الغدير في الكتاب والسنة والأدب- الجزء 3
التجميع الإمامة
الکاتب العلامة الشيخ الأميني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

بقية شعراء الغدير

في القرن الثالث

١١ - أبو إسماعيل العلوي

وجدّي وزير المصطفى وابن عمِّه

عليٌّ شهاب الحرب في كلِّ ملحمِ

أليس ببدر كان أوّل قاحم

يطير بحدّ السيف هام المقحَّمِ!؟

وأوَّل صلّى ووحَّد ربَّه

وأفضل زوّار الحطيم وزمزمِ

وصاحب يوم الدوح إذ قام أحمد

فنادى برفع الصوت لا بتهمهمِ

: جعلتك منّي يا عليُّ؟ بمنزل

كهارون من موسى النجيب المكلّمِ

فصلّى عليه الله ما ذرَّ شارقٌ

وأوفت حجور البيت أركب محرمِ(١)

(الشاعر)

أبو إسماعيل محَّمد بن عليِّ بن عبد الله بن العبّاس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن الإمام أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب صلوات الله عليهم.

هو من فروع دوح الخلافة، ومن مفاخر العترة الطاهرة، كان يرفل في حلّة المجد الضافية، طافحاً عليه الشرف الظاهر، والسؤدد المعلوم، بين حسبٍ زاكٍ، و ونسبٍ وضئٍ، أحمديُّ المأثرة، علويُّ المنقبة، عبّاسيُّ الشهامة، إلى فضائل كثيرة ينحسر عنها البيان.

قال المرزباني في (معجم الشعراء) ص ٤٣٥: شاعرٌ يكثر الإفتخار بآبائه رضوان الله عليهم، وكان في أيّام المتوكّل وبعده دهراً، وهو القائل:

_____________________

١ - معجم الشعراء للحافظ المرزباني ص ٤٣٥.


وإنّي كريمٌ من أكارم سادةٍ

أكفّهمُ تندي بجزل المواهبِ

همُ خير من يحفى وأفضل ناعلٍ

وذروة هضب العرب من آل غالبِ

همُ المنُّ والسلوى لدانٍ بودّهم

وكالسمِّ في حلق العدوِّ المجانبِ

وله:

بعثت إليهم ناظري بتحيَّةٍ

فأبدت لي الأعراض بالنظر الشزرِ

فلمّا رأيت النفس أوفت على الرَّدى

فزعت إلى صبري فأسلمني صبري

أمّا إذا افتخر أبو إسماعيل بآبائه فأيُّ أحد يولده أولئك الأكارم من آل هاشم فلا يكون حقّاً له أن يطأ السماء برجله؟ وأيّ شريف يكون المحتبي بفناء بيته قمر بني هاشم أبو الفضل ثمّ لا تخضع له قمَّة الفلك مجداً وخطراً؟ فإن افتخر المترجم بهؤلاء فقد تبجَّح بنجوم الأرض وأعلام الهدى، ومنار الفضل وسُوى الإيمان.

مَن تلق منهم تلق كهلاً أو فتىً

علم الهدى بحر الندى المورودا

وهذا جدُّه أبو الفضل العبّاس الثاني كان كما قال الخطيب في تاريخ بغداد ١٢ ص ١٣٦: عالماً شاعراً فصيحاً من رجال بني هاشم لساناً وبياناً وشعراً، ويزعم أكثر العلويَّة: إنّه أشعر ولد أبي طالب؛ وكان في صحابة هارون ومن شعره يذكر إخاء أبي طالب (عم النبيِّ) لعبد الله (أبي النبيِّ لأبيه وأمِّه) من بين إخوته:

إنّا وإنَّ رسول الله يجمعنا

أبٌ وأُمٌّ وجدٌّ غير موصومِ

جاءت بنا ربَّة من بين أسرته

غرّاء من نسل عمران بن مخزومِ

حزنا بها دون من يسعى ليدركها

قرابة من حواها غير مسهومِ

رزقاً من الله أعطانا فضيلته

والناس من بين مرزوق ومحرومِ

جاء إلى باب المأمون فنظر إليه الحاجب ثمَّ أطرق فقال له: لو أذن لنا لدخلنا، ولو اعتذر إلينا لقبلنا، ولو صرَّفنا لانصرفنا، فأمّا اللفتة بعد النظرة لا أعرفها(١) ثمَّ أنشد:

وما عن رضاً كان الحمار مطيَّتي

ولكنَّ من يمشي سيرضى بما ركب

ومن درر كلمه الحكميَّة قوله:

_____________________

١ - هذه الجملة حكيت عن تاريخ الخطيب في تذكرة السبط ٣٢ بغير هذه الصورة.


إعلم أنَّ رأيك لا يتَّسع لكلِّ شيئ، ففرِّغه للمهمِّ.

وأنَّ مالك لا يغني الناس كلّهم، فخصَّ به أهل الحقِّ.

وأنَّ كرامتك لا تطيق العامَّة، فتوخَّ بها أهل الفضل.

وأنَّ ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجتك وإن دأبت فيهما، فأحسن قسمتهما بين عملك ودعتك من ذلك.

فإنَّ ما شغلك من رأيك في غير المهمِّ إزراءٌ بالمهمِّ.

وما صرفت من مالك في الباطل فقدته حين تريده للحقِّ.

وما عمدت من كرامتك إلى أهل النقص أضرّك في العجز عن أهل الفضل.

وما شغلك من ليلك ونهارك في غير الحاجة أزرى بك في الحاجة.

وأخو العبّاس هذا: الفضل بن الحسن الذي يأبِّن جدَّه أبا الفضل شهيد الطفِّ سلام الله عليه بقوله:

أحقّ الناس أن يُبكى عليه

فتىً أبكى الحسين بكربلاءِ

أخوه وابن والده عليٍّ

أبو الفضل المضرَّج بالدِّماءِ

ومن واساه لا يثنيه شيءٌ

وجاد له على عطشٍ بماءِ

ذكرها له المؤرِّخ الهندي أشرف علي في كتابه المطبوع [روض الجنان في نيل مشتهى الجنان] وشطَّرها زميلنا العلّامة المتضلّع الشيخ محمد علي الأوردبادي حيِّاه الله فقال:

أحقٌّ الناس أن يُبكى عليه

بدمع شابه علق الدماءِ

بجنب العلقميِّ سريّ فهرٍ

فتىً أبكى الحسين بكربلاءِ

أخوه وابن والده عليٍّ

هزير الملتقى ربُّ اللواءِ

صريعاً تحت مشتبك المواضي

أبو الفضل المضرَّج بالدماءِ

ومن واساه لا يثنيه شيءٌ

عن ابن المصطفى عند البلاءِ

وقد ملك الفرات فلم يذقه

وجاد له على عطشٍ بماءِ

وكان شاعرنا المترجم من رجاحة العقل، ورصافة العارضة، في جانب عظيم


مثيل جدِّه تجري كلماته مجرى الحكم والأمثال منها قوله في رجل من أهله:

إنّي لأكره أن يكون لعلمه فضلُ على عقله، كما أكره أن يكون للسانه فضلٌ على علمه(١) .

١٢ - الوامق النصراني

أليس بخمٍّ قد أقام «محمَّدٌ»

«عليّاً» بإحضار الملا في المواسمِ

فقال لهم: مَن كنت مولاه منكُمُ

فمولاكمُ بعدي «عليّ بن فاطمِ»

فقال: إلهي كن وليَّ وليِّه

وعاد أعاديه على رغم راغمِ

ويقول فيها:

أما ردّ عمراً يوم سلع بباتر

كأنَّ على جنبيه لطخ العنادمِ(٢)

وعاد ابن معدي نحو أحمد خاضعاً

كشارب أثل في خطام الغمايمِ(٣)

وعاديت في الله القبايل كلّها

ولم تخش في الرَّحمن لومة لايمِ

وكنت أحقّ الناس بعد محمد

وليس جهول القوم في حكم عالمِ(٤)

(ما يتبع الشعر)

ربما يستغرب القارئ ما يجده من مدايح النصارى لأمير المؤمنين عليه السلام وهم لا يعتنقون الإسلام فضلاً عن الإعتقاد بالخلافة الإسلاميَّة، ولا غرابة في ذلك فإنَّه جريٌ منهم مع الحقايق الراهنة، وسيرٌ مع التاريخ الصحيح، فإنّ المنصف مهما اعتنق

_____________________

١ - كامل المبرد ١ ص ٥٦.

٢ - السلع: جبل بالمدينة. العندم: الدم والبقم.

٣ - أثل: شجر عظيم لا ثمر له ج أثلة. الخطام: كل ما وضع في فم البعير ليقتاد به. الغمايم جمع الغمامة: خريطة فم البعير. كناية عن نهاية الذلة والخضوع.

٤ - مناقب إبن شهر آشوب ١ ص ٢٨٦، ٥٣٢.


مبدءً غير الإسلام فإنَّه لا يسعه إنكار ما اكتنف مولانا من الفضايل: من نفسيّات كريمة، وعلوم جمَّة، وخوارق لا تحصى؛ وبطولة وبسالة، وما قال فيه نبيُّ الإسلام، الذي لا يعدو عند غير المسلم أن يكون عظيماً من عظماء العالم، وحكيماً من حكمائه، بل أعظم رجالات الدهر كلّهم، لا يرمي القول على عواهنه، فلا بدَّ أن يكون من يثبت له هو صلى الله عليه وآله وسلم تلك الفضايل عظيماً كمثله أو دونه بمرقاة.

كما أنّك تجد الثناء المتواصل على النبيِّ الأعظم أو وصيِّه في كتب لفيف من النصارى واليهود ككتاب.

١ - أقوال محمد تأليف المستر ستنلي لين بول.

٢ - محمد والقرآن تأليف المستر جون وانتبورت.

٣ - محمد والقرآن تأليف الأستاذ مونته.

٤ - عقيدة الإسلام تأليف غولد يسهر.

٥ - العالم الإسلامي تأليف ماكس مايرهوف.

٦ - تاريخ العرب تأليف الأستاذ هوار.

٧ - مفكّري الإسلام تأليف كاداود وفو الافرنسي.

٨ - مهد الإسلام تأليف ألاب لامنس.

٩ - خلاصة تاريخ العرب تأليف سديو الافرنسي.

١٠ - حياة محمد تأليف السير ويليام ميور الانكليزي.

١١ - سيرة محمد تأليف السير وليم موير.

١٢ - مدنيّات الشرق تأليف ألمسيو غروسه.

١٣ - الكياسة الإجماعيَّة تأليف الدكتور وغسطون كرسطا الايطالي.

١٤ - محمد والإسلام تأليف حنادا قنبرت.

١٥ - حياة محمد تأليف المستر دكالون سل.

١٦ - محمد والإسلام تأليف المستر بوسرت اسمت.

١٧ - عرب اسبانيا تأليف ألمسيو دوزي.

١٨ - عن الشرع الدولي تأليف الدكتور نجيب ارمنازي.


١٩ - المعلّم الأكبر تأليف المستر هر برت وايل

٢٠ - الابطال تأليف توماس كارليل الانكليزي

٢١ - الإسلام خواطر وسوانح تأليف هنري دي كاستري الفرنسي

٢٢ - حاضر العالم الإسلامي تأليف لوتروب ستو دارد الاميركي

٢٣ - حِكَم النبيِّ محمد تأليف تولستوي الروسي

٢٤ - مصير المدنيَّة الإسلاميَّة تأليف هو كنيك الفيلسوف الاميركي

٢٥ - سرّ تطوّر الإسلام تأليف غوستاف لوبون الفرنسي

٢٦ - الآراء والمعتقدات تأليف غوستاف لوبون الفرنسي

٢٧ - الحضارات تأليف غوستاف لوبون الفرنسي

٢٨ - التمدّن الإسلامي(١) تأليف غوستاف لوبون الفرنسي

٢٩ - الإسلام ومحمد تأليف والافتنرت

٣٠ محمد والحضارة(٢) تأليف عبد المسبيح أفندي وزير

وغير ذلك مئات من كتبهم حول الإسلام أو نبيّه. وما ذلك إلّا أنّ ما وصفوه من صفات الفضيلة حقايق ناصعة لا يسترها التمويه، ولا يأتي على ذكرها الحدثان، و ذكريات خالدة يحدَّث بها الملوان، ما قام للدهر كيان، وبما أنَّ حديث «الغدير» من هاتيك الحقايق تجد الناس إلباً واحداً في روايته، يهتف به الموالي، ويعترف به الناصب، وينشده المسلم، ويشدو به الكتابيّ.

(الشاعر)

بُقراط بن أشوط الوامق الأرميني النصراني، بطريق(٣) بطارقة أرمينيَّة، و قائدهم الأكبر، وأميرهم المقدَّم في القرن الثالث، عدَّه إبن شهر آشوب في «معالم العلماء» من مقتصدي المادحين لأهل البيت عليهم السَّلام.

قال اليعقوبي في تاريخه ٣ ص ٢١٣، وابن الأثير في الكامل ٧ ص ٢٠: إنَّه

_____________________

١ - طبعت ترجمته بالفارسية بطهران في ٨٠٤ صحيفة.

٢ - مقال نشر في جريدة الاستقلال سنة ١٩٢٧ م.

٣ - البطريق: القائد الحاذق بالحرب وشيء ونها. معرب.


وثب في سنة ٢٣٧ أهل آرمينية بعاملهم يوسف بن محمد فقتلوه، وكان سبب ذلك أنَّ يوسف لما سار إلى أرمينية خرج إليه بطريقٌ يقال له: بقراط بن أشوط. ويقال له: بطريق البطارقة. يطلب الأمان فأخذه يوسف وابنه نعمة فسيَّرهما إلى باب الخليفة «المتوكّل» فاجتمع بطارقة أرمينية مع ابن أخي بقراط بن أشوط وتحالفوا على قتل يوسف ووافقهم على ذلك موسى بن زرارة وهو صهر بقراط على ابنته فأتى الخبر يوسف ونهاه أصحابه عن المقام بمكانه فلم يقبل فلمّا جاء الشتاء ونزل الثلج مكثوا حتّى سكن الثلج ثمَّ أتوه وهو بمدينة «طرون»(١) فحصروه بها فخرج إليهم من المدينة فقاتلهم فقتلوه وكلَّ من قاتل معه، وأمّا من لم يقاتل معه فقالوا: له انزع ثيابك وانج بنفسك عرياناً ففعلوا ومشوا حفاةً عراةً فهلك أكثرهم من البرد وسقطت أصابع كثير منهم ونجوا، وكان ذلك في رمضان، وكان يوسف قبل ذلك قد فرَّق أصحابه في رساتيق عمّاله فوجَّه إلى كلِّ طائفة منهم طائفة من البطارقة فقتلوهم في يوم واحد، فلمّا بلغ المتوكّل خبره ووجَّه بغا الكبير إليهم طالباً بدم يوسف فسار إليهم على الموصل والجزيرة فبدأ بأرزن(٢) وبها موسى بن زرارة و له إخوته إسماعيل وسليمان وحمد وعيسى ومحمد وهرون فحمل بغا موسى بن زرارة إلى المتوكّل وأباح على قتله يوسف فقتل منهم زهاء ثلاثين ألفاً وسبى منهم خلقاً كثيراً فباعهم.

وهناك جمعٌ آخرون من النصارى مدح أمير المؤمنين عليه السلام منهم: شاعرهم زينبا إبن إسحق الرسعني الموصلي النصراني.

ذكر له البيهقي في [المحاسن والمساوي] ١ ص ٥٠، والزمخشري في [ربيع الأبرار]، وأبو حيّان في تفسيره [البحر المحيط] ٦ ص ٢٢١، وأبو العبّاس القسطلاني في [المواهب اللدنيَّة]، وأبو عبد الله الزرقاني المالكي في [شرح المواهب] ٧ ص ١٤، والمقري المالكي في [نفح الطيب] ١ ص ٥٠٥. والشيخ محمد الصبّان في [إسعاف الراغبين] ١١٧ نقلاً عن إمامهم أبي عبد الله محمد بن علي بن يوسف الأنصاري الشاطبي(٣) قوله(٤) :

_____________________

١ - موضع بأرمينية.

٢ - أرزن: مدينة من أرباض أرمينية.

٣ - رضي الدين المولود ٦٠١ والمتوفى ٦٨٠ والمترجم في نفح الطيب ١ ص ١٥٠٥.

٤ - وذكره له شيخنا الفتال في «روضة الواعظين» ١٤٣، وإبن شهر آشوب في «المناقب» ٢ ص ٢٣٧.


عديُّ وتيمُ لا اُحاول ذكرها

بسوءٍ ولكنّي محبٌّ لهاشمِ

وما تعتريني في عليّ ورهطه

إذا ذكروا في الله لومة لائمِ

يقولون: ما بال النصارى تحبّهم

وأهل النهى من أعرب وأعاجمِ؟!

فقلت لهم: إنّي لأحسب حبَّهم

سرى في قلوب الخلق حتى البهايمِ

وذكر الخطيب الخوارزمي في المناقب ٢٨، وإبن شهر آشوب في مناقبه ١ ص ٣٦١، والأربلي في كشف الغمّة ٢٠ لبعض النصارى قوله:

عليٌّ أمير المؤمنين صريمة

وما لسواه في الخلافة مطمعُ

له النسب الأعلى وإسلامه الذي

تقدَّم فيه والفضايل أجمعوا

بأنَّ عليّاً أفضل الناس كلّهم

وأورعهم بعد النبيّ وأشجعُ

فلو كنت أهوى ملّة غير ملّتي

لما كنت إلّا مسلماً أتشيَّعُ

وذكر شيخنا عماد الدين الطبري في الجزء الثاني من كتابه «بشارة المصطفى» لأبي يعقوب النصراني قوله:

يا حبَّذا دوحة في الخلد نابتةٌ

ما في الجنان لها شبهٌ من الشجرِ

المصطفى أصلها والفرع فاطمةٌ

ثمَّ اللقاح عليُّ سيِّد البشرِ

والهاشميّان سبطاها لها ثمرٌ

والشيعة الورق الملتفّ بالثمرِ

هذا مقال رسول الله جآء به

أهل الروايات في العالي من الخبرِ

إنّي بحبِّهمُ أرجو النجاة غداً

والفوز مع زمرة من أحسن الزمرِ

أشار بها إلى ما أخرجه الحفّاظ(١) عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنَّه قال: أنا الشجرة، وفاطمة فرعها، وعليٌّ لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، وشيعتنا ورقها، وأصل الشجرة في جنَّة عدن وسائر ذلك في سائر الجنَّة.

هذا لفظه عند العامَّة وأمّا عند مشايخنا فهو: خُلق الناس من أشجار شتّى و خُلقتُ أنا وعليُّ بن أبي طالب من شجره واحدة، فما قولكُم في شجرة أنا أصلها، وفاطمة

_____________________

١ - الحاكم في «المستدرك» ٣ ص ١٦٠، وإبن عساكر في تاريخه ج ٤ ص ٣١٨، ومحب الدين في «الرياض» ٢ ص ٢٥٣، وابن الصباغ «في الفصول» ص ١١، والصفوري في «نزهة المجالس» ٢ ص ٢٢٢.


فرعها، وعليُّ لقاحها، والحسن والحسين ثمارها، وشيعتنا أوراقها، فمن تعلّق بغصن من أغصانها ساقته إلى الجنَّة، ومن تركها هوى في النار.

وممَّن مدحه عليه السلام من متأخِّري النصارى عبد المسيح الأنطاكي المصري بقصيدته العلويَّة المباركة ذات ٥٥٩٥ بيتاً ومنها قوله ص ٥٤٧ فيما نحن فيه:

للمرتضى رتبةٌ بعد الرَّسول لدى

أهل اليقين تناهت في تعاليها

ذو العلم يعرفها ذو العدل ينصفها

ذو الجهل يسرفها ذو الكفر يكميها

وإنَّ في ذاك إجماعاً بغير خلا

ف في المذهب مع شتّى مناحيها

وإن أقرَّبها الإسلام لا عجب

فإنَّه منذ بدء الوحي داريها

وإن تنادى جموع المسلمين بها

فقد وعت قدرها من هدي هاديها

بل جاوزتهم إلى الأغيار فانصرفت

نفوسهم نحوها بالحمد تطريها

وذي فلاسفة الجحّاد معجبة

بها وقد أكبرت عجباً تساميها

وردَّدت بين أهل الأرض مدحتها

فيه وقد صدقت وصفاً وتشبيها

كذا النصارى بحبِّ المرتضى شغفت

ألبابُها وشدت فيه أغانيها

فلست تسمع منها غير مدحته الغـ

ـرّاء ما ذكرته في نواديها

فارجع لقسّانها بين الكنائس مع

رهبانها وهي في الأديار تأويها

تجد محبَّته بالإحترام أتت

نفوسها وله أبدت تصبّيها

وانظر إلى الديلم الشجعان خائضة الحـ

ـروب والترك في شتّى مغازيها

تلف استعاذتها بالمرتضى ولقد

زانت بصورته الحسنا مواضيها

وآمنت أنّ ترصيع السيوف بصو

رة الوصيِّ ينيل النصر منضيها

م - وفي الآونة الأخيرة نظم الأستاذ بولس سلامة قاضي أمّة المسيح ببيروت بعد ما قرأ كتابنا هذا «الغدير» قصيدته العصماء تحت عنوان «عيد الغدير» في ٣٠٨٥ بيتاً، و فيها تحليلٌ وتدقيق، وإعرابٌ عن حقايق ناصعة. وجريٌ مع التاريخ الصحيح، طبعت في ٣١٧ صفحة).


نعرات الجاهلية الأولى

( إِنّ الّذِينَ ارْتَدّوا عَلَى‏ أَدْبَارِهِم مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمُ

الْهُدَى‏ الشّيْطَانُ سَوّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى‏ لَهُمْ )

ربما يجد الباحث في بعض تآليف المستشرقين في التاريخ الإسلامي رمزاً من النزاهة في الكتابة والأمانة في النقل وخلوَّ كلِّ محكيٍّ عن أيِّ مصدر (هبه غير وثيق) من التحريف والتصرُّف فيه، وتجرُّده عن سوء صنيع الكتبة، وبعده من الإستهتار، وهذا جمال كلّ تأليف وشأن كلّ مؤلِّف مهما كان شريف النفس، وهو حقُّ كلِّ رائد، و الرائد لا يكذب أهله.

غير أنَّ في القوم من ألّف وسخف فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذا كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون. فكأنَّ الجهل لم يمت بعدُ وقد مات أبو جهل، ولهب الضلال لم يخمد بعدُ وقد اتَّقد أبو لهب في درك الجحيم، وكأنَّ الدنيا ترجع إلى ورائها القهقري، وعاد الإسلام كشمس كادت تكون صلاءً(١)

جاء من القوم بعد لأي مِن الدهر مَن يدعو الناس إلى الجاهليَّة الأولى وإلى حميَّتها البائدة، ولا بُقيا للحميَّة بعد الحرائم(٢) نهض يبشِّر عن مسيح مركَّب من طبيعتين: (إلهيَّة وبشريَّة) ويحسب نفسه قد أبهر في تأليفه وأتى بأمر جديد، فأخذ كالمتفلسف يتتعتع ويتلعثم، ويحرِّف الكلم عن مواضعه، ويُؤوِّل الكتاب الكريم برأيه الضئيل، ويتحكَّم في الحديث بفكرته الخائرة، ويرى النبيَّ الأعظم من المبشِّرين بنصرانيَّته الصحيحة التي ليست هي إلّا الضَّلال المحض، وهو مع ذلك مائنٌ في نقله، خائنٌ في حكايته، غاشٌّ في نصحه، مدنِّسٌ في كتابته، مهاجمٌ على قدس صاحب الرِّسالة

_____________________

١ - مثل يضرب في قلة الانتفاع بالشيء

٢ - الحريمة ما فات من كل مطموع فيه.


مجانبٌ عن الحقِّ والحقيقة، كلّ ذلك باسم كتاب «حياة محمد»

ألا؟ وهو الأستاذ إميل در منغم.

إنَّ الرجل لَمّا شاهد أنَّ الإسلام علا هتافه اليوم، ودوَّخ أرجاء العالم صيته، وأطَّلت سمائه على الأرض كلّها شرقاً وغرباً، وشعَّ نوره في كلِّ طللٍ ووَهَد، وعمَّت أشعَّته كلّ طارفٍ وتليد، وملأ الكون صراخ قومه بالثناء البالغ على الإسلام المقدَّس ونبيِّه الأقدس، وكثر إعجابهم بكتابه السماويِّ، وقانونه الإجتماعيِّ، وشرعه السويِّ، وحكمه السياسيِّ، ودستوره الإصلاحيِّ، ومشعبه الحقِّ المشعب.

عزَّ عليه كما عزَّ على سلفه الغوغاء أن يشاهد هذا السلطان العالميَّ العظيم، وهذه السيطرة الباهرة، وهذه الشرعة العادلة الجبّارة القاهرة للأكاسرة والتابعة والقياصرة والفراعنة، الحاكمة على آراء الأقباط والأقسَّة وآباء الكنائس وزعماءِ البيع ومعتقداتهم.

عزَّ عليه أن يرى في بيئته الغربيَّة بزوغ الإسلام الشرقيِّ، وتنوُّر أفكار المثقَّفين من قومه بلمعات القرآن العربيِّ المجيد، وانتشار معارف الإسلام الخالدة في عواصم أوروبا كالسيل الجارف لأُصول الضَّلال، وأهواء الغرب، وما هناك من فساد الخلايق، ومضلّات البدع.

عزَّ عليه أن يسمع بأُذنيه من قلب العالم الأوربيِّ بألسنة فلاسفتها نداء أنَّ محمداً قاوم الوثنيَّة بعزم واحد طول الحياة ولم يتردَّد لحظة واحدة بينها وبين عبادة الواحد الأحد(١) .

أو أن يسمع عن آخر منهم وهو ينادي: إنَّ القرآن هو القانون العامّ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو صالحٌ لكلِّ مكان وزمان(٢)

أو أن يسمع عن ثالث من قومه وقد ملأ الدنيا صوته وهو يقول: استقرَّت قواعد الإسلام على أساس مكين من الآيات البيِّنات التي أنزلت تباعا وكان ختامها:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (٣)

_____________________

١ - كلمة الكونت هنري دي كاستري.

٢ - كلمة مسيو سنايس.

٣ - كلمة الدكتور نجيب الارمنازى.


أو أن يسمع بأُذنيه القرآن العزيز وهو يُتلى في الإذاعات كلّ يوم بكرةً وعشيّا، وتقرع آية مسامع خلق الدنيا دون كتاب قومه وكتاب أيِّ ملّة.

م - ونادى لسان الكون في الأرض رافعاً

عقيرته في الخافقين ومنشدا

: أعبّاد عيسى إنَّ عيسى وحزبه

وموسى جميعاً يخدمون محمدا(١)

فهناك تعصَّب الرجل وتشزَّر، وشزر إلى الإسلام وكتابه ونبيِّه، ونظر إليها بصدر عينه(٢) وتشذَّر للدفاع عن نحلته والذبِّ عن مبدءه الباطل؛ فعلى نحيمه بصدرٍ واغرٍ على الحقِّ، وهو يشوب ولا يروب(٣) وشرع يدعو إلى النصرانيَّة باسم الإسلام وحياة محمد، ويرى النبيَّ محمداً جاء بكتاب عربيٍّ كما لو كان نصرانيّاً ذاكراً أنَّه واحداً من الأنبياء ص ١٠٠.

ويرى للنصرانيَّة أثراً في محمد ويزعم أنَّ النصارى قد أيقظت شعور النبيِّ الدينيِّ قبل بعثه ص ١٠٠. ويجد في القرآن أُصول النصرانيَّة ص ١٠٦.

ويرى تأييد روح القدس لعيسى ذاتيّاً دون موسى ومحمد.

ويعتقد لعيسى من عصمة ما لم تكن لمحمَّد ويراه قد جاء في القرآن(٤) ١٠٧ ويرى النصرانيَّة تشمل الإسلام وتضيف إليه بعض الشيء ١١٨.

ويرى المسيح ابن الله الوحيد بمعنىً عرفانيٍّ يُلائم الذوق الخرافيَّ ١١٠.

ويرى القرآن يدعو إلى النصرانيَّة الصحيحة وهو القول بألوهيَّته وبشريَّته و كون الطبيعين في شخص واحد ١٠٧، ١١٢.

ويعزو آراءه السخيفة جلّها إلى القرآن المقدّس، ويرى القرآن لم يحط بكلِّ ما هو حقٌ في الأمر ١٠٩.

ويرى آخر مصحف اعتمد عليه صنع الحجّاج بن يوسف الثقفي، وإمكان تلاوة المصحف الشريف على غير ما هو عليه.

_____________________

١ - من أبيات للشاعر المفلق أبي الوفاء راجح الحلي المتوفى ٦٢٧).

٢ - مثل مشهور يضرب.

٣ - الشوب: الخلط. والروب: الاصلاح. مثل يضرب.

٤ - ليته دلنا على الآية الدالة عليه.


ويرى علماء التوحيد قائلين بأُلوهيَّة المسيح ١٠٩.

ويرى الهوَّة بين المسلمين والنصارى نتيجة سوء التفاهم.

ويرى التباعد بين الملّتين من فكرة مفسِّري القرآن وعلماء الإسلام.

ويرى العقل والتاريخ يستغربان عدم صلب المسيح.

ويرى اعتقاد المسلمين بعدم صلب المسيح باطلاً والآية الدالّة عليه غامضة ١١١.

ويؤوِّل قوله تعالى:( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ) . بما يلائم تعاليم النصرانيَّة ١١٢.

ويعدّ من ضلال جزيرة العرب إنكار ألوهيَّة المسيح والقول ببشريَّته فحسب ١١٣.

ويرى النبيَّ قد وضع نفسه فوق جميع المعتقدات ما دام على غير علم بالنصرانيَّة الصحيحة ١١٤.

ويعبِّر عن النبيِّ الأعظم بــ (البدويِّ الحمس) ١١٥.

فهذه جملةُ من خرافاته الراجعة إلى التبشير والدعوة إلى النصرانيَّة، وبها يقف الباحث على غاية الكاتب وقيمة كتابه، ويعرف أنَّه يحطُّ في هواه، ويحطب في حبله(١) جاهلاً يأنّ حماة الدين (دين البدويِّ الحمس) نابهون يحومون حول الحمى، ويعرفون حول الصلبان الزمزمة(٢) ويدافعون عن بيضة الإسلام المقدَّسة كلَّ سخبٍ وصخبٍ ولغطٍ وكذبٍ وإفكٍ وقول زور؛ وينزِّهون ساحته عن أرجاس الجاهليَّة وأنجاسها،( إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّـهِ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ) .

ولو أردت الوقوف على الحقيقة في كلِّ ما لفَّقه الرجل من إفكٍ شائنٍ فعليك بكتاب الهدى إلى دين المصطفى، وكتاب الرحلة المدرسيَّة وغيرهما من تآليف شيخنا العلم المجاهد الحجَّة الشيخ محمد جواد البلاغي النجفي وما ألفَّه غيره من أعلام الأُمَّة.

تسافل الشرق أو انحطاط العرب

لا أحسب أنَّ بسطاء الأُمَّة الإسلاميَّة فضلاً عن أعلامها تخفى عليهم الغايات المتوخّاة في أمثال هذه الكتب المزوَّرة، ولا تأمرهم أحلامهم قطُّ بنشر ما خطِّته تلكم

_____________________

١ - مثل ساير.

٢ - مثل يضرب لمن يروم الشيء ولا يظهر مرامه.


الأقلام المستأجرة لزعانفة الجاهليَّة، ولا يحسب أيُّ حامل حساسات الحيابين جنبيه إنَّ في تلكم التآليف فائدة طائلة قصرت عنها يد الشرق التي هي عاصمة علم الدنيا، و مرتكز لواء كلِّ فضيلة ومحمدة إجتماعيَّة.

ولا يهجس في خلد أيَّ محنَّك أنَّ في طيِّ تلكم الكلم مقيلاً من ظلِّ الحقيقة، أو أنَّ أحداً من أولئك الأساتذة المستشرقين قد أتى بفكرةٍ صالحةٍ جديدةٍ في إصلاح المجتمع من شؤون إجتماعيَّة. أخلاقيَّة. سياسيَّة. أدبيَّة. روحيَّة لم يأت بها نبيُّ الإسلام في كتابه وسنّته، حاشا نبيّ الإصلاح المبعوث لتتميم مكارم الأخلاق.

فما حاجة الأُمَّة العربيَّة الآخذة بناصية الشرق إلى ترجمة هذه التآليف الفارغة عن أدب الدين، أدب العلم. أدب النزاهة. أدب العفَّة. أدب الصدق والأمانة. أدب الحقِّ والحقيقة؟!

وما هذا الأنحطاط والتسافل البالغ في العروبة، وقد أصبحت «العياذ بالله» في مسيس الحاجة إلى هذه الكتب المخزية تأليف كلِّ خائرٍ بائرٍ، تأليف من صفرت يداه عن كلِّ خير، والضلال سجيَّته وقرواه؟!

كيف تفتقر الأُمَّة الإسلاميَّة (ولا تفتقر ولن تفتقر) إلى تلك الكتب!؟ ولها كتابها العربيُّ المقدَّس، كتابها الإجتماعيُّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كتابها الذي لا ريب فيه، هدىً للمتَّقين، كتابها الباحث عن الآداب الاجتماعيَّة وشؤون الصالح العام التي قوامها الحكمة، وأساسها العدل والإحسان، وجامعها العفَّة و القداسة والحنان.

وكيف تفتقر وهي حاملة السنَّة النبويَّة؟! تلك السنَّة الطافحة بغرر الحكم الإجتماعيَّة، والأحكام الحقوقيَّة، والجزائيَّة، والمدنيَّة، والدفاعيَّة، وما به انتظام الكون في قمع المظالم، وصيانة الحقوق، ودستور المعاش والمعاد، وحفظ الصحَّة، والمصالح العامَّة، ومباني الترقّي، ومنقذات البشر من مخالب الجهل والضلال، ودروس التقدُّم في عالم الرشد والصلاح.

تلك السنَّة المؤسَّسة للحياة السياسيَّة، وروح الوحدة الإجتماعيَّة، والجوامع الأخلاقيَّة، والفضايل النفسيَّة، والحقوق النوعيَّة والشخصيَّة التي عليها مدار نظام حياة


النوع الأنسانيِّ، وتدبير شؤون المجتمع البشريِّ في جميع أدوار الدنيا، وقرونها المتكثِّرة.

وكيف تفتقر؟! وبين يديها برنامج الأصلاح الحيويِّ المشتمل لموجبات الأمن والدعة والسلام والوءام والنزوع إلى كلِّ صالح، والإنحياز عن كلِّ ما يفكّك عُرى المدنيَّة الصحيحة، والحضارة الراقية، والدين المبين، ألا وهو كتاب نهج البلاغة (للإمام أمير المؤمنين تأليف الشريف الرضي) الذي تراه فلاسفة الدنيا دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق.

يا أمه اثكليه

هلمَّ معي أيّها الشرقيُّ الإسلاميُّ نسائل أستاذ فلسطين محمد عادل زعيتر [وهو يدبُّ مع القراد(١) وقد أساء القول وأساء العمل] عن ترجمة هذا الكتاب [حياة محمد] الطافح بالضَّلال.

نسائله عن جنايته الكبيرة على الأُمَّة العربيَّة بقوله في مقدِّمة ترجمته: قد تجنّى المستشرقون على الحقائق في سيرة الرسول الأعظم لا ريب، وقد كان تجنّيهم هذا عاملاً في زهد كتّاب العرب عن نقل ما ألَّفوه إلى العربيَّة على ما يحتمل، ولكن عطل اللغة العربيَّة من ذلك يُعدُّ نقصاً في حركتنا العلميَّة على كلِّ حال.

كيف عطل اللغة العربيَّة ممّا جنته يد الجاهليَّة وقد تجنَّت على الحقائق يُعدُّ نقصاً في حركتنا العلميَّة التي تدور مع الكتاب والسنَّة؟! وهما مدار علم العالم، و بصيرة كلّ متنوِّر، ومرمى كلّ مثقَّف، وضالَّة كلّ حكيم، ومقصد كلّ فيلسوف شرقيّ أو غربيّ. وهذا نفس المؤلِّف يقول في مقدِّمة الكتاب: وأهمّ المصادر لتبيان حياة محمد هو القرآن وكتب الحديث والسيرة، والقرآن أصحّ هذه المصادر وإن كان أو جزها.

ليته كان يتبع كتّاب العرب في زهدهم عن نقل ما ألَّفته يد الضلال إلى العربيَّة، ويتوقّى قلمه عن نشر كلم الفساد في المجتمع الإسلاميِّ من دون أيّ تعليق عليها، وأيّ تنبيه للقارئ بفسادها وهو يقول: لا يظنّ القارئ أنَّني أُشاطر المؤلِّف جميع ما ذهب إليه من الأُمور التي أرى الحقيقة غابت عنه في كثير منها.

_____________________

١ - مثل يضرب للرجل الشرير.


اُثكليه يا أُمَّه؟ بأيّ ثمن بخس أو خطير باع شرف أُمَّته، وعزَّ نحلته، و عظمة قومه، وقداسة كتابه وسنَّته؟!.

ولأيِّ مرمىً بعيد جعل نفسه مع [إميل در منغم] في بردة أخماس(١) ؟! وجاء يعاند الإسلام بنشر تلكم الأباطيل والأضاليل المضادَّة مع نحلته، ويشوِّه سمعة مصره العزيزة، وجامعها الأزهر، وأساتذتها النزهاء، وكتّابها القادرين بنشر تلك التافهات المضلّة في مطابعها المأسوف عليها وهو يقول في المقدِّمة: المؤلِّف مع ما ساده من حسن النيّة لم تخل سوانحه وآراؤه من زلّات.

ليتني أدري وقومي: ما حاجتنا إلى حسن نيّة مؤلِّه المسيح عيسى بن مريم وجاعله إبن الله الوحيد؟! وما الّذي يُعرب عن حسن نيّته؟! وكلّ صحيفة من كتابه أهلك من ترَّهات البسابس(٢) وقلّت صحيفة ليست فيها هنات تنمّ عن سوء طويَّته، وفساد نيَّته، وخبث رأيه.

نعم: والّذي أراه «والمؤمن ينظر بنور الله» إنَّ المترجم راقه ما في الكتاب من الأكاذيب والمخاريق المعربة عن النزعات والأهوآء الأمويّة فبذلك غدا الذئب للضبع(٣) وجاء وقد أدبر غَريره وأقبل هريرة(٤) ووافقَ شنٌّ طبقة.

نعم: راقه سلقه أهل بيت النبيِّ الطاهر بسقطات القول وكذب الحديث وسرد تاريخ مفتعل يمسُّ كرامة النبيِّ الأقدس وناموس عترته ممّا يلائم الروح الأمويَّة الخبيثة، ويمثِّل آل الله للملأ بصورة مصغَّرة، ويشوِّه سمعتهم بما لا يتحمَّله ناموس الطبيعة، وشرف الإنسانيَّة، من شراسة الخلق، وسيّئ العشرة، وقبح المداراة. قال:

كانت فاطمة عابسةً دون رقيَّة جمالاً، ودون زينب ذكاءً، ولم تدار فاطمة حينما أخبرها أبوها من وراء الستر أنَّ عليَّ بن أبي طالب ذكر اسمها، وكانت فاطمة تعدُّ عليّاً دميماً محدوداً مع عظيم شجاعته، وما كان عليٌّ أكثر رغبة فيها من رغبتها فيه مع ذلك ص ١٩٧.

_____________________

١ - ضرب من برود اليمن. وهو مثل يضرب للرجلين تحابا وتقاربا وفعلا فعلاً واحداً.

٢ - الترهات: الطرق الصغار، البسابس جمع بسبس: الصحراء الواسعة.

٣ - مثل يضرب لقريني سوء.

٤ - الغرير: الخلق الحسن. الهرير ما يكره من سوء الخلق.


وكان عليٌّ غير بهيِّ الوجه لعينيه الكبيرتين الفاترتين وانخفاض قصبة أنفه و كبر بطنه وصلعه، وذلك كلّه إلى أنَّ عليّاً كان شجاعاً تقيّاً صادقاً وفيّاً مخلصاً صالحاً مع توانٍ وتردّد..

وكان عليٌّ ينهت فيستقي الماء لنخيل أحد اليهود في مقابل حفنة تمر فكان إذا ما عاد بها قال لزوجته عابساً: كلي وأطعمي الأولاد..

وكان عليٌّ يحرد بعد كلِّ منافرة ويذهب لينام في المسجد وكان حموه يُربِّته على كَتفه ويعظه ويُوفِّق بينه وبين فاطمة إلى حين، وممّا حدث أن رأى النبيّ إبنته في بيته ذات مرَّة وهي تبكي من لكم عليٍّ لها.

إنَّ محمداً مع امتداحه قدم عليّ في الإسلام إرضاءً لإبنته كان قليل الإلتفات إليه. وكان صهر النبيِّ الأمويّان: عثمان الكريم وأبو العاصي أكثر مدارةً للنبيِّ من عليٍّ. وكان عليٌّ يألم من عدم عمل النبيِّ على سعادة إبنته، ومن عدّ النبيِّ له غير قَوّامٍ بجليل الأعمال، فالنبيُّ وإن كان يفوِّض إليه ضرب الرقاب كان يتجنَّب تسليم قيادةٍ إليه. ص ١٩٩.

وأسوأ من ذلك ما كان يقع عند مصاقبة عليٍّ وفاطمة لعدوّاتهما أزواج النبيِّ وتنازع الفريقين، فكانت فاطمة تعتب على أبيها متحسّرةً لأنّه كان لا ينحاز إلى بناته.

إلى غير ذلك من جنايات تاريخيَّة سوَّد بها الرجل صحيفة كتابه.

ما أساء من أعقب

أنا لا ألوم المؤلِّف - جدع الله مسامعه - وإن جاء بأُذني عناق(١) إذ هو من قوم حناق على الإسلام، وهو مع ذلك جرفٌ منهال وسحابٌ منجال(٢) ينمُّ كتابه عن عُجَره وبُجَره. وإنَّما العتب كلّ العتب على المترجم الجاني على الإسلام والشرق والعرب - وهو يحسب نفسه منها - نعم: جدب السوء يلجئ إلى نجعة سوء(٣) والجنس إلى الجنس يميل.

_____________________

١ - أي جاء بالكذب والباطل، مثل ساير.

٢ - مثل يضرب. يراد أنه لا يطمع في خيره

٣ - مثل دائر. يعني أن الأمور كلها تنشأ كل في الجودة والرداءة.


كلّ ما في الكتاب من تلكم الأقوال المختلقة، والنسب المفتعلة إن هي إلّا كلم الطائش، تخالف التاريخ الصحيح، وتضادّ ما أصفقت عليه الأُمَّة الإسلاميَّة، وما أخبر به نبيّها الأقدس.

هل تناسب تقوّلاته في فاطمة مع قول أبيها صلى الله عليه وآله وسلم: فاطمة حورآء إنسيّة كلّما اشتقتُ إلى الجنَّة قبَّلتها؟!(١) .

أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ابنتي فاطمة حورآء آدميَّة؟!(٢) .

أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: فاطمة هي الزهرة؟!(٣) .

أو قول أُمّ أنس بن مالك؟!: كانت فاطمة كالقمر ليلة البدر أو الشمس كفر غماماً، إذا خرج من السحاب بيضاء مشربة حمرة، لها شعرُ أسود، من أشدِّ الناس برسول الله صلّى الله عليه وسلّم شبهاً، والله كما قال الشاعر:

بيضاء تسحب من قيام شعرها

وتغيب فيه وهو جثلٌ أسحمُ(٤)

فكأنَّها فيه نهارٌ مشرقٌ

وكأنَّه ليلٌ عليها مظلمُ(٥)

ولقبها الزهراء المتسالم عليه يكشف عن جليَّة الحال.

وهل يساعد تلك التحكّمات في ذكاء فاطمة وخلقها قول أُمّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها: كانت فاطمة تحدِّث في بطن أُمِّها، ولَمّا ولدت فوقعت حين وقعت على الأرض ساجدةً رافعةً إصبعها؟!(٦)

أو يلائمها قولٌ عايشة: ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلّاً وهدياً وحديثاً برسول الله في قيامه وقعوده من فاطمة، وكانت إذا دخلت على رسول الله قام إليها فقبَّلها ورحَّب بها، وأخذ بيدها وأجلسها في مجلسه؟!(٧) .

_____________________

١ - تاريخ الخطيب البغدادي ٥ ص ٨٦.

٢ - الصواعق ص ٩٦، إسعاف الراغبين ص ١٧٢ نقلاً عن النسائي.

٣ - نزهة المجالس ٢ ص ٢٢٢.

٤ - جثل الشعر: كثر والتف واسود فهو جثل. سحم فهو أسحم: أسود.

٥ - مستدرك الحاكم ٣ ص ١٦١.

٦ - سيرة الملا، ذخاير العقبى ٤٥، نزهة المجالس ٢ ص ٢٢٧.

٧ - أخرجه الحافظ ابن حبان كما في ذخاير العقبى ٤٠ م - والحافظ الترمذي وحسنه، والحافظ العراقي في التقريب كما في شرحه له ولابنه ١ ص ١٥٠، وابن عبد ربه في العقد الفريد ٢ ص ٣، وابن طلحة في مطالب السئول ص ٧)، إسعاف الراغبين ١٧١.


م - وفي لفظ البيهقي في السنن ٧ ص ١٠١: ما رأيت أحداً أشبه كلاماً وحديثاً من فاطمة برسول الله صلّى الله عليه وسلّم. الحديث ].

وهل توافق مخاريقه في الإمام عليّ صلوات الله عليه، وعدم بهاء وجهه، وعدُّ فاطمة له دميماً وكونه عابساً مع ما جاء في جماله البهيِّ: أنَّه كان حسن الوجه كأنَّه قمر ليلة البدر، وكأنَّ عنقه إبريق فضَّة(١) ضحوك السنِّ(٢) فإن تبسَّم فعن مثال اللؤلؤ المنظوم؟!(٣) .

وأين هي من قول أبي الأسود الدؤلي من أبيات له؟!

إذا استقبلتَ وجه أبي ترابِ

رأيتَ البدر حار الناظرينا(٤)

نعم:

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا فضله

فالناس أعداءٌ له وخصومُ

كضرائر الحسناء قلن لوجهها

حسداً وبغضاً: إنّه لدميمُ

أوَ يخبرك ضميرك الحرّ في عليّ ما سلقه الرجل به من (التواني والتردُّد)؟! و عليٌّ ذلك المتقحّم في الأحوال، والضارب في الأوساط والأعراض في المغازي والحروب؛ وهو الذي كشف الكرب عن وجه رسول الله في كلِّ نازلة وكارسة منذ صدع بالدين الحنيف، إلى أن بات على فراشه وفداه بنفسه، إلى أن سكن مقرَّه الأخير.

أليس عليٌّ هو ذلك المجاهد الوحيد الذي نزل فيه قوله تعالى:( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ) . وقوله تعالى:( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّـهِ ) ؟!(٥)

فمتى خلى عليٌّ عن مقارعة الرجال والذبِّ عن قدس صاحب الرِّسالة حتى يصحّ أن يُعزى إليه توان أو تردّد في أمر من الأمور؟! غير أنَّ القول الباطل لأحدَّ له ولا أمد.

_____________________

١ - كتاب صفين ٢٦٢، الاستيعاب ٢ ص ٤٦٩، الرياض النضرة ٢ ص ١٥٥، نزهة المجالس ٢ ص ٢٠٤.

٢ - تهذيب الأسماء واللغات للإمام النووي.

٣ - حلية الأولياء ١ ص ٨٤، تاريخ إبن عساكر ٧ ص ٣٥، المحاسن والمساوي ١ ص ٣٢.

٤ - تذكرة السبط ص ١٠٤.

٥ - راجع الجزء الثاني من كتابنا ص ٤٧، ٥٣ ط ثاني.


وهل يتصوَّر في أمير المؤمنين تلك العشرة السيِّئة مع حليلته الطاهرة؟! والنبيُّ يقول له: أشبهتَ خَلقي وخُلقي وأنت من شجرتي الّتي أنا منها(١)

وكيف يراه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أفضل أُمَّته أعظمهم حلماً، وأحسنهم خلقاً، ويقول: عليٌّ خير أُمَّتي أعلمهم علماً وأفضلهم حلماً؟!(٢)

ويقول لفاطمة: إنّي زوَّجتكِ أقدم أُمَّتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً؟!(٣)

ويقول لها: زوّجتكِ أقدمهم سلماً، وأحسنهم خُلقاً؟!(٤)

يقول هذه كلّها وعشرته تلك كانت بمرئى منه ومسمع، أفك الدجّالون، كان عليٌّ عليه السلام كما أخبر به النبيُّ الصّادق الأمين.

وهل يقبل شعورك ما قذف به الرَّجل [فضَّ الله فاه] عليّاً بلكم فاطمة بضعة المصطفى؟! وعليٌّ هو ذاك المقتصّ أثر الرَّسول وملأ مسامعه قوله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة: إنَّ الله يغضب لغضبكِ، ويرضى لرضاكِ(٥)

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو آخذ بيدها: من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي بضعةٌ منّي، هي قلبي وروحي التي بين جنبيَّ، فمن آذاها فقد آذاني(٦)

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: فاطمة بضعةٌ منّي، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها(٧)

_____________________

١ - تاريخ بغداد للخطيب ١١ ص ١٧١.

٢ - الطبري، الخطيب، الدولابي. كما في كنز العمال ٦ ص ١٥٣، ٣٩٢، ٣٩٨.

٣ - مسند أحمد ٥ ص ٢٦، الرياض النضرة ٢ ص ١٩٤، ذخاير العقبى ص ٧٨، مجمع الزوائد ٩ ص ١٠١، ١١٤ وصحّحه ووثق رجاله.

٤ - أخرجه أبو الخير الحاكمي كما في الرياض النضرة ٢ ص ١٨٢.

٥ - مستدرك الحاكم ٣ ص ١٥٤ وصحّحه، ذخاير العقبى ص ٣٩، تذكرة السبط ١٧٥ مقتل الخوارزمي ١ ص ٥٢، كفاية الطالب ص ٢١٩، شرح المواهب للزرقاني ٣: ٢٠٢، كنوز الدقائق للمناوي ص ٣٠، أخبار الدول للقرماني هامش الكامل ١ ص ١٨٥، كنز العمال ٧ ص ١١١ عن الحاكم وابن النجار، تهذيب التهذيب ١٢ ص ٤٤٣، الإصابة ٤ ص ٣٧٨، الصواعق ١٠٥، الاسعاف ١٧١ عن الطبراني، ينابيع المودة ١٧٣.

٦ - الفصول المهمة ١٥٠، نزهة المجالس ٢ ص ٢٢٨، نور الأبصار ص ٤٥.

٧ - صحاح البخاري ومسلم والترمذي، مسند أحمد ٤ ص ٣٢٨، الخصايص للنسائي ص ٣٥، الإصابة ٤ ص ٣٧٨.


وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: فاطمة بضعةٌ منّي، فمن أغضبها فقد أغضبني(١)

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: فاطمة بضعةٌ منّي، يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها(٢)

وهل يقصر امتداح النبيّ عليّاً بقدم إسلامه؟! حتّى يتفلسف في سرِّه ويكون ذلك إرضاءً لإبنته، على أنّ إمتداحه بذلك لو كان لتلك المزعمة لكان يقتصر صلى الله عليه وآله وسلم على قوله لفاطمة في ذلك وكان يتأتّى الغرض به، فلماذا كان يأخذ صلى الله عليه وآله وسلم بيد عليٍّ في الملأ الصحابيِّ تارةً ويقول: إنَّ هذا أوَّل من آمن بي، وهذا أوَّل من يصافحني يوم القيامة؟ ولِما ذا كان يخاطب أصحابه أُخرى بقوله: أوَّلكم وارداً عليَّ الحوض أوَّلكم إسلاماً عليّ بن أبي طالب؟!

وكيف خفي هذا السرّ المختلق على الصحابة الحضور والتابعين لهم بإحسان فطفقوا يمدحونه عليه السلام بهذه الأثارة كما يروى عن سلمان الفارسي. أنس بن مالك. زيد بن أرقم. عبد الله بن عبّاس. عبد الله بن حجل. هاشم بن عتبة. مالك الأشتر. عبد الله بن هاشم. محمد بن أبي بكر. عمرو بن الحمق. أبو عمرة عديّ بن حاتم. أبو رافع. بريدة. جندب بن زهير. أُمّ الخير بنت الحريش(٣)

وهل القول بقلَّة إلتفات النبيِّ إلى عليٍّ يساعده القرآن الناطق بأنَّه نفس النبيِّ الطاهر؟! أو جعل مودَّته أجر رسالته؟!

أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الطير المشويِّ الصحيح المرويِّ في الصحاح والمسانيد: أللّهمّ أئتني بأحبِّ خلقك إليك ليأكل معي؟!

أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعايشة: إنَّ عليّاً أحبّ الرجال إليَّ، وأكرمهم عليَّ، فاعرفي له حقَّه وأكرمي مثواه؟!(٤)

أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: أحبّ الناس إليَّ من الرجال عليٌّ؟!(٥)

_____________________

١ - صحيح البخاري، خصايص النسائي ص ٣٥.

٢ - مسند أحمد ٤ ص ٣٢٣، ٣٣٢، الصواعق ١١٢.

٣ - سيأتي في هذا الجزء نصّ كلماتهم.

٤ - أخرجه الحافظ الخجندي كما في الرياض ٢ ص ١٦١، وذخاير العقبى ٦٢.

٥ - وفي لفظ: أحب أهلي. من حديث أسامة.


أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: عليٌّ خير من أتركه بعدي؟!(١) .

أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: خير رجالكم عليُّ بن أبي طالب، وخير نساءكم فاطمة بنت محمد؟!(٢) .

أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: عليٌّ خير البشر فمن أبى فقد كفر؟!(٣) .

أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من لم يقل عليٌّ خير الناس فقد كفر؟(٤) .

أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: في حديث الراية المتَّفق عليه: لاُعطينَّ الراية غداً رجلاً يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله؟

أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: عليٌّ منّي بمنزلة الرأس (رأسي) من بدني أو جسدي؟(٥) .

أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: عليٌّ منَّي بمنزلتي من ربّي؟(٦) .

أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: عليٌّ أحبّهم إليَّ وأحبّهم إلى الله(٧) .

أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ: أنا منك وأنت منّي. أو: أنت منّي وأنا منك؟(٨) .

أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: عليٌّ منّي وأنا منه، وهو وليُّ كلِّ مؤمن بعدي؟(٩) .

أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث البعث بسورة البراءة المجمع على صحَّته: لا يذهب بها إلّا رجلٌ منّي وأنا منه(١٠)

_____________________

١ - مواقف الأيجي ٣ ص ٢٧٦، مجمع الزوائد ٩ ص ١١٣.

٢ - تاريخ بغداد للخطيب ٤ ص ٣٩٢.

٣ - تاريخ الخطيب عن جابر، كنوز الحقايق هامش الجامع الصغير ٢ ص ١٦، كنز العمال ٦ ص ١٥٩.

٤ - تاريخ الخطيب البغدادي ٣ ص ١٩٢ عن ابن مسعود، كنز العمال ٦ ص ١٥٩.

٥ - تاريخ الخطيب ٧ ص ١٢، الرياض النضرة ٢ ص ١٦٢، الصواعق ٧٥ م الجامع الصغير للسيوطي، شرح العزيزي ٢ ص ٤١٧، فيض الغدير ٤ ص ٣٥٧)، نور الأبصار ٨٠. مصباح الظلام ٢ ص ٥٦.

٦ - الرياض النضرة ٢ ص ١٦٣، السيرة الحلبية ٣ ص ٣٩١.

٧ - تاريخ الخطيب ١ ص ١٦٠.

٨ - مسند أحمد ٥ ص ٢٠٤، خصايص النسائي ٣٦ و ٥١.

٩ - مسند أحمد ٥ ص ٣٥٦ وأخرجه جمع من الحفاظ بإسناد صحيح يأتي.

١٠ - خصايص النسائي ٨، راجع ج ١ ص ٤٨ من كتابنا.


أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لحمك لحمي ودمك دمي والحقُّ معك؟(١) .

أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ما من نبيّ إلّا وله نظير في أُمَّته وعليٌّ نظيري؟(٢) .

أو ما صحَّحه الحاكم وأخرجه الطبراني عن أُمّ سلمة قالت: كان رسول الله إذا أغضب لم يجترئ أحدٌ أن يكلّمه غير عليّ؟(٣) .

أو قول عايشة: والله ما رأيت أحداً أحبَّ إلى رسول الله من عليّ ولا في الأرض امرأة كانت أحبُّ إليه من امرأته؟(٤) .

أو قول بريدة وأُبيّ: أحبُّ الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من النساء فاطمة ومن الرِّجال عليٌّ؟!(٥) .

أو حديث جُميع بن عُمير؟ قال: دخلت مع عمَّتي على عايشة فسألت أيَّ الناس أحبَّ إلى رسول الله؟! قالت: فاطمة. فقيل: من الرِّجال؟ قالت زوجها، إن كان ما علمت صوَّاماً قوّاماً(٦) .

وكيف كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُقدِّم الغير على عليٍّ في الإلتفات إليه؟! وهو أوَّل رجل إختاره الله بعده من أهل الأرض لَمّا اطَّلع عليهم كما أخبر به صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة بقوله: إنَّ الله اطَّلع على أهل الأرض فاختار منه أباكِ فبعثه نبيّاً، ثمَّ اطَّلع الثانية فاختار بعلكِ فأوحى إليَّ فأنكحته واتّخذته وصيّاً(٧)

_____________________

١ - المحاسن والمساوي ١ ص ٣١، كفاية الطالب؟ ١٣٥، مناقب الخوارزمي ٧٦، ٨٣، ٨٧، فرايد السمطين في الباب ٢ و ٢٧.

٢ - الرياض النضرة ٢ ص ١٦٤.

٣ - مستدرك الحاكم ٣ ص ١٣٠، الصواعق ٧٣، تاريخ الخلفاء للسيوطي ١١٦.

٤ - مستدرك الحاكم ٣ ص، ١٥٤ وصححه، العقد الفريد ٢ ص ٢٧٥، خصائص النسائي ٢٩، الرياض النضرة ٢ ص ١٦١.

٥ - خصايص النسائي ٢٩، مستدرك الحاكم ٣ ص ١٥٥ صححه هو والذهبي، جامع الترمذي ٢ ص ٢٢٧.

٦ - جامع الترمذي ٢ ص ٢٢٧ ط هند، مستدرك الحاكم ٣ ص ١٥٧، وجمع آخر

٧ - أخرجه الطبراني عن أبي أيوب الأنصاري كما في إكمال كنز العمال ٦ ص ١٥٣، و أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٩ ص ١٦٥ عن علي الهلالي.


وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ الله اختار من أهل الأرض رجلين أحدهما أبوكِ والآخر زوجكِ(١)

وإنّي لا يسعني المجال لتحليل كلمة الرجل: وكان صهرا النبيِّ الأمويّان. إلخ: وحسبك في مداراة عثمان الكريم حديث أنس عن رسول الله لَمّا شهد دفن رقيَّة إبنته العزيزة وقعد على قبرها ودمعت عيناه فقال: أيّكم لم يُقارف الليلة أهله؟! فقال أبو طلحة: أنا. فأمره أن ينزل في قبرها.

قال إبن بطّال: أراد النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن يحرم عثمان النزول في قبرها وقد كان أحقّ الناس بذلك لأنَّه كان بعلها وفقد منها علقاً لا عوض منه لأنَّه حين قال عليه السلام: أيّكم لم يُقارف الليلة أهله؟! سكت عثمان ولم يقل: أنا. لأنَّه قد قارف ليلة ماتت بعض نسائه، ولم يشغله الهمُّ بالمصيبة وانقطاع صهره من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن المقارفة فحرم بذلك ما كان حقّاً له وكان أولى به من أبي طلحة وغيره. وهذا بيّنٌ في معنى الحديث ولعلّ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قد كان علم ذلك بالوحي فلم يقل له شيئاً لأنَّه فعل فعلاً حلالاً غير أنَّ المصيبة لم تبلغ منه مبلغاً يشغله حتّى حرم ما حرم من ذلك بتعريض غير صريح. (الروض الأنف ٢ ص ١٠٧)

وما عساني أن أقول في أبي العاص الذي كان على شركه إلى عام الحديبيَّة، واُسر مع المشركين مرَّتين، وفرَّق الإسلام بينه وبين زوجته زينب بنت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ستَّ سنين، وهاجرت مسلمة وتركته لشركه، ولم ترد قطّ بعد إسلامه كلمة تُعرب عن صلته مع النبيِّ ومداراته له فضلاً عن مقايسته بعليٍّ. أبي ذرّيَّته وسيِّد عترته.

وقد اتَّهم الرَّجل نبيَّ الإسلام بعدم العمل على سعادة إبنته الطاهرة المطهَّرة بنصِّ الكتاب العزيز، ويقذف عليّاً بالتألّم من ذلك، وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا أصبح أتى باب عليٍّ وفاطمة وهو يقول: يرحمكم الله إنّما يُريد الله ليذهب عنكم الرِّجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيرا. وكان لم يزل يقول: فاطمة أحبّ الناس إليَّ.

ويقول: أحبُّ الناس إليَّ من النساء فاطمة.

ويقول: أحبُّ أهلي إليَّ فاطمة.

_____________________

١ - المواقف للأيجي ص ٨ راجع من كتابنا ج ٢ ص ٣١٨ ط ٢.


وكان عمر يقول لفاطمة: والله ما رأيت أحداً أحبَّ إلى رسول الله منكِ(١)

وما أقبح الرجل في تقوُّله على النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بعدِّه لعليٍّ غير قوّام بجليل الأعمال. وقد وازره وناصره وعاضده بتمام معنى الكلمة بكلِّ حول وطول من بدء دعوته إلى آخر نفس لفظه، فصار بذلك له نفساً وأخاً ووزيراً ووصيّاً وخليفةً ووارثاً ووليّاً بعده، وكان قائده الوحيد في حروبه ومغازيه، وهو ذلك الملقَّب بقائد الغرِّ المحجَّلين وحياً من الله العزيز في ليلة أسرى بنبيِّه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى(٢)

وأسوء من ذلك كلّه عدُّ الرَّجل أزواج النبيّ عدوّات عليٍّ وفاطمة وقد ذكر تنازع عايشة معهما وأُمّ سلمة وبسط القول في ذلك بنقل حادثةٍ موضوعةٍ، وشكّل هناك حزبين منهنَّ: (دمقراطي) و(رستو دمقراطي)، وتقوَّل بما يمسُّ ناموس النبيِّ وكرامة أزواجه أُمَّهات المؤمنين، ويُمثِّل آل الله بكلِّ جلافة وسلافة.

ليت شعري كيف يروق المترجم عدُّ عايشة عدوَّةً لفاطمة وهي تقول: ما رأيت أحداً قطّ أفضل من فاطمة غير أبيها م - أخرجه الطبراني في الأوسط بسند صحيح على شرط الشيخين كما في شرح المواهب ٣ ص ٢٠٢ و] الشرف المؤبَّد ص ٥٨.

وهي كانت تقبِّل رأس فاطمة وتقول: يا ليتني شعرة في رأسكِ (نزهة المجالس ٢ ص ٢٢٧).

وكيف يرتضي قومه نشر هذه القارصة والقرآن أوجب على الأُمَّة مودَّة العترة النبويَّة(٣) ومن المتسالم عليه بين المسلمين إنَّ آية الإيمان والنَّفاق في شرعة النبيِّ المحبوب حبُّ عليّ وبغضه كما يأتي حديثه. وقد اتَّفقت الأُمَّة على ما مرَّ في حديث الغدير من قول رسول الله صلّى الله عليه وآله في عليٍّ: اللهمَّ وال مَن والاه، وعاد مَن عاداه. وصحَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قوله: من أحبَّ عليّاً فقد أحبَّني، ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني،

_____________________

١ - مستدرك الحاكم ٣ ص ١٥٠ وصححه.

٢ - مستدرك الحاكم ٣ ص ١٣٨ وصححه، الرياض النضرة ٢ ص ١٧٧، شمس الأخبار ٣٩، أسد الغابة ١ ص ٦٩، مجمع الزوايد ٩ ص ١٢١.

٣ - راجع من كتابنا ج ٢ ص ٣٠٦ - ٣١١ ط ثاني.


ومن آذى عليّاً فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله(١) وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن جبرئيل أنَّه أخبره بأنَّ السعيد كلّ السعيد من أحبَّ عليّاً في حياتي وبعد مماتي، ألا وإنَّ الشقيِّ كلّ الشقيّ من أبغض عليّاً في حياتي وبعد مماتي(٢)

وكيف خفي على هذا الرجل أنَّ عزو عداء سيِّد العترة وسيِّدتها إلى زوجات النبيِّ قذفٌ مقذعٌ، وسبُّ شائنٌ إن عُرض على محكمة العدل الإسلاميِّ وأُخذ بقوله صلى الله عليه وآله وسلم في عترته: لا يُحبّهم إلّا سعيد الجدّ طيِّب المولد، ولا يبغضهم إلّا شقيّ الجدِّ ردئ الولادة(٣) أو بما ورد من طريق الثقات من: أنَّ عليّاً لا يبغضه أحدٌ قطُّ إلّا وقد شارك إبليس أباه في رحم أُمِّه(٤)

أو بما أخرجه الحافظ الجزري عن عبادة الصامت قال: كنّا نبور أولادنا بحبِّ عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فإذا رأينا أحدهم لا يحبُّ عليَّ بن أبي طالب علمنا أنَّه ليس منّا وإنَّه لغير رشده. ثمَّ قال الحافظ: وهذا مشهورٌ من قديم وإلى اليوم أنَّه ما يُبغض عليّاً رضي الله عنه إلّا ولد زنا. (أسنى المطالب ص ٨)

هذه نبذٌ من مخاريق كتاب (حياة محمد) وكم لها من نظير حول القرآن وتحريفه، وهناك قذف الشيعة بما هي بريئةٌ منه، والعجب أنَّ عادل زعيتر يحسب نفسه معذوراً في بثِّ هذه الأباطيل المضلّة في المجتمع بقوله في مقدِّمة الكتاب: وقد كنت أودُّ أن أُعلِّق عليها بعض حواش لو لم أر أنَّ ذلك يخرجني عن دائرة الترجمة

أمن العدل سقاية روح الملأ الدينيِّ بهذه السموم القتّالة والإعتذار بمثل هذا التافه؟! أهكذا خلق الإنسان جهولا؟!

( إِنّ الّذِينَ يُحِبّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الّذِينَ آمَنُوا

لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ )

سورة النور ١٩

_____________________

١ - الاستيعاب ٢ ص ٤٦١، ذخاير العقبى ٦٥، الإصابة ٣ ص ١٠٣، نزهة المجالس ٢ ص ٢٠٧.

٢ - الرياض النضرة ٣ ص ٢١٥، الفصول المهمة ١٢٤، مجمع الزوائد ٩ ص ١٣٢، كنز العمال ٦ ص ٤٠٠، نزهة المجالس ٢ ص ٢٠٧.

٣ - الرياض ٢ ص ١٨٩.

٤ - تاريخ الخطيب ٣ ص ٢٨٩.


حادث شَّوه صحايف التأليف

هناك فكرةٌ غير صالحة، وإن شئتَ قلت: بدعةٌ سيِّئةٌ فتَحت على الأُمَّة باب التقوُّل بمصراعيه، وعنها تتشعَّب شجنة الإفك في الحديث، وينبعث القول المزوَّر: وإليها يستند كلُّ بهرجة وسفسطة. ألا وهي: هذه الخطَّة الحديثة في التأليف، واتِّخاذ هذا الأُسلوب الحديث الذي يروق بسطاء الأُمَّة ويسمّونه تحليلاً، ويرونه حُسناً في الكتابة.

هذه الفكرة هي التي خفَّت بها وطأة التأليف، وطأة حزونته، وكثر بذلك المؤلِّفون فجاء لفيفٌ من النّاس يؤلِّف وكلٌّ منهم سلك وادي تضلّل(١) ولا يخفق على جرَّته(٢) ويرمي القول على عواهنه، وينشر في الملأ ما ليس للمجتمع فيه درك، فيتحكَّم في آراءه، ويكذب في حديثه، ويخون في نقله، ويحرِّف الكلم عن مواضعه، و يقذف من خالف نحلته، وينسبه إلى ما شائه هواه، ويسلقه بالبذاء، ولا يكفِّف عنه لغبه.

هذه الفكرة هي التي جرَّت على الأُمَّة شية العار، ووصمة الشنار، ورمتها بثالثة الأثافي، ومدَّت يد الفحشآء على التأليف، وأبدت في صفحاته وصمات سوء، فراح شرف الإسلام، وأدب الدين، وأمانة النقل، ومكانة الصدق، ضحيَّة الميول والشهوات، ضحيَّة الأهواء والنزعات الباطلة، ضحيَّة الأقلام المستأجرة.

هذه الفكرة هي التي شوَّهت وجه التأليف، وجنت بها الأقلام، وولدت في القلوب ضغاين، فجاء المفسِّر يأوّل القرآن برأيه، والمحدِّث يختلق حديثاً يوافق ذوقه، و المتكلّم يذكر فرقاً مفتعلة، والفقيه يُفتي بما يحبِّذه، والمؤرِّخ يضع في التاريخ ما يرتضيه، كلّ ذلك قولاً بلا دليل، وتحكّماً بلا بيِّنة، وتكلّماً بلا مأخذ، ودعوىً بلا برهان، وتقوّلاً بلا مصدر، وكذباً بلا مبالاة، وإفكاً بلا تحاشي، فويلٌ لهم ممّا كتبت أيديهم وويلٌ لهم ممّا يكسبون.

_____________________

١ - مثل يضرب لمن عمل شيئا فأخطأ فيه.

٢ - مثل يضرب لمن يعجز عن كتمان ما في نفسه.


والقارئ يجد مثال هذه كلّها نصب عينيه في طيِّ كتاب الصراع بين الإسلام و الوثنيَّة، والوشيعة في الردّ على الشيعة، وفجر الإسلام وضحاه وظهره، والجولة في ربوع الشرق الأدنى، والمحاضرات للخضري، والسنَّة والشيعة، والإسلام الصحيح، والعقيدة في الإسلام، وخلفاء محمد، وحياة محمد لهيكل، وفي مقدَّمها كتاب «حياة محمد» لأميل در منغم.

فخلوُّ تأليف الشرقيِّ المسلم عن ذكر المصادر نسايةٌ للكتاب والسنَّة، وإضاعةٌ لأُصول العلم، وجنايةٌ على السلف؛ وتفويتٌ لمآثر الإسلام، وعملٌ مخدجٌ، وسعيٌ أبترٌ، وليس من صالح الأُمَّة، ولا من صلاح المجتمع الإسلاميِّ، وسيأتيه يومٌ وهو يقرع سنَّ نادم.

وإنّ تأليفاً هو هكذا لا يمثِّل في علومه ومعارفه إلّا نفسيَّة مؤلِّفه وأنظاره ولا يراه القارئ إلّا كرواية لا تقوم إلّا بقائلها.

خذ إليك في موضوع واحد كتابين هما مثالان لأكثر ما ارتأينا في هذا البحث ألا وهما:

١ - كتاب الإمام عليّ تأليف الأستاذ أبي نصر عمر.

٢ - كتاب الإمام عليّ تأليف الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود.

فهما على وحدة الموضوع والنزعة والبيئة والدراسة والهوى السائد طالما اختلفا في الأبحاث والنظريّات، فهذا الأستاذ أبو نصر أخذ آراء الخضري الأمويَّة ومن يضاهيه فيها، وصبَّها في بوتقة تأليفه، فجاء في كتابه بكلِّ شنئاء شوهاء إلتقت بها حلقة البطان.

وأمّا الأستاذ عبد الفتّاح فإنّه جدَّ وثابر على جهود جبّارة، وأخذ زبدة المخض من الحقايق الناصعة، غير أنَّه ضيَّع أتعابه بإهمال المصادر، فلم يأت كتابه إلّا كنظريَّة شخصيَّة، ولو ازدان تأليفه بذكر هافي التعاليق وأرداف ذلك النقل الواضح بما ارتئاه من الرأي السديد لكان أبلغ في تمثيل أفكار الجامعة، والإعراب عن نظريّات الملأ الدينيِّ، وإن كان ما ثابره الآن مشفوعاً بشكر جزيل.

( وَلَوْ أَنّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ

وَأَشَدُّ تَثْبِيتاً )

سورة النساء ٦٦


١٣ - ابن الرومي

المتوفّى ٢٨٣

يا هند لم أعشق ومثلي لا يرى

عشق النساء ديانةً وتحرُّجا

لكنّ حبّي للوصيِّ مخيَّمٌ

في الصدر يسرح في الفؤاد تولّجا

فهو السِّراج المستنير ومَن به

سبب النجاة من العذاب لمن نجا

وإذا تركت له المحبَّة لم أجد

يوم القيامة من ذنوبي مخرجا

قل لي: أأترك مستقيم طريقه

جهلاً وأتَّبع الطريق الأعوجا؟!

وأراه كالتبر المصفّى جوهراً

وأرى سواه لناقديه مبهرجا

ومحلّه من كلِّ فضل بيِّن

عال محلّ الشمس أو بدر الدجا

قال النبيُّ له مقالاً لم يكن

يوم «الغدير» لسامعيه ممجمجا

: من كنت مولاهُ فذا مولى له

مثلي وأصبح بالفخار متوَّجا

وكذاك إذ منع البتول جماعة

خطبوا وأكرمه بها إذ زوَّجا

وله عجائب يوم سار بجيشه

يبغي لقصر النهروان المخرجا

رُدَّت عليه الشمس بعد غروبها

بيضاء تلمع وقدةً وتأجّجا(١)

(الشاعر)

أبو الحسن عليّ بن عبّاس بن جريح(٢) مولى عبيد الله بن عيسى بن جعفر البغدادي الشهير بابن الرومي. مفخرةٌ من مفاخر الشيعة، وعبقريٌّ من عباقرة الأُمَّة، وشعره الذهبيُّ الكثير الطافح برونق البلاغة قد أربى على سبائك التبر حسناً وبهائا، وعلى

_____________________

١ - مناقب إبن شهر آشوب ١ ص ٥٣١ ط ايران.

٢ - كذا في فهرست ابن النديم، وتاريخ الخطيب، وكثير من المعاجم. وفي مروج الذهب: سريج. وفي معجم المرزباني: جورجس. وفي تاريخ ابن خلكان: قبل: جور جيس. وفي بعض المعاجم: جرجيس.


كثر النجوم عدداً ونورا، برع في المديح والهجاء والوصف والغزل من فنون الشعر فقصر عن مَداه الطامحون؛ وشخصت إليه الأبصار، فجلَّ عن الندِّ كما قصر عن مزاياه العدُّ.

وله في مودَّة ذوي القربى من آل الرسول صلوات الله عليه وعليهم أشواط بعيدة، واختصاصه بهم ومدائحه لهم ودفاعه عنهم من أظهر الحقايق الجليَّة، وقد عدَّه إبن الصبّاغ المالكي المتوفّى ٨٥٥ في فصوله المهمّة ص ٣٠٢، والشبلنجي في نور الأبصار ١٦٦ من شعراء الإمام الحسن العسكري صلوات الله عليه.

وكان مجموع شعره غير مرتّب على الحروف: رواه عنه المسيِّبي عليُّ بن عبيد الله ابن المسيِّب، ومثقال غلام إبن الرومي في مائة ورقة، ورواه عن مثقال أبو الحسن عليُّ بن العصب الملحي، وكتب أحمد بن أبي قسر الكاتب من شعره مائة ورقة، وخالد الكاتب كذلك، فرتَّبه الصولي على الحروف في مائتي ورقة، جمع شعره أبو الطيب ورَّاق بن عبدوس من جميع النسخ فزاد على كلّ نسخة ممّا هو على الحروف وغيرها نحو ألف بيت.

وللخالديَّين: أبي بكر محمد وأبي عثمان سعيد كتابٌ في أخبار شعر المترجم(١) وانتخب إبن سينا ديوانه وشرح مشكلات شعره كما في «كشف الظنون» ١ ص ٤٩٨، وعن إبن سينا: أنَّ ممّا كلّفني استادي في الأدب حفظ ديوان إبن الرومي فحفظته مع عدَّة كتب في ستَّة أيّام ونصف يوماً.

ويروي بعض شعره أبو الحسين عليُّ بن جعفر الحمداني، وإسماعيل بن عليّ الخزاعيّ، وأبو الحسن جحظة الذي مدحه إبن الرومي بقصيدة توجد في ديوانه ١٦٨.

تجد ذكره والثناء عليه في فهرست إبن النديم ٢٣٥، تاريخ بغداد ١٢ ص ٢٣، معجم الشعراء ٢٨٩، ٤٥٣، أمالي الشريف المرتضى ٢ ص ١٠١، مروج الذهب ٢ ص ٤٩٥، العمدة لابن رشيق ١ ص ٥٦، ٦١، ٩١، معالم العلماء لإبن شهر آشوب، وفيات الأعيان ١ ص ٣٨٥، مرآة الجنان لليافعي ٢ ص ١٩٨، شذرات الذهب ٢ ص ١٨٨، معاهد التنصيص ١ ص ٣٨، كشف الظنون ١ ص ٤٩٨، روضات الجنّات ٤٧٣، نسمة السحر فيمن تشيَّع وشعر، دائرة المعارف للبستاني ١ ص ٤٩٤، دائرة المعارف الإسلاميَّة

_____________________

١ - راجع فهرست ابن النديم ص ٢٣٥ و ٢٤١.


١ ص ١٨١، الأعلام للزركلي ٢ ص ٦٧٥، الشيعة وفنون الإسلام ١٠٥، مجلّة الهدى العراقيّة الجزء السادس ص ٢٢٣ - ٢٢٧.

وعني بجمع آثاره وكتابة أخباره وروايتها جمعٌ منهم:

١ - أبو العباس أحمد بن محمد بن عبيد الله بن عمّار المتوفّى ٣١٩، قال إبن المسيِّب لَمّا مات إبن الرومي عمل كتاباً(١) في تفضيله ومختار شعره وجلس يمليه على الناس. كما في فهرست ابن النديم ٢١٢، ومعجم الأدباء ١ ص ٢٢٧.

٢ - أبو عثمان الناجم، ترجمه في كتاب مقصور عليه.

٣ - أبو الحسن عليّ بن عبّاس النوبختيّ المتوفّى ٣٢٧، جمع أخباره في كتاب مفرد كما في معجم المرزباني ٢٩٥، ومعجم الأُدباء ٢٢٩٥.

وأفرد من كتّاب المتأخِّرين الأُستاذ عبّاس محمود العقّاد كتاباً في ترجمته في ٣٩٢ صفحة ونحن نأخذ منه ما هو المهمّ ملخّصاً بلفظه قال:

قد أدرك إبن الرومي في حياته ثمانية خلفاءهم: الواثق. المتوكِّل. المنتصر. المستعين. المعتز. المهتدي. المعتمد. المعتضد المتوفّى بعد إبن الرومي.

أثنى عليه العميدي صاحب «الإبانة» وإبن رشيق صاحب «العمدة» وقال: أكثر المولَّدين اختراعاً وتوليداً فيما يقول الحذّاق: أبو تمام وإبن الرومي. وأطراه إبن سعيد المغربي المتوفّى ٦٧٣ في كتابه: عنوان المرقصات والمطربات.

ويظهر أنَّ أبا عثمان سعيد بن هاشم الخالدي من أدباء القرن الرابع توسّع في ترجمته إمّا في كتابه: حماسة المحدثين. أو في كتاب مقصور عليه. ولكن أخباره هذه ذهبت كلّها ولم تبق منها أثر إلّا متفرِّقات في الكتب لا تفني في ترجمة وافية ولا شبيهة بالوافية فنحن ننقلها كما هي:

ولد يوم الأربعاء بعد طلوع الفجر لليلتين خلتا من رجب ٢٢١ ببغداد في الموضع المعروف بالعقيقة(٢) ودرب الختليَّة في دار بإزاء قصر عيسى بن جعفر بن منصور(٣) .

_____________________

١ - ينقل الحموي عنه ترجمة أحمد بن محمد بن عمار في معجم الأدباء.

٢ - في معجم الشعراء: في الجانب الغربي بالعتيقة. وهذا هو الصحيح.

٣ - أخذه من أبي عثمان الخالدي.


كان إبن الرومي مولى لعبد الله بن عيسى ولا يشكّ أنَّه روميُّ الأصل فإنَّه يذكره ويؤكّده في مواضع من ديوانه واسم جدِّه مع هذا: جريح. أو: جرجيس. اسمٌ يونانيٌّ لا شبهة فيه، فلا ينبغي الإلتفات إلى من قال: إنَّه سمِّي بابن الرومي لجماله في صباه.

وكان أبوه صديقاً لبعض العلماء والأُدباء منهم: محمد بن حبيب الرواية الضليع في اللغة والأنساب، فكان الشاعر يختلف إليه لهذه الصداقة، وكان محمد بن حبيب يخصّه لما يراه من ذكاءه وحدَّة ذهنه، وحدَّث الشاعر عنه فقال: إنَّه كان إذا مرَّ به شيءٌ يستغربه ويستجيده يقول لي: يا أبا الحسن ضع هذا في تامورك.

وقد علمنا أنَّ أُمّه كانت فارسيَّة من قوله: الفرس خؤلي والرّوم أعمامي. وقوله: فلم يلدني أبو السواس ساسان. بعد أن رفع نسبه إلى يونان من جهة أبيه، وربما كانت أُمّه من أصل فارسيّ ولم تكن فارسيَّة قحّاً لأبيها وأُمِّها وهذا هو الأرجح لأنَّ علمه بالفارسيَّة لم يكن علم رجل نشأ في حجر أُمّ تتكلّم هذه اللغة ولا تحسن الكلام بغيرها، وماتت أُمّه وهو كهل أو مكتهل كما يقول في رثائها:

أقول: وقد قالوا: أتبكي لفاقد

رضاعاً وأين الكهل من راضع الحلم؟!

هي الأمّ يا للناس جزّعت فقدها

ومن يبك أُمّاً لم تذم قطُّ لا يُذم

وكانت أُمّه تقيّة صالحة رحيمة كما يُؤخذ من أبياته في رثائها.

*(قال الأميني)*: أُمّه حسنة بنت عبد الله السجزي كما في معجم المرزباني، وسجز بلدةٌ من بلاد الفرس من أرباض خراسان فهي فارسيَّة قحّ.

أخوه وشقيقه محمد المكنّى بأبي جعفر وهو أكبر من المترجَم وتوفّي قبله وكان تتفجّع بذكراه ورثاه، ومات أخوه وهو يعمل في خدمة عُبيد الله بن عبد الله بن طاهر أحد أركان بيت بني طاهر، ويظهر من ديوان المترجم إنَّه كان أديباً كاتباً أيضاً.

ولم يبق لابن الرومي بعد موت أخيه أحدٌ يعوِّل عليه من أهله أو من يحسبون في حكم أهله إلّا أناسٌ من مواليه الهاشميِّين العباسيِّين كانوا يبرّونه حيناً ويتناسونه أحياناً، و كان لعهد الهاشميِّين الطالبيِّين أحفظ منه لعهد الهاشميِّين العبّاسيِّين كما يظهر ممّا يلي. أمّا إبن عمِّه الذي أشار إليه في قوله:


لي ابن عمّ يجرُّ الشرَّ مجتهداً

إليَّ قدماً ولا يصلي له نارا

يجني فاصلي بما يجني فيخذلني

وكلّما كان زنداً كنت مسعارا

فلا ندري أهو إبن عمّ لحّ؟! أو إبن عمّ كلالة؟! ومبلغ ما بينهما من صلة المودَّة ظاهرٌ من البيتين.

أولاده

رُزق إبن الرومي ثلاثةُ أبناء وهم: هبة الله. محمد. وثالث لم يذكر اسمه في ديوانه. ماتوا جميعاً في طفولتهم ورثاهم بأبلغ وأفجع ما رثى به والدٌ أبناءه، وقد سبق الموت إلى أوسطهم محمد فرثاه بداليَّةٍ مشهورةٍ يقول فيها:

توخّى حمام الموت أوسط صبيتي

فللّه كيف أختار واسطة العقدِ؟!

على حين شُمت الخير في لمحاته

وآنست من أفعاله آية الرشدِ

ومنها في وصف مرضه:

لقد قلَّ بين المهد واللحد لبثه

فلم ينس عهد المهد أو ضمّ في اللحدِ

ألحَّ عليه النزف حتّى أحاله

إلى صفرة الجاديِّ(١) عن حمرة الوردِ

وظلَّ على الأيدي تُساقط نفسه

ويذوي كما يذوي القضيب من الرندِ(٢)

ويذكر فيها أخويه الآخرين:

محمد؟ ما شيئ توهّم سلوة

لقلبيَ إلّا زاد قلبي من الوجدِ

أرى أخويك الباقيين كليهما

يكونان للأحزان أورى من الزندِ

إذا لعبا في ملعب لك لذّعا

فؤادي بمثل النّار عن غير ما عمدِ

فما فيهما لي سلوةٌ بل حزازةٌ

يُهيجانها دوني وأشقى بها وحدي

أمّا إبنه هبة الله فقد ناهز الشباب على ما يفهم من قوله في رثاءه:

يا حسرتا فارقتني فنناً

غضّاً ولم يثمر ليَ الفننُ

أبُنيَّ؟ إنَّك والعزاء معاً

بالأمس لُفَّ عليكما كفنُ

_____________________

١ - الجادي: الزعفران.

م (٢) يذوى من ذوى النبات وذوى: ذبل ونشف ماؤه. الرند: نبات من شجر البادية طيب الرائحة يشبه الآس.


وفي الديوان أبيات يرثي بها إبناً لم يذكر اسمه وهي:

حماه الكرى همٌّ سرى فتأوَّبا

فبات يراعي النجم حتّى تصوَّبا

أعينيَّ جودا لي فقد جدتُ للثرى

بأكثر ممّا تمنعان وأطيبا

بُنيّ الذي أهديته أمس للثرى

فللّه ما أقوى قناتي وأصلبا

فإن تمنعاني الدمع أرجع إلى أسى

إذا فترت عنه الدموع تلهّبا

وهي على الأرجح رثاؤه لأصغر أبناءه الَّذي لم يذكر اسمه ولا ندري هل مات قبل أخيه أو بعده؟! ولكن يخيَّل إلينا من المقابلة بين هذه المراثي أنّ الأبيات البائيَّة كانت آخر ما رثى به ولداً لأنَّها تنمُّ عن فجيعة رجل راضه الحزن على فقد البنين حتّى جمدت عيناه ولم يبق عنده من البكاء إلّا الأسى الملتهب في الضلوع، وإلّا العجب من أن يكون قد عاش وصلبت قناته لكلِّ هذه الفجايع، وقد كان رثاؤه لإبنه الأوسط صرخة الضربة الأولى، ففيها ثورةٌ لاعجةٌ تحسّ من خلل الأبيات، ثمَّ حلَّ الألم المرير محلَّ الألم السوار في مصيبته الثانية، فوجم وسكن واستعبر، ثمَّ كانت الخاتمة فهو مستسلمٌ يعجب للحزن كيف لم يقض عليه، ويحسّ وقدة المصاب في نفسه ولا يحسّه في عينيه، ولقد غشيت غبرة الموت حياته كلّها، وماتت زوجته بعد موت أبنائه جميعاً فتمَّت بها مصائبه وكبر عليه الأمر. إلخ.

تعليمه

ذلك كلّ ما استطعنا أن نجمعه من الأخبار النافعة عن نشأة الشاعر وأهله ولا فائدة من البحث في المصادر التي بين أيدينا عن أيّام صباه وتعليمه ومن حضر عليهم و تتلمَّذ لهم من العلماء والرُّواة فإنَّ هذه المصادر خلوٌ ممّا يُفيد في هذا المقام إلّا ما جاء عرضاً في الجزء السادس من «الأغاني» حيث يروي إبن الرومي عن أبي العبّاس ثعلب عن حمّاد بن المبارك عن الحسين بن الضحّاك. وحيث يروي في موضع آخر عن قتيبة عن عمر السكوني بالكوفة عن أبيه عن الحسين بن الضحّاك، فيصحّ أن تكون الرِّواية هنا رواية تلميذ عن أستاذ، لأنّ ثعلباً ولد سنة مائتين فهو أكبر من الشاعر بإحدى و عشرين سنة، أمّا قتيبة (والمفهوم أنّه أبو رجاء قتيبة بن سعيد بن جميل الثقفي المحدِّث العالم المشهور) فجائزٌ أن يكون ممَّن أملوا عليه وعلَّموه لأنَّه مات وإبن الرومي


يُناهز العشرين.

وقد مرَّ بنا أنَّه كان يختلف إلى محمد بن حبيب الراوية النسّابة الكبير، وسنرى هنا أنَّه كان يرجع إليه في بعض مفرداته اللغويَّة فيذكر شرحها في ديوانه معتمداً عليه قال بعد قوله:

وأصدق المدح مدح ذي حسدٍ

ملآءن من بغضه ومن شنفِ

قال لي محمد بن حبيب: الشنف ما ظهر من البغضة في العينين وأشار إليه بعد بيت آخر وهو:

بانوا فبان جميل الصبر بعدهمُ

فللدموع من العينين عينانُ

إذا فسّر كلمة «عينان» فروى عن إبن حبيب أنَّه قال: عان الماء يعين عيناً وعيناناً إذا ساح. فهؤلاء ثلاثة من أساتذة إبن الرومي على هذا الإعتبار ولا علم لنا بغيرهم فيما راجعناه وحسبنا مع هذا أنَّ الرجل - كيفما كان تعليمه وأيّاً كان معلّموه - قد نشأ على نصيبٍ وافٍ من علوم عصره، وساهم في القديم والحديث منها بقسطٍ وافرٍ في شعره فلو لم يقل المعرِّي: إنَّه كان يتعاطى الفلسفة. والمسعودي: إنّ الشعر كان أقلّ آلاته. لعلمنا ذلك من شواهد شتّى في كلامه، فهي هناك كثيرةٌ متكرّرةٌ لا يلمُّ المتصفِّح ببعضها إلّا جزم باطِّلاع قائلها على الفلسفة ومصاحبة أهلها واشتغاله بها، حتّى سرت في أُسلوبه وتفكيره، وما كان متعلِّم الفلسفة في تلك الأيّام يصنع أكثر من ذلك ليتعلّمها أو ليعدّ من متعلّميها، فأنت لا تقرأ لرجل غير مشتغل أو ملمّ بالفلسفة والقياس المنطقيِّ والنجوم كلاما كهذا الكلام.

لِما تؤذن الدنيا به من صروفها

يكون بكاء الطفل ساعة يولدُ

وإلّا فما يُبكيه منها وأنَّها

لأرحب ممّا كان فيه وأرغدُ؟!

وذكر شواهد كثيرة على إلمامه بالعلوم ومعرفته بمصطلحاتها غضضنا الطرف عنها اختصاراً.

رسائل ابن الرومي

وقد وردت في أبياته الهمزيَّة إشارة إلى حذقه في الكتابة ومشاركته في البلاغة المنثورة تعزِّزها إشارة مثلها في هذا البيت:


ألم تجدوني آل وهب لمدحكم

بشعري ونثري أخطلاً ثمَّ جاحضا؟!

فلا بدَّ أنَّه كان يكتب ويمارس الصناعة النثريَّة إلّا ما استجمعناه من منثوراته لا يعدو نبذاً معدودةً موجزةً، منها: رسالةٌ إلى القاسم بن عبيد الله يقول فيها متنصِّلاً.

١ - ترفع عن ظلمي إن كنت بريئاً، وتفضل بالعفو إن كنت مسيئاً، فوالله إنّي لأُطالب عفو ذنب لم أجنه، وألتمس الإقالة ممّا لا أعرفه، لتزداد تطوّلاً وازداد تذلّلاً، وأنا أُعيذ حالي عندك بكرمك من واشٍ يكيدها، وأحرسها بوفاءك من باغٍ يحاول إفسادها، وأسأل الله تعالى أن يجعل حظّي منك بقدر ودّي لك ومحلّي من رجائك بحيث أستحقُّ منك. والسَّلام.

٢ - رسالةٌ كتبها يعود صديقاً: أذن الله في شفائك، وتلقى داءك بدوائك، ومسح بيد العافية عليك، ووجَّه وفد السَّلامة إليك، وجعل علَّتك ماحيةً لذنوبك، مضاعفةً لثوابك.

٣ - كتب إلى صديق له قَدِم من «سيراف»(١) فأهدى إلى جماعة من إخوانه ونسيه: أطال الله بقاءك وأدام عزَّك وسعادتك وجعلني فداءك، لولا أنَّني في حيرة من أمري وشغل من فكري لما افترقنا، وشوقي علم الله فغالبٌ، وظمأي فشديدٌ، وإلى الله الرغبة في أن يجعل القدرة على اللقاء حسب المحبَّة أنَّه قادرٌ جوادٌ.

ومكاننا من جميل رأيك أيَّدك الله يبعثنا على تقاضي حقوقنا قبلك، وكريم سجاياك وأخلاقك يُشجِّعنا على إمضاء العزم في ذلك، وما تطوَّلت به من الأيناس يؤنسنا بك و يبسطنا إليك، وآثار يديك تدلّنا عليك، وتشهد لنا بسماحتك؛ والله يُطيل بقاءك و يديم لنا فيك وبك السعادة.

وبلغني أدام الله عزَّك أنّ سحائب تفضّلك أمطرت منذ أيّام مطراً عمّ إخوانك بهدايا مشتملة على حسن وطيب، فأنكرت على عدلك وفضلك خروجي منها مع دخولي في جملة من يعتدُّك ويعتقدك وينحوك ويعتمدك، وسبق إلى قلبي من ألم سوء الظنِّ برأيك أضعاف ما سبق إليه من الألم بفوت الحظّ من لطفك، فرأيت مداوات قلبي من ظنِّه، وقلبك من سهوه، واستبقاء الودِّ بيننا بالعتاب الذي يقول فيه القائل: (ويبقى

_____________________

١ - سيراف: مدينة جليلة على ساحل بحر فارس، منها إلى شيراز ستون فرسخاً.


الودّ ما بقي العتابٌ) وفيما عاتبت كفايةٌ عند من له أُذنك الواعية وعينك الراعية.

٤ - وقال في تفضيل النرجس على الورد: النرجس يشبه الأعين والمضاحك، والورد يشبه الخدود، والأعين والمضاحك أشرف من الخدود، وشبيه الأشرف أشرف من شبيه الأدنى، والورد صفةٌ لأنَّه لونٌ والنرجس يضارعه في هذا الإسم، لأن النرجس هو الريحان الوارد أعني أنَّه أبداً في الماء، والورد خجل، والنرجس مبتسم، وانظر أدناهما شبهاً بالعيون فهو أفضل.

هذه نماذج من منثوراته لا نعرف غيرها فيما بين أيدينا، وخليقٌ بمن يكتب بهذا الأُسلوب أن يُعدَّ في بُلغاء الكتّاب وإن لم يُعدَّ في أبلغهم، على أنّ إبن الرومي لم يكن يحسب نفسه إلّا مع الشعراء إذا اختلفت الطوائف، فإنَّه يقول عن نفسه وهو يمدح أبا الحسين كاتب إبن أبي الإصبع:

ونحن معاشر الشعراء تنمى

إلى نسب من الكتّاب دانِ

وإن كانوا أحقَّ بكلِّ فضل

وأبلغ باللسان وبالبيان

أبونا عند نسبتنا أبوهم

عطاردُ السماويُّ المكانِ

أمّا حظّه من علوم العربيَّة والدين فمن المفضول أن نتعرَّض لإحصاء الشواهد عليه في كلامه، لأنَّه أبين من أن يحتاج إلى تبيين. وندر في قصائده المطوَّلة أو الموجزة قصيدةٌ تقرأها ولا تخرج منها وأنت موقنٌ باستبحار ناظمها في اللغة وإحاطته الواسعة بغريب مفرداتها وأوزان إشتقاقها وتصريفها وموقع أمثالها وأسماء مشاهرها، وما يصحب ذلك من أحكام في الدين ومقتبسات من أدب القرآن، فليس في شعر العربيَّة مَن تبدو هذه الشواهد في كلامه بهذه الغزارة والدقَّة غير شاعرين إثنين: أحد هما صاحبنا والثاني المعرّي، وقد كان يمدح الرؤساء والأُدباء أمثال عبيد الله بن عبد الله، وعليّ بن يحيى، وإسماعيل بن بلبل فيفسِّر غريب كلماته في القرطاس الذي يثبت فيه قصايده كأنَّه كان يشفق أن تفوتهم دقايق لفظه وأسرار لغته ثمَّ يعود إلى الإعتذار من ذلك إذا أنس منهم الجفوة والتغيّر.

لم أُفسِّر غريبها لك لكن

لامرئٍ يجهل الغريب سواكا

لغيرك لا لك التفسير أنّى

يُفسِّر لابن بجدتها الغريبُ


وكانوا لشهرته باللغة وعلم أسرارها ولطيف نكاتها يختلقون له الكلمات النافرة يسألونه عنها ليعبثوا به أو يعجزوه، وقصَّة «الجرامض» إحدى هذه المعابثات التي تدلّ على غيرها من قبيلها، فقد سأله بعضهم في مجلس القاسم بن عبيد الله: ما الجرامض؟! فارتجل مجيباً:

وسألت عن خبر الجرا

مض طالباً علم الجرامضْ

وهو الخزا كل والغوا

مض قد تفسّر بالغوامضْ

وهو السلجكل شئت إذ

لك أم أبيت بفرض فارضْ

وكلّها كلمات من مادَّة الجرامض لا معنى لها ولا وجود، وإذا صحَّ إستقراؤنا وكان من أساتذته أمثال ثعلب وقتيبة فضلاً عن الأُستاذيَّة الثابتة لابن حبيب فلا جرم يصير ذلك علمه بالغريب والأنساب والأخبار، هؤلاء كلّهم من نخبة النخبة في هذه المطالب، ولا سيّما إذا أعانهم تلميذٌ ذو فطنة متوقِّدة الفهم وذاكرة سريعة الحفظ كهذا التلميذ، فقد مرَّ بك أنَّه كان يحفظ الأبيات الخمسة من قراءة واحدة فهب في الرِّواية بعض مبالغة التي تتعرَّض لها أمثال هذه الرِّوايات فهو بعدُ سريع الحفظ وهذا ممّا يعينه على تحصيل اللغة وتعليق المفردات.

عاش إبن الرومي حياته كلّها في بغداد لا يفارقها قليلاً حتّى يعود سريعاً وقد نازعه إليها الشوق وغلبه نحوها حنين، وكانت بغداد يومئذ عاصمة الدنيا غير مدافع، و كان صاحب صنيعة ومالك دارين وثراء وتحف موروثة منها قدح زعم أنَّه كان للرشيد ووصفه في شعره لَمّا أهداه إلى عليّ بن المنجم يحيى.

قدحٌ كان للرشيد اصطفاهُ

خلفٌ من ذكوره غير خلفِ

كفم الحبِّ في الحلاوة بل أحلـ

ـى وإن كان لا يناغي بحرفِ

صيغ من جوهر مصفَّى طباعاً

لا علاجاً بكيمياء مصفِّ

تنفذ العين فيه حتّى تراها

أخطأته من رقَّة المستشفِّ

كهواه بلا هباءٍ مشوب

بضياء أرقق بذاك وأصفِ

ثمَّ استوعب الكلام في البحث عن مزاجه وأخلاقه ومعيشته وما كانت تملكه يده وذكرى مطايباته ومفاكهاته وهجاؤه وفشله وطيرته من ص ١٠٢ - ٢٠٣ فشرع


في بيان عقيدته (وهناك مواقع للنظر) وقال:

عقيدته

تقدَّم في الكلام عن الحالة الدينيَّة في القرن الثالث للهجرة أنَّه كان عصراً كثرت فيه النحل والمذاهب وقلَّ فيه من لا يرى في العقايد رأياً يفسِّر به إسلامه و ويخلصه بين جماعة الدارسين وقرّاء العلوم الحديثة.

فإبن الرّومي واحدٌ من هؤلاء القرّاء لا ننتظر أن تمرَّ به هذه المباحث التي كان يدرسها ويحضر مجالسها ويسمع من أهلها بغير أثر محسوس في تفسير العقيدة، فكان مسلماً صادق الإسلام، ولكنَّه كان شيعيّاً معتزليّاً قدريّاً يقول بالطبيعتين، وهي أسلم النحل التي كانت شايعة في عهده من حيث الإيمان بالدين.

وقد قال المعرّي في رسالة الغفران: إنّ البغداديِّين يدَّعون أنَّه متشيِّع و يستشهدون على ذلك بقصيدته الجيميّة ثمَّ عقب على ذلك فقال: ما أراه إلّا على مذهب غيره من الشعراء.

ولا ندري لِماذا شكَّ المعرّي في تشيّعه لأنَّه على مذهب غيره من الشعراء، فإنَّ الشعراء إذا تشيَّعوا كانوا شيعة حقّاً كغيرهم من الناس، وربما أفرطوا فزادوا في ذلك على غيرهم من عامّة المتشيِّعين، وإنَّما نعتقد أنَّ المعرّي لم يطَّلع على شعره كلّه فخفيت عنه حقيقة مذهبه ولولا ذلك لما كان بهذه الحقيقة من خفاء.

على أنَّ القصيدة الجيميَّة وحدها كافيةٌ في إظهار التشيّع الذي لا شكَّ فيه، لأنَّ الشاعر نظمها بغير داعٍ يدعوه إلى نظمها من طمع أو مداراة، بل نظمها وهو يستهدف للخطر الشديد من ناحية بني طاهر وناحية الخلفاء، فقد رثى بها يحيى بن عمر بن الحسين إبن زيد بن علي الثائر في وجه الخلافة ووجه أبناء طاهر ولاة خراسان، وقال فيها يخاطب بني العبّاس ويذكر (ولاة السوء) من أبناء طاهر:

أجنوا بني العبّاس من شنآئكم

وأوكوا على ما في العياب وأشرجوا

وخلّوا ولاة السوء منكم وغيَّهم

فأحرى بهم أن يغرقوا حيث لجَّجوا

نظار لكم أن يرجع الحق راجعٌ

إلى أهله يوماً فتشجوا كما شجوا

على حين لا عذري لمعتذريكمُ

ولا لكمُ من حجَّة الله مخرجُ


فلا تلحقوا الآن الضغاين بينكم

وبينهمُ إنَّ اللواقح تنتجُ

غررتم لئن صدّقتمُ أنّ حالة

تدوم لكم والدهر لونان أخرجُ

لعلَّ لهم في منطوى الغيب ثائراً

سيسمو لكم والصبح في الليل مولجُ

فماذا يقول الشيعيُّ لبني العبّاس أقسى وأصرح في التربّص بدولتهم وانتظار دولة العلويِّين من هذا الكلام؟! فقد أنذر بني العبّاس بزوال الملك وكاد يتمنّى - أو تمنّى - لبني عليّ يوماً يهزمون فيه أعداءهم، ويرجعون فيه حقَّهم، ويطلبون تراثهم، وينكلون بمن نكل بهم، وهواه ظاهرٌ من العلويِّين لا مداجاة فيه كهوى كلِّ شيعيّ في هذا المقام. على أنَّه كان أظهر من هذا في النونيَّة التي تمنّى فيها هلاك أعدائهم ولام نفسه على التقصير في بذل دمه لنصرتهم:

إن يوالي الدهر أعداءً لكم

فلهم فيه كمينٌ قد كمنْ

خلعوا فيه عذار المعتدي

وغدوا بين اعتراضٍ وأرنْ

فاصبروا يهلكهم الله لكم

مثل ما أهلك أذواء اليمنْ

قرب النصر فلا تستبطئوا

قرب النصر يقيناً غير ظنْ

ومن التقصير صوني مهجتي

فعل من أضحى إلى الدنيا ركنْ

لا دمي يُسفك في نصرتكم

لا ولا عرضيَ فيكم يمتهنْ

غير أنّي باذلٌ نفسي وإن

حقن الله دمي فيما حقنْ

ليت إنّي غرضٌ من دونكم

ذاك أو درعٌ يقيكم ومجنْ

أتلقّى بجبيني مَن رمي

وبنحري وبصدري من طعنْ

إنَّ مبتاع الرضي من ربِّه

فيكمُ بالنفس لا يخشى الغبنْ

وليس يجوز الشكُّ في تشيّع من يقول هذا القول ويشعر هذا الشعور، فإنَّه يعرض نفسه للموت في غير طائل حبّاً لبني عليٍّ وغضباً لهم وإشهاراً لهم لعاطفة لا تفيده و لا تفيدهم؛ وقد كان لا يذكر يحيى بن عمر إلّا بلقب الشهيد كما ذكره في القصيدة الجيميَّة وفي خاطرة أُخرى مفردة نظمها في هذين البيتين:

كسته القنا حلة من دم

فأضحت لدى الله من ارجوان

جزته معانقة الدار عـ

ـين معانقة القاصرات الحسان


وبعض هذا يكفي في الدلالة علي تشيّعه للطالبيِّين واتِّخاذه التشيّع مذهباً في الخلافة كمذهب الشعراء أو غير الشعراء ولا سيَّما التشيّع المعتدل الذي يقول أهله بجواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل، ويستنكرون لعن الصحابة الذين عارضوا عليّاً في الخلافة، ومعظم هؤلاء من الزيديَّة الذين خرجوا في جند يحيى بن عمر لقتال بني العبّاس، فهم لا يقولون في نصرة آل عليّ أشدَّ ممّا قال إبن الرومي، ولا يتمنّون لهم أكثر ممّا تمنّاه.

ويلوح لنا أنّ إبن الرومي ورث التشيّع وراثة من أُمِّه وأبيه لأنّ أُمّه كانت فارسيَّة الأصل فهي أقرب إلى مذهب قومها الفرس في نصرة العلويِّين، ولأنَّ أباه سمّاه عليّاً وهو من أسماء الشيعة المحبوبة التي يتجنَّبها المتشدِّدون من أنصار الخلفاء، ولا حرج على أبي الشاعر أن يتشيَّع وهو في خدمة بيت من بيوت العبّاسيِّين، لأنَّ مواليه كانوا أناساً بعيدين مِن الخلافة وولاية العهد وهما علّة البغضاء الشديدة بين العباسيِّين والعلويِّين، وقد اتَّفق لبعض الخلفاء وولاة العهد أنفسهم أنّهم كانوا يكرمون عليّاً وأبناءه كما كان مشهوراً عن «المعتضد» الخليفة الذي أكثر إبن الرّومي من مدحه، كما كان مشهوراً عن «المنتصر» وليّ العهد الذي قيل: إنَّه قتل أباه «المتوكِّل» جريرة ملاحاة وقعت بينهما في الذبِّ عن حرمة عليٍّ وآله (ثمَّ قال بعد إستظهار تشيّع بني طاهر ص ٢٠٧ - ٢٠٩»:

وإنَّ أحق عقيدة أن يجدَّ المرء فيها لعقيدةٌ تُجرِّؤه إذا خاف، وتبسط له العذر والعزاء إذا سخط من صروف الحوادث، وتمهِّد له الأمل في مقبل خير من الحاضر، وأدنى منه إلى كشف الظلمات وردِّ الحقوق، وكلّ أولئك كان إبن الرّومي واجده على أوفاه في التشيّع للعلويِّين أصحاب الإمامة المنتظرة في عالم الغيب على العباسيِّين أصحاب الحاضر الممقوت المتمنّى زواله، فلهذا كان متشيِّعاً في الهوى، متشيِّعاً في الرَّجاء، وكان على مذهب غيره من الشعراء وعلى مذهب غيره من سائر المتشيِّعين.

أمّا الإعتزال فإبن الرّومي لا يكتمه ولا يماري فيه، بل يظهره إظهار معتزٍّ به حريصٍ عليه فمن قوله في إبن حريث:

معتزلي مسرُّ كفر

يُبدي ظهوراً لها بطونُ

أأرفض الإعتزال رأياً

كلّا لأنّي به ضنينُ


لو صحَّ عندي له اعتقادٌ

ما دنتُ ربّي بما يدينُ

وكان مذهبه في الإعتزال مذهب القدريَّة الذين يقولون بالإختيار وينزِّهون الله عن عقاب المجبِّر على ما يفعل، وذلك واضحٌ من قوله يخاطب العبّاس بن القاشي و يناشده صلة المذهب:

إن لا يكن بيننا قربى فآصرةٌ

للدين يقطع فيها الوالد الولدا

مقالة العدل والتوحيد تجمعنا

دون المضاهين مَن ثنّى ومَن جحدا

وبين مستطرفي غيٍّ مرافقة

ترعى فكيف اللذان استطرفا فارشدا

كن عند أخلاقك الزهر التي جعلت

عليك موقوفةً مقصورةً أبدا

ما عذر (معتزليٍّ) موسر منعت

كفّاه معتزليّاً مقتراً صفدا؟!

أيزعم القدر المحتوم أثبطه؟!

إن قال ذاك فقد حلَّ الذي عقدا

أم ليس مستأهلاً جدواه صاحبه؟!

أنّى؟! وما جار عن قصدٍ ولا عندا

أم ليس يمكنه ما يرتضيه له؟!

يكفي أخاً من أخ ميسور ما وجدا

لا عذر فيما يُريني الرأي أعلمه

للمرء مثلك ألّا يأتيَ السَّددا

فواضحٌ من كلامه هذا أنَّه (معتزليٌّ) وأنَّه من أهل العدل والتوحيد وهو الإسم الذي تسمّى به القدريَّة لأنَّهم ينسبون العدل إلى الله فلا يقولون بعقوبة العبد على ذنب قضى له وسبق إليه، ولأنَّهم يوحِّدون الله فيقولون: إنَّ القرآن من خلقه و ليس قديماً مضاهياً له في صفتي الوجود والقِدم، وقد اختاروا لأنفسهم هذا الإسم ليردّوا به على الَّذين سمّوهم القدريَّة ورووا فيهم الحديث (القدريَّة مجوس هذه الأُمّة) فهم يقولون: ما نحن بالقدريَّة لأنَّ الذين يعتقدون القدَر أولى بأن ينسبوا إليه، إنَّما نحن من أهل العدل والتوحيد لأنَّنا ننزّه الله عن الظلم وعن الشريك.

وواضحٌ كذلك من كلامه أنَّه يعتقد حرِّيَّة الإنسان فيما يأتي من خير وشرّ، ويحتجُّ على زميله بهذه الحجَّة فيقول له: لِمَ لا تثيبني؟! إن قلتَ: إنَّ القدر يمنعك؟! فقد حللت ما اعتقدت من اختيار الإنسان في أفعاله، وإن قلتَ: إنَّك لا تريد؟! فقد ظلمت الصداقة وأخللت بالمروءة. وله عدا هذا أبياتٌ صريحةٌ في إعتقاد (الإختيار) وخلق الإنسان لأفعاله كقوله:


لولا صروف الإختيار لأعنقوا

لهوى كما اتَّثقت جمال قطار

وقوله:

أنّى تكون كذا وأنت مخَيَّرٌ

متصرِّفٌ في النقض والإمرارِ؟!

وقوله:

الخير مصنوعٌ بصانعه

فمتى صنعت الخير أعقبكا

والشرُّ مفعولٌ بفاعله

فمتى فعلت الشرَّ أعطبكا

إلا أنه كان يقول بالقدر في تقسيم الأرزاق وأن:

الرزق آتٍ بلا مطالبةٍ

سيّان مدفوعهُ ومجتذبهْ

ويقول:

أما رأيت الفجاج واسعةً

والله حيّاً والرزق مضمونا؟!

*(قال الأميني)*: هذا في الرِّزق الذي يطلبك لا في الرزق الذي تطلبه كما فصَّله الحديث، ولا تناقض عند القدريَّة في هذا، لأنَّهم يقولون بالإختيار فيما يُعاقب عليه الإنسان ويُثاب لا فيما يناله من الرِّزق وحظوظ الحياة.

أمَّا القول بالطبيعتين فأوضح ما يكون في قوله:

فينا وفيك طبيعةٌ أرضيَّةٌ

تهوي بنا أبداً لشرِّ قرارِ

هبطت بآدم قبلنا وبزوجه

من جنَّة الفردوس أفضل دارِ

فتعوَّضا الدنيا الدنيَّة كاسمها

من تلكم الجنّات والأنهارِ

بئست لعمر الله تلك طبيعةٌ

حرمت أبانا قرب أكرم جارِ

واستأسرت ضعفى بنيه بعده

فهمُ لها أسرى بغير إسارِ

لكنَّها مأسورةٌ مقصورةٌ

مقهورة السلطان في الأحرارِ

فجسومهم من أجلها تهوي بهم

ونفوسهم تسمو سموَّ النارِ

لولا منازعة الجسوم نفوسهم

نفزوا بسورتها من الأقطارِ

أو قصَّروا فتناولوا بأكفّهم

قمر السماء وكلّ نجمٍ سارِ

*(قال الأميني)*: لقد عزى الكاتب هاهنا إلى المترجَم هنات لا مقيل لها في مستوى الحقيقة، ومنشأ ذلك بُعده عن علم الأخلاق وعدمه تعقّله معنى الشعر، فحبسه


منافياً للتوحيد الذي جاء به نبيُّ الإسلام، لكن العارف بأساليب الكلام، العالم بما جبل به الإنسان من الغرايز المختلفة لا يكاد يشكُّ في صحَّة معنى الشعر، وهو يُعرب عن إلمام إبن الرومي بالأخلاق، والمتكفِّل لتفصيل هذه الجملة كتب الأخلاق وما يضاهيها، ولخروج البحث عن موضوع الكتاب ضربنا عنه صفحا.

قال: وإبن الرومي كان مفطوراً على التديّن لأنَّه كان مفطوراً على التهيّب والإعتماد على نصير، وهما منفذان خفيّان من منافذ الإيمان والتصديق بالعناية الكبرى في هذا الوجود، ومن ثَمَّ كان مؤمناً بالله خوفاً من الشكّ، مقبلاً على التسليم بسيطاً في تسليمه بساطة من يهرب من القلق ويؤثر السكينة على أيِّ شيء، وبلغ من بساطته أنَّه كان يُنكر على الحكماء الذين يشكّون في حفظ أجساد الأتقياء بعد الموت و يحسبونه من فعل الدواء والحنوط، فقال لابن أبي ناظرة حين تذوَّق بعض الأجساد ليعلم ما فيها من عوامل البقاء:

يا ذائق الموتى ليعلم هل بقوا

بعد التقادم منهمُ بدواءِ

بيِّنتَ عن رعةٍ وصدق أمانةٍ

لولا اتِّهامك خالق الأشياءِ

أحسبتَ أنَّ الله ليس بقادرٍ

أن يجعل الأموات كالاحياءِ؟!

وظننتَ ما شاهدتَ من آياته

بلطيفة من حيلة الحكماءِ؟!

ومات وهو يقول في ساعاته الأخيرة:

ألا أنّ لقاء اللّـ

ـه هولٌ دونه الهولُ

وما كانت الطير عنده إلّا شعبة من ذلك التهيّب الدينيّ الغريزيّ، فهو يتفلسف ويرى الآراء في الدين ولكن في حدودٍ من الشعور لا في حدودٍ من التفكير، ولهذا كان الفنّان ولم يكن الفيلسوف.

*(قال الأميني)*: الطيرة ليست من شعب الدين، ولا يركن إليها أيُّ خاضع له وملأ مسامعه قول الصّادع به صلى الله عليه وآله وسلم: لا طيرة ولا حام. وإنَّما هي بين ضعف النفس غير المتقوِّية بنور اليقين والتوكّل على الله في ورد وصَدَر، ولذا كانت شايعة في الجاهليَّة ونفاها الإسلام.

قال: وليس من الإجتراء أنَّه قال بالاختيار ورأى له في الدين رأياً غير ما اصطلح


عليه السواد فإنّه كان يحيل الذنب على الإنسان وينفي الظلم عن القدر في العقاب و الثواب، ويتصوَّر الله على أحسن ما يتصوَّر المتفلسف مثله إلهه؟؟، فكأنَّما جاءه هذا الرأي من محاباة عالم الغيب لا من الإجتراء عليه، وإنّما دفع به إلى رأي المعتزلة مخاوف الشكوك التي كانت تخامره، فلا يستريح حتّى يسكن فيها إلى قرار، وينتهي فيها إلى برِّ الأمان، ولذلك كان يأوي إلى الأصدقاء يكاشفهم بما في صدره ويستعين بهم على تفريج غمَّته.

ويدمج أسباب المودَّة بيننا

مودَّتنا الأبرار من آل هاشمِ

وإخلاصنا التوحيد لله وحدهُ

وتذييبنا؟ عن دينه في المقاومِ

بمعرفةٍ لا يقرع الشكّ بابها

ولا طعن ذي طعن عليها بهاجمِ

وإعمالنا التفكير في كلِّ شبهة

بها حجَّة تعيي دهاة التراجمِ

يبيت كلانا في رضى الله ماحضاً

لحجَّته صدراً كثير الهماهمِ

بيد أنّ الإيمان شيءٌ وأداء الفرايض الدينيَّة شيءٌ آخر، فقصارى الإيمان عنده أنّه يؤمِّنه بقرب آل البيت وتنزيه ربِّه والإطمينان إلى عدله ورحمته، ثمَّ يدع له سبيله يلعب ويمرح كلّما لذَّ له اللعب والمرح، ولا أهلاً بالصيام إذا قطع عليه ما اشتهى من لذَّة وأرب.

فلا أهلاً بمانع كلِّ خير

وأهلاً بالطعام وبالشَّراب

بل لا حرج عليه إذا قضى ليلة في السرور أن يشبِّهها بليلة المعراج:

رفعتنا السعود فيها إلى الفو

ز فكانت كليلة المعراج

ذلك أنَّه كان في تقواه طوع الإحساس الحاضر، كما كان في كلِّ حالة من حالاته يلعب، فلا يبالي أن يتماجن حيث لا يليق مجونٌ، ويستحضر التقوى والخشوع فلا يُباريه أحدٌ من المتعبِّدين، ويخيِّل إليك أنَّك تستمع إلى متعبِّد عاش عمره في الصوامع حين تستمع إليه يقول:

تتجافى جنوبهم

عن وطئ المضاجعِ

كلّهم بين خائفٍ

مستجيرٍ وطامعِ

تركوا لذّة الكرى

للعيون الهواجعِ

ورعوا أنجم الدُّجى

طالعاً بعد طالعِ


لو تراهم إذا همُ

خطروا بالأصابعِ

وإذا هم تأوَّهوا

عند مرِّ القوارعِ

وإذا باشروا الثرى

بالخدود الضوارعِ

واستهلّت عيونهم

فائضات المدامعِ

ودعوا: يا مليكنا

يا جميل الصنائعِ

اعف عنّا ذنوبنا

للوجوه الخواشعِ

اعف عنّا ذنوبنا

للعيون الدوامعِ

أنت إن لم يكن لنا

شافعٌ خير شافعِ

فأُجيبوا إجابة

لم تقع في المسامعِ

: ليس ما تصنعونه

أوليائي بضائعِ

أبذلوا لي نفوسكم

أنَّها في ودائعي

وله من طراز هذا الشعر الخاشع كثيرٌ لا تسمعه من إبن الفارض ولا محيي الدّين.

*(قال الأميني)*: ليس ما ارتئاه إبن الرومي في باب الإختيار نتيجة مخامرة الشبه والشكوك كما يراه (المترجم) وإنَّما هي وليدة البرهنة الصادقة، وإنَّه لم يعط القدَر حقَّه محاباةً له، لكن الحجج الدامغة ألجأته إلى ذلك، وكذلك ما يقوله في باب الأرزاق فهي تقادير محضة غير أن الإنسان كلِّف بتحرّي الأسباب الظاهريَّة جرياً على النواميس الإلهيَّة المطَّردة في النظام العالميِّ الأتمّ، وهذه مسائل كلاميَّة لا يروقنا الخوض فيها إلّا هنالك.

وأمّا إعتماد إبن الرومي على العدل والرحمة وتنزيه ربِّه فهو شأن كلِّ مؤمن بالله عارف بكمال قدسه وصفاته الجلاليَّة، وليس قرب أهل البيت الطاهر عليهم السَّلام إلّا نتيجة مودَّتهم التي هي أجر الرسالة بنصّ من الذكر الحكيم، وإنَّما مثلهم كمثل سفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلَّف عنها غرق، وهم عِدل الكتاب وقد خلفهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعده وقال: ما إن تمسَّكتم بهما لن تضلّوا بعدي، فأحرِ بهم أن يكون القرب منهم مؤمِّناً للإنسان نشأته الأُخرى، وأمّا ما عزاه إليه من مظاهر من المجون فهي معان شعريّة لا يؤاخذ بها القائل، وكم للشعراء الأعفّاء أمثالها.


هجاؤه

أخرج القرن الثالث للهجرة شاعرين هجّائين هما أشهر الهجّائين في أدب العصور الإسلاميَّة عامَّة: أحدهما إبن الرومي. والآخر دعبل الخزاعي هاجي الخلفاء و الأمراء وهاجي الناس جميعاً وقال:

إنّي لأفتح عيني حين أفتحها

على كثير ولكن لا أرى أحدا

وقد جمع المعرّي بينهما في بيت واحد وضرب بهما المثل لهجاء الدهر لبنيه فقال:

لو أنصف الدهر هجا أهله

كأنَّه الروميُّ أو دعبلُ

وليس للمؤرِّخ الحديث أن يضيف إسماً جديداً إلى هذين الإسمين فإنَّ العصور التالية للقرن الثالث لم تخرج من يضارعهما في قوَّة الهجاء والنفاذ في هذه الصناعة، و كلاهما مع هذا نوعٌ فذٌّ في الهجاء يظهر متى قرن بالآخر.

فدعبل كما قلنا في غير هذا الكتاب (لا يهمّنا ما ذكره في دعبل).

أمّا إبن الرومي فلم يكن مطبوعاً على النفرة من الناس، ولم يكن قاطع طريق على المجتمع في عالم الأدب، ولكنَّه كان فنّاناً بارعاً أوتي ملكة التصوير ولطف التخيّل والتوليد وبراعة اللعب بالمعاني والأشكال، فإذا قصد شخصاً أو شيئاً بهجاء صوَّب إليه «مصوِّرته» الواعية فإذا ذلك الشيء صورةٌ مهيَّأةٌ في الشعر تهجو نفسها بنفسها، وتعرض للنظر مواطن النقص من صفحتها كما تنطبع الأشكال في المرايا المعقوفة والمحدَّبة، فكلّ هجوه تصويرٌ مستحضرٌ لأشكاله، أو لعبٌ بالمعاني على حساب من يستثيره.

وإبن الرومي يسلب مهجوَّه الفطنة والكياسة والعلم ويلصق به كلَّ عيوب الحضارة التي يجمعها التبذّل والتهالك على اللذَّات، فإذا حذفت من هجوه كلَّ ما أوجبته الحضارة والخلاعة الفاشية في تلك الحضارة فقد حذفت منه شرَّ ما فيه ولم يبق منه إلّا ما هو من قبيل الفكاهة والتصوير.

وكان لصاحبنا فنّاً واحداً من الهجاء لا ترتاب في أنَّه كان يختاره ويكثر منه ولو لم تحمله الحاجة وتُلجأه النقمة إليه، ونعني به فنَّ التصوير الهزليِّ والعبث بالأشكال المضحكة والمناظرة الفكاهيَّة والمشابهات الدقيقة، فهو مطبوعٌ على هذا كما يطبع المصوِّر على نقل ما يراه وإعطاء التصوير حقَّه من الإتقان والإختراع، و


ما نراه كان يقع عنه في شعره ولو بطلت ضروراته وحسنت مع الناس علاقاته، لكن هذا الفنّ أدخل في التصوير منه في الهجاء، وهو حسنة وليس بسيِّئة، وقدرةٌ تُطلب وليس بخلَّة تُنبذ، وأنت لا يغضبك أن ترى ابنك الذي تهذِّبه وتهديه ماهراً فيه خبيراً بمغامزه وخوافيه، وإن كان يغضبك أن تراه يشتم المشتوم ويهين المهين، ويهجو مَن يستهدف غرضه للهجاء؛ لأنَّك إذا منعته أن يفطن إلى الصور الهزليَّة وأن يفتن في إدراك معانيها وتمثيل مشابهاتها ومنعت ملكة فيه أن تنمو وأبيت على حاسَّته الصادقة فيه أن تصدِّقه وتفقه ما تقع عليه، أمّا إذا منعت الهجاء وبواعثه فإنَّك تمنع خلقاً يستغنى عنه، وميلاً لا بدَّ له من التقويم.

ذلك هو فنُّ إبن الرّوميِّ الذي لا عذر له منه ولا موجب للإعتذار، فأمّا ما عدا ذلك من هجاؤه فهو مسوقٌ فيه لا سائق، ومدافعٌ لا مهاجم، ومستثارٌ عن عمد في بعض الأحيان لا مستثيرٌ، وإنَّك لتقرأ له قوله:

ما استبَّ قطُّ اثنان إلّا غلبا

شرّهما نفساً وأُمّاً وأبا

فلا تصدِّق أنَّ قائله هو إبن الرّوميّ هجّاء اللغة العربيَّة وقاذف المهجوّين بكلِّ نقيصة لكنَّ الواقع هو هذا، والواقع كذلك أنَّه كان يسكن إلى رشده أحياناً فيتسأم الهجاء ويعافه ويودُّ الخلاص منه حتّى لو كان مهجوّاً معدوّاً عليه ويعتزم التوبة عن الهجاء مقسماً:

آليت لا أهجو طوا

ل الدَّهر إلّا مَن هجاني

لا بل سأطَّرح الهجا

ءَ وإن رماني مَن رماني

أمن الخلايق كلّهم

فليأخذوا منّي أماني

حلمي أعزُّ عليَّ من

غضبي إذا غضبي عراني

أولى بجهلي بعد ما

مكَّنت حلمي من عناني

وهذا أشبه بابن الرومي لأنَّه في صميمه خلق مسالماً سهلاً، ولم يخلق شريراً مطويّاً على الشكس والعداوة، بل هو لو كان شريراً لما اضطرَّ إلى كلِّ هذا الهجاء، أو هو لو كان أكبر شرّاً لكان أقلُّ هجاءً، لأنَّه كان يأمن من جانب العدوان فلا يقابله بمثله، وما كان الهجاء عنده كما قلنا إلّا سلاح دفاع لا سلاح هجوم، وما كان هجاؤه يشفُّ عن


الكيد والنكاية وما شابههما من ضروب الشرِّ المستقرِّ في الغريزة، كما كان يشفُّ عن الحرج والتبرّم والشعور بالظلم الّذي لا طاقة له باحتماله ولا بإتِّقائه، وكثيرٌ من الأشرار الَّذين يقتلون ويعتدون ويُفسدون في الأرض يقضون الحياة دون أن تسمع منهم كلمة ذمٍّ في إنسان، وكثيرٌ من النّاس يذمّون ويتسخَّطون لأنَّهم على ذلك مطبوعون.

ومن قرأ مراثي إبن الرومي في أولاده وأُمّه وأخيه وزوجته وخالته وبعض أصدقائه علم منها أنَّها مراثي رجل مفطور على الحنان ورعاية الرحم والأُنس بالأصدقاء و الإخوان، فمراثيه هي التي تدلُّ عليه الدلالة المنصفة وليست مدائحه التي كان يميلها الطمع والرغبة أو أهاجيه التي كان يميلها الغيظ وقلّة الصبر على خلائق الناس، ففي هذه المراثي تظهر لنا طبيعة الرجل لا تشوبها المطامع والضرورات، ونرى فيه الولد البارّ، والأخ الشفيق، والوالد الرحيم، والزوج الودود، والقريب الرؤف، والصديق المحزون، ولا يكون الرجل كذلك ثمَّ يكون مع ذلك شريراً مغلق الفؤاد مطبوعاً على الكيد والإيذاء.

وإذا اختلف القولان بينه وبين أبناء عصره فأحجى بنا أن نصدِّق كلامه هو في أبناء عصره قبل أن نصدِّق كلامهم فيه، لأنَّهم كانوا يستبيحون إيذاءه ويستسهلون الكذب عليه لغرابة أطواره، وتعوَّد الناس أن يصدِّقوا كلَّ ما يُرمى به غريب الأطوار من التهم والأعاجيب، في حين أنّه كان يتحاشى عن تلك التهم، ويغفر الإساءة بعد الإساءة مخافةً من كثرة الشكاية و علماً منه بقلّة الإنصاف.

أتاني مقالُ من أخٍ فاغتفرته

وإن كان فيما دونه وجه معتبِ

وذكّرت نفسي منه عند امتعاضها

محاسن تعفو الذنب عن كلّ مذنبِ

ومثلي رأى الحسنى بعين جليَّة

وأغضى عن العوراء غير مؤنّبِ

فيا هارباً من سخطنا متنصِّلاً

هربت إلى أنجى مفرٍّ ومهربِ

فعذرك مبسوطٌ لدينا مقدَّمٌ

وودُّك مقبولٌ بأهلٍ ومرحبِ

ولو بلغتني عنك أُذني أقمتها

لديّ مقام الكاشح المتكذِّبِ

ولست بتقليب اللسان مصارماً

خليلي إذا ما القلب لم يتقلَّبِ

فالرَّجل لم يكن شريراً ولا ردئ النفس ولا سريعاً إلى النقمة، فلِماذا إذن كثر هجاؤه واشتدَّ وقوعه في أعراض مهجوّيه؟! نظنُّ أنَّه كان كذلك لأنَّه كان قليل الحيلة


طيِّب السريرة خالياً من الكيد والمراوغة والدسيسة وما شابه هذه الخلائق من أدوات العيش في مثل عصره، فكان مستغرقاً في فنّه يحسب أنَّ الشعر والعلم والثقافة وحدها كفيلةٌ بنجاحه وارتقائه إلى مراتب الوزارة والرآسة، لأنّه كان في زمن يتولّى فيه الوزارة الكتّاب والرُّواة ويجمعون في مناصبهم أُلوف الأُلوف ويحظون بالزلفى عند الأُمراء والخلفاء، وقد كان هو شاعراً كاتباً، وكان خطيباً واسع الرِّواية مشاركاً في المنطق والفلك واللغة، وكلّ ما تدور عليه ثقافة زمان، أو كما قال المسعودي: كان الشعر أقلّ أدواته وكان الشعر وحده كافياً لجمع المال وبلوغ الآمال، فماذا بعد أن يعرف الناس إنَّه شاعرٌ وإنَّه كاتبٌ وإنَّه راويةٌ مطّلعٌ على الفلسفة والنجوم؟! إلّا أن تجيه الوزارة ساعيةً إليه تخطب ودَّه، كما جاءت إلى أُناس كثيرين لا يعلمون علمه، ولا يبلغون في البلاغة مكانه، ألم يصل إبن الزيَّات إلى الوزارة بكلمة واحدة فسَّرها للمعتصم وفصَّل له تفسيرها وهي كلمة (الكلاء) التي يعرفها عامَّة الأُدباء؟! بلى، وإبن الرّومي كان يعرف من غرايب اللغة ما لم يكن يعرفه شعراء عصره ولا أُدباؤه، فما أولاه إذن بالوزارة؟ وما أظلم الدنيا؟ إذ هي ضنَّت عليه بحقِّه من المناصب والثراء.

فإذا لم تكن الوزارة فهل أقل من الكتابة أو العمالة لبعض الوزراء والكتّاب المبرَّزين؟! فإذا لم يكن هذا ولا ذاك فهل غبنٌ أصعب على النفس من هذا الغبن؟! وهل تقصيرٌ من الزمان ألأم من هذا التقصير؟!

ونبوءة أبيه ورجاؤه في مستقبله وقوله: (أنت للشرف) أيذهب هذا كلّه هباءً لا يقبض منه اليدين على شيءٍ؟! تلك النبوءات التي تنطبع على أفئدة الصغار بمثل النار، ولا تزال غرارة الطفولة وأحلام الصبا تزخرفها وتوشيها وتعمق في الضمير أغوارها، أيأتي الشباب وهي محوٌ لغوٌ مطموسٌ لا يبين أولا يبين منه إلّا ما ينقلب إلى الأضداد وتترجمه الأيّام بالسقم والفقر والكساد؟! وكيف يمحى؟! إلّا وقد محى القلب الذي طبعت فيه، وكيف ينعكس معناه؟! إلّا وقد إنعكس في القلب كلّ قائم والتوى فيه كلّ قويم، ذلك صعبٌ على النفوس وليس بالسهل إلّا على مَن يلهو به وهو بعيدٌ.

وهكذا كان إبن الرومي يسأل نفسه مرَّة بعد مرَّة ويوماً بعد يوم:

مالي أسلّ من القراب وأغمد؟!

لِمَ لا أُجرَّد؟! والسيوف تجرَّدُ


لِمَ لا أُجرَّب في الضرائب مرَّة

يا للرجال وأنَّني لَمهنّدُ؟!

ولا يدري كيف يجيب نفسه على سؤاله، لأنَّه لم يكن يدري أنَّ فضائله كلّها لا تساوي فتيلاً بغير الحيلة والعلم بأساليب الدخول بين النّاس، وإنَّ الحيلة وحدها قد تغني عن فضائله جميعاً ولو كان صاحبها لا ينظم شعراً، ولا ينظر في كتب الفلسفة و الرِّواية والنجوم.

حسن إذن تدع الوزارة والولاية والعمالة بعد يأس مضيض يسهل علينا هنا أن نسطره في كلمة عابرة ولكنَّه لا يسهل على من يعالجه ويشفي بمحنته في ساعةٍ من ساعات حياته، ندع الوزارة والولاية والعمالة ونقنع بالمثوبة من الوزراء والولاة والعمّال إن كانوا يثيبون المادحين، فهل تراهم يفعلون؟!

لا. لأنَّ الحيلة لازمةٌ في استدرار الجوائز والمثوبات لزومها في كلِّ غرض من أغراض المعاش ولا سيَّما في ذلك الزمان الذي شاعت فيه الفتن والسعايات، وما كانت تنقضي منه سنةٌ واحدةٌ بغير مكيدة خبيئة تؤدّي بحياة خليفة أو أمير أو وزير، وربما كانت مصانعة الحجاب والتماس مواقع الهوى من نفوس الحاشية والندمان و اللعب بمغامز النفوس الخفيَّة وإضحاك هؤلاء، وهؤلاء، أجدى على الشاعر في هذا الباب من بلاغة شعره وغزارة علمه.

وبسط الكلام في الموضوع إلى ص ٢٣٥ فقال:

هو وشعراء عصره

عاصر إبن الرومي في بيئته كثيرٌ من الشعرآء أشهرهم في عالم الشعر الحسين بن الضحّاك، ودعبل الخزاعي، والبحتري، وعليُّ بن الجهم، وإبن المعتزّ، وأبو عثمان الناجم.

وليس لهؤلاء ولا لغيرهم ممَّن عاصروه وعرفوه أو لم يعرفوه أثرٌ يُذكر في تكوينه غير إثنين فيما نظنّ هما: الحسين بن الضحّاك، ودعبل الخزاعي

*(قال الأميني)* وكان بين إبن الرّومي والشاعر المفلق إبن الحاجب محمد بن أحمد صلة ومودَّة وجرت بينهما نوادر منها: أنَّ إبن الحاجب سأله إبن الرومي زيارته في يوم معلوم فصاروا إليه فلم يجدوه فقال إبن الرومي فيه شعراً أوّله:


نجّاك يا بن الحاجب الحاجبُ

وليس ينجو منّي الهاربُ

وأجابه إبن الحاجب بأبيات توجد في معجم المرزباني ٤٥٣.

قال: فكان إبن الرومي معجباً بالحسين بن الضحاك يروي شعره ويستملح أخباره ويذكرها لأصحابه، وكان إبن الرومي يافعاً يحضر مجالس الأدب ويتلقّى دروسه و الحسين في أوج شهرته يتناشد أشعاره أُدباء الكوفة وبغداد ومدن العراق (ثمَّ ذكر بعض ما رواه إبن الرّوميِّ من شعر إبن الضحّاك نقلاً عن الأغاني) فقال:

وقد مات الحسين بن الضحّاك وإبن الروميِّ في التاسعة والعشرين ولم نر في تاريخه ولا في تاريخ الحسين ما يُشير إلى تلاقيهما في بغداد حيث عاش ابن الرومي معظم حياته، أو في غير بغداد حيث كان يرحل إبن الضحّاك.

أمّا دعبل فإبن الرّومي عارضه في موضعين أحدهما القصيدة الطائيَّة التي نظمها دعبل حين اتَّهم خالداً بسرقة ديكه وإطعامه لضيوفه وقال في مطلعها:

أسر المؤذِّن خالدٌ وضيوفه

أسر الكميِّ هفا خلال الماقط(١)

ولآخر في قصيدة لدعبل مطلعها:

أتيت ابن عمرو فصادفته

مريض الخلايق ملتائها

وكان دعبل فيما عدا ذلك متشيِّعاً لآل عليٍّ غالياً في تشيّعه(٢) فجذب ذلك كلّه نفس إبن الرومي الفتى نحوه وحبَّب إليه محاكاته ومجاراته، وربما كانت الرغبة في مجاراته إحدى دواعيه إلى الهجاء، ومات دعبل وإبن الرّومي في الخامسة والعشرين ولا نعلم أنَّهما تعارفا أو كان بينهما لقاء.

وأمّا البحتري وأبو عثمان الناجم فالثابت أنَّ إبن الرّومي كان على معرفة و صحبة معهما، عرف البحتري في بيت الناجم وكان هذا صديقاً له بقي على صداقته إلى يوم موته.

*(قال الأميني)* لابن الرومي قصيدةٌ في البحتري وأدبه وشعره توجد منها أبيات في ثمار القلوب للثعالبي ص ٢٠٠ و٣٤٢.

_____________________

١ - راجع من كتابنا ج ٢ ص ٣٧٩ ط ثاني.

٢ - عزو باطل لا يشوَّه به قدس تشيع مثل دعبل.


وأمّا عليٌّ بن الجهم المتوفّى ٢٤٩ فقد كان بينه وبين إبن الرومي برزخٌ واسعٌ من اختلاف المذهب في الدين والشعر، فإبن الرومي متشيِّع، وإبن الجهم ناصبٌ يذمُّ عليّاً وآله «ولا يلتقي الشيعيُّ والناصب» كما يقول إبن الرومي. وكان إبن الجهم شديد النقمة على المعتزلة وعلى أهل العدل والتوحيد منهم خاصَّة يهجوهم ويدسُّ لهم ويقول في زعيمهم أحمد بن أبي داود:

ما هذه البدع التي سمَّيتها

بالجهل منك العدل والتوحيدا

وإبن الرومي كما مرَّ بك من هذه الجماعة، فمذهبه في الدين ينفره إبن الجهم ولا يرغبه في مجاراته، ولو تشابها فيما عدا ذلك من المزاح والنزعة، لقد يهون هذا الفارق ويسهل على إبن الرّومي الإغضاء عنه، وهو ناشيءٌ يتلمَّس القدوة، ويخطو في سبيل الشهرة، ولكنَّك تقرء شعر إبن الجهم في فخره ومزاحه فيخيَّل إليك أنَّك تقرأ كلام جنديٍّ يتنفَّج أو يُعربد لخلوِّه من كلِّ عاطفة غير عواطف الجند يقضون أوقاتهم بين الفجر والضجيج واللهو والسكر، وليس بين هذه الطبيعة وطبيعة إبن الرومي مسرب للقدوة أو للمقاربة في الميل والإحساس.

وأمَّا ابن المعتز فقد ولد في سنة سبع وأربعين ومأتين فلمّا أيفع وبلغ السنَّ التي يقول فيها الشعر كان إبن الرومي قد جاوز الأربعين أو ضرب في حدود الخمسين، ولَمّا بلغ واشتهر له كلام يروى في مجالس الأُدباء كان إبن الرّومي قد أوفى على الستِّين وفرغ من التعلّم والإقتباس، ولو انعكس الأمر وكان إبن المعتزّ هو السابق في الميلاد لما أخذ منه إبن الرومي شيئاً، أو لكان أفسده سليقته بالأخذ عنه، لأنّ إبن المعتزّ إنَّما إمتاز بين شعراء بغداد في عصره بمزاياه الثلاث وهي: البديع. والتوشيح. والتشبيه بالتحف والنفائس. وإبن الرومي لم يُرزق نصيباً معدوداً من هذه المزايا ولم يكن قطُّ من أصحاب البديع أو أصحاب التشبيهات التي تدور على الزخرف، وتستفيد نفاستها من نفاسة المشبهات.

تاريخ وفاته

قال إبن خلكان: توفّي يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادي الأولى سنة ثلاث و


ثمانين. وقيل: وسبعين ومأتين ودفن في مقبرة باب البستان. والذين جاؤا بعد إبن خلكان تابعوه في هذا الشكّ ولا مسوِّغ لهذا الشكِّ بأمور(١) الأوّل قوله:

طربت ولم تطرب على حين مطرب

وكيف التصابي بابن ستّين أشيب؟!

فبملاحظة تاريخ ولادته المتسالم عليه بين أرباب المعاجم يوافق ستّين مع سنة ٢٨١ فهو لم يمت في سنة ٢٧٦ على التحقيق. ولا يُظنّ أنَّ الستّين هنا تقريبيَّة لضرورة الشعر فإنَّه ذكر الخمس والخمسين في موضع آخر حيث قال.

كبرت وفي خمس وخمسين مكبر

وشبت فألحاظ المها عنك نُفَّر(٢)

الثاني: ما في مروج الذهب (ج ٢ ص ٤٨٨) للمسعودي من أنَّ قطر الندى بنت خمارويه وصلت إلى مدينة السَّلام إبن الجصّاص في ذي الحجَّة سنة إحدى وثمانين ففي ذلك يقول إبن الرومي.

يا سيِّد العرب الذي زُفَّت له

باليمن والبركات سيِّدة العجم

*(قال الأميني)* قال الطبري في تاريخه ١١ ص ٣٤٥: كان دخولهم بغداد يوم الأحد لليلتين خلتا من المحرَّم سنة ٢٨٢.

الثالث: مقطوعاته التي نظمها الشاعر في العرس الذي احتفل به الخليفة سنة إثنتين وثمانين.

*(قال الأميني)* وممّا ينفي الشكَّ عن عدم وقوع وفاة المترجم سنة ٢٧٠ قصيدته التي يمدح بها المعتضد بالله أبا العباس أحمد في أيّام خلافته وقد بويع له في شهر رجب بعد عمِّه المعتمد سنة ٢٧٩ قال فيها:

هنيئاً بني العبّاس إنَّ إمامكم

إمام الهدى والبأس والجود أحمدُ

كما بأبي العبّاس أُنشيء ملككم

كذا بأبي العبّاس أيضاً يُجدّدُ

قال العقّاد: وأمّا التاريخين الآخرين: أي سنة ثلاث وأربع وثمانين فعندنا تاريخ اليوم والشهر من أولاهما وليس عندنا مثل ذلك من الثانية وهذا ممّا يرجِّح وفاته في سنة ثلاث وثمانين دون أربع وثمانين.

_____________________

١ - نحن نذكر ملخصها.

٢ - ذكر الخمس والخمسين في هذا البيت لا ينافي تقريبية الستين في سابقه.


*(قال الأميني)* لم نعرف وجه الترجيح يذكر تاريخ اليوم والشهر لمجرَّده مع قطع النظر عمّا ذكره بعدُ من مضاهاة التاريخ بقوله:

ويقوي هذا الترجيح أنَّ مضاهاة التواريخ تُثبت لنا أنَّ جمادي الأخرى من سنة ثلاث وثمانين بدأت يوم جمعة فيكون يوم الأربعاء قد جاء لليلتين بقيتا من جمادي الأولى في تلك السنة كما جاء في تاريخ الوفاة، وقد ضاهينا هذا اليوم على التاريخ الإفرنجي فوجدناه يوافق الرابع عشر من شهر يونيو، أي يوافق أبان الصيف في العراق، وإبن الرومي مات في الصيف كما يُؤخذ من قول الناجم أنَّه دخل عليه في مرضه الذي مات فيه وبين يديه ماءٌ مثلوجٌ فيجوز لنا على هذا أن نجزم بأنَّ أصحَّ التواريخ الأوَّل و هو: يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادي الأولى سنة ثلاث وثمانين.

شهادته

الأقوال بعد ذلك مجمعةٌ على موت إبن الرّومي بالسمّ وأنَّ الذي سمَّه هو القاسم بن عُبيد الله أو أبوه قال إبن خلكان في وفيات الأعيان (ج ١ ص ٣٨٦): إنَّ الوزير أبا الحسين القاسم بن عُبيد الله بن سليمان بن وهب وزير الإمام المعتضد كان يخاف من هجوه و فلتات لسانه بالفحش فدسَّ عليه إبن فراش فأطعمه خشكنامجه مسمومة وهو في مجلسه فلمّا أكلها أحسَّ بالسمّ فقام فقال له الوزير: إلى أين تذهب؟! فقال: إلى الموضع الذي بعثتني إليه. فقال له: سلِّم على والدي. فقال له: ما طريقي على النّار.

وقال الشريف المرتضى في أماليه (ج ٢ ص ١٠١): إنَّه قد اتصل بعبيد الله ابن سليمان بن وهب أمر عليِّ بن العبّاس الرّومي وكثرة مجالسته لأبي الحسين القاسم فقال لأبي الحسين: قد أحببت أن أرى إبن روميِّك هذا فدخل يوماً عُبيد الله إلى أبي الحسين وإبن الرّومي عنده فاستنشده من شعره فأنشده وخاطبه فرآه مضطرب العقل جاهلاً فقال لأبي الحسين بينه وبينه: إنّ لسان هذا أطول من عقله، ومن هذه صورته لا تؤمن عقار به عند أوّل عتب ولا يفكَّر في عاقبته، فأخرجه عنك. فقال: أخاف حينئذ أن يعلن ما يكتمه في دولتنا ويذيعه في تمكّننا. فقال: يا بنيَّ؟ إنّي لم أُرد بإخراجك له طرده فاستعمل فيه بيت أبي حيَّة النميري:


فقلن لها سرّاً: فديناك لا يرح

سليماً، وإلّا تقتليه فألممي

فحدَّث القاسم بن فراس بما جرى وكان أعدى الناس لابن الرّومي وقد هجاه بأهاج قبيحة فقال له: الوزير أعزَّه الله أشار بأن يغتال حتّى يُستراح منه وأنا أكفيك ذلك. فسمّه في الخشكنانج فمات. قال الباقطاني: والنّاس يقولون: ما قتله إبن فراس وإنَّما قتله عبيد الله.

ثمَّ ضعّف الرواية الأولى بأنّ عُبيد الله بن سليمان مات سنة ٢٨٨ بعد وفات إبن الرّومي فلا معنى لقول القاسم له: سلّم على والدي. ووالده بقيد الحياة

واستشكل في الرواية الثانية بأنّ عبيد الله كانت له سوابق معرفة مع إبن الرّومي فلا يتمُّ ما فيها من طلبه رؤيته.

وأنت ترى أنَّ التضعيف الثاني ليس في محلّه إذ الرؤية المطلوبة لعبيد الله كما يظهر من نفس الرّواية رؤية إختبار لا مجرَّد رؤية حتّى تنافي التعارف والإجتماع قبلها، فيحتمل عندئذ أنَّ عبيد الله هو القائل: سلّم على والدي. لا إبنه، والله العالم.


١٤ - الحماني الأفوه(١)

المتوفى ٣٠١

إبن الّذي رُدَّت عليه الشمـ

ـس في يوم الحجابِ

وابن القسيم النّار في

يوم المواقف والحسابِ

مولاهمُ يوم «الغدير»

برغم مرتابٍ وآبي(٢)

وله:

قالوا: أبو بكر له فضله

قلنا لهم: هنّأه الله

نسيتمُ خطبة «خمّ» وهل

يُشبَّه العبد بمولاه؟!

إنَّ «عليّاً» كان مولى لمن

كان «رسول الله» مولاه(٢)

*(الشاعر) *

أبو الحسين عليُّ بن محمد بن جعفر محمد بن محمد بن زيد بن عليّ بن الحسين ابن عليّ بن أبي طالب عليهم السَّلام الكوفي الحِمّاني المعروف بالأفوه. وفي لباب الأنساب: يُلقَّب هو ووالده محمد بالحمّال. ويقال لأولاده: بنو الحمّال.

حِمّان بكسر المهملة وتشديد الميم محلّةٌ بالكوفة والنسبة إلى حِمّان قبيلة من تميم وهم: بنو حِمّان بن عبد العزيز بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. واسم حِمّان: عبد العزّى. وقد سكن هذه المحلّة مَن نسب إليها وإن لم يكن منها(٤) فما في بعض المعاجم ضبطه بالمعجمة تصحيفٌ.

_____________________

١ - تبعا على المؤرخين ذكرناه في هذا القرن.

٢ - امتدح بها بعض أهل البيت الطاهر، ذكرها إبن شهر آشوب في المناقب ١ ص ٤٦٢.

٣ - ذكرها البياضي في صراطه المستقيم.

٤ - معجم البلدان ٣ ص ٣٣٥، اللباب ١ ص ٣١٦.


المترجَم له في الرعيل الأوَّل من فقهاء العترة ومدرِّسيهم في عاصمة التشيّع بالعراق في القرون الأولى «الكوفة» وفي السنام الأعلى من خطباء بني هاشم وشعرائهم المفلقين، وقد سار بذكره وبشعره الركبان، وعرفه القريب والبعيد بحسن الصياغة وجودة السرد، أضف إلى ذلك علمه الغزير، ومجده الأثيل، وسؤدده الباهر، ونسبه العلويّ الميمون، وحسبه الوضاح إلى فضايل جمَّة تسنَّمت به إلى ذروة الخطر المنيع.

سأل المتوكّل إبن الجهم من أشعر الناس؟ فذكر شعراء الجاهليَّة والإسلام، ثمَّ إنَّه سأل أبا الحسن (الإمام عليّ بن محمد الهادي) فقال: الحِمّاني حيث يقول:

لقد فاخرتنا من قريش عصابةٌ

بمدِّ خدودٍ وامتداد أصابعِ

فلمّا تنازعنا المقال قضى لنا

عليهم بما يهوى نداء الصوامعِ

ترانا سكوتاً والشهيد بفضلنا

عليهم جهير الصوت في كلِّ جامعِ

فإنَّ رسول الله أحمد جدُّنا

ونحن بنوه كالنجوم الطوالعِ

قال: وما نداء الصوامع يا أبا الحسن؟! قال: أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنَّ محمداً رسول الله، جدّي أم جدّك؟! فضحك المتوكِّل ثمَّ قال: هو جدُّك لا ندفعك عنه.

هذا الحديث ذكره الجاحظ في [المحاسن والأضداد] ص ١٠٤، والبيهقي في [المحاسن والمساوي] ١ ص ٧٤ غير أنَّ فيها: الرضى. مكان أبي الحسن. وأحسبه تصحيف «المرتضى» وهو لقب الإمام الهادي سلام الله عليه.

ورواه شيخ الطايفة في أماليه ص ١٨٠، وبهاء الدين في [تاريخ طبرستان] ص ٢٢٤، وإبن شهر آشوب في «المناقب» ٥ ص ١١٨ ط هند.

وأثنى عليه المسعودي في «مروج الذهب» ٢ ص ٣٢٢ في كلام يأتي له وقال: كان عليُّ بن محمد الحِمّاني مفتيهم بالكوفة وشاعرهم ومدرّسهم ولسانهم، ولم يكن أحدٌ بالكوفة من آل عليِّ بن أبي طالب يتقدّمه في ذلك الوقت.

وذكره النسّابة العمري في «المجدي» وأطراه بما ملخَّصه: كان مشهوراً بالشعر رثى يحيى بن عمرو كان أشعر ولد أبيه يكنّى أبا الحسين. وقال في ترجمة الشريف الرضي: هو أشعر قريش إلى وقتنا وحسبك أن يكون قريش في أوّلها الحرث بن هشام والعبلي وعمر بن أبي ربيعة وفي آخرها بالنسبة إلى زمانه محمد بن صالح الموسوي وعليّ بن محمد الحِمّاني.


وذكره الرفاعي في «صحاح الأخبار» ص ٤٠ وقال: كان شهماً شجاعاً شاعراً مفلقاً وخطيباً مصقعاً. وأثنى عليه بالعلم وجودة الشعر سهل بن عبد الله البخاري النسّابة في «سرِّ السلسلة» وصاحب (بحر الأنساب المشجَّر) والبيهقي في «لباب الأنساب» وإبن المهنَّا في «عمدة الطالب» ٢٦٩ وذكر الأخير: إنَّ له ديوان شعر مشهور.

وقال الحموي في «معجم الأدباء» ٥ ص ٢٨٥ في ترجمة محمد بن أحمد الحسيني العلوي بعد ما أثنى عليه بأنَّه شاعرٌ مفلقٌ، وعالمٌ محقِّقٌ، شائع الشعر، نبيه الذكر، ليس في ولد الحسن من يشبهه، بل يُقاربه عليُّ بن محمد الأفوه.

وحكى صاحب «نسمة السحر» عن الحموي أنَّه قال: كان المترجم في العلويَّة من الشهرة والأدب والطبع كعبد الله بن المعتزّ في العبّاسيَّة وكان يقول: أنا شاعرٌ وأبي شاعرٌ وجِّدي شاعرٌ إلى أبي طالب.

كان سيِّدنا الحِمّاني، في جانب عظيم من الإباء والحماسة وقوَّة القلب، ورباطة الجاش، وصراحة اللهجة، والجرأة على مناوئيه. كلُّ ذلك وراثةً من سلفه الطاهر وبيته الرفيع، قال المسعودي: لَمّا دخل الحسن بن إسماعيل الكوفة وهو صاحب الجيش الذي لقي يحيى بن عمر (الشهيد سنة ٢٥٠) قعد على سلامه ولم يمض إليه ولم يتخلّف عن سلامه أحدٌ من آل عليِّ بن أبي طالب الهاشميِّين، وكان عليُّ بن محمد الحِمّاني مفتيهم بالكوفة (إلى أن قال): فتفقَّده الحسن بن إسماعيل وسأل عنه وبعث بجماعة فأحضروه فأنكر الحسن تخلّفه فأجابه عليُّ بن محمد بجواب مستقتلٍ آيسٍ من الحياة فقال: أردتُ أن آتيك مهنِّأً بالفتح وداعياً بالظفر. وأنشد شعراً لا يقوم على مثله من يرغب في الحياة:

قتلت أعزَّ من ركب المطايا

وجئتك أستلينك في الكلامِ

وعزَّ عليَّ أن ألقاك إلّا

وفيما بيننا حدُّ الحسامِ

ولكنَّ الجناح إذا أُهيضت

قوادمه يرفُّ على الأكامِ

فقال له الحسن بن إسماعيل: أنت موتورٌ فلست أنكر ما كان منك. وخلع عليه وحمله إلى منزله(١)

_____________________

١ - مروج الذهب ٢ ص ٣٢٢ وفي طبعة ٤١١.


حبسه أبو أحمد الموفَّق بالله المتوفّى ٢٧٨ مرَّتين مرَّة لكفالته بعض أهله. ومرَّة لسعاية عليه من أنَّه يريد الخروج على الخليفة فكتب إليه من الحبس:

قد كان جدّك عبد الله خير أب

لإبني عليّ حسين الخير والحسنِ

فالكفّ يوهن منها كلّ أنملة

ما كان من أختها الأُخرى من الوهنِ

فلمّا وصل إليه الشعر كفل وخلّى سبيله، فلقيه أبو عليّ وقال له: قد عدت إلى وطنك الذي تلذّه، وإخوانك الَّذين تحبّهم. فقال: يا أبا علي؟ ذهب الأتراب والشباب والأصحاب وأنشد:

هبني بقيتُ على الأيّام والأبدِ

ونلتُ ما شئتُ من مالٍ ومن ولدِ

من لي برؤية من قد كنت آلفه

وبالشَّباب الَّذي ولّى ولم يعدِ

لا فارق الحزن قلبي بعد فرقتهم

حتّى تفرَّق بين الروح والجسدِ(١)

ومن نماذج شعره قوله:

بين الوصيِّ وبين المصطفى نسبٌ

تختال فيه المعالي والمحاميد

كانا كشمس نهار في البروج كما

أدارها ثَمَّ أحكام وتجويدُ

كسيرها انتقلا من طاهرٍ علَم

إلى مطهَّرة آبائها صيدُ

تفرَّقا عند عبد الله واقترنا

بعد النبوَّة توفيقٌ وتسديدُ

وذرَّ ذو العرش ذرّاً طاب بينهما

فانبثَّ نورٌ له في الأرض تخليدُ

نورٌ تفرَّع عند البعث فانشعبت

منه شعوبٌ لها في الدين تمهيدُ

هم فتيةٌ كسيوف الهند طال بهم

على المطاول آباءٌ مناجيدُ

قومٌ لماء المعالي في وجوههمُ

عند التكرُّم تصويبٌ وتصعيدُ

يدعون أحمد إن عدَّ الفخار أباً

والعود ينسب في أفنائه العودُ

والمنعمون إذا ما لم تكن نعمٌ

والذائدون إذا قلَّ المذاويدُ

أوفوا من المجد والعلياء في قلل

شمٍّ قواعدهنَّ الفضل والجودُ

ما سوَّد الناس إلّا من تمكّن في

أحشائه لهمُ ودٌّ وتسويدُ

سبط الأكفّ إذا شيمت مخايلهم

أُسد اللقاء إذا صيد الصناديدُ

_____________________

١ - مروج الذهب ٢ ص ٣٢٣، وفي طبعة ٤١٤، أنوار الربيع ص ٤٨١.


يزهو المطاف إذا طافوا بكعبته

وتشرإبُّ(١) لهم منها القواعيدُ

في كلِّ يوم لهم بأسٌ يعاش به

وللمكارم من أفعالهم عيدُ

محسَّدون ومن يعقد بحبِّهمُ

حبل المودَّة يضحى وهو محسودُ(٢)

لا ينكر الدهر إن ألوى بحقِّهمُ

فالدهر مذ كان مذمومٌ ومحمودُ(٣)

ولعلَّ قوله: محسَّدون. إشارة إلى قوله تعالى:( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ ) . وقد ورد فيها، أنَّهم الأئمَّة من آل محمد. قال إبن أبي الحديد في شرح النهج ٢ ص ٢٣٦: إنَّها نزلت في عليّ عليه السلام وما خصَّ به من العلم. وأخرج إبن حجر في «الصواعق» ص ٩١ عن الباقر عليه السلام أنَّه قال في هذه الآية: نحن الناس والله.

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه

فالنّاس أعداءٌ له وخصومُ

كضرائر الحسناء قلن لوجهها

حسداً وبغضاً: إنَّه لدميمُ

وأخرج الفقيه إبن المغازلي في «المناقب» عن إبن عبّاس: إنّ الآية نزلت في النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وعليّ رضي الله عنه. وقال الصبّان في «إسعاف الراغبين» هامش نور الأبصار ص ١٠٩: أخرج بعضهم عن الباقر في قوله تعالى:( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ ) . أنَّه قال: أهل البيت هم الناس.

وذكر أبو الفرج في «المقاتل» ص ٤٢٠ للحِمّاني قوله يرثي به يحيى الشهيد:

فإن يك يحيى أدرك الحتف يومه

فما مات حتَّى مات وهو كريمُ

وما مات حتّى قال طلّاب نفسه

: سقى الله يحيى إنَّه لصميمُ

فتىً آنست بالبأس والروع نفسه

وليس كما لاقاه وهو سئومُ

«إلى آخر الأبيات»

وذكر له المسعودي وأبو الفرج في رثاء يحيى أيضاً قوله:

تضوَّع مسكاً جانب النهر إذ ثوى

وما كان إلّا شلوه يتضوَّعُ

_____________________

١ - اشرأب للشيئ وإليه: مد عنقه لينظره. والاسم منه الشرأبيبة. كالطمأنينة.

٢ - في نهاية الإرب:

محسدون ومن يعلق بحبهم

من البرية يصبح وهو محمود

٣ - الفصول المختارة ١ ص ١٩، مناقب إبن شهر آشوب ٥ ص ٢١، نهاية الإرب ٣ ص ١٨٤، مجالس المؤمنين نقلاً عن الشريف المرتضى ص ٤٦٨.


مسارع أقوام كرام أعزَّةٍ

أُبيح ليحيى الخير في القوم مصرعُ

وذكر المسعودي في «مروج الذهب» قوله في يحيى بن عمر أيضاً:

يا بقايا السلف الصّا

لح والبحر الربيحِ

نحن للأيّام من بين

قتيلٍ وجريحِ

خاب وجه الأرض كم

غيّب من وجه صبيحِ

آه من يومك ما أو

راه للقلب القريحِ

وفي «المروج» للمسعودي و«ربيع الأبرار» للزمخشري قوله:

إنّي وقومي من أحساب قومكمُ

كمسجد الخيف من بُحبوبة الخيف

ما علَّق السيف منّا بابن عاشرة

إلّا وهمَّته أمضى من السيفِ

وله في رثاء يحيى قوله كما في مروج الذهب:

لعمري لئن سرَّت قريشٌ بهلكه

لما كان وقّافاً غداة التوقّفِ

فإن مات تلقاء الرِّماح فإنَّه

لمن معشر يشنون موت الترُّفِ

فلا تشمتوا فالقوم من يبق منهمُ

على سنن منهم مقام المخلّفِ

لهم معكم إمّا جدعتم أُنوفكم

مقامات ما بين الصفا والمعرّفِ

تراثٌ لهم من آدم ومحمد

إلى الثقلين من وصايا ومصحفِ

وله في يحيى بن عمر أيضا قوله:

قد كان حين علا الشباب به

فاق السوالف حالك الشعرِ

وكأنَّه قمرٌ تمنطق في

افق السماء بدارة البدرِ

يا ابن الَّذي جعلت فضايله

فلك العلا و قلائد السورِ

من أُسرة جعلت مخايلهم

للعالمين مخايل النظرِ

تتهيَّب الأقدار قدرهمُ

فكأنَّهم قدَرٌ على قدَرِ

والموت لا تسوى رميَّته

فلك العلا ومواضع الغررِ

وله في رثاء أخيه لأُمِّه إسماعيل العلويِّ شعرٌ كثيرٌ ومنه قوله:

هذا ابن أُمّي عديل الروح في جسدي

شقَّ الزمان به قلبي إلى كبدي

فاليوم لم يبق شيئٌ أستريح به

إلّا تفتَّت أعضائي من الكمدِ


أو مقلة بحياء الهمِّ باكية

أو بيت مرثية تبقى على الأبدِ

ترى أُناجيك فيها بالدموع وقد

نام الخليُّ ولم أهجع ولم أكدِ

مَن لي بمثلك؟! يا نور الحياة ويا

يمنى يديَّ التي شلّت من العضدِ

مَن لي بمثلك؟! أدعوه لحادثة

تُشكى إليه ولا أشكو إلى أحدِ

قد ذقت أنواع ثكل كنت أبلغها

على القلوب وأجناها على كبدي

قل للرَّدى: لا تُغادر بعدهُ أحداً

وللمنيَّة من أحببت فاعتمدي

إنَّ الزمان تقضّى بعد فرقته

والعيش آذن بالتفريق والكندِ

وقال في نسب عليِّ بن الجهم السامي أحد الشعراء المنحرفين عن عليّ أمير المؤمنين عليه السلام وكان ممَّن يظهر عداه وقد طعن على نسبه من طعن وقال أُناس: من عقب سامة إبن لوي بن غالب:

وسامة منّا فأمّا بنوه

فأمرهمُ عندنا مظلمُ

أُناسٌ أتونا بأنسابهم

خرافة مضطجع يحلمُ

وقلت لهم مثل قول النبيِّ

وكلُّ أقاويله محكمُ

: إذا ما سُئلت ولم تدر ما

تقول فقل: ربّنا أعلمُ

وقال فيه أيضاً:

لو اكتنفت النضر أو معدا

أو اتَّخذت البيت كفّاً مهدا

وزمزماً شريعةً ووردا

والأخشبين محضراً ومبدى

ما ازددت إلّا في قريش بُعدا

أو كنت إلّا مصقليّاً وغدا(١)

وذكر له الثعالبي في «ثمار القلوب» ص ٢٢٣ قوله:

ويوم قد ظللت قرير عين

به في مثل نعمة ذو رعينِ(٢)

تفكّهني أحاديث النداما

وتطربني مثقَّفة اليدينِ

فلولا خوف ما تجنى اللّيالي

قبضت على الفتوَّة باليدينِ

وذكر له قوله في بني طاهر لَمّا مرَّ على دورهم وقد سلبها الدهر البهجة ونزل بها من غدره رجَّة:

_____________________

١ - معجم الشعراء ص ٢٨٦، مروج الذهب ٢ ص ٣٨٦.

٢ - من أذواء اليمن، يضرب به المثل في النعمة.


مررت بدور بني طاهر

بدور السرور ودور الفرحْ

فشبَّهت سرعة أيّامهم

بسرعة قوس يُسمّى قزحْ

تألَّق معترضاً في السماء

قليلاًوما دام حتّى مصحْ(١)

وذكر البيهقي في «المحاسن والمساوي» ١ ص ٧٥ قوله:

عصيت الهوى وهجرت النساءْ

وكنت دواءً فأصبحت داءْ

وما أنس لا أنس حتّى الممات

نزيب(٢) الظباء تُجيب الظباءْ

دعيني وصبري على النائبات

فبالصبر نلت الثرى والثواءْ

وإن يك دهري لوى رأسه

فقد لقي الدهر منّي التواءْ

ونحن إذا كان شرب المدام

شربنا على الصافنات الدماءْ

بلغنا السمآء بأنسابنا

ولولا السمآء لجزنا السماءْ

فحسبك من سؤدد إنَّنا

بحسن البلاء كشفنا البلاءْ

يطيب الثناء لآبائنا

وذكر عليٍّ يزين الثناءْ

إذا ذكر الناس كنّا ملوكاً

وكانوا عبيداً وكانوا إماءْ

هجانيَ قومٌ ولم أهجهم

أبى الله لي أن أقول الهجاءْ

وذكر له النسّابة العمري في «المجدي» قوله:

هبني حننت إلى الشَّبابِ

فطمست شيبي باختضابي

ونفقت عند الغانيات

بحيلتي وجهاز ما بي

مَن لي بما وقف المشيب

عليه من ذلِّ الخضابِ

ولقد تأمَّلت الحياة

بُعيد فقدان التَّصابي

فإذا المصيبة بالحياة

هي المصيبة بالشيابِ

ومن شعره ما ذكره الزمخشري في «ربيع الأبرار» في الباب ٣٤ وهو:

لعمرك للمشيب عليَّ ممّا فقد

ت من الشباب أشدُّ فوتا

تملّيت(٣) الشباب فصار شيباً

وأبليت المشيب فصار موتا

_____________________

١ - توجد في أنوار الربيع ص ٢٥٠، ونسمة السحر نقلاً عن الثعالبي.

٢ - نزيب الظباء: أي صوتها.

٣ - من الملاوة: أي البرهة من الدهر، يقال: عشت مع الشباب ملاوة.


وذكر له الحموي في «معجم البلدان» ٧ ص ٢٦٦ قوله:

فيا أسفي على النجف المعرّى

وأودية منوَّرة الأقاحي

وما بسط الخورنق من رياض

مفجَّرة بأفنية فساحِ

وواأسفاً على القنّاص تغدو

خرائطها على مجرى الوشاحِ

ولعلَّ من هذه القصيدة ما ذكره إبن شهر آشوب له:

وإذ بيتي على رغم الملاحي

هو البيت المقابل للضراحِ

ووالدي المشار به إذا ما

دعى الداعي بحيَّ على الفلاحِ

ومن شعره في «عمدة الطالب» ص ٢٦٩ قوله:

لنا من هاشم هضبات عزٍّ

مطنَّبة بأبراج السمآءِ

تطوف بنا الملائك كلَّ يوم

ونكفل في حجور الأنبياءِ

ويهتزُّ المقام لنا ارتياحاً

ويلقانا صَفاه بالصفآءِ

وذكر له إبن شهر آشوب «في المناقب» ج ٤ ص ٣٩ ط هند قوله:

يا بن من بينه من الدين والإسلا

م بين المقام والمنبرينِ

لك خير البنيّتين من مسجدي جدِّ

ك والمنشأين والمسكنينِ

والمساعي من لدن جدّك إسما

عيل حتّى أدرجت في الربطتينِ

يوم نيطت بك التمائم ذات الـ

ـريش من جبرئيل في المنكبينِ

ومنها:

أنتما سيِّدا شباب الجنا

ن يوم الفوزين والروعتينِ

يا عديل القرآن من بين ذا الخلق

ويا واحداً من الثقلينِ

أنتما والقران في الأرض مذأ

زلٍ مثل السَّماء والفرقدينِ

فهما من خلافة الله في الأر

ض بحقّ مقام مستخلفينِ

قاله الصادق الحديث ولن

يفترقا دون حوضه واردينِ

أشار إلى ما صحَّ عند أئمَّة فرق الإسلام من قول النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة له: إنّي تارك ٌأو مخلِّفٌ فيكم الثقلين أو الخليفتين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنَّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض.


وله في حديث الثقلين كما في «المناقب» ٥ ص ١٨ قوله:

يا آل حاميم الّذين بحبِّهم

حكم الكتاب منزَّلٌ تنزيلا

كان المديح حُلي الملوك وكنتمُ

حُلل المدايح غرَّةً وحجولا

بيتٌ إذا عدَّ المآثر أهله

عدّوا النبيَّ وثانياً جبريلا

قومٌ إذا اعتدلوا الحمايل أصبحوا

متقسِّمين خليفةً ورسولا

نشأوا بآيات الكتاب فما انثنوا

حتّى صدرن كهولةً وكهولا

ثقلان لن يتفرَّقا أو يطفيا

بالحوض من ظمأ الصدور غليلا

وخليفتان على الأنام بقوله

ألحقّ أصدق من تكلَّم قيلا

فأتوا أكفَّ الآيسين فأصبحوا

ما يعدلون سوى الكتاب عديلا

وله قوله:

وأنزله منه على رغمة العدى

كهارون من موسى على قِدم الدهرِ

فمن كان في أصحاب موسى وقومه

كهارون لا زلتم على ظلل الكفرِ

وآخاهمُ مثلاً لمثل فأصبحت

أخوّته كالشمس ضمَّت إلى البدرِ

فآخا عليّاً دونكم وأصاره

لكم علماً بين الهداية والكفرِ

وأنزله منه النبيُّ كنفسه

رواية أبرار تأدَّت إلى البشرِ

فمن نفسه منكم كنفس محمد

ألا بأبي نفس المطهَّر والطهرِ(١)

كلّ هذه الأبيات مأخوذةٌ من الأحاديث النبويَّة الصحيحة من حديث الثقلين وحديث المنزلة وحديث المؤاخاة الآتية في محلِّها، وأشار بالبيتين الأخيرين إلى ما أخرجه الحافظ النسائي في خصايصه ص ١٩ بإسناده عن أُبيّ قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لينتهنَّ بنور ربيعة أو لأبعثنَّ عليهم رجلاً كنفسي ينفذ فيهم أمري. الحديث وله في «المناقب» قوله في العترة الطاهرة:

هم صفوة الله التي ليس مثلها

وما مثلهم في العالمين بديلُ

خيار خيار الناس من لا يحبّهم

فليس له إلّا الجحيم مقيلُ

وذكر له أبو نصر المقدسي في «الظرائف واللطايف» ص ١٢٣ قوله في صديق

_____________________

١ - هذان البيتان الأخيران ذكرهما له البياضي في الصراط المستقيم:


له ولدت له بنت فسخطها:

قالوا له: ماذا رُزقت؟

فأصاح ثَمَّة قال: بنتا

وأجلّ من ولد النسا

ء أبو البنات فلم جزعتا

إنَّ الَّذين تودَ من

بين الخلايق ما استطعتا

نالوا بفضل البنت ما

كبتوا به الأعداء كبتا

وذكر له المقدسي أيضا قوله:

إنَّ صدر النهار أنضر شطر

يه كما نضرة الفتى في فتاته

ويوجد له في «مجموعة المعاني» ص ٥٩:

كان يبكيني الغناء سرورا

فأراني أبكي له اليوم حزنا

قد مضى ما مضى فليس يُرجّى

وبقي ما بقي فما فيه مغنى

وله في ص ٨٢:

لا تكتسي النور الرِّياض إذا

لم يروهنَّ مخايل المطرِ

والغيث لا يُجدي إذا ذرفت

آماق مدمعه على حجرِ

وكذاك لو نيل الغنا بيد

لم تجتذب بسواعد القدرِ

وله في «أنوار الرَّبيع» ص ٤٥٦ قوله:

يا شادناً أفرغ من فضَّة

في خدِّه تفّاحةٌ غضّه

كأنما القبلة في خدِّه

للحسن من رقَّته عضّه

يهتزُّ أعلاه إذا ما مشى

وكلّه في يمنه قبضه

إرحم فتىً لَمّا تملّكته

أقرّ بالرقّ فلم ترضه

وله في «الأنوار» ص ٤٨٠ قوله:

بأبي فم شهد الضمير له

قبل المذاق بأنّه عذبُ

كشهادتي لله خالصةً

قبل العيان بأنَّه الرَّبُ

والعين لا تُغني بنظرتها

حتّى يكون دليلها القلبُ

وله في ص ٤٨١ قوله:

كأنَّ هموم الناس في الأرض كلّها

عليّ وقلبي بينهم قلب واحدِ


ولي شاهدا عدل: سهادٌ وعبرةٌ

وكم مدَّعٍ للحقِّ من غير شاهدِ

وله في ص ٥٢٨ قوله:

وجهٌ هو البدر إلّا أنّ بينهما

فضلاً تحيَّر عن حافاته النورُ

في وجه ذاك أخاليطٌ مسوَّدةٌ

وفي مضاحك هذا الدرِّ منثورُ

وذكر له في «نشوة السكران» ص ٧٩ قوله:

عريتُ عن الشَّباب وكنت غضّاً

كما يعرى عن الورق القضيبُ

ونحتُ على الشَّباب بدمع عيني

فما نفع البكاءُ ولا النحيبُ

ألا ليت الشَّباب يعود يوماً

فأخبره بما فعل المشيبُ(١)

ولادته ووفاته

لم نقف على تاريخ ولادة المترجم سيِّدنا «الحِمّاني» غير أنَّ المستفاد من وفاته سنة ٣٠١، ووفاة والده سنة ستّ بعد المأتين في خلافة المعتمد كما في «معروج الذهب» ٢ ص ٤١٣: هو أنَّ السيِّد كان من المعمّرين أدرك القرن الثالث من أوّله إلى آخره.

وأمّا وفاته فقد اختلف في تاريخها قال النسّابة العمري في «المجدي» ما ملخَّصه: ذكر شيخنا أبو الحسن بن جعفر: إنَّ الحِمّاني مات سنة ٢٧٠ بعد مخرجه من المحبس، وقال ابن حبيب صاحب التاريخ في اللوامع: إنه مات سنة ٣٠١. وهذا هو الصحيح. ا هـ.

وقال إبن الأثير في الكامل ٧ ص ٩٠: إنَّه توفي سنة ٢٦٠ والله أعلم.

ونحن نرى الصحيح ما صحّحه النسّابة صاحب «المجدي» لمكان أبياته المذكورة في بني طاهر إبن مصعب بعد ما حكم عليهم الدهر، وانقرضت حكومتهم بعد موت آخر رئيسهم عبيد الله بن عبد الله بن طاهر المتوفّى في الثاني عشر من شوّال سنة ٣٠٠، فشعره فيهم يقتضي بقائه إلى هذا التاريخ ٣٠١.

ولسيِّدنا المترجم ذريّةٌ كريمةٌ وأحفادٌ علماءٌ أئمَّةٌ أعلامٌ، فيهم مَن هو في الطليعة من الشعراء والأُدباء والخطباء، وإليه ينتهي نسب الأُسرة الشهيرة (القزوينيَّة)

_____________________

١ - توجد هذه الأبيات بتغيير يسير في ديوان أبي العتاهية ص ٢٣.


العريقة في العلم والفضل والأدب النازلين في مدن العراق، كما أنَّ له آباءٌ أعلامٌ نالوا سنام المجد وذروة الشرف، فمن أولئك جدُّه الأعلى زيد الشهيد، ويهمّنا الآن بيان مجمل إعتقاد الشيعة فيه لإماطة الستر عمّا هناك من الجنايات المخبئة، والنسب المختلقة.

زيد الشهيد والشيعة

الإمامية الاثني عشرية

هو أحد أُباة الضيم، ومن مقدَّمي علمآء أهل البيت، قد اكتنفته الفضائل من شتّى جوانبه، علمٌ متدفِّقٌ، وورعٌ موصوفٌ، وبسالةٌ معلومةٌ، وشدَّةٌ في البأس، وشممٌ يخضع له كلُّ جامع، وإباءٌ يكسح عنه أيُّ ضيم، كلُّ ذلك موصولٌ بشرف نبويٍّ، ومجد علويٍّ، وسؤدد فاطميّ، وروحٍ حسينيٍّ.

والشيعة على بكرة أبيها لا تقول فيه إلّا بالقداسة، وترى من واجبها تبرير كلّ عمل له من جهادٍ ناجعٍ، ونهضةٍ كريمة، ودعوة إلى الرِّضا من آل محمد، تشهد لذلك كلّه أحاديث أسندوها إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وأئمَّتهم عليهم السَّلام، ونصوص علمائهم، و مدايح شعرائهم وتأبينهم له، وإفراد مؤلِّفيهم أخباره بالتَّدوين.

أمّا الأحاديث فمنها قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للحسين السبط: يخرج من صلبك رجلٌ يقال له: زيد يتخطّا هو وأصحابه رقاب الناس يدخلون الجنَّة بغير حساب(١) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم فيه: إنَّه يخرج ويُقتل بالكوفة ويُصلب بالكناسة، يخرج من قبره نبشاً، وتُفتح لروحه أبواب السَّماء، وتبتهج به أهل السَّموات والأرض(٢)

وقول أمير المؤمنين عليه السلام وقد وقف على موضع صلبه بالكوفة فبكى وبكى أصحابه فقالوا له: ما الَّذي أبكاك؟! قال: إنَّ رجلاً من ولدي يُصلب في هذا الموضع، من رضي أن ينظر إلى عورته أكبَّه الله على وجهه في النّار(٣) .

_____________________

١ - عيون أخبار الرضا لشيخنا الصدوق في الباب الـ ٢٥، وكفاية الأثر.

٢ - عيون أخبار الرضا لشيخنا الصدوق.

٣ - كتاب الملاحم لسيدنا ابن طاوس في الباب الـ ٣١.


وقول الإمام الباقر محمد بن عليّ عليهما السّلام: أللّهمّ اشدد أزري بزيد. وكان إذا نظر إليه يمثِّل:

لعمرك ما إن أبو مالك

بواهٍ ولا بضعيفٍ قواهُ

ولا بالألدّ له وازع

يُعادي أخاه إذا ما نهاهُ

ولكنّه هيِّنٌ ليِّنٌ

كعالية الرمح عردٌ نساهُ

إذا سدته سدت مطواعة

ومهما وكلت إليه كفاهُ

أبو مالك قاصرٌ فقره

على نفسه ومشيعٌ غناهُ(١)

ودخل عليه زيد فلمّا رآه تلا:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّـهِ ) . ثمّ قال: أنت والله يا زيد من أهل ذلك(٢)

وقول الصادق عليه السلام: إنّه كان مؤمناً، وكان عارفاً، وكان عالماً، وكان صدوقاً، أما إنّه لو ظفر لَوفى، أما إنّه لو ملك لعَرف كيف يصنعها(٣)

وقوله الآخر لَمّا سمع قتله: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، عند الله أحتسب عمّي إنّه كان نعم العمّ، إنَّ عمّي كان رجلاً لدنيانا وآخرتنا، مضى والله عمِّي شهيداً كشهداء استشهدوا مع رسول الله وعليّ والحسين مضى والله شهيداً(٤)

وقوله الآخر: إنَّ زيداً كان عالماً، وكان صدوقاً، ولم يدعكم إلى نفسه وإنَّما دعاكم إلى الرِّضا من آل محمد، ولو ظفر لَوفى بما دعاكم إليه، وإنَّما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه(٥) .

وقوله الآخر في حديث: أمّا الباكي على زيد فمعه في الجنَّة، أمّا الشامت فشريكٌ في دمه.

وقول الرِّضا سلام الله عليه، إنَّه كان من علماء آل محمد غضب لله فجاهد أعداءه

_____________________

١ - الأغاني ٢٠ ص ١٢٧.

٢ - الروض النضير ١ ص ٥٥.

٣ - رجال الكشي ص ١٨٤.

٤ - عيون أخبار الرضا.

٥ - الكافي.


حتّى قُتل.(١) والأحاديث في ذلك كثيرةٌ وإنَّما اقتصرنا على المذكور تحرِّياً للايجاز.

وأمّا نصوص العلمآء فدونك كلمة الشيخ المفيد في إرشاده، والخزّار القمّي في كفاية الأثر، والنسّابة العمري في المجدي، وابن داود في رجاله، والشهيد الأوَّل في قواعده، والشيخ محمد بن الشيخ صاحب المعالم في شرح الإستبصار، والأستر ابادي في رجاله، وإبن أبي جامع في رجاله، والعلّامة المجلسي في مرآة العقول، وميرزا عبد الله الإصبهاني في رياض العلماء، والشيخ عبد النبيِّ الكاظمي في تكملة الرجال، و الشيخ الحرِّ العاملي في خاتمة الوسائل، والسيِّد محمد جدّ آية الله بحر العلوم في رسالته، والشيخ أبي علي في رجاله، وشيخنا النوري في خاتمة المستدرك، وشيخنا المامقاني في تنقيح المقال.

إلى كثيرين من أمثالهم فقد اتَّفقوا جميعاً على معنى واحد هو تنزيه ساحة زيد عن أيِّ عابٍ وشية، وإنَّ دعوته كانت إلهيَّة، وجهاده في سبيل الله.

ويُعرب عن رأي الشيعة جمعآء قول شيخهم بهاء الملّة والدين العاملي في رسالة إثبات وجود الإمام المنتظر: إنّا معشر الإماميَّة لا نقول في زيد بن عليّ إلّا خيراً، والروايات عن أئمَّتنا في هذا المعنى كثيرةٌ. وقال العلّامة الكاظميُّ في التكملة: إتَّفق علماء الإسلام على جلالة زيد وورعه وفضله.

وأمّا شعراء الشيعة فللكميت من هاشميّاته قصيدةٌ يرثي بها زيد بن عليّ وابنه الحسين ويمدح بني هاشم مطلعها:

ألا هل عم في رأيه متأمِّلُ؟!

وهل مدبرٌ بعد الإساءة مُقبلُ؟!

وله قوله في زيد:

يعزّ على أحمد بالذي

أصاب ابنه أمس من يوسفِ(٢)

خبيثٌ من العصبة الأخبثين

وإن قلت: زانين، لم أقذفِ

وقال سديف بن ميمون في قصيدة له:

لا تقيلنَّ عبد شمس عثارا

واقطعوا كلّ نحلة وغراس

_____________________

١ - عيون الأخبار لشيخنا الصدوق.

٢ - يوسف بن عمر الثقفي عامل هشام على العراق وهو قاتل زيد.


واذكروا مصرع الحسين وزيد

وقتيلاً بجانب المهراسِ(١)

وقال أبو محمد العبديُّ الكوفيُّ المترجم في كتابنا ٢ ص ٣٢٦ - ٣٢٩ ط ثاني:

حسبت أميَّة أن سترضى هاشمٌ

عنها ويذهب زيدها وحسينها

كلّا وربِّ محمد وإلهه

حتّى تُباع سهولها وحزونها

وتذلُّ ذلّ حليلة لحليلها

بالمشرفيِّ وتستردُّ ديونها

وقال السيِّد الحميري [المترجم ٢ ص ٢٣١ - ٢٢٨] كما في تاريخ الطبري ٨ ص ٢٧٨:

بتُّ ليلي مسهَّداً

ساهر الطرف مقصدا

ولقد قلت قولة

وأطلت التبلّدا

: لعن الله حوشباً

وخراشاً ومزبدا

ويزيداً فإنَّه

كان أعتى وأعندا

ألف ألف وألف ألـ

ـف من اللعن سرمدا

إنَّهم حاربوا الإلـ

ـه وآذوا محمدا

شركوا في دم المطـ

ـهَّر زيدٍ تعنّدا

ثمَّ عالوه فوق جذ

ع صريعاً مجرّدا

يا خراش بن حوشب(٢)

أنت أشقى الورى غدا

ورثاه الفضل بن عبد الرّحمن بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب المتوفّى ١٢٩ بقصيدة أوَّلها:

ألا يا عين لا ترقي وجودي

بدمعك ليس ذا حين الجمودِ

غداة ابن النبيِّ أبو حسين

صليبٌ بالكناسة فوق عودِ

وأبو ثميلة صالح بن ذبيان الراوي عن زيد بقصيدة مستهلّها:

أأبا الحسين أعار فقدك لوعة

من يلق ما لاقيت منها يكمد

والوزير الصاحب بن عبّاد بمقطوعةٍ أوَّلها:

_____________________

١ - ماء بجبل أحد والقتيل بجنبه حمزة بن عبد المطلب سلام الله عليهما.

٢ - يقال: إن خراش بن حوشب هو الذي أخرج جسد زيد الشهيد من مدفنه الشريف


بدى من الشيب في رأسي تفاريقُ

وحان لِلّهو تمحيقٌ وتطليقُ

هذا فلا لهو من همٍّ يعوِّقني

بيوم زيد وبعض الهمِّ تعويقُ

وقال أبو الحسن إبن حمّاد في أبيات له تأتي:

ودليل ذلك قول جعفر عندما

عُزّي بزيد قال كالمستعبرِ

: لو كان عمّي ظافراً لَوفى بما

قد كان عاهد غير أن لم يظفرِ

والشيخ صالح الكوّاز في قصيدة يرثي بها الإمام السبط قوله:

وزيد وقد كان الإباء سجيَّة

لآباءه الغرِّ الكرام الأطايبِ

كأنَّ عليه اُلقي الشيخ الَّذي

تشكَّل فيه شبه عيسى لصالبِ

وقال الشيخ يعقوب النجفي المتوفّى ١٣٢٩:

يبكي الإمام لزيد حين يذكره

وإنَّ زيداً بسهم واحد ضُربا

فكيف حال عليِّ بن الحسين وقد

رأى ابنه لنبال القوم قد نُصبا؟!

وللشيخ ميرزا محمد علي الأوردبادي قصيدة في مدحه ورثائه أوّلها:

أبت علياؤه إلّا الكرامة

فلم تُقبر له نفس مُضامه

«٢٥ بيتاً»

وللسيِّد مهدي الأعرجي قصيدةٌ في رثائه مطلعها:

خليليَّ عوجا بي على ذلك الربعٍ

لأسقيه إن شحَّ الحيا هاطل الدمعِ

«١٩ بيتاً»

ورثاه السيِّد علي النقي النقوي اللكهنوي بقصيدة إستهلَّها:

أبى الله للأشراف من آل هاشم

سوى أن يموتوا في ضلال الصوارمِ

«٢٢ بيتاً»

وللشيخ جعفر نقدي قصيدةٌ في رثائه أوَّلها:

يا منزل بالبلاغيَّبن أرسمه

يبكيه شجواً على بُعد متيَّمه

«٣١ بيتاً»

وأفرد غير واحد من أعلام الإماميَّة تأليفاً في زيد وفي فضله ومآثره، فمنهم:

١ - إبراهيم بن سعيد بن هلال الثقفي المتوفّى ٢٨٣، له كتاب أخبار زيد.


٢ - محمد بن زكريّا مولى بني غلّاب المتوفّى ٢٩٨، له كتاب أخبار زيد.

٣ - الحافظ أحمد بن عقدة المتوفّى ٣٣٣، له كتاب من روى أخبار زيد ومسنده.

٤ - عبد العزيز بن يحيى الجلودي المتوفّى ٣٦٨، له كتاب أخبار زيد.

٥ - محمد بن عبد الله الشيباني المتوفّى ٣٧٢، له كتاب فضايل زيد.

٦ - الشيخ الصدوق أبو جعفر القمّي المتوفّى ٣٨١، له كتابٌ في أخباره.

٧ - ميرزا محمد الأسترابادي صاحب الرجال الكبير.

٨ - السيد عبد الرّزاق المقرَّم. أحد أعلام العصر المنقدين المكثرين من التأليف في المذهب، على تضلّعه في العلم، وقِدمه في الشرف، واحتوائه للمآثر الجليلة، و من مهمّات تآليفه وأوفرها فائدة كتاب الإمام السبط المجتبى، وكتاب حياة الإمام السبط الشهيد ومقتله، وكتاب السيِّدة سكينة، ورسالة في عليِّ بن الحسين الأكبر، وكتاب زيد الشهيد، وكتابٌ في تنزيه المختار بن أبي عبيد الثقفي طبع مع كتاب زيد، و كتاب أبي الفضل العبّاس بن أمير المؤمنين. إلى غيرها من كتابات ورسائل قد جمع فيها وأوعى وأتى بما خلت عنه زبر الأوّلين فحياه الله ووفَّقه للخير كلِّه.

القول الفصل

هذا زيد ومقامه وقداسته عند الشيعة جمعاء، فلست أدري أين يكون إذن مقيل قول إبن تيميَّة من مستوى الحقيقة: إنّ الرافضة رفضوا زيد بن عليّ بن الحسين ومن والاه وشهدوا عليه بالكفر والفسق؟!(١) وتبعه على هذه الهفوة السيِّد محمود الآلوسي في رسالته المطبوعة في كتاب «السنَّة والشيعة» ص ٥٢ وقال: الرافضة مثلهم كمثل اليهود الرّافضة يبغضون كثيراً من أولاد فاطمة رضي الله عنها بل يسبّونهم كزيد بن عليّ، وقد كان في العلم والزهد على جانب عظيم. وأخذ عنه القصيمي هذه الأكذوبة وذكرها في كتابه «الصِّراع بن الإسلام والوثنيَّة».

ذكر هؤلاء عزوهم المختلق هذا إلى الشيعة في عداد مساويهم فشنّوا عليهم الغارات، ألا مَن يُسائلهم عن أنَّ الشيعة متى لهجت بهذه؟! ومَن ذا الذي حكاها؟!

_____________________

١ - منهاج السنة ٢ ص ١٢٦.


وعلى أيِّ كتاب تستند مزعمتهم؟! ومَن ذا الَّذي شافههم بها حيث خلت عنها الكتب؟!

نعم: لم يقصدوا إلّا إسقاط محلِّ الشيعة بهذه السفاسف فكشفوا عن سوءة إفكهم وإذا كان الكاتب عن أيِّ أُمَّة لا يعرف شيئاً من معالمهم وأحوالهم، أو يعرفها ثمَّ يقلّبها ظهراً لبطن، يكون مثل هؤلاء الكتبة مورداً للمثَل: حنَّ قِدحٌ ليس منها.

وكأنَّ هؤلاء المدافعون عن ساحة قدس زيد يحسبون القرّاء جهلاء بالتاريخ الإسلامي، وأنَّهم لا يعرفون شيئاً منه، وتخفى عليهم حقيقة هذا القول المزوَّر.

ألا مِن مُسائل هؤلاء عن أنَّ زيداً إن كان عندهم وعند قومهم في جانب عظيم من العلم والزهد فبأيِّ كتاب أم بأيَّة سنَّةٍ حاربه أسلافهم وقاتلوه وقتلوه وصلبوه و وأحرقوه وداروا برأسه في البلاد؟!

أليس منهم ومن قومهم أمير مناوئيه وقاتله: يوسف بن عمر؟!

أوَ ليس منهم صاحب شرطته: العبّاس بن سعد؟!

أوَ ليس منهم قاطع رأسه الشريف: إبن الحكم بن الصلت؟!

أوَ ليس منهم مبشِّر يوسف بن عمر بقتله: الحجّاج بن القاسم؟!

أوَ ليس منهم خراش بن حوشب الذي أخرج جسده من قبره؟!

أوَ ليس من خلفائهم الآمر بإحراقه: وليدٌ أو هشام بن عبد الملك؟!

أوَ ليس منهم حامل رأسه إلى هشام: زهرة بن سليم؟!

أوَ ليس من خلفائهم هشام بن عبد الملك وقد بعث رأس زيد إلى مدينة الرَّسول فنصب عند قبر النبيِّ يوماً وليلة؟!

أوَ ليس هشام بن عبد الملك كتب إلى خالد القسري يقسم عليه أن يقطع لسان الكميت شاعر أهل البيت ويده بقصيدة رثى بها زيد بن عليّ وابنه ومدح بني هاشم؟!

أوَ ليس عامل خليفتهم بالمدينة: محمد بن إبراهيم المخزومي، كان يعقد حفلات بها سبعة أيّام ويخرج إليها ويحضر الخطباء فيها فيلعنون هناك عليّاً وزيداً وأشياعهم؟!

أوَ ليس من شعراء قومهم الحكيم الأعور؟! وهو القائل:

صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة

ولم نر مهديّاً على الجذع يُصلبُ

وقستم بعثمان عليّاً سفاهةً

وعثمان خيرٌ من عليٍّ وأطيبُ


أوَ ليس سلمة بن الحرّ بن الحكم شاعرهم هو القائل في قتل زيد؟!

وأهلكنا جحاجح من قريش

فأمسى ذكرهم كحديث أمسِ

وكنّا أُسَّ ملكهمُ قديماً

وما ملكٌ يقوم بغير اُسِّ

ضمنّا منهمُ نكلاً وحزناً

ولكن لا محالة من تأسِّ

أوَ ليس منهم مَن يقول بحيال رأس زيد وهو مصلوبٌ بالمدينة؟!:

ألا يا ناقض الميثا

ق أبشر بالَّذي ساكا

نقضت العهد والميثا

ق قِدماً كان قُدماكا

لقد أخلف إبليس الَّـ

ـذي قد كان منّاكا

هذه حقيقة الحال، فاقض ما أنت قاضٍ.

( أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ

وَلاَ تَبْكُونَ وَأَنتُمْ سَامِدُونَ )

سورة النجم ٦٠، ٦١


نقدٌ وإصلاح

حول الكتب والتآليف المزوَّرة

وإذ لم تكن هذه الفرية الشائنة على الشيعة «حول زيد الشهيد» مجرَّدةً عن أمثالها الكثيرة في كتب القوم قديماً وحديثاً - وهي بذرة كلِّ شرّ وفساد، تُحيي في النفوس نعرات الطائفيَّة، وتفرِّق جمع الإسلام، وتُشتِّت شمل الأُمَّة، و تُضادّ الصالح العام - يُهمّنا أن نذكر جملةً منها عن عدَّة من الكتب ليقف القارئ على ما لهم من هوسٍ وهياج في تخذيل عواطف المجتمع عن الشِّيعة، وليعرف محلّهم من الصِّدق والأمانة، وليتَّخذ به المتكلِّم دروساً عالية في معرفة الآراء والمعتقدات، ويظهر لِلمفسِّر ما حرَّفته يد التأويل من آي الكتاب العزيز مواضعها، وللفقيه ما لعبت به أيدي الهوى من أحكام الله، ولِلمحدِّث ما ضيَّعته الأهواء المضلَّة من السنَّة النبويَّة، ولِلأخلاقيِّ مصارع الهوى ومساقط الإستهتار، وبذلك كلِّه يتَّخذ المؤلِّف دستوراً صحيحاً، و خطَّةً راقيةً، وأُسلوباً صالحاً، وأدباً بارعاً في التأليف.

( وَلَئِنِ اتّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ

إِنّكَ إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ )

سورة البقر ١٤٥.


١ - العقد الفريد(١)

قد يحسب القارئ لأول وهلة أنه كتاب أدب لا كتاب مذهب، فيرى فيه نوعاً من النزاهة، غير أنّه متى أنهى سيره إلى مناسبات المذهب تجد مؤلّفه ذلك المهوّس المهملج، ذلك الأفاك الأثيم قال ١ ص ٢٦٩:

١ - الرافضة يهود هذه الأُمَّة يُبغضون الإسلام كما يبغض اليهود النصرانيَّة.

ج - كيف يرتضي القارئ هذه الكلمة القارصة؟! وبين يديه القرآن المجيد و فيه قوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) . وقد ثبت فيها عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قوله لعليّ: هم أنت وشيعتك(٢) .

وكيف يرتضيها؟! وهو يقرأ في الحديث قول الرَّسول الأمين صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: أنت وشيعتك في الجنَّة. (تاريخ بغداد ١٢ ٢٨٩).

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا كان يوم القيامة دُعي الناس بأسمائهم وأسماء أُمَّهاتم إلّا هذا «يعني عليّاً» وشيعته فإنَّهم يُدعون بأسمائهم وأسماء آبائهم لصحَّة ولادتهم(٣) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: يا عليُّ؟ إنَّ الله قد غفر لك ولذريَّتك ولولدك ولأهلك و شيعتك ولمحبّي شيعتك(٤) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّك ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيَّين(٥) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: أنت أوَّل داخل الجنَّة من أُمَّتي، وأنَّ شيعتك على منابر من

_____________________

١ - تأليف شهاب الدين ابن عبد ربه المالكي المتوفّى ٣٢٨.

٢ - راجع الجزء الثاني من كتابنا ص ٥٧ ط ثاني.

٣ - مروج الذهب ٢ ص ٥١.

٤ - الصواعق ص ٩٦، ١٣٩، ١٤٠.

٥ - نهاية ابن الأثير ٣ ص ٢٧٦.


نور مسرورون مبيضَّة وجوههم حولي، أشفع لهم فيكونون غداً في الجنّة جيراني(١) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا الشّجرة وفاطمة فرعها وعليٌّ لقاحها والحسن والحسين ثمرتها وشيعتنا ورقها وأصل الشجرة في جنَّة عدن وسائر ذلك في سائر الجنَّة(٢) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: يا عليُّ إنَّ أوَّل أربعة يدخلون الجنَّة أنا وأنت والحسن و الحسين، وذرارينا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذرارينا، وشيعتنا عن أيماننا وعن شمائلنا(٣) .

وفي لفظ: أما ترضى إنَّك معي في الجنة والحسن والحسين وذرِّيَّتنا خلف ظهورنا؟! الحديث(٤) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّ هذا «يعني عليّاً» وشيعته هم الفائزون يوم القيامة(٥) .

م - وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة له أيّها الناس من أبغضنا أهل البيت حشره الله يوم القيامة يهوديّاً. فقال جابر بن عبد الله: يا رسول الله وإن صام وصلّى؟! قال: و إن صام وصلّى وزعم أنّه مسلم، إحتجر بذلك من سفك دمه وأن يؤدّي الجزية عن يد وهم صاغرون، مثّل لي أُمّتي في الطين فمرَّ بي أصحاب الرَّايات فاستغفرت لعليٍّ وشيعته. أخرجه الهيثمي في مجمع الزوايد ٩ ص ١٧٢].

م - وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: شفاعتي لأُمّتي من أحبَّ أهل بيتي وهم شيعتي. تاريخ الخطيب ٢ ص ١٤٦].

٢ - قال: محبَّة الرافضة محبَّة اليهود قالت اليهود: لا يكون الملك إلّا في آل داود. وقالت الرافضة: لا يكون الملك إلّا في آل عليِّ بن أبي طالب.

ج - إن كانت في قول الرافضة تبعةٌ فهي على مخلّف آل عليٍّ صلى الله عليه وآله وسلم بقوله الصحيح

_____________________

١ - مجمع الزوايد ٩ ص ١٣١، كفاية الطالب ١٣٥.

٢ - راجع من هذا الجزء ص ٨ ط ٢.

٣ - أخرجه الطبراني عن أبي رافع، وإبن عساكر عن علي عليه السلام في تاريخه ٤ ص ٣١٨، ويوجد في الصواعق ٩٦، وتذكرة السبط ٣١، ومجمع الزوايد ٩ ص ١٣١، وكنوز الحقائق هامش الجامع الصغير ٢ ص ١٦.

٤ - أخرجه أبو سعد في شرف النبوّة كما في الرياض النضرة ٢ ص ٢٠٩.

٥ - راجع من كتابنا ٢ ص ٥٧، ٥٨ ط ثاني.


الثابت المتواتر المتسالم عليه المرويِّ عن بضع وعشرين صحابيّاً كما في الصواعق ص ١٣٦: إنّي تاركٌ أو مخلّفٌ فيكم الثقلين، أو: الخليفتين. ما إن تمسَّكتم به لن تضلّوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنَّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض.

فقد خطب به الصادع بالحقِّ على رؤس الأشهاد في ملاء من الصحابة تبلغ عدَّتهم مائة ألف أو يزيدون، وأنا في ذلك المحتشد الحافل عن خلافة آل بيته الطاهر و عليٌّ سيِّدهم وأبوهم.

وهذا الإمام الزرقاني المالكي يحكي في شرح المواهب ٧ ص ٨ عن العلّامة السمهودي أنَّه قال: هذا الخبر يُفهم وجود من يكون أهلاً للتمسّك به من عترته في كلّ زمن إلى قيام الساعة حتّى يتوجَّه الحثُّ المذكور على التمسكِّ به كما أنَّ الكتاب كذلك، فلذا كانوا أماناً لأهل الأرض فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض. ا هـ.

فأيُّ رجل يسعه أن يسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم في لفظ من حديث الثقلين: إنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا بعدي: الثقلين. الحديث؟!(١)

أو يقرأ قوله صلى الله عليه وآله وسلم في لفظه الآخر: أيّها الناس إنّي تاركٌ فيكم أمرين لن تضلّوا إن اتَّبعتموهما، وهما: كتاب الله وأهل بيتي عترتي؟!

أو يقرع سمعه قوله صلى الله عليه وآله وسلم في لفظه الثالث: فسألت ذلك لهما (الثقلين) ربِّي فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهما فهم أعلم منكم؟!

أو يقف على قوله في لفظه الرابع: وناصر هما لي ناصرٌ، وخاذلهما لي خاذلٌ، ووليّهما لي وليٌّ، وعدوّهما لي عدوٌّ؟!(٢)

ثمَّ لا يتَّبع آل عليٍّ ولا يتَّخذهم إلى الله سبل السَّلام، أو يقتدي بغيرهم ويضلّ عن سبيل الله؟! حاش لله. إنّا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفورا.

وما ذنب الشيعة بعد قول نبيِّهم صلى الله عليه وآله وسلم: من سرَّه أن يحيى حياتي ويموت مماتي ويسكن جنَّة عدن غرسها ربّي فليوال عليّاً من بعدي، وليوال وليَّه، وليتقد بأهل بيتي من بعدي، فإنَّهم عترتي خُلقوا من طينتي، ورُزقوا فهمي وعلمي، فويلٌ للمكذِّبين

_____________________

١ - أخرجه الترمذي وأحمد وجمع كثير من الحفاظ والأئمَّة.

٢ - راجع في هذه الألفاظ الجزء الأوَّل من كتابنا ص ٣١ - ٣٨ ط ثاني.


بفضلهم من أُمَّتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي؟!(١)

ونحن نقول: (آمين) ورحم الله من قال: آمينا.

وماذا على الشيعة في قولهم؟! بعد قوله صلى الله عليه وآله وسلم: في كلّ خلوفٍ من أُمَّتي عدولٌ من أهل بيتي ينفون من هذا الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ألا إنَّ أئمَّتكم وفدكم إلى الله عزَّ وجلَّ، فانظروا بمن توفدون(٢)

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّما مثلي ومثل أهل بيتي كسفينة نوح مَن ركبها نجا ومَن تخلّف عنها غرق(٣)

فأهل بيت مَثلهم في الأُمَّة كمثل النبيِّ الطاهر كيف لا تقول الشيعة بالخلافة فيهم؟! وكيف يُرى موقفهم في حبِّهم موقف اليهود؟! وإلى من تُوجَّه هذه القارصة؟!

وهل إبن عبد ربِّه عزب عنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: النجوم أمانٌ لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمانٌ لأُمَّتي من الإختلاف، فإذا خالفها قبيلةٌ اختلفوا فصاروا حزب إبليس؟!(٤)

أللّهمّ لا، بل طُبع على قلبه وهو ألدّ الخصام.

فأهل بيت هم للأُمَّة نجوم الهداية، ونجوم الأمن من الضلال والخلاف كيف لا يُقتدي بهم؟! وما عذر من عدل عنهم؟! وإلى مَ مصير من لا يهتدي بهم؟! وما قيمة تلك الحياة؟! وتلك الروح؟! وتلك النزعة؟! وتلك النشأة؟!

وإنَّ خيرة الله لم تقع على هذه الأُسرة الكريمة إلّا بعد كلّ جدارة للولاية المطلقة، وحذق في تدبير الشئون في كلِّ وقت لو انتهت إليهم قيادة البشر، وثنيت لهم الوسادة، غير أنَّ مناوئيهم زحزحوها عن ساحتهم حسداً أو نزولاً على حكم النهمة والشرَه، إنَّما هي الخلافة الإلهيَّة لا الملك كما حسبه المغفَّل، وقد نصَّ بها الشعبي كما ذكره

_____________________

١ - أخرجه أبو نعيم في الحلية ١ ص ٦٨، والطبراني والرافعي كما في ترتيب جمع الجوامع ٦ ص ٢١٧.

٢ - أخرجه الملأ كما في ذخاير العقبى ١٧، والصواعق ١٤١.

٣ - أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه ١٢ ص ٩١، والحاكم في المستدرك ٣ ص ١٥١ وصححه.

م ٤ - أخرجه الحاكم في المستدرك ٣: ١٤٩ وصححه).


إبن تيميَّة في منهاجه ١ ص ٧ وقال: محنة الرافضة محنة اليهود قالت اليهود: لا يصلح الملك إلّا في آل داود. وقالت الرافضة: لا تصلح الإمامة إلّا في ولد عليٍّ.

٣ - قال: اليهود يؤخِّرون صلاة المغرب حتّى تشتبك النجوم وكذلك الرافضة.

ج - يجب أوّلاً أن يحفى السؤال عن خبر هذه المسألة اليهود هل هم يعرفون شيئاً منها ومن بقيَّة المسائل المعزوَّة إليهم؟!

وليت شعري هل كتب الرجل هذه الكلمة بعد مراجعته لفقه الشيعة وأحاديث أئمَّتهم وفيها قول الصادق عليه السلام: من ترك صلاة المغرب عامداً إلى اشتباك النجوم فأنا منه برئٌ.

وقيل له عليه السلام: إنَّ أهل العراق يؤخِّرون المغرب حتّى تشتبك النجوم فقال: هذا من عمل عدوِّ الله أبى الخطّاب.

وقال عليه السلام: من أخَّر المغرب حتّى تشتبك النجوم من غير علّة فأنا إلى الله منه برئٌ.

وقال عليه السلام: وقت المغرب حين تجبُّ الشمس إلى أن تشتبك النجوم.

وقال عليه السلام: وقت المغرب من حين تغيب الشمس إلى أن تشتبك النجوم.

وقال عليه السلام وقد سُئل عن وقت المغرب: فإذا تغيِّرت الحمرة في الأُفق وذهبت الصّفرة وقبل أن تشتبك النجوم.

وقال له عليه السلام ذريحٌ: إنَّ أناساً من أصحاب أبي الخطّاب يمسون بالمغرب حتّى تشتبك النجوم.

قال: أبرء إلى الله ممَّن فعل ذلك متعمِّداً.

وقال عليه السلام: ملعونٌ ملعونٌ من أخَّر المغرب طلباً لفضلها(١)

فلِما ذا يكذب الرجل في نقله؟! أو إنَّه كتب قبل أن يراجع رجماً بالغيب؟! فحيّا الله الأمانة والتنقيب.

ولعلّه قرع سمعه عن بعض الفرق الضالَّة وهم: الخطّابيَّة - أصحاب أبي الخطّاب إلزاماً بذلك لكن أين هم من الشيعة؟! والشيعة على بكرة أبيها تكفِّر هؤلاء وتظلّهم وأحاديث أئمَّتهم كسحت معرَّة عيث هؤلاء، فمن الإفك الشائن عزو هاتيك الشيه إلى الشيعة، وهم وأئمَّتهم عنها برءآء.

_____________________

١ - راجع من لا يحضره الفقيه. وتهذيب شيخ الطايفة واستبصاره ومجالسه


٤ - قال: اليهود لا ترى الطلاق الثلاث شيئاً وكذا الرافضة.

ج - الشيعة لا ترى ملتحداً عن البخوع للقرآن الكريم وفي أعلى هتافه:

الطَّلاق مرَّتان فإمساكٌ بمعروف أو تَسريحٌ بإحسانٍ - إلى قوله تعالى -:( فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) إلخ.

ومن جليَّة الحقايق أنَّ تحقّق المرَّتين أو الثلاث يستدعي تكرُّر وقوع الطَّلاق كما يستدعي تخلّل الرجعة بينهما أو النكاح، فلا يقال للمطلّقة مرَّتين بكلمة واحدة أو في مجلس واحد: إنَّها طُلِّقت مراراً كما إذا كان زيد أعطا درهمين لعمرو بعطاء واحد لا يقال: إنَّه أعطا درهمين مرَّتين، وهذا معنى يعرفه كلُّ عربيٍّ صميم

ثمَّ إنَّ سياق الآية وإن كان خبريّاً غير أنَّه متضمِّنٌ معنى الإنشاء الأمريّ كقوله تعالى:( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ) . وقوله تعالى:( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ) . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: الصَّلاة مثنى مثنى، والتشهد في كلِّ ركعتين وتسكّن وخشوع. ولو كان إخباراً لما تخلّف عنه خارجه، ونحن نرى أنَّ في الناس من يطلِّق طلقة واحدةً، والقرآن لا يتسرَّب إليه شيءٌ من الكذب.

فعدم الإعداد بالطلاق الثلاث على نحو الجمع عند الشيعة مأخوذٌ من القرآن الكريم، ولهذه الجملة مزيد توضيح في أحكام القرآن لأبي بكر الجصّاص الحنفي ١ ص ٤٤٧ وهذه الفتوى هي المنقولة عن كثير من أئمّة أهل السنَّة والجماعة، بل المخالف الوحيد في المسألة هو الشافعيُّ، وقد بسط القول في الردّ عليه أبو بكر الجصّاص في «أحكام القرآن» ٤ ص ٤٤٩.

وقال الإمام العراقيُّ في «طرح التثريب» ٧ ص ٩٣: وممَّن ذهب إلى أنَّ جمع الطلقات الثلاث بدعةٌ مالك. والأوزاعي. وأبو حنيفة. والليث، وبه قال داود و أكثر أهل الظاهر.

وقال أبو بكر الجصّاص في «أحكام القرآن» ٤ ص ٤٥٩: كان الحجّاج بن أرطاة يقول: الطَّلاق الثلاث ليس بشيء. ومحمد بن إسحاق كان يقول: الطَّلاق الثلاث تُردُّ إلى الواحدة.

هذا ما نعرفه من الشيعة فإن كان هذا شبهاً بينهم وبين اليهود فهم وأولئك الأئمَّة


في ذلك شرعٌ سواء، لكن الأُندلسي يحترم جانب أصحابه فشبَّه الشيعة باليهود فهو إمّا جاهلٌ بفقه قومه فضلاً عن فقه الشيعة ولم يعرف شيئاً ممّا عندهم في المسألة، أو يعلم ويتعمَّد الكذب، أو يريد معنىً غير ما ذكر ونحن لا نعرفه ولا نعرف قائلاً به من الشيعة.

وما تقرأ أو تسمع في المسئلة غير ما يقوله الشيعة فهو من البدع الحادثة بعد النبيِّ الأعظم لم يأت به الكتاب والسنَّة بل أحدثته أهواءٌ مضلّةٌ، وحبَّذته أُناسٌ، وجاءوا به من عند أنفسهم؛ وأمضاه عليهم عمر بن الخطاب وهذا صريح ما أخرجه مسلم في صحيحه ١ ص ٥٧٤، وأبو داود في سننه ١ ص ٣٤٤، وأحمد في مسنده ١ ص ٣١٤ عن إبن عبّاس قال: كان الطّلاق على عهد رسول الله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر بن الخطاب: إنَّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناةٌ فلو أمضيناه عليهم. فأمضاه عليهم.

وأخرج مسلم وأبو داود بإسناده عن إبن طاوس عن أبيه: أنَّ أبا الصهباء قال لابن. عبّاس: أتعلم أنّما كانت الثلاث تجعل واحدةً على عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكر وثلاثاً من إمارة عمر؟! فقال إبن عبّاس: نعم.

وأخرج مسلم بإسناد آخر: أنَّ أبا الصهباء قال لإبن عبّاس: هات من هناتك، ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكر واحدة؟! فقال: قد كان ذلك فلمّا كان عهد عمر تتابع النّاس في الطّلاق فأجازه عليهم.

وللشرّاح في المقام كلماتٌ متضاربةٌ؛ وآراءٌ واهيةٌ، وتوجيهاتٌ باردةٌ بعيدةٌ عن العلم والعربيَّة، وعدَّه القسطلاني من الأحاديث المشكلة ولعمري مشكلة - جدّاً - لا يسعنا بسط الكلام في ذلك كلّه.

٥ - قال: اليهود لا ترى على النساء عدَّة وكذلك الرافضة.

جالشيعة ترى على النساء من العدَّة ما حكم به الكتاب والسنَّة. فالمطلّقاتُ يتربَّصنَ بأنفسهنَّ ثلثة قروء إن كنَّ ذوات الأقراء، وتعتدُّ ذوات الشهور ثلاثة أشهر.

وأولات الأحمالِ أجلهنَّ أن يضعن حملهنَّ.

واللّاتي توفّي عنها زوجها يتربَّصن بأنفسهنَّ أربعة أشهر وعشرا إذا كانت حائلاً، والحامل تعتدُّ بأبعد الأجلين من العدَّة والوضع جمعاً بين عموم الآيتين.


والإماء تعتدُّ قرئين من طلاق إن كنَّ ذوات الأقراء وإلّا فشهراً ونصفاً.

وتعتدُّ من الوفاة شهرين وخمسة أيّام إن كانت حائلاً والحامل عدَّتها أبعد الأجلين.

وأُمّ الولد لمولاها عدَّتها أربعة أشهر وعشرا.

والمتمتَّع بها إذا انقضى أجلها بعد الدخول أو أعرض عنه الزَّوج فعدَّتها حيضتان في ذوات الأقراء، وخمسة وأربعون يوماً في غيرهنَّ.

وتعتدُّ من الوفاة بأربعة أشهر وعشرة أيّام إن كانت حائلاً أو لم يدخل بها، وبأبعد الأجلين إن كانت حاملاً. ولو كانت أمة فعدَّتها حائلاً شهران وخمسة أيّام.

هذا ما عند الشيعة من العدَّة، وهذه كتب القوم الفقهيّة والتفسيريَّة قديمة وحديثة طافحةٌ بما ذكرناه، فهل وجد عزوه المختلق في شيءٍ منها؟! اللّهم لا. بل إنَّه لا يكترث بالمباهتة وهي شأنه في كثير من الموارد.

٦ - قال: اليهود تستحلُّ دم كلِّ مسلم وكذلك الرافضة.

ج - هل يعرف الرجل مصدر هذه النسبة من كتب الشيعة وعلمائهم وأعلامهم، بل من ساقتهم وذوي المراتب الواطئة منهم؟! والشيعة هم الَّذين يتلون الكتاب العزيز في آناء الليل وأطراف النهار مخبتين بأنَّ ما بين دفَّتيه وحيٌ منزلٌ من الله إلى سيِّد رسله صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه آيات التحذير عن قتل المؤمن والإيعاز بالخلود في جهنَّم من جرّائه و فيه آية القصاص. والسنَّة النبويَّة وأحاديث أئمَّتهم مشحونةٌ بالنهي عنه والعقوبات عليه والأحكام المرتَّبة عليه من قصاص وديات، ومن المطَّرد في فقههم عقد كتابين فيهما.

فبذلك كلّه تعلم أنَّ هذه النسبة لا مصدر لها إلّا الخيال المتوهَّم الصادر عن العداء المحتدم، والعصبيَّة الحمقاء.

٧ - قال: اليهود حرَّفوا التوراة وكذلك الرافضة حرَّفت القرآن.

ج - إنَّ مصدر الشيعة في التفسير والتأويل، وفي كلِّ حكم أو تعليم ليس إلّا أحاديثٌ معتبرةٌ صادرة عن رجالات بيت الوحي بعد مشرِّفهم الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل البيت أدرى بما فيه، وليس ما يُروى عنهم من الشئون مستعصياً على العقل والمنطق ولا الأُصول المسلّمة في الدين، وليس بمأخوذ من مثل قتادة والضحّاك والسدّي و


أمثالهم المفسِّرين بالرأي، البعيدين عن مستقى العلم النبويِّ.

فإذا أردت تحريف الكلم عن مواضعه والنظر إليه فإليك بكتب القوم وتفاسيرهم تجد هناك التعليلات الباردة، والتحكّمات الفارغة، والعلل التافهة، والآراء السخيفة؛ وإنكار المسلّمات، وحسبك ما يأتي من نماذجها نقلاً عن كتاب «منهاج السنَّة» لابن تيميَّة وغيره. إذن فألق الشبه بين اليهود وأيّ فرقة شئت.

٨ - قال: اليهود تبغض جبرئيل وتقول: هو عدوُّنا من الملائكة، وكذلك الرافضة تقول: غلط جبرئيل في الوحي إلى محمد بترك عليِّ بن أبي طالب.

ج - لعلّ الرجل يحسب في أحلامه الطائشة أنّه يحدِّث عن أُمّة بائدة قد أكل عليها الدهر وشرب، فلم يبق لها مَن يدافع عن شرفها، وما كان يحسب أنَّ المستقبل الكشّاف سوف يُقيِّض مَن يُسائله قائلاً: كيف يعادي جبرئيل من يتلو في كتابه المقدَّس قوله تعالى:( مَنْ كَانَ عَدُوّا للّهِ‏ِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنّ اللّهَ عَدُوّ لِلْكَافِرِينَ ) ؟!

ومتى خالج شيعيّاً الشكُّ في نبوَّة محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟! أو هجس في خلد أيٍّ منهم نبوَّة أمير المؤمنين عليّ عليه السلام؟! حتّى يحكم بغلط جبريل وهو يقرأ آناء الليل وأطراف النهار قوله تعالى:( وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ )

وقوله تعالى:( مَا كَانَ مُحَمّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رّجَالِكُمْ وَلكِن رّسُولَ اللّهِ وَخَاتَمَ النّبِيّينَ )

وقوله تعالى:( وَآمَنُوا بِمَا نُزّلَ عَلَى‏ مُحَمّدٍ وَهُوَ الْحَقّ مِن رَبّهِمْ )

وقوله تعالى:( مُحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ )

وقوله تعالى:( وَمُبَشّرَاً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ )

وكيف يرى شيعيُّ أنَّ جبريل قد غلط في الوحي؟! وهو يتشهَّد بالرّسالة في كلِّ فريضة ونافلة، وفي الأذان والإقامة، وفي دعوات كثيرة مأثورة عن أئمَّتهم صلوات الله عليهم، وتشهد بذلك كلّه مؤلّفاتهم في الفقه والحديث والكلام والعقايد والملل والنحل.

وهل من الممكن أن تزعم الشيعة (على هذه الفرية) إنّ الله سبحانه أمضى ذلك


الغلط لمجرَّد إشتباه جبريل وهو يريد أن يبعث أمير المؤمنين؟! وهل يقول بهذا معتوهٌ دهش؟! أو بربريُّ عزب عنه العلوم والمعارف كلّها فضلاً عن الشيعة وهم: هم؟! فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً؟!

والعجب كلّ العجب أنَّه يكتب كاتب مصر اليوم وعالمها ردّاً على الشيعة ويسلقهم بهذا التافه الخرافيّ، فلا يصدَّنَّك عنها مَن لا يؤمن بها واتَّبع هواه فتردى.

٩ - قال: اليهود لا تأكل لحم الجزور وكذلك الرافضة.

ج - إقرأ واضحك أو اقرأ وابك.

وإذا تحرَّيت الوقاحة والصلف فإلى صاحب هذه الكلمة، فإن كنت لا تعلم كيف يكذب المائن، ويبهت الخائن، فالأُندلسيُّ يوقفك عليه في كتابه.

ليت شعري ما ذنب الجزور المخرج حكمه ممّا يؤكل لحمه من الحيوانات؟! أو ما كرامته على الشيعة حتى أربوا به عن الذبح؟!

أنا لا أعلم شيئاً من ذلك، ولعلَّ عند مفتعل الرواية فلسفة راقية تأول إلى تلك الفرية الشائنة.

والحَكم الفاصل في هذه المعضلة مجاذر القصّابين وسواطيرهم وحوانيتهم في بلاد الشيعة من أقطار العالم.

أضحوكة

١٠ - قال: قال أبو عثمان بحر الجاحظ: أخبرني رجلٌ من رؤساء التُجّار قال: كان معنا في السفينة شيخٌ شرس الأخلاق طويل الإطراق وكان إذا ذُكر له الشيعة غضب واربدَّ وجهه، وزوى من حاجبيه فقلت له يوماً: يرحمك الله ما الذي تكرهه من الشيعة؟! فإنّي رأيتك إذا ذُكروا غضبتَ وقبضتَ. قال: ما أكره منهم إلّا هذه الشين في أوّل إسمهم فإنّي لم أجدها قطُّ إلّا في كلّ شرٍ وشومٍ وشيطانٍ وشغب وشقاءٍ وشفارٍ وشررٍ وشينٍ وشوكٍ وشكوى وشهرةٍ وشتمٍ وشُحٍّ. قال أبو عثمان: فما ثبت لشيعيٍّ بعدها قائمة.

عجباً من سفاهة الشيخ (شرس الأخلاق) وضئولة رأيه حيث لم يجد في الشيعة


ما يزري بهم، لكن عدائه المحتدم حداه إلى أن يتّخذ لهم عيباً منحوتاً من السفاسف، فطفقُ يؤاخذهم بالإسم لمحض إطّراد حرف من حروفه في أشياء من أسماء الشرّ، ولو إطّرد هذا لتسرَّب إلى كثير من الأسماء المقدَّسة، م - وإلى كتاب الله العزيز وفيه قوله تعالى:( وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ) . وآيٌ أخرى جاءت فيها لفظة الشيعة].

وأسخف من الشيخ أبو عثمان الَّذي يحسب أنَّه لم تثبت للشيعة بعد تلك الكلمة التافهة قائمة، فكأنَّ صاعقة أصابتهم، أو إنَّها خسفت الأرض من تحت أرجلهم، أو دكدكت عليهم الجبال فأهلكتهم، أو أنَّ برهاناً قاطعاً دحض حجَّتهم ففضحهم، ولم يعقل أنَّ الشيخ كشف بقوله عن سوئته، وأقام حجَّةً على شراسة أخلاقه، فاقتدى به أبو عثمان بعقليته الضئيلة.

ولم يبعد عنهما إبن عبد ربِّه حيث أورده في كتابه مرتضياً له، ولِم لَم يرق الشيخ الشرس أن يحبَّ من الشيعة هذه الشين الموجودة في الشريعة. والشمس. والشروق. والشعاء. والشهد. والشفاعة. والشرف. والشباب. والشكر. والشهامة. والشأن. والشجاعة. والشفق؟! م - وقد جاءت غير واحدة من تلكم الألفاظ كلفظة الشيعة في القرآن].

وكيف تجد الشيخ في أُكذوبته بأنَّه لم يجد الشين إلّا في تلك الألفاظ دون هذه؟! ولعلّه كان أعور فلا يبصر ما يحاذي عينه العوراء.

أوَ ليس في وسع الشيعة أن يقول على وتيرة الشيخ: إنِّي ما أكره من السُنِّيِّ إلّا هذه السين في أوّل إسمه التي أجدها في السام. والسئم. والسعر. والسقر. والسبي. والسقم. والسم. والسموم. والسوئة. والسهم. والسهو. والسرطان. والسرقة والسفه. والسفل. والسخب. والسخط. والسخف. والسقط. والسلّ. والسليطة. والسماجة؟!

لكنَّ الشيعة عقلاء حكمآء لا يعتمدون على التافهات، ولا يخدشون العواطف بالسفاسف، ولا يشوِّهون سمعة أيِّ مبدء بمثل هذه الخرافات.

هذه نبذةٌ من مخاريق إبن عبد ربّه، وكم لها من نظير، ولو ذهبنا إلى استيعاب ما هناك لجاء كتاباً حافلاً، وهناك له سقطات تاريخيّة كقوله في زيد الشهيد: إنَّه خرج


بخراسان فقتل وصُلب(١) نخرج بنقدها عن موضوع البحث ولا يهمّنا الايعاز إليها.

وذكر إبن تيميَّة في «منهاج السنَّة» هذه النسب والإضافات المفتعلة، وراقه أن يُرى للمجتمع أنّه أقدر في تنسيق الأكاذيب من سلفه، وأنَّه أبعد منه عن أدب الصدق والأمانة فزاد عليها:

اليهود لا يخلصون السَّلام على المؤمنين إنَّما يقولون: السام عليكم (السام: الموت) وكذلك الرافضة.

اليهود لا يرون المسح على الخفَّين وكذلك الرافضة.

اليهود يستحلّون أموال الناس كلّهم وكذلك الرافضة.

اليهود تسجد على قرونها في الصَّلاة وكذلك الرافضة.

اليهود لا تسجد حتّى تخفق برؤوسها مراراً تشبيهاً بالرُّكوع وكذلك الرافضة.

اليهود يرون غشَّ الناس وكذلك الرافضة.

وأمثال هذه من الخرافات والسفاسف، وحسبك في تكذيب هذه التقوّلات المعزوَّة إلى الشيعة شعورك الحرُّ، وحيطتك بفقههم وكتبهم وعقايدهم وأعمالهم، وما عُرف منهم قديماً وحديثاً. فإلى الله المشتكى.

( وَلَئِنِ اتّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الّذِى جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ

مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِنْ وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ )

سورة البقرة ١٢٠

_____________________

١ - العقد الفريد ٢ ص ١٤٦، ٣٥٥ ج ٣ ص ٤١.


٢

الانتصار(١)

إنك غير مائن لو سميته بمصدر الأكاذيب، ولو عزى إليه على عدد صفحاته - ١٧٣ - أكذوبة لما كذب القائل، ولو جست خلال صحايفه لأوقفك الفحص على العجب العجاب من كذب شائن، وتحكّم بارد، وتهكّم ممض، ونسب مفتعلة، وإنا نرجى إيقافك عليها إلى ظفرك بالكتاب نفسه فإنه مطبوع بمصر منشور، ولا نسوّد جبهات صحائف كتابنا بنقل هاتيك الأساطير كلها، وإنما نذكر لك نماذج منها لتعرف مقدار توغله في القذائف، وتهالكه دون الطامات، وتغلغل الحقد في ضميره الدافع له إلى تشويه سمعة أمّة كبيرة كريمة نزيهة عن كل ما تقوّله عليها. قال:

١ - الرافضة تعتقد أنَّ ربَّها ذو هيئة وصورة يتحرَّك ويسكن ويزول وينتقل وإنَّه كان غير عالم فعلم (إلى أن قال): هذا توحيد الرافضة بأسرها إلّا نفراً منهم يسيراً صحبوا المعتزلة واعتقدوا التوحيد فنفتهم الرافضة عنهم وتبرَّئت منهم، فأمّا جملتهم و مشايخهم مثل هشام بن سالم، وشيطان الطاق، وعليّ بن ميثم، وهشام بن الحكم بن منصور، والسكّاك فقولهم ما حكيت عنهم. ص ٥.

٢ - الرافضة تقول وهي معتقدةٌ: إنَّ ربّها جسمٌ ذو هيئةٍ وصورةٍ يتحرَّك ويسكن ويزول وينتقل وإنَّه كان غير عالم ثمَّ علم ص ٧.

٣ - فهل على وجه الأرض رافضيٌّ إلّا وهو يقول: إنّ الله صورةٌ، ويروي في ذلك الروايات، ويحتجّ فيه بالأحاديث عن أئمَّتهم؟! إلّا من صحب المعتزلة منهم قديماً فقال بالتوحيد فنفته الرافضة عنها ولم تقرِّ به. ص ١٤٤.

٤ - يرون الرافضة أن يطأ المرأة الواحدة في اليوم الواحد مائة رجل من غير استبراء، ولا قضاء عدَّة، وهذا خلاف ما عليه أُمَّة محمد. ص ٨٩.

ستتضح جليَّة الحال في هذه كلّها وإنَّ الشيعة بريئةٌ منها من أوَّل يومها( وَلَئِنِ اتّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنّكَ إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ ) (٢)

_____________________

١ - تأليف أبي الحسين عبد الرحيم الخياط المعتزلي.

٢ - سورة البقرة ١٤٥.


٣

الفرق بين الفِرَق

تأليف أبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغداديّ

المتوفّى ٤٢٩ في ٣٥٥ صفحة

لم يترك هذا المؤلِّف في قوس إفكه منزعاً لم يرمِ به الشيعة، إنَّما قحمه في هذه المهلكة حسبانه في ص ٣٠٩ أنَّه لم يكن في الروافض قطُّ إمامٌ في الفقه، ولا إمامٌ في رواية الحديث، ولا إمامٌ في اللغة والنحو، ولا موثوقٌ به في نقل المغازي والسير والتواريخ، ولا إمامٌ في التأويل والتفسير، وإنَّما كان أئمَّة هذه العلوم على الخصوص والعموم أهل السنَّة والجماعة.

وحمد الله على ذلك. وكأنَّ هذه المزعمة عنه كانت عامَّة حتّى للأجيال القادمة نظراً إلى الغيب من وراء ستر رقيق، وبذلك أمن أن يكون من بعده من يكشف عورته ويطعن في أمانته في العزو، أو إنَّ كتب الشيعة وعلمائها المضادَّة لهاتيك النسب تكذِّبه بأنفسها.

وإن تعجب فعجبٌ أنَّه كان نصب عيني الرجل في بيئته (بغداد) رجالات من الشيعة لا يطعن في إمامتهم في كلّ ما ذكره من العناوين وكانت بيدهم أزمّة الزعامة كشيخ الأُمَّة ومعلّمها محمد بن محمد بن النعمان المفيد. وعلم الهدى سيّدنا المرتضى. والشريف الرضي. وأبي الحسين النجاشي. والشيخ أبي الفتح الكراجكي. والشريف أبي يعلى. وسلّار الديلمي. ونظرائهم فهو إمّا أنَّه لم يحسَّ بهم لخلل في حسِّه المشترك، أو إنَّه مندفعٌ إلى الإنكار بدافع الحنق، وأيّاماً كان فنحن لا نبالي بما هو فيه، وكلُّ قصدنا تنبيه القارئ إلى خطَّة الرجل حتّى لا يغترّ بماله من صخب وتركاض.

ولعلّك تعرف شيئاً ممّا حوته صفحات هذا الكتاب المزوَّر من الكذب والزور والبهت والتدجيل والتمويه عندما تقف على كلماتنا حول ما يضاهيه من الكتب المزوَّرة.

( وَلَئِنِ اتّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ

مَالَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ وَاقٍ )

سورة الرعد ٣٧


٤

الفصل في الملل والنحل(*)

يجب على من يكتب في الملل والنحل قبل كل شيء الإلتزام بالصدق والأمانة أكثر ممن يؤلف في التاريخ والأدب حتى يأمن بوائق هذا الفن من قذف الأمم من غير استناد إلى ركن وثيق، وتشويه سمعة الأبرياء بمجرّد الوهم أو الخيال، فلا يخطّ إلّا وهو متثبت في النقل، معتمد على أوثق المصادر، حتى يكون ذلك معذراً له عند المولى سبحانه، فلا يؤاخذ بالبهت على الناس والوقيعة فيهم.

غير أن ابن حزم لم يلتزم بهذا الواجب بل إلتزم بضده في كل ما يكتب، فطفق ينسق الأقاويل، ويروقه تكثير المذاهب،وقذف من يخالفه في المبدء. فإليك نماذج من تحكّماته قال:

١ - إنَّ الروافض ليسوا من المسلمين إنَّما هي فرقٌ أوَّلها بعد موت النبيِّ بخمس وعشرين سنة، وكان مبدئها إجابةً ممَّن خذله الله لدعوة من كاد الإسلام، وهي طائفةٌ تجري مجرى اليهود والنصارى في الكذب والكفر.

ج - لعمر الحقِّ إنَّ هذه جملٌ قارصة تندى منها جبهة الإنسانيَّة ولو كان الظاهريُّ يحملها لوجب أن ينتصب عرقاً ولكن...

وليت شعري كيف يمكن سلب الإسلام عن قوم يستقبلون القبلة في فرايضهم، ويلهجون بالشَّهادتين فيها، ويحملون القرآن ويعملون به ويتَّبعون سنَّة النبيِّ الأقدس؟! وملأ الدنيا كتبهم في العقائد والأحكام فهي شهيدةٌ لهم على ما قلناه بعد أعمالهم الخارجيَّة.

وكيف يسع الرجل هذا الحكم الباتّ؟! وآلافٌ من الشيعة هم مشايخ أعلام السنَّة ورواة الحديث في صحاحهم الستّ وغيرها من المسانيد وهي مراجع قومه في معتقداتهم وأحكامهم وآرائهم نظرآء:

أبان بن تغلب الكوفي، إبراهيم بن يزيد الكوفي، أبو عبد الله الجدلي.

_____________________

(*) تأليف ابن حزم الظاهري الأندلسي المتوفّى ٤٥٦، راجع ج ١ ص ٢٩٠.


أحمد بن المفضل الحفري

إسماعيل بن زكريّا الكوفي

تليد بن سليمان الكوفي

جابر بن يزيد الجعفي

جعفر بن سليمان البصري

الحارث بن عبد الله الهمداني

حكم بن عُتيبة الكوفي

أبو الحجّاف إبن أبي عوف

سالم بن أبي الجعد الكوفي

سعيد بن خثيم الهلالي

سليمان بن صرد الكوفي

سليمان بن مهران الكوفي

طاوس بن كيسان الهمداني

عبّاد بن يعقوب الكوفي

عبد الله بن عمر الكوفي

عبد الرحمن بن صالح الأزدي

عبيد الله بن موسى الكوفي

عطيَّة بن سعد الكوفي

عليّ بن بديمة

عليّ بن صالح

عليّ بن المنذر الطرائفي

عمّار بن زُريق الكوفي

فضل بن دكين الكوفي

مالك بن إسماعيل الكوفي

محمد بن فضيل الكوفي

إسماعيل بن أبان الكوفي

إسماعيل بن عبد الرَّحمن

ثابت أبو حمزة الثِّمالي

جرير بن عبد الحميد الكوفي

جُميع بن عُميرة الكوفي

حبيب بن أبي ثابت الكوفي

حمّاد بن عيسى الجهني

زُبيد بن الحارث الكوفي

سالم بن أبي حفصة الكوفي

سلمة بن الفضل الأبرش

سليمان بن طاخان البصري

شعبة بن الحجّاج البصري

ظالم بن عمرو الدؤلي

عبد الله بن داود الكوفي

عبد الله بن لهيعة الحضرمي

عبد الرزاق بن همام الحميري

عثمان بن عُمير الكوفي

العلاء بن صالح الكوفي

عليّ بن الجعد الجوهري

عليّ بن غراب الكوفي

عليّ بن هاشم الكوفي

عمرو بن عبد الله السبيعي

فضيل بن مرزوق الكوفي

محمد بن حازم الكوفي

محمد بن مسلم الطائفي

إسماعيل بن خليفة الكوفي

إسماعيل بن موسى الكوفي

ثُوير بن أبي فاختة الكوفي

جعفر بن زياد الكوفي

الحارث بن حُصيرة الكوفي

الحسن بن حيِّ الهمداني

خالد بن مخلّد القطواني

زيد بن الحباب الكوفي

سعد بن طريف الكوفي

سلمة بن كهيل الحضرمي

سليمان بن قرم الكوفي

صعصعة بن صوحان العبيدي

أبو الطفيل عامر المكّي

عبد الله بن شدّاد الكوفي

عبد الله بن ميمون القداح

عبد الملك بن أعين

عديّ بن ثابت الكوفي

علقمة بن قيس النخعي

عليّ بن زيد البصري

عليّ بن قادم الكوفي

عمّار بن معاوية الكوفي

عوف بن أبي جميلة البصري

فطر بن خليفة الكوفي

محمد بن عُبيد الله المدني

محمد بن موسى المدني


محمد بن عمّار الكوفي

المنهال بن عمرو الكوفي

نوح بن قيس الحدّاني

هُبيرة بن بُريم الحميري

وكيع بن الجراح الكوفي

معروف بن خربوذ الكرخي

موسى بن قيس الحضرمي

هارون بن سعد الكوفي

هشام بن زياد البصري

يحيى بن الجزّار الكوفي

منصور بن المعتمر الكوفي

نفيع بن الحارث الكوفي

هاشم بن البريد الكوفي

هشام بن عمّار الدمشقي

يزيد بن أبي زياد الكوفي(١) .

هؤلآء جمعٌ ممَّن إحتجّ بهم الأئمَّة الستَّة في صحاحهم، أضف إليهم رجال الشيعة من الصحابة الأكرمين، والتابعين الأوَّلين، وأعلام البيت العلويِّ الطاهر من الَّذين يُحتجُّ بهم وبحديثهم وأنهى أئمَّة أهل السنَّة إليهم الإسناد في الصحاح والسنن والمسانيد و هم مصرِّحون بثقتهم وعدالتهم.

فلو كانت الشيعة (كما زعمه إبن حزم) خارجين عن الإسلام فما قيمة تلك الصحاح؟! وتلك المسانيد؟! وتلك السنن؟! وما قيمة مؤلِّفيها أولئك المشايخ وأولئك الأئمَّة و أولئك الحفّاظ؟! وما قيمة تلكم المعتقدات والآراء المأخوذة ممَّن ليسوا من المسلمين؟! أللهمَّ غفرانك وإليك المصير وأنت القاضي بالحقِّ.

نعم: ذنبهم الوحيد الَّذي لا يُغفر عند إبن حزم أنَّهم يُوالون عليّاً أمير المؤمنين عليه السلام وأولاده الأئمَّة الأُمناء صلوات الله عليهم إقتداءً بالكتاب والسنَّة، ومن جرّاء ذلك يستبيح صاحب الفصل من أعراضهم ما لا يُستباح من مسلم، والله هو الحكَم الفاصل.

وأمّا ما حسبه من أنَّ مبدء التشيّع كان إجابةً ممَّن خذله الله لدعوة من كاد الإسلام وهو يريد عبد الله بن سبا الذي قتله أمير المؤمنين عليه السلام إحراقاً بالنار على مقالته الإلحاديَّة وتبعته شيعته على لعنه والبرائة منه.

فمتى كان هذا الرجس من الحزب العلويِّ حتى تأخذ الشيعة منه مبدء ها القويم؟! وهل تجد شيعيّاً في غضون أجيالها وأدوارها ينتمي إلى هذا المخذول ويمتُّ به؟! لكن الرجل أبى إلّا أن يقذفهم بكلِّ مائنةٍ شائنةٍ، ولو استشفَّ الحقيقة لعلم بحقِّ اليقين أنَّ ملقي هذه البذرة - التشيّع - هو مشرِّع الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم يوم كان يُسمِّيّ

_____________________

١ - راجع في ترجمة هؤلاء وتفصيل حديثهم المراجعات لسيدنا المجاهد حجة الإسلام شرف الدين ص ٤١ - ١٠٥.


من يوالي عليّاً عليه السلام بشيعته ويُضيفهم إليه ويُطريهم ويدعو أُمَّته إلى موالاته وإتِّباعه راجع ص ٧٨.

ولتفاهة هذه الكلمة لا نسهب الإفاضة في ردِّه ونقتصر على كلمة ذهبيَّة للأستاذ محمد كرد علي في خطط الشام ٦ ص ٢٥١ قال: أمّا ما ذهب إليه بعض الكتّاب من أنَّ مذهب التشيّع من بدعة عبد الله بن سباء المعروف بابن السوداء فهو وهمٌ وقلّة علم بتحقيق مذهبهم، ومن علم منزلة هذا الرجل عند الشيعة وبرائتهم منه ومن أقواله وأعماله وكلام علمائهم في الطعن فيه بلا خلاف بينهم في ذلك علم مبلغ هذا القول من الصواب. ا هـ.

٢ - قال: كذب مَن قال: بأنَّ عليّاً كان أكثر الصحابة علماً (٤ ص ١٣٦) ثمَّ بسط القول في تقرير أعلميَّة أبي بكر وتقدُّمه على عليٍّ في العلم ببيانات تافهة إلى أن قال: علم كلُّ ذي حظٍّ من العلم أنَّ الذي كان عند أبي بكر من العلم أضعاف ما كان عند عليٍّ منه.

وقال في تقدُّم عمر على عليٍّ في العلم: علم كلُّ ذي حسٍّ علماً ضروريّاً أنَّ الذي كان عند عمر من العلم أضعاف ما كان عند عليٍّ من العلم. إلى أن قال: فبطل قول هذه الوقّاح الجهال، فإن عاندنا معاندٌ في هذا الباب جاهلٌ أو قليل الحياء لاح كذبه وجهله فإنّا غير مهتمّين على حطِّ أحد من الصحابة عن مرتبته.

ج - أنا لست أدري أأضحك من هذا الرجل جاهلاً؟! أم أبكي عليه مغفَّلاً؟! أم أسخر منه معتوهاً؟! فإنّ ممّا لا يدور في أيِّ خلد الشكُّ في أنَّ أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام كان يربو بعلمه على جميع الصحابة، وكانوا يرجعون إليه في القضايا والمشكلات ولا يرجع إلى أحد منهم في شيء، وإنَّ أوَّل مَن إعترف له بالأعلميَّة نبيُّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم بقوله لفاطمة: أما ترضين أنّي زوَّجتكِ أوَّل المسلمين إسلاماً وأعلمهم علماً(١) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لها: زوَّجتكِ خير أُمَّتي أعلمهم علماً، وأفضلهم حلماً، وأوَّلهم سلماً(٢) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لها: إنَّه لأوَّل أصحابي إسلاماً، أو: أقدم أُمَّتي سلماً، وأكثرهم

_____________________

١ - مستدرك الحاكم ٣، كنز العمال ٦ ص ١٣.

٢ - أخرجه الخطيب في المتفق، السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه ٦ ص ٣٩٨.


علماً، وأعظمهم حلماً(١) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: أعلم أُمَّتي من بعدي عليُّ بن أبي طالب(٢) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: عليٌّ وعاء علمي ووصيّي وبابي الذي أوتى منه(٣) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: عليٌّ باب علمي ومبيِّن لأُمّتي ما أُرسلت به من بعدي(٤) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: عليٌّ خازن علمي(٥) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: عليُّ عيبة علمي(٦) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: أقضى أُمَّتي عليّ(٧) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: أقضاكم عليّ(٨) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: يا عليُّ أخصمك بالنبوَّة ولا نبوَّة بعدي وتخصم بسبع (إلى أن عدَّ منها) وأعلمهم بالقضيَّة. وفي لفظ: وأبصرهم بالقضيَّة(٩) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: قسمت الحكمة عشرة أجزاء فاُعطي عليٌّ تسعة أجزاء والناس جزءاً واحداً(١٠) .

_____________________

١ - مسند أحمد ٥ ص ٢٦، الاستيعاب ٣ ص ٣٦، الرياض النضرة ٢ ص ١٩٤. مجمع الزوايد ٩ ص ١٠١ و ١١٤ بطريقين صحح أحدهما ووثق رجال الآخر، والمرقاة في شرح المشكاة ٥ ص ٥٦٩، كنز العمال ٦ ص ١٥٣، السيرة الحلبية ١ ص ٢٨٥، سيرة زيني دحلان ١ ص ١٨٨ هامش الحلبية.

٢ - أخرجه الديلمي عن سلمان، وذكره الخوارزمي في المناقب ٤٩، ومقتل الحسين ١ ص ٤٣ والمتقي في كنز العمال ٦ ص ١٥٣.

٣ - شمس الأخبار ص ٣٩، كفاية الكنجي ٧٠، ٩٣.

٤ - أخرجه الديلمي عن أبي ذر كما في كنز العمال ٦ ص ١٥٦، كشف الخفاء ج ١ ص ٢٠٤.

٥ - شرح النهج لابن أبي الحديد ٢ ص ٤٤٨.

٦ - شرح النهج لابن أبي الحديد ٢ ص ٤٤٨، الجامع الصغير للسيوطي وجمع الجوامع له كما في ترتيبه ٦ ص ١٥٣ م شرح العزيزي ٢ ص ٤١٧، حاشية شرح العزيزي للحفني ٢ ص ٤١٧، مصباح الظلام ٢ ص ٥٦).

٧ - مصابيح البغوي ٢ ص ٢٧٧، الرياض النضرة ٢ ص ١٩٨، مناقب الخوارزمي ٥٠، م فتح الباري ٨، ١٣٦، بغية الوعاة ص ٤٤٧

٨ - الاستيعاب ٣ ص ٣٨ هامش الإصابة، مواقف القاضي الإيجي ٣ ص ٢٧٦، شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ٢٣٥، مطالب السئول ٢٣، تمييز الطيب من الخبيث ٢٥، كفاية الشنقيطي ٤٦.

٩ - حلية الأولياء ١ ص ٦٦، الرياض النضرة ٢ ص ١٩٨ عن الحاكمي، مطالب السئول ٣٤، تاريخ إبن عساكر، كفاية الكنجي ١٣٩، كنز العمال ٦ ص ١٥٣.

١٠ - حلية الأولياء ١ ص ٦٥، أسنى المطالب للحافظ الجزري ١٤.


وكيف كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول لَمّا يقضي عليٌّ في حياته: الحمد لله الذي جعل الحكمة فينا أهل البيت(١) وإذا كان عليٌّ باب مدينة علم رسول الله وحكمته بالنصوص المتواترة عنه(٢) صلى الله عليه وآله وسلم فأيُّ أحد يُوازيه؟! أو يُضاهيه؟! أو يقرب منه في شيء من العلم؟! و هذا الحديث ممّا لا شكَّ في صدوره عن مصدر النبوَّة، وقد أفرده بتدوين طرقه غير واحد في مؤلَّفات مستقلّة.

وبعده صلى الله عليه وآله وسلم عايشة فإنَّها قالت: عليٌّ أعلم الناس بالسنَّة(٣) .

وعمر بقوله: عليٌّ أقضانا.(٤)

وقوله: أقضانا عليٌّ.(٥)

ولعمر كلماتٌ مشهورةٌ تعرب عن غاية إحتياجه في العلم إلى أمير المؤمنين منها قوله غير مرَّة: لولا عليٌّ لهلك عمر(٦) .

وقوله: أللهمّ لا تبقني لمعضلة ليس لها إبن أبي طالب(٧) .

وقوله: لا أبقاني الله بأرض لست فيها أبا لحسن.(٨)

وقوله: لا أبقاني الله بعدك يا عليُّ؟(٩)

_____________________

١ - أخرجه أحمد في المناقب، محب الدين الطبري في الرياض ٢ ص ١٩٤.

٢ - أخرجه كثير من الحافظ بعدة طرق وصححه الطبري وابن معين والحاكم والخطيب والسيوطي وغيرهم.

٣ - الاستيعاب ٣ ص ٤٠ هامش الإصابة، الرياض النضرة ٢ ص ٩٣؟، مناقب الخوارزمي ٥٤، الصواعق ٧٦، تاريخ الخلفاء ١١٥.

٤ - حلية الأولياء ١ ص ٦٥، طبقات ابن سعد ص ٤٥٩، ٤٦٠، ٤٦١، الاستيعاب ٤ ص ٣٨، ٣٩ هامش الإصابة، الرياض النضرة ٢ ص ١٩٨، ٢٤٤، تاريخ إبن كثير ٧ ص ٣٥٩ و قال: ثبت عن عمر. أسنى المطالب للجزري ١٤، تاريخ الخلفاء للسيوطي ١١٥.

٥ - طبقات ابن سعد ٨٦٠، الاستيعاب ٣ ص ٤١، تاريخ إبن عساكر ٢ ص ٣٢٥، مطالب السئول ٣٠.

٦ - أخرجه أحمد والعقيلي وابن السمان، ويوجد في الاستيعاب ٣ ص ٣٩، الرياض ٢ ص ١٩٤، تفسير النيسابوري في سورة الأحقاف، مناقب الخوارزمي ٤٨، شرح الجامع الصغير للشيخ محمد الحنفي ٤١٧ هامش السراج المنير. تذكرة السبط ٨٧، مطالب السئول ١٣، فيض القدير ٤ ص ٣٥٧.

٧ - تذكرة السبط ٨٧، مناقب الخوارزمي ٥٨، مقتل الخوارزمي ١ ص ٤٥.

٨ - إرشاد الساري ٣ ص ١٩٥.

٩ - الرياض النضرة ٢ ص ١٩٧، مناقب الخوارزمي ٦٠، تذكرة السبط ٨٨، فيض القدير ٤ ص ٣٥٧.


وقوله: أعوذ بالله من معضلة ولا أبو حسن لها(١) .

وقوله: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لستَ فيهم يا أبا الحسن(٢) .

وقوله: أعوذ بالله أن أعيش في قوم ليس فيهم أبو الحسن(٣) .

وقوله: أللهمّ لا تنزل بي شديدة إلّا وأبو الحسن إلى جنبي(٤) .

وقوله: لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن. ترجمة عليّ بن أبي طالب ص ٧٩.

م - وقوله: لا أبقاني الله إلى أن أدرك قوماً ليس فيهم أبو الحسن. حاشية شرح العزيزي ٢ ص ٤١٧، مصباح الظلام ٢ ص ٥٦ ]

وقال سعيد بن المسيِّب: كان عمر يتعوَّذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن(٥) .

وقال معاوية: كان عمر إذا أشكل عليه شيءٌ أخذه منه(٦) .

م - ولَمّا بلغ معاوية قتل الإمام قال: لقد ذهب الفقه والعلم بموت إبن أبي طالب. أخرجه أبو الحجّاج البلوي في كتابه «ألف باء» ج ١ ص ٢٢٢ ].

ثمّ الإمام السبط الحسن الزكيّ فإنَّه قال في خطبة له: لقد فارقكم رجلٌ بالأمر لم يسبقه الأوَّلون ولا يدركه الآخرون بعلم(٧) .

وقال إبن عبّاس حبر الأُمَّة: والله لقد اُعطي عليُّ بن أبي طالب تسعةُ أعشار العلم، وأيم الله لقد شارككم في العُشر العاشر(٨) .

_____________________

١ - تاريخ إبن كثير ٧ ص ٣٥٩، الفتوحات الإسلامية ٢ ص ٣٠٦.

٢ - الرياض النضرة ١٩٧، منتخب كنز العمال هامش مسند أحمد ٢ ص ٣٥٢.

٣ - فيض القدير ٤ ص ٣٥٧، م - قال: أخرج الدار قطني عن أبي سعيد أن عمر كان يسأل علياً عن شيئ فأجابه فقال عمر: أعوذ بالله الخ).

٤ - أخرجه ابن البختري كما في الرياض ٢ ص ١٩٤.

٥ - أخرجه أحمد في المناقب، ويوجد في الاستيعاب هامش الإصابة ٣ ص ٣٩، م - صفة الصفوة ١ ص ١٢١) الرياض النضرة ٢ ص ١٩٤، تذكرة السبط ٨٥، طبقات الشافعية للشيرازي ١٠، الإصابة ٢ ص ٥٠٩، الصواعق ٧٦، فيض القدير ٤ ص ٣٥٧، م - إلف باء ١ ص ٢٢٢).

٦ - مناقب أحمد، الرياض النضرة ٢ ص ١٩٥.

٧ - أخرجه م - أحمد كما في تاريخ إبن كثير ٧ ص ٣٣٢، و) أبو نعيم في الحلية ١ ص ٦٥، وابن أبي شيبة كما في ترتيب جمع الجوامع ٦ ص ٤١٢، م - وأبو الفرج إبن الجوزي في صفة الصفوة ١ ص ١٢١).

٨ - الاستيعاب ٣ ص ٤٠، الرياض ٢ ص ١٩٤، مطالب السئول ٣٠.


وقال: ما علمي وعلم أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم في علم عليٍّ رضي الله عنه إلّا كقطرة في سبعة أبحر(١) .

وقال: العلم ستَّة أسداس، لِعليٍّ من ذلك خمسة أسداس وللنّاس سُدسٌ، ولقد شاركنا في السّدس حتّى لهو أعلم به منّا(٢) .

وقال إبن مسعود: قسمت الحكمة عشرة أجزاء فاُعطي عليُّ تسعة أجزاء والناس جزءاً، وعليٌّ أعلمهم بالواحد منها(٣) .

وقال: أعلم أهل المدينة بالفرائض عليُّ بن أبي طالب(٤) .

وقال: كنّا نتحدَّث أنَّ أقضى أهل المدينة عليٌّ(٥) .

وقال: أفرض أهل المدينة وأقضاها عليٌّ(٦) .

موقال: إنَّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف ما منها حرفٌ إلّا وله ظهرٌ وبطنٌ وإنَّ عليّ بن أبي طالب عنده منه الظاهر والباطن. مفتاح السعادة ج ١ ص ٤٠٠ ].

وقال: هشام بن عتيبة في عليّ عليه السلام: هو أوَّل من صلّى مع رسول الله، وأفقهه في دين الله، وأولاه برسول الله(٧)

وسُئل عطاء أكان في أصحاب محمد أحد أعلم من عليٍّ؟! قال: لا والله ما أعلمه.(٨)

وقال عديّ بن حاتم في خطبة له: والله لئن كان إلى العلم بالكتاب والسنَّة إنَّه - يعني عليّاً - لأعلم النّاس بهما، ولئن كان إلى الإسلام إنَّه لأخو نبيِّ الله والرأس في الإسلام، ولئن كان إلى الزهد والعبادة إنَّه لأظهر الناس زهداً، وأنهكهم عبادةً،

_____________________

١ - راجع الجزء الثاني من كتابنا ص ٤٤، ٤٥ ط ثاني

٢ - مناقب الخوارزمي ٥٥، فرايد السمطين في الباب الـ ٦٨ بطريقين.

٣ - كنز العمال ٥ ص ١٥٦، ٤٠١ نقلاً عن غير واحد من الحفاظ.

٤ - الاستيعاب ٣ ص ٤١، الرياض ٢ ص ١٩٤.

٥ - مستدرك الحاكم ج ٣ وصححه، الاستيعاب ٣ ص ٤١، أسنى المطالب للجزري ١٤، تمييز الطيب من الخبيث لابن البديع ١٥، الصواعق ٧٦.

٦ - مستدرك الحاكم، الرياض ٢ ص ١٩٨، الصواعق ٧٦، تاريخ الخلفاء للسيوطي ١١٥.

٧ - كتاب صفين لنصر بن مزاحم ص ٤٠٣.

٨ - الاستيعاب ٣ ص ٤٠، الرياض النضرة ٢ ص ١٩٤، م - ألف باء ا ص ٢٢٢) الفتوحات الإسلامية ٢ ص ٣٣٧.


ولئن كان إلى العقول والنَّحائز(١) إنَّه لأشدُّ الناس عقلاً، وأكرمهم نحيزةً(٢)

وقال عبد الله بن حجل في خطبة له: أنت أعلمنا بربِّنا، وأقربنا بنبيِّنا، وخيرنا في ديننا(٣) .

م - وقال أبو سعيد الخدري: أقضاهم عليّ. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة مثله. فتح الباري ٨: ١٣٦ ].

وقد امتدح جمعٌ من الصحابة أمير المؤمنين عليه السلام في شعرهم بالأعلميَّة كحسَّان بن ثابت، وفضل بن عبّاس، وتبعهم في ذلك أُمَّة كبيرةٌ من شعراء القرون الأولى لا نطيل بذكرهم المقام.

والأُمَّة بعد أولئك كلّهم مجمعةٌ على تفضيل أمير المؤمنين عليه السلام على؟ غيره بالعلم إذ هو الّذي ورث علم النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وقد ثبت عنه بعدّة طرق قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّه وصيّه ووارثه. وفيه: قال عليٌّ: وما أرث منك يا نبيَّ الله؟! قال: ما ورث الأنبياء من قبلي قال: وما ورث الأنبياء من قبلك؟! قال: كتاب الله وسنَّة نبيِّهم.

قال الحاكم في المستدرك ٣ ص ٢٢٦ في ذيل حديث وراثته النبيَّ دون عمِّه العبّاس ما نصّه: لا خلاف بين أهل العلم أنَّ ابن العمّ لا يرث مع العمِّ، فقد ظهر بهذا الإجماع أنَّ عليّاً ورث العلم من النبيِّ دونهم.

وبهذه الوراثة الثابتة صحَّ عن عليّ عليه السلام قوله: والله إنّي لأخوه ووليّه وابن عمِّه ووارث علمه، فمن أحقُّ به منّي؟!(٤)

وهذه الوراثة هي المتسالم عليها بين الصحابة وقد وردت في كلام كثير منهم وكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية فيما كتب: يا لك الويل، تعدل نفسك بعليٍّ؟! وهو وارث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصيّه(٥)

_____________________

١ - النحائز جمع النحيزة: الطبيعة.

٢ - جمهرة خطب العرب ١ ص ٢٠٢.

٣ - جمهرة الخطب ١ ص ٢٠٣.

٤ - خصائص النسائي ص ١٨، مستدرك الحاكم ٣ ص ١٢٦ صححه هو والذهبي.

٥ - كتاب صفين لنصر بن مزاحم ١٣٣، مروج الذهب ٢ ص ٥٩.


فلينظر الرجل الآن إلى من يوجِّه قوارصه وقذائفه؟! وما حكم من يقول ذلك ومن المفضِّلين النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم؟! وأمّا حكم من يقع في الصحابة وفيمن يقع فيه الإمام السبط الحسن وعائشة وعمر بن الخطاب وحبر الأُمَّة إبن عبّاس ونظراءهم، فالمرجع فيه زملاء الرجل وعلماء مذهبه.

٣ - قال: من قول الإماميَّة كلّها قديماً وحديثاً: إنَّ القرآن مبدَّلٌ زيد فيه ما ليس منه ونقص منه كثيرٌ، وبُدِّل منه كثيرٌ، حاشا عليّ بن الحسن(١) بن موسى بن محمد وكان إماميّاً يُظاهر بالاعتزال مع ذلك فإنَّه كان يُنكر هذا القول ويُكفِّر مَن قاله.

ج - ليت هذا المجترئ أشار إلى مصدر فريته من كتاب للشيعة موثوق به، أو حكايةٍ عن عالم من علمائهم تقيم له الجامعة وزناً، أو طالبٍ من روّاد علومهم ولو لم يعرفه أكثرهم، بل نتنازل معه إلى قول جاهل من جهّالهم، أو قرويّ من بسطائهم، أو ثرثار كمثل هذا الرجل يرمي القول على عواهنه.

لكن القارئ إذا فحص ونقَّب لا يجد في طليعة الإماميَّة إلّا نُفاة هذه الفرية كالشيخ الصدوق في عقايده، والشيخ المفيد، وعلم الهدى الشريف المرتضى الّذي اعترف له الرجل بنفسه بذلك، وليس بمتفرِّد عن قومه في رأيه كما حسبه المغفَّل، وشيخ الطائفة الطوسي في التبيان، وأمين الإسلام الطبرسي في مجمع البيان وغيرهم.

فهؤلاء أعلام الإماميَّة وحملة علومهم الكالئين لنواميسهم وعقايدهم قديماً و وحديثاً يوقفونك على مين الرجل فيما يقول، وهذه فرق الشيعة وفي مقدَّمهم الإماميَّة مجمعةٌ على أنَّ ما بين الدفّتين هو ذلك الكتاب الّذي لا ريب فيه وهو المحكوم بأحكامه ليس إلّا.

وإن دارت بين شدقي أحد من الشيعة كلمة التحريف فهو يريد التأويل بالباطل بتحريف الكلم عن مواضعه لا الزيادة والنقيصة، ولا تبديل حرف بحرف، كما يقول التحريف بهذا المعنى هو وقومه ويرمون به الشيعة كما مرَّ ص ٨٠.

٤ - قال: من الإماميَّة من يُجيز نكاح تسع نسوة، ومنهم من حرَّم الكرنب لأنَّه

_____________________

١ - (كذا في الفصل والمحكى عنه في كتب العامة، والصحيح، علي بن الحسين، وهو الشريف علم الهدى المرتضى.


نبت على دم الحسين ولم يكن قبل ذلك. ٤ ص ١٨٢.

ج - كنت أودّ أن لا يكتب هذا الرجل عزوه المختلق في النكاح قبل مراجعة فقه الإماميّة حتّى يعلم أنَّهم جمعاء من غير إستثناء أحد لا يُبيحون نكاح أكثر من أربع فإنّ النكاح بالتسع من مختصّات النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وليس فيه أيُّ خلاف بينهم وبين العامَّة.

ولولا أنَّ هذه نسبةٌ مائنةٌ إلى بعض الإماميَّة لدلَّ القارئ عليه ونوَّه باسمه أو بكتابه لكنَّه لم يعرفه ولا قرأ كتابه ولا سمعت أذناه ذكره، غير أنَّ حقده المحتدم أبي إلّا أن يفتري على بعضهم حيث لم تسعه الفرية على الجميع.

كما كنت أودّ أن لا يُملي عن الكرنب حديثاً يفترى به قبل استطراقه بلاد الشيعة حتّى يجدهم كيف يزرعون الكرنب ويستمرأون أكله مزيجاً بمطبوخ الأرز ومقلى القمح [البلغور] يفعل ذلك علمائهم والعامَّة منهم وأعاليهم وساقتهم، وما سمعت أُذنا أحد منهم كلمة حظر عن أحد منهم، ولا نُقل عن محدِّثٍ أو مؤرِّخٍ أو لغويٍّ أو قصّاص أو خضرويٍّ بأنَّه نبت على دم الحسين عليه السلام ولم يكن قبل ذلك.

لكن الرجل ليس بمنتئى عن الكذب وإن طرق البلاد وشاهد ذلك كلّه بعينه لأنَّه أراد في خصوص المقام تشويه سمعة القوم بكذب لا يُشاركه فيه أحدٌ من قومه.

٥ - قال: وجدنا عليّاً رضي الله عنه تأخَّر عن البيعة ستَّة أشهر فما أكرهه أبو بكر على البيعة حتّى بايع طائعاً مراجعاً غير مكره ص ٩٦ وقال ص ٩٧:

وأظرف من هذا كلّه بقاء عليٍّ ممسكاً عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه ستَّة أشهر فما سئلها ولا أُجبر عليها ولا كلّفها وهو متصرِّفٌ بينهم في أُموره، فلولا أنَّه رأى الحقَّ فيها واستدرك أمره فبايع طالباً حظَّ نفسه في دينه راجعاً إلى الحقِّ لما بايع.

دعا الأنصار إلى بيعة سعد بن عبادة، ودعا المهاجرون إلى بيعة أبي بكر؛ وقعد عليٌّ رضي الله في بيته لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ليس معه أحد غير الزبير بن العوام، ثمَّ استبان الحقّ للزبير رضي الله عنه فبايع سريعاً وبقي عليٌّ وحده لا يرقب عليه.

ج - أنا لا أحوم حول هذا الموضوع، ولا أُولّي وجهي شطر هذه الأكاذيب الصريحة، ولا أُقابل هذا التدجيل والتمويه على الحقيقة والجناية على الإسلام و تاريخه، لكنّي أقول: إقرأ هذا ثم أنظر إلى ما ذكره الأُستاذ الفذّ عبد الفتّاح عبد


المقصود في كتابه - الإمام علي بن أبي طالب ص ٢٢٥ - فإنَّه زبدة المخض قال:

واجتمعت جموعهم - آونةً في الخفاء وأُخرى على ملأ - يدعون إلى ابن أبي طالب لأنَّهم رأوه أولى الناس بأن يلي أُمور الناس، ثمَّ تألَّبوا حول داره يهتفون باسمه ويدعونه أن يخرج إليهم ليردّوا عليه تراثه المسلوب.. فإذا المسلمون أمام هذا الحدث مخالفٌ أو نصيرٌ. وإذا بالمدينة حزبان، وإذا بالوحدة المرجوَّة شقّان أو شكا على انفصال، ثمَّ لا يعرف غير الله ما سوف تؤول إليه بعد هذا الحال فهلّا كان عليٌّ - كابن عبادة - حريّاً في نظر إبن الخطّاب بالقتل حتّى لا تكون فتنة ولا يكون انقسام؟!

كان هذا أولى بعنف عمر إلى جانب غيرته على وحدة الإسلام، وبه تحدَّث الناس ولهجت الألسن كاشفةً عن خلجات خواطر جرت فيها الظنون مجرى اليقين، فما كان لرجل أن يجزم أو يعلم سريرة إبن الخطّاب، ولكنَّهم جميعاً ساروا وراء الخيال، ولهم سندٌ ممّا عرف عن الرجل دائماً من عنف ومن دفعات، ولعلَّ فيهم من سبق بذهنه الحوادث على متن الإستقراء فرأى بعين الخيال، قبل رأي العيون، ثبات عليٍّ أمام وعيد عمر لو تقدَّم هذا منه يطلب رضاءه وإقراره لأبي بكر بحقِّه في الخلافة ولعلّه تمادى قليلاً في تصوُّر نتائج هذا الموقف وتخيّل عقباه، فعاد بنتيجة لازمة لا معدى عنها، هي خروج عمر عن الجادَّة، وأخذه هذا «المخالف» العنيد بالعنف والشدَّة!

وكذلك سبقت الشائعات خطوات إبن الخطّاب ذلك النهار، وهو يسير في جمع من صحبه ومعاونيه إلى دار فاطمة، وفي باله أن يحمل ابن عمِّ رسول الله - إن طوعاً وإن كرهاً - علي إقرار ما أباه حتّى الآن، وتحدَّث أُناسٌ بأنَّ السيف سيكون وحده متن الطاعة؟.. وتحدَّث آخرون بأنَّ السيف سوف يلقى السيف؟... ثمَّ تحدَّث غير هؤلاء وهؤلاء بأنّ «النار» هي الوسيلة المثلى إلى حفظ الوحدة وإلى «الرضا» والإقرار!.. وهل على ألسنة الناس عقالٌ يمنعها أن تروي قصَّة حطب أمر به إبن الخطّاب فأحاط بدار فاطمة، وفيها عليٌّ وصحبه، ليكون عدة الإقناع أو عدة الايقاع؟...


على أنَّ هذه الأحاديث جميعها ومعها الخطط المدبَّرة أو المرتجلة كانت كمثل الزبد، أسرع إلى ذهاب ومعها دفعة إبن الخطّاب!.. أقبل الرجل، محنقاً مندلع الثورة، على دار عليٍّ وقد ظاهره معاونوه ومن جاء بهم فاقتحموها أو أوشكوا على اقتحام، فإذاً وجهٌ كوجه رسول الله يبدو بالباب حائلاً من حزن، على قسماته خطوط آلام، وفي عينيه لمعات دمع، وفوق جبينه عبسة غضب فائر وحنق ثائر

وتوقّف عمر من خشية وراحت دفعته شعاعاً. وتوقَّف خلفه - أمام الباب - صحبه الذين جاء بهم، إذ رأوا حيالهم صورة الرسول تطالعهم من خلال وجه حبيبته الزهراء، وغضّوا الأبصار من خزي أو من استحياء، ثمَّ ولَّت عنهم عزمات القلوب وهم يشهدون فاطمة تتحرَّك كالخيال، وئيداً وئيداً بخطوات المحزونة الثكلى، فتقترب من ناحية قبر أبيها وشخصت منهم الأنظار وأرهفت الأسماع إليها، وهي ترفع صوتها الرقيق الحزين، النبرات تهتف بمحمَّد الثاوي بقربها، تناديه باكيةً مريرة البكاء:

«يا أبت رسول الله!... يا أبت رسول الله!...»

فكأنَّما زلزلت الأرض تحت هذا الجمع الباغي، من رهبة النداء

وراحت الزهراء، وهي تستقبل المثوى الطاهر، تستنجد بهذا الغائب الحاضر:

«يا أبت رسول الله! ماذا لقينا بعدك من إبن الخطّاب، وإبن أبي قحافة!؟!».

فما تركت كلماتها إلّا قلوباً صدعها الحزن، وعيوناً جرت دمعاً، ورجالاً ودّوا لو استطاعوا أن يشقّوا مواطئ أقدامهم ليذهبوا في طوايا الثرى مغيَّبين... ا هـ.

(قال الأميني) راجع الإمامة والسياسة ١ ص ١٣. تاريخ الطبري ٣ ص ١٩٨. العقد الفريد ٢ ص ٢٥٧. تاريخ أبي الفداء ١ ص ١٦٥. تاريخ إبن شحنة في حوادث سنة ١١. شرح إبن أبي الحديد ٢ ص ١٩.

٦ - قال: الرافضة تجيز إمامة المرأة والحمل في بطن أُمِّه ص ١١٠.

ج - هل ترى هذا الرجل عند كتابته هذه الكلمة وكذلك عند بقيَّة فتاواه المجرَّدة عن أيِّ مصدر وقف على شيئ من كتب الشيعة في الكلام والعقايد وخصوص مبحث الإمامة ووجد هذا الإختلاق مثبتاً في شيئ منها؟!؟! بل يمكننا أن نتنازل معه إلى سواد على بياض خطَّته يمين أيِّ شيعيّ جاهلٍ فضلاً عن علمائهم جاء فيه هذا البهتان العظيم.


لقد عرف الشيعة بأنَّ الإماميَّة منهم يحصرون الإمامة في اثني عشر رجلاً ليست فيهم إمرأة، ويُفنِّدون كلّ خارج عن هذا العدد، وأمّا الفرق الأُخرى منها من الزيديَّة والإسماعيليَّة وحتى المنقرضة من فرقها كالكيسانيَّة وأشباههم فينهون الإمامة إلى أُناس معيَّنين كلّهم من الرجال غير ما اختلقه الشهرستاني في الملل والنحل من الإختلاف الواقع في أمر فاطمة بنت الإمام الهادي وستقف على تفنيده وإنَّه عليه السلام لم يخلف بنتاً إسمها فاطمة، ولو كانت الشيعة تُجوِّز الإمامة لإمرأة لما عدت بها عن الصدّيقة الطاهرة فاطمة وهي: هي، ولكنَّها لا تقول لها فيها.

لم يلتفت الرجل إلى شيئ من هذه لكنَّه حسب عند تأليف هذا الكتاب أنّ الأجيال الآتية لا تولد منقِّبين يناقشونه الحساب، يميِّزون بين الحقايق والأوهام، ويوقظون الأُمَّة للفصل بين الصحيح والسقيم، فطفق يأفك ويمين غير مكترث بما سوف يلاقيه من سوء الحساب.

وليت شعري بماذا يُجيب الرَّجل إذا سُئل عن أنَّ الشيعة متى ما جوَّزَت إمامة الحمل في بطن أُمِّه؟ وأيّ أحد من أيّ فرقة منهم ذهب إلى إمامة حمل لم يولد بعدُ؟ وأيّ حمل قالوا بإمامته؟ ومتى كان ذلك؟ ومن ذا الذي نقله عنه؟ وممَّن سمعه؟ نعم: إنَّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم.

٧ - قال: إنَّ محبَّة النبيِّ عليه السلام لمن أحبّ ليس فضلاً، لأنَّه قد أحبَّ عمَّه وهو كافرٌ ص ١٢٣. وقال في ص ١٢٤:

وإن كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحبَّ أبا طالب فقد حرَّم الله تعالى عليه بعد ذلك و نهاه عن محبَّته، وافترض عليه عداوته.

ج - النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وإن أكّد على صلة الأرحام لكنَّه كان يرى الكفر حاجزاً عنها وإن تأكّدت معه وشائج الرحم، ولذلك قلا أبا لهب وهتف بالبرائة منه بسورة مستقلّة، ولم يرفع قيد الأسار عن عمِّه العبّاس وابن عمِّه عقيل إلّا بعد تظاهر هما بالإسلام، و أجرى عليهما حكم الفدية مع ذلك، وفرَّق بين إبنته زينب وزوجها أبي العاص طيلة مقامه على الكفر حتّى أسلم وسلم.

فلم يكن محبَّة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم لمن يحبّه إلّا لثباته في الإيمان ورسوخ كلمة الحقِّ


وتمكّنه من فؤاده، فهو إذا أحبَّ أحداً كان ذلك آية تضلّعه في الدين وتحلّيه باليقين، وهذه قضيَّة قياسها معها، وهي مرتكزةٌ في القلوب جمعآء حتّى أنَّ إبن حزم نفسه إحتجَّ بأفضليَّة عايشة على جميع الأُمَّة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحديث باطل رواه من أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال لها: أنتِ أحبّ الناس إليَّ.

وأمّا أبو طالب فقد اعترف الرَّجل بمحبَّة النبيِّ له أوَّلاً ونحن نصدِّقه على ذلك ونراه فضلاً له وأيَّ فضل.

وأمّا دعواه تحريم المحبَّة بعد ذلك، ونهي الله عنها، وأمره بعداوته، فغير مقرونة بشاهد، وهل يسعه دعوى الفرق بين يومي النبيِّ معه قبل التحريم وبعده؟! وهل يمكنه تعيين اليوم الذي قلاه فيه؟! أو السنة التي هجره فيها وافترضت عليه عداوته؟!؟!

التاريخ خلوٌ من ذلك كلّه بل يُعلمنا الحديث والسيرة أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يُفارقه حتّى قضى أبو طالب نحبه فطفق يُؤبِّنه وقال لعليٍّ: إذهب فاغسله وكفِّنه وواره غفر الله له ورحمه(١) ورثاه عليٌّ بقوله:

أبا طالب عصمة المستجير

وغيث المحول ونور الظلمْ

لقد هدَّ فقدك أهل الحفاظ

فصلّى عليك وليُّ النعمْ

ولقّاك ربّك رضوانه

فقد كنت للطّهر من خير عمْ(٢)

فمن أراد الوقوف على الحقيقة في ترجمة شيخ الأبطح أبي طالب فعليه بكتاب العلّامة البرزنجيِّ الشافعيِّ وتلخيصه الموسوم بأسنى المطالب لمفتي الشافعيَّة السيِّد أحمد زيني دحلان(٣)

٨ - قال: لسنا من كذب الرافضة في تأويلهم( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ) . وإنَّ المراد بذلك عليٌّ رضي الله عنه، بل هذا لا يصحُّ، بل الآية على عمومها وظاهرها لكلِّ من فعل ذلك. ٤ ص ١٤٦.

_____________________

١ - طبقات ابن سعد ١ ص ١٠٥.

٢ - تذكرة السبط ٦.

٣ - سيوافيك البحث عن إيمان أبي طالب عليه السلام مفصلاً في الجزء السابع والثامن من كتابنا هذا.


ج - إنَّ الواقف على هذه الأضحوكة يعرف موقع الرجل من التدجيل لحسبانه إنَّ في مجرَّد عزو هذا التأويل إلى الرافضة فحسب، وقذفهم بالكذب، واتِّباع ذلك بعدم الصحَّة حطّاً في كرامة الحديث الوارد في الآية الشريفة، وهو يعلم أنَّ أمَّة كبيرةً من أئمَّة التفسير والحديث يروون ذلك ويثبتونه مسنداً في مدوَّناتهم. وإن كان لا يدري فتلك مصيبةٌ.

وهذا الحافظ أبو محمد العاصمي أفرد ذلك كتاباً في مجلّدين أسماه (زين الفتى في تفسير سورة هل أتى) وهو كتابٌ ضخمٌ فخمٌ ممتَّعٌ ينمُّ عن فضل مؤلِّفه وسعة حيطته بالحديث، وتعالى مقدرته في الكلام والتنقيب، مع أنَّ في غضونه سقطاتٌ تلائم مذهبه وخطَّة قومه.

أوَ يزعم المغفَّل أنَّ أولئك أيضاً من الرافضة؟! أو يحسبهم جهلاء بشرايط صحَّة الحديث؟! أم إنَّه لا يعتدُّ بكلِّ ما وافق الرافضة وإن كان مخرجاً بأصحِّ الأسانيد؟! وكيف ما كان فقد رواه.

١ - أبو جعفر الإسكافي المتوفّى ٢٤٠، قال في رسالته التي ردَّ بها علي جاحظ: لسنا كالإماميَّة الذين يحملهم الهوى على جحد الأُمور المعلومة، ولكنَّنا ننكر تفضيل أحد من الصحابة على عليِّ بن أبي طالب، ولسنا ننكر غير ذلك - إلى أن قال -: وأمّا إنفاقه فقد كان على حسب حاله وفقره وهو الّذي أطعم الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، وأُنزلت فيه وفي زوجته وابنيه سورةٌ كاملةٌ من القرآن.

٢ - الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي كان حيّاً في سنة ٢٨٥، ذكره في «نوادر الأُصول» ص ٦٤).

٣ - الحافظ محمد بن جرير الطبري أبو جعفر المتوفّى ٣١٠، ذكره في سبب نزول هل أتى كما في «الكفاية».

٤ - شهاب الدين إبن عبد ربِّه المالكيّ المتوفّى ٣٢٨، ذكر في «العقد الفريد» ٣ ص ٤٢-٤٧ حديث إحتجاج المأمون الخليفة العبّاسي على أربعين فقيهاً وفيه: قال: يا إسحاق؟ هل تقرأ القرآن؟! قلت: نعم. قال: إقرأ عليَّ:( هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا ) ، فقرأت منها حتّى بلغت:( يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ


كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ) . إلى قوله:( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ) . قال: على رسلك، فيمن أُنزلت هذه الآيات؟! قلت في عليٍّ. قال: فهل بلغك أنّ عليّاً حين أطعم المسكين واليتيم والأسير قال: إنَّما نطعمكم لوجه الله؟! وهل سمعت الله وصف في كتابه أحداً بمثل ما وصف به عليّاً؟! قلت: لا. قال: صدقت لأنّ الله جلَّ ثناؤه عرف سيرته. يا إسحاق؟! ألست تشهد أنَّ العشرة في الجنَّة؟! قلت: بلى يا أمير المؤمنين؟! قال: أرايت لو أنَّ رجلاً قال: والله ما أدري هذا الحديث صحيحٌ أم لا ولا أدري إن كان رسول الله قاله أم لم يقله. أكان عندك كافراً؟! قلت: أعوذ بالله. قال: أرأيت لو أنَّه قال: ما أدري هذه السورة من كتاب الله أم لا كان كافراً؟! قلت: نعم. قال: يا إسحاق أرى بينهما فرقاً.

٥ - الحاكم أبو عبد الله النيسابوري المتوفّى ٤٠٥، ذكره في مناقب فاطمة سلام الله عليها كما في «الكفاية».

٦ - الحافظ إبن مردويه أبو بكر الإصبهاني المتوفّى ٤١٦، أخرجه في تفسيره حكاه عنه جمعٌ وقال الآلوسي في «روح المعاني» بعد نقله عنه والخبر مشهورٌ.

٧ - أبو إسحاق الثعلبي المتوفّى ٤٢٧ / ٣٧، في تفسيره «الكشف والبيان».

٨ - أبو الحسن الواحدي النيسابوري المتوفّى ٤٦٨، في تفسيره البسيط، وأسباب النزول ص ٣٣١.

٩ - الحافظ أبو عبد الله محمد بن فتوح الأزدي الأندلسي الشهير بالحميدي المتوفّى ٤٨٨، ذكره في فوائده.

١٠ - أبو القاسم الزمخشري المتوفّى ٥٣٨، في «الكشّاف» ٢ ص ٥٣١.

١١ - أخطب الخطباء الخوارزمي المتوفّى ٥٦٨، في «المناقب» ١٨٠.

١٢ - الحافظ أبو موسى المديني المتوفّى ٥٨١ في «الذيل» كما في «الإصابة».

١٣ - أبو عبد الله فخر الدين الرازي المتوفّى ٦٠٦، في تفسيره ٨ ص ٢٧٦.

١٤ - أبو عمر وعثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصَّلاح الشهرزودي الشرخاني المتوفّى ٦٤٣، كما يأتي عنه في «الكفاية».

١٥ - أبو سالم محمد بن طلحة الشافعيّ المتوفّى ٦٥٢، ذكره في «مطالب السئول» ص ٣١


وقال: رواه الإمام أبو الحسن عليُّ بن أحمد الواحدي وغيره من أئمَّة التفسير. ثمَّ قال: فكفى بهذه عبادةً، وبإطعام هذا الطعام مع شدَّة حاجتهم إليه منقبةً، ولولا ذلك لما عظمت هذه القصَّة شاناً، وعلت مكاناً، ولما أنزل الله تعالى فيها على رسول الله قرآنا وله في ص ٨ قوله:

هم العروة الوثقى لمعتصم بها

مناقبهم جائت بوحيٍ وإنزالِ

مناقب في الشورى وسورة هل أتى

وفي سورة الأحزاب يعرفها التالي

وهم أهل البيت المصطفى فودادهم

على الناس مفروضٌ بحكم وإسجالِ

١٦ - أبو المظفَّر سبط إبن الجوزي الحنفيّ المتوفّى ٦٥٤، رواه في تذكرته من طريق البغوي والثعلبي، وردَّ على جدِّه إبن الجوزي في إخراجه في الموضوعات وقال بعد تنزيه سنده عن الضعف: والعجب من قول جدّي وإنكاره وقد قال في كتاب «المنتخب»: يا علمآء الشرع أعلمتم لِمَ آثر (عليٌّ وفاطمة) وتركا الطفلين (الحسنين) عليهما أثر الجوع؟! أتراهما خفي عنهما سرُّ ذلك؟! ما ذاك إلّا لأنَّهما علما قوَّة صبر الطفلين، وأنَّهما غصنان من شجرة الظلّ عند ربّي، وبعض من جملة فاطمة بضعةٌ منّي، وفرخ البطّ السابح(١) .

١٧ - عزُّ الدين عبد الحميد الشهير بابن أبي الحديد المعتزليّ المتوفّى ٦٥٥، في شرح نهج البلاغة ٣ ص ٢٥٧.

١٨ - الحافظ أبو عبد الله الكنجي الشافعيّ المتوفّى ٦٥٨، في «الكفاية» ٢٠١ وقال بعد ذكر الحديث: هكذا رواه الحافظ أبو عبد الله الحميدي في فوائده، ورواه إبن جرير الطبري أطول من هذا في سبب نزول هل أتى.

وقد سمعت الحافظ العلّامة أبا عمرو عثمان بن عبد الرَّحمن المعروف بابن الصَّلاح في درس التفسير في سورة هل أتى وذكر الحديث وقال فيه: إنَّ السؤال كانوا ملائكة من عند ربِّ العالمين، وكان ذلك إمتحاناً من الله عزَّ وجلَّ لأهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

وسمعت بمكّة حرسها الله تعالى من شيخ الحرم بشير التبريزي في درس التفسير:

_____________________

١ - في النسخة تصحيف.


إنَّ السائل الأوَّل كان جبرئيل، والثاني ميكائيل، والثالث كان إسرافيل عليهم السَّلام.

١٩ - القاضي ناصر الدين البيضاوي المتوفّى ٦٨٥، في تفسيره ٢ ص ٥٧١.

٢٠ - الحافظ محبُّ الدين الطبري المتوفّى ٦٩٤، في «الرياض النضرة» ٢ ص ٢٠٧، ٢٢٧ وقال: وهذا قول الحسن وقتادة.

٢١ - الحافظ أبو محمد بن أبي حمزة الأزدي الأُندلسي المتوفّى ٦٩٩، في «بهجة النفوس» ٤: ٢٢٥.

٢٢ - حافظ الدين النسفي المتوفّى ٧٠١ / ٧١٠، في تفسيره هامش تفسير الخازن ٤ ص ٤٥٨، رواه في سبب نزول الآية ولم يرو غيره.

٢٣ - شيخ الإسلام أبو إسحاق الحمويي المتوفّى ٧٢٢، في «فرايد السمطين».

٢٤ - نظام الدين القمّي النيسابوري في تفسيره هامش الطبري ٢٩ ص ١١٢ وقال: ذكر الواحدي في «البسيط» والزمخشري في «الكشّاف» وكذا الإماميّة أطبقوا على أنَّ السورة نزلت في أهل بيت النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ولا سيَّما في هذه الآي - ثمَّ ذكر حديث الإطعام فقال: ويُروى أنَّ السائل في الليالي: جبرئيل، أراد بذلك إبتلاءهم بإذن الله سبحانه.

٢٥ - علاء الدين عليُّ بن محمد الخازن البغداديّ المتوفّى ٧٤١، في تفسيره ٤ ص ٣٥٨، ذكر أوّلاً نزولها في عليّ عليه السلام وأخرج حديثه ثمَّ قال: وقيل: الآية عامَّة في كلِّ من أطعم موعزاً إلى ضعف. بقيل، مع أنَّ القول بالعموم لا يُنافي نزولها في أمير المؤمنين عليه السلام كما لا يخفى لانحصار المصداق به.

٢٦ - القاضي عضد الأيجي المتوفّى ٧٥٦، في «المواقف» ٣ ص ٢٧٨.

٢٧ - الحافظ إبن حجر المتوفّى ٨٥٢ في «الإصابة» ٤ ص ٣٨٧ من طريق أبي موسى في «الذيل»، والثعلبي في تفسير سورة هل أتى عن مجاهد عن إبن عبّاس.

٢٨ - الحافظ جلال الدين السيوطي المتوفّى ٩١١، في «الدر المنثور» ٦ ص ٢٩٩ من طريق إبن مردويه.

٢٩ - أبو السعود العمادي محمد بن محمد الحنفي المتوفّى ٩٨٢، في تفسيره هامش تفسير الرازي ٨ ص ٣١٨.


٣٠ - الشيخ إسماعيل البروسي المتوفّى ١١٣٧ في تفسير «روح البيان» ١٠ ص ٢٦٨ - ٢٦٩.

٣١ - الشوكاني المتوفّى ١١٧٣، في تفسيره «فتح القدير» ٥ ص ٣٣٨.

٣٢ - الأستاذ محمد سليمان محفوظ في «أعجب ما رأيت» ١ ص ١٠ وقال: رواه أهل التفسير.

٣٣ - السيِّد الشبلنجي في «نور الأبصار» ص ١٢ - ١٤.

٣٤ - السيِّد محمود القراغولي البغداديّ الحنفيّ في «جوهرة الكلام» ص ٥٦.

لفظ الحديث

قال إبن عبّاس رضي الله عنه: إنَّ الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في ناس معه فقالوا: يا أبا الحسن؟ لو نذرت على ولدك. فنذر عليٌّ وفاطمة وفضَّة جارية لهما إن برئا ممّا بهما أن يصوموا ثلاثة أيّام. فشفيا وما معهم شيئٌ، فاستقرض عليٌّ من شمعون الخيبريِّ اليهوديِّ ثلاث أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائلٌ فقال: السَّلام عليكم أهل بيت محمد؟ مسكينٌ من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنَّة. فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلّا الماء وأصبحوا صياماً، فلمّا أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيمٌ فآثروه، ووقف عليهم أسيرٌ في الثالثة ففعلوا مثل ذلك، فلمّا أصبحوا أخذ عليٌّ رضي الله عنه بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلمّا أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدَّة الجوع قال: ما أشدَّ ما يسوء ني ما أرى بكم؟! وقام فانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها، وغارت عيناها، فساء ذلك فنزل جبريل وقال: خذها يا محمد؟ هنّأك الله في أهل بيتك فأقرأه السورة.

هذا لفظ جمع من الأعلام المذكورين وهناك لفظٌ آخر ضربنا عنه صفحاً.

٩ - قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لو كنت متَّخذاً خليلاً لاتَّخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخي وصاحبي. وهذا الَّذي لا يصحُّ غيره، وأمّا أُخوَّة عليٍّ. فلا تصحُّ إلّا مع سهل بن حنيف.


ج - أنا لا أروم الكلام حول حديث رآه صحيحاً، ولا أُناقش في صدوره ولا أُزيِّفه بما زيِّف عمر بن الخطّاب حديث الكتف والدواة، إذ هذا لدة ذاك صدرا في مرض وفاته صلى الله عليه وآله وسلم كما في الصحيحين، ولا أقول بما قال إبن أبي الحديد في شرحه ٣ ص ١٧ من: أنَّه موضوعٌ وضعته البكريَّة في مقابلة حديث الإخاء.

وأنا لا أبسط القول في مفاده بما يُستفاد من كلام إبن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص ٥١ من أنَّ الأخوَّة هناك منزلة بالأخوَّة الإسلاميَّة العامَّة الثابتة بقوله تعالى:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) نظير ما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله لعمر: يا أخي(١) ولزيد: أنت أخونا(٢) ولأُسامة: يا أخي(٣) . وإنَّما يُفسِّر تلك الأُخوة لفظ البخاري ومسلم والترمذي: لو كنت متَّخذاً خليلاً لاتّخذتُ أبا بكر خليلاً، ولكن إخوة الإسلام ومودّته. كما أنَّ الخلّة المنتفية فيه هي الخلّة بالمعنى الخاصّ لا الخلّة العامَّة الثابتة بقوله تعالى:( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) .

فلم تكن هي تلك الأُخوَّة بالمعنى الخاصّ التي تمَّت يومي المواخاة(٤) بوحي من الله العزيز، وكانت على أساس المشاكلة والمماثلة بين كلِّ اثنين في الدرجات النفسيَّة كما ستسمعه عن غير واحد من الأعلام، ووقعت المؤاخاة فيهما بين أبي بكر وعمر. وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف. وبين طلحة والزبير. وبين أبي عبيدة الجرّاح وسالم مولى أبي حذيفة. وبين أُبّي بن كعب وإبن مسعود. وبين معاذ وثوبان. وبين أبي طلحة وبلال. وبين عمّار وحُذيفة. وبين أبي الدَّرداء وسلمان. وبين سعد بن أبي وقّاص وصُهيب. وبين أبي ذرّ والمقداد بن عمرو. وبين أبي أيّوب الأنصاري وعبد الله بن سلام. وبين أُسامة وهند حجّام النبيِّ. وبين معاوية والحباب المجاشعي. وبين فاطمة بنت النبيِّ وأُمِّ سلمة. وبين عائشة وامرأة أبي أيّوب(٥) .

_____________________

١ - الرياض النضرة ٢ ص ٦.

٢ - خصائص النسائي ص ١٩.

٣ - تاريخ إبن عساكر ٦ ص ٩.

٤ - وقعت المواخاة مرتين إحديهما قبل الهجرة وأخرى بعدها بخمسة أشهر كما يأتي.

٥ - سيرة ابن هشام، تاريخ إبن عساكر ٦ ص ٩٠، ٢٠٠، أسد الغابة ٢ ص ٢٢١، مطالب السئول ١٨، إرشاد الساري للقسطلاني ٦ ص ٢٢٧، شرح المواهب ١ ص ٣٧٣.


وأخَّر صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً لنفسه قائلاً له: والّذي بعثني بالحقِّ ما أخَّرتك إلّا لنفسي أنت أخي ووارثي، أنت أخي ورفيقي، أنت أخي في الدنيا والآخرة!.

بل أقول عجباً للصلافة التي تحدو الإنسان لأن يقول: لا يصحُّ غير حديث حسبه صحيحاً ويجهل مفاده أو يعلم ويحبُّ أن يُغري الأُمَّة بالجهل، ثمَّ يعطف على حديث اعترفت به الأُمَّة جمعاء وجاء مثبتاً في الصحاح والمسانيد ويراه باطلاً.

أهكذا حبُّ الشيء يُعمي ويصمّ؟!

أهكذا خُلق الإنسان ظلوماً جهولاً؟!

هذه الأُخوَّة بالمعنى الخاصّ الثابتة لأمير المؤمنين ممّا يخصّ به عليه السلام ولا يدَّعيها بعده إلّا كذّاب على ما ورد في الصحيح كما يأتي، وكانت مطَّردة بين الصحابة كلقب يُعرَّف به، تداولته الأندية، وحوته المحاورات، ووقع الحجاج به، وتضمَّنه الشعر السائر، ولو ذهبنا إلى جمع شوارد هذا الباب لجاء منه كتابٌ ضخمٌ غير أنّا نختار منها نبذاً.

١ - آخى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين أصحابه فآخى بين أبي بكر وعمر وفلان وفلان فجاءه عليٌّ رضي الله عنه فقال: آخيت بين أصحابك ولم تُؤاخ بيني وبين أحد فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أنت أخي في الدّنيا والآخرة.

(ينتهي سند هذا الحديث إلى):

أمير المؤمنين عليّ. عمر بن الخطّاب. أنس بن مالك. زيد بن أبي أوفى. عبد الله بن أبي أوفى. إبن عبّاس. مخدوج بن زيد. جابر بن عبد الله. أبي ذرّ الغفاري. عامر بن ربيعة. عبد الله بن عمر. أبي أمامة. زيد بن أرقم. سعيد بن المسيِّب(١) .

راجع جامع الترمذي ٢ ص ٢١٣، مصابيح البغوي ٢ ص ١٩٩، مستدرك الحاكم ٣ ص ١٤، الإستيعاب ٢ ص ٤٦٠ وعدَّ حديث المواخاة من الآثار الثابتة، تيسير الوصول ٣ ص ٢٧١، مشكاة المصابيح هامش المرقاة ٥ ص ٥٦٩، الرِّياض النضرة ٢ ص ١٦٧، وقال في ص ٢١٢:

ومن أدلِّ دليل على عظم منزلة عليٍّ من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صنيعه في المواخاة فإنَّه صلّى الله عليه وسلّم جعل يضمُّ الشكل إلى الشكل يؤلّف بينهما. إلى أن آخى بين أبي بكر

_____________________

١ - هذا الحديث بوحدته متواتر على رأي ابن حزم في التواتر.


وعمر وادَّخر عليّاً لنفسه وخصَّه بذلك، فيالها مفخرةً وفضيلة.

فرائد السمطين في الباب العشرين، الفصول المهمَّة ص ٢٢ و٢٩، تذكرة السبط ١٣، ١٥ وحكى عن الترمذي أنَّه صحَّحه، كفاية الكنجي ص ٨٢ وقال: هذا حديثٌ حسنٌ عال صحيحٌ، فإذا أردت أن تعلم قرب منزلة عليٍّ من رسول الله. إلى آخر ما مرّ عن الرِّياض النضرة.

السيرة النبويَّة لإبن سيِّد الناس ١ ص ٢٠٠ - ٢٠٣ وصَّرح بأنَّ هذه هي المواخاة قبل الهجرة ثمَّ قال:

وقال إبن إسحق: آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فقال: تواخوا في الله أخوين. ثمَّ أخذ بيد عليِّ بن أبي طالب فقال: هذا أخي. فكان رسول الله وعليٌّ أخوين.

تاريخ إبن كثير ٧ ص ٣٣٥، أسنى المطالب للجزري ص ٩، مطالب السئول ص ١٨ وقال: فعقد الأُخوَّة بين اثنين منهم حثّاً على التناصر والتعاضد، وجعل كلَّ واحد مؤاخياً لمن تقرب منه درجته في المماثلة والمساواة.

الصواعق ٧٣، ٧٥، تاريخ الخلفاء ١١٤، الإصابة ٢ ص ٥٠٧، المواقف ٣ ص ٢٧٦، شرح المواهب ١ ص ٣٧٣، طبقات الشعراني ٢ ص ٥٥، تاريخ القرماني هامش الكامل ١ ص ٢١٦، السيرة الحلبيَّة ١ ص ٢٣، ١٠١، وفي هامشها السيرة النبويَّة لزيني دحلان ١ ص ٣٢٥، كفاية الشنقيطي ص ٣٤، الإمام عليّ بن أبي طالب للأُستاذ محمد رضا ص ٢١، الإمام عليّ بن أبي طالب للأُستاذ عبد الفتّاح عبد المقصود وقال في ص ٧٣:

ولئن كان أبو بكر من نبيِّ الله وزيره الصادق فإنَّ عليّاً كان منه الظلّ اللاصق لم ينأ عنه ولم يبعد إلّا كما أرسله محمد ليكون له على أعدائه عيناً أو لرجاله طليعة حتّى في بدء ذلك الوقت الذي أخذ رسول الله يُكوِّن فيه ملكه الصغير، ويربط بين المهاجرين والأنصار بالمدينة، لم يفته أن يُؤثر بإخائه عليّاً دون الباقين. آخى بين صحبه الخارجين من ديارهم معه وبين أصحاب البلدة الّذين آووا، فتخيَّر أن يكون عليٌّ أخاه في دين، لم يُواخ أبا بكر، ولم يُواخ عمر، ولم يُواخ حمزة أسده وأسد الله


ولكنه اصطفى لهذه الأُخوَّة المعنويَّة بعد اُخوَّة الدم فتاه الربيب، فآثره على كلِّ حبيب بعيدٍ وقريب.

وقد أصفقت هذه المصادر كلّها أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم آخى بين أبي بكر وعمر وليس فيها من مزعمة إبن حزم عينٌ ولا أثر.

٢ - زيد بن أبي أوفي قال: لَمّا آخى النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه وآخى بين عمر وأبي بكر (إلى أن قال): فقال عليٌّ: لقد ذهب روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت غيري، فإن كان هذا من سخط عليَّ؟ فلك العتبي والكرامة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والّذي بعثني بالحقِّ ما أخَّرتك إلّا لنفسي، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى، غير أنَّه لا نبيَّ بعدي، وأنت أخي ووارثي. قال: وما أرث منك يا رسول الله؟! قال: ما ورث الأنبياء من قبلي. قال: ما ورث الأنبياء من قبلك؟! قال: كتاب ربِّهم وسنَّة نبيِّهم، وأنت معي في قصري في الجنَّة مع فاطمة إبنتي، وأنت أخي ورفيقي. ثمَّ تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إخواناً على سُررٍ مُتقابلين.

مناقب أحمد بن حنبل، الرِّياض النضرة ٢ ص ٢٠٩، تاريخ إبن عساكر ٦ ص ٢٠١، تذكرة السبط ١٤ وصحَّحه وقال: رجاله ثقات، كنز العمّال ٦ ص ٣٩٠، كفاية الشنقيطي ٣٥، ٤٤.

٣ - جابر بن عبد الله وسعيد بن المسيَّب قالا: إنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم آخى بين أصحابه فبقي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر وعمر وعليٌّ، فأخي بين أبي بكر وعمر وقال لعليّ: أنت أخي وأنا أخوك، فإن ناكرك أحدٌ فقل: أنا عبد الله وأخو رسول الله لا يدَّعيها بعدك إلّا كذّاب.

مناقب أحمد، تاريخ إبن عساكر، كفاية الكنجي ٨٢، ٨٣، تذكرة السبط ١٤ وصحّحه وردَّ على جدِّه في تضعيفه سنده، المرقاة في شرح المشكاة ٥ ص ٥٦٩.

وفي لفظ أمير المؤمنين ويعلى بن مرَّة: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنَّما تركتك لنفسي، أنت أخي وأنا أخوك فإن حاجّك أحدٌ فقل: أنا عبد اللهِ وأخو رسول الله. لا يدَّعيها بعدك إلّا كذّاب.

كنز العمّال ٦ ص ١٥٤، ٣٩٩ عن الحافظ أبي يعلى في مسنده.


٤ - قال محمد بن إسحاق: وآخى رسول الله بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فقال فيما بلغنا ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل: تآخوا في الله أخوين أخوين. ثمَّ أخذ بيد عليِّ بن أبي طالب فقال: هذا أخي. فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سيِّد المرسلين وإمام المتّقين، ورسول ربِّ العالمين الذي ليس له خطيرٌ ولا نظيرٌ من العباد - وعليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه أخوين.

تاريخ إبن هشام ٢ ص ١٢٣، تاريخ إبن كثير ٣ ص ٢٢٦، السيرة الحلبيّة ٢ ص ١٠١، الفتاوى الحديثيّة ص ٤٢.

٥ - أمير المؤمنين قال: قال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أنت أخي وصاحبي ورفيقي في الجنّة. تاريخ الخطيب ١٢ ص ٢٦٨، كنز العمّال ٦ ص ٤٠٢.

٦ - أمير المؤمنين قال: آخى رسول الله بين عمر وأبي بكر. وبين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن الحارثة (إلى أن قال): وبيني وبين نفسه.

أخرجه الخليعي في الخليعات، وسعيد بن منصور في سننه كما في كنز العمّال ٦ ص ٣٩٤.

٧ - إبن عبّاس في حديث وقال صلّى الله عليه وسلّم لعليٍّ رضي الله عنه: أنت أخي وصاحبي.

مسند أحمد ١ ص ٢٣٠، الإستيعاب ٢ ص ٤٦٠، الإمتاع للمقريزي ص ٣٤٠، كنز العمّال ٦ ص ٣٩١.

٨ - أسماء بنت عميس قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: اللّهم إنّي أقول كما قال أخي موسى، أللّهمّ اجعل لي وزيراً من أهلي أخي عليّاً أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبِّحك كثيراً ونذكرك كثيراً إنَّك كنت بنا بصيرا.

مناقب أحمد بن حنبل. الرِّياض النضرة ٢ ص ١٦٣.

٩ - إبن عبّاس في حديث إحتجاجه على الرَّجل الشاميِّ وهو حديثٌ طويلٌ كثير الفائدة ومنه: وقال (رسول الله): يا أُمّ سلمة؟ هل تعرفين هذا؟! قالت: نعم هذا عليُّ بن أبي طالب. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: نعم هذا عليٌّ سيط لحمه بلحمي ودمه بدمي، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنَّه لا نبيَّ بعدي، يا أمّ سلمة؟ هذا عليٌّ سيِّدٌ مبجَّل، ومأمل المسلمين، وأمير المؤمنين، وموضع سرّي وعلمي، و


بابي الذي يؤوى إليه، وهو الوصيُّ على أهل بيتي، وعلى الأخيار من أُمَّتي، وهو أخي في الدُّنيا والآخرة.

المحاسن والمساوي ١ ص ٣١، مرَّ حديث أُمّ سلمة هذا بلفظ آخر ومصادره في ج ١ ص ٣٣٧، ٣٣٨.

١٠ - مرَّ قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام في حديث بدء الدعوة: أنت أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي. راجع ج ٢ ص ٢٧٩ - ٢٨٥.

١١ - مرَّج ١ ص ٢١٥ من طريق الطبري قوله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خمّ: إنَّ عليَّ بن أبي طالب أخي ووصيّي وخليفتي. وقوله: معاشر الناس؟ هذا أخي ووصيّي وواعي علمي وخليفتي على من آمن بي.

ويظهر من كلام النويري الذي أسلفناه في ج ١ ص ٢٨٨: أنَّ مواخاة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام يوم غدير خمّ كانت مشهورةً في العصور المتقادمة.

١٢ - جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: مكتوبٌ على باب الجنَّة: لا إله إلّا الله، محمَّدٌ رسول الله، عليٌّ أخو رسول الله قبل أن تُخلق السَّماوات و الأرض بألفي عام.

مناقب أحمد، تاريخ الخطيب ٧ ص ٣٨٧، الرِّياض النضرة ٢ ص ١٦٨، تذكرة السبط ١٤، مجمع الزوايد ٩ ص ١١١، مناقب الخوارزمي ٨٧، شمس الأخبار ص ٣٥ عن مناقب الفقيه إبن المغازلي، كنز العمّال ٦ ص ٣٩٩ عن إبن عساكر، فيض القدير ٤ ص ٣٥٥، كفاية الشنقيطي ٣٤، مصباح الظلام ٢ ص ٥٦ نقلاً عن الطبراني.

١٣ - أمير المؤمنين عليه السلام قال: طلبني النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم فوجدني في حائط نايماً فضربني برجله وقال: قم فوالله لأُرضينَّك، أنت أخي وأبو ولدي، تقاتل على سنَّتي.

مناقب أحمد، الرِّياض النضرة ٢ ص ١٦٧، الصواعق ٧٥، كنز العمّال ٦ ص ٤٠٤، كفاية الشنقيطي ٢٤.

١٤ - مخدوج بن زيد الذهلي قال: إنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال لعليٍّ: أما علمت يا عليُّ؟ إنَّه أوَّل مَن يُدعى به يوم القيامة بي؟! (إلى أن قال): ثمَّ ينادي منادي من تحت العرش: نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ أخوك عليّ.


مناقب أحمد، مناقب الفقيه إبن المغازلي، الرِّياض النضرة ٢ ص ٢٠١، مناقب الخوارزمي ٨٣، ٢٣٤ ٢٣٨، شمس الأخبار ٣٢، تذكرة السبط ص ١٣ وردَّ على مَن ضعَّفه لمكان ميسرة والحكَم في طريق الحافظ الدارقطني فقال: الحديث الذي رواه أحمد في الفضايل ليس فيه ميسرة ولا الحكَم، وأحمد مقلّدٌ في الباب متى روى حديثاً وجب المصير إلى روايته لأنَّه إمام زمانه، وعالم أوانه، والمبرَّز في علم النقل على أقرانه، والفارس الَّذي لا يجارى في ميدانه.

١٥ - أبو برزة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ الله تعالى عهد إليَّ عهداً في عليّ فقلت: يا ربّ؟ بيِّنه لي فقال: إسمع. فقلت: سمعت. فقال: إنَّ عليّاً راية الهدى، و إمام أوليائي، ونور من أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتَّقين، مَن أحبَّه أحبَّني، ومَن أبغضه أبغضني، فبشِّره بذلك. فجاء عليٌّ فبشَّرته فقال: يا رسول الله؟ أنا عبد الله وفي قبضته، فإن يُعذِّبني فبذنبي، وإن يتمُّ لي الذي بشَّرتني به فالله أولى بي. قال: قلت: أللهمَّ أجل قلبه واجعل ربيعه الإيمان. فقال الله: قد فعلت به ذلك. ثمَّ إنّه رفع إليَّ أنَّه سيخصّه من البلاء بشيء لم يخصّ به أحدٌ من أصحابي. فقلت: يا ربّ؟ أخي وصاحبي. فقال: إنّ هذا شيئٌ قد سبق إنَّه مُبتلى ومُبتلى به.

حلية الأولياء ١ ص ٦٧، الرياض النضرة ٢ ص ٤٤٩، شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ٤٤٩، فرايد السمطين في الباب الـ ٣٠ و ٥٠ بطريقين، مناقب الخوارزمي ٢٤٥، كفاية الكنجي ٩٥، نزهة المجالس ٢ ص ٢٤١.

١٦ - في خطبة للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: أيّها النّاس؟ أوصيكم بحبِّ ذي قرباها أخي و ابن عمّي عليّ بن أبي طالب، لا يحبّه إلّا مؤمنٌ ولا يبغضه إلّا منافقٌ، مَن أحبَّه فقد أحبَّني؛ ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني عذَّبه الله.

مناقب أحمد، تذكرة السبط ١٧، شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ٤٥١، الرِّياض النضرة ٢ ص ٢١٢، ذخاير العقبى ٩١.

١٧ - في حديث مفاخرة عليٍّ وجعفر وزيد وتحاكمهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمَّ قال صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: أنت أخي وخالصتي.

شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٣٩. وقال: إتَّفق عليه المحدِّثون.


١٨ - أبو ذرِّ الغفاري قال في حديث: فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعليٍّ: وأنت أخي ووزيري وخير من أترك بعدي.

مرَّ تمام الحديث ومصادره ج ٢ ص ٣١٣ راجع.

١٩ - سلمان الفارسيّ قال: إنَّه سمع النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إنَّ أخي ووزيري وخير من أخلفه بعدي عليُّ بن أبي طالب. مناقب الخوارزمي ٦٧.

٢٠ - بلال بن حمامة في حديث زواج عليٍّ فاطمة سلام الله عليهما وآلهما قال صلى الله عليه وآله وسلم: بشارةٌ أتتني من ربّي في أخي وإبن عمّي (وفيه): فصار أخي وبنتي فكّاك رقاب رجال ونساء من أُمّتي من النّار. راجع ج ٢ ص ٣١٦.

٢١ - عبد الله بن عمر قال في حديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم: أنَّه قال: أللّهمّ اشهد لهم، أللّهمّ؟ قد بلّغت هذا أخي وابن عمّي وصهري وأبو ولدي، أللّهمّ؟ كبّ من عاداه في النّار.

كنز العمّال ٦ ص ١٥٤ نقلاً عن إبن النَّجار والشيرازي في الألقاب.

٢٢ - عبد الله بن عمر قال في حديث قال صلى الله عليه وآله وسلم: ألا أرضيك يا علي؟ قال: بلى يا رسول الله؟ قال: أنت أخي ووزيري تقضي ديني وتنجز موعدي.

مجمع الزوائد ٩ ص ١٢١ عن الطبراني، وص ١٢٢ عن أبي يعلى، كنز العمال ٦ ص ١٥٥.

٢٣ - في حديث الإسراء عنه صلى الله عليه وآله وسلم فأمّا أن رجعت نادى مناد من وراء الحجاب: نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ أخوك عليٌّ فاستوص به خيراً.

فرايد السمطين في الباب العشرين. كنز العمّال ٦ ص ١٦١.

٢٤ - قال أمير المؤمنين عليه السلام في حديث قال صلى الله عليه وآله وسلم: ليس في القيامة راكبٌ غيرنا ونحن الأربعة (إلى أن قال): وأخي عليّ على ناقة من نوق الجنَّة بيده لواء الحمد.

تاريخ بغداد ١١ ص ١١٢، كفاية الحافظ الكنجي ٧٧، كنز العمّال ٦ ص ٤٠٢.

٢٥ - إبن عبّاس في حديث زواج عليٍّ وفاطمة سلام الله عليهما قال: فجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فدقَّ الباب فخرجت إليه أمّ أيمن فقال. اعلمي أخي. قالت: وكيف يكون أخاك وقد زوَّجته إبنتك؟! قال: إنَّه أخي.

خصائص النسائي ٣٢، الرِّياض ٢ ص ١٨١، الصواعق ٨٤.


٢٦ - مرَّ في حديث ليلة المبيت: فأوحى الله إلى جبريل وميكائيل: أفلا كنتما مثل عليِّ بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد. راجع ج ٢ ص ٤٨.

٢٧ - في حديث الإسراء عن النسفي وغيره عن جبرئيل أنَّه قال: إنَّ الله تعالى إطَّلع إلى الأرض فاختارك من خلقه وبعثك برسالته، ثمَّ اطَّلع إليها ثانية فاختار لك أخاً ووزيراً وصاحباً فزوَّجه ابنتك فاطمة فقلت: يا جبريل من هذا الرجل؟! قال: أخوك في الدارين وابن عمّك في النسب عليُّ بن أبي طالب.

نزهة المجالس ٢ ص ٢٢٣.

٢٨ - أخرج الطبراني بإسناده عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال لعليّ عليه السلام: أما ترضى أنّك أخي وأنا أخوك؟! مجمع الزوائد ٩ ص ١٣١.

٢٩ - عبد الله بن عمر قال: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في مرضه: اُدعوا لي أخي. فدعوا له أبا بكر فأعرض عنه، ثمَّ قال: اُدعوا لي أخي. فدعوا له عمر فأعرض عنه، ثمَّ قال: اُدعوا لي أخي. فدعوا له عثمان فأعرض عنه، ثمَّ قال: اُدعوا لي أخي. فدُعي له عليُّ بن أبي طالب فستره بثوب وأكبَّ عليه فلمّا خرج من عنده قيل له: ما قال؟! قال: علّمني ألف باب يفتح كلّ باب إلى ألف باب.

أخرجه الحافظ إبن عدي عن أبي يعلى عن كامل بن طلحة عن أبي لُهيعة إلى آخر السند، وذكره إبن كثير في تاريخه ٧ ص ٣٥٩، وحكى تضعيفه عن إبن عدي لمكان إبن لهيعة في سنده ذاهلاً عمّا قال أحمد بن حنبل في حقّه راجع ج ١ ص ٧٧.

٣٠ - عبد الله بن عمر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: عليٌّ أخي في الدنيا والآخرة.

أخرجه الطبراني، والسيوطي في الجامع الصغير ٢ ص ١٤٠ وحسَّنه. وقال المناوي في فيض القدير ٤ ص ٣٥٥ بعد ذكره: كيف؟ وقد بُعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم الإثنين فأسلم (عليٌّ) وصلّى يوم الثلاثاء فمكث يُصلّي مستخفياً سبع سنين كما رواه الطبراني عن أبي رافع، يريد بذلك بيان المشاكلة والماثلة في الأخوة بينهما صلّى الله عليهما وآلهما.

٣١ - قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث: اشتقَّ الله تعالى لنا من أسمائه أسماءً فالله عزَّ وجلَّ محمودٌ، وأنا محمد. والله الأعلى، وأخي عليٌّ.


أخرجه شيخ الإسلام الحمّويي في فرايده في الباب الثاني من طريق أبي نعيم والنطنزي.

٣٢ - أنس بن مالك قال صعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المنبر فذكر قولاً كثيراً ثمَّ قال: أين عليُّ بن أبي طالب؟! فوثب إليه فقال: هاأنا ذا يا رسول الله؟ فضمَّه إلى صدره وقبَّل بين عينيه وقال بأعلى صوته: معاشر المسلمين؟ هذا أخي وابن عمّي وختني، هذا لحمي ودمي وشعري، هذا أبو السبطين: الحسن والحسين سيِّدي شباب أهل الجنَّة، هذا مفرِّج الكروب عنّي، هذا أسد الله وسيفه في أرضه على أعدائه، على مبغضه لعنة الله ولعنة اللاعنين، والله منه برئٌ وأنا منه برئٌ.

أخرجه أبو سعد في شرف النبوَّة كما في ذخاير العقبى ٩٢.

٣٣ - عن الزهري في حديث حول حرب الجمل: فقالت عايشة لرجل من ضبَّة وهو آخذٌ بخطام جملها أو بعيرها: أين ترى عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه؟! قال: هاهو ذا واقفٌ رافعٌ يده إلى السّماء فنظرت فقالت: ما أشبهه بأخيه. قال الضبّي: و من أخوه؟! قالت: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. قال: فلا أراني أُقاتل رجلاً هو أخو رسول الله عليه الصلاة والسَّلام. فنبذ خطام راحلتها من يده ومال إليه. المحاسن والمساوي ١ ص ٣٥.

٣٤ - عبّاد بن عبد الله الأسدي قال قال عليٌّ رضي الله عنه: أنا عبد الله وأخو رسول الله وأنا الصدّيق الأكبر لا يقولها بعدي إلّا كاذبٌ، آمنت قبل الناس بسبع سنين. و في لفظ جمع من الحفّاظ: لا يقولها بعدي إلّا كذّابٌ مفتري، ولقد صلّيت قبل الناس سبع سنين.

خصايص النسائي ص ٣، ألسنّة لابن أبي عاصم، سنن إبن ماجة ١ ص ٥٧، المعرفة لأبي نعيم، العقد الفريد ٢ ص ٢٧٥، تاريخ الطبري ٢ ص ٣١٢، الرِّياض النضرة ٢ ص ١٥٥، الإستيعاب ٢ ص ٤٦٠، شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٥٧ من طريق الحافظ إبن أبي شيبة مسنداً، فرايد السمطين في الباب الـ ٤٩، مطالب السئول ١٩ وقال: كان يقولها في كثير من الأوقات. تاريخ إبن عساكر، تاريخ إبن كثير ٧ ص ٣٣٥، كنز العمّال ٦ ص ٣٩٤ عن إبن أبي شيبة والنسائي وإبن أبي عاصم والعقيلي والحاكم وأبي نعيم.

٣٥ - زيد بن وهب قال سمعت عليّا عليه السلام على المنبر وهو يقول: أنا عبد الله وأخو


رسوله لم يقلها أحدٌ قبلي ولا يقولها أحدٌ بعدي إلّا كذّاب أو مفتر. فقام إليه رجلٌ فقال: أنا أقول كما يقول هذا. فضُرب به الأرض فجاءه قومه فغشّوه ثوباً، فقيل لهم: أكان هذا فيه قبل؟! قالوا: لا.

فرايد السمطين في الباب الـ ٤٤، كنز العمّال ٦ ص ٣٩٦ عن أبي يحيى من طريق الحافظ العدني، وفيه: فقالها رجلٌ فأصابته جنّة. الإستيعاب ٢ ص ٤٦٠ من دون ذيله وقال: رويناه من وجوه، آخى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين المهاجرين، ثمَّ آخى بين المهاجرين والأنصار، وقال في كلِّ واحدةٍ منهما لعليٍّ: أنت أخي في الدنيا والآخرة. فلذلك كان هذا القول وما أشبهه من عليّ رضي الله عنه.

٣٦ - معاذة عن عليّ عليه السلام إنّه قال على رؤس الأشهاد خطيباً: أنا عبد الله وأخو رسوله؛ وأنا الصدّيق الأكبر، والفاروق الأعظم، صلّيت قبل الناس سبع سنين، وأسلمت قبل إسلام أبي بكر وآمنت قبل إيمانه.

شرح ابن أبي الحديد ٣ ص ٢٥٧، راجع الجزء الثاني من كتابنا ص ٣١٣.

٣٧ - حنان قال سمعت عليّاً يقول: لأقولنَّ قولاً لم يقله أحدٌ قبلي ولا يقوله بعدي إلّا كذّابٌ: أنا عبد الله وأخو رسوله، وزير نبيِّ الرَّحمة، نكحت سيِّدة نساء هذه الأمِّة، وأنا خير الوصيِّين.

«فرايد السمطين» الباب الــ ٥٧.

٣٨ - إن عليّاً كرَّم الله وجهه أُتي به إلى أبي بكر وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله. فقيل له: بايع أبا بكر. فقال: أنا أحقُّ بهذا الأمر منكم لا أُبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي.

«الإمامة والسياسة» ١٢، ١٣.

٣٩ - أبو الطفيل عامر بن وائلة في حديث مناشدة أمير المؤمنين عليه السلام يوم الشورى قال قال: أُنشدكم الله أفيكم أحدٌ آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين نفسه حيث آخى بين المسلمين غيري؟! فقالوا: أللهمّ، لا.

أخرج ابن عبد البرّ خصوص هذه الفقرة من حديث المناشدة في الإستيعاب ٢ ص ٤٦٠، وهي ممّا صحَّحه ابن أبي الحديد في شرحه ٢ ص ٦١ من فقرات الحديث وعدَّها ممّا استفاض في الرِّوايات، وقد أسلفنا طرق الحديث في ج ١ ص ١٥٩ - ١٦٣.

٤٠ - أخرج الحافظ الدارقطني: إنَّ عمر سأل عن عليّ فقيل له: ذهب إلى أرضه


فقال: اذهبوا بنا إليه. فوجدوه يعمل، فعملوا معه ساعة ثمَّ جلسوا يتحدَّثون فقال له عليٌّ: يا أمير المؤمنين؟ أرأيت لو جاءك قومٌ من بني إسرائيل فقال لك أحدهم: أنا ابن عمَّ موسى صلّى الله عليه وسلّم أكانت له عندك أثرة على أصحابه؟! قال: نعم. قال: فأنا والله أخو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وابن عمِّه. قال: فنزع عمر رداءه فبسطه فقال: لا والله لا يكون لك مجلسٌ غيره حتّى نفترق. فلم يزل جالساً عليه حتّى تفرَّقوا.

(الصواعق) ١٠٧.

٤١ - عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث عن حوريَّة من الجنَّة قال قالت: أنا الراضية المرضيَّة، خلقني الجبّار من ثلاثة أصناف: أعلاي من عنبر. ووسطي من كافور وأسفلي من مسك. وعجني بماء الحيوان، ثمَّ قال: كوني فكنت، خلقني لأخيك وابن عمِّك عليِّ بن أبي طالب.

(ذخاير العقبى) ٩٠.

٤٢ - مرّ في كتاب لأمير المؤمنين عليه السلام كتبه إلى معاوية بن أبي سفيان قوله:

محمد النبيُّ أخي وصنوي

وحمزة سيِّد الشهداء عمّي

راجع ج ٢ ص ٢٥ ٣٠.

٤٣ - قال جابر بن عبد الله الأنصاري سمعت عليّاً عليه السلام ينشد ورسول الله صلّى الله عليه وآله يسمع شعره:

أنا أخو المصطفى لا شك في نسبي

معه رُبيت وسبطاه هما ولدي

جدّي وجدُّ رسول الله منفردٌ

وزوجتي فاطمٌ لا قول ذي فندِ

صدَّقته وجميع الناس في بهمٍ

من الضلالة والإشراك والنَّكدِ

الحمد لله شكراً لا شريك له

البرّ بالعبد والباقي بلا أمدِ

فقال له النَّبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: صدقت يا عليّ.

فرايد السمطين في الباب الـ ٤٤، نظم درر السمطين للزرندي، كفاية الكنجي ص ٨٤، مناقب الخوارزمي ص ٩٥، تاريخ إبن عساكر، كنز العمّال ٦ ص ٣٩٨.

٤٤ - قال ابن عبّاس: إنَّ عليّاً كان يقول في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّ الله تعالى يقول: أفإن مات أو قتل. لأُقاتلنَّ على ما قاتل عليه حتّى أموت، والله إنّي لأخوه ووليّه ووارثه (وارث علمه) وابن عمِّه، فمن أحقُّ به منّي؟!

مناقب أحمد، خصائص النسائي ١٨، مستدرك الحاكم ٣ ص ١٢٦ وصحّحه هو


والذهبي، الرِّياض النضرة ٢ ص ٢٢٦، ذخاير العقبي ص ١٠٠، فرايد السمطين الباب الـ ٢٤، مجمع الزوائد ٩ ص ١٣٤ من طريق الطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح.

٤٥ - قال عدّي بن حاتم في خطبة له: لئن كان إلى الإسلام إنَّه لأخو نبيِّ الله والرأس في الإسلام.

[ جمهرة الخطب ١ ص ٢٠٢ ].

٤٦ - قال الثعلبي في «العرائس» ص ١٤٩: قال أهل التفسير وأصحاب الأخبار: إن الله أهبط تابوتاً على آدم عليه السلام من الجنَّة حين أهبط إلى الأرض فيه صور الأنبياء من أولاده وفيه بيوتٌ بعدد الرسل منهم، وآخر البيوت بيت محمد من ياقوتة حمراء (إلى أن قال): وبين يديه عليُّ بن أبي طالب كرَّم الله وجه شاهرٌ سيفه على عاتقه و مكتوبٌ على جبهته: هذا أخوه وابن عمِّه المؤيَّد بالنصر من عند الله.

٤٧ - في كتاب لمحمّد بن أبي بكر إلى معاوية: فكان أوَّل من أجاب وأناب و آمن وصدَّق وأسلم وسلم أخوه وابن عمِّه عليُّ بن أبي طالب.

كتاب صفِّين لابن مزاحم ص ١٣٣، مروج الذهب ٢ ص ٥٩.

٤٨ - قال أبان بن عيّاش سئلت الحسن البصري عن عليّ عليه السلام فقال: ما أقول فيه؟! كانت له السابقة والفضل والعمل والحكمة والفقه والرأي والصحبة والنجدة والبلاء والزهد والقضاء والقرابة إلى أن قال: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة عليهما السلام: زوَّجتك خير أُمَّتي. فلو كان في أُمَّته خيراً منه لاستثناه، ولقد آخى رسول الله بين أصحابه فآخى بين عليّ ونفسه فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير النّاس نفساً وخيرهم أخاً. شرح ابن أبي الحديد ١ ص ٣٦٩.

٤٩ - في خطبة لعمّار بن ياسر في البصرة قوله: أيّها الناس؟ أخو نبيّكم وابن عمِّه يستنفركم لنصر دين الله.

[ شرح ابن أبي الحديد ٣ ص ٢٩٣ ].

٥٠ - مرَّج ١ ص ٢٠١ من كتاب لعمرو بن العاص إلى معاوية بن أبي سفيان قوله: وأمّا ما نسبت أبا الحسن أخا رسول الله ووصيَّه إلى البغي والحسد على عثمان و سمَّيت الصحابة فسقةً وزعمت أنَّه أشلاهم على قتله فهذا كذبٌ وغوايةٌ.

ولشهرة هذه الأثارة وثبوتها لأمير المؤمنين ولأهميَّتها الكبرى عند الأُمَّة و إعرابها عن المماثلة والمشاكلة في الفضيلة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذها رجال القريض


من الصحابة والتابعين كحسّان بن ثابت والنجاشي وتبعهم شعراء القرون من الفريقين حتّى اليوم فصبّوها في بوتقة النظم، ونحن نصفح عن كلّ ذلك النظم الرائق روماً للإختصار، غير أنَّ القارئ يقف على شيء كثير منه في طيِّ أجزاء كتابنا راجع الجزء الثاني ص ٤٠، ٤٣، ١١٥، ٢١٨، ٢٢٦، ٢٢٩، ٢٨٦، ٢٩١، ٢٩٣، ٢٩٢، ٣٣٠، ٣٥٠، ج ٣ ص ٦٦.

١٠ - قال: جمهور متكلّمي الرافضة كهشام بن الحكم الكوفي وتلميذه أبي علي الصكاك وغيرهما يقول: إنَّ علم الله تعالى محدثٌ، وإنَّه لم يكن يعلم شيئاً حتّى أحدث لنفسه علماً. وهذا كفرٌ صحيحٌ، وقد قال هشام هذا في عين مناظرته لأبي الهذيل العلّاف: إنّ ربَّه سبعة أشبار بشبر نفسه. وهذا كفرٌ صحيحٌ، وكان داود الجوازي من كبار متكلّميهم يزعم أنَّ ربّه لحمٌ ودمٌ على صورة الإنسان.

ج - أمّا جمهور متكلّمي الشيعة فلن تجد هذه المزعمة في شيء من مؤلّفاتهم الكلاميَّة بل فيها نقيض هذه كلّها ودحض شبه الزاعمين خلافهم، ضع يدك على أيّ من تلك الكتب مخطوطها ومطبوعها، حتّى تأليف هشام نفسه ومَن قصدهم الرجل بالقذف المائن تجده على حدَّ ما وصفناه.

وأمّا هشام فأوَّل مَن نسب إليه هذه الفرية الجاحظ(١) عن النظام ورآها إبن قتيبة في «مختلف الحديث» ص ٥٩ والخطّاط في «الإنتصار» وكلٌّ منهم هو العدوُّ الألدُّ للرَّجل لا يُؤتمن عليه فيما ينقله ممّا يشوِّه سمعة هشام، فهو لا يزال يتحرّى الوقيعة فيه وفي نظرائه من أيِّ الوسايل كانت صادقةً أو مكذوبةً، والمذاهب والعقايد يجب أن تُؤخذ من أفواه المعتنقين بها، أو من كتبهم الثابتة نسبتها إليهم، أو ممَّن يُؤتمن عليه في نقلها، وهذه النسب المفتعلة لم يتسنَّ لها الحصول على شيء من الحالة، وإنَّما الحالة فيها كما وصفناها.

_____________________

١ - قال أبو جعفر الاسكافي: إن الجاحظ ليس على لسانه من دينه وعقله رقيب، وهو من دعوى الباطل غير بعيد، فمعناه نزر، وقوله لغو، ومطلبه سجع، وكلامه لعب ولهو، يقول الشيء وخلافه، ويحسن القول وضده، ليس له من نفسه واعظ، ولا لدعواه حد قائم. شرح ابن أبي الحديد ٣ ص ٢٦٧.


ثمَّ تبع أولئك في العصور المتأخِّرة أهل الهوس والهياج حنقاً على هشام ومبدئه ومن حذى حذوه كابن حزم وأمثاله، ولم يقنع الرجل تفريد هشام بهاتيك الشائنة المائنة حتّى شركه فيها جمهور متكلّمي الرافضة وهم برءآء، والرَّجل غير مكترث لما أعدَّ الله لكلِّ أفّاك أثيم.

وهؤلاء متكلّموا الشيعة لا يعترفون بشيء من ذلك، وفيما كتبه عَلمٌ من أعلامهم ألا وهو علم الهدى الشريف المرتضى في «الشافي» ص ١٢ مقنعٌ وكفايةٌ في الدِّفاع عن هشام، على أنَّ نصَّ مناظرة هشام مع أبي الهذيل المذكورة في «الملل والنحل» للشهرستاني ليس فيه إلّا إلزام مَن يناظره بلازم قوله من أنَّه تعالى جسمٌ لا كالأجسام. وأين هو من الإعتقاد به؟!

وبقيَّة النسب المعزوَّة إلى غير هشام من رجالات الشيعة من التجسّم وغيره ممّا ذُكر لدة ما يُنسب إلى هشام بعيدةٌ عن مستوى الصِّدق.

١١ - قال: (الرافضة) لا يختلفون في أنَّ الشمس رُدَّت على عليِّ بن أبي طالب مرَّتين، أفيكون في صفاقة الوجه؟ وصلابة الخدّ، وعدم الحياء؟ والجرأة على الكذب؟ أكثر من هذا على قرب العهد وكثرة الخلق؟!

وقال ج ٥ ص ٣ بعد نقل جملة من الخرافات: لا فرق بين من ادَّعى شيئاً ممّا ذُكر وبين دعوى الرافضة ردَّ الشمس على عليِّ بن أبي طالب مرَّتين.

وقال ج ٢ ص ٧٨: وأقلُّ الروافض غلوّاً يقولون: إنَّ الشمس رُدَّت على عليِّ ابن أبي طالب مرَّتين.

ج - ربما يحسب قارئ هذه القوارص أنَّ القول بردِّ الشمس على أمير المؤمنين عليه السلام من خاصَّة الشيعة ليس إلّا. وإنَّ الحديث به منكرٌ وقول زور، لا يرى الإسلام لقائله قدراً ولا حرمةً، بل يحقّ بكلِّ ذلك السباب والقذف المقذع، ولا يتصوَّر أن تكون هذه الوقيعة والتحامل من الرَّجل دون حقيقةٍ راهنةٍ، وقولٍ صحيحٍ، ورأيٍ ثابتٍ بالسنَّة.

فأدب الشيعة وإن يمنعنا عن السباب والتقابل بالمثل غير أنَّا نمثِّل بين يدي القارئ تلك الحقيقة، ونوقفه على حقِّ القول وقائليه ومحدِّثيه، فيرى عندئذ نصب عينيه


مثال صفاقة الوجه، وصلابة الخدِّ، وعدم الحياء، والجرأة على الكذب فنقول.

إنَّ حديث ردِّ الشمس أخرجه جمعٌ من الحفّاظ الأثبات بأسانيد جمَّة صحَّح جمعٌ من مهرة الفنِّ بعضها، وحكم آخرون بحسن آخر، وشدَّد جمعٌ منهم النكير على من غمز فيه وضعَّفه وهم الأبناء الأربعة حملة الروح الأمويَّة الخبيثة ألا وهم: إبن حزم. إبن الجوزي. إبن تيميَّة. إبن كثير.

وجاء آخرون من الأعلام وقد عظم عليهم الخطب بإنكار هذه المأثورة النبويَّة والمكرمة العلويَّة الثابتة فأفردوها بالتأليف، وجمعوا فيه طرقها وأسانيدها فمنهم:

١ - أبو بكر الورّاق، له كتاب «من روى ردَّ الشمس» ذكره له إبن شهر آشوب في «المناقب» ١ ص ٤٥٨.

٢ - أبو الحسن شاذان الفضيلي، له رسالةٌ في طرق الحديث ذكر شطراً منها الحافظ السيوطي في «اللئالي المصنوعة» ٢ ص ١٧٥ وقال: أورد طرقه بأسانيد كثيرة وصحّحه بما لا مزيد عليه، ونازع إبن الجوزي في بعض من طعن فيه من رجاله.

٣ - الحافظ أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي الموصلي، له كتابٌ مفردٌ فيه، ذكره له الحافظ الكنجي في «الكفاية».

٤ - أبو القاسم الحاكم إبن الحدّاد الحسكاني النيسابوري الحنفي المترجم ١ ١١٢، له رسالةٌ في الحديث أسماها - مسألة في تصحيح ردِّ الشمس وترغيم النواصب الشمس - ذكر شطراً منها إبن كثير في البداية والنهاية ٦ ص ٨٠، م وذكره له الذَّهبي في تذكرته ٣ ص ٣٦٨].

٥ - أبو عبد الله الجعل الحسين بن عليّ البصريّ ثمَّ البغداديّ المتوفّى ٣٩٩، ذلك الفقيه المتكلّم، له كتاب «جواز رد الشمس» ذكره له إبن شهر آشوب.

٦ - أخطب خوارزم أبو المؤيد موفَّق بن أحمد المتوفّى ٥٦٨ المترجم في الجزء الرابع من كتابنا هذا، له كتاب «ردّ الشمس لأمير المؤمنين» ذكره له معاصره إبن شهر آشوب ].

٧ - أبو علي الشريف محمد بن أسعد بن علي بن المعمّر الحسني النقيب النسّابة المتوفّى ٥٨٨، له جزءٌ في جمع طرق حديث ردّ الشمس لعليّ، أورد فيه أحاديث


مستغربة. «لسان الميزان» ٥: ٧٦ ].

٨ - أبو عبد الله محمد بن يوسف الدمشقي الصالحي تلميذ إبن الجوزي المتوفّى ٥٩٧، له جزء «مزيل اللبس عن حديث ردّ الشمس» ذكره له برهان الدين الكوراني المدني في كتابه «الأُمم لإيقاظ الهمم» ص ٦٣ كما يأتي لفظه ].

٩ - الحافظ جلال الدين السيوطي المتوفّى ٩٩١، له رسالةٌ في الحديث أسماها - كشف اللبس عن حديث ردِّ الشمس -.

ولا يسعنا ذكر تلكم المتون وتلكم الطرق والأسانيد، إذ يحتاج إلى تأليف ضخم يخصُّ به، غير أنّا نذكر نماذج ممَّن أخرجه من الحفّاظ والأعلام بين مَن ذكره مِن غير غمز فيه، وبين مَن تكلّم حوله وصحَّحه، وفيها مقنعٌ وكفايةٌ.

١ - الحافظ أبو الحسن عثمان بن أبي شيبة العبسي الكوفي المتوفّى ٢٣٩، رواه في سننه.

٢ - الحافظ أبو جعفر أحمد بن صالح المصريّ المتوفّى ٢٤٨، شيخ البخاري في صحيحه ونظراءه، المجمع على ثقته، رواه بطريقين صحيحين عن أسماء بنت عميس و قال: لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء الذي روي لنا عنه صلّى الله عليه وسلّم لأنَّه من أجلِّ علامات النبوَّة(١) .

٣ - محمد بن الحسين الأزدي المتوفّى ٢٧٧، ذكره في كتابه في مناقب عليّ رضي الله عنه وصحَّحه كما ذكره ابن النديم والكوراني وغيرهما. راجع لسان الميزان ٥: ١٤٠.

قال الأميني: أحسب أنّ كتاب «المناقب» للأزدي غير ما أفرده في حديث ردّ الشمس ].

٤ - الحافظ أبو بشر محمد بن أحمد الدولابي المتوفّى ٣١٠، أخرجه في كتابه «الذريَّة الطاهرة» وسيأتي لفظه وإسناده.

٥ - الحافظ أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي المتوفّى ٣٢١، في «مشكل الآثار» ٢ ص ١١، أخرجه بلفظين وقال: هذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقات.

م قال الأميني: تواتر نقل هذا التصحيح والتثبيت عن أبي جعفر الطَّحاوي في كتب

_____________________

١ - حكاه عنه الحافظ الطحاوي في مشكل الآثار ٢ ص ١١ وتبعه جمع آخرون كما يأتي.


القوم كالشفاء للقاضي، وستقف على نصوص أقوالهم، غير أنّ يد الطبع الأمينة على ودايع الإسلام حرَّفته عن «مشكل الآثار» حيَّا الله الأمانة.

٦ - الحافظ أبو جعفر محمد بن عمر والعقيلي المتوفّى ٣٢٢ والمترجم ١ ص ١٦١.

٧ - الحافظ أبو القاسم الطبراني المتوفّى ٣٦٠ والمترجم ١ ص ١٠٥، رواه في معجمه الكبير وقال: إنَّه حسنٌ.

٨ - الحاكم أبو حفص عمر بن أحمد الشهير بابن شاهين المتوفّى ٣٨٥، ذكره في مسنده الكبير.

٩ - الحاكم أبو عبد الله النيسابوري المتوفّى ٤٠٥ والمترجم ١ ص ١٠٧، رواه في تاريخ نيسابور في ترجمة عبد الله بن حامد الفقيه الواعظ.

١٠ - الحافظ إبن مردويه الإصبهاني المتوفّى ٤١٦ والمترجم ١ ص ١٠٨، أخرجه في «المناقب» بإسناده عن أبي هريرة.

١١ - أبو إسحاق الثعلبي المتوفّى ٤٢٧ / ٣٧ والمترجم ١ ص ١٠٩، رواه في تفسيره، وقصص الأنبياء الموسوم، «العرائس» ص ١٣٩.

١٢ - الفقيه أبو الحسن عليّ بن حبيب البصريّ البغداديّ الشافعيّ الشهير بالماوردي المتوفّى ٤٥٠، عدّه من أعلام النبوَّة في كتابه «أعلام النبوَّة» ص ٧٩، ورواه من طريق أسماء.

١٣ - الحفاظ أبو بكر البيهقيُّ المتوفّى ٤٥٨ والمترجم ١ ص ١١٠، رواه في «الدلائل» كما في «فيض القدير» للمناوي ٥ ص ٤٤٠.

١٤ - الحافظ الخطيب البغداديّ المتوفّى ٤٦٣ والمترجم ١ ص ١١١، ذكره في «تلخيص المتشابه» و«الأربعين».

١٥ - الحافظ أبو زكريّا الإصبهاني الشهير بابن مندة المتوفّى ٥١٢ والمذكور ١ ص ١١٣، أخرجه في كتابه «المعرفة».

١٦ - الحافظ القاضي عياض أبو الفضل المالكيّ الأندلسيّ إمام وقته المتوفّى ٥٤٤، رواه في كتابه «الشّفاء» وصحَّحه.

١٧ - أخطب الخطباء الخوارزمي المتوفّى ٥٦٨ أحد شعراء الغدير في القرن


السادس يأتي شعره وترجمته في الجزء الرابع من كتابنا، رواه في «المناقب».

١٨ - الحافظ أبو الفتح النطنزي المترجم ١ ص ١١٥، رواه في «الخصايص العلويَّة».

١٩ - أبو المظفَّر يوسف قزأوغلي الحنفيّ المتوفّى ٦٥٤، رواه في «التذكرة» ص ٣٠ ثمَّ ردّ على جدِّه إبن الجوزي في حكمه [ بأنَّه موضوعٌ وروايته مضطربةٌ لمكان أحمد بن داود، وفضيل بن مرزوق، وعبد الرحمن بن شريك، والمتَّهم هو إبن عقدة فإنَّه كان رافضيّاً] فقال ما ملخَّصه: قول جدِّي بأنَّه موضوعٌ دعوى بلا دليل، وقدحه في رواته لا يرد لأنّا رويناه عن العدول الثقات الذين لا مغمز فيهم وليس في إسناده أحدٌ ممّن ضعّفه، وقد رواه أبو هريرة أيضاً، أخرجه عنه إبن مردويه فيحتمل أنَّ الذين أشار إليهم في طريقه.

وإتِّهام جدِّي بوضعه إبن عقدة من باب الظنِّ والشكِّ لا من باب القطع واليقين، وإبن عقدة مشهورٌ بالعدالة كان يروي فضايل أهل البيت ويقتصر عليها ولا يتعرّض للصحابة رضي الله عنهم بمدح ولا بذمّ فنسبوه إلى الرَّفض.

والمراد منه حبسها ووقوفها عن سيرها المعتاد لا الردُّ الحقيقيُّ، ولو رُدَّت على الحقيقة لم يكن عجباً، لأنَّ ذلك يكون معجزة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكرامة لعليٍّ عليه السلام وقد حُبست ليوشع بالإجماع، ولا يخلو إمّا أن يكون ذلك معجزةً لموسى أو كرامةً ليوشع، فإن كان لموسى فنبيّنا صلّى الله عليه وسلم أفضل منه، وإن كان ليوشع فعليٌّ عليه السلام أفضل من يوشع، قال صلّى الله عليه وسلّم: علماء أُمّتي كأنبياء بني إسرائيل. وهذا في حقِّ الآحاد فما ظنّك بعليّ عليه السلام؟! ثمَّ استدلَّ على فضل عليّ عليه السلام على أنبياء بني إسرائيل وذكر شعر الصاحب بن عبّاد في ردِّ الشمس فقال:

وفي الباب حكايةٌ عجيبةٌ حدَّثني بها جماعةٌ من مشايخنا بالعراق قالوا: شهدنا أبا منصور المظفَّر بن أردشير العبادي الواعظ وقد جلس بالتاجيَّة مدرسة بباب برز محلّة ببغداد وكان بعد العصر وذكر حديث ردِّ الشمس لعليّ عليه السلام وطرَّزه بعبارته ونمَّقه بألفاظه ثمَّ ذكر فضائل أهل البيت عليهم السَّلام، فنشأت سحابةٌ غطَّت الشمس حتّى ظنَّ النّاس أنَّها قد غابت فقام أبو منصور على المنبر قائماً وأومى إلى الشمس وأنشد:


لا تغربي يا شمسُ حتّى ينتهي

مدحي لآل المصطفى ولنجلهِ

واثني عنانكِ إن أردت ثناءهم

أنسيتِ إن كان الوقوف لأجلهِ؟!

إن كان للمولى وقوفكِ؟ فليكن

هذا الوقوف لخيله ولرجلهِ

قالوا: فإنجاب السحاب عن الشمس وطلعت.

م - قال الأميني: حكى إبن النجار نحو هذه القضيّة لأبي الوفاء عبيد الله بن هبة الله القزويني الحنفي الواعظ المتوفّى ٥٨٥ قال: أنشدني أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله بن هبة الله القزويني باصبهان: أنشدني والدي ببغداد على المنبر في المدرسة التاجية مرتجلاً لنفسه وقد دانت الشمس للغروب، وكان ساعتئذ شرع في مناقب عليّ رضي الله عنه:

لا تغربي يا شمس حتّى ينتهي

مدحي لآل المصطفى ولنجلهِ

يثني عنانك إن غربت ثناؤه

أنسيت يوماً قد رُددت لأجلهِ. إلخ]

وذكره محيي الدين ابن أبي الوفاء القرشي الحنفي في «الجواهر المضيَّة» في طبقات الحنفيَّة ج ١ ص ٣٤٢.

٢٠ - الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف الكنجي الشافعي المتوفّى ٦٥٨، جعل في كتابه «كفاية الطالب» ص ٢٣٧ - ٢٤٤ فصلاً في حديث ردِّ الشمس وتكلّم فيه من حيث الإمكان تارة، ومن حيث صحَّة النقل أُخرى، فلا يرى للمتشرِّع وُسعاً في إنكاره من ناحية الإمكان لحديث ردِّ الشَّمس ليوشع المتَّفق على صحَّته. وقال في الكلام عن صحّته ما ملخّصه: فقد عدَّه جماعةٌ من العلماء في معجزاته صلّى الله عليه وسلّم ومنهم: إبن سبع ذكره في «شفاء الصدور» وحكم بصحَّته. ومنهم: القاضي عياض في «الشفاء» وحكى عن الطحاوي من طريقين صحيحين ونقل كلام أحمد بن صالح المصري.

وقد شفى الصدور الإمام الحافظ أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي الموصلي في جمع طرقه في كتاب مفرد. ثمَّ رواه من طريق الحاكم في تاريخه، والشيخ أبي الوقت في الجزء الأوّل من أحاديث أمير أبي أحمد. ثمَّ ردَّ على مَن ضعَّفه إمكاناً ووقوعاً سنداً ومتناً، وذكر مناشدة أمير المؤمنين عليه السلام به يوم الشّورى فقال:

أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود المعروف بابن النجّار: أخبرنا أبو محمد عبد العزيز الأخضر قال: سمعت القاضي محمد بن عمر بن يوسف الأرموي يقول: جلس


أبو منصور المظفّر بن أردشير العبادي الواعظ. (وذكر إلى آخر ما مرَّ عن السبط إبن الجوزي) ثمَّ ذكر شعر الصاحب بن عبّاد في حديث ردِّ الشمس.

٢١ - أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد الأنصاري الأُندلسي المتوفّى ٦٧١ قال في «التذكرة بأحوال الموتى وأُمور الآخرة»: إنّ الله تعالى ردَّ الشمس على نبيِّه بعد مغيبها حتّى صلّى عليٌّ. ذكره الطحاوي وقال: إنَّه حديثٌ ثابتٌ. فلو لم يكن رجوع الشمس نافعاً وإنَّه لا يتجدَّد الوقت لما ردَّها عليه.

٢٢ - شيخ الإسلام الحمّويي المتوفّى ٧٢٢ والمترجم ١ ص ١٢٣، رواه في «فرايد السمطين».

٢٣ - الحافظ وليُّ الدين أبو زرعة العراقي المتوفّى ٨٢٦، أخرجه في «طرح التثريب»(١) ج ٦ ص ٢٤٧ من طريق الطبراني في معجمه الكبير وقال: حسنٌ.

٢٤ - الإمام أبو الربيع سليمان السبتي الشهير بابن سبع ذكره في كتابه «شفاء الصدور» وصحّحه.

٢٥ - الحافظ إبن حجر العسقلاني المتوفّى ٨٥٢ والمترجم ١ ص ١٣٠، ذكره في فتح الباري ٦ ص ١٦٨ وقال: روى الطحاوي والطبراني في «الكبير» والحاكم والبيهقي في «الدلائل» عن أسماء بنت عميس: إنَّه صلّى الله عليه وسلّم دعا لما نام على ركبة عليٍّ ففاتته صلاة العصر، فردَّت الشمس حتّى صلّى عليٌّ ثمَّ غربت. وهذا أبلغ في المعجزة وقد أخطأ إبن الجوزي بإيراده له في الموضوعات، وهكذا إبن تيميَّة في كتاب الردَّ على الروافض في زعم وضعه والله أعلم.

٢٦ - الإمام العيني الحنفي المتوفّى ٨٥٥ والمترجم ١ ص ١٣١، قال في «عمدة القاري» شرح صحيح البخاري ٧ ص ١٤٦: وقد وقع ذلك أيضاً للإمام عليّ رضي الله عنه، أخرجه الحاكم عن أسماء بنت عميس و (ذكر الحديث ثمَّ قال): وذكره الطحاوي في «مشكل الآثار» - ثمَّ ذكر كلام أحمد بن صالح المذكور - فقال: وهو حديثٌ متَّصلٌ ورواته ثقات وإعلال إبن الجوزي هذا الحديث لا يلتفت إليه

_____________________

١ - هذا الكتاب وإن كان مشتركاً بينه وبين والده غير أن إخراج هذا الحديث يعزى إليه في كتب القوم.


٢٧ - الحافظ السيوطي المتوفّى ٩١١ والمترجم ١ ص ١٣٣، رواه في «جمع الجوامع» كما في ترتيبه ٥ ص ٢٧٧ عن عليّ عليه السلام في عدِّ معجزات النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم و قال في «الخصائص الكبرى» ٢ ص ١٨٣: أوتي يوشع حبس الشمس حين قاتل الجبّارين وقد حُبست لنبيّنا صلّى الله عليه وسلّم في الإسراء، وأعجب من ذلك ردُّ الشمس حين فات عصر عليّ رضي الله عنه.

ورواه في «اللئالي المصنوعة» ٢ ص ١٧٤ - ١٧٧ عن أمير المؤمنين وأبي هريرة وجابر الأنصاري وأسماء بنت عميس من طريق إبن مندة. والطحاوي. والطبراني. وإبن أبي شيبة. والعقيلي. والخطيب. والدولابي. وإبن شاهين. وإبن عقدة وذكر شطراً من رسالة أبي الحسن الفضلي في الحديث وقال في ج ١ ص ١٧٤: الحديث صرَّح جماعةٌ من الأئمَّة والحفّاظ بأنِّه صحيحٌ.

وروى في «اللئالي» ١ ص ١٧٦ من غير غمز في سنده عن أبي ذرّ أنَّه قال: قال عليُّ يوم الشورى أُنشدكم بالله هل فيكم من رُدَّت له الشمس غيري حين نام رسول الله وجعل رأسه في حجري؟! إلخ.

وقال في «نشر العلَمين» ص ١٣ بعد ذكر كلام القرطبي المذكور: قلت: وهو في غاية التحقيق، واستدلاله على تجدّد الوقت بقصَّة رجوع الشمس في غاية الحسن، ولهذا حكم بكون الصلاة أداءً وإلّا لم يكن لرجوعها فائدةٌ، إذ كان يصحُّ قضاء العصر بعد الغروب:

م - وذكر هذا الإستدلال والإستحسان في «التعظيم والمنة» ص ٨].

٢٨ - نور الدين السمهودي الشافعي المتوفّى ٩١١ والمترجم ١ ص ١٣٣، قال في «وفاء الوفاء» ٢ ص ٣٣ في ذكر مسجد الفضيخ المعروف بمسجد الشَّمس: قال المجد: لا يظنُّ ظانُّ أنَّه المكان الذي أُعيدت الشَّمس فيه بعد الغروب لعليٍّ رضي الله عنه، لأنَّ ذلك إنَّما كان بالصهباء من خيبر. ثمَّ روى حديث القاضي عياض وكلمته وكلمة الطحاوي فقال: قال المجد: فهذا المكان أولى بتسميته بمسجد الشَّمس دون ما سواه، وصرَّح إبن حزم بأنَّ الحديث موضوعٌ وقصَّة ردِّ الشَّمس على عليٍّ رضي الله عنه باطلةٌ. بإجماع العلمآء وسفَّه قائله. قلت: والحديث رواه الطبراني بأسانيد قال


الحافظ نور الدين الهيتمي: رجال أحدها رجال الصحيح غير إبراهيم بن الحسن وهو ثقةٌ وفاطمة بنت عليِّ بن أبي طالب لم أعرفها.

وأخرجه إبن مندة وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس، وإبن مردويه من حديث أبي هريرة وإسنادهما حسنٌ وممَّن صحَّحه الطحاوي وغيره. وقال الحافظ إبن حجر في فتح الباري بعد ذكر رواية البيهقي له: وقد أخطأ إبن الجوزي بإيراده في الموضوعات.

٢٩ - الحافظ أبو العبّاس القسطلاني المتوفّى ٩٢٣ والمترجم ١ ص ١٣٤، ذكره في «المواهب اللدنيَّة» ١ ص ٣٥٨ من طريق الطحاوي، والقاضي عياض، وإبن مندة، وإبن شاهين، والطبراني، وأبي زرعة من حديث أسماء بنت عميس ومن طريق إبن مردويه من حديث أبي هريرة.

٣٠ - الحافظ إبن الدبيع المتوفّى ٩٤٤ والمترجم ١ ص ١٣٤، رواه في «تمييز الطيِّب من الخبيث» ص ٨١ وذكر تضعيف أحمد وإبن الجوزي له ثمَّ استدركه بتصحيح الطحاوي وصاحب «الشفاء» فقال: وأخرجه إبن مندة، وابن شاهين وغيرهما من حديث أسماء بنت عميس وغيرها.

٣١ - السيِّد عبد الرَّحيم بن عبد الرَّحمن العبّاسي المتوفّى ٩٦٣ ذكر في «معاهد التنصيص» ٢ ص ١٩٠ من مقصورة إبن حازم(١) :

فيا لها من آية مبصرة

أبصرها طرفُ الرقيب فامترى

واعتورته شبهةٌ فضلَّ عن

تحقيق ما أبصره وما اهتدى

وظنَّ أنَّ الشمس قد عادت له

فانجاب جنح الليل عنها وانجلى

والشمس ما رُدَّت لغير يوشع

لما غزا ولعليٍّ إذ غفا

ثمَّ ذكر الحديث بلفظ الطحّاوي من طريقيه وأردفه بذكر قصَّة أبي المنصور المظفَّر الواعظ المذكورة.

٣٢ - الحافظ شهاب الدين ابن حجر الهيتمي المتوفّى ٩٧٤ والمترجم ١ ص ١٣٤. عدّه في «الصواعق» ص ٧٦ كرامةً باهرةً لأمير المؤمنين عليه السلام وقال: وحديث

_____________________

١ - شرحها الشريف أبو عبد الله السبتي المتوفّى ٧٦٠، والشيخ جلال الدين المحلى المتوفّى ٨٦٤.


ردِّها صحَّحه الطحاوي والقاضي في «الشفاء» وحسَّنه شيخ الإسلام أبو زرعة وتبعه غيره وردّوا على جمعٍ قالوا: إنَّه موضوعٌ. وزعم فوات الوقت بغروبها فلا فائدة لردِّها(١) في محلِّ المنع بل نقول: كما أنَّ ردَّها خصوصيَّةٌ كذلك: إدراك العصر الآن أداءً خصوصيَّةٌ وكرامةٌ. ثمَّ ذكر قصَّة أبي المنصور المظفَّر بن أردشير العبادي المذكورة.

وقال في شرح همزيَّة البوصيري ١٢١ في حديث شقِّ القمر: ويُناسب هذه المعجزة ردُّ الشمس له صلّى الله عليه وسلّم بعد ما غابت حقيقةً لما نام صلّى الله عليه وسلّم (إلى أن قال): فرُدَّت ليصلّي (عليٌّ) العصر أداءً كرامةً له صلّى الله عليه وسلّم وهذا الحديث إختلف في صحَّته جماعةٌ بل جزم بعضهم بوضعه وصحَّحه آخرون وهو الحقُّ. ثمَّ صرَّح بأنّ إحدى رواية أسماء صحيحةٌ وأُخرى حسنةٌ.

٣٣ - ألملّا علي القارئ المتوفّى ١٠١٤ قال في «المرقاة» شرح «المشكاة» ٤ ص ٢٨٧: أمّا ردُّ الشمس صلّى الله عليه وسلّم فرُوي عن أسماء (ثمَّ ذكر الحديث) وقال بعد ذكر كلام العسقلاني المذكور: وبهذا يُعلم أنَّ ردَّ الشمس بمعنى تأخيرها، والمعنى أنَّها كادت أن تغرب فحبسها، فيندفع بذلك ما قال بعضهم ومن تغفّل واضعه أنَّه نظر إلى صورة فضيلة ولم يلمح إلى عدم الفائدة فيها، فإنّ صلاة العصر بغيبوبة الشمس تصير قضاءً ورجوع الشمس لا يعيدها أداءً. ا هـ. مع أنَّه يمكن حمله على الخصوصيّات وهو أبلغ في باب المعجزات والله أعلم بتحقيق الحالات. قيل: يعارضه قوله في الحديث الصحيح: لم تحبس الشمس على أحد إلّا ليوشع. ويُجاب بأنّ المعنى لم تحبس على أحد من الأنبياء غيري إلّا ليوشع(٢)

٣٤ - نور الدين الحلبي الشافعي المتوفّى ١٠٤٤ والمترجم ١ ص ١٣٩، قال في «السيرة النبويَّة» ١ ص ٤١٣: وأمّا عود الشمس بعد غروبها فقد وقع له صلّى الله عليه وسلّم في خيبر فعن أسماء بنت عميس (وذكر الحديث ثمَّ قال): قال بعضهم: لا ينبغي لمن سبيله العلم أن يتخلّف عن حفظ هذا الحديث لأنَّه من أجلِّ أعلام النبوِّة وهو حديثٌ

_____________________

١ - زعمه إبن الجوزي.

٢ - هذا الجمع ذكره جمع من الحفاظ والأعلام.


متَّصلٌ وقد ذكر «في الإمتاع» أنَّه جاء عن أسماء من خمسة طرق وذكرها، وبه يردُّ ما نقدَّم عن إبن كثير(١) بأنَّه تفرَّدت بنقله إمرأةٌ من أهل البيت مجهولةٌ لا يعرف حالها. وبه يُردّ على إبن الجوزي حيث قال فيه: إنَّه حديثٌ موضوعٌ بلا شكّ. ثمَّ ذكر عن «الإمتاع» خامس أحاديثه وحكى عن سبط إبن الجوزي قصّة أبي المنصور المظفَّر الواعظ في ص ٤١٢.

٣٥ - شهاب الدين الخفاجيّ الحنفيّ المتوفّى ١٠٦٩ والمترجم ١ ص ١٤٠، قال في شرح الشفا ٣ ص ١١: ورواه الطبراني بأسانيد مختلفة رجالُ أكثرها ثقاتٌ. و قال ص ١٢: إعترض عليه بعض الشّراح وقال: (إنَّه موضوعٌ ورجاله مطعونٌ فيهم كذّابون ووضّاعون). ولم يدر أنَّ الحقَّ خلافه، والذي غرَّه كلام إبن الجوزي ولم يقف على أنَّ كتابه أكثره مردودٌ وقد قال خاتمة الحفّاظ السيوطي وكذا السخّاوي: إنَّ إبن الجوزي في موضوعاته تحامل تحاملاً كثيراً حتّى أدرج فيه كثيراً من الأحاديث الصحيحة كما أشار إليه إبن الصَّلاح.

وهذا الحديث صحّحه المصنِّف رحمه الله أشار إلى أنَّ تعدُّد طرقه شاهد صدق على صحَّته، وقد صحّحه قبله كثيرٌ من الأئمَّة كالطحاوي، وأخرجه إبن شاهين، وإبن مندة، وإبن مردويه، والطبراني في معجمه وقال: إنَّه حسنٌ وحكاه العراقيُّ في التقريب (ثمَّ ذكر لفظه فقال): وإنكار إبن الجوزي فائدة ردِّها مع القضاء لا وجه له فإنَّها فاتته بعذر مانع عن الأداء وهو عدم تشويشه على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وهذه فضيلةٌ أيَّ فضيلة فلمّا عادت الشمس حاز فضيلة الأداء أيضاً (إلى أن قال):

إنَّ السيوطي صنَّف في هذا الحديث رسالةً مستقلّة سمّاها «كشف اللبس عن حديث ردِّ الشمس» وقال: إنَّه سبق بمثله لأبي الحسن الفضلي أورد طرقه بأسانيد كثيرة وصحَّحه بما لا مزيد عليه، ونازع إبن الجوزي في بعض من طعن فيه من رجاله.

وقال في قول الطحاوي: لأنَّه من علامات النبوَّة: وهذا مؤيِّدٌ لصحَّته فإنَّ أحمد(٢) هذا من كبار أئمَّة الحديث الثقات ويكفي في توثيقه أنَّ البخاري روى عنه

_____________________

١ - ذكر كلام إبن كثير ص ٤١١.

٢ - يعني أحمد بن صالح المصري.


في صحيحه فلا يُلتفت إلى من ضعَّفه وطعن في روايته. وبهذا أيضاً سقط ما قاله إبن تيميَّة وإبن الجوزي من: أنّ هذا الحديث موضوعٌ. فإنَّه مجازفةٌ منهما. وما قيل من: أنَّ هذه الحكاية لا موقع لها بعد نصِّهم على وضع الحديث وإنَّ كونه من علامات النبوَّة لا يقتضي تخصيصه بالحفظ. خلطٌ وخبطٌ لا يُعبأ به بعد ما سمعت. وذكر من الهمزيَّة:

رُدَّت الشمس والشروق عليه

لعليٍّ حتّى يتمَّ الأداءُ

ثمَّ ولّت لها صريرٌ وهذا

لفراق له الوصال دواءُ(١)

وذكر ص ١٥ قصَّة أبي المنصور الواعظ وشعره.

٣٦ - أبو العرفان الشيخ برهان الدين إبراهيم بن حسن بن شهاب الدين الكردي الكوراني ثمَّ المدني المتوفّى ١١٠٢، ذكره في كتابه «الأمم لإيقاظ الهمم» ص ٦٣ عن «الذريّة الطاهرة» للحافظ إبن بشير الدولابي، قال قال: حدَّثني إسحق بن يونس، حدّثنا سُويد بن سعيد عن مطلب بن زياد عن إبراهيم بن حيّان عن عبد الله بن الحسين عن فاطمة بنت الحسين عن الحسين بن علي رضي الله عنهما قال: كان رأس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حجر عليٍّ وكان يوحى إليه فلمّا سرى عنه قال لي يا عليُّ صلّيت الفرض؟! قال: لا. قال: اللّهمّ إنَّك تعلم أنَّه كان في حاجتك وحاجة رسولك فردَّ عليه الشمس. فردَّها عليه فصلّى وغابت الشمس.

ثمَّ رواه من طريق الطبراني عن أسماء بنت عميس بلفظها الآتي ثمَّ قال: قال الحافظ جلال الدين السيوطي في جزء «كشف اللبس في حديث ردّ الشمس»: إنَّ حديث ردِّ الشمس معجزةٌ لنبيِّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم صحّحه الإمام أبو جعفر الطحاوي وغيره وأفرط الحافظ أبو الفرج إبن الجوزي فأورده في كتاب الموضوعات، وقال تلميذه المحدِّث أبو عبد الله محمّد يوسف الدمشقي الصالحي في جزء «مزيل اللبس عن حديث ردّ الشمس»: إعلم أنَّ هذا الحديث رواه الطحاوي في كتابه شرح مشكل الآثار عن أسماء بنت عميس من طريقين وقال: هذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقات. ونقله القاضي عياض في «الشفاء» والحافظ ابن سيِّد الناس في «بشرى اللبيب»، والحافظ علاء الدين

_____________________

١ - لا يوجد هذان البيتان في همزية البوصيري.


مغلطاي في كتاب «الزهر الباسم»، وصحَّحه الحافظ إبن الفتح(١) الأزدي، وحسَّنه الحافظ أبو زرعة إبن العراقيِّ، وشيخنا الحافظ جلال الدين السيوطي في «الدرر المنتشرة في الأحاديث المشتهرة»، وقال الحافظ أحمد بن صالح وناهيك به: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلّف عن حديث أسماء لأنَّه من أجلِّ علامات النبوَّة. وقد أنكر الحفّاظ على إبن الجوزي إيراده الحديث في كتاب الموضوعات، فقال الحافظ أبو الفضل ابن حجر في باب قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: أُحلّت لكم الغنائم. من فتح الباري بعد أن أورد الحديث: أخطأ إبن الجوزي بإيراده له في الموضوعات إنتهى. ومن خطّه نقلت ثمَّ قال. إنَّ هذا الحديث ورد من طريق أسماء بنت عميس وعليّ بن أبي طالب وابنه الحسين وأبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهم(٢) ثمَّ ساقها وتكلّم على رجالها ثمَّ قال: قد علمت ممّا أسلفناه من كلام الحفّاظ في حكم هذا الحديث وتبيّن حال رجاله أنّه ليس فيه متَّهمٌ ولا من أُجمع على تركه: ولاح لك ثبوت الحديث وعدم بطلانه، ولم يبق إلّا الجواب عمّا اُعلّ به وقد اُعلّ بأُمور فساقها وأجاب عن الأُمور التي اُعلّ بها بأجوبة شافية].

٣٧ - أبو عبد الله الزرقاني المالكي المتوفّى ١١٢٢ والمترجم ١ ص ١٤٢. صحّحه في «شرح المواهب» ٥ ص ١١٣ - ١١٨ وقال: أخطأ إبن الجوزي في عدِّه من الموضوعات. وبالغ في الردِّ على إبن تيميّة وقال: العجب العجاب إنمّا هو من كلام إبن تيميَّة. وقال بعد نقل نفي صحَّته عن أحمد وإبن الجوزي: قال الشامي: والظاهر أنّه وقع لهم من طريق بعض الكذّابين ولم يقع لهم من الطرق السابقة وإلّا فهي يتعذَّر معها الحكم عليه بالضعف فضلاً عن الوضع، ولو عرضت عليه أسانيدها لاعترفوا بأنَّ للحديث أصلاً وليس بموضوع. قال: وما مهّدوه من القواعد وذكر جماعة من الحفّاظ له في كتبهم المعتمدة وتقوية من قوّاه يردُّ على من حكم بالوضع.

وقال: وبهذا الحديث أيضاً بان أنَّ الصلاة ليست قضاء بل يتعيَّن الأداءُ وإلّا لم يكن للدعاء فايدةٌ. (ثمَّ قال): ومن القواعد أنَّ تعدُّد الطريق فيه يُفيد أنَّ للحديث أصلاً، ومن لطائف الإتِّفاقات الحسنة أنَّ أبا المنصور المظفِّر الواعظ. وذكر القصِّة كما مرَّت.

_____________________

١ - كذا والصحيح، أبو الفتح.

٢ - فالحديث متواتر أخذاً بما ذهب إليه جمع من أعلام القوم في التواتر.


٣٨ - شمس الدين الحفني الشافعيّ المتوفّى ١١٨١ والمترجم ١ ص ١٤٤، قال في تعليقه على «الجامع الصغير» للسيوطي ٢ ص ٢٩٣ في قوله صلّى الله عليه وآله: ما حُبست الشمس على بشر إلّا على يوشع بن نون: لا ينافيه حديث ردِّ الشَّمس لسيِّدنا عليٍّ رضي الله عنه لأنّ ذلك ردٌّ لها بعد غروبها وما هنا حبسٌ لها لا ردٌّ لها بعد الغروب، والمراد ما حُسبت على بشر غير يوشع فيما مضى من الزَّمان، لأنَّ حُبس فعل ماض فلا ينافي وقوع الحبس بعد ذلك لبعض أولياء الله تعالى.

٣٩ - ميرزا محمَّد البدخشي المذكور في ج ١ ص ١٤٣ قال في «نزل الأبرار» ص ٤٠: الحديث صرَّح بتصحيحه جماعةٌ من الأئمَّة الحفّاظ كالطحاوي والقاضي عياض وغيرهما وقال الطحاوي: هذا حديثٌ ثابتٌ رواته ثقاتٌ. ثمَّ نقل كلام الطحّاوي وذكر حكاية أبي المنصور المظفَّر الواعظ وقال: إنَّ للحافظ السيوطي جزءٌ في طرق هذا الحديث وبيان حاله.

٤٠ - الشيخ محمَّد الصبّان المتوفّى ١٢٠٦ والمترجم ١ ص ١٤٥، عدَّه في إسعاف الراغبين ص ٦٢ من معجزات النبيِّ صلّى الله عليه وآله وفي ص ١٦٢ من كرامات أمير المؤمنين عليه السلام وذكر الحديث ثمَّ قال: وصحَّحه: الطحاوي، والقاضي في «الشفاء» وحسَّنه شيخ الإسلام أبو زرعة وتبعه غيره، وردّوا على جمع قالوا: إنَّه موضوعٌ، وزعم فوات الوقت بغروبها فلا فائدة لردِّها في محلِّ المنع لعود الوقت بعودها كما ذكره إبن العماد واعتمد غيره وإن اقتضى كلام الزركشي خلافه؛ وعلى تسليم عدم عود الوقت نقول: كما أنَّ ردَّها خصوصيَّةٌ كذلك إدراك العصر أداءً خصوصيَّةٌ.

٤١ - الشيخ محمَّد أمين بن عمر الشهير بإبن عابدين الدمشقي إمام الحنفيَّة في عصره المتوفّى ١٢٥٢ قال في حاشيته(١) ١ ص ٢٥١ عند قول المصنِّف: لو غربت الشمس ثمَّ عادت هل يعود الوقت؟! الظاهر: نعم. بحث لصاحب النهر حيث قال: ذكر الشافعيَّة أنَّ الوقت يعود لأنّه عليه الصّلاة والسّلام نام في حجر عليٍّ رضي الله عنه حتّى غربت الشمس فلمّا استيقظ ذكر له أنّه فاتته العصر. فقال: أللهمَّ إنَّه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاررد عليه. فردَّت حتّى صلّى العصر، وكان ذلك بخيبر و

_____________________

١ - تسمى برد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار في فقه الحنفية.


الحديث صحَّحه الطحاوي وعياض وأخرجه جماعةٌ منهم الطبراني بسند صحيح، وأخطأ من جعله موضوعاً كإبن الجوزي، وقواعدنا لا تأباه.

(ثمَّ قال): قلت: على أنَّ الشيخ إسماعيل ردَّ ما بحثه في النهر تبعاً للشافعيَّة بأنَّ صلاة العصر بغيبوبة الشَّمس تصير قضاء ورجوعها لا يعيدها أداءً، وما في الحديث خصوصيَّةٌ لعليٍّ كما يُعطيه قوله عليه السلام: إنَّه كان في طاعتك وطاعة رسولك.

٤٢ - السيِّد أحمد زيني دحلان الشافعي المتوفّى ١٣٠٤ والمترجم ١ ص ١٤٧ قال في «السيرة النبويَّة» هامش «السيرة الحلبيَّة» ٣ ص ١٢٥: ومن معجزاته صلّى الله عليه وسلّم ردُّ الشمس له روت أسماء بنت عُميس (وذكر الحديث ورواية الطحاوي و كلام أحمد بن صالح المصري فقال): وأحمد بن صالح من كبار أئمَّة الحديث الثقات و حسبه أنّ البخاري روى عنه في صحيحه. ولا عبرة بإخراج إبن الجوزي لهذا الحديث في الموضوعات، فقد أطبق العلمآء على تساهله في كتاب الموضوعات حتّى أدرج فيه كثيراً من الأحاديث الصحيحة قال السيوطي:

ومن غريب ما تراه فاعلمِ

فيه حديثٌ من صحيح مسلمِ

ثمَّ ذكر كلام القسطلاني في «المواهب اللدنيَّة» وجملة من مقال الزرقاني في شرحه ومنها قصَّة أبي المنصور الواعظ وشعره، ثمَّ حكى عن الحافظ إبن حجر نفي التنافي بين هذا الحديث وبين حديث: لم تُحبس الشمس على أحد إلّا ليوشع بن نون. بأنَّ حبسها ليوشع كان قبل الغروب وفي قصَّة عليٍّ كان حبسها بعد الغروب. ثمَّ قال: قيل: كان علم النجم صحيحاً قبل ذلك فلمّا وقف الشمس ليوشع عليه السلام بطل أكثره، و لما رُدِّت لعليٍّ رضي الله عنه بطل جميعه.

٤٣ - السيِّد محمَّد مؤمن الشبلنجي عدَّه في «نور الأبصار» ص ٢٨ من معجزات رسول الله صلى الله عليه وآله.

لفظ الحديث

عن أسماء بنت عميس أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله صلّى الظهر بالصهباء من أرض خيبر ثمَّ أرسل عليّاً في حاجة فجاء وقد صلّى رسول الله العصر فوضع رأسه في حجر عليٍّ و


لم يحرِّ كه حتّى غربت الشَّمس فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: أللّهمَّ إنَّ عبدك عليّاً احتبس نفسه على نبيّه فردَّ عليه شرقها. قالت أسماء: فطلعت الشَّمس حتّى رفعت على الجبال فقام عليٌّ فتوضَّأ وصلّى العصر ثمَّ غابت الشَّمس.

وهناك لفظٌ آخر نصفح عنه روماً للإختصار.

ويُعرب عن شهرة هذه الأثارة بين الصحابة الأقدمين إحتجاج الإمام أمير المؤمنين بها على الملأ يوم الشورى بقوله: أُنشدكم الله أفيكم أحدٌ ردَّت عليه الشَّمس بعد غروبها حتّى صلّى العصر غيري؟ قالوا: لا.(١)

وأخرج الخوارزمي في «المناقب» ص ٢٦٠ عن مجاهد عن إبن عبّاس قال: قيل له: ما تقول في عليِّ بن أبي طالب؟! فقال: ذكرت والله أحد الثقلين، سبق بالشهادتين، وصلّى بالقبلتين، وبايع البيعتين، وأُعطي السبطين، وهو أبو السبطين الحسن والحسين وردَّت عليه الشمس مرَّتين بعد ما غابت من الثقلين.

ووردت في شعر كثير من شعراء القرون الأولى حتّى اليوم يوجد منه شطرٌ مهمٌّ في غضون كتابنا. راجع ج ٢ ص ٢٩٣ ج ٣ ص ٢٩، ٥٧.

فبهذه كلّها نعرف قيمة إبن حزم وقيمة كتابه، ونحن لا يسعنا إيقاف القارئ على كلِّ ما في «الفِصَل» من الطامّات ولا على شطرٍ مهمٍّ منه إذ جميع أجزاءه ولا سيَّما الجزء الرابع مشحونٌ بالتحكّم والتقوُّل والتحريف والتدجيل والإفك والزور، وهناك مذاهب مختلقة لا وجود لها إلّا في عالم خيال مؤلِّفه.

وأمّا ما فيه من القذف والسباب المقذع فلا نهاية له بحيث لو أردنا إستيفائه لكلّفنا ذلك جزءاً، ولا يسلم أحدٌ من لدغ لسانه لا في فِصَله ولا في بقيَّة تآليفه حتّى نبيُّ العظمة قال في «الأحكام» ٥ ص ١٧١: قد غاب عنهم (يعني الشيعة) إنَّ سيِّد الأنبياء هو ولد كافر وكافرة.

أيُساعده في هذه القارصة أدب الدين؟! أدب التأليف؟! أدب العلم؟! أدب العفَّة؟!

( أَءُلْقِيَ الذّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ

سَيَعْلَمُونَ غداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ )

القمر ٢٥، ٢٦

_____________________

١ - مر الايعاز إلى حديث المناشدة يوم الشورى ج ١ ص ١٥٩ - ١٦٣.


٥

الملل والنحل(١)

هذا الكتاب وإن لم يكن يضاهي «الفصل» في بذاءة

المنطق غير أن في غضونه نسباً مفتعلة، وآراء مختلقة، وأكاذيب

جمة، لا يجد القارئ ملتحداً عن تفنيدها، فإليك نماذج منها:

١ - قال: قال هشام بن الحكم متكلّم الشيعة: إنَّ الله جسمٌ ذو أبعاض في سبعة أشبار بشبر نفسه في مكان مخصوص وجهة مخصوصة(٢) .

٢ - قال في حقِّ عليّ: إنَّه آلهٌ واجب الطاعة.

٣ - وقال هشام بن سالم: إنَّ الله على صورة إنسان أعلاه مجوَّفٌ، وأسفله مصمتٌ، وهو نورٌ ساطعٌ يتلألأ، وله حواسٌّ خمس ويدٌ ورجلٌ وأنفٌ وأُذنٌ وعينٌ وفمٌ، وله وفرةٌ سوداء وهو نورٌ أسود لكنَّه ليس بلحم ولا دم، وإنَّ هشام هذا أجاز المعصية على الأنبياء مع قوله بعصمة الأئمَّة.

٤ - وقال زرارة بن أعين: لم يكن الله قبل خلق الصِّفات عالماً ولا قادراً ولا حيّاً ولا بصيراً ولا مريداً ولا متكلّماً.

٥ - قال أبو جعفر محمّد بن النعمان: إنَّ الله نورٌ على صورة إنسان ويأبى أن يكون جسماً.

٦ - وزعم يونس بن عبد الرَّحمن القمّي: إنَّ الملائكة تحمل العرش والعرش تحمل الربّ، وهو من مشبِّهة الشيعة، وصنَّف لهم في ذلك كتباً.

ج - هذه عقايد باطلة عزاها إلى رجالات الشيعة المقتصِّين أثر أئمَّتهم عليهم السَّلام إقتصاص الظلِّ لذيه، فلا يعتنقون عقيدة؛ ولا ينشرون تعليماً، ولا يبثّون حكماً، ولا يرون رأياً إلّا ومن ساداتهم الأئمَّة على ذلك برهنةٌ دامغةٌ، أو بيانٌ شافٍ، أو فتوى سديدة، أو نظرٌ ثاقبٌ.

_____________________

١ - تأليف الفيلسوف الأشعري أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني المتوفّى ٥٤٨.

٢ - في المطبوع في هامش الفصل ٢ ص ٢٥.


على أنَّ أحاديث هؤلاء كلهم في العقايد والأحكام والمعارف الإلهيَّة مبثوثةٌ في كتب الشيعة تتداولها الأيدي، وتشخص إليها الأبصار، وتهشُّ إليها الأفئدة، فهي وما نسب إليهم من الأقاويل على طرفي نقيض، وهاتيك كتبهم وآثارهم الخالدة لا ترتبط بشيء من هذه المقالات بل إنَّما هي تدحرها وتضادُّها بألسنة حداد.

وإطراء أئمَّة الدين عليهم السَّلام لهم بلغ حدَّ الاستفاضة، ولو كانوا يعرفون من أحدهم شيئاً من تلكم النسب لشنّوا عليهم الغارات، كلائةً لملأهم عن الإغترار بها كما فعلوا ذلك في أهل البدع والضّلالات.

وهؤلآء علماء الرجال من الشيعة بسطوا القول في تراجمهم وهم بقول واحد ينزِّهونهم عن كلِّ شائنة معزوَّة إليهم، وهم أعرف بالقوم من أضداد هم البعداء عنهم الجهلاء بهم وبترجمتهم، غير مجتمعين معهم في حلِّ أو مرتحل.

وليس في الشيعة منذ القِدَم حتّى اليوم من يعترف أو يعرف بوجود هذه الفرق هشاميّة. زراريّة. يونسيَّة. المنتمية عند الشهرستاني ونظرائه إليهم ككثير من الفرق التي ذكرها للشيعة، وقد نفاها الشيخ العلّامة أبو بكر إبن العتايقي الحلّي في رسالة له في النحل الموجودة بخطّ يمينه، وحكم سيِّدنا الشريف المرتضى علم الهدى في الشافي والسيِّد العلّامة المرتضى الرازي «في تبصرة» العوام بكذب ما عزوه إلى القوم جميعاً وأنَّها لا توجد إلّا في كتب المخالفين لهم في المبدء إهباطاً لمكانتهم عند الملأ، لكن الشيعة الذين هم ذووهم وأعرف الناس بمبادءهم لا يعرفون هاتيك المفتريات، ولا يعترفون بها، ولا يوجد شيءٌ منها في كتبهم، وإنَّما الثابت فيها خلاف ذلك كلّه، كما لا يعتمد على تحقيق شيء من هاتيك الفرَق آية الله العلّامة الحلّي في «مناهج اليقين» وغيرهم من أعلام الشيعة.

فهل في وسع الرَّجل أن يخصم الإماميَّة بحجَّة مثبتة لتلكم الدعاوي؟! لاها الله.

وهل نُسب في كتب الكلام والتاريخ قبل خلق الشهرستاني إلى هشام القول بأُلوهية عليّ؟! لاها الله.

وهل رأت عين بشر أو سمعت أُذناه شيئاً ولو كلمة من تلكم الكتب المعزوَّة إلى يونس بن عبد الرَّحمن المصنَّفة في التشبيه؟! لاها الله. والشهرستاني أيضاً لم يره ولم يسمعه. *(وإن تعجب فعجبٌ قوله)*:


٧ - قال: إختلف الشيعة بعد موت عليِّ بن محمَّد العسكري أيضاً فقال قومٌ: بإمامة جعفر بن عليّ وقال فومٌ بإمامة الحسن بن عليّ وكان لهم رئيسٌ يقال له: عليُّ بن فلان الطاحن وكان من أهل الكلام قوّى أسباب جعفر بن عليّ وأمال الناس إليه وأعانه فارس بن حاتم بن ماهويه، وذلك أنَّ محمَّداً قد مات وخلف الحسن العسكريّ قالوا: إمتحنّا الحسن ولم نجد عنده علماً. ولقَّبوا من قال بإمامة الحسن «الحماريَّة» وقوّوا أمر جعفر بعد موت الحسن، واحتجّوا بأنَّ الحسن مات بلا خلف، فبطلت إمامته لأنَّه لم يعقب والإمام لا يكون إلّا ويكون له خلفٌ وعقبٌ، وحاز جعفر ميراث الحسن بعد دعوى ادَّعاها عليه أنَّه فعل ذلك من حبل في جواريه وغيره وانكشف أمرهم عند السلطان والرعيّة وخواصِّ الناس وعوامهم، وتشتّت كلمة من قال بإمامة الحسن وتفرَّقوا أصنافاً كثيرةً، فثبت هذه الفرقة على إمامة جعفر ورجع إليهم كثيرٌ ممَّن قال بإمامة الحسن منهم: الحسن بن عليِّ بن فضّال وهو من أجلِّ أصحابهم وفقائهم كثير الفقه والحديث، ثمَّ قالوا بعد جعفر بعليِّ بن جعفر وفاطمة بنت عليّ أخت جعفر، و قال قومٌ: بإمامة عليِّ بن جعفر دون فاطمة السيِّدة، ثمَّ اختلفوا بعد موت عليٍّ وفاطمة إختلافاً كثيراً.

ج - إنَّ الرَّجل يدخل المراقص والمسارح لينظر إلى المفرحات والمضحكات أو يسمع أشياءً سارَّة ولو من بعض النواحي، وقد غفل عن أنَّ كتاب الشهرستاني أوفى بمقصده من تلك المنتديات.

غير أنَّه إن كان مضحكاً بجهل صاحبه فهو مُبكٍ من ناحية أن يوجد في بحّاثة المسلمين من تروقه الوقيعة في أُمم من قومه، لكنَّه لا يعرف كيف يقع، فيثبت ما يتراوح بين جهلٍ شائنٍ، وإفكٍ مفترى، وليته قبل أن يكتب فحص عن أحوال القوم وعقائدهم وتاريخ رجالهم فلا يتحمَّل إثم ما افتعله، ولا يخبط في ذلك خبط عشواء، ولا يُثبت ما لا يعرف.

فإن كان لا يدري؟! فتلك مصيبةٌ

وإن كان يدري؟! فالمصيبة أعظمُ

ليت شعري متى وقع الخلاف في الإمامة بين الإمام الحسن العسكري عليه السلام و بين أخيه جعفر الذي إدَّعى الإمامة بعد وفاة أخيه؟!


ومَن هو عَليُّ بن فلان الطاحن الذي قوّى أسباب جعفر وأمال الناس إليه؟! و متى خُلق؟! ومتى مات؟! ولست أدري أيُّ هَيّ بن بَيّ هو؟! وهل وجد لنفسه مقيلاً في مستوى الوجود؟! أنا لا أدري، والشهرستاني لا يدري، والمنجّم أيضاً لا يدري.

وكيف أعان جعفراً فارس بن حاتم بن ماهويه وقد قتله جُنيد بأمر والده الإمام عليِّ الهادي عليه السلام؟!.

ومَن هو محمَّد الّذي خلف الإمام الحسن العسكري؟! أهو الإمام محمّد الجواد؟! ولم يخلف إلّا ابنه الإمام الهادي سلام الله عليه. أو هو أبو جعفر محمّد بن عليّ؟! صاحب البقعة المعظَّمة بمقربة من بلد، وقد مات بحياة أبيه الطاهر والإمامة مستقرَّة لوالده، ومتى كان إماماً أو مدَّعياً للإمامة حتّى يخلّف غيره عليها؟!

ومَن هؤلاء الّذين إمتحنوا الحسن الزكيَّ العسكريَّ فلم يجدوا عنده علماً؟! ثمَّ وجدوه في جعفر الذي لم يُعرف منه شيء غير أنَّه إدّعى الإمامة باطلاً بعد أخيه، و قصارى ما عندنا أنَّه أدركته التوبة، ولم يوجد له ذكرٌ بعلم أو ترجمةٌ فيها فضيلةٌ في أيٍّ من الكتب، ولا نشرت عنه كتب الأحاديث شيئاً من علومه المدَّعاة له عند الشهرستاني لو صدقت الأحلام، وهذا الحسن العسكري عليه السلام تجده في التراجم والمعاجم من الفريقين مذكوراً بالعلم والثقة وملأ كتب العلم والحديث تعاليمه ومعارفه.

ومَن هم الَّذين لقَّبوا أتباع الحسن عليه السلام بالحماريَّة؟! نعم: أهل بيت النبوَّة محسودون في كلِّ وقت فكان يحصل لكلّ منهم في وقته من يسبّه حسداً ويسبُّ أتباعه لكن لا يذهب ذلك لقباً له أو لأشياعه، وإنَّما يتدهور في مهوى الضعة.

ومتى كان الحسن بن عليّ بن فضّال في عهد الإمام الحسن العسكري؟! حتّى يرجع عنه إلى جعفر وقد توفّي إبن فضّال سنة ٢٢١ ونطفة الحسن وجعفر بعد لم تنعقد، وقبل أن يبلغ الحلم والدهما الطاهر الإمام الهادي المتولّد سنة ٢١٢.

ومَن ذا الّذي ذَكر للإمام عليِّ الهادي بنتاً إسمها فاطمة؟! حتّى يقول أحدٌ بإمامتها، فإنَّ الإمام عليه السلام لم يخلف من الذكور إلّا الحسن والحسين وجعفراً ومن الاُناث إلّا عليَّة، بإتّفاق المؤرِّخين.

هذا كلّ ما في علبة الشهرستاني من جهلٍ وفريةٍ سوَّد بهما صحيفةً من كتابه


أو صحيفةً من تاريخ حياته، وكم له من لداتها صحايف، ولم يُدهوره إلى تلك الهوَّة إلّا عدم معرفته بما يقول حتّى أنَّه يقول في الإمام الهادي الذي خبط فيه وفي ولده هذا الخبط العظيم أنَّ مشهده بقم(١) وهذه سامرّاء المشرَّفة تزدهي بمرقده الأطهر وإلى جنبه ولده الإمام الزكيُّ منذ دفنا فيه قبل الشهرستاني وبعده، وتلك قبّته الذهبيَّة تحكّ السماء بذخاً، وتفوق الذكاء سناءً، وهذه المعاجم والتواريخ مفعمةٌ بتعيين هذا المرقد الأقدس له ولولده لكن الشهرستاني يجهل ذلك كلّه.

٨ - خاصَّة الشيعة عند الشهرستاني.

قال: ومن خصايص الشيعة القول بالتناسخ والحلول والتشبيه. ٢ ص ٢٥.

ج - هل أُنبِّئكم على من تنزَّل الشياطين؟! تنزَّل على كلِّ أفّاك أثيم، يُلقون السَّمع وأكثرهم كاذبون.

ليس بينك وبين عقايد الشيعة حجزٌ وهي مدوَّنةٌ في مؤلَّفاتهم الكلاميَّة قديماً وحديثاً، فلن تجد من يضرب على يدك إذا مددتها إلى أيٍّ منها أو من يغشي على بصرك إذا نظرت فيها، فأمعن فيها بصرك وبصيرتك، أو سل مَن شئت من علماء الشيعة و عارفيها، وأتنازل معك إلى جهّالها عن هذه العقايد المعزوَّة إلى الشيعة على لسان الشهرستاني في القرون الوسطى، وعلى لسان طه حسين وأمثاله في القرن الأخير، و سلهم أنَّهم هل يرون لمعتنقي هاتيك العقايد مقيلاً في مستوى الدين؟! أو مبوَّءً على باحة الإسلام؟! أما وإنَّك لا تجد فرداً من أفراد الشيعة إلّا وهو يقول بكفر من يكون هذه معتقده، إذن فاعرف قيمة كتاب الشهرستاني ومحلّه من الأمانة في النقل.

أنا لم أجد في قاموس البيان ما يُعرب عن حقيقة الشهرستاني وكتابه، وكلّ ما ذكر من تقوُّلاته وتحكّماته يقصر عن استكناه بُجره وعُجره، غير أنَّ لمعاصره أبي محمّد الخوارزمي كما في معجم البلدان ٥ ص ٣١٥ كلاماً ينمُّ عن روحياته وإليك نصّه، قال بعد ذكر مشايخه في الفقه وأصوله والحديث:

ولولا تخبّطه في الإعتقاد وميله إلى هذا الإلحاد لكان هو الإمام، وكثيراً ما كنّا نتعجّب من وفور فضله وكمال عقله وكيف مال إلى شيء لا أصل له، واختار أمراً

_____________________

١ - ٢ ص ٥ هامش الفصل.


لا دليل عليه لا معقولاً ولا منقولاً، ونعوذ بالله من الخذلان والحرمان من نور الإيمان، وليس ذلك إلّا لإعراضه عن نور الشريعة واشتغاله بظلمات الفلسفة، وقد كان بيننا محاورات ومفاوضات، فكان يبالغ في نصرة مذاهب الفلاسفة والذبِّ عنهم، وقد حضرت عدَّة مجالس من وعظه فلم يكن فيها لفظ: قال الله، ولا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولا جواب من المسائل الشرعيَّة والله أعلم بحاله.

( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلّهُ اللّهُ عَلَى‏ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى‏ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ

وَجَعَلَ عَلَى‏ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللّهِ أَفَلاَ تَذَكّرُونَ )

الجاثية ٢٣


٦

منهاج السنة(*)

إذا أردت أن تنظر إلى كتاب سمّى بضد معناه فانظر

إلى هذا الكتاب الذي استعير له اسم (منهاج السنة) وهو الحرى

بأن يسمى، منهاج البدعة. وهو كتاب حشوه ضلالات وأكاذيب و

تحكمات، وإنكار المسلمات، وتكفير المسلمين، وأخذ بناصر

المبدعين، ونصب وعداء محتدم على أهل بيت الوحي عليهم السلام،

فليس فيه إلّا تدجيل محض، وتمويه على الحقايق، وتحريف الكلم

عن مواضعه، وقول بالبذاء، ورمى بالمقذعات، وقذف بالفواحش،

وتحكّك بالوقيعة، وتحرّش بالسباب، وإليك نماذج منها:

١ - قال: من حماقات الشيعة أنَّهم يكرهون التكلّم بلفظ العشرة أو فعل شيء يكون عشرة حتّى في البناء لا يبنون على عشرة أعمدة ولا بعشرة جذوع ونحو ذلك، لبغضهم العشرة المبشَّرة إلّا عليَّ بن أبي طالب، ومن العجب أنَّهم يُوالون لفظ التسعة وهم يبغضون التسعة من العشرة. ج ١ ص ٩.

وقال ج ٢ ص ١٤٣: من تعصّب الرافضة أنَّهم لا يذكرون إسم العشرة بل يقولون: تسعةٌ وواحدٌ، وإذا بنوا أعمدة أو غير هالا يجعلونها عشرةً وهم يتحرَّون ذلك في كثير من أُمورهم.

ج - أو ليس عاراً على من يُسمّي نفسه شيخ الإسلام أن ينشر بين المسلمين في كتابه مثل هذه الخزاية ويكرِّرها في طيَه؟ كأنَّه جاء بتحقيقٍ أنيق، أو فلسفةٍ راقية، أو حكمةٍ بالغة تحيي الأُمَّة.

وإن تعجب فعجبٌ أنَّ رجلاً ينسب نفسه إلى العلم والفضيلة ثمَّ إذا قال قولاً كذب، أو إذا نسب إلى أحد شيئاً مان، وكان ما يقوله أشبه شيء بأقاويل رُعاة المعزى، لا، بل هو دونهم وقوله دون ما يقولون، وكأنَّ الرجل مهما ينقل عن الشيعة شيئاً يحدِّث

_____________________

* - تأليف إبن تيمية أحمد بن عبد الحليم الحراني الحنبلي المتوفّى في محبس مراكش ٧٢٨.


به عن أُمَّةٍ بائدةٍ لم تُبق منها صروف العبر من يعرف نواميسها، ويُدافع عنها، و يدرأ عنها القول المختلق.

هذا وأديم الأرض يزدهي بملائين من هذه الفرقة، والمكتبات مفعمةٌ بكتبهم، فعند أيِّ رجل منهم؟! وفي أيٍّ من هاتيك الكتب تجد هذه المهزأة؟! نعم في قرآن الشيعة تلك عشرةٌ كاملةٌ. ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها. والفجر وليال عشر. فأتوا بعشر سور مثله. وأمثالها وهي ترتِّلها عند تلاوته في آناء الليل وأطراف النهار، وهذه دعاء العشرات يقرئها الشيعة في كلِّ جمعة. وهذه الصَّلوات المندوبة التي تكرَّر فيها السورة عشر مرّات. وهذه الأذكار المستحبَّة التي تُقرء بالعشرات. وهذه مباحث العقول العشرة. ومباحث الجواهر والأعراض العشرة في كتبهم.

وهذا قولهم: إنّ أسماء النبيِّ عشرة.

وقولهم: إنّ الله قوّى العقل بعشرة.

وقولهم: عشرة خصال من صفات الإمام.

وقولهم: كانت لعليٍّ من رسول الله عشر خصال.

وقولهم: بُشِّر شيعة عليٍّ بعشر خصال.

وقولهم: عشر خصال من مكارم الأخلاق.

وقولهم: لا تقوم السّاعة حتّى تكون عشر آيات.

وقولهم: لا يكون المؤمن عاقلاً إلّا بعشر خصال.

وقولهم: لا يُؤكل عشرة أشياء.

وقولهم: عشرة أشياء من الميتة ذكيَّة.

وقولهم: عشرة مواضع لا يُصلّي فيها.

وقولهم: الإيمان عشرة درجات.

وقولهم: العافية عشرة أجزاء.

وقولهم: الزهد عشرة أجزاء.

وقولهم: الشهوة عشرة أجزاء.

وقولهم: البركة عشرة أجزاء.


وقولهم: الحياء عشرة أجزاء.

وقولهم: في الشيعة عشر خصال.

وقولهم: الإسلام عشرة أسهم.

وقولهم: في السواك عشر خصال.

وهذه قصور الشيعة المشيَّدة، وأبنيتهم العامرة، وحصونهم المنيعة كلّها تكذِّب إبن تيميَّة، ولا يخطر على قلب أحد من بانيها ما لفَّقه إبن تيميَّة من المخاريق.

هذا والشيعة لاتزى للعدد قيمةً بمجرَّده، ولا يوسم أحدٌ منهم بحبِّه وبغضه مهما كان المعدود مبغوضاً له أو محبوباً، ولم تسمع أُذن الدُّنيا من أحدهم في العشرة: تسعةٌ وواحد. نعوذ بالله من هذه المجهلة.

٢ - قال: ومن حماقاتهم: (يعني الشيعة) إنَّهم يجعلون للمنتظر عدَّة مشاهد ينتظرونه فيها كالسرداب الذي بسامرّا يزعمون أنَّه غائبٌ فيه ومشاهد أُخر، وقد يقيمون هناك دابّة إمّا بغلةً وإمّا فرساً وإمّا غير ذلك ليركبها إذا خرج، ويقيمون هناك إمّا في طرفي النهار وإمّا في أوقات أُخر مَن يُنادي عليه بالخروج: يا مولانا اخرج. و يشهرون السلاح ولا أحد هناك يقاتلهم، وفيهم من يقوم في أوقاته دائماً لا يصلّي خشية أن يخرج وهو في الصَّلاة، فيشتغل بها عن خروجه وخدمته، وهم في أماكن بعيدة عن مشهده كمدينة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم إمّا في العشرة الأواخر من شهر رمضان، وإمّا غير ذلك يتوجَّهون إلى المشرق وينادونه بأصوات عالية يطلبون خروجه.

٣ - قال: ومن حماقاتهم: إتِّخاذهم نعجةً وقد تكون نعجة حمراء لكون عائشة تُسمى حميراء يجعلونها عائشة ويعذِّبونها بنتف شعرها وغير ذلك، ويرون أنَّ ذلك عقوبة لعائشة.

٤ - واتِّخاذهم حلساً مملؤاً سمناً ثمَّ يشقّون بطنه فيخرجون السَّمن فيشربونه ويقولون: هذا مثل ضرب عمر وشرب دمه.

٥ - ومثل تسمية بعضهم لحمارين من حمر الرحا أحدهما بأبي بكر والآخر بعمر، ثمَّ عقوبة الحمارين جعلاً منهم تلك العقوبة عقوبةً لأبي بكر وعمر.

وكرَّر هذه النسب الثلاث في ج ٢ ص ١٤٥.

٦ - قال: وتارةً يكتبون أسمائهم على أسفل أرجلهم حتّى أنَّ بعض الولاة جعل


يضرب رجل مَن فعل ذلك ويقول: إنَّما ضربت أبا بكر وعمر ولا أزال أضربهما حتى أعدمهما.

٧ - ومنهم من يُسمِّي كلابه باسم أبي بكر وعمر ويلعنهما، ١ ص ١١.

ج - كنّا نُربئ بكتابنا هذا عن أن نسوِّد شيئاً من صحائفه بمثل هذه الخزايات التي سوَّد بها إبن تيميَّة جبهة كتابه وسوَّد بها صحيفة تاريخه بل صحيفة تاريخ قومه. لكنّي خشية أن تنطلي على أُناس من السذَّج آثرت نقلها وإردافها بأنَّ أمثالها ممّا هو خارجٌ عن الأبحاث العلميَّة ومباحث العلماء، وإنَّما هي قذائف تترامى بها ساقة النّاس وأوباشهم، ولعلَّ في السَّاقة من تندى جبهة إنسانيَّته عند التلّفظ بها لأنّها مخاريق مقيلها قاعة الفرية ليس لها وجود مائل إلّا في مخيَّلة إبن تيميَّة وأوهامه.

يخترق هذه النسب المفتعلة؛ ويتعمَّد في تلفيق هذه الأكاذيب المحضة ثمَّ جاء يسبّ ويشتم ويُكفِّر ويكثر من البذاء على الشيعة ولا يُراعي أدب الدين. أدب العلم. أدب التأليف. أدب الأمانة في النقل. أدب النزاهة في الكتابة. أدب العفَّة في البيان.

ولا يحسب القارئ أنَّ هذه النسب المختلقة كانت في القرون البائدة ربما تنشيء عن الجهل بمعتقدات الفرق للتباعد بين أهليها، وذهبت كحديث أمس الدابر، وأمّا اليوم فالعقول على الرقيِّ والتكامل، والمواصلات في البلاد أكيدةٌ جدّاً، ومعتقدات كلِّ قوم شاعت وذاعت في الملأ، فالحريُّ أن لا يوجد هناك في هذا العصر (الذي يسمّيه المغفَّل) عصر النّور مَن يرمي الشيعة بهذه الخزايات أو يرى رأي السلف.

نعم: إنّ أقلام كتّاب مصر اليوم تنشر في صحايف تآليفها هذه المخاريق نفسها و يزيد عليها تافهات شائنة أُخرى أهلك من ترَّهات البسابس أخذاً بناصر سلفهم، وسنوقفك على نصِّ تلكم الكلم، ونعرِّفك بأنَّ كاتب اليوم أكثر في الباطل تحوُّراً، وأقبح آثاراً، وأكذب لساناً، وأقول بالزور والفحشاء من سلفه السلف وشيخه المجازف، وهم مع ذلك يدعون الأُمَّة إلى كلمة التوحيد، ووحدة الكلمة.

٨ - قال: إنَّ العلماء كلّهم متّفقون على أنَّ الكذب في الرافضة أظهر منه في سائر طوائف أهل القبلة، حتّى أنّ أصحاب الصحيح كالبخاري لم يرو عن أحد من قدماء الشيعة مثل عاصم بن ضمرة، والحارث الأعور، وعبد الله بن سلمة وأمثالهم مع أنّ هؤلاء


من خيار الشيعة ١ ص ١٥.

ج - إنّ هذه الفتوى المشفوعة بنقل إتِّفاق العلماء تُعطي خبراً عن أنَّ للعلماء بحثاً ضافياً في كتبهم حول مسألة أنَّ أيَّ طوائف أهل القبلة أكذب. فكانت نتيجة ذلك البحث والتنقيب: أنّ الكذب في الرافضة... وعليه حصل إجماع العلماء فطفق إبن تيميَّة يرقص ويزمِّر لما هنالك من مُكاءٍ وتصدية وعليه فكلٌّ من كتب القوم شاهدُ صدقٍ على كذب الرَّجل فيما يقول، وإنَّ مراجعة كتاب «منهاج السنَّة» و «الفِصل» وما يجري مجراهما في المخزى تُعطينا برهنةً صادقةً على أنّ أيّ الفريقين أكذب.

ومن أعجب الأكاذيب قوله: حتّى أنَّ أصحاب الصحيح... فإنَّك تجد الصحاح الستّ مفعمةً بالرِّواية عن قدمآء الشيعة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وممَّن بعدهم من مشايخهم كما فصَّلناها في هذا الجزء ص ٩٢ - ٩٤.

٩ - قال: أصول الدين عند الإماميَّة أربعةٌ: التوحيد. والعدل. والنبوَّة. والإمامة هي آخر المراتب والتوحيد والعدل والنبوَّة قبل ذلك، وهم يُدخلون في التوحيد نفي الصفات والقول بأنَّ القرآن مخلوقٌ، وإنَّ الله لا يُرى في الآخرة، ويُدخلون في العدل التكذيب بالقدرة، وإنَّ الله لا يقدر أن يهدي من يشآء، ولا يقدر أن يضلَّ من يشآء، وإنّه قد يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء، وغير ذلك فلا يقولون: إنَّه خالق كلّ شيء، ولا إنَّه على كلِّ شيء قدير، ولا إنَّه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ١٠ ص ٢٣.

ج - بلغ من جهل الرجل أنَّه لم يُفرِّق بين أصول الدين وأصول المذهب فيعدُّ الإمامة التي هي من تالي القسمين في الأوَّل، وأنَّه لا يعرف عقايد قوم هو يبحث عنها، ولذلك أسقط المعاد من أصول الدين ولا يختلف من الشيعة إثنان في عدِّه منها.

م - على أنّ أحداً لو عدَّ الإمامة من أصول الدين فليس بذلك البعيد عن مقائيس البرهنة بعد أن قرن الله سبحانه ولاية مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بولايته وولاية الرَّسول صلّى الله عليه وآله بقوله:( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا ) . الآية. وخصَّ المؤمنين بعليٍّ عليه السلام كما مرَّ الايعاز إليه في الجزء الثاني صفحة ٥٢ وسيوافك حديثه مفصِّلا بُعيد هذا.


وفي آية كريمة أُخرى جعل المولى سبحانه بولايته كمال الدين بقوله:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِيناً ) . ولا معنى لذلك إلّا كونها أصلاً من أصول الدين لولاها بقي الدين مخدجاً، ونعم الله على عباده ناقصة، وبها تمام الإسلام الذي رضيه ربّ المسلمين لهم دينا.

وجعل هذه الولاية بحث إذا لم تُبلَّغ كان الرَّسول صلّى الله عليه وآله ما بلَّغِ رسالته فقال:( يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ) . ولعلّك تزداد بصيرةً فيما قلناه لو راجعت الأحاديث الواردة من عشرات الطرق في الآيات الثلاث كما فصَّلناها في الجزء الأوّل ص ٢١٤ - ٢٢٣ و ٢٣٠ - ٢٣٨ وفي هذا الجزء.

وبمقربة من هذه كلّها ما مرَّ في الجزء الثاني ص ٣٠١، ٣٠٢ من إناطة الأعمال كلّها بصحَّة الولاية، وقد أُخذت شرطاً فيها، وهذا هو معنى الأصل كما أنّه كذلك بالنسبة إلى التوحيد والنبوَّة، وليس في فروع الدين حكمٌ هو هكذا.

ولعلَّ هذا الذي ذكرناه كان مسلّما عند الصحابة الأوَّلين ولذلك يقول عمر بن الخطاب لما جاءه رجلان يتخاصمان عنده: هذا مولاي ومولى كلِّ مؤمن، ومن لم يكن مولاه فليس بمؤمن. راجع الجزء الأوّل صفحة ٣٨٢.

وستوافيك في هذا الجزء زرافةٌ من الأحاديث المستفيضة الدالَّة على أنَّ بغضه صلوات الله عليه سمة النِّفاق وشارة الإلحاد، ولولاه عليه السلام لما عُرف المؤمنون بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا يُبغضه أحدٌ إلّا وهو خارجٌ من الإيمان، فهي تدلّ على تنكّب الحائد عن الولاية عن سويِّ الصراط كمن حاد عن التوحيد والنبوَّة، فلترتّب كثير من أحكام الأصلين على الولاية يقرب عدُّها من الأصول، ولا ينافي ذلك شذوذها عن بعض أحكامهما لما هنالك من الحِكم والمصالح الإجتماعيَّة كما لا يخفى].

وأما نفي الصفات فإن كان بالمعنى الّذي تحاوله الشيعة من نفيها زايدةً على الذّات بل هي عينها فهو عين التوحيد، والبحث في ذلك تتضمَّنه كتب الكلام، وإن كان بالمعني الذي ترمي إليه المعطّلة فالشيعة منه برآء. وكذلك القول بأنَّ القرآن مخلوقٌ فإنَّه ليس مع الله سبحانه أزليٌّ يضاهيه في القِدَم كما أثبتته البرهنة الصادقة المفصَّلة في كتب


العقايد. وأمّا نفي الرؤية فلنفي الجسميَّة عنه، والمنطق الصحيح معتضداً بالكتاب والسنَّة يشهد بذلك، فراجع مظانَّ البحث فيه. وأمّا بقيَّة ما عزاه إليهم فهي أكاذيب محضة لا تشكُّ الشيعة قديماً وحديثاً في ضلالة القائل بها.

١٠ - قال: تجد الرافضة يعطِّلون المساجد التي أمر الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه فلا يُصلّون فيها جمعةً ولا جماعةً: وليس لها عندهم كبير حرمة، وإن صلّوا فيها صلّوا فيها وُحداناً، ويعظِّمون المشاهد المبنّية على القبور، فيعكفون عليها مشابهةً للمشركين ويحجّون إليها كما يحجُّ الحاجُّ إلى البيت العتيق، ومنهم مَن يجعل الحجَّ إليها أعظم من الحجِّ إلى الكعبة، بل يسبّون من لا يستغني بالحجِّ إليها عن الحجِّ الذي فرضه الله تعالى على عباده، ومن لا يستغني بها عن الجمعة والجماعة، وهذا من جنس دين النصارى والمشركين. ١ ص ١٣١.

وقال في ٢ ص ٣٩: الرافضة يعمرون المشاهد الَّتي حرِّم الله ورسوله بناءها، يجعلونها بمنزلة دور الأوثان، ومنهم من يجعل زيارتها كالحجِّ كما صنَّف المفيد كتاباً سمّاه [مناسك حجِّ المشاهد] وفيه من الكذب والشرك ما هو جنس شرك النصارى وكذبهم.

ج - إنَّ المساجد العامرة ماثلةٌ. بين ظهرانيِّ الشيعة في أوساطها وحواضرها ومُدنها وحتّى في القرى والرساتيق تحتفي بها الشيعة، وترى حرمتها من واجبها، وتقول بحرمة تنجيسها وبوجوب إزالة النجاسة عنها، وبعدم صحَّة صلاة بعد العلم بها و قبل تطهيرها، وعدم جواز مسك الجنب والحائض والنفساء فيها، وعدم جواز إدخال النجس فيها إن كان هتكاً، وتكره فيها المعاملة والكلام بغير الذِّكر والعبادة من أمور الدنيا، ومن فعل ذلك يُضرب على رأسه ويقال له: فضَّ الله فاك. وتروي عن النبيِّ أئمَّتها أنَّه لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد. إلى غيرها من الحرمات التي يتضمَّنها فقه الشيعة، وينوءُ بها عملهم، وما يقام فيها من الجماعات، وهذه كلّها أظهر من أن تخفى على من جاسَ خلال ديارهم أو عرف شيئاً من أنبائهم.

وأمّا تعظيمهم المشاهد فليس تشبّهاً منهم بالمشركين فإنَّهم لا يعبدون مَن فيها وإنّما يتقرَّبون إلى المولى سبحانه بزيارتهم والثناء عليهم والتأبين لهم لأنَّهم


أولياء الله وأحبّاؤه، ويروون في ذلك أحاديث عن أئمّتهم، وفيما يُتلى هنالك من ألفاظ الزيارات شهادةٌ واعترافٌ بأنّهم عبادٌ مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.

وأمّا السبُّ على ما ذكر فهو مِن أكذب تقوُّلاته فإنَّ الشيعة على بكرة أبيها تروي عن أئمّتها: إنَّ الإسلام بُني على خمس: الصلاة والزكاة والحجّ والصوم و الولاية. وأحاديثهم بذلك متضافرة وتعتقد بأنَّ تأخير حَجّة الإسلام عن سنتها كبيرةٌ موبقةٌ إنّه يُقال لتاركها عند الموت: مُت إن شئت يهوديّاً وإن شئت نصرانيّاً. أفمن المعقول أن تسبَّ الشيعة مع هذه العقايد والأحاديث وفتاوى العلماء المطابقة لها المستنبطة من الكتاب والسنّة من لا يستغني عن الحجِّ بالزِّيارة.

وأمّا كتاب الشيخ المفيد فليس فيه إلّا أنَّه أسماه [منسك الزِّيارات] وما المنسك إلّا العبادة وما يُؤدّي به حق الله تعالى، وليست له حقيقة شرعيَّة مخصوصة بأعمال الحجِّ وإن تخصَّص بها في العرف والمصطلح، فكلُّ عبادةٍ مرضيَّةٍ لله سبحانه في أيِّ محلٍّ وفي أيّ وقت يجوز إطلاقه عليها، وإذا كانت زيارة المشاهد والآداب الواردة و الأدعية والصلوات المأثورة فيها من تلكم النسك المشروعة من غير سجود على قبرٍ أو صلاةٍ إليه ولا مسئلةٍ من صاحبه أوَّلاً وبالذات وإنَّما هو توسّلٌ به إلى الله تعالى لزلفته عنده وقربه منه، فما المانع من إطلاق لفظ المنسك عليه؟!

وقوله عمّا فيه من كذب وشرك فهو لدة ساير ما يتقوَّل غير مكترث لوباله و الكتاب لم يعدم بعدُ وهو بين ظهرانينا وليس فيه إلّا ما يُضاهيه ما في غيره من كتب المزار ممّا ينزِّل الأئمَّة الطاهرين عمّا ليس لهم من المراتب، ويثبت لهم العبوديَّة و الخضوع لسلطان المولى سبحانه، مع ما لهم من أقرب الزلف إليه، فما لهؤلاء القوم لا يفقهون حديثاً؟.

١١ - قال: قد وضع بعض الكذّابين حديثاً مفترى أنّ هذه الآية:( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) نزلت في عليّ لما تصدَّق بخاتمه في الصَّلاة، وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل. ١ ص ١٥٦.


ثمَّ استدلَّ على كذب القول به بأوهام وتافهات طالما يُكرِّر أمثالها تِجاه النّصوص كما سبق منه في حديث ردِّ الشمس ويأتي عنه في آية التطهير.( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) . وفي حديث المواخاة وأمثالها من الصِّحاح الَّتي تأتي.

ج - ما كنت أدري أنَّ القحَّة تبلغ بالإنسان إلى أن يُنكر الحقايق الثابتة، ويزعم أنَّ ما خرَّجته الأئمَّة والحفّاظ وأنهوا أسانيده إلى مثل أمير المؤمنين. وإبن عبّاس. وأبي ذرّ. وعمّار. وجابر الأنصاري. وأبي رافع. وأنس بن مالك. وسلمة بن كهيل. وعبد الله بن سلام. ممّا قام الإجماع على كذبه، فهو كبقيَّة إجماعاته المدَّعاة ليس له مقيلٌ من مستوى الصِّدق.

ليت شعري كيف يعزو الرَّجل إلى أهل العلم إجماعهم على كذب الحديث وهم يستدلّون بالآية الشريفة وحديثها هذا على أنَّ الفعل القليل لا يُبطل الصَّلاة، وأنَّ صدقة التطوُّع تُسمّى زكاةً. ويعدّونها بذلك من آيات الأحكام(١) وذلك ينمُّ عن إتِّفاقهم على صحّة الحديث.

ويشهد لهذا الإتِّفاق أنَّ مَن أراد المناقشة فيه من المتكلّمين قصرها على الدَّلالة فحسب من دون أيِّ غمزٍ في السند، وفيهم من أسنده إلى المفسِّرين عامّة مشفوعاً بما عنده من النقد الدَّلالي. فتلك دلالةٌ واضحةٌ على إطباق المفسِّرين والمتكلّمين والفقهاء على صدور الحديث!.

أضف إلى ذلك إخراج الحفّاظ وحملة الحديث له في مدوَّناتهم مخبتين إليه وفيهم من نصَّ على صحّته، فانظر إذن أين يكون مستوى إجماع إبن تيميَّة؟! وأين استقلَّ أولئك المجمعون من أديم الأرض؟! ولك الحكم الفاصل، وإليك أسماء جمع ممّن أخرج الحديث أو أخبت إليه وهم:

١ - القاضي أبو عبد الله محمد بن عمر المدني الواقدي المتوفّى ٢٠٧، كما في «ذخاير العقبى» ١٠٢.

٢ - الحافظ أبو بكر عبد الرَّزاق الصنعاني المتوفّى ٢١١، كما في تفسير إبن كثير ٢ ص ٧١ وغيره عن عبد الوهاب بن مجاهد عن مجاهد عن إبن عبّاس.

_____________________

١ - كما فعله الجصاص في أحكام القرآن وغيره.


٣ - الحافظ أبو الحسن عثمان بن أبي شيبة الكوفيّ المتوفّى ٢٣٩ في تفسيره.

٤ - أبو جعفر الإسكافي المعتزلي المتوفّى ٢٤٠، في رسالته التي ردَّ بها على الجاحظ.

٥ - الحافظ عبد بن حميد الكشي أبو محمَّد المتوفّى ٢٤٩، في تفسيره كما في «الدرِّ المنثور».

٦ - أبو سعيد الأشجّ الكوفي المتوفّى ٢٥٧، في تفسيره عن أبي نعيم فضل بن دكين عن موسى بن قيس الحضرمي عن سملة بن كهيل، والطريق صحيحٌ رجاله كلّهم ثقات.

٧ - الحافظ أبو عبد الرَّحمن النسائي صاحب السنن المتوفّى ٣٠٣، في صحيحه.

٨ - إبن جرير الطبري المتوفّى ٣١٠، في تفسيره ٦ ص ١٨٦ بعدّة طرق.

٩ - إبن أبي حاتم الرازي المتوفّى ٣٢٧، كما في تفسير إبن كثير، والدرّ المنثور، وأسباب النزول للسيوطي، أخرجه بغير طريق ومن طرقه أبو سعيد الأشجّ بإسناده الصحيح الذي أسلفناه.

١٠ - الحافظ أبو القاسم الطبراني المتوفّى ٣٦٠، في معجمه الأوسط.

١١ - الحافظ أبو الشيخ أبو محمّد عبد الله بن محمد الأنصاري المتوفّى ٣٦٩، في تفسيره.

١٢ - الحافظ أبو بكر الجصّاص الرّازي المتوفّى ٣٧٠، في «أحكام القرآن» ٢ ص ٥٤٢. رواه من عدَّة طرق.

١٣ - أبو الحسن عليُّ بن عيسى الرماني المتوفّى ٣٨٤ / ٢ في تفسيره.

١٤ - الحاكم إبن البيِّع النيسابوري المتوفّى ٤٠٥ في معرفة أُصول الحديث ١٠٢.

١٥ - الحافظ أبو بكر الشيرازي المتوفّى ٤٠٧ / ١١. في كتابه فيما نزل من القرآن في أمير المؤمنين.

١٦ - الحافظ أبو بكر إبن مردويه الإصبهاني المتوفّى ٤١٦، من طريق سفيان الثوري عن أبي سنان سعيد بن سنان البرجمي عن الضحّاك عن إبن عبّاس. إسنادٌ صحيحٌ رجاله كلّهم ثقاتُ، ورواه بطريق آخر قال: إسنادٌ لا يُقدح به. وأخرجه بطرق أُخرى عن أمير المؤمنين وعمّار وأبي رافع.


١٧ - أبو إسحاق الثعلبي النيسابوري المتوفّى ٤٢٧ / ٣٧ في تفسيره عن أبي ذرّ كما مرَّ بلفظه ج ٢ ص ٥٢.

١٨ - الحافظ أبو نعيم الإصبهاني المتوفّى ٤٣٠ (فيما نزل من القرآن في عليٍّ) عن عمّار. وأبي رافع. وإبن عبّاس. وجابر. وسلمة بن كهيل.

١٩ - أبو الحسن الماوردي الفقيه الشافعيّ المتوفّى ٤٥٠، في تفسيره.

٢٠ - الحافظ أبو بكر البيهقي المتوفّى ٤٥٨، في كتابه «المصنَّف»

٢١ - الحافظ أبو بكر الخطيب البغداديُّ الشافعيُّ المتوفّى ٤٦٣، في «المتّفق»

٢٢ - أبو القاسم زين الإسلام عبد الكريم بن هوازن النيسابوري المتوفّى ٤٦٥ في تفسيره.

٢٣ - الحافظ أبو الحسن الواحدي النيسابوري المتوفّى ٤٦٨، في «أسباب النزول» ص ١٤٨.

٢٤ - الفقيه إبن المغازلي الشافعيُّ المتوفّى ٤٨٣ في «المناقب» من خمسة طرق.

٢٥ - شيخ المعتزلة أبو يوسف عبد السّلام بن محمَّد القزويني المتوفّى ٤٨٨، في تفسيره الكبير قال الذهبي: إنّه يقع في ثلاث مائة جزءً.

٢٦ - الحافظ أبو القاسم الحاكم الحسكاني المتوفّى ٤٩٠، عن إبن عبّاس وأبي ذرّ وعبد الله بن سلام.

٢٧ - الفقيه أبو الحسن عليّ بن محمّد الكيا الطبري الشافعيّ المتوفّى ٥٠٤، في تفسيره، واستدلَّ به على عدم بطلان الصّلاة بالفعل القليل، وتسمية الصدقة التطوّع بالزَّكاة كما في تفسير القرطبي.

٢٨ - الحافظ أبو محمّد الفراء البغوي الشافعيّ ٥١٦ في تفسيره «معالم التنزيل» هامش الخازن ٢ ص ٥٥.

٢٩ - أبو الحسن رزين العبدري الأندلسي المتوفّى ٥٣٥، في الجمع بين الصِّحاح الستِّ نقلاً عن صحيح النسائي.

٣٠ - أبو القاسم جار الله الزمخشري الحنفيّ المتوفّى ٥٣٨ في «الكشّاف» ١ ص ٤٢٢ وقال: فإن قلت: كيف صحَّ أن يكون لعليٍّ رضي الله عنه واللفظ لفظ جماعة؟!


قلت: جئ به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلاً واحداً ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه.

٣١ - الحافظ أبو سعد السمعاني الشافعيّ المتوفّى ٥٦٢ في «فضائل الصحابة» عن أنس بن مالك.

٣٢ - أبو الفتح النطنزي المولود ٤٨٠، في «الخصايص العلويَّة» عن إبن عبّاس وفي «الإبانة» عن جابر الأنصاري.

٣٣ - الإمام أبو بكر ابن سعدون القرطبي المتوفّى ٥٦٧، في تفسيره ٦ ص ٢٢١.

٣٤ - أخطب الخطباء الخوارزمي المتوفّى ٥٦٨، في «المناقب» ١٧٨ بطريقين. وذكر لحسّان فيه شعراً أسلفناه ج ٢ ص ٥٨.

٣٥ - الحافظ أبو القاسم إبن عساكر الدمشقي المتوفّى ٥٧١، في تاريخ الشام بعدَّة طرق.

٣٦ - الحافظ أبو الفرج إبن الجوزي الحنبلي المتوفّى ٥٩٧، كما في «الرياض» ٢ ص ٢٢٧ و «ذخاير العقبى» ١٠٢.

٣٧ - أبو عبد الله فخر الدين الرازيّ الشافعيّ المتوفّى ٦٠٦ في تفسيره ٣ ص ٤٣١ عن عطا عن عبد الله بن سلام وإبن عبّاس وأبي ذرّ.

٣٨ - أبو السعادات مبارك إبن الأثير الشيباني الجزريّ الشافعي المتوفّى ٦٠٦ في «جامع الأصول» من طريق النسائي.

٣٩ - أبو سالم محمّد بن طلحة النصيبي الشافعيٌّ المتوفّى ٦٦٢، في (مطالب السئول) ص ٣١ بلفظ أبي ذرّ.

٤٠ - أبو المظفَّر سبط إبن الجوزي الحنفي المتوفّى ٦٥٤، في «التذكرة» ص ٩ عن السدي وعتبة وغالب بن عبد الله.

٤١ - عزّ الدين إبن أبي الحديد المعتزلي المتوفّى ٦٥٥، في شرح نهج البلاغة ٣ ص ٢٧٥.

٤٢ - الحافظ أبو عبد الله الكنجي الشافعيّ المتوفّى ٦٥٨، في «كفاية الطالب» ص ١٠٦ من طريق عن أنس بن مالك وفيه أبياتٌ لحسّان بن ثابت رويناها ج ٢ ص


٥٩، ورواه في ص ١٢٢ من طريق إبن عساكر، والخوارزمي، وحافظ العراقين، و أبي نعيم، والقاضي أبي المعالي، وذكر لحسّان شعراً غير الأبيات المذكورة ذكرناه ج ٢ ص ٤٧ نقلاً عن سبط إبن الجوزي.

٤٣ - القاضي ناصر الدين البيضاوي الشافعيّ المتوفّى ٦٨٥، في تفسيره ١ ص ٣٤٥، وفي «مطالع الأنظار» ص ٤٧٧، ٤٧٩.

٤٤ - الحافظ فقيه الحرم أبو العبّاس محبّ الدين الطبريُّ المكيُّ الشافعيُّ المتوفّى ٦٩٤، في «الرِّياض النضرة» ٢ ص ٢٢٧ و «ذخاير العقبى» ص ١٠٢ من طريق الواحدي، والواقدي، وإبن الجوزي، والفضايلي.

٤٥ - حافظ الدين النسفي المتوفّى ٧٠١ / ١٠، في تفسيره ١ ص ٤٩٦ هامش تفسيره الخازن.

٤٦ - شيخ الإسلام الحمّويي المتوفّى ٧٢٢، في «فرايد السمطين» وذكر شعر حسّان فيه.

٤٧ - علاء الدين الخازن البغداديّ المتوفّى ٧٤١، في تفسيره ١ ص ٤٩٦.

٤٨ - شمس الدين محمود بن أبي القاسم عبد الرَّحمن الإصبهاني المتوفّى ٧٤٦ / ٩ في شرح التجريد الموسوم بتسديد(١) العقايد. وقال بعد تقرير إتِّفاق المفسِّرين على نزول الآية في عليٍّ: قول المفسِّرين لا يقتضي إختصاصها به وإقتصارها عليه.

م - ٤٩ - جمال الدين محمّد بن يوسف الزرندي المتوفّى ٧٥٠، في «نظم درر السمطين»].

٥٠ - أبو حيّان أثير الدين الأُندلسي المتوفّى ٧٥٤، في تفسيره «البحر المحيط» ٣ ص ٥١٤.

٥١ - الحافظ محمَّد بن أحمد بن جزي الكلبي المتوفّى ٧٥٨، في تفسيره «ألتَّسهيل لعلوم التنزيل» ج ١ ص ١٨١.

٥٢ - القاضي عضد الأيجي الشافعيّ المتوفّى ٧٥٦، في «المواقف» ٣ ص ٢٧٦.

٥٣ - نظام الدين القمّي النيسابوري، في تفسيره «غرائب القرآن» ٣ ص ٤٦١.

٥٤ - سعد الدين التفتازاني الشافعيّ المتوفّى ٧٩١، في «المقاصد» وشرحه

_____________________

١ - وقد يقال بالمعجمة.


٢ ص ٢٨٨، وقال بعد تقرير إطباق المفسِّرين على نزول الآية في عليٍّ: قول المفسِّرين: إنَّ الآية نزلت في حقِّ عليٍّ رضي الله عنه لا يقتضي إختصاصها به وإقصارها عليه.

٥٥ - السيِّد شريف الجرجاني المتوفّى ٨١٦، في شرح المواقف.

٥٦ - المولى علاء الدين القوشجي المتوفّى ٨٧٩، في شرح التجريد وقال بعد نقل الإتِّفاق عن المفسِّرين على أنَّها نزلت في أمير المؤمنين: وقول المفسِّرين: إنَّ الآية نزلت في حقِّ عليٍّ إلى آخر كلام التفتازاني.

٥٧ - نور الدين إبن الصبّاغ المكيُّ المالكي المتوفّى ٨٥٥، في «الفصول المهمَّة» ١٢٣.

٥٨ - جلال الدين السيوطي الشافعيُّ المتوفّى ٩١١، في «الدرّ المنثور» ٢ ص ٢٩٣ من طريق الخطيب، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وإبن جرير، وأبي الشيخ، و وإبن مردويه عن إبن عبّاس. ومن طريق الطبراني، وإبن مردويه عن عمّار بن ياسر ومن طريق أبي الشيخ والطبراني عن عليٍّ عليه السلام: ومن طريق إبن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وإبن عساكر عن سلمة بن كهيل. ومن طريق إبن جرير عن مجاهد والسدي وعتبة بن حكيم. ومن طريق الطبراني، وإبن مردويه، وأبي نعيم، عن أبي رافع.

ورواه في [أسباب نزول القرآن] ص ٥٥ من غير واحد من هذه الطرق ثمَّ قال: فهذه شواهد يقوي بعضها بعضاً. وذكره في «جمع الجوامع» كما في ترتيبه ٦ ص ٣٩١ من طريق الخطيب عن إبن عبّاس، وص ٤٠٥ من طريق أبي الشيخ وإبن مردويه عن أمير المؤمنين عليه السلام.

٥٩ - الحافظ إبن حجر الأنصاري الشافعيّ المتوفّى ٩٧٤، في «الصواعق» ٢٤.

٦٠ - المولى حسن چلبي في شرح المواقف.

٦١ - المولى مسعود الشرواني في شرح المواقف.

٦٢ - القاضي الشوكاني الصنعاني المتوفّى ١٢٥٠ في تفسيره.

٦٣ - شهاب الدين السيِّد محمود الآلوسيّ الشافعيّ المتوفّى ١٢٧٠، في تفسيره ٢ ص ٣٢٩.

٦٤ - الشيخ سليمان القندوزي الحنفي المتوفّى ١٢٩٣، في «ينابيع المودَّة» ٢١٢.


٦٥ - السيِّد محمَّد مؤمن الشبلنجي في «نور الأبصار» ٧٧.

٦٦ - الشيخ عبد القادر بن محمَّد السعيد الكردستاني المتوفّى ١٣٠٤، في [تقريب المرام في شرح تهذيب الكلام] للتفتازاني ٢ ص ٣٢٩ ط مصر، وتكلّم فيه كبقيَّة المتكلّمين مخبتاً إلى إتِّفاق المفسِّرين على أنَّها نزلت في أمير المؤمنين(١)

وأمّا الكلام في الدلالة فلا يخالج الشكُّ فيها أيَّ عربيٍّ صميم مهما غالط وجدانه، وإنَّما الخلاف فيها نشأ من الدخلاء المتطفِّلين على موائد العربيَّة، وبسط القول يتكفَّله كتب أصحابنا في التفسير والكلام.

لفظ الحديث

عن أنس بن مالك أنَّ سائلاً أتى المسجد وهو يقول: مَن يُقرض المليَّ الوفيِّ وعليٌّ عليه السلام راكعٌ يقول بيده خلفه للسائل أي اخلع الخاتم من يدي. قال رسول الله: يا عمر؟ وجبت. قال: بأبي أنت وأُمِّي يا رسول الله ما وجبت؟! قال: وجبت له الجنَّة والله، وما خلعه من يده حتّى خلعه الله من كلِّ ذنب ومن كلِّ خطيئة. قال: فما خرج أحدٌ من المسجد حتّى نزل جبرئيل بقوله عزَّ وجلَّ:( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) . فأنشأ حسّان بن ثابت يقول:

أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي

وكلّ بطئٍ في الهدى ومسارعِ

أيذهب مدحي والمحبّين ضايعاً؟!

وما المدح في ذات الإله بضايعِ

فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكعٌ

فدتك نفوس القوم يا خير راكعِ

بخاتمك الميمون يا خير سيِّدٍ

ويا خير شارٍ ثمَّ يا خير بايعِ

فأنزل فيك الله خير ولايةٍ

وبيَّنها في محكمات الشرايعِ

وهناك ألفاظ أُخرى نقتصر على هذا روماً للإختصار وقد أسلفناه بلفظ أبي ذرّ ج ٢ ص ٥٢.

_____________________

١ - توجد ترجمة كثير من هؤلاء الأعلام في الجزء الأوّل من كتابنا راجع باعتبار القرون.


م

إشكال مزيَّف(١)

قال السيِّد حميد الدين عبد الحميد الآلوسي في كتابه «نثر اللئالي على نظم الأمالي» ص ١٦٩ عند ذكره آية الولاية: إنَّ الآية ليس نزولها في حقّ عليّ خاصّة كما زعموا، بل نزلت في المهاجرين والأنصار، وهو من جملتهم، فإنّ قوله: الّذين صيغة جمع فلا يكون عليٌّ هو المراد وحده.

قال الأميني: كأنَّ الرجل يضرب في قوله هذا على وتر إبن كثير الدمشقي، وينسج على نوله، ويمتح من قليبه، حيث قال في تاريخه حول الآية كما يأتي بُعيد هذا(٢) : ولم ينزل في عليٍّ شيءٌ من القرآن بخصوصيّته... إلخ. وقد عزب عن المغفَّلين أنّ إصدار الحكم على الجهة العامَّة، بحيث يكون مصبّه الطبيعة - حتّى يكون ترغيباً في الاتيان بمثله، أو تحذيراً عن مثله - ثمَّ تقييد الموضوع بما يُخصِّصه بفرد معيَّن حسب الإنطباق الخارجيِّ أبلغ وآكد في صِدق القضيَّة من توجيهه إلى ذلك الفرد رأساً، وما أكثر له من نظير في لسان الذكر الحكيم وإليك نماذج منه:

١ -( الّذِينَ قَالُوا إِنّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ) «آل عمران: ١٨١»

ذكر الحسن: أنّ قائل هذه المقالة هو حيي بن أخطب. وقال عكرمة والسدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق: هو فنحاص بن عازوراء. وقال الخازن: هذه المقالة وإن كانت قد صدرت من واحد من اليهود لكنّهم يرضون بمقالته هذه فنسبت إلى جميعهم.

راجع تفسير القرطبي ٤: ٢٩٤، تاريخ إبن كثير ١: ٤٣٤، تفسير الخازن ١: ٣٢٢.

٢ -( وَمِنْهُمُ الّذِينَ يُؤْذُونَ النّبِيّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ) «التوبة: ٦١»

نزلت في رجل من المنافقين إمّا في الجلاس بن سويلا، أو: في نبتل بن الحرث أو: عتاب بن قشير، راجع تفسير القرطبي ٨: ١٩٢، تفسير، الخازن ٢: ٢٥٣، الإصابة ٣: ٥٤٩.

_____________________

١ - من هنا إلى آخر البحث من ملحقات الطبعة الثانية.

٢ - عند البحث عن مخاريق كتابه - البداية والنهاية.


٣ -( وَالّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ) «النور: ٣٣» نزلت في صبيح مولى حويطب بن عبد العزّى، قال: كنت مملوكاً لحويطب فسألته الكتابة، ففيَّ أنزلت والذين يبتغون الكتاب. أخرجه إبن مندة وأبو نعيم والقرطبي كما في تفسيره ١٢. ٢٤٤، أسد الغابة ٣: ١١، الإصابة ٢: ١٧٦.

٤ -( إِنّ الّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى‏ ظُلْماً إِنّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ) «النساء: ١٠»

قال مقاتل بن حبّان: نزلت في مرثد بن زيد الغطفاني. «تفسير القرطبي ٥: ٥٣، الإصابة ٣: ٣٩٧».

٥ -( لَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ ) .«الممتحنة: ٨»

نزلت في أسماء بنت أبي بكر، وذلك: أنّ أمّها قتيلة بنت عبد العزّى قدمت عليها المدينة بهدايا وهي مشركة، فقالت أسماء: لا أقبل منك هديَّة، ولا تدخلي عليّ بيتاً حتّى استأذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسألته فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمرها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن تدخلها منزلها وأن تقبل هديَّتها وتكرمها وتحسن إليها.

أخرجه البخاري، ومسلم، وأحمد، وإبن جرير، وإبن أبي حاتم، كما في تفسير القرطبي ١٨: ٥٩، تفسير إبن كثير ٤: ٣٤٩، تفسير الخازن ٤: ٢٧٢.

٦ -( يَا أَيّهَا الرّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الّذِينَ قَالُوا آمَنّا بِأَفْوَاهِهِمْ ) .«المائدة: ٤١»

ذكر المكي في تفسيره: أنّها نزلت في عبد الله بن صوريا. تفسير القرطبي ٦: ١٧٧، الإصابة ٢: ٣٢٦.

٧ -( قَالَ الّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ) .«البقرة: ١١٨»

نزلت في رافع بن حريملة، وأخرج محمد بن إسحاق عن إبن عبّاس قال. قال رافع لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا محمد إن كنت رسولاً من الله كما تقول فقل لله فيكلّمنا حتّى نسمع كلامه. فأنزل الله في ذلك الآية، تفسير إبن كثير ١: ١٦١.


٨ -( الّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوّئَنّهُم فِي الدّنْيَا حَسَنَةً ) «النحل: ٤١» أخرج إبن عساكر في تاريخه ٧: ١٣٣ من طريق عبد الرزاق عن داود بن أبي هند: أنّ الآية نزلت في أبي جندل بن سهيل العامري. وذكره القرطبي في تفسيره ج ١٠: ١٠٧ من جملة الأقوال الواردة فيها.

٩ -( إِنّ الّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللّهِ وَأَقَامُوا الصّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمّا رَزَقْنَاهُمْ ) «فاطر: ٢٩» نزلت في حصين بن المطلب بن عبد مناف كما في الإصابة ١: ٣٣٦.

١٠ -( وَالْعَصْر إِنّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ) . السورة.

عن أُبيّ بن كعب قال: قرأت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سورة والعصر فقلت: يا رسول الله بأبي وأمّي أفديك ما تفسيرها؟ قال: والعصر قسمٌ من الله بآخر النهار، إنَّ الإنسان لفي خسر: أبو جهل بن هشام. إلّا الذين آمنوا: أبو بكر الصدِّيق. وعملوا الصالحات: عمر ابن الخطاب. وتواصوا بالحقِّ: عثمان بن عفان. وتواصوا بالصبر علي بن أبي طالب. الرياض النضرة ١: ٣٤.

قال الأميني: نحن لا نصافق القوم على هذه التأويلات المحرَّفة المزيَّفة، غير أنّا نسردها لإقامة الحجَّة عليهم بما ذهبوا إليه.

١١ -( إِنّ الّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ ) .«آل عمران: ٧٧» .

نزلت في عيدان بن أسوع الحضرمي، قاله مقاتل في تفسيره. الإصابة ٣: ٥١.

١٢ -( يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) .«النساء: ٥٩» أخرج البخاري في صحيحه في كتاب التفسير ٧: ٦٠، وأحمد في مسنده ٣٣٧، ومسلم في صحيحه كما في تاريخ إبن عساكر ٧: ٣٥٢، وتفسير القرطبي ٥: ٢٦٠ وغيرهم: أنّها نزلت في عبد الله بن حذافة السهمي.

١٣ -( يَقُولُونَ هَل لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَي‏ءٍ قُلْ إِنّ الأَمْرَ كُلّهُ للّهِ‏ِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِم مَا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَي‏ءٌ مَا قُتِلْنَا هاهُنَا ) . «آل عمران: ١٥٤» .

القائل هو عبد الله بن أبي مسلول رأس المنافقين وفيه نزلت الآية، وأخرج إبن


أبي حاتم عن طريق الزبير: أنّها نزلت في معتب بن قشير.

تفسير القرطبي ٤: ٢٦٢، تفسير إبن كثير ١: ٤١٨، تفسير الخازن ١: ٣٠٦.

١٤ -( الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ) «آل عمران: ١٧٣» .

المراد من الناس الأوَّل هو نعيم بن مسعود الأشجعي، قال النسفي في تفسيره(١) : هو جمعٌ أريد به الواحد، أو: كان له أتباع يثبطون مثل تثبيطه. وقال الخازن: فيكون اللفظ عامّاً أُريد به الخاصّ.

وأخرج إبن مردويه بإسناده عن أبي رافع أنّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم وجّه عليّاً في نفر معه في طلب أبي سفيان فلقيهم أعرابيٌّ من خزاعة فقال: إنَّ القوم قد جمعوا لكم، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فنزلت فيهم هذه الآية.

تفسير القرطبي ٤: ٢٧٩، تفسير إبن كثير ١: ٤٣٠، تفسير الخازن ١: ٣١٨.

١٥ -( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ ) «النساء: ١٧٦» نزلت في جابر بن عبد الله الأنصاري. وهو المستفتي، وكان يقول: أنزلت هذه الآية فيَّ. تفسير القرطبي ٦: ٢٨، تفسير الخازن ١: ٤٤٧، تفسير النسفي هامش الخازن ١: ٤٤٧.

١٦ -( يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ ) . الآية«البقرة ٢١٥» .

نزلت في عمرو بن الجموح وكان شيخاً كبيراً ذا مال فقال: يا رسول الله بماذا نتصدَّق؟! وعلى من نُنفق؟! فنزلت الآية. تفسير القرطبي ٣: ٣٦، تفسير الخازن ١: ١٤٨.

١٧ -( وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ) .

ذهب القوم إلى أنَّها نزلت في أبي طالب، وقد فصَّلنا القول فيها في الجزء الثامن ص ٣: ٨.

١٨ -( لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادّونَ مَنْ حَادّ اللّهَ وَرَسُولَهُ ) . «المجادلة ٢٢» .

نزلت في أبي عبيدة الجرّاح حين قتل أباه يوم بدر. أو: في عبد الله بن أُبيّ. تفسير

_____________________

١ - المطبوع في هامش تفسير الخازن ١: ٣١٨.


القرطبي ١٧: ٣٠٧، نوادر الأصول للحكيم الترمذي ص ١٥٧.

١٩ -( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيّئاً) . الآية«التوبة: ١٠٢» .

نزلت في أبي لبابة الأنصاري خاصّة. تفسير القرطبي ٨: ٢٤٢، الروض الأنف ٢: ١٩٦.

٢٠ -( يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ ) «التوبة ٦٢» .

إنّ رجلاً من المنافقين قال: والله إنَّ هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمّدٌ حقّاً لهم شرُّ من الحمير. فسمعها رجلٌ من المسلمين فقال: والله إنَّ ما يقول محمّدٌ لحقٌّ ولأنت أشرّ من الحمار، فسعى بها الرجل إلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فأخبره فأرسل إلى الرَّجل فدعا، فقال: ما حملك على الذي قلت؟ فجعل يلتعن ويحلف بالله بأنّه ما قال ذلك، وجعل الرَّجل المسلم يقول: أللهمّ صدِّق الصادق، وكذّب الكاذب. فأنزل الله الآية. تفسير القرطبي ٨: ١٩٣، تفسير إبن كثير ٢: ٣٦٦].

١٢ - قال: إنّ الرافضيَّ لا يُمكنه أن يُثبت إيمان عليٍّ وعدالته وأنَّه من أهل الجنّة فضلاً عن إمامته إن لم يُثبت ذلك لأبي بكر وعمر وعثمان وإلّا فمتى أراد إثبات ذلك لعليٍّ وحده لم تُساعده الأدلَّة، كما أنَّ النصرانيَّ إذا أراد إثبات نبوَّة المسيح دون محمد لم تساعده الأدلَّة. ج ١ ص ١٦٢.

وقال ص ١٦٣: الرّافضة تعجز عن إثبات إيمان عليٍّ وعدالته مع كونهم على مذهب الرافضة، ولا يُمكنهم ذلك إلّا إذا صاروا من أهل السنَّة فإن احتجّوا بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده فقد تواتر ذلك عن هؤلاء بل تواتر إسلام معاوية ويزيد و خلفاء بني أُميَّة وبني العبّاس وصلاتهم وصيامهم وجهادهم لِلكفّار.

ج - ما عشت أراك الدهر عجبا.

ليت شعري متى احتاج إيمان عليّ وعدالته إلى البرهنة؟! ومتى كفر هو حتّى يؤمن؟ وهل كان في بدء الإسلام للنبيِّ أخٌ ومؤازرٌ غيره؟! على حين أنَّ من سمّاهم لم يسلموا بعدُ، وهل قام الإسلام إلّا بسيفه وسنافه؟؟! وهل هزمت جيوش الشرك إلّا صولته وجولته؟! وهل هتك ستور الشّبه والإلحاد غير بيانه وبرهانه؟! وهل طهَّر الله


الكعبة البيت الحرام عن دنس الأوثان إلّا بيده الكريمة؟! وهل طهَّر الله في القرآن الكريم بيتاً عن الرِّجس غير بيت هو سيِّد أهله بعد رسول الله صلى الله عليه وآله؟! وهل كان أحدٌ نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غيره بنصّ الذِّكر الحكيم؟! وهل أحدٌ شرى نفسه إبتغاء مرضات الله ليلة المبيت غيره؟! وهل أحدٌ من المؤمنين أولى بهم من أنفسهم كرسول الله غيره؟! لاها الله.

إنّ أحاديث الشيعة في كلِّ هذه متواترة وهي التي ألزمتهم بالإخبات إلى هذه المآثر كلّها غير أنَّهم إذا خاصموا غيرهم إحتجِّوا بأحاديث أهل السنَّة لأنّ الحجَّة تجب أن تكون ملزمةً للخصم من دون حاجة لهم إليها في مقام الثبوت، وهذا طريق الحجاج المطَّرد لا ما يراه علماء القوم فإنَّهم بأسرهم يحتجّون في كلِّ موضوع بكتب أعلامهم و أحاديثهم، وهذا خروجٌ عن أُصول الحجاج والمناظرة.

وليتني أدري ما الملازمة بين إيمان عليٍّ وعدالته وإيمان من ذكرهم، هل يحسبهم وعليّاً أمير المؤمنين نفساً واحدة لا يُتصوّر التبعيض فيها؟! أو يزعم أنَّ روحاً واحدة سرت في الجميع؟! فأخذت بمفعولها من إيمان وكفر، وهل خفيت هذه الملازمة المخترعة وليدة إبن تيميَّة على الصحابة والتابعين الشيعيِّين وبعدهم على أئمَّة الشيعة و علمائهم وأعلامهم في القرون الخالية في حجاجهم ومناشداتهم ومناظراتهم المذهبيَّة المتكثِّرة في الأندية والمجتمعات؟! أو ذهل عنها مخالفوهم في الذبِّ عنهم والمدافعة عن مبدئهم؟!

لم يكن ذلك كلّه، ولكن يروق الرَّجل أن يشبِّه الرافضة بالنصارى، ويقرن بين إيمان عليٍّ عليه السلام وإيمان معاوية الدهاء، ويزيد الفجور؛ والماجنين من جبابرة بني أُميّة، والمتهتِّكين من العبّاسيِّين، وهذا مبلغ علمه ودينه وورعه وأدبه.

١٣ - وفي ج ٢ ص ٩٩ قذف شيخ الأُمَّة نصير الملّة والدين الطوسي وأتباعه والرافضة كلّهم بأنواع من التهتّك والإستهتار من إضاعة الصَّلوات وارتكاب المحرَّمات واستحلالها وعدم التجنّب عن الخمر والفواحش حتّى في شهر رمضان، وتفضيل الشرك بالله على عبادة الله، ويراها حال الرافضة دائماً إلى غيرها ممّا علمت البحّاثة أنّها أكاذيب وطامّات أُريد بها إشاعة الفحشاء في الّذين آمنوا بتشويه سمعتهم، والله تعالى هو


الحكم الفصل يوم تُنصب الموازين، ويُسئل كلّ أحدٍ عمّا لفظه من قول، وما يلفظ من قول إلّا لديه رقيبٌ عتيدٌ.

١٤ - قال: أشهر الناس بالردَّة خصوم أبي بكر الصِّديق رضي الله عنه وأتباعه كمسيلمة الكذّاب وأتباعه وغيرهم، وهؤلاء تتوّلاهم الرافضة كما ذكر ذلك غير واحد من شيوخهم مثل هذا الإماميّ (يعني العلّامة الحلّي) وغيره ويقولون: إنّهم كانوا على الحقِّ وأن الصّديق قاتلهم بغير حقٍّ ٢ ص ١٠٢.

ج - ليت هناك مُسائلٌ هذا الرَّجل عن مَن أخبره بتولّي الرافضة لمسيلمة و نظرائه، وهم لا يفتأون يُسمّونه بالكذّاب، ويروون الفضايح من أعماله، وكتبهم مفعمةٌ بمخاريقه، وهم لا يحصرون النبوَّة إلّا بخاتمها محمد سيِّد الأنبياء صلوات الله عليه و آله وعليهم ويكفِّرون مَن يدَّعيها غيره.

وليته دلَّنا على أولئك الشيوخ الّذين نقل عنهم ذلك القول المائن، أوَ هل شافهوه بعقيدتهم؟! فلِمَ لم يذكر أسمائهم؟! ولِمَ لم يسمّ أشخاصهم؟! على أنَّه غير مؤتمن في النقل عنهم، وهو لا يزال يتحرّى الوقيعة فيهم. أو أنّه وجده في كتبهم؟! فما هي تلك الكتب؟! وأين هي؟! ولمن هي؟! وأمّا شيخهم الأكبر العلّامة الحلّي فهذه كتبه الكلاميَّة وفي العقايد بين مخطوط ومطبوع ففي أيٍّ منها توجد هذه الفرية؟! نعم لا توجد إلّا في علبة عداء إبن تيميَّة، وفي عيبة مخازيه، أو في كتاب مفترياته أللهمَّ إليك المشتكى.

١٥ - قال: ذكر (العلّامة الحلّي) أشياء من الكذب تدلُّ على جهل ناقلها مثل قوله: نزل في حقِّهم (في حقِّ أهل البيت) هل أتى فإنَّ هل أتى مكيَّةٌ بإتِّفاق العلماء، وعليٌّ إنّما تزوَّج فاطمة بالمدينة بعد الهجرة، وواد الحسن والحسين بعد نزول هل أتى فقوله: إنَّها نزلت فيهم من الكذب الذي لا يخفى على مَن له علمٌ بنزول القرآن وأحوال هذه السادة الأخيار. ٢ ص ١١٧.

ج - إنَّ الرَّجل لا ينحصر جهله بباب دون باب فهو كما أنَّه جاهلٌ في العقايد جاهلٌ في الفِرَق، جاهلٌ في السيرة، جاهلٌ في الأحكام، جاهلٌ في الحديث، كذلك جاهلٌ في علوم القرآن حيث لم يعلم أوّلاً أنَّ كون السورة مكيَّة لا يُنافي كون بعض


آياته مدنيَّة وبالعكس، وقد اطَّرد ذلك في السورة القرآنيَّة كما مرَّ ج ١ ص ٢٥٥ - ٢٥٨، وهذا معنى قول إبن الحصار: إنّ كلُّ نوع من المكّي والمدنيِّ منه آيات مستثنات(١) .

(وثانياً) إنَّ أوثق الطرق إلى كون السورة أو الآية مكيَّة أو مدنيَّة هو ما تضافر النقل به في شأن نزولها بأسانيد مستفيضة دون الأقوال المنقطعة عن الإسناد وقد أسلفنا في ص ١٠٠ - ١٠٤ من هذا الجزء شطراً مهمّاً ممَّن خرَّج هذا الحديث وأخبت إليه فليس هو من كذب الرافضة حتّى يدلَّ على جهل ناقله، ولا على شيخنا العلّامة الحلّي من تبعة في نقله، فإن كان في نقله شائبةٌ سوء فالعلّامة ومشايخ قومه على شرع سواء.

(وثالثاً) إنَّ القول بأنَّها مكيَّةٌ ليس ممّا اتَّفق عليه العلماء بل الجمهور على خلافه كما نقله الخازن في تفسيره ٤ ص ٣٥٦ عن مجاهد وقتادة والجمهور.

وروى أبو جعفر النحّاس في كتابه «الناسخ والمنسوخ» من طريق الحافظ أبي حاتم عن مجاهد عن إبن عبّاس حديثاً في تلخيص آي القرآن المدنيِّ من المكيِّ وفيه: والمدَّثِّر إلى آخر القرآن إلّا إذا زلزلت، وإذا جاء نصر الله، وقل هو الله أحد، وقل أعوذ بربِّ الفلق، وقل أعوذ بربِّ الناس، فإنَّهنَّ مدنيّات، وفيها سورة هل أتى. وقال السيوطي في الإتقان ١ ص ١٥ بعد نقل الحديث: هكذا أخرجه بطوله وإسناده جيِّدٌ رجاله كلّهم ثقاتٌ من علمآء العربيَّة المشهورين.

وأخرج الحافظ البيهقي في «دلائل النبوة» بإسناده عن عكرمة والحسين بن أبي الحسن حديثاً في المكيِّ والمدنيِّ من السور وعدَّ من المدنيّات هل أتى (الإتقان ١ ص ١٦).

ويروي ابن الضريس في «فضائل القرآن» عن عطا عدَّ سورة الإنسان من المدنيّات، كما في الإتقان ١ ص ١٧.

وعدَّها الخازن في تفسيره ١ ص ٩ من السور النازلة بالمدينة.

وهذه مصاحف الدنيا بأجمعها مخطوطها ومطبوعها تخبرك عن جليَّة الحال فإنّها مجمعةٌ على أنَّها مدنيَّةٌ، فهل الأُمَّة أجمعت فيها على خلاف ما اتَّفق عليه العلماء إن صحَّت

_____________________

١ - الإتقان ١ ص ٢٣.


مزعمة إبن تيميَّة؟ فما منكم من أحد عنه حاجزين، وإنَّه لتذكرةٌ للمتَّقين، وإنّا لنعلم إنَّ منكم مكذِّبين.

(ورابعاً) إنَّ القائلين بأنَّ فيها آية أو آيات مكّيَّة كالحسن وعكرمة و الكلبي وغيرهم مصرِّحون بأنَّ الآيات المتعلّقة بقصَّة الإطعام مدنيَّةٌ.

(وخامساً) لا ملازمة بين القول بمكيَّتها وبين نزولها قبل الهجرة إذ من الممكن نزولها في حجَّة الوداع، بعد صحّة إرادة عموم قوله: وأسيراً. للمؤمن الداخل فيه المملوك كما قاله إبن جُبير، والحسن، والضحّاك، وعكرمة، وعطا، وقتادة، واختاره إبن جرير وجمعٌ آخرون.

١٦ - قال: قوله (يعني العلّامة الحلّي): إيجاب مودَّة أهل البيت بقوله تعالى:( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) . غلطٌ وممّا يدلُّ على هذا أنَّ الآية مكيَّةٌ ولم يكن عليٌّ بعدُ وقد تزوّج بفاطمة ولا ولد لهما أولاده. ٢ ص ١١٨.

وقال في ص ٢٥٠: أمّا قوله (يعني العلّامة): وأنزل الله فيهم:( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) . فهذا كذبٌ فإنَّ هذه الآية في سورة الشورى وهي مكيَّةٌ بلا ريب نزلت قبل أن يتزوَّج عليٌّ بفاطمة، وقبل أن يولد له الحسن الحسين (إلى أن قال): وقد ذكر طائفة من المصنِّفين من أهل السنَّة والجماعة والشيعة من أصحاب أحمد وغيرهم حديثاً عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: إنَّ هذه الآية لَمّا نزلت قالوا: يا رسول الله؟ مَن هؤلاء؟! قال: عليٌّ وفاطمة وإبناهما. وهذا كذبٌ باتِّفاق أهل المعرفة بالحديث، وممّا يبيِّن ذلك أنَّ هذه الآية نزلت بمكَّة باتِّفاق أهل العلم فإنَّ سورة الشورى جميعها مكيّةٌ بل جميع ال حميم كلّهن مكّيّات.

ثمَّ فصَّل تاريخ ولادة السبطين الحسنين إثباتاً لإطِّلاعه وعلمه بالتاريخ.

ج - لو لم يكن في كتاب الرَّجل إلّا ما في هذه الجمل من التَّدجيل والتمويه على أجر صاحب الرِّسالة، والقول المزوَّر، والفرية الشائنة، والكذب الصريح، لكفى عليه عاراً وشنارا.

لم يصرِّح أحدٌ بأنَّ الآية مكيَّةٌ فضلاً عن الإتِّفاق المكذوب على أهل العلم، وإنَّما حسب الرجل ذلك من إطلاق قولهم: إنّ السورة مكيَّة. فحقُّ المقال فيه ما


قدَّمناه ج ١ ص ٢٥٥ - ٢٥٨ وفي هذا الجزء ص ٦٩ - ١٧١.

ودعوى كون جميع سورة الشورى مكيَّةٌ تُكذِّبها استثنائهم قوله تعالى:( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى‏ عَلَى اللّهِ كَذِباً ) . إلى قوله:( خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) . وهي أربع آيات. واستثناء بعضهم قوله تعالى:( وَالّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ ) . إلى قوله.( مِن سَبِيلٍ ) . وهي عدَّة آيات(١) فضلاً عن آية المودَّة.

ونصَّ القرطبي في تفسيره ١٦ ص ١، والنيسابوري في تفسيره، والخازن في تفسيره ٤ ص ٤٩، والشوكاني في «فتح القدير» ٤ ص ٥١٠ وغيرهم عن إبن عبّاس و قتادة على أنَّها مكيَّةٌ إلّا أربع آيات أوَّلها: قبل لا أسألكم عيه أجراً.

وأمّا حديث إنَّ الآية نزلت في عليٍّ وفاطمة وابناهما وإيجاب مودَّتهم بها فليس مختصّاً بآية الله العلّامة الحلّي ولا بأُمَّته من الشيعة بل أصفق المسلمون على ذلك إلّا شذّاذٌ من حملة الروح الأمويَّة نظراء إبن تيميَّة وإبن كثير، ولم يقف القارئ ولن يقف على شيء من الإتّفاق المكذوب على أهل المعرفة بالحديث، ليت الرَّجل دلَّنا على بعض من أولئك المجمعين، أو على شيءٍ من تآليفهم، أو على نزرٍ من كلماتهم وقد أسلفنا في ج ٢ ص ٣٠٦ - ٣١١ ما فيه بلغةٌ وكفايةٌ نقلاً عن جمع من الحفّاظ والمفسِّرين من أعلام القوم وهم:

الإمام أحمد

إبن مردويه

ألواحدي

ألحسكاني

ألحمّويي

أبو حيّان

إبن الصبّاغ

ألخازن

ألصفوري

إبن المنذر

ألثعلبي

أبو نعيم

محبّ الدين

ألنيسابوري

إبن أبي الحديد

ألكنجي

ألزرقاني

ألصبّان

إبن أبي حاتم

أبو عبد الله الملا

ألبغوي

ألزمخشري

إبن طلحة

ألبيضاوي

ألمناوي

إبن حجر

ألشبلنجي

ألطبري

أبو الشيخ

ألبزّار

إبن عساكر

ألرازي

ألنسفي

ألقسطلاني

ألسمهودي

ألحضرمي

ألطبراني

ألنَّسائي

إبن المغازلي

أبو الفرج

أبو السعود

ألهيثمي

ألزرندي

ألسيوطي

ألنبهاني

_____________________

١ - تفسير الخازن ٥ ص ٩٤، الإتقان ١ ص ٢٧.


وقول الإمام الشافعيِّ في ذلك مشهورٌ قال.

يا أهل بيت رسول الله حبّكمُ

فرضٌ من الله في القرآن أنزلهُ

كفاكمُ من عظيم القدر أنّكمُ

من لم يصلِّ عليكم لا صلاة لهُ

ذكرهما له إبن حجر في «الصواعق» ٨٧، الزرقاني في شرح «المواهب» ٧ ص ٧، الحمزاوي المالكي في «مشارق الأنوار» ٨٨، الشبراوي في «الإتحاف» ٢٩، الصبّان في الإسعاف ١١٩.

م - وقال العجلوني(١) في «كشف الخفاء» ص ١٩ ج ١: وفي هذا مع زيادة قلت:

لقد حاز آل المصطفى أشرف الفخرِ

بنسبتهم للطّاهر الطيِّب الذِّكرِ

فحبّهمُ فرضٌ على كلِّ مؤمن

أشار إليه الله في محكم الذِّكرِ

ومَن يدَّعي من غيرهم نسبةً له

فذلك ملعونٌ أتى أقبح الوزرِ

وقد خصَّ منهم نسلُ زهراء الأشرف

بأطراف تيجانٍ من السندس الخضرِ

ويُغنيهمُ عن لبس ما خصَّهم به

وجوهٌ لهم أبهى من الشمس والبدرِ

ولم يمتنع من غيرهم لبس أخضر

على رأي من يعزى لأسيوط ذي الخبرِ

وقد صحَّحوا عن غيره حرمة الّذي

رآه مباحاً فاعلم الحكم بالسبرِ]

وأمّا إنّ تزويج عليّ بفاطمة عليهما السَّلام كان من حوادث العهد المدنيِّ، و قد ماشينا الرَّجل على نزول الآية في مكّة فإنَّه لا ملازمة بين إطباق الآية بهما وبأولادهما وبين تقدُّم تزويجهما على نزولها كما لا منافاة بينه وبين تأخّر وجود أولادهما على فرضه، فإنَّ ممّا لا شبهة فيه كون كلّ منهما من قُربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالعمومة والنبوَّة، و أمّا أولادهما فكان من المقدَّر في العلم الأزليّ أن يخلقوا منهما، كما أنَّه كان قد قضى بعلقة التزويج بينهما، وليس من شرط ثبوت الحكم بملاك عامّ يشمل الحاضر والغابر وجود موضوعه الفعليِّ بل إنَّما يتسرَّب إليه الحكم مهما وُجد ومتى وُجد وأنّى وُجد.

على أنَّ من الممكن أن تكون قد نزلت بمكّة في حجَّة الوداع وعليٌّ قد تزوَّج بفاطمة وولد الحسنان، ولا ملازمة بين نزولها بمكّة وبين كونه قبل الهجرة. ويرى

_____________________

١ - الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي المتوفّى ١١٦٢ توجد ترجمته في «سلك الدرر» للمرادي.


الذين أوتوا العلم الَّذي أُنزل إليك من ربِّك هو الحقّ.

١٧ - قال: أمّا حديث المؤاخاة (إنَّ عليّاً وأخاه رسول الله) فباطلٌ موضوعٌ، فإنَّ النبيَّ لم يُواخ أحداً ولا آخى بين المهاجرين بعضهم من بعض ولا بين الأنصار بعضهم من بعض، ولكن آخى بين المهاجرين والأنصار كما آخى بين سعد بن الربيع و عبد الرَّحمن بن عوف، وآخى بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء كما ثبت ذلك في الصحيح ٢ ص ١١٩.

ج - إنَّ حكم الرَّجل يبطلان حديث المواخاة الثابت بين المسلمين على بكرة أبيهم بكشف عن جهله المطبق بالحديث والسيرة، أو عن حنقه المحتدم على أمير المؤمنين عليه السلام فلا يسعه أن ينال منه إلّا بإنكار فضايله، فكأنَّه آلى على نفسه أن لا يمرَّ بفضيلة إلّا وأنكرها وفنَّدها ولو بالدعوى المجرَّدة. فقد أوضحنا في ص ١١٢ - ١٢٥ أنّ قصَّة المواخاة وقعت بين أفراد الصحابة قبل الهجرة مرّة، وبين المهاجرين والأنصار بعدها مرّة أُخرى، وفي كلٍّ منهما وآخى هو صلّى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه السلام، وحسب الرَّجل ما في فتح الباري ٧ ص ٢١٧ للحافظ إبن حجر العسقلاني قال بعد بيان كون المواخاة مرَّتين وذكر جملة من أحاديثهما: وأنكر إبن تيميَّة في كتاب الردّ(١) على إبن المطهَّر الرافضي في المؤاخاة بين المهاجرين وخصوصاً مؤاخاة النبيِّ لعليٍّ قال: لأنَّ المؤاخاة شرعت لإرفاق بعضهم بعضاً، ولتأليف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبيِّ لأحدٍ منهم ولا لمؤاخاة مهاجريٍّ لمهاجريٍّ. وهذا ردٌّ للنصِّ بالقياس وإغفالٌ عن حكمة المؤاخاة، لأنَّ بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة والقوى، فآخى بين الأعلى والأدنى، ليرتفقن الأدنى بالأعلى، ويستعين الأعلى بالأدنى، وبهذا نظر في مؤاخاته لعلّي لأنَّه هو الذي كان يقوم به من عهد الصبا من قبل البعثة واستمرَّ، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة لأنَّ زيداً مولاهم فقد ثبت أخوَّتهما وهما من المهاجرين وسيأتي في عمرة القضاء قول زيد بن حارثة: إنَّ بنت حمزة بنت أخي. وأخرج الحاكم وإبن عبد البرّ بسند حسن عن أبي الشعثاء عن إبن عبّاس: آخى النبي صلّى الله عليه وسلّم بين الزبير و ابن مسعود وهما من المهاجرين (قلت): وأخرجه الضياء في المختارة من المعجم الكبير للطبراني وإبن تيميَّة يصرِّح بأنَّ أحاديث المختارة أصحّ وأقوى من أحاديث المستدرك.

_____________________

١ - هو كتاب منهاج السنة الذي نتكلم حوله.


وقصَّة المواخاة الأولى (ثمَّ ذكر حديثها الصحيح من طريق الحاكم الذي أسلفناه).

وذكر العلّامة الزرقاني في شرح «المواهب» ١ ص ٣٧٣ جملةً من الأحاديث والكلمات الواردة في كلتا المرَّتين من المؤاخاة وقال: وجاءت أحاديث كثيرة في مؤاخاة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لعليٍّ. ثمَّ أوعز إلى مزعمة إبن تيميَّة وردَّ عليه بكلام الحافظ إبن حجر المذكور. إتَّبعوا ما أُنزل إليكم من ربِّكم ولا تتَّبعوا من دونه أولياء.

١٨ - قال: الحديث الذي ذكر (العلّامة) عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إنَّ فاطمة أحصنت فرجها فحرَّمها الله وذرِّيّتها على النّار. كذبٌ بإتِّفاق أهل المعرفة بالحديث. ويظهر كذبه لغير أهل الحديث أيضاً فإنَّ قوله: إنّ فاطمة أحصنت فرجها.. إلخ. باطلُ قطعاً فإنَّ سارة أحصنت فرجها ولم يحرِّم الله جميع ذرِّيَّتها على النار، وأيضاً فصفيّة عمَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحصنت فرجها ومن ذرّيَّتها محسنٌ وظالمٌ، وفي الجملة: اللواتي حصين فروجهنّ لا يًحصي عددهنَّ إلّا الله ومن ذريَّتهنّ البرّ والفاجر والمؤمن والكافر. وأيضاً ففضيلة فاطمة ومزيَّتها ليست بمجرّد إحصان الفرج فإنَّ هذا تشارك فيه فاطمة وجمهور نساء المؤمنين ٢ ص ١٢٦.

ج - عجباً لهذا الرَّجل وهو يحسب أنَّ الإجماعات والإتِّفاقات طوع إرادته، فإذا لم يرقه تأويل آية أو حديث أو مسألة أو اعتقاد يقول في كلٍّ منها للملأ العلمي: اتَّفقوا. فتُلبِّيه الأحياء والأموات، ثمَّ يحتجُّ بإتِّفاقهم. ولعمر الحقِّ لو لم يكن الإنسان منهيّاً عن الكذب ولغو الحديث لما يأتي منهما فوق ما أتى به الرَّجل.

ليت شعري كيف يكون هذا الحديث متَّفقاً على بطلانه وكذبه؟! وقد أخرجته جماعةٌ من الحفّاظ وصحَّحه غير واحدٍ من أهل المعرفة بالحديث، وليته أوعز إلى مَن شذَّ منهم بالحكم بكذبه، ودلَّنا على تآليفهم وكلماتهم، غير أنَّه لم يجد أحداً منهم فكوَّن الإتِّفاق بالإرادة كما قلناه. وقد خرَّجه.

ألحاكم

ألطبراني

ألسيوطي

ألبدخشي.

ألخطيب البغداديّ

إبن شاهين

ألمتّقي الهندي

ألبزّار

أبو نعيم

ألهيثمي

أبو يعلى

ألمحبُّ الطبري

ألزرقاني

ألعقيلي

إبن حجر

ألصبّان


إذا ثبتت صحَّة الحديث فأيُّ وزن يُقام للمناقشة فيه بأوهام وتشكيكات، و استحسانات واهية، واستبعادات خياليَّة؟! كما هو دأب الرَّجل في كلِّ ما لا يرتضيه من فضايل أهل البيت عليهم السَّلام، وأيّ ملازمة بين إحصان الفرج وتحريم الذريَّة على النّار؟! حتّى يُردّ بالنقض بمثل سارة وصفيّة والمؤمنات، غير أنَّ هذه فضيلةٌ اختصَّت بها سيِّدة النساء فاطمة، وكم لها من فضايل تخصّ بها ولم تحظ بمثلها فضليات النساء من سارة إلى مريم إلى حواء وغيرهنَّ، فلا غضاضة إذا تفرَّد ذريَّتها بفضيلة لم يحوها غيرهم، وكم لهم من أمثالها.

وقال العلّامة الزرقاني المالكي في شرح «المواهب» ٣: ٢٠٣ في نفي هذه الملازمة: الحديث أخرجه أبو يعلى والطبراني والحاكم وصحِّحه عن إبن مسعود وله شواهد، وترتيب التحريم على الإحصان من باب إظهار مزيَّة شأنها في ذلك الوصف مع الإلماح ببنت عمران ولمدح وصف الإحصان، وإلّا فهي محرَّمةٌ على النّار بنصّ روايات أُخر(١)

ويؤيَّد هذا الحديث بأحاديث أُخرى منها حديث إبن مسعود: إنَّما سُمِّيت فاطمة لأنَّ الله قد فطمها وذريَّتها عن النّار يوم القيامة(٢) .

وقوله صلّى الله عليه وآله: لفاطمة إنَّ الله غير معذَّبكِ ولا أحد من ولدِك(٣) .

وقوله صلّى الله عليه وآله لعليٍّ: إنَّ الله قد غفر لك ولذريّتك. راجع ص ٧٨.

وقوله صلّى الله عليه وآله: وعدني ربّي في أهل بيتي: من أقرَّ منهم بالتوحيد ولي بالبلاغ أنَّه لا يُعذّبهم(٤) .

١٩ - قال: حديث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: عليٌّ مع الحقِّ، والحقُّ يدور معه حيث دار، ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض. من أعظم الكلام كذباً وجهلاً، فإنَّ هذا الحديث لم يروه أحدٌ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، وهل

_____________________

١ - يأتي تمام كلام الزرقاني في النقد على كتاب (الصراع بين الإسلام والوثنية).

٢ - تاريخ إبن عساكر، الصواعق ٩٦، المواهب اللدنية كما في شرحه للزرقاني ٣ ص ٢٠٣.

٣ - أخرجه الطبراني بسند رجاله ثقات، وإبن حجر صححه في الصواعق ٩٦، ١٤٠.

٤ - أخرجه الحاكم في المستدرك ٣ ص ١٥٠ وجمع آخرون نظراء الحافظ السيوطي.


يكون أكذب ممّن يروي (يعني العلّامة الحلّي) عن الصحابة والعلماء أنَّهم رووا حديثاً والحديث لا يُعرف عن أحد منهم أصلاً؟ بل هذا من أظهر الكذب، ولو قيل: رواه بعضهم وكان يمكن صحَّته لكان ممكناً وهو كذبٌ قطعاً على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فإنَّه كلامٌ ينزَّه عنه رسول الله. ١٦٧، ١٦٨.

ج - أمّا الحديث فأخرجه جمعٌ من الحفّاظ والأعلام منهم: الخطيب في التأريخ ج ١٤ ص ٣٢١ من طريق يوسف بن محمد المؤدّب قال: حدَّثنا الحسن بن أحمد بن سليمان السرّاج: حدَّثنا عبد السَّلام بن صالح: حدَّثنا عليُّ بن هاشم بن البريد عن أبيه عن أبي سعيد التميمي عن أبي ثابت مولى أبي ذرّ قال: دخلت على أُمِّ سلمة فرأيتها تبكي وتذكر عليّاً وقالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: عليٌّ مع الحقِّ والحقُّ مع عليٍّ ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض يوم القيامة.

هذه أُمّ المؤمنين أُمّ سلمة سيِّدةٌ صحابيَّةٌ، وقد نفى الرجل أن يكون أحد الصحابة قد رواه كما نفى أن يكون أحدٌ من العلماء يرويه إلّا أن يقول: إنّ الخطيب - وهو هو - ليس من العلماء، أو لم يعتبر أُمَّ المؤمنين صحابيَّة، وهذا أقرب إلى مبدأ إبن تيميَّة لأنَّها علويَّة النزعة. علويَّة الروح. علويَّة المذهب.

وحديث أُمّ سلمة سمعه سعد بن أبي وقّاص في دارها قال سمعت: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: عليٌّ مع الحقِّ. أو: الحقُّ مع عليٍّ حيث كان: قاله في بيت أُمّ سلمة فأرسل أحدٌ إلى أُمِّ سلمة فسألها فقالت: قد قاله رسول الله في بيتي. فقال الرجل لسعد: ما كنتَ عندي قطُّ ألوم منك الآن. فقال وَلِمَ؟! قال: لو سمعتُ من النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لم أزل خادماً لعليٍّ حتّى أموت.

أخرجه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ٧ ص ٢٣٦ وقال: رواه البزّار وفيه سعد بن شعيب ولم أعرفه وبقيَّة رجاله رجال الصحيح.

(قال الأميني): الرَّجل الذي لم يعرفه الهيثمي هو سعيد بن شعيب الحضرمي قد خفي عليه لمكان التصحيف، ترجمه غير واحد بما قال شمس الدين إبراهيم الجوزجاني: إنَّه كان شيخاً صالحاً صدوقاً. كما في خلاصة الكمال ٣١٨، وتهذيب التهذيب ٤ ص ٤٨.

وكيف يحكم الرَّجل بأنَّ الحديث لم يروه أحدٌ من الصَّحابة والعلماء أصلاً


وهذا الحافظ إبن مردويه في «المناقب» والسمعاني في «فضائل الصحابة» أخرجا بالإسناد عن محمد بن أبي بكر عن عايشة أنَّها قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: عليٌّ مع الحقِّ والحقُّ مع عليٍّ لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض.

وأخرج إبن مردويه في «المناقب» والديلمي في «الفردوس» أنَّه لما عقر جمل عايشة ودخلت داراً بالبصرة أتى إليها محمد بن أبي بكر فسلّم عليها فلم تُكلّمه فقال لها: أُنشدك الله أتذكرين يوم حدّثتيني عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم إنَّه قال: الحقُّ لن يزال مع عليٍّ وعليٌّ مع الحقِّ لن يختلفا ولن يفترقا؟ فقالت: نعم.

وروى إبن قُتيبة في «الإمامة والسّياسة» ١ ص ٦٨ عن محمد بن أبي بكر أنَّه دخل على أُخته عائشة رضي الله عنها قال لها: أما سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: عليٌّ مع الحقِّ، والحقُّ مع عليٍّ؟! ثمَّ خرجت تُقاتلينه.

وروى الزمخشري في «ربيع الأبرار» قال: استأذن أبو ثابت مولى عليّ على أُمّ سلمة رضي الله عنها فقالت: مرحباً بك يا أبا ثابت، أين طار قلبك حين طارت القلوب مطائرها؟ قال: تبع عليَّ بن أبي طالب. قالت: وُفّقت والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: عليٌّ مع الحقِّ والقرآن، والحقُّ والقرآن مع عليٍّ، ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض.

وبهذا اللفظ أخرجه أخطب الخطباء الخوارزمي في «المناقب» من طريق الحافظ إبن مردويه. وكذا شيخ الإسلام الحمّويي في «فرائد السمطين» في الباب الـ ٣٧ عن طريق الحافظين أبي بكر البيهقي والحاكم أبي عبد الله النيسابوري.

وأخرج إبن مردويه في «المناقب» عن أبي ذرّ أنَّه سُئل عن اختلاف النّاس فقال: عليك بكتاب الله والشيخ عليِّ بن أبي طالب عليه السلام فإنّي سمعت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: عليٌّ مع الحقِّ والحقُّ معه وعلى لسانه، والحقُّ يدور حيثما دار عليٌّ.

ويوقف القارئ على شهرة الحديث عند الصِّحابة احتجاج أمير المؤمنين به يوم الشورى بقوله: أُنشدكم بالله أتعلمون أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: ألحقُّ مع عليٍّ و عليٌّ مع الحقِّ يزول الحقُّ مع عليٍّ كيفما زال؟ قالوا: أللهمَّ نعم(١) .

_____________________

١ - مرّ الكلام في حديث المناشدة ج ١ ص ١٥٩ - ١٦٣.


وهنا نُسأل الرَّجل عن أنَّ هذا الكلام لِماذا لا يُمكن صحَّته؟ أفيه شيءٌ من المستحيلات العقليَّة كاجتماع النقيضين أو ارتفاعهما؟ أو اجتماع الضدَّين أو المثلين؟ و كأنَّ الرَّجل يزعم أنَّ الحقيقة العلويَّة غير قابلةٍ لأن تدور مع الحقِّ وأن يدور الحقُّ معها. كبرت كلمة تخرج من أفواههم.

وقد مرَّ ج ١ ص ٣٠٥، ٣٠٨ من طريق الطبراني وغيره بإسناد صحيح قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم غدير خمّ: أللهمَّ وال من والاه، وعاد من عاداه (إلى قوله): و أدر الحقَّ معه حيث دار(١) :

وصح عنه صلّى الله عليه وآله قوله: رحم الله عليّاً أللهمَّ أدر الحقَّ معه حيث دار(٢) .

وقال الرازي في تفسيره ١ ص ١١١. وأمّا أنَّ عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه كان يجهر بالتَّسمية فقد ثبت بالتواتر، ومَن اقتدى في دينه بعليِّ بن أبي طالب فقد اهتدى والدليل عليه قوله عليه السلام: أللهمَّ أدر الحقَّ مع عليٍّ حيث دار.

وحكي الحافظ الكنجي في «الكفاية» ص ١٣٥، وأخطب خوارزم في «المناقب» ٧٧ عن مسند زيد قوله صلّى الله عليه وآله لعليٍّ: إنَّ الحقَّ معك والحقُّ على لسانك وفي قلبك وبين عينيك، والإيمان مخالطٌ لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي.

وأخرج غير واحد عن أبي سعيد الخدري عنه صلّى الله عليه وآله إنَّه قال مشيراً إلى عليٍّ: الحقُّ مع ذا، الحقُّ مع ذا(٣) وفي لفظ إبن مردويه عن عايشة عنه صلى الله عليه وآله: الحقُّ مع ذا يزول معه حيثما زال.

وأخرج إبن مردويه والحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٩ ص ١٣٤ عن أمِّ سلمة أنَّها كانت تقول: كان عليٌّ على الحقِّ، من اتَّبعه اتَّبع الحقَّ، ومَن تركه ترك الحقَّ، عهداً معهوداً قبل يومه هذا(٤) .

_____________________

١ - وبهذا اللفظ رواه الشهرستاني في نهاية الإقدام ص ٤٩٣.

٢ - مستدرك الحاكم ٣ ص ١٢٥، جامع الترمذي ٢ ص ٢١٣، الجمع بين الصحاح لابن الأثير، كنز العمال ٦ ص ١٥٧، نزل الأبرار ٢٤.

٣ - مسند أبي يعلى، سنن سعيد بن منصور، مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي ٧ ص ٣٥ وقال: رواه أبو يعلى ورجاله ثقات.

٤ - في لفظ الهيثمي: عهد معهود.


ومرَّ في ج ١ ص ١٦٦ من طريق شيخ الإسلام الحمّويي قوله صلى الله عليه وآله وسلم في أوصيائه: فإنَّهم مع الحقِّ، والحقُّ معهم لا يُزايلونه ولا يُزايلهم.

وليت شعري هذا الكلام لِماذا يُنزَّه عنه رسول الله صلّى الله عليه وآله ألإشتماله على كلمة إلحاديَّة؟! أو إشراك بالله العظيم؟! أو أمر خارج عن نواميس الدِّين المبين؟!

أنا أقول عنه لِماذا: لأنَّه في فضل مولانا أمير المؤمنين والرَّجل لا يروقه شيءٌ من ذلك. ونعم الحَكَم الله، والخصيم محمد.

ولا يذهب على القارئ أنَّ هذا الحديث عبارةٌ أُخرى لما ثبتت صحَّته عن أُمّ سلمة من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: عليٌّ مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتّى يردا عليَّ الحوض(١) .

وكلا الحديثين يرميان إلى مغزى الصحيح المتواتر الثابت عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: إنّي تاركٌ أو: مخلّفٌ فيكمِ الثقلين، أو: الخليفتين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض.

فإذا كان ما يراه إبن تيميَّة غير ممكن الصدور عن مبدأ الرِّسالة فهذه الأحاديث كلّها ممّا يغزو مغزاه يجب أن ينزَّه صلّى الله عليه وآله عنها، ولا أحسب أنَّ أحداً يقتحم ذلك الثغر المخوف إلّا مَن هو كمثال إبن تيميَّة لا يُبالي بما يتهوَّر فيه، فدعه وتركاضه، ولا تتَّبع أهواء الذين لا يعلمون.

٢٠ - قال: حديث إنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: يا فاطمة؟ إنّ الله يغضب لغضبكِ ويرضى لرضاكِ. فهذا كذبٌ منه، ما رووا هذا عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ولا يُعرف هذا في شيء من كتب الحديث المعروفة، ولا الإسناد معروفٌ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لا صحيح ولا حسن. ٢٠ ص ١٧٠

ج - ليتني عرفت هل المقحم للرَّجل في أمثال هذه الورطة جهله المطبق وضيق حيطته عن الوقوف على كتب الحديث؟! ثمَّ إنَّ الرعونة تحدوه إلى تكذيب ما لم يجده

_____________________

١ - مستدرك الحاكم ٣ ص ١٢٤ صححه هو وأقره الذهبي، المعجم الأوسط للطبراني وحسن سنده، الصواعق ٧٤، ٧٥، الجامع الصغير ٢ ص ١٤٠، تاريخ الخلفاء للسيوطي ١١٦، فيض القدير ٤ ص ٣٥٨.


تكذيباً باتّاً؟! أو: أنّ حقده المحتدم لآل بيت الوحي يتدهور به إلى هوَّة المناوءة لهم بتفنيد فضايلهم ومناقبهم.

أحسب أنَّ كلا الداءين لا يعدوانه.

أمّا الحديث فله إسنادٌ معروفٌ عند الحفّاظ والأعلام، صحَّحه بعضهم وحسَّنه آخر، وأنهوه إلى النبيِّ الأقدس صلوات الله عليه وآله وممّن أخرجه:

١ - الإمام أبو الحسن الرِّضا سلام الله عليه في مسنده كما في «الذخاير» ٣٩.

٢ - الحافظ أبو موسى إبن المثنى البصري المتوفّى ٢٥٢ كما في معجمه.

٣ - الحافظ أبو بكر إبن أبي عاصم المتوفّى ٢٨٧ كما في «الإصابة» وغيره.

٤ - الحافظ أبو يعلى الموصلي المتوفّى ٣٠٧ في سننه.

٥ - الحافظ أبو القاسم الطبراني المتوفّى ٣٦٠ في معجمه.

٦ - الحافظ عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفّى ٤٠٥ في «المستدرك» ٣ ص ١٥٤ وصحّحه.

٧ - الحافظ أبو سعيد الخركوشي المتوفّى ٤٠٦ في مؤلّفه.

٨ - الحافظ أبو نعيم الإصبهاني المتوفّى ٤٣٠ في «فضايل الصحابة».

٩ - الحافظ أبو القاسم إبن عساكر المتوفّى ٥٧١ في «تاريخ الشام».

١٠ - الحافظ أ بو المظفَّر سبط إبن الجوزي المتوفّى ٦٥٤ في تذكرته ص ١٧٥.

١١ - الحافظ أبو العبّاس محبُّ الدين الطبري المتوفّى ٦٩٤ في «الذخاير» ٣٩.

١٢ - الحافظ أبو الفضل إبن حجر العسقلاني المتوفّى ٨٥٢ في «الإصابة» ٤ ص ٣٧٨.

١٣ - الحافظ شهاب الدين إبن حجر الهيثمي المتوفّى ٩٥٤ في «الصواعق» ١٠٥.

١٤ - أبو عبد الله الزرقاني المالكي المتوفّى ١١٢٢ في شرح «المواهب» ٣ ص ٢٠٢.

١٥ - أبو العرفان الصبّان المتوفّى ١٢٠٦ في «إسعاف الرَّاغبين» ١٧١ وقال: رواه الطبراني وغيره بإسناد حسن.

١٦ - البدخشي صاحب «مفتاح النجا» في «نزل الأبرار» ص ٤٧

٢١ - قال: حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في عليٍّ: هذا فاروق أُمَّتي يفرق بين أهل


الحقِّ والباطل. وقول إبن عمر: ما كنّا نعرف المنافقين على عهد النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم إلّا ببغضهم عليّاً. فلا يستريب أهل المعرفة بالحديث أنّهما حديثان موضوعان مكذوبان على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يُرو واحدٌ منهما في كتب العلم المعتمدة ولا لواحد منهما إسنادٌ معروفٌ ٢ ص ١٧٩.

ج - إنَّ أجمع كلمة تنطبق على هذا المغفَّل هو ما قيل في غيره قبل زمانه: اُعطي مقولاً ولم يعط معقولاً. فتراه في أبحاث كتابه يقول ولا يعقل ما يقول، ويردّ غير القول الذي قد قيل له، فهذا آية الله العلّامة الحلّي يروي عن إبن عمر قوله: ما كنّا نعرف المنافقين، إلخ. وهذا يقول إنّه حديثٌ مكذوبٌ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يعقل أنَّ راويه لم يعزه إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فكان حقّ المقام أن يفنِّد نسبته إلى إبن عمر، على أنَّ إبن عمر لم يتفرَّد بهذا القول وإنّما أصفق معه على ذلك لفيفٌ من الصِّحابة منهم:

١ - أبو ذرّ الغفاري فإنّه قال: ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلّا بثلاث: بتكذيبهم الله ورسوله. والتخلّف عن الصّلاة. وبغضهم عليَّ بن أبي طالب.

أخرجه الخطيب في «المتّفق»، محبُّ الدين الطبري في «الرِّياض» ٢ ص ٢١٥، الجزري في «أسنى المطالب» ص ٨ وقال: وحُكي عن الحاكم تصحيحه. السيوطي في «الجامع الكبير» كما في ترتيبه ٦ ص ٣٩٠.

٢ - أبو سعيد الخدري قال: كنّا نعرف المنافقين نحن معشر الأنصار ببغضهم عليّاً

م - وفي لفظ الزرندي: ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلّا ببغضهم عليّاً.

جامع الترمذي ٢ ص ٢٩٩، حلية الأولياء ٦ ص ٢٩٥، الفصول المهمَّة ص ١٢٦، أسنى المطالب للجزري ص ٨، مطالب السئول ص ١٧، نظم الدرر للزرندي، الصواعق ٧٣.

٣ - جابر بن عبد الله الأنصاري قال: ما كنّا نعرف المنافقين إلّا ببغض - أو: ببغضهم - عليِّ بن أبي طالب.

أخرجه أحمد في «المناقب»، إبن عبد البرّ في «الإستيعاب» ٣ ص ٤٦ هامش الإصابة، الحافظ محبّ الدين في «الرِّياض» ٢ ص ٢١٤، الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ٩ ص ١٣٢.


٤ - أبو سعيد محمد بن الهيثم قال: إن كنّا لنعرف المنافقين نحن معشر الأنصار إلّا ببغضهم عليَّ بن أبي طالب.

أخرجه الحافظ الجزري في «أسنى المطالب» ص ٨.

٥ - أبو الدرداء قال: إن كنّا نعرف المنافقين معشر الأنصار إلّا ببغضهم عليَّ بن أبي طالب.

أخرجه الترمذي كما في «تذكرة» سبط إبن الجوزي ص ١٧.

ولم تكن هذه الكلمات دعاوي مجرَّدة من القوم وإنَّما هي مدعومةٌ بما وعوه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عليٍّ عليه السلام وإليك نصوصه:

١ - عن أمير المؤمنين أنَّه قال: والذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة إنَّه لعهد النبيُّ الأمِّيُّ إليَّ: أنَّه لا يُحبّني إلّا مؤمنٌ، ولا يُبغضني إلّا منافق.

مصادره

أخرجه مسلم في صحيحه كما في «الكفاية»، الترمذي في جامعه ٢ ص ٢٩٩ من غير قَسَم وقال: حسنٌ صحيحٌ، أحمد في مسنده ١ ص ٨٤، إبن ماجة في سننه ١ ص ٥٥، النسائي في سننه ٨ ص ١١٧، وفي خصايصه ٢٧، أبو حاتم في مسنده، الخطيب في تاريخه ٢ ص ٢٥٥، البغوي في «المصابيح» ٢ ص ١٩٩، محبُّ الدين الطبري في رياضه ٢ ص ٢١٤، إبن عبد البرّ في «الإستيعاب» ٣ ص ٣٧، إبن الأثير في «جامع الأصول» كما في تلخيصه «تيسير الوصول» ٣ ص ٢٧٢ عن مسلم والترمذي والنسائي، سبط إبن الجوزي في تذكرته ١٧، إبن طلحة في «مطالب السئول» ١٧، إبن كثير في تاريخه ٧ ص ٣٥٤ عن الحافظ عبد الرزّاق وأحمد ومسلم وعن سبعة أُخرى وقال: هذا هو الصحيح، شيخ الإسلام الحمّويي في فرايده في الباب الـ ٢٢ بطرق أربعة، الجزري في «أسنى المطالب» ٧ وصحَّحه. إبن الصبّاغ المالكي في «الفصول» ١٢٤، إبن حجر الهيثمي في «الصواعق» ٧٣، إبن حجر العسقلاني في «فتح الباري» ٧ ص ٥٧، السيوطي في «جمع الجوامع» كما في ترتيبه ٦ ص ٣٩٤ عن الحميدي. وإبن أبي شيبة. وأحمد. والعدني. والترمذي والنسائي. وابن ماجة. وابن حبّان في صحيحه. وأبي نعيم في الحلية. وإبن أبي عاصم


في سننه، القرماني في تاريخه هامش «الكامل» ١ ص ٢١٦، الشنقيطي في «الكفاية» ٣٥ وصحَّحه.

م - والعجلي في كشف الخفاء ٢ ص ٣٨٢ عن مسلم. والترمذي. والنسائي. وابن ماجة، وقد صدَّقه بدر الدين بن جماعة حين قال إبن حيّان أبو حيّان الأُندلسي: قد روى عليٌّ قال: عهد إليّ النبيُّ. الخ. هل صدق في هذه الرواية؟! فقال له إبن جماعة: نعم. فقال: فالَّذين قاتلوه وسلّوا السيوف في وجهه كانوا يحبّونه أو يبغضونه؟! الدرر الكامنة ٤ ص ٢٠٨].

صورة أخرى

عن أمير المؤمنين: لعهد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إليَّ: لا يحبّك إلّا مؤمنٌ، ولا يُبغضك إلّا منافقٌ.

(مصادرها) أخرجه أحمد في مسنده ١ ص ٩٥، ١٣٨. الخطيب في تاريخه ١٤ ص ٤٢٦. النسائي في سننه ٨ ص ١١٧، وفي خصايصه ٢٧، أبو نعيم في «الحلية» ٤ ص ١٨٥ بعدَّة طرق وفي إحدى طرقه: والَّذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة وتردَّى بالعظمة أنَّه لعهد النبيُّ الأُمِّيُ صلّى الله عليه وسلّم إليّ. إلخ. وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ متَّفقٌ عليه، إبن عبد البرّ في الإستيعاب ٣ ص ٣٧ وقال: روته طائفةٌ من الصِّحابة، إبن أبي الحديد في شرحه ٢ ص ٢٨٤ وقال: هذا الخبر مرويٌّ في الصِّحاح.

وقال في ج ١ ص ٣٦٤: قد إتَّفقت الأخبار الصحيحة الّتي لا ريب فيها عند المحدِّثين على أنَّ النبيَّ قال له: لا يبغضك إلّا منافقٌ، ولا يحبّك إلّا مؤمنٌ، شيخ الإسلام الحمّويي في الباب الـ ٢٢، الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٩ ص ١٣٣. السيوطي في جامعه الكبير كما في ترتيبه ٦ ص ١٥٢، ٤٠٨ من عدَّة طرق، إبن حجر في «الإصابة» ٢ ص ٥٠٩.

صورة ثالثة

قال أمير المؤمنين عليه السلام: لو ضربتُ خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يُبغضني ما أبغضني، ولو صببت الدنيا بجماتها على المنافقين على أن يُحبَّني ما أحبَّني، وذلك أنَّه قضي


فانقضى على لسان النبيِّ الأُمِّيِّ صلّى الله عليه وآله أنَّه قال: يا عليُّ؟ لا يُبغضك مؤمنٌ، ولا يُحبّك منافقٌ.

تجدها في نهج البلاغة، وقال إبن أبي الحديد في شرحه ٤ ص ٢٦٤: مراده عليه السلام من هذا الفصل إذكار الناس ما قاله فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله.

صورة رابعة

في خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام: قضاءٌ قضاه الله عزَّ وجلَّ على لسان نبيِّكم النبيّ الأُمِّي أن لا يُحبّني إلّا مؤمنٌ، ولا يُبغضني إلّا منافقٌ.

أخرجه الحافظ إبن فارس، وحكاه عنه الحافظ محبُّ الدين في «الرِّياض» ٢ ص ٢١٤، وذكره الزرندي في «نظم درر السمطين» وفي آخره: وقد خاب من افترى.

(صدر الحديث) عن أبي الطفيل قال: سمعت عليّاً عليه السلام وهو يقول: لو ضربت خياشيم المؤمن بالسيف ما أبغضني، ولو نثرت على المنافق ذهباً وفضَّةً ما أحبَّني، إنَّ الله أخذ ميثاق المؤمنين بحبِّي وميثاق المنافقين ببغضي، فلا يُبغضني مؤمنٌ، ولا يحبّني منافقٌ أبداً.

(صورةٌ أُخرى) عن حبَّة العرني عن عليّ عليه السلام إنّه قال: إنَّ الله عزّ وجلَّ أخذ ميثاق كلِّ مؤمن على حبّي، وميثاق كلِّ منافق على بغضي، فلو ضربت وجه المؤمن بالسيف ما أبغضني، ولو صببت الدنيا على المنافق ما أحبَّني.

شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١ ص ٣٦٤.

٢ - عن أُمّ سلمة قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: لا يُحبّ عليّاً المنافق، و لا يُبغضه مؤمنٌ.

الترمذي في جامعه ٢ ص ٢١٣ وصحَّحه. إبن أبي شيبة. الطبراني. البيهقي في «المحاسن والمساوي» ١ ص ٢٩. محبُّ الدين في رياضه ٢ ص ٢١٤. سبط إبن الجوزي في تذكرته ١٥. إبن طلحة في «مطالب السئول» ١٧. الجزري في «أسنى المطالب» ٧. السيوطي في «الجامع الكبير» كما في ترتيبه ٦ ص ١٥٢، ١٥٨.

صورة أخرى

عن أُمّ سلمة قالت: إنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال لعليٍّ: لا يُبغضك مؤمنٌ، ولا يُحبّك منافقٌ.


الإمام أحمد في «المناقب»، محبّ الدين في «الرياض» ٢ ص ٢١٤، إبن كثير في تاريخه ٧ ص ٣٥٤.

م - صورة ثالثة

أخرج إبن عدي في كامله عن البغوي بإسناده عن أُمّ سلمة قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول في بيتي لعليٍّ: لا يحبّك إلّا مؤمنٌ، ولا يبغضك إلّا منافقٌ].

٣ - في خطبة للنبيِّ صلّى الله عليه وآله: يا أيّها النّاس؟ أوصيكم بحبِّ ذي قرنيها أخي وابن عمّي عليِّ بن أبي طالب فإنَّه لا يُحبّه إلّا مؤمنٌ، ولا يبغضه إلّا منافقٌ.

مناقب أحمد، الرياض النضرة ٢ ص ٢١٤، شرح إبن أبي الحديد ٢ ص ٤٥١، تذكرة السبط ١٧.

٤ - عن إبن عبّاس قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عليٍّ فقال: لا يحبّك إلّا مؤمنٌ ولا يُبغضك إلّا منافق.

أخرجه الحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٩ ص ١٣٣.

وهذا الحديث ممّا احتجَّ به أمير المؤمنين عليه السلام يوم الشورى فقال: أُنشدكم بالله هل فيكم أحدٌ قال له صلى الله عليه وآله وسلم: لا يُحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق، غيري؟! قالوا: أللّهم لا(١) .

هذا ما عثرنا عليه من طرق هذا الحديث ولعلّ ما فاتنا منها أكثر، ولعلّك بعد هذه كلّها لا تستريب في أنَّه لو كان هناك حديثٌ متواترٌ يقطع بصدوره عن مصدر الرِّسالة فهو هذا الحديث أو أنَّه من أظهر مصاديقه، كما أنَّك لا تستريب بعد ذلك كلّه أنَّ أمير المؤمنين عليه السلام بحكم هذا الحديث الصادر ميزان الإيمان ومقياس الهدى بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذه صفةٌ مخصوصةٌ به عليه السلام وهي لا تبارحها الإمامة المطلقة، فإن من المقطوع به أنَّ أحداً من المؤمنين لم يتحلَّ بهذه المكرمة، فليس حبُّ أيِّ أحد منهم شارة إيمان ولا بغضه سمة نفاق، وإنّما هو نقصٌ في الأخلاق وإعوازٌ في الكمال ما لم تكن البغضاء لإيمانه، وأمّا إطلاق القول بذلك مشفوعاً بتخصيصه بأمير المؤمنين

_____________________

١ - راجع حديث المناشدة ج ١ ص ١٥٩ - ١٦٣


فليس إلّا ميزة الإمامة ولذلك قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: لولاك يا علي: ما عُرف المؤمنون بعدي.(١) وقال: والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلّا وهو خارجٌ من الإيمان(٢) .

م - ألا ترى كيف حكم عمر بن الخطاب بنفاق رجل رثاه يسبُّ عليّاً وقال: إنّي أظنّك منافقاً؟! أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخه ٧ ص ٤٥٣].

وحينئذ يحقّ لإبن تيميَّة أن ينفجرُ بركان حقده على هذا الحديث، فيرميه بأثقل القذائف، ويصعد في تحوير القول ويصوِّب.

(وأمّا الحديث الأوَّل)

فينتهي إسناده إلى إبن عبّاس. وسلمان. وأبي ذرّ. وحذيفة اليماني. وأبي ليلى الغفاري. أخرج عن هؤلاء جمعٌ كثيرٌ من الحفّاظ والأعلام منهم:

ألحاكم

ألعقيلي

ألحمّويي

ألمتَّقي الهندي

أبو نعيم

ألمحاملي

ألقرشي

ألصفوري

ألطبراني

ألحاكمي

الأيجي

ألبيهقي

إبن عساكر

إبن أبي الحديد

ألعدني

ألكنجي

ألهيثمي

ألبزّار

محبّ الدين

ألسيوطي

ولفظ الحديث عندهم:(٣)

ستكون بعدي فتنةٌ فإذا كان ذلك فألزموا عليّ بن أبي طالب فإنَّه أوَّل مَن يصافحني يوم القيامة، وهو الصِّديق الأكبر، وهو فاروق هذه الأُمَّة يفرق بين الحقِّ والباطل؛ وهو يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب المنافقين(٤) .

وبعد هذا كلّه تعرف قيمة ما يقوله أو يتقوَّله (إبن تيميَّة) من [أنَّ الحديثين لم يُرو واحدٌ منهما في كتب العلم المعتمدة، ولا لواحد منهما إسنادٌ معروفٌ]. فإذا

_____________________

١ - مناقب ابن المغازلي، شمس الأخبار ٣٧، الرياض ٢ ص ٢٠٢، كنز العمال ٦ ص ٤٠٢.

٢ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢ ص ٧٨.

٣ - باختلاف يسير عند بعضهم لا يضر المغزى.

٤ - راجع ج ٢ ص ٣١٢، ٣١٣ من كتابنا.


كان لا يرى الصِّحاح والمسانيد من كتب العلم المعتمدة، وما أسنده الحفّاظ والأئمَّة وصحَّحوه إسناداً معروفاً؟ فحسبه ذلك جهلاً شائناً، وعلى قومه عاراً وشناراً، وليت شعري بأيِّ شيءٍ يعتمد هو وقومه في المذهب بعد هاتيك العقيدة السخيفة؟! يا قوم اتَّبعونِ أهدكم سبيل الرِّشاد.

٢٢ - قال: عليٌّ رضي الله عنه لم يكن قتاله يوم الجمل وصفِّين بأمر من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإنِّما كان رأياً رآه ٢ ص ٢٣١.

ج - إنِّي لا أعجب من جهل هذا الإنسان (ألَّذي خُلق جهولاً) بشئون الإمامة وأنَّ حامل أعبائها كيف يجب أن يكون في ورده وصدَره، فإنَّه في منتأى عن معنى الإمامة التي نرتأيها، ولا أعجب من جهله بموقف مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وإنَّه كيف كان قيد الأمر ورهن الإشارة من مخلّفه النبيِّ الأعظم، فإنَّه لم تتح له الحيطة بمكانته وفواضله ومجاري علمه وعمله فإنّ النُصب المردي قد أعشى بصره، ورماه عن الحقِّ في مرمى سحيقٍ، وإنَّما كلُّ عجبي من جهله بما أخرجه الحفّاظ والأئمَّة في ذلك، ولكنَّه من قوم لهم أعين لا يُبصرون بها.

ونحن نعلم ما تُوسوس به صدره، غاية الرَّجل من هذا الحكم الباتِّ تغرير الأُمَّة والتمويه على الحقيقة، وجعل تلك الحروب الدامية نتيجة رأي واجتهاد من الطرفين حتّى يسع له القول بالتساوي بين أمير المؤمنين ومقاتليه في الرأي والإجتهاد، و إنَّ كلّاً منهما مجتهدٌ وله رأيه مصيباً كان أو مخطئاً، غير أنَّ للمصيب أجرين و للمخطأ أجر واحد، ذاهلاً عن أنَّ المنقِّب لا يخفى عليه هذا التدجيل، ويد التحقيق توقظ نائمة الأثكل، وقلم الحقِّ لا يترك الأُمَّة سُدى، ويُنبأهم عن أنَّ إجتهاد القوم (إن صحَّت الأحلام) إجتهادٌ في مقابلة النصِّ النبويِّ الأغرِّ.

وليت شعري كيف يخفى الأمر على أيِّ أحد؟ أو كيف يسع أن يتجاهل أيُّ أحد؟ وبين يدي الملأ العلمي قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لزوجاته: أيَّتكنَّ صاحبة الجمل الأدبب - وهو كثير الشعر - تخرج فينبحها كلاب الحوأب، يُقتل حولها قتلى كثير، وتنجو بعد ما كادت تُقتل؟(١)

_____________________

١ - أخرجه البزار. أبو نعيم. ابن أبي شيبة. الماوردي في الأعلام ص ٨٢. الزمخشري في =


وقوله صلّى الله عليه وآله لهنَّ: كيف بإحداكنَّ إذا نبح عليها كلاب الحوأب؟(١)

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لهنَّ: أيَّتكنَّ التي تنبح عليها (تنبحها) كلاب الحوأب؟(٢) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لهنَّ: ليت شعري أيَّتكنَّ تنبحها كلاب الحوأب سائرةً إلى الشرق في كتيبة «معجم البلدان ٣ ص ٣٥٦»].

وفي لفظ الخفاجي في شرح الشفا ٣ ص ١٦٦: ليت شعري أيّتكنَّ صاحبة الجمل الأزب(٣) تنبحها كلاب الحوأب.

وقوله صلّى الله عليه وآله لعائشة: كأنّي بإحداكنَّ قد نبحها كلاب الحوأب، وإيّاكِ أن تكوني أنت يا حميراء؟(٤) .

وقوله صلّى الله عليه وآله لها: لها: يا حميراء؟ كأني بكِ تنبحكِ كلاب الحوأب. تُقاتلين عليّاً وأنت له ظالمة(٥) .

وقوله صلّى الله عليه وآله لها: انظري يا حميراء؟ أن لا تكون أنتِ(٦) .

وقوله صلّى الله عليه وآله لعليٍّ: إن وليتَ من أمرها شيئاً. فارفق بها(٧) .

_____________________

= الفائق ١ ص ١٩٠. إبن الأثير في النهاية ٢ ص ١٠. الفيروز آبادي في القاموس ١ ص ٦٥. الكنجي في الكفاية ٧١. القسطلاني في المواهب اللدنية ٢ ص ١٩٥. شرح الزرقاني ٧ ص ٢١٦. الهيثمي في مجمع الزوائد ٧ ص ٢٣٤ وقال: رواه البزار ورجاله ثقات. السيوطي في جمع الجوامع كما في الكنز ٦ ص ٨٣. الحلبي في سيرته ٣ ص ٣١٣. زيني دحلان في سيرته ٣ ص ١٩٣ هامش الحلبية. الصبان في الاسعاف ٦٧.

١ - أخرجه أحمد في مسنده ٦ ص ٥٢، وابن أبي شيبة. نعيم بن حماد في الفتن. وعن الأخير بن السيوطي في جمع الجوامع كما في الكنز ٦ ص ٨٤.

٢ - مسند أحمد ٦ ص ٩٧. تاريخ الطبري ٥ ص ١٧٨. كفاية الكنجي ٧١. جمع الجوامع كما في ترتيبه ٦ ص ٨٣، ٨٤، وصححه مجمع الزوائد ٧ ص ٢٣٤ وقال: رواه أحمد وأبو يعلى ورجال أحمد رجال الصحيح. تذكرة السبط ٣٩. السيرة الحلبية ٣ ص ٣١٣. وفي هامشها سيرة زيني دحلان ٣ ص ١٩٣. إسعاف الراغبين ٦٧.

٣ - الأزب: كثير شعر الوجه.

٤ - الإمامة والسياسة ١ ص ٥٦. تاريخ اليعقوبي ٢ ص ١٥٧. جمع الجوامع كما في ترتيبه ٦ ص، ٨ وصححه.

٥ - العقد الفريد ٢ ص ٢٨٣.

٦ - أخرجه الحاكم في المستدرك ٣ ص ١١٩. والبيهقي عن أم سلمة. وراجع مناقب الخوارزمي ١٠٧، الاجابة للزركشي ص ١١. سيرة زيني دحلان ٣ ص ١٩٤. المواهب للقسطلاني ٢ ص ١٩٥. شرح المواهب للزرقاني ٧ ص ٢١٦.

٧ - نفس المصادر السابقة في رقم ٦


وقوله صلى الله عليه وآله: سيكون بعدي قومٌ يُقاتلون عليّاً على الله جهادهم، فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه، فمن لم يستطع بلسانه فبقلبه، ليس وراء ذلك شيءٌ. أخرجه الطبراني كما في «مجمع الزوائد» ٩ ص ١٣٤، و«كنز العمال» ٦ ص ١٥٥، وفي ج ٧ ص ٣٠٥ نقلاً عن الطبراني وإبن مردويه وأبي نعيم.

وقيل لحذيفة اليماني: حدِّثنا ما سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: لو فعلت لرجمتموني. قلنا: سبحان الله. قال لو حدَّثتكم أنَّ بعض أُمَّهاتكم تغزوكم في كتيبة تضربكم بالسيف ما صدَّقتموني. قالوا: سبحان الله، ومَن يُصدِّقك بهذا؟ قال: أتتكم الحميراء في كتيبة تسوق بها أعلاجها(١) .

م - وأخرج الطبري وغيره(٢) : لَمّا سمعت عائشة رضي الله عنها نُباح الكلاب فقالت: أيّ ماء هذا؟! فقالوا: الحوأب: فقالت: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، إنّي لَهية، قد سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول وعنده نساؤه: ليت شعري أيَّتكنَّ تنبحها كلاب الحوأب. فأرادت الرجوع فأتاها عبد الله بن الزبير فزعم إنَّه قال: كذب من قال: إنّ هذا الحوأب. ولم يزل حتّى مضت].

م - وقال العرني صاحب جمل عائشة: لَمّا طرقنا ماء الحوأب فنبحتنا كلابها قالوا: أيَّ ماء هذا؟ قلت: ماء الحوأب. قال: فصرخت عائشة بأعلى صوتها ثمَّ ضربت عضد بعيرها فأناخته ثمَّ قالت. أنا والله صاحبة كلاب الحوأب طروقاً ردّوني. تقول ذلك ثلاثاً. فأناخت وأناخوا حولها وهم على ذلك وهي تأبى حتّى كانت الساعة التي أناخوا فيها من الغد قال: فجاءها إبن الزبير فقال: النجاء النجاء فقد أدرككم والله عليّ بن أبي طالب. قال: فارتحلوا وشتموني](٣) .

م - وفي حديث قيس بن أبي حازم قال: لما بلغت عائشة رضي الله عنها بعض ديار بني عامر نبحت عليها الكلاب فقالت: أيّ ماء هذا؟! قالوا: الحوأب قالت: ما أظنّني إلّا راجعة. فقال الزبير: لا بعد تقدُّمي ويراكِ الناس ويصلح الله ذات بينهم. قالت: ما

_____________________

١ - مستدرك الحاكم ٤ ص ٤٧١. الخصايص ٢ ص ١٣٧.

٢ - تاريخ الطبري ٥: ١٧٨، تاريخ أبي الفدا ج ١: ١٧٣.

٣ - تاريخ الطبري ٥: ١٧١.


أظنّني إلّا راجعة سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: كيف بإحداكنّ إذا نبحتها كلاب الحوأب؟!](١) .

م - وفي معجم البلدان ٣: ٣٥٦: في الحديث: إنّ عائشة لما أرادت المضيَّ إلى البصرة في وقعة الجمل مرّت بهذا الموضوع - يعني الحوأب - فسمعت نباح الكلاب فقالت: ما هذا الموضع؟! فقيل لها: هذا موضعٌ يقال له: الحوأب، فقالت: إنّا لله، ما أراني إلّا صاحبة القصّة. فقيل لها: وأيَّ قصّة؟! قالت سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول وعنده نساؤه: ليت شعري أيَّتكنَّ تنبحها كلاب الحوأب سائرةً إلى الشرق في كتيبة. وهمّت بالرجوع فغالطوها وحلفوا لها أنّه ليس الحوأب].

م - قال الأميني: ما كان الله ليضلَّ قوماً بعد إذ هداهم حتّى يُبيِّن لهم ما يتَّقون، ليهلك مَن هلك عن بيِّنة، ويحيى من حيَّ عن بيِّنة، وإنَّ الله لسميعٌ عليم، وكان الإنسان أكثر شيئ جدلا، بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره].

وقد صحَّ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قوله للزبير: إنَّك تُقاتل عليّاً وأنت ظالمٌ له. وبهذا الحديث احتجَّ أمير المؤمنين عليه السلام على الزبير يوم الجمل وقال: أتذكر لما قال لك رسول الله صلّى الله عليه وآله: إنَّك تُقاتلني وأنت ظالمٌ لي؟ فقال: أللهمَّ نعم. الحديث.

أخرجه الحاكم في المستدرك ٣: ٣٦٦ وصحَّحه هو والذهبي. والبيهقي في الدلائل. وأبو يعلى. وأبو نعيم. والطبري في تاريخه ٥: ٢٠٠، ٢٠٤. وأبو الفرج في الأغاني ١٦: ١٣١، ١٣٢. وإبن عبد ربّه في العقد الفريد ٢: ٢٧٩. والمسعودي في مروج الذهب ٢: ١٠. والقاضي في الشفا. وذكره إبن الأثير في الكامل ٣: ١٠٢. إبن طلحة في المطالب ص ٤١. محبّ الدين في الرِّياض ٢: ٢٧٣. الهيثمي في المجمع ٧: ٢٣٥. إبن حجر في فتح الباري ١٣: ٤٦. القسطلاني في المواهب ٢ ص ١٩٥ الزرقاني في شرح المواهب ٣: ٣١٨، ج ٧: ٢١٧. السيوطي في الخصايص ٢: ١٣٧ نقلاً عن جمعٍ من الحفّاظ بطرقهم عن أبي الأسود، وأبي جروة، وقيس، وعبد السَّلام. الحلبي في سيرته ٣: ٣١٥، الخفاجي في شرح الشفا ٣: ١٦٥، والشيخ علي القاري في شرحه هامش شرح الخفاجي ٣: ١٦٥.

_____________________

١ - مستدرك الحاكم ٣: ١٢٠.


وهذه كلمات الصحابة مبثوثةٌ في طيّات الكتب والمعاجم، وهي تُعرب عن أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم كان يحثُّ أصحابه إلى نصرة أمير المؤمنين في تلك الحروب، ويدعوهم إلى القتال معه، ويأمر عيون أصحابه بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. منهم:

١ - أبو أيّوب الأنصاري ذلك الصحابيُّ العظيم، قال أبو صادق: قدم أبو أيّوب العراق فأهدت له الأزد جزراً فبعثوا بها معي فدخلت فسلّمت إليه وقلت له: قد أكرمك الله بصحبة نبيِّه ونزوله عليك فمالي أراك تستقبل الناس تقاتلهم؟! تستقبل هؤلاء مرَّة و هؤلاء مرَّة فقال: إنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عهد إلينا أن نقاتل مع عليٍّ الناكثين فقد قاتلناهم، وعهد إلينا أن نقاتل معه القاسطين فهذا وجهنا إليهم يعني معاوية وأصحابه، وعهد إلينا أن نقاتل مع عليٍّ المارقين فلم أرهم بعدُ(١)

وروى علقمة والأسود عن أبي أيّوب إنَّه قال: إنَّ الرائد لا يكذب أهله، وإنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمرنا بقتال ثلاثة مع عليٍّ بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين. الحديث(٢) .

وقال عتاب بن ثعلبة: قال أبو أيّوب الأنصاري في خلافة عمر بن الخطّاب: أمرني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين مع عليٍّ. ورواه عنه أصبغ بن نباتة غير أنَّ فيه: أمرنا(٣) .

٢ - أبو سعيد الخدري قال: أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين قلنا: يا رسول الله؟ أمرتنا بقتال هؤلاء فمع مَن؟ قال: مع عليِّ بن أبي طالب(٤) .

٣ - أبو اليقظان عمّار بن ياسر قال: أمرني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقتال الناكثين

_____________________

١ - تاريخ إبن عساكر ٥ ص ٤١. أربعين الحاكم ولفظه يقرب من هذا. تاريخ إبن كثير ٧ ص ٣٠٦. كنز العمال ٦ ص ٨٨.

٢ - تاريخ الخطيب البغدادي ١٣ ص ١٨٧، كفاية الكنجي ٧٠، تاريخ إبن كثير ٧ ص ٣٠٦.

٣ - أخرجه الحافظ إبن حبان الطبري كما ذكره السيوطي، ورواه الحاكم في أربعينه، وإبن عبد البرّ في الإستيعاب ٣ ص ٥٣.

٤ - أخرجه الحاكم في أربعينه كما ذكره السيوطي والحافظ الكنجي في الكفاية ص ٧٢، وإبن كثير في تاريخه ٧ ص ٣٠٥.


والقاسطين والمارقين أخرجه الطبراني وفي لفظه الآخر من طريق آخر: أمرنا.

أخرجه الطبراني وأبو يعلى وعنهما الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٧ ص ٢٣٨.

وأمّا كون قتال أمير المؤمنين نفسه بأمر من رسول الله وأنَّه لم يكن رأياً يخصٌّ به فتوقفك على حقِّ القول فيه عدَّة أحاديث.

١ - خليد العصري قال: سمعت أمير المؤمنين عليّاً يقول يوم النهروان: أمرني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين(١) .

٢ - أبو اليقظان عمّار بن ياسر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا عليُّ؟ ستقاتلك الفئة الباغية وأنت على الحقِّ، فمن لم ينصرك يومئذ فليس منّي(٢) .

٣ - ومن كلام لعمّار بن ياسر خاطب به أبا موسى: أما إنّي أشهد أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله أمر عليّاً بقتال الناكثين، وسمّى لي فيهم مَن سمّى، وأمره بقتال القاسطين و إن شئت لأُقيمنَّ لك شهوداً يشهدون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنَّما نهاكَ وحدك وحذَّرك من الدخول في الفتنة. شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٩٣.

٤ - أبو أيّوب الأنصاري قال في خلافة عمر بن الخطّاب: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين(٣) .

٥ - عبد الله بن مسعود قال: أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله عليّاً. الحديث(٤) .

٦ - علي بن ربيعة الوالبي قال: سمعت عليّاً يقول: عهد إليَّ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أن أُقاتل بعده القاسطين والناكثين والمارقين(٥) .

_____________________

١ - الخطيب في تاريخه ٨ ص ٣٤٠، وإبن كثير في تاريخه ٧ ص ٣٠٥.

٢ - أخرجه إبن عساكر في تاريخه، والسيوطي في «جمع الجوامع» كما في ترتيبه ٦ ص ١٥٥، وحكاه الزرقاني عن إبن عساكر في شرح المواهب ٣: ٣١٧.

٣ - أخرجه الحاكم في المستدرك ٣ ص ١٣٩، وذكره السيوطي في الخصائص ٢ ص ١٣٨.

٤ - أخرجه الطبراني والحاكم في أربعينه من طريقين، وأبو عمرو في الإستيعاب ٣ ص ٥٣ هامش الإصابة، والهيثمي في مجمع الزوائد ٧ ص ٢٣٨.

٥ - أخرجه البزار والطبراني في الأوسط، والحافظ الهيثمي في المجمع ٧ ص ٢٣٨ وقال: أحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعيد ووثقه إبن حبان. وأخرجه أبو يعلى كما في تاريخ إبن كثير ٧ ص ٣٠٤، وشرح المواهب للزرقاني ٣ ص ٢١٧ وقال: سند جيد.


٧ - أبو سعيد مولى رباب قال: سمعت عليّاً يقول: أُمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين(١) .

٨ - سعد بن عبادة قال: قال عليٌّ عليه السلام: أُمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين(٢) .

٩ - أخرج إبن عساكر من طريق زيد الشهيد عن عليّ إنّه قال: أمرني رسول الله صلّى الله عليه وآله بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. تاريخ إبن كثير ٧ ص ٣٠٥، كنز العمّال ٦ ص ٣٩٢.

١٠ - أنس بن عمرو عن أبيه عن عليّ قال: أُمرت بقتال ثلاثة: المارقين والقاسطين والناكثين. أخرجه إبن عساكر كما في تاريخ إبن كثير ٧ ص ٣٠٥.

١١ - عبد الله بن مسعود قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله فأتى منزل أُمّ سلمة فجاء عليٌّ فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: يا أُمّ سلمة؟ هذا والله قاتل القاسطين والناكثين والمارقين من بعدي(٣) .

١٢ - إبن عبّاس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله لأُمّ سلمة في حديث مرّ ج ١ ص ٣٣٧ و ج ٣ ص ١٠٩ يصف عليّاً بأنَّه: يقتل القاسطين والناكثين والمارقين.

١٣ - أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عليُّ؟ أنت فارس العرب و قاتل الناكثين والمارقين والقاسطين، وأنت أخي وليّ كل مؤمن ومؤمنة. شمس الأخبار ٣٨.

١٤ - أبو أيّوب الأنصاري قال سمعت النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعليِّ بن أبي طالب: تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. مستدرك الحاكم ٣ ص ١٤٠.

١٥ - قال إبن أبي الحديد في شرحه ٣ ص ٢٤٥: قد ثبت عن النبيِّ صلّى الله عليه وآله

_____________________

١ - إيضاح الاشكال للحافظ عبد الغني بن سعيد، المناقب للخوارزمي ١٠٦ من طريق الحافظ إبن مردويه.

٢ - أخرجه جمع من الحفاظ من غير طريق راجع تاريخ إبن كثير ٧ ص ٣٠٥، وكنز العمال ٦ ص ٧٢.

٣ - أربعين الحاكم، الرياض النضرة ٢ ص ٢٤٠، تاريخ إبن كثير ٧ ص ٣٠٥، مطالب السئول ٢٤ نقلاً عن مصابيح البغوي، فرائد السمطين الباب الـ ٢٧، كنز العمال ٦ ص ٣٩١.


أنَّه قال لعليٍّ عليه السلام: تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين.

١٦ - وبهذا الحديث احتجَّ أمير المؤمنين عليه السلام يوم الشورى وقال: أُنشدكم الله هل فيكم أحدٌ يُقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين على لسان النبيِّ، غيري؟ قالوا: أللهمَّ لا.

١٧ - أبو رافع قال: إنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعليّ: سيكون بينك وبين عائشة أمرٌ: قال: أنا يا رسول الله؟! قال: نعم. قال: أنا؟! قال: نعم. قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله؟! قال: لا. ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها.

أخرجه أحمد في مسنده ٦ ص ٣٩٣، والهيثمي في مجمع الزوائد ٧ ص ٢٣٤ وقال: رواه أحمد والبزّار والطبراني ورجاله ثقات. ويوجد في كنز العمال ٦ ص ٣٧، والخصائص الكبرى ٢ ص ١٣٧.

١٨ - أخرج أبو نعيم عن الحارث قال: كنت مع عليٍّ بصفِّين فرأيت بعيراً من إبل الشّام جاء وعليه راكبه وثقله فألقى ما عليه وجعل يتخلّل الصفوف إلى عليٍّ فجعل مشفره فيما بين رأس عليٍّ ومنكبه وجعل يحرِّكها بجرانه فقال عليٌّ: والله إنَّها للعلامة التي بيني وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (ألخصائص الكبرى ٢ ص ١٣٨).

٢٣ - قال: قال الرافضيُّ (يعني العلّامة الحلّي): وعن عمرو بن ميمون قال: لعليِّ بن أبي طالب عشر فضايل ليست لغيره قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: لأبعثنَّ رجلاً لا يخزيه الله أبداً، يُحبُّ الله ورسوله، ويُحبّه الله ورسوله. فاستشرف إليها مَن إستشرف فقال: أين عليُّ بن أبي طالب؟ قالوا: هو أرمد في الرحا يطحن، وما كان أحدهم يطحن قال: فجاء وهو أرمد لا يكاد أن يبصر، قال: فنفث في عينيه ثمَّ هزَّ الراية ثلاثاً وأعطاها إيّاه فجاء بصفّية بنت حيّ. قال: ثمَّ بعث أبا بكر بسورة براءة فبعث عليّاً خلفه فأخذها منه، وقال: لا يذهب بها إلّا رجلٌ هو منّي وأنا منه. وقال لبني عمِّه: أيّكم يُواليني في الدُّنيا والآخرة. قال: وعليٌّ جالسٌ معهم فأبوا فقال عليٌّ: أنا أُواليك في الدنيا والآخرة. قال: فتركه ثمَّ أقبل على رجل رجل منهم فقال: أيّكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ فأبوا فقال عليٌّ: أنا أُواليك في الدُّنيا والآخرة. فقال: أنت وليّي في الدنيا والآخرة. قال: وكان عليٌّ أوَّل من أسلم من الناس بعد خديجة. قال: وأخذ


رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثوبه فوضعه على عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين فقال: إنَّما يُريد الله ليُذهبَ عَنكم الرّجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيرا. قال: وشرى عليٌّ نفسه ولبس ثوب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمَّ نام مكانه وكان المشركون يرمونه بالحجارة. و خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالنّاس في غزأة تبوك فقال له عليٌّ: أخرج معك؟ فقال: لا. فبكى عليٌّ. فقال له: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟! إلّا أنَّك لستَ بنبيّ، لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي. وقال له رسول الله صلّى الله وعليه وسلّم: أنت وليّي في(١) كلِّ مؤمن بعدي. قال: وسدَّ أبواب المسجد إلّا باب عليٍّ. قال: وكان يدخل المسجد جنباً وهو طريقه ليس له طريق غيره. وقال له: مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه ج ٣ ص ٨ ثمَّ قال ما ملخَّصه:

الجواب: إنَّ هذا ليس مسنداً بل هو مرسلٌ لو ثبت عن عمر وبن ميمون و فيه ألفاظ هي كذبٌ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كقوله: لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي فإنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وآله ذهب غير مرَّة وخليفته على المدينة غير عليٍّ. (ثمَّ ذكر عدَّةً من ولاته على المدينة) فقال: وعام تبوك ما كان الإستخلاف إلّا على النساء والصبيان، ومن عذر الله وعلى الثلاثة الذين خلّفوا أو متَّهم بالنفاق وكانت المدينة آمنةً لا يخاف على أهلها ولا يحتاج المستخلف إلى جهاد.

وكذلك قوله: وسدَّ الأبواب كلّها إلّا باب عليّ. فإنَّ هذا ممّا وضعته الشيعة على طريق المقابلة فإنَّ الذي في الصحيح عن أبي سعيد عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال في مرضه الذي مات فيه: إنَّ أمنَّ الناس عليَّ في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متَّخذاً خليلاً غير ربِّي لاتَّخذتُ أبا بكر خليلاً، ولكن اُخوَّة الإسلام ومودَّته، لا يبقين في المسجد خوخة إلّا سدَّت إلّا خوخة أبي بكر، ورواه إبن عبّاس أيضاً في الصحيحين.

ومثل قوله: أنت وليّي في كلِّ مؤمن بعدي. فإنَّ هذا موضوعٌ باتِّفاق أهل المعرفة بالحديث. (ثمَّ أردفه بخرافات وتافهات في بيان عدم اختصاص عليٍّ بهذه المناقب).

_____________________

١ - كذا. والصحيح المحفوظ في أصول الحديث: أنت ولي كل مؤمن بعدي.


ج - كان الأحرى بالرَّجل أن يُحرِّج على العلماء النظر في كتابه فيختصّ خطابه بالرعرة الدهماء ممَّن لا يعقل أيّ طرفيه أطول، لأنَّ نظر العلماء فيه يكشف عن سوءته، ويوضح للملأ إعوازه في العلم، وإنحيازه عن الصِّدق والأمانة، ويظهر تدجيله وتزويره وتمويهه على الحقايق، ومن المحتمل جِدّاً أنَّه قد غالى في عظمة نفسه يوم خوطب بشيخ الإسلام، فحسب أنَّ الأُمَّة تأخذ ما يقوله كأُصول مسلّمة لا تُناقشه فيه الحساب، وإذ أخفق ظنّه وأكدى أمله، فهلمَّ معي نمعن النظرة في هملجته حول هذا الحديث وما له فيه من جلبةٍ وسخبٍ.

فأوَّل ما يتقوَّل فيه: أنَّه مرسلٌ وليس بمسند.

فكأنَّ عينيه في غشاوة عن مراجعة المسند لإمام مذهبه أحمد بن حنبل فإنَّه أخرجه في ج ١ ص ٣٣١ عن يحيى بن حمّاد عن أبي عوانة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن إبن عبّاس(١) ورجال هذا السند رجال الصحيح غير أبي بلج وهو ثقةٌ عند الحفّاظ كما مرَّت في ترجمته ج ١ ص ٧١.

وأخرجه بسند صحيح رجاله كلّهم ثقات الحافظ النسائي في الخصايص ٧، و الحاكم في المستدرك ٣ ص ١٣٢ وصحَّحه هو والذهبي، والطبراني كما في المجمع للحافظ الهيثمي وصحَّحه، وأبو يعلى كما في البداية والنهاية، وإبن عساكر في الأربعين الطوال، وذكره إبن حجر في الإصابة ٢ ص ٥٠٩ وجمعٌ آخرون أسلفناهم في الجزء الأوَّل ص ٥١.

فما عذر الرَّجل في نسبة الإرسال إلى مثل هذا الحديث؟! وإنكار سنده المتَّصل الصحيح الثابت؟! أهكذا يُفعل بواديع النبوَّة؟! أهكذا تلعب يد الأمانة بالسنَّة و العلم والدين؟!

والأعجب: أنَّه عطف بعد ذلك على فقرات من الحديث وهو يُحاول تفنيدها ويحسبها من الأكاذيب منها قوله صلّى الله عليه وآله: لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي. فارتآه كذباً مستدلاً بأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وآله ذهب غير مرَّة وخليفته على المدينة غير عليٍّ

_____________________

١ - مرّ بلفظه ١ ص ٥٠.


ومن استشفَّ الحقيقة من هذا الموقف علم أنّها قضيَّةٌ شخصيَّةٌ لا تعدُ قصَّة تبوك لِما كان صلّى الله عليه وآله يعلمه من عدم وقوع الحرب فيها، وكانت حاجة المدينة إلى خلافة مثل أمير المؤمنين عليها مسيسة لِما تداخل القوم من عظمة ملك الروم (هرقل) و تقدُّم جحفله الجرار، وكانوا يحسبون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحشده الملتفَّ به لا قِبل لهم به، ومن هنا تخلّف المتخلّفون من المنافقين، فكان أقرب الحالات في المدينة بعد غيبة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يرجف بها المنافقون للفتِّ في عضد صاحب الرِّسالة، والتزلّف إلى عامل بلاد الروم الزّاحف، فكان من واجب الحالة عندئذ أن يخلف عليها أمير المؤمنين عليه السلام المهيب في أعين القوم، والعظيم في النفوس الجامحة، وقد عرفوه بالبأس الشديد، والبطش الصارم، إتِّقاء بادرة ذلك الشرِّ المترقَّب. وإلّا فأمير المؤمنين عليه السلام لم يتخلّف عن مشهد حضره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلّا تبوك(١) وعلى هذا إتَّفق علماء السير كما قال سبط إبن الجوزي في «التذكرة» ص ١٢.

وفي وسع الباحث أن يستنتج ما بيّناه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعليٍّ: كذبوا ولكن خلّفتك لما ورائي. فيما أخرجه إبن إسحق بإسناده عن سعد بن أبي وقاص قال: لَمّا نزل رسول الله الجرف طعن رجال من المنافقين في إمرة عليٍّ وقالوا: إنّما خلّفه استثقالاً فخرج عليٌّ فحمل سلاحه حتّى أتى النبيَّ صلّى الله عليه وآله بالجرف فقال: يا رسول الله؟ ما تخلّفت عنك في غزأة قطُّ قبل هذه قد زعم المنافقون إنَّك خلّفتني استثقالاً. فقال: كذبوا ولكن خلّفتك لما ورائي. الحديث(٢) وممّا صحَّ عنه صلّى الله عليه وآله حين أراد أن يغزو أنَّه قال: ولا بدَّ من أن أُقيم أو تُقيم. فخلفه(٣) .

إذا عرفت ذلك كلّه فلا يذهب عليك أنَّ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا ينبغي أن أذهب إلّا و أنت خليفتي. ليس له مغزى إلّا خصوص هذه الواقعة، وليس في لفظه عموم يستوعب

_____________________

١ - الإستيعاب ٣ ص ٣٤ هامش الإصابة، شرح التقريب ١ ص ٨٥، الرياض النضرة ٢ ص ١٦٣، الصواعق ٧٢، الإصابة ٢ ص ٥٠٧، السيرة الحلبية ٣ ص ١٤٨، الاسعاف ١٤٩.

٢ - الرياض النضرة ٢ ص ١٦٢، الامتاع للمقريزي ٤٤٩، عيون الأثر ٢ ص ٢١٧، السيرة الحلبية ٣ ص ١٤٨، شرح المواهب للزرقاني ٣ ص ٦٩، سيرة زيني دحلان ٢ ص ٣٣٨.

٣ - أخرجه الطبراني بطريق صحيح كما في مجمع الزوائد ٩ ص ١١١.


كلَّ ما غاب صلّى الله عليه وآله عن المدينة، فمن الباطل نقض الرجل باستخلاف غيره على المدينة في غير هذه الواقعة، حيث لم تكن فيه ما أوعزنا إليه من الإرجاف، وكانت حاجة الحرب أمسّ إلى وجود أمير المؤمنين عليه السلام حيث لم يكن غيره كمثله يكسر صولة الأبطال، و يغير في وجوه الكتائب. فكان صلى الله عليه وآله وسلم في أخذ أمير المؤمنين معه إلى الحروب واستخلافه في مغيَّبه يتبع أقوى المصلحتين.

ثمَّ: إنَّ الرجل حاول تصغيراً لصورة هذه الخلافة فقال: وعام تبوك ما كان الإستخلاف. إلخ. غير أنَّ نظّارة التنقيب لا تزال مكبِّرة لها من شتَّى النَّواحي.

(الأولى) : قوله: أم ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟! وهو يُعطي إثبات كلِّ ما للنبيِّ صلّى الله عليه وآله من رُتبةٍ وعملٍ ومقامٍ ونهضةٍ وحُكمٍ و إمارةٍ وسيادةٍ لأمير المؤمنين عدا ما أخرجه الإستثناء من النبوَّة كما كان هارون من موسى كذلك. فهو خلافةٌ عنه صلّى الله عليه وآله وإنزالٌ لعليٍّ عليه السلام منزلة نفسه لا محض استعمال كما يظنّه الظانّون، فقد استعمل صلى الله عليه وآله وسلم قبل هذه على البلاد أُناساً، وعلى المدينة آخرين. وأمَّر على السرايا رجالاً لم يقل في أحد منهم ما قاله في هذا الموقف، فهي منقبةٌ تخصّ أمير المؤمنين فحسب.

(الثانية) : قوله صلّى الله عليه وآله فيما مرَّ عن سعد بن أبي وقّاص: كذبوا ولكن خلّفتك لِما ورائي. لَمّا طعن رجالٌ من المنافقين في إمرة عليٍّ عليه السلام ولا يوعز صلّى الله عليه وآله به إلّا إلى ما أشرنا إليه عن خشية الإرجاف بالمدينة عند مغيَّبه، وإنَّ إبقاءه كان لإبقاء بيضة الدين عن أن تنتهك، وحذار أن يتَّسع خرقها بهملجة المنافقين، لولا هناك من يطأ فورتهم بأخمص بأسه وحجاه، فكان قد خلّفه لمهمَّةٍ لا ينوء بها غيره.

(الثالثة) : قوله صلّى الله عليه وآله لعليٍّ عليه السلام في حديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم قالا: قال حين أراد صلّى الله عليه وآله أن يغزو: إنَّه لا بدَّ من أن أُقيم أو تقيم فخلّفه. الحديث(١) . وهو يدلّ على أنَّ بقاء أمير المؤمنين عليه السلام على حدِّ بقاء رسول الله صلّى الله عليه وآله في كلائة بيضة الدين، وإرحاض معرَّة المفسدين، فهو أمرٌ واحدٌ يُقام بكلٍّ منهما على حدٍّ سواء، وناهيك به من منزلةٍ ومقام.

_____________________

١ - أخرجه الطبراني بإسنادين أحدهما رجاله رجال الصحيح إلّا ميمون البصري وهو ثقة وثقه إبن حبان كما في مجمع الزوائد ٩ ص ١١١، راجع ما مرّ في الجزء الأول ص ٧١.


(الرابعة) : ما صحَّ عن سعد بن أبي وقّاص من قوله: والله لإن يكون لي واحدة من خلال ثلاث أحبُّ إليَّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، لإن يكون قال لي ما قال له حين ردَّه من تبوك، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هرون من موسى؟! إلّا أنَّه لا نبيَّ بعدي. أحبّ إليَّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس. الحديث(١) .

وقال المسعودي في المروج ٢ ص ٦١ بعد ذكر الحديث ووجدت في وجه آخر من الروايات وذلك في كتاب عليِّ بن محمد بن سليمان النوفلي في الإخبار عن إبن عائشة وغيره أنَّ سعداً لما قال هذه المقالة لمعاوية ونهض ليقوم ضرط له معاوية و قال له: اُقعد حتّى تسمع جواب ما قلت، ما كنتَ عندي قطُّ ألأم منك الآن فهلّا نصرته؟ ولِمَ قعدتَ عن بيعته؟ فإنّي لو سمعت من النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مثل الّذي سمعت فيه لكنت خادماً لعليٍّ ما عشت. فقال سعد: والله إنّي لأحقُّ بموضعك منك. فقال معاوية: يأبى عليك بنو عذرة. وكان سعد فيما يقال لرجل من بني عذرة. الكلام.

وصحَّ عند الحفّاظ الأثبات أنَّ معاوية أمر سعداً فقال: ما منعك أن تسبَّ أبا تراب؟! قال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلن أسبَّه، لإن تكون لي واحدة منهنَّ أحبُّ إليَّ من حمر النعم، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعليّ وخلّفه في تبوك فقال له عليٌّ: يا رسول الله؟ تخلّفني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟! إلّا أنّه لا نبيَّ بعدي. الحديث(٢) .

م - وورد في حديث أنَّ سعداً دخل على معاوية فقال له: مالك لم تقاتل معنا؟! فقال: إنّي مرَّت بي ريحٌ مظلمةٌ فقلت: اخ اخ فأنخت راحلتي حتّى انجلت عنّي ثمَّ عرفت الطريق فسرت. فقال معاوية: ليس في كتاب الله أخ أخ ولكن قال الله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأُخرى

_____________________

١ - خصايص النسائي ٣٢، مروج الذهب ٢ ص ٦١.

٢ - جامع الترمذي ٢ ص ٢١٣، مستدرك الحاكم ٣ ص ١٠٨ وصحّحه وأقره الذهبي م وأخرجه باللفظ المذكور مسلم في صحيحه، ونقله عند الحافظ الكنجي في الكفاية ٢٨، والبدخشاني في نزل الأبرار ص ١٥ عن مسلم والترمذي، وذكره بهذا اللفظ إبن حجر في الإصابة ٢ ص ٥٠٩ عن الترمذي، وميرزا مخدوم الجرجاني في الفصل الثاني من (نواقض الروافض) نقلاً عن مسلم والترمذي).


فقاتلوا التي تبغي حتّى تفيئ إلى أمر الله. فوالله ما كنت مع الباغية على العادلة ولا مع العادلة على الباغية. فقال سعد: ما كنت لأُقاتل رجلاً قال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنَّه لا نبيَّ بعدي. فقال معاوية: مَن سمع هذا معك؟! فقال: فلان وفلان وأُمّ سلمة. فقال معاوية: أما إنّي لو سمعته منه صلّى الله عليه وسلّم لما قاتلت عليّاً. تاريخ إبن كثير ٨ ص ٧٧].

فإنَّ هذا الذي كان يستعظمه سعدٌ في عداد حديث الراية والتزويج بالصدّيقة الطاهرة، بوحي من الله العزيز الذين هما من أربى الفضائل، ويراه معاوية لو كان سمعه فيه لما قاتل عليّاً ولكان يخدم عليّاً ما عاش، لا بدَّ وأن يكون على حدِّ ما وصفناه حتّى يتسنّى لسعد تفضيله على ما طلعت عليه الشمس أو حمر النعم، ولمعاوية إيجاب الخدمة له، دون الإستخلاف على العايلة لينهض بشئون حياتها كما هو شأن الخدم، أو يُنصب عيناً على المنافقين فحسب، ليتجسَّس أخبارهم كما هو وظيفة الطبقة الواطئة من مستخدم الحكومات.

(الخامسة) : قول سعيد بن المسيِّب بعد ما سمع الحديث عن إبراهيم أو عامر ابني سعد بن أبي وقّاص: فلم أرض فأحببت أن أُشافه بذلك سعداً فأتيته فقلت: ما حديثٌ حدَّثني به إبنك عامر؟ فأدخل أصبعيه في أُذنيه وقال: سمعت من رسول الله وإلّا فاستكَّتا(١) فماذا كان سعيد يستعظمه من الحديث حتّى طفق يستحفي خبره من نفس سعد بعد ما سمعه من إبنه؟! فأكَّد له سعد ذلك التأكيد، غير أنَّه فهم من مؤدّاه ما ذكرناه من العظمة.

(السّادسة) : قول الإمام أبي البسطام شعبة بن الحجّاج في الحديث: كان هارون أفضل أُمَّة موسى عليه السلام فوجب أن يكون عليٌّ عليه السلام أفضل من كلِّ أُمَّة محمد صلّى الله عليه وسلّم صيانةً لهذا النّص الصحيح الصريح كما قال موسى لأخيه هارون: اخلفني في قومي وأصلح.(٢) .

(السّابعة) : قال الطيبي: منّي خبر المبتداء ومن إتِّصاليَّةٌ ومتعلق الخبر

_____________________

١ - أخرجه النسائي في الخصايص بعدة طرق ص ١٥.

٢ - أخرجه الحافظ الكنجي في الكفاية ١٥٠.


خاصٌّ والباء زائدةٌ كما في قوله تعالى:( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ ) . أي فإن آمنوا إيماناً مثل إيمانكم، يعني أنت متَّصلٌ ونازلٌ منّي بمنزلة هارون من موسى، وفيه تشبيهٌ ووجه الشبه مبهمٌ بيَّنه بقوله: إلّا أنَّه لا نبيَّ بعدي. فعرف أنَّ الأتِّصال المذكور بينهما ليس من جهة النبوَّة بل من جهة ما دونها وهي الخلافة(١)

وممّا كذَّبه الرَّجل من الحديث قول: وسدّ الأبواب إلّا باب عليٍّ وقال: فإنَّ هذا ممّا وضعته الشيعة على طريق المقابلة. إلخ.

ج - لا أجد لنسبة وضع هذا الحديث إلى الشيعة دافعاً إلّا القحَّة والصلف، و دفع الحقايق الثابتة بالجلبة والسخب، فإنَّ نصب عيني الرَّجل كتب الأئمَّة من قومه وفيها مسند إمام مذهبه أحمد، قد أخرجوه فيها بأسانيد جمَّة صحاح وحسان عن جمع من الصحابة تربو عدَّتهم على عدد ما يحصل به التواتر عندهم منهم:

١ - زيد بن أرقم قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبوابٌ شارعة في المسجد قال: فقال يوماً سدوا هذه الأبواب إلّا باب عليٍّ. قال: فتكلَّم في ذلك الناس قال: فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال: أمّا بعد: فانّي أمرت بسدّ هذه الأبواب غير باب عليّ. فقال فيه قائلكم، وأنّي ما سددت شيئاً ولا فتحته ولكنّي أُمرت بشيءٍ فاتّبعته.

سند الحديث في مسند الإمام أحمد ٤ ص ٣٦٩:

ثنا محمد بن جعفر ثنا عوف عن ميمون أبي عبد الله عن زيد بن أرقم.رجاله رجال الصحيح غير أبي عبد الله ميمون وهو ثقةٌ، فالحديث بنصِّ الحفّاظ صحيحٌ رجاله ثقاتٌ.

وأخرجه النسائي في السنن الكبرى والخصايص ١٣ عن الحافظ محمد بن بشّار بندار الذي إنعقد الإجماع على الإحتجاج به «قاله الذهبي» بالإسناد المذكور. والحاكم في المستدرك ٣ ص ١٢٥ وصحَّحه. والضياء المقدسي في المختارة ممّا ليس في الصحيحين والكلاباذي في معاني الأخبار كما في القول المسدَّد ١٧. وسعيد بن منصور في سننه. ومحبّ الدين الطبري في الرِّياض ٢ ص ١٩٢. والخطيب البغدادي من طريق الحافظ محمد بن بشّار. والكنجي في الكفاية ٨٨. وسبط إبن الجوزي في التذكرة ٢٤. و

_____________________

١ - شرح المواهب للعلامة الزرقاني ٣ ص ٧٠.


إبن أبي الحديد في شرحه ٢ ص ٤٥١. وإبن كثير في تاريخه ٧ ص ٣٤٢. وإبن حجر في القول المسدَّد ص ١٧ وقال: أورده إبن الجوزي في الموضوعات من طريق النسائي وأعلّه بميمون وأخطأ في ذلك خطأً ظاهراً، وميمون وثَّقه غير واحد وتكلّم بعضهم في حفظه، وقد صحَّح له الترمذي حديثاً غير هذا. ورواه في فتح الباري ٧ ص ١٢ وقال: رجاله ثقاتٌ. والسيوطي في جمع الجوامع كما في الكنز ٦ ص ١٥٢، ١٥٧ والهيثمي في مجمع الزوائد ٩ ص ١١٤. والعيني في عمدة القاري ٧ ص ٥٩٢. والبدخشي في نزل الأبرار وقال: أخرجه أحمد والنسائي والحاكم والضياء بإسناد رجاله ثقات.

٢ - عبد الله بن عمر بن الخطّاب قال: لقد أوتي إبن أبي طالب ثلاث خصال لإن تكون لي واحدة منهنَّ أحبُّ إليَّ من حمر النعم: زوَّجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إبنته فولدت له. وسدّ الأبواب إلّا بابه في المسجد. وأعطاه الراية يوم خيبر.

سند الحديث في مسند أحمد ٢ ص ٢٦:

ثنا وكيع عن هشام بن سعد عن عمر بن أُسيد عن إبن عمر قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ٩ ص ١٢٠ رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح.

وأخرجه إبن أبي شيبة. وأبو نعيم. ومحبّ الدين في الرياض ٢ ص ١٩٢. و شيخ الإسلام الحمّويي في الفرايد في الباب الـ ٢١. وإبن حجر في فتح الباري ٧ ص ١٢، والصواعق ٧٦، وصحَّحه في القول المسدَّد ٢٠ وقال: حديث إبن عمر أعلّه إبن الجوزي بهشام بن سعد هو من رجال مسلم صدوقٌ تكلّموا في حفظه، وحديثه يقوى بالشواهد، ورواه النسائي بسند صحيح. والسيوطي في جمع الجوامع كما في الكنز ٦ ص ٣٩١. والبدخشي في نزل الأبرار ص ٣٥ وقال. إسنادٌ جيِّدٌ.

٣ - عبد الله بن عمر بن الخطّاب قال له العلاء بن عرار: أخبرني عن عليٍّ وعثمان. قال، أمّا عليٌّ فلا تسأل عنه أحداً وانظر إلى منزله من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإنَّه سدَّ أبوابنا في المسجد وأقرّ بابه.

أخرجه الحافظ النسائي من طريق أبي إسحاق السبيعي، قال إبن حجر في القول المسدَّد ص ١٨، وفتح الباري ٧ ص ١٢: سندٌ صحيحٌ ورجاله رجال الصحيح إلّا العلاء وهو ثقةٌ وثَّقه يحيى بن معين وغيره.


وأخرجه الكلاباذي في معاني الأخبار كما في القول المسدَّد ١٨ والهيثمي في مجمع الزوائد ٩ ص ١١٥. والسيوطي في اللئالي ١ ص ١٨١ عن إبن حجر مع تصحيحه وكلامه المذكور. والبدخشي في نزل الأبرار ٣٥ وصحَّحه مثل ما مرَّ عن إبن حجر.

٤ - ألبراء بن عازب رواه بلفظ زيد بن أرقم المذكور قال أحمد رواه أبو الأشهب (جعفر بن حيّان البصري) عن عوف عن ميمون أبي عبد الله عن البراء. راجع تاريخ إبن كثير ٧ ص ٣٤٢، والإسناد صحيحٌ رجاله كلّهم ثقات.

٥ - عمر بن الخطّاب قال أبو هريرة: قال عمر: لقد اُعطي عليُّ بن أبي طالب ثلاث خصال لإن تكون لي خصلة منها أحبّ إليَّ من أن أُعطى حمر النعم. قيل: وما هنَّ يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوّجه فاطمة بنت رسول الله. وسكناه المسجد مع رسول الله، يحلُّ له فيه ما يحلُّ له. والراية يوم خيبر.

أخرجه الحاكم في المستدرك ٣ ص ١٢٥ وصحَّحه. وأبو يعلى في الكبير. وإبن السّمان في الموافقة. والجزري في أسنى المطالب ١٢ من طريق الحاكم وذكر تصحيحه له. ومحبُّ الدين في الرِّياض ٢ ص ١٩٢. والخوارزمي في المناقب ص ٢٦١ والهيثمي في مجمع الزوائد ٩ ص ١٢٠. والسيوطي في تاريخ الخلفاء ١١٦، والخصايص الكبرى ٢ ص ٢٣٤. وإبن حجر في الصواعق ص ٧٦.

٦ - عبد الله بن عبّاس قال: إنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وآله أمر بسدِّ الأبواب فسدَّت إلّا باب عليٍّ. وفي لفظ له: أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأبواب المسجد فسدَّت إلّا باب عليٍّ.

أخرجه الترمذي في جامعه ٢ ص ٢١٤ عن محمد بن حميد وإبراهيم بن المختار كلاهما عن شعبة عن أبي بلج يحيى بن سليم عن عمرو بن ميمون عن إبن عبّاس. والإسناد صحيحٌ، رجاله كلّهم ثقات.

وأخرجه النسائي في الخصائص ١٣. م - أبو نعيم في الحلية ٤ ص ١٥٣ بطريقين] محبُّ الدين في الرِّياض ٢ ص ١٩٢. الكنجي في الكفاية ٨٧ وقال: حديثٌ حسنٌ عال. سبط إبن الجوزي في تذكرته ٢٥. إبن حجر في القول المسدَّد ١٧. وفي فتح الباري ٧ ص ١٢ وقال: رجاله ثقاتٌ. ألحلبي في السيرة ٣ ص ٣٧٣. ألبدخشي في


نزل الأبرار ٣٥ وقال: أخرجه أحمد والنسائي بإسناد رجاله ثقاتٌ.

٧ - عبد الله بن عبّاس قال: أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسدِّ أبواب المسجد غير باب عليٍّ، فكان يدخل المسجد وهو جنبٌ ليس له طريقٌ غيره.

أخرجه النسائي في الخصايص ص ١٤ قال: أخبرنا محمد بن المثنّى قال: حدَّثنا يحيى بن معاذ قال: حدَّثنا أبو وضاح(١) قال: أخبرنا يحيى حدَّثنا عمرو بن ميمون قال: قال إبن عبّاس: أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. إلخ. والإسناد صحيحٌ، ورجاله كلّهم ثقات.

ورواه إبن حجر في فتح الباري ٧ ص ١٢ وقال: رجاله ثقاتٌ. والقسطلاني في إرشاد الساري ٦ ص ٨١ عن أحمد والنسائي ووثَّق رجاله. ويوجد في نزل الأبرار ٣٥.

وفي لفظ لإبن عبّاس قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سدَّوا أبواب المسجد كلّها إلّا باب عليٍّ. أخرجه الكلاباذي في معاني الأخبار. وأبو نعيم وغيرهما.

٨ - عبد الله بن عبّاس قال: قال: رسول الله صلّى الله عليه وآله لعليٍّ: إنَّ موسى سأل ربَّه أن يُطهِّر مسجده لهارون وذريَّته وإنّي سألت الله أن يُطهِّر لك ولذريَّتك من بعدك، ثمَّ أرسل إلى أبي بكر أن سدّ بابك فاسترجع وقال: سمعاً وطاعةً. فسدَّ بابه. ثمَّ إلى عمر كذلك، ثمَّ صعد المنبر فقال: ما أنا سددت أبوابكم ولا فتحت باب عليٍّ ولكن الله سدَّ أبوابكم وفتح باب عليٍّ. أخرجه النسائي كما ذكره السيوطي.

٩ - عبد الله بن عبّاس قال: لما أخرج أهل المسجد وترك عليّاً قال الناس في ذلك فبلغ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: ما أنا أخرجتكم من قبل نفسي ولا أنا تركته ولكن الله أخرجكم وتركه، إنّما أنا عبدٌ مأمورٌ، ما أُمرت به فعلتُ إن أتَّبع إلّا ما يوحى إليَّ.

أخرجه الطبراني. والهيثمي في المجمع ٩ ص ١١٥. والحلبي في السيرة ٣ ص ٣٧٤.

١٠ - أبو سعيد الخدري سعد بن مالك قال عبد الله بن الرقيم الكناني: خرجنا إلى المدينة زمن الجمل فلقينا سعد بن مالك بها فقال: أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله بسدِّ الأبواب. الشارعة في المسجد وترك باب عليٍّ.

أخرجه الإمام أحمد عن حجّاج عن فطر عن عبد الله بن الرقيم. قال الهيثمي في المجمع ٩ ص ١١٤: إسنادُ أحمد حسنٌ. ورواه أبو يعلى والبزّار والطبراني في

_____________________

١ - كذا في النسخة والصحيح: أبو عوانة وضاح، وثقة أحمد وأبو حاتم. راجع ج ١: ٧٨.


الأوسط وزاد: قالوا: يا رسول الله؟ سددت أبوابنا كلّها إلّا باب عليَّ. قال: ما أنا سددت أبوابكم ولكنَّ الله سدَّها.

١١ - سعد بن مالك أبو سعيد الخدري قال: إنَّ عليَّ بن أبي طالب اُعطي ثلاثاً لإن أكون أُعطيت إحداهنَّ أحبّ إليَّ من الدنيا وما فيها، لقد قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله يوم غدير خمّ بعد حمد الله والثناء عليه (إلى أن قال): جئ به يوم خيبر وهو أرمد ما يبصر (إلى أن قال): وأخرج رسول الله عمَّه العبّاس وغيره من المسجد فقال له العبّاس: تُخرجنا ونحن عصبتك وعمومتك وتُسكن عليّاً؟! فقال: ما أنا أخرجتكم وأسكنته ولكنَّ الله أخرجكم وأسكنه.

أخرجه الحاكم في المستدرك ٣ ص ١١٧.

١٢ - أبو حازم الأشجعي قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إنَّ الله أمر موسى أن يبني مسجداً طاهراً لا يسكنه إلّا هو وهارون، وإنَّ الله أمرني أن أبني مسجداً طاهراً لا يسكنه إلّا أنا وعليّ وإبنا عليّ. رواه السيوطي في الخصايص ٢ ص ٢٤٣.

١٣ - جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: سدّوا الأبواب كلّها إلّا باب عليٍّ، وأومى بيده إلى باب عليٍّ.

أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه ٧ ص ٢٠٥. إبن عساكر في تاريخه الكنجي في الكفاية ٨٧. السيوطي في الجمع كما في ترتيبه ٦ ص ٣٩٨.

١٤ - جابر بن سمرة قال: أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسدِّ الأبواب كلّها غير باب عليٍّ. فقال العبّاس: يا رسول الله قدر ما أدخل أنا وحدي وأخرج. قال: ما أمرت بشيء من ذلك فسدّها غير باب عليٍّ قال: وربما مرَّ وهو جنبٌ.

أخرجه الحافظ الطبراني في الكبير، عن إبراهيم بن نائلة الإصبهاني، عن إسماعيل بن عمرو البجلي، عن ناصح، عن سماك بن حرب عن جابر. والإسناد حسنٌ إن لم يكن صحيحاً لمكان ناصح. والهيثمي في مجمع الزوائد ٩ ص ١١٥. وإبن حجر في القول المسدَّد ١٨، وفتح الباري ٧ ص ١٢. والقسطلاني في إرشاد الساري ٦ ص ٨١. و الحلبي في السيرة ٣ ص ٣٧٤. والبدخشي في نزل الأبرار ص ٣٥.

١٥ - سعد بن أبي وقّاص قال: أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسدِّ الأبواب الشارعة


في المسجد وترك باب عليٍّ.

أخرجه أحمد في المسند ١ ص ١٧٥، وقال إبن حجر في فتح الباري ٧ ص ١١ أخرجه أحمد والنسائي وإسناده قويٌّ. وذكره العيني في عمدة القارئ ٧ ص ٥٩٢ وقوّى إسناده.

١٦ - سعد بن أبي وقّاص قال: إنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سدَّ أبواب المسجد وفتح باب عليٍّ فقال النّاس في ذلك. فقال: ما أنا فتحته ولكنَّ الله فتحه.

أخرجه أبو يعلى قال: ثنا موسى بن محمد بن حسّان: ثنا محمد بن إسماعيل بن جعفر بن الطحان: ثنا غسّان بن بُسر الكاهلي عن مسلم عن خيثمة عن سعد.حكاه عنه إبن كثير في تاريخه ٧ ص ٣٤٢ من دون غمز في الإسناد.

١٧ - سعد بن أبي وقاص قال الحارث بن مالك: أبيت مكّة فلقيت سعد بن أبي وقّاص فقلت: هل سمعت لعليَّ بن أبي طالب منقبةً؟ قال: كنّا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنودي فينا ليلاً: ليخرج مَن في المسجد إلّا آل رسول الله. فلمّا أصبح أتاه عمّه فقال: يا رسول الله؟ أخرجت أصحابك وأعمامك وأسكنت هذا الغلام؟! فقال: ما أنا الذي أمرت بإخراجكم ولا بإسكان هذا الغلام إنَّ الله هو أمر به.

أخرجه النسائي في الخصايص ١٣، وأخرج بإسناد آخر عنه وفيه: إنَّ العبّاس أتى النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: سددتَ أبوابنا إلّا باب عليّ؟! فقال: ما أنا فتحتها ولا أنا سددتها.

١٨ - سعد بن أبي وقّاص قال: أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسدِّ الأبواب إلّا باب عليٍّ فقالوا: يا رسول الله؟ سددت أبوابنا كلّها إلّا باب عليّ. فقال: ما أنا سددت أبوابكم ولكنَّ الله تعالى سدَّها.

أخرجه أحمد والنسائي والطبراني في الأوسط عن معاوية بن الميسرة بن شريج عن الحكم بن عتيبة عن مصعب بن سعد عن أبيه. والإسناد صحيحٌ رجاله كلّهم ثقات.

راجع القول المسدَّد ١٨. فتح الباري ٧ ص ١١ وقال: رجال الرواية ثقاتٌ. إرشاد الساري ٦ ص ٨١ وقال: وقع عند أحمد والنسائي إسنادٌ قويٌّ، وفي رواية الطبراني برجال ثقات، نزل الأبرار ص ٣٤ وقال: أخرجه أحمد والنسائي والطبراني بأسانيد قويّة عمدة القاري ٧ ص ٥٩٢.


١٩ - أنس بن مالك قال: لما سدَّ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أبواب المسجد أتته قريشٌ فعاتبوه فقالوا: سددت أبوابنا وتركت باب عليٍّ. فقال: ما بأمري سددتها ولا بأمري فتحتها.

أخرجه الحافظ العقيلي عن محمد بن عبدوس عن محمد بن حميد عن تميم بن عبد المؤمن عن هلال بن سويد عن أنس.

٢٠ - بُريدة الأسلمي قال: أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسدِّ الأبواب فشقَّ ذلك على أصحابه فلمّا بلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دعى الصلاة جامعة حتّى إذا اجتمعوا صعد المنبر ولم تسمع لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم تحميداً وتعظيماً في خطبة مثل يومئذ فقال. يا أيّها الناس ما أنا سددتها ولا أنا فتحتها بل الله فتحها وسدَّها. ثمَّ قرأ:( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) . فقال رجلٌ: دع لي كوَّةً في المسجد. فأبى وترك باب عليٍّ مفتوحاً، فكان يدخل ويخرج منه وهو جنبٌ. أخرجه أبو نعيم في فضايل الصحابة.

٢١ - أمير المؤمنين عليه السلام قال: لَمّا أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسدِّ الأبواب التي في المسجد خرج حمزة يجرُّ قطيفة حمراء وعيناه تذرفان يبكي فقال: ما أنا أخرجتك وما أنا أسكنته ولكنَّ الله أسكنه. أخرجه الحافظ أبو نعيم في فضايل الصحابة.

٢٢ - أمير المؤمنين عليه السلام قال: أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيدي فقال: إنَّ موسى سأل ربَّه أن يطهِّر مسجده بهارون، وإنّي سألت ربّي أن يطهِّر مسجدي بك وبذريَّتك ثمَّ أرسل إلى أبي بكر أن سدّ بابك. فاسترجع، ثمَّ قال: سمعاً وطاعة. فسدَّ بابه، ثمَّ أرسل إلى عمر، ثمَّ أرسل إلى العبّاس بمثل ذلك، ثمَّ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما أنا سددت أبوابكم وفتحت باب عليٍّ، ولكنَّ الله فتح باب عليٍّ وسدَّ أبوابكم.

أخرجه الحافظ البزّار. راجع مجمع الزوائد ٩ ص ١١٥. كنز العمّال ٦ ص ٤٠٨. السيرة الحلبية ٣ ص ٣٧٤.

٢٣ - أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنطلق فمرهم فليسدّوا أبوابهم. فانطلقت فقلت لهم ففعلوا إلّا حمزة فقلت: يا رسول الله؟ فعلوا إلّا حمزة. فقال رسول الله: قل لحمزة: فليحوِّل بابه. فقلت: إنَّ رسول الله يأمرك أن تحوِّل بابك فحوَّله فرجعت إليه وهو قائمٌ يصلّي فقال: ارجع إلى بيتك.


أخرجه البزَّار بإسناد رجاله ثقات. ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ٩ ص ١١٥. والسيوطي في جمع الجوامع كما في الكنز ٦ ص ٤٠٨ وضعَّفه لمكان حبَّة العرني وقد مرَّ ج ١ ص ٢٤: أنَّه ثقةٌ. والحلبي في السيرة ٣ ص ٣٧٤.

وأنت إذا أحطتَ خُبراً بهذه الأحاديث وإخراج الأئمَّة لها بتلك الطرق الصحيحة وشفعتها بقول إبن حجر في فتح الباري والقسطلاني في إرشاد الساري ٦ ص ٨١ من: إنَّ كلَّ طريق منها صالحٌ للإحتجاج فضلاً عن مجموعها. فهل تجد مساغاً لما يحسبه إبن تيميَّة من أنَّ الحديث من موضوعات الشيعة؟! فهل في هؤلآء أحد من الشيعة؟! أو أنَّ من المحتمل الجائز الذي يرتضيه أصحاب الرَّجل أن يكون في هذه الكتب شيئٌ من موضوعات الشيعة؟! وهل ينقم على الشيعة موافقتهم للقوم في إخراجهم الحديث بطرقهم المختصَّة بهم؟!

وأنا لا أحتمل أنَّ الرَّجل لم يقف على هذه كلّها غير أنَّ الحنق قد أخذ بخناقه فلم يدع له سبيلاً إلّا قذف الحديث بما قذف غير مكترث لما سيلحقه من جرّاء ذلك الإفك من نقد ومناقشة، والمسائلة غداً عند الله أشدّ وأخزى م - وتبعه تلميذه المغفَّل إبن كثير في تفسيره ١: ٥٠١ فقال بعد ذكر [سدّوا كلَّ خوخة في المسجد إلّا خوخة أبي بكر]: ومن روى إلّا باب عليّ كما في بعض السنن فهو خطأ والصّواب ما ثبت في الصحيح].

وقد بلغ من إخبات العلماء إلى حديث سدِّ الأبواب أنَّهم تحرّوا(١) وجه الجمع «وإن لم يكن مرضيّاً عندنا» بينه وبين الحديث الذي أورده في أبي بكر ولم يقذفه أحدٌ غير إبن الجوزي «شقيق إبن تيميَّة في المخاريق» بمثل ما قذفه إبن تيميَّة.

وهناك لأئمَّة القوم وحفّاظهم كلماتٌ ضافية حول الحديث وصحَّته والبخوع له لا يسعنا ذكر الجميع غير أنّا نقتصر منها على كلمات الحافظ إبن حجر قال في فتح الباري ٧ ص ١٢ بعد ذكر ستَّة من الأحاديث المذكورة: هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً وكلُّ طريق منها صالحةٌ للإحتجاج فضلاً عن مجموعها، وقد أورد إبن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات أخرجه من حديث سعد بن أبي وقاص، وزيد بن أرقم،

_____________________

١ - منهم: أبو جعفر الطحاوي في مشكل الآثار، إبن كثير في تاريخه، إبن حجر في غير واحد من كتبه، السيوطي في اللئالي، القسطلاني في إرشاد الساري، العيني في عمدة القاري.


وإبن عمر مقتصراً على بعض طرقه عنهم، وأعلّه ببعض من تكلّم فيه من رواته وليس ذلك بقادح لما ذكرت من كثرة الطرق، وأعلّه أيضاً بأنّه مخالفٌ للأحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر، وزعم أنّه من وضع الرافضة قابلوا به الحديث الصحيح في باب أبي بكر - إنتهى - وأخطأ في ذلك خطأ شنيعاً فإنَّه سلك في ذلك ردَّ الأحاديث الصحيحة بتوهّمه المعارضة، مع أنَّ الجمع بين القصَّتين ممكنٌ وقد أشار إلى ذلك البزّار في مسنده فقال: ورد من روايات أهل الكوفة بأسانيد حسان في قصَّة عليٍّ، وورد من روايات أهل المدينة في قصَّة أبي بكر، فإن ثبتت روايات أهل الكوفة فالجمع بينهما بما دلَّ عليه حديث أبي سعيد الخدري يعني الذي أخرجه الترمذي: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: لا يحلُّ لأحد أن يطرق هذا المسجد جنباً غيري وغيرك. و المعنى: إنَّ باب عليٍّ كان إلى جهة المسجد ولم يكن لبيته بابٌ غيره فلذلك لم يُؤمر بسدِّه، ويُؤيِّد ذلك ما أخرجه إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن» من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يأذن لأحد أن يمرَّ في المسجد وهو جنبٌ إلّا لعليِّ بن أبي طالب لأنَّ بيته كان في المسجد. ومحصَّل الجمع: أنَّ الأمر بسدِّ الأبواب وقع مرَّتين ففي الأولى اُستثني عليٌّ لما ذُكر. وفي الأخرى اُستثني أبو بكر، ولكن لا يتمّ ذلك إلّا بأن يُحمل ما في قصَّة عليٍّ الباب الحقيقيِّ وما في قصَّة أبي بكر على الباب المجازي والمراد به الخوخة كما صرَّح به في بعض طرقه، وكأنَّهم لَمّا أُمروا بسدِّ الأبواب سدّوها وأحدثوا خوخاً يستقربون الدخول إلى المسجد منها فأُمروا بعد ذلك بسدِّها، فهذه طريقةٌ لا بأس بها في الجمع بين الحديثين؛ وبها جمع بين الحديثين المذكورين أبو جعفر الطحاوي في «مشكل الآثار» و وهو في أوائل الثلث الثالث منه، وأبو بكر الكلاباذي في «معاني الأخبار» وصرَّح بأنَّ بيت أبي بكر كان له بابٌ من خارج المسجد وخوخة إلى داخل المسجد، وبيت عليٍّ لم يكن له بابٌ إلّا من داخل المسجد. والله أعلم.

وقال في القول المسدِّد ص ١٦. قول إبن الجوزي في هذا الحديث: إنَّه باطلٌ وإنَّه موضوعٌ. دعوى لم يُستدلّ عليها إلّا بمخالفة الحديث الَّذي في الصحيحين، وهذا إقدامٌ على ردِّ الأحاديث الصحيحة بمجرَّد التوهّم، ولا ينبغي الإقدام على الحكم


بالوضع إلّا عند عدم إمكان الجمع، ولا يلزم من تعذّر الجمع في مثل هذا أن يُحكم على الحديث بالبطلان، بل يُتوقَّف فيه إلى أن يظهر لغيره ما لم يظهر له، وهذا الحديث من هذا الباب هو حديثٌ مشهورٌ له طرقٌ متعدِّدة كلُّ طريق منها على انفراده لا تقصر عن رتبة الحسن، ومجموعها ممّا يُقطع بصَّحته على طريقة كثير من أهل الحديث، وأمّا كونه معارضاً لما في الصحيحين فغير مسلّم ليس بينهما معارضة.

وقال في ص ١٩: هذه الطرق المتظافرة بروايات الثقات تدلُّ على أنَّ الحديث صحيحٌ دلالةً قويَّةً وهذه غاية نظر المحدِّث.

وقال في ص ١٩ بعد الجمع بين القضيَّتين: وظهر بهذا الجمع أن لا تعارض فكيف يُدَّعى الوضع على الأحاديث الصحيحة بمجرّد هذا التوهّم، ولو فُتح الباب لردَّ الأحاديث لاُدُّعي في كثير من الأحاديث الصحيحة البطلان لكن يأبى الله ذلك والمؤمنون. اهـ.

وأمّا ما استصحَّه من حديث الخلّة والخوخة فهو موضوعٌ تجاه هذا الحديث كما قال إبن أبي الحديد في شرحه ٣ ص ١٧: إنَّ سدَّ الأبواب كان لعليٍّ عليه السلام فقلّبته البكريَّة إلى أبي بكر. وآثار الوضع فيه لائحةٌ لا تخفى على المنقِّب.

*(منها)*: أنَّ الأخذ بمجامع هذه الأحاديث يُعطي خبراً بأنَّ سدَّ الأبواب الشارعة في المسجد كان لتطهيره عن الأدناس الظاهريَّة والمعنويَّة فلا يمرُّ به أحدٌ جنباً ولا يجنب فيه أحدٌ. وأمّا ترك بابه صلّى الله عليه وآله وباب أمير المؤمنين عليه السلام فلطهارتهما عن كلِّ رجس ودنس بنصِّ آية التطهير، حتّى أنَّ الجنابة لا تُحدث فيهما من الخبث المعنويِّ ما تُحدث في غيرهما كما يُعطي ذلك التنظير بمسجد موسى الذي سأل ربَّه أن يطهِّره لهارون وذريَّته، أو أنَّ ربَّه أمره أن يبني مسجداً طاهراً لا يسكنه إلّا هو وهارون، وليس المراد تطهيره من الأخباث فحسب فإنَّه حكم كلِّ مسجد.

ويُعطيك خبراً بما ذَكرناه ما مرَّ في الأحاديث من: أنَّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يدخل المسجد وهو جنبٌ(١) وربما مرَّ وهو جنبٌ(٢) وكان يدخل ويخرج منه وهو

_____________________

١ - راجع حديث إبن عبّاس ص ٢٠٥.

٢ - راجع لفظ جابر بن سمرة ص ٢٠٦.


جنبٌ(١) وما ورد عن أبي سعيد الخدري من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لا يحلُّ لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك(٢) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ألا إنَّ مسجدي حرامٌ على كلِّ حائضٍ من النساء وكلِّ جنبٍ من الرِّجال إلّا على محمد وأهل بيته: عليّ وفاطمة والحسن والحسين(٣) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ألا لا يحلُّ هذا المسجد بجنب ولا لحائض إلّا لرسول الله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين، ألا قد بيَّنت لكم الأسماء أن لا تضلّوا. سنن البيهقي ٧: ٦٥]

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعليٍّ: أمّا أنت فإنَّه يحلُّ لك في مسجدي ما يحلُّ لي ويحرم عليك ما يحرم عليَّ. قال له حمزة بن عبد المطلب: يا رسول الله؟ أنا عمّك وأنا أقرب إليك من عليٍّ. قال: صدقت يا عمّ؟ إنَّه والله ما هو عنّي، إنَّما هو عن الله تعالى(٤) .

وقول المطلب بن عبد الله بن حنطب، إنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يكن أذن لأحد أن يمرَّ في المسجد ولا يجلس فيه وهو جنبٌ إلّا عليّ بن أبي طالب لأنَّ بيته كان في المسجد(٥) .

م - أخرجه الجصّاص بالإسناد فقال: فأخبر في هذا الحديث بحظر النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم الاجتياز كما حظر عليهم القعود، وما ذكر من خصوصيَّة عليٍّ رضي الله عنه فهو صحيحٌ، و قول الراوي: لأنَّه كان بيته في المسجد ظنٌّ منه لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قد أمر في الحديث الأوَّل بتوجيه البيوت الشارعة إلى غيره ولم يبح لهم المرور لأجل كون بيوتهم في

_____________________

١ - راجع ما مرّ عن بريدة الأسلمي ص ٢٠٨.

٢ - أخرجه الترمذي في جامعه ٢ ص ٢١٤، البيهقي في سننه ٧ ص ٦٦، البزار، إبن مردويه، ابن منيع في مسنده، البغوي في المصابيح ٢ ص ٢٦٧، إبن عساكر في تاريخه، محبّ الدين في الرياض ٢ ص ١٩٣، إبن كثير في تاريخه ٧ ص ٣٤٢، سبط إبن الجوزي في التذكرة ٢٥، إبن حجر في الصواعق، إبن حجر في فتح الباري ٧ ص ١٢، السيوطي في تاريخ الخلفا ١١٥، البدخشي في نزل الأبرار ٣٧. الحلبي في السيرة ٣ ص ٣٧٤.

٣ - البيهقي في سننه ٧ ص ٦٥، الحلبي في السيرة ٣ ص ٣٧٥.

٤ - أخرجه أبو نعيم في فضايل الصحابة، ومن طريقه الحموي في الفرايد في ب ٤١.

٥ - أخرجه الجصاص في أحكام القرآن ٢ ص ٢٤٨، والقاضي إسماعيل المالكي في أحكام القرآن كما في القول المسدد لابن حجر ١٩ وقال: مرسل قوي، ويوجد في تفسير الزمخشري ١: ٣٦٦، وفتح الباري ٧ ص ١٢، ونزل الأبرار ٣٧.


المسجد وإنَّما كانت الخصوصيَّة فيه لعليّ رضي الله عنه دون غيره، كما خصّ جعفر بأنَّ له جناحين في الجنَّة دون سائر الشهداء، وكما خصّ حنظلة بغسل الملائكة له حين قُتل جنباً، وخُصّ دحية الكلبي بأنَّ جبريل كان ينزل على صورته، وخُصّ الزبير بإباحة ملبس الحرير لَمّا شكا من أذى القمل، فثبت بذلك أنَّ سائر الناس ممنوعون من دخول المسجد مجتازين وغير مجتازين. اهـ].

فزبدة المخض من هذه كلّها: إنَّ إبقاء ذلك الباب والإذن لأهله بما أذن الله لرسوله ممّا خصّ به مبتنٍ على نزول آية التطهير النافية عنهم كلَّ نوع من الرَّجاسة، ويشهد لذلك حديث مناشدة يوم الشورى وفيه قال أمير المؤمنين عليه السلام: أفيكم أحد يطهِّره كتاب الله غيري حتّى سدَّ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أبواب المهاجرين جميعاً وفتح بابي إليه حتّى قام إليه عمّاه حمزة والعبّاس وقالا: يا رسول الله؟ سددت أبوابنا. وفتحت باب عليٍّ. فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: ما أنا فتحت بابه ولا سددت أبوابكم، بل الله فتح بابه وسدَّ أبوابكم؟ فقالوا: لا.

ولم يكن أبو بكر من أهل هذه الآية حتّى أن يُفتح له بابٌ أو خوخةٌ، فالفضل مخصوصٌ بمن طهَّره الكتاب الكريم.

(ومنها): أنّ مقتضى هذه الأحاديث أنَّه لم يبق بعد قصَّة سدِّ الأبواب بابٌ يُفتح إلى المسجد سوى باب الرَّسول العظيم وإبن عمِّه، وحديث خوخة أبي بكر يصرِّح بأنَّه كانت هناك أبوابٌ شارعة وسيوافيك البعد الشاسع(١) بين القصَّتين، وما ذكروه من الجمع بحمل الباب في قصَّة أمير المؤمنين عليه السلام على الحقيقة، وفي قصَّة أبي بكر بالتجوّز بإطلاقه على الخوخة، وقولهم: كأنَّهم(٢) لما أُمروا بسدِّ الأبواب سدّوها وأحدثوا خوخاً يستقربون الدخول إلى المسجد منها فأُمروا بعد ذلك بسدِّها. تبرُّعيٌّ لا شاهد له، بل يُكذِّبه أنَّ ذلك ما كان يتسنّى لهم نصب عين النبيِّ وقد أمرهم بسدِّ الأبواب لأن لا يدخلوا المسجد منها، ولا يكون لهم ممرٌّ به، فكيف يمكنهم إحداث ما هو بمنزلة الباب في الغاية المبغوضة للشارع، ولذلك لم يترك لعمَّيه: حمزة والعبّاس

_____________________

١ - يأتي أنّ الأوّل في أوّل الأمر والآخر في مرضه حين بقي من عمره ثلثة أيّام أو أقل.

٢ - تجد هذه العبارة في فتح الباري ٧ ص ١٢. عمدة القاري ٧ ص ٥٩٢. نزل الأبرار ٣٧.


ممّراً يدخلان منه وحدهما ويخرجان منه، ولم يترك لمن أراد كوَّةً يُشرف بها على المسجد، فالحكم الواحد لا يختلف باختلاف أسماء الموضوع مع وحدة الغاية، وإرادة الخوخة من الباب لا تُبيح المحظور ولا تُغيِّر الموضوع.

(ومنها): ما مرّ ص ٢٠٤ من قول عمر بن الخطّاب في أيّام خلافته: لقد أُعطي عليُّ بن أبي طالب ثلاث خصال لإن تكون لي خصلةٌ منها أحبّ إليَّ من أن أُعطى حمر النعم. الحديث. ومثله قول عبد الله بن عمر في صحيحته التي أسلفناها بلفظه ص ٢٠٣ فتراهما يعدّان هذه الفضايل الثلاث خاصَّة لأمير المؤمنين لم يحظ بهنَّ غيره، لا سيَّما أنَّ إبن عمر يرى في أوَّل حديثه إنَّ خير الناس بعد رسول الله أبو بكر ثمَّ أبوه لكنَّه مع ذلك لا يشرك أبا بكر مع أمير المؤمنين عليه السلام في حديث الباب ولا الخوخة.

فلو كان لحديث أبي بكر مقيلٌ من الصحَّة في عصر الصحابة المشافهين لصاحب الرِّسالة صلّى الله عليه وآله والسامعين حديثه لما تأتّى منهما هذا السياق.

على أنَّ هذه الكلمة على فرض صدورها منه صلى الله عليه وآله وسلم صدرت أيّام مرضه فما الفرق بينها وبين حديث الكتف والدواة المرويِّ في الصِّحاح والمسانيد، فلماذا يُؤمن إبن تيميَّة ببعض ويكفر ببعض؟

وشتّان بين حديث الكتف والدواة وبين فتح الخوخة لأبي بكر فإنَّ الأوَّل كما هو المتسالم عليه وقع يوم الخميس، وحديث إبن عبّاس: يوم الخميس وما يوم الخميس. لا يخفى على أيِّ أحد. فأجازوا حوله ما قيل فيه (والنبيُّ يخاطبهم ويقول: لا ينبغي عندي تنازعٌ، دعوني فالَّذي أنا فيه خيرٌ ممّا تدعوني إليه. وأوصى في يومه ذاك بإخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزهم(١) فلم يقولوا في ذلك كلّه ما قيل في حديث الكتف والدواة)

وأمّا حديث سدِّ الخوخات ففي اللمعات: لا معارضة بينه وبين حديث أبي بكر لأنَّ الأمر بسدِّ الأبواب وفتح باب عليٍّ كان في أوَّل الأمر عند بناء المسجد، والأمر بسدِّ الخوخات إلّا خوخة أبي بكر كان في آخر الأمر في مرضه حين بقي من عمره ثلثة

_____________________

١ - طبقات إبن سعد ٧٦٣.


أو أقل(١) . وقال العيني في عمدة القاري ٧ ص ٥٩: إنّ حديث سدِّ الأبواب كان آخر حياة النبيِّ في الوقت الذي أمرهم أن لا يؤمّهم إلّا أبو بكر. والمتَّفق عليه من يوم وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله يوم الإثنين فعلى هذا يقع حديث الخوخة يوم الجمعة أو السبت وبطبع الحال إنَّ مرضه صلّى الله عليه وآله كان يشتدّ كلّما توغَّل فيه، فما بال حديث الخوخة لم يحظ بقسطٍ ممّا حظي به حديث الكتف والدواة عند المقدِّسين لمن قال قوله فيه؟ أنا أدري لِمَ ذلك، والمنجِّم يدري، والمغفَّل أيضاً يدري، وإبن عبّاس أدرى به حيث يقول: الرزيَّة كلُّ الرزيَّة ما حال بين رسول الله صلّى الله عليه وآله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من إختلافهم ولغطهم.

(وممّا كذَّبه إبن تيميَّة من الحديث) قوله صلى الله عليه وآله وسلم: أنت وليٌّ كلِّ مؤمن بعدي. قال: فإنَّ هذا موضوعٌ باتِّفاق أهل المعرفة بالحديث.

ج - كان حق المقام أن يقول الرَّجل: إنَّ هذا صحيحٌ باتِّفاق أهل المعرفة، غير أنّه راقه أن يموِّه على صحَّته، ويشوِّههه ببهرجته كما هو دأبه، أفهل يحسب الرَّجل إنَّ من أخرج هذا الحديث من أئمَّة فنِّه ليسوا من أهل المعرفة بالحديث؟ وفيهم إمام مذهبه أحمد بن حنبل أخرجه بإسناد صحيح، رجاله كلّهم ثقاتٌ قال:

حدّثنا عبد الرزَّاق ثنا جعفر بن سليمان حدّثني يزيد الرشك عن مطرف بن عبد الله عن عمران بن حصين قال: بعث رسول الله سريَّة وأمَّر عليها عليَّ بن أبي طالب فأحدث شيئاً في سفره فتعاقد أربعة من أصحاب محمد أن يذكروا أمره إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال عمران: وكنّا إذا قدمنا من سفر بدأنا برسول الله فسلّمنا عليه قال: فدخلوا عليه فقام رجلٌ منهم فقال: يا رسول الله؟ إنَّ عليّاً فعل كذا وكذا. فأعرض عنه. ثمَّ قام الثاني فقال: يا رسول الله؟ إنَّ عليّاً فعل كذا وكذا. فأعرض عنه. ثمَّ قام الثالث فقال: يا رسول الله؟ إنَّ عليّاً فعل كذا وكذا. ثمَّ قام الرابع فقال: يا رسول الله؟ إنَّ عليّاً فعل كذا وكذا. قال: فأقبل رسول الله على الرابع وقد تغيَّر وجهه وقال: دعوا عليّاً. دعوا عليّاً. دعوا عليّاً: إنّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو وليُّ كلِّ مؤمن بعدي.

وأخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن عبد الله بن عمر القواريري والحسن بن

_____________________

١ - راجع هامش جامع الترمذي ٢ ص ٢١٤.


عمر الحمري والمعلّى بن مهدي كلّهم عن جعفر بن سليمان. وأخرجه إبن أبي شيبة وإبن جرير الطبري وصحَّحه. وأبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء ج ٦ ص ٢٩٤. ومحبّ الدين الطبري في الرياض النضرة ٢ ص ١٧١ والبغوي في المصابيح ٢ ص ٢٧٥ ولم يذكر صدره. وإبن كثير في تاريخه ٧ ص ٣٤٤ والسيوطي والمتَّقي في الكنز ٦ ص ١٥٤، ٣٠٠ وصحَّحه. والبدخشي في نزل الأبرار ٢٢.

صورة أخرى

ما تريدون من عليٍّ؟! ما تريدون من عليٍّ؟! ما تريدون من عليٍّ؟! إنَّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو وليُّ كلِّ مؤمن بعدي.

أخرجه بهذا اللفظ الترمذي في جامعه ٢ ص ٢٢٢ بإسناد صحيح رجاله كلّهم ثقاتٌ. وكذلك النسائي في الخصايص ٢٣. الحاكم النيسابوري في المستدرك ٣ ص ص ١١١(١) وصحَّحه وأقرَّه الذهبي. أبو حاتم السجستاني. محبّ الدين في الرياض ٢ ص ٧١. إبن حجر في الإصابة ٢ ص ٥٠٩ وقال: إسنادٌ قويٌّ. السيوطي في الجمع كما في ترتيبه ٦ ص ١٥٢. البدخشي في نزل الأبرار ٢٢.

إسناد آخر

أخرج أبو داود الطيالسي عن شعبة عن أبي بلج عن عمر وبن ميمون عن إبن عبّاس: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعليٍّ: أنت وليُّ كلِّ مؤمن بعدي. تاريخ إبن كثير ٧ ص ٣٤٥، والإسناد كما مرَّ غير مرَّة صحيحٌ رجاله كلّهم ثقاتٌ.

فإن كان هؤلاء الحفّاظ والأعلام خارجين عن أهل المعرفة بالحديث؟ فعلى إسلام إبن تيميَّة السَّلام. وإن كانوا غير داخلين في الإتِّفاق؟ فعلى معرفته العفاء وإن كان لم يُحط خبراً بإخراجهم الحديث حين قال ما قال؟ فزهٍ بطول باعه في الحديث. وإن لم يكن لا ذاك ولا هذا؟ فمرحباً بصدقه وأمانته على ودايع النبوَّة.

هذه نبذةٌ يسيرةٌ من مخاريق إبن تيميَّة، ولو ذهبنا إلى استيفاء ما في منهاج بدعته من الضَّلالات والأكاذيب والتحكّمات والتقوُّلات فعلينا أن نعيد استنساخ

_____________________

١ - لفظه «ما تريدون من علي» في لفظ الحاكم غير مكررة.


مجلداته الأربع ونردفها بمجلَّدات في ردِّها، ولم أجد بياناً يُعرف عن حقيقة الرَّجل ويُمثِّلها للملأ العلميِّ، غير أنّي أقتصر على كلمة الحافظ إبن حجر في كتابه «الفتاوى الحديثية» ص ٨٦ قال:

إبن تيميَّة عبدٌ خذله الله وأضلَّه وأعماه وأصمَّه وأذلَّه، وبذلك صرَّح الأئمَّة الَّذين بيَّنوا فساد أحواله، وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتَّفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الإجتهاد أبي الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الإمام العزّ بن جماعة وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعيَّة والمالكيَّة والحنفيَّة، ولم يقصر إعتراضه على متأخِّري الصوفيَّة بل اعترض على مثل عمر بن الخطّاب وعليِّ بن أبي طالب رضي الله عنهما.

والحاصل: أن لا يُقام لكلامه وزنٌ بل يُرمى في كلِّ وعرٍ وحزن، ويُعتقد فيه أنَّه مبتدعٌ ضالٌّ مضلٌّ غال عامله الله بعدله وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته و فعله. آمين. (إلى أن قال): إنَّه قائلٌ بالجهة وله في إثباتها جزءٌ، ويلزم أهل هذا المذهب الجسميَّة والمحاذاة والإستقرار. أي. فلعلّه في بعض الأحيان كان يصرِّح بتلك اللوازم فنُسبت إليه، سيَّما وممَّن نسب إليه ذلك من أئمَّة الإسلام المتَّفق على جلالته وإمامته وديانته، وإنَّه الثقة العدل المرتضى المحقِّق المدقِّق، فلا يقول شيئاً إلّا عن تثبّت وتحقّق ومزيد إحتياطٍ وتحرٍّ، سيَّما إن نسب إلى مسلم ما يقتضي كفره وردَّته وضلاله وإهدار دمه (الكلام).

( وَيْلٌ لِكُلّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ ( ٧ ) يَسْمَعُ آيَاتِ اللّهِ تُتْلَى‏ عَلَيْهِ

ثُمّ يُصِرّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ )

الجاثية ٧، ٨


٧

البداية والنهاية *

لا تنس ما لهذا الكتاب من التولّع في الفرية والتهالك دون القذائف والشتائم والطعن من غير مبرر، وإن رمية كل هاتيك الطامات الشيعة لا غيرهم، وبذلك أخرج كتابه من بساطة التاريخ إلى هملجة التحامل، والنعرات القوميّة والنزول على حكم العاطفة إلى غيرها ممّا يوجب تعكير الصفو، وإقلاق السلام، وتفريق الكلمة.

زد على ذلك محادّته لأهل البيت عليهم السلام ونصبه العداء لهم حتى إذا وقف على فضيلة صحيحة لأحدهم، أو جرى ذكر أو حدىّ منهم. قذف الأولى بالطعن والتكذيب وعدم الصحة، وشّن على الثاني غارة شأواء. كل ذلك بعد نزعته الأمويّة الممقوتة. وإليك نماذج ممّا ذكر.

١ - قال: ذكر إبن إسحق وغيره من أهل السير والمغازي: أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم آخى بينه «يعني عليّاً» وبين نفسه وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة لا يصحُّ شييءٌ منها لضعف أسانيدها وركَّة بعض متونها قاله في (ج ٧ ص ٢٢٣) وقال في ص ٣٣٥ بعد روايته من طريق الحاكم: قلت: وفي صحَّة هذا الحديث نظرٌ.

ج - إنَّ القارئ إذ ما راجع ما مرّ في ص ١١٢ - ١٢٥ و١٧٤ ووقف هناك على طرق الحديث الكثيرة الصحيحة وثقة رجالها وإطباق الأئمَّة والحفّاظ وأرباب السير على إخراجه وتصحيحه يعرف قيمة كلمة الرَّجل ومحلّه من الصِّدق، ويعلم أن لا وجه للنظر فيه إلّا بواعث إبن كثير وإندفاعه إلى مناوئة أهل البيت الناشئ عن نزعته الأمويَّة، والمتربّي في عاصمة الأمويِّين المتأثِّر بنزعاتهم الأهوائيَّة، لا ينقطع عن الوقيعة في مناقب سيِّد هذه الأُمَّة بعد نبيِّها المتسالم عليها، فدعه وتركاضه مع الهوى

_____________________

* - تأليف الحافظ عماد الدين أبي الفداء إبن كثير الدمشقي ٧٧٤.


٢ - ذكر حديث الطير المتواتر الصحيح الذي خضع لتواتره وصحَّته أئمَّة الحديث ثمَّ تخلّص منه بقوله ص ٣٥٣: وبالجملة ففي القلب من صحّة هذا الحديث نظرٌ وإن كثرت طرقه والله أعلم.

ج - هذا قلبٌ طبع الله عليه وإلا فما وجه ذلك النظر بعد تمام شرايط الصحَّة فيه؟! وليس من البدع أن يكون أيُّ أحدٍ من الناس أحبَّ الخلق إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وليس لأحد حقّ النَّقد ولا الإعتراض عليه فكيف بمثل أمير المؤمنين عليه السلام الذي لا تُنكر سابقته وفضائله، وهو نفسه وابن عمِّه وأخوه من دون الناس، وزُلفته إليه وقربه منه ومكانته واختصاصه به وتهالكه دون دينه الحنيف كلّها من الواضح الذي لا يُجلّله أيُّ ستار، وسنوقفك على الحديث وطرقه المتكثّرة الصحيحة، ونعرِّفك هناك أنَّ النظر في صحَّته شارة الأمويَّة، وسمة رين القلب، واتِّباع الهوى.

٣ - قال: وما يتوهَّمه بعض العوام بل هو مشهورٌ بين كثير منهم: أن عليّاً هو السّاقي على الحوض: فليس له أصلٌ ولم يجيء من طريق مرضيٍّ يُعتمد عليه، والذي ثبت: أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هو الذي يسقي النّاس. ٧ ص ٣٥٥.

ج - لا يحسب القارئ أنّ هذا وهمٌ من رأي العوام فحسب، وقد أفك الرجل في حكمه الباتّ، وقد جاء الحديث بطريق مرضيٍّ يُعتمد عليه، وأخرجه الحفّاظ الأثبات مخبتين إليه، راجع الجزء الثاني من كتابنا ص ٣٢١.

٤ - ذكر في ج ٧ ص ٣٣٤ حديثاً صحيحاً بإسناد الإمام أحمد الترمذي في إسلام أمير المؤمنين وإنَّه أوَّل من أسلم وصلّى ثمَّ أردفه بقوله: وهذا لا يصحُّ من أيِّ وجهٍ كان روي عنه. وقد ورد في أنَّه أوَّل من أسلم من هذه الأُمَّة أحاديثٌ كثيرةٌ لا يصحّ منها شيءٌ. إلخ.

ج - ألا مسائلٌ هذا الرَّجل لِمَ لا يصحُّ شيءٌ منها من أيّ وجهٍ كان؟! والطرق صحيحةٌ، والرِّجال ثقاتٌ، والحفّاظ حكموا بصحَّته، وأرباب السِير أطبقوا عليه، وكان من المتسالم عليه بين الصَّحابة الأوَّلين والتابعين لهم: بإحسان.

ونحن لو نقتصر على كلمتنا هذه يحسبها القارئ دعوى مجرِّدة لدة دعوى إبن كثير (أعاذنا الله عن مثلها) وتخفى عليه جليَّة الحال فيهمّنا ذكرُ نزر ممّا يدلُّ على


المدَّعى وإن لم يسعنا إيراد كثير منه روماً للاختصار.

النصوص النبوية

١ - قال صلى الله عليه وآله وسلم: أوَّلكم وارداً - وروداً - على الحوض أوَّلكم إسلاماً عليُّ بن أبي طالب.

أخرجه الحاكم في المستدرك ٣ ص ١٣٦ وصحَّحه م - والخطيب البغدادي في تاريخه ج ٢ ص ٨١ ويوجد في]. الاستيعاب ٢ ص ٤٥٧. شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٥٨.

وفي لفظٍ: أوَّل هذه الأُمّة وروداً على الحوض أوَّلها إسلاماً عليُّ بن أبي طالب، رضي الله عنه السيرة الحلبيَّة ١ ص ٢٨٥. سيرة زيني دحلان ١ ص ١٨٨ هامش الحلبيَّة.

وفي لفظٍ: أوَّل الناس وروداً على الحوض أوَّلهم إسلاماً عليُّ بن أبي طالب مناقب الفقيه إبن المغازلي. مناقب الخوارزمي.

٢ - قال صلّى الله عليه وآله لفاطمة: زوّجتكِ خير أُمَّتي أعلمهم علماً. وأفضلهم حلماً. وأوَّلهم سلماً. راجع ما مرَّ ص ٩٥.

٣ - قال صلّى الله عليه وآله لفاطمة: إنَّه لأوَّل أصحابي إسلاماً. أو: أقدم أُمَّتي سلماً.

حديث صحيحٌ راجع ص ٩٥.

٤ - أخذ صلّى الله عليه وآله بيد عليٍّ فقال: إنَّ هذا أوَّل من آمن بي، وهذا أوَّل من يُصافحني يوم القيامة، وهذا الصدِّيق الأكبر. راجع الجزء الثاني ص ٣١٣، ٣١٤.

٥ - عن أبي أيّوب قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: لقد صلّت الملائكة عليَّ وعلى عليٍ سبع سنين لأنّا كنّا نصلّي وليس معنا أحدٌ يُصلّي غيرنا.

مناقب الفقيه ابن المغازلي بإسنادين م - أُسد الغابة ٤: ١٨] مناقب الخوارزمي وفيه: ولِمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: لم يكن معي من الرجال غيره. كتاب الفردوس للديلمي. شرح إبن أبي الحديد عن رسالة الإسكافي ٣ ص ٢٥٨. فرايد السمطين ب ٤٧.

٦ - إبن عبّاس قال قال النبيُّ صلّى الله عليه وآله إنَّ أوَّل من صلّى معي عليٌّ

[فرايد السمطين الباب الـ ٤٧ بأربع طرق].

٧ - معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا عليُّ؟ أخصمك بالنبوَّة ولا نبوَّة


بعدي، وتخصم الناس بسبع ولا يُجاحدك فيه أحدٌ من قريش، أنت أوَّلهم إيماناً بالله، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله. الحديث. (حلية الأولياء ١ ص ٦٦).

٨ - أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعليٍ - وضرب بين كتفيه -: يا عليُّ لك سبع خصال لا يُحاجّك فيهنَّ أحدٌ يوم القيامة؛ أنت أوَّل المؤمنين بالله إيماناً، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله. الحديث. (حلية الأولياء ١ ص ٦٦).

٩ - من حديث أبي بكر الهذلي وداود بن أبي هند الشعبي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قال لعليّ عليه السلام: هذا أوّل من آمن بي وصدَّقني وصلّى معي. شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٥٦.

١٠ - إنَّ أبا بكر وعمر خطبا فاطمة فردَّهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: لم أُؤمر بذلك. فخطبها عليٌّ فزوَّجه إيّاها وقال لها: زوَّجتكِ أقدم الأُمَّة إسلاماً. روى هذا الحديث جماعةٌ من الصحابة منهم: أسماء بنت عميس. وأُمّ أيمن. وإبن عبّاس. وجابر بن عبد الله. شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٥٧.

كلمات أمير المؤمنين عليه السلام

١ - قال عليه السلام: أنا عبد الله، وأخو رسول الله، وأنا الصِّديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلّا كاذبٌ مفتري، ولقد صلّيت مع رسول الله قبل الناس بسبع سنين، وأنا أوَّل من صلّى معه.

إسناده من طريق إبن أبي شيبة والنسائي وإبن ماجة والحاكم والطبري(١) صحيحٌ رجاله ثقات، راجع الجزء الثاني من كتابنا ٣١٤.

٢ - قال عليه السلام: أنا أوَّل رجل أسلم مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

أخرجه أبو داود بإسناده الصحيح كما في شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٥٨.

٣ - قال عليه السلام: أنا أوَّل من أسلم مع النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.

أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه ٤ ص ٢٣٣].

٤ - قال عليه السلام أنا أوَّل من صلّى مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

_____________________

١ - في تاريخه ٢ ص ٢١٣.


أخرجه أحمد. والحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد» وقال: رجاله رجال الصحيح غير حبَّة العرني وقد وثق. وأخرجه أبو عمرو في الإستيعاب ٢ ص ٤٥٨. وإبن قتيبة في «المعارف» ص ٧٤ من طريق أبي داود عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن حبّة عنه عليه السلام. والإسناد صحيحٌ رجاله ثقاتٌ.

٥ - قال عليه السلام أسلمت قبل أن يسلم النّاس بسبع سنين. «الرِّياض النضرة» ٢ ص ١٥٨.

٦ - قال عليه السلام: عبدت الله مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سبع سنين قبل أن يعبده أحدٌ من هذه الأُمَّة. «مستدرك الحاكم» ٣ ص ١١٢.

٧ - قال عليه السلام: عن حكيم مولى زاذان قال: سمعت عليّاً يقول: صلّيت قبل النّاس سبع سنين، وكنّا نسجد ولا نركع، وأوَّل صلاة ركعنا فيها صلاة العصر. شرح (إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٥٨).

٨ - قال عليه السلام: عبدت الله قبل أن يعبده أحدٌ من هذه الأُمَّة خمس سنين. الإستيعاب، ٢ ص ٤٤٨. الرِّياض النضرة ٢ ص ١٥٨. السيرة الحلبيَّة ١ ص ٢٨٨.

٩ - قال عليه السلام: آمنت قبل الناس سبع سنين. خصايص النسائي ص ٣.

١٠ - قال عليه السلام: ما أعرف أحداً من هذه الأُمَّة عبد الله بعد نبيِّنا غيري، عبدتُ الله قبل أن يعبده أحدٌ من هذه الأُمَّة تسع سنين. خصايص النسائي ص ٣.

١١ - من خطبة له عليه السلام يوم صفِّين: وابن عمِّ نبيِّكم بين أظهركم يدعوكم إلى طاعة ربِّكم، ويعمل بسنَّة نبيِّكم صلّى الله عليه، فلا سواء من صلّى قبل كلِّ ذَكَر لم يسبقني بصلاتي مع رسول الله. كتاب نصر ص ٣٥٥. شرح إبن أبي الحديد ١ ص ٥٠٣.

١٢ - قال عليه السلام: أللهمَّ لا أعرف عبداً من هذه الأُمَّة عبدك قبلي غير نبيِّك [قاله ثلاث مرّات] ثمَّ قال: لقد صلّيت قبل أن يُصلّي الناس. وفي لفظٍ: قبل أن يُصلّي أحدٌ. أخرجه أحمد. أبو يعلى. البزّار. الطبراني. الهيثمي في المجمع ٩ ص ١٠٢ وقال: إسناده حسنٌ. شيخ الإسلام الحمّويي في الفرايد الباب الـ ٤٨.

١٣ - من كتاب له عليه السلام كتبه إلى معاوية: إنَّ أولى النّاس بأمر هذه الأُمَّة


قديماً وحديثاً أقربها من رسول الله، وأعلمها بالكتاب، وأفقهها في الدين، وأوَّلها إسلاماً، وأفضلها جهاداً. كتاب صفِّين لابن مزاحم ص ١٦٨ ط مصر.

١٤ - في حديث عنه عليه السلام: لا والله إن كنت أوَّل من صدَّق به فلا أكون أوَّل من كذب عليه. المحاسن والمساوي ١ ص ٣٦. تاريخ القرماني هامش الكامل لابن الأثير ١ ص ٢١٨.

١٥ - قال عليه السلام: بُعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم الإثنين وأسلمت يوم الثلاثاء.

مجمع الزوائد ٩ ص ١٠٢. تاريخ القرماني ١ ص ٢١٥. الصواعق ٧٢. تاريخ الخلفاء للسيوطي ١١٢. إسعاف الراغبين ١٤٨.

١٦ - من كتاب كتبه عليه السلام إلى معاوية: إنَّ محمداً صلّى الله عليه وسلّم لَمّا دعا إلى الإيمان بالله والتوحيد كنّا أهل البيت أوَّل من آمن به؟ وصدَّق بما جاء به، فلبثنا أحوالاً مجرَّمة (أي كاملة) وما يعبد الله في ربع ساكن من العرب غيرنا. كتاب صفَّين لابن مزاحم ص ١٠٠.

١٧ - قال عليه السلام يوم صفِّين مخاطباً أصحاب معاوية: ويحكم أنا أوَّل مَن دعا إلى كتاب الله، وأوَّل من أجاب إليه. كتاب نصر ٥٦١.

١٨ - قالت معاذة بنت عبد الله العدويَّة: سمعت عليَّ بن أبي طالب على منبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: أنا الصدّيق الأكبر آمنت قبل أن يُؤمن أبو بكر، وأسلمت قبل أن يسلم أبو بكر. راجع الجزء الثاني ص ٣١٤.

١٩ - قال عليه السلام في خطبة خطبها في معسكر صفِّين: أتعلمون أنّ الله فضَّل في كتابه السابق على المسبوق، وأنه لم يسبقني الله ورسوله أحدٌ من الأُمَّة؟! قالوا: نعم راجع الجزء الأوَّل ص ١٩٥.

٢٠ - قال عليه السلام صلّيت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثلث سنين قبل أن يُصلّي معه أحدٌ من النّاس. أخرجه أحمد بإسنادين.

٢١ - قال عليه السلام يوم الشورى في حديث أسلفناه: أمنكم أحدٌ وحَّد الله قبلي؟ قالوا: لا. أمنكم أحدٌ صلّى القبلتين غيري؟ قالوا: لا. راجع ج ١ ص ١٥٩ - ١٦٣، وهذه الفقرة من الحديث عدَّها ابن أبي الحديد ممّا استفاضت به الرِّوايات.


٢٢ مرَّ في الجزء الثاني ص ٢٥ في أبيات له عليه السلام كتبها إلى معاوية:

سبقتكمُ إلى الإسلام طرّاً

غلاماً ما بلغت أوان حلمي

٢٣ - ذكر إبن طلحة الشافعي في مطالب السئول ص ١١ له عليه السلام:

أنا أخو المصطفى لا شكَّ في نسبي

به رُبيت وسبطاه هما ولدي

صدَّقته وجميع النّاس في بُهمٍ

من الضَّلالة والإشراك والنكدِ

قال: قال جابر: سمعت عليّاً يُنشد بهذا ورسول الله يسمع: فتبسَّم رسول الله وقال: صدقت يا عليّ؟

كلمة الإمام السبط الحسن عليه السلام

٢٤ - من خطبة للإمام الحسن عليه السلام في مجلس معاوية قوله: أُنشدكم الله أيّها الرَّهط؟ أتعلمون أنَّ الذي شتمتموه منذ اليوم صلّى القبلتين كلتيهما؟ وأنت يا معاوية بهما كافرٌ، تراها ضلالة، وتعبد اللات والعزّى غواية، وأُنشدكم الله هل تعلمون أنَّه بايع البيعتين كلتيهما: بيعة الفتح وبيعة الرضوان؟ وأنت يا معاوية بإحداهما كافرٌ، و بأُخرى ناكثٌ. وأُنشدكم الله هل تعلمون أنَّه أوَّل الناس إيماناً؟! وإنَّك يا معاوية وأباك من المؤلفَّة قلوبهم.

شرح إبن أبي الحديد ٢ ص ١٠١.

٢٥ - وفي خطبة له عليه السلام مرَّت ج ١ ص ١٩٨: فلمّا بعث الله محمداً للنبوَّة، و اختاره للرِّسالة، وأنزل عليه كتابه ثمَّ أمره بالدعاء إلى الله، فكان أبي أوَّل من استجاب لله ولرسوله، وأوَّل من آمن وصدَّق الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم وقد قال الله في كتابه المنزل على نبيِّه المرسل: أفمن كان على بيِّنةٍ من ربِّه ويتلوه شاهدٌ منه. فجدّي الَّذي على بيِّنةٍ من ربِّه، وأبي الذي يتلوه وهو شاهدٌ منه.

رأي الصحابة والتابعين

في أوَّل من أسلم

١ - أنس بن مالك قال: نُبّئ (بُعث) النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يوم الإثنين وأسلم عليٌّ يوم الثَّلاثاء: وفي لفظ له: بُعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم الإثنين وصلّى عليٌّ يوم الثَّلاثاء.

أخرجه الترمذي في جامعه ٢ ص ٢١٤. الطبراني. الحاكم في المستدرك ٣ ص


١١٢. إبن عبد البرّ في الإستيعاب ٣ ص ٣٢. إبن الأثير في جامع الأُصول كما في تلخيصه تيسير الوصول ٣ ص ٢٧١. الحمّويي في فرايد السمطين الباب الـ ٤٧. وأو عز إليه العراقي في التقريب ١ ص ٨٥. ويوجد في شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٥٨. تذكرة السبط ٦٣. السراج المنير شرح الجامع الصغير ٢ ص ٤٢٤. شرح المواهب ١ ص ٢٤١.

٢ - بُريدة الأسلمي قال: أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الإثنين وصلّى عليٌّ يوم الثَّلاثاء. أخرجه الحاكم في المستدرك ٣ ص ١١٢ وصحَّحه هو وأقرَّه الذهبي.

٣ - زيد بن أرقم قال: أوَّل من أسلم مع رسول الله عليّ بن أبي طالب.

تاريخ الطبري بإسنادين صحيحين رجالهما ثقات. مسند أحمد ٤ ص ٣٦٨. مستدرك الحاكم ٤ ص ٣٣٦ وصحَّحه هو وأقرَّه الذهبي. الكامل لابن الأثير ٢ ص ٢٢.

٤ - زيد بن أرقم قال: أوَّل من صلّى مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليٌّ.

أخرجه أحمد والطبراني كما في مجمع الهيثمي ٩ ص ١٠٣ وقال: رجال أحمد رجال الصحيحين. أبو عمرو في الإستيعاب ٢ ص ٤٥٩.

٥ - زيد بن أرقم قال: أوَّل من آمن بالله بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليُّ بن أبي طالب. الإستيعاب ٢ ص ٤٥٩.

٦ - عبد الله بن عبّاس قال: أوَّل من صلّى عليٌّ.

جامع الترمذي ٢ ص ٢١٥. تاريخ الطبري ٢ ص ٢٤١ بإسناد صحيح. الكامل لإبن الأثير ٢ ص ٢٢. شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٥٦.

٧ - عبد الله بن عبّاس قال: لعليٍّ أربع خصال ليست لأحد: هو أوَّل عربيٍّ وأعجميٍّ صلّى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. مستدرك الحاكم ٣ ص ١١١. الإستيعاب ٢ ص ٤٥٧.

٨ - عبد الله بن عبّاس قال مجاهد: إنَّه قال: أوَّل من ركع مع النبيِّ صلّى الله عليه وآله عليُّ بن أبي طالب فنزلت فيه هذه الآية: أقيموا الصَّلاة وآتوا الزّكوة واركعوا مع الراكعين. تذكرة السبط ٨.

٩ - عبد الله بن عبّاس قال في خطبة له: إنَّ ابن آكلة الأكباد قد وجد من طغام أهل الشام أعواناً على عليِّ بن أبي طالب إبن عمّ رسول الله وصهره وأوَّل ذكر صلّى معه.


كتاب صفِّين لابن مزاحم ٣٦٠. شرح إبن أبي. الحديد ١ ص ٥٠٤. جمهرة الخطب ١ ص ١٧٥.

١٠ - عبد الله بن عبّاس قال: فرض الله تعالى الإستغفار لعليّ في القرآن على كلّ مسلم بقوله تعالى: ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان. فكلُّ من أسلم بعد عليٍّ فهو يستغفر لعليٍّ. شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٥٦.

١١ - عبد الله بن عبّاس قال: أوّل من أسلم عليُّ بن أبي طالب.

الإستيعاب ٢ ص ٤٥٨. مجمع الزوائد ٩ ص ١٠٢.

١٢ - عبد الله بن عبّاس قال: كان عليٌّ أوَّل من آمن من الناس بعد خديجة رضي الله عنهما.

الإستيعاب ٢ ص ٤٥٧ وقال: قال أبو عمرو رضي الله عنه: هذا إسنادٌ لا مطعن فيه لأحد لصحَّته وثقة نقلته. وصحَّحه الزرقاني في شرح المواهب ١ ص ٢٤٢.

١٣ - كان إبن عبّاس بمكَّة يُحدِّث على شفير زمزم ونحن عنده فلمّا قضى حديثه قام إليه رجلٌ فقال: يا بن عبّاس؟ إنّي امرؤٌ من أهل الشام من أهل حمص إنَّهم يتبرَّؤن من عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه ويلعنونه. فقال: بل لعنهم الله في الدّنيا والآخرة وأعدَّ لهم عذاباً مهيناً. الِبُعد قرابته من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ وإنَّه لم يكن أوّل ذكران العالمين إيماناً بالله ورسوله؟ وأوَّل من صلّى وركع وعمل بأعمال البرّ؟ قال الشامي: إنَّهم والله ما يُنكرون قرابته وسابقته غير أنَّهم يزعمون أنَّه قتل الناس. الحديث. المحاسن والمساوي للبيهقي ١ ص ٣٠.

١٤ - عفيف قال: جئت في الجاهليَّة إلى مكّة وأنا أُريد أن أبتاع لأهلي من ثيابها وعطرها فأتيت العبّاس بن عبد المطلب وكان رجلاً تاجراً فأنا عنده جالسٌ حيث أنظر إلى الكعبة وقد حلقت الشمس في السَّماء فارتفعت وذهبت إذ جاء شابٌّ فرمى ببصره إلى السَّماء ثمَّ قام مستقبل الكعبة ثمَّ لم ألبث إلّا يسيراً حتّى جاء غلامٌ فقام على يمينه، ثمَّ لم يلبث إلّا يسيراً حتّى جاءت امرأةٌ فقامت خلفهما، فركع الشابُّ فركع الغلام والمرأة، فرفع الشابُّ فرفع الغلام والمرأة، فسجد الشابُّ فسجد الغلام والمرأة فقلت: يا عبّاس؟ أمرٌ عظيمٌ. قال العبّاس: أمرٌ عظيمٌ، أتدري مَن هذا الشابُّ؟


قلت: لا. قال: هذا محمد بن عبد الله إبن أخي. أتدري مَن هذا الغلام؟ هذا عليٌّ إبن أخي. أتدري من هذه المرأة؟ هذه خديجة بنت خويلد زوجته، إنَّ إبن أخي هذه أخبرني أنَّ ربَّه ربّ السمآء والأرض أمره بهذا الدين الذي هو عليه، ولا والله ما على الأرض كلّها أحدٌ على هذا الدين غير هؤلآء الثلاثة.

خصايص النسائي ٣. تاريخ الطبري ٢ ص ٢١. الرِّياض النضرة ٢ ص ١٥٨ الإستيعاب ٢ ص ٤٥٩. عيون الأثر ١ ص ٩٣. الكامل لإبن الأثير ٢ ص ٢٢. السيرة الحلبيَّة ١ ص ٢٨٨.

١٥ - سلمان الفارسي قال: أوَّل هذه الأُمَّة وروداً على نبيِّها الحوض أوَّلها إسلاماً عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه.

الإستيعاب ٢ ص ٤٥٧. مجمع الزوائد ٩ ص ١٠٢ وقال: رجاله ثقاتٌ. وعدَّه الإسكافي في رسالته على العثمانيَّة. وأبو عمر وفي الإستيعاب. والعراقيُّ في شرح التقريب ١ ص ٨٥. والقسطلاني في المواهب ١ ص ٤٥ ممَّن روى أنَّ عليّاً أوَّل من أسلم.

١٦ - أبو رافع قال: صلّى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أوَّل يوم الاثنين وصلّت خديجة آخره وصلّى عليٌّ يوم الثَّلاثاء من الغد.

أخرجه الطبراني كما في شرح المواهب ١ ص ٢٤٠. عيون الأثر ١ ص ٩٢. و تجده وسابقه في الرِّياض النضرة ٢ ص ١٥٨. شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٥٨.

١٧ - أبو رافع قال: مكث عليٌّ يصلّي مستخفياً سبع سنين وأشهراً قبل أن يصلّي أحدٌ. وأخرجه الطبراني. الهيثمي في المجمع ٩ ص ١٠٣. الحمّويي في الفرايد ب ٤٧.

١٨ - أبو ذرّ الغفاري، عدَّ ممَّن روى أنَّ عليَّ بن أبي طالب أوَّل من أسلم. الإستيعاب ٢ ص ٤٥٦. التقريب وشرحه ١ ص ٨٥. المواهب اللدنيَّة ١ ص ٤٥.

١٩ - خباب بن الأرت قال: رأيت عليّاً يُصلّي قبل الناس مع النبيِّ وهو يومئذ بالغٌ مستحكم البلوغ. رسالة الإسكافي. وعُدَّ ممَّن روى أنَّ عليّاً أوَّل مَن أسلم في الإستيعاب ٢ ص ٤٥٦. والمواهب اللدنيَّة ١ ص ٤٥.

٢٠ - المقداد بن عمر والكندي، ممَّن روى أنَّ عليّاً أوّل من أسلم كما في الإستيعاب ٢ ص ٤٥٦. والتقريب وشرحه ١ ص ٨٥. والمواهب اللدنيَّة ١ ص ٤٥.


٢١ - جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: بُعث النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يوم الإثنين وصلّى عليٌّ يوم الثَّلاثاء. الطبري ٢ ص ٢١١. الكامل لابن الأثير ٢ ص ٢٢. شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٥٨. وعدَّه أبو عمرو والعراقيُّ والقسطلاني ممَّن روى أنَّ عليّاً أوَّل من أسلم.

٢٢ - أبو سعيد الخدري روى إنَّ عليَّ بن أبي طالب أوَّل من أسلم.

الإستيعاب ٢ ص ٤٥٦. شرح التقريب ١ ص ٨٥. المواهب اللدنيَّة ١ ص ٤٥.

٢٣ - حذيفة بن اليمان قال: كنّا نعبد الحجارة ونشرب الخمر وعليٌّ من أبناء أربع عشرة سنة قائمٌ يصلّي مع النبيِّ ليلاً ونهاراً، وقريش يومئذ تسافه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما يذبُّ عنه إلّا عليٌّ. شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٦٠.

٢٤ - عمر بن الخطّاب قال عبد الله بن عبّاس: سمعت عمر وعنده جماعةٌ فتذاكروا السابقين إلى الإسلام فقال عمر: أمّا علي فسمعت رسول الله: يقول فيه ثلاث خصال. لوددت أن تكون لي واحدة منهنَّ، وكانت أحبّ إليَّ ممّا طلعت عليه الشمس، كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من أصحابه إذ ضرب النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم على منكب عليٍّ رضي الله عنه فقال له: يا عليُّ؟ أنت أوَّل المؤمنين إيماناً، وأوَّل المسلمين إسلاماً. و أنت منّي بمنزلة هارون من موسى.

رسالة الإسكافي. مناقب الخوارزمي. شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٥٨.

٢٥ - عبد الله بن مسعود قال: أوَّل حديث علمته من أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّي قدمت مكّة مع عمومة لي (وذكر مثل حديث عفيف المذكور ص ٢٢٦) رسالة الإسكافي.

٢٦ - أبو أيّوب الأنصاري، أخرج الطبراني عنه أنَّه قال: أوَّل الناس إسلاماً عليُّ بن أبي طالب. شرح التقريب ١ ص ٨٥. شرح الزرقاني ١ ص ٢٤٢.

٢٧ - أبو مرازم يعلى بن مرَّة، عدَّه الزرقاني في شرح المواهب ١ ص ٢٤٢ ممَّن قال: إنَّ عليّاً أوَّل الناس إسلاماً.

٢٨ هاشم بن عُتبة المرقال قال: أنت يا أمير المؤمنين؟ أقرب الناس من رسول الله رحماً، وأفضل الناس سابقة وقِدماً. كتاب نصر ١٢٥. جمهرة الخطب ١ ص ١٥١.

٢٩ - في كلام لهاشم بن عُتبة يوم صفِّين: إنَّ صاحبنا هو أوَّل من صلّى مع رسول الله، وأفقهه في دين الله، وأولاه برسول الله.


كتاب نصر ٤٠٣. تاريخ الطبري ٦ ص ٢٤. الكامل لابن الأثير ٣ ص ١٣٥. وقال هاشم يوم صفِّين:

مع ابن عمّ أحمد المعلّى

فيه الرَّسول بالهدى استهلّا

أوّل من صدَّقه وصلّا

فجاهد الكفّار حتّى أبلى(١)

٣٠ - مالك بن الحارث الأشتر قال في خطبة له: معنا إبن عمّ نبيِّنا وسيفٌ من سيوف الله عليٌّ بن أبي طالب، صلّى مع رسول الله لم يسبقه إلى الصلاة ذَكَر، حتّى كان شيخاً لم يكن له صبوةٌ ولا نبوةٌ ولا هفوةٌ، فقيهٌ في دين الله، عالمٌ بحدود الله.

كتاب نصر ٢٦٨. شرح إبن أبي الحديد ١ ص ٤٨٤. جمهرة الخطب ١ ص ١٨٣.

٣١ - عديّ بن حاتم قال في خطبة له مخاطباً معاوية: ندعوك إلى أفضل الأُمّة سابقة، وأحسنها في الإسلام آثاراً.

كتاب نصر ٢٢١. تاريخ الطبري ٦ ص ٢. شرح إبن أبي الحديد ١ ص ٣٤٤. وفي لفظ إبن الأثير في الكامل ٣ ص ١٢٤: إنَّ ابن عمِّك سيِّد المسلمين أفضلها سابقةً.

٣٢ - عديّ بن حاتم قال في خطبة أُخرى له: إن كان له (لعليٍّ) عليكم فضلٌ فليس لكم مثله فسلّموا وإلّا فنازعوا عليه، والله لئن كان إلى العلم بالكتاب والسنَّة؟ إنَّه لأعلم الناس بهما. ولئن كان إلى الإسلام؟ إنَّه لأخو نبيِّ الله والرأس في الإسلام. الإمامة والسياسة ١ ص ١٠٣.

٣٣ - محمد بن الحنفيَّة قال سالم بن أبي الجعد قلت له: أبو بكر كان أوَّلهم إسلاماً؟! قال: لا. الإستيعاب ٢ ص ٤٥٨. إذا ثبت أنَّ أبا بكر لم يكن أوَّل الناس إسلاماً فعليٌّ عليه السلام هو المتعيَّن سبق إسلامه.

٣٤ - طارق بن شهاب الأحمسي في كلام له: ثمَّ قلت: ادع عليّاً وهو أوَّل المؤمنين إيماناً بالله وابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصيّه، هذا أعظم، الحديث. شرح إبن أبي الحديد ١ ص ٧٦.

٣٥ - عبد الله بن هاشم المرقال قال في خطبة له: يا أيّها النّاس؟ إنَّ هاشماً جاهد في طاعة إبن عمّ رسول الله، وأوَّل من آمن به؛ وأفقههم في دين الله. كتاب نصر ٤٠٥.

_____________________

١ - كتاب صفين لابن مزاحم ٣٧١ ط مصر


٣٦ - عبد الله بن حجل قال: يا أمير المؤمنين؟ أنت أوَّلنا إيماناً، وآخرنا بنبيِّ الله عهداً. الإمامة والسياسة ١ ص ١٠٣، كتاب نصر.

٣٧ - أبو عمرة بشير بن محصن قال في جمع من أصحاب عليٍّ ومعاوية: إنَّ صاحبي أحقّ البريَّة كلّها بهذا الأمر في الفضل والدين والسابقة في الإسلام والقرابة من رسول الله. كتاب نصر ٢١٠.

٣٨ - عبد الله بن خباب بن الأرت قال إبن قتيبة: إنّ الخارجة الَّتي خرجت على عليٍّ بينما هم يسيرون فإذا هم برجل يسوق إمرأته على حمار له فعبروا إليه الفرات فقالوا له: من أنت؟ قال: أنا رجلٌ مؤمنٌ، قالوا: فما تقول في عليِّ بن أبي طالب؟ قال: أقول: إنَّه أمير المؤمنين وأوَّل المسلمين إيماناً بالله ورسوله. قالوا: فما اسمك؟ قال: وأنا عبد الله بن خباب بن الأرت صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

الإمامة والسياسة ١ ص ١٢٢.

٣٩ - عبد الله بن بُريدة قال؟ أوَّل الرِّجال إسلاماً عليُّ بن أبي طالب ثمَّ الرهط الثلاث: أبو ذر وبُريدة وابن عمّ لأبي ذرّ. أخرجه محمد بن إسحق المدني في الجزء الأوَّل من المغازي.

٤٠ - محمد بن أبي بكر كتب إلى معاوية كتاباً منه: فكان أوّل من أجاب و أناب، وصّدق ووافق، وأسلم وسلم أخوه وابن عمِّه عليُّ بن أبي طالب - إلى أن قال -: أوَّل الناس إسلاماً، وأصدق الناس نيَّة - إلى قوله - يا لك الويل؟ تعدل نفسك بعليٍّ وهو وارث رسول الله ووصيّه وأبو ولده، وأوّل الناس له اتِّباعا، وآخرهم به عهداً، يُخبره بسرِّه، ويشركه في أمره. نصر في كتاب صفِّين ١٣٣.

٤١ - عمرو بن الحمق قال لعليٍ: أحببتك لخصال خمس: إنَّك إبن عمّ رسول الله، وأوَّل من آمن به. وفي لفظ: وأسبق النّاس إلى الإسلام، أبو الذريَّة التي بقيت فينا من رسول الله، وأعظم رجل من المهاجرين سهماً في الجهاد. كتاب صفِّين ١١٥. جمهرة الخطب ١ ص ١٤٩.

٤٢ - سعيد بن قيس الهمداني يرتجز في صفِّين بقوله(١) :

_____________________

١ - رسالة الإسكافي كما في شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٥٩، وذكره غيره لقيس بن سعد بن عبادة.


هذا عليٌّ وابن عمِّ المصطفى

أوَّل من أجابه ممَّن دعا

هذا الإمام لا يُبالي من غوى

٤٣ - عبد الله بن أبي سفيان قال مجيباً الوليد:

وإنَّ وليَّ الأمر بعد محمّدٍ

عليٌّ وفي كلِّ المواطن صاحبه

وصيُّ رسول الله حقّاً وصنوه

وأوَّل من صلّى ومن لان جانبه

رسالة الإسكافي، وذكرهما الحافظ الكنجي في الكفاية ص ٤٨ للفضل بن العبّاس.

٤٤ - خزيمة بن ثابت الأنصاري عدَّه العراقي في شرح التقريب ١ ص ٨٥، و الزرقاني في شرح المواهب ١ ص ٢٤٢ ممَّن قال بأنَّ عليّاً أوَّل الناس إسلاماً. وقالا: أنشد المرزبان له في عليٍّ:

أليس أوَّل من صلّى لقبلتكم

وأعلم النّاس بالقران والسننِ؟

وذكر له الإسكافي في رسالته كما في شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٥٩:

وصيُّ رسول الله من دون أهله

وفارسه مذ كان في سالف الزمنْ

وأوَّل من صلّى من الناس كلّهم

سوى خيرة النسوان والله ذو المننْ

وذكرهما له الحاكم في المستدرك ٣ ص ١١٤، وذكر قبلهما:

إذا نحن بايعنا عليّاً فحسبنا

أبو حسن ممّا نخاف من الفتنْ

وجدناه أولى النّاس بالنّاس أنَّه

أطبّ قريش بالكتاب وبالسننْ(١)

٤٥ - كعب بن زهير، ذكر الزرقاني في شرح المواهب ١ ص ٢٤٢ له من قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين عليه السلام:

إنَّ عليّاً لميمون نقيبته

بالصّالحات من الأفعال مشهورُ

صهر النبيِّ وخير الناس كلّهمُ

فكلّ من رامه بالفخر مفخورُ

صلّى الصلاة مع الأُمِّي أوَّلهم

قبل العباد وربُّ الناس مكفورُ(٢)

٤٦ - ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب، ذكر جمعٌ من الأعلام له أبيات وذكرها آخرون لغيره وهي:

_____________________

١ - ولهذه الأبيات بقية توجد في الفصول المختارة ٢ ص ٦٧.

٢ - في النسخة تصحيف ذكرناها صحيحة.


ما كنت أحسب أنَّ الأمر منصرفٌ

عن هاشم ثمَّ منها عن أبي حسنِ

أليس أوَّل من صلّى لقبلتهم؟!

وأعلم النّاس بالآيات والسننِ؟!

وآخر الناس عهداً بالنبيِّ؟، ومَن

جبريل عون له في الغسل والكفنِ؟!

مَن فيه ما فيهمُ ما تمترون به؟!

وليس في القوم ما فيه من الحسنِ

ماذا الذي ردَّكم عنه؟! فنعلمه

ها إنَّ بيعتكم من أوَّل الفتنِ

وذكر الإسكافي في رسالته البيتين الأوَّلين منها ونسبهما إلى أبي سليمان بن حرب بن أُميَّة بن عبد شمس حين بويع أبو بكر. شرح ابن أبي الحديد ٣ ص ٢٥٩.

٤٧ - الفضل بن أبي لهب قال ردّاً على قصيدة الوليد بن عقبة:

ألا إنَّ خير النّاس بعد محمّدٍ

مهيمنه التاليه في العرف والنكرِ

وخيرته في خيبر ورسوله

بنبذ عهود الشرك فوق أبي بكرِ

وأوَّل من صلّى وصنو نبيِّه

وأوَّل من أردى الغواة لدى بدرِ

فذاك عليُّ الخير من ذا يفوقه؟!

أبو حسن حلف القرابة والصهرِ

٤٨ - مالك بن عبادة الغافقي حليف حمزة بن عبد المطلب قال:

رأيت عليّاً لا يلبّث قرنه

إذا ما دعاه حاسراً أو مسربلا

فهذا وفي الإسلام أوَّل مسلم

وأوَّل من صلّى وصام وهلّلا

٤٩ - أبو الأسود الدؤلي يهدِّد طلحة والزبير بقوله:

وإنَّ عليّاً لكم مصحرٌ

يماثله الأسد الأسودُ

أما إنَّه أوَّل العابدين

بمكّة والله لا يُعبدُ(١)

٥٠ - جندب بن زهير كان يرتجز يوم صفِّين بقوله:

هذا عليٌّ والهدى حقّاً معه

يا ربّ فاحفظه ولا تضيِّعه

فإنَّه يخشاك ربّي فارفعه

نحن نصرناه على مَن نازعه

صهر النبيِّ المصطفى قد طاوعه

أوَّل من بايعه وتابعه(٢)

٥١ - زفر بن يزيد(٣) بن حُذيفة الأسدي قال:

_____________________

١ - رسالة الإسكافي كما شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٥٩.

٢ - كتاب نصر بن مزاحم ٤٥٣.

٣ - في بعض المصادر: زفير بن زيد.


فحوطوا عليّاً فانصروه فإنَّه

وصيٌّ وفي الإسلام أوَّل أوَّلُ

وإن تخذلوه والحوادث جمَّة

فليس لكم عن أرضكم متحوّلُ(١)

٥٢ - النجاشي بن الحارث بن كعب قال:

فقل للمضلّل من وائل

ومن جعل الغثَّ يوماً سمينا

جعلتَ ابن هند وأشياعه

نظير عليٍّ أما تستحونا؟!

إلى أوَّل النّاس بعد الرسول

أجاب النبيَّ من العالمينا

وصهر الرَّسول ومن مثله

إذا كان يوم يشيب القرونا؟!(٢)

٥٣ - جرير بن عبد الله البجلي قال:

فصلّى الإله على أحمد

رسول المليك تمام النعمْ

وصلّى على الطهر من بعده

خليفتنا القائم المدَّعمْ

عليّاً عنيت وصيَّ النبيِّ

يجالد عنه غواة الأُممْ

له الفضل والسبق والمكرما

ت وبيت النبوَّة لا المهتضمْ

٥٤ - عبد الله بن حكيم التميمي قال:

دعانا الزبير إلى بيعة

وطلحة من بعد أن أثقلا

فقلنا: صفقنا بأيماننا

فإن شيء تما فخذا الأشملا

نكثتم عليّاً على بيعة

وإسلامه فيكمُ أوَّلا

٥٥ - عبد الرحمن بن حنبل [جعل] الجمحي حليف بني الجمح قال:

لعمري لئن بايعتمُ ذا حفيظة

على الدين معروف العفاف موفَّقا

عفيفاً عن الفحشاء أبيض ماجداً

صدوقاً وللجبّار قِدماً مصدِّقا

أبا حسن فارضوا به وتبايعوا

فليس كمن فيه يرى العيب منطقا

عليٌّ وصيُّ المصطفى ووزيره

وأوَّل من صلّى لذي العرش واتَّقى(٣)

٥٦ - أبو عمرو عامر الشعبي الكوفي قال: أوَّل من أسلم من الرِّجال عليُّ

_____________________

١ - رسالة الإسكافي كما في شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٥٩.

٢ - كتاب صفين لنصر بن مزاحم ٦٦.

٣ - كفاية الطالب للحافظ الكنجي ص ٤٨.


ابن أبي طالب وهو إبن تسع سنين. رسالة الإسكافي كما في شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٦٠.

٥٧ - أبو سعيد الحسن البصري قال: عليٌّ أوَّل من أسلم بعد خديجة. أخرجه أحمد عن عبد الرَّزاق عن معمر عن قتادة عنه. ورواه الإسكافي في رسالته عن عبد الرَّزاق كما في شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٦٠.

وقال الحجّاج للحسن وعنده جماعةٌ من التابعين وذكر عليّ بن أبي طالب: ما تقول أنت يا حسن؟ فقال: ما أقول؟ هو: أوَّل من صلّى إلى القبلة، وأجاب دعوة رسول الله. وإنَّ لعليٍّ منزلة من ربِّه وقرابة من رسوله، وقد سبقت له سوابق لا يستطيع ردَّها أحدٌ فغضب الحجّاج غضباً شديداً وقام عن سريره فدخل بعض البيوت.

وقال رجل للحسن: مالنا لا نراك تثني على عليٍّ وتقرّظه؟ قال كيف؟! وسيف الحجّاج يقطر دماً، إنَّه أوَّل من أسلم، وحسبكم بذلك. رسالة الإسكافي كما في شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٥٨.

٥٨ - الإمام محمد بن عليِّ الباقر قال: أوَّل من آمن بالله عليُّ بن أبي طالب و هو إبن إحدى عشرة سنة. شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٦٠.

٥٩ - قتادة بن دعامة الأكمه البصري قال: عليٌّ أوَّل من أسلم بعد خديجة. أخرجه أحمد كما سمعت، والقسطلاني عدّه ممّن قال به في المواهب ١ ص ٤٥، وأقرّه الزرقاني في شرحه ١ ص ٢٤٢.

٦٠ - محمد بن مسلم المعروف بابن شهاب(١) عدَّه القسطلاني في المواهب ١ ص ٤٥، وأقرّه الزرقاني في شرحه ١ ص ٢٤٢ من القائلين بأنَّ عليّاً أوَّل مَن أسلم.

٦١ - أبو عبد الله محمد بن المكندر المدني قال: عليٌّ أوَّل من أسلم.

تاريخ الطبري ٢ ص ٢١٣. الكامل لابن الأثير ٢ ص ٢٢.

٦٢ - أبو حازم سلمة بن دينار المدني قال: عليٌّ أوَّل من أسلم.

تاريخ الطبري ١ ص ٢١٣. الكامل لابن الأثير ٢ ص ٢٢.

٦٣ - أبو عثمان ربيعة بن أبي عبد الرَّحمن المدني قال: عليٌّ أوَّل من أسلم.

تاريخ الطبري ٢ ص ٢١٣. الكامل لابن الأثير ٢ ص ٢٢.

_____________________

١ - نسبة إلى جد جده.


٦٤ - أبو النضر محمد بن السائب الكلبي قال: عليّ أوَّل من أسلم، أسلم وهو إبن تسع سنين. تاريخ الطبري ٢ ص ٢١٣. الكامل لابن الأثير ٢ ص ٢٢.

٦٥ - محمد بن إسحاق قال: كان أوّل ذَكر آمن برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصلّى معه وصدَّقه بما جاءه من عند الله عليُّ بن أبي طالب وهو يومئذ إبن عشر سنين(١) وكان ممّا أنعم الله به على عليِّ بن أبي طالب إنَّه كان في حجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل الإسلام.

وقال: وذكر بعض أهل العلم أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان إذا حضرت الصَّلاة خرج إلى شعاب مكَّة وخرج معه عليُّ بن أبي طالب، مستخفياً من عمِّه أبي طالب وجميع أعمامه وسائر قومه فيصليّان الصَّلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا، ثمَّ إنَّ أبا طالب عثر عليهما يوماً وهما يصلِّيان فقال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا بن أخي ما هذا الدين؟ الحديث.

تاريخ الطبري ٢ ص ٢١٣. سيرة إبن هشام ١ ص ٢٦٤، ٢٦٥. سيرة إبن سيِّد الناس ١ ص ٩٣. الكامل لابن الأثير ٤ ص ٢٢. شرح إبن أبي الحديد ٣ ص ٢٦٠. السيرة الحلبيَّة ١ ص ٢٨٧.

٦٦ - جُنيد بن عبد الرَّحمن قال: أتيت من حوران إلى دمشق لآخذ عطائي فصلَّيت الجمعة ثمَّ خرجت من باب الدرج فإذا عليه شيخٌ يقال له: أبو شيبة القاصّ يقصُّ على الناس، فرغَّب فرغبنا، وخوَّف فبكينا، فلمّا انقضى حديثه قال: اختموا مجلسنا بلعن أبي تراب. فلعنوا أبا تراب عليه السلام فالتفت إليَّ من على يميني فقلت له: فمن أبو تراب؟ فقال: عليُّ بن أبي طالب إبن عمِّ رسول الله، وزوج إبنته، وأوَّل النّاس إسلاماً، وأبو الحسن والحسين. فقلت: ما أصاب هذا القاصّ؟! فقمت إليه وكان ذا وفرة فأخذت وفرته بيدي وجعلت ألطم وجهه وأبطح برأسه الحائط، فصاح فاجتمع أعوان المسجد فوضعوا ردائي في رقبتي وساقوني حتّى دخلوني على هشام بن عبد الملك وأبو شيبة يقدمني فصاح يا أمير المؤمنين؟ قاصّك وقاصّ آبائك وأجدادك أتي إليه اليوم أمرٌ عظيمٌ. قال: من فعل لك؟ فقال: هذا. فالتفت إليَّ هشام وعنده أشراف النّاس فقال: يا أبا يحيى؟ متى قدمت؟ فقلت: أمس وأنا على المصير إلى أمير المؤمنين

_____________________

١ - في الكامل لابن الأثير ٢ ص ٣٢: إحدى عشرة سنة. نقلاً عن إبن إسحاق.


فأدركتني صلاة الجمعة فصلَّيت وخرجت إلى باب الدرج فإذا هذا الشيخ قائمٌ يقصُّ فجلست إليه فقرأ فسمعنا، فرغَّب مَن رغَّب، وخوّف مَن خوّف، ودعا فأمّنا، وقال في آخر كلامه: اختموا مجلسنا بلعن أبي تراب، فسألت مَن أبو تراب؟ فقيل: عليُّ بن أبي طالب، أوَّل الناس إسلاما، وإبن عمِّ رسول الله، وأبو الحسن والحسين، وزوج بنت رسول الله. فوالله يا أمير المؤمنين؟ لو ذكر هذا قرابة لك بمثل هذا الذكر ولعنه بمثل هذا اللعن لأحللت به الذي أحللت، فكيف لا أغضب لصهر رسول الله وزوج إبنته؟! فقال هشام: بئس ما صنع.

(تاريخ إبن عساكر ٣ ص ٤٠٧)

هذه جملةٌ من النصوص النبويَّة، والكلم المأثورة عن أمير المؤمنين والصحابة والتابعين في أنَّ عليّاً أوَّل مَن أسلم: وهي تربو على مائة كلمة، أضف إليها ما مرَّج ٢ ص ٢٧٦ من أنَّ أمير المؤمنين سبّاق هذه الأُمَّة. واشفع الجميع بما أسلفناه ج ٢ ص ٣٠٦ من أنَّه صلوات الله عليه صدِّيق هذه الأُمَّة، وهو الصدِّيق الأكبر.

فهل تجد عندئذ مساغاً لمكابرة إبن كثير تجاه هذه الحقيقة الراهنة وقوله: و قد ورد في أنَّه أوَّل من أسلم. إلخ؟! فإذا لا يصحُّ مثل هذه فما الَّذي يصحّ؟ وإن كان لا يصحّ شييءٌ منها فما قيمة تلك الكتب المشحونة بها؟! كلّا، إنَّها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخٌ إلى يوم يبعثون.

وأنت ترى الرجل يزيَف هذه الكلم والنصوص الكثيرة الصحيحة بحكم الحفّاظ الأثبات بكلمة واحدة قارصة، ويعتمد في إثبات أيِّ أمر يروقه في تاريخه على المراسيل والمقاطيع والآحاد، ونقل المجاهيل وأفناء الناس.

*(تذييل)* قال المأمون في حديث إحتجاجه على أربعين فقيهاً ومناظرته إيّاهم في أنّ أمير المؤمنين أولى بالناس بالخلافة: يا إسحاق أيُّ الأعمال كان أفضل يوم بعث الله رسوله؟ قلت: الإخلاص بالشهادة. قال: أليس السبق إلى الإسلام؟ قلت: نعم قال: إقرأ ذلك في كتاب الله يقول: والسابقون السابقون أولئك المقرَّبون إنَّما عُني من سبق إلى الإسلام، فهل علمت أحداً سبق عليّاً إلى الإسلام؟ قلت: يا أمير المؤمنين؟ إنَّ عليّاً أسلم وهو حديث السنِّ لا يجوز عليه الحكم، وأبو بكر أسلم وهو مستكملٌ يجوز عليه الحكم. قال: أخبرني أيّهما أسلم قبلُ؟ ثمَّ أُناظرك من بعده في الحداثة


والكمال. قلت: عليٌّ أسلم قبل أبي بكر على هذه الشريطة. فقال: نعم فأخبرني عن إسلام عليٍّ حين أسلم؟ لا يخلو من أن يكون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دعاه إلى الإسلام أو يكون إلهاماً من الله. قال فأطرقت فقال لي: يا إسحاق؟ لا تقل إلهاماً فتقدِّمه على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأنَّ رسول الله لم يعرف الإسلام حتى أتاه جبريل عن الله تعالى. قلت: أجل بل دعاه رسول الله إلى الإسلام. قال: يا إسحاق؟ فهل يخلو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين دعاه إلى الإسلام من أن يكون دعاه بأمر الله أو تكلّف ذلك من نفسه؟ قال: فأطرقت. فقال: يا إسحاق لا تنسب رسول الله إلى تكلّف فإنَّ الله يقول: وما أنا من المتكلّفين. قلت: أجل، يا أمير المؤمنين؟ بل دعاه بأمر الله. قال: فهل من صفة الجبّار جلَّ ذكره أن يكلّف رسله دعاء مَن لا يجوز عليه حكمٌ؟ قلت: أعوذ بالله. فقال: أفتراه في قياس قولك يا إسحاق؟ إنَّ عليّاً أسلم صبيّاً لا يجوز عليه الحكم قد تكلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من دعاء الصبيان ما لا يطيقون، فهل يدعوهم الساعة ويرتدّون بعد ساعة، فلا يجب عليهم في ارتدادهم شييءٌ ولا يجوز عليهم حكم الرَّسول عليه السلام؟ أترى هذا جائزاً عندك أن تنسبه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟! قلت أعوذ بالله. الحديث. العقد الفريد ٣ ص ٤٣.

وقال أبو جعفر الإسكافي المعتزلي المتوفّى ٢٤٠ في رسالته: قد روى الناس كافّة إفتخار عليٍّ عليه السلام بالسبق إلى الإسلام، وإنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وآله استنبئ يوم الإثنين وأسلم عليٌّ يوم الثَّلاثاء. وإنَّه كان يقول: صلّيت قبل النَّاس سبع سنين وإنَّه ما زال يقول: أنا أوَّل من أسلم. ويفتخر بذلك ويفتخر له به أولياؤه ومادحوه وشيعته في عصره وبعد وفاته، والأمر في ذلك أشهر من كلِّ شهير، وقد قدَّمنا منه طرفاً وما علمنا أحداً من النّاس فيما خلا إستخفَّ بإسلام عليٍّ عليه السلام ولا تهاون به، ولا زعم أنَّه أسلم إسلام حدث غرير وطفل صغير، ومن العجب أن يكون مثل العبّاس وحمزة ينتظران أبا طالب وفعله ليصدّوا عن رأيه، ثمَّ يخالفه عليٌّ إبنه لغير رغبة ولا رهبة يؤثر القلّة على الكثرة، والذلَّ على العزَّة من غير علم ولا معرفة بالعاقبة، وكيف ينكر الجاحظ والعثمانيَّة أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله دعاه إلى الإسلام وكلّفه التصديق؟!

ورُوي في الخبر الصحيح(١) أنَّه كلّفه في مبدأ الدعوة قبل ظهور كلمة الإسلام

_____________________

١ - مرّ هذا الحديث لصحيح بألفاظه وطرقه في ج ٢ ص ٢٧٨ - ٢٧٤.


وانتشارها بمكّة: أن يصنع له طعاماً وأن يدعو له بني عبد المطلب. فصنع له الطعام ودعاهم له فخرجوا ذلك اليوم ولم ينذرهم صلى الله عليه وآله وسلم لكلمة قالها عمّه أبو لهب فكلّفه اليوم الثاني: أن يصنع مثل ذلك الطعام وأن يدعوهم ثانية. فصنعه ودعاهم فأكلوا ثمَّ كلّمهم صلّى الله عليه وآله فدعاهم إلى الدين ودعاه معهم لأنَّه من بني عبد المطلب، ثمَّ ضمن لمن يُوازره منهم وينصره على قوله أن يجعله أخاه في الدين ووصيَّه بعد موته وخليفته من بعده، فأمسكوا كلّهم وأجابه هو وحده وقال: أنا أنصرك على ما جئت به و أُوازرك وأُبايعك. فقال لهم لما رأى منهم الخذلان ومنه النصر، وشاهد منهم المعصية ومنه الطاعة، وعاين منهم الآباء ومنه الإجابة: هذا أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي. فقاموا يسخرون ويضحكون ويقولون لأبي طالب: أطع ابنك فقد أمَّره عليك.

فهل يكلّف عمل الطعام ودعاء القوم صغيرٌ غير مميِّز؟ وغرٌّ غير عاقل؟ وهل يؤتمن على سرِّ النبوَّة طفلٌ إبن خمس سنين أو إبن سبع؟ وهل يُدعى في جملة الشيوخ و الكهول إلّا عاقلٌ لبيبٌ؟ وهل يضع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يده في يده ويُعطيه صفقة يمينه بالأُخوَّة والوصيَّة والخلافة إلّا وهو أهلٌ لذلك، بالغٌ حدَّ التكليف، محتملٌ لولاية الله وعداوة أعدائه؟(١) .

وقال الحاكم النيسابوري صاحب «المستدرك» على الصحيحين في كتاب «المعرفة» ص ٢٢: ولا أعلم خلافاً بين أصحاب التواريخ أنَّ عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه أوَّلهم إسلاماً وإنّما اختلفوا في بلوغه.

وقال إبن عبد البرّ في الإستيعاب ٢ ص ٤٥٧: إتَّفقوا على أنَّ خديجة أوَّل من آمن بالله ورسوله وصدَّقه فيما جاء به ثمَّ عليٌّ بعدها.

وقال المقريزي في الإمتاع ص ١٦ ما ملخَّصه: وأمّا عليُّ بن أبي طالب: فلم يُشرك بالله قطُّ، وذلك أنَّ الله تعالى أراد به الخير فجعله في كفالة إبن عمّه سيِّد المرسلين محمَّد صلّى الله عليه وسلّم فعند ما أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الوحيُ وأخبر خديجة وصدَّقت، كانت هي وعليّ بن أبي طالب وزيد بن حارثة يُصلّون معه، «إلى أن قال:» فلم يحتج عليٌّ رضي الله عنه أن يُدعى، ولا كان مشركاً حتّى يُوحِّد فيقال: أسلم، بل كان عندما

_____________________

١ - مرت جملة من بقية الكلام ج ٢ ص ٢٨٧.


أوحى الله إلى رسوله صلّى الله عليه وسلّم عمره ثماني سنين، وقيل: سبع. وقيل: إحدى عشرة سنة، و كان مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في منزله بين أهله كأحد أولاده يتبعه في جميع أحواله. إلخ.

م - وأنت تجد أوّليّة أمير المؤمنين في الإسلام في شعر كثير من السلف مثل قول مسلم بن الوليد الأنصاري.

أذكرت سيف رسول الله سنّته

وسيف أوّل من صلّى ومن صاما؟!

قال أبو الفلاح الحنبلي في شذراته ج ١ ص ٣٠٨: يعني عليّاً رضي الله عنه إذ كان هو الضرّاب به [بسيف النبيِّ].

هذا ما اقتضته المسالمة مع القوم في تحديد مبدء إسلامه عليه السلام، وأمّا نحن فلا نقول: إنَّه أوَّل من أسلم بالمعنى الذي يُحاوله إبن كثير وقومه لأنَّ البدئة به تستدعي سبقاً من الكفر ومتى كفر أمير المؤمنين حتّى يسلم؟ ومتى أشرك بالله حتّى يؤمن؟ وقد انعقدت نطفته على الحنيفيَّة البيضاء، واحتضنه حجر الرِّسالة، وغذَّته يد النبوَّة، وهذَّبه الخلق النبويُّ العظيم، فلم يزل مقتصّاً أثر الرَّسول قبل أن يصدع بالدين الحنيف وبعده، فلم يكن له هوى غير هواه، ولا نزعة غير نزعته، وكيف يمكن الخصم أن يقذفه بكفر قبل الدَّعوة؟! وهو يقول (وإن لم نر صحَّة ما يقول): إنَّه كان يمنع أُمَّه من السّجود للصنم وهو حملٌ(١) أيكون إمام الأُمَّة هكذا في عالم الأجنَّة ثمَّ يُدنِّسه درن الكفر في عالم التكليف؟ فلقد كان صلوات الله عليه مؤمناً جنيناً ورضيعاً و فطيماً ويافعاً وغلاماً وكهلاً وخليفةً.

ولولا أبو طالب وابنه

لما مثل الدين شخصاً وقاما

بل نحن نقول: إنَّ المراد من إسلامه وإيمانه وأوَّليَّته فيهما وسبقه إلى النبيِّ في الإسلام هو المعنى المراد من قوله تعالى عن إبراهيم الخليل عليه السلام: وأنا أوّل المسلمين. وفيما قال سبحانه عنه: إذ قال ربّه أسلم قال أسلمت لربِّ العالمين. وفيما قال سبحانه عن موسى عليه السلام: وأنا أوَّل المؤمنين. وفيما قال تعالى عن نبيِّه الأعظم: آمن الرَّسول بما أُنزل إليه من ربِّه. وفيما قال: قل إنّي أُمرت أن أكون أوَّل من أسلم. وفي قوله: وأُمرت أن أُسلم لربِّ العالمين.

_____________________

١ - ذكر حديثه في السيرة الحلبية ١ ص ٢٨٥، سيرة زيني دحلان، نور الأبصار ٧٦، نزهة المجالس ٢ ص ٢١٠.


وفي وسع الباحث أن يتَّخذ دروساً راقية حول ما نرتأيه من خطبةٍ لأمير المؤمنين عليه السلام وقد ذكرها الشريف الرضي في نهج البلاغة ج ١ ص ٣٩٢ ألا وهي:

أنا وضعت في الصغر بكلاكل العرب؟ وكسرت نواجم قرون ربيعة ومضر، وقد علمتم موضعي من رسول الله صلّى الله عليه وآله بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويُمسّني جسدَه، ويُشمّني عرفه، وكان يمضغ الشيئ ثمَّ يُلقمنيه، وما وجد لي كذبةً في قول، ولا خَطلةً في فعل، ولقد قرن الله به صلّى الله عليه وآله من لدن أن كان فطيماً أعظمَ مَلَكٍ من ملائكته يسلك به طريق المكارم، ومحاسنَ أخلاق العالَم، ليله ونهاره، ولقد كنتُ أتَّبعه اتّباع الفصيل أثر أُمِّه، يرفع لي في كلِّ يوم من أخلاقه عَلَماً ويأمرني بالإقتداء به، ولقد كان يجاور في كلِّ سنة بحِراء فأراهُ ولا يَراه غيري، ولم يجمعِ بيتٌ واحدٌ يومئذ في الإسلام غير رسول الله صلّى الله عليه وآله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرِّسالة، و أشمُّ ريحَ النبوَّة، ولقد سمعت رنَّة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلّى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله؟ ما هذه الرنَّة؟ وقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته، إنَّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلّا أنَّكَ لستَ بنبيٍّ، ولكنَّك وزيرٌ؛ وإنَّك لعلى خيرٍ.

وأمّا الكلام في إسلام أبي بكر فلا يسعنا أن أحوم حول هذا الموضوع وبين يديَّ صحيحة محمَّد بن سعد بن أبي وقاص التي أخرجها الطبري في تاريخه ٢ ص ٢١٥ بإسناد صحيح رجاله ثقات قال إبن سعد: قلت لأبي: أكان أبو بكر أوَّلكم إسلاماً؟! فقال: لا. ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين، ولكن كان أفضلنا إسلاماً.

وما عساني أن أقول وأبو جعفر الإسكافي المعتزلي البعيد عن عالم التشيّع يقول: أمّا ما احتجَّ به الجاحظ بإمامة أبي بكر بكونه أوَّل الناس. فلو كان هذا إحتجاجاً صحيحاً؟ لأحتجَّ به أبو بكر يوم السقيفة وما رأيناه صنع ذلك لأنَّه أخذ بيد عمر ويد أبي عبيدة بن الجرّاح، وقال للناس: قد رضيت لكم أحد هذين الرَّجلين فبايعوا منهما مَن شئتم. ولو كان هذا إحتجاجاً صحيحاً؟ لما قال عمر: كانت بيعة أبي بكر فلتةً وقى الله شرَّها. ولو كان احتجاجاً صحيحاً؟ لادَّعى واحدٌ من النّاس لأبي بكر الإمامة في عصره أو بعد عصره بكونه سبق إلى الإسلام، وما عرفنا أحداً ادَّعى له ذلك، على


أنّ جمهور المحدِّثين ثمَّ يذكروا أنَّ أبا بكر أسلم إلّا بعد عدَّة من الرِّجال منهم: عليّ بن أبي طالب، وجعفر أخوه، وزيد بن حارثة، وأبو ذرّ الغفاري، وعمرو بن عنبسة السلمي، وخالد بن سعيد بن العاص، وخباب بن الأرت، وإذا تأمَّلنا الرِّوايات الصحيحة والأسانيد القويَّة الوثيقة وجدناها كلّها ناطقةً بأنَّ عليّاً عليه السلام أوَّل من أسلم.

فأمّا الرِّواية عن إبن عباس: أنّ أبا بكر أوَّلهم إسلاماً. فقد روي عن إبن عبّاس خلاف ذلك بأكثر ممّا رووا وأشهر فمن ذلك ما رواه يحيى بن حمّاد (ثمَّ ذكر أحاديث صحيحة ممّا مرَّ عن إبن عبّاس) فقال: فهذا قول إبن عبّاس في سبق عليّ عليه السلام إلى الإسلام وهو أثبت من حديث الشعبي وأشهر، على أنَّه قد روي عن الشعبي خلاف ذلك من حديث أبي بكر الهذلي. ثمَّ ذكر حديثه وأحاديث أُخرى ممّا ذكر نقلاً عن الكتب الصحاح والأسانيد الموثوق بها(١) هذا. ومن أظلم ممَّن افترى على الله كذباً أو كذَّب بالحقِّ لما جاءه.

لفت نظر

لعلَّ الباحث يرى خلافاً بين كلمات أمير المؤمنين المذكورة ص ٢٢١ - ٢٢٤ في سني عبادته وصلاته مع رسول الله بين ثلث. وخمس. وسبع. وتسع سنين فنقول: أمّا ثلث سنين فلعلَّ المراد منه ما بين أوَّل البعثة إلى إظهار الدعوة من المدَّة وهي ثلث سنين(٢) فقد أقام صلّى الله عليه وآله وسلّم بمكَّة ثلاث سنين من أوَّل نبوَّته مستخفياً ثمَّ أعلن في الرابعة.

وأمّا خمس سنين فلعلَّ المراد منها سنتا(٣) فترة الوحي من يوم نزول إقرأ باسم ربِّك الذي خلق إلى نزول يا أيّها المدَّثِّر. وثلث سنين من أوَّل بعثته بعد الفترة إلى نزول قوله:( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) . وقوله:( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) . سني الدعوة الخفيَّة التي لم يكن فيها معه صلّى الله عليه وآله إلّا خديجة وعليّ. و

_____________________

١ - مرّت بقية الكلام ج ٢ ص ٢٨٧. وللإسكافي في المقام كلمات ضافية نحيل الحيطة بها إلى رسالته في الردّ على الجاحظ.

٢ - تاريخ الطبري ٢ ص ٢١٦، ٢١٨. سيرة إبن هشام ١ ص ٢٧٤. طبقات إبن سعد ٢٠٠. الامتاع ١٥، ٢١.

٣ - عدهما المقريزي أحد الأقوال في أيّام فترة الوحي في الامتاع ص ١٤.


أحسب أنَّ هذا مراد من قال: إنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان مُستخفياً أمره خمس سنين كما في الإمتاع ص ٤٤.

وأمّا سبع سنين فإنَّها مضافاً إلى كثرة طرقها وصحَّة أسانيدها معتضدةٌ بالنبويَّة المذكورة ص ٢٢٠ وبحديث أبي رافع المذكور ص ٢٢٧ وهي سني الدَّعوة النبويَّة من أوَّل بعثته صلى الله عليه وآله وسلم إلى فرض الصَّلاة المكتوبة.

وذلك أنَّ الصَّلاة فُرضت بلا خلاف ليلة الإسراء وكان الإسراء كما قال محمد ابن شهاب الزهري قبل الهجرة بثلاث سنين، وقد أقام صلّى الله عليه وآله في مكّة عشر سنين فكان أمير المؤمنين خلال هذه المدَّة السنين السبع يعبد الله ويُصلّي معه صلّى الله عليه وآله فكانا يخرجان ردحاً من الزَّمن إلى الشعب وإلى حِراء للعبادة ومكثا على هذا ما شاء الله أن يمكثا(١) حتّى نزل قوله تعالى:( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) . وقوله:( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) . وذلك بعد ثلاث سنين من مبعثه الشريف، فتظاهر عليه السلام بإجابة الدَّعوة في منتدى الهاشميِّين المعقود لها ولم يلبِّها غيره، ومن يوم ذاك إتَّخذه رسول الله صلّى الله عليه وآله أخاً ووصيّاً وخليفةً ووزيراً(٢) ثمَّ لم يُلبّ الدعوة إلى مدّة إلّا آحادهم بالنسبة إلى عامَّة قريش والناس المرتطمين في تمرُّدهم في حيِّز العدم.

على أنَّ إيمان من آمن وقتئذ لم يكن معرفةً تامَّةً بحدود العبادات حتّى تدرَّجوا في المعرفة والتهذيب، وإنَّما كان خضوعاً للإسلام وتلفّظاً بالشَّهادتين ورفضاً لعبادة الأوثان. لكن أمير المؤمنين خلال هذه المدَّة كان مقتصّاً أثر الرَّسول من أوَّل يومه فيشاهده كيف يتعبَّد، ويتعلّم منه حدود الفرايض ويقيمها على ما هي عليه، فمن الحقِّ الصحيح إذن توحيده في باب العبادة الكاملة، والقول بأنَّه عبد الله وصلّى قبل الناس بسبع سنين.

ويحتمل أن يراد السنين الواردة في حديث إبن عبّاس قال: إنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله أقام بمكّة خمس عشرة سنة سبع سنين يرى الضوء والنور ويسمع الصوت، و

_____________________

١ - تاريخ الطبري ٢ ص ٢١٣. سيرة إبن هشام ١ ص ٢٦٥. راجع ص ٢٣٥ من هذا الجزء.

٢ - راجع الجزء الثاني من كتابنا ص ٢٧٨ - ٢٨٤.


ثماني سنين يوحى إليه(١) وأمير المؤمنين كان معه من أوَّل يومه يرى ما يراه صلى الله عليه وآله وسلم و يسمع ما يسمع إلّا أنَّه ليس بنبيٍّ كما مرَّ في ص ٢٤٠.

فإن تعجب فعجبٌ قول الذهبي في تلخيص المستدرك ٣ ص ١١٢: إنَّ النبيَّ من أوَّل ما أوحي إليه آمن به خديجة وأبو بكر وبلال وزيد مع عليّ قبله بساعات أو بعده بساعات وعبدوا الله مع نبيِّه فأين السبع السنين؟!

*(قال الأميني)*: هذه السنين السبع، ولكن أين تلك الساعات المزعومة عند الذهبي؟ ومَن ذا الذي يقولها؟ ومتى خُلق قائلها؟ وأين هو؟ وأيُّ مصدر ينصُّ عليها؟ وأيُّ راوٍ رواها؟ بل نتنازل معه ونرضى بقصِّيص يقصّها، غير ما في علبة مفكّرة الذهبي، أو عيبة أو هامه، ومتى كان أبو بكر من تلك الطبقة؟ وقد مرَّ في صحيحة الطبري ص ٢٤٠: إنَّه أسلم بعد أكثر من خمسين رجلاً. فكأنَّ الرَّجل قرويٌّ من البعداء عن تاريخ الإسلام، أو أنِّه عارفُ به غير أنَّه يروقه الإفك والزور. وأمّا تسع سنين فيمكن أن يُراد منها سنتا الفترة والسنين السبع من البعثة إلى فرض الصَّلوات المكتوبة. والمبنيُّ في هذه كلّها على التقريب لا على الدقَّة والتحقيق كما هو المطَّرد في المحاورات، فالكلُّ صحيحٌ لا خلاف بينها ولا تعارض هناك.

٥ - ذكر في ج ٧ ص ٣٥٧ حديث تصدُّق أمير المؤمنين خاتمه في الصَّلاة و هو راكعٌ ونزول آية:( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) . الآية. من طريق أبي سعيد الأشجّ الذي أسلفناه ص ١٥٧ ثمَّ أردفه بقوله: وهذا لا يصحُّ بوجهٍ من الوجوه لضعف أسانيده، ولم ينزل في عليٍّ شيءٌ من القرآن بخصوصيَّته وكلّ ما يريدونه(٢) في قوله تعالى:( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) . وقوله:( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ) . وقوله:( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) . وغير ذلك من الآيات والأحاديث الواردة في أنَّها نزلت في عليٍّ لا يصحُّ شيءٌ منها.

ج - كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولوا إلّا كَذبا. كيف يحكم الرَّجل

_____________________

١ - طبقات إبن سعد ص ٢٠٩ ط مصر.

٢ - كذا في النسخة ولعله: يروونه.


بعدم صحّة نزول آية( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ) في عليّ عليه السلام ويستدلُّ بضعف أسانيده وهو بنفسه يرويه في تفسيره ٢ ص ٧١ من طريق إبن مردويه عن الكلبي ويقول: قال: هذا إسنادٌ لا يُقدح به؟! ونحن أوقفناك ص ١٥٧: على أنَّ حديث أبي سعيد الأشجّ الذي ذكره صحيحٌ رجاله ثقاتٌ.

ثمَّ إن كان ما ورد في هذه الآيات وغيرها من الآيات الكريمة المتكثِّرة من نزولها في مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، أنَّها مأوّلة به، أو أنَّه عليه السلام أحد المصاديق الظاهرة لعمومها كما حسبه المغفَّل ممّا لا يصحُّ شيءٌ منها؟ فمن واجب الباحث أن يشطب على هذه التفاسير المعتمدة عليها والصحاح والمسانيد ومدوَّنات الحديث المعتبرة بقلمٍ عريض يمحو ما سطروه فيها، وما تكون عندئذ قيمة هاتيك الكتب المشحونة بما لا يصحّ؟! وما غناء هؤلاء العلماء الذين يعتمدون على الأباطيل؟! وهم يقضون أعمارهم في جمعها، ويدَّخرونها للأُمَّة لتعمل بها وتخبت إلى مفادها، وإذا ذهب هذه ضحيَّة هوى إبن كثير فأيُّ كتاب يحقُّ أن يكون مرجعاً لرُوّاد العلم، وموئلاً يقصده الباحث؟!؟!.

نعم: هذه الكتب هي المصدر والموئل لا غيرها وإبن كثير نفسه لا يرد إلّا إليها، ولا يصدر إلّا منها في كلِّ مورد، إلّا في باب فضايل أمير المؤمنين فعندها تغلي مراجل حقده فيأمّها بلسانٍ بذيّ وقلم جريء.

ونحن قد أوقفناك على مصادر نزول هذه الآيات الكريمة في كتابنا هذا ج ٢ ص ٥٢ - ٥٥ وج ٣ ص ١٠٦ - ١١١ و١٥٦ - ١٦٣ وسنوقفك على حقِّ القول في قوله تعالى:( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) . فإلى الملتقى.

٦ - ذكر في ج ٧ ص ٣٥٦ عن الإمام أحمد عن وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن زيد بن يُثيع عن أبي بكر حديث البراءة ثمَّ أردفه بقوله: وفيه نكارةٌ من جهة أمره بردِّ الصدِّيق فإنَّ الصدِّيق لم يرجع بل كان هو أمير الحجّ. إلخ.

ج - إقرأ واضحك من هذا الإجتهاد البارد في مقابل النصِّ الثابت الصحيح المجمع على صحَّته، وسيوافيك الحديث بطرقه المتكثِّرة.

٧ - ذكر في ج ٧ ص ٣٤٣ من طريق الإمام أحمد عن إبن نُمير عن الأجلح الكندي عن عبد الله بن بُريدة حديثاً فيه: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا تقع في عليٍّ فإنَّه منّي و


أنا منه وهو وليّكم بعدي. ثمَّ أردفه بقوله: هذه اللفظة منكرةٌ والأجلح شيعيٌّ، و مثله لا يُقبل إذا تفرَّد بمثلها. وقد تابعه فيها مَن هو أضعف منه والله أعلم، والمحفوظ في هذا رواية أحمد عن وكيع عن الأعمش عن سعد بن عُبيدة عن عبد الله بن بُريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: مَن كنت مولاه فعليٌّ وليّه.

ج - هل يرى عربيٌّ غير أمويّ في هذه اللفظة نُكراً؟! وهو ذلك القول العربيُّ المبين السهل الممتنع. أو هل يرى عربيٌّ - لم يُشبِهُ عوامل العصبيَّة - في معناه شيئاً منكراً؟ وهو ذلك المعنى الصحيح الثابت الصادر عن مصدر الوحي بأسانيد صحيحة المدعوم بما في معناه من الأحاديث الكثيرة الصِّحاح(١) وهل النكر الَّذي حسبه إبن كثير في إسناده إلى قائله صلّى الله عليه وسلّم؟ وهو لا يفتأ يشيد بأمثال هذا الذِّكر الحكيم. أم في المقول فيه صلوات الله عليه؟ فيراه غير لائق بمثل هذه الكلمة، إذن فما ذا يصنع إبن كثير بأمثالها المتكثِّرة التي ملأت بين المشرق والمغرب؟! وهي لا تدافع بغمز في إسناد أو بوقيعةٍ في دلالة.

وهل سمعتْ أُذناك من محدِّث دينيٍّ ردَّ ما أخرجه أئمَّة الحديث في الصِّحاح والمسانيد وفي مقدَّمها الصحيحان إذا تفرَّد به شيعيٌّ؟ وما ذنب شيعيٍّ إذا كان ثقةً عند أئمَّة الحديث؟ كأجلح فقد وثَّقه مثل إبن معين.

والحديث أخرجه أحمد في المسند ٥ ص ٣٥٥ بالإسناد المذكور. والترمذي باختصار. والنسائي في الخصايص ٢٤. وإبن أبي شيبة كما في كنز العمّال ٦ ص ١٥٤. ومحبُّ الدين الطبري في الرِّياض النضرة ٢ ص ١٧١. والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ٩ ص ١٢٨ وغيرهم، وإسناد أحمد المذكور صحيحٌ رجاله رجال الصحيح إلّا الأجلح و هو ثقةٌ كما سمعت.

وقول الرَّجل: والمحفوظ في هذا رواية أحمد. إلخ. يكشف عن قصور باعه في الحديث، وحسبانه الحديثين واحد الانتهاء سندهما إلى بريدة، وإفادة كليها الولاية، وعدم معرفته بأنَّ حديث (لا تقع) قضيَّةٌ في واقعة شخصيَّة لدة قصَّة عمران بن الحصين المذكورة ص ٢١٥ وأمّا (مَن كنت مولاه) فهو لفظ حديث الغدير العامّ، وليس هو محفوظ

_____________________

١ - راجع حديث الغدير في الجزء الأوّل من كتابنا وفي هذا الجزء ص ٢١٥، ٢١٦.


هذه القضيَّة كما لا يخفى على النابه البصير.

٨ - يعزو إلى الشيعة في ٢ ص ١٩٦ مشفوعاً ذلك بالتكذيب منه أنَّ منهم من زعم أنَّ الإبل البخاتي إنَّما نبتت لها الأسنمة من ذلك اليوم (يوم سبي عقايل بيت الوحي يوم كربلا) لتستّر عوراتهنَّ من قُبلهنَّ ودُبرهن.

ج - لا أحسب أنَّ في الشيعة معتوهاً يزعم أنَّ الأسنمة الموجودة في الإبل بخاتيّها وعرابيّها منذ كُوّنت حدثت بعد واقعة الطفّ، الشيعة لا يقول ذلك وإنَّما يأفك بهم من أفك، وهو يريد الوقيعة فيهم بإسناد التافهات إليهم، ولا يعتقد الشيعيُّ أنّ حرائر النبوَّة وإن سلبن الحليّ، والحلل، والأزر، والأخمرة، مضين في السبي عراة، و استقبلهنّ شيءٌ من مظاهر الخزي، فإنَّ عطف المولى لهنَّ كان يأبى ذلك كلّه.

نعم: إنتابتهنَّ محنٌ ونوائب وكوارث وشدايد في سبيل جهادهنَّ كما انتابت رجالهنَّ في سبيل جهادهم، وكلّما ينتاب المجاهد بعين الله وفي سبيله فهي مأثرةٌ له لا مخزاة فإنَّهن شاركن الرِّجال في تلك النهضة المقدَّسة التي أسفرت عن فضيحة الأمويِّين ومكائدهم ونواياهم السيِّئة على الدين والمسلمين، وإضمارهم إرجاع الملأ الدينيِّ إلى الجاهليَّة الأولى.

لكن حسين الدين والهدى، المفوَّض إليه كلائة دين جدِّه عن عادية أعدائه، الناظر إلى هاتيك الأحوال من أمم، وقف هو وآله وأصحابه ونساؤه ذلك الموقف الرَّهيب، فأنهوا إلى الجامعة الدينيَّة مقاصد القوم، وأبصروهم المعاول الهدّامة لتدمير الشريعة في أيدي آل أُميَّة، وإنَّ ذلك المقعي على أنقاض الخلافة الإسلاميَّة لا صلة له برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا نصيب له من الخلافة عنه، ولم يزل عليه السلام يتلو هاتيك الصحيفة السوداء لبني صخر حتّى لفظ نفسه الأخير في مشهد يوم الطفّ؛ وحتّى انتهى السير بنساؤه وذراريه إلى الشام.

هنالك مجَّت النفوس آل حرب وأشياعهم، وتعاقبت عليهم الثورات، حتّى اكتسح الله سبحانه معرَّتهم عن أديم الأرض أيّام مروان الحمار، ذلك بما كَسَبتْ أيديهم وما الله بظلّامٍ لِلعبيد. وهذا مغزى ما يُقال: من أنَّ دين الإسلام كما أنَّه محمَّديُّ الحدوث فهو حسينيُّ البقاء.


هذه حقيقةٌ راهنةٌ مدعمةٌ بالبراهين لكن إبن كثير ونظرائه من حملة الرّوح الأمويَّة لا ينقطعون عن تحاملهم على شيعة الحسين عليه السلام بنسبة الأكاذيب إليهم، وقذفهم بالقوارص.

هذه نماذج يسيرة من جنابات إبن كثير على العلم وودائع الإسلام، وتمويهه على الحقايق، ولا يسعنا استيعاب ما أودع في طيِّ كتابه من عُجره وبُجره، ولو أردنا أن نسرد كلَّ ما فيه أو جلَّه من المخاريق والتافهات والإضافات المفتعلة إلى الأبرياء، والسباب المقذع لرجال الشيعة عند ذكر تاريخهم من دون أيِّ مبرِّر، والتحامل عليهم بما يستقبحه الوجدان والعقل السليم، لجاء منه كتابٌ حافلٌ، لكنّا نمرُّ عليها كراما.

( وَمَن يُشَاقِقِ الرّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُ الْهُدَى‏ وَيَتّبِعْ

غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلّهِ مَا تَوَلّى‏ وَنُصْلِهِ جَهَنّمَ

وَسَاءَتْ مَصِيراً )

النساء ١١٥


قال الأميني:

هذه نماذج ممّا في الكتب من التافهات ولم نقصد استقصاءها لأنه يكلفنا تأليف مجلدات ضخمة، وإنما أردنا إيقاظ شعور الأمة إلى عوامل الحقد والإحن الممتزجين بنفسيات ناصبي العداوة لأهل البيت عليهم السلام وأتباعهم، حتى لا تكبو بتلك المدونات المزخرفة تجاه هذه الطائفة الكبيرة (شيعة آل الله) مثل ما كبوا أولئك المهملجون إلى البهرجة والضلال.

وإذا عرف القارئ هذه النزعة منهم ففي وسعه أن يتفحص عن بقية ما هنالك من المخازي والطامات والقذائف، و يحرى بنا الآن أن نوعز إلى شيئ ممّا جاء به متأخروا القوم من مؤلفي اليوم ممن اقتصوا إثر قدمائهم في العصبية العمياء التي فرقت الكلم، وشتت جمع الأمم، وأحدثت في القلوب ضغاين، وأورثت في الأفئدة نار العداء، وأثمرت الفتن، و أوجدت الكوارث، وجرت على الأمة كل سوء، وفتحت عليها باب الضعة بمصراعيه، وألبستها شية العار، ووسمة الشنار، فأصبحت والأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلّا المتقين، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء والله يدعو إلى دار السلام.

( يَا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السّلْمِ كَافّةً وَلاَ تَتّبِعُوا خُطُوَاتِ الشّيَطانِ إِنّهُ لَكُمْ عَدُوّ مُبِينٌ

إِنّ الّذِينَ اتّقَوْا إِذَا مَسّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشّيْطَانِ تَذَكّرُوا فَإِذَا هُم مُبْصِرُونَ )


٨

محاضرات

تاريخ الأمم الإسلامية

تأليف الشيخ محمد الخضري

لقد أخرج الرجل هذا الكتاب بصفة التاريخ لكنه لم يجر على بساطته، وإنما أودع فيه نزعاته الأموية فترى في كل ثنية منه هملجة، وفي كل فجوة منه تركاضاً، فلا هو كتاب تاريخ يسكن إلى نقله، ولا كتاب عقيدة ينظر في نقده، وإنما هو هياج ولغط يعكر الصفو، ويقلق الطمأنينة، فكان الأحرى بنا الاعراض عنه و عن أغلاطه، لكن لم نجد بداً من لفت القارئ إلى نزر من سقطاته.

١ - قال في ج ٢ ص ٦٧: وممّا يُزيد الأسف أنّ هذه الحرب (صفِّين) لم يكن المراد منها الوصول إلى تقرير مبدأ دينيٍّ أو رفع حيفٍ حلَّ بالأُمَّة، وإنَّما كانت لنصرة شخص على شخصٍ، فشيعة عليٍّ تنصره لأنَّه إبن عمِّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأحقُّ النّاس بولاية الأمر، وشيعة معاوية تنصره لأنَّه وليّ عثمان وأحقُّ النّاس بطلب دمه المسفوك ظلماً، ولا يرون أنَّه ينبغي لهم مبايعة من آوى إليه قتلته.

ج - ليت الرَّجل بيّن لنا المبادئ الدينيَّة عنده حتّى ننظر في إنطباقها على هذه الحرب، وحيث لم يبيِّن فنحن نقول: أيُّ مبدأ دينيٍّ هو أقوى من أن تكون الحرب والمناصرة لتنفيذ كلمة رسول الله يوم أمر أمير المؤمنين عليه السلام بقتال القاسطين - وهم أصحاب معاوية - وأمر أصحابه بمناصرته يومئذ(١) ورأى من واجبهم جهاد مقاتليه وقال: سيكون بعدي قومٌ يُقاتلون عليّاً على الله جهادهم، فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه، فمن لم يستطع بلسانه فبقلبه، ليس وراء ذلك شيءٌ(٢) .

وأيّ مبدأ دينيٍّ هو أقوى من نصرة الرَّجل مَن يراه أولى الناس بالأمر كما

_____________________

١ - راجع ص ١٨٨ - ١٩٥.

٢ - أخرجه الطبراني وإبن مردويه وأبو نعيم كما مرّ في ص ١٩٠.


يلهج به الخضري نفسه؟! وأيّ مبدأٍ دينيٍّ هو أقوى من مناصرة أمير المؤمنين الذي قال رسول الله فيه وفي آله وذويه: حربكم حربي(١) ؟! وقال له: يا عليُّ ستقاتلك الفئة الباغية وأنت على الحقِّ، فمن لم ينصرك يومئذ فليس منّي(٢) وهل يسع المسلم التقاعد عن نصرته عليه السلام بعد ما سمع قول نبيِّه صلى الله عليه وآله؟!

وأيّ مبدأٍ دينيٍّ هو أقوى من مقاتلة الفئة الباغية بنصٍّ من الرَّسول الأمين يوم قال لعمّار: تقتلك الفئة الباغية(٣) ويوم قال: ويح عمّار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنَّة ويدعونه إلى النّار(٤)

وأيّ مبدأٍ دينيٍّ هو أقوى من المقاتلة تحت راية خليفة الوقت الذي إنعقدت له بيعة أهل الحلِّ والعقد، وتمَّت شروطها عند من يرى الخلافة بالإختيار، وثبت له النصُّ الجليُّ وتواتر عند من لا يختار إلّا المنصوص عليه، وبطبع الحال أنَّ الخارج عليه خارجٌ على إمام الوقت باغٍ عليه يجب مقاتلته بنصٍّ من الكتاب المبين حيث قال:( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى‏ فَقَاتِلُوا الّتِي تَبْغِي حَتّى‏ تَفِي‏ءَ إِلَى‏ أَمْرِ اللّهِ ) (٥) .

وليت شعري أيّ حيف يحلّ بالأُمَّة أعظم من تغلّب مثل معاوية على بيضة الإسلام ورياسة أهله، واستحوازه الخلافة التي ليست له لا بنصٍّ ولا بيعة ممَّن تقرِّر بيعته الخليفة؟ فلم يعقد له إجماعٌ، ولا أثبتته شورى أو وصيَّة، ولا هو وليُّ دم عثمان حتّى ينهض بثاره إن لم نقل: هو المثبِّط جند الشام والمتثاقل عن نصره حتّى قُتل، و لم يكن له سابقةٌ في الإسلام تُشرِّفه، ولا علمٌ يُسدّده، ولا تقوى يكبحه عن مساقط

_____________________

١ - راجع الجزء الأوّل من كتابنا ص ٣٣٦.

٢ - راجع ص ١٩٣ من هذا الجزء.

٣ - راجع الجزء الأول ص ٣٢٩، ٣٣١، قال السيوطي في الخصايص ٢ ص ١٤٠: هذا الحديث متواتر رواه من الصحابة بضعة عشر كما بينت ذلك في الأحاديث المتواترة. وستوافيك في الجزء التاسع من كتابنا هذا ألفاظه وطرقه وهي خمسة وعشرون طريقاً.

٤ - قال العلامة الزرقاني في شرح المواهب ١ ص ٣٦٦: رواه البخاري في بعض نسخه و مسلم والترمذي وغيرهم. ويوجد في تاريخ الطبري ١١ ص ٣٥٧.

٥ - سورة الحجرات: ٨.


الشهوات، وإنّما هي ملوكيّةٌ إرتادها ليملك الأزمّة، وتُلقى عنده الأعنّة، ويحتنك أمر الأُمّة، وفي الأخير تمَّ له ذلك تحت رواعد الإرهاب، ولوائح الأطماع في منتئىً عن الدين والإصلاح، فثبت عرش ملوكيّته بين مهراق الدِّماء ومنتهك الشرايع، ومضلّات الفتن، ولو لم يكن له بائقةٌ إلّا استخلاف يزيد الفجور على الأُمّة بالترهيب والإطماع لكفاه حيفاً يجب أن يكتسح عن مستوى الإسلام وبلاد المسلمين.

٢ - قال: أمّا معاوية فإنَّه بدون ريب يرى نفسه عظيماً من عظماء قريش لأنّه إبن شيخها أبي سفيان بن حرب وأكبر وُلد أُميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف، كما أنَّ عليّاً أكبر ولد هاشم بن عبد مناف، فهما سيّان في الرفعة النسبيّة (ج ٢ ص ٦٧)

ج - ماذا أقول لمغفَّل؟! يرى عنصر النبوَّة، وآصرة القداسة المنتقلة بين أسلابٍ طاهرة، وأرحامٍ زكيَّة، من نبيّ إلى وصيٍّ إلى وليٍّ إلى حكيمٍ إلى عظيمٍ إلى شريفٍ إلى خاتم الرِّسالة إلى وصيِّه صاحب الولاية الكبرى، لدة العنصر الأبشميِّ، ويراهما في الرفعة والشرف سيّان، وشتّان بين الشجرتين:( شَجَرَةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّماءِ ) .( شَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَالَهَا مِن قَرَارٍ ) . وما أبعد ما بين الشجرتين:( شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ ) ،( الشّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) (١) بتأويل من النبيِّ الأعظم(٢) بلا اختلاف بين إثنين في أنَّهم هم المراد من الشجرة الملعونة كما في تاريخ الطبري ١١ ص ٣٥٦.

وكيف يراهما الرَّجل سيّان؟! والنَّبيُّ الأعظم يقول: إنَّ الله اختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشاً، وأختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم(٣) .

وكيف يراهما سيّان؟! وقد استاء رسول الله صلّى الله عليه وآله من ثمار هذه الشجرة الملعونة طيلة حياته فما رؤي ضاحكاً من يوم رأى في منامه أنَّهم ينزون على منبره نزو

_____________________

١ - سورة الإسراء: ٦٠.

٢ - تاريخ الطبري ١١ ص ٣٥٦، تاريخ الخطيب ٣ ص ٣٤٣، تفسير القرطبي ١٠ ص ٢٨٦، تفسير النيسابوري ١٥ ص ٥٥ هامش تفسير الطبري.

٣ - أخرجه البيهقي، إبن عدي، الحكيم، الطبراني، إبن عساكر، راجع كنز العمال ٦ ص ٢٠٤.


القردة والخنازير.(١) فأنزل الله:( وَمَا جَعَلْنَا الرّؤْيَا الّتِي أَرَيْنَاكَ إِلّا فِتْنَةً لّلنّاسِ ) .

وكيف يراهما سيّان؟! وبنو أُميَّة هم الذين اتَّخذوا عباد الله خولا، ومال الله نحلا، وكتاب الله دغلا. كما أخبر به النبيُّ الصّادق الأمين(٢) .

وكيف يرى أبا سفيان شيخ قريش؟! وهو عارها وشنارها وهو الملعون بنصِّ النبيِّ الأعظم بقوله: أللهمَّ؟ العن التابع والمتبوع، أللّهمَّ، عليك بالأُقيعس(٣) يوم رأى أبا سفيان ومعه معاوية. وبقوله: أللّهمّ العن القائد والسائق والراكب. يوم نظر إليه وهو راكبٌ ومعه معاوية وأخوه أحدهما قائدٌ والآخر سائق(٤) .

وكيف يراه شيخ قريش لدة شيخ الأبطح؟! وفيه قال علقمة:

إنَّ أبا سفيان من قبله

لم يك مثل العُصبة المسلمهْ

لكنَّه نافق في دينه

من خشية القتل على المرغمهْ

بُعداً لصخرٍ مع أشياعه

في جاحم النّار لدى المضرمهْ(٥)

وليت الخضري يقرأ كلمة المقريزي في النزاع والتخاصم ص ٢٨ وهي: أبو سفيان قائد الأحزاب الذي قاتل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم أُحد، وقتل من خيار أصحابه سبعين ما بين مهاجريٍّ وأنصاريٍّ منهم: أسد الله حمزة بن عبد المطلب بن هاشم، وقاتل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في يوم الخندق أيضاً وكتب إليه:

باسمك اللهمّ أحلف باللّات والعزّى وساف ونائلة وهبَل، لقد سرت إليك أُريد استئصالكم. فأراك قد اعتصمت بالخندق فكرهت لقائي ولك منّي كيوم أُحد.

وبعث بالكتاب مع أبي سلمة الجشمي فقرأه النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أُبيّ بن كعب رضي الله عنه فكتب إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (قد أتاني كتابك وقديماً غرَّك يا أحمق بني غالب وسفيههم

_____________________

١ - تفسير الطبري ١٥ ص ٧٧، تاريخ الطبري ١١ ص ٣٥٦، تاريخ الخطيب ٩ ص ٤٤ ج ٨ ص ٢٨٠، تفسير النيسابوري هامش الطبري ١٥ ص ٥٥، تفسير القرطبي ١٠ ص ٢٨٣، النزاع والتخاصم ص ٥٢، أسد الغابة ٣ ص ١٤ من طريق الترمذي، الخصايص الكبرى ٢ ص ١١٨ عن الترمذي والحاكم والبيهقي، تفسير الخازن ٣ ص ١٧٧.

٢ - النزاع والتخاصم ص ٥٢، ٥٤، الخصايص الكبرى ٢ ص ١١٨.

٣ - قال البراء بن عازب: يعني معاوية.

٤ - كتاب نصر بن مزاحم في حرب صفين ٢٤٤، ١٤٨، تاريخ الطبري ١١ ص ٣٥٧.

٥ - كتاب نصر ص ٢١٩.


بالله الغرور وسيحول الله بينك وبين ما تُريد، ويجعل لنا العاقبة، وليأتينَّ عليك يومٌ أكسر فيه اللّات والعزّى وساف ونائلة وهبَل يا سفيه بني غالب).

ولم يزل يُحادُّ الله ورسوله حتّى سار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لفتح مكّة فأتى به العبّاس إبن عبد المطلب رضي الله عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد أردفه، وذلك أنَّه كان صديقه و نديمه في الجاهليَّة، فلمّا دخل به على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سأله أن يؤمنه فلمّا رآه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال له: ويلك يا أبا سفيان؟ ألم يأن لك أن تعلمَ أن لا إله إلّا الله؟ فقال: بأبي أنت وأُمّي ما أوصلك وأجملك وأكرمك، والله لقد ظننت أنَّه لو كان مع الله غيره لقد أغنى عنّي شيئاً. فقال يا أبا سفيان؟ ألم يأن لك أن تعلم أنّي رسول الله؟ فقال: بأبي أنت وأُمّي ما أوصلك وأجملك وأكرمك، أمّا هذه ففي النفس منها شيءٌ. فقال له العبّاس: ويلك؟ إشهد لشهادة الحقّ قبل أن تُضرب عنقك. فشهد وأسلم. فهذا حديث إسلامه كما ترى، واختلف في حسن إسلامه فقيل: إنَّه شهد حُنيناً مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكانت الأزلام معه يستقسم بها، وكان كهفاً للمنافقين، وإنّه كان في الجاهليَّة زنديقاً، وفي خبر عبد الله بن زبير إنَّه رآه يوم اليرموك قال: فكانت الروم إذا ظهرت قال أبو سفيان: إيه بني الأصفر، فإذا كشفهم المسلمون قال أبو سفيان:

وبنو الأصفر الملوك ملوك الرّ

وم لم يبق منهمُ مذكورُ(١)

فحدَّث به الزبير أباه فلمّا فتح الله على المسلمين فقال الزبير: قاتله الله يأبى إلّا نفاقاً، أو لسنا خيراً من بني الأصفر؟.

وذكر المدايني عن أبي زكريّا العجلاني عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: حجَّ أبو بكر رضي الله عنه ومعه أبو سفيان بن حرب فكلّم أبو بكر أبا سفيان فرفع صوته فقال: أبو قحافة اخفض صوتك يا أبا بكر عن ابن حرب. فقال: أبو بكر يا أبا قحافة إنَّ الله بنى بالإسلام بيوتاً كانت غير مبنيَّة، وهدم به بيوتاً كانت في الجاهليَّة مبنيَّة وبيت أبي سفيان ممّا هدم. اهـ.

وكان يوم بويع أبو بكر يثير الفتن ويقول: إنّي لأرى عجاجةً لا يطفئها إلّا دم، يا آل عبد مناف؟ فيمَ أبو بكر من أُموركم؟ أين المستضعفان؟ أين الأذّلان عليٌّ و

_____________________

١ - هذا البيت من جملة أبيات للنعمان بن امرئ القيس.


عبّاسٌ؟ ما بال هذا الأمر في أقلِّ حيٍّ من قريش؟ ثمَّ قال لعليّ: أبسط يدك أُبايعك، فوالله لئن شئت لأملأنّها عليه خيلاً ورجلاً، فأبى عليٌّ عليه السلام عليه فتمثل بشعر المتلمس(١) :

ولن يُقيم على خسف يُراد به

إلّا الأذلّان غير الحيِّ والوتدُ

هذا على الخسف مربوطٌ برمَّته

وذا يشجُّ فلا يبكي له أحدُ

فزجره عليٌّ وقال: والله ما أردت بهذا إلّا الفتنة، وإنّك والله طالما بغيت للإسلام شرّاً، لا حاجة لنا في نصحك(٢) وجعل يطوف في أزقَّة المدينة ويقول:

بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكمُ

ولا سيّما تيم بن مرَّة أو عدي

فما الأمر إلّا فيكمُ وإليكمُ

وليس لها إلّا أبو حسن علي

فقال عمر لأبي بكر: إنَّ هذا قد قدم وهو فاعلٌ شرّاً، وقد كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يستألفه على الإسلام فدع له ما بيده من الصَّدقة. ففعل فرضي أبو سفيان وبايعه(٣)

وقد سبق الخضري في رأيه هذا معاوية فقال فيما كتب إلى عليٍّ أمير المؤمنين: نحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضلٌ. فأجاب عنه أمير المؤمنين بقوله: لعمري إنّا بنو أبٍ واحدٍ ولكن ليس أُميَّة كهاشم. ولا حربٌ كعبد المطلب. ولا أبو سفيان كأبي طالب. ولا المهاجرُ كالطَّليق. ولا الصَّريح كاللصيق. ولا المحقُّ كالمبطل. ولا المؤمنُ كالمدغل. ولبئس الخلف خلَفٌ يتبع سلفاً هوى في نار جهنَّم، وفي أيدينا بعدُ فضل النبوَّة(٤) .

(قال الأميني) ألم يأتهم نبأ الَّذين من قبلهم؟! قل: هو نبأ عظيمٌ أنتم عنه معرضون.

٣ - قال: نقول إنَّ فكر معاوية في اختيار الخليفة بعده حسنٌ جميلٌ، وإنَّه

_____________________

م ١ - هو جرير بن عبد المسيح من بني ضبية، توجد ترجمته في «الشعر والشعراء» لابن قتيبة، و«معجم الشعراء».

٢ - الكامل لابن الأثير ٢ ص ١٣٥.

٣ - العقد الفريد ٢ ص ٢٤٩.

٤ - كتاب صفين لابن مزاحم ٥٣٨، ٥٣٩، الإمامة والسياسة ١ ص ١٠٠، مروج الذهب ٢ ص ٦١، نهج البلاغة ٢ ص ١٢، شرح بن أبي الحديد ٣ ص ٤٢٤، م - ربيع الأبرار للزمخشري باب ٦٦).


ما دام لم توضع قاعدةٌ لانتخاب الخلفاء، ولم يعيِّن أهل الحلِّ والعقد الَّذين يُرجع إليهم، فأحسن ما يُفعل هو أن يختار الخليفة وليّ عهد قبل أن يموت، لأنَّ ذلك يبعد الإختلاف الذي هو شرٌّ على الأُمّة من جور إمامها. ص ١١٩.

وقال: وممّا انتقد الناس معاوية أنّه اختار ابنه للخلافة وبذلك سنَّ في الإسلام سنَّة الملك المنحصر في أُسرةٍ معيَّنة بعد أن كان أساسه الشورى ويختار من عامّة قريش وقالوا: إنَّ هذه الطريقة التي سنّها معاوية تدعوا في الغالب إلى انتخاب غير الأفضل الأليق من الأُمّة، وتجعل في أُسرة الخلافة الترف والانغماس في الشهوات والملاذ والرفعة على سائر الناس.

أمّا رأينا في ذلك فإنَّ هذا الإنحصار كان أمراً حتماً لا بدَّ منه لصلاح أمر المسلمين وأُلفتهم ولمِّ شعثهم، فإنّه كلّما اتَّسعت الدائرة التي منها يُختار الخليفة كثر الذين يرشِّحون أنفسهم لنيل الخلافة، وإذا انضمَّ إلى ذلك اتِّساع المملكة الإسلاميَّة، وصعوبة المواصلات بين أطرافها، وعدم وجود قوم معيَّنين يرجع إليهم الإنتخاب، فإنَّ الإنتخاب واقع، ونحن نشاهد أنّه مع تفوُّق بني عبد مناف على سائر قريش؛ واعتراف الناس لهم بذلك وهم جزءٌ صغيرٌ من قريش فإنَّهم تنافسوا الأمر وأهلكوا الأُمّة بينهم، فلو رضي الناس عن أُسرةٍ ودانوا لها بالطاعة واعترفوا باستحقاق الولاية لكان هذا خير ما يُفعل لضمِّ شعث المسلمين ص ١٢٤.

إنَّ أعظمٍ مَن ينتقد معاوية في تولية إبنه هم الشيعة مع أنَّهم يرون إنحصار ولاية الأمر في آل عليّ، ويسوقون الخلافة في بنيه، بتركها الأب منهم للإبن، وبنو العبّاس أنفسهم ساروا على هذه الخطّة.

ج - لم ينتقد معاوية مَن ينتقده لمحض اختياره وإنّما انتقده من ناحيتين: الأولى عدم لياقته للتفرُّد وهو كما قال أمير المؤمنين في كلام له: لم يجعل الله عزَّ وجلَّ له سابقة في الدين، ولا سلف صدق في الإسلام، طليق إبن طليق، حزبٌ من هذه الأحزاب لم يزل لله عزَّ وجلَّ ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم وللمسلمين عدوّاً هو وأبوه حتّى دخلا في الإسلام كارهين(١) وفي الأُمّة أهل الحلِّ والعقد الذين اختاروا خلافة أبي بكر، ثمَّ وافقوا

_____________________

١ - تاريخ الطبري ٦ ص ٤.


على الوصيَّة إلى عمر وأقرّوها، وأصفقوا مع أهل الشورى على خلافة عثمان، وأطبقوا على البيعة طوعاً ورغبةً لمولانا أمير المؤمنين فثبتت خلافته، ووجبت طاعته، ولزمت معاوية بيعته، فكان هؤلاء موجودين بأعيانهم أو بنظرائهم وهم الَّذين نقموا على معاوية ذلك العقد المشوم.

الثانية: عدم لياقة من عيَّنه من بعده وهو ذلك الماجن المتخلّع المتظاهر بالفجور إن لم نقل بالكفر والإلحاد.

أمّا عدم تعيين أهل الإختيار فإن أراد عدم تعيّنهم فذلك بهتانٌ عظيمٌ لإنَّ الموجودين في الصدر الأوّل في عاصمة الإسلام المدينة المنوَّرة الذين تصدَّوا لتعيين الخليفة هم أهل الحلِّ والعقد، وكان أكثرهم موجودين إلى ذلك العهد، وأمّا من توفي منهم فقد قيَّضت الظروف من بعدهم مَن يسدُّ مسدَّهم، فإن يكن هؤلاء مفوَّضاً إليهم أمر الخلافة بادء بدء فهم المفوَّض إليهم أمرها مهما تناقلت الخلافة، فليس لأحد أن يختار من دون رضاً منهم، وإنَّ هؤلاء القوم تُعيِّنهم الظروف والأحوال والمقتضيات المكتنفة بهم، ولا يُعيِّنهم نصٌّ من الكتاب أو السنَّة.

وإن أراد عدم تعيين هؤلاء الخليفة من بعد معاوية فإنَّ ظرف التعيين ساعة موت الخليفة لا قبله. نعم: قد تنعقد الضمائر على انتخاب من يرون له الأهليَّة في أبّان الإنتخاب، وما أدرى معاوية أنَّهم سوف يهملون أمر الأُمَّة ساعة هلاكه؟ ولماذا تفرَّد بالإنتخاب من دون رضىً منهم؟ ولماذا خضَّع أفراداً من القوم بالتخويف وآخرين بالتطميع؟ ومتى أبعد إنتخابه الإختلاف الذي هو شرٌّ على الأُمَّة؟ وفي الملأ الدينيِّ أُممٌ ينقمون منه ذلك، وجموعٌ ينتقدونه، وشراذم يضمرون السخط ويتظاهرون به حذار بادرته. نعم: هناك زعانفةٌ اشتروا رضى المخلوق بسخط الخالق، وأعمتهم الصرر والبدر، فأبدوا الرضا.

ولو كانت هذه الفكرة حسنةً جميلةً فلماذا فاتت رسول الله صلّى الله عليه وآله حين دنت منه الوفاة؟ فلم يرحض عن أُمَّته معرَّة الخلاف، وترك المراجل تغلي حتّى اليوم. وهل ترى لو كان أوصى إلى معيَّن من أُمَّته بالخلافة يوجد هناك لأحد مطمع غير المنصوص عليه؟ ودعى سعد بن عبادة إلى نفسه؟ وقال قائل الأنصار منّا أميرٌ، ومنكم أميرٌ؟ وهتف


هاتفٌ أنا جُذيلها المحكّك وعُذيقها المرجَّب؟ وازدلف المهاجرون إلى أبي بكر؟ واجتمع ناسٌ إلى العبّاس؟ وبنو هاشم ومن يمتُّ بهم وينتمي إليهم يقولون: إنَّها لأمير المؤمنين صلوات الله عليه؟ هذه أسئلةٌ حافلةٌ ليس للخضري عنها جوابٌ إلّا أن يدَّعي أنَّ معاوية كان أشفق بالأُمَّة من رسول الله صلى الله عليه وآله.

وأيّ خلاف رفعه تعيين يزيد وعلى عهده كانت واقعة الطفِّ، وتلاها فاجعةُ الحرّة، وأعقبهما أمر ابن الزبير، وقصّة البيت المعظّم؟! كلُّ ذلك من جرّاء ذلك الإختيار، وثمرة تلك الفكرة الفاسدة، وفي الناقمين سبط النبوّة حسين العظمة صلوات الله. عليه وبقيَّة بني عبد مناف وعامّة المهاجرين والأنصار في المدينة المنوَّرة.

ثمَّ إن كان معاوية لم يجد بُدّاً من الإختيار فلماذا لم يختر صالحاً من صلحاء الصِّحابة؟ وفي مقدَّمهم سبط رسول الله الإمام الطاهر، ولا معدل عنه في حنكة أو علم أو تقوى أو شرف.

وكيف راق «الخضري» أن يرى هذا الإختيار حسناً جميلاً صالح الأمّة ولم يره حيفاً وجنايةً عليها وعلى إسلامها ورسولها وكتابها وسنّتها؟! ورسول الله صلّى الله عليه وآله يوقظ شعور أُمّته قبل ذلك بأعوام بقوله: إنَّ أوّل من يُبدِّل سنّتي رجلٌ من بني أُميّة(١) وقوله: لا يزال هذا الأمر معتدلاً قائماً بالقسط حتّى يثلمه رجلٌ من بني أُميّة يقال له يزيد(٢) .

م - وأخرج إبن أبي شيبة وأبو يعلى: إنَّ يزيد لما كان أبوه أمير الشام غزا المسلمون فحصل لرجل جارية نفيسة فأخذها منه يزيد فاستعان الرجل بأبي ذرّ فمشى معه إليه وأمره بردِّها ثلاث مرّات وهو يتلكّأ فقال: أما والله لئن فعلت فقد سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: أوَّل من يُبدِّل سنَّتي لرجل من بني أُميّة: ثمَّ ولّى، فتبعه يزيد فقال: أذكرك بالله أنا هو؟ فقال: لا أدري، وردَّها يزيد.

قال إبن حجر في تطهير الجنان هامش الصواعق ص ١٤٥: لا يُنافي هذا الحديث

_____________________

١ - الخصايص الكبرى ٢ ص ١٣٩، تطهير الجنان في هامش الصواعق ص ١٤٥

٢ - الخصايص الكبرى ٢ ص ١٣٩، تطهير الجنان في هامش الصواعق ص ١٤٥ وقال: مسند؟ رجاله رجال الصحيح إلّا أن فيه انقطاعاً.


المذكور المصرِّح بيزيد إمّا لأنّه بفرض كلام أبي ذر على حقيقته لكون أبي ذر لم يعلم بذلك المبهم، فقوله: لا أدري. أي في علمي وقد بيّن إبهامه في الرِّواية الأولى، و المفسِّر يقضي على المبهم. وإمّا لأنَّ أبا ذر علم أنَّه يزيد ولكنه لم يصرِّح له بذلك خشية الفتنة، لا سيّما وأبو ذر كان بينه وبين بني أميَّة أُمورٌ تحملهم على أنَّهم ينسبونه إلى التحامل عليهم].

وأمّا رأيه في حصر الخلافة باُسرة فإنّا لا نناقشه إلّا من عدم جدارة الأُسرة التي يجنح إليها «الخضري» للخلافة. نعم: لا بأس به إذا حصرت باُسرةٍ كريمةٍ تتحلّى باللباقة والحذق من النّاحية الدينيَّة والسياسيَّة، ونحن لا نقول بلزوم الحصر المذكور مع عدم اللياقة، فإنَّه غير وافٍ لقمِّ جذور الفساد، وقمع حذوم الإختلاف، فالأُمَّة متى وجدت من خليفتها الحيف والجنف تثور عليه وتخلعه، وبطبع الحال يطمع في الخلافة عندئذ من هو أزكى منه نفساً، وأطيب أُرومةً، وأكرم خلقاً، وحتّى مَن يُساويه في الغرائز، فأيّ مفسدةٍ اكتسحها حصر الخلافة والحالة هذه؟!

جير: إذا حصرت بمن ذكرناه وشاهدت الأُمَّة منهم التأهّل، فإنَّ فيه منقطع أطماع الخارجين عن الأُسرة من ناحية خروجهم عن البيت المعيَّن لها، ودحض معاذير الثوّار والمشاغبين من ناحية عدم وجود أحداث توجب الثورة والخروج، وعندئذ تتأكّد خضوع الأُمَّة لخليفة شأنه ما ذكرناه، فتعظم شوكته، وتتَّسق أُموره، وتمتثل أوامره، فلا يدع معرَّة إلّا اكتسحها، ولا صلاحاً إلّا بثّه، والشيعة لا تقول بحصر الخلافة في آل عليٍّ عليهم السلام إلّا بعد إخباتها إلى سريان ناموس العصمة في رجالات بيتهم المعيّنين للخلافة المدعومة بالنصوص النبويَّة المتواترة راجع ص ٧٩ - ٨٢ من هذا الجزء.

٤ - قال: وعلى الجملة فإنَّ الحسين أخطأ خطأً في خروجه هذا الذي جرَّ على الأُمَّة وبال الفرقة والإختلاف، وزعزع عماد أُلفتها إلى يومنا هذا، وقد أكثر الناس من الكتابة في هذه الحادثة لا يُريدون بذلك إلّا أن تشتعل النيران في القلوب فيشتدُّ تباعدها، غاية ما في الأمر أنَّ الرجل طلب أمراً لم يُهيَّأ له، ولم يعدّ له عدَّته، فحيل بينه وبين ما يشتهي وقُتل دونه، وقبل ذلك قُتل أبوه، فلم يجد من


أقلام الكاتبين ومن يبشع أمر قتله ويزيد به نار العداوة تأجيجاً، وقد ذهب الجميع إلى ربِّهم يُحاسبهم على ما فعلوا؟ والتاريخ يأخذ من ذلك عبرةً وهي: أنَّه لا ينبغي لمن يُريد عظائم الأُمور أن يسير إليها بغير عدَّتها الطبيعيَّة، فلا يرفع سيفه إلّا إذا كان معه من القوَّة ما يكفل النجاح أو يقرب من ذلك، كما أنَّه لا بدَّ أن تكون هناك أسباب حقيقيَّة لمصلحة الأُمَّة، بأن يكون جورٌ ظاهرٌ لا يحتمل، وعسفٌ شديدٌ ينوء الناس بحمله، أمّا الحسين فإنَّه خالف يزيد وقد بايعه الناس، ولم يظهر منه ذلك الجور ولا العسف عند إظهار هذا الخلاف ١٢٩ - ١٣٠. وقبل هذه الجمل يبرِّر ساحة يزيد عن الظلم والجور ويراه قرَّب عليَّ بن الحسين إليه وأكرمه ونعَّمه.

ج - ليت الرَّجل كتب ما كتب بعد الحيطة بشئون الخلافة الإسلاميَّة و شروطها، وما يجب أن يكتنفه الخليفة من حنكةٍ لتدبير الشئون، وملكةٍ لتهذيب النفوس، ونزاهةٍ عن الرذائل ليكون قدوةً للأُمَّة، ولا ينقض ما يدعو إليه ببوائقه، إلى أمثالها من غرائز يجب أن يكون حامل ذلك العبء الثقيل متحلّياً بها، لكنَّه كتب وهو يجهل ذلك كلّه، وكتبه على حين أنه لم يحمل إلّا نفساً ضئيلة تقتنع بما يحسبه دعةً تحت نير الإضطهاد، وعلى حين أنَّ ضعف الرأي ودقَّة الخطر يُحبِّذان له راحةً مزعومةً في ظلِّ الإستعباد، فلا نفس كبيرة تدفعه إلى الهرَب من حياة الذلِّ، ولا عقلٌ سليمٌ يُعرِّفه مناخ الضِّعة، ولا إحاطة بتعاليم الإسلام تُلقِّنه دروس الآباء والشهامة، ولا معرفة بعناصر الرِّجال ليعلم من نفسيّاتهم الكمَّ والكيف، فلا عرف يزيد الطاغية حتّى يعلم أنّه لا مقيل له في مستوى الخلافة. ولاعرف حسين السؤدد والشرف والإباء و والشهامة، حسين المجد والإمامة، حسين الدين واليقين، حسين الفضل والعظمة، حسين الحقِّ والحقيقة، حتّى يخبت إلى أنَّ مَن يحمل نفساً كنفسه لا يمكنه البخوع ليزيد الخلاعة والمجون، يزيد الإستهتار والفسوق، يزيد النهمة والشره، يزيد الكفر والإلحاد.

لم ينهض بضعة المصطفى إلّا بواجبه الدينيِّ، فإنَّ كلّ معتنقٍ للحنيفيّة البيضاء يرى في أوَّل فرايضه أن يُدافع عن الدين بجهاد مَن يريد أن يعبث بنواميسه، ويعيث في طقوسه، ويُبدِّل تعاليمه، ويُعطِّل أحكامه، وإنَّ أظهر مصاديق كلّي ينطبق عليه هذه الجمل هو: يزيد الجور والفجور والخمور، الذي كان يُعرف بها على عهد أبيه كما قال مولانا الحسين


عليه السلام لمعاوية لما أراد أخذ البيعة له: تريد أن توهم الناس؟! كأنَّك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تُخبر عمّا كان ممّا أحتويته بعلم خاصّ، وقد دلَّ يزيد من نفسه على موقع رأيه فخذ يزيد فيما أخذ به من إستقرائه الكلاب المهارشة(١) عند التحارش، والحمام السبّق لأترابهنَّ، والقينات ذوات المعازف(٢) وضروب الملاهي، تجده ناصراً، دع عنك ما تُحاول، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه(٣)

وقال عليه السلام لمعاوية أيضاً: حسبك جهلك آثرت العاجل على الآجل. فقال معاوية: وأمّا ما ذكرت من: أنَّك خيرٌ من يزيد نفساً. فيزيد والله خيرٌ لأُمَّة محمَّد منك. فقال الحسين: هذا هو الإفك والزور، يزيد شارب الخمر ومشتري اللهو خيرٌ منّي؟(٤)

وفي كتاب المعتضد الذي تُلي على رؤوس الأشهاد في أيّامه ما نصّه: ومنه: إيثاره (يعني معاوية) بدين الله، ودعاؤه عباد الله إلى ابنه يزيد المتكبِّر الخمِّير صاحب الديوك والفهود والقرود، وأخذه البيعة له على خيار المسلمين بالقهر والسطوة والتوعيد والإخافة والتهدّد والرهبة، وهو يعلم سفهه، ويطَّلع على خبثه ورهقه، ويُعاين سكرانه وفجوره وكفره، فلمّا تمكّن منه ما مكّنه منه ووطَّأه له وعصى الله ورسوله فيه، طلب بثارات المشركين وطوائلهم عند المسلمين، فأوقع بأهل الحرَّة الوقيعة التي لم يكن في الإسلام أشنع منها ولا أفحش ممّا ارتكب من الصالحين فيها، وشفى بذلك عَبد نفسه وغليله، وظنَّ أن قد انتقم من أولياء الله، وبلغ النوى لأعداء الله فقال مجاهراً بكفره ومظهراً لشركه:

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسلْ

قد قتلنا القرم من ساداتهم

وعدلنا ميل بدرٍ فاعتدلْ

فأهلًوا واستهلّوا فرحاً

ثمَّ قالوا: يا يزيدُ لا تشلْ

لستُ من خندف إن لم أنتقم

من بني أحمد ما كان فعلْ

_____________________

١ - المهارشة، تحريش بعضها على بعض.

٢ - المعازف ج معزف: آلات يضرب بها كالعود.

٣ - الإمامة والسياسة ١ ص ١٥٣.

٤ - الإمامة والسياسة ١ ص ١٥٥.


لعبت هاشم بالملك فلا

خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزلْ

هذا هو المروق من الدين، وقول من لا يرجع إلى الله وإلى دينه ولا إلى كتابه ولا إلى رسوله، ولا يؤمن بالله ولا بما جآء من عند الله، ثمَّ من أغلط ما انتهك، و أعظم ما اخترم سفكه دم الحسين بن عليّ وابن فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع موقعه من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومكانه منه ومنزلته من الدين والفضل وشهادة رسول الله له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنَّة إجتراءً على الله، وكفراً بدينه، وعداوةً لرسوله ومجاهدةً لعترته، وإستهانةً بحرمته، فكأنَّما يقتل به وبأهل بيته قوماً من كفّار أهل الترك والديلم، لا يخاف من الله نقمةً، ولا يرقب منه سطوةً، فبتر الله عمره؛ واجتثَّ أصله وفرعه، وسلبه ما تحت يده، وأعدَّ له من عذابه وعقوبته ما استحقَّه بمعصيته. إلخ.

راجع تأريخ الطبري ١١ ص ٣٥٨

وقبل هذه كلّها ما مرَّ ص ٢٥٧ من قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من أنّ أوَّل من يُبدِّل سنَّته رجلٌ من بني أُميَّة، ولا يزال الأمر معتدلاً قائماً بالقسط حتّى يثلمه رجلٌ من بني أُميَّة يُقال له: يزيد.

وإلى مثل هذه كان يرمي كلُّ من ينقم بيعة يزيد، فخلافة مثله وهو على هذه الحالة خطرٌ عظيمٌ على الدين والمسلمين من شتّى النواحي:

١ - فقومٌ تتضعضع ضمايرهم عن الدين لِما تمركز في الأدمغة من أنّ الخليفة يجب أن يكون مسانخاً لمن يتخلّف عنه، والناشئة الذين لم يدركوا عصر النبوَّة و لم يكهربهم التعاليم الصحيحة في العصور المظلمة، تُخالجهم هذه الشبهة بأسرع ما يكون، فيحسبون أنَّ قداسة النبيِّ الأعظم كانت ملوَّثة (العياذ بالله) بأمثال هذه الأدناس من دون علم بأنَّ الرَّجل خليفة أبيه لا خليفة رسول الله، وإنَّما سنَّمه ذلك العرش المطامع والشره من جانب، والتخويف والإرهاب من جانب.

٢ - قومٌ يروقهم اقتصاص أثر الخليفة في تهتّكه لميل النفوس إلى الإستهتار ورفض القيود تارة، ومن جهة حبِّ التشبّه بالعظماء والساسة طوراً، (والناس على دين مليكهم) والناس إذا استهوتهم الشهوات لا يقفون على حدّ، فتكثر فيهم الموبقات، وتشيع الفواحش، فمن فجورٍ إلى مثله، ومن فاحشةٍ إلى أُخرى، فلا يمرُّ يسيرٌ من


الزَّمن إلّا ومملكة الإسلام مبائةٌ للمنكرات، ومستوىً للفواحش، حتى لا تبقى من نواميس الدين عينٌ ولا أثرٌ.

٣ - وهناك أقوامٌ ينكرون هذه المظاهر وقد أفلتت من أيديهم المظاهر الدينيّة، فهم بين حائر لا يدري اين يولّي وجهه وممَّن يأخذ معالم دينه، وبين مَن تتسرَّب إليه الشبه خلال هاتيك الظلمات الدامسة، فلا يُشعر حتّى يرى نفسه في هلكة الجاهليَّة الأولى.

٤ - إذا سادت الخلاعة بين أيِّ أُمَّة من ملوكها وسوقتها وأُمرائها وزعمائها فهي بطبع الحال تلتهي عن الشئون الإجتماعيَّة والإداريَّة ودحض الفوضى، ومقاومة القلاقل الداخليَّة، فهنالك يسود فيها الضعف إختلال نظامها، فتنبو عن الدفاع عن ثغورها واستقلالها، فتطمع فيها الأجانب، وتكثر عليها الهجمات، فلا يمرُّ عليها ردحٌ قصيرٌ من الزمن إلّا وهو فريسة الضاري، وأُكلة الجشع، وطعمة كلِّ مخالف.

٥ - إنَّ نواميس الإسلام كانت بطبع الحال تبلغ إلى أُمم نائية عن مملكته فيروقها جمالها البهيج، وحكمتها البالغة، وموافقتها العقل والمنطق، وأعمال رجالها المخلصين، فيكون فيهم من يتأثَّر بجاذبتها، أو يكون على وشك من اعتناقها، ولا أقلَّ من الحبّ الممتزج لنفسيّاتهم، لكن بينما القوم على هذه الحالة إذا تعاقب تلك الأنباء ما يُضادّها من عادات هذا الدور الجديد الحالك، وأخبارها الموحشة تحت راية تلك الخلافة الجائرة، وبلغهم أنَّ هاتيك التعاليم الوضيئة قد هجرت، والمطَّرد في مملكة الإسلام غيرها بشهوةٍ من الخليفة، وانهماكٍ من القوّاد. وتهالكٍ من الزَّعامة، وتفانٍ من السوقة، فسرعان ما تعود تلك السمعة مشوَّهة، ويعود ذلك الحبّ بغضاً من غير تمييز بين الأصيل والدخيل من الأعمال، فتكون الحالة معثرة في سبيل سير الإسلام وتسرّيه إلى الأجانب.

٦ - أضف إلى هذه كلّها ما كان يظهر من فلتات ألسنة الأمويِّين، ويُرى في فجوات أعمالهم من نواياهم السيِّئة على الدين والمسلمين، وقد علمنا من ذلك أنَّهم لم يقلعهم عن دينهم الوثنيِّ الأوَّل إلّا خشية السيف، والطمع في الزَّعامة، فأقلّ شيء ينتظر منهم على ذلك عدم إهتمامهم بنشر معالم الدين إن لم يردَّ الأُمَّة عن سيرها الدينيِّ


القهقرى، فتبقى مرتطمة بين هذه وبين تهالكها في الفجور وسيِّئ الخلق، فتعود دولةً قيصريَّةً ومملكةً جاهليَّةً.

ثمَّ إنَّ نفس الخليفة إذا شاهد من استحوذ عليهم من الأُمم على هذه الأحوال، و علم أنَّه قد ملك الرقاب ولا منكر عليه من بينهم على مأثم يرتكبها أو سيِّئات يجترحها فإنَّه بالطبع يتوغَّل في غلوائه، ويزداد في انهماكه، ويشتدُّ في التفرعن والإستعباد.

فأيّ خطرٍ (أيّها الخضري) أعظم على المجتمع الدينيِّ من هذه الأحوال؟! وأيّ مصلحة أعظم من اكتساح هذه المعرَّة؟ تدفع كلّ دينيّ غيور إلى النهوض في وجه هذه السلطة القاسية، وأيّ (عسف شديد ينوء الناس بحمله) أو (جور ظاهر لا يحتمل) أشدّ ممّا ذكرنا؟! الذي يترك كلّ متديِّن أن يرى من واجبه الإنكار عليه، والنهضة تجاهه ولو بمفرده، وإن علم أنّه مقتولٌ لا محالة، فإنّه وإن يُقتل في يومه لكن حياته الأبديَّة في سبيل الدين والشريعة لا تزال مُضعضعةً لأركان الدولة الظالمة، وهو فيها يتلو على الملأ صحيفة صاحبها السوداء، وإنّه كان مغتصباً ذلك العرش المقدَّس، و إنَّه إنَّما وئد هذا الإنسان دون إنكاره على جرائمه، ويتَّخذ الملأ الواقف على حديثه درساً راقياً من التضحية، والمفادات دون المبدء الصحيح، فيقتصّون أثره، ويحصل هناك قومٌ يرقّون لهذا المضحّي فينهضون لثاراته؛ وفي الأُمَّة بقيَّةٌ ساخطةٌ لمآثم المتغلّب، وفتكه بالمنكر عليه، فتلتقي الروحان: الثائرة والساخطة، فتنهك هذه قوى الدولة الغاشمة، وتتثَّبط الأُخرى عن مناصرتها، فيكون هناك بوار الظلم، وظهور الصالح العام.

وهكذا أثَّرتِ نهضة الحسين المقدَّسة حتّى أجهزت على دولة الأمويين أيّام حمارهم، وهكذا علّمت الأُمَّة دروسها الراقية، لكنَّ «الخضريُّ» ومن يلفُّ لفَّه قد أعشى الجهل أبصارهم بصائرهم.

لم يكن حسين التضحية يُريد ملكاً عضوضاً حتّى كان خروجه قبل الأُهبة خطأً عظيماً كما يحسبه «الخضريُّ» فيقول بملأ فمه: فحيل بينه وبين ما يشتهي وقُتل دونه..

وإنَّما أراد الفادي الكريم والمجاهد الظافر التضحية في سبيل الدين، ليُعلم الأُمَّة


بفظاظة الأمويِّين، وقسوة سياستهم، وابتعادهم عن الناموس البشريِّ فضلاً عن الناموس الدينيِّ، وتوغّلهم في الغلظة الجاهليَّة وعادات الكفر الدفين، ليعلم الملأ الدينيُّ أنَّهم كيف لم يوقروا كبيراً ولم يرحموا صغيراً، ولم يرقّوا على رضيع؛ ولم يعطفوا على إمرأة، فقدَّم إلى ساحات المفادات أغصان الرِّسالة، وأوراد النبوَّة، و أنوار الخلافة، ولم تبق جوهرة من هاتيك الجواهر الفردة، فلم يعتم هو ولا هؤلاء، إلّا وهم ضحايا في سبيل تلك الطلبة الكريمة.

سل كربلا كم من حشاً لمحمّدٍ

نهبت بها وكم استجزَّت من يدِ

أقمارُ تمٍّ غالها خسف الرَّدى

واغتالها بصروفه الزّمن الرَّدي

وما كان حسين العظمة بالذي تذهب أعماله إدراج الرِّياح لما هو المعلوم بين أُمَّة جدِّه من شموخ مكانته، ورفعة مقامه، وعلمه المتدفِّق، ورأيه الأصيل، وعدله الواضح، وتقواه المعلومة، وإنَّه ريحانه رسول الله صلّى الله عليه وآله المستقي من تيّار فضله، فلن تجد بين المسلمين من يُنكر عليه شيئاً من هذه المآثر وإن كان ممّن لا يدين بخلافته، فما كانت الأُمّة تفوه بشيءٍ حول نهضته القدسيَّة قبل التنقيب والنظر، وقد نقّبوا وتروَّوا فيها فوجدوها طبقاً لصالح المجتمع، فلم يُسمع من أحدهم غير تقديس أو إكبار، ولذلك لم تسمع أُذن الدهر من أيّ أحدٍ ما تجرَّأ به «الخضريُّ» بقوله: أخطأ.

إنّهم يقولون منكراً من القول وزوراً.

فالذي نستفيده من تاريخ السبط المفدّى هو وجوب النهوض في وجه كلِّ باطلٍ ومناصرة كلِّ حقّ، ولإبقاء هيكل الدين، ونشر تعاليمه، وبثِّ أخلاقه، نعم: يُعلمنا هذا التاريخ المجيد النزوع إلى إيثار الخلود في البقاء ولو باعتناق المنيَّة على الحياة المخدجة تحت نير الإستعباد، والمبادرة إلى الإنتهال من مناهل الموت لتخليص الأُمَّة من مخالب الجور والفجور، ويلزمنا بسلوك سنن المفاداة دون الحنيفيَّة البيضاء، والنزول على حكم الإباء دون مهاوي الذلِّ، هذا غيضٌ من فيض من دروس سيِّدنا الحسين عليه السلام التي ألقاها على أُمَّة جدِّه، لا ما جاء في مزعمة (الخضريِّ) من أنَّ التاريخ... إلخ.


وللخضريِّ من ضرائب ما ذُكر بوائق جمَّة ضربنا عنها صفحاً، وإنَّما أردنا إيقاظ شعور الباحث بما ذُكر إلى سنخ آراءه الأمويَّة.

( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ

إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى‏ مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ

اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً )

النساء: ١٠٨


٩

السنَّة والشيعة

بقلم السيِّد محمَّد رشيد رضا صاحب «المنار»

لم يقصد صاحب هذه الرسالة نقداً نزيهاً، أو حجاجاً صحيحاً وإن كان قد صبغها بصبغة الرد على العلامة الحجة في علوية الشيعة السيِّد محسن الأمين العاملي (حياه الله وبياه) لكنه لم يتهجم على حصونه المنيعة إلّا بسباب مقذع، أو إهانة قبيحة، أو تنابز بالألقاب، أو هتك شائن، ومعظم قصده إغراء الدول الثلث العربية: العراقية و الحجازية واليمانية بالشيعة بأكاذيب وتمويهات وعليه فليس من خطة الباحث نقد أمثالها، غير أنه لم نجد منتدحاً من الايعاز إلى شيئ من الأكاذيب والمخاريق المودعة فيها من وليدة فكرته أو ما نقله عن غيره متطلباً من علماء الشيعة تخطأه ما يرونه فيها خطأ، وهو يعلم أن الاعراض عنها هو الحزم لما فيه من السياسة الدولية الخارجة عن محيط العلم والعلماء.

١ - بدأ رسالته بتاريخ التشيّع ومذاهب الشيعة فجعل مبتدع أُصوله عبد الله بن سبا اليهودي، ورأى خليفة السبئيِّين في إداراة دعاية التفرُّق بين المسلمين بالتشيّع والغلوِّ زنادقة الفرس، وعدَّ من تعاليم غلاة الشيعة بدعة عصمة الأئمَّة، وتحريف القرآن، والبدع المتعلّقة بالحجَّة المنتظر، والقول بأُلوهيَّة بعض الأئمَّة والكفر الصريح.

وقسَّم الإماميَّة على المعتدلة القريبة من الزيديَّة، والغلاة القريبة من الباطنيَّة وقال: هم الذين لقَّحوا ببعض تعاليمهم الإلحاديَّة كالقول بتحريف القرآن وكتمان بعض آياته وأغربها في زعمهم سورةٌ خاصَّةٌ بأهل البيت يتناقلونها بينهم حتّى كتب إلينا سائحٌ سنِّيٌ مرَّة: إنَّه سمع بعض خطبائهم في بلد من بلاد ايران يقرؤها يوم الجمعة على المنبر، وقد نقلها عنهم بعض دعاة النصرانيَّة المبشِّرين، فهؤلاء الإماميَّة الإثنى عشريَّة ويلقَّبون بالجعفريَّة درجات.

وعدَّ من الإماميَّة بدعة البابيَّة ثمَّ البهائيّة الذين يقولون بأُلوهيّة البهاء ونسخه


لدين الإسلام وإبطاله لجميع مذاهبه. ومن وراء هذه الكلم المثيرة للفتن والإحن يرى نفسه الساعي الوحيد في توحيد الكلمة والإصلاح بعد السيِّد جمال الدين الأفغاني، ثمَّ بسط القول الخرافيَّ، والكلم القارصة.

والباحث يجد جواب كثير ممّا لفّقه من المخاريق فيما مرَّ من هذا الجزء من كتابنا، والسائح السنِّي الذي أخبر صاحب «المنار» من خطيب ايران لم يولد بعدُ، ومثله الخطيب الذي كان يهتف بتلك السورة المختلفة في الجمعات، ولا أنَّ الشيعة تُقيم لتلك السورة المزعومة وزناً، ولا تراها بعين الكتاب العزيز؛ ولا تجري عليها أحكامه، ويا ليت الرجل راجع مقدّمات تفسير العلّامة البلاغي (آلاء الرَّحمان) وما قاله في حقِّ هذه السورة وهو لسان الشيعة، وترجمان عقائدهم، ثمَّ كتب ما كتب حولها.

ونحن نرحِّب بهذا الحجاج الذي يستند فيه إلى المبشِّر النصرانيِّ، ومن جهله الشائن عدُّ البابيَّة والبهائيَّة من فرق الشيعة، والشيعة على بكرة أبيها لا تعتقد إلّا بمروقهم عن الدين وبكفرهم وضلالهم ونجاستهم، والكتب المؤلَّفة في دحض أباطيلهم لعلماء الشيعة أكثر من أن تُحصى وأكثرها مطبوعٌ منشورٌ.

٢ - قال: إختلال العراق دائماً إنَّما هو من الأرفاض، فقد تهرى أديمهم من سمِّ ضلالهم، ولم يزالوا يفرحون بنكبات المسلمين حتّى أنَّهم اتَّخذوا يوم انتصار الروس على المسلمين عيداً سعيداً، وأهل ايران زيَّنوا بلادهم يومئذ فرحاً وسروراً ص ٥١(١) .

ج - عجباً للصلافة. أيحسب هذا الانسان أنَّ البلاد العراقيَّة والإيرانيَّة غير مطروقةٍ لأحد؟ أو أنَّ أخبارهم لا تصل إلى غيرهما؟ أو أنَّ الأكثريَّة الشيعيَّة في العراق قد لازمها العمى والصمم عمّا تفرَّد برؤيته أو سماعه هذا المتقوِّل؟ أو أنَّهم معدودون من الأُمم البائدة الَّذين طحنهم مرُّ الحقب والأعوام؟ فلم يبق لهم من يُدافع عن شرفهم، ويُناقش الحساب مع من يبهتهم، فيسائل هذا المختلق عن أولئك النفر الذين يفرحون بنكبات المسلمين، أهم في عراقنا هذه مجرى الرافدين؟ أم يُريد قارَّة لم تُكتشف تُسمّى بهذا الإسم؟ ويُعيد عليه هذا السؤال بعينه في ايران.

_____________________

١ - نقلها وما بعدها عن الآلوسي في كتاب نسبه إليه كتبها إلى الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي.


أمّا المسلمون القاطنون في تينك المملكتين ومن طرقهما من المستشرقين و السوّاح والسفراء والموظَّفين فلا عهد لهم بهاتيك الأفراح، والشيعة جمعاء تحترم نفوس المسلمين ودمائهم وأعراضهم وأموالهم مطلقاً من غير فرق بين السنيِّ والشيعيِّ فهي تستاء إذا ما انتابت أيَّ أحد منهم نائبةٌ، ولم تقيِّد الأُخوَّة الإسلاميّة المنصوصة عليها في الكتاب الكريم بالتشيّع، ويُسائل الرجل أيضاً عن تعيين اليوم، أيُّ يوم هو هذا العيد؟ وفي أيِّ شهر هو؟ وأيُّ مدينة ازدانت لأجله؟ وأيُّ قوم ناؤا بتلك المخزات؟

لا جواب للرَّجل إلّا الإستناد إلى مثل ما استند إليه صاحب الرِّسالة من سائح سنِّيٍ مجهولٍ أو مبشِّر نصرانيٍّ.

٣ - قال تحت عنوان: بُغض الرافض لبعض أهل البيت:

إنَّ الروافض كاليهود يُؤمنون ببعض ويكفرون ببعض (إلى أن قال): و يبغضون كثيراً من أولاد فاطمة رضي الله عنها بل يسبّونهم كزيد بن عليِّ بن الحسين

وكذا يحيى إبنه فإنّهم أيضاً يُبغضونه.

وكذا إبراهيم وجعفر ابنا موسى الكاظم رضي الله عنهم. ولقّبوا الثاني بالكذّاب مع أنّه كان من أكابر الأولياء وعنه أخذ أبو يزيد البسطامي.

ويعتقدون أنَّ الحسن بن الحسن المثنّى، وابنه عبد الله المحض، وابنه محمّد الملقَّب بالنّفس الزكيّة ارتدّوا (حاشاهم) عن دين الإسلام.

وهكذا اعتقدوا في إبراهيم بن عبد الله.

وزكريّا بن محمّد الباقر.

ومحمّد بن عبد الله بن الحسين بن الحسن.

ومحمّد بن القاسم بن الحسن.

ويحيى بن عمر الذي كان من أحفاد زيد بن عليِّ بن الحسين.

وكذلك في جماعة حسنيِّين وحسينيِّين كانوا قائلين بإمامة زيد بن عليّ بن الحسين، إلى غير ذلك ممّا لا يسعه المقام، وهم حصروا حبّهم بعدد منهم قليل، كلّ فرقة منهم تخصُّ عدداً وتلعن الباقين، هذا حبّهم لأهل البيت والمودَّة في القربى المسؤول عنها ٥٢ - ٥٤


ج - هذه سلسلة أوهام حسبها الآلوسي حقايق، أو أنَّه أراد تشويه سمعة الشيعة ولو بأشياء مفتعلة، فذكر أحكاماً بعضها باطلٌ بانتفاء موضوعه، وجملةٌ منها لأنَّها أكاذيب.

*(أمّا زيد بن عليّ)* الشهيد فقد مرَّ الكلام فيه وفي مقامه وقداسته عند الشيعة جمعاء راجع ص ٦٩ - ٧٦.

*(أمّا يحيى بن زيد)* الشهيد إبن الشهيد فحاشا أن يُبغضه شيعيٌّ، وهو ذلك الإماميُّ البطل المجاهد، يروي عن أبيه الطاهر أنَّ الأئمَّة اثنا عشر، وسمّاهم بأسمائهم و قال: إنَّه عهدٌ معهودٌ عهده إلينا رسول الله(١) . ورثاه شاعر الإماميَّة دعبل الخزاعي في تائيَّته السائرة وقرأها للإمام عليِّ بن موسى الرِّضا عليه السلام.

ولم توجد للشيعة حوله كلمة غمز فضلاً عن بغضه، وغاية نظر الشيعة فيه كما في كتاب زيد الشهيد ص ١٧٥: إنَّه كان معترفاً بإمامة الإمام الصّادق، حسن العقيدة، متبصِّراً بالأمر، وقد بكى عليه الصّادق عليه السلام واشتدَّ وجده له، وترَّحم له. فسلام الله عليه وعلى روحه الطاهرة.

وفي وسع الباحث أن يستنتج ولاء الشيعة ليحيى بن زيد ممّا أخرجه أبو الفرج في «مقاتل الطالبيين» ص ٦٢ ط ايران قال: لَمّا أُطلق يحيى بن زيد وفُكَّ حديده صار جماعة من مياسير الشيعة إلى الحدّاد الذي فكَّ قيده من رجله فسألوه أن يبيعهم إيّاه وتنافسوا فيه وتزايدوا حتّى بلغ عشرين ألف درهم، فخاف أن يشيع خبره فيُؤخذ منه المال فقال لهم: اجمعوا ثمنه بينكم. فرضوا بذلك وأعطوه المال فقطعه قطعةً قطعةً وقسَّمه بينهم فاتَّخذوا منه فصوصاً للخواتيم يتبرَّكون بها.

وقد أقرَّت الشيعة هذا في أجيالها المتأخِّرة وحتّى اليوم ولم ينقم ذلك أحدٌ منهم.

*(وأمّا إبراهيم)* بن موسى الكاظم فليتني أدري وقومي بغض أيِّ إبراهيم يُنسب إلينا؟ هل إبراهيم الأكبر أحد أئمة الزيديَّة؟ الذي ظهر باليمن أيّام أبي السرايا، والشيعة تروي عن الإمام الكاظم: إنَّه أدخله في وصيَّته وذكره في مقدَّم أولاده المذكورين فيها وقال: إنَّما أردت بإدخال الذين أدخلتهم معه (يعني الإمام عليّ بن

_____________________

١ - مقتضب الأثر في الأئمة الاثنى عشر.


موسى) من ولدي التنويه بأسمائهم والتشريف لهم(١) وترجمه شيخنا الأكبر المفيد في الإرشاد بالشيخ الشجاع الكريم وقال: ولكلِّ واحدٍ من وُلد أبي الحسن موسى عليه السلام فضلٌ ومنقبةٌ مشهورةٌ، وكان الرِّضا المقدَّم عليهم في الفضل. وقال سيِّدنا تاج الدين إبن زهرة في «غاية الإختصار»: كان سيِّداً أميراً جليلاً نبيلاً عالماً فاضلاً يروي الحديث عن آبائه عليهم السلام. وفذلكة رأي الشيعة فيه ما في «تنقيح المقال» ١ ص ٣٤، ٣٥: أنّه في غاية درجة التقوى وهو خيِّرٌ ديِّنٌ.

أم إبراهيم الأصغر الملقَّب بالمرتضى؟ والشيعة تراه كبقيَّة الذريَّة من الشجرة الطيِّبة وتتقرَّب إلى الله بحبِّهم، وحكى سيِّدنا الحسن صدر الدين الكاظمي عن شجرة إبن المهنّا: أنَّ إبراهيم الصغير كان عالماً عابداً زاهداً وليس هو صاحب أبي السّرايا، و إنّي لم أجد لشيعيٍّ كلمة غمز فيه لا في كتب الأنساب ولا في معاجم الرِّجال حتّى يستشمّ منها بغض الشيعة إيّاه، وهذا سيِّدنا الأمين العاملي عدَّهما من أعيان الشيعة وترجمهما في «الأعيان» ج ٥ ص ٤٧٤ - ٤٨٢.

فنسبة بُغض أيٍّ منهما إلى الشيعة فريةٌ واختلاقٌ.

*(وأمّا جعفر)* بن موسى الكاظم فإنّي لم أجد في تآليف الشيعة بسط القول في ترجمته، ولم أقرأ كلمة غمز فيه حتى تكون آية بغضهم إيّاه، ولم أرقطُّ أحداً من الشيعة لقَّبه بالكذَّاب، ليت المفتري دلَّنا على من ذكره، أو على تأليف يوجد فيه، والشيعة إنَّما تلقَّبه بالخواري وولده بالخواريِّين والشجريِّين كما في «عمدة الطالب» ٢٠٨. وليتني أدري ممّن أخذ عدّ جعفر من أكابر الأولياء؟ ومن الذي ذكر أخذ أبي يزيد البسطامي عنه؟.

إنّما الموجود في المعاجم تلمّذ أبي يزيد البسطامي طيفور بن عيسى بن آدم المتوفّى ٢٦١ على الإمام جعفر بن محمّد الصّادق، وهذا إشتباهٌ من المترجمين كما صرَّح به المنقَّبون منهم، إذ الإمام الصّادق توفي ١٤٨ وأبو يزيد في ٢٦١ - ٢٦٤ ولم يعدّ من المعمّرين، ولعلّه أبو يزيد البسطاميّ الأكبر طيفور بن عيسى بن شروسان الزاهد(٢) فالرجل خبط خبط عشواء في فريته هذه.

_____________________

١ - أصول الكافي ص ١٦٣ في باب الإشارة والنصّ على الإمام أبي الحسن الرضا.

٢ - راجع معجم البلدان ج ٢ ص ١٨٠.


*(وأمّا الحسن)* بن الحسن المثنّى فهو الذي شهد مشهد الطفِّ مع عمّه الإمام الطاهر وجاهد وأبلى وارتثَّ بالجراح فلمّا أرادوا أخذ الرؤوس وجدوا به رمقاً فحمله خاله أبو حسّان أسماء خارجة الفزاري إلى الكوفة وعالجه حتى برئ. ثمّ لحق بالمدينة(١) ويُعرب عن عقيدة الشيعة فيه قول شيخهم الأكبر الشيخ المفيد في إرشاده: كان جليلاً رئيساً فاضلاً ورعاً، وكان يلي صدقات أمير المؤمنين في وقته، وله مع الحجّاج خبرٌ ذكره الزبير بن بكار. إلخ. وعدَّه العلّامة الحجَّة السيِّد محسن الأمين العاملي (الذي ردَّ عليه الآلوسي بكلمته هذه) من أعيان الشيعة وذكر له ترجمة ضافية في ج ٢١ ص ١٦٦ - ١٨٤.

فالقول بأنَّ الرافضة تعتقد بارتداده عن دين الإسلام قذفٌ بفريةٍ مُقذعةٍ تندى منها جبهة الإنسانيَّة.

(أمّا عبد الله) المحض ابن الحسن المثنّى فقد عدَّه شيخ الشيعة أبو جعفر الطوسي في رجاله من أصحاب الصّادق عليه السلام، وزاد أبو داود الباقر عليه السلام، وقال جمال الدين المهنّا في «العمدة» ٨٧: كان يشبه رسول الله، وكان شيخ بني هاشم في زمانه، يتولّى صدقات أمير المؤمنين بعد أبيه الحسن.

والأحاديث في مدحه وذمِّه وإن تضاربت غير أنَّ غاية نظر الشيعة فيها ما اختاره سيِّد الطائفة السيِّد إبن طاوس في إقباله ص ٥١ من صلاحه وحسن عقيدته وقبوله إمامة الصّادق عليه السلام، وذكر من أصل صحيحٍ كتاباً للإمام الصّادق وصف فيه عبد الله بالعبد الصالح ودعا له ولبني عمِّه بالأجر والسعادة، ثمَّ قال: وهذا يدلُّ على أنَّ الجماعة المحمولين [ يعني عبد الله وأصحابه الحسنيِّين ] كانوا عند مولانا الصّادق معذورين و ممدوحين ومظلومين وبحقِّه عارفين، وقد يوجد في الكتب: إنَّهم كانوا للصّادقين عليهم السَّلام مفارقين. وذلك محتملٌ للتقيَّة لئلّا يُنسب إظهارهم لإنكار المنكر إلى الأئمَّة الطاهرين، وممّا يدلّك على أنَّهم كانوا عارفين بالحقِّ وبه شاهدين ما رويناه (وقال بعد ذكر السند وإنهائه إلى الصّادق): ثمَّ بكا عليه السلام حتّى علا صوته وبكينا ثمَّ قال: حدّثني أبي عن فاطمة بنت الحسين عن أبيه أنَّه قال: يُقتل منك أو يُصاب

_____________________

١ - إرشاد المفيد، عمدة الطالب ٨٦.


نفرٌ بشطِّ الفرات ما سبقهم الأوّلون ولا يعدلهم الآخرون. ثمَّ قال:

أقول: وهذه شهادةٌ صريحةٌ من طرق صحيحةٍ بمدح المأخوذين من بني الحسن عليه وعليهم السَّلام وأنَّهم مضوا إلى الله جلَّ جلاله بشرف المقام، والظفر بالسعادة والأكرام.

ثمَّ ذكر أحاديث تدلُّ على حسن اعتقاد عبد الله بن الحسن ومن كان معه من الحسنيِّين فقال: أقول: فهل تراهم إلّا عارفين بالهدى، وبالحقِّ اليقين، ولله متَّقين؟ ا ه

فأنت عندئذٍ جدُّ عليم بأنَّ نسبة القول بردَّته وردَّة بقيَّة الحسنيَّين إلى الشيعة بعيدةٌ عن مستوى الصِّدق.

(وأمّا محمّد) بن عبد الله بن الحسن الملّقب بالنفس الزكيَّة فعدَّه الشيخ أبو جعفر الطوسي في رجاله من أصحاب الصّادق عليه السلام. وقال إبن المهنّا في «عمدة الطالب» ٩١: قُتل بأحجار الزيت، وكان ذلك مصداق تلقيبه «النفس الزكيَّة» لأنَّه رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: تُقتل بأحجار الزيت من وُلدي نفسٌ زكيَّةٌ.

وذكر سيِّدنا إبن طاووس في «الإقبال» ص ٥٣ تفصيلاً برهن فيه حسن عقيدته وإنَّه خرج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنَّه كان يعلم بقتله ويُخبر به، ثمَّ قال: كلُّ ذلك يكشف عن تمسّكهم بالله والرَّسول صلى الله عليه وآله.

هذا رأي الشيعة في النفس الزكيَّة، وهم مخبتون إلى ما في «مقاتل الطالبيِّين» ص ٨٥ من أنّه أفضل أهل بيته، وأكبر أهل زمانه في علمه بكتاب الله وحفظه له، وفقهه في الدين وشجاعته وجوده وبأسه، والإماميَّة حاشاهم عن قذفه بالردَّة عن الدين، والمفتري عليهم به قد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً.

(وأمّا إبراهيم) بن عبد الله قتيل «باخمرى» المكنّى بأبي الحسن، فعدَّه شيخ الطائفة من رجال الصّادق، وقال جمال الدين بن المهنّا في «العمدة» ٩٥: كان من كبار العلماء في فنونٍ كثيرة، وذكره دعبل الخزاعي شاعر الشيعة في تائيَّته المشهورة بـ «مدارس آيات» الّتي رثى بها شهداء الذريَّة الطاهرة بقوله:

قبورٌ بكوفانٍ وأُخرى بطيبةٍ

وأُخرى بفخٍّ نالها صلواتي

وأُخرى بأرض الجوزجان محلّها

وقبرٌ بباخمرى لدى الغرباتِ

فلولا شهرة إبراهيم عند الشيعة بالصّلاح وحسن العقيدة، واستيائهم بقتله؛ و


كونه مرضيّاً عند أئمّتهم صلوات الله عليهم، لم يرثه دعبل ولم يقرأ رثائه للإمام عليّ ابن موسى سلام الله عليه. ونحن نقول بما قال أبو الفرج في «المقاتل» ١١٢: كان إبراهيم جارياً على شاكلة أخيه محمّد في الدين والعلم والشجاعة والشدَّة. وعدَّه السيِّد الأمين العاملي من أعيان الشيعة وبسط القول في ترجمته ج ٥ ص ٣٠٨ - ٣٢٤.

فنسبة القول بردَّته عن الدين إلى الشيعة بهتانٌ عظيمٌ.

(وأمّا زكريّا) بن محمّد الباقر فإنّه لم يولد بعدُ، وهو من مخلوقات عالم أوهام الآلوسي، إذ مجموع أولاد أبي جعفر محمّد الباقر عليه السلام الذكور ستّةٌ باتِّفاق الفريقين، ولم نجد فيما وقفنا عليه من تآليف العامّة والخاصّة غيرهم، وهم: جعفر: عبد الله. إبراهيم. عليّ. زيد. عبيد الله(١) فنسبة القول بردَّة زكريّا إلى الشيعة باطلةٌ بانتفاء الموضوع.

(وأمّا محمّد) بن عبد الله بن الحسين بن الحسن فإن كان يريد حفيد الحسين الأثرم إبن الإمام المجتبى؟! فلم يذكر النسّابة فيه إلّا قولهم: إنقرض عقبه سريعاً. ولم يسمّوا له ولداً ولا حفيداً. وإن أراد غيره؟! فلم نجد في كتب الأنساب له ذكراً حتّى تُكفِّره الشيعة أو تُؤمن به، ولم نجد في الإماميَّة مَن يُكفِّر شخصاً يسمّى بهذا الإسم حسنيّاً كان أو حسينيّاً.

(وأمّا محمَّد بن القاسم) بن الحسن فهو إبن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام يُلقَّب بالبطحاني(٢) ، عدَّه شيخ الطائفة في رجاله من أصحاب الصّادق سلام الله عليه؛ وقال جمال الدين إبن المهنّا في «العمدة» ٥٧: كان محمّد البطحاني فقيهاً. ولم نجد لشيعيٍّ كلمةُ غمزٍ فيه حتّى تكون شاهداً للفرية المعزوَّة إلى الشيعة.

*(أمّا يحيى بن عمر)* فهو أبو الحسين يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب سلام الله عليهم، أحد أئمّة الزيديَّة، فحسبك في الإعراب عن رأي الشيعة فيه ما في «عمدة الطالب» لابن المهنّا ص ٢٦٣ من قوله:

_____________________

١ - كذا في (المجدي) للنسابة العمري وجملة من المصادر وفي بعضها: عبد الله. مع التعدد.

٢ - يروى بفتح الموحدة منسوباً إلى (البطحاء)، وبالضم منسوباً إلى (بحطان) واد بالمدينة (عمدة الطالب ٥٧)


خرج بالكوفة داعيا إلى الرضا من آل محمد، وكان من أزهد الناس، وكان مثقل الظهر بالطالبيات يجهد نفسه في برهن - إلى أن قال -: فحاربه محمد بن عبد الله بن طاهر فقتل وحمل رأسه إلى سامراء ولما حمل رأسه إلى محمد بن عبد الله بن طاهر جلس بالكوفة (كذا) للهنا فدخل عليه أبو هاشم داود ابن القاسم الجعفري وقال: إنك لتهنأ بقتيل لو كان رسول الله صلّى الله عليه وآله حيا لعزي فيه(١) فخرج وهو يقول:

يا بني طاهر كلوه مريئا

إن لحم النبي غير مري

إن وتراً يكون طالبه اللـ

ـه لوتر بالفوت غير حري

ورثاه جمع من شعراء الشيعة الفطاحل منهم: أبو العبّاس ابن الرومي رثاه بقصيدتين إحديهما ذات ١١٠ بيتا توجد في (عمدة الطالب) ص ٢٢٠ مطلعها:

أمامك فانظر أي نهجيك ينهج

طريقان شتى مستقيم وأعوج

وجيمية أخرى أولها:

حييت ربع الصبا والخرد الدعج

الآنسات ذوات الدل والغنج

ومنهم: أبو الحسين علي بن محمد الحماني الأفوه رثاه بشعر كثير مرت جملة منه في هذا الجزء ص ٦١، ٦٢،.

هذا صحيح رأي الشيعة في هؤلاء السادة الأئمة، ولم تقل الشيعة ولا تقول ولن تقول بارتداد أحد منهم عن الدين ولا بارتداد الحسنيين والحسينيين القائلين بإمامة زيد بن علي بن الحسين المنعقدة على الرضا من آل محمد سلام الله عليهم.

كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلّا كذبا.

ونحن نسائل الرجل عن هؤلاء الذين يدافع عن شرفهم وجلالتهم من ذا الذي قتلهم؟ واستأصل شأفتهم؟ وحسبهم في غيابة الجب وأعماق السجون؟ أهم الشيعة الذين اتهمهم بالقول بردتهم؟ أم قومه الذين يزعم أنهم يعظمونهم؟ هلم معي واقرأ صفحة التاريخ فهو نعم المجيب. أما زيد الشهيد فعرفناك قاتله وقاطع رأسه ص ٧٥. وأما يحيى بن زيد فقتله الوليد بن يزيد بن عبد الملك سنة ١٢٥، وقاتله سلم

_____________________

١ - وذكره اليعقوبي في تاريخه ٣ ص ٢٢١.


بن أحوز الهلالي، وجهِّز إليه الجيش نصر بن سيّار، ورماه عيسى مولى عيسى بن سليمان العنزي وسلبه(١)

والحسن بن الحسن المثنّى كتب وليد بن عبد الملك إلى عامله عثمان بن حيّان المري: اُنظر إلى الحسن بن الحسن فاجلده مائة ضربة، وقِّفه للناس يوماً، ولا أراني إلّا قاتله، فلمّا وصله الكتاب بعث إليه فجيئ به والخصوم بين يديه فعلّمه عليُّ بن الحسين عليه السلام بكلمات الفرج ففرَّج الله عنه وخلّوا سبيله(٢) فخاف الحسن سطوة بني أُميَّة فأخفى نفسه وبقي مختفياً إلى أن دسَّ إليه السمّ سليمان بن عبد الملك و قتله سنة ٩٧(٣) .

وعبد الله المحض كان المنصور يسمِّيه: عبد الله المذلَّة، قتله في حبسه بالهاشميَّة سنة ١٤٥ لما حبسه مع تسعة عشر من وُلد الحسن ثلاث سنين، وقد غيَّرت السياط لون أحدهم وأسالت دمه، وأصاب سوطٌ إحدى عينيه فسالت، وكان يستسقي الماء فلا يُسقى، فردم عليهم الحبس فماتوا(٤) وفي تاريخ اليعقوبي ٣ ص ١٠٦: إنَّهم وُجدوا مسمَّرين في الحيطان.

ومحمّد بن عبد الله النفس الزكيَّة قتله حميد بن قحطبة سنة ١٤٥، وجاء برأسه إلى عيسى بن موسى وحمله إلى أبي جعفر المنصور فنصبه بالكوفة وطاف به البلاد(٥)

وأمّا إبراهيم بن عبد الله فندب المنصور عيسى بن موسى من المدينة إلى قتاله فقاتل بباخمرى حتّى قًتل سنة ١٤٥، وجيئ برأسه إلى المنصور فوضعه بين يديه، وأمر به فنُصب في السّوق: ثمَّ قال للربيع: أحمله إلى أبيه عبد الله في السجن. فحمله إليه(٦) وقال النسّابة العمري في المجدي: ثمَّ حمل إبن أبي الكرام الجعفري رأسه إلى مصر.

_____________________

١ - تاريخ الطبري ٨، مروج الذهب ٢، تاريخ اليعقوبي ٣.

٢ - تاريخ إبن عساكر ٤ ص ١٦٤.

٣ - الزينبيات.

٤ - تاريخ الطبري ٩ ص ١٩٦، تذكرة سبط إبن الجوزي ص ١٢٦، مقاتل الطالبيين ص ٧١، ٨٤ ط ايران.

٥ - تذكرة سبط إبن الجوزي ١٢٩.

٦ - تاريخ الطبري ٩ ص ٢٦٠، تاريخ اليعقوبي ٣ ص ١١٢ - ١١٤، تذكرة السبط ص ٢٣٠.


ويحيى بن عمر أمر به المتوكل فضرب دررا ثمَّ حبسه في دار الفتح بن خاقان فمكث على ذلك ثمَّ أطلق فمضى إلى بغداد فلم يزل بها حتى خرج إلى الكوفة في أيّام المستعين فدعى إلى الرضا من آل محمد فوجه المستعين رجلا يقال له: كلكاتكين.

ووجه محمد بن عبد الله بن طاهر بالحسين بن إسماعيل فاقتتلوا حتى قتل سنة ٢٥٠ و حمل رأسه إلى محمد بن عبد الله فوضع بين يديه في ترس ودخل الناس يهنونه، ثمَّ أمر بحمل رأسه إلى المستعين من غد(١) .

٣ - قال: إن الروافض زعموا أن أصح كتبهم أربعة: الكافي. وفقه من لا يحضره الفقيه. والتهذيب. والاستبصار، وقالوا: إن العمل بما في الكتب الأربعة من الأخبار واجب، وكذا بما رواه الإمامي ودونه أصحاب الأخبار منهم، ونص عليه المرتضى وأبو جعفر الطوسي وفخر الدين الملقب عندهم بالمحقق المحلي(٢) ص ٥٥.

ج - تعتقد الشيعة إن هذه الكتب الأربعة أوثق كتب الحديث، وأما وجوب العمل بما فيها من الأخبار، أو بكل ما رواه إمامي ودونه أصحاب الأخبار منهم فلم يقل به أحد، وعلم الهدى المرتضى وشيخ الطائفة أبو جعفر ونجم الدين المحقق الحلي أبرياء ممّا قذفهم به، وهذا كتبهم بين أيدينا لا يوجد في أي منها هذا البهتان العظيم، وأهل البيت أدرى بما فيه.

ويشهد لذلك رد علماء الشيعة لفريق ممّا روي من أحاديث لطعن في إسناد أو مناقشة في المتن. ويشهد لذلك تنويعهم الأخبار على أقسام أربعة: الصحيح. الحسن. الموثق. الضعيف.

منذ عهد العلمين جمال الدين السيِّد أحمد بن طاوس الحسني، وتلميذه آية الله العلامة الحلي. وليت الرجل يقف على شروح هذه الكتب وفي مقدمها (مرآت العقول) شرح الكافي للعلامة المجلسي ويشاهد كيف يحكم في كل سند بما يأدي إليه اجتهاده من أقسام الحديث. أو كان يراجع الجزء الثالث من المستدرك للعلم الحجة النوري حتى يرشده إلى الحق ويعلمه الصواب وينهاه عن التقول على أمة كبيرة (الشيعة)

_____________________

١ - تاريخ الطبري ١١ ص ٨٩، تاريخ اليعقوبي ٣ ص ٢٢١.

٢ - فخر الدين لقب شيخنا محمد بن الحسن العلامة الحلي. وأما المحقق فيلقب بنجم الدين وينسب إلى الحلة الفيحاء لا المحل.


بلا علمٍ وبصيرةٍ في أمرها.

ثمَّ زيَّف الكتب الأربعة المذكورة بما فيها من الآحاد، واشتمال بعض أسانيدها برجال قذفهم بأشياء هم بُرءاء منها، وآخرين لا يقدح انحرافهم المذهبيّ في ثقتهم في الرِّواية، وأحاديث هؤلاء من النوع الذي تُسميِّه الشيعة بالموثِّق، وهناك أُناسٌ يُرمون بالضعف لكن خصوص رواياتهم تلك مكتنفةٌ بإمارات الصحَّة، وعلى هذا عمل المحدِّثين من أهل السنَّة والشيعة في مدوَّناتهم الحديثيَّة، فالرجل جاهلٌ بدراية الحديث وفنونه، أو: راقه أن يتجاهل حتّى يتحامل بالوقيعة، ولو راجع مقدِّمة «فتح الباري» في شرح صحيح البخاري لابن حجر، وشرحه للقسطلاني، وشرحه للعيني، وشرح مسلم للنووي وأمثالها لوجد فيها ما يشفي غلّته، وكفَّ عن نشر الأباطيل مدَّته(١) .

٤ - قال: يروي [ الطوسي ] عن إبن المعلّم وهو يروي عن إبن مابويه الكذوب صاحب الرقعة المزوَّرة، ويروي عن المرتضى أيضاً. وقد طلبا العلم معاً وقرءا على شيخهما محمَّد بن النعمان، وهو أكذب من مسيلمة الكذّاب، وقد جوَّز الكذب لنصرة المذهب. ص ٥٧.

ج - إنَّ صاحب التوقيع الذي حسبه الرَّجل رقعةً مزوَّرة هو عليُّ بن الحسين بن موسى بن بابويه «بالبائين الموحَّدتين لا المصدَّرة بالميم» وهو الصدوق الأوَّل توفي ٣٢٩ قبل مولد الشيخ المفيد إبن المعلّم بسبع أو تسع سنين، فإنّه ولد سنة ٣٣٦/٨ فليس من الممكن روايته عنه، نعم له رواية عن ولده الصدوق أبي جعفر محمَّد بن عليّ وليس هو صاحب التوقيع.

وليتني علمت مَن ذا الذي أخبر الآلوسي بأنَّ شيخ الأُمَّة المفيد [المدفون في رواق الإمامين الجوادين صاحب القبَّة والمقام المكين] أكذب من مسيلمة الكذّاب الكافر بالله؟!.

ما أجرأه على هذه القارصة الموبقة!؟ وكيف أحفَّه؟!(٢) وهذا اليافعي يعرِّفه في مرآته ج ٣ ص ٢٨ بقوله: كان عالم الشيعة وإمام الرافضة صاحب التصانيف الكثيرة

_____________________

١ - المدة: غمس القلم في الدواة مرة للكتابة.

٢ - أحف الرجل: ذكره بالقبح.


شيخهم المعروف بالمفيد وبابن المعلّم أيضاً، البارع في الكلام والجدل والفقه، و كان يُناظر أهل كلِّ عقيدةٍ مع الجلالة. والعظمة في الدَّولة البويهيَّة، وقال إبن أبي طيّ: كان كثير الصدقات، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، خشن اللباس.

وقول إبن كثير في تأريخه ١٢ ص ١٥: كان مجلسه يحضره كثيرٌ من العلمآء من سائر الطوائف. ينمُّ عن أنّه شيخ الأُمّة الإسلاميَّة لا الإماميّة فحسب، فيجب إكباره على أيِّ مُعتنق بالدين.

أهكذا أدب العلم والدين؟ أفي الشَّريعة والأخلاق مساغٌ للنَّيل من أعراض العلماء والوقيعة فيهم والتحامل عليهم بمثل هذه القارصة؟ أفي ناموس الإسلام ما يُستباح به أن يُحطَّ بمسلم إلى حضيض يكون أخفض من الكافر مهما شجر الخلاف واحتدم البغضآء؟! فضلاً عن مثل الشيخ المفيد الذي هو من عمد الدين وأعلامه، و من دُعاة الحقِّ وأنصاره، وهو الذي أسَّس مجد العراق العلميّ وأيقظ شعور أهليها وماذا عليه؟ غير أنَّه عرف المعروف الذي أنكره الآلوسي، وتسنَّم ذروةً من العلم والعمل التي تقاعس عنها المتهجِّم.

وليته أشار إلى المصدر الذي أخذ عنه نسبة تجويز الكذب لنصرة المذهب إلى الشيخ المفيد من كتبه أو كتب غيره، أو إسناد متصل إليه، أمّا مؤلَّفاته فكلّها خاليةٌ عن هذه الشائنة، ولا نسبها إليه أحدٌ من علمائنا، وأمّا الإسناد فلا تجد أحداً أسنده إليه متَّصلاً كان أو مرسلاً، فالنسبة غير صحيحة، وتعكير الصفو بالنسب المفتعلة ليس من شأن المسلم الأُمِّي فضلاً عن مدَّعي العلم.

٥ - قال تحت عنوان [تعبدُّ الإماميَّة بالرُّقاع الصادرة من المهديِّ المنتظر] نعم: إنَّهم أخذوا غالب مذهبهم كما اعترفوا من الرُّقاع المزوَّرة التي لا يشكُّ عاقلٌ في أنَّها افتراءٌ على الله، والعجب من الروافض أنَّهم سمّوا صاحب الرُّقاع بالصَّدوق وهو الكذوب، بل: إنَّه عن الدين المبين بمعزلٍ.

كان يزعم أنَّه يكتب مسألة في رقعةٍ فيضعها في ثُقب شجرة ليلاً فيكتب الجواب عنها المهديّ صاحب الزَّمان بزعمهم، فهذه الرُّقاع عند الرافضة من أقوى دلائلهم وأوثق حججهم، فتبّاً...


واعلم أنَّ الرُّقاع كثيرةٌ منها: رقعة عليِّ بن الحسين بن موسى بن مابويه القمّي فإنَّه كان يُظهر رقعةً بخطِّ الصاحب في جواب سؤاله ويزعم أنَّه كاتب أبا القاسم بن أبي الحسين ابن روح أحد السفرة على يد عليِّ بن جعفر بن الأسود أن يوصل له رقعته إلى الصاحب [أي المهديِّ] وأرسل إليه رقعةً زعم أنَّها جواب صاحب الأمر له.

ومنها: رقاع محمَّد بن عبد الله بن جعفر بن حسين بن جامع بن مالك الحريري أبو جعفر القمّي، كاتب صاحب الأمر سأله مسائل في الشريعة قال: قال لنا أحمد بن الحسين: وقفت على هذه المسائل من أصلها والتوقيعات بين السطور، ذكر تلك الأجوبة محمَّد بن الحسن الطوسي في كتابه «الغيبة» وكتاب «الإحتجاج».

والتوقيعات خطوط الأئمَّة بزعمهم في جواب مسائل الشيعة، وقد رجَّحوا التوقيع على المرويِّ بإسناد صحيح لدى التعارض، قال إبن مابويه في الفقه بعد ذكر التوقيعات الواردة من الناحية المقدَّسة في [باب الرَّجل يوصي إلى الرَّجلين]: هذا التوقيع عندي بخطِّ أبي محمَّد إبن الحسن بن عليّ، وفي الكافي للكليني روايةٌ بخلاف ذلك التوقيع عن الصّادق، ثمَّ قال: لا أفتي بهذا الحديث بل أفتي بما عندي من خطِّ الحسن بن علي.

ومنها: رقاع أبي العبّاس جعفر بن عبد الله بن جعفر الحميري القميّ.

ومنها: رقاع أخيه الحسين ورقاع أخيه أحمد.

وأبو العبّاس هذا قد جمع كتاباً في الأخبار المرويَّة عنه وسمّاه [قرب الإسناد إلى صاحب الأمر].

ومنها: رقاع عليِّ بن سليمان بن الحسين بن الجهم بن بُكير بن أعين أبو الحسن الرازي، فإنَّه كان يدَّعي المكاتبة أيضاً ويُظهر الرُّقاع.

هذه نبذةٌ ممّا بنوا عليه أحكامهم ودانوا به، وهي نغبةٌ من دأماء،(١) وقد تبيَّن بها حال دعوى الرافضيِّ في تلقّي دينهم عن العترة. إلخ. ص ٥٨، ٦١.

ج - كان حقّاً علي الرَّجل نهي جمال الدين القاسمي عن أن يُظهر كتابه إلى غيره،

_____________________

١ - النغبة: الجرعة. الدأماء: البحر.


كما كان على السيِّد محمّد رشيد رضا أن يُحرّج على الشيعة بل أهل النصفة من قومه أيضاً أن يقفوا على رسالته، إذ الأباطيل المبثوثة في طيِّهما تكشف عن السَّوئة، وتُشوِّه السمعة، ولا تخفى على أيِّ مُثقَّفٍ، ولا يسترها ذيل العصبيَّة، ولا تُصلحها فكرةُ المدافع عنها، مهما كان القارئ شريف النفس، حرّاً في فكرته وشعوره.

كيف يخفى على الباحث؟! أنَّ الإماميَّة لا تتعبَّد بالرُّقاع الصادرة من المهديِّ المنتظر، وكلام الرَّجل ومَن لفَّ لفَّه كما يأتي عن القصيمي في [الصراع بين الإسلام والوثنيَّة] أوضح ما هناك من السرِّ المستسرِّ في عدم تعبّدهم بها، وعدم ذكر المحامدة الثلاثة(١) مؤلِّفي الكتب الأربعة التي هي عمدة مراجع الشيعة الإماميَّة في تلكم التآليف شيئاً من الرُّقاع والتوقيعات الصادرة من الناحية المقدَّسة، وهذا يوقظ شعور الباحث إلى أنَّ مشايخ الإماميَّة الثلاثة كانوا عارفين بما يؤل إليه أمر الأُمَّة من البهرجة وإنكار وجود الحجَّة، فكأنَّهم كانوا منهيِّين عن ذكر تلك الآثار الصادرة من الناحية الشريفة في تآليفهم مع أنَّهم هم رُواتها وحملتها إلى الأُمّة، وذلك لئلّا يخرج مذهب العترة عن الجعفريَّة الصادقة إلى المهدويَّة، حتّى لا يبقى لرجال العصبيَّة العمياء مجالُ للقول بأنَّ مذهب الإماميَّة مأخوذٌ من الإمام الغائب الذي لا وجود له في مزعمتهم، وأنَّهم يتعبَّدون بالرُّقاع المزوَّرة في حُسبانهم، وهذا سرٌّ من أسرار الإمامة يُؤكِّد الثقة بالكتب الأربعة والإعتماد عليها.

هذا ثقة الإسلام الكليني مع أنَّ بيئته (بغداد) تجمع بينه وبين سفراء الحجَّة المنتظر الأربعة، ويجمعهم عصرٌ واحدٌ، وقد توفِّي في الغيبة الصغرى سنة ٣٢٣، و ألَّف كتابه خلال عشرين سنة، تراه لم يذكر قطُّ شيئاً من توقيعات الإمام المنتظر في كتابه «الكافي» الحافل المشتمل على ستَّة عشر ألف حديث ومائة وتسعة وتسعين حديثاً، مع أنَّ غير واحد من تلك التوقيعات يُروى من طرقه، وهو يذكر في كتابه كثيراً من توقيعات بقيَّة الأئمّة من أهل بيت العصمة سلام الله عليهم.

وهذا أبو جعفر إبن بابويه الصّدوق مع روايته عدَّةً من تلك الرّقاع الكريمة

_____________________

١ - أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي.


في تأليفه [إكمال الدين] وعقده لها باباً فيه ص ٢٦٦ لم يذكر شيئاً منها في كتابه الحافل [مَن لا يحضره الفقيه].

نعم: في موضع واحد منه [على ما وقفت] يذكر حديثاً في مقام الإعتضاد من دون ذكر وتسميةٍ للإمام عليه السلام وذلك في ج ٢ ص ٤١ ط لكهنو قال: الخبر الذي رُوي فيمن أفطر يوماً من شهر رمضان متعمِّداً أنَّ عليه ثلاث كفارات فإنّي أفتي به فيمن أفطر بجماع محرَّم عليه أو بطعام محرَّم عليه لوجود ذلك في روايات أبي الحسين الأسدي رضي الله عنه فيما ورد عليه من الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري قدَّس الله روحه.

وبعدهما شيخ الطايفة أبو جعفر الطوسي فإنّه مع روايته توقيعات الأحكام الصادرة من الناحية المقدَّسة إلى محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب «الغيبة» ص ١٨٤ - ٢١٤ و٢٤٣ - ٢٥٨ لم يورد شيئاً منها في كتابيه [التهذيب والإستبصار] اللذين يُعدّان من الكتب الأربعة عُمد مصادر الأحكام.

ألا تراهم؟ أجمعوا برواية توقيع إسحاق بن يعقوب عن الناحية المقدَّسة ورواه أبو جعفر الصّدوق عن أبي جعفر الكليني في الإكمال ص ٢٦٦، والشيخ أبو جعفر الطوسي بإسناده عن الكليني أيضاً في كتاب «الغيبة» ص ١٨٨، وفيه أحكام مسائل ثلاث عنونوها في كتبهم الأربعة واستدلّوا عليها بغير هذا التوقيع وليس فيها منه عينٌ ولا أثرٌ ألا وهي:

١ - حرمة الفقّاع:

عنونها الكليني في الكافي ٢ ص ١٩٧. والشيخ في التهذيب ٢ ص ٣١٣. وفي الإستبصار ٢ ص ٢٤٥. وتوجد في الفقيه ٣ ص ٢١٧، ٣٦١، ولها عنوان في الوافي جمع الكتب الأربعة في الجزء الحادي عشر ص ٨٨. وتوجد من أدلّة الباب خمسة توقيعات للإمامين: أبي الحسن الرِّضا وأبي جعفر الثاني. وليس فيها عن التوقيع المهدويِّ ذكرٌ.

٢ - تحليل الخمس للشيعة:

عنونها الكليني في الكافي ١ ص ٤٢٥. والشيخ في التهذيب ١ ص ٢٥٦ - ٢٥٩


والإستبصار في الجزء الثاني ص ٣٣ - ٣٦. وذكرها الصدوق في الفقيه في الجزء الثاني ص ١٤، وهي معنونةٌ في الوافي في الجزء السادس ٤٥ - ٤٨، ومن أدلَّة الباب مكاتبة الإمامين: أبي الحسن الرِّضا وأبي جعفر الجواد عليهما السّلام، وليس فيها ذكرٌ عن توقيع الحجّة.

٣ - ثمن المغنِّية.

المسئلة معنونةٌ في الكافي ١ ص ٣٦١. وفي التهذيب ٢ ص ١٠٧ وفي الإستبصار ج ٢ ص ٣٦. وتوجد في الفقيه ٣ ص ٥٣: وهي معنونةٌ في جمعها الوافي في الجزء العاشر ص ٣٢. ولا يوجد فيها إيعازٌ إلى توقيع الإمام المنتظر.

فكلمة الآلوسي هذه أرشدتنا إلى جانبٍ مهمّ، وعرَّفتنا بذلك السرِّ المكتوم، وأرتنا ما هناك من حكمة صفح المشايخ عن تلكم الأحاديث الصادرة من الإمام المنتظر وهي بين أيديهم وأمام أعينهم. فأنت جِدٌّ عليم بأنَّه لو كان هناك شيئٌ مذكورٌ منها في تلكم الأُصول المدوَّنة لكان باب الطعن على المذهب الحقِّ (الإماميَّة) مفتوحاً بمصراعيه، ولكان تطول عليهم ألسنة المتقوِّلين، ويكثر عليهم الهوس والهياج ممَّن يروقه الوقيعة فيهم والتحامل عليهم.

إذن فهلمَّ معي نُسائل الرَّجل عن همزه ولمزه بمخاريقه وتقوُّلاته وتحكّماته وتحرُّشه بالوقيعة نسائله متى أخذت الإماميَّة غالب مذهبهم من الرُّقاع وتعبَّدوا بها؟ ومَن الّذي اعترف منهم بذلك؟ وأنّى هو؟ وفي أيِّ تأليفٍ اعترف؟ أم بأيّ راوٍ ثبت عنده ذلك؟.

وأنّى لِلصَّدوق رُقاعٌ؟ ومتى كتبها؟ وأين رواها؟ ومَن ذا الذي نسبها إليه؟ و قد جهل الرجل بأنَّ صاحب الرقعة هو والده الذي ذكره بقوله: منها رقعة عليِّ بن الحسين.

ومَا المسوِّغ لتكفيره؟ وهو من حملة علم القرآن والسنَّة النبويَّة، ومن الهُداة إلى الحقِّ ومعالم الدين، دع هذه كلّها ولا أقلَّ من أنَّه مسلمٌ يتشهَّد بالشهادتين، ويُؤمن بالله ورسوله والكتاب الذي أٌنزل إليه واليوم الآخر، أهكذا قرّر أدب الدين. أدب العلم. أدب العفَّة. أدب الكتاب. أدب السنَّة؟ أم تأمره به أحلامه؟ أبهذا السباب المقذع، والتحرُّش بالبذاء والقذف، يتأتَّى الصالح العام؟ وتسعد الأُمَّة الإسلاميَّة؟


وتجد رُشدها وهُداها؟.

ثمَّ مَن الَّذي أخبره عن مزعمة الصَّدوق بنيل حاجته من ثُقب الأشجار؟ والصدوق متى سأل؟ وعمّاذا سأل؟ حتّى يكتب ويضع في ثقب شجرة أو غيرها ليلاً أو نهاراً ويجد جوابه فيها. ومَن الَّذي روى عنه تلك الأسئلة؟ ومَن رأى أجوبتها؟ ومَن حكاها؟ ومتى ثبتت عند الرافضة حتّى تكون من أقوى دلائلهم وأوثق حججهم؟ نعم: فتبّاً...

وليتني أقف وقومي على تلك الرُّقاع الكثيرة وقد جمعها العلّامة المجلسي في المجلّد الثالث عشر من «البحار» في اثنتي عشرة صحيفة من ص ٢٣٧ - ٢٤٩ والتي ترجع منها إلى الأحكام إنَّما تُعدٌّ بالآحاد ولا تبلغ حدَّ العشرات، فهل مستند تعبّد الإماميّة من بدء الفقه إلى غايته هذه الصحايف المعدودة؟ أم يحقُّ أن تكون تلك المعدودة بالآحاد هي مأخذ غالب مذهبهم؟. أنا لا أدري لكن القارئ يدري، إنَّما يفتري الكذب الَّذين لا يُؤمنون بآيات الله:

وليته كان يذكر رقعة عليِّ بن الحسين بن بابويه بنصِّها حتّى تعرف الأُمَّة أنَّها رقعةٌ واحدة ليست إلّا، وليس فيها ذكرٌ من الأحكام حتّى تتعَّبد بها الإماميَّة، وإليك لفظها برواية الشيخ في كتاب «الغيبة».

كتب عليُّ بن الحسين إلى الشيخ أبي القاسم حسين بن روح على يد عليِّ بن جعفر أن يسأل مولانا الصاحب أن يرزقه أولاداً فقهاء. فجاء الجواب: إنّك لا تُرزق من هذه وستملك جاريةً ديلميّةً وتُرزق منها ولدين فقيهين(١) . أترى هذه الرُّقعة ممّا يؤخذ منه المذهب؟! أو فيها مسّةٌ بالتعبّد؟

وأمّا رقاع محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري التي توجد في كتابي «الغيبة» و«الإحتجاج» فليست هي إلّا رقاعاً أربعاً ذكر الشيخ في «الغيبة» منها إثنتين في ص ٢٤٤ - ٢٥٠ تحتوي إحداهما تسع مسائل والأُخرى خمسة عشر سؤالاً، وزادهما الطبرسي في «الإحتجاج» رقعتين، ولو كان المفتري منصفاً لكان يشعر بأنَّ عدم إدخال الشيخ هذه المسائل في كتابيه: [التهذيب والإستبصار] إنّما هو لدحض هذه الشّبهة، وقطع

_____________________

١ - وقد ولد له أبو جعفر محمّد وأبو عبد الله الحسين من أم ولد.


هذه المزعمة.

وقد خفي على الرَّجل أنَّ كتاب «الإحتجاج» ليس من تآليف الشيخ الطوسي محمّد بن الحسن وإنّما هو للشيخ أبي منصور أحمد بن عليِّ بن أبي طالب الطبرسي.

وفي قوله: والتوقيعات... إلخ. جنايةٌ كبيرةٌ وتمويهٌ وتدجيلٌ فإنّه بعد ما ادّعى على الإماميّة ترجيح التوقيع على المرويِّ بالإسناد الصحيح لدى التعارض استدلَّ عليه بقوله: قال إبن مابويه في الفقه: بعد ذكر التوقيعات الواردة من الناحية المقدَّسة في باب [الرَّجل يوصي إلى رجل]: هذا التوقيع عندي بخطِّ أبي محمّد إبن الحسن بن عليّ، إلخ.

فإنَّك لا تجد في الباب المذكور من الفقيه توقيعاً واحداً ورد من الناحية المقدَّسة فضلاً عن التوقيعات، وإنَّما ذكر في أوَّل الباب توقيعاً واحداً عن أبي محمَّد الحسن العسكري، وقد جعله الرَّجل أبا محمّد بن الحسن ليوافق فريته ذاهلاً عن أنَّ كنية الإمام الغائب أبو القاسم لا أبو محمّد، فلا صلة بما هناك لدعوى الرَّجل أصلاً، وها نحن نذكر عبارة الفقيه حتّى يتبيَّن الرُّشد من الغيِّ.

قال في الجزء الثالث ص ٢٧٥: باب الرجلين يوصى إليهما فينفرد كلُّ واحد منهما بنصف التركة. كتب محمَّد بن الحسن الصفّار رضي الله عنه إلى أبي محمَّد الحسن ابن عليّ عليهما السلام: رجلٌ أوصى إلى رجلين أيجوز لأحدهما أن ينفرد بنصف التركة والآخر بالنصف؟ فوقَّع عليه السلام: لا ينبغي لهما أن يخالفا الميِّت ويعملان على حسب ما أمرهما إنشاء الله. وهذا التوقيع عندي بخطِّه عليه السلام.

وفي كتاب محمَّد بن يعقوب الكليني رحمه الله عن أحمد بن محمّد عن عليِّ بن الحسن الميثمي عن أخويه محمّد وأحمد عن أبيهما عن داود بن أبي يزيد عن بُريد بن معاوية قال: إنَّ رجلاً مات وأوصى إلى رجلين فقال أحدهما لصاحبه: خُذ نصف ما ترك و اعطني النصف ممّا ترك. فأبى عليه الآخر، فسألوا أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك فقال: ذاك له. قال مصنِّف هذا الكتاب رحمه الله: لست أفتي بهذا الحديث، بل: أفتي بما عندي بخطِّ الحسن بن عليٍّ عليه السلام. ا هـ. إقرأ واحكم.

وأمّا رقاع أبي العبّاس والحسين وأحمد وعليّ فإنها لم توجد قطُّ في مصادر


الشيعة، ولا يُذكر منها شيئٌ في أُصول الأحكام، ومراجع الفقه الإماميَّة، ولعمري لو كان المفتري يجد فيها شيئاً منها لأعرب عنه بصراخه.

وأبو العبّاس كنيه عبد الله بن جعفر الحميري وهو صاحب «قرب الإسناد» لا جعفر بن عبد الله كما حسبه المغفّل، وإنَّما جعفر ومحمَّد الذي ذكره قبلُ [ولم يعرفه] والحسين وأحمد إخوان أربعة أولاد أبي العبّاس المذكور، ولم يُر في كتب الشيعة برمَّتها لغير محمَّد بن عبد الله المذكور أثرٌ من الرُّقاع المنسوبة إليهم، ولم يحفظ التاريخ لهم غير كلمة المؤلِّفين في تراجمهم: إنَّ لهم مكاتبة. هذه حال الرُّقاع عند الشيعة وبطلان نسبة إبتناء أحكامهم عليها.

وهناك أغلاطٌ للرَّجل في كلمته هذه تكشف عن جهله المطبق وإليك ما يلي:

موسى بن مابويه (في غير موضع) والصحيح: موسى بن بابويه

أبا القاسم بن أبي الحسين والصحيح: أبا القاسم الحسين

مالك الحريري. الفقه والصحيح: مالك الحميري. الفقيه

أبي العبّاس جعفر بن عبد الله والصحيح: أبي العبّاس عبد الله

سليمان بن الحسين والصحيح: سليمان بن الحسن

أبو الحسن الرّازي والصحيح: أبو الحسن الزُّراري

عجباً للرَّجل حين جآء ينسب وينقد ويردّ ويُفنِّد وهو لا يعرف شيئاً من عقايد القوم وتعاليم مذهبهم، ومصادر أحكامهم، وبرهنة عقايدهم، ولا يعرف الرِّجال وأسماءهم، ويجهل الكتب ونسبها، ولا يفرَّق بين والدٍ ولا وَلد، ولا بين مولود و بين مَن لم يولد بعدُ، ولو كان يروقه صيانة ماء وجهه لكفَّ القلم فهو أستر لعورته.

٦ - ذكر في ص ٦٤، ٦٥ عدّةً من عقايد الشيعة، جملةٌ منها مكذوبةٌ عليهم كشتمهم جمهور أصحاب رسول الله وحكمهم بارتدادهم إلّا العدد اليسير، وقولهم: بأنَّ الأئمَّة يوحى إليهم(١) . وإنَّ موت الأئمَّة باختيارهم. وإنَّهم اعتقدوا بتحريف القرآن ونقصانه وإنَّهم يقولون. بأنَّ الحجَّة المنتظر إذا ذُكر في مجلس حضر فيقومون

_____________________

م - ١ - يأتي البحث عن هذا وما يليه في الجزء الخامس إنشاء الله تعالى).


له(١) وإنكارهم كثيراً من ضروريّات الدين.

قال الأمينيّ: نعم: الشيعة لا يحكمون بعدالة الصحابة أجمع، ولا يقولون إلّا بما جاء فيهم في الكتاب والسنّة وسنوقفك على تفصيله في النقد على كتاب (الصراع بين الإسلام والوثنيَّة). وأمّا بقيَّة المذكورات فكلّها تحاملٌ ومكابرةٌ بالإفك، ثمَّ جآء بكلمة عوراء، وقارصةٍ شوهاء، ألا وهي قوله في ص ٦٥، ٦٦:

وما تكلّم (يعني السيِّد محسن الأمين) به في المتعة يكفي لإثبات ضلالهم، وعندهم متعةٌ أخرى يُسمّونها [المتعة الدوريَّة] ويروون في فضلها ما يروون، وهي: أن يتمتَّع جماعةٌ بامرأةٍ واحدةٍ، فتكون لهم من الصبح إلى الضحى في متعة هذا؛ ومن الضحى إلى الظهر في متعة هذا، ومن الظهر إلى العصر في متعة هذا، ومن العصر إلى المغرب في متعة هذا. ومن المغرب إلى العشاء في متعة هذا، ومن العشاء إلى نصف الليل في متعة هذا، ومن نصف الليل إلى الصبح في متعة هذا. فلا بدع ممّن جوَّز مثل هذا النكاح أن يتكلّم بما تكلّم به ويسمّيه «الحصون المنيعة» إلخ(٢)

نسبة المتعة الدوريَّة وقل: الفاحشة المبيّنة إلى الشيعة إفكٌ عظيمٌ تقشعرُّ منه الجلود، وتكفهرُّ منه الوجوه، وتشمئزُّ منه الأفئدة، وكان الأحرى بالرَّجل حين أفك أن يتّخذ له مصدراً من كتب الشيعة ولو سواداً على بياض من أيِّ ساقطٍ منهم، بل نتنازل معه إلى كتاب من كتب قومه يسند ذلك إلى الشيعة، أو سماعٍ عن أحدٍ لهج به، أو وقوف منه على عمل ارتكبه أُناسٌ ولو من أوباش الشيعة وأفنائهم، لكنَّ المقام قد أعوزه عن كلِّ ذلك لأنَّه أوَّل صارخ بهذا الإفك الشائن، ومنه أخذ القصيمي في [الصراع بين الإسلام والوثنيَّة] وغيره.

وليت الشيعة تدري متى كانت هذه التسمية؟ وفي أيِّ عصر وقعت؟ ومَن أوّل مَن سمّاها؟ ولِمَ خَلت عنها كتب الشيعة برمّتها؟. أنا أقول «وعند جُهينة الخبر

_____________________

١ - قيام الشيعة عند ذكر الإمام ليس لحضوره كما زعمه الآلوسي وإنّما هو لما جاء عن الإمامين الصادق والرضا عليهما السلام من قيامهما عند ذكره وهو لم يولد بعد، وليس هو إلّا تعظيماً له كالقيام عند ذكر رسول الله المندوب عند أهل السنة كما في (السيرة الحلبية) ١ ص ٩٠.

٢ - يوافيك بسط القول في المتعة في الجزء السادس إنشاء الله تعالى.


اليقين»: هو هذا العصر الذهبيّ، عصر النور، عصر الآلوسي، وهو أوَّل من سمّاها بعد أن إخترعها، والشيعة لم تعلمها بعدُ.

وليت الرَّجل ذكر شيئاً من تلك الرِّوايات التي زعم أنَّ الشيعة ترويها في فضل المتعة الدوريّة؛ وليته دلّنا على مَن رواها، وعلى كتابٍ أو صحيفةٍ هي مودعةٌ فيها، نعم: الحق معه في عدم ذكر ذلك كلّه لأنَّ الكذب لا مصدر له إلّا القلوب الخائنة، والصدور المملوكة بالوسواس الخنّاس.

وأمّا العَلَم الحجّة سيِّدنا المحسن الأمين (صاحب الحصون المنيعة) الذي يزعم الرَّجل أنّه يجوِّز مثل هذا النكاح ففي أيٍّ من تآليفه جوَّز ذلك؟ ولِمَن شافهه به؟ ومتى قاله؟ وأنّى نوَّه به؟ وها هو حيٌّ يُرزق (مدَّ الله في عمره) وهل هو إلّا رجلٌ هَمّ(١) عَلمٌ من أعلام الشريعة، وإمامٌ من أئمّة الإصلاح. لا يتنازل إلى الدَّنايا، ولا يقول بالسفاسف، ولا تُدنّس ساحة قدسه بهذه القذائف والفواحش؟.

هذه نبذةٌ يسيرةٌ من الأفائك المودعة في رسالة (السنّة والشيعة) وهي مع أنّها رسالةٌ صغيرةٌ لا تعدو صفحاتها ١٣٢ لكن فيها من البوائق ما لعلَّ عدَّتها أضعاف عدد الصفحات، وحسبك من نماذجها ما ذكرناه.

( إِنّ الّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لّكُم

بَلْ هُوَ خَيْرٌ لّكُمْ لِكُلّ امْرِئٍ مِنْهُم مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ

وَالّذِي تَوَلّى‏ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ )

سورة النور: ١١

_____________________

١ - أي ذو همة يطلب معالي الأمور.


١٠

الصراع

بين الإسلام والوثنية

تأليف عبد الله على القصيمي نزيل القاهرة

لعلّ في نفس هذا الاسم دلالة واضحة على نفسيات مؤلفه وروحياته وما أودعه في الكتاب من الخزايات؛ فأول جنايته على المسلمين عامة تسميته بالوثنية أمما من المسلمين يُعد كل منها بالملائين، وفيهم الأئمة والقادة والعلماء والحكماء والمفسرون والحفاظ والادلاء على دين الله الخالص، وفي مقدمهم أمّة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.

فهل ترى هذه التسمية تدع بين المسلمين ألفة؟ وتذر فيهم وئاما؟ وتبقى بينهم مودة؟ وهل تجد لو اطردت أمثالها كلمة جامعة تتفيأ الأمّة بظلها الوارف؟ نعم: هي التي تبذر بين الملأ الديني بذور الفرقة، وتبثّ فيهم روح النفرة، تتضارب من جرّاءها الآراء، وتتباين الفكر، وربما انقلب الجدال جلادا، كفى الله المسلمين شرها.

فإلى الدعة والسلام، وإلى الإخاء والوحدة أيها المسلمون جميعاً من غير اكتراث لصخب هذا المعكر للصفو، والمقلق للسلام، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء، لا تتبعوا خطوات الشيطان، ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر.

وأما ما في الكتاب من السباب المقذع والتهتك والقذائف والطامات والأكاذيب والنسب المفتعلة فلعلها تربو على عدد صفحاته البالغة ١٦٠٠ وإليك نماذج منها:

١ - قال: من الظرائف أنَّ شيخاً من الشيعة إسمه بيان كان يزعم أنَّ الله يعنيه بقوله: هذا بيانٌ لِلنّاسِ. وكان آخر منهم يلقّب بالكسف فزعم هو وزعم له أنصاره إنَّه المعنيّ بقول الله: وإن يروا كِسفاً مِنَ السّماء. الآية. ص ع و ٥٣٨.

ج - إن هي إلّا أساطير الأوَّلين التي اكتتبها قلم إبن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص ٨٧، وإن هي إلّا من الفرق المفتعلة التي لم تكن لها وجودٌ وما وجدت بعدُ،


وإنَّما اختلقتها الأوهام الطائشة، ونسبتها إلى الشيعة ألسنة حملة العصبيَّة العمياء نظراء إبن قتيبة والجاحظ والخيّاط، ممّن شوِّهت صحائف تآليفهم بالإفك الفاحش، وعرَّفهم التاريخ للمجتمع بالإختلاق والقول المزوَّر، فجاء القصيمي بعد مضيِّ عشرة قرون على تلك التافهات والنسب المكذوبة يجدِّدها ويردُّ بها على الإماميَّة اليوم، ويتَّبع الذين قد ضلّوا من قبلُ وأضلّوا كثيراً وضلّوا عن سواء السبيل، فذرهم و ما يفترون.

هب أنَّ للرجلين [بيان وكسف] وجوداً خارجيّاً ومعتقداً كما يزعمه القائل وإنَّهما من الشيعة - وأنّي له بإثبات شيءٍ منها - فهل في شريعة الحجاج، وناموس النصفة، وميزان العدل، نقد أُمَّة كبيرةٍ بمقالة معتوهين يُشكُّ في وجودهما أوَّلاً، وفي مذهبهما ثانياً، وفي مقالتهما ثالثاً؟..

٢ - قال: ذكر الأمير الجليل شكيب أرسلان في كتاب [حاضر العالم الإسلامي](١) إنَّه التقى بأحد رجال الشيعة المثقَّفين البارزين فكان هذا الشيعيُّ يمقت العرب أشدَّ المقت ويُزري بهم أيّما إزراء، ويغلو في عليِّ بن أبي طالب وولده غلوّاً يأباه الإسلام والعقل فعجب الأمير الجليل لأمره وسأله كيف تجمع بين مقت العرب هذا المقت و حبّ عليٍّ ووُلده هذا الحبّ؟ وهل عليٌّ وولده إلّا من ذروة العرب وسنامها الأشمّ؟ فانقلب الشيعيُّ ناصبيّاً واهتاج وأصبح خصماً لعليٍّ وبنيه وقال ألفاظاً في الإسلام و العرب مستكرهة ص ١٤.

ج - هذا النقل الخرافيُّ يُسفُّ بأمير البيان إلى حضيض الجهل والضعة، حيث حكم بثقافة إنسان وبروزه والى أناساً وغلا في حبّهم ردحاً من الزمن وهو لا يعرف عنصرهم، أوَ كان يَحسب أنّهم من الترك أو الديلم؟ وهل تجد في المسلمين جاهلاً لا يعرف أنَّ محمّد وآله صلوات الله عليه وعليهم من ذروة العرب وسنامها الأشمّ؟ وقد منَّ عليه الأمير حيث لم يُخبره بأنَّ مشرِّف العترة الرَّسول الأعظم هو المحبتي على تلك الذَّروة وذلك السنام لئلّا يرتدَّ المثقّف إلى المجوسيَّة، ولا أرى سرعة إنقلاب المثقَّف

_____________________

١ - كتاب يفتقر جداً إلى نظارة التنقيب. ينم عن قصور باع مؤلّفه، وعدم عرفانه بمعتقدات الشيعة، وجهله بأخبارهم وعاداتهم، غير ما لفقه قومه من أباطيل ومخاريق فأخذه حقيقة راهنة، وسود به صحائف كتابه بل صحايف تاريخه.


البارز إلّا معجزة للأمير في القرن العشرين (لا القرن الرابع عشر).

هذا عند مَن يصدِّق القصيميَّ «المصارع» في نقله، وأمّا المراجع كتاب الأمير [حاضر العالم الإسلامي] فيجد في الجزء الأوَّل ص ١٦٤ ما نصّه:

كنت أحادث إحدى المرار رجلاً من فضلائهم [يعني الشيعة] ومن ذوي المناصب العالية في الدولة الفارسيّة، فوصلنا في البحث إلى قضيّة العرب والعجم، وكان محدِّثي على جانب عظيم من الغلوِّ في التشيّع إلى حدّ أنّي رأيت له كتاباً مطبوعاً مصدَّراً بجملة [هو العليُّ الغائب] فقلت في نفسي: لا شكَّ أنَّ هذا الرَّجل لشدَّة غلوِّه في آل البيت، ولعلمه أنَّهم من العرب، لا يمكنه أن يكره العرب الذِّين آل البيت منهم، لأنّه يستحيل الجمع بين البغض والحبِّ في مكان واحدٍ، ما جعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه، ولقد أخطأ ظنّي في هذا أيضاً، فإنّي عندما سُقت الحديث إلى مسئلة العربيّة والعجميّة وجدته انقلب عجميّاً صرفاً ونسي ذلك الغلوّ كلّه في عليّ عليه السلام وآله، بل قال لي هكذا وكان يحدِّثني بالتركيّة: [ايران بر حكومت إسلاميّة دكلدر يالكزدين إسلامي اتخاذ ايتمش بر حكومتدر] أي إيران ليست بحكومة إسلاميّة وأنّما هي حكومةٌ اتخذت لنفسها دين الإسلام.

إقرأوا عجب من تحريف الكلم عن مواضعه، هكذا يفعل القصيميُّ بكلمات قومه فكيف بما خطّته يد من يُضادُّه في المبدء.

والقارئ جِدُّ عليم بأنّ الأمير [شكيب أرسلان] قد غلت أيضاً في فهم ما صدَّر الشيعيُّ الفاضل به كتابه من جملة [هو العليُّ الغالب] وإتّخاذه دليلاً على الغلوِّ في التشيّع، فإنّها كلمةٌ مطّردة تُكتب وتُقال كقولهم: [هو الواحد الأحد] وما يجري مجراه، تُقصد بها أسماء الله الحسنى؛ وهي كالبسملة في التيمّن بافتتاح القول بها.

وأنت لا تجد في الشيعة من يبغض العروبة، وهو يعتنق ديناً عربيّاً صدع به عربيّ صميمٌ، وجآء بكتاب عربيِّ مبينٍ وفي طيِّه:( ءَأَعْجَمِيّ وَعَرَبِيّ ) ؟(١) وقد خلفه على أمر الدين والأُمّة سادات العرب، ولا يستنبط أحكام الدين إلّا بالمأثورات العربيّة عن أولئك الأئمّة الطاهرين صلوات الله عليهم المنتهية علومهم إلى مؤسِّس

_____________________

١ - سورة فصلت آية ٤٤.


الدعوة الإسلاميّة صلّى الله عليه وآله، وهو يدعو الله في آناء الليل وأطراف النّهار بالأدعية المأثورة عنهم بلغة الضاد، ويطبع وينشر آلافاً من الكتب العربيَّة في فنونها؛ فالشيعيُّ عربيٌّ في دينه، عربيٌّ في هواه، عربيٌّ في مذهبه؛ عربيٌّ في نزعته، عربيٌّ في ولائه، عربيٌّ في خلايقه، عربيٌّ عربيٌّ عربيٌّ...

نعم: يبغض الشيعيُّ زعانفةً بخسوا حقوق الله، وضعضعوا أركان النبوَّة، وظلموا أئمَّة الدين، واضطهدوا العترة الطاهرة؛ وخانوا على العروبة، عُرباً كانوا أو أعاجم وهذه العقيدة شرعٌ سواءٌ فيها الشيعيُّ العربيُّ والعجميُّ.

ولكن شاء الهوى، ودفعت الضغاين أصحابه إلى تلقين الأُمَّة بأنَّ التشيّع نزعةٌ فارسيَّةٌ والشيعيُّ الفارسيُّ يمقت العرب. شقّاً لِلعصا، وتفريقاً لِلكلم، وتمزيقاً لِجمع الأُمَّة، وأنا أرى أنَّ القصيمي والأمير قبله في كلمات أُخرى يريد أن ذلك كلِّه، وما أُريكم إلّا ما أرى وما أهديكم إلّا سبيل الرَّشاد.

٣ - قال: إنَّ الشيعة في ايران نصبوا أقواس النصر، ورفعوا أعلام السرور والإبتهاج في كلِّ مكان من بلادهم لما انتصر الروس على الدولة العثمانيَّة في حروبها الأخيرة ص ١٨.

ج - هذه الكلمة مأخوذةٌ من الآلوسي الآنف ذكره وذكر فريته والجواب عنها ص ٢٦٧ غير أنَّ القصيمي كساها طلاءً مبهرجةً؛ وكم ترك الأوَّل للآخر.

٤ - قال: الشيعة قائلون في عليٍّ وبنيه قول النصارى في عيسى بن مريم سواءً مثلاً من القول بالحلول والتقديس والمعجزات ومن الإستغاثة به ونداءه في الضّراء والسرّاء والإنقطاع إليه رغبةً ورهبةً وما يدخل في هذا المعنى، ومَن شاهد مقام عليٍّ أو مقام الحسين أو غيرهما من آل البيت النبوي وغيرهم في النَّجف وكربلا و غيرهما من بلاد الشيعة وشاهد ما يأتونه من ذلك هنالك علم أنَّ ما ذكرناه عنهم دُوين الحقيقة، وأنَّ العبارة لا يمكن أن تفي بما يقع عند ذلك المشاهد من هذه الطائفة، ولأجل هذا فإنَّ هؤلاء لم يزالوا ولن يزالوا من شرِّ الخصوم للتوحيد وأهل التوحيد ص ١٩.

ج - أمّا الغلوُّ بالتأليه والقول بالحلول فليس من معتقد الشيعة، وهذه كتبهم في العقايد طافحةٌ بتكفير القائلين بذلك، والحكم بارتدادهم، والكتب الفقهيَّة بأسرها حاكمةٌ بنجاسة أسآرهم.


وأمّا التقديس والمعجزات فليسا من الغلوِّ في شيءٍ فإنَّ القداسة بطهارة المولد، ونزاهة النفس عن المعاصي والذنوب؛ وطهارة العنصر عن الديانا والمخازي لازمةُ منصَّة الأئمَّة، وشرط الخلافة فيهم كما يُشترط ذلك في النبيِّ صلّى الله عليه وآله.

وأمّا المعجزات فإنَّها من مثبتات الدعوى، ومتمّات الحجَّة، ويجب ذلك في كلِّ مدَّع للصلة بينه وبين ما فوق الطبيعة، نبيّاً كان أو إماماً، ومعجز الإمام في الحقيقة معجزٌ للنبيِّ الذي يخلفه على دينه وكرامةٌ له، ويجب على المولى سبحانه في باب اللطف أن يحقَق دعوى المحقِّ بإجراء الخوارق على يديه، تثبيتاً للقلوب، و إقامةً للحجَّة؛ حتّى يقرِّبهم إلى الطاعة ويبعِّدهم عن المعصية، لدة ما في مدَّعي النبوَّة من ذلك، كما يجب أيضاً أن ينقض دعوى المبطل إذا تحدّى بتعجيزه كما يؤثر عن مسيلمة وأشباهه.

وإنَّ من المفروغ عنه في علم الكلام كرامات الأولياء، وقد برهنت عليها الفلاسفة بما لا معدل عنه ويضيق عنه المقام، فإذا صحَّ ذلك لكلِّ وليٍّ، فلماذا يُعدُّ غلوّاً في حجج الله على خلقه؟ وكتب أهل السنَّة وتآليفهم مفعمةٌ بكرامات الأولياء، كما أنَّها معترفةٌ بكرامات مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه.

وأمّا الإستغاثة والنداء والإنقطاع وما أشار إليها فلا تعدو أن تكون توسّلاً بهم إلى المولى سبحانه، واتِّخاذهم وسائل إلى نُجح طلباتهم عنده جلّت عظمته، لقربهم منه، وزلفتهم إليه، ومكانتهم عنده، لأنَّهم عبادٌ مكرمون، لا لأنَّ لذواتهم القدسيَّة دخلاً في إنجاح المقاصد أوّلاً وبالذّات، لكنَّهم مجاري الفيض، وحلقات الوصل، ووسايط بين المولى وعبيده [كما هو الشأن في كلِّ متقرِّب من عظيم يُتوسَّل به إليه] وهذا حكمٌ عامٌّ لِلأولياء والصالحين جميعاً، وإن كانوا متفاوتين في مراحل القرب، كلّ هذا مع العقيدة الثابتة بأنَّه لا مأثِّر في الوجود إلّا الله سبحانه، ولا تقع في المشاهد المقدَّسة كلّها من وفود الزائرين إلّا ما ذكرناه من التوسّل(١) ، فأين هذه من مضادَّة التوحيد!؟ وأين هؤلاء من الخصومة معه ومع أهله؟! فذرهم وما يفترون إنَّما يفتري الكذب الَّذين لا يُؤمنونَ بآياتِ الله وأولئكُ همُ الكاذبون.

_____________________

١ - فصلنا القول في ذلك في الجزء الخامس من كتابنا هذا.


٥ - قال: تذهب الشيعة تبعاً للمعتزلة إلى إنكار رؤية الله يوم القيامة، وإنكار صفاته، وإنكار أن يكون خالقاً أفعال العباد لشبهاتٍ باطلةٍ معلومةٍ، وقد جمع العلماء من أهل الحديث والسنَّة والأثر كالأئمَّة الأربعة على الإيمان بذلك كلِّه، ليس بينهم خلافٌ في أنَّ الله خالقُ كلِّ شيءٍ حتّى العباد وأفعالهم، ولا في رؤية الله يوم القيامة.

ومن عجب أن تُنكر الشيعة ذلك خوف التشبيه وهم يقولون بالحلول والتشبيه الصريح وبتأليه البشر ووصف الله بصفات النقص، وأهل السنَّة يعدُّون الشيعة والمعتزلة مبتدعين غير مهتدين في جحدهم هذه الصفات. ١ ص ٦٨.

ج - إنَّ الرَّجل قلّد في ذات الله وصفاته إبن تيميَّة وتلميذه إبن القيِّم، ومذهبهما في ذلك كما قال الزرقاني المالكي في شرح المواهب ٥ ص ١٢: إثبات الجهة والجسميَّة وقال: قال المناوي: أمّا كونهما من المبتدعة فمسلّم. والقصيمي يقدّسهما ورأيهما و يصرِّح بالجهة ويعيِّنها، وله فيها كلماتٌ كثيرةٌ في طيِّ كتابه، ونحن لا نُناقشه في هذا الرأي الفاسد، ونحيل الوقوف على فساده إلى الكتب الكلاميَّة من الفريقين، والذي يُهمّنا إيقاف القارئ على كذبه في القول واختلاقه في النسب.

إنَّ الشيعة لم تتَّبع المعتزلة في إنكار رؤية الله يوم القيامة بل تتّبع برهنة تلك الحقيقة الراهنة من العقل والسمع، وحاشاهم عن القول بالحلول والتشبيه وتأليه البشر وتوصيف الله بصفات النقص وإنكار صفات الله الثابتة له، بل إنَّهم يقولون جمعآء بكفر من يعتقد شيئاً من ذلك، راجع كتبهم الكلاميَّة قديماً وحديثاً، وليس في وسع الرجل أن يأتي بشيءٍ ممّا يدلُّ على ما باهتهم، ولعمري لو وجد شيئاً من ذلك لصدح به وصدع.

نعم: تُنكر الشيعة أن تكون لله صفاتٌ ثبوتيَّةٌ زايدةٌ على ذاته وإنَّما هي عينها، فلا يقولون بتعدّد القدماء معه سبحانه، وإنّ لسان حالهم ليناشد مَن يخالفهم بقوله:

إخواننا الأدنين منّا ارفقوا

لقد رقيتم مرتقى صعبا

إن ثلّثت قومٌ أقانيمهم

فإنَّكم ثمَّنتمُ الربّا

وللمسئلة بحثٌ ضاف مترامي الأطراف تتضمَّنه كتب الكلام.

وأمّا أفعال العباد فلو كانت مخلوقةً لله سبحانه خلق تكوين لبطل الوعد و


الوعيد والثواب والعقاب، وإنَّ من القبيح تعذيب العاصي على المعصية وهو الَّذي أجبره عليها، وهذه من عويصات مسائل الكلام قد أُفيض القول فيها بما لا مزيد عليه، وإنَّ من يقول بخلق الأفعال فقد نسب إليه سبحانه القبيح والظلم غير شاعر بهما، و ما استند إليه القصيمي من الإجماع وقول القائلين لا يكاد يجديه نفعاً تجاه البرهنة الدامغة.

وأمّا قذف أهل السنَّة الشيعة والمعتزلة بما قذفوه وعدُّهم من المبتدعين فإنَّها شنشنةٌ أعرفها من أخزم.

٦ - قال في عدّ معتقدات الشيعة: وذرِّيَّة النبيِّ جميعاً محرَّمون على النّار معصومون من كلِّ سوء. في الجزء الثاني صحيفة ٣٢٧ من كتاب «منهاج الشريعة» زعم مؤلِّفه أنّ الله قد حرَّم جميع أولاد فاطمة بنت النبيِّ على النّار، وإنَّ من فاته منهم أوَّلاً فلا بدَّ أن يوفَّق إليه قبل وفاته. قال: ثمَّ الشفاعة من وراء ذلك.

وقال في «أعيان الشيعة» الجزء الثالث صفحة ٦٥: إنَّ أولاد النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام لا يخطئون ولا يذنبون ولا يعصون الله إلى قيام الساعة. ٢ ج ص ٢٠.

ج - إنَّ الشيعة لم تكس حلّة العصمة إلّا خلفاء رسول الله الإثنى عشر من ذريّته وعترته وبضعته الصِّديقة الطاهرة بعد أن كساهم الله تعالى تلك الحلّة الضافية بنصِّ آية التطهير في خمسةٍ أحدهم نفس النبيِّ الأعظم، وفي البقيَّة بملاك الآية والبراهين العقليَّة المتكثرة والنصوص المتواترة، وعلى هذا أصفق علمآءهم والأًمّة الشيعيَّة جمعاء في أجيالهم وأدوارهم، وإن كان هناك ما يوهم إطلاقاً أو عموماً فهو منزَّلٌ على هؤلاء فحسب. وإن كان في رجالات أهل البيت غيرهم أولياء صدّيقون أزكياء لا يجترحون السيّئات إلّا أنَّ الشيعة لا توجب لهم العصمة.

وأمّا ما استند إليه الرَّجل من كلام صاحب «منهاج الشريعة» فليس فيه أيّ إشارة إلى العصمة، بل صريح القول منه خلافها لأنَّه يثبت أنَّ فيهم من تفوته ثمَّ يتدارك بالتوبة قبل وفاته، ثمَّ الشفاعة من وراء ذلك، فرجلٌ يقترف السيّئة، ثمَّ يوفَّق للتوبة عنها، ثمَّ يُعفى عنها بالشفاعة لا يُسمّى معصوماً، بل هذه خاصَّة كلِّ مؤمن يتدارك مره بالتوبة، وإنَّما الخاصَّة بالذريَّة التمكّن من التوبة على إيّ حال.

قال القسطلاني في «المواهب» والزرقاني في شرحه ٣ ص ٢٠٣: (روي) عن


إبن مسعود رفعه (إنَّما سُمِّيت فاطمة) بإلهام من الله لرسوله إن كانت ولادتها قبل النبوَّة، وإن كانت بعدها فيحتمل بالوحي «لأنَّ الله قد فطمها» من الفطم وهو المنع ومنه فطم الصبيّ «وذرِّيَّتها عن النار يوم القيامة» أي منعهم منها، فأمّا هي وأبناها فالمنع مطلقٌ، وأمّا مَن عداها فالمنوع عنهم نار الخلود فلا يمتنع دخول بعضهم للتطهير، ففيه بشرى لآله صلّى الله عليه وسلّم بالموت على الإسلام، وإنَّه لا يختم لأحد منهم بالكفر نظيره ما قاله الشريف السمهودي في خبر الشفاعة لمن مات بالمدينة، مع أنَّه يشفع لكلِّ من مات مسلماً، أو أنَّ الله يشآء المغفرة لمن واقع الذنوب منهم إكراماً لفاطمة سلام الله عليها أو يوفِّقهم للتوبة النصوح ولو عند الموت ويقبلها منهم [أخرجه الحافظ الدمشقي] هو إبن عساكر.

«وروى الغسّاني والخطيب» وقال: فيه مجاهيل (مرفوعاً) إنَّما سُمِّيت فاطمة «لأنَّ الله فطمها ومحبّيها عن النار» ففيه بشرى عميمة لكلِّ مسلم أحبَّها وفيه التأويلات المذكورة. وأمّا ما رواه أبو نعيم والخطيب: أنَّ عليّاً الرِّضا بن موسى الكاظم إبن جعفر الصّادق سُئل عن حديث: إنَّ فاطمة أحصنت فرجها فحرَّمها الله وذريَّتها على النار. فقال: خاصٌّ بالحسن والحسين. وما نقله الأخباريّون عنه من توبيخه لأخيه زيد حين خرج على المأمون. وقوله: ما أنت قائلٌ لرسول الله؟ أغرَّك قوله: إنَّ فاطمة أحصنت؟ الحديث. إنّ هذا لِمن خرج من بطنها لا لي ولا لك، والله ما نالوا ذلك إلّا بطاعة الله، فإن أردت أن تنال بمعصيته ما نالوه بطاعته؟ إنَّك إذاً لأكرم على الله منهم. فهذا من باب التواضع والحثِّ على الطاعات وعدم الإغترار بالمناقب وإن كثرت، كما كان الصحابة المقطوع لهم بالجنَّة على غايةٍ من الخوف والمراقبة، وإلّا فلفظ «ذريَّة» لا يخصُّ بمن خرج من بطنها في لسان العرب ومن ذريَّته داود وسليمان. الآية. وبينه و بينهم قرونٌ كثيرةٌ، فلا يُريد بذلك مثل عليِّ الرِّضا مع فصاحته، ومعرفته لغة العرب، على أنَّ التقييد بالطائع يبطل خصوصيَّة ذريَّتها ومحبِّيها إلّا أن يُقال: لله تعذيب الطائع فالخصوصيَّة أن لا يُعذِّبه إكراماً لها. والله أعلم(١) .

م وأخرج الحافظ الدمشقي بإسناده عن عليٍّ رضي الله عنه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

_____________________

١ - بقية العبارة مرّت ص ١٧٦. ما بين القوسين لفظ المواهب.


لفاطمة رضي الله عنها: يا فاطمة تدرين لِم سُمِّيتِ فاطمة؟ قال عليٌّ رضي الله عنه لِمَ سُمِّيت؟ قال: إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد فطمها وذريّتها عن النار يوم القيامة. وقد رواه الإمام عليّ بن موسى الرِّضا في مسنده ولفظه: إنَّ الله فطم إبنتي فاطمة وولدها ومن أحبّهم من النار)(١) .

أيرى القصيميُّ بعد أنَّ الشيعة قد إنفردوا بما لم يقله أعلام قومه؟ أو رووا بحديث لم يروه حفّاظ مذهبه؟ أو أتوا بما يخالف مبادئ الدين الحنيف؟ وهل يسعه أن يتَّهم إبن حجر والزرقاني ونظرائهما من أعلام قومه، وحفّاظ نحلته المشاركين مع الشيعة في تفضيل الذريَّة؟! ويرميهم بالقول بعصمتهم؟! ويتحامل عليهم بمثل ما تحامل على الشيعة؟.

وليس من البِدْع تفضّل المولى سبحانه على قوم بتمكينه إيّاهم من النزوع من الآثام، والندم على ما فرَّطوا في جنبه، والشفاعة من ورآء ذلك، ولا ينافي شيئاً من نواميس العدل ولا الأصول المسلّمة في الدين، فقد سبقت رحمته غضبه ووسعت كلَّ شيئٍ.

وليس هذا القول المدعوم بالنصوص الكثيرة بأبدع من القول بعدالة الصحابة أجمع والله سبحانه يعرِّف في كتابه المقدَّس أُناساً منهم بالنفاق وانقلابهم على أعقابهم بآيات كثيرة رامية غرضاً واحداً، ولا تنس ما ورد في الصِّحاح والمسانيد ومنها: ما في صحيح البخاري من أنَّ أُناساً من أصحابه صلّى الله عليه وسلّم يُؤخذ بهم ذات الشمال فيقول: أصحابي أصحابي فيقال: إنَّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم.

وفي صحيح آخر: ليرفعنَّ رجالٌ منكم ثمَّ ليختلجنَّ دوني فأقول: يا ربّ أصحابي فيقال: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.

وفي صحيح ثالث: أقول أصحابي فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك.

وفي صحيح رابع: أقول إنَّهم منّي فيقال: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول سُحقاً سُحقاً لمن غيَّر بعدي.

وفي صحيح خامس: فأقول: يا ربّ أصحابي. فيقول: إنَّك لا علم لك بما أحدثوا

_____________________

م ١ - عمدة التحقيق تأليف العبيدي المالكي المطبوع في هامش روض الرياحين لليافعي ص ١٥).


بعدك. إنَّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى.

وفي صحيح سادس: بينا أنا قائمٌ إذا زمرةٌ حتّى إذا عرفتهم خرج رجلٌ من بيني وبينهم. فقال. هلمَّ. فقلت. أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: وما شأنهم؟ قال: إنَّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى. ثمَّ إذا زمرةٌ حتى إذا عرفتهم خرج رجلٌ من بيني و بينهم فقال: هلمَّ. قلت: أين؟ قال. إلى النار والله. قلت: ما شأنهم؟ قال: إنَّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلّا مثل هَمَل النعم(١) . قال القسطلاني في شرح صحيح البخاري ٩ ص ٣٢٥ في هذا الحديث: همَل بفتح الهاء والميم: ضوالُّ الإبل واحدها: هامل. أو: الإبل بلا راع. ولا يقال ذلك في الغنم، يعني: إنَّ الناجي منهم قليلٌ في قلّة النعم الضالَّة، وهذا يشعر بأنّهم صنفان كفّارٌ وعُصاةٌ. ا هـ.

وأنت من وراء ذلك كلّه جِدُّ عليمٍ بما شجر بين الصحابة من الخلاف الموجب للتباغض والتشاتم والتلاكم والمقاتلة القاضية بخروج إحدى الفريقين عن حيِّز العدالة، ودع عنك ما جاء في التأريخ عن أفراد منهم من ارتكاب المآثم والإتيان بالبوائق.

فإذا كان هذا التعديل عنده وعند قومه لا يستتبع لوماً ولا يعقِّب هماجة، فأيّ حزارةٍ في القول بذلك التفضّل الّذي هو من سنّة الله في عباده؟! ولن تجد لسنَّة الله تبديلا.

وأمّا ما أردفه في الإستناد من كلام سيِّدنا الأمين في «أعيان الشيعة» ٣ ص ٦٥ فإنّي ألفت نظر القارئ إلى نصِّ عبارته حتّى يعرف مقدار الرَّجل من الصِّدق والأمانة في النقل، ويرى محلّه من الأرجاف وقذف رجل عظيم من عظماء الأُمَّة بفاحشةٍ مبيَّنة واتِّهامه بالقول بعصمة الذريَّة وهو ينصُّ على خلافه، قال بعد ذكر حديث الثقلين(٢) بلفظ مسلم وأحمد وغيرهما من الحفّاظ ما نصّه:

دلّت هذه الأحاديث على عصمة أهل البيت من الذنوب والخطاء لمساواتهم فيها بالقرآن الثابت عصمته في أنَّه أحد الثقلين المخلّفين في الناس، وفي الأمر بالتمسّك بهم كالتمسّك بالقرآن، ولو كان الخطأ يقع منهم لما صحَّ الأمر بالتمسّك بهم الذي هو

_____________________

١ - راجع صحيح البخاري ج ٥ ص ١١٣، ج ٩ ص ٢٤٢ - ٢٤٧.

٢ - إنّي تارك فيكم الثقلين أو الخليفتين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي.


عبارةٌ عن جعل أقوالهم وأفعالهم حجَّةً، وفي أنَّ المتمسِّك بهم لا يضلُّ كما لا يضلُّ المتمسِّك بالقرآن، ولو وقع منهم الذنوب أو الخطأ لكان المتمسِّك بهم يضلُّ، وإنَّ في اتِّباعهم الهدى والنور كما في القرآن، ولو لم يكونوا معصومين لكان في اتِّباعهم الضلال، وأنَّهم حبلٌ ممدودٌ من السَّماء إلى الأرض كالقرآن، وهو كنايةٌ عن أنَّهم واسطةٌ بين الله تعالى وبين خلقه، وإنَّ أقوالهم عن الله تعالى، ولو لم يكونوا معصومين لم يكونوا كذلك. وفي أنَّهم لم يُفارقوا القرآن ولن يُفارقهم مدَّة عمر الدُّنيا، ولو أخطأوا أو أذنبوا لفارقوا القرآن وفارقهم، وفي عدم جواز مفارقتهم بتقدُّم عليهم بجعل نفسه إماماً لهم أو تقصير عنهم وائتمام بغيرهم، كما لا يجوز التقدُّم على القرآن بالإفتاء بغير ما فيه أو التقصير عنه باتِّباع أقوال مخالفيه، وفي عدم جواز تعليمهم وردِّ أقوالهم، ولو كانوا يجهلون شيئاً لوجب تعليمهم ولم يُنه عن ردِّ قولهم.

ودلَّت هذه الأحاديث أيضاً على أنَّ منهم مَن هذه صفته في كلِّ عصر وزمانٍ بدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم إنَّهما لن يفترقا حتّى يردا عليِّ الحوض وإنَّ اللطيف الخبير أخبر بذلك، وورود الحوض كناية عن انقضاء عمر الدنيا، فلو خلا زمانٌ من أحدهما لم يَصدق أنَّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض.

إذا عُلم ذلك ظهر أنَّه لا يمكن أن يُراد بأهل البيت جميع بني هاشم، بل هو من العامّ المخصوص بمن ثبت اختصاصهم بالفضل والعلم والزهد والعفَّة والنزاهة من أئمَّة أهل البيت الطاهر وهم الأئمَّة الإثنا عشر وأُمّهم الزهراء البتول، للإجماع على عدم عصمة مَن عداهم، والوجدان أيضاً على خلاف ذلك، لأنَّ مَن عداهم مِن بني هاشم تصدر منهم الذنوب ويجهلون كثيراً من الأحكام، ولا يمتازون عن غيرهم من الخلق، فلا يمكن أن يكونوا هم المجعولين شركاء القرآن في الأُمور المذكورة بل يتعيّن أن يكون بعضهم لا كلّهم ليس إلّا مَن ذكرنا، أمّا تفسير زيد بن أرقم لهم بمطلق بني هاشم(١) إن صحَّ ذلك عنه فلا تجب متابعته عليه بعد قيام الدليل على بطلانه.

إقرأ واحكم. حيّا الله الأمانة والصِّدق. هكذا يكون عصر النور.

٧ - قال: من آفات الشيعة قولهم: إنَّ عليّاً يذود الخلق يوم العطش فيسقي

_____________________

١ - فيما أخرجه مسلم في صحيحه.


منه أولياءه ويذود عنه أعداءه، وإنّه قسيم النار وإنّها تطيعه يُخرج منها من يشاء ج ٢ ص ٢١.

ج - لقد أسلفنا في الجزء الثاني ص ٣٢١، أسانيد الحديث الأوَّل عن الأئمّة والحفّاظ، وأوقفناك على تصحيحهم لغير واحد من طرقه، وبقيّتها مؤكِّدةٌ لها، فليس هو من مزاعم الشيعة فحسب، وإنّما اشترك معهم فيه حملة العلم والحديث من أصحاب الرَّجل لكنَّ القصيمي لجهله بهم وبما يروونه، أو لحقده على من رُوي الحديث في حقِّه يحسبه من آفات الشيعة.

وأما الحديث الثاني فكالأوَّل ليس من آفات الشيعة بل من غرر الفضايل عند أهل الإسلام فأخرجه الحافظ أبو إسحاق إبن ديزيل المتوفّى ٢٨٠/٢٨١ عن الأعمش عن موسى بن ظريف عن عباية قال: سمعت عليّاً وهو يقول: أنا قسيم النار يوم القيامة، أقول: خذي ذا، وذري ذا.

وذكره إبن أبي الحديد في شرحه ١ ص ٢٠٠ والحافظ إبن عساكر في تاريخه من طريق الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي.

وهذا الحديث سُئل عنه الإمام أحمد كما أخبر به محمّد بن منصور الطوسي قال: كنّا عند أحمد بن حنبل فقال له رجلٌ: يا أبا عبد الله ما تقول في هذا الحديث الذي يُروي: أنَّ عليّاً قال: أنا قسيم النار؟ فقال أحمد: وما تُنكرون من هذا الحديث؟ أليس رُوينا إنَّ النبي صلّى الله عليه وآله قال لعليِّ: لا يحبّك إلّا مؤمنٌ ولا يُبغضك إلّا منافق؟ قلنا: بلى. قال: فأين المؤمن؟ قلنا: في الجنّة. قال: فأين المنافق؟ قلنا: في النّار. قال: فعليٌّ قسيم النار. كذا في طبقات أصحاب أحمد، وحكى عنه الحافظ الكنجي في الكفاية ص ٢٢، فليت القصيمي يدري كلام إمامه.

هذه اللفظة أخذها سلام الله عليه من قول رسول الله صلّى الله عليه وآله له فيما رواه عنترة عنه صلّى الله عليه وآله أنّه قال: أنت قسيم الجنَّة والنار في يوم القيامة، تقول للنار: هذا لي و هذا لك. وبهذا اللفظ رواه ابن حجر في «الصواعق» ص ٧٥.

ويُعرب عن شهرة هذا الحديث النبويِّ بين الصحابة إحتجاج أمير المؤمنين عليه السلام به يوم الشورى بقوله: أُنشدكم بالله هل فيكم أحدٌ قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عليُّ؟ أنت قسيم الجنّة يوم القيامة غيري؟ قالوا: أللهمَّ لا. والأعلام يرى هذه الجملة من


حديث الإحتجاج صحيحاً وأخرجه الدارقطني كما في الإصابة ٧٥، ويرى إبن أبي الحديد إستفاضة كلا الحديثين النبويّ والمناشدة العلويّة فقال في شرحه ٢ ص ٤٤٨.

فقد جاء في حقِّه الخبر الشائع المستفيض: إنّه قسيم النار والجنّة، وذكر أبو عُبيد الهروي في الجمع بين الغريبين: أنّ قوماً من أئمَّة العربيّة فسَّروه فقالوا: لأنّه لَمّا كان محبّه من أهل الجنّة ومبغضه من أهل النار. كان بهذا الإعتبار قسيم النار و الجنّة. قال أبو عُبيد: وقال غير هؤلاء: بل هو قسيمها بنفسه في الحقيقة يُدخل قوماً إلى الجنّة وقوماً إلى النّار، وهذا الذي ذكره أبو عبيد أخيراً هوما يطابق الأخبار الواردة فيه: يقول للنار: هذا لي فدعيه، وهذا لكِ فخُذيه.

م - وذكره القاضي في الشفا: إنّه قسيم النار. وقال الخفاجي في شرحه ٣: ١٦٣: ظاهر كلامه أنَّ هذا ممّا أخبر به النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إلّا أنّهم قالوا: لم يروه أحدٌ من المحدِّثين إلّا ابن الأثير قال في النهاية: إلّا أنَّ عليّاً رضي الله عنه قال: أنا قسيم النار. يعني أراد أنَّ الناس فريقان: فريقٌ معي فهم على هدى، وفريقٌ عليَّ فهم على ضلال، فنصفٌ معي في الجنّة، ونصفٌ عليَّ في النّار. إنتهى. قلت: إبن الأثير ثقةٌ، وما ذكره عليٌّ لا يُقال من قبل الرأي فهو في حكم المرفوع، إذ لا مجال فيه للإجتهاد، ومعناه: أنا ومن معي قسيم لأهل النار، أي مقابلٌ لهم، لأنَّه من أهل الجنَّة، وقيل: القسيم: القاسم كالجليس والسمير، وقيل. أراد بهم الخوارج ومن قاتله كما في النهاية].

٨ - قال: جاءت رواياتٌ كثيرةٌ في كتبهم [يعني الشيعة] إنَّه [يعني الإمام المنتظر] يهدم جميع المساجد، والشيعة أبداً هم أعداء المساجد، ولهذا يقلّ أن يشاهد الضّارب في طول بلادهم وعرضها مسجداً. ج ٢ ص ٢٣.

ج - لم يُقنع الرَّجل كلّما في علبة مكره من زور واختلاق، ولم يقنعه إسناد ما يفتعله إلى روايةٍ واحدةٍ يسعه أن يُجابه المنكر عليه بأنَّه لم يقف عليه حتّى عزاه إلى روايات كثيرة جاءت في كتب الشيعة، وليته إن كان صادقاً [وأنّى؟ وأين؟] ذكر شيئاً من أسماء هاتيك الكتب، أو أشار إلى واحدةٍ من تلك الروايات، لكنَّه لم تسبق له لفتةٌ إلى أن يفتعل أسماء ويضع أسانيد قبل أن يكتب الكتاب فيذكرها فيه.

إنّ الحجَّة المنتظر سيِّد مَن آمن بالله واليوم الآخر، الَّذين يعمرون مساجد الله


وأين هو عن هدمها؟ وإنَّ شيعيّاً يعزو إليه ذلك لم يُخلق بعدُ.

وأمّا ما ذكره عن بلاد الشيعة فلا أدري هل طرق هو بلاد الشيعة؟ فكتب ما كتب، وكذب ما كذب، أو أنَّه كان رجماً منه بالغيب؟ أو استند كصاحب المنار إلى سائحٍ سنِّي مجهولٍ أو مُبشِّرٍ نصرانيّ لم يُخلقا بعدُ؟ وأيّاً ما كان فهو مأخوذٌ بإفكه الشائن، وقد عرف من جاس خلال ديار الشيعة، وحلّ في أوساطهم وحواضرهم وحتى البلاد الصغيرة والقرى والرساتيق، ما هنالك من مساجد مشيَّدة صغيرة أو كبيرة، وما في كثير منها من الفرش والأثاث والمصابيح، وما تُقام فيها من جمعةٍ وجماعةٍ، وليس من شأن الباحث أن يُنكر المحسوس، ويكذب في المشهود، وينصر المبدأ بالتافهات.

٩ - قال: قد استفتى أحد الشيعة إماماً من أئمَّتهم لا أدري أهو الصادق أم غيره؟ في مسئلة من المسائل فأفتاه فيها، ثمَّ جاءه من قابلٍ واستفتاه في المسئلة نفسها فأفتاه بخلاف ما أفتاه عام أوَّل، ولم يكن بينهما أحدٌ حينما استفتاه في المرَّتين فشكَّ ذلك المستفتي في إمامه وخرج من مذهب الشيعة وقال: إن كان الإمام إنّما أفتاني تقيَّة؟ فليس معنا مَن يُتَّقى في المرَّتين، وقد كنتُ مخلصاً لهم عاملاً بما يقولون، وأن كان مأتيُّ هذا هو الغلط والنسيان؟ فالأئمَّة ليسوا معصومين إذن والشيعة تدَّعي لهم العصمة، ففارقهم وانحاز إلى غير مذهبهم، وهذه الرِّواية مذكورةٌ في كتب القوم. ج ٢ ص ٣٨

ج - أنا لا أقول لهذا الرَّجل إلّا ما يقوله هو لمن نسب إلى إمام من أئمَّته لا يشخص هو أنّه أيٌّ منهم، مسئلةً فاضحةً مجهولةً لا يعرفها؛ عن سائل هو أحد النكرات، لا يُعرّف بسبعين (ألف لامٍ) وأسند ما يقول إلى كتب لم تؤلَّف بعدُ، ثمَّ طفق يشنُّ الغارة على ذلك الإمام وشيعته على هذا الأساس الرصين، فنحن لسنا نردُّ على القصيميِّ إلّا بما يردُّ هو على هذا الرَّجل، ولعمري لو كان المؤلِّف (القصيمي) يعرف الإمام أو السائل أو المسألة أو شيئاً من تلك الكتب لذكرها بهوس وهياج لكنّه، لا يعرف ذلك كلَّه، كما أنّا نعرف كذبه في ذلك كلِّه، ولا يخفى على القارئ همزه ولمزه.

١٠ - قال: من نظر في كتب القوم علم أنَّهم لا يرفعون بكتاب الله رأساً، وذلك أنّه يقلُّ جدّاً أن يستشهدوا بآية من القرآن فتأتي صحيحةً غير ملحونةٍ مغلوطةٍ، ولا يُصيب منهم في إيراد الآيات إلّا المخالطون لأهل السنَّة العائشون بين أظهرهم،


على أنَّ إصابة هؤلاء لا بدَّ أن تكون مصابة؛ أمّا البعيدون منهم عن أهل السنّة فلا يكاد أحدٌ منهم يورد آيةً فتسلم عن التحريف والغلط، وقد قال مَن طافوا في بلادهم: إنّه لا يوجد فيهم مَن يحفظون القرآن، وقالوا: إنّه يندر جدّاً أن توجد بينهم المصاحف.

ج -

بلاءٌ ليس يشبهه بلاء

عداوة غير ذي حسب ودينِ

يبيحك منه عِرضاً لم يصنه

ويرتع منك في عرض مصونِ

ليتني كنت أعلم أن هذه الكلمة متى كتبت؟ أفي حال السّكر أو الصحو؟ وأنَّها متى رُقمت أعند اعتوار الخبل أم الإفاقة؟ وهل كتبها متقوِّلها بعد أن تصفّح كتب الشيعة فوجدها خلاءً من ذكر آية صحيحةً غير ملحونة؟ أم أراد أن يصمهم فافتعل لذلك خبراً؟ وهل يجد المائن في الطليعة من أئمَّة الأدب العربيِّ إلّا رجالاً من الشيعة ألَّفوا في التفسير كُتباً ثمينة، وفي لغة الضّاد أسفاراً كريمةً هي مصادر اللغة، وفي الأدب زبراً قيِّمة هي المرجع للملأ العلميِّ والأدبيِّ، وفي النحو مدوَّنات لها وزنها العلميّ، وإنَّك لو راجعت كُتب الإماميّة لوجدتها مفعمةً بالإستشهاد بالآيات الكريمة كأنّها أفلاكٌ لتلك الأنجم الطوالع غير مُغشّاة بلحن أو غلط.

وما كنّا نعرف حتّى اليوم أنَّ مقياس التلاوة صحيحةً أو ملحونةً هو النزعات و المذاهب التي هي عقودٌ قلبيّة لا مدخل لها في اللسان وما يلهج به، ولا أنَّ لها مِساساً باللغة، وسرد الكلمات، وصياغة الكلام، وحكاية ما صيغ منها من قرآن أو غيره.

وليت شعري ما حاجة الشيعة في إصابة القرآن وتلاوته صحيحة إلى غيرهم؟ ألا عواز في العربيّة؟ أو لجهل بأساليب القرآن؟ لا ها الله ليس فيهم من يتَّسم بتلك الشية، أمّا العربيُّ منهم فالتشيّع لم ينتأ بهم عن لغتهم المقدَّسة، ولاعن جبلّيّات عنصرهم أو هل ترى أنَّ بلاد العراق وعاملة وما يشابههما وهي مفعمةٌ بالعلماء الفطاحل، والعباقرة والنوابغ، أقلُّ حظّاً في العربيّة من أعراب بادية نجدٍ والحجاز أكّالة الضبِّ، ومساورة الضباع؟! وأمّا غير العربيِّ منهم فما أكثر ما فيهم من أئمَّة العربيَّة والفطاحل والكتّاب والشعراء، ومن تصفَّح السير علم أن الأدب شيعيٌّ، والخطابة شيعيَّةٌ، والكتابة شيعيَّةٌ، والتجويد والتلاوة شيعيَّان. ومن هنا يقول إبن خلكان في تاريخه في ترجمة عليِّ بن الجهم ١ ص ٣٨: كان مع إنحرافه من عليِّ بن أبي طالب.


عليه الصلاة والسّلام وإظهاره التسنّن مطبوعاً مقتدراً على الشعر عذب الألفاظ. فكأنَّه يرى أنَّ مطبوعيّة الشعر وقرضه بألفاظ عذبة خاصَّةٌ للشيعة وأنّه المطَّرد نوعاً.

وهذه المصاحف المطبوعة في ايران والعراق والهند منتشرةٌ في أرجاء العالم و المخطوطة منها التي كادت تُعدُّ علي عدد مَن كان يحسن الكتابة منهم قبل بروز الطبع، وفيهم من يكتبه اليوم تبرُّكاً به، ففي أيّ منها يجد ما يحسبه الزاعم من الغلط الفاشي؟ أو خلّة في الكتابة؟ أو ركّة في الأُسلوب؟ أو خروج عن الفنّ؟ غير طفائف يزيغ عنه بصر الكاتب الَّذي هو لازم كلِّ إنسان شيعيٍّ أو سنيٍّ عربيٍّ أو عجميٍّ.

وأحسب أنَّ الذي أخبر القصيميَّ بما أخبر من الطائفين في بلاد الشيعة لم يولد بعدُ لكنَّه صوَّره مثالاً وحسب أنّه يُحدَّثه، أو أنّه لَمّا جاس خلال ديارهم لم يزد على أن استطرق الأزقّة والجوادّ فلم يجد مصاحف ملقاةً فيما بينهم وفي أفنية الدور، ولو دخل البيوت لوجدها موضوعةً في عياب وعلب، وظاهرةً مرئيَّةً في كلِّ رفٍّ وكوَّة على عدد نفوس البيت في الغالب، ومنها ما يزيد على ذلك، وهي تُتلى آناء الليل وأطراف النّهار.

هذه غير ما تتحرَّز به الشيعة من مصاحف صغيرة الحجم في تمائم الصبيان و أحراز الرِّجال والنساء. غير ما يحمله المسافر للتلاوة والتحفظ عن نكبات السفر. غير ما يوضع منها على قبور الموتى للتلاوة بكرةً وأصيلا وإهداء ثوابها للميِّت. غير ما تحمله الأطفال إلى المكاتب لدارسته منذ نعومة الأظفار. غير ما يُحمل مع العروس قبل كلِّ شيء إلى دار زوجها، ومنهم من يجعل ذلك المصحف جزءً من صداقها تيمّناً به في حياتها الجديدة. غير ما يُؤخذ إلى المساكن الجديدة المتَّخذة لِلسكنى قبل الأثاث كلِّه. غير ما يوضع منها إلى جنب النساء لتحصينها عن عادية الجنِّ والشياطين الذين يوحون إلى أوليائهم (ومنهم القصيميُّ مخترع الأكاذيب) زخرف القول غرورا.

أفهؤلاء الذين لا يرفعون بالقرآن رأسا؟ أفهؤلاء الذين يندر جدّاً أن توجد بينهم المصاحف؟ وأمّا ما أخبر به الرَّجل شيطانه الطائف بلاد الشيعة من عدم وجود من يحفظ القرآن منهم فسل حديث هذه الأُكذوبة عن كتب التراجم ومعاجم السير، وراجع


كتاب «كشف الاشتباه»(١) في ردِّ موسى جار الله ٤٤٤ - ٥٣٢ تجد هناك من حفّاظ الشيعة وقُرّائهم مائة وثلثة وأربعين.

١١ - قال: هل يستطيع أن يجيئ (الشيعيُّ) بحرف واحدٍ من القرآن؟ يدلُّ على قول الشيعة بتناسخ الأرواح، وحلول الله في أشخاص أئمَّتهم، وقولهم بالرجعة، وعصمة الأئمَّة، وتقديم عليٍّ على أبي بكر وعمر وعثمان، أو يدلُّ على وجود عليٍّ في السحاب وأنَّ البرق تبسّمه والرَّعد صوته كما تقول الشيعة الإماميَّة ج ١ ص ٧٢.

ج - إن تعجب فعجبٌ إنَّ الرجل ومن شاكله من المفترين بهتوا الشيعة الإماميَّة بأشياءهم بُراء منها على حين تداخل الفرق، وتداول المواصلات، وسهولة استطراق الممالك والمدن بالوسايل النقليّة البخاريّة في أيسر مدَّةٍ، ومن المستبعد جدّاً إن لم يكن من المتعذِّر جهل كلِّ فرقةٍ بمعتقدات الأُخرى، فمحاول الوقيعة اليوم والحالة هذه على أيِّ فرقة من الفرق قبل الفحص والتنقيب المتيسِّرين بسهولة مستعملٌ للوقاحة والصلافة، وهو الأفّاك الأثيم عند من يطالع كتابه، أو يُصيخ إلى قيله.

ولو كان الرَّجل يتدبّر في قوله تعالى: ما يلفظ من قول إلّا لديه رقيبٌ عتيدٌ. أو يصدِّق ما أوعد الله به كلَّ أفّاكٍ أثيمٍ همّاز مشَّاء بنميم، لكفَّ مدَّته عن البهت، وعرف صالحه، ولكان هو المجيب عن سؤال شيطانه بأنَّ الشيعة الإماميّة متى قالت بالتناسخ وحلول الله في أشخاص أئمّتهم؟ ومَن الذين ذهب منهم قديماً وحديثاً إلى وجود عليٍّ في السحاب... إلخ. حتّى توجد حرفٌ واحدٌ منها في القرآن.

م نعم: [عليُّ في السِّحاب ] كلمةٌ للشيعة تأسِّياً للنبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله بالمعنى الذي مرّ في الجزء الأوّل ص ٢٩٢(٢) غير أنّ قوّالة الإحنة حرَّفتها عن موضعها وأوّلتها بما يشوِّه الشيعة الإماميّة].

أليس عاراً على الرَّجل وقومه أن يكذب على أُمَّةٍ كبيرةٍ إسلاميّةٍ ولا يبالي بما يباهتهم؟ وينسبهم إلى الآراء المنكرة أو التافهة؟ ولا يتحاشى عن سوء صنيعه؟ أليست كتب الشيعة الإماميّة المؤلّفة في قرونها الماضية ويومها الحاضر وهي لسانهم المعرب عن

_____________________

١ - تأليف العلم الحجة شيخنا المحقّق الشيخ عبد الحسين الرشتي النجفي

٢ - من الطبعة الثانية.


عقايدهم مشحونة بالبراءة من هذه النسب المختلقة بألسنة مناوئيهم؟!

فإن كان لا يدري فتلك مصيبةٌ

وإن كان يدري فالمصيبة أعظمُ

نعم: له أن يستند في أفائكه إلى شاكلته طه حسين وأحمد أمين وموسى جار الله رجال الفرية والبذاءة.

وقول الإماميّة بالرجعة نطق به القرآن غير أنَّ الجهل أعشى بصر الرَّجل كبصيرته فلم يره ولم يجده فيه، فعليه بمراجعة كتب الإماميّة، وأفردها بالتأليف جماهير من العلماء، فحبّذا لو كان الرَّجل يراجع شيئاً منها.

كما أنّ آية التطهير ناطقةٌ بعصمة جمعٍ ممّن تقول الإماميّة بعصمتهم وفي البقيّة بوحدة الملاك والنصوص الثابتة، وفيما أخرجه إمام مذهبه أحمد بن حنبل في الآية الشريفة في مسنده ج ١ ص ٣٣١، ج ٣ ص ٢٨٥، ج ٤ ص ١٠٧، ج ٦ ص ٢٩٦، ٢٩٨، ٣٠٤، ٣٢٣ مقنعٌ وكفايةٌ.

وكيف لم يقدِّم القرآن عليّاً على غيره؟ وقد قرن الله ولايته وولاية نبيِّه بقوله العزيز:( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) . وقد مرَّ في هذا الجزء ص ١٥٦ - ١٦٢: إطباق الفقهاء و المحدِّثين والمتكلّمين على نزولها في عليٍّ أمير المؤمنين عليه السلام.

م - والباحث إن أعطى النصفة حقّها يجد في كتاب الله آيا تُعدُّ بالعشرات نزلت في عليّ أمير المؤمنين عليه السلام وهي تدلّ على تقديمه على غيره، ولا يدع وهو نفس النبيِّ صلّى الله عليه وآله بنصّ القرآن، وبولايته أكمل الله دينه، وأتمَّ علينا نعمه، ورضي لنا الإسلام دينا].

ونحن نُعيد السؤال هاهنا على «القصيميِّ» فنقول: هل يستطيع أن يجيئ هو و قومه بحرف واحدٍ من القرآن يدلُّ على تقديم أبي بكر وعمر وعثمان على وليِّ الله الطاهر أمير المؤمنين عليه السلام؟!.

١٢ - قال: والقوم (يعني الإماميّة) لا يعتمدون في دينهم على الأخبار النبويّة الصحيحة، وإنّما يعتمدون على الرُّقاع المزوَّرة المنسوبة كذباً إلى الأئمّة المعصومين في زعمهم وحدهم ج ١ ص ٨٣.


ج - عرفت الحال في التوقيعات الصادرة عن الناحية المقدَّسة، والرَّجل قد أتى من شيطانه بوحيٍ جديد فيرى توقيعات بقيّة الأئمّة أيضاً مكذوبة على الأئمَّة، ويرى عصمتهم مزعومةً للشيعة فحسب، إذ لم يجدها في طامور أو هامه، فإن تنازعتم في شيئ فردّوه إلى الله والرّسول.

١٣ - المتعة التي تتعاطاها الرافضة أنواعٌ: صغرى وكبرى. فمن أنواعها: أن يتَّفق الرَّجل والمرأة المرغوب فيها على أن يدفع إليها شيئاً من المال أو من الطعام والمتاع وإن حقيراً جدّاً على أن يقضي وطره منها ويشبع شهوته يوماً أو أكثر حسب ما يتَّفقان عليه، ثمَّ يذهب كلٌّ منهما في سبيله كأنَّما لم يجتمعا ولم يتعارفا، وهذا من أسهل أنواع هذه المتعة.

وهناك نوعٌ آخر أخبث من هذا يُسمّى عندهم بالمتعة الدوريَّة وهي أن يحوز جماعةٌ إمرأةً فيتمتَّع بها واحدٌ من الصبح إلى الضحى، ثمَّ يتمتّع بها آخر من الضحى إلى الظهر، ثمَّ يتمتّع بها آخر من الظهر إلى العصر، ثمَّ آخر إلى المغرب، ثمَّ آخر إلى العشاء ثمَّ آخر إلى نصف الليل، ثمَّ آخر إلى الصبح، وهم يعدّون هذا النوع ديناً لله يُثابون عليه وهو من شرِّ أنواع المحرَّمات ج ١ ص ١١٩.

ج - إنّ المتعة عند الشيعة هي الّتي جاء بها نبيُّ الإسلام، وجعل لها حدوداً مقرَّرة، وثبتت في عصر النبيِّ الأعظم وبعده إلى تحريم الخليفة عمر بن الخطاب، وبعده عند مَن لم ير للرأي المحدث في الشرع تجاه القرآن الكريم وما جاء به نبيُّ الإسلام قيمةً ولا كرامةً، وقد أصفقت فِرَق الإسلام على أُصول المتعة وحدودها المفصَّلة في كتبها، ولم يختلف قطُّ إثنان فيها ألا وهي:

١: الأُجرة.

٢: الأجل.

٣: العقد المشتمل للايجاب والقبول.

٤: الافتراق بانقضاء المدَّة أو البذل.

٥: العدَّة أمةً وحرَّة حائلاً وحاملاً.

٦: عدم الميراث.


وهذه الحدود هي الّتي نصَّ عليها أهل السنَّة والشيعة، راجع من تآليف الفريق الأوَّل. صحيح مسلم. سنن الدارمي. سنن البيهقي. تفسير الطبري. أحكام القرآن للجصّاص. تفسير البغوي. تفسير إبن كثير. تفسير الفخر الرّازي. تفسير الخازن. تفسير السيوطي. كنز العمّال(١) .

ومن تآليف الفريق الثاني مَن لا يحضره الفقيه الجزء الثالث ص ١٤٩. المقنع للصَّدوق كسابقه. الهداية له أيضاً. الكافي ٢ ص ٤٤. الإنتصار للشريف علم الهدى المرتضى. المراسم لأبي يعلى سلّار الديلمي. النهاية للشيخ الطوسي. المبسوط للشيخ أيضاً. التهذيب له أيضاً ج ٢ ص ١٨٩. الإستبصار له ٢ ص ٢٩. الغنية للسيد أبي المكارم. الوسيلة لعماد الدين أبي جعفر. نكت النهاية للمحقِّق الحلّي. تحرير العلّامة الحلّي ٢ ص ٢٧. شرح اللمعة ٢ ص ٨٢. المسالك ج ١. الحدائق ٦ ص ١٥٢. الجواهر ٥ ص ١٦٥.

والمتعة المعاطاة بين الأُمّة الشيعيَّة ليست إلّا ما ذكرناه، وليس إلّا نوعاً واحداً، والشيعة لم تر في المتعة رأياً غير هذا، ولم تسمع أُذن الدنيا أنواعاً لِلمتعة تقول بها فرقةٌ من فرق الشيعة، ولم تكن لأيِّ شيعيٍّ سابقة تعارف بانقسامها على الصغرى والكبرى، وليس لأيِّ فقيه من فقهاء الشيعة ولا لعوامهم من أوَّل يومها إلى هذا العصر، عصر الكذب والأخلاق، عصر الفرية والقذف (عصر القصيميِّ) إلماماً بهذا الفقه الجديد المحدَث، فقه القرن العشرين لا القرون الهجريَّة.

وأمَّا القصيميُّ [ومن يُشاكله في جهله المطبق] فلا أدري ممَّن سمع ما تخيَّله من الأنواع؟ وفي أيّ كتابٍ من كُتب الشيعة وجده؟ وإلى فتوى أيِّ عالمٍ من علمائها يستند؟ وعن أيِّ إمام من أئمَّتها يروي؟ وفي أيِّ بلدة من بلادها أو قرية من قراها أو بادية من بواديها وجد هذه المعاطاة المكذوبة عليها؟ أيم الله كلُّ ذلك لم يكن. لكنَّ الشياطين يوحون إلى أوليائهم زخرف القول غرورا.

١٤ - قال: إنَّ أغبى الأغبياء وأجمد الجامدين من يأتون بشاة مسكينةٍ وينتفون شعرها ويعذِّبونها أفانين العذاب موحياً إليهم ضلالهم وجرمهم أنَّها السيِّدة عائشة زوج النبيِّ الكريم وأحبُّ أزواجه إليه.

_____________________

١ - يأتي تفصيل كلماتهم في هذا الجزء بعيد هذا.


ومَن يأتون بكبشين وينتفون أشعارهما ويعذِّبونهما ألوان العذاب مشيرين بهما إلى الخليفتين: أبي بكر وعمر، وهذا ما تأتيه الشيعة الغالية.

وإنَّ أغبى الأغبياء وأجمد الجامدين هم الَّذين غيَّبوا إمامهم في السرداب، وغيَّبوا معه قرآنهم ومصحفهم، ومَن يذهبون كلَّ ليلة بخيولهم وحميرهم إلى ذلك السرداب الذي غيَّبوا فيه إمامهم ينتظرونه ويُنادونه ليخرج إليهم، ولا يزال عندهم ذلك منذ أكثر من ألف عام.

وإنَّ أغبى الأغبياء وأجمد الجامدين هم الَّذين يزعمون أنَّ القرآن محرَّفٌ مزيدٌ فيه ومنقوصٌ منه ج ١ ص ٣٧٤.

ج - يكاد القلم أن يرتج عليه القول في دحض هذه المفتريات لأنَّها دعاوٍ شهوديَّة بأشياء لم تظلّ عليها الخضراء ولا أقلّتها الغبراء، فإنَّ الشيعة منذ تكوَّنت في العهد النبويِّ يوم كان صاحب الرِّسالة يلهج بذكر شيعة عليٍّ عليه السلام والصحابة تسمّي جمعاً منهم بشيعة عليٍّ إلى يومها هذا لم تسمع بحديث الشاة والكبشين، ولا أبصرت عيناها ما يُفعل بهاتيك البهائم البريئة من الظلم والقساوة، ولا مُدَّت إليها تلك الأيادي العادية، غير أنَّهم شاهدوا القصيميَّ متَّبعاً لإبن تيميَّة يُدنِّس برودهم النزيهة عن ذلك الدَرَن.

وليت الرَّجل يعرِّفنا بأحدٍ شاهد شيعيّاً يفعل ذلك، أو بحاضرةٍ من حواضر الشيعة اطَّردت فيها هذه العادة، أو بصقع وقعت فيه مرَّة واحدة ولو في العالم كلِّه.

وليتني أدري وقومي هل أفتى شيعيٌّ بجواز هذا العمل الشنيع؟ أو استحسن ذلك الفعل التافه؟ أو نوَّه به ولو قصِّيصٌ في مقاله؟ نعم يوجد هذا الإفك الشائن في كتاب القصيميِّ وشيخه إبن تيميَّة المشحون بأمثاله.

وفرية السرداب أشنع وإن سبقه إليها غيره من مؤلِّفي أهل السنَّة لكنَّه زاد في الطمّور نغمات بضمِّ الحمير إلى الخيول وادِّعائه اطِّراد العادة في كلِّ ليلة واتِّصالها منذ أكثر من ألف عام، والشيعة لا ترى أنَّ غيبة الإمام في السَّرداب، ولاهم غيَّبوه فيه ولا أنَّه يظهر منه، وإنَّما اعتقادهم المدعوم بأحاديثهم أنَّه يظهر بمكّة المعظمة تجاه البيت، ولم يقل أحدٌ في السرداب: إنَّه مغيب ذلك النور، وإنَّما هو سرداب


دار الأئمَّة بسامرَّاء، وإنَّ من المطَّرد إيجاد السراديب في الدور وقايةً من قايظ الحرِّ، وإنَّما اكتسب هذا السرداب بخصوصه الشرف الباذخ لانتسابه إلى أئمَّة الدين، وإنّه كان مبوَّءً لثلاثة منهم كبقيَّة مساكن هذه الدار المباركة، وهذا هو الشأن في بيوت الأئمّة عليهم السَّلام ومشرِّفهم النبيُّ الأعظم في أيِّ حاضرة كانت، فقد أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه.

وليت هؤلاء المتقوِّلون في أمر السرداب إتَّفقوا على رأي واحد في الأُكذوبة حتّى لا تلوح عليها لوائح الإفتعال فتفضحهم، فلا يقول إبن بطوطة(١) في رحلته ٢ ص ١٩٨: إنَّ هذا السرداب المنوَّه به في الحلّة. ولا يقول القرماني في «أخبار الدُّول» إنّه في بغداد. ولا يقول الآخرون: إنّه بسامراء. ويأتي القصيميُّ مِن بعدهم فلا يدري أين هو فيطلق لفظ السرداب ليستر سوءته.

وإنّي كنت أتمنّى للقصيميِّ أن يحدِّد هذه العادة بأقصر من (أكثر من ألف عام) حتّى لا يشمل العصر الحاضر والأعوام المتَّصلة به، لأنَّ انتفائها فيه وفيها بمشهدٍ ومرئي ومسمع من جميع المسلمين، وكان خيراً له لو عزاها إلى بعض القرون الوسطى حتّى يجوِّز السامع وجودها في الجملة، لكنَّ المائن غير مُتحفِّظ على هذه الجهات.

وأمّا تحريف القرآن فقد مرّ حقُّ القول فيه ص ٨٥ وغيرها.

هذه نبذٌ من طامّات «القصيميِّ» وله مئاتٌ من أمثالها، ومَن راجع كتابه عرف موقفه من الصِّدق، ومبوَّئه من الأمانة، ومقيله من العلم، ومحلّه من الدين، ومستواه من الأدب.

( الّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ

مَقْتاً عِندَ اللّهِ وَعِندَ الّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ

اللّهُ عَلَى‏ كُلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبّارٍ )

سورة غافر ٣٥

_____________________

١ - وهكذا إبن خلدون في مقدمة تأريخه ج ١ ص ٣٥٩، وإبن خلكان في تاريخه ص ٥٨١.


١١، ١٢، ١٣

فجر الإسلام. ضحى الإسلام. ظهر الإسلام

هذه الكتب ألَّفها الأُستاذ أحمد أمين المصريّ لغايةٍ هو أدرى بها، ونحن أيضاً لا يفوتنا عرفانها، وهذه الأسماء الفخمة لا تغرُّ الباحث النابه مهما وقف على ما في طيِّها من التافهات والمخازي، فهي كاسمه [الأمين] لا تُطابق المسمّى، وأيم الله إنَّه لو كان أميناً لكان يتحفَّظ على ناموس العلم والدين والكتاب والسنَّة، وكفَّ القلم عن تسويد تلك الصحائف السوداء، ولم يكن يُشوِّه سمعة الإسلام المقدَّس قبل سمعة مصره العزيزة بلسانه اللسّابة السَّلاقة، وكان لم يتَّبع الهوى فيُضلَّ عن السبيل، ولم يُطمس الحقايق ولم يُظهرها للناس بغير صورها الحقيقيَّة المبهجة، ولم يُحرِّف الكلم عن مواضعها، ولم يقذف أُمَّةً كبيرةً بنسبٍ مفتعلة؛ ولم يتقوَّل عليهم بما يُدنِّس ذيل قدسهم.

كما أنّ تآليفه هذه لو كانت إسلاميَّة [كما توهمها أسمائها] لما كانت مشحونةً بالضَّلال والإفك وقول الزّور، ولما بعدت عن أدب الإسلام، عن أدب العلم، عن أدب العفَّة، عن أدب الإخاء الذي جاء به القرآن، فالإسلام الذي جاء به أمين القرن العشرين (لا القرن الرابع عشر) يضادُّ نداء القرآن البليغ، نداء الإسلام الذي صدع به أمين وحي الله في القرن الأوَّل الهجريِّ، فإن كان الإسلام هذا كتابه وهذا أمينه؟ فعلى الإسلام السَّلام، وإن كان الجامع المصريُّ الأزهر هذا علمه وهذا عالمه؟ فعليه العفا.

وقد نوَّه غير واحد من محقِّقي الإماميّة(١) بما فيها من البهرجة والباطل في تآليفهم القيِّمة، وفي [تحت راية الحقِّ(٢) ] غنىً وكفاية لمريد الحقّ، وإلى الله المشتكى.

( بَلْ كَذّبُوا بِالْحَقّ لَمّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ )

ق ٥

_____________________

١ - كالحجج الفطاحل السيِّد شرف الدين، والسيِّد الأمين، وشيخنا كاشف الغطاء.

٢ - تأليف العلامة الشيخ عبد الله السبيتي.


١٤

الجولة

في ربوع الشرق الأدنى

تأليف محمد ثابت المصري مدرس أول العلوم

الاجتماعية بمدرسة القبة الثانوية

الناموس المطَّرد في السيّاح أنَّ أكثر ما يتحرّى مشاهدته في البلاد والأصقاع يكون ملائماً لما انطبعت عليه نفسيَّته، ولذلك تراهم مختلفين في النزعات، فصاحب رحلةٍ يكاد أن لا يذكر فيها سوى ما تلقّاه من العلماء والأُدباء، وآخر تجد فيه نزوعاً إلى السّاسة ونظريّاتهم، وثالث يبغي وصف البقاع من ناحية المعيشة والإقتصاد و الهواء الطلق والماء العذب النمير وفواكه ممّا يشتهون، وعارف يذكر بدايع الصّنع وإتقان حكمة الباري سبحانه من مشهوداته، وهناك ماجنٌ لا يروقه إلّا الشهوات والمخازي، فيصف المواخير؛ ويلمُّ بحانات الخمور، ويحدِّث عن المومسات، وأفّاكٌ أثيمٌ يمين في أكثر ما يحدِّث، ويدنِّس بفاحش القول ساحة قدس مَن لم يُحسن قِراه، وإنَّ صاحب هذه الرِّحلة [الجولة] من القسمين الأخيرين، وكان الحريّ بنا أن نشطب على اسمه وعلى رحلته بقلمٍ عريضٍ لكنّا نُلمس القارئ ما ادَّعيناه فيه بطفيفٍ ممّا شوَّه به سمعة الرِّحلة والتاريخ.

١ - قال: يقول العلماء هناك [في النجف]: إنَّ المدافن فيها عشرة آلاف لا تزيد ولا تنقص لأنَّ سيِّدنا عليّاً يُرسل ما زاد من الجثث بعيداً فلا يعرف أحدٌ مقرَّها ص ١٠٥

كم مِن جثثٍ كانت تحملها السيّارات وافدة من كلِّ فجٍّ، وبعد الغسل يُطاف بها حول الحرم وبعد الصَّلاة عليها تُدفن وتظلُّ كذلك حتّى يتراءى لسيِّدنا عليٍّ أن يكشف عن مكنونها فتختفي ويُدفن في مكانها غيرها ص ١٠٦.

ج - لقد فتَّشنا علب العطارين، وأوعية أهل الحرف، وجوالق المكارين، ومدوَّنات


القصص الروائيّة، فلم تُعطنا خُبراً بشيءٍ من هذه المفتريات، ولا دلَّنا أصحابنا إلى شيء من ذلك، وإنَّما قدَّمناها وإيّاهم بالتفتيش والسؤال بعد اليأس عن العلماء و كتبهم، فإنَّهم يُجلّون كما أنَّ كتبهم تجلُّ عن الإشادة بالمخازي والأكاذيب، وليت [السائح] ذكر عالماً من أولئك العلماء الذين شافهوه بذلك الخيال، أو ذكر طرقهم إلى آرائهم، أو ذكر الليلة التي أوحاه إليه شيطانه فيها، لكنَّه لم يفعل كلّ ذلك تحفّظاً على ناموس شيطانه؛ فقال ولم يخجل.

من أين تخجل أوجهٌ أمويَّةٌ

سكبت بلذّات الفجور حيائها؟!

٢ - قال: هي [النجف] مقرُّ أوَّل خليفةٍ للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وفي زعم بعضهم (يعني الشيعة) هي مقرُّ مَن كان أحقُّ بالرِّسالة من النبيِّ نفسه ١٠٤.

ج - ليس في الشيعة قديماً وحديثاً مَن يزعم أنَّ أمير المؤمنين أحقُّ بالرِّسالة من النبيِّ وإنَّما هو إفكٌ مفترى إختلقه أضداد الشيعة تشويهاً لسمعتها، ولذلك لا تجد في أيٍّ من كتبهم، ولا يُؤثر عن أيٍّ منهم إيعازاً إلى هذه الشائنة فضلاً عن التَّصريح.

٣ - قال: قُتل عليٌّ بيد إبن ملجم - بايع الناس الحسن بن عليّ وكان معاوية قد بويع في الشام فزحف لقتال الحسن، وتأهَّب الحسن، للقتال في العراق، ولكن ثار عليه جنوده وانفضّوا من حوله، فهادن معاوية وتنازل عن الخلافة وفرَّ وقُتل، ثمَّ بايع الجميع معاوية إلّا الخوارج والشيعة [شيعة آل البيت أو آل عليّ] وقد إجتمعوا حول الحسين بن عليّ في مكّة فقتله جنودُ معاوية في كربلا هو وأفراد أُسرته وأتباعه جميعاً إلّا ابنٌ واحدٌ للحسين أمكنه الهرب ص ١١٠.

ج - هذا معرفة الرَّجل بالتاريخ الإسلامي وهو أُستاذ العلوم الإجتماعيّة في مدرسة القبَّة الثانويَّة بالقاهرة، ولا أحسب أنَّ المقام يستدعي ترسّلاً في تصحيح أغلاطه التاريخيَّة، وإنَّما أثبتناه في هذا المقام لإيقاف القارئ على مقدار علمه، ولكنَّني أتمنّى أنَّ سائلاً يُسائله عن الموجب للكتابة فيما لا يعلم، أهو بترجيح من طبيب؟ أم تحبيذ من مهندس؟ أم إشارة من سياسيّ، أم أنّ الرعونة حدته إلى ذلك؟ وهو يحسب أنَّه يحسن صنعاً، ونحن لا نُقابله هنا إلّا بالسَّلام كما قال سبحانه تعالى:( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ) .


وما أشبه أساطير رحّالة مصر هذا في كتابه أساطير الرَّحالة الأفرنسيَّة المنشورة في مجلّة الأحرار البيروتيّة ٢٧ تشرين الثاني سنة ١٩٣٠ م ملخَّصها: إنَّ على أساس ذبحٍ عليٍّ وأولاده في كربلاء قرب بغداد قامت الشيعة في الإسلام، ذلك لأنَّ أقرباء عليٍّ وحلفائه وتلاميذه وعلماء الشيعة وفلاسفتها لم يطيقوا خلافة عمر؟ الّذي بسببه أُريق دم عليٍّ وأولاده؟ فافترقوا عن السنَّة واجتازوا جزيرة العرب إلى العجم؟ تسير في طليعتهم أرملة عليٍّ فاطمة؟.

اقرأ واضحك

هكذا فليكن رحّالة مصر وفرانسة، ولِلذَّكَر مثل حظِّ الأُنثيين.

٤ - قال: من فرق الشيعة من يقول: بأنَّ الصحابة كلّهم كفروا بعد موت النبيِّ إذ جحدوا إمامة عليٍّ، وإنَّ عليّاً نفسه كفر لتنازله لأبي بكر، لكنَّه عاد له إيمانه لَمّا تولّى الإمامة وهذه فرقة الإماميَّة. ومن الشيعة قسمٌ أوجب النبوَّة بعد النبيِّ فقالوا بأنَّ الشَبه بين محمَّد وعليٍّ كان قريباً لدرجة أنَّ جبرئيل أخطأ، وتلك فئة [الغالية أو الغلاة] ومنهم مَن قال بأنَّ جبريل تعمَّد ذلك فهو إذن ملعونٌ كافرٌ ص ١١٠.

ج - الإماميّة لا تقول في الصحابة إلّا بما قدَّمناه في هذا الجزء ص ٢٩٦، ٢٩٧ عن صحيح البخاري وغيره، وهي لا تزال تُوالي أمير المؤمنين عليّاً صلوات الله عليه وتقول بعصمته وتحقّق الإيمان بولائه منذ بدء خلقته إلى أن لفظ نفسه الأخير، وإلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، وإلى أمدٍ لا مُنتهى له، وتقول بإمامته منذ قبض الله نبيَّه الأمين إليه، سواءٌ سُلّم إليه الأمر أو اُبتزَّ منه. وتقول أيضاً بشمول آية التطهير له منذ نزلت إلى آخر الأبد، ولا يتزحزح الشيعيُّ عن هذه العقايد آناً ما في أدوار الخلافة العلويَّة سواءٌ تصدّى لها أو مُنع عنها، وقد اتَّفق على ذلك علماء الشيعة ومؤلّفاتها، وتطامنت عليه الأفئدة، وانحنت عليه الأضالع، وأخبتت إليه القلوب، فإن كانت هناك نسبةٌ غير هذا إليهم فعزوٌ مُختلقٌ من جاهلٍ بعقائدهم، أو متحرٍّ بالوقيعة فيهم، ولدة هذا نسبة خطأ جبرئيل إلى بعضهم أو تعمّده إلى بعض آخر وما إليها من المخازي

٥ - قد استرعى نظري في النَّجف كثيرٌ من الأطفال الذين يلبسون آذانهم حلقات


خاصَّة هي علامة أنَّهم من ذريَّة زواج المتعة المنتشر بين الشيعة جميعاً وبخاصَّة في بلاد فارس، ففي موسم الحجّ(١) إذا ما حلَّ زائرٌ فُندقاً لاقاه وسيطٌ يعرض عليه أمر المتعة مقابل أجرٍ معيّن، فإن قبل أحضر له الرَّجل جمعاً من الفتيات لينتقي منهنَّ، وعندئذٍ يقصد معها إلى عالم لقراءة صيغة عقد الزَّواج وتحديد مدّته، وهي تختلف بين ساعاتٍ وشهورٍ وسنواتٍ؛ وللفتاة أن تتزوّج مرّات في الليلة الواحدة، والعادة أن يدفع الزَّوج نحو خمسة عشر قرشاً للساعة، وخمسة وسبعين قرشاً لليوم، ونحو أربع جنيهات للشهر، ولا عيب على الجميع في ذلك العمل لأنَّه مشروعٌ، ولا يلحق الذريَّة أيّ عارِ مطلقاً؛ وعند انتهاء مدَّة الزّواج يفترق الزَّوجان ولا تنتظر المرأة أن تعتدّ بل تتزوَّج بعد ذلك بيومٍ واحدٍ، فإن ظهر حملٌ فللوالد أن يدّعي الطفل له ويأخذه من أُمِّه إذا بلغ السابعة. إلخ ص ١١١، ١١٢.

ج - ليتني كنت أُشافه الرَّجل فأُسائله عن أنَّه هل تفرَّد هو بالهبوط إلى النجف الأشرف في أجيالها المتطاولة؟ أو شاركه في ذلك غيره من سوّاح وزوّار وسابلة؟ نعم هذه النجف الأعلى مهبط القداسة ومرقد سيِّد الوصيِّين أمير المؤمنين صلوات الله عليه تأتيها في كلِّ سنة آلاف مؤلَّفة من أقطار الدنيا للتزوُّد من زورة ذلك المشهد المقدَّس فيمكثون فيها أيّاماً وليالي وأسابيع وأشهراً وفيهم البحّاثة والمنقِّبون، فلِمَ لم يحدِّث أحدهم عن أولئك الأطفال الكثيرين في مخيَّلة هذا الزاعم؟ وعن الحَلقات الخاصَّة في آذانهم؟ وعن هاتيك الفنادق المخترقة(٢) وعن ذلك الوسيط الموهوم؟ وهاتيك الفتيات المعروضة على الوافد؟ وعن تلك العادة المفتراة الشائنة؟ والأسعار المختلقة؟ وعن تواصل المتع من دون تخلّل عدَّة؟ وجلُّ أولئك الوافدون يتحرَّون غرائب ما في النجف من العادات والأطوار شأن كلِّ باحثٍ يرد حاضرةً من الحواضر المهمَّة، ولِمَ لم يشهد هذه الأحوال أحدٌ من أهل النجف الَّذين وُلدوا فيها، وفيها ينشأون، وفيها يموتون وهي وفنادقها وأطفالها وزوّارها بمرأى منهم ومسمع؟! ولعلَّ [الرائد الكذّاب] يحسب أنَّ مشهوداته هذه لا تُدرك بعين البصر وإنَّما أدركها بعين البصيرة فهلمَّ واضحك.

_____________________

١ - يعني أيّام زيارة أمير المؤمنين عليه السلام المخصوصة به.

٢ - لم يكن يوم ورود الرجل النجف الأشرف أي فندق فيها وإنَّما أسست الفنادق بعد يومه.


٦ - قال: فهم «يعني الإيرانيِّين» يبغضون أهل العراق ويطمحون إلى تملّك بلادهم يوماً، وهم جميعاً يمقتون العرب المقت كلّه، ويتبرَّأون منهم ويقولون بأنَّ العرب رغم أنَّهم أدخلوا الإسلام في بلادهم واحتلّوها طويلاً فإنّ فارس حافظت على شخصيَّتها ولغتها، وهم ينظرون إلى العرب نظرة احتقارٍ ويفاخرون بأنَّهم من أصل آري لا سامي ص ١٣٦.

ج - لا أحسب وأيمن الله إلّا أنَّ هذا الرَّجل يُريد تفريق كلمة المسلمين، وتفخيذ أُمَّةٍ عن أُمَّةٍ بأباطيله، والواقف على ما بين العراقيّين والإيرانيّين - من الجوار وحقوقه المتبادلة بين الأُمَّتين، واختلاف كلٍّ منهما إلى بلاد الأُخرى، ونزول الايرانيِّ ضيفاً عند العراقيِّ وعكسه كالنازل في أهله، وما يجري هنالك من الحفاوة والتبجيل، وما جمع بينهما من الوحدة الدينيّة والجامعة المذهبيّة إلى غيرهما من أواصر الأُلفة والوداد، و نظر الايرانيِّ إلى كلِّ عراقيٍّ يرد بلاده من المشاهد المقدَّسة نظر تقديس وإكبار، فلا يستقبله إلّا بالمصافحة والمعانقة والتقبيل، وما يقدِّسه كلُّ مسلم وفيهم الإيرانيّون من لغة الضاد بما أنَّها لغة كتابهم العزيز - جِدُّ عليم بأنَّ الرَّجل أكذب ناهضٍ لشقِّ عصى المسلمين، ولعمري لم تسمع أُذني ولا أُذن أحدٍ غيري تلك المفاخرة التافهة من أيِّ إيرانيٍّ عاقلٍ.

٧ - قال: السيّارات الكبيرة تمرُّ تباعا (بين طهران وخراسان) ذهاباً ورجعةً في كثرةٍ هائلةٍ كلّها تحمل جماهير الحجّاج، ويقولون: بأنَّ هذا الخطّ على وعورته أكثر البلاد حركةً في نقل المسافرين لأنَّ مشهد خيرٌ لديهم من مكّة المكرَّمة تُغنيهم عن بيت الله الحرام في زعمهم ١٥٢.

وقال ص ١٦٢: والّذي شجّع الفرس على اتِّخاذ مشهد كعبةً مقدَّسةً الشاه عبّاس أكبر الصفويّين، هناك صرف قومَه عن زيارة مكّة المكرَّمة لكراهتهم للعرب. ولكي يوفِّر على قومه ما كانوا يُنفقون من أموال طائلة في بلاد يكرهونها، وكثيرٌ من الحجّاج كانوا من السّراة، فاتَّخذ مشهد كعبةً وجّه إليها الشعب، ولكي يزيدها قدسيّة حجَّ إليها بنفسه ماشياً على قدميه مسافة تفوق ١٢٠٠ كيلو متر فتحوّل إليها الناس جميعاً، ويندر من يزور الحجاز اليوم، وهم يحترمون كلمة (مشهدي) عن كلمة [حجي]


لأنَّ من زار مشهد لا شكَّ أكثر قدسيّةً واحتراماً ممّن زار مكّة.

ج - أللّهمَّ ما أجرأ هذا (الكَذْبان) على المفتريات التي لم تطرق سمع أحد من الشيعة ولا وقع عليها نظر أيٍّ منهم ولو في أُسطورة كاذبةٍ حتّى وجدها في كتاب هذا المائن، وليس في الشيعة أحدٌ يعتقد في خراسان غير أنّه مرقد خليفةٍ من خلفاء رسول الله، ومثوى إمام من أئمّتهم، ولذلك عاد مهبطاً للفيوض الإلهيّة، وأمّا القول بإغنائه عن البيت الحرام وإنَّ زيارته مسقطةٌ للحجِّ فبهتانٌ عظيمٌ، والشاه الصفويُّ المغفور له لم يتّخذه كعبةً ولا قصد زيارته ماشياً إلّا للتزلّف إلى المولى سبحانه بزيارة وليٍّ من أوليائه، والتوسّل إليه بخليفةٍ من خلفائه، ولم يصرف قومه عن الحجِّ لذلك، ولم يأت برأيٍ جديد يُضادّ رأي الشيعة من أوَّل يومهم، والشيعة إنَّما تقصد زيارته بداعي الولاء للعترة الطاهرة الذي هو أجر الرِّسالة، ورغبة في المثوبات الجزيلة المأثورة عن أئمّتهم عليهم السّلام.

ولم يكن الشاه ولا شعبه الإيرانيّون بالّذين يشحّون على الأموال دون الفرايض الّتي من أعظمها الحجُّ إلى الكعبة المعظّمة، ولا يرون لهذه الفريضة أيَّ بدل من زيارةٍ أو عبادةٍ، وهذه الحقب والأعوام تشهد لآلاف مؤلّفة من الايرانيّين الذين كانوا يحجّون البيت في كلِّ عام.

نعم: في السنين الأخيرة قلَّ عددهم لما هنالك من عدم الطمأنينة على الأحكام والدماء، فالشيعيُّ يرى أن أغلب الحجّاج غير متمكِّنين من أداء المناسك كما ينبغي، وغير آمنين على دمائهم بأدنى فريةٍ يفتريها عدوٌّ من أعداء الله، ويشهد عليها آخرون أمثاله، فيحكم على إراقة دمه قاض بالجور.

وإن ننس لا ننسى ما جرى في سنة ١٣٦٢ هـ من إزهاق حاجّ مسلمٍ ايرانيّ (يُسمّى طالب) بين الصَّفى والمروة ببهتان عظيم، وهو يتشهَّد الشهادتين وقد حجَّ البيت واعتمر وأتى بالفرايض كلّها، فقُتل مظلوماً ولا مانع ولا وازع ولا زاجر ولا مدافع، ودع عنك ما يُلاقي الشيعة بأسرها عراقيِّين وإيرانيِّين من هتكٍ وهوان والخطاب بمثل قول الحجازيِّ إيّاهم: يا كافر، يا مشرك. وأمثالهما من الكلم القارصة، وتحرّي الحجج التافهة لهذه المخازي كلِّها ولإراقة دمائهم، فمن هنا خارت العزائم، وقلّت الرغبات، ومنعت الحكومة الايرانيَّة


شعبها عن السفر إلى الحجاز كلائةً لأُمَّتها، مستندةً على حكم دينيٍّ لعدم التمكّن من أداء الفريضة غالباً، لا لِما أفرغه السايح المتحذلق في بوتقة إفكه ممّا سطره من إتِّخاذ المشهد كعبةً، ومن الكراهة المحتدمة بين الايرانيِّين والعرب، ذينك الفريقين المتواخيين على الدين والمذهب، إلى جوامع كثيرة يعرفها مَن جاس خلال ديارهما بقلب طاهر متجرِّداً عن النَّعرات الطائفيَّة غير متحيِّز إلى فئة (لا كسايحنا الثابت على غيِّه) وقد قدَّمنا ما بين العرب والعجم المسلمين من التحابب والموادَّة.

٨ - قال: في نيسابور قبَّةٌ أنيقةٌ عني بإقامتها ونقشها العناية كلّها، فدخلتها و إذا هي مدفن محمّد المحروق من سلالة الحسين، وقد أسموه بالمحروق لأنَّه نزل ضيفاً على أحد سراة القرية ولَمّا أن خيم الليل اعتدى على بنت مضيفه فأحرقه الناس في مكانه هذا، ورغم جرمه هذا شيد قبره وقدَّسه الناس لأنَّه من سلالة طاهرةٍ ١٥٥.

ج - لا ينقطع الرَّجل يُريد الوقيعة على أهل البيت الطاهر فيختلق لهم قصصاً لا يوجد لها مصدرٌ ولو من أضعف المصادر، ويُلفِّق لهم تاريخاً من عند نفسه لا يعلمه إلّا شيطانه، فإنّ ذلك المدفن قد يُنسب إلى محمّد بن محمّد بن زيد بن عليّ الإمام زين العابدين عليه السلام ترجمه أبوالفرج في مقاتل الطالبيين وقال: بايعه أبو السرايا بالكوفة بعد موت محمّد بن إبراهيم بن إسماعيل طباطبا واستولى على العراقين وفرَّق فيهما عمّاله من بني هاشم إلى أن جهَّز الحسن بن سهل ذوالرَّياستين له جيشاً مع هرثمة بن أعين فأُسر وحُمل إلى خراسان إلى المأمون فحبسه أربعين يوماً في دار جعل له فيها فرشاً وخادماً فكان فيها على سبيل الإعتقال، دسّ إليه شربة سمٍّ فجعل يختلف كبده وحشوته حتّى مات.

لكنَّ الرجل لم يستسهل أن يمرَّ على هذا العلويِّ المظلوم ولا يخزه بشيء من وخزاته، فجاء يقذفه بعد قرون من شهادته بهذه الشائنة والبهتان العظيم، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.

٩ - قال: إنَّ الحسين تزوَّج (شهر بانو) بنت آخر الملوك الساسانيِّين، وبذلك ورث الحسين العظمة الإلهيَّة التي ورثها من قِبل الساسانيِّين ٢٠٨.

ج - حسين العظمة ورث ما ورثه من جدِّه النبيِّ الأعظم، وإن كان فارس خيرة


العجم والعائلة المالكة أشرف عائلات فارس، وقد إزدادت شرفاً ومنزلةً بمصاهرة بيت الرِّسالة، فإنَّ شرف النبوَّة تندكُّ عنده الفضايل كلّها.

وليت شعري ما الصِّلة بين مصاهرة الفرس والعظمة الإلهيَّة ومؤسِّسها نبيُّ العظمة، وقد ورثها منه آله العظماء، وملوك الفرس إن تمكَّنوا بشيء من المنزلة والمكانة فعن قهر وتغلّب من دون دخل لها في النفسيّات الراقية والمنازل الإلهيَّة والعظمة الروحيَّة القدسيَّة.

نعم: هذا شأن كلِّ جاهلٍ فإنَّه لما لم يعرف قدره، ويتعدّ طوره، هكذا يكثر لغبه، ويطول لسانه، ويُبتلي بفضول الكلام، وهو يخبط خبط عشواء.

هنا نختم البحث عن عورات الرَّجل غير أنَّها لا تنتهي، وإنّا نضنُّ بالورق واليراع بعد الوقت الثمين عن إتلافها بذكر سقطاته التي تندى منها جبهة الإنسانيَّة، راجع من كتابه ص ١٢٥، ١٣٠، ١٣٢، ١٣٤، ١٤١، ١٤٢، ١٥٠، ١٥٦، ١٥٧، ١٦٠، ١٦٢، ١٦٣، ١٦٦، ١٨٣، ٢٠٦، ٢١٠.

والرَّجل قد تعلَّم في بلاد فارس ألفاظاً من لغتهم فجاء يذكرها في كتابه مع ترجمة بعضها بالعربيَّة إثباتاً لثقافته غير أنَّ كلَّ ما تعلّمه كآرائه ومعتقداته غلطٌ بعد غلط و إليك نماذج منها مع ذكر صحيحها:

مدر:

امّ.

مادر

دِر:

باب.

دَر

باد:

ردئ.

بَد

جرم:

دافي

كرم

فاردا:

غداً.

فردا

بسيتون:

ألصواب.

بي ستون

دوك:

ألصواب.

دوغ

الانجور:

ألصواب.

انگور

جوهرشاه:

ألصواب.

گوهرشاد

الداشت:

ألصواب.

دشت

ناخير:

ألصواب.

نه خير

الجوشت:

ألصواب.

گوشت

الروغان:

ألصواب.

روغن

الملاه:

ألصواب.

ملاّ

المولاه:

ألصواب.

ملّا

صبركون:

ألصواب.

صبركون

ياخ:

ألصواب.

يخ

صمورا:

ألصواب.

سماور

آلي قاپو:

ألصواب.

عالي قاپور

البازار:

ألصواب.

بازار


شربت باشا

شربت الأطفال

شربت بچه

بردن

يحمل

بردَن بفتح الدال مصدر

كرافان سراي (في عدَّة مواضع) كاروان سراي

زنده رود

ص

زاينده رود

أنزبلي

ص

أنزلي

شارود

ص

شاهرود

سابزوار

ص

سبزوار

هيرات

ص

هرات

بوشهر

ص

أبوشهر

الفولجة

ص

الفلوجة

تشهل ستون

ص

چهل ستون

تشهل منار: أي ذات العماد. ص: چهل منار. اربعون منارة

شهل ستون

ص

چهل ستون

راحات

ص

راحت

حظرة عبدالعظيم (في غير موضع) حضرت عبد العظيم. انظر إلى ثقافته العربيَّة.

وهذه الجمل تُعطينا صورةً من تضلّعه بالعربيَّة بإكثاره لإدخال اللام في الألفاظ الفارسيَّة.

( مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللّهِ )

سورة الحديد: ٢٧


١٥

عقيدة الشيعة

تأليف المستشرق روايت م. رونلدسن

قد يحسب الباحث رمزاً من النزاهة في هذا الكتاب، وخلاءً من القذف والسباب المقذع، غير أنَّه مهما أمعن النظر فيه يراه معرباً عن جهل مؤلِّفه المطبق، وقصر باعه في آراء الشيعة ومعتقداتهم، وعدم عرفانه برجالهم وتراجمهم وتآليفهم؛ و يجده مع ذلك: ذلك الأفّاك الأثيم، ذلك الهمّاز المائن، يخبط خبط عشواء، أو كحاطب ليل لا يدري ما يجمع في حزمته، فجاء يكتب عن أُمَّة عظيمة كهذه ويبحث عن عقائدهم ويستند فيها كثيراً إلى كتب قومه المشحونة بالطامّات والآراء الساقطة والمخازي التافهة، والمشوَّهة بأساطيرهم المائنة، أو إلى تآليف أهل السنَّة المؤلَّفة بيد أُناس دجّالين محدَثين الذين كتبوا بأقلامهم المسمومة ما شاءت لهم أهوائهم وأغراضهم الإستعماريَّة. فكشف عن سوأته بمثل قوله في ص ٢٥:

يذكر Hl ghes في كتابه (قاموس الإسلام) ص ١٢٨ قضيّةً طريفةً عن عيد الغدير قال: وللشيعة عيدٌ في الثامن عشر من ذي الحجّة يصنعون به ثلاثة تماثيل من العجين يملئون بطونها بالعسل، وهي تمثِّل أبا بكر وعمر وعثمان ثمَّ يطعنونها بالمدى فيسيل العسل تمثيلاً لدم الخلفاء الغاصبين؛ ويُسمّى هذا العيد بعيد الغدير.

وبمثل قوله في ص ١٥٨: يذكر برتن Burton إنَّ الفرس تمكّنوا في بعض الأحيان أن يُنجِّسوا المكان الكائن قرب قبري أبي بكر وعمر بقذف النجاسة الملفوفة بقطعة من الشّال، يدلُّ ظاهرها على أنَّها هديّةٌ من الشبّاك.

وبمثل قوله في ص ١٦١: أمّا الشيعة الإثنى عشريَّة فيؤكّدون أنَّ الإمام جعفر الصّادق نصَّ على إمامة إبنه الأكبر إسماعيل بعده، غير أنَّ إسماعيل كان سكّيراً، فنقلت الإمامة إلى موسى، وهو الوليد الرابع من بين سبعة أولاد، وكان الخلاف الناجم عن


ذلك سبباً في حدوث إنقسامٍ كبير بين الشيعة كما أشار إلى ذلك إبن خلدون.

وبمثل قوله في ص ١٢٨: إدَّعى عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن الحسين(١) الإمامة، ويُروى أن وفداً مؤلَّفا من إثنين وسبعين رجلاً جاء إلى المدينة من خراسان، ومعهم أموال يحملونها إلى الإمام وهم لا يعرفونه، فذهبوا إلى عبد الله أوَّلاً فأخرج لهم درع النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وخاتمه وعصاه وعمامته، فلمّا خرجوا من عنده على أن يرجعوا غداً لقيهم رجلٌ من أتباع محمّد الباقر فخاطبهم بأسمائهم ودعاهم إلى دار سيِّده فلمّا حضروا كلّهم طلب الإمام محمّد الباقر من إبنه جعفر أن يأتيه بخاتمه فأخذه بيده وحرَّكه قليلاً وتكلّم بكلمات فإذا بدرع الرَّسول وعمامته وعصاه تسقط من الخاتم، فلبس الدرع ووضع العمامة على رأسه وأخذ العصا بيده فاندهش النّاس، فلمّا رأوها نزع العمامة والدرع وحرَّك شفتيه فعادت كلّها إلى الخاتم، ثمَّ التفت إلى زوّاره وأخبرهم أنّه لا إمام إلّا وعنده مال قارون فاعترفوا بحقِّه في الإمامة ودفعوا له الأموال. وقال في تعليقه: اُنظر دائرة المعارف(٢) الإسلاميَّة. مادة قارون.

سبحانك اللّهمَّ ما كنّا نحسب أنَّ رجلاً يسعه أن يكتب عن أُمَّة كبيرة ويأخذ معتقداتها عمَّن يُضادُّها في المبدء، ويتقوَّل عليها بمثل هذه التّرهات من دون أيِّ مصدر، وينسب إليها بمثل هذه المخازي من دون أيِّ مبرِّر، فما عساني أن أكتب عن مؤلِّف حائر بائر ساح بلاد الشيعة، وجاس خلال ديارهم، وحضر في حواضرهم وعاش بينهم (كما يقول في مقدِّمة كتابه) ستّ عشر سنة، ولم ير منهم في طيلة هذه المدَّة أثراً ممّا تقوَّل عليهم، ولم يسمع منه ركزاً، ولم يقرأه في تآليف أيِّ شيعيٍّ ولو لم يكن فيهم وسيطاً(٣) . ولم يجد في طامور قصّاص، فجاء يفصم عرى الأُخوَّة الإسلاميَّة، ويُفرِّق صفوف أهل القرآن، بما لفَّقته يد الإفك والزور من شاكلته،

_____________________

١ - ليته دلنا على مدعي الإمامة هذا من ولد الحسين من هو؟ ومتى ولد؟ وأين ولد؟ وأين عاش؟ وأين مات؟ وأين دفن؟ ومتى كان دعواه؟ لم يكن ممّن عاصر الإمام الباقر من ولد جدّه الحسين غير أخيه عبد الله بن علي بن الحسين، وكان فقيهاً فاضلاً مخبتاً إلى إمامة أخيه الباقر فالقضية بهذا الإسم سالبة بانتفاء الموضوع، وفيها ما ينافي أصول الشيعة وقد خفى على الواضع.

٢ - هذا الكتاب فيه من البهرجة والباطل شيء هائل يحتاج جدّاً إلى نظارة التنقيب.

٣ - وسيط القوم: أرفعهم مقاماً وأشرفهم نسباً. ومن هنا يقال: الحكمة الوسطى.


ويبهت أرقى الأُمم بما هم بُعداء منه، ويعزو إليهم بما يُكذِّبه به أدب الشيعة وتُحرِّمه مبادئهم الصحيحة، ويقذفهم بما وضعته يد الإحن والشحنا من أمثال هذه الأفائك الشائنة، فكأنَّ في أُذنيه وقراً لم تسمع ذكراً ممّا ألَّفه أعلام الشيعة قديماً وحديثاً في أُصول عقائدهم، وكأنَّ في بصره غشاوة لم ير شيئاً من تلك التآليف التي ملأت مكتبات الدنيا. نعم: إنَّ( الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) .فأتعس الله حظَّ مؤلِّف هذا شأنه، وجَدع أنفه ويُريه وبال أمره في الدنيا قبل عذاب الآخرة.

والخطب الفظيع إنَّ هذا الكيذبان [وليد عالم التمدُّن] مهما ينقل عن تأليف شيعيٍّ تجده تارةً يمين في نقله كقوله في ترجمة الكليني ص ٢٨٤: يقال إنَّ قبره فتح فوُجد في ثيابه وعلى هيئته لم يتغيَّر وإلى جانبه طفلٌ كان قد دفن معه فبني على قبره مُصلّى. ويذكر في التعليق أنَّه كذلك ص ٢٠٧ فهرست الطوسي رقم ٧٠٩. ولم يوجد في فهرست الطوسي من هذه القيلة أثرٌ.

وتارةً تراه يحرِّف الكلم عن مواضعها ويشوِّه صورتها كما فعل فيما ذكره من زيارة مولانا أميرالمؤمنين ص ٨٠ ناقلاً عن الكافي للكليني ج ٢(١) ص ٣٢١ فإنَّه أدخل فيها من عند نفسه ألفاظاً لم توجد قطُّ فيها لا فيه ولا في غيره من كتب الشيعة.

أضف إلى هذه فظيعة جهله برجال الشيعة وتاريخهم قال في ترجمة الصحابيِّ الشيعيِّ العظيم سلمان الفارسيّ: يزور كثيرٌ من الشيعة قبره عند عودتهم من كربلاء وهو في قرية اسبندور من المدائن ويقول بعضهم(٢) : إنّه دُفن في جوار إصفهان. وقال ص ٢٦٨: والمقداد الذي تُوفّي في مصر ودفن بالمدينة. وحذيفة بن اليمان الذي قُتل مع أبيه وأخيه في غزوة أُحد ودُفن في المدينة. وقال ص ٢٦٨: إنَّ الكليني مات في بغداد ودفن بالكوفة(٣) وأكثر النقل عن تبصرة العوام للسيِّد المرتضى الرازي أحد أعلام القرن السابع ونسبه في ذلك كلِّه إلى السيِّد الشريف علم الهدى المرتضى مؤرِّخا وفاته ٤٣٦.

_____________________

١ - والصحيح: ج ١.

٢ - ليته دلتا على ذلك البعض.

٣ - خفى عليه أنه (باب الكوفة) وهو من محلات بغداد.


ولعلَّنا نبسط القول حول ما في طيِّه من أباطيل ومخاريق بتأليف مفرد ونبرهن فساد ما هنالك في ص ٢٠، ٢١، ٢٤، ٣٤، ٣٦، ٤٣، ٤٧، ٥٩، ٦٠، ٦٣، ٧٢، ٧٧، ٨٠، ٨٣، ٩١، ٩٢، ١٠٠، ١٠١، ١١٠، ١١١، ١١٤، ١١٥، ١٢٢، ١٢٦، ١٢٨، ١٥١، ١٥٨، ١٦١، ١٧٠، ١٧٤، ١٨٥، ١٩٢، ٢٠٨، ٢١١، ٢٣٥، ٢٥٣، ٢٦٨، ٢٨٠، ٢٨٢، ٢٨٤، ٢٩٥، ٢٩٦، ٣٠٤، ٣٢٠، ٣٢٩، وغيرها.

ولا يفوت المترجم عرفاننا بأنَّ يده الأمينة على ودايع العلم لعبت بهذا الكتاب وإنَّه زاد شوهاً في شوهه، وبذل كلّه في تحريفه، وأخنى عليه ورمَّجه، وقلَّب له ظهر المجن، وأدخل فيه ما حبَّذته نفسيَّته الضئيلة، فتعساً لمترجم راقه ما في الكتاب من التحامل على الشيعة والوقيعة فيهم، فجاء يحمل أثقال أوزار الغرب وينشرها في الملأ ولم يُهمّه التحفّظ على ناموس الإسلام، وعصمة الشرق، وكيان العرب ودينه.

( وَلَيَحْمِلُنّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمّا كَانُوا يَفْتَرُونَ )

سورة العنكبوت: ١٣


١٦

الوشيعة

في نقد عقائد الشيعة

تأليف موسى جار الله

كنت أودُّ أن لا أحدث لهذا الكتاب ذكرا، وأن لا يسمع أحد منه ركزا، فإنَّه في الفضائح أكثر منه في عداد المؤلَّفات، لكن طبع الكتاب وانتشاره حداني إلى أن أوقف المجتمع على مقدار الرَّجل، وعلى أُنموذج ممّا سوَّد به صحائفه، وكلُّ صحيفةٍ منه عارٌ على الأُمّة وعلى قومه أشدُّ شنارا.

لست أدري ما أكتب عن كتاب رجل نبذ كتاب الله وسنَّة نبيِّه وراءه ظهريّا، فجاء يحكم وينقد، ويتحكّم ويُفنِّد، وينبر وينبز، ويبعث بكتاب الله ويفسِّره برأيه الضئيل؛ وعقليَّته السقيمة كيف شاء وأراد، فكأنّ القرآن قد نزل اليوم ولم يسبقه إلى معرفته أحدٌ، ولم يأت في آية قولٌ، ولم يُدوَّن في تفسيره كتابٌ، ولم يرد في بيانه حديثٌ، وكأنَّ الرجل قد أتى بشرعٍ جديد، ورأي حديث، ودين مخترعٍ، ومذهبٍ مبتدعٍ، لا يُساعده أيُّ مبدء من مبادئ الإسلام، ولا شيءٌ من الكتاب أو السنَّة.

ما قيمة مغفَّل وكتابه وهو يرى الأُمَّة شريكةً لنبيِّها في كلِّ ما كان له، وفي كلِّ فضيلة وكمال تستوجبها الرِّسالة، وشريكة لنبيِّها في أخصّ خصايص النبوَّة، ويرى رسالة الأُمَّة متَّصلةً بسورة رسالة النبيِّ من غير فصل، ويستدلُّ على رسالة الأُمَّة بقوله تعالى( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) (١) . وبقوله:( مُحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) (٢)

_____________________

١ - سورة التوبة آية ١٢٨.

٢ - سورة الفتح آية ٢٩.


والكلام معه في هذه الأساطير كلّها يستدعي فراغاً أوسع من هذا، ولعلّه يُتاح لنا في المستقبل الكشّاف إنشاء الله تعالى، وقد أغرق نزعاً في تفنيد أباطيله العلّامة المبرور الشيخ مهدي الحجّار النجفي نزيل المعقل(١) .

ولو لم يكن للرَّجل في طيِّ كتابه إلّا أساطيره الراجعة إلى الأُمَّة لكفاه جهلاً وسوءة وإليك نماذج منها قال:

١ - الأُمَّة معصومةٌ عصمة نبيِّها. معصومةٌ في تحمّلها وحفظها. وفي تبليغها وأدائها. حفظت كلَّ ما بلّغه النبيُّ مئل حفظ النبيِّ. وبلّغت كلَّ ما بلّغه النبيُّ مثل تبليغ النبيِّ. حفظت كلّيات الدين وجزئيّات الدين أصلاً وفرعاً. وبلّغت كلّيات الدين وجزئيّات الدين أصلاً وفرعاً.

لم يضع من أُصول الدين ومن فروع الدين شييءٌ. ١ - حفظه الله ٢ - حفظه نبيّه محمَّد ، ٣-حفظته الأُمَّة: كافَّة عن كافَّة، عصراً بعد عصر، ولا يمكن أن يوجد شيئٌ من الدين غفل عنه أو نسيه الأُمّة.

فالأُمّة بالقرآن والسنّة أعلم من جميع الأئمّة، وأقرب من إهتداء الأئمّة، وعلم الأُمَّة بالقرآن وسنن النبيِّ اليوم أكثر وأكمل من علم عليٍّ ومن علوم كلِّ أولاد عليٍّ.

ومن عظيم فضل الله على نبيِّه، ثمَّ من عموم وعميم فضل الله على الأُمّة أن جعل في الأُمّة من أبناء الأُمّة كثيراً هم أعلم بكثير من الأئمّة ومن صحابة النبيِّ صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم. لز.

وكلُّ حادثة إذا وقعت فالأُمَّة لا تخلو من حكم حقٍّ وصواب وجواب يُريه الله الواحدَ من الأُمَّة الّتي ورثت نبيَّها وصارت رشيدةً ببركة الرِّسالة وختمها أرشد إلى الهداية وإلى الحق من كلِّ إمام، والأُمَّة مثل نبيِّها معصومةٌ ببركة الرِّسالة و كتابها، ومعصومةٌ بعقلها العاصم.

الأُمَّة بلغت وصارت رشيدةً لا تحتاج إلى الإمام، رشدها وعقلها يُغنيها عن كلِّ إمام. لح.

أنا لا أنكر على الشيعة عقيدتها أنَّ الأئمَّة معصومةٌ، وإنَّما أنكر عليها عقيدتها

_____________________

١ - أحد شعراء الغدير في القرن الرابع عشر يأتي هناك شعره وترجمته.


أنّ أُمَّة محمَّد لم تزل قاصرةً ولن تزال قاصرةً، تحتاج إلى وصاية إمام معصوم إلى يوم القيامة، والأُمَّة أقرب إلى العصمة والإهتداء من كلِّ إمام معصوم، وأهدى إلى الصواب والحقِّ من كلّ إمام معصوم، لأنَّ عصمة الإمام دعوى، أمّا عصمة الأُمَّة فبداهة وضرورة بشهادة القرآن. لط.

ليس يُمكن في العالم نازلة حادثة ليس لها جوابٌ عند الأُمَّة: وعقلنا لا يتصوَّر إحتياج الأُمَّة إلى إمام معصومٍ، وقد بلغت رشدها، ولها عقلها العاصم، وعندها كتابها المعصوم، وقد حازت بالعصوبة كلَّ مواريث نبيِّها، وفازت بكلِّ ما كان للنبيِّ بالنبوَّة.

الأُمَّة بعقلها وكمالها ورشدها بعد ختم النبوَّة أكرم وأعزّ وأرفع من أن تكون تحت وصاية وصيٍّ تبقى قاصرةً إلى الأبد. ما

ج - هذه سلسلة أوهام، وحلقة خرافات تبعد عن ساحة أيِّ متعلّمٍ متفقِّه فضلاً عمَّن يرى نفسه فقيهاً، فكأنَّ الرجل يتكلّم في الطيف في عالم الأضغاث والأحلام.

ألا مَن يُسائله عن أنَّ الأُمَّة إذا كانت معصومةً حافظةً لكلّيات الدين وجزئيّاته أصلاً وفرعاً، ومبلّغةً جميع ذلك كافَّة عن كافَّة وعصراً بعد عصر، ولم يوجد هناك شيئٌ منسيٌّ أو مغفولٌ عنه، فما معنى أعلميَّتها من جميع الأئمَّة؟ وأقربيّة إهتدائها من إهتدائهم؟ أيراهم خارجين عن الأُمَّة غير حافظين ولا مهتدين، في جانب عن الدين الذي حفظته الأُمَّة، لا تشملهم عصمتها ولا حفظها ولا اهتدائها ولا تبليغها؟.

وعلى ما يهم الرَّجل يجب أن لا يوجد في الأُمَّة جاهلٌ، ولا يقع بينها خلافٌ في أمر دينيّ أو حكم شرعيّ، وهؤلاء جهلاء الأُمَّة الذين سدّوا كلَّ فراغ بين المشرق والمغرب، وتشهد عليهم أعمالهم وأقوالهم بأنَّهم جاهلون - وفي مقدَّمهم هو نفسه - وما شجر بين الأُمَّة من الخلاف منذ عهد الصحابة وإلى يومنا الحاضر ممّا لا يكاد يخفى على عاقل، وهل يُتصوَّر الخلاف إلّا بجهل أحد الفريقين بالحقيقة الناصعة؟ لأنَّها وحدانيَّةٌ لا تقبل التجزية، أيرى من الدين الذي حفظته الأُمَّة وبلّغته جهل عليٍّ وأولاده من بينهم بالقرآن والسنن؟ أم يراهم أنَّهم ليسوا من الأُمَّة؟ فيقول: إنَّ علم الأُمَّة بالقرآن وسنن النبيِّ اليوم أكثر وأكمل من علم عليّ ومن علوم كلِّ أولاد عليّ. ومتى أحاط هو بعلم عليّ وأولاده عليهم السَّلام وبعلم الأُمَّة جمعاء؟ حتى يسعه


هذا التحكّم الباتّ والفتوى المجرَّدة.

والعجب أنَّه يرى أنَّ الأُمَّة إذا وقعت حادثةٌ يُري الله لواحد منها الحكم وصواب الجواب، وأنها ورثت نبيَّها، ورشدت ببركة الرِّسالة وبها وبكتابها ما تلت نبيَّها في العصمة، وإنَّها معصومةٌ بعقلها العاصم، فما بال الأئمَّة [عليٍّ وأولاد عليّ] لا يكون من أولئك الآحاد الذين يُريهم الله الحق والصواب؟! وما بالهم قصروا عن الوراثة المزعومة؟! وليس لهم شركة في علم الأُمَّة؟ ولم تشملهم بركة الرِّسالة وكتابها؟ ولا يُماثلون النبيَّ في العصمة؟ ولا يوجد عندهم عقلٌ عاصم؟ وأعجب من هذه كلّها هتافُ الله بعصمتهم في كتابه العزيز، ألا يعلم مَنْ خلق وهو اللطيف الخبير؟ أم على قلوب أقفالها؟.

ولعلّي يسعني أن أقول بأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وآله كان أبصر وأعرف بأُمَّته من صاحب هذه الفتاوى المجرَّدة، وأعلم بمقادير علومهم وبصائرهم، فهو بعد ذلك كلّه خلّف لهداية أمَّته من بعده الثقلين: كتاب الله وعترته [ويريد الأئمَّة منهم] وقال: ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي وإنَّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض، فحصر الهداية بالتمسّك بهما واقتصاص آثارهما إلى غاية الأمد يُفيدنا أنَّ عندهما من العلوم والمعارف ما تقصر عنها الأمَّة، وإنَّه ليس في حيّز الإمكان أن تبلغ الأُمَّة وهي غير معصومة من الخطأ ولم تكشف لها حجب الغيب مبلغاً يستغنى به عمَّن يرشدها في مواقف الحيرة.

فأئمَّة العترة أعدال الكتاب في العلم والهداية بهذا النصِّ الأغرّ، وهم مفسِّروه والواقفون على مغازيه ورموزه، ولو كانت الأُمَّة أو أنَّ فيها مَن يُضاهيهم في العلم والبصيرة فضلاً عن أن يكون أعلم بكثير منهم لكان هذا النصُّ الصريح مجازفة في القول

لا سيّما وأنَّ الهتاف به كان له مشاهد ومواقف منها مشهد «يوم الغدير» وقد ألقاه صاحب الرِّسالة على مائة ألف أو يزيدون، وهو أكبر مجتمع للمسلمين على العهد النبويِّ، هنالك نعى نفسه وهو يرى أُمَّته [وحقّاً ما يرى] قاصرةً (ولن تزل قاصرةً) عن درك مغازي الشريعة فيجبره ذلك بتعيين الخليفة من بعده.

وهذا الحديث من الثابت المتواتر الذي لا يعترض صدوره أيّ ريب، وللعلّامة السمهودي كلامٌ حول هذا الحديث أسلفناه ص ٨٠. وكان يرى صلّى الله عليه وآله مسيس حاجة


أُمَّته إلى الخليفة من يوم بدء دعوته يوم أمر بإنذار عشيرته كما مرَّ حديثه ج ٢ ص ٢٧٨(١) وممّا يُماثل هذا النصّ حديث سفينة نوح حيث شبّه فيه نفسه وأهل بيته (ويريد الأئمَّة منهم) بسفينة نوح التي من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق، فحصر النجاة باتِّباعهم المستعار له ركوب السفينة، ولولا أنَّ لهم علوماً وافيةً بإرشاد الأُمَّة وأنَّها لا تهتدي إليها إلّا بالأخذ منهم لما استقام هذا التشبيه ولا اتَّسق ذلك الكلام.

ومثله حديث تشبيهه صلّى الله عليه وآله أهل بيته بالنجوم، فأهل بيته أعلامٌ وصوى للهداية يُهتدى بهم في ظلمات الغيِّ والخلاف، كما أنَّ النجوم يُهتدى بها في غياهب الليل البهم، ولولا أنَّهم أركان العلم والهداية لما يتمّ التمثيل.

ولو كان علم الأُمَّة اليوم بالقرآن والسنن أكثر وأكمل من علم عليٍّ ومن علوم كلِّ أولاد عليٍّ (كما زعمه المسكين) فكيف خفي ذلك على رسوله الله فقال و كأنَّه لم يعرف أُمَّته: أعلم أُمَّتي من بعدي عليُّ بن أبي طالب؟

وكيف اتَّخذه وعاء علمه وبابه الَّذي يُؤتى منه؟

وكيف رآه باب علمه ومبيِّن أُمَّته بما أُرسل به من بعده؟

وكيف أخبر أُمَّته بأنَّه خازن علمه وعيبته؟

وكيف خصَّه بين أُمَّته بالوصيَّة والوارثة لعلمه؟

وكيف صحَّ عن أمير المؤمنين قوله: والله إنّي لأخوه ووليّه وابن عمِّه و وارث علمه، فمن أحقُّ به منّي؟

وكيف حكم الحافظ النيسابوري بإجماع الأُمَّة على أنَّ عليّاً ورث العلم من النبيِّ دون الناس؟

وعلى هذه كلّها فلازم كون الأُمَّة أعلم من عليٍّ كونها أعلم من رسول الله صلّى الله عليه وآله لأنَّه ورث علمه كلّه.

ثمَّ كيف كان رسول الله صلّى الله عليه وآله يرى أنَّ الله جعل الحكمة في أهل بيته وفي الأُمَّة مَن هو أعلم منهم؟ وقد صحّ عنه صلّى الله عليه وآله قوله: أنا دار الحكمة وعليٌّ بابها.

وكيف يأمر أُمَّته بالإقتداء بأهل بيته من بعده ويعرِّفهم بأنَّهم خُلقوا من طينتي

_____________________

١ - في الطبعة الثانية. وص ٢٥١ من الأولى.


ورُزقوا فهمي وعلمي؟

وكيف يراهم أئمَّة أُمَّته ويقول: في كلِّ خلوف من أُمَّتي عدول من أهل بيتي ينفون من هذا الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطين، وتأويل الجاهلين، ألا إنَّ أئمتكم وفدكم إلى الله فانظروا بمن توفدون(١) .

م - والأُمَّة إن كانت غير قاصرة لا تحتاج إلى وصاية إمام معصوم إلى يوم القيامة كما زعمه المغفَّل ولا يتصوّر عقله إحتياجها إلى إمام معصوم فلماذا أخَّرت الأُمَّة تجهيز نبيِّها صلّى الله عليه وآله ودفنه ثلاثة أيّام؟ وهذه كتب القوم تنصُّ على أنّ ذلك إنّما كان لاشتغالهم بالواجب الأهمّ ألا وهو. أمر الخلافة وتعيين الخليفة.

قال ابن حجر في الصواعق ص ٥: إعلم أنّ الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا علي أنَّ نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوَّة واجبٌ، بل جعلوه أهمَّ الواجبات حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واختلافهم في التعيين لا يقدح في الإجماع المذكور.

والباحث يجد نظير هذه الكلمة في غضون الكتب كثيراً، فكيف يتصوّر عندئذ عقل الرَّجل مسيس حاجة الأُمَّة يوم ذلك إلى إمام غير معصوم وهي لا تحتاج إلى إمام معصوم قطُّ إلى يوم القيامة؟؟].

٢ - بسط القول في المتعة ومُلخَّصه: إنَّها من بقايا الأنكحة الجاهليَّة، ولم تكن حكماً شرعيّاً، ولم تكن مباحةً في شرع الإسلام، ونسخها لم يكن نسخ حكم شرعيٍّ وإنَّما كان نسخ أمر جاهليٍّ، ووقع الإجماع على تحريمها، ولم ينزل فيها قرآن، ولا يوجد في غير كتب الشيعة قولٌ لأحد أنَّ فما استَمتعتم به مِنهنَّ فآتوهُنَّ أُجورَهُنَّ نزل فيها، ولا يقول به لا جاهلٌ يدّعي ولا يعي، وكتب الشيعة ترفع القول به إلى الباقر والصّادق وأحسن الإحتمالين أنّ السند موضوعٌ وإلّا فالباقر والصّادق جاهلٌ ٣٢ - ١٦٦.

ج - هذه سلسلة جنايات على الإسلام وكتابه وحكمه، وتكذيبٌ على ما جاء به نبيّه وأقرَّ به السلف من الصحابة والتابعين والعلماء من فرق المسلمين بأسرهم. وقد فصَّلنا القول فيها في رسالة تحت نواحي خمس نأخذ منها فهرستها ألا وهو:

_____________________

١ - راجع في هذه الأحاديث المذكورة ص ٨٠، ٨١، ٩٥، ١٠١، ١٢٣ من هذا الجزء


( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ فَآتُوهُنّ أُجُورَهُنّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيَما تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ) [سورة النساء ٢٤] ذُكر نزولها في المتعة في أوثق مصادر التفسير منها:

١ - صحيح البخاري ٢ - صحيح مسلم ٣ - مسند أحمد ٤ ص ٤٣٦، بإسنادهم عن عمران بن حصين. وتجده في تفسير الرازي ٣ ص ٢٠٠، ٢٠٢. وتفسير أبي حيان ٣ ص ٢١٨.

٤ - تفسير الطبري ٥ ص ٩ عن إبن عبّاس وأُبيِّ بن كعب والحَكَم وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وشعبة وأبي ثابت.

٥ - أحكام القرآن للجصّاص ٢ ص ١٧٨ حكاه عن عدَّة.

٦ - سنن البيهقي ٧ ص ٢٠٥ رواه عن إبن عبّاس.

٧ - تفسير البغوي ١ ص ٤٢٣ عن جمع، وحكى عن عامَّة أهل العلم أنّها منسوخةٌ.

٨ - تفسير الزمخشري ١ ص ٣٦٠.

٩ - أحكام القرآن للقاضي ١ ص ١٦٢ رواه عن جمع.

١٠ - تفسير القرطبي ٥ ص ١٣٠ قال: قال الجمهور: إنّها في المتعة.

١١ - تفسير الرازي ٣ ص ٢٠٠ ذكر عن الصحيحين حديث عمران أنّها في المتعة.

١٢ - شرح صحيح مسلم للنووي ٩ ص ١٨١ عن ابن مسعود.

١٣ - تفسير الخازن ١ ص ٣٥٧ عن قوم وقال: ذهب الجمهور أنّها منسوخةٌ.

١٤ - تفسير البيضاوي ١ ص ٢٦٩. يروم إثبات نسخها بالسنّة.

١٥ - تفسير أبي حيّان ٣ ص ٢١٨ عن جمعٍ من الصحابة والتابعين.

١٦ - تفسير إبن كثير ١ ص ٤٧٤ عن جمع من الصحابة والتابعين.

١٧ - تفسير السيوطي ٢ ص ١٤٠ رواه عن جمعٍ من الصحابة والتابعين بطريق الطبراني. وعبد الرزاق. والبيهقي. وابن جرير. وعبد بن حميد. وأبي داود. و إبن الأنباري.

١٨ - تفسير أبي السعود ٣ ص ٢٥١.

قال الأميني: أليست [أيّها الباحث] هذه الكتب مراجع علم القرآن عند أهل


السنّة؟ أم ليسوا هؤلاء أعلامهم وأئمّتهم في التفسير؟ فأين مقيل قول الرَّجل: لم ينزل فيها قرآنٌ ولا يوجد في غير كتب الشيعة؟ وهل يسع الرَّجل أن يقل في هؤلاء الصحابة والتابعين والأئمّة بما قاله في الباقر والصّادق عليهما السّلام ويسلقهم بذلك اللسان البذيّ؟.

٢ - حدود المتعة في الإسلام.

أسلفنا في ص ٣٠٦ للمتعة حدوداً جاء بها الإسلام، ولم يكن قطُّ نكاحٌ في الجاهليّة معروفاً بتلك الحدود، ولم ير أحدٌ من السلف والخلف حتى اليوم أنَّ المتعة من أنكحة الجاهليّة، ولا يمكن القول بذلك مع تلك الحدود، ولا قيمة لفتوى الرَّجل عندئذ، وهي مفصّلةٌ في كتب كثيرة منها:

١ - سنن الدارمي ٢ ص ١٤٠.

٢ - صحيح مسلم ج ١ في باب المتعة.

٣ - تفسير الطبري ٥ ص ٩ ذكر من حدودها: النكاح. الأجل. الفراق بعد انقضاء الأجل. الإستبراء. عدم الميراث.

٤ - أحكام القرآن للجصّاص ٢ ص ١٧٨ ذكر من حدودها: العقد. الأُجرة. الأجل. العدَّة. عدم الميراث.

٥ - سنن البيهقي ٧ ص ٢٠٠ أخرج أحاديث فيها بعض الحدود.

٦ - تفسير البغوي ١ ص ٤١٣ ذكر عدَّة من الحدود.

٧ - تفسير القرطبي ٥ ص ١٣٢ ذكر عدَّة من الحدود.

٨ - تفسير الرازي ٣ ص ٢٠٠ ذكر عدَّة من الحدود.

٩ - شرح صحيح مسلم للنووي ٩ ص ١٨١، إدَّعى إتِّفاق العلماء على الحدود.

١٠ - تفسير الخازن ١ ص ٢٥٧ ذكر الحدود الستّ.

١١ - تفسير إبن كثير ١ ص ٤٧٤ ذكر الحدود الستّ.

١٢ - تفسير السيوطي ٢ ص ١٤٠ ذكر من حدودها خمسةً.

١٣ - الجامع الكبير للسيوطي ٨ ص ٢٩٥ ذكر من حدودها خمسةً

وفي غير واحد من كتب المذاهب الأربعة في الفقه.


٣ - (أوَّل من نهى عن المتعة):

وقفنا على خمسة وعشرين حديثاً في الصّحاح والمسانيد يدرسنا بأنَّ المتعة كانت مباحةً في شرع الإسلام، وكان الناس تعمل بها في عصر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وأبي بكر وردحاً من خلافة عمر، فنهى عنها عمر في آخر أيّامه وعرف بأنَّه أوَّل مَن نهى عنها فعلى الباحث أن يُراجع:

صحيح البخاري باب التمتّع. صحيح مسلم ١ ص ٣٩٥، ٣٩٦. مسند أحمد ٤ ص ٤٣٦، ج ٣ ص ٣٥٦. الموطّأ لمالك ٢ ص ٣٠. سنن البيهقي ٧ ص ٢٠٦. تفسير الطبري ٥ ص ٩. أحكام القرآن للجصّاص ٢ ص ١٧٨. النهاية لإبن الأثير ٢ ص ٢٤٩. الغريبين للهروي. الفائق للزمخشري ١ ص ٣٣١. تفسير القرطبي ٥ ص ١٣٠. تاريخ ابن خلكان ١ ص ٣٥٩. المحاضرات للراغب ٢ ص ٩٤. تفسير الرازي ٣ ص ٢٠١، ٢٠٢. فتح الباري لابن حجر ٩ ص ١٤١. تفسير السيوطي ٢ ص ١٤٠. الجامع الكبير للسيوطي ٨ ص ٢٩٣. تاريخ الخلفاء له ص ٩٣. شرح التجريد للقوشجي في مبحث الإمامة.

٤ - (الصحابة والتابعون):

ذهب جمعٌ من الصحابة والتابعين إلى إباحة المتعة وعدم نسخها مع وقوفهم على نهي عمر عنها، ولهم ولرأيهم شأنٌ في الأُمَّة، وفيهم مَن يجب عليها إتباعه.

١ - أمير المؤمنين عليّ عليه السلام ٢ - إبن عبّاس حبر الأُمَّة

٣ - عمران بن الحصين الخزاعي ٤ - جابر بن عبد الله الأنصاري

٥ - عبد الله بن مسعود الهذلي ٦ - عبد الله بن عمر العدوي

٧ - معاوية بن أبي سفيان ٨ - أبو سعيد الخدري الأنصاري

٩ - سلمة بن أُميَّة الجمحي ١٠ - معبد بن أُميَّة الجمحي

١١ - الزبير بن العوام القرشي ١٢ الحكم

١٣ - خالد بن المهاجر المخزومي ١٤ - عمرو بن حُريث القرشي

١٥ - أُبيّ بن كعب الأنصاري ١٦ - ربيعة بن أُميَّة الثقفي

١٧ - سعيد بن جبير ١٨ - طاووس اليماني

١٩ - عطاء أبو محمّد اليمانيّ ٢٠ - السديّ


قال إبن حزم بعد عدَّ جمع من الصحابة القائلين بالمتعة: ومن التابعين طاوس وسعيد بن جبير وعطاء وساير فقهاء مكّة.

قال أبو عمر: أصحاب إبن عبّاس من أهل مكّة واليمن كلّهم يرون المتعة حلالاً. قال القرطبي في تفسيره ٥ ص ١٣٢: أهل مكّة كانوا يستمتعونها كثيراً.

قال الرازي في تفسيره ٣ ص ٢٠٠ في آية المتعة: إختلفوا في أنَّها هل نسخت أُم لا؟ فذهب السواد الأعظم من الأُمَّة إلى أنَّها صارت منسوخة، وقال السواد منهم: إنَّها بقيت مُباحةً كما كانت. قال أبو حيّان بعد نقل حديث إباحة المتعة: وعلى هذا جماعةٌ من أهل البيت والتابعين.

قال الأميني: فأين دعوى إجماع الأُمَّة علي حرمة المتعة ونسخ آيتها؟ وأين عزو القول بإباحتها إلى الباقر والصّادق عليها السَّلام فحسب؟ وهناك ناحيةٌ خامسةٌ فيها بيان أقوال أهل السنَّة في المتعة ونسخها وهي ٢٢ قولاً يُعرب هذا التضارب في الآراء عن فوائد جمَّة نُحيل الوقوف عليها إلى دراية الباحث(١) .

ونحن لا يسعنا بسط المقال في طامّات هذا الكتاب إذ كلُّ صحيفة منه أهلك من ترّهات البسابس، تُعرب عن أنَّ مؤلِّفه بعيدٌ عن أدب الإسلام، بعيدٌ عن فقه القرآن والحديث، قصيرُ الباع عن كلِّ علم، قصيرُ الخُطا عن كلِّ ملكة فاضلة، بذيُّ اللسان لسّابة، وهو يعدُّ نفسه مع ذلك في كتابه من فقهاء الإسلام، فإن كان الإسلام هذا فقهه وهذا فقيهه؟ وهذا علمه وهذا عالمه؟ وهذا كتابه وهذا كاتبه؟ فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

[هذه غاية البحث عن الكتب المزوَّرة].

_____________________

م ١ - ولنا القول الفصل في البحث عن المتعة في الجزء السادس من كتابنا هذا).


الآن حصحص الحق

الآن حقَّ علينا أن نُميط الستر عن خبيئة أسرارنا، ونُعرب عن غايتنا المتوخّاة من هذا البحث الضافي حول الكتب، الآن آن لنا أن ننوِّه بأنَّ ضالَّتنا المنشودة هي إيقاظ شعور الأُمّة الإسلاميَّة إلى جانب مهمّ فيه الصالح العام والوئام والسَّلام والوحدة الإجتماعيَّة، وحفظ ثغور الإسلام عن تهجّم سيل الفساد الجارف.

يا قوم؟ إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكَّلتُ. أُنشدكم بالله أيّها المسلمون هل دعايةٌ أقوى من هذه الكتب إلى تفريق صفوف المسلمين؟ وتمزيق شملهم؟ وفساد نظام المجتمع؟ وذهاب ريح الوحدة العربيَّة؟ وفصم عرى الأُخوة الإسلاميَّة؟ وإثارة الأحقاد الخامدة؟ وحشِّ نيران الضغاين في نفوس الشعب الإسلاميِّ؟ ونفخ جمرة البغضاء والعداء المحتدم بين فرق المسلمين؟.

يا قوم؟ اتَّبعوني أهدكم سبيل الرَّشاد. هذه الكتب يُضادُّ صراخها نداء القرآن البليغ. هذه النعرات المشمرجة(١) تُشيع الفحشاء والمنكر في الملأ الدينيِّ. هذه الكلم الطائشة معاول هدّامة لأُسِّ مكارم الأخلاق التي بُعث لتتميمها نبيُّ الإسلام صلّى الله عليه وآله وسلّم هذه الألسنة السَّلاقة اللسّابة البذّاءة مدرِّسات الأمّة بفاحش القول، وسوء الأدب، وقبح العشرة، وضدِّ المداراة، وبالشراسة والقحَّة والشياص. هذه التعاليم الفاسدة فيها دَحْسٌ لنظام المجتمع، ودحلٌ بين الفرق الإسلاميَّة، وهتكٌ لناموس الشرع المقدَّس وعبثٌ بسياسة البلاد، وصدعٌ لتوحيد العباد، هذه الأقلام المسمومة تمنع الأُمَّة عن سعادتها ورُقيِّها، وتولد العراقيل في مسيرها ومسربها، وتمحو ما خطَّته يدُ الإصلاح في صحائف القلوب، وتُحيي في النفوس ما عقمته داعية الدين.

يا أيّها النّاس قدْ جاءتكم موعظةٌ مِنْ ربِّكم وشفاءٌ لِما فِي الصّدور. إنَّ الآراء الدينيَّة الإسلاميَّة إجتماعيَّةٌ يشترك فيها كلُّ معتنق بالإسلام، إذ لا تمثَّل في

_____________________

١ - الشمراج: المخلط من الكلام بالكذب. والشمرج: الباطل.


الملأ إلّا باسم الدين الإجتماعيِّ، فيهمُّ كلَّ إسلاميّ يحمل بين جنبيه عاطفةً دينيَّةً أن يدافع عن شرف نحلته، وكيان ملّته، مهما وجد هناك زلَّةً في رأي، أو خطأً في فكرةٍ، ولا يسعه أن يُفرِّق بين باءةٍ وأُخرى، أو يخصَّ نفسه بحكومة دون غيرها [إن هي إلّا أسماءٌ سمَّيتموها أنتم وآبائكم] بل الأرض كلّها بيئة المسلم الصّادق والإسلام حكومته، وهو يعيش تحت راية الحق، وتوحيد الكلمة ضالَّته، وصدق الإخاء شعاره أينما كان وحيثما كان.

هذا شأن الأفراد وكيف بالحكومات العزيزة الإسلاميَّة؟ التي هي شعبُ تلك الحكومة العالميَّة الكبرى، ومفرداتُ ذلك الجمع الصحيح، ومقطَّعات حروف تلك الكلمة الواحدة، كلمة الصدق والعدل، كلمة الإخلاص والتوحيد، كلمة العزِّ والشرف، كلمة الرُقيِّ والتقدُّم.

فأنّى يسوغ لحكومة مصر العزيزة أن تُرخِّص لنشر هذه الكتب في بلادها؟ وتُشوِّه سمعتها في أرجاء الدنيا؟ وهي ثغر الإسلام المستحكم من أوَّل يومه، وهي مدرسة الشرق المؤسَّسة تحت راية الحقِّ بيد رجال العلم والدين.

أليس عاراً على مصر بعد ما مضت عليها قرونٌ متطاولةٌ بحسن السمعة أن تُعرَّف في العالم بأُناسٍ دجّالين، وكتّابٍ مستأجرين، وأقلامٍ مسمومةٍ، وأن يُقال: إنَّ فقيهها موسى جار الله، وعالمها القصيميُّ، ومصلحها أحمد أمين، وعضو مؤتمرها محمّد رشيد رضا، ودكتورها طه حسين، ومؤرِّخها الخضري، وأُستاذ علوم إجتماعها محمّد ثابت، وشاعرها عبد الظاهر أبو السَّمح.

أليس عاراً على مصر أن يتملّج ويتلمَّظ بشرفها الدُّخلاء من إبن نجدٍ ودمشق فيؤلِّف أحدهم كتاباً في الرَّدِّ على الإماميَّة ويسمِّيه [الصراع بين الإسلام والوثنيَّة] ويأتي آخر يُقرِّظه بشعره لا بشعوره ويُعرِّف الشيعة الإماميَّة بقوله:

ويحمل قلبهم بغضاً شنيعاً

لخير الخلق ليس له دفاعُ

يقولون: الأمين حبا بوحي

وخان. وما لهم عن ذا ارتداعُ

فهل في الأرض كفرٌ بعد هذا؟

ولمن يهوى متاعُ

فما للقوم دينٌ أو حياءٌ

بحسبهم من الخزي [الصراعُ]


ألم يأنِ للَّذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله؟ أيحسب امرئٌ مصريٌّ أنَّ إشاعة هذه الكتب، وبثَّ هذه المخاريق والنسب المفتعلة، ونشر هذه التآليف التافهة حياةٌ للأُمَّة المصريَّة، وإيقاظٌ لشعور شعبها المثقَّف، وإبقاءٌ لكيان تلك الحكومة العربيَّة العزيزة، وتقدُّمٌ ورقيٌّ في حركاتها العلميَّة. الأدبيَّة. الأخلاقيَّة. الدينيَّة. الإجتماعيَّة؟.

أسفاً على أقلام مصر النزيهة، وأعلامها المحنّكين، ومؤلِّفيها المصلحين، وكُتّابها الصادقين، وعباقرتها البارعين، وأساتذتها المثقّفين، ورجالها الأمناء على ودايع العلم والدين.

أسفاً على مصر وعلمها المتدفِّق، وأدبها الجمِّ، وروحها الصحيحة، ورأيها الناضج، وعقلها السليم، وحياتها الدينيّة، وإسلامها القديم، وولائها الخالص، وتعاليمها القيّمة، ودروسها العالية، وخلايقها الكريمة، وملكاتها الفاضلة.

أسفاً على مصر وعلى تلكم الفضائل وهي راحت ضحيَّة تلك الكتب المزخرفة، ضحيَّة تلك الأقلام المستأجرة، ضحيَّة تلك النزعات الفاسدة، ضحيَّة تلك الصحائف السوداء، ضحيَّة تلك النعرات الحمقاء، ضحيَّة تلك المطابع المأسوف عليها، ضحيَّة أفكار أولئك المحدَثين المتسرِّعين الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، وإذا قيل لهم لا تُفسدوا في الأرض قالوا إنَّما نحن مُصلحون، ألا إنَّهم هم المفسدون ولكن لا يَشعرون.

أليست هذه الكتب بين يدي أعلام مصر ومشايخها المثقَّفين؟ أم لم يوجد هناك مَن يحمل عاطفةً دينيَّة، وشعوراً حيّاً، وفكرةً صالحة يُدافع عن ناموس مصره المحبوبة قبل ناموس الشرق كلّها؟

والعجب كلُّ العجب أنَّ علّامة مصر(١) يُرى للمجتمع أنَّه الناقد البصير فيقرِّظ كتاباً(٢) قيّما لعربيٍّ صميم عراقيٍّ يُعدُّ من أعلام العصر ومن عظماء العالم ويُناقش دون ما في طيِّه من الأغلاط المطبعيّة ممّا لا يترتَّب به على الأُمَّة ولا على

_____________________

١ - الأستاذ أحمد زكي.

٢ - أصل الشيعة وأصولها. لشيخنا العلامة الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء.


فردٍ منها أيّ ضرر وخسارة بمثل قوله: كلّما. صوابه: كلّ ما. شرع. صوابه: شرح. شيخنا. صوابه: شيخا.

مرحباً بهذا الحرص والإستكناه في الإصلاح والتغاضي عن تلكم الكوارث، مرحباً بكلاءة ناموس لغة العرب والصفح عن دينه وصالح ملّته، مرحباً بهذه العاطفة المصلحة لتأليف مشايخ الشيعة، والتحامل عليهم بذلك السباب المقذع، مرحباً مرحباً مرحباً.

لِمَ لم يرق أمثال هذا النابه النيقد أن يأخذ بميزان القسط، وقانون العدل، وناموس النصفة، وشرعة الحقّ، وواجب الخدمة للمجتمع، ويُلفت مؤلِّف مصره العزيزة إلى تلكم الهفوات المخزية في تلكم التآليف التي هي سلسلة بلاء، وحلقات شقاء تنتهي إلى هلاك الأُمَّة ودمارها، وتجرُّ عليها كلّ سوءة، وتُسفّها إلى حضيض التَّعاسة؟.

وإن تعجب فعجبٌ نشر هذه الكتب في العراق وهي تمسُّ بكرامة ناموسها بعد ناموس الإسلام المقدَّس ورجالها بعدُ أحياء، وشعبها بعدُ نابغ، وشعورها بعدُ حيٌّ، ودينها بعدُ مستقرّ، وغيرة العرب بعدُ هي هي، وشهامة الشبيبة بعدُ لم تهرم، وجلادة الشيوخ بعدُ لم تضعف، وأزمَّة حكومتها بعدُ بيد آل هاشم.

يعزُّ على أُمِّ العراق أن تسمع أُذنها واعية أنَّ في فنادق النجف وسيطٌ يعرض جمعاً من فتياتها إلى الوافد لينتقي منهنَّ وفتاتها تتزوّج مرّات في الليلة الواحدة(١)

كيف تسمع أُذن العراق نداء أنَّ النجفيِّين هم الدَّجالون والضّالّون المضلّون قد تزيّوا بزيِّ المسلمين وشاركوهم في كثير من الشعاير؟ - إلى آخر ما لا يصلح ذكره - وقبل هذه كلّها تلك الصرخة التي تمسُّ بكرامة رجالات البيت الهاشمي(٢)

أيحسب عراقيٌّ حاسّ أنَّ في طيِّ هذه الكتب صلاحاً لمجتمع العراق؟ أو حياةً لروح أبناءها؟ أو درس أخلاق لأُمَّتها؟ أو رقيّاً وتقدُّماً لشعبها؟ أو ثقافةً رجالها؟ أو علماً لطلّابها؟ أو أدباً لكتّابها؟ أو ديناً لمسلميها؟ أو مادَّة لمثريها؟ أو لها دخلٌ في سياسة حكومتها الإسلاميَّة المحبوبة؟.

_____________________

١ - راجع الجولة في ربوع الشرق الأدنى ص ١١٢.

٢ - راجع السنة والشيعة ص ٤٨.


فواجب المسلم الصّادق في دعواه الحافظ على شرفه وعزِّ نحلته، رفض أمثال هذه الكتب المبهرجة، ولفظها بلسان الحقيقة، والكفُّ عن اقتنائها وقرائتها، والتجنّب عن الإعتقاد والتصديق بما فيها، والبعد عن الأخذ والبخوع بما بين دفوفه، والإخبات إلى ما فيها قبل أن يعرضها إلى نظّارة التنقيب، وصيارفة النقد والإصلاح، أو النظر إليها بعين التنقيب وإردافها بالردِّ والمناقشة فيها إن كان من أهلها. وإن فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً وأشدُّ تثبيتاً.

وواجب رجال الدعاية والنشر في الحكومات الإسلاميَّة عرض كلِّ تأليفٍ مذهبيٍّ حول أيِّ فرقة من فرق الإسلام إلى أصولها ومبادئها الصحيحة المؤلّفة بيد رجالها ومشايخها، والمنع عمّا يُضادُّها ويُخالفها، إذ هم عيون الأُمَّة على ودايع العلم والدين، وحفظة ناموس الإسلام، وحرسة عُرى العروبة، إن عقلوا صالحهم، وعليهم قطع جذوم الفساد قبل أن يُؤجِّج المفسد نار الشحناء في الملأ ثمَّ يعتذر بعدم الإطِّلاع وقلّة المصادر عنده كما فعل أحمد أمين [بعد نشر كتابه فجر الإسلام] في ملأ من قومه، والإنسان على نفسه بصيرةٌ ولو ألقى معاذيره، ولا عذر لأيِّ أحد في القعود عن واجبه الدينيِّ الإجتماعيِّ.( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .

ونحن نُرحِّب بكتاب كلِّ مذهب وتأليف كلِّ ملّة أُلِّف بيد الصِّدق والأمانة، بيد الثقة والرزانة، بيد التحقيق والتنقيب، بيد العدل والإنصاف، بيد الحبِّ والإخاء بيد أدب العلم والدين،( لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ) .

( ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكَى‏ لَكُمْ وَأَطْهَرُ )

سورة البقرة: ٢٣٢


فهرست شعراء الغدير

في القرن الرابع

١ - أبو الحسن ابن طباطبا الاصبهانى ألمتوفى ٣٢٢

٢ - أبو جعفر أحمد بن علوية الاصبهاني ألمتوفى ٣٢٠

٣ - أبو عبدالله محمَّد المفجع البصرى ألمتوفى نيف و٣٢٧

٤ - أبو القاسم أحمد بن محمّد الصنوبرى ألمتوفى ٣٣٤

٥ - أبو القاسم على بن محمّد التنوخى ألمتوفى ٣٤٢

٦ - أبو القاسم على بن اسحاق الزاهى ألمتوفى ٣٥٢

٧ - أبو فراس أمير الشعراء الحمدانى ألمتوفى ٣٥٧

٨ - أبو الفتح محمود بن محمّد كشاجم ألمتوفى ٣٦٠

٩ - أبو عبدالله الحسين البشنوى ألمتوفى بعد ٣٨٠

١٠ - أبو القاسم الوزير الصاحب بن عباد ألمتوفى ٣٨٥

١١ - أبو عبدالله ابن الحجاج البغدادى ألمتوفى ٣٩١

١٢ - أبو العبّاس الوزير أحمد الضبى ألمتوفى ٣٩٨

١٣ - أبو حامد أحمد بن محمّد الانطاكى ألمتوفى ٣٩٩

١٤ - أبو النجيب شداد الظاهر الجزرى ألمتوفى ٤٠١

١٥ - أبو محمّد طلحة الغسَّانى العونى

١٦ - أبو العلاء محمَّد بن ابراهيم السرورى

١٧ - أبو الحسن على الجوهرى الجرجانى

١٨ - أبو الحسن على بن حماد العبدى

١٩ - أبو الفرج ابن هندو الرازى


شعراء الغدير

في القرن الرّابع

١٥

ابن طباطبا الاصبهاني

المتوفّى ٣٢٢

يا مَن يُسرُّ ليَ العداوة أبدها

واعمد لمكروهي بجهدك أو ذرِ

لله عندي عادةٌ مشكورةٌ

فيمن يعاديني فلا تتحيَّرِ

أنا واثقٌ بدعاء جدّي المصطفى

لأبي غداة «غدير خمّ» فاحذرِ

والله أسعدنا بإرث دعائه

فيمن يُعادي أو يُوالي فاصبرِ(١)

(الشاعر)

أبو الحسن محمَّد بن أحمد بن إبراهيم طباطبا ابن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن ابن الإمام السبط الحسن بن الإمام عليِّ بن أبي طالب صلوات الله عليهم، الشهير بإبن طباطبا.

عالمٌ ضليعٌ، وشاعرٌ مفلقٌ، وشيخٌ من شيوخ الأدب، ذكر المرزباني في «معجم الشعراء» ص ٤٦٣: إنَّ له كتباً ألَّفها في الأشعار والآداب، وذكر منها أصحاب المعاجم(٢) .

١ - كتاب سنام المعالي.

٢ - كتاب عيار الشعر. وفي فهرست إبن النديم ص ٢٢١: معاير الشعر. وقال الحموي في «معجم الأدباء» ٣ ص ٥٨: ألَّف الآمدي الحسن بن بشز كتاباً في إصلاح ما فيه.

٣ - كتاب الشعر والشعراء.

٤ - كتاب نقد الشعر.

_____________________

١ - خاطب بها أبا علي الرستمي كما في «ثمار القلوب» للثعالبي ٥١١.

٢ - راجع ثمار القلوب ٥٠٧، فهرست ابن النديم ١٩٦، معجم الأدباء ١٧ ص ١٤٣. عمدة الطالب ١٦٢


٥ - كتاب تهذيب الطبع.

٦ - كتاب العروض. قال الحموي: لم يسبق إلى مثله.

٧ - كتاب فرائد الدرّ. كتب إلى صديق له كان قد استعاره يسترجعه منه:

يا درّ ردّ فرائد الدرِّ

وارفق بعبد في الهوى حرِّ

٨ - كتاب المدخل في معرفة المعمّى من الشعر.

٩ - كتاب في تقريض الدفاتر.

١٠ - كتاب ديوان شعره.

١١ - كتاب إختياره ديوان شعره.

ذكره الحموي في «معجم الأُدباء» وقال: إنَّه كان مذكوراً بالذُّكاء والفطنة وصفاء القريحة وصحَّة الذهن وجودة المقاصد، ذكر أبو عبد الله حمزة بن الحسن الإصبهاني قال: سمعت جماعة من رواة الأشعار ببغداد يتحدَّثون عن عبد الله بن المعتزّ: إنَّه كان لهجاً بذكر أبي الحسن مقدِّماً له على ساير أهله ويقول: ما أشبهه في أوصافه إلّا محمّد بن يزيد بن مسلمة بن عبد الملك، إلّا أنَّ أبا الحسن أكثر شعراً من المسلمي، وليس في ولد الحسن من يشبهه بل يُقاربه عليُّ بن محمَّد الأفوه(١) .

قال: وحدَّثني أبو عبد الله بن عامر قال: كان أبو الحسن طول أيّامه مشتاقاً إلى عبد الله بن المعتزّ متمنِّياً أن يلقاه أو يرى شعره، فأمّا لقاؤه فلم يتَّفق له لأنَّه لم يُفارق إصبهان قطُّ، وأمّا ظفره بشعره فإنَّه اتَّفق له في آخر أيّامه؛ وله في ذلك قصَّةٌ عجيبةٌ، وذلك أنَّه دخل إلى دار معمر وقد حملت إليه من بغداد نسخة من شعر عبد الله بن المعتزّ فاستعارها فسوَّف بها فتمكّن عندهم من النظر فيها وخرج وعدل إليَّ كالّاً معيياً كأنَّه ناهضٌ بحمل ثقيل؛ فطلب محبرةً وكاغذاً فأخذ على ظهر قلبه مقطَّعات ورقات من الشعر فسألته لمن هي؟ فلم يُجبني حتّى فرغ من نسخها وملأ منها خمس ورقات من نصف المأموني، وأحصيت الأبيات فبلغ عددها مائة وسبعة وثمانين بيتاً تحفَّظها من شعر إبن المعتزّ في ذلك المجلس واختارها من بين سائرها.

يوجد في معجم الحموي شطرٌ مهمٌّ من شعره منه قصيدة في ٣٩ بيتاً ليس فيها راء

_____________________

١ - هو الحماني أحد شعراء الغدير مرّت ترجمته في هذا الجزء ص ٥٧ - ٦٩.


ولا كاف يمدح بها أبا الحسين محمَّد بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل أوَّلها:

يا سيِّداً دانت له السّاداتُ

وتتابعت في فعله الحسناتُ

وتواصلت نعماؤه عندي فلي

منه هباتٌ خلفهنَّ هباتُ

نعمٌ ثنت عنّي الزَّمان وخطبه

من بعد ما هيبت له غدواتُ

ويصف قصيدته بقوله:

ميزانها عند الخليل معدَّل

متفاعلٌ متفاعلٌ فعلاتُ

وروى الثعالبي في «ثمار القلوب» ص ٥١٨ له قوله:

أقول وقد أوقظت من سنة الهوى

بعذلٍ يُحاكي لذعه لذعة الهجرِ

دعوني وحلم اللهو في ليلة المنى

ولا توقظوني بالملام وبالزجرِ

فقالوا لي: استيقظ فشيبك لايحٌ

فقلت لهم: طيب الكرى ساعة الفجر

وذكر في ص ٤٣٥ له يصف ليلة ممتعة:

وليلةٌ أطربني صبحها

فخلتني في عرس الزنجِ(١)

كأنَّما الجوزاء جنح الدجى

طبّالة تضرب بالصنجِ

قائمةٌ قد حرّرت وصفها

مائلة الرأس من الغنجِ

وقال في ص ٢٢٩: دخل يوماً أبو الحسن إبن طباطبا دار أبي علي ابن رستم فرأى على بابه عثمانيَّين أسودين قد لبسا عمامتين حمراوين، فامتحنهما فوجدهما من الأدب خاليين، فلمّا تمكّن في مجلس إبن رستم دعا بالدَّواة والقرطاس وكتب:

أرى بباب الدار أسودينِ

ذوي عمامتين حمراوينِ

كجمرتين فوق فحمتينِ

قد غادرا الرَّفض قرير العينِ

جدّكما عثمان ذو النورينِ

فما له أنسل ظلمتينِ؟!

يا قبح شين صادر عن زينِ

حدائد تطبع من لجينِ

ما أنتما إلّا غرابيّينِ

طيرا فقد وقعتما للحينِ

المظهرين الحبِّ للشخصينِ

ذرا ذوي السنَّة في المصرينِ

_____________________

١ - يضرب به المثل لاختصاص الزنج من بين الأمم بشدة الطرب وحب الملاحي والأغاني، والمثل سائر بأطرابهم.


وخلّيا الشيعة لِلسبطينِ

لِلحسن الطيِّب والحسينِ

ستُعطيان في مدى عامينِ

صكّاً بخفّين إلى حنينِ(١)

فاستظرفها إبن رستم وتحفَّظها الناس. وله قوله يهجو به أبا عليّ ابن رستم يرميه بالدَّعوة والبرص:

أنت أُعطيت من دلايل رسل ا

لله آياً بها علوتَ الرؤوسا

جئت فرداً بلا أب وبيمنا

ك بياضٌ فأنت عيسى وموسى

وله في أبي عليِّ إبن رستم لَمّا هدم سور إصبهان ليزيد به في داره وأشار فيه إلى كون إصبهان من بناء ذي القرنين:

وقد كان ذو القرنين يبني مدينة

فأصبح ذو القرنين يهدم سورها

على أنّه لو كان في صحن داره

بقرن له سيناء زعزع طورها

وله في إبن رستم يذكر بناءه سور إصبهان:

يا رستميُّ استعمل الجدّا

وكدنا في حظِّنا كدّا

فإنّك المأمول والمرتجى

تهوِّن الخطب إذا اشتدّا

أحكمت من ذا السور ما لم تجد

والله من إحكامه بُدّا

فخلفه نسلٌ كثيرٌ لمن

أصفت لأرزبونها الودّا(٢)

وهم كيأجوج ومأجوج إن

عدَّدتهم لم تحصهم عدّا

وأنت ذو القرنين في عصره

جعلته ما بينهم سدّا

وقال يهجو أبا علي الرستمي:

كفرا بعلمك يا بن رستم طه

وبما حفظت سوى الكتاب المنزلِ

لو كنت يونس في دوائر نحوه

أو كنت قطرب في الغريب المشكلِ

وحويتَ فقه أبي حنيفة كلّه

ثمَّ انتهيتَ لرستم لم تنبلِ

وله قوله:

لا تنكرن إهداءنا لك منطقاً

منك استفدنا حسنه ونظامه

_____________________

١ - توجد في معجم الأدباء ١٧ ص ١٥٤ بتغيير يسير.

٢ - كنى بالأرزبون عن غلامه.


فالله عزَّ وجلَّ يشكر فعل مَن

يتلو عليه وحيه وكلامه

ويُعاتب أبا عمرو بن جعفر بن شريك على منعه إيّاه شعر ديك الجنِّ بقوله:

يا جواداً يمسي ويصبح فينا

واحداً في النّدى بغير شريكِ

أنت من أسمح الأنام لشعر الـ

ـناس ماذا اللجاج في شعر ديكِ؟!

يا حليف السَّماح لو أنَّ ديك الـ

ـجن من نسل ديك عرش المليكِ(١)

لم يكن فيه طائلٌ بعد أن يد

خله الذكر في عداد الديوكِ

وله قوله:

بأبي الّذي نفسي عليه حبيسُ

مالي سواه من الأنام أنيسُ

لا تنكروا أبداً مقاربتي له

قلبي حديدٌ وهو مغناطيسُ

وله:

يا طيب ليل خلوت فيه بمن

أقصر عن وصف كنه وجدي به

ليلٌ كبرد الشباب حالكه

نعمت في ظلّه وفي طيبه

وله:

أتاني قريضٌ كنظم جمانٍ

وروض الجنان وأمن الفؤاد

وعهد الصبا ونسيم الصبا

وبرد الفؤاد وطيب الرُّقاد

وذكر المرزباني في «معجم الشعراء» ص ٤٦٣ له يصف به القلم:

وله حسامٌ باترٌ في كفِّه

يمضي لنقض الأمر أو توكيدهِ

ومترجمٌ عمّا يجنُّ ضميره

يجري بحكمته لدى تسويدهِ

قلمٌ يدور بكفِّه فكأنّه

فلكٌ يدور بنحسه وسعودهِ

وروي له في «المعجم» أيضاً.

لا وأُنسي وفرحتي بكتاب

أتى منه في عيد أضحى وفطرِ

ما دجا ليل وحشتي قطُّ إلّا

كنت لي فيه طالعاً مثل بدرِ

_____________________

١ - حديث ديك العرش رواه الجاحظ عن رسول الله (ص) قال: إن ممّا خلق الله لديكا عرفه تحت العرش، وبراثنه تحت الأرض السفلى، وجناحه في الهواء، فإذا مضى ثلثا الليل وبقي ثلثه ضرب بجناحه قائلا: سبحان الملك القدوس، سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، فعند ذلك تضرب الديكة وتصيح.


بحديث يُقيم للاُنس شوقاً

وابتسام يكفّ لوعة صدري

وذكر له النويري في «نهاية الإرب» ج ٣ ص ٩٧:

إنَّ في نيل المنى وشك الرَّدى

وقياس القصد عند السرفِ

كسراجٍ دهنه قوتٌ له

فإذا غرَّقته فيه طفي

وقوله:

لقد قال أبو بكر

صواباً بعد ما أنصت

فرحنا لم نصد شيئاً

وما كان لنا أفلت

وذكر إبن خلكان نقلاً عن ديوانه قوله:

بانوا وأبقوا في حشاي لبينهم

وجداً إذا ظعن الخليط أقاما

لله أيّام السرور كأنّما

كانت لسرعة مرِّها أحلاما

لو دام عيشٌ رحمةً لأخي هوى

لأقام لي ذاك السرور وداما

يا عيشنا المفقود خذ من عمرنا

عاماً وردّ من الصبا أيّاما

وله قوله:

يا من حكى المآء فرط رقَّته

وقبله في قساوة الحجرِ

يا ليت حظّي كحظِّ ثوبك من

جسمك يا واحد البشرِ

لا تعجبوا من بلا غلالته

قد زرَّ أزراره على القمرِ

وُلد المترجم كما في «المجدي» باصبهان، وتوفّي بها سنة ٣٢٢ كما في «معاهد التنصيص» فما في «نسمة السحر» من أنّه ولد سنة ٣٢٢ نقلاً عن «المعاهد» إشتباهٌ نشأ عن فهم ما في «المعاهد» من كلامه قال: مولده باصبهان وبها مات سنة ٣٢٢. فحسب التأريخ ظرف ولادته كما زعمه بعض المعاصرين وهو لا يُقارف الصواب لأنّ أبا علي الرستميّ الذي للمترجم فيه شعرٌ كثيرٌ من رجال عهد المقتدر بالله المقتول سنة ٣٢٠ وفي أيّامه أحدث الرستميّ ما أحدث في إصبهان في سورها وجامعها وهجاه المترجم. ولأنَّ المترجم كما مرَّ عن «معجم الأدباء» كان يتمنّى لقاء عبد الله بن المعتز ويشتاق إليه وإبن المعتز توفّي سنة ٢٩٦.

توجد ترجمته والثناء عليه في غاية الاختصار. نسمة السحر فيمن تشيَّع وشعر


ج ٢. معاهد التنصيص ج ١ ص ١٧٩.

نقل ابن خلكان في تأريخه ج ١ ص ٤٢ في ذيل ترجمة أبي القاسم ابن طباطبا المتوفّى سنة ٣٤٥ عن ديوان المترجم الأبيات المذكورة فقال: ولا أدري مَن هذا أبو الحسن ولا وجه النسب بينه وبين أبي القاسم المذكور والله أعلم. ا هـ.

واشتبه على سيِّدنا الأمين العاملي فهم كلام إبن خلكان هذا وذيله وأوقعه في خلط عظيم فعقد ترجمةً تحت عنوان (أبو الحسن الحسني المصريّ) في أعيان الشيعة في الجزء السادس ص ٣١٢ وجعله مصريّاً بلا مستند، وأخذ تأريخ وفاة أبي القاسم إبن طباطبا وذكره لأبي الحسن، وختم ترجمته بقوله: ولا دليل لنا على تشيّعه غير إصالة التشيّع في العلويّين. والعجب أنَّه ذكر في الجزء التاسع ص ٣٠٥ أبا الحسن باسمه ونسبه وقال: هذا الذي قال إبن خلكان: لا أدري من هذا أبو الحسن. لا عصمة إلّا لله

وللمترجم عقبٌ كثير باصبهان فيهم علماء أدباء أشراف نقباء، قال النسّابة العمري في «المجدي»: له ذيلٌ طويلٌ فيهم موجَّهون منهم: أبو الحسن أحمد الشاعر الإصبهاني وأخوه أبو عبد الله الحسين ولي النقابة بها إبنا عليِّ بن محمّد الشاعر الشهير. ومنهم: الشريف أبو الحسن محمّد ببغداد يُقال له: إبن بنت خصبة.


القرن الرابع

١٦

ابن علوية الاصبهاني

المولود ٢١٢

المتوفّى ٣٢٠ ونيف

ما بالُ عينك ثرَّة الأجفان

عبرى اللحاظ سقيمة الإنسانِ!؟

* * *

صلّى الإله على ابن عمِّ محمَّد

منه صلاة تغمّد بحنانِ

وله إذا ذُكر «الغدير» فضيلةٌ

لم ننسها ما دامت الملوانِ

قام النبيُّ له بشرح ولايةٍ

نزل الكتاب بها من الديّانِ

إذ قال: بلّغ ما أُمرتَ به وثق

منهم بعصمة كالئٍ حنّانِ

فدعا الصَّلاة جماعة وأقامه

علماً بفضل مقالة غرّان

نادى: ألستُ وليّكم؟ قالوا: بلى

حقّاً فقال: فذا الوليُّ الثاني

ودعا له ولمن أجاب بنصره

ودعا الإله على ذوي الخذلانِ

نادى ولم يك كاذباً: بخّ أبا

حسن ربيع الشيب والشبّانِ

أصبحت مولى المؤمنين جماعةٌ

مولى أناثهمُ مع الذُّكرانِ

لمن الخلافة والوزارة هل هما

إلّا له وعليه يتَّفقانِ؟!

أوَ ماهما فيما تلاه إلّا هنا

في محكم الآيات مكتوبانِ؟!

أدلوا بحجّتكم وقولوا قولكم

ودعوا حديث فلانة وفلانِ

هيهات ضلَّ ضلالكم أن تهتدوا

أو تفهموا لمقطع السلطان


*( ما يتبع الشعر ) *

هذه الأبيات من القصيدة (المحبّرة) لابن علويَّة قال الحموي في «معجم الأُدباء» ج ٤ ص ٧٦: لأحمد بن علويَّة قصيدةٌ على ألف قافية شيعيّة، عُرضت على أبي حاتم(١) السجستاني فقال: يا أهل البصرة غلبكم أهل إصفهان وأوَّل القصيدة:

ما بال عينك ثرَّة الأجفان

عبرى اللحاظ سقيمة الإنسان!؟

وفي «معالم العلماء» لإبن شهر آشوب و «إيضاح الإشتباه» للعلّامة الحلي: له النونيَّة المسمّاة بالألفيَّة والمحبَّرة وهي ثمانمأة ونيف وثلثون بيتاً. إلى آخر ما ذكره الحموي. يوجد منها شطرٌ مهمٌّ في مناقب إبن شهر آشوب مبثوثاً في أبوابه جمعه العلّامة السماوي في ديوان يحتوي على ٢١٣ بيتاً، وذكر منها سيِّدنا الحجَّة الأمين في «أعيان الشيعة» في الجزء التاسع ص ١١ - ٨٢ نقلاً عن المناقب ٢٢٤ بيتاً.

والقصيدة تتضمَّن غرر فضايل أمير المؤمنين المأثورة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، وهي لسان الكتاب والسنَّة لا الصور الخياليَّة الشعريَّة المطَّردة، وفيها الحِجاج والبرهنة الصادقة على إمامة وصيِّ النبيِّ الأمين، وإنَّ ما فهمه من لفظ المولى وهو ذلك الفذُّ من علماء العربيَّة، والناقد البصير من أئمَّة اللغة، والأوحد المفرد من رجال الأدب وصاغة الشعر، لهو الحجَّة القويَّة على ما ترتئيه الشيعة في دلالة هذا اللفظ، وإفادة الحديث بذلك الولاية المطلقة لمولى المؤمنين صلوات الله عليه.

*(الشاعر) *

أبو جعفر أحمد بن علويّة(٢) الاصبهاني الكرماني الشهير بأبي الأسود، هو أحد مؤلِّفي الإماميّة المطّرد ذكرهم في المعاجم، وذكر النجاشي في فهرسته وإبن شهر آشوب في «معالم العلماء» له كتاباً أسماء الأوَّل كتاب [الإعتقاد في الأدعية] والثاني

_____________________

١ - سهل بن محمد الإمام في علوم القرآن واللغة والشعر قرأ على الأخفش، وروى عن أبي عبيدة وأبي زيد والأصمعي وجمع آخرين، وعنه إبن دريد وغيره توفّي سنة ٢٥٥ وقيل غيرها.

٢ - بفتحتين وتشديد الياء كما في إيضاح الإشتباه للساروي، واشتبه عليه كلام النجاشي و عرف المترجم بالرحال وضبطه وهو لقب محمّد بن أحمد الراوي عن المترجم لا لقبه.


[دعاء الإعتقاد] وفي «المعالم» أنّ له كتباً منها ذلك، وقال الحموي في «معجم الأُدباء» له رسائل مختارة دوَّنها أبو الحسن [أبو الحسين] أحمد بن سعد في كتابه المصنَّف في الرَّسائل، وله ثمانية كتب في الدعاء من إنشائه، ورسالةٌ في الشيب والخضاب، وذكر إبن النديم في فهرسته ص ٢٣٧ له ديواناً في خمسين ورقة.

المترجم من أئمَّة الحديث، ومن صدور حملته، أخذ عنه مشايخ علماء الإماميّة واعتمدوا عليه. *(منهم)*: شيخ القميِّين أبو جعفر محمّد بن الحسن بن الوليد القمي المتوفّى ٣٤٣، المعلوم حاله في الثقة، والتحرُّز عن الرِّواية عن غير الثّقة، وطعنه وإخراجه مَن روى عن الضعفآء من قم، فقد روى عنه كتب إبراهيم بن محمّد الثقفي المعتمد عليه عند الأصحاب كما في مشيخة الفقيه، وفهرست شيخ الطائفة الطوسي. وممّا رواه أبو جعفر القمي عن المترجَم له عن إبراهيم بن محمّد الثقفي ما أخرجه شيخنا الصدوق في أماميه ٣٥٤، وما رواه أبو جعفر الطبري في (بشارة المصطفى) في أواخر الجزء الرابع بإسناد المترجَم له عن زيد بن أرقم قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: ألا أدلّكم على ما إن استدللتم به لم تهلكوا ولم تضلّوا؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: إنَّ إمامكم ووليّكم عليُّ بن أبي طالب فوازروه وناصحوه وصدِّقوه فإنَّ جبرئيل أمرني بذلك.

*(ومنهم)*: فقيه الطائفة وشيخها ووجهها سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري المتوفّى ٢٩٩/٣٠٠/١ كما في المجلس العشرين من مجالس شيخنا الأكبر محمَّد بن محمَّد بن نعمان المفيد.

*(ومنهم)*: الحسين بن محمَّد بن عمران الأشعري القمي الثقة الذي أكثر النقل عنه ثقة الإسلام الكليني «في الكافي» وابن قولويه في «الكامل»، كما جاء في «كامل الزيارة» ورجال الشيخ الطوسي. ومن أحاديث الأشعري عن المترجَم ما رواه إبن قولويه بإسناده ص ١٨٦ رفعه إلى الصّادق عليه السلام إنَّه كان يقول عند غسل الزيارة إذا فرغ: أللهمَّ أجعله لي نوراً وطهوراً. إلخ.

*(ومنهم)*: عبد الله بن الحسين المؤدّب، أحد مشايخ الشيخ الصَّدوق ووالده المقدَّس كما في مشيخة الفقيه، وممّا رواه المودّب عن المترجَم ما رواه شيخنا الصَّدوق


في أماليه ص ٥٥ بإسناده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: إنَّ في عليٍّ خصالاً لو كانت واحدةٌ منهما في جميع النّاس لاكتفوا بها فضلاً. الحديث. وص ٧٦ بإسناده عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إنَّه قال: يا عليُّ؟ أنت أخي ووصيّي ووارثي وخليفتي على أُمّتي في حياتي وبعد وفاتي، محبّك محبّي، ومبغضك مبغضي، وعدوُّك عدوّي، ووليّك وليّي. وفي ص ٢١٧ بإسناده من طريق المترجم عن رسول الله إنَّه قال: إذا كان يوم القيامة يؤتى بك يا عليُّ؟ على نجيب من نور على رأسك تاجٌ قد أضاء نوره وكاد يخطف أبصار أهل الموقف. الحديث. وفي ص ٣٥١ بإسناد المترجَم عن رسول الله صلّى الله عليه وآله إنَّه قال: إنَّ حلقة باب الجنة من ياقوتة حمراء على صفايح الذهب فإذا دقّت الحلقة على الصفحة طنَّت وقالت: يا عليّ.

وتوجد أحاديث أُخرى من طريق المؤدّب عن المترجم في «الأمالي» ص ٩، ١٥٢، ٢٨٣، ٢٨٦، ٣٢٦، ٣٧٥، ٣٩٠.

ويروي عنه كتابه «الاعتقاد» في الأدعية محمَّد بن أحمد الرّحال كما في فهرست النجاشي ص ٦٤. وأحمد بن يعقوب الإصبهاني كما في «تهذيب» الشيخ الطوسي ج ١ ص ١٤١ في باب الدعاء بين الرَّكعات. وذكر النجاشي إسناده إليه ص ٦٤ هكذا: عن إبن نوح عن محمَّد بن عليِّ القمي عن محمَّد بن أحمد الرَّحال عنه.

وحَسب المترجَم جلالةً أن تكون أخباره مبثوثةً في مثل الفقيه، والتهذيب، والكامل، وأمالي الصدوق، ومجالس المفيد، وأمثالها من عُمد كتب أصحابنا رضوان الله عليهم، وحَسبنا آيةً لثقته اعتماد القميِّين عليه مع تسرّعهم في الوقيعة بأدنى غميزة في الرَّجل.

كان المترجم من علماء العربيَّة البارعين فيها بعد ما كان شيخاً في الحديث، ولذلك ترجمه السيوطي في «بغية الوعاة» وعدَّه الثعالبي من كتّاب إصبهان وشعرائها في «يتيمة الدهر» ٣ ص ٢٦٧، وقال الحموي في «معجم الأُدباء» ٢ ص ٣ (الطبعة الأولى): كان صاحب لغة يتعاطى التأديب ويقول الشعر الجيِّد. وعرَّفه شيخ الطايفة ومن يليه من أصحاب المعاجم حتّى اليوم بالكتابة.

وأمّا شاعريَّته فهي في الذروة والسنام من مراقي قرض الشعر، فقد فاق نظمه


بجزالة المعنى، وفخامة اللفظ، وحسن الصياغة، وقوَّة التركيب، وبرع هو بفلج الحجَّة، وجودة الإفاضة، والحصول على البراهين الدامغة، والوصول إلى مغازي التعبيرات، فجاء شعره في أئمَّة الدين عليهم السَّلام كسيفٍ صارم لشُبه أهل النصب، أو المعول الهدّام لبيوت عناكب التمويهات ضدَّ إمامة العترة الطاهرة، وقصيدته «المحبَّرة» التي اقتطفنا منها موضع الشاهد لكتابنا هذا لهي الشهيدة بكلِّ ما أنبأناك عنه، كما أنَّها الحجَّة القاطعة على عبقريَّته الشعريَّة كما شهد به أبو حاتم السجستاني فيما عرفت عنه.

وُلد المترجم سنة ٢١٢ وتوفّي في نيف وعشرين وثلثمائة، وأنشد سنة ٣١٠ و له ٩٨ عاماً من عمره قوله:

دنياً مغبَّة من أثرى بها عدمُ

ولذَّةٌ تنقضي من بعدها ندمُ

وفي المنون لأهل اللبِّ معتبرٌ

وفي تزوُّدهم منها التّقى غنمُ

والمرء يسعى لفضل الرِّزق مجتهداً

وما له غير ما قد خطّه القلمُ

كم خاشع في عيون الناس منظره

والله يعلم منه غير ما علموا

وقال بعد أن أتت عليه مائة سنة:

حنى الدَّهر من بعد استقامته ظهري

وأفضى إلى ضحضاح غايته عمري

ودبَّ البلى في كلِّ عضو ومفصلٍ

ومَن ذا الذي يبقى سليماً على الدَّهر

ومن شعره ما ذكره النويري في «نهاية الإرب في فنون الأدب» في الجزء العاشر ص ١٢٢ من قوله في وصف البقر:

يا حبَّذا مخضها ورائبها

وحبَّذا في الرِّجال صاحبها

عجولةٌ(١) سمحةٌ مباركةٌ

ميمونةٌ طُفَّحٌ محالبها

تقبل للحلب كلّما دُعيت

ورامها للحلاب حالبها

فتيَّةٌ سنّها مهذَّبةٌ

معنَّف في النديِّ عائبها

كأنَّها لعبةٌ مزيَّنةٌ

يطير عُجباً بها ملاعبها

كأنَّ ألبانها جنى عسل

يلذّها في الإناء شاربها

_____________________

١ - أنثى العجول وهو: ولد البقرة.


عروس باقورة(١) إذا برزت

من بين أحبالها ترائبها

كأنَّها هضبةٌ إذا انتسبت

أو بكرةٌ قد أناف غاربها

تزهي بروقين كاللُجَين إذا

مسّهما بالبنان طالبها

لو أنّها مُهرةٌ لما عدمت

من أن يضمَّ السرور راكبها

توجد ترجمة شاعرنا في فهرست النجاشي ٦٤. رجال شيخ الطائفة. معالم العلماء ص ١٩. معجم الأدباء ٢ ص ٣. إيضاح الإشتباه للعلّامة. بغية الوعاة ١٤٦. جامع الأقوال إيضاح الإشتباه للساروي. جامع الرُّواة. جامع المقال للطريحي. هداية المحدِّثين المعروف بتمييز المشتركات. منتهى المقال. رجال الشيخ عبد اللطيف إبن أبي جامع. الشيعة وفنون الإسلام ٩١ وفيه تاريخ وفاته المذكور. تنقيح المقال ١ ص ٦٨. أعيان الشيعة الجزء التاسع ص ٦٧. التعاليق على نهاية الإرب ١٠ ص ١٢٢.

_____________________

١ - الباقورة والباقور: جماعة البقر.


القرن الرابع

١٧

المفجَّع

المتوفّى ٣٢٧

أيّها اللّائمي لحبّي عليّاً

قم ذميماً إلى الجحيم خزيَّا

أبخير الأنام عرَّضت؟ لا زلـ

ـت مذوداً عن الهدى مزوّيا

أشبه الأنبيآء كهلاً وزولاً(١)

وفطيماً وراضعاً وغذيَّا

كان في علمه كآدم إذ عُلّـ

ـم شرح الأسماء والمكنيّا

وكنوح نجا من الهلك مَن سـ

ـير في الفلك إذ علا الجودّيا

* * *

وعليٌّ لَمّا دعاه أخوه

سبق الحاضرين والبدويّا

وله من أبيه ذي الأيدي إسما

عيل شبهٌ ما كان عنّي خفيّا

إنّه عاون الخليل على الكعـ

بة إذ شاد ركنها المبنيّا

ولقد عاون الوصيَّ حبيب الّـ

له إذ يغسلان منها الصفيّا

رام حمل النبيِّ كي يقلع الأصـ

نام عن سطحها المثول الجثيّا

فحناه ثقل النبوَّة حتّى

كاد ينآد تحته مثنيّا

فارتقى منكب النبيِّ عليٌّ

صنوه ما أجلّ ذاك رُقيّا

فأماط الأوثان عن ظاهر الكعـ

بة ينفي الأرجاس عنها نفيّا

ولو أنَّ الوصيَّ حاول مسَّ النـ

جم بالكفِّ لم يجده قصيّا

أفهل تعرفون غير عليٍّ

وابنه استرحل النبيّ مطيّا؟!

* * *

لم يكن أمره بدوحات «خمّ»

مشكلاً عن سبيله ملويّا

_____________________

١ - الزول: الغلام الظريف.


إنَّ عهد النبيِّ في ثقليه

حجَّةٌ كنت عن سواها غنيّا

نصب المرتضى لهم في مقامٍ

لم يكن خاملاً هناك دنيّا

عَلماً قائماً كما صدع البد

ر تماماً دُجنَّة أو دُجيّا

قال: هذا مولىً لمن كنت مولا

ه جهاراً يقولها جهوريّا

وال يا ربِّ من يُواليه وانصر

ه وعاد الذي يعادي الوصيّا

إنَّ هذا الدُّعا لمن يتعدّى

راعياً في الأنام أم مرعيّا

لا يُبالي أمات موت يهود

مَن قلاهُ أو مات نصرانيّا

مَن رأى وجهه كمن عبد الله

مديم القنوت رهبانيّا

كان سؤل النبيِّ لَمّا تمنّى

حين أهدوه طائراً مشوّيا

إذ دعا الله أن يسوق أحبّ

الخلق طرَّاً إليه سوقاً وحيّا

فإذا بالوصيِّ قد قرع البا

ب يريد السَّلام ربّانيّا

فثناه عن الدخول مراراً

أنسٌ حين لم يكن خزرجيّا

وذخيراً لقومه وأبى الرَّ

حمان إلّا إمامنا الطالبيّا

ورمى بالبياص من صدَّ عنه

وحبا الفضل سيِّداً أريحيّا

[القصيدة ١٦٠ بيتاً]

*( ما يتبع الشعر ) *

هذه القصيدة من غرر الشعر ونفيسه توجد مقطَّعةً في الكتب، نحن عثرنا عليها مشروحةً بذكر الأحاديث المتضمِّنة لمفاد كلِّ فضيلةٍ لأمير المؤمنين عليه السلام نظمها في بيت أو بيتين أو أكثر يبلغ عدد أبياتها ١٦٠ بيتاً؛ غير أنَّ فيها أبيات من الدخيل تنافي مذهب المفجَّع ومعتقده ألصقها بالقصيدة بعض أضداده، وأدخل شرحها الملائم لمعنى الأبيات في الشرح؛ كما يذكرها في سيِّد البطحا أبي طالب عليه السلام والد مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، وفي أبي إبراهيم الخليل ممّا لا يقول به أحدٌ من الأصحاب، فكيف بالمفجَّع الذي هو من رجالات الشيعة وغلمائها وشعرائها المتبصِّرين؟! وأظنُّ أنَّ هذا الشرح أيضاً له، وأحسب أنَّ كلمة شيخ الطايفة الطوسي في «الفهرست» والمرزباني


في «المؤتلف والمختلف» والحموي في «معجم الأُدباء» عند تعداد كتبه: (وكتاب قصيدته في أهل البيت) توعز إلى ذلك الشرح.

وهذه القصيدة تُسمّى به [الأشباه] قال الحموي في «معجم الأُدباء» ج ١٧ ص ١٩١ في أوَّل ترجمة المترجم: إنَّ له قصيدةٌ يُسمّيها بالأشباه يمدح فيها عليّاً ثمَّ قال في ص ٢٠٠: له قصيدته ذات الأشباه، وسُمِّيت بذات الأشباه لقصده فيما ذكره من الخبر الذي رواه عبد الرَّزاق عن معمَّر عن الزهري عن سعيد بن المسيِّب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو في محفل من أصحابه: إن تنظروا إلى آدم في علمه، ونوح في همِّه، وإبراهيم في خُلقه، وموسى في مناجاته، وعيسى في سنَّته(١) ، ومحمَّد في هديه وحلمه، فانظروا إلى هذا المقبل. فتطاول الناس فإذا هو عليُّ بن أبي طالب عليه السلام. فأورد المفجّع ذلك في قصيدته، وفيها مناقب كثيرة أوّلها. ثمَّ ذكر منها ١٨ بيتاً.

حديث الاشباه

هذا الحديث الذي رواه الحموي في معجمه نقلاً عن تاريخ إبن بشران قد أصفق على روايته الفريقان غير أنَّ له ألفاظاً مختلفة وإليك نصوصها:

١ - أخرج إمام الحنابلة أحمد عن عبد الرّزاق بإسناده المذكور بلفظ: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في خلقه، وإلى موسى في مناجاته، وإلى عيسى في سنَّته، وإلى محمّد في تمامه وكماله، فلينظر إلى هذا الرجل المقبل. فتطاول الناس فإذا هم بعليِّ بن أبي طالب كأنّما ينقلع من صبب، و ينحطُّ من جبل.

٢ - أخرج أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي المتوفّى ٤٥٨ في «فضايل الصحابة» بلفظ: مَن أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته: فلينظر إلى عليِّ بن أبي طالب.

٣ - أخرج الحافظ أحمد بن محمّد العاصمي في كتابه [زين الفتى في شرح سورة

_____________________

١ - في الأصل، في سنه.


هل أتى] بإسناده من طريق الحافظ عبيد الله بن موسى العبسي عن أبي الحمراء قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في بطشه فلينظر إلى عليِّ بن أبي طالب. وبإسناد آخر من طريق الحافظ العبسي أيضاً وزاد: وإلى يحيى بن زكريّا في زهده. وأخرج بإسناد ثالث بلفظ أقصر من المذكور. ثمَّ قال:

أمّا آدم عليه السلام فإنّه وقعت المشابهة بين المرتضى وبينه بعشرة أشياء: أوَّلها: بالخلق والطينة. والثاني: بالمكث والمدَّة. والثالث: بالصحابة والزوجة. والرابع: بالتزويج والخلعة. والخامس: بالعلم والحكمة. والسادس: بالذهن والفطنة. والسابع: بالأمر والخلافة. والثامن: بالأعداء والمخالفة. والتاسع: بالوفاء والوصيّة. والعاشر: بالأولاد والعترة. ثمَّ بسط القول في وجه هذه كلّها فقال:

ووقعت المشابهة بين المرتضى وبين نوح بثمانية أشياء: أوَّلها: بالفهم: والثاني: بالدَّعوة. والثالث: بالإجابة. والرابع: بالسفينة. والخامس: بالبركة. والسادس: بالسَّلام. والسابع: بالشكر. والثامن: بالإهلاك. ثمَّ بيَّن وجه الشبه في هذه كلّها إلى أن قال:

ووقعت المشابهة بين المرتضى وبين إبراهيم الخليل بثمانية أشياء: أوَّلها: بالوفاء. والثاني: بالوقاية. والثالث: بمناظرته أباه وقومه. والرابع: بإهلاك الأصنام بيمينه. والخامس: ببشارة الله إيّاه بالولدين اللذين هما من أُصول أنساب الأنبياء عليهم السَّلام. والسادس: باختلاف أحوال ذريَّته من بين مُحسن وظالم. والسابع: بابتلاء الله تعالى إيّاه بالنفس والولد والمال. والثامن: بتسمية الله إيّاه خليلاً حتّى لم يؤثر شيئاً عليه. ثمَّ فصَّل وجه الشبه فيها إلى أن قال:

ووقعت المشابهة بين المرتضى وبين يوسف الصّديق بثمانية أشياء: أوَّلها: بالعلم والحكمة في صغره. والثاني: بحسد الأُخوة له. والثالث: بنكثهم العهود فيه. والرابع بالجمع له بين العلم والملك في كبره. والخامس: بالوقوف على تأويل الأحاديث. والسادس: بالكرم والتجاوز عن إخوته. والسابع: بالعفو عنهم وقت القدرة عليهم. والثامن: بتحويل الديار. ثمَّ قال بعد بيان وجه الشبه فيها:


ووقعت المشابهة بين المرتضى وبين موسى الكليم عليه السلام بثمانية أشياء: أوَّلها: الصلابة والشدَّة. والثاني: بالمحاجَّة والدَّعوة. والثالث: بالعصا والقوَّة. والرابع: بشرح الصدر والفسحة. والخامس: بالأُخوَّة والقربة. والسادس: بالودّ والمحبَّة. والسابع: بالأذى والمحنة. والثامن: بميراث الملك والإمرة. وبيّن وجه التشبيه فيها ثمَّ قال:

ووقعت المشابهة بين المرتضى وبين داود بثمانية أشياء: أوَّلها: بالعلم والحكمة. والثاني: بالتقوى على إخوانه في صغر سنِّه. والثالث: بالمبارزة لقتل جالوت. والرابع: بالقدر معه من طالوت إلى أن أورثه الله ملكه. والخامس: بإلانة الحديد له. والسادس: بتسبيح الجوامد معه. والسابع: بالولد الصالح. والثامن: بفصل الخطاب. وقال بعد بيان المشابهة فيها:

ووقعت المشابهة بين المرتضى وبين سليمان بثمانية أشياء: أوَّلها: بالفتنة والإبتلاء في نفسه. والثاني: بتسليط الجسد على كرسيِّه. والثالث: بتلقين الله إيّاه في صغره بما استحقَّ به الخلافة. والرابع: بردِّ الشمس لأجله بعد المغيب. والخامس: بتسخير الهوى والريح له. والسادس: بتسخير الجنِّ له. والسابع: بعلمه منطق الطير والجوامد وكلامه إيّاه. والثامن: بالمغفرة ورفع الحساب عنه. ثمَّ بيّن وجه التشبيه فقال:

ووقعت المشابهة بين المرتضى عليه السلام وبين أيّوب بثمانية أشياء: أحدها: بالبلايا في بدنه. والثاني: بالبلايا في ولده. والثالث: بالبلايا في ماله. والرابع: بالصبر على الشدايد. والخامس: بخروج الجميع عليه. والسادس: بشماتة الأعداء. والسابع: بالدُّعاء لله تعالى فيما بين ذلك وترك التواني فيها. والثامن: بالوفاء لِلنذر والإجتناب عن الحنث. وقال بعد بيان وجه المشابهة فيها:

ووقعت المشابهة بين المرتضى وبين يحيى بن زكريّا بثمانية أشياء: أوَّلها: بالحفظ والعصمة. والثاني: بالكتاب والحكمة. والثالث: بالتسليم والتحيَّة. و الرابع: ببرّ الوالدين. والخامس: بالقتل والشهادة لأجل مرأةٍ مُفسدة. والسادس: بشدَّة الغضب والنقمة من الله تعالى على قتله. والسابع: بالخوف والمراقبة. والثامن بفقد السميِّ والنظر له في التسمية. ثمَّ قال بعد بسط الكلام حول التشبيه فيها:


ووقعت المشابهة بين المرتضى وبين عيسى بثمانية أشياء: أوَّلها: بالإذعان لله الكبير المتعال. والثاني: بعلمه بالكتاب طفلاً ولم يبلغ مبلغ الرِّجال. والثالث: بعلمه بالكتابة والخطابة. والرابع: بهلاك الفريقين فيه من أهل الضَّلال. والخامس: بالزهد في الدنيا. والسادس: بالكرم والإفضال. والسابع: بالإخبار عن الكواين في الإستقبال. والثامن: بالكفائة. ثمَّ بيّن وجه الشبه فيها:

وهذا الكتاب من أنفس كتُب العامَّة فيه آيات العلم وبيِّنات العبقريَّة، وقد شُغل القوم عن نشر مثل هذه النفايس بالتافهات المزخرفة.

٤ - أخرج أخطب الخطباء الخوارزمي المالكي المتوفّى ٥٦٨ بإسناده في «المناقب» ص ٤٩ من طريق البيهقي عن أبي الحمراء بلفظ: مَن أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى يحيى بن زكريّا في زهده، وإلى موسى بن عمران في بطشه، فلينظر إلى عليِّ بن أبي طالب.

وأخرج في ص ٣٩ بإسناده من طريق إبن مردويه عن الحارث الأعور صاحب راية عليِّ بن أبي طالب قال: بلغنا إنّ النبيَّ صلّى الله عليه وآله كان في جمع من أصحابه فقال: أُريكم آدم في علمه، ونوحاً في فهمه، وإبراهيم في حكمته. فلم يكن بأسرع من أن طلع عليٌّ عليه السلام فقال أبو بكر: يا رسول الله؟ أقستَ رجلاً بثلثة من الرُّسل؟! بخٍ بخٍ لهذا الرَّجل، مَن هو يا رسول الله؟ قال النبيُّ: أوَ لا تعرفه يا أبا بكر؟ قال: الله و رسوله أعلم. قال: هو أبو الحسن عليُّ بن أبي طالب. فقال أبو بكر: بخٍ بخٍ لك يا أبا الحسن؟ وأين مثلك يا أبا الحسن؟.

وروى في ص ٢٤٥ بإسناده بلفظ: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه. وإلى موسى في شدَّته. وإلى عيسى في زهده، فلينظر إلى هذا المقبل، فأقبل عليٌّ. وذكره:

٥ - أبو سالم كمال الدين محمَّد بن طلحة الشافعي المتوفّى ٦٥٢ رواه في «مطالب السئول» نقلاً عن كتاب «فضايل الصحابة» للبيهقي بلفظ؟ من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته فلينظر إلى عليِّ بن أبي طالب عليه السلام. ثمَّ قال:

فقد أثبت النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لعليّ بهذا الحديث علماً يشبه علم آدم، وتقوىً تشبه


تقوى نوح، وحلماً يشبه حلم إبراهيم، وهيبةً تشبه هيبة موسى، وعبادةً تشبه عبادة عيسى، وفي هذا تصريحٌ لعليّ بعلمه وتقواه وحلمه وهيبته وعبادته، وتعلو هذه الصِّفات إلى أوج العلا حيث شبَّهها بهؤلآء الأنبياء المرسلين من الصفات المذكورة والمناقب المعدودة.

٦ - عزُّ الدين إبن أبي الحديد المتوفّى ٦٥٥ قال في «شرح نهج البلاغة» ج ٢ ص ٢٣٦: روى المحدِّثون عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم أنَّه قال: من أراد أن ينظر إلى نوح في عزَّته، وموسى في علمه، وعيسى في ورعه فلينظر إلى عليِّ بن أبي طالب.

ورواه في ج ٢ ص ٤٤٩ من طريق أحمد والبيهقي نقلاً عن مسند الأوَّل و صحيح الثاني بلفظ: من أراد أن ينظر في عزمه، وإلى آدم في علمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في فطنته، وإلى عيسى في زهده، فلينظر إلى عليِّ بن أبي طالب.

٧ - الحافظ أبو عبد الله الكنجي الشافعي المتوفّى ٦٥٨، أخرجه في «كفاية الطالب» ص ٤٥ بإسناده عن إبن عبّاس قال: بينما رسول الله صلّى الله عليه وآله جالسٌ في جماعة من أصحابه إذ أقبل عليٌّ عليه السلام فلمّا بصر به رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: من أراد منكم أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في حكمته، وإلى إبراهيم في حلمه، فلينظر إلى عليِّ بن أبي طالب. ثمَّ قال:

قلت: تشبيهه لعليٍّ بآدم في علمه لأنّ الله علّم آدم صفة كلِّ شيء كما قال عزَّ وجلَّ: وعلّم آدم الأسماء كلّها. فما من شيءٍ ولا حادثةٍ إلّا وعند عليٍّ فيها علمٌ و له في استنباط معناها فهمٌ.

وشبَّهه بنوح في حكمته. وفي رواية: في حكمه. وكأنَّه أصحُّ لأنَّ عليّاً كان شديداً على الكافرين رؤفاً بالمؤمنين كما وصفه الله تعالى في القرآن بقوله:( وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) . وأخبر الله عزَّ وجلَّ عن شدَّة نوح على الكافرين بقوله:( رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ) .

وشبَّهه في الحلم بإبراهيم خليل الرَّحمن كما وصفه عزَّ وجلَّ بقوله:( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) . فكان متخلّقاً بأخلاق الأنبياء متَّصفاً بصفات الأصفيآء.

٨ - الحافظ أبو العبّاس محبُّ الدين الطبري المتوفّى ٦٩٤ رواه في «الرّياض


النضرة» ٢ ص ٢١٨ بلفظ: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، و إلى إبراهيم في حلمه، وإلى يحيى بن زكريّا في زهده، وإلى موسى بن عمران في بطشه، فلينظر إلى عليِّ بن أبي طالب. قال: أخرجه القزويني الحاكمي.

وأخرج عن إبن عبّاس بلفظ: من أراد أن ينظر إلى إبراهيم في حلمه، وإلى نوح في حكمه، وإلى يوسف في جماله، فلينظر إلى عليِّ بن أبي طالب. فقال: أخرجه الملّا في سيرته.

٩ - شيخ الإسلام الحمّوئي المتوفّى ٧٢٢، أخرجه في «فرايد السمطين» بعدَّة أسانيد من طرق الحاكم النيسابوري وأبي بكر البيهقي بلفظ محبِّ الدين الطبري المذكور وما يقرب منه.

١٠ - القاضي عضد الأيجي الشافعي المتوفّى ٧٥٦، رواه في «المواقف» ج ٣ ص ٢٧٦ بلفظ: مَن أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى عليِّ بن أبي طالب.

١١ - التفتازاني الشافعيّ المتوفّى ٧٩٢ في «شرح المقاصد» ٢ ص ٢٩٩ بلفظ القاضي الأيجي المذكور.

١٢ - إبن الصبّاغ المالكي المتوفّى ٨٥٥ روى في «الفصول المهمَّة» ص ٢١ نقلاً عن [فضايل الصّحابة] للبيهقي باللفظ المذكور،

١٣ السيِّد محمود الآلوسي المتوفّى ١٢٧٠ رواه في شرح عينيَّة عبد الباقي العمري ص ٢٧ بلفظ البيهقي.

١٤ - الصفوري قال في «نزهة المجالس» ٢ ص ٢٤٠: قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم مَن أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في زهده، وإلى محمَّد في بهاءه، فلينظر إلى عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه. ذكره إبن الجوزي. وفي حديث آخر ذكره الرازي في تفسيره: مَن أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحاً في طاعته، وإبراهيم في خلقه، وموسى في قربه، وعيسى في صفوته فلينظر إلى عليِّ بن أبي طالب.

١٥ - السيِّد أحمد القادين خاني في «هداية المرتاب» ص ١٤٦ بلفظ البيهقي.


*(الشاعر) *

أبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن عبد الله(١) الكاتب النحويّ المصريّ الملقَّب بالمفجَّع. أوحديٌّ من رجالات العلم والحديث، وواسطة العقد بين أئمَّة اللغة والأدب، وبيت القصيد في صاغة القريض، ومن المعدودين من أصحابنا الإماميَّة، مدحوه بحسن العقيدة، وسلامة المذهب، وسداد الرأي، وكان كلُّ جنوحه إلى أئمَّة أهل البيت عليهم السَّلام، وقد أكثر في شعره من الثناء عليهم؛ والتفجّع لما انتابهم من المصائب والفوادح، فلم يزل على ذلك حتّى لقّبه مناوئوه المتنابزون بالألقاب بـ[المفجع] وإليه يوعز بقوله:

إن يكن قيل لي: المفجَّع نبزاً

فلعمري أنا المفجَّع همّا

ثمَّ صار لقباً له حتّى عند أوليائه لذلك السبب المذكور كما قاله النجاشي والعلّامة؛ ولبيت قاله كما في «معجم الشعراء» للمرزباني ص ٤٦٤، وكأنَّه يريد البيت المذكور.

ثمَّ أنَّ المصرَّح به في معجمي الشعراء والأُدباء للمرزباني والحموي، والوافي بالوفيات للصفدي: إنَّ المترجَم من المكثرين من الشعر، وذكر إبن النديم أنَّ شعره في مائة ورقة، ويؤكِّده ما قاله النجاشي والعلّامة من أنَّ له شعراً كثيراً في أهل البيت عليهم السَّلام، وهو الذي يُعطيه وصفهم له من أنَّه كان كاتباً شاعراً بصيراً بالغريب كما في «مروج الذهب»، ومن أنَّه من وجوه أهل اللغة والأدب، وقال أبو محمّد إبن بشران(٢) : كان شاعر البصرة وأديبها، وكان يجلس في الجامع بالبصرة فيكتب عنه ويقرأ عليه الشعر واللغة والمصنَّفات وشعره مشهورٌ، وكان أبو عبد الله الأكفاني راويته، وكتب لي بخطِّه من مليح شعره شيئاً كثيراً، وشعره كثيرٌ حسنٌ، وله في جماعة من كبار أهل الأهواز مدائح كثيرة وأهاجٍ، وله قصيدةٌ في أبي عبد الله إبن درستويه يرثيه فيها وهو حيٌّ يقول فيها ويلقِّبه بدهن الآجر.

مات دهن الآحر فاخضرَّت الأر

ض وكادت جبالها لا تزولُ

_____________________

١ - عبيد الله في معجم الأدباء.

٢ - حكاه الحموي في معجم الأدباء عن تاريخه ونحن نذكره ملخصاً.


ويصف أشياء كثيرة فيها، وكان يُكثر عند والدي ويُطيل المقام عنده وكنت أراه عنده وأنا صبيٌّ بالأهواز؛ وله إليه مراسلات وله فيه مدحٌ كثيرٌ كنت جمعتها فضاعت أيّام دخول إبن أبي ليلى الأهواز ونهب [روزناماتها](١) وكان منها قصيدةٌ بخطِّه عندي يقول فيها:

لو قيل للجود: مَن مولاك قال: نعم

عبد المجيد المغيرة بن بشران

وأذكر له من قصيدة أُخرى:

يا مَن أطال يدي إذ هاضني زمني

وصرت في المصر مجفوّاً ومطَّرحا

أنقذتني من أُناس عند دينهمُ

قتل الأديب إذا ما علمه اتَّضحا

لقي المفجّع ثعلباً وأخذ عنه وعن غيره، وكان بينه وبين إبن دُريد مهاجاة كما في «فهرست» إبن النديم، و«الوافي بالوفيات» للصفدي، ويقوى القول ما في «مروج الذهب» من أنّه صاحب الباهليّ المصريّ الذي كان يناقض إبن دريد. غير أنَّ الثعالبي ذكر في «اليتيمة» أنّه صاحب إبن دريد، وقام مقامه في التأليف والإملاء.ولعلّهما كانتا في وقتين من أمد تعاصرهما.

يروي عنه أبو عبد الله الحسين بن خالويه. وأبو القاسم الحسن بن بشير بن يحيى. وأبو بكر الدوري. وكان يُنادم ويُعاشر من أبي القاسم نصر بن أحمد البصري الخبزأرزي الشاعر المجيد المتوفّى ٣٢٧، وأبي الحسين محمّد بن محمّد المعروف بابن لنكك البصريِّ النحويِّ، وأبي عبد الله الأكفائي الشاعر البصريِّ.

آثاره القيمة

١ - كتاب المنقذ من الإيمان. قال الصفدي في «الوافي بالوفيات» ١٣٠: يشبه كتاب «الملاحن» لابن دريد وهو أجود منه. ينقل عنه السيوطي في شرح المعنى فوائد أدبيَّة.

٢ - كتاب قصيدته في أهل البيت عليهم السَّلام.

٣ - كتاب الترجمان في معاني الشعر. يحتوي على ثلاثة عشر حدّاً وهي: حدّ

_____________________

١ - جمع «روزنامة» فارسية، يعني: الجريدة اليوميّة.


الإعراب. حدّ المديح. حدّ البخل. حدّ الحلم والرأي. حدّ الهجاء. حدّ اللغز. حدّ المال. حدّ الاغتراب. حدّ المطايا. حدّ الخطوب: حدّ النبات. حدّ الحيوان. حدّ الغزل. قال النجاشي: لم يعمل مثله في معناه.

٤ - كتاب الإعراب.

٥ - كتاب أشعار الجواري. لم يتمّ.

٦ - كتاب عرائس المجالس.

٧ - كتاب غريب شعر زيد الخليل الطائي.

٨ - كتاب أشعار أبي بكر الخوارزمي.

٩ - كتاب سعادة العرب.

ذكر المرزباني للمفجَّع في مدح أبي الحسن محمّد بن عبد الوهاب الزينبيِّ الهاشمي من قصيدة قوله:

للزينبيِّ على جلالة قدره

خلقٌ كطعم الماء غيرُ مزنَّدِ(١)

وشهامةٌ تقصي الليوث إذا سطا

وندى يغرِّق كلَّ بحر مزبدِ

يحتلُّ بيتاً في ذؤابة هاشم

طالت دعائمه محلَّ الفرقدِ

حرٌّ يروح المستميح ويغتدي

بمواهب منه تروح وتغتدي

فإذا تحيَّف ما له إعطاؤه

في يومه نهك البقيَّة في غدِ(٢)

بضياء سنَّته المكارم تهتدي

وبجود راحته السحائب تقتدي

مقدار ما بيني وما بين الغنى

مقدار ما بيني وبين المربدِ(٣)

وفي «معجم الأدباء» نقلاً عن تاريخ أبي محمّد عبد الله بن بشران أنّه قال: دخل المفجَّع يوماً إلى القاضي أبي القاسم عليِّ بن محمّد التنوخي فوجده يقرأ معاني على العبيسي فأنشد:

_____________________

١ - أي غير بخيل ولا ضيق الحال.

٢ - تحيف: تنقص. ونهك. أفنى

٣ - المربد: فضاء وراء البيوت يرتفق به.


قد قدم العُجب على الرّويسِ

وشارفَ الوهدُ أبا قبيسِ(١)

وطاول البقل فروع الميسِ

وهبَّت العنز لقرع التيسِ(٢)

وادَّعت الروم أباً في قيسِ

واختلط الناس اختلاط الحيسِ(٣)

إذ قرأ القاضي حليف الكيسِ

معاني الشعر على العبيسي

وألقى ذلك إلى التنوخي وانصرف. قال: ومدح أبا القاسم التنوخي فرأى منه جفاءً فكتب إليه:

لو أعرض الناس كلّهم وأبوا

لم ينقصوا رزقيَ الذي قُسما

كان ودادٌ فزال وانصر ما

وكان عهدٌ فبان وانهدما

وقد صحبنا في عصرنا أُمماً

وقد فقدنا من قبلهم أُمما

فما ملكنا هزلاً ولا ساخت الـ

أرض ولم تقطر السماء دما

في الله من كلِّ هالك خلفٌ

لا يرهب الدَّهر مَن به اعتصما

حرٌّ ظننّا به الجميل فما

حقَّق ظنّاً ولا رعى الذَّمما

فكان ماذا ما كلّ معتمد

عليه يرعى الوفاء والكرما

غلطت والنّاس يغلطون وهل

تعرف خلقاً من غلطةٍ سلما؟

من ذا إذا اُعطي السَّداد فلم

يُعرف بذنبٍ ولم يزل قدما؟

شلّت يدي لِمْ جلست عن تفهٍ

أكتب شجوي وامتطي القلما

يا ليتني قبلها خرست فلم

أعمل لساناً ولا فتحت فما

يا زلَّة ما أقلت عثرتها

أبقت على القلب والحشا ألما

من راعه بالهوان صاحبه

فعاد فيه فنفسه ظلما

وله قوله:

لنا صديقٌ مليح الوجد مقتبلٌ

وليس في ودِّه نفعٌ ولا بركه

_____________________

١ - الرويس: تصغير روس. وهو السيئ يقال. رجل روس. أي: رجل سوء. والتصغير للتحقير. الوهد: المنخفض من الأرض.

٢ - الميس: نوع من الكرم. وهبت: نشطت وأسرعت.

٣ - الحيس: تمر يخلط بسمن. وأقط فيعجن وربما جعل فيه سويق فيمتزج.


شبَّهته بنار الصيف يوسعنا

طولاً ويمنع منّا النوم والحركه

وللمفجَّع كما في شرح إبن أبي الحديد قوله:

إن كنتُ خنتكم المودَّة غادراً

أو حلتُ عن سنن المحبِّ الوامقِ

فمسحت في قبح ابن طلحة إنَّه

ما دل قطُّ على كمال الخالقِ

وله في «معجم الأدباء» ما قاله حين دامت الأمطار وقطعت عن الحركة:

يا خالق الخلق أجمعينا

وواهب المال والبنينا

ورافع السَّبع فوق سبع

لم يستعن فيهما معينا

ومَن إذا قال كن لشيءٍ

لم تقع النون أو يكونا

لا تسقنا العام صوب غيث

أكثر من ذا فقد روينا

وله وقد سأل بعض أصدقائه أيضاً رقعةً وشعراً له يهنَّئه في مهرجان إلى بعض فقصَّر حتّى مضى المهرجان قوله:

إنَّ الكتاب وإن تضمَّن طيّه

كنه البلاغة كالفصيح الأخرسِ

فإذا أعانته عناية حامل

فجوابه يأتي بنجح منفَّسِ

وإذا الرَّسول ونى وقصَّر عامداً

كان الكتاب صحيفة المتلمّسِ

قد فات يوم المهرجان فذكره

في الشعر أبرد من سخاء المفلسِ

فسئل عن سخاء المفلس؟ فقال: يَعد في إفلاسه بما لا يفي به عند إمكانه، ومن ملحه قوله لإنسان أهدى إليه طبقاً فيه قصب السكر والاُترنج والنارنج:

إنَّ شيطانك في الظر

ف لشيطانٌ مريدُ

فلهذا أنت فيه

تبتدي ثمَّ تعيدُ

قد أتتنا تحفةٌ منـ

ـك على الحسن تزيدُ

طبقٌ فيه قدودٌ

ونهودٌ وخدودُ(١)

وذكر له الوطواط في «غرر الخصايص» ص ٢٧٠ قوله يستنجز به:

أيّها السيِّد عش في غبطة

ما تغنّي طائرُ الأيك الغردْ

_____________________

١ - النهود جمع النهد: الثدي، وأراد بها الاترنج لاستدارته. وخدود: جمع خد. أراد بها النارنج.


ليَ وعدٌ منك لا تُنكره

فاقضه أنجز حرٍّ ما وعدْ

أنت أحييت بمبذول الندى

سنن الجود وقد كان همدْ

فإذا صال زمانٌ أوسطا

فعلى مثلك مثلي يعتمدْ

م - ذكر له النويري في «نهاية الإرب» ص ٧٧:

ظبيٌ إذا عقرب أصداغه

رأيت ما لا يحسن العقربُ

تفّاح خدَّيه له نضرةٌ

كأنَّه من دمعتي يشربُ

ولد المفجّع بالبصرة وتوفّي بها سنة ٣٢٧ كما في «معجم الأدباء» نقلاً عن تاريخ معاصره أبي محمّد عبد الله بن بشران قال: كانت وفاته قبل وفاة والدي بأيّام يسيرة ومات والدي في يوم السبت لعشر خلون من شعبان سنة سبع وعشرين وثلثماءة.

وقال المرزباني: إنّه مات في سنة قبل الثلاثين وثلثمائة. وأرَّخه الصفدي في «الوافي بالوفيات» بسنة عشرين وثلثمائة، وكذلك القاضي في «المجالس» والسيوطي في «البغية» وتبعهم آخرون. والمختار ما حكاه الحموي عن تأريخ أبي محمّد إبن بشران.

تجد ترجمة المفجّع في فهرست إبن النديم ١٢٣. فهرست الشيخ ١٥٠. معجم الشعراء للمرزباني ٤٦٤. يتيمة الدهر ٢ ص ٣٣٤. فهرست النجاشي ٢٦٤، مروج الذهب ٢ ص ٥١٩، معجم الأدباء ١٧ ص ١٩٠ - ٢٠٥، الوافي بالوفيات للصفدي ١ ص ١٢٩، خلاصة الأقوال للعلّامة، بغية الوعاة ١٣، مجالس المؤمنين ٢٣٤، جامع الرواة للأردبيلي، منهج المقال ٢٨٠، روضات الجنات ٥٥٤، الكنى والألقاب ٣ ص ١٦٣، الأعلام للزركلي ٣ ص ٨٤٥، آثار العجم ٣٧٧.


القرن الرابع

١٨

أبو القاسم الصنوبري

المتوفّى ٣٣٤

ما في المنازل حاجةٌ نقضيها

إلّا السَّلام وأدمعٌ نذريها

وتفجّعٌ للعين فيها حيث لا

عيشٌ أُوازيه بعيشي فيها

أبكي المنازل وهي لو تدري الذي

بحث البكاء لكنت أستبكيها

بالله يا دمع السحائب سقنها

ولئن بخلت فأدمعي تسقيها

يا مغرياً نفسي بوصف عزيزةٍ

أغريت عاصيةً على مغريها

لا خير في وصف النساء فأعفني

عمّا تكلّفنيه من وصفيها

يا رُبَّ قافيةٍ حلى إمضاؤها

لم يحل ممضاها إلى ممضيها

لا تطمعنَّ النفس في إعطائها

شيئاً فتطلب فوق ما تُعطيها

حبّ النبيِّ محمَّد ووصيِّه

مع حبِّ فاطمة وحبِّ بنيها

أهل الكساء الخمسة الغرر التي

يبني العلا بعلاهمُ بانيها

كم نعمةٍ أوليت يا مولاهمُ

في حبِّهم فالحمد للموليها

إنَّ السفاه بشغل مدحي عنهمُ

فيحقُّ لي أن لا أكون سفيها

هم صفوة الكرم الذي أصفاهمُ

ودِّي وأصفيت الذي يصفيها

أرجو شفاعتهم فتلك شفاعة

يلتذُّ برد رجائها راجيها

صلّوا على بنت النبيِّ محمَّد

بعد الصَّلاة على النبيِّ أبيها

وابكوا دماء لو تشاهد سفكها

في كربلاء لما ونت تبكيها

تلك الدِّماء لو أنَّها توقى إذن

كانت دماء العالمين تقيها

لو أنَّ منها قطرة تُفدى إذن

كنا بها وبغيرنا نفديها

إنَّ الذين بغوا إراقتها بغوا

مشؤمة العقبى على باغيها


قُتل ابن من أوصى إليه خير مَن

أوصى الوصايا قطُّ أو يوصيها

رفع النبيُّ يمينه بيمينه

ليرى ارتفاع يمينه رائيها

في موضع أضحى عليه منبِّهاً

فيه وفيه يُبدئ التنبيها

آخاه في «خمٍّ» ونوَّه باسمه

لم يأل في خير به تنويها

هو قال: أفضلكم عليٌّ إنَّه

أمضى قضيَّته التي يمضيها

هو لي كهارون لموسى حبَّذا

تشبيه هارون به تشبيها

يوماه يومٌ للعدى يرويهمُ

جوراً ويومٌ للقنى يرويها

يسع الأنام مثوبة وعقوبة

كلتاهما تمضي لما يمضيها

[إلى آخر القصيدة ٤٢ بيتاً]

وله من قصيدة ذكرها صاحب «الدرِّ النظيم في الأئمَّة اللهاميم»:

هل أُضاخ كما عهدنا أُضاخا؟(١)

حبَّذا ذلك المناخ مناخا

يقول فيها:

ذكر يوم الحسين بالطفِّ أودى

بصماخي فلم يدع لي صماخا

متبعات نساؤه النوح نوحاً

رافعات إثر الصراخ صراخا

منعوهُ ماء الفرات وظلّوا

يتعاطونهُ زلالاً نُقاخا(٢)

بأبي عترة النبيِّ وأُمِّي

سدَّ عنهم معاندٌ أصماخا

خير ذا الخلق صبيةً وشباباً

وكهولاً وخيرهم أشياخا

أخذوا صدر مفخر العزِّ مذ كا

نوا وخلّوا للعالمين المخاخا

النقيّون حيث كانوا جيوباً

حيث لا تأمن الجيوب اتِّساخا

يألفون الطوى إذا ألف النّا

س اشتواءً من فيئهم واطِّباخا

خُلقوا أسخياء لا مُتساخيـ

ـن وليس السخىُّ من يتساخى

أهل فضل تناسخوا الفضل شيئاً

وشباباً أكرم بذاك انتساخا

بهواهم يزهو ويشمخ من قد

كان في النّاس زاهياً شمّاخا

_____________________

م (١) اضاخ: جبل يذكر ويؤنث).

م (٢) النقاخ: الماء البارد الصافى).


يا بن بنت النبيِّ أكرم به ابناً

وبأسناخ جدِّه أسناخا

وابن مَن وازر النبيَّ ووالا

ه وصافاه في «الغدير» وواخى

وابن مَن كان للكريهةَ ركّا

باً وفي وجه هولها رسّاخا

للطلى تحت قسطل الحرب ضرّا

باً ولِلهام في الوغى شدّاخا

ذو الدِّماء التي يُطيل مواليـ

ـيه اختضاباً بطيبها والتطاخا

ما عليكم أناخ كلكله الدهـ

ـر ولكن على الأنام أناخا

( الشاعر )

أبو القاسم وأبو بكر وأبو الفضل(١) أحمد بن محمّد بن الحسن بن مرّار الجزري الرقّي(٢) الضبيّ(٣) الحلبي الشهير بالصنوبري.

شاعرٌ شيعيٌّ مجيدٌ. جمع شعره بين طرفي الرقَّة والقوَّة، ونال من المتانة وجودة الأُسلوب حظَّه الأوفر، ومن البراعة والظرف نصيبه الأوفى؛ وتواتر في المعاجم وصفه بالإحسان تارةً(٤) وبه وبالإجادة أُخرى(٥) وإنَّ شعره في الذروة العليا ثالثة(٦) وكان يُسمّى حبيباً الأصغر لجودة شعره(٧) وقال الثعالبي: تشبيهات إبن المعتز. وأوصاف كشاجم، وروضيّات الصنوبري، متى اجتمعت إجتمع الظرف والطرف، وسمع السامع من الإحسان العجب.

وله في وصف الرياض والأنوار تقدُّمٌ باهرٌ، وذكر إبن عساكر: أنَّ أكثر شعره فيه. وقال إبن النديم في فهرسته: إنَّ الصولي عمل شعر الصنوبري على الحروف في مأتي ورقة. فيكون المدوَّن على ما التزم به إبن النديم من تحديد كلِّ صفحة من الورقة بعشرين بيتاً ثمانية آلاف بيت، وسمع الحسن بن محمَّد الغسّاني من شعره مجلّداً(٨) .

_____________________

١ - كناه به كشاجم زميله في شعره.

٢ - نسبة إلى الرقة: مدينة مشهورة بشط الفرات عمرها هارون الرشيد.

٣ - نسبة إلى ضبة أبي قبيلة.

٤ - تاريخ إبن عساكر ١ ص ٤٥٦.

٥ - أنساب السمعاني.

٦ - شذرات الذهب ٢ ص ٣٣٥.

٧ - عمدة ابن رشيق ١ ص ٨٣.

٨ - أنساب السمعاني


وله في وصف حلب ومنتزهاتها قصيدةٌ تنتهي إلى مائة وأربعة أبيات توجد في «معجم البلدان» للحموي ٣ ص ٣١٧ - ٣٢١، وقال البستاني في «دائرة المعارف» ٧ ص ١٣٧: هي أجود ما وصف به حلب، مُستهلّها:

إحبسا العيس احبساها

وسلا الدار سلاها

وأمّا نسبته إلى الصنوبر فقد ذكر إبن عساكر عن عبد الله الحلبي الصفري إنَّه قال: سألت الصنوبري عن السبب الذي من أجله نسب جدّه إلى الصنوبر حتّى صار معروفاً به. فقال لي: كان جدّي صاحب بيت حكمة من بيوت حكم المأمون فجرت له بين يديه مناظرة فاستحسن كلامه وحدَّة مزاجه وقال له: إنَّك لصنوبريُّ الشكل. يريد بذلك الذكاء وحدَّة المزاج. ا هـ. وذكر له النويري في «نهاية الإرب» ج ١١ ص ٩٨ في نسبته هذه قوله:

وإذا عُزينا إلى الصنوبر لم

نعز إلى خامل من الخشبِ

لا بل إلى باسق الفروع علا

مناسباً في أُرومة الحسبِ

مثل خيام الحرير تحملها

أعمدةٌ تحتها من الذهبِ

كأنَّ ما في ذراه من ثمر

طيرٌ وقوعٌ على ذرى القضبِ

باقٍ على الصيف والشتاء إذا

شابت رؤوس النبات لم يشبِ

محصَّن الحبّ في جواشن قد

أمَّن في لبسها من الحربِ

حبٌّ حكى الحب صين في قرب الـ

ـأصداف حتّى بدا من القُربِ

ذو نَثَّة ما يُنال من عنب

ما نيل من طيبها ولا رُطبِ

يا شجراً حبّه حداني أن

أفدي بأُمّي محبَّة وأبي

فالحمد لله إنَّ ذا لقبٌ

يزيد في حسنه على النسبِ

وأمّا تشيّعه فهو الذي يطفح به شعره الرائق كما وقفت على شطرٍ منه وستقف فيما يلي على شطرٍ آخر، ونصَّ بذلك اليماني في نسمة السحر، وعدُّ إبن شهر آشوب له من مادحي أهل البيت عليهم السَّلام يوذن بذلك. وأمّا دعوى صاحب النسمة أنَّه كان زيديّاً واستظهاره ذلك من شعره فأحسب أنّها فتوى مجرَّدة فإنّه لم يدعمها. بدليل، وشعره الذي ذكره هو وغيره خالٍ من أيِّ ظهورٍ ادَّعاه، وإليك نبذاً ممّا وقفنا عليه في


المذهب. قال في قصيدة يمدح بها عليّاً أمير المؤمنين عليه السلام:

وأخي حبيبي حبيب الله لا كذب

وابناه للمصطفى المستخلص ابنانِ

صلّى إلى القبلتين المقتدى بهما

والنّاس عن ذاك في صمّ وعميانِ

ما مثل زوجته أُخرى يُقاس بها

ولا يَقاس على سبطيه سبطانِ

فمضمر الحبِّ في نور يخصُّ به

ومضمر البغض مخصوصٌ بنيرانِ

هذا غداً مالكٌ في النّار يملكه

وذاك رضوان يلقاهُ برضوانِ

رُدَّت له الشمس في أفلاكها فقضى

صلاته غير ما ساهٍ ولا وانِ

أليس مَن حلَّ منه في اُخوَّته

محلَّ هارون من موسى بن عمرانِ؟!

وشافع الملك الرّاجي شفاعته

إذ جاءه ملَكٌ في خلق ثعبانِ

قال النبيُّ له: أشقى البريّة يا

عليُّ إذ ذكر الأشقى شقيّانِ

هذا عصى صالحاً في عقر ناقته

وذاك فيك سيلقاني بعصيانِ

ليخضبن هذه مِن ذا أبا حسن

في حين يخضبها من أحمر قانِ

ويرثي فيها أمير المؤمنين وولده السبط الشهيد بقوله:

نعم الشهيدان ربّ العرش يشهد لي

والخلق أنَّهما نعم الشهيدانِ

مَن ذا يُعزّي النبيَّ المصطفى بهما

من ذا يُعزّيه من قاصٍ ومن دانِ؟

مَن ذا لفاطمة اللهفاء ينبئها

عن بعلها وابنها إنباء لهفانِ؟

من قابض النفس في المحراب منتصباً

وقابض النفس في الهيجاء عطشانِ؟

نجمان في الأرض بل بدران قد أفلا

نِعَم وشمسان إمّا قلت شمسانِ

سيفان يغمد سيف الحرب إن برزا

وفي يمينيهما لِلحرب سيفانِ

وله يرثي الإمام السبط الشهيد عليه السلام(١) :

يا خير مَن لبس النبـ

ـوَّة من جميع الأنبياءِ

وجدي على سبطيك وجـ

ـدٌ ليس يؤذن بانقضاءِ

هذا قتيل الأشقيا

ءِ وذا قتيل الأدعياءِ

يوم الحسين هرقت دمـ

ـع الأرض بل دمع السماءِ

_____________________

١ - ج ٢ ص ٢٣٢ من مناقب إبن شهر آشوب.


يوم الحسين تركت با

ب العزّ مهجور الفناءِ

يا كربلاء خُلقتِ من

كربٍ عليَّ ومن بلاءِ

كم فيكِ من وجه تشرّ

ب ماؤه ماء البهاءِ

نفسي فداء المصطلي نار

الوغى أيَّ اصطلاءِ

حيث الأسنَّة في الجوا

شن كالكواكب في السّماءِ

فاختار درع الصبر حيـ

ـث الصبر من لبس السناءِ

وأبى إباء الأُسد إنَّ

الأُسد صادقةُ الإباءِ

وقضى كريماً إذ قضى

ظمآن في نَفَر ظماءِ

منعوه طعم الماء لا

وجدوا لماء طعم ماءِ

مَن ذا لمعفور الجوا

د ممال أعواد الخباءِ؟

مَن لِلطريح الشلو عر

ياناً مُخلّى بالعراءِ؟

مَن للمحنَّط بالترا

ـب ولِلمغسَّل بالدماءِ؟

مَن لابن فاطمة المغيَّـ

ـب عن عيون الأولياءِ؟

ويؤكِّد ما ذكرنا للمترجم من المذهب شدَّة الصلة بينه وبين كشاجم المسلّم تشيّعه، وتؤكّد المواخاة بينهما كما ستقف عليه في ترجمة كشاجم، ويُعرب عن الولاء الخالص بينهما قول كشاجم في الثناء عليه:

لي من أبي بكر أخي ثقة

لم استرب بإخائه قطْ

ما حال في قرب ولا بعدٍ

سيّان فيه الثوب والشطْ

جسمان والروحان واحدةٌ

كالنقطتين حواهما خطْ

فإذا افتقرتُ فلي به جدةٌ

وإذا اغتربتُ فلي به رهطْ

ذاكره أو حاوله مختبراً

تر منه بحراً ما له شطْ

في نعمةٍ منه جلبت بها

لا الشيب يبلغها ولا القرطْ

وبدلة بيضاء ضافية

مثل الملاءة حاكها القبطْ

متذلّل سهل خلايقه

وعلى عدوِّ صديقه سلطْ

ونتاج مغناه متمِّمةٌ

ونتاج مغنى غيره سقطْ


وجنان آداب مثمرة

ما شأنها أثلٌ ولا خمطْ

وتواضع يزداد فيه علاً

والحرُّ يعلو حين ينحطْ

وإذا أمرؤٌ شيبت خلائقه

غدراً فما في ودِّه خلطْ

وقصيدته الأُخرى وقد كتبها إليه:

ألا أبلغ أبا بكر

مقالاً من أخٍ برِّ

يُناديك بإخلاصٍ

وإن ناداك من عقرِ

أظنُّ الدَّهر أعداك

فأخلدت إلى الغدر

فما ترغب في وصلٍ

ولا تعرض من هجرِ

ولا تخطرني منك

على بال من الذِّكرِ

أتنسى زمناً كنّا

به كالماء في الخمرِ؟!

أليفين حليفين

على الايسار والعسرِ

مكبَّين على اللذّا

ت في الصحو وفي السّكرِ

ترى في فَلَك الآدا

ب كالشمس وكالبدرِ

كما ألّفت الحكمـ

ـة بين العود والزمرِ

فألهتك بساتينك

ذات النَوْر والزهرِ

وما شيَّدت للخلو

ة من دارٍ ومن قصرِ

[القصيدة]

كان المترجم يسكن حلب دمشق وبها أنشد شعره ورواه عنه أبو الحسن محمَّد ابن أحمد بن جميع الغسّاني كما في أنساب السمعاني، وتوفّي في سنة ٣٣٤ كما أرَّخه صاحب «شذرات الذهب» وغيره.

وعدَّه إبن كثير في تاريخه ١١ ص ١١٩ ممَّن توفّي في حدود الثلمائة، وهذا بعيدٌ عن الصحَّة جدّاً من وجوه، منها: أنَّه اجتمع(١) مع أبي الطيِّب المتنبِّي بعد ما نظم القريض وقد ولد بالكوفة سنة ٣٠٣. ومنها: مدحه سيف الدولة الحمداني وقد ولد سنة ٣٠٣.

أعقب المترجَم ولده أبا علي الحسين، حكى إبن الجنّي(٢) قال حدَّثني أبو علي

_____________________

١ - عمدة ابن رشيق ١ ص ٨٣.

٢ - كما في يتيمة الدهر ج ١ ص ٩٧.


الحسين بن أحمد الصنوبري قال: خرجت من حلب أُريد سيف الدولة فلمّا برزت من الصور إذا أنا بفارس متلثَّم قد أهوى نحوي برمح طويل، وسدَّده إلى صدري، فكدت أطرح نفسي عن الدابَّة فرِقاً، فلمّا قرب منّي ثنى السنان وحسر لثامه فإذا المتنبّي (الشاعر المعروف) وأنشدني:

نثرنا رؤوساً بالأُحيدب منهمُ

كما نُثرت فوق العروس الدراهمُ

ثمَّ قال: كيف ترى هذا القول؟ أحسن هو؟ فقلت له: ويحك قد قتلتني يا رجل؟ قال إبن جني: فحكيت أنا هذه الحكاية بمدينة السّلام لأبي الطيِّب فعرفها وضحك لها.

وتوفِّيت للصنوبري بنت في حياته رثاها زميله [كشاجم] وعزّاه بقوله:

أتأسى يا أبا بكر

لموت الحرَّة البكرِ

وقد زوَّجتها قبراً

وما كالقبر من صهرِ

وعوَّضت بها الأجر

وما للأجر من مهرِ

زفافٌ أُهديت فيه

من الخدر إلى القبرِ

فتاةٌ أسبل الله

عليها أسبغ السترِ

ورده أشبه النعم

ـة في الموقع والقدرِ

وقد يختار في المكرو

ه للعبد وما يدري

فقابل نعمة الله الَّـ

ـتي أولاك بالشكرِ

وعزِّ النفس ممّا فا

ت بالتسليم والصبرِ

وكتب المترجَم على كلِّ جانب من جوانب قبَّة قبرها الستَّة بيتين توجد الأبيات في تاريخ إبن عساكر ١ ص ٤٥٦، ٤٥٧.

حكاية

حدَّث المترجَم له أبو بكر أحمد بن محمَّد الصنوبري قال: كان بالرُّها(١) ورّاقٌ يُقال له: سعد. وكان في دكّانه مجلس كلِّ أديب، وكان حسن الأدب والفهم،

_____________________

م (١) الرهاء بضم أوله والمد والقصر: مدينة بين الموصل والشام، استحدثها الرهاء بن البلندي فسميت باسمه.


يعمل شعراً رقيقاً، وما كنّا نفارق دكّانه أنا وأبو بكر المعوج الشامي الشاعر وغيرنا من شعراء الشام وديار مصر، وكان لتاجر بالرُّها نصرانيّ من كبار تجّارها إبنٌ إسمه عيسى من أحسن الناس وجهاً، وأحلاهم قدّاً، وأظرفهم طبعاً ومنطقاً، وكان يجلس إلينا ويكتب عنّا أشعارنا وجميعنا يحبّه، ويميل إليه، وهو حينئذ صبيٌّ في الكتّاب فعشقه سعد الورّاق عشقاً مبرحاً ويعمل فيه الأشعار، فمن ذلك وقد جلس عنده في دكّانه قوله:

إجعل فؤادي دواةً والمداد دمي

وهاك فابر عظامي موضع القلمِ

وصيِّر اللوح وجهي وامحه بيد

فإنَّ ذلك برءٌ لي من السَّقمِ

ترى المعلّم لا يدري بمن كلفي

وأنت أشهر في الصِّبيان من علَمِ

ثمَّ شاع بعشق الغلام في الرُّها خبره، فلمّا كبر وشارف الائتلاف أحبَّ الرهبنة وخاطب أباه وأُمَّه في ذلك، وألحَّ عليهما حتّى أجاباه وخرجا به إلى «دير زكّي» بنواحي الرقَّة(١) وهو في نهاية حسنه فابتاعا له قلاية ودفعا إلى رأس الدير جملة من المال عنها فأقام الغلام فيها وضاقت على سعد الورّاق الدنيا بما رحبت، وأغلق دكّانه، وهجر إخوانه، ولزم الدير مع الغلام، وسعد في خلال ذلك يعمل فيه الأشعار، فممّا عمل فيه وهو في الدير والغلام قد عمل شمّاساً(٢) .

يا حِمَّةً قد علت غصناً من البانِ

كأنَّ أطرافها أطراف ريحانِ

قد قايسوا الشمس بالشماس فاعترفوا

بأنَّما الشمس والشمّاس سيّانِ

فقل لعيسى: بعيسى كم هراق دماً

إنسان عينك من عين لانسانِ؟!

ثمَّ إنَّ الرهبان أنكروا على الغلام كثرة إلمام سعد به ونهوه عنه وحرموه أن أدخله وتوعَّدوه بإخراجه من الدير إن لم يفعل، فأجابهم إلى ما سألوه من ذلك، فلمّا رأى سعد امتناعه منه شقَّ عليه، وخضع للرّهبان ورفق بهم ولم يجيبوه وقالوا: في هذا علينا إثمٌ وعارٌ ونخاف السلطان، فكان إذا وافى الدير أغلقوا الباب في، وجهه، ولم يدعوا الغلام يُكلّمه، فاشتدَّ وجده، وازداد عشقه، حتّى صار إلى الجنون

_____________________

١ - الرقة كل أرض منبسط جانب الوادي يعلوها الماء وقت المد. ولا يظن أن الرقة البلد الذي على شاطئ الفرات فإن الرها بين الموصل والشام.

٢ - الكلمة سريانية معناها: الخادم.


فخرق ثيابه وانصرف إلى داره فضرب جميع ما فيها بالنار، ولزم صحراء الدير وهو عريانٌ يهيم، ويعمل الأشعار ويبكي.

قال أبو بكر الصنوبري: ثمَّ عبرت يوماً أنا والمعوج من بستان بتنا فيه فرأيناه جالساً في ظلِّ الدير وهو عريانٌ وقد طال شعره، وتغيَّرت خلقته، فسلّمنا عليه وعذلناه وعتبناه، فقال: دعاني من هذا الوسواس أتريان ذلك الطائر على هيكل؟ وأومأ بيده إلى طائر هناك فقلنا: نعم. فقال: أنا وحقِّكما يا أخويَّ أُناشده منذ الغداة أن يسقط فأُحمِّله رسالةً إلى عيسى. ثمَّ التفت إليَّ وقال: يا صنوبريُّ معك ألواحك؟ قلت: نعم. قال: اكتب:

بدينك يا حمامة دير زكّى

وبالأنجيل عندك والصليبِ

قفي وتحمَّلي عنِّي سلاماً

إلى قمر على غصنٍ رطيب

حماه جماعة الرُّهبان عنّي

فقلبي ما يقرُّ من الوجيبِ

عليه مسوحه(١) وأضاء فيها

وكان البدر في حُلل المغيبِ

وقالوا: رابنا إلمام سعد

ولا والله ما أنا بالمريبِ

وقولي: سعدك المسكين يشكو

لهيب جوّى أحرُّ من اللهيبِ

فصله بنظرةٍ لك من بعيدٍ

إذا ما كنت تمنع من قريبِ

وإن أنامتُّ فاكتب حول قبري

محبٌّ مات من هجر الحبيبِ

رقيبٌ واحدٌ تنغيص عيشٍ

فكيف بمن له ألفا رقيبِ

ثمَّ تركنا وقام يعدو إلى باب الدير وهو مغلقٌ دونه، وانصرفنا عنه وما زال كذلك زماناً، ثمَّ وُجد في بعض الأيّام ميتاً إلى جانب الدير، وكان أمير البلد يومئذ العبّاس بن كيغلغ فلمّا اتَّصل ذلك به وبأهل الرُّها خرجوا إلى الدير، وقالوا ما قتله غير الرهبان. وقال لهم إبن كيغلغ: لا بدَّ من ضرب رقبة الغلام وإحراقه بالنّار، ولا بدَّ من تعزير جميع الرُّهبان بالسياط، وتعصَّب في ذلك فافتدى النصارى نفوسهم وديرهم بمائة ألف درهم(٢) .

_____________________

١ - المسوح: ما يلبس من نسيج الشعر تقشعاً وقهراً للبدن جمع مسح بكسر الميم.

٢ - توجد ملخصة في تزيين الأسواق ص ١٧٠.


القرن الرابع

١٩

القاضي التنوخي

المولود ٢٧٨

المتوفّى ٣٤٢

مِن إبن رسول الله وابن وصيِّة

إلى مدغل في عقبة الدين ناصبِ

نشأ بين طُنبور وزقٍّ ومزهر

وفي حجر شادٍ أو على صدر ضاربِ

ومن ظهر سكران إلى بطن قينةٍ

على شُبه في ملكها وشوائبِ

يَعيب عليّاً خير من وطأ الحصى

وأكرم سارٍ في الأنام وساربِ

ويُزري على السبطين سبطي محمَّد

فقل في حضيض رام نيل الكواكبِ

وينسب أفعال القراميط كاذباً

إلى عترة الهادي الكرام الأطائبِ

إلى معشرٍ لا يبرح الذمُّ بينهم

ولا تزدري أعراضهم بالمعائبِ

إذا ما انتدوا كانوا شموس بيوتهم

وإن ركبوا كانوا شموس المواكبِ

وإن عبسوا يوم الوغى ضحك الرَّدى

وإن ضحكوا أبكوا عيون النَّوادبِ

نشوا بين جبريل وبين «محمَّد»

وبين «عليّ» خير ماشٍ وراكبِ

وزير النبيِّ المصطفى ووصيّه

ومُشبهه في شيمةٍ وضرائبِ

ومَن قال في يوم «الغدير» محمَّد

وقد خاف من غدر العداة النواصبِ

: أما إنَّني أولى بكم من نفوسكم

فقالوا: بلى قول المريب المواربِ

فقال لهم: مَن كنت مولاه منكمُ

فهذا أخي مولاه بعدي وصاحبي

أطيعوه طرّاً فهو منّي بمنزلٍ

كهارون من موسى الكليم المخاطبِ

[القصيدة ٨٣ بيتاً]


*(ما يتبع الشعر) *

كان عبد الله بن المعتزّ العبّاسي المتوفّى سنة ٢٩٦ ممَّن ينصب العدا للطالبيِّين، ويتحرّى الوقيعة فيهم بما ينمُّ عن سوء سريرته، ويشفُّ عن خبث طينته، وكثيراً ما كان يفرغ ما ينفجر به بُركان ضغاينه في قوالب شعريَّة، فجائت من ذلك قصايد خلّدت له السوءة والعار، ولقد تصدّى غير واحد من الشعراء لنقض حججه الداحضة منهم: الأمير أبو فراس الآتي ذكره وترجمته، غير أنَّه أربى بنفسه الأبيَّة عن أن تقابل ذلك الرِّجس بالموافقة في البحر والقافية، فصاغ قصيدته الذهبيَّة الخالدة الميميَّة، ينصر فيها العلويِّين، وينال من مناوئيهم العبّاسيّين، ويوعز إلى فضائحهم وطامّاتهم التي لا تُحصى.

ومنهم: تميم بن معد الفاطمي المولود ٢٣٧ والمتوفّى ٣٧٤، ردَّ على قصيدة إبن المعتزّ الرائيَّة أوّلها.

أيَّ ربع لآل هند مدارِ؟

....................................

وأوَّل قصيدة إبن معد:

يا بني هاشمٍ ولسنا سواء

في صغار من العلى وكبارِ

ومنهم: إبن المنجِّم. وأبو محمَّد المنصور بالله المتوفّى ٦١٤ - الآتي ذكره في شعراء القرن السابع - ومنهم: صفيُّ الدين الحلي المتوفّى ٧٥٢ فقد ردَّ عليه ببائيَّته الرنّانة المنشورة في ديوانه المذكورة في ترجمته الآتية في شعراء القرن الثامن.

ومنهم: القاضي التنوخي المترجَم له فقد نظم هذه القصيدة التي ذكرنا منها شطراً ردّاً عليه، وهي مذكورةٌ في كتاب «الحدائق الورديَّة» ٨٣ بيتاً، وأحسبها كما في غير واحد من المجاميع المخطوطة أنَّها تمام القصيدة، وذُكرت في «مطلع البدور» ٧٤ بيتاً، وذكر منها اليماني في «نسمة السحر» ٤٨ بيتاً، والحموي ١٤ بيتاً في «معجم الأُدباء» ج ١٤ ص ١٨١ وقال: كان عبد الله بن المعتز قد قال قصيدةً يفتخر فيها ببني العبّاس على بني أبي طالب أوَّلها:

أبى الله إلّا ما ترون فما لكم

غضاباً على الأقدار يا آل طالب؟!

فأجابه أبو القاسم التنوخي بقصيدة نحلها بعض العلويِّين وهي مثبتةٌ في ديوانه أوَّلها:


مِن ابن رسول الله وابن وصيِّه

إلى مدغلٍ في عقدة الدين ناصبِ

نشأ بين طنبور ودفٍّ ومزهرٍ

وفي هجر شادٍ أو على صدر ضاربِ

ومن ظهر سَكرانٍ إلى بطن قينةٍ

على شُبه في ملكها وشوائبِ

يقول فيها:

وقلت: بنو حرب كسوكم عمائماً

من الضرب في الهامات حمر الذوائبِ

صدقتَ منايانا السيوف وإنَّما

تموتون فوق الفرش موت الكواعبِ

ونحن الأولى لا يسرح الذمُّ بيننا

ولا تدَّري أعراضنا بالمعايبِ

إذا ما انتدوا كانوا شموس نديِّهم

وإن ركبوا كانوا بدور الركائبِ

وإن عبسوا يوم الوغى ضحك الرَّدى

وإن ضحكوا بكّوا عيون النوائبِ

وما للغواني والوغى فتعوَّدوا

بقرع المثاني من قراع الكتائبِ

ويوم حنين قلت: حزنا فخاره

ولو كان يدري عدَّها في المثالبِ

أبوه منادٍ والوصيُّ مضاربٌ(١)

فقل في منادٍ صيِّتٍ ومضاربِ

وجأتم مع الأولاد تبغون إرثه

فابعد بمحجوب بحاجب حاجبِ

وقلتم: نهضنا ثائرين شعارنا

بثارات زيد الخير عند التحاربِ

فهلّا بإبراهيم كان شعاركم

فترجع دعواكم تعلّة(٢) خائبِ

ورواها عماد الدين الطبري في الجزء العاشر من كتابه [بشارة المصطفى لشيعة المرتضى] وقال: حدَّثنا الحسين بن أبي القاسم التميمي، قال: أخبرنا أبو سعيد السجستاني، قال أنبأنا القاضي إبن القاضي أبو القاسم عليُّ بن المحسن بن عليِّ التنوخي ببغداد، قال: أنشدني أبي أبو عليّ المحسن، قال: أنشدني أبي أبو القاسم عليُّ بن محمَّد إبن أبي الفهم التنوخي لنفسه من قصيدةٍ:

ومن قال في يوم «الغدير» محمَّدٌ

وقد خاف من غدر العداة النواصبِ

: أما أنا أولى منكمُ بنفوسكم

فقالوا: بلى قول المريب المواربِ

فقال لهم: مَن كنت مولاه منكمُ

فهذا أخي مولاه فيكم وصاحبي

_____________________

١ - يريد العبّاس وعلياً أمير المؤمنين عليه السلام.

٢ - أي تعلل.


أطيعوه طرّاً فهو منّي كمنزلٍ

لَهارون من موسى الكليم المخاطبِ

فقولا له: إن كنت من آل هاشم

فما كلُّ نجم في السَّماء بثاقبِ

وروى القصيدة وأنَّها في ردِّ عبد الله بن المعتز صاحب تاريخ طبرستان ص ١٠٠ بهاء الدين محمَّد بن حسن وذكر منها خمسة عشر بيتاً ومنها:

فكم مثل زيد قد أبادت سيوفكم

بلا سببٍ غير الظنون الكواذبِ

أما حمل المنصور من أرض يثربِ

بدور هدًى تجلو ظلام الغياهبِ؟

وقطَّعتمُ بالبغي يوم محمَّد

قرائن أرحام له وقرائبِ

وفي أرض باخمرا مصابيح قد ثوت

مترَّبة الهامات حمر الترائب

وغادر هاديكم بفخّ طوائفاً

يُغاديهمُ بالقاع بقع النواعبِ

وهارونكم أودى بغير جريرةٍ

نجوم تُقىً مثل النجوم الثواقبِ

ومأمونكم سمَّ الرِّضا بعد بيعةٍ

تودّ ذرى شمِّ الجبال الرَّواسبِ

فهذا جوابٌ للذي قال: مالكم

غضاباً على الأقدار يا آل طالبِ؟

*( الشاعر ) *

أبو القاسم التنوخي عليُّ بن محمّد بن أبي الفهم داود بن إبراهيم بن تميم بن جابر ابن هاني بن زيد بن عبيد بن مالك بن مريط بن سرح بن نزار بن عمرو بن الحرث ابن صبح بن عمرو بن الحرث بن عمرو بن الحارث بن عمرو [ملك تنوخ] بن فهم بن تيم الله [وهو تنوخ] ابن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ملك بن حمير بن سبا بن سحت بن يعرب بن قحطان بن غابن بن شالح بن الشحد ابن سام بن نوح النبيّ عليه السلام(١)

من أغزر عيالم العلم، ومُلتقى الفضايل، ومُجتمع الفنون المتنوِّعة، مشاركاً في علوم كثيرةٍ، مقدَّما في الكلام، متضلّعاً في الفقه والفرايض، حافظاً في الحديث، قدوةً في الشعر والأدب، بصيراً بعلم النجوم والهيئة، خبيراً بالشروط والحاضر والسجلّات،

_____________________

١ - النسب ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه نقلاً عن حفيد المترجم أبي القاسم ابن المحسن إلى قضاعة، وذكر بعده السمعاني في «الأنساب» وإلى قضاعة بين الكتابين اختلاف في بعض الأسماء.


استاذاً في المنطق، مُتبحِّراً في النحو، واقفاً على اللغة، معلّماً في القوافي، عبقرياً في العروض، وكما أنَّه من أعيان العلم فهو مفردٌ في الكرم وحسن الشيم، فذٌّ في الظرف والفكاهة، دمث الخلايق، لين الجانب.

ولادته ونشأته

وُلد بأنطاكيَّة يوم الأحد لأربع ليال بقين من ذي الحجَّة سنة ٢٧٨ ونشأ بها حتى غادرها في حداثته سنة ستٍّ وثلثمائة إلى بغداد، وتفقَّه بها على مذهب أبي حنيفة، وسمع الحديث من الحسن بن أحمد بن حبيب الكرماني صاحب «مسدَّد». وأحمد ابن خليل الحلبي صاحب أبي اليمان الحمصي. وأحمد بن محمّد بن أبي موسى الأنطاكي. و أنس بن سالم الخولاني. والحسن بن أحمد بن إبراهيم بن فيل. والفضل بن محمّد العطار الأنطاكيِّين. والحسين بن عبد الله القطّان الرقّي. وأحمد بن عبد الله بن زياد الجبلي. ومحمّد بن حصن بن خالد الآلوسي الطرسوسي. والحسن بن الطيِّب الشجاعي. وعمر بن أبي غيلان الثقفي. وأبي بكر بن محمّد بن محمّد الباغندي. وحامد بن محمّد ابن صعيب البلخي. وأبي القاسم البغوي. وأبي بكر بن أبي داود. وقرأ في النجوم على البنّائي المنجِّم صاحب الزيج.

يروي عنه أبو حفص بن الآجري البغداديّ، وأبو القاسم بن الثلّاج(١) البغدادي، وعمر بن أحمد بن محمّد المقري، وابنه أبو عليّ المحسن التنوخي.

وأوَّل مَن قلّده القضاء بعسكر مكرم وتُستر وجندي سابور في أيّام المقتدر بالله الخليفة الذي ولي الخلافة من سنة ٢٩٥ حتّى قتل سنة ٣٢٠. من قبل القاضي أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي، وكتبه له أبو علي إبن مقلة وكان ذلك سنة ٣١٠ في السنة الثانية والثلاثين من عمره، ثمَّ تقلّد القضاء بالأهواز وكورة واسط وأعمالها والكوفة وسقي الفرات، وعدَّة نواح من الثغور الشاميَّة، وأرَّجان وكورة سابور مجتمعاً ومفترقاً، وتولّى قضاء أيذج وجند حمص من قِبل المطيع لله الذي ولي الخلافة سنة ٣٣٤، وكان المطيع لله قد عوَّل علي أبي السائب عن قضاء القضاة وتقليده إيّاه فأفسد ذلك بعض أعدائه، وكان إبن مقلة قلّده المظالم بالأهواز، واستخلفه

_____________________

١ - الفلاح. في أنساب السمعاني.


أبو عبد الله البريدي بواسط على بعض أمور النظر، وقال الثعالبي: كان يتقلّد قضاء البصرة والأهواز بضع سنين، وحين صرف عنه ورد حضرة سيف الدولة زائراً ومادحاً فأكرم مثواه وأحسن قراه، وكتب في معناه إلى الحضرة ببغداد حتّى أُعيد إلى عمله، وزيد في رزقه ورتبته؛ وكان المهلّبي الوزير وغيره من رؤساء العراق يميلون إليه جدّاً، ويتعصَّبون له ويعدّونه ريحانة الندماء، وتاريخ الظرفاء، ويُعاشرون منه من تطيّب عشرته، وتكرُّم أخلاقه، وتحسّن أخباره.

حديث حفظه وذكائه

كان المترجم آيةً في الحفظ والذكاء، قال ولده القاضي أبو علي المحسن في «نشوار المحاضرة» ص ١٧٦: حدَّثني أبي قال: سمعت أبي ينشد يوماً وسنّي إذ ذاك خمس عشرة سنة بعض قصيدة دعبل الطويلة التي يفتخر فيها باليمن ويعدِّد مناقبهم ويردُّ على الكميت مناقبه بنزار أوَّلها:

أفيقي من ملامك يا ظعينا

كفاني اللوم مرُّ الأربعينا

وهي نحو ستمائة بيت فاشتهيت حفظها لما فيها من مفاخر اليمن وأهلي فقلت: يا سيِّدي تُخرجها إليَّ حتّى أحفظها، فدافعني فألحت عليه فقال: كأنّي بك تأخذها فتحفظ منها خمسين بيتاً أو مائة بيت ثمَّ ترمي بالكتاب وتخلقه عليَّ. فقلت: إدفعها إليِّ. فأخرجها وسلّمها إليَّ وقد كان كلامه أثَّر فيَّ فدخلت حجرةً كانت برسمي من داره فخلوت فيها ولم أتشاغل يومي وليلتي بشيءٍ غير حفظها فلمّا كان في السحر كنت قد فرغت من جميعها وأتقنتها فخرجت إليه غدوةً على رسمي فجلست بين يديه فقال: هي، كم حفظت من القصيدة؟ فقلت: قد حفظتها بأسرها. فغضب وقد رآني قد كذبته وقال لي: هاتها، فأخرجت الدفتر من كمِّي فأخذه وفتحه ونظر فيه وأنا أنشد إلى أن مضيت في أكثر من مائة بيت فصفح منها عدة أوراق وقال: أنشد من هيهنا. فأنشدت مقدار مائة بيت إلى آخرها، فهاله ما رآه من حسن حفظي فضمَّني إليه وقبَّل رأسي وعيني وقال: بالله يا بُنيَّ لا تخبر بها أحداً فإنّي أخاف عليك من العين. وذكر إبن كثير هذه القصَّة ملخَّصاً في تاريخه ١١ ص ٢٢٧.


وقال أبو علي أيضاً: حفَّظني أبي وحفظت بعده من شعره أبي تمام والبحتري سوى ما كنت أحفظ لغيرهما من المحدثين والقدماء مائتي قصيدة قال: وكان أبي وشيوخنا بالشام يقولون: مَن حفظ للطائيِّين أربعين قصيدة ولم يقل الشعر فهو حمار في مسلاخ إنسان، فقلت الشعر وسنّي دون العشرين، وبدأت بعمل مقصورتي التي أوَّلها:

لولا التناهي لم أطع نهي النُهى

أيّ مدى يطلب مَن حاز المدى

وقال أبو علي: كان أبي يحفظ للطائيِّين سبعمائة قصيدة ومقطوعة سوى ما يحفظ لغيرهم من المحدثين والمخضرمين والجاهليِّين؛ ولقد رأيت له دفتراً بخطِّه هو عندي يحتوي على رؤس ما يحفظه من القصايد مأتين وثلاثين ورقة أثمان منصوري لطاف، وكان يحفظ من النحو واللغة شيئاً عظيماً من ذلك [إلى أن قال]: وكان مع ذلك يحفظ ويجيب فيما يفوق عشرين ألف حديث، وما رأيت أحداً أحفظ منه، ولولا أنَّ حفظه افترق في جميع هذه العلوم لكان أمراً هائلاً.

تآليفه

إنَّ تضلّع المترجم في العلوم الجمَّة، وشهرته الطايلة في جلِّ الفنون النقليَّة والعقليَّة والرياضية، وتجوُّله في الأقطار والأمصار، تستدعي وجود تآليف له قيِّمة، كما قال ولده أبو علي: إنَّ له في علم العروض والفقه وغيرهما عدَّة كتب مصنَّفة، وقال الحموي: إنَّ له تصانيف في الأدب منها: كتابٌ في العروض، قال الخالع: ما عمل في العروض أجود منه. وكتاب علم القوافي. وذكر السَّمعاني واليافعي وابن حجر وصاحب الشذرات له ديوان شعر، واختار منه الثعالبي ما ذكر من شعره، وسمعت فيما يتبع شعره في «الغدير» نقل الحموي عن ديوانه بائيَّته كغيرها، وذكر المسعودي له قصيدته [المقصورة] التي عارض بها إبن دريد يمدح فيها تنوخ وقومه من قضاعة أوَّلها:

لولا انتهائي لم أطع نهي النُهى

مدى الصبا نطلب مَن حاز المدى

إن كنت أقصرتُ فما أقصر قلـ

ـبٌ دامياً ترميه ألحاظ الدمى

ومقلةٌ إن مقلت أهل الفضا

أغضت وفي أجفانها جمر الغضا

وفيها يقول:


وكم ظباء رعيها ألحاظها

أسرع في الأنفس من حدِّ الظبى

أسرع من حرف إلى جرٍّ ومن

حبٍّ إلى حبَّة قلبٍ وحشى

قضاعةٌ من ملك بن حمير

ما بعده للمرتقين مرتقا

وقال أبو علي في «نشوار المحاضرة»: إنَّ ما ضاع من شعره أكثر ممّا حُفظ. ا ه. غير أنَّ هذه الكتب قد عصفت عليها عواصف الضياع كما أنَّ التصدِّي لمنصب القضاء عاقه الإكثار عن التآليف على قدر غزارة علمه.

مذهبه

من العويص جدّاً البحث والتنقيب عن مذهب مَن نشأ في مثل القرن الثالث والرابع عصر التحزُّب للآراء والنزعات، عصر تشتّت الإعتقادات، عصر تكثّر النحل، وتوفّر الدواعي على انتحال الرَّجل لِما يُخالف عقده القلبي، وتظاهره بما لا يظهره سرُّ جنانه، وقد قضت الأيّام، ومرَّت الأعوام على آثارهم، ونتايج أفكارهم ممّا كان يُمكننا منه استظهار المعتقدات، وحكم الدهر على منشور فلتات ألسن كانت تُعرب عن مكنون الضماير، وتقرأ علينا دروس الحقيقة من جانب مذهب الغابرين.

وإضطراب كلمات أرباب المعاجم حول مذهب شاعرنا التنوخي وولده أبي علي منذ عهدهم إلى اليوم ينمُّ عن أنَّهم كانوا يخفون مختارهم من المذهب، وكانوا يظهرون في كلِّ صقع وناحية نزلوا ما يلايم مذهب أهليها، فقال الخطيب البغدادي في تاريخه، والسمعاني في أنسابه، وإبن كثير في تاريخه، وصاحب شذرات الذهب، والسيِّد العبّاسي في المعاهد، وشيخنا أبو الحسن الشريف في ضياء العالمين: إنَّ المترجم تفقَّه على مذهب أبي حنيفة. ونصَّ اليافعي في مرآة الجنان، والذهبي في ميزان الإعتدال، والسيوطي في البغية، وأبو الحسنات في الفوائد البهيَّة، بأنَّه حنفيُّ المذهب. وقال الخطيب البغدادي في تاريخه، والسمعاني في أنسابه: إنّه كان يعرف الكلام في الأُصول على مذهب المعتزلة، وفي كامل إبن الأثير: كان عالماً بأُصول المعتزلة. وفي لسان الميزان: إنَّه يُرمى بالإعتزال، وعدَّه سيِّدنا القاضي في مجالس المؤمنين من قضاة الشيعة، وبذلك نصَّ صاحب مطلع البدور، ونقل صاحب نسمة السحر عن المسوري اليمني: إنَّه كان معتزليَّ


الأُصول متشيِّعاً جدّاً حنفيَّ المذهب.

والذي يجمع بين هذه الشتات أنَّ الرجل كان معتزليَّ الأُصول، وحنفيَّ الفروع، زيديَّ المذهب، ويؤكِّد مذهبه هذا ما ذكره معاصره المسعودي في «مروج الذهب» ج ٢ ص ٥١٩ من قوله: إنَّه في وقتنا هذا وهو سنة إثنتين وثلاثين وثلثمائة بالبصرة في جملة الزيديِّين(١) وقصيدته البائيَّة الّتي ذكرنا شطراً منها ترجِّح كفَّة التشيّع في ميزانه، كما أنَّ غير واحد من قضايا ذكرها ولده أبو علي في كتابه [الفرج بعد الشدَّة] نقلاً عن المترجم يوذن بذلك.

وفاته

توفّي في عصر يوم الثلاثا لسبع خلون من شهر ربيع الأوَّل سنة ٣٤٢ بالبصرة ودفن من الغد في تربة اشتريت له بشارع المربد، قال ولده أبو علي في «نشوار المحاضرة»: وفيما شاهدناه من صحَّة أحكام النجوم كفاية، هذا أبي حوَّل مولد نفسه في السَّنة التي مات فيها وقال لنا: هذه سنةٌ قطع عليَّ مذهب المنجِّمين. وكتب بذلك إلى بغداد إلى أبي الحسن البهلول القاضي صهره ينعي نفسه ويوصيه، فلمّا اعتلَّ أدنى علّة وقبل أن تستحكم علّته أخرج التحويل ونظر فيه طويلاً وأنا حاضرٌ فبكى ثمَّ أطبقه واستدعى كاتبه وأملى عليه وصيَّته التي مات عنها وأشهد فيها من يومه، فجاء أبو القاسم غلام زُحل المنجِّم، فأخذ يطيب نفسه، ويورد عليه شكوكاً، فقال له: يا أبا القاسم؟ لستُ ممَّن تخفى عليه فأنسبك إلى غلط، ولا أنا ممَّن يجوز عليه هذا فتستغفلني، وجلس فوافقه على الموضع الذي خافه وأنا حاضرٌ فقال له: دعني من هذا. بيننا شكَّ في أنَّه إذا كان يوم الثلاثا العصر لسبع بقين من الشهر فهو ساعة قطع عندهم فأمسك أبو القاسم غلام زُحل لأنَّه كان خادماً لأبي وبكى طويلاً وقال: يا غلام طست. فجاؤه به فغسل التحويل وقطَّعه وودَّع أبا القاسم توديع مُفارق فلمّا كان في ذلك اليوم العصر مات كما قال.

أخذنا ترجمته من يتيمة الدهر ٢ ص ٣٠٩. نشوار المحاضرة. تاريخ الخطيب البغدادي ١٢ ص ٧٧. تاريخ إبن خلكان ١ ص ٢٨٨. معجم الأُدباء ١٤ ص ١٦٢.

_____________________

١ - في النسخة: اليزيديين. وهو تصحيف واضح.


أنساب السمعاني. فوات الوفيات ٢ ص ٦٨. كامل إبن الأثير ٨ ص ١٦٨. تاريخ إبن كثير ١١ ص ٢٢٧. مرآة الجنان ٢ ص ٣٣٤. لسان الميزان ٤ ص ٢٥٦. معاهد التنصيص ١ ص ١٣٦. شذرات الذهب ٢ ص ٣٤٢. مجالس المؤمنين ص ٢٥٥. الفوائد البهيَّة في تراجم الحنفيَّة ص ١٣٧. مطلع البدور. الحدائق الورديَّة. نسمة السحر ٢. روضات الجنّات ٤٤٧، ٤٧٧. تنقيح المقال ٢ ص ٣٠٢.

قد يوجد الإشتباه في غير واحد من هذه المعاجم كمجالس المؤمنين، ونسمة السحر، وتنقيح المقال بين ترجمة المترجم وبين ترجمة حفيده أبي القاسم عليِّ بن المحسن للإتحاد في الإسم والكنية والشهرة بالتنوخي فوقع الخلط بين الترجمتين. يطلّع عليه الباحث بمعونة ما ذكرناه.

خلف المترجَم على علمه الجمِّ وفضايله الكثيرة ولده أبو علي المحسن بن علي وهو كما قال الثعالبي: هلال ذلك القمر، وغصن هاتيك الشجر، والشاهد العدل بمجد أبيه وفضله، والفرع المشيد لأصله، والنائب عنه في حياته، والقائم مقامه بعد وفاته، وفيه يقول أبو عبد الله إبن الحجّاج [الآتي ذكره]:

إذا ذُكر القُضاة وهم شيوخٌ

تخيَّرت الشباب على الشّيوخ

ومَن لم يرض لم أصفعه إلّا

بحضرة سيِّدي القاضي التنوخي

له كتاب الفرج بعد الشدَّة. ونشوان المحاضرة. والمستجار من فعلات الأجواد. ديوان شعره، وهو أكبر من ديوان أبيه، سمع بالبصرة من مشايخها، ونزل بغداد وحدَّث بها وأوَّل سماعه بالحديث سنة ٣٣٣، وأوَّل ما تقلّد القضاء بالقصر وبابل و وأرباضهما في سنة ٣٤٩، ثمَّ ولّاه المطيع لله بعسكر مكرم وايذج ورامهرمز وتقلّد غيرها أعمالاً كثيرة في شتّى الجهات، وُلد ليلة الأحد لأربع بقين من شهر ربيع الأوَّل سنة ٣٢٧ بالبصرة. وتوفّي ليلة الإثنين لخمس بقين من المحرَّم سنة ٣٨٤ ببغداد و هو في المذهب شبيه أبيه لكن شواهد التشيّع فيه أكثر وأوضح من أبيه.

وأعقب أبو علي المحسن أبا القاسم عليّ خلف أبيه وجدِّه على علمهما الكثار، وأدبهما الغزير، كان يصحب الشريف المرتضى علم الهدى ويلازمه، وكان من خاصَّته، وصحب أبا العلاء المعرّي وأخذ عنه، وكانت بينه وبين الخطيب أبي زكريّا التبريزي


صلة ومؤانسة، وتقلّد قضاء المداين وأعمالها، ودرزنجان؛ والبردان، وقرميسين وغيرها.

يروي عنه الخطيب البغدادي في تاريخه وترجمه وذكر مشايخه، ويروي عنه أبو الغنائم محمَّد بن عليِّ بن الميمون البرسي المعروف بابي، وهو يروي عن أبي الحسن عليِّ بن عيسى الرّماني كما في إجازة العلّامة الحلّي الكبيرة لبني زهرة وعن أبي عبد الله المرزباني المتوفّى ٣٨٤، وأمره في المذهب أوضح من والده وجدِّه، وتشيّعه من المتسالم عليه عند أرباب المعاجم، وُلد في منتصف شعبان سنة ٣٧٠ بالبصرة، وتوفّي ليلة الإثنين ثاني المحرّم سنة ٤٤٧ ودفن بداره بدرب التلِّ.

حدَّث الحموي في «معجم الأُدباء» عن القاضي أبي عبد الله إبن الدامغاني قال: دخلت على القاضي أبي القاسم التنوخي (الصغير) قبل موته بقليل وقد علت سنّه فأخرج إليَّ ولده من جاريته فلمّا رآه بكى فقلت: تعيش إن شاء الله وتربِّية ويقرُّ الله عينك به. فقال: هيهات والله ما يُتربّى إلّا يتيماً وأنشد:

أرى ولد الفتى كلّاً عليه

لقد سعد الذي أمسى عقيما

فإمّا أن يُخلّفه عدوّاً

وإمّا أن يُربِّيه يتيما

ثمَّ قال: أُريد أن تُزوِّجني من أُمِّه - فإنَّني قد اعتقتها - على صداق عشرة دنانير. ففعلت، وكان كما قال تربّى يتيماً، وهو أبو الحسن محمَّد بن عليِّ بن المحسن. قبل القاضي أبو عبد الله شهادته ثمَّ مات سنة أربع وتسعين وأربعمائة وانقرض بيته، بسط القول في ترجمته الحموي في «معجم الأُدباء» ١٤ ص ١١٠ - ١٢٤.


القرن الرابع

٢٠

أبو القاسم الزاهي

المولود ٣١٨

المتوفى ٣٥٢

لا يهتدي إلى الرشاد مًن فَحص

إلّا إذا والى عليّاً وخلصْ

ولا يذوق شربةً من حوضه

من غمس الولا عليه وغمصْ

ولا يشمُّ الرَّوح من جنانه

مَن قال فيه مَن عداه وانتقصْ

نفس النبيِّ المصطفى والصنو والـ

ـخليفة الوارث للعلم بنصّْ

مَن قد أجاب سابقاً دعوته

وهو غلامٌ وإلى الله شخصْ

ما عرف اللّات ولا العزّى ولا

انثنى إليهما ولا حبَّ ونصّْ

مَن ارتقى متن النبيِّ صاعداً

وكسّر الأوثان في أولى الفرصْ

وطهَّر الكعبة مِن رجس بها

ثمَّ هوى للأرض عنها وقمصْ

مَن قد فدا بنفسه محمَّداً

ولم يكن بنفسه عنه حرصْ

وبات من فوق الفراش دونه

وجاد فيما قد غلا وما رخصْ

مَن كان في بدرٍ ويوم أُحد

قطُّ من الأعناق ما شاء وقصّْ

فقال جبريل ونادى: لا فتى

إلّا عليٌّ عمَّ في القول وخصّْ

مَن قدَّ عمرو العامريَّ سيفه

فخرّ كالفيل هوى وما قحصْ

ورآء ما صاح: ألا مبارزٌ

فالتوت الأعناق تشكو من وقصْ(١)

من اُعطي الراية يوم خيبر

من بعدما بها أخو الدعوى نكصْ

وراح فيها مبصراً مستبصراً

وكان أرمداً بعينيه الرمصْ

فاقتلع الباب ونال فتحه

ودكَّ طود مرحبٍ لَمّا قعصْ(٢)

_____________________

١ - وقص العنق: كسرها ودقها.

٢ - قعصه واقعصه: قتله مكانه. أجهز عليه.


مَن كسح البصرة مَن ناكثها

وقصَّ رجل عسكر بما رقصْ

وفرَّق المال وقال: خمسةٌ

لواحد. فساوت الجند الحصصْ

وقال في ذي اليوم يأتي مددٌ

وعدَّه فلم يزد وما نقصْ

ومَن بصفِّين نضا حسامه

ففلق الهام وفرَّق القصصْ(١)

وصدَّ عن عمرو وبُسر كرماً

إذ لقيا بالسوأتين من شخصْ(٢)

ومَن أسال النهروان بالدما

وقطَّع العرق الذي بها رهصْ

وكذَّب القائل أن قد عبروا

وعدَّ من يحصد منهم ويحصْ(٣)

ذاك الذي قد جمع القرآن في

أحكامه للواجبات والرُّخصْ

ذاك الذي آثر في طعامه

على صيامه وجاد بالقُرَصْ

فأنزل الله تعالى هل أتى

وذَكر الجزاء في ذاك وقصّْ(٤)

ذاك الذي استوحش منه أنسٌ

أن يشهد الحقَّ فشاهد البرصْ(٥)

إذ قال: مَن يشهد بالغدير لي

فبادَرَ السامعُ وهو قد نكصْ

فقال: أنسيت. فقال: كاذب

سوف ترى ما لا تُواريه القمصْ

يا بن أبي طالب يا مَن هو مِن

خاتم الأنبياء في الحكمة فُصْ

فضلك لا يُنكر لكن الولا

قد ساغه بعضٌ وبعضٌ فيه غصْ

فذكره عند مواليك شفا

وذكره عند معاديك غُصصْ

كالطير بعضٌ في رياض أزهرت

وابتسم الورَد وبعضٌ في قفسْ

وله في ذكر خلافة أمير المؤمنين عليه السلام وإنَّها له بنصّ حديث الغدير قوله:

قدَّمتُ حيدر لي مولى بتأمير

لَمّا علمت بتنقيبي وتنقيري

إنَّ الخلافة مِن بعد النبيِّ له

كانت بأمر من الرَّحمن مقدورِ

مَن قال أحمد في يوم «الغدير» له

بالنقل في خبرٍ بالصِّدق مأثورِ

_____________________

١ - القص: الصدر أو عظمه.

٢ - مرت قصته عليه السلام مع عمرو وبسر في الجزء الثاني ١٥٨، ١٦٥.

٣ - حص الشيء: قطع عنه.

٤ - أسلفنا نزول هل أتى في العترة الطاهرة وسيدهم في هذا الجزء ص ١٠٧ - ١١١، ٦٩

٥ - مرّ تفصيل قصة أنس في الجزء الأول ص ١٩١.


: قم يا عليُّ فكن بعدي لهم علماً

واسعد بمنقلبٍ في البعث محبورِ

مولاهمُ أنت والموفي بأمرهمُ

نصٌّ بوحي على الأفهام مسطورِ

وذاك إنَّ إله العرش قال له:

بلّغ وكن عند أمري خير مأمورِ

فإن عصيت ولم تفعل فإنَّك ما

بلّغت أمري ولم تصدع بتذكيري

وله قوله يمدح أمير المؤمنين عليه السلام ويذكر فرض ولاءه بحديث الغدير:

دع الشناعات أيّها الخدعه

واركن إلى الحقِّ واغدُ متَّبعه

مَن وحَّد الله أوَّلاً وأبى

إلّا النبيَّ الأُميَّ واتَّبعه

مَن قال فيه النبيُّ: كان مع ا

لحقِّ عليٌّ والحقُّ كان معه

مَن سلَّ سيف الإله بينهمُ

سيفاً من النور ذو العُلى طبعه

مَن هزَّم الجيش يوم خيبرهم

وهزَّ باب القموص فاقتلعه

من فرَّض المصطفى ولاه على

الخلق بيوم «الغدير» إذ رفعه

أشهد أنَّ الذي تقول به

يعلم بطلانه الذي سمعه

وقال يمدحه صلوات الله عليه:

اُقيم بخمٍّ للخلافة حيدرٌ

ومِن قبلُ قال الطّهر ما ليس يُنكرُ

غداة دعاه المصطفى وهو مُزمعٌ

لقصد تبوك وهو للسير مضمرُ

فقال: أقم عنّي بطيبةَ واعلمن

بأنَّك لِلفُجّار بالحقِّ تقهرُ

ولَمّا مضى الطهر النبيُّ تظاهرت

عليه رجالٌ بالمقال وأجهروا

فقالوا: عليٌّ قد قلاه محمَّدٌ

وذاك مِن الأعداء إفكٌ ومنكرُ

فأتبعه دون المعرَّس فانثنى

وقالوا: عليٌّ قد أتى فتأخَّروا

ولَمّا أبان القول عمَّن يقوله

وأبدى له ما كان يبدي ويضمرُ

فقال: أما ترضى تكون خليفتي

كهارون من موسى؟ وشأنك أكبر

وعلّاه خير الخلق قدراً وقدرةً

وذاك من الله العليِّ مقدَّرُ

وقال رسول الله: هذا إمامكم

له الله ناجى أيّها المتحيَّرُ


*(الشاعر) *

أبو القاسم عليّ بن إسحاق بن خلف القطّان البغدادي النازل بالكرخ في قطيعة الرَّبيع(١) الشهير بالزاهي(٢) شاعرٌ عبقريٌّ تحيَّز من شعره إلى أهل بيت الوحي، ودان بمذهبهم، وأدَّى يمودَّتهم أجر الرسالة، فكان أكثر شعره الواقع في أربعة أجزاء فيهم مدحاً ورثاءاً بحيثُ عدَّ في «معالم العلماء» في طبقة المجاهدين من شعرائهم وصّافاً، فلم يزل فيه يُكافح عنهم ويُناطح، ويُنازل ويُناضل، ولذلك لم يلف نُشوراً بين مَن كان يُناوئهم أو لا يقول بأمرهم، فحسبوه مقلّاً من الشعر كما في «تاريخ بغداد» وغيره، غير أنَّ جزالة شعره، وجودة تشبيهه، وحسن تصويره، لم يدع لأرباب المعاجم منتدحاً من إطراءه.

وفي فهم المعنى الذي لا يُبارح الخلافة والإمامة من لفظ المولى من مثل الزاهي العارف بمعاريض الكلام، والمتسالم على تضلّعه في اللغة والأدب العربيِّ، وبثِّه في نظمه لَحجَّةٌ قويَّةٌ على الصَّواب الذي ترتأيه الشيعة في الإستدلال بحديث الغدير على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام.

وُلد [الزاهي] يوم الإثنين لعشر ليال بقين من صفر سنة ٣١٨ كما نصَّ به إبن خلّكان نقلاً عن «طبقات الشعراء» لعميد الدولة. وتُوفّي ببغداد يوم الأربعاء لعشر بقين من جمادى الأولى سنة ٣٥٢ في رواية عميد الدولة ودفن في مقابر قريش. أو بعد سنة ٣٦٠ فيما قاله الخطيب نقلاً عن التنوخي. وأرَّخه السمعاني كذلك نقلاً عن الخطيب.

ولَمّا لم يكن في المعاجم عنايةٌ بشعره المذهبيِّ الراقي فنحن نذكر منه شطراً فمن ذلك قوله يمتدح به أمير المؤمنين عليه السلام:

يا سادتي يا آل ياسين فقطْ

عليكم الوحي من الله هبطْ

لو لاكمُ لم يقبل الفرض ولا

رحنا لبحر العفو من أكرم شطْ

_____________________

١ - تنسب إلى الربيع بن يونس حاجب المنصور ومولاه ووالد وزير الفضل بن الربيع

٢ - نسبة إلى (زاه) قرية من قرى نيسابور يقال في النسبة إليها: زاهي. وازاهى.


أنتم وُلاة العهد في الذرِّ ومَن

هواهمُ الله علينا قد شرطْ

ما أحدٌ قايسكم بغيركم

ومازج السلسل بالشرب اللمطْ

إلّا كمن ضاهى الجبال بالحصا

أو قايس الأبحر جهلاً بالُنقطْ

* * *

صنو النبيِّ المصطفى والكاشف الـ

ـغمّاء عنه والحسام المخترطْ

أوّل مَن صام وصلّى سابقاً

إلى المعالي وعلى السبق غُبطْ

* * *

مكلّم الشمس ومَن رُدَّت له

ببابل والغرب منها قد قبطْ

وراكض الأرض ومن أنبع للـ

ـعسكر ماء العين في الوادي القحطْ

بحرٌ لديه كلُّ بحر جدولٌ

يغرف من تيّاره إذا اغتمطْ

وليث غابٍ كلُّ ليثٍ عنده

بنظره العقل صغيراً إذ قلطْ

باسط علم الله في الأرض ومَن

بحبِّه الرَّحمن لِلرِّزق بسطْ

سيفٌ لو أنَّ الطفل يلقى سيفه

بكفّه في يوم حرب لشمطْ

يخطو إلى الحرب به مدرَّعاً

فكم به قد قدَّ مِن رجسٍ وقطْ

(قوله: مكلّم الشمس)

أشار به إلى ما رُوي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إنَّه قال لعليٍّ: يا أبا الحسن كلّم الشمس فإنَّها تُكلّمك. قال عليٌّ عليه السلام: السَّلام عليكَ أيّها العبد المطيع لله ورسوله. فقالت الشمس: وعليكَ السَّلام يا أمير المؤمنين، وإمام المتَّقين، وقائد الغرِّ المحجَّلين يا عليُّ أنت وشيعتك في الجنَّة، يا عليُّ أوَّل من تنشق عنه الأرض محمَّد ثمَّ أنت، وأوَّل من يُحيى محمَّد ثمَّ أنت، وأوَّل مَن يُكسى محمَّد ثمَّ أنت. فسجد عليٌّ عليه السلام لله تعالى وعيناه تذرفان بالدُّموع، فانكبَّ عليه النبيُّ فقال: يا أخي وحبيبي إرفع رأسك فقد باهى الله بك أهل سبع سماوات.

أخرجه شيخ الإسلام الحمّوئي في «فرائد السمطين» ب ٣٨. والخوارزمي في «المناقب» ص ٦٨. والقندوزي في «الينابيع» ص ١٤٠.

(قوله: ومَن رُدّت له ببابل)


حديث ردِّ الشمس لعليٍّ عليه السلام ببابل أخرجه نصر بن مزاحم في كتاب صفِّين ص ١٥٢ ط مصر بإسناده عن عبد خير(١) قال كنت مع عليٍّ. أسير في أرض بابل و حضرت الصَّلاة صلاة العصر قال: فجعلنا لا نأتي مكاناً إلا رأيناه أفيح من الآخر. قال: حتّى أتينا على مكانٍ أحسن ما رأينا وقد كادت الشمس أن تغيب. قال: فنزل عليٌّ ونزلت معه قال: فدعا الله فرجعت الشَّمس كمقدارها من صلاة العصر قال: فصلّينا العصر ثمَّ غابت الشمس.

قوله: «ومَن أنبع للعسكر ماء العين»

أشار به إلى ما رواه نصر بن مزاحم في كتاب صفِّين ص ١٦٢ بإسناده عن أبي سعيد التيمي التابعيّ المعروف بعقيصا أنَّه قال: كنّا مع عليّ في مسيره إلى الشّام حتّى إذا كنّا بظهر الكوفة من جانب هذا السواد، عطش الناس واحتاجوا إلى الماء، فانطلق بنا عليٌّ حتّى أتى بنا على صخرة ضرس من الأرض كأنَّها ربضة عنز فأمرنا فاقتلعناها فخرج لنا ماءٌ، فشرب الناس منه وارتووا، قال: ثمَّ أمرنا فأكفأناها عليه. قال وسار الناس حتّى إذا مضينا قليلاً قال عليٌّ: منكم أحدٌ يعلم مكان هذا الماء الذي شربتم منه؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فانطلقوا إليه. قال فانطلق منّا رجالٌ ركباناً و مشاةً فاقتصصنا الطريق حتّى انتهينا إلى المكان الذي نرى أنَّه فيه. قال: فطلبناها(٢) فلم نقدر على شيءٍ حتّى إذا عيل علينا انطلقنا إلى دير قريب منّا فسألناهم: أين الماء الذي هو عندكم؟ قالوا: ما قربنا ماءٌ. قالوا: بلى، إنّا شربنا منه. قالوا: أنتم شربتم منه؟ قلنا: نعم. قال [صاحب الدير]: ما بُني هذا الدير إلّا بذلك الماء، وما استخرجه إلّا نبيٌّ أو وصيُّ نبيٍّ. وأخرجه الخطيب في تاريخه ١٢ ص ٣٠٥.

ومن قصيدته الطائيَّة قوله:

وهو لكلِّ الأوصياء آخرٌ

بضبطه التوحيد في الخلق انضبطْ

باطن علم الغيب والظاهر في

كشف الإشارات وقطب المغتبطْ

أحيى بحدِّ سيفه الدين كما

أمات ما أبدع أرباب اللغطْ

_____________________

١ - مرّت ترجمته وثقته في ج ١ ص ٦٣.

٢ - أي الصخرة.


مفقِّه الأُمَّة والقاضي الَّذي

أحاط من علم الهدى ما لم يُحطْ

والنَّبأ الأعظم والحجَّة والـ

ـمحنة والمصباح في الخطب الورطْ

حبلٌ إلى الله وباب الحطَّة الـ

ـفاتح بالرُّشد مغاليق الخططْ

والقدم الصَدق الذي سيط به

قلب امرأٍ بالخطوات لم يسطْ

ونهر طالوت وجنب الله والـ

ـعين التي بنورها العقل خبطْ

والأُذن الواعية الصمّاء عن

كلِّ خنا يغلط فيه من غلطْ

حسن مآب عند ذي العرش ومَن

لولا أياديه لكنّا نختبطْ

(قوله: الأُذن الواعية)

إشارةٌ إلى ما أخرجه الحافظ أبو نعيم في «حلية الأولياء» ١ ص ٦٢ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله إنَّه قال: يا عليُّ إنَّ الله عزَّ وجلَّ أمرني أن أُدنيك وأُعلّمك لتعي وأنزلت هذه الآية:( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) . فأنت أُذُنٌ واعيةٌ لعلمي. وأخرجه جمعٌ من الحفّاظ وقال القاضي عضد الأيجي في «المواقف» ٣ ص ٢٧٦: أكثر المفسِّرون (في قوله تعالى): وتعيها أُذُنٌ واعيةٌ إنَّه عليٌّ.

وله في مدح مولانا أمير المؤمنين عليه السلام قوله:

وال عليّاً واستضئ مقباسهُ

تدخل جناناً ولتسقي كأسهُ

فمن توّلاه نجا ومن عَدا

ما عرف الدِّين ولا أساسهُ

أوَّل مَن قد وحّد الله وما

ثنى إلى الأوثان يوماً رأسهُ

فدى النبيَّ المصطفى بنفسه

إذ ضيَّقت أعداؤه أنفاسهُ

بات على فرش النبيِّ آمناً

والليل قد طافت به أحراسهُ

حتّى إذا ما هجم القوم على

مُستيقظٍ بنصله أشماسهُ

ثار إليهم فتولّوا مزقاً

يمنعهم عن قربه حماسهُ

مُكسِّر الأصنام في البيت الذي

أُزيح عن وجه الهدى غماسهُ

رقى على الكاهل من خير الورى

والدين مقرونٌ به أنباسهُ

ونكَّس اللّات وألقى هَبَلاً

مُهشّماً يقلبه انتكاسهُ

وقام مولايَ على البيت وقد

طهَّره إذ قد رمى أرجاسهُ


واقتلع الباب اقتلاعاً معجزاً

يسمع في دويِّه ارتجاسهُ

كأنّه شرارةٌ لموقد

أخرجها من ناره مقباسهُ

مَن قد ثنى عمرو بن ودٍّ ساجياً

إذ جزع الخندق ثمَّ جاسهُ

مَن هبط الجبّ ولم يخش الرَّدى

والماء منحلّ السقا فجاسهُ

مَن أحرق الجنَّ برجم شهبه

أشواظه يقدمها نَحاسهُ

حتّى انثنت لأمره مذعنةً

ومنهمُ بالعوذ إحتراسهُ

«بيان»: أشار بقوله: مَن هَبَط الجبَّ. إلى ما أخرجه الإمام أحمد في المناقب عن عليّ عليه السلام قال: لَمّا كان ليلة بدر قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من يستقي لنا من الماء؟ فأحجم الناس عنه فقام عليُّ فاعتصم بالقربة ثمَّ أتى بئراً بعيدة القعر مظلمة فانحدر فيها فأوحى الله إلى جبرائيل وميكائيل وإسرافيل: تأهِّبوا لنصر محمَّد وحزبه. فهبطوا من السَّماء لهم لفظٌ يزعر من سمعه فلمّا مرّوا بالبئر سلّموا عليه من أوَّلهم إلى آخرهم إكراماً له وتبجيلاً. شرح إبن أبي الحديد ١ ص ٤٥٠.

وله في مدحه صلوات الله عليه قوله:

هذا الَّذي أردى الوليد وعتبة

والعامريَّ وذا الخمار ومرحبا

هذا الَّذي هشمت يداه فوارساً

قسراً ولم يك خائفاً مترقِّبا

في كلِّ منبت شعره من جسمه

أسدٌ يمدُّ إلى الفريسة مخلبا

وله فيه سلام الله عليه قوله:

أبا حسن جعلتك لي ملاذاً

ألوذ به ويشملني الزِّماما

فكن لي شافعاً في يوم حشري

وتجعل دار قدسك لي مقاما

لأنّي لم أكن مِن نعثليٍّ

ولا أهوى عتيق ولا دماما

وله مادحاً أهل البيت الطاهر قوله:

يا لائمي في الولا هل أنت تعتبرُ

بمن يُوالي رسول الله أو يذرُ؟

قومٌ لو أنَّ البحار تنزف بالأ

قلام مشقاً وأقلام الدُّنا شجرُ(١)

_____________________

١ - أشار إلى ما ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من قوله: لو أن الأشجار أقلام، والبحر مداد، والجن حساب، والإنس كتاب ما أحصوا فضايل علي بن أبي طالب. مناقب الخوارزمي ص ١: ٢٥٩ كفاية الطالب ١٢٣، تذكرة السبط س ٨.


والإنس والجنُّ كُتّابٌ لفضلهمُ

والصحف ما احتوت الآصال والبكرُ

لم يكتبوا العُشر بل لم يعد جهدهمُ

في ذلك الفضل إلّا وهو محتقرُ

أهل الفخار وأقطاب المدار ومَن

أضحت لأمرهمُ الأيّام تأتمرُ

هم آل أحمد والصيد الجحاجحة الز

هر الغطارفة العلويَّة الغررُ

والبيض من هاشم والأكرمون أولوا

الفضل الجليل ومن سادت بهم مضرُ

فافطن بعقلك هل في القدر غيرهمُ؟

قومٌ يكاد إليهم يرجع القدرُ

اعطوا الصفا نهلاً اُعطوا النبوَّة مِن

قبل المزاج فلم يحلق بهم كدرُ

وتوَّجوا شرفاً ما مثله شرفٌ

وقلّدوا خطراً ما مثله خطرُ

حسبي بهم حججاً لله واضحةً

يجري الصَّلاة عليهم أينما ذكروا

هم دوحة المجد والأوراق شيعتهم

والمصطفى الأصل والذريَّة الثمر(١)

وله في رثاء أهل البيت قوله:

يا آل أحمد ماذا كان جرمكمُ؟

فكلُّ أرواحكم بالسيف تُنتزعُ

تلفى جموعكمُ شتّى مُفرَّقة

بين العباد وشمل الناس مجتمعُ

وتُستباحون أقماراً مُنكسَّةً

تهوى وأرؤسها بالسّمر تقترعُ

ألستمُ خير من قام الرَّشاد بكم

وقوَّضت سنن التضليل والبدعُ؟!

ووُحِّد الصمد الأعلى بهديكمُ

إذ كنتمُ علماً للرُّشد يتَّبعُ؟

ما للحوادث لا تجري بظالمكم؟

ما للمصائب عنكم ليس ترتدعُ

منكم طريدٌ ومقتولٌ على ظمأٍ

ومنكمُ دنفٌ بالسمر مُنصرعُ

وهاربٌ في أقاصي الغرب مغتربٌ

ودارعٌ بدم اللبّات مندرعُ

ومقصد من جدارٍ ظلّ مُنكدراً

وآخر تحت ردم فوقه يقعُ

ومن محرَّق جسم لا يُزار له

قبرٌ ولا مشهدٌ يأتيه مرتدعُ

وإن نسيت فلا أنسى الحسين وقد

مالت إليه جنود الشرك تقترعُ

فجسمه لحوامي الخيل مطَّرد

ورأسه لسنان السّمر مرتفعُ

وله في رثائهم سلام الله عليهم قوله:

_____________________

١ - فيه إيعاز إلى ما مرّ في هذا الجزء ص ٨، ٩.


بنو المصطفى تفنون بالسيف عنوةً

ويسلمني طيف الهجوع فأهجعُ؟

ظلمتم وذُبّحتم وقسِّم فيئكم

وجار عليكم مَن لكم كان يخضعُ

فما بقعةٌ في الأرض شرقاً ومغرباً

وإلّا لكم فيه قتيلٌ ومصرعُ

وله في رثاء الإمام السبط الشهيد عليه السلام قوله:

أُعاتب عيني إذا أقصرت

وأفني دموعي إذا ما جرتْ

لذكراكمُ يا بني المصطفى

دموعي على الخطِّ قد سطَّرتْ

لكم وعليكم جفت غمضها

جفوني عن النوم واستشعرتْ

أُمثِّل أجسادكم بالعراق

وفيها الأسنَّة قد كسِّرتْ

غدت أرض يثرب من جمعكم

كخطِّ الصحيفة إذ أقفرتْ

أُمثلّكم في عِراص الطفوف

بدوراً تكسَّف إذ أقمرتْ

وأضحى بكم كربلا مغرباً

كزهر النجوم إذا غوَّرتْ

كأنّي بزينب حول الحسين

ومنها الذوائب قد نُشِّرتْ

تمرِّغ في نحره وجهها

وتُبدي مِن الوجدِ ما أضمرتْ

وفاطمةٌ عقلها طايرٌ

إذ السوطَ في جنبها أبصرتْ

ولِلسبط فوق الذي جُثَّةٌ

بفيض دم النحر قد عُقِّرتْ

وفتيته فوق وجه الثرى

كمثل الأضاحي إذ اجزرتْ

وأرؤسهم فوق سُمر القنا

كمثل الغصون إذا أثمرتْ

ورأس الحسين أمام الرّفاق

كغرَّة صُبح إذا أسفرتْ

وله في رثائه صلوات الله عليه قوله:

ابكي يا عين ابكي آل رسول ا

لله حتّى تُخدَّ منكِ الخدودُ

وتقلَّب يا قلبُ في ضَرم الحزن

فما في الشجا لهم تفنيدُ

فهمُ النخل باسقاتٌ كما قال

سوامٌ لهنَّ طلعٌ نضيدُ

وهمُ في الكتاب زيتونة النور

وفيها لكلِّ نارٍ وقودُ

وبأسمائهم إذا ذكر الله

بأسمائه اقترانٌ أكيدُ

غادرتهم حوادث الدَّهر صرعى

كلُّ شهم بالنفس منه يجودُ


لست أنسى الحسين في كربلاء

وهو ظامٍ بين الأعادي وحيدُ

ساجدٌ يلثم الثرا وعليه

قضب الهند رُكَّعٌ وسجودُ

يطلب الماء والفرات قريبٌ

ويرى الماء وهو عنه بعيدُ

يا بني الغدر مَن قتلتم؟ لعمري

قد قتلتم مَن قام فيه الوجودُ

وله في أهل البيت الطاهر سلام الله عليهم:

قومٌ سماؤهمُ السيوف وأرضهم

أعداؤهم ودم النّحور بُحورها

يستمطرون من العجاج سحائباً

صوب الحتوف على الزحوف مطيرها

وحَنادس الفتن التي إن أظلمت

فشموسها آرائهم وبُدورها

ملكوا الجنان بفضلهم فرياضها

طرّاً لهم وخيامها وقُصورها

وإذا الذُّنوب تضاعفت فبحبَّهم

يُعطي الأمان أخا الذنوب غفورها

تلك النجوم الزُّهر في أبراجها

ومن السنين بهم تتمُّ شهورها

أخذنا ترجمة (الزاهي) من تاريخ بغداد ١١ ص ٣٥٠. يتيمة الدهر ١ ص ١٩٨. أنساب السمعاني. مناقب إبن شهر آشوب ومعالمه. تاريخ إبن خلكان ١ ص ٣٩٠. مرآة الجنان ٢ ص ٣٤٩. مجالس المؤمنين ٤٥٩. بحار الأنوار ١٠ ص ٢٥٥ الكنى والألقاب ٢ ص ٢٥٧. دائرة المعارف للبستاني ٩ ص ١٦١. الأعلام للزركلي ٢ ص ٦٥٩.


القرن الرابع

٢١

الأمير أبو فراس الحمداني

المولود ٣٢٠ / ٣٢١

المتوفّى ٣٥٧

الحقُّ مُهتضمٌ والدين مُخترمُ

وفئ آل رسول الله مُقتسمُ

والناس عندك لا ناسٌ فيحفظهم

سوم الرُّعاة ولا شاءٌ ولا نعمُ

إنّي أبيت قليل النَّوم أرَّقني

قلبٌ تَصارع فيه الهمُّ والهممُ

وعزمةٌ لا ينام الليل صاحبها

إلّا على ظفر في طيِّه كرمُ

يُصان مُهري لأمرٍ لا أبوح به

والدرع والرمح والصمصامة الحذمُ(١)

وكلّ مائرة الضبعين مسرحها

رمث الجزيرة والخذراف والعنمُ(٢)

وفتيةٌ قلبهم قلبٌ إذا ركبوا

وليس رأيهمُ رأياً إذا عزموا

يا للرِّجال أما لله مُنتصر

من الطغاة؟ أما لله مُنتقمُ؟

بنو عليٍّ رعايا في ديارهمُ

والأمر تملكه النسوان والخدمُ

محلّئون فأصفى شربهم وَشَلٌ

عند الورود وأوفى ودِّهم لممُ(٣)

فالأرض إلّا على ملّاكها سعةٌ

والمال إلّا على أربابهِ ديمُ

فما السعيد بها إلّا الذي ظُلموا

وما الشقيُّ بها إلّا الذي ظلموا

للمتَّقين من الدنيا عواقبها

وإن تعجَّل منها الظالم الأثمُ

أتفخرون عليهم لا أباً لكمُ

حتّى كأنَّ رسول الله جدُّكمُ؟!

_____________________

١ - الحذم من السيوف بالحاء المهملة: القاطع.

٢ - مار: تحرك. الضبع: العضد. كناية عن السمن. الرمث بكسر المهملة: خشب يضم بعضه إلى بعض ويسمى: الطوف. الخذراف بكسر الخاء ثمَّ الدال المعجمتين: نبات إذا أحس بالصيف يبس. العنم بفتح المهملة. نبات له ثمرة حمراء يشبه به البنان المخضوب.

٣ - حلاء عن الماء: طرده. الوشل الماء القليل. لم: أي غب.


ولا توازن فيما بينكم شرفٌ

ولا تساوت لكم في موطن قدمُ

ولا لكم مثلهم في المجد متصلٌ

ولا لجدِّكمُ معاشر جدِّهمُ

ولا لعرقكمُ من عرقهم شبهٌ

ولا نثيلتكم من أُمِّهم أممُ(١)

قام النبيُّ بها «يوم الغدير» لهم

والله يشهد والأملاك والأُممُ

حتَّى إذا أصبحت في غير صاحبها

باتت تُنازعها الذُّؤبان والرخمُ

وصيَّروا أمرهم شورى كأنَّهمُ

لا يعرفون وُلاة الحقِّ أيّهمُ

تالله ما جهل الأقوام موضعها

لكنَّهم ستروا وجه الّذي علموا

ثمَّ ادَّعاها بنو العبّاس ملكهم

ولا لهم قَدَمٌ فيها ولا قِدمُ

لا يذكرون إذا ما معشر ذكروا

ولا يُحكّم في أمر لهم حكمُ

ولا رآهم أبو بكر وصاحبه

أهلاً لما طلبوا منها وما زعموا

فهل همُ مدَّعوها غير واجبةٍ؟

أم هل أئمَّتهم في أخذها ظلموا؟

أمّا عليٌّ فأدنى من قرابتكم

عند الولاية إن لم تُكفر النعمُ

أينكر الحبر عبد الله نعمته؟

أبوكمُ أم عُبيد الله أم قثمُ؟!

بئس الجزاءُ جزيتم في بني حسن

أباهم العَلَم الهادي وأُمَّهمُ

لا بيعة ردَّعتكم عن دمائهمُ

ولا يمين ولا قُربى ولا ذَممُ

هلّا صفحتم عن الأسرى بلا سبب

لِلصّافحين ببدر عن أسيركمُ؟!

هلّا كففتم عن الديباج سوطكمُ(٢)

وعن بنات رسول الله شتمكمُ؟(٣)

ما نزّهت لرسول الله مهجته

عن السياط فهلّا نزّه الحرمُ؟

ما نال منهم بنو حرب وإن عظمت

تلك الجرائر إلّا دون نيلكمُ

كم غدرةٍ لكم في الدين واضحةٍ

وكم دمٍ لرسول الله عندكمُ

أنتم له شيعةٌ فيما ترون وفي

أظفاركم من بنيه الطاهرين دمُ

_____________________

١ - نثيله هي أم العبّاس بن عبد المطلب. الأمم: القرب.

٢ - الديباج هو محمد بن عبد الله العثماني أخو بني حسن لأمهم فاطمة بنت الحسين السبط ضربه المنصور مأتين وخمسين سوطا.

٣ - لعله أشار إلى قول منصور لمحمد الديباج: يا بن اللخناء. فقال محمد. أي أمهاتي تعيرني؟ أبفاطمة بنت الحسين؟ أم بفاطمة الزهراء؟ أم برقية؟.


هيهات لا قرَّبت قربى ولا رحمٌ

يوماً إذا أقصت الأخلاق والشيم

كانت مودة سلمان له رحما

ولم يكن بين نوح وابنه رحمُ

يا جاهداً في مساويهم يُكتِّمها

غدر الرشيد بيحيى كيف ينكتمُ؟(١)

ليس الرشيد كموسى في القياس ولا

مأمونكم كالرضا لو أنصف الحكمُ

ذاق الزبيري غبَّ الحنث وانكشفت

عن ابن فاطمة الأقوال والتّهمُ(٢)

باؤا بقتل الرِّضا مِن بعد بيعته

وأبصروا بعض يوم رُشدهم وعَموا

يا عصبة شقيت مِن بعد ما سعدتْ

ومعشراً هلكوا من بعدِ ما سلموا

لبئسما لقيت منهم وإن بليت

بجانب الطفِّ تلك الأعظم الرَّممُ(٣)

لاعن أبي مسلم في نصحه صفحوا

ولا الهبيريّ نجّا الحلف والقسمُ(٤)

ولا الأمان لأهل الموصل اعتمدوا

فيه الوفاء ولا عن غيِّهم حلموا(٥)

أبلغ لديك بني العبّاس مالكةً

لا يدَّعوا ملكها ملّاكها العجمُ

أيّ المفاخر أمست في منازلكم

وغيركم آمرٌ فيها ومحتكمُ؟

أنّى يزيدكمُ في مفخر عَلمٌ؟

وفي الخلاف عليكم يخفق العَلمُ

يا باعة الخمر كفّوا عن مفاخركم

لمعشر بيعهم يوم الهياج دمُ

خلّوا الفخار لعلّامين إن سُئلوا

يوم السؤال وعمّالين إن عملوا

لا يغضبون لغير الله إن غضبوا

ولا يضيعون حكم الله إن حكموا

تُنشى التلاوة في أبياتهم سحراً

وفي بيوتكمُ الأوتار والنغمُ

_____________________

١ - أشار إلى غدر الرشيد بيحيى بن عبد الله بن الحسن الخارج ببلاد الديلم؟ سنة ١٧٦ فإنه أمنه ثمَّ غدره وحبسه ومات في حبسه.

٢ - الزبيري هو عبد الله بن مصعب بن الزبير باهله يحيى بن عبد الله بن حسن فتفرقا فما وصل الزبيري إلى داره حتى جعل يصيح؟: بطني بطني. ومات.

٣ - أشار إلى ما فعله المتوكل بقبر الإمام الشهيد.

٤ - أبو مسلم هو الخراساني مؤسس دولة بني العبّاس قتله المنصور والهبيري: هو يزيد بن عمر بن هبيرة أحد ولاة بني أمية حاربه بنو العبّاس أيّام السفاح ثمَّ أمنوه فخرج إلى المنصور بعد المواثيق والأيمان فغدروا به وقتلوه سنة ١٣٢.

٥ - استعمل السفاح أخاه يحيى بن محمد على الموصل فآمنهم ونادى: من دخل الجامع فهو آمن. وأقام الرجال على أبواب الجامع فقتلوا الناس قتلا ذريعاً قيل: إنه قتل فيه أحد عشر ألفاً ممّن له خاتم، وخلقاً كثيراً ممّن ليس له خاتم، وأمر بقتل النساء والصبيان ثلاثة أيّام وذلك في سنة ١٣٢.


منكم عُليّة أم منهم؟ وكان لكم

شيخ المغنِّين إبراهيم أم لهمُ؟(١)

إذا تلوا سورةً غنّى إمامكمُ

قف بالطلول التي لم يعفها القِدمُ

ما في بيوتهمُ للخمر مُعتصرٌ

ولا بيوتكمُ لِلسّوء مُعتصمُ

ولا تبيت لهم خنثى تنادمهم

ولا يُرى لهمُ قردٌ ولا حشمُ(٢)

الركن والبيت والأستار منزلهم

وزمزم والصّفى والحجر والحرمُ

وليس مِن قَسَمٍ في الذِّكر نعرفه

إلّا وهم غير شكٍّ ذلك القسمُ

*( ما يتبع الشعر ) *

توجد هذه القصيدة كما رسمناها ٥٨ بيتاً في ديوانه المخطوط المشفوع بشرحه لإبن خالويه النحوي المعاصر له المتوفّى بحلب في خدمة بني حمدان سنة ٣٧٠، و خمَّس منها العلامة الشيخ إبراهيم يحيى العاملي ٥٤ بيتاً، وذكر تخميسه في [منن الرَّحمان] ج ١ ص ١٤٣ مستهلّه:

يا للرِّجال لجرحٍ ليس يلتئمُ

عمر الزمان وداءٌ ليس ينحسمُ

حتّى متى أيّها الأقوام والأُممُ

الحقٌّ مهتضمٌ

أودى هدى الناس حتّى أن أحفظهم

للخير صار بقول السّوء ألفظهم

فكيف توقظهم إن كنت موقظهم

والناس عندك

وهي التي شرحها م - أبو المكارم محمَّد بن عبد الملك بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الحلبي المتوفّى ٥٦٥، وشرحها] إبن أمير الحاجّ بشرحه المعروف المطبوع وتوجد بتمامها في «الحدائق الورديَّة» المخطوط، وذكرها القاضي في «مجالس المؤمنين» ص ٤١١، والسيِّد ميرزا حسن الزنوزي في «رياض الجنَّة» في الرَّوضة الخامسة ستِّين بيتاً، وهي التي شطَّرها العلّامة السيِّد محسن الأمين العاملي. وإليك نصُّ البيتين الزائدين:

أمَّن تُشاد له الألحان سايرةً

عليّهم ذو المعالي أم عليّكم؟(٣)

_____________________

١ - علية: بنت المهدي بن المنصور كانت عوادة. وإبراهيم أخوها كان مغنياً وعوادا.

٢ - الخنثى: هو عبادة، نديم المتوكل. والقرد كان لزبيدة.

٣ - بعد البيت الـ ٥٣.


صلّى الإله عليهم كلَّما سجعت

ورقٌ فهم لِلورى كهفٌ ومعتصم(١)

وأسقط ناشر الديوان منها أبياتاً وذكرها ٥٣ بيتاً وأحسب أنَّه التقط أبياتاً ما كان يروقه مفادها ودونك الإشارة إليها:

١ - وكلّ مائرة الضبعين مسرحها

٢ - وفتيةٌ قلبهم قلبٌ إذا ركبوا

٣ - فما السعيد بها إلّا الذي ظلموا

٤ - لِلمتَّقين من الدنيا عواقبها

٥ - ليس الرشيد كموسى في القياس ولا

٦ - يا باعة الخمر كفّوا عن مفاخركم

٧ - صلَى الإله عليهم كلّما سجعت

هذه القصيدة تعرف بـ «الشافية» وهي من القصايد الخالدة التي تصافقت المصادر على ذكرها أو ذكر بعضها(٢) أو الإيعاز إليها، مطَّردةٌ متداولةٌ بين الأدباء، محفوظةٌ عند الشيعة وقسمائهم منذ عهد نظمها ناظمها أمير السيف والقلم وإلى الآن، وستبقى خالدةً مع الدهر، وذلك لِما عليها من مسحة البلاغة، ورونق الجزالة، وجودة السرد، وقوَّة الحجَّة، وفخامة المعنى، وسلاسة اللفظ، ولَمّا أنشد ناظمها (الأمير) أمر خمسمائة سيفاً وقيل أكثر يُشهر في المعسكر(٣) نظمها لَمّا وقف على قصيدة إبن سكرة العبّاسي التي أوّلها:

بني عليٍّ دعوا مقالتكم

لا ينقص الدرّ وضع من وضعه

وللأمير أبي فراس هائيَّةٌ يمدح بها أهل البيت وفيها ذكر «الغدير» وهي:

يومٌ بسفح الدار لا أنساهُ

أرعى له دهري الذي أولاهُ

يومٌ عمرت العمر فيه بفتيةٍ

من نورهم أخذ الزمان بهاهُ

فكأنِّ أوجههم ضياء نهاره

وكأنَّ أوجههم نجوم دجاهُ

_____________________

١ - مختتم القصيدة.

٢ - ذكر سراج الدين السيِّد محمد الرفاعي المتوفّى ٨٨٥ في «صحاح الأخبار» ص ٢٦ من القصيدة ثمانية بيتاً وقال: القصيدة طويلة ليس هذا محل ذكرها.

٣ - كما ذكره الفتوني في كشكوله، وأبو علي في رجاله ص ٣٤٩.


ومهفهف كالغصن حسن قوامه

والظبي منه إذا رنا عيناهُ

نازعته كأساً كأنَّ ضياءها

لَمّا تبدَّت في الظلام ضياهُ

في ليلةٍ حسنت لنا بوصاله

فكأنَّما من حسنها إيّاهُ

وكأنّما فيها الثريّا إذ بدت

كفٌّ يُشير إلى الذي يهواهُ

والبدر منتصف الضياء كأنَّه

مُتبسِّمٌ بالكفّ يسترقاهُ

ظبيٌ لو أنَّ الدرَّ مرَّ بخدِّه

من دون لحظة ناظر أدماهُ

إن لم أكن أهواه أو أهوى الرَّدى

في العالمين لكلِّ ما يهواهُ

فحرمت قرب الوصل منه مثل ما

حُرم الحسين الماء وهو يراهُ

إذ قال: اسقوني. فعوِّض بالقنا

من شرب عذب الماء ما أرواهُ

فاجتزَّ رأساً طالماً من حجره

أدنته كفّا جدِّه ويداهُ

يومٌ بعين الله كان وإنَّما

يُملي لظلم الظالمين اللهُ

وكذاك لو أردى عُداة نبيِّه

ذو العرش ما عرف النبيَّ عَداهُ

يومٌ عليه تغيَّرت شمس الضحى

وبكت دماً ممّا رأته سماهُ

لا عذر فيه لمهجةٍ لم تنفطر

أو ذي بُكاء لم تفض عيناهُ

تبّاً لقوم تابعوا أهوائهم

فيما يسوئهمُ غداً عقباهُ

أتراهمُ لم يسمعوا ما خصّه

منه النبيُّ مِن المقال أباهُ؟!

إذ قال يوم «غدير خمّ» معلناً

من كنت مولاه فذا مولاهُ

هذا وصيَّته إليه فافهموا

يا مَن يقول بأنَّ ما أوصاهُ

أقروا من القرآن ما في فضله

وتأمّلوه وافهموا فحواهُ

لو لم تُنزَّل فيه إلّا هل أتى

من دون كلِّ مُنزَّل لكفاهُ

مَن كان أوَّل مَن حوى القرآن من

لفظ النبيِّ ونطقه وتلاهُ؟!

مَن كان صاحب فتح خيبر؟ من رمى

بالكفّ منه بابه ودحاهُ؟!

مَن عاضد المختار مِن دون الورى؟

مَن آزر المختار مَن آخاهُ؟!

مَن بات فوق فراشه متنكّراً

لَمّا أطلَّ فراشه أعداهُ؟

مَن ذا أراد إلهنا بمقاله

: الصّادقون القانتون سواهُ؟!


مَن خصَّه جبريل من ربِّ العُلى

بتحيَّةٍ من ربِّه وحباهُ؟!

أظنتمُ أن تقتلوا أولاده

ويظلّكم يوم المعاد لواهُ؟!

أو تشربوا من حوضه بيمينه

كأساً وقد شرب الحسين دماهُ؟!

طوبى لمن ألقاه يوم اُوامه

فاستلَّ يوم حياته وسقاهُ

قد قال قبلي في قريض قائلٌ

ويلُ لمن شُفعائه خصماهُ

أنسيتمُ يوم الكساء وإنَّه

ممَّن حواه مع النبيِّ كساهُ؟!

يا ربّ إنّي مُهتدٍ بهداهمُ

لا أهتدي يوم الهدى بسواهُ

أهوى الذي يهوى النبيَّ وآله

أبداً وأشنأ كلَّ من يشناهُ

وأقول قولاً يُستدلُّ بأنَّه

مُستبصرٌ من قاله ورواهُ

شعراً يودّ السامعون لو أنَّه

لا ينقضي طول الزَّمان هداه

يُغري الرُّواة إذا روته بحفظه

ويروق حسن رويِّه معناهُ

*( الشاعر ) *

أبو فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن لقمان بن راشد بن المثنّى بن رافع بن الحارث بن عطيف بن محربة بن حارثة بن مالك بن عُبيد بن عدي بن أسامة بن مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب الحمداني التغلبي.

ربما يرتج القول في المترجَم وأمثاله، فلا يدري القائل ماذا يصف، أيُطريه عند صياغة القول؟ أو يصفه عند قيادة العسكر: وهل هو عند ذلك أبرع؟ أم عند هذا أشجع؟ وهل هو لجمل القوافي أسبك؟ أم لأزمَّة الجيوش أملك؟ والخلاصة أنَّ الرَّجل بارعٌ في الصفتين، ومتقدِّمٌ في المقامين، جمع بين هيبة الملوك، وظروف الأُدباء، وضمَّ إلى جلالة الأُمراء لطف مفاكهة الشعراء، وجمع له بين السيف و القلم؛ فهو حين ما ينطق بفم كما هو عند ثباته على قَدم، فلا الحرب تروعه، ولا القافية تعصيه، ولا الرَّوع يهزمه، ولا روعة البيان تعدوه، فلقد كان المقدَّم بين شعراء عصره كما أنَّه كان المتقدِّم على أُمرائه، وقد تُرجم بعض أشعاره إلى اللغة الألمانيَّة


كما في دائرة المعارف الإسلاميَّة.

قال الثعالبي في يتيمة الدهر ج ١ ص ٢٧: كان فرد دهره، وشمس عصره، أدباً وفضلاً، وكرماً ونبلاً، ومجداً وبلاغةً وبراعةً، وفروسيَّة وشجاعةً، وشعره مشهورٌ سائرٌ بين الحسن والجودة، والسهولة والجزالة، والعذوبة والفخامة، والحلاوة والمتانة، ومعه رواء الطبع، وسمة الظرف، وعزّة الملك، ولم تجتمع هذه الخلال قبله إلّا في شعر عبد الله بن المعتز، وأبو فراس يُعدُّ أشعر منه عند أهل الصنعة، ونقدة الكلام، وكان الصاحب يقول: (بُدئ الشعر بملك وختم بملك) يعني إمرؤ القيس وأبا فراس، وكان المتنبّي يشهد له بالتقدُّم والتبريز، ويتحامى جانبه، فلا يتبري لمباراته، ولا يجترئ على مجاراته، وإنَّما لم يمدحه ومدح مَن دونه من آل حمدان تهيّباً له وإجلالاً، لا إغفالاً وإخلالا، وكان سيف الدَّولة يعجب جِدّاً بمحاسن أبي فراس، ويميِّزه بالإكرام عن ساير قومه، ويصطنعه لنفسه، ويصطحبه في غزواته، ويستخلفه على أعماله، وأبو فراس ينثر الدرَّ الثمين في مكاتباته إيّاه، ويوافيه حقَّ سؤدده ويجمع بين أدبي السيف والقلم في خدمته. ا هـ.

وتبعه في إطرائه والثناء عليه إبن عساكر في تاريخه ج ٢ ص ٤٤٠. وإبن شهر آشوب في معالم العلماء. إبن الأثير في الكامل ج ٨ ص ١٩٤. إبن خلكان في تاريخه ج ١ ص ١٣٨. أبو الفدا في تاريخه ج ٢ ١١٤. اليافعي في مرآة الجنان ج ٢ ص ٣٦٩. ومؤلِّفي شذرات الذهب ج ٣ ص ٢٤. مجالس المؤمنين ص ٤١١. رياض العلماء. أمل الآمل ص ٢٦٦. منتهى المقال ص ٣٤٩. رياض الجنَّة في الروضة الخامسة. دائرة المعارف للبستاني ج ٢ ص ٣٠٠. دائرة المعارف لفريد وجدي ج ٧ ص ١٥٠. روضات الجنات ص ٢٠٦. قاموس الأعلام للزركلي ج ١ ص ٢٠٢. كشف الظنون ج ١ ص ٥٠٢. تاريخ آداب اللغة ج ٢ ص ٢٤١. الشيعة وفنون الإسلام ١٠٧. معجم المطبوعات. دائرة المعارف الإسلاميَّة ج ١ ص ٣٨٧. وجمع شتات ترجمته وأوعى سيِّدنا المحسن الأمين في ٢٦٠ صحيفة في أعيان الشيعة في الجزء الثامن عشر ص ٢٩ - ٢٩٨.

كان المترجَم يسكن منبج، وينتقل في بلاد الشام في دولة إبن عمِّه أبي الحسن سيف الدولة، واشتهر في عدَّة معارك معه، حارب بها الروم، أُسر مرَّتين فالمرَّة


الأولى بـ (مغارة الكحل) سنة ٣٤٨ وما تعدّوا به «خرشنة» وهي قلعةٌ ببلاد الروم والفرات يجري من تحتها، وفيها يقال: إنَّه ركب فرسه وركضه برجله فأهوى به من أعلا الحصن إلى الفرات والله أعلم.

والمرَّة الثانية: أسرته الروم على منبج، وكان متقلِّداً بها في شوّال سنة ٣٥١، أُسر وهو جريحٌ وقد أصابه سهمٌ بقي نصله في فخذه وحصل مثخناً بخرشنة ثمَّ بقسطنطينة وأقام في الأسر أربع سنين، لتعذّر المفاداة واستفكَّه من الأسر سيف الدولة سنة ٣٥٥، وقد كانت تصدر أشعاره في الأسر والمرض، واستزادة سيف الدولة وفرط الحنين إلى أهله وإخوانه وأحبّائه والتبرّم بحاله ومكانه، عن صدر حرج؛ وقلبٍ شجٍ، تزداد رقَّةً ولطافةً، تُبكي سامعها، وتعلق بالحفظ لسلاستها، تُسمّى بالرُّوميّات.

قال إبن خالويه: قال أبو فراس: لما حصلت بالقسطنطينة أكرمني ملك الروم إكراماً لم يكرمه أسيراً قبلي، وذلك أنَّ من رسومهم أن لا يركب أسيرٌ في مدينة ملكهم دابَّة قبل لقاء الملك، وأن يمشي في ملعب لهم يعرف بالبطوم مكشوف الرأس ويسجد فيه ثلاث سجدات أو نحوها، ويدوس الملك رقبته في مجمع لهم يعرف بالتوري، فأعفاني من جميع ذلك ونقلني لوقتي إلى دار وجعل لي [برطسان] يخدمني، و أمر بإكرامي ونقل مَن أردته من أسارى المسلمين إليَّ، وبذل لي المفاداة مفرداً، وأبيت بعد ما وهب الله لي من الكرامة ورُزقته من العافية والجاه أن أختار نفسي على المسلمين، وشرعت مع ملك الروم بالفداء ولم يكن الأمير سيف الدولة يستبقي أسارى الروم، فكان في أيديهم فضل ثلاثة آلاف أسير ممَّن أُخذ من الأعمال والعساكر فابتعتهم بمأتي ألف دينار روميَّة على أن يوقع الفداء واشتري هذه الفضيلة وضمنت المال والمسلمين وخرجتُ بهم من القسطنطينة وتقدَّمتُ بوجوههم إلى «خرشنة» ولم يعقد قطُّ فداء مع أسير ولا هدنة فقلت في ذلك شعراً:

ولله عندي في الاسئار وغيره

مواهب لم يخصص بها أحدٌ قبلي

حللت عقوداً أعجز الناس حلّها

وما زال عقدي لا يذمُّ ولا حلّي

إذا عاينتني الرّوم كبَّر صيدها

كأنَّهم أُسرى لديَّ وفي كبلي


وأوسع أيّاماً حللت كرامةً

كأني مَن أهلي نقلت إلى أهلي

فقل لبني عمّي وأبلغ بني أبي:

بأنّي في نعماء يشكرها مثلي

وما شاء ربّي غير نشر محاسني

وأن يعرفوا ما قد عرفتم من الفضل

وقال يفتخر وقد بلغه أنَّ الروم قالت: ما أسرنا أحداً لم نسلب ثيابه غير أبي فراس.

أراك عصيَّ الدَّمع شيمتك الصبرُ

أما للهوى نهيٌ لديك ولا أمرُ؟

بلى أنا مشتاقٌ وعندي لوعةٌ

ولكنَّ مثلي لا يُذاع له سرُّ

إذ الليل أضواني بسطت يد الهوى

وأذللت دمعاً من خلائقه الكبرُ

تكاد تُضئ النار بين جوانحي

إذا هي أذكتها الصَّبابة والفكرُ

ويقول فيها:

أُسرت وما صحبي بعزلٍ لدى الوغى

ولا فرسي مهرٌ ولا ربّه غمرُ

ولكن إذا حمَّ القضاء على امرئٍ

فليس له برٌّ يقيه ولا بحرُ

وقال اُصيحابي: الفرار أو الرَّدى

فقلت: هما أمران أحلاهما المرُّ

ولكنَّني أمضي لما لا يعيبني

وحسبك من أمرين خيرهما الأسرُ

يقولون لي: بعت السَّلامة بالرَّدى

فقلتُ لهم: والله ما نالني خسرُ

هو الموت فاختر ما علا لك ذكره

ولم يمت الانسان ما حيَّه الذِّكرُ

ولا خير في ردِّ الرَّدى بمذلَّة

كما ردَّه يوماً بسوأته عمرو

يمنّون أن خلّوا ثيابي وإنَّما

علىَّ ثيابٌ من دمائهم حُمرُ

وقائم سيفي فيهمُ دقّ نصله

وأعقاب رمحي منهمُ حُطّم الصَّدرُ

سيذكرني قومي إذا جدَّ جدّهم

وفي الليلة الظلماء يفتقد البدرُ

فإن عشت فالطعن الذي يعرفونه

وتلك القنا والبيض والضمر الشقرُ

وإن متُّ فالإنسان لا بدَّ ميِّتٌ

وإن طالت الأيّام وانفسح العمرُ

ولو سدَّ غيري ما سددت اكتفوا به

وما كان يغلو التّبر لو نفق الصفرُ

ونحن أُناس لا توسّط عندنا

لنا الصدر دون العالمين أو القبرُ

تهون علينا في المعالي نفوسنا

ومن خطب الحسناء لم يغلها المهرُ

أعزّ بني الدنيا وأعلا ذوي العلا

وأكرم من فوق التراب ولا فخرُ


وقال لما أُسر:

ما للعبيد مِن الّذي

يقضي به الله امتناعُ

ذدتُ الأُسود عن الفرا

ئس ثمَّ تفرسني الضباعُ

وقال:

قد عذب الموت بأفواهنا

والموت خيرٌ من مقام الذليلْ

إنّا إلى الله لما نابنا

وفي سبيل الله خير السّبيلْ

وقال لما ورد أسيراً بخرشنة:

إن زرت خرشنة أسيراً

فلكم حللت بها مغيرا

ولقد رأيت السبي يجلـ

ـب نحونا حوّا وحورا

ولقد رأيت النّار تنـ

ـتهب المنازل والقصورا

من كان مثلي لم يبت

إلّا أميراً أو أسيرا

ليست تحلُّ سراتنا

إلّا الصدور أو القبورا

ولَمّا ثقل الجراح وآيس من نفسه وهو أسير كتب إلى والدته يُعزِّيها بنفسه:

مصابي جليلٌ والعزاء جميلُ

وعلمي بأنَّ الله سوف يُديلُ

وإنّي لفي هذا الصباح لصالحُ

ولي كلّما جنَّ الظلام غليلُ

وما نال منّي الأسر ما تريانه

ولكنَّني دامي الجراح عليلُ

جراحٌ تحاماه الأساة مخافة

وسقمان بادٍ منهما ودخيلُ

وأسرٌ أقاسيه وليل نجومه

أرى كلّ شيءٍ وغيرهنَّ يزولُ

تطول بي الساعات وهي قصيرةٌ

وفي كلِّ دهر لا يسرّك طولُ

تناساني الأصحاب إلّا عصابةٌ

ستلحق بالأُخرى غداً وتحولُ

وإنَّ الذي يبقي على العهد منهمُ

وإن كثرت دعواهمُ لقليلُ

اُقلّب طرفي لا أرى غير صاحب

يميل مع النعماء كيف تميلُ

وصرنا نرى أنَّ المتارك محسنٌ

وإنَّ خليلاً لا يضرُّ وَصولُ

وليس زماني وحده بي غادرٌ

ولا صاحبي دون الرِّجال ملولُ

وما أثري يوم اللقاء مذمّمٌ

ولا موقفي عند الأسار ذليلُ


تصفَّحت أقوال الرجال فلم يكن

إلى غير شاك للزمان وصولُ

أكلُّ خليلٍ هكذا غير مُنصفٍ

وكلُّ زمان بالكرام بخيلُ

نعم دعت الدنيا إلى الغدر دعوةً

أجاب إليها عالمٌ وجهولُ

وقبلي كان الغدر في الناس شيمةً

وذُمّ زمانٌ واستلام خليلُ

وفارق عمرو بن الزبير شقيقه

وخلّى أمير المؤمنين عقيلُ

فيا حسرتي من لي بخلٍّ موافقٍ

يقول بشجوي مرَّة وأقولُ

وإنَّ وراء الستر اُمّاً بكاؤها

عليَّ وإن طال الزمان طويلُ

فيا أُمَّنا لا تعدمي الصبر إنَّه

إلى الخير والنجح القريب رسولُ

ويا أُمَّنا لا تحبطي الأجر إنَّه

على قدر الصبر الجميل جزيلُ

ويا أُمَّنا صبراً فكلُّ ملمَّة

تجلّي على علّاتها وتزولُ

أمالكِ في ذات النطاقين أسوةً(١)

بمكّة والحرب العَوان تجولُ

أراد ابنها أخذ الأمان فلم يُجب

وتعلم علماً إنَّه لقتيلُ

تأسّي كفاك الله ما تحذرينه

فقد غال هذا الناس قبلكِ غولُ

وكوني كما كانت بأُحدٍ صفيَّةٌ

ولم يشف منها بالبكاء غليلُ

فما ردَّ يوماً حمزة الخير حزنها

إذا ما علتها زفرةٌ وعويلُ

لقيتُ نجوم الأُفق وهي صوارمُ

وُخضت ظلام الليل وهو خيولُ

ولم أرع للنفس الكريمة خلّة

عشيَّة لم يعطف عليَّ خليلُ

ولكن لقيت الموت حتّى تركته

وفيه وفي حدِّ الحسام فلولُ

ومن لم يق الرَّحمن فهو ممزَّق

ومن لم يُعز الله فهو ذليلُ

ومن لم يرده الله في الأمر كلّه

فليس لمخلوق إليه سبيلُ

وإن هو لم يدللك في كلِّ مسلك

ظللت ولو أنَّ السماك دليلُ

إذا ما وقاك الله أمراً تخافه

فما لك ممّا تتَّقيه مُقيلُ

وإن هو لم ينصرك لم تلق ناصراً

وإن جلَّ أنصارٌ وعزَّ قبيلُ

وما دام سيف الدولة الملك باقياً

فظلّك فيّاحُ الجناب ظليلُ

_____________________

١ - ذات النطاقين هي أسماء بنت أبي بكر.


قال إبن خالويه: وقال يصف أيّامه ومنازله بمنبج وكان ولايته وأقطاعه وداره بها، ويعرِّض بقوم بلغه شماتتهم فيه وهو في أسر الرّوم:

قف في رسوم المستجاب

وناد أكناف المصّلّا

فالجوسق الميمون فا

لسقياء فالنَّهر المعلّا

أوطنتها زمن الصّبا

وجعلت منبج لي مَحلّا

حرم الوقوف بها عليَّ

وكان قبل اليوم حِلّا

حيث التفتُّ وجدت ماءً

سائحاً وسكنت ظلّا

تزداد وادٍ غير قا

صٍ منزلاً رحباً مُطلّا

وتحلُّ بالجسر الجنا

ن وتسكن الحصن المعلّى

تجلو عرائسه لنا

بالبشر جنب العيش سهلا

والماء يفصل بين زهـ

ـر الروض في الشطّين فصلا

كبساط وشيٍ جرَّدت

أيدي القيون عليه نصلا

من كان سُرّ بما عرا

ني فليمت ضرّاً وهزلا

لم أخلُ فيما نابني

من أن أعزّ وأن احلّا

مثلي إذا لقي الأسا

ر فلن يُضام ولن يذلّا

رعت القلوب مهابةٌ

وملأتها نُبلاً وفضلا

ما غصَّ منّي حادثٌ

والقرم قرمٌ حيث حلّا

أنّى حللت فإنَّما

يدعوني السيف المحَلّا

فلئن خلصتُ فإنَّني

غيظ العدى طفلاً وكهلا

ما كنت إلّا السيف زا

د على صروف الدَّهر صقلا

ولئن قُتلتُ فإنَّما

موت الكرام الصيد قتلا

لا يشمتنَّ بموتنا

إلّا فتىً يفنى ويبلى

يغترُّ بالدنيا الجهو

ل وليس في الدنيا مملّا

قال إبن خالويه: تأخَّرت كتب سيف الدولة عن أبي فراس في أيّام أسره، فذلك أنَّه بلغه أنَّ بعض الأسراء قال: إن ثقل هذا المال على الأمير كاتبنا فيه صاحب


خراسان وغيره من الملوك وخففت علينا الأسر، وذكر أنَّهم قرَّروا مع الروم إطلاق أسراء المسلمين بما يحملونه، فاتَّهم سيف الدولة أبا فراس بهذا القول، لضمانه المال للروم وقال: من أين تعرفه أهل خراسان؟ فقال أبو فراس هذ القصيدة وأنفذها إلى سيف الدولة.

قال الثعالبي: كتب أبو فراس إلى سيف الدولة: مفاداتي إن تعذَّرتْ عليك فأذن لي في مكاتبة أهل خراسان ومراسلتهم ليفادوني وينوبوا عنك في أمري فأجابه سيف الدولة: من يعرفك بخراسان؟ فكتب إليه أبو فراس:

أسيف الهدى وقريع العرب

إلام الجفاءُ وفيم الغضبْ؟

وما بال كُتبك قد أصبحت

تُنكبّني مع هذي النكبْ؟

وأنت الكريم وأنت الحليم

وأنت العطوف وأنت الحدبَ(١)

وما زلتَ تسبقني بالجميـ

ـل وتنزلني بالمكان الخصبْ

وإنّكَ للجبل المشمخرُّ

إليَّ بل لِقومك بل لِلعربْ

وتدفع عن حوزتي الخطوب

وتكشف عن ناظريَّ الكربْ

عُلاً يستفاد وعافٍ يُعاد

وعزّ يشاد ونعمى تربْ

وما غضَّ منِّيَ هذا الأسار

ولكن خلصت خلوص الذهبْ

ففيم يُعرِّضني بالخمولِ

مولى به ن لت أعلى الرتبْ

وكان عتيداً لديَّ الجواب

ولكن لهيبته لم أجبْ

أتنكر أنّي شكوت الزَّمان

وأنّي عتبتك فيمن عتبْ؟!

وإلّا رجعت فاعتبتني

وصيَّرت لي ولقومي الغلبْ

فلا تنسبنَّ إليّ الخمول

أقمت عليك فلم اغتربْ

وأصبحت منك فإن كان فضل

وإن كان نقصٌ فأنت السببْ

وإنَّ خراسان إن أنكرت

عُلاي فقد عرفتها حلبْ

ومن أين ينكرني الأبعدون

أمِن نقص جدٍّ أمِن نقص أبْ؟!

ألست وإيّاك من أُسرةٍ

وبيني وبينك عرق النسبْ؟!

_____________________

١ - الحدب من حدب وتحدب عليه: تعطف.


ودارٌ تناسب فيها الكرام

وتربيةٌ ومحلٌّ أشبْ

ونفسٌ تكبَّر إلّا عليك

وترغب إلّاك عمَّن رغبْ

فلا تعدلنَّ فداك إبن عمِّك

لا بل غلامك عمّا يجبْ

وأنصف فتاك فإنصافه

من الفضل والشرف المكتسبْ

أكنت الحبيب وكنت القريب

ليالي أدعوك من عن كثبْ؟!

فلمّا بعدت بدت جفوةٌ

ولاح من الأمر ما لا أُحبْ

فلو لم أكن بكَ ذا خبرةٍ

لقلت صديقك مَن لم يغبْ

وكتب إليه أيضاً:

زماني كلّه غضبٌ وعتبُ

وأنت عليَّ والأيّام إلبُ

وعيش العالمين لديك سهلٌ

وعيشي وحده بفناك صعبُ

[القصيدة ١٨ بيتاً]

وبلغ إليه نعي أُمِّه وهو في الحبس فقال يرثيها:

أيا أُمَّ الأسير بمن أُنادي؟

وقدَّمت الأيادي والشعورُ

إذا ابنكِ سار في برٍّ وبحر

فمن يدعو له أو يستجيرُ؟!

حرامٌ أن يبيت قرير عين

ولومٌ أن يلمَّ به السرورُ

وقد ذقتِ المنايا والرَّزايا

ولا ولدٌ لديكِ ولا عشيرُ

وغاب حبيب قلبكِ عن مكانٍ

ملائكة السَّماء به حضورُ

ليبككِ كلُّ يوم صمتِ فيه

مصابرةً وقد حمي الهجيرُ

ليبكك كلُّ ليل قمتِ فيه

إلى أن يبتدي الفجر المنيرُ

ليبككِ كلُّ مُضطهدٍ مخوفٍ

أجرتيه وقد قلَّ المجيرُ

ليبككِ كلُّ مسكينٍ فقيرٍ

أعنتيه وما في العظم ريرُ(١)

أيا أُمّاه كم هول طويل

مضى بكِ لم يكن منه نصيرُ

أيا أمّاه كم سرّ مصون

بقلبكِ مات ليس له ظهورُ

إلى مَن أشتكي وبمن أُناجي

إذا ضاقت بما فيها الصدورُ؟!؟!

_____________________

١ - مخ رار ورير. ذائب فاسد من الهزال.


بأيِّ دعاء داعيةٍ أوقّي

بأيِّ ضياء وجه أستنيرُ؟!

يمن يُستدفع القدر المرجّى

بمن يُستفتح الأمر العسيرُ؟!

تسلّي عنكِ إنّا عن قليل

إلى ما صرت في الأُخرى نصيرُ

ميلاده ومقتله

ولد المترجم سنة ٣٢٠ وقيل ٣٢١ ويعيّن الأوَّل ما حكاه إبن خالويه عن أبي فراس أنه قال له: إنَّ في سنة ٣٣٩ كان سنّي ١٩ سنة، وقتل يوم الأربعاء لثمان من ربيع الآخر(١) وعن الصّابي في تاريخه(٢) يوم السبت لليلتين خلتا من جمادي الأولى سنة ٣٥٧(٣) وذلك أنّه لما مات سيف الدولة عزم أبو فراس على التغلُب على حمص وتطلّع إليها وكان مقيماً بها فاتَّصل خبره إلى إبن أخته أبي المعالي إبن سيف الدَّولة وغلام أبيه قرعويه(٤) وجرت بذلك بين أبي فراس وبين أبي المعالي وحشة، فطلبه أبو المعالي فانحاز أبو فراس إلى [صدد] وهي قريةٌ في طريق البريَّة عند حمص، فجمع أبو المعالي الأعراب من بني كلاب وغيرهم وسيَّرهم في طلبه مع قرعويه، فأدركه بـ [صدد] فكبسوه فاستأمن أصحابه واختلط هو بمن استأمن معهم، فقال قرعويه لغلام له: اقتله. فقتله وأخذ رأسه وتركت جثته في البريَّة حتّى دفنها بعض الأعراب.

قال الثعالبي: دلَّت قصيدة قرأتها لأبي إسحاق الصّابي في مرثية أبي فراس على أنَّه قُتل في وقعةٍ كانت بينه وبين موالي أُسرته.

وقال إبن خالويه: بلغني أنَّ أبا فراس أصبح يوم مقتله حزيناً كئيباً وكان قد قلق في تلك الليلة قلقاً عظيماً فرأته ابنته امرأة أبي العشائر كذلك فأحزنها حزناً شديداً ثمَّ بكت وهو على تلك فأنشأ يقول كالذي ينعي نفسه وإن لم يقصد، وهذا آخر ما قاله من الشعر:

_____________________

١ - كامل إبن الأثير. تاريخ أبي الفدا.

٢ - حكاه عنه إبن خلكان في تاريخه، وصاحب شذرات الذهب.

٣ - أرخه إبن عساكر في تاريخه بسنة خمسين وثلثمائة وهو ليس في محله.

٤ - في كامل إبن الأثير: قرغويه. وفى الشذرات: فرغويه: وفي تاريخ إبن عساكر: إبن قرعونه.


أبُنيَّتي لا تحزني

كلُّ الأنام إلى ذهابِ

أبُنيَّتي صبراً جميلاً

للجليل من المصابِ

نوحي عليَّ بحسرةٍ

من خلف ستركِ والحجابِ

قولي إذا ناديتني

فعييت عن ردِّ الجوابِ

:زين الشباب أبو فرا

س ما تمتَّع بالشبابِ

وفي غير واحد من المعاجم: إنَّه لَمّا بلغ أُخته أُمّ أبي المعالي وفاته قلعت عينها، وقيل: بل لطمت وجهها فقلعت عينها، وقيل: قتله غلام سيف الدولة ولم يعلم أبو المعالي فلمّا بلغه الخبر شقَّ عليه. ومن شعره في المذهب:

لست أرجو النجاة من كلّما

أخشاه إلّا بأحمد وعليِّ

وببنت الرَّسول فاطمة الطّهر

وسب طيه والأمام عليِّ

والتقيِّ النقيِّ باقر علم الله

فينا محمَّد بن عليِّ

وأبي جعفر وموسى ومولاي

عليّ أكرم به من عليِّ

وابنه العسكريّ والقائم

المظهر حقّي محمَّد وعليِّ

بهمُ أرتجي بلوغ الأماني

يوم عرضي على الإله العليِّ

وله في المعنى:

شافعي أحمد النبيُّ ومولاي

عليٌّ والبنت والسبطانِ

وعليٌّ وباقر العلم والصّا

دق ثمَّ الأمين بالتبيانِ

وعليُّ ومحمَّد بن عليٍّ

وعليٌّ والعسكريُّ الداني

والإمام المهديُّ في يوم لا

ينفع إلّا غفران ذي الغفرانِ

ومن شعره في الحكمة والموعظة:

غنى النفس لمن يعقـ

ـل خيرٌ من غنى المالِ

وفضل الناس في الأنفـ

ـس ليس الفضل في الحالِ

وقال:

المرء نصب مصائب لا تنقضي

حتّى يُواري جسمه في رمسهِ

فمؤجَّل يلفي الرَّدى في أهله

ومعجَّل يلقى الرَّدى في نفسهِ


وله:

أنفق من الصبر الجميل فإنَّه

لم يخش فقراً منفقٌ من صبرهِ

والمرء ليس ببالغٍ في أرضه

كالصقر ليس بصائدٍ في وكرهِ

( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِاُولِي الْأَلْبَابِ )

إنتهى الجزء الثالث من كتاب «الغدير» ويتلوه الرابع

ولله الحمد أوَّلاً وآخراً


فهرست ما في هذا الجزء من امهات المطالب

بقية شعراء الغدير في القرن الثالث ١

١١ - أبو إسماعيل العلوي ١

١٢ - الوامق النصراني ٤

نعرات الجاهلية الأولى ١٠

حادث شَّوه صحايف التأليف ٢٧

١٣ - ابن الرومي ٢٩

رسائل ابن الرومي ٣٥

١٤ - الحماني الأفوه ٥٧

زيد الشهيد والشيعة ٦٩

الإمامية الاثني عشرية ٦٩

نقدٌ وإصلاح حول الكتب والتآليف المزوَّرة ٧٧

١ - العقد الفريد ٧٨

أضحوكة ٨٧

الانتصار ٩٠

الفرق بين الفِرَق ٩١

الفصل في الملل والنحل ٩٢

الملل والنحل ١٤٢

منهاج السنة ١٤٨

إشكال مزيَّف ١٦٣

البداية والنهاية ٢١٨

كلمات أمير المؤمنين عليه السلام ٢٢١

كلمة الإمام السبط الحسن عليه السلام ٢٢٤

رأي الصحابة والتابعين ٢٢٤

محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية ٢٤٩


السنَّة والشيعة ٢٦٦

الصراع بين الإسلام والوثنية ٢٨٨

فجر الإسلام. ضحى الإسلام. ظهر الإسلام ٣١٠

الجولة في ربوع الشرق الأدنى ٣١١

عقيدة الشيعة ٣٢٠

الوشيعة في نقد عقائد الشيعة ٣٢٤

فهرست شعراء الغدير ٣٣٩

شعراء الغدير ٣٤٠

ابن طباطبا الاصبهاني ٣٤٠

ابن علوية الاصبهاني ٣٤٧

المفجَّع ٣٥٣

أبو القاسم الصنوبري ٣٦٧

القاضي التنوخي ٣٧٧

أبو القاسم الزاهي ٣٨٨

الأمير أبو فراس الحمداني ٣٩٩