الغدير في الكتاب والسنة والأدب- الجزء 4
التجميع الإمامة
الکاتب العلامة الشيخ الأميني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

ألجزء الرابع

بقية شعراء الغدير فى القرن

الرابع و شعراءه فى القرن الخامس و شطر من

السادس و هم واحدو ثلثون شاعراً

و الله مستعان


بسم الله الرحمن الرحيم

ألحمد لِلَّه على ما عرَّفنا من نفسه، وألهمنا من شكره، وفتح لنا من أبواب العلم بربّوبيَّته، ودلَّنا عليه من الإخلاص في توحيده، وجنَّبنا من الإلحاد والنفاق والشِّقاق والشكِّ في أمره، ومنَّ علينا بسيِّد رُسله صلّى الله عليه وآله، و أكرمنا بالثَّقلين خليفتي نبيِّه:كتاب الله العزيز. والعترة الطاهرة سلام الله عليهم، وأسعد حظَّنا بتواصل أشواطنا في السعي وراء صالح المجتمع، ووفَّقنا لِلسير في سبيل الخدمة لِلمِلأ وفي مقدَّمهم روّاد العلم والفضيلة، وأثبت أقدامنا في جدَد الحقِّ والحقيقة، وتعالى في تلك الجدةَ جدّنا، وتوالت بسعد الجدّ صحائف أعمالنا وآثار يراعنا، ونحن نستثبت في الأمر ولا نتفوَّه إلّا بثبت، والله وليُّ التوفيق، وهو نعم المولى ونعم النَّصير.

عبد الحسين أحمد

الامينى


بقية شعراء الغدير

في لقرن الرابع

٢٢

أبو الفتح كشاجم

ألمتوفى ٣٦٠

له شغلٌ عن سؤال الطللْ

أقام الخليط به ؟ أم رحلْ ؟

فما ضمنته لحاظ الظبا

تطالعه من سجوف الكللْ

ولا تستفزُّ حجاه الخدود

بمصفرَّة واحمرار الخجلْ

كفاه كفاه فلا تعذلاه

كرّ الجديدين كرّ العذلْ

طوى الغيّ مشتعلاً في ذراه

فتطفى الصبابةُ لمّا اشتغلْ

له في البكاءِ على الطاهرين

مندوحةُ عن بُكاء الغزلْ

فكم فيهمُ من هِلالٍ هوى

قُبيل التمام وبدرٍ أفلْ

همُ حجج الله في خلقه

ويوم المعاد على من خذلْ

ومَن أنزل الله تفضيلهم

فردَّ على الله ما قد نزلْ

فجدّهمُ خاتم الأنبياء

ويعرف ذاك جميع المللْ

ووالدهم سيِّد الأوصياء

ومُعطي الفقير ومردي البطلْ

ومن علّم السّمر طعن الحلي

لدى الروع والبيض ضرب القللْ

ولو زالت الأرض يوم الهياج

من تحت أخمصه(١) لم يزلْ

ومن صدَّ عن وجه دنياهمُ

وقد لبست حليها والحللْ

وكان إذا ما اُضيفوا إليه

فأرفعهم رتبةً في المَثَلْ

سماءٌ اُضيف إليها ألحضيض

وبحرٌ قرنت إليه الوَشَلْ(٢)

____________________

(١) أخمص القدم:ما لا يصيب الارض من باطنها، ويراد به القدم كلها.

(٢) الوشل كما مر:الماء القليل يتحلب من صخر أو جبل.


بجودٍ تعلّم منه السحاب

و حلمٍ تولَّد منه الجبَلْ

وكم شبهة بهُداه جلا

وكم خُطّة بحجاه فصلْ

وكم أطفأ الله نار الضَّلال

به وهي ترمي الهدى بالشعلْ

و مَن رَدَّ خالقنا شمسه

عليه وقد جنحت للطفلْ(١)

و لو لم تعد كان في رأيه

و في وجهه من سناها بدلْ

و من ضَرب الناس بالمرهفات

على الدين ضربّ عراب الإبلْ

و قد علموا أنّ يوم الغدير

بغدرهمُ جرَّ يوم الجملْ

فيا معشر الظالمين الّذين

أذا قوا النبيَّ مضيض الثكلْ

إلى أن قال:

يُخالفكم فيه نصُّ الكتاب

وما نصَّ في ذاك خير الرُّسلْ

نبذتم وصيَّته بالعراء

و قلتم عليه الَّذي لم يقلْ

إلى آخر قصيدته الموجودة في نسخ ديوانه المخطوط ٤٧ بيتاً وقد أسقط ناشر ديوانه من القصيدة ما يخالف مذهبه وليست هذه بأوَّل يد حرَّفت الكلّم عن مواضعها.

( الشاعر )

أبو الفتح محمود بن محمَّد بن الحسين بن سندي بن شاهك الرملي(٢) ألمعروف بكشاجم. هو نابغةٌ من رجالات الاُمَّة، وفذُّ من أفذاذها، وأوحديُّ من نياقدها، كان لا يُجارى ولا يُبارى، ولا يُساجل ولا يُناضل، فكان شاعراً كاتباً متكلّماً منجِّماً منطقيّاً محدِّثاً، ومن نُطس الأواسيِّ محقِّقاً مدقِّقاً مجادلاً جواداً.

فهو جمُاع الفضايل وإنَّما لقّب نفسه بكشاجم إشارةً بكلِّ حرف منها إلى علم فبالكاف إلى أنَّه كاتب، وبالشين إلى أنَّه شاعر، وبالألف إلى أدبه أو إنشاده، و بالجيم إلى نبوغه في الجدل أو جوده، وبالميم إلى أنَّه متكلّم أو منطقيُّ أو منجِّمٌ، و لمّا ولع في الطلبِّ وبرع فيه زاد على ذلك حرف الطاء فقيل:طكشاجم. إلّا أنَّه

____________________

١ - طفلت الشمس:دنت للغروب. مر حديث رد الشمس في الجزء الثالث ١٢٦ - ١٤١.

٢ - نسبة إلى الرملة من أرباض فلسطين.


لم يشتهر به، هذا ما طفحت به المعاجم(١) في تحليل هذا اللقب على الخلاف الّذي أوعزنا إليه في الإشارة، لكن الرجل بارع في جميع ما ذكر من العلوم ولعلّه هو المنشأ للإختلاف في التحليل.

ادبه وشعره

إنَّ المترجَم قدوةٌ في الأدب وأسوةٌ في الشعر، حتّى انَّ الرفاء السري الشاعر المفلق على تقدُّمه في فنون الشعر والأدب كان مغرى بنسخ ديوانه، وكان في طريقه يذهب، وعلى قالبه يضرب(٢) ولشهرته بهذا الجانب قال بعضهم:

يا بؤس من يمنى بدمع ساجم

يهمى على حجب الفؤاد الواجمِ(٣)

لولا تعلّله(٤) بكأس مُدامة

ورسائل الصّابي وشعر كشاجمِ(٥)

دوَّن شعره أبو بكر محمَّد بن عبد الله الحمدوني، ثمَّ ألحق به زيادات أخذها من أبي الفرج إبن كشاجم.

وشعره كما تطفح عنه شواهد تضلّعه في اللغة والحديث، وبراعته في فنون الأدب والكتاب والقريض، كذلك يقيم له وزناً في الغرائز الكريمة النفسيَّة، ويمثِّله بملكاته الفاضلة كقوله:

شهرت نداي مناصبٌ لي

في ذرى كسرى صريحهْ

وسجيَّةٌ لي في المكا

رم إنَّني فيها شحيحهْ

متحيِّزاً فيها معلّى المجـ

ـد مجتنباً منيحهْ

ولقد سننت فيها من الكتا

بة للورى طرقاً فسيحهْ

وفضضت من عذر المعا

ني الغرِّ في اللغة الفصيحهْ

وشفعت مأثور الروا

ية بالبديع من القريحهْ

و وصلت ذاك بهمَّةٍ

في المجد سائبةٍ طموحهْ

____________________

١ - راجع شذرات الذهب ج ٣ ص ٣٧، والشيعة وفنون الاسلام ص ١٠٨.

٢ - تاريخ إبن خلكان ج ١ ص ٢١٨.

٣ - يمنى:يبتلى ويصاب. يهمى:يسيل. الواجم:العبوس من شدة الحزن.

٤ - علل فلاناً بكذا:شغله. أو:لهاه به.

٥ - معجم الادباء ج ١ ص ٣٢٦.


عزيمةٍ لا بالكليلـ

ـة في الخطوب ولا الطليحه

كلتاهما لي صاحبٌ

في كلِّ داميةٍ جموحهْ

ويحكي القارئ عن نبوغه وسرده المعاني الفخمة في أسلاك نظمه، ورقّة لطائفه، وقوَّة أنظاره، ودقَّة فكرته، ومتانة رويَّته قوله:

لو بحقٍّ تناول النجمِ خلقٌ

نلت أعلى النجوم باستحقاقِ

أو لَيس اللسان منّي أمضى

من ظبات المهنّدات الرقاقِ ؟

ويدي تحمل الأنامل منها

قلماً ليس دمعه بالراقي

أفعواناً تهاب منه الأعادي

حيَّة يستعيذ منها الرّاقي

وتراهُ يجود من حيث تجري

منه تلك السموم بالدِّرياقِ

مطرقاً يهلك العدوّ عقاباً

ويريش الوليّ ذا الأخفاقِ

وسطورٌ خططتها في كتاب

مثل غيم السحابة الرَّقراقِ

صغت فيه من البيان حليّاً

باختراع البعيد لا الاشفاقِ

وقوافٍ كأنَّهن عقود الد

رّ منظومة على الأعناقِ

غررٌ تظهر المسامع تيهاً

حين يسمعنها على الأحداقِ

ويحار الفهم الرَّقيق إذا ما

جال منهنَّ في المعاني الرِّقاقِ

ثاويات معي وفكري قد

سيَّرها في نوازح الآفاقِ

وإذا ما ألمَّ خطبٌ فرأسي

فيه مثل الشهاب في الأعناقِ

وإذا شئت كان شعري أحلي

من حديث الفتيان والعشّاقِ

حلف مشمولة وزير عوان

أسدٌ في الحروب غير مطاقِ

إصطباحي تنفيذ أمرٍ ونهي

ومن الراح بالعشيِّ اغتباقي

ووقور الندى ولا اُخجل الشا

رب منه ولا أذمُّ الساقي

أنزع الكأس إن شربت وأ

سقيه دهاقاً صحبي وغير دهاقِ

و معدٌّ لِلصيد منتخبات

من اُصول كريمة الأعراق

مضمرات كأنَّها الخيل تطوى

كلّ يوم بطونها للسِّباق

رايقات الشباب مكتسبات

حللاً من صنيعة الخلاق


تصف البيض والجفون إذا ما

أخرجت ألسناً من الأشداقِ

وكأنَّ المها إذا ما رأتها

حذرت واستطامنت في وثاقِ

مع ندامي كأنَّهم والتَّصافي

خُلقوا من تألّفٍ واتِّفاقِ

والباحث يجد شاعرنا عند شعره معلِّماً أخلاقيّاً فذّاً بعد ما يرى أمثلة خلايقه الكريمة، ونفايس سجاياه، وصدقه في ولاءه، وقيامه بشؤون الإنسانيَّة نصب عينيه مهما وقف على مثل قوله:

ولدينا لذي المودَّة حفظٌ

و وفاءٌ بالعهد والميثاقِ

أتواخى رضاه جهدي فلمّا

مسَّه الضرُّ مسَّه إرفاقي

تلك أخلاقنا ونحن اُناسٌ

همّنا في مكارم الأخلاقِ

وقوله:

اُناسٌ أعرضوا عنّا

بلا جُرم ولا معنى

أساؤا ظنّهم فينا

فهلّا أحسنوا الظنّا

وخلّونا ولو شاؤا

لعادوا كالَّذي كنّا

فإن عادوا لنا عُدنا

وإن خانوا لَما خُنّا

وإن كانوا قد اشتغلوا

فإنّا عنهمُ أغنى

وقوله من قصيدة يمدح بها إبن مقلة:

كم فيَّ من خلّة لوانَّها امتحنت

أدَّت إلى غبطةٍ أو سدَّت الخلّه

وهمَّةٍ في محلِّ النجم موقعها

وعزمة لم تكن في الخطب منجلّه

وذلَّةٍ أكسبتني عزّ مكرمةٍ

وربّما يُستفاد العزُّ بالذّله

صاحبت سادات أقوام فما عثروا

يوماً على هفوة منّي ولا زلّه

واستمتعوا بكفاياتي وكنت لهم

أوفى من الدرع أو أمضى من الاله

خطُّ يروق وألفاظٌ مهذَّبة

لا وعرة النظم بل مختاره سهله

لو أنَّني منهلٌ منها أخا ظمأ

روت صداه فلم يحتج إلى غلّه

وكم سننتُ رسوماً غير مشكلةٍ

كانت لمن أمَّها مُسترشداً قبله

عمت فلا منشيء الديوان مكتفياً

منها ولم يغن عنها كاتب السلّه


وصاحبتني رجالاتٌ بذلت لها

مالي فكان سماحي يقتضي بذله

فأعمل الدهر في ختلي مكائده

والدهر يعمل في أهل الهوى ختله

لكن قنعت فلم أرغب إلى أحد

والحرُّ يحمل عن أخوانه كلّه

وتراه متى ما أبعده الزَّمان عن أخلاّئه وحجبهم عنه، عزَّ عليه البين، وعظمت عليه شُقَّته، وثقل عليه عبءه، فجاء في شكواه يفزع ويجزع، ويأنُّ ويحنُّ، فيصوِّر على قاريء شعره حنانه وحنينه، ويمثِّل سجاح عينه لوعة وجده، ولهب هواه بمثل قوله:

يا مَن لعين ذرفتْ

و مَن لروحٍ تلفتْ

مُنهلّة عبرتها

كأنَّها قد طرفتْ(١)

إن أمنت فاضت وإن

خافت رقيباً وقفتْ

و إنما بكاؤها

على ليالٍ سلفتْ

وقوله:

يا مُعرضاً لا يلتفتْ

بمثل ليلي لا تبتْ

برَّح هجرانك بي

حتّى رثى لي من شمتْ

علقت قلبي بالمنى

فأحيه أو فأمت

وبما كان [ كشاجم ] مجلوباً بالحنان ولين الجانب، وسجاحة الخلايق، و حسن الأدب، مطبوعاً بالعطف والرأفة، مفطوراً على عوامل الإنسانيَّة، والغرائز الكريمة، ولم يكن شريراً، ولا رديء النفس، ولا بذيَّ اللسان، ولا مسارعاً في الوقيعة في أحد، كان يرى الشعر إحدى مآثره الجمَّة، ويعدُّه من فضايله، وما كان يتَّخذه عدَّةً للمدح، ولا جنَّةً في الهجاء، وما يُهمّه التوجّه إلى الجانبين، لم ير لأيٍّ منهما وزناً، لعدم تحرِّيه التحامل على أحد، وعدم اتِّخاذه مكسباً ليدرّ له أخلاف الرِّزق، ولا آلةً لدنياه وجمع حطامها، وكان يقول:

ولئن شعرتُ لما قصد

ت هجاء شخص أو مديحهْ

لكن وجدت الشعر للـ

ـآداب ترجمةً فصيحهْ

____________________

١ - طرفت عينه:أصابها شيئ فدمعت.


هجاؤه

أخرج القرن الرابع شعراء هجّائين قد اتَّخذ كلُّ واحدٍ منهم طريقة خاصَّةً من فنون الهجاء، وكلُّ فنّ مع هذه نوعٌ فذُّ في الهجاء، يظهر ميزه متى قرن بالآخر و منهم مُكثرٌ و منهم من استقلَّ، وشاعرنا من الفرقة الثانية، وله فنُّ خاصُّ من الهجاء كان يختاره ويلتزم به في شعره.

ولعلّك تجده في فنِّه المختار مجلوب خلايقه الحسنة، ونفسيّاته الكريمة، وملكاته الفاضلة، فكأنّه قد خمرت بها فطرته، ومزجت بها طينته، أو جرت منه الدم، واستولت على روحه، وحكمت في كلِّ جارحةٍ منه، حتّى ظهرت آياتها في هجاؤه النادر الشاذّ، فيخيَّل إليك مهما يهجو أنَّه واعظٌ بارُّ يخطب، أو نصوحٌ يُودِّد و يُعاتب، أو مجادلٌ دون حقِّه يُجامل، لا أنَّه يغمز ويعيب، ويغيظ في الوقيعة ويُناضل، ويثور ويثأر لنفسه، وتجده قد اتَّخذ الهجاء شكَّة دفاع له لا شكَّة هجوم، وترى كلَّ هجاؤه خليّاً عن لهجةٍ حادَّة، وسُبابٍ مُقذع، عارياً عن قبيح المقال وخبث الكلام، بعيداً عن هتك مهجوِّه، ونسبته إلى كلِّ فاحشة، وقذفه بكلِّ سيِّئة، غير مُستبيح إيذاء مُهجوِّه، ولا مُستحلّ حرمته، ولا مجوِّز عليه الكذب والتهمة، خلاف ما جرت العادة بين كثير من اُدباء العصور المتقادمة، فعليك النظر إلى قوله في بعض إبناء رؤساء عصره وقد أنفذ إليه كتابا فلم يجبه عنه:

هاقد كتبتُ فما رددتَ جوابي

و رجَّعتَ مختوماً عليَّ كتابي

وأتى رسولاً مستكيناً يشتكي

ذلَّ الحجاب ونخوة البوّابِ

وكأنّني بك قد كتبت معذِّراً

وظلمتني بملامةٍ وعتابِ

فارجع إلى الإنصاف و أعلم أنَّه

أولى بذي الآداب والأحسابِ

يا رحمة الله التي قد أصبحت

دون الأنام عليَّ سوط عذابِ

بأبي و اُمّي أنت من مستجمع

تيه القيان ورقَّة الكتّابِ

وقوله الآخر في هجاء جماعة من الرؤساء:

عدمت رئاسة قوم شقوا

شباباً ونالوا الغنى حين شابوا

حديثٌ بنعمتهم عهدهم

فليس لهم في المعالي نصابُ


يرون التكبّر مُستصوباً

من الرأي والكبر لاُ يستصابُ

وإن كاتبوا صارفوا في الدعاء

كأنَّ دعاؤهُم مُستجابُ

ومن لطيف شعره في الهجاء قوله:

إنَّ مظلومة التي

زوّجت من أبي عمرْ

ولدت ليلة الزفا

ف إلى بعلها ذَكَرْ

قلت:من أين ذا الغلا

م و ما مسَّها بشرْ ؟

قال لي بعلها:ألم

يأت في مسند الخبرْ ؟

ولد المرأ للفرا

ش وللعاهر الحجَرْ

قلت:هنَّيته على

رغم مَن أنكر الخبرْ

كشاجم والرياسة

وبما كان المترجَم كما سمعت مطبوعاً بسلامة النَّفس، وقداسة النَفَس، و طيب السريرة، متحلّياً بمكارم الأخلاق، خالياً من المكيدة و المراوغة والدسيسة، مزاولاً عن البذاء والايذاء والإعتساف، كان مترفِّعاً نفسه عن الرتبة وإشغال المنصَّة في أبواب الملوك والولاة، وما كان له مطمعٌ في شأن من الوزراء والولاية والكتابة و العمالة عند الاُمراء والخلفاء، وما أتَّخذ فضايله الجمَّة لها شرَكاً، ولنيل الآمال وسيلةً، وكان يرى التقمّص بالرَّياسة من مرديات النَّفس ويقول:

رأيت الرّياسة مقرونةً

بلبس التكبّر والنخوهْ

إذا ما تقمَّصها لابسٌ

ترفَّع في الجهر والخلوهْ

ويقعد عن حقّ إخوانه

ويطمع أن يهرعوا نحوهْ

و ينقصهم من جميل الدعاء

ويأمل عندهم الحظوهْ

فذلك إن أنا كاتبته

فلا يسمع الله لي دعوهْ

ولستُ بآتٍ له منزلاً

و لو انَّه يسكن المروهْ

وكان بالطبع والحال هذه ينهي أوليائه عن قبول الوظايف السلطانيّة، والتولّي بشيءٍ من المناصب عند الحُكّام، ويحذِّرهم عن التصدّي بوظيفةٍ من شؤون الملك والمملكة، ويمثِّل بين يديهم شنعة الايتمار، وينبِّههم بما يقتضيه الترأس من الظلم


والوقيعة في النفوس، ونصب العداء لمخالفيه، وما يوجب من دحض الحقِّ، وإضاعة الحقوق، ورفض مكارم الأخلاق. وحسبك ما كتبه إلى صديق له وكان قد تقلَّد البريد من قوله:

صرت لي عامل البريد مقينا(١)

وقديماً إليَّ كنت حبيبا

كنت تستثقل الرقيب فقد صر

ت علينا بما وليت رقيبا

كرهتك النفوس وانحرفت عنك

قلوبٌ وكنت تسبي القلوبا

أفلا يعجب الأنام بشخصٍ

صار ذئباً وكان ظبياً ربيبا؟!

حكمه ودرر كلمه:

فياله في شعره من شواهد صادقة تمثِّله بهذا الجانب العظيم، وتُعرب عن قَدم صدقه في حثِّ اُمَّته إلى المولى سبحانه بالحكمة والموعظة الحسنة، وبتِّ الدَّعوة إليه بدُرر الكلم وغُرر الحِكَم، وإصلاح اُمَّته ببيان بحقيقة، وتشريح دعوة النَّفس الأمّارة بالسّوء، وهن حكميّاته قوله:

ليس خلقٌ إلّا وفيه إذا ما

وقع الفحص عنه خيرٌ وشرٌّ

لازمٌ ذاك في الجبلَّة لا يد

فعه مَن له بذلك خبرُ

حكمة الصانع المدبِّر أن لا

شيىء إلّا وفيه نفعٌ وضرٌّ

فاجتهد أن يكون أكبر قسمـ

ـيك من النفع والاقل الأضرٌّ

وتحمَّل مرارة الرأي واعلم

أنّ عقبى هواك منه أمرٌّ

رُض بفعل التدبير نفسك واقصر

ها عليه ففيه فضلٌ وفخرُ

لا تُطعها على الذي تبتغيه

وليرعها منك اعتسافٌ وقهرُ

إنَّ مِن شأنَّها مجانبة الخـ

ـير وإتيان كلَ ما قدَ يغرُّ

وقوله:

عجبي ممَّن تعالت حاله

وكفاه الله زّلات الطلبْ

كيف لا يقسم شطري عمره

بين حالين:نعيم وأدبْ ؟!

فإذا ما نال دهراً حظّه

فحديثٌ ونشيدٌ وكتبْ

مرَّة جِدّاً و اُخرى راحةً

فإذا ما غسق الليل انتصبْ

____________________

١ - مذكر المقينة:الماشطة.


يقتضي الدنيا نهاراً حقّها

وقضى لِلَّه ليلاً ما يجبْ

تلك أقسامٌ متى يعمل بها

عاملٌ يسعد ويرشد ويصبْ

ومن كلمه الذهبيَّة في تحليل معنى الرضا عن النَّفس وما يوجب ذلك من سخطها وجموحها ورفض الآداب قوله:

لم أرض عن نفسي مخافة سخطها

ورضى الفتى عن نفسه اغضابها

لو أنَّني عنها رضيت لقصَّرت

عمّا تُريد بمثلها آدابها

وببيننا آثارُ ذاك وأكثرت

عذلي عليه وطال فيه عتابها

ومن حكمه قوله:

بالحرص في الرِّزق يذلُّ الفتى

والصبر فيه الشَّرفُ الشامخُ

ومُستزيدٌ في طلاب الغنى

يجمع لحماً ما له طابخُ

يضيع ما نال بما يرتجي

والنّار قد يطفئها النافخُ

وقوله:

حُلل الشبيبة مستعارهْ

فدع الصّبا واهجر ديارهْ

لا يشغلنك عن العلا

خودٌ تمنِّيك الزيارهْ

خودٌ تطيِّب طيبها

ويزين ساعدها سوارهْ

يحلو أوائل حبّها

ويشوب آخره مرارهْ

ما عذر مثلك خالعاً

في سكر لذِّته عذارهْ

من بعد ما شدَّ الأشدّ

على تلابيه ازارهْ

من ساد في عصر الشبا

ب غدت لسودده غفارهْ

ما الفخر أن يغدو الفتى

متشبِّعاً ضخم الحرارهْ

كلفاً بشرب الراح مشـ

ـغوفاً بغزلان الستارهْ

مهجورةً عرصاته

لا تقرب الأضياف دارهْ

ألفخر أن يُشجي الفتي

أعداؤه و يُعزُّ جارهْ

و يَذبُّ عن أعراضه

ويَشبُّ لِلطرّاق نارةْ

ويروح إمّا للإمـ

رة سعيه أو لِلوزارهْ


فرد الكتابة والخطا

بة والبلاغة والعبارهْ

متيقّظ العزمات يجـ

ـتنب الكرى إلّا غرارهْ

فكأنَّه مِن حدَّةٍ

ونفاذ تدبيرٍ شرارهْ

حتّى يُخاف ويُرتجى

ويُرى له نشبٌ وشارهْ

في موكب لجب كأنَّ

الليل ألبسه خمارهْ

تزهي به عصبٌ تنفِّض

عن مناكبه غبارهْ

و يُطيل إبناء الرغا

ـئب في مشاكلّه انتظارهْ

فادأب لمجدٍ حادثٍ

أو سالف يعلي منارهْ

واعمر لِنفسك في العلا

حالاً وكن حسن العمارهْ

و اقمر لها سوقاً يُنـ

فِّقها وتاجرها تجارهْ

لا تَغدُ كلّاً واجتنب

أمراً يخاف الحرُّ عارهْ

وإذا عدمت عن المآ

كلّ خيرها فكلّ الحجارهْ

رحلة كشاجم

غادر المترجم بيئة نشأته [ الرملة ] إلى الأقطار الشرقيَّة، وساح في البلاد، ورحل رحلة بعد اُخرى إلى مصر وحلب والشام والعراق، وكان كما كان في قصيدته التي يمدح بها إبن مقلة بالعراق:

هذا على أنَّني لا أستفيق ولا

أفيق من رحلة في إثرها رحله

وما على البدر نقصٌ في إضاءته

أن ليس ينفكُّ من سيرو من نقله

وقال وهو في مصر:

قد كان شوقي إلى مصر يُؤرِّقني

فاليوم عدتُ وغادت مصر لي دارا

أغدو إلى الجيزة الفيحاء مُصطحباً(١)

طوراً وطوراً اُرجِّي السير أطوارا

بينا اُسامي رئيساً في رياسته

إذ رحتُ أحسب في الحانات خمّارا

فللد و اوين اصباحي ومُنصرفي

إلى بيوت دُمى يعلمن أوتارا

أمَّا الشباب فقد صاحبت شرَّته

وقد قضيت لبانات وأوطارا

____________________

١ - ألجيزة:بليدة في غربّي فسطاط مصر.


من شادنٍ من بني الأقباط يعقدما

بين الكثيب وبين الخضر زنّارا

وكأنَّه في بعض آناته يرى نفسه بين مصر والعراق، ويتذكّر أدواره فيهما، و ما ناله في سفره إليهما من سرّاء أو ضرّاء، أو شدَّة أو رخاء، وما حظي من الأهلين من النِّعمة والنقمة، والإكبار والإستحقار، فيمدح هذا ويذمُّ ذلك فيقول:

يا هذا قلت فاسمعي لفتى

في حاله عبرةٌ لمعتبره

أمرت بالصبر والسلوِّ ولو

عشقت ألفيت غير مصطبره

من مبلغ إخوتي ؟ وإن بعدوا

: إنَّ حياتي لبعدهم كدِره

قد همتُ شوقاً إلى وجوههم

تلك الوجوه البهيَّة النضره

إبناء ملك علاهُم بهُم

على العلا والفخار مفتخره

ترمي بهم نعمة تُزيِّنها

مروءةٌ لم تكن ترى نزره

ما أنفك ذا الخلق بين منتصر

على الأعادي بهم ومنتصره

جبال حلمٍ بدور أنديةٍ

اُسد وغى في الهياج مُبتدره

بيض كرام الفعال لا بخل الاً

يدي وليست من الندى صفره

للناس منهم منافعٌ ولهم

منافعٌ في الأنام مُشتهره

متى أراني بمصر جارهم

نسبي بها كلَّ غادةٍ خضره

والنيل مستكملٌ زيادته

مثل دروع الكماة منتثره

تغدو الزواريق فيه مُصعدةً

بنا وطوراً تروح منحدره

والراح تسعى بها مذكّرة

أردانها بالعبير مُختمره

بكران لكن لهذه مائة

وتلك ثنتان وثنتا عشره

يا ليتني لم أرَ العراق ولم

أسمع بذكر الأهواز والبصره

ترفعني تارةً وتُخفضني

اُخرى فمن سهلة ومن وعره

فوق ظهر سلهبة(١)

قطانها والبدار مُغتفره

وتارةً في الفرات طامية

أمواجه كالخيال معتكره

حتّى كأنَّ العراق تعشقني

أو طالبتني يد النوى بتره

____________________

١ - السلهبة:الجسيمة.


وكان يجتمع في رحلاته مع الملوك والاُمراء والوزراء ويحظىء بجوائزهم، و يستفيد من صِلاتهم، ويتَّصل بمشيخة العلم والحديث والأدب، ويقرأ عليهم، ويسمع عنهم، ويأخذ منهم، وجرت بينه وبينهم محاضرات ومناظرات ومكاتبات، إلى أن تضلّع في العلوم، وحاز قصب السبق في فنون متنوِّعة، وتقدَّم في الكتابة والخطابة، وحصل له من كلِّ فنّ حظّه الأوفى، ونصيبه الأعلى حتّى عرَّفه المسعودي في ( مروج الذهب ) ٢ ص ٥٢٣ بأنَّه كان من أهل العلم والرواية والأدب.

عقيدته

إنَّ عصر المترجَم من العصور التي زاعت فيه النحل والمذهب، وشاعت فيه الأهواء والآراء، وقلَّ فيه من لا يرى في العقايد رأياً يفسِّر به إسلامه وهو ينصُّ به على خبيئة قلبه تارةً ويضمرها اُخرى، وأمّا شاعرنا فكان في جانبٍ من ذلك، إماميّاً صادق التشيّع، موالياً لأهل بيت الوحي، متفانياً في ولائهم، ويجد الباحث في خلال شعره بيِّنات تظاهره بالتهالك في ولاء آل الله، وبثِّه الدعوة إليهم بحججه القويَّة، والتفجّع في مصابهم والذبِّ عنهم، والنيل من مناوئيهم، واعتقاده فيهم أنَّهم وسايله إلى المولى في الحاضرة، وواسطة نجاحه في الآخرة.

وكان من مصاديق الآية الكريمة:يُخرج الحيّ من المَيت. فإنَّ نصب جدِّه السندي إبن شاهك وعدائه لأهل البيت الطاهر وضغطه وإضطهاده الإمام موسى بن جعفر صلوات الله عليه في سجن هارون ممّا سار به الرُّكبان، وسوَّدت به صحيفة تاريخه، إّلا أنَّ حفيده هذا باينه في جميع نزعاته الشيطانيّة، فهو من شعراء أهل البيت المجاهرين بولائهم، المتعصِّبين لهم، الذابِّين عنهم ولا بدع فإنَّ الله هو الذي يخرج الدُّر من بين الحصى، ويُنبت الورد محتفّاً بالأشواك، فمَن نمازج شعره في المذهب قوله:

بكاءٌ وقلَّ غناء البكاءِ

على رزء ذريَّة الأنبياءِ

لئن ذلَّ فيه عزيز الدُّموع

لقد عزَّ فيه ذليل العزاءِ

أعاذلتي إنَّ برد التّقى

كسانيه حبّي لأهل الكساءِ

سفينة نوح فمن يعتلق

بحبِّهمُ يعتلق بالنجاءِ


لعمري لقد ضلَّ رأي الهوى

بأفئدة من هواها هوائي

وأوصى النبيُّ ولكن غدت

وصاياه مُنبذةً بالعراءِ

ومن قبلها أمر الميِّتون

بردِّ الاُمور إلى الأوصياءِ

ولم ينشر القوم غلّ الصدو

ر حتّى طواه الرَّدى في رداءِ

ولو سلّموا لإمام الهدى

لقوبل معوجّهم باستواءِ

هلالٌ إلى الرشد عالي الضيا

وسيفٌ على الكفر ماضي المضاءِ

وبحرٌ تدفَّق بالمعجزات

كما يتدفَّق ينبوع ماءِ

علومٌ سماويَّةٌ لا تُنال

ومَن ذا ينال نجوم السماء ؟

لعمري الاولى جحدوا حقَّه

وما كان أولاهُم بالولاءِ

وكم موقف كان شخص الحمام

من الخوف فيه قليل الخفاءِ

جلاه فإن أنكروا فضله

فقد عرفت ذاك شمس الضحاءِ

أراها العجاج قُبيل الصَّباح

وردَّت عليه بُعيد المساءِ

وإن وتر القوم في بدرهم

لقد نقض القوم في كربلاءِ

مطايا الخطايا خذي في الظلام

فما همَّ إبليس غير الحداءِ

لقد هتكت حرم المصطفى

وحلَّ بهنَّ عظيم البلاءِ

وساقوا رجالهمُ كالعبيد

وحادوا نساءهمُ كالإماءِ

فلو كان جدُّهمُ شاهداً

ليتبع أظعانهم بالبكاءِ

حقودٌ تضرَّم بدريَّةٌ

وداءُ الحقود عزيزُ الدواءِ

تراه مع الموت تحت اللوا

ء والله والنصَّر فوق اللواءِ

غداة خميس إمام الهدى

وقد غاث فيهم هزبر اللقاءِ

وكم أنفس في سعيرٍ هوت

وهام مطيَّرة في الهواءِ

بضربٍ كما انقدَّ جيب القميص

وطعن كما انحلَّ عقد السقاءِ

وخيرة ربّي من الخيرتين

وصفوة ربّي من الأصفياءِ

طهرتم فكنتم مديح المديح

وكان سواكم هجاء الهجاءِ

قضيت بحبِّكمُ ما عليَّ

إذا ما دُعيت لفصل القضاءِ

_١_


وأيقنت أنَّ ذنوبي به

تساقط عنّي سقوط الهباءِ

فصلّى عليكم إ~له الورى

صلاةً توازي نجوم السماءِ

وقوله في مدحهم صلوات الله عليهم:

آل النبيِّ فضلتمُ

فضل النجوم الزاهره

وبهرتمُ أعدائكم

بالمأثرات السائره

ولكم مع الشَّرف البلا

غة والحلوم الوافره

وإذا تفوخر بالعلا

منكم علاكم فاخره

هذا وكم أطفأتمُ

عن أحمد من نائره

بالسّمر تخضب بالنجـ

ـيع(*) وبالسيوف البائره

تشفى بها أكبادكم

من كلِّ نفسٍ كافره

ورفضتمُ الدنيا لذا

فزتم بحظِّ الآخره

وقوله في ولاء أمير المؤمنينعليه‌السلام مشيراً إلى ما رويناه ص ٢٦ في الجزء الثالث ممّا ورد في حبِّ أمير المؤمنين:

حبُّ الوصيِّ مبرَّةٌ وصله

وطهارةٌ بالأصل مكتفله

والنّاس عالمهم يدين به

حبّاً ويجهل حقَّه الجهله

ويرى التشيّع في سراتهمُ

والنّصب في الأرذال والسفله

وقوله في المعنى:

حبُّ عليٍّ علوّ همَّه

لأنّه سيِّد الأئمَّه

ميِّز محبِّيه هل تراهم

إلّا ذوي ثروة ونعمه؟!

بين رئيس إلى أديب

قد أكمل الطرف واستتمَّه

وطيّب الأصل ليس فيه

عند امتحان الاُصول تُهمه

فهم إذا خلصوا ضياء

والنصب الظالمون ظلمه

هذه الأبيات ذكرها له الثعالبي في ( ثمار القلوب ) ص ١٣٦ في وجه إضافة السواد إلى وجه الناصبي، ويأتي مثله في ترجمة الناشي الصغير.

____________________

* - النجيع:من الدم ما كان مائلا الى السواد.


ولكشاجم يرثي آل الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم قوله:

أجل هو الرزء فادحهُ

باكره فاجعُ ورائحهُ

لاربع دارٍ عفا ولا طلل

أوحش لمّا نأت ملاقحهُ

فجائعٌ لو درى الجنين بها

لعاد مبيضَّةً مسالحهُ

يا بؤس دهرٍ على آل رسو

ل الله تجتاحهم جوائحهُ(١)

إذا تفكّرت في مصابهمُ

أثقب زند الهموم قادحه

بعضهمُ قربّت مصارعه

وبعضهم بوعدت مطارحهُ

أظلم في كربلاء يومهمُ

ثمَّ تجلّى وهم ذبائحهُ

لا يبرح الغيث كلّ شارقة

تهمى غواديه أو روائحهُ

على ثرى حلّة غريب رسو

ل الله مجروحةٌ جوارحه

ذلَّ حماه وقلَّ ناصره

ونال أقصى مناه كاشحهُ

وسيق نسوأنَّه طِلاح(٢)

أحسن أن تهادى بهم طلائحهُ

وهنَّ يمنعن بالوعيد من النـ

ـوح والملأ الأعلى نوائحه

عادى الأسى جدّه ووالده

حين استغاثتهما صوائحهُ

لو لم يُرد ذو الجلال حربهم

به لضاقت بهم فسائحهُ

وهو الذي اجتاح حين ما عقر

ت ناقته إذ دعاه صالحهُ

يا شيع الغيِّ والضَّلال ومن

كلّهمُ جمَّة فضائحهُ

غششتم الله في أذيَّة مَن

إليكُم اُدِّيت نصائحهُ

عفرتمُ بالثرى جبين فتىً

جبريل قبل النبيِّ ماسحهُ

سيّان عند الإله كلُكمُ

خاذله منكمُ وذابحهُ

على الذي فاتهم بحقِّهم

لعنٌ يغاديه أو يُراوحهُ

جهلتمُ فيهم الذي عرفه البيـ

ـت وما قابلت أباطحهُ

إن تصمتوا عن دعائهم فلكم

يوم وغى لا يُجاب صائحهُ

____________________

م - ١ - جاحه واجاجه واجتاحه:استأصله وأهلكه. جوائح جمع جائحة:البلية والداهية العظيمة )

م - ٢ - طلاح:معيية من السفر ).


في حيث كبش الرِّدي يُناطح من

أبصر كبش الورى يُناطحهُ

وفي غدِ يعرف المخالف من

خاسر دينِ منكم و رابحهُ

وبين أيديكُم حريق لظى

يلفح تلك الوجوه لافحهُ

إن عبتموهم بجهلكم سفهاً

ما ضرَّ بدر السَّماء نائحهُ

أو تكتموا الحق فالقرآن مشكله

بفضلهم ناطقٌ و واضحهُ

ما أشرق المجد من قبورهم

إلّا و سكّانها مصابحهُ

قومٌ أبى حدُّ سيف والدهم

للدين أو يستقيم جامحهُ

وهو الذي استأنس الزَّمان به

والدين مذعورةٌ مسارحهُ

حاربه القوم وهو ناصره

قِدما وغشّوه وهو ناصحهُ

وكم كسى منهم السيوف دماً

يوم جلاد يطيح طائحهُ

ما صفح القوم عندما قدروا

لمّا جنت فيهمُ صفائحهُ

بل منحوه العناد واجتهدوا

أن يمنعوه والله مانحهُ

كانوا خفافاً إلى أذيّته

وهو ثقيل الوقار راجحهُ

وله قوله:

زعموا أنَّ من أحبَّ عليّاً

ظلَّ لِلفقر لابساً جلبابا

كذبوا من أحبَّه من فقيرٍ

يتحلّى من الغنى أثوابا

حرّفوا منطق الوصيِّ بمعنى

خالفوا إد تأوَّلوه الصَّوابا

إنَّما قال:ارفضوا عنكم الد

نيا إذا كنتمُ لنا أحبابا

مشايخه وتآليفه

لم نقف في المصادر التي بين أيدينا على ما يفيدنا في التنقيب عن أيّام صباه، و كيفيَّة تعلّمه، وأساتذته في فنونه، ومشايخه في علومه، والمصادر برمَّتها خاليةٌ من البحث عن هذا الجانب إلّا أنَّ شعره يُفيدنا تلمّذه على الأخفش الأصغر عليِّ بن سليمان المتوفّى سنة ٣١٥ فهو إمّا قرأ عليه في مصر أيَّام الأخفش بها وقد ورد الأخفش مصر سنة ٢٨٧ وخرج منها إلى حلب سنة ٣٠٦، وإمّا في بغداد قبل أن غادرها الأخفش إلى مصر، إذ يذكر قرائته عليه في قصيدة يمدحه بها في الشام حينما نزل بها الأخفش


إما في رواحه إلى مصر، إمّا في أوبته عنها فقال:

فلمّا خُيِّل الصبح

ولمّا يبدُ تبليجه

واتبعت العرا وجهاً

كسى البشر تباهيجه

إلى كعبة آداب

بأرض الشام محجوجه

إلى معدن بالحكمة

والآداب ممزوجه

سماعيٌّ قرائيٌّ

له في العلم مرجوجه

ومَن يعدل بالعلم

من المنآد تعويجه

إذ الأخبار حاجته

ثناها وهي محجوجه

به تغدو من الشكِّ

قلوب القوم مثلوجه

و يلقى طرق الحكمة

للأفهام منهوجه

لكي يفرج عنّي الخطـ

ـب لا أسطيع تفريجه

وكي يمنحني تأديبـ

ـه المحض وتخريجه

ومَن أولى بتقريب

خلا من كنت ضرِّيجه

ومن توَّجني من علـ

ـمه أحسن تتويجه

له أدب النديم كما في فهرست إبن النديم.

٢ - كتاب الرسائل.

٣ - ديوان شعره.

٤ - كتاب المصايد والمطارد(١) .

٥ - خصايص الطرف.

٦ - ألصبيح.

٧ - البيرزة في علم الصيد.

ولادته ووفاته

ما عثرنا في الكتب والمعاجم على ما يفيدنا تاريخ ولادته لكن يلوح من شعره الذي يذكر فيه شيبه وهرمه في أوايل القرن الرابع انَّه ولد في أواسط القرن الثالث

____________________

١ - ينقل عنه ابن خلكان في تاريخه ج ٢ ص ٣٧٩.


قال من قصيدة:

وإنَّ شيبي قد لاحت كواكبه

في ظلمة من سواد اللمَّة الجثله

فهذه جملةٌ في العذر كافيةٌ

تغنيك فاغن عن التفصيل بالجمله

وبان منّي شبابٌ كان يشفع لي

سقياً له من شباب بان سقيا له

قد كان بابي للعافين منتجعاً

ينتابه ثُلّة من بعدها ثُلّة

وكنت طود المنى يُؤوى إلى كنفي

كحائط مُشرف من فوقه ظلّه

أفنى الكثير فما إن زال ينقصني

متى دفعت إلى الأفنان والقلّه

وقد غنيت وأشغالي تبيِّن من

فضلي فقد سترته هذه العطله

والسيف في الغمد مجهول جواهره

وإنَّما يجتنيه عين من سلّه

وهذه القصيدة يمدح بها أبا علي إبن مقلة الوزير ببغداد في ايّام وزارته قبل حبسه وقد قبض عليه وحبس سنة ٣٢٤ وتوفي ٣٢٨.

و أمّا وفاته ففي ( شذرات الذهب ) انَّه توفِّي سنة ٣٦٠ وتبعه - تاريخ آداب اللغة العربيَّة - وفي كشف الظنون، وكتاب الشيعة وفنون الاسلام، والأعلام للزركلي انَّها في سنة ٣٥٠ وردَّدها غير واحد من المعاجم بين التاريخين، وكلُّ منهما يمكن أن يكون صحيحاً، كما يقرب إليهما ما في مقدِّمة ديوانه من أنَّه توفي سنة ٣٣٠ وهو كما سمعت في مدحه إبن مقلة كان يشكو هرمه قبل سنة ٣٢٤.

( لفت نظر ) ذكر المسعودي في ( مروج الذهب ) ج ١ ص ٥٢٣ لكشاجم أبياتاً كتبها إلى صديق له ويذمّ النرد وذكر اسمه أبو الفتح محمَّد بن الحسن، وأحسبه منشأ ترديد سيدنا صدر الدين الكاظمي في تأسيس الشيعة في إسمه وإسم أبيه بين محمود ومحمّد. والحسين والحسن، وذكر المسعودي صوابه في مروجه ٢ ص ٥٤٥، ٥٤٨، ٥٥٠.

ولده

أعقب المترجم ولديه أبا الفرج وأبا نصر أحمد ويُكنّي كشاجم نفسه بالثاني في قوله:

قالوا:أبو أحمد يبني. فقلت لهم:

كما بنت دودة بنيان السرق


بنته حتى إذا تمَّ البناء لها

كان التمام ووشك الخير في نَسق

ويثني عليه ويصفه بقوله:

نفسي الفداء لمن إذا جرح الأسى

قلبي أسوت به جروح أسائي

كبدي وتاموري وحبّة ناظري

و مؤمِّلي في شدَّتي ورخائي

ربَّيته متوسِّماً في وجهه

ما قبل فيَّ توسَّمت آبائي

ورزقته حسن القبول مبيِّناً

فيه عطاء الله ذي الآلاء

وغدوت مقتنياً له عن اُمَّه

وهي النجيبة وابنة النجباءِ

وعمرت منه مجالسي ومسالكي

وجمعت منه مآربي وهوائي

فأظلُّ أبهج في النهار بقربه

و اُريه كيف تناول العلياءِ

واُزيره العلماء يأخذ عنهمُ

ولشذَّ من يغدو إلى العلماءِ

وإذا يجنُّ الليل بات مسامري

ومجاوري وممثِّلاً بازائي

فأبيت اُدني مهجتي من مهجتي

وأضمُّ أحشائي إلى أحشائي

وكان أبو نصر أحمد بن كشاجم شاعراً أديباً ومن شعره يذمُّ به بخيلاً قوله(١) :

صديق لنا من أبرع الناس في البخل

وأفضلهم فيه وليس بذي فضلِ

دعاني كما يدعو الصديق صديقه

فجئت كما يأتي إلى مثله مثلي

فلمَّا جلسنا للطعام رأيته

يرى انَّه من بعض أعضائه أكلي

ويغتاظ أحياناً ويشتم عبدهُ

وأعلم أنَّ الغيظ والشتم من أجلي

فأقبلت أستلُّ الغذاء مخافةً

وألحاظ عينيه رقيبٌ على فعلي

أمدُّ يدي سرّاً لأسرق لقمةً

فيلحظني شَزراً فأعبث بالبقلِ

إلى أن جنت كفّي لحتفي جنايةً

وذلك أنَّ الجوع أعدمني عقلي

فجرَّت يدي للحين رجل دجاجةٍ

فجرت كما جرَّت يدي رجلها رجلي

وقدَّم من بعد الطعام حلاوَة

فلم أستطع فيها أمرّ ولا أحلي

وقمت لو أنّي كنت بيَّتُ نيّة

ربحت ثواب الصوم مع عدم الأكل

وذكر الثعالبي في ( يتيمة الدهر ) ج ١ ص ٢٥٧ - ٢٥١ من شعره ما يُناهز

____________________

١ - يتيمة الدهر ج ١ ص ٢٤٨، ونهاية الارب ج ٣ ص ٣١٨.


ستّين بيتاً. وقال صاحب تعاليق اليتيمة ج ١ ص ٢٤٠:[ لم نعثر في ديوان كشاجم على شيئ من هذه المختارات ] ذاهلاً عن أنَّ الديوان المعروف هو لكشاجم لا لابنه أبي نصر أحمد الذي انتخب الثعالبي من شعره، ويستشهد بشعره الوطواط في ( غرر الخصايص ).

خرج أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات الوزير المتوفّى سنة ٣٩١ إلى بستانه بالمقس فكتب إليه أبو نصر بن كشاجم على تفاحة بماء الذهب وأنفذها إليه(١) .

إذ الوزير تخلّى

للنيل في الأوقاتِ

فقد أتاه سميّا

ه جعفر بن الفراتِ

ويوجد في ( بدايع البداية ) شيئاً من شعره راجع ج ١ ص ١٥٧، وذكر من شعره إبن عساكر في تاريخه ج ٤ ص ١٤٩ ما نظمه سنة ٣٥٦ بالرملة لمّا ورد إليها أبو علي القرمطي القصير.

ويذكر محمَّد بن هارون بن الأكتمي إبني كشاجم ويهجوهما بقوله(٢) :

يا بْني كشاجم أنتما

مستعملان مجرَّبانِ

مات المشوم أبوكما

فخلفتماه على المكانِ

وقرنتما في عصرنا

ففعلتما فعل القرانِ

لغلاء أسعار الطعا

م وميتة الملك الهجانِ

____________________

١ - في معجم الادباء ج ٢ ص ٤١١.

٢ - يتيمة الدهر ١ ص ٣٥٢.


ألقرن الرابع

٢٣

ألناشي الصغير

ألمولود ٢٧١

ألمتوفّى ٣٦٥

يا آل ياسين مَن يحبّكمُ

بغير شكٍّ لنفسه نصحا

أنتم رشادٌ من الضَّلال كما

كلُّ فسادٍ بحبِّكم صلحا

وكلُّ مستحسنٍ لغيركمُ

إن قيس يوماً بفضكم قبحا

ما مُحيت آية النهار لنا

وآية الليل ذو الجلال محا

وكيف تمُحى أنوار رشدكمُ

و أنتمُ في دُجى الظلام ضُحى

أبوكُم أحمد و صاحبه

الممنوح من علم ربِّه منحا

ذاك عليُّ الذي تفرُّده

في يوم ( خُمّ ) بفضله اتَّضحا

إذ قال بين الورى وقام به

مُعتضداً في القيام مكتشحا

: من كنت مولاه فالوصيُّ له

مولى بوحي من الإ~له

فبخبخوا ثمَّ بايعوه و مَن

يُبايع الله مخلصاً ربحا

ذاك عليُّ الَّذي يقول له

جبريل يوم النزال ممُتدحا

: لا سيف إلّا سيف الوصيِّ ولا

فتى سواه إن حادثٌ فدحا

لو وزنوا ضربّه لعمرو وأعما

ل البرايا لَضربه رجحا

ذاك عليُّ الَّذي تراجع عن

فتح سواه وسار فافتتحا

في يوم حضَّ اليهود حين أ

قلّ الباب من حصنهم وحين دحا

لم يشهد المسلمون قطُّ رحى

حرب و ألفوا سواه قطب رحى

صلّى عليه الإ~له تزكيةً

و وفَّق العبد يُنشؤ المدحا

وقال في قصيدة يوجد منها ٣٦ بيتاً:


ألا يا خليفة خير الورى

لقد كفر القوم إذ خالفوكا

أدلُّ دليلٍ على أنَّهم

أَبَوْك وقد سمعوا النصَّ فيكا

خلافهمُ بعد دعواهُم

ونكثهُم بعد ما بايعوكا

إلى أن قال:

فيا ناصر المصطفى أحمد

تعلّمت نصرته من أبيكا

وناصبت نصّابه عنوةً

فلعنة ربّي على ناصبيكا

فأنت الخليفة دون الأنام

فما بالهم في الورى خلّفوكا؟

ولا سيَّما حين وافيته

وقد سار بالجيش يبغي تبوكا

فقال اُناس:قلاه النبيّ

فصرتَ إلى الطهّر إذ خفَّضوكا

فقال النبيُّ جواباً لما

يؤدّي إلى مسمع الطّهر فوكا

:ألم ترض إنّا على رغمهم

كموسى وهارون إذ وافقوكا؟

ولو كان بعدي نبيُّ كما

جعلت الخليفة كنت الشريكا

ولكنَّنى خاتم المرسلين

وأنت الخليفة إن طاوعوكا

وأنت الخليفة يوم انتجاك

على الكور حيناً وقدعا ينوكا

يراك نجيّاً له المسلمون

وكان الإ~له الَّذي ينتجيكا

على فم أحمد يوحي إليك

وأهل الضغاين مُستشر فوكا

وأنت الخليفة في دعوة

العشيرة إذ كان فيهم أبوكا

ويوم ( الغدير ) وما يومه

ليترك عذراً إلى غادريكا

لهم خلفٌ نصروا قولهم

ليبغوا عليك ولم ينصروكا

إذا شاهد والنصَّ قالوا لنا:

توانى عن الحقِّ واستضعفوكا

فقلنا لهم:نصُّ خير الورى

يُزيل الظنون وينفي الشّكوكا

وله يمدح آل الله قوله:

بآل محمَّد عُرف الصوابُ

وفي أبياتهم نزل الكتابُ

همُ الكلمات والأسماء لاحت

لآدم حين عزَّ له المتابُ

وهم حُجج الإ~له على البرايا

بهم وبحكمهم لا يُسترابُ


بقيَّة ذي العُلى وفروع أصل

بحسن بيانهم وضح الخطابُ

وأنوارٌ ترى في كلِّ عصر

لإرشاد الورى فهمُ شهابُ

ذراري أحمد وبنو عليٍّ

خليفته فهم لبُّ لبابُ

تناهوا في نهاية كلِّ مجد

فطهَّر خلقهم وزكوا وطابوا

إذا ما أعوز الطلّاب علمٌ

ولم يوجد فعندهُم يُصابُ

محبَّتهم صراطٌ مستقيمُ

ولكن في مسالكه عقابُ

ولا سيما أبو حسن عليّ

له في الحرب مرتبةٌ تُهابُ

كأنَّ سنان ذابله ضميرٌ

فليس عن القلوب له ذهابُ

وصارمه كبيعته بخمٍّ

معاقدها من القوم الرِّقابُ

عليُّ الدرّ والذهب المصفّى

وباقي الناس كلّهم تُرابُ

إذا لم تَبر من أعدا عليٍ(١)

فما لك في محبَّته ثوابُ

إذا نادت صوارمه نفوساً

فليس لها سوا نِعَم جوابُ

فبين سنانه والدِّرع سلمٌ

و بين البيض والبيض اصطحابُ

هو البكّاء في المحراب ليلاً

هو الضحّاك إن جدَّ الضرابُ

و مَن في خفِّه طرح الأعادي

حباباً كي يلسبه(٢) الحبابُ

فحين أراد لبس الخفِّ وافى

يُمانعه عن الخفِّ الغرابُ

وطار به فاكفأهُ و فيه

حبابٌ في الصعيد له انسيابُ(٣)

و مَن ناجاه ثعبانٌ عظيمٌ

بباب الطّهر ألقته السِّحابُ

رآه الناس فانجفلوا(٤) برعب

و اُغلقت المسالك والرحابُ

فلمّا أن دنا منه عليُّ

تدانى الناس واستولى العجابُ

فكلّمه عليُّ مُستطيلاً

و أقبل لا يخاف ولا يهابُ

____________________

١ - كذا في تخميس العلامة الشيخ محمد علي الاعسم. وفي كتاب الاكليل والتحفة:

ومن لم يبر من أعدا على

فليس له النجات ولا ثواب

٢ - لسبته الحية:لدغته.

٣ - انسابت الحية:اجرت وتدافعت.

٤ - انجفل وتجفل القوم:هربوا مسرعين.


ودنَّ لحاجر(١) وانساب فيه

وقال وقد تغيَّبه الترابُ

:أنا ملك مُسخت وأنت مولى

دُعاؤك إن مَننت به يُجابُ

أتيتك تائباً فاشفع إلى مَن

إليه في مهاجرتي الإيابُ

فأقبل داعياً وأتى أخوه

يؤمِّن والعيون لها انسكابُ

فلمّا أن اُجيبا ظلَّ يعلو

كما يعلو لدي الجدّ العقابُ

و أنبتَ ريش طاووسٍ عليه

جواهر زانها التِّبر المُذابُ

يقول:لقد نجوت بأهل بيتٍ

بهم يُصلى لظىّ وبهمُ يُثابُ

هم النبأ العظيم وفُلك نوحٍ

وباب الله وانقطع الخطابُ

( ما يتبع الشعر )

ألأصحّ انَّ هذه القصيدة للناشي كما صرِّح به إبن شهر آشوب في ( المناقب )، وروى إبن خلكان عن أبي بكر الخوارزمي:انَّ الناشي مضى إلى الكوفة سنة ٣٢٥ وأملى شعره بجامعها، وكان المتنبّي وهو صبيُّ يحضر مجلسه بها وكتب من إملائه لنفسه من قصيدة:

كأنَّ سنان ذابله ضميرٌ

فليس من القلوب له ذهابُ

وصارمه كبيعته بخمٍّ

مقاصدها من الخلق الرِّقاب

و ذكرها له الحموي في ( معجم الاُدباء ) ٥ ص ٢٣٥، واليافعي في ( مرآت الجنان ) ٢ ص ٣٣٥، وجزم بذلك في ( نسمة السحر ) وعزى مَن نسبها إلى عمرو بن العاص إلى أفحش الغلط وهؤلاء مهرة الفنِّ وإليهم المرجع في أمثال المقام.

فما تجده في غير واحد من المعاجم وكتب الأدب ككتاب الإكليل(٢) و تحفة الأحبّاء من مناقب آل العبا(٣) من نسبتها إلى عمرو بن العاص على وجوه متضاربة ممّا لا مُعوَّل عليه، قال صاحبا الإكليل والتحفة:إنَّ معاوية بن أبي سفيان قال يوماً لجلساءه:مَن قال في عليٍّ فله هذه البَدرة. فقال عمرو بن العاص هذه الأبيات طمعا بالبَدرة.

____________________

١ - الحاجر:الأرض المرتفعة ووسطها منخفض.

٢ - تأليف أبي محمد الحسن بن أحمد الهمداني اليمني.

٣ - تأليف جمال الدين الشيرازي.


وكذلك لا يصحُّ عزوها إلى ابن الفارض كما في بعض المعاجم، وكان إبن خلكان والحموي معاصرين لإبن الفارض، فما كان يخفى عليهما لو كان الشعر له، على انَّه كانت تتناقله الرواة قبل وجود إبن الفارض.

والَّذي أحسبه إنَّ لجملة من الشعراء قصايد علويَّة على هذا البحر والقافية مبثوثة بين الناس، وربما حُرّفت أبيات منها عن مواضعها فاُدرجت في قصيدة الآخر، كما أنَّك تجد أبياتاً من شعر الناشي في خلال أبيات السوسي المذكورة في مناقب إبن شهر آشوب، وكذلك أبياتاً من شعر إبن حمّاد في خلال أبيات العوني، وأبياتاً من شعر الزاهي في خلال شعر الناشي، وأبياتاً من شعر العبدي في خلال شعر إبن حمّاد، وبذلك اشتبه الحال على الرُّواة فعزي الشعر إلى هذا تارةً وإلى ذلك اُخرى.

خمَّس جملةً من هذه القصيدة ألعلّامة الحجَّة الشيخ محمَّد علي الأعسم النجفي أوّله:

بنو المختار هم للعلم بابُ

لهم في كلِّ مُعضلة جوابُ

إذا وقع اختلافٌ و اضطرابُ

بآل محمَّد عُرف الصَّوابُ

( ألشاعر )

أبو الحسن(١) عليُّ بن عبد الله بن الوصيف الناشي ( الصغير ) ألأصغر البغدادي من باب الطاق، نزيل مصر، المعروف بالحلّاء، كان أبوه يعمل حلية السيوف فسمّي حلاء ويقال له:الناشي لأنّ الناشي يقال لمن نشأ في فنّ من فنون الشعر كما قال السمعاني في الأنساب.

كان أحد من تضلّع في النظر في علم الكلام، وبرع في الفقه، ونبغ في الحديث، وتقدَّم في الأدب، وظهر أمره في نظم القريض، فهو جماع الفضايل، وسمط جمان العلوم، وفي الطليعة من علماء الشيعة ومتكلّميها، ومحدِّثيها، وفقهائها، وشعرائها.

روى عنه الشيخ الإمام محمَّد بن محمَّد بن نعمان المفيد، وبواسطته يروي عنه شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسى كما في فهرسته ص ٨٩، واحتمل في ( رياض العلماء )

____________________

١ - في فهرست الشيخ ورجال ابي داود:ابو الحسين.


رواية الشيخ الصدوق عنه أيضاً، وقال:لعلّه الذي كان من مشايخ الصَّدوق، وفي ( الوافي بالوفيات ) و ( لسان الميزان ) ٤ ص ٢٣٨:انَّ أبا عبد الله الخالع. وأبا بكر ابن زرعة الهمداني. وعبد الواحد العكبري. و عبد السَّلام بن الحسن البصري اللغوي. و إبن فارس اللغوي. وعبد الله بن أحمد بن محمَّد بن روزبة الهمداني وغيرهم يروون عنه، وانَّه يروي عن المبرد وإبن المعتزّ وغيرهما.

وذكر إبن خلكان:انَّه أخذ العلم عن أبي سهل إسماعيل بن عليِّ بن نوبخت، و هو من أعاظم متكلّمي الشيعة.

وقال شيخ الطائفة في فهرسته ص ٨٩:وكان يتكلّم على مذهب أهل الظاهر في الفقه. وأهل الظاهر هم أصحاب أبي سليمان داود بن علي بن خلف الإصبهاني المعروف بالظاهري المتوفّى ٢٧٠، قال إبن نديم في ( الفهرست ) ص ٣٠٣:هو أوَّل من استعمل قول الظاهر وأخذ بالكتاب والسنَّة وألغى ما سوى ذلك من الرأي والقياس. وقال إبن خلكان في تاريخه ١ ص ١٩٣:كان أبو سليمان صاحب مذهب مستقلّ، وتبعه جمع كثير يُعرفون بالظاهريَّة.

وفي رجال النجاشي:أنَّ للمترجم كتاباً في الإمامة، لكن الشيخ الطوسي يذكر له كتباً في ( الفهرست )، وفي تاريخ إبن خلكان:أنَّ له تصانيف كثيرة، وفي الوافي بالوفيات:انَّ شعره مدوَّنٌ، وأنَّ مدايحه في أهل البيت عليهم السَّلام لا تُحصى كثرةً، ولذلك عدَّه إبن شهر آشوب في ( معالم العلماء ) من مجاهري شعراء أهل البيت عليهم السَّلام.

وفي ( معجم الاُدباء ) قال الخالع:كان الناشي يعتقد الإمامة، ويناظر عليها بأجود عبارة، فاستنفد عمره في مديح أهل البيت حتّى عُرف بهم، وأشعاره فيهم لا تُحصى كثرةً، ومدح مع ذلك الراضي بالله وله معه أخبارٌ، و قصد كافوراً الأخشيدي بمصر وامتدحه، وامتدح إبن خنزابة وكان يُنادمه، وطرى إلى البريديِّ بالبصرة، وإلى أبي الفضل بن العميد بارَّجان.

وقال:قال إبن عبد الرحيم حدَّثني الخالع قال:حدَّثني الناشي، قال أدخلني إبن رائق على الراضي بالله وكنتُ مداحاً لابن رائق ونافقاً عليه فلمّا وصلتُ إلى الراضي قال لي:أنت الناشي الرافضيّ ؟ فقلت:خادم أمير المؤمنين الشيعيّ، فقال:من أيِّ الشيعة ؟ فقلت:شيعة بني هاشم. فقال:هذا خبث حيلة.


فقلت:مع طهارة مولد، فقال:هات ما معك. فأنشدته فأمر أن يخلع عليَّ عشر قطع ثياباً، وأعطى أربعة آلاف درهم، فاُخرج إليَّ ذلك وتسلّمته وعُدت إلى حضرته فقبَّلت الأرض وشكرته و قلت:أنا ممَّن يلبس الطيلسان فقال:ها هنا طيالس عدنيَّة أعطوه منها طيلساناً وأضيفوا إليها عمامة خزٍّ. ففعلوا، فقال:أنشدني من شعرك في بني هاشم فأنشدته:

بني العبّاس إنَّ لكم دماءً

أراقتها اُميَّة بالذّحولِ(١)

فليس بهاشميٍّ من يُوالي

اُميَّة واللَّعين أبا زبيلِ

فقال:ما بينك وبين أبي زبيل؟ فقلت:أمير المؤمنين أعلم. فابتسم وقال:انصرف.

ويستفاد من غير واحد من الأخبار أنَّ الناشي على كثرة شعره في أهل البيت عليهم السَّلام حظى منهم بالقبول والتقدير وحَسبه ذلك مأثرةً لا يقابلها أيُّ فضيلة، ومكرمةً خالدةً تكسبه فوز النشأتين.

روى الحموي في ( معجم الاُدباء ) قال:حدَّثني الخالع قال:كنتُ مع والدي في سنة ستّ وأربعين وثلاثمائة وأنا صبيُّ في مجلس الكبوذي في المسجد الذي بين الورّاقين والصاغة وهو غاصُّ بالنّاس وإذا رجلٌ قد وافى وعليه مرقعة وفي يده سطيحة و ركوة ومعه عكاز، وهو شعث، فسلّم على الجماعة بصوت يرفعه، ثمَّ قال:أنا رسول فاطمة الزهراء صلوات الله عليها فقالوا:مرحباً بك و أهلا و رفعوه فقال:أتعرِّفون لي أحمد المزوِّق النائح ؟ فقالوا:هاهو جالسٌ، فقال:رأيت مولاتنا عليها السَّلام في النوم فقالت:لي امض إلى بغداد واطلبه وقل له:نُح على ابني بشعر الناشي الذي يقول فيه:

بني أحمد قلبي بكم يتقطَّعُ

بمثل مصابي فيكمُ ليسُ يسمعُ

وكان الناشي حاضراً فلطم لطماً عظيماً على وجهه وتبعه المزوِّق والناس كلّهم وكان اشدُّ الناس في ذلك الناشي ثمَّ المزوِّق ثمَّ ناحوا بهذه القصيدة في ذلك اليوم إلى أن صلّى الناس الظهر، وتقوِّض المجلس، وجهدوا بالرَّجل أن يقبل شيئاً منهم، فقال:والله لو اُعطيت الدنيا ما أخذتها فإنَّني لا أرى أن أكون رسول مولاتي عليها السَّلام ثمَّ

____________________

١ - الذحل:الثأر. العداوة. الحقد ج ذحول.


آخذ عن ذلك عوضاً. وانصرف ولم يقبل شيئاً، قال:ومن هذه القصيدة وهي بضعة عشر بيتاً:

عجبٌ لكم تُفنون قتلاً بسيفكم

ويسطو عليكم مَن لكم كان يخضعُ

كأنَّ رسول الله أوصى بقتلكم

وأجسامكم في كلّ أرض توزَّع

قال الأميني:أوَّل هذه القصيدة:

بني أحمد قلبي لكم يتقطَّعُ

بمثل مصابي فيكُم ليس يُسمعُ

فما بقعةٌ في الأرض شرقاً ومغرباً

وليس لكم فيها قتيلٌ ومصرعُ

ظُلمتم و قُتِّلتم و قُسِّم فيئكم

وضاقت بكم أرضٌ فلم يحم موضعُ

جسومٌ على البوغاء تُرمي وأرؤسٌ

على أرؤس اللدن الذوابل تُرفعُ

توارون لم تأو فراشاً جنوبكم

ويسلمني طيب الهجوع فأهجعُ

وقال الحموي:حدَّثني الخالع قال:إجتزت بالناشي يوماً و هو جالسٌ في السرّاجين فقال لي:وقد عملت قصيدةً قد طلبت واُريد أن تكتبها بخطِّك حتّى اُخرجها. فقلت:أمضي في حاجة وأعود، وقصدت المكان الذي أردته وجلست فيه فحملتني عيني فرأيت في منامي أبا القاسم عبد العزيز الشطرنجي النائح فقال لي:اُحبُّ أن تقوم فتكتب قصيدة الناشي البائيَّة فإنَّا قد نحنا بها البارحة بالمشهد، وكان هذا الرَّجل قد توفّي وهو عائدٌ من الزِّيارة، فقمت ورجعت إليه وقلت:هات البائيَّة حتّى أكتبها، فقال:من أين علمت أنَّها بائيَّة ؟ وما ذكرت بها أحداً، فحدَّثته بالمنام فبكى، وقال:لا شكَّ أنَّ الوقت قد دنا فكتبتها فكان أوَّلها:

رجائي بعيدٌ والممات قريبُ

و يخطئ ظنّي والمنون تُصيبُ

قال الأميني:و من البائيَّة في المديح قوله:

اُناسٌ علوا أعلا المعالي من العلا

فليس لهم في الفاضلين ضريبُ

إذا انتسبوا جازوا التناهي لمجدهم

فما لهمُ في العالمين نسيبُ

هم البحر أضحى درّه وعبابه

فليس له من منتفيه رسوبُ

تسير به فُلك النجاة وماؤها

لشرّابه عذب المذاق شروبُ

هو البحر يُغني مَن غدا في جواره

وساحله سهل المجال رحيبُ


همُ سببٌ بين العباد وربِّهم

محبِّهمُ في الحشر ليس يخيبُ

حووا علم ما قد كان أو هو كائنٌ

وكلُّ رشادٍ يحتويه طلوبُ

وقد حفظوا كلَّ العلوم بأسرها

وكلُّ بديعٍ يحتويه غيوبُ

هم حسنات العالمين بفضلهم

وهم للأعادي في المعاد ذنوبُ

وجمع العلّامة السماوي شعر الناشي في أهل البيت عليهم السّلام يربو على ثلاثمائة بيتاً.

( ولادته ووفاته ) حكى الحموي في ( معجم الأدباء ) نقلاً عن خالع انَّه قال:مولده على ما أخبرني به سنة ٢٧١، ومات يوم الاثنين لخمس خلون من صفر سنة ٣٦٥ وكنت حينئذ بالري فورد كتاب إبن بقيَّه(١) إلى إبن العميد يخبره وقيل:أنَّه تبع جنازته ماشياً وأهل الدولة كلّهم، و دُفن في مقابر قريش وقبره هناك معروفٌ.

وهو ممَّن نُبش قبره في واقعة سنة ٤٤٣ واُحرقت تربته(٢) وقال إبن شهر آشوب في ( المعالم ) ص ١٣٦:حرَّقوه بالنار. وظاهره أنَّه استشهد حرقا والله أعلم.

وهناك أقوال اُخر لا تقارف الصحَّة فقد أرّخ وفاته اليافعي في ( مرآة الجنان ) ٢ ص ٢٣٥:بسنة ٣٤٢، وإبن خلكان بسنة ٣٦٠، وإبن الأثير في ( الكامل ) بسنة ٣٦٦، وهو محكيُّ إبن حجر في ( لسان الميزان ) عن إبن النجار، وبها أرخ علاء الدين البهائي في ( مطالع البدور ) ١ ص ٢٥ وذكر له:

ليس الحجاب بآلة الأشرافِ

إنَّ الحجاب مجانب الإنصافِ

ولقلَّ ما يأتي فيحجب مرَّةً

فيعود ثانيةً بقلبٍ صافِ

وذكر له الثعالبي في ( ثمار القلوب ) ص ١٣٦ في نسبة السواد إلى وجه الناصبي قوله:

يا خليلي و صاحبي

من لُويِّ بن غالبِ

حاكم الحب جايرٌ

موجبٌ غير واجبِ

____________________

١ - أبو طاهر محمد بن بقية كان وزير عز الدولة، ولما ملك عضد الدولة بغداد ودخلها طلب ابن بقية وألقاه تحت أرجل الفيلة فلما قتل صلبه بحضرة بيمارستان العضدي ببغداد سنة ٣٦٧. ( ابن خلكان ٢ ص ١٧٥ ).

٢ - سيوافيك في هذا الجزء في ترجمة المؤيد ما وقع في تلك الواقعة الهائلة من الطامات والفظايع.


لك صدغٌ كأنَّما

لونه وجه ناصبي

يلدغ الناس إذ تعق‍

ـرب لدغ العقاربِ

( لفت نظر ) توجد في ( تنقيح المقال ) ج ٢ ص ٣١٣ ترجمة الناشي وفيها:والظاهر انَّه هو عليُّ بن عبد الله بن وصيف بن عبد الله الهاشمي الذي رُوي في ( العيون ) عنه عن الكاظمعليه‌السلام النصّ على الرِّضا. ا ه‍. وهذا أعجب ما رأيت في طيِّ هذا الكتاب القيم من العثرات.

( مصادر ترجمة الناشي )

فهرست الشيخ

معالم العلماء

رجال إبن داود

رجال النجاشي

يتيمة الدهر

أنساب السمعاي

وفيات الأعيان

معجم الأدباء

ميزان الإعتدال

ألوافي بالوفيات

خلاصة الرِّجال

نقد الرِّجال

كامل إبن الأثير

مجالس المؤمنين

لسان الميزان

شذرات الذهب

مطالع البدور

جامع الرُّواة

تلخيص الأقوال

مُنتهى المقال

نسمة السحر

أمل الآمل

خاتمة الوسايل

رياض العلماء

ملخَّص المقال

ألحصون المنيعة

ألشيعة وفنون الإسلام

تلخيص المقال

تأسيس الشيعة

روضات الجنّات

تنقيح المقال

هديَّة الأحباب

وفيات الأعلام

ألطليعة

بغية الطالب

شهداء الفضيلة


ألقرن الرابع

٢٤

ألبشنوي الكردى

توفّي بعد ٣٨٠

وقد شهدوا عيد ( الغدير ) واسمعوا

مقال رسول الله من غير كتمانِ

ألست بكم أولى من الناس كلّهم ؟

فقالوا:بلى يا أفضل الإنس والجانِ

فقام خطيباً بين أعواد منبرٍ

ونادى بأعلا الصوت جهراً بإعلانِ

بحيدرةٍ والقوم خرس أذلَّة

قلوبهمُ ما بين خلف وعينانِ

فلبَّ مُجيباً ثمَّ أسرع مقبلاً

بوجه كمثل البدر في غصن ألبانِ

فلاقاه بالترحيب ثمَّ ارتقى به

إليه وصار الطّهرِ للِمصطفى ثانِ

وشال بعضديه وقال وقد صغى

إلى القول أقصى القوم تالله والدانِ

:عليُّ أخي لا فرق بيني وبينه

كهارون من موسى الكلّيم ابن عمرانِ

ووارث علمي والخليفة في غدٍ

على اُمَّتي بعدي إذا زُرت جثماني

فيا ربِّ من والى عليّاً فواله

وعاد الذي عاداه واغضب على الشاني

وله قوله من قصيدة:

أأترك مشهور الحديث وصدقه

غداة بخمٍّ قام أحمد خاطبا ؟

:ألست لكم مولى ومثلي وليّكم

عليٌّ فوالوه وقذ قلت واجبا

وله قوله:

يوم ( الغدير ) لذي الولاية عيدُ

ولذي النواصب فضله مجحودُ

يومٌ يوسَّم في السماء بأنَّهُ

ألعهد فيه وذلك المعهودُ

والأرض بالميراث أضحت وسمه

لو طاع موطودٌ وكفَّ حسودُ


( ألشاعر )

أبو عبد الله ألحسين بن داود الكُردي البشنوي. من الشعراء المجاهرين في مدايح العترة الطاهرة عليهم السَّلام كما عدَّه إبن شهر اشوب منهم في [ معالم العلماء ] ويشهد لذلك شعره الكثير فيهم المبثوث في كتاب ( المناقب ) للسروي، فهو في الرَّعيل الأوَّل من حاملي ألوية البلاغة، وأحد شعراء الإماميَّة الناهضين بنشر الأدب، وينمُّ عن مذهبه قوله:

أليَّة ربّي بالهُدى متمسِّكاً

بإثني عشر بعد النبيَّ مراقبا

ابقى على البيت المطهَّر أهله

بيوت قريش للديانة طالبا

وقوله:

يا مُصرف النصِّ جهلاً عن أبي حسن

باب المدينة عن ذي الجهل مقفولُ

مدينة العلم ما عن بابها عوضٌ

لطالب العلم إذ ذو العلم مسئولُ

مولى الأنام عليٌّ والوليٌّ معاً

كما تفوَّه عن ذي العرش جبرئيلُ

وقوله:

قد خان من قدَّم المفضول خالقه

وللإ~له فبالمفضول لم أخن

وسيوافيك من شعره ما يظهر منه تضلّعه في التشيّع، وتمخّضه في الولاء، و انقطاعه إلى سادات الأئمَّة صلوات الله عليهم، فهو من شعراءهم، وما كان يقال:من انَّه شاعر بني مروان كما في كامل إبن الأثير ص ٢٤ من ج ٩ فالمراد بهم ملوك ديار بكر من أولاد اُخت باذ الكردي أوَّلهم أبو علي بن مروان استولى على ما كان يحكم عليه خاله من ديار بكر، وبعد قتله ملك أخوه ممهِّد الدولة، وبعد قتله قام أخوه أبو نصر و بقي ملكه من سنة ٤٢٠ إلى سنة ٤٥٣، وخلفه ولدان:نصر وسعيد، أمّا نصر فملك ميافارقين وتوفّي سنة ٤٥٣، وملك بعده ابنه منصور، وأمّا سعيد فاستولى على آمد(١) .

وكان البشنوي المترجَم له يستحثُّ الأكراد البشنويَّة(٢) أصحاب قلعة فتك لموازرة باذ الكردي خال بني مروان المذكورين في وقعة سنة ٣٨٠ التي وقعت بينه و

____________________

١ - راجع تاريخ ابي الفدا ج ٢ ص ١٣٣ و ١٨٩ و ٢٠٤.

٢ - كامل ابن الاثير ج ٩ ص ٢٤.


بين أبي طاهر والحسين إبني حمدان لَمّا ملكا بلاد الموصل سنة ٣٧٩ وله في ذلك قوله من قصيدة:

ألبشنويَّة أنصارٌ لدولتكم

وليس في ذا خفاً في العجم والعربِ

فإنتماء المترجَم إلى بني مروان هؤلاء بعلاقة خالهم باذ المتَّحد معه في العنصر الكردي، فعلى ما ذكرنا لا يكون لقول من قال(١) :إنَّ البشنوي توفّي سنة ٣٧٠ مقيلٌ من الحقيقة فإنَّ التاريخ يشهد بحياته بعدها بعشر سنين.

ذكر صاحب [ معالم العلماء ] للمترجَم كتاب الدلايل:والرسايل البشنويَّة، وقال إبن الأثير في ( اللباب ) ١ ص ١٢٧:وله ديوانٌ مشهور.

( ألبشنويَّة )

كانت في العراق في شرقي دجلة طوائف كثيرة من الأكراد ينتمون إلى حصون وقلاع وبلاد كانت لهم في نواحي الموصل والأربل، ومنهم:ألبشنويَّة ومنها شاعرنا المترجَم، كانت تسكن هذه الطايفة فوق الموصل قرب جزيرة إبن عمر(٢) بينهما نحو من فرسخين، وما كان يقدر صاحب الجزيرة ولا غيره مع مخالطتهم للبلاد عليها، قال ياقوت الحموي في ( معجم البلدان ):وهي بيد هؤلاء الأكراد منذ سنين كثيرة نحو الثلثمائة سنة وفيهم مروَّةٌ وعصبيَّةٌ ويحمون مَن يلتجئ إليهم ويحسنون إليه. ا ه‍. ولهذه الطائفة هناك قلاعٌ منها قلعة برقة، وقلعة بشير، وقلعة فنك، ومن أمرائها صاحب قلعة فنك الأمير أبو طاهر، والأمير إبراهيم، والأمير حسام الدين من اُمراء القرن السَّادس.

( ومنهم الزوزانيَّة ) تُنسب هذه الطايفة إلى الزوزان بفتح أوَّله وثانيه، ناحية واسعة في شرقي دجلة من جزيرة إبن عمر، وأوَّل حدودها من نحو يومين من الموصل إلى أوَّل حدود خلاط، وينتهي حدُّها إلى آذربايجان إلى عمل سلماس،

____________________

١ - ذكره صاحب اعيان الشيعة ج ١ ص ٣٨٧.

٢ - جزيرة ابن عمر بلدة فوق الموصل بينهما ثلاثة أيام ولها رستاق مخضب واسع الخيرات، وأحسب أن أول من عمرها الحسن بن عمر بن الخطاب التغلبي، وهذه الجزيرة تحيط بها دجلة إلا من ناحية واحدة شبه الهلال ثمَّ عمل هناك خندق أجرى فيه الماء فأحاط بها الماء من جميع جوانبها، ويقال في النسبة إليها:جزري ( معجم البلدان )


وفيها قلاعٌ كثيرةٌ حصينةٌ للأكراد البشنويَّة والزوزانيَّة والبختيَّة.

( ومنهم البختيَّة ) لهم عدَّة قلاع في الزوزان منها قلعة [ جُرذقيل ] وهي أجلُّ قلعةٍ لهم وكرسيُّ ملكهم، وقلعة آتيل. و علّوس. و ألقي. و أروخ. و باخوخة. وبرخو. وكنكور. ونيروه. وخوشب. ومن زعمائهم ألأمير موسك بن المجلي.

( ألهَكّاريَّة ) بالفتح وتشديد الكاف ينتمون إلى [ الهَكّاريَّة ] قرى فوق الموصل من جزيرة إبن عمر، ومن أمرائهم بحلب عزّ الدين عمر بن علي، وعماد الدين أحمد بن علي المعروف بإبن المشطوب، وكان أكبر أمير في مصر، ومن علمائهم شيخ الأسلام أبو الحسن عليّ بن أحمد الهَكَاري المتوفّى سنة ٤٨٦، والمترجَم في تاريخ إبن خلكان ج ١ ص ٣٧٧.

( ألجلّانيَّة ) بالفتح وتشديد اللّام وكسر النون والياء المشدَّدة، تنسب هذه الطائفة إلى الجلّانيَّة وهي قلعةٌ من قلاع الهَكّارية المذكورة.

( الزَواديَّة )(١) ، وهم أشرف الأكراد، ومنهم اسد الدين شيركوه المتوفّى سنة ٥٦٤ وأخوه نجم الدين أيّوب.

( ألشوانكاريَّة ) وهم الذين التجأ إليهم في سنة ٥٦٤ شملة ملك فارس صاحب خوزستان المتوفّى سنة ٥٧٠.

( ألحميديّة ) كانت لهم قلاعٌ حصينةٌ تجاور الموصل.

( الهذبانيَّة ) لهم قلعة إربل وأعمالها.

( ألحكميَّة ) ومن اُمرائهم الأمير أبو الهيجاء الأربلي.

ومنهم الأكراد المارانيَّة. واليعقوبيَّة، والجوزقانيَّة. والسورانيَّة. و الكورانيَّة، والعماديَّة، والمحموديَّة، والجوبيَّة، والمهرانيَّة، والجاوانيَّة، والرضائيَّة، والسروجيّة:والهارونيَّة، والريَّة، إلى غير ذلك من القبائل التي لا تُحصى كثرةً.

نبذة من شعره

ومن شعر شاعرنا [ البشنوي ] في المذهب قوله:

____________________

١ - كذا في الكامل وفي غيره:الردادية.


خير الوصيِّين مِن خير البيوت ومِن

خير القبايل معصومٌ مِن الزِّللِ

إذا نظرتَ إلى وجه الوصيِّ فقد

عبدتَ ربّك في قولٍ وفي عملِ

أشار بالبيت الأخير إلى ما رواه محبّ الدين الطبري في رياضه ج ٢ ص ٢١٩ عن أبي بكر. وعبد الله بن مسعود. وعمرو بن العاص. وعمران بن الحصين. وعن غيرهم عن النبيَّ صلّى الله عليه وآله وسلّم انَّه قال:النظر إلى وجه عليٍّ عبادة.

ورواه الكنجي في ( كفاية الطالب ) ص ٦٤ و ٦٥ عن عن إبن مسعود بطريقين وقال: ألحديث الأوَّل أحسن إسناداً من الثاني، والحديث الثاني روته الحفّاظ كأبي نعيم في حليته، والطبراني في معجمه، وهو حسنٌ عال جليلٌ غريبٌ من هذا الوجه، والحديث الأوَّل عال حسن السَّياق.

ورواه بطريق آخر عن معاذ بن جبل ص ٦٦ فقال:وأخرجه الحافظ الدمشقي في تاريخه عن غير واحد من الصحابة منهم أبو بكر. وعمر. وعثمان. وجابر. وثوبان وعايشة. وعمران بن الحصين. وأبو ذر.

وفي حديث أبي ذر قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم :مثل عليٍّ فيكم أو قال في هذه الاُمَّة كمثل الكعبة المستورة، ألنظر إليها عبادةٌ. والحجُّ إليها فريضةٌ. ورواه في ص ١٢٤ بطريق آخر عن عليٍّعليه‌السلام وله قوله:

ولستُ اُبالي بأيِّ البلاد

قضى الله نحبي إذا ما قضاه

ولا أين حطتُ إذا مضجعي

ولا مَن جفاه ولا مَن قلاه

إذا كنتُ أشهد أن لا إ~له

هو الله و الحقُّ فيما قضاه

وأنَّ محمَّداً نِ المصطفى

نبيُّ وأنَّ عليّاً أخاه

و فاطمة الطّهر بنت الرَّسول

رسولاً هدانا إلى ما هداه

و ابناهما فهما سادتي

فطوبى لعبدهما سيِّداه

وله قوله:

يا ناصبيَّ بكلِّ جهدك فاجهدِ

إنّي علقتُ بحبِّ آلِ محمَّدِ

ألطيِّبين الطاهرين ذوي الهدى

طابوا وطاب وليّهم في المولدِ

واليتهم وبرئتُ من أعدائهم

فاقلل ملامك لا أبّا لك أو زدِ

فهمُ أمانٌ كالنّجوم وأنَّهم

سُفن النجاة من الحديث المسندِ


وله قوله:

فقال كبيرهم:ما الرأي فيما

ترون يردّ ذا الأمر الجليِّ

سمعتم قوله قولاً بليغاً

وأوصى بالخلافة في عليِّ ؟

فقالوا:حيلة نصبت علينا

و رأيٌ ليس بالعقد الوفيِّ

تدبّر غير هذا في اُمور

تنال بها من العيش السنيِّ

سنجعلها إذا ما مات شورى

لتيميٍّ هنالك أو عديِّ

وله قوله:

يا قارئ القرآن مع تأويله

مع كلِّ محكمة أتت في حالِ

أعمارة البيت المحرَّم مثله

وسقاية الحجّاج في الأمثالِ؟!

أم مثلي التيميِّ أو عدويِّهم

هل كان في حالٍ من الأحوالِ؟!

لا والذي فرضٌ عليَّ وداده

ما عندي العلماء كالجهّالِ

وله قوله:

فمدينة العلم التي هو بابها

أضحى قسيم النّار يوم مآبهِ

فعدوُّه أشقى البريَّة في لظى

ووليّه المحبوب يوم حسابهِ

وله قوله:

خير البريَّة خاصف النعل الذي

شهد النبيُّ بحقِّه في المشهدِ

وبعلمه وقضائه وبسيفه

شهد الرَّسول مع الملائك فاشهدِ

وله في الصديقة الزَّهراء سلام الله عليها قوله:

وقف الندا في موضع عبرت

فيه البتول:عيونكم غضّوا

فتغضُّ والأبصار خاشعةٌ

وعلى بنان الظالم العضُّ

تسودُّ حينئذ وجوههمُ

ووجوه أهل الحقِّ تبيض

وله يمدح الإمام جعفر الصّادقعليه‌السلام قوله:

سليل أئمَّة سلكوا كراما

على منهاج جدِّهم الرَّسولِ

إذا ما مشكلٌ أعيى علينا

أتونا بالبيان وبالدليلِ


ألقرن الرابع

٢٥

ألصاحب بن عباد

ألمولود ٣٢٦

ألمتوفّى ٣٨٥

قالت:فمَن صاحب الدين الحنيف أجب ؟

فقلت أحمد خير السّادة الرُّسلِ

قالت:فمَن بعده تُصفي الولاء له ؟

قلت:الوصيّ الذي أربى على زُحلِ

قالت:فمَن بات مِن فوق الفراش فدى ؟

فقلت:أثبت خلق الله في الوهلِ

قالت:فمَن ذا الذي آخاه عن مقةٍ؟

فقلت:من حاز ردِّ الشمس في الطفلِ

قالت:فمَن زوَّج الزَّهراء فاطمة ؟

فقلت:أفضل من حافٍ ومُنتعلِ

قالت:فمَن والد السبطين إذ فرعا ؟

فقلت:سابق أهل السبق في مهلِ

قالت:فمَن فاز في بَدرٍ بمعجزها ؟

فقلت:أضرب خلق الله في القلل

قالت:فمَن أسد الأحزاب يفرسها ؟

فقلت:قاتل عمرو الضيغم البطلِ

قالت:فيوم حُنين مَن فرا وبَرا ؟

فقلت:حاصدُ أهل الشِّرك في عجل

قالت:فمَن ذا دُعي للطيِّر يأكله ؟

فقلت:أقربّ مَرضيٍّ ومُنتحلِ

قالت:فمَن تلوه يوم الكساء أجب ؟

فقلت:أفضل مَكسوٍ ومُشتملِ

قالت:فمَن ساد في يوم ( الغدير ) أبن ؟

فقلت:مَن كان للإسلام خير ولي

قالت:ففي مَن أتى في هل أتى شرفٌ ؟

فقلت:أبذل أهل الأرض للنفلِ

قالت:فمَن راكعٌ زكّى بخاتمه ؟

فقلت:أطعنهم مذ كان بالاُسلِ

قالت:فمَن ذا قسيم النار يسهمها ؟

فقلت:مَن رأيه أذكى من الشّعلِ

قالت:فمَن باهل الطّهر النبيُّ به ؟

فقلت:تاليه في حلٍّ و مُرتحلِ

قالت:فمَن شبه هارون لنعرفه ؟

فقلت:مَن لم يحل يوماً ولم يزلِ

قالت:فمَن ذا غدا باب المدينة قل ؟

فقلت:من سألوهُ وهو لم يَسلٍ


قالت:فمَن قاتل الأقوام إذ نكثوا ؟

فقلت:تفسيره في وقعة الجملِ

قالت:فمَن حاربَ الأرجاس إذ قسطوا ؟

فقلت:صفِّين تُبدي صفحة العملِ

قالت:فمَن قارعَ الأنجاس إذ مَرقوا ؟

فقلت:معناه يوم النَّهروان جَلي

قالت:فمَن صاحب الحوض الشريف غداً؟

فقلت:مَن بيته في أشرف الحللِ

قالت:فمَن ذا لواء الحمد يحمله ؟

فقلت:مَن لم يكن في الرَّوع بالوجلِ

قالت:اُكلُّ الذي قد قلتَ في رجلٍ ؟

فقلت:كلُّ الذي قد قلتُ في رجلِ

قالت:فمَن هو هذا الفرد سِمهُ لنا ؟

فقلت:ذاك أمير المؤمنين علي

وله من قصيدة:

يا كفو بنت محمَّد لولاك ما

زُفَّت إلى بشر مدى الأحقابِ

يا أصل عترة أحمد لولاك لم

يك أحمد المبعوث ذا أعقابِ

كان النبيُّ مدينة العلم التي

حوت الكمال و كنتَ أفضل بابِ

رُدَّت عليك الشمس وهي فضيلةُ

بهرت فلم تُستر بلفِّ نقابِ

لم أحك إلّا ما روته نواصبٌ

عادتك فهي مباحة الأسلابِ

عوملت يا تلو النبيِّ وصنوه

بأوابد جاءت بكلّ عجابِ

قد لقَّبوك أبا ترابٍ بعد ما

باعوا شريعتهم بكفِّ تُرابِ

لم تعلموا أنَّ الوصيَّ هو الذي

آتي الزكاة وكان في المحرابِ

لم تعلموا أنَّ الوصيَّ هو الذي

حَكَم الغدير له على الأصحابِ

وله قوله:

وقالوا:عليُّ علا. قلت:لا

فإنَّ العُلا بعليٍّ عُلا

ولكن أقول كقول النبيِّ

وقد جمع الخلق كلّ الملا

: ألا إنَّ مَن كنت مولى له

يُوالي علياً و إلّا فلا

وله من قصيدة قوله:

وكم دعوةٍ للمصطفى فيه حُقِّقت

وآمال من عادى الوصيِّ خوائبُ

فمَن رَمَدٍ آذاه جَلّاه داعياً

لساعته والريح في الحرب عاصبُ

من سطوةٍ للحرِّ والبرد رفِّعت

بدعوته عنه وفيها عجائبُ


وفي أيِّ يوم لم يكن شمس يومه

إذا قيل هذا يوم تُقضى المآرب ؟

أفي خطبة الزَّهراء لمّا استخصَّه

كفاءاً لها والكلُّ من قبل طالبُ ؟

أفي الطير لمّا قد دعا فأجابه

وقد ردَّه عنه غبيُّ مواربُ ؟

أفي رفعه يوم التباهل قدره ؟

وذلك مجدٌ ما علمت مواظبُ

أفي يوم خمٍّ إذ أشاد بذكره ؟

وقد سمع الايصاء جاء وذاهبُ

أيعسوب دين الله صنو نبيَّه

ومن حبّه فرضٌ من الله واجبُ

مكانك من فوق الفراقد لائحٌ

ومجدك من أعلى السّماك مراقبُ

وسيفك في جيد الأعادي قلائدُ

قلائد لم يعكف عليهنَّ ثاقبُ

( ألشاعر )

ألصاحب كافي الكفاة أبو القاسم إسماعيل بن أبي الحسن عبّاد بن العبّاس بن عبّاد بن أحمد بن إدريس الطالقاني.

قد يرتج القول على صاحبه بالرغم من بلوغه الغاية القصوى من القدرة في تحليل شخصيّات كبيرة أتتهم الفضايل من شتى النواحي، واكتنفتهم المزايا الفاضلة من جهات متفرِّقة، ومن هاتيك النفسيّات الكبيرة التي أعيت البليغ حدودها نفسيَّة - الصاحب - فهي تستدعي الإفاضة في تحليلها من ناحية العلم طوراً، ومن ناحية الأدب تارةً، كما تسترسل القول من وجهة السياسة مرَّة، ومن وجهة العظمة اُخرى، إلى جودٍ هامرٍ، وفضلٍ وافرٍ، وشرفٍ صميم، ومذهبٍ قويم، وفضايل لا تحُصى ومهما هتف المعاجم بشيء من ذلك فإنَّه بعض الحقيقة، ولعلِّ في شهرته بهاتيك المآثر جمعاء غنىً عن الإطناب في وصفه، وإنَّك لا تجد شيئاً من كتب التراجم إلّا وفيه لمعُ من محامده، ومن أشهرها ( يتيمة الدهر ) للثعالبي وهو أبسط مَن كتب فيه من القدماء وقد استوعب فيه ٩١ صحيفة، وإنَّما ألفَّها له ولشعرائه، وأفرد غير واحد من رجال التأليف كتاباً في ترجمته منهم:

١ - مهذّب الدين محمَّد بن علي الحلّي المزبدي المعروف بأبي طالب الخيمي له كتاب [ الديوان المعمور في مدح الصاحب المذكور ].


٢ - ألشيخ محمَّد علي بن الشيخ أبي طالب الزاهدي الجيلاني المولود ١١٠٣ و المتوفّى ١١٨١.

٣ - ألسيِّد أبو القاسم أحمد بن محمَّد الحسني الحسيني الإصبهاني، له كتاب [ رسالة الارشاد في أحوال الصاحب بن عباد ] ألفَّها سنة ١٢٥٩.

٤ - ألاُستاذ خليل مردم بك له كتاب في المترجَم طبع في مطبعة الترقّي ٢٥٢ صحيفة بدمشق وهو الجزء الرابع من أئَّمة الأدب الأربعة في أربعة أجزاء.

وبعد هذه الشهرة الطائلة فليس علينا إلّا سرد ترجمة بسيطة هي جُماع ما في هذه الكتب.

وُلد الصاحب في إحدى كور فارس باصطخر أو بطالقان في ١٦ ذي القعدة سنة ٣٢٦، وأخذ العلم والأدب عن والده وأبي الفضل إبن العميد. وأبي الحسين أحمد بن فارس اللغوي، وأبي الفضل العبّاس بن محمّد النحوي الملقَّب بعرام، وأبي سعيد السيرافي وأبي بكر بن مقسم، والقاضي أبي بكر أحمد بن كامل بن شجرة، و عبد الله بن جعفر بن فارس ويروي عن الأخيرين.

قال السمعاني:إنَّه سمع الأحاديث من الإصبهانيِّين والبغداديِّين والرازيِّين وحدَّث، وكان يحثُّ على طلب الحديث وكتابته، وروى عن إبن مردويه انَّه سمع الصاحب يقول:من لم يكتب الحديث لم يجد حلاوة الإسلام.

وكان يُملي الحديث على خلقٍ كثير فكان المستملي الواحد ينضاف إليه الستَّة كلُّ يبلّغ صاحبه، فكتب عنه الناس الكثير الطيِّب منهم:القاضي عبد الجبّار. والشيخ عبد القاهر الجرجاني. وأبو بكر بن المقري. والقاضي أبو الطيِّب الطبري. وأبو بكر بن عليِّ الذكواني. وأبو الفضل محمَّد بن محمَّد بن إبراهيم النسوي الشافعي.

ثمَّ شاع نبوغه في العلوم وتضلّعه في فنون الأدب، واعترف به الشاهد والغائب حتّى عدَّه شيخنا بهاء الملّة والدين في رسالة غسل الرجلين ومسحهما من علماء الشيعة في عداد ثقة الإسلام الكليني. والصَّدوق. والشيخ المفيد. والشيخ الطوسي والشيخ الشهيد ونظرائهم. ووصفه العلّامة المجلسي الأوَّل في حواشي نقد الرجال بكونه من أفقه فقهاء أصحإبنا المتقدِّمين والمتأخِّرين، وعدَّه في مقام آخر:من


رؤساء المحدِّثين والمتكلّمين. وأطراه شيخنا الحرُّ العاملي في ( أمل الآمل ) بأنَّه محقِّقُ متكلّمٌ عظيم الشأن جليل القدر في العلم.

كما أنَّ الثعالبي في ( فقه اللغة ) جعله أحد أئمَّتها الذين اعتمد عليهم في كتابه أمثال الليث. والخليل. وسيبويه. وخلف الأحمر. وثعلب الأحمثي. وابن الكلبي. وإبن دريد. وعدَّه الأنباري ايضاً من علماء اللغة فأفرد له ترجمته في كتابه:طبقات الاُدباء النّحاة، وكذلك السيوطي في ( بغية الوعاة ) في طبقات اللغويِّين والنّحاة، ورآه العلّامة المجلسي في مقدِّمة البحار علُماً في اللغة والعروض والعربّيَّة من الإماميّة.

م - وقال إبن الجوزي في ( المنتظم ) ٧ ص ١٨٠:كان يخالط العلماء والأدباء ويقول لهم:نحن بالنهار سلطان وبالليل إخوان، وسمع الحديث وأملى، وروى أبو الحسن علي بن محمّد الطبري المعروف بكيا قال:سمعت أبا الفضل زيد بن صالح الحنفي يقول:لما عزم الصاحب إسماعيل بن عباد على الإملاء وكان حينئذ في الوزارة خرج يوماً متطلساً متحنّكاً بزيِّ أهل العلم فقال:قد علمتمِ قدمي في العلم فأقروا له بذلك.

فقال:وأنا متلبِّسٌ بهذا الأمر وجميع ما أنفقته من صغري إلى وقتي هذا من مال أبي وجدّي، ومع هذا فلا أخلو من تبعات، اُشهد الله و اُشهدكم أنِّي تائبٌ إلى الله من كلِّ ذنب أذنبته.

واتَّخذ لنفسه بيتاً وسمّاه بيت التوبة، ولبث اُسبوعاً على ذلك، ثمَّ أخذ خطوط الفقهاء بصحَّة توبته، ثمَّ خرج فقعد للإملاء وحضر الخلق الكثير وكان المستملي الواحد ينضاف إليه ستَّة كلٌّ يبلِّغ صاحبه، فكتب الناس حتّى القاضي عبد الجبّار، وكان الصاحب ينفذ كلَّ سنة إلى بغداد خمسة آلاف دينار تفرق في الفقهاء وأهل الأدب وكان لا تأخذه في الله لومة لائم ].

وإخباتاً إلى علمه وأدبه ألّف له غير واحد من الأعلام الأفذاذ تآليف قيِّمة منهم.

١ - شيخنا الصّدوق أبو جعفر القمي ألَّف له كتابه [ عيون أخبار الرِّضا ].

م ٢ - ألحسين بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي كتابه [ نفي التشبيه ] كذا في لسان الميزان ٢ ص ٣٠٦ نقلاً عن فهرست النجاشي، ويظهر من النجاشي ص ٥ انَّه غيره ولم يسمِّه.

٣ - ألشيخ الحسن بن محمَّد القمي ألّف له كتابه [ تاريخ قم ]


٤ - أبو الحسن أحمد بن فارس الرازي اللغوي كتابه [ الصاحبيّ ].

٥ - ألقاضي علّي بن عبد العزيز الجرجاني كتابه [ ألتهذيب ].

م ٦ - أبو جعفر أحمد بن أبي سليمان داود الصّواف المالكي، ألَّف للصاحب كتابه [ الحجر ] ووجَّهه إليه فقال الصاحب:رُدّوا الحجر من حيث جاء. ثمَّ قبله ووصله عليه، ذكره إبن فرحون في ( الديباج المذهَّب ) ص ٣٦ ] وللصاحب آثارٌ خالدةُ في العلم والأدب منها:

١ - كتاب أسماء الله وصفاته.

٢ - كتاب نهج السبيل في الاُصول.

٣ - كتاب ألإمامة في تفضيل أمير المؤمنين.

٤ - كتاب ألوقف والأبتداء.

٥ - كتاب ألمحيط في اللغة في عشر مجلّدات(١)

٦ - كتاب ألزيديَّة.

٧ - كتاب ألمعارف في التاريخ.

٨ - كتاب ألوزراء.

٩ - كتاب ألقضاء والقدر.

١٠ - كتاب ألروزنامجه. ينقل عنه الثعالبي في ( يتيمة الدهر ).

١١ - كتاب أخبار أبي العيناء.

١٢ - كتاب تاريخ الملك واختلاف الدُّول.

١٣ - كتاب الزيديِّين.

١٤ - كتاب جوهرة الجمهرة لإبن درُيد.

١٥ - كتاب الإقناع في العروض.

١٦ - كتاب نقض العروض.

١٧ - كتاب ديوان رسائله في عشر مجلّدات.

١٨ - كتاب ألكافي في الرَّسائل وفنون الكتابة.

____________________

١ - كذا في معجم الأدباء، وفي كشف الظنون:في سبع مجلدات.


١٩ - كتاب ألأعياد وفضايل النيروز.

٢٠ - كتاب ديوان شعره.

٢١ - كتاب ألشواهد.

٢٢ - كتاب ألتذكرة.

٢٣ - كتاب ألتعليل.

٢٤ - كتاب الأنوار.

٢٥ - كتاب ألفصول المهذِّبة للعقول.

٢٦ - كتاب رسالة الأبانة عن مذهب أهل العدل.

٢٧ - كتاب في الطبّ.

٢٨ - كتاب في الطبِّ أيضاً.

٢٩ - كتاب الكشف عن مساوي شعر المتنبّي طبعت بمصر في ٢٦ صحيفة قال الثعالبي في ( اليتيمة ):ولَمّا عمل الصاحب هذه الرِّسالة عمل القاضي أبو الحسن عليّ بن عبد العزيز الجرجاني كتابه ( الوساطة ) بين المتنبّي وخصومه في شعره، وقال فيه بعض اُدباء نيسابور:

أيا قاضياً قد دنت كتبه

وإن أصبحت داره شاحطه

كتاب ( الوساطة ) في حسنه

لعقد معاليك كالواسطه

٣٠ - رسالةٌ في فضل سيِّدنا عبد العظيم الحسني المدفون بالري.

٣١ - كتاب السفينة نسبها إليه الثعالبي في تتمَّة اليتيمة.

م ٣٢ - كتابٌ مفرد في ترجمة الشافعي محمَّد بن ادريس إمام الشافعيَّة كما في ( الكواكب الدريَّة ) ص ٢٦٣ ].

م - وشافهني الاستاذ حسين محفوظ الكاظمي بانَّه رأى من تآليف الصاحب ما يلي:

١ - الفصول الأدبيَّة والمراسلات العباديَّة، مرتَّبة على خمسة عشر باباً في كلِّ باب خمسة عشر فصلاً، والنسخة مؤرِّخةٌ بسنة ٦٢٨.

٢ - رسالة في الهداية والضَّلالة، مخطوطةٌ بالخطّ الكوفي، نسخت من نسخة المؤِّلف وعليها خّطه.


٣ - الأمثال السائرة من شعر أبي الطيِّب المتنبيّ، وهي ٣٧٢ بيتاً، والنسخة بخّط الباخرزي مؤرّخة بسنة ٤٣٤ ].

والقارئ جِدُّ عليم بأنَّ مؤلِّف هذه الكتب المتنوِّعة أحد أفذاذ العلم الذين لم يعدهم أيُّ مقام منيع من الفنون، فهو فيلسوفٌ متكلّمٌ فقيهٌ محدِّثٌ مؤرِّخٌ لغويُّ نحويٌ أديبٌ كاتبٌ شاعرٌ، فما ظنّك بمثله من نابغة جمع الشوارد، وألَّف بين متفرِّقات العلوم، وهل تجده إلّا في الذروة والسنام من الفضل الظاهر، فحقِّ له هذا الصيت الطاير. والذكر السائر مع الفلك الدائر.

كانت للصاحب مكتبةٌ عامرةٌ وقد نوَّه بها لمّا أرسل إليه صاحب خراسان الملك نوح بن منصور الساماني في السير يستدعيه إلى حضرته، ويرغِّبه في خدمته وبذل البذول السنيَّة، فكان من جملة أعذاره قوله:ثمَّ كيف لي بحمل أموالي مع كثرةً أثقالي ؟ وعندي من كتب العلم خاصَّة ما يُحمل على أربعمائة حمل أو أكثر.

في ( معجم الاُدباء ) قال أبو الحسن البيهقي:وأنا أقول:بيت الكتب الذي بالري دليلٌ على ذلك بعد ما أحرقه السلطان محمود بن سبكتكين فإنِّي طالعت هذا البيت فوجدت فهرست تلك الكتب عشر مجلّدات، فإنَّ السلطان محمودَ لمّا ورد إلى الري قيل له:إنَّ هذه الكتب كتب الروافض وأهل البدع فاستخرج منها كلَّ ما كان في علم الكلام وأمر بحرقه.

يظهر من كلام البيهقي هذا أنَّ عمدة الكتب التي اُحرقت هي خزانة كتب الصاحب، وهكذا كانت تعبث يد الجور بآثار الشيعة وكتبهم ومآثرهم.

وكان خازن تلك المكتبة ومتولّيها أبو بكر محمَّد بن إبراهيم بن عليّ المقري المتوفّى ٣٨١(١) وأبو محمّد عبد الله الخازن بن الحسن الأصبهاني.

وزارته صِلاته مادحوه

قال أبو بكر الخوارزمي:ألصاحب نشأ من الوزارة في حجرها، ودبِّ ودرج من وكرها، ورضع أفاويق درّها، وورثها عن آبائه كما قال أبو سعيد الرستمي في حقِّه:

ورث الوزارة كابراً عن كابر

موصولة الأسناد بالأسنادِ

____________________

١ - توجد ترجمته في الوافي بالوفيات للصفدي ١ ص ٣٤١.


يروي عن العبّاس عبّاد وزا

ـرته وإسماعيل عن عبّاد

وهو أوَّل من لُقِّب بالصاحب من الوزراء لأنَّه كان يصحب أبا الفضل بن العميد فقيل له:صاحب إبن العميد، ثمَّ اُطلق عليه هذا اللقب لمّا تولى الوزارة وبقي عَلَما عليه، وذكر الصّابي في كتاب التّاجي:انَّه إنَّما قيل له الصاحب لأنَّه صحب مؤيّد الدولة إبن بويه منذ الصبى وسمّاه الصاحب فأستمرِّ عليه هذا اللقب واشتهر به ثمَّ سُمّي به كلُّ من ولي الوزارة بعده.

إستكتبه مؤيِّد الدولة من ٣٤٧ تقريباً إلى سنة ٣٦٦ وسافر معه إلى بغداد سنة ٣٤٧ حتّى استوزره من سنة ٣٦٦، إلى وفاة مؤيّد الدولة سنة ٣٧٣ ثمَّ استوزره أخوه فخر الدولة، وسافر معه إلى الري عاصمة مملكته، ولم يؤل الصاحب جُهداً في خدمة أميره وتوسيع مملكته قال الحموي:فتح الصاحب خمسين قلعة سلّمها إلى فخر الدولة لم يجتمع عشرٌ منها لأبيه ولا لأخيه.

وله أيّام وزارته عطائه الجزل، وسيب يده المتدفِّق، وبرُّء المتواصل إلى العلماء والشعراء، قال الثعالبي:حدَّثني عون بن الحسين قال:كنت يوماً في خزانة الخلع للصاحب فرأيت في ثبت حسابات كاتبها - وكان صديقي - مبلغ عمائم الخزّ التي صارت تلك الشتوة للعلويِّين والفقهاء والشعراء خاصَّة غير الخدم والحاشية ثمانمائة وعشرين، وكان ينفذ الى بغداد في السنة خمسة آلاف دينار تفرَّق على الفقهاء والاُدباء، وكانت صِلاته وصدقاته وقرباته في شهر رمضان تبلغ مبلغ ما يطلق منها في جميع شهور السنة، فكان لا يدخل عليه في شهر رمضان أحدٌ كائناً من كان فيخرج من داره إلّا بعد الإفطار عنده، وكانت داره لا تخلو في كلِّ ليلة من لياليه من ألف نفس مفطرة فيها [ يتيمة الدهر ٣ ص ١٧٤ ].

كان عهده أخصب عهد للعلم والأدب بتقريبه رجالات الفضيلة وتشويقه إيّاهم وتنشيطهم لنشر بضائعهم الثمينة حتّى نفق سوقها، ورايج أمرها، وكثرت طلّابها، و نبغت روّادها، فكانت قلائد الدرر منها تُقابل بالبدر والصرر فمدحه على فضله المتوِّفر.

وجوده المديد الوافر خمسمائة شاعر، تجد مدايحهم مبثوثةً في الدواوين والمعاجم،

____________________

(١) توجد ترجمه في الوافى بالوفيات للصفدى ١ ص ٣٤٢.

_٣_


قال الحموي، حدَّث إبن بابك قال:سمعت الصاحب يقول:مُدحت والعلم عند الله بمائة ألف قصيدة شعراً عربيَّة وفارسيَّة. وقد خلّدت تلك القصائد له على صفحة الدهر ذكراً لا يبلى، وعظمةً لا يخلقها مرُّ الجديدين ومن أولئك الشعراء:

١ - أبو القاسم الزعفراني عمر بن إبراهيم العراقي له قصائد في الصاحب منها نونيَّة مطلعها:

سواك يعدُّ الغنى واقتنى

ويأمره الحرص أن يخزنا

وأنت إبن عبّادٍ نِ المرتجى

تعدُّ نوالك نيل المنى

٢ - أبو القاسم عبد الصمد بن بابك يمدح الصاحب بقصيدة أوَّلها:

خلعت قلايدها عن الجوزاءِ

عذراء رقَّصها لعاب الماءِ

٣ - أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف الوزير من آل بويه له قصيدة منها:

أقول وقلبي في ذراك مخيَّمٌ

وجسمي جنيبٌ للصبا والجنائب

يُجاذب نحو الصاحب الشوق مقودي

وقد جاذبتني عنه أيدي الشواذبِ

٤ - ألوزير أبو العبّاس الضبّي المتوفّى ٣٩٨ [ أحد شعراء الغدير الآتي شعره وترجمته ] له قصايد في مدح المترجَم.

٥ - ألكاتب أبو القاسم علي بن القاسم القاشاني كتب إلى الصاحب بقصيدةٍ أوّلها:

إذا الغيوم أرجفنَّ باسقها

وحفِّ أرجاءها بوارقها

٦ - أبو الحسن محمَّد بن عبد الله السلامي العراقي المتوفّى سنة ٣٩٤ له في الصاحب قصيدة أوّلها:

رقى العذَّال أم خدع الرقيبِ

سقت ورد الخدود من القلوبِ

وله فيه اُرجوزةٌ منها:

فما تحلُّ الوزراء ما عقدْ

بجهدهم ما قاله وما اجتهدْ

شتّان ما بين الأسود والنقدْ

هل يستوي البحر الخضَّم والثمدْ

أمنيَّتي من كلِّ خير مُستعدْ

أن يسلم الصاحب لي طول الأبدْ

٧ - ألقاضي أبو الحسن عليّ بن العزيز الجرجاني المتوفّى سنة ٣٩٢ له من قصيدة في الصاحب قوله:


أوَ ما أنثنيت عن الوداع بلوعة

ملأت حشاك صبابةً وغليلا؟!

ومدامع تجري فيحسب انَّ في

آما قهنَّ بنان إسماعيلا؟!

يا أيّها القرم الذي بعلوِّه

نال العلاء من الزَّمان السولا

قسمت يداك على الورى أرزاقها

فكنوك قاسم رزقها المسئولا

وله فيه قصايد كثيرة اُخرى.

٨ - أبو الحسن عليّ بن أحمد الجوهري الجرجاني [ أحد شعراء الغدير يأتي شعره وترجمته ] له قصايد كثيرة في الصاحب همزيَّة. رائيَّة. فائية. بائيَّة و غيرها.

٩ - أبو الفياض سعد بن أحمد الطبري، له في الصاحب قصايد منها ميميَّة أوَّلها:

ألدمع يُعرب ما لا يُعرب الكلمُ

والدمع عدلٌ وبعض القول متَّهمُ

١٠ - أبو هاشم محمَّد بن داود بن أحمد بن داود بن أبي تراب علي بن عيسى بن محمَّد البطحائي بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام . المعروف بالعلوي الطبري له شعرٌ كثير في الصاحب وللصاحب فيه كذلك.

١١ - أبو بكر محمَّد بن العبّاس الخوارزمي له قصايد في الصاحب ومن قصيدة يمدحه:

ومَن نصر التوحيد والعدل فعله

وأيقظ نوّام المعالي شمائله

و من ترك الأخيار ينشد أهله

أحل أيّها الربّع الذي خفَّ آهله

١٢ - أبو سعد نصر بن يعقوب له قصيدة في الصاحب مطلعها:

أبي لي أن اُبالي بالليالي

وأخشى صرفها فيمن يُبالي

١٣ - ألسيَّد أبو الحسين عليّ بن الحسين بن عليّ بن الحسين بن القاسم بن محمَّد بن القاسم بن الحسن بن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام صهر الصاحب له قصيدة تربو على الستِّين بيتاً يمدح بها الصاحب خالية من حرف الواو، ذكر الثعالبي في يتيمة الدهر منها ٢٠ بيتاً، ومؤلِّف ( الدرجات الرفيعة ) ١٤ بيتاً أوَّلها.

برقٌ ذكرت به الحبائبْ

لَمّا بدى فالدَّمع ساكبْ

١٤ - أبو عبد الله الحسين بن أحمد الشهير بإبن الحجّاج البغدادي المتوفّى ٣٩١ [ أحد شعراء الغدير يأتي شعره وترجمته ] له فائيَّة يمدح بها الصاحب أوِّلها:


أيّها السائل عنّي

أنا في حالٍ طريفه

و اُخرى مطلعها:

ساق على حسن وجهها تَلفي

وسرّها ما رأته العين من دَنفي

وله نونيَّة في مدحه أوَّلها:

يا عذولي أما أنا

فسبيلي إلى العنا

وحديثي من حقِّه

في الزمان أن يُدوَّنا

١٥ - أبو الحسن عليّ بن هارون بن المنجِّم له قصيدةُ في الصاحب يصف بها داره بقوله:

و أبوابها أثوابها من نقوشها

فلا ظلم إلا حين تُرخى ستورها

١٦ - ألشيخ أبو الحسن بن أبي الحسن صاحب البريد ابن عمة الصاحب له قصيدةُ يصف بها داراً بناها المترجم بإصبهان وانتقل إليها:

دارٌ على العزِّ والتأييد مبناها

وللمكارم والعلياء مغناها

١٧ - أبو الطيِّب الكاتب له في وصف دار الصاحب بإصبهان قصيدةٌ مطلعها:

و دار ترى الدنيا عليها مدارها

تحوز السماء أرضها وديارها

١٨ - أبو محمَّد إبن المنجِّم له رائيِّةٌ يصف بها دار الصاحب مستهلّها:

هجرت ولم أنو الصدود ولا الهجرا

ولا أضمرت نفسي الصروف ولا الغدرا

١٩ - أبو عيسى إبن المنجِّم يمدح الصاحب بقصيدة يصف داره ويقول:

هي الدار قد عمَّ الأقاليم نورها

ولو قدرت بغداد كانت تزورها

٢٠ - أبو القاسم عبيد الله بن محمَّد بن المعلّى يصف دار الصاحب بقصيدة أوَّلها:

بي من هواها وإن أظهرت لي جلدا

وجدٌ يُذيب وشوقٌ يصدع الكبدا

٢١ - أبو العلاء الأسدي يمدحه بقصيدة ويصف داره مطلعها:

و أسعد بدارك انَّها الخلدُ

والعيش فيها ناعمٌ رغدُ

٢٢ - أبو الحسن الغويري له قصايد في الصاحب منها قصيدةٌ يصف بها داره بإصبهان أوَّلها:

دارٌ غدت للفضل داره

أفلاك أسعده مداره


٢٣ - أبو سعيد الرستمي محمَّد بن محمَّد بن الحسن الأصبهاني مدح الصاحب بقصائد منها بائيَّة مستهلّها:

عقَّني بالعقيق ذاك الحبيب

فالحشى حشوه الجوى والنحيب

وله من قصيدة لاميَّة يمدح بها الصاحب قوله:

أفي الحقِّ أن يُعطى ثلاثون شاعراً

ويحرم ما دون الرضى شاعرٌ مثلي؟!

كما اُلحقت واو بعمر وزيادةً

وضويق باسم الله في ألف الوصلِ

٢٤ - أبو محمَّد عبد الله بن أحمد الخازن الإصبهاني له قصايد يمدح بها الصاحب أجودها قصيدةٌ مطلعها:

هذا فؤادك نهبى بين أهواءِ

وذاك رأيك شورى بين آراءِ

٢٥ - أبو الحسن عليّ بن محمَّد البديهي وهو الذي قال فيه صاحبنا المترجَم:

تقول البيت في خمسين عاماً

فلمْ لقَّبت نفسك بالبديهي

له قصايد يمدح بها الصاحب منها لاميَّة أوَّلها:

قد أطعت الغرام فاعص العذولا

ما عسى عائب الهوى أن يقولا

٢٦ - أبو إبراهيم إسمعيل بن أحمد الشاشي العامريُّ، له قصايد صاحبيَّة منها بائيَّةٌ أوَّلها:

سرينا إلى العليا فقيل كواكبُ

وثرنا إلى الجلّي فقيل قواضبُ

٢٧ - أبو طاهر بن أبي الربيع عمرو بن ثابت له صاحبيّات منها جيميَّة أوَّلها:

أما لصحابي بالعذيب معرَّجُ

على دمنٍ أكنافها تتأرَّجُ

٢٨ - أبو الفرج الحسين بن محمَّد بن هند وله صاحبيّات منها قصيدةٌ أوَّلها:

لها من ضلوعي أن يشبّ وقودها

ومن عبراتي أن تفضَّ عقودها

٢٩ - ألعميري قاضي قزوين، أهدى إلى الصاحب كتباً وكتب معها:

ألعميريُّ عبد كافي الكفاة

وإن اعتدَّ في وجوه القضاةِ

خدم المجلس الرفيع بكتبٍ

مفعماتٍ من حسنها مترعاتِ

فوقَّع الصاحب بقوله:

قد قبلنا من الجميع كتاباً

ورددنا لوقتها الباقياتِ


لست أستغنم الكثير فطبعي

قول خذ ليس مذهبي قول هاتِ

٣٠ - أبو الرَّجاء الأهوازي مدح الصاحب لمّا ورد الصاحب الأهواز ومن قصيدته:

إلى ابن عبّاد أبي القاسم

ألصاحب إسماعيل كافي الكفاةْ

وتشرب الجند هنيئاً بها

من بعد ماء الريّ ماء الفراتْ(١)

٣١ - أبو منصور أحمد بن محمَّد اللجيمي الدينوري له شعر يمدح به الصاحب.

٣٢ - أبو النجم أحمد الدامغاني المعروف ب‍ ( شصت كلّه ) المتوفّى سنة ٤٣٢ له قصيدةٌ بالفارسيَّة مدح بها الصاحب.

٣٣ - ألشريف الرضي [ أحد شعراء الغدير يأتي شعره وترجمته ] مدح الصاحب بداليَّة سنة ٣٧٥ ولم ينفذها إليه، واُخرى سنة ٣٨٥ قيل وفاة الصاحب بشهر وأنفذها إليه.

٣٤ - ألقاضي أبو بكر عبد الله بن محمّد بن جعفر الأسكي، له شعرٌ في الصاحب ومنه قوله:

كلُّ برٍّ ونوالٍ وصله

واصل منك إلى معتزله

يا بن عبّاد ستلقى ندماً

لفراق الجيرة المرتحله

٣٥ - أبو القاسم غانم بن محمَّد بن أبي العلا الأصبهاني، له صاحبيّات مدحاً ورثاءً قال الثعالبي في تتميم يتيمته:كان يُساير الصاحب يوماً فرسم له وصف فرس كان تحته فقال مرتجلاً:

طرفٌ تحاول شأوه ريح الصَّبا

سفهاً فتعجز أن تشقَّ غباره

بارى بشمس قميصه شمس الضحى

صبغاً ورضَّ حجاره بحجاره

٣٦ - أبو بكر محمّد بن أحمد اليوسفي الزوزني له صاحبيَّة أوَّلها:

أطلع الله للمعالي سعودا

وأعاد الزمان غضّاً جديدا

____________________

١ - أعجب ما رأيت من تعاليق معجم الادباء الطبعة الثانية تعليق هذا البيت في ج ٦ ص ٢٥٤ جعل الاستاذ الرفاعي الشطر الثاني في المتن ( من بعد ماء الري ماء الصراة ) وقال في التعليق:الصراة:نهر بالعراق.


ومنها:

بعث الدهر جنده وبعثنا

نحوه دعوة الإ~له جنودا

يا عميد الزَّمان إنَّ الليالي

كدن يتركن كلَّ قلب عميدا

حادثات أردن إحداث هدم

لعلاه فأحدثت تشييدا

وله من اُخرى قوله:

سلامٌ عليها إنَّ عيني عِندما

أشارت بلحظ الطرف تخضبَ عندما

٣٧ - أبو بكر يوسف بن محمّد بن أحمد الجلودي الرازي له قصيدةٌ صاحبيَّةٌ منها قوله:

رياضٌ كأنَّ الصاحب القرم جادها

بأنوائه أو صاغها من طباعه

يجلّي غيابات الخطوب برأيه

كما صدع الصبح الدُّجى بشعائه

ومنها:

سحابٌ كيمناهُ وليلٌ كبأسه

وبرقٌ كماضية وخرقٌ كباعه

٣٨ - أبو طالب عبد السَّلام بن الحسين المأموني، قال فريد وجدي في ( دائرة المعارف ) ٦ ص ٢٠:مدح الصاحب بقصايد فأعجبه نظمه توفّي سنة ٣٨٣.

٣٩ - أبو منصور الجرجاني، كتب إلى الصاحب قوله:

قل للوزير المرتجى

كافي الكفاة الملتجى

إني رزُقت ولداً

كالصبح إذ تبلّجا

لا زال في ظلّك ظ

ـلّ المكرمات والحجى

فسمَّه وكنِّه

مشرَّفا متوَّجا

فوقَّع الصاحب تحتها بقوله:

هنّئته هنّئته

شمس الضحى بدر الدجا

فسمِّه محسِّناً

وكنِّه أبا الرجا

٤٠ - ألأوسي مدح الصاحب ببائيَّة أنشدها بين يديه فلمّا بلغ إلى قوله:

لمَّا ركبت إليك مُهري أنعلت

بدر السماء وسمّرت بكواكب

قال له الصاحب. لِمَ أنّثت المُهر ؟ ولِم شبَّهت النعل بالبدر ولا يشبهه ؟ ولو


شبَّهته بالهلال لكان أحسن فإنَّه علي هيئته فقال:الأوسي:أمّا تأنيث المهر فلأنِّي عنيت المهرة ؟ وأمّا تشبيهي النعل ببدر السماء فلأنِّي أردت النعل المطبقة.

٤١ - إبراهيم بن عبد الرَّحمن المعرّي مدح الصاحب بقصيدة منها:

قد ظهر الحقُّ وبان الهُدى

لمن له عينان أو قلبُ

مثل ظهور الشمس في حجبها

إذ رفعت عن نورها الحجبُ

بالمَلك الأعظم مستبشرٌ

شرق بلاد الله والغربُ

٤٢ - محمَّد بن يعقوب أحد أئمَّة النحو كتب إلى الصاحب كما في ( دمية القصر ) ١ ص ٣٠١:

قل للوزير أدام الله نعمته

مُستخدماً لمجاري الدَّهر والقدرِ

أردت عبداً وقد أعطيته ولداً

فسمِّه بأسم مَن بالعرب مفتخرِ

وإن وصلت له تشريف كنيته

جمعت بالطَول بين الروض والمطرِ

لا زال ظلّك ممدوداً ومنتشراً

فإنَّه خير ممدودٍ ومنتشرِ

هنَّيته ابناً يشيع الاُنس في البشر

هنَّيت مَقدم هذا الصارم الذكرِ

٤٣ - محمَّد بن علي بن عمر أحد أعيان الري قرأ على الصاحب ومدحه برائيَّة.

والاُدباء يعبِّرون عن المترجَم وأبي إسحاق الصّابي بالصادين كما وقع في قول الشيخ أحمد البربير المتوفّى سنة ١٢٢٦ في كتابه ( الشرح الجلي ) ص ٢٨٣ يمدح كاتباً مليحاً.

لله كاتباً الذي أنا رقّه

وهو الذي لا زال قرَّة عيني

في ميم مبسمه ولام عذاره

ما بات ينسخ بهجة الصّادين

شعره في المذهب

وللصاحب مراجعات ومراسلات مع مادحيه تجدها في الكتب والمعاجم، وشعره كما سمعت كثيرٌ مدوَّنٌ ونحن نقتصر من نظمه الذهبيِّ بما عقد سمط جمانه في المذهب ذكر له الثعالبي في [ يتيمة الدهر ] ج ٣ ص ٢٤٧:

حبُّ عليّ بن أبي طالب

هو الذي يهدي إلى الجنَّةِ

إن كان تفضيلي له بدعةً

فلعنة الله على السنَّةِ


وذكر له في الكتاب:

ناصبٌ قال لي:معاوية خا

لك خير الأعمام والأخوالِ

فهو خالٌ للمؤمنين جميعاً

قلت:خالٌ لكن من الخير خالي

وذكر له فقيه الحرمين الكنجي الشافعي المتوفّى سنة ٦٥٨ في ( كفاية الطالب ) ص ٨١، والخوارزمي في ( المناقب ) ص ٦٩:

يا أمير المؤمنين المرتضى

إنَّ قلبي عندكم قد وقفا

كلّما جدِّدت مدحي فيكمُ

قال ذو النصب:نسيت السلفا(١)

مَن كمولاي عليّ زاهد

طلّق الدنيا ثلاثاً ووفى؟!

مَن دُعي للطير أن يأكله ؟

ولنا في بعض هذا مكتفى

من وصيُّ المصطفى عندكُم ؟

ووصيّ المصطفى من يُصطفى

وذكر الفقيه الكنجي في الكتاب ص ١٩٢، وسبط إبن الجوزي في ( تذكرة خواصّ الاُمَّة ) ص ٨٨، والخوارزمي في ( المناقب ) ص ٦١:

حبُّ النبيِّ وأهل البيت معتمدي(٢)

إنَّ الخطوب أساءت رأيها فينا

أيا إبن عمّ رسول الله أفضل مَن

ساس الأنام وساد الهاشميِّينا

يا نُدرة الدين يا فرد الزمان أصخ

لمدح مولى يرى تفضيلكم دينا

هل مثل سيفك في الإسلام لو عرفوا ؟

وهذه الخصلة الغرّاء تكفينا

هل مثل علمك إذ زالوا وإذ وهنوا

وقد هديت كما أصبحت تهدينا ؟

هل مثل جمعك للقرآن نعرفه

لفظاً ومعنىً وتأويلاً وتبيينا ؟

هل مثل حالك عند الطير تحضره

بدعوةٍ نلتَها دون المصلّينا ؟

هل مثل بذلك للعاني الأسير وللـ

ـطفل الصغير وقد أعطيت مسكينا ؟

هل مثل صبرك إذ خانوا وإذ ختروا

حتّى جرى ما جرى في يوم صفِّينا ؟

هل مثل فتواك إذ قالوا مجاهرةً

: لولا عليٌّ هلكنا في فتاوينا ؟

يا ربّ سهِّل زياراتي مشاهدهم

فإنَّ روحي تهوى ذلك الطينا

____________________

١ - تسب السلفا. الخوارزمي

٢ - هذه الابيات المحكية عن الكتب الثلاث لم توجد في ( أعيان الشيعة ) سوى ثلاثة منها.


يا ربّ صيِّر حياتي في محبَّتهم

ومحشري معهم آمين آمينا

وذكر إبن شهر آشوب من هذه القصيدة بعد البيت الثاني من أوَّلها:

أنت الإمام ومنظور الأنام فمن

يردّ ما قلته يقمع براهينا

هل مثل فعلك في ليل الفراش وقد

فديت بالروح ختّام النبيِّينا ؟

هل مثل فاطمة الزَّهراء سيِّدةٌ

زوَّجتها يا جمال الفاطميِّينا ؟

هل مثل برِّك في حال الركوع وما

برُّ كبرِّك برّاً للمزكَينا ؟

هل مثل فعلك عند النعل تخصفها

لو لم يكن جاحدوا التفضيل لاهينا ؟

هل مثل نجليك في مجدٍ وفي كرم

إذ كوّنا من سلال المجد تكوينا ؟

وله في مناقب الخطيب الخوارزمي ص ١٠٥، وكفاية الطالب للكنجي الشافعي ص ٢٤٣، وتذكرة خواصِّ الاُمَّة ص ٣١، ومناقب إبن شهر آشوب، وغيرها قصيدةٌ ولوقوع الإختلاف فيها نجمع بين رواياتها ونشير إلى ما روته رجال العامَّة ب‍ ( ع ):

بلغت نفسي مناها

بالموالي آل طه

برسول الله مَن

حاز المعالي وحواها

وببنت المصطفى مَن

أشبهت فضلاً أباها

ع مَن كمولاي عليٍّ

والوغى تحمي لظاها ؟

ع مَن يصيد الصَّيد فيها

بالظبى حتّى انتظاها ؟

يوم أمضاها عليهم

ثمَّ أمضاها عليهم فارتضاها

ع مَن له في كلِّ يومٍ

وقعاتٌ لا تُضاهي ؟

ع كم وكم حرب ضروس

سدِّ بالمرهف فاها ؟

ع اُذكروا أفعال بدرِ

لستُ أبغي ما سواها

ع اُذكروا غزوة اُحدٍ

إنَّه شمس ضُحاها

ع اذكروا حرب حنينٍ

إنَّه بدر دُجاها

ع اُذكروا الأحزاب قِدماً

إنَّه ليث شراها

ع اُذكروا مهجة عمرو

كيف أفناها شجاها ؟

ع اُذكروا أمر براءه

واخبروني مَن تلاها ؟


ع اُذكروا مَن زوّج الـ

ـزهراء قد طاب ثراها(١)

ع اذكروا بكرة طيرٍ

فلقد طار ثناها ؟

ع اُذكروا لي قلل العلم

ومن حلِّ ذراها

ع حاله حالة ها

رون لموسى فافهماها

ع أعلى حبِّ عليٍّ

لامني القوم سفاها ؟!

ع أهملوا قرباه جهلاً

وتخطّوا مُقتضاها

ع أوَّل النَّاس صلاةً

جعل التقوى حُلاها

ع رُدَّت الشَّمس عليه

بعد ما غاب سناها

ع حجَّة الله على الخلق

شقى مَن قد قلاها

وبحبّي الحسن الـ

ـبالغ في العليا مداها

والحسين المرتضى

يوم المساعي إذ حواها

ليس فيهم غير نجم

قد تعالى وتناهى

عترةٌ أصبحت الدُّ

نيا جميعاً في حماها

ما تحدِّث عصب الـ

ـبغي بأنواع عماها

أردت الأكبر بالسـ

ـمِّ وما كان كفاها

وانبرت تبغي حسيناً

وعرته وعراها

منعته شربةً والطَّيـ

ر قد أروت صداها

فأفاتت نفسه

يا ليت روحي قد فداها

بنته تدعوا أباها

اُخته تبكي أخاها

لو رأى أحمدُ ما

كان دهاه ودهاها

لشكا الحال إلى الله

وقد كان شكاها(٢)

وله في مناقبي إبن شهر اشوب والخطيب الخوارزمي ص ٢٣٣ قصيدةٌ نجمع بينهما

____________________

١ - في لفظ أهل السنة:

اذكروا من زوّج

الزهراء كيما تتباهى

٢ - غير واحد من الأبيات لا يوجد في ( أعيان الشيعة ).


لاختلافهما في عدد الأبيات ألا وهي:

ما لعليِّ العُلى أشباهُ

لا والّذي لا إ~له إلّا هو

مبناه مبنى النبيِّ تعرفه

وابناه عند التفاخر إبناهُ

إنَّ عليّاً علا إلى شرفٍ

لو رامه الوهم ذلَّ مرقاهُ(١)

أيا غداة الكساء لا تهني

عن شرح علياه إذ تكسّاهُ

يا ضحوة الطير تنبئي شرفاً

فاز به لا يُنال أقصاهُ

براءة استعملي بلاغك مَن

أقعد عنه ومَن توّلاهُ؟!

يا مرحب الكفر قد أذاقك مَن

مِن حدِّ ما قد كرهت ملقاهُ ؟!

يا عمرو مَن ذا الذي أنالك من

حارة الحتف حين تلقاهُ ؟!

لو طلب النجم ذات أخمصه

علاه والفرقدان نعلاهُ

أما عرفتم سموَّ منزله ؟!

أما عرفتم علوَّ مثواهُ ؟!

أما رأيتم محمَّداً حدباً

عليه قد حاطه ورّباهُ ؟!

واختصَّه يافعاً وآثره

واعتامه مخلصاً وآخاهُ

زوَّجه بضعة النبوَّة إذ

رآه خير امرئٍ وأتقاهُ

يا بأبي السيِّد الحسين وقد

جاهد في الدين يوم بلواهُ

يا بأبي أهله وقد قُتلوا

من حوله والعيون ترعاهُ

يا قبَّح الله اُمَّةً خذلت

سيَدها لا تريد مرضاهُ

يا لعن الله جيفةً نجساً

يقرع من بغضه ثناياهُ

وله داليَّة ذكرها الخوارزمي في ( المناقب ) ص ٢٢٣، وإبن شهر آشوب في مناقبه ونجمع بين الرِّوايتين وهي:

هو البدر في هيجاء بدر وغيرهُ

فرايصه من ذكره السيف ترعدُ

عليٌّ له في الطير ما طار ذكره

وقامت به أعداؤه وهي تشهدُ

عليٌّ له في هل أتى ما تلوتمُ

على الرَّغم من آنافكم فتفرّدوا

____________________

١ - هذا البيت وما بعده الى أربعة أبيات لا توجد في مناقب ابن شهر آشوب بل رواها الخوارزمي.


وكم خبر في خيبر قد رويتمُ

ولكنَّكم مثل النعام تشرَّدوا

وفي اُحدٍ ولّى رجالٌ وسيفه

يسوِّد وجه الكفر وهو مسوِّدُ

ويوم حنينٍ حنَّ للغلِّ بعضكم

وصارمه عضب الغرار مهنَّدُ

تولىّ اُمور النّاس لم يستغلّهم

ألا ربما يرتاب مَن يتقلّدُ

ولم يك محتاجاً إلى علم غيره

إذا احتاج قومٌ في قضايا تبلّدوا

ولا سدَّ عن خير المساجد بابه

وأبوابهم إذ ذاك عنه تُسدَّدُ

وزوجته الزَّهراء خير كريمةٍ

لخير كريم فضلها ليس يُجحدُ(١)

وبالحسنين المجد مدّ رواقه

ولولاهما لم يبقِ للمجد مشهدُ

تفرّغت الأنوار للأرض منهما

فِللّه أنوارٌ بدت تتجدّدُ

هم الحجج الغرُّ التي قد توضَّحت

وهم سرج الله التي ليس تخمدُ

اُو إليكُم يا آل بيت محمَّدٍ

فكلّكمُ للعلم والدين فرقدُ

وأترك من ناواكمُ وهو هتكه

يُنادى عليه مولدٌ ليس يُحمدُ

وذكر له الحمّوئي صاحب ( فرايد السمطين ) في السمط الثاني في الباب الأوَّل:

منايح الله جاوزت أملي

فليس يدركها شكري ولا عملي

لكنَّ أفضلها عندي وأكملها

محبَّتي لأمير المؤمنين علي

وذكر العلّامة المجلسي في ( البحار ) ج ١٠ ص ٢٦٤ نقلاً عن بعض الكتب القديمة من قصيدةٍ طويلةٍ له:

أجروا دماء أخي النبيِّ محمَّد

فلتجر غزر دموعنا ولتهملِ

ولتصدر اللَّعنات غير مزالة

لعِداه من ماضٍ ومن مُستقبلِ

و تجرَّدوا لبنيه ثمَّ بناته

بعظايم فاسمع حديث المقتلِ

منعوا الحسين الماء وهو مجاهدٌ

في كربلاء فنُح كنوح المعولِ

منعوه أعذب منهلٍ وكذا غداً

يردون في النيران أوخم منهلِ

أيجزُّ رأس إبن النبيِّ وفي الورى

حيُّ أمام ركابه لم يُقتلِ ؟

وبنو السفاح تحكّموا في أهل حيّ

على الفلاح بفرصةٍ وتعجّلِ

____________________

١ - هذا البيت رواه الخوارزمي ولا يوجد فيما جمع له السيد في ( أعيان الشيعة )


نكت الدعي بن الدعيّ ضواحكاً

هي للنبيَّ الخير خير مُقبَّلِ(١)

تمضي بنو هند سيوف الهند

في أوداج أولاد النبيَّ وتعتلي

ناحت ملائكة السّماء لقتلهم

وبكوا فقد اُسقوا كؤوس الذبَّلِ

فأرى البكاء على الزمان محلّلا

والضحك بعد الطفِّ غير محلّلِ

كم قلت للأحزان:دومي هكذا

وتنزّلي في القلب لا تترحَّلي

هذه نبذةٌ من شعره في الأئمَّة عليهم السَّلام، وفي مناقب إبن شهر آشوب منه نبذٌ منثورة على أبواب الكتاب جمعها السيّد في [ أعيان الشيعة ] ولمثول الكتابين للطبع وانتشارهما ضربنا عن ذكر جميعها صفحا، ولم نذكر هاهنا إلّا الخارج عن الكتابين ولو في الجملة.

قال السيِّد في ( الدرجات الرفيعة ):إنَّ الصاحب رحمه الله قال قصيدةً معرّاة من الألف التي هي أكثر الحروف دخولاً في المنثور والمنظوم وأوَّلها:

قد ظلِّ يجري صدري

مَن ليس يعدوه فكري

وهي في مدح أهل بيت عليهم السَّلام في سبعين بيتاً فتعجَّب الناس، وتداولتها الرُّواة فسارت مسير الشمس في كلِّ بلدة، وهبت هبوب الريح في البرِّ والبحر، فاستمرَّ الصاحب على تلك الطريقة، وعمل قصايد كلُّ واحدة منها خاليةٌ من حرفٍ واحدٍ من حروف الهجاء وبقيت عليه واحدة تكون خالية من الواو فانبرى صهره أبو الحسين عليّ لعملها وقال قصيدةً ليست فيها واوٌ ومدح الصاحب بها وأوَّلها:

برقٌ ذكرت به الحبائب

لَمّا بدى فالدَّمع ساكب

كان للصاحب خاتمان نقش أحدهما هذه الكلمات:

على الله توكلّت

وبالخمس توسَّلت

ونقش الآخر:

شفيع إسماعيل في الآخرة

محمَّدٌ والعترةُ الطاهرة

ذكره الشيخ في المجالس وأشار إليه شيخنا الصَّدوق في أوَّل ( عيون الأخبار )

____________________

١ - لم يذكر سيدنا الامين في أعيانِ الشيعة من القصيدة الا هذا البيت.


ألصاحب ومذهبه

إنَّ كون الصاحب من عُليَّة الشيعة الإماميّة ممّا لا يمتري فيه أيُّ أحد من علماء مذهبه الحقّ، كما يشهد بذلك شعره الكثير الوافر في أئمَّة أهل البيت عليهم السَّلام ونثره المتدفِّق منه لوايح الولاية والتفضيل وهو يهتف بقوله:

فكم قد دعوني رافضيّاً لحبّكم

فلم ينثني عنكم طويل عوائهم

وقد نصَّ على مذهبه هذا السيِّد رضيُّ الدين إبن طاووس في كتاب ( اليقين ) ومرَّ عن المجلسي الأوَّل انَّه من أفقه فقهاء أصحإبنا، واقتفى أثره ولده في مقدِّمات البحار فصرَّح بانَّه كان من الإماميَّة، وعدّه القاضي الشهيد في مجالسه من وزراء الشيعة، ويقول شيخنا الحرّ في أمل الآمل. إنَّه كان شيعيّاً إماميّاً، وعدَّه إبن شهر آشوب في المعالم من شعراء أهل البيت المجاهرين، وشيخنا الشهيد الثاني من أصحإبنا، و في ( معاهد التنصيص ):انَّه كان شيعيّاً جلداً كآل بُويه معتزليّاً، وقبل هذه الشهادات كلّها شهادة الشيخين العَلمين رئيس المحدِّثين الصدوق في ( عيون أخبار الرِّضا )، وشيخنا المفيد فيما حكاه عنه إبن حجر في ( لسان الميزان ) ١ ص ٤١٣، ورسالته في أحوال عبد العظيم الحسني المندرجة في خاتمة ( المستدرك ) ٣ ص ٦١٤(١) من جملة الشواهد أيضاً، وفي ( لسان الميزان ) ١ ص ٤١٣:كان الصاحب إماميَّ المذهب و أخطأ من زعم انَّه كان معتزليّاً، وقد قال عبد الجبّار القاضي لمَّا تقدَّم الصلاة عليه:ما أدري كيف اُصلّي على هذا الرافضيِّ. وعن إبن أبي طيّ:انَّ الشيخ المفيد شهد بأنَّ الكتاب الذي نسب إلى الصاحب في الإعتزال وُضع على لسانه ونُسب إليه وليس هو له.

وهناك نُقولُ متهافتةٌ يبطل، بعضها بعضاً تفيد اعتناق الصاحب مذهب الإعتزال تارةً وتمذهبه بالشافعيَّة اُخرى، وبالحنفيَّة طوراً، وبالزيديَّة مرَّةً، وفي القاذفين مَن يحمل عليه حقداً يُريد تشويه سمعته بكلِّ ما توحي إليه ضغاينه كأبي حيّان التوحيدي ومن حكي عنه طرفي نقيض كشيخنا المفيد الذي ذكرنا حكاية إبن حجر عنه بوضع ما نُسب إلى الصاحب من الكتاب الذي يدلُّ على الإعتزال، ونقل عنه ايضاً نسبته

____________________

١ - نقلا عن نسخة بخط بعض بني بابويه مؤرخة بسنة ٥١٦.


إلى جانب الإعتزال.

وهذا التهافت في النقل يُسقط الثقة بأيِّ النقلين وإن كان النصُّ على تشيّعه معتضداً بكلمات العلماء قبله وبعده، والسيِّد رضيُّ الدين الذَّي عرفت النصَّ عنه بتشيّعه في كتاب ( اليقين ) فقد نُقل عنه حكايته عن الشيخ المفيد وعلم الهدى نسبته إلى الإعتزال، وأنت تعلم أنَّ نصَّه الأوَّل هو معتقده وهذه حكايةٌ محضةٌ، وقد عرفت حال المحكيِّ عن الشيخ المفيد، وأمّا السيِّد المرتضى فالظاهر أنَّ مُنتزع هذه النسبة إليه هو ردُّه على الصاحب في تعصّبه للجاحظ الذي هو من أركان المعتزلة، غير أنّا نحتمل أنَّ هذا التعصّب كان لأدبه لا لمذهبه كتعصّب الشريف الرضيّ للصابي.

وما وقع إلينا في المحكيِّ عن رسالة ( الإبانة ) للصاحب من إنكار النصَّ على أمير المؤمنينعليه‌السلام فهو حكايةٌ محضةٌ عمَّن يقول بذلك بل ما في ( الإبانة ) يكفي بمفرده في إثبات كونه إماميّاً وإليك نصُّ كلامه مشفوعاً بمقاله في ( التذكرة ) حول الإمامة.

قال في ( الإبانة ):زعمت العثمانيَّة وطوائف الناصبيَّة انَّ أمير المؤمنينعليه‌السلام مفضولٌ في أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم غير فاضل واستدلَّت بأنّ أبا بكر وعمر وليا عليه وقالت الشيعة العدليَّة:فقد ولىّ النبيَّعليه‌السلام عليهما عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل فليقولوا:إنَّه خير منهما، فقالت الشيعة:عليُّعليه‌السلام أفضل الناس بعد النبيِّ فلذلك آخى بينه وبينه حين آخى بين أبي بكر وعمر فلم يكن ليختار لنفسه إلّا الأفضل، وقد ذكر ذلك بقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم :أنت منّي بمنزلة هارون من موسى. ثمَّ إنَّه لم يستثن إلّا النبوَّة وفيه قال:أللهمَّ آتني بأحبِّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير. وقد قال:مَن كنت مولاه فعليُّ مولاه، اللهمّ وال مَن والاه:وعاد من عاداه. إلى آخر الدُّعاء.

وبعدُ:فالفضيلةُ تستحقُّ بالمسابقة وهو أسبقهم إسلاما و قد قال الله تعالى:ألسّابِقون السّابِقون أولئكَ المقرَّبون، وبالجهاد وهو لم يغمد حساماً، ولم يقصر إقداماً، كشّاف الكروب، وفرّاج الخطوب، ومسعر الحروب، وقاتل مرحب، وقالع باب خيبر، وصارع عمرو بن عبد ودّ، ومَن قال فيه النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لاُعطينَّ الراية غداً رجلاً يُحبُّ الله ورسوله ويحبّه اللهُ ورسوله. كرّاراً غير فرّار، وقد قال الله تعالى:


فضَّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيما. وبالعلم والنبيُّصلّى الله عليه وآله وسلّم قال:أنا مدينة العلم وعليُّ بابها. وأثر ذلك بيِّنُ لأنَّهعليه‌السلام لم يسئل من الصحابة أحداً وقد سألوه، ولم يستفتهم وقد استفتوه، حتَّى انَّ عمر يقول:لولا عليُّ لهلك عمر، ويقول:لا أعاشني الله لمشكلة ليس لها أبو الحسن، وقد قال الله تعالى:قُلْ هَلْ يَستَوي الَّذينَ يَعلمونَ والَّذين لا يَعلمون. وبالزُّهد والتقوى والبرِّ والحسنى فإذا كان أعلمهم فهو أتقاهم وقال الله تعالى:إنَّما يخشى الله من عباده العلماء. وبعدُ:فهو الَّذي آثر المسكين واليتيم والأسير عَلى نفسه مخرجاً قوته كلَّ ليلة إليهم عند فطره حتّى أنزل الله تعالى:وَ يُطعموُنَ الطَّعامَ عَلى حبِّه مسكيناً ويتيماً وأسيرا. فأخبر نبيَّه وعده عليه الجنَّة. والحديث طويلٌ وفضله كثيرٌ، وهو الَّذي تصدق بخاتمه في ركوعه حتّى أنزل الله فيه:إنمَّا وليّكم الله ورسوله.

وزعمت طائفةٌ من الشيعة ذاهلةً عن تحقيق الإستدلال أنَّ عليّاًعليه‌السلام كان في تقيَّة فلذلك ترك الدعوة إلى نفسه. وزعمت أنَّ عليه نصّاً جليّاً لا يحتمل التأويل، وقالت العدليَّة:هذا فاسدٌ، كيف تكون عليه التقيَّة في إقامة الحقِّ وهو سيِّد بني هاشم ؟ وهذا سعد بن عبادة نابذ المهاجرين وفارق الأنصار لم يخش مانعاً ودافعاً وخرج إلى حوران ولم يبايع، ولو جاز خفاء النصِّ الجليِّ عن الاُمَّة في مثل الإمامة لجاز أن يتكتّم صلاةٌ سادسةٌ وشهرٌ يُصام فيه غير شهر رمضان فرضاً، وكلّما أجمع عليه الاُمَّة من أمر الأئمَّة الذين قاموا بالحقِّ وحكموا بالعدل صوابٌ، وأمّا من نابذ عليّاًعليه‌السلام وحاربه وشهر سيفه في وجهه فخارجٌ عن ولاية الله إلّا من تاب بعد ذلك وأصلح إنَّ الله يحبُّ التوّابين ويحبُّ المتطهِّرين. ا ه‍.

ألمراد على ما يفهم من جواب العدليَّة انَّ دعوى تقيّة عليّعليه‌السلام وتركه الدعوة إلى نفسه مع ادِّعاء النصِّ الجليِّ عليه زعمٌ فاسدٌ، وانَّ الإعتقاد بترك الدَّعوة لا يوافق مع القول بالنصِّ الجليِّ إذ لو كان لأبان وما ترك الدَّعوة، والمدَّعي ذاهلٌ عن تحقيق الإستدلال بما ذكر من الكتاب والسنَّة فإنَّهعليه‌السلام دعا إلى نفسه واحتجَّ بأدلّة أوعزت إليها، فنسبة إنكار النصِّ الجليِّ إلى المترجَم بهذه العبارة كما فعله غير واحد في غير محلّه جِدّاً.


وقال في ذيل كتابه [ ألتذكرة ] ذكر الصاحب رحمه الله في آخر كتاب:( نهج السبيل ):انَّ أمير المؤمنين عليّاًعليه‌السلام أفضل الصِّحابة بعد النبيِّ صلّى الله عليه وآله وسلّم واستدلَّ عليه بأنّ الأفضليَّةُ تستحقُّ بالسابقة والعلم والجهاد والزهد فوق جميعهم، فلا شكَّ انَّه متقدّمهم وغير متأخّر عنهم، وقد سبقهم بمنازلة الأقران، وقتل صناديد الكفّار وأعلام الضَّلالة، وهو الّذي آخى النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بينه وبينه حين آخى بين أبي بكر وعمر، و رضيه كفواً لسيِّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليهم، ودعا الله أن يوالي مَن والاه ويعادي مَن عاداه، وأخبرنا انَّه منه بمنزلة هارون من موسى لفضل فيه، و قالعليه‌السلام :أللهّم ائتني بأحبِّ الخلق إليك يأكل معي هذا الطائر، ولا يكون أحبّهم إلى الله إلّا أفضلهم، وقال:أنا مدينة العلم وعليّ بابها، وقال:أنا ما سألت الله شيئاً إلّا سألت لعليٍّ مثله حتّى سألت له النبوَّة فقيل:لا ينبغي لأحدٍ من بعدك، ولم يكن يسألها إلّا لفضله. ولهذا استثنى النبوَّة في حديث:أنت منّي بمنزلة هارون من موسى. فصبر على المحن، وثبت على الشدايد، ولم ترده أيّام توليته إلّا خشونةً في الدين، وأكله للجشب(١) ولبساً للخشن، يستقون من علمه، وما يستقي إلّا ممَّن هو أعلم، خير الأوَّلين وخير الآخرين، عهد إليه في الناكثين والقاسطين والمارقين، وقُتل بين يديه عمَّار بن ياسر المشهود له بالجنَّة لبصيرته في أمره، وشبَّهه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعيسى بن مريمعليه‌السلام كما شبَّهه بهارون، لا تضرب الأمثال إلّا بالأنبياء، وتصدَّق بخاتمة في ركوعه حتّى أنزل فيه:إنَّما وَليّكُمُ الله وَرَسوله. الآية، وآثر المسكين واليتيم والأسير عليّ نفسه حتّى اُنزل فيه:ويُطعمون الطّعام على حبِّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، وقال تعالى:إنّما أنتَ منذرٌ ولكلِّ قوم هاد. فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم :أنا المنذر وأنت يا عليّ الهادي، وقال تعالى:و تعيها أذنُ واعيةٌ وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم :هي اُذن عليّعليه‌السلام وجعله الله في الدنيا فصلاً بين الإيمان والنِّفاق حتّى قيل:ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلّا ببغضهم عليّاًعليه‌السلام ، وأخبر انَّه في الآخرة قسيم الجنّة والنار، وقال ابن عبّاس:ما أنزل الله في القرآن يا أيّها الّذين آمنوا إلّا وعليُّ سيِّدها وأبوها وشريفها، وأعلى من ذلك قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم :عليُّ يعسوب المؤمنين، وله ليلة الفراش حين نام عليه في مكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم صابراً

____________________

١ - جشب الطعام:غلظ.


على ما كان يتوقّع من الذبح صحبة إسحاق ذبيح الله حين صبر على ما ظنّ انّه نازلٌ به من الذبح، وقال فيه مثل عمر بن الخطاب:لولا عليٌ لهلك عمر، ولا أعاشني الله لمشكلّةٍ ليس لها أبو الحسن. ودهره كلّه إسلامٌ و زمانه أجمع إيمانٌ، لم يكفر بالله طرفة عين، عاش في نصرة الإسلام حميداً، ومضى لسبيله شهيداً، جعلنا الله ممّن آثر المحبّة في القربى، وهدانا للّتي هي أحسن وأولى، وحسبنا الله منزل الغيث وفاطر النسم(١) .

وقد أبان عن مذهبه الحقّ [ الإماميَّة ] في شعره بقوله:

بالنصِّ فاعقد إن عقدت يمينا

كلُّ اعتقاد الإختيار رضينا

مكّن لقول إ~لهنا تمكينا

:واختار موسى قومه سبعينا

وقال في قصيدته البائيَّة التّي مرَّت:

لم تعلموا أنَّ الوصيَّ هو الذي

آتي الزَّكاة وكان في المحراب

لم تعلموا أنَّ الوصيَّ هو الذي

حكم ( الغدير ) له على الأصحاب

وله قوله:

إنَّ المحبَّة للوصيِّ فريضةٌ

أعني أمير المؤمنين عليَّا

قد كلّف الله البريَّة كلّها

واختاره للمؤمنين وليّا

وما في ( لسان الميزان ) من اشتهاره بذلك المذهب ( الاعتزال ) وانِّه كان داعية إليه فيدفعه تخطأته أوّلاً من زعم أنّه من معتنقيه، وما نقله عن القاضي عبد الجبّار من انَّه لمّا تقدَّم للصَّلاة عليه قال:ما أدري كيف اُصلّي على هذا الرفضيِّ، وما تكرّر في شعره من قذف أعدائه له بالرَّفض، إلّا أن يُريد إبن حجر الإشتهار المحض دون الحقيقة فليلتئم مع قوله الآخر.

والَّذي أرتأيه ويُساعدني فيه الدليل انَّ الصاحب كغيره من أعلام الإماميَّة كان يوافق المعتزلة في بعض المسائل كمسألة العدل التي تطابقت آراء الشيعة والمعتزلة فيها على مجابهة الأشاعرة في الجبر واستلزامه تجوير الحقِّ تعالى، وإن افترقا من ناحية أخرى في باب التفويض وأمثال هذه، فقد كان يصعب على الباحث التمييز بين

____________________

١ - كل ما ذكره الصاحب من الاحاديث في فضل مولانا أمير المؤمنين ثابت وصحيح عند القوم مبثوث في أجزاء كتإبنا بأسانيده، أخرجه بها الحفاظ في الصحاح والمسانيد.


الفريقين فيرمى كلُّ فريق باسم قسيمه، ومن هنا اُتى الصاحب بهذه القذيفة كغيره من أعلام الطايفة مثل علم الهدى السيد المرتضى وأخيه الشريف الرَّضي.

وأمّا نسبته إلى الشافعيَّة فيدفعها عزوه إلى الحنفيَّة، ومن أبدع التناقض قول أبي حيّان في كتاب [ الإمتاع ج ١ ص ٥٥] انَّه كان يتشيَّع لمذهب أبي حنيفة ومقالة الزيديَّة، وأمّا انتسابه إلى الزيديَّة فيدفعه تعداده الأئمة عليهم السَّلام في شعره كقوله:

بمحمَّدٍ ووصيِّه وإبنيهما

ألطاهرين وسيِّد العبّادِ

ومحمَّدٍ وبجعفر بن محمَّد

وسميِّ مبعوث بشاطي الوادي

وعليٍّ الطوسيِّ ثمَّ محمَّد

وعليٍّ المسموم ثمَّ الهادي

حسن وأتبع بعده بإمامةٍ

لِلقائم المبعوث بالمرصادِ

وقوله:

بمحمَّدٍ ووصيِّه وابنيهما

وبعابدٍ وبباقرين وكاظمِ

ثمَّ الرِّضا ومحمَّدٍ ثمَّ ابنه

والعسكريِّ المتّقي والقائمِ

أرجو النجاة من المواقف كلها

حتّى أصير إلى نعيمٍ دائمِ

وقوله:

نبيُّ والوصيُّ وسيِّدانِ

و زينُ العابدين و باقرانِ

وموسى والرِّضا والفاضلان

بهم أرجو خلودي في الجنانِ

وقوله أرجوزةً:

يا زائراً قد قصد المشاهدا

وقطع الجبال والفدافدا

فأبلغ النبيَّ من سلامي

ما لا يَبيد مدَّة الأيّامِ

حتّى إذا عدت لأرض الكوفة

ألبلدة الطاهرة المعروفة

وصرت في الغريِّ في خير وطن

سلّم على خير الورى أبي الحسن

ثَمَّة سر نحو بقيع الغرفدِ

مسلّماً على أبي محمَّدِ

وعُد إلى الطفِّ بكربلاءِ

أهد سلامي أحسن الإهداءِ

لخير مَن قد ضمَّه الصعيدُ

ذاك الحسين السيِّد الشهيدُ


واجنب إلى الصحراء بالبقيعِ

فثَمَّ أرض الشرف الرَّفيعِ

هناك زين العابدين الأزهرُ

وباقر العلم وثمَّ جعفرُ

أبلغهمُ عنّي السَّلام راهنا

قد ملأ البلاد والمواطنا

واجنب إلى بغداد بعد العيسا

مسلّماً على الزكيِّ موسى

واعجل إلى طوس على أهدى سكنْ

مبلّغاً تحيَّتي أبا الحسنْ

وعُد لبغداد بطير أسعدِ

سلّم على كنز التّقى محمَّدِ

وأرض سامراء أرض العسكرِ

سلّم على عليٍّ ن المطهَّرِ

والحسن الرضيِّ في أحواله

من منبع العلوم في أقواله

فإنَّهم دون الأنام مفزعي

ومَن إليهم كلّ يوم مرجعي

وله اُرجوزةٌ اُخرى يعدُّ فيها الأئمَّة الهداة ويُسمّيهم. م - وقصيدةٌ في الإمام أبي الحسن الرِّضا ثامن الحجج صلوات الله عليهم، تذكر في مقدِّمة ( عيون الأخبار ) لشيخنا الصَّدوق، وقصيدةُ اُخرى فيهعليه‌السلام ايضاً ألا وهي:

يا زائراً قد نهضا

مُبتدراً قد ركضا

وقد مضى كأنّه

البرق إذا ما أومضا

أبلغ سلامي زاكياً

بطوس مولاي الرِّضا

سبط النبيَّ المصطفى

وإبن الوصيِّ المرتضى

من حاز عزَّا أقعسا

وشاد مجداً أبيضا

وقل له عن مخلصٍ

يرى الولا مفترضا

:في الصَّدر نفح حرقةٍ

تترك قلبي حَرَضا

من ناصبين غادروا

قلب الموالي مُمرضا

صرَّحت عنهم مُعرضاً

ولم أكن معرِّضا

نابذتهم ولم أبل

إن قيل:قد ترفَّضا

يا حبِّذا رفضي لمن

نابَذَكم وأبغضا

ولو قدرتُ زرته

ولو على جمر الغضا

لكنّني مُعتقلٌ

بقيد خطب عَرَضا


جعلتُ مدحي بدلاً

من قصده وعوضا

أمانةً مورده

على الرِّضا ليرتضى

رام بن عبّادٍ بها

شفاعةً لن تُدحضا

نوادر فيها المكارم

١ - يُحكى أنَّ الصاحب إستدعى في بعض الأيّام شراباً فأحضروا قدحاً فلمّا أراد أن يشربه قال له بعض خواصِّه:لا تشربه فإنَّه مسمومٌ - وكان الغلام الذي ناوله واقفاً - فقال للمحذِّر:ما الشاهد على صحَّة قولك ؟ فقال:تجربَّه في الّذي ناولك إيّاه. قال:لا أستجيز ذلك ولا استحلّه. قال:فجرِّ به في دُجاجة قال:ألتمثيل بالحيوان لا يجوز. ورد القدح وأمر بقلبه، وقال:للغلام انصرف عني ولا تدخل داري، وأمر بإقرار جاريةٍ وجرايته عليه، وقال لا يُدفع اليقين بالشكّ، والعقوبة بقطع الرِّزق نذالة.

٢ - كتب إليه بعض العلويِّين يُخبره بأنَّه قد رُزق مولوداً ويسأله أن يسمِّيه ويكنِّيه فوقَّع في رقعته:

أسعدك الله بالفارس الجديد، والطالع السعيد، فقد والله ملأ العين قرَّة، و النفس مسَّرة مستقرَّة، والاسم عليٌّ ليعلي الله ذكره، والكنية أبو الحسن ليحسن الله أمره، فإنّي أرجو له فضل جِدِّه، وسعادة جَدِّه، وقد بعثتُ لتعويذه ديناراً من مائة مثقال، قصدتُ به مقصد الفال، رجاء أن يعيش مائة عام، ويخلص خلاص الذهب الأبرز من نُوبَ الأيّام، والسَّلام.

٣ - كتب بعض أصحاب الصاحب إليه رقعةً في حاجة فوقَّع فيها، ولمّا رُدَّت إليه لم يَر فيها توقيعاً، وقد تواترت الأخبار بوقوع التوقيع فيها، فعرضها على أبي العبّاس الضّبي فم أزال يتصفَّحها حتّى عثر بالتوقيع وهو ألفٌ واحدة، وكان في الرقعة:فإن رأى مولانا أن ينعم بكذا ؟ فَعَلَ. فأثبت الصاحب أمام ( فَعَل ) ألفاً يعني:أفعَلُ.

٤ - كتب الصاحب إلى أبي هاشم العلويِّ وقد أهدى إليه في طبق فضَّة عطراً:

العبد زارك نازلاً برواقكا

يستنبط الإشراق من إشراقكا

فاقبل من الطيب الذي أهديته

ما يسرق العطّار من أخلاقكا

والظرف يوجب أخذه مع ظرفه

فأضف به طبقاً إلى أطباقكا


٥ - نظر أبو القاسم الزَّعفراني يوماً إلى جميع مَن فيها من الخدم والحاشية عليهم الخزوز الفاخرة الملوَّنة فاعتزل ناحية وأخذ يكتب شيئاً فسأل الصاحب عنه، فقيل:إنَّه في مجلس كذا يكتب. فقال:عليَّ به. فاستهلَّ الزعفرانيُّ ريثمَّا يكمل مكتوبه فأعجله الصاحب، وأمر بأن يؤخذ ما في يده من الدرج، فقام الزعفراني إليه وقال:أيَّد الله الصاحب.

اسمعه ممَّن قاله تزدد به

عجباً فحسن الورد في أغصانه

قال:هات يا أبا القاسم. فأنشده أبياتاً منها:

سواك يعدُّ الغنى ما اقتنى

ويأمره الحرص أن يخزنا

وأنت ابن عبّادٍ ن المرتجى

تعدُّ نوالك نيل المنى

وخيرك من باسط كفّه

وممّن ثناها قريب الجنى

غمرتَ الورى بصنوف الندى

فأصغر ما ملكوه الغنى

وغادرت أشعرهم مفحماً

وأشكرهم عاجزاً ألكنا

أيا مَن عطاياه تُهدي الغنى

إلى راحتي من نأى أو دنا

كسوتَ المقيمين والزائرين

كسى لم يخل مثلها ممكنا

وحاشية الدار يمشون في

ضروب من الخزِّ إلّا أنا

ولست اُذكّر لي جارياً

على العهد يحسن أن يحسنا

فقال الصاحب قرأت في أخبار معن بن زائدة:أنَّ رجلاً قال له:احملني أيّها الأمير، فأمر له بناقةٍ وفرسٍ وبغلةٍ وحمارٍ وجاريةٍ، ثمَّ قال له:لو علمت أنَّ الله تعالى خلق مركوباً غير هذه لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من الخزِّ بجبّةٍ، وقميصٍ. ودُرّاعةٍ. وسراويلَ وعمامةٍ. ومنديل. ومطرفٍ. ورداءٍ. وجوربٍ، ولو علمنا لباساً آخر يُتَّخذ من الخزِّ لأعطيناكه، ثمَّ أمر بإدخاله الخزانة، وصبِّ تلك الخلع عليه، وتسليم ما فضل عن لبسه في الوقت إلى غلامه.

٦ - كتب أبو حفص الورّاق الإصبهاني إلى الصاحب:لولا أنَّ الذكرى أطال الله بقاء مولانا الصاحب الجليل - تنفع المؤمنين:وهزَّة الصمصام تعين المصلتين لما ذكرت ذاكراً، ولا هززت ماضياً، ولكن ذا الحاجة لضرورته يستعجل النجح،


ويكدّ الجواد السمح، وحال عبد مولانا أدام الله تأييده في الحنطة مختلفةٌ، وجرذان داره عنها منصرفةٌ، فإن رأى أن يخلط عبده بمن أخصب رحله، ولم يشدّ رحله ؟ فَعَل إن شاء الله تعالى، فوقّع الصاحب فيه:

أحسنت أبا حفص قولاً، وسنحسن فعلاً، فبشِّر جرذان دارك بالخصب:و أمنها من الجدب، فالحنطة تأتيك في الأسبوع، ولست عن غيرها من النفقة بممنوع إن شاء الله تعالى.

٧ - عن أبي الحسن العلويِّ الهمداني الشهير بالوصيِّ إنَّه قال:لَمّا توجَّهتُ تلقاء الري في سفارتي إليها من جهة السلطان فَكّرتُ في كلامٍ ألقى به الصاحب، فلم يحضرني ما أرضاه، حين استقبلني في العسكر، وأفضى عناني إلى عنانه جرى على لساني:( ما هذا بشرٌ إن هذا إلّا مَلكٌ كريم ). فقال:إنّي لأجد ريح يوسف لولا أنْ تُفنِّدوني، ثمَّ قال:مرحباً بالرَّسول ابن الرَّسول، الوصيِّ إبن الوصيِّ.

٨ - مرض الصاحب في الأهواز باسهال فكان إذا قام عن الطست ترك إلى جانبه عشرة دنانير، حتّى لا يتبرَّم به الخدم، فكانوا يودّون دوام علّته، وَلمّا عوفي تصدَّق بنحو من خمسين ألف دينار.

٩ - في ( اليتيمة ) عن أبي نصر ابن المرزبان إنّه قال:كان الصاحب إذا شرب ماءً بثلج أنشد على أثره:

قعقعة الثلج بماءٍ عذبِ

تستخرج الحمد من أقصى القلب

ثمَّ يقول:أللهمَّ جدِّد اللعن على يزيد.

١٠ - في ( معجم الاُدباء ) كان إبن الحضيري يحضر مجلس الصاحب بالليالي فغلبته عينه ليلة فنام وخرجت منه ريحٌ لها صوتٌ، فخجل وانقطع عن المجلس، فقال الصاحب:أبلغوه عنّي:

يا بن الحضيريُّ لا تذهب على خجل

لحادث كان مثل الناي والعودِ

فإنّها الريح لا تسطيع تحبسها

إذ لست أنت سليمان بن داود


غرر كلم للصاحب

تجري مجرى الأمثال

مَن استماح البحر العذب، استخرج اللؤلؤ الرطب.

مَن طالت يده بالمواهب، إمتدَّت إليه ألسنة المطالب.

مَن كفر النعمة، إستوجب النقمة.

مَن نبت لحمه على الحرام، لم يحصده غير الحسام.

مَن غرَّته أيّام السلامة، حدَّثته ألسن الندامة.

مَن لم يهزّه يسير الإشارة، لم ينفعه كثير العبارة.

رُبَّ لطائف أقوال، تنوب عن وظائف أموال.

ألصدر يطفح بما جمعه، وكلُّ إناء مؤدٍّ ما أودعه.

أللبيب تكفيه اللمحة، وتُغنيه اللحظة عن اللفظة.

ألشمس قد تغيب ثمَّ تشرق، والرَّوض قد يذبل ثمَّ يورق.

ألبدر يأفل ثمَّ يطلع، والسيف ينبو ثمَّ يقطع.

ألعلم بالتذاكر، والجهل بالتناكر.

إذا تكرَّر الكلام على السمع، تقرَّر في القلب.

ألضمائر الصحاح أبلغ من الألسنة الفصاح.

ألشيئ يحسن في إبّانه، كما أنّ الثمر يُستطاب في أوانه.

ألآمال ممدودةٌ، والعواري مردودةٌ.

ألذكرى ناجعةٌ، وكما قال الله تعالى نافعةٌ.

متن السيف ليّنٌ، ولكن حدّه خشنٌ، ومتن الحيَّة ألين، ونابها أخشن عقد المنن في الرِّقاب لا يُبلغ إلّا بركوب الصعاب.

بعض الحلم مذلَّة، وبعض الاستقامة مزلّة.

كتاب المرء عنوان علقه، بل عيار قدره، ولسان فضله، بل ميزان علمه.


إنجاز الوعد من دلائل المجد واعتراض المطلّ من إمارات البخل، وتأخير الإسعاف من قرائن الاخلاف.

خير البرِّ ما صفا وضفا، وشرُّه ما تأخَّر وتكدَّر.

فراسة الكريم لا تبطي، وقيافة الشرِّ لا تخطي.

قد ينبح الكلب القمر ؟ فليلقم النابح الحجر.

كم متورّط في عثار رجاء أن يُدرك بثار.

بعض الوعد كنقع الشراب، وبعضه كلمع السراب.

قد يبلغ الكلام حيث تقصر السّهام.

ربما كان الإقرار بالقصور أنطق من لسان الشكور.

ربما كان الإمساك عن الإطالة أوضح في الإبانة والدلالة.

لكلِّ امرئٍ أمل، ولكلِّ وقت عمل.

إن نفع القول الجميل، والأنفع السيف الصقيل.

شجاع ولا كعمرو، مندوبٌ ولا كصخر.

لا يذهبنَّ عليك تفاوت ما بين الشيوخ والأحداث، والنسور والبغاث.

كفران النعم عنوان النقم.

جحد الصنائع داعية القوارع.

تلقِّي الإحسان بالجحود تعريض النعم للشرود.

قد يقوى الضعيف، ويصحو النزيف، ويستقيم المائد، ويستيقظ الهاجد.

للصدر نفثةٌ إذا أحرج، وللمرء بثَّةٌ إذا أحوج.

ما كلّ امرء يستجب للمراد، ويُطيع يد الإرتياد.

قد يٌصلّي البرئ بالقسيم، ويُؤخذ البرّ بالأثيم.

ما كلُّ طالب حقٍّ يُعطاه، ولا كلُّ شائم مزن يسقاه.

وقد أكثر الثعالبي في ذكر أمثال هذه الكلم الحكميَّة في ( يتيمة الدَّهر ) و ذكرها برمَّتها سيَّدنا الأمين في ( أعيان الشيعة ).

هذا مثال الشيعة وهذه أمثلته، هذا وزير الشيعة وهذه حِكَمه، هذا فقيه


الشيعة وهذا أدبه، هذا عالم الشيعة وهذه كلمه، هذا متكلّم الشيعة وهذا مقاله، هؤلاء رجال الشيعة وهذه مآثرهم وآثارهم، هكذا فليكن شيعة آل الله وإلّا فلا.

وفاته

توفّي الصاحب ليلة الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة ٣٨٥ بالري ولمّا توفّي عُطلّت المدينة وأسواقها، واجتمع الناس على باب قصره، وينتظرون خروج جنازته، وحضر فخر الدولة وسائر القوّاد، وقد غيّروا بزّاتهم، فلّما خرج نعشه من الباب على أكتاف حامليهِ للصَّلاة عليه قام الناس بأجمعهم إعظاماً، وصاحوا صيحةً واحدةً، وقبَّلوا الأرض، وخرقوا ثيابهم، ولطموا وجوههم، وبلغوا في البكاء و النحيب عليه جهدهم، وصلّى عليه أبو العبّاس الضّبي، ومشى فخر الدولة أمام الجنازة وقعد في بيته للعزاء أيّاماً، وبعد الصَّلاة عليه عُلق نعشه بالسلاسل في بيت إلى أن نُقل إلى إصفهان فدفن في قبَّة هناك تُعرف بباب درية(١) قال إبن خلكان:وهي عامرةٌ إلى الآن وأولاد بنته يتعاهدونها بالتبييض. وقال السِّيد في ( روضات الجنات ) قلت:بل وهي عامرةٌ إلى الآن، وكان أصابها تشعّثٌ وانهدام فأمر الإمام العلّامة محمّد إبراهيم الكرباسي في هذه الأيّام بتجديد عمارتها، ولا يدع زيارتها مع ما به من العجز في الأسبوع والشهر والشهرين، وتُدعى في زماننا بباب الطوقچي والميدان العتيق، و الناس يتبرَّكون بزيارته، ويطلبون عند قبره الحوائج من الله تعالى.

قال الثعالبي في ( اليتيمة ):لمّا كنّى المنجِّمون عمّا يعرض عليه له في سنة موته قال الصاحب:

يا مالك الأرواح والأجسامِ

وخالق النّجوم والأحكامِ

مدِّبر الضياء والظلامِ

لا المشترى أرجوه للانعامِ

ولا أخاف الضرَّ من بهرامِ

وإنَّما النجوم كالأعلامِ

والعلم عند الملِك العلّامِ

يا ربُّ فاحفظني من الأسقامِ

ووقِّني حوادث الأيّامِ

و هجنة الأوزار والآثامِ

____________________

(١) بفتح الدال المهملة وكسر الراء كذا ضبطها السيد في أعيان الشيعة، وتجدها في ( اليتيمة ) وغيرها بالذال المجمعة كما يأتي بعيد هذا في شعراً بي منصور اللجيمي.


هبني لحبِّ المصطفى المِعتامِ

وصنوه وآله الكرامِ

ورُثي الصاحب بقصايد كثيرة منها نونيَّة أبي منصور أحمد بن محمَّد اللجيمي منها(١) :

أكافينا العظيم إذا وردنا

ومولانا الجسيم إذا فقدنا

أردنا منك ما أبت الليالي

فأبطل ما أرادت ما أردنا

شققتُ عليك جيبي غير راضٍ

به لك فاتَّخذتُ الوجدِ خدنا

ولو أنّي قتلتُ عليك نفسي

لكان إلى قضاء الحقِّ أدنى

أفِدنا شرح أمرٍ فيه لبسٌ

فإنَّا صائبا كنّا استفدنا

ألم تلك منصفاً عدلاً ؟ فأنّي

عمرت حفيرةً وقلبتُ مدنا

وكيف تركت هذا الخلق حالت

خلائقهم فليس كما عهدنا؟!

تملَّكنا اللئام وصيَّرونا

عبيداً بعد ما كنّا عُبدنا

لئن بلغت رزيَّته قلوباً

فذبن أو أعيناً منّا فجدنا

لمَا بلغت حقائقها ولكن

على الأيّام نعرف مَن فقدنا

وله في رثائه من قصيدة(٢) :

مضى مَن إذا ما أعوز العلم والندى

اُصيبا جميعاً من يديه وفيهِ

مضى من إذا اُفكرتُ في الخلق كلّهم

رجعتُ ولم أظفر له بشبيهِ

ثوى الجود والكافي معاً في حفيرةٍ

ليأنس كلُّ منهما بأخيهِ

هما اصطحبا حيّين ثمَّ تعانقا

ضجيعين في قبرٍ بباب ذريهِ

قد يُعزى بعض هذه الأبيات إلى أبي القاسم بن أبي العلاء الإصبهاني مع حكاية طيفٍ عنه.

ومنها نونيّة أبي القاسم بن أبي العلاء الإصفهاني ذكر منها الثعالبي في ( يتيمة الدهر ) ج ٣ ص ٢٦٣ قوله:

يا كافيَ الملك ما وفيتُ حظّك من

وصف وإن طال تمجيدُ وتأبينُ

____________________

(١) يتيمة الدهر ج ٤ ص ٣٧٥.

(٢) يتيمة الدهر ج ٤ ص ٣٧٥.


فقت الصفات فما يرثيك من أحد

إلّا وتزيينه إيّاك تهجينُ

ما متَّ وحدك لكن مات من ولدت

حوّاء طرّاً بل الدنيا بل الدينُ

هذي نواعي العلا مذ متَّ نادبةٌ

من بعد ما ندبتك الخرِّدُ العينُ

تبكي عليك العطايا والصِّلات كما

تبكي عليك الرَّعايا والسلاطينُ

قام السّعاة وكان الخوف أقعدهم

فاستيقظوا بعد ما متَّ الملاعينُ

لا يعجب النّاس منهم إن هم انتشروا

مضى سليمان وانحلَّ الشياطينُ

ومنها داليَّة أبي الفرج بن ميسرة ذكر منها الثعالبي في [ اليتيمة ] ج ٣ ص ٢٥٤ قوله:

ولو قَبِل الفداء لكان يُفدى

وإن حلَّ المصابُ على التفادي

ولكنَّ المنون لها عيونٌ

تكدّ لحاظها في الإنتقادِ

فقل للدَّهر:أنت اُصبت فالبس

برغمك دوننا ثوبي حدادِ

إذا قدَّمت خاتمة الرَّزايا

فقد عرَّضت سوقك للكسادِ

ومنها داليّةٌ لأبي سعيد الرستمي ذكر الثعالبي منها قوله:

أبعد ابن عبّاس يهشُّ إلى السّرى

أخو أمل أو يُستماح جوادُ؟!

أبى الله إلّا أن يموتا بموته

فما لهما حتَّى المعاد معادُ

ومنها لأميَّة أبي الفيّاض سعيد بن أحمد الطبري ذكرها الثعالبي في ( اليتيمة ) ج ٣ ص ٢٥٤.

خليلي كيف يقبلك المقيل ؟

ودهرك لا يقيل و لا يقيلُ

يُنادي كلّ يوم في بنيه

:ألا هبّوا فقد جدَّ الرَّحيلُ

وهم رجلان منتظرٌ غفولٌ

ومُبتدرٌ إذا يُدعى عجولُ

كأنَّ مثال مَن يفنى ويبقى

رعيلٌ سوف يتلوه رعيلُ

فهم ركبٌ وليس لهم ركابٌ

وهم سفرٌ وليس لهم قفولٌ

تدور عليهمُ كأس المنايا

كما دارت على الشربّ الشمولُ

ويحدوهم إلى الميعاد حادٍ

ولكن ليس يقدمهم دليلُ

ألم تر مَن مضى مِن أوَّلينا

وغالتهم من الأيّام غولُ


قد احتالوا فما دفع الحويلُ

وأعولنا فما نفع العويلُ؟!؟!

كذاك الدّهر أعمارٌ تزول

وأحوالُ تحول ولا تؤولُ

لنا منه وإن عفنا وخفنا

رسولٌ لا يُصاب لديه سولُ

وقد وضح السبيل فما لخلق

إلى تبديله أبداً سبيلُ

لعمرك إنَّه أمدُ قصيرٌ

ولكن دونه أمدٌ طويلُ

أرى الإسلام أسلمه بنوه

وأسلمهم إلى وَله يهولُ

أرى شمس النهار تكاد تخبو

كأنَّ شعاعها طرفٌ كلّيلُ

أرى القمر المنير بدا ضئيلاً

بلا نور فأضناه النّحولُ

أرى زهر النجوم محدَّقات

كأنَّ سراتها عورٌ وحولُ

أرى شُمّ الجبال لها وجيبٌ

تكاد تذوب منه أو تزولُ

أرى وجه الزَّمان وكلّ وجهٍ

به ممّا يكابده فلولُ

وهذا الجوُّ أكلفُ مقشعرُّ

كأنَّ الجوّ من كمد عليلُ

وهذي الريح أطيبها سمومٌ

إذا هبَّت وأعذبها بليلُ

وللسحب الغزار بكلِّ فجٍّ

دموع لا يُزار بها المحولُ

نعى الناعي إلى الدنيا فتاها

أمين الله فالدنيا ثكولُ

نعى كافي الكفاة فكلُّ حرٍّ

عزيزٍ بعد مصرعه دليلُ

نعى كهف العفاة فكلُّ عين

بما تقذي العيون به كحيلُ

كأنَّ نسيم تربته سحيراً

نسيم الروض تقبله القبولُ

إذا وافى اُنوف الرَّكب قالوا

:سحيق المسك أم تربٌ مهيلُ ؟!

آيا قمر المكارم والمعالي

أبن لي كيف عاجلك الاُفولُ ؟!

أبن لي كيف هالك ما يهول

وغالك بعد عزِّك ما يغولُ ؟!؟!

ويا مَن ساسَ أشتات البريا

وألجم من يقول ومَن يصولُ

أدلت على الليالي من شكاها

وقد جارت عليك فمن يُديلُ

بكاك الدين والدنيا جميعاً

وأهلهما كما يبكى الحمولُ

بكتك البيض والسّمر المواضي

وكنت تعرولها فيمن تعولُ


بكتك الخيل معولةً ولكن

بُكاها حين تندبك الصهيلُ

قلوب العالمين عليك قلبٌ

وحظّك من بكائهمُ قليلُ

ولي قلبٌ لصاحبه وفيُّ

يسيل وتحته روحٌ تسيلُ

إذا نظمت يدي في الطرس بيتاً

محاهُ منه منتظمٌ هطولُ

فإن يك ركَّ شعري من ذهولي

فذلك بعض ما يجني الذهولُ

كتبت بما بكيت لأنَّ دمعي

عليك الدَّهر فيّاضُ همولُ

وكنت أعدّ من روحي فداءً

لروحك إن اُريد لها بديلُ

أأحيا بعده وأقرّ عيناً

حياتي بعده هدرٌ غلولُ

حياتي بعده موتُ وَحيُّ

وعيشي بعده سمُّ قتولُ

عليك صلاة ربِّك كلّ حين

تهبُّ بها من الخلد القبولُ

ومنها ميميَّة أبي القاسم غانم بن محمَّد بن أبي العلا الإصبهاني يقول فيها(١) :

مضى نجل عبّاد المُرتجى

فمات جميعُ بني آدمِ

اُوارى بقبرك أهل الزمان

فيرجح قبرك بالعالمِ

وله من قصيدة اُخرى في رثاء الصاحب يقول فيها:

هي نفسٌ فرَّقتها زفراتي

ودماءُ أرقتها عبراتي

لشبابٍ عذب المشارع ماضٍ

ومشيب جذب المراتع آتِ

زمنٌ أذرت الجفون عليه

من شؤوني ما كان ذوب حياتي

تتلاقى من ذكره في ضلوعي

ودموعي مصايفٌ ومشاتي

جاد تلك العهود كلّ أجش الـ

ـودق ثرّ الاخلاف جون السراتِ

بل ندى الصاحب الجليل أبي القا

ـسم نجل الأمير كافي الكفاةِ

تتبارى كلتا يديه عطايا

ومنايا حتماً لعافٍ وعاتِ

ضامناً سيبه لغنم مفادٍ

موذناً سيفه بروح مفاتِ

وارتياحٌ يريك في كلِّ عطفٍ

ألف ألف كطلحة الطلحاتِ

ويدٌ لا تزال تحت شكور

لاثم ظهرها وفوق دواةِ

____________________

١ - تتميم يتيمة الدهر ج ١ ص ١٢٠.


ومنها تائيَّةٌ رثاه بها صهره السيِّد أبو الحسن عليُّ بن الحسين الحسني أوَّلها(١) :

ألا إنَّها أيدي المكارم شلّتِ

ونفس المعالي إثر فقدك سلّتِ

حرامٌ على الظلماء إن هي قوّضت

وحجرٌ(٢) على شمس الضحى أن تجلّتِ

لتبك على كافي الكفاة مآثرٌ

تباهي النجوم الزهر في حيث حلّتِ

لقد فدحت فيه الرزايا وأوجعت

كما عظمت منه العطايا وجلّتِ

ألا هل أتى الآفاق آية غمَّة

أطلّت ؟! ونعمي أيِّ دهرٍ تولَّتِ ؟!

وهل تعلم الغبراء ماذا تضمَّنت

وأعواد ذاك النعش ماذا أفلّتِ ؟!؟!

فلا أبصرت عيني تهلل بارقٍ

يُحاكي ندى كفَّيك إلّا استهلّتِ

ولو قبلت أرواحنا عنك فديةً

لجدنا بها عند الفداء وقلّتِ

وقال السيِّد أبو الحسن محمَّد بن الحسين الحسني المعروف بالوصيِّ الهمداني المترجَم في يتيمة الدهر في رثائه:

مات الموالي والمحبّ

لأهل بيت أبي ترابِ

قد كان كالجبل المنيعِ

لهم فصار مع التّرابِ(٣)

وله في رثائه:

نوم العيون على الجفون حرامٌ

ودموعهنَّ مع الدماء سجامُ

تبكي الوزير سليل عبّاد العلا

والدين والقرآن والإسلامُ

تبكيه مكّة والمشاعر كلّها

وحجيجها والنسك والإحرامُ

تبكيه طيبة والرَّسول ومن بها

وعقيقها والسهل والأعلامُ

كافي الكفاة قضى حميداً نحبه

ذاك الإمام السيِّد الضرغامُ

مات المعالي والعلوم بموته

فعلى المعالي والعلوم سلامُ

ورثاه سيِّدنا الشريف الرضي [ الآتي ذكره في شعراء القرن الخامس ] بقصيدة

____________________

١ - ذكرها له الحموي في معجم الأدباء والسيد في ( الدرجات الرفيعة )

٢ - الحجر المنع.

٣ - ذكرهما له في ترجمته الثعالبي في ( اليتيمة ) ج ٣ ص ٢٦٠.


شرحها أبو الفتح عثمان بن جنّي المتوفّى ٣٩٢ في مجلّد واحد كما ذكره الحموي في ( معجم الاُدباء ) ٥ ص ٣١، ولنشر القصيدة في ديوان ناظمه الشريف وفي غير واحد من المعاجم نضربّ عنها صفحا أوَّلها:

أكذا المنون يُقطِّر الأبطالا ؟!

أكذا الزَّمان يُضعضع الأجيالا ؟!

أكذا تُصاب الاُسد وهي مُدلَّةُ

تحمي الشبول وتمنع الأغيالا ؟!

أكذا تُقام على الفرائس بعدما

ملأت هماهمها الورى أوجالا ؟!

أكذا تحطّ الزاهرات عن العلى

مِن بعد ما شأت العيون منالا ؟!

[ ألقصيدة ١١٢ بيتاً ]

ومرَّ أبو العبّاس الضبّي بباب الصاحب بعد وفاته فقال:

أيّها الباب لم علاك اكتئابُ ؟!

أين ذاك الحجابُ والحُجّابُ ؟!

أين مَن كان يفزع الدهر منه ؟!

فهو اليوم في التراب ترابُ

لا يذهب على القارئ انَّ استدلال مثل الصاحب أحد عمد مراجع اللغة والأدب على أفضليَّة أمير المؤمنين نظماً ونثراً بحديث ( الغدير ) حجَّةُ قويَّةُ على صحَّة إرادة معنى للمولى لا يُبارح الإمامة والخلافة كما أراد هو.

مصادر ترجمة الصاحب

يتيمة الدهر ٣ ص ١٦٩ -٢٦٧

فهرست ابن النديم ص ١٩٤

أنساب السمعاني. معالم العلماء

محاسن إصبهان للمافرّ وخي الأصبهاني

نزهة الألبّاء في طبقات الاُدباء

كامل إبن الأثير ٩ ص ٣٧

معجم الاُدباء ٦ ص ١٦٨ -٣١٧

المنتظم لابن الجوزي ٧ ص ١٧٩

تجارب السلف لابن سنجر ص ٢٤٣

تاريخ إبن خلكان ١ ص ٧٨

مرآة الجنان لليافعي ٢ ص ٤٤١

تاريخ إبن كثير ١١ ص ٣١٤

شرح دراية الحديث للشهيد

نهاية الأرب ٣ ص ١٠٨

شذرات الذهب ٣ ص ١١٣

معاهد التنصيص ٢ ص ١٦٢

بغية الوعاة للسيوطي ص ١٩٦

مجالس المؤمنين للقاضي ص ٣٢٤

بحار الأنوار ج ١٠ ص ٢٦٤ - ٧

ألدرجات الرفيعة للسيِّد علي خان

_٥_


أمل الآمل لشيخنا الحرّ العاملي

لسان الميزان لابن حجر ١ ص ٤١٣

تكملة الأمل للشيخ عبد النبي الكاظمي

منتهى المقال لأبي علي ص ٥٦

روضات الجنّات

تنقيح المقال لشيخنا المامقاني ١ ص ١٣٥

أعيان الشيعة ١٢ في ٢٤٠ صحيفة

سفينة البحار للقمي ٢ ص ١٣

ألكنى والألقاب ٢ ص ٣٦٥ - ٧١

ألطليعة في شعراء الشيعة ج ١

قال الحموي في ( معجم البلدان ) ٦ ص ٨:ذكرتُ أخباره مستقصاةً في أخبار مردويه.

ولأبي حيّان التوحيدي المتوفّى ٣٨٠ رسالة [ مثالب الوزيرين ] ألَّفها في تعيير المترجَم الصاحب وأبي الفضل إبن العميد نُشرت في [ الإمتاع والمؤانسة ] ١ ص ٥٣ - ٦٧ وقد سلب عنهما مالهما من المآثر والفضائل، وبالغ في التعصّب عليهما، وجاء بأمر خداج، وأتى بمنكر من قول وزور، وفاحشة مبيّنة، وما أنصف وما أبرّ بإجماع المؤرِّخين، ولهتيكته هذه أسبابُ تجد ذكرها في أعيان الشيعة وغيره.


ألقرن الرابع

٢٦

ألجوهري الجرجاني

ألمتوفّى حدود ٣٨٠

أما اُخذت عليكم إذ نزلت بكم

( غدير خمّ ) عقوداً بعد أيمانِ ؟!

وقد جذبتُ بضبعي خير من وطئ

البطحاء من مضر العليا وعدنانِ

و قلتُ والله يأبى أن اُقصِّر أو

أعف المسالة عن شرحٍ وتبيانٍ

:هذا عليّ مولى من بُعثت له

مولى وطابق سرّي فيه إعلاني

هذا ابن عمي ووالي منبري وأخي

ووارثي دون أصحابي وإخواني

محلُّ هذا إذا قايست من بدني

محلّ هارون من موسى بن عمرانِ(١)

وله في ( المناقب ) لابن شهر آشوب ج ٢ ص ٢٠٣ قوله:

و ( غدير خمّ ) ليس ينكر فضله

إلّا زنيمٌ فاجرٌ كفّارُ

مَن ذا عليه الشمس بعد مغيبها

ردّت ببابل ؟ فاستبن يا حارٌ

وعليه قد رُدّت ليوم المصطفى

يوماً وفي هذا جرت أخبارُ

حاز الفضايل والمناقب كلّها

أنّى تُحيط بمدحه الأشعارُ ؟!

( ألشاعر )

أبو الحسن عليُّ بن أحمد الجرجاني ويُعرف بالجوهري كما ذكر ذلك في غير مورد من شعره، مقياسٌ من مقاييس الأدب، وأحد أعضاد العربيَّة، ومن المفلقين في صاغة القريض، كان من صنائع الوزير الصاحب إبن عبّاد وندمائه وشعرائه، تعاطى صناعة الشعر في ريعان من عمره واوليات أمره، وكان يرمي إلى المغازي البعيدة بلفظ قريب، وترتيب سهل، وكان في إعطاء المحاسن إيّاه زمامها كما قيل:

____________________

١ - مناقب ابن شهر آشوب ج ١ ص ٥٣٢ طبع ايران، والصراط المستقيم للبياضي العاملي.


جَذَعٌ يبنُّ على المذاكي القُرَّح(١)

وكان الصاحب يعجب به أشدَّ الأعجاب، ويروقه مستحسن شعره المجانس لحسن روائه، ومناسبة روحه وشمائله خفَّةً و ظرفاً، وقد اصطنعه لنفسه واختاره للسفارة بينه وبين العمّال والاُمراء فكان يُمثِّله في رسالاته أحسن تمثيل، فيملأ العيون جمالاً، والقلوب كمالاً، وقد أطراه أبلغ إطراء فيما كتبه إلى أبي العبّاس الضبّي [ أحد شعراء الغدير ] بإصبهان واستحثَّه على إكرامه وجلب مراضيه والكتاب مذكورٌ في ( اليتيمة ) ج ٤ ص ٢٦ وها نحن نأخذ منه لبابه قال:فإن يقل مولاي:مَن ذا الذي هذا خَطبه وهذه خُطَّته ؟! أقُل:مَن فضله برهان حقٍّ، وشعره لسان صدقٍ، و من أطبق أهل جلدته على أنَّه معجزة بلدته، فلا يعد لجرجان بعيداً ولا قريباً، أو لاُختها طبرستان قديماً ولا حديثا مثله، ومن أخذ برقاب النظم أخذه، وملك رقَّ القوافي ملكه، ذاك على اقتبال شبابه وريعان عمره، وقبل أن تحدثه الآداب، وقبل جري المذكيات غلاب - أبو الحسن الجوهري أيّده الله، وبناؤه منذ حين وخصوصه بي كالصبح المبين، إلّا أنَّ لمشاهدة الحاضر ومعاينة الناظر، مزيَّةٌ لا يستقصيها الخبر، وإن امتدَّ نفسه وطال عنانه ومرسه، وقد ألف إلى هذه الفضيلة التي فرع بينها، وأوفى على ذوي التجربّة والتقدمة فيها نفاذاً في أدب الخدمة، ومعرفةً بحقِّ الندام والعشرة، و قبولاً يملأ به مجلس الحفلة، إنصاتاً للمتبوع إلّا إذا وجب القول، وإعظاماً للمخدوم إلّا إذا خرج الأمر، وظرفاً يشحن مجلس الخلوة، وحديثاً يسكت به العناد، ويطاول البلابل، فإن اتَّفق أن يفسح له الفارسيَّة نظماً ونثراً طفح آذيّه، وسال آتيّه، فألسنة أهل مصره إلّا الأفراد بروقٌ إذا وطئوا أعقاب العجم، وقيودٌ إذا تعاطوا لغات العرب، حتّى أنَّ الأديب منهم المقدّم والعليم المسوّم يتلعثم إذا حاضر بمنطقه كأنَّه لم يدر من عدنان، ولم يسمع من قحطان، ومن فضول أخينا أو فضله انَّه يدَّعي الكتابة، ويُدارس البلاغة، ويُمارس الإنشاء، ويهذي فيه ما شاء، وكنت أخرجته إلى ناصر الدولة أبي

____________________

١ - الجذع بالحركتين:صغير البهائم والشاب الحديث. بين من إبن بالمكان:أقام به وثبت ولزم:المذاكي ج المذكي، من الخيل ما تم سنه وكملت قوته. القرح ج القارح هو من ذي الحافر الذي شق نابه وطلع.


الحسن محمَّد بن إبراهيم فوفَّق التوفيق كلّه صيانةً لنفسه، وأمانةً في ودائع لسانه و يده، و اظهاراً لنسك لم أعهده في مسكه، حتّى خرج وسلم على نقده، و انَّ نقده لشديدٌ لمثله، ومولاي يجريه بحضرته مجراه بحضرتي، فطعامه ومنامه وقعوده وقيامه إمّا بين يديَّ، أو بأقرب المجالس لديَّ، و لا يقولنَّ:هذا أديب وشاعرٌ، أو وافدٌ و زائرٌ، بل يحسبه قد تخفّف بين يديه أعواماً واحقاباً، وقضى في التصرُّف لديه صباً و شبابا، وهذا إنَّما يحتاج إلى وسيط وشفيع ما لم ينشر بزّه، ولم يظهر طرزه، و إلّا فسيكون بعدُ شفيع من سواه، ووسيط من عداه، فهناك يحمد الله درقه وحدقه، و وجنة مطرفة، وما أكثر ما يفاخرنا بمناظر جرجان وصحاريها ورفارفها وحواشيها فليملأ مولاي عينه من منتزهات إصبهان، فعسى طماحه أن يخفَّ وجماحه أن يقلَّ.

والثعالبي لم يئل جهداً في الثناء عليه وقال:عهدي به وقد ورد نيسابور رسولاً إلى الأمير أبي الحسن في سنة سبع وسبعين وثلثمائة، وذكر نبذاً راقية من شعره في مجلدات ( اليتيمة )، وترجمه صاحب ( رياض العلماء ) ووصف فضله وشعره، ومن قوله، في رثاء الإمام السبط الشهيدعليه‌السلام :

وجدي بكوفان ما وجدي بكوفانِ

تهمي عليه ضلوعي قبل أجفاني

أرضٌ إذا نفخت ريح العراق بها

أتت بشاشتها أقصى خراسانِ

ومن قتيلٍ بأعلى كربلاء على جهـ

ـد الصّدى فتراه غير صديانِ

وذي صفائح يستسقى البقيع به

ري الجوانح منَ روْحٍ ورضوانِ

هذا قسيم رسول الله من ادم

قدّا معاً مثل ما قدَّ الشراكانِ

وذاك سبطا رسول الله جدّهما

وجه الهدى وهما في الوجه عينانِ

واخجلتا من أبيهم يوم يشهدهم

مضرَّجين نشاوى من دمٍ قانِ

يقول:يا اُمَّةً حفَّ الضلال بها

واستبدلت للعمى كفراً بإيمانِ

ماذا جنيتُ عليكم إذ أتيتكُم

بخير ما جاء من آيٍ و فرقانِ ؟!

ألم أجركم وأنتم في ضلالتكمُ

على شفا حفرةٍ من حرِّ نيرانِ ؟!

ألم اُؤلِّف قلوباً منكُم فِرقاً

مثارةً بين أحقادٍ وأضغانِ ؟!

أما تركت كتاب الله بينكَمُ

وآية العزِّ في جمعٍ وقرآنِ ؟!


ألم أكن فيكمُ غوثاً لمضطهد ؟!

ألم أكن فيكمُ ماءً لظمانِ ؟!

قتلتموا ولدي صبراً على ظمأٍ

هذا وترجون عند الحوض إحساني

سبيتمُ ثكلتكم اُمَّهاتكمُ

بني البتول وهم لحمي وجثماني

مزَّقتمُ ونكثتم عهد والدهم

وقد قطعتم بذاك النكث أقراني

يا رب خُذليَ منهم إذ همُ ظلموا

كرام رهطي وراموا هدمَ بنياني

ماذا تجيبون والزَّهراء خصمكمُ

والحاكم الله للمظلوم والجاني ؟!

أهل الكساء صلاة الله ما نزلت

عليكم الدهر مِن مثنى ووُحدانِ

أنتم نجوم بني حوّاء ما طلعت

شمس النهار وما لاح السّما كانِ

ما زلتُ منكم على شوقٍ يُهيِّجني

والدَّهر يأمرني فيه ينهاني

حتّى أتيتك والتوحيد راحلتي

والعدل زادي وتقوى الله امكاني

هذي حقايق لفظٍ كلّما برقت

ردَّت بلألئها أبصار عميانِ

هي الحلي لبني طه وعترتهم

هي الرَّدى لبني حربٍ ومروانِ

هي الجواهر جاء [الجوهريُّ] بها

محبة لكُم من أرض جُرجانِ

وله قصيدة يرثي بها الإمام الشهيد قتيل الطّفعليه‌السلام في يوم عاشوراء ذكرها له الخوارزمي في مقتله، وإبن شهر اشوب في مناقبه، والعلّامة المجلسي في المجلّد العاشر من البحار:

يا أهل عاشور يا لهفي على الدينِ

خذوا حدادكمُ يا آل ياسينِ

أليوم شقّق جيب الدين وانتهبت

بنات أحمد نهب الرّوم والصينِ

أليوم قام بأعلى الطفِّ نادبهم

يقول:مَن ليتيمٍ أو لمسكينِ؟!

أليوم خضِّب جيب المصطفى بدمٍ

أمسى عبير نحور الحور والعينِ

أليوم خرَّ نجوم الفخر من مضر

على مناخر تذليلٍ وتوهينِ

أليوم اُطفئ نور الله متَّقداً

وجرِّرت لهم التقوى على الطينِ

أليوم هُتِّك أسباب الهدى مزقاً

وبرقعت غرَّة الإسلام بالهونِ

أليوم زعزع قدسٌ من جوانبه

وطاح بالخيل ساحات الميادينِ

أليوم نال بنو حربٍ طوايلها

ممّا صلوه ببدرٍ ثمَّ صفِّينَ


أليوم جُدِّل سبط المصطفى شرقاً

من نفسه بنجيعٍ غير مسنونِ

زادوا عليه بحسب الماء غلَّته

تبّاً لرأي فريقٍ منه مغبونِ

نالوا أزمَّة دنياهم ببغيهمُ

فليتهم سمحوا منها بماعونِ

حتّى يصيح بقنَّسرين(١) راهبها

: يا فرقة الغيِّ يا حزب الشياطينِ

أتهزؤن برأس بات منتصباً

على القناة بدين الله يوصيني؟!

آمنتُ ويحكمُ بالله مهتدياً

وبالنبيَّ وحبُّ المرتضى ديني

فجدَّ لوه صريعاً فوق جبهته

وقسَّموه بأطراف السكاكينِ

وأوقروا صهوات الخيل من إحنٍ

على اساراهمُ فعل الفراعينِ

مصَّعدين على أقتاب أرحلهم

محمولةً بين مضروبَ ومطعونِ

أطفال فاطمة الزهراء قد فُطموا

من الثديِّ بأنيابٍ الثعابينِ

يا اُمَّةً ولي الشيطان رايتها

ومكّن الغيُّ منها كلَّ تمكينِ

ما المرتضى وبنوه مِن معاوية

ولا الفواطم من هند وميسونِ

آل الرسول عباديد السيوف فمَـ

ـن هامٍ على وجهه خوفاً ومسجونِ

يا عين لا تدَّعي شيئاً لغاديةٍ

تهمي ولا تدَّعي دمعا لمحزونِ

قومي علي جدث بالطفِّ فانتقضي

بكلِّ لؤلؤ دمع فيكِ مكنونِ

يا آل أحمد إنَّ ( الجوهريُّ ) لكم

سيف يقطِّع عنكم كلَّ موصونِ

وذكر له الثعالبي كثيراً من شعره في ( اليتيمة ) ٤ ص ٢٩ - ٤١ وممّا ذكر له من قصيدة في شريف حسنيٍّ قوله:

لا عتب إن بذلت عيني بما أجدُ

فقد بكى ليَ عوّادي لما عهدوا

لو أنَّ لي جسداً يقوى لطفت به

على العزاء ولكن ليس لي جسدُ

تبعتهم بذماء كان يمسكه

تعللٌ بخيالٍ كلّما بعدوا

يا ليلة غمضت عنّي كواكبها

ترفَّقي بجفونٍ غمضها رمدُ

أهوى الصَّباح وما لي فيه منتصفٌ

من الظلام ولكن طالما أجدُ

لو أنَّ لي أمداً في الشوق أبلغه

صبرت عنك ولكن ليس لي أمدُ

____________________

١ - قنسرين بكسر أوله وفتح ثانيه وتشديده:مدينة بينهما وبين حلب مرحلة.


بكيت بعد دموعي في الهوي جلدي

وهل سمعت ببالٍ دمعه جلدُ ؟!

تذوب نار فؤادي في الهوى برداً

وهل سمعت بنارٍ ذوبها بردُ ؟!

قالوا:ألفت رُباجيّ(١) فقلت لهم:

ألحبُّ أهلٌ وإدراك المنى ولدُ

أندى محاسنٍ جَيٍّ انَّه بلدٌ

طلق النهار ولكن ليله نكدُ

إذا استحبّ بلادٌ للمعاش بها

فحيثما نعمت حالي به بلدُ

ولِلمكارم قومٌ لا خفاء بهم

هم يُعرفون بسيماهم إذا شهدوا

لِلَّه معشر صدقٍ كلّما تُليت

على الورى سورةٌ من مجدهم سجدوا

ذرِّيَّةٌ أبهرت طه بجدِّهمُ

وهل أتى بأبيهم حين تنتقدُ ؟!

وإن تُصنَّع شعرٌ في ذوي كرم

يا بن النبيَّ فشعري فيك مقتصدُ

أصبت فيك رشاري غير مجتهدٍ

وليس كلّ مصيب فيك مجتهدُ

بسطت عرض فناء الدهر مكرمةً

طرائق الحمد في حافاتها قِدَدُ

توفّي المترجَم بجرجان بعد سنة ٣٧٧ وقبل سنة ٣٨٥ فقد بعثه الصاحب بن عبّاد رسولاً إلى الأمير أبي الحسن ناصر الدولة سنة ٣٧٧ ووجَّهه بعدها إلى أبي العبّاس الضبي إلى إصفهان، ولمّا انقلب من إصبهان إلى جرجان لم تطل به الأيّام حتى أصبح مقبوراً كما ذكره الثعالبي، فوفاة المترجم في حياة الصاحب المتوفى ٣٨٥ تستدعي وقوعها بين التاريخين حدود ٣٨٠.

____________________

١ - جي بالفتح ثم التشديد:مدينة بينها وبين اصبهان نحو ميلين، قال ياقوت في المعجم وتسمى الان عند المعجم:شهرستان وعند المحدثين:المدينة.


ألقرن الرابع

٢٧

ابن الحجاج البغدادي

ألمتوفّى ٣٩١

يا صاحب القبَّة البيضاء في النجفِ

مَن زار قبرك واستشفى لديك شُفي

زوروا أبا الحسن الهادي لعلّكمُ

تحظون بالأجر والإقبال والزُّلفِ

زوروا لمن تسمع النجوى لديه فمَن

يزره بالقبر ملهوفاً لديه كُفي

إذا وصلتَ فأحرم قبل تدخله

ملبِّياً واسعُ سعياً حوله وطفِ

حتّى إذا طفتَ سبعاً حول قبَّته

تأمَّل الباب تلقا وجهه فقفِ

وقل:سلامٌ من الله السَّلام على

أهل السَّلام وأهل العلم والشرفِ

إنّي أتيتك يا مولاي من بلدي

مُستمسكا مِن حبال الحقِّ بالطرفِ

راجٍ بأنَّك يا مولاي تشفع لي

وتسقني من رحيقٍ شافيَ اللّهفِ

لأنّك العروة الوثقى فمن علقت

بها يداه فلن يشقى ولم يخفِ

وإنَّ أسماءك الحسنى إذا تُليت

على مريض شُفي من سقمه الدَّنفِ

لأنَّ شأنك شأنٌ غير مُنتقصٍ

وانَّ نورك نورٌ غير مُنكسفِ

وإنَّك الآية الكبرى التي ظهرتْ

للعارفين بأنواعٍ من الطرفِ

هذي ملائكة الرَّحمن دائمة

يهبطن نحوك بالألطاف والتّحفِ

كالسطل والجام والمنديل جاء به

جبريل لا أحدٌ فيه بمختلفِ

كان النبيُّ إذا استكفاك معضلة

من الاُمور وقد أعيت لديه كفي

وقصَّة الطائر المشويّ عن أنس

تخبر بما نصَّه المختار من شرفِ

والحب والقضب والزيتون حين أتوا

تكرُّماً من إله العرش ذي اللطف

والخيل راكعة في النقع ساجدة

والمشرفيّات قد ضجّت على الحجفِ(١)

____________________

١ - الحجف محركة:التروس من جلود بلا خشب ولا عقب. والصدور. واحدتها:الحجفة.


بعثت أغصان بانٍ في جموعهمُ

فأصبحوا كرمادٍ غير منتسفِ

لو شئتَ مسخهم في دورهم مُسخوا

أو شئت قلت لهم:يا أرض انخسفي

والموت طوعك والأرواح تملكها

وقد حكمتَ فلم تظلم ولم تجفِ

لا قدَّس الله قوماً قال قائلهم:

بخٍ بخٍ لك من فضلٍ ومن شرفِ

وبايعوك ( بخمِّ ) ثمَّ أكّدها

( محمَّدٌ ) بمقالٍ منه غير خفي

عاقوك واطرحوا قول النبيَّ ولم

يمنعهمُ قوله:هذا أخي خلفي

هذا وليّكمُ بعدي فمن عقلت

به يداه فلن يخشى ولم يخفِ

ألقصيدة تناهز ٦٤ بيتا ولها قصَّةٌ تأتي في الترجمة انشاء الله. وله من قصيدة أجاب بها عن قصيدة إبن سكرة(١) المتحامل بها على آل الله وشاعرهم إبن الحجّاج المترجَم، أخذناها من ديوانه المخطوط سنة ٦٢٠ بقلم عمر بن إسماعيل بن أحمد الموصلي أوَّلها:

لا أكذب الله إنَّ الصِّدق يُنجيني

يد الأمير بحمد الله تُحييني

إلى أن قال:

فما وجدتَ شفاءً تستفيد به

إلّا ابتغاءك تهجو آل ياسينِ

كافاك ربّك إذ أجرتك قدرته

بسبِّ أهل العلا الغرِّ الميامينِ

فقرُ وكفرٌ هميعٌ(٢) أنت بينهما

حتّى الممات بلا دنيا ولا دينِ

فكان قولك في الزَّهراء فاطمة

قول امرئٍ لهج بالنصب مفتونِ

عيَّرتها بالرّحا والزاد تطحنه

لا زال زادك حَبّاً غير مطحونِ

وقلت:إنَّ رسول الله زوَّجها

مسكينةً بنت مسكين لمسكينٍ

كذبتَ يا بن التّي باب إستها سلس الـ

أغلاق بالليل مفكوك الزرافينِ(٣)

ستُّ النساء غدا في الحشر يخدمها

أهل الجنان بحور الخرَّد العينِ

____________________

١ - محمد بن عبد الله بن محمد الهاشمي البغدادي من ولد علي بن المهدي العباسي له ديوان شعر يربّو على خمسين الف بيت توفي سنة ٣٨٥.

٢ - أي لا تزال باكيا.

٣ - سلست الخشبة:نخرت وبليت. والسلس:اللين السهل. الغلق ما يغلق به الباب ج أغلاق. الزرفين واحدة الزرافين:الحلق الصغيرة للباب.


فقلتَ:إنَّ أمير المؤمنين بغى

على معاويةٍ في يوم صفِّينِ

وإنَّ قتل الحسين السبط قام به

في الله عزم إمام غير موهونِ

فلا ابنُ مرجانةٍ فيه بمحتقب(١)

إثم المسيئ ولا شمرٌ بملعونِ

وإنَّ أجر إبن سعدٍ في استباحة

آل النبوَّة أجرٌ غير ممنونِ

هذا وعُدت إلى عثمان تندبه

بكلِّ شعر ضعيف اللفظ ملحونِ

فصرتَ بالطعن من هذا الطريق إلى

ما ليس يخفى على البله المجانينِ

وقلتَ:أفضل من يوم ( الغدير ) إذا

صحَّت روايته يوم الشعانينِ

ويوم عيدك عاشوراء تعدّله

ما يستعدّ النصارى للقرابينِ

تأتي بيوتكمُ فيه العجوز وهل

ذكر العجوز سوى وحي الشياطينِ ؟!

عاندتَ ربَّك مغترّاً بنقمته

وبأس ربِّك بأسٌ غير مأمونِ

فقال:كن أنت قرداً في استه ذَنَبٌ

وأمر ربِّك بين الكاف والنونِ

وقال:كن لي فتىً تعلو مراتبه

عند الملوك وفي دور السلاطينِ

والله قد مسخ الأدوار قبلك في

زمان موسى وفي أيّامِ هارونِ

بدون ذنبك فالحق عندهم بهمُ

ودع لحاقك بي إن كنت تنوينيِ

[ ألقصيدة ٥٨ بيتا ]

وله من قصيدة قوله:

بالمصطفى وبصهره

ووصيَّه يوم ( الغدير)

( ألشاعر )

أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمَّد بن جعفر بن محمَّد بن الحجّاج النيلي البغدادي، أحد العمد والأعيان من علماء الطايفة، وعبقريُّ من عباقرة حملة العلم والأدب، و قد عدَّه صاحب [ رياض العلماء ] من كبراء العلماء كما عدَّه إبن خلكان وأبو الفدا من كبار الشيعة، والحموي في [ معجم اٌدبائه ] من كبار شعراء الشيعة، وآخر من فحول الكتّاب، فالشعر كان أحد فنونه، كما أنَّ الكتابة إحدى محاسنه الجمَّة،

____________________

١ - احتقب الاثم:جمعه.


وله في العلم قننٌ راسية، وقدمٌ راسخة، غير أنَّ انتشار أدبه الفائق، ومقاماته البديعة فيه، وتعريف الاُدباء إيّاه بأدبه الباهر، وقريضه الخسروانيِّ، والثناء عليه بأنَّه ثاني معلّميه كما في ( نسمة السحر ) أخفى صيت علمه الغزير، وغطّى ذكره العلميّ، ونحن نقوم بواجب الحقَّين جميعاً.

ينمُّ عن مقامه الرفيع في العلوم الدينيَّة وتضلّعه فيها وشهرته في عصره بها توليّه الحسبة(١) مرَّةً بعد اُخرى في عاصمة العالم في ذلك اليوم [ بغداد ] وهي من المناصب الرفيعة العلميَّة التي كانت تخصُّ توليِّها في العصور المتقادمة بأئمَّة الدين، وزعماء الإسلام، وكبراء الاُمَّة، وهي كما قال الماوردي في ( الأحكام السلطانيِّة ) ٢٢٤:من قواعد الاُمور الدينيَّة، وقد كان أئمَّة الصدر الأوَّل يباشرونها. ه‍.

( ألحسبة ) هي الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بين الناس كافَّة وممَّن وليها ببغداد قبل المترجَم الفيلسوف الكبير أحمد بن الطيب السرخسي، صاحب التآليف القيِّمة في فنون متنوِّعة المقتول سنة ٢٨٣، وتوّلاها بعد عزل المترجَم عنها فقيه الشافعيَّة وإمامها أبو سعيد الحسن بن أحمد الاصطخري المتوفّى سنة ٣٢٨، على ما يُقال كما في تاريخ إبن خلكان، ومرآة الجنان لليافعي وغيرهما، قال الماوردي في [ الأحكام السلطانيَّة ] ص ٢٠٩ فمن شروط والي الحسبة، أن يكون حُرّاً، عدلاً، ذا رأي وصرامةٍ، وخشونةٍ في الدين، وعلم بالمنكرات الظاهرة، واختلف الفقهاء من أصحاب الشافعيِّ هل يجوز له أن يحمل الناس فيما ينكره من الاُمور التي اختلف الفقهاء فيها على رأيه واجتهاده أم لا ؟ على وجهين:أحدهما وهو قول أبي سعيد الإصطخري انَّ له أن يحمل ذلك على رأيه واجتهاده، فعلى هذا يجب على المحتسب أن يكون عالماً من أهل الاجتهاد في أحكام الدين ليجتهد رأيه فيما اختلس فيه. ا ه‍.

وقال رشيد الدين الوطواط المتوفّى سنة ٥٧٣:إنَّ أولى الأمور بأن تصرف أعنَّة العناية إلى ترتيب نظامه، وتقصر الهمم على مهمَّة إتمامه، أمرٌ يتعلّق به ثبات الدين، ويتوقّف عليه صلاح المسلمين، وهو أمر الإحتساب، فإن فيه تثبيت الزايغين

____________________

١ - كما في تاريخ ابن خلكان تاريخ ابن كثير. مرآة الجنان، رياض العلماء. دائرة المعارف الاسلامي، دائرة المعارف لفريد وجدي، الاعلام للزركلي.


عن الحق، وتأديب المنهمكين في الفسق، وتقوية أعضاد أرباب الشرع وسواعدها، وإجراء معاملات الدين على قوانينها وقواعدها، وينبغي أن يكون متقلّد هذا الأمر موصوفاً بالديانة، معروفاً بالصيانة، معرضاً عن مراصد الريب، بعيداً عن مواقف التّهم والعيب، لابساً مدارع السداد، سالكاً مناهج الرَّشاد [ معجم الاُدباء ج ١٩ ص ٣١ ] ففي تولية شاعرنا المترجَم الحسبة مرَّةً بعد أخرى غنىً وكفاية عن سرد جمل الثناء على علمه وفقهه وإطراء عدله ورأيه، واجتهاده في جنب الله وصرامته، وخشونته في الدين، ورشاده وسداده، وقد توّلاها مرَّتين في بغداد مرَّة على عهد الخليفة العبّاسي المقتدر بالله كما سمعته من إبن خلكان واليافعي، واُخرى أقامه عليها عزُّ الدَّولة في وزارة إبن بقيَّة الذي استوزره عزُّ الدولة سنة ٣٦٢ وتوفّي سنة ٣٦٧ و قد كتب المترجم إليه في وزارته قصيدة أوَّلها:

أيّها ذا الوزير إن أنت أنصفت

وإلّا فقم مع الجيران

ويقول فيها:

ليت شعري ألستُ محتسب

الناس ؟! فِلم ليس تعرفون مكاني ؟!

( أمّا أدبه ) وهو كما أوعزنا إليه أحد نوابغ شعراء الشيعة، والمقدَّم بين كتّابها، حتّى قيل:إنَّه كامرئ القيس في الشعر(١) لم يكن بينهما من يضاهيهما، و يقع ديوانه في عشر مجلّدات، والغالب عليه العذوبة والإنسجام، وتأتي المعاني البديعة في طريقته إلى ألفاظ سهلة، واُسلوبٍ حسن، وسبكٍ مرغوب فيه، وفي ( نسمة السحر ) انَّه يُعدّ المعلّم الثاني، والمعلّم الأوّل إمّا مهلهل بن وائل، أو امرؤ القيس، إخترع منهجاً لم يسبق إليه، وتبعه فيه الناس، ومن أتباعه أبو الرقعمق وصريع الدلاء.

قال الثعالبي:سمعت به من أهل البصيرة في الأدب وحسن المعرفة بالشعر على أنَّه فرد زمأنَّه في فنِّه الذى شهر به و انَّه لم يسبق إلى طريقته، ولم يلحق شأوه في نمطه ولم يُر كاقتداره على ما يُريده من المعاني التي تقع في طرزه، مع سلاسة الألفاظ وعذوبتها وانتظامها في الملاحة والبلاغة. ا ه‍.

رتَّب ديوانه البديع الاُسطرلابي هبة الله بن حسن المتوفّى سنة ٥٣٤ على

____________________

١ - كما في تاريخ ابن خلكان، ومعجم الادباء، وشذرات الذهب.


واحد وأربعين ومائة باب، وجعل كلَّ باب في فنٍّ من فنون الشعر وسمّاه:درَّة التاج في شعر إبن الحجّاج(١) وهي محفوظةٌ في باريس رقم ٥٩١٣ وبها مقدِّمةٌ لابن الخشّاب النحوي.

وللشريف الرضي إنتخابُ ما استجوده من شعره سمّاه [ ألحسن من شعر الحسين ](٢) ورتَّبه على الحروف، وكان ذلك في حياة المترجم، وله في ذلك شعرٌ يوجد في المجلّد الأخير من ديوانه وهو قوله:

أتعرف شعري إلى من ضوى

فأضحى على ملكه يحتوي؟!

إلى البدر حُسناً إلى سيَّدي

الشريف أبي الحسن الموسوي

إلى مَن اُعوِّذه كلّما

تلقيَّته بالعزيز القوي

فتىً كنتُ مسخاً بشعري السخيف

وقد ردَّني خَلقاً سوي

تأمَّلته وهو طوراً يصحّ

وطوراً بصحَّته يلتوي

فميَّز معوجَّه والرديّ

فيه من الجيِّد المُستوي

وصحَّح أوزانه بالعروض

وقرَّر فيه حروف الروي

وأرشده لطريق السَّداد

فأصلح شيطان شعري الغوي

وبيَّن موقع كفّ الصناع

في نسج ديباجه الخسروي

فاُقسم بالله والشيخ في

اليمين على الحنث لا ينطوي

لو أنَّ زرادشت أصغى له

لأزرى على المنطق الفهلوي

وصادف زرع كلامي البليغ

فيه شديد الظما قد ذوي

فما زال يسقيه ماء الطرا

وماء البشاشة حتّى روي

فلا زال يحيى وقلب الحسود

بالغيظ من سيَّدي مكتوي

له كبدٌ فوق حمر الغضا

على النار مطروحة تشتوي

قال الثعالبي:إنَّ ديوان شعره لا تنحطُّ قيمته عن ستِّين ديناراً لتنافسهم في ملحه ووفور رغبتهم فيه وقال:وديوان شعره أسيَر في الآفاق من الأمثال، وأسرى

____________________

١ - راجع معجم الادباء، تاريخ ابن خلكان، مرآة الجنان، كشف الظنون.

٢ - في دائرة المعارف الاسلامية:انه أسماه ( التنظيف من السخيف ).


من الخيال. وذكر في اليتيمة شطراً مهمّاً من فنون شعره في ٦٢ صحيفة في الجزء الثالث.

والغالب على شعره الهزل والمجون، كأنَّهما لازما غريزته، ومطبوعا قريحته، وخمرتا طينته، وكان إذا استرسل فيهما فلا يجعجع به حضور ملك أو هيبة أمير، و يأتي بما عنده غير مكترث للسامعين، فلا يستقبل منهم إلّا عطفاً وقبولاً، كما أنَّ جلّ شعره يُعربّ عن ولاءه الخالص لأهل البيت والوقيعة في مناوئيهم.

خلفاء عصره وملوكه

أدرك إبن الحجّاج جمعاً من خلفاء بني العبّاس وهم:

١ - ألمعتمد على الله إبن المتوكّل ألمتوفّى ٢٧٩.

٢ - ألمعتضد بالله أبو العبّاس ألمتوفّى ٢٨٩.

٣ - ألمكتفي بالله ألمتوفّى ٢٩٥.

٤ - ألمقتدر بالله ألمتوفّى ٣٢٠.

٥ - ألراضي بالله ألمتوفّى ٣٢٩.

٦ - ألمستكفي بالله ألمتوفّى ٣٣٨.

٧ - ألقاهر بالله ألمتوفّى ٣٣٩.

٨ - ألمتَّقي لِلَّه ألمتوفّى ٣٥٨.

٩ - ألمطيع لِلَّه المتوفّى ٣٦٤.

١٠ - ألطايع لِلَّه ألمتوفّى ٣٩٣.

وعاصر من ملوك آل بويه من الذين ملكوا العراق:

١ - معزّ الدَّولة فاتح العراق ألمتوفّى سنة ٣٥٦.

٢ - عزُّ الدَّولة أبا منصور بختيار بن معزُ الدَّولة ألمقتول ٣٦٧.

٣ - عضد الدَّولة فناخسرو بن ركن الدَّولة ألمتوفّى ٣٧٢.

٤ - شرف الدَّولة إبن عضد الدَّولة ألمتوفّى ٣٧٩.

٥ - صمصام الدَّولة إبن عضد الدَّولة ألمقتول ٣٨٨.

٦ - بهاء الدَّولة أبا نصر إبن عضد الدَّولة المتوفّى ٤٠٣.


وكان كما قال الثعالبي على طول عمره يتحكَّم على وزراء الوقت، ورؤساء العصر، تحكّم الصبيّ على أهله، ويعيش في أكنافهم عيشةً راضيةً، ويستثمر نعمة صافيةً ضافية. ويوجد في ديوانه شعرٌ كثيرٌ مدحاً و رثاءً وهجاءً في رجالات عصره من الخلفاء والوزراء والاُمراء والكتّاب والمثقَّفين تربو عدَّتهم فيما قرأناه من مجلّدات ديوانه على ستِّين منهم:

أبو عبد الله هارون بن المنجِّم المتوفّى ٢٨٨.

أبو الفضل عبّاس بن الحسن ألمتوفّى ٢٩٦

ألوزير أبو محمَّد المهلبي ألمتوفّى ٣٥٢

أبو الطيب المتنبيّ الشاعر ألمتوفّى ٣٥٤

ألوزير أبو الفضل بن العميد ألمتوفي ٣٦٠

ألمطيع لِلَّه الخليفة العبّاسي ألمتوفّى ٣٦٤

أبو الفتح إبن العميد ألمتوفّى ٣٦٦

ألوزير أبو ريّان خليفة عضد الدَّولة ببغداد

ألوزير أبو طاهر إبن بقيَّة ألمتوفّى ٣٦٧

عزُّ الدِّولة بختيار إبن بويه ألمتوفّى ٣٦٧

عمران بن شاهين ألمتوفّى ٣٦٩

ألأمير أبو تغلب غضنفر ألمتوفّى ٣٦٩

عضد الدَّولة فنا خسرو ألمتوفّى ٣٧٢

أبو الفتح إبن شاهين ألمتوفّى ٣٧٢

أبو الفرج بن عمران بن شاهين ألمتوفّى ٣٧٣

أبو المعالي إبن محمَّد بن عمران ألمتوفّى ٣٧٣

شرف الدَّولة إبن بويه ألمتوفّى ٣٧٩

أبو إسحاق إبراهيم الصّابي ألمتوفّى ٣٨٤

ألقاضي أبو علي التنوخي ألمتوفّى ٣٨٤

ألوزير الصاحب بن عبّاد ألمتوفّى ٣٨٥

إبن سكرة العبّاسي الشاعر ألمتوفّى ٣٨٥

أبو علي محمَّد بن الحسن الحالتي ألمتوفّى ٣٨٨

أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف ألمتوفّى ٣٨٨

ألوزير أبو نصر سابور بن أردشير المتوفّى ٤١٦

ألوزير أبو منصور محمَّد المرزبان ألمتوفّى ٤١٦

أبو أحمد إبن حفص عارض المترجم في أمور الحسبة.

ألوزير أبو الفرج محمَّد بن العبّاس بن فسا بخس قال الثعالبي في ( اليتيمة ) ٣ ص ٧٠:كان الوزير أبو الفرج والوزير أبو الفضل [ ابن العميد ] قد خلوا في الديوان لعقوبة أصحاب المهلبي [ الوزير أبي محمَّد الحسن ] عقب موته، وأمرا أن تُلوَّث ثياب الناس بالنفط إن قربوا من الباب وقد كان المهلبي فعل مثل هذا فحضر إبن الحجّاج فعجب وخاف النفط فانصرف فقال:

ألصَّفع بالنفط في الثياب

ما لم يكن قطُّ في حسابي


ليس يقوم الوصول عندي

مقام خيطين من ثيابي

يا ربُّ من كان سنَّ هذا

فزده ضعفاً من العذابِ

في قعر حمراء ليس فيها

غير بني البظر والقحابِ

تفعل في لحمه المهرّي(١)

ما يفعل الجمر بالكبابِ

فالقرد عندي يجلُّ عمَّن

يسنُّ هذا على الكلابِ

أكثر ( المترجَم ) من مدايح أهل البيت عليهم السَّلام والنيل من مناوئيهم نظراء مروان بن أبي حفصة حتّى انَّه ربما كان ينتقد على تشديده الوطئ والنكير المحتدم على فضائع القوم [ أعداء آل الله ] بلهجةٍ حادَّةٍ، وسبابٍ مُقذعِ، غير أنَّ ذلك كله كان نفثة مصدور، وأنَّه متوّجع من الظلم الواقع على ساداته أئمّة أهل البيت عليهم السَّلام، لا ولعاً منه في البذاء أو وقيعةً في الأعراض لمحض الشهوة ومتابعة الهوى، ولذلك وقع شعره مقبولاً عند مواليه صلوات الله عليهم، وكونوا إذا مرّوا باللغو منه مرّوا كراما.

حدَّث(٢) سيِّدنا الأجلّ زين الدين عليّ بن عبد الحميد النيلي النجفي(٣) في كتابه [ الدرّ النضيد في تغازي الإمام الشهيد ] أنَّه كان في زمان إبن الحجّاج رجلان صالحان يزدريان بشعره كثيراً وهما:محمَّد بن قارون السيبي، وعليّ بن زرزور السورائي، فرأى الأوَّل منهما ليلة في الواقعة كأنَّه أتى إلى روضة الحسينعليه‌السلام و كانت فاطمة الزهراء سلام الله عليها حاضرة هناك مستندة ظهرها إلى ركن الباب الذي هو على يسار الداخل وسائر الأئمَّة إلى مولانا الصّادقعليه‌السلام أيضاً جلوسٌ في مقابلها في الزاوية بين ضريحي الحسينعليه‌السلام وولده عليّ الأكبر الشهيد متحدِّثينٍ بما لا يُفهم ومحمَّد بن قارون المقدّم قائمٌ بين أيديهم قال السورائي:وكنت أنا أيضا غير بعيد عنهم

____________________

١ - هرى الثوب:صفره أي جعله أصفر.

٢ - نقله عنه بحاثة الطايفة ميرزا عبد الله الاصبهاني في ( رياض العلماء )، وسيدنا ( روضات الجنات ) ص ٢٣٩، وشيخنا العلامة الحجة النوري في ( دار السلام ) ج ١ ص ١٤٨، ونحن نلخص ما في ( رياض العلماء ).

٣ - هو الفقيه الأوحد صاحب المقامات والكرامات أحد مشايخ العلم الحجة ابن فهد الحلي المتوفى ٨٤١.


فرأيت إبن الحجّاج مارّاً في الحضرة المقدَّسة فقلت لمحمَّد بن قارون:ألا تنظر إلى الرَّجل كيف يمرّ في الحضرة ؟ فقال:أنا لا اُحبّه حتّى أنظر إليه:قال:فسمعت الزَّهراء بذلك، فقالت له مثل المغضبة:أما تحبُّ ( أبا عبد الله ) ؟ أحبّوه فإنَّه من لا يحبّه ليس من شيعتنا. ثمَّ خرج الكلام من بين الأئمَّة عليهم السَّلام، بانَّ من لا يُحبُّ أبا عبد الله فليس بمؤمن. قال الشيخ محمَّد بن قارون:ولم أدر مَن قاله منهم، ثمَّ انتبهت فزعاً مرعوباً ممّا فرطت في حقِّ أبي عبد الله من قبل ذلك قال:ثمَّ نسيت المنام ولم أذكره إلى أن اُتيح لي بزيارة السبط الشهيد سلام الله عليه فإذا بجماعة في الطريق من أصحابنا يروون شعر إبن الحجّاج فلحقتهم فإذا فيهم عليُّ بن الزرزور وسلّمت عليه، وقلت:كنتَ تُنكر رواية شعر إبن الحجّاج وتكرهها، فما بالك الآن تسمعه وتصغي إلى انشاده ؟ فقال:أحدِّثك بما رأيت فيما يراه النائم فقصَّ عليَّ بمثل ما رأيته في الطيف حرفيّاً وحكيته بما رأيت، ثمَّ اتَّفقا على مدح الرَّجل وإيراد أشعاره و بثِّ مآثره ونشر مناقبه.

وايضاً:انَّ السلطان مسعود بن بابويه(١) لَمّا بنى سور المشهد الشريف و دخل الحضرة الشريفة وقبَّل أعتابها وأحسن الأدب فوقف أبو عبد الله المترجَم بين يديه وأنشد قصيدته الفائيَّة التي ذكرناها فلمّا وصل منها إلى الهجاء أغلظ له الشريف سيدنا المرتضى ونهاه أن ينشد ذلك في باب حضرة الإمامعليه‌السلام فقطع عليه فانقطع، فلمّا جنَّ عليه الليل رأى إبن الحجّاج الإمام عليّاًعليه‌السلام في المنام وهو يقول:لا ينكسر خاطرك فقد بعثنا المرتضى علم الهدى يعتذر إليك فلا تخرج إليه حتّى يأتيك، ثمَّ رأى الشريف المرتضى في تلك الليلة النبيَّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة صلوات الله عليهم حوله جلوسٌ فوقف بين أيديهم وسلّم عليهم فحسّ منهم عدم إقبالهِم عليه فعظم ذلك عنده وكبر لديه فقال:يا مواليَّ أنا عبدكم وولدكم ومواليكم فِبم استحققت هذا منكم ؟ فقالوا:بما كسرتَ خاطر شاعرنا أبي عبد الله إبن الحجّاج فعليك أن تمضي إليه وتدخل عليه وتعتذر إليه وتأخذه وتمضي به إلى مسعود بن بابويه وتعرِّفه عنايتنا فيه و شفقَّتنا عليه، فقام السِّيد من ساعته ومضى إلى أبي عبد الله فقرع عليه الباب فقال إبن

____________________

١ - كذا في النسخة وأحسبه، عضد الدولة بن بويه.


الحجّاج:سيَّدي الذي بعثك إليَّ أمرني أن لا أخرج إليك، وقال:أنَّه سيأتيك، فقال:نعم سمعاً وطاعةً لهم، ودخل عليه واعتذر إليه ومضى به إلى السلطان وقصّا القصَّة عليه كما رأياه فأكرمه وأنعم عليه وخصَّه بالرتب الجليلة وأمر بإنشاد قصيدته.

ولادته ووفاته

لم يختلف اثنان في تاريخ وفاة المترجَم له وانَّه توفِّي في جمادي الآخرة سنة ٣٩١ بالنيل وهو بلدةٌ على الفرات بين بغداد والكوفة، وحُمل إلى مشهد الإمام الطاهّر [ الكاظميَّة ] ودُفن فيه وكان أوصى أن يدفن هناك بحذاء رجلي الإمامعليه‌السلام و يُكتب على قبره:وكلّبهم باسطٌ ذراعيه بالوصيد.

ورثاه الشريف الرضي بقصيدة توجد في ديوانه ج ٢ ص ٥٦٢، وذكر إبن الجوزي منها أبياتاً في ( المنتظم ) ٧ ص ٢١٧.

ولم نقف في طيّات الكتب والمعاجم على تاريخ ولادته لكنّ الباحث عنها يقطع بأنَّ الرجل وُلد في المائة الثالثة وعاش عمراً طويلاً حدود المائة والثلاثين، وهناك شواهد قويَّة على هذا منها:

١ - ما ذكر إبن شهر اشوب في المعالم من قرائته على إبن الروميِّ ألمتوفّى ٢٨٢.

٢ - تولِّيه الحسبة قبل الإمام الإصطخري ألمتوفّى ٣٢٨ كما في تاريخ إبن خلكان ومرآة الجنان لليافعي وغيرهما قالوا:؟إنَّه تولّى حسبة بغداد وأقام مدَّة، و يُقال:أنَّه عزل بأبي سعيد الإصطخري وله في عزله أبياتٌ مشهورةٌ. ا ه‍. والإصطخري قد تولّى الحسبة بأمر المقتدر بالله سنة ٣٢٠ كما في ( شذرات الذهب ) ٢ ص ٣١٢ وغيره.

٣ - شعره الموجود في ديوانه في هجاء أبي عبد الله هارون بن علي بن أبي منصور المنجِّم ألمتوفّى ٢٨٨ وقال في ديوانه:قاله وهو حدَث السنِّ.

٤ - قصيدته الموجودة في ديوانه في أبي الفضل عبّاس بن الحسين وزير المكتفي بالله المقتول سنة ٢٩٦.

وقد ذكر كثيراً في شعره المنظوم في أواسط القرن الرابع شيخوخته منه أبياتٌ يمدح بها أبا منصور بختيار بن معزِّ الدولة ألمقتول ٣٦٧ منها:

قلتُ اقبلي رأيي

و رأي الشيخ محمودٌ موافق


وله في الوزير أبي طاهر إبن بقيَّة المتوفّى ٣٦٦ يطلب منه تجّز جرايته ورزقاً لابنه في ديوان ( بادويا ) أبياتٌ منها قوله:

طلبت ما يطلبه مثلي

الشيوخ الفسقه

وأنت لا تجد قطُّ شاعراً يذكر شيخوخته وهرمه في شعره كإبن الحجّاج كقوله في أبي محمَّد يحيى بن فهد:

أيّها الشاعر الجديد الذي

يعبث بالشاعر النفيس الخليعِ

أنت مثل الثوب الجديد

وشعري مثل قبّ الغلالة المرقوعِ(١)

أنا شيخٌ طبيعتي تنثر البعر

على كلِّ شاعر مطبوعِ

وقوله فيما كتبه إلى أبي محمَّد إبن فهد المذكور وقد ولد للمترجَم مولود:

قولوا ليحيى بن فهد:يا من

جعلتُ ممّا يخشى فداهُ

أليس قد جاءني غلامٌ ؟

يجلب بالحسن من رآهُ

كالشمس والشمس في ضحاها

والبدر والبدر في دجاهُ

يفتنني ريّه ويحنو في

المهد قلبي على خصاهُ

كأنَّني مع وفور نسلي

لم أر من قبله سواهُ

ومن قصيدة ذات ١٢٩ بيتاً في الوزير أبي نصر التي أوَّلها:

يا عاذلي كيف أصنعْ

وليس في الصبر مطمعْ

قوله:

خذها إليك عروساً

لها من الحسن برقعْ

ألاُذن لا العين منها

بحسنها تتمتَّعْ

خطيبها فيك شيخٌ

مهملج الفكر مصقعْ

ويمدح عضد الدولة فنا خسرو المتوفّى ٣٧٢ بقصيدة ذات ٤١ بيتاً ويذكر فيها شيبه وهرمه.

والباحث جِدُّ عليم بأنَّه من المعمّرين وليد القرن الثالث مهما وقف على قوله في إحدى مقطوعاته:

وقائلة:تعيش

مظلوماً بسيفِ(٢)

____________________

١ - القب:ما يدخل في جيب القميص من الرقاع. الغلالة شعار يلبس تحتَ الثوب.

٢ - كذا وجدناه في ديوانه وفيه سقط.


فقلتُ لها:أباكي ذاك حزني

على مائة فجعت بها ونيفِ

فبعد ذلك كلِّه لا يبقى وزنٌ في تضعيف إبن كثير في تاريخه ١١ ص ٣٢٩ قول إبن خلكان بأنِّه عُزل عن حسبة بغداد بأبي سعيد الإصطخري المتوفّى ٣٢٨. كما لا يبعد عندئذ ما في ( المعالم ) من تلمّذه علي إبن الرومي المتوفّى ٢٨٣ إذ تلمّذه عليه إنّما كان في الأدب في الآليات، ومن الممكن أن يكون ذلك قبل أن يبلغ الحلم أيضا كتلمّذ الشريف الرضيِّ على أستاذه السيرافي وله دون العشر من عمره كما يأتي في ترجمته.

مصادر ترجمة إبن الحجاج

يتيمة الدهر ٣ ص ٢٥

تاريخ الخطيب ٨ ص ١٤

معجم الاُدباء ٤ ص ٦

تاريخ إبن خلكان ١ ص ١٧٠

معالم العلماء ص ١٣٦

ألكامل لإبن الأثير ٩ ص ٦٣

ألمنتظم لابن الجوزي ٧ ص ٢١٦

تاريخ إبن كثير ١١ ص ٣٢٩

تاريخ أبي الفدا ٣ ص ٢٤٢

مرآة الجنان ٢ ص ٤٤٤

معاهد التنصيص ٢ ص ٦٢

مجالس المؤمنين ٤٥٩

شذرات الذهب ٣ ص ١٣٦

ايضاح المقاصد للبهائي مخطوط

كشف الظنون ١ ص ٤٩٨

رياض العلماء للميرزا عبد الله. مخطوط

أمل الآمل للشيخ الحرّ

رياض الجنَّة للسيِّد الزنوزي. مخطوط

روضات الجنّات ص ٢٣٩

نسمة السحر فيمن تشيِّع وشعر. مخطوط

سفينة البحار ١ ص ٢٢٥

تتمم الأمل لإبن أبي شبانة. مخطوط

ألشيعة وفنون الإسلام ١٠٦

تنقيح المقال ١ ص ٣١٨

دائرة المعارف الإسلاميَّة ١ ص ١٣٠

أعلام الزركلي ١ ص ٢٤٥

دائرة المعارف للبستاني ١ ص ٤٣٩

دائرة المعارف لفريد وجدي ٦ ص ١٢


ألقرن الرابع

٢٨

ابو العباس الضبي

ألمتوفّى ٣٩٨

لعليٍّ الطهّر الشهير

مجدٌ أناف على ثَبيرِ

صنو النبيَّ محمَّد

ووصيّه يوم الغديرِ

وحليل فاطمة ووا

لد شبَّر وأبو شبيرِ(١)

( ما يتبع الشعر )

( ثَبير ) بفتح المثلّثة ثمَّ الموحّدة المكسورة من أعظم جبال مَكّة بينهما و بين عرفة، سُمِّي باسم رجل من هُذيل مات في ذلك الجبل. أخرج أبو نعيم في [ ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين ] والنطنزي في [ الخصايص العلويَّة ] عن شعبة ابن الحكم عن إبن عبّاس قال:أخذ النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ونحن بمكّة بيدي وبيد عليٍ فصعد بنا إلى ( ثبير ) ثمَّ صلّى بنا أربع ركعات ثمَّ رفع رأسه إلى السَّماء فقال:أللهمّ إنَّ موسى بن عمران سألك وأنا محمَّد نبيّك فأسئلك أن تشرح لي صدري وتيسِّر لي أمري وتحلّل عقدةً من لساني ليفقه قولي واجعل لي وزيراً من أهلي عليّ بن أبي طالب أخي، اشدد به أزري وأشركه في أمري، قال إبن عبّاس:فسمعت منادياً ينادي:يا أحمد قد اوتيتَ ما سألت.

( ألشاعر )

ألكافي الأوحد أبو العبّاس أحمد بن إبراهيم الضبّي - نسبة إلى ضبَّة - الوزير الملقَّب بالرئيس، أحد من ملك أزمَّة السياسة والأدب بعد الصاحب إبن عباد، وكان من ندمائه واختصَّ بالزلفة منه والتأدُّب بآدابه، والحظوة بقرباه حتّى عاد منار

____________________

١ - مناقب ابن شهر آشوب ١ ص ٥٥٠ ط ايران.


الفضل والأدب ومفزع رُوّادهما، وممَّن يُشار إليه ويُنصُّ عليه، لم يفتء كذلك حتّى قضى الصاحب نحبه سنة ٣٨٥ فخلفه على الوزارة لما استوزره فخر الدولة البويهي وضمَّ اليه أبا علي الملقَّب بالجليل وفي ذلك قال بعض ولد المنجِّم:

والله والله لا أفلحتمُ أبداً

بعد الوزير ابن عبّاد بن عبّاسِ

إن جاء منكم جليلٌ فاقطعوا أجلي

أو جاء منكم رئيسٌ فاقطعوا رأسي

فالمترجَم كانت تحطُّ بفنائه الرِّحال، وتنال منه الآمال، وتفد إليه القوافي من كلِّ حَدَب، ويسير شعره مع الركبان، وكان نعم الخليفة لسلفه الصاحب، والموئل الفذُّ لما كانت له من مراتب، وله في جامع إصبهان خانكات مرتفعة، وخانات عامرةٌ متَّسعةٌ، قد وقفت لأبناء السبيل، وبحذائه دار الكتب وحجرها وخزانتها وقد بناهنَّ ونضَّد فيها من الكتب عيوناً، وخلّدها من العلوم فنوناً، يشتمل فهرستها على ثلث مجلّدات كبيرة كما في محاسن إصبهان ص ٨٥، وكتب التراجم(١) تطفح بالثناء عليه، ولشعراء عصره قصائِد رنّانة في مدحه ومنهم:أبو عبد الله محمَّد بن حامد الخوارزمي له قصيدة في إطراءه منها:

زمانٌ جديدٌ وعيدٌ سعيدٌ

ووقتٌ حميدٌ فماذا تريدُ؟!

وأحسن من ذاك وجه الرئيـ

ـس وقد طلعت من سناه السعودُ

وكم حلّة خطّها قد غدت

على برد آل يزيد تزيدُ

٢ - أبو الحسن عليُّ بن أحمد الجوهريّ الجرجاني [ السابق ذكره ] له قصائد في المترجَم له منها:قصيدةٌ في ميلاده وتحويل سنِّه ذكرها الثعالبي في ( اليتيمة ) ٤ ص ٣٨ منها:

يومٌ تبرَّجت العلا

فيه ومزَّقت الحجبْ

يومٌ أتاه المشتري

بشهاب سعد ملتهبْ

بسلالة المجد الفصيح

وصفوة المجد الزربْ

____________________

١ - راجع يتيمة الدهر ٣ ص ٢٦٠، معجم الادباء ١ ص ٦٥، كامل ابن الاثير ٩ ص ٧٣، معالم العلماء لابن شهر آشوب، ديوان مهيار؟ ص ٢٩، أعيان الشيعة ٨ ص ٧٧، دائرة المعارف للبستاني ١١ ص ١٢٠.


ملكٌ إذا ادَّرع العلا

فالدهر مسلوب السلبْ

وإذا تنمَّر في الخطو

ب فيا لنارٍ في حطبْ

وإذا تبسَّم للندى

مطرت سحائبه الذهبْ

يا غرَّة الحسب الكريـ

م وأين مثلك في الحسبْ؟!

هذا صباحٌ حُلّيت

بسعوده عطل الحقبْ

ميلادك الميمون فيـ

ـه و ميلاد الأدبْ

عرِّج عليه بمجلس

ريّان من ماء العنبْ

واضرب عليه سرادقاً

للاُنس ممتدَّ الطنبْ

٣ - مهيار الديلمي [ أحد شعراء الغدير الآتي ذكره ] مدح المترجَم بقصائد منها ميميَّة ٦٥ بيتاً توجد في ديوانه ٣ ص ٣٤٤ أوَّلها:

أجيراننا بالغور والرَّكب متهمُ

أيعلم خال كيف بات المتيَّمُ؟!

رحلتم وعمر الليل فينا وفيكمُ

سواءٌ ولكن ساهرون ونوَّمُ

ومنها بائيَّةُ ٤٥ بيتاً في ديوانه ج ١ ص ١٥ مطلعها:

شفى الله نفساً لا تذلُّ لمطلب

وصبراً متى يسمع به الدهر يعجب

وداليَّة ٦١ بيتاً في ديوانه ج ١ ص ٢٣٠ أوّلها:

إذا صاح وفد السحب بالريح أوحدا

وراح بها ملأى ثقالاً أو اغتدى

وبائيَّةٌ ٣٧ بيتاً في ديوانه ج ١ ص ١٢ مستهلّها:

دواعي الهوى لك أن لا تجيبا

هجرنا تقىً ما وصلنا ذنوبا

وعينيَّةٌ ٤٠ بيتاً في ديوانه ٢ ص ١٧٩ مطلعها:

على أيِّ لائمةٍ أربعُ؟!

وفي أيِّما سلوة أطمعُ؟!

وقد أخذ العهد يوم الرحيل

أمامي والعهد مستودعُ

ولاميَّةٌ ٥٢ بيتاً في ديوانه ٣ ص ١٨ مستهلّها:

أليوم أنجز ماطل الآمالِ

فأتتك طائعة من الاقبالِ

وقصيدة ٦٩ بيتاً توجد في ديوانه ٤ ص ٣٠ نظمها سنة ٣٩٢، أوَّلها:

قالوا:عساك مرجِّمٌ فتبيَّنِ

هيهات ليس بناظري إن غرَّني


هي تلك دارهمُ وذلك ماؤهم

فاحبس ورد وشرقت إن لم تسقني

ولقد أكاد أضلُّ لولا عنبرٌ

في الترب من أرج الحبائب دلّني

فتقوا به أنفاسَهنَّ لطائماً(١)

وظعنَّ وهي مع الثرى لم تظعنِ

يا منزلاً لعبت به أيدي الصِّبا

لعب الشكوك وقد بدت بتيقّني

إمَّا تناشدني العهود فإنَّها

حفظت فكانت بئس ذخر المقتن

سكنتك بعدهم الوحوش تشبّهاً

بهمُ وليتك آنفاً لم تُسكنِ

لعيونهنَّ علامةٌ سحريَّةٌ

عندي فما بال الظباء تغشّني؟!

ويقول فيها:

حاشا طلابي أن أعمَّ به وقد

خُصَّ السماح بموضعٍ مُتعيِّنِ ؟!

يا حظُّ قم فاهتف بناحية الغنى

في الريّ وارحم كدَّ مَن لم يفطُنِ

وأعن على إدراكها فبمثلها

فرّقتُ بين موفَّق ومحيَّن

لمن الخليط مشرِّقٌ وضمانه

رزقٌ لنا في غيره لم يُؤذَنِ

إشتقتُ يا سُفنَ الفلاةِ فأبلغي

وطربت يا حادي الركاب فغنِّني

وأنهض فرحِّل يا غلامُ مذلِّلا(٢)

تتوعَّر البيداء منه بمُدمنِ

يرضى بشمّ العُشب إمّا فاته

والسير يأكلّ منه أكلّ الممعنِ

مرح الزمام يكاد يصعب ظهره

فتصيح فاغرة الرّحال به:لِنِ

ألرزق والإنصاف قد فُقدا فُلذْ

بالريّ واستخرجهما من معدنِ

وإلى أبي العبّاس حافظ ملكها

سهل الأشُد ولأن خبثُ الأخشنِ

٤ - أبو الفيّاض سعد بن أحمد الطبري له قصيدة في مدح أبي العبّاس منها:

وإنّي وأقواف القريض أحوكها

لأشعر من حاك القريض وأقدرا

كما تضرب الأمثال وهي كثيرةٌ

بمستبضع تمراً إلى أهل خيبرا

ولكّنني أمّلت عندك مطلباً

انكّبه عمَّن ورائي من الورى

ألم تر أنَّ إبن الأمير أجارني

ولم يرض من إدرائه لي سوى الذرى ؟!

____________________

١ - لطائم جمع لطيمة، وهي نافجه المسك.

٢ - المذلل:الجمل يذلل الطريق ويعبدها


٥ - صاعد بن محمَّد الجرجاني كتب إلى المترجَم له بقوله:

ولو أنَّني حسب إشتياقي ومنيتي

منحتك شيئاً لم يكن غير مقلتي

ولكنَّني أهدي على قدر طاقتي

وأحمل ديواناً بخطِّ إبن مقلةِ

٦ - أبو القاسم عبد الواحد بن محمَّد بن علي بن الحريش الإصبهاني قال في المترجَم من قصيدة ٍكبيرةٍ:

بنفسي وأهلي شعب واد تحلّه

ودهر مضى لم يُجد إلّا أقلّهُ

وعطفه صدغ يهتدي فوق خدِّه

ويضربه روح الصبّا فيضلهُ

وطيب عناقي منه بدراً أضمّه

إليَّ وأهوى لثمه فاُجلّهُ

وقفنا معاً واللوم يصفق رعده

ومنّا سحاب الدمع يسجم وبلهُ

ترقّ على ديباجتيه دموعه

كما غازل الورد المضرِّج طلّهُ

وينأى رقيبٌ عن مقام وداعنا

وتبلغه أنفاسنا فتذلّهُ

يُقلقني عتب الحبيب وعذره

ويقلقني جدُّ الرقيب وهزلهُ

وكيف أقي قلبي مواقع رميه ؟!

ولست أرى من أين ينثال نبلهُ

يُولّي وبالأحداق تفرش أرضه

ويفدى وبالأفواه ترشف رجلهُ

وبعد ردحٍ من تقلّده الوزارة كما وصفناه إتَّهمته اُمُّ مجد الدَّولة بأنَّه سمَّ أخاه فطلبت منه مائتي ألف دينار لينفقها في مأتم أخيه فأبى عليها ذلك فهربّ عنها سنة ٣٩٢ إلى ( بُروجرد ) وهي من أعمال بدر بن حسنويه(١) فبذل بعد ذلك مأتي ألف دينار ليعود إلى عمله فلم يقبل منه، ولم يبرح بها حتّى مات سنة ٣٩٨ وقيل:إنّ أبا بكر إبن رافع أحد قُوّاد فخر الدَّولة واطأ أحد غلمانه فسقاه سمّاً، وأرسل إبنه تابوته إلى بغداد مع أحد حجّابه وكتب إلى أبي بكر الخوارزمي يعرِّفه أنّه وصّى بدفنه في مشهد الحسين

____________________

١ - من امراء الجبل لقبه القادر بناصر الدولة وعقد له لواءاً وكان يبر العلماء والزهاد والايتام، وكان يتصدق كل جمعة بعشرة آلاف درهم، ويصرف إلى الاساكفة والحذائين بين همدان وبغداد ليقيموا للمنقطعين من الحاج الاحذية ثلاثة آلاف دينار، ويصرف إلى أكفان الموتى كلّ شهر عشرين الف درهم، واستحدث في أعماله ثلاثة آلاف مسجد وخان للغرباء، وكان ينقل للحرمين كل سنة مصالح الطريق مائة ألف دينار، ثم يرتفع إلى خزائنه بعد المؤن والصدقات عشرون ألف ألف درهم ( شذرات الذهب ٣ ص ١٧٣ ).


عليه‌السلام بكربلاء المشرَّفة ويسأله القيام بأمره وابتياع تربة بخمس مائة دينار، فقيل للشريف أبي أحمد [ والد السيّدين علم الهدى والشريف الرَّضي ]:أن يبيعه موضع قبره بخمسمائة دينار. فقال:هذا رجلٌ إلتجأ إلى جوار جدّي فلا آخذ لترتبه ثمناً. وكتب نفسه الموضع الذي طلب منه وأخرج التابوت إلى ( براثا ) وخرج الطاهر أبو أحمد ومعه الأشراف والفقهاء وصلّى عليه وأصحبه خمسين رجلاً من رجاله حتّى أوصلوه ودفنوه هناك(١) ورثاه مهيار الديلمي [ الآتي ذكره] بقصيدة ٥٩ بيتاً ويعزّي إبنه سعداً و أنفذها إلى ( الدينور ) توجد في ديوانه ٣ ص ٢٧ أوَّلها:

ما لِلدسوت وللسروج تسائل:

مَن قائمٌ عنهنَّ أو مَن نازلُ ؟!

لِمَ سدّ باب الملك وهو مواكب ؟!

وخلت مجالسه وهنَّ محافلُ ؟!

ما للجياد صوافناً(٢) وصوامتاً

نكساً؟! وهنَّ سوابقٌ وصواهلُ

من قطّر(٣) الشجعان عن صهواتها؟!

وهمُ بها تحت الرِّماح أجادلُ(٤)

ما لِلسَّماء عليلةٌ أنوارها ؟!

لِمَن السماء من الكواكب ثاكلُ ؟!

مَن لجلجِ الناعي يحدِّث أنَّه

أَودي فقيل:أقائلٌ ؟! أم قاتلُ ؟!

ألمجد في جدَث ثوى ؟ أم كوكب الـ

دنيا هوي ؟! أم ركن ضبِّة مائلُ ؟!

ما كنتُ فيه خائفاً إنَّ الرَّدى

من عزِّ جانبه إليه واصلُ

أدرى الحمام بمَن - واُقسم ما درى -

تلتفُّ كُفاتٌ له وحبائلُ ؟!(٥)

خطبٌ أخلَّ الدَّهر فيه بعقله

والدَّهر في بعض المواطن جاهلُ

يا غيثُ ارضي الأرض سقياً واحتبي

بالرَّوض يشكره المحلّ الماحلُ

ينهلُّ منهلّ المزادة(٦) موثقاً

إنَّ الثرى الظمآن منه ناهلُ

يسم الصخور كأنَّ كلَّ مجودة(٧)

لحظ العليقَ بها حصانٌ ناعلُ

____________________

١ - معجم الادباء ج ١ ص ٦٥.

٢ - الصوافن من الخيل:الواقفة على ثلاث وقوائم وطرف حافر الرابعة.

٣ - قطر:ألقى.

٤ - أجادل جمع أجدل وهو الصقر.

٥ - ألكفات جمع كفة بضم الكاف وهي الحبالة.

٦ - ألمزادة:الراوية. يربّد بها السحاب الممطر على التشبيه.

٧ - ألمجودة:الأرض جادها المطر.


تمريه غبراء الإهاب كأنَّما(١)

قادت خزائمها النعامُ الجافلُ

حلفت لأفواه الرّبى أخلافها

أيمان صدقٍ انَّهنَّ حَوافلُ(٢)

وليت سيوف البرق قطعَ عروقها

فبكلِّ فجٍّ شاريان سائلُ

أبلغ أبا العبّاس انّك فاحصٌ

حتّى تبلّ جوى ثراه فواغلُ(٣)

منّي وأطباق الصعيد حجابه

عنّي فكيف تخاطب وتراسلُ ؟!

سعدت جنادل ألحفتك على البلى

لا مثل ما شقيت عليك جنادلُ

أبكيك لي والمرملين بنوهمُ الـ

أيتام بعدك والنساء أراملُ

و لمستجيرٍ والخطوب تنوشه

مُستطعمٌ ؟ الدَّهر فيه آكلُ

مُتلوِّم(٤) العزمات لا هو قاطنٌ

في داره قفراً ولا هو راحلُ

أودى به التطواف يُنشد ناصراً

فيضلُّ أن يلقاه إلّا خاذلُ

حتّى إذا الاقبال منك دنا به

أنساه عندك عام بُؤسٍ قابلُ

ولمعشر طرق العلوم ذنوبهم

في النّاس وهي لهم إليك وسائلُ

كانوا عن الطلب الذَّليل بمعزل

ثقةً وأنت بما كفاهم كافلُ

قطع الجدا بهمُ وقد قطع الرَّدى

بك أن يُظنَّ تزاورٌ وتواصلُ

وعصائب هي إن ركبتَ مواكب

تسع العيون وإن غضبتَ جحافلُ

تفري بأذرعها الكعوب كأنَّما

تحت الرِّماح على الرِّماح عواملُ(٥)

لو كان في ( ثعلٍ ) بموتك ثأرها

ما عاش من ثعلٍ(٦) عليك مُناضلُ

نكروا حلومك والمنون تسوقها

حقّاً وأنت مدافعٌ متثاقلُ

قعد البعيد وقام عنك متاركاً

ما جاء يقنصك القريب الواصلُ

ولج الحمام إليك باباً ما شكا

غير الزُّحام عليك فيه داخلُ

____________________

١ - تمريه:تدر عليه. غبراء الاهاب:ألسحابة السوداء.

٢ - أخلاف جمع خلف وهو حلمة الضرع. حوافل:ممتلئة.

٣ - ألواغل:الداخل المتغلغل في الشئ.

٤ - المتلوم:المنتظر.

٥ - تفرى من الفرى:ألشق. كعوب جمع كعب:ألعقدة. عوامل جمع عامل وهو صدر الرمح الذي يلي السنان.

٦ - ثعل:قبيلة مشهورة بالرمي.


مستبشراً بالوفد لم يجبه به

ردُّ ولم يُنهر عليه سائلُ

لم يغنك الكرم العتيد ولا حمىّ

عنك السّماح ولا كفاك النائلُ

كنتَ الذي مرُّ الزمان وحلوه

فيمن يُصابر عيشه و يُعاسلُ

فغدوتَ مالك في عدوِّك حيلةٌ

تُغني ولا لك من صديقك طائلُ

والموت أجور حاكمٍ وكأنَّه

في الناس قسماً بالسويَّة عادلُ

لا اغترَّ بعدك بالحياة مجرِّبٌ

عرف الحقوق فلم يرقه الباطلُ

يا ثاوياً لم تقض حقِّ مصابه

كبدٌ محرِّقةٌ وجفنٌ هاملُ

أفديك لو أنَّ الرَّدى بك قابلٌ

من مهجتي وذويَّ ها أنا باذلُ

ما بال أوقاتي بفقدك هجّرت ؟!

ولقد تكون لديك وهي أصائلُ

قد كنتُ ملتحفاً بمدحك حلّةً

فخراً تجرُّ لها عليًّ ذلاذلُ(١)

ويقول فيها:

لا تحسبنَّ وسعد إبنك طالعٌ

يحتلُّ برجك إنَّ سعدك آفلُ

ما أنكر الزوّار بعدك وجهه

في البدر من شمس النهار مخايلُ

أجمل له يا سعدُ واحمل وزره(٢)

ما طال باعٌ أو أطاعك كاهلُ

وأنا الَّذي يُرضيك فيه باكياً

ويسرُّه بك في الَّذي هو قائلُ

ولشاعرنا أبي العبّاس الضبِّي شعرٌ رقيقٌ ونظمٌ جيِّدٌ ومنه قوله:

ترفِّق أيّها المولى بعبدٍ

فقد فتنت لواحظك النفوسا

وأسكرت العقول فليس ندري

أسحراً ما تسقّى أم كؤوسا؟!

وله قوله وهو ممّا يُتغنّى به:

ألا يا ليت شعري ما مرادك؟!

فقلبي قد أضرَّ به بُعادك

وأيّ محاسنٍ لك قد سباني؟!

جمالك؟! أم كمالك؟! أم ودادك؟!

وأيّ ثلاثة أوفى سواداً؟!

أخالك؟! أم عذارك؟! أم فؤادك؟!

وله قوله:

____________________

١ - ألذلاذل:أسافل القميص الطويل.

٢ - الوزر:الحمل الثقيل.


قلتُ لمن أحضرني زهرةً

ومجلسي بالاُنس بسّام

وقرَّة العينين نيل المُنى

عندي ولا سامٌ ولا حام

: تجنّب النّمام لا تجنه

فإنَّما النمّام نمّام

أخشى علينا العين من أعين

يبعثها بالسوء أقوام

وله قوله:

لا تركننَّ إلى الفراقِ

فإنَّه مُرُّ المذاقِ

ألشَّمس عند غروبها

تصفرُّ منَ فرق الفِراق

وممّا كتب إلى الوزير الصاحب إبن عبّاد قوله:

أكافي كفاة الأرض ملكك خالدٌ

وعزُّك موصولٌ فأعظم بها نعمي

نثرت على القرطاس درّاً مبدَّداً

وآخر نظماً قد فرعت به النجما

جواهر لو كانت جواهر نُظِّمت

ولكنَّها الأعراض لا تقبل النَّظما

وله في الثريّا: خلت الثريّا إذ بدت

طالعةً في الحندسِ(١)

سنبلةً من لؤلؤٍ

أو باقةً من نرجسٍ

وقوله فيها: إذ الثريّا اعترضت

عند طلوع الفجرِ

حسبتها لامعةً

سنبلةً من درِّ

وقوله في قصر الليل:

وليلة أقصر من

فكريَ في مقدارها

بدت لعيني وانجلت

عذراء من قرارها

وقوله في طول الليل:

ربِّ ليلٍ سهرته

مُفكّراً في امتدادهِ

كلّما زدتُ رعيه

زادني من سوادهِ

فتبيَّنت إنَّه

تائهٌ في رُقادهِ

أو تفانت نجومه

فبدا في حِدادهِ

وخلف المترجَم له على مجده وفضله ولده أبو القاسم سعد بن أحمد الضبّي، تبع

____________________

١ - الحندس:الظلام.


والده لَمّا هرب إلى ( بروجرد ) وتُوفّي بها بعد والده بشهور ; ولمهيار الديلمي في مدحه عدَّة قصايد منها قصيدةٌ ٤٥ بيتاً أنشدها إيّاه وهو مقيمٌ ببروجرد أوَّلها:

ذكرتُ وما وفاي بحيث أنسى

بدجلةَ كم صباحٍ لي وممسى

وأخرى ٤٥ بيتاً مستهلّها:

أشاقك من حسناء وهنا طُروقها ؟

نِعم كلُّ حاجات النّفوس يشوقُها

ونونيَّةٌ ٤٤ بيتاً في ديوانه ٤ ص ٥١ مطلعها:

ما أنتِ بعد البين من أوطاني

دارَ الهوى والدارُ بالجيرانِ

ويقول فيها:

كثر الحديث عن الكرام وكلُّ مَن

جرَّبت ألفاظٌ بغير معاني

إلّا بسعدٍ مَن تنبَّه للعلا

هيهات نُوَّمهمُ مِن اليقظانِ

مهلاً بني الحسد الدخيل فإنَّها

لا تُدرك العلياءُ بالأضغانِ

سعد بن أحمد أبيضٌ مِن أبيض

في المجد فانتسبوا بني الألوانِ

بين الجبال الصُمِّ بحرٌ ثامنٌ

يحوي جلامدها وبدرٌ ثاني

من معشر سبقوا إلى حاجاتهم

شوط الرِّياح وقد جرتْ لرهانِ

قومٌ إذا وزَروا الملوك برأيهم

أمرتْ عمائمهم على التيجانِ

ضربوا بمدرجة السبيل قِبابَهم

يتقارعون بها على الضَّيفانِ

ويكاد موقدهم يجود بنفسه

- حبَّ القِرى - حطباً على النيرانِ

إبناء ضبَّة واسعون وفي الوغى

يتضايقون تضايق الأسنانِ

يا راكباً زُهرُ الكواكب قصدُه

:قرِّب لعلّك عندها تلقاني

قف نادِ:يا سعد الملوك رسالةً

من عبدك القاصي بحبٍّ داني

غالطتُ شوقي فيك قبلَ لقائنا

والقربُ ظنُّ والمزارُ أماني

حتّى إذا ما الوصل أطفأ غُلَّتي

بك كان أعطشَ لي من الهجرانِ

ولربَّ وجدِ تواصُفٍ ناهضته

وضعفتُ لَمّا صارَ وجدَ عيانِ

ولقد عكستَ عليَّ ذاك لأنَّني

كنتُ الحبيب إليك قبل تَراني

وممن العجائب والزَّمان ملوَّنٌ

أنَّ الدنوَّ هو الذي أقصاني


ألقرن الرابع

٢٩

أبو الرقعمق الانطاكي(١)

ألمتوفّى ٣٩٩

كتب الحصيرُ إلى السرير

: أنَّ الفَصيل إبن البعيرِ

فلمثلها طرب الأمـ

ير إلى طباهجة بقيرِ(٢)

فلأمنعنَّ حمارتي

سنتين من علف الشعيرِ

لاُ همَّ إلّا أن تطـ

ير من الهزال مع الطيورِ

فلاُخبرنَّك قِصَّتي

فلقد وقعتَ على الخبيرِ

إنَّ الّذين تصافعوا

بالقرع في زمن القشورِ

أسفوا عليَّ لأنَّهمْ

حضروا ولم أك في الحضورِ

لو كنتُ ثَمَّ لقيل:هل

من آخذٍ بيد الضريرِ؟!

ولقد دخلتُ على الصديـ

ـق البيت في اليوم المطيرِ

متشمِّراً متبختراً

للصَّفع بالدَّلو الكبيرِ

فأدرتُ حين تبادروا

دلوي فكان على المديرِ

يا للرِّجال تصافعوا

فالصفعُ مفتاح السرورِ

لا تغفلوهُ فإنَّه

يستلُّ أحقاد الصدورِ

هو في المجالس كالبخو

ر فلا تملّوا من بخورِ

ولأذكرنَّ إذا ذكرت

أحبَّتي وقت السحورِ

ولأحزننَّ لأنَّهم

لمّا دنا نضج القدورِ

رحلوا وقد خبزوا الفطيـ

ـر ففاتهم أكلّ الفطيرِ

____________________

١ - نسبة الى انطاكية مدينة شهيرة بينها وبين حلب يوم وليلة.

٢ - الطباهجة:اللحم المشرح.


لا والّذي نطق النبيّ

بفضله يوم الغديرِ

ما للإمام أبي عليٍّ

في البريَّة مِن نظيرِ(١)

( ألشاعر )

أبو حامد أحمد بن محمَّد الأنطاكي نزيل مصر المعروف بأبي الرقعمق، أحد الشعراء المشاهير المتصرِّفين في فنون الشعر، وله شوطه البعيد في أساليب البيان غير انَّه ربما خلط الجدَّ بالهزل، نشأ بالشام ثمَّ رحل إلى مصر وأخذ فيها شهرةً طائلةً و مكانةً من الأدب عظيمةً، ومدح ملوكها وزعمائها ورؤسائها وممَّن مدح المعزّ أبو تميم معدّ بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله، وإبنه زفر عزيز مصر، والحاكم إبن العزيز، وجوهر القائد، والوزير أبو الفرج يعقوب بن كلس ونظرائهم، وصادف فيها جماعة من أهل الهزل والمجون فأوغل فيهما كلّ الايغال حتّى نبز بأبي الرقعمق، وقد يقال:إنَّه هو الّذي سمّى نفسه بذلك، وقد أعلن في شعره إنَّه حليف الرقاعة بقوله:

أستغفر الله من عقلٍ نطقتُ به

مالي وللعقل ليس العقل من شاني

لا والذي دون هذا الخلق صيّرني

اُحدوثة وبحبِّ الحمق أغراني

والبيتان من قصيدة له سجَّل بها ليل [ تِنِّيس(٢) ] وهي مدينةٌ مصريَّة كان بها في بعض العهود خمسمائة صاحب محبرة يكتبون الحديث ومطلع القصيدة:

ليلي بتنيِّس ليل الخائف العاني

تفنى الليالي وليلي ليس بالفاني

وينمُّ عن توغلّه في المجون قوله من قصيدة:

كفي ملامك يا ذات الملاماتِ

فما اُريد بديلاً بالرُّقاعاتِ

كأنّني وجنود الصَّقع تتبعني

وقد تلوت مزامير الرطاناتِ

قِسّيس دير تلا مزماره سحراً

على القسوس بترجيعٍ ورنّاتِ

وقد مجنتُ وعلَّمت المجون فما

اُدعى بشيء سوى ربِّ المجاناتِ

وذاك إنّي رأيت العقل مطَّرحاً

فجئت أهل زماني بالحماقاتِ

وقوله في قصيدة:

____________________

١ - يتيمة الدهر ج ١ ص ٢٨٤.

٢ - تنيس بكسرتين وتشديد النون وياء ساكنة وسين مهملة

_٧_


ففي ما شئت من حمق ومن هوس

قليله لكثير الحمق إكسيرُ

كم رامَ إدراكه قومٌ فأعجزهم

وكيف يدرك ما فيه قناطيرُ؟!

لأشكرنَّ حماقاتي لأنَّ بها

لواء حمقي في الآفاق منشورُ

ولستُ أبغي بها خلّاً ولا بدلاً

هيهات غيري بترك الحمق معذورُ

لا عيب فيَّ سوى أنِّي إذا طربوا

وقد حضرت يُرى في الرأس تفجيرُ

وقوله من قصيدة:

فاسمعن منِّي ودعني

من كثيرٍ وقليلِ

وصغيرٍ وكبيرٍ

ودقيقٍ وجليلِ

قد ربحنا بالحما

قات على أهل العقولِ

فرعى الله ويُبقي

كلَّ ذي عقل قليلِ

ماله في الحمق والخفَّـ

ـة مثلي من عديلِ

فمتى اُذكر قالوا:

شيخنا طبل الطبولِ

شيخنا شيخٌ ولكن

ليس بالشيخ النبيلِ

وأكثر شعره جيِّد على اُسلوب صريع الدلاء والقصار البصري كما قاله إبن خلكان، ويُستشهد بشعره في الأدب كما في باب المشاكلة(١) من التلخيص وساير كتب البيان وقد استشهد عليها بقوله:

قالوا:اقترح شيئاً نجد لك طبخه

قلت:اطبخوا لي جبَّةً وقميصاً

قال السيِّد العبّاسي في ( معاهد التنصيص ) ١ ص ٢٢٥:هو قول أبي الرقعمق يروى انَّه قال:كان لي إخوان أربعة وكنت اُنادمهم أيّام الاُستاذ كافور الأخشيدي فجاءني رسولهم في يوم بارد وليست لي كسوة تحصنني من البرد فقال:إخوانك يقرأون عليك السَّلام ويقولون لك:قد اصطبحنا اليوم وذبحنا شاةً سمينة فاشته علينا ما نطبخ لك منها. قال:فكتبت إليهم:

إخواننا قصد والصّبوح بسحرة

فأتى رسولهمُ إليَّ خصوصا

قالوا:اقترح شيئاً نجد لك طبخه

قلت:اطبخوا لي جبَّةً وقميصا

____________________

١ - هي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته كقول أبي الرقعمق:اطبخوا. وارادة خيطوا.


قال:فذهب الرَّسول بالرقعة فما شعرت حتّى عاد ومعه أربع خلع وأربع صُرَر في كلِّ صُرَّة عشرة دنانير فلبست إحدى الخلع وسرت إليهم.

ترجمه الثعالبي في ( يتيمة الدهر ) ١ ص ٢٦٩ - ٢٩٦ وذكر من شعره أربعمائة وأربعة وتسعين بيتا وقال:نادرة الزمان، وجملة الأحسان، وممَّن تصرَّف بالشعر الجزل في أنواع الجدّ والهزل، وأحرز قصب الفضل، وهو أحد المدَّاح المجيدين والفضلاء المحسنين وهو بالشام كابن الحجّاج بالعراق. ولعل َّكونه كإبن الحجّاج [ السابق ذكره ] ينمُّ عن تشيّعه فإنَّ ذلك أظهر أوصاف إبن الحجّاج وأجلّ ما يُؤثر عنه، فقد عرفه من عرفه بولائه الصلب لأهل بيت الوحي عليهم السَّلام والتجهّم أمام أضدادهم والوقيعة فيهم، فقاعدة التشبيه تستدعي أن يكون شاعرنا المترجَم مثله أو قريباً منه، على أنَّ صاحب ( نسمة السحر ) عدَّه ممَّن تشيَّع وشعر وعقد له ترجمةً ضيافة الذيول.

نعم:ويشبه إبن الحجّاج في تغلّب المجون على شعره ; ولا يبعد جدّاً أن يكون هذا مرمى كلام الثعالبي، ومن شعره قصيدةٌ في ممدوحِ(١) له علويٍّ منها قوله:

وعجيبٌ والحسين له

راحةٌ بالجود تنسكبُ

إنَّ شربي عنده رنقٌ

ولديه مربّعي جدبُ

وله الورد المعاذ به

والجناب الممرع الخصبُ

وهو الغيث الملثُّ إذا

أعوزتنا درّها السّحبُ

وإلى الرّسيّ ملجأنا

من صروف الدَّهر والهربُ

سيِّدٌ شادت علاه له

في العلا آباؤه النجبُ

وله بيتٌ تمدُّ له

فوق مجرى الأنجم الطنبُ

حسبه بالمصطفى شرفاً

وعليٍّ حين ينتسبُ

رتبةٌ في العزِّ شامخةٌ

قصرت عن نيلها الرُّتبُ

____________________

م ١ - هو نقيب الاشراف بمصر أبو اسماعيل ابراهيم بن أحمد بن محمد بن ابراهيم بن اسماعيل بن ترجمان الدين ابي محمد القاسم بن ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن المثنى. الرسي المتوفّى سنة ٣٦٥. راجع تاج العروس ٤:١٦١ )


ذاك فخرٌ ليس تنكره

لكُم عجمٌ ولا عربُ

ولأنتم مَن بفضلهمُ

جاءت الأخبار والكتبُ

وإليكم كلُّ منقبة

في الورى تُعزى وتُنتسبُ

وبكم في كلِّ معركة

تفخر الهنديَّة القضبُ

وبكم في كلِّ عارفةٍ

تُرفع الأستار والحجبُ

وإذا سمر القنا اشتجرت

فبكم تستكشف الكربُ

وله من قصيدة أوّلها:

باح وجداً بهواهُ

حين لم يُعط مناهُ

مغرمٌ أغرى به السقـ

ـم فما يُرجى شفاهُ

كاد يُخفيه نحول الـ

ـجسم حتّى لا تراهُ

لو ضناً يُخفى عن الـ

ـعين لأخفاه ضناهُ

ومنها قوله:

حبَّذا الرَّسيّ مولى

رضي النّاس ولاهُ

جعل الله أعاديـ

ـه من السّوء فداهُ

فلقد أيقن بالثر

وة مَن حلِّ ذراهُ

مَن رقى حتّى تناهى

في المعالي مرتقاهُ

فاق أن يبلغ في الـ

سؤدد والمجد مداهُ

ملكٌ مذ كان بالـ

سطوة ممنوعٌ حماهُ

بحر جود ليس يُدرى

أين منه منتهاهُ

لم يُضع مَن كان إبـ

راهيم في النّاس رجاهُ

لا ولا يفرق مِن

صرف زمان إن عراهُ

مَن به استكفى أذى الـ

أيّام والدَّهر كفاهُ

كيف لا أمدح مَن لم

يخلُ خلقُ من نداهُ

ومن غرر محاسنه قوله يمدح من قصيدة أوَّلها:

قد سمعنا مقاله واعتذاره

وأقلناه ذنبه وعثاره


والمعاني لمن عييت ولكن

بك عرَّضت فاسمعي يا جاره

من مرادٌ به أنه أبد الدهـ

ـر تراه محلّلا أزراه

عالمُ أنَّه عذابُ من اللّـ

ـه مباحُ لأعين النظّاره

هتك الله سترة فلكم هتـ

ـك من ذي تستّرٍ أستاره

سحرتني ألحاظه وكذا كـ

ـلُّ مليحٍ لحاظه سحّاره

ما على مؤثر التباعد والأ

عراض لو آثر الرَّضى والزياره

وعلى أنَّني وإن كان قد عذَّ

ـب بالهجر مؤثراً ايثاره

لم أزل لاعدمته من حبيبٍ

أشتهي قربه وآبى نفاره

يقول في مدحها:

لم يدع للعزيز في سائر الأر

ـض عدوّاً إلّا وأخمد ناره

فلهذا اجتباه دون سوا

هُ واصطفاه لنفسه واختاره

لم تشيِّد له الوزارةُ مجداً

لا ولا قيل رفَّعت مقداره

بل كساها وقد تخرَّمها الدَّهـ

ـر جلالاً وبهجةً ونضاره

كلّ يومٍ له على نوب الدَّهـ

ـر وكرّ الخطوب بالبذل غاره

ذو يد شأنها الفرار من البُخـ

ـل وفي حومة الوغى كرّاره

هي فلّت عن العزيز عداه

بالعطايا وكثّرت أنصاره

هكذا كلُّ فاضلٍ يده تُمـ

سي وتُضحي نفّاعةً ضرّاره

فاستجره فليس يأمن إلّا

من تقيّا بظلّه واستجاره

فإذا ما رأيته مطرقاً يعـ

ـمل فيما يريده أفكاره

لم يدع بالذّكاء والذهن شيئاً

في ضمير الغيوب إلّا أناره

لا ولا موضعاً من الأرض إلّا

كان بالرأي مدركاً أقطاره

زاده الله بسطةً وكفاه

خوفه من زمانه وحذاره

وذكر النويري من شعره في ( نهاية الأرب ) في الجزء الثالث ص ١٩٠ قوله:

لو نيل بالمجدِ في العلياء منزلة

لنال بالمجد أعناق السَّماواتِ

يرمي الخطوب برأي يُستضاء به

إذا دجا الرأي من أهل البصيرات


فليس تلقاه إلّا عند عارفه

أو واقفاً في صدور السمهريّاتِ(١)

ترجمه إبن خلكان في تاريخه ١ ص ٤٢ وقال بعد الثناء عليه وقل كلّام الثعالبي المذكور وذكر أبيات من شعره:وذكره الأمير المختار المسيحي في تاريخ مصر وقال:توفّي سنة تسع وتسعين وثلثمائة، وزاد غيره في يوم الجمعة لثمَّان بقين من شهر رمضان، وقيل:في شهر ربيع الآخر، وأظنّه توفي بمصر.

وترجمه اليافعي وأرَّخ وفاته كما ذُكر في ( مرآة الجنان ) ٢ ص ٤٥٢، و ابن العماد الحنبلي في ( الشذرات ) ٣ ص ١٥٥، والسيِّد العبّاسي في ( معاهد التنصيص ) ١ ص ٢٢٦، والزركلي في ( الأعلام ) ١ ص ٧٤، وصاحب ( تاريخ آداب اللغة ) ٢ ص ٢٦٤.

____________________

١ - هذه ابيات من قصيدة ذكرها الثعالبي في ( اليتيمة ) ١ ص ١٧٤.


ألقرن الرابع

٣٠

أبو العلا السروي

عليُّ إمامي بعد الرَّسولِ

سيشفع في عرصة الحقِّ لي

ولا أدَّعي لعليٍّ سوى

فضايل في العقل لم يشكل

ولا أدَّعي إنَّه مرسلُ

ولكن إمامٌ بنصٍّ جلي

وقول الرَّسول له إذ أتى

له شبه الفاضل المفضلِ

:ألا أنَّ مَن كنت مولى له

فمولاه من غير شكٍّ علي(١)

( ألشاعر )

أبو العلا محمَّد بن إبراهيم السَّروي، هو شاعر طبرستان الأوحد، وعلَم الفضيلة المفرد، وله مساجلات ومكاتبات مع أبي الفضل إبن العميد ألمتوفّى سنة ٣٦٠، وله كتبٌ وشعرٌ زائعٌ وملحٌ كثيرةٌ ذكرت في ( اليتيمة ) منها جملةٌ صالحةٌ ج ٤ ص ٤٨، و في [ محاسن اصبهان ] ص ٥٢ و ٥٦، وفي [ نهاية الإرب في فنون الأدب ]، ومن شعره في وصف طبرستان ما ذكره الحموي في ( معجم البلدان ) ج ٦ ص ١٨ وهو:

إذ الريح فيها جرّت الريح أعجلت

فواختها في الغصن أن تترنَّما

فكم طيَّرت في الجوِّ ورداً مُدثَّراً

يقلِّبه فيه وورداً مُدرهما

وأشجار تفّاح كأنَّ ثمارها

عوارض أبكار يُضاحكن مُغرما

فإن عقدتها الشمس فيها حسبتها

خدوداً على القضبان فذّاً وتوأما

ترى خطباء الطير فوق غصونها

تبثُّ على العشّاق وجداً مُعتَّما

____________________

١ - ذكرها ابن شهر آشوب في ( المناقب ) ج ١ ص ٥٣١ طبع ايران، ويعبر عن المترجم في ( المناقب ) بأبي العلا بلا قيد زايد كما يظهر عنه عند نقله:في أبيات قصيدته الفائية في ج ٢ ص ١٣٩.


وله في مدح أهل البيت عليهم السَّلام قوله ذكره إبن شهر آشوب في ( المناقب ) ج ٢ ص ٧٣ ط ايران:

ضدّان جالا على خدّيك فاتَّفقا

من بعد ما افترقا في الدَّهر واختلفا

هذا بأعلام بيض إغتدا فبَدا

وذا بأعلام سودٍ انطوى فعفا

أعجب بما حكيا في كتب أمرهما

عن الشعارين في الدنيا وما وصفا

هذا ملوك بني العبّاس قد شرعوا

لبس السواد وأبقوه لهم شرفا

وذي كهول بني السبطين رايتهم

بيضاء تخفق امّا حادثٌ أزفا

كم ظلَّ بين شبابٍ لا بقاء له

وبين شيب عليه بالنهي عطفا

هل المشيب إلى جنب الشباب سوى

صبحٍ هنالك وجه الدُّجى كشفا؟!

وهل يُؤدّي شبابٌ قد تعقَّبه

شيبٌ سوى كدر أعقبت منه صفا ؟!

لو لم يكن لبني الزَّهراء فاطمة

من شاهدٍ غير هذا في الورى لكفى

فرايةٌ لبني العبّاس عابسةٌ

سوداء تشهد فيه التيه والشرفا

ورايةٌ لبني الزَّهراء زاهرةٌ

بيضاء يعرف فيها الحقَّ من عرفا

شهادة ٌكشفت عن وجه أمرهما

فبُح بها وانتصف إن كنتَ مُنتصفا

حاز النبيُّ وسبطاه وزوجته

مكان ما أفنت الأقلام والصحفا

والفخر لو كان فيهم صورة جسد

عادت فضايلهم في اُذنه شنفا

وقد تناكرت الأحلام وانقلبت

فيهم فأصبح نور الله مُنكسفا

ألا أضاء لهم عنها أبو حسن

بعلمه ؟ وكفاهم حرّها وشفا ؟!

وهل نظيرٌ له في الزُّهد بينهمُ

ولو أصاح لدنيا أو بها كلفا ؟!

وهل أطاع النبيَّ المصطفى بشرٌ

مِن قبله ؟ وحذا آثاره وقفا ؟!

وهل عرفنا وهل قالوا سواه فتىً

بذي الفقار إلى أقرانه زلفا ؟!؟!

يدعو النِّزال وعجل القوم محتبسٌ

والسامريُّ بكفِّ الرعب قد نزفا

مفرِّجٌ عن رسول الله كربته

يوم الطِّعان إذا قلب الحبان هفا

تخاله أسداً يحمي العرين إذا

يوم الهياج بأبطال الوغى رُجفا

يظلّه النصر والرُّعب اللذان هما

كانا له عادةً إذ سار أو وقفا


شواهدٌ فرضت في الخلق طاعته

برغم كلِّ حسودٍ مالَ وانحرفا

ثمَّ الأئمَّة من أولاده زُهرٌ

مُتوَّجون بتيجان الهدى حنفا

من جالسٍ بكمال العلم مُشتهر

وقائمٍ بغرار السيف قد زحفا

مطهَّرون كرامٌ كلّهم عَلَمٌ

كمثل ما قيل كَشّافون لا كُشفا

وله في ( يتيمة الدهر ) ج ٤ ص ٤٨:

مررنا على الروض الذي قد تبسَّمت

ذراه وأوداج الأبارق تسفكُ

فلم نر شيئاً كان أحسن منظراً

من الرَّوض يجري دمعه وهو يضحكُ

وله في النرجس:

حيِّ الرَّبيع فقد حيّا بباكورِ

من نرجس ببهاء الحسن مذكورِ

كأنَّما جفنه بالغنج منفتحاً

كأسٌ من التِّبر في منديل كافورِ

وله في النرجس ذكر صاحبا ( الظرائف واللطايف ) ص ١٥٩، و ( حلية الكميت ) ص ٢٠٣:

اُنظر إلى نرجس تبدَّت

صبحاً لعينيك منه طاقه

واكتب أسامي مُشبِّهيه

بالعين في دفتر الحماقة

وأيّ حُسنٍ يرى لطرفٍ

مع برقان يحلُّ ماقه

كرّاثةٌ ركّبت عليها

صفرة بيض على رقاقه

وكتب إليه شاعرٌ غريبٌ يشكو إليه حجابه أبياتاً منها:

جئتُ إلى الباب مراراً فما

إن زرت إلّا قيل لي:قدر كبْ

وكان في الواجب يا سيَّدي

أن لا تُرى عن مثلنا تحتجبْ

فأجابه على ظهر رقعته:

ليس احتجابي عنك من جفوةٍ

وغفلةٍ عن حرمة المغتربْ

لكن لدهر نكدٍ خائنٍ

مقصِّر بالحرِّ عمّا يجبْ

وكنت لا أحجب عن زائر

فالآن من ظلِّيَ قد أحتجب

وذكر الثعالبي في ( ثمار القلوب ) ص ٣٥٤ له قوله:

أما ترى قضب الأشجار قد لبست

أنوارها تنثني ما بين جلّاس


منظومة كسموط الدرِّ لابسة

حسناً يُبيح دم العنقود للحاسي

وغرَّدت خطباء الطير ساجعةً

على منابر مَن وردٍ ومن آسِ

( خطباء الطير ) في الشعر هي الفواخت والقماري والرواشن والعنادب وما أشبهها قال الثعالبي:أظنُّ أوّل من اخترع هذه الإستعارة المليحة أبو العلاء السروي في قوله المذكور، وذكر له صاحب ( محاسن إصبهان ) ص ٥٢ في الوصف قوله:

أوَ ما ترى البستان كيف تجاوبت

أطياره وزها لنا ريحانهُ

وتضاحكت أنواره وتسلسلت

أنهاره وتعارضت أغصانهُ

و كأنَّما يفترُّ غبّ القطر عن

حلل نشرن رياضه وجنانهُ

وذكر له ص ٥٦ قوله:

كأنَّ حمام الرَّوض نشوان كلَّما

ترنَّم في أغصانه وترحَّجا

فلاذ نسيم الجوِّ من طول سيره

حسيرا بأطراف الغصون مطلّجا

ولصاحب بن عبّاد أبيات كتبها إلى المترجَم له ذكرها المافروّخي في ( محاسن اصبهان ) ص ١٤ وهي:

أبا العلاء ألا أبشر بمقدمنا

فقد وردنا على المهريَّة القودِ

هذا وكان بعيداً أن اُراجعكم

على التعاقب بين البيض والسودِ

من بعد ما قربت بغداد تطلبني

واستنجزتني بالأهواز موعودي

وراسلتني بأن بادِر لتملكني

ويجريَ الماء ماء الجود في العودِ

فقلتُ:لا بدَّ من جَيٍّ وساكنها

ولو رددت شبابي خير مردودِ

فإنَّ فيها أودّائي ومُعتمدي

وقربها خير مطلوب ومنشودِ

ألستُ أشهد إخواني ورؤيتهم

تفي بملك سليمان بن داودِ؟!

كان المترجَم يتعصَّب للعجم على العرب فكتب إليه إبن العميد رسالةً ينكر فيها تعصّبه بقوله:اقبل وصيَّة خليلك، وامتثل شورة نصيحك، ولا تتماد في ميدان الجهل ينضّك، ولا تتهافت في إلحاح يغرّك، واخش يا سيَّدي أن يُقال:التحمت حرب البسوس من دم ضرع، واشتبكت حربّ غطفان من أجل بعير قرع، قُتل ألف فارسٍ برغيف


الحولاء، وصبَّ الله على العجم سوط عذاب بمزاح أبي العلاء(١) .

( البيان )

( حرب البسوس ) البسوس بنت منقذ التميميَّة، زارت اُختها أمّ جسّاس إبن مرَّة، ومع البسوس جار لها من جرم يقال له:سعد بن شمس ومعه ناقة له، فرماها كليب وائل لمَّا رآها في مرعىّ قد حماه، فأقبلت الناقة إلى صاحبها وهي ترغو وضرعها يشخب لبناً ودماً، فلمّا رأى ما بها انطلق إلى البسوس فأخبرها بالقصَّة، فقالت:واذّلاه واغربتاه، وأنشأت تقول أبياتاً تسمِّيها العرب أبيات الفناء وهي:

لعمريَ لو أصبحت في دار مُنقذٍ

لما ضيم سعدٌ وهو جار لأبياتي

ولكنَّني أصبحت في دار غربةٍ

متى يعدُ فيها الذئب يعدُ على شاتي

فيا سعد لا تغرر بنفسك وارتحل

فإنَّك في قومٍ عن الجار أمواتي

ودونك أذوادي فخذها وآتني

بها حلّة لا يغدرون ببنياتي(٢)

فسمعها إبن اختها جسّاس فقال لها:أيَّتها الحرَّة اهدئي فوالله لأقتلنَّ بلقحة(٣) جارك كليباً، ثمَّ ركب فخرج إلى كليب فطعنه طعنة أثقلته فمات منها ووقعت الحرب بين بكر وتغلب، فدامت أربعين سنة وجرت خطوبٌ وصار [شؤم البسوس] مثلاً ونُسبت الحرب إليها وهي من أشهر حُروب العرب.

( رغيف الحولاء ) من أمثال العربّ المشهورة:أشأم من رغيب الحولاء، كانت [ الحولاء ] خبّازة في بني سعد بن زيد مُناة، فمرَّت وعلى رأسها كارة خبز فتناول رجلٌ من رأسها رغيفاً فقالت:والله مالك عليَّ حقُّ ولا استطعمتني فلمَ أخذت رغيفي ؟ أما انَّك ما أردت بهذا إلّا فلاناً - تعني رجلاً كانت في جواره - فمرَّت إليه شاكيةً فثار وثار معه قومه إلى الرَّجل الذي أخذ الرغيف وقومه فقُتل بينهم ألف نفس، وصار رغيف الحولاء مثلاً في الشيئ اليسير يجلب الخطب الكبير.

____________________

١ - ذكرها الثعالبي في ( ثمار القلوب ) ص ٢٤٨.

٢ - البنيات:الطرق الصغار. تريد عجل السفر قبل أن يقطعون الطريق على.

٣ - اللقحة:الناقة الحامل.


( سوط عذاب ) من إستعارات الكتاب الكريم قال الله تعالى:فصبَّ عليهم ربّك سوط عذاب.

وذكر له النويري في نهاية الأرب ٢ ص ٢٣:

حيّ شيباً أتى لغير رحيلِ

وشباباً مضى لغير إيابِ

أيّ شيئٍ يكون أحسن من عا

ـج مشيب في إبنوس شباب


ألقرن الرابع

٣١

أبو محمَّد العوني

إمامي له يوم ( الغدير ) أقامه

نبيُّ الهدى ما بين من أنكر الأمرا

وقام خطيباً فيهمُ إذ أقامه

ومن بعد حمد الله قال لهم جهرا

:ألا إنَّ هذا المرتضى بعلُ فاطمٍ

عليُّ الرضى صهري فأكرم به صهرا

ووارث علمي والخليفة فيكمُ

إلى الله من أعدائه كلّهم أبرا

سمعتم ؟ أطعتم ؟ هل وعيتم مقالتي ؟

فقالوا جميعاً:ليس نعدو له أمرا

سمعنا أطعنا أيّها المرتضى فكن

على ثقةٍ منّا وقد حاولوا غدرا(١)

ومنها قوله مشيراً إلى حديث مرَّ في الجزء الثاني ص ٢٨٨:

وفي خبر صحَّت روايته لهم

عن المصطفى لا شكَّ فيه فيستبرا

بأن قال:لمّا أن عرجت إلى السَّما

رأيت بها الأملاك ناظرة شزرا

إلى نحو شخصٍ حيل بيني وبينه

لعظم الذي عاينته منه لي خيرا

فقلت:حبيبي جبرئيل مَن الذي

تُلاحظه الأملاك ؟ قال:لك البُشرا

فقلت:وما من ذاك ؟ قال:علىّ الر

ضا وما خصَّه الرَّحمن من نِعَم فخرا

تشوَّقت الأملاك إذ ذاك شخصه

فصوَّره الباري على صورةٍ اُخرا

فمال إلى نحو ابن عمّ ووارث

على جذل منه بتحقيقه خبرا

ومن شعره في ( الغدير ) كما في ( المناقب ) لابن شهر آشوب ١ ص ٥٣٧ ط ايران قوله:

أليس قام رسول الله يخطبهم

يوم ( الغدير ) وجمع الناس محتفلُ؟!

وقال:مَن كنت مولاه فذاك له

من بعدُ مولى فواخاهُ وما فعلوا

____________________

١ - مناقب ابن شهر آشوب ١ ص ٥٣٢ ط ايران.


لو سلّموها إلى الهادي أبي حسن

كفى البرايا ولم تستوحش السبلُ

هذا يُطالبه بالضعف محتقباً

وتلك يحدو بها في سعيها جملُ

وله من قصيدة في ( المناقب ) ج ١ ص ٥٣٨ ط ايران قوله:

فقال رسول الله:هذا لاُمَّتي

هو اليوم مولى ربّ ما قلت فاسمعِ

فقام جحودٌ ذو شقاقٌ منافقٌ

يُنادي رسول الله من قلب موجعِ

:أعن ربِّنا هذا ؟ أم أنت اخترعته ؟

فقال:معاذ الله لست بمُبدعِ

فقال عدوُّ الله:لا همَّ إن يكن

كما قال حقّاً بي عذاباً فأوقعِ

فعوجل من اُفق السَّماء بكفره

بجندلةٍ فانكبَّ ثاو بمصرعِ

وله من قصيدة كبيرة يمدح بها أمير المؤمنينعليه‌السلام ويسمّي الأئمَّة المعصومين:

إنّ رسول الله مصباح الهدى

وحجَّة الله على كلِّ البشرْ

جاء بفرقان مبينٍ ناطقٍ

بالحقِّ مِن عند مليك مقتدرْ

فكان من أوَّل من صدَّقه

وصيّه وهو بسنِّ ما ثغرْ(١)

ولم يكن أشرك بالله ولا

دنَّس يوماً بسجودٍ لحَجَرْ

فذاكُم أوَّل مَن آمن بالله

ومَن جاهد فيه ونصرْ

أوَّل مَن صلّى مِن القوم ومَن

طاف ومَن حجَّ بنسك واعتمرْ

مَن شارك الطاهر في يوم العبا

في نفسه ؟ من شكَّ في ذاك كفرْ

مَن جاد بالنَّفس ومَن ضنّ بها

في ليلةٍ عند الفراش المشتهرْ؟!؟!

مَن صاحب الدار الذي انقضَّ بها

نجمٌ من الجوِّ نهاراً فانكدرْ؟!

مَن صاحب الراية لَما ردَّها

بالأمس بالذلِّ قبيع وزفرْ؟!

مَن خُصّ بالتبليغ في برائة ؟

فتلك للعاقل من إحدى الِعبَرْ

مَن كان في المسجد طلقاً بابه

حلّا وأبواب اُناس لم تُذرْ؟!

مَن حاز في ( خمَّ ) بأمر الله ذاك

الفضل واستولى عليهم واقتدرْ؟!

مَن فاز بالدَّعوة يوم الطاير

المشويِّ من خصّ بذاك المفتخرْ ؟!؟!

مَن ذا الذي اسرى به حتّى رأى

القدرة في حندس ليل معتكرْ؟!

____________________

١ - ثغر الصبي:نبت ثغره، والثغر:مقدم الاسنان.


مَن خاصف النَّعل ؟ ومن خبرّكم

عنه رسول الله أنواع الخبرْ؟!

سايل به يوم حُنين عارفاً

مَن صدق الحرب ومن ولى الدبرْ ؟!

كليم شمس الله والرّاجعها

من بعد ما انجاب ضياها واستترْ

كليم أهل الكهف إذ كلّمهم

في ليلة المسح فسل عنها الخبرْ

وقصَّة الثعبان إذ كلّمه

وهو على المنبر والقوم زُمرْ

والأسد العابس إذ كلّمه

معرّفا بالفضل منه وأقرْ

بأنَّه مستخلف الله على الاُ

مّة والرَّحمن ما شاء قَدَرْ

عيبة علم الله والباب الذي

يُؤتى رسول الله منه المشتهرْ

له من قصيدة:

يا اُمَّة السوء التي ما تيقَّظت

لما قد خلت فيها من المثلاتِ

وقد وترت آل النبيِّ و رهطه

على قَدَر الأيَّام أيَّ تراتِ

وقد غدرت بالمرتضى علم الهدى

إمام البرايا كاشف الكرباتِ

ببدرٍ واُحدٍ والنّظير وخيبرٍ

ويوم حُنين ساعة الهبواتِ

وصاحب ( خُمّ ) والفراش وفضله

ومن خُصَّ بالتبليغ عند براةِ

وله من قصيدة يمدح بها أمير المؤمنينعليه‌السلام :

والله ألبسه المهابة والحجى

وربا به أن نعبد الأصناما

ما زال يغذوه بدين محمَّد

كهلاً وطفلاً ناشئاً وغلاما

أمَّن سواه إذا أتى بقضيَّةٍ

طرد الشكوك وأخرس الحكّاما ؟!

فإذا رأى رأياً يُخالف رأيه

قومٌ وإن كدّوا له الأفهاما

نزل الكتاب برأية فكأنَّما

عقد الإله برأيه الأحكاما

مَن ذا سواه إذا تشاجرت القنا

وأبى الكماة الكرّ والإقداما ؟!

وتصلصلت حلق الحديد وأظهرت

فرسانها التصجاج والأحجاما(١)

ورأيت من تحت العجاج لنقعها

فوق المغافر والوجوه قتاما

____________________

١ - صلصل اللجام:صوت. التصجاج من الصج:صوت وقع الحديد على الحديد. أحجم عن الحرب:نكص هيبة.


كشف الإ~له بسيفه وبرأيه

يظمي الجواد ويرتوي الصمصاما

ووزيره جبريل يقحمه الوغى

طوعاً وميكال الوغى إقحاما

أم من سواه يقول فيه أحمد

يوم ( الغدير ) وغيره أيّاما

:هذا أخي مولاكُم وإمامكم

وهو الخليفة إن لقيت حماما ؟!

منّي كما هارون من موسى فلا

تألوا(١) لحقِّ إمامكم إعظاما

إن كان هارون النبيّ لقومه

ما غاب موسى سيِّداً وإماما

فهو الخليفة والإمام وخير مَن

أمضى القضاء وخفَّف الأقلاما

حتّى لقد قال ابن خطّاب له

لَمّا تقوَّض مَن هناك وقاما

:أصبحتَ مولائي ومولى كلّ مـَ

ـن صلّى لربِّ العالمين وصاما

غصنٌ رسول الله أثبت غرسه

فعلا الغصون نضارةً ونظاما

حتّى استوى علماً كما قد شاءه

ربُّ السَّماء وسيِّداً قمقاما

ما سامه في أن يكون مؤمَّراً

لفتىً ولا ولّى عليه أساما

فهو الأمير حياته ومماته

أمراً من الله العليِّ لزاما

صلّى عليه ذو الجلال كرامةً

وملائكٌ كانوا لديه كراما

وله من قصيدة:

يا آل أحمد لولاكم لما طلعت

شمس ولا ضحكت أرضٌ من العشبِ

يا آل أحمد لا زال الفؤاد بكم

صبا بوادره تبكي من الندبِ

يا آل أحمد أنتم خير مَنْ وخَدتْ

به المطايا فأنتم منتهى الإربِ

أبوكُم خير من يُدعى لحادثة

فيستجيب بكشف الخطب والكربِ

عدل القرآن وصيُّ المصطفى وأبو

السبطين أكرم به من والدٍ وأبِ

بعلُ المطهَّرة الزَّهراء ذو الحسب ا

لطّهر الذي ضمَّه شفعاً إلى النسبِ

مَن قال أحمد في يوم ( الغدير ) له

:مَن كنت مولى له في العجم والعربِ

فإنَّ هذا له مولى ومنذره

يا حبّذا هو من مولى ويا بأبي

مَن مثله ؟ وهو مولى الخلق أجمعها

بأمر ربِّ الورى في نصِّ خير نبي

____________________

١ - الا ألواً وألى تألية وائتلاء في الأمر:قصرو أبطاً.


يأتي غداً ولواء الحمد في يده

والناس قد سفروا من أوجهٍ قطبِ

حتّى إذا اصطكّت الأقدام زائلةً

عن الصِّراط فُويق النار مضطربِ

( ألشاعر )

أبو محمَّد طلحة بن عُبيد الله بن أبي عون الغسّاني(١) العوني. لعلَّ في شهرة العوني وشعره السائر وطرفه المدوَّنة في الكتب، غنىّ عن تعريفه وذكر عبقريَّته، وتفوّقه في سرد القريض، ونبوغه في نضد جواهر الكلام، كما أنَّ فيما دُوِّن من تاريخ حياته وما يُؤثر عنه من جُمل الشعر ومفصَّلاته كفايةٌ للباحث عن إدلاء الحجَّة على تشيّعه وتفانيه في ولاء سادته وأئمَّة دينه صلوات الله عليهم.

لقد سرى الركبان بشعر العوني فطارت نبذةٌ إلى مختلف الديار، ولهج بها الناس في أماكن قصيَّة، وكان ينشدها المنشدون في الأندية والمجتمعات التي يُتحرّى فيها تشنيف الأسماع بذكر أهل البيت عليهم السلام وفضايلهم، ومنهم الشاعر [ مُنير ] والد الشاعر أحمد بن منير المترجم في شعراء القرن السّادس، كان يُنشد شعر العوني في أسواق طرابلس فيقرِّط آذان الناس بتلكم الفضايل، لكن إبن عساكر [ أساء سمعاً و أساء جابه ] غاظه ذلك الهتاف بذكر أهل البيت عليهم السَّلام، فأراد أن يسم الرجل بما يشوِّه سمعته فقال:إنَّه كان يُغنّي في أسواق طرابلس بشعر العوني.

وجاء إبن خلكان بعد لأي من عمر الدَّهر حتّى وقف على تلك الاُنشودة فسائته أكثر ممّا سائت إبن عساكر [ فزاد ضعثاً على اُبّاله ] فطرح لفظة ( شعر العوني ) واكتفى بأنَّ مُنيراً كان يُغنّي في الأسواق، وللمحاسبة مع الرَّجلين موقفٌ نؤجِّله إلى يوم الحساب فهنا لك يستوفي مُنير حقَّه، وإنَّ ربَّك لبَالمرصاد.

وهذه كلّها والنبذ المدوَّنة من شعره في هذا الكتاب وفيها عدُّ الأئمَّة الاثنى عشر آياتٌ باهرةٌ لبلوغ ( العوني ) الغاية القصوى من الموالات والتشيّع، حتّى أن القاصرين أو الحانقين عليه رموه بالغلوِّ لما ذكره إبن شهر آشوب في ( المعالم) من أنَّه نظم أكثر المناقب، والواقف على شعره جِدُّ عليم بأنَّه كان يمشي على الوسط

____________________

١ - غسان:ماء باليمن تنسب اليه قبائل. وماء بالمشلل قريب من الجحفة.


بين الإفراط والتفريط، فلا يثبت لأهل البيت عليهم السَّلام إلّا ما حقَّ لهم من المراتب و المناقب أو ما هو دون مقامهم، ولا ينظم إلّا ما ورد في أحاديث أئمَّة الدين من مناقبهم، وأمّا التُهمة بالغلّو فكلّمة جاهلٍ أو معاند، وعلى أيّ فتشيّع العوني كان مشهوراً في العصور المتقدِّمة على عهده وبعد وفاته، حتّى انَّه لمّا وقعت الفتنة بين الشيعة و السنَّة في بغداد سند ٤٤٣ واحتدم بينهما القتال فكانت ممّا جاءت به يد الجور من الفظايع انَّهم نبشوا قبور جماعة من الشيعة وطرحوا النيران في ترابهم ومنهم العوني ( المترجَم ) والناشي عليُّ بن وصيف الآنف ذكره، والشاعر المعروف الجذوعي(١)

كان العوني يتفنَّن في الشعر، ويأتي بأساليبه وفنونه وبحوره، مقدرةً منه على تحوير القول وصياغة الجمل كيف ما شاء وأحبَّ.قال إبن رشيق في العمدة ج ١ ص ١٥٤:ومن الشعر نوعٌ غريبٌ يُسمّونه ( القواديسي ) تشبيهاً بالقواديس السانية، لارتفاع بعض قوافيه في جهةٍ وانخفاضها في الجهة الاُخرى، فأوَّل من رأيته جاء به طلحة بن عبيد الله العوني في قوله وهي من قصيدة له مشهورة طويلة:

كم لِلدمى الأبكار بالـ

ـجنتين من منازلِ

بمهجتي للوجد من

تذكار ها منازلُ

معاهدٌ رعيلها

مثعنجر الهواطلِ

لَمّا نأى ساكنها

فأدمعي هواطلُ

وللعوني معاني فخمة في شعره إستحسنها معاصروه ومن بعده فحذوا حذوه في صياغة تلك المعاني لكن الحقيقة تشهد بأنَّ الفضل لمن سبق، قال أبو سعيد محمَّد بن أحمد العبيدي في [ الإبانة عن سرقات المتنبيّ ] ص ٢٢ قال العوني:

مضى الرَّبيع وجاء الصيف يقدمه

جيشٌ من الحرِّ يرمي الأرض بالشررِ

كأنَّ بالجوِّ ما بي من جوى وهوى

ومن شحوب فلا يخلو من الكدرِ

قال المتنبِّي [ المقتول ٣٥٤ ]:

____________________

١ - ذكرها ابن الاثير في الكامل ج ٩ ص ١٩٩، و ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب ج ٣ ص ٢٧٠.


كأنَّ الجوَّ قاسى ما اُقاسي

فصار سواده فيه شحوبا(١)

وقال في ص ٦٤ قال العوني:

يا صاحبي بعدتما فتركتما

قلبي رهين صبابة ونصابِ

أبكي وفاءكما وعهدكما كما

يبكي المحبّ معاهد الأحبابِ

قال المتنبَّي:

وفاء كما كالربع أشجاه طاسمه

بأن تسعدا والدَّمع أثجاه ساجمه(٢)

وقال في ص ٦٦ للعوني في قصيدة له في أهل البيت عليهم السَّلام:

ألا سيِّدٌ يبكي بشجوي فإنَّني

لمستعذب ماء البكاء ومُستجلي

اُحب ابن بنت المصطفى وأزوره

زيارة مهجور يحنُّ إلى الوصلِ

وما قدمي في سعيه نحو قبره

بأفضل منه رتبة مركب العقلِ

قال المتنبِّي:

خير أعضائنا الرؤوس ولكن

فضلتها بقصدها الأقدام

قال الأميني:وحذا حذو العوني في المعنى سيِّدنا الشهيد السيِّد نصر الله الحائري في كافية له في تربة كربلاء المشرفة وقال:

أقدام مَن زار مغناكِ الشريف غدت

تفاخر الرأس منه طاب مثواكِ(٣)

وشعره في أهل البيت عليهم السَّلام مدحاً ورثاءاً مثبوتٌ في ( المناقب ) لابن شهر آشوب و ( روضة الواعظين ) لشيخنا الفتّال، و ( الصراط المستقيم ) لشيخنا البياضي، وقد جمعنا من شعره ما يربّو على ثلاثمائة وخمسين بيتاً، وجمعه ورتَّبه العلّامة السماوي في ديوان وممّا رتَّبه قصيدته المعروفة بالمذهَّبة توجد في ( مناقب ) ابن شهر آشوب ناقصة الأطراف.

____________________

١ - من قصيدة ٤٢ بيتا توجد في ديوانه ج ١ ص ٩٨ يمدح بها علي بن محمد التميمي.

٢ - توجد القصيدة ٤٢ بيتا في ديوانه ج ٢ ص ٢٣٢ وهي أول ما أنشدت سنة ٣٣٧ يمدح بها سيف الدولة.

٣ - ولهذا البيت قصة أدبية لطيفة تأتي في ترجمة سيدنا بحر العلوم في شعراء القرن الثاني عشر.


وسائلٌ عن العليِّ الشأنِ

هل نصَّ فيه الله بالقرآنِ

بأنَّه الوصيُّ دون ثانِ

لأحمد المطهَّر العدنان ؟!

فاذكر لنا نصّاً به جليّا

أجبت يكفي ( خم ) في النصوص

من آية التبليغ بالمخصوصِ

وجملة الأخبار والنصوصِ

غير الذي انتاشت يد اللصوص

وكتَّمته ترتضي اُميّا

أما سمعت يا بعيد الذهنِ

ما قاله أحمد كالمهنّي

:أنت كهارون لموسى منّي

إذ قال موسى لأخيه اخلفني؟!

فاسألهمُ لِم خالفوا الوصيّا ؟!

أما سمعت خبر المباهله ؟!

أما علمت أنَّها مفاضله؟!

بين الورى فهل رأى مَن عادله

في الفضل عند ربِّه وقابله؟!

ولم يكن قرَّبه نجيّا

أما سمعت انَّه أوصاهُ ؟!

وكان ذا فقر كما تراهُ

فخصَّ بالدين الذي يرعاهُ

فإن عداهُ وهو ما عداهُ

غادر ديناً لم يكن مرعيّا

فقال:هل من آيةٍ تدّلُ

على عليِّ الطّهر لا تعلُّ؟!

بحيث فيها الطّهر يستقّلُ

تدنيه للفضل فيقصي كلُّ

ويغتدي من دونه مقصيّا ؟!

فقلتُ:إنَّ الله جلَّ قالا

إذ شرَّف الآباء والأنسالا

وآل إبراهيم فازوا آلا

إنا وهبنا لهمُ إفضالا

لسان صدق منهمُ عليّا

فكان إبراهيم ربّانيّا

ثمَّ رسولاً مُنذراً رضيّا

ثمَّ خليلاً صفوةً صفيّا

ثمَّ إماماً هادياً مهديّا

وكان عند ربِّه مرضيّا

فعندها قال:ومِن ذريَّتي

قال له:لا، لن ينال رحمتي


وعهدي الظالم من بريَّتي

أبت لملكي ذاك وحدانيَّتي

سبحانهُ لا زال وحدانيّا

فالمصطفى الآمر فينا الناهي

وعادم الأمثال والأشباهِ

فالفعل منه والمقال الزاهي

لم يصدرا إلّا بأمر اللهِ

لم يتقوَّل أبداً فريّا

إن كان غير ناطق عن الهوى

إلّا بأمر مبرم من ذي القوى؟

فكيف أقصاهم وأدنى المجتوى ؟

إذن لقد ضلَّ ضلالاً وغوى

ولم يكن حاشا له غَويّا

لكنَّما الأقوام في السقيفة

قد نصبوا برأيهم خليفة

وكان في شغلٍ وفي وظيفة

مَن غسل تلك الدرَّة النظيفة

وحزنه الذي له تهيّا

حتّى إذا قضى الخليفة إنتخبْ

مَن عقد الأمر له بين العربْ

ثمَّ قضى واختار منهم مَن أحبْ

وإن تكن شورى فللشورى سببْ

إن كان ذا ترتيبه مقضيّا

ثمَّ قضى ثالثهم فانثالوا

له الرِّجال تتبع الرِّجالُ

فلم تسع غير القبول الحالُ

فقام والرِّضا به محالُ

إذ كان كلُّ يتمنّى شيّا

فغاضبت أوَّلهم ذات الجمَلْ

وقام معها الرجلان في العملْ

فردَّهم سيف القضاءِ وفصلْ

ولم يكن قد سبق السيف العذلْ

فقد تأتّي حربهم مليّا

وغاضب الشاني لأمرٍ سالفِ

فاجتاحه بذي الفقار القاصفِ

وأصبح الناصر كالمخالفِ

إذ شكت الرِّماح بالمصاحفِ

وأخذ الأنحدار والرقيَّا

وكان أن يردَّ للتسليمِ

إذ ردَّ للأحبش في الهزيمِ

فأعمل الحيلة في التحكيمِ

بأمر شيطانهم الرجيمِ


ففي الرُّعاة حكم الرعيّا

فلم يجد للكفِّ من مناصِ

وأخذ التحكيم بالنَّواصي

فجاء أهل الشام بابن العاصي

فاحتال فيها حيلة القناصِ

غرِّ أبا موسى الأشعريّا

قام أبو موسى فُويق المنبرِ

وقال:إنِّي خالعٌ بحيدرِ

كما خلعتُ خاتمي من خنصرِ

ثمَّ جعلتها لنجل عمرِ

يا عمر وقم أنت اخلع الشاميّا

فقال عمرو:أيها الناس اشهدوا

أن خلع الذي له يعتمدُ

ثمَّ اسمعوا قولي ولا تردّدوا

به فأنّي لابن هندٍ أعقدُ

فاتَّخذوه مذهباً عمريّا

فما ترى أنت بهذي الحالِ

من المقال ومن الأفعالِ ؟!

لا تدخل المفتاح في الأقفالِ

تفتح عن الأضغان والاذحالِ

وما يكون في الحشا مطويّا

إنَّ عليّاً عند أهل العلمِ

أوّل من سُمّي بهذا الأسمِ

قد ناله من ربِّه في الحكمِ

على يدي أخيه وابن العمِّ

وحياً قديم الفضل عُد مليّا

وهو الذي سُمِّي في التوراةِ

عند الأولى هادٍ من الهداةِ

بالنصَّ والتصريح في البراةِ

برغم مَن سيئ من العداةِ

من كلِّ عيبٍ في الورى بريّا

وهو الذي يُعرف عند الكهنه

إذ جمعوا التوراة في الممتحنه

فأخذوا من كلِّ شيئ حسنه

و هم لتوراة الكليم الخزنه

ليوردوا الحقَّ لهم بوريّا

وهو الذي يُعرف في الإنجيلِ

برتبة الإعظام والتَّبجيلِ

وميزة الغرَّة والتحجيل

و فوزة الرَّقيب للمجيلِ

وكان يُدعى عندهم أليّا


وهو الذي يُعرف بالزَّبورِ

زبور داود حليف النورِ

وذي العلا والعلَم المنشورِ

في اسم الهزبر الأسد الهصورِ

ليث الوغا أعني به آريّا

وهو الذي تدعوه ما بين الورى

أكابر الهند وأشياخ القرى

ذووا العلوم منهمُ بكنكرا

لأنَّه كان عظيماً خطرا

وكنكر كان له سميّا

وهو الذي يُعرف عند الروّمِ

ببطرس القوّة والعلومِ

وصاحب الستر لها المكتومِ

ومالك المنطوق والمفهومِ

ومَن يكن ذا يُدع بطرسيّا

وهو الذي يُعرف عند الفرسِ

لدى التعاليم وعند الدَّرسِ

بغرسنا وذاك اسمٌ قُدسي

معناه قابضٌ بكلِّ نفسِ

كما دعوه عندهم باريّا

وهو الذي يعرف عند التركِ

تيراً وذاك مشبهٌ المَحَكِّ

وانَّه يرفع كلَّ شّكِ

عن كلِّ حاكٍ قوله ومحكي

إذا عرفت المنطق التركيّا

وهو الذي يدعونه في الحبشِ

بتريك أي مدبِّرٌ لا يختشي

لِقدرةٍ به وبطشٍ مدهشِ

وينعتونه بأقوى قرشي

فاسئل به مَن يعرف الحبشيّا

وهو الذي يُعرف عند الزَّنجِ

بحنبني أي مُهلكٌ ومُنج

وقاطع الطريق في المحجِّ

إلّا باذنٍ في سلوك النهجِ

فإن أردتَ فاسأل الزَّنجيّا

وهو فريقٌ بلسان الأرمنِ

فاروقه الحقّ لكلِّ مؤمن

تعرفه أعلامهم في الزَّمنِ

فاسأل به إن كنتَ ممَّن يعتني

تحقيقه من كان أرمنيّا

وهو الِّذي سمَّته تلك الجوهره

إذ ولدت في الكعبة المطهَّره


وخرَّجت به فقال الجمهره:

من ذا ؟ فقالت:هو شبلي حيدره

ولدته مُطهَّراً قدسيّا

هذا وقد لقَّبه ظهيرا

أبوه إذ شاهده صغيرا

يصرع مِن إخوانه الكبيرا

مُشمِّراً عن ساعدٍ تشميرا

وكان عَبلاً فتِلاً(١) قويّا

ولقَّبته ظِئره(٢) ميمونا

إذ رأت السعد به مقرونا

فكان درّاً عندها مكنونا

يحمي أخا رضاعه المنونا

ثمَّ يدرُّ ثديها الأبيّا

واسم أخيه في بني هلالِ

معلّق الميمون بالحبالِ

يذكره في سمر الليالي

رجالهم فاسمع من الرِّجالِ

موهبةً خصَّ بها صبيّا

والإسم عند الله في العُلى علي

وهو الصحيح والصَّريح والجلي

إشتقَّه من اسمه في الأزلِ

كمثل ما اشتقَّ لخيرِ الرُّسلِ

ومَنَحَ النبيَّ والوصيّا

واتَّفقت آراء أهل العلمِ

على اسمه من دون معنى الإسمِ

فاختلفت في قصده والفهمِ

له وكلُّ لم يطش بسهمِ

إذ قد أصاب الغرض المرقيّا

فقال قومٌ:قد عَلا برازا

أقرانه وابتزَّها ابتزازا

فما رآه القرن إلّا انحازا

وكان دوناً سافلاً فامتازا

فهو عليُّ إذ علا العديّا

وقال قومٌ:قد عَلا مكانا

متن النبيِّ ورمى الأوثانا

إذ لم يطق حمل نبيّ كانا

من ثقل الوحي حكى ثهلانا

فنال منه المنزل العليّا

____________________

١ - عبل:الضخم الغليظ. فتل من فتله وهي شدة عصب الذراع.

٢ - الظئر:المرضعة.


وقال فرقةٌ:عليُّ الدارِ

في جنَّة الخلد مع المختارِ

عَلّاه ذوالعرش على الأبرار

في روضةٍ تزهو وفي أنهارِ

فنال منه المرتضى العلويّا

وقال فرقةٌ:عَلاهم علما

فكان أقضاهم لذاك حكما

ومَن إلى القضاء قد تسمّى

يكون أعلى رفعةً وأسمى

فوال ذاك العالم السميّا

ودَع تآويل الكتاب والخبرْ

وخُذ بما بان لديك وظهرْ

قد خاطب الله به خير البشرْ

ليفهموا الأحكام في بادي النظرْ

ويعرفوا النبيَّ والوصيّا

فاستمسكنْ بالعروة الوثقى التي

لم تنفصم عنه ولم تنفلتِ

تمش على الصِّراط لم تلتفتِ

في قدمٍ رأسٍ وقلبٍ مثبتِ

حتّى تجوز سالماً سويّا

إلى جنان الخلد في أعلى الرُّتبْ

إذ ينثني كلُّ امرءٍ مع من أحبْ

موهبةً ممَّن له الشكر وجبْ

فهو أبرُّ خالق وخير ربْ

عزَّ و جلَّ مَلِكاً قويّا

يا ربّ عبدك الذي غمرتهُ

بالفضل والإنعام مذ صيَّرتهُ

وقد عصى جهلاً وقد أمرتهُ

إن تاب فالذنب له غفرتهُ

قد تبتُ فاغفر ذنبيَّ العديّا

يا ربّ ما لي عملٌ سوى الولا

لأحمد وآله أهل العُلا

صنو الرَّسول والوصيِّ المبتلى

وفاطمٍ والحسنينِ في المَلا

غرّاً تزين العرش والكرسيّا

ثمَّ عليٍّ وإبنه محمَّدِ

وجعفر الصِّدق وموسى المهتدي

ثمَّ عليٍّ والجواد الأجود

محمَّد ثمَّ عليِّ الأمجدِ

والحسن الذي جلا المهديّا

فأعطني بهم جمال الدُّنيا

وراحةَ القبر زمان البقيا


والأمن والستر بحشر المحيا

والريّ من كوثر أهل السقيا

والحشر معهم في العلى سويّا

يا طلح إن تختم بهذا في العملْ

لم يدن منك فزعٌ ولا وجلْ

وأنت طلحُ الخير إنْ جاء الأجلْ

بالأجر من رب الورى عزَّ و جلْ

كفى بربّي راحماً كفيّا

وله يمدح أمير المؤمنينعليه‌السلام :

أنا مولىً لمن يقول رسول الله

فيه ما بين جمٍّ غفيرٍ

:سوف تأتي يوم القيامة ركبٌ

خمسةٌ ما لغيرنا من ظهورِ

أنا منهم على البراق وبعدي

بضعتي فاطمٌ تسير مسيري

تحتها يوم ذاك ناقتي العضبآ

ء تطوي الفجاج طيَّ المغير

وأبي إبراهيم فوق ذلولٍ

عزَّ قدراً بنا على الجمهورِ

وأخي صالحٌ على ناقة الله

أمامي في العالم المحشورِ

وعليُّ على أغرّ من الجنَّة

ما خطبُ نعتِه باليسيرِ

في يديه من فوق رأسي لواءُ

الحمد للواحد الحميد الشَّكورِ

وعليه تاجٌ بديعٌ من النّورِ

يُزاهي بإكليله المستديرِ

قد أضاءت من نوره عرصة

الحشر فيا حسن ذاك من منظورِ

ولتاج الوصيِّ سبعون ركناً

كلُّ ركنٍ كالكوكب المستنيرِ

فلربّي الحمد الكثير على ما

قد حباني من حبِّه بالكثيرِ

وله يرثي الإمام السبط المفدّ صلوات الله عليه:

يا قمراً غاب حين لاحا

أورثني فقدك المناحا

يا نُوَب الدَّهر لم يدع لي

صرفكِ من حادثٍ صلاحا

أبَعد يوم الحسين ويحيى

أستعذب اللّهوَ والمزاحا؟!

كربت كي تهتدي البرايا

به وتلقى به النجاحا

فالدين قد لفَّ بردتيهِ

والشِّرك ألقى لها جناحا

فصار ذاك الصَّباح ليلاً

وصار ذاك الدّجى صباحا


فجاء إذ كاتبوه يسعي

لكي يُريها الهدى الصراحا

حتّى إذا جاءهم تنحّوا

لا بل نحوا قتله اجتياحا

وأنبتوا البيد بالعوالي

والقضب واستعجلوا الكفاحا

فدافعتْ عنه أولياهُ

وعانقوا البيض والرِّماحا

سبعون في مثلهم اُلوفاً

فأثخنوا بينهم جِراحا

ثمَّ قضوا جملةً فلاقوا

هناك سهم القضا المتّاحا

فشدَّ فيهم أبو عليٍّ

وصافحت نفسه الصفاحا

يا غيرة الله لا تغيثي

منهم صياحاً ولا ضباحا

ثمَّ انثنى ظامئاً وحيداً

كما غدا فيهمُ و راحا

ولم يزل يرتقي إلى أن

دعاه داعي اللقا فصاحا

دونكُم مهجتي فأنّي

دُعيت أن أرتقي الضراحا

فكلكلوا فوقه فهذا

يقطع رأساً وذا جناحا

يا بأبي أنفساً ظماءً

ماتت ولم تشرب المُباحا

يا بأبي أوجهاً صِباحاً

باكرها حتفا صباحا

يا بأبي أجسماً تعرَّتْ

ثمَّ اكتست بالدماء وُشاحا(١)

يا سادتي يا بني عليٍّ

بكى الهدى فقدكم وتاحا

أوحشتم الحِجر والمساعي

آنستم القفر والبِطاحا

أوحشتم الذِّكر والمثاني

والسّور الطوال الفصاحا

لا سامح الله مَن قَلاكم

وزاد أشياعكم سماحا

وله في الإمام الصّادق صلوات الله عليه:

عُج بالمطيِّ على بقيع الغرقدِ

واقرا التحيَّة جعفر بن محمَّدِ

وقل:ابن بنت محمَّد ووصيّه

يا نور كلِّ هداية لم تجحدِ

يا صادقاً شهد الإ~له بصدقه

فكفى شهادة ذي الجلال الأمجدِ

يا بن الهُدى وأبا الهدى أنت الهدى

يا نور حاضر سرِّ كل موحِّدِ

____________________

١ - الوشاح:شبه قلادة من نسيج عريض يرصع بالجوهر.


يا بن النبيَّ محمَّد أنت الّذي

أوضحت قصد ولاء آل محمَّدِ

يا سادس الأنوار يا علم الهدى

ضلَّ امرؤُ بولائكم لم يهتدي

وله من قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين صلوات الله عليه:

تخَّيره الله من خلقه

فحمَّله الذَّكر وهو الخبيرُ

وأنزل بالسّور المحكمات

عليه كتابٌ مبينٌ منيرُ

وأغشاه نوراً وناداه:قم

وأنذر فأنت البشير النَّذيرُ

فلاح الهدى واضمحلَّ العمى

وولّى الضَّلال وعيف الغرورُ

فوصّى عليّاً فنعم الوصيّ

ونعم الوليُّ ونعم النَّصيرُ(١)

وله من قصيدةٍ في الأئمَّة الطاهرين عليهم السَّلام قوله:

نصَّ على ستٍّ وستٍّ بعده

كلُّ إمامٌ راشدٌ برهانهُ

صلّى عليه ذو العُلى ولم يزل

يغشاه منه أبداً رضوانهُ

وله من قصيدةٍ اُخرى:

وقلت:( براثا ) كان بيتاً لمريمِ

وذاك ضعيف في الأسانيد أعوجُ

ولكنّه بيت لعيسى بن مريمِ

وللأنبياء الزُّهر مثوى ومدرجُ

وللأوصياء الطاهرين مقامهم

على غابر الأيّام والحقُّ أبلجُ

بسبعين موصى بعد سبعين مرسلٍ

جباههمُ فيها سجودٌ تُشجّجُ

وآخرهم فيها صلاةً إمامنا

عليُّ بذا جاء الحديث المنهَّجُ

وله من قصيدةٍ كبيرةٍ يمدح بها أهل البيت عليهم السَّلام:

ألستَ ترى جبريل وهو مقرَّبٌ

له في العُلى من راحة القصد موقفُ؟

يقول لهم أهل العبا:أنا منكُم !؟

فمن مثل اهل البيت إن كنت تنصفُ؟!

نعم آل طاها خير من وطئ الحصى

وأكرم أبصار على الأرض تطرفُ

هم الكلمات الطيِّبات التي بها

يُتاب على الخاطي فيُحبا ويُزلفُ

هم البركات النازلات على الورى

تعمُّ جميع المؤمنين وتكنفُ

هم الباقيات الصالحات بذكرها

لذاكرها خير الثواب المضعَّفْ

____________________

١ - أشار بهذه الابيات الى حديث العشيرة المذكور في الجزء الثاني ص ٢٧٨ - ٢٨٧.


هم الصَّلوات الزاكيات عليهمُ

يدلّ المنادي بالصَّلاة ويعكفُ

هم الحرم المأمون آمن أهله

وأعداؤه من حوله تتخطَّفُ

هم الوجه وجه الله والجنب جنبه

وهم فُلك نوحٍ خاب عنه المخلّفُ

هم الباب باب الله والحبل حبله

وعروته الوثقى تواري وتكنفُ

وأسمائه الحسنى التي مَن دعا بها

اُجيب فما لِلناس عنها تحرُّف

ذكر السمعاني في ( الأنساب ):أنَّ العوني كان شاعر الشيعة وذكر الصحابة و ثلبهم في قصيدة أوّلها:

ليس الوقوف على الأطلال من شاني

سمعت أنّ عمر بن عبد العزيز لمّا بلغه عنه سبُّ الصحابة أمر به فضرب بالعمود بالمدينة فمات فيه.

قال الأميني:خفي على ( السمعاني ) اسم العوني وعصره ومدفنه وانَّ القصيدة النونيَّة المذكورة إنَّما هي لأبي محمَّد عبد الله بن عمّار البرقي أحد شعراء أهل البيت وشي به إلى المتوكِّل وقُرئت له نونيَّته فأمر بقطع لسانه وإحراق ديوانه ففُعل به ذلك ومات بعد أيام وذلك سنة ٢٤٥ ومن النونيَّة قوله:

فهو الَّذي امتحن الله القلوب

عمّا يجمجمن من كفرٍ وإيمانِ

وهو الَّذي قد قضى الله العليُّ له

أن لا يكون له في فضله ثانِ

وإنَّ قوماً رجوا إبطال حقِّكمُ

أمسوا من الله في سخط وعصيانِ

لن يدفعوا حقَّكم إلّا بدفعهمُ

ما أنزل الله من آيٍ وقرآنِ

فقلّدوها لأهل البيت انَّهمُ

صنو النبيِّ و أنتم غير صنوانِ


ألقرن الرابع

٣٢

ابن حماد العبدي

١

ألا قل لسلطان الهوى:كيف أعملُ

لقد جار من أهوى وأنت المؤمَّلُ ؟!

أاُبدي إليك اليوم ما أنا مضمرٌ

من الوجد في الأحشاء أم أتحمَّلُ ؟!؟!

وما أنا إلّا هالكٌ إن كتمته

ولا شكَّ كتمان الهوى سوف يقتلُ

فخذ بعض ما عندي وبعض أصونه

فإن رمتُ صون الكلِّ فالحال مشكلُ

لقد كنتُ خلواً من غرام وصبوة

أبيت وما لي في الهوى قطُّ مدخلُ

إلى أن دعاني للصبابة شادنٌ

تحيّر فيه الواصفون وتذهلُ

بديع جمال لو يَرى الحسنُ حسنَه

لفرَّ اختياراً انّه منه أجملُ

فسبحان من أنشاه فرداً بحسنه

فلا تعجبوا فالله ما شاء يفعلُ

دعاني فلم ألبث ولبَّيتُ عاجلاً

وما كنت لولا ذلك الحسن أعجلُ

بذلتُ له روحي وما أنا مالكٌ

وفي مثله الأرواح والمال تُبذلُ

وصرتُ له خِدناً ثلثون حجَّة

اُعانق منه الشمس والليل أليلُ

بسمعيَ وَقرٌ إن لحا فيه كاشحٌ

كذاك به عن عذل من راح يعذلُ

إلى أن بدا شيبي ولاح بياضه

كما لاح قرنٌ من سنا الشمس مسدلُ

وبدَّل وصلي بالجفا متعمِّداً

وما خلته للهجر والصدِّ يفعلُ

فحاولته وصلاً فقال لي ابتدأ

وإلّا يميناً إنَّه ليس يقبلُ

وفرَّ كما من ( حيدرٍ ) فرَّ قرنه

وقد ثار من نقع السنابك قسطلُ

غداة رأته المشركون وسيفه

بكفَّيه منه الموت يجري ويهطلُ

حسامٌ كصلِّ الرّيم في جنباته

دبيبٌ كما دبَّت على الصخر أنملُ


إذا ما انتضاه واعتزى وسط مازقٍ

تزلزل خوفاً منه رضوى ويذبلُ

به مرحبٌ عضَّ التراب معفَّراً

وعمرو بن ودّ راحَ وهو مجدِّلُ

وقام به الإسلام بعد اعوجاجه

وجاء به الدين الحنيف يُكمِّلُ

إلى أن يقول فيها:

هو الضارب الهامات والبطل الذي

بضربته قد مات في الحال نوفلُ

وعرَّج جبريل الأمين مصرِّحاً

يُكبِّرٌ في اُفق السما ويُهلّلُ

أخو المصطفى يوم ( الغدير ) وصنوه

ومضجعه في لحده والمغسِّلُ

له الشمس رُدَّت حين فاتت صلاته

وقد فاته الوقت الذي هو أفضلُ

فصلّى فعادت وهي تهوي كأنَّها

إلى الغرب نجمٌ للشياطينُ مرسلُ

أما قال فيه أحمد وهو قائمُ

على منبر الأكوار والناس نُزَّلُ؟(١)

:عليُّ أخي دون الصحابة كلّهم

به جاءني جبريل إن كنت تسألُ

علىُّ بأمر الله بعدي خليفةٌ

وصيّي عليكم كيف ما شاء يفعلُ

ألا إنّ عاصيه كعاصي محمَّد

وعاصيه عاصي الله والحقُّ أجملُ

ألا إنَّه نفسي ونفسي نفسه

به النصُّ أنبا وهو وحيٌ منزَّلُ

ألا إنَّني للعلم فيكم مدينةٌ

عليٌّ لها بابٌ لمن رام يدخلُ

ألا إنَّه مولاكمُ ووليّكم

وأقضاكمُ بالحقِّ يقضي ويعدلُ

فقالوا جميعاً:قد رضيناه حاكماً

ويقطع فينا ما يشاء ويوصلُ

ويكفيكمُ فضلاً غداة مسيره

إلى ( يثرب ) والقوم تعلوا وتسفلوا

وقد عطشوا إذ لاح في الدير قائمٌ

لهم راهبٌ جمُّ العلوم مكمَّلُ

فناداه من بُعد وأعلا بصوته

فكاد على خوف من الرُّعب ينزلُ

فأشرف مذعورا فقال:فهل ترى

بقربك ماءاً أيّها المتبتِّلُ ؟!

فقال:وأنّى بالمياه وأرضنا

جبالٌ وصخرٌ لا ترام وجندلُ ؟!

ولكنَّ في الأنجيل إنَّ بقربنا

على فرسخين لا محالة منهلُ

ولم يَره إلّا نبيُّ مطهَّرٌ

وإلّا وصيٌّ للنبيِّ مُفضَّلُ

____________________

١ - في بعض المصادر:والجمع حفل.


فسار على اسم الله للماء طالباً

وراهب ذاك الدير بالعين يأملُ

فأوقف والفرسان حول ركابه

ونار الظما في أنفس القوم تشعلُ

فقال لهم:يا قوم هذا مكانكم

فمن رام شرب الماء للحفر ينزلُ

فما كان إلّا ساعةً ثمَّ أشرفوا

على صخرة صمّاء لا تتقلقلُ

لُجينيَّةً ملساً كأنَّ أديمها

اُذيب عليها التِّبر أو ريف منخلُ

فقال:اقلبوها فاعتزوا عند أمره

على ذاك كُلّاً وهي لا تتجلجلُ

فقالوا جميعاً:يا عليُّ فهذه

صفاتٌ بها تعي الرِّجال وتذهلُ

فمدَّ إليها ما انحنى فوق سرجه

يميناً لها إلّا غدت وهي أسفلُ

وزجَّ بها كالعود في كفِّ لاهبٍ

فبان لهم عذبٌ من الماء سَلسلُ

فأوردهم حتّى اكتفوا ثمَّ عادها

على الجبِّ لا يعي ولا يتململُ

فلمّا رآها الراهب انحطِّ مُسرعاً

لكفّيه ما بين الأنام يُقبِّلُ

وأسلم لمّا أن رأوا هو قائلٌ

:أظنّك آليّاً وما كنت أجهلُ

[ ألقصيدة ١٠٤ بيتاً ]

٢

من قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين صلوات الله عليه:

لعمرك يا فتى يوم ( الغدير )

لأنت المرء أولى بالاُمورِ

وأنت أخٌ لخير الخلق طرّاً

ونفسٌ في مباهلة البشيرِ

وأنت الصنو والصهر المزكّى

ووالد شبَّر وأبو شبيرِ

وأنت المرء لم تحفل بدنياً

وليس له بذلك من نظيرِ

لقد نبعت له عينٌ فضلّت

تفور كأنَّها عنق البعير

فوافاه البشير بها مغذّاً

فقال عليُّ:أبشر يا بشيري

لقد صيَّرتُها وقفاً مُباحاً

لوجه الله ذي العزِّ القديرِ

وكان يقول:يا دُنياي غرّي

سواي فلست من أهل الغرورِ

وصابر مع حليلته الأذايا

فنالا خير عاقبة الصَّبورِ

وقالت اُمّ أيمن:جئت يوماً

إلى الزهراء في وقت الهجيرِ


فلمّا أن دنوت سمعت صوتاً

وطحناً في الرّحاء بلا مُديرِ

فجئت الباب أقرعه نغوراً

فما من سامع لي في نغوري

فجئت المصطفى وقصصت شأني

وما أبصرتُ من أمرٍ زعورِ

فقال المصطفى:شكراً لربٍّ

بإتمام الحباء لها جديرِ

رآها الله مُتعبةً فألقى

عليها النوم ذو المَّن الكثيرِ

ووكَّل بالرّحا ملكاً مُديراً

فعدت وقد ملئت من السرورِ

تزوَّج في السماء بأمر ربّي

بفاطمة المهذَّبة الطَّهورِ

وصير مهرها خمس الأراضي

بما تحويه من كرمٍ وخيرِ

فذا خير الرِّجال وتلك خير

النساء ومهرها خير المهورِ

وإبناها الأولى فضلوا البرايا

بتنصيص اللطيف بها الخبيرِ

وصيَّر ودَّهم أجراً لطاها

بتبليغ الرِّسالة في الاُجورِ

( بيان ) في هذه القصيدة ايعاز إلى جملة من فضايل أمير المؤمنينعليه‌السلام منها حديث المؤاخاة الذي أسلفناه في ج ٣ ص ١١٢ - ١٢٥.

وقصَّة المباهلة وانَّه فيها نفس النبيّ الأقدس بنصٍّ من الكتاب(١) .

ومنها حديث نبعة العين، أخرجه الحافظ ابن السمان في الموافقة وعنه محبّ الدين الطبري في رياضه ٢ ص ٢٢٨:انَّ عمر أقطع عليّاً ينبع ثمَّ اشترى أرضاً إلى جنب قطعته فحفر فيها عيناً فبينما هم يعملون فيها إذا انفجر عليهم مثل عنق الجزور من الماء فاُتي عليٌ فبشِّر بذلك فقال:بشِّروا الوارث. ثمَّ تصدَّق بها. ألحديث(٢)

وقال إبن أبي الحديد في شرحه ٢ ص ٢٦٠:جاء في الأثر:انَّ أمير المؤمنينعليه‌السلام جاءه مخبرٌ فأخبره:انَّ مالاً له قد انفجرت فيه عينٌ خرّارةٌ يبشِّره بذلك. فقال:بشِّر الوارث. بشِّر الوارث يكرِّرها ثمَّ وقف ذلك المال على الفقراء وكتب به كتاباً في تلك الساعة.

وإلى صدقات أمير المؤمنين في ينبع أشار الحموي في ( معجم البلدان ) ٨ ص

____________________

١ - في قوله تعالى:فقل تعالوا ندع إبناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا و أنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ( آل عمران ٦١ )

٢ - وبهذا اللفظ يوجد في ( الامام على ) تأليف الشيخ محمد رضا المصري ص ١٧.

_٩_


٢٥٦، والسمهودي في وفاء الوفاء ٢ ص ٣٩٣ وغيرهما.

ومنها قولهعليه‌السلام :يا دنيا غرّي غيري. أخرجه جمعٌ من الحفّاظ كما مرَّ في ج ٢ ص ٢٨٧.

ومنها حديث طحن الرّحا بلا مدير. أخرجه الحفّاظ بلفظ أبي ذرِّ الغفاري قال أرسله رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ينادي عليّاً فرأى رحى تطحن في بيته وليس معها أحد فأخبر النبيَّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بذلك فقال:يا أبا ذر ؟ أما علمت إنّ لِلَّه ملائكةُ سيّاحين في الأرض قد وُكلّوا بمعاونة آل محمَّد صلّى الله عليه وآله وسلّم(١) .

ومنها حديث زواج الزَّهراء الصدّيقة ذكرناه في الجزء الثاني ص ٣١٥ - ٣١٩ و ج ٣ ص ٢٠ - ومنها:انَّ ودَّ آل محمَّد أجر رسالته صلّى الله عليه وآله وسلّم وقد مرَّ تفصيله في الجزء الثاني ص ٣٠٦ - ٣١١.

٣

من قصيدة في مدح أمير المؤمنينعليه‌السلام

أرض اِلآله وأسخطِ الشيطانا

تعط الرِّضا في الحشر والرِّضوانا

وامحض ولاءك لِلّذين ولاؤهم

فرضٌ على مَن يقرأ القرآنا

آل النبيِّ محمَّد خير الورى

وأجلّهم عند الإ~له مكانا

قومٌ قوام الدين والدنيا بهم

إذ أصبحوا لهما معاً أركانا

قومٌ إذا أصفى هواهم مؤمنُ

يُعطى غداً ممّا يخاف أمانا

قومٌ يطيع الله طائع أمرهم

وإذا عصاه فقد عصى الرَّحمانا

وهم الصِّراط المستقيم وحبّهم

يوم المعاد يثقِّل الميزانا

والله صيِّرهم لمحنة خلقه

بين الضَّلالة والهُدى فُرقانا

حفظوا الشريعة قائمين بحفظها

ينفون عنها الزّور والبهتانا

وأتى القرآن بفرض طاعتهم على

كلّ البريَّة فاسمع القرآنا

وتوالت الأخبار أنَّ محمَّداً

بولائهم وبحفظهم أوصانا

____________________

١ - سيرة الملا، الرياض النضرة ٢ ص ٢٢٣، الاصابة ص ١٠٥، اسعاف الراغبين ص ١٥٨، اعجب ما رأيت ١ ص ٨، الامام على للشيخ محمد رضا ص ١٨.


* * *

مَن سبَّحت في كفِّه بيض الحصا

ليكون ذاك لصدقه تبيانا

مَن أنزل الله الكتاب عليه في

كلِّ العلوم ليغتدي برهانا

مَن بلّغ الدنيا بنصب وصيَه

يوم ( الغدير ) ليكمل الايمانا

مَن ذاله يوم ( الغدير ) فضيلةٌ

إذ لا تطيق لفضله جحدانا

مَن آكل الطير الذي لم يستطع

خلقٌ له جحداً ولا كتمانا

من آكلّ القطف الجنيَّ على حرى

وإليه أهدى ربّه رمّانا

مَن فيه أنزل هل أتى ربُّ العُلى

وجزاه حور العين والولدانا

مَن نصَّ أحمد في مزاياه الّتي

لم يُعطها ربُّ العلى إنسانا

مَن لا يُواليه سوى إبن نجيبةٍ

حفظت أباه وراعت الرَّحمانا

[ ألقصيدة ٢٧ بيتاً ]

٤

يمدح أمير المؤمنين صلوات الله عليه يوم الغدير:

يا عيد يوم الغدير

عُد بالهنا والسرورِ

ففيك أضحى عليُّ

أمير كلِّ أميرِ

غداة جبريل وافى

من السَّميع البصيرِ

وقال:يا أحمد انزل

بجنب هذا الغديرِ

بلِّغ وإلّا فما كنت

قائماً بالاُمورِ

فأنزل الجمع كُلّاً

ثمَّ اعتلى فوق كورِ

وقال:قد جاء أمرٌ

من اللطيف الخبيرِ

بأن اُقيم عليّاً

خليفةً في مسيري

فبايعوه فما في الو

رى له من نظيرِ

إمامُ كلِّ إمامٍ

مولى لكلِّ كبيرِ

بابٌ إلى كلّ رُشدٍ

نورٌ علا كلِّ نورِ

وحجَّة الله بعدي

على الجهود الكفورِ


وبعده الغرّ منه

فَهُم ْكعدِّ الشهورِ

أسماؤهم في المثاني

كثيرةٌ للذَّكورِ

في صُحف موسى وعيسى

مكتوبةٌ والزَّبورِ

ما زال في اللوح سطراً

يلوح بين السُطورِ

تزور أملاك ربّي

منه لخير مزورِ

وأشهد الله فيما

أبدي وكلَّ الحضورِ

فقام مَن حلَّ خُمّاً

مِن بين جمٍّ غفيرِ

وبايعوه بأيدٍ

مخالفات الضميرِ

واللهُ يعلم ماذا

أخفوا بذات الصُدورِ

٥

وله يمدحه صلوات الله عليه:

ما لعليٍّ سوى أخيه

محمَّد في الورى نظيرُ(١)

فداهُ إذ أقبلت قريشُ

إليه في الفرش تستطيرُ

وكان في الطائف انتجاه

فقال أصحابه الحضورُ

:أطلت نجواك من عليٍّ

فقال ما ليس فيه زورُ

:ما أنا ناجيته ولكن

ناجاه ذو العزَّة الخبيرُ

وقال في خمّ:إنَّ عليّاً

خليفةٌ بعده أميرُ

وكان قد سدَّ باب كلٍّ

سواه فاستغرت الصدورُ

وأكثروا القول في عليٍّ

بذا ودَّبت له الشرورُ

فقال:ما تبتغون منه ؟!

وهو سميعٌ لهم بصيرُ

ما أنا أوصدتها ولكن

أوصدها الآمر القديرُ

يا قوم إنّي امتثلت أمراً

أوحاه لي الراحم الغفورٌ

____________________

١ - اشار به إلى ما أخرجه الحافظ محب الدين الطبري في رياضه ٢ ص ١٦٤ عن أنس بن مالك قال:رسول الله صلى اله عليه وآله:ما من نبي إلا وله نظير من أمته وعلي نظيري. ورواه غيره من الحفاظ.


فكان هذا له دليلاً

بأنّه وحده الظهيرُ

٦

وله من قصيدةٍ كبيرةٍ في مدحه صلوات الله عليه:

وقال لأحمد بلّغ قريشاً

أكن لك عاصماً إن تستكينا

فإن لم تُبلغ الأنباء عنّي

فما أنت المبلّغ والأمينا

فأنزل بالحجيج ( غدير خمّ )

وجاء به ونادى المسلمينا

فأبرز كفّه لِلنَّاس حتّى

تبيَّنها جميع الحاظرينا

فأكرم بالَّذي رفعت يداه

وأكرم بالّذي رفع اليمينا

فقال لهم وكلُّ القوم مُصغٍ

لمنطقه وكلُّ يسمعونا

:ألا هذا أخي ووصيُّ حقٍّ

وموفي العهد والقاضي الديونا

ألا مَن كنت مولاه فهذا

له مولى فكونوا شاهدينا

تولّى ألله مَن والى عليّاً

وعادى مبغضيه الشانئينا

* * *

وجاء عن إبن عبد الله:انّا(١)

به كنّا نمين المؤمنينا

فنعرفهم بحبِّهمُ عليّاً

وإنّ ذوي النفاق ليعرفونا

ببغضهم الوصيَّ ألا فبعداً

لهم ماذا عليهم ينقمونا

وممّا قالت الأنصار كانت

مقالة عارفين مجرّبينا

ببغضهمُ علي الهادي عرفنا

وحقَّقنا نفاق منافقينا

٧

من قصيدةٍ له يمدحه سلام الله عليه:

يوم ( الغدير ) لأشرف الأيّام

وأجلّها قدراً على الإسلامِ

يوم أقام الله فيه إمامنا

أعني الوصيَّ إمام كلِّ إمامِ

قال النبيُّ بدوح ( خمّ ) رافعاً

كفَّ الوصيِّ يقول للأقوامِ

____________________

١ - إبن عبد الله هو جابر الانصارى أخرج الحفاظ حديثه هذا كما مر في الجزء الثالث ١٨٢


: مَن كنت مولاه فذا مولى له

بالوحي من ذي العزَّة العلّامِ

هذا وزيري في الحياة عليكُم

فإذا قضيت فذا يقوم مقامي

يا ربّ والي مَن أقرَّ له الولا

وانزل بمن عاداه سوء حمام

فتهافتت أيدي الرِّجال لبيعةٍ

فيها كمال الدين والأنعامِ

٨

من قصيدة له يمدحهعليه‌السلام

تروم فساد دليل النّصوص

ونصراً لإجماع ماقد جمعْ

ألم تستمع قوله صادقاً

غداة ( الغدير ) بما ذا صدعْ ؟!

ألا إنَّ هذا وليُّ لكم

أطيعوا فويلُ لمن لم يُطعْ

وقال له:أنت منّي أخي

كهارون من صنوه فاقتنعْ

وقال له:أنت بابٌ إلى

مدينة علمي لمن ينتجعْ

وقال لكم:هو أقضاكُم

وكلُّ لمن قد مضى متّبعْ

ويوم برائة نصَّ الإ~له

جلَّ عليه فلا تختدعْ

وسماه في الذكر نفس الرسول

يوم التباهل لمّا خشعْ

ويوم المواخاة نادى به

:أخوك أنا اليوم بي فارتفعْ

ويوم أتى الطيرَ لمّا دعا

النبيُّ الإ~له وأبدى الضرعْ

أيا ربّ ابعث أحبَّ الأنام

إليك لنأكلّ في مجتمعْ

فلم يستتمَّ النبيُّ الدعاء

إلّا وقد جاء ثمَّ ارتجعْ

ثَلاث مرارٍ فلمّا انتهى

إلى الباب دافعه واقتلعْ

فقال النبيُّ له:ادخل فقد

أطلت احتباسك يا ذا الصلعْ

فخبّرهُ:انَّه قد أتى

ثلاثاً ودافعه مَن دفعْ

فقطَّب في وجه من ردَّه

وأنكر ما بأخيه صنعْ

ووارثه بَرَصاً فاحشاً

فظلَّ وفي الوجه منه بقعْ

ففيمَ تخيَّرتمُ غير مَن

تخيَّره ربّكم واصطنعْ ؟!

وكيف تعارض هذي النصوص

باجماع ذي الحقد أو ذي الطمعْ؟!


٩

وله من قصيدة في المديح

يا سائلي عن ( حيدر ) أعييتني

أنا لست في هذا الجواب خليقا

الله سمّاه عليّاً باسمه

فسما علوّاً في العلا وسموقا

واختاره دون الورى وأقامه

عَلماً إلى سُبل الهدى وطريقاً

أخذ الإ~له على البريَّة كلّها

عهداً له يوم ( الغدير ) وثيقا

وغداة واخى المصطفى أصحابه

جعل الوصيَّ له أخاً وشقيقا

فرق الضلال عن الهدى فرقى إلى

أن جاوز الجوزاء والعيّوقا

ودعاه أملاك السَّماء بأمر من

أوحى إليهم حيدر الفاروقا

وأجاب أحمد سابقاً ومصدِّقاً

ما جاء فيه فسمِّي الصدّيقا

فإذا ادَّعى هذه الأسامي غيره

فليأتنا في شاهدٍ توثيقا

أشار إلى ما مرَّ في الجزء الثاني ص ٣١٢ - ٣١٤ والجزء الثالث ص ١٨٧ من انَّ عليّاً هو صدِّيق هذه الاُمَّة وفاروقها بنصٍّ صحيحٍ ثابتٍ من النبيَّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم :

١٠

من قصيدة له يمدحه صلوات الله عليه

يا راكباً اُجُداً(١) تخبُّ وتوضعُ

في سرعةٍ والشوق منها أسرعُ

لِلَّه ما أخطأك من رجلٍ له

عند الغريِّ لبانةٌ لا تمنعُ

يجلي عليك من الهداية مشرقٌ

ومن الإمامة والولاية مطلعُ

جدثٌ به نور الهدى مُستودعُ

في ضمنه العلَم البطين الأنزعُ

جدثٌ يدلُّ عليه طيب نسيمه

قبل الورود وضوء نور يلمعُ

جدثٌ ربيع المؤمنين بربعه

فقلوبهم أبداً له تتطلّعُ

جدثٌ به الرِّضوان والغفران والا

يمان والفضل الذي تتوقَّعُ

جدثٌ تحجُّ إليه أملاك السما

إذ في جوانبه المناسك أجمعُ

____________________

١ - ناقة اُجد:قوية.


بعضٌ قيامُ خاضعون لفضله

أبداً وبعضٌ ساجدون وركَّعُ

فإذا وصلت إليه فالثم تربه

في مدمعٍ يجري وقلب يخشعُ

وقل:السَّلام عليك يا مولىّ يرى

عملي ويشهد ما أقول ويسمعُ

إنّي قصدتك زائراً ومسلّماً

وموالياً يا من يضرُّ وينفعُ

لتكون لي يوم القيامة شافعاً

وهواك يقدمني إليك ويشفعُ

عجباً لعمي عن ولاك ونورُه

كالشمس طالعة تضيئ وتسطعْ

فكأنَّهم لم يسمعوا ما قاله

فيك المهيمن في الكتاب ولمَ يعوا

أو ليس مَن يهدي إلى الحقِّ الذي

يُنجي أحقُّ بالأتِّباع فيتبعُ ؟!

أولم يك السور الذي أضحى له

بابٌ وفيه للمحاول مقمعُ ؟!

والباب باطنه المغيّب رحمة

لكنَّ ظاهره العذاب الأفظعُ

تركوا سبيل الرُّشد بعد نبيَّهم

سفهاً وتاهوا في العمى وتسكّعوا

أنّى ينال مُفاخرٌ فخر امرءٍ

ساد البريَّة وهو طفلٌ يرضعُ ؟

والله ما قعد الوصيُّ لذلَّةِ

عنهم فإنَّهمُ أذلُّ وأوضعُ

لكن أراد بأن يُقيم عليهمُ

الحجج التي أسبابها لا تُدفعُ

غدروا به يوم ( الغدير ) ولم يفوا

ولعهده المسؤول منهم ضيَّعوا

يا قاسم النيران اُقسم صادقاً

بهواك حلفة مؤمن يتشيِّعُ

أنت الصِّراط المستقيم على لظى

وإليك منها يا عليُّ المفزعُ

والحوض حوضك فيه ماءٌ باردٌ

في البعث تسقي مَن تشاء وتمنعُ

ولك المفاتح أنت تُسكن ذا لظى

يصلى وهذا في الجنان يُمتَّعُ

إنِّي زرعت هواك في أرض الحشا

والمرء يحصد في غدٍ ما يزرعُ

١١

من قصيدة له يمدح أمير المؤمنينعليه‌السلام :

عليُّ عليُّ القدر عند مليكه

وإن أكثرت فيه الغُواة ملامها

وعروته الوثقى الَّتي مَن تمسَّكت

يداه بها لم يخش قطُّ انفصامها


فكم ليلة ليلاء لِلَّه قامها

وكم ضحوةٍ مسجورة الحرِّ صامها

وكم غمرة للموت في الله خاضها

وأركان دين للنبيِّ أقامها

فواخاه من دون الأنام فيالها

غنيمة فوز ما أجلّ اغتنامها

ووّلاه في يوم ( الغدير ) على الورى

فأصبح مولاها وكان إمامها

هو المختلي في بدر أرؤس صيدها

كما تختلي شهب البزاة حمامها

وصاحب يوم الفتح والراية التي

برجعتها أخزى الإ~له دلامها

فقال:ساُعطيها غداً رجلاً بها

مُلبّاً يُوفِّي حقَّها وذمامها

وقال له:خُذ رايتي وامض راشداً

فما أنا أخشى من يديك انهزامها

فمرَّ أمير المؤمنين مشمِّراً

برايته والنصر يسري أمامها

وزجّ بباب الحصن عن أهل خيبرٍ

وسقَّي الأعادي حتفها وحمامها

وجدَّل فيها مرحباً وهو كبشها

وأوسع آناف اليهود ارتغامها

وسل عنه في سلع وعن عظم فعله

بعمرو ونار الحرب تذكي اضطرامها

وأفئدة الأبطال ترجف هيبةً

وقد أخفت الرُّعب الشديد كلامها

فقام إليه من أقام بسيفه

حلائله ثكلّى تطيل التدامها

وقال:على تأويل ما الله منزلٌ

تُقاتل بعدي يا عليُّ طغامها

فقاتل جيش الناكثين لعهدهم

وأثكل يوم القاسطين شئامها

وأجرى بيوم المارقين دماءهم

وأخلى من الأجسام بالسيف هامها

١٢

من قصيدة له يمدحه صلوات الله عليه:

ولاء المرتضى عُددي

ليومي في الورى وغَدي

أمير النحل مولى الخلق

في ( خُمّ ) على الأبدِ

غداة يبايعون المرتضى

أمراً بمدِّ يدِ

شبيه المصطفى بالفـ

ـضل لم ينقص ولم يزدِ

وجنب الله في كتب

وعين الواحد الصَّمد


فلن تلد النسا شبهاً

له كَلّا ولم تلدِ

مجلّي الكرب يوم الحرب

في بدرٍ وفي اُحدِ

وخيبر والنُظير كذا

وسلع خندق البلدِ

إذ الهيجاء هاج لها

بقلب غيرُ مرتعدِ

ترى الأبطال باطلةً

لخوف الفارس الأسدِ

فأنفسهم مودَّعةُ

لهمُ بتنفّس الصَّعدِ

وقد خفتوا لهيبته

فلست تحسُّ من أحدِ

فلم تسمع لغير البيض

فوق البيض والزّردِ(١)

ولشاعرنا العبدي غديريّات اُخرى يأتي بعضها ونصفح عن بعضها.

( ألشاعر )

أبو الحسن عليّ بن حمّاد بن عُبيد الله بن حمّاد العدويُّ العبدي(٢) البصري.

كان حمّاد والد المترجم أحد شعراء أهل البيت عليهم السَّلام كما ذكره ولده شاعرنا في شعره بقوله من قصيدة:

وإنَّ العبد عبدكمُ عليّاً

كذا حمّاد عبدكمُ الأديبُ

رثاكم والدي بالشعر قبلي

وأوصاني به أن لا أغيبُ

والمترجَم له عَلَمُ من أعلام الشيعة، وفذُّ من علمائها، ومن صدور شعرائها، ومن حفظة الحديث المعاصرين للشيخ الصَّدوق ونظرائه، وقد أدركه النجاشي وقال في رجاله:قد رأيته.

غير أنَّه يروي عنه كتب أبي أحمد الجلودي البصري ألمتوفّى سنة ٣٣٢ بواسطة الشيخ أبي عبد الله بن الحسين بن عبيد الله الغضايري المتوفّى سنة ٤١١، فهو من مشايخ هذا الشيخ المعظَّم الواقعين في سلسلة الإجازات، والمعدودين من مشايخ الرُّواة، وأساتذة حملة الحديث، وحسبه ذلك دلالةً على ثقته وجلالته وتضلّعه في العلم والحديث.

____________________

١ - الزرْد والزرَد:حلق المغفر والدرع.

٢ - نسبة إلى عبد القيس كما يأتي في شعر المترجم.


وأمّا الشعر فلا يشكّ أحدُ أنّه من ناشري ألويته، وعاقدي بنوده، ومنظِّمي صفوفه، وقائدي كتائبه، وسايقي مقانبه، وجامعي شوارده، وقد اطّرد ذكره في المعاجم(١) كما تداول شعره في الكتب والمجاميع وهو من المكثرين في أهل البيت عليهم السَّلام مدحاً ورثاءاً ولقد أكثر وأطاب، وجاهر بمديحهم وأذاع حتّى عدَّه إبن شهر آشوب في المجاهرين من شعرائهم، وجمع شعره فيهم صلوات الله عليهم مدحاً ورثاءاً ألعلّامة السماوي في ديوان يربو على ٢٢٠٠ بيتاً، وجُلّ شعره يشفُّ عن تقدُّمه الظاهر في الأدب، وأشواطه البعيدة في فنون الشعر، وخطواته الواسعة في صياغة القريض، كما أنَّه ينمُّ عن علمه المتدفِّق، وتضلّعه في الحديث، وبذل كلِّه في بثِّ فضائل آل الله، وجمع شوارد الحقايق الراهنة في المذهب الحقِّ، ونشر ما ورد منها في الكتاب والسنَّة، وإقامة الدعوة إلى سنن الهدى، فشعره بعيدٌ عن الصّور الخياليّة بل هو لسان حِجاج وبرهنة، ونظم بيِّنات ودلائل، وبيانٌ قيِّم لمذهبه العلوي.

قال نجم الدين العمري في [ المجدي ] في ذكر ولد زيد بن علّي:أنشدني أبو علي بن دانيال وكان من ذي رحمي رحمه الله من قصيدة أنشدها إيّاه الشيخ أبو الحسن عليُّ بن حمّاد بن عُبيد العبدي الشاعر البصري رحمه الله لنفسه:

قال إبن حمّاد وقال له فتى

قد حاء يسأله:جهلتك فاعذرِ

قد كنت أصبو أن أراك فأقتدي

بصحيح رأيك في الطريق الأنوارِ

واريد أسأل مُستفيداً قلت:سلْ

واسمع جواباً قاهراً لم يقهرِ

قال:الإمامة كيف صحّت عندكم

من دون زيدٍ والأنام لجعفرِ ؟!

قلت:النصوص على الأئمَّة جائنا

حتما من الله العليِّ الأكبرِ

إنَّ الأئمَّة تسعةُ وثلاثةٌ

نقلاً عن الهادي البشير المنذرِ

لا زايدٌ فيهم وليس بناقصٍ

منهم كما قد قيل عدّ الأشهرِ

مثل النبوَّة صُيّرت في معشرٍ

فكذا الإمامة صُيّرت في معشرِ

____________________

١ - كرجال النجاشي ص ١٧١، الأنساب للمجدي، معالم العلماء، إيضاح الاشتباه للعلامة الحلي، مجالس المؤمنين ص ٤٦٤، رياض العلماء، رياض الجنة في الروضة الخامسة. تنقيح المقال ٢ ص ٢٨٦.


( قال نجم الدين ):هذا كلامُ حسنُ، وحجَّةُ قويَّةُ، لأنَّ حاجة الناس إلى الإمام أعني الخليفة كحاجتهم إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لإنّه القائم بإعلاء سنَّته السنيَّة في كلِّ زمان. رجع إلى كلام أبي الحسن إبن حمّاد رحمه الله:

قال:الإمامة لا تتمُّ لقائمٍ

ما لم يجرّ بسيفه ويشهَّرِ

فلذاك زيدُ حازها بقيامه

من دون جعفر فادَّكر وتدبَّرِ

( قال نجم الدين ):هكذا أنشدني بفتح الراء من ( جعفرَ ) وهو رأي الكوفيين أعني منعه من الصرف:

قلت:الوصيّ على قياسك لم ينل

حظَّ الخلافة بل غدت في حبترِ

إذ كان لم يدع الأنام بسيفه

قطعاً فيالك فرية من مفتري

وكذلك الحسن الشهيد بتركه

بطلت إمامته بقولك فانظري

والعابد السجّاد لم يُر داعياً

ومشهّراً للسيف إذ لم يُنصرِ

أفكان جعفر يستثير عداته ؟!

ويُذيع دعوته ولمّا يُؤمرِ ؟!

( قال نجم الدين ):يريد أنّ ألمأمور كان زيداً لا جعفراً:

ودليل ذلك قول جعفر عندما

عُزّي بزيد قال كالمستعبر

:لو كان عمّي ظافراً لوفى بما

قد كان عاهد غير أن لم يظفرِ

أشار إبن حمّاد بهذين البيتين إلى ما مرَّ عن الحافظ المرزباني والكشّي في الجزء الثاني ص ٢٢١ وفي الثالث ص ٧٠.

ولادته ووفاته

لم نقف على تاريخ ولادة إبن حمّاد ووفاته غير أنَّ النجاشي الذي أدركه و رآه ولم يرو عنه وُلد في صفر سنة ٣٧٢، وشيخه الذي يروي عنه وهو الجلودي البصري توفّي ١٧ ذي الحجَّة سنة ٣٣٢ فيستدعي التاريخان انَّ المترجم وُلد في أوايل القرن الرابع وتوفّي في أواخره.

وقفنا لابن حمّاد على قصيدةٍ في مجموعةٍ عتيقة مخطوطةٍ في العصور المتقادمة، و قد ذكر إبن شهر اشوب بعض أبياتها ونسبه إلى العبدي [ سفيان بن مصعب ] المترجَم له في الجزء الثاني ص ٢٩٤، وتبعه البياضي في ( الصِّراط المستقيم ) وغيره والقصيدة


للمترجَم له وهي:

أسايلتي عمّا اُلاقي من الأسا

سلي الليل عنّي هل اجنُّ إذا جنا؟!

ليخبرك اِنّي في فنونٍ من الجوى

إذا ما انقضا فنُّ يوكّل بي فنّا

وإن قلتَ:إنَّ الليل ليس بناطقٍ

قفي وانظري واستخبري الجسد المضنى

وإن كنت في شكٍّ فديتك فاسئلي

دموعي التي سالت وأقرحت الجفنا

أحبَّتنا لو تعلمون بحالنا

لمَا كانت اللّذات تُشغلكم عنّا

تشاغلتموا عنّا بصحبة غيرنا

وأظهرتم الهجران ما هكذا كنّا

و آليتموا أن لا تخونوا عهودنا

فقد وحياة الحبِّ خُنتم وما خُنّا

غدرتم ولم نغدر وخُنتم ولم نخن

وحُلتم عن العهد القديم وما حُلنا

وقلتم ولم توفوا بصدق حديثكم

ونحن على صدق الحديث الذي قلنا

أيهنا لكم طيب الكرى وجفوننا

على الجمر ؟! لا تهنا ولا بعدكم نمنا

أنخنا بمغناكم لتحي نفوسنا

فما زادنا إلّا جوىّ ذلك المغنا

سنرحل عنكم إن كرهتم مقامنا

و نصبر عنكم مثل ما صبركم عنّا

ونأخذ مَن نهوى بديلاً سواكُم

ونجعل قطع الوصل منكم ولا منّا

تعالوا إلى الإنصاف فيما ادَّعيتموا

ولا تفر طوابل صححو اللفظ والمعنى

أليتكمُ ناصفتمونا فَريضة

بانَّ لكم نصفاً وأنَّ لنا ثُمنا

إذا طلعت شمس النهار ذكرتكم

وإن غربت جدَّدت ذكركمُ حُزنا

وإنّي لأرثي للغريب وإنّني

غريب الهوى والقلب والدار والمغنى

لقد كان عيشي بالأحبَّة صافياً

وما كنت أدري أنَّ صحبتنا تقنا

زمانٌ نعمنا فيه حتّى إذا مضى

بكينا على أيّامه بدم أقنا

فوالله ما زال اشتياقي إليكُم

ولا برح التسهيد لي بعدكم جفنا

ولا ذقت طعم الماء عذباً ولا صفت

موارده حتّى نعود كما كنّا

ولا بارحتني لوعة الفكر والجوى

ولا زلت طول الدَّهر مقترعاً سنّا

وما رحلوا حتّى استحلّوا نفوسنا

كأنَّهمُ كانوا أحقّ بها منّا

ترى منجدي في أرض بغداد واهناً

لزهدكُم فينا وبُعدكُم عنّا


أيزعم أن أسلو ! ؟ ويشغل خاطري

بغيركُم مُستبدلاً ؟! بئس ما ظنّا

أيا ساكني نجدٍ سلامي عليكُم

ظننّا بكم ظنّاً فاخلفتموا الظنّا

اُمثِّل مولاي الحسين وصحبه

كأنجم ليل بينها البدر أو أسنا

فلمّا رأته اُخته وبناته

وشمرٌ عليه بالمهنَّد قد أحنى

تعلّقنَ بالشمر اللّعين وقلنَ:دَعْ

حسيناً فلا تقتله يا شمرُ واذبحنا

فحزَّ وريديه وركَّب رأسه

على الرُّمح مثل الشمس فارقت الدجنا

فنادت بطول الويل زينب اُخته

وقد صبغت من نحره الجيب والرّدنا

:ألا يا رسول الله يا جدَّنا اقتضت

اُميَّة منّا بعدك الحقد والضغنا

سُبينا كما تُسبى الإماء بذلَّةٍ

وطيف بنا عرض البلاد وشُتِّتنا

ستفنى حياتي بالبكاء عليهُم

وحزني لهم باقٍ مدى الدَّهر لا يفنى

ألا لعن الله الَّذي سنَّ ظلمهم

وأخزى الَّذي أملا له وبه استنّا

سأمدحكم يا آل أحمد جاهداً

وأمنح مَن عاداكم السبَّ واللعنا

ومَن منكمُ بالمدح أولى لأنَّكُم

لأكرم من لبّى ومن نحر الُبدنا

بجدِّكمُ أسرى البراق فكان من

إ~له البرايا قاب قوسين أو أدنا

وشخص أبيكم في السَّماء تزوره

ملائك لا تنفكُّ صبحاً ولا وهنا

أبوكم هو الصّديق آمَن واتَّقى

وأعطى وما أكدى وصدّق بالحُسنى

وسمّاه في القرآن ذو العرش جنبه

وعروته والعين والوجه والاُذنا

وشدَّ به أزر النبيَّ محمَّدٍ

وكان له في كلّ نائبةٍ رُكنا(١)

وأفرده بالعلم والبأس والنَّدى

فمن قدره يسمو ومن فعلّه يُكنى

هو البحر يعلو العنبر المحض فوقه

ما الدّر والمرجان من قعره يُجنى

إذا عُدّ أقران الكريهة لم نجد

لحيدرة في القوم كفواً ولا قرنا

يخوض المنايا في الحروب شجاعة

وقد ملأت منه ليوث الشَّرى جبنا

يرى الموت من يلقاه في حومة الوغا

يُناديه من هنّا ويدعوه من هنّا

إذا استعرت نار الوغى وتغشمرت

فوارسها واستخلفوا الضرب والطعنا

____________________

١ - في بعض النسخ:حصنا.


وأهدت إلى الأحداق كحلاً معصفراً

وألقت على الأشداق أردية دكنا

وخلت بها زرق الأسنَّة أنجماً

ومن فوقها ليلاً من النقع قد جنَّا

فحين رأت وجه الوصيِّ تمزقت

كثلّة ظأنٍ أبصرت أسداً شنّا

فتى ّكفّه اليسرى حمامٌ بحربه

كذاك حياة السِّلم في كفِّه اليُمنى

فكم بطلٍ أردى وكم مرهبٍ أودى

وكم مُعدمٍ أغنى وكم سائلٍ أقنى

يجود على العافين عفواً بما له

ولا يتبع المعروف من مَنِّه مَنَّا

ولو فضَّ بين الناس معشار جوده

لما عرفوا في النَّاس بخلاً ولا ضَنّا

وكلُّ جوادٍ جاد بالمال إنَّما

قصاراه أن يستنَّ في الجود ما سنّا

وكلُّ مديح قلتُ أو قال قائلُ

فإنَّ أمير المؤمنين به يُعنى

سيخسر مَن لم يعتصم بولائه

ويَقرع يوم البعث مِن ندمٍ سنّا

لذلك قد واليته مخلص الولا

وكنت على الأحوال عبداً له قِنّا

عليكم سلام الله يا آل أحمد

متى سجعت قمريَّةٌ وعلت غصنا

مودَّتكم أجر النبيِّ محمَّدٍ

علينا فآمنّا بذاك وصدَّقنا

وعهدكم المأخوذ في الذرِّ لم نقل

: لآخذه كلّا ولا كيف أو أنّا

قبلنا وأوفينا به ثمَّ خانكم

اُناسٌ وما خُنّا وحالوا وما حُلنا

طهرتم فطُهِّرنا بفاضل طهركم

وطبتم فمن آثار طيبكمُ طبنا

فما شئتمُ شئنا ومهما كرهتموا

كرهنا وما قلتم رضينا وصدَّقنا

فنحن مواليكم تحنُّ قلوبنا

إليكم إذا إلفٌ إلى إلفه حنّا

نزوركمُ سعياً وقلَّ لحقِّكم

لو أنّا على أحداقنا لكُم زُرنا

ولو بضِّعت أجسادنا في هواكُم

إذن لم نحل عنه بحالٍ ولا زلنا

وآبائنا منهم ورثنا ولاءكم

ونحن إذا متنا نورِّثه الأبنا

وأنتمِ لنا نعم التجارة لم نكن

لنحذر خسراناً عليها ولا غبنا

وما لي لا اُثني عليكم وربِّكم

عليكم بحسن الذكر في كتبه أثنى

وإنَّ أباكم يقسم الخلق في غدٍ

فيُسكن ذا ناراً ويُسكن ذا عدنا

وأنتم لنا غوثٌ وأمنٌ ورحمةٌ

فما منكمُ بُدُّ ولا عنكمُ مغنى


ونعلم أن لو لم ندن بولائكم

لما قُبلت أعمالنا أبداً منّا

وأنَّ إليكم في المعاد إيابنا

إذ نحن من أجداثنا سُرَّعاً قمنا

وأنَّ عليكم بعد ذاك حسابنا

إذا ما وفدنا يوم ذاك وحوسبنا

وأنَّ موازين الخلايق حبّكم(١)

فأسعدهم مَن كان أثقلهم وزنا

وموردنا يوم القيامة حوضكم

فيظما الذي يقصى ويروى الذي يدنى

وأمر صراط الله ثمَّ إليكم

فطوبا لنا إذ نحن عن أمركم جزنا

وما ذنبنا عند النَّواصب ويلهم

سوى أنَّنا قومٌ بما دِنتُم دِنّا

فإن كان هذا ذنبنا فتيقَّنوا

بأنّا عليه لا انثنينا ولا نثنى

ولمّا رفضنا رافضيكم ورهطكم

رفضنا وعودينا وبالرَّفضُ نبّزنا

وإنّا اعتقدنا العدل في الله مذهباً

ولِلَّه نزَّهنا وإيّاه وحَّدنا

وهم شبَّهوا الله العليَّ بخلقه

فقالوا:خُلقنا للمعاصي واُجبرنا

فلو شاء لم نكفر ولو شاء أكفرنا

ولو شاء لم نُؤمن ولو شاء آمنّا

وقالوا:رسول الله ما أختار بعده

إماماً لنا لكن لأنفسنا اخترنا

فقلنا:إذن أنتم إمام إمامكم

بفضل من الرَّحمن تِهتم وما تِهنا

ولكنَّنا اخترنا الذي اختار ربّنا

لنا يوم ( خُمّ ) لا ابتدعنا ولا جرنا

سيجمعنا يوم القيامة ربّنا

فتجزون ما قلتم ونجزى بما قلنا

هدمتم بأيديكم قواعد دينكم

ودينٌ على غير القواعد لا يُبنى

ونحن على نور من الله واضحٍ

فيا ربّ زدنا منك نوراً وثبِّتنا

و ظنُّ ابن حمّاد جميلٌ بربَه

وأحرى به أن لا يخيب له ظنّا

بنى المجد لي شنَّ بن أقصى فحزته

تُراثاً جزى الرَّحمن خيراً أبي شنّا

وحسبي بعد القيس في المجد والدي

ولي حسب عبد القيس مرتبةٌ تبنى

وخالي تميمٌ ثمَّ مجدي بفخره

فنلت بذا مجداً ونلت بذا أمنا

ودونك لا ما للقلائد هذّبت

مديحاً فلم تترك لذي مطعن طعنا

ولا ظلَّ أو أضحى ولا راح واغتدى

تأمَّل لا عينٌ تراه ولا لحنا

____________________

١ - وان موازين القصاص ولاؤكم. كذا في بعض النسخ.


فصاحة شعري مذ بدت لذوي الحجى

تمثَّلت الأشعار عندهمُ لكنا

وخير فنون الشعر ما رقَّ لفظه

وجلّت معانيه فزادت بها حسنا

وللشعر علمٌ إن خلا منه حرفه

فذاك هذاءٌ في الرؤس بلا معنى

إذا ما أديبٌ أنشد الغثَّ خلته

من الكرب والتنغيص قد ادخل السجنا

إذا ما رأوها أحسن الناس منطقاً

وأثبتهم حدثاً وأطيبهم لحنا

تلذّ بها الأسماع حتّى كأنَّها

ألذُّ من أيّام الشبيبة أو أهنى

وفي كلِّ بيت لذّةٌ مستجدَّةٌ

إذا ما انتشاه قيل:يا ليته ثنّى

تقبَّلها ربّي ووفّى ثوابها

وثقَّل ميزاني بخيراتها وزنا

وصلّى على الأطهار من آل أحمد

إ~له السما ما عسعس الليل أوجنّا

وله يمدح أمير المؤمنينعليه‌السلام :

حدّثنا الشيخ الثقه

محمَّدٌ عن صدقه

روايةً متَّسقه

عن أنس عن النبي

رأيته على حِرى

مع عليٍّ ذي النُهى

يقطف قطفاً في الهوى

شيئاً كمثل العنَب

فأكلا منه معا

حتّى إذا ما شبعا

رأيته مرتفعا

فطال منه عجبي

كان طعام الجنَّةِ

أنزله ذو العزَّةِ

هديَّةً للصفوةِ

من الهدايا النّخبِ

أشار بهذه الأبيات إلى ما أخرجه محمِّد بن جرير الطبري باسناده عن أنس قال:إنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ركب يوماً إلى جبل كداء فقال:يا أنس خذ البغلة وانطلق إلى موضع كذا تجد عليّاً جالساً يسبِّح بالحصى فاقرأه منّي السّلام واحمله على البغلة وائت به إليَّ فقال:فلمّا ذهبت وجدت عليّاً كذلك فقلت:إنّ رسول الله يدعوك فلمَّا أتى رسول الله قال له:اجلس فإنَّ هذا موضعٌ جلس فيه سبعون نبيّاً مرسلاً ما جلس فيه من الأنبياء أحدٌ إلّا وأنا خيرٌ منه وقد جلس مع كلِّ نبيٍّ أخٌ له ما جلس من الاُخوة أحدٌ إلّا وأنت خيرُ منه. قال:فرأيت غمامة بيضاء وقد أظلَّتهما فجعلا يأكلان

_١٠_


منه عنقود عنب وقال:كل يا أخي فهذه هديَّةٌ من الله إليَّ ثمَّ اليك. ثمَّ شربا ثمَّ ارتفعت الغمامة ثمَّ قال:يا أنس والذي خلق ما يشاء لقد أكل من الغمامة ثلثمائة وثلاثة عشر نبيَّاً وثلثمائة وثلاثة عشر وصيّاً ما فيهم نبيُّ أكرم على الله منّي ولا وصيُّ أكرم على الله من عليٍّ.

ولابن حمّاد العبدي يمدح أمير المؤمنين صلوات الله عليه قوله على رويَّة نونيَّة العوني المذكور:

ما لابن حمادٍ سوى من حمدت

آثاره وأبهجت غرّانه(١)

ذاك عليُّ المرتضى الطّهر الذي

بفخره قد فخرت عدنانه

صنو النبيِّ هديه كهديه

إذ كلُّ شيٍ شكلّه عنوانه

وصيّه حقّاً وقاضي دينه

إذ اقتضى ديونه ديّانه

ناصحه الناصر حقّاً إذ غدا

سواه ضدَّ سرَّه اعلانه

وارثه علم الهدى أمينه

في أهله وزيره خلصانه

ذاك الفتى النجد الذي إذا بدا

بمعرك ألقت له فتيانه

ليثٌ لو الليث الجريء خاله

لطار من هيبته جنانه

صقرٌ ولكن صيده صيد الوغا

ليثٌ ولكن فرسه فرسانه

ذاك الشجاع إن بدا بمعرك

تفرَّقت من خوفه شجعانه

تبكي الطلى إن ضحكت أسيافه

وترتوي إن عطشت سنانه

ترى سباع البيد تقفوا إثره

لأنَّها يوم الوغا ضيفانه

يقرن أرواح الكماة بالرَّدى

لذاك حاصت دونه أقرانه

وكم كميٍّ قد قراه في الوغا

فليس تخبو أبداً نيرانه

يشهد في ذا بدره واُحده

وطيبة ومكّة أوطانه

وخيبر والبصرة التّي بها

النكث وصفِّين ونهروانه

كذا الذي قد ضمن المدح له

من ربّه ربُّ العلى قرآنه

فقوله:وليّكم فإنَّما

يخصُّ فيها هو لا فلانه

____________________

١ - غران جمع الغرير:الخلق الحسن ومنه المثل. أدبر غريره وأقبل هريره. أي أدبر حسنه وجاء سيئه.


ثلاثةٌ:ألله والرسول والذ

ـي تزكىّ راكعاً برهانه

وقوله:الاُذن فذاك ( حيدر )

واعيةٌ لقوله آذانه

وقد دعا له النبيُّ انَّه

يحفظ ما يُملي له لسانه

وقوله:الميزان بالقسط وما

غير عليّ في غدٍ ميزانه

فويل من خفَّ لديه وزنه

وفوز من أسعده رجحانه

ذاك أمير المومنين رتبة

من الإ~له الفرد جلَّ شانه

ذادوه عن سلطانه وحقّه

من بعد ما بان لهم سلطانه

فكفَّ مولاي الإمام كفّه

إذ قلَّ في حقوقه أعوانه

ولم يقم معه سوى أربعة

وهم لعمر ربِّهم أركانه

يتبعه المقداد وإبن ياسر

عمّاره وسِلمه سلمانه

والصادق اللهجة أعني جندباً

فلم يُخالف أمره ايمانه

ولو يشأ أهلكهم لكنَّه

أبقى ليبقى ناسلاً إنسانه

وله يرثي بها الإمام السبط الشهيد صلوات الله عليه:

لِلَّه ما صنعت فينا يدُ البينِ

كم من حشا أقرحت منّا ومن عينِ؟!

مالي وللبين ؟! لا أهلاً بطلعته

كم فرَّق البينِ قدماً بين الفينِ ؟!

كانا كغصنين في أصل غذاؤهما

ماء النعيم وفي التشبيه شكلينِ

كأنَّ روحيهما من حسن الفهما

روحٌ وقدُ قُسّمت ما بين جسمينِ

لا عذل بينهما في حفظ عهدهما

ولا يُزيلهما لوم العذولينِ

لا يطمع الدهر في تغيير ودِّهما

ولا يميلان من عهدٍ إلى مينِ

حتَّى إذا أبصرت عين النوى بهما

خِلّين في العيش من همّ خليَّينِ

رماهما حسداً منه بداهيةٍ

فأصبحا بعد جمع الشمل ضدَّين

في الشَّرق هذا وذا في الغرب منتئياً

مشرَّدين على بُعد شجيَّينِ

والدهر أحسد شيءٍ للقريبين

يرمي وصالهما بالبعد والبينِ

لا تأمن الدَّهر إنَّ الدهر ذو غيرٍ

وذو لسانين في الدُّنيا ووجهينِ

أخنى على عترة الهادي فشتَّتهم

فما ترى جامعاً منهم بشخصينِ


كأنّما الدَّهر آلا أن يُبدِّدهم

كعاتب ذي عناد أو كذي دينِ

بعضٌ بطيبة مدفونٌ وبعضهمُ

بكربلاء وبعضٌ بالغريِّينِ

وأرض طوسٍ وسامرّا وقد ضمنت

بغداد بدرين حلّا وسط قبرينِ

يا سادتي ألمن أبكي أسى ؟! ولمن

أبكي بجفنين من عيني قريحين ؟!

أبكي على الحسن المسموم مضطلماً

؟! أم الحسين لقىّ بين الخميسين؟!

أبكي عليه خضيب الشيب من دمه

معفّر الخدِّ محزوز الوريدينِ

وزينب في بنات الطّهر لاطمةٌ

والدمع في خدِّها قد خدَّ خدَّينِ

تدعوه:يا واحداً قد كنتُ آمله

حتّى استبدَّت به دوني يد البينِ

لا عشت بعدك ما إن عشت لا نعمت

روحي ولا طعمت طعم الكرا عيني

اُنظر إلىَّ أخي قبل الفراق لقد

أذكا فراقك في قلبي حريقينِ

اُنظر إلى فاطم الصغرا أخي ترها

لِليُتم والسبي قد خصّت بذلّينِ

إذا دنت منك ظلَّ الرِّجس يضربها

فتلتقي الضرب منها بالذِّراعينِ

وتستغيث وتدعو:عمَّتا تلفت

روحي لرزئين في قلبي عظيمينِ

ضربٌ على الجسد البالي وفي كبدي

لِلثكل ضربٌ فما أقوى لضربينِ

اُنظر عليّاً أسيراً لا نصير له

قد قيَّدوه على رغم بقيدينِ

وارحمتا يا أخي من بعد فقدك بل

وارحمتا للأسيرين اليتيمينِ

والسبط في غمرات الموت مُشتغلُ

ببسط كفَّين أو تقبيض رجلينِ

لا يستطيع جواباً لِلنِّداء سوى

يومي بلحظين من تكسير جفنينِ

لا زلت أبكي دماً ينهلُّ منسجماً

للسيَّدين القتيلين الشهيدينِ

ألسيَّدين الشريفين اللذان هما

خير الورى من أب مجدٍ وجدَّينِ

ألضارعين إلى الله المنيبين

ألمسرعين إلى الحقِّ الشفيعينِ

ألعاملين بذي العرش الحكيمين

ألعادلين ألحليمين الرَّشيدينِ

ألصابرين على البلوى الشكورين

ألمعرضين عن الدنيا المنيبينِ

ألشاهدين على الخلق الإمامين

ألصادقين عن الله الوفيَّينِ

ألعابدين التقيَّين الزكيَّين

ألمؤمنين الشجاعين الجريَّينِ


ألحجَّتين على الخلق الأميرين

ألطيِّبين الطهورين الزكيِّينِ

نورين كانا قديماً في الظّلال كما

قال النبيُّ لعرش الله قرطينِ

تفّاحتي أحمد الهادي وقد جعلا

لفاطم وعليِّ الطّهر نسلينِ

صلّى الإ~له على روحيهما وسقا

قبريهما أبداً نوء السماكينِ

إلى أن يقول فيها:

ما لابن حمّادٍ العبدي من عملٍ

إلّا تمسّكه بالميم والعينِ

فالميم غاية آمالي محمَّدها

والعين أعني عليّاً قرَّة العينِ

صلّى الإ~له عليهم كلما طلعت

شمس وما غربت عند العشائينِ

[ ألقصيدة وهي ٥٧ بيتاً ]

وله في رثاء الإمام السبط الشهيد صلوات الله عليه قوله يذكر فيها حديث الغدير:

حيِّ قبراً بكربلا مُستنيرا

ضم َّكنز التّقى وعلماً خطيرا

وأقم مأتم الشهيد وأذرف

منك دمعاً في الوجنتين غزيرا

والتثم تربة الحسين بشجوٍ

وأطل بعد لثمك التعفيرا

ثمَّ قل:يا ضريح مولاي سُقِّيـ

ـت من الغيث هامياً حمهريرا

تهْ على ساير القبور فقد أصـ

ـبحت بالتّيه والفخار جديرا

فيك ريحانة النبيِّ ومن حلِّ

من المصطفى محلّاً أثيرا

فيك يا قبرُ كلّ حلمٍ وعلمٍ

وحقيقٌ بأن تكون فخورا

فيك من هدَّ قتله عمد الدين

وقد كان بالهدى معمورا

فيك من كان جبرئيل يُناغيه

وميكال بالحباء صغيرا

فيك من لاذ فطرسٌ فترقّى

بجناحي رضى وكان حسيرا

يوم سارت إليه جيش ابن هند

لذحولٍ أمست تحلّ الصدورا

آه واحسرتي له وهو بالسيف

نحيرٌ أفديت ذاك النَّحيرا

آه إذ ظلَّ طرفه يرمق الفسطاط

خوفاً على النساء غيورا

آه إذ أقبل الجواد على النسوان

ينعاه بالصهيل عفيرا

فتبادرن بالعويل وهتكن

الأقراط بارزات الشعورا


وتبادرن مسرعات من الخدر

ومن قبلُ مُسبلات الستورا

ولطمن الخدود من ألم الثكل

وغادرن بالنِّياح الخدورا

وبدا صوتهنَّ بين عداهنَّ

وعفن الحجاب والتخفيرا

بارزات الوجوه من بعد ما غودرن

صون الوجوه والتخفيرا

ثمَّ لمّا رأين رأس حسين

فوق رمح حكى الهلال المنيرا

صحن بالذل أيّها الناس لِم نُسبي

ولم نأت في الأنام نكيرا ؟!

ما لنا لا نرى لآل رسول الله

فيكم يا هؤلاء نصيرا ؟!

فعلى ظالميهمُ سخط الله

ولعن يبقى ويفنى الدهورا

قل لمن لام في ودادي بني

أحمد:لا زلت في لظى مدحورا

أعلى حبِّ معشر أنت قد كنت

عذولاً ولا تكون عذيرا

وأبوهم أقامه الله في ( خُمّ )

إماماً وهادياً وأميرا

حين قد بايعوه أمراً عن

الله فسائل دوحاته والغديرا

وأبوهم أفضى النبيُّ إليه

علم ما كان اوَّلا وأخيرا

وأبوهم علا على العرش لمّا

قد رقى كاهل النبيِّ ظهيرا

وأماط الأصنام كلّاً عن الكعبة

لمّا هوى بها تكسيرا

قال:لو شئت ألمس النجم بالكف

إذن كنت عند ذاك قديرا

وأبوهم قد ردّ للشمس بيضاً

وهي كادت لوقتها أن تغورا

وقضى فرضه أداءً وعادت

لغروب وكوّرت تكويرا

وأبوهم يروي على الحوض من وا

لاهم ويردُّ عنه الكفورا

وأبوهم يقاسم النار والجنَّة

في الحشر عادلاً لن يجورا

وأبوهم برا الإ~له له شبهاً

لأملاكه سميعاً بصيرا

فإذا اشتاقت الملائك زارته

فناهيك زايراً ومزورا

وأبوهم أحيا لميت بصرصر

بعد ما كان في الثرى مقبورا

وأبوهم قال النبيُّ له قولاً

بليغاً مكرَّراً تكريرا

:أنت خدني وصاحبي ووزيري

بعد موتي أكرم بذاك وزيرا


أنت مني كمثل هرون من موسى

ولم أبتغي سواه ظهيرا

وأبوهم أودى بعمرو بن ودّ

حين لاقاه في العجاج أسيرا

وأبوهم لباب خيبر أضحى

قالعاً ليس عاجزاً بل جسورا

حامل الراية التي ردَّها بالأمس

من لم يزل جباناً فرورا

خصَّه ذو العلا بفاطمة عرساً

ثمَّ أعطاه شبّراً وشبيرا

وهمُ باب ذي الجلال على آدم

فارتدَّ ذنبه مغفورا

وبهم قامت السَّماء ولولاهمُ

لكادت بأهلها أن تمورا

وبهم باهَلَ النبيُّ فقل لي

ألهم في الورى عرفت نظيرا ؟!

فيهمُ أنزل المهيمن قرآنا

عظيماً وذاك جمّاً خطيراً

في الطواسين والحواميم والرَّ

ـحمن آياً ما كان في الذِّكر زورا

وخلقناه نطفةً نبتليه

فجعلناه سامعاً وبصيرا

لبيان إذا تأملّه العارف

يُبدي له المقام الكبيرا

ثمَّ تفسير هل أتى فيه يا صاح

قل له إن كنت تفهم التفسيرا

إنَّ الأبرار يشربون بكأس

كان عندي مزاجها كافورا

فلهم أنشأ المهيمن عيناً

فجّروها لديهمُ تفجيرا

وهداهم وقال:يوفون بالنَّذرِ

فمن مثلهم يوفي النذورا ؟!

ويخافون بعد ذلك يوماً

شرُّه كان في الورى مُستطيرا

فوقاهم إ~لههم ذلك اليوم

ويلقون نضرةً وسرورا

وجزاهم بأنَّهم صبروا في السرِّ

والجهر جنَّةً وحريرا

فاتَّكوا مِن على الأرائك لا

يلقون فيها شمساً ولا زمهريرا

وأوان وقد اُطيفت عليهم

سلسبيل مقدِّرٌ تقديرا

وبأكواب فضَّة وقوارير

قدَّروها عليهمُ تقديرا

وبكأسٍ قد مازجت زنجبيلا

لذَّة الشاربّين تشفي الصدورا

وإذا ما رأيت ثمَّ نعيماً

دائماً عندهم وملكاً كبيرا

٦٥ وعليهم فيها ثيابٌ من السندس

خضرٌ في الحشر تلمع نورا


ويُحلّون بالأساور فيها

وسقاهم ربّي شراباً طهورا

وروى لي عبد العزيز الجلودي(١)

وقد كان صادقاً مبرورا

عن ثقاة الحديث أعني العلائي

هو أكرم بذا وذا مذكورا

يسندوه عن ابن عبّاس يوماً

قال:كنّا عند النبيِّ حضورا

إذ أتته البتول فاطم تبكي(٢)

وتوالي شهيقها والزَّفيرا

قال:مالي أراك تبكين يا فاطم ؟!

قالت وأخفت التعبيرا

: إجتمعن النساء نحوي واقبلنَ

يطلن التقريع والتعييرا

قلنَ: إنَّ النبيَّ زوَّجك اِليوم

عليّاً بعلاً عديماً فقيرا

قال:يا فاطم اسمعي واشكري الله

فقد نلتِ منه فضلاً كبيرا

لم اُزوِّجكِ دون إذن من الله

وما زال يحسن التَّدبيرا

أمر الله جبرئيل فنادى

رافعاً في السَّماء صوتاً جهيرا

وأتاه الأملاك حتّى إذا ما

وردوا بيت ربِّنا المعمورا

قام جبريل قائماً يكثر التحميد

لِلَّه جلَّ و التكبيرا

ثمَّ نادى:زوّجت فاطم يا ربّ

عليَّ الطّهر الفتى المذكورا

قال ربُّ العلا:جعلت لها المهر

لها خالصاً يفوق المهورا

خُمس أرضي لها ونهري وأو

جبت على الخلق ودّها المحصورا

فانثرت عند ذلك طوبا

على الحور عنبراً وعبيرا(٣)

ورُوينا عن النبيِّ حديثاً

في البرايا مُصحّحاً مأثورا

انَّه قال:بينما الناس في الجنَّة

إذ عاينوا ضياءً ونورا

كاد أن يخطف العيون فنادوا:

أيّ شيءٍ هذا ؟ وأبدوا نكورا

____________________

١ - أبو أحمد ابن يحيى البصري أحد مؤلفي الامامية الثقات الاثبات له في الفقه والحديث والتاريخ تآليف قيمة توفي ١٧ ذي الحجة سنة ٣٣٢.

٢ - هذه الابيات ذكرها ابن شهر آشوب في ( المناقب ) للعبدي فحسبناه سفيان بن مصعب العبدي فذكرناها في ترجمته ج ٢ ص ٣١٨ ثم وقفنا على تمام القصيدة فعرفنا أنها للمترجم.

٣ - راجع في الاحاديث المذكورة في هذه الأبيات الجزء الثاني من كتابنا ص ٣١٨.


أوَ ليس الإ~له قال لنا:لا

شمس فيها ترى ولا زمهريرا ؟!

وإذا بالنداء:يا ساكن الجنَّة

مهلاً أمنتم التغييرا

ذا عليُّ الوليُّ قد داعب الزَّ

هراء مولاتكم فأبدت سرورا

فبذا إذ تبسَّمت ذلك النور

فزيدوا إكرامه وحبورا

يا بني أحمد عليكم عمادي

واتِّكالي إذا أردت النشورا

وبكم يسعد الموالي ويشقى

من يُعاديكُم ويصلى سعيرا

أنتمُ لي غداً وللشيعة الأبرار

ذخرٌ أكرم به مذخورا

فاستمعها كالدرِّ ليس ترى فيها

ملاهي كَلّا ولا تعييرا

صاغ أبياتها عليُّ بن حمّاد

فزانت وحُبّرت تحبيرا

وقفنا للمترجم في طيّات المجاميع العتيقة في النجف الأشرف والكاظميَّة على قصائد جمَّة وإليك فهرستها:

عدد القصائد مطلع القصيدة عدد الأبيات

١ يا يوم عاشورا أطلت بكائي

وتركتني وقفاً على البرحاء ٤٦

٢ هَنّ بالعيد إن أردت سوائي

أيّ عيدٍ لمستباح العزاء ؟ ٣٧

إنَّ في مأتمي عن العيد شغلاً

فالهَ عنيّ وخلِّني بشجائي

فإذا عيِّد الورى بسرور

كان عيدي بزفرةٍ وبكاءِ

وإذا جدَّ دوا ثيابهم جدَّدت

ثوبي من لوعتي وضنائي

وإذا أدمنوا الشراب فشربي

من دموع ممزوجةٍ بدماءٍ

وإذا استشعروا الغناء فنوحي

وعويلي على الحسين غنائي

وقليلٌ لو متُّ همّاً ووجداً

لمصاب الغريب في كربلاءِ

أيهمني بعيده من مواليه

أبادتهمُ يد الأعداءِ ؟!

آه يا كربلاء كم فيكِ من

كرب لنفس شجيَّةٍ وبلاءِ ؟!

أألذّ الحياة بعد قتيل الطفّ

ظلماً ؟! إذن لقلَّ حيائي

كيف ألتذُّ شوب ماء وقد جرَّ

ع كاس لرَّدى بكرب الظماءِ ؟!

كيف لا أسلب العزاء إذا

مثَّلتهٍ عارياً سليب الرِّداءِ ؟!


كيف لا تسكب الدموع عيوني

بعد تضريج شيبه بالدِّماءِ ؟!

تطأ الخيل جسمه في ثرى الطف

وجسمي يلتذُّ لين الوطاءِ ؟!

بأبي زينب وقد سُبيت بالذ

لِّ من خدرها كسبي الإماءِ

فإذا عاينته مُلقي على التر

ب مُعرّى مجدِّلاً بالعراءِ

أقبلت نحوه فيسمعها الشِّمر

فتدعو في خيفةٍ وخفاءِ

:أيّها الشِّمر خلّني أتزوّد

نظرةً منه فهي أقصى منائي

أفما لِلرَّسول حقُّ فلِم تنظر

ني جاهراً بسوء المراءِ ؟!

ثم تدعو الحسين:لِم يا شقيقي

وابن اُمّي خلّفتني بشقائي ؟

يا أخي يومك العظيم برى عظمي

وأضنى جسمي وأوهى قوائي

يا أخي كنتُ أرتجيك لموتي

وحياتي فخاب منّي رجائي

يا أخي لو فدى من الموت شخص

كنت أفديك بي وقلَّ فدائي

يا أخي لا حبيب بعدك بل لا

عشت إلّا بمقلةٍ عمياءِ

آه واحسرتي لفاطمة الصغرى

وقد أبرزت بذلِّ السباءِ

كفها فوق رأسها من جوى الثكل

وكفُّ اُخرى على الأحشاءِ

فإذا أبصرت أباها صريعاً

فاحصاً باليدين في الرَّمضاءِ

لم تطق نهضةً إليه من الضعف

فنادته في خفيِّ النداءِ

:يا أبي من ترى لِيتمي وضعفي

أو تراه لمحنتي وابتلائي ؟!؟!

فإذا لم تجد جواباً لها إلّا

بكسر الجفون والأيماءِ

أقبلت نحو عمَّتيها وقالت

:ما أرى والدي من الأحياءِ

فإذا كان لِمْ جفاني وما كان

له قطُّ عادة بالجفاءِ

يا بني أحمد السّلام عليكم

ما أنارت كواكب الجوزاءِ

أنتمُ صفوة الإ~له من الخلق

ومن بعد خاتم الأنبياءِ

ونجوم الهدى بنوركم تهدي

البرايا في حندس الظلماءِ

أنا مولاكم ابن حمّاد أعدد

تكم في غدٍ ليوم جزائي

و رجائي أن لا أخيب لديكم

واعتقادي بكم بلوغ الرجاءِ


٣ شجاك نوى الأحبة كيف شاءا

بداءٍ لا تصيب له دواءا ٧٥

٤ أيفرح من له كبدٌ يذوب

وقلبٌ من صبابته كئيبُ ؟! ٢٨

٥ ويك يا عين سحي دمعاً سكوبا

ويك يا قلبُ كن حزيناً كئيبا ٦٨

٦ أتلعاباً وقد لاح المشيبُ ؟

وشيب الرأس منقصة وعيبُ ٧٤

٧ دعوت الدمع فانسكب انسكابا

وناديت السلوِّ فما أجابا ٦٧

ويقول فيها:

وإن يك حبُّ أهل البيت ذنبي

فلستُ بمبتغٍ عنه منابا

اُحبّهُم وأمنحهم مديحاً

وأمنحُ مَن يسبّهُم سبابا

ولم أمدحهمُ قطُّ اكتساباً

ولكنّي مدحتهمُ ارتغابا

ولن يرجو ابن حمّاد عليُّ

بحسن مديحهم إلّا الثوابا

٨ هل لجسمي من السقام طبيب ؟

أم لعيني من الرُّقاد نصيب ؟ ٢٦

٩ يا أهل بيت رسول الله إنَّكُم

لأشرف الخلق جدّاً غاب أو أبا ٣٠

١٠ ألدهر فيه طرائفٌ وعجائبُ

تترى وفيه فوائدٌ ومصائبُ ٦٠

١١ أيا مَن لقلب دائم الحسراتِ ؟

ومن لجفون تسكب العبرات ؟ ٣٤

هي على رويِّ تائيَّة دعبل يقول في آخرها:

إليك أمين الله نظم قصيدةٍ

إماميَّةٍ تزهو بحسن صفاتِ

عليّ بن حمّاد دعاها فأقبلت

وهمَّته من أعظم الهمماتِ

شبيهٌ لما قال الخزاعيُّ دعبل

[ تضمَّنه الرَّحمن بالغرفات ]

[ مدارس آيات خلت من تلاوة

ومهبط وحي مقفر العرصات ]

١٢ بقاعٌ في البقيع مقدّساتٌ

وأكنافٌ بطيبة طيِّباتٌ ٩٥

١٣ دعني أنوح وأسعد النوّاحا

مثلي بكى يوم الحسين وناحا ٢٨

١٤ أرى الصبر يفنى والهموم تزيد

وجسمي يبلى والسقام جديدُ ٤٣

١٥ ماضرَّ عهد الصبى لو أنَّه عادا

يوما يزوِّدني من طيبةٍ زادا ٨٦

جارى بها السيد إسماعيل الحميري في قصيدة له أوَّلها:

طاف الخيال علينا منك عبّادا

........................................


فقال العبديُّ في آخر قصيدته:

وازنت ما قال إسماعيل مبتدءاً:

[ طاف الخيال علينا منك عبّادا ]

١٦ أبك ما عشت بالدموع الغزارِ

لذراري محمَّد المختارِ ٣٧

١٧ أآمرتي بالصبر أسرفت في أمري

أيؤمر مثلي لا أباً لك بالصبر ؟ ٢٩

١٨ سلامي على قبرٍ تضمَّن حيدرا

سلام مشوقٍ ما يطيق التصبّرا ٦٠

ويقول في آخرها:

ولا أغل في ديني كمن كان قد غلا

وما كنت في حبِّ الوصيِّ مُقصِّرا

بذلك يلقى الله في يوم بعثه

عليُّ بن حمّاد إذا هو اُنشرا

١٩ يا لائمي دع ملامي في الهوى وذرِ

فإنَّ حبَّ عليٍّ قام في عذري ٢٨

٢٠ دعى قلبه داعي الوعيد فاسمعا

وداع لبادي شيبه فتورَّعا ٦٢

٢١ فرَّقتَ يا بين شملاً كان مجتمعا

أبعدتَ عنّي حبيبي والسرور معا ٧٧

٢٢ خليلي عُج بنا نطل الوقوفا

على مَن نوره شمل الطفوفا ٢٥

٢٣ خواطر فكري في الحشاء تجولُ

وحزني على آل النبيَّ يطولُ ٥٢

٢٤ أهجرتِ يا ذات الجمال دلالا ؟

وجعلتِ جسمي للصدود خيالا ؟ ٥٨

٢٥ ألا إنَّ زين المرء في عمره العقلُ

ونهج هدى ما فيه زُحلوقة زلُّ ٢٧

٢٦ يا عليَّ بن أبي طالب يا بن المفضلِ

يا حجاب الله والباب القديم الأزلي ٢١

٢٧ ناجتك أعلام الهداية فاعلمِ

وأقمت فيها بالطريق الأقومِ ٥١

فانظر بعين العقل في عقبى الهوى

واسأل عن الدارين إن لم تعلمِ

٢٨ ألنَّوم بعدكُم عليَّ حرامُ

مَن فارق الأحباب كيف ينامُ ؟ ٥٥

وهناك قصائد تُعزى إلى شاعرنا إبن حمّاد العبدي في بعض المجاميع وهي لإبن حمّاد محمَّد المتأخِّر عن المترجَم له بقرون منها قصيدةٌ مطلعها:

لغير مصاب السبط دمعك ضايعُ

ولا أنت ذا سلوٍ عن الحزن جازعُ

وقفنا على تمام هذه القصيدة وفي آخرها:

لعلّ ابن حمّاد محمَّد عبدكم

له في غدٍ خير البريَّة شافعُ


ألقرن الرابع

٣٣

أبو الفرج الرازي

تجلّى الهدى يوم ( الغدير ) على الشّبه

وبرّز إبريز البيان عن الشّبه

وأكمل ربُّ العرشِ للناس دينهم

كما نزل القرآن فيه فأعربه

وقام رسول الله في الجمع رافعاً

بضبع عليٍّ ذي التعالي من الشَّبه

وقال:ألا مَن كنت مولى لنفسه

فهذا له مولى فيا لكِ منقبه(١)

( ألشاعر )

أبو الفرج محمَّد بن هندو الرازي.

( آل هندو ) من اُسر الإماميَّة الناهضين بنشر العلم والأدب، وفيهم جمعٌ ممَّن تحلّوا بفنون الفضايل، ولهم في الكتابة والقريض قِدمٌ وَ قدمٌ، طفحت بذكرهم المعاجم منهم:أبو الفرج محمَّد بن هندو مؤسِّس شرف بيتهم، عدَّه إبن شهر آشوب في ( معالم العلماء ) من شعراء أهل البيت عليهم السَّلام المتَّقين.

ومنهم:أبو الفرج الحسين بن محمَّد بن هندو، ترجمه الثعالبي في ( اليتيمة ) ج ٣ ص ٣٦٢ وعدّه من أصحاب الوزير الصاحب بن عبّاد وذكر شطراً من شعره وقال:ملحه كثيرةٌ ولا يسع هذا الباب إلّا هذا الاُنموذج منها. وممّا ذكر له قوله:

لا يوحشنَّك من مجدٍ تُباعده

فإنَّ لِلمجد تدريجاً وتدريبا

إنَّ القناة التي شاهدت رفعتها

تنمي فتصعد اُنبوباً فاُنبوبا

وقوله:

يقولون لي ما بال عينك مذ رأت

محاسن هذا الظبي أدمعها هطلُ ؟!

فقلت:زنت عيني بطلعة وجهه

فكان لها من صوب أدمعها غسلُ

____________________

١ - مناقب ابن شهر آشوب ج ١ ص ٥٣١، ط ايران، والصراط المستقيم للبياضي.


ومنهم:أبو الفرج عليّ بن الحسين بن محمَّد بن هندو، توجد ترجمته في جملة من كتب التراجم(١) وفي كلّها ثناءٌ عليه بتضلّعه في الحكمة والفلسفة والطبِّ والكتابة والشعر والأدب وتبرُّزه في ذلك كلِّه. له كتاب مفتاح الطبِّ. ألمقالة المشوِّقة في المدخل إلى علم الفلك. ألكلم الروحانيَّة من الحكم اليونانيَّة. ألوساطة بين الزُّناة واللاطة. هزليَّة. ديوان شعره. توفّي بجرجان سنة ٤٢٠.

ومن شعر أبي الفرجِ عليّ في معاني بديعة قوله:

حللت قاريَ في شادنٍ

عيون الأنام به تعقدُ

غدا وجهه كعبةً لِلجمال

وفي قلبه الحَجَر الأسودُ

وله قوله:

قولوا لهذا القمر البادي

مالك إصلاحي وإفسادي

زوِّد فؤاداً راحلاً قبله

لا بدَّ لِلرّاحلِ من زادِ

وله قوله:

قالوا:اشتغل عنهمُ يوماً بغيرهمُ

وخادع النفس إنَّ النفس تنخدعُ

قد صيغ قلبي على مقدار حبّهمُ

فما لحبِّ سواه فيه مُتَّسعُ

وله قوله:

وحقِّك ما أخَّرتُ كُتبي عنكمُ

لقالة واشٍ أو كلّام محرِّشِ

ولكنَّ دمعي إن كتبت مشوِّشٌ

كتابي وما نفع الكتاب الممشوَّشِ؟!

وله قوله:

ما للمعيل وللمعالي ؟! إنَّما

يسمو إليهنَّ الوحيدُ الفاردُ

فالشمس تجتاب السماء فريدةً

وأبو بنات النعش فيها راكدُ

وله قوله:

قوِّض خيامك من أرض تضام بها

وجانبِ الذلِّ إنَّ الذلُّ يحتنبُ

وارحل إذا كانت الأوطان منقصة

فصندل الهند في أوطانه حطبُ

____________________

١ - طبقات الاطباء ١ ص ٣٢٣. دمية القصر ص ١١٣، فوات الوفيات ٢ ص ٤٥، معجم الأدباء ١٣ ص ١٣٦، محبوب القلوب للاشكوري، نسمة السحر.


لا يذهب على القارئ أنَّ ترجمة أبي الفرج عليِّ بن هندو تُعزى في عيون الأنباء، وفوات الوفيات، ومحبوب القلوب إلى ( يتيمة الدَّهر ) وكتاب اليتيمة خلوٌ منها، و المترجم فيه هو والده المذكور الحسين.

م-نعم:ترجمه الثعالبي في ( تتمَّة اليتيمة ) ص ١٣٤ - ١٤٣ وأثنى عليه بقوله:هو من ضربه في الآداب والعلوم بالسهام الفايزة، وملكه رقّ البراعة في البلاغة، فرد الدهر في الشعر، وأوحد أهل الفضل في صيد المعاني الشوارد، ونظم القلائد و الفرائد، مع تهذيب الألفاظ البليغة، وتقريب الأغراض البعيدة، وتذكير الذين يسمعون ويروون، أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تبصرون، وكنت ضمنت كتاب ( اليتيمة ) نبذاً من شعره(١) لم أظفر بغيره وهذا مكان ما وقع إليَّ بعد ذلك من وسائط عقوده، وفوارد أبياته بل معجزاته.

ثم ذكر صحائف من شعره وفصلاً من رسالته الهزليَّة ( الوساطة ) ]

ومنهم:أبو الشرف بن أبي الفرج عليّ بن حسين بن محمَّد بن هندو ذكره صاحب ( دمية القصر ) ص ١١٣ في ذيل ترجمة أبيه.

قد تُعزى الأبيات الغديريَّة المذكورة إلىَّ أبي الفرج سلامة بن يحيى الموصلي(٢) وهو لا يتمُّ لأنَّ الواقف ( على مناقب ) إبن شهر آشوب ومعالمه جِدُّ عليمٍ بانَّه يذكر أبا الفرج الموصلي في كتابيه باسمه والمترجم بكنيته والله أعلم.

____________________

١ - ج ٣ ص ٢١٢.

٢ - راجع يتيمة الدهر ج ١ ص ٨٢.


ألقرن الرابع

٣٤

جعفر بن حسين

قل لِلّذي بفجوره

في شعره ظهرت علامه

ويبيع جهلاً دينه

لمضلّل يرجو حطامه

:من أين أنت لعنت ؟ أو

من أين أسرار الإمامه؟!

أظننتها إرث النَّـ

ـبيَّ ؟فما أصبت ولا كرامه

إنَّ الإمامة بالنصَّو

ص لمن يقوم بها مقامه

كمقاله في يوم ( خمّ )

لحيدر لمّا أقامه

:من كنتُ مولاه فذا

مولاه يسمعهم كلامه

سل عنه ذا خبرٍ به

فلتذهبنَّ إذا ندامه

فهو الذي بحسامه

للنقع قد جلّى قتامه

في يوم بدرٍ إذ شكا

سادات مالككم صدامه

وأنين والدهم وقد

منع النبيّ به منامه

إنَّ الإمام لديننا

مَن شاده وبنى دعامه

في كلِّ معترك إذا

شبَّ الوغى أطفى ضرامه

فتّاح خيبر بعد ما

فرَّ الذي طلب السَّلامه

تالله لو وُزن الجميـ

ـع لما وفوا منه القلامه

حكى القاضي أبو المكارم محمَّد بن عبد الملك بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الحلبي المتوفّى سنة ٥٦٥ في شرح قصيدة أبي فراس الميميَّة المعروفة بالشافية عن مروان بن أبي حفصة انَّه قال:أنشدت المتوكّل شعراً ذكرتُ فيه الرافضة فعقد لي على البحرين واليمامة وخلع عليَّ أربع خلع في دار العامَّة والشعر هو هذا:


لكمُ تراث محمَّدٍ

وبعدلكم تنفى الظلامة

يرجو التراث بنو البنا

ت وما لهم فيه قلامه

والصهر ليس بوارثٍ

والبنت لا ترث الإمامه

ما للَّذين تنحَّلوا

ميراثكم إلّا الندامه

أخذ الوراثة أهلها

فعلام لومكمُ علامه ؟!

لو كان حقّكمُ لها

قامت على الناس القيامه

ليس التراث لغيركم

لا والإ~له ولا كرامه

أصبحت بين محبِّكم

والمبغضين لكم علامه

فردِّ عليه رجلٌ يقال له جعفر بن حسين بقوله:قل للَّذي بفجوره. إلخ(١)

قال الأميني:زعماً بانَّ الشاعر من أولاد أبي عبد الله حسين بن الحجّاج البغدادي أو ممَّن عاصروه ذكرناه في هذا القرن ولم نقف على شيءٍ من ترجمته.

وقد وقفنا على عدَّة قصائد غديريَّة لغير واحد من شعراء القرن الرابع غير أنّا لم نعرف شيئاً من أحوالهم وتاريخ حياتهم فضربنا عنها صفحاً.

____________________

١ - راجع اعيان الشيعة ١٨ ص ٤٤٦.


شعراء الغدير

في القرن الخامس

٣٥

أبو النجيب الطاهر

ألمتوفّى ٤٠١

عيَّد في يوم ( الغدير ) المسلمُ

وأنكر العيد عليه المجرمُ

يا جاحدي الموضع واليوم وما

فاهَ به المختار تبّاً لكمُ

فأنزل الله تعالى جَدُّه

:اليوم أكملت لكم دينكمُ

واليوم أتممت عليكم نعمتي

وإنّ من نصب الإمام النعمُ(١)

( ألشاعر )

أبو النجيب شدّاد بن إبراهيم بن حسن الملقَّب بالطاهر الجزري، من شعراء أهل البيت عليهم السَّلام نظم في فنون الشعر، وغرَّد على أفانينه، بنظم رقيق الحاشية، متَّسق الألفاظ، جزل المعاني، له ديوان شعر عدَّه إبن شهر آشوب في (معالم العلماء ) عداد المجاهرين من شعراء أهل البيت عليهم السَّلام، وفي ( معجم الاُدباء ) ج ٤ ص ٢٦١:شاعرٌ من شعراء عضد الدولة إبن بُويه ومدح المهلبي، كان دقيق الشعر، لطيف الاُسلوب مات سنة ٤٠١ ومن شعره:

إذ المرء لم يرض ما أمكنه

ولم يأت من أمره أحسنه

فدعه فقد ساء تدبيره

سيضحك يوماً ويبكي سنه

ومنه:

أيا جيل التصوُّف شرَّ جيلِ

لقد جئتم بأمر مستحيلِ

أفي القرآن قال لكم إلهي

:كلوا مثل البهائم وارقصوا لي؟!

____________________

١ - مناقب ابن شهر اشوب ج ١ ص ٥٢٨


وقال:

قلت للقلب:ما دهاك ؟ إبن لي

قال لي:بايع الفراني فراني

ناظراه فيما جنت ناظراه

أودعاني أمت بما أودعاني

وقال:

بلاد الله واسعةٌ فضاها

ورزق الله في الدنيا فسيحُ

فقل للقاعدين على هوان:

إذا ضاقت بكم أرض فسيحوا

وقال:

أفسدتمُ نظري عليَّ فما أرى

مذ غبتمُ حَسناً إلى أن تقدموا

فدعوا غرامي ليس يمكن أن ترى

عين الرضى والسخط أحسن منكمُ

وقال في ج ٣ ص ١٩٤:حدّث أبو النجيب قال:كنت كثير الملازمة للوزير:أبي محمَّد المهلبي [ المتوفّى ٣٥٢ ] فاتَّفق أن غسلت ثيابي وأنفذ إليَّ من يدعوني فاعتذرت بعذر فلم يقبله وألحّ في استدعائه فكتبت إليه:

عبدك تحت الحبل عريانْ

كأنَّه لا كان شيطانْ

يغسل أثواباً كأنَّ البلا

فيها خليطٌ وهي أوطانْ

أرقّ من دينيَ إن كان لي

دينٌ كما لِلناس أديانْ

كأنّها حاليَ من قبل أن

يصبح عندي لك إحسانْ

يقول من يبصرني معرضاً

فيها وللأقوال برهانْ

:هذا الذي قد نسجت فوقه

عناكب الحيطان إنسانْ

فأنفذ لي جبَّةً وعمامةً وسراويل وكيساً فيه خمسمائة درهم. وترجمه الكتبي في [ فوات الوفيات ] ص ١٦٧ وقال:شاعرٌ مدح المهلبي وزير معزّ الدولة ومدح عضد الدولة وكانت وفاته في حدود الأربعمائة. وذكر أبياتاً من شعره. ونقل في ص ١٣٢ في ترجمة الوزير المهلبي ما حكيناه عن ( معجم الاُدباء ) من حديث غسل الثياب. وتوجد ترجمته في ( دائرة المعارف) للبستاني ج ٢ ص ٣٦٠.

وقد أصفقت المصادر الثلاثة الأخيرة على أنَّ أبا النجيب كنية شدّاد بن إبراهيم المترجم الملقَّب بالطاهر فهو رجلٌ واحدٌ لا كما حسبه سيِّدنا الأمين في [ أعيان الشيعة ]


من التعدّد فذكر في ج ١ ص ٣٨٩ المترجَم باسمه شّداد وقال:إنَّه توفّي في حدود ٤٠٠. وذكر في ج ١ ص ٤١١ أبا النَّجيب الطاهر الجزري وعدَّه ممَّن لم يحدِّد عصره من الشعراء.

وذكر صاحب [ دمية القصر ] للمترجَم في ص ٥٠ قوله:

اُنظر إلى حظّ ابن شبل في الهوى

إذ لا يزال لكلِّ قلب شايقا

شغل النساء عن الرِّجال وطالما

شغل الرِّجال عن النساء مراهقا

عشقوه أمرد والتحى فعشقته

ألله أكبر ليس يعدم عاشقا

وذكره الثعالبي في تتميم يتيمته ج ١ ص ٤٦ وذكر له من قصيدة في سيف الدولة علي بن عبد الله المتوفّى ٣٥٦:

وحاجةٌ قيل لي:نبَّه لها عمرا

ونُم. فقلت:عليٌّ قد تنبَّه لي

حسبي عليّان إن ناب الزمان وإن

جاء المعاد بما في القول والعملِ

فلي عليُّ بن عبد الله منتجعٌ

ولي عليُّ أمير المؤمنين ولي

وله:

أليس ترى الجوِّ مستعبراً

يُضاحكه برقه الخلّبُ؟!

وقد لاح من قزح قوسه

بعيداً وتحسبه يقربُ

كطاقي عقيق وفيروزج

وبينهما آخر مذهبُ

م - وذكر إبن خلكان شطراً من شعره في تاريخه ٢:٢٣٦ نقلاً عن ( دمية القصر ) وأثنى عليه ].


ألقرن الخامس

٣٦

ألشريف الرضي

ألمولود ٣٥٩

ألمتوفّى ٤٠٦

نطق اللسان عن الضمير

والبشر عنوان البشيرِ

ألآن أعفيت القلـ

ـوب من التقلقل والنفورِ

وانجابت الظلماء عن

وضح الصَّباح المستنير

إلى أن قال:

غدر السرور بنا وكان

وفاؤه يوم الغديرِ

يومٌ أطاف به الوصيُّ

وقد تلقّب بالأميرِ

فتسلّ فيه وردّ عار

ية الغرام إلى المعير

وابتزّ أعمار الهموم

بطول أعمار السرورِ

فلغير قلبك من يعلّل

همَّه نطف الخمورِ

لا تقنعن عند المطالب

بالقليل من الكثيرِ

فتبرَّض الأطماع مثل

تبرّض(١) الثمَّد الجرورِ

هذا أوان تطاول الحا

جات والأمل القصيرِ

فانفح لنا من راحتيك

بلا القليل ولا النزورِ

لا تحوجنَّ إلى العصاب

وأنت في الضرع الدرورِ

آثار شكرك في فمي

وسمات ودِّك في ضميري

وقصيدةٌ عذراء مثل

تألّق الرَّوض النضيرِ

____________________

١ - التبرض من تبرض:اذا تبلغ بالقليل من العيش.


فرحت بمالك رقِّها

فرح الخَميلة(١) بالغدير

ألقصيدة(٢)

( ألشاعر )

ألشريف الرَّضي ذو الحسبين أبو الحسن محمَّد بن أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمَّد بن موسى بن إبراهيم إبن الإمام أبي إبراهيم موسى الكاظمعليه‌السلام .

اُمّه السيِّدة فاطمة بنت الحسين بن أبي محمَّد الحسن الاُطروش بن عليَّ بن الحسن بن عليَّ بن عمر بن عليَّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

والده أبو أحمد كان عظيم المنزلة في الدولتين العبّاسيَّة والبويهيَّة لقَّبه أبو نصر بهاء الدين بالطاهر الأوحد، وولي نقابة الطالبييَّن خمس مرّات، ومات وهو النقيب وذهب بصره، ولولا استعظام عضد الدولة أمره ما حمله على القبض عليه و حمله إلى قلعة بفارس، فلم يزل بها حتّى مات عضد الدولة فأطلقه شرف الدولة إبن العضد واستصحبه حين قدم بغداد، وله في خدمة الملّة والمذهب خطواتٌ بعيدةٌ، ومساعي مشكورةٌ، وقَدمٌ وقَدمٌ، ولد سنة ٣٠٤ وتوفي ليلة السبت ٢٥ جمادى الأولى سنة ٤٠٠(٣) ورثته الشعراء بمراث كثيرة، وممَّن رثاه ولداه المرتضى والرَّضي ومهيار الدَّيلمي ورثاه أبو العلاء المعرّي بقصيدة توجد في كتابه سقط الزند.

وسيِّدنا الشريف الرَّضي هو مفخرةٌ من مفاخر العترة الطاهرة، وإمامٌ من أئمَّة العلم والحديث والأدب، وبطلُ من أبطال الدين والعلم والمذهب، هو أوَّلٌ في كلِّ ما ورَثه سلفه الطاهر من علمٍ متدفّق، ونفسيَّات زاكية، وأنظارٍ ثاقبة.

وإباءٍ وشممٍ، وأدبٍ بارعٍ، وحسبٍ نقيٍّ، ونسبٍ نبويٍّ، وشرفٍ علويًّ، و مجدٍ فاطميٍّ، وسوددٍ كاظميٍّ، إلى فضائل قد تدفَّق سيلها الأتّي، ومئانر قد التطمت أواذيّها الجارفة، ومهما تشدَّق الكاتب فإنَّ في البيان قصوراً عن بلوغ مداه،

____________________

١ - ألخميلة:الشجرة الكثير الملتف الموضع الكثير الشجر المنهبط من الارض.

٢ - توجد في ديوانه ١ ص ٣٢٧ يمدح بها أباه في ( يوم الغدير ) ويذكر رد أملاكه عليه في سنة ٣٩٦.

٣ - صحاح الاخبار ص ٦٠، والدرجات الرفيعة، وعدة أخرى من الكتب والمعاجم.


وللتنقيب تقاعساً عن تحديد غايته، وللوصف انحساراً عن استكناه حقيقته، وإنَّ دون ما تحلّى به من مناقبه الجمَّة، وضرائبه الكريمة، كلّ ما سردوه في المعاجم من ثناءٍ وإطراء مثل فهرست النجاشي ص ٢٨٣، يتيمة الدهر ٣ ص ١١٦، الأنساب للمجدي، تاريخ بغداد ٣ ص ٢٤٦، كامل إبن الأثير ٩ ص ٨٩، معالم العلماء ١٣٨، دمية القصر ص ٧٣، تاريخ ابن خلكان ٢ ص ١٠٦، المنتظم لابن الجوزي ٧ ص ٢٧٩، خلاصة العلّامة ٨١، صحاح الأخبار ص ٦١، الأنساب لأبي نصر البخاري، عمدة الطالب ١٨٣، تحفة الأزهار لأبن شدقم، تاريخ ابن كثير ١٢ ص ٣، مرآة الجنان ٣ ص ١٨، ألشذرات ٣ ص ١٨٢، شرح إبن أبي الحديد ١ ص ١٠، غاية الإختصار،

ألدرجات الرفيعة للسيِّد، مجالس المؤمنين ٢١٠، جامع الأقوال

نسمة السحر لليمني، لسان الميزان ٤ ص ٢٢٣، رياض الجنَّة للزنوزي

ألروضة البهيَّة للسيِّد، ملخَّص المقال، رجال إبن أبي جامع

ألإجازة للسّماهيجي، ألإتقان ص١٢١، منهج المقال ٢٩٣

تأسيس الشيعة ١٠٧، سمير الحاضر للشيخ علي، تنقيح المقال ص ١٠٧

أليتيمة للعاملي ص ١٨، تاريخ آداب اللغة ٢ ص ٢٥٧(١) أعلام الزركلي ٣ ص ٨٨٩ دائرة المعارف للبستاني ١٠ ص ٤٥٨، دائرة المعارف لفريد وجدي ٤ ص ٢٥١، مجلّة الهدى العراقيَّة في الجزء الثالث من السنة الاولى ص ١٠٦. معجم المطبوعات.

وتجد تحليل نفسيَّة ( الشريف الرَّضي ) الكريمة في ما ألّفه العلّامة الشيخ عبد الحسين الحلّي النجفي كمقدِّمة للجزء الخامس المطبوع من تفسيره فطبع معه في ١١٢ صحيفة ١ ]

وما نضد عقد جمانه الكاتب الشهير زكي مبارك في مجلّدين ضخمين مطبوعين أسماه ( عبقريَّة الرَّضي ٢ )

وقبلهما ما كتبه العلّامة ألشيخ محمَّد رضا بن شيخنا الحجَّة الشيخ هادي كاشف الغطاء ٣ ]

وأفرد زميلنا السيِّد علي أكبر البرقعي القمي كتاباً في ترجمته أسماه [ كاخ دلاويز ٤ ]

____________________

١ - اشتبه في تأليف المترجم وبيئة نشأته وتاريخ وفاته.


م - قال الأميني:كان البرقعي محمود السيرة، ميمون النقيبة، من روّار الفضيلة و الأدب، غير أنَّه تحزّب في الآونة الأخيرة بفئة ضالَّة ساقطة، واُصيب - ألعياذ بالله - بمتعسة أزالته عن مكانته، وأسفّته إلى هوَّة البوار، عصمنا الله من الزَّلل، وآمننا من الخطل، وحفظنا من خاتمة سوء ].

وكتب الدكتور محفوظ ترجمته في ٢٥٠ صحيفة سمّاها بـ [ الشريف الرضي ] طبعت في بيروت بمطبعة الريحاني ٥ [ولولدنا محمَّد هادي الأميني كتابٌ في ترجمته ٦ ]

وهناك مَن كتب(١) في عبقريَّته من المتطفِّلين على موائد الكتابة من الشباب الزائف في مصر، غير أنَّه كشف عن سوئة نفسه وخلّد لها شية العار على مرَّ الدهور، فطفق ينحو فيما حسبه خدمةً للرَّضي ونشراً لعبقريَّته النيل من سلفه الطاهر، وأخذ ينشر ما في علبة عداؤه على أهل البيت النبويِّ المقدَّس بالوقيعة في سيِّدهم سيِّد الوصيِّين وأمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، هنالك أبدى ضئولة رأيه، وسخف أنظاره، وخبث عنصره، فجاء كالباحث عن حتفه بظلفه، وهب أنَّه من قومٍ حِناق على آل الرسول صلوات الله عليهم لكنَّه لم يسلم من نعراته حتّى أئمَّة مذهبه، فقد جاثاهم وسلقهم بلسانٍ حديد، أنا لا اُحاول نقد كلماته حرفيّاً فإنَّها أسقط من ذلك، وإنَّ صاحبها أقلّ مِن أن ينوَّه به في الكتب، ولكن أسفي على مصر أن يشوِّه سمعتها الذَّنابي، أسفي على جامعتها أن لا تنفي عنها ما يُدنِّس مطارف فضلها القشيبة، أسفي على مطابعها أن تنشر السفاسف المخزية، أسفي أسفي أسفي.

أساتذته ومشايخه

١ - أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان النحوي المعروف بالسيرافي المتوفّى ٣٦٨ تلمّذ عليه في النحو وهو طفلٌ لم يبلغ عمره عشر سنين، ذكره إبن خلكان، واليافعي، وصاحب ( الدَّرجات الرفيعة ) نقلاً عن أبي الفتح إبن جنّي شيخ المترجَم.

٢ - أبو علي الحسن بن أحمد الفارسي النحوي المتوفّى ٣٧٧ وله منه إجازة، يروي عنه في كتابه ( ألمجازات النبويَّة).

٣ - أبو عبد الله محمَّد بن عمران المرزباني المتوفّى ٣٨٤ وقيل ٧٨.

____________________

١ - هو محمد سيد الكيلاني افرد في المترجم كتاباً في ١٥٩ صفحة وسماء ب‍ ( الشريف الرضي )


٤ - أبو محمَّد ألشيخ الأقدم هارون بن موسى التلعكبري المتوفّى ٣٨٥.

٥ - أبو الفتح عثمان بن جنّي الموصلي المتوفّى ٣٩٢ وقد أكثر النقل عنه في ( المجازات النبويَّة ).

٦ - أبو يحيى عبد الرحيم بن محمَّد المعروف بابن نباتة صاحب الخطب المتوفّى ٣٩٤.

٧ - ألشيخ الأكبر شيخنا المفيد أبو عبد الله إبن المعلّم محمَّد بن نعمان المتوفّى ٤١٣، قرأ عليه هو وأخوه علم الهدى المرتضى قال صاحب ( الدَّرجات الرفيعة ):كان المفيد رأى في منامه فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم دخلت إليه وهو في مسجده بالكرخ ومعها ولداها:ألحسن والحسين عليهما السَّلام صغيرين فسلّمتهما إليه وقالت له:علمهما الفقه. فانتبه متعجِّباً من ذلك فلمّا تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرؤيا دخلت إليه المسجد فاطمة بنت الناصر وحولها جواريها وبين يديها إبناها:عليّ المرتضى ومحمَّد الرّضي. صغيرين فقام إليها وسلّم عليها فقالت له:أيَّها الشيخ هذان ولداي قد أحضرتهما إليك لتعلّمهما الفقه. فبكى الشيخ وقصَّ عليها المنام وتولَّى تعليمهما وأنعم الله تعالى وفتح لهما من أبواب العلوم والفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدنيا وهو باقٍ ما بقي الدَّهر. وذكرها إبن أبي الحديد في شرحه ج ١ ص ١٣.

٨ - أبو الحسن عليُّ بن عيسى الربعي النحوي البغدادي المتوفّى ٤٢٠ كما في ( المجازات النبويَّة ) ص ٢٥٠، وقال المترجَم في تفسير قول تعالى:ربِّ إنّي وضعتها اُنثى والله أعلم بما وضعت:قال لي شيخنا أبو الحسن عليُّ بن عيسى النحوي صاحب أبي علي الفارسي، وهذا الشيخ كنتُ بدأتُ بقرائة النحو عليه قبل شيخنا أبي الفتح عثمان، بن جنّي، فقرأتُ عليه مختصر الجرمي، وقطعة من كتاب الايضاح لأبي علي الفارسي، ومقدّمة أملاها عليَّ كالمدخل إلى النحو، وقرأت عليه العروض لأبي إسحاق الزجّاج والقوافي لأبي الحسن الأخفش.

٩ - ألقاضي عبد الجبّار أبو الحسن بن أحمد الشافعيّ المعتزلي، قرأ عليه كما في ( المجازات النبويَّة ).

١٠ - أبو بكر محمَّد بن موسى الخوارزمي، قرأ عليه في الفقه كما في ( المجازات ) ص ٩٢.


١١ - أبو حفص عمر بن إبراهيم بن أحمد الكناني، يروي عنه الحديث كما في ( المجازات ) ص ١٥٥.

١٢ - أبو القاسم عيسى بن عليِّ بن عيسى بن داود بن الجراح، شيخه في الحديث كما في ( المجازات ) ص ١٥٣.

١٣ - أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد الأسدي الأكفاني.

١٤ - أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمَّد الطبري الفقيه المالكي، تلمّذ عليه في عنفوان شبابه كما في ( المنتظم ) لابن الجوزي وغيره.

تلامذته والرواة عنه

ويروي عنه جمعٌ من أعيان الطايفة وأعلام العامَّة منهم:

١ - شيخ الطائفة ابو جعفر محمَّد بن الحسن الطوسي المتوفّى ٤٦٠.

٢ - ألشيخ جعفر بن محمَّد الدوريستي.

٣ - ألشيخ أبو عبد الله محمَّد بن علي الحلواني كما في الإجازات.

٤ - ألقاضي أبو المعالي أحمد بن عليِّ بن قدامة المتوفّى ٤٨٦، كما في كثير من إجازات أعلام الدين.

٥ - أبو زيد السيِّد عبد الله بن علي كيابكي ابن عبد الله الحسيني الجرجاني، كما في إجازة الشهيد الثاني لوالد شيخنا البهائي العاملي، وإجازة مولانا المجلسي الأوَّل لولده العلّامة المجلسي.

٦ - أبو بكر احمد بن الحسين بن أحمد النيسابوري الخزاعي، وهو من أجلّاء تلمذة المترجَم وأخيه الشريف المرتضى كما في ( المقابيس ) للعلّامة الحجَّة التستري.

٧ - أبو منصور محمَّد بن أبي نصر محمَّد بن أحمد بن الحسين بن عبد العزيز العكبري المعدّل كما في ( قصص الأنبياء ) للراوندي.

٨ - ألقاضي السيِّد أبو الحسن عليّ بن بندار بن محمَّد الهاشمي يروي عن المترجَم وأخيه علم الهدى المرتضى كما في إجازة الشيخ عبد الله السماهيجي الكبيرة للشيخ ياسين وإجازته للشيخ ناصر الجارودي سنة ١١٢٨

٩ - ألشيخ المفيد عبد الرَّحمن بن أحمد بن يحيى النيسابوري يروي عن المترجَم


وأخيه علم الهدى جميع مصنَّفاتهما بلا واسطة كما في إجازة الشيخ عبد الله السماهيجي الكبيرة المذكورة.

تآليفه وكتبه

١ - ( نهج البلاغة ) :كان يهتمّ بحفظه حملة العلم والحديث في العصور المتقادمة حتّى اليوم ويتبرَّكون بذلك كحفظ القرآن الشريف، وعُدَّ من حَفظته في قرب عهد المؤلِّف ألقاضي جمال الدين محمَّد بن الحسين بن محمَّد القاساني، فإنّه كان يكتب ( نهج البلاغة ) من حفظه كما ذكره الشيخ منتجب الدين في فهرسته. م - ومن حُفّاظه في القرون المتقادمة الخطيب أبو عبد الله محمَّد الفارقي المتوفّى ٥٦٤ كما ذكره إبن كثير في تاريخه ١٢ ص ٢٦٠، وابن الجوزي في ( المنتظم ) ١٠ ص ٢٢٩ ].

ومن حفظة المتأخِّرين له العلّامة الورع السيِّد محمَّد اليماني المكّي الحائري المتوفّى في الحائر المقدَّس سنة ١٢٨٠ في ٢٨ ربيع الأوَّل.

ومنهم العالم المؤرِّخ الشاعر الشيخ محمَّد حسين مروَّة الحافظ العاملي، حكى سيِّدنا صدر الدين الكاظمي عن العلّامة الشيخ موسى شرارة:انَّه كان يحفظ تمام قاموس اللغة، وشرح نهج البلاغة لإبن ابي الحديد، وأربعين ألف قصيدة. ا ه‍. ونقل بعض الأعلام:انَّه كان حافظاً لكامل إبن الأثير من أوَّله إلى آخره. ذلك فضل الله يُؤتيه مَن يشاء.

وقد توالت عليه الشروح منذ عهد قريب من عصر المترجَم له بما يربو على السبعين شرحاً وممَّن شرحه:

١ - ألسيد عليّ بن الناصر المعاصر لسيِّدنا الشريف الرَّضي شرحه وأسما شرحه ب‍ ( أعلام نهج البلاغة ) وهو أوَّل الشروح وأقدمها.

٢ - أحمد بن محمَّد الوبري من أعلام القرن الخامس.

٣ - ضياء الدين أبو الرضا فضل الله الراوندي علّق عليه سنة ٥١١.

٤ - أبو الحسن عليُّ بن أبي القاسم زيد بن أميرك محمَّد بن أبي علي الحسين إبن أبي سليمان فندق بن أيّوب بن الحسن بن أحمد بن عبد الرَّحمن بن عُبيد الله بن عمر بن الحسن بن عثمان بن أيّوب بن خُزيمة بن عمر بن خُزيمة بن ثابت ذي الشهادتين


صاحب رسول اللهصلّى الله عليه وآله وسلّم البيهقي النيسابوري من مشايخ ابن شهر آشوب قرأ نهج البلاغة على الشيخ الحسن بن يعقوب القارئ سنة ٥١٦ وشرحه وأسماه بـ‍ ( معارج نهج البلاغة ) ولد يوم السبت سابع وعشرين شعبان في سبزوار ومات سنة ٥٦٥(١) .

٥ - أبو الحسين سعيد بن هبة الله قطب الدين الراوندي المتوفّى ٥٧٣ أسما شرحه بـ‍ ( منهاج البراعة ).

٦ - ألشيخ أبو الحسين محمَّد بن الحسين بن الحسن البيهقي النيسابوري الشهير بقطب الدين الكيدري، له شرحه الموسوم ب‍ ( حدايق الحقايق ) فرغ من تأليفه سنة ٥٧٦.

٧ - أفضل الدين الحسن بن عليّ بن أحمد الماهابادي، أحد مشايخ صاحب الفهرست ألشيخ منتجب الدين المتوفّى بعد سنة ٥٨٥(٢) .

٨ - ألقاضي عبد الجبّار المردَّد بين جمعٍ(٣) مقارنين بعصر شيخ الطائفة ذكره العلّامة النوري في ( المستدرك ).

٩ - ألفخر الرازي محمَّد بن عمر الطبري الشافعيّ المتوفّى ٦٠٦ كما صَّرح به القفطي في ( تاريخ الحكماء ).

١٠ - أبو حامد عزُّ الدين عبد الحميد الشهير بابن أبي الحديد المعتزلي المدايني المتوفّى سنة ٦٥٥، له شرحه الدائر الذي إختصره المولى سلطان محمود الطبسي الآتي ذكره.

١١ - ألسيِّد رضي الدين أبو القاسم عليُّ بن موسى بن طاوس الحسيني المتوفّى سنة ٦٦٤.

____________________

١ - ترجمه الحموي في ( معجم الادباء ) ٥ ص ٢٠٨ نقلا عن كتابه ( مشارب التجارب ) وعد شرح النهج من تاليفه، فما في ( كاخ دلاويز ) ص ١١٦ من نفى صحة نسبة الشرح إليه ردا على ابن يوسف الشيرازي في غير محله، كما اشتبه عليه في قوله:ان البيهقي اول شارح الكتاب.

٢ - اسم الشارح أفضل الدين الحسن لا أبو الحسن كما في بعض المعاجم.

٣ - ألا وهم الفقهاء الافذاذ:القاضي ركن الدين عبد الجبار بن علي الطوسي، والقاضي عبد الجبّار بن فضل الله، وعبد الجبار بن منصور، والشيخ عبد الجبار بن احمد، والشيخ عبد الجبار بن عبد الله المقري الرازي، وعبد الجبار بن محمد الطوسي، وابو علي عبد الجبار بن الحسين.


١٢ - أبو طالب تاج الدين المعروف بابن الساعي علّي بن أنجب بن عثمان بن عبد الله البغدادي المتوفّى ٦٧٤، صاحب التآليف الكثيرة منها شرح نهج البلاغة كما في ( منتخب المختار ) ص ١٣٨.

١٣ - كمال الدين الشيخ ميثم بن عليّ بن ميثم البحراني المتوفّى ٦٧٩، له شرحه الكبير والمتوسط والصغير.

١٤ - ألشيخ أحمد بن الحسن الناوندي، من أعلام القرن السابع تلميذ الشيخ جمال الدين الوراميني، له حواش كثيرة على ( نهج البلاغة ) من تقريرات استاده المذكور.

١٥ - ألعلّامة الحلّي جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهَّر المتوفّى ٧٢٦.

١٦ - ألشيخ كمال الدين إبن عبد الرَّحمن بن محمَّد بن إبراهيم العتائقي الجلّي أحد أعلام القرن الثامن له شرحه الكبير في أربع مجلّدات.

١٧ - يحيى بن حمزة العلوي اليمني من أئمَّة الزيديَّة المتوفّى ٧٤٩، إقتصر في شرحه على حلِّ عويصاته اللغويَّة.

١٨ - سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني الشافعيّ المتوفّى ٧٩١ / ٢ / ٣.

١٩ - ألسيِّد أفصح الدين محمّد بن حبيب الله بن أحمد الحسيني، فرغ من شرحه شهر صفر سنة ٨٨١(١)

٢٠ - ألمولى قوام الدين يوسف بن حسن الشهير بقاضي بغداد المتوفّى حدود سنة ٩٢٧.

٢١ - أبو الحسن عليُّ بن الحسن الزواري، من تلمذة المحقِّق الكركي شرحه بالفارسيَّة وأسماه ب‍ ( روضة الأبرار ) فرغ منه سنة ٩٤٧.

٢٢ - ألمولى جلال الدين الحسين بن خواجة شرف الدين عبد الحقّ الأردبيلي المعروف بالإ~لهي المتوفّى ٩٥٠، شرحه بالفارسيّة ويسمّى بـ ( منهج الفصاحة ).

____________________

١ - ذكر البحاثة ابن يوسف الشيرازي في ترجمته ( ما هو نهج البلاغة ) شرحين أحدهما ص ١٧ للسيد أفصح الدين المذكور والاخر في ص ٢٦ للسيد أفصح الدين الاخر ولم يعرف مؤلفه، وهو اشتباه واضح وليس هناك الا شرح واحد لرجل واحد.


٢٣ - ألمولى فتح الله بن المولى شكر الله القاشاني المتوفّى ٩٨٨، له شرحه الفارسي المطبوع الموسوم به [ تنبيه الغافلين وتذكرة العارفين]

٢٤ - عزُّ الدين عليُّ بن جعفر شمس الدين الآملي من تلمذة الشيخ عليّ بن هلال الجزائري له شرحه بالفارسيَّة.

٢٥ - ألمولى عماد الدين علي القاري الاسترابادي أحد أعلام القرن العاشر له تعليق على الكتاب.

٢٦ - ألمولى شمس بن محمَّد بن مراد ترجم شرح إبن أبي الحديد المعتزلي سنة ١٠١٣.

٢٧ - شيخنا البهائي العاملي المتوفّى ١٠٣١، له شرح نهج البلاغة ولم يتم، ذكره البرقعي فيما كتبه إلينا.

٢٨ - ألشيخ الرئيس أبو الحسن ميرزا القاجاري، له شرحه لم يتمّ، كتبه إلينا ألسيِّد البرقعي.

٢٩ - ألشيخ نور محمَّد بن القاضي عبد العزيز بن القاضي طاهر محمَّد المحلّي شرحه فارسيّاً سنة ١٠٢٨.

٣٠ - ألمولى عبد الباقي الخطّاط الصوفي التبريزي المتوفّى ١٠٣٩ شرحه بالفارسيَّة وسمّاه بـ‍ [ منهاج الولاية ](١)

٣١ - ألمولى نظام الدين عليّ بن الحسن الجيلاني يسمّى شرحه بـ‍ [ أنوار الفصاحة ] فرغ من أوَّل مجلّداته الثلاث ٤ ربيع الأوَّل سنة ١٠٥٣.

٣٢ - ألشيخ حسين بن شهاب الدين بن الحسين العاملي الكركي المتوفّى ١٠٧٦ عن ٦٨ سنة.

٣٣ - فخر الدين عبد الله بن المؤيّد بالله لخّص شرح إبن أبي الحديد وأسماه [ ألعقد النضيد المستخرج من شرح إبن أبي الحديد ] توجد منه نسخةٌ مؤرَّخةٌ بسنة ١٠٨٠.

____________________

١ - ذكر البحاثة ابن يوسف الشيرازي في ترجمة ( ما هو نهج البلاغة ) ص ١٩ شرحاً للمولى عبد الباقي ولم يسمه. وذكر في ص ٢٥ الشرح ( منهاج الولاية ) ولم يعرف مؤلفه،


٣٤ - ألسيَّد ماجد بن محمَّد البحراني المتوفّى ١٠٩٧ لم يتمّ شرحه.

٣٥ - ألشيخ محمّد مهدي بن أبي تراب السهندي شرحه باللغة الفارسيَّة وفرغ منه شهر رمضان سنة ١٠٩٧.

٣٦ - ميرزا علاء الدين محمَّد گلستانه المتوفّى ١١٠٠ يُسمّى شرحه بـ [ حدائق الحقائق ] وشرحه الآخر الصغير ب‍ [بهجة الحدائق ].

٣٧ - ألسيِّد حسن بن مطهر بن محمَّد اليمني الجرموزي الحسني المولود ١٠٤٤ والمتوفّى ١١١٠، له شرحه ذكره له الشوكاني في ( البدر الطالع ) ١ ص ٣١١.

٣٨ - ألمولى تاج الدين حسن المعروف بملّا تاجا والد شيخنا الفاضل الهندي المتوفّى ١١٣٧ له شرحٌ فارسيُّ يوجد في إصبهان.

٣٩ - ألمولى محمَّد صالح بن محمَّد باقر الروغني القزويني من أعلام القرن الحادي عشر شرحه فارسيّاً طبع بايران(١) .

٤٠ - ألسيِّد نعمة الله بن عبد الله الجزائري التستري المتوفّى ١١١٢ له شرحه في ثلاث مجلّدات.

٤١ - ألمولى سلطان محمود بن غلام علي الطبسي القاضي من تلمذة العلّامة المجلسي.

٤٢ - ألمولى محمَّد رفيع بن فرج الجيلاني المتوفَّى بالمشهد الرضوي حدود ١١٦٠.

٤٣ - ألشيخ محمَّد علي بن ألشيخ أبي طالب الزاهدي الجيلاني الإصبهاني المتوفّى في الهند ١١٨١ له شرح بعض خطبه.

٤٤ - ألسيِّد عبد الله بن محمَّد رضا الشبَّر الحسيني الكاظمي المتوفّى ١٢٤٢، له شرحان.

٤٥ - ألأمير محمَّد مهدي الخاتون آبادى الإصبهاني المتوفَّى ١٢٦٣، له شرحه بالفارسيَّة.

٤٦ - ألحاج ألسيِّد محمَّد تقي بن الأمير محمَّد مؤمن الحسيني القزويني المتوفّى

____________________

١ - خفى مؤلف هذا الشرح على صاحب ( وقايع الايام ) وذكره للحاج المولى صالح البرغاني القزويني، وتبعه البرقعي في ( كاخ دلاويز ) والبحاثة ابن يوسف الشيرازي في ترجمة ( ما هو نهج البلاغة ).


١٢٧٠، له شرحه بالفارسيَّة.

٤٧ - ميرزا باقر النوّاب بن محمَّد بن محمَّد اللاهجي الإصبهاني، كتب له شرحاً بالفارسيَّة بأمر السلطان فتحعلي شاه القاجار وطبع بايران.

٤٨ - ألحاج نصر الله بن فتح الله الدزفولي، ترجم شرح إبن أبي الحديد بالفارسيَّة وزاد عليه تحقيقاته بأمر السلطان ناصر الدين شاه القاجار وفرغ منه سنة ١٢٩٢.

٤٩ - ألسيِّد صدر الدين بن محمَّد باقر الموسوي الدزفولي، من تلمذة آقا محمّد البيد آبادي.

٥٠ - ألسيِّد مفتي عبّاس المتوفّى ١٣٠٦ ( أحد شعراء الغدير في القرن الرابع عشر ) عدَّه البرقعي فيما كتبه إلينا من شرّاحه.

٥١ - ألمولى أحمد بن علي أكبر المراغي نزيل تبريز والمتوفّى ٥ محرَّم سنة ١٣١٠ علَّق على مشكلاته.

٥٢ - ألشيخ بهاء الدين محمّد ( أحد شعراء الغدير في القرن الرابع عشر ) له شرحه ذكره البرقعي فيما كتبه إلينا.

٥٣ - ألاُستاذ محمّد حسن نائل المرصفي، شرح مشكلات لغاته طبع بمصر تعليقاً عليه سنة ١٣٢٨

٥٤ - ألشيخ محمّد عبده المتوفّى سنة ١٣٢٣.

٥٥ - ألحاج ميرزا حبيب الله الموسوي الخوئي المتوفّى حدود ١٣٢٦، له شرحه الكبير الموسوم بـ‍ ( منهاج البراعة).

٥٦ - ألشيخ جواد الطارمي بن الحاج المولى محَّرم علي الزنجاني المتوفّى سنة ١٣٢٥، له شرحه الموسوم ب‍ـ ( شرح الإحتشام على نهج بلاغة الإمام ).

٥٧ - ألحاج ميرزا إبراهيم الخوئي الشهيد سنة ١٣٢٥، له شرحه المسمّى بـ‍ ( الدرَّة النجفيَّة ) طبع في تبريز سنة ١٢٩٣.

٥٨ - جهانگيرخان القشقائي المتوفّى بإصبهان سنة ١٣٢٨.

٥٩ - ألسيد أولاد حسن بن محمّد حسن الهندي المتوفّى سنة ١٣٣٨، يُسمّى شرحه ب‍ـ [ الإشاعة ].


٦٠ - ألشيخ محمّد حسين بن محمّد خليل الشيرازي المتوفّى ١٣٤٠.

٦١ - ألسيِّد علي أطهر الكهجوي الهندي المتوفّى في شعبان سنة ١٣٥٢.

٦٢ - ألاُستاذ محيي الدين الخيّاط نزيل بيروت طبع شرحه في ثلث مجلّدات.

٦٣ - ألسيِّد ذإكر حسين أختر الدهلوي المعاصر شرحه بلغة اردو.

٦٤ - ألاُستاذ محمّد بن عبد الحميد المصري زاد على شرح الشيخ محمّد عبده بعض إفاداته وطبع.

٦٥ - ألسيِّد ظفر مهدي اللكهنوي له شرحه بلغة اردو.

٦٦ - ألسيِّد هبة الدين محمّد علي الشهرستاني، له شرحه الموسوم بـ‍ [ بلاغ المنج ]

٦٧ - ألشيخ محمّد علي بن بشارة الخيقاني، له شرحه ذكره له ألشيخ أحمد النحوي في قصيدة يمدحه بها فقال:

ولقد كسى نهج البلاغة فكره

شرحاً فأظهر كلّ خافٍ مضمرِ

وكتب إلينا البرقعي من شُرّاحه.

٦٨ - ميرزا محمّد تقي الألماسي حفيد العلّامة المجلسي قال:له شرحه بالفارسيَّة لم يتمّ.

٦٩ - ألشيخ عبد الله البحراني صاحب العوالم.

٧٠ - ألشيخ عبد الله بن سليمان البحراني السماهيجي.

٧١ - ألحاج المولى علي العلياري التبريزي.

٧٢ - ألشيخ ملّا حبيب الله الكاشاني صاحب التآليف القيِّمة.

٧٣ - ألسيَد عبد الحسين الحسيني آل كمّونة البروجردي.

٧٤ - ميرزا محمّد علي بن محمّد نصير چهاردهي الگيلاني، له شرحه في ثلاث مجلّدات.

٧٥ - ميرزا محمّد علي قراجه داغي التبريزي.

٧٦ - ألأستاذ محمّد محيي الدين عبد الحميد المدرِّس في كلّية اللغة العربيَّة بالأزهر، زاد على شرح ألشيخ محمّد عبده زيادات هامّة طبعت مع الأصل والشرح بمصر في مطبعة الإستقامة.

م - ووقفنا على آثار قيِّمة أو مآثر خالدة حول ( نهج البلاغة ) لجمع ممّن عاصرناهم ألاوهم:


٧٧ - ألحاج ميرزا خليل الصيمري الكمرئي الطهراني، شرح النهج وأطنب في أربع وعشرين مجلّدا، طبع بعض تلكم الأجزاء الضخمة الفخمة القيِّمة بطهران.

٧٨ - ألسيِّد محمود الطالقاني، شرحه في عدَّة مجلّدات طبع غير واحد منها.

٧٩ - ألحاج السيِّد علي النقيّ فيض الاسلام الإصبهاني، ترجمه في ست مجلّدات، طبعت في طهران بأجود خطّ وأحسن ورق.

٨٠ - ألحاج ميرزا محمّد علي الأنصاري القميّ ترجمه نظماً ونثراً بالفارسيَّة في عدَّة مجلّدات وقفت على ثلاث منها مطبوعة بأجمل هيئة وأبهى صورة.

٨١ - جواد فاضل ترجم جملة من خطبه بالفارسية بأسلوب بديع وبيان مليح ].

مؤلف نهج البلاغة

كلُّ هؤلاء الأعلام لا يشكّون في أنَّ الكتاب من تآليف الشريف الرَّضي، و تصافقهم على ذلك معاجم الشيعة جمعاء، فلن تجد من ترجمة من أربابها إلّا ناصّاً على صحَّة النسبة وجازماً باستقامة النسب منذ عصر المؤلِّف وإلى اليوم الحاضر، اُنظر فهرست أبي العبّاس النجاشي المتوفّى ٤٥٠، وفهرست الشيخ منتجب الدين المتوفّى ٥٨٥ و و و.

وتُنبئ القارئ عن صحَّة النسبة إجازات حملة العلم والحديث لأصحابهم منها:

١ - إجازة الشيخ محمّد بن علي بن أحمد بن بندار للشيخ الفقيه أبي عبد الله الحسين برواية الكتاب [ نهج البلاغة ] في جمادى الاُخرى سنة ٤٩٩.

٢ - إجازة الشيخ عليّ بن فضل الله الحسيني لعليِّ بن محمّد بن الحسين المتطبِّب برواية الكتاب في رجب سنة ٥٨٩.

٣ - إجازة الشيخ نجيب الدين يحيى بن أحمد بن يحيى الحلّي للسيِّد عزّ الدين الحسن بن عليّ المعروف بابن الأبرز برواية الكتاب في شعبان سنة ٦٥٥.

٤ - إجازة العلّامة الحلّي لبني زهرة في سنة ٧٢٣.

٥ - إجازة السيِّد محمّد بن الحسن بن أبي الرِّضا العلوي لجمال الدين إبن أبي المعالي سنة ٧٣٠.

٦ - إجازة فخر الدين محمّد بن العلّامة الحلّي لابن مظاهر في سنة ٧٤١.


٧ - إجازة شيخنا الشهيد الأوَّل للشيخ إبن نجدة سنة ٧٧٠.

٨ - إجازة الشيخ عليِّ بن محمّد بن يونس البياضي صاحب [ الصِّراط المستقيم ] للشيخ ناصر بن إبراهيم البُويهي الحساوي سنة ٨٥٢.

٩ - إجازة الشيخ عليِّ المحقِّق الكركيِ للمولى حسين الأسترابادي في سنة ٩٠٧.

١٠ - إجازة الشيخ المحقِّق الكركي للشيخ إبراهيم سنة ٩٣٤.

١١ - إجازة المحقِّق الكركي للقاضي صفيِّ الدين عيسى سنة ٩٣٧.

١٢ - إجازة الشهيد الثاني للشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي في سنة ٩٤١.

١٣ - إجازة الشيخ حسن بن الشهيد الثاني الكبيرة.

١٤ - إجازة الشيخ أحمد بن نعمة الله بن خاتون للمولى عبد الله التستري في سنة ٩٨٨.

١٥ - إجازة الشيخ محمَّد بن أحمد بن نعمة الله بن خاتون للسيِّد ظهير الدين الهمداني في سنة ١٠٠٨.

١٦ - إجازة العلّامة المجلسي الأوَّل لتلميذه آقا حسين الخونساري سنة ١٠٦٢

١٧ - إجازة العلّامة المجلسي الأوّل الكبيرة لولده العلّامة المجلسي المؤرَّخة بسنة ١٠٦٨.

١٨ - إجازة الشيخ صالح بن عبد الكريم للمولى محمَّد هادي بن محمَّد تقي الشولستاني سنة ١٠٨٠.

١٩ - إجازة المجلسي الثاني للسيد ميرزا إبراهيم النيسابوري سنة ١٠٨٨.

٢٠ - إجازة العلامة المجلسي للسيِّد نعمة الله الجزائري سنة ١٠٩٦. وغيرها من الإجازات.

وقبل هذه كلّها نصوص الشريف الرَّضي نفسه في كتبه بذلك فقال في الجزء الخامس من تفسيره ص ١٦٧:ومن أراد أن يعلم زمان ما أشرنا إليه من ذلك فليمعن النظر في كتابنا الذي ألَّفناه ووسمناه [ بنهج البلاغة ] وجعلناه يشتمل على مختار جميع الواقع إلينا من كلّام أمير المؤمنينعليه‌السلام في جميع الأنحاء والأغراض والأجناس والأنواع من خطب وكتب ومواعظ وحكم وبوَّبناه أبواباً ثلاثة. إلخ.


وقال في كتابه [ المجازات النبويّة ](١) ص ٢٢٣:وقد ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم، [ نهج البلاغة ] الذي أوردنا فيه مختار جميع كلامه.

وقال في ص ٤١ من المجازات:وقد ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم بـ [ نهج البلاغة ]

وقال في ص ١٦١:قد ذكرنا الكلام في كتابنا الموسوم بـ‍ [ نهج البلاغة ].

وقال في ص ٢٥٢:قد ذكرناه في جملة كلامهعليه‌السلام لكميل بن زياد النخعي في كتاب ( نهج البلاغة ).

وقال في أواخر ( نهج البلاغة ) في شرح قولهعليه‌السلام : ألعين وكاء السنة:قال الرَّضي وقد تكلّمنا في هذه الإستعارة في كتابنا الموسوم بمجازات الآثار النبويَّة.

وقال في ديباجة ( نهج البلاغة ):فإنِّي كنت في عنفوان السنّ، وغضاضة الغصن إبتدأت بتأليف كتاب في خصائص الائمَّة عليهم السَّلام يشتمل على محاسن أخبارهم و جواهر كلامهم. إلخ. وكتاب الخصايص المذكور موجودٌ بين أيدينا ولم يختلف فيه اثنان انَّه للشريف الرَّضي.

فما تورَّط به بعض الكتبة من نسبة الكتاب إلى أخيه علم الهدى وإتَّهامه بوضعه(٢) أو وضع بعض ما فيه على لسان أمير المؤمنينعليه‌السلام والدَّعوى المجرَّدة ببطلان أكثر ما فيه وعزو ذلك إلى سيَدنا الشريف الرَّضي(٣) الذي عرفت موقفه العظيم من الثقة و العلم والجلالة، أو الترديد فيمن وضعه وجمعه بينهما(٤) ممّا لا يُقام له في سوق الحقايق وزن، وليس له مناخٌ إلّا حيث تربض فيه العصبيَّة العمياء، ويكشف عن جهل اولئك المؤلِّفين برجال الشيعة وتآليفهم، وأعجب ما رأيت كلمة الذهبي في طبقاته ج ٣ ص ٢٨٩ وفيها [ يعني سنة ٤٣٦ ] تُوفّي شيخ الحنفيِّة العلّامة المحدِّث أبو عبد الله الحسين بن موسى الحسيني الشريف الرَّضي واضع كتاب [ نهج البلاغة ].

قال إبن أبي الحديد ج ٢ ص ٥٤٦ بعد ذكر خطبة إبن أبي الشحماء العسقلاني

____________________

١ - كون المجازات النبوية للشريف الرضي من المتسالم عليه لم يختلف فيه اثنان.

٢ - ميزان الاعتدال ٢ ص ٢٢٣، ودائرة المعارف للبستاني ١٠ ص ٤٥٩، تاريخ آداب اللغة ٢ ص ٢٨٨.

٣ - كما في ميزان الاعتدال، ولسان الميزان ٤ ص ٢٢٣.

٤ - تاريخ ابن خلكان ١ ص ٣٦٥، مرآة الجنان لليافعي ج ٣ ص ٥٥.


الكاتب:هذه أحسن خطبة خطبها هذا الكاتب وهي كما تراها ظاهرة التكلّف بيِّنة التوليد، تخطب على نفسها، وإنَّما ذكرت هذا لأنَّ كثيراً من ارباب الهوى يقولون:إنَّ كثيراً من ( نهج البلاغة ) كلامٌ محدثٌ صنعه قومٌ من فصحاء الشيعة، وربّما عزوا بعضه إلى الرَّضي أبي الحسن وغيره، وهؤلاء قومُ أعمت العصبيَّة أعينهم فضلّوا عن النهج الواضح، وركبوا بيِّنات الطريق ضلالا، وقلّة معرفة بأساليب الكلام، وأنا أوضح لك بكلام مختصر ما في هذا الخاطر من الغلط فأقول:لا يخلو إمّا أن يكون كلّ ( نهج البلاغة ) مصنوعاً منحولاً أو بعضه، والأوَّل باطلٌ بالضَّرورة لأنّا نعلم بالتواتر صحَّة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام وقد نقل المحدِّثون كلّهم أو جلّهم والمؤرِّخون كثيراً منه وليسوا من الشيعة لينسبوا إلى غرضٍ في ذلك، والثاني يدلُّ علي ما قلناه لأنّ من قد أنس بالكلام والخطابة وشدا طرفاً من علم البيان وصار له ذوقٌ في هذا الباب لا بدَّ أن يفرِّق بين الكلام الركيك والفصيح، وبين الأصيل والمولّد، وإذا وقف علي كرّاسٍ واحدٍ يتضمَّن كلاماً لجماعة من الخطباء أو لاءثنين منهم فقط فلا بدَّ أن يفرِّق بين الكلامين ويميِّز بين الطريقين، ألا ترى ؟ إنّا مع معرفتنا بالشعر ونقده لو تصفَّحنا ديوان أبي تمام فوجدناه قد كتب في أثنائه قصايد أو قصيدة واحدة لغيره لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبي تمام ونَفَسه وطريقته ومذهبه في القريض، ألا ترى ؟ أنَّ العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصايد كثيرة منحولة إليه لمباينتها لمذهبه في الشعر، وكذلك حذفوا من شعر أبي نواس شيئاً كثيراً لما ظهر لهم انَّه ليس من ألفاظه ولا من شعره، وكذلك غيرهما من الشعراء، ولم يعتمدوا في ذلك إلّا على الذوق خاصَّة، وأنت إذا تأمّلت ( نهج البلاغة ) وجدته كلّه ماءً واحداً ونفساً واحداً واُسلوباً واحداً كالجسم البسيط الذي ليس بعضٌ من أبعاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في الماهيَّة، وكالقرآن العزيز أوَّله كأوسطه وأوسطه كآخره، وكلُّ سورة منه و كلّ آية مماثلةٌ في المأخذ والمذهب والفنّ والطريق والنظم لباقي الآيات والسّور، ولو كان بعض ( نهج البلاغة ) منحولاً وبعضه صحيحاً لم يكن ذلك كذلك، فقد ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلال من زعم أن الكتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام

واعلم أنَّ قائل هذا القول يطرق على نفسه ما لا قَبل له به لأنّا متى فتحنا


هذا الباب وسلّطنا الشكوك على أنفسنا في هذا النحو لم نثق بصحَّة كلام منقول عن رسول اللهصلّى الله عليه وآله وسلّم أبداً وساغ لطاعنٍ أن يطعن ويقول:هذا الخبر منحولٌ، وهذا الكلام مصنوعٌ، وكذلك ما نُقل عن أبي بكر وعمر من الكلام والخطب والمواعظ والأدب وغير ذلك، وكلّ أمر جعله هذا الطاعن مستنداً له فيما يرويه عن النبيَّصلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمَّة الراشدين والصحابة والتابعين والشعراء والمترسِّلين والخطباء، فلنا صري أمير المؤمنينعليه‌السلام أن يستعدَّ إلى مثله فيما يروونه عنه من (نهج البلاغة ) وغيره وهذا واضحٌ. ا ه‍.

وقال في ج ١ ص ٦٩ في آخر الخطبة الشقشقيَّة:حدَّثني شيخي أبو الخير مصدق بن شبيب الواسطي في سنة ثلاث وستمائة قال:قرأت على الشيخ أبي محمَّد عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشّاب ( المتوفّى ٥٦٨ ) هذه الخطبة ( يعني الشقشقية ) فلمّا انتهيت إلى هذا الموضع ( يعني قول إبن عبّاس:فوالله ما أسفت. إلخ ) قال لي:لو سمعت إبن عبّاس يقول هذا لقلت له:وهل بقي في نفس إبن عمِّك أمرٌ لم يبلغه في هذه الخطبة لتتأسَّف أن لا يكون بلّغ من كلامه ما أراد؟! والله ما رجع عن الأوَّلين ولا عن آخرين ولا بقي في نفسه أحدٌ لم يذكره إلّا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال مصدق:وكان إبن الخشّاب صاحب دعابة وهزل قال:فقلت له:أتقول إنّها منحولةٌ ؟! فقال:لا والله وانّي لأعلم أنَّها كلامه كما أعلم انَّك مصدق:قال:فقلت له:إنَّ كثيراً من الناس يقولون:إنَّها من كلّام الرَّضي رحمه الله تعالى، فقال:أنّى للرَّضي ولغير الرضي هذا النَفَس وهذا الاُسلوب ؟! قد وقفنا على رسائل الرَّضي وعرفنا طريقته وفنَّه في الكلام المنثور وما يقع من هذا الكلام في خلّ ولا خمر. قال:والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتبٍ صُنّفت قبل أن يُخلق الرَّضي بمائتي سنة ولقد وجدتها مسطورةً بخطوط أعرفها وأعرف خطوط من هو من العلماء وأهل الأدب قبل أن يُخلق النقيب أبو أحمد والد الرَّضي، قلت:وقد وجدت أنا كثيراً من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديِّين من المعتزلة وكان في دولة المقتدر قبل أن يُخلق الرَّضي بمدّة طويلة، ووجدت ايضاً كثيراً منها في كتاب أبي جعفر بن قبة أحد متكلّمي الإماميَّة وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب ( الإنصاف ) وكان أبو جعفر


هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي رحمه الله تعالى ومات في ذلك العصر قبل أن يكون الرَّضي رحمه الله تعالى موجوداً. ا ه‍.

وقد أفرد العلّامة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء كتاباً في ٦٦ صحيفة حول الكتاب ودفع الشبهات عنه بعد نقلها، وقد جمع فأوعى وتبسَّط فأجاد(١) وألقي الشيخ محمّد عبده حول الكتاب كلمات ضافية في شرحه، وأطال البحث عنه وعن إعتباره الأستاذ حسين بستانه اُستاذ الأدب العربي في الثانويَّة المركزيَّة [ سابقاً ] تحت عنوان ( أدب الإمام عليّ ونهج البلاغة ) وتعرّض الأوهام الحائمة حول النهج، نشر في العدد الرابع من أعداد السنة الخامسة من مجلّة ( الاعتدال ) النجفيَّة الغرّاء، وللعلّامة السيِّد هبة الدين الشهرستاني تأليفٌ حول إعتبار ما في النهج ومحلّه من الرفعة والبذخ عند العالمين تحت عنوان ( ما هو نهج البلاغة ) طبع في صيدا، وترجمه إلى الفارسيَّة أحد فضلاء ايران في عاصمتها ( طهران ) وزاد عليه بعض الفوايد.

ومن تآليف سيدنا الرضي

٢ - خصائص الأئمَّة ذكره مؤلِّفه في صدر ( نهج البلاغة ) وأطراه، وعندنا منه نسخة وقد شرح فيه بعض كلمات أمير المؤمنينعليه‌السلام وذكر اسمه في غير موضع واحد، والعجب عن العلّامة الحلّي وكلامه حوله قال:توجد في العراق نسخٌ باسمه تشبهه في المنهج لكن لم تصحّ نسبتها.

٣ - مجازات الآثار النبويَّة طبع ببغداد سنة ١٣٢٨.

٤ - تلخيص البيان عن مجاز القرآن، ذكره في مواضع من كتابه المجازات النبويَّة ص ٢، ٣، ٩، ١٤٥.

٥ - حقايق التأويل في متشابه التنزيل، وهو تفسيره ذكره في كتابه ( المجازات النبويَّة ) يعبِّر عنه تارةً بحقايق التأويل. واُخرى بالكتاب الكبير في متشابه القرآن، وعبَّر عنه النجاشي بحقايق التنزيل، وصاحب عمدة الطالب بكتاب المتشابه في القرآن.

٦ - معاني القرآن، وهو كتابه الثالث في القرآن ذكره له إبن شهر اشوب في ( المعالم ) ص ٤٤ وقال يتعذَّر وجود مثله، وقال النسّابة العمري في ( المجدي ) شاهدت

____________________

١ - طبع مع كتابه ( مستدرك نهج البلاغة ) في النجف الاشرف.


له جزؤا مجلّداً من تفسير منسوب إليه في القرآن مليح حسن، يكون بالقياس في كبر تفسير أبي جعفر الطبري أو أكبر، وقال إبن خلكان:يتعذَّر وجود مثله دلّ على توسّعه في علم النحو واللغة. ولعلَّ الممدوح هو تفسيره السابق.

٧ - تعليق خلاف الفقهاء.

٨ - تعليقه على ايضاح أبي علي الفارسي.

٩ - ألحسن من شعر الحسين إنتخب فيه شعر إبن الحجّاج المترجَم له في شعراء القرن الرابع.

١٠ - ألزيادات في شعر إبن الحجّاج المذكور.

١١ - ألزيادات في شعر أبي تمام المترجَم له في شعراء القرن الثالث.

١٢ - مختار شعر أبي إسحاق الصّابي.

١٣ - ما دار بينه وبين أبي إسحاق من الرَّسائل شعراً(١) .

( وذكر له في عمدة الطالب )

١٤ - كتاب رسائله في ثلاث مجلّدات، ولأبي اسحاق الصّابي المتوفّى قبل سنة ٣٨٠ كتاب مراسلات الشريف الرَّضي كما ذكره إبن النديم في الفهرست ص ١٩٤.

١٥ - أخبار قُضاة بغداد.

١٦ - سيرة والده الطاهر ألَّفه سنة ٣٧٩ وذلك قبل وفاة والده بإحدى و عشرين سنة.

( وذكر له في تاريخ آداب اللغة )

١٧ - كتاب إنشراح الصدر في مختارات من الشعر. أقول:هو لبعض الاُدباء إختاره من ديوان المترجَم له كما في (كشف الظنون ) ج ١ ص ٥١٣.

١٨ - طيف الخيال:مجموعةٌ تنسب إليه. أقول:هو من تآليف أخيه الشَّريف المرتضى لا له.

١٩ - وله ديوان شعره الساير المطبوع، قال إبن خلكان:وقد عني بجمع ديوان الرَّضي جماعةٌ وآخر ما جُمع الذي جمعه أبو حكيم الخَبري(١) ا ه‍. وأنفذ الصاحب

____________________

١ - ذكرت هذه الكتب له في فهرست النجاشي.


إبن عبُاد ( المترجَم له في شعراء القرن الرابع من كتابنا ) إلى بغداد من ينسخ له ديوانه وكتب إليه بذلك سنة ٣٨٥ ( وهي سنة وفاته ) وعندما سمع المترجَم له به وأنفذه مدحه بقصيدة منها قوله:

بيني وبينك حرمتان تلاقتا

نثري الذي بك يقتدي وقصيدي

ووصائل الأدب التي تصل الفتى

لا باتِّصال قبائل وجدودٍ

إن أهدِ أشعاري إليك فإنَّها

كالسَّرد أعرضه علي داوُدِ

وأنفذَت ( تقيَّه ) بنت سيف الدولة التي توفيت سنة ٣٩٩ من مصر مَن ينسخ ديوان الشريف الرَّضي لها وهي لا ترى هديَّة أنفس منه يوم حُمل إليها، ويُعرب ذلك عن عناية الشريف بشعره وجمعه في حياته ولعلَّ جمعه كجمع أخيه الشريف المرتضى لديوان كان على ترتيب سني نظمه المتمادية.

شعره وشاعريته

من الواضح انَّ الواقف على نفسيَّات سيِّدنا الشريف ( المترجَم ) ومواقفه العظيمة من العلم والسودد والمكانة الرفيعة يرى الشعر دون قدر الشريف، ويجد نفسه أعلا من أنفس الشعراء وأرفع، ويرى الشعر لا يمهِّد لشريف كياناً على كيانه، و لا يأثِّر في ترفّعه وشممه، ولا يولِّد له العظمة، ولا يأخذ بضبعه إلى التطوُّل، وقد نظم وشعر في صباه وهو لم يبلغ عمره عشر سنين، ومن شعره في صباه وله عشر سنين قوله من قصيدة:

____________________

١ - قال الاميني:قال العلامة الشيخ عبد الحسين الحلي في ترجمة الشريف الرضي في مقدمة الجزو الخامس من ( حقائق التأويل ) المطبوع:لا نعرف من هو أبو الحكيم ومتى كان وما اسمه. ا ه‍. وهذا مما يقضى منه العجب، فان أبا حكيم أعرف من أن يخفى على أي مترجم، فهو أبو الحكيم المعلم عبد الله بن ابراهيم بن عبد الله بن حكيم الخبري ( بفتح الخاء وسكون الموحدة ) أحد أساتذة العلوم العربية كن معلما ببغداد حسن الخط تفقه على الشيخ أبي اسحاق الشيرازي وبرع في الفرايض والحساب:وصنف فيهما، وشرح الحماسة وديوان البحتري وعدة دواوين، وسمع الحديث من ابي محمَّد الجوهري وجماعة، توفي يوم الثلاثا الثاني والعشرين ذي الحجة سنة ٤٧٦. وكانت له بنتان محدثتان:الكبرى ( رابعة ) سمعت أبا محمد الجوهري شيخ والدها، والصغرى ( ام الخير فاطمة ) سمعت أبا جعفر محمَّد بن احمد المعدل وجمع آخر وقرأ عليها السمعاني صاحب الأنساب ) ببغداد أكثر كتاب الموفقيات للزبير بن بكار ماتت في رجب سنة ٥٣٤، وسبط أبي الحكيم من كريمته الكبرى أبو الفضل محمد بن ناصر بن علي السلامي الحافظ يروي عن أبي محمد الجوهري. راجع أنساب السمعاني، ومعجم الادباء، وبغية الوعاة.


ألمجد يعلم أنّ المجد من أربي

ولو تماديت في غيٍّ وفي لعبِ

إنّي لمن معشر إن جَّمعوا لِعُلى

تفرَّقوا عن نبيٍّ أو وصيِّ نبي

إذا هممتَ ففتِّش عن شبا هممي

تجده في مهجات الأنجم الشهبِ

وإن عزمتُ فعزمي يستحيل قذى

تدمي مسالكه في أعين النّوبِ

ومعرك صافحت أيدي الحمام به

طلى الرِّجال على الخرصان من كثبِ

حلَّت حباها المنايا في كتائبه

بالضرب فاجتثَّت الأجساد بالقضبِ

تلاقت البيض في الأحشاء فاعتنقت

والسمهريّ من الماذيِّ واليلبِ(١)

بكت على الأرض دمعاً من دمائهمُ

فاستعربت من ثغور النورِ والعشبِ

ويحدّثنا شعره أنَّه ما كان يَعدُّ الشعر لنفسه فضيلةً ومأثرةً بل كان يتَّخذه وسيلة إلى غرضه فيقول:

وما الشعر فخري ولكنَّما

أطول به همَّة الفاخرِ

انزِّهه عن لقاء الرِّجال

واجعله تحفة الزائرِ

فما يتهدّى إليه الملو

ك إلّا من المثَل السائرِ

وإنّي وإن كنت من إهله

لتنكر في حرفة الشاعرِ

ويقول:

وما قوليَ الأشعار إلّا ذريعة

إلى أمل قد آن قود جنيبهِ

وإنّي إذا ما بلّغ الله غاية

ضمنت له هجر القريض وحوبهِ

ويقول:

ما لك ترضى أن يقال:شاعرٌ ؟

بُعداً لها من عدد الفضايلِ

كفاك ما أروق من أغصانه

وطال من أعلامه الأطاولِ

فكم تكون ناظماً وقائلاً

وأنت غبّ القول غير فاعلِ؟!

وهو في شعره يرى نفسه أشعر الاُمم تارة، ويرى شعره فوق شعر البحتري ومسلم بن الوليد اُخرى، ويتواضع طوراً ويجعل نفسه زميل الفرزدق أو جرير، ويرى نفسه ضريباً لزهير، ومرَّة يتفوَّه بالحقِّ وينظر إلى شعره بعين الرِّضا ويرى كلامه

____________________

١ - الماذي:الدرع اللينة السهلة والسلاح كله. واليلب:الدروع من الجلود.


فوق كلّام الرِّجال، وقد أجمع الأكثرون إنَّه أشعر قريش قال الخطيب البغدادي في تاريخه ٢ ص ٢٤٦:سمعت أبا عبد الله محمَّد بن عبد الله الكاتب بحضرة أبي الحسين بن محفوظ وكان أحد الرؤساء يقول:سمعت جماعةً من أهل العلم بالأدب يقولون:ألرَّضي أشعر قريش. فقال إبن محفوظ:هذا صحيحٌ وقد كان في قريش من يجيد القول إلّا أنَّ شعره قليل، فأمّا مجيدٌ مكثرٌ فليس إلّا الرَّضي.

وحمل الثناة على أدبه وشعره كبقيَّة مآثره وفضائله وملكاته الفاضلة متواترة في المعاجم يضيق عن جمعها المجال، فنضرب عنها صفحاً روماً للإختصار، ونقتصر بذكر نبذةٍ يسيرةٍ، منها:

١ - قال النسّابة العمري في ( المجدي ):إنَّه نقيب نقباء الطالبيين ببغداد وكانت له هيبةٌ وجلالةٌ وفيه ورعٌ وعفَّةٌ وتقشّفٌ ومراعاةٌ للأهل وغيرةٌ عليهم وعسفٌ بالجاني منهم، وكان أحد علماء الزَّمان قد قرأ على أجلّاء الرِّجال وشاهدت له جزءاً مجلّداً من تفسير منسوب إليه في القرآن مليح حسن يكون بالقياس في كبر تفسير أبي جعفر الطبري أو أكبر، وشعره أشهر من أن يُدلَّ عليه، وهو أشعر قريش إلى وقتنا، وحسبك أن يكون قريش في أوَّلها الحرث بن هشام والعبلي وعمر بن أبي ربيعة، وفي آخرها بالنسبة إلى زمانه محمَّد بن صالح الموسوي الحسني، وعليّ بن محمّدِ الحمّاني(١) وإبن طباطبا الإصبهاني(٢)

٢ - قال الثعالبي في ( اليتيمة ):هو اليوم أبدع إبناء الزَّمان، وأنجب سادة العراق، يتحلّى مع محتده الشريف، ومفخره المنيف، بأدبٍ ظاهرٍ، وفضلٍ باهرٍ وحظٍّ من جميع المحاسن وافر، ثمَّ هو أشعر الطالبيِّين مَن مضى منهم ومَن غَبَر على كثرة شعرائهم المفلقين كالحِمّاني وإبن طباطبا وإبن الناصر وغيرهم، ولو قلت:إنَّه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق، وسيشهد بما أجريه من ذكره شاهد عدل من شعره العالي القِدح، الممنَّع عن القَدح، الذي يجمع إلى السلاسة متانةً، وإلي السهولة رصانةً، ويشتمل على معان يقرب جناها، ويبعد مداها، وكان أبوه يتولّى نقابة نقباء

____________________

١ - أحد شعراء الغدير في القرن الثالث مرت ترجمته ج ٣ ص ٥٧ - ٦٩.

٢ - أحد شعراء الغدير في القرن الرابع مرت ترجمته ج ص ٣٤٠ - ٣٤٧.


الطالبيِّين ويحكم فيهم أجمعين والنظر في المظالم والحجِّ بالناس ثمَّ ردّت هذه الأعمال كلّها إلى ولده الرَّضي سنة ٣٨٨ وأبوه حيُّ.

٣ - قال إبن الجوزي في ( المنتظم ) ٧ ص ٢٧٩ كان الرَّضي نقيب الطالبيِّين ببغداد حفظ القرآن في مدَّة يسيرة بعد أن جاوز ثلاثين سنة وعرف من الفقه والفرائض طرفاً قويّاً وكان عالماً فاضلاً وشاعراً مترسِّلاً، عفيفاً عالي الهمَّة متدينا، اشترى في بعض الأيّام جزازاً من إمرأة بخمسة دراهم فوجد جزءاً بخّط أبي علي بن مقلة فقال:للدّلال أحضر المرأة فأحضرها فقال:قد وجدت في الجزاز جزءاً بخطِّ إبن مقلة فإن أردتِ الجزء فخذيه وإن إخترتِ ثمنه فهذه خمسة دراهم. فأخذتها ودعت له وانصرفت، وكان سخيّا جواداً.

٤ - قال إبن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة:حفظ الرَّضي القرآن بعد أن جاوز ثلاثين سنة في مدَّة يسيرةٍ وعرف من الفقه والفرائض طرفاً قويّاً، وكان عالماً أديبا، وشاعراً مفلقاً، فصيح النظم ضخم الألفاظ قادراً على القريض، متصرِّفاً في فنونه إن قصد الرِّقَّة في النسيب أتى بالعجب العجاب، وإن أراد الفخامة وجزالة الألفاظ في المدح وغيره أتى بما لا يشقّ فيه غباره، وإن قصد في المراثي جاء سابقاً والشعراء منقطع أنفاسها على اثره، وكان مع هذا مترسلا ذا كتابة، وكان عفيفاً شريف النفس عالي الهمَّة مستلزماً بالدين وقوانينه، ولم يقبل من أحد صلةً ولا جائزةّ حتّى انَّه ردَّ صِلات أبيه.

٥ - قال الباخرزي في ( دمية القصر ) ص ٦٩:له صدر الوسادة بين الأئمّة و السادة وأنا إذا مدحته كنت كمن قال لذكاءٍ:ما أنورك، ولحضارةٍ:ما أغررك، وله شعرٌ إذا افتخر به أدرك من المجد أقاصيه، وعقد بالنجم نواصيه، وإذا نسب انتسب رقَّة الهواء إلى نسيبه، وفاز بالقِدح المعلّى في نصيبه، حتّى إذا انشد الراوي غزليّاته بين يدي الفرهاة، لقال له من العزّ:هات، وإذا وصف فكأنَّه في الأوصاف أحسن من الوصائف والوصاف، وإن مدح تحيِّرت فيه الأوهام بين مادحٍ وممدوحٍ، له بين المتراهنين في الحلبتين سبق سابق مروح، وإن نثر حمدت منه الأثر، ورأيت هناك خرزات من العقد تنفضّ، وقطرات من المزن ترفضّ، ولعمري انَّ بغداد قد


أنجبت به فبوّأته ظلالها، وأرضعته زلالها، وأنشقته شمالها، وورد شعره دجلتها فشرب منها حتّى شرق، وانغمس فيها حتّى كاد يقال:غرق، فكلّما انشدت محاسنه تنزَّهت بغداد في نضرة نعيمها، واستنشقت من أنفاس الهجير بمراوح نسيمها.

٦ - قال الرفاعي في ( صحاح الأخبار ) ص ٦١:كان أشعر قريش وذلك لإنَّ الشاعر المجيد من قريش ليس بمكثر والمكثر ليس بمجيد والرَّضي جمع بين فضلي الإكثار والإجادة، وكان صاحب ورع وعفّة وعدل في الأقضية وهيبة في النفوس.

ألقابه ومناصبه

لقّبه بهاء الدولة سنة ٣٨٨ بالشريف الأجلّ، وفي سنة ٣٩٢ بذي المنقبتين، وفي سنة ٣٩٨(١) بالرَّضي ذي الحسبين، وفي سنة ٤٠١ أمر أن تكون مخاطباته ومكاتباته بعنوان ( الشريف الأجلّ ) وهو أوَّل مَن خوطب بذلك من الحضرة الملوكيّة.

إنَّ المناصب والولايات كانت متكثِّرة على عهد سيِّدنا الشريف من الوزارة التنفيذيَّة والتفويضيّة، والأمارة على البلاد بقسميها العامّة والخاصَّة، والعامَّة بضربيها:استكفاءً بعقد عن إختيار، واستيلاء بعقد عن إضطرار، والإمارة على جهاد المشركين بقسميها:المقصورة على سياسة الجيش وتدبير الحرب، والمفوِّض معها إلى الأمير جميع أحكامها من قسم الغنائم وعقد الصلح، والإمارة على قتال أهل الردَّة، وقتال أهل البغي، وقتال المحاربين، وولاية القضاء، وولاية المظالم، وولاية النقابة بقسميها:العامَّة والخاصَّة وولاية إمامة الصَّلوات، وإمارة الحجِّ، وولاية الدواوين باقسامها، وولاية الحسبة، وغيرها من الولايات.

فمنها ما كان يخصُّ بالكتّاب والاُدباء، وآخر بالثقات ورجال العدل و النصفة، وثالث بالأماجد والأشراف والمترفين، ورابع باُباة الضيم وأصحاب البسالة والفروسيَّة، وخامس بذوي الآراء والفكرة القويَّة والدُّهاة، وسادس بأعاظم العلويِّين وأعيان العترة النبويَّة، وسابع بالفقهاء وأئمَّة العلم والدين.

وهناك ما يخصُّ بجامع تلكم الفضايل، ومجتمع هاتيك المآثر كسيِّدنا الشريف ذلك المثل الأعلى في الفضايل كلّها فعلى الباحث عن مواقفه ومقاماته ونفسيّاته

____________________

١ - في البداية والنهاية ج ١١ ص ٣٣٥ سنة ٣٩٦.


الكريمة أن يقرأ ولو بصورة مصغَّرة دروس المناصب التي كان يتوّلاها الشريف فعندئذ يجد صورةً مكبَّرة تجاه عينيه ممثلّة من العلم والفقه والحكمة والثقة والسداد والأنفة والفتوِّة والهيبة والعظمة والجلال والروعة والوفاء وعزَّة النفس والرأي و الحزم والعزم والبسالة والعفَّة والسودد والكرم والإباء والغنى عن أيِّ أحد قد حليت بالأدب والشعر ولا يراها إلّا مثال الشريف الرَّضي.

تولىّ الشريف بنقابة الطالبيِّين، وإمارة الحاجّ والنظر في المظالم سنة ٣٨٠ وهو ابن ٢١ عاما على عهد الطائع، وصدرت الأوامر بذلك من بهاء الدولة وهو بالبصرة سنة ٣٩٧، ثمَّ عهد اليه في ١٦ محرَّم سنة ٤٠٣ بولاية اُمور الطالبيِّين في جميع البلاد فدُعي ( نقيب النقباء ) ويقال:إنَّ تلك المرتبة لم يبلغها أحدٌ من أهل البيت إلّا الإمام عليّ بن موسى الرِّضا سلام الله عليه الذي كانت له ولاية عهد المأمون، واُتيحت للشريف الخلافة على الحرمين على عهد القادر كما في المجلّد الأول من شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد وكان هو والولايات كما قيل:

لم تُشيِّد له الولايات مجداً

لا ولا قيل:رفَّعت مقداره

بل كساها وقد تحزَّمها الدهـ

ـرجلالاً وبهجةً ونضاره

وذكر تحليل المناصب التي توّلاها سيِّدنا الشريف وشروطها في تآليف علماء السلف وأفردوا فيها كتباً ونحن نأخذ مختصر ما في [ الأحكام السلطانيَّة ] للماوردي المتوفّى سنة ٤٥٠.

ألنقابة

ألنقابة موضوعةٌ على صيانة ذوي الأنساب الشريفة عن ولاية من لا يكافئهم في النسب، ولا يساويهم في الشرف، ليكون عليهم أحبى وأمره فيهم أمضى، وهي على ضربين:خاصَّة وعامَّة، وأمّا الخاصَّة فهو أن يقتصر بنظره على مجرَّد النقابة من غير تجاوز لها إلى حكم وإقامة حدّ فلا يكون العلم معتبراً في شروطها ويلزمه في النَّقابة على أهله من حقوق النظر اثنا عشر حقّاً:

١ - حفظ أنسابهم من داخل فيها وليس هو منها، أو خارج عنها وهو منها، فيلزمه حفظ الخارج منها كما يلزمه حفظ الداخل فيها ليكون النسب محفوظا على صحَّته


معزوّاً إلى جهته.

٢ - تمييز بطونهم ومعرفة أنسابهم حتّى لا يخفى عليه منهم بنو أب، ولا يتداخل سب في نسب، ويثبتهم في ديوانه على تمييز أنسابهم.

٣ - معرفة من وُلد منهم من ذكر أو أنثى فيثبته، ومعرفة من مات منهم فيذكره، حتّى لا يضيع نسب المولود إن لم يثبته، ولا يدَّعي نسب الميت غيره إن لم يذكره:

٤ - أن يأخذهم من الآداب بما يضاهي شرف أنسابهم وكرم محتدهم لتكون حشمتهم في النفوس موقورة وحرمة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فيهم محفوظة.

٥ - أن ينزّههم عن المكاسب الدنيئة. ويمنعهم من المطالب الخبيثة:حتّى لا يستقلَّ منهم مُبتذل، ولا يستضام منهم مُتذلِّل.

٦ - أن يكفَّهم عن ارتكاب المآثم، ويمنعهم من انتهاك المحارم، ليكونوا على الدين الذي نصره أغير، وللمنكر الذي أزالوه أنكر، حتّى لا ينطق بذمِّهم لسان، ولا يشنأهم إنسان.

٧ - أن يمنعهم من التسلّط على العامَّة لشرفهم والتشطط عليهم لنسبهم فيدعوهم ذلك إلى المقت والبغض، ويبعثهم على المناكرة والبعد، ويندبهم إلى استعطاف القلوب وتألّف النفوس، ليكون الميل إليهم أوفى والقلوب لهم أصفى.

٨ - أن يكون عوناً لهم في استيفاء الحقوق حتّى لا يضعفوا عنها، وعوناً عليهم في أخذ الحقوق منهم حتّى لا يمنعوا منها، ليصيروا بالمعونة لهم منتصفين، وبالمعونة عليهم منصفين.

٩ - أن ينوب عنهم في المطالبة بحقوقهم العامَّة في سهم ذوي القربى في الفيئ والغنيمة الذي لا يخصُّ به أحدهم حتّى يقسِّم بينهم بحسب ما أوجبه الله لهم.

١٠ - أن يمنع أياماهم أن يتزوَّجن إلّا من الأكفاء لشرفهنَّ على ساير النساء صيانةً لأنسابهنَّ، وتعظيماً لحرمتهنَّ، أن يزوّجهنَّ غير الولاة، أو ينكحهنَّ غير الكفاة.

١١ - أن يقوم ذوي الهفوات منهم فيما سوى الحدود بما لا يبلغ به حدّاً، ولا ينهر به دماً، ويقيل ذا الهيئة منهم عثرته، ويغفر بعد الوعظ زلَّته.


١٢ - مراعاة وقوفهم بحفظ اُصولها وتنمية فروعها، وإذا لم يرد إليه جبايتها راعي الجباة لها فيما أخذوه وراعى قسمتها إذا قسَّموه وميَّز المستحقّين لها إذا خصّت، وراعى أوصافهم فيها إذا شرطت، حتّى لا يخرج منهم مستحّق، ولا يدخل فيها غير محقّ.

ألنقابة العامة

فعمومها أن يردَّ إلى النقيب في النقابة عليهم مع ما قدّمناه من حقوق النظر خمسة أشياء.

١ - ألحكم بينهم فيما تنازعوا فيه.

٢ - ألولاية على أيتامهم فيما ملكوه.

٣ - إقامة الحدود عليهم فيما ارتكبوه.

٤ - تزويج الأيامى اللّاتي لا يتعيَّن أوليائهنَّ أو قد تعيَّنوا فعضلوهنَّ.

٥ - ايقاع الحجر على من عته منهم أو سفه، وفكّه إذا أفاق ورشد.

فيصير بهذه الخمسة عامَّ النقابة فيعتبر حينئذ في صحّة نقابته وعقد ولايته أن يكون عالماً من أهل الإجتهاد ليصحَّ حكمه، وينفذ قضاؤه. إلى آخر ما في ( الأحكام السلطانيَّة ) ص ٨٢ - ٨٦. وهذه النقابة هي التي كانت ولايتها لسيِّدنا المترجَم.

ولاية المظالم

نظر المظالم هو قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة، وزجر المتنازعين عن التجاهد بالهيبة، فكان من شروط الناظر فيها أن يكون جليل القدر، نافذ الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر العفَّة، قليل الطمع، كثير الورع، لأنَّه يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة، وثبت القضاة فيحتاج إلى الجميع بين صفات الفريقين، وأن يكون بجلالة القدر نافذ الأمر في الجهتين، فإن كان ممَّن يملك الاُمور العامَّة كالوزراء والأمراء لم يحتج النظر فيها إلى تقليد وكان له بعموم ولايته النظر فيها، وإن كان ممَّن لم يفوّض إليه عموم النظر إحتاج إلى تقليد وتولية إذا اجتمعت فيه الشروط المتقدِّمة، وهذا إنَّما يصحّ فيمن يجوز أن يُختار لولاية العهد، أو لوزارة التفويض، أو لإمارة الأقاليم، إذا كان نظره في المظالم عامّاً فإن اقتصر به على تنفيذ ما عجز القضاة عن


تنفيذه، وإمضاء ما قصرت يدهم عن امضائه حاز أن يكون دون هذه الرُّتبة في القدر والخطر بعد أن لا تأخذه في الحقِّ لومة لائم، ولا يستشفّه الطمع إلى رشوة. إلى آخر ما في ( الأحكام السلطانيَّة ) ص ٦٤ - ٨٢.

ألولاية على الحج

ألولاية على الحجِّ ضربان:أحدهما أن تكون على تسيير الحجيج، والثاني على إقامة الحجّ، فأمّا تسيير الحجيج فهو ولاية سياسة وزعامة وتدبير. والشروط المعتبرة في المولى أن يكون مطاعاً ذا رأي وشجاعةٍ وهيبةٍ وهدايةٍ، والذي عليه في حقوق هذه الولاية عشرة أشياء.

١ - جمع الناس في مسيرهم ونزولهم حتّى لا يتفرَّقوا فيخاف عليهم التَّوى والتغرير.

٢ - ترتيبهم في المسير والنزول بإعطاه كلّ طائفة منهم مقاداً حتّى يعرف كلُّ فريق منهم مقاده إذا سار، ويألف مكانه إذا نزل، فلا يتنازعون فيه ولا يضلّون عنه.

٣ - يرفق بهم في السير حتّى لا يعجز عنه ضعيفهم، ولا يضلُّ عنه منقطعهم، وروي عن النبيَّ صلّى الله عليه وآله وسلّم انَّه قال:ألضعيف أمير الرفقة. يُريد أنَّ من ضعف دوابّه كان على القوم أن يسيروا بسيره.

٤ - أن يسلك بهم أوضح الطرق وأخصبها ويتجنَّب أجدبها وأوعرها.

٥ - أن يرتاد لهم المياه إذا انقطعت والمراعي إذا قلّت.

٦ - أن يحرسهم إذا نزلوا ويحوطهم إذا رحلوا حتّى لا يتخطَّفهم داعرٌ ولا يطمع فيهم متلصِّص.

٧ - أن يمنع عنهم من يصدّهم عن المسير، ويدفع عنهم من يحصرهم عن الحجِّ بقتال إن قدر عليه، أو ببذل مال إن أجاب الحجيج إليه، ولا يسعه أن يجبر أحداً على بذل الخفارة إن امتنع منها، حتّى يكون باذلاً لها عفواً ومجيباً إليها طوعاً، فإنَّ بذل المال على التمكين من الحجّ لا يجب.

٨ - أن يُصلح بين المتشاجرين ويتوسَّط بين المتنازعين، ولا يتعرَّض للحكم بينهم إجباراً إلا أن يفوَّض الحكم إليه، فيُعتبر فيه أن يكون من أهله فيجوز له حينئذ ألحكم بينهم، فإن دخلوا بلداً فيه حاكمٌ جاز له ولحاكم البلد أن يحكم بينهم فأيّهما

_١٣_


حكم نفذ حكمه.

٩ - أن يقوِّم زائغهم ويؤدِّب خائنهم ولا يتجاوز التعزير إلى الحدّ إلّا أن يُؤذن له فيستوفيه إن كان من أهل الإجتهاد فيه.

١٠ - أن يراعي اتِّساع الوقت حتّى يؤمن الفوات ولا يلجئهم ضيقه إلى الحثِّ في السير، فإذا وصل إلى الميقات أمهلهم للإحرام وإقامة سننه.

وأمّا الولاية على إقامة الحجِّ فالوالي فيه بمنزلة الإمام في إقامة الصَّلوات، فمَن شروط الولاية عليه مع الشروط المعتبرة في أئمَّة الصلوات أن يكون عالماً بمناسك الحجِّ وأحكامه، عارفاً بمواقيته وأيّامه، وتكون مدَّة ولايته مقدَّرة بسبعة أيّام أوَّلها من صلاة الظهر في اليوم السابع من ذي الحجَّة وآخرها يوم الثالث عشر من ذي الحجَّة، وعلى الذي يختصُّ بولايته خمسة أحكام متَّفقٌ عليها وسادس مختلفٌ فيه ألا وهي:

١ - إشعار الناس بوقت إحرامهم والخروج إلى مشاعرهم ليكونوا له متَّبعين وبأفعاله مقتدين.

٢ - ترتيبهم للمناسك على ما استقرَّ الشرع عليه لأنَّه متبوعٌ فيها فلا يقدِّم مؤخَّراً ولا يؤِّخر مقدَّماً سواء كان الترتيب مستحقّاً أو مستحبّاً.

٣ - تقدير المواقف بمقامه فيها ومسيره عنها كما تقدَّر صلاة المأمومين بصلاة الإمام.

٤ - إتِّباعه في الأركان المشروعة فيها، والتأمين على أدعيته بها ليتّبعوه في القول كما اتَّبعوه في العمل.

٥ - إمامتهم في الصَّلوات. وأمَّا السادس المختلف فيه:حكمه بين الحجيج فيما لا يتعلّق بالحجِّ، وإقامة التعزير والحدّ في مثله. ا ه‍.

تولّى الشريف الرَّضي هذه الإمارة منذ صباه في أكثر أيّام حياته ووزيراً لأبيه ونائباً عنه، ومستقلّاً بها من سنة ٣٨٠، وله فيها مواقف عظيمة سجَّلها التاريخ وأبقى له ذكرى خالدة، قال أبو القاسم بن فهد الهاشمي في ( إتحاف الورى بأخبار القرى ) في حوادث سنة ٣٨٩:حجَّ فيها الشريفان المرتضى والرَّضي فاعتقلهما في الطريق إبن الجراح الطائي فأعطياه تسعة آلاف دينار من أموالهما.


ولادته ووفاته

وُلد الشريف الرَّضي ببغداد سنة ٣٥٩ بإطباق من المؤرِّخين ونشأ بها(١) وتوفي بها يوم الأحد ٦ محرّم(٢) سنة ٤٠٦ كما في معجم النجاشي. وتاريخ بغداد للخطيب. و عمدة الطالب. والخلاصة. وغيرها.

فما في شذرات الذهب:انَّه توفّي بكرة الخميس. فهو من خطأ النسّاخ فإنَّه نقله عن تاريخ ابن خلكان وفي التاريخ:بكرة يوم الأحد. لا الخميس. وأمّا ما في ( دائرة المعارف ) لفريد وجدي ٤ ص ٢٥٣ من انَّه توفي ٤٠٤ فأحسبه مأخوذاً من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، أو انَّه خطأ من الناسخ، وقد أرَّخه فريد وجدي صحيحاً في دائرة المعارف ج ٩ ص ٤٨٧ ب‍ ٦ محرم سنة ٤٠٦، وقد رثى الشريف الرَّضي معاصره أبا الحسن أحمد بن علي البتي المتوفّى سنة ٤٠٥ في شعبان بقصيدة توجد في ديوانه ج ١ ص ١٣٨، وقال جامع الديوان:وبعده بشهور توفي الرَّضي ( رض ).

وعند وفاته حضر إلى داره الوزير أبو غالب فخر الملك وسائر الوزراء والأعيان والأشراف والقضاة حفاةً ومشاةً وصلّى عليه فخر الملك ودُفن في داره الكائنة في محلّة الكرخ بخطِّ مسجد الأنباريِّين(٣) ولم يشهد جنازته أخوه الشريف المرتضى ولم يصلّ عليه ومضى من جزعه عليه إلى الإمام موسى بن جعفر عليهما السَّلام لأنَّه لم يستطع أن ينظر إلى تابوته، ومضى فخر الملك بنفسه آخر النهار إلى أخيه المرتضى بالمشهد الكاظمي فألزمه بالعود إلى داره.

ذكر كثيرٌ من المؤلِّفين نقل جثمانه إلى كربلاء المشرَّفة بعد دفنه في داره بالكرخ فدُفن عند أبيه أبي أحمد الحسين بن موسى، ويظهر من التاريخ انَّ قبره كان في القرون الوسطى مشهوراً معروفاً في الحائر المقدَّس قال صاحب ( عمدة الطالب):وقبره في كربلاء ظاهرٌ معروفٌ. وقال في ترجمة أخيه المرتضى:دُفن عند أبيه وأخيه وقبورهم

____________________

١ - قال جرجي زيدان في تاريخ آداب اللغة ٢ ص ٢٥٧:وكان يقيم في سر من رأى ( سامرا ) وكم له لدة هذا في تاريخه مما يميط الستر عن جهله بتاريخ الشيعة ورجالهم.

٢ - في تاريخ ابن خلكان:وقيل:في صفر. وفي تاريخ ابن كثير:خامس المحرم.

٣ - ينسب اليهم لكثرة من سكنه منهم.


ظاهرةٌ مشهورةٌ. وقال الرفاعي المتوفّى ٨٨٥ في ( صحاح الأخبار ) ص ٦٢:نُقل المرتضى إلى مشهد الحسين بكربلا كأبيه وأخيه ودُفن هناك وقبره ظاهرٌ معروفٌ.

وهذا قريبٌ إلى الإعتبار لأنَّ بني إبراهيم المجاب قطنوا الحائر المقدَّس و جاوروا الإمام السبط سلام الله عليه فدفن فيه إبراهيم المذكور بمقربة ممّا يلي رأس قبر الإمامعليه‌السلام فاتَّخذ بنوه تربته مدفناً لهم، وكان من قطن منهم بغداد أو البصرة كبني موسى الأبرش ينقل بعد موته إلى تربة جدِّه، وقد ثبت انَّ والد الشريف المترجَم نُقل إلى الحائر المقدَّس قبل دفنه ودُفن بها، م - أو دُفن في داره أوّلاً ثمَّ نُقل الى مشهد الحسين كما في ( المنتظم ) لابن الجوزي ٧ ص ٢٤٧ ] وصحَّ ايضاً نقل جثمان الشريف علم الهدى المرتضى إلى الحائر بعد دفنه في داره، وكانت تولية تلك التربة المقدَّسة بيدهم، وما كان يُدفن هناك أيّ أحد إلّا بإجازةٍ منهم كما مرَّ في ترجمة الوزير أبي العبّاس الضبيّ في هذا الجزء ص ١٠٦.

وقد رثى الشريف الرضي غير واحد ممّن عاصروه وفي مقدَّمهم أخوه علم الهدى بقوله:

يا للرجال لفجعةٍ جذمتْ يدي

ووددتُ لو ذهبتْ عليَّ برأسي

ما زلت أحذر وقعها حتّى أتت

فحسوتها في بعض ما أنا حاسي

ومطلتها زمناً فلمّا صمّمت

لم يجدني مطلي وطول مكاسي

لا تنكروا من فيض دمعي عبرةً

فالدمع غير مساعدٍ ومُواسي

لِلَّه عمرك من قصير طاهر

ولربّ عمر طال بالأدناسِ

وممَّن رثاه تلميذه في الأدب مهيار الديلمي المترجَم في شعراء القرن الخامس رثاه بقصيدتين إحديهما ذات ٧٠ بيتاً توجد في ديوانه ج ٣ ص ٣٦٦ مستهلّها:

من جبَّ غارب هاشمٍ وسنامها ؟!

ولوى لويّاً فاستزلَّ مقامها ؟!

وغزا قريشاً بالبطاح فلفَّها

بيد ؟! وقوَّض عزَّها وخيامها ؟!

وأناخ في مضر بكلكل خسفه

يستام واحتملت له ما سامها ؟!

من حلَّ مكّة فاستباح حريمها

والبيت يشهد واستحلَّ حرامها ؟!

ومضى بيثرب مُذعجاً ما شاء من

تلك القبور الطاهرات عظامها ؟!


يبكي النبيّ ويستنيح لفاطم

بالطفِّ في إبنائها أيّامها

ألدين ممنوع الحمى، من راعه ؟!

والدار عالية البنا، من رامها ؟!

أتناكرت أيدي الرجال سيوفها

فاستسلمت أم أنكرت إسلامها؟!؟!

أم غال ذا الحسبين حامي ذودها

قدرٌ أراح على الغدوِّ سوامها ؟!

وقصيدته الاُخرى ٤٠ بيتاً توجد في ديوانه ج ١ ص ٢٤٩ مطلعها:

أقريش لا لفم أراك ولا يدِ

فتواكلي غاض الندى وخلي الندي

ولشهرة القصيدتين ووجودهما في غير واحد من الكتب والمعاجم فضلاً عن ديوان مهيار ضربنا عنهما صفحا.

ومن نماذج شعر الشريف الرَّضي في المذهب قوله يفتخر بأهل البيت ويذكر قبورهم ويتشوَّق إليها:

ألا لِلَّه بادرة الطلابِ

وعزم لا يروّع بالعتابِ

وكلّ مشمّر البردين يهوي

هويّ المصلتات إلى الرقابِ

اُعاتبه على بُعد التنائي

ويعذلني على قرب الأيابِ

رأيت العجز يخضع للّيالي

ويرضي عن نوائبها الغضابِ

ولولا صولة الأيّام دوني

هجمت على العلى من كلِّ بابِ

ومن شيم الفتى العربيّ فينا

وصال البيض والخيل العرابِ

له كذب الوعيد من الأعادي

ومن عاداته صدق الضرابِ

سأدّرع الصوارم والعوالي

وما عرّيت من خلع الشبابِ

واشتمل الدجى والركب يمضي

مضاء السيف شذَّ عن القرابِ

وكم ليلٍ عبأت له المطايا

ونار الحيّ حائرة الشهابِ

لفيت الأرض شاحبة المحيّا

تلاعب بالضراغم والذئابِ

فزعت إلى الشحوب وكنت طلقاً

كما فزع المشيب إلى الخضابِ

ولم نر مثل مُبيضِّ النواحي

تعذّبه بمُسودِّ الإهابِ

أبيت مضاجعاً أملي وإنّي

أرى الآمال أشقى للركابِ


إذا ما اليأس خيّبنا رجونا

فشجّعنا الرجاء على الطلابِ

أقول إذا استطار من السواري

زفون القطر رقّاص الحبابِ(١)

كأنَّ الجوَّ غصَّ به فأومى

ليقذفه على قمم الشعابِ

جديرٌ أن تصافحه الفيافي

ويسحب فوقها عذب الربابِ(٢)

إذا همَّ التلاع رأيت منه

رضاباً في ثنيّات الهضابِ(٣)

سقى الله المدينة من محلّ

لباب الماء والنطف العذابِ

وجاد على البقيع وساكنيه

رخيّ الذيل ملآن الوطابِ

وأعلام الغريّ وما استباحتْ

معالمها من الحسب اللبابِ

وقبر بالطفوف يضمُّ شلواً

قضى ظمأ إلى بَرد الشَّرابِ

وبغدادٍ وسامرّا وطوسٍ

هطول الودق منخرق العبابِ

قبورٌ تنطف العبرات فيها

كما نطف الصبير(٤) على الروابي

فلو بخل السِّحاب على ثراها

لذابت فوقها قطع السَّرابِ

سقاك فكم ظمئت إليك شوقاً

علىُ عدواء داري واقترابي

تجافي يا جنوب الريح عنِّي

وصوني فضل بردكِ عن جنابي

ولا تسري إليّ مع الليالي

وما استحقبت* من ذاك الترابِ

قليلٌ أن تُقاد له الغوادي(٥)

وتنحر فيه أعناق السّحابِ

أما شرق التراب بساكنيه

فيلفظهم إلى النّعم الرغابِ

فكم غدت الضغائن وهي سكرى

تدير عليهمٌ كأس المصابِ

صلاة الله تخفق كلِّ يوم

على تلك المعالم والقباب

و انّي لا أزال أكرّ عزمي

وإن قلَّت مساعدة الصحاب

____________________

١ - زفون القطر:دفاع المطر. الحباب:فقاقيع الماء.

٢ - الرباب:السحاب الابيض.

٣ - التلاع ج التلعة:ما علا الارض. ما سفل منها. الهضاب:أعالي الجبال.

٤ - نطف:سال. الصبير:السحاب الذي يصير بعضه فوق بعض

* استحقبت:أدخرت.

٥ - ألغوادي جمع الغادية وهي:ألسحابة.


واخترق الرِّياح إلى نسيم

تطلَّع من تراب أبي ترابِ

بودّي أن تطاوعني الليالي

وينشب في المنىِ ظفري ونابي

فأرمي العيس نحوكم سهاماً

تغلغل بين أحشاء الروابي

ترامى باللغام على طلاها

كما انحدر الغثاء عن العقابِ(١)

وأجنب بينها خرق المذاكي

فاُملي باللغام على اللغابِ(٢)

لعلّي أن ابلّ بكم غليلاً

تغلغل بين قلبي والحجابِ

فما لقياكُم إلّا دليلٌ

على كنز الغنيمة والثوابِ

ولي قبران بالزوراء أشفي

بقربهما نزاعي واكتئابي

أقود إليهما نفسي واُهدي

سلاماً لا يحيد عن الجوابِ

لقائهما يطهِّر من جناني

ويدرأ عن ردائي كلَّ عابِ

قسيم النار جدّي يوم يلقى(٣)

به باب النجاة من العذابِ

وساقي الخلق والمهجات حرّى

وفاتحة الصِّراط إلى الحسابِ

ومن سمحت بخاتمه يمين(٤)

تضنّ بكلِّ عالية الكعابِ

أما في باب خيبر معجزات

تُصدَّق ؟! أو مناجاة الحبابِ ؟!

أرادت كيده والله يأبى

فجاء النصر من قبل الغرابِ(٥)

أهذا البدر يكسف بالدَّياجي؟

وهذي الشمس تُطمس بالضبابِ

وكان إذا استطال عليه جانٌ

يرى ترك العقاب من العقابِ

أرى شعبان يذكرني اشتياقي

فمَن لي أن يذكّركم ثوابي

بكم في الشعر فخرٌ لا بشعري

وعنكم طال باعي في الخطابِ

اُجلّ عن القبائح غير أنّي

لكم أرمي واُرمى بالسبابِ

____________________

١- اللغام:لعاب الابل. والطلى:العنق. الغثاء:البالي من ورق الشجر المخالط زبد السيل العقاب جمع عقبة:مرقى صعب من الجبال.

٢ - اجنب:أقود. اللغاب:السهم لم يحسن بريه.

٣ - اشار الى حديث مر بيانه في ج ٣ ص ٢٩٩.

٤ - اشار الى تصدقه بخاتمه وقد مر حديثه ج ٢ ص ٤٧ و ج ٣ ص ١٥٥ - ١٦٢.

٥ - اشار الى حديث الحباب الذي اسلفناه ج ٢ ص ٢٤١، ٢٤٢.


فأجهر بالولاء ولا اُورّي

وانطق بالبراء ولا أحابي

ومن أولى بكم منّي وليّاً

وفي أيديكمُ طرف انتسابي ؟!

محبّكمُ ولو بغضت حياتي

وزائركم ولو عقرت ركابي

تباعد بيننا غير الليالي

ومرجعنا إلى النسب القرابِ

وقال يرثي الإمام السبط المفدّى الحسين بن عليّ عليهما السَّلام في يوم عاشوراء سنة ٣٩١:

هذي المنازلُ بالغميم فنادها

واسكب سخيَّ العين بعد جمادها

إن كان دينٌ للمعالم فاقضه

أو مهجةٌ عند الطلول ففادها

يا هل تبلّ من الغليل إليهمُ

اشرافة للركب فوق نجادها ؟!

نوئ كمنعطف الحنية دونه

سحم الخدود لهنَّ إرث رمادها

ومناط أطنابٍ ومقعد فتيةٍ

تخبو زناد الحيِّ غير زنادها

ومجرّ ارسان الجياد لغلمة

سجفوا البيوت بشقرها وورادها

ولقد حبست على الديار عصابة

مضمومة الأيدي إلى أكبادها

حسرى تجاوب بالبكاء عيونها

وتعطّ بالزفرات في ابرادها

وقفوا بها حتّى كأنّ مطيّهم

كانت قوائمهنَّ من أوتادها

ثمَّ انثنت والدمع ماء مزادها

ولواعج الأشجان من أزوادها

من كلِّ مُشتملٍ حمايل رنَّة

قطر المدامع من حليّ نجادها

حيَّتك بل حيَّت طلوعك ديمة

يشفي سقيم الربع نفث عهادها

وغدت عليك من الخمايل يمنة

تستام نافقة على روّادها(١)

هل تطلبون من النواظر بعدكم

شيئاً سوى عبراتها وسهادها ؟!

لم يبق ذخرٌ للمدامع عنكُم

كلّا ولا عينٌ جرى لرقادها

شغل الدموع عن الديار بكاؤنا

لبكاء فاطمة على أولادها

لم يخلفوها في الشهيد وقد رأى

دفع الفرات يزاد عن أورادها

أترى درت انَّ الحسين طريدةٌ

لقنا بني الطرداء عند ولادها ؟!

____________________

١ - الخمايل ج خميلة:القطيفة. اليمنة:برد يمنى. تستام:تسأل السوم.


كانت مآتم بالعراق تعدّها

أموَّيةٌ بالشام من أعيادها

ما راقبت غضب النبيّ وقد غدا

زرع النبيّ مظنَّةً لحصادها

باعت بصائر دينها بضلالها

وشرت معاطب غيِّها برشادها

جعلت رسول الله من خصمائها

فلبئس ما ذخرت ليوم معادها

نسل النبيِّ على صعاب مطيِّها

ودم النبيِّ على رؤوس صعادها

وا لهفتاه لعصبةٍ علوَّيةٍ

تبعت اُميَّة بعد عزِّ قيادها

جعلت عران الذلِّ في آنافها

وعلاط وسم الضيم في أجيادها(١)

زعمت بأنَّ الدين سوَّغ قتلها

أو ليس هذا الدين عن أجدادها ؟!

طلبت تراث الجاهليَّة عندها

وشفت قديم الغلِّ من أحقادها

واستأثرت بالأمر عن غيّابها

وقضت بما شاءت على شُهّادها

ألله سابقكم إلى أرواحها

وكسبتم الآثام في أجسادها

إن قوَّضت تلك القباب فإنَّما

خرَّت عماد الدين قبل عمادها

إنَّ الخلافة أصبحت مزويَّة

عن شعبها ببياضها وسوادها

طمست منابرها علوج اُميَّة

تنزو ذئابهمُ على أعوادها

هي صفوة الله التي أوحى لها

وقضى أوامره إلى أمجادها

أخذت بأطراف الفخار فعاذرٌ

أن يصبح الثقلان من حُسّادها

ألزهد والأحلام في فتّاكها

والفتك لولا الله في زُهّادها

عصبٌ يقمَّط بالنجاد وليدها

ومهود صبيتها ظهور جيادها

تروي مناقب فضلها أعداؤها

أبداً وتسنده إلى أضدادها

يا غيرة الله اغضبي لنبيَّه

وتزحزحي بالبيض عن أغمادها

من عصبة ضاعت دماء محمّد

وبنيه بين يزيدها وزيادها

صفدات مال الله ملء أكفِّها

وأكفُّ آل الله في أصفادها(٢)

ضربوا بسيف محمّد إبناءه

ضرب الغرائب عدن بعد ذيادها

____________________

١ - العران:عود يجعل في انف البعير العلاط:حبل يجعل في عنق البعير.

٢ - الصفدات من الصفد:العطاء. والأصفاد:الاغلال.


قد قلت للركب الطلاح كأنَّهم

ربد النسور على ذرى أطوادها(١)

يحدو بعوج كالحني أطاعه

مُعتاصها فطغى على مُنقادها

حتّى تخيّل من هباب رقابها

أعناقها في السير من أعدادها

قف بي ولو لوث الأزار فإنَّما

هي مهجة علق الجوى بفؤادها

بالطفّ حيث غدا مراق دمائها

ومناخ اينقها ليوم جلادها

ألفقر من أرواقها والطير من

طرّاقها والوحش من عوّادها

تجري لها حبب الدموع وإنَّما

حبّ القلوب يكنُّ من أمدادها

يا يوم عاشوراء كم لك لوعة

تترقَّص الأحشاء من ايقادها

ما عدتَ إلّا عاد قلبي غلّة

حرّى ولو بالغت في إبرادها

مثل السليم مضيضة آناؤه

خزر العيون تعوده بعدادها

يا جدّ لا زالت كتائب حسرة

تغشى الضمير بكرِّها وطرادها

أبداً عليك وأدمعٌ مسفوحةٌ

إن لم يراوحها البكاء يغادها

هذا الثناء وما بلغت وإنَّما

هي حلبة خلعوا عذار جوادها

أأقول:جادكم الربّيع ؟ وأنتمُ

في كلِّ منزلة ربيع بلادها

أم استزيد لكم علاً بمدائحي ؟!

أين الجبال من الربى ووهادها ؟!

كيف الثناء على النجوم إذا سمت

فوق العيون إلى مدى أبعادها ؟!

أغنى طلوع الشمس عن أوصافها

بجلالها وضيائها وبعادها

وقال يرثي جدّه الإمام السبط الشهيد في عاشوراء سنة ٣٧٧:

صاحت بذودي بغداد فآنسني

تقلّبي في ظهور الخيل والعيرِ

وكلّما هجهجت بي عن منازلها

عارضتها بجنانٍ غير مذعورِ

أطغى على قاطنيها غير مكترثٍ

وأفعل الفعل فيها غير مأمورِ

خطبٌ يهدِّدني بالبعد عن وطني

وما خُلقت لغير السرج والكورِ

إنّي وإن سامني ما لا اُقاومه

فقد نجوت وقدحي غير مقمورِ

____________________

١ - الطلح:المهزول والمعى ج أطلاح. الربدة:الغبرة. يقال:اربد لونه:تغير. وتربد الرجل:تعبس.


عجلان ألبس وجهي كلَّ داجية

والبرّ عريان من ظبي ويعفورِ

وربَّ قايلة والهمُّ يتحفني

بناظر من نطاف الدمع ممطورِ

:خفِّض عليك فللأحزان آونة

وما المقيم على حُزن بمعذورِ

فقلت:هيهات فات السمع لائمه

لا يفهم الحزن إلّا يوم عاشورِ

يومٌ حدى الظعن فيه بابن فاطمة

سنان مطَّرد الكعبين مطرورِ

وخرَّ للموت لا كفُّ تقلِّبه

إلّا بوطئ من الجُرد المحاضيرِ

ظمأن سلّى نجيع الطعن غلّته

عن باردٍ من عباب الماء مقرورِ(١)

كأنَّ بيض المواضي وهي تنهبه

نارٌ تحكّم في جسمٍ من النورِ

لِلَّه مُلقى على الرَّمضاء عضَّ به

فم الرَّدى بين إقدام وتشميرِ

تحنو عليه الرُّبى ظلّا وتستره

عن النواظر أذيال الأعاصيرِ(٢)

تهابه الوحش أن تدنو لمصرعه

وقد أقام ثلاثاً غير مقبورٍ

وموردٌ غمرات الضربّ غُرَّته

جرَّت إليه المنايا بالمصاديرِ

ومُستطيلٌ على الأزمان يقدرها

جنى الزمان عليها بالمقاديرِ

أغرى به ابن زيادٍ لؤم عنصره

وسعيه ليزيد غير مشكورِ

وودّ أن يتلافى ما جنت يده

وكان ذلك كسراً غير مجبورِ

تُسبى بنات رسول الله بينهمُ

والدين غضُّ المبادي غير مستورِ

إن يظفر الموت منّا بابن منجبة

فطالما عاد ريّان الأظافيرِ

يلقى القنا بجبين شانَ صفحته

وقع القنا بين تضميخٍ وتعفيرِ

من بعد ما ردَّ أطراف الرِّماح به

قلبٌ فسيح ورائ غير محصورِ

والنقع يسحب من أذياله وله

على الغزالة جيبٌ غير مزرورِ

في فيلقٍ شرقٍ بالبيض تحسبه

برقاً تدلّى على الآكام والقورِ(٣)

بني اُميَّة ما الأسياف نائمةٌ

عن شاهر في أقاصي الأرض موتورِ

____________________

١ - مقرور من القر. البرد.

٢ - الاعاصير ج الاعصار. ريح ترتفع بالتراب.

٣ - القور جمع القارة:الجبل الصغير المنقطع عن الجبال.


والبارقات تلوّى في مغامدها

والسابقات تمطَّى في المضاميرِ

إنّي لأرقب يوماً لا خفاء له

عريان يقلق منه كلّ مغرورِ

وللصَّوارم ما شاءت مضاربها

من الرِّقاب شرابٌ غير منزورِ

أكلّ يوم لآل المصطفى قمرٌ

يهوى بوقع العوالي والمباتيرِ ! ؟

وكلّ يوم لهم بيضاء صافية

يشوبها الدهر من رنقٍ وتكديرِ

مغوار قوم يروع الموت من يده

أمسى وأصبح نهياً للمغاويرِ

وأبيض الوجه مشهور تغطرفه

مضى بيوم من الأيّام مشهورِ

ما لي تعجَّبتَ من همّي ونقرته

والحزن جرحٌ بقلبي غير مسبورِ

بأيِّ طرف أرى العلياء إنُ نضبت

عيني ؟ ولجلجت عنها بالمعاذيرِ

ألقى الزمان بكلّم غير مندمل

عمر الزمان وقلب غير مسرورِ

يا جدّ لا زال لي همُّ يحرِّضني

على الدموع ووجدٌ غير مقهورِ

والدمع يخفره عينٌ مؤرّقة

خفر الحنيَّة عن نزع وتوتيرِ

إنَّ السلوّ لمحظورٌ على كبدي

وما السلوُّ على قلب بمحظورِ

وقال يرثي سيِّدنا الإمام الشهيد في يوم عاشوراء سنة ٣٨٧:

راحلٌ أنت والليالي تزول

ومضرٌّ بك البقاء الطويلُ

لا شجاعٌ يبقى فيعتنق البـ

ـيض ولا آملٌ ولا مأمولُ

غاية الناس في الزَّمان فناءٌ

وكذا غاية الغصون الذبولُ

إنَّما المرء للمنيَّة مخبوءٌ وللـ

ـطعن تستجمُّ الخيولُ

من مقيل بين الضلوع إلى طـ

ـول عناءٍ وفي التراب مقيلُ(١)

فهو كالغيم ألَّفته جنوبٌ

يوم دجن ومزَّقته قبولُ

عادةٌ للزَّمان في كلِّ يوم

يتناء خلُّ وتبكي طلولُ

فاللّيالي عونٌ عليك مع البـ

ـين كما ساعد الذوابل طولُ

ربما وافق الفتى من زمان

فرح غيره به متبولُ(٢)

____________________

١ - من قال قيلا وقيلولة ومقيلا. نام نصف النهار.

٢ - يقال:تبلهم الدهر أي أفناهم.


هي دنيا إن واصلت ذا جفت

هذا ملالاً كأنَّها عطبولُ(٢)

كلّ باكٍ يُبكى عليه وإن

طال بقاءٌ والثاكل المثكولُ

والأمانيُّ حسرةٌ وعناء

للذي ظنَّ انَّها تعليلُ

ما يُبالي الحمام أين ترقّي

بعد ما غالت ابن فاطم غولُ

أيّ يوم أدمى المدامع فيه

حادثٌ رائعٌ وخطبٌ جليل

يوم عاشور الذي لا أعـ

ان الصحبُ فيه ولا أجار القبيلُ

يا ابن بنت الرَّسول ضيَّعتْ الـ

ـعهد رجالٌ والحافظون قليلُ

ما أطاعوا النبيَّ فيك وقد

مالت أرواحهم إليك الذحولُ

وأحالوا على المقادير في حربـ

ـك لو أنَّ عذرهم مقبولُ

واستقالوا من بعد ما

أجلبوا فيها أ ألآن أيّها المُستقيلُ؟!

إنَّ أمراً قنّعت من دونه الـ

ـسيف لمن حازه لمرعى وبيلُ

يا حساماً فلّت مضاربه الهـ

ـام وقد فلّه الحسام الصقيلُ

يا جواداً أدمى الجواد من الطـ

ـعن وولّى ونحوه مبلولُ

حجل الخيل من دماء الأعادي

يوم يبدو طعن وتخفى حجولُ

يوم طاحت أيدي السوابق في

النقع واض الونى وعاض الصهيلُ

أتراني أعير وجهيَ صوناً

وعلى وجهه تجول الخيولُ !؟

أتراني ألذّ ماءً ولمّا

يروَ مِن مهجة الإمام الغليلُ ؟!

قبّلته الرِّماح وانتضلت فيه

المنايا وعانقته النّصولُ

والسَّبايا على النجائب تُستاق

وقد نالت الجيوب الذيولُ

من قلوب يدمي بها ناظر الو

ـجد ومن أدمع مراها الهمولُ

قد سلبن القناع عن كلِّ وجهٍ

فيه للصون من قناع بديلُ

وتنقَّبن بالأنامل والدَّمـ

ـع على كلِّ ذي نقابٍ دليلُ

وتشاكين والشكاة بكاءٌ

وتنادين والنداء عويل

لا يغبّ الحادي العنيف

ولا يفتر عن رنَّة العديل العديل

____________________

٢ - العطبول:المرأة الفتية الجميلة.


يا غريب الديار صبري غريبُ

وقتيل الأعداء نومي قتيلُ

بي نزاعٌ يطغى إليك وشوقٌ

وغرامٌ وزفرةٌ وعويلُ

ليت انّي ضجيع قبرك أو

أن ثراه بمدمعي مطلولُ

لا أغبّ الطفوف في كلِّ يومٍ

من طراق الأنواء غيثٌ هطولُ

مطرٌ ناعمٌ وريحٌ شمال

ونسيمٌ غضُّ وظلُّ ظليلُ

يا بني أحمد إلى كم سناني

غائبٌ عن طعانه ممطولُ ؟!

وجيادي مربوطةٌ والمطايا ؟!

ومقامي يروع عنه الدخيلُ ؟!

كم إلى كم تعلو الطغاة ؟!

وكم يحكم في كلِّ فاضل مفضولُ ؟!

قد أذاع الغليل قلبي ولكن

غير بِدعٍ إن استطبَّ العليلُ

ليت إنّي أبقى فأمترق النّاس

وفي الكفِّ صارمٌ مسلولُ

وأجرُّ القنا لثارات يوم الطـ

فِّ يستلحق الرَّعيل الرَّعيلُ

صبغ القلب حبّكم صبغة الشيب

وشيبي لولا الرَّدى لا يحولُ

أنا مولاكُم وإن كنت منكم

والدي ( حيدر ) واُمي ( البتولُ )

وإذا الناس أدركوا غاية الفخر

شآهم مَن قال جدّي الرَّسولُ

يفرح الناس بي لأنّي فضل

والأنام الذي أراه فضولُ

فهمُ بين مُنشد ما اُقفّيه سر

ـوراً وسامعٍ ما أقولُ

ليت شعري مَن لائمي في مقالٍ

ترتضيه خواطرٌ وعقولُ ؟!

أترك الشيء عاذري فيه كل الناس

من أجل أن لحاني عذولُ

هو سؤلي إن أسعد الله جَدّي

ومعالي الأمور للذمر سولُ(١)

____________________

١ - الذمر:الشجاع ج أذمار:والذمارة الشجاعة.


ألقرن الخامس

٣٧

أبو محمّد الصوري

ألمولود ح ٣٣٩

ألمتوفّى ٤١٩

ولائك خير ما تحت الضميرِ

وأنفس ما تمكّن في الصدورِ

وها أنا بتُّ أحسس منه ناراً

أمتُّ بحرِّها نار السعيرِ

أبا حسن تبيَّن غدر قوم

لعهد الله من عهد ( الغديرِ )

وقد قام النبيُّ بهم خطيباً

فدلَّ المؤمنين على الأميرِ

أشار إليه فيه بكلِّ معنى

بنوه على مخالفة المشيرِ

فكم مِن حاضر فيهم بقلبٍ

يخالفه على ذاك الحضورِ

طوى يوم ( الغدير ) لهم حقوداً

أنال بنشرها يوم ( الغدير )

فيا لك منه يوماً جرَّ قوماً

إلى يوم عبوسٍ قمطريرِ

لأمرٍ سوَّلته لهم نفوسٌ

وغرَّتهم به دار الغرورِ

ولست من الكثير فيطمئنّوا

بانَّ الله يعفو عن كثيرِ

وله في أهل البيت عليهم السَّلام:

عيونٌ منعن الرقاد العيونا

جعلن لكلِّ فُؤاد فُنونا

فكُنَّ المنى لجميع الورى

وكنَّ لمن رامهنَّ المنونا

وقلبٌ تُقلِّبه الحادثات

على ما تشاء شمالاً يمينا

يصون هواه عن العالمين

ومدمعه يستذلُّ المصونا

فمالي وكتمان داء الهوى ؟!

وقد كان ما خفته أن يكونا

وكان ابتداء الهوى بي مجو

ناً فلمّا تمكّن أمسى جُنونا


وكنت أظنُّ الهوى هيِّناً

فلاقيت منه عذاباً مهينا

فلو كنت شاهد يوم الوداع

رأيت جفوناً تناجي جفونا

فهل ترك البين مَن أرتجيه

من الأوَّلين والآخرينا ؟!

سوى حبّ آل نبيِّ الهدى

فحبّهمُ أمل والآملينا

همُ عُدَّتي لوفاتي همُ

نجاتي هم الفوز للفائزينا

همُ مورد الحوض للواردين

وهم عروة الله للواثقينا

همُ عون من طلب الصالحات

فكن بمحبَّتهم مُستعينا

همُ حجَّة الله في أرضه

وإن جحد الحجَّة الجاحدونا

هم الناطقون هم الصّادقون

وأنتم بتكذيبهم كاذبونا

هم الوارثون علوم النبيِّ

فما بالكم لهمُ وارثونا ؟!

حقدتم عليهم حقوداً مضت

وأنتم بأسيافهم مسلمونا

جحدتم موالاة مولاكمُ

ويوم ( الغدير ) لها مؤمنونا

وأنتم بما قاله المصطفى

وما نصَّ من فضله عارفونا

وقلتم:رضينا بما قلته

وقالت نفوسكمُ:ما رضينا

فأيّكمُ كان أولى بها ؟!

وأثبت أمراً من الطيِّبينا ؟!

وأيّكمُ كان بعد النبيَّ وصياً ؟!

ومَن كان فيكم أمينا ؟!

وأيّكمُ نام في فرشه

وأنتم لمهجته طالبونا ؟!

ومَن شارك الطهر في طائر

وأنتم بذاك له شاهدونا ؟!

لحا الله قوماً رأوا رشدكم

مبيناً فضلّوا ضلالاً مبينا

وله في أهل البيت عليهم السلام:

ما طوَّل الليل القصيرا

ونهى الكواكب أن تغورا

إلّا وفي يده عزيما

ت يحلّ بها الاُمورا

ذو مقلةٍ لا تستقلّ

ضنىّ وإن أضنت كثيرا

ليست تفتِّر عن دمي

وترى بها أبداً فتورا

وترى بها ضعفاً يُر

ـيك المستجار المستجيرا


فيما يُنازعني عذولاً

أو يُسامحني عذيرا

أترى بوادر فتنتي

فيما ترى إلّا بدورا ؟!

لو شاء لاختصر الغرام

بها من اختصر الحصورا

ولقد لبست ثياب نفسـ

ـك مالكاً أو مُستعيرا

وتمثَّل الشيطان لي

ليغرَّني رشؤاً غريرا

فخلعتها ولبست ثوب

الفتك سحّاباً جرورا

ما شئت فاقلع عنه

واستغفر تجد ربّاً غفورا

ما لم يكن من معشر

غدروا وقد شهدوا الغديرا

وتوامروا ما بينهم

أن ينصبوا فيها أميرا

من كلِّ صدرٍ موغرٍ

ملأت ضغائنه الصدورا

مترشّحٍ للملك قد

نصبت سريرته السريرا

وتوارثوها ليس تخر

ج عنهمُ شبراً قصيرا

هذا إلى أن قام قايم آ

ل أحمد مُستثيرا

وتسلّم الإسلام أقتم

مظلماً فكساه نورا

[ ألقصيدة ]

وله في أهل البيت عليهم السَّلام:

نكرت معرفتي لَمّا حكَمْ

حاكم الحبِّ عليها لي بدمْ

فبدت من ناظريها نظرةٌ

أدخلتها في دمي تحت التّهمْ

وتمكَّنت فأضنيت ضنىً

كان بي منها واسقمت سقمْ

وصبت بعد اجتناب صفوةٍ

بدَّلت من قولها:لا. بنعمْ

وفقدت الوجد فيها والأسى

فتألَّمت لفقدان الألمْ

ما لعيني وفؤادي كلّما

كتمت باحَ ؟! وإن باحت كتمْ؟!

طال بي خُلفهما فاتَّفقت

لي همومٌ في الرزايا وهممْ

ورزايا المصطفى في أهله

فاتحاتٌ للرَّزايا وختمْ

يا بني الزَّهراء ماذا إكتست

فيكم الأيّام من عتب وذمْ ؟!

_١٤_


يا طوافاً طاف طوفان به

وحطيماً بقنا الخطً حطمْ

أيّ عهدٍ يُرتجى الحفظ له

بعد عهد الله فيكم والذممْ؟!

لا تسلّيت وأنوارٌ لكم

غشيتها من بني حرب ظُلمْ

ركبوا بحر ضلال سلموا

فيه والإسلام فيهم ما سلمْ

ثمَّ صارت سنَّةً جاريةً

كلُّ من أمكنه الظلم ظَلمْ

وعجيبٌ إنَّ حقّاً بكمُ

قام في الناس وفيكم لم يقمْ

والولا فهو لمن كان على

قول عبد المحسن الصوري قسمْ

وأبيكم والذي وصّى به

لأبيكم جدُّكم في يوم خُمْ

لقد احتجَّ على اُمتَّه

بالذي نالكمُ باقي الاُممْ

( ألشاعر )

أبو محمّد عبد المحسن بن محمّد بن أحمد بن غالب(١) بن غلبون الصوري من حسنات القرن الرّابع ونوابغ رجالاته، وقد مدَّ له البقاء إلى أوليات القرن الخامس، جمع شعره بين جزالة اللفظ وفخامة المعنى، كما إنَّه لا تعدوه رقَّة الغزل وشدَّة الجَدل، فهو عند الحِجاج يُدلي بحجَّته القويمة، وعند الوصف لا يأتي إلّا بصورةٍ كريمة، و ديوان شعره المحتوي على خمسة آلاف بيت تقريباً الحافل بالرَّقايق والحقايق يتكفَّل البرهنة على هذه الدَّعاوي، وهو نصُّ في تشيّعه كما عدَّه إبن شهر اشوب من شعراء أهل البيت المجاهرين، وما ذكرناه من شعره يُمثِّل روحه المذهبيَّة، ونزعته الطائفيَّة الحميدة، وتعصّبه لآل البيت النبويّ، واعترافه بحقهم الثابت، ونبذه ما وراء ذلك نبذاً لا مرتجع إليه، وفي ديوانه غير ما ذكرناه شواهد وتلويحات لطيفة نحو قوله في صبيٍّ اسمه عمر:

نادمني من وجهه روضة

مشرقة يمرح فيه النظرْ

فانظر معي تنظر إلى معجز

سيف عليٍّ بين جفني عمرْ

وقد ترجمه إبن أبي شبانة في تكملة أمل الآمل وهو لا يترجم إلّا المتمسِّك

____________________

١ - في تتميم يتيمة الدهر ج ١ ص ٣٥:طالب. وهو تصحيف.


بحجزة أهل البيت الطاهر، وترجمه الثعالبي في ( يتيمة الدهر ) ج ١ ص ٢٥٧ وذكر من شعره ٢٢٥ بيتاً، وأثنى عليه وانتخب من ديوانه أبياتا في ( تتميم يتيمته ) ج ١ ص ٣٥ وعقد إبن خلكان له ترجمةً ضافيةً أطراه ووصف شعره في ج ١ ص ٣٣٤، و قال:توفّي يوم الأحد تاسع شوال سنة تسع عشرة وأربعمائة وعمره ثمانون أو أكثر، وذكره إبن كثير في تاريخه ج ١٢ ص ٢٥، ومن شعره في أهل البيت صلوات الله عليهم:

توقَّ إذا ما حرمة العدل جلَّتِ

ملامي لتقضي صبوتي ما تمنَّتِ

أغرّك إن لم تستفزّك لوعة

بقلبي ولا استبكاك بينٌ بمقلتي

لك الخير هذا حين شئت تلومني

لجاجاً فإلّا لمت أيّام شرَّتي

غداة اُجيب العيس إذ هي حنَّت

وأحدو إذا ورق الحمايم غنَّتِ

وأنتهب الأيّام حتّى كأنَّني

اُدافع من بعد الحلول منيَّتي

واستصغر البلوى لمن عرف الهوى

واستكثر الشكوى وإن هي قلَّتِ

اُطيل وقوفي في الطلول كأنَّني

اُحاول منها أن تَردَّ تحيَّتي

ليالي ألقى كلّ مهضومة الحشى

إذا عدلت فيما جناه تجنَّتِ

أصدُّ فيدعوني إلى الوصل طرفها

وإن أنا سارعت الإجابة صدَّتِ

وإن قلت سقمي وكلّت سقم طرفها

بإبطال قولي أو بإدحاض حجَّتي

وإن سمعت وانار قلبي شناعة

عليها أجابتني بوانار وجنتي

وأصرف همّي عن هواها بهمَّتي

عزوفاً فتثنيني إذا ما تثنَّتِ

وأنشد بين البين والهجر مهجتي

ولم أدر في أيّ السبيلين ضلّتِ

وما أحسب الأيّام أيّام هجرها

تطاولني إلّا لتقصر مدَّتي

دعوا الاُمَّة اللّاتي استحلّت تكن

مع الاُمَّة اللّاتي بغت فاستحلّتِ

فما يقتدي إلّا بها في اغتصابها

ولا أقتدي إلّا بصبر أئمَّتي

أليس بنو الزَّهراء أدهى رزيَّةً

عليكم إذا فكّرتمُ في رزيَّتي

حُماتي إذا لانت قناتي وعدَّتي

إذا لمن تكن لي عدَّة عند شدَّتي

أقامت لحرب الله حزب أئمَّة

إذا هي ضلّت عن سبيل أضلّتِ

قلوبٌ على الدين العتيق تألَّفت

لهم ومن الحقِّ القديم استملّتِ


بماذا ترى تحتجُّ يا آل أحمد

على أحمد فيكم إذا ما استعدَّتِ ؟!

وأشهر ما يروونه عنه قوله:

تركت كتاب الله فيكم وعترتي

ولكنَّ دنياهم سعت فسعوا لها

فتلك التي فلّت ضميراً عن الَّتي

وله في أهل البيت سلام الله عليهم:

أصبحوا يفرقون من افراقي

فاستغاثوا في نكستي بالفراقِ

ما صبرتم لقد بخلتم على المدنف

حقّاً حتّى بطول السياقِ

راحة ما اعتمدتموها بقتلي

ربَّ خير أتى بغير اتِّفاقِ

سوف أمضي وتلحقون ولا علم

لكم ما يكون بعد اللِّحاقِ

حيث لا يجمع القضيَّة من يجمع

بين الخصمين ماضٍ وباقِ

ما لهم لا خلقت فيهم فما أغفل

قومي عن الدم المهراق ؟!

ربَّ ظهر قلّبته مثل ما يُقلب

ظهر المجنِّ للإرشاقِ

بعد ما قادني فلم أدر حتّى

صرت ما بين ملتقى الأحداقِ

وأراني أسير عينيك منهنَّ

فماذا تراهُ في إطلاقي ؟!

مسَّةٌ من هواك بي لا من الجنِّ

فهل من مُغرمٍ أو راقِ ؟!

غير أن يبرد احتراقي بوصلٍ

أو بوعدٍ أو أن يبلَّ اشتياقي

أو يعيد الكرى عليَّ كما كان

لا موحشي من خيالك الطرَّاقِ

ما لنومي كأنَّه كان في

أوَّل دمعي جرى من الآماقِ ؟!

غير مسترجع فيرجى وهل ير

جع للعين أدمع في سباقِ ؟!

بأبي شادن توثَّقت بالإيما

ن منه قبل شدِّ وثاقي

فهو إلّا يكن لحرب فحربٌ

علّمته خيانة الميثاقِ

نفرٌ من اُميَّة نَفَر الإ

سلام من بينهم نفور إباقِ

أنفقوا في النِّفاق ما غصبوه

فاستقام النِّفاق بالإنفاقِ

وهي دار الغرور قصّر باللو

م فيها تطاول العشّاقِ

وأراها لا تستقيم لذي الزهـ

ـد إذ المال مال بالأعناقِ

فلهذا أبناء أحمد أبناء عليٍّ

طرايد الآفاقِ


فقراء الحجاز بعد الغنى الأكبر

أسرى الشام قتلى العراقِ

جانبتهم جوانب الأرض حتّى

خلت أنَّ السماء ذات انطباقِ

إن اُقصّر يا آل أحمد أو أغر

ق كان التقصير كالإغراقِ

لستُ في وصفكم بهذا وهذا

لا حقاً غير أن تروا إلحاقي

إنَّ أهل السماء فيكم وأهل الأ

رض ما دامتا لأهل افتراقِ

عرفت فضلكم ملائكة الله

فدانت وقومكم في شقاقِ

يستحقّون حقَّكم زعموا ذلك

- سحقاً - لهم من استحقاقِ

وأرى بعضهم يبايع بعضاً

بانتظام من ظلمكم واتَساقِ

واستثاروا السيوف فيكم فقمنا

نستثير الأقلام في الأوراقِ

أيّ عين ؟ لولا القيامة والمر

جوّ فيها من قدرة الخلّاقِ

فكأنّي بهم يودّون لو أنَّ الخـ

ـوالي من الليالي البواقي

ليتوبوا إذا يُذادون عن أكر

م حوض عليه أكرم ساقِ

وإذا ما القوا تقاسمت النار

عليّاً بالعدل يوم التَّلاقِ

قيل:هذا بما كفرتم فذوقوا

ما كسبتم يا بؤس ذاك المذاقِ

وقال في يوم عاشورا يمدح الإمام الحاكم بأمر الله:

خلا طرفه بالسقم دوني يلازمه

إلى أن رمى سهماً فصرت اُساهمه

فأصبح بي ما لست أدري أمثله

بجفنيه ؟! أم لا يعدل السقم قاسمه ؟!

لئن كان أخفى الصدر صدا من الجوى

ففي العين عنواناته وتراجمه

ولم تخفه إنَّ الهوى خفَّ حمله

ولكن لأنَّ النوم ليس يلايمه

ويا رُبَّ ليل قصّر الذكر طوله

فما طلعت حتّى تجلّت غمائمه

وما نمت فيه غير أن لو سألتني

عن الشغل عنه قلت ما قال نائمه

ولكنَّه ألقى على الصبح لونه

فوالاه يوم شاحب الوجه ساهمه

كما جاء يوم في المحرَّم واحدٌ

خبا نورهَ لمّا استحلّت محارمه

طغت عبد شمس فاستقلَّ محلّقاً

إلى الشمس من طغيانها مُتراكمه

فمن مبلغٌ عنّي اُميَّة إنّني

هتفت بما قد كنت عنها اُكاتمه ؟!


مضت أعصرٌ معوجَّةُ باعوجاجكم

فلا تنكروا إن قوَّم الدَّهر قايمه

وجدَّد عهد المصطفى بعض أهله

وحكّم في الدين الحنيفيِّ حاكمه

فيا أيّها الباكون مصرع جدِّه

دعوا جدَّه تبكي عليه صوارمه

ألا أيّها الثكلى التي من دموعها

إذا هي حيَّت من قتيل جماجمه

لقد خسر الدارين من صدِّ وجهه

فلا أنت مُبقيه ولا الله راحمه

حريصاً على نار الجحيم كأنَّه

يخاف على أبوابها من يُزاحمه

إلى من تراه فوَّض الأمر غيركم

إذا أنتمُ أركانه ودعائمه

فيا لك منها دولة علويَّة

تبدَّت بسعد حاكم الدَّهر خاتمه

[ ألقصيدة ]

وله قوله:

بالّذي ألهم تعذيبي ثناياك العذابا

والذي ألبس خدَّيك من الورد نقابا

والّذي أودع في فيك من الشهد شرابا

والذي صيِّر حظّي منك هجراً واجتنابا

ما الّذي قالته عيناك لقلبي فأجابا ؟!

والذي قالته للدمع فواراها انصبابا ؟

يا غزالاً صاد باللّحظ لقلبي فأصابا

عمرك الله بصبٍّ لا يُرى إلّا مصابا

هذه الأبيات توجد في ديوان المترجَم فنسبتها إلى ( الصنوبري ) كما في كشكول البهائي ج ١ ص ٢٣ في غير محلّه، وأخذ البهائي منها قوله:

يا بدر دجاً فراقه القلب أذابْ

مذ ودَّعني فغاب صبري إذ غابْ

بالله عليك أيّ شيء قالت

عيناك لقلبي المعنَّا فأجابْ ؟!

وللمترجم الصوري:

سفرنَ بدوراً وانتقبنَ أهلّة

ومسن غصوناً والتفتن جواذرا

وأبدين أطراف الشعور تستّرا

فأغدرت الدنيا علينا غدايرا

وربّتما أطلعن والليلُ مقبلٌ

شموس وجوهٍ توفف الليل حايرا

فهنَّ إذا ما شئن أمسين أو إذا

تعرَّضن أن يسبحن كنَّ قوادرا

وقال يرثي شيخ الاُمَّة إبن المعلّم أبا عبد الله محمَّد بن محمَّد بن نعمان المفيد المتوفّى ٤١٣:


تبارك مَن عمَّ الأنام بفضله

وبالموت بين الخلق ساوى بعدله

مضى مستقلّاً بالعلوم محمّد

وهيهات يأتينا الزَّمان بمثله

جاء في ( بدائع البداية )(١) باسناده عن بكّار بن علي الرياحي انَّه قال:لمَّا وصل عبد المحسن الصوري إلى دمشق جاءني المجدي الشاعر فعرَّفني به وقال:هل لك أن نمضي إليه ونسلّم عليه ؟ فأجبت وقمت معه حتّى أتينا إلى منزله وكان ينزل دائماً إذا قدم في سوق القمح وكان بين يديه دكّان قطّان وفيها رجلٌ أعمى فوقفت به عجوزٌ كبيرةٌ فكلّمها بشيءٍ وهي منصتة له فقال المجدي في الحال:

مُنصتةٌ تسمع ما يقولُ

فقال عبد المحسن في الحال(٢) :

كالخلد لمّا قابلته الغولُ

فقال له المجدي:أحسنت والله يا أبا محمَّد أتيت بتشبيهين في نصف بيت اُعيذك بالله. ا ه‍. ومن لطيف قول الصّوري ما قاله وقد اُستعير منه كتابٌ وحبس عليه كما يوجد في ديوانه:

ماذا جناه كتابي فاستحقَّ به

سجناً طويلاً وتغييباً عن الناسِ

فاطلقه نسأله عمّا كان حلَّ به

في طول سجنك من ضرٍّ ومن باسِ

كتب الشاعر المفلق أحمد بن سلمان الفجري إلى عبد المحسن الصّوري:

أعبد المحسن الصوريِّ لِم قد

جثمت جثوم منهاضٍ كسيرِ؟!

فإن قلتَ:العبالة(٣) أقعدتني

على مضض وعافت عن مسيري

فهذا البحر يحمل هضب رضوي

ويستثني بركن من ثبيرِ

وإن حاولت سير البرّ يوماً

فلست بمثقل ظهر البعيرِ

إذا استحلى أخوك قلاك يوماً

فمثل أخيك موجود النظيرِ

تحرَّك علّ أن تلقى كريماً

تزول بقربه إحن الصدورِ

فما كلُّ البرية مَن تراهُ

ولا كلُّ البلادِ بلاد صورِ

____________________

١ - وذكره ابن عساكر في تاريخه ج ٣ ص ٢٨١.

٢ - في تاريخ ابن عساكر:كالحلد. وهو كما ترى.

٣ - العبالة:الضخامة.


فأجابه عبد المحسن:

جزاك الله عن ذا النصح خيراً

ولكن جاء في الزَّمن الأخيرِ

وقد حدَّتْ لي السبعون حدّاً

نهى عمّا أمرتَ من المسيرِ

ومذ صارت نفوس الناس حولي

قصاراً عذتُ بالأمل القصيرِ(١)

وقال في صبيٍّ اسمه مقاتل وله فيه شعرٌ كثيرٌ:

تعلّمت وجنته رقيةً

لعقرب الصَّدع فما تلسعُ

صمَّتْ عن العاذل في حبِّه

اُذني فمالي مسمعٌ يسمعُ

ودَّعته والدَّمع في مقلتي

في عبرتي مستعجلٌ مسرعُ

فظنَّ إذ أبصرتها أنَّها

ساير أعضائي بها تدمعُ

وقال:هذا قبل يوم النَّوى

فما ترى بعد النَّوى تصنعُ؟!

في غير وقت الدمع ضيَّعته

قلت:فقلبي عندكم أضيعُ

وقال في مقاتل ايضاً:

احفظ فؤادي فأنت تملكهُ

واستر ضميري فأنت تهتكهُ

هجرك سهلٌ عليك أصعبه

وهو شديدٌ عليَّ مسلكهُ

بسيف عينيك يا مقاتل كم

قتلت قبليَ ممَّن كنت تملكهُ؟!

أمّا عزائي فلست آمله

فيك وصبري ما لستُ أدركهُ

وقال فيه وهو معذر:

وقف اليل والنهار وقد كا

ن إذا ما أتى النهار يقرُّ

لا يرى رجعه فيكسب عاراً

لا ولا ثمَّ قوَّة فيفرَّ

أين سلطان مقلتيك علينا ؟!

قل له ما يجوز في الحبّ سمرُ

أنت فرَّقت نار خدَّيك حتّى

كلّ قلب صبٍّ لها فيه جمرُ

فبماذا يلقى عذاريك ؟ قل لي

سيما أن تدارك الشعر شعرُ

وعزيزٌ عليَّ إنَّك بالحرب

وَبالسِّلم طول عمرك غرُّ

وخلف المترجم علي أدبه الجمّ وقريضه البديع ولده عبد المنعم ذكره الثعالبي

____________________

١ - راجع ديوانه، وذكرها الثعالبي في يتيمة الدهر ١ ص ٢٦٩.


ألقرن الخامس

٣٨

مهيار الديلمي

ألمتوفّى ٤٢٨

١

هل بعد مفترق الأظعان مجتمعُ ؟!

أم هل زمانٌ بهم قد فات يُرتجعُ؟!

تحمّلوا تسع البيداء ركبهمُ

ويحمل القلب فيهم فوق ما يسعُ

مغرِّبين همُ والشمس قد ألفوا

ألا تغيب مغيباً حيثما طلعوا؟!

شاكين لِلبين أجفاناً وأفئدةً

مفجَّعين به أمثال ما فجعوا

تخطو بهم فاتراتٌ في أزمَّتها

أعناقها تحت إكراه النَّوى خُضعُ

تشتاق نعمان لا ترضى بروضته

داراً ولو طاب مصطافٌ ومرتبعُ

فداء وافين تمشي الوافياتُ بهم

دمعٌ دمٌ وحشاً في إثرهم قطعُ

ألليل بعدهمُ كالفجر متَّصلٌ

ما شاء والنوم مثل الوصل منقطعُ

ليت الذين أصاخوا يوم صاح بهم

داعي النوى:ثوِّروا صمّوا كما سمعوا

أوليت ما أخذ التوديع من جسدي

قضى عليَّ فللتعذيب ما يدعُ

وعاذل لجَّ أعصيه ويأمرني

فيهم وأهرب منه وهو يتَّبعُ

يقول:نفسَك فاحفظها فإنَّ لها

حقّاً وإنَّ علاقات الهوى خدعُ

روَّح حشاك ببرد اليأس تسلُ به

ما قيل في الحبِّ إلا أنَّه طمعُ

والدهر لونان والدنيا مقلّبة

ألآن يعلم قلبٌ كيف يرتدعُ

هذي قضايا رسول الله مهملةٌ

غدراً وشمل رسول الله مُنصدعُ

والناس للعهد ما لاقوا وما قربوا

وللخيانة ما غابوا وما شَسَعوا

وآله وهمُ آل الإ~له وهم

رُعاة ذا الدين ضيموا بعده ورُعوا


ميثاقه فيهمُ ملقىّ واُمَّته

مع مَن بغاهم وعاداهم له شِيَع

تضاع بيعته يوم ( الغدير ) لهم

بعد الرِّضا وتُحاط الروم والبيعُ

مقسَّمين بإيمان همُ جذبوا

بيوعها وبأسياف همُ طبعوا

ما بين ناشر حبلٍ أمس أبرمه

تُعدُّ مسنونةً من بعده البدَعُ

وبين مُقتنص بالمكر يخدعه

عن آجل عاجلٌ حلوٌ فينخدعُ

وقائل لي:عليٌّ كان وارثه

بالنصَّ منه فهل أعطوه ؟! أم منعوا؟!

فقلت:كانت هناتٌ لستُ أذكرها

يجزي بها اللهُ أقواماً بما صنعوا

أبلغ رجالاً إذا سمَّيتهم عُرفوا

لهم وجوهٌ من الشحناء تُمتقعُ

توافقوا وقناةُ الدين مائلة

فحين قامت تلاحوا فيه واقترعوا

أطاع أوَّلهم في الغدر ثانيهم

وجاء ثالثهم يقفو ويتَّبعُ

قفوا على نظر في الحقِّ نفرضه

والعقلُ يفصلُ والمحجوجُ ينقطعُ

بأيّ حكمٍ بنوه يتبعونكمُ

وفخركم أنَّكم صحبٌ له تَبَعُ؟!

وكيف ضاقت على الأهلين تربته

وللأجانب من جنبيه مضطجعُ ؟!

وفيم صيَّرتم الإجماع حجَّتكم

والناس ما اتَّفقوا طوعاً ولا اجتمعوا؟!

أمرٌ ( عليٌّ ) بعيدٌ من مشورته

مستكرَهٌ فيه و ( العبّاس ) يمَتنعُ

وتدَّعيه قريشٌ بالقرابة والـ

ـأنصار لا رُفعٌ فيه ولا وُضعُ

فأيّ خُلف كخلف كان بينكمُ

لولا تُلفَّق أخبارٌ وتصطنعُ ؟!

واسألهمُ يوم ( خُمّ ) بعد ما عقدوا

له الولايةِ لمْ خانوا ولمْ خلعوا ! ؟

قولٌ صحيحٌ ونيّاتٌ بها نَغَلٌ

لا ينفع السيف صَقلٌ تحته طبعُ(١)

إنكارهم يا أمير المؤمنين لها

بعد اعترافهمُ عارٌ به ادَّرعوا

ونكثهم بك ميلاً عن وصيَّتهم

شرعٌ لعمرك ثان بعده شرعوا

تركتَ أمراً ولو طالبته لدرت

معاطسٌ راغمته كيف تُجتدعُ

صبرت تحفظ أمر الله ما اطَّرحوا

ذبّاً عن الدين فاستيقظت إذ هجعوا

ليشرقنَّ بحلو اليومُ مرّ غدٍ

إذا حصدت لهم في الحشر ما زرعوا

____________________

١ - النغل:الضغن وسوء النية. الطبع:الصدأ.


جاهدت فيك بقولي يوم تختصم الـ

ـأبطال إذ فات سيفي يوم تمتصع(١)

إنَّ اللسان لوصّالٌ إلى طُرقٍ

في القلب لا تهتديها الذُبَّل الشرعُ

آباي في فارسٍ والدين دينكمُ

حّقاً لقد طاب لي اُسٌّ ومرتبعُ

ما زلت مذ يفعتْ سنّي ألوذ بكم

- حتّى محا حقَّكم شكّي - وأنتجعُ

وقد مضتْ فُرُطات إن كفلتُ بكم

فرَّقت عن صُحفي البأس الذي جمعوا

( سلمان ) فيها شفيعي وهو منك إذا الـ

ـآباء عندك في أبنائهم شفعوا

فكن بها منقذاً من هول مُطَّلعي

غداً وأنت من الأعراف مطلَّعُ

سوَّلتُ نفسي غروراً إن ضمنتُ لها

أنّى بذخرٍ سوى حبِّيك أنتفعُ

( ما يتبع الشعر )

قال الاُستاذ أحمد نسيم المصري في التعليق على قول مهيار:

تضاع بيعته يوم ( الغدير ) لهم

بعد الرِّضا وتحاط الروم والبيع

:ألغدير:هو غدير خمّ بين مكّة والمدينة، قيل:إنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وآله وسلّم خطب الناس عنده فقال:مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه(٢) .

قال الأميني:ليت شعري هل خفي على الاُستاذ تواتر ذلك الحديث المرويّ عن مائة صحابيّ أو أكثر ؟! أم حبَّذته نزعاته الطائفيَّة أن يسدل عليه أغشية الزور والدجل ؟ ويموِّهه على القاري، ويستر الحقيقة الراهنة بذيل أمانته ؟! ويوعز إلى ضعفه بكلمته:قيل ؟! قل هو نبأٌ عظيمٌ أنتم عنه مُعرضون، والَّذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.

٢

وله ديوانه في ج ٣ ص ١٥ يرثي بها أهل البيت عليهم السَّلام ويذكر البركة بولائهم فيما صار إليه:

في الظباء الغادين أمسِ غزالُ

قال عنه ما لا يقول الخيالُ

طارقٌ يزعم الفراقَ عتابا

ويرينا أنَّ الملال دلالُ

____________________

١ - تمتصع:تقاتل بالسيف.

٢ - ديوان مهيار ج ٢ ص ١٨٢.


لم يزل يخدع البصيرة حتّى

سرّنا ما يقول وهو محالُ

لا عدمتُ الأعلام كم نوَّلتني

من منيع صعبٍ عليه النَّوالُ

لم تنغِّص وعداً بمطلٍ، ولم يو

جب له منَّةً عليَّ الوصالُ

فلليلي الطويل شكري، ودين الـ

ـعشق أن تُكرَه الليالي الطوالُ

لمن الظعن غاصبتنا جَمالا ؟!

حبَّذا ما مشت به الاجمالُ !

كاتفاتٍ بيضاءَ دلَّ عليها

أنَّها الشمس أنَّها لا تُنالُ

جمحَ الشوق بالخليع فأهلاً

بحليمٍ له السلوُّ عِقالُ

كنتُ منه أيّام مرتعُ لذّا

تي خصيبٌ وماءُ عيشي زلالُ

حيث ضِلعي مع الشباب وسمعي

غرضٌ لا تصيبه العُذّالُ

يا نديميّ كنتما فافترقنا

فاسلواني، لكلِّ شئٍ زوالُ

ليَ في الشيب صارفٌ ومن الحز

ن على آل أحمدٍ إشغالُ

معشر الرُّشد والهدى حَكم البغـ

ـيُ عليهم سفاهةً والضَّلالُ

ودعاة الله استجابت رجالٌ

لهمُ ثمّ بُدِّلوا فاستحالوا

حملوها يوم ( السَّقيفة ) أوزا

راً تخفُّ الجبال وهي ثِقالُ

ثمَّ جاءوا من بعدها يستقيلو

نَ وهيهات عثرةٌ لا تُقالُ

يا لها سوءةً إذا أحمد قا

م غداً بينهم فقال وقالوا !

ربعُ همّي عليهمُ طللٌ با

قٍ وتَبلى الهمومُ والأطلالُ

يا لَقوم إذ يقتلون عليّاً

وهو للمحل(١) فيهمُ قتّالُ

ويُسرّون بغضه وهو لا تُقـ

ـبُل إلّا بحبِّه الأعمالُ

وتحال الأخبار والله يدري

كيف كانت يوم ( الغدير ) الحالُ(٢)

ولسبطين تابعيه فمسمو

مٌ عليه ثرى البقيع يُهالُ

درسوا قبره ليخفى عن الزوّ

ار هيهات ! كيف يخفى الهلالُ ؟!

وشهيدٍ بالطفِّ أبكَى السَّماوا

ـتِ وكادت له تزول الجبالُ

____________________

١ - المحل:الجدب.

٢ - كذا في ديوانه المخطوط وفي المطبوع:تحال.


يا غليلي له وقد حُرِّم الماء

عليه وهو الشَّراب الحلالُ

قُطعت وصلةُ النبيِّ بأن تُقـ

ـطع من آل بيته الأوصالُ

لم تنجِّ الكهول سنُّ ولا الشَّـ

بان زهدٌ ولا نجا الأطفالُ

لهفَ نفسي يا آل طه عليكم

لهفةً كسبها جوّى وخبالُ

وقليلٌ لكم ضلوعِيَ تهتـ

زُّ مع الوجد أو دموعي تُذالُ

كان هذا كذا وودّي لكم حسـ

ب وما لي في الدين بعدُ اتِّصالُ

وطروسي سودٌ فكيف بيَ الآ

نَ ومنكم بياضها والصِّقالُ

حبّكم كان فكّ أسري من الشِّر

كَ وفي منكبي له أغلالُ

كم تزمِّلتُ بالمذلَّة حتّى

قمتُ في ثوب عزِّكم أختالُ

بركاتٌ لكم محت من فؤادي

ما أملَّ الضَّلال عَمٌّ وخالُ

ولقد كنتُ عالماً أنَّ إقبا

لي بمدحي عليكمُ إقبالُ

٣

وله من قصيدة يرثي بها أهل البيت عليهم السَّلام وهي ٦٣ بيتاً توجد في ديوانه ج ٤ ص ١٩٨ مطلعها:

لو كنتُ دانيتُ المودَّة قاصياً

ردَّ الحبائبُ يوم بِنّ فؤاديا

إلى أن قال:

وبحيِّ آل محمَّد إطراؤه

مدحاً وميِّتهم رضاه مراثيا

هذا لهم والقوم لا قومي همُ

جنساً وعُقر ديارهم لا داريا

إلَّا المحبَّة فالكريم بطبعه

يجد الكرامَ الأبعدين أدانيا

يا طالبييَّن اشتفّى من دائه الـ

ـمجد الذي عدم الدواء الشافيا

بالضاربين قبابَهم عَرض الفلا

عقل الركائب ذاهباً أو جائيا

شرعوا المحجَّة للرشاد وأرخصوا

ما كان من ثمن البصائر غالبا

وأما وسيِّدهم عليٍّ قولةٌ

تشجي العدوِّ وتُبهج المتواليا

لقد ابتنى شرفاً لهم لو رامه

زُحلٌ بباعٍ كان عنه عالياً


وأفادهم رقّ الأنام بوقفةٍ

في الرَّوع بات بها عليهم واليا

ما استدرك الانكار منهم ساخطٌ

إلّا وكان بها هنالك راضيا

أضحوا أصادقه فلمّا سادهم

حسدوا فأمسوا نادمين أعاديا

فارحم عدوَّك ما أفادك ظاهراً

نصحاً وعالجَ فيك خلّاً خافياً

وهبِ ( الغدير ) أبوا عليه قوله

بغياً* فقل:عدّوا سواه مساعياً

بدراً واُحداً اُختها من بعدها

وحنين وقّاراً بهنَّ فصاليا(١)

والصخرة الصمّاء أخفى تحتها

ماءاً وغير يديه لم يك ساقيا

وتدبّروا خبرَ اليهود بخيبرٍ

وارضوا بمرحب وهو خصم قاضيا

هل كان ذاك الحصن يرهب هادماً ؟!

أو كان ذاك الباب يفرق داحيا؟!

وتفكّروا في أمر عمرٍو(٢) أوَّلا

وتفكّروا في أمر عمرٍو(٣) ثانيا

أسدان كانا من فرائس سيفه

ولقلّما هابا سواه مدانيا

ورجال ضبَّة عاقدي حُجُزاتهم

يوم البُصيرة من مَعين(٤) تفانيا

ضغموا(٥) بناب واحدٍ ولطالما از

دردوا أراقم قبلها وأفاعيا

ولَخطبُ صفِّين أجلُّ وعندك الـ

ـخبر اليقين إذا سألتَ مُعاويا

( ما يتبع الشعر )

قال الاستاذ أحمد نسيم المصري في شرح قوله:

وهبِ الغدير أبوا عليه قبوله

نهياً فقل:عُدّوا سواه مساعيا

: ألنهي:ألغدير أو شبهه. وللامام عليٍّ وقعةٌ تُسمّى بوقعة ( غدير خمّ ) و

____________________

* كذا في ديوانه المخطوط وفي المطبوع منه:نهيا.

١ - وقاراً:شاداً بلجام الدابة لتسكن. يشير الى ان امير المؤمنين كان آخذاً بلجام بغلة رسول الله صلى‌ الله‌ عليه ‌و آله‌ خوفا من اجفالها.

٢ - يعني عمرو بن ود الذي قتله امير المؤمنين يوم الخندق.

٣ - يعني عمرو بن العاص المترجم في كتابنا ج ٢ ص ١٢٠ - ١٧٦.

٤ - معين اسم مدينة باليمن أو هو حصن بها.

٥ - ضغم الشى:عضه بملاء فمه. يقال:ضغمه ضغمة الاسد.


الشاعر يُشير إليها. قال الأميني:ليت الاُستاذ بعد شرحه [ النهي ] وجعله بدلاً عن [ البغي ] الموجود في مخطوط ديوانه يُعرب عن معناه الحالي أو المفعولي، ويَعرف أنَّ مثله لا يصلح من مثل مهيار المتضلّع الفحل، وكأنَّه يرى رأي شاكلته إبراهيم ملحم أسود في قوله:يوم الغدير واقعة حرب معروفة(١) فليته دلَّنا على تلك الوقعة المسمّاة بوقعة (الغدير ) وذكر شطراً من تاريخها، يُريدون أن يبدِّلوا كلام الله، و ارتابت قلوبهم في ريبهم يتردَّدون.

( الشاعر )

أبو الحسن(٢) مهيار بن مرزويه الديلمي البغدادي نزيل درب رياح بالكرخ هو أرفع راية للأدب العربيِّ منشورة بين المشرق والمغرب، وأنفس كنز من كنوز الفضيلة، وفي الرَّعيل الأوَّل من ناشري لغة الضّاد، وموطِّدي اُسسها، و رافعي علاليها، ويده الواجبة على اللغة الكريمة ومن يمتّ بها وينتمي إليها لا تزال مذكورةً مشكورةً يشكرها الشعر والأدب، تشكرها الفضيلة والحسب، تشكرها العروبة والعرب، و أكبر برهنةٍ على هذه كلّها ديوانه الضخم الفخم في أجزائه الأربعة الطافح بأفانين الشعر وفنونه وضروب التصوير وأنواعه، فهو يكاد في قريضه يلمسك حقيقة راهنة ممّا يُنضِّده، ويذر المعنى المنظوم كأنَّه تجاه حاسَّتك الباصرة، ولا يأتي إلّا بكلِّ اسلوب رصينٍ، أو رأيٍ صحيفٍ، أو وصفٍ بديعٍ، أو قصدٍ مبتكرٍ، فكان مقدَّماً على أهل عصره مع كثرة فحولة الأدب فيه، وكان يحضر جامع المنصور في أيّام الجمعات ويقرأ على الناس ديوان شعره(٣) ولم أرَ الباخرزي قد بالغ في الثناء عليه بقوله في ( دمية القصر ) ص ٧٦:هو شاعرٌ له في مناسك الفضل مشاعر، وكاتبٌ تحت كلِّ كلمة من كلماته كاعب، وما في قصائده بيت يتحكّم عليه بلوّ وليت، وهي مصبوبةٌ في قوالب القلوب، وبمثلها يعتذر الدهر المذنب عن الذنوب.

أمّا شعره في المذهب فبرهنةٌ وحِجاجٌ فلا تجد فيه إلّا حجَّةً دامغةً، أو ثناءً

____________________

١ - قد أسلفنا الكلام فيه في الجزء الثاني ص ٣٣١.

٢ - وفي بعض المصادر القديمة:أبو الحسين.

٣ - تاريخ الخطيب البغدادي ١٣ ص ٢٧٦.


صادقاً، أو تظلّماً مفجعاً، ولعلَّ هذه هي التي حدت أصحاب الإحن إلى إخفاء فضله الظاهر والتنويه بحياته الثمينة كما يحقّ له، فبخست حقَّه المعاجم، فلم تأت عند ذكره إلّا بطفائف هي دون بعض ما يجب له، غير أنَّ حقيقة فضله أبرزت نفسها، ونشرت ذكره مع مهبِّ الصَّبا، فأين ما حللت لا تجد للمهيار إلّا ذكراً وشكراً وتعظيماً و تبجيلاً، وعلى ضوء أدبه وكماله يسير السائرون.

ولعمر الحقِّ انّ من المعاجز أنّ فارسيْاً في العنصر يحاول قرض الشعر العربيِّ فيفوق أقرانه ولا يتأتىّ لهم قرانه، ويقتدى به عند الورد والصدَر، ولا بِدع أن يكون من تخرَّج على أئمَّة العربيَّة من بيت النبوَّة وعاصرهم وآثر ولائهم واقتصَّ أثرهم كالعَلمين الشريفين:المرتضى والرضي وشيخهما شيخ الاُمَّة جمعاء [ المفيد ] و نظرائهم أن يكون هكذا، ألا تاهت الظنون، وأكدت المخائل في الحط من كرامة الرَّجل بتقصير ترجمته، أو التقصير في الإبانة عنه، أو التحامل عليه بمخرقة، و الوقيعة فيه برميه بما يدنِّس ذيل أمانته كما فعل إبن الجوزي في ( المنتظم ) فجدع أرنبته باختلاق قضيَّةٍ مكذوبةٍ عليه، ورماه بالغلوّ، وحاشاه عن كلِّ ذلك، إن يقولون إلّا كذِبا.

فهذا مهيار بأدبه الباذخ، وفضله الشامخ، وعرفه الفائح، ونوره الواضح، و مذهبه العلويِّ، وقريضه الخسروانيِّ، قد طبق العالم ثناءً وإطراء ومكرمةً وجلالةً، وما يضرُّه أمسه إن كان مجوسيّاً فارسيّاً فيه، وها هو في يومه مسلمٌ في دينه، علويُّ في مذهبه، عربيُّ في أدبه، وها هو يحدِّث شعره عن ملكاته الفاضلة، ويتضمَّن ديوانه آثار نفسيّاته الكريمة، وخلّد له ذكرى مع الأبد، فهل أبقى [ أبو الحسن مهيار ] ذروةً من الشرف لم يتسنَّمها ؟! أو صهوةً من النبوغ لم يمتطها ؟! ولو كان يؤاخَذِ بشيء من ماضيه لكان من الواجب مؤاخذة الصحابة الأوَّلين كلّهم على ماضيهم التعيس غير أنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله، فتراه يتبهَّج بسودد عائلته المالكة التي هي أشرف عائلات فارس، ويفتخر بشرف إسلامه وحسن أدبه بقوله:

أعجبتْ بي بين نادي قومها

أمُّ سعدٍ فمضت تسأل بي

سرّها ما علمت من خلقي

فأرادت علمها ما حسبي


لا تخالي نسباً يخفضني

أنا من يُرضيك عند النسبِ

قومي استولوا على الدَّهر فتى

ومشوا فوق الرؤوس الحقبِ

عمَّموا بالشمس هاماتهمُ

وبنوا أبياتهم بالشهبِ

وأبي كسرى(١) على أيوانه

أين في الناس أبٌ مثل أبي ؟!

سورة الملك القدامى وعلى

شرف الإسلام لي والأدبِ

قد قبستُ المجد من خير أبٍ

وقبستُ الدين من خير نبي

وضممت الفخر من أطرافه

سودد الفرس ودين العربِ

أسلم المترجم على يد سيِّدنا الشريف الرَّضي سنة ٣٩٤(٢) وتخرّج عليه في الأدب والشعر وتوفي ليلة الأحد لخمس خلون من جمادى الثانية سنة ٤٢٨، ولم أقف على خلاف في تارخ وفاته في الكتب المعاجم التي توجد فيها ترجمته منها:تاريخ بغداد ١٣ ص ٢٧٦، ألمنتظم ج ٨ ص ٩٤، تاريخ إبن خلكان ٢ ص ٢٧٧، مرآة اليافعي ٣ ص ٤٧، دمية القصر ص ٧٦، تاريخ إبن كثير ١٢ ص ٤١، كامل إبن الأثير ٩ ص ١٥٩، تاريخ أبي الفدا ٢ ص ١٦٨، أمل الآمل لشيخنا الحرّ، روض المناظر لابن شحنة، أعلام الزركلي ٣ ص ١٠٧٩، شذرات الذهب ٣ ص ٢٤٧، تاريخ آداب اللغة ٢ ص ٢٥٩، نسمة السحر فيمن تشيِّع وشَعر، دائرة المعارف لفريد وجدي ٩ ص ٤٨٤، سفينة البحار ٢ ص ٥٦٣ مجلّة المرشد ٢ ص ٨٥.

ومن نماذج شعر مهيار في المذهب قوله يمدح أهل البيت عليهم السَّلام:

بكى النار ستراً على الموقد

وغار يغالط في المنجدِ

أحبَّ وصان فوَرىّ هوّى

أضلَّ وخاف فلم ينشدِ ؟!

بعيد الإصاخة عن عاذلٍ

غنيُّ التفرّد عن مُسعدِ

حمولٌ على القلب وهو الضعيف

صبورٌ على الماء وهو الصَّدي

وقورٌ وما الخُرق من حازمٍ

متى ما يَرحُ شيبه يغتدي

____________________

١ - ولد في ايام ملكه نبي العظمة صلى ‌الله‌ عليه ‌و آله‌ ويعزى اليه ( ع ):ولدت في زمن الملك العادل.

٢ - كامل ابن الاثير ٩ ص ١٧٠، المنتظم لإبن الجوزي ٨ ص ٩٤.

_١٥_


ويا قلبُ إن قادك الغانيات

فكم رسَنٍ فيك لم ينقدِ

أفقْ فكأنّي بها قد اُمرّ

بأفواهها العذْب من موردي

وسوَّدَ ما ابيضَّ من ودِّها

بما بيَّض الدهر من أسودي

وما الشيب أوَّل غدر الزَّمان

بلى من عوائده العوَّدِ

لحَا الله حظّي كما لا يجود

بما أستحقُّ وكم أجتدي

وكم أتعلّل عيش السقيم

اُذمِّمُ يومي وأرجو غدي

لئن نام دهريَ دون المُنى

وأصبح عن نيلها مُقعديِ

ولم أك أحمدُ أفعاله

فلي اُسوةٌ ببني أحمدِ

بخير الورى وبني خيرهم

إذا وَلدُ الخير لم يولدِ

وأكرم حيٍّ على الأرض قام

وميتٍ توسَّد في مَلحدِ

وبيت تقاصر عنه البيوت

وطال عليّاً على الفرقدِ

تحوم الملائكُ من حوله

ويُصبح للواحي دار الندي

ألا سَلْ قريشاً ولُمْ منهمُ

مَن استوجب اللوم أو فنَّدِ

وقل:ما لكم بعد طول الضَّلا

ل لم تشكروا نعمة المرشد؟!

أتاكم على فترةٍ فاستقام

بكم جائرين عن المقصدِ

وولَّى حميداً إلى ربِّه

ومن سنَّ ما سنَّه يُحمدِ

وقد جعل الأمر من بعده

لحيدر بالخبر المسندِ

وسمّاه مولىّ بإقرار مَن

لو اتَّبع الحقُّ لم يجحدِ

فملتم بها - حسدَ الفضل - عنه

ومن يك خير الورى يُحسدِ

وقلتم:بذاك قضى الإجتماع

ألا إنَّما الحقُّ للمفردِ

يعزُّ على هاشمٍ والنبّي

تلاعب تَيمٍ بها أو عدي

وإرث عليٍّ لأولاده

إذا آية الإرث لم تُفسدِ

فمن قاعد منهمُ خائف

و مِن ثائر قام لم يُسعدِ

تسلّط بغياً أكفِّ النِّفا

ق منهم على سيِّدٍ سيِّدِ


وما صُرفوا عن مقام الصَّلاة

ولاُ عنِّفوا في بُنى(١) المسجدِ

أبوهم واُمّهمُ مَن علمـ

ـتَ فأنقص مفاخرهم أو زدِ

أرى الدين من بعد يوم الحسين

عليلاً له الموتِ بالمرصدِ

وما الشِّرك لِلَّه من قبله

إذا أنت قستَ بمستبعدِ

وما آل حرب جنوا إنَّما

أعادوا الضَّلال على من بُدي

سيعلم مَن فاطمٌ خصمه

بأيِّ نكالٍ غداً يرتدي

ومَن ساء أحمدَ يا سِبطهٌ

فباءَ بقتلك ماذا يدي ؟!

فداؤك نفسي و مَن لي بذا

ك لو انّ مولىً بعبدٍ فُدي

وليت دمي ما سقى الأرض منك

يقوت الرَّدى وأكون الرَّدي

وليت سبقتُ فكنتُ الشهيد

أمامك يا صاحب المشهدِ

عسى الدهرُ يشفي غداً من عدا

ك قلبَ مُغيظٍ بهم مُكمدِ

عسى سطوةُ الحق تعلو المُحال

عسى يُغلب النقص بالسوددِ

وقد فعل الله لكنَّني

أرى كبدي بعدُ لم تبردِ

بسمعي لقائمكم دعوةٌ

يُلبّي لها كلُّ مستنجدِ

أنا العبد والاكمُ عقدُه

إذا القولُ بالقلب لم يُعقدِ

وفيكم ودادي وديني معاً

وإن كان في فارسٍ مولدي

خصمتُ ضلالي بكم فاهتديتُ

ولولاكمُ لم أكن أهتدي

وجرَّدتموني وقد كنتُ في

يد الشرك كالصّارم المغمدِ

ولا زال شعريَ من نائح

ينقَّل فيكم إلى مُنشدِ

وما فاتني نصركم باللسان

إذا فاتني نصركم باليدِ

وقال يرثي أمير المؤمنين عليّاً وولده الحسين ويذكر مناقبهما وكان ذلك من نذائر ما منَّ الله تعالى به من نعمة الإسلام في المحرَّم سنة ٣٩٢(٢) .

يزوِّر عن حسناء زورة خائفِ

تعرُّض طيفٍ آخر الليل طائفِ

____________________

١ - بنى جمع بنية.

٢ - كذا في ديوانه وقد مر عن معاجم انه أسلم سنة ٣٩٤.


فأشبهها لم تغدُ مسكاً لناشقٍ

كما عوَّدت ولا رحيقاً لراشفِ

قصيَّة دارٍ قرَّب النومُ شخصها

ومانعة أهدى سلام مساعفِ

ألين وتغري بالإباء كأنَّما

تبرّ بهجراني أليَّة حالفِ

وبالغور للناسين عهديَ منزلُ

حنانيك من شاتٍ لديه وصائفِ

اُغالط فيه سائلاً لا جهالةً

فأسأل عنه وهو بادي المعارفِ

ويعذلني في الدار صحبي كأنَّني

على عرصات الحبّ أوَّل واقفِ

خليليَّ إن حالت - ولم أرض - بيننا

طِوالُ الفيافي أو عِراض التنائفِ

فلا زُرَّ ذاك السجفُ إلّا لكاشفٍ

ولا تمَّ ذاك البدر إلّا لكاسفِ

فإن خفتما شوقي فقد تأمنانه

بخاتلةٍ بين القنا والمخاوفِ

بصفراء لو حلَّت قديماً لشارب

لضنَّت فما حلَّتْ فتاةً لقاطفِ

يطوف بها من آل كسرى مقرطقٌ(١)

يحدِّث عنها من ملوك الطوائفِ

سقى الحسن حمراء السلافة خدَّه

فانبع نبتاً أخضراً في السوائفِ(٢)

وأحلف أنَّي شعشعت لي بكفِّه

سلوت سوى همٍّ لقلبي مُحالفِ

عصيت على الأيّام أن ينتزعنه

بنهي عذول أو خداع ملاطفِ

جوى كلَّما استخفي ليخمد هاجه

سنا بارقٍ من أرض كوفان خاطفِ

يذكِّرني مثوى عليٍّ كأنَّني

سمعت بذاك الرزء صيحة هاتفِ

ركبت القوافي ردف شوقي مطّيةٍ

تَخبُّ بجاري دمعي المترادفِ

إلى غايةٍ من مدحه إن بلغتها

هزأتُ بأذيال الرِّياح العواصفِ

وما أنا من تلك المفازِة مدركٌ

بنفسي ولو عرَّضتها للمتالفِ

ولكن تؤدّي الشهد إصبع ذائقٍ

وتعلق ريح المسك راحةُ دائفِ(٣)

بنفسيَ من كانت مع الله نفسه

إذا قلَّ يومَ الحقِّ مَن لم يجازفِ

إذا ما عزوا ديناً فآخر عابدٍ

وإن قسموا دنياً فأوَّل عائفِ

____________________

١ - مقرطق:لابس القرطق وهو قباء ذو طاق واحد.

٢ - يريد بالنبت، العذار. السوائف جمع سائفة:هي القطعة من اللحم.

٣ - الدائف:الخالط الذى يخلط المسك بغيره من الطيب.


كفى يوم بدر شاهداً وهوازن

لمستأخرين عنهما ومزاحفِ

وخيبر ذات الباب وهي ثقيلة الـ

ـمرام على أيدي الخطوب الخفائفِ

أبا حسن إن أنكروا الحق [واضحاً]

على أنَّه والله إنكارُ عارفِ

فإلّا سعى للبين أخمص بازلٍ

وإلّا سمت للنعل إصبع خاصفِ

وإلّا كما كنت ابن عمٍّ و والياً

وصهراً وصنواً كان من لا يقارفِ

أخصَّك بالتفضيل إلّا لعلمه

بعجزهُم عن بعض تلك المواقفِ

نوى الغدرَ أقوامٌ فخانوك بعده

وما آنفٌ في الغدر إلّا كسالفِ

وهبهم سفاهاً صحَّحوا فيك قوله

فهل دفعوا ما عنده في المصاحفِ

سلامٌ على الإسلام بعدك إنَّهم

يسومونه بالجور خُطَّة خاسفِ

وجدَّدها بالطفِّ بابنك عصبةٌ

أباحوا لذاك القرف(١) حكة قارفِ

يعزُّ على محمّد بابن بنته

صبيبُ دم من بين جنبيَّك واكفِ

أجازوك حقّاً في الخلافة غادروا

جوامع(٢) منه في رقاب الخلائفِ

أيا عاطشاً في مصرع لو شهدتُه

سقيتك فيه من دموعي الذوارفِ

سقى غُلّتي بحرٌ بقبرك إنَّني

على غير إلمام به غير آسفِ

وأهدى إليه الزائرون تحيَّتي

لأشرف إن عيني له لم تشارفِ

وعادوا فذرّوا بين جنبيَّ تربة

شفائي ممّا استحقبوا في المخاوفِ(٣)

اُسرُّ لمن والاك حبَّ موافقٍ

و اُبدي لمن عاداك سبَّ مخالفِ

دعيُّ سعى سعي الاُسود وقد مشى

سواه إليها أمسر مشي الخوالفِ(٤)

وأغرى بك الحسّاد أنّك لم تكن

على صنم فيما رووه بعاكفِ

وكنت حصانَ الجيب من يد غامرٍ

كذاك حصانَ العرض من فم قاذفِ

وما نسبٌ ما بين جنبيَّ تالدٌ

بغالب ودٍّ بين جنبيَّ طارفِ

____________________

١ - ألقرف:ألبغي.

٢ - ألجوامع:الاغلال.

٣ - استحقبوا:ادخروا.

٤ - الخوالف:النساء.


وكم حاسدٍ لي ودَّ لو لم يعش ولم

اُنابله في تأبينكم واُسايفِ(١)

تصرَّفتُ في مدحيكمُ فتركته

يعضُّ عليَّ الكفَّ عضَّ الصوارفِ(٢)

هواكم هو الدنيا وأعلم أنَّه

يُبيِّضُ يوم الحشر سود الصحائفِ

و اُنشِد قصيدةٌ في مراثي أهل البيت عليهم السَّلام من مرذول الشعر على هذا الروي الذي يجيئ وسُئل أن يعمل أبياتاً في وزنها علي قافيتها فقال هذه في الوقت:

مشين لنا بين ميل وهيفِ

فقل في قناة وقل في نزيفِ(٣)

على كلَ غصن ثمارُ الشبا

ب من مُجتنى دواني القُطوفِ

ومن عجب الحسن أنَّ الثقيـ

ـل منه يُدلُّ بحمل الخفيفِ

خليليَّ ما خُبرُ ما تُبصرا

ن بين خلاخيلها والشّنوفِ(٤)

سلاني به فالجمال اسمه

ومعناه مَفسدةٌ للعفيفِ

أمن عربيَّة تحت الظلام

تولّجُ ذاك الخيال المطيفِ ؟!

سرى عينها أو شبيهاً فكا

د يفضح نوميَ بين الضيوفِ

نعم ودعا ذكرَ عهد الصِّبا

سيلقاه قلبي بعهدٍ ضعيفِ

بآل عليٍّ صروف الزمان

بسطنَ لساني لذمِّ الصروفِ

مصابي على بُعد داري بهم

مصابُ الأليف بفقد الأليفِ

وليس صديقيَ غير الحزين

ليوم ( الحسين ) وغيرَ الأسوفِ(٥)

هو الغصن(٦) كان كميناً فهبَّ

لدى ( كربلاء ) بريحٍ عصوفِ

قتيلٌ به ثار غِلّ النفوس

كما نَغَر الجرحَ حكُّ القُروف(٧)

____________________

١ - انابله:أرميه بالنبل. اسايف:اجالده بالسيف.

٢ - ألصوارف جمع صارف وهو:الناب.

٣ - ألنزيف:ألسكران.

٤ - ألشنوف جمع شنف وهو:القرط يعلق بأعلى الاذن.

٥ - الاسوف:ألسريع الحزن الرقيق القلب.

٦ - كذا في مطبوع ديوانه والصحيح:هو الضغن.

٧ - نغر:أسال. القروف جمع قرف وهي القشرة تعلو الجرح.


بكلِّ يد أمسِ قد بايعته

وساقت له اليوم أيديٍ الحتوفِ

نسوا جدَّه عند عهدٍ قريب

وتالده مع حقٍّ طريفِ

فطاروا له حاملين النِّفاق

بأجنحة غِشّها في الحفيفِ(١)

يعزُّ عليَّ ارتقاء المنون

إلى جبلٍ منك عالٍ منيفِ

ووجهك ذاك الأغرُّ التريب

يشهَّر وهو على الشمس موفي

على ألعن أمره قد سعى

بذاك الذميلِ وذاك الوجيفِ

وويلُ امّ مأمورهم لو أطاع

لقد باع جنَّته بالطفيفِ

وأنت - وإن دافعوك - الإمام

وكان أبوك برغم الاُنوفِ

لِمَن آية الباب يوم اليهود ؟!

ومَن صاحبُ الجنِّ يوم الخسيف ؟!

ومن جمعَ الدين في يوم بدرٍ

واُحدٍ بتفريق تلك الصفوفِ ؟!

وهدَّم في الله أصنامهم

بمرآى عيون عليها عكوفِ ؟!

أغير أبيك إمام الهدى ؟!

ضياء النديِّ هزبرِ العزيفِ(٢)

تفلّل سيفٌ به ضرَّجوك

لسوَّد خِزياً وجوهَ السّيوفِ

أمرَّ بفيَّ عليك الزّلال

وآلم جِلديَ وقعُ الشّفوفِ(٣)

أتحمل فقدَك ذاك العظيمَ

جوارحٌ جسميَ هذا الضعيفِ؟!

ولهفي عليك مقالُ الخبيـ

ـر:إنَّك تُبرد حرَّ اللهيفِ

أنشرُك ما حملَ الزائرو

ن أم المسك خالط ترب الطفوفِ؟!

كأنَّ ضريحك زهر الربيـ

ـع هبَت عليه نسيم الخريفِ

اُحبِّكمُ ما سعى طائفٌ

وحنَّت مطوَّقةٌ في الهُتوفِ

وإن كنتُ من فارس فالشريـ

ـف معتلِقٌ ودُّه بالشريفِ

ركبتُ - على مَن يعاديكمُ

ويفسد تفضيلكم بالوقوفِ -

____________________

١ - الحفيف:أجنحة الطائر.

٢ - العزيف:صوت الرمال اذا هبت عليها الرياح. ولعل الصحيح:الغريف. معجمة العين مهملة الراء:وهو الاجمة.

٣ - الشفوف جمع شف وهو:الثوب الرقيق.


سوابقَ من مدحكم لم أهبْ

صعوبةَ ريِّضها والقطوفِ(١)

تُقطِّرُ غيريَ أصلابها

و تزلقُ أكفالها بالرَّديفِ(٢)

وقال يمدح أهل البيت عليهم السَّلام وهي من أوَّل قوله:

سلا من سلا:مَن بنا استبدلا ؟!

وكيف محا الآخر الأوَّلا ؟!

وأيّ هوّى حادث العهد أمـ

ـس أنساه ذاك الهوى المُحولا ؟!(٣)

وأين المواثيق، والعاذلات

يضيق عليهنَّ أن تعذلا ؟!

أكانت أضاليلَ وعدِ الزما

ن أم حُلم الليل ثمَّ انجلى ؟!؟!

وممّا جرى الدَّمع فيه سؤا

ل مَن تاه بالحسن أن يُسألا

أقول برامةَ:يا صاحبيَّ

مَعاجاً - وإن فعلا -:أجملا

قفا لعليل فإنَّ الوقوف

وإن هو لم يشفِه عَلّلا

بغربيِّ وجرةَ ينشدنه

- وإن زادنا صلة - منزلا(٤)

وحسناء لو أنصفتْ حسنها

لكان من القبح أن تبخلا

رأت هجرها مرخصاً من دمي

على النأي عِلقاً قديماً غلا(٥)

ورُبَّتَ واشٍ بها منبض(٦)

اسابقه الردَّ أن يُنبلا

رأى ودَّهاً طللاً ممحِلاً

فلفَّق ما شاء أن يَمحلا

وألسنة كأعالي الرِّماح

رددتُ وقد شرعتْ ذُبَّلاً(٧)

ويأبى لحسناء إن أقبلتْ

تعرُّضها قمراً مُقبلا

سقى الله ليلاتنا بالغويـ

ـر فيما أعلَّ وما أنهلا(٨)

____________________

١ - الريض:الدابة أول ما تراض وهى صعبة. القطوف:الدابة التى تسيئ المسير وتبطي.

٢ - تقطر:تلقى الانسان على قطره أي على أعلى ظهره الرديف:الراكب خلف الراكب

٣ - المحول:الذي أتت عليه حول بعد حول أي سنون.

٤ - كذا في ديوانه والصحيح كما ينشده ادباء النجف الاشرف:

بغربي وجرة ينشد به

- وان زادنا ضلة - منزلا

٥ - العلق:الشيئ النفيس.

٦ - النبض:الذي يشد وتر القوس لتصوت.

٧ - الذبل جمع ذابل وهو الدقيق من الرماح.

٨ - العل:الشربّ الثاني. النهل:أول الشرب.


حياً كلّما أسبلت مقلةٌ

- حنيناً له - عبرةً أسبلا

وخصَّ وإن لم تعد ليلةً

خلت فالكري بعدها ما حَلا

وفي الطيفُ فيها بميعاده

وكان تعوَّد أن يمطُلا

فما كان أقصر ليلي به

وما كان لو لم يُزر أطولا

مساحبُ قصَّر عنّي المشيـ

ـبُ ما كان منها الصِّبا ذيَّلا

ستصرفني نزوات الهمو

م بالإرَب الجِدِّ أن أهزلا

وتنحتُ من طرفي زفرةٌ

مباردها تأكلّ المنصلا(٧)

وأغرى بتأمين آل النبيَّ

إن نسَّب الشعر أو غزَّلا

بنفسي نجومهم المخمَداتِ

ويأبى الهدى غير أن تُشعَلا

وأجسام نورٍ لهم في الصعيـ

ـد تملؤه فيُضيئ الملا

ببطن الثرى حملُ ما لم تُطق

على ظهرها الأرض أن تحملا

تفيض فكانت ندًى أبحرا

وتهوي فكانت عُلاً أجبُلا

سل المتحدّي بهم في الفخا

ر أين سمت شرفات العلا ؟!

بمن باهل الله أعداءه

فكان الرَّسول بهم أبهلا ؟!

وهذا الكتاب وإعجازه

على مَن ؟ وفي بيت مَن نُزِّلا ؟!

وبدرٌ، وبدرٌ، به الدين تـ

مَّ من كان فيه جميلَ البلا ؟!

و مَن نام قومٌ سواه وقام ؟

ومن كان أفقه أو أعدلا ؟!

بمن فُصل الحكم يوم الجنين

فطبَّق في ذلك المَفصلا ؟!(١)

مساعٍ اُطيل بتفصيلها

كفى معجزاً ذكرُها مجملا

يميناً لقد سُلّط الملحدون

على الحقِّ أو كاد أن يبطلا

فلولا ضمانٌ لنا في الطهور

قضى جدَلُ القول أن نخجلا

أ ألله يا قومُ يقضي النبيُّ

مطاعاً فيُعصى وما غُسِّلا ؟!

____________________

٧ - المنصل. السيف.

١ - يقال للرجل اذا أصاب مهجة الصواب:طبق المفصل. وقصد الجنين إحدى قضايا الإمام عليه ‌السلام.


ويوصي فنخرص دعوى عليـ

ـه في تركه دينه مهملا ؟!

ويجتمعون على زعمهم

ويُنبيك سعد(١) بما أشكلا

فيُعقب إجماعُهم أن يبيـ

ـت مفضولهم يقدمُ الأفضلا

وأن يُنزع الأمر من أهله

لأنَّ ( عليّاً ) له اُهِّلا

وساروا يحطَّون في آله

بظلمهمُ كلكلاً كلكلا(٢)

تدب عقارب من كيدهم

فتفنيهمُ أوّلاً أوَّلا

أضاليل ساقت مصابَ الحسين

وما قبلَ ذاك وما قد تلا

اُميَّةُ لابسةٌ عارها

وإن خفي الثار أو حُصِّلا

فيوم ( السقيفة ) يا بن النبيَّ

طرَّق يومك في ( كربلا )

وغصبُ أبيك على حقِّه

واُمِّك حَسَّن أن تُقتلا

أيا راكباً ظهرَ مجدولةٍ

تخال إذا انبسطت أجدلا(٣)

شأت أربَعَ الريح في أربعٍ

إذا ما انتشرن طوين الفلا

إذا وكّلت طرفها بالسما

ء خيل بإدراكها وُكِّلا

فعزَّت غزالتها غُرَّةً

وطالت غزال الفلا أيطلا(٤)

كطيِّك في منتهىً واحد(٥)

- لنُدرك يثربَ - أو مرقلا(٦)

فصل ناجياً وعليَّ الأمان

لمن كان في حاجةٍ موصَلا

تحمَّلْ رسالة صبٍّ حملتَ

فناد بها أحمد المرسَلا

وحيِّ وقل:يا نبيَّ الهدى

تأشَّب(٧) نهجُك واستوغلا

____________________

١ - بشير الى سعد بن عبادة أمير الخزرج وقد أبى بيعة أبي بكر وبقي على ذلك حتى مات وقصته مودوعة في التاريخ.

٢ - الكلكل:ألصدر أوما بين الترقوتين.

٣ - المجدولة. من جدل الولد إذا قوى وصلب عظمه. الاجدل:الصقر.

٤ - عزت:غلبت. ألغزالة:ألشمس عند ارتفاعها الايطل:الخاصرة.

٥ - كذا في مطبوع ديوانه والمحفوظ عند أدباء النجف الاشرف:أظنك في متنها واخداً والوخد ضرب من سير الابل سريع.

٦ - ألمرقل:ألمسرع في سيره.

٧ - تأشب:اختلط.


قضيتَ فأرمضنا ما قضيت

وشرعك قد تمَّ واستكملا

فرامَ ابنُ عمِّك فيما سننـ

ـتَ أن يتقبَّل أو يَمثُلا

فخانك فيه من الغادريـ

ـن من غيَّر الحقَّ أو بدَّلا

إلى أن تحلّت بها تيمها

وأضحت بنو هاشمُ عطَّلا

ولمّا سرى أمرُ تيمٍ أطا

ل بيت عديٍّ لها الأحبلا(١)

ومدَّت اُميَّة أعناقها

وقد هوّن الخطب واستسهلا

فنال ابن عُفّان ما لم يكن

يُظنُّ وما نال بلُ نوِّلا

فقرَّ وأنعم عيش يكو

ن من قبله خشناً قُلقلا(٢)

وقلَّبها أردشيريَّةً

فحرَّق فيها بما أشعلا

وساروا فساقوه أو أوردوه

حياضَ الرَّدى منهلاً منهلا

ولمّا امتطاها ( عليٌّ ) اخو

ك ردَّ إلى الحقِّ فاستثقِلا

وجاؤا يسومونه القاتلين

وهم قد ولوا ذلك المقتَلا

وكانت هناةٌ وأنت الخصيم

غداً والمعاجَل من اُمهلا

لكم آل ياسين مدحي صفا

وودِّي حَلا وفؤادي خلا

وعندي لأعدائكم نافذا

ت قوليَ [ ما ] صاحبَ المِقولا(٣)

إذا ضاق بالسير ذرعُ الرفيق

ملأتُ بهنَّ فروجَ الملا

فواقرُ من كلِّ سهمٍ تكون

له كلُّ جارحةٍ مقتَلا

وهلّا ونهج طريق النجاة

بكم لاح لي بعد ما أشكلا ؟!

ركبتُ لكم لَقَمي فاستننت(٤)

وكنتُ اُخابطه مجهلا

وفُكَّ من الشِّرك أسري وكا

نُ غلّا على منكبيُ مقفلا

____________________

١ - كذا في ديوانه المطبوع والمحفوظ عند خطبائنا:

ولمّا سرى أمرُ تيمٍ وطالَ

مدَّت عديٌّ لها الأرجلا

٢ - ألقلقل:غير القار.

٣ - ألمقول:اللسان.

٤ - اللقم:معظم الطريق وواضحه. استننت:ذهبت في واضح الطريق.


اُواليكمُ ما جرت مزنةٌ

وما اصطخب الرعد أو جلجلا

وأبرأ ممّن يُعاديكمُ

فإنَّ البرائة أصلُ الولا

ومولاكمُ لا يخاف العقاب

فكونوا له في غدٍ موئلا

وقال يذكر مناقب أمير المؤمنين صلوات الله عليه وما مُني به من أعدائه:

إن كنت ممَّن يلج الوادي فسلْ

بين البيوت عن فؤادي:ما فعلْ

وهل رأيتَ - والغريب ما ترى -

واجدَ جسمٍ قبله منه يضِلّ؟!

وقل لغزلان النقا:مات الهوى

وطُلّقتْ بعدكمُ بنت الغزلْ

وعادَ عنكنَّ يخيبُ قانصٌ

مدَّ الحبالات لكنَّ فاحتبلْ(١)

يا من يرى قتلىَ السيوف حُظرتْ

دمائهم، أللهَ في قتلىَ المقَلْ

ما عند سكّان مِنىً في رجلٍ

سباه ظبيٌ وهو في ألف رَجُلْ

دافع عن صفحته شوكُ القنا

وجرحته أعين السِّرب النجلْ

دمٌ حرامٌ للأخ المسلم في

أرضٍ حرامٍ يالَ نُعم كيف حلْ ؟!

قلتِ:شكا، فأين دعوى صبره ؟

كُرّى اللحاظّ واسئلي عن الخبلْ

عنَّ هواكِ فأذلَّ جَلَدي

والحبُّ مارقَّ له الجَلد وذلْ(٢)

من دلَّ مسراك عليَّ في الدُّجى ؟

هيهات في وجهك بدرٌ لا يَدلْ

رمتِ الجمال فملكتِ عنوةً

أعناقَ ما دقَّ من الحسن وجلّ

لواحظاً علّمت الضّرب الظبا

على قوامٍ علّم الطعنَ الأسلْ(٣)

يا من رأى بحاجر مجاليا

من حيث ما استقبلها فهي قِبَلْ

إذا مررتَ بالقباب من قُبا

مرفوعة وقد هوت شمس الأصُلْ(٤)

فقل لأقمار السماء:اختمري

فحلبةُ الحسن لأقمار الكللْ

____________________

١ - فاحتبل:فصيد بالحبالة.

٢ - ألجلد:ألصبر. الجلد:القوي الشديد.

٣ - الظبا جمع الظبة:حد السيف. الاسل:الرمح.

٤ - قبا اسم موضع بالمدينة فيه مسجد لرسول الله صلى‌ الله ‌عليه‌ و آله ‌و سلم. الاصل ج أصل وهو :وقت ما بعد العصر الى المغرب.


أين ليالينا على الخيف ؟! وهلْ

يردُّ عيشاً بالحمى قولك:هلْ ؟!

ما كنَّ إلّا حُلماً روَّعه الصُّـ

ـبحُ وظلّا ًكالشبابِ فانتقلْ

ما جمعتْ قطُّ الشبابَ والغنى

يد امرئ ولا المشيبَ والجذلْ

يا ليت ما سوَّد أيّام الصِّبا

أعدى بياضاً في العذارين نزلْ

ما خلتُ سوداء بياضي نصَلت

حتّى ذوي أسود رأسي فنصَلْ(١)

طارقةٌ من الزَّمان أخذتْ

أواخرَ العيش بفرطات الاُوَلْ

قد أنذرتْ مبيضَّة أن حذَّرتْ

ونطق الشيبُ بنصحٍ لو قُبلْ

ودلَّ ما حطَّ عليك من سني

عمرك أنَّ الحظَّ فيما قد رحلْ

كم عِبرةٍ وأنت من عظاتها

ملتفتٌ تتبع شيطانَ الأملْ

ما بين يُمناك وبين اُختها

إلّا كما بين مناك والأجلْ

فاعمل من اليوم لما تلقى غداً

أو لا فقل خيراً تُوفَّق للعملْ

ورد خفيف الظهر حوض اُسرةٍ

إن ثقَّلوا الميزانَ في الخير ثقلْ

اُشددْ يداً بحبِّ آل أحمد

فإنَّه عقدةُ فوزٍ لا تُحَلْ

وابعث لهم مراثياً ومِدَحاً

صفوةَ ما راض الضميرُ ونخلْ

عقائلاً تصان بابتذالها

وشارداتٍ وهي للساري عُقُلْ

تحملُ من فضلهم ما نهضت

بحمله أقوى المصاعيب الذُّللْ(٢)

موسومةً في جبهات الخيل أو

معلّقاتٍ فوق أعجاز الابلْ

تنثو(٣) العلاء سيِّداً فسيِّداً

عنهم وتنعى بطلاً بعدَ بطلْ

ألطيِّبون اُزُراً تحت الدُّجى

ألكائنون وَزَراً يوم الوجلْ(٤)

والمنعمون والثرى مُقطّبٌ

من جدبه والعام غضبان أزلْ(٥)

خير مُصلٍّ مَلكاً وبشراً

وحافياً داس الثرى ومنتعِلْ

____________________

١ - نصل:خرج من خضابه.

٢ - المصاعيب الذلل:الفحول المذللة.

٣ - تنثو من نث نثا الخبر:أفشاه.

٤ - ازر جمع ازار. الوزر:الملجا والكنف.

٥ - الازل:الشديد الضيق. يقال:ازْل، ازِل. للمبالغة.


همْ وأبوهم شرفاً واُمّهم

أكرمَ من تحوي السماءُ وتظلْ

لا طُلقاء منعمٌ عليهمُ

ولا يحارون إذا الناصر قَلْ

يستشعرون:اللهُ أعلى في الورى

وغيرهم شعاره:اُعلُ هبلْ(١)

لم يتزخرف وثَنٌ لعابدٍ

منهم يُزيغ قلبَه ولا يُضلْ

ولا سرى عرقُ الإماءِ فهمُ

خبائث ليست مَريئات الاُكُلْ

يا راكباً تحمله عيديَّةٌ(٢)

مهويَّةُ الظهر بعضَّات الرّحَلْ

ليس لها من الوَجا منتصرٌ

إذا شكا غاربها حيف الإطِلْ(٣)

تشرب خمساً وتجرُّ رعيها

والماءُ عِدُّ والنبات مكتهلْ(٤)

إذا اقتضتْ راكبها تعريسةً

سوَّفها الفجر ومنّاها الطَّفلْ(٥)

عرِّج بروضات الغريِّ سائفاً

أزكى ثرًى وواطئاً أعلى محلّْ

وأدِّ عنّي مبلغاً تحيِّتي

خير الوصيِّين أخا خيرِ الرُّسلْ

سمعاً أمير المؤمنين إنَّها

كنايةٌ لم تك فيها منتحِلْ

ما لقريشٍ ما ذقتك عهدَها

ودامجتك ودَّها على دَخَل(٦)

وطالبتك عن قديم غلِّها

بعد أخيك بالتراث والذَّحَلْ

وكيف ضمّوا أمرهم واجتمعوا

فاستوزروا الرأي وأنت منعزلْ؟!

وليس فيهم قادحٌ بريبةٍ

فيك ولا قاضٍ عليك بوهَلْ(٧)

ولا تُعدُّ بينهم منقبةٌ

إلّا لك التفصيل منها والجُملْ

وما لقوم نافقوا محمَّداً

عمر الحياة وبغوا فيه الغَيلْ ؟!

____________________

١ - اشار الى قول ابى سفيان يوم احد اعل هبل:هبل بالضم اسم صنم لهم معروف.

٢ - عيدية:نسبة الى فحل تنسب اليه كرام النجائب، أو نسبة الى حى يقال له:بنو العيد تنسب إليه النوق العيدية.

٣ - الوجا:الحفا. الغارب:الكاهل الأطل:ألخاصرة.

٤ - الخمس:ورد الابل على الماء في اليوم الخامس. تجر:تعيد ما في جوفها لتأكله ثانية. الرعى:الكلا. العد:الغزير الذي لا ينقطع. المكتهل من النبات:ما تم طوله ونوره.

٥ - التعريسة:نزول المسافر آخر الليل للاستراحة. الطفل:قبيل غروب الشمس.

٦ - ماذقتك:شابت ودها ولم تخلص. دامجتك:جمعت لك ودها. الدخل:الخداع.

٧ - الوهل:ألخوف والضعف.


وتابعوه بقلوبٍ نزل الـ

ـفرقان فيها ناطقاً بما نزلْ

مات فلم تنعَقْ على صاحبه

ناعقةٌ منهم ولم يُرغِ جَملْ

ولا شكا القائم في مكانه

منهم ولا عنَّفهم ولا عذَلْ

فهل تُرى مات النفاق معهُ ؟!

أم خلصت أديانهم لمّا نُقلْ؟!

لا والذي أيَّده بوحيه

وشدَّه منك بركنٍ لم يَزُلْ

ما ذاك إلّا أنَّ نيّاتهمُ

في الكفر كانت تلتوي وتعتدلْ

وإنَّ وُدّاً بينهم دلَّ على

صفائه رضاهُم بما فعلْ

وهبهمُ تخرُّصاً قد ادَّعوا

إنَّ النِّفاق كان فيهم وبطلْ

فما لهم عادوا وقد وليتهم

فذكروا تلك الحزازات الاُوَلْ

وبايعوك عن خداعٍ كلّهم

باسطُ كفٍّ تحتها قلبٌ نغِلْ

ضرورة ذاك كما عاهد مَن

عاهد منهم أحمداً ثمَّ نكلْ

وصاحب الشورى لما ذاك ترى

عنك وقد ضايقه الموت عدلْ

والأمويُّ ما له أخَّركم

وخصَّ قوماً بالعطاء والنفَلْ؟!

وردَّها عجماءَ كسرويَّةً

يضاع فيها الدين حفظاً للدولْ

كذاك حتّى أنكروا مكانه

وهم عليك قدَّموه فقبلْ

ثمَّ قسمتَ بالسَّواء بينهم

فعظم الخطب عليهم وثقُلْ

فشُحذتْ تلك الظّبا وحُفرتْ

تلك الزُّبى واُضرمت تلك الشّعلْ

مواقفٌ في الغدر يكفي سُبَّةً

منها وعاراً لهمُ يوم الجملْ

يا ليت شعري عن أكفٍّ أرهفتْ

لك المواضي وانتحتك بالذُّبُلْ(١)

واحتطبت تبغيك بالشرِّ على

أيِّ اعتذارٍ في المعاد تتَّكلْ ؟!

أنسيَتْ صفقتها أمس على

يديك ألّا غَيرٌ ولا بدلْ ؟!

وعن حصانٍ أبرزت يُكشف باسـ

ـتخراجها سترُ النبيِّ المنسدلْ ؟!

تطلب أمراً لم يكن ينصره

بمثلها في الحرب إلّا مَن خذَلْ

يا للرِّجال ولتَيمٍ تدَّعي

ثأرَ بني اُميّة وتنتحلْ

____________________

١ - ألمواضي:السيوف الماضية:الذبل:الرماح الدقيقة الطويلة.


وللقتيل يُلزمون دمَه

- وفيهمُ القاتلُ - غير من قتلْ

حتّى إذا دارت رحى بغيهمُ

عليهمُ وسبق السيف العذَلْ

وأنجز النَّكثُ العذاب فيهمُ

بعد اعتزالٍ منهمُ بما مُطلْ

عاذوا بعفو ماجدٍ معوّدٍ

للصبر حمّالٍ لهم على العللْ

أطت بهم أرحامهم فلم تطع

ثائرة الغيظ ولم تشف الغللْ

فنجَّت البقا عليهم مَن نجا

وأكلَ الحديدُ منهم من أكلْ

واحتجَّ قومٌ بعد ذاك لهمُ

بفاضحات ربِّها يوم الجدَلْ

فقلَّ منهم من لوى ندامةً

عنانَه عن المصاع(١) فاعتزلْ

وانتزع العامل(٢) من قناته

فردّ بالكره فشدَّ فحملْ

والحال تُنبي أنَّ ذاك لم يكن

عن توبةٍ وأنَّما كان فشلْ

ومنهمُ من تاب بعد موته

وليس بعد الموت للمرء عملْ

وإن تكن ذات الغبيط أقلعت

برغم مَن اسند ذاك ونقلْ

فما لها تمنع من دفن ابنه

لولا هناتٌ جرحها لم يندملْ؟!

وما الخبيثان ابن هند وابنه

وإن طغى خطبهما بعدُ وجلْ

بمبدعَين في الذي جاءا به

وإنَّما تقفَّيا تلك السبلْ

إن يحسدوك فلفرط عجزهم

في المشكلاتِ ولما فيك كملْ

ألصنو أنت والوصيُّ دونهم

ووارثُ العلم وصاحب الرسُلْ

وآكلُ الطائر و الطاردُ لِلصِّـ

ـل ومن كلّمه قبلك صِلْ ؟!(٣)

وخاصفُ النعل وذو الخاتم والـ

ـمنهل في يوم القليب والمعِلْ

وفاصل القضيَّة العسراء في

يوم الحنين وهو حُكمٌ ما فصلْ

ورجعةٌ الشَّمس عليك نبأٌ

تشعَّب الألبات فيه وتضِلّ

فما ألوم حاسداً عنك انزوى

غيظاً ولا ذا قدَمٍ فيك تزلْ

____________________

١ - المصاع. التجمح.

٢ - العامل:صدر الرمح وهو ما يلي السنان.

٣ - ألصل: ألثعبان.


يا صاحبَ الحوض غداً لاحُلّئت(١)

نفسٌ تواليك عن العَذب النهلْ

ولا تسلّط قبضة النار على

عُنقٍ إليك بالوداد ينفتلْ

عاديتُ فيك النّاسَ لم أحفل بهم

حتّى رموني عن يدٍ إلّا الأقلْ

تفرَّغوا يعترقون غيبةً

لحمي وفي مدحك عنهم لي شُغلْ

عدلتُ أن ترضى بأن يسخط مَن

نُقلّه الأرض عليَّ فاعتدلْ

ولو يُشقُّ البحر ثمَّ يلتقي

فلقاه(٢) فوقي في هواك لم اُبَلْ

علاقةٌ بي بكمُ سابقةٌ

لمَجد سلمان إليكم تتَّصلْ

ضاربةٌ في حبِّكم عروقها

ضرب فحول الشَّوْل في النوق البزلْ(٣)

تضمّني من طرفي في حبلكم

مودَّةٌ شاخت ودينٌ مقتبلْ

فضّلتُ آبائي الملوكَ بكمُ

فضيلة الإسلام أسلاف المللْ

لذاكمُ اُرسلها نوافذاً

لأمّ مَن لا يتَّقيهنَّ الهَبَلْ(٤)

يمرقن زُرقاً من يدي حدائداً

تُنحى أعاديكم بها وتنتبلْ(٥)

صوائباً إمّا رميتُ عنكُم

وربما أخطأ رامٍ من ثُعلْ(٦)

وله يرثي شيخ الاُمَّة ابن المعلّم محمَّد بن محمَّد بن نعمان المفيد المتوفّى ٤١٣:

ما بعد يومك سلوةٌ لمعلّلِ

منّي ولا ظفرتْ بسمعٍ معذَّلِ

سوَّى المصاب بك القلوب على الجوى

فيدُ الجليد على حشا المتلملِ(٧)

وتشابه الباكون فيك فلم يبن

دمع المحقِّ لنا من المتعمِّلِ

كنّا نُعيَّر بالحلوم إذا هفتْ

جزعاً وتهزأ بالعيونِ الهمَّلِ

فاليوم صار العذر للفاني أسىً

واللوم للمتماسك المتجمِّلِ

____________________

١ - حلئت:منعت من الورد.

٢ - الفلق:نصف الشيء اذا شق.

٣ - الشول ج شائلة وهي الناقة ترفع ذنبها. البزل ج بازل:المسن من الابل.

٤ - الهبل:الثكلّ.

٥ - تنتبل:ترمى بالنبل.

٦ - تعل:اسم قبيلة مشهورة بالرمي. في هذه القصيدة أبيات حرفتها يد الطبع المصرية عن ديوانه رمزناها ب‍ خ.

٧ - الجليد:القوي الشديد. المتململ:المتقلب على فراشه مرضا أو جزعا.

_١٦_


رحل الحِمام بها غنيمة فائز

ما ثار قطُّ بمثلها عن منزلِ

كانت يد الدين الحنيف وسيفهً

فلأبكينَّ على الأشلِّ الأعزلِ(١)

مالي رقدتُ وطالبي مستيقظُ ؟!

وغفلت والأقدار لمّا تغفلِ ؟!

ولويت وجهي عن مصارع اُسرتي

حذر المنيَّةِ والشفار تُحدُّ لي

قد نمَّت الدنيا إليَّ بسرِّها

ودُللتُ بالماضي على المستقبلِ

ورأيتُ كيف يطير في لهواتها(٢)

لحمي وإن أنا بعدُ لَمّا اؤكلِ

و علمتُ مع طيب المحلِّ وخصبه

بتحوّل الجيران كيف تحوّلي

لم أركب الأمل الغَرور مطيَّةً

بَلهاء لم تبلغ مدًى بمؤمِّلِ

ألوى ليمهلني إليَّ زمامها

ووراءها اُلهوب(٣) سوقٍ مُعجلِ

حُلمٌ تزخرفه الحنادس في الكرى

ويقينه عند الصَّباح المنجلي

أحصي السنين يسرُّ نفسي طولها

وقصيرُ ما يُغنيك مثلُ الأطولِ

وإذا مضى يومٌ طربتُ إلى غدٍ

وببضعةٍ منّي مضى أو مَفصلِ

أخشن إذا لاقيتَ يومك أو فلِنْ

واشدد فإنَّك ميِّتٌ أو فاحللِ

سيّان عند يدٍ لقبض نفوسنا

ممدودةٍ فمُ ناهشٍ ومقبِّلِ

سوَّى الرَّدى بين الخصاصة والغنى

فإذا الحريص هو الذي لم يعقلِ

والثائر العادي على أعدائه

ينقادَ قود العاجز المتزمِّلِ

لو فُلَّ غَرْبٌ الموت عن متدرِّعٍ

بعفافه أو ناسك مُتعزِّلِ

أو واحد الحسنات غيرِ مشبّهٍ

بأخٍ وفرد الفضل غير ممثَّلِ

أو قائلٍ في الدين فعّالٍ إذا

قال المفقّه فيه ما لم يفعلِ

وَقت ابن نعمان النزاهةٌ أو نجا

سلماً فكان من الخطوب بمعزلِ

ولجاءه حبُّ السَّلامة مؤذناً

بسلامه من كلِّ داءٍ معضلِ

أو دافعت صدر الرَّدى عُصَب الهدى

عن بحرها أو بدرها المتهلّلِ

____________________

١ - الاشل:الذي شلت يده. ألاعزل:من لم يكن معه سلاح.

٢ - لهوات ج لهاة:اللحمة المشرفة على الحلق في اقصى سقف الفم.

٣ - الالهوب:السوط. ألاصل فيه:الجرى الشديد الذى يثير اللهب واللهب:الغبار الساطع.


لحمتهُ أيدٍ لا تني في نصره

صدقَ الجهاد وأنفسٌ لا تأتلي(١)

وغدت تطارد عن قناة لسانه

إبناءُ فهرٍ بالقُنيِّ(٢) الذبَّلِ

وتبادرتْ سبقاً إلى عليائها

في نصر مولاها الكرام بنو علي

من كلِّ مفتول القناة بساعدٍ

شطب كصدر السمهريَّة أفتلِ

غير انَ يسبق عزمه أخباره

حتّى يغامر في الرَّعيل الأوَّل

وافي الحجا ويُخال أنَّ برأسه

في الحرب عارض جنَّةٍ أو أخبلِ

ما قنَّعتْ اُفقاً عجاجةُ غارةٍ

إلّا تخرَّق عنه ثوب القسطلِ

تعدو به خيفانةٌ لو أشعرتْ

أنَّ الصهيل يُجمّها لم تصهلِ(٣)

صبّارةٌ إن مسَّها جَهد الطوى

قنعتْ مكان عقيلها بالمسحلِ(٤)

فسَروا فناداهم سراةُ رجالهم

لمجسَّد من هامهم ومُرجَّلِ(٥)

بعداءُ عن وهن التواكل في فتىً

لهمُ على أعدائهم مُتوكّلِ

سمح ببذل النفس فيهم قائمٍ

لِلَّه في نصرِ الهدى مُتبتِّلِ

نزّاع أرشية التنازع فيهمُ

حتّى يسوقَ إليهم النصَّ الجلي

ويبين عندهم الإمامة نازعاً

فيها الحجاج من الكتاب المنزلِ

بطريقة وضحتْ كأنْ لم تشتبه

وأمانةٍ عُرفتْ كأنْ لم تُجهلِ

يصبو لها قلبُ العدوِّ وسمعه

حتّى يُنيب فكيف حالك بالولي ؟!

يا مرسلاً إن كنت مبلغ ميِّت

تحت الصفائح(٦) قول حيّ مرسلِ

فلج الثرى الراوي فقل ( لمحمَّدٍ )

عن ذي فؤاد بالفجيعة مشعلِ

مَن للخصوم اللدِّ بعدك غصَّةٌ

في الصدر لا تهوي ولا هي تعتلي ؟!

مَن للجدال إذا الشفاهُ تقلّصتْ

وإذا اللسان بريقه لم يُبللِ ؟!

____________________

١ - لا تنى من ونى ينى:لا تكلّ ولا تضعف.

٢ - القنى جمع قناة وهو الرمح.

٣ - الخيفانة:الفرس الخفيفة. يجمها:يريحها.

٤ - المسحل:اللجام.

٥ - المجسد:المدهون بالجساد وهو الزعفران. المرجل:الشعر المسرح.

٦ - الصفائح جمع الصفيحة:الحجر العريض.


مَن بعدَ فقدك ربُّ كلِّ غريبةٍ

بكربك افُترعت وقولةِ فيصلِ ؟!

ولغامضٍ خافٍ رفعتَ قِوامه

وفتحتَ منهُ في الجوابِ المقفلِ ؟!

مَن للطروس يصوغ في صفحاتها

حلياً يقعقع كلّما خِرسَ الحلي ؟!

يبقين لِلذِّكرِ المخلّد رحمةً

لك من فم الراوي وعين المجتلي

أين الفؤاد النّدب غير مُضعَّف ؟!

أين اللسان الصعب غير مفلّل ؟!(١)

تفري به وتحزُّ كلَّ ضريبةٍ

ما كلُّ حزَّةِ مفصل للمنصلِ(٢)

كم قد ضممت لدين آل ( محمَّد )

مِن شاردٍ وهديتَ قلب مضلّلِ

وعقلتَ من ودٍّ عليهم ناشطٍ

لو لم تَرُضه ملاطفاً لم يُعقلِ

لا تطَّبيك(٣) ملالةٌ عن قولةٍ

تروي عن المفضول حقِّ الأفضلِ

فليجزينَّك عنهمُ ما لم يزل

يبلو القلوب ليجتبي وليبتلي

ولتنظرنَّ إلى ( عليٍّ ) رافعاً

ضبعيك يوم البعث ينظر من علِ(٤)

يا ثاوياً - وسَّدتُ منه في الثرى

عَلَماً يطول به البقاءُ وإن بلي -

جَدثا لدى الزوراء بين قصورها

أجللته عن بطن قاع ممُحلِ(٥)

ما كنتُ - قبل أراك تُقبر - خائفاً

من أن تُوارى هضبةٌ بالجندلِ(٦)

من ثلَّ عرشك واستقادك خاطماً(٧)

فانقدتَ يا قطّاع تلك الأحبل ؟!

من فلَّ غرب حسام فيك فردَّه

زُبراً تساقط من يمين الصيقلِ ؟!(٨)

قد كنتَ من قمص الدجى في جنَّةٍ

لاُ تنتحى ومن الحجا في معقلِ

متمنِّعاً بالفضل لا ترنو إلى

مغناك مقلةٌ راصدٍ مُتأمِّلٍ

فمن أيِّ خرم أو ثنيَّةِ غرَّةٍ

طلعت عليك يد الرَّدى المتوغلِ

____________________

١ - الندب:الخفيف في الحاجة اذا ندب اليها خف لقضائها. المفلل:الملثم.

٢ - المنصل:السيف والسنان.

٣ - لا تطبيك:لا تزدهيك.

٤ - من عل:من فوق.

٥ - الممحل:المقفر.

٦ - الهضبة:الجبل المنبسط أو الطويل الممتنع المنفرد. الجندل:الصخرة.

٧ - الخاطم:واضع الخطام بالانف.

٨ - زبر جمع زبرة:القطعة من الحديد.


ما خلتُ قبلك انّ خدعة قانص

تلجُ العرين وراءَ ليث مُشبلِ

أو أنَّ كفَّ الدَّهر يقوى بطشها

حتّى تظفَّر في ذؤابة يذبُلِ(١)

كانوا يرون الفضل للمـ

ـتقدَّم السبّاق والنقصان في المتقبِّلِ

قول الهوى وشريعةٌ منسوخةٌ

وقضيَّةٌ من عادة لم تعدلِ

حتّى نجمتَ فأجمعوا وتبيِّنوا

أنَّ الأخير مقصِّرٌ بالأوَّلِ

بكر النعيُّ فسكَّ فيكَّ مسامعي

وأعاد صبحي جنح ليلٍ أليلِ

ونزت بنيّاتُ الفؤاد لصوته

نزو الفصائل في زفير المرجلِ(٢)

ما كنت أحسب والزمان مقاتلي

يرمي ويخطئ - أن يومك مقتلي

يومٌ أطلَّ بغُلّةٍ لا يشتفي

منها الهدى وبغمَّةٍ لا تنجلي

فكأنَّه يوم ( الوصيِّ ) مدافعاً

عن حتفه بعد النبيِّ المرسَلِ

ما إن رأت عيناي أكثر باكياً

منه وأوجع رنَّة من مُعولِ

حُشدوا على جنبات نعشك وُقّعاً

حشدَ العطاش على شفيرِ المنهلِ

وتنازفوا الدمع الغريب كأنَّما الـ

إسلام قبلك اُمّه لم تثكلِ

يمشون خلفك والثرى بك روضةٌ

كحل العيونَ بها تراب الأرجلِ

إن كان حظّى من وصالك قبلها

حظَّ المغبِّ ونهزةَ المتقلّلِ

فلأعطينَّك من ودادي ميِّتاً

جهدَ المنيب ورجعةً المتنصّلِ

لو أنفدت عيني عليك دموعها

فليبكينَّك بالقوافي مِقولي

ومتى تلفَّت للنصيحةِ موجعٌ

يبغي السلوِّ ومالَ ميلَ العُذِّلِ

فسلوّك الماءُ الذي لا أستقي

عطشانَ والنارُ التي لا أصطلي

* * *

رقّاصة القطرات تختم في الحصا

وسماً وتفحص في الثرى المتهيِّلِ

نسجت لها كفُّ الجنوب مُلاءةً

رتقاء لا تُفصى بكفِّ الشمألِ

____________________

١ - الذؤابة:الناصية. يذبل بالفتح ثمَّ السكون. جبل بنجد في طريقها.

٢ - الفصائل ج فصيلة:القطعة من لحم الأفخاذ. المرجل:القدر.


صبّابة الجنبات تسمع حولها

للرعد شقشقةَ القُروم البزّلِ(١)

تُرضى ثراك بواكفٍ متدفِّقٍ

يُروي صداك وقاطرٍ مُتسلسلِ

حتّى يرى زوّار قبرك أنَّهم

حطّوا رحالهمُ بوادٍ مبقلِ

و متى ونتْ أو قصَّرت أهدابها

أمددتها منّي بدمعٍ مسبلِ

____________________

١ - القروم جمع قرم:الفحل من الابل. البزل جمع بازل:الفحل المسن.


ألقرن الخامس

٣٩

سيدنا الشريف المرتضى

المولود ٣٥٥

المتوفّى ٤٣٦

لو لم يُعاجله النَّوى لتحيَّرا

وقصاره وقد انتأوا أن يقصرا

أفكلّما راع الخليط تصوّبت

عبرات عين لم تقلّ فتكثرا

قد أوقدتْ حرَّى الفراق صبابةً

لم تستعر ومرين دمعاً ما جرى

شغفٌ يكتِّمه الحياء ولوعةٌ

خفيت وحقَّ لمثلها أن تظهرا

أين الركائب ؟! لم يكن ما عُلنه

صبراً ولكن كان ذاك تصبَّرا

لبَّين داعية النَّوى فأريننا

بين القباب البيض موتاً أحمرا

وبعدن بالبين المشتِّت ساعة

فكأنَّهنَّ بعدنَ عنّا أشهرا

عاجوا على ثمد البطاح وحبّهم

أجرى العيون غداة بانوا أبحرا

وتنكّبوا وعر الطريق وخلّفوا

ما في الجوانح من هواهم أوعرا

أمّا السلوُّ فإنَّه لا يهتدي

قصد القلوب وقد حشين تذكّرا

قد رمتُ ذاك فلم أجده وحقِّ مَن

فقد السبيل إلى الهدى أن يُعذرا

أهلاً بطيف خيال مانعةٍ لنا

يقظى ومفضلة علينا في الكرى

ما كان أنعمنا بها من زورةٍ

لو باعدتْ وقت الورود المصدرا

جزعت لو خطات المشيب وإنَّما

بلغ الشباب مدى الكمال فنوَّرا

والشيب إن أنكرتَ فيه مورداً

لا بدَّ يورده الفتى إن عمَّرا

يبيضُّ بعد سواده الشَّعر الذي

إن لم يزره الشيب واراه الثرى

زمن الشبيبة لأعدتك تحيَّة

وسقاك منهمر الحيا ما استغزرا

فلطالما أضحى ردائي ساحباً

في ظلّك الوافي وعودي أخضرا


أيّام يرمقني الغزال إذا رنا

شغفاً ويطرقني الخيال إذا سرى

ومرنِّحٌ في الكور تحسب أنَّه

اصطبح العقار وإنما اغتبق السرى

بطلٌ صفاه للخداع مزلَّة

فاذا مشى فيه الزماع تغشمرا

أمّا سألت به فلا تسأل به

نأياً يناغي في البطالة مزمرا

واسأل به الجرد العتاق مغيرة

يخبطن هاماً أو يطأن سنوَّرا

يحملن كلِّ مدجَّج يقري الظبا

علقاً وأنفاس السوافي عثيرا

قومي الذين وقد دجت سبل الهدى

تركوا طريق الدين فينا مُقمرا

غلبوا على الشرف التليد وجاوزوا

ذاك التليد تطرّفاً وتخيّرا

كم فيهمُ من قسورٍ متخمّطٍ

يُردي إذا شاء الهزبر القسورا

متنمِّر والحرب إن هتفتْ به

أدَّته بسّام المحيّا مُسفرا

وملوّمٍ في بذله ولطالما

أضحى جديراً في العلا أن يشكرا

ومرفِّع فوق الرِّجال تخاله

يوم الخطابة قد تسنَّم منبرا

جمعوا الجميل إلى الجمال وإنمَّا

ضمّوا إلى المرأى الممدِّح مخبرا

سائلْ بهم بذراً واُحداً والتي

ردَّت جبين بني الضّلال مُعفّرا

لِلَّه درُّ فوارس في خيبر

حملوا عن الإسلام يوماً منكرا

عصفوا لسلطان اليهود وأولجوا

تلك الجوانح لوعةً وتحسّرا

واستلحموا أبطالهم واستخرجوا

الأزلام من أيديهمُ والميسرا

وبمرحب ألوى فتىً ذو جمرةٍ

لا تُصطلي وبسالةٍ لا تُقترى(١)

إن حزِّ حزِّ مطبّقاً أو قال قا

ل مصدَّقاً أو رام رام مظهَّرا

فثناه مصفرَّ البنان كأنّما

لطخ الحمام عليه صبغاً أصفرا

شهق العقاب بشلوه ولقد هفتْ

زمناً به شمُّ الذوائب والذرى

أمّا الرسول فقد أبان ولاءه

لو كان ينفع حايراً أن يُنذرا

أمضى مقالاً لم يقله معرِّضاً

وأشاد ذكراً لم يشده معذّرا

وثنى إليه رقابهم وأقامه

عَلماً على باب النجاة مشهّرا

____________________

١ - لا تقترى:لا تقدر ولا تخمن.


ولقد شفى يوم ( الغدير ) معاشراً

ثلجت نفوسهم وأودى معشرا

قلعت به أحقادهم فمرجّعٌ

نفساً ومانع أنّةٍ أن تجهرا

يا راكباً رقصتْ به مهريِّةٌ

أشبت لساحته الهموم فأصحرا

عُج بالغريِّ فإنّ فيه ثاوياً

جبلاً تطأطأ فاطمأنَّ به الثرى

واقر السّلام عليه من كلفٍ به

كشفت له حجب الصباح فأبصرا

ولو استطعتُ جعلت دار إقامتي

تلك القبور الزُّهر حتّى اُقبرا

أخذنا القصيدة من الجزء الأوَّل من ديوان ناظمها وهي مفتتح ديوانه والديوان مرتّبُ على السنين في ستّة أجزاء توجد منه نسخةٌ مقروَّةٌ على نفس السيِّد الشريف علم الهدى. وذكر إبن شهر اشوب لسيِّدنا الشريف المرتضى أبياتاً قالها في عيد ( الغدير ) راجع الجزء الثالث من مناقبه ص ٣٢.

( ألشاعر )

ألسيِّد المرتضى علم الهدى ذو المجدين أبو القاسم عليُّ بن الحسين بن موسى ابن محمّد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام .

لا عتب على اليراع إذا وقف عن تحديد عظمة الشريف المبجّل، كما أنّه لا لوم على المِدره اللسن إذا تلجلج في الإفاضة عن رفعة مقامه، فإنَّ نواحي فضله لا تنحصر بواحدة، ولا أنَّ مآثره معدودةٌ يحاولها البليغ المفوَّه، ويتحرّى الإبانة عنها الكاتب المتشدِّق، أو يلقى عنها الخطيب المفصح، فإلى أيّ منصّةٍ من الفضيلة نحوت فله فيها الموقف الأسمى، وإلى أيِّ صهوةٍ وقع خيالك فله هنالك مرتبعٌ ممنّعٌ، فهو إمام الفقه، ومؤسِّس اُصوله، واُستاذ الكلام، ونابغة الشِّعر، وراوية الحديث، وبطل المناظرة، والقدوة في اللغة، وبه الاُسوة في العلوم العربيَّة كلّها، وهو المرجع في تفسير كتاب الله الغزيز، وجماع القول إنّك لا تجد فضيلةً إلّا وهو إبن بجدتها.

أضف إلى ذلك كله نسبه الوضّاح، وحسبه المتألّق، وأواصره النبويَّة الشذيَّة، ومآثره العلويَّة الوضيئة إلى أياديه الواجبة في تشييد المذهب، ومساعيه المشكورة عند الإماميَّة جمعاء، وهي التي خلّدت له الذكر الحميد، والعظمة الخالدة، ومن هذه الفضائل ما خطّه مزبره القويم من كتب ورسائل إستفاد بها أعلام الدين في أجيالهم و


أدوارهم وإليك أسماؤها:

١ الشافي في الإمامة ط

٢ ألملخص في الاُصول

٣ ألذخيرة في الاُصول

٤ جمل العلم والعمل

٥ ألغُرر والدُّرر ط

٦ تكملة الغُرر

٧ ألمقنع في الغيبة

٨ ألخلاف في الفقه

٩ ألناصريَّة في الفقه ط

١٠ ألحلبيَّة الاولى

١١ الحلبيَّة الأخيرة

١٢ ألمسائل الجرجانيَّة

١٣ ألمسائل الطوسيَّة

١٤ ألمسائل الصباويَّة

١٥ ألمسائل التبانيات(١)

١٦ ألمسائل السلّاريَّة

١٧ مسائل في عدَّة آيات

١٨ ألمسائل الرازيَّة

١٩ ألمسائل الكلاميَّة

٢٠ ألمسائل الصيداويَّة

٢١ الديلميَّة في الفقه

٢٢ كتاب البرق

٢٣ طيف الخيال

٢٤ الشيب والشباب ط

٢٥ ألمقمصة

٢٦ ألمصباح في الفقه

٢٧ نصر الرِّواية

٢٨ ألذريعة في أصول الفقه

٢٩ شرح بائية الحميري

٣٠ تنزيه الأنبياء ط

٣١ إبطال القول بالعدد

٣٢ ألمحكم والمتشابه

٣٣ ألنجوم والمنجّمون

٣٤ متولِّي غسل الإمام

٣٥ الاُصول الاعتقاديَّة

٣٦ أحكام أهل الآخرة

٣٧ معنى العصمة

٣٨ ألوجيزة في الغيبة

٣٩ تقريب الاُصول

٤٠ طبيعة المسلمين

٤١ رسالةٌ في علم الله

٤٢ رسالةٌ في الإرادة

٤٣ ايضاً رسالةٌ في الإرادة

٤٤ رسالةٌ في التَّوبة

٤٥ رسالة في التأكيد

٤٦ رسالةٌ في المتعة

٤٧ دليل الخطاب

٤٨ طرق الإستدلال

٤٩ كتاب الوعيد

٥٠ شرح قصيدةٍ له

٥١ ألحدود والحقايق

٥٢ مفردات في أصول الفقه

٥٣ ألموصليَّة ثلاث مسائل

٥٤ ألموصليَّة الثانية تسع مسائل

٥٥ ألموصليَّة الثالثة ١٠٩ مسئلة

٥٦ ألمسائل الطرابلسيَّة الاولى

٥٧ ألطرابلسيَّة الأخيرة ١٣ مسئلة(٢)

٥٨ مسائل ميافارقين ٦٥ مسئلة

٥٩ ألمسائل الرازيَّة ١٤ مسئلة

       

____________________

١ - سئلها الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الملك التبان المتوفى ٤١٩ وهي ٦٦ مسئلة في عشرة فصول.

٢ - سئلها الشيخ أبو الفضل ابراهيم بن الحسن الابانى.


٦٠ ألمسائل المحمَّديّات ٥ مسائل

٦١ ألمسائل البادرات ٢٤ مسئلة

٦٢ ألمسائل المصريَّة الاولى ٥ مسائل

٦٣ ألمصريّات الثانية

٦٤ ألمسائل الرمليّات ٧ مسائل

٦٥ مسائل في فنون شتّى نحو مائة مسئلة

٦٦ ألمسائل الرسيّة الاولى(١)

٦٨ المسائل الرسيّة الثانية

٦٨ الإنتصار فيما انفردت به الإماميَّة ط

٨٩ تفضيل الأنبياء على الملائكة

٧٠ ألنقض على ابن جنّي في الحكاية والمحكي

٧١ ديوان شعره يزيد على عشرين ألف بيت

٧٢ ألصرفة في بيان إعجاز القرآن

٧٣ الرِّسالة الباهرة في العترة الطاهرة

٧٤ نقض مقالة إبن عدي فيما لا يتناهى

٧٥ جواب الملاحدة في قِدم العالم

٧٦ تتمَّة الأعراض من جمع أبي رشيد

٧٧ نكاح أمير المؤمنين إبنته من عمر

٧٨ إنقاذ البشر من القضاء والقدر ط

٧٩ ألرّد على أصحاب العدد في شهر رمضان

٨٠ تفسير الحمد وقطعة من سورة البقرة

٨١ ألردّ على إبن عدي في حدوث الأجسام

٨٢ تفسيرقوله تعالى:قل تعالواتل ماحرَّم ربّكم عليكم

٨٣ كتاب الثمانين(٢)

٨٤ ألكلام على من تعلّق بقوله:ولقد كرَّمنا بني آدم وحملناهم في البرِّ والبحر

٨٥ تفسير قوله:ليس على الَّذين آمنوا وعملوا الصّالحات جناحٌ فيما طعموا.

٨٦ تتبّع أبيات للمتنّبي التي تكلّم عليها إبن جنّي.

كلمات الثناء عليه

أبو القاسم المرتضى حاز من العلوم ما لم يُدانه فيه احدٌ في زمانه، وسمع من الحديث فأكثر، وكان متكلّماً شاعراً أديباً عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا(٣)

أبو القاسم نقيب النقباء الفقيه النظّار المصنِّف بقيَّة العلماء وأوحد الفضلاء رأيته فصيح اللسان يتوقَّد ذكاءً(٤)

ألمرتضى متوحِّدٌ في علومٍ كثيرة، مجمعٌ على فضله، مقدَّمٌ في العلوم مثل علم الكلّام والفقه وأصول الفقه والأدب والنحو والشعر ومعاني الشعر واللغة وغير

____________________

١ - ٢٨ مسئلة سئلها العلامة ابو الحسين الحسين بن محمد بن الناصر الحسيني الرسي.

٢ - قاله القاضي التنوخي كما في المستدرك ٣ ص ٥١٦.

٣ - النجاشي في فهرسته ص ١٩٢.

٤ - الانساب للمجدي العمري.


ذلك، له من التصانيف ومسائل البلدان شيءٌ كثيرٌ مشتمل على ذلك فهرسته المعروف(١) .

وقال الشيخ في رجاله:إنَّه أكثر أهل زمانه أدباً وفضلاً، متكلّمٌ فقيهٌ جامع العلوم كلّها مدَّ الله في عمره.

وقال الثعالبي في تتميم يتيمته ج ١ ص ٥٣:قد انتهت الريَّاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف والعلم والأدب والفضل والكرم وله شعرٌ في نهاية الحسن.

وفي تاريخ ابن خلكان:كان إماماً في علم الكلام والأدب والشعر، وله تصانيف على مذهب الشيعة، ومقالة في اصول الدين، وذكره إبن بسّام في الذخيرة وقال:كان هذا الشريف إمام أئمَّة العراق بين الإختلاف والإتِّفاق، إليه فزع علماءُها، وعنه أخذ عظماءها، صاحب مدارسها، وجماع شاردها وآنسها، ممَّن سارت أخباره، وعرفت به أشعاره، وحمدت في ذات الله مآثره وآثاره، إلى تآليفه في الدين و تصانيفه في أحكام المسلمين ممّا يشهد انَّه فرع تلك الاُصول، ومن أهل ذلك البيت الجليل، وملح الشريف وفضائله كثيرةٌ.

وحكى الخطيب التبريزي:انَّ أبا الحسن عليِّ بن أحمد بن عليِّ بن سلك الفالي(٢) الأديب كان له نسخةٌ لكتاب (الجمهرة ) لابن دريد في غاية الجودة فدعته الحاجة إلى بيعها فباعها فاشتراها الشريف المرتضى بستِّين ديناراً فتصفَّحها فوجد فيها أبياتاً بخطِّ بايعها أبي الحسن المذكور والأبيات قوله:

أنستُ بها عشرين حولاً وبعتها

فقد طال وجدي بعدها وحنيني

وما كان ظنّي أنَّني سأبيعها

ولو خلّدتني في السجون ديوني

ولكن لضعفٍ وافتقارٍ وصبيةٍ

صغارٍ عليهم تستهلُّ شؤوني

فقلت ولم أملك سوابق عبرتي

مقالة مكويِّ الفؤاد حزين

:وقد تخرج الحاجات يا اُمّ مالك

كرائم من ربّ بهنَّ ضنينِ

فأرجع النسخة إليه وترك له الدنانير رحمه الله تعالى.

وقال السيِّد إبن زهرة في ( غاية الإختصار ):علم الهدى الفقيه النظّار، سيِّد

____________________

١ - فهرست الشيخ ص ٩٩، وخلاصة العلامة ص ٤٦.

٢ - نسبة الى فالة وهى بلدة بخوزستان قريبة من اندج.


الشيعة وإمامهم، فقيه أهل البيت، العالم المتكلّم البعيد، ألشاعر المجيد كان له برُّ وصدقة وتفقّدُ في السِّر عرف ذلك بعد موته رحمه الله، كان أسنَّ من أخيه ولمُ يرَ أخوان مثلهما شرفاً وفضلاً ونُبلاً وجلالةً ورياسةً وتحابباً وتوادداً، لَمّا مات الرَّضي لم يُصلِّ المرتضى عليه عجزاً عن مشاهدة جنازته وتهالكا في الحزن، ترك المرتضى خمسين ألف دينار ومن الآنية والفرش والضياع ما يزيد على ذلك.

وعن الشيخ عزِّ الدين أحمد بن مقبل أنَّه قال:لو حلف إنسان انَّ السيِّد المرتضى كان أعلم بالعربية من العرب لم يكن عندي آثماً، وقد بلغني عن شيخٍ من شيوخ الأدب بمصر انّه قال:والله انّي استفدت من كتاب ( الغرر والدرر ) مسائل لم أجدها في كتاب سيبويه وغيره من كتب النحو، وكان نصير الدين الطوسي إذا جرى ذكره في درسه يقول:صلوات الله عليه، ويلتفت إلى القضاة والمدرِّسين الحاضرين ويقول:كيف لا يُصلّى على السيَّد المرتضى ؟!

في ( عمدة الطالب ) ص ١٨١:كان مرتبته في العلم عاليةً فقهاً وكلاماً وحديثاً و لغةً وأدباً وغير ذلك، وكان متقدِّماً في فقه الإماميَّة وكلامهم ناصراً لأقوالهم.

وفي ( دمية القصر ) ص ٧٥:هو وأخوه من دوح السيّادة ثمران، وفي فلك الريّاسة قمران، وأدب الرضي إذا قرن بعلم المرتضى كان كالفرند في متن الصّارم المنتضى.

وفي ( لسان الميزان ) ٤ ص ٢٢٣ قال ابن طي:هو أوَّل من جعل داره دار العلم وقدرَّها للمناظرة، ويُقال:إنَّه أمر ولم يبلغ العشرين وكان قد حصل على رياسة الدنيا العلم مع العمل الكثير والمواظبة على تلاوة القرآن وقيام الليل وإفادة العلم و كان لا يؤثر على العلم شيئاً مع البلاغة وفصاحة اللهجة.

وحكى عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي انَّه قال:كان الشريف المرتضى ثابت الجاش، ينطق بلسان المعرفة، ويردِّد الكلمة المسدَّدة فتمرق مروق السهم من الرمية ما أصاب، وما أخطأ أشوى.

إذا شرع الناس الكلام رأيته

له جانبٌ منه وللناس جانبُ

وقال السيِّد الشيرازي في ( الدرجات الرفيعة ):كان الشريف المرتضى أوحد أهل زمانه فضلاً وعلماً وكلاماً وحديثاً وشعراً وخطابةً وجاهاً وكرماً إلى غير ذلك.


وفي شذرات الذهب ٣ ص ٢٥٦:نقيب الطالبيِّين، وشيخ الشيعة ورئيسهم بالعراق، كان إماماً في التشيّع والكلام والشعر والبلاغة كثير التصانيف، متبحِّراً في فنون العلم.

ويجد القارئ لدة هذه الكلمات كثيرة في طيِّ الكتب والمعاجم منها:

تاريخ بغداد ١١ ص ٤٠٢

ألمنتظم ج ٨ ص ١٢٠

معجم الاُدباء ٥ ص ١٧٣

خلاصة العلّامة ص ٤٦

رجال إبن داود

أنساب أبي نصر البخاري

ميزان الإعتدال ٢ ص ٢٢٣

غاية الإختصار لابن زهرة

كامل إبن الأثير ٩ ص ١٨١

تاريخ إبن كثير ١٢ ص ٥٣

مرآة الجنان ٣ ص ٥٥

لسان الميزان ٥ ص ١٤١

بغية الوعاة ص ٣٣٥

إتحاف الورى بأخبار اُمّ القرى

صحاح الأخبار ص ٦١

جامع الأقوال في الرِّجال

مجالس المؤمنين ٢٠٩

رجال إبن أبي جامع

تحفة الأزهار لابن شدقم

ألاجازة الكبيرة للسماهيجي

إتقان المقال ص ٩٣

رياض العلماء للميرزا

كشكول البهائي ج ٢

مجمع البحرين مادة:رضا

ملخَّص المقال ص ٨٠

رياض الجنَّة للزنوزي

ألدرجات الرفيعة للسيِّد

ألوسائل ٣ ص ٥٥١

أمل الآمل للشيخ العاملي

منهج المقال للميرزا ص ٢٣١

منتهى المقال ص ٢١٤

عقد اللئالي لأبي علي الرجالي

تتميم الأمل للشيخ الكاظمي

كشكول البحراني ص ٢١٦

ألمقابيس لشيخنا التستري

مستدرك النوري ٣ ص ٥١٥

نسمة السجر لليماني

تنقيح المقال ٢ ص ٢٨٤

ألشيعة وفنون الإسلام ٥٣

ألأعلام ٢ ص ٦٦٧

تاريخ آداب اللغة ٢ ص ٢٨٨

سفينة البحار ١ ص ٥٢٥

ألكنى والألقاب ٢ ص ٤٣٩

هديَّة الأحباب ص ٢٠٣

وفيات الأعلام للرازي خ

دائرة المعارف للبستاني ١٠ ص ٤٥٩، دائرة المعارف لمحمَّد فريد ٤ ص ٢٦٠، معجم المطبوعات ص ١١٢٤، مجلّة العرفان أجزاء المجلد الثاني بقلم العلّامة سيِّدنا المحسن الأمين العاملي.

مشايخه ومن يروي هو عنه

١ - ألشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن نعمان المتوفّى ٤١٢.

٢ - أبو محمّد هارون بن موسى التلعكبري المتوفّى ٣٨٥.


٣ - ألحسين بن عليّ بن بابويه أخي الصَّدوق.

٤ - أبو الحسن أحمد بن عليّ بن سعيد الكوفي يروي عنه السيِّد كما في إجازة السيِّد ابن أبي الرضا تلميذ الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد الحلّي.

٥ - أبو عبد الله محمّد بن عمران الكاتب المرزباني الخراساني البغدادي.

٦ - ألشيخ الصَّدوق محمّد بن عليِّ بن الحسين بن بابويه القمي المتوفّى ٣٨١ كما في الإجازات.

٧ - أبو يحيى إبن نباتة عبد الرَّحيم بن الفارقي المتوفّى ٣٧٤ قرأ عليه كما في الدرجات الرفيعة.

٨ - أبو الحسن عليّ بن محمّد الكاتب يروي عنه في أماليه.

٩ - أبو القاسم عبيد الله بن عثمَّان بن يحيى يروي عنه في الأمالي.

١٠ - أحمد بن سهل الديباجي يروي عنه كما في ( الرياض ) عن ( جامع الاُصول ) لابن الأثير، وفي تاريخ الخطيب البغدادي، وميزان الاعتدال ولسانه لابن حجر:حدَّث عن سهل الديباجي(١) .

تلامذة سيدنا المرتضى

١ - شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي المتوفّى ٤٦٠.

٢ - أبو يعلى سلّار بن عبد العزيز الديلمي.

٣ - أبو الصلاح تقيّ بن نجم الحلبي خليفته في بلاد حلب.

٤ - ألقاضي عبد العزيز بن البرّاج الطرابلسي المتوفّى ٤٨١.

٥ - ألشريف أبو يعلى محمّد بن الحسن بن حمزة الجعفري المتوفّى ٤٦٣.

٦ - أبو الصمصام ذو الفقار بن معبد الحسيني المروزي.

٧ - ألسيِّد نجيب الدين أبو محمّد الحسن بن محمّد بن الحسن الموسوي.

٨ - ألسيِّد التقيّ بن أبي طاهر الهادي النقيب الرازي.

٩ - ألشيخ أبو الفتح محمّد بن علي الكراجكي المتوفّى ٤٤٩ قرأ عليه كما في فهرست الشيخ منتخب الدين.

____________________

١ - هو سهل بن عبد الله أبو محمد الديباجي.


١٠ - ألشيخ أبو الحسن سليمان الصهرشتي صاحب كتاب ( قبس المصباح ).

١١ - ألشيخ أبو عبد الله جعفر بن محمّد الدوريستي.

١٢ - أبو الفضل ثابت بن عبد الله البناني.

١٣ - ألشيخ أحمد بن الحسن بن أحمد النيسابوري الخزاعي يُعدُّ من أجلة تلامذته.

١٤ - ألشيخ المفيد الثاني أبو محمّد عبد الرحمن بن أحمد الرازي.

١٥ - ألشيخ أبو المعالي أحمد بن قدامة كما في إجازة الشيخ فخر الدين الحلّي للسيِّد مهنّا، وإفادات الشيخ المذكور إبن علّامة الحلي ب(١) ٢٥ ص ٥٣.

١٦ - ألشيخ أبو عبد الله محمّد بن علي الحلواني كما في إجازة السيِّد إبن أبي الرِّضا العلوي تلميذ الشيخ نجيب الدين الحلّي ب ٢٥ ص ٨٨.

١٧ - أبو زيد بن كيابكي الحسيني الجرجاني كما في إجازة السيِّد المذكور ب ٢٥ ص ١٠٨.

١٨ - ألشيخ أبو غانم العصمي الهروي الشيعي ب ٢٥ ص ١٠٨.

١٩ - ألفقيه الداعي الحسيني كما في إجازة صاحب المعالم الكبيرة ب ٢٥.

٢٠ - ألسيِّد الحسين بن الحسن بن زيد الجرجاني يروي عن السيِّد المترجَم كما في تاريخ إبن عساكر ٤ ص ٢٩٠.

٢١ - أبو الفرج يعقوب بن إبراهيم البيهقي قرأ على السيِّد قطعةً كبيرةً من ديوان شعره وأجاز له رواية جميعه في ذي القعدة سنة ٤٠٣.

٢٢ - أبو الحسن محمّد بن محمّد البصري أجاز له رواية كتبه وتآليفه في شعبان سنة ٤١٧.

علم الهدى والمعري

قال أبو الحسن العمري في ( المجدي ):إجتمعت بالشريف المرتضى سنة ٤٢٥ ببغداد فرأيته فصيح اللسان يتوقِّد ذكاء، وحضر مجلسه أبو العلاء المعري ذات يوم فجرى ذكر أبي الطيِّب المتنبّي فنقَّصه الشريف وعاب بعض أشعاره فقال أبو العلاء:لو لم يكن لأبي الطيِّب المتنّبي إلا قوله:لكِ يا منازل في القلوب منازل. لكفاه. فغضب

____________________

١ - ألباء أشارة الى بحار الانوار للعلامة المجلسي.


الشريف وأمر بأبي العلاء فسحب واُخرج، فتعجَّب الحاضرون من ذلك فقال لهم الشريف:أعلمتم ما أراد الأعمى ؟! إنَّما أراد قوله:

وإذا أتتك مذَّمتي من ناقصٍ

فهي الشهادة لي بأنّيَ كامل

قال الطبرسي في الإحتجاج:دخل أبو العلاء المعرّي الدهري على السيِّد المرتضى قدس الله سره فقال له:أيّها السيِّد ما قولك في الكلّ ؟ فقال السيِّد:ما قولك في الجزء ؟ فقال:ما قولك في الشعرى ؟ فقال:ما قولك في التدوير ؟ قال:ما قولك في عدم الإنتهاء ؟ فقال:ما قولك في التحيّز والناعورة ؟ فقال:ما قولك في السبع ؟ فقال:ما قولك في الزايد البري من السبع ؟ فقال:ما قولك في الأربع فقال:ما قولك في الواحد والاثنين ؟ فقال:ما قولك في المؤثِّر ؟ فقال:ما قولك في المؤثِّرات ؟ فقال:ما قولك في النحسين ؟ فقال:ما قولك في السعدين ؟ فبهت أبو العلاء. فقال السيد المرتضى رضي الله عنه عند ذلك ألا كلّ ملحد ملهد.

وقال أبو العلاء:أخذته من كتاب الله عز وجل:يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم. وقام وخرج.

فقال السيِّد رضي الله عنه:قد غاب عنّا الرجل وبعد هذا لا يرانا. فسئل السيِّد عن شرح هذه الرموز والإشارات فقال:سئلني عن الكلِّ وعنده الكلُّ قديمٌ ويُشير بذلك إلى عالم سماء العالم الكبير فقال لي:ما قولك فيه ؟ أراد انَّه قديم فأجبته عن ذلك وقلت له:ما قولك في الجزء ؟ لأنَّ عندهم الجزء محدَث وهو المتولَّد عن العالم الكبير وهذا الجزء هو العالم الصغير عندهم، وكان مرادي بذلك انَّه إذا صح أن هذا العالم محدث فذلك الذي أشار إليه إن صحَّ فهو محدث ايضاً، لأنَّ هذا من جنسه على زعمه والشيء الواحد والجنس الواحد لا يكون بعضه قديماً وبعضه محدَثاً فسكت لمّا سمع ما قلته.

وأمَّا الشعرى أراد أنَّها ليست من الكواكب السيّارة لأنَّه قديمٌ، فقلت له:ما قولك في التدوير ؟ أردت انَّ الفلك في التدوير والدورات فالشعرى لا يقدح في ذلك.

وأمَّا عدم الإنتهاء أراد بذلك انَّ العالم لا ينتهي لأنَّه قديم فقلت له:قد صحَّ عندي التحيّز والتدوير وكلاهما يدّلان على الإنتهاء.


وأمّا السبع أراد بذلك النجوم السيّارة التي عندهم ذوات الأحكام، فقلت له:هذا باطلٌ بالزايد البري الذي يحكم فيه بحكم لا يكون ذلك الحكم منوطاً بهذه النجوم السيّارة التي هي الزهرة، والمشتري، والمرّيخ، وعطارد، والشمس، و القمر، والزُّحل.

وأمّا الأربع أراد بها الطبايع فقلت له:ما قولك في الطبيعة الواحدة الناريَّة يتوّلد منها الدابَّة بجلدها تمسُّ الأيدي ثمَّ تطرح ذلك الجلد على النار فيحترق الزهومات ويبقى الجلد صحيحاً لأنَّ الدابَّة خلقها الله على طبيعة إلنار والنار لا تحترق النار والثلج ايضاً يتولَّد فيه الديدان وهو على طبيعةٍ واحدةٍ، والماء في البحر على طبيعتين يتولَّد عنه السموك والضفادع والحيّات والسلاحف وغيرها وعنده لا يحصل الحيوان إلّا بالأربع فهذا مناقضٌ لهذا.

وأمّا المؤثِّر أراد به الزحل فقلت له:ما قولك في المؤثِّرات أردت. بذلك انَّ المؤثِّرات كلهنَّ عنده مؤثِّرات فالمؤثِّر القديم كيف يكون مؤثِّراً.

وأمّا النحسين أراد بهما أنَّهما من النجوم السيّارة إذا اجتمعا يخرج من بينهما سعداً، فقلت له:ما قولك في السعد بن إذا اجتمعا خرج من بينهما نحس ؟ هذا حكمٌ أبطله الله تعالى ليعلم الناظر أنَّ الأحكام لا تتعلّق بالمسخرات لأنَّ الشاهد يشهد على أنَّ العسل والسكر إذا اجتمعا لا يحصل منهما الحنظل والعلقم، والحنظل والعلقم إذا اجتمعا لا يحصل منهما الدبس والسكر، هذا دليلٌ علي بطلان قولهم.

وأمّا قولي:الأكلّ الملحد ملهد. أردت انَّ كل مشرك ظالمٌ لأنَّ في اللغة ألحد الرجل عن الدين إذا عدل عن الدين، وألهد إذا ظلم. فعلم أبو العلاء ذلك و وأخبرني عن علمه بذلك فقرء:يا بُنيِّ لا تُشرك بالله.الآية.

وقيل:إنَّ المعرّي لَمّا خرج من العراق سُئل عن السيِّد المرتضى [ رض ] فقال:

يا سائلي عنه لَمّا جئت أسئله

ألا هو الرَّجل العاري من العارِ

لو جئته لرأيت الناس في رجل

والدهر في ساعةٍ والأرض في دارِ(١)

____________________

١ - بحار الأنوار ج ٤ ص ٥٨٧.


علم الهدى وابن المطرز (١)

في ( الدرجات الرفيعة ):انَّ الشريف المرتضى كان جالساً في علية له تشرف على الطريق فرأى إبن المطرز الشاعر وفي رجليه نعلان مقطَّعان وهما يثيران الغبار فقال له:أمِن مثل هذه كانت ركائبك ؟ يشير إلى بيت في قصيدته التي أوَّلها:

سرى مغرباً بالعيش ينتجع الركبا

يُسائل عن بدر الدجى الشرق والغربا

على عذبات الجزع من ماء تغلب

غزالٌ يرى ماء القلوب له شربا

إذا لم تبلِّغني إليك ركائبي

فلا وردت ماءً ولا رعت العشبا

والبيت الأخير هو المشار إليه فقال إبن المطرز:لمّا عادت هبات سيِّدنا الشريف إلى مثل قوله:

يا خليليَّ من ذوابة قيس

في التَّصابي مكارم الأخلاقِ

غنِّياني بذكرهم تطرباني

واسقياني دمعي بكأس دهاقِ

وخذا النوم من جفوني فإنّي

قد خلعت الكرى على العشّاقِ

عادت ركائبي إلى ما ترى فإنَّه وهب ما لا يملك على من لا يقبل، فأمر له الشريف بجائزة.

المرتضى والزعامة

كان سيِّدنا الشريف وقد انتهت إليه رياسة الدين والدنيا من شتّى النواحي منها:

١:غزارة علمه التي حدت العلماء إلى البخوع له والرضوخ لتعاليمه. فكان يختلف إلى منتدى تدريسه الجماهير من فطاحل العلم وألنظر فيميرهم بسائغ علمه، ويُرويهم بنمير أنظاره العالية، فتخرَّج من تحت منبره نوابغ الوقت من فقيهٍ بارعٍ، ومتكلّمٍ مناظرٍ، واُصوليٍّ مدقِّقٍ، وأديبٍ شاعرٍ، وخطيبٍ مُبدعِ، وكان يدرُّ من ماله الطائل(٢) على تلمذته الجرايات والمسانهات ليتفرَّغوا بكلِّهم إلى الدراسة من غير تفكير في أزمَّة المعيشة، فكان شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي يقتضي منه في الشهر إثني عشر ديناراً، والشيخ القاضي إبن البّراج الحلبي يستوفي ثمَّانية دنانير، و

____________________

١ - هو ابو القاسم عبد الواحد البغدادي الشاعر المجيد المتوفى سنة ٤٣٩.

٢ - كان يدخل عليه من أملاكه كل سنة اربعة وعشرون الف دينار كما في ( معجم الادباء ) ١٣ ص ١٥٤.


كمثلهما بقيَّة تلامذته، وكان قد وقف قرية على كاغذ الفقهاء، ويقال:إنَّ الناس أصابهم في بعض السنين قحطٌ شديدٌ فاحتال رجلٌ يهوديٌ على تحصيل قوته فحضر يوماً مجلس الشريف المرتضى وسأله أن يأذن له في أن يقرأ عليه شيئاً من علم النجوم فأذن له و أمر له بجراية تجري عليه كلّ يوم فقرأ عليه برهة ثمَّ أسلم على يديه(١) وكان لم يرَ لثروته الطائلة قيمةً تجاه مكارمه وكراماته وكان يقول:

وما حزنيَ الإملاق والثروة التي

يذلُّ بها أهل اليسار ضلالُ

أليس يبقِّي المال إلّا ضنانة

وأفقر أقواماً ندى ونوالُ

إذا لم أنل بالمال حاجةَ مُعسرٍ

حصورٍ عن الشكوى فماليَ مالُ

٢:وشرفه الوضّاح النبويّ الذي ألزم خلفاء الوقت تفويض نقابة النقباء الطالبيِّين إليه بعد وفاة أخيه الشريف الرَّضي، وأنت تعلم أهمَّية هذا المنصب يومئذ حيث أخذ فيه السلطة العامَّة على العلويِّين في أقطار العالم يرجع إلى نقيبهم حلّها وربطها وتعليمها وتأديبها والأخذ بظلاماتهم وأخذها منهم والنظر في أمورهم في كلِّ وردٍ وصدرِ.

٣:ورفعة بيته وجلالة منبته فقد كانت سلسلة آباءه من طرفيه متواصلةً من أمير إلى نقيب إلى زعيم إلى شريف، وهذه مشفوعةً بما كان فيه من لباقةٍ وحنكةٍ و حذقٍ في الأمور هي التي أهَّلته لأن تُفوِّض إليه إمارة الحاجّ فكان يسير بهم سيراً سُجحاً ولا يرجع بهم إلّا من دعةٍ إلى دعةٍ، والحجيج بين شاكرٍ لكلاءته، وذاكرٍ لمقدرته، ومُطرٍ أخلاقه، ومتبرِّكٍ بفضائله، ومثنٍ على أياديه.

٤:ولشموخ محلّه وعظمة قدره بين أظهر الناس ومكانته العالية عند الأهلين، وجمعه بين سطوة الحماة وثبت القضاة إنقادت إليه ولاية المظالم، فتولّى النقابة شرقاً وغرباً، وإمارة الحّاج والحرمين، والنظر في المظالم، وقضاء القضاة ثلاثين سنة وأشهراً(٢) .

____________________

١ - الدرجات الرفيعة للعلامة السيد على خان.

٢ - صحاح الاخبار لسراج الدين الرفاعي ص ٦١، والمستدرك ٣ ص ٥١٦ نقلا عن القاضي التنوخي.


م - قال إبن الجوزي في ( المنتظم ) ٧ ص ٢٧٦:في يوم السبت الثالث من صفر - سنة ٤٠٦ - قلّد الشريف المرتضى ابو القاسم الموسوي الحجّ والمظالم ونقابة النقباء الطالبيِّين وجميع ما كان إلى أخيه الرضي، وجمع الناس لقرائة عهده في الدار الملكيَّة وحضر فخر الملك والأشراف والقضاة والفقهاء وكان في العهد:هذا ما عهد عبد الله أبو العبّاس أحمد الإمام القادر بالله أمير المؤمنين إلى علي بن موسى العلوي حين قرَّبته إليه الأنساب الزكيَّة، وقدَّمته لديه الأسباب القويَّة، واستطلَّ معه بأغصان الدوحة الكريمة، واختصّ عنده بوسائل الحرمة الوكيدة، فقلّد الحجَّ والنقابة وأمره بتقوى الله.إلخ ]

يُلقَّب بالمرتضى، والأجلّ الطاهر، وذي المجدين، ولقِّب بعلم الهدى سنة ٤٢٠ وذلك أنَّ الوزير أبا سعيد محمّد بن الحسن بن عبد الرحيم مرض في تلك السنة فرأى في منامه أمير المؤمنينعليه‌السلام يقول له:قل لعلم الهدى يقرء عليك حتّى تبرأ. فقال:يا أمير المؤمنين ومن علم الهدى ؟ فقال:عليُّ بن الحسين الموسوي. فكتب إليه فقال رضي الله عنه:الله الله في أمري فإنّ قبولي لهذا اللقب شناعة عليَّ فقال الوزير:والله ما كتبت إليك إلّا ما أمرني به أمير المؤمنينعليه‌السلام (١)

وكان يُلقَّب بالثمانين لما كان له من الكتب ثمانون ألف مجلّداً ومن القُرى ثمانين قرية تجبى إليه(٢) وكذلك من غيرهما حتّى إنَّ مدَّة عمره كانت ثمانين سنة و ثمانية أشهر، وصنَّف كتابا يقال له الثمانون.

ولادته ووفاته

وُلد سيِّدنا المرتضى في رجب سنة ٣٥٥ وتوفّي يوم الأحد ٢٥ ربيع الأوَّل سنة ٤٣٦ وعلى هذا جلُّ المؤرِّخين لولا كلّهم، نعم:هناك خلافٌ يسير(٣) لا يُعبأ به، وصلّى عليه إبنه وتولّى غسله أبو الحسين النجاشي ومعه الشريف أبو يعلى محمَّد بن

____________________

١ - ذكره شيخنا الشهيد في أربعينه.

٢ - الرسالة الخراجية للمحقق الثاني.

٣ - في عمدة الطالب، وصحاح الاخبار في ١٥ ربيع الاول. وفي كامل ابن الاثير آخر ربيع الاول. وفي انساب المجدي آخر سنة ٤٣٦ أو ٤٣٧. وعن خط الشهيد الاول يوم الاحد السادس والعشرين من ربّيع الأول. كلّ هذه مما لا يعبأ به.


الحسن ألجعفري وسلّار بن عبد العزيز الديلمي كما في رجال النجاشي ص ١٩٣، ودفن في داره عشيَّة ذلك النهار ثمَّ نُقل إلى الحائر المقدِّس ودُفن في مقبرتهم وكان قبره هناك كقبر أبيه وأخيه الشريف الرضي ظاهراً معروفاً مشهوراً كما في عمدة الطالب، وصحاح الأخبار، والدَّرجات الرفيعة.

وهناك فتاوى مجرَّدة من قذف سيِّدنا المترجم بالإعتزال تارةً وبالميل إليه اُخرى وبنسبة وضع كتاب ( نهج البلاغة ) اليه طوراً من أبناء حزمٍ وجوزيٍّ وخلكان وكثير والذهبي، ومّن لفّ لفَّهم من المتأخِّرين(١) وبما أنَّها دعاوي فارغة غير مدعومة بشاهد، وكتب سيِّدنا الشريف يهتف بخلافها ومن عرفه من المنقِّبين لا يشكُّ في ذلك، وقد أثبتنا نسبة ( نهج البلاغة ) إلى الشريف الرضي بترجمته، نضرب عن تفنيد تلكم الهلجات صفحاً.

ولابن كثير في ( البداية والنهاية ) ج ١٢ ص ٥٣ عند ذكر السيِّد سبابُ مقذع وتحاملُ على ابن خلكان في ثنائه عليه جريا على عادته المطَّردة مع عظماء الشيعة [ و كلُّ إناء بالذي فيه ينضحُ ] ونحن لا نُقابله إلّا بما جاء به الذِّكر الحكيم:وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما.

نبذة من ديوان المرتضى

ومن شعر سيِّدنا علم الهدى المرتضى نقلاً عن ديوانه قوله يفتخر ويعرِّض ببعض أعدائه يوجد في الجزء الأوّل منه:

أمّا الشباب فقد مضت أيّامه

واستلَّ من كفّي الغداة زمامه

وتنكّرت آياته وتغيَّرتْ

جاراته وتقوَّضت آطامه

ولقد درى مَن في الشباب حياته

أنَّ المشيب إذا علاه حمامه

عوجا نحيِّي الربع يُدللنا الهوى

فلربِّما نفع المحبِّ سلامه

واستعبرا عنّي به إن خانني

جفني فلم يمطر عليه غمامه

فمن الجفون جوامدٌ وذوارف

ومن السّحاب ركامه وجهامه

دمنٌ رضعت بهنَّ أخلاف الصِّبى

لو لم يكن بعد الرِّضاع فطامه

____________________

١ - نظراء جرجي زيدان في آداب اللغة ٢ ص ٢٨٨، والزركلي في الاعلام ص ٦٦٧.


ولقد مررتُ على العقيق فشفَّني

أن لم تغنّ على الغصون حمامه

وكأنَّه دنفٌ تجلّد مونساً

عوّاده حتّى استبان سقامه

من بعد ما فارقته فكأنَّه

نشوان تمسح تربه آكامه

مرحٌ يهزّ قناته لا يأتلي

أشر الصِّبا وغرامه وعرامه

تندى على حرِّ الهجير ظلاله

ويضيئُ في وقت العشيِّ ظلامه

وكأنَّما أطياره ومياهه

للنازليه قيانه و مُدامه

وكأنَّ آرام النساء بأرضه

للقانصي طرد الهوى آرامه

وكأنَّما برد الصَّبا خوذانه

وكأنّما ورق الشَّباب بشامه

وعَضيهةٌ جائتك من عبقٍ بها

أزرى عليك فلم يجره كلامه

ورماك مجترياً عليك وإنّما

وافاك من قعر الطويّ سلامه

وكأنّما تسفى الرِّياح بعالج

ما قال أو ما سطّرت أقلامه

وكأنَّ زُوراً لفّقت ألفاظه

سلك وهى فانحلَّ عنه نظامه

وإذا الفتى قعدت به أخواله

في المجد لم تنهض به أعمامه

وإذا خصال السوء باعدن أمرءاً

عن قومه لم يُدنه أرحامه

ولكَم رماني قبل رميك حاسدٌ

طاشت ولم تخدش سواه سهامه

ألقى كلاماً لم يضرني وانثنى

ونُدوبه في جلده وكِلامه

هيهات أن ألفى وسيل مسافه

ينجو به يوم السباب لطامه

أو أن أرى في معركٍ وسلاحه

بدل السيوف قذافه وعذامه

ومن البلاء عداوةٌ من خاملٍ

لا خلفه لعُلى ولا قدّامه

كثرث مساويه فصار كمدحه

بين الخلايق عيبه أو ذامه

والخرق كلّ الخرق من متفاوتِ

الأفعال يتلو نقضه إبرامه

جدب الجناب فجاره في أزمة

والضيف موكولٌ إليه طعامه

وإذا علقت بحبله مستعصماً

فكفقع قرقرةٍ يكون زمامه

وإذا عهود القوم كنَّ كنبعهم

فالعهد منه يراعه وثمامه

وأنا الذي أعييت قبلك من رست

أطواده واستشرفت أعلامه


وتتّبع المعروف حتّى طنّبت

جوراً على سنن الطريق خيامه

وتباذرت أعداؤه سطواته

كالليت يرهب نائياً إرزامه

وترى إذا قابلته عن وجهه

كالبدر أشرق حين تمَّ تمامه

حتّى تذلَّل بعد لايٍ صعبه

وانقاد منبوذاً إليَّ خطامه

يُهدى إليّ على المغيب ثناؤه

وإذا حضرتُ أظلَّني إكرامه

فمضى سليماً من أذاة قوارصي

واستام ذمّي بعده مستامه

والآن يوقظني لنحت صفاته

مَن طال عن أخذ الحقوق نيامه

ويسومني ولإن خلوت فإنَّني

مَقر وفي حنك العدوِّ سمامه

فلبئسما منَّته منّي خالياً

خطراته أو سوَّلت أحلامه

أمّا الطريف من الفخار فعندنا

ولنا من المجد التليد سنامه

ولنا من البيت المحرَّم كلّما

طافت به في موسم أقدامه

ولنا الحطيم وزمزم وتراثها

نعم التراث عن الخليل مُقامه

ولنا المشاعر والمواقف والَّذي

تُهدى إليه من مِنى انعامه

وبجدِّنا وبصنوه دُحيت عن الـ

ـبيت الحرام وزعزعت أصنامه

وهما علينا أطلعا شمس الهدى

حتّى استنار حلاله وحرامه

وأبي الذي تبدو على رغم العدى

غرّاً محجَّلةً لنا أيّامه

كالبدر يكسو الليل أثواب الضحى

والفجر شبّ على الظلام ضرامه

وهو الذي لا يقتفي في موقف

أقدامه نكص به إقدامه

حتّى كأنَّ نجاته هي حتفه

و ورائه ممّا يخاف أمامه

ووقى الرَّسول على الفراش بنفسه

لمّا إراد حمامه أقوامه

ثانيه في كلِّ الأمور وحصنه

في النائبات وركنه ودعامه

لِلَّه درُّ بلائه ودفاعه

واليوم يغشى الدارعين قتامه

وكأنَّما اَجم العوالي غيله

وكأنَّما هو بينها ضرغامه

وترى الصريع دماؤه أكفانه

وحنوطه أحجاره ورغامه

والموت من ماء الترائب ورده

ومن النفوس مزاده ومسامه


طلبوا مداه ففاتهم سبقاً إلى

أمديشقُّ على الرِّجال مرامه

فمتى أجالوا للفخار قداحهم

فالفائزات قداحه وسهامه

وإذا الاُمور تشابهت واستبهمت

فجلاؤها وشفاؤها أحكامه

وترى النديَّ إذا احتبى لقضيَّة

عوجاً إليها مصغيات هامه

يفضي إلى لبّ البليد بيانه

فيعي وينشيء فهمه إفهامه

بغريب لفظٍ لم تذره سقاته

ولطيف معنى لم يفضّ ختامه

وإذا التفتَّ إلى التقى صادفته

من كلِّ برٍّ وافراً إقامه

فالليل فيه قيامه مُتهجِّداً

يتلو الكتاب وفي النهار صيامه

يطوي الثلاث تعفّفاً وتكرُّماً

حتّى يُصادف زاده معتامه

وتراه عريان اللسان من الخنا

لا يهتدي للأمر فيه ملامه

وعلى الذي يرضي الإ~له هجومه

وعن الذي لا يرتضى احجامه

فمضى بريئاً لم تشنه ذنوبه

يوماً ولا ظفرت به آثامه

ومفاخر ما شئت إن عدَّدتها

فالسيل أطبق لا يعدُّ ركامه

تعلو على مَن رام يوماً نيلها

من يَذبلٍ هضباته واكامه

وقال في الجزء الرابع من ديوانه يرثي الإمام السبط الشهيدعليه‌السلام في يوم عاشوراء سنة ٤٢٧:

أما ترى الرَّبع الذي أقفرا

عراه من ريب البلى ما عرا؟!

لو لم أكن صباً لسكّانه

لم يجر من دمعي له ما جرى

رأيته بعد تمامٍ له

مقلِّبا أبطنه أظهرا

كأنّني شكا وعلماً به

أقرأ من أطلاله أسطرا

وقفت فيه اينقاً ضُمَّرا

شذَّب من أوصالهنَّ السرى

لي باناسي شغلٌ عن هوى

ومعشري أبكي لهم معشرا

أجل بأرض الطفِّ عينيك ما

بين اُناس سربلوا العثيرا

حَكّمَ فيهم بغي أعدائهم

عليهم الذؤبان والأنسرا

تخال من لئلا أنوارهم

ليل الفيافي بهمُ مُقمرا


صرعى ولكن بعد أن صرَّعوا

وقطّروا كلَّ فتى قطّرا

لم يرتضوا درعاً ولم يلبسوا

بالطعن إلّا العلق الأحمرا

من كلِّ طيّان الحشى ضامر

يركب في يوم الوغا ضمَّرا

قل لبني حرب - وكم قولة

سطّرها في القوم من سطَّرا -

:تهتم عن الحق كأنَّ الذي

أنذركم في الله ما أنذرا

كأنَّه لم يقركم ضلّاً

عن الهدى القصد باُمِّ القرى

ولا تدرَّعتم بأثوابه

من بعد أن أصبحتمُ حُسّرا

ولا فريتم ادماً إمرة

ولم تكونوا قطُّ ممَّن فرى

وقلتمُ عنصرنا واحدٌ

هيهات لا قُربى ولا عنصرا

ما قدَّم الأصل امرءاً في الورى

أخَّره في الفرع ما أخَّرا

طرحتم الأمر الذيُ يجتنى

وبعتمُ الشيء الذي يُشترى

وغرَّكم بالجهل إمهالكم

وإنَّما اغترَّ الذي غرّرا

حلّأتمُ بالطفِّ قوماً عن الـ

ـماء فحلَّئتم به الكوثرا

فإن لقوا ثمَّ بكم منكراً

فسوف تلقون بهم منكرا

في ساعة يحكم في أمرها

جدّهم العدل كما أمَّرا

وكيف بعتم دينكم بالَّذي ا

ستنزره الحازم واستحقرا؟!

لولا الذيُ قدِّر من أمركم

وجدتمُ شأنكمُ أحقرا

كانت من الدهر بكم عثرة

لا بدَّ للسابق أن يُعثرا

لا تفخروا قطُّ بشيءٍ فما

تركتمُ فينا لكم مفخرا

ونلتموها بيعةً فلتةً(١)

حتى ترى العين الذي قدّرا

كأنَّني بالخيل مثل الدَّبا

هبَّت له نكاؤه صرصرا

وفوقها كلُّ شديد القوى

تخاله من حنقٍ قسورا

لا يمطر السمر غداة الوغا

إلّا برشِّ الدم إن أمطرا

فيرجع الحقُّ إلى أهله

ويقبل الأمر الذي أدبرا

____________________

١ - اشار الى ما اخرجه الحفاظ عن عمر انه قال:بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها.


يا حجج الله علي خلقه

ومَن بهم أبصر مَن أبصرا

أنتم على الله نزولٌ وإن

خال اُناس أنَّكم في الثرى

قد جعل الله إليكم - كما

علمتمُ - المبعث والمحشرا

فإن يكن ذنبٌ فقولوا لمن

شفَّعكم في العفو أن يغفرا

:إذا توليتكم صادقاً

فليس منّي منكرٌ منكرا

نصرتكم قولاً على أنَّني

لآملٌ بالسيف أن أنصرا

وبين أضلاعيَ سرٌّ لكم

حوشيَ أن يبدوا وأن يظهرا

أنظرُ وقتاً قيل لي:بُح به

وحقَّ للموعود أن ينظرا

وقد تصبَّرتُ ولكنَّني

قد ضقت أن أكظم أو أصبرا

وأيّ قلبٍ حملت حزنكم

جوانح عنه وما فطَّرا ؟!

لا عاش من بعدكم عُائشٌ

فينا ولا عمَّر من عمَّرا

ولا استقرَّت قدم بعدكم

قرارها مبدي ولا محضرا

ولا سقى الله لنا ظامئاً

من بعد أن جنَّبتم الأبحرا

ولا علت رج - لوقد زحزحت

أرجلكم عن متنه - منبرا

وقال في الجزء الرابع من ديوانه وهو يفتخر:

مالك فيَّ ربَّة الغلائل

والشيب ضيفُ لمّتي من طائل ؟!

أما ترين في شواتي(١) نازلاً ؟!

لا متعة لي بعده بنازلِ

محا غرامي بالغواني صبغه

واجتثَّ من أضالعي بلابلي

ولاح في رأسيَ منه قبصٌ

يدلُّ أيّامي على مقاتلي

كان شبابي في الدمى وسيلة

ثمَّ انقضتَ لمّا انقضت وسائلي

يا عائبي بباطلٍ ألفته

خذ بيديك من تمنٍّ باطلِ

لا تعذلنِّي بعدها على الهوى

فقد كفاني شيب رأسي عاذلي

وقل لقومٍ فاخرونا ضلّة:

أين الحُصيّات من الجراولِ(٢) ؟!

____________________

١ - شواة:جلدة الرأس.

٢ - الجراول جمع جرولة وجرول:الحجارة.


وأين قامات لكم دميمة

من الرِّجال الشمَّخ الأطاولِ ؟!

نحن الأعالي في الورى وأنتمُ

ما بينهم أسافل الأسافلِ

ما تستوي - فلا تروموا معوزاً -

فضائل السّادات بالرَّذائلِ

ما فيكمُ إلّا دنيُّ خاملٌ

وليس فينا كلّنا من خاملِ

دعوا النباهات على أهل لها

وعرِّسوا في أخفض المنازلِ

ولا تعوجوا بمهبٍّ عاصفٍ

ولا تقيموا في مصبِّ الوابلِ

أما ترى خير الورى معاشري ؟!

ثمّ قبيلي أفضل القبائلِ؟!

ما فيهمُ إن وزنوا من ناقصٍ

وليس فيهم خبرةٌ من جاهلِ

أقسمت بالبيت تطوف حوله

أقدام حافٍ للتّقى وناعلِ

وما أراقوه على واد مِنى

عند الجمار من نجيعٍ سائلِ

وأذرعٍ حاسرة ترمي - وقد

حان طلوع الشمس - بالجنادلِ

والموقفين حطَّ ما بينهما

عن ظهره الذنوب كلُّ حاملِ

فإن يخب قومٌ على غيرهما

فلم يخب عندهما من آملِ

لقد نمتني من قريش فتيةٌ

ليسوا كمن تعهد في الفضائلِ

ألواردين من عليً ومن تُقى

دون المنايا صفوة المناهلِ

قومٌ إذا ما جهلوا في معرك

ولّوا على الأعراق بالشمائلِ

كأنَّهم اُسد الشَّرى يوم الوغى

لكنَّهم أهلّة المحافلِ

إن ناضلوا فليس من مُناضل

أو ساجلوا فليس من مساجلِ

سل عنهمُ إن كنتَ لا تعرفهم

سل الظبى وشرّع العواملِ

وكلُّ منبوذٍ على وجه الثرى

تسمع فيه رنَّة الثواكلِ

كأنمَّا أيديهمُ مناصلٌ

يلعبن يوم الرَّوع بالمناصلِ

من كلِّ ممتدِّ القناة سامقٍ

يقصر عنه أطول الحمائلِ

ما ضرَّني والعار لا يطور بي

إن لم أكن بالملك الحلاحلِ

ولم أكن ذا صامت وناطق

ولم أرح بباقرٍ وجاملِ

خير من المال العتيد بذله

في طرق الافضال والفواضلِ


والشكر ممَّن أنت مُغن فقره

خيرٌ إذا أحرزته من نائلِ

فلا تعرّض منك عرضاً أملساً

لخدشة اللوّام والقوائلِ

فليس فينا مُقدمٌ كمحجمٍ

وليس منّا باذلٌ كباخلِ

وما الغنى إلّا حبالات العنا

فانجُ إذا شئت من الحبائلِ

إلى متى أحمل من ثقل الورى

ما لم يطقه ظهر عود بازلِ ؟!

إن لم يزرني الهمُّ اصباحاً أتى

ولم أعره الشوق في الأصائلِ

وكم مقام في عراصٍ ذلَّة

وعطن عن العلاء سافلِ

وكم أظلُّ مفهقاً عن الأذى

معلّلاً دهريَ بالأباطلِ

كأنَّني وقد كملت دونهم

رضيً بدون النصَّف غير كاملِ

محسودةٌ مغبوطةٌ ظواهري

لكنَّها مرحومةٌ دواخلي

كأنَّني شعبٌ جفاه قطره

أو منزلٌ أقفرِ غير آهلِ

فقل لحسّادي:أفيقوا فالذي

أغضبكم منِّي غير آفلِ

أنا الذي فضحت قولاً مُصقعاً

مقاولي وفي العلى مطاولي

إن تبتنوا من العدى معاقلاً

فإنَّ في ظنِّ القنا معاقلي

لا تستروا فضلي الذي اوتيته

فالشَّمس لا تُحجب بالحوائلِ

فقد فررتم أبداً من سطوتي

فرَّ القطا الكدر من الأجادلِ

ولا تذق أعينكم طعم الكرى

وعندكم وفيكمُ طوائلي

تقوا الرَّدى وحاذروا الشرَّ الذي

شبَّ اُواري فغلتْ مَراجلي

وجنَّ تيّار عبابي واشتكت

خروق أسماعكمُ صلاصلي

إن لم أطركم مزقاً تحملكم

نكب الأعاصير مع القساطلِ

فلا أجبتُ من صريخ دعوةً

ولا أطعت يوم جودٍ سائلي

ولا أناخ كلّ قومي كَلّهم

في مغنمٍ أو مغرمٍ بكاهلِ(١)

وفي غدٍ تبصرها مغبرةً

على الموامي كالنعام الجافلِ

يخرجن من كلِّ عجاج كالدجى

مثل الضحى بالغرر السوائل

____________________

١ - ألكل:الضعيف. اليتيم. ألكاهل من القوم:سندهم ومعتمدهم.


من يرهنَّ قال:مَن هذا الذي

سدَّ الملا بالنعم المطافلِ ؟!

وفوقهنَّ كلُّ مرهوب الشذا

يروي السنان من دم الشواكلِ(١)

أبيض كالسَّيف ولكن لم يعج

صقاله على يمين صاقلِ

:حيث ترى الموت الزؤام بالقنا

مستحب الأذيال والذلاذلِ(٢)

والنقع يغشى العين عن لحاظها

والركض يرمي الأرض بالزلازلِ

وبزَّت الأصلاب أو تمخّضت

بلا تمامٍ بطن كلِّ حاملِ

ولم يجز همّ الفتى عن نفسه

وذهل الحيّ عن العقائلِ

إن لم أنل في بابل مآربيٍ

فلي إذا ما شئت غير بابلِ

وإن أبت في وطنٍ مقلقلاً

أبدلته بأظهر الرَّواحلِ

وإن تضق بي بلدةٌ واحدةٌ

فلم تضق في غيرها مجاولي

وإن نبا عنّي خليلٌ وجفا

نفضتُ من ودّي له أناملي

خيرٌ من الخصب مع الذلّ به

معرَّسٌ على المكان الماحلِ

وقال في الإفتخار في الجزء الرابع من ديوانه:

ماذا جنته ليلة التعريفِ

شغفت فؤاداً ليس بالمشغوفِ ؟

ولو أنَّني أدري بما حمَّلته

عند الوقوف حذرت يوم وقوفي

ما زال حتّى حنَّ حبّ قلوبنا

بجماله سِرب الظباء الهيفِ

وأرتك مكتتم المحاسن بعد ما

ألقى تقى الإحرام كلّ نصيفٍ

وقنعت منها بالسَّلام لو انَّه

أروى صدى أو بلَّ لهف لهيفٍ

والحبّ يرضي بالطفيف معاشرا

لم يرتضوا من قبله بطفيفٍ

ويخفّ مَن كان البطيئ عن الهوى

فكأنَّه ما كان غير خفيفِ

يا حبّها رفقاً بقلبٍ طالما

عرَّفته ما ليس بالمعروفِ

قد كان يُرضى أن يكون محكّماً

في لبِّه لو كنت غير عنيفِ

أطرحت يا ظمياء ثقلك كلّه

يوم الوداع على فقار ضعيفِ

____________________

١ - شواكل ج شاكلة:الخاصرة.

٢ - الزؤام:عاجل. وقيل:سريع مجهز الذلاذل جمع ذُلذل وذِلذل:اسفل الثوب.


يقتاده للحبِّ كلّ مُحبَّبٍ

ويروعه بالبين كلّ أليفِ

وكأنّني لمّا رجعت عن النوى

أبكي رجعت بناظرٍ مطروفِ

وبزفرةٍ شهد العذول بأنَّها

مِن حاملٍ ثقل الهِدى ملهوفِ

ومتى جحدتهم الغرام تصنّعاً

ظهروا عليه بدمعي المذروفِ

وعلى مِنى غررٍ رمين نفوسنا

قبل الجِمار من الهوى بحتوفِ

يسحبن أذيال الشفوف غوانياً

بالحسن عن حسن بكلِّ شفوفِ

وعدلن عن لبس الشفوف وإنّما

هنَّ الشنوف محاسناً لشنوفِ

وتعجَّبت للشيب وهي جناية

لدلال غانيةٍ وصدّ صدوفِ

وأناطت الحسناء بي تبعاته

فكأنَّما تفويفه تفويفي

هو منزلٌ بدَّلته من غيره

وهو الفتى في المنزل المألوفِ

لا تنكريه فهو أبعد لبسة

عن قذف قاذفة وقرف قروفِ

وبعيدة الأقطار طامسة الطوى

من طول تطواف الرِّياح الهوفِ

لا صوت فيها للأنيس وإنَّما

لعصائب الجنّان جرس عزيفِ

وكأنَّما خرق النعام بدوّها

ذودٌ شردن لزاجرٍ هنّيفِ

قطعت ركابي وهي غير طلائح

مع طول ايضاعي وفرط وجيفي

أبغي الذي كلّ الورى عن بغيه

من بين مصدودٍ ومن مصدوفِ

والعزّ في كلف الرِّجال ولم يُنل

عزُّ بلا نَصبٍ ولا تكليفِ

والجدب مغنى للأعزَّة داره

والذلُّ بيتٌ في مكان الريفِ

ولقد تعرَّفت النوائب صعدتي

وأجاد صرف الدَّهر من تثقيفي

وحللت من ذلِّ الأنام بنجوةٍ

لا لومتي فيها ولا تعنيفي

فبدار أندية الفخار إقامتي

وعلى الفضائل مربعي ومصيفي

وسرى سرى النجم المحلّق في العلى

نظمي وما ألَّفت من تصنيفي

ورأيت من غدر الزَّمان بأهله

من بعد أن أمنوه كل طريفِ

وعجبت من حيد القويِّ عن الغنى

طول الزَّمان وحظوة المضعوفِ

و عمى الرِّجال عن الصواب كأنهم

يعمون عمّا ليس بالمكشوفِ


وفديتُ عرضي من لئام عشيرتي

بنزاهتي عن سيِّئ وعُزوفي(١)

فبقدر ما أحميهمُ ما ساءهم

أعطيهمُ من تالدي وطريفي

كم رُوِّع الأعداء قبل لقائهم

ببروق إيعادي ورعد صريفي

وكأنَّهم شُرُدٌ سوامهمُ وقد

سمعوا على جوِّ السماء حفيفي

قومي الذين تملّكوا ربق الورى

بطعان أرماحٍ وضرب سيوفِ

ومواقفٌ في كلِّ يومٍ عظيمةٍ

ما كان فيها غيرهم بوقوفِ

ومشاهدٌ ملأت شعوب عدائهم

بقذى لأجفانٍ ورغم اُنوفِ

هم خوَّلوا النعم الجسام وأمطروا

في المملقين غمائم المعروفِ

وكأنَّهم يوم الوغى خلل القنا

حيّات رمل أو اسود غريفِ

كم راكبٍ منهم لغارب سدفة

طرباً لجود أو مهين سديفِ

ومتيَّمٍ يالمكرمات وطالما

ألِفَ الندى مَن كان غير ألوفِ

وحللت أندية الملوك مجيبةً

صوتي ومصغيةً إلى توقيفي

وحميتهم بالحزم كلَّ عَضيهةٍ

وكفيتهم بالعزم كلِّ مخوفِ

وتراهمُ يتدارسون فضائلي

ويصنِّفون من الفخار صُنوفي

ويردِّ دون على الرُّواة مآثري

ويعدِّ دون من العلاء اُلوفي

ويسيِّرون إلى ديار عدوِّهم

من جند رأيي العالمين رجوفي

وإذا همُ نكروا غريباً فاجئاً

وفزعوا بنكرهمُ إلى تعريفي

دفعوا بيَ الخطب العظيم عليهمُ

واستعصموا حذر العدى بكنوفي

وصحبت منهم كلَّ ذي جبريَّةٍ

سامٍ على قلل البريَّة موفِ

ترنو إليك وقد وقفت إزاءه

بين الوفود بناظري غطريفِ

فالآن قل لِلحاسدين:تنازحوا

عن شمس اُفق غير ذات كسوفِ

ودعوا لسيل الواديين طريقه

فالسيل جرّافٌ لكلِّ جروفِ

وتزوّدوا يأس القلوب عن الندى

فمنيفه دار لكلِّ منيفِ

وارضوا بأن تمشوا ولا كرم لكم

في دار مجد الأكرمين ضيوفي

____________________

١ - عزوف:ترك الشيئ والانصراف عنه.


وقال في الجزء الخامس من ديوانه يرثي جدَّه الطاهر الإمام السبط الشهيدعليه‌السلام ومَن قُتل معه:

يا دار دار الصوَّم القوَّمِ

كيف خلا اُفقك من أنجمِ ؟!

عهدي بها يرتع سكّانها

في ظلِّ عيشٍ بينها أنعمِ

لم يصبحوا فيها ولم يغبقوا

إلّا بكاسي خمرة الأنعمِ

بكيَّتها من أدمع لو أبت

بكَّيتها واقعة من دمِ

وعجت فيها رائياً أهلها

سواهم الأوصال والملطمِ

نحلن حتّى خالهنَّ السرى

بعض بقايا شطنٍ مبرمِ

لم يدع الآساد هاماتها

إلّا سقيطات على المنسمِ

يا صاحبي يوم أزال الجوى

لحمي بِخدّيَ عن الأعظمِ

واريت ما أنت به عالمٌ

ودائيَ المعضلِ لم تعلمِ

ولستُ فيما أنا صبُّ به

مَن قرن السالي بالمغرمِ

وجدي بغير الظعن سيّارةٌ

من محزم ناء إلى محزمِ

ولا بلفّاء هضيم الحشا

ولا بذات الجيد والمعصمِ

فاسمع زفيري عند ذكري الأولى

بالطفِّ بين الذئب والقشعِ

طرحي فإمّا مقعصٌ بالقنا

أو سائل النفس على مِخذمِ(١)

نثراً كدرٍّ بددٍ مهملٍ

أغفله السلك فلم ينظمِ

كأنّما الغبراء مرميَّةٌ

من قِبَل الخضراء بالأنجمِ

دُعوا فجاؤا كرماً منهمُ

كم غرَّ قوماً قسم المقسمِ

حتّى رأوها اُخريات الدُّجى

طوالعاً من رهج أقتمِ

كأنَّهم بالصمِّ مطرورةٌ

لمنجد الأرض على متهمِ

وفوقها كلُّ مغيظ الحشا

مكتهل الطرف بلون الدمِ

كأنَّه من حنق أجدل

أرشده الحرص الى مطعمِ

فاستقلبوا الطعن إلى فتيةٍ

خوّاض بحر الحذر المفعمِ

____________________

١ - مقعص من أقعص الرجل:قتله مكانه أجهز عليه مخذم:آمة الخذم والذم القطع بسرعة.

_١٨_


من كلِّ نهّاض بثقل الأذى

موكّل الكاهل بالمعظمِ

ماضٍ لما أمَّ فلو جاد في الـ

ـهيجاء بالحوجاء لم يندمِ

وكالف بالحربّ لو أنَّه

أطعم يوم السِّلم لم يطعمِ

مثلِّم السيف ومن دونه

عرص صحيح الحدِّ لم يثلمِ

فلم يزالوا يكرعون الظبا

بين تراقي الفارس المعلمِ

فمثخنٌ يحمل شهّاقة

تحكي لراءٍ فغرة الأعلمِ

كأنَّما الورس بها سائلٌ

أو أنبتت من قضب العندمِ

ومستزلُّ بالقنا عن قِرى

عبل الشوى أو عن مطا أدهمِ

لو لم يكيدوهم بها كيدة

لانقلبوا بالخزي والمرغمِ

فاقتضبت بالبيض أرواحهم

في ظلِّ ذاك العارض الأسحمِ

مصيبةٌ سيقت إلى أحمد

ورهطه في الملأ الأعظمِ

رزءٌ ولا كالرُّزء من قبله

ومولمٌ ناهيك من مولمِ

ورميةٌ أصمت ولكنَّها

مصمئة من ساعدٍ أجذمِ

قل لنبي حرب ومن جمّعوا

من حائرٍ عن رشده أو عمي

وكلّ عانٍ في أسار الهوى

يُحسب يقظان من النوَّمِ

:لا تحسبوها حلوةً انَّها

أمرُّ في الحلق من العلقمِ

صرَّعهم انَّهمُ أقدموا

كم فُدي المحجم بالمقدمِ

هل فيكمُ إلّا أخو سوءةٍ

مجرّح الجلد من اللوّمِ ؟!

إن خاف فقراً لم يجد بالندى

أو هاب وشك الموت لم يقدمِ

يا آل ياسين ومن حبّهم

منهج ذاك السنن الأقومِ

مهابط الأملاك أبياتهم

ومستقرّ المُنزل المحكمِ

فأنتمُ حجَّة ربِّ الورى

على فصيح النطق أو أعجمِ

وأين إلّا فيكمُ قربة

إلى الإ~له الخالق المنعمِ

والله لا أخليت من ذكركم

نظمي ونثري ومرامي فمي

كلّا ولا أغببت أعدائكم

من كلمي طوراً ومن أسهمي


ولا رُئي يوم مصاب لكم

منكشفاً في مشهدٍ مبسمي

فإن أغب عن نصركم برهةً

بمرهفات لم أغب بالفمِ

صلّى عليكم ربّكم وارتوتْ

قبوركم من مسبلٍ منجمِ

مقعقع تخجل أصواته

أصوات ليث الغابة المرزمِ

وكيف استسقي لكم رحمةً ؟

وأنتم الرَّحمة للمجرمِ

وقال يرثي الإمام السبط المفدّى وأصحابه توجد في الجزء الخامس من ديوانه:

هل أنت راثٍ لصبِّ القلب معمودِ

دوي الفؤاد بغير الخرَّد الخودِ ؟!

ما شفَّه هجر أحباب وإن هجروا

من غير جرمٍ ولا خُلف المواعيد

وفي الجفون قذاةٌ غير زائلةٍ

وفي الضلوع غرامٌ غير مفقودِ

يا عاذلي ليس وجد بتُّ أكتمه

بين الحشى وجد تعنيفٍ وتفنيدٍ

شربي دموعي على الخدَّين سائلة

إن كان شربّك من ماء العناقيدِ

ونُم فإنَّ جفوناً لي مُسهَّدةٌ

عمر الليالي ولكن أيّ تسهيدِ

وقد قضيت بذاك العذل مأدبة

لو كان سمعيَ عنه غير مسدودِ

تلومني لم تصبك اليوم قاذفتي

ولم يعدك كما يعتادني عيدي

فالظلم عذل خليِّ القلب ذا شجنٍ

وهجنة لوم موفور لمجهودِ

كم ليلة بتُّ فيها غير مرتفق

والهمُّ ما بين محلولٍ ومعقود

ما إن أحِنّ إليها وهي ماضيةٌ

ولا أقول لها مُستدعياً عودي

جاءت فكانت كعوّار على بصر

وزايلت كزيال المائد المودي

فإن يودُّ اُناسٌ صبح ليلهمُ

فإنَّ صبحيَ صبحٌ غير مورودِ

عشَّيةٌ هجمت منها مصائبها

على قلوب عن البلوى محابيدِ

يا يوم عاشور كم طأطأتَ من بصر

بعد السموِّ وكم أذللتَ من جيدِ

يا يوم عاشور كم أطردتَ لي أملاً

قد كان قبلك عندي غير مطرودِ

أنت المرنِّق عيشي بعد صفوته

ومولج البيض من شيبي على السودِ

جُز بالطفوف فكم فيهنَّ من جبل

خرَّ القضاء به بين الجلاميدِ

وكم جريحٍ بلا آس تمزَّقه

إمّا النسور وإمّا أضبع البيد


وكم سليب رماحٍ غير مستترٍ

وكم صريحِ حمامٍ غير ملحودِ

كأنَّ أوجههم بيضاً ملألأة

كواكبٌ في عراص القفرة السودِ

لم يطعموا الموت إلّا بعد أن حطموا

بالضرب والطعن أعناق الصناديدِ

ولم يدع فيهمُ خوف الجزاء غداً

دماً لتربٍ ولا لحماً إلى سيدِ

من كلِّ أبلج كالدينار تشهده

وسط النديِّ بفضل غير مجحودِ

يغشى الهياج بكفٍّ غير منقبضٍ

عن الضّراب وقلبٍ غير مزؤدِ

لم يعرفوا غير بثِّ العرف بينهم

عفواً ولا طبعوا إلّا على الجودِ

يا آل أحمد كم تُلوى حقوقكمُ

ليَّ الغرائب عن نبت القراديدِ

وكم أراكم بأجواز الفلا جُزراً

مبدَّدين ولكن أيّ تبديدِ

لو كان ينصفكم من ليس ينصفكم

ألقى إليكم مطيعاً بالمقاليدِ

حُسدتم الفضل لم يحرزه غيركُم

والناس ما بين محرومٍ ومحسودِ

جاءوا إليكم وقد أعطوا عهودهمُ

في فيلقٍ كزهاء الليل ممدودِ

مُستمر حين بأيديهم وأرجلهم

كما يشاؤن ركض الضمَّر القودِ

تهوي بهم كلّ جرداء مطهَّمةٍ

هويَّ سجل من الأودام مجدودِ

مستشعرين لأطراف الرِّماح ومن

حدِّ الظبا أدرعاً من نسج داودِ

كأنَّ أصوات ضربّ الهام بينهمُ

أصواتُ دوح بأيدي الريح مبدودِ

حمائم الأيك تبكيهم على فننٍ

مرنَّحٍ بنسيم الريح أملودِ

نوحي فذاك هديرٌ منك محتسبٌ

على (حسين) فتعديدٌ، كتغريدِ

اُحبّكم والذي طاف الحجيج به

بمبتنى بأزاء العرش مقصودِ

وزمزم كلّما قسنا مواردها

أوفى وأربى على كلِّ المواريدِ

والموقفين وما ضحَّوا على عجل

عند الجمار من الكوم المقاحيدِ

وكلّ نسك تلقّاه القبول فما

أمسى وأصبح إلّا غير مردودِ

وارتضي أنَّني قد متُّ قبلكمُ

في موقفٍ بالرُّدينيّات مشهودِ

جمَّ القتيل فهامات الرِّجال به

في القاع ما بين متروكٍ ومحصودِ

فقل لآل زياد: أيّ معضلة

ركبتموها بتخبيب وتخويدِ ؟!


كيف استلبتم من الشجعان أمرهمُ

والحرب تَغلي بأوغادٍ عراديدِ ؟!

فرَّقتم الشمل ممَّن لفَّ شملكم

وأنتمُ بين تطريدٍ وتشريدِ

ومَن أعزّكُم بعد الخمول ومَن

أدناكُم من أمان بعد تبعيدِ

لولاهمُ كنتمُ لحماً لمزدرد

أو خلسةً لقصير الباع معضودِ

أو كالسقاء يبيساً غير ذي بللٍ

أو كالخباء سقيطاً غير معمودِ

أعطاكمُ الدهر ما لا بدَّ يرفعه

فسالب العود فيها مورق العودِ

فلا شربتم بصفوٍ لا ولا علقت

لكم بنانٌ بأزمانٍ أراغيدِ

ولا ظفرتم وقد جنَّت بكم نوبٌ

مقلقلات بتمهيدٍ وتوطيدِ

وحوَّل الدهر ريّاناً إلى ظمأٍ

منكم وبدَّل محدوداً بمجدودِ

قد قلت للقوم: حطّوا من عمائمهم

تحقّقاً بمصاب السّادة الصيدِ

نوحوا عليه فهذا يوم مصرعه

وعدِّدوا إنَّها أيّام تعديدِ

فلي دموعٌ تُباري القطر واكفةٌ

جادت وإن لم أقل يا أدمعي جودي

وقال يذكر مصرع جدِّه الإمام السبطعليه‌السلام يوجد في الجزء الأوَّل من ديوانه:

أسقى نمير الماء ثمَّ يلذُّ لي

ودوركمُ آل الرَّسول خلاءُ ؟!

وأنتم كما شاء الشتات ولستمُ

كما شئتمُ في عيشةٍ وأشاءُ

تُذادون عن ماء الفرات وكارع

به إبل للغادرين وشاءُ

تنشَّر منكم في القواء معاشرٌ

كأنَّهمُ للمبصرين ملاءُ

ألا إنّ يوم الطفِّ أدمى محاجراً

وأودى قلوباً ما لهنَّ دواءُ

وإنَّ مصيبات الزَّمان كثيرةٌ

ورُبَّ مصابٌ ليس منه عزاءُ

أرى طخيةً فينا فأين صباحها ؟

وداءً على داءٍ فأين شفاءُ ؟!

وبين تراقينا قلوبٌ صديَّةٌ

يُراد لها - لو أعطيته - جلاءُ

فيا لائماً في دمعتي ومفنِّداً

على لوعتي واللوم منه عناءُ

فما لك منّي اليوم إلّا تلهّفي

وما لك إلّا زفرةٌ وبكاءُ

وهل ليَ سلوانٌ وآل محمَّد

شريدهُم ما حان منه ثواءٌ ؟!

يصدُّ عن الروحات أيدي مطيِّهم

ويزوى عطاءٌ دونهم وحباءُ


كأنَّهمُ نسلٌ لغير محمَّد

ومن شعبه أو حزبه بُعداءُ

فيا أنجماً يهدي إلى الله نورها

وإن حال عنها للغبيِّ غباءُ

فإن يك قومٌ وصلةً لجهنَّم

فأنتم إلى خلد الجنان رشاءُ

دعوا قلبي المحزون فيكم يهيجه

صباحٌ على اُخراكمُ ومساءُ

فليس دموعي من جفوني وإنَّما

تقاطرن عن قلبي فهنَّ دماءُ

إذا لم تكونوا فالحياة منيَّةُ

ولا خير فيها والبقاءُ فناءُ

وأمّا شقيتم بالزَّمان فإنَّما

نعيمي إذا لم تلبسوه شقاءُ

لحى الله قوماً لم يجازوا جميلكم

لأنَّكُم أحسنتمُ وأساؤا

ولا انتاشهم عند المكاره منهضٌ

ولا مسَّهم يوم البلاء جزاءٌ

سقى الله أجداثاً طوين عليكمُ

ولا زال منهلّاً بهنَّ رواءُ

يسير إليهنَّ الغمام وخلفه

زماجر من قعقاغه وحداءُ

كأنَّ بواديه العشار تروَّحتْ

لهنَّ حنينٌ دائمُ ورغاءُ

ومن كان يسقي في الجنان كرامة

فلامسَّه ريّاً من السحائب ماءُ

وقال يرثيه صلوات الله عليه يوم عاشوراء توجد في الجزء السادس من ديوانه:

يا يوم أيّ شجى بمثلك ذاقه

عصب الرَّسول وصفوة الرحمانِ ؟!

جرعتهم غصص الردى حتّى ارتووا

ولذعتهم لواذع النيرانِ

وطرحتهم بدراً بأجواز الفلا

للذئب آونةً وللعقبانِ

عافوا القرار وليس غير قرارهم

أو بردهم موتاً بحدِّ طعانِ

منعوا الفرات وصُرِّعوا من حوله

من تائقٍ للورد أو ظمآنِ

أوَ ما رأيت قراعهم ودفاعهم

قدماً وقد أعروا من الأعوانٍ ؟!

متزاحمين على الرَّدى في موقفٍ

حشى الظبا وأسنّة المرانِ

ما إن به إلّا الشجاع وطائر

عنه حذار الموت كلّ جبان

يوم أذلَّ جماجماً من هاشمٍ

وسرى إلى عدنان بل قحطانِ

أرعى جميم الحقِّ في أوطانهم

رعي الهشيم سوائم العدوانِ

وأنار ناراً لا تبوخ وربِّما

قد كان للنيران لون دخانِ


وهو الذي لم يبق في دينٍ لنا

بالغدر قائمة من البنيانِ

يا صاحبيَّ على المصيبة فيهمُ

ومشاركيَّ اليوم في أحزاني

قوما خذا نار الصِّلا من أضلعي

إن شئتما والنار من أجفاني

وتعلّما انَّ الذي كتَّمته

حذر العدى يأبى عن الكتمانِ

فلو أنَّني شاهدتهم بين العدى

والكفر مغلولٌ على الإيمانِ

لخضبت سيفي من نجيع عدوِّهم

ومحوت من دمهم حجول حصاني

وشفيت بالطعن المبرَّح بالقنا

داء الحقود ووعكة الأضغانِ

ولبعتهم نفسي على ضننٍ بها

يوم الطفوف بأرخص الأثمانِ

وقال يرثي جدَّه الإمام السبط المفدّى يوم عاشوراء سنة ٤١٣ توجد في الجزء الثالث من ديوانه:

لك الليل بعد الذاهبين طويلا

ووفد هموم لم يردن رحيلا

ودمعٌ إذا حبَّسته عن سبيله

يعود هتوفاً في الجفون هطولا

فيا ليت أسراب الدموع التي جرت

أسون كليماً أو شفين عليلا

إخال صحيحاً كلّ يوم وليلة

ويأبى الجوى إلّا أكون عليلا

كأنّي وما أحببت أهوى ممنّعاً

وأرجو ضنيناً بالوصال بخيلا

فقل للذي يبكي نؤياً ودمنة

ويندب رسماً بالعراء محيلا

عداني دمٌ لي طلَّ بالطفِّ أن أرى

شجيّاً اُبكّي أربُعاً وطلولا

مصابٌ إذا قابلت بالصبر غربه

وجدت كثيري في العزاء قليلا

ورزءٌ حملت الثقل منه كأنَّني

مدى الدهر لم أحمل سواه ثقيلا

وجدتم عداة الدين بعد محمَّد

إلى كلمه في الأقربين سبيلا

كأنَّكم لم تنزعوا بمكانه

خشوعاً مبيناً في الورى وخمولا

وأيّكُم ما عزّ فينا بدينه

وقد عاش دهراً قبل ذاك ذليلا

فقل لبني حربّ وآل اُميَّة

إذا كنت ترضى أن تكون قؤلا

:سللتم على آل النبيَّ سيوفه

ملئن ثلوماً في الطلى وفلولا

وقد تم إلم من قادكم من ضلالكم

فأخرجكم من وادييه خيولا


ولم تغدروا إلّا بمن كان جدُّه

إليكم لتحظوا بالنَّجاة رسولا

وترضون ضد الحزم إن كان ملككم

ضئيلاً وديناً دنتمُ لهزيلا

نساء رسول الله عقر دياركم

يرجِّعن منكم لوعةً وعويلا

لهنَّ ببوغاء الطفوف أعزّة

سقوا الموت صرفاً صبيةً وكهولا

كأنَّهمُ نوّار روض هوت به

رياحٌ جنوباً تارةً وقبولا

وأنجمُ ليل ما علون طوالعاً

لأعيننا حتّى هبطن اُفولا

فأيّ بدورٍ ما مُحين بكاسف ؟!

وأيّ غصونٍ ما لقين ذبولا ؟!

أمن بعد أن أعطيتموه عهودكم

خفافاً إلى تلك العهود عجولا

رجعتم عن القصد المبين تناكصاً !

وحُلتم عن الحقِّ المنير حؤولا ؟!

وقعقعتمُ أبوابه تختلونه

ومَن لم يُردَ ختلاً أصاب ختولا

فما زلتمُ حتّى أجاب نداءكم

وأي كريم لا يُجيب سؤولا ؟!

فلمّا دنا ألفاكُم في كتائب

تطاولن أقطار السباسب طولا

متى تك منها حجزة أو كحجزة

سمعت رغاءً مصعقاً وضهيلا

فلم يرَ إلّا ناكثاً أو منكّباً

وإلّا قطوعاً للذمام حلولا

وإلّا قعوداً عن لمام بنصره

وإلّا جبوهاً بالرَّدى وخذولا

وضغن شفاف هبّ بعد رقاده

وأفئدة ملأى يفضن ذحولا

وبيضاً رقيقات الشفار صقيلة

وسمراً طويلات المتون عسولا

فلا أنتمُ أفرجتمُ عن طريقه

إليكم ولا لمّا أراد قفولا

عزيزٌ على الثاوي بطيبة أعظم

نبذن على أرض الطفوف شكولا

وكلُّ كريمٍ لا يلمُّ بريبةٍ

فإن سيم قول الفحش قال جميلا

يذادون عن ماء الفرات وقد سقوا

الشَّهادة من ماء الفرات بديلا

رُموا بالرَّدى من حيث لا يحذرونه

وغرّوا وكم غرَّ الغفولِ غفولا

أيا يوم عاشوراء كم بفجيعةٍ

على الغرِّ آل الله كنتَ نزولا

دخلت على أبياتهم بمصابهم

ألا بئسما ذاك الدخول دخولا

نزعت شهيد الله منّا وإنَّما

نزعت يميناً أو قطعت تليلا


قتيلاً وجدنا بعده دين أحمد

فقيداً وعزَّ المسلمين قتيلا

فلا تبخسوا بالجور من كان ربّه

- برجع الذي نازعتموه - كفيلا

اُحبّكمُ آل النبيَّ ولا أرى

وكم عذلوني عن هواي عديلا

وقلتُ لمن يلحا على شغفي بكم

وكم غير ذي نصحٍ يكون عذولا

:رويدكُم لا تنحلوني ضلالكم

فلن تُرحلوا منّي الغداة ذلولا

عليكم سلام الله عيشاً وميتةً

وسفراً تطيعون النَّوى وحلولا

فما زاغ قلبي عن هواكم وأخمصي

فلا زلَّ عمّا ترتضون زليلا

وقال في الموعظة والإعتبار توجد في الجزء السادس من ديوانه:

لا تقربنَّ عضيهةً

إنَّ العضاية مخزياتُ

واجعل صلاحك سرمداً

فالصّالحات الباقياتُ

في هذه الدنيا ومَن

فيها لنا أبداً عظاتُ

إمّا صروفٌ مقبلاتٌ

أو صروفٌ مدبراتُ

وحوادث الأيّام فينا

آخذاتٌ معطياتُ

والذلُّ موتٌ للفتى

والعزُّ في الدنيا الحياةُ

والذخر في الدارين إمّا

طاعةٌ أو مأثراتُ

يا ضيعة للمرء تدعوه

إلى الهلك الدعاةُ

تغترُّه حتّى يزور

شعابهنَّ الطيِّبات

عبَرٌ تمرُّ وما لها

منّا عيونٌ مبصراتُ

أين الأولى كانوا بأ

يدينا حصولاً ثمَّ ماتوا ؟!

مِن كلِّ مَن كانت له

ثمرات دجلة والفراتُ

ما قيل: نالوا فوق ما

يهوون حتّى قيل:فاتوا

لم يغن عنهم حين همَّ

بهم حمامهم الحماةٌ

كلّا ولا بيضٌ وسمرٌ

عارياتٌ مشرعاتُ

نطقوا زماناً ثمَّ ليس

لنطقهم إلّا الصّماتُ

وكأنَّهم بقبورهم

سبتوا وما بهمُ سباتُ


من بعد أن ركبوا قرى

سرر وجردهمُ رفاتُ

سلموا على صلح الأسنَّة

والظبى لما استماتوا

ونجوا من الغمّاء لمّا

قيل:ليس لهم نجاةٌ

في موقف فيه الصوارم

والذوابل والكماةُ

وأتاهمُ من حيث لم

يخشوا لحينهم المماتُ

وطوتهُم طيُّ البرود

لهم قبورٌ مظلماتٌ

فهمُ بها مثل الهشيم

تعيث فيها العاصفاتُ

شُعثٌ وسائدهم بها

من غير تكرمةٍ علاةُ

قل للّذين لهم إلى

الدنيا دواع مسمعاتُ

وكأنَّهم لم يسمعوا

ماذا تقول الناعياتُ

أوَ ما تقول لهم إذا اجتا

زرا الديار الخالياتُ ؟!

فالضّاحكات وقد نعمن

بهنَّ هنَّ الباكياتُ

:حتّى متى وإلى متى

تأوي عيونكم السّناتُ ؟!

كم ذا تفرِّج عنكُم

أبد الزمان الموغطاتُ؟!

كم ذا وُعظتم لو تكون

لكم قلوبٌ مصغياتُ ؟!

لكمُ عقولٌ معوضاتٌ

أو عيونٌ عاشياتُ

عُج بالديار فنادها:

أين الجبال الراسياتُ ؟!

أين العصاة على المكا

رم للعواذل والاُباةُ ؟!

تجري المنايا من روا

جبهم جميعاً والصِّلاتُ

وإذا لقوا يوم الوغى

أقرانهم كانت هناةٌ

والدَّهر طوع يمينهم

وهمُ على الدنيا الولاةُ

أعطاهمُ متبرِّعاً

ثمَّ استردَّ فقال: هاتوا

كانت جميعاً ثمَّ مزَّق

شمل بينهم الشَّتاتُ

فأكفّهم من بعد أن

سلبوا المواهب مقفراتُ

وسيوفهم ورماحهم

منبوذةٌ والضامراتُ


أمنوا الصَّباح وما لهم

علمٌ بما يجنى البياتُ

ورماهمُ فأصابهم

داءٌ تعزٌّ له الرقاةُ

وسهام أقواس المنون

الصائباتُ المصمياتُ

مات الندى من بيننا

بمماتهم والمكرماتُ

وقال يرثي الشيخ الأكبر شيخنا المفيد محمَّد بن محمَّد بن نعمان المتوفّى في رمضان ٤١٣ توجد في الجزء الثالث من ديوانه:

مَن على هذه الديار أقاما ؟!

أو ضفا ملبسٌ عليه وداما ؟!

عُج بنا نندب الذين تولّوا

باقتياد المنون عاماً فعاما

فارقونا كهلاً وشيخاً وهمّاً

ووليداً وناشئاً وغلاما

وشحيحاً جعد اليدين بخيلاً

وجواداً مخوّلا مِطعاما

سكنوا كلِّ ذروةٍ من أشمٍّ

يحسر الطرف ثمَّ حلوا الرغاما

يا لحى الله مهملاً حسب الد

هر نؤم الجفون عنه فناما

وكأنّي لمّا رأيت بني الدهر

غفولاً رأيت منهم نياما

أيّها الموت كم حططتَ عليّاً

ساميَ الطرف؟! أو جببت سناما ؟!

وإذا ما حدرت خَلفاً وظنّوا

نجوة من يديك كنت إماما

أنت ألحقت بالذكيِّ غبيّاً

في اصطلامٍ وبالدنيِّ هماما

أنت أفنيت قبل أن تأخذ الأبناء

منّا الآباء والأعماما

ولقد زادني فأرِّق عيني

حادثٌ أقعد الحجى وأقاما

حدتُ عنه فزادني حيدي عنه

لصوقاً بدائه والتزاما

وكأنّي لما حملت به الثقل

تحمّلت يذبلاً وشماما

فخذ اليوم من دموعي وقد كنِّ

جموداً على المصاب سجاما

إنَّ شيخ الإسلام والدين والعلم

تولّى فأزعج الإسلاما

والذي كان غرَّةً في دُجى الأيّا

م أودى فأوحش الأيّاما

كم جلوتَ الشكوك تعرض في نصِّ

وصيٍّ ؟! وكم نصرت إماما ؟!

وخصوم لدّ ملأتهم بالحقِّ

في حومة الخصام خصاما ؟!


عاينوا منك مصمياً ثغرة النحر

وما أرسلت يداك سهاما

وشجاعاً يفري المراء وما كلُّ

شجاعٍ يفري الطلى والهاما

مَن إذا مال جانبٌ من بناء

الدين كانت له يداه دعاما ؟!

وإذا ازورَّ جائرٌ عن هداه

قاده نحوه فكان زماما ؟!

مَن لفضل أخرجتَ منه خبيئاً

ومعانٍ فضضتَ عنها ختاما ؟!

مَن لسوء ميَّزت عنه جميلاً

وحلال خلّصت منه حراما ؟!

مَن يُنير العقول من بعد ما كنَّ

هموداً وينتج الأفهاما ؟!

مَن يُعير الصِّديق رأياً إذا ما

سلّه في الخطوب كان حساما ؟!

فامض صفراً من العيوب وكم با

ن رجالٌ أثروا عيوباً وذاما

إنَّ خلداً أوضحت عاد بهيماً

وصباحاً أطلعت صار ظلاما

وزلالاً أوردتً حال اُجاجاً

وشفاءً أورثت آلَ سقاما

لن تراني وأنت من عدد الأموا

ت إلا تجمّلاً بسّاما

وإذا ما اخترمتَ منّي فما أرهب

في سائر الأنام اختراما

إن تكن مجرماً ولستَ فقدوا

ليت قوماً تجمَّلوا الأجراما

لهمُ في المعاد جاهٌ إذا ما

بسطوه كفى وأغنىِ الأناما

لا تخف ساعة الجزاء وإن خا

ف اُناسٌ فقد أخذتَ ذماما

أودع الله ما حللت من البيد

اء فيه الإنعام والإكراما

ولوى عنه كلّ ما عاقه التر

ب ولا ذاق في الزَّمان اُواما

وقضى أن يكون قبرك للرَّحمة

والأمن منزلاً ومقاما

وإذا ما سقى القبور فروّاها

رهاماً سقاك منه سلاما

رَحِمَ اللهُ مَعشَر الماضينَ والسَّلامُ

على مَنِ اتَّبَعَ الهُدى


ألقرن الخامس

٤٠

أبو علي البصير

ألمتوفّى ٤٢٢

سبحان من ليس في السَّماء ولا

في الأرض ندُّ له وأشباهُ

أحاط بالعالمين مقتدراً

أشهد أن لا إله إلّاهُ

وخاتم المرسلين سيِّدنا

أحمد ربُّ السَّماء سّماهُ

أشرقت الأرض يوم بعثته

وحصحص الحقُّ من محيّاهُ

إختار يوم ( الغدير ) حيدرةً

أخاً له في الورى وآخاهُ

وباهل المشركين فيه وفي

زوجته يقتفيهما ابناهُ

هم خمسةٌ يُرحم الأنام بهم

ويستجابُ الدُّعا ويرجاهُ(١)

( ألشاعر )

أبو علي البصير [ الضرير ] الحسن بن المظفَّر النيسابوري المحتد، الخوارزمي المولد، ذكره إبن شهر اشوب من المتَّقين من شعراء أهل البيت عليهم السَّلام، وذكره أبو أحمد محمود بن أرسلان في تاريخ خوارزم وبالغ في الثناء عليه وقال:كان مؤدَّب أهل خوارزم في عصره ومخرِّجهم وشاعرهم ومقدِّمهم والمشار إليه منهم، له كتاب تهذيب ديوان الأدب وكتاب إصلاح المنطق، وكتاب ذيل تتمَّة اليتيمة. وديوان شعره في مجلّدين. وديوان رسائله. وكتاب محاسن من إسمه الحسن. وكتاب زيادات أخبار خوارزم. ومن شعره قوله:

أهلاً بعيش كان جِدَّ مواتِ(٢)

أحيا من اللّذات كلِّ مَواتِ

أيّام سرب الإنس غير منفَّر

والشَّمل غير مروَّعٍ بشتاتِ

____________________

١ - هذه الابيات ذكرها العلامة السماوي في الجزء الاول من كتابه ( الطليعة في شعراء الشيعة ) لابي علي الضرير. وذكر الحموي منها أربعة أبيات ونسبها إلى ولده عمر أبي حفص، والله العالم

٢ - اى مطاوع وموافق. من واتى مواتاة ووتاء.


عيشٌ تحسَّر(١) ظلّه عنّا فما

أبقى لنا شيئاً سوى الحسراتِ

ولقد سقاني الدَّهر ماء حياته

والآن يسقيني دم الحيّاتِ

لهفي لأحرارٍ مُنيت ببُعدهم

كانوا على غَير الزَّمان ثقاتي

قد زالت البركات عنّي كلها

بزيال سيِّدنا أبي البركاتِ

ركن العلا والمجد والكرم الذي

قد فات في الحلبات أيّ فواتِ

فارقتُ طلعته المنيرة مكرهاً

فبقيت كالمحصور في الظلماتِ

اُضحي واُمسي صاعداً زفراتي

لفراقه متحدِّراً عبراتي

وله قوله في المديح:

جبينك الشمس في الاضواء والقمرُ

يمينك البحر في الأرواء والمطرُ

وظلّك الحرم المحفوظ ساكنه

وبابك الركن للقصّاد والحجَرُ

وسيبك الرِّزق مضمونٌ لكلِّ فمٍ

وسيفك الأجل الجاري به القدَرُ

أنت الهمام بل البدر التَّمام بل السـ

ـيف الحسام بل الصّارم الذَّكرُ

وأنت غيث الأنام المستغاث به

إذا أغارت على إبنائها الغِيرُ

وله في الغزل:

أريّا شمال ؟! أم نسيم من الصَّبا

أتانا طُروقاً ؟! أم خيال لزينبا ؟!

أم الطالع المسعود الطالع اُرضنا

فاطلع فيها للسعادة كوكبا ؟!

قال أبو علي [ المترجَم ]:رأيت إبن هودار في المنام بعد موته فقلت له:

لقد تحوَّلتَ من دارٍ إلى دارِ

فهل رأيت قراراً يا بن هودارِ ؟!

قال:فأجابني:

لا بل وجدت عذاباً لا انقطاع له

مدى الليالي وربّاً غير غفّارِ

ومنزلاً مظلماً في قعر هاوية

قرنتُ فيها بكفّار وفُجّارِ

فقل لأهليَ:موتوا مسلمين فما

للكافرين لدى الباري سوى النارِ

وولده أبو حفص عمر كان فقيهاً فاضلاً أديباً توفّي في شعبان سنة اثنتين و ثلاثين وخمسمائة(٢)

____________________

١ - الحسر:الكشف:تحسر:تكشف.

٢ - معجم الادباء ج ٩ ص ١٩١ - ١٩٨ من الطبعة الاخيرة.


ألقرن الخامس

٤١

ابو العلا المعر ى

ألمولود ٣٦٣، ألمتوفّى ٤٤٩

أدنياي اذهبي وسواي أمِّي

فقد ألممت ليتكِ لم تلمّي

وكان الدَّهر ظرفاً لا لحمدٍ

تُؤهِّله العقول ولا لذَمِّ

وأحسب سانح الأزميم نادى

ببين الحيِّ في صحراء ذِمِّ(١)

إذا بكرٌ جنى فتوقّ عمراً

فإنّ كليهما لأبٍ واُمِّ

وخف حيوان هذي الأرض واحذر

مجيء النطح من رَوق وجُمِّ(٢)

وفي كلِّ الطباع طباع نكز

وليس جميعهنَّ ذوات سُمِّ

وما ذنب الضراغم حين صيغت

وصيَّر قوتها ممّا تدمّي

فقد جبلت على فرس وضرس

كما جبل الوفود على التنمّي

ضياءٌ لم يبن لعيون كمه

وقول ضاع في آذان صُمِّ

لعمرك ما أسرّ بيوم فطر

ولا أضحى ولا بغدير خمَّ

وكم أبدى تشيّعه غويٌّ

لأجل تنسّبٍ ببلاد قمِّ

ما يتبع الشعر والشاعر

هذه الأبيات من قصيدة لأبي العلاء توجد في لزوم ما لا يلزم ج ٢ ص ٣١٨ قال شارحه المصري:( غدير خم ) بين المدينة ومكّة على ثلاثة أميال من الجحفة يسرة عن الطريق ويشير أبو العلاء بقوله:ولا أضحى.

إلى التشيّع لعليّ ففيه قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لعليٍّ رضي الله عنه منصرفه من حجَّة الوداع:مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه،أللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، والشيعة يقصدون هذا المكان ولذلك قال شاعرهم:

____________________

١ - أزميم:ليلة من ليالى المحاق. والهلال إذا دق في آخر الشهر واستقوس. دم:الهلاك.

٢ - الروق. ألقرن من كل ذي قرن. جم جمع الاجم:الكبش لا قرن له.


ويوماً بالغدير غدير خمّ(١)

أبان له الولاية لو اُطيعا

كان حقّاً علينا أن ننوِّه بذكر هذه الأبيات في الجزء الأوَّل عند ذكر عيد الغدير كما كان لنا أن نذكر كلام من علّق عليها في طبقات رواة حديث الغدير فإذ فاتنا العثور عليها هنالك استدركناه هيهنا.

وقد كثر المترجمون لأبي العلاء المعري حتّى عاد أمره ورفعة مقامه في الأدب من أجلى الواضحات، وإنَّ ديوانه بمفرده أجلُّ شاهد على نبوغه، وأوسع تراجمه وأحسنها ما ألَّفه الصاحب كمال الدين عمر بن أحمد بن العديم الحلّي المتوفّى ٦٦٠ و سمّاه [ كتاب الإنصاف والتحرّي في دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعرّي ] وقد طبع ملخّصه في الجزء الرّابع من تاريخ حلب ج ٤ ص ٧٧ - ١٨٠.وإليك فهرسته.

ذكر نسبه وترجمة رجال اُسرته ص ٨٠ - ١٠١

مولده ومنشأه وعماه ص ١٠١ - ١٠٤

إشتغاله بالعلم ومشايخه ص ١٠٤ - ١٠٦

ألرواة عنه والقّراء عليه وكتّابه ص ١٠٦ - ١١٣

تآليفه ورسائله وهي تربو على ٦٥ رسالة ص ١١٣ - ١٢٥

رحلته إلى بغداد وعوده إلى معرة ص ١٢٥ - ١٣٢

ذكاءه وفطنته ص ١٣٢ - ١٤٤

حرمته عند الملوك والخلفاء والاُمراء ص ١٤٤ - ١٥١

كرمه وجوده على قلة ماله ص ١٥١ - ١٥٣

إباء نفسه وعفَّتها ص ١٥٣ - ١٥٤

فصلٌ من كتابه [ الفصول والغايات ] ص ١٥٤ - ١٥٨

أبو العلاء عند الملوك ص ١٥٨ - ١٦٣

ذكر من قال بفساد عقيدته ودلائله عليه ص ١٦٣ - ١٦٦

ذكر من قال بصحَّة عقيدته ص ١٦٦ ذكر وفاته ومراثيه ص ١٦٦ - ١٦٩

القول الفصل في حسن اعتقاده والشواهد عليه ص ١٦٩ - ١٨٠

____________________

١ - هذا البيت من هاشميات الكميت وفيه تصحيف والصحيح كما مر في الجزء الثاني ص ١٨٠:

ويوم الدوح دوح غدير خم

أبان له الولاية لو اطيعا


ألقرن الخامس

٤٢

ألمؤيد في الدين

ألمتوفّى ٤٧٠

قال والرَّحل لِلسّرى محمولُ:

حُقَّ منك النّوى وجدَّ الرَّحيلُ

وعدا الهزلُ في القطيعة جدَّاً

ما كذا كان منك لي المأمولُ

قلتُ والقلب حسرةً يتقلّى

وعلى الخدِّ دمع عيني يسيلُ

:بأبي أنت ما اقتضى البين إلّا

قدرٌ ثمَّ عهدُك المستحيلُ

كم وكم قلت:خلّني يا خليلي

من جفاء منه الجبال تزولُ ؟!

إنمَّا أمره لديك خفيفٌ

وهو ثقلٌ على فؤادي ثقيلُ

إنّك السالم الصحيح وإنّي

من غرامٍ بك الوقيذ(١) العليلُ

قال:قد مرَّ ذا فهل من مُقام

عندنا ؟ قلتُ:ما إليه سبيلُ

قال:إنّي لدى مُرادك باقٍ

قلت:ما إن تفي بما قد تقولُ

قال:أضرمتَ في الحشى نار شوق

حرُّ أنفاسها عليها دليلُ

قلتُ:حسبي الذي لقيت هوانا

فلقاء الهوان عندي يهولُ

فقبيحٌ بيَّ التَّصابي وهذا

عسكر الشَّيب فوق رأسي نزولُ

* * *

إنَّ أمر المعاد أكبر همَّي

فاهتمامي بما عداهُ فضولُ

كثر الخائضون بحر ظلامٍ

فيه والمؤنسو الضياء قليلُ

قال قومٌ:قُصرى الجميع التلاشي

فئةٌ منتهاهمُ التَّعطيلُ

وأدّعى الآخرون نسخاً وفسخاً

ولهم غير ذاك حشوٌ طويلُ

وأبوا بعد هذه الدّار داراً

نحوها كلُّ مَن يؤولُ يَؤولُ

____________________

١ - ألوقيذ:ألشديد المرض، ألمشرف على الموت.

_١٩_


لم يروا بعدها مَقامَ ثوابٍ

وعقابٍ لهم إليه وُصولُ

فالمثابون عندهم مُترفوهم

ولذي الفاقة العذابُ الوبيلُ

قال قومٌ وهم ذوو العدد الجـ

ـمَّ:لنا الزَّنجبيل والسَّلسبيلُ

ولنا بعد هذه الدّار دارٌ

طاب فيها المشروب والمأكولُ

ولكلٍّ من المقالاتٍ سوقٌ

وإمامٌ ورايةٌ ورَعيلُ

ما لهم في قَبيل عقلٍ كلام

لا ولا في حِمَي الرَّشاد قَبولُ

اُمّةٌ ضيَّع الأمانةَ فيها

شيخها الخامل الظَّلوم الجهولُ

بئس ذاك الإنسان في زُمر الأنس

وشيطانه الخَدوعُ الخذولُ

فهم التائهون في الإرض هلكا

عقدُ دين الهُدى بهم محلولُ

نكسوا ويلهم ببابلَ جهراً

جُملٌ ذا وراءَها تفصيلُ

مُنعوا صفو شربةٍ من زُلالٍ

ليس إلّا بذاك يشفى الغليلُ

ملَّكوا الدِّين كلَّ اُنثى وخُنثى

وضعيفٍ بغير بأسٍ يصولُ

إلى أن قال:

لو أرادوا حقيقة الدِّين كانوا

تبعاً للذي أقام الرَّسولُ

وأتت فيه آيةُ النصِّ بلِّغ

يوم ( خُمٍّ ) لمّا أتى جبريلُ

ذا كمُ المرتضى عليٌّ بحقٍّ

فبعلياه ينطق التَّنزيلُ

ذاك برهان ربِّه في البرايا

ذاك في الأرض سيفه المسلولُ

فأطيعوا جحداً أولي الأمر منهم

فلهم في الخلائق التَّفضيلُ

أهل بيتٍ عليهمُ نزل الذِّكـ

ـرُ وفيه التَّحريمُ والتَّحليلُ

هم أمانٌ من العمى وصراطٌ

مستقيمٌ لنا وظِلٌّ ظليلُ

ألقصيدة ٦٧ بيتاً(١)

٢

وله من قصيدة ذات ٥١ بيتاً توجد في ديوانه ص ٢٤٥، أوّلها:

نسيم الصَّبا ألمِمْ بفارسَ غاديا

وأبلغ سلامي أهل وُدّي الأزاكيا

يقول فيها:

____________________

١ - ديوان المؤيد ص ٢١٥ - ٢١٨.


فلهفي على أهلي الضِّعاف فقد غدوا

لِحدِّ شفار النائباك أضاحيا

فيا ليت شِعري مَن يُغيث صريخهم

إذا ما شكوا للحادثات العواديا ؟!

ويا ليت شعري كيف قد أدرك العدى

بتفريق ذات البين فينا المباغيا ؟!

أ إخواننا صبراً جميلاً فإنَّني

غدوت بهذا في رضى الله راضيا

وفي آل طه إن نُفيتُ فإنّني

لأعدائهم ما زلتُ والله نافيا

فما كنتُ بدعاً في الأولى فيهم نُفوا

ألا فخَر أن أغدو ( لجندب ) ثانيا ؟!

لئن مسَّني بالنّفي قُرحٌ فإنّنيٍ

بلغتُ به في بعض همّي الأمانيا

فقد زُرتُ في ( كوفان ) للمجد قبَّةً

هي الدين والدنيا بحقّ كما هيا

هي القُبَّة البيضاء قُبَّة ( حيدر )

وصيّ الذي قد أرسل الله هاديا

وصيّ النبيّ المصطفى وابن عمِّه

ومن قام مولى في ( الغدير ) وواليا

ومَن قال قومٌ فيه قولاً مُناسباً

لقول النّصارى في المسيح مُضاهيا

فيا حبّذا التطواف حول ضريحه

اُصلّي عليه في خشوع تواليا

و واحبّذا تعفير خدَّيّ فوقه

ويا طيب إكبابي عليه مناجيا

اُناجي وأشكو ظالمي بتحرُّقٍ

يثير دموعاً فوق خدّي جواريا

وقد زرت مثوى الطهر في أرض كربلا

فدَت نفسيَ المقتول عطشان صاديا

( ألقصيدة )

٣

وله من قصيدة ذات ٦٠ بيتاً توجد في ديوانه ص ٢٥٦ مستهلّها:

ألا ما لهذي السَّما لا تمورُ

وما للجبال تُرى لا تسيرُ ؟!

وللشمس ما كوَّرت والنجوم

تضيئ وتحت الثرى لا تغورُ ؟!

وللأرض ليست بها رجفة

وما بالها لا تفور البحورُ ؟!

وما للدما لا تُحاكي الدموع

فتجري لتبتلّ منها النحورُ ؟!

أتبقى القلوب لنا لا تُشقّ

جوى ولو أن القلوب الصخورُ ؟!

ليومٍ ببغداد ما مثله

عبوسٌ يراه امرؤٌ قمطريرُ

وقد قام دجّالها أعورٌ

يحفُّ به من بني الزّورعورُ

فلا حَدبٌ منه لا ينسلون

ولا بقعةٌ ليس فيها نفيرُ


يرومون آل نبيِّ الهدى

لِيردى الصغير ويفنى الكبيرُ

لتنهب أنفس أحيائهم

وتُنبش للميّتين القبورُ

ومن نجل ( صادق آل العبا )

ينال الذي لم ينله الكفورُ

( فموسى ) يُشقّ له قبره

ولمّا أتى حشره والنشورُ

ويُسعر بالنار منه حريمٌ

حرامٌ على زائريه السَّعيرُ

وتُقتل شيعة آل الرَّسول

عتوّاً وتُهتك منهم ستورُ

فواحسرتا لنفوس تسيل

ويا غمَّتا لرؤوس تطيرُ

وما نقموا منهمُ غير أنَّ

وصيّ النبيّ عليهم أميرُ

كما العذر في غدرهم بغضهم

لمن فرض الحب فيه ( الغديرُ )

فيا اُمّةً عاث فيها الشقاء

فوجه نهارِ هُداها قتيرُ

وشافعها خصمها في المعاد

لها الويل من ربّها والثبورُ

قتلتم حسينا لملك العراق

وقلتم أتاكم له يستثيرُ

فما ذنب موسى الذي قد محت

معالمه في ثراه الدهورُ ؟!

وما وجه فعلكمُ ذابه ؟!

لقد غرَّكم بالإ~له الغرورُ

أيا شيعة الحقِّ! طاب الممات

فيا قوم ! قوموا سراعاً نثورُ

فإمّا حياةٌ لنا في القصاص

وإمّا إلى حيث صاروا نصيرُ

أ آل المسيِّب ما زلتمُ

عشيرَ الولاء فنعم العشيرُ

ويا آل عوفٍ غيوث المُحول

ليوثاً إذا كاع ليثٌ هصورُ

أآل النّهى والندى والطعان

وحزب ألطلى حين حرّ الهجيرُ

أصبراً على الخسف ؟ لا همكم

دنيٌّ ولا الباع منكم قصيرُ

أتُهتك حرمة آل النبيِّ

وفي الأرض منكم صبيٌّ صغيرُ؟!

وقبر ابن صادق آل الرَّسول

يُمسُّ بسوءٍ وأنتم حضورُ؟!

ولمّا تخوضوا بحار الرَّدى

وفي شَعبه تنجدوا أو تغوروا

لقد كان يوم الحسين المُنى

فتُفدى نفوسٌ وتُشفى صُدورُ

فهذا لكم عاد يوم الحسين

فماذا القصور؟! وماذا الفتورُ؟!


فمدّوا الذراع وحدّوا القراع

فيوم النواصب منكم عسيرُ

وولّوا ( ابن دمنة ) أعماله

تبور كما المكر منه يبورُ

فقتلاً بقتلٍ وثكلاً بثكل

ذروه تجزُّ عليه الشعورُ

ألقصيدة

( ما يتبع الشعر )

هذه القصيدة نظمها شاعرنا المؤيَّد في فتنة بغداد الهائلة الواقعة سنة ٤٤٣ يلفظ نفثات لوعته من تلكم الفظايع التي أحدثتها يد العداء المحتدم على اهل بيت الوحي وشيعتهم يوم شنّت الغارة على مشهد الإمام الطاهر موسى بن جعفر ومشاهد أوليائه المدفونين في جوار أمنه وحرم قدسه.

قال ابن الأثير في الكامل ٩:٢١٥:وكان سبب هذه الفتنة أنَّ أهل الكرخ شرعوا في عمل باب المساكين وأهل القلائين في عمل ما بقي من باب مسعود ففزع أهل الكرخ وعملوا أبراجاً كتبوا عليها بالذهب:محمّد وعليّ خير البشر. وأنكر السنَّة ذلك وادَّعوا:انّ المكتوب محمّد وعليّ خير البشر، فمَن رضي فقد شكر، ومَن أبى فقد كفر. وأنكر أهل الكرخ الزيادة وقالوا:ما تجاوزنا ما جرت به عادتنا فيما نكتبه على مساجدنا، فأرسل الخليفة القائم بأمر الله أبا تمام نقيب العبّاسيّين، ونقيب العلويّين وهو عدنان(١) ابن الرضي لكشف الحال وإنهائه فكتبا بتصديق قول الكرخيِّين فأمر حينئذ الخليفة ونوّابُ الرحيم بكفّ القتال فلم يقلبوا، وانتدب إبن المذهب القاضي والزهيري وغيرهما من الحنابلة أصحاب عبد الصَّمد بحمل العامّة على الاغراق في الفتنة، فأمسك نوّابُ الملك الرحيم عن كفَهم غيظاً من رئيس الرؤساء(٢) لميله إلى الحنابلة، و

____________________

١ - الشريف عدنان هو ابن الشريف الرضي المترجم في هذا الجزء صفحة ١٨١ ولي النقابة بعد وفاة عمه الشريف المرتضى المترجم في هذا الجزء ٢٦٤. واستمر إلى أن توفي ببغداد سنة ٤٤٩.

٢ - ابو القاسم ابن المسلمة على بن الحسن بن أحمد وزير القائم بامر الله مكث في الوزارة اثنتي عشرة سنة وشهرا، قتله البساسيري سنة ٤٥٠. قال ابن كثير في تاريخه ١٢:٦٨:كان كثير الاذية للرافضة، الزم الروافض بترك الأذان بحي على خير العمل، وأمروا أن ينادي مؤذنهم في أذان الصبح بعد حي على الفلاح:الصلاة خير من النوم. مرتين. وأزيل ما كان على أبواب المساجد ومساجدهم من كتابة:محمد وعلي خير البشر. وأمر رئيس الرؤساء بقتل أبي عبد الله بن الجلاب شيخ الروافض لما كان تظاهر به من الرفض والغلو فيه فقتل على باب دكانه، وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره.


منع هذه السنة من حمل الماء من دجلة إلى الكرخ، وكان نهر عيسى قد انفتح بثقه(١) فعظم الأمر عليهم، وانتدب جماعة منهم وقصدوا دجلة وحملوا الماء وجعلوه في الظروف وصبّوا عليه ماء الورد ونادوا:ألماء للسبيل. فأغروا بهم السنّة وتشدَّد رئيس الرؤساء على الشيعة فمحوا:خير البشر. وكتبوا:عليهما السَّلام.فقالت السنّة:لا نرضى إلّا أن يقلع الآجر الذي عليه محمَّد وعليّ، وأن لا يؤذَّن حيّ على خير العمل. وامتنع الشيعة من ذلك ودام القتال إلى ثالث ربيع الأوَّل وقتل فيه رجلٌ هاشميٌّ من السنّة فحمله أهله على نعش وطافوا به في الحربّية وباب البصرة وسائر محالّ السنّة واستنفروا الناس للأخذ بثاره ثمَّ دفنوه عند أحمد بن حنبل، وقد اجتمع معهم خلقٌ كثيرٌ أضعاف ما تقدَّم، فلمّا رجعوا من دفنه قصدوا باب مشهد التبن(٢) فاُغلق بابه فنقبوا في سورها وتهدَّدوا البوّاب فخافهم وفتح الباب فدخلوا ونهبوا ما في المشهد من قناديل ومحاريب ذهب وفضَّة وستور وغير ذلك، ونهبوا ما في الترب والدور، و أدركهم الليل فعادوا، فلمّا كان الغد كثر الجمع فقصدوا المشهد وأحرقوا جميع الترب والآزاج واحترق ضريح موسى(٣) وضريح إبن إبنه محمَّد بن عليّ والجوار والقبَّتان السّاج اللّتان عليهما، واحترق ما يُقابلهما ويجاورهما من قبور ملوك بني بويه معزّ الدولة وجلال الدولة ومن قبور الوزراء والرؤساء وقبر جعفر بن ابي جعفر المنصور، وقبر الأمين محمَّد بن الرَّشيد، وقبر امِّه زبيدة، وجرى من الأمر الفظيع ما لم يجر في الدنيا مثله، فلمّا كان الغد خامس الشهر عادوا وحفروا قبر موسى بن جعفر ومحمَّد بن علي لينقلوهما إلى مقبرة أحمد بن حنبل، فحال الهدم بينهم وبين معرفة القبر، فجاء الحفر إلى جانبه، وسمع أبو تمام نقيب العبّاسيّين وغيره من الهاشميّين والسنّة الخبر فجاؤا ومنعوا عن ذلك، وقصد أهل الكرخ إلى خان الفقهاء الحنفيّين فنهبوه وقتلوا

____________________

١ - انفتح بثقه:اى كسر سده. بثق السيل:أي خرق وشق.

٢ - باب التبن:اسم محلة كبيرة ببغداد على الخندق وبها قبر عبد الله بن أحمد بن حنبل ويلصق هذا الموضع في مقابر قريش التي فيها قبر موسى الكاظم، ويعرف قبره بمشهد باب التبن. معجم.

٣ - الامام الطاهر موسى بن جعفر الكاظم، وحفيده الامام الجواد محمد بن علي بن موسى سلام الله عليهم.


مدرِّس الحنفيّة أبا سعد السَّرخسي، وأحرقوا الخان ودور الفقهاء، وتعدّت الفتنة إلى الجانب الشرقي فاقتتل أهل باب الطاق وسوق بج والأساكفة وغيرهم، ولمّا انتهى خبر إحراق المشهد إلى نور الدولة دبيس بن مزيد عظم عليه واشتدّ وبلغ منه كلّ مبلغ لأنّه وأهل بيته وسائر أعماله من النيل وتلك الولاية كلّهم شيعة فقطعت في أعماله خطبة الإمام القائم بأمر الله فروسل في ذلك وعوتب فاعتذر بأنَّ أهل ولايته شيعة واتَّفقوا على ذلك فلم يمكنه أن يشقّ عليهم كما أنَّ الخليفة لم يمكنه كفّ السفهاء الذين فعلوا بالمشهد ما فعلوا وأعاد الخطبة إلى حالها.

وزاد إبن الجوزي في المنتظم ٨:١٥٠:ظهر عيار الطقطقي من أهل درزيجان وحضر الديوان واستتيب وجرى منه في معاملة أهل الكرخ وتتبّعهم في المحال و قتلهم على الإتِّصال ما عظمت فيه البلوى، وأجتمع أهل الكرخ وقت الظهيرة فهدمت حائط باب القلائين ورموا العذرة على حائطه وقطع الطقطقي رجلين وصلبهما على هذا الباب بعد أن قتل ثلاثة من قبل وقطع رؤسهم ورمى بها إلى أهل الكرخ وقال:تغدوا برؤس.ومضى إلى درب الزعفراني فطالب أهل بمائة ألف دينار وتوعّدهم إن لم يفعلوا بالإحراق فلاطفوه فانصرف، ووافاهم من الغد فقاتلوه فقُتل منهم رجلٌ هاشميٌّ فحمل إلى مقابر قريش.

واستنفر البلد ونقب مشهد باب التين ونهب ما فيه واُخرج جماعة من القبور فأحرقوا مثل العوني(١) والناشي(٢) والجذوعي، ونقل من المكان جماعة موتى فدفنوا في مقابر شتّى وطرح النار في الترب القديمة والحديثة، واحترق الضَّريحان والقبَّتان السّاج، وحفروا أحد الضريحين ليخرجوا مَن فيه ويدفنونه بقبر أحمد، فبادر النقيب والناس فمَنعوهم. إلخ.

وذكر القصَّة على الإختصار إبن العماد في شذرات الذهب ٣:٢٧٠، وإبن كثير في تاريخه ١٢:٦٢.

____________________

١ - في المنتظم:العوفي:والصحيح:العوني كما في الشذرات. وقد مرت ترجمة العوني في هذا الجزء ص ١٢٤ - ١٤١.

٢ - هو علي بن الوصيف احد شعراء الغدير مر ذكره في هذا الجزء ص ٢٤ - ٣٣.


( ألشاعر )

هبة الله بن موسى بن داود الشيرازي المؤيَّد في الدين داعي الدُّعاة، أوحديٌّ من حملة العلم، وفذٌ من أفذاذ الاُمّة، وعبقريٌّ من جِلّة أعلام العلوم العربيَّة، نابغةٌ من نوابغ الأدب العربيّ، وله نصيبه الوافر من القريض بلغة الضّاد وإنُ ولد في قاعة الفرس ونشأ في مهدها، كان من الدُّعاة إلى الفاطميَّة منذ بلغ أشدّه في كلِّ حاضرة حلّ بها، وله في تلك الدَّعوة خطوات واسعة، وهو كما وصف نفسه للمستنصر بالله بقوله في سيرته ص ٩٩:وأنا شيخ هذه الدعوة ويدها ولسانها ومَن لا يُماثلني أحدٌ فيها.وقد كابد دون تلك الدعوة كوارث، وقاسى نوازل ملمّة، وعانى شدائد فادحة، غير أنّه كان يستخفُّ وراثها كلّ هامّة ولامّة، ولم يك يكترث لأيّ نازلة.

ولد بشيراز حوالي سنة ٣٩٠ كما يظهر من شعره، وبها شبَّ ونما إلى أن غادرها سنة ٤٢٩ ويمَّم الأهواز وفارق مسقط رأسه خائفا يترقَّب فَرقاً من السلطان أبي كاليجار بعد ما جرى بينه وبين الملك ما يورث البغضاء، وما تأتّى له إقتناء مرضاته بارجوزته ( المسمطة ) في ١٥٣ بيتاً ذكرها في سيرته ص ٤٨ - ٥٤ فنزل الأهواز غير أنَّ هواجسه ما حدَّثته بالطمأنينة إلى الأمن من غيلة الملك فهبط حلة منصور بن الحسين الأسدي الذي ملك الجزيرة الدبيسيَّة بجوار خوزستان، ومكث هنالك نحو سبعة أشهر، ثمَّ اتَّجه إلى قرواش أبي المنيع إبن المقلد أمير بني عقيل صاحب الموصل والكوفة و الأنبار، فلمّا لم يجده آخذاً بناصره في دعوته سار إلى مصر بعد سنة ٤٣٦ وقبل سنة ٤٣٩ ومكث فيها ردحا من الزمن إلى أن غدا وله بعض النفوذ في البلاد، فسيِّر إلى الشام باقتراح الوزير عبد الله بن يحيى بن المدبر، ثمَّ عاد إلى مصر بعد مدَّة، فقطن فيها بقيّة حياته إلى أن توفّي بها سنة ٤٧٠.

وللمؤيَّد آثار علميّة تنمّ عن طول باعه في الحجاج والمناظرة، وعن سعة اطلاعه على معالم الدين ومباحثه الراقيّة، وتضلّعه في علمي الكتاب والسنَّة ووقوفه على ما فيهما من دقائق ورقائق، له رسائل ناظر بها أبا العلاء المعرّي في موضوع أكل اللحم، نشرت في مجلة ( الجمعيّة الملكيّة الآسيويّة ) سنة ١٩٠٢ م. ومناظرته القيِّمة مع علماء شيراز


في حضرة السلطان أبي كاليجار تعرب عن مبلغه من العلم، ذكرها على تفصيلها في سيرته ص ١٦ - ٣٠.

ومناظرته مع الخراساني المذكورة في سيرته ص ٣٠ - ٤٣ شاهد صدق على تضلّعه في العلوم وذُكر للمؤيّد من التأليف.

١ - المجالس المؤيّدية.

٢ - المجالس المستنصريّة.

٣ - ديوان المؤيّد.

٤ - سيرة المؤيّد.

٥ - شرح العماد.

٦ - ألايضاح والتبصير في فضل يوم الغدير.

٧ - ألابتداء والإنتهاء.

٨ - جامع الحقائق في تحريم اللحوم والألبان.

٩ - ألقصيدة الإسكندريَّة وتسمّي أيضاً بذات الدوحة.

١٠ - تأويل الأرواح.

١١ - نهج العبارة.

١٢ - المسائلة والجواب.

١٣ - أساس التأويل. وفي نسبة غير واحد من هذه الكتب إلى مترجمنا المؤيّد نظر وللبحث فيه مجالٌ واسع.

توجد ترجمة شاعرنا المترجم له بقلمه في كتاب أفرده في سيرته بين سنة ٤٢٩ وسنة ٤٥٠، وهو المصدر الوحيد للباحثين عن ترجمته طبع بمصر في ١٨٤ صحيفة، وللأستاذ محمّد كامل حسين المصري بكليّة الآداب دراسة ضافية حول حياة المترجَم بحث عنها من شتّى النواحي في ١٨٦ صحيفة(١) وجعلها تقدمة لديوانه المطبوع بمصر، ففي الكتابين مقنع وكفاية عن التبسّط في ترجمة المؤيّد(٢)

____________________

١ - فيها مواقع للنظر عند ما نهى سيره الى الاراء المذهبية.

٢ - المؤيد شعره وترجمته من أولها الى آخرها من ملحقات الطبعة الثانية.


ألقرن الخامس

٤٣

الجبرى المصر ى

يا دار غادرني جديد بلاكِ

رثّ الجديد فهل رثيت لذاكِ؟!

أم أنت عمّا أشتكيه من الهوى

عجماء مذ عجم البلى مغناكِ ؟!

ضفناك نستقري الرسوم فلم نجد

إلّا تباريح الهموم قِراكِ

ورسيس شوقٍ تمتري زفراته

عبراتنا حتّى تبلّ ثراكِ

ما بال ربعكِ لا يبلُّ ؟ كأنَّما

يشكو الذي أنا من نحولي شاكِ

طلّت طلولك دمع عيني مثلما

سفكت دمي يوم الرَّحيل دماكِ

وأرى قتيلك لا يَديهِ قاتلٌ

وفتور ألحاظ الظباء ظباكِ

هيّجت لي إذ عجت ساكن لوعة

بالساكنيك تشبّها ذكراكِ

لمّا وقنت مسلّماً وكأنَّما

ريّا الأحبَّة سقت من ريّاكِ

وكفت عليك سماء عيني صيِّباً

لو كفّ صوب المزن عنك كفاكِ

سقياً لعهدي والهوى مقضيَّةٌ

أوطاره قبل احتكام نواكِ

والعيش غضُّ والشباب مطيَّةٌ

للّهو غير بطيئة الادراكِ

أيّام لاواشٍ يُطاع ولا هوًى

يُعصى فنقصى عنك إذ زرناكِ

وشفيعنا شرخ الشبيبة كلّما

رمنا القصاص من اقتناص مهاكِ

ولئن أصارتك الخطوب إلى بلى

ولحاك ريب صروفها فمحاكِ

فلطالما قضَّيتُ فيك مآربي

وأبحت ريعان الشَّباب حماكِ

ما بين حور كالنجوم تزيَّنت

منها القلائد للبدور حواكي

هيف الحصور من القصور بدت لنا

منها الأهلّة لا من الأفلاكِ

يجمعن من مرح الشبيبة خفَّة الـ

ـمتغزِّلين وعفَّة النّساكِ

ويصدن صادية القلوب بأعينٍ

نجلٍ كصيد الطير بالاشراكِ


من كلِّ مخطفة الحشا تحكي الرشا

جيداً وغصن البان لين حراكِ

هيفاء ناطقة النطاق تشكّياً

من ظلم صامتة البُرين ضناكِ(١)

وكأنَّما من ثغرها من نحرها

درٌّ تباكره بعود أراكِ

عذب الرُّضاب كأنَّ حشو لثاتها

مسكاً يعلُّ به ذرى المسواكِ

تلك التي ملكت عليَّ بدلَّها

قلبي فكانت أعنف الملّاكِ

إنَّ الصّبى يا نفس عزَّ طلابه

ونهتك عنه واعظات نهاكِ

والشيب ضيفٌ لا محالة مؤذنٌ

برداك فاتَّبعي سبيل هداكِ

وتزوَّدي من حبِّ آل محمَّد

زاداً متى أخلصته نجّاكِ

فلنعم زادٌ للمعاد وعدّةٌ

للحشر إن علقت يداك بذاكِ(٢)

وإلى الوصيِّ مهمُّ أمرك فوِّضي

تصلي بذاك إلى قصيِّ مناكِ

وبه ادرئي في نحر كلِّ ملمَّة

وإليه فيها فاجعلي شكواكِ

وبحبِّه فتمسَّكي أن تسلكي

بالزيغ عنه مسالك الهلّاكِ

لا تجهلي وهواه دأبك فاجعلي

أبداً وهجر عداه هجر قلاكِ

فسواءٌ انحرف امرؤٌ عن حبِّه

أو بات منطوياً على الاشراكِ

وخذي البرائة من لظى ببراءة

من شانئيه وامحضيه هواكِ

وتجنبيَّ إن شئت أن لا تعطبي

رأي ابن سلمى فيه وابن صهاكِ

وإذا تشابهت الاُمور فعوِّلي

في كشف مشكلّها على مولاكِ

خير الرجال وخير بعل نساءها

والأصل والفرع التقيّ الزاكي

وتعوَّذي بالزَّهر من أولاده

من شرِّ كلِّ مُضلّل أفّاكِ

لا تعدلي عنهم ولا تستبدلي

بهمُ فتحظى بالخسار هناك

فهمُ مصابيح الدُّجى لذوي الحجى

والعروة الوثقى لذي استمساكِ

وهم الأدلَّة كالأهّلة نورها

يجلو عمى المتحيِّر الشكّاكِ

وهم الصِّراط المستقيم فأرغمي

بهواهمُ أنف الذي يلحاكِ

____________________

١ - ألبرين بالضم جمع بره:الخلخال.

٢ - للحشران ظفرت بذاك يداك. كذا في نسخة.


وهم الأئمَّة لا إمام سواهمُ

فدعي لِتيم وغيرها دعواكِ

يا اُمَّة ضلّت سبيل رشادها

إنَّ الذي استرشدته أغواكِ

لئن ائتمنت على البريَّة خائناً

للنفس ضيَّعها غداة رعاكِ

أعطاك إذ وّطاك عشوة رأيه

خدعاً بحبل غرورها دّلاكِ

فتبعته وسخيف دينك بعته

مغترَّةً بالنزر من دنياكِ

لقد اشتريت به الضَّلالة بالهدى

لَمَّا دعاكِ بمكره فدهاكِ

وأطعته وعصيت قول محمَّد

فيما بأمر وصيِّه وصّاكِ

خلّفت واستخلفت من لم يرضه

للدين تابعة هوًى هوّاكِ

خلت اجتهادك للصَّواب مؤدِّياً

هيهات من أدّاك بل أرداكِ

لقد إجتريت على اجتراح عظيمةً

جعلت جهنَّم في غدٍ مثواكِ

ولقد شققت عصا النبيِّ محمَّد

وعققت من بعد النبيَّ أباكِ

وغدرت بالعهد المؤكّد عقده

يوم ( الغدير ) له فما عذراكِ

فلتعلمنّ وقد رجعت به على الأ

عقاب ناكصةً به على عقباكِ

أعن الوصيِّ عدلت عادلةً به

مَن لا يساوي منه شسع شراكِ ؟!

ولتسألنَّ عن الولاء لحيدر

وهو النعيم شقاكِ عنه ثناكِ(١)

قست المحيط بكلِّ علمٍ مشكلٍ

وعرٍ مسالكه على السُلّاكِ

بالمعتريه - كما حكي - شيطانه

وكفاه عنه بنفسه من حاكي

والضارب الهامات في يوم الوغى

ضرباً يقدُّ به إلى الأوراكِ

إذ صاح جبريلٌ به متعجِّباً

من بأسه وحسامه البتّاكِ

لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتّى

إلّا عليُّ فاتك الفتّاكِ

بالهارب الفرّار من أقرانه

والحرب يذكيها قناً ومذاكي

والقاطع الليل البهيم تهجّداً

بفؤاد ذي روع وطرفٍ باكي

بالتارك الصَّلوات كفراناً بها

لولا الرياء لطال ما راباكِ

أبعد بهذا من قياسٍ فاسدٍ

لم تأت فيه امَّةٌ مأتاكِ

____________________

١ - ثناك عنه شقاك. كذا في نسخة.


أوَ ما شهدت له مواقف أذهبت

عنك اعتراك الشك حين عراكِ ؟!

من معجزات لا يقوم بمثلها

إلّا نبيُّ أو وصيُّ زاكي

كالشمس إذ رُدَّت عليه ببابل

لقضاء فرض فائت الإدراكِ

والريح إذ مرَّت فقال لها:احملي

طوعاً وليّ الله فوق قواكِ

فجرت رجاء بالبساط مطيعة

امر الإ~له حثيثة الايشاكِ(١)

حتّى إذا وافى الرقيم بصحبه

ليزيل عنه مرية الشكّاكِ

قال:السَّلام عليكُم فتبادروا

بالردِّ بعد الصّمت والإمساكِ

عن غيره فبدت ضغاين صدر ذي

حنقٍ لستر نفاقه هتّاكِ

والميت حين دعا به من صرصر

فأجابه وأبيت حين دعاكِ

لا تدّعي ما ليس فيكِ فتندمي

عند امتحان الصِّدق من دعواكِ

والخفُّ والثعبان فيه آيةٌ

فتيقّظي يأويكِ من عمياكِ

والسَّطل والمنديل حين أتى به

جبريل حسبكِ خدمة الأملاكِ

ودفاع أعظم ما عَراك بسيفه

في يوم كلِّ كريهة وعِراكِ

ومقامه - ثبت الجنان - بخيبر

والخوف إذ ولّيتِ حشو حشاكِ

والباب حين دحى به عن حصنهم

سبعين باعاً في فضا ؟ دكداكِ

والطائر المشويُّ نصُّ ظاهرٌ

لولا جحودك ما رأت عيناكِ

والصخرة الصمّا وقد شفَّ الظما

منها النفوس دحى بها فسقاكِ

والماء حين طغى الفرات فأقبلوا

ما بين باكيةٍ إليه وباكي

قالوا:أغثنا يا بن عمِّ محمَّد

فالماء يُؤذننا بوشك هلاكِ

فأتى الفرات فقال:يا أرض ابلعي

طوعاً بأمر الله طاغي ماكِ

فأغاضه حتّى بدت حصباؤه

من فوق راسخة من الأسماكِ

ثمَّ استعادوه فعاد بأمره

يجري على قدَر، ففيم مراكِ ؟!

مولاكٍ راضيةً وغضبي فاعلمي

سيّان سخطك عنده ورضاكٍ

____________________

١ - وفي نسخة:

فغدت رخاء بالبساط مطيعة

أمر الاله حثيثة الادراك


يا تيم تيَّمك الهوى فأطعته

وعن البصيرة يا عديُّ عداكِ

ومنعتِ إرث المصطفى وتراثه

ووليته ظلماً، فمن وَلاّكِ ؟!

وبسطت أيدي عبد شمس فاغتدتْ

بالظلم جاريةً علىِ مغناكِ

لا تحسبيكِ بريئةً ممّا جرى

والله ما قتل الحسينَ سواك ِ

يا آل أحمد كم يكابد فيكُم

كبدي خطوباً للقلوب نواكي

كبدي بكم مقروحةٌ ومدامعي

مسفوحةٌ وجوى فؤادي ذاكي

وإذا ذكرتُ مصابكم قال الأسى

لجفوني:اجتنبي لذيد كراكِ

وابكي قتيلاً بالطفوف لأجله

بكت السَّماء دماً فحقَّ بكاك

إن تبكهم في اليوم تلقاهم غداً

عيني بوجهٍ مسفرٍ ضحّاكِ

يا ربّ فاجعل حبّهم ليُ جنَّةً

من موبقات الظلم و الإشراك

واجبر بها الجبري ربّ وبرّه

من ظالمٍ لدمائهم سفّاكِ

وبهم إذا أعداء آل محمَّد

غلقت رهونهمُ - فجد بفكاكِ(١)

( ألشاعر )

إبن جبر المصري أحد شعراء مصر على عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله ألمولود سنة ٤٢٠ والمتوفّى ٤٨٧، ذكر المقريزي في الخطط ج ٢ ص ٣٦٥ موسماً من مواسم فتح الخليج في أيّام المستنصر وقال:وتقدَّم شاعرٌ يقال له:إبن جبر وأنشأ قصيدةً منها:

فتح الخليج فسال منه ماءُ

وعلت عليه الراية البيضاءُ

فصفت موارده لنا فكأنَّه

كفّ الإمام فعرفها الإعطاءُ

فانتقد الناس عليه في قوله:فسال منه الماء وقالوا:أيّ شيئ يخرج من البحر غير الماء ؟ فضيع ما قاله بعد هذا المطلع.

وهنالك قصائد غديريّة لإبن طوطي الواسطي، والخطيب المنبجي، وعليّ بن أحمد المغربي، من شعراء القرن الخامس توجد مبثوثةً في مناقب إبن شهر اشوب، و

____________________

١ - أخذتها من نسخة عتيقة جدأ مكتوبة في القرون الوسطى وتوجد ناقصة منها تسعة أبيات في أعيان الشيعة في الجزء الخامس عشر ص ٢٦٣.


تفسير أبي الفتوح الرازي، والصِّراط المستقيم للبياضي، والدر النظيم في الأئمّة اللهاميم لإبن حاتم الدمشقي، وغيرها لم نذكرها لعدم عرفاننا بترجمة أولئك الشعراء وتاريخ حياتهم، غير أنّهم من شعراء هذه الأثارة مأثرة الغدير ومنضِّدي عقودها وناظمي حديثها من الذين استفادوا من لفظه معنى الإمامة والمرجعيّة الكبرى في الدين والأولويّة بالناس من أنفسهم.


شعراء الغدير

في القرن السّادس

٤٤

أبو الحسن الفنجكرد ى

ألمولود ٤٣٣

ألمتوفّى ٥١٣

لا تنكرنَّ غدير خمٍّ إنَّه

كالشمس في إشراقها بل أظهرُ

ما كان معروفاً بإسناد إلى

خير البرايا أحمد لا ينكرُ

فيه إمامة ( حيدر ) وكماله

وجلاله حتّى القيامة يُذكرُ

أولى الأنام بأن يوالي ( المرتضى )

من يأخذ الأحكام منه ويأثرُ

( ما يتبع الشعر )

هذه الأبيات نسبها إلى الفنجكردي شيخنا الفتّال في ( روضة الواعظين ) ص ٩٠ وهو أحد معاصريه، وذكرها إبن شهر اشوب في ( المناقب ) ج ١ ص ٥٤٠ طبع ايران، والقاضي الشهيد في ( مجالس المؤمنين ) ص ٢٣٤، وصاحب (رياض العلماء ) وقطب الدين الأشكوري في ( محبوب القلوب ).

وذكر له في ( مناقب ) إبن شهر آشوب ج ١ ص ٥٤٠ و ( مجالس المؤمنين ) ص ٢٣٤، و ( رياض العلماء ) قوله:

يوم الغدير سوى العيدين لي عيدُ

يوم يسرُّ به السّادات والصيدٌ

نال الإمامة فيه ( المرتضى ) وله

فيه من الله تشريفٌ وتمجيدُ

يقول ( أحمد ) خير المرسلين ضحىً

في مجمع حضرته البيض والسودُ

والحمد لِلَّه حمداً لا انقضاء له

له الصنايع والألطاف والجودُ

إنَّ الشاعر كما سيوافيك في الترجمة من أئمّة اللغة الواقفين على حقايق معاني الألفاظ وتصاريفها، ومن المطَّلعين على معاريض الكلام ولحن القول وفحوى التعابير،


وقد استفاد من لفظ المولى معنى الإمامة والمرجعيَّة في أحكام الدين، فنظم ذلك في شعره الدرِّي فهو من الحجج لما نتحرّاه في معنى الحديث الشريف.

( ألشاعر )

ألشيخ أبو الحسن عليّ بن أحمد الفَنجكردي(١) النيسابوري، من أساتذة الأدب المحنّكين المتقدِّمين فيه بالإمامة والتضلّع، وهو مع ذلك معدودٌ من أعاظم حملة العلم، ومشيخة الحديث البارعين، ففي ( الأنساب ) للسمعاني:أبو الحسن الفنجكردي عليّ بن أحمد الأديب البارع صاحب النظم والنثر الجاريين في سلك السلاسة، الباقيين معه على هرمه وطعنه في السنِّ، قرأ اصول اللغة على يعقوب بن أحمد الأديب وغيره وكان عفيفاً خفيفاً ظريف المجاورة قاضياً للحقوق محمود الأحوال، أصابته علّة أزمنته ومنعته من الخروج وطعن في السنّ فتأخَّر عن الزِّيارة بالقدم فاستناب عنها التعهد بالعلم، سمع الحديث من القاضي الناصحي(٢) وكتب لي الأجازة لجميع مسموعاته وحدَّثني عنه جماعةٌ من مشايخنا وتوفّي ليلة الجمعة الثالث عشر من شهر رمضان سنة ٥١٣ وصلّوا عليه في الجامع القديم ودفن بالحيرة(٣) في مقبرة نوح.

وفي ( معجم الاُدباء ) ج ٥ ص ١٠٣:كان أديباً فاضلاً ذكره الميداني في خطبة كتاب ( السامي ) وأثني عليه ومات سنة ٥١٢:عن ثمانين سنة وذكره البيهقي في ( الوشاح ) فقال:الإمام عليّ بن أحمد الفنجكردي الملقِّب بشيخ الأفاضل، اعجوبة زمانه، وآية أقرانه، وشيخ الصناعة، والممتطي غوارب البراعة، وذكره عبد الغفار الفارسي فقال:عليُّ بن أحمد الفنجكردي الأديب البارع صاحب النظم والنثر الجاريين في سلك السلاسة، قرأ اللغة على يعقوب بن أحمد الأديب وغيره وأحكمها وتخرّج فيها، وأصابته علّة لزمته في آخر عمره ومات بنيسابور في ثالث عشر رمضان سنة ٥١٣. ا ه‍.

____________________

١ - بفتح الفاء وسكون النون وضم الجيم او سكونها وبكسر الكاف وسكون الراء وبعدها الدال المهملة نسبة إلى ( فنجكرد ) قرية من نواحي نيسابور ( الانساب ).

٢ - ابو الحسن محمد بن محمد بن جعفر المتوفى ٤٧٩.

٣ - محلة كبيرة بنيسابور فيها كانت جبانة نوح ولعلها سميت بالحيرة لنزول جمع من اهل حيرة الكوفة بها.

_٢٠_


ومدحه معاصره الكاتب أبو إبراهيم أسعد بن مسعود العتبي(١) كما في ( معجم الاُدباء ) ج ٢ ص ٢٤٢ بقوله:

يا أوحد البلغاء والاُدباء

يا سيّد الفضلاء والعلماءِ

يا من كأنَّ عطارداً في قلبه

يملي عليه حقايق الأشياءِ

وذكره السيوطي في ( بغية الوعاة ) ص ٣٢٩ بما يقرب من كلام الحموي صاحب المعجم وحكى عن ( الوشاح ) انه مات سنة ٥١٣ عن ثمانين سنة وروى له قوله:

زماننا ذا زمان سوء

لا خير فيه ولا صلاحا

هل يبصر المسلمون فيه

لليل أحزانهم صباحا ؟!

فكلّهم منه في عناءٍ

طوبى لمن مات فاستراحا

وعبَّر عنه معاصره شيخنا الفتَّال في ( روضة الواعظين ) بالشيخ الإمام تارة وبالشيخ الأديب اُخرى، وترجمه وأطراه القاضي في ( المجالس ) ص ٢٣٤، وصاحب ( رياض العلماء ) و ( روضات الجنات ) ص ٤٨٥، و ( الشيعة في فنون الاسلام ) ص ١٣٦، وذكر ابن شهر اشوب في ( معالم العلماء ) له كتاب ( تاج الأشعار وسلوة الشيعة ) قال:وهي أشعار أمير المؤمنينعليه‌السلام وينقل عنه في كتابه ( مناقب آل أبي طالب(٢) ) كما أنَّ شيخنا قطب الدين الكيدري(٣) جعله من مصادر كتابه ( أنوار العقول من أشعار وصيِّ الرَّسول )، ونصَّ فيه بأنَّ الفنجكردي قد جمع في كتابه ( تاج الأشعار ) مائتي بيت من شعر أمير المؤمنينعليه‌السلام وترجمه سيّدنا صاحب ( رياض الجنَّة ) في الروضة الرّابعة وذكر له قوله:

إذا ذكرتَ الغرِّ من هاشم

تنافرت عنك الكلاب الشارده

فقل لمن لامَكَ في حبِّهِ

:خانتك في مولودك الوالده

قال الأميني:أشار المترجم بهذين البيتين إلى ما ورد في جملة من الأحاديث من أنَّ أمير المؤمنينعليه‌السلام لا يُبغضه إلّا دعيّ وإليك منها:

____________________

١ - ولد سنة ٤٠٤ وتوفي في جمادى الاولى ٤٩٤.

٢ - راجع ج ٢ ص ٩٩ و ١٣٩ و ١٧٦.

٣ - هو الشيخ أبو الحسن محمد بن الحسين البيهقي النيسابوري شارح نهج البلاغة توفي حدود سنة ٥٧٤.


١ - عن أبي سعيد الخدري قال:كنّا معشر الأنصار نبور(١) أولادنا بحبِّهم عليّاً رضي الله عنه، فاذا وُلد فينا مولودٌ فلم يحبّه عرفنا انّه ليس منّا(٢)

٢ - عبادة بن الصامت كنّا نبور أولادنا بحبِّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه فإذا رأينا أحدهم لا يحبّ علي بن أبي طالب علمنا انّه ليس منا وانَّه لغير رشدة(٣) قال الحافظ الجزري في ( أسنى المطالب ) ص ٨ بعد ذكر هذا الحديث:وهذا مشهورٌ من قديم وإلى النوم انّه ما يبغض عليّاً رضي الله عنه إلّا ولد الزنا.

٣ - أخرج الحافظ الحسن بن علي العدوي قال حدّثنا أحمد بن عبدة الضبّي عن أبي عيينة عن إبن الزبير عن جابر قال:أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن نعرض أولادنا على حبِّ علي بن أبي طالب. رجاله رجال الصحيحين كلّهم ثقات.

٤ - أخرج الحافظ إبن مردويه عن أحمد بن محمَّد النيسابوري عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أحمد قال سمعت الشافعي يقول:سمعت مالك بن أنس يقول:قال أنس بن مالك:ما كنا نعرف الرَّجل لغير أبيه إلّا ببغض علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

٥ - أخرج إبن مردويه عن أنس في حديث:كان الرَّجل من بعد يوم خيبر يحمل ولده على عاتقه ثمَّ يقف علىّ طريق عليّ رضي الله عنه فإذا نظر إليه أومأ بإصبعه:يا بُنيَّ تحبُّ هذا الرجل ؟! فإن قال:نعم. قبّله. وإن قال:لا، خرق به الأرض وقال له:إلحق بأمِّك.

٦ - أخرج الحافظ الطبري في كتاب الولاية باسناده عن عليّعليه‌السلام إنَّه قال:لا يحبّني ثلاثة:ولد الزنا. ومنافق. ورجل حملت به اُمّه في بعض حيضها.

٧ - أخرج الحافظ الدارقطني وشيخ الاسلام الحمّويي في فرائده باسنادهما عن أنس مرفوعاً قال:إذا كان يوم القيامة نُصب لي منبر ثمَّ ينادي مناد من بطنان العرش:أين محمَّد ! فاُجيب:فيقال لي:ارق. فأكون أعلاه ثمَّ ينادي الثانية:أين عليّ ! فيكون دوني بمرقاة

____________________

١ - باره يبوره بوراً:جربه واختبره.

٢ - أسنى المطالب للحفاظ الجزري ص ٨، شرح ابن أبي الحديد ١ ص ٣٧٣، وهناك تصحيف

٣ - أسنى المطالب ص ٨، نهاية ابن الاثير ١ ص ١١٨، الغريبين للهروى وفي لفظه:نسبر مكان نبور، لسان العرب ٥ ص ١٥٤، تاج العروس ٣ ص ٦١.


فيعلم جميع الخلايق انَّ محمَّداً سيد المرسلين وانَّ عليّاً سيِّد المؤمنين(١) :قال أنس:فقام إليه رجلٌ فقال:يا رسول الله:من يبغض عليّاً بعدُ ؟! فقال:يا أخا الأنصار لا يبغضه من قريش إلّا سفحيّ، ولا من الأنصار إلا يهوديّ، ولا من العرب إلّا دعيّ، ولا من ساير الناس إلّا شقيّ.

هذا الحديث ضعَّفه السيوطي لمكان إسماعيل بن موسى الفزاري في سنده. وقد ذكره إبن حبّان في الثقات وقال مطين:كان صدوقاً. وقال النسائي:لا بأس به. وعن أبي داود:انَّه صدوق في الحديث روى عنه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد، وأبو داود والترمذي، وابن ماجة، وابن خزيمة، والساجي، وأبو يعلى وغيرهم. ولم يذكر غمزٌ فيه عن أحد من هؤلاء الأعلام، نعم:ذنبه الوحيد انَّه شيعيُّ علويُّ المذهب.

٨ - عن أبي بكر الصدّيق قال:رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خيِّم خيمة وهو متَّكئُ على قوس عربيَّة وفي الخيمة عليُّ وفاطمة والحسن والحسين فقال:معشر المسلمين ! أنا سلمٌ لمن سالمَ أهل الخيمة، حربٌ لمن حاربهم، وليُّ لمن والاهم، لا يحبّهم إلّا سعيد الجدِّ طيِّب المولد، ولا يبغضهم إلا شقيُّ الجد ردئ المولد(٢)

٩ - عن أبي مريم الأنصاري عن عليٍّعليه‌السلام قال:لا يحبّني كافر ولا ولد زنا(٣)

١٠ - أخرج إبن عدي والبيهقي وأبو الشيخ والديلمي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إنَّه قال:مَن لم يعرف عترتي والأنصار والعرب فهوَ لإحدى الثلاث:إمّا منافق. و إما ولد زانية. وإمّا امرؤ حملت به امّه في غيرُ طهر(٤) .

١١ - روى المسعودي في ( مروج الذهب ) ج ٢ ص ٥١ عن كتاب الأخبار لأبي الحسن عليّ بن محمَّد بن سليمان النوفلي باسناده عن العبّاس بن عبد المطلب قال:كنت عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا أقبل عليّ بن أبي طالب فلمّا رآه أسفر في وجهه فقلت:يا رسول الله ! إنَّك لتسفر في وجه هذا الغلام. فقال:يا عمّ رسول الله واللهَ لله أشدُّ حبّاً له منّي، ولم يكن نبيُّ إلّا وذريَّته الباقية بعده من صلبه وإن ذريَّتي بعدي

____________________

١ - في لفظ الحموي، الوصيين.

٢ - الرياض النضر، للحافظ محب الدين الطبري ٢ ص ١٨٩.

٣ - شرح ابن ابي الحديد ج ١ ص ٣٧٣.

٤ - الصواعق لابن حجر ص ١٠٣، ١٣٩، ألفصول المهمة ١١، الشرف المؤبد ص ١٠٣ وليس فيه كلمة: والعرب.


من صلب هذا، إنَّه إذا كان يوم القيامة دُعى الناس بأسمائهم وأسماء اُمهّاتهم إلّا هذا وشيعته فانَّهم يُدعون بأسمائهم وأسماء آبائهم لصحَّة ولادتهم.

١٢ - عن إبن عبّاس قال قال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه:رأيت النبيَّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عند الصَّفا وهو مقبلٌ على شخص في صورة الفيل وهو يلعنه فقلت:ومَن هذا الذي يلعنه رسول الله ؟! قال:هذا الشيطان الرَّجيم. فقلت:والله يا عدوَّ الله لأقتلنَّك ولاُريحنَّ الاُمَّة منك. قال:والله ما هذا جزائي منك. قلت:وما جزاؤك منّي يا عدوَّ الله ؟! قال:والله ما أبغضك أحدٌ قطُّ إلّا شركت أباه في رحم اُمِّه.

أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه ٢ ص ٢٩٠، والكنجي في ( الكفاية ) ص ٢١ عن أربع من مشايخه.

روى شيخ الإسلام الحمّويي في فرايده في الباب الثاني والعشرين من طريق أبي الحسن الواحدي بإسناده، والزرندي في (نظم درر السمطين ) عن الرّبيع بن سلمان قال:قيل للشافعي:إنَّ قوماً لا يصبرون على سماع فضيلة لأهل البيت فإذا أراد أحدٌ يذكرها يقولون:هذا رافضيٌّ قال:فأنشأ الشافعيُّ يقول:

إذا في مجلس ذكروا عليّاً

وسبطيه وفاطمة الزكيَّه

فأجرى بعضهم ذكرى سواهم

فأيقن انَّه لسلقلقيَّه

إذا ذكروا عليّاً أو بنيه

تشاغل الرِّوايات الدنيَّه

وقال:تجاوزا يا قوم ! هذا

فهذا من حديث الرافضيَّه

برئتُ إلى المهيمن من اُناس

يرون الرفض حبَّ الفاطمَّيه

على آل الرَّسول صلاة ربّي

ولعنته لتلك الجاهليَّه

وقد نظم هذه الإثارة كثيرٌ من الشعراء قديماً وحديثاً يضيق المجال بذكر شعرهم ومنه قول الصّاحب ابن عباد:

بحبِّ عليّ تزول الشكوك

وتصفو النفوس ويزكو النجارُ

فمهما رأيتَ محبّاً له

فثَمَّ العلاء وثَمّ الفخارُ

ومهما رأيتَ بغيضاً له

ففي أصله نسبٌ مستعارُ

فمهّد على نُصبه عذره

فحيطان دار أبيه قصارُ


وقال أيضاً:

حبُّ عليّ بن أبي طالب

فرضٌ على الشاهد والغائبِ

واُّم من نابذه عاهرٌ

تبذل للنازل والراكبِ

وقال ابن مدلل:

ولقد روينا في حديث مسند

عمّا رواه حذيفة بن يمانِ

إني سألت المرتضى لِمَ لم يكن

عقد الولاء يصيب كلِّ جنانِ ؟!

فأجابني بإجابة طابت لها

نفسي وأطربني لها استحساني

:الله فضَّلني وميَّز شيعتي

من نسل أرجاس البعول زوانِ

وروايةٌ اُخرى إذا حُشر الورى

يوم المعاد رويت عن سلمانِ

:للناصبين يقال:يا بن فلانة

ويقال:للشيعيّ:يا بن فلانِ

كتموا أبا هذا لخبث ولادةٍ

ولطيب ذا يُدعى بلا كتمانِ


ألقرن السّادس

٤٥

ابن منير الطرابلس ى

ولد ٤٣٧

توفّي ٥٤٨

عذَّبتَ طرفي بالسهرْ

وأذبتَ قلبي بالفكر

ومزجتَ صفو مودَّتي

من بَعدُ بعدك بالكدر

ومنحتَ جثماني الضنى

وكحلتَ جفني بالسهرْ

وجفوتَ صبّاً ما له

عن حسن وجهك مصطبرْ

يا قلبِ:ويحك كم تخاد

ع بالغرور ؟! وكم تُغرْ ؟!

وإلى م تكلف بالأغنّ

من الظباء وبالأغرْ ؟!

لئن الشَّريف الموسوي

إبن الشريف أبي مضرْ

أبدى الجحود ولم يردّ

إليَّ مملوكي تَتَرْ

واليتُ آل اُميَّة الطهر

الميامين الغررْ

وجحدتُ بيعة ( حيدر )

وعدلت عنه إلى عمرْ

واُكذِّب الرّاوي وأطعن

في ظهور المنتظرْ

وإذا رووا خبر ( الغدير )

أقول:ما صحَّ الخبرْ

ولبست فيه من الملابس

ما اضمحلَّ وما دثرْ

وإذا جرى ذكر الصحابة

بين قومٍ واشتهرْ

قلت:المقدَّم شيخ تيم

ثمَّ صاحبه عمرْ

ما سلَّ قطّ ظبا على

آل النبيِّ و لا شهرْ

كلّا ولا صدَّ البتول

عن التراث ولا زجرْ

وأقول:إنَّ يزيد ما

شرب الخمور ولا فجرْ


ولجيشه - بالكفِّ عن

إبناء فاطمة - أمرْ

والشِّمر ما قتل الحسين

ولا إبن سعد ما غدرْ

وحلقتُ في عشر المحرَّم

ما استطال من الشعرْ

ونويتُ صوم نهاره

وصيام أيّام اُخرْ

ولبستُ فيه أجلّ ثوب

للمواسم يُدَّخرْ

وسهرتُ في طبخ الحبوب

من العشاء إلى السّحرْ

وغدوتُ مكتحلاً اُصا

فح من لقيت من البشرْ

ووقفتُ في وسط الطر

يق أقصُّ شارب من عبرْ

وأكلت جرجير البقول

بلحم جرّي الحفرْ

وجعلتها خير المآكلّ

والفواكه والخضرْ

وغسلتُ رجلي حاضراً

ومسحتُ خفّي في السفرْ

آمين أجهر في الصلاة

بها كمن قبلي جهرْ

وأسنّ تسنيم القبور

لكلِّ قبر يُحتفرْ

وأقول في يوم تحار

له البصيرة والبصرْ

والصحف يُنشر طيّها

والنار تُرمى بالشَّررْ

:هذا الشريف أضلّني

بعد الهداية و النظرْ

فيقال:خذ بيد الشريف

فمستقرّ كما سقرْ

لوّاحةٌ تسطو فما

تبقي عليه وما تذرْ

والله يغفر للمسيئ

إذا تنصَّل واعتذرْ

إلّا لمن جحد الوصيَّ

ولاءه و لمن كفرْ

فاخش الإ~له بسوء فعلك

واحتذر كلِّ الحذرْ

( ما يتبع الشعر )

هذه القصيدة المعروفة ب‍ [ التَتَريَّة ] ذكرها بطولها ١٠٦ بيتاً إبن حجَّة الحموي في ( ثمرات الأوراق ) ٢ ص ٤٤ - ٤٨، وذكر منها في كتابه [ خزانة الأدب ] ٦٨ بيتاً، وتوجد برمّتها في تذكرة إبن العراق، ومجالس المؤمنين ص ٤٥٧، نقلاً عن التذكرة،


و ( أنوار الرَّبيع ) للسيِّد علي خان ص ٣٥٩، وكشكول شيخنا البحراني صاحب الحدائق ص ٨٠، ونامه دانشوران ١ ص ٣٨٥، وتزيين الأسواق للأنطاكي ص ١٧٤، ونسمة السحر فيمن تشيَّع وشعر، وذكر الشيخ الحرّ العاملي في أمل الآمل منها تسعة عشر بيتاً.

أرسل إبن منير إلى الشريف المرتضى الموسوي(١) بهديّة مع عبدٍ أسود له فكتب إليه الشريف:أمَّا بعد فلو علمت عدداً أقلّ من الواحد أو لوناً شرّاً من السواد بعثت به إلينا والسَّلام. فحلف إبن منير أن لا يرسل إلى الشريف هديَّة إلّا مع أعزِّ الناس عليه فجهَّز هدايا نفيسة مع مملوك له يسمّى [ تَتَر ] وكان يهواه جدّاً ويحبّه كثيراً ولا يرضى بفراقه حتّى أنَّه متى اشتدَّ غمّه أو عرضت عليه محنةٌ نظر إليه فيزول ما به، فلمّا وصل المملوك إلى الشريف توهَّم انَّه من جملة هداياه تعويضاً من العبد الأسود فأمسكه وعزَّت الحالة على إبن منير فلم ير حيلةً في خلاص مملوكه من يد الشريف إلّا إظهار النزوع عن التشيّع إن لم يرجِّعه إليه وإنكار ما هو المتسالم عليه من قصَّة الغدير وغيرها، فكتب إليه بهذه القصيدة، فلمّا وصلت إلى الشريف تبسَّم ضاحكاً وقال:قد أبطأنا عليه فهو معذورٌ، ثمَّ جهَّز المملوك مع هدايا نفيسة، فمدحه إبن منير بقوله:

إلى المرتضى حثَّ المطيُّ فإنَّه

إمامٌ على كلِّ البريَّة قد سما

ترى الناس أرضاً في الفضايل عنده

ونجل الزكيِّ الهاشميِّ هو السّما

وقد خمَّس [ التتريَّة ] ألعلّامة الشيخ إبراهيم يحيى العاملي(٢) وهو بتمامه مع القصيدة مذكورٌ في مجموعة شيخنا العلّامة الشيخ علي آل كاشف الغطاء، وفي الجزء الأوَّل من ( سمير الحاضر ومتاع المسافر ) له، وفي ( المجموع الرائق ) ص ٧٢٧ لزميلنا العلّامة السيِّد محمّد صادق آل بحر العلوم أوَّله:

أفدي حبيباً كالقمرْ

ناديته لمّا سفرْ

____________________

١ - كان نقيب الاشراف بالعراق والشام وغالب الممالك ورئيس أهل هذا المذهب وغيرهم وكان بينه وبين مهذب الدين مودة ( تزيين الاسواق ص ١٧٤ ) ومهذب الدين هو أبو الحسن علي بن أبي الوفاء الموصلي الشاعر المقدم توفي سنة ٥٤٣.

٢ - أحد شعراء الغدير في القرن الرابع عشر تأتي هناك ترجمته.


يا صاحب الوجه الأغرْ

عذَّبت طرفي بالسهرْ

وأذبت قلبي بالفكرْ

أبلى صدودك جدَّتي

وتركتني في شدَّتي

وأطلت فيها مدَّتي

ومزجت صفو مودَّتي

من بَعدُ بعدك بالكدرْ

ولهذه القصيدة أشباهُ ونظائر في معناها سابقة ولاحقة، منها:

١ - مدح الخالديّان أبو عثمان سعيد بن هاشم وأخوه أبو بكر محمَّد [ من شعراء اليتيمة ] الشريف الزبيدي أبا الحسن محمَّد بن عمر الحسيني فابطأ عليهما بالجائزة وأراد السفر فدخلا عليه وأنشداه:

قال للشريف المستجار به

إذا عدم المطرْ

وإبن الأئمَّة من قريش

والميامين الغررْ

:أقسمت بالرَّحمن و

النعم المضاعف والوترْ

لَإن الشَّريف مضى ولم

ينعم لعبديه النظرْ

لنشاركنَّ بني اُميَّة

في الضَّلال المشتهرْ

ونقول:لم يغصب أبو

بكر و لم يظلم عمرْ

ونرى معاوية إماماً

مَن يخالفه كفرْ

ونقول:إنَّ يزيد

ما قتل الحسين ولا أمرْ

ونعدُّ طلحة والزبير

من الميامين الغررْ

ويكون في عنق الشريف

دخول عبديه سقرْ

فضحك الشريف لهما وأنجز جائزتهما.

٢ - حبس الشريف الحسن بن زيد الشهيد وزيره لتقصيره فكتب إلى الشَّريف بقوله:

أشكو إلى الله ما لقيتُ

أحببت قوماً بهم بليتُ

لأشتم الصّالحين جهراً

ولا تشيّعت ما بقيتُ

أمسح خفّي ببطن كفّي

ولو على جيفةٍ وطيتُ

٣ - كتب أبو الحسن الجزّار المصري [ الآتي ترجمته ] إلى الشريف شهاب


الدين ناظر الأهراء ليلة عاشوراء عندما أخَّر عنه إنجاز موعده بقوله:

قل لشهاب الدين ذي الفضل الندي

والسيِّد إبن السيِّد ابن السيِّدِ

:اقسم بالفرد العليِّ الصَّمدِ

إن لم يبادر لنجاز موعدي

لأحضرنَّ للهناء في غدِ

مكحَّل العينين مخضوب اليدِ

والإثم في عنق الشريف الأمجدِ

لأنَّني جننت في التردّدِ

حتّى نصبت وكسرت عددي

في شهر حزني وجزمت لددي

٤ - كتب القاضي جمال الدين عليّ بن محمّد العنسي إلى شريف عصره قوله:

بالبيت اُقسم أو بأهل

البيت سادات البشرْ

وبصولة المولى الذي

تاهت به عليا مضرْ

إن طال غصب مطهَّر

عمد الدراري واستمر

لاُقلّدنَّ أبا حنيفة

صاحب الرأي الأغرْ

ولأسمعنَّ له وإن

حلَّ النبيذ المعتصرْ

حبّاً لقوم أنزلوا

بمطهَّر أقوى ضررْ

أعني بهم إبناء خا

قان الميامين الغررْ

ولأتركنَّ الترك تر

فل من مديحي في حبرْ

ولأنظمنَّ شوارداً

فيهم تحار لها الكفرْ

وأسوقها زمراً إلى

زمر وتتلوها زمرْ

ولأبكينَّ على الوزير

بكلِّ معنى مبتكرْ

أعني به حسناً وإن

فعل القبيح فمغتفرْ

وأقول:إنَّ سنانهم

سيف نضته يد القدَرْ

ما جار قطُّ ولا أرا

ق دماً وبالتقوى أمرْ

وإذا جرى ذكر الخمور

ومن حساها واعتصرْ

نزَّهتهم عنها سوا

لام المفنِّد أو عذرْ

أستغفر الله العظيم

سوى النبيذ إذا حضرْ

فالرأي رأيهم السديد

وقد رووا فيه خبرْ


ولأ مقتنَّ على بكير

في العشايا والبُكرْ

أقضي بتربته الفروض

ومن زيارته الوطرْ

ولأملأنَّ على العوام

مسائلاً فيها غررْ

نقضي بتطويل الشوا

رب عند تقصير الشعرْ

ولأرخينّ من العمائم

ما تكوَّر واعتصرْ

ولأرفعنَّ إلى الصَّلاة

يدي وأرويها أثرْ

[ وأقول في يوم تحا

رله البصائر والبصرْ ]

[ والصحف تنشر طيّها

والنار ترمي بالشررْ ]

[:هذا الشريف أضلّني

بعد الهداية والنظرْ ](١)

٥ - كتب في هذا المعنى أبو الفتح سبط إبن التعاويذي إلى نقيب الكوفة الشريف محمَّد بن مختار العلوي يعاتبه على عدم الوفاء بما كان وعده به بقصيدة تأتي في ترجمة أبي الفتح أوَّلها:

يا سميَّ النبيِّ يا بن عليٍّ

قامع الشرك والبتول الطهورِ

( ألشاعر )

أبو الحسين مهذَّب الدين أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح الطرابلسي(٢) الشامي نازل درب الخابوري على باب الجامع الكبير الشمالي عين الزمان الشهير بالرفا، أحد أئمَّة الأدب، وفي الطبقة العليا من صاغة القريض، وقد أكثر وأجاد وله في أئمَّة أهل البيتعليه‌السلام عقودٌ عسجديَّة أبقت له الذكر الخالد والفخر الطريف والتالد، و قد أتقن اللغة والعلوم والأدبية كلّها، أنجبت به الطرابلس فكان زهرة رياضها، و ورواء أرباضها، ثمَّ هبط دمشق فكان شاعرها المفلق، وأديبها المدره، فنشر في عاصمة الأمويِّين فضايل العترة الطاهرة بجمان نظمه الرايق، وطفق يتذمِّر على من ناواهم أو زواهم عن حقوقهم محقِّقاً فيه مذهبه الحق، فبهظ ذلك المتحايدين عن أهل البيت عليهم السَّلام فوجّهوا إليه القذائف والطامّات، وسلقوه بألسنة حداد فمن

____________________

١ - الابيات الثلاثة الاخيرة من قصيدة ابن منير.

٢ - طرابلس:بلدة على ساحل الشام مما يلي دمشق.


قائل:إنَّه كان خبيث اللسان، وآخر يعزو إليه التحامل على الصحابة، ومن ناسبٍ إليه الرَّفض، ومن مفتعلٍ عليه رؤيا هائلة، لكن فضله الظاهر لم يدع لهم مُلتحداً عن إطرائه وإكبار موقفه في الأدب بالرَّغم من كلِّ تلكم الهلجات، وجمع شعره بين الرِّقَّة والقوَّة والجزالة، وازدهى بالسلاسة والإنسجام، وقبل أيِّ مأثرة من مآثره انَّه كان أحد حفّاظ القرآن الكريم كما ذكره إبن عساكرِ وإبن خلكان وصاحب [ شذرات الذهب ].

قال ابن عساكر في تاريخه ج ٢ ص ٩٧:حفظ القرآن، وتعلّم اللغة والأدب، و قال الشعر، وقدم دمشق فسكنها، كان رافضيّاً خبيثاً يعتقد مذهب الإماميَّة، وكان هجّاءً خبيث اللسان يكثر الفحش في شعره، ويستعمل فيه الألفاظ العاميَّة، فلمّا كثر الهجو منه سجنه بوري بن طغتكين أمير دمشق في السِّجن مدَّة وعزم على قطع لسانه فاستوهبه يوسف بن فيروز الحاجب فوهبه له وأمر بنفيه من دمشق، فلمّا ولي ابنه إسماعيل بن بوري عاد إلى دمشق ثمَّ تغيَّر عليه إسماعيل لشيء بلغه عنه فطلبه وأراد صلبه فهرب واختفى في مسجد الوزير أيّاماً ثمَّ خرج من دمشق ولحق بالبلاد الشمالية ينقل من حماة(١) إلى شيزر وإلى حلب ثمَّ قدم دمشق آخر قدمة في صحبة الملك العادل لمّا حاصر دمشق الحصر الثاني، فلمّا استقرَّ الصلح دخل البلد ورجع مع العسكر إلى حلب فمات بها، لقد رأيته غير مرَّة ولم أسمع منه، فأنشدني والأمير أبو الفضل إسماعيل ابن الأمير أبي العساكر سلطان بن منقد قال:أنشدني ابن منير لنفسه:

أخلى فصدَّ عن الحميم وما اختلى

ورأى الحمام يغصّه فتوسَّلا

ما كان واديه بأوَّل مرتع

ودعت طلاوته طلاه فاجفلا

وإذا الكريم رأى الخمول نزيله

في منزل فالحزم أن يترحَّلا

كالبدر لمّا أن تضاءل نوره

طلب الكمال فحازه متنقّلا

ساهمت عيسك مرّ عيشك قا

عداً أفلا فليت بهنَّ ناصية الفلا ؟!

فارِق ترق كالسّيفُ سلّ فبان في

متنيه ما أخفى القراب وأخملا

____________________

١ - بلدة شهيرة بينها وبين شيزر نصف يوم، وبينها وبين دمشق خمسة أيام للقوافل، و بينها وبين الحلب أربعة أيام.


لا تحسبنَّ ذهاب نفسك ميتة

ما الموت إلّا أن تعيش مذلَّلا(١)

للقفر لا للفقر هبها إنَّما

مغناك ما أغناك أن تتوسّلا

لا ترض من دنياك ما أدناك من

دنسٍ وكن طيفاً جلا ثمَّ انجلى

وصِل الهجير بهجر قوم ٍكلّما

أمطرتهم عسلاً جنوا لك حنظلا

مِن غادرٍ خبثت مغارس ودِّه

فإذا محضت له الوفاء تأوَّلا

أوَ حلف دهر كيف مال بوجهه

أمسى كذلكُ مدبراً أو مُقبلا

لِلَّه علمي بالزَّمان وأهله

ذنب الفضيلة عندهم أن تكملا

طُبعوا على لؤم الطباع فخيرهم

إن قلتَ قال وإن سكتَّ تقوّلا

وفي غير هذه الرِّواية زيادة وهي:

أنا مَن إذا ما الدَّهر همَّ بخفضه

سامته همَّته السَّماك الأعزلا

واعٍ خطاب الخطب وهو مجمجمٌ

راعٍ أكول العيس من عدم الكلا

زعمٌ كمنبلج الصَّباح وراءه

عزم كحدِّ السيف صادف مقتلا

قال الأميني:والشاعر يصف في نظمه هذا مناوئيه من اهل زمانه الذين نبزوه بالسفاسف ورموه بالقذائف ممَّن أوعزنا إليهم في الترجمة وكلّ هجوه من هذا القبيل ولذلك كان يثقل على مهملجة الضغائن والإحن.

وقال إبن عساكر:وانشد ايضاً له:

عدمتُ دهراً ولدتُ فيه

كم أشرب المرَّ من بنيه

ما تعتريني الهموم إلّا

من صاحب كنتُ أصطفيه

فهل صديقٌ يباع ؟! حتّى

بمهجتي كنت أشتريه

يكون في قلبه مثالٌ

يشبه ما صاغ ليَّ فيه

وكم صديقٍ رغبتُ عنه

قد عشتُ حتّى رغبت فيه

وقال الأمير أبو الفضل:عمل والدي طستاً من فضَّة فعمل إبن منير أبياتاً كتبت عليه من جملتها:

يا صنو مائدة لأكرم مطعم

مأهولة الأرجاء بالأضيافِ

____________________

١ - هذا البيت وبيت واحد بعده ذكرهما ابن خلكان في تاريخه ج ١ ص ٥١.


جمعت أياديه إليَّ أيادي الـ

آلاف بعد البذل للآلافِ

ومن العجائب راحتي من راحة

معروفة المعروف بالاتلافِ

ومن محاسن شعره ألقصيدة التي أوَّلها:

من ركب البدر في صدر الردينيِّ

وموَّه السحر في حدِّ اليمانيِّ

وأنزل النيِّر الأعلى إلى فلك

مداره في القباء الخسروانيِّ

طرفٌ رنا أم قرابٌ سلّ صارمه ؟!

وأغيدٌ ماس أم أعطاف خطيِّ؟!

أذلَّني بعد عزٍّ والهوى أبداً

يستعبد الليث للظبي الكناسيِّ

وذكر منها إبن خلكان ايضاً:

أما وذائب مسك من ذوائبه

على أعالي القضيب الخيزرانيِّ

وما يجنّ عقيقيّ الشفاه من الريـ

ـق الرحيقيِّ والثغر الجمانيِّ

لو قيل للبدر:من في الأرض تحسده

إذا تحلّى ؟ لقال:ابن الفلانيِّ

أربى عليَّ بشتَّى من محاسنه

تألَّفت بين مسموعٍ ومرئيِّ

إباء فارس في لين الشآم مع الـ

ـظرف العراقيِّ والنطق الحجازيِّ

وما المدامة بالألباب أفتك من

فصاحة البدو في ألفاظ تركيِّ

ويوجد تمام القصيدة ٢٧ بيتاً في ( نهاية الإرب ) ج ٢ ص ٢٣، وتاريخ حلب ج ٤ ص ٢٣٤:وذكر إبن خلكان له ايضاً:

أنكرت مقلته سفك دمي

وعلى وجنته فاعترفتْ

لا تخالوا خاله في خدِّه

قطرةٌ من دم جفني نقطتْ

ذاك من نار فؤادي جذوةٌ

فيه ساخت وانطفت ثمَّ طفتْ

وكان بين المترجم وابن القيسراني(١) مهاجاة واتَّفق انَّ أتابك عماد الدين زنكي صاحب الشام غنّاه مغنّ على قلعة جعبر وهو يحاصرها قول المترجم:

ويلي من المعرض الغضبان إذ

نقل الواشي إليه حديثاً كلّه زورُ

سلّمت فازورَّ يزوي قوس حاجبه

كأنَّني كأس خمرٍ وهو مخمورُ

فاستحسنها زنكي وقال:لمن هذه ؟ فقيل:لابن منير وهو بحلب فكتب إلى

____________________

١ - شرف الدين أبو عبد الله محمد بن نصر الخالدي الحلبي الشاعر الفذ المتوفّى بدمشق ٥٤٨.


والي حلب يسيِّره إليه سريعاً فسيَّره فليلة وصل إبن منير قُتل أتابك زنكي فعاد إبن منير صحبة العسكر إلى حلب فلمّا دخل قال له إبن القيسراني:هذه بجميع ما كنت تبكتني به.

كان شاعرنا المترجم عند اُمراء بني منقذ بقلعة شيزر وكانوا مقبلين عليه وكان بدمشق شاعرٌ يقال له:أبو الوحش وكانت فيه دعابة وبينه وبين أبي الحكم عبيد الله(١) مُداعبات فسأل منه كتاباً إلى إبن منير بالوصيَّة عليه فكتب أبو الحكم:

أبا الحسين اسمع مقال فتى

عوجل فيما يقول فارتجلا

:هذا أبو الوحش جاء ممتدحاً

للقوم فاهنأ به إذا وصلا

واتل عليهم بحسن شرحك ما

أنقله من حديثه جملا

وخبِّر القوم انَّه رجلٌ

ما أبصر الناس مثله رجلا

ومنها:

وهو على خفّةٍ به أبدا

معترفٌ انَّه من الثقلا

يمتُّ بالثلب والرقاعة والسـ

ـخف وأمّا بغير ذاك فلا

إن أنت فاتحته لتخبر ما

يصدر عنه فتحت منه خلا

فنبِّه إن حلَّ خطَّة الخسف

والهون ورحِّب به إذا رحلا

وأسقه السمَّ إن ظفرتَ به

وامزج له من لسانك العسلا(٢)

وذكر النويري له في ( نهاية الإرب ) ج ٢:

لاح لنا عاطلاً فصيغ له

مناطقٌ من مراشق المقلِ

حياة روحي وفي لواحظه

حتفي بين النشاط والكسلِ

ما خاله من فتيت عنبرُ صد

غيه ولا قطر صبغة الكحلِ

لكن سويداء قلب عاشقه

طفت على نار وردة الخجلِ

____________________

١ - هو أبو الحكم عبيد الله بن المظفر المغربي الشاعر المتضلع في الادب والطب والهندسة له أشياء مستملحة منها مقصورة هزلية ضاهى بها مقصورة ابن دريد ولد باليمن سنة ٤٨٦ وتوفي بدمشق سنة ٥٤٩. توجد ترجمته في تاريخ ابن خلكان ١ ص ٢٩٥، ونفح الطيب ١ ص ٣٨٥ وغيرهما.

٢ - نفح الطيب ج ١ ص ٣٨٥.


وله في النهاية ايضاً:

كأنَّ خدَّيه ديناران قد وُزنا

وحرَّر الصيرفيّ الوزن واحتاطا

فخفّ إحداهما عن وزن صاحبه

فحطَّ فوق الذي قد خفَّ قيراطا

وله في ( بدايع البداية ) ج ١ ص ٤٤ في صبيٍّ صبيح سرّاج يُسمّى يوسف قوله:

يا سميَّ المتاح في ظلمة الجـ

ـبّ لمن ساقه القضاء إليها

والذي قطَّع النساء له الأيـ

ـدي ومكَّنَّ حبله من يديها

لك وجه مياسم الحسن فيه

صكّة تطبع البدور عليها

كتب إبن منير للقاضي أبي الفضل هبة الله المتوفّى ٥٦٢ يلتمس منه كتاب [ الوساطة بين المتنبيَّ وخصومه ] تأليف القاضي عليّ بن عبد العزيز الجرجاني وكان قد وعده بها:

يا حائزاً غايَ كلِّ فضيلة

تضلُّ في كنهه الإحاطة

ومن ترقّى إلى محلٍّ

أحكم فوق السّهى مناطه

إلى متى أسعط التمنّي ؟

ولا ترى المنَّ بالوساطه

وُلد المترجم [ إبن منير ] سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة بطرابلس، وتوفّي في جمادى الآخر سنة ثمان وأربعين وخمسمائة [عند جلِّ المؤرِّخين ] بحلب ودفن في جبل جوشن(١) بقرب المشهد الذي هناك، قال إبن خلكان:زرت قبره ورأيت عليه مكتوباً:

من زار قبري فليكن موقناً

أنَّ الذي ألقاه يلقاهُ

فيرحم الله امرءاً زارني

وقال لي يرحمك اللهُ

ثمَّ وجدت في ديوان أبي الحكم عبيد الله أنَّ إبن منير توفّي بدمشق في سنة سبع وأربعين ورثاه بأبيات على أنَّه مات بدمشق وهي هزليَّة على عادته ومنها:

____________________

١ - جوشن جبل في غربي حلب ومنه كان يحمل النحاس الاحمر وهو معدنه ويقال:أنه بطل منذ عبر سبى الحسين بن علي رضي الله عنه ونساؤه وكانت زوجة الحسين حاملا فأسقطت هناك فطلبت من الصناع في ذلك الجبل خبزاً أو ماء فشتموها ومنعوها فدعت عليهم فمن الآن من عمل فيه لا يربح، وفي قبلى الجبل مشهد يعرف بمشهد السقط ويسمى مشهد الدكة والسقط يسمى محسن بن الحسين رضي الله عنه ( معجم البلدان ٣ ص ١٧٣).

_٢١_


أتوا به فوق أعواد تسيِّره

وغسّلوه بشطّي نهر قلّوطِ

وأثخنوا الماء في قِدر مرصَّعةٍ

واشعلوا تحته عيدان بلّوطِ

وعلى هذا التقدير فيحتاج إلى الجمع بين هذين الكلامين فعساه أن يكون قد مات في دمشق ثم نقل إلى حلب فدفن بها.ا ه.

وأما أبو المترجم ( المنير ) فكان شاعراً كجدِّه ( المفلح ) كما في ( نسمة السحر ) وكان منشداً الشعر العوني، ينشد قصائده في أسواق طرابلس كما ذكر إبن عساكر في تاريخ الشام ج ٢ ص ٩٧، وبما أنَّ العوني من شعراء أهل البيت عليهم السَّلام ولم يؤثر عنه شيءٌ في غيرهم، وكان منشده الشيعيّ هذا يهتف بها في أسواق طرابلس وفيها أخلاطٌ من الاُمم والأقوام كانوا يستثقلون نشر تلكم المآثر بملأٍ من الأشهاد، وبالرغم من غيظهم الثائر في صدورهم لذلك ما كان يسعهم مجابهته والمكاشفة معه على منعه لمكان من يجنح إلى العترة الطاهرة هنالك فعملوا بالميسور من الوقيعة فيه من انَّه كان يغنّي بها في الأسواق كما وقع في لفظ إبن عساكر وقال:كان منشدا ينشد أشعار العوني في أسواق طرابلس ويغني.

وأسقط إبن خلكان ذكر العوني وإنشاد المنير لشعره فاكتفى بأنَّه كانُ يغنّي في الأسواق - زيادة منه في الوقيعة وعلما بأنَّه لو جاء بذكر العوني وشعره لعرف المنقِّبون بعده مغزى كلامه كما عرفناه، وعلم أنَّ ذلك الشعر لا يُغنّي به بلُ تقرَّط به الآذان لإحياء روح الإيمان وإرحاض معرَّة الباطل.

توجد ترجمة إبن منير في كثير من المعاجم وكتب السير منها:

تاريخ إبن خلكان ج ١ ص ٥١. ألخريدة للعماد الكاتب. الأنساب للسمعاني(١) تاريخ إبن عساكر ٢ ص ٩٧. مرآة الجنان ٣ ص ٢٨٧. تاريخ إبن كثير ١٢ ص ٢٣١. مجالس المؤمنين ص ٤٥٦. أمل الآمل لصاحب الوسائل. شذرات الذهب ٤ ص ١٤٦. نسمة السحر في الجزء الأوَّل. روضات الجنات ص ٧٢. أعلام الزركلي ١ ص ٨١. تاريخ آداب اللغة ٣ ص ٢٠. دائرة المعارف للبستاني ج ١ ص ٧٠٩. تاريخ حلب ٤ ص ٢٣١

____________________

١ - قال:أدركته حياً بالشام وكان قد نزل شيراز في آخر عمره. قال الاميني:شيراز تصحيف ( شيزر ) وهى تشتمل على كورة بالشام قرب المعرة. وقال:توفي في حدود سنة ٥٤٠ وهو كما ترى.


ألقرن السّادس

٤٦

ألقاضي ابن قادوس

ألمتوفّى ٥٥١

يا سيِّد الخلفاء طرّاً

بدوهِم والحضَّرِ

إنْ عظَّموا ساقي الحجيج

فأنتَ ساقي الكوثرِ

أنت الإمام المرتضى

وشفيعنا في المحشرِ

ووليُّ خيرة ( أحمد )

وأبو شبير وشبَّرِ

والحائز القصبات في

يوم ( الغدير ) الأزهرِ

والمطفئ الغوغا بِبـ

ـدرٍ والنّضير وخيبرِ(١)

( ألشاعر )

ألقاضي جلال الدين أبو الفتح محمود بن القاضي إسماعيل بن حميد الشهير بابن قادوس الدمياطي المصري.

أحد عباقرة الأدب، وفذٌّ من صيارفة البيان، مقدَّم في حلبة القريض، كاتب الإنشاء بالديار المصريَّة للعلويِّين، وتصدَّر بالقضاء، جمع بين فضيلتي العلم والأدب فعدَّ من أئمَّة البيان الرايع الذين جعلوا من رسائلهم الخلافيّة والديوانيّة نماذج من الفصاحة الباهرة، تلمَّذ عليه القاضي الفاضل(٢) وكان يسمِّيه ذا البلاغتين (:ألشعر والنثر ) له ديوان شعر في مجلّدين توفِّي بمصر سنة خمسمائة وإحدى وخمسين(٣)

ذكر إبن خلكان في تاريخه ١ ص ٥٤ له في القاضي الرشيد(٤) وكان أسود اللون:

يا شبه لقمان بلا حكمة

سلخت أشعار الورى كلّها

وخاسراً في العلم لا راسخاً

فصرت تُدعى الأسود السالخا

____________________

١ - مناقب ابن شهر اشوب.

٢ - أبو علي عبد الرحيم بن علي البيساقي ثمَّ المصري أحد أئمة البلاغة ولد سنة ٥٢٩ وتوفي ٥٩٦

٣ - تاريخ ابن كثير ١٢ ص ٢٣٥، الحاكم بأمر الله ص ٢٣٤، الاعلام ٣ ص ١٠١١.

٤ - أبو الحسن أحمد بن علي بن ابراهيم بن محمد بن الحسين بن الزبير المصري المقتول سنة ٥٦٣.


حكى الحموي في ( معجم الاُدباء ) ج ٤ ص ٦٠ قال:إجتمع ليلة عند الصالح ابن رزيّك جماعةٌ من الفضلاء فألقى عليهم مسألة في اللغة فلم يجب عنها بالصّواب سوى القاضي الرّشيد فقال:ما سُئلت قطّ في مسألة إلّا وجدُتني أتوقَّد فهما فقال إبن قادوس وكان حاضراً:

إنْ قلتَ:مِنْ نارٍ خلقـ

ـتُ وفُقتُ كلَّ الناس فهماً

قلنا:صدقت فما الذي

أطفاك حتّى صرتً فحما؟

وذكر له إبن كثير في تاريخه فيمن يكرِّر التكبير ويوسوس في نيّة الصَّلاة:

وفاتر النيَّة عنِّينها

مع كثرة الرعدة والهمزةِ

يكبِّر التسعين في مرَّة

كأنَّه صلّى على حمزةِ(١)

وذكر له المقريزي في ( الخطط ) ٢ ص ٢٩٨ في ذكر قلعة الروضة المعروفة بالجزيرة:

أرى سرح الجزيرة من بعيد

كأحداق تغازل في المغازلْ

كأنَّ مجرَّة الجوزا أحاطت

وأثبتت المنازل في المنازلْ

ومن شعره في المذهب كما في مناقب ابن شهر اشوب قوله:

هي بيعة الرضوان أبرمها التّقى

وأنارها النصُّ الجليُّ وألحما

ما اضطرَّ جدّك في أبيك وصيَّة

وهو ابن عمّ أن يكون له انتمى

وكذا الحسين وعن أخيه جازها

وله البنون بغير خلف منهما

وله في الإمام زين العابدينعليه‌السلام :

أنت الإمام الآمر العدل الذي

خبب البراق لجدِّه جبريلُ

ألفاضل الأطراف لمُ يرَ فيهمُ

إلّا إمامٌ طاهرٌ وبتولُ

أنتم خزائن غامضات علومه

وإليكم التحريم والتحليلُ

فعلى الملائك أن تؤدِّي وحيه

وعليكم التبيين والتأويلُ

ذكر سيِّدنا الأمين في ( أعيان الشيعة ) في الجزء السابع عشر ص ٣٣٢ إبن قادوس المصري وقال:ذكرنا في ج ٦ ص ٩٣:أنّا لم نعرف اسمه، وذكرنا في ١٣ ص ٢٠٦:انَّ

____________________

١ - اشارة الى ما ورد في صلاة النبي صلّى الله عليه وآله على حمزة سيد الشهداء يوم أحد من انه عليه ‌السلام كبر فيها سبعين أو اثنين وتسعين تكبيرة.


اسمه محمود بن إسماعيل بن قادوس الدمياطي المصري إعتماداً على ما وجدناه في الطليعة ( للعلّامة السماوي ) من نسبة الشعر الذي في ( المناقب ) إليه، ثمَّ وجدناه في كتاب ( شذرات الذهب ) في حوادث سنة ٦٣٩ ما صورته:وفيها توفي النفيس إبن قادوس القاضي أبو الكرام أسعد بن عبد الغني العدوي. فرجحنا أن يكون هو الذي نسب إليه إبن شهر اشوب الشعر الصريح في تشيّعه وترجمناه في مستدركات هذا الجزء ( ص ٤٦٨ ) وسبب الترجيح وصفه بالقاضي في (المناقب ) والذي كان قاضياً بنصِّ المناقب والشذرات هو أسعد لا محمود ومحمود إنّما كان كاتباً للعلويّين بنصِّ الطليعة لكن يبعده أنَّ صاحب ( المناقب ) مات سنة ٥٨٨ وأسعد مات سنة ٦٣٩ بعده بإحدى وخمسين سنة، غير أنه يمكن نقله عنه لأنَّ أسعد عاش ٩٦ سنة.

قال الأميني:ما ذكره شيخنا صاحب ( الطليعة ) هو الصَّواب. وقد خفي على سيِّدنا الأمين اُمورٌ:ألأوَّل:كون أبي الفتح ابن قادوس المترجم قاضياً وقد ذكره معاصره القاضي الرشيد المقتول ٥٦٣ في كتابه ( جنان الجنان ورياضة الأذهان ) ونقله عنه صاحب تاريخ حلب ج ٤ ص ١٣٣، ووصفه بذلك المقريزي في الخطط ج ٢ ص ٣٠٦ والدكتور عبد اللطيف حمزة في كتابه ( الحركة الفكريَّة في مصر ) ص ٢٧١.

والثاني:أنَّ المعروف بابن قادوس هو محمود شاعرنا لا أسعد فإنَّهُ يعرَفُ بالقاضي النفيس لا بابن قادوس.

والثالث:أنَّ القاضي النفيس لم يُذكر قطُّ بالأدب والشعر في أيّ معجم والذي يُذكر شعره في المعاجم ويعرف بديوانه المجلّدين أبو الفتح إبن قادوس مترجمنا. والله من ورائهم محيط.


ألقرن السّادس

٤٧

ألملك الصالح

ولد ٤٩٥

استشهد ٥٥٦

١

سقى الحمى ومحلّاً كنت أعهدهُ

حيا بحور بصوب المزن أجوده

فإن دنى الغيث واستسقت مرابعه

ربا فدمعي بالتِّسكاب ينحدهُ

ويقول فيها:

يا راكب الغيِّ دع عنك الضَّلال

فهذا الرُّشد بالكوفة الغرّاء مشهدهُ

مَن رُدّت الشمس من بعد المغيب له

فأدرك الفضل والأملاك تشهدهُ

ويوم ( خمّ ) وقد قال النبيُّ له

بين الحضور وشالت عضده يدهُ

:مَن كنت مولى هذا يكون له

مولى أتاني به أمرٌ يؤكّدهُ

مَن كان يخذله فالله يخذله

أو كان يعضده فالله يعضدهُ

والباب لمّا دحاهُ وهو في سغبٍ

من الصِّيام وما يخفى تعبّدهُ

وقلقل الحصن فارتاع اليهود له

وكان أكثرهم عمداً يفنِّدهُ

نادى بأعلى السَّما جبريل ممتدحاً

:هذا الوصيُّ وهذا الطّهر أحمدهُ

وفي الفرات حديثٌ إذ طغى فأتى

كلُّ اِليه لخوف الهلك يقصدهُ

فقال للماء:غض طوعاً فبان لهم

حصباؤه حين وافاهُ يهدِّدهُ(١)

٢

م - وله من قصيدة توجد منها ٥٧ بيتاً يمدح بها أمير المؤمنينعليه‌السلام :

____________________

١ - القصيدة ٣٩ بيتاً يوجد شطر منها في مناقب ابن شهر اشوب، والصراط المستقيم للبياضي، وذكرها برمتها العلامة السيد أحمد العطار في كتابه ( الرائق ).


وفي مواقف لا يُحصى لها عددا

ما كان فيها برعديد ولا نكلِ

كم كربة لأخيه المصطفى فرجت

به وكان رهين الحادث الجللِ ؟!

كم بين من كان قد سنَّ الهروب ومَن

في الحرب إن زالت الأجبال لم يزلِ ؟!

في هل أتى بيَّن الرَّحمن رتبته

في جوده فتمسَّك يا أخي بهلِ

عليُّ قال. اسألوني كي أبين لكم علمـ

ـي وغير عليٍّ ذاك لم يقلِ

بل قال:لستُ بخير إذ وليتكمُ

فقوِّموني فإنيِّ غير معتدلِ

إن كان قد أنكر الحسّاد رتبته

فقد أقرَّ له بالحقِّ كلُّ ولي

وفي ( الغدير ) له الفضل الشهير بما

نصَّ النبيُّ له في مجمعٍ حفلِ

٣

قال من قصيدة ذات ٤٤ بيتاً أوَّلها:

لا تبك للجيرة السّارين في الظعنِ

ولا تعرَّج على الأطلال والدمنِ

فليس بعد مشيب الرأس من غزل

ولا حنين إلى إلف ولا سكنِ

وتُب إلى الله واستشفع بخيرته

من خلقه ذي الأيادي البيض والمننِ

( محمَّدٌ ) خاتم الرُّسل الذي سبقت

به بشارة قسّ وابن ذي يزنِ

يقول فيها:

فاجعله ذخرك في الدارين معتصماً

له وبالمرتضى الهادي أبي الحسنِ

وصيِّه ومواسيه وناصره على

أعاديه من قيسٍ ومن يمنِ

أوصى النبيُّ إليه لا إلى أحدٍ

سواه في ( خمّ ) والأصحاب في علنِ

فقال:هذا وصيّي والخليفة مِن

بعدي وذو العلم بالمفروض والسننِ

قالوا:سمعنا فلمّا أن قضى غدروا

والطهر ( أحمد ) ما واروه في الجبنِ

٤

وله من قصيدة ٢٧ بيتاً:

أنا من شيعة الإمام عليِّ

حرب أعدائه وسلم الوليِّ

أنا من شيعة الإمام الذي ما

مال في عمره لفعلٍ دنيِّ

أنا عبدٌ لصاحب الحوض ساقي

من توالى فيه بكأس رويِّ


أنا عبدٌ لمن أبان لنا المشكل

فارتاض كلّ صعب أبيِّ

والّذي كبّرت ملائكة الله له

عند صرعة العامريِّ

الإمام الذي تخيَّره الله

بلا مرية أخاً لِلنبيَّ

قسماً ما وقاه بالنفس لمّا ب

ـات في الفرش عنه غير عليِّ

ولعمري إذ حلَّ في يوم ( خمّ )

لم يكن موصياً لغير الوصيِّ

٥

وله من قصيدة ذات ٤١ بيتاً مطلعها:

ما كان أوَّل تائهٍ بجماله

بدرٌ منال البدر دون منالهِ

متباينٌ فالعدل من أقواله

ليغرَّنا والجور من أفعالهِ

صرع الفؤاد بسحر طرفٍ فاترٍ

حتّى دنى فأصابه بنبالهِ

متعوِّدٌ لِلرَّمي حاجبه غدا

من قسيه واللحظ بعض نصالهِ

ما بلبل الأصداغ فوق عذاره

إلّا انطوى قلبي على بلبالهِ

يبغي مغالطة العيون بها لكي

يخفى عقاربه مدبّ صلالهِ

ويظلّ من ثقل الضَّلالة تشتكي

ما يستكيه القلب من أغلالهِ

جعل السهاد رقيب عيني في الدجا

كي لا ترى في النوم طيف خيالهِ

وحفظت في يدي اليمين وداده

جهدي وضيَّع مهجتي بشمالهِ

وأباح حسّادي موارد سمعه

وحميت ورد السمع عن عذّالهِ

أغراه تأنيسي له بنفاره عنّى

وإذلالي بفرط دلالهِ

ولربَّما عاتبته فيقول لي:قولي

يكذِّبه بفتح فعالهِ

كمعاشر أخذ النبيّ عهودهم

واستحسنوا الغدر الصراح بآلهِ

خانوه في أمواله وزروا على

أفعاله وعصوه في أقوالهِ

هذا ( أمير المؤمنين ) ولم يكن

في عصره مَن حاز مثل خصالهِ

العلم عند مقاله والجود حـ

ـين نواله والبأس يوم نزالهِ

وأخوه من دون الورى وأمينه

قدماً على المخفيِّ من أحوالهِ

وصّاهمُ بولاية فكأنَّما

وصّاهمُ بخلافه وقتالهِ


واستنقصوا الدين الحنيف بكتمهم

يوم ( الغدير ) وكان يوم كمالهِ ]

أخذنا هذه القصائد من كتاب ( الرائق ) لسيّدنا العلّامة السيِّد أحمد العطّار و قد ذكر فيه شطراً مهمّاً من شعر الملك الصالح في العترة الطاهرة ولعلّه جلّ ما فيهم ].

( ألشاعر )

أبو ألغارات الملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين طلايع بن رزّيك بن الصالح الإرمني(١) أصله من الشيعة الإماميَّة في العراق كما في [ أعلام الزركلي].

هو من أقوام جمع الله سبحانه لهم الدنيا والدين، فحازوا شرف الدارين، وحُبوا بالعلم الناجع والإمرة العادلة، بينا هو فقيهٌ بارعٌ كما في [ خواصِّ العصر الفاطمي ] وأديبٌ شاعرٌ مجيدٌ كما طفحت به المعاجم، فإذا به ذلك الوزير العادل تزدهي القاهرة بحسن سيرته، وتعيش الاُمَّة المصريَّة بلطف شاكلته، وتزدان الدولة الفاطميَّة بأخذه بالتدابير اللازمة في إقامة الدولة وسياسة الرعيَّة ونشر الأمن وإدامة السلام، وكان كما قال الزركلي في [ الأعلام ] وزيراً عصاميّاً يعدُّ من الملوك، ولقّب بالملك الصّالح، ولقد طابق هذا اللفظ معناه كما يُنبئك عنه تاريخه المجيد، فلقد كان صالحاً بعلمه الغزير وأدبه الرايق، صالحاً بعدله الشامل وورعه الموصوف، صالحاً بسياسته المرضيَّة وحسن مداراته مع الرعيَّة، صالحاً بسيبه الهامر ونداه الوافر، صالحاً بكلِّ فضايله وفواضله دينيَّة ودنيويَّة، وقبل هذه كلّها تفانيه في ولاء أئمَّة الدين عليهم السَّلام و نشر مآثرهم ودفاعه عنهم بفمه وقلمه ونظمه ونثره، وكان يجمع الفقهاء ويناظرهم في الإمامة والقدَر، وكان في نصر التشيّع كالسكّة المحماة كما في ( الخطط والشذرات ).

وله كتاب [ الإعتماد(٢) في الردِّ على أهل العناد ] يتضمَّن إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام والكلام على الأحاديث الواردة فيها، وديوانه مجلّدان فيه كلّ فنٍّ من الشعر، وقد شرح سعيد بن مبارك النحوي الكبير المتوفّى سنة ٥٦٩ بيتاً من شعر المترجم في عشرين كرّاساً، وكان الاُدباء يزدلفون إلى دسته كلَّ ليلة ويدوِّنون شعره، و العلماء يَفدون إليه من كلِّ فجٍّ فلا يخيب أمل آمل منهم، وكان يحمل إلى العلويِّين

____________________

١ - بكسر الهمزة وكسر الميم نسبة الى ارمينية على غير قياس وهي اسم لصقع عظيم واسع.

٢ - الاجتهاد:في شذرات الذهب.


في المشاهد المقدَّسة كلَّ سنة أموالاً جزيلةً وللأشراف من أهل الحرمين ما يحتاجون إليه من كسوة وغيرها حتّى ألواح الصِّبيان التي يكتب فيها والأقلام وأدوات الكتابة ووقف ناحية ( المقس )(١) لأن يكون ثلثاها على الأشراف من بني الحسنين السبطين الإمامين عليهما السَّلام، وتسعة قراريط منها على أشراف المدينة النبويَّة المنوَّرة، وجعل قيراطاً على مسجد أمين الدولة، وأوقف بلقس بالقليوبيَّة وبركة الحبش(٢) و جدِّد الجامع بالقرافة الكبرى، وبنى الجامع الذي على باب زُويلة بظاهر القاهرة و يسمّى بجامع الصّالح، ولم يترك غزو الإفرنج مدَّة حياته في البرّ والبحر، فكانت بُعوثه إليهم تترى في كلِّ سنة(٣) ولم يزل له صدر الدست وذرى الفخر ونفوذ الأمر وعرش الملك حتّى اختار الله تعالى له على ذلك كلّه الفوز بالشهادة وقُتل غيلةً في دهليز قصره سنة ٥٥٦ يوم الإثنين ١٩ شهر الصيام ودُفن في القاهرة بدار الوزارة ثمَّ نقله ولده العادل إلى القرافة الكبرى.

كلمات حول المترجم

١ - قال إبن الأثير في الجزء الحادي عشر من تاريخه ( الكامل ) ص ١٠٣:في هذه السنة ( يعني سنة ٥٥٦ ) في شعر رمضان قُتل الملك الصّالح وزير العاضد العلوي صاحب مصر وكان سبب قتله انَّه تحكَّم في الدولة ألتحكّم العظيم واستبدَّ بالأمر والنهي وجباية الأموال إليه لصغر العاضد ولأنَّه هو الذي ولّاه ووتر الناس فإنَّه أخرج كثيراً من أعيانَّهم وفرَّقهم في البلاد ليأمن وثوبهم عليه، ثمَّ انَّه زوَّج ابنته من العاضد فعاداه ايضاً الحرم من القصر فارسلت عمَّة العاضد الأموال إلى الأمراء المصريّين و دعتهم إلى قتله وكان أشدُّهم عليه في ذلك إنسانٌ يُقال له:إبن الدّاعي، فوقفوا له في دهليز القصر فلمّا دخل ضربوه بالسَّكاكين على دهش فجرحوه جراحات مهلكة إلّا انَّه حُمل إلى داره وفيه حياةٌ فأرسل إلى العاضد يُعاتبه على الرِّضا بقتله مع أثره في خلافته فأقسم العاضد انَّه لا يعلم بذلك ولم يرض به فقال:إن كنت بريئاً فسلِّم

____________________

١ - بفتح الميم ثم السكون كان قبل الاسلام يسمى ( ام دنين ).

٢ - قال الحموي:هي أرض في وهدة من الارض واسعة طولها نحو ميل مشرفة على نيل مصر خلف القرافة وقف على الاشراف.

٣ - الخطط ج ٤ ص ٨١ وص ٣٢٤، تحفة الاحباب للسخاوى ص ١٧٦.


عمّتك إلىّ حتّى أنتقم منها فأمر بأخذها فأرسل إليها فأخذها قهراً واحضرت عنده فقتلها ووصّى بالوزارة لابنه رزّيك ولقّب العادل فانتقل الأمر إليه بعد وفاة أبيه، وللصّالح أشعارٌ حسنةٌ بليغةٌ تدلُّ على فضل غزير فمَنها في الإفتخار:

أبى الله إلّا أن يدوم لنا الدّهرُ

ويخدمنا في ملكنا العزُّ والنصرُ

علمنا بأنَّ المال تفنى اُلوفه

ويبقى لنا من بعده الأجر والذكرُ

خلطنا النّدى بالباس حتّى كأنَّنا

سحاب لديه البرق والرعد والقطرُ

قِرانا إذا رحنا إلى الحرب مرَّة

قِراناً ومن أضيافنا الذئب والنَّسرُ

كما أنّنا في السِّلم نبذل جودنا

ويرتع في إنعامنا العبد والحرُّ

وكان الصّالح كريماً فيه أدب وله شعرٌ جيِّد وكان لأهل العلم عنده إتِّفاقٌ، ويرسل إليهم العطاء الكثير، بلغه أنَّ الشيخ أبا محمَّد بن الدّهان النحوي البغدادي المقيم بالموصل قد شرح بيتاً من شعره وهو هذا:

تجنَّب سمعي ما يقول العواذلُ

وأصبح لي شغلٌ من الغز وشاغلُ

فجهَّز إليه هديَّة سنيَّة ليرسلها إليه فقُتل قبل إرسالها، وبلغه ايضاً انَّ إنساناً من أعيان الموصل قد أثنى عليه بمكّة فأرسل إليه كتاباً يشكره ومعه هديِّة، وكان الصالح إماميّاً لم يكن على مذهب العلوييِّن المصريِّين، وَلمّا ولى العاضد الخلافة وركب سمع الصالح ضجَّة عظيمة فقال:ما الخبر ؟ فقيل:إنَّهم يفرحون فقال:كأنّي بهؤلاء الجهلة وهم يقولون:ما مات الأوَّل حتّى استخلف هذا.وما علموا أنَّني كنت من ساعة استعرضهم استعراض الغنم قال عمارة(١) :دخلت على الصالح قبل قتله بثلاثة أيّام فناولني قرطاساً فيه بيتان من شعر وهما:

نحن في غفلةٍ ونومٍ وللمو

ت عيونٌ يقظانةٌ لا تنامُ

قد رحلنا إلى الحِمام سنيناً

ليت شعري متى تكون اِلحمام ؟!

فكان آخر عهدي به. وقال عمارة ايضاً:ومن عجيب الإتِّفاق إنَّني أنشدت إبنه قصيدة أقول فيها:

أبوك الذي تسطو الليالي بحدِّه

وأنت يمينٌ إن سطا وشمالُ

____________________

١ - أحد شعراء الغدير في القرن السادس يأتي شعره وترجمته في هذا الجزء.


لرتبته العظمى وإن طال عمره

إليك مصيرٌ واجبٌ ومنالُ

تخالصك اللحظ المصون ودونها

حجابٌ شريف لا انقضى وحجالُ

فانتقل الأمر عليه بعد ثلاثة أيّام.

٢ - وقال إبن خلكان في تاريخه ج ١ ص ٢٥٩:دخل الصّالح إلى القاهرة و تولىّ الوزارة في أيّام الفائز، واستقلَّ بالاُمور وتدبير أحوال الدولة، وكان فاضلاً محبّاً لأهل الفضايل، سمحاً في العطاء سهلاً في اللقاء جيِّد الشعر ومن شعره:

كم ذا يُرينا الدَّهر من أحداثه

عبراً وفينا الصدُّ والإعراضُ

ننسى الممات وليس يجري ذكره

فينا فتذكرنا به الأمراضُ

ومنه ايضاً:

ومهفهف ثمل القوام سرت إلى

أعطافه النشوات من عينيهِ

ماضي اللحاظ كأنَّما سلَّت يدي

سيفي غداة الرَّوع من جفنيهِ

قد قلت إذ خطَّ العذار بمسكه

في خدِّه ألفيه لا لاميهِ

:ما الشعر دبَّ بعارضيه وإنَّما

أصداغه نفضت على خدّيهِ

ألنّاس طوع يدي وأمري نافذٌ

فيهم وقلبي الآن طوع يديهِ

فاعجب بسلطان يعمُّ بعدله

ويجور سلطان الغرام عليهِ

والله لولا اسم الفرار وإنَّه

مستقبحٌ لفررت منه إليه

وأنشد لنفسه بمصر:

مشيبك فقد نضا صبغ الشَّباب

وحلَّ الباز في وكر الغرابِ

تنام ومقلة الحدثان يقظى

وما ناب النَّوائب عنك نابِ

وكيف بقاء عمرك وهو كنزٌ

وقد أنفقت منه بلا حسابِ ؟!

وكان المهذّب عبد الله بن أسعد الموصلي نزيل حمص قد قصده من الموصل و مدحه بقصيدته الكافيَّة التي أوّلها:

أما كفاك تلاقي في تلاقيكا

ولست تقم إلّا فرط حبّيكا

وفيم تغضب إن قال الوشاة سلا

وأنت تعلم أنيّ لست أسلوكا ؟!

لا نلت وصلك إن كان الذي زعموا

ولا شفى ظمأي جواد ابن رزّيكا


وهي من نخب القصايد.

٣ - قال المقريزي في ( الخططْ ) ج ٤ ص ٨١ - ٧٣:زار الملك الصالح مشهد الإمام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في جماعة من الفقراء وإمام مشهد عليٍّ رضي الله عنه يومئذ السِّيد إبن معصوم(١) فزار طلايع وأصحابه وباتوا هنالك فرأى السيِّد في منامه الإمام صلوات الله عليه يقول له:قد ورد عليك الليلة أربعون فقيرا من جملتهم رجلٌ يقال له:طلايع بن رزّيك من أكبر محبِّينا فقل له:إذهب فإنّا قد وليّناك مصر.فلمّا أصبح أمر من يُنادي:مَن فيكم اسمه طلايع بن رزّيك ؟ فليقم إلى السيِّد إبن معصوم.فجاء طلايع إلى السيِّد وسلّم عليه فقصَّ عليه رؤياه، فرحل إلى مصر وأخذ أمره في الرُقيّ، فلمّا قتل نصر بن عبّاس الخليفة الظافر إسماعيل استثارت نساء القصر لأخذ ثاراته بكتاب في طيّه شعورهنَّ، فحشد طلايع الناس يريد النكبة بالوزير القاتل، فلمّا قرب من القاهرة فرَّ الرَّجل ودخل طلايع المدينة بطمأنينة وسلام، فخلعت عليه خلايع الوزارة وُلقّب بالملك الصالح، فارس المسلمين، نصير الدين، فنشر الأمن وأحسن السيرة.

[ ثمَّ ذكر حديث قتله(٢) ] وقال:كان شجاعاً كريماً جواداً فاضلاً محبّاً لأهل الأدب جيِّد الشعر رجل وقته فضلاً وعقلاً وسياسةً وتدبيراً، وكان مهاباً في شكله، عظيماً في سطوته، وجمع أموالاً عظيمة، وكان محافظاً علي الصَّلوات فرايضها ونوافلها شديد المغالاة في التشيّع صنَّف كتاباً سمّاه [ الإعتماد في الردِّ على أهل العناد ] جمع له الفقهاء وناظرهم عليه وهو يتضمَّن إمامة عليِّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وله شعرٌ كثيرٌ يشتمل على مجلّدين في كلِّ فنّ فمنه في إعتقاده:

يا اُمَّةً سلكت ضلالاً بيِّناً

حتى استوى إقرارها وجحودها

قلتم:ألا إنَّ المعاصي لم تكن

إلّا بتقدير الإ~له وجودها

لو صحَّ ذا كان الإله بزعمكم

منع الشريعة أن تُقام حدودها

____________________

١ - قال السيد ابن شدقم في ( تحفة الازهار ):كان أبو الحسن بن معصوم ابن ابي الطيب أحمد سيداً شريفاً جليلا عظيم الشأن رفيع المنزلة كان في المشهد الغروي كبيراً عظيماً ذا جاه وحشمة ورفعة وعز واحترام عليه سكينة ووقار. ا ه‍. وهو جد الاسرة الكريمة النجفية المعروفة اليوم ببيت خرسان.

٢ - راجع كتابنا شهداء الفضيلة ص ٥٨.


حاشا وكّلا أن يكون إ~لهنا

ينهى عن الفحشاء ثمَّ يريدها

وله قصيدةٌ سمّاها [ الجوهريَّة في الردِّ على القدريَّة ].ثمَّ قال:ويُروى انَّه لمّا كانت الليلة التي قُتل في صبيحتها قال:هذه الليلة ضرب في مثلها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وأمر بقراءة مقتله واغتسل وصلّى مائة وعشرين ركعةً أحيى بها ليله وخرج ليركب فعثر وسقطت عمامته واضطرب لذلك وجلس في دهليز دار الوزارة فأحضر ابن الصيف وكان يلفُّ عمايم الخلفاء والوزراء وله على ذلك الجاري الثقيل ليصلح عمامته وعند ذلك قال له رجلٌ:إنَّ هذا الذي جرى يُتطيَّر منه فإن رأى مولانا أن يؤخِّر الركوب فعل.فقال:ألطيرة من الشيطان وليس إلى التأخير سبيلٌ.ثمّ ركب فكان من أمره ما كان.

وقال في ج ٢ ص ٢٨٤:قال إبن عبد الظاهر:مشهد الإمام الحسين صلوات الله عليه قد ذكرنا انَّ طلايع بن رزّيك المنعوت بالصّالح كان قد قصد نقل الرأس الشريف من عسقلان(١) لما خاف عليها من الفرنج وبني جامعه خارج باب زويلة ليدفنه به و يفوز بهذا الفخار فغلبه أهل القصر على ذلك وقالوا:لا يكون ذلك إلّا عندنا فعمدوا إلى هذا المكان وبنوه له ونقلوا الرخام إليه وذلك في خلافة الفائز على يد طلايع في سنة تسع وأربعين وخمسمائة.

وسمعت من يحكي حكاية يستدلُّ بها على بعض شرف هذا الرأس الكريم المبارك وهي:أنَّ السلطان الملك الناصر رحمه الله لمّا أخذ هذا القصر وشي إليه بخادم له قدرَ في الدولة المصريَّة وكان ببده زمام القصر وقيل له:انَّه يعرف الأموال التي بالقصر والدفائن فاُخذ وسُئل فلم يجب بشيء وتجاهل فأمر صلاح الدين نوّابه بتعذيبه فأخذه متولّي العقوبة وجعل على رأسه خنافس وشدَّ عليها قرمزية، وقيل:إنَّ هذه أشدُّ العقوبات، وإنَّ الإنسان لا يطيق الصبر عليها ساعة إلّا تنقب دماغه وتقتله ففعل ذلك به مراراً وهو لا يتأوَّه وتوجد الخنافس ميتة فعجب من ذلك وأحضره وقال له:هدا سرُّ فيك ولا بدَّ أن تعرِّفني به.فقال:والله ما سبب هذا إلّا أنّي لمّا وصلت رأس الإمام الحسين حملتها.قال:وأيّ سرٍّ أعظم من هذا. وراجع في شأنه فعفا عنه. إنتهى.

٤ - وقال الشعراني في مختصر تذكرة القرطبي ص ١٢١:قد ثبت انَّ طلايع

____________________

١ - مدينة بالشام من اعمال فلسطين على ساحل البحر يقال لها:عروس الشام.


ابن رزّيك الذي بنى المشهد بالقاهرة نقل الرأس إلى هذا المشهد بعد أن بذل في نقلها نحو أربعين ألف دينار، وخرج هو وعسكره فتلقّاها من خارج مصر حافياً مكشوف الرأس هو وعسكره، وهو في برنس حرير أخضر في القبر الذي هو في المشهد موضوعة على كرسيٍّ من خشب الآبانوس، ومفروشٌ هناك نحو نصف أردب من الطيب كما أخبرني بذلك خادم المشهد، إلى أن قال في ص ١٢٢:فزر يا أخي هذا المشهد بالنيَّة الصالحة إن لم يكن عندك كشف فقول الإمام القرطبي:إنَّ دفن الرأس في مصر باطلٌ صحيحٌ في أيّام القرطبي فإنَّ الرأس إنَّما نقلها طلايع إبن رزِّيك بعد موت القرطبي:قال الأميني:هذا التصحيح لقول القرطبي يكشف عن جهل الشعراني بترجمة القرطبي وطلايع، وقد خفي عليه انَّ القرطبي توفّي سنة ٦٧١ بعد وفاة طلايع الملك الصالح بمائة وخمس عشر سنة فإنَّه توفّي سنة ٥٥٦ ونطفة القرطبي لم تنعقد بعدُ.

ثمَّ مشهد رأس الحسين الذي بناه طلايع احترق سنة ٧٤٠ فاُعيد بناؤه مراراً وأخيراً اُقيم في جواره جامعٌ حتّى إذا كانت أيّام الأمير عبد الرَّحمن كخيا أحد اُمراء المماليك فاُعيد بناء المشهد الحسيني في أواخر القرن الماضي للميلاد وبعد ذلك اُعيد بناؤه برمَّته في أيّام الخديوي السابق، ولم يبق من البناء القديم إلّا القبَّة المغطّية لمقام الإمام فأصبح على ما نشاهده الآن وهو الجامع المعروف بجامع سيِّدنا الحسين(١)

ولادته ووفاته مدايحه ومراثيه

ولد الملك الصالح سنة خمس وتسعين وأربعمائة ومدحه الفقيه عمارة اليمني ( الآتي ذكره ) بقصايد توجد في كتابه (النكت العصريَّة ) منها:

دعوا كلَّ برق شمتمُ غير بارق

يلوح على الفسطاط صادق بشرهِ

وزوروا المقام الصالحيَّ فكلُّ من

على الأرض ينسى ذكره عند ذكرهِ

ولا تجعلوا مقصودكم طلب الغنى

فتجنوا على مجد المقام وفخرهِ

ولكن سلوا منه العُلى تظفروا بها

فكلُّ أمرئٍ يرُجى على قدر قدرهِ

ومدحه في شعبان سنة ٥٠٥ بقصيدة منها:

قصدتك من أرض الحطيم قصائدي

حادي سُراها سنَّةٌ وكتابُ

____________________

١ - تاريخ مصر الحديث ج ١ ص ٢٩٨.


إن تسألا عمّا لقيت فإنَّني

لا مخفقٌ أملى ولا كذّابُ

لم أنتجع تمد النطاف ولم أقف

بمذانب وقفت بها الأذنابُ

وقال يمدحه:

أعندك أنَّ وجدي واكتئابي

تراجع مذ رجعت إلى اجتنابي؟!

وانَّ الهجر أحدث ليَّ سلواً

يسكّن برده حرَّ التهابي ؟!

وانَّ الأربعين إذا تولَّت

بريعان الصّبا قبح التصابي ؟!

ولو لم ينهني شيبٌ نهاني

صباح الشيب في ليل الشبابِ

وأيّامٌ لها في كلِّ وقت

جناياتٌ تجلّ عن العتابِ

اُقضيِّها وتحسب من حياتي

وقد أنفقتهنَّ بلا حسابِ

وقد حالت بنو رزّيك بيني

وبين الدَّهر بالمنن الرغابِ

ومنها:

ولولا الصّالح انتاش القواقي

لكان الفضل مجتنب الجنابِ

وكنت وقد تخيَّره رجائي

كمن هجر السَّراب إلى الشرابِ

ولم يخفق بحمد الله سعيي

إلى مصر ولا خاب انتخابي

ولكن زرت أبلج يقتضيه

نداه عمارة الأمل الخرابِ

ومنها:

أقمتَ الناصر(١) المحيي فأحيى

رسوماً كنَّ كالرَّسم اليبابِ

وبثَّ العدل في الدنيا فأضحى

قطيع الشاء يأنس بالذئابِ

وأنت شهاب حقٍّ وهو منه

بمنزلة الضِّياء من الشهابِ

سعى مسعاك في كرمٍ وبأس

وشبَّ على خلائقك العذابِ

فأصبح معلم الطرفين لمّا

حوى شرف انتساب واكتسابِ

وُصنتَ الملك من عزمات بدر

بميمون النقيبة والركابِ

بأورع لم يزل في كلِّ ثغرٍ

زعيم القبّ مضروب القبابِ

مخوف البأس في حربٍ وسلمٍ

وحدُّ السيف يُخشى في القرابِ

____________________

١ - هو الملك الناصر العادل بن الصالح بن رزيك -


وقال يمدحه بقصيدة أوّلها:

إذا قدرت على العلياء بالغلبِ

فلا تعرّج على سعي ولا طلبِ

واخطب بألسنة الأغماد ما عجزتْ

عن نيله ألسن الأشعار والخطبِ

ويقول فيها:

ألقى الكفيل أبو الغارات كلكه

على الزَّمان وضاعت حيلة النّوبِ

وداخلت أنفس الأيّام هيبته

حتى استرابت نفوس الشك والريبِ

بثَّ الندى والرَّدى زجراً وتكرمةً

فكلُّ قلبٍ رهين الرعبِ

فما لحامل سيف أو مثقَّفةٍ

سوى التحمّل بين النّاس من إربِ

لمّا تمرَّد بهرام واسرته

جهلاً وراموا قراع النبع بالغربِ

صدعت بالنّاصر المحبي زجاجتهم

وللزجاجة صدعٌ غير منشعبِ

أسرى إليهم ولو أسرى إلى الفلك الأعـ

ـلى لخافت قلوب الأنجم الشهبِ

في ليلة قدحت زرق النّصال بها

ناراً تشبُّ بأطراف القنا الأشبِ

ظنّوا الشجاعة تنجيهم فقارعهم

أبو شجاع قريع المجد والحسبِ

سقوا بأسكر سكراً لا انقضاء له

من قهوة الموت لا من قهوة العنبِ

ومنها:

لِلَّه عزمة محيي الدين كم تركت

بتربة الحيِّ من خدِّ امرئٍ تربِ

سما إليهم سموّ البدر تصحبه

كواكب من سحاب النقع في حجبِ

في فتيةٍ من بني رزّيك تحسبهم

عن جانبيه رحىً دارت على قطبِ

وقال يمدحه بقصيدة منها:

هل القلب إلّا بضعةٌ يتقلّبُ ؟

له خاطرٌ يرضى مراراً ويغضبُ

أم النَّفس إلّا وهدةٌ مطمئنَّة

تفيض شعاب الهمّ منها وتنضبُ ؟!

فلا تلزمنَّ الناس غير طباعهم

فتتعب من طول التعاب ويتعبوا

فإنَّك إن كشَّفتهم ربما انجلي

رمادهمُ من جمرة تتلهَّبُ

فتاركهمُ ما تاركوك فإنَّهم

إلى الشرِّ مذ كانوا من الخير أقربُ

ولا تغترر منهم بحسن بشاشةٍ

فأكثر إيماض البوارق خُلّبُ

_٢٢_


واصغ إلى ما قلته تنتفع به

ولا تطّرح نصحي فأنّي مجرِّبُ

فما تنكر الأيّام معرفتي بها

ولا إنَّني أدرى بهنَّ وأدربُ

وإنّي لأقوام جُذيلٌ محكّكٌ

وإنّي لأقوام عُذيقٌ مرجَّبُ

عليمٌ بما ترضى المروءة والتقى

خبيرٌ بما آتي وما أتجنَّبُ

حلبت أفاويق الزَّمان براحةٍ

تدرُّ بها أخلافه حين تخلبُ

وصاحبت هذا الدهر حتّى لقد غدت

عجائبه من خبرتي تتعجَّبُ

ودوَّخت أقطار البلاد كأنَّني

إلى الريح اُعزي أو إلى الخضر اُنسبُ

وعاشرت أقواماً يزيدون كثرةً

على الالف أوعدّ الحصى حين يحسبُ

فما راقني في روضهم قطُّ مرتعٌ

ولا شاقني في وردهم قطُّ مشربُ

تراني وإيّاهم فريقين كلّنا

بما عنده من عزَّة النفس معجبُ

فعندهمُ دنيا وعندي فضيلةٌ

ولا شكَّ إنَّ الفضل أعلى وأغلبُ

على أنَّ ما عندي يدوم بقاؤه

عليَّ ويفني المال عنهم ويذهبُ

اُناسٌ مضى صدرٌ من العمر عندهم

اُصعّد ظنّي فيهمُ وأصوِّبُ

رجوت بهم نيل الغني فوجدته

كما قيل في الأمثال:عنقاء مغربُ

وكسَّل عزم المدح بعد نشاطه

ندى ذمِّه عندي من المدح أوجبُ

كأنَّ القوافي حين تُدعى لشكرهم

على الجمر تمشي أو على الشوك تسحب

أفوه بحقٍّ كلّما رمتُ ذمَّهم

وما غير قول الحقِّ لي قطُّ مذهبُ

وأصدق إلّا أن اُريد مديحهم

فإنّي على حكم الضرورة أكذبُ

ولو علموا صدق المدائح فيهمُ

لكانت مساعيهم تهشُّ وتطربُ

ولكن دروا انَّ الذي جاء مادحاً

بغير الذي فيهم يُسبّ ويُثلبُ

وما زال هذا الأمر دأبي ودأبهم

اُغالب لومي فيهمُ وهو أغلبُ

إلى أن أذلّتني الليالي وأعتبت

وما خلتها بعد الإساءة تعتبُ

فهاجرت نحو الصالح الملك هجرةً

غدت سبباً للأمن وهو المسبَّبُ

وقال يمدحه من قصيدة:

هي البدر من سنة البدر أملحُ

وغرَّتها من غرَّة الصبح أصبحُ


منعَّمةٌ تسبي العقول بصورةٍ

إلى مثلها لبّ الجوانحُ يجنحُ

كأنَّ الظباء العفر يحكين جيدها

ومقلتها في حين ترنو وتسنحُ

كأنَّ اهتراز الغصن من فوق ردفها

هضيمٌ بأعلى رملة يترنّحُ

تعلّمت من حبّي لها عزَّة الهوى

وقد كنتُ فيه قبلها أتسمَّحُ

وهيَّج نار الوجد والشوق قولها

أحتّى إلى الجوزاء طرفك يطمحُ؟!

فلا جفن إلّا ماؤه ثمَّ يسفح

ولا نار إلا زندها ثمَّ يقدحُ

وما علمت أنّي إذا شفَّني الهوى

إليها بدعوى الصَّبر لا أتبجَّحُ

وإنَّ اعترافي بالتأخّر حيث لا

يقدِّمني فضلٌ أجلُّ وأرجحُ

ألم ترَ فضل الصالح الملك لم يدع

على الأرض من يثني عليه ويمدحُ؟!

كأنَّ مساعي جملة الخلق جملةً

غدت بمساعيه الحميدة تشرحُ

تجمَّع فيه ما تفرَّق في الورى

على انّه أسنى وأسمى وأسمحُ

يُرجّى الندى منه فيغني ويسمح

ويخشى الرَّدى منه فيعفو ويصفحُ

له كلّ يومٍ منَّةٌ مستجدّةٌ

يضوع جميل الذِّكر منها وينفحُ

وقال يمدحه من قصيدة:

من كان لا يعشق الأجياد والحدقا

ثمَّ ادَّعى لذَّة الدنيا فما صدقا

في العشق معنى لطيف ليس يعرفه

من البريّة إلّا كلُّ من عشقا

لا خفَّف الله عن قلبي صبابته

للغانيات ولا عن طرفي الأرقا

ويقول فيها:

لو كنت أملك روحي وارتضيت بها

بذلتها لكِ لا زوراً ولا ملقا

وإنّما الصّالح الهادي تملّكها

بفيض جودٍ رعى آماله وسقى

واقتادها الحظّ حتّى جاورت ملكاً

تمسي ملوك الليالي عندهُ سوقا

قال يمدحه وولده وأخاه فارس المسلمين:

أبيضٌ مجرَّدةٌ ؟! أم عيونْ

تسلّ وأجفانهنَّ الجفونْ ؟!

عجبت لها قضباً باتره

تصول بها المقل الفاتره


فتغدو لأرواحنا واتره

ظباءٌ فتكن باُسد العرينْ

وغائرةٌ خرجت من كمينْ

إذا ما هززن رماح القدود

حمين النفوس لذيذ الورود

حياض اللّمى ورياض الخدود

فلا تطمعنّك تلك الغصونْ

فإن َّكثيب نقاها مصونْ

وفيهنَّ فتّانةٌ لم تزلْ

أوامر مقلتها تُمتثلْ

ومن أجل سلطانها في المقلْ

تقول لها أعين الناظرينْ

إذا ما رنت:ما الذي تأمرينْ؟

منعّمةٌ ردفها مخصبُ

وما اهتزَّ من خصرها مجذبُ

مقسّمة كلّها يعجبُ

فجسمٌ جرى فيه ماءٌ معينْ

وقلبٌ غدا صخرةً لا تلينْ

أما وعلى الصّالح الأوحدِ

ردى المعتدي وندى المجتدي

وجعد العقوبة سمط اليدِ

ومَن نصر العترة الطاهرينْ

ونعم النصير لهم والمعينْ

لقد شرفت مصر والقاهره

بأيّام دولته القاهره

وأصبح للدَّولة الطاهره

بعزم ابن رزّيك فتحٌ مبينْ

وعزم ابنه ناصر الناصرينْ

إذا ما بدا المَلِك الناصرُ

بدت شيمٌ ما لها حاصرُ

يطول بها الأمل القاصرُ


كريم السجيَّة طلق الجبينْ

برى الله كلتا يديه يمينْ

فتىّ شأو همَّته لا يُنالْ

فماذا عسى في علاه يُقالْ؟!

وقد حاز أنهى صفات الكمال

وخوَّله الله دنياً ودينْ

وأصخى له كلُّ خلق يدينْ

فلا زال ظلُّ أبيه مديدْ

مدى الدهر في دولة لا تميدْ

وبلّغ في نفسه ما يريدْ

وإخوته السّادة الأكرمينْ

وفي عمِّهم فارس المسلمينْ

وقال يمدح الصّالح ويرثي أهل البيت عليهم السَّلام:

شأن الغرام أجلُّ أن يلحاني

فيه وإن كنت الشفيق الحاني

أنا ذلك الصبُّ الذي قطعت به

صلة الغرام مطامع السّلوانِ

ملئت زجاجة صدره بضميره

فبدت خفيَّة شأنه للشاني

غدرت بموثقها الدموع فغادرت

سرّي أسيراً في يد الاعلانِ

عنَّفت أجفاني فقام بعذرها

وجدٌ يبيح ودائع الأجفانِ

ومنها:

يا صاحبيَّ وفي مجانبة الهوى

رأي الرَّشاد فما الذي تريانِ ؟!

بي ما يذود عن التسبّب أوله

ويزيل أيسره جنون جناني

قبضت على كفِّ الصّبابة سلوة

تنهى النّهى عن طاعة العصيانِ

اُمسي وقلبي بين صبرٍ خاذلٍ

وتجلّدٍ قاصٍ وهمٍّ دانِ

قد سهّلت حزن الكلام لنادب

آل الرَّسول نواعب الأحزانِ

فابذل مشايعة اللسان ونصره

إن فات نصر مهنَّدٍ وسنانِ

واجعل حديث بني الوصي وظلمهم

تشبيب شكوى الدَّهر والخذلانِ

غصبت أميَّة إرث آل محمَّد

سفهاً وشنَّت غارة الشنآنِ

وغدت تخالف في الخلافة أهلها

وتُقابل البرهان بالبهتانِ


لم تقتنع أحلامها بركوبها

ظهر النِّفاق وغارب العدوانِ

وقعودهم في رتبةٍ نبويَّةٍ

لم يبنها لهمُ أبو سفيانِ

حتّى أضافوا بعد ذلك أنَّهم

أخذوا بثار الكفر في الإيمانِ

فأتى زيادٌ في القبيح زيادة

تركت يزيدَ يزيد في النقصانِ

حربٌ بنو حرب أقاموا سوقها

وتشبَّهت بهمُ بنو مروانِ

لهفي على النفر الذين أكفّهم

غيث الورى ومعونة اللهفانِ

أشلاؤهم مزقٌ بكلِّ ثنيَّةٍ

وجسومهم صرعى بكلِّ مكانِ

مالت عليهم بالتمالئ أمَّةٌ

باعت جزيل الربح بالخسرانِ

دفعوا عن الحقِّ الذي شهدت لهم

بالنصَّ فيه شواهد القرآنِ

ما كان أولاهم به لو أيّدوا

بالصّالح المختار من غسّانِ

أنساهم المختارَ صدقُ ولائه

كم أوَّلٌ أربى عليه الثاني

وقضى شاعرنا الملك الصالح شهيداً يوم الإثنين تاسع عشر من شهر رمضان سنة ستّ وخمسين وخمسمائة ورثاه الفقيه عمارة اليمني بقصيدة أوَّلها:

أفي أهل ذا النادي عليمٌ اُسائله ؟!

فإنّي لما بي ذاهب اللبِّ ذاهله

سمعت حديثاً أحسد الصمّ عنده

ويذهل واعيه ويخرس قاتله

فهل من جواب يستغيث به المنى

ويعلو على حقِّ المصيبة باطله ؟! ؟!

وقد رإبني مَن شاهد الحال إنَّني

أرى الدست منصوباً وما فيه كافله

فهل غاب عنه واستناب سليله ؟!

أم اختار هجراً لا يُرجّى تواصله ؟!

فإنّي أرى فوق الوجوه كآبةً

تدلُّ على أنَّ الوجوه ثواكله

ويقول فيها:

دعوني فما هذا أوان بكائه

سيأتيكمُ طلُّ البكاء ووابله

ولا تنكروا حزني عليه فإنَّني

تقشَّع عنّي وابلٌ كنت آمله

ولِم لا نبكّيه ونندب فقده

وأولادنا أيتامه وأرامله ؟!

فياليت شعري بعد حسن فعاله

وقد غاب عنّاما بنا الله فاعله

أيكرم مثوى ضيفكم وغريبكم

فيمكث أم تطوى ببين مراحله ؟!


ومنها:

فيا أيَّها الدست الذي غاب صدره

فماجت بلاياه وهاجت بلابله

عهدت بك الطود الذي كان مفزعاً

إذا نزلت بالملك يوماً نوازله

فمَن زلزل الطود الذي ساخ في الثرى

وفي كلِّ أرض خوفه وزلازله ؟!

ومَن سدَّ باب الملك والأمر خارج

إلى سائر الأقطار منه وداخله ؟!

ومَن عوَّق الغازي المجاهد بعدما

أعدّت لغزو المشركين جحافله ؟!

ومَن أكره الرمح الردينيِّ فالنوى

وأرهقه حتّى تحطَّم عامله ؟!

مَن كسر العضب المهنّد فاغتدى

وأجفانه مطروحةٌ و حمائله ؟!

ومَن سلب الإسلام حلية جيده

إلى أن تشكّى وحشة الطرق عاطله ؟!

ومَن أسكت الفضل الذي كان فضله

خطيباً إذا التفَّت عليه محافله ؟!

وما هذه الضوضاء من بعد هيبةٍ

إذا خامرت جسماً تخلّت مفاصله ؟!

كأنَّ أبا الغارات لم يُشن غارة

يريك سواد الليل فيها قساطله

ولا لمعت بين العجاج نصوله

ولا طرَّزت ثوب الفجاج مناصله

ولا صارفي عالي ركابيه موكبٌ

ينافس فيه فارس الخيل راجله

ولا مرحت فوق الدروع يراعه

كما مرحت تحت السّروج صواهله

ولاُ قسمت ألحاظه بين مخلصٍ

جميل السجايا أو عدوّ يُجامله

ولا قابل المحراب والحرب عاملاً

من البأس والاحسان ما الله قابله

تعجَّبت من فعل الزَّمان بنفسه

ولا شكَّ إلّا أنَّه جنَّ عاقله

بمن تفخر الأيّام بعد طلائع

ولم يك في إبنائها من يُماثله ؟!

أتنزل بالهادي الكفيل صروفها

وقد خيّمت فوق السَّماك منازله ؟!

وتسعى المنايا منه في مهجة امرئ

سعت همم ؟ إلأقدار فيما تحاوله

ورثاه بقصيدة اُخرى منها:

تنكَّد بعد الصّالح الدَّهر فاغتدت

مجالس أيَّامي وهنَّ غيوبُ

أيجدب خدِّي من ربيع مدامعي

وربعي من نعمي يديه خصيبُ ؟!

وهل عنده انَّ الدخيل من الجوى

مقيمٌ بقلبي ما أقام عسيبُ ؟!


وإنْ برقت سنّي لذكر حكايةٍ

فإنَّ فؤادي ما حييتُ كئيبُ

ورثاه بقصيدة أوَّلها:

طمع المرء في الحياة غرورُ

وطويل الآمال فيها قصيرُ

ولكم قدَّر الفتى فأتته

نُوبٌ لم يحط بها التقديرُ

منها:

فضَّ ختم الحياة عنكِ حمامٌ

لا يراعي إذناً ولا يستشيرُ

ما تخطَّى إلى جلالك إلّا

قدرٌ أمره علينا قديرُ

بذرتْ عمرك الليالي سفاهاً

فسيعلمن ما جنى التبذيرُ

وقال:

ليت يوم الإثنين لم يتبسَّم

عن محيَّاه للّيالي ثُغورُ

طلعتْ شمسه بيوم عبوسٍ

حيّر الطير شرُّه المستطيرُ

وتجلّى صباحه عن جبينٍ

إثمد الليل فوقه مذرورُ

صَبَحَ المجد في صبيحة ذاك اليـ

ـوم غبراءَ صيلمٌ عنقفيرُ(١)

بلغ الدهر عندها ما تمنّى

وعليها كان الزَّمان يدورُ

حادثٌ ظلّت الحوادث ممَّا

شاهدته من جوره تستجيرُ

ترجف الأرض حين يذكر عنه

وتكاد السَّماء منه تمورُ

طبَّق الأرض من مصاب أبي الغا

رات خطبٌ له النجوم تغورُ

ومنها:

لك رضوان زائرٌ ولقومٍ

هلكوا فيه منكرٌ ونكيرُ

حفظتْ عهدك الخلافة حفظاً

أنت منها به خليقٌ جديرُ

أحسنتْ بعدك الصنيعة فينا

فاستوت منك غيبةٌ وحضورُ

وأبى الله أن يتمَّ عليها

ما نوى حاسدٌ لها أو كفورُ

ضيَّقوا حفرة المكيدة لكن

ضاق بالناكثين ذاك الحفيرُ

____________________

١ - صبح القوم صبحاً:أتاهم صباحاً. صيلم:الامر الشديد. يقال:وقعد صيلمة أي مستأصلة عنقفير أحسبه مصحف ( خنشفير ) أي الداهية.


وتجرَّوا على القصور بغدرٍ

وسراج الوفاء فيها ينيرُ

حَرَمٌ آمنٌ وشهرٌ حرامٌ

هتكتْ منهما عرىّ وستورُ

لا صيامٌ نهاهمُ لا إمامٌ

طاهرٌ تربُ أخمصيه طهورُ

أخفروا ذمَّة الهدى بعد علمٍ

ويقينٍ انَّ الإمام خفيرُ

وإذا ما وفت خدور البوادي

بذمامٍ فما تقول القصورُ ؟!

غضب العاضد الإمام فكادت

فرقاً منه أن تذوب الصخورُ

أدرك الثأر من عداه بعزمٍ

لم يكن في النشاط منه فتورُ

واستقامتْ بنصره وهداه

حجَّة الله واستمرَّ المريرُ

دُفِن الملك الصالح بالقاهرة ثمَّ نقل ولده العادل سنة سبع وخمسين وخمسمائة في تاسع صفر تابوت أبيه من القاهرة إلى مشهد بني له في القرافة(١) في وزارته وحفر سرداباً يوصل فيه من دار الوزارة إلى دار سعيد السعداء وعمل فيه الفقيه عمارة اليمني قصائد منها:

خربت ربوع المكرمات لراحل

عمرت به الأجداث وهي قفارُ

نعش الجدود العاثرات مشيَّعٌ

عميتْ برؤية نعشه الأبصارُ

نعشٌ تودُّ بنات نعشٍ لو غدت

ونظامها أسفاً عليه نثارُ

شخص الأنام إليه تحت جنازة

خفضتْ برفعة قدرها الأقدارُ

ومنها:

وكأنَّها تابوت موسى أودعت

في جانبيه سكينةٌ ووقارُ

أوطنته دار الوزارة ريثما

بُنيت لنقلته الكريمة دارُ

وتغاير الهَرمان والحرمان في

تابوته وعلى الكريم يغارُ

آثرت مصراً منه بالشَّرف الذي

حسدت قرافتها له الأمصارُ

غضب الإ~له على رجال أقدموا

جهلاً عليه وآخرين أشاروا

لا تعجبن لقدار ناقة صالح

فلكلِّ عصر صالحٌ و قدارُ

أحللت دار كرامة لا تنقضي

أبداً وحلَّ بقاتليك بوارُ

____________________

١ - جبانة في مصر والكلام فيها طويل بسط القول فيها المقريزي في الخطط ج ٤ ص ٣١٧.


وقع القصاص بهم وليسوا مقنعاً

يرضى وأين مِن السِّماء غبارُ ؟!

ضاقت بهم سعة الفجاج وربَّما

نام الوليُّ ولا ينام الثارُ

فتهنّ بالأجر الجزيل وميتة

درجت عليها قبلك الأخيارُ

مات الوصيُّ بها وحمزة عمّه

وابن البتول وجعفر الطيّارُ

وقال في يوم الخميس وقد نُقل الصالح إلى تربته بالقرافة:

يا مُطلق العبرات وهي غزارُ

ومقيِّد الزفرات وهي حرارُ

ما بال دمعك وهو ماءٌ سافحٌ

يُذكى به من حدّ وجدك نارُ ؟!

لا تتَّخذني قدوةً لك في الأسى

فلديَّ منه مشاعرٌ وشعارُ

خفِّض عليك فإنَّ زند بليَّتي

وارٍ وفي صدري صدّى واُوارُ

إن كان في يدك الخيار ؟ فإنَّني

وَلهانُ لم أترك وما أختارُ

في كلِّ يوم لي حنينُ مضلّة

يؤدى لها بعد الحوار حوارُ

عاهدتُ دمعي أن يقرَّ فخانني

قلبٌ لسائله الهموم قرارُ

هل عند محتقر يسير بليَّة

إنَّ الصغار من الهموم كبارُ ؟!

ومنها:

حتّى إذا شيَّدتها ونصبتها

علماً يُحجُّ فناؤه ويُزارُ

ومنها:

أكفيل آل محمَّد ووليّهم

في حيث عرف وليّهم إنكارُ

ومنها:

ولقد وفى لك من صنائعك امرؤٌ

بثنائه تستسمع السمّارُ

أوفى أبو حسن بعهدك عندما

خذلت يمينٌ أختها ويسارُ

غابت حماتك واثقين ولم تغب

فكأنَّهم بحضوره حُضّارُ

ومنها:

ملك جناية سيفه وسنانه

في كلِّ جبّار عصاره جُبارُ

جمعت له فرق القلوب على الرِّضى

والسيف جامعهنَّ والدينارُ

وهما اللذان إذا أقاما دولة

دانت وكان لأمرها استمرارُ


وإذا هما افترقا ولم يتناصرا

عزَّ العدوّ وذلَّت الأنصارُ

يا خير من نقضت له عقد الحبى

وغدا إليه النقض والإمرارُ

ومضت أوامره المطاعة حسب ما

يقضى به الإيراد والإصدار

إنَّ الكفالة والوزارة لم يزل

يومى إليك بفضلها ويُشارُ

كانت مسافرة إليك وتعبد الأ

خطار ما لم تركب الأخطارُ

حتّى إذا نزلت عليك وشاهدت

ملكاً لزند الملك منه اُوارُ

ألقت عصاها في ذراك وعرَّيت

عنها السّروج وحطّت الأوكارُ

لِلَّه سيرتك التي أطلقتها

وقيودها التأريخ والأشعارُ

جلّت فصلّى خاطري في مدحها

وكبت ورائي قُرّحٌ ومهارُ

والخيل لا يرضيك منها مخبرٌ

إلّا إذا ما لزَّها المضمارُ

ومدائحي ما قد علمتَ وطالما

سبقت ولم يبلل لهنَّ عذارَ

إن أخَّرتني عن جنابكِ محنةٌ

بأقلّ منها تبسط الأعذارُ

فلديَّ من حسن الولاء عقيدةٌ

يرضيك منها الجهر والأسرارُ

وقال يرثيه ويمدح ولده الملك الناصر العادل بن الصالح أنشدها في مشهده بالقرافة في شعبان سنة سبع وخمسين وخمسمائة:

أرى كلَّ جمع بالرَّدى يتفرَّقُ

وكلّ جديد بالبلي يتمزَّقُ

وما هذه الأعمار إلّا صحائفٌ

تؤرَّخ وقتاً ثمَّ تمحى وتمحقُ

ومنها:

ولمّا تقضّى الحول إلّا ليالياً

تضاف إلى الماضي قريباً وتلحق

وعجنا بصحراء القرافة والأسى

يغرِّب في أكبادنا ويُشرّقُ

عقدنا على ربِّ القوافي عقائلا

تغرُّ إذا هانت جيادٌ وأينقُ

وقلنا له:خذ بعض ما كنتَ منعماً

به وقضاء الحقِّ بالحرِّ أليقُ

عقود قواف من قوافيك تُنتقي

ودرُّ معانٍ من معانيك يُسرق

نثرنا على حصباء قبرك درَّها

- صحيحاً ودرُّ الدمع في الخدِّ يفلقُ

ويقول فيها:


وجدناكُم يا آل رُزّيك خير من

تنصُّ إليه اليعملات وتعنقُ

وفدنا إليكم نطلب الجاه والغنى

فأكرم ذو مثوى وأغنى مملّقُ

وعلّمتمونا عزَّة النفس بالنَّدى

وملقى وجوه لم يشنها التملّقُ

وصيَّرتم الفسطاط بالجود كعبةً

يطوف بركنيها العراق وجلّقُ(١)

فلا سِتركم عن مرتجٍ قطُّ مرتجٌ

ولا بابكم عن معلق الحظِّ مغلقُ

وليسِ لقلب في سواكم علاقةٌ

ولا لِيدٍ إلّا بكم متعلّقُ

نماذج من شعر الملك الصالح

ذكر إبن شهر آشوب كثيراً من شعره في كتابه [ مناقب آل أبي طالب ] منه قوله:

محمَّد خاتم الرُّسل الذي سبقت

به بشارة قُسٍّ وإبن ذي يزنِ

وأنذر النّطقاء الصّادقون بما

يكون من أمره والطهر لم يكنِ

ألكامل الوصف في حلمٍ وفي كرمٍ

والطاهر الأصل من ذمٍّ ومن دَرَنَ

ظلُّ الإ~له ومفتاح النجاة وينـ

ـبوع الحياة وغيث العارض الهتنِ

فاجعله ذخرك في الدارين معتصماً

به وبالمرتضى الهادي أبي الحسنِ

وله:

ولايتي لأمير المؤمنين علي

بها بلغت الذي أرجوه من أملي

إن كان قد أنكر الحسّاد رتبته

في جوده فتمسَّك يا أخي بهلِ(٢)

وله:

كأنِّي اذ جعلت إليك قصدي

قصدت الرُّكن بالبيت الحرامِ

وخيِّل لي بأنّي في مقامي

لديه بين زمزم والمقامِ

أيا مولاي ذكرك في قعودي

ويا مولاي ذكرك في قيامي

وأنت إذا انتبهت سمير فكري

كذلك أنت اُنسي في مقامي

وحبّك إن يكن قد حلَّ قلبي

ففي لحمي استكنَّ وفي عظامي

____________________

١ - جلق بكسرتين وتشديد اللام:اسم لكورة الغوطة كلها وقيل. بل هى دمشق نفسها.

٢ - اشار الى سورة هل اتى ونزولها في العترة الطاهرة عليهم السلام.


فلولا أنت لم تُقبل صلاتي

ولولا أنت لم يُقبل صيامي

عسى اُسقى بكأسك يوم حشري

ويبرد حين أشربّها اُو امي

وله:

يا عروة الدين المتين

وبحر علم العارفينا

يا قبلةً للأولياءِ

وكعبةً للطايفينا

من أهل بيتٍ لم يزالوا

في البريَّة مُحسنينا

ألتّائبين العابدين

الصائمين القائمينا

ألعالمين الحافظين

الرّاكعين الساجدينا

يا من إذا نام الورى

باتوا قياماً ساهرينا

وله:

قومٌ علومهمٌ عن جدِّهم اُخذت

عن جبرئيل وجبريلٌ عن الله

هم السفينة ما كنّا لنطمع أن

ننجو من الهول يوم الحشر لولا هي

ألخاشعون إذا جنَّ الظلام فما

تغشاهمُ سنةٌ تنفي بأنباِه

ولا بدت ليلةٌ إلّا وقابلها

من التهجّد منهم كلّ أوّاهِ

وليس يشغلهم عن ذكر ربِّهمُ

تغريد شاد ولا ساقٍ ولا طاهي

سحايبٌ لم تزل بالعلم هاميةً

أجلّ من سحب تهمي بأمواِه

وله:

إنّ النبيَّ محمَّداً ووصيَّه

وابنيه وإبنته البتول الطاهره

أهل العباء فإنَّني بولائهم

أرجو السلامة والنجا في الآخره

وأرى محبَّة مَن يقول بفضلهم

سبباً يُجير من السبيل الحايره

أرجو بذاك رضا المهيمن وحده

يوم الوقوف على ظهور الساحره

وله يمدح أمير المؤمنينعليه‌السلام :

هو النور نور الله والنور مشرقٌ

علينا ونور الله ليس يزولُ

سما بين أملاك السَّماوات ذكره

نبيهٌ فما أن يعتريه خمولُ

وله:


لا تعذلنِّي إنَّني لا أقتفي

سبل الضَّلال لقول كلِّ عذولِ

عند التباهل ما علمنا سادساً

تحت الكسا منهم سوى جبريلِ

وله في أمير المؤمنين وأولاده الأئمَّة الطاهرين عليهم السَّلام:

بحبِّ عليٍّ ارتقي منكب العلى

وأسحب ذيلي فوق هام السحائبِ

إمامي الذي لمّا تلفَّظتُ باسمه

غلبتُ به من كان بالكثر غالبي

أئمَّة حقٍّ لو يسرّون في الدُّجى

بلا قمرٍ لاستصحبوا بالمناسبِ

بهم تبلغ الآمال من كلِّ آملٍ

بهم تُقبل التوبات من كلِّ تائبِ

وله في زهد أمير المؤمنينعليه‌السلام :

ذاك الذي طلّق الدنيا لعمري عن

زهد وقد سفرت عن وجهها الحسنِ

وأوضح المشكلّات الخافيات وقد

دقت عن الفكر واعتاصت على الفطنِ

وله في العترة الطاهرة صلوات الله عليهم:

آل رسول الإله~ قومٌ

مقدارهم في العُلى خطيرُ

إذ جاءهم سائلٌ يتيمٌ

وجاء من بعده أسيرُ

أخافهم في المعاد يومٌ

معظَّم الهول قمطريرُ

فقد وقوا شرَّ ما اتَّقوه

وصار عقباهم السرورُ

في جنَّةٍ لا يرون فيها

شمساً ولا ثَمَّ زمهريرُ

يطوف ولدانهم عليهم

كأنَّهم لؤلؤٌ نثيرُ

لباسهم في جنان عدن

سندسها الأخضر الحريرُ

جزاهمُ ربّهم بهذا

وهو لما قد سعوا شكورُ

وله في المعنى(١) :

إنَّ الأبرار يشربون بكأس

كان حقّاً مزاجها كافورا

ولهم أنشأ المهيمن عيناً

فجَّروها عباده تفجيرا

وهداهم وقال:يوفون بالنّذ

ر فمن مثلهم يوفّي النذورا ؟!

ويخافون بعد ذلك يوماً

هائلاً كان شرُّه مُستطيرا

____________________

١ - مر حديث هذا المعنى في الجزء الثالث من كتابنا ص ١٠٦ - ١١١، ١٦٩، ٢٤٣


يُطعمون الطَّعام ذا الُيتم

والمسكين في حب ربِّهم والأسيرا

إنَّما نطعم الطعام لوجه الله

لا نبتغي لديكم شكورا

غير أنّا نخاف من ربِّنا يوماً

عبوساً عصبصباً قمطريرا

فوقاهم إ~لههم ذلك اليوم

يُلقّون نضرةً وسرورا

وجزاهم بأنَّهم صبروا

في السرِّ والجهر جَنَّةً وحريرا

متكئين لا يرون لدى الجنَّة

شمساً كلّا ولا زمهريرا

وعليهم ظلالها دانياتُ

ذلّلت في قطوفها تيسيرا

وبأكواب فضَّةٍ وقوارير

قوارير قُدِّرت تقديرا

ويطوف الولدان فيها عليهم

فيخالون لؤلؤاً منثورا

بكؤسٍ قد مزّجت زنجبيلا

لذَّة الشاربين تشفي الصّدورا

ويُحلّون بالأساور فيها

وسقاهم ربّي شراباً طهورا

وعليهم فيها ثيابٌ من السندس

خضرٌ في الخلد تلمع نورا

إنَّ هذا لكم جزاءٌ من الله

وقد كان سعيكم مشكورا

وله في المعنى ايضاً:

والله أثنى عليهم

لمّا وفوا بالنذورِ

وخصَّهم وحباهم

بجنَّةٍ وحريرِ

لا يعرفون بشمس

فيها ولا زمهريرِ

يسقون كاساً رحيقاً

مزيجة الكافور

وله في المعنى ايضاً:

في هل أتى إن كنت تقرأ هل أتى

ستصيب سعيهم بها مشكورا

إذ أطعموا المسكين ثمَّة أطعموا

الطفل اليتيم وأطعموا المأسورا

قالوا:لوجه الله نطعمكم فلا

منكم جزاءً نبتغي وشكورا

إنّا نخاف ونتَّقي من ربِّنا

يوماً عبوساَ لم يزل مجذورا

فوقوا بذلك شرّ يوم باسل

ولقوا بذلك نضرةً وسرورا

وجزاهمُ ربُّ العباد بصبرهم

يوم القيامة جنَّةً وحريرا


وسقاهمُ من سلسبيل كأسها

بمزاجها قد فجِّرت تفجيرا

يُسقون فيها من رحيق تختم

بالمسك كان مزاجها كافورا

فيها قواريرٌ وأكوابٌ لها

من فضَّة قد قدِّرت تقديرا

يسعى بها ولدانها فتخالهم

للحسن منهم لؤلؤا منثورا

وله في المعنى المذكور:

هل أتى فيهمُ تنزَّل فيها

فضلهم محكماً وفي السّوراتٍ

يُطعمون الطَّعام خوفاً فقيراً

ويتيماً وعانياً في العناتِ

إنما نُطعم الطعام لوجه

الله لا للجزاء في العاجلاتِ

فجزاهم بصبرهم جنَّة الخلد

بها من كواعب خيراتِ

ومن شعر الملك الصالح قصيدته التي جارى بها قصيدة دعبل الخزاعي الشهيرة التي أوَلها:

مدارس آياتٍ خلت من تلاوةٍ

ومنزل وحي مُقفر العرصاتِ

وأول قصيدة الملك قوله:

ألايمُ دع لومي على صبواتي

فما فات يمحوه الذي هو آتِ

وما جزعي من سيِّئاتٍ تقدَّمت

ذهاباً إذا اتبعتها حسناتِ

ألا إنَّني أقلعت عن كلِّ شبهةٍ

وجانبت غرقي أبحر الشبهاتِ

شغلت عن الدنيا بحبّيَ معشراً

بهم يصفح الرَّحمن عن هفواتي

وقال في آخرها:

اُعارض من قول الخزاعيِّ دعبلاً

وإن كنت قد أقللت في مدحاتي

[ مدارس آياتٍ خلت من تلاوةٍ

ومنزل وحيٍ مقفر العرصاتِ ](١)

وفي ( أنوار الربيع ) ص ٣١٢:ومن الإستثناء الذي ما خرج حجاب السمع ألطف منه قول الصالح طلايع، وقد ألزم الأمير إبن سنان بمال رفع عليه لكونه كان يتولّى أموالاً له واعتقله فأرسل إليه يمتُّ بقديم الخدمة والتشيّع الموافق لمذهبه فقال الصّالح:

____________________

١ - انوار الربيع ص ٣١٢. الرائق ذكر من القصيدة ٤٠ بيتاً.


أتى ابن سنان ببهتانه

يحصِّن بالدِّين ما في يديهِ

برئت من الرَّفض إلّا له

وتبت من النّصب إلّا عليهِ

وكان قدر المال ستّين ألف دينار فأخذ منه اثنى عشر ألفاً وترك له الباقي.

كتب الملك الصالح إلى صاحب الروم قلج أرسلان بن مسعود في تنافس وقع بينه وبين نور الدين محمود بن زنكي:

نقول ولكن:أين من يتفهَّمُ

ويعلم وجه الرأي والرأي مبهمُ ؟!

وما كلُّ مَن قاس الاُمور وساسها

يوفَّق للأمر الذي هو أحزمُ

وما أحدٌ في الملك يبقى مخلّداً

وما أحدٌ ممّا قضى الله يسلمُ

أمن بعد ما ذاق العدى طعم حربكم

بفيهم وكانت وهي صابٌ وعلقمُ

رجعتم إلى حكم التنافس بينكم

وفيكم من الشحناء نارٌ تضرَّمُ ؟!

أما عندكم مَن يتقي الله وحده ؟!

أما في رعاياكم من الناس مُسلمُ؟!

تعالوا لعلَّ الله ينصر دينكم

إذا ما نصرنا الدين نحن وأنتمُ

وننهض نحو الكافرين بعزمةٍ

بأمثالها تحوى البلاد وتُقسمُ

ويأتي من شعر المترجم في ترجمة الفقيه عمارة اليمني، ووقفت من شعر الملك الصالح على شطر مهمّ في أهل البيت عليهم السَّلام مدحاً ورثاءاً يربو على ألف و أربعمائة بيتاً. وقد جمعها سيِّدنا العلّامة السيِّد أحمد العّطار في كتابه ( الرائق ) و لعلَّ ما فاته من شعره في أهل البيت عليهم السَّلام نزرٌ يسيرٌ.

توجد ترجمة طلايع الملك الصالح في كثير من الكتب والمعاجم منها:

وفيات الأعيان ١ ص ٢٥٩. ألكامل لابن الأثير ١١ ص ١٠٣. ألخطط للمقريزي ٤ ص ٨١ تاريخ إبن كثير ١٢ ص ٢٤٣. روض المناظر لابن شحنة. تاريخ أبي الفدا ٣ ص ٤٠. مرآة الجنان ٣ ص ٣١٠. أنوار الربيع ص ٣١٢. تحفة الأحباب للسخاوي ١٧٦ شذرات الذهب ٤ ص ١٧٧. نسمة السحر الجزء الثاني. خواصّ العصر الفاطمي ٢٣٤ دائرة المعارف لفريد وجدي ٥ ص ٧٧١. الأعلام للزركلي ٢ ص ٤٤٩.

تاريخ مصر الحديث لجرجي زيدان ١ ص ٢٩٨. شهداء الفضيلة ص ٥٧.

_٢٣_


الملك العادل

خلّف الصالح ولده رُزّيك بن طلايع الملقَّب بالملك الناصر والعادل، ولي الوزارة بعد والده الصالح ستة عشر شهراً وعدَّة أيّام وكان والده قد أوصاه بأن لا يتعرَّض شاور ولا يغيّر عليه حاله فانّه لا يأمن عصيانه والخروج عليه وكان كما أشار فإنّ العادل حسَّن له أهله عزل شاور واستعمال بعضهم مكانه وخوّفوه منه إن أقرَّه على عمله فأرسل إليه بالعزل فجمع جموعاً كثيرة وسار بهم إلى القاهرة ودخلها يوم الأحد الثاني والعشرين من المحرّم سنة ٥٥٨ وهرب العادل بن الصالح وأهله من القاهرة ليلة العشرين من المحرَّم فاُخذ وقُتل وأخذ موضعه من الوزارة واستولى شاور على ديار مصر، ودُفن العادل في تربة الملك الصالح وبها جماعةٌ اُخرى.

ترجمه الفقيه عمارة في كتابه [ النكت العصريَّة ] ص ٥٣ وقال في ص ٦٦:دخلت قاعة السرِّ من دار الوزارة فيها طيّ بن شاور وضرغام وجماعةٌ من الاُمراء مثل عزِّ الزَّمان، ومرتفع الظهير، ورأس رُزّيك بن الصالح بين أيديهم في طست فما هو إلّا أن لمحته عيني ورددت كمّي على وجهي ورجعت على عقبي، وما ملأت عيني من صورة الرأس وما من هؤلاء الجماعة الذين كان الرأس بين أيديهم إلّا مَن مات قتيلاً وقطعت رأسه عن جسده فأمر طيّ من ردَّني فقلت:والله ما أدخل حتّى تغيب الرأس عن عيني.

فرفع الدست وقال لي ضرغام:لِمَ رجعت ؟ قلت:بالأمس وهو سلطان الوقت الذي نتقلّب في نعمته.

قال:لو ظفر رزّيك بأمير الجيوش أو بنا ما أبقى علينا. قلت:لا خير في شيءٍ يؤول الأمر بصاحبه من الدست إلى الطست ثمَّ خرجت وقلت:

أعزز عليَّ أبا شجاع أن أرى

ذاك الجبين مضرَّجاً بدمائهِ

ما قلّبته سوى رجال قلَّبوا

أيديهمُ من قبل في نعمائهِ

وللفقيه عمارة اليمني شعرٌ كثيرٌ يمدح به الملك العادل رُزّيك بن طلايع ذكره في كتابه [ النكت العصريَّة ] وفي ديوانه، منه قصيدةٌ أوَّلها:

جاور بمجدك أنجم الجوزاءِ

وازدد علوّاً فوق كلِّ علاءِ

وقصيدةٌ اُخرى مُستهلّها:

تبسم في ليل الشباب مشيبُ

فأصبح برد الهمّ وهو قشبُ


وثالثة مطلعها:

دانت لأمرك طاعة الأقدار

وتواضعت لك عزَّة الأقدارِ

ورابعة أوّلها:

في مثل مدحك شرح القول مختصرُ

وفي طوال القوافي عنده قِصرُ

وخامسة مبدؤها:

لمَّا أراد مدامة الأحداقِ

دبَّتُ حميَّا نشوة الأخلاقِ

وسادسة مطلعها:

لكلِّ مقام في عُلاك مقالُ

يُصدِّقه بالجود منك فِعالُ

وسابعة أوَّلها:

فُقتَ الملوك مهابةً وجلالا

وطرائقاً وخلائقاً وخلالا

وثامنة مطلعها:

لك أن تقول إذا أردتَ وتفعلا

ولمن سعى في ذا المدى أن يخجلا

وتاسعة أوَّلها:

لِلَّه مِن يوم أغرٍّ محجَّلٍ

في ظلِّ محترم الفناء مبجَّلِ

وعاشرة مستهلّها:

لولا جفونٌ ومُقلْ

مكحولةٌ من الكحلْ

ولحظاتٌ لم تزلْ

أرمى نبالا من ثعلْ

وبرَدٌ رُضا به

ألذُّ من طعم العسلْ

يظمأ إلى بروده

مَن علَّ منه ونهلْ

لمَّا وصلت قاطعاً

إذا رأى جِدّي هزلْ

مخالفٌ لو أنَّه

أضمر هجري لوصلْ

وأغيَدٌ منعّمٌ

يميل كلّما اعتدلْ

يهتزُ غصن قدِّه

ليناً إذا ارتجَّ الكفلْ

غرُّ إذا جمّشته

أطرق من فرط الخجلْ

اُريعنٌ مدلَّل

غُزيِّل يأبى الغزلْ


سألته في قُبلة

من ثغره فما فعلْ

راضته لي مشمولة

ترمي النشاط بالكسلْ

حتّى أتاني صاغراً

يحدوه سكرٌ وثملْ

أمسى بغير شكره

ذاك المصون يبتذلْ

وبات بين عقده

وبين قرطيه جدلْ

وكدت أمحو لعساً

في شفتيه بالقبلْ

فديته من مبسمٍ

ألثمه فلا أملْ

كأنَّه أناملٌ

لمجد الإسلام الأجلْ

معروفهنَّ أبداً

يضحك في وجه الأملْ

وقال يمدحه من قصيدةٍ أوّلها:

أيا اُذن الأيّام إن قلت فاسمعي

لنفثة مصدور وأنَّة موجعِ

وعي كلَّ صوت تسمعين نداءه

فلا خير في اُذن ينادى فلا تعي

ويقول فيها:

ملوكٌ رعوا لي حرمةً صار نبتها

هشيماً رعته النائبات وما رُعي

ورُدَّت بهم شمس العطايا لوفدهم

كما قال قومٌ في عليّ وتوسّعِ

قال الأميني:كذا يوجد البيت الأخير في مختار ديوانه المطبوع في ألمانيا ص ٢٨٨ وهو تصحيفٌ غريبٌ مع التشكيل لحروفه والصحيح:

كما قال قومٌ في عليٍّ ويوشع

وهذا ينمُّ عن ضئولة أمر المتطفَلين على موائد العربيَّة وذهولهم عن معنى البيت الذي لا يستقيم إلّا على ما ذكرناه وقد أوعز الشاعر إلى حديث ردِّ الشمس لمولانا عليّ أمير المؤمنين ويوشع عليهما السَّلام من قبله، هذا أحسن الاحتمالين دعانا إليه حسن ظنِّنا بالقوم وإن كان بعيدا جدّاً، والأقرب ما لا يفوتك عرفانه، والله أعلم.


ألقرن السّادس

٤٨

ابن العودي النيل ى

ألمولود ٤٧٨

ألمتوفّى ح ٥٥٨

متى يشتفي من لاعج القلب مغرمُ

وقد لجَّ في الهجران مَن ليس يرحمُ ؟!

إذا همَّ أن يسلو أبي عن سُلوِّه

فؤادٌ بنيران الأسى يتضرَّمُ

ويثنيه عن سلوانه لفضيلةٍ

عهود التَّصابي والهوى المتقدّمُ

رمته بلحظٍ لا يكاد سليمه

من الخبل والوجد المبرِّح يسلمُ

إذا ما تلظَّت في الحشا منه لوعةٌ

طفتها دموعٌ من أماقيه تسجمُ

مقيمٌ على أسر الهوى وفؤاده

تغور به أيدي الهموم وقتهمُ

يجنّ الهوى عن عاذليه تجلّداً

فيبدي جواه ما يجنُّ ويكتمُ

يعلّل نفساً بالأماني سقيمةً

وحسبك من داءٍ يصحُّ ويسقمُ

وقد غفلت عنّا الليالي وأصبحت

عيون العدى عن وصلنا وهي نُوَّمُ

فكم من غصون قد ضممت ثديّها

إليَّ وأفواه بها كنت ألثمُ

اُجيل ذراعي لاهياً فوق منكب

وخصراً غدا من ثقله يتظلَّمُ

وأمتاح راحاً من شنيب كأنَّه

من الدرِّ والياقوت في السِّلكُ ينظمُ

فلمّا علاني الشيب وابيضَّ عارضي

وبان الصبا واعوجَّ منّي المقوّمُ

وأضحى مشيبي للعذار ملثمَّاً

به ولرأسي بالبياض يُعمِّمُ

وأمسيت من وصل الغواني ممنّعاً

كأنِّيِ من شيبي لديهنَّ مجرمُ

بكيت على ما فات منّي ندامة

كأنِّيَ خنسٌ في البكا أو متمّمُ

وأصفيت مدحي للنبيِّ وصنوه

وللنّفر البيض الذين همُ همُ

هم التين والزيتون آل محمَّد

همُ شجر الطوبى لمن يتفهَّمُ


هُم جنَّة المأوى هم الحوض في غدٍ

هم اللوح والسقف الرَّفيع المعظمُ

همُ آل عمران همُ الحجّ والنسا

هم سبأ والذاريات و مريمُ

همُ آل ياسين وطاها وهل أتى

هم النحل والأنفال إن كنت تعلمُ

هم الآية الكبرى هم الركن والصَّفا

هم الحجُّ والبيت العتيق المكرَّمُ

همُ في غدٍ سُفن النَّجاة لمن وعى

هم العروة الوثقى التي ليس تفصمُ

همُ الجنب جنب الله في البيت والورى

هم العين عين الله في الناس تعلمُ

همُ الآل فينا والمعالي هم العُلى

ينمّم في منهاجهم حيث يمَّموا

همُ الغاية القصوى همُ منتهى العُلى

سل النصَّ في القرآن يُنبئك عنهمُ

همُ في غدٍ للقادمين سقاتهم

إذا وردوا والحوض بالماء مفعمُ

فلولا همُ لم يخلق الله خلقه

ولا هبطا للنسل حوّا وآدمُ

همُ باهلوا نجران من داخل العبا

فعاد المناوي فيهمُ وهو مفحمُ

وأقبل جبريلٌ يقول مفاخراً

لميكال:مَن مثلي وقد صرت منهمُ؟!

فمن مثلهم في العالمين وقد غدا

لهم سيِّد الأملاك جبريل يخدمُ ؟!

ومَن ذا يُساويهم بفضلٍ ونعمةٍ

من الناس والقرآن يُؤخذ عنهمُ ؟!

أبوهم أمير المؤمنين وجدُّهم

أبو القاسم الهادي النبيُّ المكرَّمُ

همُ شرعوا الدين الحنيفيّ والتقى

وقاموا بحكم الله من حيث يحكمُ

وخالهم إبراهيم والاُمّ فاطم

وعمّهم الطيّار في الخُلد يُنعمُ

إلى الله أبرا من رجالٍ تتابعوا

على قتلهم يا للورى كيف أقدموا ؟!

حموهم لذيذ الماء والورد مفعمٌ

وأسقوهمُ كأس الرَّدى وهو علقمُ

وعاثوا بآل المصطفى بعد موته

بما قتل الكرّار بالأمس منهمُ

وثاروا عليه ثورةً جاهليَّةً

على أنَّه ما كان في القوم مسلمُ

وألقوهمُ في الغاضريّات صُرَّعاً

كأنَّهمُ قفُّ على الأرض جُثَّمُ(١)

تحاماهمُ وحش الفلا وتنوشهم

بأرياشها طير الفلا وهي حُوَّمُ(٢)

____________________

١ - القف:ما يبس من أحرار البقول وذكورها. جثم جمع جاثم من جثم جثماً:تليد بالأرض، ولزم مكانه فلم يبرح.

٢ - حوم جمع حائم من حام على الشيئ وحوله:دار به وحام الرجل:عطش.


بأسيافهم أردوهمُ ولدينهم

اُريق بأطراف القنا منهمُ الدَّمُ

وما قدمت يوم الطفوف اُميَّةٌ

على السبط إلّا بالذين تقدَّموا

وأنّى لهم أن يبرأوا من دمائهمٍ

وقد أسرجوها للخصام وألجموا

وقد علموا أنَّ الولاء لحيدر

ولكنَّه ما زال يُؤذى ويُظلمُ

تعدّوا عليه واستبدّوا بظلمه

واُخِّر وهو السيِّد المتقدَّمُ

وقد زعموها فلتةً كان بدؤها

وقال:اقتلوا من كان في ذاك يخصمُ

وأفضوا إلى الشورى بها بين ستَّة

وكان ابن عوف منهم المتوسِّمُ

وما قصدوا إلّا ليُقتل بينهم

عليُّ وكان الله للطّهر يعصمُ

وإلَّا فليثٌ لا يُقاس بأضبعٍ

وأين من الشمس المنيرة أنجمُ ؟!

فواعجباً من أين كانوا نظائراً ؟!

وهل غيره طبِّ من الغيِّ فيهمُ ؟!

ولكن اُمورٌ قدِّرت لضلالهم

ولِلَّه صنعٌ في الإرادة محكمُ

عصوا ربَّهم فيه ضلالاً فأهلكوا

كما هلكت من قبل عاد وجرهمُ

فما عذرهم للمصطفى في معادهم

إذا قال:لِمْ خنتم عليّاً وجرتمُ ؟!

وما عذرهم إن قال:ماذا صنعتمُ

بصنويَ من بعدي ؟! وماذا فعلتم ؟!

عهدتُ إليكم بالقبول لأمره

فِلم حلتمُ عن عهدهِ وغدرتمُ ؟!

نبذتم كتاب الله خلف ظهوركم

وخالفتموه ؟ بئس ما قد صنعتمُ

وخلَّفت فيكم عترتي لهداكمُ

فكم قمتمُ في ظلّهم وقعدتمُ ؟!

قلبتم لهم ظهر المجنّ وجرتمُ

عليهم وإحساني إليكم كفرتمُ

وما زلتمُ بالقتل تطغون فيهمُ

إلى أن بلغتم فيهمُ ما أردتمُ

كأنَّهمُ كانوا من الرّوم فالتقت

سراياكمُ صلبانهم وظفرتمُ

ولكن أخذتم من بنيَّ بثاركم

فحسبكمُ خزياً على ما اجترأتمُ

منعتم تراثي ابنتي لا أباً لكم

فلم أنتمُ آباءكم قد ورثتمُ ؟!

وقلتم: نبيُّ لا تُراث لولده

أللَأجنبيَّ الإرث فيما زعمتمُ ؟!

فهذا سليمانٌ لداود وارثٌ

ويحيي لزكريّا فِلم ذا منعتمُ ؟!

فإن كان منه للنبوَّة وارثاً ؟!

كما قد حكمتم في الفتاوى وقلتمُ


فقد ينبغي نسل النبيِّين كلّهم

ومن جاء منهم بالنبوَّة يوسمُ

وقلتم:حرامُ متعة الحجِّ والنسا

أعن ربِّكم ؟! أم عنكمُ ما شرعتمُ ؟!

زناتكم تعفون عنهم ومن أتى

إليكم من المستمتعين قتلتمُ

ألم يأت:ما استمتعتمُ من حليلةٍ

فآتوا لها من أجرها ما فرضتمُ ؟!

فهل نسخ القرآن ما كان قد أتى

بتحليله ؟! أم أنتمُ قد نسختمُ ؟!

وكلُّ نبيٍّ جاء قبل وصيِّه

مطاعٌ وأنتم للوصيِّ عصيتمُ

ففعلكمُ في الدين أضحى منافياً

لفعلي وأمري غير ما قد أمرتمُ

وقلتم:مضى عنّا بغير وصيّةٍ

ألم يوص لو طاوعتمُ وامتثلتمُ ؟!

وقد قال:من لم يوص من قبل موته

يمت جاهلاً. بل أنتمُ قد جهلتمُ

نصبتُ لكم بعدي إماماً يدلّكم

على الله فاستكبرتمُ وظلمتمُ

وقد قلت في تقديمه وولائه

عليكم بما شاهدتمُ وسمعتمُ

:عليُّ غدا منّي محلّاً وقربةً

كهارون من موسى فِلمْ عنه حلتمُ ؟!

شقيتم به شقوى ثمود بصالح

وكلُّ امرئٍ يبقى له ما يُقدِّمُ

و ملتم إلى الدنيا فضلّت عقولكم

ألا كلُّ مغرورٍ بدنياه يندمُ

لحى الله قوماً أجلبوا وتعاونوا

على ( حيدر ) فيما أساؤا وأجرموا

زووا عن أمير النحل بالظلم حقَّه

عناداً له والطّهر يغضي ويكظمُ

وقد نصَّها يوم ( الغدير ) محمَّدُ

وقال:ألا يا أيّها الناس فاعلموا

لقد جاءني في النصِّ:بلّغ رسالتي

وها أنا في تبليغها المتكلّمُ

عليُّ وصيّي فاتبعوه فإنَّه

إمامكمُ بعدي إذا غبتُ عنكمُ

فقالوا:رضيناه إماماً وحاكماً

علينا ومولىً وهو فينا المحكّمُ

رأوا رشدهم في ذلك اليوم وحده

ولكنَّهم عن رشدهم في غدٍ عموا

فلمّا توفّي المصطفى قال بعضهم:

أيحكم فينا ؟ لا، وباللّاتِ نقسمُ

ونازعه فيها رجال ولم يكن

لهم قدمٌ فيها ولا متقدّمُ

وظلّوا عليها عاكفين كأنَّهم

على غرَّةٍ كلُّ لها يتوسَّمُ

يقيمُ حدود الله في غير حقِّها

ويفتي إذا استفتي بما ليس يعلمُ


يُكفِّر هذا رأي هذا بقوله

وينقض هذا ما له ذاك يبرمُ

وقالوا:اختلاف الناس في الفقه رحمةٌ

فلم يك من هذا يحلُّ ويحرمُ

أربّان للإنسان ؟! أم كان دينهم

على النقص من دون الكمال فتمَّموا؟!

أم الله لا يرضى بشرع نبيِّه

فعادوا وهم في ذاك بالشرع أقومُ ؟!

أم المصطفى قد كان في وحي ربِّه

ينقِّص في تبليغه ويُجمجم ؟!

أم القوم كانوا أنبياءاً صوامتاً

فلمّا مضى المبعوث عنهم تكلّموا ؟!

أم الشَّرع فيه كان زيغٌ عن الهدى

فسوَّوه من بعد النبيِّ وقوَّموا ؟!

أم الدين لم يكمل على عهد أحمد

فعادوا عليه بالكمال وأحكموا ؟!

أما قال:إنّي اليوم أكملتُ دينكم

وأتممتُ بالنعماء منّي عليكمُ ؟!

وقال:أطيعوا الله ثمَّ رسوله

تفوزوا ولا تعصوا اُولي الأمر منكمُ

فِلمْ حرَّموا ما كان حلّاً ؟! وحلّلوا

بفتواهمُ ما جاز وهو محرَّمُ ؟!

ترى الله فيما قال قد زلَّ ؟! أم هَذا

نبيُّ الهدى ؟! أم كان جبريل يوهمُ ؟!

لقد أبدعوا ممّا نووا من خلافهم

وقال:اقبلوا ممّا يقول وسلّموا

وإلّا تركتم إنْ أبيتم رماحنا

وأسيافنا فيكم تسدّى وتلحمُ

وما مات حتَّى أكمل الله دينه

ولم يبق أمرٌ بعد ذلك مبهمُ

ولكنْ حقودٌ أظهرت وضغائنٌ

وبغيٌ وجورٌ بيِّنُ الظلم منهمُ

يُقرَّب مفضولٌ ويُبعَد فاضلٌ

ويَسكت منطيقٌ وينطق أبكمُ

وما أخَّروا فيها عليّاً لموجبٍ

ولكن تعدُّ منهمُ وتظلّمُ

وكم شرعوا في نقضِ ما شاد أحمدُ

ولكنَّ دين الله لا يتهدَّم

وحاشى لدينٍ شيَّد الحقُّ ركنه

بسيف عليّ يعتريه التهدُّمُ

فحسبهمُ في ظلم ( آل محمّد )

من الله في العقبى عقابٌ ومأثمُ

فإن غصبوهم أمر دنيا دنيَّة

فما لهمُ في الحشر أبقى وأدومُ

فهل عظمتْ في الدهر قطُّ مصيبة

على الناس إلّا وهي في الدين أعظمُ؟!

تولّى بإجماع على النّاس أوّلٌ

ونصَّ على الثاني بها وهوُ مغرمُ

وقال:اقيلوني فلستُ بخيركم

فلِمْ نصّها لو صحَّ ما كان يزعمُ؟!


وأثبتها في جوره بعد موته

صهاكيَّةٌ خشناء للخصم تكلمُ

ولو أدرك الثاني لمولى حذيفة

لوّلاه دون الغير والأنف يُرغمُ

وقد نالها شورى من القوم ثالثُ

وجُرِّد سيفُ للوصي ولهذمُ

أشورى ؟ وإجماعُ ؟ ونصُّ ؟ خلافةٌ

تعالوا على الإسلام نبكي ونلطمُ

وصاحبها المنصوص عنها بمعزلٍ

يُديمُ تلاوات الكتاب ويختمُ

ولو أنَّه كان المولّى عليهمُ

إذن لهداهم فهو بالأمر أعلمُ

هو العالم الحَبر الذي ليس مثله

هو البطل القرم الهزبر الغشمشمُ

وما زال في بدرٍ واُحدٍ وخيبرٍ

يفلُّ جيوش المشركين ويحطمُ

يكرُّ ويعلوهم بقائم سيفه

إلى أن أطاعوا مكرهين وأسلموا

وما دخلوا الإسلام ديناً وإنَّما

منافقة كي يُرفع السَّيف عنهمُ

وقالوا:عليُّ كان في الحكم ظالماً

ليكثر بالدَّعوى عليه التظلّمُ

وقالوا:دماء المسلمين أراقها

وقد كان في القتلى برئُ ومجرمُ

فقلتُ لهم:مهلّا عدمتم صوابكم

وصيُّ النبيُّ المصطفى كيف يظلمُ

أراق دماء المسلمين ؟! فوالّذي

هدانا به ما كان في القوم مسلمُ

ولكنّه للناكثين بعهدهِ

وممَّن تعدّى منهم كان ينقمُ

أما قال:أقضاكم عليُّ محمَّدٌ

كذا قد رواه الناقد المتقدّمُ

فإن جار ظلماً في القضايا بزعمكم

عليُّ فمَن زكّاه لا شكّ أظلمُ

فيا ليتني قد كنت بالأمس حاضراً

فأشركه في قتلهم فننظر واُصمّمُ

وألقى إ~لهي دونهم بدمائهم

فننظر عند الله مَن يتندَّمُ

فمَن كعليٍّ عند كلّ ملمّةٍ

إذا ما التقى الجمعان والنقع مفعمُ ؟!

ومَن ذا يُساميه بعلمٍ ولم يزلْ

يقول:سلوني ما يحلّ ويحرمُ؟!

سلوني ففي جنبيَّ علمٌ ورثته

عن المصطفى ما فاه منِّي به الفمُ

سلوني عن طرق السّموات إنَّني

بها من سلوك الأرض والطرق أعلمُ

ولو كشف الله الغطا لم أزد به

يقيناً على ما كنت أدري وأعلمُ

وكاين له من آيةٍ وفضيلةٍ

ومن مكرمات ما تعمُّ وتكتمُ


فمَن ختمت أعماله عند موته

بخير فأعمالي بحبِّيه تختمُ

فيا ربّ بالأشباح ( آل محمَّد )

نجوم الهدى للناس والاُفق مظلمُ

وبالقائم المهديّ من ( آل أحمد )

وآبائه الهادين والحقُّ معصمِ

تفضّل على ( العودي ) منك برحمة

فأنت إذا استرحمت تعفو وترحمُ

تجاوز بحسن العفو عن سيّئاته

إذا ما تلظّت في المعاد جهنّمُ

ومنّ عليه من لدنك برأفةٍ

فإنّك أنت المنعم المتكرِّمُ

فإن كان لي ذنبٌ عظيمٌ جنيته

فعفوك والغفران لي منه أعظمُ

وإن كنت بالتشبيب في الشعر ابتدي

فإنِّي بمدح الصفوة الزّهر أختمُ

وله قصيدةٌ اُخرى يذكر فيها حديث الغدير ويراه نصّاً على الإمامة والخلافة لأمير المؤمنينعليه‌السلام بعد النبيِّ الأعظم صلوات الله عليه وآله أوّلها:

بفنا الغريّ وفي عراص العلقم

تمحا الذنوب عن المسئ المجرم

قبران قبرُ للوصيّ وآخرٌ

فيه الحسين فعج عليه وسلّمِ

هذا قتيلٌ بالطفوف على ظماً

وأبوه في كوفان ضُرّج بالدمِ

وإذا دعا داعي الحجيج بمكّة

فإليهما قصد التقيِّ المسلمِ

فاقصدهما وقل:السَّلام عليكما

وعلى الأئمَّة والنبيِّ الأكرمِ

أنتم بنو طاها وقاف والضّحى

وبنو تبارك والكتاب المحكمِ

وبنو الأباطح والمسلخ والصَّفا

والركن والبيت العتيق وزمزمِ

بكم النجاة من الجحيم وأنتمُ

خير البريَّة من سلالة آدمِ

أنتم مصابيح الدُّجى لمن اهتدى

والعروة الوثقى التي لم تُفصمِ

وإليكمُ قصد الوليِّ وأنتمُ

أنصاره في كلِّ خطبٍ مولمِ

وبكم يفوز غداً إذا ما أضرمت

في الحشر للعاصين نار جهنَّمِ

مَن مثلكم في العالمين وعندكمْ

علم الكتاب وعلم ما لم يعلمِ ؟!

جبريل خادمكم وخادم جدِّكمْ

ولغيركم في ما مضى لم يخدمِ

أبني رسول الله:إنَّ أباكمُ

من دوحةٍ فيها النبوَّةُ ينتمي

آخاه من دون البريّة ( أحمد )

واختصَّه بالأمر لو لمُ يظلم


نصَّ الولاية والخلافة بعده

يوم ( الغدير ) له برغم اللوَّمِ

ودعا له الهادي وقال ملبيّاً

يا ربِّ قد بلّغت فاشهد واعلمِ

حتَّى إذا قبض النَّبي واصبحوا

مثل الذباب تلوح حول المطعمِ

نكثتْ ببيعته رجالٌ أسلمتْ

أفواههم وقلوبهم لم تسلمِ

وتداولوها بينهم فكأنَّها

كأسٌ تدور على عطاشٍ حُوَّمِ

[ ألقصيدة ٥٧ بيتاً ]

( ألشاعر )

ألرَّبيب أبو المعالي سالم بن عليّ بن سلمان بن عليّ المعروف بابن العودي [ العودي(١) ] التغلبي النيلي نسبة إلى بلدة النيل على نهر النيل المستمدّ من الفرات الممتدّ نحو الشرق الجنوبي وكانت ولادته بها سنة ٤٧٨.

لم أقف على ترجمة [ أبي المعالي ] أبسط مما نشرته مجلّة الغري [ النجفيّة ] الغرّاء في العدد الـ‍ ٢٢ و ٢٣ من السنة السابعة بقلم الدكتور مصطفى جواد البغدادي ذلك البحّاثة المنقِّب وإليك نصّه قال:

كان أبو المعالي من الشعراء الذين اشتهر شعرهم وقلّت أخبار سيرهم، فهو كوكبٌ من كواكب الأدب، ومشاهد نوره مجهولةٌ حقيقته أو حقائق أوصافه، وكان في الأيام التي جمع فيها عماد الدين الإصفهاني أخبار الشعراء ولذلك قال في نعته:شابُّ شبت له نار الذكاء وشاب لنظمه صرف الصهباء بصافي الماء، ودرّ من فيه شؤبوب الفصاحة يسقي من ينشده شعره راح الراحة، وردتُ واسطاً سنة خمسين [ يعني خمسين وخمسمائة ] فذكر لي انَّه كان بها للاسترفاد وقام في بعض الأيّام ينشد خادم الخليفة ( فاتنا )(٢) فسبقه غيره إلى الانشاد، فقعد ولم يعد إليه وسلّم على رفده وعليه وصمّم عزم الرحيل إلى وطنه بالنيل، ولقيته بعد ذلك في سنة أربع وخمسين بالهماميَّة. ا ه‍. واشارة العماد إلى أنَّه كان شابّاً من فلتات الشباب.

ويلوح لنا من أثناء هذا الخبر أنَّ إبن العودي كان مع تحريره انشاده لاسترفاده

____________________

١ - كما في شعره.

٢ - هو شمس الدين أبو الفضائل من أكابر مماليك بني العبّاس كان ناظر واسط يومئذ.


أبيّ النفس معتمداً بشعره والشاعر الأبيُّ المسترفد لا يورثه إباؤه إلّا الحرمان وإساءة الزَّمان. ومن شعره الذي نقله قطب الدين أبو يعلى محمَّد بن عليّ بن حمزة العلوي الأقساسي تغزّله بامرأة نصف ( أي متوسطة العمر ):

أبى القلب إلّا اُمّ فضل وإن غدت

تُعدّ من النصف الأخير لداتها

لقد زادها عندي المشيب ملاحةً

وإن زعم الواشي وساء عداتها

فإن غيَّرت منها الليالي ففي الحشا

لها حرق ما تنطفي زفراتها

فما نال منها الدَّهر حتّى تكاملت

كمالاً وأعيى الواصفين صفاتها

سبتني بفرعٍ فاحمٍ وبمقلةٍ

لها لحظاتٌ ما تفكُّ عناتها

وثغرٌ زهتْ فيه ثنايا كأنَّها

حصى بَرَد تشفى الصدار(١) شفاتها

ولمّا التقينا بُعدٍ بعد من النَّوى

وقد حان نحوي بالسّلام التفاتها

رأيتُ عليها للجمال بقيَّةٌ

فعاد لنفسي في الهوى نشواتها

وأنشد القاضي عبد المنعم بن مقبل الواسطي له:

هم أقعدوني في الهوى وأقاموا

وأبلوا جفوني بالسهادِ وناموا

وهمْ تركوني للعتاب دريئة

اُؤنِّب في حبّيهم واُلام

ولو أنصفوا في الحبّ قسمة بيننا(٢)

لهاموا كما بي صبوةٌ وهيامُ

ولكنَّهم لمَّا استدرّ لنا الهوى

كرمت بحفظي للوداد ولاموا

ولمّا تنادوا للرَّحيل وقوَّضت

لبينهمُ بالأبرقين خيامُ

رميت بطرفي نحوهم متأمِّلاً

وفي القلب منّي لوعةٌ وضرامُ

وعدتُ وبي ممّا أجنّ صبابةٌ

لها بين أثناه الضلوع كلامُ

إذا هاج بي وجدٌ وشوقٌ كأنَّما

تضمَّر أعشار الفؤاد سهامُ

ولائمة في الحبِّ قلت لها:اقصري

فمثليَ لا يُسلي هواه ملامُ

أأسلو الهوى بعد المشيب ولم يزل

يصاحبني مذ كنت وهو غلامُ ؟!

____________________

١ - وفي نسخة قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية عبد العزيز بن جماعة ( تسقى الصدار سفاتها ) قال الاميني:ما في المتن والهامش فيه تصحيف والصحيح:تشفى الصدى رشفاتها.

٢ - وفي نسخة صلاح الدين الصفدي:ولو أنصفوني قسمة الحب بيننا.


ولمّا جزعنا الرَّمل رمل عنيزة

وناحت بأعلى الدوحتين حَمامُ

صبوت اشتياقاً ثمَّ قلت لصاحبي

ألا إنّما نوح الحَمام حمامُ

تجهَّيز لبين أو تسلَّ عن الهوى

فمالك من ليلي الغداة لمامُ

وكيف يُرجّى النول عند بخيلةٍ

تروم الثريّا وهي ليس تُرامُ ؟!

مهفهفة الأعطاف أما جبينها

فصبحٌ وأمّا فرعها فظلامُ

فيا ليت لي منها بلوغاً إلى المنى

حلالاً فإن لم يُقض لي فحرامُ

وهذه المعاني التي أودعها إبن العودي قصيدة مألوفة متعالمة بين الشعراء إلّا أن نسج شعره عربيُّ بحتُ يضفي على تلك المعاني ما لا يستطيعه النسج السابري، وقد نقل الصفدي أبياتاً من هذه القصيدة ومن غيرها من شعر إبن العودي وذكر:أن شعره متوسّطٌ. ولا نرى في هذا الحكم حنقاً فإنَّه متوسطٌ حقّاً من حيث المعاني، ولكنَّه في حبكه وتأليفه من الطبقة الأولى فإنَّ العرب تنظر إلى المباني قبل المعاني، بحكم ما في لغتها من موسيقي وجرس ورنين، وهذا لا يعني انَّها تقر من النظم ما لا معنى له لأنَّ شرط صحة المباني احتوائها على صحَّة المعاني كائنةً ما كانت.

وقد نظم إبن العودي في الشعر المذهبيِّ الذي أكثر منه السيِّد الحميري وإبن حمّاد والعوني والناشي الأصغر وإبن علويَّة الأصفهاني(١) والورّاق القمي، ولما دخل إبن شهر آشوب العراق في أواسط القرن السادس ألفى شعر إبن العودي في المذهب تستهديه الآذان أفواه الشداة المنشدين فضمن كتابه مناقب آل أبي طالب شيئاً منه و كثيراً من شعر الناظمين في المذهب، وبعد ترك إبن شهر آشوب العراق إلى الشام حدثت ببغداد فتنٌ مذهبيَّة ووثب الحنابلة كعادتهم بأعدائهم في المذهب فأحرقوا كتبهم و فيها دواوين شعرائهم واضطهدوهم اضطهاداً فضيعاً فضاع كلُّ ذلك الأدب غثه وسمينه وصار طعمة للنار، والظاهر انَّ ذلك الضرب من النظم في شعر إبن العودي هو الذي حمل محبّ الدين محمَّداً المعروف بابن النجّار البغدادي على أن يقول في ترجمة إبن العودي:[ كان رافضياً خبيثاً يهجو الصَّحابة ]. ومن شعر إبن العودي في إقامته مدّة بواسط:

____________________

١ - مرت تراجم هؤلاء الشعراء الخمسة في الجزء الثاني والثالث والرابع من كتابنا هذا وكلهم من شعراء الغدير.


يؤرّقني في واسط كلّ ليلة

وساوس همٍّ من نوىَ وفراقِ

فيا للهوى هل راحمٌ لمتيِّم

يعلُّ بكأس للفراق دهاقِ ؟!

خليليَّ هل ما فات يُرجى ؟ و هل لنا

على النأي من بعد الفراق تلاقي ؟!

فإن كنت اُبدي سلوةً عن هواكُم

فإنَّ صباباتي بكم لبواقي

ألا يا حمامات على نهر سالمٍ

سلمتِ ووقّاكِ التفرُّقَ واقي

تعالين نُبد النّوح كلّ بشجوه

فإنَّ اكتتام الوجد غير مطاقِ

على أنّ وجدي غير وجدك في الهوى

فدمعيَ مهراقٌ ودمعك راقي

وما كنت أدري بعد ما كان بيننا

من الوصل انِّي للفراق مُلاقي

فها أنتِ قد هيجتِ لي حرق الجوى

وأبديت مكنون الهوى لوفاقي

وأسهرتني بالنّوح حتّى كأنَّما

سقاك بكاسات التفرُّق ساقي

فلا تحسبي إنّي نزعت عن الهوى

وكيف نزوعي عنه بعد وفاقي ؟!

ولكنَّني أخفيت ما بي من الجوى

لكي لا يرى الواشون ما أنا لاقِ

قال الشريف قطب الدين أبو يعلى محمَّد بن علي بن حمزة:أنشدني الربيب أبو المعالي سالم إبن العودي في منزلي مستهلّ صفر سنة خمسين وخمسمائة:

ما حبستُ الكتاب عنك لهجر

لا ولا كان ذاكمُ عن تجافي

غير أنَّ الزَّمان يحدث للمر

ء اموراً تنسيه كلّ مصافي

شيمٌ مرَّت الليالي عليها

والليالي قليلة الإنصافِ

وهذه أبياتٌ حكميَّةٌ كريمةٌ منتزعةٌ معانيها من صميم الحقيقة الحيويَّة، وقال الحسن بن هبة الله التغلبي المعروف بابن مصري الدمشقي:أنشدني أبو المعالي سالم بن على العودي لنفسه:

دع الدنيا لمن أمسى بخيلاً

وقاطع من تراه لها وصولا

ولا تركن إلى الأيّام واعلم

بأنَّ الدهر لا يُبقي جليلا

فكم قد غرَّت الدنيا اُناساً

وكم قد أفنت الدنيا قبيلا

وما هذي الحياة وإن تراخت

بممتعة بها إلّا قليلا

فويلٌ لابن آدم من مقام

يكون به العزيز غداً ذليلا


قال:وأنشدني أبو المعالي لنفسه:

أ اُخَّىَّ إنَّك ميِّتُ

فدع التعلّل بالتَّمادي

لا تركننَّ إلى الحيا

ة فإنَّ عزّك في نفادِ

أزف الرَّحيل فلا تكن

ممِّن يسير بغير زادِ

يا غافلاً والموت يقـ

ـدح في سنيه بلا زنادِ

لا بدَّ يوماً للنبا

ت إذا تكامل من حصادِ

وأنشدني لنفسه:

لا أقتضيك على السِّماح فإنَّه

لك عادةٌ لكنّني أنا مذكرُ

إن السحاب إذا تمسَّك بالندى

رغبوا إليه بالدعاء فيمطرُ

وأنشدني نفسه:

سيَّدي عُدْ إلى الوصا

ل فقد شفَّني الضنا

وترفَّق بعاشقٍ

ما له عنك من غنى

إن تكن تطلب الصَّوا

ب بوصلٍ فها أنا

أو ترد بالنَّوى دنوَّ

حِمامي فقد دنا

وأنشد:

يا عاتبين على عانٍ يحبّكمُ

لا تجموا بين عتب في الهوى وعنا

إن كان صدَّكمُ عنَّي حدوث غنى

فما لنا عنكمُ حتّى الممات غنى

ومن شعره قوله:

يقولون:لو داويت قبلك لارعوى

بسلوانه عن حبِّ ليلى وعن جملْ

وهيهات يبرأ بالنمائم والرُّقى

سليم الثنايا الغرّ والحدق النجلْ

ولم أقف على سنة وفاة إبن العودي، إلا أنَّ سنة ولادته [ أعني سنة ٤٧٨ ] ورواية عماد الدين الإصفهاني له سنة ٥٥٤ بالهماميّة قرب واسط لا تتركان للظنِّ أن يغالي في بقائه طويلاً بعد سنة ٤٥٤ المذكورة بل لا أراه قد جاوز سنة ٥٥٨ فإنَّها تجعل عمره ثمانين سنة وذلك من نوادر الاعمار في هذه الدِّيار. ا ه‍.


ألقرن السّادس

٤٩

ألقاضي الجليس

ألمتوفّى ٥٦١

١

دعاه لو شك البين داعٍ فأسمعا

وأودع جسمي سقمه حين ودَّعا

ولم يُبق في قلبي لصبري موضعاً

وقد سار طوع النأي والبعد موضعا

أجنّ إذا ما الليل جنَّ كآبة

واُبدي إذا ما الصبح أزمع أدمعا

وما انقدتُ طوعاً للهوى قبل هذه

وقد كنت الوى عنه ليناً وأخدعا

إلى أن يقول:

تصاممتُ عن داعي الصبابة والصبي

ولبَّيتُ داعي آل أحمد إذ دعا

عشوتُ بأفكاري إلى ضوء علمهم

فصادفتُ منه منهج الحقِّ مهيعا

علقت بهم فليلح في ذاك من لحى

تولَّيتهم فلينع ذلك من نعا

تسرَّعت في مدحي لهم متبرِّعاً

وأقلعت عن تركي له متورّعا

هم الصّائمون القائمون لربِّهم

هم الخايفوه خشيةً وتخشّعا

هم القاطعوا الليل البهيم تهجّداً

هم العامروه سُجّداً فيه ركّعاً

هم الطيبوا الأخيار والخير في الورى

يروقون مرئى أو يشوقون مسمعا

بهم تُقبل الأعمال من كلِّ عاملٍ

بهم تُرفع الطاعات ممَّن تطوّعا

بأسمائهم يُسقى الأنام ويهطل الغـ

ـمام وكم كربٍ بهم قد تقشّعا

هم القائلون الفاعلون تبرُّعاً

هم العالمون العاملون تورُّعا

أبوهم وصيُّ المصطفى حاز علمه

وأودعه من قبل ما كان أودعا

أقام عمود الشرع بعد اعوجاجه

وساند ركن الدين أن يتصدّعا

_٢٤_


وواساه بالنفس النفيسة دونهم

ولم يخش أن يلقى عداه فيجزعا

وسمَّاه مولاهم وقد قام معلناً

ليتلوَه في كلِّ فضل ويشفعا

فمَن كشف الغمّاء عن وجه أحمد

وقد كربت أقرانه أن يقطّعا ؟!

ومَن هزَّ باب الحصن في يوم خيبر

فزلزل أرض المشركين وزعزعا ؟!

وفي يوم بدرٍ من أحنَّ قليبها

جسوماً بها تدمي وهاماً مقطَّعا ؟!

وكم حاسدٍ أغراه بالحقد فضله

وذلك فضلٌ مثله ليس يُدَّعا

لوى غدره يوم ( الغدير ) بحقِّه

وأعقبه يوم ( البعير ) واتبعا

وحاربه القرآن عنه فما ارعوى

وعاتبه الإسلامُ فيه فما وعى

إذا رام أن يخفى مناقبه جلت

وإن رامَ أن يُطفى سناه تشعشعا

متى همّ أن يطوي شذى المسك كاتم

أبى عرفه المعروف إلّا تضوّعا

ومنها:

أيا اُمَّةً لم ترع للدين حرمةً

ولم تبق في قوس الضَّلالة منزعا

بأيّ كتاب أم بأيَّة حجَّة

نقضتم بها ما سنَّه الله أجمعا ؟!

غصبتم وليّ الحق مهجة نفسه

وكان لكم غصب الامامة مقنعا

وألجمتمُ آل النبيّ سيوفكم

تفرى من السادات سوقاً وأذرعا

وحلّلتمُ في كربّلاء دماءَهم

فأضحت بها هيم الأسنَّة شرّعا

وحرَّمتمُ ماء الفرات عليهمُ

فأصبح محظوراً لديهم ممنَّعا

ألقصيدة ٥٦ بيتاً

٢

وله في رثاء الإمام السبط الشهيدعليه‌السلام قوله:

إن خانها الدمع الغزيرُ

فمَن الدّماء لها نصيرُ

دعها تسحُّ ولا تشحَّ

فرزءها رزءٌ كبيرُ

ما غصبُ فاطمة تراث

( محمَّد ) خطبٌ يسيرُ

كلّا ولا ظلم الوصيِّ و

حقّه الحقّ الشهيرُ

نطق النّبيُّ بفضله وهو

المبشِّر والنذيرُ


جحدوه عقد ولايةٍ قد غرَّ جاحده الغرورُ

غدروا به حسداً له وبنصِّه شهد ( الغديرُ )

حظروا عليه ما حباه بفخره وهمُ حضورُ

يا اُمّةً رعت السّها وإمامها القمر المنيرُ

إن ضلَّ بالعجل اليهود فقد أضلّكم البعيرُ

لهفي لقتلى الطفِّ إذ خذل المصاحب والعشيرُ

وافاهمُ في كربلا يومٌ عبوسٌ قمطريرُ

دلفتْ لهمْ عصب الضّلال كأنَّما دُعي النفيرُ

عجباً لهم لم يلقهم من دونهم قدرٌ مبيرُ

أيُمار فوق الأرض فيض دم الحسين ولا تمورُ؟!

أترى الجبال درت ولم تقذفهمُ منها صخورُ ؟!

أم كيف إذ منعوه وِرد الماء لم تَغرِ البحورُ ؟!

حرم الزّلال عليه لمّا حُلّلت لهم الخمورُ

ألقصيدة ٣٦ بيتاً

٣

وله من قصيدة تناهز ٢٩ بيتاً مطلعها:

كم قد عصيت مقال الناصح الناهي

ولذت منكم بحبلٍ واهنٍ واهِ

ويقول فيها:

حبِّي لآل رسول الله يعصمني

من كلِّ إثمٍ وهم ذخري وهم جاهي

يا شيعة الحقّ قولي بالوفاء لهم

وفاخري بهمُ من شئت أو باهي

إذا علقت بحبلٍ من أبي حسنٍ

فقد علقت بحبلٍ في يد الله

حمى الإ~له به الإسلام فهو به

يزهي على كلِّ دين قبله زاهٍ

بعل البتول وما كنَّا لتهدينا

أئمَّةٌ من نبيِّ الله لولا هي

نصَّ النبيّ عليه في ( الغدير ) فما

زواه إلّا ظنينٌ دينه واهِ


( ألشاعر )

أبو المعالي عبد العزيز بن الحسين بن الحباب(١) الأغلبي السعدي الصقلي المعروف بالقاضي الجليس. من مقدّمي شعراء مصر وكتَّابهم، ومن ندماء الملك الصالح طلايع بن رزّيك [ الذي مرَّت ترجمته ص ٣٤٤ ] وأحسب أنَّ تلقيبه بالجليس كان لمجالسته إيّاه متواصلاً، وهو ممَّن اغرق نزعاً في موالاة العترة الطاهرة كما ينم عنه شعره، ولمعاصره الفقيه عمارة اليمني [ الآتي ذكره ] شعر يمدحه، منه قصيدة في كتابه ( النكت العصرية ) ص ١٥٨ قالها سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، أوّلها:

هي سلوةٌ حلّت عقود وفائها

مذ شفَّ ثوب الصبر عن برحائها

ومنها:

لم أسأل الرُّكبان عن أسمائها

كفلاً بها لولا هوى أسمائها

وسألت أيّامي صديقاً صادقاً

فوجدت ما أرجوه جلَّ رجائها

ومنها:

ولقد هجرت إلى ( الجليس ) مهاجراً

عصباً يضيم الدهر جار فنائها

مستنجداً لأبي المعالي همَّة

تغدو المعالي وهي بعض عطائها

لمّا مدحتَ علاه أيقنت العدى

أنَّ الزمان أجار من عدوائها

واغدَّ سعديّ الأوامر أبلج

يلقى سقيمات المنى بشفائها

ومنها:

نذرت مصافحة الغمام أناملي

فوفت غمائم كفِّه بوفائها

وقال كما في نكته العصريَّة ص ٢٥٢ وقد حدث للقاضي الجليس مرضٌ أخَّره عن حضور مجلس الملك الصّالح طلايع بن رُزّيك:

وحقّ المعالي يا أباها وصنوها

يمين امرئ عاداته القسم البرُّ

لقد قصرت عمّا بلغت من العلى

وأحرزته إبناء دهرك والدهرُ

متى كنتً يا صدر الزمان بموضع

فرتبتك العليا وموضعك الصدرُ

ولمّا حضرنا مجلس الاُنس لم يكن

على وجهه إذ غبت إنسٌ ولا بشرُ

____________________

١ - في معجم الادباء ج ٣ ص ١٥٧:الخباب.


فقدناك فقدان النفوس حياتها

ولم يك فقد الأرض أعوزها القطرُ

وأظلم جوَّ الفضل إذ غاب بدره

وفي الليلة الظلماء يفتقد البدرُ

ترجمه العماد في ( الخريدة ) وأثنى عليه بالفضل المشهور، وإبن كثير في تاريخه ١٢ ص ٢٥١، وإبن شاكر في ( فوات الوفيات ) ج ١ ص ٢٧٨ فقال:تولّى ديوان الإنشاء للفائز مع الموفق بن الخلال ومن شعره:

ومن عجبي إنَّ الصوارم والقنا

تحيض بأيدي القوم وهي ذكورُ

وأعجب من ذا أنَّها في أكفّهم

تأجَّج ناراً والأكفُّ بحورُ

وله في طبيب:

وأصل بليَّتي مَن قد غزاني

من السقم الملحِّ بعسكرينِ

طبيبٌ طبّه كغراب بينٍ

يفرِّق بين عافيتي وبيني

أتى الحمّى وقد شاخت وباخت

فعاد لها الشباب بنسختينِ

ودبَّرها بتدبيرٍ لطيفٍ

حكاه عن سنين أو حنينِ

وكانت نوبة في كلِّ يوم

فصيَّرها بحذقٍ نوبتينِ

وله في طبيب ايضاً:

يا وارثاً عن أب وجدِّ

فضيلة الطبِّ والسدادِ

وحاملاً ردَّ كلِّ نفس

همت عن الجسم بالبعادِ

اُقسم لو قد طببتَ دهراً

لعاد كوناً بلا فسادِ

وله:

حيّا بتفاحةٍ مخضَّبة

مَن شفَّني حبّه وتيَّمني

فقلت:ما إن رأيت مشبهها

فأحمرَّ من خجلةٍ فكذَّبني

وله:

رُبَّ بيض سللن باللحظ بيضا

مرهفات جفونهنّ جفونُ

وخدود للدمع فيها خدودُ

وعيونٍ قد فاض فيها عيونٌ

وقال أيضاً:

ألمَّتْ بنا والليل يزهي بلمَّةٍ

دجوجيَّةٍ لم يكتهل بعد فوداها


فأشرق ضوء الصبح وهو جبينها

وفاحت أزاهير الرّبا وهي ريّاها

إذا ما اجتنت من وجهها العين روضة

أسالت خلال الروض بالدَّمعِ أمواها

وإنّي لأستسقي السحاب لربعها

وإن لم تكن إلّا ضلوعي مَأواها

إذا استعرت نار الأسى بين أضلعي

نضحت على حرِّ الحشا برد ذكراها

وما بيَ أن يصلى الفؤاد بحرِّها

ويضرم لولا أنَّ في القلب سكناها

كان القاضي الجليس كبير الأنف وكان الخطيب أبو القاسم هبة الله بن البدر المعروف بابن الصيّاد مولعاً بأنفه وهجائه وذكر انفه في اكثر من ألف مقطوع فانتصر له ابو الفتح ابن قادوس [ المترجم في هذا الجزء ص ٣٣٨ ] فقال:

يا مَن يعيب اُنوفنا الشـ

ـمّ التي ليست تُعابُ

ألأنف خلقة ربِّنا

وقرونك الشمّ اكتسابُ

وله شعرٌ في رثاء والده وقد غرق في البحر بريح عاصفٍ. ا ه‍.

والمترجم هو الذي قرظ أبا محمَّد بن الزبير الحسن بن علي المصري المتوفّى سنة ٥٦١ عند الملك الصّالح حتّى قدمه، فلمّا مات شمت به إبن الزبير ولبس في جنازته ثياباً مذهَّبة، فنقص عند الناس بهذا السبب واستقبحوا فعله، ولم يعش بعد الجليس إلّا شهراً واحداً(١) .

كان الملك الصّالح طلايع لا يزال يحضر في ليالي الجمع جلساؤه وبعض اُمراءه لسماع قرائة صحيح مسلم والبخاري وأمثالهما من كتب الحديث وكان الذي يقرأ رجلاً أبخر فلعهدي وقد حضر المجلس مع الأمير عليّ بن الزبير والقاضي الجليس أبي محمَّد وقد أمال وجهه إلى القاضي إبن الزبير وقال له:

وأبخر قلت:لا تجلس بجنبي

فقال إبن الزبير:

إذا قابلت بالليل البخاري

فقال القاضي الجليس:

فقلت وقد سألت بلا احتشام

لأنَّك دائماً مِن فيك خاري

أنشد بعض جلساء الملك الصالح بمجلسه بيتاً من الأوزان التي يسمّيها المصريّون

____________________

١ - معجم الادباء ٣ ص ١٥٧.


[ الزكالش ] ويسمِّيها العراقيّون [ كان وكان ].

ألنّار بين ضلوعي

ونا غريقٌ في دموعي

كني فتيلة قنديل

أموت غريق وحريق

وكان عنده القاضي الجليس والقاضي ابن الزبير فنظما معناه بديهاً فقال الجليس:

هل عاذرٌ إن رمت خلع عذاري

في شمِّ سالفةٍ ولثم عذارِ ؟!

تتألّف الأضداد فيه ولم تزل

في سالف الأيّام ذات نفارِ

وله من الزَّفرات لفح صواعق

وله من العبرات لجُّ بحارِ

كذبالة القنديل قدّر هلكها

ما بين ماءٍ في الزجاج ونارِ

وقال إبن الزبير:

كأنّي وقد سالت سيول مدامعي

فأذكت حريقاً في الحشا والترائبِ

ذبالة قنديل تقوم بمائها

وتشعل فيها النار من كلِّ جانبِ(١)

كتب أبو المعالي إلى القاضي الرشيد المصري(٢) قوله:

ثروة المكرمات بعدك فقرُ

ومحلّ العلى ببعدك قفرُ

بك تجلى إذا حللت الدياجي

وتمرّ الأيّام حيث تمرُّ

أذنب الدهر في مسيرك ذنباً

ليس منه سوى إيابك عذرُ(٣)

حُكي انَّه استأذن هو والقاضي الرشيد ذات يوم على أحد الوزراء فلم يأذن لهما واعتذر عن المواجهة ووجدا عنده غلظة من الحجّاب، ثمَّ عاوداه مرَّة اُخرى واستأذنا عليه فقيل لهما:إنَّه نائمٌ. فخرجا من عنده فقال القاضي الرشيد:

توقَّع لأيّام اللئام زوالها

فعمّا قليل سوف تنكر حالها

فلو كنت تدعو الله في كلِّ حالةً

لتبقى عليهم ما أمنت انتقالها

وقال القاضي الجليس:

لئن أنكرتمُ منّا ازدحاما

ليجتنبنَّكم هذا الزحامُ

وإن نمتم عن الحاجات عمداً

فعين الدهر عنكم لا تنامُ

____________________

١ - بدايع ج ١ ص ١٧٦ و ٢٣٧.

٢ - أبو الحسين أحمد بن علي الغساني المقتول ٥٦٣.

٣ - تاريخه ابن خلكان ج ١ ص ٥٤.


فلم يكن بعد أيّام حتى نكب الوزير نكبة عظيمة [ مرآة الجنان ٣ ص ٣٠٢ ] قال الصفدي في ( نكت الهميان )، كان الموفق بن الخلّال خال القاضي الجليس فحصل لابن الخلّال نكبة وحصل القاضي بسبب خاله إبن الخلّال صداعٌ فكتب القاضي إلى القاضي الرشيد.

تسمَّع مقاليَ يا بن الزبير

فأنت خليقٌ بأن تسمعه

نكبنا بذي نسبٍ شابكٍ

قليل الجدى في زمان الدعه

إذا ناله الخير لم نُرجه

وإن صفعوه صُفعنا معه

توفي القاضي الجليس سنة ٥٦١ وقد أناف على السبعين كما في ( فوات الوفيات ).

م - ذكر سيِّدنا العلّامة السيِّد أحمد العطّار البغدادي في الجزء الأوَّل من كتابه ( الرائق ) جملة من شعر شاعرنا الجليس منها قصيدةٌ يرثي بها أهل البيت الطاهرين ويمدح الملك الصالح بن رزّيك ويذكر مواقفه المشكورة في خدمة آل الله أوّلها:

لولا مجانبة الملوك الشاني

ما تمَّ شاني في الغرام بشأني [ ٥٠ بيتاً ]

وقصيدة في رثاء العترة الطاهرة تناهز ٦٦ بيتاً مطلعها:

أرأيت جرأة طيف هذا الزاير

ما هاب عاديه الغيور الزايرِ

وافى وشملته الظلام ولم يكن

ليزور إلّا في ظلامٍ ساترِ

فكأنَّه إنسان عين لم يلحْ

مذ قطّ إلّا في سواد الناظرِ

ما حكم أجفاني كحكم جفونها

شتَّان بين سواهرٍ وسواحرِ

وقصيدة يمدح بها الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه ويذكر الملك الصالح ويثني عليه تبلغ ٧٢ بيتاً مستهلّها:

على كلِّ خير من وصالك مانعُ

وفي كلِّ لحظٍ من جمالك شافعُ

وقصيدةٌ ٦٢ بيتاً يدعم بها إمرة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ويرثي الإمام السبطعليه‌السلام ويذكر الملك الصالح إبن رزِّيك ويطريه أوّلها:

ألا هل لدمعي في الغمام رسيلُ ؟!

وهل لي إلى برد الغليل سبيلُ ؟!

وذكر له قصيدةً لاميَّة تبلغ ٥١ بيتاً في المديح والرثاء لأهل البيت الطاهر صلّى الله عليهم وسلّم ].


ألقرن السّادس

٥٠

ابن مكى النيلى

ألمتوفَّى ٥٦٥

ألم تعلموا أنَّ النبيَّ ( محمَّداً )

بحيدرة أوصى ولم يسكن الرمسا ؟!

وقال لهم والقوم في ( خمِّ ) حُضَّر

ويتلو الذي فيه وقد همسوا همسا

: عليُّ كزرّي من قميصي وإنَّه

نصيري ومنّي مثل هارون من موسى

ألم تبصروا الثعبان مستشفعاً به

إلى الله والمعصوم يلحسه لحسا ؟!

فعاد كطاووس يطير كأنَّه

تغشرم في الأملاك فاستوجب الحبسا

أما ردَّ كفَّ العبد بعد انقطاعها ؟!

أما ردَّ عيناً بعدما طمست طمسا ؟!(١)

( ألشاعر )

سعيد(٢) بن أحمد بن مكّي النيلي المؤدِّب، من أعلام الشيعة وشعرائها المجيدين المتفانين في حبِّ العترة الطاهرة وولائها، المتصلِّبين في اعتناق مذهبهم الحقِّ، ولقد أكثر فيهم وأجاد وجاهر بمديحهم ونشر مئاثرهم حتّى نسبه القاصرون إلى الغلوِّ، لكن الرجل موالٍ مقتصد قد أغرق نزعاً في اقتفاء أثر القوم والإستضائة بنورهم الأبلج، وقد عدَّه إبن شهر اشوب في معالمه من المتَّقين من شعراء أهل البيت عليهم السَّلام.

قال الحموي في ( معجم الاُدباء ) ج ٤ ص ٢٣٠:المؤدِّب الشيعيّ كان نحويّاً فاضلا عالماً بالأدب مغالياً في التشيّع له شعرٌ جيّدٌ أكثره في مديح أهل البيت وله غزلٌ رقيق مات سنة ٥٦٥ وقد ناهز المائة ومن شعره:

قمرٌ أقام قيامتي بقوامه

لِمَ لا يجود لمهجتي بذمامهِ ؟!

ملّكتُه كبدي فأتلفَ مهجتي

بجمال بهجته وحسن كلامهِ

____________________

١ - مناقب ابن شهر اشوب ج ١ ص ٥٢٤ ط ايران.

٢ - في معجم الادباء وفوات الوفيات ( سعد ) وهو تصحيف.


وبمبسمٍ عذبٍ كأنَّ رُضا به

شهدٌ مذابٌ في عبير مُدامهِ

وبناظرٍ غنجٍ وطرفٍ أحورٍ

يصمي القلوب إذا رنا بسهامهِ

وكأنَّ خطّ عذاره في حسنه

شمس تجلّت وهي تحت لثامهِ

فالصبح يسفر من ضياء جبينه

والليل يُقبل من أثيث ظلامهِ

والظبي ليس لحاظه كلحاظه

والغصن ليس قوامه كقوامهِ

قمرٌ كأنَّ الحسن يعشق بعضه

بعضاً فساعده على قَسّامهِ

فالحسن من تلقائه وورائه

ويمينه وشماله وأمامهِ

ويكاد من تَرَفٍ لدقة خَصره

ينقدُّ بالأرداف عند قيامهِ

وقال العماد الكاتب:كان غالياً في التشيّع، حالياً بالتورُّع، عالماً بالأدب، معلّماً في الكتب، مقدّماً في التعصّب، ثمَّ أسنَّ حتّى جاوز حدّ الهرم، وذهب بصره وعاد وجوده شبيه العدم، وأناف على التسعين، وآخر عهدي به في درب صالح ببغداد في سنة إثنتين وستّين وخمسمائة.

قال الأميني:ألصحيح في تاريخ آخر عهد العماد بالمترجم سنة ٥٦٢ وهي سنة خروجه من بغداد ولم يغد إليهما بعدها حتّى مات سنة ٥٩٧ كما أرَّخه إبن خلكان في وفيات الأعيان ٢ ص ١٨٩. فما في ( فوات الوفيات ) ١ ص ١٦٩ و (دائرة المعارف ) لفريد وجدي ١٠ ص ٤٤٠ نقلاً عن العماد من سنة ٥٩٢ تصحيفٌ واضحٌ. والعجب انَّ هذا التاريخ أعني ٥٩٢ جُعل في [ شذرات الذهب ٤ ص ٣٠٩ ] و [ أعيان الشيعة ١ ص ٥٩٥ ] تاريخ وفاة إبن مكّي المترجَم له وأنت ترى انَّه تاريخ آخر عهد العماد بالمترجم لا تاريخ وفاته، على أنَّ الصحيح ٥٦٢ لا ٥٩٢ فالصحيح في وفاته كما مرَّ عن الحموي ٥٦٥. وكون المترجَم مذكوراً في معجم العماد الكاتب يومي إلى عدم وفاته سنة ٥٩٢، إذا الكتاب موضوعٌ لترجمة الشعراء الذين كانوا بعد المائة الخامسة إلى سنة ٥٧٢ كما في تاريخ إبن خلكان ٢ ص ١٩٠.

وقال عماد الدين ايضاً:أنشدني له إبن أخته عمر الواسطي الصفّار ببغداد قال:أنشدني خالي سعيد بن مكّي من كلمة له:

ما بال مغاني اللوى بشخصك إطلالْ

قد طال وقوفي بها وبثّي قد طالْ


ألربع دثور متناه قفار

والرِّبع محيلٌ بعد الأوانس بطّالْ

عفته دبورٌ وشمالٌ وجنوب

مع مرَ ملث مرخي العزالي محلالْ

يا صاح قفاً باللوى فسائل رسماً

قد خال لعلَّ الرسوم تنبيَّ عن حالْ

ما شفّ فؤادي إلّا لغيب غراب

بالبين ينُادي قد طار يضرب بالغالْ

مذ طار شجا بالفراق قلباً حزيناً

بالبين وأقصى بالبعد صاحبة الخالْ

تمشي تتهادى وقد ثناها دلُّ

من فرط حياها تخفي رنين الخلخالْ

وترجمه الصفدي في ( نكت الهميان ) و ابن شاكر في ( فوات الوفيات ) ١ ص ١٦٩ وقالا:له شعرٌ وأكثره مديحٌ في أهل البيت، ثمّ ذكرا عبارة العماد الاولى، و توجد ترجمته في ( لسان الميزان ) ٣ ص ٢٣ و ( مجالس المؤمنين ) ص ٤٦٩ ومن شعره المذهبيّ قوله يمدح به أمير المؤمنينعليه‌السلام :

فان يكن آدم من قبل الورى

نُبيَّ وفي جنّة عدن دارهُ ؟!

فإنَّ مولاي عليّاً ذا العُلى

من قبله ساطعةٌ أنوارهُ

تاب علي آدم من ذنوبه

بخمسةٍ وهو بهم أجارهُ

وإن يكن نوحٌ بني سفينةً

تُنجيه من سيل طمى تيّارهُ ؟!

فإنَّ مولاي عليّاً ذا العُلى

سفينةٌ تنجو بها أنصارهُ

وإن يكن ذو النّون ناجى حوته

في اليمِّ لمّا كضَّه حصارهُ ؟!

ففي جلندي(١) لِلإمام عبرةٌ

يعرفها مَن دلّه اختيارهُ

رُدَّت له الشمس بأرض بابلٍ

والليل قد تجلّلت أستارهُ

وإن يكن موسى دعى مجتهداً

عشراً إلى أن شقَّه انتظارهُ ؟!

وسار بعد ضرِّه بأهله

حتّى علت بالواديين نارهُ

فإنَّ مولاي عليّاً ذا العُلى

زوَّجه واختار مَن يختارهُ

وإن يكن عيسى له فضيلة

تدهش من أدهشه انبهارهُ ؟!

مَن حملته اُمّه ما سجدت

للّات بل شغَّلها استغفارهُ ؟!

ألبيت الأخير فيه إشارة إلى ما رواه الحلبي في السيرة الحلبيَّة ١ ص ٢٨٥،

____________________

١ - قصة الجلندى مذكورة في مناقب ابن شهر اشوب ج ١ ص ٤٥٥ ط ايران


وزيني دحلان في سيرته، والصفوري في نزهة المجالس ٢ ص ٢١٠ والشبلنجي في نور الأبصار من أنَّ أمير المؤمنين كان يمنع اُمَّه من السجود للصنم وهو حملٌ(١)

وله:

و ( محمَّد ) يوم القيامة شافعٌ

للمؤمنين وكلِّ عبد مُعنتِ

وعليّ والحسنان إبنا فاطمٍ

للمؤمنين الفائزين الشيعةِ

وعليّ زين العابدين وباقر العـ

ـلم التقيّ وجعفر هو منيتي

والكاظم الميمون موسى والرِّضا

علم الهدى عند النوائب عُدَّتى

ومحمَّد الهادي إلى سبل الهدى

وعليّ المهدي جعلت ذخيرتي

والعسكريَّين اللذين بحبِّهم

أرجو إذا أبصرت وجه الحجَّة

وله من قصيدة يمدح بها أمير المؤمنينعليه‌السلام ودحوه باب خيبر:

فهزَّها فاهتزَّ من حولهم

حصناً بنوه حجراً جلمدا

ثمَّ دحا الباب على نبذة

تمسح خمسين ذراعاً عددا

وعبَّر الجيش على راحته

حيدرة الطاهر لمّا وردا

وله من قصيدة مخاطباً أمير المؤمنينعليه‌السلام :

رددت الكفَّ جهراً بعد قطع(٢)

كردِّ العين من بعد الذهابِ

وجمجمة الجلندي وهو عظمٌ(٣)

رميمٌ جاوبتك عن الخطابِ

وله من قصيدة مرَّت عشرة إبيات منها نقلاً عن الحموي:

دع يا سعيد هواك واستمسك بمن

تسعد بهم وتزاح من آثامه

بمحمَّد وبحيدرٍ وبفاطمٍ

وبولدهم عقد الولا بتمامه

قومٌ يسرُّ وليّهم في بعثه

ويعضُّ ظالمهم على إبهامه

ونرى وليَّ وليِّهم وكتابه

بيمينه والنور من قدّامه

____________________

١ - مرت كلمتنا حول هذه الرواية في الجزء الثالث ص ٢٣٩.

٢ - اشارة الى قصة يد هشام بن عدي الهمداني وهي مذكورة في مناقب ابن شهر اشوب ١ ص ٤٧٣ ط ايران.

٣ - اشارة الى قصة جمجمة الجلندى توجد في مناقب ابن شهر اشوب ١ ص ٤٧٤.


يسقيه من حوض النبيِّ محمَّدٍ

كأساً بها يشفي غليل اُوامه

بيدي أمير المؤمنين وحسب من

يسقى به كأساً بكفّ إمامه

ذاك الذي لولاه ما اتَّضحت لنا

سُبل الهدى في غوره وشآمه

عبد الإ~له وغيره من جهله

ما زال معتكفاً على أصنامه

ما آصف يوماً وشمعون الصَّفا

مع يوشع في العلم مثل غلامه

وله في ردِّ بيتي يوسف الواسطي في الغمز على أمير المؤمنينعليه‌السلام وتخلّفه عن البيعة قوله:

ألا قل لمن قال في كفره

وربِّي على قوله شاهدُ

:[ اذا اجتمع الناس في واحد

وخالفهم في الرِّضا واحدُ ]

[ فقد دلَّ إجماعهم كلّهم

على أنَّه عقله فاسدُ ]

:كذبت وقولك غير الصحيح

وزعمك ينقده الناقدُ

فقد أجمعت قوم موسى جميعاً

على العجل يا رجس يا ماردُ

وداموا عكوفاً على عجلهم

وهارون منفردٌ فاردُ

فكان الكثير هم المخطئون

وكان المصيب هو الواحدُ

وله من قصيدة يمدح بها أمير المؤمنينعليه‌السلام :

خصَّه الله بالعلوم فأضحى

وهو يُنبئ بسرِّ كلِّ ضميرِ

حافظ العلم عن أخيه عن الله

خبيراً عن اللطيف الخبيرِ

( لفت نظر ) ذكر سيِّدنا الأمين في ( أعيان الشيعة ) ج ٦ ص ٤٠٧ ترجمة تحت عنوان [ أبي سعيد النيلي ] وأخذ ما في ( مجالس المؤمنين ) من ترجمة المترجم له وجعله ترجمةً لما عنونه، وأردفها بتحقيق في إسمه يقضى منه العجب، إستخرجه من شعر المترجم له المذكور ( دع يا سعيد هواك واستمسك بمن ) فقال:قوله:دع باسعيد ( با ) بالباء الموحَّدة مخفَّف أبا وحذف منه حرف الندا أي يا أبا. وقال ج ١٤ ص ٢٠٧:إبن مكّي اسمه سعد أو سعيد. وأرَّخ وفاته في ج ١ ص ٥٩٥ من الطبعة الأولى بسنة ٥٩٢، وفي الطبعة الثانية في القسم الثاني من الجزء الأول ١ ص ١٧٧ بسنة ٥٩٥، و نقل ترجمته عن إبن خلكان وإبن خلكان لم يذكره.


ألقرن السّادس

٥١

ألخطيب الخوارزمي

ألمولود ٤٨٤

ألمتوفّى ٥٦٨

ألا هل من فتى كأبي ترابِ

إمام طاهر فوق الترابِ ؟!

إذا ما مقلتي رمدت فكحلي

ترابٌ مسَّ نعل أبي ترابِ

محمَّد النبيُّ كمصر علم

أمير المؤمنين له كبابِ

هو البكّاء في المحراب لكن

هو الضحاك في يوم الحرابِ

وعن حمراء بيت المال أمسى

وعن صفرائه صفر الوطابِ

شياطين الوغى دُحروا دحوراً

به إذ سلَّ سيفاً كالشهابِ

علىُّ بالهداية قد تحلّى

ولمّا يدَّرع برد الشبابِ

عليُّ كاسر الأصنام لمّا

علا كتف النبيِّ بلا احتجابِ

عليُّ في النساء(١) له وصيُّ

أمينٌ لم يمانع بالحجابِ

عليُّ قاتلٌ عمرو بن ودّ

بضرب عامر البلد الخرابِ

حديث براءة وغدير خمّ

وراية خيبر فصل الخطابِ

هما مثلاً كهارون وموسى

بتمثيل النبيِّ بلا ارتيابِ

بني في المسجد المخصوص باباً

له إذ سدَّ أبواب الصّحابِ

كأنَّ الناس كلّهمُ قشورٌ

ومولانا عليُّ كاللبابِ

ولايته بلا ريبٍ كطوقٍ

على رغم المعاطس في الرِّقابِ

إذا عمر تخبَّط في جواب

ونبَّهه عليُّ بالصَّوابِ

يقول بعدله:لولا علىُّ

هلكتُ هلكتُ في ذاك الجوابِ

____________________

١ - اقرأ واضحك.


ففاطمةٌ ومولانا عليُّ

ونجلاه سروري في الكتابِ

ومن يك دأبه تشييد بيتٍ

فها أنا مدح أهل البيت دابي

وإن يك حبّهم هيهات عاباً

فها أنا مذ عقلت قرين عابِ

لقد قتلوا عليّاً مذ تجلّى

لأهل الحقِّ فحلاً في الضرابِ

وقد قتلوا الرِّضا الحسن المرجَّى

جواد العرب بالسمِّ المذابِ

وقد منعوا الحسين الماء ظلماً

وجُدِّل بالطعان وبالضّرابِ

ولولا زينب قتلوا عليّاً(١)

صغيراً قتل بقٍّ أو ذُبابِ

وقد صلبوا إمام الحقِّ زيداً

فيا لله من ظلم عجابِ

بنات محمَّد في الشمس عطشى

وآل يزيد في ظلِّ القبابِ

لآل يزيد من ادم خيامٌ

وأصحاب الكساء بلا ثيابِ(٢)

( ألشاعر )

الحافظ أبو المؤيّد وأبو محمَّد موفّق(٣) بن أحمد بن(٤) أبي سعيد إسحاق إبن المؤيّد المكّي الحنفي المعروف بأخطب خوارزم.

كان فقيهاً غزير العلم، حافظا طايل الشهرة، محدِّثا كثير الطرق، خطيباً طاير الصيت، متمكّناً في العربيَّة، خبيراً على السيرة والتاريخ، أديباً شاعراً، له خطبٌ و شعرٌ مدوَّن.

ذكره الحموي في ( معجم الاُدباء ) في ترجمة أبي العلاء الهمداني(٥) بالحفظ، وأثنى عليه الصفدي في ( الوافي بالوفيات)، والتقيّ الفارسي في ( العقد الثمين ) في تاريخ البلد الأمين:والقفطي في ( أخبار النحاة ) والسيوطي في ( بغية الوعاة ) ص ٤٠١،

____________________

١ - يعني الامام السجاد على بن الحسين.

٢ - القصيدة تبلغ ٤٦ بيتا طبعت في آخر كتابه ( المناقب ) وتوجد جملة منها في مقتله وأخذ منها ابن شهر آشوب في مناقبه.

٣ - في الفوائد البهية:موفق الدين أحمد بن محمد وهو تصحيف. وقد ذكر اسمه في شعره موفقا كما يأتي وهكذا يوجد في المصادر القديمة.

٤ - في العقد الثمين موفق بن أحمد بن محمد.

٥ - الحافظ الحسن العطار المقري المتوفى ٥٦٩.


ومحمَّد عبد الحيّ في ( الفوائد البهيَّة ) ص ٣٩، والسيِّد الخونساري في ( روضات الجنات ) ص ٢١، وجرجي زيدان في [ تاريخ آداب اللغة العربيَّة ] ٣ ص ٦٠، و صاحب ( معجم المطبوعات ) ص ١٨١٧ نقلاً عن الجواهر المضيَّة في طبقات الحنفيَّة للشيخ عبد القادر المصري، وتوجد ترجمته نقلاً عن الجواهر المضيَّة في أوَّل كتابه مناقب أبي حنيفة، والمعاجم بأسرها فارغةٌ عن بسط القول في مشايخه وتلامذته والرُّواة عنه وتآليفه القيّمة، فنحن نأخذ دروس تلكم النواحي من تآليفه وإجازات مشيخة العلم والحديث.

مشايخه في الأخذ والرواية

١ - ألحافظ نجم الدين عمر بن محمَّد بن أحمد النسفي المتوفّى ٥٣٧، أخذ منه العلم ويروي عنه.

٢ - أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري المتوفّى ٥٣٨، قرأ عليه في العربيّة والأدب ويروي عنه.

٣ - أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم بن أبي سهل الكروخي(١) الهروي المتوفّى ٥٤٨، أخذ عنه الحديث في منصرفه من الحجِّ ببغداد كما في الجزء الأوّل من مقتله.

٤ - أبو الحسن عليّ بن الحسين الغزنوي الملقب بالبرهان المتوفّى ٥٥١، أخذ منه الحديث في مدينة السَّلام في داره سلخ ربيع الأوّل سنة ٥٤٤.

٥ - شيخ الدين أبو الحسن عليّ بن أحمد بن محمويه الجويني البرذي المتوفّى ٥٥١.

٦ - أبو بكر محمَّد بن عبيد الله بن نصر الزاغوني المتوفّى ٥٥٢، أخذ منه الحديث في مدينة السَّلام.

٧ - مجد الدين أبو الفتوح محمَّد بن أبي جعفر محمَّد الطائي المتوفّى ٥٥٥، يروي عنه مكاتبة.

٨ - زين الدين أبو منصور شهر دار بن شيرويه الديلمي المتوفّى ٥٥٨، يروي عنه بالإجازة وبينهما مكاتبات.

____________________

١ - بالفتح نسبة الى كروخ بلدة بنواحى هرات.


٩ - أبو العلا ألحسن بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن محمَّد العطار الهمداني المتوفّى ٥٦٩ يروي عنه بالإجازة.

١٠ - أبو المظفَّر عبد الملك بن عليّ بن محمَّد الهمداني نزيل بغداد، له منه إجازة.

١١ - أبو النجيب سعد بن عبد الله بن الحسن الهمداني المروزي، يروي عنه بالمكاتبة.

١٢ - أبو الفرج شمس الأئمَّة محمَّد بن أحمد المكي أخوه كما نصَّ به في مقتله ويعبّر عنه هناك بالإمام الأجلّ الكبير أخي سراج الدين ركن الإسلام شمس الاُمَّة إمام الحرمين. ثمّ يترحّم عليه، يروي عنه إملاءً.

١٣ - أبو طاهر محمّد بن محمّد الشيحي الخطيب بمرو وله منه إجازة.

١٤ - أبو بكر محمّد بن الحسن بن أبي جعفر بن أبي سهل الزورقي، يروي عنه بالمكاتبة.

١٥ - أبو الفتح عبد الواحد بن الحسن الباقرحي(١)

١٦ - أبو عفان عثمان بن أحمد الصرام الخوارزمي.

١٧ - نجم الدين أبو منصور محمّد بن الحسين بن محمّد البغدادي، له منه إجازة كما ذكره الحموي في ( فرائد السمطين ).

١٨ - أبو داود محمّد بن سليمان بن محمّد الخيام الهمداني، يروي عنه بالمكاتبة.

١٩ - ألحسن بن النجّار يروي عنه كما في ( فرايد السمطين ) للحمويي.

٢٠ - أبو محمّد عبّاس بن محمّد بن أبي منصور الفضاري الطوسي.

٢١ - كمال الدين أبو ذر أحمد بن محمّد بن بندار.

٢٢ - أفضل الحفّاظ تاج الدين محمّد بن سمّان بن يوسف الهمداني، يروي عنه بالمكاتبة.

٢٣ - فخر الأئمَّة أبو الفضل بن عبد الرَّحمن الحفربّندي يروي عنه بالإجازة.

٢٤ - ألشيخ سعيد بن محمّد بن أبي بكر الفقيهي يروي عنه بالإجازة كما في مقتله.

٢٥ - أبو علي الحدّاد.

٢٦ - سيف الدين أبو جعفر محمّد بن عمران بن أبي علي الجمحي يروي عنه بالمكاتبة

____________________

١ - الباقرحى بفتح القاف نسبة الى باقرحا من قرى بغداد.

_٢٥_


٢٧ - أبو الحسين بن بشران العدل أخذ عنه الحديث ببغداد.

٢٨ - ألمبارك بن محمّد الشعطي.

٢٩ - ركن الأئمَّة عبد الحميد بن ميكائيل.

٣٠ - أبو القاسم منصور بن نوح الشهرستاني أخذ منه الحديث في رجوعه من حجِّه سنة ٥٤٤ بشهرستان.

٣١ - أبو الفضل عبد الرَّحمن بن محمّد الكرماني.

٣٢ - أبو داود محمود بن سليمان بن محمّد الهمداني، يروي عنه وبينهما مكاتبة.

٣٣ - سديد الدين محمّد بن منصور بن علي المقري المعروف بالديواني.

٣٤ - أبو الحسن عليُّ بن أحمد الكرباسي يروي عنه إملاء.

٣٥ - ألإمام مسعود بن أحمد الدهستاني يروي عنه بالمكاتبة.

تلامذته والرواة عنه

١ - برهان الدين أبو المكارم ناصر بن أبي المكارم عبد السيِّد المطرزي الخوارزمي الحنفي المولود ٥٣٨ والمتوفّى ٦١٠، قرأ على المترجم وأخذ منه كما في ( بغية الوعاة ) ص ٤٠٢ و ( مفتاح السعادة ) ١ ص ١٠٨ ويروي عنه كما في ( فرائد السمطين ) وفي إجازة العلّامة الحلّي الكبيرة لبني زهرة، والإجازة الكبيرة لصاحب المعالم.

٢ - مسلم بن علي بن الاُخت يروي عنه كتابه ( المناقب ) كما في إجازة أحد تلامذة الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد الحلّي المتوفّى ٦٨٩ للسيِّد شمس الدين محمّد بن جمال الدين أحمد اُستاد الشهيد الأوَّل(١) .

٣ - ألشيخ أبو الرِّضا طاهر بن أبي المكارم عبد السيِّد بن علي الخوارزمي يروي عنه كتابه ( المناقب ) كما في الإجازة المذكورة الأخيرة.

٤ - ألشيخ أبو محمّد عبد الله بن جعفر بن محمّد الحسيني يروي عنه كتابه ( المناقب ) كما في الإجازة التي أوعزنا إليها.

٥ - أبو جعفر محمّد بن علي بن شهر آشوب السروي المازندراني المتوفّى ٥٨٨

____________________

١ - استظهر العلامة المجلسي في كتاب اجازات البحار ص ٣٠:ان الاجازة المذكورة للسيد محمد بن الحسن بن محمد بن أبي الرضا العلوى.


كما في ( المقابيس ) وكانت بينه وبين المترجم مكاتبة كما في أوَّل مناقبه.

٦ - جمال الدين إبن معين يروي عنه كتاب مقتله كما ذكره الحموي في ( فرائد السمطين ).

٧ - أبو القاسم ناصر بن أحمد بن بكر النحوي المتوفّى سنة ٦٠٧ قرأ على المترجم كما في ( بغية الوعاة ) ص ٤٠٢.

تآليفه

إنَّ تضلّع الرجل في الفقه والحديث والتاريخ والأدب إلى علوم متنوِّعة اُخرى وكثرة شهرته في عصره ومكاتبته مع أساتذة الفنون تستدعي له تآليف كثيرة، وأحسب أنَّ الأمر كان كذلك لكن ما اشتهر منها إلّا كتبه السبعة التي قضت على أكثرها الأيّام وهي:

١ - كتاب مناقب الإمام أبي حنيفة المطبوع في حيدر آباد سنة ١٣٢١ في مجلّدين.

٢ - كتاب ردّ الشمس لأمير المؤمنين عليعليه‌السلام ذكره له معاصره والرّاوي عنه أبو جعفر ابن شهر آشوب في ( المناقب) ج ١ ص ٤٨٤.

٣ - كتاب الأربعين في مناقب النبيَّ الأمين ووصيِّه أمير المؤمنين [ صلوات الله عليهما وآلهما ] كما في مقتله يرويه عنه أبو جعفر ابن شهر اشوب وقال:كاتبني به مؤلِّفه الخوارزمي، وينقل عنه كثيراً في ( المناقب )، ونحن راجعنا الأحاديث المنقولة عنه في فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام كتاب مناقبه الدائر السائر وما وجدناها فيه فاحتمال إتِّحاد كتابه هذا مع مناقبه في غير محلّه.

٤ - كتاب قضايا أمير المؤمنينعليه‌السلام ذكره له إبن شهر اشوب في مناقبه ج ١ ص ٤٨٤.

٥ - كتاب مقتل الإمام السبط الشهيد سلام الله عليه يرويه عنه جمال الدين إبن معين كما في الإجازات رتَّبه على خمسة عشر فصلاً في مجلّدين وإليك فهرست فصوله:

١ - في ذكر شيءٍ من فضائل النبيِّ صلّى الله عليه وآله وسلّم

٢ - في فضائل اُم المؤمنين خديجة بنت خويلد.

٣ - في فضائل فاطمة بنت أسد اُم أمير المؤمنينعليه‌السلام .


٤ - نماذج من فضائل أمير المؤمنين وذريَّته الطاهرة صلوات الله عليهم.

٥ - في فضائل الصّديقة فاطمة بنت النبيِّ صلّى الله عليه وآله وسلّم

٦ - في فضائل الحسن والحسين عليهما الصلاة والسَّلام.

٧ - في فضائل الحسين خاصَّة.

٨ - في إخبار النبيِّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عن الحسين وأحواله.

٩ - في ما جرى بينه وبين الوليد ومروان حال حياة معاوية وبعد وفاته.

١٠ - في أحواله مدَّة مقامه بمكّة وبيان ما ورد عليه من كتب أهل الكوفة وإرساله مسلم بن عقيل إلى الكوفة ومقتله بها.

١١ - في خروجه من مكّة إلى العراق وما جرى عليه في طريقه ونزوله بالطفِّ ومقتله بها.

١٢ - في عقوبة قاتله وخاذله صلى الله عليه ولعن قاتله.

١٣ - في ذكر المصيبة به ومرثيتهعليه‌السلام .

١٤ - في ذكر زيارة تربته.

١٥ - في انتقام مختار بن أبي عبيد الثقفي من قاتليه وخاذليه.

٦ - ديوان شعره قال الچلبي في كشف الظنون ج ١ ص ٥٢٤:ديوانه جيِّدٌ وكان في الشعر في طبقة معاصريه.

٧ - كتاب فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام المعروف بالمناقب المطبوع سنة ١٢٢٤.

وهذا الكتاب يرويه عن المؤلّف غير واحد من أئمَّة الحديث كما مرّ الإيعاز إليه، منهم:

١ - ألشيخ مسلم بن علي بن الاُخت.

٢ - ألشيخ أبو الرِّضا طاهر بن أبي المكارم عبد السيِّد الخوارزمي.

٣ - ألسيِّد أبو محمّد عبد الله بن جعفر الحسيني.

٤ - ألشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد الحلّي المتوفّى ٦٨٩ قال:قرأت كتاب المناقب للخوارزمي على الشيخ أبي محمّد عبد الله بن جعفر بن محمّد الحسيني في سنة ٥٩٣.

٥ - برهان الدين أبي المكارم ناصر بن أبي المكارم المطرزي.


٦ - قال الأميني:وأنا أروي هذا الكتاب عن فقيه الطائفة في علويَّة الشيعة آية الله الحاج آقا حسين القمي(١) المتوفّى ١٤ ربيع الأوَّل ١٣٦٦، عن العلّامة الأكبر السيِّد مرتضى الكشميري المتوفّى ١٣٢٣، عن السيّد مهدي القزويني المتوفّى ١٣٠٠، عن عمِّه السيِّد محمَّد باقر بن أحمد القزويني المتوفّى ١٢٤٦، عن خاله السيِّد محمَّد المهدي بحر العلوم المتوفّى ١٢١٢، عن الاُستاذ الأكبر البهبهاني المتوفّى ١٢٠٨، عن والده الأكمل البهبهاني، عن جمال الدين الخوانساري المتوفّى ١١٢٥، عن العلّامة التقي المجلسي المتوفّى ١٠٧٠، عن الشيخ جابر بن عبّاس النجفي عن المحقق الكركي الشهيد ٩٤٠، عن الشيخ زين الدين علي بن هلال الجزائري، عن الشيخ أبي العبّاس أحمد بن فهد الحلّي المتوفّى ٨٤١، عن الشيخ شرف الدين أبي عبد الله الحلّي الأسدي المتوفّى ٨٢٦، عن شيخنا الشهيد الأوَّل المستشهد ٧٨٦، عن رضي الدين أبي الحسن علي المزيدي الحلّي المتوفَّى ٧٥٧، عن آية الله العلّامة الحلّي المتوفّى ٧٢٦، عن الشيخ نجيب الدين يحيى بن أحمد الحلّي المتوفّى ٦٨٩، عن السيِّد أبي محمَّد عبد الله بن جعفر الحسيني عن المؤلّف الخوارزمي.

____________________

١ - هو الفقيه من آل محمد، وجماع الفضل الكثار من مآثر أولئك الصفوة، بطل المسلمين والفقيه المقدم الورع الزاهد والمجاهد الناهض الداعي الى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ومنبثق مكارم الاخلاق الى فضائل جمة يفوتها حد الاحصاء، وقصارى القول:انه لو كانت لهذه المناقب شخصية ماثلة لما عدته، أنا لا احاول سرد القول عن فقاهته وتقواه وزهادته وقداسته وكرامته على الدين وعند المؤمنين فانها حقايق جلية وأنما أنوّه بكلمة لا أكثر منها عن بطولته وشجاعته وشممه وإباءه، وهو ذلك البطل الناهض المدافع عن الدين وعن شرعة جده الامين من دون أن تأخذه في الله لومة لائم، هذه حقيقة عرفها الملاء الديني السابر صحيفته البيضاء في مناوئته جبابرة الوقت و طواغيت الزمن بجاش طامن، وقلب مطمأن، وجنان ثابت، وروح قوية، ومثابرة جبارة، نعم يقابل هذا اليفن الكبير بعزمه الفتىّ أقوى العوامل الفعالة، يقابل عدتها والعتاد، يقابل غلوائها بشخصية عزلاء الا عن الشجاعة الدينية، وقوة الايمان. وابهة العلم والتقوى، وعز المجد و الشرف، ومنعة السودد والخطر، فكانت من جراء هاتيك كلها أعمال مبرورة ومساع مشكورة حتى انتهت الى هجرته من خراسان لبثّ المعروف واكتساح المنكر واقامة عمد الدين حتّى ألقى عصا السير في كربلاء المشرفة وهو رابض فيها بحمى عمه الامام الشهيد ينتظر آونة الوثبة مرة أخرى الى أن اتيحت له بعد أن كبت بمناوئه بطنته، وأجهز عليه أمله، ولم يبق منه الا البدع والمخازي، فقفل سيدنا المترجم الى ايران ولم يبرح بها حتّى اكتسح تلكم المعرات، ولقي من حفاوة المؤمنين به ما لا يوصف، وعرج على العراق تعريجه الفاتح الظافر، ولم يزل بها حتى أهاب به داعي ربه فأجابه.


وبطريق آخر للعلّامة الحلّي عن برهان الدين أبي المكارم ناصر بن أبي المكارم عن أبي المؤيَّد المؤلِّف الخوارزمي.

وهذا الكتاب [ المناقب ] نسبه إليه الذهبي في ( ميزان الإعتدال ) ج ٣ ص ٢٠ في ترجمة محمَّد بن أحمد بن عليّ بن الحسن بن شاذان وقال:لقد ساق خطيب خوارزم من طريق هذا الدجّال إبن شاذان أحاديث كثيرة باطلة سمجة ركيكة في مناقب السيِّد عليّ رضي الله عنه(١) .

وذكره له الچلبي في ( كشف الظنون ) ٢ ص ٥٣٢ وقال:مناقب عليّ بن أبي طالب لأبي المؤيّد موفّق بن أحمد الخوارزمي.

وينقل عنه من عصره حتّى اليوم جمعٌ من حملة الحديث منهم:

١ - ألحافظ مفتي الحرمين صاحب [ كفاية الطالب المطبوع في مصر والعراق و ايران ] الكنجي الشافعي المتوفّى ٦٥٨، ينقل عنه في الكتاب ص ١٢٠، ١٢٤ و ١٤٨ و ١٨٢ و ١٩١ و ١٥٢ ط النجف الأشرف ونصَّ بنسبة الكتاب إلى المترجم في غير واحد من تلكم المواضع.

٢ - سيِّد الأصحاب رضيُّ الدين إبن طاووس المتوفّى ٦٦٤ ينقل عن الكتاب في تأليفه [ اليقين في أن عليّاً أمير المؤمنين ] في غير واحد من أبوابه، وقال في الباب السادس والعشرين:ألخوارزمي صاحب ( المناقب ) من أعظم علماء الأربعة المذاهب وقد أثنوا عليه وذكروا ما كان عليه من المناقب. وقال في موضع آخر:هو الذي أثني عليه ومدحه محمَّد بن النجّار شيخ المحدِّثين ببغداد وزكّاه.

٣ - ألعلّامة يوسف بن أبي حاتم الشامي ينقل عنه كثيراً في [ الدرِّ النظيم في الأئمَّة اللهاميم ] مصرِّحاً بنسبة الكتاب إليه.

____________________

١ - لقد اندفع الذهبي في قيله هذا الى ما هو شنشنة كثير من قومه ( وهو بمقربة منه ) من تحري الوقيعة في الصالحين والسباب من غير سبب والتحكم بالباطل لا عن موجب له، فحسب ابن شاذان دجالا وهو ذلك العبد الصالح، والعالم المتبحر، والراوية النيقد، وحسب أحاديثه أباطيل سمجة ركيكة على حين انه لم ينفرد بروايتها إنما خرجها قبله محدثوا أهل السنة في مسانيدهم وهي مما أطبق على روايته الفريقان. نعم:التصقت بها الركة والسماجة في مزعمة الذهبي لانها فضايل مولانا امير المؤمنين عليه‌ السلام.


٤ - بهاء الدين عليّ بن عيسى الأربلي المتوفّى ٦٩٢ نقل عنه كثيراً في كتابه ( كشف الغمَّة ) مصرِّحاً بنسبة الكتاب إليه.

٥ - شيخ الإسلام أبو إسحاق الشيخ إبراهيم الحمويي المتوفّى ٧٢٢ ; يروي عنه في كتابه ( فرايد السمطين ) مصرِّحاً بنسبة الكتاب إليه.

٦ - آية الله العلّامة الحلّي المتوفّى ٧٢٦، ينقل عنه في كتابه ( كشف اليقين )

٧ - نور الدين إبن الصبّاغ المكّي المالكي المتوفّى ٨٥٥، قد أكثر النقل عنه قائلاً بأنَّ الخوارزمي روى في ( المناقب ).

٨ - ألشيخ عليّ بن يونس العاملي النباطي البياضي المتوفّى ٨٧٧ ; ينقل عنه في كتابه [ الصراط المستقيم ].

٩ - إبن حجر العسقلاني المتوفّى ٩٧٣، روى عن الخوارزمي حديث زفاف الزهراء سلام الله عليها والحديث موجود في [ المناقب ].

١٠ - ألسيِّد هاشم بن سليمان التوبلي البحراني المتوفّى ١١٠٧، ينقل عنه في [ غاية المرام ] وغيره.

١١ - شيخنا أبو الحسن الشريف المتوفّى ١١٣٨، ينقل عنه كثيراً في كتابه [ ضياء العالمين ] في الإمامة الموجود عندنا قائلاً في بعض مواضعه:رواه الخطيب الخوارزمي المشهور الموثوق به عندهم بنصِّ جماعة منهم في كتاب مناقبه.

٢ - ألسيِّد الشبلنجي الشافعي نصَّ في كتابه [ نور الأبصار ] على نسبة الكتاب إلى الخوارزمي وينقل عنه.

١٣ - ألقاضي القندوزي الشافعي ينقل عنه في كتابه [ ينابيع المودَّة ] معبِّراً عن الكتاب بفضائل أهل البيت.

١٤ - ألسيِّد أبو بكر بن شهاب الدين الحضرمي الشافعي، ينقل عنه في ( رشفة الصادي ) معبِّراً عنه بكتاب المناقب.

شعره وخطبه ولادته و وفاته

قال الصفدي كما في ( بغية الوعاة ):إنَّ للمترجم خطبٌ وشعرٌ. ولم نقف على شيءٍ من خطبه وكلمه وشعره غير ما في كتابيه:( ألمناقب ) و ( مقتل الإمام السبط )


إلّا القليل، مع أنَّ له ديوان شعر كما ذكره الچلبي ; ويوجد شطر من شعره في ( المناقب ) لابن شهر اشوب، و (الصِّراط المستقيم ) للبياضي، و ( معجم الاُدباء ) للحموي ج ٣ ص ٤١ في ترجمة أبي العلاء الهمداني المتوفّى ٥٦٧.

وُلد المترجم في حدود سنة ٤٨٤ كما في ( بغية الوعاة ) و ( طبقات الحنفيَّة ) لمحيي الدين الحنفي، وديباجة كتابه مناقب أبي حنيفة عن القفطي، و ( الوافي بالوفيات ) للصفدي، وفي ( الفوايد البهيَّة ) إنّ مولده سنة ٤٨٤.

وتوفي سنة ٥٦٧ كما في ( بغية الوعاة ) عن القفطي، وفي ( الفوايد البهيَّة ) عن الصفدي، والتقيّ الفارسي مؤلّف (العقد الثمين ) في تاريخ البلد الأمين عن الذهبي في ( تاريخ الإسلام ) وهكذا أرَّخها الچلبي في كشف الظنون، والخوانساري في روضات الجنات، فما في الفوايد البهيَّة عن القفطي:انَّه توفي سنة ٥٩٦ تصحيفٌ واضحٌ، وقد نقله عنه صحيحاً السيوطي وغيره، كما انَّ ما في الفوائد من ٥٦٩. وما في تاريخ آداب اللغة من انَّه توفي سنة ٥٦٧ بعيدان عن الصَّواب ( والله العالم ).


ألقرن السّادس

٥٢

الفقيه عماره

ولد ٥١٣

قتل ٥٦٩

ولاءك مفروضٌ على كلِّ مسلمٍ

وحّبك مفروطٌ وأفضل مغنمِ

إذا المرء لم يُكرم بحبِّك نفسه

غدا وهو عند الله غير مُكرَّمِ

ورثت الهدى عن نصّ عيسى بن حيدر

وفاطمةٍ لا نصَّ عيسى بن مريمِ

وقال:أطيعوا لإبن عمّي فإنَّه

أميني على سرِّ الإ~له المكتَّمِ

كذلك وصّى المصطفى وابن عمّه

إلى منجد يوم ( الغدير ) ومتهمِ

على مُستوىً فيه قديمٌ وحادثٌ

وإن كان فضل السبق للمتقدِّمِ

ملكت قلوب المسلمين ببيعةٍ

أمدَّت بعقدٍ من ولائك مبرمِ

واوتيت ميراث البسيطة عن أبٍ

وجدّ مضى عنها ولم يتقسَّمِ

لك الحقّ فيها دون كلِّ مُنازعٍ

ولو أنَّه نال السّماك بُسلّمِ

ولو حفظوا فيك الوصيَّة لم يكن

لغيرك في أقطارها دون درهمِ(١)

وله من قصيدة تأتي يرثي بها أهل القصر قوله:

والأرض تهتزُّ في يوم ( الغدير ) كما

يهتزُّ ما بين قصريكم من الأسلِ

( ألشاعر )

ألفقيه نجم الدين أبو محمَّد عمارة بن أبي الحسن علّي بن زيدان بن أحمد الحكمي اليمني، من فقهاء الشيعة الإماميَّة ومدرِّسيهم ومؤلِّفيهم ومن شهداء أعلامهم علي التشيّع، وقد زان علمه الكامل وفضله الباهر أدبه الناصع المتقارب من شعره المتألق،

____________________

١ - يمدح بها الخليفة الفائز بن الظافر.


وإنّك لا تدري إذا نظم شعراً هل هو يُنضِّد درّاً ؟ أو يفرغ في بوتقة القريض تبراً ؟ فقد ضمَّ شعره إلى الجزالة قوّةً، وإلى السَّلاسة رونقاً، وفوق كلِّ ذلك مودّته المتواصلة لعترة الوحي وقوله بإمامتهم عليهم السَّلام حتّى لفظ نفسه الأخير ضحيّة ذلك المذهب الفاضل ; وقد أبقت تآليفه القيّمة وآثاره العلميّة والأدبيّة له ذكراً خالداً مع الأبد منها:النكت العصريّة في أخبار الوزراء المصريّة. وتاريخ اليمن. وكتاب في الفرايض وديوان شعره، وقصيدة ٌكتبها إلى صلاح الدين سمّاها:[ شكاية المتظلّم ونكاية المتألِّم ].

قال في كتابه ( النكت العصريَّة )(١) ص ٧ عند ذكر نسبه:فأمّا جرثومة النسب فقحطان ثمَّ الحكم بن سعد العشيرة المذحجي، وأمّا الوطن فمن تهامة باليمن مدينة مرطان من وادي وساع وبُعدها من مكّة في مهبِّ الجنوب أحد عشر يوماً، وبها المولد المربى وأهلها بقيّة العرب في تهامة، وكانت رئاستهم وسياستهم تنتهي إلى المشيب بن سليمان وهو جدّي من جهة الوالدة، وإلى زيدان بن أحمد وهو جدّي لأبي، وهما إبنا عم، وكان زيدان يقول:أنا أعدّ أسلافي أحد عشر جدّاً ما منهم إلّا عالمٌ مصنِّف في عدَّة علوم، ولقد أدركت عمِّي عليّ بن زيدان، وخالي محمّد بن المشيب، ورئاسة حكم بن سعد العشيرة تقف عليهما وتنتهي إليهما. إلى أن قال:قلتُ لأخي يحيى يوماً:من القائل في جدّيك:المشيب بن سليمان وزيدان بن أحمد:

إذا طرقتك أحداث الليالي

ولم يوجد لعلّتها طبيبُ

وأعوز من يجيرك من سطاها

فزيدان يجيرها والمشيبُ

هما ردّا عليَّ شتيت ملكي

ووجه الدّهر من رغم قطوبُ

وقاما عنه خذلاني بنصري

قياماً تستكين به الخطوبُ

فقال:هو السلطان عليّ بن حبابة الفرودي كان قومه قد أخرجوه من ملكه وأفقروه من ملكه وولّوا عليهم أخاه سلامة فنزل بهما فسارا معه في جموع من قومهما حتّى عزلا سلامة وولّيا عليّاً وأصلحا له قومه، وكان الذي وصل إليه من برِّهما وأنفقاه

____________________

١ - طبع مع مختار ديوانه في ٣٩٩ صحيفة في ( شالون ) على نهر ( سون ) بمطبع مرسو سنة ١٨٩٧ المسيحية.


على الجيش في نصرته، وحملا إليه من خيل ومن إبل ما ينيف على خمسين ألفاً من الذهب، قال يحيى:وفي أبي وخالي يقول مدبِّر الشاعر الحكمي من قصيدة طويلة:

أبواكما ردّا على ابن حبابةٍ

ملكاً تبدَّد شمله تبديدا

كفل المشيب على الحسام بعوده

مُذْ صال زيدانٌ به فاُعيدا

وبنيتما ما شيّدا من سؤددٍ

قدماً فأشبه والدٌ مولودا

وحدَّثني أبي قال:مرض عمّك عليّ مرضاً أشرف فيه على الموت ثمَّ أبلَّ منه فأنشدته لرجل من بني الحارث يُدعى سلم بن شافع كان قد وفد عليه يستعينه في دية قتيل لزمته فلمّا شغلنا بمرض صاحبنا إرتحل الحارثي إلى قومه وأرسل إلى بقصيدة منها:

إذا أودى ابن زيدانٍ عليُّ

فلا طلعتْ نجومُك يا سماءُ

ولا اشتمل النساء على جنين

ولا روّى الثرى للسحب ماءُ

على الدنيا وساكنها جميعاً

إذا أردى أبو الحسن العفاءُ

قال فبكى عمّك وأمرني باحضار الحارثي ودفع له ألف دينار وساق عنه الدية بعد ستة أشهر، وكان إذا رآه أكرمه ورفع مجلسه، وبسط القول في جودِ عمِّه عليّ ابن زيدان وسعة ثروته وعظم شجاعته. ثمَّ قال ما ملخصه:أدركتُ الحلمَ سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وفي سنة إحدى وثلاثين بعثني والدي إلى زبيد مع الوزير مسلم ابن سخت فنزلت فيها ولازمت الطلب فأقمت أربع سنين لا أخرج عن المدرسة إلّا لصلاة يوم الجمعة، وفي السنة الخامسة زرت الوالدين وأقمت في زبيد ثلاث سنين وجماعة من الطلبة يقرؤون عندي مذهب الشافعي والفرائض في المواريث، ولي في الفرائض مصنَّف يُقرأ في اليمن، وفي سنة تسع وثلاثين زارني والدي وخمسة من اُخوتي إلى زبيد وأنشدت والدي شيئاً من شعري فاستحسنه ثمَّ قال:تعلم والله إنَّ الأدب نعمةٌ من نعم الله عليك فلا تكفرها بذمِّ الناس واستحلفني أن لا أهجو مسلماً قط ببيت شعر فحلفت له على ذلك، وحججت مع الملكة الحرَّة اُم فاتك ملك زبيد، وخرجت مرَّة اُخرى إلى مكّة سنة تسع وأربعين وخمس مائة وفي موسم هذه السنة مات أمير الحرمين هاشم بن فليتة وولّي الحرمين ولده قاسم بن هاشم فألزمني السفارة عنه والرسالة المصريَّة فَقَدمتها في شهر ربّيع الأوَّل سنة خمسين وخمسمائة والخليفة بها يومئذٍ الإمام الفائز بن الظافر، والوزير


له الملك الصّالح طلايع بن رُزّيك فلمّا أحضرت للسّلام عليهما في قاعة الذهب في قصر الخليفة أنشدتهما قصيدة أوَّلها:

ألحمد للعيس بعد العزم والهممِ

حمداً يقوم بما أولت من النعمِ

لا أجحد الحقّ عندي للركاب يد

تمنَّت اللجم فيها رتبة الخطمِ

قرَّبن بُعد مزار العزِّ من نظري

حتَّى رأيت إمام العصر من أممِ

ورُحن من كعبة البطحاء والحرم

وفداً إلى كعبة المعروف والكرمِ

فهل درى البيت إنّي بعد فرقته

ما سرتُ من حرمٍ إلّا إلى حرمِ ؟!

حيث الخلافة مضروبٌ سُرادقها

بين النقيضين من عفوٍ ومن نقمٍ

وللإمامة أنوارٌ مقدَّسةٌ

تجلو البغيضين من ظلمٍ ومن ظلمِ

وللنبوَّة أبيات ينصُّ لنا

على الخفيَّين من حُكم ومن حِكمِ

وللمكارم أعلامٌ تُعلّمنا

مدح الجزيلين من بأسٍ ومن كرمِ

وللعُلى ألسن تثنى محامدها

على الحميدين من فعلٍ ومن شيمِ

وراية الشرف البذّاخ ترفعها

يد الرفيعين من مجدٍ ومن هممِ

أقسمت بالفائز المعصوم معتقداً

فوز النجاة وأجر البرِّ في القسمِ

لقد حمى الدين والدنيا وأهلهما

وزيره الصّالح الفرّاج للغممِ

أللابس الفخر لم تنسج غلائله

إلّا يداً لصنيع السيف والقلمِ

وجوده أوجد الأيّام ما اقترحت

وجوده أعدم الشاكين للعدمِ

قد ملّكته العوالي رقَّ مملكة

تعير أنف الثريّا عزَّة الشممِ

أرى مقاماً عظيم الشأن أوهمني

في يقظتي انَّها من جملة الحلمِ

يومٌ من العمر لم يخطر على أملي

ولا ترقَّت إليه رغبة الهممِ

ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها

عقود مدحٍ فما أرضى لكم كلمي

ترى الوزارة فيه وهي باذلةٌ

عند الخلافة نصحاً غير متَّهمِ

عواطفٌ علّمتنا أنَّ بينهما

قرابة من جميل الرأي لا الرّحمِ

خليفةٌ ووزيرٌ مدَّ عدلهما

ظلّاً على مفرق الإسلام والاُممِ

زيادة النيل نقصٌ عند فيضهما

فما عسى يتعاطى مُنّة الديمِ


وعهدي بالصالح وهو يستعيدها في حال النشيد مراراً والاُستاذون وأعيان الاُمراء والكبراء يذهبون في الأستحسان كلَّ مذهب، ثمَّ اُفيضت علىَّ خلع من ثياب الخلافة المذهَّبة ودفع لي الصالح خمسمائة دينار، وإذا بعض الاُستاذين قد أخرج لي من عند السيِّدة الشريفة بنت الأمام الحافظ خمسمائة دينار اُخرى، وحمل المال معي إلى منزلي، واُطلقت لي من دار الضيافة رسومٌ لم تطلق لأحد من قبلي، و تهادتني اُمراء الدولة إلى منازلهم للولائم، واستحضرني الصّالح للمجالسة، ونظمني في سلك أهل المؤانسة، وانثالت عليَّ صلاته وغمرني برُّه، ووجدت بحضرته من أعيان أهل الأدب الشيخ الجليس أبا المعالي ابن الحباب(١) والموفَّق ابن الخلّال صاحب ديوان الأنشاء، وأبا الفتح محمود بن قادوس(٢) والمهذَّب أبا محمَّد الحسن بن الزبير، وما من هذه الحلبة أحدٌ إلا ويضرب في الفضائل النفسانيَّة والرئاسة الأنسانيَّة بأوفر نصيب ويرمي شاكلة الأشكال فيصيب.

وقال في ص ٦٩:لمّا جلس شاور في دار الذهب قام الشعراء والخطباء ولفيفٌ من الناس إلّا الأقلّ ينالون من بني رُزِّيك وضرغام نائب الباب ويحيى بن الخيّاط اسفهسلّار(٣) العساكر وكانت بيني وبين شاور أنسة تامَّة مستحكمة فأنشدته في اليوم الثاني من جلوسه والجمع حافلٌ قصيدة أوَّلها:

صحَّت بدولتك الأيّام من سقمِ

وزال ما يشتكيه الدَّهر من ألمِ

زالت ليالي بني رُزِّيك وانصرمت

والحمد والذُّم فيها غير مُنصرمِ

كأنَّ صالحهم يوماً وعادلهم

في صدر ذاك الدست لم يقعد ولم يقمِ

هم حرَّكوها عليهم وهي ساكنةٌ

والسِّلم قد تنبت الأوراق في السّلمِ

كنّا نظنُّ وبعض الظنِّ مأثمةٌ

بأنَّ ذلك جمعٌ غير منهزمِ

فمذ وقعتَ وقوع النسر خانهمُ

من كان مجتمعاً من ذلك الرخم

كان ضرغام ينقم عليَّ هذا البيت وبقول:أنا عندك من الرخم.

____________________

١ - أحد شعراء الغدير قد مرت ترجمته في هذا الجزء ص ٣٨٧.

٢ - أحد شعراء الغدير اسلفنا ترجمته في هذا الجزء ص ٣٣٨.

٣ - معرب سپهسالار ( قائد الجيش ).


ولم يكونوا عدوّ أزلَّ جانبه

وإنَّما غرقوا في سيلك العرمِ

وما قصدت بتعظيمي سواك سوى

تعظيم شأنك فاعذرني ولا تلمِ

ولو شكرتُ لياليهم محافظةً

لعهدها لم يكن بالعهد من قدمِ

ولو فتحت فمي يوماً بذمِّهمُ

لم يرض فضلك إلّا أن يسدَّ فمي

والله يأمر بالاحسان عارفة

منه وينهى عن الفحشاء في الكلمِ

فشكرني شاور وإبناه في الوفاء لبني رُزّيك. ا ه‍.

كان يحمي الذمار بالذمارة، ويوفي بعهد من صاحبه ونادمه ويدافع عنه بصراحة اللهجة، وله مواقف مشكورة تنمُّ عن أنَّه ذو حفاظ وذو محافظة، حضر يوماً هو والرضي أبو سالم يحيى الأحدب بن أبي حصيبة الشاعر في قصر اللؤلؤ بعد موت الخليفة العاضد عند نجم الدين أيّوب بن شادي فأنشد إبن أبي حصيبة نجم الدين أيوب فقال:

يا مالك الأرض لا أرضى له طرفا

منها وما كان منها لم يكن طرفا

قد عجَّل الله هذي الدار تسكنها

وقد أعدَّ لك الجنّات والغرفا

تشرَّفت بك عمَّن كان يسكنها

فالبس بها العزّ ولتلبس بك الشرفا

كانوا بها صدفاً والدار لؤلؤة

وأنت لؤلؤة صارت لها صدفا

فقال الفقيه عمارة يردُّ عليه:

أثِمتَ يا من هجا السادات والخلفا

وقلت ما قلته في ثلبهم سخفا

جعلتهم صدفاً حلوّا بلؤلؤةٍ

والعرف ما زال سكنى اللؤلؤ الصدفا

وإنَّما هي دارٌ حلَّ جوهرهم

فيها وشفَّ فأسناها الذي وصفا

فقال:لؤلؤة عجباً ببهجتها

وكونها حوت الأشراف والشرفا

فهم بسكناهم الآيات إذ سكنوا

فيها ومن قبلها قد أسكنوا الصحفا

والجوهر الفرد نورٌ ليس يعرفه

من البريَّة إلّا كلّ مَن عرفا

لولا تجسّمهم فيه لكان على

ضعف البصائر للأبصار مختطفا

فالكلب يا كلب أسنى منك مكرمة(١)

لأنَّ فيه حفاظاً دائماً و وفا

قال المقريزي:فللّه درُّ عمارة لقد قام بحقِّ الوفاء ووفي بحسن الحفاظ كما هي عادته،

____________________

١ - في منتخب ديوانه ص ٢٩٢:معرفة.


لا جرم انَّه قُتل في واجب من يهوي كما هي سنَّة المحبين، فالله يرحمه ويتجاوز عنه.

وله قصائد يرثي أهل القصر من الملوك الفاطميِّين بعد انقراض دولتهم وفاءً بعهدهم منها قصيدةٌ أوَّلها:

لا تندبنْ ليلى ولا أطلالها

يوماً وإن ظعنت بها أجمالها

واندب هديت قصور سادات عفت

قد نالهم ريب الزمان ونالها

درست معالمهم لدرس ملوكهم

وتغيَّرت من بعدهم أحوالها

ومنها:

رميتَ يا دهر كفَّ المجد بالشللِ

وجيده بعد حسن الحلي بالعطلِ

سعيتَ في منهج الرأي العثور فإن

قدرتَ من عثرات الدهر فاستقلِ

جدعت مارنك الاقنى فأنفك لا

ينفكُّ ما بين قرع السنِّ والخجلِ

هدمتَ قاعدة المعروف عن عجلٍ

سعيتَ مهلاً أما تمشي على مهلِ ؟!

لهفي ولهف بني الآمال قاطبةً

على فجيعتها في أكرم الدوَّلِ

قدمتُ مصر فأولتني خلائفها

من المكارم ما أربى على الأملِ

قومٌ عرفتُ بهم كسب الاُلوف و من

كمالها انَّها جاءت ولم أسلِ

وكنتُ من وزراء الدست حين سما

رأس الحصان يُهاديه على الكفلِ

ونلتُ من عظماء الجيش مكرمة

وخلّة حرست من عارض الخللِ

يا عاذلي في هوى إبناء فاطمةٍ

لك الملامة إن قصَّرت في عذلي

بالله دُر ساحة القصرين وابك معي

عليها لا على صفِّين والجملِ

وقل لأهليهما والله ما التحمتْ

فيكم جراحي ولا قرحي بمندملِ

ماذا عسى كانت الإفرنج فاعلة

في نسل آل أمير المؤمنين علي ؟!

هل كان في الأمر شيئٌ غير قسمة ما

ملكتمُ بين حكم السبي والنقلِ ؟!

وقد حصلتم عليها واسم جدّكمُ

( محمَّد ) وأبوكم غير منتقلِ

مررت بالقصر والأركان خاليةٌ

من الوفود وكانت قبلة القبلِ

فملت عنها بوجهي خوف منتقدٍ

من الأعادي ووجه الودِّ لم يملِ

أسلت من أسفي دمعي غداة خلت

رحابكم وغدت مهجورة السبلِ


أبكي على ما تراءت من مكارمكم

حال الزمان عليها وهي لم تحلِ

دار الضيافة كانت انس وافدكم

واليوم أوحش من رسم ومن طللِ

وفطرة الصوم إذ أضحت مكارمكم

تشكو من الدهر حيفاً غير محتملِ

وكسوة الناس في الفصلين قد درست

ورثَّ منها جديدٌ عندهم وبُلي

وموسمٌ كان في يوم الخليج لكم

يأتي تجمّلكم فيه على الجملِ

وأوَّل العام والعيدين كم لكمُ

فيهنَّ من وَبل جود ليس بالوشلِ

والأرض تهتزُّ في يوم ( الغدير ) كما

يهتزّ ما بين قصريكم من الأسلِ

والخيل تعرض في وشي وفي شية

مثل العرائس في حُليٍ وفي حللِ

ولا حملتم قِرى الأضياف من سعة

الأطباق الّا على الأكتاف والعجلِ

وما خصصتم ببرٍّ أهل ملّتكم

حتّى عممتم به الأقصى من المللِ

كانت رواتبكم للذمَّتين وللـ

ـضيف المقيم وللطاري من الرُّسلِ

ثمَّ الطراز بتنّيس الذي عظمت

منه الصِّلات لأهل الأرض والدُّولِ

وللجوامع من إحسانكم نعمٌ

لمن تصدَّر في علم وفي عملِ

وربَّما عادت الدنيا فمعقلها

منكم وأضحت بكم محلولة العقلِ

والله لا فاز يوم الحشر مبغضكم

ولا نجا من عذاب الله غير ولي

ولا سقى الماء من حرٍّ ومن ظمأٍ

من كفِّ خير البرايا خاتم الرُّسلِ

ولا رأى جنَّة الله التي خُلقت

من خان عهد الإمام العاضد بن علي

أئمَّتي وهُداتي والذخيرة لي

إذا ارتهنت بما قدَّمت من عملي

تالله لم أو فهم في المدح حقَّهم

لأنَّ فضلهمُ كالوابل الهطلِ

ولو تضاعفت الأقوال واتَّسعتْ

ما كنتُ فيهم بحمد الله بالخجلِ

باب النجاة همُ دنيا وآخرة

وحبّهم فهو أصل الدين والعملِ

نور الهدى ومصابيح الدُّجى ومحـ

ـلُّ الغيث إن ربّت الأنواء في المحلِ

أئمَّةٌ خُلقوا نوراً فنورهمُ

من محض خالص نور الله لم يفلِ

والله ما زلت عن حبّي لهم أبداً

ما أخَّر الله لي في مدَّة الأجلِ

قُتل المترجم بسبب هذه القصيدة مع جمع نسب إليهم التدبير على صلاح الدين


ومكاتبة الفرنج واستدعاؤهم إليه حتّى يجلسوا ولداً للعاضد وكانوا أدخلوا معهم رجلاً من الأجناد ليس من أهل مصر فحضر عند صلاح الدين وأخبره بما جرى فأحضرهم فلم ينكروا الأمر ولم يروه منكراً فأمر بصلبهم وصلبوا يوم السبت في شهر رمضان سنة تسع وتسعين وخمسمائة بالقاهرة، وقد قبض عليهم يوم الأحد الثالث والعشرين من شعبان، وصلب مع الفقيه عمارة قاضي القضاة ابو القاسم هبة الله بن عبد الله بن الكامل، وابن عبد القوي داعي الدعاة، كان يعلم بدفائن القصر فعوقب ليدلَّ عليها فامتنع من ذلك فمات واندرست، والعويرس ناظر الديوان، وشبريا كاتب السرّ، وعبد الصَّمد الكاتب أحد اُمراء مصر، ونجاح الحمامي، ومنجِّمُ نصرانيُّ كان قد بشَّرهم بأنَّ هذا الأمر يتمُّ لهم.

قال الصفدي في [ الغيث المنسجم ]:انَّه لا يبعد أن يكون القاضي الفاضل سعى في هلاكه وحرَّض عليه لأنَّ صلاح الدين لمّا استشاره في أمره قال:يُنفى. قال:يُرجى رجوعه. قال يؤدَّب. قال:ألكلب يسكت ثمَّ ينبح. قال:يُقتل. قال:الملوك إذا ارادوا فعلوا. وقام من فوره، فأمر بصلبه مع القاضي العويرس وجماعة معه من شيعتهم، ولَمّا اُخذ ليشنق قال:مرّوا بي على باب القاضي الفاضل. لحسن ظنَّه فيه، فلمّا رآه قام وأغلق بابه فقال عمارة:

عبد العزيز قد احتجبْ

إنَّ الخلاص من العجبْ

وذكر عماد الدين الكاتب في ( الخريدة ) لتاج الدين الكندي أبي اليمن بعد صلب المترجم:

عُمارة في الإسلام أبدى خيانةً

وبايع فيها بيعة وصليبا

وأمسى شريك الشرك في بغض أحمد

وأصبح في حبِّ الصليب صليبا

وكان خبيث الملتقى إن عجمته

تجد منه عوداً في النِّفاق صليبا

سيلقى غداً ما كان يسعى لنفسه

ويُسقى صديداً في لظىّ وصليبا

كان للمترجم مكانةٌ عاليةٌ عند بني رزّيك وله فيهم شعرٌ كثير يوجد في ديوانه وكتابه [ النكت العصرية ] وفي الثاني:انَّ الملك الصّالح طلايع بعث إليه بثلاثة آلاف دينار في ثلاثة أكياس وكتب فيها بخطِّه:

_٢٦_


قل للفقيه عمارة:يا خير مَن

قد حاز فهماً ثاقباً وخطابا

اقبل نصيحة من دعاك إلى الهدى

قل:حطَّة وادخل إلينا البابا

تجد الأئمَّة شافعين ولا تجد

إلّا لدينا سنَّة وكتابا

وعليَّ أنْ أعلي محلّك في الورى

وإذا شفعت إليَّ كنت مجابا

وتعجَّل الآلاف وهي ثلاثة

ذهباً وقلَّ لك النضار مذابا

فراجعه عمارة بقوله:

حاشاك من هذا الخطاب خطابا

يا خير أملاك الزَّمان نصابا

لكنْ إذا ما أفسدت علماؤكم

معمور معت-قدي وصار خرابا

ودعوتمُ فكري إلى أقوالكم

من بعد ذاك أطاعكم وأجابا

فاشدد يديك على صفاء محبَّتي

وامنن عليَّ وسد هذا البابا

توفّي للفقيه المترجم في حياته ستّة أولاد ذكور ورثاهم ألا وهم:عبد الله ويحيى ومحمّد وعطيّة وإسماعيل وحسين، وتوفّي أوَّلا ولداه عبد الله ويحيى ثمَّ بعدهما محمَّد في سنة ٥٦. ليلة الإثنين ٤ جمادى الأولى بمصر ورثاهم بقصيدة أوَّلها:

أحببت في خير أعضائي وأعضادي

وخير أهلي إذا عدُّوا و أولادي

بأبلج الوجه من سعد العشيرة لم

يعرف بغير الندى والبشر في النادي

وله في رثاء محمّد قصيدة مطلعها:

سأبكي على ابني مدَّتي وحياتي

ويبكيه عنّي الشعر بعد مماتي

ومنها:

أتبلى المنايا مهجة ابن ذخرته

لدهري ويُبلوني بخمس بنات

وتوفّي بعدهم عطيَّة ورثاه بقصيدة منها:

عطيَّة إن صادفت روح محمَّد

أخيك وصنويك العليَّين من قبلِ

فسلّم عليهم لا شفيت وقل لهم:

سقيتُ أباكم بعد كم جرعة الثكلِ

وقال في رثائه:

عطيّة إن ذقتَ طعم الحِمام

فإنَّ فراقك عندي أمرّْ

هوى كوكبٌ منك بعد الطلوع

ذوي غصنٌ منك بعد الثمرْ


ولو لم تكن قمراً زاهراً

لما متَّ عند خسوف القمر

وتوفّي بعدهم ولده إسماعيل سنة ٥٦١ في ربيع الآخر ورثاه بقصيدةٍ أوَّلها:

ما كنتُ آلف منزلي إلّا به

ولقد كرهتُ الدار بعد مصابه

وقال يرثيه:

أأرجو بقاءاً أم صفاء حياة

وقد بدّدت شملي النوى بشتاتِ ؟!

يقول فيها:

أتُبلي الليالي لي بُنيّاً ذخرته

وتُبقي لي الأيّام شر بناتي ؟!

ومنها:

وما عشتَ إلّا سبعة من سني الورى

سقى عهدهنَّ الله من سنواتِ

وقال في رثائه:

حسبت الدهر في ولدي

يساعدني و يسعدني

ويقول فيها:

لاسماعيل أشواقي

تزيد على مدى الزمنِ

وإسماعيل لي شغلٌ

عن اللذات يشغلني

وإسماعيل لا أسلو

ه حتّى الموت يصرعني

سأبكيه و اُندبه

بنوحٍ زائد الشجنِ

كما قمريَّةٌ ناحت

ببغداد على غصنِ

وأبقى بعده أسفاً

مدى الأيّام والزمنِ

وتوفِّي حسين سنة ٥٦٣ ورثاه بقوله:

أترى يكون لي الخلاص قريبُ ؟

فالموت بعدك يا بُنيَّ يطيب

علّلت فيك الحزن كلّ تعلّةٍ

لم تنفعنِّي شربةٌ وطبيبُ

ورثاه بقصيدة أوَّلها:

داويت ما نفع العليل دوائي

بل زاد سقماً في خلال ضنائي

يقول فيها:

ما عاش إلّا سبعة من عمره

ونأى إلى دار البلى لبلائي


وله في رثائه من قصيدة مستهلّها:

قل للمنيَّة لا شوى

لم يخط سهمك إذ رمى

ومنها:

ما كان إلا سبعة

وثلاثة ثمَّ انقضى

وقال في رثائه:

خطبتني الخطوب بالهمِّ لمَّا

حدَّثتني بألسن الحدثانِ

ومنها:

يا لها نكبة على نكبة جا

ءت وجرحاً يبكي بجرحٍ ثان

ومصابٌ على مصابٍ وثكلٍ

بعد ثكلٍ اُصيب منه جناني

ويقول فيها:

كلّ عامٍ للموت عندي نصيبٌ

في سراة البنين والأخوانِ

ونختم الترجمة وهي ختام هذا الجزء من الكتاب بقول المترجم يدعو ربَّه:

يا ربّ هيِّئ لنا من أمرنا رشَداً

واجعل معونتك الحسنى لنا مَددا

ولا تكلنا إلى تدبير أنفسنا

فالنفس تعجز عن إصلاح ما فسدا

أنت الكريم وقد جهَّزت من أملي

إلى أياديك وجهاً سائلاً ويدا

وللرَّجاء ثوابٌ أنت تعلمه

فاجعل ثوابي دوام الستر لي أبدا(١)

انتهى الجزء الرابع من كتاب الغدير

ويتلوه الخامس إن شاء الله

وآخر دعوانا

ان الحمد لله رب العالمين

____________________

١ - أخذنا الترجمة من النكت العصرية، الخريدة لعماد الكاتب، الكامل لابن الاثير ١١ ص ١٦٣، تاريخ ابن خلكان ١ ص ٤٠٩، تاريخ ابن كثير ١٢ ص ٢٧٥، مرآة الجنان ٣ ص ٣٩٠ وتوجد في غير واحد من كتب المتأخرين ومعاجمهم.


الفهرس

بقية شعراء الغدير في لقرن الرابع ٣

أبو الفتح كشاجم ٣

ادبه وشعره ٥

هجاؤه ٩

كشاجم والرياسة ١٠

حكمه ودرر كلمه: ١١

رحلة كشاجم ١٣

عقيدته ١٥

مشايخه وتآليفه ١٩

ولادته ووفاته ٢٠

ولده ٢١

ألناشي الصغير ٢٤

( مصادر ترجمة الناشي ) ٣٣

ألبشنوي الكردى ٣٤

( ألبشنويَّة ) ٣٦

نبذة من شعره ٣٧

ألصاحب بن عباد ٤٠

وزارته صِلاته مادحوه ٤٧

شعره في المذهب ٥٥

ألصاحب ومذهبه ٦٢

نوادر فيها المكارم ٦٩

غرر كلم للصاحب ٧٢

وفاته ٧٤

مصادر ترجمة الصاحب ٨٠

ألجوهري الجرجاني ٨٢

ابن الحجاج البغدادي ٨٨


خلفاء عصره وملوكه ٩٤

ولادته ووفاته ٩٨

مصادر ترجمة إبن الحجاج ١٠٠

ابو العباس الضبي ١٠١

أبو الرقعمق الانطاكي ١١١

أبو العلا السروي ١١٨

( البيان ) ١٢٢

أبو محمَّد العوني ١٢٤

ابن حماد العبدي ١٤١

ولادته ووفاته ١٥٥

أبو الفرج الرازي ١٧٢

جعفر بن حسين ١٧٥

شعراء الغدير في القرن الخامس ١٧٧

أبو النجيب الطاهر ١٧٧

ألشريف الرضي ١٨٠

أساتذته ومشايخه ١٨٣

تلامذته والرواة عنه ١٨٥

تآليفه وكتبه ١٨٦

مؤلف نهج البلاغة ١٩٣

ومن تآليف سيدنا الرضي ١٩٨

شعره وشاعريته ٢٠٠

ألقابه ومناصبه ٢٠٤

ألنقابة ٢٠٥

ألنقابة العامة ٢٠٧

ولاية المظالم ٢٠٧

ألولاية على الحج ٢٠٨


ولادته ووفاته ٢١٠

أبو محمّد الصوري ٢٢٢

مهيار الديلمي ٢٣٢

سيدنا الشريف المرتضى ٢٦٢

كلمات الثناء عليه ٢٦٦

مشايخه ومن يروي هو عنه ٢٦٩

تلامذة سيدنا المرتضى ٢٧٠

علم الهدى والمعري ٢٧١

علم الهدى وابن المطرز ٢٧٤

المرتضى والزعامة ٢٧٤

ولادته ووفاته ٢٧٦

نبذة من ديوان المرتضى ٢٧٧

أبو علي البصير ٣٠٠

ابو العلا المعرى ٣٠٢

ما يتبع الشعر والشاعر ٣٠٢

ألمؤيد في الدين ٣٠٤

الجبرى المصرى ٣١٣

شعراء الغدير ٣١٩

أبو الحسن الفنجكردى ٣١٩

ابن منير الطرابلسى ٣٢٦

ألقاضي ابن قادوس ٣٣٨

ألملك الصالح ٣٤١

كلمات حول المترجم ٣٤٥

ولادته ووفاته مدايحه ومراثيه ٣٥٠

نماذج من شعر الملك الصالح ٣٦٣

الملك العادل ٣٦٩


ابن العودي النيلى ٣٧٢

ألقاضي الجليس ٣٨٤

ابن مكى النيلى ٣٩٢

ألخطيب الخوارزمي ٣٩٧

مشايخه في الأخذ والرواية ٣٩٩

تلامذته والرواة عنه ٤٠١

تآليفه ٤٠٢

شعره وخطبه ولادته و وفاته ٤٠٦

الفقيه عماره ٤٠٨

الفهرس ٤٢٠