره. ويمكن جعله من أنواع الضعيف ؛ لأنَّ الصحيح مقبول مطلقاً إلاّ لعارض، بخلاف الضعيف ؛ فإنَّ منه المقبول وغيره. وممَّا يُرجِّح دخوله في القسم الأوّل ؛ أنَّه يشمل الحسن والموثَّق عند مَن لا يعمل بهما مطلقاً، فقد يُعمل بالمقبول منهما - حيث يعمل بالمقبول من الضعيف - بطريق أولى، فيكون حينئذ من القسم العامّ، وإن لم يشمل الصحيح ؛ إذ ليس ثَمَّ قسم ثالث.

- ٢ -

والمقبول: كحديث عمر بن حنظلة(٣) ، في حال المتخاصمين من أصحابنا، وأمرهما بالرجوع إلى رجل قد روى حديثهم، وعرف أحكامهم(٤) ... الخبر.

____________________

(١) ينظر: ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، ص٤.

(٢) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (روقة ٣٠، لوحة أ، سطر ٦): (وثامن عشرها: المقبول) فقط، بدون: (الحقل الثامن عشر: في المقبول). (٣) عدَّه الشيخ تارة من أصحاب الباقرعليه‌السلام ، وأخرى في أصحاب الصادقعليه‌السلام ،.... ينظر: معجم رجال الحديث: ١٣/ ٣١.

(٤)... عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام : عن رجلين من أصحابنا، بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان و إلى القُضاة، أيحلّ ذلك؟ قال: (مَن تحاكم إليهم في حق أو باطل، فإنَّما تحاكم إلى الطاغوت ؛ وما يُحكَم له فإنَّما يأخذ سحقاً وإن كان حقّاً ثابتاً ؛ لأنَّه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به. قال الله تعالى:( قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ) (٤/ ٦١) ). قلتُ: فكيف يصنعان؟ قال: (ينظران إلى مَن كان منكم ممَّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً ؛ فإنِّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنَّما استخفّ بحكم الله، وعلينا ردّ، والرادُّ علينا كالرادّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله...). أصول الكافي: ١/ ٦٨/ ك ٢/ ب ٢١/ ج١٠، وينظر: وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: ١٨/ ٩٨.


وإنَّما وسَمُوه بالمقبول ؛ لأنَّ في طريقه: محمد بن عيسى(١) ، وداود بن الحصين، وهما ضعيفان.

وعمر بن حنظلة(٢) : لم ينصّ الأصحاب فيه بجرح ولا تعديل، لكن أمره عندي سهل ؛ لأنِّي حقَّقت توثيقه من محلٍّ آخر، وإن كانوا قد

أهملوه(٣) .

ومع ما ترى في هذا الإسناد، قد قبلوا - الأصحاب - متنه، وعملوا بمضمونه، بل جعلوه عمدة التفقُّه، واستنبطوا منه شرائطه كلّها، وسمَّوه: مقبولاً، ومثله في تضاعيف أحاديث الفقه كثير.

____________________

(١) وقد علَّق المددي هنا بقوله: (هو محمد بن عيسى اليقطيني، ثقة جليل القدر، وتوهِّم تضعيفه من كلام ابن الوليد، وليس كذلك. يراجع المعاجم الرّجالية).

(٢) كوفي ثقة، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهما‌السلام ،.... ينظر: معجم رجال الحديث: ٧/ ١٠١.

وقد علَّق المددي هنا بقوله: (هو أيضاً ثقة، وتضعيفه يرجع إلى مذهبه ؛ لأنَّه واقفي، على ما قاله الشيخرحمه‌الله وإنْ قيل: لم يثبت وقفه)س.

(٣) وقد علَّق المددي هنا بقوله: (قال ابن المؤلِّف في منتقى الجمان(١/ ١٧ - ١٨): ومن عجيب ما اتّفق لوالديرحمه‌الله في هذا الباب ؛ أنَّه قال في شرح بداية الدراية: إنَّ عمر بن حنظلة، لم ينص الأصحاب عليه بتعديل ولا جرح، ولكنَّه حقَّق توثيقه من محل آخر. ووجدت بخطِّهرحمه‌الله في بعض مفردات فوائده، ما صورته: (عمر بن حنظله غير مذكورٍ بجرحٍ ولا تعديل، ولكن الأقوى عندي أنَّه ثقة ؛ لقول الصادقعليه‌السلام في حديث الوقت: (إذاً لا يكذب علينا) ).

والحال أنَّ الحديث الذي أشار إليه ضعيف الطريق، فتعلَّقه به في هذا الحكم - مع ما عُلم من انفراده به - ضعيف، ولولا الوقوف على الكلام الأخير، لم يختلج في الخاطر أنَّ الاعتماد في ذلك على هذه الحُجَّة... انتهى.

أقول: حديث الوقت - الذي أشار إليه - ضعيف بيزيد بن خليفة ؛ فإنَّه لم يوثَّق. نعم، قيل: بتوثيقه ؛ لرواية صفوان عنه).

وينظر: معجم رجال الحديث: ١٣/ ٣١ - ٣٢.


النظر الثاني: في أنواع الضعيف

إنَّ ما يختصُّ من الأوصاف بالحديث الضعيفِ يندرج في حقولٍ:

الحقل الأوَّل:

في

الموقوف(١)

- ١ -

وهو قسمان:مطلق، ومقيَّد فإنْ أُخذ مطلقاً، فهو ما روي عن مصاحب المعصوم(٢) - من نبيٍّ أو إمام - من قول أو فعل أو غيرهما، متّصلاً كان مع ذلك سنده أم منقطعاً. وقد يطلق في غير المصاحب للمعصوم مقيَّداً، وهذا هو القسم الثاني منه، مثل: وقفه فلان على فلانٍ، إذا كان الموقوف عليه غير مصاحب. وقد يطلق على الموقوف: الأثر، إن كان الموقوف عليه صحابيّاً للنبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) ، ويطلق على المرفوع: الخبر ؛ والمفصِّل لذلك(٤) بعضُ الفقهاء. وأمَّا أهل الحديث، فيطلقون الأثر عليهما(٥) ، ويجعلون الأثر أعمَّ منه مطلقاً، وقد تقدَّم.

- ٢ -

ومنه - أي من الموقوف - تفسير الصحابيّ لآيات القرآن ؛ عملاً بالأصل، ولجواز التفسير، للعالِم بطريقه من نفسه، فلا يكون ذلك قادحاً. وقيل: هو(٦) مرفوعٌ، عملاً بالظّاهر ؛ من كونه شهد الوحي والتنزيل. وفيه: أنَّه أعمُّ، فلا

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة (ورقة ٣٠، لوحة ب، سطر ٩ - ١٠): (القسم الثاني ما يختصّ من الأوصاف بالحديث الضعيف ؛ وهو أمور: الأوّلُ: الموقوف) ؛ وما جئنا به أعلاه أملته الضرورةُ المنهجيّة. (٢) ذكرى الشيعة في أحكام الشيعة، ص٤. (٣) ينظر: المصدر نفسه.

(٤) الذي في النسخة الخطِّيَّة (ورقة ٣١، لوحة أ، سطر ٣): (والمفصِّل كذلك)، ويبدو أنَّه اشتباه في النسخ.

(٥) ينظر: الخُلاصة في أصول الحديث، ص٦٤، والباعث الحثيث، ص٤٣ - ٤٤.

(٦) أي: تفسير الصحابي. خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص٣٤، وينظر: الخُلاصة في أصول الحديث، ص٦٥، والباعث الحثيث، ص٤٧.


يدلّ على الخاصّ.

وفصَّل ثالث: إذ قيَّد قولَ الرَّفعِ مطلقاً بتفسيرٍ يتعلَّق بسبب نزول آية، يُخْبِر به الصّحابي، أو نحو ذلك، فيكون مرفوعاً، وإلاّ فلا ؛ كقول جابر(١) : كانت اليهود تقول: مَن أتى امرأته من دبرها في قُبُلها جاء الولد أحول(٢) ، فأنزل الله تعالى:( نِسَاؤُکُمْ حَرْثٌ لَکُمْ فَأْتُوا حَرْثَکُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) (٣) ؛ فيكون مثل هذا مرفوعاً.

وما لا يشتمل على إضافة شيءٍ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فمعدود في الموقوفات(٤) .

- ٣ -

وقوله - أي قول الصّحابي -: كنّا نفعل كذا أو نقول كذا ونحوه، إن أطلقه فلم يقيِِّد بزمان، أو قيّده، ولكن لم يضفه إلى زمنهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فموقوف ؛ لأنَّ ذلك لا يستلزم إطلاع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عليه، ولا أمره به، بل هو أعمّ، فلا يكون مرفوعاً على الأصحّ، وفيه قول نادر: أنَّه مرفوع.

- ٤ -

وإلاّ يكن كذلك ؛ بل أضافه إلى زمنهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنْ بيَّن إطلاعهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليه، ولم ينكره، فهو مرفوعٌ إجماعاً(٥) .

وإلاّ، فوجهان للمحدِّثين والأصوليِّين ؛ من حيث إنَّ الظاهر كونهصلى‌الله‌عليه‌وآله اطّلع عليه وقرَّره، فيكون مرفوعاً، بل ظاهره كون جميع الصحابة كانوا يفعلون ؛ لأنَّ الصّحابيّ إنَّما ذكر هذا اللفظ في معرض الاحتجاج، وإنَّما يصحُّ الاحتجاج إذا كان فعل جميعهم ؛ لأنَّ فعل البعض لا يكون حجّة.

وهذا هو أصحُّ القولين للأصوليِّين وغيرهم.

____________________

(١) ابن عبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي، صحابيّ، من المكثرين في الرواية عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ١٦ق ه- - ٧٨ه-،.... يُنظر: الأعلام: ٢/ ٩٢.

(٢) ينظر: معرفة علوم الحديث، ص٢٠.

(٣) سورة البقرة: آية ٢٢٤.

(٤) يُنظر: الخلاصة في أُصول الحديث، ص٦٥.

(٥) يُنظر: المصدر نفسه.


قيل عليه : لو كان فعل جميع الصّحابة، لَما ساغ الخلاف بالاجتهاد ؛ لامتناع مخالفة الإجماع، لكنَّه ساغ، فلا يكون فعل جميع الصّحابة.

وأجيبُ : بأنَّ طريق ثبوت الإجماع ظنِّيٌّ ؛ لأنَّه منقول بطريق الآحاد، فيجوزُ مخالفته.

وهذا مبنيٌّ على جواز الإجماع في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفيه خلافٌ، وإن كان الحقّ جوازه.

- ٦ -

وكيف كان الموقوف، فليس بحجّة، وإنْ صحَّ سنده على الأصحِّ ؛ لأنَّ مرجعه إلى قول مَن وقف عليه، وقوله ليس بحجّة.

وقيل: هو حجَّة مطلقاً، وضعفه ظاهر(١) .

____________________

(١) يُنظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٦٥.


الحقل الثاني:

في

المقطوع(١)

- ١ -

وهو ما جاء عن التابعين، ومَن في حكمهم ؛ وهو تابع مصاحب الإمام أيضاً، فإنَّه في معنى التابعيّ لصاحب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عندنا ؛ من أقوالهم ؛ أي أقوال التابعين، وأفعالهم، موقوفاً عليهم.

ويُقال له: المنقطع أيضاً(٢) .

- ٢ -

وهو مغاير للموقوف بالمعنى الأوّل ؛ لأنَّ ذلك يوقف على مصاحب المعصوم، وهذا على التابعيّ.

وأخصُّ من معنى الموقوفالمقيَّد ؛ لأنَّه حينئذٍ يشمل غير التابعيّ، والمقطوع يختصُّ به.

وقد يطلق المقطوع على الموقوف بالمعنى السابق الأعمّ ؛ فيكون مرادفاً له، وكثيراً ما يطلقه الفقهاء على ذلك.

- ٣ -

وكيف كان معناه، فليس بحجَّة ؛ إذ حجَّة في قول مَن وقف عليه، من حيث هو قوله، كما لا يخفى(٣) .

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٣٢، لوحة أ، سطر ٥): (الثاني المقطوع) فقط، بدون: (الحقل الثاني: في المقطوع).

(٢) وقال الحافظ ابن كثير: (وقد وقع في عبارة الشافعي والطبراني، إطلاق المقطوع على منقطع الإسناد ؛ غير الموصول). الباعث الحثيث، ص٤٦.

(٣) أي من حيث هو صحابيّ أو تابعيّ. واحترز بالحيثيّة عمَّا لو كان أحدهما إماماً، كزينِ العابدينعليه‌السلام ، فإنَّه يعدُّ من التابعين ؛ وقوله حجة لا من حيث هو تابعيّ كما لا يخفى. خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص٣٦.


الحقل الثالث:

في المُرسل(١)

- ١ -

وهو ما رواه عن المعصوم مَن لم يدركه(٢) .

والمراد بالإدراك هنا:التلاقي (٣) في ذلك الحديث المحدَّث عنه، بأنْ رواه عنه بواسطة، وإن أدركه ؛ بمعنى: اجتماعه معه، ونحوه. وبهذا المعنى يتحقَّق إرسال الصحابيّ عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ بأنْ يروي الحديث عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله بواسطة صحابيٍّ آخر(٤) ؛ سواء كان الرّاوي تابعياً أم غيره، صغيراً أم كبيراً، وسواءٌ كان الساقط واحداً أم أكثر، وسواء رواه بغير واسطة ؛ بأن قال التابعيّ: قال رسول الله:صلى‌الله‌عليه‌وآله مثلاً، أو بواسطة نسيها ؛ بأن صرَّح بذلك، أو تركها مع علمه بها، أو أبهمها ؛ كقوله: عن رجل، أو عن بعض أصحابنا، ونحو ذلك.

هذا هو المعنى العامّ للمُرسل، المتعارف عند أصحابنا.

- ٢ -

وقد يختصُّ المرسل بإسناد التابعيّ إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، من غير ذكر الواسطة ؛ كقول سعيد بن المُسيَّب(٥) : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : كذا. وهذا، هو المعنى الأشهر له عند الجمهور(٦) .

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة (ورقة ٣٢، لوحة أ، سطر ١٣): (الثالث: المرسل) فقط، بدون: (الحقل الثالث: في المرسل).

(٢) قال الشهيد الأوّل: (المُرسل: ما رواه عن المعصوم مَن يدركه بغير واسطة، أو بواسطة نسيها، أو تركها). ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، ص٤.

(٣) سيأتي تبيان بيِّنيَّة التلاقي، في النهاية من هذا الحقل.

(٤) وقد علَّق المددي هنا بقوله: (كأحاديث ابن عبَّاس، فإنَّه كان صغيراً عند وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فكلّ ما يرويه عن رسول الله، فإنَّما يرويه عن صحابيّ آخر، إلاّ أحاديث قليلة جدَّاً، يقال هي: سبعة، أو أربعة، أو ثلاثة ؛ سمعها من النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله ).

(٥) سيِّد التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، ١٣ - ٩٤ه-،.... يُنظر: الأعلام: ٣/ ١٥٥.

(٦) يُنظر: معرفة علوم الحديث، ص٢٥، والكفاية في علم الرواية، ص٢١، والخُلاصة في أصول الحديث، ص٦٥.


وقيَّده بعضهم بما إذا كان التابعيّ المُرسِل كبيراً(١) ، كابن المسيَّب ؛ وإلاّ فهو منقطع.

واختار جماعة منهم معناه العامّ الذي ذكرناه(٢) .

- ٣ -

ويطلق عليه - أي على المرسل -:

[١ -] المنقطع والمقطوع أيضاً، بإسقاط شخص واحد، من إسناده(٣) .

[٢ -] والمُعْضَل (بفتح الضاد المعجمة)، بإسقاط أكثر من واحد(٤) ، قيل: إنَّه مأخوذ من قولهم: أمر عضيل ؛ أي مستغلق شديد.

ومثاله: ما يرويه تابع التابعيّ، أو من دونه(٥) ، قائلاً فيه: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

- ٤ -

والمرسل ليس بحجَّة مطلقاً ؛ سواء أرسله الصحابي أم غيره، وسواء أسقط منه واحداً أم أكثر، وسواء كان المُرسِل جليلاً أم لا، في الأصحّ من الأقوال للأصوليِّين والمحدِّثين(٦) ؛ وذلك للجهل بحال المحذوف، فيحتمل كونه ضعيفاً.

- ٥ -

ويزداد الاحتمال بزيادة الساقط، فيقوى احتمال الضعف ؛ ومجرَّد روايته عنه ليست تعديلاً، بل أعمّ، إلاّ أنْ يعلم تحرُّز مُرسِله عن الرواية عن غير الثقة ؛ كابن أبي عمير من أصحابنا، على

____________________

(١) أي: عالم وفاهم. خطِّيَّة الدكتور محفوظ، ص٣٦).

(٢) قال إمام الحرمين: (والمُرسَل: ما لم يتَّصل إسناده، فإن كان من مراسيل غير الصحابة (رضي ‌الله‌ عنهم )، فليس بحجّة، إلاّ مراسيل ابن المسيَّب ؛ فإنَّها فتِّشت فوجدت مسانيد). رسالة الإسلام/السنة الرابعة/ العدد ٣/ ٤/ ص٧٨، الورقات فی أصول الفقه، لإمام الحرمين (٤١٩ - ٤٧٨ه-)، إخراج: الدكتور حسين علي محفوظ، وينظر: الكفاية في علم الرواية، ص٤٠٤.

(٣) يُنظر: ذكرى الشيعة، ص٤.

(٤) يُنظر: المصدر نفسه.

(٥) ينظر: الكفاية في علم الرواية، ص٢١.

(٦) قال ابن الصلاح: (وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمُرسَل، والحكم بضعفه، هو الذي استقرَّ عليه آراء جماعة حُفَّاظ الحديث، ونقَّاد الأثر، وتداولوه في تصانيفهم).

قال: (والاحتجاج به مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما في طائفة، والله أعلم). يُنظر: الباعث الحثيث، ص٤٨.


ما ذكره كثير منهم(١) ؛ وسعيد بن المسيّب عند الشافعيّ، فيقبل مُرسَله، ويصير في قوَّة المسنَد(٢) .

وفي تحقُّق هذا المعنى - وهو: العلم بكون المُرْسِل لا يروي إلاّ عن الثقة - :نظر (٣) ؛ لأنَّمستند العلم إنْ كان هوالاستقراء لمراسيله، بحيث يجدون المحذوف ثقةً، فهذا في معنى الإسناد، ولا بحث فيه.

وإنْ كانلحسن الظنّ به ؛ في أنَّه لا يرسل إلاّ عن ثقة، فهو غير كافٍ شرعاً في الاعتماد عليه، ومع ذلك غير مختص بمَن يخصُّونه.

وإنْ كاناستناده إلى إخباره بأنَّه لا يرسل إلاّ عن الثقة، فمرجعه إلى شهادته بعدالة الراوي المجهول، وسيأتي ما فيه، وعلى تقدير قبوله، فالاعتماد على التعديل.

- ٦ -

وظاهر كلام الأصحاب في قبول مراسيل ابن أبي عمير، هو المعنى الأوّل، ودون إثباته خرط القتاد(٤) ، وقد نازعهم صاحب (البشرى)(٥) في ذلك، ومنع تلك الدّعوى.

وأمَّا الشافعيّة، فاعتذروا عن مراسيل ابن المسيّب، بأنَّهم وجدوها مسانيد من وجوه أخر(٦) .

وأجابوا عمَّا أُورِد عليهم من أنَّ الاعتماد حينئذٍ يقع على المسنَد دون المرسَل، فيقع لغواً(٧) ، بأنَّه: بالمسنَد يتبيَّن صحَّة الإسناد الذي فيه الإرسال، حتى يحكم له مع إرساله بأنَّه

____________________

(١) قال الشهيد الأوَّل: (... ؛ ولهذا قبلت الأصحاب مراسيل ابن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن أبي نصر البزنطيّ ؛ لأنَّهم لا يرسلون إلا عن ثقة). ذكرى الشيعة، ص٤.

(٢) قال الحافظ ابن كثير: (وأمَّا الشافعيّ، فنصَّ على أنَّ مرسلات سعيد بن المسيّب، حسان ؛ قالوا: لأنَّه تتبَّعها فوجدها مسندةً، والله أعلم). الباعث الحثيث، ص٤٨.

(٣) قال ابن الصلاح: (وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل، والحكم بضعفه ؛ هو الذي استقرّ عليه آراء جماعة حفّاظ الحديث، ونقّاد الأثر ؛ وتداولوه في تصانيفهم). مقدِّمة ابن الصلاح، ص١٤٠.

وقال الأستاذ أحمد محمد شاكر: (لأنَّه حذف منه راوٍ غير معروف، وقد يكون غير ثقة. والعبرة في الرواية: بالثقة، واليقين، ولا حجَّة في المجهول). الباعث الحثيث، ص٤٨ (الهامش).

وينظر كذلك، ما ذكره السيد الخوئي في معجم رجال الحديث: ١/ ٧٥ - ٨٠.

(٤) ينظر: المستقصى في أمثال العرب: ج٢/ ص٨٢.

(٥) للسيد الأجل أحمد بن طاووسرحمه‌الله .

(٦) ينظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٦٦.

(٧) ينظر: مقدِّمة ابن الصلاح، ص١٣٩.


إسناد صحيح تقوم به الحجّة(١) .

وتظهر الفائدة: في صيرورتهما دليلين، يرجَّح بهما عند معارضة دليل واحد.

- ٧ -

ونبَّه : بالأصحِّ، على خلاف جماعة من الجمهور ؛ حيث قبلوا المرسَل مطلقاً، إذا كان مُرسِله ثقةً.

ونقله الرازي(٢) في (المحصول) عن الأكثرين ؛محتجِّين ب-: أنَّ الفرع لا يجوز له أن يخبر عن المعصومصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ وله صحّة الإخبار عنه، وإنَّما يكون كذلك إذا ظنَّ العدالةَ، وبأنَّ علَّة التثبُّت هو الفسق، وهي منتفية، فيجب القبول. وبأنَّ المسنِد جاز أن يكون مرسِلاً ؛ فإنًَّه يحتمل أن يكون بين فلان وفلان، رواة لم تذكر، فلا يقبل إلاّ أن يستفصل.

وأجيب (٣) : بأنَّه ليس حمل إخباره عنه(ص) على أنَّه قال، أولى من حمله على أنَّه سمع أنَّه قال، وإذا احتمل الأمران: لم يظهر حمله على أحدهما.

وانتفاء علّة التثبّت، موقوف على ثبوت العدالة.

وقول الراوي: عن فلان، يقتضي بظاهره الرواية عنه بغير واسطةٍ، وقد نوزع في ذلك، وادّعي أنَّ مثله غير متَّصل، لكن الظاهر خلافه.

وطريق ما يعلم به الإرسال في الحديث أمران:جليٌّ، وخفيٌّ .

فالأوّل: بعدم التلاقي من الراوي والمرويِّ عنه. إمَّا لكونه لم يدرك عصره، أو أدركه لكن لم يجتمعا، وليست له منه إجازة، ولا وِجَادة(٤) .

____________________

(١) ينظر: مقدَّمة ابن الصلاح، ص١٣٩.

(٢) الفخر الرازي، الإمام المفسِّر، أوحد زمانه في المعقول والمنقول وعلوم الأوائل ( ٥٤٤ - ٦٠٦ه-).... ينظر: الأعلام: ٧/ ٢٠٣.

(٣) عن الأوَّل ؛ وهو قوله: بأنَّ الفرع لا يجوز له أن يُخبِر عن المعصومعليه‌السلام . خطِّيَّة الدكتور محفوظ: ص٣٧.

(٤) سيأتي تعريفهما فيما بعد.


ومن ثَمَّ احتيج إلى التأريخ ؛ لتضمُّنه تحرير مواليد الرواة ووفيَّاتهم، وأوقات طلبهم وارتحالهم، وقد افتضح أقوام ادّعوا الرواية عن شيوخ، ظهر بالتاريخ كذب دعواهم(١) .

والثاني : أنْ يعبَّر في الرواية عن المرويّ عنه بصيغة يحتمل اللُّقى، وعدمه مع عدمه ؛ أي عدم اللُّقى ك-: عن فلان، وقال فلان كذا، فإنَّهما وإن استعملا في حالةٍ يكون قد حدَّثه، يحتملان كون حدَّث غيره، فإذا ظهر بالتنقيب(٣) كونه غير راوٍ عنه، تبيَّن الإرسال ؛ وهو ضرب من التدليس، وسيأتي.

____________________

(١) وقد علَّق الحجة المددي هنا بقوله:

(منهم: عثمان بن خطَّاب. قال الذهبيّ في الميزان(٣/ ٣٣): (حدَّث بِقلَّةِ حياء بعد الثلاثمائة عن علي بن أبي طالب، فافتضح بذلك، وكذَّبه النقاد).

ومنهم: إبراهيم بن هدبة، أبو هدية، قال الذهبيّ في الميزان(١/ ٧١): حدَّث بُعيد المأتين، عن أنس بعجائب.


الحقل الرابع:

في المُعلَّل(١)

ومعرفته من أجلِّ علوم الحديث وأدقِّها.

- ١ -

وهو: ما فيه من أسبابٍ خفيَّةٍ غامضةٍ قادحةٍ في نفس الأمر ؛ وظاهره: السلامة منها ؛ بل الصحّة. وإنَّما يتمكَّن من معرفة ذلك أهلُ الخبرة بطريق الحديث ومتونه(٢) ، ومراتب الرواة الضابطة لذلك، وأهل الفهم الثاقب في ذلك.

- ٢ -

ويستعان على إدراكها - أي العلل المذكورة -: بتفرُّد الراوي بذلك الطريق، أو المتن الذي يظهر عليه قرائن العلّة، وبمخالفة غيره له في ذلك، مع انضمام قرائن تنبِّه العارف على تلك العلّة من إرسالٍ في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم، أو غير ذلك من الأسباب المعلّة للحديث ؛ بحيث يغلب على الظنّ ذلك، ولا يبلغ اليقين، وإلاّ لحقه حكم ما تيقّن من إرسال أو غيره، فيحكم به، أو يتردَّد في ثبوت تلك العلّة، من غير ترجيح يوجب الظنّ، فيتوقّف.

- ٣ -

وهذه العلة عند الجمهور، مانعة من صحّة الحديث، على تقدير كون ظاهره الصحّة، لو لا ذلك، ومن ثَمَّ شرطوا في تعريف الصحيح: سلامته من العلَّة(٣) . وأمَّا أصحابنا، فلم يشترطوا السلامة منها ؛ وحينئذٍ فقد ينقسم الصحيح إلى معلَّل وغيره، وإنْ ردَّ المعلَّل كما يرد الصحيح الشاذّ، وبعضهم وافقنا على هذا أيضاً، والاختلاف في

____________________

(١) وقد ألَّف فيه من جهابذة الحديث جماعة، منهم: الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي،.... ينظر: الخُلاصة في أصول الحديث، ص٧٣ - ٧٤، والباعث الحثيث، ص٦٤ - ٧٢ (جمعاً بين المتن والهامش). وفي النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٣٤، لوحة ب، سطر ٣ ): (الرابع: المعلّل) فقط، بدون: (الحقل الرابع: في المعلّل).

(٢) قال الطيبيّ: (ومثال العلّة في المتن: ما انفرد مسلم بإخراجه في حديث أنس، من اللفظ المصرَّح، ينفي قراءة (بسم الله الرَّحمان الرحيم).... الخلاصة في أصول الحديث، ص٧٢.

(٣) ينظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٣٥، والباعث الحثيث، ص٢١.


مجرَّد الاصطلاح.

وأعلم أنَّ هذه العلّة توجد في كتاب التهذيب، متناً وإسناداً، بكثرة(١) ، والتعرّض إلى تمثيلها يخرج إلى التطويل، المنافي لغرض الرسالة.

____________________

(١) وقد علَّق المددي هنا بقوله:

(باعتبار أنَّ الشيخ يروي في الكتاب المذكور أحاديث عن الكتب المتقدِّمة عليه، كالكافي والبصائر والمحاسن... وغيرها ؛ إلاّ أنَّه يوجد اختلاف كثير ؛ سواء في المتن أم الإسناد، حتى قال المحدّث البحرانيّ في الحدائق(٤/ ٢٠٩): والظاهر أنَّ هذه الزيادة سقطت من قلم الشيخ، كما لا يخفى على مَن له أنس بطريقته، سيّما في (التهذيب)، وما وقع له فيه من التحريف والتّصحيف، والزيادة والنقصان في الأسانيد والمتون، بحيث إنَّه قلَّما يخلو حديث من ذلك، في متنه أو سنده!! كما هو ظاهر للممارس.

وعلَّق أيضاً بقوله: (هذا والذي يظهر لي بعد التأمُّل في أحاديث (التهذيب)، أنَّ الاختلاف المذكور - مع الاعتراض بقصور الإنسان وخطأه مهما بلغ من الإتقان والتحقيق - يرجع إلى عوامل شتّى.

فمن جهةٍ: يرجع إلى اختلاف نسخ الكتاب ؛ فهناك أحاديث فيها خلل - سنداً ومتناً - في نسخةٍ منه، وفي نسخة أخرى تخلو عنه، بل يبدو للمحقِّق المتتبِّع أنَّ نسخة التهذيب، التي وصلت إلى صاحب الوافي وصاحب الوسائل وغيرهما، كانت مختلفة.

ومن جهةٍ أخرى: يرجع إلى اختلاف نسخ المصادر التي اعتمدها الشيخ، فحينما نرى اختلافاً بين التهذيب والكافي - مع أنَّ الأوَّل نقل عن الثاني - ليس معناه، حتماً، أنَّ الشيخ سها عن ذلك، بل لعلّ نسخة الكافي التي وصلت إلى الشيخ كانت تختلف عن النسخ التي بأيدينا، وهكذا في ساير موارد الاختلاف.

ومن جهة ثالثة: يرجع إلى تعدُّد المصادر وتغايرها ؛ فقد نرى الشيخ يروى روايةً وهي موجودة في الكافي بعينها، إلاّ أنَّ بينها اختلافاً، سنداً أو متناً، زيادةً أو نقيصةً، وهذا لا يعودُ إلى خطأ الشيخ ؛ بل السرّ فيه أنَّ الشيخ يرويها بطريق يخالف طريق الكافي، فالشيخ يرويها مثلاً عن كتاب أحمد بن محمد بن عيسى، بينما الكليني يرويها عن الحسين بن سعيد، فالرواية وإن كانت واحدة، إلاّ أنَّها من طريقين متغايرين.

ومن هذا القبيل أيضاً أنَّه قد يروي الشيخ حديثاً في موضع من الكتاب، ويروي نفس الحديث في موضع آخر، مع الاختلاف سنداً ومتناً ؛ والوجه ما ذكرنا، يعني: أنَّه يرويه في الموضع الأوَّل عن مصدر معيَّن، وفي الموضع الثاني عن مصدر آخر.

والذي تحقَّق لي من مراجعة (التهذيب) أنَّ الشيخ الثقة الجليلرحمه‌الله كان يراعي في نقل الحديث كمال الدّقة والإتقان، وهو بعمله هذا يُرشدنا أيضاً إلى اختلاف نسخ تلك المصادر، واختلافها فيما بينها، واحتفظ بشدّة بنقل ما وقف عليه ؛ ولذا ينبغي أن يعدَّ كتابه - والحقّ أقول - من أقلّ الكتب الحديثية تحريفاً وتصحيفاً، زيادةً ونقصاناً، وأضبطها، وأشملها، وأتقنها، فللَّه درّه وعليه أجره.


الحقل الخامس:

في

المُدَلَّس(١)

تعريفه (٢) :

المُدلَّس بفتح اللاّم، واشتقاقه من: الدَّلَس بالتحريك ؛ وهو: اختلاط الظّلام. سمِّي بذلك لاشتراكهما في الخفاء ؛ حيث إنَّ الراوي لم يصرِّح بمَن حدَّثه، وأوهم سماعه للحديث ممَّن لم يحدِّثه، كما يظهر من قوله(٣) : وهو ما أُخفِيَ عيبه(٤) .

أنواع وقوعه(٥) : أمَّا في الإسناد

وهو أن يروي عمَّن لقيه أو عاصره، ما لم يسمعه منه، على وجهٍ يوهم أنَّه سمعه منه(٦) .

[أ -] ومن حقّه ؛ أي حقّ المدلِّس وشأنه، بحيث يصير مدلِّساً، لا كذَّاباً، أن لا يقول: حدَّثنا، أولا: أخبرنا(٧) ، وما أشبههما، لأنَّه كذب، بل يقول: قال فلان، أو عن فلان، ونحوه، كحدَّث فلان وأخبر، حتى يوهم أنَّه أخبره(٨) ، والعبارة أعمّ من ذلك، فلا يكون كاذباً.

[ب -] وربَّما لم يسقط المدلِّس شيخه الذي أخبره، ولا يوقع التدليس في ابتداء السّند،

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٣٥، لوحة أ، سطر ٩): (الخامس: المدلَّس بفتح اللام) فقط، بدون: (الحقل الخامس: في المدلَّس. تعريفه: المدلَّس بفتح اللاّم).

(٢) قال الأستاذ أحمد محمّد شاكر: (وقد ألَّف الحافظ برهان الدين سبط بن العجميّ (المتوفِّى سنة ٨٤١) رسالة في التدليس والمدلِّسين، طبعت في حلب، وكذلك الحافظ بن حجر (المتوفّى سنة ٨٥٢) ألَّف رسالة طبعت في مصر). الباعث الحثيث، ص٥٥ (الهامش).

(٣) يبدو أنَّ مرجع الضمير هو: الطيبيّ ؛ لأنَّ الجملة التالية منقولة من كتابه.

(٤) الخلاصة في أصول الحديث، ص٧٤.

(٥) قال الخطيب البغداديّ: (والتدليس يشتمل على ثلاثة أحوالٍ تقتضي...). كتاب الكفاية في علم الرواية، ص٣٥٨.

وهذا العنوان: (أنواع وقوعه)، وضعناه للضرورة المنهجيّة.

(٦) ينظر: كتاب الكفاية في علم الرواية، ص٢٢، والخلاصة في أصول الحديث، ص٧٤، والباعث الحثيث، ص٥٣.

(٧) هكذا في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٣٥، لوحة ب، سطر )، والصحيح هو: (أن لا يقول: حدَّثنا ولا أخبرنا) ؛ لأنَّه ليس المقصود هنا الترديد، وإنَّما النهي عن شيئين متعاطفين.

(٨) ينظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٧٤.


لكن يسقط مَن بعده، رجلاً ضعيفاً أو صغير السنّ، ليحسِّن الحديث بذلك(١) .

وهذان النوعان تدليس في الإسناد.

وأمَّا التدليس في الشيوخ

لا في الإسناد... فذلك بأن يروي عن شيخ حديثاً سمعه منه، ولكن لا يحبّ معرفة ذلك الشيخ ؛ لغرض من الأغراض، فيسمِّيه أو يكنّيه باسم أو كنية غير معروف بهما(٢) ، أو ينسبه إلى بلد أو قبيلة غير معروف بهما، أو يصفه بما لا يعرف به ؛ كي لا يعرف(٣) .

وأمره - أي أمر القسم الثاني من التدليس - أخفُّ ضرراً من الأوّل ؛ لأنَّ ذلك الشيخ مع الإغراب به، إمَّا أن يُعرف، فيترتَّب عليه ما يلزمه ؛ من ثقة أو ضعف، أو لا يُعرف، فيصير الحديث مجهول السّند، فيردّ، لكن فيه تضييع للمرويّ عنه، وتوعير لطريق معرفة حاله، فلا ينبغي للمحدِّث فعل ذلك.

ونُقِلَ أنَّ الحامل لبعضهم على ذلك، كان منافرة بينهما اقتضته، ولم يسع له ترك حديثه ؛ صوناً للدّين، وهو عذر غير واضح.

عود على بدءٍ(٤)

والقسم الأوّل من التدليس مذموم جداً ؛ لِمَا فيه من إيهام اتّصال السّند، مع كونه

____________________

(١) ينظر: كتاب الكفاية في علم الرواية، ص٣٦٤، والخلاصة في أصول الحديث، ص٧٤.

(٢) وقد علَّق المددي هنا بقوله: (ولعلّ من هذا القبيل ما يرويه محمّد بن الحسن بن سُماعة - وهو من رؤوس الواقفة - عن ابن أبي عمير، فهو وإن كان يروي عنه كثيراً، إلا أنَّه لا يذكره باسم: (ابن أبي عمير)، الذي اشتهر به إلاّ قليلاً ؛ والغالب عليه أن يذكره بعنوان: (محمد بن زياد)، أو (محمد بن زياد بن عيسى).

ولعلَّه - أي ابن سُماعة - كان يأبى أن يورد اسم أحد أعلام الإماميّة الاثني عشريّة في كتبه ومصنّفاته، والله العالم).

(٣) وقال الحافظ ابن كثير: (... فهو الإتيان باسم الشيخ أو كنيته على خلاف المشهور به ؛ تعمية لأمره، وتوعيراً للوقوف على حاله، ويختلف ذلك باختلاف المقاصد، فتارة يكره، كما إذا كان أصغر سنّاً منه، أو نازل الرواية، ونحو ذلك، وتارةً يحرم، كما إذا كان غير ثقةٍ، فدلَّسه لئلاً يعرفحاله، أو أوهم أنَّه رجل آخر من الثقات على وفق اسمه أو كنيته). الباعث الحثيث، ص٥٥.

وينظر: كتاب الكفاية في علم الرواية، ص٢٢، والخلاصة في أصول الحديث، ص٧٤.

(٤) هذا العنوان: (عود على بدء)، وضعناه للضرورة المنهجيَّة.


مقطوعاً، فيترتّب عليه أحكام غير صحيحةٍ ؛ حتى قال بعضهم: التدليس أو الكذب(١) .

وفي جرح فاعله بذلكقولان ؛ بمعنى: أنَّه إذا عرف بالتدليس، ثُمَّ روى (حدَّثنا) غير ما دلَّس به، ففي قبولهخلاف .

- ١ -

فقيل: لا يقبل مطلقاً ؛ لِمَا ذكرناه من الضّرر المترتِّب على التدليس الذي وقع منه ؛ حيث أوجب وصل المقطوع، واتّصال المرسل ؛ ويترتّب عليه أحكام شرعيّة، كانت منتفيةً لولاه، وذلك جرح واضح. وقيل: لا يجرح بذلك ؛ بل ما عُلم فيه التدليس يردّ، وما لا فلا ؛ لأنَّ المفروض كونه ثقة بدونه ؛ والتّدليس ليس كذباً ؛ بل تمويهاً.

- ٢ -

والأجود: التفصيل ؛ وهو القبول لحديثه إن صرَّح بما يقتضي الاتّصال، كحدَّثنا وأخبرنا، دون المحتمل للأمرين ك-: (عن)، و(قال) ؛ بل حكمه حكم المرسل(٢) .

ومرجع هذا التفصيل إلى أنَّ التدليس غير قادح في العدالة، ولكن تحصل الرّيبة في إسناده لأجل الوصف، فلا يحكم باتّصال سنده، إلاّ مع إتيانه بلفظ لا يحتمل التدليس، بخلاف غيره فإنَّه يحكم على سنده بالاتصال، عملاً بالظّاهر، حيث لا معارض له.

- ٣ -

وأعلم، أنَّ عدم اللُّقى الموجب للتدليس يعلم: بإخباره عن نفسه بذلك، وبجزم عالم مطَّلع عليه(٣) . ولا يكفي أن يقع في بعض الطّرق زيادةُ راوٍ بينهما ؛ لاحتمال أن يكون من المزيد، ولا يحكم في هذه الصورة بحكم كلّيّ ؛ لتعارض الاتّصال والانقطاع.

____________________

(١) والقائل: هو شعبة بن الحجّاج. ينظر: كتاب الكفاية في علم الرواية، ص٣٥٥، والباعث الحثيث، ص٥٨، والخلاصة في أصول الحديث، ص٧٤، ومقدِّمة ابن الصلاح، ص١٦٩.

(٢) ينظر: مقدِّمة ابن الصلاح، ص١٧١، والخُلاصة في أصول الحديث، ص٧٥، والباعث الحثيث، ص٥٤.

(٣) وقد علَّق المددي هنا بقوله:

(كما حكى النجاشي عن يونس بن عبد الرحمن: أنَّ حُريز بن عبد الله لم يرو عن أبي عبد اللهعليه‌السلام إلاّ حديثين. نعم، ناقش السيد الأستاذ ( دام ظلّه) في ذلك. ينظر: معجم رجال الحديث: ٤/ ٢٥٥ - ٢٥٨).


الحقل السادس:

في المضطرب من الحديث(١)

وهو ما اختلف را ويه (المرادُ به: الجنس ؛ فيشمل: الراوي الواحد والأزيد)، فيه ( أي في الحديث)، متناً أو إسناداً ؛ فيروى مرَّة على وجهٍ، وأُخرى على وجهٍ آخر، مخالفٍ له، وهكذا...

- ١ -

وإنَّما يتحقَّق الوصف بالاضطراب، معتساوي الرّوايتين ، المختلفتين في الصحّة وغيرها ؛ بحيث لم يترجَّح إحداهما على الأخرى ببعض المرجِّحات. أمَّا لو ترجَّحت إحداهما على الأخرى بوجه من وجوهه ؛ كأن يكون راويها أحفظ، أو أضبط، أو أكثر صحبة للمرويّ عنه، ونحو ذلك من وجوه الترجيح ؛ فالحكم للراجح من الأمرين أو الأمور، فلا يكون مضطرباً(٢) .

____________________

(١) قال الأستاذ السامرائي: (أفرد الحافظ ابن حجر العسقلاني للمضطرب كتاباً ؛ سمَّاه: المقترب من بيان المضطرب، ذكره المستشرق هالورد في فهرست مكتبة برلين رقم ١١٤١). نظر: الخلاصة في أصول الحديث، ص٧٦ (الهامش).

وأقول: الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٣٦، لوحة ب، سطر٩): (السادس: المضطرب) فقط، بدون: (الحقل السادس: في المضطرب من الحديث).

(٢) وقد علَّق المددي هنا بقوله:

(مثاله: روى الشيخ في التهذيب (٣/ ٢٣٣): بإسناده عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن أبان بن عثمان، عن عمر بن يزيد، قال: قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : (وقت المغرب في السفر إلى ربع الليل).

وهكذا رواه الكليني في الكافي (٣/ ٢٨١/ باب: وقت المغرب والعشاء الآخرة): عن محمّد بن يحيى، عن سلمة بن الخطَّاب، عن محمد بن

الوليد، عن أبان بن عثمان، عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال: قال: (وقت المغرب في السفر إلى ربع الليل).

ولكن رواه أيضاً في الكافي(٣/ ٤٣١/ باب وقت الصلاة في السفر والجمع بين الصلاتين): عن الحسين بن محمد، عن عبد الله بن عامر، عن عليّ بن مهزيار، عن فضالة بن أيّوب، عن أبان، عن عمر بن يزيد، قال: قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : (وقت المغرب في السفر إلى ثلث الليل)، ورُوي أيضاً: (إلى نصف الليل).

قال ابن الشهيد الثاني في منتقى الجُمان (١/ ٣٠٤): (وربَّما يظنّ أنَّه من قبيل الاضطراب في المتن، فينافي الصحّة، وليس كذلك ؛ لاشتراط الاضطراب بتساوي الروايتين المختلفتين كما مرّ، ولا مساواة هنا بين الطريقين، كما هو واضح).

ومرادهرحمه‌الله : أنَّ سند رواية الشيخ، أصحّ من طريق الكليني الثاني ؛ ويؤيِّده الطريق الأوّل للكليني.


ويقع الاضطراب في السند، بأن يرويه الراوي، تارة عن أبيه عن جدّه مثلاً، وتارةً عن جدِّه بلا واسطة، وثالثة عن ثالث غيرهما(١) ، كما اتّفق ذلك في رواية أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالخطّ للمصلّي، سُتْرَةً، حيث لا يجد العصا(٢) .

- ٣ -

ويقع الاضطراب في المتن دون السنّد، كخبر اعتبار الدَّم عند اشتباهه بالقرحة،

____________________

أقول: الظاهر أنَّها رواية واحدة ؛ رواها أبان، عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، إلاّ أنَّه اختلف الرواة عن أبان ؛ فرواها الحسين بن سعيد (كما في التهذيب)، ومحمد بن الوليد (كما في طريق الكليني الأوّل) هكذا: (إلى ربع الليل)، ولكن رواها علي بن مهزيار (وهو الطريق الثاني للكليني) هكذا: (إلى ثلث الليل).

ثم إنَّ كتب علي بن مهزيار وإن كانت من الكتب المشهورة، المتداولة بين الأصحاب، المعوَّل عليها ؛ كما يظهر: من النجاشي، والشيخ، و

الصدوق، والكشيّ، وغيرهم ؛ إلاَّ أنَّ كتب الحسين بن سعيد كانت أشهر ؛ ولذا شبَّهوا كتب علي بن مهزيار بكتب الحسين بن سعيد ؛ فيمكن ترجيح رواية الحسين بن سعيد، مضافاً إلى تأيُّدها برواية محمد بن الوليد).

(١) ينظر: تدريب الراوي.

(٢) وقد علَّق المددي هنا بقوله:

(رواه أبو داوود: (...، عن أبي هريرة، أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: (إذا صلَّى أحدكم، فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإنْ لم يجد، فلينصب عصاً، فإنْ لم يكن معه عصاً، فليُخطِّط خطَّاً ثم لا يضرُّه ما مرَّ أمامه). كما في سنن أبي داوود: ١/ ١٨٣ - ١٨٤، كتاب الصلاة، باب الخط إذا لم يجد عصاً.

ولأبي داوود كلام حول الحديث، ينظر أيضاً: نصب الراية: ١/ ٨٠ - ٨١.

وقال صاحب المعالم (نجل الشهيد الثاني مؤلِّف الكتاب) في شرح العبارة المذكورة أعلاه في المتن: وصورة الاضطراب الواقع في سند الحديث المذكور - على ما حكاه بعض محقّقي أهل الدراية من العامَّة -:

أنَّ أحد رواته رواه تارة: عن أبي عمرو محمد بن حريث، عن جدِّه حريث بسائر الإسناد.

وتارة: عن أبي عمرو بن حريث، بالإسناد.

وثالثة: عن أبي عمرو بن عمرو بن حريث، عن جدِّه حريث بن سليم، بالإسناد.

ورابعةً: عن أبي عمرو بن حريث، عن جدِّه حُريث.

وخامسةً: عن حريث بن عمار، بالإسناد.

وسادسة: عن أبي عمرو بن محمد، عن جدِّه حريث بن سليمان.

وسابعة: عن أبي محمد بن عمرو بن حريث، عن جدِّه حريث ؛ رجل من بني عذرة.

ينظر: منتقى الجمان: ١/ ٩ - ١٠، والنسخة المطبوعة لا تخلو من اضطراب أيضاً).


بخروجه من الجانب الأيمن، فيكون حيضاً، أو بالعكس ؛ فرواه في الكافي: بالأوَّل(١) ، وكذا في التهذيب، في كثير من النسخ(٢) ، وفي بعضها:بالثاني (٣) .

واختلفت الفتوى بسبب ذلك، حتّى من الفقيه الواحد(٤) ، مع أنَّ الاضطراب يمنع من العمل بمضمون الحديث مطلقاً.

وربَّما قيل بترجيح الثاني(٥) ، ودفع الاضطراب ؛ من حيث عمل الشيخ في النهاية بمضمونه(٦) ، فيرجَّح على الرواية الأُخرى بذلك ؛ وبأنَّ الشيخ أضبط من الكليني، وأعرف بوجوه الحديث.

____________________

(١) (عن محمد بن يحيى، رفعه عن أبان قال: قلتُ لأبي عبد اللهعليه‌السلام : فتاة منَّا بها قرحة في فرجها والدم سائل، لا تدري من دم الحيض، أو من دم القرحة؟ فقال: (مُرها فلتستلق على ظهرها، ثُمَّ ترفع رجليها، ثم تستدخل أصبعها الوسطى، فإن خرج الدم من الجانب الأيمن فهو من الحيض ، وإن خرج من الجانب الأيسر فهو من القرحة). كما في الكافي: ٣/ ٩٤ - ٩٥.

(٢) وقد علَّق المددي هنا بقوله: (قال الشهيد الأوّل في الذكرى (ص٢٨): ذكره الكليني، وأفتى به ابن الجنيد، وفي كثير من نسخ التهذيب الرواية بلفظها بعينه. قال الصدوق والشيخ في النهاية: الحيض من الأيسر. وقال ابن طاووس: هو في بعض نسخ التهذيب الجديدة كذلك. وقطع بأنَّه تدليس.

(٣) روى الشيخ في التهذيب (١/ ٣٨٥ - ٣٨٦) بإسناده عن محمد بن يحيى، رفعه عن أبان: نفس الحديث السابق، إلاّ أنَّ في ذيله:

(فإن خرج الدم من الجانب الأيسر فهو من الحيض، وإن خرج من الجانب الأيمن فهو من القرحة).

وعلَّق المددي هنا بقوله:

(وليلاحظ أنَّ الشيخ ذكر في مشيخة التهذيب (١٠/ ٣٣ - ٣٤) طريقين إلى محمد بن يحيى ؛ أحدهما: بطريق الكليني، والثاني: برواية ابنه عنه.

ولعلَّ السرَّ في اختلاف التهذيب والكافي ؛ هو التعدُّد في الطريق، كما يحتمل أنَّه - أي الاختلاف - نشأ من اختلاف نسخ التهذيب، كما في المتن، وسنذكره عن ابن طاووس).

(٤) وقد علَّق المددي هنا بقوله:

(قال المحقق الثاني في جامع المقاصد (١/ ٣٦): واختلف قول شيخنا الشهيد ؛ ففي بعض كتبه قال بالأوّل: [الأيسر: حيض]، وفي بعضها: بالثاني).

(٥) والقائل: هو المحقّق الثاني، كما في جامع المقاصد: ١/ ٣٦.

(٦) يُنظر: النهاية، ص٢٤. وهكذا قال في المبسوط: ١/ ٤٣.


وفيهما معاً نظر بيِّن(١) ، يعرفه مَن يقف على أحوال الشيخ وطرق فتواه. وأمَّا تسمية صاحب البشرى مثل ذلك: تدليساً، فهو سهو، أو اصطلاح غير ما يعرفه المحدِّثون.

- ٤ -

ويكون الاضطراب من راوٍ واحدٍ، كهذه الرواية ؛ فإنَّها مرفوعةٌ إلى أبان في الجهتين، ومن رواةأزيد من الواحد ، فيرويه كلّ واحدٍ بوجهٍ يخالف ما رواه الآخر.

____________________

(١) وقد علَّق المددي هنا بقوله: (أي في أنَّ عمل الشيخ مرجَّح، وأنَّه أضبط من الكليني.

أمَّا الأوَّل، فلانَّا نجد الشيخ لا يعمل - مثلاً - برواية مرسلة، بينما يعمل بمثلها في مكان آخر، كما ناقش في التهذيب (٨/ ٢٥٧) ذيل الحديث (٩٣٢) بأنَّه مُرسَل، وما هذا سبيله لا يعارَض به الأخبار المسندة.

بينما قال هو في العدَّة: (وإذا كان أحد الراويين مسنداً، والآخر مرسلاً، نُظر في حال المُرسَل، فإنَّ كان ممَّن يُعلم أنَّه لا يُرسِل إلاّ عن ثقة موثوق به، فلا ترجيح لخبر غيره على خبره ؛ ولأجل ذلك سوَّت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن نصر، وغيرهم من الثقات الذين عُرفوا بأنَّهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عمَّن يُوثَق به، وبين ما أسنده غيرهم...).

وأمَّا الثاني، فلِمَا تقدَّم في قسم المعلول من أنَّ التحريف والتصحيف والزيادة والنقصان، يوجد في التهذيب بكثرة، كما تقدَّم مناقشتنا لذلك في التعليق).


الحقل السابع:

في المقلوب(١)

وهو حديث ورد بطريقٍ، فيروى بغيره ؛ إمَّا بمجموع الطّريق، أو ببعض رجاله، بأنْ يقلب بعض رجاله خاصَّةً ؛ بحيث يكون أجود منه، ليرغب فيه.

- ١ -

وقد يقع سهواً، كحديث يرويه محمد بن أحمد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، وكثيراً ما يتّفق ذلك في إسناد التهذيب. ومثله: محمد بن أحمد بن يحيى،عن أبيه أحمد بن محمد بن يحيى، عن محمّد بن يحيى ؛ فيقلب الاسم، ونحوه من الأغراض الموجبة للقلب.

- ٢ -

وقد يقع ذلك القلب من العلماء، بعضهم لبعض ؛ للامتحان، أي امتحان حفظهم وضبطهم، كما اتّفق ذلك لبعض العلماء ببغداد(٢) .

____________________

(١) الذي في النسخة الخطِّيَّة المعتمدة (ورقة ٣٧، لوحة ب، سطر٦): (السابع: المقلوب) فقط، بدون: (الحقل السابع: في المقلوب).

(٢) قال الخطيب البغدادي عن علماء بغداد حين قدم عليهم البخاري: (... فإنَّهم اجتمعوا وعمدوا إلى مئة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها ؛ جعلوا متن هذا لإسناد آخر، وإسناد هذا لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، إلى كلِّ رجل عشرة، وأمروهم إذا حضروا المجلس، يلقون ذلك على البخاريّ، وأخذوا الوعد للمجلس.

فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء ؛ من أهل خراسان، وغيرهم من البغداديِّين. فلمَّا اطمأنَّ المجلس بأهله، انتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاريّ: لا أعرفه. فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه. فما زال يلقي عليه واحداً بعد واحدٍ حتّى فرغ من عشرته، والبُخاريّ يقول: لا أعرفه، فكان الفهماء - ممَّن حضر المجلس - يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: فهم الرجل، ومَن كان منهم غير ذلك يقضي على البُخاريّ: بالعجز، والتقصير، وقلّة الفهم. ثُمَّ انتُدب إليه رجلٌ آخر من العشرة، فسأله عن حديثٍ من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاريّ: لا أعرفه. فلم يزل يلقي عليه واحداً بعد واحد، حتّى فرغ من عشرته، والبخاريُّ يقول: لا أعرفه. ثُمَّ انتدب إليه الثالث، والرابع، إلى تمام العشرة، حتّى فرغوا كلّهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاريّ لا يزيدهم على: لا أعرفه. فلمَّا علم البخاريّ أنَّهم قد فرغوا، التفت إلى الأوّل منهم فقال: أمَّا حديثك الأوّل فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث والرابع على الولاء، حتّى أتى على تمام العشرة، فردّ كلَّ متن إلى إسناده، وكلّ إسناد إلى متنه.


- ٣ -

وقد يقع القلب في المتن، كحديث السبعة الذين يظِلُّهم الله في عرشه، ففيه: (ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها، حتّى لا تعلم يمينه ما تنفق

شماله،... ).

فهذا، ممَّا انقلب على بعض الرواة، وإنَّما هو: (حتّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) كما ورد في الأصول المعتبرة(١) .

____________________

وفعل بالآخرين مثل ذلك، وردَّ متون الأحاديث كلّها غلى أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها ؛ فأقرَّ له الناس بالحفظ، وأذعنوا بالفضل... إلخ).

وقال الأستاذ أحمد محمد شاكررحمه‌الله في هامش الباعث الحثيث (ص٩٠): (وهذا العمل محرَّم أن يقصده العالمُ به، إلاّ إن كان يريد به الاختبار، وشرط الجواز - كما قاله الحافظ ابن حجر -: أن لا يستمرَّ عليه، بل ينتهي بانتهاء الحاجة).

وهذه القصة وردت بصورة مطوّلة وكاملة في: تاريخ بغداد: ٢/ ٢٠، وينظر أيضاً: تدريب الراوي، ص١٠٦ - ١٠٧، وتوضيح المنتبه: ٢/ ١٠٤، وألفيَّة السيوطي، ص١٢٢ (الهامش).

(١) عبارة الحديث هي هذه: (سبعة يًظِلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: الإمام العادل، وشابٌّ نشأ في عبادة ربِّه، ورجل قلبه معلَّق بالمساجد، ورجلان تحابَّا في الله ؛ اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إنِّي أخاف الله عزَّ وجلّ، ورجل تصدّق بصدقة أخفاها، حتّى لا تعلم شماله ماذا تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).

ينظر: صحيح مسلم: ٢/ ٧١، حديث ١٠٣١، وشرح النخبة، ص٢٢، وتوضيح المنتبه: ٢/ ١٠٦، والباعث الحثيث، ص٨٨ (الهامش).


الحقل الثامن:

في الموضوع(١)

وهو المكذوب المختلق المصنوع ؛ بمعنى: أنَّ واضعه اختلقه وصنعه، لا مطلق حديث الكذوب ؛ فإنَّ الكذوب قد يصدق.

البحث الأوَّل: في معرفته

وهو(٢) شرُّ أقسام الضعيف، ولا تحلُّ روايته للعالِم إلاّ مبيِّناً لحاله ؛ من كونه موضوعاً، بخلاف غيره من الضعيف المحتمل للصّدق ؛ حيث جوَّزوا روايته في الترغيب والترهيب، كما سيأتي.

- ١ -

ويُعرف الموضوع ب-: إقرار واضعه بوضعه، فيحكم عليه حينئذ بما يحكم على الموضوع في نفس الأمر، لا بمعنى القطع بكونه موضوعاً ؛ لجواز كذبه في إقراره، وإنَّما يقطع بحكمه ؛ لأنًّ الحكم يتبع الظنّ الغالب، وهو هنا كذلك. ولولاه، لَمَا ساغ قتل المقرِّ بالقتل، ولا رجم المعترف بالزّنا ؛ لاحتمال أن يكونا كاذبين فيما اعترفا به.

- ٢ -

وقد يعرف أيضاً ب-: ركاكة ألفاظه، ونحوها. ولأهل العلم بالحديث ملكة قوية، يميِّزون بها ذلك، وإنَّما يقوم به منهم: مَن يكون اطِّلاعه تامّاً، وذهنه ثاقباً، وفهمه قوياً، ومعرفته بالقرائن الدّالة على ذلك متمكِّنة.

- ٣ -

وبالوقوف على غلطه، ووضعه من غير تعمُّد، كما وقع لثابت بن موسى الزّاهد(٣) في

____________________

(١) الذي في المخطوطة (ورقة ٣٨، لوحة ١، سطر ٥): (الموضوع) فقط، بدون: (الحقل الثامن: في).

(٢) الذي في المخطوطة (ورقة ٣٨، لوحة ١، سطر ٧): (وهو - الموضوع - شر)، بدون: (البحث الأوّل: في معرفته. وهو شرّ).

(٣) الكوفي. قال عنه يحيى: (كذَّاب) كما في ميزان الاعتدال (١/ ٣٦٧)، وقال ابن حبَّان: (إذا انفرد لا يجوز الاحتجاج به) كما في المجروحين (ورقة ٥١)، وقال ابن عديّ: (انفرد عن شريك بخبرين منكرين ؛ أحدهما من كثرت صلاته) كما في الكامل (المجلد الأول، ورقة ١٩١)، وقال العقيلي: (حديث باطل، وليس له أصل) كما في الضعفاء (لوحة ٦٤ - أ )، الجميع نقلاً عن: الخلاصة في أصول الحديث، ص٧٩.


حديث: (مَن كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنّهار)(١) .

فقيل: كان شيخ يحدِّث في جماعةٍ، فدخل رجل حسن الوجه، فقال الشيخ في أثناء حديثه: (مَن كثرت صلاته بالليل...) إلخ ؛ فوقع لثابت بن موسى أنَّه من الحديث، فرواه.

____________________

(١) ينظر: سنن ابن ماجة: ١/ ٤٢٢، رقم الحديث ١٣٣٣، واللآلئ المصنوعة: ٢/ ٣٢.

(٢) الخلاصة في أصول الحديث، ص٧٩.

وقد علَّق المددي هنا بقوله:

(أقول: وردت أحاديث كثيرة بهذا المتن، أو بهذا المضمون، عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، مرسلة أو مسندة، وبعضها معتبر سنداً) (ينظر: جامع أحاديث الشيعة: ٧/ ١٠٩ - ١١٠).

إذن، فالقول بأنّ: الحديث موضوع، في غير محلِّه. مضافاً إلى أنَّ بعض العامة أيضاً، حكموا بأنَّ حديث ثابت بن موسى الضرير الزاهد معتبر) (ينظر: سنن ابن ماجة: ١/ ٤٢٣، ذيل الحديث: ١٣٣).


البحثُ الثاني: في أصناف الوُضَّاع(١)

والواضعون: أصناف

- ١ -

منهم: مَن قصد التقرّب به إلى الملوك وأبناء الدّنيا، مثل: غياث بن إبراهيم(٢) .

دخل على المهديّ بن المنصور(٣) ، وكان يعجبه الحمام الطيّارة، الواردة من الأماكن البعيدة، فروى حديثاً عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال: (لا سبق إلاَّ في خفٍّ، أو حافر، أو نصل، أو جناح)، فأمر له بعشرة آلاف درهم.

فلَمَّا خرج، قال المهديّ: (أشهد أنَّ قفاه قفا كذَّاب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ ما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (جَنَاح)؛ ولكنّ هذا أراد أن يتقرَّب إلينا، وأمر بذبحها، وقال: أنا حملته

____________________

(١) الذي في المخطوطة (ورقة ٣٨، لوحة ب، سطر ٨): (الواضعون أصناف) فقط، بدون: (البحث الثاني: في أصناف الوُضَّاع).

(٢) قال أحمد: (ترك الناس حديثه)، وقال يحيى: (ليس بثقة)، وقال البخاريّ: (تركوه)، وقال الجوزجاني: (يضع الحديث) ينظر: ميزان الاعتدال: ٣/ ٣٣٧، والأعلام: ٧/ ٩١.

وقد علَّق المددي هنا بقوله:

(وليعلم: أنّ َغياث بن إبراهيم ورد في أحاديث كثيرة من أحاديثنا، وقد اختلفت كلمات الأصحاب في حقِّه ؛ والمشهور على توثيقه، استناداً إلى قول النجاشي فيه ؛ حيث قال: (غياث بن إبراهيم التميمي الأسديّ، بصريّ، سكن الكوفة، ثقة، روى عن: أبي عبد الله، وأبي الحسنعليهما‌السلام ...)

وربَّما يظهر التنافي بين وثاقته ؛ وبين هذه القصّة الدالة على أنَّه كان كذَّابا وضَّاعاً، ويمكن دفعه:

أوّلاً: نُسبت هذه القصة كذلك إلى أبي البختري ؛ وهب بن وهب، وكان كذّابا...، كما ذكره القرطبيّ في التفسير: ١/ ٧٩ - ٨٠، والتستريّ في قاموس الرجال: ٩/ ٢٧١.

وثانياً: يمكن القول بالتعدُّد ؛ فإنَّ غياث بن إبراهيم - الذي تنسب إليه القصةُ - نخعيّ ؛ كما في ميزان الاعتدال وغيره، وغياث بن إبراهيم - الذي ورد في كلام النجاشيّ - تميميّ، أسديّ، بصريّ.

وللتفصيل ينظر: معجم رجال الحديث: ١٣/ ٢٥٢ - ٢٥٥، وقاموس الرجال: ٧/ ٢٩٠، ومستدرك الوسائل: ٣/ ٦٤٢ - ٦٤٣.

(٣) محمد بن عبد الله المنصور، ثالث الخلفاء العبَّاسيِّين، وُلِدَ سنة ١٢٧ه-/ ٧٤٤م، أنشأ الطرق العامّة، وحسَّن جهازَ البريد، فازدهرت التجارة في عهده، تعقَّب الخوارج في خُراسان، ولا حق الزنادقة، حارب البيزنطيّين، فتوغَّلت جيوشه حتى أنقرة والبوسفور، حكم من ١٥٨ - ١٦٩ه-). ينظر: المنجد في الأعلام، ص٦٩٠.


على ذلك(١) .

- ٢ -

ومنهم: قوم من السؤَّال ؛ يضعون على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أحاديث يرتزقون بها، كما اتّفق لقاصٍّ بمحضرٍ من(٢) : أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، في مسجد الرِّصافة(٣) .

____________________

(١) ينظر: جامع الأصول لابن الأثير: ١/ ١٣٧، وشرحُ النخبة، ص٢٠، وتدريب الراوي، ص١٠٣، والتوضيح: ٢/ ٧٦.

وللحديث أصلٌ في السّنن الأربعة ، إلاّ أنّ أصحابها لم يذكروا لفظ: الجناح، ينظر: لقط الدّرر، ص٨٢.

(٢) الذي في المخطوطة (ورقة ٣٩، لوحة ١، سطر ٣): (كما اتّفق لأحمد)، بدون: (قاصٍّ بمحضرٍ من أحمد بن حنبل).

(٣) روي ابن الجوزيّ باسناده إلى أبي جعفر بن محمد الطيالسيّ قال: (صلَّى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاصٌّ فقال: حدَّثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قالا: حدَّثنا عبد الرّزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : مَن قال لا اله إلاّ الله، خلق الله من كلّ كلمة طيراً، منقاره من ذهب، وريشه من مرجان، وأخذ في قصَّ-ته نحواً من عشرين ورقة.

فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين، وجعل يحيى بن معين ينظر إلى أحمد، فقال له: حدَّثته بهذا؟! فيقول: ما سمعت هذا إلاّ الساعة.

فلمَّا فرغ من قصصه، وأخذ العطيَّات، ثم قعد ينتظر بقيَّ-تها، قال له يحيى بن معين بيده: تعال، فجاء متوهِّماً لنوال، فقال له يحيى: مَن حدَّثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين.

فقال: أنا يحيى بن معين، وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله (ص).

فقال: لم أزل أسمع: أنَّ يحيى بن معين أحمق، ما تحقَّقتُ هذا إلاّ السّاعة ؛ كأن ليس فيها يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، غيركما، وقد كتبتُ عن سبعة عشر: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين.

فوضع أحمد كمَّه على وجهه، وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما).

ينظر: شرح ألفيّة السيوطي في المصطلح، ص٨٧ - ٨٨، والباعث الحثيث، ص٨٦ (الهامش)، والتوضيح: ٢/ ٧٦ - ٧٧، والخلاصة في أصول الحديث، ص٨٠ - ٨١.


البحث الثالث: في أعظمهم ضرراً(١)

وأعظمهم ضرراً مَن انتسب إلى الزُّهد والصلاح بغير علمٍ، فأحتسب بوضعه - أي زعم أنَّه وضعه - حُسْبَة لله وتقرُّباً إليه ؛ ليجذب بها قلوب الناس إلى الله تعالى بالتّرغيب والتّرهيب.

فقبل الناس موضوعاتهم ؛ ثقةً بهم، وركوناً إليهم ؛ لظاهر حالهم بالصلاح والزُّهد.

ويظهر لك ذلك من أحوال الأخبار التي وضعها هؤلاء في الوعظ والزّهد، وضمَّنوها أخباراً عنهم، ونسبوا إليهم أفعالاً وأحوالاً خارقةً

للعادة، وكرامات لم يتَّفق مثلها لأولي العزم من الرّسل، بحيث يقطع العقل بكونها موضوعةً، وإن كانت كرامات الأولياء ممكنةً في نفسها.

- ١ -

ومن ذلك: ما روي عن أبي عصمة، نوح بن أبي مريم المروزي(٢) ، أنَّه قيل له: من أين لك عن عكرمة(٣) ، عن ابن عبَّاس(٤) ، في فضائل القرآن ؛ سورةً سورةً، وليس عند أصحاب عكرمة هذا ؟

فقال: إنِّي رأيت الناسَ قد أعرضوا عن القُرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق(٥) ؛ فوضعتُ هذا الحديث حُسْبَة(٦) .

____________________

(١) الذي في المخطوطة (ورقة ٣٩، لوحة ١، سطر ٤): (وأعظمهم ضرراً) فقط، بدون: (البحث الثالث: في أعظمهم ضرراً).

(٢) قال البخاريّ: (منكر الحديث)، وقال الحاكم: (وضع حديث فضائل القرآن الطويل). ينظر: ميزان الاعتدال: ٤/ ٢٧٩.

(٣) عكرمة بن عبد الله البربريّ المدني (٢٥ - ١٠٥ه-، ٦٤٥ - ٧٢٣م) مولى عبد الله بن عبَّاس، كان من أعلم الناس بالتفسير والمغازي؟!.... ينظر: الأعلام: ٥/ ٤٣ - ٤٤.

(٤) عبد الله بن عبَّاس بن عبد المطَّلب القرشيّ الهاشميّ (٣ق ه- - ٦٨ه-، ٦١٩ - ٦٨٧م) حبرُ الأُمّة، الصحابيّ الجليل.... ينظر: الأعلام: ٤/ ٢٢٨ - ٢٢٩.

(٥) محمد بن إسحاق بن يسار المُطَّلبي بالولاء، المدني (توفّي سنة ١٥١ه-)، من أقدم مؤرِّخي العرب...، ومن حفَّاظ الحديث.... ينظر: الأعلام: ٦/ ٢٥٢.

(٦) ينظر: تدريب الراوي، ص١٠٢، والخُلاصة في أصولِ الحديث، ص٧٩.


وكان يقال لأبي عصمة: هذا الجامع(١) ، فقال أبو حاتم بن حيّان(٢) : جمع كلّ شيء إلاّ الصّدق.

- ٢ -

وروى ابن حبّان عن ابن مهدي(٣) قال:

قلت لميسرة بن عبد ربِّه: من أين جئت بهذه الأحاديث: مَن قرأ كذا فله كذا؟ فقال: وضعتها أُرغِّبُ الناسَ فيها(٤) .

- ٣ -

وهكذا قيل: في حديث أُبيٍّ الطويل(٥) في فضائل سور القرآن، سورة سورة.

فروى عن المؤمّل بن إسماعيل(٦) قال: حدّثني شيخ به، فقلت للشيخ: مَن حدَّثك؟ فقال: حدَّثني رجل بالمدائن وهو حيٌّ، فصرتُ إليه، فقلتُ: مَن حدَّثك؟ فقال: حدّثني شيخ بواسطةٍ وهو حيّ، فصرتُ إليه، فقال: حدّثني شيخ بالبصرة، فصِرتُ إليه،

____________________

(١) إنَّما لقب بالجامع ؛ لأنَّه أخذ العلم عن: أبي حنيفة، وابن أبي ليلى، والحديث عن: حجّاج ابن أرطاة، والتفسير عن: الكلبي، ومقاتل، والمغازي عن: أبي إسحاق ؛ فكأنَّه جمع الكمالات. قال فيه أبو حاتم: جُمع فيه كلّ شيء إلاّ الصدق. هذا، وقد ولِّي نوحٌ الجامع قضاءَ مرو في خلافة المنصور. يُنظر: التوضيح: ٢/ ٨١.

(٢) محمد بن حبّان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد التميمي، أبو حاتم البُستي، ويقال له: ابن حبّان، مؤرِّخ علاّمة، جغرافي، محدِّث.... ينظر: الأعلام: ٦/ ٣٠٦.

(٣) عبد الرحمن بن مهدي: من شيوخ البُخاري، وأحد صيارفة الحديث الأربعة، وأحد كِبار الحُفّاظ وأئمَّة الحديث (توفِّي سنة ١٩٨ه-). ينظر: تذكرة الحُفّاظ: ١/ ٣٢٩.

(٤) ينظر: الموضوعات: ١/ ٢٤١. وقد علَّق المددي هنا بقوله:

(رواه الذهبيّ في ميزان الاعتدال (٤/ ٢٣٠) عن محمد بن عيسى الطبّاع، قلت لميسرة بن عبد ربِّه....

وقال في نفس المصدر(ص٣١): قال أبو زرعة: وضع [مسرة بن عبد ربِّه] في فضل قزوين أربعين حديثاً، وكانَ يقول: إنِّي احتسبُ في ذلك!!

(٥) وأُبيّ: هو أُبيّ بن كعب الصحابي المشهور، والطويل: صفة للحديث ؛ أي الحديث الطويل الذي رواه أبيّ ابن كعب في فضائل القرآن. ينظر: علوم الحديث لأبي الصّلاح، ص٩١.

(٦) مؤمّل بن إسماعيل العدويّ، مولى آل الخطَّاب، أبو عبد الرحمن، من رجال الحديث، من أهل البصرة، سكن مكّة، ودَفَن كتبه، فحدَّث مَن حفظه، فوقع الخطأ في بعض ما رواه (توفي سنة ٣٠٦ه-، سنة ٨٢٢م). ينظر: الأعلام للزركلي: ٨/ ٢٩٠ - ٢٩١.


فقال حدّثني شيخ بعبَّادان، فصرت إليه، فأخذ بيدي فأدخلني بيتاً، فإذا فيه قومٌ من المتصوِّفة، ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدّثني.

فقلت: يا شيخ، مَن حدَّثك؟ فقال: لم يحدِّثني أحد، ولكنَّا رأينا الناسَ قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث ؛ ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن(١) .

- ٤ -

وكلّ من أوْدَعَ هذه الأحاديث تفسيره: كالواحدي(٢) ، والثّعلبي(٣) ، والزّمخشري، فقد أخطأ في ذلك.

ولعلَّهم لم يطَّلعوا على وضعه، مع أنَّ جماعةً من العلماء قد نبَّهوا عليه.

وخطبُ مَن ذكره مسنداً - كالواحدي - أسهل.

____________________

(١) ينظر: الموضوعات: ١/ ٢٤١، وعلوم الحديث لأبي الصلاح، ص٩١، وتفسير القرطبي: ١/ ٧٩.

(٢) علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، الإمام، أبو الحسن، المفسّر، النيسابوري (المتوفَّى بها سنة ٤٦٨)، من تأليفه: أسباب النزول في تبليغ الرسول، البسيط في تفسير القرآن.... ينظر: هديّة العارفين: ١/ ٦٩٢.

(٣) أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أبو إسحاق، مفسِّر، من أهل نيسابور، له اشتغال بالتأريخ، من كتبه: الكشف والبيان في تفسير القرآن... (توفِّي سنة ٤٢٧ه-). ينظر: الأعلام: ١/ ٢٠٥ - ٢٠٦.


البحث الرابع:

في فِرَقِ الواضِعين(١)

- ١ -

ووضعتْ الزنادقة(٢) ،كعبد الكريم بن أبي العوجاء (٣) ، الذي أَمر بضرب عنقه محمدُ بن سليمان بن عليٍّ العبَّاسي(٤) ، وبنان(٥) ، الذي قتله خالدُ القسري(٦) ، وحرَّقه بالنار.

____________________

(١) الذي في المخطوطة (ورقة ٤٠، لوحة ١، سطر ٤ - ٥): (ووضعت الزنادقة) فقط، بدون: (البحث الرابع: في فِرَق الواضعين).

(٢) للتعرُّف على تاريخ مناسب مدروسٍ عن الزندقة، ووجه التسمية فيها، وأبرز رجالها، وأهمّ الأحداث التي رافقتها، أو تلك التي خلَّفتها، ينظر من مثل كتاب: خمسون ومائة صحابي مختلق، الجزء الأوّل، بحوثٌ تمهيديّة [ فقرة ] - ٢ -، ص٢٥ - ٥١، تأليف الحجّة البحّاثة، السيّد مرتضى العسكريّ.

(٣) وهو: خال معن بن زائدة الشيباني، الأمير المعروف، كان في البصرة، من المشهورين بالزندقة والتهاون بأمر الدّين، ورد ذكر مناظراته في الدين في كثير من كتب التاريخ والحديث، ولعلَّ من أخطرها تلك التي جرت بينه وبين الإمام أبو عبد الله الصادقعليه‌السلام ، وكانت النتيجةُ فيها أن أُفْحِمَ وأُسْكِت،... وفي أواخر أيَّامه، في خلافة المهديّ، قتله على الزندقة محمدُ بن سليمان، والي الكوفة ؛ ولمَّا أيقن أنَّه مقتول، قال قولته الشهيرة: (أمَا والله، لئن قتلتموني، لقد وضعت أربعة آلاف حديث، أحرِّم فيه الحلال، وأحلُّ فيه الحرام. والله، لقد فطّرتكم يوم صومكم، وصوَّمتكم في يوم فطركم...).

ينظر: اللآلئ المصنوعة: ٢/ ٢٤٨، وميزان الاعتدال: ٢/ ٦٤٢، ولسان الميزان: ٣/ ١٧٣، ٤/ ٥٢، وتاريخ الطبريّ (طبعة أوربّا): ٣/ ٣٧٦، وتاريخ ابن الأثير: ٦/ ٣، وتاريخ ابن كثير: ١٠/ ١١٣، والبحار: ٢/ ١١ - ١٤ - ١٥، ٣/ ١٩٩، ٤/ ١٨ - ٥٢ - ١٤١.

(٤) محمد بن سليمان بن عليّ العبَّاسي (١٢٢ه- - ١٧٣ه-)، أمير البصرة، وليها أيَّام المهدي.... ينظر: الأعلام: ٧/ ١٩.

(٥) بُنان بن سمعان النهديّ، من بني تميم، ظهر بالعراق بعد المائة، وادّعى إلهيَّة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ثُمّ ادّعى أنَّه قد انتقل إليه الجزء الإلهي بنوع من التناسخ، بل إنَّه كتب إلى الإمام محمد الباقرعليه‌السلام ، ودعاه إلى نفسه، وفي كتابه: (أسْلِم تَسْلَم، وترتقي إلى سُلَّم)، فأمر الباقر أن يأكل الرّسولُ الكتابَ الذي جاء به، فأكله فمات في الحال، وكان اسمه: عمر بن عفيف. ينظر: الملل والنحل: ١/ ١٠٣، والخطط للمقريزي: ٤/ ١٧٦، والباعث الحثيث، ص٨٤ (الهامش).

وأقول: ستأتي إشارة أخرى إلى بنان، في موضوع: المؤتَلَف والمختَلَف (في الفصل الثاني من الباب الرابع، لهذا الكتاب).

(٦) خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسريّ، من بجيلة، أمير العراقين، ولد سنة ٦٦ه-، وولي مكَّة سنة ٨٩ه- للوليد بن عبد الملك، وولي الكوفة والبصرة سنة ١٠٥ه- لهشام بن عبد الملك، وتوفِّي سنة ١٢٦ه-. ينظر: الأعلام: ٢/ ٣٣٨.


و[وضع] الغلاة من فرق الشيعة: كأبي الخطَّاب(١) ، ويونس بن ظبيان(٢) ، ويزيد الصائغ(٣) ، وأضرابهم(٤) ، جملةً من الحديث ؛ ليفسدوا به الإسلام، وينصروا به مذهبهم.

روى العُقَيْلي(٥) عن حمَّاد بن زيد(٦) ، قال: وضعت الزنادقةُ على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أربعة عشر ألف حديث(٧) .

وروي عن عبد الله بن زيد المُقري: أنَّ رجلاً من الخوارج رجع عن بدعته، فجعل يقول: انظروا هذا الحديث عمَّن تأخذونه، فإنَّا كنَّا إذا رأينا رأياً جعلنا له حديثاً(٨) .

ثُمَّ نهض جهابذةُ النقَّاد - جمع جهبذ ؛ وهو الناقد البصير(٩) - بكشف عَوارِها(١٠) - بفتح العين وضمِّها، والفتح أشهر ؛ وهو: العيب - ومحو عارها، فلله الحمد.

____________________

(١) محمّد بن أبي زينب مقلاص الأجدع الأسدي، عزا نفسه إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق، فلمَّا وقف الصادق على غُلوِّه الباطل في حقّه، تبرَّأ منه ولعنه وأخبر أصحابه بالبراءة منه، وشدَّد القول في ذلك، وبالغ في التبرِّي منه واللّعن عليه، فلمَّا اعتزل عنه الصادق، ادّعى الأمر لنفسه.... ينظر: تاريخ أبي الفداء: ٣/ ٢، وتاريخ الطبري: ٩/ ١٧٣، والخطط للمقريزي: ٤/ ١٧٤، والملل والنحل: ١/ ١٠٣.

(٢) قال أبو عمرو الكشيّ: قال الفضل بن شاذان في بعض كتبه: (الكذّابون المشَهورون: أبو الخطَّاب، ويونس بن ظبيان، ويزيد الصايغ، ومحمّد بن سنان ؛ وأبو سمينه أشهرهم).

وقال النجاشي: (إنَّه مولى ضعيف جدّاً، لا يلتفت إلى ما رواه، كلّ كتبه تخليط).

وقال ابن الغضايريّ: (يونس بن ظبيان، كوفيّ، غالٍ، كذَّاب، وضَّاع للحديث، روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، لا يلتفت إلى حديثه) وقال العلاّمة في القسم الثاني من خلاصته: (يونس بن ظبيان (بالظاء المعجمة المفتوحة، والباء المنقَّطة تحتها قبل الياء، و النون أخيراً،...) فأنا لا أعتمد على روايته ؛ لقول هؤلاء المشايخ العظام فيه).

(٣) ينظر: التعليقة رقم (٢) السابقة.

(٤) كالكامليّة، والغُرابيّة، والمُغيرية، والمنصوريّة، والعليائيّة،.... ينظر: الملل والنحل: ١/ ١٠١ - ١٠٣، والخطط: ٤/ ١٧٥، وغيرهما

(٥) محمّد بن عمرو بن موسى بن حمَّاد العقيليّ المكيّ (توفي ٣٢٢ه- - ٩٣٤م)، أبو جعفر، مِن حُفَّاظ الحديث. قال ابن ناصر الدين: له مصنفاتٌ خطيرة ؛ منها كتابه في: (الضعفاء - خ)،.... يُنظر: الأعلام: ٧/ ٢١٠.

(٦) حمَّاد بن زيد بن درهم الأزديّ الجهضي، مولاهم، البصري (٩٨ - ١٧٩ه-)، أبو إسماعيل، شيخ العراق في عصره، من حُفَّاظ الحديث المجوِّدين، يعرف بالأزرق، أصله من سبي سجستان، ومولده ووفاته في البصرة، وكان ضريراً طرأ عليه العمى، يحفظ أربعة آلاف حديث، خرَّج حديثه الأئمة الستّة. ينظر: الأعلام: ٢/ ٣٠١.

(٧) ينظر: تدريب الراوي، ص١٠٣.

(٨) ينظر: المصدر نفسه.

(٩) الجهبذ (بالكسر): النَّ-قَّاد الخبير، ينظر: القاموس المحيط: ١/ ٣٥٢.

(١٠) العَوَار (مثلَّثه): العيب، يُنظر: القاموس المحيط: ٢/ ٩٧.


حتى قال بعضُ العلماء: (ما ستر الله أحداً يكذبُ في الحديث)(١) .

____________________

(١) قال ابن الجوزيّ: أنبأنا عبد الوهاب، قال: أنبأنا ابن بكران الشاميّ، قال: أنبأنا أبو الحسن العتيقيّ، قال: أنبأنا يوسف بن الدّخيل، قال: حدَّثنا أبو جعفر العقيلي، قال: حدَّثنا محمد بن عبد الله الحضرميّ، قال: حدَّثنا جمهور بن منصور، قال: حدَّثنا أبو الحارث الزّبيديّ، قال: سمعت سفيان يقول: (ما ستر الله عزَّ وجلَّ أحداً يكذب في الحديث). ينظر: الموضوعات: ١/ ٤٨.


البحث الخامس:

في شرعيَّة الوَضع(١)

وقد ذهبت الكِراميَّة (بكسر الكاف وتخفيف الرّاء، أو بفتح الكاف وتشديد الرّاء، أو بفتح الكاف وتخفيف الرّاء، على اختلاف نقل الضابطين لذلك) ؛ وهم الطائفةُ المنتسبون بمذهبهم إلى محمّد بن كرّام(٢) ، و[كذلك ذهب] بعض المبتدعة من المتصوُّفة، إلى جواز وضع الحديث للتّرغيب والتّرهيب ؛ ترغيباً للناس في الطاعة، وزجراً لهم عن المعصية.(٣)

واستدلُّوا بما روي في بعض طرق الحديث: (مَن كذب عليَّ متعمِّداً ؛ ليضلّ به الناس، فليتبوأ مقعده من النار)(٤) .

وهذه الزيادة: قد أبطلها نَقَلة الحديث.

وحمل بعضهم حديث: (مَن كذب عليّ)، على مَن قال: إنَّه ساحر أو مجنون(٥) ، حتّى قال بعض المخذولين: إنَّما قال: (مَن كذب عليّ)، ونحن نكذب له ونقوِّي شرعه(٦) .

____________________

(١) والذي في النسخة الخطِّيَّة (ورقة ٤٠، لوحة ب، سطر ٣): (وقد ذهبت الكِراميةُ) فقط،بدون: (البحث الخامس: في شرعيَّة الوضع).

(٢) محمد بن كرّام بن عراق بن حزابة، أبو عبد الله، السِّجزي، إمام الكراميّة، من فِرَق الابتداع في الإسلام ؛ كان يقول: بأنَّ الله تعالى مستقرّ على العرش، وأنَّه جوهر. وُلد ابن كرّام في سجستان، وجاور بمكّة خمس سنين، وورد نيسابور، فحبسه طاهر بن عبد الله ؛ ثُمَّ انصرف إلى الشام، وعاد إلى نيسابور، فحبسهُ محمد بن طاهر، وخرج منها سنة ٢٥١ه- إلى القدس، فمات فيها سنة ٢٥٥ه-. ينظر: الأعلام: ٧/ ٢٣٦.

(٣) قال ابن الجوزي: قال أبو بكر محمد بن المنصور السمعاني: (ذهب بعض الكراميّة إلى جواز وضع الأحاديث على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيما لا يتعلَّق به حكم من الثواب والعقاب ؛ ترغيباً للناس في الطاعة، وزجراً لهم عن المعصية...). ينظر: الموضوعات: ١/ ٩٦.

وللتعرُّف على بعض آرائهم ومقالاتهم، ينظر كتاب: التبصير في الدين، ص٩٩.

(٤) ينظر: الموضوعات: ١/ ٩٦ - ٩٧.

(٥) يُنظر: المصدر نفسه: ١/ ٩٤.

(٦) قال ابن الجوزي: (إنَّ بعض المخذولين ؛ من الواضعين أحاديث التّرغيب، قال: إنَّما هذا الوعيد لمِن كذب عليه، ونحن نكذب له ونقوّي شرعه، ولا نقوّي ما يخالف الحقّ ؛ فإذا جئنا بما يوافق الحقّ، فكأنَّ الرّسولعليه‌السلام قاله). ينظر: الموضوعات: ١/ ٩٨.


نسأل الله السلامة من الخذلان.

وحَكَى القرطبيّ(١) في (المُفْهِم) عن بعض أهل الرأي: (أنَّ ما وافق القياس الجليّ، جاز أنْ يعزى إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله )(٢) .

ثُمَّ المرويّ، تارةً يخترعه الواضع، وتارةً يأخذ كلام غيره، كبعض السّلف الصالح، أو قُدماء الحكماء، أو الإسرائيليّات، أو يأخذُ حديثاً ضعيفَ الإسناد، فيركِّب له إسناداً صحيحاً لِيُرَوَّج(٣) .

____________________

(١) أحمد بن عمر بن إبراهيم، أبو العباسَّ الأنصاري القُرطبيّ، فقيه مالكي، من رجال الحديث، كان مدرِّساً بالإسكندريّة، وتوفِّي بها سنة ٦٥٦ه-، ومولده بقرطبة سنة ٥٧٨ه- ، من كتبه: (المُفْهِم في شرح صحيح مسلم) في الحديث،.... ينظر: الأعلام: ١/ ١٧٩.

(٢) عبارته هذه عن فقهاء الرأي، نقلها عنه السّخاوي في شرحه ألفيّة العراقي. في مصطلح الحديث، ص١١١.

(٣) وقد علَّق المددي هنا بقوله:

(ويعبَّر عنهُ ب-: (تركيب الأسانيد)، ومعرفته من أجلِّ مباحث الحديث وأغمضها، ولا يهتدي إليه إلاّ العارفُ الخبير، الذي له اطلاع عميق على متون الأحاديث وأسانيدها، وإلمام واسع بطبقات الرواة وأحوالهم، فمثلاً: إذا كان لأحد المحدِّثين طريق صحيح إلى (كتاب) حريز بن

عبد الله، الذي يعتبر من الكتب المشهورة المعوّل عليها، ثم وجد روايةً عن حُريز بسندٍ ضعيفٍ، فعند ذلك يحذف السند، ويذكر الرواية مع طريقه إلى حريز، وبذلك تصبح الروايةُ صحيحةَ السند!!

ثم إنَّه توجد بعض الأحاديث في كتب المشائخ العظام، ممَّا ظاهرها أنَّها من هذا القبيل ؛ أي مركَّبة الأسانيد، فيُتَوَهَّم أنَّها موضوعةٌ! ولكن الأمر ليس كذلك ؛ إذ لعلَّ الواقع كان كذلك ؛ بمعنى أنّ الروايةَ كانت لها طرق عديدةٌ، بعضها ضعيفٌ وبعضها صحيح، فذكرَ الضعيف في بعض المصادر، والصحيح في بعضها الآخر ؛ وليس معنى ذلك أنَّ الصحيح موضوعٌ. علماً، بأنَّ الراوي للطريق الصحيح إنْ كان ثقة، فوثاقته أقوى شاهد على ذلك.

نعم، لمثل هذه الأُمور، يجدر بنا التثبُّت والتحقيق في (الموضوع)، وأن لا نحكم بشيء قبل المراجعة والتأمُّل).


البحث السادس:

في أشهرِ مصنِّفيه(١)

وقد صنَّف جماعة من العلماء كتباً في بيان الموضوعات.

- ١ -

وللصَّغاني(٢) ، الفاضل الحسن بن محمد، في ذلك كتاب:(الدرّ الملتقط في تبيين الغلط) ، جيِّد في هذا الباب.

- ٢ -

ولغيره - كأبي الفرج ابن الجوزيّ(٣) - دونه في الجودة ؛ لأنَّ كتاب ابن الجوزي، ذكر فيه كثيراً من الأحاديث، التي ادّعى وضعها، لا دليل على كونها موضوعةً، وإلحاقها بالضعيف أولى، وبعضها قد يلحق بالصحيح والحسن عند أهل النقد، بخلاف كتاب الصغاني، فإنَّهُ تامٌّ في هذا المعنى، مشتمل على إنصافٍ كثيرِ.

[ تتمَّةٌ ]

تتمَّةٌ لهذا القسم من الضّعيف، لا لِفَرد الموضوع، تشتمل على مباحث كثيرة، من أحكام الضَّعيف.

- ١ -

إذا وجدت حديثاً بإسناد ضعيف، فلك أن تقول: هذا الحديث ضعيف بقول مطلق ؛ وتعني به: ضعيف الإسناد، أو تصرِّح بأنَّه ضعيف الإسناد. لا أن تعني بالإطلاق - أو تُصرِّح - بأنَّه ضعيف المتن ؛ فقد يُروَى بصحيحٍ يثبتُ بمثله الحديثُ.

____________________

(١) والذي في النسخة الخطِّيَّة (ورقة ٤١، لوحة ١، سطر ٣): (وقد صنَّف جماعةٌ) فقط، بدون: (البحث السادس: في أشهر مصنِّفيه).

(٢) الحسن بن محمد الحسن بن حيدر العدويّ، العُمَريّ، الصاغاني، رضيّ الدّين، أعلم أهل عصره في اللّغة، وكان فقيهاً محدِّثاً...، له: شرح صحيح البخاري (٥٧٧ - ٦٥٠ه-، ١١٨١ - ١٢٥٢م). ينظر: الأعلام: ٢/ ٢٣٢.

(٣) عبد الرحمن بن عليّ بن محمّد الجوزيّ (٥٠٨ - ٥٩٧ه- )، القرشيّ البغداديّ، علاّمة عصره في الحديثِ والتاريخ. ينظر: الأعلام: ٤/ ٨٩.


وإنَّما يضعَّف - أي يطلقُ عليه الضعيفُ - مطلقاً، بحكم إمام من أئمة الحديث، مطّلع على الأخبار وطُرقها، مضطلع بها، وأنَّه - أي ذلك الحديث الموجود بطريقٍ ضعيف - لم يُرْوَ بإسناد يُثْبَت به، مصرَّحاً بهذا المعنى. فإنْ أطلق ذلك المطّلع ضعفه ولم يفسِّره، ففي جوازه لغيره كذلك:وجهان ، مرتّبان على أنَّ الجرح هل يثبت مجملاً؟ أم يفتقر إلى التفسير؟ وسيأتي إنشاء الله تعالى.

- ٣ -

وقد تقدَّم أنَّه لا يجوز رواية الموضوع بغير بيان حاله مطلقاً، وأمَّا غيره من أفراد الضّعيف، فمنعوا روايته أيضاً في الأحكام والعقائد ؛ لِمَا يترتَّب عليه من الضّرر في الأحكام الدينيّة، فروعاً وأصولاً.

- ٤ -

وتساهلوا في روايته بلا بيان، في غير الصّفات الإلهية والأحكام الشرعيّة، من التّرغيب والتّرهيب، والقصص وفضائل الأعمال، و نحوها، على المشهور بين العلماء. ويمكن أن يستدلّ له بحديث: (مَن بلغه شيء من أعمال الخير، فعمل به، أعطاه الله تعالى ذلك، وإن لم يكن الأمر على ما بلغه)(١) ، ونحوه من عباراته.ومنهم : مَن منع العملَ به مطلقاً.

- ٥ -

ومريدُ روايةِ حديثٍ ضعيفٍ، أو مشكوك في صحَّ-ته، بغير إسناد، يقول: رُوي، أو بلغنا، أو ورد، وجاء، ونحوه من صيغ التّمريض. ولا يذكره بصيغة الجزم ؛ كقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفعل، ونحوها من الألفاظ الجازمة ؛ إذ ليس ثَمَّ ما يوجب الجزم(٢) . ولو أتى بالإسناد مع المتن، لم يجب عليه بيانُ الحالِ ؛ لأنَّه قد أتى به عند أهل الاعتبار، والجاهلُ بالحالِ غير معذورٍ في تقليد ظاهره، فالتقصير منه. ولو بيَّنَ الحال أيضاً كان أولى.

____________________

(١) الظاهر أنَّ هذا الحديث ممَّا نقل بالمعنى ؛ وللتعرُّف على مصادره، بألفاظ أخر، يلاحظ: جامع أحاديث الشيعة: ١/ ٩٣، باب المقدِّمات.

(٢) ينظر: الباعث الحثيث، ص٩١.


الفهرس

شرحُ البِداية في عِلمِ الدِّراية ٣

شرح البداية ١ - في: أوَّليَّاته ٢ - في: علمِ الدِّراية ٣ - في: فهارسه العامة إخراج وتعليق وتحقيق عبد الحسين محمد علي بَقَّال ٥

الجهد الأول: في أوَّليَّات الكتاب - الإهداء - التقديم - بين يدي الكتاب - المترجَم له في سطور - الشَّرح لدى الظهور ٦

الإهداء ٨

التقديم ٩

بين يدَي الكتاب ١٧

المُترجَم له في سطور ٢٤

الشرح لدى الظهور ٢٥

الجهدُ الثاني: شرحُ البِداية في علِم الدِّراية الفقيه المحدِّث الشهيد الثاني زينُ الدِّين بن عليِّ بن أحمد العاملي ٩١١ه- ٩٦٥ه- ٤٣

المقدِّمة ٤٧

الحقلُ الأول: في الخبر، والحديثِ، والأثر ٤٩

الحقلُ الثاني: في مَتْنِ الحديث(١) ٥٢

الحقلُ الثالث: في السَّند والإسناد(١) ٥٣

الحقل الرابع: في صدق الخبر وكذبه(١) ٥٤

الحقلُ الخامسُ: في القطع وخفائهِ(١) ٥٩

الحقل السادس: في التواتَرِ وشروط تحقُّقه ٦٢

الحقل السابع: في الآحاد ودرجاته(١) ٧٠


الحقلُ الثامن: في حصرِ الأخبار(١) ٧٣

الحقل التاسع: في تحديد البحث(١) ٧٥

الحقل العاشر: في خطَّة البحث(١) ٧٦

الباب الأوَّل: في أقسامِ الحديث ٧٧

القسم الأوَّل: في الأحاديثِ الأصول ٧٩

القسم الثاني: في الأنواعِ والفُروع ٩٧

الفهرس ١٦٩