التوحيد عند مذهب
أهل البيتعليهمالسلام
علاء الحسون
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنينعليهماالسلام للتراث والفكر الإسلامي
وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً
قسم اللجنة العلمية في الشبكة
مقدمة المؤلف :
كلّما يكون الإنسان " أعلم " بمسائل التوحيد فإنّه سيكون " أقدر " على توسيع آفاق رؤيته الكونية ، وارتقاء مستواه الديني في الصعيد الفكري والمعرفي ، وامتلاك العقيدة الدينية الحقّة.
ولهذا تمّ تأليف هذا الكتاب ، فإنّه كتاب يستهدف بيان عقيدة أتباع مذهب أهل البيتعليهمالسلام ، حول الأصل الأوّل من أصول الدين.
وقد حاولت في هذه الدراسة ، بيان المعلومات العقائدية المرتبطة بالتوحيد بصورة شاملة وميسّرة ، وعلى شكل فقرات موجزة وتقسيمات واضحة تستهدف مساعدة القارئ على امتلاك عقيدة توحيدية ذات قواعد معرفية متينة وبنية علمية رصينة.
ومن الأُمور المهمّة التي أودّ الإشارة إليها في هذه المقدّمة ، أن الشعور بالتعطّش إلى الحقائق المرتبطة بالتوحيد هو الذي يدفع الإنسان نحو البحث عن هذه الحقائق ، أما الذي يعيش حالة الاستغناء المعرفي - ولا سيما نتيجة الرغبة في البقاء على الموروث العقائدي - فإنّه لا يشعر بالحاجة نحو هذه البحوث ولا يجد في نفسه الدافع والمحفّز للانجذاب نحوها.
والأمر الآخر الذي أودّ الإشارة إليه ، أنّ مضامين هذا الكتاب لا تمنح القارئ إلاّ " العلم " بالحقائق المرتبطة بالتوحيد.
و " العلم " لا يشكّل العلّة التامة لنيل البصيرة ، وإنّما هو جزء العلّة ، والجزء الآخر هو ارتفاع الموانع عن القلب.
وأبرز هذه الموانع هى الآثار التي تتركها الذنوب والمعاصي على القلب بمختلف الأشكال المعبر عنها بالزيغ والرين والأدران.
وبمقدار وجود الحواجز بين القلب والعلم يقلّ مقدار انتفاع الإنسان من نور العلم ؛ لأنّ العلم لا يترك أثره في القلب إلاّ بمقدار طهارة القلب من الأدران
والشوائب.
ولهذا نجد أشخاص لديهم " العلم " بوجود اللّه وصفاته ، ولكنّهم في مقام " العمل " لا فرق بين عملهم وعمل الجاحدين بوجود اللّه عزّ وجلّ.
بل قد نجد أشخاص يحملون قبساً من نور العلم ويضيئون به الدرب للآخرين ، ولكنّهم لا ينتفعون من هذا النور أبداً ؛ لأنّ قلوبهم تعيش في الظلام نتيجة وقوعها في أسر حجب الأهواء والشهوات وتلوّثها بأدران الشوائب.
والسبيل لإزالة هذه الأدران والشوائب هو تهذيب النفس في الواقع العملي وكبح جماحها أمام مغريات الحياة.
وعموماً ؛ فليس العلم هدفاً بالذات ، وإنّما هو وسيلة يتقرّب به الإنسان إلى كماله الحقيقي.
والعلم الذي لا يترك أثره المطلوب ، فإنّه يعدّ مجرّد مفاهيم يختزنها الإنسان في ذهنه في الدنيا ، وسيكون هذا العلم وبالاً وحجّة عليه في الآخرة.
والهدف الحقيقي - في الواقع - هو بلوغ مرحلة البصيرة والارتواء من معين الإيمان باللّه تعالى ، والنهوض بكلّ حيوية نحو حياة مفعمة بتقوى اللّه عزّ وجلّ.
علاء الحسّون
الفصل الأوّل وجود الله تعالى
خصائص مسألة وجود الله تعالى
إثبات وجود الله عن طريق الفطرة
برهان النظم
برهان الحدوث
برهان الإمكان
المبحث الأوّل خصائص مسألة وجود الله تعالى
١ - تناول القرآن الكريم موضوع التوحيد من جهة وحدانية الله وألوهيته وربوبيته ، وغيرها من مراتب التوحيد.
ولم يرد في القرآن دليل صريح على إثبات أصل وجود الله ؛ لأنّ القرآن تعامل مع مسألة وجود الله كمسألة ثابتة ومفروغ عنها ، وكأنّها مسألة بديهية لا يحتاج إثباتها إلى دليل أو برهان.
ولهذا قال تعالى :( أَ فِي اللَّهِ شَکٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ ) [ إبراهيم : ١٠ ]
تنبيه :
المشكلة الأساسية التي واجهتها البشرية - على مرّ العصور - لم تكن في مسألة " أصل وجود الله " ، وإنّما كانت في مسألة " وحدانية الله وربوبيته " ، ولهذا :
أصبح " توحيد وجود الله " الأصل الأوّل من أصول الدين.
ولم يصبح " إثبات وجود الله " الأصل الأوّل من أصول الدين.
أهم طرق إثبات وجود الله :
أوّلاً - طريق الفطرة ، وسنبيّن تفاصيل هذا الطريق في المبحث القادم.
ثانياً - طريق الاستدلال ، أي : طريق إقامة الأدلة والبراهين العقلية ، من قبيل برهان الحدوث وبرهان الإمكان ، وهي البراهين التي سنبيّنها بصورة مفصّلة في المباحث الآتية.
المبحث الثاني : اثبات وجود الله عن طريق الفطرة
الفطرة :
الفطرة ، منبع كامن في باطن الإنسان يجذبه نحو المبدأ الأعلى.
وهذا المنبع هو الذي يرشد الإنسان إلى حقائق كامنة في أعماق ذاته ، ويدفعه نحو البحث عمّا يروي تعطّشه الروحي في الصعيد الديني والمعنوي.
خصائص الأمور الفطرية :
١ - موجودة في أعماق ذات كلّ إنسان.
٢ - تتحرّك بوحي داخلي، ولا تحتاج إلى تعليم وتعلّم.
٣ - لا تخضع لتأثير العوامل الخارجية(١) .
٤ - تعتريها حالة الشدّة والضعف ، ولكنّها ثابتة ، ولا يمكن استئصالها أو القضاء عليها.
الفطرة والإيمان بوجود الله :
إنّ الايمان بوجود الله أمر فطري.
دليل ذلك :
وجود " الرغبة الدينيّة " بين أبناء البشر على مرّ العصور واختلاف الشعوب ، وهذا ما يدفعنا إلى الإذعان بأنّ هذا الشعور أمر فطري.
ولو كان هذا الشعور :
١ - يتواجد عند بعض الناس دون غيرهم.
٢ - يحتاج إلى تعليم وتعلّم.
____________________
١ - من قبيل العوامل الجغرافية والسياسية والاقتصادية وغيرها.
٣ - يخضع للعوامل والظروف الخارجية.
٤ - غير ثابت في الذات البشرية.
لوجب أن تكون هذه الرغبة الدينيّة فقط عند من تتوفّر عندهم هذه الشروط.
ولوجب أن توجد هذه الرغبة الدينيّة عند بعض الأشخاص أو بعض الطبقات الخاصة أو بعض الشعوب فقط دون غيرهم.
ولكن الواقع يكشف عكس هذا الأمر تماماً ، ونحن نرى بأنّ الرغبة الدينيّة تستيقظ في باطن كلّ إنسان ، ويشعر بها الإنسان تلقائياً سواء كان في برهة من حياته ، ولا سيما في حالة الشدّة والبلاء.
فيثبت أنّ " الرغبة الدينيّة " أمر فطري في الذات الإنسانيّة ، وهي تمتلك كلّ خصائص الأمور الفطرية التي ذكرناها آنفاً.
تنبيهات :
١ - إنّ الأمور الفطرية - في خصوص معرفة الله - تنقسم إلى قسمين :
أوّلاً : المدركات الفطرية ، من قبيل : معرفة الله الفطرية.
ولهذا تسمّى معرفة الله التي لا تحتاج إلى تعلّم ب- " معرفة الله الفطرية ".
ثانياً : الميول والرغبات الفطرية ، من قبيل : عبادة الله الفطرية.
ولهذا يسمّى الشعور بوجود اللّه والرغبة في عبادته في كلّ إنسان ب- " عبادة الله الفطرية "أو" التديّن الفطري "(١) .
٢ - يتّجه الإنسان بفطرته نحو " عبادة الله " ، كما يتّجه بغريزته نحو حبّ الذات وحبّ الخير وحبّ الجاه وحبّ الاستطلاع.
٣ - تعتبر الفطرة الدافع الابتدائي نحو الإيمان بوجود الله ، ثمّ يتكامل هذا الإيمان بمساعدة العقل.
بعبارة أخرى :
إنّ " الفطرة " تقوم بعملية الاستعداد والتوجّه نحو الله تعالى.
____________________
١ - انظر : نظرة حول دروس في العقيدة الإسلامية ، محمّد تقي مصباح اليزدي ، إعداد : عبدالجواد الإبراهيمي : الدرس الخامس ، ص ٣١.
أمّا الطريق إلى الله تعالى فهو " العقل ".
ودور " الأنبياء " هو التنبيه ومخاطبة العقل وإقناعه بالدليل والبرهان.
٤ - إنّ التيارات المعاكسة والمخالفة للإيمان بوجود الله ، قد تؤدّي إلى تضعيف الاتّجاه الفطري للإنسان نحو الإيمان ، ولكن هذه التيارات لا تستطيع أبداً أن تستأصل هذا الاتّجاه أو تقضى عليه بالمرّة.
٥ - كانت أبرز وظائف الأنبياء ، تحذير الناس من عبادة الموجودات التي لا تستحق العبادة ، من قبيل : الأصنام ، الشمس ، القمر و كي لا يروي الناس تعطّشهم الفطري للعبادة بمصاديق كاذبة للآلهة.
الفطرة في أحاديث أهل البيتعليهمالسلام :
١ - قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : " كلّ مولود يولد على الفطرة ، يعني : المعرفة بأنّ الله عزّ وجلّ خالقه "(١) .
٢ - أقوال أهل البيتعليهمالسلام حول قوله تعالى :( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) [ الروم : ٣٠ ] :
قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : " هي الفطرة التي فطر الناس عليها ، فطر الله الخلق على معرفته "(٢) .
وقالعليهالسلام أيضاً : " فطرهم على معرفته أنّه ربّهم ، ولولا ذلك لم يعلموا - إذا سُئلوا - من ربّهم ؟ ولا من رازقهم ؟ "(٣) .
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : " فطرهم على التوحيد "(٤) .
٣ - سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام عن قول الله عزّ وجلّ :( وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّکَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّکُمْ قَالُوا بَلَى ) [ الأعراف : ١٧٢ ].
فقالعليهالسلام : " ثبتت المعرفة في قلوبهم ، ونسوا الموقف ، وسيذكرونه يوماً ما ، ولولا
____________________
١ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج٢ ، كتاب الإيمان ، باب فطرة الخلق ، ح٣ ، ص١٣.
٢ - المحاسن ، أبو جعفر البرقي : ج ١، باب جوامع من التوحيد، ح [٨٢٤] ٢٢٦، ص ٣٧٥.
٣ - المصدر السابق : ح [٨٢٥] ٢٢٧ ، ص ٣٧٥ - ٣٧٦ وعنه البحار ك ٣ / ٢٧٩ ح ١٣.
٤ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٥٣ : باب فطرة الله، ح٥ ، ص٣٢١.
ذلك لم يدر أحد مَن خالقه ولا مَن رازقه "(١) .
____________________
١ - المحاسن ، أبو جعفر البرقي : ج ١ ، باب جوامع من التوحيد ، ح [٨٢٦] ٢٢٨ ، ص ٣٧٦ وعنه بحار الأنوار : ٣ / ٢٨٠ح١٦.
المبحث الثالث :برهان النظم
معنى النظم :
" النظم " هو الائتلاف بين الأشياء لأداء مهمّة معيّنة.
ويقابل هذا المعنى " الفوضى ".
مثال ذلك :(١)
١ - الكلمات : التي تشاهدها على هذه الصفحة ، رُتّبت لتفهم منها مقاصد معيّنة ، فلهذا يقال حول هذه الكلمات : إنّها " منظّمة ".
ولو كانت هذه الكلمات منثورة نثراً عشوائياً ، لما حصل منها المقصود المطلوب ، ولقيل عنها : إنّها " غير منظّمة ".
٢ - مواد البناء : إذا رتّبها بانيها على هيئة دار للسكنى ، فسيُقال عنها : إنّها " منظّمة ".
ولكن هذه المواد لو كُدّست دون ترتيب معيّن ، فإنّها ستفقد قابليتها للسكنى ، وسيقال عنها في هذه الحالة : إنّها " غير منظّمة ".
٣ - رتّب مخترع جهاز المذياع أدوات هذا الجهاز ، لسحب ذبذبات الأصوات التي ترسلها محطّات الإذاعة ، فيقال لهذه الأدوات : إنّها " منظّمة ".
ولكن هذه الأدوات لو جُمعت ، وجعلت في صندوق من غير تنسيق ، فإنّها ستفقد القدرة على سحب ما يذاع من المحطّات ، فسيُقال عنها في هذه الحالة : بأنّها " غير منظّمة ".
____________________
١ - انظر : محاضرات في العقيدة الإسلامية ، أحمد البهادلي : ص ٢٣٩ ، ٢٤٠ ( بتصرّف ).
تقرير برهان النظم :
عندما يتأمّل الإنسان في السماوات والأرض وما بينها
فإنّه يرى بأنّها مخلوقة بأحسن نظم وأتقن تدبير
فيحكم العقل بأنّه :
لابدّ لهذا النظم من منظّم حكيم.
ولابدّ لهذا التدبير من مدبّر عليم.
فيثبت بذلك وجود منظّم حكيم ومدبّر عليم لهذا العالم.
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( العجب من مخلوق يزعم أنّ الله يخفى على عباده ، وهو يرى أثر الصنع في نفسه بتركيب يبهر عقله وتأليف يبطل حجّته )(١) .
تنبيه :
غاية ما يثبته " برهان النظم " ضرورة وجود " منظّم " و " مدبّر " للعالم فقط ، أعم من كونه هو الله تعالى أو غيره.
وتوجد في هذا الصعيد أدلة أخرى - سنبيّنها لاحقاً - تثبت وجود ووحدانية الله تعالى.
مناقشة رأي الماديين حول منشأ النظم(٢)
ذهب بعض الماديين إلى أنّ العالم وُجد نتيجة سلسلة من العلل المتتالية.
ولكلّ شيء في هذا العالم علّة ، ولهذه العلّة علّة إلى ما لا يتناهى من العلل.
وهذا في نفسه يوجد النظم بصورة لا إرادية ، ويشكّل في هذا العالم سلسلة مترابطة ومنظّمة.
بعبارة أخرى :
إنّ الناظم في العالم ، عبارة عن العلل المكوّنة لهذا العالم.
____________________
١ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج٣ ، كتاب التوحيد ، باب ٥ ، خبر الإهليلجة ، ص ١٥٢.
٢ - انظر : التوحيد ، مرتضى مطهري : ٦٤ - ٨٧.
وليس النظم شيئاً آخر وراء العلل الموجودة في العالم.
بل النظم عبارة عن الترابط الموجود فيما بين هذه العلل الحاكمة على هذا العالم.
يرد عليه :
١ - التسلسل - كما سنبيّن - باطل ، وإذا كان لكلّ علّة في العالم علّة أخرى ، فلابدّ أن يصل الأمر إلى علّة قائمة بذاتها تشكّل الانطلاقة لهذه السلسلة.
٢ - " العلل " التي لا تمتلك " الشعور " و " الإدراك " ، تعمل بصورة عشوائية وغير متّجهة نحو هدف معيّن.
ولهذا لابدّ من توجيه مركزي لهذه العلل ، ولابدّ من وجود قوّة عُليا ذات شعور وإدراك تدبّر وتدير نظام الأسباب والمسبّبات ، وتغرس في كلّ علّة ما يهديها إلى أهدافها المطلوبة.
مثال ذلك :
القوّة المحرّكة ليد الكاتب قادرة فقط على تحقّق الكتابة.
ولكن الكتابة لا تكون مفهومة وذا هدف ، إلاّ أن يكون الكاتب صاحب شعور وإدراك ، بحيث يتمكّن من إيصال مقصوده إلى المخاطب عن طريق اختيار أفضل الكلمات.
الصدفة وحدوث العالم :
معنى الصدفة :
الصدفة ، تعني تحقّق أحداث منظّمة في العالم من دون أن يكون وراءها تخطيط أو محاسبة أو تنظيم.
تنبيه :
ليس المقصود من " الصدفة " :
أن يوجد حدث بنفسه ومن دون علّة لوجوده.
أو تتحقّق ظاهرة بذاتها ومن دون سبب خارجي لها.
لأنّ هذا الأمر لم يقل به أحد ، كما أنّه يتنافى مع " قانون العلّية ".
وإنّما المقصود من " الصدفة " :
أن يوجد حدث منظّم من دون أن يكون وراءه جهة ذات شعور وإدراك ، تدير وتنظّم شؤونه.
مناقشة رأي الماديين القائلين بالصدفة في نشوء العالم :
أنكر بعض الماديين وجود التخطيط والتنظيم في نشوء العالم ، من قبل جهة ذات شعور وإدراك تدير وتنظّم شؤون هذا العالم.
وقالوا بأنّ العالم لم يخلق على أساس من التنظيم المتقن والمسبق.
وإنّما خُلِق نتيجة سلسلة من التفاعلات الطويلة والحركات المتتالية ، من دون أن يكون وراء هذه العلل أي تخطيط أو تنظيم.
يرد عليه :
١ - البحوث العلمية التي أجراها العلماء في مختلف مجالات العلوم ، أثبتت بأنّ الأشياء الموجودة في العالم ، خُلقت وفق نظام تهيمن عليه حسابات دقيقة مدهشة ، بحيث يكون من المستحيل للمادّة الصمّاء والعلل التي لا تمتلك الشعور والإدراك أن تكون سبباً لخلق هذا النظام.
٢ - لا ينكر أحد وجود " الصدفة " في العالم ؛ لأنّها موجودة بمفهوم نسبي لا مطلق ، ولكن لا يخفى بأنّ " الصدفة " عمياء وغير مدركة وغير منظّمة ولا تخضع لأيّ حساب وقانون ، ولهذا كلّما ازداد الشيء تعقيداً في نظامه ضعف احتمال الصدفة في حصول أثره.
مثال :
إذا مسك أحد الأطفال قلماً ، وكتب حرفين على ورقة ، فإنّنا يسعنا احتمال وقوع الصدفة في كتابة هذا الطفل لهذين الحرفين.
ولكن إذا كتب هذا الطفل رسالة ذات معاني رائعة وجميلة ، فإنّنا نجزم بأنّ الأمر لم يحدث صدفة ، بل يثبت عندنا بأنّ هذا الطفل عارف بالقراءة والكتابة.
٣ - لو سلّمنا بأنّ " الصدفة " لعبت دوراً هامّاً في خلق هذا العالم ، فإنّنا لا نسلّم بأنّ الصدفة قادرة على خلق شيء من لا شيء ، بل غاية ما تقوم به الصدفة عبارة
عن إيجاد مخلوق جديد متكوّن من أشياء كانت موجودة قبله ، ولهذا تعجز نظرية " الصدفة " عن بيان منشأ الذّرات الأوّلية المكوّنة للعالم.
٤ - غاية ما تقوم به الصدفة ، عبارة عن " تأثير الأشياء بصورة لا شعورية على الأشياء الأخرى " ، ولكنّنا عندما نتأمّل ونتدبّر في هذا العالم ، نرى وجود انسجام بين أحداثه وظواهره.
وهذا ما يثبت وجود مدبّر ومنظّم وراء مجموع العلل والمعاليل الموجودة في هذا العالم.
المبحث الرابع:برهان الحدوث
تمهيد :
معنى الحدوث :
عندما نقول : هذا الشيء " حادث " ، معنى ذلك : أنّ هذا الشيء لم يكن ثمّ كان ، أي : كان " معدوماً " ثمّ صار " موجوداً "(١) .
معنى القديم ( الأزلي ) :
عندما نقول : هذا الشيء " قديم " ، معنى ذلك : أنّ هذا الشيء موجود في الأزل ، ولا بداية لوجوده ، وهو " الموجود " الذي لم يسبقه " العدم "(٢) .
____________________
١ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٤٢ ، ذيل ح ٧ ، ص ٢٩٦.
النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص١٦.
تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الأوّل ، ص٢٤٢.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الأوّل ، الطريق الثاني ، ص٦٧.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الأوّل ، المسألة الأولى ، المسألة (٣٨) ، ص٨٢.
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٤٢ ، باب إثبات حدوث العالم ، ذيل ح٧ ، ص٢٩٦.
النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص١٦.
الرسائل العشر ، الشيخ الطوسي : مسائل كلامية ، مسألة ١ ، ص٩٣.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الأوّل ، الفصل الأوّل ، المسألة (٣٨) ، ص٨٢
برهان الحدوث(١)
المقدمة الأولى : العالم(٢) حادث.
المقدمة الثانية : كلّ حادث يحتاج إلى مُحدِث.
النتيجة : العالم يحتاج إلى مُحدِث.
بيان المقدّمة الأولى لبرهان الحدوث : العالم حادث
أدلة حدوث العالم ( أي : حدوث الأجسام )
الدليل الأوّل :
كلّ جسم لا يخلو من الحوادث.
وكلّ ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
فكلّ جسم حادث(٣) .
هذا الدليل مبني على إثبات ثلاث قضايا :
الأولى : وجود الحوادث.
الثانية : كلّ جسم لا يخلو من الحوادث.
الثالثة : كلّ ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
____________________
١ - انظر : شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى : باب ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد ، ص٤٣.
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الأوّل ، ص٣٩ - ٤٠.
قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الأوّل ، ص٤٦.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الأوّل ، الطريق الثاني ، ص٦٧.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الأوّل ، ص ٣٩٢.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الرابع ، المبحث الثاني ، ص ١٥٨.
٢ - " العالم " عبارة عما سوى الله تعالى.
انظر قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الأوّل ، ص٣٩.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الثالثة ، الركن الثاني ، البحث الأوّل ، ص٥٩.
كشف الفوائد ، العلاّمة الحلّي : الباب الأوّل ، ص١٣٣.
٣ - انظر : قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الأوّل ، ص٣٩.
كشف الفوائد : العلاّمة الحلّي : الباب الأوّل ، ص١٣٥.
القضية الأولى : إثبات وجود الحوادث(١)
الحوادث عبارة عن :
١ - الحركة.
٢ - السكون.
٣ - الاجتماع.
٤ - الافتراق.
ووجود هذه الحالات في الأجسام أمر بديهي لا يحتاج إلى استدلال.
التعريف بالحوادث :(٢)
١ - الحركة : هي كون الجسم في مكان بعد كونه في مكان آخر.
٢ - السكون : هي كون الجسم في مكان بعد كونه في ذلك المكان.
٣ - الاجتماع : هي كون الجسمين في مكانين بحيث لا يكون بينهما مسافة ولا بُعد.
٤ - الافتراق : هي كون الجسمين في مكانين بحيث يكون بينهما مسافة وبُعد.
القضية الثانية : إثبات أنّ الأجسام لا تخلو من الحوادث
إنّ الأجسام لا تخلو من الحوادث ، أي : لا تخلو من " الحركة " و " السكون " و " الاجتماع " و " الافتراق ".
توضيح ذلك :
لابدّ لكلّ " جسم " أن يكون في " مكان ".
ومن المستحيل أن يكون " الجسم " في لا " مكان ".
وكون " الجسم " في " مكان " معناه : أنّه لا يخلو من " السكون " و " الحركة " ، أي :
____________________
١ - انظر : قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الأوّل ، ص٣٩.
كشف الفوائد ، العلاّمة الحلّي : الباب الأوّل ، ص١٣٥.
٢ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٤٢ ، باب إثبات حدوث العالم ، ذيل ٧ ، ص٢٩٦ قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الأوّل ، ص٤٠.
١ - يستقر " الجسم " في " مكانه " فيكون في " سكون ".
٢ - ينتقل " الجسم " إلى " مكان آخر " ، فيكون في " حركة ".
وإذا كان مع " الجسم " " جسماً " آخر :
فلا تخلو علاقة هذا الجسم مع الجسم الآخر من " الاجتماع " و " الافتراق " ، أي :
١ - لا يتوسّط بين " الجسمين " شيء آخر ، فيكونان في " اجتماع ".
٢ - يتوسّط بين " الجسمين " شيء آخر ، فيكونان في " افتراق ".
فنستنتج : أنّ الأجسام لا تخلو من الحوادث(١) .
القضية الثالثة : إثبات كلّ ما لا يخلو من " الحوادث " فهو " حادث ".
إنّ الأجسام تعتريها حالات خارجية ، وهي :
١ - الحركة.
٢ - السكون.
٣ - الاجتماع.
٤ - الافتراق.
وماهية جميع هذه الحالات هي " التغيير "(٢) الدال على " الحدوث " ، أي : الدال على الاتّصاف ب- " الوجود " المسبوق ب- " العدم ".
فيثبت أنّ الأجسام حادثة.
قال الشيخ الصدوق :
" ومن الدليل على أنّ الأجسام مُحدَثة :
أنّ الاجسام لا تخلو من أن تكون مجتمعة أو مفترقة ، ومتحرّكة أو ساكنة.
والاجتماع والافتراق والحركة والسكون مُحدَثة.
____________________
١ - انظر : قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الأوّل ، ص٤٠.
كشف الفوائد ، العلاّمة الحلّي : الباب الأوّل ، ص ١٣٧.
٢ - يتمثّل هذا التغيير بتبدّل بعض الأجسام إلى البعض الآخر ، وتطرّق الزيادة والنقصان إليها واحتياجها في وجودها إلى غيرها و
فعلمنا أنّ الجسم محدَث ; لحدوث ما لا ينفك منه "(١) .
الدليل الثاني على حدوث الأجسام :(٢)
لا يصح أن تكون الأجسام أزلية.
لأنّها لو كانت أزلية لكانت في الأزل إمّا " متحرّكة " أو " ساكنة " وكلاهما محال.
دليل استحالة كون الأجسام متحرّكة في الأزل :
" الأزلية " تستدعي المسبوقية بالغير(٣) .
و " الحركة " تستدعي المسبوقية بالغير(٤) .
ف- " الأزلية " و " الحركة " لا يجتمعان.
فيثبت أنّ الأجسام لا يصح أن تكون أزلية.
حدوث العالم في روايات أهل البيتعليهمالسلام
١ - قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( الحمد لله الذي لا إله إلاّ هو الملك الحقّ المبين
كنت قبل كلّ شيء.
وكوّنت كلّ شيء.
وابتدعت كلّ شيء )(٥) .
٢ - قال الإمام عليعليهالسلام :
( لم يخلق الأشياء من أصول أزليّة.
ولا من أوائل أبديّة.
بل خلق ما خلق فأقام حدّه.
وصوّر ما صوّر ، فأحسن صورته )(٦) .
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : الباب ٢٤ : باب إثبات حدوث العالم ، ذيل الحديث ٧ ، ص٢٩٣.
٢ - انظر: قواعد العقائد، نصيرالدين الطوسي: الباب الأوّل، ص ٤٣ - ٤٤.
كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الأوّل، ص١٤٤.
٣ - لأنّ " الأزلي " عبارة عن الشيء الذي لا بداية له ، فلا يكون قبله شيء.
٤ - لأنّ " الحركة " عبارة عن كون الجسم في مكان بعد كونه في مكان آخر.
٥ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج٥٧ ، باب ١ : حدوث العالم ، ح٩،ص ٣٦ - ٣٧.
٦ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : الخطبة ١٦٣ ، ص ٣٠٧.
٣ - قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : ( كان الله ولا شيء غيره )(١) .
٤ - قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : ( ياذا الذي كان قبل كلّ شيء ، ثمّ خلق كلّ شيء ، ثمّ يبقى ويفنى كلّ شيء )(٢) .
٥ - قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام :
( خلق [ الله تعالى ] الشيء لا من شيء كان قبله.
ولو خلق الشيء من شيء ، إذن لم يكن له انقطاع أبداً ، ولم يزل الله إذن ومعه شيء.
ولكن كان الله ولا شيء معه ، فخلق الشيء الذي جميع الأشياء منه )(٣) .
٦ - قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام :
( إنّ الله تبارك وتعالى لم يزل عالماً قديماً خلق الأشياء لا من شيء.
ومن زعم أنّ الله تعالى خلق الأشياء من شيء فقد كفر ؛
لأنّه لو كان ذلك الشيء الذي خلق منه الأشياء قديماً معه في أزليّته وهويته كان ذلك الشيء أزلياً.
بل خلق الله تعالى الأشياء كلّها لا من شيء )(٤) .
٧ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام :
( الحمد لله الذي كان إذ لم يكن شيء غيره،
وكوّن الأشياء فكانت كما كوّنها )(٥) .
٨ - سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ما الدليل على حدث الأجسام ؟
فقالعليهالسلام : ( إنّي ما وجدت شيئاً صغيراً ولا كبيراً إلاّ إذا ضمّ إليه مثله صار أكبر ، وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الأولى.
____________________
١ - المصدر السابق : باب ١١ : باب صفات الذات وصفات الأفعال ، ح ١٢، ص ١٤١.
٢ - المصدر السابق : باب ٢ : باب التوحيد ونفي التشبيه ، ح١١، ص٤٨.
٣ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢ : باب التوحيد ونفي التشبيه ، ح٢٠ ، ج٦٦.
٤ - علل الشرائع ، الشيخ الصدوق : ج٢ ، باب ٣٨٥ ، ح ٨١ ، ص٦٠٧.
٥ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢ : باب التوحيد ونفي التشبيه ، ح ٢٩٠ ، ص ٧٣.
ولو كان قديماً ما زال ولا حال ؛ لأنّ الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل ، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث )(١) .
٩ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( إنّه ليس شيء إلاّ يبيد أو يتغيّر أو يدخله الغِيَر والزوال ، أو ينتقل من لون إلى لون ، ومن هيئة إلى هيئة ، ومن صفة إلى صفة ، ومن زيادة إلى نقصان ، ومن نقصان إلى زيادة إلاّ ربّ العالمين )(٢) .
١٠ - قال الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام :
( وهو الأوّل الذي لا شيء قبله.
والآخر الذي لا شيء بعده.
وهو القديم وما سواه مخلوق مُحدَث ، تعالى عن صفات المخلوقين علوّاً كبيراً )(٣) .
النتيجة :
إنّ الله سبحانه وتعالى متفرّد بالأزلية ، ولا حقّ لأحد أن يوصف شيئاً غير الله تعالى بالقدم والأزلية.
تنبيه :
١ - قولنا بحدوث العالم لا يعني وجود مدّة بين الله تعالى وأوّل المحدثات ؛ لأنّ الأوقات محدثة ، بل المقصود أنّه تعالى قبلها(٤) .
٢ - وصفه تعالى ب-" كان " لا يعني تحديده تعالى في إطار الزمان ، بل معنى ذلك كما قال الإمام عليعليهالسلام :
" إن قيل : " كان " فعلى تأويل أزلية الوجود.
وإن قيل : " لم يكن " فعلى تأويل نفي العدم "(٥) .
____________________
١ - المصدر السابق : باب ٤٢ : باب إثبات حدوث العالم ، ح٦، ص٢٩٠.
٢ - المصدر السابق : باب ٤٧ ، ح٢ ، ص٣٠٧.
٣ - المصدر السابق : باب ٢ : باب التوحيد ونفي التشبيه ، ح ٣٢ ، ص ٧٤.
٤ - انظر : كنز الفوائد ، أبو الفتح الكراجكي : ١ / ٤٦.
٥ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢ ، ح ٢٧ ، ص ٧١.
بيان المقدّمة الثانية لبرهان الحدوث : كلّ حادث يحتاج إلى مُحدِث :
هذه المقدّمة بديهية ، ولهذا فهي غنيّة عن الإثبات بالدليل والبرهان.
ويطلق على هذه المقدّمة ب-" قانون العلية " ، وهو قانون عام شامل ، ويعتبر الأساس لجميع المساعي العلمية والعادية للبشرية.
دور " قانون العلية " في إثبات الصانع لهذا العالم :
١ - قال الشيخ الصدوق : " [ لولا قبول قانون العلية لجاز ] وجود كتابة لا كاتب لها ، ودار مبنية لا باني لها ، وصورة محكمة لا مصوّر لها [ وهذا غير معقول، فيثبت وجود صانع لهذا العالم ] "(١) .
٢ - قال الشيخ الطوسي : " الذي يدل على أنّ لها [ أي : للأجسام ] مُحدِثاً هو ما يثبت في الشاهد ، من أنّ الكتابة لابدّ لها من كاتب ، والبناء لابدّ له من بان ، والنساجة لابدّ لها من ناسج ، وغير ذلك من الصنائع "(٢) .
٣ - قال سديد الدين الحمصي : " إذا ثبت حدوث الأجسام ، فلابدّ لها من مُحدِث لحاجة كلّ محدَث في الشاهد في حدوثه مع الجواز إلى مُحدِث منّا ، كالصياغة مثلاً والكتابة ، وقد ثبت حدوث الأجسام على هذا الوجه ، فيجب أن يكون لها مُحدِث "(٣) .
تنبيه :
هذه الأقوال ، كلّها مقتبسة من حديث شريف للإمام عليعليهالسلام قال فيه :
( فالويل لمن أنكر المقدِّر ، وجحد المدِّبر !
زعموا أنّهم كالنبات ما لهم زارع
ولا لاختلاف صورهم صانع ،
لم يلجؤوا إلى حجّة فيما ادّعوا
ولا تحقيق لما وَعَوا !
____________________
١ - المصدر السابق : باب ٤٢ : باب إثبات حدوث العالم ، ذيل ح ٦ ، ص ٢٩٢.
٢ - الاقتصاد ، الشيخ الطوسي : القسم الأوّل ، الفصل الثاني ، ص ٤٩.
٣ - غنية النزوع ، ابن زهرة الحلبي : ج ٢ ، الفصل الثاني ، ص ٢٦.
وهل يكون بناء من غير بان ؟ ! )(١) .
برهان الحدوث في أحاديث أهل البيتعليهمالسلام :
١ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( الحمد لله الدالّ على قِدَمه بحدوث خلقه ، وبحدوث خلقه على وجوده مستشهدٌ بحدوث الأشياء على أزليّته )(٢) .
٢ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( الحمد لله الدال على وجوده بخلقه، وبمُحدَثِ خلقِه على أزليّته)(٣) .
٣ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( بصنع الله يستدل عليه جعل الخلق دليلاً عليه )(٤) .
٤ - سئل الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ما الدليل على صانع العالم ؟
قالعليهالسلام : ( وجود الأفاعيل التي دلّت على أنّ صانعها صنعها.
ألا ترى أنّك إذا نظرت إلى بناء مشيّد مبني ، علمت أنّ له بانياً وإن كنت لم تر الباني وتشاهده )(٥) .
٥ - سُئل الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ما الدليل على حدوث العالم ؟
قالعليهالسلام : ( أنت لم تكن ، ثمّ كنت ، وقد علمت أنّك لم تكوّن نفسك ، ولا كوّنك من هو مثلك )(٦) .
تنبيه :
إثبات " وجود الله " عن طريق " وجود الحوادث " في برهان الحدوث ، يعدّ دليلاً لأصحاب المستويات المتوسّطة في الوعي الديني ، وإلاّ فإنّ دليل إثبات وجود الله تعالى عند أصحاب المستويات الرفيعة في الوعي الديني ، أسمى من هذا الاستدلال.
ولهذا ورد عن أهل البيتعليهمالسلام :
____________________
١ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٣ ، كتاب التوحيد ، ب ٣ ، ح ١، ص ٢٦.
٢ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : الخطبة ١٨٥ ، ص ٣٦٠.
٣ - المصدر السابق : الخطبة ١٥٢ ، ص ٢٧٨.
٤ - الإرشاد ، الشيخ المفيد : ج١ ، باب الخبر عن أميرالمؤمنين ، فصل في مختصر من كلامهعليهالسلام في وجوب المعرفة بالله ، ص ٢٢٣ - ٢٢٤.
٥ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٣٦ ، ح ١، ص ٢٣٩.
٦ - المصدر السابق : باب ٤٢ : باب إثبات حدوث العالم ، ح ٣ ، ص ٢٨٦.
١ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( يا من دلّ على ذاته بذاته )(١) .
٢ - قال الإمام الحسينعليهالسلام :
( كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ؟ !
أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك ؟ !
متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك ؟ !
ومتى بعدت حتّى تكون الآثار هي التي توصل إليك ؟ !
عميت عين لا تراك عليها رقيباً ! )(٢) .
____________________
١ - بحار الأنوار ، العلامة المجلسي : ج ٧٨ ، باب ٨٢ ، ح ١٩ ، ص ٣٣٩.
٢ - المصدر السابق : ج ٦٤ ، باب ٤ ، ذيل ح ٧ ، ص ١٤٢.
المبحث الخامس :برهان الامكان
تمهيدات :
التمهيد الأوّل : بطلان الدور
معنى الدور:
"ا لدور " ، عبارة عن توقّف كلّ واحد من الشيئين على صاحبه(١) .
بعبارة أخرى :
" الدور " هو أن يكون وجود أحد الأشياء متوقّفاً على وجود شيء ثان ، وفي نفس الوقت يكون وجود هذا الشيء الثاني متوقّفاً على وجود الشيء الأوّل.
دليل بطلان الدور :
مقتضى كون وجود الشيء الأوّل متوقّفاً على وجود الشيء الثاني ، أن يكون الشيء الثاني متقدّماً على الشيء الأوّل.
ومقتضى كون وجود الشيء الثاني متوقّفاً على وجود الشيء الأوّل ، أن يكون الشيء الثاني متأخّراً عن الشيء الأوّل.
فينتج كون الشيء الواحد في حالة واحدة وبالنسبة إلى شيء واحد :
متقدّم وغير متقدّم ، ومتأخّر وغير متأخّر.
وهذا جمع بين نقيضين ، ولا شك في بطلانه(٢) .
____________________
١ - النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٠ - ٢١.
الباب الحادي عشر للعلاّمة الحلّي ، شرح مقداد السيوري : الفصل الأوّل ، ص ٨
٢ - انظر : تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الأوّل ، ص ٢٤٥.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الرابع ، ص ١٥٧.
النتيجة :
كلّ أمر قائم على " الدور " لا يتحقّق أبداً.
مثال ذلك :
إذا كان شخصان في مكان.
فقال أحدهم : لا أخرج من هذا المكان حتّى يخرج الشخص الثاني.
وقال الثاني : لا أخرج من هذا المكان حتّى يخرج الشخص الأوّل.
فإذا أراد كلّ واحد منهما أن يلتزم بقوله ، فلن يتحقّق خروج أحدهما من ذلك المكان أبداً.
؛ لأنّ خروج الشخص " الأوّل " ، متوقّف على خروج الشخص " الثاني ".
وخروج الشخص " الثاني " ، متوقّف على خروج الشخص " الأوّل ".
والشخص " الأوّل " لا يخرج حتّى يخرج الشخص " الثاني ".
والشخص " الثاني " لا يخرج حتّى يخرج الشخص " الأوّل ".
فلن يتحقّق الخروج أبداً.
؛ لأنّه قائم على " الدور ".
التمهيد الثاني : بطلان التسلسل
معنى التسلسل :
لكلّ معلول علّة ، ولهذه العلّة علّة أخرى ، وهكذا يستمر الأمر إلى ما لا نهاية من العلل المفتقرة في وجودها إلى العلل الأخرى(١) .
دليل بطلان التسلسل :
جميع " العلل " في التسلسل غير قائمة بذاتها ، بل مفتقرة إلى غيرها.
فيُطرح - في هذا المقام - هذا السؤال :
____________________
١ - انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢١.
الباب الحادي عشر للعلاّمة الحلّي ، شرح مقداد السيوري : الفصل الأوّل ، ص ٨ - ٩.
ما هو السبب الذي أخرج هذا التسلسل من " العدم " إلى " الوجود " ؟
وهذا السؤال هو الذي يفنّد التسلسل ويثبت بطلانه(١) .
النتيجة :
يحكم العقل عند تسلسل العلل بلزوم انتهاء هذه العلل إلى علّة قائمة بذاتها ، وغير مفتقرة في وجودها إلى غيرها ، لتكون هذه العلّة هي السبب لخروج هذا التسلسل من " العدم " إلى " الوجود "(٢) .
مثال ذلك :
لو فرضنا وجود مجموعة لا متناهية من الأشخاص في مكان فقال أحدهم : لا أخرج من هذا المكان حتّى يخرج الثاني.
وقال الثاني : لا أخرج من هذا المكان حتّى يخرج الثالث.
وقال الثالث : لا أخرج من هذا المكان حتّى يخرج الرابع.
وهكذا كلّ واحد من هؤلاء يعلّق خروجه على خروج الذي بعده.
فالنتيجة واضحة ، وهي عدم تحقّق خروج أي واحد من هولاء من هذا المكان
؛ لأنّ خروج كلّ واحد من هؤلاء متوقّف على الآخر ، وهذا التوقّف لا نهاية له.
ولهذا :
لا يوجد طريق لتحقّق " الخروج " إلاّ بوجود شخص في هذه المجموعة يخرج من ذلك المكان بذاته ومن دون تعليق خروجه على غيره ، فبذلك يتحقّق خروج الباقين واحداً تلو الآخر.
التمهيد الثالث : تعريف الواجب والممكن والممتنع
لكلّ ما يتصوّره العقل " وجوداً " لا يخلو من إحدى الأوصاف التالية :(٣)
١ - واجب الوجود.
٢ - ممتنع الوجود.
٣ - ممكن الوجود.
____________________
١ - المصدر السابق.
٢ - المصدر السابق.
٣ - انظر : الباب الحادي عشر للعلاّمة الحلّي ، شرح مقداد السيوري : الفصل الأوّل ، ص ٥ - ٦.
تعريف هذه الأقسام :
" الوجوب " ، عبارة عن صفة للشيء الذي يحكم العقل بحتمية وجوده.
و " واجب الوجود " هو الشيء الذي يكون موجوداً بذاته ، ولا يفتقر في وجوده إلى غيره ، ولا يتوقّف وجوده على وجود موجود آخر(١) .
ممتنع الوجود :
" الامتناع " ، عبارة عن صفة للشيء الذي يحكم العقل باستحالة وجوده الخارجي.
و" ممتنع الوجو د" ، هو الذي يستدعي من صميم ذاته عدم وجوده ، فلا يحتاج إلى علّة في اتّصافه بالعدم.
مثال ذلك :
وجود معلول بلا علّة ، اجتماع النقيضين وارتفاعهما ، شريك الباري.
ممكن الوجود :(٢)
" الإمكان " ، عبارة عن صفة للشيء الذي يحكم العقل بجواز " وجوده " و " عدم وجوده " على السواء.
و" ممكن الوجود " ، هو الشيء الذي تكون نسبة كلّ من " الوجود " و " العدم " إليه
____________________
١ - انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢١.
الرسائل العشر ، الشيخ الطوسي : مسائل كلامية ، مسألة ٣ ، ص ٩٣.
تنبيه : من أمثلة عدم توقّف الشيء على غيره :
إنّ الشيء " المضيء " يكتسب إضاءته من " النور " ، ولكن " النور " لا يكتسب إضاءته من شيء آخر ، وإنّما هو مضيء بذاته.
إنّ الطعام " الحلو " يكتسب حلاوته من " السكّر " ولكن " السكر " لا يكتسب حلاوته من شيء آخر ، وإنّما هو حلو بذاته.
٢ - انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢١.
تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الأوّل ، ص ٢٤٢.
متساوية ، فهو قد يكون " موجوداً " وقد يكون " معدوماً ".
توضيح ذلك :
" واجب الوجود " ، هو الذي لا يحتاج إلى " علّة " في اتّصافه ب-" الوجود " ، بل يتّصف بالوجود من صميم ذاته.
و" ممتنع الوجود " ، هو الذي لا يحتاج إلى " علّة " في اتّصافه ب-" العدم " ، بل يتّصف بالعدم من صميم ذاته.
ولكن " ممكن الوجود " ، هو الذي يحتاج إلى " علّة " في اتّصافه ب-" الوجود " أو "العدم"؛ لأنّه في حالة التساوي بين " الوجود " و " العدم " ، فيحتاج إلى علّة تخرجه من حالة التساوي ، وتجرّه إمّا إلى جانب " الوجود " أو إلى جانب " العدم ".
برهان الإمكان(١)
المقدّمة الأولى :
الإذعان بأنّ هناك واقعية ووجوداً ، وأنّ العالم ليس وهماً وخيالاً.
المقدّمة الثانية :
كلّ " موجود " لا يخلو - بلحاظ ذاته - من إحدى القسمين التاليين :
١ - واجب الوجود.
٢ - ممكن الوجود.
المقدّمة الثالثة :
" ممكن الوجود " يستحيل أن يكون موجوداً بذاته ، بل يحتاج في " وجوده " إلى غيره ،
وهذا هو " قانون العلّية " الذي يحكم به العقل بالبداهة.
المقدّمة الرابعة :
موجِد العالم لا يخلو من وصفين :
____________________
١ - انظر : الإشارات والتنبيهات ، ابن سينا : ج ٣ ، ص ١٨ - ٢٠.
١ - أن يكون " واجب الوجود ".
٢ - أن يكون " ممكن الوجود ".
فإذا كان " واجب الوجود " ثبت المطلوب.
وإذا كان " ممكن الوجود " ، فإنّه سيكون مفتقراً في وجوده إلى موجِد آخر.
وننقل الكلام إلى هذا الموجِد ، فإنّه :
إذا كان " واجب الوجود " ثبت المطلوب.
وإذا كان " ممكن الوجود " ، فإنّه سيكون أيضاً مفتقراً في وجوده إلى موجِد آخر فإذا كان هذا الموجِد هو الموجِد الأوّل ، لزم " الدور " ، وهو باطل ، كما بيّناه سابقاً.
وإذا استمر وجود الموجِدات إلى مالا نهاية له ، لزم " التسلسل " ، وهو باطل ، كما بيّناه سابقاً.
فنضطر - في نهاية المطاف - إلى الإذعان بوجود " موجِد " يكون وجوده من ذاته ، وغير مفتقر إلى غيره ، أي : يكون وجوده " واجب الوجود " وهو المطلوب(١) .
النتيجة :
إنّ العالم بحاجة إلى موجِد واجب الوجود ، أي : موجد غير محتاج في وجوده إلى علّة أخرى ، ولا يتوقّف وجوده على وجود غيره.
أهم خواص واجب الوجود :(٢)
١ - قائم بذاته ، ولا يتوقّف وجوده على وجود غيره ؛ لأنّه لو كان كذلك لزال بزوال ذلك التوقّف ، ولكان ممكن الوجود.
____________________
١ - انظر: تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الأوّل ، ص ٢٤٥.
قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الأوّل ، ص ٤٦.
كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد ، العلاّمة الحلّي : الباب الأوّل ، ص ١٤٨ - ١٤٩.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الرابع ، البحث الثاني ، ص ١٥٨.
الباب الحادي عشر ، للعلاّمة الحلّي ، شرح مقداد السيوري : الفصل الأوّل ، ص ٧.
٢ - انظر : الباب الحادي عشر للعلاّمة الحلّي ، شرح مقداد السيوري : الفصل الأوّل ، ص ٦.
٢ - بسيط ؛ لأنّه لو كان مركّباً ، لكان محتاجاً إلى أجزائه - والأجزاء بما هي أجزاء غير الكل - فيلزم أن يكون محتاجاً في وجوده إلى الغير ، فيكون ممكن الوجود.
٣ - ليس بجسم ؛ لأنّ كلّ جسم مركّب من أجزاء ، وواجب الوجود لا يصح أن يكون مركّباً ، للسبب المذكور في الخاصيّة السابقة.
٤ - ليس بعرض من قبيل الألوان والأشكال وأمثالها ؛ لأنّ الأعراض تفتقر إلى الأجسام ، والافتقار والاحتياج من صفات ممكن الوجود.
٥ - لا يقبل التغيّر أبداً ؛ لأنّ التغيّر يحصل بوقوع الزيادة أو النقصان في ذات الشيء أو صفاته ، وكلّ ذلك يستلزم أن يكون المتغيّر مركباً ، وواجب الوجود لا يكون مركبّاً ، للسبب الذي مرّ ذكره في الخاصيّة الثانية.
٦ - لا يقبل التعدّد أبداً ؛ لأنّ التعدّد يستلزم أن يكون المعدود مركّباً ، وواجب الوجود لا يكون مركباً ، للسبب المذكور في الخاصيّة الثانية.
" واجب الوجود " لا يكون إلاّ واحداً :
لو افترضنا موجودين واجبي الوجود :
لكان كلّ واحد منهما :
مشاركاً للآخر في كونه واجباً.
ومبايناً عنه بما يميّزه عن الآخر.
و " ما به المشاركة " غير " ما به المباينة ".
فيلزم أن يكون كلّ واحد منهما مركّباً " مما به المشاركة " و " مما به المباينة ".
وكلّ مركّب ممكن الوجود ؛
لأنّ كلّ مركّب محتاج إلى جزئه.
وما يحتاج إلى غيره لا يكون واجب الوجود.
فيكون واجب الوجود ممكن الوجود ، وهذا خلاف ما ذكرناه في البداية.
فيثبت أنّ واجب الوجود لا يكون إلاّ واحداً.
برهان الإمكان في القرآن والسنّة :
١ - إنّ برهان الإمكان قائم على هذه الحقيقة ، بأنّ ما في الوجود ينقسم إلى قسمين :
أوّلاً : واجب الوجود ، وهو الموجود الغني بذاته.
ثانياً : ممكن الوجود ، وهو الموجود الفقير بذاته.
وقد أشار الباري عزّ وجلّ إلى غناه ، وإحتياج الإنسان إليه في القرآن الكريم بقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) [ فاطر : ١٥]
( وَ اللَّهُ الْغَنِيُّ وَ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ) [ محمّد : ٣٨ ]
٢ - يفيد برهان الإمكان بأنّ ممكن الوجود لا يتحقّق بلا علّة ، ولا يكون هو العلّة لنفسه لبطلان الدور ، وقد أشار الله عزّ وجلّ في القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى :
( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) [ الطور : ٣٥ ]
٣ - أشار الإمام عليعليهالسلام إلى حقيقة اتّصافه تعالى بصفة واجب الوجود : ( كلّ شيء قائم به [ عزّ وجلّ ] )(١) .
تنبيه :
إنّ القاعدة العقلية : " كلّ موجود يحتاج إلى علّة " غير منتقضة بقولنا : " الله موجود لا يحتاج إلى علّة " ؛ لأنّ هذه القاعدة تشمل ما هو " ممكن الوجود " فقط.
والأصح أن نقول : " كلّ ممكن الوجود يحتاج إلى علّة " ، والله تعالى واجب الوجود ، فلا تشمله هذه القاعدة العقلية.
____________________
١ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : خطبة ١٠٩ : في بيان قدرة الله ، ص ٢٠٤.
الفصل الثاني :معرفة اللّه تعالى
وجوب معرفة الله تعالى
عجز الحواس عن معرفة الله تعالى
عجز العقل عن معرفة كنه ذات الله تعالى
كيفية معرفة الله تعالى
المبحث الأوّل :وجوب معرفة الله تعالى
أدلة وجوب معرفة الله تعالى :(١)
١ - وجوب دفع الضرر.
معرفة الله تعالى تزيل من الإنسان الخوف المحتمل والمُعتد به من استحقاق العقاب والحرمان من الثواب ، الذي بيّنه الأنبياء على مرّ العصور وكلّ ما يؤمّل به زوال الخوف المُعتد به فهو واجب فلهذا يثبت وجوب معرفة الله تعالى.
٢ - وجوب شكر المنعم.
لا يأمن الإنسان - كما بيّن الأنبياء على مرّ العصور - أن يكون له صانعاً أخرجه من العدم إلى الوجود ، وأنعم عليه بختلف النعم.
وبما أنّ شكر المنعم واجب ، فلهذا تجب معرفة هذا المنعم ؛ لأنّه لا يتم هذا الشكر إلاّ بعد معرفة المنعم.
تنبيه :
معرفة الله أمر فطري ، أي : الدافع لمعرفة الله في وجود الإنسان غير شعوري ، والإنسان يمتلك في أعماق وجوده دافعاً ذاتياً يحفّزه على معرفة الله عزّ وجلّ.
____________________
١ - انظر : المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الثاني ، البحث الرابع ، ص ٩٧ - ٩٨.
المبحث الثاني :عجز الحواس عن معرفة الله تعالى
المقدّمة الأولى : الحواس والأدوات التجريبية مختصة بمعرفة ما هو في دائرة عالم المادة فقط.
المقدّمة الثانية : الله تعالى - كما سنثبت - منزّه عن عالم المادة.
النتيجة : لا تستطيع الحواس والأدوات التجريبية أن توصل الإنسان مباشرة إلى معرفة الله تعالى(١) .
أحاديث لأهل البيتعليهمالسلام حول عجز الحواس عن معرفة الله تعالى :
١ - قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( تعجز الحواس أن تدركه )(٢) .
٢ - قال الإمام الحسينعليهالسلام : ( لا يدرك بالحواس معروف بالآيات موصوف بالعلامات)(٣) .
٣ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام حول الله تعالى : ( لا يدرك بالحواس فكلّ شيء حسّته الحواس فهو مخلوق )(٤) .
٧ - جاء في حوار جرى بين الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام وأحد الزنادقة حول إثبات وجود الله تعالى :
قال الزنديق : إنّي لا أرى حواسّي الخمس أدركته [ أي : أدركت الله تعالى ] ، وما
____________________
١- تنبيه : إنّ الحواس عاجزة عن إثبات وجود الله تعالى بصورة مباشرة ، ولكن يمكن الاستعانة في هذا المجال بصورة غير مباشرة ، وذلك عن طريق معرفة النظام المهيمن على هذا العالم عن طريق الحواس ، ومن ثمّ الاستنتاج عن طريق العقل بوجود منظّم حكيم وراء هذا النظام الدقيق.
٢- الكافي ، الشيخ الكليني ، ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب جوامع التوحيد ، ح ٣ ، ص ١٣٨.
٣- التوحيد ، الشيخ الصدوق ، باب ٢، ح ٣٥ ، ص ٧٨.
٤- التوحيد ، الشيخ الصدوق ، باب ٢ ، ح ١٧ ، ص ٥٩.
لم تدركه حواسّي فليس عندي بموجود !
قال الإمام الصادقعليهالسلام : ( إنّه لمّا عجزت حواسّك عن إدراك الله أنكرته ، وأنا لمّا عجزت حواسي عن إدراك الله تعالى صدّقت به ).
ثمّ بيّن الإمام الصادقعليهالسلام ، بأنّ الحواس لا تدرك إلاّ الأشياء المركبّة ، والمركّب من شأنه الاحتياج إلى أجزائه ، وبما أنّ الله تعالى منزّه عن الاحتياج فهو غير مركّب ، فلهذا لا تستطيع الحواس إدراكه(١) .
تنبيه :
ليس من حقّ المتمسّك بالأدوات المعرفية الحسية إنكار وجود الله ، بل غاية ما يسعه - مع لحاظ كثرة المجهولات البشرية - هو الاعتراف بعدم العلم ، والإذعان بعجز الحواس عن إثبات وجود الله تعالى.
ولهذا جاء في حوار جرى بين الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام وأحد الزنادقة :
قال الإمام الصادقعليهالسلام للزنديق : ( أتعلم أنّ للأرض تحتاً وفوقاً ؟ ! )
الزنديق : نعم.
الإمامعليهالسلام : ( فدخلت تحتها ؟ ! )
الزنديق : لا.
الإمامعليهالسلام : ( فما يدريك بما تحتها ؟ ! )
الزنديق : لا أدرى إلاّ أنّي أظّن أن ليس تحتها شيء.
الإمامعليهالسلام : ( فالظن عجز ما لم تستيقن ).
ثمّ سأل الإمامعليهالسلام فصعدت السماء ؟ !
الزنديق : لا.
الإمامعليهالسلام : ( فتدري ما فيها ؟ )
الزنديق : لا.
الإمامعليهالسلام : ( فأتيت المشرق والمغرب فنظرت ما خلفهما ؟ )
____________________
١- انظر : بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٣ ، كتاب التوحيد ، باب ٥ ، حديث الإهليلجة ، ص ١٥٤.
الزنديق : لا.
الإمامعليهالسلام : ( فعجباً لك ، لم تبلغ المشرق ، ولم تبلغ المغرب ، ولم تنزل تحت الأرض ، ولم تصعد السماء ، ولم تخبر هنالك فتعرف ما خلفهنّ ، وأنت جاحد ما فيهنّ ، وهل يجحد العاقل ما لا يعرف ؟ ! )
الزنديق : ما كلّمني بهذا أحد غيرك !
الإمامعليهالسلام : ( فأنت في شكّ من ذلك ، فلعلّ هو أو لعلّ ليس هو ).
الزنديق : ولعلّ ذاك.
الإمامعليهالسلام : ( أيّها الرجل ليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم ، فلا حجّة للجاهل على العالم.
يا أخا أهل مصر تفهّم عنّي ، فإنّا لا نشك في الله أبداً ، أما ترى الشمس والقمر والليل والنهار يلجان ولا يشتبهان ، يذهبان ويرجعان ، قد اضطُرّا ، ليس لهما مكان إلاّ مكانهما ؟
فإن كانا يقدران على أن يذهبا فلا يرجعان فلِمَ يرجعان ؟ !
وإن لم يكونا مضطرين فلِمَ لا يصير الليل نهاراً والنهار ليلاً ؟ ! اضطرّا والله يا أخا أهل مصر إلى دوامهما ، والذي اضطرهما أحكم منهما وأكبر منهما ).
الزنديق : صدقت.
الإمامعليهالسلام : ( يا أخا أهل مصر ، الذي تذهبون إليه وتظنّونه بالوهم.
فإن كان الدهر يذهب بهم لِمَ لا يردّهم ؟ !
وإن كان يردهم لم لا يذهب بهم ؟ !
القوم مضطرّون.
يا أخا أهل مصر السماء مرفوعة والأرض موضوعة.
لم لا تسقط السماء على الأرض ؟
ولم لا تنحدر الأرض فوق طاقتها ؟
فلا يتماسكان ولا يتماسك من عليهما ).
فآمن الزنديق بوجود الله تعالى، وأقرّ بأنّ الله تعالى هو المدبّر للعالم"(١) .
____________________
١- انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٤٢ : باب إثبات حدوث العالم ، ح٤ ، ص ٢٨٦ - ٢٨٨.
المبحث الثالث :عجز العقل عن معرفة كنه ذات الله تعالى
أدلة ذلك :
١ - لا يعرف العقل الأشياء إلاّ بحدود وجودها.
وبما أنّ الله منزّه عن الحدّ ،
فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى.
٢ - لا يعرف العقل الأشياء إلاّ عن طريق مقايستها مع سائر الأشياء ،
والله تعالى لا يقاس بأحد ؛ لأنّه لا مثيل له ولا شبيه ،
فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى(١) .
٣ - غاية ما يقدر عليه العقل ، هو معرفة الله عن طريق المفاهيم الذهنية ،
وبما أنّ هذه المفاهيم " محدودة " ، والذات الإلهية " غير محدودة ".
فلهذا يعجز العقل عن معرفة كنه الذات الإلهية(٢) .
تتمة :
المفاهيم الذهنية ، وإن كانت عاجزة عن تبيين كنه الذات الإلهية ، ولكنّها قادرة
____________________
١- ولهذا قال الإمام عليعليهالسلام : " اعرفوا الله بالله ".
الكافي ، الشيخ الكليني : كتاب التوحيد ، باب أنّه لا يعرف إلاّ به ، ح١ ، ص ٨٥.
ومعنى قولهعليهالسلام : اعرفوا الله بالله ، أي : إنّ الله لا يشبه جسماً ولا روحاً فإذا نُفي عنه الشبهين : شبهُ الأبدان وشبهُ الأرواح ، فقد عرف الله بالله ، وإذا شبّهه بالروح أو البدن أو النور فلم يعرف الله بالله.
انظر : المصدر أعلاه ( بتصرّف يسير ) ، والتوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٤١ ، ح ٥ ، ص ٢٨١.
٢- للمزيد راجع : قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثاني ، البحث التاسع ، ص ٧٥ - ٧٦.
على تبيين الذات الإلهية بصورة إجمالية ، ومثال هذا التصوّر الإجمالي كمن يحس بحركة وراء جدار ، فيحكم بوجود شيء وراء ذلك الجدار.
أحاديث لأهل البيتعليهمالسلام حول عجز العقل عن معرفة كنه ذات الله تعالى :
١ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( لا تحيط به الأفكار ، ولا تقدّره العقول ، ولا تقع عليه الأوهام ، فكلّ ما قدّره عقل أو عرف له مثل فهو محدود )(١) .
٢ - قال الإمام الحسن بن عليعليهماالسلام : ( لا تدرك العقول وأوهامها ، ولا الفكر وخطراتها ، ولا الألباب وأذهانها صفته )(٢) .
٣ - قال الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام : ( إنّ الله تبارك وتعالى أجلّ وأعظم من أن تحيط بصفته العقول )(٣) .
٤ - قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( أخطأ من اكتنهه )(٤) .
النهي عن التفكير في ذات الله تعالى
عجز العقل عن معرفة كنه ذات الله ، هو الذي أدّى إلى تأكيد أهل البيتعليهمالسلام على التحذير من التفكير في ذات الله عزّ وجلّ ، ومن هذه الأحاديث الشريفة :
١ - قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : ( اذكروا من عظمة الله ما شئتم ولا تذكروا ذاته... )(٥) .
٢ - قال الإمام الباقرعليهالسلام : ( تكلّموا في خلق الله ، ولا تكلّموا في الله ، فإنّ الكلام في الله لا يزيد صاحبه إلاّ تحيّراً )(٦) .
٣ - قال الإمام الباقرعليهالسلام : ( دعوا التفكير في الله، فإنّ التفكير في الله لا يزيد إلاّ تيهاً )(٧) .
____________________
١- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢ ، ح ٣٤ ، ص ٧٦ - ٧٧.
٢- المصدر السابق ، ح ٥ ، ص ٤٦.
٣- المصدر السابق ، ح ٣٠ ، ص ٧٣.
٤- المصدر السابق ، ح٢ ، ص ٣٨.
٥- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٦٧ ، ح ٣ ، ص ٤٤١.
٦- الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، باب النهي عن الكلام في الكيفية ، ح ١ ، ص٩٢.
٧- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٦٧ ، ح ١٣ ، ص ٤٤٣.
٤ - قال الإمام الباقرعليهالسلام : ( إيّاكم والتفكّر في الله ، ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته فانظروا إلى عظيم خلقه )(١) .
٥ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( من نظر في الله كيف هو هلك )(٢) .
____________________
١ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، باب النهي عن الكلام في الكيفية ، ح ٧ ، ص٩٣.
٢ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٣ ، باب ٩ ، ح ٢٤ ، ص ٢٦٤.
المبحث الرابع :كيفية معرفة الله تعالى
جعل الله تعالى لنفسه بعض الصفات والأسماء ، ليتعرّف العباد بها عليه(١) ، كما أنّه تعالى منح العقل البشري القدرة على معرفته بصورة إجمالية ، وإضافة إلى ذلك ، فإنّ في ما بيّنه الأنبياء والأوصياء في هذا الخصوص الكفاية لمعرفة الله.
مراحل معرفة الله تعالى :
المرحلة الأولى : المعرفة الذهنية
وهي ، أن يتعرّف الإنسان على الله عن طريق المفاهيم الذهنية ، سواء كانت هذه المفاهيم حصيلة الجهود العقلية أو كانت مما أرشد إليها الأنبياء والأوصياء.
المرحلة الثانية : المعرفة القلبية
وهي ، أن يلتزم الإنسان بتقوى الله والمجاهدة في سبيله ، وفق ما جاءت به الشريعة الحقّة ، ليصل بعد ذلك إلى نوع من الشهود الباطني والقلبي الذي يتعرّف به على الله من دون توسّط المفاهيم الذهنية.
قال تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَکُمْ فُرْقَاناً ) [ الأنفال : ٢٩ ]
أي : يجعل في قلوبكم نوراً تفرّقون به بين الحق والباطل ، وبهذا النور يهتدي الإنسان إلى معرفة ربّه.
تنبيه :
المرحلة الذهنية لمعرفة الله ، عبارة عن معرفة الله بالعقل عن طريق خلقه.
____________________
١ - للمزيد راجع الفصل الثالث ، المبحث الأوّل من هذا الكتاب.
ولهذا قال الإمام عليعليهالسلام مشيراً إلى هذه المرحلة من معرفة الله : ( الحمد لله المتجلّي لخلقه بخلقه )(١) .
ولكن إذا بلغ الإنسان في معرفته لله إلى المرحلة القلبية ، فإنّه سيستغني عن المعرفة الذهنية ، وتكون المعرفة القلبية هي الأساس في معرفته لله تعالى.
ولهذا قال الإمام الحسينعليهالسلام مشيراً إلى هذه المرحلة الرفيعة من معرفة الله تعالى : ( كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك ، حتّى يكون هو المظهر لك ؟ ! متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدل عليك ؟ ! ومتى بعدت حتّى تكون الآثار هي التي توصل إليك ؟ ! عميت عين لا تراك ، ولا تزال عليها رقيباً )(٢) .
____________________
١ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : خطبة ١٠٨ ، ص ٢٠٠.
٢ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٦٧ ، باب ٤ ، ذيل ح ٧ ، ص١٤٢.
الفصل الثالث :صفات اللّه تعالى
معرفة الله عن طريق صفاته
توقيفية صفات الله تعالى
أقسام صفات الله تعالى
خصائص صفات الله التنزيهيّة
خصائص صفات الله الثبوتية
صفات الله الذاتية عين الذات أو زائدة عن الذات
المبحث الأوّل :معرفة الله عن طريق صفاته
الغاية من معرفة صفات الله هي معرفة الله ؛ لأنّ الصفات عبارة عن سُبُل للتعبير عن الله وبيان ذاته المقدّسة.
أدلة إمكان معرفة صفات الله تعالى(١) :
١ - جعل الله تعالى " صفاته " سبيلاً ليتعرّف العباد عليه ، فلو كانت معرفة صفات الله غير ممكنة ، لم يبق للعبد سبيلاً لمعرفة ربّه ، فتنسد أبواب عبودية الله تعالى ؛ لأنّ العبودية لا يمكن القيام بها إلاّ بعد معرفة المعبود.
٢ - ذكر الله تعالى صفاته في كتابه وسنّة نبيه ، لكي يتدبّر فيها العباد بعقولهم ،
فلو كانت معرفة صفات الله أمراً غير ممكن ، لكان ذكر هذه الصفات في القرآن والسنّة ، والتحريض على التدبّر فيها لغواً يتنزّه عنه تعالى.
٣ - ما لا يمكن معرفته هو الذات الإلهية ، والنهي الذي ورد في بعض الأحاديث واقع على هذه المعرفة ، لا على معرفة الصفات التي هي مفاهيم منتزعة من الذات.
مدى معرفته تعالى عن طريق معرفة صفاته :
القول بأنّ صفات الله هي السبيل لمعرفة الله ، لا يعني أنّ هذه الصفات قادرة على بيان كنه وحقيقة الذات الإلهية ، بل هذه الصفات مفاهيم وُضِعت لترشد العباد - بمقدار وسعها المحدود - إلى معرفة الله الإجمالية وما هو " محدود " لا يمكنه الكشف الكامل عما هو " غير محدود ".
____________________
١ - انظر : مفاهيم القرآن ، جعفر سبحاني : ٦ / ٩.
أحاديث أهل البيتعليهمالسلام في هذا المجال :
١ - قال الإمام محمّد بن علي الجوادعليهالسلام : ( الأسماء والصفات مخلوقات )(١) .
٢ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( لا وصف يحيط به )(٢) .
٣ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( الله أجلّ من أن يدرك الواصفون قدر صفته التي هو موصوف بها ، وإنّما يصفه الواصفون على قدرهم ، لا على قدر عظمته وجلاله ، تعالى الله عن أن يدرك الواصفون صفته علواً كبيراً )(٣) .
٤ - قال الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهماالسلام : ( إنّ الله أعلا وأجل وأعظم من أن يبلغ كنه صفته )(٤) .
ومن هذا المنطلق ذهب بعض علمائنا الأعلام إلى القول بأنّه :
ليس المقصود من نسبة الصفات إلى الله فهم كنه وحقيقة الذات الإلهية ؛ لأنّ هذا الفهم غير ممكن.
بل المقصود من نسبة الصفات إلى الله فهم هذه الحقيقة ، بأنّه تعالى منزّه عن الاتّصاف بضدّ هذه الصفات.
مثال ذلك :
" العلم " ، صفة من صفات الله ، ويفهم الإنسان من هذه الصفة معنى معيّناً ، ولكن الإنسان من المستحيل أن يعرف كنه وحقيقة معنى " علم الله ".
فإذا قيل : ما هو معنى كنه وحقيقة " العلم " الذي تصفون به الله ؟
فالجواب الصحيح : المقصود من " العلم " في هذا المقام : " نفي الضدّ " ، أي : " نفي الجهل ".
____________________
١ - الكافي ، الشيخ الكليني ، ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب معاني الأسماء واشتقاقها ، ح ٧ ، ص ١١٦.
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق ، ب ٢ ، ح ٢٦ ، ص ٦٩.
٣ - المصدر السابق : باب ٣٤، ح ١، ص ٢٣٣.
٤ - الكافي : الشيخ الصدوق : ج ١، كتاب التوحيد ، باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى ، ح ١ ، ص ١٠٠.
بعبارة أخرى :
ما يكشف لنا مفهوم " العلم " عن كنه ذات الله ، أنّه منزّه عن الجهل ،
وإلاّ فمن المستحيل للعقل البشري معرفة كنه وحقيقة علم الله تعالى.
أقوال العلماء في هذا المجال :
١ - قال الشيخ الصدوق :
" كلّما وصفنا الله تعالى من صفات ذاته ، فإنّما نريد بكلّ صفة منها نفي ضدّها عنه عزّ وجلّ"(١) .
٢ - قال المحقّق السيوري :
" ليس من المعقول لنا من صفاته إلاّ السلوب "(٢) .
٣ - قال العلاّمة المجلسي :
" [ يجب ] نفي تعقّل كنه ذاته وصفاته تعالى لمّا كان علمه تعالى غير متصوّر لنا بالكنه ، وأنّا لمّا رأينا الجهل فينا نقصاً نفيناه عنه ، فكأنّا لم نتصوّر من علمه تعالى إلاّ عدم الجهل ، فإثباتنا العلم له تعالى إنّما يرجع إلى نفي الجهل ، لأنّا لم نتصوّر علمه تعالى إلاّ بهذا الوجه "(٣) .
٤ - قال السيّد عبدالله شبر :
" المقصود من الصفات الثبوتية نفي أضدادها ، إذ صفاته تعالى لا كيفية لها ولا سبيل إلى إدراكها "(٤) .
تنبيه :
القول بنفي الضدّ عند تفسير صفات الله الثبوتية والكمالية ، لا يعني نفي هذه الصفات عنه تعالى ، وإنّما هو ناظر إلى أمر تعقّل وإدراك هذه الصفات الإلهية.
____________________
١ - الاعتقادات في دين الإمامية ، الشيخ الصدوق : باب الاعتقاد في صفات الذات وصفات الأفعال ، ص٧.
٢ - الباب الحادي عشر ، للعلاّمة الحلّي ، شرح : مقداد السيورى : الفصل الثالث ، ص ٤٩.
٣ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٤ ، أبواب أسمائه تعالى ، باب ١ ، ذيل ح ١ ، ص ١٥٧.
٤ - حق اليقين ، عبدالله شبر : كتاب التوحيد ، الفصل الثالث ، ص ٤١.
المبحث الثاني :توقيفية صفات الله تعالى
لا يجوز توصيف الله إلاّ بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان نبيه أو عن طريق حججه من خلفاء نبيّه ، وبهذا تطابقت الأخبار عن آل محمّدعليهمالسلام وهو مذهب الإمامية(١) .
أحاديث أهل البيتعليهمالسلام حول توقيفية صفات الله تعالى :
١ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( ما دلّك القرآن عليه من صفته [ عزّ وجلّ ] فاتّبعه ، ليوصل بينك وبين معرفته ، وأتمّ به ، واستضىء بنور هدايته
وما دلّك الشيطان عليه مما ليس في القرآن عليك فرضه ، ولا في سنّة الرسول وأئمة الهدى أثره ، فكِل علمه إلى الله عزّ وجلّ ، فإنّ ذلك منتهى حقّ الله عليك )(٢) .
٢ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( إنّ المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات الله جلّ وعزّ ولا تعدوا القرآن فتضلّوا بعد البيان )(٣) .
٣ - قال الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام : ( صفوه [ عزّ وجلّ ] بما وصف به نفسه ، وكفّوا عمّا سوى ذلك )(٤) .
٤ - قال الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام لأحد أصحابه : ( لا تتجاوز في
____________________
١ - انظر : أوائل المقالات ، الشيخ المفيد : القول ١٩ : القول في الصفات ، ص ٥٣.
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق ، باب ٢ ، ح ١٣ ، ص ٥٥.
٣ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى ، ح ١ ، ص ١٠٠.
٤ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى ، ح ٦، ص ١٠٢.
التوحيد ما ذكره الله تعالى في كتابه فتهلك )(١) .
٥ - قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( إنّ الخالق لا يوصف إلاّ بما وصف به نفسه ، وأنّى يوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه ، والأوهام أن تناله ، والخطرات أن تحدّه ، والأبصار عن الإحاطة به ، جلّ عمّا وصفه الواصفون ، وتعالى عمّا ينعته الناعتون )(٢) .
٦ - قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( سبحانك لو عرفوك لوصفوك بما وصفت به نفسك اللّهم لا أصفك إلاّ بما وصفت به نفسك )(٣) .
٧ - قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : لأحد أصحابه حول توصيف الله تعالى : ( لا تجاوز ما في القرآن )(٤) .
٨ - قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( من وصف الله بخلاف ما وصف به نفسه فقد أعظم الفرية على الله )(٥) .
صحّة توصيف الله تعالى بأ نّه شيء :
١ - سئل الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : أيجوز أن يقال : إنّ الله عزّ وجلّ شيء ؟
قالعليهالسلام : ( نعم يخرجه عن الحدّين حدّ التعطيل وحدّ التشبيه )(٦) .
٢ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام حول الله تعالى : ( هو شيء بخلاف الأشياء ، أرجع بقولي : " شيء " إلى إثبات معنى وأنّه شيء بحقيقة الشيئية ، غير أنّه لا جسم ولا صورة )(٧) .
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٣ ، ح ٣٢ ، ص ٧٤.
٢ - المصدر السابق : باب ٢ ، ح ١٨ ، ص ٦٠.
٣ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى ، ح ٣ ، ص ١٠١.
٤ - المصدر السابق ، ح ٧ ، ص ١٠٢.
٥ - بحار الأنوار ، العلامة المجلسي : ج ٤ ، كتاب التوحيد ، باب ٥ ، ح ٣١ ، ص ٥٣.
٦ - التوحيد ، الشيخ الصدوق ، باب ٧ ، ح ١ ، ص ١٠١ - ١٠٢.
٧ - الكافي ، الشيخ الكليني ، ج ١ ، باب إطلاق القول بأنّه شيء ، ح ٦ ، ص ٨٣.
٣ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( كلّ ما وقع عليه اسم شيء ما خلا الله تعالى فهو مخلوق )(١) .
____________________
١ - المصدر السابق ، ح ٥ ، ص ٨٣.
المبحث الثالث:أقسام صفات الله تعالى
١ - الصفات السلبية ( الجلالية ) ( التنزيهية ) :
وهي الصفات التي يجب سلبها عن الله تعالى ؛ لأنّها صفات نقص ولا تليق بالله تعالى ، من قبيل : الاحتياج ، التركيب ، والتجسيم.
٢ - الصفات الثبوتية ( الجمالية ) ( الكمالية ) :
وهي الصفات الثابتة لله تعالى ، والمثبتة له كلّ وصف يعدّ كمالاً له تعالى.
وتنقسم صفات الله الثبوتية إلى قسمين(١) :
١ - الصفات الذاتية :
وهي الصفات التي يكون ثبوتها لله تعالى ، من خلال لحاظ الذات الإلهية فقط ، ومن دون لحاظ أي شيء آخر.
مثال ذلك : الحياة ، العلم ، القدرة.
٢ - الصفات الفعلية :
وهي الصفات التي يكون ثبوتها لله تعالى ، من خلال لحاظ الأفعال الإلهية.
أي : هي الصفات التي يتّصف بها الله من خلال الأفعال الصادرة عنه.
مثال ذلك : الخالق ، الرازق ، الغافر.
وتنقسم صفات الله الذاتية إلى قسمين :
١ - حقيقية محضة :
____________________
١ - انظر : تصحيح اعتقادات الإمامية ، الشيخ المفيد : صفات الله ، فصل في صفات الذات وصفات الأفعال ، ص ٤١.
وهي الصفات الذاتية التي لا يعتبر في ثبوتها لله لحاظ أيّ شيء.
ومثالها صفة الحياة.
٢ - حقيقية ذات إضافة :
وهي الصفات الذاتية التي لا يعتبر في ثبوتها لله لحاظ أيّ شيء ، ولكنّها تتطلّب في تأثيرها الخارجي لحاظ أمر إضافي.
ومثالها صفة القدرة والعلم حيث لا يتحقّق أثرهما إلاّ بوجود مقدور ومعلوم.
المبحث الرابع :خصائص صفات الله التنزيهيّة
صفات الله التنزيهيّة عبارة عن الصفات التي يجب تنزيه الله عنها ؛ لأنّها صفات نقص ولا تليق بالله عزّ وجلّ.
خصائص الصفات السلبية :
١ - وجه إطلاق كلمة " السلب " على هذه الصفات ، هو باعتبار لزوم سلبها عن الذات الإلهية.
٢ - الصفات التنزيهيّة مهما تعدّدت وتنوّعت فإنّ مرجعها واحد ، وهو تنزيه اللّه عن الفقر والاحتياج.
٣ - إنّ السبب الأساس الدال على نفي الصفات التنزيهيّة عنه تعالى ، هو استحالة اتّصافه تعالى بهذه الصفات ؛ لأنّه تعالى كامل ولا سبيل للنقص إليه.
لهذا تتلخّص الصفات التنزيهيّة في عبارة واحدة ، وهي :
" إنّ ذات الله تعالى منزّهة عن النقص من جميع الجهات ".
٤ - تنقسم الصفات التنزيهيّة إلى قسمين :
أوّلاً : ما لفظه لفظ الإثبات ومعناه النفي وهو :
الف - وصفه تعالى بصفة " الغني " التي تعني أنّه ليس بمحتاج.
ب - وصفه تعالى بصفة " الواحد " التي تعني أنّه لا ثاني له في وجوب الوجود.
ثانياً : ما لفظه ومعناه النفي ، من قبيل نفي التركيب ، الجسمانية ، التشبيه ، والمكان و... عنه تعالى(١) .
____________________
١ - انظر: المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثالث : ص ٥٤ - ٥٦.
المبحث الخامس :خصائص صفات الله الثبوتية
تنقسم صفات الله الثبوتية - كما ذكرنا في المبحث الثالث من هذا الفصل - إلى صفات الله الذاتية وصفات الله الفعلية.
خصائص صفات الله الذاتية :
١ - ليس لهذه الصفات وجود إلاّ وجود الذات.
وإنّما هي مختلفة مع الذات في " معانيها ومفاهيمها " لا في " حقائقها ووجوداتها ".
أي : هذه الصفات زائدة على ذاته تعالى من الناحية " الذهنية " لا من الناحية " الواقعية ".
٢ - لا يصح أبداً سلب هذه الصفات من الله تعالى ، ولهذا لا يصح سلب صفة العلم أو القدرة عن الله تعالى في جميع الأحوال.
خصائص صفات الله الفعلية :
١ - لا يوصف الله بهذه الصفات قبل قيامه بالفعل المرتبط بهذه الصفات ، ولهذا :
لا يوصف الله بصفة " الخالق " قبل أن يخلق.
ولا يوصف الله بصفة " الرازق " قبل أن يرزق(١) .
٢ - يصح سلب هذه الصفات عنه تعالى في بعض الأحوال ، ومثاله :
يصح أن يقال بأنّه تعالى خلق هذا ، ولم يخلق ذاك.
يصح أن يقال بأنّه تعالى رزق هذا ، ولم يرزق ذاك(٢) .
____________________
١ - انظر : تصحيح اعتقادات الإمامية ، الشيخ المفيد : صفات الله ، فصل في صفات الذات وصفات الأفعال ، ص ٤١.
٢ - انظر ، المصدر السابق.
٣ - تعدّ هذه الصفات من أفعاله تعالى لا من ذاته تعالى.
وما يرتبط منها بالذات الإلهية أنّه تعالى قادر على فعل ما هو ممكن في جميع الأحوال.
٤ - لا توجب صفات الله الفعلية كمالاً لله تعالى.
دليل ذلك :
إنّ الصفات التي توجب الكمال يجب أن تكون :
أوّلاً - حقائق عينية لها واقع خارجي.
ثانياً - غير زائدة عن الذات الإلهية.
ولكن صفات الله الفعلية ، عبارة عن صفات :
أوّلاً : اعتبارية يتم انتزاعها من مقام الفعل.
ثانياً : متأخّرة عن رتبة الذات.
وما هو اعتباري وانتزاعي ومتأخّر عن رتبة الذات لا يصلح أن يكون كمالاً للذات.
إذن :
عدم اتّصاف الله تعالى بالصفات الفعلية لا يوجب النقص للذات الإلهية.
وإنّما الذات الإلهية كاملة بذاتها ، ولا توجب لها صفات الفعل أيّ كمال.
بعبارة أخرى :
صفات الله الفعلية " ناشئة " من كمال الذات الإلهية ، لا أنّها " موجبة " لكمال الذات الإلهية.
الفرق بين صفات الذات وصفات الفعل :
١ - صفات الذات منتزعة من الذات وتحكي عنها.
صفات الفعل منتزعة من مقام الفعل وهي مغايرة للذات.
٢ - صفات الذات قديمة بقدم الذات الإلهية.
صفات الفعل حادثة بحدوث الأفعال الإلهية.
٣ - صفات الذات غير متناهية ؛ لأنّها عين الذات.
صفات الفعل متناهية ومحدودة ؛ لأنّها زائدة على الذات.
٤ - صفات الذات لا يصح سلبها عن الله تعالى أبداً ،
فلهذا لا يوصف الله بعدم العلم أو عدم القدرة في أيّ حال.
صفات الفعل يصح سلبها عن الله تعالى أحياناً.
فلهذا يمكن القول بأنّه تعالى : يخلق ولا يخلق ، يرزق ولا يرزق(١) .
____________________
١ - انظر : الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب صفات الذات ، جملة القول في صفات الذات وصفات الفعل ، ص ١١١.
تصحيح اعتقادات الإمامية ، الشيخ المفيد، صفات الله ، فصل في صفات الذات وصفات الأفعال ، ص ٤١.
المبحث السادس :صفات الله الذاتية عين الذات أو زائدة عن الذات ؟
أهم أقوال المسلمين حول صفات الله الذاتية :
١ - قول بعض المعتزلة : نيابة الذات عن الصفات.
٢ - قول بعض المعتزلة : القول بالأحوال.
٣ - قول الكرامية : الزيادة والحدوث.
٤ - قول الأشاعرة : الزيادة والقدم.
٥ - قول الإمامية : عينية الصفات والذات.
القول الأوّل ( قول بعض المعتزلة ) : نيابة الذات عن الصفات
أنكر أصحاب هذا القول اتّصاف الذات الإلهية بالصفات ، وقالوا بنيابة الذات عن الصفات.
أي : ليس للّه صفة ، وإنّما ذاته تعالى هي التي تقوم مقام الصفة " فقالوا : هو عالم بذاته ، قادر بذاته ، حي بذاته ، لا بعلم وقدرة وحياة "(١) .
يرد عليه :
١ - يستلزم هذا القول خلو الذات عن الصفات الكمالية ، وهو باطل(٢) .
٢ - القرآن والسنّة يثبتان الصفات لله ، ولا يوجد أيّ دليل لصرف هذه النصوص عن ظواهرها.
____________________
١ - انظر : شرح الأصول الخمسة ، القاضي عبدالجبار : فصل والغرض به الكلام في كيفية استحقاقه تعالى لهذه الصفات ، ص ١٨٣.
الملل والنحل للشهرستاني ، الباب الأوّل ، الفصل الأوّل ، ص٤٤.
٢ - قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث الحادي عشر ، ص ١٠١.
القول الثاني ( قول بعض المعتزلة ) : القول بالأحوال(١)
يذهب أتباع هذا الرأي إلى وجود واسطة بين الوجود والعدم ، وهي ثابتة ، وسمّوها " الحال " ، وقالوا بأنّ صفات الله الحقيقية أحوال ، والأحوال لا يكون لها ذات ، فلهذا لا تكون " موجودة " ولا " معدومة " ، بل هي " حال ".
يرد عليه :
يحكم العقل بأنّ كلّ أمر مفروض لا يخلو من الوجود أو العدم ولا واسطة بينهما.
القول الثالث ( قول الكرامية ) : الزيادة والحدوث(٢)
ذهب أصحاب هذا القول إلى أنّ صفات الله الحقيقية صفات حادثة وهي قائمة به.
يرد عليه :(٣)
١ - إذا كانت صفات الله الأزلية حادثة ، فهي لا تخلو من أمرين :
الأوّل : هي التي أوجدت نفسها ، وهذا محال.
الثاني: أنّ الغير أوجدها، وهذا الغير لا يخلو من أمرين :
الأوّل : هو غير الله ، فلابدّ أن ينتهي إلى الله وإلاّ لزم التسلسل ، وهو محال.
الثاني : هو الله تعالى ، فيلزم أن يكون فاقد الشيء معطياً له ؛ لأنّ الله تعالى - وفق هذا الرأي - كان فاقداً لها قبل إحداثها ، وهذا باطل.
٢ - يلزم اتّصاف الله بصفات حادثة افتقاره تعالى إلى غيره ، والباري منزّه عن جميع أنواع الاحتياج والافتقار.
____________________
١ - يذهب أبو هاشم الجبائي من المعتزلة إلى هذا الرأي.
انظر : محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين من العلماء والحكماء والمتكلّمين ، لفخر الدين الرازي : القسم الثاني في الصفات ، ص ١٨٠.
٢ - ينسب هذا القول إلى أتباع محمّد بن كرام السجستاني ( ٢٢٥ ه- ).
انظر : الملل والنحل للشهرستاني ج١ ، الباب الأوّل : المسلمون ، الفصل الثالث : الصفاتية ، ٣ - الكرامية ص ١٠٨.
٣ - انظر : اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري : اللامع الثامن ، المرصد الأوّل ، الفصل السابع ، ص١٠٦.
القول الرابع ( قول الأشاعرة ) : القول بالقدم والزيادة(١)
قال الفضل بن روزبهان : " مذهب الأشاعرة أنّه تعالى له صفات ، موجودة ، قديمة ، زائدة على ذاته ، فهو عالم بعلم ، وقادر بقدرة ، ومريد بإرادة "(٢) .
ثم ذهب إلى أنّ معنى " الزيادة على الذات " هو : " لا هي عين الذات ولا غيرها "(٣) .
وقال أبو الحسن الأشعري : " الباري تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة ، حيّ بحياة ، وهذه الصفات أزلية قائمة بذاته تعالى ، لا هي هو ، ولا هي غيره ، ولا : لا هو ، ولا : لا غيره ! "(٤) .
يرد عليه :
١ - إذا كانت صفات الله " زائدة " على الذات ، فإنّها ستكون " مغايرة " لذاته تعالى.
وإذا كانت صفات الله " عين " الذات ، فإنّها ستكون " غير مغايرة " لذاته تعالى.
وأمّا القول بأنّ صفات الله : " لا هي عين الذات ولا غيرها " ، فإنّه كلام ينتهي إلى ارتفاع النقيضين ، وهو باطل.
٢ - يلزم قول الأشاعرة أن يكون مع الله تعالى قدماء كُثُر بقدر صفاته ، وهذا محال.
لهذا قال الفخر الرازي في مقام ردّه على قول الأشاعرة :
" إنّ النصارى كفروا ؛ لأنّهم أثبتوا قدماء ثلاثة ، وأصحابنا أثبتوا تسعة قدماء ،
____________________
١ - انظر : المواقف ، عضدالدين الأيجي ، بشرح : الشريف الجرجاني : ج ٣ ، الموقف الخامس ، المرصد الرابع ، المقصد الأوّل ، ص ٦٨.
شرح المقاصد ، سعدالدين التفتازاني : ج ٤ ، المقصد السادس ، الفصل الثالث ، المبحث الأوّل : الصفات زائدة على الذات ، ص ٦٩.
٢ - دلائل الصدق ، محمّد حسن المظفر : ج ٢ ، صفاته عين ذاته ، المبحث الثامن ، ص ٢٧٠.
٣ - المصدر السابق ، ص ٢٧٣.
٤ - الملل والنحل ، الشهرستاني : ج ١ ، الباب الأوّل ، الفصل الثالث ، ص ٩٥.
الذات وثماني صفات ! "(١) .
٣ - لو كان الله باقياً ببقاء قائم بذاته ، لكان تعالى ممكناً ؛ لأنّ البقاء هو الوجود المستمر ، فلو كان استمرار وجوده مستنداً إلى سوى ذاته كان ممكناً(٢) .
٤ - إذا كان مقصود الأشاعرة من قيام صفاته تعالى بذاته ، حلول هذه الصفات فيه تعالى فهو محال.
وإذا كان مقصودهم إثبات الأحوال كما أثبته بعض المعتزلة وذكرناه في القول الثاني آنفاً ، فهو أيضاً باطل(٣) .
فلا يبقى للأشاعرة سوى القول بزيادة الصفات على الذات ، وهذا ما سنبيّن بطلانه لاحقاً.
أدلة بطلان زيادة صفات الله الحقيقية على ذاته :
١ - إذا كانت صفات الله الحقيقية زائدة على ذاته ، فهي لا تخلو من أمرين(٤) :
أولاً : أن تكون قديمة ، فيلزم منه تعدّد القدماء ، وهذا ما تبطله أدلة وحدانية الله تعالى.
ثانياً : أن تكون حادثة ، فيلزم خلو الذات الإلهية قبل إحداثها ، كما نواجه مشكلة مَن أحدثها ، وقد بيّنا ذلك آنفاً عند الردّ على قول الكرامية.
٢ - يلزم القول بالزيادة ، أن تكون الذات خالية من العلم والقدرة في مرتبة الذات ، ويلزم هذا الخلو كونه تعالى ناقصاً في ذاته ، وهذا ما لا يليق بالذات الإلهية ، فيثبت بطلان القول بزيادة صفات الله على ذاته.
٣ - يلزم القول بالزيادة اتّصاف الله بالاحتياج والافتقار إلى غيره ؛ لأنّ معنى
____________________
١ - انظر : الرسالة السعدية ، العلاّمة الحلّي : الفصل الأوّل ، المسألة الخامسة : ص ٥١.
٢ - انظر : المصدر السابق.
٣ - انظر : المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي ، ج ١ ، الردّ على الفرق المخالفة في التوحيد ، ص ١٣٩ - ١٤٠.
٤ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ : باب أسماء الله تعالى ، ذيل ح ١٤ ، ص ٢١٧.
الرسائل العشر ، الشيخ الطوسي : المسألة ٢٠ ، ص ٩٦.
المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي : الرد على الفرق المخالفة في التوحيد ، ص ١٣٩.
اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري : اللامع الثامن ، المرصد الثاني ، الفصل الثالث ، ص ٢٠٨.
القول بالزيادة :
أنّ الله تعالى يحيى بحياة غير ذاته.
وأنّ الله تعالى يعلم بالعلم الذي هو غير ذاته.
وأنّ الله تعالى قادر بالقدرة التي هي خارجة عن حقيقته.
ويلزم - في جميع هذه الأحوال - أن لا يكون الله غنياً بذاته ، بل يكون محتاجاً إلى غيره ، ولكن الله تعالى منزّه عن الاحتياج ، فيثبت بطلان القول بزيادة صفات الله على ذاته(١) .
٤ - يلزم القول بالزيادة أن يكون الله مركّباً من ذات وصفات قديمة ، ولكنّه تعالى يستحيل أن يكون مركّباً ؛ لأنّ كلّ مركّب محتاج إلى جزئه ، وكلّ محتاج يكون ممكناً(٢) .
موقف أهل البيتعليهمالسلام من القول بالزيادة والقدم :
١ - عن أبان بن عثمان الأحمر ، قال : قلت للصادق جعفر بن محمّدعليهالسلام : إنّ رجلاً ينتحل موالاتكم أهل البيت ، يقول : إنّ الله تبارك وتعالى لم يزل سميعاً بسمع ، وبصيراً ببصر وعليماً بعلم وقادراً بقدرة.
فغضبعليهالسلام ، ثمّ قال : ( من قال ذلك ودان به فهو مشرك ، وليس من ولايتنا على شيء ، إنّ الله تبارك وتعالى ذات علامة ، سميعة ، بصيرة ، قادرة )(٣) .
٢ - عن الحسين بن خالد ، قال : سمعت الرضا علي بن موسىعليهماالسلام يقول : ( لم يزل الله تبارك وتعالى عليماً قادراً حيّاً قديماً سميعاً بصيراً ).
فقلت له : يابن رسول الله إنّ قوماً يقولون : إنّه عزّ وجلّ لم يزل عالماً بعلم ، وقادراً
____________________
١ - انظر : الرسالة السعدية ، العلاّمة الحلّي : الفصل الأوّل ، المسألة الخامسة ، ص ٥٠ كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة ١٩ ، ص ٤١٠.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري ، مباحث التوحيد ، مسألة نفي المعاني والأحوال ، ص ٢١٧.
٢ - انظر : كشف الفوائد ، العلاّمة الحلّي : الباب الثاني ، الوحدانية ، ص ١٩٧.
٣ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ١١ ، باب صفات الذات وصفات الفعل ، ح ٨ ، ص ١٣٩.
بقدرة ، وحياً بحياة ، وقديماً بقدم ، وسميعاً بسمع ، وبصيراً ببصر.
فقالعليهالسلام : ( من قال ذلك ، ودان به ، فقد اتّخذ مع الله آلهة أخرى ، وليس من ولايتنا على شيء )(١) .
٣ - قال الإمام عليعليهالسلام حول الله تعالى : ( كمال الإخلاص له نفي الصفات [ أي : الصفات الزائدة ] عنه ، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة.
فمن وصف الله سبحانه [ أي : وصفه بوصف زائد على ذاته ] فقد قرنه [ أي: قرن ذاته بشيء غيرها ].
ومن قرنه فقد ثنّاه [ أي : من قرنه بشيء من الصفات الزائدة فقد اعتبر في مفهومه أمرين : أحدهما الذات والآخر الصفة ].
ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه جهله )(٢) .
تنبيه :
لا يخفى أنّ الإمامعليهالسلام - كما بيّنا أثناء ذكر خطبته - عندما قال ( كمال الإخلاص نفي الصفات عنه) ، لم يقصد نفي مطلق الصفات عنه تعالى ، بحيث لا نصفه تعالى بالعلم والقدرة وغير ذلك من صفات الكمال ؛ لأنّ الإمامعليهالسلام ، أثبت وجود الصفات لله تعالى في بداية هذه الخطبة ، وقال حول الله تعالى : ( الذي ليس لصفته حدّ محدود ).
فنستنتج بأنّ مقصود الإمام من نفي الصفات هو نفي الصفات المحدودة ، أي : نفي الصفات الزائدة على ذاته ، ثم بيّن الإمامعليهالسلام أسباب ذلك في تكملة خطبته.
القول الخامس ( قول الإمامية ) : القول بأنّ صفات الله تعالى عين ذاته(٣)
يذهب أتباع هذا القول إلى أنّ صفات الله الحقيقية عين ذاته.
أي : ليس لهذه الصفات وجود إلاّ وجود الذات.
____________________
١ - المصدر السابق ، ح ٣، ص ١٣٥.
٢ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : الخطبة الأولى ، ص ١٤.
٣ - انظر : كشف المراد ، العلاّمة الحلي : المقصد الثالث ، الفصل الثانى ، المسألة ١٩ ، ص ٤١٠ ، إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، كون صفاته تعالى أزلية ، ص ٢٢٢
وأنّ هذه الصفات على رغم تعدّد مفاهيمها في الصعيد الذهني والاعتباري ، فإنّها تشير إلى مصداق ووجود واحد في الواقع الخارجي ، وذلك الوجود الواحد هو الذات الإلهية(١) .
دليل ذلك :
كلّ ما دل على بطلان زيادة الصفات على الذات بدوره دليل على عينية الصفات والذات.
توضيح ذلك :
١ - لو لم تكن صفاته تعالى عين ذاته ، لزم احتياجه تعالى في صفاته إلى ما سواه ، وافتقاره إلى شيء وراء ذاته ، ولكن إذا كانت صفاته عين ذاته لم يقع هذا المحذور.
٢ - لو لم تكن صفاته تعالى عين ذاته ، لزم خلو ذاته تعالى من العلم والقدرة في مرتبة الذات ، وهذا لا يليق بالذات الإلهية ، ولكن إذا كانت صفاته عين ذاته لم يقع هذا المحذور.
٣ - لو لم تكن صفاته تعالى عين ذاته ، لزم أن تكون الذات مركّبة من أجزاء ، والتركيب مستحيل عليه تعالى ، ولكن إذا كانت صفاته عين ذاته لم يقع هذا المحذور.
بيان معنى كون صفاته تعالى عين ذاته :
من أهم الأمور التي تساعد على فهم معنى كون صفاته تعالى عين ذاته ، هي مسألة فهم " المفهوم والمصداق ".
المفهوم : مجموع الصفات والخصائص الموضّحة لمعنى كلّي(٢) .
المصداق : الفرد الذي يتحقّق فيه معنى كلّي(٣) .
____________________
١ - هذا القول لا يعني مقولة النيابة ؛ لأنّ النيابة مبنية على نفي الصفات الكمالية كالعلم والقدرة ، ولكن هذا القول يعترف بوجود هذه الصفات الكمالية في مقام الذات.
انظر : أوائل المقالات ، الشيخ المفيد : القول في الصفات ، ص ٥٢.
٢ - انظر : المعجم الوسيط : مادة ( ف ه م ).
٣ - انظر : المصدر السابق : مادة ( ص د ق ).
تنبيه :
من الأمور المهمّة التي ينبغي الالتفات إليها ، أنّ المصداق الواحد يصح أن تطلق عليه العديد من المفاهيم.
مثاله :
إنّ الإنسان بكلّ وجوده " مخلوق " لله تعالى.
وهو أيضاً بكلّ وجوده " معلوم " لله تعالى.
ففي هذا المقام : الإنسان " مصداق " واحد.
و" مخلوق " و " معلوم " " مفهومان " يطلقان على هذا " المصداق " الواحد.
وهذا الإطلاق لا يعني :
جزء من ذات الإنسان مخلوق لله تعالى.
وجزء آخر من ذات هذا الإنسان معلوم لله تعالى ،
بل :
هذا الإنسان بكلّ وجوده مخلوق لله تعالى ،
وهو في نفس الوقت بكلّ وجوده معلوم لله تعالى ،
ولا يخفى بأنّ مفهوم " مخلوق " مغاير لمفهوم " معلوم ".
وهما على رغم هذا التغاير من ناحية " المفهوم " يطلقان على " مصداق " واحد.
بيان المفهوم والمصداق الإلهي :
١ - وجود الله تعالى واحد ، ولكن ينتزع منه بالنظر إلى تجلّياته المختلفة مفاهيم كثيرة.
أي : إنّ لله تعالى حقيقة واحدة ، وتعتبر صفاته الذاتية كلّها مفاهيم تعبّر عن مصداق واحد ، هو الله تعالى.
٢ - تعدّد الصفات لا يستلزم التركيب في ذاته تعالى ؛ لأنّ كلّ صفة من صفاته تعالى لا تشكّل جزءاً خاصاً من ذاته تعالى ، بل كلّ واحدة من هذه الصفات تشكّل تمام الذات ، والكثرة هنا تكون في عالم المفهوم دون الواقع الخارجي الذي هو
المصداق.
٣ - أوصاف العلم والقدرة والحياة أوصاف مشتركة بين الله تعالى والإنسان من حيث المفهوم ، ولكنّها تختلف من حيث المصداق.
فهذه الأوصاف في الإنسان ممكنة ، فقيرة ، محدودة ، مجسّمة ، ولكنّها في الله تعالى واجبة غنية لا متناهية ،
والله تعالى في المصداق ( ليس كمثله شيء ) [ الشورى : ١١ ]
٤ - السبب في فهم الإنسان لله الواحد الحقيقي البسيط بمجموعة مختلفة من المفاهيم ، يعود إلى الإنسان ذاته وإلى تركيبة جهازه الإدراكي ؛ لأنّ دأب العقل أنّه لا يستوعب الحقيقة التي يواجهها إلاّ بعد تجزئتها(١) .
٥ - المفاهيم أوعية محدودة ، ويبقى الإنسان مقيّداً بهذه الحدود في معرفته التوحيدية ، وتبقى الذات الإلهية فوق جميع التصوّرات.
أحاديث أهل البيتعليهمالسلام المبيّنة بأنّ صفات الله عين ذاته :
١ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( لم يزل الله عزّ وجلّ ربّنا والعلم ذاته ولا معلوم ، والسمع ذاته ولا مسموع ، والبصر ذاته ولا مبصر ، والقدرة ذاته ولا مقدور ، فلمّا أحدث الأشياء وكان المعلوم ، وقع العلم منه على المعلوم ، والسمع على المسموع ، والبصر على المبصر ، والقدرة على المقدور )(٢) .
٢ - عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليهالسلام أنّه قال في صفة القديم : ( إنّه واحد صمد أحدي المعنى ، ليس بمعاني كثيرة مختلفة ).
قال : قلت : جعلت فداك يزعم قوم من أهل العراق أنّه يسمع بغير الذي يبصر ، يبصر بغير الذي يسمع.
____________________
١ - انظر : التوحيد ، بحوث في مراتبه ومعطياته ، تقريراً لدروس السيّد كمال الحيدري ، جواد علي كسار : ١ / ١٧٧ - ١٨٧.
٢ - الكافي ، الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب صفات الذات ، ح ١ ، ص ١٠٧.
التوحيد ، الصدوق : باب ١١ ، ح١ ، ص ١٣٤ ، ١٣٥.
قال : ( كذبوا وألحدوا وشبّهوا ، تعالى الله عن ذلك ، إنّه سميع بصير يسمع بما يبصر ، ويبصر بما يسمع )(١) .
٣ - جاء في حديث الزنديق الذي سأل أبا عبداللهعليهالسلام : أنّه قال له : أتقول : إنّه سميع بصير ؟
فقال أبو عبداللهعليهالسلام : ( هو سميع بصير ، سميع بغير جارحة ، وبصير بغير آلة ، بل يسمع بنفسه ويبصر بنفسه وليس قولي : إنّه سميع بنفسه أنّه شيء والنفس شيء آخر ، ولكنّي أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسؤولاً ، وإفهاماً لك إذ كنت سائلاً ، فأقول يسمع بكلّه لا أنّ كلّه له بعض لأنّ الكل لنا [ له ] بعض ، ولكن أردت إفهامك والتعبير عن نفسي ، وليس مرجعي في ذلك كلّه إلاّ أنّه السميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف الذات ولا اختلاف المعنى )(٢) .
ردّ الإشكالات الواردة على القول بالعينية :
الإشكال الأوّل :
لو قلنا بأنّ صفات الله عين ذاته لما صح ، عندئذ حمل أيّة صفة من الصفات على الذات ؛ لأنّه يشترط في صحة حمل شيء على شيء أن يكون هناك نوع تغاير بينهما ، وإلاّ لكان من قبيل حمل الشيء على نفسه ، وهو باطل(٣) .
يرد عليه :
المقصود من القول بأنّ صفاته تعالى عين ذاته :
أنّها عين الذات من ناحية المصداق ،
لا أنّها عين الذات من ناحية المفهوم ،
بل الصفات مغايرة للذات من ناحية المفهوم.
____________________
١ - الكافي ، الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب آخر وهو من الباب الأوّل ، ح ١ ، ص ١٠٨.
٢ - المصدر السابق ، ح ٢ ، ص ١٠٨ - ١٠٩.
٣ - انظر : المواقف ، عضدالدين الايجي ، شرح : الشريف الجرجاني : ج ٣ ، الموقف الخامس ، المرصد الرابع ، المقصد الأوّل ، ص ٦٩.
ولوجود هذه المغايرة في المفهوم يصح حمل الصفات على الذات(١) .
الإشكال الثاني :
لو كان العلم نفس الذات ، والقدرة نفس الذات ، لكان العلم نفس القدرة ، وهذا واضح البطلان(٢) .
يرد عليه(٣) :
المقصود من القول : بأنّ " العلم " نفس الذات ، و " القدرة " نفس الذات هو : أنّ مصداق " العلم " ومصداق " القدرة " في الله تعالى واحد.
وأمّا في صعيد المفهوم :
فلا يخفى بأنّ مفهوم " العلم " مغاير لمفهوم " القدرة " ،
ولا يصح القول بأنّ مفهوم " العلم " نفس مفهوم " القدرة " ،
وانّما يصح القول بأنّ هذين المفهومين يطلقان على مصداق واحد.
وكما بيّنا لا إشكال في إطلاق مفاهيم متعدّدة على مصداق واحد.
بعبارة أخرى :
عندما نقول " العلم " و " القدرة " نفس الذات ، فالمقصود :
إنّ " العلم " و " القدرة " مفهومان يطلقان على مصداق واحد ، وهذا المصداق هو ذات الله تعالى.
وليس المقصود : أنّ مفهوم " العلم " نفس مفهوم " القدرة " ليرد عليه الإشكال المذكور.
____________________
١ - انظر : المصدر السابق.
٢ - انظر : المصدر السابق : ص ٧٠.
٣ - انظر : المصدر السابق.
الإشكال الثالث :
لو كان علمه تعالى عين ذاته لصح القول : يا علم الله اغفر لي وارحمني(١) .
يرد عليه :
المقصود من القول بأنّ علمه تعالى عين ذاته : أنّ مصداق " العلم " ومصداق " الذات " واحد.
وليس المقصود : أنّ مفهوم " العلم " ومفهوم " الذات " واحد.
ولهذا لا يصح استعمال مفهوم " العلم " بدل مفهوم " الذات " فيما لو كان المقصود الإشارة إلى مفهوم " الذات " ؛ لأنّ ما يفهم من " العلم " غير ما يفهم من " لفظ الجلالة ".
أضف إلى ذلك :
إنّ " العلم " مصدر ، ولا يصح في اللغة أن ينادى المسمّى بالمصدر ، بل الصحيح أن ينادى المسمّى بالاسم.
ولهذا فالصحيح أن نقول : يا عليم اغفر لي وارحمني.
____________________
١ - الإبانة ، أبو الحسن الأشعري : الباب الثامن ، الفصل الثاني ، ص ١٠٩.
الفصل الرابع :صفات اللّه التنزيهيّة
( حسب الحروف الألفبائية )
الاتّحاد الرؤية
الاحتياج الزمان
التركيب الشبيه
الجسمانية الشريك
الجهة الضدّ
الجوهروالعرض الكيفيات المحسوسة
الحدّ اللذة والألم
الحركة والسكون المثيل
الحلول المكان
الحوادث
(١)
الصفات التنزيهيّة
الاتّحاد
الاتّحاد ، عبارة عن صيرورة الشيئين شيئاً واحداً ، من غير زيادة ولا نقصان(١) .
القائلون بالاتّحاد :
١ - النصارى : قالوا بأنّ الله تعالى اتّحد بالمسيح ، أو قالوا باتّحاد الأقانيم الثلاثة الأب والابن وروح القدس(٢) .
٢ - الصوفية : قالوا بأنّ الله تعالى يتّحد بالعارف ، عندما يصل العارف في سيره وسلوكه إلى مرحلة الفناء في الله تعالى(٣) .
٣ - النصيرية : قالوا بأنّ الله تعالى اتّحد بعلي بن أبي طالبعليهالسلام (٤) .
أدلة نفي اتّحاده تعالى بالأشياء :
١ - الاتّحاد بنفسه محال ؛ لأنّ الأقسام المتصوّرة بعد فرض اتّحاد شيئين عبارة
____________________
١- - انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٩.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثاني ، البحث السادس ، ص ٧٤.
كشف الفوائد ، العلاّمة الحلّي : الباب الثاني ، ص ٢٢٣.
٢ - انظر : قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثاني ، البحث السادس ، ص ٧٤.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الخامس ، البحث الخامس ، ص ٢٠٥.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، الدليل على نفي الاتّحاد ، ص ٢٣٨.
٣ - انظر : المصدر السابق.
قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الثاني ، لا يجوز عليه الاتّحاد ، ص ٧٢.
٤ - انظر : الملل والنحل ، محمّد بن عبدالكريم الشهرستاني : ج ١ ، الباب الأوّل ، الفصل السادس ، النصيرية ، ص ١٨٨.
عن :
أوّلاً : بقاء الشيئين موجودين على ما كانا عليه : فلا اتّحاد بينهما ؛ لأنّهما في هذه الحالة اثنان متمايزان لا واحد.
ثانياً : انعدام الشيئين معاً وإيجاد شيء ثالث : فلا اتّحاد بينهما ؛ لأنّ المعدوم لا يتّحد بالمعدوم.
ثالثاً : انعدام أحدهما وبقاء الآخر : فلا اتّحاد بينهما ؛ لأنّ المعدوم لا يتّحد بالموجود(١) .
٢ - الأقسام المتصوّرة للشيء قبل اتّحاد الله تعالى به :
أ : واجب الوجود : فيلزم تعدّد الواجب ، وهو محال.
ب : ممكن الوجود : فالشيء الحاصل بعد الاتّحاد لا يخلو من أمرين :
الأوّل : واجب الوجود: فتكون النتيجة أن يصبح الممكن واجباً.
الثاني : ممكن الوجود : فتكون النتيجة أن يصبح الواجب ممكناً.
وكلاهما باطل ، فيثبت بطلان اتّحاد الباري بغيره(٢) .
____________________
١ - انظر : قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الثاني ، لا يجوز عليه الاتّحاد ، ص ٧١.
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثالث ، ص ٦٥.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثاني ، البحث السادس ، ص ٧٤.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة (١٤) ، ص ٤٠٧.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الخامس ، البحث الخامس ، ص ٢٠٥.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، الدليل على نفي الاتّحاد ، ص ٢٣٨.
٢ - انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٩ - ٣٠.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة (١٤) ، ص ٤٠٧.
(٢)
الصفات التنزيهيّة
الاحتياج
أدلة نفي الاحتياج عنه تعالى :
١ - إنّ الله تعالى غني عن الغير في كلّ شيء ؛
لأنّ الاحتياج من صفات الممكنات ، وواجب الوجود منزّه عن الاحتياج(١) .
٢ - إنّ الله تعالى قديم ، والقديم هو الذي يتقدّم على الكل فيكون غنيّاً عن الكل.
قال تعالى : ( يا أيّها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ) [ فاطر : ١٥ ]
تنبيه : أقسام الاحتياج :
١ - في الذات : كاحتياج الأثر إلى الموثِّر.
٢ - في الصفات : كاحتياج القادر - في كونه قادراً - إلى القدرة.
٣ - في جلب المنافع ودفع المضار.
والله تعالى غني في جميع هذه الأقسام :
____________________
١- انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٣١.
عجالة المعرفة في أصول الدين ، محمّد بن سعيد الراوندي : فصل في الصانع وصفاته ، ص ٣٠.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث، الفصل الثاني ، المسألة (١٧) ، ص ٤٠٨.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الخامس ، البحث الثاني عشر ، ص ٢١٩.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، كونه تعالى غنيّاً ، ص ٢٣٩.
١ - إنّه تعالى غني بذاته ؛ للأدلة الواردة أعلاه.
٢ - إنّه تعالى غني بصفاته ؛ لأنّ صفاته عين ذاته.
٣ - إنّه تعالى لا يصح عليه النفع والضرر ؛
لأنّ النفع والضرر لا يجوزان إلاّ على من يلتذ ويتألّم ،
واللذة والألم لا يجوزان إلاّ على صاحب الشهوة والنفور.
والشهوة والنفور من خواص الأجسام ،
والله تعالى منزّه عن الجسمانية(١) .
____________________
١- انظر : شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضي : وجوب كونه تعالى غنياً ، ص ٧١.
تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي : مسائل التوحيد، مسألة : في كونه تعالى غنياً ، ص ٨٧.
الاقتصاد ، الشيخ الطوسي : القسم الأوّل ، الفصل الرابع ، ص ٧٤.
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثالث ، ص ٥٤.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الخامس ، البحث الثاني عشر ، ص ٢١٨.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، كونه تعالى غنياً ، ص ٢٣٨ - ٢٣٩.
(٣)
الصفات التنزيهيّة
التركيب
أقسام التركيب :(١)
١ - التركيب الخارجي : وهو التركيب من الأجزاء الخارجية ، وهذه الأجزاء :
عند الفلاسفة : متكوّنة من المادة والصورة ،
وعند علماء الطبيعة : متكوّنة من المادة والصورة والأجزاء العنصرية والذرية.
٢ - التركيب الذهني : وهو التركيب من الأجزاء العقلية ، من قبيل : الوجود والماهية والجنس والفصل.
٣ - التركيب من الجهات والحيثيات ، كحيثية الذات والصفة في الصفات الزائدة على ذاته تعالى.
٤ - التركيب من الأجزاء الوهمية كأجزاء الخط والسطح والجسم ،
والله تعالى منزّه عن جميع أنواع التركيب.
أدلة نفي التركيب في ذات الله تعالى :
١ - المركّب يحتاج ويفتقر إلى أجزائه ، ولكن الله تعالى - كما ثبت سابقاً - منزّه عن الاحتياج والافتقار(٢) .
____________________
١- انظر : كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة العاشرة ، ص ٤٠٦.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد، استحالة التركيب في ذاته تعالى ، ص ٢٢٥.
قواعد العقائد ، نصير الدين الطوسي : الباب الثاني : في صفاته تعالى ، الصفات السلبية ص ٦٨ ، هامش رقم (١ ) لمحقق الكتاب علي الرباني الكلبايكاني.
٢- انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأول ، ص ٣٠.
قواعد العقائد : نصيرالدين الطوسي : الباب الثاني ، الصفات السلبية ، ص ٦٨.
كشف الفوائد : العلاّمة الحلي : الباب الثاني ، الصفات السلبية ، ص ٢١٣ - ٢١٤.
الاعتماد في شرح واجب الاعتقاد ، مقداد السيوري : الركن الأول ، في الصفات السلبية ، ص ٧١.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، استحالة التركيب في ذاته تعالى ، ص ٢٢٤.
بعبارة أخرى :
وجود " الجزء " مقدّم على وجود " الكل " ،
وكلّ " جزء " من المركّب مغاير لغيره ،
فيكون المركّب مفتقراً إلى أجزائه.
ولكن الله تعالى هو الغني الذي لا يفتقر إلى غيره(١) .
٢ - إذا كانت الذات الإلهية مركّبة ، فإنّ هذه الأجزاء لا تخلو من أمرين :
أوّلاً - أجزاء قديمة ، فيلزم تعدّد القدماء ، وهذا باطل.
ثانياً - أجزاء حادثة ، فيلزم تركيب الواجب من أجزاء غير واجبة ، وهذا باطل.
٣ - المركّب بحاجة إلى من يركّبه ، وهو منفي عن الذات الإلهية.
٤ - " الكل " مركب من " أجزاء " خارجية يكون ذات جوانب.
وجانبه هذا غير جوانبه الأخرى.
فهو بجانبه هذا منعدم عن الجوانب الأخرى ، ويكون بجوانبه الأخرى منعدم عن هذا الجانب ،
فيلزم هذا الأمر النقص في جميع الجوانب ، وبالتالي يستوجب هذا الأمر ، النقص والقصور في الذات الإلهية ، وهذا باطل(٢) .
٥ - لو كان الله تعالى مركّباً من الأجزاء ، لكان علمه وقدرته ثابتة لكلّ واحدة من أجزائه المتغايرة ، فيكون كلّ جزء من الله عالماً قادراً ، فتتعدّد الآلهة ، وهذا باطل.
____________________
١- انظر : كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الأوّل ، المسألة العاشرة ، ص ٤٠٥.
مناهج اليقين ، العلامة الحلّي : المنهج الخامس ، البحث الأول ، ص ٢٠١ - ٢٠٢.
٢- انظر : براهين أصول المعارف الإلهية والعقائد الحقّة للامامية ، أبو طالب التجليل : معرفة الله ، نفي التركيب عنه تعالى ، ص ٧٢.
(٤)
الصفات التنزيهيّة
الجسمانية
الجسم ، هو الشيء المستلزم للأبعاد الثلاثة ، وهي : الطول والعرض والعمق(١) .
و " التجسيم " هو الاعتقاد بأنّ الله تعالى جسم.
أدلة تنزيه الله عن الجسمانية :
١ - الجسم بطبيعته يحتاج إلى مكان ، وبما أنّ الله منزّه عن جميع أنواع الاحتياج ، فلهذا يثبت تنزيهه تعالى عن الجسمانية(٢) .
٢ - الجسم بطبيعته يتأثّر بالحوادث ، فلو كان الله جسماً لما انفك عن الأمور الحادثة من قبيل الحركة والسكون ، وكلّ ما لا ينفك عن هذه الأمور فهو حادث ، ولكنّه تعالى أزلي قديم، فيثبت تنزيهه تعالى عن الجسمانية(٣) .
٣ - الجسم بطبيعته محدود ، فلو كان الله جسماً لكان محدوداً ، وبما أنّه تعالى منزّه عن المحدودية ، فلهذا يثبت تنزيهه تعالى عن الجسمانية(٤) .
٤ - الجسم بطبيعته مركّب ، فلو كان الله جسماً لكان مركباً ، وبما أنّه تعالى منزّه عن التركيب ، فلهذا يثبت تنزيهه تعالى عن الجسمانية(٥) .
____________________
١- انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٤٢ ، ذيل ح ٦ ، ص ٢٩٣.
٢- انظر : الباب الحادي عشر ، العلاّمة الحلّي : الفصل الثالث ، الصفة الثانية ، ص ٥١.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، استحالة اتّصافه تعالى بالآلات الجسمانية ، ص ٢٣٧.
٣- انظر : نهج الحق وكشف الصدق ، العلاّمة الحلّي : المسألة الثالثة ، البحث الثالث ، ص ٥٦.
٤- انظر : مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الخامس ، البحث الثاني ، ص ٢٠٢.
٥- انظر : تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، ص ٢٥٦.
قواعد المرام ، ميثم البحرانى : القاعدة الرابعة ، الركن الثاني ، البحث الثاني ، ص ٦٩.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الخامس ، البحث الثاني ، ص ٢٠٢.
أحاديث لأهل البيتعليهمالسلام في تنزيه الله عن الجسمانية :
١ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( ولا بجسم فيتجزّأ )(١) .
٢ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام :
( إنّ الجسم محدود متناه ،
والصورة محدودة متناهية ،
فإذا احتمل الحدّ، احتمل الزيادة والنقصان،
وإذا احتمل الزيادة والنقصان ، كان مخلوقاً )(٢) .
٣ - قال الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام : ( إنّ الجسم محدود )(٣) .
٤ - قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( سبحان من ليس كمثله شيء ، لا جسم ولا صورة )(٤) .
٥ - قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( ليس منّا من زعم أنّ الله عزّ وجلّ جسم إنّ الجسم مُحدَث )(٥) .
____________________
١- التوحيد ، الشيخ الصدوق : الباب ٢ ، ح ٣٤ ، ص ٧٦.
٢- الكافي ، الشيخ الكليني : كتاب التوحيد ، باب النهي عن الجسم والصورة ، ح ٦ ، ص ١٠٦.
٣- المصدر السابق ، ح ٧ ، ص ١٠٦.
٤- المصدر السابق : ح ٢ ، ص ١٠٤.
٥- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٦ ، ح ٢٠ ، ص ١٠١.
(٥)
الصفات التنزيهيّة
الجهة
أدلة نفي الجهة عن الله تعالى :
١ - الجهة لا تعقل إلاّ في المكان ، والمكان - كما سيثبت لاحقاً - منفي عنه تعالى(١) .
٢ - الشيء الذي يكون في جهة لا يخلو من حالتين :
الأولى : يكون لابثاً في تلك الجهة.
الثانية : يكون متحرّكاً عن تلك الجهة.
فيكون الشيء في كلتا الحالتين غير منفك عن الحوادث ،
وكلّ ما لا ينفك عن الحوادث ، فهو حادث.
ولكن الله - كما سيثبت لاحقاً - منزّه عن الحوادث(٢) .
٣ - الذات الموجودة في جهة معيّنة ، تكون محدودة في إطار تلك الجهة ، وبما أنّ الله منزّه عن الحدّ ، فلهذا يكون منزّهاً عن الوجود في جهة معيّنة.
ولهذا قال الإمام عليعليهالسلام : ( من أشار إليه فقد حدّه )(٣) .
٤ - الذات الموجودة في جهة معيّنة تكون مفتقرة إلى تلك الجهة.
____________________
١- انظر : مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الخامس ، البحث الرابع ، ص ٢٠٤.
٢- انظر : نهج الحق وكشف الصدق ، العلاّمة الحلّي : المسألة الثالثة ، المبحث الرابع ، ص٥٧ ، إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، كونه تعالى ليس في جهة من الجهات ، ص ٢٢٧ - ٢٢٨.
٣- نهج البلاغة ، الشريف الرضي : خطب أميرالمؤمنينعليهالسلام ، خطبة (١ ) ، ص ١٤.
وبما أنّ الله منزّه عن الافتقار ، فلهذا يكون منزّهاً عن الوجود في جهة معيّنة(١) .
٥ - الذات الموجودة في جهة معيّنة ، تكون غير موجودة في الجهة الأخرى ، فإذا كان الله تعالى في جهة ، فسيلزم خلوّه عن سائر الجهات ، وهذا باطل.
سبب رفع الأيدي نحو السماء في الدعاء :
١ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( إذا فرغ أحدكم من الصلاة ، فليرفع يديه إلى السماء ، ولينصب في الدعاء ).
فسأله أحد الأشخاص : يا أميرالمؤمنين أليس الله في كلّ مكان ؟
قالعليهالسلام : ( بلى ).
قال : فلمَ يرفع يديه إلى السماء ؟
فقالعليهالسلام : ( أو ما تقرأ( فِي السَّمَاءِ رِزْقُکُمْ وَ مَا تُوعَدُونَ ) [ الذاريات : ٢٢ ] فمن أين يطلب الرزق إلاّ من موضع الرزق ، وموضع الرزق وما وعد الله السماء )(٢) .
٢ - سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ما الفرق بين أن ترفعوا أيديكم إلى السماء وبين أن تخفضوها نحو الأرض ؟
قالعليهالسلام : ( ذلك في علمه وإحاطته وقدرته سواء ، ولكنّه عزّ وجلّ أمر أولياءه وعباده برفع أيديهم إلى السماء نحو العرش ؛ لأنّه جعله معدن الرزق )(٣) .
تفسير بعض الآيات القرآنية بعد معرفة استحالة إثبات الجهة لله تعالى :
١ - قوله تعالى :( وَ هُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ) [ الأنعام : ١٨ ]
المقصود من الفوقية هنا التعالي والعظمة والهيمنة في القوّة والقدرة(٤) ، وليس المقصود الفوقية الحسيّة ، ومن الشواهد القرآنية على الفوقية غير الحسيّة قوله تعالى
____________________
١- انظر : قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الثاني ، الصفات السلبية ، ص ٦٩.
كشف الفوائد ، العلاّمة الحلّي : الباب الثاني ، الصفات السلبية ، ص ٢١٥ - ٢١٦.
الباب الحادي عشر ، العلامة الحلّي : الفصل الثالث ، الصفة الثانية ، البحث الثاني ، ص ٥٢.
٢- علل الشرائع ، الشيخ الصدوق : ج ٢ ، باب ٥٠ : العلّة التي من أجلها ترفع اليدين في الدعاء إلى السماء ، ح١ ، ص ٣٤٤.
٣- التوحيد ، الشيخ الصدوق ، باب ٣٦ ، ح ١ ، ص ٢٤٢.
٤- انظر : اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري ، اللامع الثامن ، المرصد الأوّل ، النوع الثاني ، ص ١٨٥.
حكاية عن فرعون :( وَ إِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ) [ الأعراف : ١٢٧ ]
٢ - قوله تعالى :( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْکَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) [ فاطر : ١٠ ]
أي : إنّ الأعمال الصالحة ، تصعد إلى الملائكة الكرام حفظة الأعمال الذين مسكنهم في السماء ، ولهذا نُسب هذا الصعود إليه تعالى(١) .
٣ - قوله تعالى :( أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِکُمُ الْأَرْضَ ) [ الملك : ١٦ ]
أي : أءمنتم من الله الذي يوجد في السماء ملائكته الموكّلون بإنزال العذاب عليكم متى ما يشاء(٢) .
٤ - قوله تعالى :( يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ) [ النحل : ٥٠ ]
أي : يخافون ربّهم أن ينزل عليهم العذاب من فوقهم(٣) .
____________________
١- انظر : كنز الفوائد ، أبو الفتح الكراجكي : ج ٢ ، فصل : من الكلام في أنّ الله تعالى لا يجوز أن يكون له مكان ، ص ١٠٦.
٢- انظر : المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في نفي التشبيه عنه تبارك وتعالى ، ص ١٠٨.
٣- انظر : اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري : اللامع الثامن ، المرصد الأوّل ، النوع الثاني ، ص ١٨٥.
(٦)
الصفات التنزيهيّة
الجوهر والعرض
دليل كونه تعالى ليس بجوهر :
إنّ الجوهر إمّا جوهر فرد أو خط أو سطح أو جسم ،
وكلّ واحد منها مفتقر وحادث ،
ولكن الله ليس بمفتقر ولا حادث(١) .
دليل كونه تعالى ليس بعرض :
" العرض " يعتمد في وجوده على محلّه ، وهو مفتقر إلى غيره ، و ولكنّه تعالى منزّه عن الافتقار(٢) .
حديث شريف :
قال عبدالعظيم الحسني للإمام علي بن محمّد الهاديعليهالسلام :
يابن رسول الله إنّي أريد أن أعرض عليك ديني ، فإن كان مرضياً أثبت عليه حتّى ألقى الله عزّ وجلّ.
فقالعليهالسلام : (هات )
فقال عبدالعظيم : إنّي أقول : إنّ الله تبارك وتعالى لا عرض ولا جوهر ".
____________________
١- النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٨ ، غنية النزوع ، ابن زهرة الحلبي : الفصل الخامس ، في أنّه تعالى ليس بجسم ، ص ٤٧.
٢- النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٩.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الخامس ، البحث الثاني ، ص ٢٠٣.
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثالث ، ص ٦٤ - ٦٥.
فقالعليهالسلام : (... هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده ، فاثبت عليه )(١) .
____________________
١- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢ ، ح ٣٧ ، ص ٧٩ - ٨٠.
(٧)
الصفات التنزيهيّة
الحدّ
إنّ الله تعالى منزّه عن الحدّ.
قال الإمام عليعليهالسلام : ( ليس له [ سبحانه وتعالى ] حدّ ينتهي إلى حدّه )(١) .
وقالعليهالسلام أيضاً : ( من زعم أنّ إله الخلق محدود فقد جهل الخالق المعبود )(٢) .
أدلة تنزيه الله عن الحدّ :
١ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( من حدّه [ تعالى ] فقد عدّه ، ومن عدّه فقد أبطل أزله )(٣) .
٢ - طلب أحد الأشخاص من الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام أن يحدّ الله تعالى له.
قالعليهالسلام : ( لا حدّ له ).
قال ذلك الشخص : ولم ؟
قالعليهالسلام : ( لأنّ كلّ محدود متناه إلى حدّ ،
وإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة ،
وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان ،
فهو غير محدود ولا متزايد ولا متناقص ولا متجزّء )(٤) .
____________________
١- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢ ، ح ١ ، ص ٣٥.
٢- المصدر السابق ، ح ٣٤ ، ص ٧٧.
٣- نهج البلاغة ، الشريف الرضي : قسم الخطب ، خطبة ١٥٢ ، ص ٢٧٨ - ٢٧٩.
٤- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٣٦ ، ح ٣ ، ص ٢٤٦.
(٨)
الصفات التنزيهيّة
الحركة والسكون
أدلة نفي الحركة عنه تعالى :
١ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( لا تجري عليه [ تعالى ] الحركة والسكون ، وكيف يجرى عليه ما هو أجراه ، أو يعود إليه ما هو ابتدأه ، إذاً لتفاوتت ذاته ، ولتجزّأ كنهه ، ولامتنع من الأزل معناه )(١) .
٢ - سئل الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : " لم يزل الله متحرّكاً ؟
فقالعليهالسلام : ( تعالى الله [ عن ذلك ] ، إنّ الحركة صفة محدثة بالفعل )(٢) .
٣ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام قال : ( إنّ الله تبارك وتعالى لا يوصف بزمان ولا مكان ، ولا حركة ولا انتقال ولا سكون ، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون ، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً )(٣) .
٤ - قال الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام : ( كلّ متحرّك محتاج إلى من يحرّكه أو يتحرّك به ، فمن ظنّ بالله الظنون هلك )(٤) .
بصورة عامة :
الحركة تستلزم خلو الذات المتحرّكة من المكان التي كانت فيه ، واستقرارها في مكان غير المكان السابق ، وهذا باطل بالنسبة إلى الله ؛لأنّه تعالى منزّه عن المكان.
____________________
١- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢ ، ح ١ ، ص ٤١.
٢- الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب صفات الذات ، ح ١ ، ص ١٠٧.
٣- بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٣ ، كتاب التوحيد ، باب ١٤ ، ح ٣٣ ، ص ٣٣٠.
٤- الكافي ، الشيخ الكليني : باب الحركة والانتقال ، ح ١ ، ص ١٢٥.
(٩)
الصفات التنزيهيّة
الحلول
الحلول عبارة عن : " قيام موجود بموجود على سبيل التبعية "(١) .
الحلول عبارة عن دخول شيء في محل يحويه ، ويحلّ داخله على سبيل التبعية.
ومعنى " على سبيل التبعية " :
أن تكون الصلة بين " الحال " و " المحل " صلة تبعية كالصلة بين الجسم ومكانه.
القائلون بالحلول :(٢)
ذهب بعض النصارى إلى القول بحلول الله في المسيحعليهالسلام .
ذهب بعض الصوفية إلى القول بحلول الله في أبدان العارفين.
أدلة استحالة حلوله تعالى في الأشياء :
١ - الحلول ملازم للجسمانية ، والله منزّه عن الجسمانية(٣) .
٢ - إذا جوّزنا الحلول على الله فإنّه تعالى :
أوّلاً : إمّا يكون حالاًّ في محل واحد :
____________________
١- ، (٢) انظر: تلخيص المحصل ، نصيرالدين الطوسي : القسم الثاني ، الصفات السلبية ، ص ٢٦٠ - ٢٦١.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الأوّل ، البحث الخامس ، ص ٧٣.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة الثالثة عشر ، ص ٤٠٧.
إشراق اللاهوت ، عميدالدين العبيدلي : المقصد الخامس ، المسألة الثانية عشر ، ص ٢٥٠.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، استحالة التحيّز للباري تعالى ، ص ٢٢٧.
٣- حق اليقين ، عبدالله شبر : الباب الثاني ، ص ٦١.
فيلزم كونه تعالى جزءاً لا يتجزّأ ، وهو محال ؛
لأنّ الجزء الذي لا يتجزّأ صغير جدّاً ، والله منزّه عن الاتّصاف بهذه الصورة.
ثانياً : أن يكون حالاًّ في أكثر من محل واحد :
فيلزم كونه تعالى مركّباً وقابلاً للقسمة ، وهو محال(١) .
____________________
١- مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الخامس ، البحث الثالث ، ص ٢٠٣.
(١٠)
الصفات التنزيهيّة
الحوادث
الحوادث هي ما يطرء على الذات من التغيّرات المختلفة ، من قبيل : الحركة والسكون ، النوم واليقظة ، اللذّة والألم ، النشاط والضعف ، ونحوها من الأعراض التي تنقل الذّات من حالة إلى أخرى.
دليل بطلان كونه تعالى محلاًّ للحوادث :
الحوادث تستلزم التغيّر والانفعال والتأثّر ؛
لأنّ الذات التي تطرء عليها الحوادث تتغيّر وتنفعل وتنتقل من حالة إلى أخرى ،
وهذه من صفات الأشياء المادية والجسمانية.
وبما أنّه تعالى منزّه عن الأمور المادية والجسمانية ، فلهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث(١) .
حديث شريف :
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( إنّه ليس شيء إلاّ يبيد أو يتغيّر ، أو يدخله التغيّر والزوال ، أو ينتقل من لون إلى لون ، ومن هيئة إلى هيئة ، ومن صفة إلى صفة ، ومن زيادة إلى نقصان ، ومن نقصان إلى زيادة ، إلاّ ربّ العالمين فإنّه لم يزل ولا يزال بحالة واحدة )(٢) .
____________________
١- قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الأوّل ، البحث السابع ، ص ٧٤.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة (١٦) ، ص ٤٠٨.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ص ٢٣٢.
٢- الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب معاني الأسماء واشتقاقها ، ح ٥ ، ص ١١٥.
(١١)
ا لصفات التنزيهيّة
الروية
قال الشيخ المفيد : " لا يصح رؤية الباري سبحانه بالأبصار ، وبذلك شهد العقل ، ونطق القرآن ، وتواتر الخبر عن أئمة الهدى من آل محمّدعليهمالسلام ، وعليه جمهور أهل الإمامة وعامّة متكلّميهم والمعتزلة بأسرها توافق أهل الإمامة في ذلك "(١) (٢)
____________________
١- أوائل المقالات ، الشيخ المفيد : قول ٢٥ : القول في نفي الرؤية على الله تعالى بالأبصار ، ص ٥٧.
٢- للمزيد راجع في هذا الكتاب : الفصل الخامس : رؤية الله بالبصر.
(١٢)
الصفات التنزيهيّة
الزمان
اختلفت الأقوال حول حقيقة الزمان ، ومن هذه الأقوال أنّ الزمان عبارة عن :
١ - الفلك الأعظم ؛ لأنّه محيط بكلّ الأجسام.
٢ - مقدار حركة الفلك الأعظم ( قول أرسطو ).
٣ - مقدار حركة الطبيعة الفلكية(١) .
تنزيه الله عن إحاطة الزمان به :
١ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( الحمد لله الذي لم يسبقه وقت ، ولم يتقدّمه زمان )(٢) .
٢ - سئل الإمام عليعليهالسلام : يا أميرالمؤمنين متّى كان ربّنا ؟
فقالعليهالسلام : ( إنّما يقال: متى كان لمن لم يكن فكان، هو كائن بلا كينونة كائن )(٣) .
٣ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( إنّ الله تبارك وتعالى لا يُوصف بزمان بل هو خالق الزمان )(٤) .
٤ - سأل أحد الأشخاص الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : أخبرني عن الله متى كان ؟ فقال لهعليهالسلام : ( ويلك أخبرني أنت متى لم يكن حتّى أخبرك متى كان ، سبحان من لم يزل ولم يزال )(٥) .
____________________
١ - للمزيد راجع : صراط الحق ، محمّد آصف المحسني : ج ٢ ، المطلب الثالث ، ص ٣٢.
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢ ، ح ١ ، ص ٣٣.
٣ - المصدر السابق : باب ٢٧ ، ح ٦ ، ص ١٧١.
٤ - الأمالي ، الشيخ الصدوق : المجلس (٤٧) ، ح ٤٣٠ / ٧ ، ص ٣٥٣.
٥ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٨ ، ح ١ ، ص ١٦٨.
دليل تنزيه الله عن إحاطة الزمان به :
يلزم إحاطة الزمان بالله تعالى :
أن يتقدّم جزء من الزمان على الله ، وأن يتأخّر جزء آخر منه عليه فيكون الجزء الأول ماضياً.
ويكون الجزء الثاني مستقبلاً.
وهذا ما لا شك في امتناعه عليه تعالى ؛
لأنّ الله تعالى ، لا يتقدّم عليه شيء ، وهو عزّ وجلّ بكلّ شيء محيط.
(١٣)
الصفات التنزيهيّة
الشبيه
لا خلاف بأنّ الله تبارك وتعالى لا يشبه شيئاً من مخلوقاته.
وقد قال تعالى واصفاً نفسه( لَيْسَ کَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) [ الشورى : ١١ ](١)
____________________
١ - للمزيد راجع في هذا الكتاب : " الفصل الخامس عشر ، المبحث الثاني ، قول المشبّهة : تشبيه صفات اللّه بصفات الإنسان
(١٤)
الصفات التنزيهيّة
الشريك
أدلة استحالة وجود الشريك لله تعالى :
١ - دليل الاشتراك والامتياز
لو فُرض إلاهان في الوجود ، فإنّهما :
سيشتركان في مفهوم " الإله ".
وسيمتاز كلّ واحد منهما بأمر مغاير لما فيه اشتراكهما.
وحينئذ يكون كلّ واحد منهما مركباً مما به الاشتراك ومما به الامتياز.
وكلّ مركّب ممكن ، ولكن الله تعالى واجب الوجود.
فيثبت بطلان وجود الشريك له تعالى(١) .
٢ - دليل التمانع
وجود الشريك يستلزم اختلاف إرادتيهما في بعض الأحيان ،
وهذا ما يؤدّي إلى الفساد في نظام الوجود والإخلال بنظام الكون.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى :( لَوْ کَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) [ الانبياء : ٢٣ ]
* قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام :
( إن قلت : إنّهما اثنان لم يخل من أن يكونا :
____________________
١ - أنظر : المسلك في أصول الدين ، المحقق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثالث ، ص ٥٥.
متّفقين من كلّ جهة.
أو مفترقين من كلّ جهة.
فلمّا رأينا الخلق منتظماً ، والفلك جارياً ، والتدبير واحداً ، والليل والنهار والشمس والقمر ، دلّ صحة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أنّ المدبّر واحد(١) .
بعبارة أخرى :
لو كان في الوجود إلاهان ، لكان كلّ واحد منهما قادراً لذاته.
فإذا أراد أحدهما تحريك جسم ، وأراد الآخر تسكينه في حالة واحدة ، فلا يخلو الأمر من الأقسام التالية :
الأوّل : يقع مرادهما ، وهو محال ؛ لأنّه جمع بين النقيضين، ويكون الجسم في هذه الحالة متحرّكاً وساكناً في وقت واحد ، وهو محال.
الثاني : لا يقع مرادهما ، ويلزم منه عجزهما ، والإله لا يكون عاجزاً.
الثالث : يقع مراد أحدهما ، فيكون الإله هو القادر ، وأمّا العاجز فليس أهلاً للألوهية(٢) .
* سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : لم لا يجوز أن يكون صانع العالم أكثر من واحد ؟
قالعليهالسلام : ( لا يخلو قولك : إنّهما اثنان من أن يكونا قديمين قويين ، أو يكونا ضعيفين ، أو يكون أحدهما قويّاً والآخر ضعيفاً.
فإن كانا قويين فلم لا يدفع كلّ واحد منهما صاحبه ويتفرّد بالربوبية ؟
وإن زعمت أنّ أحدهما قوي والآخر ضعيف ثبت أنّه واحد - كما نقول - للعجز الظاهر في الثاني )(٣) .
٣ - جاء في وصية الإمام عليعليهالسلام لولده الإمام الحسنعليهالسلام :
( لو كان لربّك شريك لأتتك رسله ، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ، ولعرفت أفعاله
____________________
١ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب حدوث العالم وإثبات المحدث ، ح ٥ ، ص ٨١.
٢ - المصدر السابق ، ص ٥٥ - ٥٦.
٣ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٣ ، كتاب التوحيد ، باب ٦ ، ح ٢٢ ، ص ٢٣٠.
وصفاته ، ولكنه إله واحد كما وصف نفسه )(١) .
____________________
١ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : قسم الرسائل ، رسالة رقم ٣١ ، ص ٥٤١.
(١٥)
الصفات التنزيهيّة
الضدّ
معاني " الضدّية " بين الشيئين :
المعنى الأوّل : لا يجتمعان في محل وزمان واحد.
مثال ذلك : الحرارة والبرودة ، السواد والبياض.
المعنى الثاني : لكلّ واحد منهما أثر ينافي أثر الآخر.
مثال ذلك : الماء والنار.
المعنى الثالث : لأحدهما قدرة تمنع الآخر.
مثال ذلك : أن يتنازع شخصان في فعل واحد ، وأحدهما أقوى من الآخر(١) .
أدلة تنزيه الله عن وجود ضدّ له(٢) :
بالنسبة إلى المعنى الأوّل :
إنّ الله منزّه عن المكان والزمان ، كما أنّ اجتماعه مع شيء آخر في مكان واحد يستلزم الحلول ، والحلول - كما ثبت سابقاً - محال بالنسبة إلى الله تعالى.
بالنسبة إلى معنى الثاني :
كلّ ما سوى الله مخلوق ، وليس له الاستقلالية في وجوده ؛ لأنّ وجوده قائم بغيره ، فلهذا يستحيل على أي مخلوق أن يترك أثراً منافياً عليه تعالى.
بالنسبة إلى المعنى الثالث :
____________________
١ - انظر : كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة (١١) ، ص ٤٠٦ اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري : اللامع الثامن ، المرصد الأوّل ، الفصل الثالث ،ص ١٥٦.
إيضاح المراد ، علي رباني كلبايكاني : المسألة (١١) في أنّه تعالى لا ضدّ له ، ص ٨٧.
٢ - انظر : المصدر السابق.
كلّ ما سوى الله ممكن الوجود ، والممكن لا يستطيع أبداً مواجهة الواجب ، ولهذا قال تعالى( وَ هُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ) [ الأنعام : ١٨ ].
(١٦)
الصفات التنزيهيّة
الكيفيات المحسوسة
الكيفيات المحسوسة : من قبيل اللون والطعم والرائحة والحرارة والبرودة والرطوبة و
أدلة تنزيه الله عن الكيفيات المحسوسة :
١ - الكيفيات المحسوسة من خواص الجسم والله تعالى منزّه عن الجسمانية.
٢ - الكيفيات المحسوسة حادثة ، لكن الباري غير حادث ، فيمتنع أن يكون قابلاً للحوادث.
٣ - الكيفيات المحسوسة تستلزم الانفعال ، والله منزّه من الانفعال(١) .
أحاديث لأهل البيتعليهمالسلام حول تنزيه الله عن الكيفية :
١ - سئل رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن الله تعالى : كيف هو ؟
قالصلىاللهعليهوآله : ( وكيف أصف ربّي بالكيف ، والكيف مخلوق الله ، والله لا يوصف بخلقه )(٢) .
٢ - قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله حول الله تعالى : ( لا كيف له ولا أين ؛ لأنّه عزّ وجلّ كيّف الكيف ، وأيّن الأين )(٣) .
٣ - قال الإمام عليعليهالسلام حول الله تعالى : ( المعروف بغير كيفية )(٤) .
____________________
١ - انظر : تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث : القسم الثاني ، ص ٢٦٧ - ٢٦٨.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الخامس ، البحث الثامن ، ص ٢٠٩.
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٤٤ ، ح ١ ، ص ٣٠٣.
٣ - التوحيد ، الشيخ الصدوق ، باب ٤٤ ، ح ٢ ، ص ٣٠٤.
٤ - المصدر السابق : باب ٢ ، ح ٣٤ ، ص ٧٦.
٤ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام حول الله تعالى : ( ولا يوصف بكيف فكيف أصفه بكيف ، وهو الذي كيّف الكيف حتّى صار كيفاً )(١) .
٥ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( من نظر في الله كيف هو هلك )(٢) .
٦ - قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( إذا سألوك عن الكيفية ، فقل كما قال الله عزّ وجلّ :( لَيْسَ کَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) [ الشورى : ١١ ] )(٣)
____________________
١ - المصدر السابق : باب ٨ ، ح ١٤ ، ص ١١١.
٢ - الكافي ، الشيخ الكليني : كتاب التوحيد ، باب النهي عن الكلام في الكيفية ، ح ٥ ، ص ٩٣.
٣ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٤ ، ح ١٤ ، ص ٩٢ - ٩٣.
(١٧)
الصفات التنزيهيّة
اللذة والالم(١)
تعريف اللذة والألم عند المتكلّمين :
اللذة : حالة حاصلة من تغيّر المزاج إلى الاعتدال.
الألم : حالة حاصلة من تغيّر المزاج إلى الفساد.
تعريف اللذة والألم عند الفلاسفة :
اللذة : إدراك الذات ما يلائمها.
الألم : إدراك الذات ما ينافيها.
الألم في الذات الإلهية :
اتّفق الجميع على انتفاء الألم عنه تعالى ، ودليل ذلك :
المتكلّمون : الألم من توابع المزاج ، والمزاج يوجب التغيير والانفعال ، والله تعالى منزّه عن هذه الأمور.
الفلاسفة : الألم إدراك الذات ما ينافيها ، ولا مناف له تعالى ؛ لأنّ ما عداه صادر عنه، فلا يكون منافياً له.
____________________
١ - انظر : قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الثاني ، الصفات السلبية ، ص ٧٠.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثاني ، البحث الثامن ، ص ٧٥.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة (١٨) ، ص ٤٠٩.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الخامس ، البحث السابع ، ص ٢٠٨ - ٢٠٩.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، استحالة قيام اللذة والألم بذاته تعالى ، ص ٢٣٣.
اللذة في الذات الإلهية :
وقع الخلاف بين العلماء حول وجود اللذة في الذات الإلهية :
المتكلّمون : إنّ الله تعالى منزّه عن اللذة ؛ لأنّ اللذة من توابع المزاج ، وملازمة للانفعال ، ولا تصح إلاّ في الأجسام ، والله تعالى منزّه عن المزاج والانفعال والجسمانية.
الفلاسفة : اللذة عبارة عن إدراك الذات ما يلائمها ، والله تعالى مدرك لذاته بذاته ، وذاته في غاية الجمال والكمال والبهاء ، فلهذا يكون لله تعالى أعظم البهجة والسرور واللذة بذاته.
تنبيه :
منع العلماء توصيفه تعالى باللذة ؛ لأنّ أوصاف الله توقيفية ، ولا يجوز توصيفه تعالى إلاّ بما وصف به نفسه(١) .
وقال مقداد السيوري في هذا الخصوص : " والذي يقتضيه العقل هو عدم التهجّم على هذه الذات المقدّسة بما لا ضرورة إلى إثباته ولم يرد الإذن فيه "(٢) .
____________________
١ - انظر من المصدر السابق : قواعد المرام : ٧٥ ، كشف المراد : ٤٠٩ ، مناهج اليقين : ٢٠٩ ، إرشاد الطالبين : ٢٣٦.
٢ - اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري : اللامع الثامن ، المرصد الأوّل ، الفصل التاسع ، ص ١٦١.
(١٨)
الصفات التنزيهيّة
المثيل
" المثل " هو الشيء الذي يتوافق مع غيره في الماهية.
مثال ذلك : زيد مثل عمر في الإنسانية.
أدلة استحالة مماثلته تعالى لغيره :
١ - المماثلة تكون في " الماهية " ، والله تعالى ليس له ماهية ، فلا مثل له.
٢ - إذا كان الشيئان متماثلين ، فسيلزم من ذلك :
اشتراكهما في لوازم الذات.
ومن لوازم ذات الله تعالى " القدم ".
ومن لوازم ذات غيره تعالى " الحدوث ".
فإذا قلنا بأنّ ذاته تعالى مماثلة لذات غيره ، فمعنى ذلك : أن يكون " الحدوث " من لوازم ذات الله تعالى الذي هو قديم.
وأن يكون " القدم " من لوازم ذات غير الله الذي هو حادث ،
فيصبح الحادث قديماً ، والقديم حادثاً ، وهذا خلف.
فيثبت استحالة مماثلته تعالى لغيره(١) .
٣ - كلّ ذاتين اشتركا في أمر ذاتي :
فلابد أن يتميّز أحدهما عن الآخر بأمر عرضي.
____________________
١ - انظر : كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة (٩) ، ص٤٠٥ ، نهج الحق وكشف الصدق ، العلاّمة الحلّي : المسألة الثالثة ، البحث الثاني ،ص ٥٤.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، كونه تعالى لا مثل له ، ص ٢٢٤.
فيكون " ما به الامتياز " جزء لكلّ واحد منهما.
فلو شارك الله غيره في شيء من الأشياء ، لكان مركباً ، وبما أنّ الله منزّه عن التركيب ، فلا يصح أن يكون له مماثل(١) .
نفي المثيل عنه تعالى في القرآن الكريم :
قال عزّ وجلّ :( لَيْسَ کَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) [ الشورى : ١١ ]
أي : ليس مثله شيء على وجه من الوجوه(٢) .
نفي المثيل عنه تعالى في الأحاديث الشريفة :
١ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( فلا شبه له من المخلوقين ، وإنّما يُشبّه الشيء بعديله ، فأمّا ما لا عديل له ، فكيف يُشبّه بغير مثاله )(٣) .
٢ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( كلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه )(٤) .
٣ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( كلّ شيء وقع عليه اسم شيء سواه [ تعالى ] فهو مخلوق )(٥) .
٤ - قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : ( ما وقع همّك عليه من شيء فهو خلافه ، لا يشبهه شيء )(٦) .
____________________
١ - مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج الخامس، البحث العاشر، ص ٢١١.
٢ - فتكون " الكاف " في " كمثله " زائدة.
وقال الشريف المرتضى : " الكاف ليست زائدة ، وإنّما نفى أن يكون لمثله مثل ، فإذا ثبت ذلك عُلم أنّه لا مثل له ؛ لأنّه لو كان له مثل لكان له أمثال ، وكان لمثله مثل نعلم بذلك أنّه لا مثل له أصلاً فأراد الله تعالى أن يبيّن أنّه منزّه عن التشبيه أنّه كشيء أو مثل شيء ".
متشابه القرآن ومختلفه ، محمّد بن علي بن شهر آشوب : سورة الشورى ، ص ١٠٤.
٣ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢ ، ح ١٣ ، ص ٥٢.
٤ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : ح ١ ، ص ٤١.
٥ - المصدر السابق ، ح ١٦، ص ٥٨.
٦ - الكافي ، الشيخ الكليني : كتاب التوحيد ، باب إطلاق القول بأنّه شيء ، ح١ ، ص ٨٢.
(١٩)
الصفات التنزيهيّة
المكان
أدلة تنزيه الله عن وجوده في مكان :
١ - يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء(١) .
سئل الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : هل يجوز أن نقول : إنّ الله عزّ وجلّ في مكان ؟
فقالعليهالسلام : ( سبحان الله وتعالى عن ذلك ، إنّه لو كان في مكان لكان محدَثاً ؛ لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، والاحتياج من صفات المُحدَث لا من صفات القديم )(٢) .
٢ - إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين :
الأوّل : قديم ، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء ، وهذا باطل.
الثاني : حادث ، والحادث محدود ، ولكنّه تعالى غير محدود ، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود.
فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان(٣) .
____________________
١ - انظر : النكتب الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٩.
قواعد العقائد : نصيرالدين الطوسي ، الباب الثاني ، الصفات السلبية ، ص ٦٩.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثاني ، البحث الرابع ، ص ٧١.
الباب الحادي عشر ، العلاّمة الحلّي : الفصل الثالث : الصفات السلبية ، الصفة الثانية ، ص ٥٢.
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٨ ، ح١١ ، ص١٧٤.
٣ - انظر : كنز الفوائد ، أبو الفتح الكراجكي : ج ٢ ، فصل : من الكلام في أنّ الله تعالى لا يجوز أن يكون له مكان ، ص ١٠٤.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، استحالة التحيّز للباري تعالى ، ص ٢٢٧.
أحاديث لأهل البيتعليهمالسلام حول تنزيه الله تعالى عن الوجود في مكان :
١ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( إنّ اللّه جلّ وعزّ أيّن الأين فلا أين له، وجلّ عن أن يحويه مكان... )(١) .
٢ - قال الامام عليعليهالسلام : ( كان الله ولا مكان )(٢) .
٣ - قال الإمام جعفر بن محمّدعليهالسلام : ( ولا يوصف [ عزّ وجلّ ] بكيف ولا أين ، كيف أصفه بأين وهو الذي أيّن الأين حتّى صار أيناً ، فعرفت الأين بما أيّنه لنا من الأين ...)(٣) .
٤ - سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : أين كان ربّنا قبل أن يخلق سماءً أو أرضاً ؟ فقالعليهالسلام : ( أين سؤال عن مكان ، وكان الله ولا مكان )(٤) .
معنى نسبة بعض الأماكن إلى الله تعالى :
١ - ورد في معنى قول إبراهيمعليهالسلام :( إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ) [ الصافات : ٩٩]
ومعنى قول موسىعليهالسلام :( وَ عَجِلْتُ إِلَيْکَ رَبِّ لِتَرْضَى ) [ طه : ٨٤ ]
وقوله عزّ وجلّ:( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ) [ الذاريات : ٥١ ]
وغيرها من الآيات القرآنية التي تدل بظاهرها على وجود مكان لله تعالى(٥) .
قال الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليهالسلام ( إنّ الكعبة بيت الله فمن حجّ بيت
____________________
١ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي ، ج ٥٧ ، باب ١ ، ح ٦٣ ، ص ٨٣.
٢ - الإرشاد ، الشيخ المفيد : ج ١ ، باب الخبر عن أميرالمؤمنينعليهالسلام فصل : في ذكر مختصر من قضائهعليهالسلام في إمارة أبي بكر، ص ٢٠١.
٣ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب النهي عن الصفة ، ح ١٢ ، ص ١٠٣ - ١٠٤ التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٨ ، ح ١٤، ص ١١١ - ١١٢.
٤ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب الكون والمكان ، ح ٥ ، ص ٨٩ - ٩٠.
التوحيد، الشيخ الصدوق : باب ٢٨ ، ح ٤ ، ص ١٧٠.
٥ - من قبيل قوله تعالى في قصّة عيسى ( بل رفعه الله إليه ) [ النساء : ١٥٨] راجع : بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٣ ، كتاب التوحيد ، باب ١٤ ، ح ١٧ ، ص ٣٢١.
الله فقد قصد إلى الله ،
والمساجد بيوت الله ، فمن سعى إليها فقد سعى إلى الله وقصد إليه ، والمصلّي مادام في صلاته فهو واقف بين يدي الله جلّ جلاله
وإنّ لله تبارك وتعالى بقاعاً في سماواته ، فمن عُرج به إليها ، فقد عرج به إليه ، ألا تسمع الله عزّ وجلّ يقول :( تَعْرُجُ الْمَلاَئِکَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ ) [ المعارج : ٤ ] ويقول عزّ وجلّ :( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْکَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) [ فاطر : ١٠ ](١)
٢ - سئل الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام :
لأيّ علّة عرج الله بنبيهصلىاللهعليهوآله إلى السماء ، ومنها إلى سِدرَة المنتهى ، ومنها إلى حجب النور ، وخاطبه وناجاه هناك ، والله لا يوصف بمكان ؟
فقالعليهالسلام : ( إنّ الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان ، ولا يجري عليه زمان ، ولكنّه عزّ وجلّ أراد أن يشرّف به ملائكته وسكّان سماواته ويكرمهم بمشاهدته ، ويريه من عجائب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه ، وليس ذلك على ما يقول المشبّهون ، سبحان الله وتعالى عما يشركون )(٢) .
معنى وجود الله في كلّ مكان :
١ - قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( هو في كلّ مكان ، وليس هو في شيء من المكان بمحدود...)(٣) .
٢ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( هو في كلّ مكان بغير مماسة ولا مجاورة ، يحيط علماً بما فيها ، ولا يخلو شيء منها من تدبيره )(٤) .
٣ - قال الإمام عليعليهالسلام :
( لم يحلُل في الأشياء فيقال هو فيها كائن ،
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٨ ، ح ٨ ، ص ١٧٢ - ١٧٣.
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٨ ، ح ٥ ، ص ١٧٠.
٣ - المصدر السابق : باب ٤٤ ، ح ١ ، ص ٣٠٣.
٤ - الإرشاد ، الشيخ المفيد : ج ١ ، باب : الخبر عن أميرالمؤمنينعليهالسلام ، فصل : في ذكر مختصر من قضائهعليهالسلام في إمارة أبي بكر ، ص ٢٠١.
ولم ينأ عنها فيقال هو عنها بائن
ولم يخل منها فيقال أينَ.
ولم يقرب منها بالالتزاق.
ولم يبعد عنها بالافتراق.
بل هو في الأشياء بلا كيفية )(١) .
٤ - سئل الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : فهو [ عزّ وجلّ ] في كلّ مكان ؟
أليس إذا كان في السماء كيف يكون في الأرض ؟ !
وإذا كان في الأرض كيف يكون في السماء ؟ !
فقالعليهالسلام : ( إنّما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل عن مكان ، واشتغل به مكان ، وخلا منه مكان ، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه ،
فأمّا الله العظيم الشأن المَلِك الديّان فلا يخلو منه مكان ، ولا يشتغل به مكان ، ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان )(٢) .
٥ - عن محمّد بن نعمان قال : سألت أبا عبداللهعليهالسلام عن قول الله عزّ وجلّ :( وَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَ فِي الْأَرْضِ ) [ الأنعام : ٣ ]
قالعليهالسلام : ( كذلك هو في كلّ مكان ).
قلت : بذاته.
قالعليهالسلام : ( ويحك ! إنّ الأماكن أقدار ، فإذا قلت : في مكان بذاته ، لزمك أن تقول : في أقدار وغير ذلك ، ولكن هو بائن من خلقه ، محيط بما خلق علماً وقدرة وإحاطة وسلطاناً وملكاً لا يبعد منه شيء ، والأشياء له سواء علماً وقدرة وسلطاناً وملكاً
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢ ، ح ٣٤ ، ص ٧٧.
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٣٦ ، ح ٣ ، ص ٢٤٨.
وإحاطة )(١) .
____________________
١ - المصدر السابق : باب ٩ ، ح ١٥ ، ص ١٢٨ - ١٢٩.
الفصل الخامس :رؤية اللّه تعالى بالبصر
معنى الرؤية البصرية
عقيدة الشيعة وأهل السنة
أدلة نفي رؤية الله بالبصر
مناقشة أدلة القائلين بإمكانية رؤية الله بالبصر
المبحث الأوّل :معنى الرؤية البصرية
الرؤية البصرية عبارة عن : انعكاس صورة المرئي على العين عن طريق وصول النور ، النابع أو المنعكس من الأشياء إلى العين ، ثمّ انتقال هذا النور على شكل أمواج عصبية إلى الدماغ من أجل تحليله وتفسيره ، وتعقّل شكل وصورة المرئي.
تنبيه :
ما يجدر الالتفات إليه عند دراسة الخلاف الواقع بين المسلمين حول رؤية الله تعالى هو ، أنّ الرؤية التي وقع الاختلاف حول إمكانها أو استحالتها ، هي الرؤية بمعنى إدراكه تعالى عن طريق حاسّة البصر ، أمّا تفسير رؤية الله بالإدراك المعرفي أو الكشف الشهودي ( الرؤية القلبية ) أو العلم الحضوري فهو مما لم يقع الاختلاف حول إمكانه ولا خلاف في جوازه.
المبحث الثاني :عقيدة الشيعة وأهل السنّة حول رؤية الله تعالى
عقيدة الشيعة :
قال الشيخ المفيد : " لا يصح رؤية الباري سبحانه بالأبصار ، وبذلك شهد العقل ونطق القرآن وتواتر الخبر عن أئمة الهدى من آل محمّدعليهمالسلام ، وعليه جمهور أهل الإمامة وعامّة متكلّميهم والمعتزلة بأسرها توافق أهل الإمامة في ذلك "(١) .
عقيدة أهل السنّة :
قال أبو الحسن الأشعري : " وندين بأنّ الله يُرى في الآخرة بالأبصار كما يُرى القمر ليلة البدر"(٢) .
وجاء في كتب الحديث لأهل السنة :
ورد عن جرير بن عبدالله قال : كنّا عند النبيصلىاللهعليهوآله ، فنظر إلى القمر ليلةً - يعني البدر - فقال : ( إنّكم سترون ربّكم كما ترون هذا القمر )(٣) .
قال النبيصلىاللهعليهوآله : ( إنّكم سترون ربّكم عياناً )(٤) .
____________________
١- أوائل المقالات ، الشيخ المفيد : قول ٢٥ : القول في نفي الرؤية على الله تعالى بالأبصار ، ص ٥٧.
٢- الإبانة ، أبو الحسن الأشعري : باب في إبانة قول أهل الحق والسنّة ، ص ١٧.
٣- صحيح البخاري : ج١ ، كتاب ٩ : كتاب مواقيت الصلاة ، باب ١٧ : باب فضل صلاة العصر ، ح٥٥٤ ، ص ١٣٨.
صحيح مسلم : ج ١ ، كتاب ٥ : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب ٣٧ : باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما ، ح ٢١١ (٦٣٣) ، ص ٣٦٧.
٤- صحيح البخاري : ج ٤ ، كتاب ٩٨ : كتاب التوحيد ، باب ٢٤ : باب قول الله تعالى ( وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربّها ناظرة ) ، ح ٧٤٣٥ ، ص ٤٥٣.
المبحث الثالث :أدلة نفي رؤية الله بالبصر
الأدلة العقلية على استحالة رؤية الله بالبصر :
١ - تستلزم رؤية الله عن طريق حاسّة البصر إثبات الجهة له تعالى ، وبما أنّه تعالى منزّه عن الجهة ، فلهذا تكون رؤيته أمراً محالاً.
بعبارة أخرى :
تستلزم الرؤية البصرية أن يكون المرئي مقابلاً للرائي(١) ، وكلّ مقابل فهو في جهة من الجهات ، وبما أنّه تعالى منزّه عن الجهة ، فلهذا تستحيل عليه الرؤية(٢) .
٢ - لا تتحقّق الرؤية البصرية إلاّ عن طريق وصول الأشعة من المرئي إلى العين ، ويستلزم هذا الأمر أن يكون المرئي جسماً.
وبما أنّ الله منزّه عن الجسمانية ، فلهذا تستحيل رؤيته عن طريق حاسّة البصر(٣) .
٣ - لا تتحقّق الرؤية البصرية إلاّ عن طريق انطباع صورة المرئي في العين ، وبما أنّه تعالى منزّه عن الصورة ، فلهذا تستحيل رؤيته عن طريق حاسّة البصر.
٤ - رؤية الله عن طريق حاسّة البصر لا تخلو من أمرين :
____________________
١- أو في حكم المقابل للرائي ، كرؤية الإنسان المرئيات التي حوله عن طريق المرآة.
٢- انظر : الاقتصاد ، الشيخ الطوسي : القسم الأوّل ، الفصل الرابع ، في الرؤية ، ص ٧٤ - ٧٥.
غنية النزوع ، ابن زهرة الحلبي : ج ٢ ، باب الكلام في التوحيد ، الفصل الخامس ، ص ٥٢ - ٥٣.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثاني ، البحث العاشر ، ص ٧٦.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة العشرون ، ص ٤١١. اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري : اللامع الثامن ، المرصد الأوّل ، الفصل الحادي عشر، ص ١٦٣.
٣- انظر : الرسائل العشر، الشيخ الطوسي : رسالة في الاعتقادات ، رقم ١٤ ، ص ١٠٥.
أوّلاً : أن تقع على كلّ الذات الإلهية.
فيستلزم أن تكون الذات الإلهية محدودة ومحصورة في ناحية من النواحي ، ولكنّه تعالى منزّه عن المحدودية والحصر.
ثانياً : أن تقع على بعض الذات الإلهية.
فيستلزم أن تكون الذات الإلهية مركّبة وذات أجزاء ، ولكنّه تعالى منزّه عن التركيب والأجزاء.
فلهذا نستنتج استحالة رؤية الله عن طريق حاسّة البصر.
النتيجة :
القول برؤية الله عن طريق حاسّة البصر ، تستلزم نسبة الجهة والمحدودية والجمسانية والشكل والصورة إلى الله ، وبما أنّه تعالى منزّه عن هذه الأمور ، فلهذا نستنتج استحالة وقوع الرؤية البصرية عليه تعالى.
الأدلة القرآنية على نفي رؤية الله بالبصر :
١ -( لاَ تُدْرِکُهُ الْأَبْصَارُ وَ هُوَ يُدْرِکُ الْأَبْصَارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) [ الأنعام :١٠٣]
و " الإدراك " المضاف إلى " البصر " يفيد " الرؤية " ، وقد بيّنت هذه الآية بأنّه تعالى منزّه عن الرؤية البصرية(١) .
٢ -( وَ لَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَ کَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْکَ قَالَ لَنْ تَرَانِي ) [ الأعراف : ١٤٣ ]
و " لن " تفيد النفي الأبدي ، فيثبت من قوله تعالى لموسىعليهالسلام :( لَنْ تَرَانِي ) أنّه تعالى لن يُرى بالبصر أبداً(٢) .
____________________
١ - انظر : التبيان ، الشيخ الطوسي : ج ٤ ، تفسير آية ١٠٣ من سورة الأنعام ، ص ٢٢٣ - ٢٢٤ المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثالث ، ص ٦٧.
المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في أنّه تعالى ليس بمرئي و... ، ص ١٢٢.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، استحالة الرؤية على الباري تعالى ، ص ٢٤١.
٢ - انظر : التبيان ، الشيخ الطوسي : ج ٤ ، تفسير آية ١٤٣ من سورة الأعراف ، ص ٥٣٦.
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثالث ، ص ٦٨.
نهج الحقّ وكشف الصدق ، العلاّمة الحلّي : المسألة الأولى ، ص ٤٨.
اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري : اللامع الثامن ، المرصد الأوّل ، الفصل الحادي عشر ، ص ١٦٤.
ولو كان الله ممكن الرؤية بحاسّة البصر لكان النبي موسىعليهالسلام أولى الناس برؤيته(١) .
وتوجد مناقشات أخرى حول هذه الآية سنذكرها لاحقاً.
أحاديث لأهل البيتعليهمالسلام حول نفي رؤية الله بالبصر :
١ - جاء شخص إلى أميرالمؤمنينعليهالسلام فقال : يا أميرالمؤمنين هل رأيت ربّك حين عبدته ؟
فقالعليهالسلام : ( ويلك ما كنت أعبد ربّاً لم أره ).
قال : وكيف رأيته ؟
قالعليهالسلام : ( ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان)(٢) .
٢ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( انحسرت الأبصار عن أن تناله فيكون بالعيان موصوفاً )(٣) .
٣ - وقالعليهالسلام حول الله تعالى : ( ولا بمحدث فيبصر )(٤) .
٤ - وقالعليهالسلام : ( الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد ، ولا تحويه المشاهد ، ولا تراه النواظر ، ولا تحجبه السواتر )(٥) .
٥ - سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام حول الله تبارك وتعالى هل يُرى في
____________________
١ - انظر : قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثاني ، البحث العاشر ، ص ٧٧.
٢ - الكافي ، الشيخ الكليني : كتاب التوحيد ، باب في إبطال الرؤية ، ح ٦ ، ص ٩٨.
التوحيد، الشيخ الصدوق: باب ٨ ، ح ٦ ، ص ١٠٦.
٣ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢ ، ح ١٣ ، ص ٥١.
٤ - المصدر السابق : باب ٢ ، ح ٣٤ ، ص ٧٦.
٥ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : خطبة ١٨٥ ، ص ٣٦٠.
المعاد؟
فقالعليهالسلام : ( سبحان الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً إنّ الأبصار لا تُدْرِك إلاّ ماله لون وكيفية ، والله خالق الألوان والكيفية )(١) .
٦ - سئل الإمام الصادقعليهالسلام : إنّ رجلاً رأى ربّه عزّ وجلّ في منامه ، فما يكون ذلك ؟ فقالعليهالسلام : ( ذلك رجل لا دين له ، إنّ الله تبارك وتعالى لا يُرى في اليقظة ، ولا في المنام ، ولا في الدنيا ، ولا في الآخرة )(٢) .
٧ - سئل الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : إنّا روينا أنّ الله قسّم الرؤية والكلام بين نبيين ، فقسّم الكلام لموسىعليهالسلام ولمحمّدصلىاللهعليهوآله الرؤية.
قالعليهالسلام : ( كيف يجيىء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله ، وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله ، فيقول :( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) ( ولا يحيطون به علماً ) ( لَيْسَ کَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني ؟ ! )(٣)
٨ - سئل الإمام الرضاعليهالسلام : هل رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ربّه عزّ وجلّ ؟
فقالعليهالسلام : ( نعم ، بقلبه رآه ، أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول :( ما كذب الفؤاد ما رأى ) أي : لم يره بالبصر ، ولكن رآه بالفؤاد )(٤) .
____________________
١ - الأمالي ، الشيخ الصدوق : المجلس (٦٤) ، ح ٦٧٤ / ٣ ، ص ٤٩٥.
٢ - المصدر السابق ، المجلس (٨٩) ، ح ٩٧٤ / ٦ ، ص ٧٠٨.
٣ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب في إبطال الرؤية ، ح ٢ ، ص ٩٦.
٤ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : ب ٨ ، ح ١٧ ، ص ١١٢.
المبحث الرابع :مناقشة أدلة القائلين بامكان رؤية الله بالبصر
الدليل العقلي :
ملاك الرؤية هو " الوجود " ، وكلّ موجود يصح رؤيته ، وبما أنّه تعالى موجود فيمكن رؤيته(١) .
يرد عليه :
ملاك الرؤية ليس " الوجود " بما هو وجود ، بل هو الوجود المقيّد بقيود ، منها كونه جسماً مادّياً واقعاً في إطار ظروف خاصّة ، لتصح رؤيته.
ولهذا توجد أُمور من قبيل : العلم ، الإرادة ، العقل ، النفس ، اللذة ، والألم موجودة ، ولكنّها لا ترى بالعين(٢) .
مناقشة الأدلة القرآنية التي تمسّك بها القائلون بإمكان رؤية الله :
الآية الأولى :
( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) [ القيامة : ٢٢ - ٢٥ ]
الاستدلال :
استعمال " النظر " مع حرف " إلى " يعني " الرؤية ".
واستعمل " النظر " في هذه الآية مع حرف " إلى " ، فيكون معنى الآية بأنّ أصحاب
____________________
١ - الإبانة عن أصول الديانة ، أبو الحسن الأشعري : باب الكلام في إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة ، ص ٢٦.
٢ - انظر : المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثالث ، ص ٦٩.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة العشرون ، ص ٤١٣.
الوجوه المبتهجة تنظر إلى ربّها يوم القيامة ، وهذا ما يثبت إمكانية رؤية الله تعالى(١) .
يرد عليه :
١ - " النظر " لا يفيد " الرؤية " دائماً ؛ لأنّ حقيقة " النظر " في اللغة هو تقليب حدقة العين نحو الشيء طلباً لرؤيته(٢) ، وقد يقلّب الإنسان نظره طلباً للعثور على شيء ، ولكنّه لا يراه ، ولذلك يقال : " نظرت إلى الهلال فلم أره "(٣) .
٢ - البراهين العقلية والقرآنية ، على استحالة رؤية الله بالبصر - والتي أشرنا إليها سابقاً - تلزمنا اتّباع تفسير يجنّبنا الوقوع في محاذير القول برؤية الله بالبصر.
وقد فسّر لنا أهل البيتعليهمالسلام هذه الآية بتقدير مضاف محذوف(٤) . فيكون الأصل : وجوه يومئذ ناضرة إلى [ ثواب ] ربّها ناظرة. والنظر إلى الثواب - في الواقع - كناية عن توقّع مجيئه وانتظار قدومه من الله تعالى(٥) .
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام حول تفسير قوله تعالى :( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) : ( يعني مشرقة تنتظر ثواب ربّها )(٦) .
____________________
١ - انظر : الإبانة عن أصول الديانة ، أبو الحسن الأشعري : باب الكلام في إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة ، ص ٢٢.
٢ - ورد في الصحاح للجوهري : ٢ / ٨٣٠ : " النظر : تأمّل الشيء بالعين ".
وجاء في مفردات ألفاظ القرآن للراغب : ص ٨١٢ ( مادة نظر ) : " النظر : تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته ".
٣ - انظر : الأمالي ، الشريف المرتضى : ج ١ ، المجلس الثالث ، ص ٣٦.
الاقتصاد في شرح الاعتقاد ، الشيخ الطوسي : القسم الأوّل ، الفصل الثاني ، ص ٧٦. المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثاني ، ص ٧٠. المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي : القول في أنّه تعالى ليس بمرئي ، ص ١٢٨. كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة العشرون ، ص ٤١٢.
٤ - من أمثلة حذف المضاف وقيام المضاف إليه مكانه في القرآن الكريم :
( وَ اسْأَلِ الْقَرْيَةَ ) [ يوسف : ٨٢ ]
أي : واسأل أهل القرية ، لعدم إمكان السؤال من أحجار القرية وبيوتها.
( وَ جَاءَ رَبُّکَ وَ الْمَلَکُ صَفّاً صَفّاً ) [ الفجر : ٢٢ ]
أي : وجاء أمر ربّك ؛ لأنّ الحركة من لوازم الجسمانية ، والله تعالى منزّه عن ذلك.
٥ - ورد في لسان العرب : ١٤ / ١٩١ ( مادة نظر ) : " ويقول القائل للمؤمّل يرجوه : إنّما ننظر إلى الله ثمّ إليك ، أي : إنّما أتوقّع فضل الله ثمّ فضلك.
٦ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٨ ، ح ١٩ ، ص ١١٣.
دعم سياق الآية لهذا المعنى :
توجد في هذه الآية أمور متقابلة :
التقابل الأوّل :( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ) ، ويقابلها :( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَة )
أي : وجوه يومئذ مستبشرة ومبتهجة ، ويقابلها وجوه يومئذ كالحة وعابسة.
التقابل الثاني:( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) ، ويقابلها :( تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ )
وهنا يتمّ رفع الإبهام الموجود في الفقرة الأولى ، عن طريق التأمّل في الفقرة الثانية التي تقابلها ؛
لأنّ التقابل الموجود بين هاتين الآيتين ، يرشدنا إلى تفسير الفقرة الأولى بما يقابل الفقرة الثانية.
والمقصود من الفقرة الثانية :( تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ )
أي : إنّ الطائفة العاصية ذات الوجوه الكالحة والعابسة ، نتوقّع أن ينزل عليها عذاب يكسر فقارها ويقصم ظهرها ،
ومن هنا يتبيّن مقصود الفقرة الأولى :( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ )
أي : إنّ الطائفة المطيعة ذات الوجوه المستبشرة والمبتهجة ، تتوقّع عكس ما تتوقّعه الطائفة العاصية ، فهي تتوقّع ثواب الله ورحمته وكرمه وفضله تعالى.
فنستنتج بأنّ " النظر " في هذه الآية كناية عن " التوقّع والانتظار ".
النتيجة :
محور البحث في هذه الآية هو : " توقّع الرحمة " و " توقّع العذاب ".
والعباد المطيعون لله يتوقّعون الرحمة،
والعباد العاصون لله يتوقّعون العذاب ،
وليست الآية بصدد الحديث عن رؤية الله البصرية أو القلبية.
ومن هنا نستنتج بأنّ مصطلح " النظر " استخدم في هذه الآية كناية عن التوقّع والانتظار.
تنبيه :
قيل : بأنّ الانتظار يوجب الغم والتنغيص والتكدير ، ولكن الآية جاءت لبيان النعم ، فلهذا لا يصح تفسير النظر بمعنى الانتظار في هذه الآية(١) .
يرد عليه :
" الانتظار " الذي يورث الغم والتنغيص والتكدير ، هو انتظار النعم مع عدم الاطمئنان من الحصول عليها ، وهذا ما يؤدّي إلى الإزعاج والتوتّر والقلق.
ولكن هذه الآية تشير إلى انتظار النعم بعد البشارة الإلهية بها ، واطمئنان الحصول عليها ، وهذا لا يوجب الغم ، بل يوجب الفرح والسرور ونضارة الوجه(٢) .
بعبارة أخرى :
" الانتظار يوجب الغم في وعد من يجوز منه خلف الوعد.
أمّا إذا كان وعد من لا يخلف الوعد - مع علم الموعود بذلك - فإنّه لا يوجب الغم ، بل هو سبب للفرح والسرور ونضارة الوجه "(٣) .
الآية الثانية :
( وَ لَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَ کَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْکَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَ لٰکِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَکَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَکّاً وَ خَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَکَ تُبْتُ إِلَيْکَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) [ الأعراف :١٤٣ ]
أوجه دلالة هذه الآية على إمكانية رؤية الله تعالى :
الوجه الأوّل :
لو كانت رؤية الله مستحيلة لما سألها النبيعليهالسلام من الله ، وبما أنّه سألها فهذا يدل
____________________
١ - انظر : الإبانة عن أصول الديانة ، أبو الحسن الأشعري : باب الكلام في إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة ، ص ٢١.
٢ - انظر : كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة العشرون ، ص ٤١٢ - ٤١٣.
٣ - إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، دليل الأشاعرة على الرؤية ، ص ٢٤٨ - ٢٤٩.
على أنّها غير مستحيلة(١) .
توضيح ذلك :
رؤية الله لا تخلو من أمرين :
١ - الإمكان ، وهو المطلوب.
٢ - الاستحالة ، فإذا كانت رؤية الله بالبصر مستحيلة ، فلا يخلو علم النبي موسىعليهالسلام باستحالة هذه الرؤية عندما طلبها من الله تعالى من أمرين :
أوّلاً : يعلم استحالة الرؤية ، وهذا غير صحيح ؛ لأنّه لو كان كذلك لما سأل الله ذلك ؛ لأنّ العاقل لا يسأل المستحيل.
ثانياً : لا يعلم استحالة الرؤية ، وهذا غير صحيح ؛ لأنّ النبي - في الواقع - أعلم الناس بالله وصفاته.
فنستنتج إمكانية رؤية الله تعالى.
يرد عليه :
لم يطلب النبي موسىعليهالسلام من الله الرؤية ، نتيجة علمه بإمكانية هذه الرؤية أو عدم علمه باستحالتها ، بل طلب ذلك لدواعي أخرى تتبيّن من خلال ما جرى بينهعليهالسلام وبين قومه بني إسرائيل ، ومجمل ما جرى هو :
١ - كلّم الله تعالى النبي موسىعليهالسلام .
٢ - أخبر النبي موسىعليهالسلام قومه بني إسرائيل بأنّ الله كلّمه وناجاه.
٣ - قال قومه له : لن نؤمن لك حتّى نسمع كلام الله كما سمعت !
٤ - اختار النبي موسىعليهالسلام من قومه سبعين رجلاً لميقات ربّه.
٥ - خرج النبي موسىعليهالسلام مع هؤلاء السبعين إلى طور سيناء، وسأل الله أن يكلّمه.
____________________
١ - الإبانة عن أصول الديانة ، أبو الحسن الأشعري : باب الكلام في إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة ، ص ٢٣.
٦ - كلّم الله النبي موسىعليهالسلام ، وسمع هؤلاء كلام الله.
٧ - قال هؤلاء للنبي موسىعليهالسلام : لن نؤمن بأنّ هذا الكلام الذي سمعناه هو كلام الله حتّى نرى الله جهرة !
٨ - عندما قال هؤلاء هذا القول الدال على استكبارهم بعث الله عليهم صاعقة قضت عليهم جميعاً ، فماتوا.
٩ - طلب النبي موسىعليهالسلام من الله أن يُحيي هؤلاء السبعين ، لئلا يشكل عليه بنو إسرائيل بأنّك أخذت هؤلاء وقتلتهم لئلا يشهدوا عليك بأنّك لم تكلّم الله.
١٠ - استجاب الله دعاء النبي موسىعليهالسلام وأحياهم.
١١ - قال النبي موسىعليهالسلام لهم : ياقوم إنّ الله لا يُرى بالأبصار ، ولا كيفية له ، وإنّما يعرف بآياته ، ويعلم بأعلامه.
١٢ - لجّ قوم موسى وقالوا : إنّك إذا طلبت من الله أن يريك تنظر إليه أجاب الله دعاءك.
١٣ - قال النبي موسىعليهالسلام للّه : ياربّ إنّك قد سمعت بني إسرائيل ، وأنت أعلم بصلاحهم.
١٤ - أوحى الله : يا موسى سلني ما سألوك ، فلن أؤاخذك بجهلهم.
١٥ - طلب النبي موسىعليهالسلام من الله هذه الرؤية ، ليكون الجواب الإلهي حجّة على قومه ، فقالعليهالسلام :( رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْکَ ) .
١٦ - أجابه الله بصوت سمعه بنو إسرائيل :( لَنْ تَرَانِي وَ لٰکِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَکَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي )
١٧ -( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ) بآية من آياته( جَعَلَهُ دَکّاً وَ خَرَّ مُوسَى صَعِقاً )
١٨ -( فَلَمَّا أَفَاقَ ) النبي موسىعليهالسلام ( قَالَ سُبْحَانَکَ تُبْتُ إِلَيْکَ ) أي : رجعت من معرفتي بك عن جهل قومي( وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) بأنّك لا تُرى(١) .
____________________
١ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٨ ، ح ٢٤ ، ص ١١٧ - ١١٨.
النتيجة :
لم يطلب النبي موسىعليهالسلام من الله الرؤية لنفسه نتيجة علمه بإمكان هذه الرؤية أو جهله باستحالتها ، بل قام بذلك نتيجة إلحاح وإصرار قومه ، فطلب هذه الرؤية منه تعالى ، ليكون الجواب الإلهي حجّة على هؤلاء(١) .
ولهذا لا نجد أيّ عتاب أو مؤاخذة من الله لموسىعليهالسلام إزاء طلبه للرؤية ، بل نجد العتاب والمؤاخذة موجّه لقوم موسىعليهالسلام إزاء طلبهم للرؤية ، حيث وصفهم النبي موسىعليهالسلام ب- " السفهاء " نتيجة هذا الطلب(٢) .
الوجه الثاني :
علّق الله الرؤية على استقرار الجبل ، وهو أمر ممكن ، والمعلّق على الممكن ممكن(٣) .
بعبارة أخرى :
كما أنّه تعالى قادر - بعد تجلّيه للجبل - أن يجعل الجبل بدون استقرار.
فإنّه تعالى قادر - بعد تجلّيه للجبل - أن يجعل الجبل مع استقرار.
فنستنتج :
كما أنّه تعالى قادر على أن لا يُري نفسه لموسى وقومه.
فإنّه تعالى قادر على أن يُري نفسه لموسى وقومه(٤) .
____________________
١ - للمزيد راجع : الأمالي ، الشريف المرتضى : ج ٢ ، المجلس السبعون ، ص ٢١٥.
مجمع البيان ، الشيخ الطبرسي : ج ٤ ، تفسير آية ١٤٣ من سورة الأعراف ، ص ٧٣٠.
تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، ص ٣٢٠.
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثالث ، ص ٦٨.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة العشرون ، ص ٤١٢.
٢ - عندما طلب قوم موسى رؤية الله تعالى أنزل الله تعالى عليهم صاعقة من السماء وأهلكهم ، فقال موسى لله تعالى :( أَ تُهْلِکُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ ) [ الأعراف : ١٥٥] فنلاحظ أنّ موسىعليهالسلام يصف " طلب رؤية الله تعالى " بالسفاهة ، فكيف يطلبها بعد ذلك لنفسه ؟ !
انظر : تخليص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، ص ٣٢٠.
٣ - انظر : الإبانة ، أبو الحسن الأشعري : باب الكلام في إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة ، ص ٢٣.
٤ - المصدر السابق.
يرد عليه :
لم يعلّق الله رؤيته على أمر ممكن ، بل علّقها على أمر مستحيل.
بيان ذلك :
إنّ " استقرار " الجبل قبل تحطيم الله له أمر ممكن ،
ولكن " استقرار " الجبل حين تحطيم الله له أمر محال ،
والرؤية في هذه الآية تعلّقت باستقرار الجبل حين تحطّمه لا قبل ذلك.
توضيح ذلك :
إنّ قوله تعالى حول الجبل :( فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَکَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي )
يعني : لو صار الجبل مستقراً في الزمان المستقبل فسوف تراني ،
وفي الزمان المستقبل جعل الله الجبل متحرّكاً عن طريق تحطيمه.
فالله - في الواقع - علّق الرؤية باستقرار جبل متحرّك ،
ولا يخفى أنّ استقرار الشيء حال كونه متحرّكاً محال.
ومن المستحيل أن يكون الشيء الواحد ساكناً ومتحرّكاً في وقت واحد(١) .
النتيجة :
علّق الله رؤيته على أمر مستحيل ، والمعلّق على أمر مستحيل أيضاً مستحيل ، فنستنتج استحالة رؤية الله بالبصر.
وهذا الأسلوب في بيان امتناع تحقّق بعض الأمور نظير قوله تعالى :( لاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ) [ الأعراف : ٤٠ ]
أي : من المستحيل أن يدخل هؤلاء الجنّة ، كما يستحيل دخول الجمل بحجمه الكبير في ثقب إبرة الخياطة بحجمها الصغير.
____________________
١ - انطر : التبيان في تفسير القرآن ، الشيخ الطوسي : ج ٤ ، تفسير آية ١٤٢ من سورة الأعراف ، ص ٥٣٦.
تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، ص ٣١٩.
تتمة :
توجد آيات أخرى ، ظنّ البعض أنّها تدل على رؤية الله ، ولكنّها في الواقع لا تفيد ذلك ، منها :
١ - قال الله تعالى حول النبي محمّدصلىاللهعليهوآله عند المعراج :( وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) [ النجم : ١٣ ].
فظن البعض بأنّ هذه الآية تثبت رؤية الرسولصلىاللهعليهوآله لله في المعراج بالرؤية البصرية ، في حين تصرّح الآية بأنّ رؤية الرسولصلىاللهعليهوآله لم تكن بالبصر ، بل كانت بالقلب.
وقال تعالى في سياق هذه الآية :( مَا کَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) [ النجم : ١١ ].
كما أخبر الله ما رآه الرسول بالبصر بعد ذلك حيث قال تعالى :( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْکُبْرَى ) [ النجم : ١٨ ] وآيات الله عزّ وجلّ غير الله(١) .
٢ - قوله تعالى :( کَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) [ المطفّفين : ١٥ ]
فظن البعض ، أنّ المقصود من الحجاب هو الحجاب عن الرؤية ، وأنّ الآية تفيد بأنّ البعض غير محجوبين ، وهذا ما يدل على إمكانية روية الله بالبصر(٢) .
ولكن أجاب الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام عن هذه الشبهة قائلاً :( إنّ الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان يُحلّ فيه فيحجب عنه فيه عباده ، ولكنّه يعني أنّهم عن ثواب ربّهم لمحجوبون ) (٣) .
____________________
١ - انظر : الكافي ، الشيخ الكليني : كتاب التوحيد ، باب في إبطال الرؤية ، ح ٢ ، ص ٩٦.
التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٨ ، ح ٩ ، ص ١٠٨.
٢ - انظر : الإبانة عن أصول الديانة ، أبو الحسن الأشعري : باب الكلام في إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار ، ص ٢٤.
٣ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ١٨ ، ح ١ ، ص ١٥٧.
الفصل السادس :وحدانيّة اللّه تعالى
معنى أحدية الله ووحدانيته
أحدية الله ووحدانيته في القرآن والسنة
أدلة أحدية الله ووحدانيته
الثنوية
التثليث
الله تعالى واتّخاذ الولد
عبادة الأصنام
أقسام وحدانية الله
المبحث الأوّل :معنى أحدية الله ووحدانيته
١ - أحدية الله :
المقصود من التوحيد الأحدي : نفي التركيب عنه تعالى.
والله تعالى أحد ، أي : لا يتجزّأ ولا ينقسم في ذاته.
٢ - وحدانية الله :
المقصود من التوحيد الواحدي : نفي الكثرة العددية(١) .
والله تعالى واحد ، أي : ليس له نظير ولا مثيل ولا شريك.
____________________
١ - قال الإمام عليعليهالسلام في وصف الله تعالى : ( واحد لا من عدد ).
التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢ ، ح ٢٦ ، ص ٦٩.
المبحث الثاني :أحدية الله ووحدانيته في القرآن الكريم
أوّلاً : في القرآن الكريم
١ -( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) [ الإخلاص : ٢ ]
( وَ إِلٰهُکُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمٰنُ الرَّحِيمُ ) [ البقرة : ١٦٣ ]
٢ -( وَ قَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلٰهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلٰهٌ وَاحِدٌ ) [ النحل : ٥١ ]
٣ -( لَقَدْ کَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَ مَا مِنْ إِلٰهٍ إِلاَّ إِلٰهٌ وَاحِدٌ ) [ المائدة : ٧٣ ]
٤ -( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ مَا کَانَ مَعَهُ مِنْ إِلٰهٍ إِذاً لَذَهَبَ کُلُّ إِلٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَ لَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) [ المؤمنون : ٩١ ]
ثانياً : في الأحاديث الشريفة
قال الإمام عليعليهالسلام : ( إنّ القول في أنّ الله واحد على أربعة أقسام :
فوجهان منها لا يجوزان على الله عزّ وجلّ ، ووجهان يثبتان فيه.
فأمّا اللذان لا يجوزان عليه :
١ - فقول القائل : واحد ، يقصد به باب الأعداد ، فهذا ما لا يجوز ؛
لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد ، أما ترى أنّه كفّر من قال : ثالث ثلاثة.
٢ - وقول القائل : هو واحد من الناس ، يريد به النوع من الجنس ، فهذا ما لا يجوز عليه ؛ لأنّه تشبيه ، وجلّ ربّنا عن ذلك وتعالى.
وأمّا الوجهان اللذان يثبتان فيه :
١ - فقول القائل : هو واحد ليس له في الأشياء شبه ، كذلك ربّنا [ أي : توحيد الواحدية]
٢ - وقول القائل : إنّه عزّ وجلّ أحديّ المعنى ، يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم ، كذلك ربّنا عزّ وجلّ [ أي : توحيد الأحدية ] )(١) .
سُئل الإمام الرضاعليهالسلام : الله واحد والإنسان واحد ، فليس قد تشابهت الوحدانية ؟ فقالعليهالسلام : ( إنّما التشبيه في المعاني ، فأمّا في الأسماء فهي واحدة ، وهي دلالة على المسمّى
والإنسان نفسه ليس بواحد ؛ لأنّ أعضاءه مختلفة، وألوانه مختلفة غير واحدة ، وهو أجزاء مجزّأة
فالإنسان واحد في الاسم ، لا واحد في المعنى.
والله جلّ جلاله واحد لا واحد غيره )(٢) .
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٣ ، ح ٣ ، ص ٨١
٢ - المصدر السابق : باب ٢ ، ح ١٨ ، ص ٦١.
المبحث الثالث :أدلة أحدية الله ووحدانيته
دليل أحدية الله :
لو لم يكن الله أحدياً ، فسيلزم ذلك كونه تعالى مركّباً من أجزاء ، والمركب من أجزاء " محتاج " إلى أجزائه ، و " الاحتياج " نقص ، والله منزّه عن النقص ، فيثبت كونه تعالى أحدياً وبسيطاً لا جزء له.
سئل الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : فكيف هو الله واحد ؟
فقالعليهالسلام : ( واحد في ذاته ، فلا واحد كواحد ؛ لأنّ ما سواه من الواحد متجزّئ ، وهو تبارك وتعالى واحد لا يتجزّئ ، ولا يقع عليه العدّ )(١) .
أدلة وحدانية الله تعالى :
الدليل الأوّل :
لو كان لله شريك في الوجود ، لزم أن يكون كلّ واحد من الله وشريكه مركّباً من :
١ - ما به الاشتراك مع الآخر.
٢ - ما به الامتياز عن الآخر.
و " المركب " في الواقع "محتاج" إلى أجزائه.
وبما أنّه تعالى منزّه عن الاحتياج ، فلهذا يثبت أنّه تعالى منزّه عن وجود الشريك له(٢) .
____________________
١ - الاحتجاج ، الشيخ الطبرسي : ج ٢، احتجاجات الإمام الصادقعليهالسلام ، رقم ٢٢٣ ، ص ٢١٧.
٢ - انظر : قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الثاني ، وحدانية تعالى ، ص ٦٢ - ٦٣.
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل المطلب الثالث ، ص ٥٥.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث العاشر ، ص ١٠٠.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة الثامنة ، ص ٤٠٥.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، إثبات وحدة واجب الوجود ، ص ٢٤٩ - ٢٥٠.
الدليل الثاني :
لو كان لله شريك في الوجود ، وكان بين الله وشريكه ما به الاشتراك وما به الامتياز ، فسيلزم أن يكون كلّ واحد من الله وشريكه " محدوداً " بحدود تميّزه عن الآخر.
والمحدود مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه ، فيثبت أنّ " الحدّ " نقص.
وبما أنّه تعالى منزّه عن النقص ، فيثبت أنّه تعالى منزّه عن وجود الشريك له(١) .
الدليل الثالث :
لو كان في الوجود إلهان ، لم يخلُ الأمر فيهما من أن يكون كلّ واحد منهما :
١ - قادراً على منع الآخ ر:
فيكون الآخر عاجزاً ، وليس من صفات الله العجز.
فيثبت أنّ الله واحد ، وهو المتّصف بالقدرة المطلقة.
٢ - عاجزاً عن منع الآخر :
فيكون هذا الإله عاجزاً ، وليس من صفات الله العجز.
فيثبت أنّ الله تعالى واحد ، وهو المتصّف بالقدرة المطلقة(٢) .
____________________
١ - لهذا نجد الله تعالى يصف نفسه بالوحدانية ثمّ يتبعها بصفة القاهرية ، لتكون صفة " القاهرية " دليلاً على صفته ب- " الوحدانية ".
قال تعالى :( اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) [ يوسف : ٣٩ ]
وقال تعالى :( وَ مَا مِنْ إِلٰهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) [ ص : ٦٥ ]
وقال تعالى :( سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) [ الزمر : ٤ ]
٢- انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٣٦ ، ذيل ح ٥ ، ص ٢٦٣.
الملخّص في أصول الدين ، الشريف المرتضى : الجزء الثاني ، فصل في الدلالة على أنّه تعالى واحد ، ص ٢٦٩.
شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى : في أنّه تعالى واحد لا ثاني له ، ص ٧٩.
تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي : مسائل التوحيد ، مسألة في كونه تعالى واحداً ، ص ٨٨ - ٨٩.
غنية النزوع ، ابن زهرة الحلبي : ج ٢ ، الفصل الخامس ، في أنّه تعالى واحد لا ثاني له ، ص ٦٤ - ٦٥ تلخيص المحصل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، مسألة : الإله واحد ، ص ٣٢٢ ، كشف الفوائد ، العلاّمة الحلّي : الباب الثاني ، الصفات الثبوتية ، الوحدانية ، ص ١٩٤.
بعبارة أخرى :
لو كان في الوجود إلهان :
وأراد أحدهما تحريك جسم ، وأراد الآخر تسكينه في حالة واحدة.
فلا يخلو الأمر عندئذ من ثلاث نتائج :
١ - يقع مرادهما ، فيلزم الاجتماع بين الضدّين ، وهو باطل.
٢ - لا يقع مرادهما ، فيلزم كونهما عاجزين ، والعجز يتنافى مع الألوهية.
٣ - يقع مراد أحدهما ، فيلزم عجز من لم يقع مراده ، فتنتفي ألوهيته(١) .
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام في مقام الردّ على مقولة أحد الزنادقة : ( لا يخلو قولك : إنّهما اثنان من :
أن يكونا قديمين قويين ،
أو يكونا ضعيفين.
أو يكون أحدهما قويّاً والآخر ضعيفاً.
فإن كانا قويين فلمَ لا يدفع كلّ واحد منهما صاحبه ويتفرّد بالتدبير ؟ !
وإن زعمت أنّ أحدهما قوي والآخر ضعيف ، ثبت أنّه واحد كما نقول للعجز الظاهر في الثاني )(٢) .
وقال الإمام الصادقعليهالسلام أيضاً :
( لو كان إلهين كما زعمتم ، لكانا يخلقان :
فيخلق هذا ولا يخلق هذا ،
ويريد هذا ولا يريد هذا.
ولطلب كلّ واحد منهما الغلبة.
وإذا أراد أحدهما خلق الإنسان ، وأراد الآخر خلق بهيمة.
____________________
١ - انظر : التبيان في تفسير القرآن ، الشيخ الطوسي : ج ٧ ، تفسير آية ٢٢ من سورة الأنبياء ، ص ٢٣٩.
المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي : ج ١ ، القول في أنّه تعالى واحد لا ثاني له ، ص ١٣٥.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي ، المنهج الخامس ، البحث الثالث عشر ، ص ٢٢٠.
٢ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب حدوث العالم وإثبات المُحدِث ، ح ٥ ، ص٨٠ - ٨١.
فيكون إنساناً وبهيمة في حالة واحدة ، وهذا غير موجود.
فلمّا بطل هذا ، ثبت التدبير والصنع لواحد.
ودلّ أيضاً التدبير وثباته وقوام بعضه ببعض على أنّ الصانع واحد جلّ جلاله )(١) .
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام :
( ثمّ يلزمك إن ادّعيت اثنين [ فلابدّ من ] فرجة بينهما حتّى يكونا اثنين ، فصارت الفرجة ثالثاً بينهما قديماً معهما فيلزمك ثلاثة ،
فإن ادّعيت ثلاثة لزمك ما قلت في الاثنين حتّى تكون بينهم فُرجة فيكونوا خمسة ، ثمّ يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة )(٢) .
سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ما الدليل على أنّ الله واحد ؟ فقالعليهالسلام : ( اتّصال التدبير(٣) وتمام الصنع(٤) كما قال عزّ وجلّ :( لَوْ کَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) [ الأنبياء : ٢٢ ] )(٥) .
وقال الإمام الصادقعليهالسلام أيضاً :
( فلمّا رأينا الخلق منتظماً ، والفلك جارياً ، والتدبير واحداً ، والليل والنهار والشمس والقمر دلّ صحّة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أنّ المدّبر واحد )(٦) .
الدليل الرابع :
جاء في وصية الإمام عليعليهالسلام لولده الإمام الحسنعليهالسلام :
( واعلم يا بني ! أنّه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله ، ولرأيت آثار مُلكه
____________________
١ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٣ ، كتاب التوحيد ، باب ٦ ، ح ٦ ، ص ٢١٩ - ٢٢٠.
٢ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب حدوث العالم وإثبات المحدث ، ح ٥ ، ص ٨١.
٣ - اتّصال التدبير : استمراره على التوالي وعدم انقطاعه ؛ لأنّ انقطاعه يؤدّي إلى الفساد.
٤ - تمام الصنع : إتقانه وكماله.
٥ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٣٦ ، ح ٢ ، ص ٢٤٤.
٦ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب حدوث العالم واثبات المحدث ، ح ٥ ، ص ٨١.
وسلطانه ، ولعرفت أفعاله وصفاته )(١) .
النتيجة :
لا يصح نسبة الشريك إلى الله ؛ لأنّ هذه النسبة دليل الحاجة والعجز والافتقار ، والله منزّه عن جميع هذه النواقص.
____________________
١ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : قسم الرسائل ، رسالة ٣١ ، ص ٥٤٢.
المبحث الرابع :الثنوية
ادّعاء الثنوية :
يوجد في الكون خير وشر ، وهما ضدّان.
والفاعل الواحد لا يترك أثرين ضدّين ، بل لكلّ فاعل أثره الخاص المنسجم سنخياً معه.
فنستنتج وجود مؤثّرين في الكون ، هما النور والظلمة.
والنور يفعل الخير بطبعه ، والظلمة تفعل الشرّ بطبعها(١) .
والنور إله الخير ، وهو يُدعى " يزدان ".
والظلمة إله الشرّ ، وهي تُدعى " أهريمن ".
وهما في صراع دائم حتّى يغلب النور الظلمة.
أدلة بطلان ادّعاء الثنوية :
١ - لو كان التضاد بين الخير والشر سبباً في ادّعاء وجود إلهين في الكون ، فيلزم ادّعاء أكثر من إلهين ؛ لأنّ الأضداد لا تنحصر في ضدّين ، بل هي أضداد كثيرة.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في مناظرته مع الثنوية :
( أفلستم قد وجدتم سواداً وبياضاً وحمرة وصفرة وخضرة وزرقة ، وكلّ واحدة ضدّ لسائرها لاستحالة اجتماع اثنين منها في محل واحد ، كما كان الحرّ والبرد ضدّين لاستحالة اجتماعهما في محل واحد ؟ )
____________________
١ - انظر : المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، الردّ على الفرق المخالفة في التوحيد ، ص ١٤٠.
قالوا : نعم.
قالصلىاللهعليهوآله : ( فهلاّ أثبتم بعدد كلّ لون صانعاً قديماً ، ليكون فاعل كلّ ضدّ من هذه الألوان غير فاعل الضدّ الآخر ؟ ) فسكتوا(١) .
٢ - يترك كلّ من النور والظلمة أثره على الآخر ، ويوجب فيه التغيير،
و " التغيير " من علامات " المحدثات ".
و " الإله " يلزم أن يكون منزّهاً من " الحدوث ".
فنستنتج استحالة ألوهية النور والظلمة.
٣ - ما هو خير لإنسان قد يكون شراً لإنسان آخر ،
وما هو شرّ لإنسان قد يكون خيراً لإنسان آخر ،
فلو كان خالق " الخير " غير خالق " الشر ".
فمَن سيكون خالق هذا الشيء الذي يكون في حالة واحدة خيراً وشراً لجهات متعدّدة ؟ !(٢)
النتيجة :
وجود الخير والشر في الكون ، ينبىء عن وجود الحكمة في خلقهما فحسب ، ولابد للإنسان من البحث لمعرفة هذه الحكمة بمقدار وسعه في العلم والمعرفة.
والجهل بهذه الحكمة ، لا يعني القول بوجود الحاجة إلى أكثر من إله لتفسير الظواهر الكونية المتضادّة ، وإسناد كلّ واحدة منها إلى إله.
____________________
١ - الاحتجاج ، الشيخ الطبرسي : ج ١ ، فصل في أنّ الجدال على قسمين ، في ذكر طرف مما جاء عن النبيصلىاللهعليهوآله من الجدال والمحاجة ، رقم ٢٠ ، ص ٣٨.
٢ - انظر : الملخّص في أصول الدين ، الشريف المرتضى : الجزء الثاني ، فصل في الكلام على الثنوية ، ص ٢٨٧.
الاقتصاد ، الشيخ الطوسي : القسم الأوّل ، الفصل الخامس ، ص ٧٩.
المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، الرد على الفرق المخالفة في التوحيد ، ص ١٤٠.
مناهج اليقين ، العلاّمة : المنهج الخامس ، البحث الثالث عشر ، ص ٢١١.
المبحث الخامس :التثليث
خصائص مسألة التثليث :
١ - نظرية التثليث - في الواقع - نظرية غير معقولة ، وقلّما توجد في مختلف الأديان مثل هذه المسألة في غاية التعقيد والإبهام والغموض.
٢ - ورد في بعض التحقيقات ، بأنّ عقيدة التثليث تسرّبت إلى الديانة المسيحية من الديانة البراهمانية الهندوسية ، وهي ديانة كانت تعتقد قبل المسيحية بأنّ الربّ الأزلي ، والأبدي متجسّد في ثلاثة مظاهر ، وهي :
أوّلاً : برهما ( الخالق ) : وهو الموجد في بدء الخلق.
ثانياً : فيشو ( الواقي ) : وهو الواقي والابن الذي جاء من قبل أبيه.
ثالثاً : سيفا ( الهادم ) : وهو المفتي الهادم المُعيد للكون إلى سيرته الأولى(١) .
٣ - يعتبر المسيحيون " الاعتقاد بالتثليث " من المسائل التعبّدية التي لا تدخل في نطاق التحليل العقلي ، وهي منطقة محرّمة على العقل ؛ لأنّ حقيقتها فوق القياسات المادية.
يرد عليه :
لا يخفى خطأ مقايسة عالم ما وراء الطبيعة مع عالم الطبيعة ، ولكن لا يعني هذا الأمر هيمنة الفوضى على عالم ما وراء الطبيعة وخلوّه من المعايير المنطقية.
كما لا يخفى وجود سلسلة من القضايا العقلية البديهية التي لا يوجد أدنى شك
____________________
١ - للمزيد راجع : مفاهيم القرآن ، جعفر سبحاني : ٦ / ٤٨٨ - ٤٨٩.
في أنّ هيمنتها على " عالم ما وراء المادة " و " عالم المادة " سواء.
مثال ذلك :
مسألة احتياج المعلول إلى علّة.
مسألة امتناع اجتماع النقيضين.
حقيقة التثليث :
الطبيعة الإلهية تتألّف من ثلاثة أقانيم(١) متساوية الجوهر ، هي الأب والابن وروح القدس ، وهذه الأقانيم الثلاثة مع ذلك ذات رتبة واحدة وعمل واحد(٢) .
يرد عليه :
القول بأنّ الإله " ثلاثة أقانيم وجوهر واحد " لا يخلو من أمرين :
١ - الإله حال كونه ثلاثة واحد ، وحال كونه واحداً ثلاثة !
وهذا كلام متناقض وباطل.
٢ - الإله جملة واحدة ذات أجزاء ثلاثة.
كما نقول في الإنسان : إنّه واحد ذات أجزاء كثيرة.
ويلزم من هذا المعنى أنّه تعالى مركّب ، وبما أنّ المركّب محتاج إلى أجزائه فسيكون الإله أيضاً محتاجاً في تحقّق وجوده إلى الأقانيم ، ولكنّه تعالى منزّه عن الاحتياج ، فلهذا نستنتج بطلان القول بإله ذي ثلاثة أقانيم وجوهر واحد(٣) .
الأدلة القرآنية على إبطال ألوهية المسيح :
١ - كان المسيح يعبد الله ويدعو الناس إلى عبادة الله أيضاً : فلو كان المسيح إلهاً لما صحّ منه هذا الفعل.
قال تعالى :( لَقَدْ کَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَ قَالَ الْمَسِيحُ
____________________
١ - الأقانيم : الأصول ، وأحدها أقنوم.
لسان العرب ، ابن منظور : ١١ / ٣٢٦ مادة ( قنن ).
٢ - انظر : قاموس الكتاب المقدّس : حرف الثاء ، الثالوث الأقدس ، ص ٢٣٢.
٣ - انظر : الملخّص ، الشريف المرتضى : الجزء الثاني ، فصل في الكلام على النصارى ، ص ٢٩١ - ٢٩٢.
المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، الردّ على الفرق المخالفة في التوحيد ، ص ١٤٥.
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَ رَبَّکُمْ ) [ المائدة : ٧٢ ]
٢ - كان المسيح كبقيّة البشر يأكل الطعام ، وليس من صفات الإله هذا الأمر.
قال تعالى :( مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ کَانَا يَأْکُلاَنِ الطَّعَامَ ) [ المائدة : ٧٥ ]
٣ - الله تعالى قادر على إهلاك المسيح ، فتثبت ألوهية الله تعالى فحسب دون غيره.
قال تعالى :( فَمَنْ يَمْلِکُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِکَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) [ المائدة : ١٧ ](١)
____________________
١ - انظر : الملخّص ، الشريف المرتضى : الجزء الثاني ، فصل في الكلام على النصارى ، ص ٢٩٩.
المبحث السادس :الله تعالى واتّخاذ الولد
ذهب النصارى إلى أنّ الله اتّخذ المسيح ولداً له.
يرد عليه :
قول النصارى بأنّ الله اتّخذ المسيح ابناً له لا يخلو من أمرين :
١ - المعنى الحقيقي : والولد - حقيقة - جزء من والده انفصل عنه ونما خارجه.
وبعبارة أخرى : الولد هو انفصال جزء من الوالد واستقراره في رحم الأم.
وهذا المعنى يستلزم كون الله مركّباً ومتّصفاً بالآثار الجسمانية ، ولكنّه تعالى منزّه عن ذلك ، فنستنتج بطلان اتخاذ الله ابناً له حقيقة.
٢ - المعنى المجازي : يستعمل هذا المعنى بين الناس ، بأن يتّخذ أحد الأشخاص شخصاً آخر ابناً له ، وذلك في الموارد التي يكون هذا التبني متناسباً ، ولهذا لا يصح للإنسان أن يتّخذ الجمادات والبهائم ولداً له أو يتّخذ من هو أكبر سنّاً ولداً له.
ومن هذا المنطلق لا يصح نسبة هذا المعنى إلى الله ؛ لأنّه تعالى منزّه عن الجسمانية ، فلهذا لا يصح أن يتّخذ ما هو جمساني ابناً له(١) .
أضف إلى ذلك :
١ - يستلزم اتّخاذ الله ابناً له أن تكون له صاحبة.
قال تعالى :( بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ أَنَّى يَکُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَکُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ) [الأنعام : ١٠١ ]
____________________
١ - الملخّص ، الشريف المرتضى : الجزء الثاني ، فصل في الكلام على النصارى ، ص ٢٩٣ - ٢٩٤.
الاقتصاد ، الشيخ الطوسي : القسم الأوّل ، الفصل الخامس ، ص ٨١
غنية النزوع ، ابن زهرة الحلبي : باب الكلام في التوحيد ، الفصل الخامس ، ص ٦٩ - ٧٠.
٢ - يستلزم اتّخاذ الله ابناً له ، أن يكون الابن مثيلاً ونظيراً له في الاتّصاف بالصفات الإلهية ، من قبيل : الاستقلال والغنى عن الغير ، فيلزم وجود الشريك لله ، وهو محال.
قال تعالى :( الَّذِي لَهُ مُلْکُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَ لَمْ يَکُنْ لَهُ شَرِيکٌ فِي الْمُلْکِ ) [ الفرقان : ٢ ]
وقال تعالى :( وَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ کُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ) [ البقرة : ١١٦ ]
تنبيه :
قال بعض النصارى : بأنّ المسيح وُلد من غير أب، فلهذا يصح القول بأنّه ابن لله تعالى ، فجاء في القرآن الكريم ردّاً على هذه المقولة :
( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ کَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ) [ آل عمران : ٥٩ ]
المبحث السابع :عبادة الاصنام
ورد في مناظرة رسول اللهصلىاللهعليهوآله مع عبدة الأصنام : أنّهصلىاللهعليهوآله قال لهم :
( لمَ عبدتم الأصنام من دون الله ؟ )
فقالوا : نتقرّب بذلك إلى الله تعالى ، إنّ هذه [ الأصنام ] صور أقوام سلفوا ، كانوا مطيعين لله قبلنا ، فمثّلنا صورهم وعبدناها تعظيماً لله كما تقرّبت الملائكة بالسجود لآدم إلى الله تعالى ، وكما أمرتم بالسجود - بزعمكم - إلى جهة " مكة " ففعلتم ، ثمّ نصبتم في غير ذلك البلد بأيديكم محاريب سجدتم إليها وقصدتم الكعبة لا محاريبكم ، وقصدتم بالكعبة إلى الله عزّ وجلّ لا إليها.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( أخطأتم الطريق وضللتم لقد ضربتم لنا مثلاً ، وشبّهتمونا بأنفسكم ولسنا سواء ، وذلك أنّا عباد الله مخلوقون مربوبون ، نأتمر له فيما أمرنا ، وننزجر عمّا زجرنا ، ونعبده من حيث يريده منّا ، فإذا أمرنا بوجه من الوجوه أطعناه ولم نتعدّ إلى غيره مما لم يأمرنا به ولم يأذن لنا ؛ لأنّا لا ندري لعلّه إن أراد منّا الأوّل فهو يكره الثاني ، وقد نهانا أن نتقدّم بين يديه ،
فلمّا أمرنا أن نعبده بالتوجّه إلى الكعبة أطعناه ، ثمّ أمرنا بعبادته بالتوجّه نحوها في سائر البلدان التي نكون بها فاطعناه ، ولم نخرج في شيء من ذلك من اتّباع أمره.
والله عزّ وجلّ حيث أمر بالسجود لآدم لم يأمر بالسجود لصورته التي هي غيره ، فليس لكم أن تقيسوا ذلك عليه ؛ لأنّكم لا تدرون لعلّه يكره ما تفعلون إذ لم يأمركم به )
ثمّ قال لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( أرأيتم لو أذن لكم رجل دخول داره يوماً بعينه ، ألكم أن تدخلوها بعد ذلك بغير أمره ؟ أولكم أن تدخلوا داراً له أخرى مثلها بغير أمره ؟ أو وهب لكم رجل ثوباً من ثيابه ، أو عبداً من عبيده أو دابة من دوابه ، ألكم أن
تأخذوا ذلك ؟ )
قالوا : نعم.
قال : ( فإن لم تأخذوه ألكم أخذ آخر مثله ؟ )
قالوا : لا ؛ لأنّه لم يأذن لنا في الثاني كما أذن في الأوّل
قالصلىاللهعليهوآله : ( فلم فعلتم ومتى أمركم أن تسجدوا لهذه الصور؟ ).
فقال القوم : سننظر في أمورنا ، وسكتوا(١) ثمّ عادوا بعد ثلاثة أيام وأسلموا.
____________________
١ - الاحتجاج ، الشيخ الطبرسي : ج١ ، فصل في ذكر طرف مما جاء عن النبيصلىاللهعليهوآله من الجدال والمحاجّة والمناظرة ، رقم ٢٠ ، ص ٣٩ - ٤٤.
المبحث الثامن :أقسام وحدانية الله
١ - توحيد الذات
أي : إنّ الله تعالى أحد لا جزء له، وواحد لا ثاني له(١) .
٢ - توحيد الصفات
أي : صفات الله عين ذاته تعالى(٢) .
٣ - توحيد العبودية
أي : تخصيص العبادة لله ، ونفي الشريك عنه في استحقاق العبودية(٣) .
تنبيه :
أشار بعض العلماء إلى أقسام أخرى من التوحيد - تدخل في إطار التوحيد الأفعالي - ولكن الصحيح عدم إلحاق هذه الأقسام بالتوحيد ؛ لأنّها غير مختصة بالله ، بل يصح للعباد القيام بها بإذن الله تعالى.
ومن هذه الأقسام : التوحيد في الأفعال.
فالله تعالى يفعل ، والإنسان أيضاً يفعل
ولكن الفرق أنّه تعالى يفعل بصورة مستقلة
ولكن الإنسان يفعل بإذن الله تعالى وبحوله وقوّته.
فلهذا لا يصح القول : لا فاعل إلاّ الله تعالى.
____________________
١ - للمزيد راجع المباحث السابقة في هذا الفصل.
٢ - للمزيد راجع في هذا الكتاب : الفصل الثالث ، المبحث السادس ، القول الخامس.
٣ - تنبيه : إنّ توحيد الذات والصفات متقدّم في الرتبة عن توحيد العبودية ؛ لأنّ الله تعالى منزّه عن الشريك والتركيب سواء كان هناك معبوداً أو لا.
وإنّما الصحيح القول : لا فاعل - على نحو الاستقلال - إلاّ الله تعالى.
تتمة :
ويتفرّع عن التوحيد في الأفعال أقسام أخرى للتوحيد ، منها :
التوحيد في الخالقية والمؤثّرية والتدبير والتقنين والمالكية والرازقية والطاعة والحاكمية والاستعانة و
فالله تعالى خالق ومؤثّر ومدبّر ، ومقنّن ومالك ورازق ومطاع وحاكم و
والإنسان أيضاً خالق ومؤثّر ومدبّر ومقنّن ، ومالك ورازق ومطاع وحاكم و
ولكن الفرق أنّه تعالى يخلق ويؤثّر ويدبّر و على نحو الاستقلال.
ولكن الإنسان يخلق ويؤثّر ويدبّر و بإذن الله تعالى.
ولهذا لا يصح القول : لا خالق ولا مؤثّر ولا مدبّر و إلاّ الله تعالى.
وإنّما الصحيح القول : لا خالق ولا مؤثّر ولا مدبّر و - على نحو الاستقلال - إلاّ الله تعالى.
الفصل السابع :حياة اللّه تعالى
معنى الحياة
أدلة ثبوت صفة الحياة للذات الإلهية
خصائص حياة الله تعالى
حياة الله في القرآن والأحاديث الشريفة
المبحث الأوّل :معنى الحياة
مفهوم " الحياة " واضح وبديهي ، يدركه الإنسان بالوجدان إدراكاً فطرياً ، ويمكن القول بأنّ كثرة وضوح وظهور هذا المفهوم أدّى إلى عسر تعريفه بالبيان.
وقد ذكر العلماء في بيان مفهوم الحياة عدّة معاني أهمّها :
المعنى العام للحياة :
الحياة صفة تجعل المتّصف بها مبدءاً للآثار المتوقّع صدورها منه.
مثال ذلك :
حياة الأرض كونها نابتة ومخضرة، وموتها خلافه.
حياة العمل عبارة عن انتهائه إلى الغرض المبتغى منه ، وموته خلافه.
حياة القلب عبارة عن ازدهار الفضائل الأخلاقية فيه ، وموته خلافه.
المعنى الخاص للحياة :
الحياة صفة توجب صحة الاتّصاف بالعلم والقدرة.
أي : لا تتصف أيّة ذات بصفة العلم والقدرة إلاّ بعد اتّصافها بصفة الحياة.
والضرورة تقضي بأنّ كلّ عالم وقادر حي(١) .
____________________
١- انظر : النكتب الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٤.
شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى : وجوب كونه تعالى حياً ، ص ٥١.
تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي : مسائل التوحيد ، مسألة : في كونه حيّاً ، ص ٧٤.
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثاني ، ص ٤٥.
قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الثاني ، حياته تعالى ، ص ٥٥.
المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : القول في كونه تبارك وتعالى حيّاً ، ص ٤١.
كشف المراد العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة الثالثة ، ص ٤٠١.
الاعتماد في شرح واجب الاعتقاد ، مقداد السيوري : في صفات الله تعالى ، ص ٦٠.
تنبيه :
ذكر البعض(١) بأنّ الحي هو " المدرك الفاعل " أو " الدرّاك الفعّال " أو " الفعّال المدبّر ".
ولكن لا يخفى بأنّ نسبة هذا المعنى من الحياة إلى الله تعالى يستلزم القول بقدم العالم ؛
لأنّ " الحياة " من صفات الله الذاتية.
و " الفعل والتدبير " من صفات الله الفعلية.
وجعل " الحياة " وهي صفة ذاتية ملازمة " للخلق والتدبير " وهي صفة فعلية يستلزم القول بأنّه تعالى خالق ومدبّر مادام حيّاً ، فيؤدّي هذا الأمر إلى القول بقدم العالم.
ولكن هذه النظرية - كما بيّنا سابقاً - باطلة ، وكلّ ما سوى الله تعالى حادث.
تتمّة :
يمكن القول بأنّ المقصود من تعريف الحي بالفعّال المدبّر ، أنّه تعالى متمكّن من الفعل دائماً وله القدرة على التأثير ؛ لأنّ ما يقابل الحي هو الميّت ، والميّت هو الذي
____________________
١- ينسب هذا القول إلى الفلاسفة.
انظر : بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : كتاب التوحيد ، أبواب الصفات ، باب ١ ، ذيل ح ١٢ ، ص ٦٨ - ٦٩.
ونسب العلاّمة الحلّي هذا التعريف إلى الأوائل في كتابه مناهج اليقين ، وصرّح به في كتابه الأبحاث المفيدة.
انظر : مناهج اليقين : المنهج الرابع ، البحث السادس ، ص ١٧٠.
الأبحاث المفيدة : الفصل الرابع ، المبحث السادس ، ص ٣٣.
والغريب أنّ الشيخ الصدوق على رغم اعتقاده ببطلان قدم العالم ( انظر : التوحيد : باب ٤٢ ) ، فإنّه قال : الحي معناه أنّه الفعّال المدبّر ( التوحيد : باب ٢٩ ، ص ١٩٥ ) وهذا المعنى يستلزم القول بقدم العالم ؛ لأنّ الفعل والتدبير والخلق أمور متأخّرة عن وجود الذات الإلهية ، والقول بأنّ الحي فعّال ومدبّر يستلزم القول بأنّ الفعل والتدبير الإلهي صفة ذاتية فيكون الخلق قديماً بقدم الذات الإلهية ، وقد بيّن الشيخ الصدوق بطلان قدم العالم في باب ٤٢ من كتابه التوحيد.
لا يصدر منه فعل ، ولا أثر له على الواقع الخارجي.
المبحث الثاني :أدلة ثبوت صفة الحياة للذات الالهية
١ - الضرورة تحكم باتّصاف كلّ عالم وقادر بصفة الحياة ،
وحيث ثبت اتّصافه تعالى بالعلم والقدرة ، فلهذا يلزم كونه تعالى حيّاً(١) .
٢ - " الحياة " صفة كمالية ، وبما أنّ لله الكمال كلّه ، فلهذا يثبت كونه تعالى حياً.
٣ - وهب الله الحياة لبعض مخلوقاته ، وقد ذكرنا بأنّ " الحياة " صفة كمالية ، فلهذا يثبت من منطلق " معطي الكمال غير فاقد له " بأنّه تعالى حيّ وغير فاقد لهذه الصفة الكمالية.
____________________
١- انظر : النكت الاعتقادية : ص ٢٤ ، تقريب المعارف : ص ٧٤ ، المسلك في أصول الدين : ص ٤٥ ، وقد أشرنا إلى هذه المصادر قبل قليل.
وانظر : الملخّص في أصول الدين ، الشريف المرتضى : الجزء الأوّل ، باب الكلام في الصفات ، فصل في الدلالة على أنّ صانع الأجسام حيّ ، ص ٨٢.
غنية النزوع ، ابن زهرة الحلبي : ج ٢ ، الفصل الرابع ، ص٣٦.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الرابع ، البحث السادس ، ص ١٧٠.
المبحث الثالث :خصائص حياة الله تعالى
١ - " الحياة " صفة من صفات الله الذاتية ، والله حيّ بذاته ، ولا يصح أبداً سلب هذه الصفة عنه تعالى(١) .
٢ - " الحياة " التي تطلق على الله مغايرة تماماً عن " الحياة " التي تطلق على غيره تعالى من الكائنات الحية ، ومن أوجه التغاير :
أوّلاً : حياة الله أزلية وباقية ولا تفنى.
حياة ما سوى الله مسبوقة دائماً بالعدم.
ثانياً : حياة الله منزّهة عن الخصائص الجسمانية.
حياة ما سوى الله ممزوجة بالكيفات النفسانية والمزاجية ، ومقترنة بالجذب والتماسك والنمو والإحساس وغيرها من الأمور الجسمانية أو الأمور المحدودة.
ثالثاً : حياة الله عين ذاته ، وليست هذه الصفة زائدة على ذاته تعالى.
حياة ما سوى الله تعالى صفة زائدة على الذات.
تنبيه :
ما نتصوّره بصورة عامة من " الحياة " ، هي الحياة المرتبطة بالمخلوقات الحيّة ، وحياة الله مغايرة لحياة المخلوقات ، فلهذا يلزم علينا عند نسبة صفة الحياة إلى الله ، أن نقوم بتنزيه هذه الصفة عن كلّ نقص وشائبة ، ليكون ما ننسبه إلى الله تعالى لائقاً بمقامه الأسمى ومنزلته العليا.
____________________
١- انظر : قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث الثالث ، ص ٨٧.
المبحث الرابع :حياة الله في القرآن وأحاديث أهل البيتعليهمالسلام
حياة الله في القرآن الكريم :
١ - قال تعالى :( اللَّهُ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) [ البقرة : ٢٥٥ ]
٢ - قال تعالى :( هُوَ الْحَيُّ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) [ غافر : ٦٥ ]
٣ - قال تعالى :( وَ تَوَکَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِهِ ) [ الفرقان : ٥٨ ]
حياة الله في أحاديث أهل البيتعليهمالسلام :
١ - قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : ( إنّ الله تبارك وتعالى كان ولا شيء غيره حيّاً لا موت فيه ، وكذلك هو اليوم ، وكذلك لا يزال أبداً )(١) .
٢ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( والله حي لا موت له حيّ الذات )(٢) .
٣ - قال الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام : ( إنّ الله حيّاً بلا كيف حيّاً بلا حياة حادثة بل حي لنفسه )(٣) .
٤ - قيل للإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( روينا أنّ الله حياة لا موت فيه ).
____________________
١- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ١١ ، ح ٥ ، ص ١٣٦.
٢- المصدر السابق : ح ٤ ، ص ١٣٦.
٣- المصدر السابق : ح ٦ ، ص ١٣٧.
قال : ( كذلك هو )(١) .
____________________
١- المصدر السابق : باب ١٠ ، ح ١٢ ، ص ١٣٣.
الفصل الثامن :علم اللّه تعالى
معنى العلم
أقسام العلم
خصائص علم الله تعالى
كيفية علم الله تعالى
أقسام علم الله تعالى
علم الله الذاتي
علم الله بذاته
علم الله بالأشياء قبل إيجادها
علم الله بالأشياء بعد إيجادهما
سعة علم الله تعالى
المبحث الأوّل :معنى العلم
العلم : صفة من شأنها كشف المعلومات انكشافاً تامّاً لا يحتمل الخطأ.
وتكون هذه الصفة لله تعالى من غير سبق خفاء.
قال الشيخ المفيد : " العالم بالشيء هو الذي يكون الشيء منكشفاً له حاضراً عنده غير غائب عنه "(١) .
تنبيه :
قال سديدالدين الحمصي : " قد حُدّ العلم بحدود [ أي : عُرِّف العلم بتعاريف ] لا تصلح ، فالأولى أن لا يُحدّ [ أي : لا يعرّف ] العالم والعلم "(٢) .
____________________
١- النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٣.
٢- المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في كونه عالماً ، ص ٣٨.
المبحث الثاني :أقسام العلم(١)
١ - العلم الحضوري
وهو عبارة عن حضور " المعلوم " عند " العالم "(٢) بواقعيته ومن دون توسّط أيّ شيء.
أي : يكون الشيء معلوماً عند العالم بنفسه لا بتوسّط صورته.
نماذج من العلم الحضوري :
١ - علم الإنسان بذاته.
٢ - علم الإنسان بأحاسيسه ومشاعره.
أقسام العلم الحضوري :
١ - أن يكون " العالِم " هو " المعلوم " ، من قبيل علم الإنسان بذاته.
٢ - أن يكون " العالم " غير " المعلوم " ، من قبيل علم الإنسان بأحاسيسه ومشاعره.
٢ - العلم الحصولي :
وهو العلم بالشيء عن طريق صورته المنتزعة منه والحاكية عنه ، ومعظم علم الإنسان من هذا القبيل ، وفيه يعلم الإنسان الأشياء عن طريق انعكاس الصورة الحاصلة منها على صفحة ذهنه.
تنبيهات حول العلم الحصولي :
١ - الأدوات الحسيّة في الإنسان كلّها ، موظّفة في خدمة هذا العلم.
____________________
١- انظر : كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة الثانية ، ص ٣٩٩ - ٤٠٠.
٢- انظر : الأسرار الخفية ، العلاّمة الحلّي : الفن الثالث ، المقالة السادسة ، المبحث الأوّل ، سرّ ١٢١ ، ص ٥٦١.
٢ - يكون " الشيء الخارجي " في العلم الحصولي معلوماً عن طريق صورته ، وتكون الصورة معلومة بذاتها.
أي : يكون الشيء معلوماً بغيره ( بالصورة المطابقة له ) ،
وتكون الصورة معلومة بنفسها بالعلم الحضوري.
٣ - تكون الصورة المطابقة للأشياء في العلم الحصولي ، هي الوسيلة الوحيدة لإدراك الخارج ، ولولاها لانقطعت صلة الإنسان بالخارج.
٤ - العلم الحصولي في الواقع ليس بعلم حقيقة ، وإنّما هو طريق إلى الواقع لمن لم يتمكّن من العلم الواقعي والعيان الحقيقي بالأشياء.
المبحث الثالث :خصائص علم الله تعالى
١ - علم الله تعالى غير حصولي.
دليل ذلك :
أوّلاً : إنّ العالِم بالعلم الحصولي ، يحتاج في علمه إلى " صورة " الشيء الذي يريد أن يعلمه.
والله تعالى منزّه عن الاحتياج.
فلهذا لا يكون علمه تعالى من قبيل العلم الحصولي الذي يفتقر إلى " صورة الأشياء ".
ثانياً : إنّ العلم الحصولي علم جزئي ، وفيه تغيب بعض أجزاء المعلوم لدى العالم ، والله تعالى منزّه عن هذه الجزئية والتبعيض.
٢ - لا يوجد أيّ تشابه بين علمنا وعلم الله تعالى أبداً ؛
لأنّ علمنا مهما كان بديهياً فهو علم محدود ، حادث ، عارض وطارىء على وجودنا ،
ولكن علمه تعالى ليس كمثله شيء ، وهو علم غير محدود ، قديم ، ذاتي ولا يشوبه أيّ نقص.
٣ - إنّ " العلم " من صفات الله الذاتية.
قال الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام : ( ليس بين الله وبين علمه حدّ )(١) .
ولهذا :
أوّلاً : لا يصح سلب صفة العلم عنه تعالى في جميع الأحوال.
____________________
١- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ١٠ ، ح ١٦ ، ص ١٣٤.
دليل ذلك :
نفي العلم عن الله في أيّ حالة من الحالات ، يوجب المنقصة له تعالى ، فلهذا لا يصح نفي صفة العلم عنه تعالى في جميع الأحوال.
ثانياً : لا يصح القول بأنّ علم الله غير ذاته ، بل علمه تعالى عين ذاته.
دليل ذلك :
ألف - إذا كان علم الله غير ذاته ، فسيكون الله عند علمه بالأشياء :
١ - محتاجاً إلى شيء خارج عن ذاته.
٢ - ناقصاً بذاته ومستفيداً للكمال من غيره ،
ولكنّ الله منزّه عن الاحتياج والنقص ،
فلهذا يقتضى تنزيهه القول بأنّ علمه عين ذاته.
ب - إذا قلنا بأنّ العلم غير الله ، ثمّ قلنا لم يزل الله عالماً ، أثبتنا معه شيئاً قديماً لم يزل ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً(١) .
ولهذا قيل للإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : إنّ قوماً يقولون : إنّه عزّ وجلّ لم يزل عالماً بعلم
فقالعليهالسلام : ( من قال ذلك ، ودان به ، فقد اتّخذ مع الله آلهة أخرى ).
ثم قالعليهالسلام : ( لم يزل الله عزّ وجلّ عليماً... لذاته )(٢)(٣)
ثالثاً : علم الله تعالى لا حدّ له ولا نهاية.
دليل ذلك :
____________________
١- المصدر السابق : باب ١٠ ، ص ١٣١.
٢- المصدر السابق : باب ١١ ، ح ٣ ، ص ١٣٥.
٣- تنبيه : قال تعالى :( لٰکِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْکَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) [ النساء : ١٦٦ ]
لا يصح القول بأنّ هذه الآية تدلّ على أنّه تعالى عالم بعلم ؛ لأنّ " أنزله بعلمه " تعني : أنزله وهو عالم به ، ولو كان المقصود من العلم ذاتاً أخرى لوجب أن يكون العلم آلة في الإنزال ، كما يقال : " كتبت بالقلم " ، ولكن العلم ليس آله.
الذات الإلهية لا حدّ لها ولا نهاية ، وعلم الله عين ذاته.
ولهذا قال الإمام الصادقعليهالسلام لأحد أصحابه : ( لا تقل ذلك [ أي : لا تقل الحمد لله منتهى علمه ] ، فإنّه ليس لعلمه [ تعالى ] منتهى )(١) .
رابعاً : علم الله لا يتغيّر ولا يتبدّل.
دليل ذلك :
علم الله عين ذاته ، ويلزم التغيير والتبدّل فيه التغيير والتبدّل في ذات الله تعالى ، وهذا محال ؛ لأنّه تعالى ليس محلاًّ للتغيّرات والتبدلاّت ، وإنّما التغيير والتبدّل يكون في " المعلومات " لا في " العلم ".
____________________
١- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ١٠ ، ح ١ ، ص ١٣٠.
المبحث الرابع :كيفية علم الله تعالى
لا يصح السؤال أو البحث عن كيفية علم الله تعالى.
دليل ذلك :
ورد في أحاديث أئمة أهل البيتعليهمالسلام النهي عن الكلام أو البحث عن كيفية ذات الله ، وبما أنّ العلم الإلهي من صفات الله الذاتية ، فلهذا لا يصح الكلام أو البحث عن كيفيته.
قال الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام :
( لا يوصف العلم من الله بكيف)(١) .
وما يجب علينا معرفته أنّه تعالى " عالم " بمعنى أنّه لا يجهل شيئاً ولهذا ورد في أحاديث أئمة أهل البيتعليهمالسلام .
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( إنّما سُمّي [ الله تعالى ] عليماً ؛ لأنّه لا يجهل شيئاً من الأشياء ، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء )(٢) .
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( إنّما سُمّي الله عالماً ؛ لأنّه لا يجهل شيئاً )(٣) .
قال الإمام محمّد بن علي الجوادعليهالسلام : ( قولك [ عن الله ] : عالم ، إنّما نفيت بالكلمة الجهل ، وجعلت الجهل سواه )(٤) .
____________________
١- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ١٠ ، ح ١٦ ، ص ١٣٤.
٢- بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٣ ، ب ٥ ، ص ١٩٤.
٣- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ح٢ ، ص١٨٣.
الكافي ، الشيخ الكليني : ج١ باب آخر وهو من الباب الأوّل ، ح٢ ، ص١٢١.
٤- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ح٧ ، ص ١٨٨.
المبحث الخامس :أقسام علم الله تعالى
ينقسم علم الله بحسب متعلَّق العلم إلى عدّة أقسام ، منها :
١ - علم الله الذاتي.
٢ - علم الله بذاته.
٣ - علم الله بالأشياء قبل إيجادها.
٤ - علم الله بالأشياء بعد إيجادها.
وسنبيّن هذه الأقسام في المباحث القادمة.
المبحث السادس :علم الله الذاتي
علم الله الذاتي : هو العلم الذي يبتدع الله سبحانه وتعالى به الخلائق ،
وقد أشار الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام إلى هذا العلم بقوله :
( سبحان من خلق الخلق بقدرته ، وأتقن ما خلق بحكمته ، ووضع كلّ شيء منه موضعه بعلمه )(١) .
أدلة اتّصافه تعالى بالعلم الذاتي :
الدليل الأوّل(٢) :
فعل الله الأفعال المحكمة المتقنة ،
وكلّ من فعل ذلك كان عالماً(٣) .
فلهذا نستنتج بأنّ الله تعالى عالم(٤) .
____________________
١- بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٤ ، باب ٢ ، ح ٢٠ ، ص ٨٥.
٢- انظر : النكتب الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٣.
تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، ص ٢٧٧.
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثاني ، ص ٤٤.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث الثاني ، ص ٨٥.
كشف الفوائد ، العلاّمة الحلّي : الباب الثاني : الصفات الثبوتية ، العلم ، ص ١٦٧.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة الثانية ، ص ٣٩٧ ، مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الرابع ، البحث الخامس ، ص ١٦٤.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، الدليل على أنّه تعالى عالم ، ص ١٩٤.
٣- أي : لا يتأتّى ذلك إلاّ من عالم.
وإنّ غير العالم يستحيل منه وقوع الفعل المتقن مرّة بعد أخرى.
انظر : كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة الثانية ، ص ٣٩٧.
٤- إنّ هذا الدليل يثبت فقط اتّصاف الله تعالى بالعلم ، وأمّا السبيل لمعرفة سعة علم الله تعالى فهو يتطلّب بيان أدلة أخرى سنذكرها في المباحث القادمة.
تنبيهات :
١ - المقصود من الفعل المحكم والمتقن صدوره مرّة بعد أخرى ، لا صدوره مرّة واحدة ولهذا لا يصح الإشكال ، بأنّ الفعل المحكم والمتقن لا يدل على علم الفاعل ؛ لأنّ النائم والساهي والجاهل قد تصدر منه بعض الأفعال المحكمة والمتقنة وهو غير عالم بها.
دليل عدم صحة هذا الإشكال :
صدور الفعل المحكم والمتقن مرّة واحدة أو مرّتين ، قد لا يدل على علم الفاعل ، ولكن صدور هذا الفعل مرّة بعد أخرى ، يدل بالضرورة على علم الفاعل ، وذلك لاستحالة وقوع الفعل المحكم والمتقن مرّة بعد أخرى من غير العالم(١) .
٢ - الفعل المحكم والمتقن هو المطابق للمنافع المقصودة منه(٢) .
وبما أنّ المقصود من هذا العالم هو اختبار الإنسان ، فلهذا تكون الشرور والآلام والآفات من الأفعال المحكمة والمتقنة ؛ لأنّها الوسيلة المطلوبة لهذا الاختبار ، وهي الأداة اللازمة لمعرفة مدى صبر وتحمّل الإنسان.
٣ - إنّ الله تعالى هو الذي يدبّر الحيوانات ، وهو الذي يهديها إلى القيام ببعض الأفعال المحكمة والمتقنة.
ولهذا فإنّ قيام هذه الكائنات الحيّة ببعض الأفعال المحكمة مع عدم امتلاكها للعلم لا يعني صحّة صدور الفعل المحكم والمتقن من الجهة غير العالمة.
الدليل الثاني:
" إنّه [ تعالى ] مختار ، وكلّ مختار عالم ؛ لأنّ فعل المختار تابع لقصده ، ويستحيل قصد شيء من دون العلم به "(٣) .
____________________
١- انظر : قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الثاني ، علمه تعالى ، ص ٥٢.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث الثاني ، ص ٨٥.
٢- انظر : تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، ص ٢٧٧.
٣- النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر ، مقداد السيوري : الفصل الثاني ، الصفة الثانية ، ص ٣٥.
الدليل الثالث :
العلم صفة من صفات الكمال ، ووجوده عند المخلوقات دليل على وجوده عند الخالق بأكمل مراتبه وأظهر مصاديقه.
الدليل الرابع :
الجهل نقص ، والله منزّه عن جميع أنواع النقص.
المبحث السابع :علم الله بذاته
يتعلّق العلم الإلهي بجميع الأشياء ، وبما أنّ الله " شيء " ، فلهذا يتعلّق هذا العلم بذات الله ، فيثبت علم الله تعالى بذاته.
سُئل الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : هل كان الله عارفاً بنفسه قبل أن يخلق الخلق ؟
قالعليهالسلام : ( نعم )(١) .
شبهة علم الله بذاته(٢)
" العلم " نسبة قائمة بين " العالم " و " المعلوم ".
والنسبة إنّما تكون بين شيئين متغايرين.
فإذا قلنا بأنّ الله يعلم بذاته ، فإنّه يلزم أن يكون " علم الله " شيئاً مغايراً " لذات الله ".
وهذا يخالف القول بأنّ " علم الله " عين " ذاته ".
جواب الشبهة :
أوّلاً :
ليس " العلم " نسبة قائمة بين " العالم " و " المعلوم ".
____________________
١- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ح ٤ ، ص ١٨٦.
٢- أُشير إلى هذه الشبهة وجوابها في كتاب :
تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، ص ٣٩٤ - ٣٩٥.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة الثانية ، ص ٣٩٩.
اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري : اللامع الثامن ، المرصد الثاني ، الفصل الأوّل ، ص ١٩٩.
وإنّما العلم حقيقة.
قد تكون بين شيئين متغايرين ،
وقد تكون في شيء واحد.
فإذا قلنا بأنّ الله يعلم بذاته ، فإنّه لا يلزم التغاير بين " علم الله " و " ذاته ".
وإنّما المقصود بيان حقيقة في شيء واحد.
ثانياً :
لو سلّمنا بأنّ العلم نسبة قائمة بين " العالم " و " المعلوم ".
فإنّ التغاير الموجود بين العالم والمعلوم في هذا المقام ، تغاير من حيث " المفهوم " لا من حيث " المصداق ".
وتعدّد " المفهوم "(١) لا يوجب تعدّد " المصداق "(٢) .
ومثاله :
إنّ لله تعالى العديد من الأسماء وهي مفاهيم ، وتعدّد هذه الأسماء لا يوجب تعدّد الذات الإلهية التي هي مصداق لهذه الأسماء والمفاهيم.
بعبارة أخرى :
الشبهة المذكورة واردة فيما لو كان التغاير الموجود بين العالم والمعلوم في هذا المقام ، هو التغاير " الحقيقي " ، ولكن التغاير الموجود هنا تغاير " اعتباري " ، ولا يرد الإشكال المذكور في هذا النمط من التغاير.
____________________
١- المفهوم : مجموع الصفات والخصائص الموضّحة لمعنى كلّي.
انظر : المعجم الوسيط ، مادة ( ف ه- م ).
٢- المصداق : الفرد الذي يتحقّق فيه معنى كلّي.
انظر : المعجم الوسيط: مادة ( ص د ق ).
المبحث الثامن :علم الله بالاشياء قبل ايجادها
قال الشيخ المفيد : " إنّ الله تعالى عالم بكلّ ما يكون قبل كونه ، وإنّه لا حادث إلاّ وقد علمه قبل حدوثه وبهذا قضت دلائل العقول والكتاب المسطور والأخبار المتواترة عن آل الرسولعليهمالسلام ، وهو مذهب جميع الإماميّة "(١) .
أحاديث أهل البيتعليهمالسلام حول علم الله بالأشياء قبل إيجادها
١ - وردت إلى الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام رسالة فيها سؤال حول الله ، والسؤال :
" أكان يعلم الأشياء قبل أن خلق الأشياء وكوّنها أو لم يعلم ذلك حتّى خلقها وأراد خلقها وتكوينها فعلم ما خلق عندما خلق وما كوّن ؟ "
فوقّععليهالسلام بخطه : ( لم يزل الله عالماً بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء كعلمه بالأشياء بعدما خلق الأشياء )(٢) .
٢ - قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : ( كان الله ولا شيء غيره ولم يزل عالماً بما يكون ، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه )(٣) .
٣ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( لم يزل الله عزّ وجلّ ربّنا والعلم ذاته ولا معلوم ، فلمّا أحدث الأشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم )(٤) .
٤ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( كلّ عالم فمن بعد جهل تعلّم ، والله لم يجهل ولم
____________________
١- أوائل المقالات ، الشيخ المفيد : القول ٢١ : القول في علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها ، ص ٥٤ - ٥٥.
٢- الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب صفات الذات ، ح ٤ ، ص ١٠٧.
٣- المصدر السابق : ح ٢.
٤- المصدر السابق : ح ١.
يتعلّم ، أحاط بالأشياء علماً قبل كونها ، فلم يزدد بكونها علماً ، علمُه بها قبل أن يكوّنها كعلمه بعد تكوينها )(١) .
٥ - سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس كان في علم الله ؟
قالعليهالسلام : ( بلى قبل أن يخلق السماوات والأرض )(٢) .
٦ - سئل الإمام علي بن موسى الرضاعليهماالسلام : أيَعلم الله الشيء الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون ، أو لا يعلم إلاّ ما يكون ؟
فقالعليهالسلام : ( إنّ الله تعالى هو العالم بالأشياء قبل كون الأشياء )(٣) .
٧ - سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : عن الله تبارك وتعالى أكان يعلم المكان قبل أن يخلق المكان ، أم علمه عندما خلقه وبعدما خلقه ؟
فقالعليهالسلام : ( تعالى الله ، بل لم يزل عالماً بالمكان قبل تكوينه كعلمه به بعد ما كوّنه ، وكذلك علمه بجميع الأشياء كعلمه بالمكان )(٤) .
٨ - سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله تعالى.
قالعليهالسلام : ( لا ، من قال هذا فأخزاه الله ).
أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس في علم الله ؟ !
قالعليهالسلام : ( بلى ، قبل أن يخلق الخلق )(٥)
٩ - عن جعفر بن محمّد بن حمزة قال : كتبت إلى الرجلعليهالسلام أسأله : أنِّ مواليك اختلفوا في العلم ، فقال بعضهم : لم يزل الله عالماً قبل فعل الأشياء وقال بعضهم : لا نقول : لم يزل الله عالماً ؛ لأنّ معنى يعلم يفعل ، فإن أثبتنا العلم فقد أثبتنا في الأزل
____________________
١- التوحيد ، الشيخ الصدوق : الباب الثاني ، باب التوحيد ونفي التشبيه ، ح ٣ ، ص ٤٤.
٢- المصدر السابق : الباب العاشر ، باب العلم ، ح ٥ ، ص ١٣١.
٣- المصدر السابق ، ح ٨ ، ص ١٣٢.
٤- المصدر السابق : ح ٩ ، ص ١٣٢.
٥- المصدر السابق ، باب ٥٤ ، باب البداء ، ح ٨ ، ص ٣٢٥.
معه شيئاً.
فإن رأيت - جعلني الله فداك - أن تعلّمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجوزه ؟
فكتبعليهالسلام بخطه : ( لم يزل الله عالماً تبارك وتعالى ذكره )(١) .
١٠ - قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام ( لم يزل الله عزّ وجلّ علمه سابقاً للأشياء قديماً قبل أن يخلقها )(٢) .
تنبيه :
دور علم الله بالأشياء قبل وجودها ، هو الكشف عمّا سيقع في الواقع الخارجي فقط ، وليس لهذا العلم أيّ دور في علّة صدور الأشياء(٣) بل يستحيل أن يكون لهذا العلم أيّ أثر على أفعال الله تعالى.
كيفية علم الله بالأشياء قبل إيجادها :
ذهب بعض العلماء(٤) إلى أنّ العلم بالعلّة يوجب العلم بالمعلول(٥) .
فمع لحاظ الأمور التالية :
١ - إنّ الله تعالى عالم بذاته.
٢ - إنّ الذات الإلهية علّة لجميع ما سواه.
نستنتج :
____________________
١- الكافي ، الشيخ الكليني ، ج١ ، كتاب التوحيد ، باب صفات الله ، ح٥ ، ص ١٠٨.
٢- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ١٠ ، ح ٨ ، ص ١٣٢.
٣- انظر : تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، ص ٢٩٦.
٤- انظر : كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة الثانية ، ص ٣٩٨ الأسرار الخفية ، العلاّمة الحلّي : الفن الثالث ، المقالة السادسة ، المبحث الأوّل ، سرّ ١٢٠ ، ص ٥٦٠.
إشراق اللاهوت ، عميدالدين العبيدلي : المقصد الخامس ، المسألة ١٦ ، المبحث الثالث ، ص ٢٧٥.
٥- قال العلاّمة الحلّي بأنّ العلم بالعلّة يقع على ثلاثة أقسام ، وفي قسمين لا يوجب العلم بالعلّة العلم التام بالمعلول ، وإنّما يوجب العلم بالعلّة العلم التام بالمعلول فيما لو كان العلم بالعلّة من حيث هي هي ، ومن حيث لوازمها وأعراضها وملزوماتها ومعروضاتها ومالها في نفسها ومالها بالقياس إلى الغير.
انظر : الأسرار الخفية ، العلاّمة الحلّي : الفن الثالث ، المقالة السادسة ، المبحث الأوّل ، سرّ ١٢٠ ، ص٥٦٠.
علم الله بذاته يستلزم علمه تعالى بجميع ما سواه(١) .
يرد عليه :
١ - العلم بالعلّة ، لا يوجب العلم بالمعلول ، إلاّ إذا كانت العلّة غير ممتلكة للإرادة ، وغير مختارة(٢) ، ولكن إذا كانت العلّة لها إرادة ومختارة ، أي : كانت العلّة تفعل متى ما تشاء ولا تفعل متى ما لا تشاء ، فلا يؤدّي العلم بها العلم بمعلولاتها.
وبما أنّ الذات الإلهية ، علّة مختارة فلا يؤدّي العلم بها العلم بمعلولاتها.
٢ - العلم بالمعلول من خلال العلم بالعلّة لا يثبت إلاّ العلم الإجمالي ، ولكن علم الله بالأشياء قبل ايجادها - كما ورد في أحاديث أهل البيتعليهمالسلام - علم تام وغير إجمالي.
النتيجة :
إنّ الله تعالى عالم بالأشياء قبل إيجادها ، ولكنّنا نجهل كيفية ذلك ؛ لأنّ هذا العلم يرتبط بذات الله تعالى ، وعلم الله - كما قال الإمام الكاظمعليهالسلام - لا يوصف بكيف ، وقد بيّنا هذه الحقيقة في المبحث الرابع من هذا الفصل.
____________________
١- تنبيه : لا يصحّ القول بأنّنا عالمون بذواتنا التي هي علل لأفعالنا الآتية ولكننا مع ذلك لا نعلم ما سيصدر منّا.
دليل ذلك : إنّ ذواتنا ليست علّة مستقلّة لأفعالنا ، بل أفعالنا محتاجة إلى أسباب خارجية بخلاف أفعال الله تعالى.
٢- مثاله : إنّ علم المنجّم بالقوانين الكونية وحركة الشمس والأرض والقمر يوجب علمه بوقوع الخسوف والكسوف وما شابه ذلك.
المبحث التاسع :علم الله بالاشياء بعد ايجادها ( العلم الفعلي )
إنّ الله تعالى محيط بجميع الأشياء بعد إيجادها.
وتسمّى هذه الإحاطة بعد تحقّق الأشياء في الواقع الخارجي ب- " العلم الفعلي لله ".
تنبيه :
لا يوجد فرق بين علم الله بالشيء قبل وجوده وبين علمه تعالى به بعد وجوده ، إلاّ في متعلّق العلم.
فإذا كان متعلّق العلم " ما هو موجود " ، فسيسمّى هذا العلم ب- " العلم الفعلي ".
قال الشيخ الطوسي حول تفسير قوله تعالى :( وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَکُمْ ) [ التوبة : ١٠٥ ] :
" إنّما قال( فَسَيَرَى اللَّهُ ) على وجه الاستقبال ، وهو عالم بالأشياء قبل وجودها ؛ لأنّ المراد بذلك أنّه سيعلمها " موجودة " بعد أن علمها " معدومة " ، وكونه عالماً بأنّها " ستوجد " من كونه عالماً " بوجودها " إذا " وُجدت " لا يجدّد حال له بذلك "(١) .
الآيات القرآنية المشيرة إلى العلم الفعلي لله :
١ -( الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْکُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيکُمْ ضَعْفاً ) [ الأنفال : ٦٦ ]
٢ -( فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْکَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً ) [ الكهف : ١٢ ]
____________________
١- التبيان في تفسير القرآن ، الشيخ الطوسي : ج ٥ ، تفسير آية ١٠٥ من سورة التوبة ، ص ٢٩٥.
٣ -( وَ لَنَبْلُوَنَّکُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْکُمْ وَ الصَّابِرِينَ ) [ محمّد : ٣١ ]
٤ -( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْکُمْ وَ يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) [آل عمران : ١٤٢ ]
٥ -( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّکُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيکُمْ وَ رِمَاحُکُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ) [ المائدة : ٩٤ ]
٦ -( وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ) [ الحديد : ٢٥ ]
٧ -( وَ مَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي کُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ) [ البقرة : ١٤٣ ]
تنبيه :
إذن ، المقصود من علم الله بهذه الأمور هو علمه تعالى " بوجودها " ؛ لأنّ قبل وجود هذه الأمور لا يصح القول بأنّه تعالى عالم بوجودها ، بل الله تعالى يعلم قبل ذلك بأنّها " ستوجد " أو " لا توجد ، فإذا " وُجدت " صح القول بأنّه تعالى عالم " بوجودها ".
المبحث العاشر :سعة علم الله تعالى
إنّ الله تعالى عالم بكلّ ما يصح أن يكون معلوماً ، سواء كان هذا المعلوم موجوداً أو معدوماً ، واجباً أو ممكناً ، قديماً أو حادثاً ، كلّياً أو جزئياً ، متناهياً أو غير متناه و(١) .
دليل ذلك :
إنّ الله تعالى عالم بكلّ ما يصح تعلّق العلم به من دون وجود مخصّص يخصّصه ببعض المعلومات دون البعض ،
ولهذا يلزم أن يكون علمه تعالى شاملاً لجميع المعلومات(٢) .
بعبارة أخرى :
نسبة تعلّق علم الله بجميع المعلومات متساوية ،
وعدم تعلّق علم الله بمعلوم يحتاج إلى سبب ،
ولا يوجد في هذا الصعيد أيّ سبب.
فنستنتج بأنّ علم الله يتعلّق بجميع المعلومات(٣) .
____________________
١- انظر : قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الثاني ، ص ٥٣.
كشف الفوائد ، العلاّمة الحلّي : الباب الثاني : صفات الصانع ، العلم ، ص ١٧١.
النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر ، مقداد السيوري : الفصل الثاني ، الصفة الثانية : أنّه تعالى عالم ، المقصد الثاني ، ص ٣٦.
٢- انظر : المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ١ / ٨٢.
٣- انظر : الياقوت ، أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت : القول في إثبات الصانع ، ص ٤٢.
النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٤.
إشراق اللاهوت ، عميدالدين العبيدلي : المقصد الخامس ، المسألة ١٦ ، المبحث الأوّل ، ص ٢٧٣.
النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر ، مقداد السيوري : الفصل الثاني ، الصفة الثانية : أنّه تعالى عالم ، المقصد الثاني ، ص ٣٦.
علم الله بالجزئيات :
إنّ الله تعالى عالم بالجزئيات.
دليل ذلك :
١ - العلم بالجزئيات صفة كمال ، والجهل بها صفة نقصان.
وبما أنّ الله أكمل الموجودات ، فلهذا يوجب وصفه بالكمال الاعتقاد بأنّه عالم بالجزئيات.
تنبيه :
علم الله بالجزئيات المتغيّرة لا يوجب التغيّر في علمه تعالى ؛ لأنّ التغيير في هذا المقام يكون في " المعلومات " لا في " العلم ".
وحقيقة علم الله شيء واحد ، وهي الإحاطة الشاملة بكلّ المعلومات المتغيّرة من دون أن يطرء على هذه الإحاطة أيّ تغيير ، بل لا معنى لوقوع التغيير في الإحاطة(١) .
الآيات القرآنية الدالة على سعة علم الله تعالى :
١ - ( إنّ الله بكل شيء عليم ) [ الأنفال : ٧٥ ] [ التوبة : ١١٥ ] [ العنكبوت : ٦٢ ]
٢ - ( إنّ الله قد أحاط بكل شيء علماً ) [ الطلاق : ١٢ ]
٣ - ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاّ هو ويعلم ما في البرِّ والبحر و ) [ الأنعام : ٥٩ ]
٤ - ( لا يعزب [ أي : لا يغيب ] عنه مثقال ذرّة في السماوات ولا في
____________________
١- انظر : الياقوت ، أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت : القول في إثبات الصانع ، ص ٤٢.
تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، ص ٢٩٥.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث التاسع ، ص ٩٨ - ٩٩.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة الثانية ، ص ٤٠٠.
إشراق اللاهوت ، عميدالدين العبيدلي : المقصد الخامس ، المسألة ١٦ ، المبحث الثالث ، ص ٢٧٥ - ٢٧٦ اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري : اللامع الثامن ، المرصد الثاني ، الفصل الأوّل ، ص ٢٠٠.
الأرض ) [ سبأ : ٣ ]
٥ - ( إنّه يعلم الجهر وما يخفى ) [ الأعلى : ٧ ]
٦ - ( إنّ الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ) [ آل عمران : ٥ ]
٧ - ( وسع ربّنا كلّ شيء علماً ) [ الأعراف : ٨٩ ]
٨ - ( قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السموات وما في الأرض ) [ آل عمران : ٢٩ ]
الفصل التاسع :إدراك اللّه تعالى
معنى الإدراك ( لغة واصطلاحاً )
صلة الإدراك بالعلم
صلة الإدراك بالحياة
خصائص الإدراك عند الله تعالى
المبحث الأوّل :معنى الادراك ( لغة واصطلاحاً )
" الإدراك " صفة من صفات الله المذكورة في القرآن الكريم.
قال تعالى : ( وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) [ الأنعام : ١٠٣ ]
معنى الإدراك ( لغةً ) :
الإدراك في أصل اللغة هو بلوغ أقصى الشيء ومنتهاه(١) .
معنى الإدراك ( اصطلاحاً )
اختلف العلماء في معنى الإدراك نتيجة اختلافهم في صلة " الإدراك " بصفة " العلم " ، والمشهور وجود معنيين ، سنذكرهما في المبحث التالي.
____________________
١- راجع المعاجم اللغوية ، من قبيل : المنجد في اللغة ، والمعجم الوسيط مادة ( درك ).
المبحث الثاني :صلة الادراك بالعلم
الرأي الأوّل :
الإدراك هو العلم بالمُدَرك.
أي : الإدراك نوع من أنواع العلم ، وهو علم خاص يشمل العلم بالموجودات الجزئية العينية(١) .
وبعبارة أخرى : إدراك الله عبارة عن علمه بالأشياء الخارجية.
الرأي الثاني :
الإدراك لا يتعلّق بالعلم ، وهو وصف مستقل وزائد على العلم(٢) .
دليل ذلك :
إنّنا نجد في أنفسنا بأنّ " الإدراك " يفترق عن " العلم ".
فنعلم ما لا ندركه.
وندرك ما لا نعلمه.
فنستنتج مطلقاً بأنّ " الإدراك " مغاير " للعلم ".
مثال ذلك :
____________________
١- انظر : النكت الإعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٥.
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثاني ص ٤٧.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث السابع ، ص ٩٥ - ٦٠.
الأبحاث المفيدة ، العلاّمة الحلّي : الفصل الرابع ، المبحث السابع ، ص ٣٤.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، إثبات الإدراك للباري تعالى ، ص ٢٠٧.
٢- ذهب الشريف المرتضى والشيخ الطوسي إلى هذا الرأي ، وسيأتي لاحقاً بيان أقوالهما في هذا المجال مع ذكر المصدر.
مثال علم الإنسان بما لا يدركه :
١ - المعدومات ، فإنّها تقع في دائرة علم الإنسان ، ولكنّها لا تقع في دائرة إدراكه ؛ لأنّ الإدراك مختص بالموجودات(١) .
٢ - الموجودات التي يعلمها الإنسان وليس له اتّصال مباشر بها ، أي : لم تقع في دائرة إدراكه.
مثال إدراك الإنسان ما لا يعلمه :
إدراك النائم الأصوات وغيرها التي تكون سبباً في انتباهه.
وهذه الأصوات يدركها الإنسان من دون علمه بها ؛ لأنّه لا يمكن له العلم بها وهو نائم ، ولا يمكن القول بأنّه يدركها بعد الانتباه ؛ لأنّه لا يوجد سبب في استيقاظه إلاّ هي(٢) .
قال الشريف المرتضى : " لا يجوز أن ترجع هذه الصفة [ الإدراك ] إلى كونه عالماً ؛ لأنّه قد يعلم ما لا يدركه ، مثل : القديم سبحانه والقيامة ، وذلك غير مدرك "(٣) .
قال الشيخ الطوسي : " [ لا يرجع الإدراك ] إلى كونه عالماً ؛ لأنّه تعالى يكون عالماً بها قبل إدراكها وبعد انقضائها "(٤) .
____________________
١- إنّ " الإدراك " يشمل " العلم بالموجودات " فقط ، ولا يشمل " العلم بالمعدومات ".
انظر : عجالة المعرفة ، محمّد بن سعيد الراوندي : فصل في الصانع وصفاته ، ص ٣٢.
وخالف ميثم البحراني هذا الرأي وقال : " لا نسلّم أنّ المعدومات غير مدركة لنا " ، فإنّ المفهوم المتعارف من " الإدراك " هو لحوق العقل أو الحس للمعقول أو المحسوس ، وهو بهذا الاعتبار صادق على المعدومات ".
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث السابع ، ص ٩٦.
٢- انظر : الملخّص في أصول الدين ، الشريف المرتضى : باب الكلام في الصفات ، ص ٩٢.
الاقتصاد ، الشيخ الطوسى : القسم الأوّل ، الفصل الثاني ، الإدراك ، ص ٥٦.
غنية النزوع ، ابن زهرة الحلبي : ج ٢ ، الفصل الثالث ، في وجوب كونه تعالى مدركاً ، ص ٣١.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث السابع ، ص ٦٠.
٣- شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى : باب ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد ، وجوب كونه تعالى مدركاً ، ص ٥٣.
٤- الاقتصاد ، الشيخ الطوسي : القسم الأوّل ، الفصل الثاني ، الإدراك ، ص ٥٦.
المبحث الثالث :صلة الادراك بالحياة
الرأي الأوّل :
إنّه تعالى مدرك لأنّه حي، وكلّ من كان حيّاً فهو مدرك(١) .
الرأي الثاني :
إدراك الله لا يستند إلى كونه حيّاً.
دليل ذلك :
١ - إنّ " الإدراك " من صفات الله الفعلية.
لكن " الحياة " من صفات الله الذاتية.
ولا يصح أن تكون " صفة لفعل " بعينها " صفة الذات "(٢) .
قال الشريف المرتضى : " لا يجوز أن [ ترجع صفة الإدراك ] إلى كونه حيّاً ؛ لأنّ كونه حيّاً قد كان حاصلاً ، فلم يجد نفسه على هذا الأمر [ أي : الإدراك ] "(٣) .
قال الشيخ الطوسي : [ الإدراك ] لا يستند إلى كونه حياً ؛ لأنّه كان حيّاً قبل ذلك ولم يجد نفسه كذلك [ أي : لم يكن مدركاً للمعدومات ؛ لأنّ الإدراك لا يتعلّق
____________________
١- انظر : الباب الحادي عشر ، العلاّمة الحلّي : الفصل الثاني : الصفة الخامسة ، ص٤١.
٢- انظر : الملخّص في أصول الدين ، الشريف المرتضى : الجزء الأوّل ، باب الكلام في الصفات ، فصل في الدلالة على أنّ صانع العالم حي ، ص ٩٤.
المنقذ من التقليد، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في كونه تعالى مدركاً للمدركات ، ص ٥٦.
٣- شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى : باب بيان ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد ، وجوب كونه تعالى مدركاً ، ص ٥٣.
بالمعدومات ، وإنّما يتعلّق بالموجودات ] "(١) .
٢ - يتطلّب " الإدراك " مُدركات مختلفة ، كالسمع والبصر وغيرهما ،
ولا تتطلّب " الحياة " إلى شيء من ذلك.
فيثبت أنّ الإدراك مغاير للحياة ، ووصفه تعالى بكونه مدركاً أمر زائد على كونه حيّاً(٢) .
____________________
١- الاقتصاد ، الشيخ الطوسي ، القسم الأوّل ، الفصل الثاني ، الإدراك ، ص ٥٦.
٢- انظر : الملخّص في أصول الدين ، الشريف المرتضى : الجزء الأوّل ، باب الكلام في الصفات ، فصل في الدلالة على أنّ صانع العالم حي ، ص ٩٥.
المبحث الرابع :خصائص صفة الادراك عند الله تعالى
١ - " الإدراك " من صفات الله الفعلية ؛ لأنّ الإدراك لا يكون إلاّ بعد وجود " المُدرَك " في الواقع الخارجي ، فلهذا لا يتّصف الله بهذه الصفة إلاّ بعد خلقه تعالى للأشياء ، والخالقية - كما لا يخفى - من صفات الله الفعلية(١) .
٢ - يدرك الله الأشياء بذاته ومن دون الاستعانة بشيء ، وهو تعالى بخلاف الإنسان الذي يدرك الأشياء عن طريق حواسه ؛ لأنّه تعالى منزّه عن الاحتياج ، وهو لا يفتقر أبداً إلى الآله في الإدراك(٢) .
٣ - لا يصح وصفه تعالى بأنّه :
" ذائق " لإدراكه الطعوم.
" شام " لإدراكه الروائح.
" لامس " لإدراكه الحرارة والبرودة ؛
لأنّ " الذوق " و " الشمّ " و " اللمس " ليست إدراكات ، وإنّما هي طرق للإدراك.
والمطلوب بالنسبة إلى الله إثبات حقيقة الإدراك دون طرقها(٣) .
____________________
١- انظر : غنية النزوع ، ابن زهرة الحلبي : ج ٢ ، باب الكلام في التوحيد ، الفصل الرابع ، ص ٤٠.
٢- انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٥.
المنقذ من التقليد ، ابن زهرة الحلبي : ج ١ ، القول في كونه تعالى مدركاً للمدركات ، ص ٥٨.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة الخامسة ، ص ٤٠٣.
٣- انظر : الملخّص في أصول الدين ، الشريف المرتضى : الجزء الأوّل ، باب الكلام في الصفات ، فصل في الدلالة على أنّ صانع العالم حي ، ص ٩٠.
المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في كونه تعالى مدركاً للمدركات ، ص ٦٠.
٤ - لا يصح وصفه تعالى بصفة الملتذ والمتألّم على الرّغم من إدراكه للذّة والألم ؛ لأنّ اللذّة والألم من خصائص الأشياء المادية ، والله تعالى منزّه عنها(١) .
____________________
١- انظر : المصدر السابق، الملخص، ص ١٠٠.
الذخيرة الشريف المرتضى : باب الكلام في الآلام ، ص ٢١٢.
الفصل العاشر :سمع اللّه تعالى وبصره
حقيقة وصفه تعالى بالسميع والبصير
الصلة بين " السمع والبصر " وبين " العلم "
الأدلة العقلية على كونه تعالى سميعاً وبصيراً
المبحث الأوّل :حقيقة وصفه تعالى بالسميع والبصير
قال تعالى : ( إنّه هو السميع البصير ) [ البقرة : ٢٤٤ ] [ المجادلة : ١ ]
وقال تعالى لموسى وهارونعليهماالسلام : ( إنّي معكما أسمع وأرى ) [ طه : ٤٦ ]
سبب تسميته تعالى بالسميع والبصير :
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( إنّما يُسمّى تبارك وتعالى بهذه الأسماء ؛ لأنّه لا تخفى عليه خافية ، ولا شيء مما أدركته الأسماع والأبصار )(١) .
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( وسمّى ربّنا سميعاً أخبر أنّه لا يخفى عليه الأصوات الله بصير لا يجهل شخصاً منظوراً إليه )(٢) .
النتيجة :
إنّ الله تعالى سميع ، أي : لا يخفى عليه شيء من المسموعات.
إنّ الله تعالى بصير ، أي : لا يغيب عنه شيء من المبصرات.
الله سميع وبصير بذاته :
المخلوقات تسمع وتبصر عن طريق الحواس وآلتي السمع والبصر ، ولكنّ الله تعالى لا يسمع ولا يبصر عن طريق الحواس ، وإنّما يسمع ويبصر بذاته ؛ لأنّه تعالى منزّه عن الحواس ، ومنزّه عن الاحتياج إلى آلة أو أداة في هذا المجال.
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام :
____________________
١- بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٣ ، كتاب التوحيد ، باب ٥ ، ص ١٩٤.
٢- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ح ٢ ، ص ٣٨٣.
( هو سميع بصير ، سميع بغير جارحة ، وبصير بغير آلة ،
بل يسمع بنفسه ويبصر بنفسه.
ليس قولي : إنّه يسمع بنفسه ويبصر بنفسه أنّه شيء والنفس شيء آخر ، ولكن أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسؤولاً ، وإفهاماً لك إذ كنت سائلاً )(١) .
السميع والبصير من صفات الله الذاتية :
قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : ( لم يزل الله تعالى سميعاً بصيراً )(٢) .
قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام حول الله تعالى : ( إنّه واحد ، صمد ، أحدي المعنى ، ليس بمعاني كثيرة مختلفة).
فسأله الراوي : جعلت فداك ! يزعم قوم من أهل العراق ، أنّه يسمع بغير الذي يبصر ، ويبصر بغير الذي يسمع.
[ أي : إنّ السمع صفة زائدة على ذاته تعالى ،
وإنّ البصر صفة زائدة على ذاته تعالى.
وما يحتاج الله إليه في خارج ذاته عند السمع مغاير لما يحتاجه في خارج ذاته عند البصر ].
فقالعليهالسلام : ( كذبوا وألحدوا وشبّهوا ، تعالى الله عن ذلك ، إنّه سميع بصير ، يسمع بما يبصر ، ويبصر بما يسمع ).
[ أي : إنّ صفة السمع والبصر من صفات الله الذاتية ، والله تعالى يسمع بذاته ، ويبصر بذاته.
وذاته هي التي يسمع بها وهي التي يبصر بها.
وهذا معنى قولهعليهالسلام : يسمع بما يبصر ، ويبصر بما يسمع ](٣) .
____________________
١- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٣٦، ح ١ ، ص ٢٣٩.
٢- الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١، كتاب التوحيد، باب أدنى المعرفة ، ح ٢ ، ص ٨٦.
٣- المصدر السابق : باب آخر من الباب الأوّل ، ح ١ ، ص ١٠٨.
الفرق بين " السميع " و " السامع" وبين " البصير " و " المبصر " :
" السميع " و " البصير " من صفات الله الذاتية ،
ويصح القول بأنّه تعالى لم يزل سميعاً وبصيراً ؛ لأنّ معنى ذلك أنّه تعالى متمكّن من السمع والبصر فيما لو وُجدت المسموعات والمبصرات.
أمّا " السامع " و " المبصر " فهما من صفات الله الفعلية.
ولا يصح القول بأنّه تعالى لم يزل سامعاً ومبصراً ؛ لأنّه تعالى لا يوصف بالسامع والمبصر إلاّ بعد وجود المسموعات والمبصرات(١) .
____________________
١- انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٢.
شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى : باب ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد ، وجوب كونه تعالى سميعاً بصيراً ، ص ٥٦.
الاقتصاد ، الشيخ الطوسي : القسم الأوّل ، الفصل الثاني ، السمع والبصر ، ص ٥٧.
المبحث الثاني :الصلة بين " السمع والبصر " و بين " العلم "
الرأي الأوّل :
السمع والبصر معناهما العلم ،(١) وكشف الأشياء بالسمع والبصر نوع من العلم.
والله تعالى سميع ، أي : عالم بالمسموعات.
والله تعالى بصير ، أي : عالم بالمبصرات(٢) .
الرأي الثاني :
السمع والبصر لا يرجعان إلى العلم ،
والانكشاف بالسمع والبصر يغاير الانكشاف بالعلم.
والله تعالى سميع ، أي : أ نّه تعالى على صفة يدرك المسموعات إذا وجدت.
والله تعالى بصير ، أي : أنّه تعالى على صفة يدرك المبصرات إذا وجدت(٣) .
____________________
١- انظر : أوائل المقالات ، الشيخ المفيد : قول ٢٠ ، ص ٥٤.
٢- انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٤.
المسلك في أصول الدين ، الرسالة الماتعية ، المحقّق الحلّي : الفصل الأوّل ، ص ٢٩٦.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث الخامس ، ص ٩٠.
اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري : اللامع الثامن ، المرصد الثاني ، الفصل الثاني ، ص ٢٠٢.
٣- انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٢.
شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى : باب بيان ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد ، وجوب كونه تعالى سميعاً بصيراً ، ص ٥٥.
غنية النزوع ، ابن زهرة : ج ٢ ، باب الكلام في التوحيد ، الفصل الثالث ، ص ٣١.
وأشار العلاّمة الحلّي إلى هذين الرأيين في كتابه كشف المراد : المقصد الثالث ، الفصل الثاني : المسألة الخامسة ، ص ٤٠٣.
توضيح الرأي الأوّل :
السمع والبصر معناهما العلم.
وحقيقة كونه تعالى سميعاً ، أي : أنّه عالم بالمسموعات ،
وحقيقة كونه تعالى بصيراً ، أي : أنّه عالم بالمبصرات.
دليل تفسير السمع والبصر بالعلم :
حقيقة السمع والبصر عند المخلوقات مشروطة بوجود الحواس والأدوات ، وبما أنّه تعالى منزّه عن ذلك ، فلهذا يلزم القول بأنّ صفة " السمع " و " البصر " له تعالى مجازية ، ويراد منهما العلم بالمسموعات والمبصرات(١) .
المقصود من " العلم " في علمه تعالى بالمسموعات والمبصرات :
إنّ تفسير السمع والبصر بالعلم لا يعني مطلق العلم ، بل المقصود من العلم في هذا المقام هو علم خاص ، وهو عبارة عن علمه تعالى بالمسموعات والمبصرات بعد وجودها.
وهذا النمط من العلم يختلف مفهوماً عن العلم العام ، الذي يشمل العلم بالمسموعات والمبصرات قبل وجودها.
تنبيه :
حقيقة علم الله بالأشياء ( من قبيل : المسموعات والمبصرات ) هو نفس حقيقة علمه تعالى بها قبل كونها ، وعلم الله واحد لا يتعدّد ولا يتغيّر ، وإنّما الاختلاف الموجود هنا في " المفهوم " فقط دون " المصداق ".
ولهذا قال الإمام عليعليهالسلام حول علمه تعالى :
( أحاط بالأشياء علماً قبل كونها، فلم يزدد بكونها علماً ،
علمه بها قبل أن يكوّنها كعلمه بعد تكوينها )(٢) .
____________________
١- انظر : كنز الفوائد، أبو الفتح الكراجكي الطرابلسي : ج ١ ، القول في سميع وبصير ، ص ٨٥.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث الخامس ، ص ٩٠.
اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري : اللامع الثامن ، المرصد الثاني ، الفصل الثاني ، ص ٢٠٢.
٢- الكافي ، الشيخ الكليني : كتاب التوحيد ، باب جوامع التوحيد ، ح ١ ، ص ١٣٥.
دور علمه تعالى بالمسموعات والمبصرات في توصيفه بالسميع والبصير :
ليس " علمه تعالى بالمسموعات والمبصرات " هو السبب في توصيفه تعالى بالسميع والبصير ، ليُقال : لماذا لا يصح توصيفه تعالى بأنّه لامس وذائق وشام ؛ لأنّه عالم بالملموسات والمذوقات والمشمومات ؟
بل السبب في توصيفه تعالى بالسميع والبصير هو ذكرهما في الكتاب والسنة ، وكما لا يخفى أنّ صفات الله وأسمائه توقيفية ، ولا يصح وصفه تعالى إلاّ بما وصف به نفسه.
والسبب في أنّنا لا نصف الله باللمس والذوق والشم - على الرغم من علمه واحاطته بها - هو عدم ذكر هذه الصفات في الكتاب والسنة(١) .
تنبيه :
قد يكون السبب في تأكيد الشارع على وصفه تعالى بالسمع والبصر هو ردع المكلّفين عن المعاصي ؛ لأنّ علم المكلّف بأنّ الله يراه ويسمعه يدفعه إلى المزيد من التحرّز عن ارتكاب الذنوب والمعاصي.
توضيح الرأي الثاني :
السمع والبصر للّه وصفان لهما خصائصهما الذاتية ، ولهما معناهما الخاص ، ولا تعود حقيقتهما إلى العلم ، وبل لهما حقيقة خاصّة بهما.
ومعنى قولنا الله سميع وبصير : أنّه على صفة يدرك المسموعات والمبصرات إذا وجدت(٢) .
وليس معنى قولنا : الله سميع وبصير : أنّه عالم بالمسموعات والمبصرات.
دليل خطأ تفسير السمع والبصر بالعلم :
إنّا نجد فرقاً - معلوماً لنا بالضرورة - :
____________________
١- انظر : تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، القول في الصفات الثبوتية ، مسألة : الله تعالى سميع بصير باتّفاق المسلمين ، ص ٢٨٨.
٢- انظر : شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى : باب بيان ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد ، وجوب كونه تعالى سميعاً بصيراً ، ص ٥٥.
بين إدراكنا حين فتح أعيننا ومشاهدة المرئي ، وبين إدراكنا حين تغميض أعيننا مع وجود العلم بالمرئي.
ومن هنا يثبت لنا بأنّ السمع والبصر لهما سماتهما الخاصة ، وأنّ صفتهما مغايرة لصفة العلم(١) .
____________________
١- انظر : إشراق اللاهوت ، عميدالدين العبيدلي ، المقصد الخامس ، المسألة الخامسة ، ص ٢١١.
المبحث الثالث :الادلة العقلية على كونه تعالى سميعاً وبصيراً
الدليل الأوّل :
إنّ الله تعالى عالم بجميع المعلومات التي من جملتها المسموعات والمبصرات ، فلهذا يصح اتّصافه تعالى بأنّه سميع بصير(١) .
يلاحظ عليه :
ينسجم هذا الدليل فقط مع الرأي الأوّل الذي يفسّر السمع والبصر ، بأنّهما عبارة عن العلم بالمسموعات والمبصرات ، ولا ينسجم مع الرأي الثاني القائل بوجود تغاير بين حقيقة السمع والبصر وبين حقيقة العلم.
الدليل الثاني :
كلّ حيّ يصح اتّصافه بالسمع والبصر ،
والله تعالى حي.
فيثبت أنّه تعالى سميع بصير(٢) .
يلاحظ عليه :
أوّلاً : لا يصح القول بأنّ كلّ حي سميع وبصير ، لوجود كائنات حيّة فاقدة للسمع والبصر.
____________________
١- انظر : النكتب الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٤.
كشف الفوائد ، العلاّمة الحلّي : الصفات الثبوتية ، السمع والبصر ، ١٨٥ - ١٨٧.
٢- انظر : شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى : باب بيان ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد ، وجوب كونه سميعاً بصيراً ، ص ٥٥.
الملخص في أصول الدين ، الشريف المرتضى : الجزء الأوّل ، باب الكلام في الصفات ، فصل في الدلالة على أنّ الله تعالى مدرك للمدركات سميع بصير ، ص ٩٩.
تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي : مسائل التوحيد ، مسألة في كونه تعالى سميعاً وبصيراً ، ص ٨٤ الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد ، الشيخ الطوسي : القسم الأوّل ، الفصل الثاني ، السمع والبصر ، ص ٥٧.
مثال ذلك:
أكثر الهوام والسمك لا سمع لها.
العقرب والخُلد(١) لا بصر لهما(٢) .
ثانياً : لو سلّمنا بأنّ حياة الإنسان توجب اتّصافه بالسمع والبصر.
فإنّ حياته تعالى مخالفة لحياتنا.
فلهذا لا يلزم الاشتراك بيننا وبين الله في كلّ ما يلازم حياتنا.
ومثال ذلك : إنّ حياتنا تستلزم الشهوة دون حياته تعالى(٣) .
الدليل الثالث :
لو لم يتّصف الله بالسمع والبصر ، لزم أن يتّصف بضدّهما.
وضدّهما نقص ، والنقص على الله محال ، فيثبت بالضرورة كونه تعالى سميعاً بصيراً.
يلاحظ عليه :
ليس كلّ من لا يتّصف بصفة يتّصف بضدّ تلك الصفة.
بل الاتّصاف بضدّ الصفة يكون لمن شأنه الاتّصاف بها ، ولكنّه لا يتّصف بها ، كالإنسان الذي من شأنه أن يكون سميعاً وبصيراً ، فإذا لم يتّصف بهما اتّصف بضدّهما ، أي : بالصمم والعمى.
ولم يثبت عقلاً أنّه تعالى من شأنه الاتّصاف بالسمع والبصر ، ولا سيما إذا قلنا بأنّ حقيقة السمع والبصر مشروطة بوجود الحواس ، فيكون السمع والبصر من لوازم
____________________
١- الخُلد : الفارة العمياء المعجم الوسيط : مادة ( خلد ) ، ص ٢٤٩.
الخلد نوع من القواضم يعيش تحت الأرض وهو ليس له عينان ولا أذنان المنجد ، مادة ( خلد ) ، ص ١٩١.
٢- انظر : تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، القول في الصفات الثبوتية ، مسألة : الله تعالى سميع بصير باتّفاق المسلمين ، ص ٢٨٨.
٣- انظر : إشراق اللاهوت ، عميدالدين العبيدلي : المقصد الخامس ، المسألة الخامسة ، ص ٢١٠.
الكائنات الجسمانية ، والله تعالى منزّه عن ذلك(١) .
الدليل الرابع :
إنّ السميع والبصير أكمل ممن لا يسمع ولا يبصر ،
والواحد منا سميع بصير.
فلو لم يكن الله سميعاً ، لكان الواحد منّا أكمل من الله ، وهذا محال.
فيثبت أنّه تعالى سميع بصير(٢) .
يلاحظ عليه :
ليس كلّ ما كان كمالاً في حقّنا يكون كمالاً في حقّه تعالى.
مثال ذلك : إنّ الماشي منّا أكمل ممّن لا يمشي.
فهل يمكننا القول بأنّه تعالى لو لم يكن ماشياً لكان أحدنا أكمل منه.
وقد يُقال : إنّ المشي صفة كمال في الأجسام ، والله تعالى ليس بجسم.
ولكن السمع والبصر غير مختصّان بالأجسام ، ولهذا يصح نسبتهما إليه تعالى.
والجواب : لا يوجد دليل عقلي على أنّ السمع والبصر غير مختصّان بالأجسام ، والواقع يكشف أنّهما ملازمان للجسمانية ، ومفتقران إلى الحواس والجوارح(٣) .
أضف إلى ذلك :
لو جاز عقلاً وصفه تعالى بالسميع والبصير ، لجاز عقلاً وصفه تعالى باللمس والذوق والشم ؛ لأنّ من يتصّف منّا بهذه الصفات أفضل ممن لا يتّصف بها ، ولكنّنا نجد أنّ الشارع لم يجوّز لنا وصفه تعالى بهذه الصفات.
____________________
١- انظر : قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث الخامس ، ص ٩١ ، إشراق اللاهوت ، عميدالدين العبيدلي : المقصد الخامس ، المسألة الخامسة ، ص ٢١٥.
٢- انظر : تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، القول في الصفات الثبوتية ، مسألة : الله تعالى سميع بصير باتّفاق المسلمين ، ص ٢٨٨.
٣- انظر : تلخيص المحصل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، القول في الصفات الثبوتية ، مسألة : الله تعالى سميع بصير باتّفاق المسلمين ، ص ٢٨٨.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث الخامس ، ص ٩٢.
تنبيه مهم :
هذه الردود الواردة على أدلة إثبات كونه تعالى سميعاً وبصيراً ، لا تعني إنكار كونه تعالى سميعاً وبصيراً ، بل تعني عدم وجود دليل عقلي لهذا الإثبات ، وأنّ السبيل الوحيد لإثبات كونه تعالى سميعاً وبصيراً هو النقل ( الكتاب والسنة ) فحسب.
النتيجة :
إذا قلنا بأنّ الله سميع وبصير بمعنى أنّه عالم بالمسموعات والمبصرات ، فالدليل العقلي الوحيد لإثبات كونه تعالى سميعاً وبصيراً هو إثبات علمه تعالى.
وإذا قلنا بأنّ حقيقة السمع والبصر مغايرة لحقيقة العلم ، فلا يبقى دليل عقلي محكم لإثبات كونه تعالى سميعاً وبصيراً ، ويكون الدليل النقلي والاعتماد على القرآن والسنة ، هو السبيل الوحيد لإثبات ذلك.
الفصل الحادي عشر :قدرة اللّه تعالى
معنى القدرة ( لغة واصطلاحاً )
أقسام القادر
خصائص قدرة الله تعالى
سعة قدرة الله تعالى
أدلة عموم قدرة الله تعالى
المبحث الأوّل :معنى القدرة ( لغةً واصطلاحاً )
معنى القدرة ( في اللغة ) :
القدرة تعني التمكّن من الفعل وتركه.
ورد في " مجمع البحرين " : قدرت على الشيء : قويت عليه وتمكّنت منه(١) .
ورد في " لسان العرب " : يقال : قدر على الشيء ، أي : ملكه ، فهو قادر(٢) .
ورد في " مصباح الكفعمي " : القادر هو الموجد للشيء اختياراً من غير عجز ولا فتور(٣) .
وقال الشيخ الصدوق : قَدِر ، أي : ملك ، وقدرته على ما لم يوجد واقتداره على إيجاده هو قهره وملكه له(٤) .
تنبيه :
" القدير " هو الذي لا تتناهى قدرته ، فهو أبلغ من " القادر " ، ولهذا لا يوصف بصفة القدير إلاّ الله تعالى.
و " المقتدر " هو التام في القدرة الذي لا يمنعه شيء عن مراده(٥) .
____________________
١- مجمع البحرين ، الشيخ الطريحي : ٣ / ٤٦٦.
٢- لسان العرب ، ابن منظور : ١١ / ٥٧ مادة ( قدر ).
٣- مصباح الكفعمي ، الشيخ الكفعمي : ج ١ ، في الأسماء الحسنى وشرحها ، ص ٣٨٢.
٤- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ذيل ح ٩ ، ص ١٩٢.
٥- مصباح الكفعمي ، الشيخ الكفعمي : ج ١ ، في الأسماء الحسنى وشرحها ، ص ٣٨٣.
معاني القدرة ( في الاصطلاح العقائدي ) :
المعنى الأوّل :
قال الشيخ الصدوق : " إنّ الله لم يزل قادراً ، إنّما نريد بذلك نفي العجز عنه ، ولا نريد إثبات شيء معه ؛ لأنّه عزّ وجلّ لم يزل واحداً لا شيء معه "(١) .
وهذا المعنى مقتبس من قول الإمام محمّد بن علي الجوادعليهالسلام حيث قال لأحد أصحابه :
( فقولك : إنّ الله قدير خبّرت أنّه لا يعجزه شيء ، فنفيت بالكلمة العجز ، وجعلت العجز سواه )(٢) .
المعنى الثاني :(٣)
القدرة هي " الفعل " عند " المشيئة " ، و " ترك الفعل " عند " عدم المشيئة " والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل.
بعبارة أخرى : إذا شاء أن يفعل فعل ، وإذا شاء أن يترك ترك.
المعنى الثالث :(٤)
القدرة تعني صحّة الفعل والترك(٥) .
والقادر هو الذي يصح أن يفعل ويصح أن يترك ( أي : لا يفعل ).
____________________
١- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٩ ، ذيل حديث ١٢ ، ص ١٢٧.
٢- المصدر السابق : باب ٢٩ ، ح ٧ ، ص ١٨٨.
٣- انظر : الرسائل العشر ، الشيخ الطوسي : مسائل كلامية ، مسألة (٥ ) ، ص ٩٤.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث الأوّل ، ص ٨٣.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الرابع ، البحث الرابع ، ص ١٦١ ، وقد نسب العلاّمة الحلّي هذا المعنى للأوائل.
٤- انظر : قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الثاني ، قدرته تعالى ، ص ٤٨.
تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : القول في الصفات الثبوتية ، ص ٢٦٩.
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثاني ، ص ٤٢.
عجالة المعرفة ، محمّد بن سعيد الراوندي : فصل في الصانع وصفاته ، ص ٣٠.
المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في صفات المحدث ، ص ٣٥.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الرابع ، البحث الرابع ، ص ١٦٠.
٥- إذا كان الفعل ممكناً ولم يمنع منه مانع.
انظر : المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثاني ، ص ٤٢.
بعبارة أخرى : القادر هو الذي يصح أن يصدر عنه الفعل ، ويصح أن لا يصدر عنه الفعل.
تنبيه :
إنّ الله تعالى قادر على الأشياء كلّها على ثلاثة أوجه :
أوّلاً : على المعدومات بأن يوجدها.
ثانياً : على الموجودات بأن يفنيها أو يتصرّف فيها بجمعها أو تفريقها أو تحويلها أو نحو ذلك.
ثالثاً : على مقدور غيره بأن يقدر عليه ويمنع منه(١) .
أسماء الله التي تعود إلى صفة قدرة الله تعالى(٢)
١ - القوي
أي : ذو القوّة الكاملة ، فلا يعجزه أمر ممكن في إيجاد أو إعدام ، ولا يمسّه نَصَب ، ولا يلحقه ضعف.
قال تعالى :( إِنَّ رَبَّکَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ) [ هود : ٦٦ ]
٢ - المتين
أي : ذو المتانة الكاملة ، والمتانة أبلغ من مطلق القوّة ؛ لأنّها القوّة الزائدة.
فمعنى المتين : هو الذي له كمال القوّة التي لا تعارضها ولا تشاركها ولا تدانيها قوّة ، كما لا يعرض لها عجز ولا تعب ولا تناقض في التصرّف بكلّ أمر ممكن.
قال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) [ الذاريات : ٥٨ ]
٣ - القادر
أي : ذو القدرة الكاملة ، وقد مرّ معنى القدرة قبل قليل.
قال تعالى :( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْکُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِکُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِکُمْ ) [ الأنعام : ٦٥ ]
____________________
١- انظر : مجمع البيان ، الشيخ الطبرسي : ج ١ ، تفسير آية ٢٠ من سورة البقرة ص ١٥٢.
٢- العقيدة الإسلامية ، عبدالرحمن حسن جنكة الميداني : ١٦١ - ١٦٣ ( بتصرّف ).
٤ - المقتدر
أي : ذو القدرة الكاملة ، والمقتدر أبلغ من القادر.
قال تعالى :( وَ کَانَ اللَّهُ عَلَى کُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ) [ الكهف : ٤٥ ]
٥ - الواجد
أي : ذو الجدّة الكاملة ، والجدة هي الغنى مع امتلاك قدرة التصرّف وعدم الاحتياج إلى مساعد ومعين فمعنى الواجد : القادر على التصرّف بكلّ شيء وفق مراده ، ولم يرد هذا الاسم في القرآن الكريم.
٦ - العزيز
أي : ذو العزّة الكاملة ، والعزّة هي القدرة على التغلّب.
قال تعالى :( إِنَّ رَبَّکَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ) [ هود : ٦٦ ]
٧ - المُ-قيت
أي : الحافظ للشيء والشاهد والمقتدر ، وبعبارة أخرى : المُقيت يعني المستولي القادر على كلّ شيء ، وهذا المعنى هو أحد معاني هذا الاسم.
قال تعالى :( وَ کَانَ اللَّهُ عَلَى کُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ) [ النساء : ٨٥ ]
٨ - مالك المُلك
أي : الذي تنفذ مشيئته في ملكه كيف يشاء ، لا مردّ لقضائه ، ولا يكون ذلك إلاّ من كمال القوّة والمتانة والقدرة والعزّة والغنى.
قال تعالى :( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِکَ الْمُلْکِ تُؤْتِي الْمُلْکَ مَنْ تَشَاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْکَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ ) [ آل عمران : ٢٦ ]
٩ - المِلك ( بكسر الميم )
أي : المتصرّف بالأمر والنهي التكويني في كلّ شيء ، فإذا قال لشيء : كُن ، وُجد ذلك الشيء حسب مشيئته تعالى ، وهذا يرجع إلى كمال القدرة على التصرّف
بالممكنات.
قال تعالى :( فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِکُ الْحَقُّ ) [ طه : ١١٤ ]
المبحث الثاني :أقسام القادر
١ - القادر المختار
مثاله : الله سبحانه وتعالى ، الإنسان في أفعاله الاختيارية.
٢ - القادر الموجب ( المضطر )
مثاله : الشمس بالنسبة إلى الإشراق ، والنار بالنسبة إلى الإحراق.
الفرق بين " القادر المختار " و " القادر الموجب " :
١ - القادر المختار هو المتمكِّن من الفعل والترك ،
القادر الموجب هو المتمكِّن من الفعل فقط دون الترك(١) .
٢ - القادر المختار يصح منه أن لا يفعل ،
القادر الموجب يمتنع منه أن لا يفعل(٢) .
٣ - القادر المختار يصح منه أن يفعل الفعل ،
القادر الموجب يجب أن يصدر عنه الفعل(٣) .
٤ - القادر المختار هو الذي يفعل مع شعوره بفعله.
القادر الموجب هو الذي يصدر منه الفعل مع عدم شعوره به(٤) .
____________________
١- انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٢.
الاعتماد في شرح واجب الاعتقاد ، مقداد السيوري : في صفات الله تعالى ، ص ٥٦.
٢- انظر : قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث الأوّل ، ص ٩٣.
٣- انظر : قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الثاني ، ص ٤٩.
٤- انظر : المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في صفات المحدث ، ص ٣٥.
٥ - القادر المختار هو الذي يعلم بأثره ،
القادر الموجب هو الذي لا يعلم بأثره(١) .
وبصورة عامّة :
القادر المختار هو الذي يؤدّي فعله بإرادته واختياره ،
القادر الموجب هو الذي يصدر منه الفعل من دون إرادته واختياره(٢) .
تنبيهان :
١ - اشتهر عن بعض الفلاسفة القول بأنّ الله تعالى " قادر موجب " لا " قادر مختار "(٣) .
ولهذا قال هؤلاء بقدم العالم(٤) ، وأثبتوا لله إرادة وقدرة لا بالمعنى الذي أثبته المتكلّمون ، بل شبّهوا الله تعالى بجهاز مبرمج يعمل من دون إرادة واختيار ، وفق ما يملي عليه علمه بالنظام الأحسن تعالى الله عن ذلك ، وسبحانه عمّا يصفه هؤلاء(٥) .
٢ - القادر المختار أشرف وأسمى من القادر الموجب ؛
لأنّ القادر الموجب لا فضل له في ألطافه وتفضّله على العباد ؛ لأنّه يفعل من دون
____________________
١- انظر : قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث الأوّل ، ص ٨٣.
٢- انظر : الأنوار الجلالية ، مقداد السيوري : الفصل الأوّل ، ص ٧٥.
٣- انظر : قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الثاني ، قدرته تعالى ، ص ٤٧.
كشف الفوائد ، العلاّمة الحلّي : الباب الثاني ، الصفات الثبوتية ، القدرة ، ص ١٥٩.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، إثبات القدرة للباري ، ص ١٨٢.
الأنوار الجلالية ، مقداد السيوري : الفصل الأوّل ، ص ٧٥.
٤- لأنّ الموجب هو الذي لا يتخلّف أثره عنه بالضرورة ، وهو الذي لا ينفك عنه فعله ، والذين يقولون بأنّه تعالى قادر موجب ، يعتقدون بأنّ العالم بالنسبة إلى الله كالنور بالنسبة إلى الشمس ، وبما أنّه تعالى كان من الأزل ، فالعالم أيضاً كان معه من الأزل ؛ لأنّ العالم لا ينفك عن الله; وهو كالنور بالنسبة إلى الشمس ، فمادامت الشمس موجودة فالنور موجود معها.
انظر : الباب الحادي عشر ، العلاّمة الحلّي : الفصل الثاني ، ص ٣٢.
الاعتماد ، مقداد السيوري : في صفات الله تعالى ، ص ٥٧.
وإثبات حدوث العالم ( أي : وجود العالم بعد عدمه ) يثبت بأنّ الله تعالى قادر مختار لا قادر موجب.
انظر : الاقتصاد ، الشيخ الطوسي : القسم الأوّل ، الفصل الثاني ، ص ٥٣ - ٥٤.
تجريد الاعتقاد ، نصيرالدين الطوسي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، ص ١٩١.
٥- لمعرفة أدلة تنزيه الله عن الاتّصاف بالقادر الموجب راجع :
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الرابع ، البحث الرابع ، ص ١٦٠ - ١٦١.
إرادته واختياره.
ولكن القادر المختار ، فإنّه متفضّل في تقديم الطافه ومواهبه ؛ لأنّه إن شاء منح هذه الألطاف والمواهب وإن شاء منعها.
أضف إلى ذلك :
القادر الموجب أشبه ما يكون بجهاز مبرمج ، يعمل وفق البرمجة الموجودة فيه ، وهكذا ذات لا تستحق العبادة والإطاعة ؛ لأنّها فاقدة للاختيار ، ولهذا من المستحيل أن نقول بأنّه تعالى - والعياذ بالله - قادر موجب ومضطر !
المبحث الثالث :أدلة اثبات قدرة الله تعالى
الدليل الأوّل :
إنّ " الفعل " كما يكشف عن وجود " الفاعل " ، فإنّه يكشف أيضاً عن اتّصاف الفاعل بالقدرة التي مكّنته من أداء هذا الفعل.
ومن هذا المنطلق :
فإنّنا كما نكتشف من خلال النظر في هذا العالم بأنّ لهذا العالم خالقاً فإنّنا نكتشف أيضاً من خلال هذا النظر بأنّ خالق هذا العالم متّصف بالقدرة ؛ لأنّ "الفعل لا يصح أن يصدر إلاّ من قادر "(١) (٢)
قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : ( العجب كلّ العجب للشاك في قدرة الله ، وهو يرى خلق الله )(٣) .
الدليل الثاني :
فقدان " القدرة " يثبت " العجز " ، و " العجز " نقص لا يليق بالذات الإلهية ، والله تعالى مستجمع لجميع الصفات الكمالية ، ومنزّه عن جميع النقائص والصفات الجلالية.
الدليل الثالث :
لو لم يكن الله قادراً ، لكان محتاجاً إلى غيره ، والله تعالى منزّه عن الاحتياج.
____________________
١- الاقتصاد ، الشيخ الطوسي : القسم الأوّل ، الفصل الثاني ، ص ٥٣.
٢- انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٩ ، ذيل ح ١٧ ، ص ١٢٩.
تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي : مسائل التوحيد ، مسألة في كونه تعالى قادراً ، ص ٧٣.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة الأولى ، ص ٣٩٣.
٣- المحاسن ، أبو جعفر البرقي : ج ١ ، باب ٢٣ : باب جوامع من التوحيد ، ح [٨٣١] ٢٣٣.
المبحث الرابع :خصائص قدرة الله تعالى
١ - " القدرة " من صفات الله الذاتية الكمالية ،
والله تعالى قادر فيما لم يزل(١) .
ولا يصحّ - في جميع الأحوال - سلب القدرة من الله ، ونسبة " العجز " إليه تعالى ؛ لأنّ هذا السلب يوجب احتياجه تعالى في الخلق إلى شيء غير ذاته ، والله تعالى منزّه عن الاحتياج.
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( لم يزل الله عزّ وجلّ ربّنا والقدرة ذاته ولا مقدور ، فلمّا أحدث الأشياء وقع القدرة على المقدور )(٢) .
سُئل الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : خلق الله الأشياء بالقدرة أم بغير القدرة ؟ فقالعليهالسلام : ( لا يجوز أن يكون خلق الأشياء بالقدرة ؛
لأنّك إذا قلت : خلق الأشياء بالقدرة فكأنّك قد جعلت القدرة شيئاً غيره ، وجعلتها آلة له بها خلق الأشياء ، وهذا شرك.
وإذا قلت : خلق الأشياء بغير قدرة ، فإنّما تصفه أنّه جعلها باقتدار عليها وقدرة ، ولكن ليس هو بضعيف ولا عاجز ولا محتاج إلى غيره ، بل هو سبحانه قادر لذاته لا بالقدرة )(٣) .
٢ - قدرة الله غير مقيّدة بالقوانين والأسباب الطبيعية ، بل الله تعالى قادر على فعل الأشياء من دون توسّط هذه القوانين والأسباب ، كما أنّه تعالى قادر على إلغاء هذه
____________________
١- انظر : شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى : وجوب كونه تعالى قادراً فيما لم يزل ، ص٦٣. تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي : مسائل التوحيد ، مسألة في كونه تعالى قادراً فيما لم يزل ، ص ٨١.
٢- الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب صفات الذات ، ح ١ ، ص ١٠٧.
٣- عيون أخبار الرضاعليهالسلام ، الشيخ الصدوق : ج ١ ، باب ١١ ، ح ٧ ، ص ١٠٨.
القوانين والأسباب والعمل بمشيئته وفق قوله تعالى : ( إنّما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) [ النحل : ٤٠ ](١)
إذن :
لا تنحصر قدرة الله في المجالات العادية ، بل لله تعالى أن يجري الأمور من طرق أخرى كالإعجاز.
٣ - امتلاك " القدرة " على فعل شيء لا يعني لزوم فعل ذلك الشيء ؛ لأنّ " القدرة " لا تؤثّر لوحدها ، وإنّما يكون منها التأثير عند مقارنتها مع الإرادة.
فنستنتج بأنّ قدرة الله على جميع الممكنات لا يلزم وجود جميع هذه الكائنات ، وإنّما تحقّق أيّ كائن يكون بعد إرادة الله تعالى له.
وبعبارة أخرى : إنّ الله تعالى قادر على كلّ الممكنات ، ولكنّه غير مؤثّر في كلّها ، وإنّما يؤثّر على بعضها وفق ما يريد(٢) .
٤ - مفهوم " القدرة " أوسع من مفهوم " الإرادة ".
مثال ذلك :
" القدرة " تتعلّق بالفعل والترك ،
ولكن " الإرادة " لا تتعلّق إلاّ بواحدة من " الفعل " أو " الترك ".
توضيح ذلك :
قدرة الله تتعلّق بأن " يفعل " وأن " لا يفعل " ، ولهذا يكون نطاق قدرته تعالى واسع وشامل للفعل وترك الفعل.
ولكن إرادة الله لا تتعلّق إلاّ بواحد من " أن يفعل " أو أن " لا يفعل " ، والله تعالى إمّا أن يريد الفعل وإمّا أن لا يريده.
____________________
١- هذا بخلاف قدرة الإنسان التي مهما تعاظمت فإنّها تبقى في إطار الأسباب الطبيعية ، وغاية ما يستطيع الإنسان فعله عبارة عن تسخير القوانين الطبيعية ، وتنفيذ إرادته في دائرة لا تتجاوز حدود هذه القوانين.
٢- انظر : تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، مسألة : الله تعالى قادر على كلّ المقدورات ، ص ٢٩٩.
ولا يمكن تعلّق الإرادة بالفعل والترك في آن واحد ؛ لأنّ تعلّق الإرادة بكليهما مستحيل ، ويلزم منه التناقض ،
ولهذا يكون نطاق تعلّق " القدرة " أوسع من نطاق تعلّق " الإرادة ".
٥ - لا يوجد في قبال قدرة الله قدرة مضاهية أو معارضة أو مانعة من نفوذها ؛ لأنّ كلّ ما سوى الله فهو " ممكن الوجود " وكلّ " ممكن الوجود " لا " استقلالية " له بذاته في الوجود ، بل هو مقهور له تعالى ، فلهذا ليس بإمكان هذا الممكن أن يزاحم القدرة الإلهية أو يمنعها من نفوذها.
المبحث الخامس :سعة قدرة الله تعالى
قدرة الله تعالى قدرة مطلقة وشاملة وغير محدودة.
دليل ذلك :
قدرة الله - كما ثبت في المبحث السابق - هي عين ذات الله ، وبما أنّ الذات الإلهية مطلقة وغير متناهية ، فنستنتج بأنّ القدرة الإلهية أيضاً غير متناهية ، ولا تعرف حدّاً، ولا تقف عند نهاية.
ولهذا :
لا تكون قدرة الله مختصّة ببعض المقدورات دون بعض ، بل تكون هذه القدرة شاملة ومتعلّقة بكلّ ما هو ممكن ومقدور.
موارد تعلَّق القدرة الإلهية :
لا تتعلّق قدرة الله إلاّ بالأمور الممكنة والمقدورة.
ولا تتعلّق هذه القدرة أبداً بالأمور المستحيلة والممتنعة بالذات.
تنبيه :
عدم تعلّق قدرة الله بالأمر المستحيل والممتنع بالذات ليس من جهة عجز أو قصور في قدرته تعالى ، بل هو من جهة القصور في جانب الأمر المستحيل وعدم امتلاكه قابلية الإيجاد.
نماذج من الأمور المستحيلة عقلاً :
١ - أن يخلق الله تعالى مثله.
٢ - أن يفني الله تعالى نفسه.
٣ - أن يوجد الله تعالى شيئاً لا يقدر على تحريكه أو إفنائه.
٤ - أن يجعل الله تعالى الشيء الكبير ( مثل العالم ) في الشيء الصغير (مثل البيضة) من دون أن يصغر حجم العالم أو تكبر البيضة.
فإذا سُئل : هل الله تعالى قادر على القيام بهذه الموارد ؟
فالجواب : القدرة إنّما تتعلّق بالموارد التي يمكن وقوعها ، وهذه الموارد يستحيل وقوعها ، فلهذا لا تتعلّق القدرة بها.
والسؤال عن تعلّق القدرة بالموارد المستحيلة سؤال خاطىء.
ولهذا ورد في الحديث الشريف :
سُئل الإمام عليعليهالسلام : هل يقدر ربّك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير أن يصغّر الدنيا أو يكبّر البيضة ؟ !
قالعليهالسلام : ( إنّ الله تبارك وتعالى لا ينسب إلى العجز ، والذي سألتني لا يكون )(١) .
مثال توضيحي :
١ - إذا سألك شخص : هل تستطيع أن تجعل نتيجة ٢ + ٢ تساوي ٥ ؟
فسيكون جوابك : من المستحيل أن تكون نتيجة ٢ + ٢ تساوي ٥.
وعدم قدرتي على الحصول على هذه النتيجة ليس لعجزي وقصور قدرتي ، بل لأنّ هذا المورد محال ولا يمكن تحقّقه.
____________________
١- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٩ ، ح ٩ ، ص ١٢٦.
ورد في حديث آخر :
سُئل الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : هل يقدر ربّك أن يجعل السماوات والأرض وما بينهما في بيضة ؟
قالعليهالسلام : ( نعم ، وفي أصغر من البيضة ، قد جعلها في عينك ، وهي أقل من البيضة ؛ لأنّك إذا فتحتها عاينت السماء والأرض وما بينهما ، ولو شاء لأعماك عنها ).
التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٩ ، ح ١١ ، ص ١٢٦.
ولا يخفى بأنّ إجابة الإمام الرضاعليهالسلام في هذا المقام وبهذه الصورة كانت لأجل إزالة حالة شكّ السائل في قدرة الله تعالى ، فكلّم الإمام (عليهالسلام ) السائل على قدر عقله ، ولم يبيّن له استحالة ما سأله لئلا يشوش ذهنه ، وأجابه بجواب يصرف ذهنه إلى عظمة قدرة الله تعالى.
والاستفسار عن امتلاك القدرة أو عدم امتلاكها لا يصح إلاّ في الموارد التي يصح وقوعها.
٢ - إذا سألك شخص : هل تستطيع أن تكون في وقت ومكان واحد موجوداً ومعدوماً ؟
فسيكون جوابك :
إنّ هذا الأمر مستحيل ، ولا يمكن وقوعه أبداً ؛ لأنّه من قبيل اجتماع النقيضين ، والعقل يحكم باستحالة اجتماع النقيضين.
ولا يقال لمن لا يفعل المستحيل أنّه عاجز ؛ لأنّ عدم وقوع المستحيل ليس لعدم استطاعته من القيام به ، بل لعدم امتلاك ذلك الشيء المستحيل قابلة الإيجاد والتحقّق.
الفرق بين المستحيل العقلي والمستحيل العادي :
المستحيل الذي لا تتعلّق به قدرة الله هو المستحيل العقلي دون المستحيل العادي ، وأمّا المستحيل العادي فهو ممّا تتعلّق به القدرة الإلهية.
توضيح ذلك :
ينقسم المستحيل إلى قسمين :(١)
١ - المستحيل العقلي :
وهو الأمر الذي يحكم العقل بعدم إمكان وقوعه وتحقّقه أبداً.
من قبيل : ما يشتمل فرضه على التناقض ( ويسمّى المستحيل ذاتاً ).
ومثاله : أن يكون الشيء الواحد موجوداً ومعدوماً في وقت ومكان واحد.
ومن قبيل : ما يشتمل وجوده في الواقع الخارجي على التناقض ( ويسمّى المستحيل وقوعاً ).
____________________
١- انظر : معارف القرآن ، محمّد تقي المصباح : ٢٠٢ - ٢٠٣.
ومثاله : وجود المعلول من دون علّته الخاصة في الواقع الخارجي.
٢ - المستحيل العادي :
وهو أنّنا اعتدنا على تحقّق كلّ شيء في الواقع الخارجي من خلال علّة أو علل معيّنة ، فإذا سُئلنا : هل يمكن تحقّق هذا الشيء من دون وجود علّته المتعارفة ؟ فإنّنا سنقول : هذا الأمر مستحيل.
ولكن قد يكون لتحقّق هذا الشيء علّة أخرى نجهلها ، فإذا أدّت العلّة إلى وقوع ذلك الشيء فإنّنا نتصوّر وقوع المستحيل.
تنبيه :
تسمية هذا القسم الثاني " بالمستحيل " من باب التسامح ، وهذا المستحيل ليس من قبيل المستحيل الذي يحكم العقل باستحالة وقوعه ، وإنّما هو المستحيل الذي يحكم العرف والعادة بعدم تحقّقه.
مثال المستحيل العادي :(١)
لو سُئل أحد الأشخاص قبل اختراع الهاتف : هل تستطيع أن تتكلّم فيسمع صوتك من يبعد عنك آلاف الكيلومترات.
فإنّه سيجيب : هذا مستحيل.
وهذا المستحيل هو من قبيل المستحيل العادي ، وليس من قبيل المستحيل العقلي.
ويحكم الإنسان باستحالة الشيء عادةً لعدم علمه بالأسباب ، فإذا عرف الأسباب ، وأصبح عنده إلمام بجهاز الهاتف ، فإنّه سيدرك عدم استحالة ما حكم عليه بالاستحالة.
جميع المعاجز هي من قبيل اختراق المستحيل العادي ، وهي ظواهر لا توجد عن طريق العلل العادية ، وإنّما توجد عن طريق العلل غير العادية خارجة عن نطاق علمنا.
____________________
١- انظر : المصدر السابق.
المبحث السادس :أدلة عموم قدرة الله تعالى
١ - قدرة الله عين ذات الله.
وبما أنّ الذات الإلهية مطلقة وغير متناهية ، نستنتج بأنّ قدرة الله أيضاً غير متناهية ، ولا تعرف حدّاً ، ولا تقف عند نهاية ، ( وقد ذكرنا هذا المعنى ، وبيّنا موارد تعلّق القدرة الإلهية في المبحث السابق ).
٢ - نسبة ذات الله إلى جميع المقدورات متساوية.
فلهذا تتعلّق قدرة الله بجميع المقدورات من غير استثناء.
ومن هذا المنطلق :
يكون اختصاص قدرة الله بمقدور دون آخر ترجيح بلا مرجّح ، وهو باطل(١) .
فتثبت قدرة الله على كلّ مقدور(٢) .
٣ - تجلّي القدرة الإلهية في إيجاد كائنات السماوات والأرض من اللاشيء تنبىء عن عظمة قدرته تعالى ، وتبيّن بأنّ كلّ ما نفترضه من أمور مقدورة وممكنة هي أهون عنده تعالى.
____________________
١- بعبارة أخرى : المقتضي لكون الشيء مقدوراً هو اتّصافه بصفة " الإمكان " ، وهذه الصفة متساوية بين جميع الممكنات ، فلهذا تكون صفة " المقدورية " مشتركة بين جميع " الممكنات ".
٢- انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٣.
الرسائل العشر ، الشيخ الطوسي : مسائل كلامية ، مسألة (٨) ، ص ٩٤.
المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي : ج ١ ، القول في أنّه تبارك وتعالى يقدر ، ص ٨٢.
تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، مسألة : الله تعالى قادر على كلّ المقدورات ، ص ٢٩٩.
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثاني ، ص ٥٣.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث الثامن ، ص ٩٦ - ٩٧.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الرابع ، البحث الرابع ، ص ١٦٣.
قال تعالى :( أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ) [يس : ٨١ ]
آيات قرآنية حول عمومية قدرة الله تعالى :
١ -( إِنَّ اللَّهَ عَلَى کُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ البقرة : ٢٠ ]
٢ –( وَ کَانَ اللَّهُ عَلَى کُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ) [ الكهف: ٤٥ ]
٣ -( تَبَارَکَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْکُ وَ هُوَ عَلَى کُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ الملك : ١ ]
٤ -( له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير ) [ التغابن : ١٠ ]
٥ -( وَ مَا کَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَ لاَ فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ کَانَ عَلِيماً قَدِيراً ) [ فاطر : ٤٤ ]
أحاديث لأهل البيتعليهمالسلام حول عمومية قدرة الله تعالى :
١ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( الأشياء كلّها له سواء علماً وقدرة ...)(١) .
٢ - قال الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام : ( إنّ الله تعالى القادر الذي لا يعجز)(٢) .
مناقشة أهم الإشكالات الواردة حول عموم قدرة الله تعالى الإشكال الأوّل :(٣)
إنّ الله غير قادر على فعل القبيح.
____________________
١- الكافي ، الشيخ الكليني : كتاب التوحيد ، باب الحركة والانتقال ، ح ٤ ، ص ١٢٦.
٢- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢ ، ح ٣٢ ، ص ٧٤.
٣- أشير إلى هذا الإشكال والردّ عليه في :
تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي : مسائل العدل ، ص ١٠٠.
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الثاني ، البحث الثالث ، ص ٨٩.
المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في العدل ، ص ١٥٤.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، ص ٣٩٦.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الرابع ، البحث الرابع ، ص ١٦٢ - ١٦٣.
دليل ذلك :
لو كان الله قادراً على فعل القبيح لصحّ منه فعله ، وصحّة فعل القبيح منه تعالى دليل على اتّصافه بالجهل والاحتياج ، ولكنّه تعالى منزّه عن هذه الأوصاف ، فيثبت عدم قدرته على فعل القبيح.
يرد عليه :
الاتّصاف بالجهل والاحتياج يكون مع " فعل القبيح " لا مع " امتلاك القدرة على فعله " ، وعدم فعله تعالى للقبيح ليس لعدم قدرته على فعله ، بل لأنّه تعالى حكيم، فلا يريد فعل القبيح.
أدلة قدرته تعالى على فعل القبيح :
١ - إن الله تعالى قادر على كلّ مقدور ، والقبيح مقدور ، فيثبت أنّه تعالى قادر على فعل القبيح(١) .
٢ - إنّ " الفعل الحسن " من جنس " الفعل القبيح " ، والقادر على أحد الجنسين يكون قادراً على الآخر(٢) .
٣ - لو لم يكن الله قادراً على فعل القبيح ، لم يستحق المدح إزاء عدم فعله للقبيح ؛ لأنّ " المدح " يكون لمن يقدر على فعل القبيح ثمّ لم يفعله(٣) .
____________________
١- انظر : المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الثاني ، البحث الثالث ، ص ٨٨.
٢- انظر : شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى : باب ما يجب اعتقاده في أبواب العدل ، ص ٨٣ - ٨٤.
تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي : مسائل العدل، مسألة في كونه تعالى قادراً على القبيح ، ص ٩٩ الاقتصاد ، الشيخ الطوسي : القسم الثاني ، الفصل الأوّل ، ص ٨٨.
٣- الياقوت في علم الكلام ، أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت : نكت في التوحيد ، ص ٥٧.
الإشكال الثاني(١) :
إنّ الله تعالى لا يقدر على مثل مقدور العبد.
أي : إنّ الله تعالى لا يقدر على القيام بمثل الأفعال التي يقوم بها الإنسان.
دليل ذلك :
إنّ مقدور الإنسان ( أي : الفعل الذي يقدر الإنسان على إيجاده ) ينقسم إلى قسمين :
أوّلاً : ليس فيه غرض ، فيوصف هذا الفعل ب- " العبث ".
ثانياً : فيه غرض.
وهذا الغرض ينقسم إلى قسمين :
أوّلاً : موافق للأوامر الشرعية ، فيوصف الفعل ب- " الطاعة "
ثانياً : غير موافق للأوامر الشرعية ، فيوصف الفعل ب- " المعصية ".
إذن ، فعل الإنسان لا يخلو عن أحد هذه الأوصاف الثلاثة ، وهي العبث والطاعة والمعصية.
فلو قلنا بأنّ الله تعالى قادر على القيام بمثل فعل الإنسان فسيكون معنى ذلك ، أنّ أفعال الله أيضاً ستوصف بالعبث أو الطاعة أو المعصية ، وهذا باطل(٢) ، فيثبت عدم قدرة الله على مثل مقدور العبد.
يرد عليه :
إنّ لكلّ فعل بُعدين :
____________________
١- أُشير إلى هذا الإشكال والردّ عليه في :
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث الثامن ، ص ٩٦ - ٩٧.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة الأولى ، ص ٣٩٦ - ٣٩٧.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، مذهب الكعبي ، ص ١٩١.
٢- دليل ذلك :
أوّلاً : يستلزم وصف فعل الله بالعبث نفي الحكمة عنه ، والله تعالى منزّه عن ذلك.
ثانياً : يستلزم وصف فعل الله بالطاعة والمعصية أن يكون له تعالى آمر وناهي ، وهذا محال.
١ - ذات الفعل.
٢ - صفات الفعل ، وهي الصفات التي تُنتزع من خلال لحاظ " دواعي " القيام بالفعل.
وهذه الصفات في أفعال الإنسان عبارة عن :
أوّلاً : " العبث " ، فيما لو كان داعي الفعل من دون غرض.
ثانياً : " الطاعة " ، فيما لو كان داعي الفعل تلبية الأوامر الشرعية.
ثالثاً : " المعصية " ، فيما لو كان داعي الفعل مخالفة الأوامر الشرعية.
وما ينبغي الالتفات إليه : أنّ ما يستلزم المحذور ، عبارة عن تشابه دواعي الله في الفعل مع دواعي الإنسان ؛
لأنّنا إذا قلنا بأنّ دواعي الله مشابهة لدواعي الإنسان ، فإنّ أفعال الله تعالى ستُصوف بالعبث أو الطاعة أو المعصية ، وهذا محال.
لكنّنا إذا قلنا بأنّ الله قادر على القيام بما يقوم به العبد من حيث ذات الفعل وهيئته ، وله تعالى دواعي مغايرة لدواعي الإنسان ، فإنّه لا يكون أيّ محذور في هذا المجال.
فتثبت قدرة الله على مثل ما يقدر عليه الإنسان.
بعبارة أخرى :
دواعي فعل الله مغايرة لدواعي فعل الإنسان ،
فلهذا لا يوصف فعل الله بالأوصاف التي يوصف بها فعل الإنسان ( وهي : العبث أو الطاعة أو المعصية ).
وعدم اتّصاف فعله تعالى بالأوصاف التي يتّصف بها فعل الإنسان ، لا يوجب إنكار قدرته تعالى على مثل ما يقوم به الإنسان ،
بل غاية ما يثبته أنّ دواعي فعل الله مغايرة لدواعي فعل الإنسان.
فلا يبقى أيّ إشكال في أن يكون الله قادراً على مثل ما يقوم به الإنسان ، وأن
يكون الله فاعلاً لمثل الفعل الذي يفعله الإنسان من حيث " الذات والهيئة " لا من حيث " الداعي والأوصاف ".
تنبيه :
المقصود من قدرة الله على مثل ما يقوم به الإنسان ، هي الأفعال التي يصح نسبتها إلى الله عزّ وجلّ ، وليس المقصود منها الأفعال القائمة بالفاعل المادي والجسماني ، كالأكل والشرب وما شابه ذلك ؛ لأنّ هذه الأفعال ممّا يتنزّه عنها الله تعالى ، وهي خارجة عن البحث.
الإشكال الثالث :(١)
إنّ الله تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد.
أي : إذا تعلّقت قدرة الإنسان بشيء ، فلا يمكن بعد ذلك أن تتعلّق قدرة الله بذلك الشيء.
دليل ذلك :
إذا تعلّقت قدرة الإنسان بشيء ، وتعلّقت قدرة الله - في نفس الوقت - فإنّه يلزم اجتماع قادرين على مقدور واحد ، وهو محال ؛ لأنّ الإنسان قد يريد وقوع الشيء ، ويريد الله تعالى عدم وقوعه.
فيكون ذلك الشيء - في نفس الوقت - " واقع " و " غير واقع " ، وهذا محال ؛ لأنّه من قبيل اجتماع النقيضين.
فيثبت عدم تعلّق قدرة الله بالشيء فيما لو تعلّقت قدرة الإنسان بذلك الشيء.
يرد عليه :
إنّ هذا الإشكال يصحّ فيما لو قلنا بأنّ قدرة الإنسان قدرة مستقلة وقائمة بذاتها ، فيؤدّي اجتماعها مع قدرة الله إلى اجتماع النقيضين.
ولكن قدرة الإنسان غير مستقلة ، وهي لا تترك أثرها إلاّ بإذن الله ، ولهذا لا
____________________
١ - أشير إلى هذا الإشكال والرد عليه في :
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث الثامن ، ص ٩٧.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة الأولى ، ص ٣٩٦.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، مذهب الكعبي ، ص ١٩٣.
يشكّل فرض اجتماع قدرة الإنسان مع قدرة الله أيّ محذور أبداً ؛ لأنّ قدرة الإنسان لوحدها لا تشكّل العلّة التامّة في التأثير ، بل لابدّ من وجود إذن إلهي في هذا الصعيد لتترك هذه القدرة أثرها في الواقع الخارجي.
الإشكال الرابع :
نظرية الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد.
ذهب بعض الفلاسفة إلى أنّ قدرة الله تعالى لا تتعلّق مباشرة إلاّ بشيء واحد ، أي : لا يفعل الله بذاته إلاّ شيئاً واحداً فقط ، ثمّ يكون تعلّق قدرة الله بسائر الأشياء بصورة غير مباشرة وعن طريق وجود واسطة(١) .
دليل ذلك :
إنّ الله تعالى واحد بذاته ، وهو منزّه عن جميع أنواع الكثرة ، وصدور أكثر من شيء واحد عنه تعالى يلزم وجود تكثّر في ذاته ، فيكون الله تعالى مركّباً ، وهذا محال.
يرد عليه :
١ - نظرية " الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد " تصحّ مع الفاعل الموجب ( المضطر ) ، وبما أنّ هؤلاء الفلاسفة يقولون أو يلازم قولهم بأنّ الله تعالى فاعل موجب ، فلهذا يذهبون إلى أنّ الله تعالى لا يصدر عنه إلاّ شيئاً واحداً ، ولا تتعلّق قدرته مباشرة إلاّ بشيء واحد.
ولكن الله تعالى - في الواقع - فاعل مختار ، فلهذا لا تشمله هذه النظرية(٢) .
قال العلاّمة الحلّي :
____________________
١ - انظر : قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الثاني : في ذكر صفات الله ، عموم العلم والقدرة ، ص ٥٤.
كشف الفوائد ، العلاّمة الحلّي : الباب الثاني ، الصفات الثبوتية (٢) ، العلم ، الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد ، ص ١٧٠.
وللمزيد راجع : المطالب العالية ، فخرالدين الرازي : ٤ / ٣٨١ - ٣٩٧.
٢ - مرّ في هذا الفصل ، المبحث الثاني التعريف بالفاعل الموجب والفاعل المختار.
" المؤثّر إن كان مختاراً جاز أن يتكثّر أثره مع وحدته ، وإن كان موجباً فذهب الأكثر إلى استحالة تكثّر معلوله باعتبار واحد "(١) .
٢ - الامتناع وعدم الصدور في نظرية " الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد " يكون فيما لو كان الصدور من جهة واحدة ، ولكن الله فاعل مختار ، وبإمكانه أن يصدر عنه الفعل من جهات متعدّدة حسب اختلاف مشيئته وإرادته ، فلهذا يصحّ عنه صدور أفعال كثيرة ، بحيث يكون لكلّ فعل جهة مغايرة للأخرى(٢) .
٣ - يلزم القول بأنّ الله تعالى لا يصدر عنه إلاّ الواحد :
أوّلاً : أن تكون رتبة الله في التأثير أقل من رتبة المؤثّرات الأخرى.
ثانياً : إنكار قدرة الله الشاملة لكلّ المقدورات.
ثالثاً : إخراج الله عن سلطانه.
وبما أنّه تعالى يتنزّه عن هذه الأمور فلا يصح قبول هذه النظرية.
الإشكال الخامس :(٣)
إنّ الله تعالى غير قادر على خلاف ما يعلم.
دليل ذلك :
إنّ ما علم الله وقوعه ، يقع قطعاً ، فهو " واجب " الوقوع.
وإنّ ما علم الله عدم وقوعه ، لا يقع قطعاً ، فهو " ممتنع " الوقوع.
وما هو " واجب " أو " ممتنع " الوقوع ، لا تتعلّق به القدرة ؛
لأنّ القدرة إنّما تتعلّق بما يصح " وقوعه " و " عدم وقوعه " ، ويمكن " فعله " و" عدم فعله ".
____________________
١ - كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الأوّل ، الفصل الثالث ، المسألة الثالثة ، ص ١٧٢.
٢ - انظر : تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : رسالة في العلل والمعلولات ، ص ٥٠٩.
٣ - أُشير إلى هذا الإشكال والرد عليه في :
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة : الركن الثالث ، البحث الثامن ، ص ٩٧.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة الأولى ، ص ٣٩٦.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، مذهب الكعبي... ، ص ١٨٩ - ١٩٠.
فيثبت أنّ الله تعالى غير قادر على خلاف ما يعلم.
بعبارة أخرى :
لو لم يقع ما علم الله وقوعه ،
أو وقع ما علم الله عدم وقوعه ،
لزم انقلاب علمه تعالى جهلاً ، وهو محال.
يرد عليه :
١ - إنّ الله تعالى بكلّ شيء عليم ، والأشياء كلّها تنقسم في علم الله تعالى إلى قسمين :
أوّلاً : يعلم بأنّها تقع ، فتكون هذه الأشياء - حسب الإشكال المذكور - واجبة الوقوع.
ثانياً : يعلم بأنّها لا تقع ، فتكون هذه الأشياء - حسب الإشكال المذكور - ممتنعة الوقوع ،
ولازم هذا القول أن لا تتعلّق قدرة الله بأيّ شيء أبداً ؛ لأ نّه تعالى بكلّ شيء عليم ، وهذا الأمر واضح البطلان.
والصحيح أن يُقال :
١ - علم الله بوقوع شيء يعني ، أنّه يعلم بأنّ ذلك الشيء سيقع بتأثير من قدرته المباشرة أو غير المباشرة.
٢ - إنّ علم الله تعالى بعدم وقوع شيء يعنى ، أنّه يعلم بأنّ ذلك الشيء لا يقع لعدم تعلّق قدرته أو قدرة مخلوقاته به أو عدم سعة قدرة غيره لتحقّقه.
فتكون القدرة - في جميع الأحوال - هي المؤثّرة في وقوع الأشياء.
بعبارة أخرى :
إنّ العلم لا يشكّل العلّة لوقوع أو عدم وقوع الأشياء ، وإنّما العلم مجرّد كاشف يكشف عن :
وقوع الشيء عند تحقّق علّته التامّة.
أو عدم وقوع الشيء عند عدم تحقق علّته التامّة ،
وإحدى العلل الحتمية لوقوع الشيء هي " القدرة " ،
ومن المستحيل أن يقع شيء من دون وجود " قدرة ".
إذن :
تعلّق العلم بوقوع " شيء " لا يجعل ذلك الشيء واجب الوقوع نتيجة تعلّق العلم به ،
وإنّما يكون الشيء واجب الوقوع من خلال علّته التامّة ، والتي تكون القدرة جزءاً أساسياً من هذه العلّة.
ومهمة " العلم " ، هو الكشف عن تلك العلّة والإخبار عن وقوع ذلك الشيء لا غير ، وليس لهذا العلم أي أثر في وقوعه أبداً.
الفصل الثاني عشر :مشيئة اللّه تعالى وإرادته
مراتب صدور الفعل من الله تعالى
معنى وأقسام مشيئة الله تعالى
خصائص مشيئة الله تعالى
معنى الإرادة ( لغة واصطلاحاً )
أقسام إرادة الله تعالى
إرادة الله صفة ذات أم صفة فعل ؟
خصائص إرادة الله تعالى
حسن وقبح الإرادة
عدم تعلّق إرادة الله بأفعال العباد القبيحة
كراهة الله لبعض الأفعال
المبحث الأوّل :مراتب صدور الفعل من الله تعالى
١ - العلم
٢ - المشيئة
٣ - الإرادة
٤ - القدر
٥ - القضاء
٦ - الإمضاء
حديث شريف :
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام :
( عَلِم وشاء وأراد وقدّر وقضى وأمضى
بعلمه كانت المشيئة
وبمشيئته كانت الإرادة
وبإرادته كان التقدير
وبتقديره كان القضاء ،
وبقضائه كان الإمضاء
والعلم متقدّم على المشيئة
والمشيئة ثانية
والإرادة ثالثة
والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء
فبالعلم علم الأشياء قبل كونها
وبالمشيئة عرف صفاتها وحدودها ، وأنشأها قبل إظهارها
وبالإرادة ميّز أنفسها في ألوانها وصفاتها
وبالتقدير قدّر أقواتها ، وعرّف أوّلها وآخرها
وبالقضاء أبان للناس أماكنها ، ودلّهم عليها
وبالإمضاء شرح عللها وأبان أمرها
وذلك تقدير العزيز العليم )(١)
معنى مراتب الفعل الإلهي :
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( لا يكون إلاّ ما شاء الله وأراد وقدّر وقضى )
ثمّ عرّف الإمامعليهالسلام هذه المراحل كما يلي :
المشيّة : الذكر الأوّل.
الإرادة : العزيمة على ما شاء.
القدر : وضع الحدود.
القضاء : إقامة العين )(٢) .
وفي حديث آخر عنهعليهالسلام :
( المشيّة : همّه بالشيء.
الإرادة : إتمامه على المشيّة.
القدر : الهندسة من الطول والعرض والبقاء .)
ثمّ قالعليهالسلام : ( إنّ الله إذا شاء شيئاً أراده ، وإذا أراده قدّره ، وإذا قدّره قضاه ، وإذا قضاه
____________________
١ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب البداء ، ح ١٦ ، ص ١٤٨ - ١٤٩.
٢ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب الجبر والقدر ، ح ٤ ، ص ١٥٨.
أمضاه )(١) .
وجاء في حديث آخر عنهعليهالسلام :
( المشيّة : ابتداء الفعل.
الإرادة : الثبوت عليه.
القدر : تقدير الشيء من طوله وعرضه.
وإذا قضى أمضاه ، فذلك الذي لا مردّ له )(٢) .
وجاء في حديث آخر عنهعليهالسلام :
( المشيّة : الاهتمام بالشيء.
الإرادة : إتمام ذلك الشيء )(٣) .
____________________
١ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٥ ، ب ٣ ، ح ٦٩، ص ١٢٢.
٢ - المصدر السابق : ح ٦٨ ، ص ١٢٢.
٣ - المصدر السابق : ح ٧٥ ، ص ١٢٦.
المبحث الثاني :معنى وأقسام مشيئة الله تعالى
معنى المشيئة :
المشيئة عبارة عن الاهتمام بفعل تمهيداً للقصد والميل القاطع نحو ذلك الفعل(١) .
أقسام مشيئة الله تعالى :
١ - مشيئة حتمية ( مشيّة حتم ).
٢ - مشيئة غير حتمية ( مشيّة عزم ).
حديث شريف :
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( إنّ لله مشيّتين : مشيّة حتم ، ومشيّة عزم )(٢) .
____________________
١ - هذا المعنى مقتبس من الأحاديث الشريفة التي ذكرناها في المبحث السابق.
٢ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٥ ، ب ٣ ، ح ٧٣ ، ص ١٢٤.
المبحث الثالث :خصائص مشيئة الله تعالى
١ - العلم الإلهي بوجود الحكمة والمصلحة في فعل معيّن ، هو الذي يدعو الله إلى مشيئة هذا الفعل.
فالمشيئة - في الواقع - منبعثة من العلم ، ولكن لا يمكن القول بأنّ هذا العلم هو المشيئة ؛ لأنّ ماهية " العلم " غير ماهية " المشيئة ".
ولهذا جاز القول : " إن شاء الله ".
ولم يجز القول : " إن علم الله "(١) .
٢ - إنّ مشيئة الله مُحدثة ، وهي من صفات الله الفعلية.
أحاديث أهل البيتعليهمالسلام حول حدوث المشيئة :
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( المشيئة والإرادة من صفات الأفعال ، فمن زعم أنّ الله تعالى لم يزل مريداً شائياً فليس بموحّد )(٢) .
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( المشيئة مُحدثة )(٣) .
وعنهعليهالسلام : ( خلق المشيّة قبل الأشياء ، ثمّ خلق الأشياء بالمشيّة )(٤) .
وعنهعليهالسلام : ( خلق الله المشيئة بنفسها ، ثمّ خلق الأشياء بالمشيئة )(٥) .
____________________
١ - هذا المعنى مقتبس من حديث شريف للإمام الصادقعليهالسلام .
انظر : الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب الإرادة أنّها من صفات الفعل ، ح ٢ ، ص ١٠٩.
٢ - التوحيد ، الصدوق : باب ٥٥ : باب المشيئة والإرادة ، ح ٥ ، ص ٣٢٩.
٣ - الكافي ، الشيخ الكليني : كتاب التوحيد ، باب : الإرادة ، ح ٧ ، ص ١١٠.
التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ١١ ، ح ١٨ ، ص ١٤٣.
٤- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٥٥ : باب المشيئة والإرادة ، ح ٨ ، ص ٣٣٠.
٥ - الكافي ، الشيخ الكليني : كتاب التوحيد ، باب الإرادة ، ح ٤ ، ص ١١٠.
التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب١١ ، ح ١٩ ، ص ١٤٣.
تنبيه :
ذكر العلاّمة المجلسي في بيان معنى " خلق الله المشيئة بنفسها " عدّة وجوه ، منها :(١)
أوّلاً : " أن يكون المشيئة بنفسها كناية عن كونها لازمة لذاته تعالى ، غير متوقّفة على تعلّق إرادة أُخرى بها ، فيكون نسبة الخلق إليها مجازاً عن تحقّقها بنفسها منتزعة عن ذاته تعالى بلا توقّف على مشيئة أخرى ".
ثانياً : " لمّا كان ههنا مظنّة شبهة هي أنّه إن كان الله عزّ وجلّ خلق الأشياء بالمشيئة فبمَ خلق المشيئة ، أبمشيئة أخرى ؟ فيلزم أن تكون قبل كلّ مشيئة مشيئة إلى ما لا نهاية له.
فأفاد الإمامعليهالسلام : ( أنّ الأشياء مخلوقة بالمشيئة ، وأمّا المشيئة نفسها فلا يحتاج خلقها إلى مشيئة أُخرى بل هي مخلوقة بنفسها )
نظير ذلك :
١ - " إنّ الأشياء إنّما توجد بالوجود ، فأمّا الوجود نفسه فلا يفتقر إلى وجود آخر ، بل إنّما يوجد بنفسه ".
٢ - " الشهوة في الحيوان مشتهاة لذاتها ، لذيذة بنفسها ، وسائر الأشياء مرغوبة بالشهوة ".
____________________
١ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٤ ، ب ٤ ، ذيل ج ٢٠ ، ص ١٤٥ - ١٤٧.
المبحث الرابع :معنى الارادة ( لغة واصطلاحاً )
معنى الإرادة ( في اللغة ) :
الإرادة هي القصد والميل القاطع نحو الفعل(١) .
معنى الإرادة ( في الاصطلاح العقائدي ) :(٢)
الإرادة صفة توجب ترجيح أحد طرفي ما يقع في دائرة القدرة.
توضيح ذلك :
من يمتلك القدرة يكون بين أمرين :
١ - إجراء القدرة ( ترجيح جانب الفعل ).
٢ - عدم إجراء القدرة ( ترجيح جانب الترك ).
وترجيح أحد هذين الأمرين يحتاج إلى " مخصّص ".
وهذا " المخصّص " هو " الإرادة ".
أضف إلى ذلك :
____________________
١ - انظر : الملخّص في أصول الدين ، الشريف المرتضى : الجزء الثاني ، باب : الكلام في الإرادة وما يتعلّق بها ، ص ٣٥٥.
٢ - انظر : المصدر السابق ، ص ٣٧٢ - ٣٧٣.
كنز الفوائد ، أبو الفتح الكراجكي : ج ١ ، فصل في المقدّمات في صناعة الكلام ، ص ٣١٧.
المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي : ج ١ ، القول في كونه تعالى مريداً ، ص ٦٣.
تجريد الاعتقاد ، نصيرالدين الطوسي : المقصد الثالث ، الفصل الأوّل ، ص ١٩٢.
تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، ص ٢٨٥.
قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الثاني ، إرادته تعالى ، ص ٥٥ - ٥٦.
قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الرابعة، الركن الثالث، البحث الرابع، ص ٨٨ - ٨٩ كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد ، العلاّمة الحلّي : الباب الثاني ، الإرادة ، ص ١٧٩ - ١٨٠.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الرابع ، البحث السابع ، ص ١٧١. نهج الحق وكشف الصدق ، العلاّمة الحلّي : المسألة الثالثة ، المبحث (١١) المطلب (١٥) : في الإرادة ، ص ١٣١.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، إثبات الإرادة لله تعالى ، ص٢٠٣.
اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري : اللامع الخامس ، الفصل الثاني ، البحث الثالث ، ص ١٣٦.
يجد كلّ من يمتلك القدرة على الفعل أنّه قادر على أن :
١ - تصدر منه بعض الأفعال دون البعض الآخر.
٢ - تصدر منه الأفعال في وقت دون غيره من الأوقات.
٣ - تصدر منه الأفعال بصورة وكيفية دون صورة وكيفية أخرى.
فلابدّ من أجل صدور الفعل - في وقت دون غيره وبصورة دون أخرى - إلى " مخصّص " ، وهذا المخصّص هو الذي يطلق عليه " الإرادة ".
تنبيه :
لا يخفى بأنّنا لا يمكننا اعتبار " القدرة " من الأمور :
١ - المخصّصة والمرجّحة لأحد طرفي الفعل والترك.
٢ - المتمكّنة من تخصيص الفعل بوجه دون غيره وبوقت دون غيره ؛
لأنّ " القدرة " شأنها " الإيجاد " فقط ، وليس من شأنها " التخصيص "(١) .
____________________
١ - انظر : تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، ص ٢٨٣.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث الرابع ، ص ٨٩.
كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد ، العلاّمة الحلّي : الباب الثاني ، الإرادة ، ص ١٧٩.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة الرابعة ، ص ٤٠٢.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الرابع ، البحث السابع ، ص ١٧١.
نهج الحق وكشف الصدق ، العلاّمة الحلّي : المسألة الثالثة ، المبحث (١١) ، المطلب (١٥) : في الإرادة ، ص ١٣١.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، إثبات الإرادة لله تعالى ، ص ٢٠٤.
اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري : اللامع الثامن ، المرصد الثاني ، الفصل الأوّل ، ص ٢٠١.
المبحث الخامس :أقسام ارادة الله تعالى
١ - إرادة الله لأفعال الإنسان الاختيارية.
وتسمّى هذه الإرادة : " الإرادة التشريعية ".
٢ - إرادة الله تعالى لأفعال نفسه.
وتسمّى هذه الإرادة : " الإرادة التكوينية "(١) .
مثال إرادة الله التشريعية في القرآن :
قوله تعالى :( كونوا قوامين بالقسط ) [ النساء : ١٦٥ ]
إرادة الله هنا إرادة تشريعية ، أي : طلب الله من مخاطبيه في هذه الآية ، أن يكونوا قوّامين بالقسط.
مثال إرادة الله التكوينية في القرآن :
قوله تعالى :( کُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) [ البقرة : ٦٥ ]
إرادة الله هنا إرادة تكوينية ، ولهذا انقلب أصحاب السبت بعد هذا الخطاب إلى قردة خاسئين.
المقارنة بين الإرادتين في هاتين الآيتين :
لو أراد الله أن يكون مخاطبيه في قوله تعالى :( كونوا قوامين بالقسط ) كما أراد الله أن يكون مخاطبيه في قوله تعالى :( کُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) لكانوا كلّهم قوّامين بالقسط شاؤوا أم أبوا ، ولكنّه لو فعل ذلك ما استحقّوا أجراً ولا ثواباً إزاء طاعتهم ، ولهذا أراد الله أن يكون مخاطبيه ( من العباد المكلّفين ) قوّامين بالقسط باختيارهم ، فتكون الإرادة في هذه الآية مغايرة للإرادة في الآية الأخرى.
____________________
١ - انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : ٢٥.
دليل وجود إرادة الله التشريعية ( أي : دليل كونه تعالى مريداً لبعض أفعال عباده ) :
أمر الله العباد ببعض الأفعال ، فيلزم ذلك أنّه يريد قيامهم بهذه الأفعال ؛ لأنّ الحكيم لا يأمر إلاّ بما يريد(١) .
دليل وجود إرادة الله التكوينية ( أي : دليل كونه تعالى مريداً لأفعال نفسه ) :
١ - إنّ الله تعالى صدرت منه بعض الأفعال دون غيرها.
وصدرت منه الأفعال في أوقات دون غيرها. وصدرت منه الأفعال بصورة وكيفية دون غيرها.
وهذا يدل على لزوم وجود " مخصّص " قام بتحديد وقوع هذه الأفعال ، وجعلها تقع في أوقات معيّنة وبصورة وكيفية خاصّة.
وهذا المخصّص هو " الإرادة " ، فثبت كونه تعالى مريداً لأفعال نفسه(٢) .
٢ - يتضمّن كلام الله أوامر ونواهي وإخبارات و
ولا يقع الكلام على أحد هذه الوجوه إلاّ بعد إرادته تعالى له ، وهذه الإرادة هي التي تخصّص كلام الله ليكون أمراً أو نهياً أو إخباراً و ولولا كونه تعالى مريداً لما وقع منه الأمر أمراً ولا الخبر خبراً ، فوقوع الكلام على إحدى هذه الوجوه يدل على كونه تعالى مريداً(٣) .
____________________
١ - انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : ٢٦ - ٢٧.
الملخّص في أصول الدين ، الشريف المرتضى : الجزء الثالث ، باب الكلام في الإرادة وما يتعلّق بها ، ص٣٨٥ - ٣٨٦.
٢ - انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : ٢٦.
تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، ص ٢٨١ تجريد الاعتقاد ، نصيرالدين الطوسي : المقصد الثالث ، الفصل الأوّل ، ص ١٩٢.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث الرابع ، ص ٨٩.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة الرابعة ، ص ٤٠١ - ٤٠٢.
اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري : اللامع الثامن ، المرصد الثاني ، الفصل الأوّل ، ص ٢٠١.
٣ - انظر : الملخّص في أصول الدين ، الشريف المرتضى ، الجزء الثالث ، باب : الكلام في الإرادة ، ص ٣٥٧.
رسائل الشريف المرتضى : ج ١ ، رسالة (٨) ، المسألة الرابعة ، ص ٣٧٦.
شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى : كونه تعالى مريداً وكارهاً ، ص ٥٦.
الاقتصاد ، الشيخ الطوسي : القسم الأوّل ، الفصل الثاني ، ص ٥٨.
المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي : ج ١ ، القول في كونه تعالى مريداً ، ص ٦٤.
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطب الثاني ، ص ٥٠.
معنى إرادة الله التشريعية أي : معنى إرادة الله لأفعال الإنسان الاختيارية :
إرادة الله لأفعال عباده تعني أنّه تعالى يطلب منهم أداء هذه الأفعال على وجه الاختيار ، ( لا على نحو الحتم والإجبار والاضطرار )(١) .
حديث شريف :
قال الإمام الرضاعليهالسلام حول إرادة الله ومشيئته في أفعال العباد : ( أمّا الطاعات فإرادة الله ومشيّته فيها الأمر بها ، والرضا لها ، والمعاونة عليها ، وإرادته ومشيّته في المعاصي النهي عنها ، والسخط لها ، والخذلان عليها )(٢) .
معنى إرادة الله التكوينية
أي : معنى إرادة الله لأفعال نفسه :
الرأي الأوّل : تفسير الإرادة بتنزيه الأفعال عن السهو والعبث
ذهب البعض(٣) إلى أنّ المقصود من وصفه تعالى بأنّه " مريد " بيان هذه الحقيقة ، بأنّه تعالى منزّه في أفعاله عن صفة الساهي والعابث ، وبيان أنّه غير مغلوب ولا مستكره في أفعاله(٤) .
____________________
١ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٥٦: باب الاستطاعة ، ذيل ح ٣ ، ص ٣٣٧.
النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : ٢٥.
أوائل المقالات ، الشيخ المفيد : القول (٩) ، ص ٥٣. كنز الفوائد ، أبو الفتح الكراجكي : ج١ ، القول في المريد ، ص ٨٣. المسلك في أصول الدين ، المحقّق الطوسي : النظر الأوّل ، المطلب الثاني ، ص ٥٠. مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الرابع ، البحث السابع ، ص ١٧١. إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث العدل ، كونه تعالى مريداً ، ص ٢٦٩.
٢ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٥ ، ب ١ ، ح ١٨ ، ص ١٢.
٣ - ينسب هذا القول إلى " الحسين بن محمّد النجار " من متكلّمي أهل السنة ، توفّي حوالي سنة ٢٣٠ ه-.
انظر : الملل والنحل ، أبو الفتح محمّد بن عبدالكريم الشهرستاني : ج ١ ، الباب الأوّل ، الفصل الثاني : الجبرية ، ٢ - النجارية ، ص ٨٩.
٤ - انظر : كنز الفوائد ، أبو الفتح الكراجكي : ج ١ ، فصل في المقدّمات في صناعة الكلام ، ص ٣١٧.
المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي : ج ١ ، القول في كونه تعالى مريداً ، ص ٦٢.
تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، ص ٢٨١.
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثاني ، ص ٥٠.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة الرابعة ، ص ٤٠٢.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الرابع ، البحث الثالث ، ص ١٧١.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، إثبات الإرادة لله تعالى ، ص ٢٠٥.
يلاحظ عليه :
يبيّن هذا المعنى أوصافاً ملازمة لمعنى " الإرادة " ، ولا تعتبر هذه الأوصاف معنىً للإرادة نفسها(١) .
الرأي الثاني : تفسير الإرادة بالعلم(٢)
الإرادة هي علم الله الموجب لإيجاد فعل معيّن بسبب اشتمال ذلك الفعل على مصلحة داعية إلى إيجاده.
بعبارة أخرى :
معنى كونه تعالى مريداً ، أي : عالماً بأنّ المصلحة والحكمة تقتضي صدور هذا الفعل منه بصورة محدّدة ووقت معيّن ، فيدعوه هذا العلم إلى إيجاد هذا الفعل بتلك الصورة وفي ذلك الوقت دون غيره.
توضيح ذلك :
إنّ علم الله بوجود المصلحة في صدور فعل معيّن هو الذي يدعو الله إلى إيجاده ، فيوجد الفعل بصورة دون غيرها وفي الوقت دون غيره ، لعلمه تعالى بأنّ هذا الفعل يشتمل على المصلحة في تلك الصورة وذلك الوقت دون غيره.
____________________
١ - انظر : إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، إثبات الإرادة لله تعالى ، ص ٢٠٥.
٢ - انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : ٢٥.
عجالة المعرفة ، محمّد بن سعيد الراوندي : مسألة في الإرادة ، ص ٣١.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث الرابع ، ص ٨٨ - ٩٨.
إشراق اللاهوت ، عبدالمطلب العبيدلي : المقصد الخامس ، المسألة السادسة ، ص ٢١٥.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، تحقيق حول الإرادة والكراهة ، ص ١١٨ - ١١٩ إثبات الإرادة لله تعالى ، ص ٢٠٤.
تفصيل ذلك :
الإرادة - كما ورد في تعريفها - عبارة عن " مخصّص ".
ويقوم هذا المخصّص بعملية تحديد الفعل وزمانه وكيفية وقوعه.
وبيان ذلك - كما ذكرناه سابقاً - :
من يمتلك القدرة يكون بين أمرين :
١ - إجراء القدرة ( ترجيح جانب الفعل ).
٢ - عدم إجراء القدرة ( ترجيح جانب الترك ).
ويقتضي إجراء القدرة إلى :
١ - تحديد الحالة ؛ لأنّ الفعل يمكنه أن يتّصف بحالات كثيرة.
٢ - تحديد الوقت ؛ لأنّ الفعل لابدّ أن يتحقّق في وقت دون وقت.
وتخصيص الفعل بحالة دون غيرها وبوقت دون غيره يحتاج إلى مخصّص ، وهذا " المخصّص " عبارة عن علمه تعالى بالفعل والوجه والوقت المشتمل على المصلحة ، فيكون هذا " العلم " سبباً لصدور الفعل وتخصيصه بوجه دون وجه ووقت دون وقت ، فيكون هذا " العلم " هو " الإرادة".
تنبيهات :
١ - ليس المقصود من " العلم " في هذا المقام " العلم المطلق " ؛ لأنّ الله تعالى يعلم بعلمه المطلق كلّ شيء ، ولكنّه لا يريد كلّ شيء.
وإنّما المقصود هو العلم الخاص ، وهو العلم باشتمال بعض الأفعال على الخير والمصلحة.
٢ - لا يخفى بأنّ المصلحة التي تدعو الله إلى الفعل ، ترجع إلى العباد ولا ترجع إلى الله عزّ وجلّ ؛ لأنّ الله تعالى غني بالذات ، وهو منزّه عن الاحتياج.
٣ - تكون الإرادة - وفق هذا المعنى - من صفات الله الذاتية ؛ لأنّ مرجعها هو " العلم " ، والعلم من صفات الله الذاتية ، فتكون الإرادة من صفات الله الذاتية(١) .
____________________
١ - انظر : قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث الرابع ، ص ٨٩.
الأنوار الجلالية ، مقداد السيوري : الفصل الأوّل ، ص ٨٩.
٤ - يعود سبب القول بهذا المعنى إلى الهروب من توصيف الله بأمر حادث ، يستلزم الفعل والانفعال كما هو الحال في الإرادة الإنسانية.
مناقشة الرأي الثاني ( تفسير الإرادة بالعلم ) :
١ - لا يوجد شك في أنّ الله تعالى عالم بذاته ، وعالم بالأفعال التي يؤدّي فعلها إلى فعل الأصلح والأنفع ، ولكن تفسير الإرادة بالعلم يؤدّي إلى إنكار حقيقة الإرادة ، ويؤدّي إلى القول بأنّ الله تعالى موجود غير إرادي ، يعمل وفق البرمجة المسبقة الكامنة في ذاته ، والله تعالى منزّه عن ذلك(١) .
٢ - الإرادة صفة مخصّصة لأحد المقدورين ، أي : الفعل والترك ، وهذه الصفة مغايرة للعلم.
دليل ذلك :
مفهوم " العلم " يختلف عن مفهوم " الإرادة "(٢) .
والعلم على رغم كونه مخصّصاً لأحد الطرفين ، ولكن لا يصح تسميته بالإرادة وإن اشترك مع الإرادة في النتيجة ، وهي تخصيص الفاعل قدرته بأحد الطرفين ؛
لأنّ الاشتراك في النتيجة لا يوجب أن يقوم " العلم " مقام " الإرادة ".
وما يمكن قوله :
إنّ العلم من الأمور القريبة للإرادة ،
والإرادة من الأمور القريبة للفعل(٣) .
٣ - سئل الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : لم يزل الله مريداً ؟ فقالعليهالسلام : ( إنّ
____________________
١ - انظر : الإلهيات ، محاضرات ، جعفر سبحاني ، بقلم : حسن محمّد مكي العاملي : ١ / ١٦٩.
٢ - أشار العلاّمة محمّد حسين الطباطبائي إلى هذه الحقيقة بأنّنا إذا أردنا توصيفه تعالى بالإرادة - بعد تجريدها من النقائص - فلا يمكننا تطبيقها على علمه تعالى ؛ لأنّ ماهية وحقيقة العلم غير ماهية الإرادة.
انظر : نهاية الحكمة ، العلاّمة محمّد حسين الطباطبائي : المرحلة الثانية عشر ، الفصل الثالث عشر: في قدرة الله تعالى ، ص ٢٦٣.
٣ - انظر : الإلهيات ، محاضرات ، جعفر سبحاني : بقلم : حسن محمّد مكي العاملي : ١ / ١٦٩.
المريد لا يكون إلاّ لمراد معه ، لم يزل الله عالماً قادراً ثمّ أراد )(١) .
ويدل هذا الحديث بصورة واضحة على أنّ " الإرادة " غير " العلم " و " القدرة ".
٤ - سأل أحد الأشخاص الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام :
( علم الله ومشيئته هما مختلفان أو متّفقان ؟ فقالعليهالسلام : العلم ليس هو المشيئة ، ألا ترى أنّك تقول : سأفعل كذا إن شاء الله ، ولا تقول : سأفعل كذا إن علم الله ، فقولك : إن شاء الله دليل على أنّه لم يشأ فإذا شاء كان الذي شاء كما شاء ، وعلم الله سابق للمشيئة )(٢) .
تنبيه :
لا يصح القول بأنّ حقيقة " إرادة الله " نفس " علم الله " بذريعة أنّ صفات الله الذاتية عين ذاته.
دليل ذلك :
ليس المقصود من كون صفات الله الذاتية عين ذاته إرجاع مفهوم كلّ واحدة من هذه الصفات إلى الأخرى ، وأن يقال - على سبيل المثال - علمه قدرته ، وقدرته حياته و ؛ لأنّ لازم ذلك إنكار جميع هذه الصفات ، بل المقصود إثبات حقيقة بسيطة اجتمعت فيها الحياة والعلم والقدرة ، من دون أن يحدث في الذات تكثّر وتركّب(٣) .
النتيجة :
الإرادة صفة غير العلم : وهي صفة زائدة على ذاته تعالى.
الرأي الثالث حول معنى إرادة الله لأفعال نفسه : تفسير الإرادة بالخلق والإيجاد
إرادة الله لشيء تعني نفس عملية الخلق والإيجاد لذلك الشيء.
فعندما نقول : أراد الله شيئاً ، أي : خلقه وأوجده.
____________________
١ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب : الإرادة أنّها من صفات الفعل ، ح ١ ، ص ١٠٩.
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ١١ ، ح ١٦ ، ص ١٤٢.
الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب : الإرادة أنّها من صفات الفعل ، ح ٢ ، ص ١٠٩.
٣ - انظر : معارف القرآن ، الجزء الأوّل : في معرفة الله ، محمّد تقي المصباح ، تعريب : محمّد عبدالمنعم الخاقاني : إرادة الله وكلامه ، ص ١٦٥.
وعندما نقول : أراد الله كذا ولم يرد كذا ، أي : فعل كذا ولم يفعل كذا(١) .
قال تعالى :( إنّما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) [ النحل : ٨٥ ](٢)
قال الشيخ المفيد : " إنّ إرادة الله تعالى لأفعاله هي نفس أفعاله ، وبهذا جاءت الآثار عن أئمة الهدى من آل محمّد "(٣) .
حديث شريف :
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( الإرادة من المخلوق الضمير وما يبدو له بعد ذلك من الفعل ، وأمّا من الله عزّ وجلّ فإرادته إحداثه لا غير ذلك ؛ لأنّه لا يروّي(٤) ولا يهمّ ولا يتفكّر ، وهذه الصفات منفية عنه ، وهي من صفات الخلق ،
فإرادة الله هي الفعل لا غير ذلك ،
يقول له : كن فيكون بلا لفظ ولا نطق بلسان ، ولا همّة ، ولا تفكّر ، ولا كيف لذلك ، كما أنّه بلا كيف )(٥) .
الآيات القرآنية المشيرة إلى إرادة الله التكوينية :
١ -( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ کُنْ فَيَکُونُ ) [ يس : ٨٢ ]
٢ -( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ کُنْ فَيَکُونُ ) [ النحل : ٤٠ ]
٣ -( وَ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ ) [ الرعد : ١١ ]
٤ -( إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ کَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ
____________________
١ - انظر : كنز الفوائد ، أبو الفتح الكراجكي : ج ١ ، القول في المريد ، ص ٨٣.
٢ - تنبيه : ليس المقصود من هذه الآية أنّه تعالى يخاطب شيء غير موجود ، بل الآية من باب المجاز ، والمقصود أنّه تعالى إذا أراد شيئاً فإنّ هذا الشيء سيوجد بسهولة ومن دون أي مانع أو تأخير.
انظر : كنز الفوائد ، أبو الفتح الكراجكي : ج ١ ، فصل مما ورد في القرآن في هذا المعنى ، ص ٥٧ - ٥٨.
٣ - أوائل المقالات ، الشيخ المفيد : القول (١٩) : القول في الصفات ، ص ٥٣.
٤ - روّى في الأمر : نظر فيه وتفكّر.
٥ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ١١ ، ح ١٧ ، ص ١٤٢.
مُمْسِکَاتُ رَحْمَتِهِ ) [ الزمر : ٣٨ ]
٥ -( قُلْ فَمَنْ يَمْلِکُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِکَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) [ المائدة : ١٧ ]
الآيات القرآنية المشيرة إلى إرادة الله التشريعية :
-( تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَکِيمٌ ) [ الأنفال : ٦٧ ]
-( وَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْکُمْ وَ يُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ) [ النساء : ٢٧ ]
أقسام إرادة الله التكوينية :
١ - زمن صدور الإرادة وتحقّقها واحد
أي : تصدر الإرادة الآن لتتحقّق في نفس وقت صدورها ( ومعنى صدورها نفس تحقّقها في الواقع الخارجي ).
مثال ذلك قوله تعالى :( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ کُنْ فَيَکُونُ ) [ يس : ٨٢ ]
٢ - زمن صدور الإرادة وتحقّقها مختلف
أي : تصدر الإرادة الآن لتتحقّق في المستقبل ( ومعنى صدورها تسجيلها في اللوح المحفوظ أو لوح المحو والإثبات )
وتنقسم هذه الإرادة إلى قسمين :
١ - إرادة حتم ( الإرادة الحتمية ) : وهي الإرادة التي لا يطرء عليها تغيير ، ولابدّ من تحقّقها في المستقبل.
٢ - إرادة عزم ( الإرادة غير الحتمية ) : وهي الإرادة التي قد يطرء عليها تغيير ، فيعتريها البداء ولا تتحقّق في المستقبل(١) .
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( إنّ لله إرادتين : إرادة حتم وإرادة عزم ، إرادة حتم لا تخطىء ،
____________________
١ - للمزيد راجع في هذا الكتاب : الفصل الثالث عشر ، المبحث الرابع والثامن.
وإرادة عزم تخطىء وتصيب(١) )(٢) .
____________________
١ - أي : إرادة عزم قد لا تقع وقد تقع.
٢ - بحار الأنوار ، العلامة المجلسي : ج ٥ ، ب ٣ ، ح ٧٣ ، ص ١٢٤.
المبحث السادس :ارادة الله صفة ذات أم صفة فعل
إنّ إرادة الله من صفات الله الفعلية ؛ لأنّ إرادة الله تعني قصده تعالى للفعل ، وهذا القصد لا ينفك عن الفعل.
تبيين فعلية صفة الإرادة :
١ - من مقاييس تمييز الصفات الذاتية عن الصفات الفعلية : الصفات الذاتية لا تقع في دائرة النفي والإثبات.
فلا يقال : إنّ الله يعلم ولا يعلم.
ولا يقال : إنّ الله قادر وغير قادر.
ولكن الصفات الفعلية تقع في دائرة النفي والإثبات.
فيقال : إنّ الله يعطي ولا يعطي.
ويقال : إنّ الله يرزق ولا يرزق.
وعلى ضوء هذا المقياس نجد بأنّ الإرادة تقع في دائرة النفي والإثبات ، ويقال : إنّ الله يريد كذا ولا يريد كذا.
فيثبت أنّ إرادة الله تعالى من صفات الله الفعلية.
٢ - من مقاييس تمييز الصفات الذاتية عن الصفات الفعلية : صفات الذات تُنتزع من الذات الإلهية مع قطع النظر عن مخلوقاته تعالى ، من قبيل : الحياة ، العلم ، القدرة.
وصفات الفعل تُنتزع من الأفعال الإلهية ، ولا يمكن نسبتها إلى الله إلاّ بعد لحاظ إحدى مخلوقاته تعالى(١) ، من قبيل : الخالق ، الرازق ، المدبّر.
____________________
١ - أي : تحكي هذه الصفات عن الأفعال الإلهية وكيفيتها.
والإرادة - في الواقع - تنتزع من الأفعال الإلهية ؛
لأنّ الإرادة تعني " الحدوث بعد العدم " و " الوجود بعد اللاوجود " ، وبهذا المعنى يستحيل أن تكون الإرادة وصفاً لذاته تعالى.
فيثبت أنّ الإرادة من صفات الله الفعلية ، وليست من صفات الله الذاتية.
الأحاديث الشريفة المبيّنة بأنّ الإرادة من صفات الله الفعلية :
١ - قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( المشيّة والإرادة من صفات الأفعال ، فمن زعم أنّ الله تعالى لم يزل مريداً فليس بموحّد )(١) .
٢ - سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : لم يزل الله مريداً ؟ فقالعليهالسلام : ( إنّ المريد لا يكون إلاّ لمراد معه ، لم يزل الله عالماً قادراً ثمّ أراد )(٢) .
٣ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( كان الله ، وهو لا يريد بلا عدد أكثر مما كان مريداً )(٣) .
ومن هذا المنطلق قال السيّد عبدالله شبّر :
" ورد في جملة من الأخبار عن الأئمة الأطهارعليهمالسلام الملك الغفّار ، أنّ إرادته عبارة عن إيجاده وإحداثه ، وأنّها من صفات الفعل الحادثة كالخالقية والرازقية ونحوها ، لا من صفات الذات بمعنى العلم بالأصلح "(٤) .
تنبيه :
لو كانت الإرادة قديمة ومن الصفات الذاتية ، فسيلزم ذلك قدم المرادات ، وهو باطل(٥) .
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٥٥: باب المشيئة والإرادة ، ح ٥ ، ص ٣٢٩.
٢ - الكافي ، الشيخ الكليني : كتاب التوحيد ، باب : الإرادة ، ح١ ، ص١٠٩.
التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ١١ ، ح ١٥ ، ص ١٤١.
٣ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٤ ، ب ٤ ، ح ١٧ ، ص ١٤٥.
٤ - حقّ اليقين ، عبدالله شبّر : ج ١ ، كتاب التوحيد ، الفصل الثالث ، الباب الأوّل ، ص ٥٤.
٥ - انظر : كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة الرابعة ، ص ٤٠٢.
إشراق اللاهوت ، عميدالدين العبيدلي : المقصد الثاني عشر ، المسألة الثالثة ، ص ٤٠٨.
النتيجة :
إنّ الإرادة من صفات الله الفعلية ، وهي حادثة.
وما هو من صفات الله الذاتية هو " الاختيار " بمعنى أنّه تعالى غير مضطر ولا مجبور.
المبحث السابع :خصائص ارادة الله تعالى
١ - العامل المؤثّر في حدوث الفعل هو القدرة فحسب.
والإرادة لا تؤثّر في حدوث الفعل ، وإنّما تؤدّي إلى إعمال القدرة في اتّجاه معيّن ، فتنطلق القدرة وتحقّق الفعل المقصود وفق الخصائص المطلوبة(١) .
٢ - لا يكون الله مريداً لشيء بإرادة أخرى ، ليحتاج في إرادته إلى إرادة أخرى.
دليل ذلك :
أوّلاً : يوجب احتياج الإرادة إلى إرادة أخرى تسلسل الإرادات إلى ما لا نهاية له ، وهذا محال ، فيثبت أنّ إرادة الله تصدر منه تعالى ، من دون احتياجها إلى إرادة أخرى(٢) .
ثانياً : لا يحتاج تحقّق الإرادة إلى وجود إرادة أُخرى ؛ لأنّ الإرادة لا تقع على وجوه مختلفة لتحتاج إلى ما يؤثّر في وقوعها على بعض تلك الوجوه(٣) .
ثالثاً : لا تتحقّق الإرادة لغرض يخصّها ، وإنّما تتحقّق والمراد والمقصود شيء آخر ، فلا تكون الإرادة مُرادة ليتطلّب تحقّقها إلى إرادة أخرى ، وإنّما المقصود هو ذلك الشيء فيحتاج تحقّقه إلى إرادة(٤) .
____________________
١ - انظر : الملخّص ، الشريف المرتضى : الجزء الثالث ، ص ٣٤٧.
٢ - انظر : مسألة في الإرادة ، الشيخ المفيد : ٧ - ٨.
الملخّص ، الشريف المرتضى : الجزء الثالث ، ص ٣٤٧.
غنية النزوع ، حمزة الحلبي : ج ٢ ، باب الكلام في التوحيد ، الفصل الرابع ، ص ٤٣.
٣ - انظر : رسائل الشريف المرتضى : جوابات المسائل الطرابلسيات الثالثة ، المسألة السابعة ، ص ٣٨٩.
٤ - انظر : الملخص ، الشريف المرتضى : الجزء الثالث ، ص ٣٤٧.
غنية النزوع ، حمزة الحلبي : ج ٢ ، باب الكلام في التوحيد ، الفصل الرابع ، ص ٤٤.
المبحث الثامن :حسن وقبح الارادة
١ - الإرادة لا تمتلك " الحسن " أو " القبح " الذاتي.
ولا تؤثّر في حسن وقبح الأشياء ،
وإنّما تترك الإرادة الأثر في وقوع الشيء على بعض الوجوه.
وهذه الوجوه :
قد تكون حسنة ،
وقد تكون قبيحة.
فتتصف الإرادة عن طريق هذه الوجوه بالحسن أو القبح(١) .
مثال ذلك :
إنّ " الخبر " بذاته فاقد للحسن أو القبح ،
وإنّما يكون حسنه وقبحه بالواسطة.
فإذا كان " الخبر " مطابقاً للواقع ، كان صدقاً وحسناً.
وإذا كان " الخبر " مخالفاً للواقع ، كان كذباً وقبيحاً(٢) .
٢ - كلّ " إرادة " تعلّقت بمراد حسن فهي حسنة.
ولكن يشترط في هذا المقام " انتفاء وجوه القبح " ؛ لأنّ " المراد " قد يكون
____________________
١ - انظر : الملخّص ، الشريف المرتضى : الجزء الثالث ، فصل فيما يؤثّر من الإرادات ولا يؤثّر ، ص ٣٤٨.
٢ - انظر : المصدر السابق.
" حسناً " ، وتكون الإرادة قبيحة ، من قبيل : إرادة الفعل الحسن ممن لا يطيقه(١) .
٣ - إرادة القبيح قبيحة ؛ لأنّ الذمّ يتعلّق بمريد القبيح كما يتعلّق بفاعله(٢) .
____________________
١ - انظر : المصدر السابق ، ص ٣٤٧.
٢ - انظر : الملخّص ، الشريف المرتضى : الجزء الثالث ، ص ٣٨٦.
رسائل الشريف المرتضى : جوابات المسائل الطبرية ، المسألة الثانية ، ص ١٤١.
تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي : مسائل العدل ، ص ١٠٥.
الاقتصاد ، الشيخ الطوسي ، القسم الثاني ، الفصل الأوّل ، ص٨٩.
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : الرسالة الماتعية ، الفصل الثاني ، ص ٣٠٠.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الخامسة ، الركن الأوّل ، البحث السادس ، ص ١١٢.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثالث ، المسألة الخامسة ، ص ٤٢٢.
الاعتماد ، مقداد السيوري : الركن الثاني : في العدل ، ص ٧٦.
المبحث التاسع :عدم تعلّق ارادة الله بأفعال العباد القبيحة
قال الشيخ المفيد : " إنّ الله تعالى لا يريد إلاّ ما حسن من الأفعال ، ولا يشاء إلاّ الجميل من الأعمال ، ولا يريد القبائح ، ولا يشاء الفواحش ، تعالى الله عمّا يقول المبطلون علوّاً كبيراً "(١) .
قال السيّد المرتضى : " إنّ الله تعالى لم يرد شيئاً من المعاصي والقبائح ، ولا يجوز أن يريدها ولا يشاءها ولا يرضاها ، بل هو تعالى كاره وساخط لها "(٢) .
قال سديدالدين الحمصي : " ذهب جماهير أهل العدل إلى أنّه تعالى لا يريد شيئاً من القبائح والفواحش والمعاصي ، ولم يحبّها ولم يرض بها ، بل كرهها "(٣) .
أدلة عدم تعلّق إرادة الله بأفعال العباد القبيحة :
١ - نهى الله العباد عن القيام ببعض الأفعال ،
وهذا ما يكشف كراهته تعالى لهذه الأفعال.
وليس من المعقول أن يكره الله صدور فعل من العبد ، ثمّ تتعلّق إرادته تعالى به ؛
لأنّ تعلّق الإرادة والكراهة بشيء واحد في آن واحد محال.
فيثبت عدم تعلّق إرادة الله بما نهى العباد عنه وكرهه لهم.
____________________
١ - تصحيح اعتقادات الإمامية ، الشيخ المفيد : فصل في الإرادة والمشيئة ، ص ٤٩ ، ٥٠.
٢ - رسائل الشريف المرتضى : جوابات المسائل الطبرية ، المسألة الثانية ، ص ١٤٠.
٣ - المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في أنّه تعالى لا يريد شيئاً من القبائح والفواحش ، ص ١٧٩.
أي : لا تتعلّق إرادة الله بأفعال العباد القبيحة(١) .
٢ - لو كان الله مريداً لفعل القبائح التي تصدر من العباد ، لكان العاصي مطيعاً لله بفعل القبائح ؛ لأنّ العاصي يكون - في حالة عصيانه - مؤدّياً لما أراده الله ، فيكون بذلك مطيعاً لله(٢) .
٣ - من مستلزمات الإرادة : الحبّ والرضا.
فلو جاز أن تتعلّق إرادة الله بأفعال العباد القبيحة ، جاز أن يحبّ الله هذه الأفعال القبيحة ويرضى بها.
فلمّا لم يجز أن يحبّ الله هذه الأفعال أو يرضى بها ، لم يجز أن تتعلّق إرادته بها(٣) .
٤ - إذا كان مرجع الإرادة هو الداعي ، فلا شك في أنّه تعالى لا داعي له إلى فعل القبيح ، فلا تتعلّق إرادته بالفعل القبيح.
وإذا كان مرجع الإرادة أمراً زائداً على الداعي ، فلا يمكن أيضاً نسبة إرادة القبيح إلى الله ؛ لأنّ إرادة القبيح قبيحة ، وهي بمنزلة فعل القبيح ، والله تعالى منزّه عن ذلك.
وبهذا يثبت أنّه تعالى لا يريد شيئاً من القبائح التي تصدر من العباد(٤) .
٥ - لا يرضى الله أن يُفترى عليه أو يُكذّب أنبياؤه ، فكيف يريد ذلك ؟ ! فيثبت أنّ
____________________
١ - انظر : الملخّص ، الشريف المرتضى : الجزء الثالث ، ص ٣٨٧.
الاقتصاد ، الشيخ الطوسي : القسم الثاني ، الفصل الأوّل ، ص ٨٩.
غنية النزوع ، حمزة الحلبي : ج ٢ ، باب الكلام في العدل ، ص ٧٦.
المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في أنّه تعالى لا يريد شيئاً من القبائح والفواحش ، ص ١٨٠.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث العدل ، كونه تعالى مريداً للطاعات و ، ص ٢٦٩.
٢ - انظر : المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في أنّه تعالى لا يريد شيئاً من القبائح والفواحش ، ص ١٨٠.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثالث ، المسألة الخامسة ، ص ٤٢٣.
الرسالة السعدية ، العلاّمة الحلّي : القسم الأوّل ، المسألة السادسة ، البحث الثالث ، ص ٦٠.
٣ - انظر : رسائل الشريف المرتضى : ج ٢ ، باب : الكلام في الإرادة وحقيقتها ، ص ٢٣١.
٤ - انظر : المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في أنّه تعالى لا يريد شيئاً من القبائح والفواحش ، ص ١٧٩.
إرادة الله ، لا تتعلّق بأفعال العباد القبيحة(١) .
٦ - " إن قالوا : إنّ الذي نريده من الكفّار الإيمان.
قيل لهم : فأيّهما أفضل ما أردتم من الإيمان أو ما أراد الله من الكفر ؟
فإن قالوا : ما أراد الله خير مما أردنا من الإيمان.
فقد زعموا أنّ الكفر خير من الإيمان !
وإن قالوا : إنّ ما أردنا من الإيمان خير مما أراده الله من الكفر.
فقد زعموا أنّهم أولى بالخير والفضل من الله !
وكفاهم بذلك خزياً "(٢) .
وبهذا يثبت عدم تعلّق إرادة الله بأفعال العباد القبيحة.
بعض الآيات القرآنية التي تنزّه الله عن إرادة الفعل القبيح :
١ -( شَهِدَ اللهُ أَنّهُ لا إَلهَ إلاّ هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُولُوا العلِمِ قائِماً بِالقِسطِ ) [ آل عمران : ١٨]
٢ -( وَنَضَعُ الْمَوازِينَ القِسطَ لِيَومِ القِيامَةِ فَلا تُظلَمُ نَفسٌ شَيئاً ) [ الأنبياء : ٤٧ ]
٣ -( إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيئاً وَلكِنَّ النّاسَ أَنفُسَهم يَظلِمُون ) [ يونس : ٤٤ ]
٤ -( فَما كانَ اللهُ لِيَظْلمَهُم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُم يَظلِمُون ) [ التوبة : ٧٠ ]
٥ -( إنَّ اللهَ لا يَظلمُ مِثقالَ ذَرَّة ) [ النساء : ٤٠ ]
٦ -( ولا يَظلِمُ رَبُّكَ أَحداً ) [ الكهف : ٤٩ ]
٧ -( وَما رَبُّكَ بِظَلام للعَبيد ) [ فصّلت : ٤٦ ]
____________________
١ - انظر : رسائل الشريف المرتضى : ج ٢ ، باب : الكلام في الإرادة وحقيقتها ، ص ٢٣١.
٢ - رسائل الشريف المرتضى : ج ٢ ، فصل : الإيمان وحقيقة المشيئة ، ص ٢٣٩.
٨ -( وَمَا اللهُ يُريدُ ظُلماً للعالَمينَ ) [ آل عمران : ١٠٨ ]
المبحث العاشر :كراهة الله لبعض الافعال
معنى الكراهة :
الكراهة هي القصد والميل القاطع نحو ترك الفعل.
الداعي إلى الكراهة :
العلم باشتمال الفعل أو اشتمال بعض خصائصه على المفسدة ،
وهذا العلم هو الصارف عن إيجاد الفعل أو إيجاده وفق تلك الخصائص(١) .
أقسام كراهة الله لصدور بعض الأفعال :(٢)
١ - كراهته تعالى لصدور بعض الأفعال من نفسه.
٢ - كراهته تعالى لصدور بعض الأفعال من عباده.
تنبيهات :
١ - لا يصح أن يكره الله شيئاً من أفعاله ؛ لأنّ كراهته تعالى لأيّ فعل تقتضي قبح ذلك الفعل ، والله تعالى منزّه عن فعل القبيح(٣) (٤)
____________________
١ - انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٥ - ٢٦.
قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث الرابع ، ص ٨٨ - ٨٩.
عجالة المعرفة ، محمّد بن سعيد الراوندي : مسألة في الإرادة والاختيار ، ص ٣١.
الاعتماد ، مقداد السيوري : الركن الأوّل ، ص ٦٧.
٢ - انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٥.
٣ - انظر : الملخّص ، الشريف المرتضى ، الجزء الثالث ، ص ٣٨٥.
تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي : مسائل العدل ، ص ١٠٣.
٤ - وإنّما يصح من الإنسان أن يكره بعض أفعاله ليصرف نفسه بذلك عن فعلها ، وليوطّن نفسه على أن لا يفعلها ، وكلّ ذلك لا يجوز عليه تعالى.
٢ - لا يصح أن يكره الله شيئاً مما أراده من أفعال عباده وأمرهم بها ؛ لأنّ كراهيته تعالى لشيء تستلزم قبح ذلك الشيء ، وقد علمنا حسن هذه الأفعال نتيجة أمر الله تعالى بها(١) .
٣ - تتمثّل كراهة الله لبعض أفعال عباده في نهيه إيّاهم عنها ، ليتركوها على وجه الاختيار(٢) .
____________________
١ - انظر : تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي : مسائل العدل ، ص ١٠٤.
٢ - انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٦.
الاعتماد ، مقداد السيوري : الركن الأوّل ، ص ٦٧.
الفصل الثالث عشر :البداء
خصائص مسألة البداء
أهمية الاعتقاد بالبداء
معنى البداء
بيان كيفية وأسباب وقوع البداء
أسباب التسمية بالبداء
المقصود من " الظهور لله تعالى "
صلة البداء بالقضاء الإلهي
البداء ولوح المحو والإثبات
أمثلة وقوع البداء لله تعالى
أسباب أهمية البداء
البداء والردّ على مقولة اليهود
البداء ومشكلة عدم تحقّق إخبار الأنبياء بالمغيّبات
مستثنيات البداء
المشابهة والفرق بين البداء والنسخ
المبحث الأوّل :خصائص مسألة البداء
١ - وقعت مسألة البداء موقع سوء الفهم عند أهل السنة ، وفهم هؤلاء من البداء ما لم يقصده أتباع مذهب أهل البيتعليهمالسلام ، ولهذا جعل هؤلاء مسألة البداء ذريعة لشنّ الهجمات ضدّ مذهب أهل البيتعليهمالسلام .
٢ - أدّى الصراع العقائدي بين الشيعة ومخالفيهم حول مسألة البداء إلى اشتهار هذه المسألة، وتسليط المزيد من الأضواء عليها في الساحات العلمية وغير العلمية.
٣ - الأمر الباعث على الاستغراب حول مسألة البداء أنّها مسألة : يعتبرها أتباع مذهب أهل البيتعليهمالسلام من صميم الدين ! ويعتبرها أتباع مذهب أهل السنة عقيدة هدّامة للدين !
٤ - أكّد أهل السنة على إنكار عقيدة البداء ؛ لأنّهم ظنّوا بأنّها تستلزم اتّصاف الله تعالى بالجهل وخفاء الأمور عليه ، ويعود هذا الظن إلى عدم فهمهم الصحيح لهذه المسألة ، واكتفائهم بالمعنى اللغوي الظاهري لمصطلح البداء.
المبحث الثاني :أهمية الاعتقاد بالبداء
أكّد أئمة أهل البيتعليهمالسلام على أهمية الاعتقاد بالبداء أشدّ التأكيد بحيث ورد عن الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام :
١ - قالعليهالسلام : ) لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه ((١) .
٢ - وقالعليهالسلام : ( ما عُظِّم الله بمثل البداء )(٢) .
٣ - وقالعليهالسلام : ( ما عُبد الله بشيء مثل البداء )(٣) .
٤ - وقالعليهالسلام : ( ما بعث الله عزّ وجلّ نبيّاً حتّى أخذ عليه ثلاث خصال : ، أنّ الله يقدّم ما يشاء ، ويؤخّر ما يشاء )(٤) .
وسيتبيّن لاحقاً - بعد بيان معنى البداء - أسباب أهمية الاعتقاد بالبداء والفوائد المترتبة على الإيمان به.
____________________
١ - (٢ ) (٣ ) (٤ ) الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، باب البداء ، ح ١٢ ، ١ ، ٣ ، ص ١٤٦ - ١٤٨ التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٥٤ ، ح ٧ ، ٢ ، ١ ، ٣ ، ص ٣٢٤ - ٣٢٥.
المبحث الثالث: معنى البداء
معنى البداء(١) في الاصطلاح اللغوي :
البداء يعني الظهور.(٢) (٣)
قال الشيخ الصدوق : " البداء هو ظهور أمر ، يقول العرب : بدا لي شخص في طريقي ، أي : ظهر "(٤) .
قال الشيخ المفيد : " الأصل في البداء هو الظهور "(٥) .
قال الشيخ الطوسي : " البداء حقيقة في اللغة هو الظهور "(٦) .
المعنى اللغوي للبداء في آيات القرآن الكريم :
١ -( بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا کَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ) [ الأنعام : ٢٨ ] أي : ظهر لهم.
٢ -( ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ) [ يوسف : ٣٥ ] أي : ظهر لهم.
٣ -( وَ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَ مَا تَکْتُمُونَ ) [ المائدة : ٩٩ ] أي : يعلم ما تظهرون.
____________________
١ - البداء مصدر بدا ، يبدو ، بدواً ( من الناقص الواوي ).
وليس من بدا بالهمز ( الذي يعني الابتداء ).
٢ - تنبيه : لا يكون " الظهور " إلاّ بعد " الخفاء " ، ولهذا فالمعنى الأدق للبداء هو " الظهور بعد الخفاء ".
٣ - انظر : لسان العرب ، ابن منظور : مادة (بدو) ، ١ / ٣٣٤.
مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني : مادة (بدا) ، ص ١١٣.
٤ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٥٤ ، ذيل ح ٩ ، ص ٣٢٧.
٥ - تصحيح اعتقادات الإمامية ، الشيخ المفيد : فصل في معنى البداء ، ص ٦٥.
٦ - الغيبة ، الشيخ الطوسي : ذيل ح ٤١٨ ، ص ٤٢٩.
٤ -( بَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا ) [ الجاثية : ٣٣ ] أي ، ظهر لهم.
٥ -( فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا ) [ الأعراف : ٢٢ ] أي ، ظهرت لهما.
معنى البداء في الاصطلاح العرفي :
اكتسب " البداء " في الاستعمال العرفي معنىً آخر له صلة بالظهور ، وهو كما أشار إليه الشيخ المفيد : " إنّ لفظ البداء أطلق في أصل اللغة ، على تعقّب الرأي والانتقال من عزيمة إلى عزيمة "(١) .
توضيح ذلك :
يقال : بدا له.
ويُقصد : أراد أن يقوم بفعل معيّن ، فظهر له أمراً دفعه إلى تغيير موقفه الذي كان يقصده فيما سبق.
وعلى ضوء هذا المعنى يكون المقصود من البداء المنسوب إلى الله هو : أن يقدّر الله شيئاً في المستقبل بالنسبة إلى العباد ، فيصدر بعد ذلك من العباد شيئاً يدعو الله إلى تغيير ما قدّره لهم.
وهل يصلح نسبة هذا المعنى إلى الله أم لا ؟
هذا ما سيتبيّن في البحوث القادمة.
____________________
١ - تصحيح اعتقادات الإمامية ، الشيخ المفيد : فصل في معنى البداء ، ص ٦٧.
المبحث الرابع :بيان كيفية وقوع البداء في أفعال الله وأسباب ذلك
إذا أراد الله وقوع فعل من أفعاله في المستقبل ، فستتجلّى هذه الإرادة الإلهية في الواقع الخارجي على شكل " تقدير " يتمّ تثبيته في " لوح المحو والإثبات ".
وبعد ذلك :
توجد مرحلة بين " ما قدّر الله وقوعه " وبين " تحقّق هذا التقدير " ، وفي هذه المرحلة لا يلزم على الله أن يحقّق ما قدّر وقوعه ، بل الله مخيّر بعد ذلك :
بين " تحقّق " هذا التقدير.
وبين " عدم تحقّق " هذا التقدير.
فإذا حقّق الله ما قدّره ، وأبقاه على ما كان عليه ، ولم يغيّره بتقدير آخر ، سُمّي هذا الأمر ب- " الإمضاء ".
وإذا لم يحقّق الله ما قدّره ، ولم يبقه على ما كان عليه ، وغيّره بتقدير آخر ، سُمّي هذا الأمر ب- " البداء ".
بعبارة أخرى :
" الإمضاء " ، عبارة عن إبقاء التقدير الأوّل على ما كان عليه ، وعدم استبداله بتقدير آخر ، وإيصال التقدير الأوّل إلى مرحلة التنفيذ.
و " البداء " ، عبارة عن عدم إبقاء التقدير الأوّل على ما كان عليه ، بل استبداله بتقدير آخر ، وإيصال التقدير الثاني إلى مرحلة التنفيذ.
فقوله تعالى :( يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ ) [ الرعد : ٣٩ ]
( يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ ) هو البداء.
( وَ يُثْبِتُ ) هو الإمضاء.
وإذا أمضى الله شيئاً فلا بداء بعد ذلك.
إذ لا معنى بعد وقوع الفعل أن نقول بأنّ هذا الفعل هل سيقع أو لا يقع ،
ولهذا قال الإمام علي بن موسىعليهالسلام : ( فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء )(١) .
أسباب تغيير التقدير الإلهي إزاء العباد :
لا يتعامل الله مع العباد وفق مشيئة أو إرادة محدّدة مسبقاً ، أو قضاء وقدر غير قابل للتغيير ، بل يتّخذ الله دائماً إزاء العباد المواقف المنسجمة مع المتطلّبات الجديدة.
وقد جعل الله لأفعال العباد الدور الكبير في كيفية تعامله معهم ،
ومن هذا المنطلق يغيّر الله ما قدّره للعباد بموازات تغييرهم لسلوكهم وتصرّفاتهم.
قال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) [ الرعد : ١١ ]
مثال ذلك :
١ - يشاء الله أن يرزق أحد العباد مالاً ، فيقدّر له أن يحصل على هذا الرزق بعد يومين ، وفي اليوم التالي يصدر من العبد فعلاً شيئاً ، فيغيّر الله تعالى تقديره السابق وفق المتطلّبات الجديدة ، ويقدّر حرمان هذا العبد من هذ الرزق أو يقدّر وصول هذا الرزق إلى هذا العبد بعد أربعة أيام.
٢ - يشاء الله أن ينزل البلاء على أحد العباد ، فيقدّر أن يتحقّق نزول هذا البلاء بعد يومين ، وفي اليوم التالي يتوسّل هذا العبد بالدعاء ويسأل الله أن يرحمه برحمته الواسعة ، فيغيّر الله تبعاً لذلك ما قدّره لهذا العبد ، ويستبدل تقديره السابق بتقدير جديد منسجم مع المتطلّبات الجديدة.
ولهذا :
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( الدعاء يردّ القضاء بعد ما أُبرم
____________________
١ - الكافي : الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب البداء ، ح ١٦ ، ص ١٤٩.
إبراماً )(١) .
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( عليكم بالدعاء ، فإنّ الدّعاء لله والطلب إلى الله يردّ البلاء وقد قدّر وقضي ولم يبق إلاّ إمضاؤه )(٢) .
____________________
١ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ٢ ، باب : إنّ الدعاء يردّ البلاء والقضاء ، ح ٧ ، ص ٤٧٠.
٢ - المصدر السابق : ح ٨.
المبحث الخامس :أسباب التسمية بالبداء
الرأي الأوّل :
نسبة " البداء " إلى الله نسبة مجازية.
والمقصود من " البداء " هو " الإبداء " بمعنى " الإظهار ".
أي : يظهر من أفعال الله للعباد ما كان خافياً عنهم ، وما لم يتوقّعوه ، ولم يكن في حسبانهم لعدم اطّلاعهم على علله وأسبابه.
قال الشيخ المفيد :
إنّ " اللام " في مقولة " بدا لله " بمعنى " من ".
أي : بدا من الله للناس.
يقول العرب : قد بدا لفلان عمل حسن أو بدا له كلام فصيح ،
كما يقولون : بدا من فلان كذا ، فيجعلون " اللام " مقام " من " ،
فقولهم " بدا لله " ، أي : بدا من الله سبحانه(١) .
قال الشيخ الطوسي :
" إنّ البداء في اللغة هو الظهور ، فلا يمتنع أن يظهر لنا من أفعال الله تعالى ما كنّا نظن خلافه أو نعلم ولا نعلم شرطه "(٢) .
يلاحظ عليه :
هذا المعنى بحدّ ذاته صحيح.
____________________
١ - انظر : تصحيح اعتقادات الإمامية ، الشيخ المفيد : فصل في معنى البداء ، ص ٦٥. ( بتصرّف ).
٢ - الغيبة ، الشيخ الطوسي : ذيل ح ٤١٨ ، ص ٤٣٠.
ولكن يستبعد أن يكون هذا المعنى هو المقصود من البداء الذي اهتمّ به أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، وأكّدوا عليه أشدّ التأكيد ، كما اتّضح من أحاديثهم الشريفة التي أشرنا إلى أهمّها في المبحث الثاني من هذا الفصل.
دليل ذلك :
إنّ ظهور ما لم يتوقّعه العباد من الله شيء طبيعي ، وذلك لقصور معرفة العباد وقلّة إلمامهم وعلمهم ، وقد قال تعالى :( وَ مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ) [ الإسراء : ٨٥ ]
ويتبيّن من هنا بأنّ المعنى المقصود من البداء ، أرفع شأناً من هذا المعنى الذي لا يدل إلاّ على قلّة مستوى علم الإنسان بالأفعال الإلهية.
الرأي الثاني :
البداء عبارة عن تغيير الله ما قدّره للعباد ، وقد سمّي البداء ب- " البداء " ؛ لأنّ هذا التغيير لا يتحقّق إلاّ بعد أن يظهر لله تعالى في الواقع الخارجي أمراً من العباد يدعوه إلى هذا التغيّر في التعامل معهم ، وسيتبيّن في المبحث اللاحق المقصود من " الظهور لله تعالى ".
المبحث السادس :المقصود من " الظهور لله تعالى "
معنى الظهور الذي لا يصح نسبته إلى الله تعالى(١) :
الظهور بعد الخفاء بمعنى العلم بعد الجهل.
دليل تنزيه الله تعالى عن هذا الظهور :
يتضمّن هذا المعنى اتّصاف الله بالجهل ، وخفاء الأمور عنه تعالى ، وعدم معرفته بعواقب الأمور ، ولكنّه عزّ وجلّ منزّه عن هذه الأمور ، وهو الذي لا تخفى عليه خافية ، وهو بكلّ شيء عليم.
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( ما بدا لله في شيء إلاّ كان في علمه قبل أن يبدو له )(٢) .
قالعليهالسلام : ( إنّ الله لم يُبد له من جهل )(٣) .
قالعليهالسلام : ( ليس شيء يبدو له إلاّ وقد كان في علمه ، إنّ الله لا يبدو له من جهل )(٤) .
سُئلعليهالسلام : " هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله بالأمس ؟ قالعليهالسلام : ( لا ، من قال هذا فأخزاه الله )(٥) .
قالعليهالسلام : ( من زعم أنّ الله عزّ وجلّ يبدو له في شيء لم يعلمه أمس فابرؤوا
____________________
١ - انظر : تصحيح اعتقادات الإمامية ، الشيخ المفيد : فصل في معنى البداء ، ص ٦٥.
٢ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب البداء ، ح ٩ ، ص ١٤٨.
٣ - المصدر السابق : ح ١٠ ، ص ١٤٨.
٤ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج٤ ، باب ٣ ، ح ٦٣ ، ص ١٢١.
٥ - الكافي ، الشيخ الكليني ، ج١ ، كتاب التوحيد ، باب البداء ، ح ١١، ص ١٤٨.
منه )(١) .
قالعليهالسلام : ( من زعم أنّ الله بدا له في شيء بداء ندامة ، فهو عندنا كافر بالله العظيم )(٢) .
معنى الظهور الذي يصح نسبته إلى الله تعالى :
الظهور بعد الخفاء بمعنى أن يجد الله تحقّق الشيء في الواقع الخارجي بعد عدمه.
توضيح ذلك :
ينقسم ظهور الأشياء لله إلى قسمين :
١ - ظهور في مقام العلم الذاتي لله تعالى.
وجميع الأشياء - على ضوء هذا المعنى - ظاهرة لله ، ولا يمكن استثناء شيء منها.
٢ - ظهور في مقام العلم الفعلي لله تعالى.
والعلم الفعلي عبارة عن ظهور الأشياء لله بعد تحقّقها في الواقع الخارجي.
والأشياء - على ضوء هذا المعنى - لا تكون ظاهرة لله في مقام الفعل إلاّ بعد تحقّقها في الواقع الخارجي ، أمّا الأشياء التي لم توجد بعد ، ولم يكن لها وجود في الواقع الخارجي فهي لا تتّصف بالظهور في مقام الفعل ، بل لا معنى للقول بأنّها ظاهرة في مقام الفعل ، وهي بعد معدومة وليس لها وجود في الواقع الخارجي(٣) .
بعبارة أخرى :
إنّ الأشياء الموجودة والمتحقّقة في الواقع الخارجي :
يعلمها الله تعالى بالعلم الذاتي ، ولها عنده تعالى ظهور في الواقع الخارجي.
____________________
١ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٤ ، باب ٣ ، ح ٣٠ ، ص ١١١.
٢ - الاعتقادات ، الشيخ الصدوق : باب الاعتقاد في البداء ، ص ٤١.
٣ - انظر : عدّة الأصول ، الشيخ الطوسي : ج ٢ ، الباب السابع ، الفصل الأوّل ، ص ٤٩٦.
إنّ الأشياء غير الموجودة والتي ستتحقّق في الواقع الخارجي.
يعلمها الله تعالى بالعلم الذاتي ، ولكن ليس لها عنده ظهور إلاّ بعد تحقّقها.
النتيجة :
نستنتج من التقسيم الذي تمّ بيانه حول مصطلح " الظهور " بأنّ قولنا في البداء :
ظهر لله كذا بعد أن لم يكن ظاهراً ،
أي : وجد الله كذا في الواقع الخارجي بعد أن لم يجده.
مثال هذا الظهور في القرآن الكريم :
قال تعالى :( وَ لَنَبْلُوَنَّکُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْکُمْ ) [ محمّد : ٣١ ]
أي : " حتّى نعلم جهادكم موجوداً "(١) ؛ لأنّ قبل وجود الجهاد لا يُعلم الجهاد موجوداً ، وإنّما يُعلم كذلك بعد حصوله "(٢) .
قال تعالى :( وَ مَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي کُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ) [ البقرة : ١٤٢ ]
أي : لنعلم ذلك في مقام الفعل وفي الواقع الخارجي ،
وإلاّ فالله عالم بالأشياء قبل كونها بعلمه الذاتي الأزلي ،
وإنّما المقصود هنا هو " العلم الفعلي " الذي هو عبارة عن وجود وتحقّق الشيء في الواقع الخارجي(٣) .
____________________
١ - التبيان في تفسير القرآن ، الشيخ الطوسي : تفسير آية ٣١ من سورة محمّد ، ٩ / ٣٠٦.
مجمع البيان في تفسير القرآن ، الشيخ الطبرسي : تفسير آية ٣١ من سورة محمّد ، ٩ / ١٦١.
٢ - عدّة الأصول ، الشيخ الطوسي : ج ٢ ، الباب السابع ، الفصل الأوّل ، ص ٤٩٦.
٣ - للمزيد راجع في هذا الكتاب : الفصل الثامن : علم الله تعالى ، المبحث التاسع : علم الله بالأشياء بعد إيجادها.
المبحث السابع :صلة البداء بالقضاء الالهي
أقسام القضاء الإلهي :
١ - القضاء المحتوم :
وهو القضاء القطعي الذي لا يقبل المحو والتبديل والتغيير.
٢ - القضاء غير المحتوم :
وهو القضاء غير القطعي الذي جعل الله تحقّقه متوقّفاً على توفّر بعض الشروط وانتفاء بعض الموانع.
ولهذا يقع التبديل والتغيير في هذا القضاء فيما لو لم تتوفّر بعض شروطه أو فيما لو لم تنتف منه بعض الموانع.
صلة البداء بالقضاء الإلهي :
البداء يكون في القضاء غير المحتوم دون المحتوم.
ولهذا قال الشيخ المفيد : " فالبداء من الله تعالى يختص ما كان مشترطاً في التقدير "(١) .
مثال للقضاء الإلهي المحتوم وغير المحتوم : الأجل
معنى الأجل : هو المدّة المعيّنة للإنسان ليعيش في الحياة الدنيا.
أقسام الأجل
١ - الأجل المحتوم ( المقضي ) ( المسمّى ) :
____________________
١ - تصحيح اعتقادات الإمامية ، الشيخ المفيد : فصل في معنى البداء ، ص ٦٧.
وهو الأجل الذي قضاه الله وقدّره بصورة حتمية بحيث جعله لا يقبل التقديم والتأخير.
٢ - الأجل غير المحتوم ( الموقوف ) ( غير المسمّى ) :
وهو الأجل الذي جعل الله فيه قابلية التقديم والتأخير.
أقوال أهل البيتعليهمالسلام حول قوله تعالى :
( ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ) [ الأنعام : ٢ ]
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهمالسلام :
( هما أجلان :
أجل موقوف يصنع الله ما يشاء ،
وأجل محتوم )(١) .
وقالعليهالسلام أيضاً :
( الأجل الذي غير مسمّى موقوف يقدّم منه ما يشاء ويؤخّر منه ما يشاء ،
وأمّا الأجل المسمّى [ فهو محتوم ، ومنه ] قول الله :( إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَ لاَ يَسْتَقْدِمُونَ ) [ الأعراف : ٣٤ ] )(٢) .
سأل حمران بن أعين الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام حول هذه الآية ، فقالعليهالسلام : ( إنّهما أجلان : أجل محتوم وأجل موقوف )
قال حمران : ما المحتوم ؟
قالعليهالسلام : ( الذي لا يكون غيره )
قال : وما الموقوف ؟
قالعليهالسلام : ( هو الذي لله فيه المشيّة [ أي : يقدّم أو يؤخّر منه ما يشاء ] )(٣) .
____________________
١ - التفسير ، العياشي : ج ١ ، تفسير سورة الأنعام ، ح ٧ ، ص ٣٥٥.
٢ - المصدر السابق : ح ٥ ، ص ٣٥٤.
٣ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٥٢ ، باب ٢٥ ، ح ١٣٣ ، ص ٢٤٩.
المبحث الثامن :البداء ولوح المحو والاثبات
قال تعالى :( يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْکِتَابِ ) [ الرعد : ٣٩ ]
أنواع اللوح :
١ - اللوح المحفوظ ( أم الكتاب )
وهو اللوح الذي يُكتب فيه القدر والقضاء الإلهي المحتوم ، ولهذا يكون هذا اللوح مصوناً من المحو والإثبات والتغيير والتبدّل ، ولا يطرأ البداء على ما تمّ تدوينه في هذا اللوح.
٢ - لوح المحو والإثبات
وهو اللوح الذي يُكتب فيه القدر والقضاء الإلهي غير المحتوم ، أي : القدر والقضاء الذي جعل الله تحقّقه متوقّفاً على توفّر بعض الشروط وانتفاء بعض الموانع.
ولهذا يقع التغيير والتبديل في ما تمّ تدوينه في هذا اللوح.
ويمحو الله تعالى في هذا اللوح ما يشاء ويثبت ما يشاء.
توضيح :
يكتب الله في لوح المحو والإثبات ما قدّر تحقّقه في المستقبل ،
وبما أنّ لأفعال ومواقف العباد دوراً في تغيير ما قدّره الله لهم ، فلهذا إذا غيّر العباد سلوكهم وتصرّفاتهم فإنّ الله سيغيّر ما قدّره لهم ، وسيمحو ما كتبه في لوح المحو والإثبات ويبدل ذلك بتقدير آخر.
صلة البداء بعلم الله الذاتي :
وقوع التغيير في التقدير الإلهي لا يوجب وقوع التغيير في العلم الإلهي الذاتي ؛ لأنّه تعالى كما هو عالم بالتقدير الأوّل فإنّه كذلك عالم من الأزل بأنّه سيغيّر هذا التقدير بتقدير آخر.
المبحث التاسع :أمثلة وقوع البداء لله تعالى
البداء الأوّل : رفع العذاب عن قوم يونسعليهالسلام
قال تعالى :( فَلَوْ لاَ کَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا کَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ مَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) [ يونس : ٩٨ ]
خطوات تحقق البداء الإلهي بالنسبة إلى قوم يونسعليهالسلام :(١)
١ - أرشد النبي يونسعليهالسلام قومه إلى الهدى والإيمان.
٢ - أصرّ قوم يونس على الكفر والعصيان.
٣ - أيس النبي يونسعليهالسلام من دعوة قومه ، فطلب من الله أن ينزل عليهم العذاب.
٤ - استجاب الله دعاء النبي يونسعليهالسلام على قومه.
٥ - قضى الله قضاءً غير حتمياً بإنزال العذاب على قوم يونسعليهالسلام .
٦ - أخبر الله النبي يونسعليهالسلام بأنّه سينزل على قومه العذاب في يوم كذا.
٧ - أخبر النبي يونسعليهالسلام قومه بتعلّق الإرادة الإلهية بإنزال العذاب عليهم في يوم كذا.
٨ - خرج النبي يونسعليهالسلام في اليوم المحدّد من المنطقة التي يسكنها قومه.
٩ - ظهرت آثار نزول العذاب الإلهي على قوم يونسعليهالسلام في الوقت المحدّد.
١٠ - ندم قوم يونسعليهالسلام على عصيانهم لله، فتابوا وفزعوا إلى الله تعالى.
١١ - ظهر لله في الواقع الخارجي ندم وتوبة قوم يونسعليهالسلام واستغاثتهم به لرفع
____________________
١ - انظر : مجمع البيان ، الشيخ الطبرسي : ج ٥ ، تفسير آية ٩٨ من سورة يونس ، ص ٢٠٣ - ٢٠٥.
العذاب.
١٢ - غيّر الله ما قدّره من العذاب على قوم يونسعليهالسلام بعد توبتهم.
١٣ - محا الله تقديره الأوّل بإنزال العذاب على قوم يونسعليهالسلام واستبدله بتقدير آخر.
١٤ - كان التقدير الإلهي الثاني أن يرفع عنهم العذاب ويمتّعهم إلى حين.
١٥ - وهنا وقع البداء ، وكذلك يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أُمّ الكتاب.
البداء الثاني : بداء آخر بالنسبة إلى النبي يونسعليهالسلام
قال تعالى :( فَلَوْ لاَ أَنَّهُ کَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) [ الصافات : ١٤٤ - ١٤٣ ]
خطوات تحقّق هذا البداء :(١)
١ - استاء النبي يونسعليهالسلام لعدم نزول العذاب على قومه، فلم يرجع إليهم.
٢ - قدّر الله وقضى أن تبلع الحوت النبي يونسعليهالسلام ، وأن يلبث في بطنها إلى يوم القيامة.
٣ - أكثر النبي يونسعليهالسلام في بطن الحوت من ذكر الله وتسبيحه.
٤ - ظهر لله في الواقع الخارجي توسّل النبي يونسعليهالسلام بالذكر والتسبيح.
٥ - غيّر الله ما قدّره للنبي يونسعليهالسلام في خصوص بقائه في بطن الحوت إلى يوم القيامة.
٦ - استبدل الله تقديره الأوّل بتقدير آخر ، وهو إخراج النبي يونسعليهالسلام من بطن الحوت.
٧ - أخرج الله النبي يونسعليهالسلام من بطن الحوت ، وقال تعالى :( فَلَوْ لاَ أَنَّهُ کَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) [ الصافات : ١٤٣ - ١٤٤ ]
____________________
١ - انظر : المصدر السابق.
البداء الثالث : تغيير مدّة ميقات النبي موسىعليهالسلام
قال تعالى :( وَ وَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) [ الأعراف : ١٤٢ ]
خطوات تحقّق هذا البداء :
١ - قدّر الله أن يستدعي النبي موسىعليهالسلام لميقاته مدّة ثلاثين ليلة.
٢ - أخبر النبي موسىعليهالسلام قومه بأنّه سيغيب عنهم ثلاثين ليلة ، وقال لهم : " إنّ ربّي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه "(١) .
٣ - ذهب النبي موسىعليهالسلام إلى ميقات ربّه وناجى الله ثلاثين ليلة.
٤ - غيّر الله تقديره الأوّل في خصوص مدّة بقاء النبي موسىعليهالسلام في الميقات ، واستبدله بتقدير آخر ، وهو أن يزيد الميقات عشرة ليال أخرى.
٥ - قد يكون سبب هذا التغيير ما ظهر لله من أحوال قوم موسىعليهالسلام ، فأراد أن يختبرهم ويرى ما هو موقفهم عند تأخير عودة النبي موسىعليهالسلام من الميقات.
البداء الرابع : إبعاد الله الموت عن العروس
روي أنّ المسيح عيسى بن مريم مرّ بقوم مُجلَبين(٢) .
فقال : ما لهؤلاء ؟
قيل : يا روح الله، إنّ فلانة بنت فلان تُهدى إلى فلان بن فلان في ليلتها هذه.
قال : يجلبون اليوم ويبكون غداً.
فقال قائل منهم : ولِمَ يارسول الله ؟
قال : لأنّ صاحبتهم ميّتة في ليلتها هذه
فلمّا أصبحوا جاؤوا ، فوجدوها على حالها لم يحدث بها شيء.
____________________
١ - الجامع لأحكام القرآن ، القرطبي ،ج ٧ ، تفسير آية ١٤٢ من سورة الأعراف ، ص ١٧٥.
٢ - مجلبين ، أي : في حالة صياح وصخب.
فقالوا : ياروح الله إنّ التي أخبرتنا أمس أنّها ميّته لم تمت !
فقال عيسىعليهالسلام : يفعل الله ما يشاء ، فاذهبوا بنا إليها.
قالت : كان يعترينا سائل في كلّ ليلة جمعة ، فننيله ما يقوته إلى مثلها ، وأ نّه جاءني في ليلتي هذه وأنا مشغولة بأمري ، وأهلي بمشاغيل ، فهتف فلم يجبه أحد ، ثمّ هتف فلم يجب حتّى هتف مراراً ، فلمّا سمعت مقالته قمت متنكّرة حتّى أ نَلْتهُ كما كنّا نُنيله.
فقال [ عيسىعليهالسلام ] لها : تنحّي عن مجلسك ، فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جَذَعة عاض على ذنبه.
فقالعليهالسلام : بما صنعتِ صرف الله عنكِ هذا "(١) .
البداء الخامس : إبعاد الله الموت عن اليهودي
عن الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام ، قال :
( مرّ يهودي بالنبيصلىاللهعليهوآله ، فقال : السّام عليك.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : عليك !
فقال أصحابه : إنّما سلّم عليك بالموت ، قال : الموت عليك ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : وكذلك رددت.
ثمّ قال النبيصلىاللهعليهوآله : إنّ هذا اليهودي يعضّه أسود في قفاه فيقتله ، قال : فذهب اليهودي فاحتطب حطباً كثيراً ، فاحتمله ثمّ لم يلبث أن انصرف ، فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ضعه.
فوضع الحطب ، فإذا أسود في جوف الحطب عاضّ على عود.
فقالصلىاللهعليهوآله : يا يهودي ما عملت اليوم ؟
قال : ما عملت عملاً إلاّ حطبي هذا احتملته فجئت به ، وكان معي كعكتان ، فأكلت واحدة وتصدّقت بواحدة على مسكين.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : بها دفع الله عنه.
____________________
١- الأمالي ، الشيخ الصدوق : المجلس ٧٥ ، ح ٨١٦ / ١٣ ، ص ٥٨٩ - ٥٩٠.
وقالصلىاللهعليهوآله : إنّ الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان )(١) .
البداء السادس : التأجيل والتأخير في النصر الإلهي
ورد عن الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام :
( كان في بني إسرائيل نبي وعده الله أن ينصره إلى خمس عشرة ليلة ، فأخبر بذلك قومه ،
فقالوا : والله إذا كان ليفعلن وليفعلن !
فأخّره الله إلى خمس عشرة سنة ،
وكان فيهم من وعده الله النصرة إلى خمس عشرة سنة ،
فأخبر بذلك النبي قومه.
فقالوا : ما شاء الله ،
فعجّله الله لهم في خمس عشرة ليلة )(٢) .
البداء السابع : تأجيل الله أجل المَلِك
قال الإمام علي بن موسىعليهالسلام : لقد أخبرني أبي عن آبائه أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال :
( إنّ الله عزّ وجلّ أوحى إلى نبي من أنبيائه : أن أخبر فلان المَلِك أنّي متوفّيه إلى كذا وكذا ،
فأتاه ذلك النبي فأخبره ، فدعا الله المَلك وهو على سريره حتّى سقط من السرير ، فقال : ياربّ أجّلني حتّى يشبّ طفلي وأقضي أمري ،
فأوحى الله عزّ وجلّ إلى ذلك النبي : أن ائت فلان المَلِك فأعلمه أنّي قد أنسيت في أجله ، وزدت في عمره خمس عشرة سنة.
فقال ذلك النبي : ياربّ إنّك لتعلم أنّي لم أكذب قطّ !
____________________
١ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج١ ، باب أنّ الصدقة تدفع البلاء ، ح٣ ، ص٥.
٢ - الإمامة والتبصرة ، الشيخ الصدوق : ح ٨٦ ، ص ٩٥.
بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج٤ ، كتاب التوحيد، باب ٣ ، ح ٣٢ ، ص ١١٢.
فأوحى الله عزّ وجلّ إليه : إنّما أنت عبد مأمور ، فأبلغه ذلك ، والله لا يسأل عمّا يفعل(١) .
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٦٦ ، ح١ ، ص ٤٣٠ - ٤٣١.
المبحث العاشر :أسباب أهمية البداء
١ - التأكيد على حرّية الله في أفعاله.
إنّ الله تعالى غير مقيّد بحدود معيّنة مقدّرة منه تعالى منذ الأزل ، بحيث يكون الله تعالى - والعياذ بالله - عاجزاً عن تخطّيها أو تجاوز حدّها ، بل الله تعالى قادر على تغيير ما قدّره مسبقاً بتقدير آخر ، ومجرّد تقديره لشيء لا يحدّد أفعاله ولا يمنعه من تغيير ذلك.
بعبارة أخرى :
إذا قدّر الله شيئاً فإنّه غير مقيّد بالعمل وفق ما قدّره مسبقاً ، بل له الحرّية والقدرة على تغيير هذا التقدير واستبداله بتقدير آخر.
٢ - التأكيد على هيمنة الله وسلطانه على أمور العالم كلّها ، وتصرّفه المباشر فيها حسب مشيئته وإرادته الحكيمة.
٣ - التأكيد على مسألة اختيار الإنسان ودوره في تغيير مصيره بأفعاله وأعماله.
وهذا ما يحثّ الإنسان على الجدّ والاجتهاد ، لرفع مستواه والوصول إلى ما هو الأفضل عن طريق تمسّكه بالأسباب المادّية المتاحة له والأسباب المعنوية ، كالدعاء والتوسّل والصدقات وأنواع البرّ والطاعات.
وهذا بعكس ما لو كانت عقيدة الانسان بأنّ التقدير كلّه بيد الله من دون أن يكون للإنسان أيّ أثر في ذلك ، وقد كُتب مصير كلّ إنسان ، وجفّ القلم ، والإنسان غير قادر على تغيير ما قُدّر له.
فهذه العقيدة تبعث الإنسان نحو الإحباط واليأس والقنوط ، وتشلّ قدرته
وتسلب منه القوّة والعزم والإرادة على تغيير مصيره نحو الأفضل.
وبصورة عامّة :
الاعتقاد بالبداء يعني الاعتقاد بامتلاك القدرة على تغيير المصير المقدّر من قبل الله تعالى ، وهذا ما يحثّ الإنسان على العمل الدؤوب والجاد من أجل تغيير مصيره بيده نحو الأفضل.
٤ - التأكيد على أنّ إرادة الله حادثة وليست قديمة.
وتنقسم إرادة الله إلى قسمين :
أوّلاً : إرادة وقوع فعل معيّن في نفس الوقت.
ثانياً : إرادة وقوع فعل معيّن في المستقبل.
فالقسم الأوّل : إرادة وقوع فعل معيّن في نفس الوقت.
تتجسّد هذه الإرادة عن طريق تحقّق الفعل المقصود في الواقع الخارجي.
قال تعالى :( إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ کُنْ فَيَکُونُ ) [ يس : ٨٢ ]
والقسم الثاني : إرادة وقوع فعل معيّن في المستقبل.
تتجسّد هذه الإرادة عن طريق الكتابة في الألواح ،
فتتجسّد إرادة الله الحتمية في لوح أم الكتاب ،
وتتجسّد إرادة الله غير الحتمية في لوح المحو والإثبات.
المبحث الحادي عشر :البداء والردّ على مقولة اليهود
قال الشيخ الصدوق : " البداء هو ردّ على اليهود ؛ لأنّهم قالوا : إنّ الله قد فرغ من الأمر ، فقلنا : إنّ الله كلّ يوم في شأن ، يحيي ويميت ويرزق ويفعل ما يشاء "(١) .
عقيدة اليهود :
ذهب اليهود إلى أنّ الله قدّر أمور العالم منذ الأزل ، وفرغ من الأمر ، فلا تغيير ولا تبديل فيما قدّر الله ، فقد " جفّ القلم ".
ولازم هذا القول أن يكون الله عاجزاً عن تغيير ما جرى به قلم التقدير فيما سبق.
ردّ عقيدة اليهود :
جاءت عقيدة " البداء " ردّاً على ماذهب إليه اليهود لتؤكّد بأنّ الأمر بيد الله ، وأنّه تعالى لم يفرغ من الأمر ، بل يمكن إيقاع التغيير في كلّ قضاء وقدر إلهي غير حتمي.
عن الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام حول قول الله عزّ وجلّ :( وَ قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ) [ المائدة : ٦٤ ]
قالعليهالسلام : ( قالوا قد فرغ من الأمر ، فلا يزيد ولا ينقص ،
فقال الله جلّ جلاله تكذيباً لقولهم :( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ کَيْفَ يَشَاءُ ) [ المائدة : ٦٤ ] ، ألم تسمع الله عزّ وجلّ يقول :( يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْکِتَابِ ) [ الرعد: ٣٩ ] )(٢) .
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٥٤ ، ذيل ح ٩ ، ص ٣٢٧.
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٥ ، ح ١ ، ص ١٦٣.
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( قالت اليهود ( يد الله مغلولة ) يعنون : أنّ الله تعالى قد فرغ من الأمر ، فليس يحدث شيئاً ،
فقال الله عزّ وجلّ : ( غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ) )(١) .
( فكيف قال تعالى : ( يزيد في الخلق ما يشاء )
وقال عزّ وجلّ : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب )
وقد فرغ من الأمر ؟ ! )(٢) .
ولهذا قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام لأحد أصحابه :
( ادع ولا تقل إنّ الأمر قد فرغ منه )(٣) .
____________________
١ - عيون أخبار الرضاعليهالسلام ، الشيخ الصدوق : ج٢ ، باب ١٣ ، ح ١ ، ص ١٦١.
٢ - المصدر السابق : ص ١٦٧.
٣ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ٢ ، كتاب الدعاء ، باب فضل الدعاء والحثّ عليه ، ح ٣ ، ص ٤٦٦.
المبحث الثاني عشر :البداء ومشكلة عدم تحقّق اخبار الانبياء بالمغيّبات
قد يشكل البعض على البداء ، ويقول بأنّه يستلزم تكذيب الأنبياء والرسل وعدم الوثوق بهم ؛ لأنّ هؤلاء قد يخبروا عن تحقّق حدث معيّن ، ثمّ لا يتحقّق ذلك نتيجة وقوع البداء الإلهي فيه.
الجواب :
تنقسم الأمور التي يريد الله تحقّقها في المستقبل إلى قسمين :
١ - أمور حتمية
وهي الأمور التي تعلّقت إرادة الله بها على أن تقع حتماً ، وهي من القضاء والقدر الإلهي الذي لم يجعل الله فيه قابلية المحو والإثبات والتبديل والتغيير.
٢ - أمور غير حتمية
وهي الأمور التي تعلّقت إرادة الله بها على أن يكون تحقّقها مشروطاً بتوفّر بعض المتطلّبات ، وانتفاء بعض الموانع ، ولهذا فهي أمور فيها قابلية المحو والإثبات والتبديل والتغيير.
نوعية إخبارات الأنبياء :
أغلب إخبارات الأنبياء والرسل تكون من الأمور الحتمية التي لا يكون فيها البداء ، ولهذا ورد في الحديث الشريف :
قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام :
" من الأمور أمور محتومة كائنة لا محالة
ومن الأمور أمور موقوفة عند الله ، يقدّم منها ما يشاء ، ويمحو ما يشاء ، ويثبت منها ما يشاء ، لم يطلّع على ذلك أحداً ، يعني الموقوفة ، فأمّا ما جاءت به الرسل ، فهي كائنة لا يكذّب نفسه ولا نبيّه ولا ملائكته "(١) .
قالعليهالسلام أيضاً :
( العلم علمان :
فعلم عند الله مخزون لم يطلّع عليه أحداً من خلقه
وعلم علّمه ملائكته ورسله
فأمّا ما علّمه ملائكته ورسله ، فإنّه سيكون ، ولا يكذّب نفسه ولا ملائكته ولا رسله ، وعلم عنده مخزون يقدّم فيه ما يشاء ، ويؤخّر ما يشاء ، ويثبت ما يشاء(٢) )(٣) .
تنبيه :
ليس المقصود من قولهعليهالسلام : " لا يكذّب نفسه ولا ملائكته ورسله " إنكار وقوع البداء في إخبارات الأنبياء ؛ لأنّ القرآن الكريم - كما أشرنا فيما سبق - يدل على وقوع مثل هذا البداء كقصّة النبي يونسعليهالسلام ، بل المقصود أنّه تعالى لا يفعل البداء الذي يؤدّي إلى تكذيب نفسه أو ملائكته أو رسله ، وسنبيّن كيفية ذلك لاحقاً.
حل مشكلة إخبار الأنبياء عن الأمر غير الحتمي ووقوع البداء فيه :
وقوع البداء في ما أخبر عنه الأنبياء لا يؤدّي إلى تكذيبهم أو عدم الوثوق بهم ؛ لأنّه تعالى جعل دائماً القرائن الواضحة الدالة على صدق إخبار الأنبياء ، ولهذا نجد أكثر حالات البداء المروية في الأحاديث مقرونة بما يفيد التصديق وصحة إخبار الأنبياء ، منها :
____________________
١ - التفسير ، العياشي : ج ٢ ، تفسير سورة الرعد ، ح ٦٥ ، ص ٢١٧.
٢ - تنبيه : ليس المقصود من العلم في هذا الحديث هو العلم الإلهي الذاتي ، بل : المقصود من العلم الأوّل : ما هو مدوّن في أمّ الكتاب ، وهو الذي لا يتعلّق به البداء ؛ لأنّه مما لا يقبل المحو والتبديل والتغيير.
والمقصود من العلم الثاني : ما هو مدوّن في لوح المحو والإثبات ، وهو الذي يتعلّق به البداء ؛ لأنّه يقبل المحو والتبديل والتغيير.
٣ - المحاسن ، البرقي : ج ١ ، باب ٢٤ : باب العلم ، ح [٨٣٣] ٢٣٥ ، ص ٣٧٨.
١ - رفع العذاب عن قوم يونسعليهالسلام
قرينة صحة إخبار النبي يونسعليهالسلام بوقوع العذاب : شاهد قومه آثار العذاب الإلهي ، ويكفي هذا في صحة خبر النبي يونسعليهالسلام .
٢ - قصّة المسيحعليهالسلام وإخباره بموت العروس
قرينة صحّة إخبارهعليهالسلام : وجود الأفعى تحت ثياب العروس ، ثمّ قال لهاعليهالسلام : " بما صنعت [ أي : نتيجة مساعدتك لذلك السائل ] صرف عنك هذا ".
٣ - قصّة النبي محمّدصلىاللهعليهوآله وإخباره بهلاك اليهودي
قرينة صحّة إخبارهصلىاللهعليهوآله : أنّهصلىاللهعليهوآله أمر اليهودي بوضع الحطب ، فإذا أفعى أسود في جوف الحطب عاض على عود ، ثمّ قالصلىاللهعليهوآله : " بها [ أي : بالصدقة التي أعطيتها للمسكين ] دفع الله عنه ".
النتيجة :
الأمور التي يخبر الأنبياءعليهمالسلام بوقوعها ، ثمّ لا تقع نتيجة البداء الإلهي ، فإنّه تعالى يجعل فيها القرائن الدالة على صحّة إخبارهم ، والهدف من تبيين هذا البداء هو التأكيد على حريّة الله في أفعاله ، والتأكيد على دور الإنسان في تغيير مصيره بأفعاله ، كما بيّنا ذلك في المبحث العاشر من هذا الفصل.
المبحث الثالث عشر :مستثينات البداء
تستلزم الحكمة الإلهية عدم وقوع البداء في موارد ، منها :
١ - الأمور التي يصرّح النبي عند إخباره عن تحقّقها أو عدم تحقّقها بأنّها من الأمور الحتمية ؛ لأنّ البداء يشمل الأمور غير الحتمية فقط ، وأمّا الأمور الحتمية فلا يشملها البداء أبداً ، ولهذا فإنّ وقوع البداء في ما يصرّح النبي بوقوعه حتماً يؤدّي إلى توصيف النبي بالكذب وخلف الوعد وغيرها من الأمور ، التي تؤدّي بالناس إلى عدم الوثوق بكلامه وإخباره.
٢ - الأمور التي يخبر النبي عن وقوعها على نحو الإعجاز ، من قبيل قول المسيحعليهالسلام :( وَ أُنَبِّئُکُمْ بِمَا تَأْکُلُونَ وَ مَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِکُمْ إِنَّ فِي ذٰلِکَ لَآيَةً لَکُمْ إِنْ کُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) [ آل عمران : ٤٩ ] ، فإنّه يلزم أن يكون هذا الإخبار من الأمور الحتمية ، وإلاّ ينتفي الغرض فيما لو كان هذا الإخبار من الأمور غير الحتمية التي يقع فيها البداء بعد ذلك.
٣ - الأمور الأساسية المرتبطة بصميم الدين ، من قبيل الأمور المتعلّقة بالنبوّة والإمامة ؛ لأنّ وقوع البداء في هذه الأمور يؤدّي إلى إضلال العباد وإخلال نظام التشريع.
ولهذا ورد في الحديث الشريف عن أئمة آل الرسولصلىاللهعليهوآله :
( مهما بدا لله في شيء فإنّه لا يبدو له في نقل نبي عن نبوّته ، ولا إمام عن إمامته )(١) .
____________________
١ - المسائل العكبرية ، الشيخ المفيد : المسألة ٣٧ ، ص ١٠٠.
تنبيه :
ولهذا أخطأ من ظنّ بأنّ البداء الذي حصل لإسماعيل ابن الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام ،(١) كان حول مسألة الإمامة(٢) ، بل كان هذا البداء حول مسألة أخرى بيّنها الإمام الصادقعليهالسلام بقوله :
( كان القتل قد كتب على إسماعيل مرّتين، فسألت الله في دفعه عنه فدفعه )(٣) .
أي : كان في تقدير الله أن يُقتل إسماعيل مرّتين ، ولكن بسبب دعاء أبيه الإمام الصادقعليهالسلام غيّر الله تعالى هذا التقدير(٤) .
____________________
١ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( ما بدا لله بداء كما بدا له في إسماعيل ابني ).
التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٥٤ ، ح ١٠ ، ص ٣٢٧.
٢ - أي : ليس المقصود أنّ الله اختار إسماعيل للإمامة ثمّ أعرض عنه واختار موسى بن جعفر لذلك.
انظر : المسائل العكبرية ، الشيخ المفيد : المسألة ٣٧ ، ص ١٠٠.
٣ - تصحيح اعتقادات الإمامية ، الشيخ المفيد : فصل في معنى البداء ، ص ٦٦.
٤ - ذكر بعض العلماء تفاسير مختلفة حول هذا البداء، منها :
المقصود من هذا البداء هو : ما ظهر من الله عزّ وجلّ على خلاف ما يتوقّعه الناس كما ظهر منه في إسماعيل بن جعفر الصادق حيث كان الكثير يظن بأنّه الإمام بعد أبيه ، فلمّا قبض الله إسماعيل وتوفّاه ظهر للناس خلاف ما كانوا يتوقّعوه.
للمزيد راجع :
التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٥٤ ، ذيل ج ١٠ ، ص ٣٢٧.
الاعتقادات ، الشيخ الصدوق : باب ١٠ ، ص ٤١.
وقد ناقشنا ضعف نسبة هذا المعنى للبداء في المبحث الخامس من هذا الفصل.
المبحث الرابع عشر :المشابهة والفرق بين البداء والنسخ
تعريف النسخ :
النسخ عبارة عن زوال حكم شرعي واستبداله بحكم شرعي آخر.
قال تعالى :( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) [ البقرة : ١٠٦ ]
أمثلة للنسخ :
١ - تعلّقت إرادة الله بأن يحلّ الطيّبات لبني إسرائيل ، ثمّ تغيّرت إرادة الله في هذا المجال ، فحرّم الطيّبات عليهم ، وتبيّن الآية التالية أسباب هذا التغيير :
قال تعالى :( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَ بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ کَثِيراً * وَ أَخْذِهِمُ الرِّبَا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ وَ أَکْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ) [ النساء : ١٦٠ - ١٦١ ]
٢ - كتب الله على المسلمين الاتّجاه نحو بيت المقدس حين الصلاة ، ثمّ نسخ الله هذا الحكم ، وأبدله بالاتّجاه نحو الكعبة.
٣ - قال تعالى :( إِنْ يَکُنْ مِنْکُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَکُنْ مِنْکُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ کَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ ) [ الأنفال : ٦٥ ]
ثمّ نسخ الله هذا الحكم بقوله تعالى :( الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْکُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيکُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَکُنْ مِنْکُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَکُنْ مِنْکُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) [ الأنفال : ٦٦ ]
بيان أهم موارد الشبه والفرق بين البداء والنسخ
المورد الأوّل :
في البداء : تتعلّق إرادة الله التكوينية أن يفعل " الله " كذا ، ثمّ تتغيّر هذه الإرادة ، وتأتي مكانها إرادة أخرى(١) .
في النسخ : تتعلّق إرادة الله التشريعية أن يفعل " العبد " كذا ، ثمّ تتغيّر هذه الإرادة ، وتأتي مكانها إرادة أخرى.
المورد الثاني :
في البداء : يكون تغيير الإرادة والقدر والقضاء الإلهي في التكوينات.
في النسخ : يكون تغيير الإرادة والقدر والقضاء الإلهي في التشريعات.
المورد الثالث :
يكون البداء في قضايا تكوينية قدّر الله لها أن تتحقّق ، ثمّ يمحو الله ما قدّره ويستبدله بقدر آخر ،
يكون النسخ في قضايات شرعية تحقّقت ( أي : أحكام تمّ تشريعها ) ، ثمّ يزيلها الله تعالى ويستبدلها بحكم آخر.
أقوال العلماء حول المشابهة بين البداء والنسخ :
قال الشيخ الصدوق :
" يجب علينا أن نقرّ لله عزّ وجلّ بأنّ له البداء ، ومعناه لا يأمر الله عباده بأمر في وقت ما إلاّ وهو يعلم أنّ الصلاح لهم في ذلك الوقت أن يأمرهم بذلك ، ويعلم أنّ في وقت آخر الصلاح لهم في أن ينهاهم عن مثل ما أمرهم به ، فإذا كان ذلك الوقت أمرهم بما يصلحهم.
____________________
١- لا يخفى بأنّ إرادة الله حادثة ، والمقصود من إرادته فعله ، والمراد من استبدال الله إرادة مكان إرادة أخرى ، أي : استبدال فعل مكان فعل آخر.
فمن أقرّ لله عزّ وجلّ بأنّ له أن يفعل ما يشاء ، ويَعْدم ما يشاء ، ويخلق مكانه ما يشاء ، ويقدّم مايشاء ، ويؤخّر ما يشاء ، ويأمر بما يشاء كيف يشاء فقد أقرّ بالبداء "(١) .
قال الشيخ المفيد :
" أقول في معنى البداء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ وأمثاله ، من الافتقار بعد الإغناء ، والإمراض بعد الإعفاء ، والإماته بعد الإحياء ، وما يذهب إليه أهل العدل خاصّة من الزيادة في الآجال والأرزاق والنقصان منها بالأعمال "(٢) .
قال الشيخ الطوسي :
" إذا أضيفت هذه اللفظة [ أي : البداء ] إلى الله تعالى :
فمنه ما يجوز إطلاقه عليه ومنه ما لا يجوز
فأمّا ما يجوز من ذلك فهو ما أفاد النسخ بعينه
[ وأمّا ما لا يجوز من ذلك فهو ] حصول العلم بعد أن لم يكن "(٣) .
تنبيه :
إنّ الله تعالى منزّه عن الجهل أو الندم عند نسخه لبعض الأحكام الشرعية واستبدالها بأحكام أخرى ، بل يعود سبب ذلك إلى لحاظ الله مصالح العباد في التشريع ، وقد تتغيّر مصالح العباد نتيجة حدوث بعض التغييرات في الواقع الخارجي ، فيؤدّي هذا الأمر إلى نسخ الله للحكم الشرعي واستبداله بحكم آخر أكثر انسجاماً مع المتطلّبات الجديدة.
حديث شريف :
قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام :
( جاء قوم من اليهود إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقالوا : يا محمّد ، هذه القبلة بيت المقدس قد صلّيت إليها أربعة عشر سنة ثمّ تركتها الآن ، أفحقّاً كان ما كنت عليه ؟ فقد تركته
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٥٤ ، ذيل ح ٩ ، ص ٣٢٧.
٢ - أوائل المقالات ، الشيخ المفيد : القول ٥٨ : القول في البداء والمشيّة ، ص ٨٠.
٣ - عدّة الأصول ، الشيخ الطوسي : ج ٢، الباب السابع ، الفصل الأوّل ، ص ٤٩٥.
إلى باطل ، فإنّما يخالف الحق الباطل ، أو باطلاً كان ذلك ؟ فقد كنت عليه طوال هذه المدّة ، فما يؤمننا أن تكون الآن على الباطل ؟
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : بل ذلك كان حقّاً ، وهذا حقّ يقول الله :( قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [ البقرة : ١٤٢ ] إذا عرف صلاحكم - يا أيّها العباد - في استقبال المشرق أمركم به ،
وإذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب أمركم به ،
وإذا عرف صلاحكم في غيرهما أمركم به ،
فلا تنكروا تدبير الله تعالى في عباده، وقصده إلى مصالحكم )(١) .
____________________
١ - الاحتجاج ، الشيخ الطبرسي : ج ١ ، فصل احتجاجات النبيصلىاللهعليهوآله ، الاحتجاج رقم ٢٥ ، ص ٨٣.
ولمعرفة المزيد من الفرق بين البداء والنسخ راجع :
الذخيرة ، الشريف المرتضى : باب الكلام في النبوات ، فصل في الردّ على اليهود ، ص ٣٥٦.
شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى : باب الكلام في النبوة ، جواز نسخ الشرائع السابقة ، ص ١٨٦.
تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي : مسائل النبوّة ، في النسخ ، ص ١٦٣ - ١٦٥.
كنز الفوائد ، أبو الفتح الكراجكي : ج ١ ، مختصر من الكلام على اليهود في إنكارهم جواز النسخ ، ص ٢٢٥ - ٢٢٧.
الفصل الرابع عشر :كلام اللّه تعالى
خصائص مسألة كلام الله تعالى
معنى الكلام والمتكلّم وأقسام الكلام
اتّصاف الله بصفة المتكلّم
حقيقة كلام الله تعالى
قدم أو حدوث كلام الله تعالى
صدق كلام الله تعالى
المبحث الأوّل :خصائص مسألة كلام الله تعالى
١ - لا خلاف بين المسلمين في أنّ الله تعالى متكلّم ، وإنّما وقع الخلاف في حقيقة كلام الله وكونه قديماً أو حادثاً.
٢ - طرحت مسألة قدم القرآن الكريم أو حدوثه ( أي : قدم كلام الله أو حدوثه ) في أوائل القرن الثالث الهجري في أوساط المسلمين ، وأدّت هذه المسألة إلى إثارة فتن كبيرة دفعت المسلمين إلى نزاعات أريقت خلالها دماء كثيرة سجّلها التاريخ ، وعُرفت فيما بعد ب- " محنة القرآن "(١) .
____________________
١ - انظر : تاريخ الأمم والملوك ، الطبري : ج ٨ ، سنة ١٢٨ ، ص ٦٣١ - ٦٤٥.
المبحث الثاني
معنى الكلام والمتكلّم وأقسام الكلام
معنى الكلام :
الكلام هو ما تألّف من حرفين فصاعداً من الحروف التي يمكن تهجّيها ، إذا وقعت ممن يصح منه الإفادة(١) .
معنى المتكلّم :
المتكلّم هو كلّ من يوجد حروفاً وأصواتاً لتدل على معنى يريد الإخبار بها عنه(٢) .
أقسام الكلام
١ - الكلام اللفظي: واللفظ هو الحرف المشتمل على الصوت.
٢ - الكلام الكتبي : والكتابة هي النقوش الحاكية عن تلك الحروف اللفظية.
٣ - الكلام الفعلي : وهو الفعل الذي يفيد نفس المعنى الذي يفيده الكلام اللفظي.
بيان الكلام الفعلي الإلهي :
يمكن وصف جميع أفعال الله بأنّها من جملة كلام الله من باب التوسّع ؛ لأنّها تكشف عن دلالات ومعان تفيد نفس الأثر الذي يفيده الكلام اللفظي.
____________________
١ - انظر : تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي : مسائل التوحيد ، مسألة : في كونه تعالى متكلّماً ، ص١٠٦.
غنية النزوع ، ابن زهرة الحلبي : ج ٢ ، الكلام في صفة التكلّم ، ص ٥٩ المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في كونه تعالى متكلّماً ، ص ٢١١. نهج الحق وكشف الصدق ، العلاّمة الحلّي : المسألة الثالثة ، البحث الرابع ، حقيقة الكلام ، ص ٥٤٩.
٢ - انظر : المسائل العكبرية ، الشيخ المفيد : المسألة الحادية عشر ، ص ٤٤.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، تحقيق حول إثبات التكلّم للباري تعالى ، ص ٢٠٨ - ٢٠٩.
مثال ذلك :
وصف الله عيسى بن مريم ب- " الكلمة " ، حيث قال تعالى :( إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ کَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ) [ النساء : ١٧١ ]
وسَمّى الله المسيح بالكلمة ؛ لأنّ المسيح فعله وأثره المعبّر والكاشف عن كمال قدرته تعالى في خلق الإنسان من دون أب.
المبحث الثالث :اتّصاف الله بصفة المتكلّم
إنّ السبيل لإثبات كونه تعالى متكلّماً هو الدليل النقلي فحسب ، أمّا الدليل العقلي فلا يثبت أكثر من كونه تعالى قادراً على الكلام(١) .
الآيات القرآنية المشيرة إلى اتّصافه تعالى بالمتكلّم :
١ -( وَ مَا کَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُکَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ) [ الشورى : ٥١ ]
٢ -( مِنْهُمْ مَنْ کَلَّمَ اللَّهُ ) [ البقرة : ٢٥٣ ]
٣ -( وَ کَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَکْلِيماً ) [ النساء : ١٦٤ ]
٤ -( وَ لَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَ کَلَّمَهُ رَبُّهُ ) [ الأعراف : ١٤٤ ]
٥ -( وَ لاَ يُکَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) [ آل عمران : ٧٨ ]
____________________
١- انظر : شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى : أبواب العدل ، كونه تعالى متكلّماً ، ص ٨٩.
الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد ، الشيخ الطوسي : القسم الأوّل ، الفصل الثاني ، التكلّم ، ص ٦٠.
تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي : مسائل العدل ، مسألة : في كونه تعالى متكلّماً ، ص ١٠٧.
المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في كونه تعالى متكلّماً ، ص ٢١٢.
كشف الفوائد ، العلاّمة الحلّي : الباب الثاني ، الصفات الثبوتية (٧) : التكلّم ، ص ١٨٩.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الرابع ، البحث العاشر : ص ١٧٩.
المبحث الرابع :حقيقة كلام الله تعالى
كلام الله عبارة عن أصوات وحروف يخلقها الله ليوصل عن طريقها مقصوده إلى المخاطب ، ويسمّى هذا الكلام ب- " الكلام اللفظي "(١) .
مثال ذلك :
قال تعالى :( وكلّم الله موسى تكليماً ) [ النساء : ١٦٤ ]
أي : خلق الله الكلام في الشجرة في البقعة المباركة ليوصل بذلك مقصوده إلى موسىعليهالسلام .
قال تعالى :( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَکَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) [ القصص : ٣٠ ]
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام حول كلام الله تعالى مع موسى وقومه :
( إنّ الله عزّ وجلّ أحدثه [ أحدث الكلام ] في الشجرة ، ثمّ جعله منبعثاً منها )(٢) .
تنبيه :
إضافة الكلام إلى الله تجري مجرى سائر الإضافات التي تقتضي الفعلية(٣) .
____________________
١ - انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٧.
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثالث ، ص ٧٢ ، الباب الحادي عشر : العلاّمة الحلّي : الفصل الثاني ، الصفة السابعة ، ص ٤٣.
نهج الحق وكشف الصدق ، العلاّمة الحلّي : المسألة الثالثة ، البحث الرابع ، ص ٦٠.
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٨ ، ح ٢٤ ، ص ١١٧.
٣ - انظر : تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي : مسائل العدل ، مسألة في كونه تعالى متكلّماً ، ص ١٠٦.
غنية النزوع ، ابن زهرة الحلبي : ج ٢ ، باب الكلام في التوحيد ، الفصل الخامس ، ص ٥٨.
ويقال للّه " متكلّم " بعد إيجاده للكلام.
كما يقال له تعالى " رازق " بعد إيجاده للرزق.
وكما يقال له تعالى " منعم " بعد إيجاده للنعمة.
وكما يقال له تعالى " محرّك " بعد إيجاده للحركة.
ما وراء الكلام اللفظي :
وقع الخلاف بين الإمامية والأشاعرة حول الكلام اللفظي : هل هو كلام حقيقة أم يوجد وراءه حقيقة أخرى بحيث يكون الكلام اللفظي تعبيراً عن تلك الحقيقة الكامنة ؟
عقيدة الإمامية :
الكلام اللفظي هو الكلام حقيقة ، ولا يوجد ما وراء الكلام اللفظي سوى العلم والإرادة.
عقيدة الأشاعرة :
الكلام اللفظي ليس الكلام حقيقة ، وإنّما الكلام الحقيقي هو الكلام النفسي ، وهو مغاير للعلم والإرادة.
وسنوضّح لاحقاً كلّ واحدة من هاتين العقيدتين.
توضيح عقيدة الإمامية حول ما وراء الكلام اللفظي :
ينقسم الكلام إلى قسمين :
١ - إخبار : ويتضمّن هذا الإخبار مجموعة تصوّرات وتصديقات.
الف : التصوّرات : عبارة عن " إحضار " الأمور التالية في الذهن :
أوّلاً : الموضوع
ثانياً : المحمول
ثالثاً : النسبة بين الموضوع والمحمول
ب : التصديقات : عبارة عن " الإذعان " بنفس النسبة بين الموضوع والمحمول.
٢ - إنشاء : وهو يكون على شكل أمر أو نهي أو استفهام أو تمنّي أو ترجّي.
و " الأمر " تعبير عن " إرادة " الشيء.
و " النهي " تعبير عن "كراهة" الشيء.
والاستفهام والتمنّي والترجّي تعبير عمّا يناسبها.
النتيجة :
إذا كان " الكلام " إخباراً ( أي : متضمّن لمجموعة تصوّرات أو تصديقات ) فهو من مقولة " العلم ".
وإذا كان " الكلام " إنشاءً ( أي : متضمّن لمجموعة أوامر ونواهي وغيرها ) فهو من مقولة " الإرادة والكراهة ".
فنستنتج انتفاء وجود شيء وراء الكلام اللفظي سوى " العلم " و " الإرادة والكراهة "(١) .
توضيح عقيدة الأشاعرة حول ما وراء الكلام اللفظي :
ذهب الأشاعرة حول ما وراء الكلام اللفظي إلى إثبات أمر آخر مغاير للعلم والإرادة ، وقاموا بتسميته ب- " الكلام النفسي " ، وقالوا بأنّ " الكلام النفسي " هو الكلام حقيقة ، وإنّما " الكلام اللفظي " وسيلة لإبراز " الكلام النفسي " وتسمية " الكلام اللفظي " بالكلام تسمية مجازية(٢) .
يرد عليه :
لو كان " الكلام النفسي " هو الكلام الحقيقي ، لكان الساكت متكلّم ، ولكن لا يقول أحد بذلك(٣) ، فيثبت : أنّ الكلام الحقيقي هو الكلام اللفظي ، وما يطلق عليه
____________________
١ - انظر : تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، ص ٢٩٠ المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول بأنّ للكلام معنىً ، ص ٢٢٧.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، تحقيق حول إثبات التكلّم للباري تعالى ، ص ٢١٢.
اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري : اللامع الثامن ، المرصد الثاني ، الفصل الثاني ، ص ٢٠٣.
٢ - انظر : المواقف ، القاضي الايجي ، بشرح : الشريف الجرجاني : ج ٣ ، الموقف الخامس ، المرصد الرابع ، المقد السابع ، ص ١٣٥ و ١٤٢.
شرح المقاصد ، سعدالدين التفتازاني : ج ٤ ، المقصد الخامس ، الفصل الثالث ، المبحث السادس ، ص ١٤٤.
٣ - انظر : إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، تحقيق حول إثبات التكلّم للباري تعالى ، ص٢١١.
الأشاعرة ب- " الكلام النفسي " فهو مجرّد تصوّرات تدخل في دائرة العلم لا غير ، ولا يطلق صفة " المتكلّم " حقيقة على أحد إلاّ بعد إيجاده للحروف والأصوات في الواقع الخارجي.
دليل الأشاعرة على مغايرة الكلام النفسي للعلم :
إنّ الإنسان قد يُخبر عمّا لا يعلمه أو عمّا يعلم خلافه ،
فنستنتج بأنّ الإخبار عن شيء قد يكون غير العلم به(١) .
يرد عليه :
إنّ العلم لا يشمل التصديق فحسب ، بل يشمل التصوّرات لوحدها أيضاً ، وإخبار الإنسان عمّا لا يعلمه أو عمّا يعلم خلافه هو إخبار عن مجموعة تصوّرات مع وجود نسبة بينها - سواء كانت هذه النسبة صحيحة أو خاطئة - وهذه التصوّرات والنسبة بينها من مقولة العلم.
دليل الأشاعرة على مغايرة الكلام النفسي للإرادة :
الإنسان قد يأمر غيره بما لا يريد.
مثال ذلك :
يأمر الأب ولده بأداء فعل معيّن ، ويكون هدفه من هذا الأمر فقط اختبار ولده هل يطيعه أو لا ؟
فهنا يأمر الأب ابنه بما لا يريد ، وإنّما المقصود هو " اختبار الولد " لا " القيام بالفعل ".
فنستنتج بأنّ الأمر - وهو نوع من أنواع الكلام الإنشائي - قد يكون مغايراً للإرادة(٢) .
____________________
١ - انظر : المواقف ، القاضي الايجي : بشرح الجرجاني : ج ٣ ، الموقف الخامس ، المرصد الرابع ، ص١٣٤.
٢ - انظر : المصدر السابق.
يرد عليه :
هذا القسم من الأوامر ( الأوامر الاختبارية ) ينشأ من الإرادة أيضاً ، ولكن " الإرادة " في هذه الأوامر لا تتعلّق بالشيء " المأمور به " وإنّما تتعلّق ب- " الاختبار ".
بعبارة أخرى :
الأب الذي يأمر ولده بأداء فعل معيّن ، ويكون قصده من ذلك هو اختبار الولد أيطيعه أم لا؟ فإنّ أمره هذا ناشئ من الإرادة أيضاً.
ولكن هذه " الإرادة " لم تتعلّق بأداء ذلك الفعل المعيّن ،
وإنّما تعلّقت باختبار المأمور ، أي : اختبار الولد ،
فنستنتج بأنّ منشأ الأمر في هذه الحالة أيضاً هو " الإرادة ".
خصائص الكلام النفسي الإلهي عند الأشاعرة(١) :
١ - معنىً قديم قائم بذاته تعالى.
٢ - إنّه واحد في نفسه ليس بخبر ولا أمر ولا نهي و
٣ - لا يدخل فيه ماض ولا حاضر ولا استقبال.
٤ - إنّه غير العبارات ، وحقيقته مغايرة لما له صلة بالأمور المادية.
٥ - الكلام النفسي في الإنسان حادث تبعاً لحدوث ذاته.
والكلام النفسي في الله قديم تبعاً لقدم ذاته.
يرد عليه :
١ - المعنى القائم بالذات لا يقال له كلام حقيقة ، وما يسبق الكلام اللفظي عند الإنسان أيضاً ، فهو عبارة عن العلم بكيفية نظم الكلام أو العزم على الكلام ، وجميع هذه الأمور من مقولة العلم والإرادة(٢) .
____________________
١ - انظر : المواقف ، القاضي الايجي : بشرح : الشريف الجرجاني : ج ٣ ، الموقف الخامس ، المرصد الرابع ، المقصد السابع ، ص ١٣٤ و ١٣٩.
شرح المقاصد ، سعدالدين التفتازاني : ج ٤ ، المقصد الخامس ، الفصل الثالث ، المبحث السادس ، ص ١٤٤ ، ١٤٧ ، ١٤٨ ، ١٦٣.
٢ - انظر : المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي : ج ١ ، القول في كونه تعالى متكلّماً ، ص ٢١٥.
٢ - الكلام النفسي عند الإنسان متتابع ومتوال ، وهو متكوّن من مجموعة تصوّرات ، وأمّا الكلام النفسي الذي ينسبه الأشاعرة إلى الله بالأوصاف التي ذكروها ، فهو أمر لا يمكن تعقّله ، ولا طريق إلى إثباته ، فكيف يصح نسبته إلى الله تعالى(١) ؟ !
____________________
١ - انظر : غنية النزوع ، ابن زهرة الحلبي : ج ٢ ، باب الكلام في التوحيد ، الفصل الخامس ، الكلام في صفة التكلّم ، ص ٦٠.
كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة السادسة ، ص ٤٠٣.
نهج الحقّ وكشف الصدق ، العلاّمة الحلّي : المسألة الثالثة ، البحث الرابع ، ص ٦٠.
المبحث الخامس :قدم أو حدوث كلام الله تعالى
قال الشيخ المفيد : " إنّ كلام الله مُحدث، وبذلك جاءت الآثار عن آل محمّدعليهمالسلام ، وعليه إجماع الإمامية"(١) (٢)
أدلة حدوث كلام الله :
١ - كلام الله مركّب من حروف متتالية ، متعاقبة في الوجود بحيث يتقدّم بعضها على بعض ، ويسبق بعضها على بعض ، ويعدم بعضها ببعض ، وكلّ ما هو كذلك فهو حادث ، فنستنتج بأنّ كلامه تعالى حادث(٣) .
٢ - الهدف من الكلام إفادة المخاطب ، ولهذا يكون وجود الكلام قبل وجود المخاطب لغواً وعبثاً.
وقد ورد في كتاب الله خطاباً للأنبياءعليهمالسلام والعباد ، منها قوله تعالى :
( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْکَ مِنْ رَبِّکَ ) [ المائدة : ٦٨ ]
( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ) [ الأحزاب : ٢ ]
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّکُمُ ) [ البقرة : ٢١ ]
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) [ البقرة : ١٠٤ ]
فلو كان كلام الله تعالى قديماً لم يحسن الخطاب.
____________________
١ - أوائل المقالات ، الشيخ المفيد : رقم ١٩ ، القول في الصفات ، ص ٥٢.
٢ - ذهب المعتزلة أيضاً إلى أنّ حقيقة كلام الله تعالى هو الكلام اللفظي فقط ، وأنّه مُحدث.
انظر : شرح الأصول الخمسة ، القاضي عبدالجبار : الأصل الثاني ، فصل : في القرآن ، ص ٥٢٨.
٣ - انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٧.
المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١، القول في كونه تعالى متكلّماً ، ص ٢١٦.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الرابع ، البحث الحادي عشر ، ص ١٩٣.
فنستنتج حدوث كلامه تعالى(١) .
٣ - ورد في كلام الله تعالى إخبار عن الماضي ، من قبيل قوله تعالى :
( إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ ) [ نوح : ١ ]
( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ ) [ النساء : ١٦٢ ]
( لَقَدْ أَهْلَکْنَا الْقُرُونَ ) [ يونس : ١٣ ]
( ضَرَبْنَا لَکُمُ الْأَمْثَالَ ) [ إبراهيم : ٤٥ ]
( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُکَ فِي زَوْجِهَا وَ تَشْتَکِي إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَکُمَا ) [ المجادلة : ١ ]
فلو كان الكلام الإلهي قديماً ، لاستلزم الكذب عليه تعالى ؛ لأنّ الإخبار عن شيء قبل وقوعه كلام غير مطابق للواقع(٢) .
النتيجة :
الكلام مفهوم منتزع من العلاقة بين الله والمخاطب ،
ولهذا فهو من صفات الله الفعلية ،
وبما أنّ أفعال الله كلّها حادثة، فنستنتج بأنّ كلام الله أيضاً حادث.
أضف إلى ذلك :
الفرق بين " صفات الله الذاتية " وبين " صفات الله الفعلية " هو : أنّ الصفات الذاتية
____________________
١ - انظر : تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي : مسائل العدل ، مسألة : في كونه تعالى متكلّماً ، ص ١٠٧.
تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، مسألة : كلام الله ، ص ٣٠٨.
نهج الحق وكشف الصدق ، العلاّمة الحلّي : المسألة الثالثة ، المبحث الرابع ، حدوث الكلام ، ص ٦٢.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، الدليل على حدوث كلامه تعالى ، ص ٢٢٠.
٢ - انظر : تلخيص المحصل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، مسألة كلام الله ، ص ٣٠٨ الرسالة السعدية ، العلاّمة الحلّي : الفصل الأوّل ، المسألة الرابعة ، البحث الثاني ، ص ٤٦.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، الدليل على حدوث كلامه تعالى ، ص ٢٢٠.
اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري : اللامع الثامن ، المرصد الثاني ، ص ٢٠٣.
لا يمكن اتّصاف الله بنقيضها ،
فلا يُقال : الله غير عالم ، أو الله غير قادر.
أمّا الصفات الفعلية فهي ممّا يمكن اتّصاف الله بها في حال ، واتّصافه تعالى بنقيضها في حال آخر.
فيقال : خلق الله كذا ولم يخلق كذا ،
ويقال : رزق الله فلان ولم يرزق فلان ،
والكلام مثل الخلق والرزق.
فيُقال : كلّم الله تعالى موسىعليهالسلام ، ولم يكلّم فرعون.
الآيات القرآنية الدالة على حدوث كلام الله :
١ -( مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِکْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ ) [ الأنبياء : ٢ ]
٢ -( وَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِکْرٍ مِنَ الرَّحْمٰنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ کَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ) [ الشعراء : ٥]
والذكر هو القرآن(١) ، والمحدث بمعنى الجديد ، أي : إنّ القرآن أتاهم بعد الإنجيل.
وتبيّن هاتين الآيتين بصراحة بأنّ القرآن ( كلام الله تعالى ) مُحدث(٢) .
٣ -( وَ لَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْکَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَکَ بِهِ عَلَيْنَا وَکِيلاً ) [ الإسراء : ٨٦ ]
فلو كان القرآن - وهو كلام الله - قديماً ، لم يصح وصفه بالإذهاب والزوال.
٤ -( وَ إِذْ قَالَ رَبُّکَ لِلْمَلاَئِکَةِ ) [ البقرة : ٣٠ ]
و " إذ " ظرف زمان ، والمختص بزمان معيّن مُحدَث ، فنستنتج بأنّ قول الله المذكور في هذه الآية مُحدث.
____________________
١ - قال تعالى( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّکْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) [ الحجر : ٩ ] أي : إنّا نزّلنا القرآن.
٢ - انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٧.
شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى : باب ما يجب اعتقاده في أبواب العدل ، كونه تعالى متكلّماً ، ص ٩١.
٥ -( وَ مِنْ قَبْلِهِ کِتَابُ مُوسَى ) [ هود : ١٧ ]
وما كان قبله شيء لا يكون قديماً(١) ، وهذه الآية تصرّح بأنّ كلام الله في الإنجيل قبل كلام الله في القرآن ، والقبلية والبعدية من علامات الحدوث ، فنستنتج بأنّ كلام الله حادث(٢) .
بصورة عامة :
وصف الله كلامه في القرآن الكريم بالنزول(٣) والتفريق(٤) والجمع(٥) والقراءة ( ٨) والترتيل(٦) والجعل(٧) والناسخ والمنسوخ(٨) و(٩) .
وجميع هذه الأمور من صفات الأشياء الحادثة ، فنستنتج بأنّ كلام الله حادث.
أحاديث أهل البيتعليهمالسلام حول حدوث كلام الله :
١ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( يقول [ تعالى ] لما أراد كونه " كن " فيكون ، لا بصوت يَقرَع ، ولا بنداء يُسمع ، وإنّما كلامه سبحانه فعلٌ منه ، أنشأه ومثّله ، لم يكن من قبل ذلك كائناً ، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً )(١٠) .
٢ - سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : لم يزل الله متكلّماً ؟ فقالعليهالسلام : ( إنّ
____________________
١ - المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي ، ج ١ ، القول في كونه تعالى متكلّماً ، ص ٢١٦.
٢ - المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في كونه تعالى متكلّماً ، ص ٢١٦.
٣ -( نَزَّلْنَا عَلَيْکَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً ) [ الإنسان : ٢٣ ]
٤ -( وَ قُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُکْثٍ ) [ الإسراء : ١٠٦ ]
٥ - ( ٨)( إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ) [ القيامة : ١٦ - ١٨ ].
٦ -( وَ رَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً ) [ الفرقان : ٣٢ ]
٧ -( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ) [ الزخرف : ٣ ]
٨ -( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) [ البقرة : ١٠٦ ]
٩ - انظر : شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى : باب ما يجب اعتقاده في أبواب العدل ، ص ٩١ ، كتاب الخلاف ، الشيخ الطوسي : ج ٦ ، كتاب الإيمان ، مسألة ١٢ ، ص ١٢٢.
تلخيص المحصّل ، نصيرالدين الطوسي : الركن الثالث ، القسم الثاني ، مسألة : كلام الله قديم ، ص ٣٠٨.
المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في كونه تعالى متكلّماً ، ص ٢١٦.
١٠ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : خطبة ١٨٦ ، ص ٣٦٨.
الكلام صفة مُحدَثة ليست بأزلية ، كان الله عزّ وجلّ ولا متكلّم )(١) .
٣ - سئل الإمام الصادقعليهالسلام أيضاً : لم يزل [ تعالى ] متكلّماً ؟ فقالعليهالسلام : ( الكلام مُحدَث ، كان الله عزّ وجلّ وليس بمتكلّم ، ثمّ أحدث الكلام )(٢) .
٤ - قال الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام حول تكلّم الله عزّ وجلّ مع النبي موسىعليهالسلام في طور سيناء حيث سمع قومه كلام الله تعالى :
( إنّ الله عزّ وجلّ أحدثه [ أي : أحدث كلامه تعالى ] في الشجرة ، ثمّ جعله منبعثاً منها حتّى سمعوه من جميع الوجوه )(٣) .
٥ - قال الإمام الكاظمعليهالسلام : ( الكلام غير المتكلّم وكلّ شيء سواه مخلوق )(٤) .
٦ - قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وكلّ كتاب أُنزل ، كان كلام الله ، أنزله للعالمين نوراً وهدى ، وهي كلّها مُحدَثة ، وهي غير الله ، حيث يقول :( أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِکْراً ) [ طه : ١١٣ ] وقال :( مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِکْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ ) [ الأنبياء : ٢ ] والله أحدث الكتب كلّها التي أنزلها )(٥) .
موقف أهل البيتعليهمالسلام من فتنة القول بقدم القرآن :
مرّ العالم الإسلامي في القرن الثالث بمحنة شديدة حول مسألة كون القرآن قديماً أو حادثاً ، وبعبارة أخرى مخلوقاً أو غير مخلوق ، ثمّ اتّخذت هذه المسألة طابعاً غير علمي ، واستغلّها البعض لتكفير مخالفيهم وسفك دمائهم.
ولهذا نجد أنّ أئمة أهل البيتعليهمالسلام منعوا أصحابهم في هذه الفترة من الخوض في هذه المسألة ، واكتفوا في بياناتهم حول هذه المسألة بأنّ القرآن كلام الله عزّ وجلّ ، ومن هذا الأحاديث :
١ - سئل الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام : يابن رسول الله ما تقول في القرآن ،
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ١١ ، ح ١ ، ص ١٣٥.
٢ - الأمالي ، الشيخ الطوسي : المجلس السادس ، ح ٢٨٢ / ٣٤ ، ص ١٦٨.
٣ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٨ ، ح ٢٤ ، ص ١١٨.
٤ - الكافي ، الشيخ الكليني : كتاب التوحيد ، باب النهي عن الجسم والصورة ، ح ٧ ، ص ١٠٦.
٥ - الاحتجاج ، الشيخ الطبرسي : احتجاجات الإمام الرضاعليهالسلام ، رقم : ٢٨٥ ، احتجاجهعليهالسلام على أبي قرّة المحدّث ، ص ٣٧٤.
فقد اختلف فيه من قِبَلنا ، فقال قوم : إنّه مخلوق ، وقال قوم : إنّه غير مخلوق ؟
فقالعليهالسلام : ( أمّا إنّي لا أقول في ذلك ما يقولون ، ولكنّي أقول : إنّه كلام الله )(١) .
٢ - سئل الإمام الرضاعليهالسلام أيضاً : ما تقول في القرآن ؟ فقالعليهالسلام : ( كلام الله لا تتجاوزوه )(٢) .
وبعد انقضاء فترة الفتنة بيّن أئمة أهل البيتعليهمالسلام موقفهم ، وصرّحوا بحدوث القرآن - كما مرّ ذكرها - ونجد بوادر التصريح في الحديث الشريف التالي :
كتب الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام إلى بعض شيعته ببغداد :
( نحن نرى أنّ الجدال في القرآن بدعة وليس الخالق إلاّ الله عزّ وجلّ وما سواه مخلوق )(٣) .
أي : كلام الله غير الله تعالى ، وكلّ ما هو غير الله فهو مُحدَث ، فكلام الله مُحدَث.
تنبيه :
الأفضل الاجتناب عن وصف القرآن بصفة " المخلوق " ؛ لأنّ " المخلوق " يأتي بعض الأحيان في اللغة العربية بمعنى " المكذوب " و " المضاف إلى غير قائله " ويُقال : هذه قصيدة مخلوقة ، أي : مكذوبة على صاحبها أو مضافة إلى غير قائلها.
ومنه قوله تعالى :( إِنْ هٰذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ ) [ ص : ٧ ] أي : كذب.
ولهذا ينبغي الامتناع من وصف القرآن بوصف " المخلوق " فيما لو كان موهماً للمعنى السلبي ، ويلزم - في هذه الحالة - الاقتصار على وصف القرآن بصفة " الحدوث "(٤) .
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٣٠ : باب القرآن ما هو ؟ ح ٥ ، ص ٢١٩.
٢ - المصدر السابق : ح ٢ ، ص ٢١٨.
٣ - المصدر السابق : ح ٤ ، ص ٢١٨.
٤ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٣٠ ، ذيل ح ٦ ، ص ٢٢٠.
شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى : باب ما يجب اعتقاده في أبواب العدل ، ص ٩١.
تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي : مسائل العدل ، مسألة : في كونه تعالى متكلّماً ، ص ١٠٨.
كتاب الخلاف ، الشيخ الطوسي : ج ٦ ، كتاب الإيمان ، مسألة ١٢ ، ص١٢٠ غنية النزوع ، ابن زهرة الحلبي : ج ٢ ، الفصل الخامس ، الكلام في صفة التكلّم ، ص ٦٤.
ولهذا نجد بأنّ أئمة أهل البيتعليهمالسلام امتنعوا بعض الأحيان من وصف القرآن بصفة " المخلوق " ، منها :
١ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( القرآن كلام الله محدَث ، غير مخلوق ، وغير أزلي مع الله تعالى ذكره ، وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً ،
كان الله عزّ وجلّ ولا شيء غير الله معروف ولا مجهول ،
كان عزّ وجلّ ولا متكلّم ولا مريد ، ولا متحرّك ولا فاعل ،
جلّ وعزّ ربّنا ، فجميع هذه الصفات مُحدَثة ، عند حدوث الفعل منه ،
جلّ وعزّ ربّنا ، والقرآن كلام الله غير مخلوق )(١) .
٢ - سُئل الإمام الرضاعليهالسلام : يابن رسول الله ، أخبرني عن القرآن أخالق أو مخلوق ؟ فقالعليهالسلام : ( ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله عزّ وجلّ )(٢) .
عقيدة الأشاعرة حول قدم كلام الله تعالى :
يعتقد الأشاعرة بوجود :
١ - كلام لفظي
٢ - كلام نفسي
والكلام النفسي ، هو الكلام الحقيقي.
وأمّا الكلام اللفظي فلا يعدّ كلاماً حقيقة ، وإنّما هو وسيلة للإشارة إلى الكلام النفسي.
وكلام الله النفسي كلام قديم وقائم بذات الله(٣) .
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٣٠: باب القرآن ما هو ؟ ، ح ٧ ، ص ٢٢١.
٢ - المصدر السابق ، ح ١ ، ص ٢١٨.
٣ - انظر : المواقف ، القاضي الايجي ، بشرح الشريف الجرجاني : ج ٣ ، الموقف الخامس ، المرصد الرابع ، المقصد السابع ، ص ١٣٥ ، ١٤٢.
شرح المقاصد ، سعدالدين التفتازاني : ج ٤ ، المقصد الخامس ، الفصل الثالث ، المبحث السادس ، ص ١٤٤.
أدلة الأشاعرة على إثبات قدم كلام الله ( الأدلة العقيلة )
الدليل الأوّل :
كلامه تعالى صفة لله ،
وكلّ ما هو صفة لله فهو قديم ،
فنستنتج بأنّ كلامه تعالى قديم(١) .
يرد عليه :
ليس كلّ ما هو صفة لله فهو قديم ،
بل صفات الله تنقسم إلى قسمين : ذاتية وفعلية.
والصفات الفعلية ليست قديمة ، و " الكلام " من صفات الله الفعلية.
فلهذا نستنتج بأنّ كلام الله غير قديم ، بل حادث.
الدليل الثاني :
يجب اتّصاف الحي بصفة الكلام ، وإلاّ اتّصف بضدّها ،
وضدّ الكلام هو الخرس والسكوت ، وهما نقص.
والنقص على الله محال ، فيلزم ثبوت أنّه تعالى لم يزل متكلّماً(٢) .
يرد عليه :
الهدف من الكلام إفادة الآخرين ، ولا معنى للكلام من دون وجود مخاطب ، والنقص على الله أن نقول بأنّه يتكلّم ولا يوجد مخاطب !
والاتّصاف بالسكوت والخرس من مختصّات من يحتاج في كلامه إلى آلة ، ولكنّ الله منزّه في كلامه عن هذه الأدوات ، بل كلامه نوع من أنواع أفعاله(٣) .
____________________
١ - انظر : كتاب المواقف ، القاضي الايجي ، بشرح الشريف الجرجاني : ج ٣ ، الموقف الخامس ، المرصد الرابع ، المقصد السابع ، ص ١٣٣.
٢ - الإبانة عن أصول الديانة ، أبو الحسن الأشعري : باب : الكلام في أنّ القرآن كلام الله غير مخلوق ، ص٣٢.
٣ - انظر : غنية النزوع ، ابن زهرة الحلبي : ج ٢ ، الكلام في كونه تعالى متكلّماً ، ص ٦١.
أدلة الأشاعرة على إثبات قدم كلام الله ( الأدلة القرآنية ) :
الدليل الأوّل :
قال تعالى :( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ کُنْ فَيَکُونُ ) [ النحل : ٤٠ ]
فلو كان القرآن ( وهو كلام الله ) مُحدثاً ، لوجب أن يكون هذا القرآن مخاطباً بلفظة " كن " ولو كان الله قائلاً لكلامه " كن " لكان قبل كلّ كلامه كلام.
وهذا يوجب أحد أمرين :
أوّلاً : أن يقع كلّ كلام بكلام آخر إلى ما لا نهاية ،
فيستلزم هذا الأمر التسلسل ، وهو باطل.
ثانياً : أن يقع كلّ كلام بكلام آخر إلى أن نصل إلى كلمة قديمة.
فيثبت أن كلام الله تعالى قديم(١) .
يرد عليه :
ليس المقصود من " القول " - في هذا المقام - المخاطبة اللفظية بكلمة " كن " ، ليصح التقسيم المذكور في الدليل أعلاه ؛ لأنّه لا معنى لتوجيه القول والخطاب للمعدوم.
وإنّما المقصود من " القول " هنا هو : الأمر التكويني المعبّر عن تعلّق الإرادة القطعية بإيجاد الشيء(٢) .
وتستهدف هذه الآية بيان :
أوّلاً : إذا أراد الله شيئاً ، فسيتحقّق هذا الشيء مباشرة من دون امتناع.
ثانياً : لا يحتاج الله في إيجاده لشيء إلى سبب يوجد له ما أراده أو يساعده في إيجاده أو يدفع عنه مانعاً(٣) .
____________________
١ - انظر : الإبانة ، أبو الحسن الأشعري : باب الكلام في أنّ القرآن كلام الله غير مخلوق ، ص ٣١ - ٣٢ و ص ٣٧.
٢ - للمزيد راجع : التبيان في تفسير القرآن ، الشيخ الطوسي : تفسير آية ١١٨ من سورة البقرة ، ص ٤٣٢ - ٤٣٣.
٣ - انظر : غنية النزوع ، ابن زهرة الحلبي : ج ٢ ، الكلام في كونه تعالى متكلّماً ، ص ٦٣ ، المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي : ج١ ، القول في كونه تعالى متكلّماً ص٢١٨.
ولهذا قال الإمام عليعليهالسلام :
( يقول [ تعالى ] لما أراد كونه " كن " فيكون ، لا بصوت يقرع ، ولا بنداء يسمع ، وإنّما كلامه سبحانه فعل منه ، أنشأه ومثّله ، لم يكن من قبل ذلك كائناً )(١) .
الدليل الثاني للأشاعرة على قدم كلام الله :
قال تعالى :( أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبَارَکَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) [ الأعراف : ٥٤ ]
كلمة " الخلق " في هذه الآية تشمل جميع ما خلق الله ، وكلمة " الأمر " في هذه الآية تدل على وجود شيء غير ما خلق الله ، فيثبت بذلك وجود شيء - وهو أمر الله - غير مخلوق وغير حادث ، وأمر الله هو كلامه.
فيثبت بأنّ كلام الله غير حادث ، أي : قديم(٢) .
يرد عليه :
أوّلاً :
ليس " الأمر " في هذه الآية بمعنى " كلام الله "
بل " الأمر " في هذه الآية بمعنى التصرّف والتدبير للنظام المهيمن على العالم.
ففي قوله تعالى :( لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ ) [ الأعراف : ٥٤ ] : " الخلق " بمعنى إيجاد ذوات أشياء العالم ،
و " الأمر " بمعنى التصرّف في هذا الخلق ، وتدبير النظام الحاكم على أشياء العالم(٣) .
قرائن تفسير " الأمر " بمعنى تدبير النظام :
قال تعالى في نفس هذه الآية :( وَ النُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ
____________________
١ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : خطبة ١٨٦ ، ص ٣٦٨.
٢ - انظر : الإبانة عن أصول الديانة ، أبو الحسن الأشعري : باب الكلام في أنّ القرآن كلام الله غير مخلوق ، ص٣١.
٣ - انظر : التبيان في تفسير القرآن ، الشيخ الطوسي : ج ٤ ، تفسير آية ٥٤ ، من سورة الأعراف ، ص ٤٢٣.
وَ الْأَمْرُ ) [ الأعراف : ٥٤ ]
أي : والنجوم مسخّرات بتصرّفه تعالى وتدبيره.
ومن القرائن الأخرى الدالة على أنّ كلمة " الأمر " الواردة بعد كلمة " الخلق " ، تعني " تدبير الأمر " ، هو أنّ عبارة " تدبير الأمر " وردت بعد كلمة " الخلق " أو معنى " الخلق " في الآيتين التاليتين :
١ - قوله تعالى :( إِنَّ رَبَّکُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) [ يونس : ٣ ]
٢ - قوله تعالى :( اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ کُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ... ) [ الرعد : ٢ ]
الهدف من ذكر " الأمر " بعد " الخلق " :
يستهدف قوله تعالى :( أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ ) [ الأعراف : ٥٤ ] بيان أنّه تعالى بعد خلقه للعالم لم يترك تفويض تدبير نظامه لغيره ، بل كما يقوم الله بخلق هذا العالم ، فإنّه أيضاً يتولّى أمر تدبير نظامه والتصرّف في شؤونه.
وليس في هذه الآية أدنى إشارة أو قرينة على أنّ المقصود من الأمر هو الكلام الإلهي.
ثانياً :
لو سلّمنا بأنّ " الأمر " يعني " كلام الله " ، فإنّ إفراده عن الخلق لا يعني أنّه غير مخلوق ، بل يفيد هذا الإفراد تعظيم شأنه فحسب.
مثال ذلك :
قوله تعالى:( قل مَنْ کَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَ مَلاَئِکَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيکَالَ... ) [ البقرة : ٩٨ ]
فإفراد ذكر جبريل وميكال من الملائكة لا يدل أنّهما خارجان عن دائرة
الملائكة ، بل يفيد إفرادها تعظيم شأنهما فحسب(١) .
أضف إلى ذلك :
لو سلّمنا بأنّ " الأمر " يعني كلام الله ، فقوله تعالى :( وَ کَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ) [ الأحزاب : ٣٧ ] دالّ على حدوث كلام الله; لأنّ المفعول من صفات المُحدث(٢) .
الدليل الثالث للأشاعرة على قدم كلام الله :
قال تعالى :( قُلْ لَوْ کَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِکَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ کَلِمَاتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ) [ الكهف : ١٠٩ ]
فلمّا لم يجز أن تنفد كلمات الله صح أنّه لم يزل متكلّماً(٣) .
يرد عليه :
بيان نفاد البحر قبل نفاد كلمات الله لا يعني أزلية هذه الكلمات ، بل غاية ما تدلّ هذه الآية : أنّ سعة كلمات الله أعظم من سعة البحر لو كان مداداً لكتابة هذه الكلمات.
والآية في الواقع بصدد بيان عظمة مقدورات وحكمة وعجائب الله تعالى(٤) .
الدليل الرابع للأشاعرة على قدم كلام الله :
قال تعالى :( إِنْ هٰذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ ) [ المدثر : ٢٥ ]
قال أبو الحسن الأشعري : " فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فقد جعله قولاً للبشر ، وهذا ما أنكره الله على المشركين "(٥) .
____________________
١ - انظر : غنية النزوع ، ابن زهرة الحلبي : ج ٢ ، الفصل الخامس ، الكلام في صفة التكلّم ، ص ٦٣ - ٦٤.
٢ - التبيان في تفسير القرآن ، الشيخ الطوسي : ج ٨ ، تفسير آية ٣٧ من سورة الأحزاب ، ص ٣٤٥.
٣ - انظر : الإبانة عن أصول الديانة ، أبو الحسن الأشعري : باب الكلام في أنّ القرآن كلام الله غير مخلوق ، ص ٣٢.
٤ - انظر : مجمع البيان ، الشيخ الطبرسي : ج ٦ ، تفسير آية ١٠٤ من سورة الكهف ، ص ٧٧٠.
٥ - الإبانة عن أصول الديانة ، أبو الحسن الاشعري : باب الكلام في أنّ القرآن كلام الله غير مخلوق ، ص ٣٢.
يرد عليه :
١ - ما أنكره الله على المشركين أنّهم قالوا بأنّ هذا القرآن ليس من عند الله ، بل هو مما جاء به النبي محمّدصلىاللهعليهوآله من نفسه ، فجاءت هذه الآية على مقولتهم هذه.
٢ - ورد في الإشكال بأنّ من يعتقد بأنّ القرآن مخلوق - أي : مُحدث - فقد جعله قولاً للبشر ، ولكن الذي يعتقد بأنّ القرآن مخلوق ، فإنّه لا يجعله قولاً مخلوقاً للبشر ، بل يجعله قولاً مخلوقاً لله تعالى.
تنبيه :
يصح اعتبار صفة "التكلّم" لله صفة قديمة بمعنيين :
١ - قدرته تعالى على إيجاد الأصوات والحروف لمخاطبة الآخرين.
٢ - علمه تعالى بما سيوجد من الأصوات والحروف لمخاطبة الآخرين.
وأمّا إذا اعتبرنا " التكلّم " بمعنى خلقه تعالى للأصوات والحروف ، فستكون هذه الصفة لله حادثة ، وتكون من صفات الله الفعلية كالخالقية والرازقية.
المبحث السادس :صدق كلام الله تعالى
الكلام المتّصف بالصدق هو الكلام المطابق للواقع.
وضدّه الكلام المتّصف بالكذب وهو الكلام المخالف للواقع(١) .
دليل وصفه تعالى بالصدق :
الكذب قبيح ، والله تعالى منزّه عن ذلك.
ومن أسباب قبح الكذب أنّه يؤدّي إلى رفع الوثوق بإخبار الله وعدم الصدق بوعده ووعيده ، فينتفي بذلك فائدة التكليف ، ويترتّب على ذلك الكثير من المفاسد(٢) .
الآيات القرآنية المشيرة إلى صدق كلام الله :
١ -( وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ) [ النساء : ٨٧ ]
٢ -( وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً ) [ النساء : ١٢٢ ]
٣ -( وَ أَتَيْنَاکَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّا لَصَادِقُونَ ) [ الحجر : ٦٤ ]
____________________
١ - انظر : المعجم الوسيط ، مادة ( صدق ) و ( كذب ).
٢ - انظر : مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الرابع ، البحث الثاني عشر ، ص ١٩٤.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، كون خبره تعالى كلّه صدق ، ص ٢٢١.
الفصل الخامس عشر :صفات اللّه الخبرية
التعريف بالصفات الخبرية
أهم الأقوال حول تفسير صفات الله الخبرية
المشبّهة
الأشاعرة
المعطّلة
المؤوّلة
الإمامية
بيان المعاني المقصودة من الصفات الخبرية
المبحث الأوّل :التعريف بصفات الله الخبرية
صفات الله الخبرية ، هي الصفات التي لم يتمّ إثباتها إلاّ عن طريق إخبار الكتاب والسنّة ، وهي التي يؤدّي الأخذ بظاهرها العرفي إلى التجسيم والتشبيه.
نماذج من صفات الله الخبرية :
١ - الوجه :( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) [ البقرة : ١١٥ ]
٢ - العين :( وَ اصْنَعِ الْفُلْکَ بِأَعْيُنِنَا وَ وَحْيِنَا ) [ هود : ٣٧ ]
٣ - اليد :( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) [ الفتح : ١٠ ]
٤ - اليمين :( وَ السَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) [ الزمر : ٦٧ ]
٥ - القبضة :( وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) [ الزمر : ٦٧ ]
٦ - الساق :( يَوْمَ يُکْشَفُ عَنْ سَاقٍ ) [ القلم : ٤٢ ]
٧ - الجنب :( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) [ الزمر :٥٦ ]
٨ - النفس :( تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَ لاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِکَ ) [ المائدة : ١١٦ ]
٩ - الروح :( وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) [ الحجر : ٢٩ ]
١٠ - المجيء :( وَ جَاءَ رَبُّکَ ) [ الفجر : ٢٢ ]
١١ - العرش :( الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) [ طه : ٥ ]
١٢ - الكرسي :( وَسِعَ کُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ ) [ البقرة : ٢٥٥ ]
١٣ - اللقاء :( أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ ) [ البقرة : ٤٦ ]
١٤ - القرب :( فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ ) [ البقرة : ١٨٦ ]
١٥ - الرضا والغضب :( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ) [ المائدة : ١١٩ ] ،( غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) [الفتح : ٦ ]
١٦ - السخرية والاستهزاء والمكر والخداع :( سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ) [ التوبة : ٧٩ ] ،( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) [ البقرة : ١٥ ] ،( وَ مَکَرُوا وَ مَکَرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْمَاکِرِينَ ) [ آل عمران : ٥٤ ] ،( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ ) [ النساء : ١٤٢ ]
١٧ - النسيان :( نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ) [ التوبة : ٦٧ ]
١٨ - النور :( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ ) [ النور : ٣٥ ]
المبحث الثاني :أهم الاقوال حول تفسير صفات الله الخبرية
١ - قول المشبّهة
الأخذ بظواهر هذه الصفات وإثباتها مع التشبيه :
( أي : إثبات هذه الصفات لله مع تشبيهها بصفات الإنسان ).
٢ - قول الأشاعرة
الأخذ بظواهر هذه الصفات وإثباتها لله بعد سلب كيفيتها.
( أي : إثبات هذه الصفات لله بعد انتزاع كيفيتها من مفهومها ).
٣ - قول المعطّلة
تعطيل العقل في مجال فهم معنى هذه الصفات ، وتفويض معناها إلى الله تعالى.
( أي : إنّ الإنسان غير مكلّف بفهم معاني هذه الصفات بل تكليفه هو الإيمان بلفظها فحسب ).
٤ - قول المؤوّلة
عدم الأخذ بظواهر هذه الصفات وإثباتها مع التأويل.
( أي : إثباتها وتأويل معناها إلى المعنى المنسجم مع تنزيه الله ).
٥ - قول الإمامية
عدم الأخذ بظواهر هذه الصفات وإثباتها على نحو المجاز من غير تأويل.
( أي : حمل هذه الصفات على معانيها اللغوية من باب الكناية عن مفاهيم عالية لا من باب التأويل ).
القول الأوّل ( قول المشبّهة ) : تشبيه صفات الله بصفات الإنسان
يذهب أصحاب هذا القول إلى الأخذ بظواهر الصفات الخبرية ، وإثباتها لله مع تشبيهها بصفات الإنسان.
ومن هذا المنطلق جوّز هؤلاء الانتقال والنزول والصعود والاستقرار المادي والملامسة والمصافحة لله ؛ لأنّهم يتمسّكون بظواهر هذه الصفات ويفهمون منها ما يفهم عند إطلاقها على الأجسام(١) .
موقف أهل البيتعليهمالسلام من المشبّهة :
١ - قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( ما عَرَف الله من شبّهه بخلقه )(٢) .
٢ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( اتّقوا أن تمثّلوا بالربّ الذي لا مثل له أو تشبّهوه من خلقه ، أو تلقوا عليه الأوهام ، أو تعملوا فيه الفكر ، وتضربوا له الأمثال ، أو تنعتوه بنعوت المخلوقين ...)(٣) .
٣ - كان الإمام زين العابدينعليهالسلام ذات يوم في مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذ سمع قوماً يُشبِّهون الله تعالى بخلقه ، ففزع لذلك وارتاعَ له ، ونهض حتّى أتى قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله فوقف عنده ورفع صوته يناجي ربّه ، فقال في مناجاته : ( إلهي بدت قدرتُك ولم تبدُ هيئةٌ فجهلوك وقدّروك بالتقدير على غير ما به أنت ، شبّهوك وأنا بريء يا إلهي من الذين بالتشبيه طلبوك ...)(٤) .
٤ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( تعالى عمّا يصفه الواصفون المشبّهون الله بخلقه المفترون على الله )(٥) .
٥ - قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( إنّه من يصف ربّه بالقياس لا يزال الدهر في الالتباس ، مائلاً عن المنهاج ، ظاعناً في الاعوجاج ، ضالاًّ عن السبيل ،
____________________
١ - انظر : الملل والنحل ، الشهرستاني : ج ١ ، الباب الأوّل ، الفصل الثالث ، المشبّهة ، ص ٩٢ و ١٠٥ و ١٠٦.
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : الباب الثاني : باب التوحيد ونفي التشبيه ، ح ١٠ ، ص ٤٨.
٣ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٣ ، باب ١٣ ، ح ٢٥ ، ص ٢٩٨.
٤ - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ، الشيخ المفيد : ج ٢ ، باب ذكر طرف من الأخبار لعلي بن الحسينعليهماالسلام ص ١٥٣.
٥ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى ، ح ١، ص ١٠٠.
قائلاً غير جميل ، أعرفه بما عرّف به نفسه من غير رؤية ، وأصفه بما وصف به نفسه من غير صورة ، لا يدرك بالحواس ، ولا يقاس بالناس معروف بغير تشبيه )(١) .
٦ - قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام :
( إنّ للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب :
١ - مذهب إثبات بتشبيه.
٢ - ومذهب النفي.
٣ - ومذهب إثبات بلا تشبيه.
فمذهب الإثبات بتشبيه لا يجوز.
ومذهب النفي لا يجوز.
والطريق في المذهب إثبات بلا تشبيه )(٢) .
القول الثاني ( قول الأشاعرة ) : الأخذ بالظاهر وإثباتها بعد سلب كيفيتها
يذهب أصحاب هذا القول إلى أنّ الصفات الخبرية ثابتة لله بالمعنى المتبادر منها عرفاً ، وأنّ لله وجه وعين ويد و ولكن كيفية هذه الصفات مغايرة لكيفية صفاتنا.
فله تعالى وجه ، ولكنّه ليس كوجوهنا ،
وله تعالى عين ، ولكنّها ليست كأعيننا.
وله تعالى يد ، ولكنّها ليست كأيدينا ،
وله تعالى نزول ، ولكنّه ليس كنزولنا.
قال أبو الحسن الأشعري : " إنّ له سبحانه وجهاً بلا كيف وأنّ له سبحانه يدين بلا كيف وأنّ له سبحانه عينين بلا كيف "(٣) .
____________________
١ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٣ ، ب ١٣ ، ح ٢٣ ، ص ٢٩٧.
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٦ ، ح ١٠ ، ص ٩٨.
٣ - الإبانة عن أصول الديانة ، أبو الحسن الأشعري : الباب الأوّل ، الفصل الثاني ، ص٣٦.
يرد عليه :
إنّ " الوجه " و " العين " و " اليد " وغيرها من الصفات الخبرية ، عبارة عن ألفاظ وضعت لأشياء لها كيفية خاصّة ،
ولا يصح استعمال هذه الألفاظ في موارد وإثبات معانيها بلا كيفية.
لأنّ " الكيفية " هي المقوّمة والمثبتة للمعنى ، فإذا حُذفت الكيفية فستكون الألفاظ من ناحية المعنى مبهمة ومجهولة ، وما هو مبهم ومجهول غير صالح للدلالة على شيء أو حقيقة.
توضيح ذلك :
إنّ القول بأنّ لله تعالى يداً حقيقية ولكنّها بلا كيف ، كلام متناقض ؛ لأنّ اليد الحقيقية لها كيفية معلومة ، وحذف الكيفية حذف لحقيقتها ، فيكون لفظ " اليد " بعد حذف الكيفية لفظاً غير مفهوم وغير معقول ، فلا يمكن جعل هذا اللفظ وسيلة للإشارة إلى حقيقة معيّنة ؛ لأنّ اللفظ المبهم لا يصلح لذلك(١) .
تنبيه :
إن انتزاع " الكيفية " من اللفظ يجعل اللفظ غير مفهوم وغير معقول ، ولا يصح هذا الانتزاع في جميع الأحوال حتّى في الكناية والاستعارة ، ففي هذه الحالات أيضاً يُستعمل اللفظ مع كيفيته ، ولكن يكون استعماله في غير ما وضع له ، ويكون إطلاقه مع كيفيته على نحو المجاز.
القول الثالث ( قول المعطّلة ) : تعطيل العقل في فهم الصفات
يذهب أصحاب هذا القول إلى لزوم تعطيل العقل في مجال إمعان النظر في صفات الله الخبرية ، ويقولون بأنّ معنى هذه الصفات غير معلوم لنا ، ونحن غير مكلّفين بفهم معناها ، وليس علينا سوى الإيمان بألفاظها فقط وتفويض أمر معناها
____________________
١ - انظر : شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى : باب ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد ، في أنّه تعالى ليس بجسم ، ص ٧٤.
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثالث ، ص ٥٧ - ٥٨.
إلى الله تعالى(١) .
دليل ذلك :
الآيات الصفات الخبرية من المتشابهة ، وقد نهى الله عن تأويلها ، وأمر العباد بالإيمان بها فقط ، فقال تعالى :
( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْکَ الْکِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْکَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْکِتَابِ وَ أُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ کُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ) [ آل عمران : ٧ ]
ومن هذا المنطلق يجب الاجتناب عن التعرّض لفهم معنى هذه الصفات ، وتفويض أمر معناها إلى الله تعالى.
يرد عليه :
صفات الله الخبرية ليست من الآيات المتشابهة ؛ لأنّ الإنسان يستطيع أن يصل إلى معانيها عن طريق فهمه للمجاز والكناية والاستعارة في اللغة العربية ، ولا يخفى بأنّ معرفة ظواهر الكتاب عن طريق معرفة ضوابط اللغة العربية ومعرفة كيفية التعامل مع المجازات والاستعارات والكنايات ، يعدّ نوعاً من أنواع البحث الذي من شأنه إيصال الباحث إلى العلم القطعي.
القول الرابع ( قول المؤوّلة ) : تأويل الصفات بصورة تنسجم مع تنزيه الله
يذهب أصحاب هذا القول إلى أنّ الالتزام بظاهر صفات الله الخبرية ، يؤدّي إلى التجسيم والتشبيه ، فلا سبيل سوى صرف ظاهر هذه الصفات إلى خلاف الظاهر ، وتأويل هذه الصفات إلى معان تنسجم مع تنزيه الله تعالى(٢) .
____________________
١ - انظر : الملل والنحل ، الشهرستاني : ج ١ ، الباب الأوّل ، الفصل الثالث ، ص ٩٢ و ١٠٤.
٢ - انظر : ارشاد الطالبين ، عبدالله السيوري : مباحث التوحيد ، ردّ أدلة الكرامية والمشبّهة ، ص ٢٣٠.
تنبيه :
التمسّك بالتأويل لا يكون إلاّ في حالات الاضطرار ، ولا يوجد هذا الاضطرار في فهم معنى الصفات الخبرية فيما لو كان لهذه الصفات في اللغة العربية - إضافة إلى المعاني الحسيّة - معان أخرى تنسب إليها من غير تأويل ، وسنوضّح هذا الأمر في القول اللاحق.
القول الخامس ( قول الإمامية ) الأخذ بالمعاني المجازية
يذهب أصحاب هذا القول إلى أنّ الصفات الخبريّة كما لها معان ظاهرية وحسيّة لا يمكن نسبتها إلى الله تعالى ، فإنّ لها أيضاً معان أخرى مجازية يعرفها العربي من غير تأويل ولا محاولة تفسير.
والكلمات المتضمّنة للمعاني المجازية بلا تأويل كثيرة ومتعارفة جدّاً في اللغة العربية.
مثال ذلك :
إنّ كلمة " اليد " كما تطلق على اليد الحسيّة التي يحمل بها الإنسان الأشياء ، فإنّها تطلق أيضاً على معنى " القدرة والسيطرة ".
ويمكن عند ذكر كلمة " اليد " فهم المعنى المقصود من خلال ملاحظة القرائن الموجودة ، فإذا قيل : حمل الأمير الحقيبة بيده ، فالمقصود واضح بأنّه حملها بيده الحسيّة ، وإذا قيل: البلد في يد الأمير ، فالمقصود أنّ البلد تحت سيطرة الأمير وقدرته ، وليس هذا المعنى الثاني على نحو التأويل والتفسير على خلاف ظاهرها ، بل هذا المعنى ثابت لها بالوضع في اللغة العربية.
مثال آخر :
كلمة " الأسد " كما تطلق على " الحيوان المفترس " فإنّها تطلق أيضاً على " الإنسان الشجاع " ، والسبيل للتمييز بين هذين المعنيين هو لحاظ القرائن ، فإذا قال أحد الأشخاص : رأيت أسداً في حديقة الحيوانات ، فإنّه يتبادر إلى الذهن " الحيوان المفترس " ولكنّه إذا قال : رأيت أسداً يرمي ، فإنّ المتبادر من كلمة الأسد مع لحاظ قرينة يرمي هو " الإنسان الشجاع ".
تنبيه :
الملاحظة المهمّة التي ينبغي الالتفات إليها في المثال السابق هي أنّ ثبوت معنى " الإنسان الشجاع " للفظ " الأسد " ثبوت " مجازي " متعارف في اللغة العربية ، وليس هو من قبيل " التأويل " أو " التفسير على خلاف ظاهر الكلمة ".
المبحث الثالث :بيان المعاني المقصودة من الصفات الخبرية
١ - الوجه
أوّلاً: " الوجه " إشارة إلى ذات الشيء(١) .
قال تعالى :( کُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَ يَبْقَى وَجْهُ رَبِّکَ ذُو الْجَلاَلِ وَ الْإِکْرَامِ ) [ الرحمن : ٢٦ - ٢٧ ]
أي : تبقى ذات الله وحقيقته ، وكلّ شيء ما سوى الله فان.
ثانياً : " وجه الله " إشارة إلى ما يتوجّه به إلى الله تعالى(٢) .
قال تعالى :( کُلُّ شَيْءٍ هَالِکٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ) [ القصص : ٨٨ ]
أي : كلّ شيء من أعمال العباد هالك وباطل إلاّ ما أريد به الله تعالى ، فإنّ ذلك يبقى ثوابه(٣) .
قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام حول هذه الآية : ( كلّ شيء هالك إلاّ دينه والوجه الذي يؤتى منه )(٤) .
وقال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام حول هذه الآية : ( كلّ شيء هالك إلاّ من أخذ طريق الحق)(٥) .
____________________
١ - انظر : أمالي المرتضى : ١ / ٥٩١.
المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في نفي التشبيه عنه تعالى ، ص ١٠٨.
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثالث ، ص ٦١.
٢ - انظر : الاعتقادات في دين الإمامية ، الشيخ الصدوق : باب ١ ، ص ٥.
أمالي المرتضى : ١ / ٥٩١.
٣ - انظر : أمالي المرتضى : ١ / ٥٩٢.
مجمع البيان ، الشيخ الطبرسي : ج ٧ ، تفسير آية ٨٨ من سورة القصص ، ص ٤٢١.
٤ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ١٢ ، ح ١ ، ص ١٤٤.
٥ - المصدر السابق ، ح ٢ ، ص ١٤٤.
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام حول هذه الآية : ( وجه الله أنبياؤه ورسله وحججه صلوات الله عليهم ، هم الذين بهم يتوجّه إلى الله وإلى دينه ومعرفته )(١) .
تنزيه الله تعالى عن الصورة :
إنّ الله تعالى منزّه عن الصورة.
وأمّا في الحديث المروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( إنّ الله خلق آدم على صورته ) ، فقد بيّن أئمة أهل البيتعليهمالسلام حقيقة هذا الحديث من زاويتين مختلفتين :
١ - قال أحد الأشخاص للإمام الرضاعليهالسلام : " يابن رسول الله ، إنّ الناس يروون أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : إنّ الله خلق آدم على صورته.
فقالعليهالسلام : ( قاتلهم الله ، لقد حذفوا أوّل الحديث ، إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله مرّ برجلين يتسابان ، فسمع أحدهما يقول لصاحبه : قبّح الله وجهك ووجه من يشبهك ، فقالصلىاللهعليهوآله : يا عبدالله ، لا تقل هذا لأخيك ، فإنّ الله عزّ وجلّ خلق آدم على صورته )(٢) .
٢ - سُئل الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام حول حديث : ( إنّ الله عزّ وجلّ خلق آدم على صورته ) ،
فقالعليهالسلام : ( هي صورة محدثة مخلوقة اصطفاها الله واختارها على ساير الصور المختلفة ، فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه والروح إلى نفسه ، فقال :( بَيْتِيَ ) [ البقرة : ١٢٥ ] وقال :( وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) [ الحجر : ٢٩ ](٣) .
تتمة :
١ - سأل نصراني الإمام عليعليهالسلام : أخبرني عن وجه الربّ تبارك وتعالى ؟ فدعا عليعليهالسلام بنار وحَطَب فأضرمه ، فلمّا اشتعلت ، قال عليعليهالسلام : ( أين وجه هذه النار ؟ )
قال النصراني : هي وجه من جميع حدودها.
____________________
١ - المصدر السابق : باب ٨ : باب ما جاء في الرؤية ، ح ٢١ ، ص ١١٤.
٢ - المصدر السابق : باب ١٢، ح ١١ ، ص ١٤٧ - ١٤٨.
٣ - المصدر السابق ، باب٦ ، ح١٨ ، ص١٠٠.
قال عليعليهالسلام : ( هذه النار مدبّرة مصنوعة لا يعرف وجهها ، وخالقها لا يشبهها ، ولله المشرق والمغرب فأينما تولّوا فثمّ وجه الله )(١) .
٢ - إنّ " وجه الله " في قوله تعالى :( نُطْعِمُکُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ ) [ الإنسان : ٩ ] يعني موجّهاً إلى الله تعالى بإخلاص ومن دون رياء أو شائبة(٢) .
٢ - العين :
العين كناية عن الرعاية والحفظ والإشراف والحماية.
قال تعالى :( وَ اصْنَعِ الْفُلْکَ بِأَعْيُنِنَا ) [ هود : ٣٧ ]
أي : واصنع الفلك في ظلّ إشرافنا ورعايتنا وحمايتنا(٣) .
وقال تعالى ،( وَ اصْبِرْ لِحُکْمِ رَبِّکَ فَإِنَّکَ بِأَعْيُنِنَا ) [ طور : ٤٨ ]
أي : واصبر لحكم ربّك فإنّك في ظلّ عنايتنا وحفظنا ورعايتنا(٤) .
٣ - اليد :
المعنى الأوّل : اليد تعني " القوّة " و " القدرة "
قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : ( اليد في كلام العرب القوّة والنعمة ، قال [ تعالى ] :( وَاذْکُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ ) [ ص : ١٧ ] [ أي : ذا القوّة ] ، وقال [ تعالى ] :( وَ السَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ ) [ الذاريات : ٤٧ ] أي : بقوّة )(٥) .
قال تعالى :( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) [ الفتح : ١٠ ]
أي : قوّة الله وقدرته أعلى وأقوى من قوّتهم وقدرتهم(٦) .
قال تعالى :( يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَکَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) [ ص : ٧٥ ]
____________________
١ - المصدر السابق : باب ٢٨ ، ح ١٦ ، ص ١٧٧.
٢ - انظر : مجمع البيان ، الشيخ الطبرسي : ج ١٠ ، تفسير آية ٩ من سورة الإنسان ، ص ٦١٧.
٣ - انظر : اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري : اللامع الثامن ، المرصد الأوّل ، ص ١٧٣.
٤ - انظر : المنقد من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في نفي الشبيه عنه تعالى ، ص ١٠٧.
٥ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ١٣ ، ح ١ ، ص ١٤٨.
٦ - انظر : اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري : اللامع الثامن ، المرصد الأوّل ، ص ١٧٣.
أي: لما خلقت بقوّتي وقدرتي(١) .
المعنى الثاني: اليد تعني النعمة(٢)
" غل اليد " يعني البخل والتقتير.
و" بسط اليد " يعني البذل والجود.
قال تعالى :( وَ قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ کَيْفَ يَشَاءُ ) [المائدة : ٦٤ ]
أي : قالت اليهود بأنّ الله تعالى بخيل ويقتّر الأرزاق على العباد.
فردّ الله تعالى عليهم: بل يداه(٣) مبسوطتان ، أي : إنّه تعالى في غاية الجود والبذل والسخاء.
تنبيه :
إنّ أخذ عبارة " غل اليد " بمعنى البخل ، و " بسط اليد " بمعنى البذل في هذه الآية يشبه قوله تعالى :( وَ لاَ تَجْعَلْ يَدَکَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِکَ وَ لاَ تَبْسُطْهَا کُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ
____________________
١ - انظر : أمالي المرتضى : ج ١ ، مجلس آخر ، تأويل آية ، ص ٥٦٥ - ٥٦٦.
وقيل : " اليد " في هذه الآية كناية عن النفس ، أي : ما منعك أن تسجد لما خلقت أنا وهذا نظير قوله تعالى :( فَبِمَا کَسَبَتْ أَيْدِيکُمْ ) [الشورى : ٣٠] أي : بما كسبتموه أنتم ؛ لأنّه ليس كلّ ما اكتسبوه من ذنوب كان بأيديهم.
انظر : أمالي المرتضى : ج ١ ، مجلس آخر ، تأويل آية ، ص ٥٦٥.
المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في نفي الشبيه عنه تعالى ، ص ١٠٧.
وقيل : " خلقت بيدي " تعني : تولّيت خلقه ( أي : خلق آدمعليهالسلام ) بنفسي من غير واسطة.
انظر : مجمع البيان ، الشيخ الطبرسي : ج ٨ ، تفسير آية ٧٥ من سورة (ص) ، ص ٧٥٧.
٢ - قيل : أطلقت كلمة " اليد " على " النعمة " ؛ لأنّ اليد آلة إعطاء النعمة.
انظر : اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري : اللامع الثامن ، المرصد الأوّل ، ص ١٧٣.
٣ - وردت لفظة اليد على نحو التثنية ، وسبب ذلك :
١ - مبالغة في الجود والإنعام ؛ لأنّ ذلك أبلغ من أن يقول : بل يده مبسوطة.
٢ - المراد هي النعم الدنيوية والنعم الأخروية أو النعم الظاهرية والنعم الباطنية ، وإذا ذهبنا إلى أنّ معنى اليد في هذه الآية هو " القوّة " فيكون المراد من تثينة لفظ اليد هو الإشارة إلى أنّ قوّة الله تعالى مبسوطة في إثابة العباد وعقابهم بخلاف قول اليهود الذين قالوا بأنّ يد الله مقبوضة عن عذابنا.
انظر : مجمع البيان ، الشيخ الطبرسي : ج ٣ ، تفسير آية ٦٤ من سورة المائدة ، ص ٣٤٠.
مَلُوماً مَحْسُوراً ) [ الإسراء : ٢٩ ]
٤ - اليمين :
اليمين تعني القدرة والقوّة
قال تعالى :( وَ السَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) [ الزمر : ٦٧ ]
أي : السماوات مطويّات بقدرته وقوّته.
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام حول هذه الآية : ( اليمين : اليد ، واليد : القدرة والقوّة ، يقول عزّ وجلّ : والسماوات مطويّات بقدرته وقوّته )(١) .
٥ - القبضة :
القبضة تعني الملك.
قال تعالى :( وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) [ الزمر : ٦٧ ]
أي : الأرض جميعاً ملكه يوم القيامة.
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام حول هذه الآية : ( يعني [ الأرض جميعاً ] ملكه لا يملكها معه أحد )(٢) .
٦ - الساق :
المعنى الأوّل : الساق كناية عن شدّة الأمر(٣) .
قال تعالى :( يَوْمَ يُکْشَفُ عَنْ سَاقٍ ) [ القلم : ٤٢ ]
أي : يوم القيامة يوم الشدّة والأهوال.
قال الشيخ المفيد حول هذه الآية : " يريد به يوم القيامة يكشف فيه عن أمر شديد صعب عظيم وهو الحساب والموافقة على الأعمال ، والجزاء على الأفعال ، وظهور السرائر وانكشاف البواطن فعبّر بالساق عن الشدّة "(٤) .
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ١٧، ح ٢، ص ١٥٧.
٢ - المصدر السابق.
٣ - انظر : الاعتقادات ، الشيخ الصدوق : باب ١ ، ص ٥.
٤ - تصحيح اعتقادات الإمامية ، الشيخ المفيد : معنى كشف الساق ، ص ٢٨ - ٢٩.
قال الشريف الرضي حول سبب استعمال العرب " الساق " كناية عن الشدّة : " لأنّ من عادة الناس أن يشمّروا عن سوقهم عند الأمور الصعبة "(١) .
وقد ورد عن الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام حول هذه الآية : ( أُفحِم القوم(٢) ودخلتهم الهيبة ، وشخصت الأبصار ، وبلغت القلوب الحناجر ، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة )(٣) .
المعنى الثاني : الساق إشارة إلى حجاب من نور.
قال تعالى :( يَوْمَ يُکْشَفُ عَنْ سَاقٍ ) [ القلم : ٤٢ ]
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام حول هذه الآية : ( حجاب من نور يكشف )(٤) .
٧ - الجنب :
جنب الله كناية عمّا هو قريب من الله ، من قبيل رسوله وأوليائه ، وما فيه مرضاته ، وبصورة عامّة يمكن القول بأنّ جنب الله يعني طاعته تعالى(٥) .
قال تعالى :( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) [ الزمر : ٥٦ ]
أي : على ما فرّطت في اتّباع رسول الله واتّباع السبيل الذي أمرني بالتمسّك به من بعده ، أو بصورة عامّة على ما فرّطت في طاعة الله عزّ وجلّ.
قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : ( معنى جنب الله ، أنّه ليس بشيء أقرب إلى الله من رسوله ، ولا أقرب إلى رسوله من وصيّه ، فهو في القرب كالجنب ، وقد بيّن الله تعالى ذلك في كتابه بقوله :( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ
____________________
١ - المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثالث ، ص ٦٢ ، هامش رقم ٥٠.
٢ - الإفحام يعني الإسكات بالحجّة.
المنجد في اللغة : مادة ( فحم ) ، ص ٥٧١.
٣ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ١٤ ، ح ٢ ، ص ١٥٠.
٤ - المصدر السابق : ح ١ ، ص ١٤٩.
٥ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٢ ، ذيل ح ٢ ، ص ١٦٠ - ١٦١.
اللَّهِ ) يعني في ولاية أوليائه )(١) .
٨ - النفس :
النفس تعني ذات الشيء.
قال تعالى :( تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَ لاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِکَ ) [ المائدة : ١١٦ ]
أي : تعلم ما أغيّبه ولا أعلم ما تغيّبه(٢) .
أي : يحذّركم الله إيّاه من عقابه.
ويحتمل أن يكون المقصود من ذكره تعالى لنفسه :
أن يحذّر العباد من العقاب الذي يأتي من قبله ويصدر عن أمره لا العقاب الذي يصدر من غيره ؛ لأنّ العقاب الذي يصدر مباشرة من الله تعالى يكون أبلغ تأثيراً وأشد ألماً(٣) .
٩ - الروح :
الروح عبارة عن مخلوق اصطفاه الله ونسبه إلى نفسه تكريماً له كما نسب إلى نفسه بعض الأشياء المخلوقة ، فقال : عبدي، جنّتي ، ناري ، سمائي وأرضي(٤) .
قال تعالى :( نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) [ الحجر : ٢٩ ]
قال الإمام محمّد بن على الباقرعليهالسلام حول هذه الآية : ( روح اختاره الله واصطفاه وخلقه وأضافه إلى نفسه وفضّله على جميع الأرواح ، فأمر فنفخ منه في آدم )(٥) .
وقالعليهالسلام في حديث آخر أيضاً : ( وإنّما أضافه إلى نفسه; لأنّه اصطفاه على سائر الأرواح كما اصطفى بيتاً من البيوت ، فقال : بيتي ، وقال لرسول من الرسل : خليلي ، وأشباه ذلك ، وكلّ ذلك مخلوق مصنوع محدَث مربوب
____________________
١ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٤ ، كتاب التوحيد ، أبواب تأويل الآيات ، باب ١.
٢ - انظر : الاعتقادات ، الشيخ الصدوق : باب ١ ، ص ٧.
٣ - انظر : حقائق التأويل ، الشريف الرضي : المسألة السابعة ، ص ٧٨.
٤ - انظر : الاعتقادات ، الشيخ الصدوق : باب ١ ، ص ٥.
٥ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٧ ، ح ١ ، ص ١٦٦.
مدبَّر )(١) .
١٠ - المجيء والإتيان :
نسبة المجيء والاتيان إلى الله تكون بعد حذف شيء مضاف إلى الله تعالى ، وهذا الحذف أمر متعارف في اللغة العربية.
قال تعالى :( وَ جَاءَ رَبُّکَ وَ الْمَلَکُ صَفّاً صَفّاً ) [ الفجر : ٢٢ ]
أي : وجاء أمر ربّك(٢) ، كما قال تعالى في آية أخرى :( يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّکَ ) [ النحل : ٣٣]
وقال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام حول هذه الآية : ( إنّ الله عزّ وجلّ لا يوصف بالمجيء والذهاب ، تعالى عن الانتقال، إنّما يعني بذلك وجاء أمر ربّك )(٣) .
وقال تعالى :( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَ الْمَلاَئِکَةُ ) [ البقرة : ٢١٠ ]
أي : أن يأتيهم عذاب الله(٤) ، أو يأتيهم وعده ووعيده(٥) .
١١ - العرش :
قال تعالى :( الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) [ طه : ٥ ]
ما هو عرش الله ؟
قال الإمام عليعليهالسلام : ( ليس العرش كهيئة السرير ، ولكنّه شيء محدود ، مخلوق ، مدبّر ، وربّك عزّ وجلّ مالكه وأمر الملائكة بحمله، فهم يحملون العرش بما
____________________
١ - المصدر السابق : ح ٣ ، ص ١٦٧.
٢ - انظر : الاعتقادات ، الشيخ الصدوق : باب ١ ، ص ٦.
٣ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ١٩ ، ح ١ ، ص ١٥٨.
٤ - انظر : الاعتقادات ، الشيخ الصدوق : باب ١ ، ص ٦.
٥ - انظر : المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في نفي الشبيه عنه تعالى، ص ١٠٦.
أقدرهم عليه )(١) .
متى خلق الله العرش ؟
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( إنّ الله تبارك وتعالى خلق العرش قبل خلق السماوات والأرض )(٢) .
لماذا خلق الله العرش ؟
قال الإمام علي (عليهالسلام ) : " إنّ الله تعالى خلق العرش إظهاراً لقدرته ، لا مكاناً لذاته "(٣) .
ويجد المتأمّل في الآيات القرآنية التي ورد فيها نسبة " العرش " إلى الله أنّه تعالى ذكر مسألة تدبير شؤون الخلق في العديد من هذه الآيات بعد ذكر استوائه على العرش.
قال تعالى :( إِنَّ رَبَّکُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) [ يونس : ٣ ]
وقال تعالى :( اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) [ الرعد : ٢ ]
وقال تعالى :( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ) [ السجدة : ٤ - ٥ ]
فنستنتج بأنّ العرش مخلوق جعله الله تعالى المنطلق لتدبير شؤون خلقه.
معنى استواء الله على العرش
الاستواء يعني استقرار شيء على شيء ، كما أنّه كناية عن الاستيلاء والهيمنة والسيطرة والسيادة(٤) ، وبما أنّ الله تعالى منزّه عن الاستقرار المكاني فيلزم الأخذ بالمعنى المجازي.
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٤٨ ، ح ٣ ، ص ٣٠٩.
٢ - المصدر السابق : باب ٤٩ ، ح ٢ ، ص ٣١٣.
٣ - الفرق بين الفرق ، عبدالقاهر البغدادي : ص ٢٠٠ ، نقلاً عن الإلهيات ، جعفر السبحاني : ٢ / ١١٨.
٤ - انظر : مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني : مادة ( سوا ) ، ص ٤٣٩.
قال تعالى :( الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) [ طه : ٥ ]
أي : الرحمن على العرش استولى وهيمن وسيطر عليه ،(١) ليدبّر من خلال ذلك أمور خلقه.
أحاديث أهل البيتعليهمالسلام حول استواء الله على العرش :
١ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( لا أنّه عليه ككون الشيء على الشيء )(٢) .
٢ - قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( لا يوصف بالكون على العرش ؛ لأنّه ليس بجسم ، تعالى الله عن صفة خلقه علوّاً كبيراً )(٣) .
٣ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( من زعم هذا [ أي : من زعم أنّ الرب فوق العرش ] فقد صيّر الله محمولاً ، ووصفه بصفة المخلوقين ، ولزمه أنّ الشيء الذي يحمله أقوى منه )(٤) .
٤ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( هو مستول على العرش ، بائن من خلقه من غير أن يكون العرش حاملاً له ، ولا أنّ العرش محلّ له ونفينا أن يكون العرش حاوياً له ، وأن يكون عزّ وجلّ محتاجاً إلى مكان أو إلى شيء مما خلق ، بل خلقه محتاجون إليه )(٥) .
٥ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام حول قوله تعالى :( الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) : ( استوى من كلّ شيء ، فليس شيء أقرب إليه من شيء )(٦) .
____________________
١ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٤٨ ، ذيل ح ٩ ، ص ٣١٠ - ٣١١.
غنية النزوع ، ابن زهرة الحلبي : ج ٢ ، الفصل الخامس ، ص ٤٨ المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الأوّل ، المطلب الثالث ، ص ٦٣.
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق ، باب ٤٨ ، ح ٣ ، ص ٣٠٩.
٣ - المصدر السابق : باب ٤٩ ، ح ٢ ، ص ٣١٣.
٤ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٤٩ ، ح ١ ، ص ٣١٢.
٥ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٣ ، كتاب التوحيد ، باب ٣ ، ح ٣ ، ص ٢٩ - ٣٠.
٦ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٤٨ ، ح ١ ، ص ٣٠٨.
١٢ - الكرسي :
المعنى الأوّل : الكرسي المنسوب إلى الله عبارة عن وعاء محيط بالسماوات والأرض.
قال تعالى :( وَسِعَ کُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ ) [ البقرة : ٢٥٥ ]
أي : الكرسي مخلوق إلهي محيط بالسماوات والأرض.
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( خلق [ الله تعالى ] الكرسي فحشاه السماوات والأرض ، والكرسي أكبر من كلّ شيء خلقه الله ، ثمّ خلق العرش فجعله أكبر من الكرسي )(١) .
وعنهعليهالسلام أيضاً : ( كلّ شيء خلقه الله في جوف الكرسي ما خلا عرشه ، فإنّه أعظم من أن يحيط به الكرسي )(٢) .
المعنى الثاني : الكرسي في اللغة العربية له معنيان :
أوّلاً : السرير
قال تعالى في قصّة سليمان :( وَ أَلْقَيْنَا عَلَى کُرْسِيِّهِ جَسَداً ) [ ص : ٣٤ ]
ثانياً : العلم(٣) ، ولهذا يقال للصحيفة المتضمّنة للعلم المكتوب : كراسة(٤)
قال تعالى :( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مَا خَلْفَهُمْ وَ لاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ کُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ ) [ البقرة : ٢٥٥ ]
سئل الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام عن قول الله عزّ وجلّ : ( وسع كرسيه السماوات والأرض ) قالعليهالسلام : هو علمه(٥) .
١٣ - اللقاء :
اللقاء بشخص عظيم يعني الدخول تحت حكمه وقهره.
____________________
١ - الاحتجاج ، الشيخ الطبرسي : ج ٢ ، احتجاجات الإمام الصادقعليهالسلام ، رقم ٢٢٣ ، ص ٢٥٠.
٢ - المصدر السابق : ص ٢٤٩.
٣ - انظر : لسان العرب ، ابن منظور : ج ١٢، مادة ( كرس ) ، ص ٦٨.
٤ - انظر : جامع البيان ، ابن جرير الطبري : ج ٣ ، تفسير آية ٢٥٥ من سورة البقرة ، ذيل ح ٤٥٢٤ ، ص ١٥.
٥ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٥٢، ح ١ ، ص ٣١٩.
قال تعالى :( أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ ) [ البقرة : ٤٦ ]
وقال تعالى :( يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ) [ التوبة : ٧٧ ]
فيحتمل في معنى اللقاء في هاتين الآيتين :
أوّلاً : إنّهم سيكونون يوم القيامة تحت حكم الله وقهره.
ثانياً : في الكلام حذف مضاف ، أي : إنّهم ملاقوا جزاء ربّهم(١) .
١٤ - القرب :
القرب بالنسبة إلى الله يعني القرب بالعلم والقدرة ، ولا يمكن نسبة القرب المكاني والزماني إلى الله ؛ لأنّه تعالى منزّه عن ذلك.
قال تعالى :( وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) [ ق : ١٦ ]
أي : نحن أقرب إليه بالعلم والإحاطة والإشراف والسمع والبصر(٢) .
١٥ - الرضا والغضب :
قال تعالى :( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ) [ المائدة : ١١٩ ]
وقال تعالى :( غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) [ الفتح : ٦ ]
سبب تنزيه الله تعالى عن الرضا والغضب الانفعالي :
١ - سُئل الإمام الصادقعليهالسلام عن الله تبارك وتعالى أله رضا وسخط ؟ فقالعليهالسلام : ( نعم ، وليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين ، وذلك أنّ الرضا والغضب دِخال يدخل عليه فينقله من حال إلى حال ، مُعتَمَل(٣) ، مركّب ، للأشياء فيه مدخل ، وخالقنا لا مدخل للأشياء فيه ، واحد ، أحدي الذات وأحدي المعنى )(٤) .
____________________
١ - انظر : اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري : اللامع الثامن ، المرصد الأوّل ، ص ١٧٨.
٢ - انظر : التبيان في تفسير القرآن ، الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي : ج٩ ، تفسير آية ١٦ من سورة ق ، ص٣٦٤.
٣ - معتمل يعني منفعل يتأثّر من الأشياء.
٤ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٦ ، ح ٣ ، ص ١٦٥.
٢ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( إنّه إذا دخله الضجر والغضب دخله التغيير ، وإذا دخله التغيير لم يؤمن عليه الإبادة ، ولو كان ذلك كذلك لم يعرف المكوِّن من المكوَّن ، ولا القادر من المقدور ، ولا الخالق من المخلوق ، تعالى الله عن هذا القول علوّاً كبيراً)(١) .
٣ - قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام حول غضب الله تعالى : ( من زعم أنّ الله عزّ وجلّ زال من شيء إلى شيء فقد وصفه صفة مخلوق ، إنّ الله عزّ وجلّ لا يستفزّه شيء ولا يغيّره)(٢) .
٤ - قال الإمام عليعليهالسلام : ( يحبّ ويرضى من غير رقّة ، ويبغض ويغضب من غير مشقّة)(٣) .
المقصود من الرضا والغضب المنسوب إلى الله تعالى
١ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( فرضاه ثوابه وسخطه عقابه من غير شيء يتداخله فيهيجه وينقله من حال إلى حال ، فإنّ ذلك صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين ، وهو تبارك وتعالى القويّ العزيز الذي لا حاجة به إلى شيء مما خلق ، وخلقه جميعاً محتاجون إليه)(٤) .
٢ - سئل الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : يابن رسول الله أخبرني عن الله عزّ وجلّ هل له رضا وسخط ؟
فقالعليهالسلام : ( نعم ، وليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين ، ولكنّ غضب الله عقابه ، ورضاه ثوابه ).
النتيجة :
صفة الرضا والغضب تتضمّن معنى التغيير والانفعال ، وبما أنّ الله منزّه عن هذه المعاني ، فيلزم أن يكون إطلاق هذه الصفات عليه تعالى من باب المجاز ، وتكون
____________________
١ - المصدر السابق ، ح ٢ ، ص ١٦٤ - ١٦٥.
٢ - المصدر السابق : ح ١ ، ص ١٦٤.
٣ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : خطبة ١٨٦ ، ص ٣٦٧ - ٣٦٨.
٤ - المصدر السابق : ح ٣ ، ص ١٦٥.
هذه الصفات كناية عن ثوابه وعقابه.
تنبيه :
إذا تعلّق رضا الله وغضبه بالمكلَّف فالمقصود إثابة الله وعقابه ، ولكنّ إذا تعلّق رضا الله وغضبه بأفعال العباد فالمقصود يكون الأمر والنهي.
فعندما نقول : إنّ الله يرضى الطاعة ، فالمعنى : أنّه تعالى يأمر بها.
وعندما نقول : إنّ الله يغضب من المعصية ، فالمعنى : أنّه تعالى ينهى عنها(١) .
١٦ - السخرية والاستهزاء والمكر والخداع :
قال تعالى :( سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ) [ التوبة : ٧٩ ]
( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) [ البقرة : ١٥ ]
( وَ مَکَرُوا وَ مَکَرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْمَاکِرِينَ ) [ آل عمران : ٥٤ ]
( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ ) [ النساء : ١٤٢ ]
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام :
( إنّ الله تبارك وتعالى لا يسخر ولا يستهزىء ولا يمكر ولا يخادع ، ولكنّه عزّ وجلّ يجازيهم جزاء السخرية ، وجزاء الاستهزاء ، وجزاء المكر والخديعة ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً )(٢) .
١٧ - النسيان :
نسيان الله لبعض العباد يعني إهماله تعالى لهم ، وعدم الاهتمام بهم ، وتركهم لشأنهم ، فإذا فعل الله بهم ذلك فإنّهم سينسون أنفسهم ، ويكون ذلك عقوبة من الله لهم إزاء نسيانهم لله تعالى.
قال تعالى :( نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ) [ التوبة : ٦٧ ]
____________________
١ - انظر : كنز الفوائد ، أبو الفتح الكراجكي : ج ١ ، القول في الغضب والرضا ، ص٨٤.
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢١ ، ح ١ ، ص ١٥٩.
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام حول هذه الآية : ( إنّ الله تبارك وتعالى لا ينسى ولا يسهو ، وإنّما ينسى ويسهو المخلوق المحدَث ، ألا تسمعه عزّ وجلّ يقول :( وَ مَا کَانَ رَبُّکَ نَسِيّاً ) [ مريم : ٦٤ ]
وإنّما يجازي من نسيه ونسي لقاء يومه بأن ينسيهم أنفسهم ، كما قال عزّ وجلّ :( وَ لاَ تَکُونُوا کَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولٰئِکَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) [ الحشر : ١٩ ]
وقوله عزّ وجلّ :( فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ کَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هٰذَا ) [ الأعراف : ٥١ ].
أيّ نتركهم كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا )(١) .
وقال الإمام عليعليهالسلام : ( أمّا قوله :( نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ) إنّما يعني نسوا الله في دار الدنيا ، لم يعملوا بطاعته ، فنسيهم في الآخرة ، أي : لم يجعل لهم في ثوابه شيئاً فصاروا منسيين من الخير)(٢) .
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ١٦ ، ح ١ ، ص ١٥٥.
٢ - المصدر السابق ، باب ٣٦ ، ح ٥ ، ص ٢٥٣.
الفصل السادس عشر :أسماء اللّه تعالى
معنى وأقسام الاسم
الهدف من وجود الأسماء لله تعالى
أسماء الله الحسنى
إحصاء أسماء الله تعالى
خصائص أسماء الله تعالى
توقيفية أسماء الله تعالى
بيان أسماء الله ومعانيها
المبحث الأوّل :معنى وأقسام الاسم
معنى الاسم :
الاسم كلمة تدلّ على معنى تام غير مقيّد بزمان(١) .
والأسماء : ألفاظ حاكية عن مسمّاها الخارجي(٢) .
أقسام الاسم :
يؤخذ الاسم من عدّة جهات ، منها :
١ - يؤخذ من الذات بنفسها : كزيد وعمر ، ومن قبيل لفظ الجلالة " الله ".
٢ - يؤخذ من جزء الذات : كالجسم للإنسان ، وهذا القسم محال على الله تعالى ؛ لأنّه ليس له جزء.
٣ - يؤخذ من وصف الذات ( الوصف الإيجابي ) : وهو الاسم الدال على الذات الموصوفة بصفة إيجابية معيّنة ، كلفظ " العالم " ، فإنّه اسم يدل على ذات متّصفة بالعلم.
٤ - يؤخذ من وصف الذات ( الوصف السلبي ) : وهو الاسم الذي يطلق على الذات باعتبار عدم اتّصافها بالصفة السلبية ، كلفظ " القدّوس " ، ومعناه الطاهر المنزّه عن كلّ عيب ونقص.
٥ - يؤخذ من مبدأ الفعل ( الوصف الفعلي ) : وهو الاسم الذي يطلق على الذات من حيث قيامها ببعض الأفعال ، كالخالق والرازق.
____________________
١ - انظر : مبادىء العربية ، رشيد الشرتوني : ج ٢ ، باب الصرف ، ص ٣١.
٢ - انظر : كنز الفوائد ، أبو الفتح الكراجكي : ج ١ ، فصل في معرفة الاسم والصفة ، ص ٧٠.
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج الخامس ، البحث الرابع عشر ، ص ٢٢٥.
تقسيم آخر للإسم :(١)
١ - اسم محض : الاسم الدال على الذات من غير ملاحظة صفة.
٢ - اسم صفة : الاسم الدال على الذات باعتبار اتّصافها بصفة معيّنة.
الفرق بين الاسم والصفة :
١ - في خصوص وجود " ذات " و " صفة " :
إذا نظرنا إلى الصفة بما هي صفة فسيطلق عليها عنوان " الصفة ".
وإذا نظرنا إلى الذات من منطلق تلبّس الصفة بها فسيطلق عليها عنوان " الاسم "(٢) .
٢ - " الصفة " تشير إلى معنىً تتلبّس به الذات.
" الاسم " يشير إلى الذات باعتبار تلبّسه بإحدى الصفات.
فالحياة والعلم صفتان ، والحي والعالم اسمان(٣) .
٣ - " الصفة " لا تكون محمولاً ، فلا يقال : الله علم ، الله خلق.
ولكن " الاسم " يكون محمولاً ، فيقال : الله عالم ، الله خالق.
____________________
١ - معجم الفروق اللغوية : أبو هلال العسكري : رقم ١٨٥ ، الفرق بين الاسم والتسمية ص ٥١.
وانظر : بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٤ ، ب ١ ، ذيل ح ١ ، ص ١٥٥.
٢ - انظر : التوحيد ، تقريراً لدروس السيّد كمال الحيدري ، بقلم : جواد علي كسار : ١ / ١١٢.
٣ - انظر : الميزان في تفسير القرآن ، للسيّد محمّد حسين الطباطبائي : ج٨ ، تفسير سورة الأعراف الآية ١٨٠ - ١٨٦ ، كلام في الأسماء الحسنى في فصول ، الفصل الثاني : نسب الصفات والأسماء إلينا ، ص ٣٥٢.
المبحث الثاني :الهدف من وجود الاسماء لله تعالى
١ - ليعرفه ويدعوه بها.
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام حول اختيار الله الأسماء لنفسه : ( اختار لنفسه أسماء لغيره يدعوه بها ؛ لأنّه إذا لم يدع باسمه لم يعرف )(١) .
٢ - ليتوسّل بها إلى الله تعالى.
قال الإمام محمّد بن علي الجوادعليهالسلام : ( ثمّ خلقها ( أي : خلق الله الأسماء لتكون ) وسيلة بينه وبين خلقه يتضرّعون بها إليه ويعبدونه )(٢) .
نماذج من التوسّل بأسماء الله تعالى :
١ - عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( أسألك بكلّ اسم سمّيت به نفسك )(٣) .
٢ - عنهصلىاللهعليهوآله : ( وأسألك يا الله بحقّ هذه الأسماء الجليلة الرفيعة عندك العالية المنيعة التي اخترتها لنفسك واختصصتها لذكرك وجعلتها دليلةً عليك وسبباً إليك )(٤) .
٣ - قال الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام في دعاء المشلول : ( اللّهم إنّي أسألك بكلّ اسم هو لك )(٥) .
٤ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( أسألك بكلّ اسم مقدّس مطهّر
____________________
١ - الكافي ، الشيخ الكليني : كتاب التوحيد ، باب حدوث الأسماء ، ح ٢ ، ص ١١٣.
٢ - المصدر السابق : باب معاني الأسماء واشتقاقها ، ح ٧ ، ص ١١٦.
٣ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٩٣ ، ب ١٣ ، ح ١ ، ص ٢٦٧.
٤ - المصدر السابق : ج ٩٤ ، ب ٣٨ ، ح ١٧ ، ص ٢١٨.
٥ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ٤ ، كتاب الحج ، باب دعاء الدم ، ح١ ، ص ٤٥٢.
مكنون اخترته لنفسك )(١) .
____________________
١ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٨٦ ، ب ٦٧ ، ح ٦٧ ، ص ٣١٦.
المبحث الثالث :أسماء الله الحسنى
قال تعالى :( وَ لِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) [ الأعراف : ١٨٠ ]
المقصود من الأسماء الحسنى في هذه الآية :
١ - إنّ الألف واللام في الأسماء الحسنى ، ليست للعهد ليكون المقصود منها الإشارة إلى الأسماء الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة ، بل الألف واللام هنا للاستغراق وإفادة العموم.
٢ - تقديم " الله " في هذه الآية يفيد الحصر.
أي : إنّه تعالى هو المتفرّد في امتلاك أسمى مراتب الكمال بحيث أوجب له ذلك الاتّصاف بالأسماء الحسنى.
وأمّا غيره فليس له من الكمال إلاّ بمقدار ما يعطيه الله أو يتيح له مجال كسب ذلك.
المبحث الرابع :احصاء أسماء الله تعالى
ورد عن الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهماالسلام عن آبائه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( إنّ لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسماً مائة إلاّ واحداً ، من أحصاها دخل الجنّة ، وهي :
الله ، الإله ، الواحد ، الأحد ، الصمد ، الأوّل ، الآخر ، السميع ، البصير ، القدير ، القاهر ، العليّ ، الأعلى ، الباقي ، البديع ، البارىء ، الأكرم ، الظاهر ، الباطن ، الحيّ ، الحكيم ، العليم ، الحليم ، الحفيظ ، الحقّ ، الحسيب ، الحميد ، الحفيّ ، الربّ ، الرحمن ، الرحيم ، الذارىء ، الرازق ، الرقيب ، الرؤوف ، الرائي ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبّار ، المتكبّر ، السيّد ، السبّوح ، الشهيد ، الصادق ، الصانع ، الطاهر ، العدل ، العفوّ ، الغفور ، الغنيّ ، الغياث ، الفاطر ، الفرد ، الفتّاح ، الفالق ، القديم ، الملك ، القدّوس، القوي ، القريب ، القيّوم ، القابض ، الباسط ، قاضي الحاجات ، المجيد ، المَولى ، المنّان ، المحيط ، المبين ، المقيت ، المصوّر الكريم ، الكبير ، الكافي ، كاشف الضرّ ، الوِتر ، النور ، الوهّاب ، الناصر ، الوَدود ، الهادي ، الوفيّ ، الوكيل ، الوارث ، البَرّ ، الباعث ، التوّاب ، الجليل ، الجواد ، الخبير ، الخالق ، خير الناصرين ، الديّان ، الشكور ، العظيم ، اللطيف ، الشافي(١) (٢) .
معنى إحصاء أسماء الله تعالى :
١ - قال الشيخ الصدوق : " إحصاؤها هو الإحاطة بها والوقوف على معانيها ،
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ح ٨ ، ص ١٨٩.
٢ - أسماء الله تعالى أزيد من تسعة وتسعين ، ويعود سبب اقتصار هذا الحديث على هذا العدد لامتياز الأسماء المذكورة في هذا الحديث عن غيرها في امتلاكها خاصية دخول الجنّة لمحصيها.
انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ج ١ ، المقصد الأوّل ، الباب السادس ، الفصل الثاني ، ص ١٠٠ وجاء في الدعاء المشهور بدعاء الجوشن الوارد عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ألف اسم من أسماء الله الحسنى.
وليس معنى الإحصاء عدّها )(١) .
٢ - معرفة معاني الأسماء على سبيل المشاهدة القلبية ، والوصول إلى مرتبة اليقين من معرفتها عن طريق رؤية حقائقها بوضوح ، ولا يتمّ ذلك إلاّ بعد تهذيب النفس من الشوائب وتطهير القلب من الأدران.
٣ - التخلّق بما يصح التخلّق به من هذه الأسماء الإلهية والتحلّي بمحاسنها ، ولهذا قالعليهالسلام : ( تخلّقوا بأخلاق الله )(٢) .
تنبيه :
التخلّق بأخلاق الله لا يعني وجود مشابهة بين العبد وربّه ؛ لأنّه تعالى ليس كمثله شيء ، وإنّما يكون التشابه في مظاهر الصفات لا حقيقتها.
٤ - الإحصاء يعني الإطاقة ، قال تعالى :( عَلِمَ أَنْ تُحْصُوهُ ) [ المزمل : ٢٠ ] ، أي : لن تطيقوه ، فعبارة " من أحصى أسماء الله دخل الجنة ، تعني : من أطاق وتحمّل التحلّي والاتّصاف بها قدر وسعه دخل الجنّة(٣) .
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ذيل ح ٩ ، ص ١٩٠.
٢ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٦١ ، ب ٤٢ ، ص ١٢٩.
٣ - ذهب السيّد فضل الله الراوندي في شرح الشهاب إلى هذا القول ، نقلاً عن علم اليقين في أصول الدين : للشيخ المولى محسن الكاشاني ، ج ١ ، المقصد الأوّل : في العلم بالله ، الباب السادس ، في الأسماء الحسنى ، فصل ٣ ، ص ١٠٢.
المبحث الخامس :خصائص أسماء الله تعالى
١ - أسماء الله كلّها توصيفية.
أ ي : جعلها الله تعالى لوصف نفسه.
قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : ( إنّ الأسماء صفات وصف [ الله تعالى ] بها نفسه)(١) .
سئل الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام عن الاسم [ الذي يطلق على الله تعالى ] ما هو ؟ فقالعليهالسلام : ( صفة لموصوف )(٢) .
٢ - يدل كلّ واحد من الأسماء الإلهية على الذات الإلهية من ناحية اتّصافها بصفة معيّنة.
مثلاً : " القادر " يدل على الذات الإلهية من ناحية اتّصافها بالقدرة.
٣ - تعبّر أسماء الله كلّها عن الذات الإلهية في مقام التمجيد والتعظيم والتكبير والتحميد أو التقديس والتسبيح والتنزيه والتهليل.
٤ - نطاق بعض الأسماء الإلهية أوسع من البعض الآخر.
مثلاً : اسم " العالم " - حسب إحدى الأقوال - اسم واسع تنطوي تحته عدّة أسماء أخرى ، منها : السميع ، البصير ، الشهيد ، الخبير ونحو ذلك.
٥ - أسماء الله ليست مترادفة ، بل لكلّ اسم معنى يغاير الاسم الآخر ولو باشتماله
____________________
١ - الكافي ، الشيخ الكليني : كتاب التوحيد ، باب المعبود ، ح ٣ ، ص ٨٧ - ٨٨.
٢ - المصدر السابق : باب حدوث الأسماء ، ح ٣ ، ص ١١٣.
على زيادة دلالة لا يدل عليه الآخر(١) .
٦ - ليس المقصود من معنى أسماء الله ما يجري على المخلوقين ، بل المقصود المعنى اللائق به تعالى.
٧ - يكون إطلاق أسمائه تعالى على غيره من باب الاشتراك اللفظي فقط ، ولهذا فحقيقة معاني أسماء الله تعالى لا تشبه شيئاً من حقيقة معاني أسماء ما سواه.
٨ - يستحيل أن يكون لله اسم دال على جزء معناه ؛ لأنّه تعالى غير مركّب، فلا جزء له.
٩ - يجب تنزيه أسماء الله إضافة إلى تنزيه ذاته تعالى ، قال تعالى :( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّکَ الْأَعْلَى ) [ الأعلى : ١ ] وقال عزّ وجلّ :( تَبَارَکَ اسْمُ رَبِّکَ ذِي الْجَلاَلِ وَ الْإِکْرَامِ ) [ الرحمن : ٧٨ ].
١٠ - الاسم غير المسمّى.
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( الاسم غير المسمّى ، فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئاً ، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك وعبد اثنين ، ومن عبد المعنى دون الاسم فذلك التوحيد )(٢) .
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( الله يسمّى بأسماء، وهو غير أسمائه والأسماء غيره )(٣) .
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( لو كان الاسم هو المسمّى ، لكان كلّ اسم منها إلهاً ، ولكن الله معنى يدل عليه بهذه الأسماء وكلّها غيره )(٤) .
١١ - أسماء الله تعالى حادثة ومخلوقة.
قال الإمام محمّد بن علي الجواد حول أسماء وصفات الله : ( الأسماء والصفات مخلوقات )(٥) .
____________________
١ - علم اليقين ، محسن الكاشاني : ج ١ ، المقصد الأوّل ، الباب السادس ، الفصل الثاني ، ص ١٠١.
٢ - الكافي ، الشيخ الكليني : كتاب التوحيد ، باب معاني الأسماء واشتقاقها ، ح ٢ ، ص ١١٤.
٣ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج١ ، كتاب التوحيد ، باب حدوث الأسماء ، ح١ ، ص١١٣ - ١١٤.
٤ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٤ ، ح ٢ ، ص ١٥٧.
٥ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب معاني الأسماء واشتقاقها ، ح ٧ ، ص ١١٦.
ولهذا نستنتج بأنّ الله لم يكن له اسم في الأزل ، وإنّما خلق الأسماء في رتبة متأخّرة ليعرفه العباد ويدعوه بها.
ولا محذور أن لا يكون لله اسم في الأزل ؛ لأنّ الاسم غير المسمّى ، وفقدان الاسم لا يلازم فقدان المسمّى.
١٢ - المقصود من قوله تعالى في خطابه للمشركين( مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَ آبَاؤُکُمْ ) [ يوسف : ٤٠ ] أنّهم عبدوا أسماء بلا مسمّيات.
أي : أنّهم عبدوا ذوات سمّوها آلهة وهي في الواقع ليست آلهة ، كما يُقال لمن سمّى نفسه باسم السلطان : إنّه ليس له من السلطنة إلاّ الاسم.
المبحث السادس :توقيفية أسماء الله تعالى(١)
قال الشيخ الصدوق : " أسماء الله تبارك وتعالى لا تؤخذ إلاّ عنه أو عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أو عن الأئمة الهداةعليهمالسلام "(٢) .
قال الشيخ المفيد ، " لا يجوز تسمية الباري تعالى إلاّ بما سمّى به نفسه في كتابه أو على لسان نبيهصلىاللهعليهوآله أو سمّاه به حججه من خلفاء نبيّه ، وكذلك أقول في الصفات ، وبهذا تطابقت الأخبار عن آل محمّدعليهمالسلام ، وهو مذهب جماعة الإمامية "(٣) (٤)
____________________
١ - المقصود من توقيفية أسماء الله تعالى عدم جواز تسمية الله تعالى إلاّ بما سمّى به نفسه في القرآن أو السنة.
٢ - التوحيد الشيخ الصدوق : باب ٤٢ ، ذيل ح ٦ ، ص ٢٩٣.
٣ - أوائل المقالات ، الشيخ المفيد : رقم ١٩ ، القول في الصفات ، ص ٥٣.
٤ - رأي الأشاعرة حول توقيفية أسماء الله تعالى :
أسماء الله تعالى توقيفية ، والمرجع في تحديد أسماء الله هو الشرع الإلهي دون غيره ، ولابدّ من الاستناد في تسمية الله إلى إذن الشارع.
انظر : كتاب المواقف ، الإيجي ، بشرح الشريف الجرجاني : ج ٣ ، الموقف الخامس ، المرصد السابع ، المقصد الثالث ، ص ٣٠٦.
وانظر : في علم الكلام ، الأشاعرة ، أحمد محمود صبحي : الفصل الأوّل : أبو الحسن الأشعري ، ص ٣٩.
ورأي المعتزلة حول توقيفية أسماء الله تعالى :
أسماء الله ليست توقيفية ، ولا يشترط إذن الشارع في تسمية الله ، ويجوز تسميته تعالى بالوصف الذي يصح معناه ، ويدل الدليل العقلي على اتّصافه به تعالى ، ولكن بشرط أن لا يوهم هذا الاسم نقصاً أو أمراً لا يليق بالله تعالى.
انظر : شرح المقاصد ، سعدالدين التفتازاني : ج ٤ ، الفصل السابع ، ص ٣٤٣ - ٣٤٤.
وذهب بعض الأشاعرة أيضاً إلى هذا القول ، منهم : القاضي أبو بكر الباقلاني.
انظر : الباقلاني وآراؤه الكلامية : محمّد رمضان عبد الله ، ٥١٩.
أحاديث أهل البيتعليهمالسلام حول توقيفية أسماء الله تعالى
١ - قال الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام : ( إنّ الله أعلى وأجلّ وأعظم من أن يبلغ كنه صفته ، فصفوه بما وصف به نفسه ، وكفّوا عمّا سوى ذلك )(١) .
٢ - قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( إنّ الخالق لا يوصف إلاّ بما وصف به نفسه ، وأنّى يوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه ، والأوهام أن تناله ، والخطرات أن تحدّه ، والأبصار عن الإحاطة به ، جلّ عمّا وصفه الواصفون ، وتعالى عمّا ينعته الناعتون )(٢) .
٣ - قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام لمن حاوره حول أسماء الله تعالى : ( ليس لك أن تسمّيه بما لم يسمّ به نفسه )(٣) .
مشروعية تسمية الله تعالى ب- " واجب الوجود " :
١ - قال المحدّث الكاشاني في الوافي : " وأمّا الألفاظ الكمالية فإن لم يرد فيها من جهة الشرع إذن بالتسمية كواجب الوجود ، فذلك إنّما يجوز إطلاقه عليه سبحانه توصيفاً لا تسمية "(٤) .
٢ - قال السيّد الطباطبائي في تفسير الميزان : " الاحتياط في الدين يقتضي الاقتصار في التسمية بما ورد من طريق السمع ، وأمّا مجرّد الإجراء والإطلاق من دون تسمية فالأمر فيه سهل"(٥) .
٣ - ذهب الشيخ جعفر السبحاني إلى أنّ العقل يحكم ببعض الحقائق المرتبطة
____________________
١ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى ، ح ٦ ، ص ١٠٢.
٢ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٤ ، ب ٤ ، ح ٢١ ، ص ٢٩٠.
٣ - عيون أخبار الرضا ، الشيخ الصدوق : ج ١ ، باب ١٣ ، باب في ذكر مجلس الرضاعليهالسلام مع سليمان المروزي ، ص ١٦٧.
٤ - كتاب الوافي ، الفيض الكاشاني : ج ١ ، أبواب معرفة مخلوقاته وأفعاله تعالى ، باب العرش والكرسي ، ص١١٠.
٥ - الميزان في تفسير القرآن ، العلاّمة الطباطبائي : ج ٨ ، تفسير سورة الأعراف ، الآية ١٨٠ - ١٨٦ ، ص٣٥٩.
بالله تعالى ، ولكن تسميته تعالى بتلك الحقائق لا يجتمع مع القول بتوقيفية أسمائه وصفاته ، ثمّ قال : " وإنّ الحقيقة شيء والتسمية شيء آخر "(١) .
تنبيه :
السيرة الجارية بين المؤمنين قراءة الأدعية المأثورة وإن لم تثبت صحّة أسانيدها.
ولم يقل مرجع تقليد بحرمة قراءة الأدعية المشتملة على أسماء الله فيما لو لم يثبت صحّة صدورها من الشرع ،
وهذا ما يثبت عدم بلوغ النهي الوارد في الأحاديث حول تسمية الله تعالى حدّ الحرمة.
____________________
١ - الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل ، محاضرات الشيخ جعفر السبحاني ، بقلم : الشيخ حسن محمّد مكي العاملي : ج ٢ ، الصفات السلبية (٤) لا يقوم اللذة والألم بذاته ، ص ١٢٤.
المبحث السابع :بيان أسماء الله ومعانيها
١ - الآخر :
قال تعالى :( هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ ) [ الحديد : ٣ ]
الآخر : الذي لا نهاية له ، والله تعالى " آخر بغير انتهاء "(١) .
قال الإمام عليعليهالسلام : ( الآخر الذي ليس له بعد فيكون شيء بعده )(٢) .
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( الآخر لا عن نهاية كما يعقل من صفة المخلوقين )(٣) .
قال الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام : ( الآخر الذي لا شيء بعده )(٤) .
٢ - الأحد
قال تعالى :( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) [ الإخلاص : ١ ]
معاني الأحد :
١ - الذي لا يتجزّأ ولا ينقسم في ذاته وصفاته(٥) .
٢ - لا نظير ولا شبيه له فيما يوصف به(٦) .
٣ - لا يشاركه في معنى الوحدانية غيره(٧) .
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٢.
٢ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : خطبة ٩١ ، ص ١٤٨.
٣ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب معاني الأسماء واشتقاقها ، ح ٦ ، ص ١١٦.
٤ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢ ، ح ٣٢ ، ص ٧٤.
٥ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٠.
مجمع البيان ، الشيخ الطبرسي : ج ١٠ ، تفسير آية (١) من سورة الإخلاص ، ص ٨٦٠.
٦ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٠.
٧ - انظر : المصدر السابق.
تنبيه :
" الأحد " لفظ لا يكون وصفاً إلاّ لله ، ولا يصح نسبة هذا الوصف إلى غيره تعالى.
٣ - الأعلى
قال تعالى :( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّکَ الْأَعْلَى ) [ الأعلى : ١ ]
الأعلى من العلو ، والعلو يعني السمو والارتفاع.
معاني الأعلى :
١ - القاهر والغالب والمستولي
٢ - المتعالى عن الأشباه والأنداد ، كما قال تعالى :( تَعَالَى عَمَّا يُشْرِکُونَ ) [ يونس : ١٨](١)
٤ - الأكرم
قال تعالى :( اقْرَأْ وَ رَبُّکَ الْأَکْرَمُ ) [ العلق : ٣ ]
الأكرم مأخوذ من الكرم ، وللكرم معنيان :
١ - الإحسان والإنعام
فيكون معنى الأكرم : الأكثر والأعظم ، والذي يفوق عطاؤه ما سواه ، وما من نعمة إلاّ تنتهي إليه تعالى(٢) .
٢ - الأشرف
فيكون معنى الأكرم : الأكمل في الشرف ذاتاً وفعلاً(٣) .
٥ - الإ له
قال تعالى :( وَ إِلٰهُکُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمٰنُ الرَّحِيمُ ) [ البقرة : ١٦٣ ]
____________________
١ - انظر : المصدر السابق : باب ٢٩ ، ص ١٩٣.
٢ - انظر : مجمع البيان ، الشيخ الطبرسي : ج ١٠ ، تفسير آية ٣ من سورة العلق ، ص ٧٨١.
٣ - مفاهيم القرآن ، جعفر السبحاني : ٦ / ١٣٢.
معاني الإ له :
١ - المعبود أو المستحق للعبادة(١) .
قال تعالى :( الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلٰهاً آخَرَ ) [ الحجر : ٩٦ ]
أي : يجعلون مع الله معبوداً آخر.
قال تعالى :( أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوَاهُ ) [ الفرقان : ٤٣ ]
أي : مَن يعبد هوى نفسه.
٢ - المتصرّف المدبّر الذي بيده أزمّة أمور الخلق.
دليل هذا المعنى :
قال تعالى :( لَوْ کَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) [ الأنبياء : ٢٢ ]
و " البرهان على نفي تعدّد الآلهة لا يتمّ إلاّ إذا جعلنا " الإله " في الآية بمعنى المتصرّف المدبّر ، أو من بيده أزمّة الأمور ولو جعلنا " الإله " بمعنى المعبود لانتقض البرهان ، لبداهة تعدّد المعبود في هذا العالم مع عدم الفساد في النظام الكوني "(٢) .
تنبيه :
إذا قلنا بأنّ " الإله " في هذه الآية يعني " المعبود " ، فسيلزمنا تقدير كلمة " بالحق " بعد كلمة " آلهة " ، فيكون قوله تعالى :( لَوْ کَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) [ الأنبياء : ٢٢ ]
____________________
١ - إذا قلنا بأنّ " الإله " يعني " المعبود " فستكون صفة " الإله " من صفات الله الفعلية ؛ لأنّه تعالى كان ولم يكن معه مخلوق يعبده.
وإذا قلنا بأنّ " الإله " يعني " المستحق للعبادة " فستكون صفة " الإله " من صفات الله الذاتية ؛ لأنّها ستعود إلى صفة القدرة ، والقدرة من صفات الله الذاتية ، ويكون معناه : أنّه تعالى قادر على ما إذا فعله استحق به العبادة.
انظر : مجمع البيان ، الشيخ الطبرسي : ج ١ ، تفسير الآية الأولى من سورة الفاتحة ، ص ٩٣.
٢ - الأسماء الثلاثة الإله والرب والعبادة ، جعفر سبحاني : ١٢.
بمعنى : لو كان فيهما معبودات بالحقّ إلاّ الله لفسدتا ؛ لأنّ المعبود بالحق هو المتصرّف والمدبّر في الكون فيلزم من تعدّده فساد العالم.
ولكننا إذا قلنا بأنّ الإله يعني " المتصرّف والمدبّر " فلا نحتاج بعدها إلى تقدير شيء في هذه الآية.
٣ - الإله مأخوذ من " أله " بمعنى " فزع " ، ويقال : أله الرجل ، يأله إليه.
أي : فزع إليه من أمر نزل به ، وألِهَهُ ، أي : أجاره(١) .
٦ - الله
قال تعالى :( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ) [ الفاتحة : ١ ]
( اللَّهُ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) [ البقرة : ٢٥٥ ]
إنّ لفظ " الله " اسم علم لذاته تعالى.
دليل ذلك :
١ - لا يثنّى ولا يجمع هذا الاسم ، بل يستعمل دائماً بصورة مفردة.
٢ - لا يصح حذف الألف واللام منه ، كما يجوز في الرحمن والرحيم.
٣ - يدخل عليه حرف النداء ، فنقول : يا الله ، وحروف النداء لا تجتمع مع الألف ولام التعريف ، ولهذا لا نقول : يا الرحمن و يا الرحيم ، كما نقول : يا الله ، وهذا دليل على أنّ الألف واللام من بنية الاسم.
٤ - لا يضاف إلى أيّ اسم آخر ، بل تضاف إليه جميع الأسماء الحسنى.
اسم " الله " مشتق أو غير مشتق(٢) ؟
الرأي الأوّل :
اسم " الله " غير مشتق من مادة أخرى.
وإنّما يطلق هذا الاسم ارتجالاً على الذات الإلهية الجامعة لجميع صفات الكمال
____________________
١ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٠.
٢ - الاسم المشتق هو ما أُخذ من لفظ الفعل.
الاسم غير المشتق ( الجامد ) هو ما كان مأخوذاً من لفظ الفعل.
مبادىء العربية ، رشيد الشرتوني : ج ١ ، تقسيم الاسم ، ص ٣٢.
المنزّهة عن جميع صفات النقصان(١) .
الرأي الثاني :
اسم " الله " مشتق.
وقد وقع الاختلاف في المعنى المشتق منه ، وأهمّ الأقوال الواردة في هذا المجال :
أوّلاً : اسم " الله " مشتق من " الإله " بمعنى " المعبود ".
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( الله مشتق من إله )(٢) .
ثانياً : اسم " الله " مشتق من " الوله " بمعنى " التحيّر".
قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : ( الله معناه المعبود الذي ألهِ الخلق عن درك ماهيته والإحاطة بكيفيته ، ويقول العرب : ألِه الرجل إذا تحيّر في الشيء فلم يُحِط به علماً )(٣) .
ثالثاً : اسم " الله " مشتق من " ألهتُ إلى فلان " أي : فزعت إليه ؛ لأنّ الخلق يألهون إليه تعالى ، أي : يفزعون إليه في حوائجهم.
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( الله هو الذي يتألّه إليه عند الحوائج والشدائد كلّ مخلوق عند انقطاع الرجاء من كلّ من هو دونه ، وتقطّع الأسباب من جميع ما سواه )(٤) .
رابعاً : اسم " الله " مشتق من " ألهت إليه " بمعنى سكنت إليه ؛ لأنّ الخلق يسكنون إلى ذكره(٥) .
خامساً : اسم " الله " مشتق من " لاه " بمعنى " احتجب " ؛ لأنّه تعالى احتجب عن حواس وأوهام الخلق.
____________________
١ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٠٦.
٢ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، باب المعبود ، ح ٢ ، ص ٨٧.
٣ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٤ ، ح ٢ ، ص ٨٧.
٤ - المصدر السابق : ب ٣١ ، ح ٥ ، ص ٢٢٥.
٥ - انظر : بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٣ ، كتاب التوحيد ، باب ٦ ، ذيل ح ١٤ ، ص ٢٢٦.
قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : ( الإله هو المستور عن حواس الخلق )(١) .
سادساً : اسم " الله " مشتق من " الوله " بمعنى " المحبّة الشديدة ".
سابعاً : اسم " الله " مشتق من " لاه " بمعنى ارتفع ، والله تعالى هو الذي لا أرفع قدراً منه عزّ وجلّ.
ثامناً : اسم " الله " مشتق من " ألهتُ بالمكان " بمعنى " أقمتُ فيه " ، واستحق الله تعالى هذا الاسم لدوام وجوده.
٧ - الأوّل
قال تعالى :( هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ ) [ الحديد : ٣ ]
إنّ الله تعالى هو الأوّل في ترتيب الوجود ، ومعنى ذلك أنّ الموجودات كلّها استفادت وجودها من الله ، ولكنّه تعالى موجود بذاته ، ولم يستفد الوجود من غيره ، فلهذا يكون الله الأوّل والسابق على جميع الموجودات(٢) .
قال الإمام عليعليهالسلام : ( كان ربّي قبل القبل بلا قبل، وبعد البعد بلا بعد )(٣) .
وقالعليهالسلام أيضاً : ( الأوّل الذي لم يكن له قبل فيكون شيء قبله )(٤) .
وقالعليهالسلام أيضاً : ( الأوّل الذي لا غاية له فينتهي ، ولا آخر له فينقضي )(٥) .
قال الإمام الصادقعليهالسلام : ( الأوّل لا عن أوّل قبله )(٦) .
٨ - البادي
قال تعالى :( هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ) [ الروم : ٢٧ ]
والله هو البادي ، أي : هو الذي ابتدأ الأشياء مخترعاً لها عن غير أصل(٧) .
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٤ ، ح ٢ ، ص ٨٧.
٢ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٤١.
٣ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب الكون والمكان ، ح ٥ ، ص ٩٠.
٤ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : خطبة ٩١، ص ١٤٨.
٥ - المصدر السابق : خطبة ٩٤ ، ص ١٧٥.
٦ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب معاني الأسماء واشتقاقها ، ح ٦ ، ص ١١٦.
٧ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ٦١.
٩ - البارئ
قال تعالى :( هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) [ الحشر :٢٤ ]
البارئ : معناه الخالق لا عن مثال ، أي : موجد الشيء لا من شيء ومبدعه إبداعاً تامّاً(١) .
١٠ - الباسط
قال تعالى :( وَ اللَّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْسُطُ ) [ البقرة : ٢٤٥ ]
الباسط : معناه المنعم والمتفضّل الذي يبسط ويوسّع وينشر نعمه وفضله وإحسانه على العباد(٢) .
١١ - الباطن
قال تعالى :( هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْبَاطِنُ ) [ الحديد : ٣ ]
معاني الباطن :
١ - إنّ الله تعالى باطن بحيث تعجز " الحواس " و " الأوهام " عن معرفته ، ويكون " العقل " هو السبيل لمعرفة الله عن طريق الاستدلال بآثاره وأفعاله تعالى(٣) .
٢ - إنّ الله تعالى باطن بحيث تعجز " العقول " عن معرفة كنه ذاته وحقيقته تعالى ؛ لأنّ العقل محدود ، والله غير محدود ، ولهذا لا يستطيع العقل أن يعرف الله عن طريق ذاته عزّ وجلّ ، وإنّما يعرفه عن طريق آثاره وأفعاله تعالى.
٣ - إنّ الله تعالى باطن ، أي : خبير بصير بكلّ شيء وأقرب إلى كلّ شيء من نفسه ، وهو المطّلع على ما بطن من الغيوب ، والمحيط بالعباد ، والخبير بما يسرّون ويعلنون ، والعالم بسرائرهم وما يكتمون(٤) .
____________________
١ - انظر : لسان العرب ، ابن منظور : ج ١ ، مادة ( برأ ) ، ص ٣٥٤.
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٥.
٣ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٥.
علم اليقين : محسن الكاشاني : ١ / ١٤٢.
٤ - انظر : الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب آخر من الباب الأوّل ، ح ٢ ، ص ١٢٢.
التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٥.
٤ - قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( وأمّا الباطن فليس على معنى الاستبطان للأشياء بأن يغور فيها ، ولكن ذلك منه على استبطانه للأشياء علماً وحفظاً وتدبيراً ، كقول القائل : أبطنته ، يعني خبرته ، وعلمت مكتوم سرّه )(١) .
١٢ - الباعث
قال تعالى :( وَ لَقَدْ بَعَثْنَا فِي کُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) [ النحل : ٣٦]
وقال تعالى :( أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) [ الحج : ٧ ]
" الباعث " مأخوذ من " البعث " بمعنى : إثارة الساكن وتغيير حاله.
والله تعالى " باعث " ؛ لأنّه :
١ - باعث الرسل بالأحكام والشرائع.
٢ - باعث من في القبور ؛ لأنّه تعالى سيحيي الخلق يوم النشور ، ويبعث من في القبور ويحشرهم للحساب(٢) .
١٣ - الباقي
قال تعالى :( وَ اللَّهُ خَيْرٌ وَ أَبْقَى ) [ طه : ٧٣ ]
( کُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَ يَبْقَى وَجْهُ رَبِّکَ ذُو الْجَلاَلِ وَ الْإِکْرَامِ ) [ الرحمن : ٢٦-٢٧ ]
الباقي يعني : الكائن بغير فناء(٣) ، أي : الكائن الذي لا يفنى ، ولا يلحقه العدم ، ولا نهاية له ، والله تعالى واجب الوجود بذاته.
فإذا أضيف في الذهن إلى الماضي سمّي " قديماً ".
وإذا أضيف في الذهن إلى المستقبل سمّي " باقياً ".
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ح ٢ ، ص ١٨٤.
٢ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٩.
٣ - انظر: المصدر السابق: باب ٢٩ ، ص ١٩٣.
والباقي هو الذي لا ينتهي تقدير وجوده في المستقبل أبداً ، ويعبّر عنه أيضاً ب- " الأبدي"(١) .
تنبيه :
إنّ الله تعالى باق لذاته ، ولا يصح القول بأنّه باق بالبقاء ؛
لأنّه تعالى لو احتاج في بقائه إلى غيره كان ممكناً ، ولكنه تعالى منزّه عن الاحتياج(٢) .
١٤ - البديع
قال تعالى :( بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ ) [ البقرة : ١١٧ ] ، [ الأنعام : ١٠١ ]
( الإبداع إنشاء صنعه بلا احتذاء واقتداء وإذا استعمل في الله فهو [ بمعنى ] إيجاد الشيء من غير آلة ولا مادّة ولا زمان ولا مكان ، وليس ذلك إلاّ لله )(٣) .
إذن ، مبدع السماوات والأرض يعني موجدهما لا من شيء ولا على مثال سابق.
١٥ - البَر
قال تعالى :( إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ) [ الطور : ٢٨ ]
البَر ( بفتح الباء ) يعني : فاعل البِر ( بكسر الباء ).
معاني البَر:
١ - الصادق(٤) ٢ - المحسن(٥) ٣ - العطوف(٦) ٤ - المثيب(٧) ٥ - اللطيف مع
____________________
١ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٤٨.
٢ - انظر : كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة السابعة ، ص ٤٠٤.
٣ - مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني : مادة ( بدع ) ص ١١٠ - ١١١.
٤ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٩.
٥ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٤٣.
٦ - القواعد والفوائد ، محمّد بن مكّي العاملي : ج ١ ، قاعدة ٢١١ ، ص ١٧٣.
٧ - انظر : مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني : مادة ( برَّ ) ، ص ١١٤.
عظم الشأن(١) .
١٦ - البصير
قال تعالى :( وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) [ الحديد : ٤ ]
( وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) [ الشورى : ١١ ]
معاني البصير
١ - العالم بالمبصرات(٢) .
٢ - إنّه تعالى على صفة يدرك المبصرات إذا وجدت(٣) (٤)
١٧ - التوّاب
قال تعالى :( أَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) [ التوبة : ١٠٤ ]
( إلا الذين تابوا واصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ) [ البقرة : ١٠٦ ]
التوّاب صيغة مبالغة للتائب.
والتوبة في المصطلح اللغوي تعني : " الرجوع ".
ويُقال : تاب العبد ، أي : رجع العبد إلى الله عن طريق الندم والطاعة.
ويُقال : تاب الله على العبد ، أي : رجع عليه بالقبول والغفران.
ومعنى التوّاب بالنسبة إلى الله : إنّه يقبل التوبة من العباد ويغفر سيّئاتهم(٥) .
١٨ - الجامع
قال تعالى :( رَبَّنَا إِنَّکَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ ) [ آل عمران : ٩ ]
معاني الجامع :
١ - المؤلّف بين الأجزاء المتباعدة والأمور المتفرّقة والأشياء المتماثلة أو
____________________
١ - انظر : مجمع البيان ، الشيخ الطبرسي : ج ٩ ، تفسير آية ٢٨ من سورة الطور ، ص ٢٥٢.
٢ - انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٤.
٣ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٢.
٤ - للمزيد راجع في هذا الكتاب : الفصل العاشر : سمع الله تعالى وبصره.
٥ - انظر : لسان العرب ، ابن منظور : ج ٢ ، مادة ( توب ) ، ص ٦١.
المتباينة أو المتضادّة(١) .
٢ - الجامع لكلّ الفضائل والمكارم والمآثر(٢) .
٣ - الذي يجمع الناس ليوم القيامة، كما يستفاد من الآية المذكورة أعلاه.
١٩ - الجبّار
قال تعالى :( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِکُ... الْجَبَّارُ ) [ الحشر : ٢٣ ]
معاني الجبّار في اللغة :
١ - العظمة والقوّة والعزّة.
٢ - الإجبار والإكراه والقهر.
٣ - الإغناء من الفقر(٣) .
معاني " الجبّار " المنسوب إلى الله تعالى :
١ - القاهر الذي له الجبروت والعظمة(٤) .
٢ - العالي الذي لا شيء فوقه ؛ لأنّ الجبر جنس من العلو(٥) .
وقيل بأنّ اسم " الجبّار " في حقّ الله يفيد أنّه تعالى بحيث لا تناله الأفكار ، ولا تحيط به الأبصار ولا تصل إلى كنه معرفته العقول.
٣ - الجبّار صيغة مبالغة للجابر ، والجابر مأخوذ من الجبر ، وهو في الأصل إصلاح الشيء مع القهر ، والله جبّار بمعنى أنّه كثير الإصلاح للأشياء مع القهر(٦) .
ومنه قال الإمام عليعليهالسلام : ( يا جابر كلّ كسير )(٧) .
____________________
١ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٤٥.
٢ - الأسماء والصفات ، أبو بكر أحمد بن حسين البيهقي : ١ / ١٤٩.
٣ - انظر : لسان العرب ، ابن منظور : مادة ( جبر ) ، ص ١٦٥ - ١٦٦.
٤ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠١.
٥ - مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني : مادة ( جبر ) ، ص ١٨٤.
٦ - انظر : مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني : مادة ( جبر ) ، ص ١٨٣.
٧ - الإقبال بالأعمال الحسنة ، علي بن موسى بن جعفر بن طاووس : ج ١ ، الباب التاسع ، ص ٢٥٨.
تنبيه :
صفة " الجبّار " صفة مدح لله وصفة ذم لغيره ؛ لأنّ " الجبّار" في غير الله هو الذي يقهر الآخرين على ما يريد من دون أن يكون له الحق في ذلك ،(١) بعكس الله الذي له الحقّ المطلق في قهر مخلوقاته بإرادته العادلة والحكيمة.
٢٠ - الجليل
قال تعالى :( تَبَارَکَ اسْمُ رَبِّکَ ذِي الْجَلاَلِ وَ الْإِکْرَامِ ) [ الرحمن : ٧٨ ]
معاني الجليل :
١ - الجليل مأخوذ من الجلال ، وهو : الكمال في الصفات والأفعال.
٢ - الجليل : " معناه السيّد " ، يقال لسيّد القوم : جليلهم ، وعظيمهم ، ويُقال جلّ فلان في عيني ، أي : عظم ، وأجللته ، أي : عظّمته "(٢) .
٢١ - الجميل
قال الإمام عليعليهالسلام : ( إنّ الله جميل يحبّ الجمال )(٣) .
قال الإمام علي بن الحسينعليهالسلام : ( ( يا الله يا جميل )(٤) .
والله جميل ، أي : " حسن الأفعال ، كامل الأوصاف )(٥) .
٢٢ - الجواد
قال تعالى :( وَ اللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) [ الجمعة : ١١ ]
قال الإمام عليعليهالسلام : ( الحمد لله الذي لا يكديه(٦) الإعطاء والجود ، إذ كلُّ معط
____________________
١ - قال تعالى : ( كذلك يطبع الله على كلّ قلب متكبّر جبار ) [ غافر : ٣٥ ]
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩، ص ٢١٠.
٣ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ٦ ، كتاب الزي والتجمّل ، باب التجمّل وإظهار النعمة ، ح ١ ، ص ٤٣٨.
٤ - الصحيفة السجادية : أدعية شهر رمضان ، دعاؤه في اليوم الخامس والعشرين منه ، ص ١٣٤.
٥ - لسان العرب ، ابن منظور : ج ٢ ، مادة ( جمل ) ص ٣٦٣.
٦ - أي : لا يفقره ولا يُنِفذ خزائه الإعطاء والجود.
منتقص سواه )(١) .
والجواد مشتق من الجود بمعنى التفضّل(٢) ، والجواد هو المحسن المنعم الكثير الإنعام والإحسان(٣) .
٢٣ - الحافظ
قال تعالى :( فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً ) [ يوسف : ٦٤ ]
( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّکْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) [ الحجر : ٩ ]
وحفظه تعالى للعباد يعني صيانته عن أسباب الهلكة في أمور دينهم ودنياهم.
٢٤ - الحسيب
قال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ کَانَ عَلَى کُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ) [ النساء : ٨٦ ]
( وكفى بالله حسيباً ) [ النساء : ٦٠ ]
معاني الحسيب :
١ - المحصي لكلّ شيء بحيث لا يخفى عليه شيء(٤) .
٢ - المحاسب لعباده يوم القيامة والذي يجازيهم على أعمالهم(٥) .
٣ - الكافي ، كما يقال : حسبنا الله ، أي : كافينا.
ومنه قوله تعالى :( جَزَاءً مِنْ رَبِّکَ عَطَاءً حِسَاباً ) [ النباء : ٣٦ ] ، أي : عطاءً كافياً ، وكقوله تعالى :( وَ مَنْ يَتَوَکَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) [ الطلاق : ٣ ] ، أي : فهو كافيه(٦) .
٤ - الحسَب ( بفتح السين ) يعني السؤدد والشرف ، فإذا كان الحسيب مأخوذاً من
____________________
١ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : خطبة ٩١ المعروفة بخطبة الأشباح ، ص ١٤٨.
٢ - انظر : كنز الفوائد ، أبو الفتح الكراجكي : ج ١ ، أسماء الله وحقيقتها ، ص ٧٣.
٣ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢١٠.
٤ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٧.
٥ - المصدر السابق.
٦ - المصدر السابق.
الحسَب ، فسيكون معناه : المختص بشرف الألوهية والربوبية وجميع الكمالات.
٢٥ - الحفي
قال تعالى حاكياً عن قول إبراهيمعليهالسلام :( سَأَسْتَغْفِرُ لَکَ رَبِّي إِنَّهُ کَانَ بِي حَفِيّاً ) [ مريم : ٤٧ ]
معاني الحفي :
١ - العالم(١) .
٢ - اللطيف والمهتم بإكرام الآخرين(٢) .
٢٦ - الحفيظ
قال تعالى :( وَ رَبُّکَ عَلَى کُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ) [ سبأ : ٢١ ]
( إِنَّ رَبِّي عَلَى کُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ) [ هود : ٥٧ ]
معاني الحفيظ :
١ - الحفيظ مأخوذ من " الحفظ " وهو بمعنى : صون الشيء من الزوال والاختلال ، وسُمّي الله تعالى حفيظاً ؛ لأنّه يحفظ الموجودات ويصونها من الزوال والاختلال في نظامها وتركيبها فترة بقائها ، كما أنّه تعالى يحفظ عباده من السوء ويصرف عنهم البلاء حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة(٣) .
٢ - يحفظ الله أعمال العباد ويضبطها عنده ، بحيث لا تغيب عنه غائبة ولا تخفى عليه خافية ، ولا تفوته منها مثقال ذرّة.
٢٧ - الحقّ
قال تعالى :( أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) [ النور : ٢٥ ]
( فَذٰلِکُمُ اللَّهُ رَبُّکُمُ الْحَقُّ ) [ يونس : ٣٢ ]
____________________
١ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٧.
مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني : مادّة (حفي) ، ص ٢٤٦.
٢ - المصدر السابق.
٣ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٦.
معاني الحقّ :
١ - الحقّ وهو الثابت الذي لا يتغيّر ، ولا يتناقض ، ولا يعرض لذاته شيء ، ولا يشوب ثبوته بطلان أبداً(١) .
٢ - الحقّ ما لا يسع إنكاره ، ويلزم إثباته والاعتراف به(٢) .
٣ - الحقّ معناه المحقّ(٣) .
٤ - المراد من اتّصافه تعالى بالحقّ أنّ عبادته هي الحقّ وعبادة غيره باطل ، ويؤيّد ذلك قوله تعالى :( ذٰلِکَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ) [ الحج : ٦٢ ] ، أي : يبطل ويذهب ولا يملك لأحد ثواباً ولا عقاباً(٤) .
٢٨ - الحَكَم
قال تعالى :( حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ) [ يونس : ١٠٩ ]
( أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَکَماً وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْکُمُ الْکِتَابَ... ) [ الأنعام : ١١٤ ]
أصل " الحكم " منعُ الفساد ، وأُطلق على الحاكم هذا الاسم لمنعه الناس عن ظلم أحدهم للآخر(٥) .
ومعنى كونه تعالى " الحَكَم " بين العباد : أنّ شريعته جاءت لتمنع العباد عن الفساد والظلم(٦) .
٢٩ - الحكيم
قال تعالى :( لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَکِيمُ ) [ آل عمران : ٦ ]
معاني الحكيم :
____________________
١ - انظر : كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة (٢١) ، ص ٤١٥.
٢ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ٤٠.
٣ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٦.
٤ - انظر : المصدر السابق.
٥ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ١٤٢.
٦ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٢١.
١ - العالم(١) الذي له أفضل العلم وأتمّه.
ومنه قوله تعالى :( يُؤْتِي الْحِکْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ) [ البقرة : ٢٦٩ ]
٢ - الذي أفعاله محكمة ومتقنة وسديدة ومُصانة من الفساد(٢) .
ولهذا يكون الحكيم هو المنزّه عن فعل ما لا ينبغي ، وهو الذي يضع الأشياء مواضعها اللائقة بها(٣) .
تنبيهان :
١ - الحكمة في اللغة لها أصل واحد ، وهو " المنع "(٤) .
وسمّيت الحكمة " حكمة " ؛ لأنّها تمنع الرجل من فعل ما لا ينبغي ،
وأطلقت الحكمة على العلم ؛ لأنّ العلم يمنع الجهل.
وأطلقت الحكمة على الفعل المتقن ، لتبيّن منع وصول الفساد إلى هذا الفعل ؛ لأنّ من أتقن فعله فهو - في الواقع - منع طروء الفساد على فعله ، ولهذا أصبح فعله محكماً ومتقناً ومصاناً ومحفوظاً من الفساد والنقصان.
٢ - إذا اعتبرنا " الحكمة " وصفاً للعلم ، فسيكون معناها أفضل العلم وأتمّه ، وستكون صفة " الحكيم " لله تعالى - وفق هذا المعنى - من صفات الله الذاتية.
وإذا اعتبرنا " الحكمة " وصفاً للفعل ، فسيكون معناها كون الفعل متقناً ومنزّهاً ، وستكون صفة " الحكيم " لله تعالى - وفق هذا المعنى - من صفات الله الفعلية.
٣٠ - الحليم
قال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) [ آل عمران : ١٥٥ ]
( وَ اللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ) [ البقرة : ٢٦٣ ]
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٥.
يبيّن قوله تعالى :( وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَکِيمٌ ) [ النساء : ٢٦] بأنّ العلم غير الحكمة ، ولهذا من الأفضل أن نقول : إذا أصبحت الحكمة وصفاً للعلم ، فسيكون معناها أفضل العلم وأتمّه.
٢ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٥ - ١٩٦.
٣ - مجمع البيان ، الشيخ الطبرسي : ج ٦، تفسير آية ٦٠ من سورة النحل ، ص ٥٦٦.
٤ - انظر : لسان العرب ، ابن منظور : مادّة حكم ، ص ٢٧٢.
من مصاديق حلمه تعالى على العباد عدم استعجاله في معاقبة العصاة منهم ،(١) بل يفسح لهم المجال ، ويقيم عليهم الحجّة ، ويوفّر لهم الأجواء للتوبة والإنابة.
ومن كمال حلمه تعالى على هؤلاء ، أنّه لا يحبس عليهم النعم لأجل ذنوبهم ، بل يرزقهم كما يرزق المطيعين.
ولهذا قال تعالى :( وَ لَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَکَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَ لٰکِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَ لاَ يَسْتَقْدِمُونَ ) [ النحل : ٦١ ]
٣١ - الحميد
قال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) [ لقمان : ٢٦ ]
الحمد يعني الثناء على الشخص بالفضلية فيما يصدر منه من الأفعال الاختيارية ، وهو خلاف الذمّ(٢) .
معاني الحميد :
١ - معناه المحمود(٣) ، أي : إنّ الله يستحق الحمد والثناء إزاء أفعاله الكمالية.
٢ - معناه الحامد ، أي : إنّ الله يثني على أهل طاعته بما يعملون من أفعال صالحة.
٣٢ - الحنّان
ورد في دعاء للإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( وأنت الله لا إله إلاّ أنت الحنّان المنّان)(٤) .
الحنان ، أي : الرحمة والعطف(٥) .
____________________
١ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٦.
٢ - انظر : لسان العرب ، ابن منظور : ج ٣ ، مادة (حمد) ، ص ٣١٤.
٣ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٧.
٤ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ٢ ، باب : دعوات موجزات لجميع الحوائج للدنيا والآخرة ، ح ١٨، ص ٥٨٣.
٥ - انظر : لسان العرب ، ابن منظور : ج ٣ ، مادّة (حنن) ، ص ٣٦٦.
وورد أنّ الحنّان هو الذي يُقبل على من يُعرض عنه(١) .
٣٣ - الحي
قال تعالى :( اللَّهُ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) [ البقرة : ٢٥٥ ]
معاني الحي :
١ - لا يصح عليه الموت والفناء.
قال تعالى :( وَ تَوَکَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ ) [ الفرقان : ٥٨ ]
٢ - الحي : ذو الحياة ، والحياة صفة وجودية من شأنها أن تكون أساساً لصفتي العلم والقدرة(٢) .
٣٤ - الخافض
قال الإمام عليعليهالسلام : ( الحمد لله الخافض الرافع )(٣) .
الخفض ضدّ الرفع ، ومعناه الانحطاط والسقوط وتنزيل المكانة.
ويخفض الله أهل الكفر والمعصية ، أي : يضعهم ويهينهم ويحطّ مراتبهم بسبب كفرهم ومعصيتهم(٤) .
٣٥ - الخالق
قال تعالى :( فَتَبَارَکَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) [ المؤمنون : ١٤ ]
معاني الخلق :(٥)
١ - بمعنى الإبداع ، أي : إيجاد الشيء لا من شيء ، وتكوينه من غير مادّة ولا على مثال سابق.
٢ - بمعنى التقدير ، أي : إيجاد شيء من شيء، عن طريق تركيب أشياء لينتج شيء آخر.
____________________
١ - تاج العروس ، محمّد الزبيدي : ج ٩ ، مادة (حنن) ، ص ١٨٤.
٢ - للمزيد راجع في هذا الكتاب : الفصل السابع : حياة الله تعالى.
٣ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ٨ ، كتاب الروضة ، ح ١٩٣ ، ص ١٧٠.
٤ - انظر : لسان العرب ، ابن منظور : ج ٤ ، ماده (خفض) ، ص ١٥٤ - ١٥٥.
٥ - انظر : مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني : مادّة (خلق) ، ص ٢٩٦.
٣٦ - الخبير
قال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) [ الحجرات : ١٣ ]
الخبير ، أي : العالم(١) ، والخبرة نوع من العلم ، وهي العلم بالخفايا الباطنة.
فمعنى الخبير : العليم بكنه الأشياء والأُمور والمطّلع على حقائقها وبواطنها وخفاياها ، وهو الذي لا يعزب عن علمه شيء(٢) .
٣٧ - الخير
قال تعالى :( وَ اللَّهُ خَيْرٌ وَ أَبْقَى ) [ طه : ٧٣ ]
سبب وصفه تعالى بالخير :
١ - إنّ الذي يكثر فعل الخير يصح وصفه بالخير من باب التوسّع ،
وبما أنّه تعالى يفعل الخير كثيراً ، فلهذا وُصف تعالى بالخير(٣) .
٢ - " الأصل في معنى الخير هو الانتخاب ، وإنّما سمّي الشيء خيراً ؛ لأنّا نقيسه إلى شيء آخر نريد أن نختار أحدهما فننتخبه فهو خير ، ولا تختاره إلاّ لكونه متضمّناً لما نريده ونقصده ، فما نريده هو الخير بالحقيقة ، وإن كنّا أردناه أيضاً لشيء آخر فذلك الآخر هو الخير بالحقيقة ، وغيره خير من جهته ، فالخير بالحقيقة هو المطلوب لنفسه
والله سبحانه هو الخير على الاطلاق ؛ لأنّه الذي ينتهي إليه كلّ شيء ، ويرجع إليه كلّ شيء ويطلبه ويقصده كلّ شيء "(٤) .
____________________
١ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢١٠.
٢ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٢٣ - ١٢٤.
٣ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢١٠.
٤ - الميزان في تفسير القرآن ، العلاّمة محمّد حسين الطباطبائي : ج ٣ ، تفسير آية ٢٦ من سورة آل عمران ، ص ١٣٢.
٣٨ - الديّان
قال تعالى :( مَالِکِ يَوْمِ الدِّينِ ) [ الفاتحة : ٣ ]
الديّان مأخوذ من هذه الآية ، ويوم الدين ، أي : يوم الجزاء.
والديّان معناه : الذي يجازي العباد بأعمالهم(١) .
٣٩ - الذاري
قال تعالى :( هُوَ الَّذِي ذَرَأَکُمْ فِي الْأَرْضِ ) [ الملك : ٢٤ ]
معاني الذاري :
١ - الخالق ، يُقال ذرأ الله الخلق ، أي : خلقهم(٢) .
٢ - المنشئ والمنمّي(٣) .
تنبيه :
وقع " الخير " وصفاً لله تعالى مفرداً في قوله عزّ وجلّ :( وَ اللَّهُ خَيْرٌ وَ أَبْقَى ) [ طه : ٧٣ ] ووقع " الخير " وصفاً لله تعالى مضافاً إلى اسم من أسمائه في موارد كثيرة ، منها :
( خَيْرُ الْحَاکِمِينَ ) : [ الأعراف : ٨٧ ]( خير الراحمين) : [ المؤمنون : ١٠٩ ]
( خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) : [ المائدة : ١١٤ ]( خَيْرُ الْغَافِرِينَ ) : [ الأعراف : ١٥٥ ]
( خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ) : [ الأعراف : ٨٩ ]( خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ) : [ الأنعام : ٥٧ ]
( خَيْرُ الْمَاکِرِينَ ) : [ آل عمران : ٥٤ ]( خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ) : [ المؤمنين : ٢٩ ]
( خَيْرُ النَّاصِرِينَ ) : [ آل عمران : ١٥٠ ]( خَيْرُ الْوَارِثِينَ ) : [ الأنبياء : ٨٩ ]
٤٠ - ذو الجلال والإكرام
قال تعالى :( تَبَارَکَ اسْمُ رَبِّکَ ذِي الْجَلاَلِ وَ الْإِکْرَامِ ) [ الرحمن : ٧٨ ]
____________________
١ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢١٠.
٢ - المصدر السابق : ص ١٩٨.
٣ - انظر : الأسماء والصفات، البيهقي : ١ / ٥٧.
الجلال ، أي : العظمة(١) .
الإكرام ، أي : الشرف في الشيء(٢) .
وذو الجلال والإكرام ، أي : لله تعالى العظمة والمجد والشرف والكمال.
تنبيه :
صفة " ذي الجلال " تناسب الصفات السلبية التي يكون الله أجلّ وأعظم من الاتّصاف بها.
وصفة " ذي الإكرام " تناسب الصفات الثبوتية التي يتّصف الله بها بالمجد والشرف والكرامة.
٤١ - الرؤوف
قال تعالى :( وَ اللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) [ آل عمران : ٣٠ ]
( إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) [ البقرة : ١٤٣ ]
الرؤوف ، أي : ذو الرأفة ، والرأفة : شدّة الرحمة ، فالرؤوف يعني الرحيم مع المبالغة فيه(٣) .
٤٢ - الرائي
قال تعالى :( أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ) [ العلق : ١٤ ]
معاني الرائي :(٤)
١ - العالم ، والرؤية العلم.
٢ - المبصر ، والرؤية الإبصار.
____________________
١ - انظر : مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني : مادة ( جلّ ) ، ص ١٩٨.
٢ - انظر : المصدر السابق : مادّة ( كرم ) ، ص ٧٠٧.
٣ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٤٤.
٤ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٩.
٤٣ - الرازق
قال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ) [ الذاريات : ٥٨ ]
معاني الرزق :
١ - معنى الرزق باعتباره عنواناً للشيء الذي ينتفع به المرزوق.
الرزق هو الشيء الذي يحتاج إليه الكائن الحيّ وينتفع به في مأكله وملبسه ومسكنه ، وهو يشمل أيضاً ما به قوام وجوده وكماله اللائق به كالعلم والهداية بالنسبة إلى الإنسان.
٢ - معنى الرزق باعتباره مصدراً لفعل رزق يرزق.
الرزق هو " تمكين " الكائن الحي من الانتفاع بالشيء الذي يصحّ الانتفاع به مع عدم التجويز لأحد أن يمنعه من هذا الانتفاع.
يطلق وصف " الرازق " على كلّ من :
أوّلاً : يفعل الرزق.
ثانياً : يصبح سبباً لوقوع الرزق.
ثالثاً : يقوم بتمهيد السبيل وتوفير الأجواء لتحقّق الرزق(١) .
٤٤ - الرافع
قال تعالى :( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْکُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) [ المجادلة : ١١ ]
الرافع ، اسم فاعل مأخوذ من الرفع ، وهو : الإكرام وإعلاء المكانة.
والله تعالى يرفع درجات أهل الإيمان والعلم ، ويقرّبهم إليه(٢) .
٤٥ - الرب
قال تعالى :( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [ الفاتحة : ٢ ]
الربّ في الأصل تعني التربية ، أي : إبلاغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً ، ثمّ قيل :
____________________
١ - للمزيد راجع كتاب : العدل عند مذهب أهل البيتعليهمالسلام ، علاء الحسّون : الفصل الرابع عشر.
٢ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١١٩.
" الربّ " وصفاً للمبالغة.
ويطلق اسم الربّ على " المالك " ؛ لأنّ المالك يحفظ ما يملكه ويربّيه(١) .
٤٦ - الرحمن
قال تعالى : ( بسم الله الرحمن الرحيم )
( الرَّحْمٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ) [ الرحمن : ١ - ٤ ]
( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمٰنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) [ الإسراء : ١١٠ ]
معنى الرحمة :
الرحمة في الإنسان تعني : رقّة تقتضي الإحسان إلى المرحوم.
وبما أنّ الله تعالى منزّه عن " الرقّة " ، فلهذا يكون المقصود من " الرحمة " المنسوبة إليه تعالى هو " الإحسان " دون " الرقّة "(٢) .
ولهذا قال الإمام عليعليهالسلام حول الله تعالى : ( رحيم لا يوصف بالرقّة )(٣) .
معنى الرحمن :
" الرحمن " مشتق من " الرحمة " وهو مبني على المبالغة ، ومعناه : ذو الرحمة والله تعالى واسع الرحمة على عباده ، وقد عمّت رحمته العباد المستحقّين وغير المستحقّين ،(٤) وقد تجلّت رحمته هذه بإحسانه وإنعامه الواسع على جميع العباد المؤمنين والكافرين ، الصالحين والطالحين.
٤٧ - الرحيم
قال تعالى :( وَ إِلٰهُکُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمٰنُ الرَّحِيمُ ) [ البقرة : ١٦٣ ]
____________________
١ - انظر : القواعد والفوائد ، محمّد بن مكي العاملي : ج ١ ، القاعدة ٢١١ ، ص ١٧٤.
٢ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٨.
٣ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : ١٧٩، ص ٣٤٤.
٤ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : خطبة ١٧٩ ، ص ٣٤٤.
( وَ کَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ) [ الأحزاب : ٤٣ ]
الرحيم مأخوذ من الرحمة ، والمراد من الرحيم : المنعم ، كما قال تعالى لرسولهصلىاللهعليهوآله :( وَ مَا أَرْسَلْنَاکَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) [ الأنبياء : ١٠٧ ] أي : نعمة للعالمين(١) .
الفرق بين " الرحمن " و " الرحيم " :
١ - " الرحمن " اسم خاص بالله(٢) ، ولكن " الرحيم " اسم عام يصح إطلاقه على غير الله تعالى(٣) .
٢ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( الرحمن بجميع خلقه والرحيم بالمؤمنين خاصّة )(٤) .
٤٨ - الرزّاق
قال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) [ الذاريات : ٥٨ ]
الرزّاق مبالغة في الرازق ، وقد مرّ معنى الرازق قبل قليل.
٤٩ - الرشيد
قال تعالى :( إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْکَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْکَ رَحْمَةً وَ هَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً ) [ الكهف : ١٠ ]
معاني الرشيد :(٥)
١ - ذو الرشاد ، والرشاد موافقة الحقّ والصواب في جميع الأفعال ، والله تعالى رشيد ، أي : جميع أفعاله موافقة للحقّ والصواب.
٢ - المرشد ، أي : الذي يدل عباده على مصالحهم ويدعوهم إليها.
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٨.
٢ - لا يصح إطلاق اسم " الرحمن " على غير الله تعالى ؛ لأنّ معنى "الرحمن هو المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها ، وهذا المعنى خاص بالله تعالى فقط.
انظر : الروضة البهية ( شرح اللمعة ) ، زين الدين بن علي العاملي ( الشهيد الثاني ) : ١ / ٢١٨.
٣ - مجمع البيان ، الشيخ الطبرسي : ج ١ ، تفسير آية ٣ من سورة الفاتحة ، ص ٩٣.
٤ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، باب معاني الأسماء واشتقاقها ، ح ١ ، ص ١١٤.
٥ - القواعد والفوائد ، محمّد بن مكي العاملي : ج ١ ، قاعدة ٢١١ ، ص ١٧٣.
ومنه قوله تعالى :( وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً ) [ الكهف : ١٧ ]
٥٠ - رفيع الدرجات
قال تعالى :( رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ ) [ غافر : ١٥ ]
المقصود من رفيع الدرجات :
١ - كناية عن رفعة شأنه تعالى ، أي : هو الذي لا أرفع قدراً منه عزّ وجلّ(١) .
٢ - رافع درجات الأنبياء والأولياء.
٥١ - الرفيق
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( إنّ الله رفيق يحبّ الرفق )(٢) .
الرفيق مأخوذ من الرفق بمعنى التأنّي في الأمور والتدرّج فيها ،وضدّه " العنف " بمعنى الأخذ بشدّة واستعجال ،
والله رفيق في أفعاله حيث خلق المخلوقات كلّها بالتدريج شيئاً فشيئاً ، مع أنّه تعالى قادر على خلقها دفعة واحدة وفي لحظة واحدة ، والله - أيضاً - رفيق في أمره ونهيه ، فلا يأخذ عباده بالتكاليف الشاقّة بل يتدرّج معهم من حال إلى حال حتّى تألفها نفوسهم(٣) .
٥٢ - الرقيب
قال تعالى :( وَ کَانَ اللَّهُ عَلَى کُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ) [ الأحزاب : ٥٢ ]
( إِنَّ اللَّهَ کَانَ عَلَيْکُمْ رَقِيباً ) [ النساء : ١ ]
____________________
١ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ٤٥.
٢ - وسائل الشيعة ، الحرّ العاملي : ج ١٥ ، كتاب الجهاد ، باب ٢٧ ، ح [ ٢٠٤٨٩ ] ١٣ ، ص ٢٧١.
٣ - انظر : أسماء الله الحسنى ، ابن قيّم الجوزية : ص ٢٤٧.
معاني الرقيب :
١ - الحافظ(١) .
٢ - الذي يلاحظ الأشياء ويشرف عليها بصورة دائمة(٢) .
فيكون معنى كونه تعالى رقيباً على العباد أنّه حاضر دائماً معهم ، يرى ما يخوضون به ، ويسمع ما يقولون وما يتناجون به ، ومشرف على حركاتهم وسكناتهم الظاهرية والباطنية بحيث لا يغيب أبداً عنه من أمرهم مثقال ذرّة مما يفعلونه.
٥٣ - السبّوح
قال تعالى :( سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) [ الصافات : ١٥٩ ]
السبّوح ، أي : المنزّه عن كلّ ما لا ينبغي أن يوصف به(٣) من قبيل :
١ - التنزيه عن مشابهة الممكنات.
٢ - التنزيه عن الشريك.
٣ - التنزيه عن الإدراك بالحواس والأوهام.
٤ - تنزيه صفاته عمّا يوجب له النقص.
٥ - تنزيه أفعاله عمّا يوجب له العجز أو الظلم(٤) .
٥٤ - سريع الحساب
قال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) [ آل عمران : ١٩٩ ]
أي : لا يشغله تعالى حساب أحد عن حساب غيره ، فلهذا لا يطول عليه الأمر في محاسبة الخلق(٥) .
٥٥ - سريع العقاب
قال تعالى :( إِنَّ رَبَّکَ سَرِيعُ الْعِقَابِ ) [ الأنعام : ١٦٥ ]
كلّ شيء يعقب شيئاً فهو عقيبه ، وسمّيت العقوبة عقوبة ؛ لأنّها تكون عقيباً وتبعاً للذنب.
____________________
١ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٩.
٢ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٣٠.
٣ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠١.
٤ - انظر : بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٤ ، أبواب أسمائه تعالى ، باب ١ ، ذيل ح٨ ، ص ١٧٠.
٥ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ١٥٣.
وليست صفة " سريع العقاب " صفة دائمية لله ، وإنّما تخصّ الموارد التي تستوجب سرعة العقاب.
٥٦ - السلام
قال تعالى :( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِکُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ ) [ الحشر : ٢٣ ]
معاني السلام :
١ - إنّ الله تعالى سلام ، لسلامته في ذاته وصفاته وأفعاله من كلّ نقص وعيب وآفة وذمّ(١) .
٢ - إنّ الله تعالى سلام ؛ لأنّ سلامة المخلوقين تنال من قبله ، وهو الذي يعطي السلامة لمن يشاء من مخلوقاته(٢) .
٥٧ - السميع
قال تعالى :( وَ اللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) [ المائدة : ٧٦ ]
( إِنَّنِي مَعَکُمَا أَسْمَعُ وَ أَرَى ) [ طه : ٤٦ ]
معاني السميع :
١ - العالم بالمسموعات(٣) .
٢ - إنّه تعالى على صفة يدرك المسموعات إذا وجدت(٤) .
٣ - إنّه تعالى سميع الدعاء، أي: مجيب الدعاء(٥) .
قال تعالى :( إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ) [ إبراهيم : ٣٩ ](٦)
٥٨ - السيّد
ورد وصفه تعالى بكلمة " السيّد " في الأدعية كثيراً ، منها ما ورد في دعاء كميل :
____________________
١ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٩.
٢ - انظر : المصدر السابق.
٣ - انظر : النكت الاعتقادية ، الشيخ المفيد : الفصل الأوّل ، ص ٢٤.
٤ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ١٩٢.
٥ - انظر : المصدر السابق.
٦ - للمزيد راجع في هذا الكتاب : الفصل العاشر : سمع الله تعالى وبصره.
" إلهي وسيّدي وربّي أتراك معذبي بنارك بعد توحيدك "(١) .
معاني السيّد :
١ - المَلِك ، ويقال لملك القوم وعظيمهم : سيّدهم ، وقد سادهم ويسودهم(٢) .
٢ - المحتاج إليه ، وسيّد الناس هو رأسهم الذي إليه يرجعون ، وبأمره يعملون ، وعن رأيه يصدرون ، ومن قوله يستهدون(٣) .
٥٩ - الشافي
قال تعالى :( وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) [ الإسراء : ٨٢ ]
وقال تعالى حكاية عن قول إبراهيمعليهالسلام :( وَ إِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) [ الشعراء : ٨٠ ]
والله تعالى هو الشافي ؛ لأنّ الإنسان المريض والسقيم والعليل لا ينال الصحة إلاّ بإذن الله تعالى ، والسقيم من الناحية المعنوية لا ينال العافية إلاّ بعد مشيئته عزّ وجلّ.
٦٠ - الشاكر - الشكور
قال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ شَاکِرٌ عَلِيمٌ ) [ البقرة : ١٥٨ ]
( إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَکُورٌ ) [ فاطر : ٣٤ ]
" الشكر " في اللغة عرفان الإحسان ، ومقابلة المحسن بالإحسان.
والله تعالى يشكر عباده المحسنين ، أي : يثني على أفعالهم الحسنة ، ويقابلها بمثلها أو بأحسن منها عن طريق إحسانه إلى هؤلاء العباد وإنعامه عليهم وإعطائه لهم الثواب الجزيل إزاء عملهم الضئيل(٤) .
تنبيه :
" الله سبحانه وإن كان محسناً قديم الإحسان ومنه كلّ الإحسان ، لا يد لأحد
____________________
١ - راجع مفاتيح الجنان ، عباس القمي.
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠١.
٣ - الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ٥٤ ( بتصرّف يسير ).
٤ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢١١.
عنده حتّى يستوجبه الشكر ، إلاّ أنّه جلّ ثناؤه عدّ الأعمال الصالحة التي هي في الحقيقة إحسانه إلى عباده إحساناً من العبد إليه ، فجازاه بالشكر والإحسان ، وهو إحسان على إحسان.
قال تعالى :( هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلاَّ الْإِحْسَانُ ) [ الرحمن : ٦٠ ]
وقال تعالى :( إِنَّ هٰذَا کَانَ لَکُمْ جَزَاءً وَ کَانَ سَعْيُکُمْ مَشْکُوراً ) [ الإنسان :٢٢ ] "(١) .
٦١ - شديد العذاب
قال تعالى :( أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ) [ البقرة : ١٦٥ ]
٦٢ - شديد العقاب
قال تعالى :( اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) [ البقرة : ١٩٦ ]
٦٣ - شديد المِحال
قال تعالى :( وَ هُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ) [ الرعد : ١٣ ]
أي : إنّه تعالى شديد الأخذ بالعقوبة ، وقيل : المِحال من الحيلة والكيد(٢) .
ومن مصاديق كيده أنّه يترك العبد لشأنه ، ويمنعه ألطافه ، فلا يكون بعد ذلك للعبد من يرشده إلى سواء السبيل أو من يأخذ بيده ليقيه العثرات والزلاّت.
قال تعالى :( وَ الَّذِينَ کَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ) [ الأعراف : ١٨٢]
٦٤ - الشهيد
قال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ عَلَى کُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) [ الحج : ١٧ ]
( وَ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ) [ آل عمران : ٩٨ ]
____________________
١ - الميزان في تفسير القرآن ، العلاّمة الطباطبائي : ج ١ ، ذيل تفسير آية ١٥٨ من سورة البقرة ، ص ٣٨٦.
٢ - انظر : مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني : مادة ( محل ) ، ص ٧٦٢.
معاني الشهادة
١ - الشهيد مأخوذ من الشهادة ، والشهادة نوع من العلم مع خصوص إضافة : فإذا لوحظ علمه تعالى مطلقاً ، فسيطلق عليه تعالى " عليم ".
وإذا لوحظ علمه تعالى بالأمور الغيبية والخفايا الباطنة(١) ، فسيطلق عليه تعالى " خبير ".
وإذا لوحظ علمه تعالى بالأمور الحاضرة والأشياء الظاهرة ، فسيطلق عليه تعالى " شهيد "(٢) .
٢ - إنّ الله شهيد ، أي : يشهد على الخلق يوم القيامة بما شاهد منهم(٣) .
٦٥ - الصادق
قال تعالى :( وَ صَدَقَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ ) [ الأحزاب : ٢٢ ]
أي : إنّه تعالى صادق في قوله ووعده ، ويستحيل عليه الكذب ، ولا يبخس ثواب من يفي بعهده(٤) .
٦٦ -الصانع
قال تعالى :( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ کُلَّ شَيْءٍ ) [ النمل : ٨٨ ]
الصانع معناه المركّب والمهيّئ(٥) ، أي : الذي يركّب شيئاً مع شيء آخر ليحصل على شيء جديد ، وورد بأنّ الصنع يعني إجادة الفعل(٦) .
٦٧ -الصبور
ورد في دعاء لأحد الأئمة المعصومينعليهمالسلام : ( اللهم إنّي أسألك باسمك يا
____________________
١ - لا يخفى بأنّ المقصود من الأمور الغيبية والخفايا الباطنة هي الأمور الغائبة والخفية والباطنة عنّا ، وإلاّ فكلّ شيء حاضر عنده تعالى ، ولا يوجد بالنسبة إليه تعالى غيب ، بل الأشياء كلّها حاضرة عنده تعالى :( وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى کُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) [ الحج : ١٧ ]
٢ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٣٤.
٣ - المصدر السابق.
٤ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠١.
٥ - الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ٥٩.
٦ - مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني : مادّة ( صنع ) ، ص ٤٩٣.
صبور "(١) .
الصبور : " هو الذي لا تحمله العجلة على المسارعة إلى الفعل قبل أوانه ، بل ينزل الأمور بقدر معلوم ، ويجريها على سنن محدودة ، لا يؤخّرها عن آجالها المقدّرة لها تأخير متكاسل ، ولا يقدّمها على أوقاتها تقديم مستعجل ، بل يودع كلّ شيء في أوانه "(٢) .
٦٨ -الصمد
قال تعالى :( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ ) [ الإخلاص : ١ - ٢ ]
معاني الصمد :
١ - قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله حول معنى الصمد : ( الذي ليس بمجوّف )(٣) .
وقال الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليهالسلام : ( الصمد الذي لا جوف له )(٤) .
٢ - قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : ( الصمد : السيّد المطاع الذي ليس فوقه آمر وناه )(٥) .
٣ - قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام حول معنى الصمد : ( السيّد المصمود إليه في القليل والكثير )(٦) .
أي : السيّد المقصود إليه في القليل والكثير(٧) ، ولا سيّما القصد بالدعاء والطلب في الحوائج(٨) ، والملتجأ في الشدائد والمرتجى في الرخاء(٩) .
٤ - قال الإمام علي بن الحسينعليهالسلام : ( إنّ الله صمد لا مدخل فيه )(١٠) .
____________________
١ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٩٤، ب ٥٢ ، ص ٣٩١.
٢ - علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٥٠.
٣ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٤ ، ح ٨ ، ص ٩١.
٤ - المصدر السابق : ح٣ ، ص ٨٨.
٥ - المصدر السابق.
٦ - المصدر السابق : ح ١٠ ، ص ٩١.
٧ - الكافي : الشيخ الكليني : باب تأويل الصمد ، ح ١ ، ص ١٢٣.
٨ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩، ص ١٩٢.
٩ - انظر : الكافي، الشيخ الكليني: باب تأويل الصمد، ص ١٢٤.
١٠ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : كتاب التوحيد ، باب ٤ ، ح ٣٣ ، ص ٣٠٤.
٥ - قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : ( الصمد الدائم الذي لم يزل ولا يزال )(١) .
٦٩ - الضار
قال تعالى :( وَ إِنْ يَمْسَسْکَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ کَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ ) [ الأنعام : ١٧ ]
الضار هو الذي يصدر منه الضر(٢) ، والله تعالى هو النافع الضار ، وهو تعالى لا يضرّ أحداً ظلماً ، وإنّما يضرّ من يشاء لدواعي حكيمة ، من قبيل : الاختبار أو المعاقبة إزاء ارتكاب الذنوب والمعاصي.
٧٠ - الطاهر
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام في دعاء له : ( أسألك اللهم ياطاهر )(٣) .
الطاهر يعني كونه تعالى منزّهاً عن الأشباه والأنداد والأضداد ، والأمثال والحدود والزوال والانتقال وجميع الأمور الحادثة(٤) .
٧١ - الظاهر
قال تعالى :( هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْبَاطِنُ ) [ الحديد : ٣ ]
معاني الظاهر:
١ - الظاهر بآياته وآثار حكمته وبيّنات حجّته الدالة على وجوده ووحدانيته وربوبيته وكمال صفاته ، إذ ما من شيء إلاّ وهو يدلّ عى وجوده تعالى ويبيّن كمال صفاته عزّ وجلّ(٥) .
٢ - الغالب ، العالي ، من الظهور بمعنى الغلبة والعلو(٦) ، ومنه :
أوّلاً : قال تعالى :( فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ) [ الصف : ١٤ ] ، أي : غالبين لهم(٧) .
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٤ ، ح ٣ ، ص ٨٨.
٢ - علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٤٦.
٣ - مصباح المتهجد ، الشيخ الطوسي : ٨١٠.
٤ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٢.
٥ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٤ - ١٩٥.
٦ - المصدر السابق.
٧ - المصدر السابق.
ثانياً : قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( أنت الظاهر فليس فوقك شيء )(١) .
أي : أنت الغالب والعالي الذي لا شيء فوقك.
ثالثاً : قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( الظاهر... لقهره ولغلبته الأشياء ولقدرته عليها ، كقول الرجل : ظهرت على أعدائي ، وأظهرني الله على خصمي... فهكذا ظهور الله على الأعداء )(٢) .
٧٢ - عالم الغيب والشهادة
قال تعالى :( عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال) [ الرعد : ٩ ]
" الغيب " هو ما غاب عن حواسنا وخرج عن حدودها.
وأمّا " الشهادة " فراجع معناها في هذا الفصل ، المبحث السابع ، الشهيد.
ومن الصفات المشابهة لهذه الصفة والواردة في القرآن الكريم : (عالم غيب السماوات والأرض) ، ( علاّم الغيوب ).
قال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ ) [ فاطر : ٣٨ ]
وقال تعالى :( أَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ) [ التوبة : ٧٨ ]
٧٣ - العدل
قال تعالى :( وَ تَمَّتْ کَلِمَةُ رَبِّکَ صِدْقاً وَ عَدْلاً ) [ الأنعام : ١١٥ ]
العدل هو تنزيه الله عن فعل القبيح والإخلال بالواجب ، والعدل مصدر أقيم مقام الاسم ، والمراد به المبالغة في وصفه تعالى بأنّه عادل ، أي : كثير العدل أو البالغ في العدل غايته(٣) .
____________________
١ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ٢ ، باب التحميد والتمجيد ، ح ٦ ، ص ٥٠٤.
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩، ص ١٨٤.
٣ - للمزيد : راجع : العدل عند مذهب أهل البيتعليهمالسلام ، علاء الحسّون : الفصل الأوّل : العدل في أفعال الله تعالى.
٧٤ - العزيز
قال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَکِيمُ ) [ آل عمران : ٦٢ ]
( فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ) [ النساء : ١٣٩ ]
معاني العزيز :
١ - الغالب الذي لا يُغلب ، والقاهر الذي لا يُقهَر لكمال قوّته وقدرته(١) .
توضيح ذلك :
العزيز ، أي : ذو العزّة ، والعزّة هي القدرة على التغلّب ، وتقول العرب : عزّ إذا غلب(٢) .
٢ - الذي يقل وجود مثله وتشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه(٣) .
٣ - الملِك ، لأنّ الملِك يقال له عزيز ، كما قال إخوة يوسف ليوسفعليهالسلام :( يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ ) [ يوسف : ٨٨ ] ، أي : يا أيّها الملك(٤) .
٧٥ - العظيم
قال تعالى :( لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) [ الشورى : ٤ ]
( إِنَّهُ کَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ) [ الحاقة : ٣٣ ]
معاني العظيم :
١ - المتعالي في المجد وجلالة القدر(٥) .
٢ - الغالب والقاهر(٦) .
٣ - السيّد ، وسيّد القوم عظيمهم وجليلهم(٧) .
____________________
١ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٠.
٢ - انظر : لسان العرب ، ابن منظور : ج ٩ ، مادة ( عزز ) ، ص ١٨٥ - ١٨٦.
٣ - علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١١٣.
٤ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٠.
٥ - انظر : التوحيد : الشيخ الصدوق : باب ٢٩، ص ٢١١.
٦ - المصدر السابق.
٧ - المصدر السابق.
٤ - كلّ ما سواه خاضع له ، وكلّ ما لغيره من العظمة فهو يرجع إليه تعالى(١) .
٥ - ما لا يحيط البصر بأطرافه(٢) .
٦ - لا تحيط بكنهه العقول(٣) .
٧ - الذي لا يمكن مقاومته ومخالفته فيما لو أراد شيئاً بالإرادة التكوينية(٤) .
٧٦ - العفوّ
قال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ) [ الحج : ٦٠ ]
( هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَ يَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ) [ الشورى : ٢٥ ]
العفو : المحو وإزالة الأثر(٥) ، والعفو عن الذنب يعني محوه وإزالة أثره ، والله تعالى هو الذي يمحو الذنوب والسيّئات ويزيل أثرها من صحائف الأعمال.
الفرق بين العفو والغفران :
" العفو " ينبىء عن " المحو " و " الغفران " ينبىء عن " الستر " ، وعلى هذا يكون " العفو " أبلغ من " الغفران " ؛ لأنّ " المحو " أبلغ من " الستر "(٦) .
٧٧ - العلي
قال تعالى:( أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْکَبِيرُ ) [ الحج : ٦٢ ]
معاني العلي :
١ - القاهر والمقتدر(٧) .
____________________
١ - المصدر السابق.
٢ - علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٢٤.
٣ - انظر : الأنوار الجلالية ، مقداد السيوري : الفصل الأوّل ، ص ٩٨.
٤ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ٧٠.
٥ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٣.
٦ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٤٤.
٧ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٣.
٢ - أعلى من أن تحيط به العقول والأفكار(١) .
٣ - أعلى مما يصفه الظالمون علوّاً كبيراً(٢) .
٤ - المتعال في الشرف والجلالة ، " وهو الذي لا رتبة فوق رتبته ، وجميع المراتب منحطة عنه"(٣) .
٥ - الذي علا عن كلّ عيب ونقص.
تنبيه :
المعنى اللغوي لمصطلح " العلو " هو " السمو والارتفاع " ، ولكن بما أنّه تعالى منزّه عن الأمور الجسمانية ، فلا يصح أن يُفسر له هذا المصطلح بما لا يناسب شأنه عزّ وجلّ ، من قبيل : إثبات الجهة والحركة و....
٧٨ - العليم
قال تعالى :( وَ اللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) [ البقرة : ٢٤٧ ]
العليم ، أي : ذو العلم الكامل ، والعلم صفة من شأنها كشف المعلومات انكشافاً تامّاً لا يحتمل الخطأ(٤) .
٧٩ - الغافر - الغفّار - الغفور(٥)
قال تعالى :( غَافِرِ الذَّنْبِ وَ قَابِلِ التَّوْبِ ) [ غافر : ٣ ]
( اسْتَغْفِرُوا رَبَّکُمْ إِنَّهُ کَانَ غَفَّاراً ) [ نوح : ١٠ ]
( وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [ التوبة : ٢٧ ]
الغفر : التغطية والستر(٦) .
والله تعالى هو الذي يستر ذنوب عباده فيما لو طلبوا منه ذلك باستغفارهم وتوبتهم وإنابتهم إليه تعالى ، فيؤدّي هذا الستر إلى عدم افتضاح أمرهم بين الخلائق ،
____________________
١ - المصدر السابق.
٢ - المصدر السابق.
٣ - علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٢٦.
٤ - للمزيد راجع في هذا الكتاب : الفصل الثامن : علم الله تعالى.
٥ - الغفّار والغفور صيغة مبالغة لغافر.
٦ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩، ص ٢٠٣.
وعدم معاقبتهم عليها في الدنيا والآخرة.
٨٠ - الغالب
قال تعالى :( والله غالب على أمره ) [ يوسف : ٣١ ]
الغالب يعني المهيمن والمسيطر على الأُمور ؛ لأنّه لا يتحقّق شيء في الكون إلاّ بإذنه تعالى ومشيئته ، ولا يوجد في العالم شيء خارج عن سلطانه وهيمنته تعالى(١) .
٨١ - الغني
قال تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) [ فاطر : ١٥ ]
معنى الغني :
الغني مأخوذ من الغنى ، أي : عدم الحاجة إلى شيء.
والله هو الغني ، أي : هو الذي لا يحتاج إلى شيء في ذاته وصفاته وأفعاله ، وهو الغني بنفسه عن غيره ، وكلّ ما سواه مفتقر إليه(٢) (٣)
٨٢ - الغياث
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( إنّ لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسماً وهي : الغياث ...)(٤) .
ورد في دعاء للإمام علي بن الحسين زين العابدينعليهالسلام : ( يا غياث المستغيثين )(٥) .
____________________
١ - للمزيد راجع : مفاهيم القرآن ، جعفر سبحاني : ٦ / ٣٦٥.
٢ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ذيل ح ٩ ، ص ٢٠٣.
علم اليقين ، محسن الكاشاني : المقصد الأوّل ، الباب ٦ ، الفصل ٣ ، ص ١٤٦.
٣ - للمزيد راجع في هذا الكتاب : الفصل الرابع ، الصفات السلبية (٢ ) ، الاحتياج.
٤ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ح ٨ ، ص ١٨٩.
٥ - الصحيفة السجادية : دعاء ١١٧ ، دعاؤهعليهالسلام في كلّ يوم من شهر رمضان ، ص ٢٣٨.
الغياث معناه " المغيث "(١) ، أي : المعين عباده في الشدائد إذا دعوه ، ومريحهم ومخلّصهم والمفرّج عنهم(٢) .
٨٣ - الفاطر
قال تعالى :( أَ فِي اللَّهِ شَکٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ ) [ إبراهيم : ١٠ ]
( الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ ) [ فاطر : ١ ]
فطر الله الخلق ، أي : خلقهم ، وابتدأ صنعة الأشياء(٣) .
وأصل الفطر : " الشق ".
وأطلق مصطلح " الفطر " ( الشق ) على خلقه تعالى للسماوات والأرض ، وكأنّه تعالى عندما خلق السماوات والأرض شقّ العدم وفتحه وأخرج السماوات والأرض منه إلى ساحة الوجود(٤) .
٨٤ - الفالق
قال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوَى ) [ الأنعام : ٩٥ ]
( فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَکَناً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ حُسْبَاناً ) [ الأنعام : ٩٦ ]
الفالق مشتق من الفَلْق ، أي : الشق.
ووُصف الله تعالى بالفالق ؛ لأنّه :
أوّلاً : فلق الحبّ والنوى وشقّه وأخرج النبات والزرع من بين هذا الشق.
ثانياً : فلق الظلام وشقّه وأخرج النور والإصباح من بين هذا الشق(٥) .
٨٥ - الفتّاح
قال تعالى :( وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ) [ سبأ : ٢٦ ]
____________________
١ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٣.
٢ - الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ١٢٣.
٣ - كتاب العين ، الخليل الفراهيدي : ج ٧ ، مادة ( فطر ) ، ص ٤١٨.
٤ - انظر : القواعد والفوائد ، محمّد بن مكي العاملي : ج ١ ، قاعدة ٢١١ ، ص ١٧٤.
٥ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٣ - ٢٠٤.
( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ) [ الأعراف : ٨٩ ]
معاني الفتّاح :
١ - يفتح الله خزائن رحمته للناس ، ويفتح لهم أبواب الرزق وأبواب كلّ خير ، ويفتح قلوبهم وعيون بصائرهم ليبصروا الحقّ والحقيقة(١) .
٢ - الحاكم(٢) الذي يميّز الحقّ من الباطل ، ويعلي المحقّ ويجزي المبطل(٣) .
٣ - الناصر الذي يفتح على أوليائه بالنصر والتأييد.
ومنه قوله تعالى :( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ ) [ النصر : ١ ]
٨٦ - الفرد
ورد في دعاء الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليهالسلام : ( أنت الله لا إله إلاّ أنت الأحد المتوحّد ، الفرد المتفرِّد )(٤) .
معاني الفرد :
١ - المتفرّد بالربوبية والأمر دون خلقه(٥) .
٢ - ما كان وحده ، ولم يكن معه في الأزل آخر(٦) .
٨٧ - الفعّال
قال تعالى ،( فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ) [ هود : ١٠٧ ] [ البروج : ١٦ ]
وفعّال لما يريد ، أي : إنّه تعالى هو الفاعل فعلاً بعد فعل كلّما أراد الفعل ، وليس تعالى كالمخلوق الذي إن قدر على فعل عجز عن غيره(٧) .
____________________
١ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١١٧ - ١١٨.
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٣.
٣ - الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ١١٣.
٤ - الصحيفة السجادية : دعاء ١٤٧ ، دعاؤهعليهالسلام في يوم عرفة ، ص ٣١٦.
٥ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٣.
٦ - المصدر السابق.
٧ - الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ٨١.
٨٨ - القابض
قال تعالى :( وَ اللَّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْسُطُ ) [ البقرة : ٢٤٥ ]
( وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) [ الزمر : ٦٧ ]
معاني القبض :
١ - الملك ، يُقال فلان في قبضتي ، أي : في دائرة ملكي ، ومنه قوله تعالى :( وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) [ الزمر : ٦٧ ](١)
٢ - إفناء الشيء ، ومن ذلك يُقال للميت : قبضه الله إليه(٢) .
٣ - الذي يوسّع الرزق ويقتّره على عباده بحسب حكمته(٣) .
٨٩ - القادر - القدير
قال تعالى :( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ... ) [ الأنعام : ٦٥ ]
( إِنَّ اللَّهَ عَلَى کُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ البقرة : ٢٠ ]
معاني القادر :
١ - نفي العجز عنه تعالى(٤) .
٢ - إذا شاء أن يفعل فعل ، وإذا شاء أن يترك ترك(٥) .
وبعبارة أخرى : " إنّ الأشياء لا تطيق الامتناع منه ومما يريد الإنفاذ فيها "(٦) .
٣ - الذي يصحّ أن يفعل ويصح أن يترك(٧) (٨)
٩٠ - القاضي
قال تعالى :( وَ اللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ) [ غافر : ٢٠ ]
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٥ ( بتصرّف يسير ).
٢ - المصدر السابق.
٣ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ١١٨.
٤ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٩ ، ذيل ح ١٢ ، ص ١٢٧.
٥ - انظر : قواعد المرام ، ميثم البحراني : القاعدة الرابعة ، الركن الثالث ، البحث الأوّل ، ص ٨٣.
٦ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ١٩٢.
٧ - انظر : قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي : الباب الثاني ، قدرته تعالى ، ص ٤٨.
٨ - للمزيد راجع في هذا الكتاب : الفصل الحادي عشر : قدرة الله تعالى.
القاضي مأخوذ من القضاء ، ومعناه اللغوي فصل الأمر(١) ، ومعناه الاصطلاحي عبارة عن كتابة الله كلّ ما سيجري في الكون في اللوح المحفوظ(٢) أو حتمية وقوع الفعل(٣) .
٩١ - قاضي الحاجات
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( إنّ لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسماً وهي قاضي الحاجات )(٤) .
والله قاضي الحاجات ، أي : " متمّم حاجات العباد على ما سأله )(٥) .
٩٢ - القاهر - القهّار(٦)
قال تعالى :( وَ هُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ) [ الأنعام : ١٨ ]
( هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) [ الزمر : ٤ ]
معاني القاهر :
١ - الغالب الذي لا يُغلب(٧) .
والله تعالى هو الذي يقصم ظهور الجبابرة من أعدائه ، فيقهرهم بالإذلال والإبادة(٨) .
٢ - لا تطيق الأشياء الامتناع منه ومما يريد الإنفاذ فيها(٩) .
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( وأمّا القاهر ، فإنّه ليس على معنى
____________________
١ - انظر : لسان العرب ، ابن منظور : ج ١١ ، مادة ( قضي ) ، ص ٢٠٩.
٢ - انظر : كشف المراد ، العلاّمة الحلّي ، المقصد ٣ ، الفصل الثالث ، المسألة ٨ ، ص ٤٣٢ - ٤٣٣.
٣ - للمزيد راجع كتاب العدل عند مذهب أهل البيتعليهمالسلام ، علاء الحسّون : الفصل السادس : القضاء والقدر.
٤ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ح٨ ، ص ١٨٩.
٥ - المصدر السابق : ذيل ح ٩ ، ص ٢٠٦.
٦ - القهّار صيغة مبالغة من القاهر.
٧ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب آخر من الباب الأوّل ، ح ٢ ، ص ١٢٢ - ١٢٣.
٨ - علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١١٦.
٩ - عيون أخبار الرضا ، الشيخ الصدوق ، ج ١ ، ب ١١ ، ح ٥ ، ص ١٣٤ - ١٣٥.
علاج ونصب واحتيال ومداراة ومكر ، كما يقهر العباد بعضهم بعضاً ولكن ذلك من الله تبارك وتعالى على أنّ جميع ما خلق ملتبس به الذلّ لفاعله ، وقلّة الامتناع لما أراد به ، لم يخرج منه طرفة عين )(١) .
٩٣ - القدّوس
قال تعالى :( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِکُ الْقُدُّوسُ ) [ الحشر : ٢٣ ]
( يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِکِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَکِيمِ ) [ الجمعة : ١ ]
القدّوس مأخوذ من " القدس " ، وهو " الطهارة "(٢) .
ومعنى القدّوس : الطاهر(٣) من كلّ عيب ونقص ، والمنزّه عن كلّ وصف لا يليق به ، وعن كلّ وصف يدركه الحسّ أو يتصوّره الخيال ، أو يسبق إليه الوهم(٤) .
٩٤ - القديم ( الأزلي )
قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : ( هو الله القديم الذي لم يزل القديم في ذاته)(٥) .
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام : ( إنّ الله تبارك وتعالى قديم ، والقدم صفة دلّت العاقل على أنّه لا شيء قبله )(٦) .
معنى القديم :
القديم هو الذي لا ابتداء له ، ولم يسبق وجوده عدم.
بعبارة أخرى : القديم هو الذي لا ينتهي وجوده في الماضي إلى أوّل أو بداية(٧) .
قال الشيخ الصدوق : " القديم معناه أنّه المتقدّم للأشياء كلّها، وكلّ متقدّم لشيء
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ح ٢ ، ص ١٨٤ - ١٨٥.
٢ - انظر : لسان العرب ، ابن منظور : ج ١١ ، مادة ( قدس ) ، ص ٦٠.
٣ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٤.
٤ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١١٠.
٥ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، باب معاني الأسماء واشتقاقها ، ح ٧ ، ص ١١٦.
٦ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ح ٢ ، ص ١٨١.
٧ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٤٨.
يسمّى قديماً إذا بولغ في الوصف ، ولكنّه سبحانه قديم لنفسه بلا أوّل ولا نهاية ، وسائر الأشياء لها أوّل ونهاية "(١) .
ويطلق على القديم أيضاً مصطلح " الأزلي " أو " الموجود الذي لم يزل "(٢) .
الأدلة العقلية على أزلية الله وأبديته
١ - الأدلة المثبتة بأنّه تعالى " واجب الوجود " تثبت بأنّه تعالى " أزلي وأبدي " ؛ لأنّ من خواص " واجب الوجود " أنّه " قائم بذاته " ، وما هو " قائم بذاته " يستحيل عليه العدم " سابقاً " و " لاحقاً " ، فيثبت أنّه تعالى " أزلي وأبدي "(٣) .
٢ - لا يخلو صانع العالم أن يكون قديماً أو محدثاً ، فإن كان قديماً فقد ثبت المطلوب ، وإن كان محدَثاً احتاج إلى مُحدِث ، وهذا المحدِث أيضاً إذا كان محدَثاً احتاج إلى مُحدِث ، وهكذا فيتسلسل إلى ما لا نهاية من المحدثين ، وهو باطل ، وإذا انتهى إلى قديم فهو المطلوب ، فيثبت عقلاً ضرورة وجود محدِث قديم ، وهو الله تعالى(٤) ، ولهذا قال الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام حول الله تعالى : ( هو القديم ، وما سواه مخلوق محدث )(٥) .
____________________
١ - التوحيد ، الشيخ الصدوق ، باب ٢٩ ، ذيل ح ٩ ، ص ٢٠٤.
٢ - انظر : المصدرين السابقين.
٣ - انظر : كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، المسألة السابعة ، ص ٤٠٤.
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري : مباحث التوحيد ، كونه تعالى أزلي أبدي ، ص ١٨١ - ١٨٢.
٤ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢ ، ذيل ح ٣٦ ، ص ٧٨ - ٧٩.
شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى : باب ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد ، وجوب كونه تعالى قديماً ، ص ٥٠.
المنقذ من التقليد ، سديدالدين الحمصي : ج ١ ، القول في كونه تعالى قديماً باقياً دائماً ، ص ٧٠.
٥ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢ ، ح ٣٢ ، ص ٧٤.
الأحاديث الشريفة الدالة على أزلية الله وأبديته
١ - قال الإمام عليعليهالسلام حول الله تعالى : ( الأوّل لا شيء قبله، والآخر لا غاية له )(١) .
٢ - قالعليهالسلام : ( الأوّل الذي لا غاية له فينتهي ، ولا آخر له فينقضي )(٢) .
٣ - قالعليهالسلام : ( الذي ليست له في أوّليته نهاية ، ولا في آخريّته حدّ ولا غاية )(٣) .
٤ - قالعليهالسلام : ( ليس لأوّليته ابتداء ، ولا لأزليته انقضاء ، هو الأوّل لم يزل ، والباقي بلا أجل )(٤) .
٥ - قالعليهالسلام : ( الحمد لله الدال على قدمه بحدوث خلقه )(٥) .
٦ - سُئل الإمام عليعليهالسلام : متى كان ربّك ؟
فأجابعليهالسلام :
( كان قبل القبل بلا قبل ، وبعد البعد بلا بعد )(٦) .
ويكون بعد البعد بلا بعد "(٧) .
٧ - سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليهالسلام ) عن قوله عزّ وجلّ:( هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ ) [ الحديد : ٣ ]
فقالعليهالسلام : ( الأوّل لا عن أوّل قبله ، ولا عن بدء سبقه ، وآخر لا عن نهاية كما يعقل من صفات المخلوقين ، ولكنّه قديم أوّل آخر ، لم يزل ولا يزال بلا بدء ولا نهاية )(٨) .
تنبيه :
يطلق مصطلح " السرمدية " على مجموع المعنيين " الأزلية " و " الأبدية " ، فالموجود السرمدي هو الموجود الأبدي والأزلي.
____________________
١ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : خطبة ٨٥ ، ص ١٣٥.
٢ - المصدر السابق : الخطبة ٩٤ ، ص ١٧٥.
٣ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : ب ٢ ، ح ١ ، ص ٣٣.
٤ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : الخطبة ١٦٣، ص ٣٠٦.
٥ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : الخطبة ١٨٥ ، ص ٣٦٠.
٦ - الكافي ، الشيخ الكليني : كتاب التوحيد ، باب الكون والمكان ، ح ٨ ، ص ٩٠.
٧ - المصدر السابق.
٨ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، باب معاني الأسماء واشتقاقها ، ح ٦ ، ص ١١٦.
أي : الموجود الذي لا بداية له ولا نهاية.
والموجود الذي لم يسبقه العدم ولا يلحقه(١) .
٩٥ - القريب
قال تعالى :( وَ إِذَا سَأَلَکَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) [ البقرة : ١٨٦ ]
معاني القريب :
١ - المجيب(٢) ، والله تعالى قريب من عباده ، أي : قريب ممن يدعوه بالإجابة.
٢ - إنّه تعالى قريب من عباده عن طريق علمه بسرائرهم وبواطنهم(٣) .
٩٦ - القوي
قال تعالى :( إِنَّ رَبَّکَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ) [ هود : ٦٦ ]
( اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ) [ الشورى : ١٩ ]
الله قوي ، أي : ذو قوّة تامّة وكاملة وغير متناهية بحيث لا يمسّه ضعف حين القيام بأفعاله ، ولا يستعين بأحد أبداً ،(٤) بخلاف المخلوق ، فإنّه على رغم اتّصافه بالقوّة فإنّ قوّته ناقصة ومتناهية وممزوجة بالضعف والعجز.
٩٧ - القيّوم
قال تعالى :( اللَّهُ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) [ البقرة : ٢٥٥ ]
معاني القيوم :
١ - القيّوميّة تعني حفظ الشيء وتدبير شؤونه والمراقبة عليه(٥) .
____________________
١ - انظر : المنجد في اللغة ، مادّة ( سرم ) ، ص ٣٣١.
٢ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٤ - ٢٠٥.
٣ - المصدر السابق.
٤ - انظر : المصدر السابق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٤.
علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٣٦.
٥ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٥.
والله تعالى قيّوم ، أي : " الحافظ لكلّ شيء والمعطي له ما به قوامه "(١) .
٢ - إنّ الله " قيّوم " ، أي : هو القائم بذاته المقيم لغيره ، وهو الذي لا يحتاج في قيامه إلى شيء ، بل الغير يحتاج في قيامه وتدبير شؤونه إليه تعالى(٢) .
٩٨ - الكاشف
قال تعالى :( وَ إِنْ يَمْسَسْکَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ کَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ ) [ الأنعام : ١٧ ]
والله تعالى كاشف الضرّ وكاشف الكرب ، وهو الذي يفرّج على العباد ، ويكشف عنهم السوء والبلاء والهم والغم(٣) .
٩٩ - الكافي
قال تعالى :( أَ لَيْسَ اللَّهُ بِکَافٍ عَبْدَهُ ) [ الزمر : ٣٦ ]
والله كافي ، أي : يلبّي متطلّبات عباده من دون أن يحتاجوا بعد ذلك إلى غيره ، بل يكفيهم ويسدّ احتياجهم ويحقّق لهم جميع مبتغياتهم بصورة كاملة ولا يلجئهم إلى غيره(٤) .
١٠٠ - الكبير
قال تعالى :( أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْکَبِيرُ ) [ الحج : ٦٢ ]
( عَالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ الْکَبِيرُ الْمُتَعَالِ ) [ الرعد : ٩ ]
معاني الكبير :
١ - كبير الشأن ، السيّد ، يقال لسيّد القوم : كبيرهم(٥) .
قال الإمام عليعليهالسلام : ( ليس بذي كبر امتدت به النهايات ، فكبرته تجسيماً بل كبر شأناً )(٦) .
____________________
١ - مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني : مادّة ( قوم ) ، ص ٦٩١.
٢ - انظر : كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثاني ، المسألة ٢١ ، ص ٤١٦.
٣ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٨.
٤ - انظر : المصدر السابق.
٥ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٧.
٦ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : خطبة ١٨٥.
٢ - الذي له الكبرياء ، والكبرياء عبارة عن كمال وعظمة الذات والصفات(١) .
٣ - أكبر من أن تشاهده الحواس أو تدرك حقيقة ذاته العقول.
ورد في حديث شريف :
قال رجل عند الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : " الله أكبر ".
قال لهعليهالسلام : ( الله أكبر من أيّ شيء ؟ )
قال الرجل : من كلّ شيء.
قال لهعليهالسلام : (حدّدته )
قال الرجل : كيف أقول ؟
قال لهعليهالسلام : ( قل : الله أكبر من أن يوصف )(٢) .
١٠١ - الكريم
قال تعالى :( وَ مَنْ شَکَرَ فَإِنَّمَا يَشْکُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ کَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ کَرِيمٌ ) [ النمل : ٤٠ ]
( يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّکَ بِرَبِّکَ الْکَرِيمِ ) [ الانفطار : ٦ ]
معاني الكريم :
١ - العزيز ، يُقال : فلان أكرم عليّ من فلان ، أي : أعزُّ منه(٣) .
٢ - الجواد ، المُحسن ، والمتفضّل بالنعم ، يُقال : رجل كريم ، أي : جواد(٤) .
٣ - الشريف ، وهو صفة يتّصف بها إزاء الأفعال المحمودة التي تظهر منه تعالى(٥) .
____________________
١ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٢٦.
٢ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٤٦ ، ح ١ ، ص ٣٠٥ - ٣٠٦.
٣ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٧.
٤ - المصدر السابق.
٥ - تاج العروس ، محمّد مرتضى الزبيدي : ج ٩ ، مادة ( كرم ) ، ص ٤٤.
١٠٢ - الكفيل
قال تعالى :( وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْکُمْ کَفِيلاً ) [ النحل : ٩١ ]
الكفالة : الضمان ، والله كفيل ؛ لأنّه يتكفّل أمور عباده ( وفق بعض الشروط ) ، ويضمن لهم القيام بها(١) .
١٠٣ - اللطيف
قال تعالى :( اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ ) [ الشورى : ١٩ ]
( إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) [ الحج : ٦٣ ]
معاني اللطيف :
١ - اللطف عبارة عن قوّة النفوذ إلى بواطن الأشياء وخفيّات الأمور مهما كانت دقيقة ، والله لطيف ، أي : هو الذي أحاط علمه ببواطن الأشياء وخفيّات الأمور(٢) .
٢ - الذي يعلم دقائق مصالح عباده ، ثمّ يوصلها إليهم ، برفق ومن حيث لا يشعرون(٣) وبعبارة أخرى : اللطيف هو المنعم الذي يوصل نعمه إلى عباده من حيث لا يعلمون ومن حيث لا يحتسبون(٤) .
٣ - كناية عن كونه تعالى غير محسوس(٥) ، ولا يمكن معرفة كنه ذاته(٦) .
١٠٤ - المؤخِّر
قال تعالى :( وَ لاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ) [ إبراهيم : ٤٢ ]
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( اللهم أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر )(٧) .
____________________
١ - انظر : مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني : مادّة ( كفل ) ، ص ٧١٧.
٢ - انظر : مفرادت ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني : مادة ( لطف ) ، ص ٧٤٠.
٣ - انظر : لسان العرب ، ابن منظور : ج ١٢، مادّة ( لطف ) ، ص ٢٨٣.
٤ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٢٣.
٥ - انظر : مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني : مادّة ( لطف ) ، ص ٧٤٠.
٦ - انظر : الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب آخر من الباب الأوّل ، ح ٢ ، ص ١٢٢.
٧ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ٢ ، باب : الدعاء في أدبار الصلوات ، ح ٦ ، ص ٥٤٨.
المؤخِّر من التأخير ، وهو يقع في الأزمنة والأمكنة والمنازل المعنوية ، ويسمّى الله تعالى المؤخّر ؛ لأنّه يؤخِّر ما ومن يشاء بحكمته ، ومثاله أنّه تعالى يؤخّر أعداءه بإبعادهم عن رحمته.
١٠٥ - المؤمن
قال تعالى :( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِکُ... الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ... ) [ الحشر : ٢٣ ]
معاني المؤمن :
١ - المؤمن مأخوذ من " الإيمان " بمعنى " التصديق ".
والله مؤمن ، أي : مصدِّق ، ومن نماذج تصديقه :
أوّلاً : إنّه يصدّق رسله وأنبياءه عن طريق إعطائهم المعجزات.
ثانياً : إنّه يصدّق عباده ما وعدهم(١) ، ويفي بما ضمنه لهم من رزق في الدنيا أو ثواب على أعمالهم في الآخرة(٢) .
٢ - المؤمن مأخوذ من " الأمن ".
والله مؤمن ، أي : هو الذي يعود إليه الأمن والأمان بحيث :
لا يمكن نيل الأمان في الدنيا من الآفات والمهلكات ، ولا يمكن نيل الأمان في الآخرة من العذاب والنقمات ،
إلاّ عن طريق التمسّك بالأسباب التي خلقها الله أو هيّأها للعباد(٣) .
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( سمّي الباري عزّ وجلّ مؤمناً ؛ لأنّه يؤمِن من عذابه مَن أطاعه )(٤) .
____________________
١ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٠.
٢ - الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ١١٦.
٣ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١١٢.
٤ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٠.
١٠٦ - مالك الملك
قال تعالى :( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِکَ الْمُلْکِ تُؤْتِي الْمُلْکَ مَنْ تَشَاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْکَ مِمَّنْ تَشَاءُ ) [آل عمران : ٢٦ ]
المُلك يعني : المملكة والسلطة وتدبير الأمور والشؤون.
المالك يعني : القادر التام في قدرته.
والله مالك الملك ؛ لأنّه في كمال القدرة بحيث يتمكّن من التصرّف في ملكه كيفما يشاء(١) .
١٠٧ - مالك يوم الدين
قال تعالى :( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * مَالِکِ يَوْمِ الدِّينِ ) [ الفاتحة : ٣ ]
أي : مالك يوم الجزاء ( يوم القيامة )(٢) .
تنبيه :
إنّ الله مالك الدنيا ومالك الآخرة ، ولكن ورد التأكيد على ملكه تعالى في الآخرة ؛ لأنّ العباد يفقدون في الآخرة ملكيتهم الاعتبارية التي كانوا يمتلكونها في الدنيا ، وتُسلب منهم القدرة على التصرّف كما كانوا يتصرّفون في الدنيا ، فتتجلى لهم عندئذ مالكية الله تعالى أكثر من تجلّيها لهم في الدنيا.
١٠٨ - المانع
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( اللّهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت )(٣) .
معاني المانع :
١ - حفظه تعالى للأشياء يكون عن طريق منع وصول المهلكات وعوامل الإفساد إلى تلك الأشياء ، ولولا منع الله المهلكات عنها لفسدت واختلّ نظامها(٤) .
٢ - إنّه تعالى يمنع وصول الرزق إلى بعض عباده لاستحقاقهم المنع أو لوجود
____________________
١ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٤٤.
٢ - انظر : لسان العرب ، ابن منظور : ج ٤ ، مادة ( دين ) ، ص ٤٦٠.
٣ - الأمالي ، الشيخ المفيد : المجلس العاشر ، ح ٧ ، ص ٩١.
٤ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٤٦.
حكمة ومصلحة في ذلك(١) .
٣ - إنّه تعالى ناصر ؛ لأنّه ينصر أولياءه عن طريق منع وصول شرّ الأعداء إليهم(٢) .
١٠٩ - المبدي
قال تعالى :( إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَ يُعِيدُ ) [ البروج : ١٣ ]
معاني المبدي :
١ - المبدي مأخوذ من : أبدأ الشيء ، بمعنى : فعل الشيء ابتداءً.
والله مبدي ، أي : هو الذي أنشأ المخلوقات ابتداءً(٣) .
٢ - المبدي مأخوذ من : أبدى ، بمعنى : أظهر ، والله مبدي ، أي : هو الذي أظهر المخلوقات لا من شيء
٣ - " المبدي " يعني الموجد ، و " المعيد " أيضاً يعني الموجد ، والفرق بين " المبدي " و " المعيد " :
الإبداء : الإيجاد إذا لم يكن مسبوقاً بمثله.
الإعادة : الإيجاد إذا كان مسبوقاً بمثله(٤) .
١١٠ - المبين
قال تعالى :( أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) [ النور : ٢٥ ]
المبين مأخوذ من الإبانة بمعنى الاتّضاح والانكشاف ، والله " مُبين " ، أي : هو الظاهر والواضح والمنكشف لعباده عن طريق آثار صنعه
____________________
١ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ١٣٧.
٢ - المصدر السابق.
٣ - انظر : لسان العرب ، ابن منظور : ج ١ ، مادة ( بدأ ) ، ص ٣٣٣.
٤ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني ، ١ / ١٣٧.
ومخلوقاته(١) ، بل هو الظاهر والمنكشف بذاته ، ولكن لا يدرك هذا الظهور الجلّي والمباشر إلاّ ذوي البصائر النيّرة.
ولهذا قال الإمام الحسينعليهالسلام : ( كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك ، متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدل عليك ، ومتى بعدت حتّى تكون الآثار هي التي توصل إليك )(٢) .
١١١ - المتعال
قال تعالى :( عَالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ الْکَبِيرُ الْمُتَعَالِ ) [ الرعد : ٩ ]
المتعال مأخوذ من التعالي بمعنى التسامي والارتفاع.
معاني المتعال :
١ - الذي تعالى عن كلّ نقص وعيب وعن كلّ شريك ، وعمّا يصفه الكافرون(٣) .
قال عزّ وجلّ :( تَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ) [ الأنعام : ١٠٠ ] ،( فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِکُونَ ) [ الأعراف : ١٩٠ ] ،( تَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً کَبِيراً ) [ الإسراء : ٤٣ ]
٢ - المتسلّط على كلّ شيء ، والذي لا يتسلّط عليه شيء.
١١٢ - المتكبّر
قال تعالى :( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِکُ... الْجَبَّارُ الْمُتَکَبِّرُ ) [ الحشر : ٢٣ ]
المتكبّر مأخوذ من الكبر بمعنى العظمة والكبرياء ، والله هو المتكبّر ، أي : هو المتلبّس برداء العظمة والكبرياء ، وهو الذي " لا يرى العظمة والكبرياء إلاّ لنفسه "(٤) ؛ لأنّه تعالى هو الوحيد العظيم بذاته ، وإذا كان لغيره
____________________
١ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٧.
٢ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٦٧ ، باب ٤ ، ذيل ح ٥ ، ص ١٤٢.
٣ - انظر : لسان العرب ، ابن منظور : ج ٩ ، مادّة ( علو ) ، ص ٣٧٨.
٤ - علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١١٤.
من العظمة فهي من الله ، وهي من عطاء الله لهذا الغير ، ولهذا تكون العظمة والكبرياء الحقيقية لله تعالى دون غيره.
تنبيه :
تكشف الحقائق المذكورة أعلاه بأنّ صفة " التكبّر " صفة مدح وكمال لله ، وصفة ذم ونقصان لغيره ؛ لأنّ ادّعاء الكبرياء والعظمة الذاتية بالنسبة إلى غيره تعالى ادّعاء كاذب.
قال الإمام عليعليهالسلام : ( الحمد لله الذي لبس العزّ والكبرياء واختارهما لنفسه دون خلقه ، وجعلهما حمى وحرماً على غيره واصطفاهما لجلاله )(١) .
١١٣ - المتين
قال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) [ الذاريات : ٥٨ ]
المتانة تدل على شدّة القوّة(٢) ، وهي أبلغ من مطلق القوّة ؛ لأنّها تدلّ على القوّة الزائدة ، والله تعالى متين ، أي : له كمال القوّة التي لاتعارضها ولا تشاركها ولا تدانيها قوّة ، كما أنّه تعالى متين ، أي : القوي الشديد الذي لا يلحقه في أفعاله مشقّة ولا كلفة ولا تعب(٣) .
١١٤ - المجيب
قال تعالى :( وَ إِذَا سَأَلَکَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) [ البقرة : ١٨٦ ]
( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَ يَکْشِفُ السُّوءَ ) [ النحل : ٦٢ ]
( إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ) [ هود : ٦١ ]
المجيب ، أي : ملبّي الطلب ، والله مجيب ، أي : هو الذي يقابل دعاء الداعي إذا
____________________
١ - نهج البلاغة ، الشريف الرضي : خطبة ١٩٢ ، ص ٣٨٤ - ٣٨٥.
٢ - علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٣٦.
٣ - لسان العرب ، ابن منظور : ج ١٣ ، مادة ( متن ) ، ص ١٨.
دعاه بالإجابة(١) .
١١٥ - المجيد
قال تعالى :( إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ) [ هود : ٧٣ ]
معاني المجيد :
١ - المجيد مشتق من المجد بمعنى الشرف وكثرة أوصاف الكمال ، وكثرة أفعال الخير(٢) .
وبعبارة أخرى : يطلق المجد على شرف الذات فيما لو تقارن ذلك مع حسن الأفعال(٣) .
وهذا الوصف مستلزم للعظمة ، ولهذا يقال : مجّده خلقه ، أي : عظّموه(٤) .
٢ - المجيد مشتق من المجد ، وأصل المجد في كلام العرب : السعة ، ويُقال : رجل ماجد إذا كان واسع العطاء(٥) .
والله تعالى مجيد ، أي : الواسع في الكرم والجلال(٦) .
واُطلق هذا الاسم عليه تعالى باعتبار رفعة ذاته تعالى وصفاته ، وسعة كرمه وإحسانه.
١١٦ - المحصي
قال تعالى :( وَ أَحْصَى کُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ) [ الجن : ٢٨ ]
المحصي ، أي : العالم بمقادير وحساب الأشياء ، وما من شأنه التعداد ، ويرجع هذا الأمر إلى كمال وشمولية علمه تعالى(٧) .
____________________
١ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٣٠.
٢ - انظر : لسان العرب ، ابن منظور : ج ١٣، مادة ( مجد ) ، ص ٢٨.
٣ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٣٣.
٤ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٦.
٥ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ٨٠.
٦ - انظر : مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني : مادة (مجد) ، ص ٧٦٠.
٧ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٣٧.
١١٧ - المحيط
قال تعالى :( إِنَّهُ بِکُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ) [ فصلت : ٥٤ ]
( وَ اللَّهُ مُحِيطٌ بِالْکَافِرِينَ ) [ البقرة : ١٩ ]
معاني المحيط:
١ - الشامل علمه(١) ، ومعنى : " المحيط بالشيء " : الذي بلغ علمه الحدّ الأقصى بالنسبة إلى ذلك الشيء(٢) .
٢ - المستولي المقتدر(٣) ؛ لأنّه تعالى أحاطت قدرته بجميع خلقه(٤) .
١١٨ - المحيي
قال تعالى :( قُلِ اللَّهُ يُحْيِيکُمْ... ) [ الجاثية : ٢٦ ]
( فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ کَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذٰلِکَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَ هُوَ عَلَى کُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ الروم : ٥٠ ]
والله تعالى محيي ؛ لأنّه يوجد الحياة ويهبها لمن يشاء من مخلوقاته(٥) .
١١٩ - المدبّر
قال تعالى :( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) [ يونس : ٣ ]
المدبّر يعني المتصرّف بالأمور ما يوجب حسن عواقبها(٦) .
١٢٠ - المذلّ
قال تعالى :( تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ) [ آل عمران : ٢٦ ]
____________________
١ - القواعد والفوائد ، محمّد بن مكّي العاملي : ج ١ ، قاعدة ٢١١ ، ص ١٧٤.
٢ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٧.
٣ - المصدر السابق.
٤ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ٨١.
٥ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ١٣٣.
٦ - انظر : المصدر السابق : ١ / ٩٢.
المذلّ ، اسم فاعل من الإذلال بمعنى إسقاط الشأن والإهانة وتضعيف الشخصية وانحدارها إلى الضعة والهوان(١) .
والله تعالى حكيم ، ولهذا لا يذل إلاّ من يستحق ذلك.
١٢١ - المستعان
قال تعالى :( وَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ) [ يوسف : ١٨ ] ،( وَ إِيَّاکَ نَسْتَعِينُ ) [ الفاتحة : ٤ ]
( وَ رَبُّنَا الرَّحْمٰنُ الْمُسْتَعَانُ ) [ الأنبياء : ١١٢ ]
المستعان ، اسم مفعول من " استعان " ، والاستعانة تعني طلب العون(٢) .
والله هوالمستعان الذي يُطلب منه العون حقيقة واستقلالاً ، وأمّا الاستعانة بغير الله فلا تجوز إلاّ مع الاعتقاد بأنّ ذلك الغير غير مستقل في الإعانة.
ومنه قوله تعالى حاكياً عن ذي القرنين :( قَالَ مَا مَکَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَکُمْ وَ بَيْنَهُمْ رَدْماً ) [ الكهف : ٩٥ ]
وقوله تعالى :( اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاَةِ ) [ البقرة : ١٥٣ ]
١٢٢ - المصوّر
قال تعالى :( هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) [ الحشر : ٢٤ ]
المصوّر مأخوذ من " التصوير " بمعنى التخطيط والترتيب والتزيين(٣) .
والله مصوّر ؛ لأنّه مبدع للصور ومزيّن ومرتّب لها ، وهو الذي أوجد الصور المختلفة في خلقه ، سواء كان هذا التصوير منه تعالى بصورة مباشرة ، أو عن طريق الأسباب المادّية التي منحها قدرة التأثير لإيجاد التصوير بإذنه ومشيئته.
____________________
١ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ١٥٢.
٢ - انظر : المنجد في اللغة : مادّة (عون) ، ص ٥٣٩.
٣ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ٦٢.
١٢٣ - المُعزّ
قال تعالى :( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِکَ الْمُلْکِ... تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ) [ آل عمران : ٢٦ ]
المعز اسم فاعل من " الإعزاز " بمعنى إعلاء الشأن والتكريم والتقوية ،(١) وقال تعالى :( إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ) [ يونس : ٦٥ ]
١٢٤ - المعطي
قال تعالى :( کُلاًّ نُمِدُّ هٰؤُلاَءِ وَ هَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّکَ وَ مَا کَانَ عَطَاءُ رَبِّکَ مَحْظُوراً ) [ الإسراء : ٢٠ ]
عطاء ربّك ، أي : نعمة ربّك ورزقه(٢) ، وعطاء الله يشمل المطيع والعاصي والمؤمن والكافر ، والله يمدّ جميع المخلوقات بعطائه الواسع.
١٢٥ - المعيد
قال تعالى :( إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَ يُعِيدُ ) [ البروج : ١٣ ]
المعيد مأخوذ من الإعادة بمعنى إرجاع الشيء إلى ما كان عليه.
والله معيد ؛ لأنّه يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات ، ثمّ يعيدهم بعد الممات إلى الحياة(٣) والأشياء كلّها من الله بدأت وإليه تعود(٤) .
قال تعالى :( و وَ کُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاکُمْ ثُمَّ يُمِيتُکُمْ ثُمَّ يُحْيِيکُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) [ البقرة : ٢٨ ]
____________________
١ - انظر : المنجد في اللغة : مادّة (عزز) ، ص ٥٠٣.
للمزيد راجع في هذا الكتاب ، الفصل السادس عشر ، أسماء الله تعالى ، المبحث السابع ، العزيز.
٢ - انظر : مجمع البيان ، الشيخ الطبرسي : ج ٦ ، تفسير آية ٢٠ من سورة الإسراء ، ص ٦٢٨.
٣ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ١٣٣.
٤ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٣٧.
١٢٦ - المغني
قال تعالى :( إِنْ يَکُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) [ النور : ٣٢ ]
( يُغْنِيکُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) [ التوبة : ٢٨ ]
المغني مأخوذ من " الغنى " بمعنى الاكتفاء وإزالة الاحتياج.
والله مغني ؛ لأنّه يسدّ احتياجات الخلق، ويسوق إليهم أرزاقهم ، ويعطيهم ما فيه الكفاية لهم وفق ما تقتضيه حكمته تعالى(١) .
١٢٧ - المغيث
قال تعالى :( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّکُمْ فَاسْتَجَابَ لَکُمْ ) [ الأنفال : ٩ ]
المغيث اسم فاعل من الغوث بمعنى تفريج الكرب وإزالة الشدّة.
والله مغيث ؛ لأنّه يجيب إغاثة اللهفان والمضطر ، وينقذه من لهفته وشدّته ، وهو الذي ييسّر أمور العباد بعد وقوعهم في العسر والشدائد والكربات(٢) .
قال تعالى :( وَ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ) [ الشورى : ٢٨]
١٢٨ - المقتدر
قال تعالى :( وَ کَانَ اللَّهُ عَلَى کُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ) [ الكهف : ٤٥ ]
المقتدر ، أي : ذو القدرة التامّة والشمولية والكاملة ، و " المقتدر " أبلغ من " القادر " و" القدير " ؛ لأنّه يقتضي الإطلاق.
والله تعالى مقتدر ؛ لأنّه قادر على كلّ شيء بصورة تامّة وشمولية وكاملة(٣) .
____________________
١ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ١٥٤ - ١٥٥.
٢ - انظر : أسماء الله الحسنى ، ابن القيم : ٢٤٩.
٣ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ٦٣.
١٢٩ - المقدِّم
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( اللهم أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر )(١) .
المقدِّم مأخوذ من التقديم ، وهو يقع في الأزمنة والأمكنة والمنازل المعنوية ، والله مقدِّم ؛ لأنّه يقدّم ما ومن يشاء بحكمته ، ومثال ذلك أنّه يقدّم أولياءه فيقرّبهم إليه ويهديهم إلى معرفته.
١٣٠ - المقسِط
قال تعالى :( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ وَ الْمَلاَئِکَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ ) [ آل عمران : ١٨ ]
المقسط هو الذي ينتصف للمظلوم من الظالم(٢) .
والله مقسِط ، أي : يعدل بين الخلائق فيما يجري بينهم من تظلّم.
١٣١ - المقيت
قال تعالى :( وَ کَانَ اللَّهُ عَلَى کُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ) [ النساء : ٨٥ ]
معاني المقيت :
١ - الحافظ الرقيب(٣) .
٢ - خالق الأقوات(٤) .
٣ - المستولى والقادر على كلّ شيء ، فيكون معنى كونه تعالى " مقيتاً " ، أي : مطّلعاً وقادراً(٥) .
١٣٢ - المَلِك
قال تعالى :( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِکُ... ) [ الحشر : ٢٣ ]
( فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِکُ الْحَقُّ ) [ طه : ١١٤ ]
____________________
١ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ٢ ، باب الدعاء في أدبار الصلوات ، ح ٦ ، ص ٥٤٨.
٢ - علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٤٥.
٣ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩، ص ٢٠٧.
٤ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٢٨.
٥ - المصدر السابق.
المِلك : هو المتصرّف بالأمر والنهي في عباده ، والحاكم الذي يرجع إليه تكليف العباد ، وهذا يرجع إلى كمال قدرة الله تعالى على تصرّفه بالممكنات.
والله مَلِك ؛ لأنّه " يأمر وينهى ويكرم ويهين ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعزّ ويذل "(١) .
١٣٣ - المميت
قال تعالى :( لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَ يُمِيتُ ) [ الأعراف : ١٥٨ ]
( کَيْفَ تَکْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ کُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاکُمْ ثُمَّ يُمِيتُکُمْ ثُمَّ يُحْيِيکُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) [ البقرة : ٢٨ ]
والله مميت ؛ لأنّه " يقوم بفعل الموت "(٢) ، وهو الذي يسلب الحياة من الكائنات الحيّة ويُحدِث الموت فيها(٣) .
١٣٤ - المنّان
قال تعالى :( اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) [ إبراهيم : ١١ ]
المنّان يعني المعطي المنعم(٤) .
والله منّان ؛ لأنّه أعطى فأحسن العطاء، وأنعم فأجزل النعم(٥) .
قال تعالى :( وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ) [ إبراهيم : ٣٤ ]
١٣٥ - المنتقم
قال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ) [ إبراهيم : ٤٧ ]
( إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ) [ السجدة : ٢٢ ]
الانتقام السائد بين الناس يعني " أن تذيق غيرك من الشرّ ما يعادل ما أذاقك منه
____________________
١ - أسماء الله الحسنى ، ابن قيم الجوزية : ٩٣.
٢ - علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٣٧.
٣ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ١٣٣.
٤ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩، ص ٢٠٦.
٥ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ١٢٠.
أو تزيد عليه "(١) ، والداعي إلى الانتقام - بصورة عامّة - هو التشفّي.
وبما أنّ الله منزّه عن لحوق الشرّ به ، ومنزّه عن التشفّي ، فيكون معنى انتقامه أن يذيق المجرمين من الشرّ بمقدار ما يقتضيه العدل والحكمة.
تنبيه :
لا ينتقم الله من العتاة والعصاة والطغاة ، إلاّ بعد الإعذار والإنذار وإتمام الحجّة ، ولا يكون انتقامه تعالى إلاّ بعد إصرار هؤلاء على المخالفة وعدم الارتداع عن المعصية(٢) .
١٣٦ - المهيمن
قال تعالى :( لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ... الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ... ) [ الحشر : ٢٣ ].
المهيمن مأخوذ من " الهيمنة " بمعنى الاستيلاء والإحاطة(٣) .
ويتضمّن هذا الاستيلاء والإحاطة اتّصاف المهيمن بوصفين آخرين ، وهما :
١ - الشاهد(٤) ؛ لأنّ من يستولي ويشرف على شيء يكون عالماً بجزئياته ، وتكون له الإحاطة الكاملة به ، فتكون له المشاهدة الكاملة له.
٢ - الحافظ(٥) ، ولهذا يقال : هيمن الطائر ، إذا نشر جناحيه على فرخه صيانة له ، ومن هنا يكون معنى المهيمن : الحفظ والمراقبة(٦) .
تنبيه :
" المهيمن " - في الأصل - مشتقّ من " أمن " ، ثمّ قلبت الهمزة إلى الهاء ، فالمهيمن
____________________
١ - الميزان في تفسير القرآن ، العلاّمة الطباطبائي : ج ١٢ ، تفسير آية ٤٧ من سورة إبراهيم ، ص ٨٦.
٢ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٤٣.
٣ - انظر : المصدر السابق : ١ / ١١٣.
٤ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٠.
٥-انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١١٣.
٦ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٠.
أصله المؤيمن(١) ، أي : موجد الأمن والأمان وذلك عن طريق الإحاطة به من أجل حفظه من الخطورات المتّجهة إليه من الخارج.
١٣٧ - المولى
قال تعالى :( أَنَّ اللَّهَ مَوْلاَکُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَ نِعْمَ النَّصِيرُ ) [ الأنفال : ٤٠ ]
( ذٰلِکَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ الْکَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ ) [ محمّد : ١١ ]
معاني المولى :
١ - الناصر(٢) ، والله مولى الذين آمنوا ، أي : يتولّى نصرهم على أعدائهم ، ويعينهم في المواقف الشديدة والصعبة.
٢ - الأولى(٣) ، والله هو المولى ، أي : هو الأولى بالعباد من أنفسهم ، وهو الذي يتولّى إصلاح شؤونهم ، وينبغي للعباد الخضوع لأوامره والاجتناب عن نواهيه.
١٣٨ - الناصر - النصير
قال تعالى :( بَلِ اللَّهُ مَوْلاَکُمْ وَ هُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ) [ آل عمران : ١٥٠ ]
( وَ کَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً ) [ النساء : ٤٥ ]
الناصر مأخوذ من النصرة بمعنى الإعانة ، والنصير مبالغة في النصر ، والله هو الناصر ، أي : هو المعين(٤) .
١٣٩ - النافع
قال تعالى :( قُلْ فَمَنْ يَمْلِکُ لَکُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِکُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِکُمْ نَفْعاً ) [ الفتح : ١١ ]
والله هو " النافع " ، أي : هو الذي يصدر منه النفع(٥) ، من قبيل : العطاء والزيادة في
____________________
١ - انظر : المنجد في اللغة : مادة (هيم) ، ص٨٨٢.
٢ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٦.
٣ - المصدر السابق.
٤ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩، ص ٢٠٨.
٥ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٤٦.
الأموال والأنفس والثمرات.
١٤٠ - النور
قال تعالى :( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ ) [ النور : ٣٥ ]
معاني " الله نور " :
١ - الهادي ، أي : إنّ الناس يهتدون بالله في مصالحهم كما يهتدون بالنور والضياء في مسالكهم(١) .
قال الإمام علي بن موسى الرضا (عليهالسلام ) حول قوله تعالى :( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ ) : ( هاد لأهل السماء وهاد لأهل الأرض )(٢) .
٢ - الظاهر بذاته والمُظهر لغيره(٣) .
توضيح ذلك :
العين الباصرة في الإنسان لا يمكنها رؤية الأشياء ، إلاّ عن طريق الاستعانة بالنور الذي يظهر لها الأشياء.
وأمّا النور نفسه فلا تحتاج العين إلى شيء تستعين به لرؤيته ؛ لأنّه ظاهر بذاته ، ولا يحتاج في ظهوره إلى شيء آخر.
فاستعير هذا المصطلح " النور " لله تعالى ليدلّ على هذه الحقيقة بأنّه تعالى " ظاهر بذاته ومُظهر لغيره ".
قال الإمام الحسينعليهالسلام في دعائه بعرفة : ( أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المُظهِر لك )(٤) .
تنبيه :
____________________
١ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٨.
٢ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ١ ، كتاب التوحيد ، باب معاني الأسماء واشتقاقها ، ح ٤ ، ص ١١٥.
٣ - انظر : علم اليقين : محسن الكاشاني ١ : ١٤٧.
٤ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٦٧، ب ٤ ، ذيل ح ٥ ، ص ١٤٢.
لا يجوز التوهّم بأنّ الله كالنور الحسيّ ؛ لأنّ النور الحسيّ تُضاده الظلمة وتزيله ، ولكن الله منزّه عن الضدّ أو النِدّ(١) .
١٤١ - الواجد
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام : ( اللّهم إنّي أسألك باسمك وأنت الله الماجد الواجد )(٢) .
معاني الواجد :
١ - الغني ، وهو في مقابل " الفاقد "(٣) .
والله هو " الواجد " ، أي : الغني الذي لا يفتقر إلى شيء في تحقّق مراده(٤) ؛ لأنّ كلّ شيء حاضر لديه ومملوك له ، ولا يضل عنه شيء ولا يفوته شيء.
٢ - العالم ، إذا كان " الواجد " مأخوذاً من الوجدان.
ومنه قوله تعالى :( وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ ) [ النور : ٣٩ ] أي : علمه.
١٤٢ - الواحد
قال تعالى :( وَ إِلٰهُکُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمٰنُ الرَّحِيمُ ) [ البقرة : ١٦٣ ]
( لاَ تَتَّخِذُوا إِلٰهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلٰهٌ وَاحِدٌ ) [ النحل : ٥١ ]
( أَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) [ يوسف : ٣٩ ]
( لَقَدْ کَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَ مَا مِنْ إِلٰهٍ إِلاَّ إِلٰهٌ وَاحِدٌ ) [ المائدة : ٧٣ ]
معاني الواحد :
١ - واحد بمعنى نفي الكثرة العددية(٥) .
____________________
١ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ١٤٤.
٢ - بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : ج ٩٠، كتاب الصلاة ، باب ٦ ، ح ٩ ، ص ٤٤.
٣ - علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٣٩.
٤ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ٨٤.
٥ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩، ص ١٩٠.
٢ - الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر(١) .
٣ - المنفرد بالذات ، لا يشابهه أحد(٢) .
قال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام :
( الإنسان واحد في الاسم ولا واحد في المعنى ،
والله جلّ جلاله هو واحد لا واحد غيره ، لا اختلاف فيه ولا تفاوت ولا زيادة ولا نقصان ...)(٣) (٤) .
١٤٣ - الوارث
قال تعالى :( إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَ مَنْ عَلَيْهَا وَ إِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ) [ مريم : ٤٠ ]
( وَ إِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَ نُمِيتُ وَ نَحْنُ الْوَارِثُونَ ) [ الحجر : ٢٣ ]
الوارث هو الذي ترجع إليه " الممتلكات " بعد فناء " مالكها ".
والله تعالى هو الوارث ؛ لأنّه الباقي الوحيد الذي ترجع إليه جميع الممتلكات بعد فناء مالكيها(٥) .
١٤٤ - الواسع
قال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) [ البقرة : ١١٥ ]
معاني الواسع :
١ - الغني ، ويقال : فلان يعطي مِن سعة ، أي : من غنى(٦) .
____________________
١ - انظر : مجمع البيان ، الشيخ الطبرسي : ج ٦، تفسير آية ١٦ من سورة الرعد ، ص ٤٣٨.
٢ - القواعد والفوائد ، محمّد بن مكي العاملي ، ج ٢ ، قاعدة ٢١١، ص ١٧١.
٣ - الكافي ، الشيخ الكليني : كتاب التوحيد ، باب آخر من الباب الأوّل ، ح ١، ص ١١٩.
٤ - للمزيد راجع في هذا الكتاب : الفصل السادس : وحدانية الله تعالى.
٥ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٩.
علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٤٩.
٦ - التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٨.
٢ - الاتّساع والشمولية في العلم والمعرفة(١) .
فيكون معنى الواسع: المحيط بجميع المعلومات.
٣ - الاتّساع والشمولية في العطاء والإحسان(٢) .
فيكون معنى الواسع : الجواد الذي عمّت نعمته كلّ بر وفاجر ، ووسع رزقه جميع خلقه سواء كانوا مؤمنين أو غير مؤمنين.
٤ - الاتّساع والشمولية في القدرة(٣) .
فيكون معنى الواسع الذي لا يعجزه شيء.
٥ - الإتّساع والشمولية في صفات الله تعالى وعظمتها.
١٤٥ - الوافي - الوفي
قال تعالى :( أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِکُمْ ) [ البقرة : ٤٠ ]
وقال تعالى :( وَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ) [ آل عمران : ٥٧ ]
الوافي ، أي : الموفي ، ومعناه " لا يعجزه جزاء المحسنين ، ولا يمنعه مانع من بلوغ تمامه ، ولا تلجئه ضرورة إلى النقص من مقداره "(٤) .
١٤٦ - الوالي
قال تعالى :( وَ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ) [ الرعد : ١١ ]
الوالي مشتق من الولاية ، بمعنى : التصرّف والتدبير.
والله تعالى والينا ، أي : المتصرّف بتدبير أمرنا(٥) .
____________________
١ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٣١.
٢ - المصدر السابق.
٣ - الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ٨٣.
٤ - المصدر السابق : ١ / ١٤٠.
٥ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ١٢٤.
علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٤٢.
١٤٧ - الوتر
قال الإمام محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : ( إنّ الله وتر يحب الوتر)(١) .
الوتر يعني الفرد(٢) ، والله تعالى وتر ؛ لأنّه الوحيد الذي يستحق العبادة ، ولا يحقّ لأحد أن يضم إليه غيره في العبادة بحيث يجعل مع الله شفعاً ، بل الله تعالى هو الوحيد والوتر في استحقاق العبادة(٣) .
١٤٨ - الودود
قال تعالى :( إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ) [ هود : ٩٠ ]
( وَ هُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ) [ البروج : ١٤ ]
الودود مأخوذ من الود بمعنى الحبّ.
معاني الودود :
١ - المحِب(٤) ، أي : يحب الله جميع العباد ، ولهذا يريد لهم الخير ويمهّد لهم السبيل للتكامل ، ويبعث إليهم الرسل والأنبياء من أجل هدايتهم وإرشادهم إلى الصراط المستقيم.
ويحبّ الله - أكثر من ذلك - عباده الصالحين نتيجة التزامهم بطاعته وعبادته ، ولهذا يرفع الله درجات هؤلاء ويجعلهم من أهل القربى عنده.
٢ - المحبوب ، أي : إنّ الله هو المحبوب الذي يستحق أن يحب لذاته ولصفاته ولأفعاله ولكلّ ما يصدر منه تعالى(٥) .
ولهذا يحبه الأولياء والمؤمنون وينجذبون إليه نتيجة علمهم ، بأنّه المصدر الوحيد لنيل الخير والسعادة والفلاح.
____________________
١ - الكافي ، الشيخ الكليني : ج ٣ ، كتاب الطهارة ، باب صفة الوضوء ، ح ٤ ، ص ٢٥.
٢ - انظر : المنجد في اللغة ، مادّة ( وتر ) ، ص ٨٨٥.
٣ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ٤٣.
٤ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٨.
٥ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ١٤١.
١٤٩ - الوكيل
قال تعالى :( وَ هُوَ عَلَى کُلِّ شَيْءٍ وَکِيلٌ ) [ الأنعام : ١٠٢ ]
( وَ کَفَى بِاللَّهِ وَکِيلاً ) [ النساء : ١٣٢ ]
معاني الوكيل :
١ - المتولّي لأمور العباد والقائم بتدبير شؤونهم(١) .
٢ - الملجأ أو المعتمد(٢) .
١٥٠ - الولي
قال تعالى :( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) [ البقرة : ٢٥٧ ]
( وَ کَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَ کَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً ) [ النساء : ٤٥ ]
معاني الولي :
١ - مالك التدبير(٣) ، والمتكفّل بأمور الخلائق كلّها.
٢ - الناصر أولياءه على أعدائه(٤) .
٣ - المحبّ(٥) .
١٥١ - الوهّاب
قال تعالى :( انّك أنت الوهاب ) [ ص : ٣٥ ]
الوهاب صيغة مبالغة من " الواهب " ، وهي مشتقة من " الهبة " ، معناها العطية من دون عوض.
والله " وهاب " ، أي : كثير الإعطاء من غير عوض(٦) ، والمتفضّل بالعطايا المنعم بها لا عن استحقاق عليه(٧) .
____________________
١ - انظر : التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٩.
٢ - انظر : المصدر السابق : باب ٢٩ ، ص ٢٠٩.
٣ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ١٢٣.
٤ - انظر : علم اليقين ، محسن الكاشاني : ١ / ١٣٦.
٥ - انظر : المصدر السابق.
٦ - انظر : المصدر السابق : ١ / ١١٦.
٧ - انظر : الأسماء والصفات ، البيهقي : ١ / ١٣٦.
١٥٢ - الهادي
قال تعالى :( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى کُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) [ طه : ٥٠ ]
( إِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [ الحج : ٥٤ ]
الهادي مأخوذ من الهداية ، وهي - في اللغة - تعني الدلالة والإرشاد وبيان الطريق.
أقسام الهداية الإلهية :
١ - الهداية التكوينية : وهي أنّ الله أودع في ذات كلّ موجود ما يهديه إلى الغاية التي من أجلها خلقه تعالى.
٢ - الهداية التشريعية : وهي عبارة عن إرشاد الله العباد المكلّفين إلى الحق عن طريق إرساله الرسل والأنبياء ، وإنزاله الشرائع والكتب السماوية.
٣ - الهداية الخاصّة : وهي عبارة عن التوفيق والمعونة والتسديد الإلهي للعباد المستحقين ، ومنحهم المزيد من الثبات في طريق الحق(١) .
* * *
____________________
١ - للمزيد راجع كتاب : العدل عند مذهب أهل البيتعليهمالسلام ، علاء الحسّون : الفصل الثاني عشر: الهداية والإضلال.
فهرس مصادر الكتاب
١ - القرآن الكريم.
٢ - الإبانة عن أصول الديانة ، أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ، تحقيق : عباس صباغ ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٤ ه- ، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، لبنان.
٣ - الأبحاث المفيدة ، العلاّمة الحلّي ، الطبعة الأولى ، ١٣٧١ ه- ش ، مؤسسة الإمام الصادقعليهالسلام للبحوث والتعليم ، قم ، إيران.
٤ - الاحتجاج ، أبو منصور أحمد بن علي الطبرسي ، تحقيق : الشيخ إبراهيم البهادري والشيخ محمّد هادي ، الطبعة الثانية ، ١٤١٦ ه- ، دار الأسوة للطباعة والنشر.
٥ - إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين ، جمال الدين مقداد بن عبدالله السيوري ( الفاضل المقداد ) تحقيق : السيّد مهدي الرجائي ، الطبعة الأُولى ، ١٤٠٥ ه- ، منشورات مكتبة السيّد المرعشي النجفي ، قم ، إيران.
٦ - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ، الشيخ المفيد ، ج ٢ ، تحقيق : مؤسسة آل البيتعليهمالسلام لإحياء التراث ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٣ ه- المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد ، قم ، إيران.
٧ - الاعتقادات في دين الإمامية ، الشيخ أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين ابن بابويه القمي الصدوق ، تحقيق : غلام رضا المازندراني ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٢ ه- ، المطبعة العلمية ، قم ، إيران.
٨ - الاعتماد في شرح واجب الاعتقاد ، المقداد بن عبدالله السيوري ، تحقيق : صفاءالدين البصري ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٢ ه- مجمع البحوث الإسلامية ، مشهد ، إيران.
٩ - الأسرار الخفية في العلوم العقلية ، العلاّمة الحلّي ، تحقيق : مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية ، الطبعة الأولى ، ١٤٢١ ه- ، مركز انتشارات مكتب الإعلام
الاسلامي ، قم ، إيران.
١٠ - أسماء الله الحسنى ، شمس الدين أبو عبدالله محمّد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي ( ابن قيم الجوزية ) ، تحقيق : يوسف علي بديوي ، أيمن عبدالرزاق الشوا ، الطبعة الثالثة.
١١ - الأسماء الثلاثة ، الإله والرب والعبادة ، جعفر السبحاني ، الطبعة الأولى ، ١٤١٧ ه- ، مؤسسة الإمام الصادقعليهالسلام ، قم ، إيران.
١٢ - الأسماء والصفات ، الحافظ أبو بكر أحمد بن حسين البيهقي ، تحقيق : الشيخ عماد الدين أحمد حيدر ، ٢ ج ، الطبعة الثانية ، ١٤١٥ ه- ، دار الكتاب العربي ، بيروت لبنان.
١٣ - الإشارات والتنبيهات (٤ج) ، أبو علي بن سينا ، مع شرح نصيرالدين الطوسي ، تحقيق : د سليمان دنيا ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٣ ه- ، مؤسسة النعمان للطباعة والنشر ، بيروت ، لبنان.
١٤ - إشراق اللاهوت في نقد شرح الياقوت ، السيّد عميدالدين أبو عبدالله عبدالمطلب بن مجدالدين الحسين العُبَيدلي ، تحقيق : علي أكبر ضيائي ، الطبعة الأُولى ، ١٤٢٣ ه- ، مركز نشر ميراث مكتوب ، طهران ، إيران.
١٥ - الإقبال بالأعمال الحسنة فيما يعمل مرّة في السنة ، السيّد رضي الدين علي ابن موسى بن جعفر بن طاووس ، تحقيق : جواد القيومي الأصفهاني ، ٣ ج ، الطبعة الثانية ، ١٤١٩ ه- ، مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي.
١٦ - الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد ، الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي ، الطبعة الأُولى ، ١٣٩٩ ه- ، منشورات جمعية منتدى النشر ، النجف الأشرف ، العراق.
١٧ - الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل ، محاضرات الشيخ جعفر السبحاني ، بقلم : الشيخ حسن محمّد مكي العاملي ، الطبعة الرابعة ، ١٤١٣ ه- ، منشورات المركز العالمي للدراسات الإسلامية.
١٨ - الأمالي ، الشيخ الصدوق ، تحقيق : قسم الدراسات الإسلامية ، مؤسسة البعثة ،
الطبعة الأولى ، ١٤١٧ ه- ، مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة.
١٩ - الأمالي ، الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ، تحقيق : قسم الدراسات الإسلامية ، مؤسسة البعثة ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٤ ه- ، نشر : دار الثقافة ، قم ، إيران.
٢٠ - أمالي المرتضى ، غرر الفوائد ودرر القلائد ، الشريف المرتضى ، تحقيق : محمّد أبو الفضل إبراهيم ، الطبعة الأولى ، ١٣٧٣ه- ، دار إحياء الكتب العربية.
٢١ - الأمالي ، الشيخ المفيد ، تحقيق : حسين الأستاد ولي ، علي أكبر الغفاري ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٣ ه- ، ضمن مصنّفات الشيخ المفيد ، ج ١٣، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.
٢٢ - الإمامة والتبصرة من الحيرة ، الشيخ الصدوق ، تحقيق : مدرسة الإمام المهدي (عج) ، الطبعة الأولى ، مدرسة الإمام المهدي (عج) ، قم ، إيران.
٢٣ - الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية ، مقداد بن عبدالله السيوري ، تحقيق : علي حاجي آبادي - عباس جلالي نيا ، الطبعة الأولى ، ١٤٢٠ ه- ، مؤسسة الطبع التابعة للآستانة الرضوية المقدّسة ، مشهد ، إيران.
٢٤ - أوائل المقالات ، الشيخ أبو عبدالله محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد ، تحقيق : الشيخ إبراهيم الأنصاري ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٣ ، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد ، ضمن مصنّفات الشيخ المفيد ، ج ٤.
٢٥ - إيضاح المراد في شرح كشف المراد ، علي رباني كلبايكاني ، الطبعة الأولى ، ١٤٢٤ ه- ، انتشارات مركز مديرية الحوزة العلمية ، قم ، إيران.
٢٦ - الباب الحادي عشر للعلاّمة الحلّي ، مع شرحه النافع يوم الحشر ، لمقداد بن عبدالله السيوري ومفتاح الباب لأبي الفتح بن مخدوم الحسيني ، تحقيق : د مهدي محقّق ، الطبعة الثالثة ، ١٣٧٢ ه- ش ، انتشارات الآستانة الرضوية المقدّسة ، مشهد ، إيران.
٢٧ - الباقلاني وآراؤه الكلامية ، محمّد رمضان عبدالله ، الطبعة الأولى ، ١٩٨٦ م ، مطبعة الأُمّة ، بغداد ، العراق.
٢٨ - بحار الأنوار ، العلاّمة محمّد باقر المجلسي ، ١١٠ ج ، دار الكتب الإسلامية طهران ، إيران.
٢٩ - براهين أصول المعارف الإلهية والعقائد الحقة للإمامية ، أبو طالب التجليل ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٨ ه- ، مطبعة مهر ، قم ، إيران.
٣٠ - تاج العروس من جواهر القاموس ، محمّد مرتضى الزبيدي ، ١٠ ج ، مكتبة الحياة ، بيروت ، لبنان.
٣١ - تاريخ الطبري ، تاريخ الأمم والملوك ، أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري ، تحقيق : محمّد أبو الفضل إبراهيم ، بيروت ، لبنان.
٣٢ - التبيان في تفسير القرآن ، شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان.
٣٣ - تجريد الاعتقاد ، الشيخ نصيرالدين الطوسي ، تحقيق : محمّد جواد الحسيني الجلالي ، الطبعة الأُولى ، ١٤٠٧ ه- ، مركز النشر ، مكتب الإعلام الإسلامي.
٣٤ - تصحيح اعتقادات الإمامية ( جزء ٥ ضمن سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد ) ، الشيخ أبو عبدالله محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري المفيد ، الطبعة الأولى ، ١٤١٣ ه- ، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.
٣٥ - التفسير ، أبو النضر محمّد بن مسعود بن عياش السمرقندي ، تحقيق : السيّد هاشم الرسولي المحلاتي ، الطبعة الأولى ، المكتبة العلمية الإسلامية ، طهران ، إيران.
٣٦ - تقريب المعارف ، أبو الصلاح تقي بن نجم الحلبي ، تحقيق: فارس تبريزيان الحسّون ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٧ ه- ، الناشر : المحقّق ، قم ، إيران.
٣٧ - تلخيص المحصّل المعروف بنقد المحصّل ، خواجة نصيرالدين الطوسي ، الطبعة الثانية ، ١٤٠٥ ه- ، دار الأضواء ، بيروت ، لبنان.
٣٨ - التوحيد ، الشيخ أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( الشيخ الصدوق ) ، تصحيح وتعليق : السيّد هاشم الحسيني الطهراني ، الطبعة السابعة ، ١٤٢٢ ه- ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم ، إيران.
٣٩ - التوحيد ، مرتضى مطهري ، ترجمة : إبراهيم الخزرجي ، الطبعة الأولى ، ١٤١٨ ه- ، دار المحجة البيضاء ، بيروت ، لبنان.
٤٠ - التوحيد ، بحوث في مراتبه ومعطياته ، تقريراً لدروس السيّد كمال الحيدري ، جواد علي كسار ، الطبعة الثالثة ، ١٤٢٤ ه- ، دار فراقد للطباعة والنشر.
٤١ - جامع البيان في تفسير القرآن ، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي ، الطبعة السادسة ، ١٤٢١ ه- ، انتشارات ناصر خسرو ، قم ، إيران.
٤٢ - الجامع لأحكام القرآن ، أبو عبدالله محمّد بن أحمد القرطبي ، تحقيق : سالم مصطفى البدري ، الطبعة الأولى ، ١٤٢٠ ه- ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان.
٤٣ - حقّ اليقين في معرفة أصول الدين ، السيّد عبدالله شبّر ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٨ ه- ، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ، لبنان.
٤٤ - حقائق التأويل في متشابه التنزيل ، الشريف المرتضى ، شرح: محمّدالرضا آل كاشف الغطاء ، الطبعة الأولى ، ١٤٠٦ ه- ، دار الأضواء ، بيروت ، لبنان.
٤٥ - كتاب الخلاف ، الشيخ أبو جعفر بن الحسن الطوسي ، الطبعة الأولى ، ١٤٠٣ه- ، مركز الثقافة الإسلامية ، قم ، إيران.
٤٦ - دلائل الصدق ، الشيخ محمّد حسن المظفر ، الطبعة الثانية ، ١٣٩٦ ه- ، دار العلم للطباعة ، القاهرة ، مصر.
٤٧ - الذخيرة في علم الكلام ، الشريف المرتضى علم الهدى علي بن الحسين الموسوي ، تحقيق : السيّد أحمد الحسيني ، الطبعة الأُولى ، ١٤١١ ه- ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدّسة ، إيران.
٤٨ - الرسائل العشر ، الشيخ الطوسي ، تحقيق : واعظ زاده خراساني ، الطبعة الأولى ، ١٤٠٤ ه- جامعة المدرسين ، قم ، إيران.
٤٩ - الرسالة السعدية ، العلاّمة أبو منصور جمال الدين الحسن بن يوسف الحلّي (ت ٧٢٦) تحقيق : عبدالحسين محمّد علي البقال ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٠ ه- ، مكتبة السيّد المرعشي النجفي ، قم ، إيران.
٥٠ - الروضة البهية ، زين الدين بن علي العاملي (الشهيد الثاني) ، ١٠ ج ، الطبعة
الأولى، ١٤١٠ ه- ، انتشارات داوري ، قم ، إيران.
٥١ - شرح الأسماء الحسنى ، الملاّ هادي السبزواري (مجلدين) ، مكتبة بصيرتي.
٥٢ - شرح الأصول الخمسة ، لقاضي القضاة عبدالجبار بن أحمد ، تعليق : أحمد ابن الحسين بن أبي هاشم ، تحقيق وتقديم : د عبدالكريم عثمان ، الطبعة الثانية ، ١٤٠٨ ه- ، مكتبة وهبة ، القاهرة ، مصر.
٥٣ - شرح جمل العلم والعمل ، الشريف علي بن الحسين المرتضى علم الهدى ، تحقيق : الشيخ يعقوب الجعفري المراغي ، الطبعة الثانية : ١٤١٩ ه- دار الأسوة للطباعة والنشر ، قم ، إيران.
٥٤ - شرح المقاصد ، مسعود بن عمر الشهير بسعدالدين التفتازاني ، تحقيق : د عبدالرحمن عميرة ، الطبعة الأُولى ، ١٤٠٩ ه- ، منشورات الشريف الرضي ، قم ، إيران.
٥٥ - الصحاح ، إسماعيل بن حمّاد الجوهري ، تحقيق : أحمد عبدالغفور ، الطبعة الرابعة ، ١٤٠٧ ه- ، دار العلم للملايين ، بيروت ، لبنان.
٥٦ - صحيح البخاري ، أبو عبدالله محمّد بن إسماعيل ، الطبعة الأولى ، ١٤٢٠ ه- ، دار الكتب العلمية.
٥٦ - صحيح مسلم ، أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيشابوري ، الطبعة الأولى ، ١٤١٦ ه- ، دار ابن حزم ، مكتبة المعارف ، بيروت ، لبنان.
٥٧ - الصحيفة السجادية.
٥٨ - صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول العقائدية ، الشيخ محمّد آصف المحسني ، الطبعة الثانية ، ١٤١٣ ه- ، الحركة الإسلامية الأفغانية (القسم الثقافي) قم ، إيران.
٥٩ - عجالة المعرفة في أصول الدين ، محمّد بن سعيد الراوندي ، تحقيق : السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي ، الطبعة الأولى ، ١٤١٧ ه- ، مؤسسة آل البيتعليهمالسلام لإحياء التراث ، قم ، إيران.
٦٠ - عدة الأصول ، الشيخ الطوسي ، تحقيق : محمّد رضا الأنصاري القمي ، الطبعة
الأولى ، ١٤١٧ه- ، المطبعة ستارة ، قم ، إيران.
٦١ - العقيدة الإسلامية وأسسها ، عبدالرحمن حسن جنكه الميداني ، الطبعة الثانية ، ١٣٩٩ ه- ، دار العلم ، دمشق ، بيروت.
٦٢ - علل الشرائع ، الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ، الطبعة الأُولى ، ١٣٨٦ ه- ، المكتبة الحيدرية.
٦٣ - علم اليقين في أصول الدين ، الشيخ محمّد بن المرتضى المدعو بالمولى محسن الكاشاني ، ٢ ج ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٠ ، دار البلاغة للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، لبنان.
٦٤ - عيون أخبار الرضا ، الشيخ أبو جعفر محمّد بن علي الحسين بن بابويه القمي المعروف بالصدوق ، ٢ ج ، الطبعة الأُولى ، ١٤٠٤ ه- ، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ، لبنان.
٦٥ - غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع ، السيّد حمزة بن علي بن زهرة الحلبي ، ٢ ج ، تحقيق : الشيخ إبراهيم البهادري ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٨ ه- ، مؤسسة الإمام الصادقعليهالسلام ، قم ، إيران.
٦٦ - الغيبة ، الشيخ الطوسي ، تحقيق : الشيخ عباد الله الطهراني ، الشيخ علي أحمد ناصح ، الطبعة الأولى ، ١٤١١ ه- ، مؤسسة المعارف الإسلامية ، قم ، إيران.
٦٧ - في علم الكلام ، دراسة فلسفية لآراء الفرق الإسلامية في أصول الدين ، الأشاعرة ، الدكتور أحمد محمود صبحي ، الطبعة الرابعة ، ١٩٨٢ م ، مؤسسة الثقافة الجامعية ، الاسكندرية ، مصر.
٦٨ - قاموس الكتاب المقدّس ، نخبة من الأساتذة ، الطبعة الثانية عشر ، دار الثقافة.
٦٩ - قواعد العقائد ، نصيرالدين الطوسي ، تحقيق : الشيخ علي الرباني الگپايگاني ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٦ ه- ، لجنة إدارة الحوزة العلمية ، قم ، إيران.
٧٠ - قواعد المرام في علم الكلام ، كمال الدين ميثم بن علي البحراني ، (ت ٦٩٩) ، تحقيق : السيّد أحمد الحسيني ، الطبعة الثانية : ١٤٠٦ ه- ، منشورات مكتبة
السيّد المرعشي النجفي ، قم ، إيران.
٧١ - القواعد والفوائد ، محمّد بن مكّي العاملي.
٧٢ - الكافي ، الشيخ ثقة الاسلام أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني ، الطبعة السادسة ، ١٤١٧ ه- ، دار الكتب الإسلامية ، طهران ، إيران.
٧٣ - كتاب العين ، الخليل الفراهيدي ، تحقيق : د مهدي المخزومي ، د إبراهيم السامرائي ، الطبعة الأولى ، ١٤١٤ه- ، انتشارات أسوة ، قم ، إيران.
٧٤ - كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد ، العلاّمة الحلّي ، تحقيق وتعليق : الشيخ حسن المكّي العاملي ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٣ه- ، دار الصفوة ، بيروت ، لبنان.
٧٥ - كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد العلاّمة الحلّي ، تصحيح : الشيخ حسن حسن زادة الآملي ، الطبعة التاسعة ، ١٤٢٢ ه- ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، قم ، إيران.
٧٦ - كنز الفوائد ، أبو الفتح الشيخ محمّد بن علي الكراجكي ، تحقيق : عبدالله نعمة ، الطبعة الأولى ، ١٤٠٥ ه- ، دار الأضواء ، بيروت ، لبنان.
٧٧ - لسان العرب ، لابن منظور (ت ٧١١ ه-) الطبعة الثالثة ، ١٤١٩ ه- ، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، لبنان.
٧٨ - اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية ، لجمال الدين مقداد بن عبدالله الأسدي السيوري الحلّي ، تحقيق : السيّد محمّد علي القاضي الطباطبائي ، الطبعة الثانية ، ١٤٢٢ ه- ، مكتب الإعلام الإسلامي.
٧٩ - مبادئ العربية ، رشيد الشرتوني ، (٤ج) ، الطبعة الحادية عشر ، ١٣٧٥ ه- ش ، مؤسسة انتشارات دار العلم ، قم ، إيران.
٨٠ - متشابه القرآن ومختلفه ، محمّد بن علي بن شهر آشوب ، الطبعة الثالثة ، ١٤١٠ ه- ، انتشارات بيدار ، قم ، إيران.
٨١ - مجمع البحرين ، الشيخ فخرالدين الطريحي ، تحقيق : أحمد الحسيني ، الطبعة الثانية ، ١٤٠٨ ه-.
٨٢ - مجمع البيان في تفسير القرآن ، الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي ، (١٠ أجزاء في ٥ مجلدات) ، الطبعة السادسة ، ١٤٢١ ه- ، انتشارات ناصر خسرو.
٨٣ - المحاسن ، أبو جعفر أحمد بن محمّد البرقي ، تحقيق السيّد مهدي الرجائي ، الطبعة الثانية ، ١٤١٦ ه- ، المجمع العالمي لأهل البيتعليهمالسلام ، قم ، إيران.
٨٤ - محاضرات في العقيدة الإسلامية ، أحمد البهادلي ، الطبعة الأُولى ، ١٣٩٩ه- ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت ، لبنان.
٨٥ - محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين من العلماء والحكماء والمتكلّمين ، فخرالدين الرازي ، راجعه وقدّم له : طه عبدالرؤوف سعد ، مكتبة الكليات الأزهرية ، القاهرة ، مصر ، ضمن سلسلة من تراث الرازي (٤ ).
٨٦ - مجمع الفروق اللغوية ، أبو هلال العسكري ، تحقيق : مؤسسة النشر الإسلامي ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٢ه- ، جامعة المدرسين ، قم ، إيران.
٨٧ - المسائل العكبرية ، الشيخ أبو عبدالله محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري المفيد ، (ج ٥ ضمن مصنفات الشيخ المفيد) ، تحقيق : علي أكبر الإلهي الخراساني ، الطبعة الأولى ، ١٤١٣ ه- ، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد ، قم ، إيران.
٨٨ - المسلك في أصول الدين ، نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد الحلّي ، تحقيق : رضا الأستادي ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٤ ه- ، مجمع البحوث الإسلامية ، مشهد ، إيران.
٨٩ - مصباح الكفعمي ، جنة الأمان الواقية وجنة الإيمان الباقية ، ٢ ج ، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي العاملي الكفعمي ، الطبعة الأولى ، ١٤١٢ ه- ، مؤسسة النعمان ، بيروت ، لبنان.
٩٠ - مصباح المتهجد ، الشيخ الطوسي ، الطبعة الأولى ، ١٤١١ ه- ، مؤسسة فقه الشيعة ، بيروت ، لبنان.
٩١ - المصطلحات الإسلامية ، السيّد مرتضى العسكري ، جمع وتنظيم : سليم الحسني ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٨ ه- ، كلية أصول الدين ، بيروت ، لبنان.
٩٢ - المطالب العالية من العلم الا لهي ، فخرالدين الرازي ، تحقيق : أحمد حجازي
السقا، الطبعة الأولى ، ١٤٠٧ ه- ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، لبنان.
٩٣ - معارف القرآن في معرفة الله ، محمّد تقي مصباح اليزدي ، تعريب : محمّد عبدالمنعم الخاقاني ، الطبعة الأُولى ، ١٤٠٤ ، دار الهادي للمطبوعات ، قم ، إيران.
٩٤ - المعجم الوسيط ، قام بإخراجه : إبراهيم مصطفى ، أحمد حسن الزيّات ، حامد عبدالقادر ، محمّد علي النجار ، مجمع اللغة العربية ، الإدارة العامة للمعجمات وإحياء التراث ، ١٤١٠ ه- - ١٩٨٩ م ، دار الدعوة ، مؤسسة ثقافية للتأليف والطباعة والنشر والتوزيع ، استانبول ، تركيا.
٩٥ - مفاتيح الجنان ، الشيخ عباس القمي.
٩٦ - مفاهيم القرآن ، جعفر سبحاني ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٢ ه- ، مؤسسة الإمام الصادقعليهالسلام ، قم ، إيران.
٩٧ - مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصبهاني ، تحقيق : صفوان عدنان داوودي ، الطبعة الثالثة ، ١٤٢٤ ه- ، انتشارات ذوي القربى ، قم ، إيران.
٩٨ - الملخّص في أصول الدين ، الشريف المرتضى ، تحقيق : محمّد رضا الأنصاري القمي ، الطبعة الأولى ١٤٢٠ ه- ، مركز نشر الجامعة ومكتبة مجلس الشورى الإسلامي ، طهران ، إيران.
٩٩ - الملل والنحل ، أبو الفتح محمّد بن عبدالكريم الشهرستاني ، تحقيق : محمّد سيد كيلاني ، (مجلدين) ، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، لبنان.
١٠٠ - مناهج اليقين في أصول الدين ، العلاّمة الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي ، تحقيق : محمّد رضا الأنصاري القمي ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٦ ه- ، الناشر : المحقّق ، مطبعة ماران ، قم ، إيران.
١٠١ - المنجد في اللغة ، الطبعة الحادية والعشرين ، ١٩٧٣م ، دار المشرق ، بيروت ، لبنان.
١٠٢ - المنقذ من التقليد (٢ج) الشيخ سديدالدين محمود الحمصي الرازي ( المتوفي أوائل القرن السابع ) ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٢ ه- ، تحقيق : مؤسسة النشر
الإسلامية ، التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدّسة.
١٠٣ - كتاب المواقف للقاضي عضدالدين عبدالرحمن بن أحمد الإيجي بشرح الشريف علي بن محمّد الجرجاني ، تحقيق : د ، عبدالرحمن عمير ، ٣ج ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٧ ه- ، دار الجليل ، بيروت ، لبنان.
١٠٤ - الميزان في تفسير القرآن ، العلاّمة السيّد محمّد حسين الطباطبائي ، الطبعة الخامسة ، ١٤١٢ ه- ، مؤسسة إسماعيليان ، قم ، إيران.
١٠٥ - النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر ، العلاّمة أبو منصور جمال الدين الحسن بن يوسف الحلّي ، شرح الفقيه الفاضل المقداد السيوري ، الطبعة الثانية، ١٤١٧ ه- ، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، لبنان.
١٠٦ - نظرة حول دروس في العقيدة الإسلامية ، محمّد تقي مصباح اليزدي ، إعداد : عبدالجواد الابراهيمي ، الطبعة الأولى ، ١٤١٧ ه- ، مؤسسة أنصاريان ، قم ، إيران.
١٠٧ - النكت الاعتقادية ، الشيخ أبو عبدالله محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري المفيد ، ضمن مصنفات الشيخ المفيد ، ج ١٠ ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٣ ه- ، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.
١٠٨ - نهاية الحكمة ، العلاّمة السيّد محمّد حسين الطباطبائي ، مركز الطباعة والنشر ، دار التبليغ الاسلامي ، قم.
١٠٩ - نهج البلاغة ، وهو مجموعة ما اختاره الشريف أبو الحسن محمّد الرضي بن الحسن الموسوي من كلام أميرالمؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، ضبط نصّه وابتكر فهارسه العلمية : د صبحي الصالح ، الطبعة الأُولى ، ١٤١٥ ه- ، دار الأسوة للطباعة والنشر.
١١٠ - نهج الحق وكشف الصدق ، العلاّمة الحسن بن يوسف المطهّر الحلّي ، تعليق : الشيخ عين الله الحسني ، الطبعة الأُولى ، ١٤٠٧ ه- ، مؤسسة دار الهجرة ، قم ، إيران.
١١١ - كتاب الوافي ، الفيض الكاشاني ، الطبعة الأولى ، ١٤٠٤ ه- ، منشورات مكتبة السيّد المرعشي النجفي ، قم ، إيران.
١١٢ - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ، محمّد بن الحسن الحرّ العاملي ،
تحقيق : مؤسسة آل البيتعليهمالسلام لإحياء التراث ، الطبعة الثانية ، ١٤١٤ ه- ، قم ، إيران.
١١٣ - الياقوت في علم الكلام ، أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت ، تحقيق وتقديم : علي أكبر ضيائي ، الطبعة الأولى ، ١٤١٣ ه- ، مكتبة السيّد المرعشي النجفي العامة ، قم ، إيران.
الفهرس
الفصل الأوّل وجود الله تعالى ٧
المبحث الأوّل خصائص مسألة وجود الله تعالى ٩
المبحث الثاني : اثبات وجود الله عن طريق الفطرة ١٠
المبحث الثالث :برهان النظم ١٤
المبحث الرابع:برهان الحدوث ١٩
المبحث الخامس :برهان الامكان ٢٩
الفصل الثاني :معرفة اللّه تعالى ٣٨
المبحث الأوّل :وجوب معرفة الله تعالى ٤٠
المبحث الثاني :عجز الحواس عن معرفة الله تعالى ٤١
المبحث الثالث :عجز العقل عن معرفة كنه ذات الله تعالى ٤٥
المبحث الرابع :كيفية معرفة الله تعالى ٤٨
الفصل الثالث :صفات اللّه تعالى ٥٠
المبحث الأوّل :معرفة الله عن طريق صفاته ٥٢
المبحث الثاني :توقيفية صفات الله تعالى ٥٥
المبحث الثالث:أقسام صفات الله تعالى ٥٨
المبحث الرابع :خصائص صفات الله التنزيهيّة ٦٠
المبحث الخامس :خصائص صفات الله الثبوتية ٦٢
المبحث السادس :صفات الله الذاتية عين الذات أو زائدة عن الذات ؟ ٦٥
الفصل الرابع :صفات اللّه التنزيهيّة ٧٧
الاتّحاد ٧٩
الاحتياج ٨١
التركيب ٨٣
الجسمانية ٨٥
الجهة ٨٧
الجوهر والعرض ٩٠
الحدّ ٩٢
الحركة والسكون ٩٤
الحلول ٩٥
الحوادث ٩٧
الروية ٩٩
الزمان ١٠٠
الشبيه ١٠٢
الشريك ١٠٣
الضدّ ١٠٦
الكيفيات المحسوسة ١٠٨
اللذة والالم(١) ١١٠
المثيل ١١٢
المكان ١١٤
الفصل الخامس :رؤية اللّه تعالى بالبصر ١٢٠
المبحث الأوّل :معنى الرؤية البصرية ١٢٢
المبحث الثاني :عقيدة الشيعة وأهل السنّة حول رؤية الله تعالى ١٢٣
المبحث الثالث :أدلة نفي رؤية الله بالبصر ١٢٥
المبحث الرابع :مناقشة أدلة القائلين بامكان رؤية الله بالبصر ١٢٩
الفصل السادس :وحدانيّة اللّه تعالى ١٣٩
المبحث الأوّل :معنى أحدية الله ووحدانيته ١٤١
المبحث الثاني :أحدية الله ووحدانيته في القرآن الكريم ١٤٢
المبحث الثالث :أدلة أحدية الله ووحدانيته ١٤٤
المبحث الرابع :الثنوية ١٤٩
المبحث الخامس :التثليث ١٥١
المبحث السادس :الله تعالى واتّخاذ الولد ١٥٤
المبحث السابع :عبادة الاصنام ١٥٦
المبحث الثامن :أقسام وحدانية الله ١٥٨
الفصل السابع :حياة اللّه تعالى ١٦٠
المبحث الأوّل :معنى الحياة ١٦٢
المبحث الثاني :أدلة ثبوت صفة الحياة للذات الالهية ١٦٥
المبحث الثالث :خصائص حياة الله تعالى ١٦٦
المبحث الرابع :حياة الله في القرآن وأحاديث أهل البيت عليهمالسلام ١٦٧
الفصل الثامن :علم اللّه تعالى ١٦٩
المبحث الأوّل :معنى العلم ١٧١
المبحث الثاني :أقسام العلم(١) ١٧٢
المبحث الثالث :خصائص علم الله تعالى ١٧٤
المبحث الرابع :كيفية علم الله تعالى ١٧٧
المبحث الخامس :أقسام علم الله تعالى ١٧٩
المبحث السادس :علم الله الذاتي ١٨٠
المبحث السابع :علم الله بذاته ١٨٣
المبحث الثامن :علم الله بالاشياء قبل ايجادها ١٨٥
المبحث التاسع :علم الله بالاشياء بعد ايجادها ( العلم الفعلي ) ١٨٩
المبحث العاشر :سعة علم الله تعالى ١٩١
الفصل التاسع :إدراك اللّه تعالى ١٩٥
المبحث الأوّل :معنى الادراك ( لغة واصطلاحاً ) ١٩٧
المبحث الثاني :صلة الادراك بالعلم ١٩٨
المبحث الثالث :صلة الادراك بالحياة ٢٠١
المبحث الرابع :خصائص صفة الادراك عند الله تعالى ٢٠٣
الفصل العاشر :سمع اللّه تعالى وبصره ٢٠٥
المبحث الأوّل :حقيقة وصفه تعالى بالسميع والبصير ٢٠٧
المبحث الثاني :الصلة بين " السمع والبصر " و بين " العلم " ٢١٠
المبحث الثالث :الادلة العقلية على كونه تعالى سميعاً وبصيراً ٢١٤
الفصل الحادي عشر :قدرة اللّه تعالى ٢١٨
المبحث الأوّل :معنى القدرة ( لغةً واصطلاحاً ) ٢٢٠
المبحث الثاني :أقسام القادر ٢٢٥
المبحث الثالث :أدلة اثبات قدرة الله تعالى ٢٢٨
المبحث الرابع :خصائص قدرة الله تعالى ٢٣٠
المبحث الخامس :سعة قدرة الله تعالى ٢٣٣
المبحث السادس :أدلة عموم قدرة الله تعالى ٢٣٧
الفصل الثاني عشر :مشيئة اللّه تعالى وإرادته ٢٤٨
المبحث الأوّل :مراتب صدور الفعل من الله تعالى ٢٥٠
المبحث الثاني :معنى وأقسام مشيئة الله تعالى ٢٥٣
المبحث الثالث :خصائص مشيئة الله تعالى ٢٥٤
المبحث الرابع :معنى الارادة ( لغة واصطلاحاً ) ٢٥٦
المبحث الخامس :أقسام ارادة الله تعالى ٢٥٨
المبحث السادس :ارادة الله صفة ذات أم صفة فعل ٢٦٨
المبحث السابع :خصائص ارادة الله تعالى ٢٧١
المبحث الثامن :حسن وقبح الارادة ٢٧٣
المبحث التاسع :عدم تعلّق ارادة الله بأفعال العباد القبيحة ٢٧٥
المبحث العاشر :كراهة الله لبعض الافعال ٢٧٩
الفصل الثالث عشر :البداء ٢٨١
المبحث الأوّل :خصائص مسألة البداء ٢٨٣
المبحث الثاني :أهمية الاعتقاد بالبداء ٢٨٤
المبحث الثالث: معنى البداء ٢٨٥
المبحث الرابع :بيان كيفية وقوع البداء في أفعال الله وأسباب ذلك ٢٨٧
المبحث الخامس :أسباب التسمية بالبداء ٢٩٠
المبحث السادس :المقصود من " الظهور لله تعالى " ٢٩٢
المبحث السابع :صلة البداء بالقضاء الالهي ٢٩٥
المبحث الثامن :البداء ولوح المحو والاثبات ٢٩٧
المبحث التاسع :أمثلة وقوع البداء لله تعالى ٢٩٩
المبحث العاشر :أسباب أهمية البداء ٣٠٥
المبحث الحادي عشر :البداء والردّ على مقولة اليهود ٣٠٧
المبحث الثاني عشر :البداء ومشكلة عدم تحقّق اخبار الانبياء بالمغيّبات ٣٠٩
المبحث الثالث عشر :مستثينات البداء ٣١٢
المبحث الرابع عشر :المشابهة والفرق بين البداء والنسخ ٣١٤
الفصل الرابع عشر :كلام اللّه تعالى ٣١٨
المبحث الأوّل :خصائص مسألة كلام الله تعالى ٣٢٠
المبحث الثالث :اتّصاف الله بصفة المتكلّم ٣٢٣
المبحث الرابع :حقيقة كلام الله تعالى ٣٢٤
المبحث الخامس :قدم أو حدوث كلام الله تعالى ٣٣٠
المبحث السادس :صدق كلام الله تعالى ٣٤٣
الفصل الخامس عشر :صفات اللّه الخبرية ٣٤٥
المبحث الأوّل :التعريف بصفات الله الخبرية ٣٤٧
المبحث الثاني :أهم الاقوال حول تفسير صفات الله الخبرية ٣٤٩
المبحث الثالث :بيان المعاني المقصودة من الصفات الخبرية ٣٥٦
الفصل السادس عشر :أسماء اللّه تعالى ٣٧٢
المبحث الأوّل :معنى وأقسام الاسم ٣٧٤
المبحث الثاني :الهدف من وجود الاسماء لله تعالى ٣٧٦
المبحث الثالث :أسماء الله الحسنى ٣٧٨
المبحث الرابع :احصاء أسماء الله تعالى ٣٧٩
المبحث الخامس :خصائص أسماء الله تعالى ٣٨١
المبحث السادس :توقيفية أسماء الله تعالى(١) ٣٨٤
المبحث السابع :بيان أسماء الله ومعانيها ٣٨٧
الفهرس ٤٦٨