مباحث النبوة
نبوّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم
قال المصنّف ـ طيّب الله مرقده ـ(١) :
المسألة الرابعة
في النّبوّة
وفيها مباحث :
المبحث الأوّل
في نبوّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم
إعلم أنّ هذا أصل عظيم في الدين ، وبه يقع الفرق بين المسلم والكافر ، فيجب الاعتناء به ، وإقامة البرهان عليه ، ولا طريق في إثبات النبوّة على العموم وعلى الخصوص إلّا بمقدّمتين :
إحداهما : إنّ النبيّ ادّعى رسالة ربّ العالمين له إلى الخلق ، وأظهر المعجزة على وفق دعواه لغرض التصديق له.
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٣٩.
والثانية : إنّ كلّ من صدّقه الله تعالى فهو صادق(١) .
وهاتان المقدّمتان لا يقول بهما الأشاعرة.
أمّا الأولى : فلأنّه يمتنع أن يفعل الله لغرض من الأغراض ، أو لغاية من الغايات ، فلا يجوز أن يقال : إنّه تعالى فعل المعجزة على يد مدّعي الرسالة لغرض تصديقه ، ولا لأجل تصحيح دعواه ، بل فعلها مجّانا.
ومثل هذا لا يمكن أن يكون حجّة للنبيّ ؛ لأنّا لو شككنا في أنّ الله فعله لغرض التصديق أو لغيره ، لم يمكن الاستدلال على صدق مدّعي النبوّة مع هذا الشكّ ، فكيف يحصل الجزم بصدقه مع الجزم بأنّه لم يفعله لغرض التصديق؟!
وأمّا الثانية : فلأنّها لا تتمّ على مذهبهم ؛ لأنّهم يسندون القبائح كلّها إلى الله تعالى ، ويقولون : كلّ من ادّعى النبوّة ـ سواء كان محقّا أم مبطلا ـ فإنّ دعواه من فعل الله وأثره ، وجميع أنواع الشرك والمعاصي والضلال في العالم من عند الله تعالى ، فكيف يصحّ مع هذا أن يعرف أنّ هذا الذي صدّقه صادق في دعواه؟! فجاز أن يكذب في دعواه ، ويكون هذا الإضلال من الله سبحانه كغيره من الأضاليل التي فعلها!(٢) .
فلينظر العاقل : هل يجوز له أن يصير إلى مذهب لا يمكن إثبات نبوّة نبيّ من الأنبياء به ألبتّة ، ولا يمكن الجزم بشريعة من الشرائع؟! والله تعالى قد قطع أعذار المكلّفين بإرسال الرسل ، فقال :( لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ
__________________
(١) انظر : الذخيرة في علم الكلام : ٣٢٨ ـ ٣٣٠ ، تقريب المعارف : ١٥٤ ، الاقتصاد في ما يتعلّق بالاعتقاد : ٢٥٠.
(٢) الأربعين في أصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ٢ / ١٠١ ـ ١٠٢ ، محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين : ٣٠٥ ـ ٣٠٦ ، المواقف : ٣٤١ ـ ٣٤٢.
عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (١) .
وأيّ حجّة أعظم من هذه الحجّة عليه تعالى؟! وأيّ عذر أعظم من أن يقول العبد لربّه : إنّك أضللت العالم ، وخلقت فيهم الشرور والقبائح ، وظهر جماعة خلقت فيهم كذب ادّعاء النبوّة ، وآخرون ادّعوا النبوّة ، ولم تجعل لنا طريقا إلى العلم بصدقهم ، ولا سبيل لنا إلى معرفة صحّة الشرائع التي أتوا بها ؛ فيلزم انقطاع حجّة الله تعالى؟!
وهل يجوز لمسلم يخشى الله وعقابه ، أو يطلب الخلاص من العذاب ، المصير إلى هذا القول؟!
نعوذ بالله من الدخول في الشبهات.
* * *
__________________
(١) سورة النساء ٤ : ١٦٥.
وقال الفضل(١) :
هذا الكلام المموّه الخارج عن طريق المعقول قد ذكره قبل هذا بعينه في مسألة خلق الأعمال(٢) ، وقد أجبناه هناك(٣) ، ولمّا أعاده في هذا المقام لزمنا مؤنة الإعادة في الجواب ، فنقول :
أمّا المقدّمة الأولى من المقدّمتين اللتين ادّعى توقّف ثبوت النبوّة عليهما ، وهي : « إنّ النبيّ ادّعى الرسالة ، وأظهر المعجزة على وفق دعواه لغرض التصديق له »
فقد بيّنّا قبل هذا أنّ غاية إظهار المعجزة والحكمة والمصلحة فيه :
تصديق الله تعالى النبيّ في ما ادّعاه.
وهذا يتوقّف على كون إظهار الله ( المعجزة مشتملا )(٤) على الحكمة والمصلحة والغاية(٥) ، لا على إثبات الغرض والعلّة الغائية الموجبة للنقص والاحتياج ، فثبت المقدّمة الأولى على رأي الأشاعرة وبطل ما أورده عليهم.
وأمّا المقدّمة الثانية ، وهي : « إنّ كلّ من صدّقه الله تعالى فهو
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ٢ / ١٩١.
(٢) راجع ج ٣ / ٤٤.
(٣) تقدّم في ج ٣ / ٤٧.
(٤) كان في الأصل : « معجزة مشتمل » ، وهو غلط نحوي ، والصواب ما أثبتناه في المتن من إحقاق الحقّ.
(٥) بناء على ما ذهب إليه الأشاعرة من أنّ أفعال الله تعالى غير معلّلة بالأغراض والمقاصد.
صادق »
فهذا شيء تثبته الأشاعرة ويستدلّون عليه بالدلائل الحقّة الصريحة ، ولا يلزم من خلق الله القبائح ـ التي ليست بقبيحة بالنسبة إليه ـ أن يكون كلّ مدّع للنبوّة ـ سواء كان محقّا أو مبطلا ـ دعواه من الله.
وماذا يريد من أنّ دعوى المحقّ والمبطل من الله؟!
إن أراد أنّه من خلق الله ، فلا كلام في هذا ؛ لأنّ كلّ فعل يخلقه الله.
وإن أراد أنّه مرضيّ من الله ، والله يرسل المحقّ والمبطل ، فهذا باطل صريح ، فإنّ الله لا يرضى لعباده الكفر والضلال وإن كان بخلقه وتقديره كما سمعت مرارا.
وكلّ من يدّعي النبوّة ، وهو مبعوث من الله ، فقد جرت عادة الله على إظهار المعجزة بيده لتصديقه ، ولم تتخلّف عادة الله عن هذا ، وجرت عادته ـ التي خلافها جار مجرى المحال العادي ـ بعدم إظهار المعجزة على يد الكاذب.
والحاصل : إنّ الأشاعرة يقولون بعدم وجوب شيء على الله ؛ لأنّه المالك المطلق ولا يجب عليه شيء(١) .
وما ذكره من أنّه كيف يعرف أنّ هذا الذي صدّقه صادق في دعواه؟
فنقول : بتصديق المعجزة يعرف هذا.
قوله : « يجوز أن يظهر المعجزة على يد الكاذب ».
قلنا : ماذا تريدون من هذا الجواز؟! الإمكان العقليّ ، فنقول : يمكن
__________________
(١) محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين : ٢٩٥ ، شرح المقاصد ٤ / ٢٩٤ ، شرح المواقف ٨ / ١٩٥ ـ ١٩٦.
هذا عقلا ؛ أم تريدون أنّه يجوّزه العقل بحسب العادة ، فنقول : هذا ممتنع عادة ، ويفيدنا العلم العادي بأنّ هذا لا يجري في عادة الله ، كالجزم بأنّ الجبل الفلاني لم يصر الآن ذهبا ، فلا يلزم ما ذكر.
وأمّا ما أطال من الطامّات والترّهات ، فنعمل بقوله تعالى :( وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) (١) .
* * *
__________________
(١) سورة الأعراف ٧ : ١٩٩.
وأقول :
يرد على ما أجاب به عن المقدّمة الأولى : إنّه لا يلزم على مذهبهم ثبوت المصلحة والفائدة للمعجزة ، إذ لا يجب عليه تعالى شيء ، ولا يقبح منه شيء ، فيجوز أن يفعل الله سبحانه المعجزة بلا فائدة أصلا!
على أنّ الفائدة والحكمة في خلق المعجزة على يد الكاذب يمكن أن تكون من جنس الحكمة والفائدة في خلق الكفر وسبّه تعالى وسبّ رسله ، بأن يكون خلق المعجزة على يد الكاذب دخيلا في النظام الكلّي ، كخلق الكفر وسبّه تعالى بزعمهم ، فلا يلزم أن تكون المصلحة في خلق المعجزة تصديق النبيّ في ما ادّعاه.
وبالجملة : الالتزام بأنّ التصديق هو مصلحة المعجزة ، موقوف على إثبات الغرض لله تعالى ، أو وجوب مثل هذه المصلحة عليه ، فإذا أنكروهما لم يمكن الالتزام بأنّ التصديق هو المصلحة.
على أنّا لا نعرف من كون المصلحة مرعيّة لله تعالى إلّا أنّها غرض وغاية له.
وما أشار إليه من أنّ العلّة الغائية توجب النقص والحاجة ، قد عرفت بطلانه ، وأنّ المصلحة تعود إلى العبد ، فلا يلزم النقص في حقّه سبحانه ، ولا الحاجة له ، كما سبق موضّحا في المطلب الرابع(١) .
وأمّا ما ذكره بالنسبة إلى المقدّمة الثانية ، من أنّ هذا يثبته الأشاعرة
__________________
(١) تقدّم في ج ٣ / ٤٩.
ويستدلّون عليه بالدلائل الحقّة
ففيه : إنّا لا ننكر إثباتهم له ، لكنّا نقول : إنّه ليس لازما على مذهبهم ؛ لقولهم : بأنّه لا يقبح منه شيء ، ولا يجب عليه شيء ، وأنّه خلق جميع أضاليل الكون.
وليته ذكر لنا بعض تلك الدلائل الحقّة لهم ، فإنّا لا نعرف دليلا لهم غير دعوى العادة التي ستعرف ما فيها.
وما ذكره من الترديد في مراد المصنّف : نختار منه الشقّ الأوّل ، وهو : إنّ الله تعالى خلق دعوى المحقّ والمبطل.
ونقول : إذا كان الله خالقا لدعواهما ولم يقبح عليه ، فما المانع من أن يخلق لكلّ منهما معجزة ، ويضلّ الناس بمعجزة الكاذب ، كما خلق سائر الأضاليل وكفرهم به وبالأنبياء الصادقين؟!
ويمكن أن نختار الشقّ الثاني ونقول : قد حقّقنا أنّ خالق الشيء وموجده لا بدّ أن يكون مريدا له ، راضيا به ، فيلزم من خلق الله تعالى لدعوى المبطل رضاه بها ، وإلّا فما الذي ألجأه إلى خلقها؟!
كما يلزم من خلقه للكفر رضاه به ، وعليه يكون قوله تعالى :( إِنَّ اللهَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ ) (١) كاذبا على مذهبهم.
وأمّا ما ذكره من حديث العادة ، فباطل ؛ لجواز كذب كلّ ذي معجزة فضلا عن بعضهم ، ولا علم لنا بعادة الله في الأنبياء ، فإنّها غيب ، ولا طريق غيرها بزعمهم إلى العلم بصدق ذي المعجزة.
ولو سلّم تحقّق العادة ، فإنّما هو عند من يعرف الشرائع ، وأمّا من
__________________
(١) سورة الزمر ٣٩ : ٧.
لا يعرفها ولم يقرّ بنبيّ قطّ ، فلا معنى لتحقّق العادة عندهم ، وحينئذ فكيف تثبت عندهم على رأي الأشاعرة نبوّة ذي المعجزة؟!
على أنّ خرق العادة جائز وواقع كما في ذات المعجزة ، ففي حين تخلّف(١) العادة بالمعجزة ، كيف يقطع بعدم تخلّفها في النبوّة؟!
وبالجملة : إذا كان تعالى لا يجب عليه شيء ، ولا يقبح منه شيء ، وجوّزنا عقلا إظهار المعجزة على يد الكاذب ، لم يمكن إحراز العادة والعلم بصدق واحد من الأنبياء ـ فضلا عن الجميع ـ ولا سيّما مع زعم الأشاعرة صدور جميع الأضاليل عن الله سبحانه!
فظهر لك أيّ الكلامين هو المموّه الخارج عن طريق المعقول!
* * *
__________________
(١) تخلّف ، أي : تتخلّف ؛ حذفت إحدى التاءين تخفيفا ، وهو جائز كثير في كلام العرب.
عصمة الأنبياء
قال المصنّف ـ أجزل الله ثوابه ـ(١) :
المبحث الثاني
في أنّ الأنبياء معصومون
ذهبت الإمامية كافّة إلى أنّ الأنبياء معصومون عن الصغائر والكبائر ، منزّهون عن المعاصي ، قبل النبوّة وبعدها ، على سبيل العمد والنسيان ، وعن كلّ رذيلة ومنقصة ، وما يدلّ على الخسّة والضعة(٢) .
وخالفت أهل السنّة كافّة في ذلك ، وجوّزوا عليهم المعاصي(٣) ..
وبعضهم : جوّزوا الكفر عليهم قبل النبوّة وبعدها(٤)
وجوّزوا عليهم السهو والغلط(٥)
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٤٢.
(٢) أوائل المقالات : ٦٢ ، تنزيه الأنبياء : ١٥ ، الذخيرة في علم الكلام : ٣٣٧ ـ ٣٣٨ ، المنقذ من التقليد ١ / ٤٢٤ ، تجريد الاعتقاد : ٢١٣.
(٣) انظر : الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢ / ٢٨٤ ، الإرشاد ـ للجويني ـ : ٢٩٨ ، الأربعين في أصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ١ / ٢٧٩ و ٢ / ١١٦ ، المواقف : ٣٥٨ ، شرح المقاصد ٥ / ٤٩ ، إرشاد الفحول : ٧٠.
(٤) انظر : الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢ / ٢٨٤ ، الإحكام في أصول الأحكام ـ للآمدي ـ ١ / ١٤٥ ـ ١٤٦.
(٥) انظر مثلا : الأربعين في أصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ٢ / ١١٧ و ١٦٧ ، المواقف : ٣٥٩ ، شرح المقاصد ٥ / ٥٠ ، وسيأتي مزيد تفصيل في محلّه.
ونسبوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى السهو في القرآن بما يوجب الكفر فقالوا : إنّه صلّى يوما وقرأ في سورة النجم عند قوله تعالى :( أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ) (١) « تلك الغرانيق العلى ، منها الشفاعة ترتجى »(٢) .
وهذا اعتراف منهصلىاللهعليهوآله بأنّ تلك الأصنام ترتجى الشفاعة منها.
نعوذ بالله من هذه المقالة التي نسب النبيّصلىاللهعليهوآله إليها ، وهي توجب الشرك.
فما عذرهم عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقد قتل جماعة كثيرة من أهله وأقاربه على عبادة الأصنام ، ولم تأخذه في الله لومة لائم ، وينسب إليه هذا القول الموجب للكفر والشرك وهو في مقام إرشاد العالم؟!
وهل هذا إلّا أبلغ أنواع الضلال؟!
وكيف يجامع هذا قوله تعالى :( لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (٣) ؟!
وهل أبلغ من هذه الحجّة ، وهي أن يقول العبد : إنّك أرسلت رسولا
__________________
(١) سورة النجم ٥٣ : ١٩ و ٢٠.
(٢) انظر مثلا : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ١ / ١٦٠ ، المعجم الكبير ٩ / ٣٤ ح ٨٣١٦ وج ١٢ / ٤٢ ح ١٢٤٥٠ ، تأويل مختلف الحديث ـ لابن قتيبة ـ : ١٦٧ ، تاريخ الطبري ١ / ٥٥١ ـ ٥٥٢ ، تفسير الطبري ٩ / ١٧٤ ـ ١٧٧ ح ٢٥٣٢٧ ـ ٢٥٣٣٥ ، أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ ٣ / ٣٦٣ ـ ٣٦٤ ، تفسير الماوردي ٥ / ٣٩٨ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٢ / ٢٨٦ ، أسباب النزول : ١٧٢ ـ ١٧٣ ، زاد المسير ٥ / ٣٢٢ ، شرح المقاصد ٥ / ٥٩ ، مجمع الزوائد ٧ / ٧١ و ١١٥ ، شرح المواقف ٨ / ٢٧٦ ـ ٢٧٧ ، الدرّ المنثور ٦ / ٦٥ ـ ٦٩ عن عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، وابن المنذر ، والبزّار ، وابن مردويه ، والضياء في « المختارة » ، وسعيد بن منصور.
(٣) سورة النساء ٤ : ١٦٥.
يدعو إلى الشرك والكفر ، وتعظيم الأصنام وعبادتها؟!
ولا ريب أنّ القائلين بهذه المقالة صدق عليهم قوله تعالى :( وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) (١) .
* * *
__________________
(١) سورة الأنعام ٦ : ٩١.
وقال الفضل(١) :
إنّ أهل الملل والشرائع بأجمعهم أجمعوا على وجوب عصمة الأنبياء عن تعمّد الكذب في ما دلّ المعجز القاطع على صدقهم فيه ، كدعوى الرسالة في ما يبلّغونه عن الله تعالى إلى الخلائق ، إذ لو جاز عليهم التقوّل والافتراء في ذلك عقلا لأدّى إلى إبطال دلالة المعجزة ، وهو محال.
وفي جواز صدور الكذب عنهم في ما ذكر على سبيل السهو والنسيان خلاف ، فمنعه الأستاذ أبو إسحاق(٢) وكثير من الأئمّة الأعلام ، لدلالة المعجزة على صدقهم في الأحكام ، فلو جاز الخلف في ذلك لكان نقضا ؛ لدلالة المعجزة ، وهو ممتنع.
وأمّا سائر الذنوب فهي إمّا كفر أو غيره
أمّا الكفر فأجمعت الأمّة على عصمتهم منه قبل النبوّة وبعدها ، ولا خلاف لأحد منهم في ذلك.
وجوّز الشيعة للأنبياء إظهار الكفر تقيّة عند خوف الهلاك ، وذلك باطل قطعا ؛ لأنّه يفضي إلى إخفاء الدعوة بالكلّية وترك تبليغ الرسالة ، إذ أولى الأوقات بالتقيّة وقت الدعوة ؛ للضعف وكثرة المخالفين(٣) .
انظر إلى هؤلاء المتصلّفين يجوّزون إظهار الكفر على الأنبياء للتقيّة ،
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ٢ / ١٩٩.
(٢) هو : إبراهيم بن محمّد الإسفراييني ، المتوفّى سنة ٤١٨ ه ، وقد مرّت ترجمته في ج ٢ / ٥٩.
(٣) انظر : شرح المواقف ٨ / ٢٦٤.
وحفظ أرواحهم ، وترك حقوق الله ، ثمّ يشنّعون على أهل السنّة أنّهم يجوّزون السهو على الأنبياء!
وأمّا الصغائر والكبائر ، كلّ منهما إمّا أن يصدر عمدا ، وإمّا أن يصدر سهوا
أمّا الكبائر ، فمنعه الجمهور من المحقّقين ، والأكثر على أنّه ممتنع سمعا.
قال القاضي والمحقّقون من الأشاعرة : إنّ العصمة في ما وراء التبليغ غير واجبة عقلا ، إذ لا دلالة للمعجزة عليه ، فامتناع الكبائر منهم عمدا مستفاد من السمع وإجماع الأمّة قبل ظهور المخالفين في ذلك.
وأمّا صدورها سهوا ، أو على سبيل الخطأ في التأويل ، فالمختار عدم جوازه.
وأمّا الصغائر عمدا ، فجوّزه الجمهور.
وأمّا سهوا ، فهو جائز اتّفاقا بين أصحابنا وأكثر المعتزلة ، إلّا الصغائر الخسيسة كسرقة حبّة أو لقمة ، ممّا ينسب فاعله إلى الدناءة والخسّة والرذالة.
وقالت الشيعة : لا يجوز عليهم صغيرة ولا كبيرة ، لا عمدا ولا سهوا ، ولا خطأ في التأويل ، وهم مبرّأون عنها قبل الوحي ، فكيف بعد الوحي؟!(١) .
ودليل الأشاعرة على وجوب عصمة الأنبياء من الكبائر سهوا وعمدا من وجوه ، ونحن نذكر بعض الأدلّة ، لا للاحتجاج بها على الخصم ؛ لأنّه
__________________
(١) انظر : شرح المواقف ٨ / ٢٦٤ ـ ٢٦٥.
موافق في هذه المسألة ، بل لرفع افترائه على الأشاعرة في تجويز الكبائر على الأنبياء :
الأوّل : لو صدر عنهم ذنب لحرم اتّباعهم في ما صدر عنهم ، ضرورة أنّه يحرم ارتكاب الذنب ، واتّباعهم واجب ؛ للإجماع ، ولقوله تعالى :( إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) (١) .
وهذا الدليل يوجب وجوب عصمتهم عن الصغائر والكبائر ، ذكره الأشاعرة ، وفيه موافقة للشيعة.
فعلم أنّ الأشاعرة يوافقون في وجوب عصمة الأنبياء من الصغائر والكبائر ، لكن في الصغائر تجويز عقلي ؛ لدليل آخر ، كما سيأتي في تحقيق العصمة.
الثاني : لو أذنبوا لردّت شهادتهم ، إذ لا شهادة للفاسق بالإجماع ، واللازم باطل بالإجماع ؛ لأنّ من لا تقبل شهادته في القليل الزائل من متاع الدنيا كيف تسمع شهادته في الدين القيّم إلى يوم القيامة؟!
وهذا الدليل يدلّ على وجوب عصمتهم عن الكبائر والإصرار على الصغائر ؛ لأنّها توجب الردّ ، لا نفس صدور الصغيرة.
الثالث : إن صدر عنهم ذنب وجب زجرهم وتعنيفهم ، لعموم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإيذاؤهم حرام إجماعا(٢) .
وأيضا : لو أذنبوا لدخلوا تحت قوله تعالى :( وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ ) (٣)
__________________
(١) سورة آل عمران ٣ : ٣١.
(٢) انظر : شرح المقاصد ٥ / ٤٩ ـ ٥١ ، شرح المواقف ٨ / ٢٦٥.
(٣) سورة الجنّ ٧٢ : ٢٣.
وتحت قوله تعالى :( أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (١)
وتحت قوله تعالى لوما ومذمّة :( لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ) (٢)
وقوله تعالى :( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) (٣) .
فيلزم كونهم موعدين بعذاب جهنّم وملعونين ومذمومين ، وكلّ ذلك باطل إجماعا.
وهذا الدليل ـ أيضا ـ يدلّ على عصمتهم من كلّ الذنوب ، وغيرها من الدلائل التي ذكرها الإمام الرازي(٤) .
والغرض : إنّ كلّ ما ذكره هذا الرجل ممّا يترتّب على ذنوب الأنبياء ، من لزوم إبطال حجّة الله ، فمذهب الأشاعرة بريء عنه ، وهم ذكروا هذه الدلائل.
وأمّا تجويز الصغائر التي لا تدلّ على الخسّة ؛ فلأنّ الصغيرة النادرة عمدا معفوّة عن مجتنب الكبائر(٥) ، والنبيّ بشر ، ولا يبعد من البشر وقوع هذا.
ثمّ اعلم أنّ تحقيق هذا المبحث يرجع إلى تحقيق معنى العصمة ،
__________________
(١) سورة هود ١١ : ١٨.
(٢) سورة الصفّ ٦١ : ٢.
(٣) سورة البقرة ٢ : ٤٤.
(٤) الأربعين في أصول الدين ٢ / ١١٧ ـ ١٢٢.
نقول : إلّا أنّ الفخر الرازي جوّز فيه على الأنبياء ارتكاب الكبائر والصغائر سهوا في زمان النبوّة! فقد قال : « والذي نقوله : إنّ الأنبياء عليهم السلام معصومون في زمان النبوّة عن الكبائر والصغائر بالعمد ، أمّا على سبيل السهو فجائز »!
(٥) شرح المواقف ٨ / ٢٦٧.
وهو عند الأشاعرة على ما يقتضيه أصلهم من استناد الأشياء كلّها إلى الفاعل المختار ابتداء أن لا يخلق الله فيهم ذنبا(١) .
فعلى هذا يكون الأنبياء معصومين من الكفر والكبائر والصغائر الدالّة على الخسّة والرذالة ، وأمّا غيرها من الصغائر فإنّهم يقولون : لا يجب عصمتهم عنها ؛ لأنّها معفوّ عنها ـ بنصّ الكتاب ـ من تارك الكبيرة أنّ :( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ) (٢) .
دلّت الآية على أنّ مجتنب الكبيرة والفاحشة معفوّ عنه ما صدر من الصغائر عنه ، وفي الآية إشارة إلى أنّ الإنسان لمّا خلق من الأرض ونشأ منها فلا يخلو عن الكدورات الترابية التي تقتضي الذنب والغفلة ، فكانت بعض الذنوب تصدر عنهم بحسب مقتضى الطبع ، ولمّا لم يكن خلاف ملكة العصمة فلا مؤاخذة به.
وأمّا العصمة عند الحكماء ، فهي ملكة تمنع عن الفجور ، وتحصل هذه ابتداء بالعلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات ، وتتأكّد في الأنبياء بتتابع الوحي إليهم بالأوامر الداعية إلى ما ينبغي ، والنواهي الزاجرة عمّا لا ينبغي ، ولا اعتراض على ما يصدر عنهم من الصغائر سهوا أو عمدا عند من يجوّز تعمّدها ، ومن ترك الأولى والأفضل فإنّها لا تمنع العصمة التي هي الملكة ، فإنّ الصفات النفسانية تكون في ابتداء حصولها أحوالا ثمّ
__________________
(١) راجع : حاشية الدواني على العقائد العضدية : ٢٠٣ ، حاشية السيالكوتي : ٢٠٣ ، شرح مطالع الأنظار : ٢١١ ، شرح المواقف ٨ / ٢٨٠ و ٢٨١.
(٢) سورة النجم ٥٣ : ٣٢.
تصير ملكات بالتدريج(١) .
ثمّ إنّ الأنبياء مكلّفون بترك الذنوب ، مثابون به ، ولو كان الذنب ممتنعا عنهم لما كان الأمر كذلك ، إذ لا تكليف بترك الممتنع ولا ثواب عليه.
وأيضا : فقوله :( إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَ ) (٢) ، يدلّ على مماثلتهم لسائر الناس في ما يرجع إلى البشرية ، والامتياز بالوحي لا غير ، فلا يمتنع صدور الذنب عنهم كما في سائر البشر(٣) .
هذا حقيقة مذهب الأشاعرة ، ومن تأمّل فيه علم أنّه الحقّ الصريح المطابق للعقل والنقل ، وكلّ ما ذكره هذا الرجل على سبيل التشنيع فلا يأتي عليهم ، كما علمته مجملا ، وستعلمه مفصّلا عند أقواله.
وما ذكره من قصّة سورة النجم وقراءة النبيّصلىاللهعليهوآله ما لم يكن من القرآن ، فهذا أمر لم يذكر في الصحاح ، بل هو مذكور في بعض التفاسير
وذكروا : أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله لمّا اشتدّ عليه إعراض قومه عن دينه ، تمنّى أن يأتيه من الله ما يقرّبه إليهم ويستميل قلوبهم ، فأنزل الله عليه سورة النجم ، ولمّا اشتغل بقراءتها قرأ بعد قوله تعالى :( أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ) (٤) « تلك الغرانيق العلى ، منها الشفاعة ترتجى » ، فلمّا سمعه قريش فرحوا به وقالوا : قد ذكر آلهتنا بأحسن الذكر ؛ فأتاه جبرئيل بعد ما أمسى وقال له : تلوت ما لم أتله عليك! فحزن النبيّ
__________________
(١) راجع : حاشية الدواني على العقائد العضدية : ٢٠٣ ، حاشية السيالكوتي : ٢٠٣ ، شرح مطالع الأنظار : ٢١١ ، شرح المواقف ٨ / ٢٨٠ و ٢٨١.
(٢) سورة الكهف ١٨ : ١١٠.
(٣) شرح المواقف ٨ / ٢٨١.
(٤) سورة النجم ٥٣ : ١٩ و ٢٠.
لذلك حزنا شديدا ، وخاف من الله خوفا عظيما ، فنزل لتسليته :( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ ) الآية(١) (٢) .
هذا ما ذكره بعض المفسّرين ، واستدلّ به من جوّز الكبائر على الأنبياء.
والأشاعرة أجابوا عن هذا بأنّه ـ على تقدير حمل التمنّي على القراءة ـ هو من إلقاء الشيطان ، يعني أنّ الشيطان قرأ هذه الآية المنقولة ، وخلط صوته بصوت النبيّ حتّى ظنّ أنّه قرأها.
قالت الأشاعرة : وإن لم يكن من إلقاء الشيطان ، بل كان النبيّ قارئا لها ، كان ذلك كفرا صادرا عنه ، وليس بجائز إجماعا.
وأيضا : ربّما كان ما ذكر من العبارة قرآنا ، ويكون الإشارة بتلك الغرانيق إلى الملائكة ، فنسخ تلاوته للإيهام(٣) .
ومن قرأ سورة النجم وتأمّل في تتابع آياتها علم أنّ هذه الكلمات لا يلتئم وقوعها بعد ذكر الأصنام ولا في أثنائها ، ولا يمكن ( للبليغ أن )(٤) يتفوّه به في مدح الأصنام عند ذكر مذمّتها.
نعم ، يلتئم ذكرها عند ذكر الملائكة ، وهو قوله تعالى :( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى ) (٥) .
__________________
(١) سورة الحجّ ٢٢ : ٥٢.
(٢) انظر : هامش رقم ٢ الصفحة ١٨ ، شرح المواقف ٨ / ٢٧٦ ـ ٢٧٧.
(٣) تفسير الفخر الرازي ٢٣ / ٥٠ ـ ٥٥ ، شرح المواقف ٨ / ٢٧٧.
(٤) كان في الأصل : « أنّ البليغ » ، وما أثبتناه من إحقاق الحقّ.
(٥) سورة النجم ٥٣ : ٢٦.
فها هنا يناسب أن يقرأ : « تلك الغرانيق العلى * وإنّ شفاعتهنّ لترتجى » ، فعلم أنّه لو صحّ هذا لكان في وصف الملائكة ، ثمّ نسخ للإيهام أو لغيره ، والله أعلم.
هذه أجوبة الأشاعرة ، فعلم أنّ ما اعترض عليهم هذا الرجل فهو من باب مفترياته.
وأمّا المغاربة(١) فهم يمنعون صحّة هذا عن أصله.
وذكر الشيخ الإمام القاضي أبو الفضل موسى بن عياض اليحصبي المغربي في كتاب « الشفا بتعريف حقوق المصطفى » أنّ هذا من مفتريات الملاحدة ، ولا أصل له ، وبالغ في هذا كلّ المبالغة(٢) .
* * *
__________________
(١) يعني بهم علماء الأندلس والمغرب العربي.
(٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢ / ١٢٥.
وأقول :
إعلم أنّ ما ذكره في نقل الإجماع والأقوال إنّما هو من كلام « المواقف » وشرحها(١) ، وقد ذكره بلفظه ، سوى إنّه حذف بعض ما يضرّه كما سننبّه عليه إن شاء الله تعالى.
فبحثنا حقيقة مع صاحب « المواقف » وشارحها ، فنقول : يرد عليهما أمور :
[ الأمر ] الأوّل : إنّ ما زعماه من إجماع أهل الملل على عصمة الأنبياء عن تعمد الكذّب في ما دلّ المعجز القاطع على صدقهم فيه ، كدعوى الرسالة إلى آخره ، خطأ ظاهر ؛ لجهات :
[ الجهة ] الأولى : إنّ الإجماع المذكور ممنوع لما حكاه ابن حزم عن بعض الكرّامية : إنّهم يجوّزون على الأنبياء الكذب في التبليغ(٢) كما ستعرفه في كلامه الآتي إن شاء الله تعالى.
الجهة الثانية : إنّ ما ذكراه من الكذب في دعوى الرسالة ، إن أرادا به الكذب في دعواها حين الرسالة ، فهو غير معقول ؛ لأنّه بعد فرض الرسالة لا يتصوّر الكذب فيها حتّى يعصم عنه.
وإن أرادا به الكذب في دعوى الرسالة قبل الرسالة ، فغير صحيح ؛ لأنّ المعجزة اللاحقة لا تدلّ على عصمتهم عنه حينئذ ، إذ لا يلزم من وقوع الكذب ـ في ذلك منهم قبل الرسالة ـ إبطال دلالة المعجزة على ثبوت
__________________
(١) انظر : المواقف : ٣٥٨ ، شرح المواقف ٨ / ٢٦٣.
(٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢ / ٢٨٤.
الرسالة في وقتها ، اللهمّ إلّا أن يريدا العصمة حين الرسالة عن الكذب في دعوى عدمها ، فله وجه لكنّه خلاف ظاهر كلامهما.
الجهة الثالثة : إنّ دعوى أنّ المعجزة تدلّ عقلا على عصمتهم عن الكذب في ما يبلّغونه عن الله تعالى ممنوعة على مذهبهم ، إذ يجوز عقلا بناء على قولهم : « لا يجب على الله شيء ، ولا يقبح منه شيء »(١) ، أن يرسل رسولا بالافتراء عليه ، مضافا إلى أنّه يمكن عقلا أن يظهر الله المعجزة على يد الكاذب في دعوى الرسالة ، فلا محالية عقلا في إبطال دلالة المعجزة على الرسالة.
ودعوى القطع العادي(٢) بعدم ظهورها على يد الكاذب ، وبعدم إرسال رسول بالافتراء على الله تعالى ، غير نافعة ؛ لأنّ الكلام في تجويز العقل!
على أنّك عرفت أنّ هذه العادة غيب لا يمكن العلم بها ، إذ لعلّ كلّ من أظهر المعجزة كاذب في دعوى الرسالة ، أو أنّه مرسل بالافتراء ، فما لم نقل بأنّ ذلك قبيح على الله تعالى لم يمكن القطع بنبوّة صاحب المعجزة وبعدم كونه مرسلا بالافتراء.
واعلم أنّه قد وقع الخلاف بين الأشاعرة في جواز الكذب سهوا على الأنبياء في دعوى الرسالة والتبليغ.
فجوّزه القاضي أبو بكر ، الذي هو من أعاظم الأشاعرة(٣) ، كما
__________________
(١) اللمع في الردّ على أهل الزيغ والبدع : ١١٦ ، محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين : ٢٩٥ ، المواقف : ٣٢٨ ، شرح المقاصد ٤ / ٢٩٤ ، شرح المواقف ٨ / ١٩٥.
(٢) أي قولهم : « جرت عادة الله ».
(٣) انظر : التقريب والإرشاد ١ / ٤٣٨.
صرّح بنسبته إليه في « المواقف »(١) ، لكنّ الخصم أسقط ذكره سترا على قومه!!
الأمر الثاني : إنّ ما زعماه من إجماع الأمّة على عصمة الأنبياء عن الكفر قبل النبوّة وبعدها خطأ ، لما ذكراه بأنفسهما من أنّ الأزارقة(٢) أجازوا على الأنبياء الذنب ، وكلّ ذنب عندهم كفر(٣) .
وقال الشارح : ويحكى عنهم أنّهم قالوا بجواز بعثة نبيّ علم الله أنّه يكفر بعد نبوّته(٤) !
ولو فرض أنّ مرادهما بالكفر الذي ادّعيا الإجماع على العصمة عنه هو الشرك ونحوه ، لا ما يعمّ كلّ ذنب على قول من يجعله كفرا ، فكثير من أهل السنّة قالوا بعدم عصمة الأنبياء عن هذا الكفر الخاصّ
منهم : الغزّالي ، في بحث أفعال الرسول من كتابه الموسوم بـ
__________________
(١) المواقف : ٣٥٨ ، وانظر : شرح المواقف ٨ / ٢٦٣ ، حاشية الدواني على العقائد العضدية : ٢٠٣.
(٢) الأزارقة : ويقال لهم : الأزارقة النافعية ، وهم جماعة من الخوارج ، من أصحاب أبي راشد نافع بن الأزرق الحروري ، من رؤوس الخوارج ، الّذين خرجوا مع نافع من البصرة إلى الأهواز ، فغلبوا عليها وعلى كورها وما ورائها من بلدان فارس وكرمان في أواخر دولة يزيد بن معاوية ، أيّام عبد الله بن الزبير ، وقتلوا عمّاله بهذه النواحي وكان نافع أوّل من أحدث الخلاف بين الخوارج ؛ وذلك أنّه أظهر البراءة من القعدة عن اللحوق بعسكره وإن كان موافقا له على دينه ، وأكفر من لم يهاجر إليه! وكان يعترض الناس حتّى النساء والأطفال بما يحيّر العقول ، واشتدّت شوكته إلى أن كان قتله في جمادى الآخرة سنة خمس وستّين من الهجرة.
انظر : الملل والنحل ١ / ١١١ ، الأنساب ـ للسمعاني ـ ١ / ١٢٢ ( الأزرقي ) ، لسان الميزان ٦ / ١٤٤ رقم ٥٠٦.
(٣) الملل والنحل ١ / ١١٥ البدعة السابعة ، المواقف : ٣٥٨.
(٤) شرح المواقف ٨ / ٢٦٤.
« المنخول في الأصول »(١) ، على ما نقله عنه السيّد السعيد(٢) .
قال الغزّالي : « والمختار ما ذكره القاضي ، وهو : إنّه لا يجب عقلا عصمتهم ، إذ لا يستبان استحالة وقوعه بضرورة العقل ولا بنظره ، وليس هو مناقضا لمدلول المعجزة ، فإنّ مدلولها صدق اللهجة في ما يخبر عن الله تعالى [ فلا جرم لا يجوز وقوع الكذب في ما يخبر به عن الربّ تعالى ](٣) لا عمدا ولا سهوا ، ومعنى التنفير باطل ، فإنّا نجوّز أن ينبّئ الله تعالى كافرا ويؤيّده بالمعجزة »(٤) .
ومنهم : ابن تيميّة ، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى في الآية الثامنة من الآيات التي استدلّ بها المصنّف على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام (٥) .
ومنهم : قوم من الحشوية(٦) ، والكرّامية(٧) ، وابن فورك(٨) ،
__________________
(١) المنخول من تعليقات الأصول : ٢٢٤.
(٢) انظر : إحقاق الحقّ ٢ / ٢١٠.
(٣) أضافة من المصدر.
(٤) المنخول من تعليقات الأصول : ٢٢٤ ، وانظر مؤدّاه في التقريب والإرشاد ١ / ٤٣٨ ـ ٤٣٩.
(٥) وانظر : منهاج السنّة ٧ / ١٣٥.
(٦) سمّيت الحشوية حشوية لأنّهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المروية عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله وجميع الحشوية يقولون بالجبر والتجسيم والتشبيه وقدم ما بين الدفّتين من القرآن ، وأنكرت ردّ المتشابه إلى المحكم ، وقالوا : إنّ كلّ حديث يأتي به الثقة من العلماء فهو حجّة أيّا كانت الواسطة.
انظر : المنية والأمل في شرح الملل والنحل : ١١٤ ، موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي ١ / ٤٩٠ ، معجم الألفاظ التاريخية : ٦٢.
(٧) مرّت ترجمتهم في ج ٢ / ١٨٣ ه ٢.
(٨) ابن فورك ـ بضمّ الفاء وفتح الراء ـ ، هو : محمّد بن الحسن بن فورك الأصبهاني ، أبو بكر الأنصاري الأشعري الشافعي ، أقام بالعراق مدّة يدرّس ، ثمّ توجّه إلى الريّ ،
والباقلّاني ، وبرغوث(١) ، والسدّي(٢)
قال ابن حزم في أوّل الجزء الرابع من الملل والنحل : « اختلف الناس هل تعصي الأنبياء أم لا؟
فذهب طائفة إلى أنّ رسل الله يعصون الله في جميع الكبائر والصغائر [ عمدا ] ، حاشا الكذب في التبليغ فقط ، وهذا قول الكرّامية من المرجئة ،
__________________
فسمعت به المبتدعة فراسله أهل نيسابور والتمسوا منه التوجّه إليهم ، ففعل وورد نيسابور ، ثمّ دعي إلى مدينة غزنة في الهند وجرت له مناظرات ، فلمّا رجع إلى نيسابور سمّ في الطريق ، فمات سنة ٤٠٦ ه.
ونقل عن ابن حزم أنّ السلطان محمود بن سبكتكين قتله لقوله : « إنّ نبيّنا صلىاللهعليهوآله ليس هو رسول الله اليوم ، لكنّه كان رسول الله »! ومن تصانيفه : تفسير القرآن ، دقائق الإسراء ، طبقات المتكلّمين.
انظر : طبقات الشافعية ـ للأسنوي ـ ٢ / ١٢٦ رقم ٨٧٩ ، وفيات الأعيان ٤ / ٢٧٢ رقم ٦١٠ ، شذرات الذهب ٣ / ١٨١ ، هديّة العارفين ٦ / ٦٠ ، تبيين كذب المفتري : ٢٣٠.
(١) هو : أبو عبد الله محمّد بن عيسى الجهمي الكاتب ، الملقّب ب : برغوث ، وهو رأس الفرقة التي تنسب إليه ، وكان على مذهب الحسين بن محمّد النجّار ، صاحب نظرية الكسب ـ التي تبنّاها أبو الحسن الأشعري وأتباعه ـ في أكثر ما ذهب إليه ، وخالفه في تسمية المكتسب فاعلا فامتنع منه ، وخالفه أيضا في المتوالدات فزعم أنّها فعل لله تعالى بإيجاب الطبع لا بالاختيار ، وهو ممّن كان يناظر أحمد بن حنبل أيّام ما يسمّى بمحنة القول بخلق القرآن ، له عدّة كتب ، منها : الاستطاعة ، المقالات ، المضاهاة ، وغيرها ؛ توفّي سنة ٢٤٠ أو ٢٤١ ه.
انظر : الفرق بين الفرق : ١٩٧ ، الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢ / ٥٤ و ٨٦ ، الملل والنحل ـ للشهرستاني ـ ١ / ٧٥ و ٧٧ ، سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٥٤ رقم ١٨٩.
(٢) السدّي ـ بضمّ السين وتشديد الدال المهملتين ـ ، هو : إسماعيل بن عبد الرحمن ابن أبي ذؤيب السدّي الأعور ، مولى زينب بنت قيس بن مخرمة ، حجازي الأصل ، سكن الكوفة ، ومات فيها سنة ١٢٧ ه ، من تصانيفه : تفسير القرآن.
انظر : مشاهير علماء الأمصار : ١٧٨ رقم ٨٤٦ ، هديّة العارفين ٥ / ٢٠٦.
وقول ابن(١) الطيّب الباقلّاني من الأشعرية ومن اتّبعه ، وهو قول اليهود والنصارى.
وسمعت من يحكي عن بعض الكرّامية أنّهم يجوّزون على الرسل الكذب في التبليغ أيضا.
وأمّا هذا الباقلّاني ، فإنّا رأينا في كتاب صاحبه أبي جعفر السّمناني قاضي الموصل(٢) ، أنّه كان يقول : إنّ كلّ ذنب ، دقّ أو جلّ ، فإنّه جائز على الرسل ، حاشا الكذب في التبليغ فقط!
قال : وجائز عليهم أن يكفروا!
قال : وإذا نهى النبيّ عن شيء ثمّ فعله ، فليس دليلا على أنّ ذلك النهي قد نسخ ؛ لأنّه قد يفعله عاصيا لله تعالى! قال : وليس لأصحابه أن ينكروا عليه!
وجوّز أن يكون في أمّة محمّدصلىاللهعليهوآله من هو أفضل من محمّدصلىاللهعليهوآله مذ بعث إلى أن مات »(٣) .
__________________
(١) كان في الأصل : « أبي » ، وهو تصحيف ، والصحيح ما أثبتناه من المصدر.
(٢) هو : أبو جعفر محمّد بن أحمد بن محمّد بن أحمد السمناني الحنفي الأشعري ، قاضي الموصل ، ولد سنة ٣٦١ ه ، لازم الباقلّاني حتّى برع في علم الكلام ، وصار من أكبر أصحابه ، ومقدّم الأشعرية في وقته ، وذكر عنه تجويز الردّة على الرسول بعد أداء الرسالة! له عدّة مصنّفات ، منها : البيان عن أصول الإيمان ، الكشف عن تمويهات أهل الطغيان في العقائد ؛ توفّي بالموصل سنة ٤٤٤ ه.
انظر : تاريخ بغداد ١ / ٣٥٥ رقم ٢٨٤ ، الأنساب ـ للسمعاني ـ ٣ / ٣٠٦ ( السّمناني ) ، سير أعلام النبلاء ١٧ / ٦٥١ رقم ٤٤١ ، هديّة العارفين ٦ / ٦٩ ، معجم المؤلّفين ٣ / ٩٧ رقم ١١٩٦٢.
(٣) الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢ / ٢٨٤.
وقال ابن أبي الحديد(١) : « وقال قوم من الخوارج : يجوز أن يبعث الله تعالى من كان كافرا قبل الرسالة ، وهو قول ابن فورك من الأشاعرة ، لكنّه زعم أنّ هذا الجائز لم يقع.
وقال قوم من الحشوية : قد كان محمّدصلىاللهعليهوآله كافرا قبل البعثة ، واحتجّوا بقوله تعالى :( وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ) (٢) .
وقال برغوث المتكلّم ـ وهو أحد النجّارية(٣) ـ : لم يكن النبيّصلىاللهعليهوآله مؤمنا بالله تعالى قبل أن يبعثه ؛ لأنّه تعالى قال له :( ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ ) (٤) .
وروي عن السدّي في قوله تعالى :( وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ) (٥) ، قال وزره : الشرك ، فإنّه كان على دين قومه أربعين سنة.
وقال بعض الكرّامية في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم :( قالَ
__________________
(١) شرح النهج ج ٢ ص ١٦٢. منهقدسسره .
(٢) سورة الضحى ٩٣ : ٧.
(٣) النجّاريّة : جماعة بالريّ ينتسبون إلى الحسين بن محمّد بن عبد الله البغدادي الرازي ، المعروف بالنجّار ، من متكلّمي المجبّرة ، ومن أهل المناظرة.
كان حائكا في طراز العبّاس بن محمّد الهاشمي ، من جلّة المجبّرة ومتكلّميهم ، وقد قيل : إنّه كان يعمل الموازين من أهل قم ، وقيل : إنّ سبب وفاته أنّه حدثت مناظرة بينه وبين إبراهيم النظّام حول « خلق الله » فرفسه إبراهيم وقال له : قم أخزى الله من ينسبك إلى شيء من العلم والفهم ، وانصرف محموما ، وكان ذلك سبب علّته التي مات فيها ، وتوفّي في حدود سنة ٢٢٠ ه ، له تصانيف.
انظر : الفهرست ـ للنديم ـ : ٣١٣ ، الملل والنحل ـ للشهرستاني ـ ١ / ٧٥ ، الأنساب ـ للسمعاني ـ ٥ / ٤٦٠ ، هديّة العارفين ٥ / ٣٠٣.
(٤) سورة الشورى ٤٢ : ٥٢.
(٥) سورة الشرح ٩٤ : ٢ و ٣.
أَسْلَمْتُ ) (١) ، أنّه أسلم يومئذ ولم يكن قبل ذلك مسلما.
ومثل ذلك قال اليمان بن رباب(٢) متكلّم الخوارج »(٣) .
والظاهر أنّ كلّ من قال بعدم عصمتهم عن الكبائر عقلا فقط ، أو عقلا وسمعا ، قائل بعدم عصمتهم عن الكفر ، فإنّه من الكبائر وأظهرها ، ويشهد لهذا أمران :
الأوّل : تعبير القائل بعدم عصمتهم عن الكبائر عقلا بأنّ العصمة في ما وراء التبليغ غير واجبة عقلا ، كما نقله نفس صاحب « المواقف » وشارحها ، في كلامهما المذكور عن القاضي ومحقّقي الأشاعرة(٤) .
الثاني : استدلال من قال بعدم عصمتهم عن الكبائر بما يوجب كفر الأنبياء ، كرواية الغرانيق
وقصّة يونس حيث ظنّ أن لن يقدر عليه الله ، والشكّ في قدرة الله كفر(٥)
وقول إبراهيم :( هذا رَبِّي ) (٦) لمّا رأى الشمس والقمر بازغين
وقوله :( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ) (٧) حيث شكّ في قدرة
__________________
(١) سورة البقرة ٢ : ١٣١.
(٢) قيل فيه : ضعيف ، يرى رأي الخوارج.
انظر : الضعفاء والمتروكين ـ للدارقطني ـ : ١٨٣ رقم ٦١١ ، الضعفاء والمتروكين ـ لابن الجوزي ـ ٣ / ٢١٨ رقم ٣٨٣٧ ، ميزان الاعتدال ٧ / ٢٨٩ رقم ٩٨٥٥ ، لسان الميزان ٦ / ٣١٦ رقم ١١٣٤ ، وفي المصادر الثلاثة الأوّل : « رئاب » بدل « رباب ».
(٣) شرح نهج البلاغة ٧ / ٩ و ١٠.
(٤) المواقف : ٣٥٨ ـ ٣٥٩ ، شرح المواقف ٨ / ٢٦٤.
(٥) شرح المواقف ٨ / ٢٧٦.
(٦) سورة الأنعام ٦ : ٧٨.
(٧) سورة البقرة ٢ : ٢٦٠.
الله تعالى(١) .
بل يلزم جميع الجمهور القول بعدم عصمة الأنبياء عن الكفر ؛ لما رووه في صحاحهم أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « لو كان نبيّ بعدي لكان عمر »(٢) ، فإنّ مقتضى هذا الخبر صلوح عمر للنبوّة وقد كان كافرا في أكثر عمره!
وفي رواية أخرى لهم : « لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر »(٣) .
ومن الغريب أنّ صاحب « المواقف » وشارحها ، مع قولهما بعصمة الأنبياء عن الكفر قبل النبوّة وبعدها أجابا عن الاستدلال بقول إبراهيم :( هذا رَبِّي ) (٤) ، بقولهما : « إنّه صدر عنه قبل تمام النظر في معرفة الله تعالى ، وكم بينه وبين النبوّة ، فلا إشكال إذ يختار أنّه لم يعتقده فيكون كذبا صادرا قبل البعثة »(٥) !!
فإنّ هذا الكلام يقتضي أنّه كان شاكّا في ربّه ؛ لأنّه قال :( هذا رَبِّي ) قبل تمام النظر ، ومن المعلوم أنّ الشكّ في الله كفر.
وليت شعري مع هذا كيف يقولان بعصمة الأنبياء عن الكفر قبل
__________________
(١) شرح المواقف ٨ / ٢٧١.
(٢) انظر مثلا : سنن الترمذي ٥ / ٥٧٨ ح ٣٦٨٦ ، مسند أحمد ٤ / ١٥٤ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ١ / ٤٢٤ ح ٤٩٨ وص ٤٣٦ ح ٥١٩ وص ٥٣٣ ح ٦٩٤ ، مسند الروياني ١ / ٩٥ ح ٢١٤ ، المعجم الكبير ١٧ / ١٨٠ ح ٤٧٥ وص ٢٩٨ ح ٨٢٢ وص ٣١٠ ح ٨٥٧ ، الكامل في الضعفاء ٣ / ١٥٥ و ٢١٦ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٩٢ ح ٤٤٩٥.
(٣) الكامل في الضعفاء ٣ / ١٥٥ و ٢١٦ ، إحياء علوم الدين ٣ / ٣١٣ ، فردوس الأخبار ٢ / ٢٠٢ ح ٥١٦٧ ، تاريخ دمشق ٤٤ / ١١٤.
(٤) سورة الأنعام ٦ : ٧٨.
(٥) المواقف : ٣٦٢ ، شرح المواقف ٨ / ٢٧٠.
النبوّة؟!
وكيف يدّعيان الإجماع على هذه العصمة حتّى غرّا الخصم بدعوى الإجماع عليها ، إذ جاء بكلامهما بعينه؟!
وهذا كلّه ممّا يدلّ على أنّ كلامهم لم يصدر عن يقين في النقل ، ولا اعتقاد للحقّ ؛ ولذا ناقضا نفسيهما في عصمة الأنبياء عن الكبائر بعد النبوّة ، فإنّهما قالا بها أوّلا ، ثمّ بعد ذلك في مقام نفي أهليّة أبي بكر للخلافة ؛ لأنّه منع فاطمة إرثها وقد ادّعته ، وهي معصومة
لقول النبيّ : «فاطمة بضعة منّي »(١) ، قالا : « وأيضا عصمة النبيّ قد تقدّم ما فيها »(٢) .
الأمر الثالث : إنّ ما نسباه إلى الشيعة من جواز إظهار الكفر تقية(٣) ، كذب صريح ، فإنّا لم نسمع ذاهبا منهم إلى ذلك ، وهذه كتبهم بين أيدينا فليروه أصحابهم عن أحدها ، ولعلّهما أخذاه من قول الشيعة بجواز التقية لأتباع الأنبياء ، فقاسوا عليه جوازها في إظهار الكفر من الأنبياء ؛ وهو باطل.
__________________
(١) صحيح البخاري ٥ / ٩٢ ح ٢٠٩ وص ١٠٥ ح ٢٥٥ وج ٧ / ٦٥ ح ١٥٩ ، صحيح مسلم ٧ / ١٤١ ، سنن أبي داود ٢ / ٢٣٣ ح ٢٠٧١ ، سنن الترمذي ٥ / ٦٥٥ ـ ٦٥٦ ح ٣٨٦٧ و ٣٨٦٩ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٤٧ ـ ١٤٨ ح ٨٥١٩ و ٨٥٢٠ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٢٦ ب ٣٣ ح ١ ، مسند أحمد ٤ / ٥ و ٣٢٣ و ٣٢٨ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٩٤٦ ح ١٣٢٧ وص ٩٥٠ ح ١٣٣٣ ، المعجم الكبير ٢٢ / ٤٠٤ ح ١٠١٠ ـ ١٠١٢ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٧٢ ـ ١٧٣ ح ٤٧٤٧ و ٤٧٥١ ، حلية الأولياء ٢ / ٤٠ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٧ / ٦٤ وج ١٠ / ٢٠١ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٨٥ ح ٤٧٩٩.
(٢) المواقف : ٤٠٢ ، شرح المواقف ٨ / ٣٥٦.
(٣) المواقف : ٣٥٩ ، شرح المواقف ٨ / ٢٦٤.
نعم ، هو مذهب بعض أهل السنّة كما هو صريح ابن حزم(١) عند كلامه على الآيات المنافية لعصمة إبراهيمعليهالسلام ، قال : « وأبيح الكذب في إظهار الكفر في التقية »(٢) .
ولا ريب أنّ من يروي خبر الغرانيق حقيق بهذا الاعتقاد ؛ لأنّ إظهار الكفر للتقية أهون من إظهاره لهوى قومه.
وكذا من يروي سائر الروايات المكفّرة ويحمل الآيات على الكفر أحقّ بهذا الاعتقاد.
واعلم أنّ ما ذكراه بالنسبة إلى صدور الكبائر عن الأنبياء عمدا ـ حيث قالا : « فمنعه الجمهور من المحقّقين »(٣) ـ إنّما هو مخصوص بحال النبوّة ؛ ولذا قالا بعد ذلك : « هذا كلّه بعد الوحي والاتّصاف بالنبوّة ، وأمّا قبله فقال الجمهور : لا يمتنع أن يصدر عنهم كبيرة »(٤) ، فاللازم على الخصم التقييد!
كما إنّهما بالنسبة إلى صدورها سهوا قالا : « وأمّا صدورها عنهم سهوا أو على سبيل الخطأ في التأويل فجوّزه الأكثرون »(٥)
وقال الشارح : « والمختار خلافه »(٦)
فترك الخصم نسبة التجويز إلى الأكثر ليخفي كذبه بقوله : « ودليل الأشاعرة على وجوب عصمة الأنبياء من الكبائر سهوا وعمدا » ، وليروّج
__________________
(١) الملل والنحل ٤ / ٦. منهقدسسره .
(٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢ / ٢٩٠.
(٣) المواقف : ٣٥٩ ، شرح المواقف ٨ / ٢٦٤.
(٤) المواقف : ٣٥٩ ، شرح المواقف ٨ / ٢٦٥.
(٥) المواقف : ٣٥٩ ، شرح المواقف ٨ / ٢٦٥.
(٦) شرح المواقف ٨ / ٢٦٥.
كذبه بدعوى الموافقة لنا في قوله : « لا للاحتجاج على الخصم ؛ لأنّه موافق ».
ثمّ اعلم أنّ قولهما : « فمنعه الجمهور من المحقّقين » وقول الشارح :
« قبل ظهور المخالفين »(١) دليل على وجود القائل منهم بعدم عصمة الأنبياء عن الكبائر عمدا حال النبوّة.
كما صرّح الشارح بنسبة الخلاف إلى الحشوية
وصرّح ابن حزم في كلامه السابق بنسبته إلى الكرّامية والباقلّاني وأتباعه(٢)
واختاره الغزّالي في كلامه المتقدّم تبعا للقاضي(٣)
فعلم أنّ كثيرا من أهل السنّة قائلون بعدم عصمة الأنبياء حال النبوّة عن الكبائر عمدا ، فضلا عن السهو وعمّا قبل النبوّة ، فلا معنى لنسبة الخصم الأدلّة التي ذكرها إلى الأشاعرة على الإطلاق مع دعوى أنّهم استدلّوا بها على وجوب عصمة الأنبياء عن الكبائر سهوا وعمدا ، ولا سيّما وقد ذكرها في « المواقف » وشرحها إلى تمام تسعة أدلّة ، نسبها الشارح إلى الرازي(٤) .
ثمّ أوردا عليها بقولهما : « وأنت تعلم أنّ دلالتها في محلّ النزاع ، وهي عصمة الأنبياء عن الكبيرة سهوا ، وعن الصغيرة عمدا ، ليست
__________________
(١) شرح المواقف ٨ / ٢٦٤.
(٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢ / ٢٨٤.
(٣) تقدّم في الصفحة ٣٠ ـ ٣١ عن المنخول من تعليقات الأصول : ٢٢٤.
(٤) المواقف : ٣٥٩ ، شرح المواقف ٨ / ٢٦٥ ـ ٢٦٧ ، وانظر : الأربعين في أصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ٢ / ١١٧ ـ ١٢٢.
بالقويّة »(١) .
فظهر أنّه لا وفاق بيننا وبين الأشاعرة في عصمة الأنبياء ؛ لأنّا نقول بعصمتهم عن الذنوب مطلقا ، صغيرة وكبيرة ، عمدا وسهوا ، قبل النبوّة وبعدها ؛ وجمهورهم لا يثبتون لهم عصمة عن الذنوب مطلقا قبل النبوّة ، وعن الصغائر مطلقا والكبائر سهوا بعد النبوّة ، وبعضهم لا يثبت لهم عصمة عن الكبائر عمدا بعد النبوّة!
بل عرفت أنّ بعضهم أجاز عليهم الكفر حتّى بعد النبوّة(٢) ، فكيف يكون بيننا وبينهم وفاق ، لا سيّما والقائل منهم بعصمة الأنبياء في الجملة إنّما يقول بها سمعا لا عقلا ، كما عرفته في الكلام الذي أخذه الخصم من « المواقف » وشرحها(٣) .
وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق هذه الأدلّة وغيرها عند ذكر المصنّف لها.
وقد أقرّ الخصم باقتضاء ما عدا الدليل الثاني لعصمتهم عن كلّ الذنوب حتّى الصغائر ، لكنّه أراد مطابقة مذهبه فزعم وجود دليل آخر على عدم عصمتهم عن الصغائر ، وهو كما يستفاد من كلامه أمور :
الأوّل : العفو عن الصغائر عند اجتناب الكبائر.
الثاني : إنّ الأنبياء بشر ، والبشر بمقتضى طباعهم عدم خلوّهم من الذنوب.
الثالث : إنّ الصغائر لا تخالف ملكة العصمة ، فلا مؤاخذة فيها.
__________________
(١) المواقف : ٣٦١ ، شرح المواقف ٨ / ٢٦٧.
(٢) انظر الصفحتين ٣٠ و ٣٣ من هذا الجزء.
(٣) راجع : الصفحة ٣٥ ، وانظر : المواقف : ٣٥٨ ـ ٣٥٩ ، شرح المواقف ٨ / ٢٦٤.
ويردّ على الأوّلين : إنّه لا شيء منهما يستوجب تخصيص تلك الأدلّة الموجبة لعصمتهم عن جميع الذنوب
أمّا الأوّل : فلأنّ العفو عن الصغيرة لا يخرجها عن كونها ذنبا يحرّم الاتّباع فيه ويجب النهي عنه ، ولا يمنع العفو عنها أيضا من دخول النبيّ لو فعلها تحت اللوم والمذمّة بنحو قوله تعالى :( لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ) (١) !
وأمّا الثاني : فالأمر فيه أظهر ؛ لأنّ البشرية لا تستوجب الوقوع في الذنب حتّى يلزم تخصيص أدلّة العصمة(٢) ، وإلّا لما تمّت عصمتهم عن الكبائر أيضا!
وقوله : « وفي الآية إشارة إلى أنّ الإنسان لمّا خلق من الأرض » إلى آخره
إن أراد به أنّ خلق الإنسان من الأرض علّة تامّة لصدور الذنب عنهم(٣) ، فهو باطل ، إذ لم يقل أحد بوجوب عدم العصمة حتّى عن الصغائر(٤) ، على أنّه يلزم عدم الفرق بين الصغيرة والكبيرة!
وإن أراد به أنّه مقتض ، ففيه : إنّه لو سلّمت الإشارة في الآية إليه لم يصلح لتخصيص الأدلّة الموجبة لعصمتهم عن الذنوب مطلقا ، وإلّا انتفت عصمتهم حتّى عن الكبائر.
وأمّا الثالث : ففساده أظهر من الأوّلين ، ضرورة أنّ دعوى عدم
__________________
(١) سورة الصفّ ٦١ : ٢.
(٢) بناء على القول بأنّ الصغائر لا تخالف ملكة العصمة.
(٣) لما في تراب الأرض من كدورات وما شابه.
(٤) لأنّهم قائلون بجواز ارتكاب الصغيرة ، والعلّة التامّة تستلزم وجوب عدم العصمة ، ولم يقل به أحد.
مخالفة الصغيرة لملكة العصمة إن كانت ناشئة من جهة صغر المعصية ، فهي خالية عن دليل ، فلا بدّ من الأخذ بعموم الأدلّة المانعة من صدور كلّ ذنب عنهم حتّى الصغائر!
وإن كانت ناشئة من وقوعها نادرا ، فالكبيرة مساوية لها لو ندرت ، فلا تلزم عصمتهم عن الكبيرة النادرة أيضا ولا خصوصية للصغيرة!
هذا ، وقد خلط الخصم هنا بأمور :
منها : قوله : « والغرض أنّ كلّ ما ذكره هذا الرجل ممّا يترتّب على ذنوب الأنبياء من إبطال حجّة الله تعالى » إلى آخره.
فإنّ المصنّف لم يرتّب إبطال حجّة الله سبحانه على ذنوب الأنبياء ، بل على رواية الغرانيق المستلزمة للشرك والدعوة إلى عبادة الأصنام ، اللهمّ إلّا أن يريد الخصم بذنوب الأنبياء ما يعمّ ذلك.
ومنها : إنّه في ذيل كلامه في معنى العصمة عندهم قال : « ولمّا لم يكن خلاف ملكة العصمة فلا مؤاخذة به »
فإنّ هذا لا ربط له بتفسير هم للعصمة بأن لا يخلق الله فيهم ذنبا ؛ لأنّ هذا التفسير مقابل للقول بالملكة.
ومنها : قوله : « فإنّ الصفات النفسانية تكون في ابتداء حصولها أحوالا »
فإنّه ظاهر في إرادة أنّ صدور الصغائر عن الأنبياء إنّما هو حين كون الصفة حالا لا ملكة ، وهو خارج عن محلّ كلامه في صدور الذنب عنهم حين الملكة ، على أنّ فرض كون صفات الأنبياء في أوّل حصولها أحوالا لا يجامع القول بثبوت ملكة العصمة من أوّل النبوّة ، ولكنّ المؤاخذ بهذا الخلط هو صاحب « المواقف » وشارحها ؛ لأنّ الخصم أخذ منهما قوله :
« وأمّا العصمة عند الحكماء ـ إلى قوله : ـ فإنّ الصفات النفسانية »(١) .
كما إنّه أخذ منهما قوله : « إنّ الأنبياء مكلّفون بترك الذنوب ـ إلى قوله : ـ فلا يمتنع صدور الذنب عنهم كما في سائر البشر »(٢) .
وقد ذكرا هذا الكلام ردّا على من زعم أنّ العصمة خاصّية في نفس الشخص أو في بدنه ، يمتنع بسببها صدور الذنب عنهم ، لكنّ الخصم سرق هذا الكلام ووضعه في غير محلّه ؛ لأنّا لا ندّعي امتناع صدور الذنب عن الأنبياء ، بل ندّعي أنّهم لا يذنبون أصلا مع وجود القدرة لهم على الذنب.
وأمّا ما ذكره من أنّ قصّة سورة النجم لم تذكر في الصحاح ، فلا يبعد صدقه فيه ، لكنّهم صحّحوا طريقين أو ثلاثة لها(٣) ، واستفاضت طرقهم لها ، وذكرها عامّة مفسّريهم ومؤرّخيهم ، واعتبرها الكثير من علمائهم(٤)
قال السيوطي في « لباب النقول » عند قوله تعالى :( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍ ) الآية من سورة الحجّ(٥) :
« أخرج ابن أبي حاتم ، وابن جرير ، وابن المنذر ، من طريق بسند صحيح ، عن سعيد بن جبير ، قال : قرأ النبيّ بمكّة النجم ، فلمّا بلغ( أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ) (٦) ألقى الشيطان على
__________________
(١) المواقف : ٣٦٦ ، شرح المواقف ٨ / ٢٨١.
(٢) المواقف : ٣٦٦ ، شرح المواقف ٨ / ٢٨١.
(٣) رواه البزّار والطبراني ، ورجالهما رجال الصحيح ، قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ٧ / ١١٥ ، وأخرجه ابن مردويه والضياء في « المختارة » بسند رجاله ثقات ، كما في الدرّ المنثور ٦ / ٦٥ وصحّح ثلاث طرق أخرى من ص ٦٥ ـ ٦٨.
(٤) راجع في ذلك الصفحة ١٨ ه ٢ من هذا الجزء.
(٥) سورة الحجّ ٢٢ : ٥٢.
(٦) سورة النجم ٥٣ : ١٩ و ٢٠.
لسانه : « تلك الغرانيق العلى * وإنّ شفاعتهنّ لترتجى » ، فقال المشركون : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم ، فسجد وسجدوا ، فنزلت :( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍ ) الآية.
وأخرجه البزّار وابن مردويه من وجه آخر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس في ما أحسبه.
وقال البزّار : لا يروى متّصلا إلّا بهذا الإسناد.
وتفرّد بوصله أميّة بن خالد(١) ، وهو ثقة مشهور.
وأخرجه البخاري عن ابن عبّاس بسند فيه الواقدي(٢)
وابن مردويه من طريق الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عبّاس
وأورده ابن إسحاق في « السيرة » عن محمّد بن كعب وموسى بن عقبة ، عن ابن شهاب(٣)
وابن جرير ، عن محمّد بن كعب ، ومحمّد بن قيس ، وابن أبي حاتم ، عن السدّي.
كلّهم بمعنى واحد ، وكلّها [ إمّا ] ضعيفة أو منقطعة ، سوى طريق سعيد بن جبير الأولى.
قال الحافظ ابن حجر(٤) : لكن كثرة الطرق تدلّ على أنّ للقصّة
__________________
(١) كان في الأصل : « خلاد » ، وهو تصحيف ، والصواب ما أثبتناه من المصدر ، وهو : أميّة بن خالد بن الأسود بن هدبة الأزدي الثّوباني القيسي البصري ؛ انظر : الضعفاء الكبير ـ للعقيلي ـ ١ / ١٢٨ رقم ١٥٨ ، الثقات ٨ / ١٢٣ ، ميزان الاعتدال ١ / ٤٤٢ رقم ١٠٣١ ، تهذيب التهذيب ١ / ٣٨٣ رقم ٥٩٤.
(٢) لم نجده في « صحيح البخاري » المطبوع الموجود بين أيدينا!
(٣) لم نجده في « السيرة » لابن إسحاق ، المطبوع الموجود بين أيدينا!
(٤) انظر : فتح الباري ٨ / ٥٦١ تفسير سورة الحجّ.
أصلا ، مع أنّ لها طريقين صحيحين مرسلين أخرجهما ابن جرير :
أحدهما : من طريق الزهري ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
والآخر : من طريق داود بن [ أبي ](١) هند ، عن أبي العالية
ولا عبرة بقول ابن العربي وعياض : إنّ هذه الروايات باطلة لا أصل لها »(٢) .
ونقل السيّد السعيد نحوه(٣) عن شهاب الدين أحمد بن محمّد القسطلاني ، في كتابه الموسوم ب « المواهب اللدنّيّة » ، وقال في آخر كلامه :
« إنّ الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دلّ ذلك على أنّ لها أصلا ، وقد ذكرنا أنّ ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح مراسيل ، يحتجّ بمثلها من يحتجّ بالمرسل ، وكذا من لا يحتجّ به ؛ لاعتضاد بعضها ببعض »(٤) .
وأمّا ما نسبه إلى الأشاعرة من الجواب بأنّه من إلقاء الشيطان ، أو أنّه قرآن منسوخ ، والإشارة بتلك الغرانيق إلى الملائكة ، فمن أوّله إلى قوله :
__________________
(١) أضفناه من تهذيب الكمال ٦ / ٥٣ رقم ١٧٧٣ ، سير أعلام النبلاء ٦ / ٣٧٦ رقم ١٥٨ ، تهذيب التهذيب ٣ / ٢٥ رقم ١٨٧٩ ، فتح الباري ٨ / ٥٦١.
(٢) لباب النقول في أسباب النزول : ١٥٠ نقلا عن ابن أبي حاتم ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والبزّار ، وابن مردويه ، والبخاري ، وابن إسحاق.
وانظر : الدرّ المنثور ٦ / ٦٦ ـ ٦٩ نقلا عن عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن مردويه ، والبيهقي في « الدلائل » ، والطبري ، وسعيد بن منصور ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم.
وراجع ما تقدّم في الصفحة ١٨ ه ٢ من هذا الجزء.
(٣) إحقاق الحقّ ٢ / ٢١٤ ـ ٢٢٣.
(٤) شرح الزرقاني على المواهب اللدنّيّة ٢ / ٢٦.
« ومن قرأ سورة النجم » من لفظ « المواقف » وشرحها(١) .
ويرد على الأوّل : إنّه لا يجامع قول جبرئيل : « تلوت ما لم أتله عليك » ، ولا حزن النبيّصلىاللهعليهوآله وخوفه العظيم ، إلّا أن يكون الشيطان قد خلط صوته بصوت النبيّصلىاللهعليهوآله على وجه لم يشعر به هو ولا جبرئيل ولا من أرسله إلى النبيّ بهذا اللوم.
فتأمّل ، فإنّ شأن القوم عجيب!
على أنّه لو أمكن إلقاء الشيطان وخلط صوته بصوت النبيّصلىاللهعليهوآله لفسدت الشرائع ، وما صحّ لهم أيضا أن يحتجّوا بما رووه عن النبيّصلىاللهعليهوآله في فضل أوليائهم ؛ لجواز كونه من إلقاء الشيطان.
ويرد على الثاني : إنّه ـ أيضا ـ لا يجامع قول جبرئيل : « تلوت ما لم أتله عليك » ، ولا حزن النبيّصلىاللهعليهوآله ؛ لأنّه بحسب الفرض لم يتل إلّا قرآنا تلاه جبرئيل عليه.
وأمّا قول الخصم : « ومن قرأ سورة النجم وتأمّل في تتابع آياتها ، علم أنّ هذه الكلمات »
فمتّجه ؛ ولكنّه دليل على كذب الواقعة ، وأنّ رواتها الكذبة أناس لا يعقلون.
وأمّا قوله : « نعم ، يلتئم ذكرها عند ذكر الملائكة ، وهو قوله تعالى :( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ ) (٢) » إلى آخره
فخطأ ؛ لأنّ قوله تعالى :( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ ) إنّما هو بمعنى الكثير ، فيكون مذكّرا ؛ ولذا قال :( لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ ) (٣) ، فلا يلائم البلاغة أن
__________________
(١) المواقف : ٣٦٤ ، شرح المواقف ٨ / ٢٧٧.
(٢) سورة النجم ٥٣ : ٢٦.
(٣) سورة النجم ٥٣ : ٢٦.
يشير إليه بما يشار به إلى المؤنّث ، وهو لفظ « تلك » ، لا سيّما بعد أن أعاد عليه ضمير المذكّر ، فقد فرّ عمّا لا يلائم البلاغة إلى ما لا يلائمها!!
ولو سلّم حسن هذه الإشارة للتعبير عن ذلك الكثير بالغرانيق ـ وهو مؤنّث ـ فلا معنى لحكمه بالنسخ للإيهام ، إذ لو وقع بعد قوله تعالى :( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ ) لم يحتمل رجوعه إلى مدح الأصنام ؛ للفصل الكثير ، ولعدم المناسبة التي ذكرها ، فمن أين يحصل الإيهام الموجب للنسخ؟!
على أنّ المرويّ عندهم هو أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله ـ وحاشاه ـ قرأ تلك العبارة بعد قوله :( أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ) ومدار الكلام على ذلك ، فكيف يسوغ فرض وقوعها بعد قوله :( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ ) الآية؟!
ومن الظريف قوله : « فعلم أنّ ما اعترض عليهم هذا الرجل فهو من باب مفترياته »!!
إذ كيف يكون مفتريا عليهم وهم قد رووا هذه الرواية المشؤومة ، واعتبرها الغالب منهم ، واستدلّ بها من قال منهم بعدم عصمة الأنبياء عن الكبائر؟!
ثمّ إنّ المصنّفرحمهالله لم يزد على أنّ نقل عنهم سهو النبيّصلىاللهعليهوآله في القرآن بما يوجب الكفر ، وظاهر الرواية التي ذكرها الخصم تعمّد النبيّصلىاللهعليهوآله لذلك ؛ لأنّه قرأه بعد ما تمنّى إنزال ما يقرّبه إلى قومه الذي هو من نوع مدح الأصنام ألبتّة ، فيكون متمنّيا للكفر وفاعلا له ، وهذا أسوأ حالا ، فقبّح الله ما جنوه على سيّد النبيّين.
وأمّا ما نسبه إلى القاضي عياض في كتاب « الشفا » فافتراء عليه(١) ؛ لأنّه إنّما قال : « صدق القاضي بكر بن العلاء المالكي(٢) حيث قال : لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير ، وتعلّق بذلك الملحدون »(٣) .
ولو سلّم أنّ ذلك من مفتريات الملاحدة لا أهل السنّة ، فكفاهم نقصا أن يتّبعوا في أخبارهم الملاحدة ويعتبرها علماؤهم.
هذا ، ومن العجب أنّهم يروون ذلك عن النبيّ الذي طهّره الله من الرجس ، ويروون في فضل عمر أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال له : « والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجّا إلّا سلك فجّا غير فجّك »(٤)
__________________
(١) راجع الصفحة ٢٧ من هذا الجزء.
(٢) هو : أبو الفضل بكر بن محمّد بن العلاء بن محمّد القشيري ، من أهل البصرة أوّلا ، وانتقل بعدها إلى مصر ، فغدا من كبار فقهاء المالكيّين فيها ، تقلّد أعمالا للقضاء في بعض نواحي العراق قبل انتقاله إلى مصر لأمر قد اضطرّه ، وكان راوية للحديث ، حدّث عنه كثير من المصريّين والأندلسيّين والقرويّين ، توفّي في مصر سنة ٣٤٤ ه وقد جاوز عمره الثمانين ، ودفن بالمقطّم منها ؛ له مصنّفات عديدة ، منها : كتاب أصول الفقه ، كتاب في مسائل الخلاف ، كتاب الردّ على المزني ، كتاب الردّ على الشافعي ، كتاب الردّ على القدرية ، كتاب الردّ على من غلط في التفسير ، تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
انظر : ترتيب المدارك ٢ / ٢٩٠ ، سير أعلام النبلاء ١٥ / ٥٣٧ رقم ٣١٦ ، العبر ٢ / ٦٧ ، شذرات الذهب ٢ / ٣٦٦.
(٣) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢ / ١٢٥ ، وانظر : شرح الشفا ـ للقاري ـ ٢ / ٢٢٦ ، نسيم الرياض ٤ / ٩٦ وفيه : « أبو بكر » بدلا من « بكر » ، وهو تصحيف ، راجع الهامش السابق.
(٤) صحيح البخاري ٤ / ٢٥٥ ـ ٢٥٦ ح ١٠٢ وج ٥ / ٧٦ ح ١٨٠ ، صحيح مسلم ٧ / ١١٥ ، مسند أحمد ١ / ١٧١ و ١٨٢ ، فضائل الصحابة ١ / ٣٠٠ ح ٣٠١ وص ٣١٤ ح ٣٢٦ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٨٢ باب ١٦ ح ٣٢ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٨ / ١٤٧ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٥٦٨ ـ ٥٦٩ ح ١٢٥٣ و ١٢٥٤ و ١٢٦٠ ، مسند أبي يعلى ٢ / ١٣٢ ـ ١٣٣ ح ٨١٠.
وقال : « إنّ الشيطان يفرّ من حسّ عمر »(١)
وقال : « إنّ الشيطان يفرق من عمر »(٢)
وقال كما في « الصواعق » : « إنّ الشيطان لم يلق عمر منذ أسلم إلّا خرّ لوجهه »(٣)
.. إلى غير ذلك.
فليت شعري هلّا كان عندهم بعض هذه المنزلة لسيّد النبيّين وخيرة الله من خلقه أجمعين؟!
* * *
__________________
(١) تاريخ دمشق ٤٤ / ٨١ ، كنز العمّال ١١ / ٥٨١ ح ٣٢٧٦٥.
(٢) مسند أحمد ٥ / ٣٥٣ ، تاريخ دمشق ٤٤ / ٨٢ ، كنز العمّال ١١ / ٥٧٤ ح ٣٣٧٢٠.
(٣) الصواعق المحرقة : ١٤٨ ، وانظر : المعجم الكبير ٢٤ / ٣٠٥ ح ٧٧٤ ، المعجم الأوسط ٤ / ٣٦٨ ح ٣٩٤٣ ، فردوس الأخبار ٢ / ١٧ ح ٣٥٠٩ ، تاريخ دمشق ٤٤ / ٨٦.
قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :
ورووا عنهصلىاللهعليهوآله أنّه صلّى الظهر ركعتين ، ( فقال أصحابه : أقصرت الصلاة ، أم نسيت يا رسول الله؟! فقال : كيف ذلك؟! فقالوا : إنّك صلّيت ركعتين ؛ فاستشهد على ذلك رجلين ، فلمّا شهدا بذلك قام فأتمّ الصلاة )(٢) (٣) .
ورووا في الصحيحين أنّه صلّى بالناس صلاة العصر ركعتين ودخل حجرته ، ثمّ خرج لبعض حوائجه فذكّره بعض أصحابه فأتمّها(٤) .
وأيّ نسبة أنقص من هذا وأبلغ في الدناءة؟! فإنّها تدلّ على إعراض النبيّصلىاللهعليهوآله عن عبادة ربّه ، وإهمالها والاشتغال عنها بغيرها ، والتكلّم في الصلاة ، وعدم تدارك السهو من نفسه لو كان ، نعوذ بالله من هذه الآراء الفاسدة.
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٤٦.
(٢) في المصدر بدل ما بين القوسين هكذا : فقال له ذو اليد : أقصرت الصلاة ، أم نسيت يا رسول الله؟! فقال : أصدق ذو اليد؟ فقال الناس : نعم ؛ فقام رسول اللهصلىاللهعليهوآله فصلّى اثنتين أخريين ثمّ سلّم.
(٣) انظر : صحيح البخاري ١ / ٢٠٦ ح ١٣٩ وص ٢٨٨ ح ١٠٤ وج ٢ / ١٥٠ ـ ١٥١ ح ٢٥٠ ـ ٢٥٣ وج ٨ / ٢٩ ح ٧٩ ، صحيح مسلم ٢ / ٨٦ و ٨٧ ، سنن أبي داود ١ / ٢٦٣ ح ١٠٠٨ وص ٢٦٥ ح ١٠١٤ و ١٠١٥ ، سنن الترمذي ٢ / ٢٤٧ ح ٣٩٩ ، سنن النسائي ٣ / ٢٣ ـ ٢٤ ، سنن ابن ماجة ١ / ٣٨٣ ح ١٢١٣ و ١٢١٤ ، الموطّأ : ٨٠ ـ ٨١ ح ٦٥ و ٦٦ ، مسند أحمد ٢ / ٢٣٤ ـ ٢٣٥ و ٤٢٣.
(٤) صحيح البخاري ١ / ٢٨٨ ح ١٠٣ ، صحيح مسلم ٢ / ٨٧ ، وانظر : سنن النسائي ٣ / ٢٤ ، سنن الدارمي ١ / ٢٥١ ح ١٥٠٠ ، الموطّأ : ٨٠ ح ٦٤ ، مسند أحمد ٢ / ٤٥٩ ـ ٤٦٠ ، زوائد عبد الله في المسند : ١٨١ ح ٣٠ وص ١٨٤ ح ٣١.
وقال الفضل(١) :
ما رووا من رسول اللهصلىاللهعليهوآله في الصلاة(٢) حتّى قال له ذو اليدين :
أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟! فلمّا علم وقوع السهو منه تدارك(٣) .
وأيّ نقص ودناءة في السهو وقد قال تعالى في القرآن :( وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ ) (٤) ؟! وهذا تصريح بجواز السهو والنسيان ، والحكمة فيه أن يصير هذا تشريعا للسهو في الصلاة.
وإنّ الكلام القليل الذي يتعلّق بأمر الصلاة لا يضرّ ، وكذا الحركة المتعلّقة بالصلاة ، فيمكن أنّ الله تعالى أوقع عليه هذا السهو وأنساه الصلاة لتشريع هذه الأمور التي ذكرناها ، ولا يقدح السهو الذي ذكرنا فوائده في العصمة.
وأيّ دناءة ونقص في هذا؟! فإنّ الله تعالى أنساه لوقوع التشريع وقد قال تعالى :( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها ) (٥) ، فإنّ الإنساء في أحد المعنيين هو إيقاع النسيان عليه.
وقد قال تعالى في حقّ يوسف وهو من الأنبياء المرسلين :( فَأَنْساهُ
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٢٢٦.
(٢) كذا وردت العبارة في الأصل و « إحقاق الحقّ » ونسخه المخطوطة.
(٣) انظر الهامش رقم ٣ من الصفحة السابقة.
(٤) سورة الأنعام ٦ : ٦٨.
(٥) سورة البقرة ٢ : ١٠٦.
الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ) (١) .
وكما إنّه يجب أن يقدّر الله حقّ قدره لقوله :( وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ) (٢) ، كذلك يجب أن يقدّر الأنبياء حقّ قدرهم ، ويعلم ما يجوز عليهم وما لا يجوز ، وقد قال تعالى :( إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) (٣) .
وقد عاب الله الكفّار بالمبالغة في تنزيه الأنبياء عن أوصاف البشر بقوله :( وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ ) (٤)
وقال تعالى :( سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً ) (٥) .
* * *
__________________
(١) سورة يوسف ١٢ : ٤٢.
(٢) سورة الأنعام ٦ : ٩١.
(٣) سورة فصّلت ٤١ : ٦.
(٤) سورة الفرقان ٢٥ : ٧.
(٥) سورة الإسراء ١٧ : ٩٣.
وأقول :
لا ريب في عصمة الأنبياء عن السهو في العبادة لأمور :
*الأوّل : قوله تعالى :( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ) (١) ، فإنّه سبحانه جعل السهو صفة نقص ودخيلا في استحقاق الويل ، بلا فرق بين ما يوجب ترك أصل الصلاة أو أجزائها ؛ لأنّهما معا ناشئان من السهو عنها ، فكيف يكون النبيّصلىاللهعليهوآله من الساهين؟! بل لو سها كان أولى الناس بالويل ، اللهمّ إلّا أن تخصّ الآية بالسهو عن أصل الصلاة ، ولكنّهم رووا أيضا سهوه عن أصلها كما ستعرف!
*الثاني : إنّه لو سها دخل باللوم في قوله تعالى :( لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ) (٢) ، وقوله تعالى :( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) (٣) فإنّهصلىاللهعليهوآله هو القائل : « ركعتان مقتصدتان خير من قيام ليلة والقلب ساه »(٤)
وهو القائل : «من توضّأ فأسبغ الوضوء ، ثمّ قام يصلّي صلاة يعلم ما يقول فيها حتّى يفرغ من صلاته ، كان كهيئة يوم ولدته أمّه »(٥)
__________________
(١) سورة الماعون ١٠٧ : ٤ و ٥.
(٢) سورة الصفّ ٦١ : ٢.
(٣) سورة البقرة ٢ : ٤٤.
(٤) الزهد ـ لابن المبارك ـ : ١١٨ ح ٢٨٨ وص ٣٢٩ ح ١١٤٧ ، العظمة ـ لأبي الشيخ الأصبهاني ـ : ٣٣ ح ٤٥ ، إحياء علوم الدين ١ / ٢٠١ ، تفسير ابن كثير ١ / ٤١٤.
(٥) المصنّف ـ لعبد الرزّاق ـ ١ / ٤٦ ح ١٤٢ ، المعجم الكبير ١٧ / ٣٣٩ ح ٩٣٧ نحوه ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٤٣٣ ح ٣٥٠٨ وصحّحه وأقرّه الذهبي.
والقائل : «لا صلاة لمن لا يتخشّع في صلاته »(١)
والقائل : «إذا صلّيت فصلّ صلاة مودّع »(٢) (٣)
وهو القائل : «إيّاكم وأن يتلعّب بكم الشيطان »(٤) لمّا قال له رجل : يا رسول الله! إنّي صلّيت فلم أدر أشفعت أم أوترت؟
.. إلى نحو ذلك ممّا روي عنهصلىاللهعليهوآله .
فكيف والحال هذه أن يصلّي جماعة ساهيا حتّى ينقص من أربع ركعات ركعتين؟!
*الثالث : إنّه استفاض أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله تنام عيناه ولا ينام قلبه ، حتّى عقد له البخاري بابا في كتاب « بدء الخلق » وروى فيه ثلاثة أحاديث ، وفي أحدها : «وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم »(٥) .
فكيف من لا ينام قلبه حال النوم ينام قلبه حال اليقظة عن عبادة ربّه التي روحها الإقبال على الله تعالى؟!
__________________
(١) كنز العمّال ٧ / ٥٢٦ ح ٢٠٠٨٨ عن الديلمي.
(٢) سنن ابن ماجة ٢ / ١٣٩٦ ح ٤١٧١ ، مسند أحمد ٥ / ٤١٢ ، المعجم الكبير ٤ / ١٥٥ ح ٣٩٨٧ ، حلية الأولياء ١ / ٣٦٢ ، إحياء علوم الدين ١ / ٢٠٠ ، كنز العمّال ٧ / ٥٢٨ ح ٢٠٠٩٥.
(٣) راجع عن هذه الأحاديث : كنز العمّال ٤ / ٢٣٠ و ١١٢ وما بعدها. منهقدسسره .
(٤) مسند أحمد ١ / ٦٣. منهقدسسره .
وانظر : مجمع الزوائد ٢ / ١٥٠ ، كنز العمّال ٨ / ١٣٤ ح ٢٢٢٥٩ ، وفي المصادر الثلاثة هذه : « إيّاي » بدل « إيّاكم »!!
(٥) صحيح البخاري ٥ / ٣٣ ـ ٣٤ ح ٧٧ كتاب المناقب / باب كان النبيّصلىاللهعليهوآله تنام عينه ولا ينام قلبه ، وانظر : سنن أبي داود ١ / ٥١ ح ٢٠٢ ، مسند أحمد ١ / ٢٧٤ ، المعجم الكبير ١٢ / ٣٦ ح ١٢٤٢٩ ، المصنّف ـ لعبد الرزّاق ـ ٢ / ٤٠٥ ح ٣٨٦٣ و ٣٨٦٤ ، صحيح ابن خزيمة ١ / ٢٩ ـ ٣٠ ح ٤٨ و ٤٩ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٨ / ١٠١ ح ٦٣٥١ و ٦٣٥٢ ، حلية الأولياء ٤ / ٣٠٥.
*الرابع : إنّ وقوع السهو من الأنبياء في العبادة مناف لحكمة البعثة ، فإنّ الحكمة فيها إرشاد الخلق وتقريبهم إلى ما هو الأحبّ إلى الله تعالى والأصلح لهم.
ومن المعلوم أنّ الإقبال على عبادة الله تعالى أحبّ الأمور إلى الله تعالى وأصلحها للعبد ، وأنّ السهو مناف للإقبال ، فإذا لم يقبل النبيّ على عبادة ربّه وصدر منه السهو كانت الأمّة أولى بذلك وأحقّ بالمسامحة في العبادة!
وهذا من أكبر المنافيات لمنصب الدعوة إلى الله تعالى والقرب منه.
وأمّا ما احتمله الخصم من الإسهاء ، فخلاف ظاهر أخبارهم التي ذكرها المصنّفرحمهالله وغيرها ، بل خلاف صريح بعضها
فقد ذكر في « كنز العمّال »(١) حديثين من أخبار المقام ، قال النبيّصلىاللهعليهوآله فيهما : « إنّما أنا بشر أنسى كما تنسون » ، أحدهما : عن البيهقي وسنن النسائي وأبي داود وابن ماجة(٢)
والآخر : عن سنن ابن ماجة ومسند أحمد(٣) .
وذكر في « الكنز »(٤) أيضا حديثا آخر عن سنن أبي داود ، قال النبيّصلىاللهعليهوآله فيه : « إن نسّاني [ الشيطان ] شيئا من صلاتي فليسبّح القوم
__________________
(١) ج ٤ ص ١٠١ [ ٧ / ٤٧٠ ح ١٩٨٢٤ ]. منهقدسسره .
(٢) انظر : السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٢ / ٣٣٥ ، سنن النسائي ٣ / ٢٨ و ٢٩ و ٣٣ ، سنن أبي داود ١ / ٢٦٧ ح ١٠٢٠ و ١٠٢٢ ، سنن ابن ماجة ١ / ٣٨٠ ح ١٢٠٣.
(٣) كنز العمّال ٧ / ٤٧٢ ح ١٩٨٣٣ ، وانظر : سنن ابن ماجة ١ / ٣٨٢ ح ١٢١١ ، مسند أحمد ١ / ٣٧٩.
(٤) ج ٤ ص ١٠١ [ ٧ / ٤٧٢ ح ١٩٨٣٧ ]. منهقدسسره .
ولتصفّق النساء »(١)
.. إلى غير ذلك ممّا رووه
فكيف مع هذا يحتمل الخصم الإسهاء؟!
على أنّ الإسهاء بما ظاهره السهو محال ؛ لأنّه يجعل النبيّصلىاللهعليهوآله عرضة للدخول تحت قوله تعالى :( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ) الآية(٢) ، وللّوم والمذمّة بأنّه يقول ما لا يفعل ، ويأمر الناس بالبرّ وينسى نفسه ، وعرضة لتكذيبه بدعوى أنّه تنام عيناه ولا ينام قلبه ، كما أنّه مناف لحكمة البعثة وللطف الله بعباده ، حيث أسهى نبيّهصلىاللهعليهوآله وأبعد الناس عن قربه بسبب إسهاء مقتداهم.
وتلك مفاسد لا تتلافى بحكمة التشريع الذي يمكن فيه البيان اللفظي ، بل لمّا استفاض البيان اللفظي من النبيّ لم يبق موضوع لحكمة التشريع.
ثمّ إنّا نسأل من يزعم الإسهاء عن الأمر الذي يشرّع بالإسهاء ، هل هو جواز السهو أو هو ما يترتّب على السهو من سجود السهو ونحوه؟!
فإن كان هو الثاني كان وقوع الإسهاء لغوا ؛ لأنّ بيان سجدتي السهو والركعات المنسية لا يتوقّف على الإسهاء.
وإن كان هو الأوّل كان الأمر أشنع ؛ لأنّ الإسهاء غير اختياري للعبد فلا حكم له ، فكيف يشرّع به جواز السهو الذي هو اختياري له لإمكان تحفّظه عنه؟!
ولو سلّم أنّه غير اختياري أيضا فهو لا حكم له أيضا ، ولا معنى
__________________
(١) وانظر : سنن أبي داود ٢ / ٢٥٩ ـ ٢٦٠ ح ٢١٧٤.
(٢) سورة الماعون ١٠٧ : ٤.
لتشريع ما لا حكم له بما لا حكم له!
على أنّ الإسهاء فعل الله تعالى ، والسهو فعل المكلّف ، فكيف يشرّع حكم أحدهما بوقوع الآخر؟!
وأيضا : يكفي في تشريع السهو وقوعه مرّة أو مرّتين ، فما بالهم أسندوه إلى النبيّصلىاللهعليهوآله مرارا كثيرة حتّى عقد البخاري أبوابا عديدة متّصلة ذكر فيها سهو النبيّصلىاللهعليهوآله (١) ؟!
فمرّة نسبوا إليه أنّه سها عن الجلوس(٢)
ومرّة صلّى الظهر خمسا(٣)
وأخرى صلّى إحدى الظهرين اثنتين(٤)
وتارة صلّى المغرب اثنتين(٥)
.. إلى غير ذلك ممّا نقّصوا به عظيم مقامه!!
__________________
(١) صحيح البخاري ٢ / ١٤٩ ـ ١٥٢ ح ٢٤٧ ـ ٢٥٤.
(٢) صحيح البخاري ٢ / ١٤٩ ـ ١٥٠ ح ٢٤٧ و ٢٤٨ ، صحيح مسلم ٢ / ٨٣ ، سنن أبي داود ١ / ٢٧٠ ح ١٠٣٤ و ١٠٣٥ ، سنن الترمذي ٢ / ٢٣٥ ح ٣٩١ ، سنن ابن ماجة ١ / ٣٨١ ح ١٢٠٦ و ١٢٠٧ ، سنن النسائي ٣ / ٣٤.
(٣) صحيح البخاري ٢ / ١٥٠ ح ٢٤٩ ، صحيح مسلم ٢ / ٨٥ ، سنن أبي داود ١ / ٢٦٦ ح ١٠١٩ و ١٠٢٢ ، سنن الترمذي ٢ / ٢٣٨ ح ٣٩٢ ، سنن ابن ماجة ١ / ٣٨٠ ح ١٢٠٥ ، سنن النسائي ٣ / ٣١ ـ ٣٢ ، مسند الشاشي ١ / ٣٣٣ ـ ٣٣٤ ح ٣٠٨ و ٣٠٩.
(٤) صحيح البخاري ٢ / ١٥٠ ح ٢٥٠ و ٢٥١ ، صحيح مسلم ٢ / ٨٦ ، سنن أبي داود ١ / ٢٦٣ ح ١٠٠٨ ، سنن الترمذي ٢ / ٢٤٧ ح ٣٩٩ ، سنن ابن ماجة ١ / ٣٨٣ ح ١٢١٣ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ١ / ٣٦٥ ح ١١٥٠.
(٥) صحيح البخاري ٢ / ١٥٠ ذ ح ٢٥٠ ، المستدرك على الصحيحين ١ / ٤٦٩ ح ١٢٠٦.
وكيف يشكّ عاقل في أنّه نقص ، لا سيّما وقد قال النبيّصلىاللهعليهوآله في بعض ما رواه البخاري : «لم أنس ولم أقصّر »(١)
وفي رواية مسلم : «كذلك لم يكن »(٢)
فكان منهصلىاللهعليهوآله على فرض الوقوع سهوا في سهو ، وكذبا في غلط ، فتضاعف النقص ، وهو لا يناسب منصب النبوّة والدعوة!
وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى في ما زعمه الخصم من تشريع الكلام والحركة المتعلّقة بالصلاة.
وأمّا ما استدلّ به ممّا يدلّ على وقوع السهو من الأنبياء ، فلا ربط له بما نحن فيه من السهو في العبادة ، على أنّ قوله تعالى :( وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (٣) يمكن أن يكون من قبيل : مهما نسيت شيئا فلا تقعد مع زيد ناسيا ، فحذف من جزاء الآية لفظ ناسيا ، والمعنى ـ والله أعلم ـ : مهما نسيت شيئا فلا تنس عدم القعود معهم بعد ما ذكرت لك حرمته وبيّنتها لك.
ومثل هذا يقال لبيان أهمّية الجزاء بلا نظر إلى وقوع الطرفين أو جوازه ، فلا تكون الآية دليلا على وقوع النسيان من النبيّصلىاللهعليهوآله حتّى في غير الصلاة.
وأمّا قوله تعالى :( فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ) (٤) فيعلم المراد منه بعد سماع الآية
__________________
(١) صحيح البخاري ٢ / ١٥١ ح ٢٥٣.
(٢) صحيح مسلم ٢ / ٨٧ وفيه : « كلّ ذلك » بدلا من « كذلك ».
(٣) سورة الأنعام ٦ : ٦٨.
(٤) سورة يوسف ١٢ : ٤٢.
قال تعالى :( وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ) .
ولا شكّ أنّه بمقتضى ظاهر الآية يراد بضمير فَأَنْساهُ : مظنون النجاة لا يوسفعليهالسلام ، وبالربّ في المقامين : الصاحب الخاصّ ، فلا ربط لها بالمدّعى.
وأمّا قوله تعالى :( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها ) (١) فليس المقصود به إنساء النبيّصلىاللهعليهوآله ، كيف؟! وقد قال تعالى :( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ) (٢) .
هذا إذا أريد بالآية آية القرآن.
وأمّا إذا أريد بها سائر المعجزات ودلائل النبوّة ، فالمراد ـ والله أعلم ـ : إنّا إذا أعرضنا عن إحدى دلائل النبوّة أو أنسيناها جئنا بخير منها وأعظم دليلا على النبوّة ، وهذا بالضرورة إنّما يتعلّق بأمم الأنبياء.
وأمّا ما زعمه من مساواة الأنبياء للناس بالبشرية مستدلّا عليه بالكتاب العزيز
ففيه : إنّ المساواة بالبشرية لا تقتضي المساواة في كلّ شيء ، وإلّا لجاز أن تقع منهم كلّ المعاصي ، حتّى الكفر ، والخصم لا يقول به ، وليس زائدا على قدرهم منع الرذائل والنقائص عنهم ، كالسهو في العبادة وصدور المعاصي عنهم.
هذا ، وممّا يشهد بكذب نسبة السهو إلى النبيّصلىاللهعليهوآله في العبادة أنّ
__________________
(١) سورة البقرة ٢ : ١٠٦.
(٢) سورة الأعلى ٨٧ : ٦.
أبا هريرة الراوي لواقعة ذي اليدين ، قد أسلم عام خيبر(١) ، وأنّ ذا اليدين وهو ذو الشمالين عمير بن عبد عمرو قتل يوم بدر قبل إسلام أبي هريرة بسنين.
قال في « الاستيعاب » بترجمة ذي الشمالين : « اسمه عمير بن عبد عمرو بن نضلة بن عمرو بن غبشان بن سليم
وقال ابن إسحاق : هو خزاعي ، يكنّى أبا محمّد ، حليف لبني زهرة ، كان أبوه عبد عمرو(٢) بن نضلة قدم فحالف عبد الحارث بن زهرة ، وزوّجه ابنته نعمى ، فولدت له عميرا ذا الشمالين ، كان يعمل بيديه جميعا ، شهد بدرا ، وقتل يوم بدر شهيدا ، قتله أسامة الجهمي(٣) »(٤) .
وإنّما قلنا : إنّ ذا اليدين هو ذو الشمالين لما روي عن إمامنا الصادقعليهالسلام أنّه هو(٥)
ولأخبار القوم أنفسهم
ففي مسند أحمد(٦) ، بسند رجاله من رجال الصحيحين ، قال : « حدّثنا عبد الرزّاق ، حدّثنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة ، عن أبي هريرة ، قال :
__________________
(١) انظر : سير أعلام النبلاء ٢ / ٥٨٦ رقم ١٢٦ ، تهذيب التهذيب ١٠ / ٢٩٦ رقم ٨٧٠٨ ، الإصابة في تمييز الصحابة ٧ / ٤٣٤ رقم ١٠٦٧٤.
(٢) كان في الأصل : « عبد بن عمرو » ، وكلمة « بن » هنا من سبق القلم ، والتصويب ممّا أثبته الشيخ المظفّرقدسسره آنفا ومن المصدر.
(٣) في المصدر : الجشمي.
(٤) الاستيعاب ٢ / ٤٦٩ رقم ٧١٦.
(٥) تهذيب الأحكام ٢ / ٣٤٥ ح ١٤٣٣.
(٦) ج ٢ ص ٢٧١. منهقدسسره .
صلّى رسول اللهصلىاللهعليهوآله الظهر أو العصر فسلّم في ركعتين ، فقال له ذو الشمالين ابن عبد عمرو ـ وكان حليفا لبني زهرة ـ : أخفّفت الصلاة أم نسيت؟!
فقال النبيّصلىاللهعليهوآله : ما يقول ذو اليدين؟!
قالوا : صدق يا نبيّ الله ؛ فأتمّ بهم الركعتين اللتين نقص ».
فهذه الرواية الصحيحة عندهم قد جمعت بين اللقبين ، وصرّحت بأنّه ابن عبد عمرو ، وأنّه حليف بني زهرة ، وما هو إلّا قتيل بدر.
وفي « كنز العمّال »(١) عن عبد الرزّاق مثلها ، سوى إنّه لم يذكر حلفه لبني زهرة(٢) .
وقد جمعت رواية أخرى لأحمد(٣) بين اللقبين أيضا(٤) .
وكذا رواية أخرى لعبد الرزّاق وابن أبي شيبة(٥) ، نقلها في « كنز العمّال »(٦) .
وروى مالك في موطّئه(٧) رواية اشتملت على وصفه بذي الشمالين فقط ، ذكرها تحت عنوان ما يفعل من سلّم من ركعتين ساهيا.
__________________
(١) ج ٤ ص ٢١٥ [ ٨ / ١٤١ ح ٢٢٢٩١ ]. منهقدسسره .
(٢) وانظر : المصنّف ـ لعبد الرزّاق ـ ٢ / ٢٩٦ ح ٣٤٤١.
(٣) ج ٢ ص ٢٨٤. منهقدسسره .
(٤) وانظر : السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ١ / ٢٠٠ ـ ٢٠١ ح ٥٦٤ ، سنن الدارمي ١ / ٢٥١ ح ١٥٠٠.
(٥) المصنّف ـ لعبد الرزّاق ـ ٢ / ٢٩٧ ح ٣٤٤٢ وص ٢٩٩ ح ٣٤٤٧ ، المصنّف ـ لابن أبي شيبة ـ ١ / ٤٨٨ ب ٢٥٢ ح ٢.
(٦) ج ٤ ص ٢١٤ [ ٨ / ١٣٦ ح ٢٢٢٦٨ ]. منهقدسسره .
(٧) ص ٤٩ في حاشية الجزء الأوّل لمصابيح البغوي ، المطبوع بمصر ١٣١٨ ه [ الموطّأ : ٨٠ ـ ٨١ ح ٦٥ ]. منهقدسسره .
وهي كغيرها في الدلالة على وحدة ذي اليدين وذي الشمالين.
وأمّا رواية عمران بن حصين ، الدالّة على أنّ ذا اليدين هو ( الخرباق )(١) ، فلا تدلّ على التعدّد لجواز كون ( الخرباق ) لقبا لعمير بن عبد عمرو ، ويقرّبه أنّهم لم يعرفوا للخرباق أبا ، وإنّما يقول علماء رجالهم ( الخرباق السلمي )(٢) .
وقد عرفت أنّ عميرا أيضا منسوب إلى سليم ؛ لأنّه أحد أجداده ، كما سبق في كلام « الاستيعاب »(٣) .
وبالجملة : لا تصلح هذه الرواية لإثبات التعدّد في مقابلة تلك الروايات ، فظهر أنّ الصحيح وحدتهما وفاقا للزهري
قال في « الاستيعاب » بترجمة ذي اليدين : « وقد كان الزهري مع علمه بالمغازي يقول : إنّه ذو الشمالين المقتول ببدر ، وإنّ قصّة ذي اليدين في الصلاة كانت قبل بدر ثمّ أحكمت الأمور بعد »(٤) .
ثمّ قال في « الاستيعاب » : « وذلك وهم عند أكثر العلماء »(٥) .
ووجه الوهم ـ كما يظهر من أوّل كلامه ـ أنّه صحّ عن أبي هريرة أنّ ذا اليدين راجع النبيّصلىاللهعليهوآله في أمر الصلاة ، فلا بدّ أن يكون ذو اليدين
__________________
(١) صحيح مسلم ٢ / ٨٧ ، المصنّف ـ لابن أبي شيبة ـ ١ / ٤٨٩ ب ٢٥٢ ح ٥ ، مسند أبي عوانة ١ / ٥١٤ ح ١٩٢٢ ، المعجم الكبير ١٨ / ١٩٤ ـ ١٩٥ ح ٤٦٤ و ٤٦٥ و ٤٦٧ و ٤٧٠.
(٢) الإصابة ٢ / ٢٧١ رقم ٢٢٤٠.
(٣) تقدّم قبل صفحتين في الهامش رقم ٤ عن الاستيعاب ٢ / ٤٦٩ رقم ٧١٦.
(٤) الاستيعاب ٢ / ٤٧٦ ضمن رقم ٧٢٤.
(٥) الاستيعاب ٢ / ٤٧٦ ضمن رقم ٧٢٤.
غير ذي الشمالين ؛ لأنّ أبا هريرة أسلم عام خيبر ، وذا الشمالين قتل ببدر.
وفيه : إنّه بعد ما عرفت من صراحة الروايات بالاتّحاد لم يبق وجه للحكم بالتعدّد ، غاية الأمر أنّه يلزم من الاتّحاد كذب رواية أبي هريرة ، وهو غير مستغرب!
فإن قلت : لم يدّع أبو هريرة حضور الواقعة حتّى يكون كاذبا في الحكاية ، فلعلّه روى عن النبيّصلىاللهعليهوآله أو عمّن حضر من الصحابة؟!
قلت : قد صرّح أبو هريرة بحضوره بنفسه في بعض هذه الأخبار التي حكى فيها الواقعة
فقد روى البخاري عنه في الباب الثالث من أبواب ما جاء في السهو أنّه قال : « صلّى بنا النبيّصلىاللهعليهوآله الظهر أو العصر »(١) الحديث.
ونحوه في « صحيح مسلم » في باب السهو في الصلاة والسجود له(٢) .
وروى مسلم في هذا الباب ما هو أصرح في ذلك ، قال : « بينا أنا أصلّي مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله صلاة الظهر سلّم في الركعتين »(٣) وساق الحديث.
* * *
__________________
(١) صحيح البخاري ٢ / ١٥٠ ح ٢٥٠.
(٢) صحيح مسلم ٢ / ٨٦ و ٨٧.
(٣) صحيح مسلم ٢ / ٨٧.
قال المصنّف ـ رفع الله في الجنّة مقامه ـ(١) :
ونسبوا إلى النبيّصلىاللهعليهوآله كثيرا من النقص
روى الحميدي في « الجمع بين الصحيحين » عن عائشة ، قالت :
كنت ألعب بالبنات عند النبيّصلىاللهعليهوآله ، وكانت لي صواحب يلعبن معي ، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا دخل تقمّعن(٢) منه ، فيشير إليهنّ فيلعبن معي(٣) .
وفي حديث الحميدي أيضا : كنت ألعب بالبنات في بيته ـ وهي اللعب ـ(٤) .
مع أنّهم رووا عنهصلىاللهعليهوآله في صحاح الأحاديث أنّ الملائكة لا تدخل بيتا فيه صور مجسّمة أو تماثيل ، وتواتر النقل عنه بإنكار عمل الصور والتماثيل(٥)
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٤٧.
(٢) أي : تغيّبن ودخلن في بيت أو من وراء ستر ؛ انظر : لسان العرب ١١ / ٣٠٤ مادّة « قمع ».
(٣) الجمع بين الصحيحين ٤ / ١١٣ ح ٣٢٢٥ ، وانظر : صحيح البخاري ٨ / ٥٦ ح ١٥٤ ، صحيح مسلم ٧ / ١٣٥ ، سنن أبي داود ٤ / ٢٨٤ ح ٤٩٣١ ، سنن ابن ماجة ١ / ٦٣٧ ح ١٩٨٢ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٣٠٥ ح ٨٩٤٦.
(٤) الجمع بين الصحيحين ٤ / ١١٣ ح ٣٢٢٥ ، وانظر : صحيح مسلم ٧ / ١٣٥ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٣٠٦ ح ٨٩٤٨.
(٥) انظر : صحيح البخاري ٤ / ٢٣٥ ح ٣٤ ـ ٣٧ وص ٢٦٣ ح ١٢٦ وج ٧ / ٣٠٧ ح ١٦٠ وص ٣٠٩ ح ١٦٧ و ١٦٨ وص ٣١٠ ح ١٧١ ، صحيح مسلم ٦ / ١٥٦ ـ ١٦٢ ، سنن أبي داود ٤ / ٧١ ـ ٧٣ ح ٤١٥٢ ـ ٤١٥٨ ، سنن الترمذي ٤ / ٢٠٢ ـ ٢٠٣ ح _
فكيف يجوز لهم نسبة هذا إلى النبيّصلىاللهعليهوآله وإلى زوجته ، من عمل الصور في بيته الذي أسّس للعبادة ، وهو محلّ هبوط الملائكة والروح الأمين في كلّ وقت؟!
ولمّا رأى النبيّصلىاللهعليهوآله الصور في الكعبة لم يدخلها حتّى محيت(١) ، مع أنّ الكعبة بيت الله تعالى ، فإذا امتنع من دخوله مع شرفه وعلوّ مرتبته ، فكيف يتّخذ في بيته ـ وهو أدون من الكعبة ـ صورا ، ويجعله محلّا له؟!
* * *
__________________
١٧٤٩ ـ ١٧٥١ وج ٥ / ١٠٦ ح ٢٨٠٤ ـ ٢٨٠٦ ، سنن ابن ماجة ٢ / ١٢٠٣ ـ ١٢٠٤ ح ٣٦٤٩ ـ ٣٦٥٣ ، سنن النسائي ١ / ١٤١ وج ٧ / ١٨٥ وج ٨ / ٢١٢ ، مسند أحمد ٤ / ٢٨ و ٢٩.
(١) انظر : صحيح البخاري ٤ / ٢٧٨ ح ١٥٤ ، سنن أبي داود ٤ / ٧٢ ح ٤١٥٦ ، مسند أحمد ١ / ٣٦٥.
وقال الفضل(١) :
قد صحّ أنّ عائشة كانت تلعب باللعب ، وكان هذا لكونها صغيرة غير مكلّفة فقد صحّ أنّه دخل عليها رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهي بنت تسع سنين ، وهذه اللعب ما كانت مصوّرة بصورة الإنسان ، بل كانت على صورة الفرس ، لما روي أنّهصلىاللهعليهوآله رأى عند عائشة أفراسا لها أجنحة فقال : الفرس يكون له جناحان؟! قالت عائشة : أما سمعت أنّ خيل سليمان كانت لها أجنحة؟! فتبسّم رسول اللهصلىاللهعليهوآله (٢)
وهيئة الفرس لا تسمّى صورة ؛ لأنّ الأطفال لا يقدرون على تصوير الصورة ، وإنّما يكون مشابها للصورة ، ولا حرمة في عمل اللعبة على هيئة الخيل ، بل هذا في الإنسان ، وقيل : في ما عبد من الحيوانات والملائكة والإنسان.
وأيضا : يحتمل أن يكون هذا قبل تحريم الصور ، فإنّ تحريم الصور كان عام الفتح على ما ثبت(٣) ، ولعب عائشة كان في أوائل الهجرة(٤) .
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٢٣٥.
(٢) انظر : سنن أبي داود ٤ / ٢٨٤ ـ ٢٨٥ ح ٤٩٣٢ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٣٠٦ ح ٨٩٥٠.
(٣) لم نجد لادّعائه هذا ما يثبته ، بل الثابت خلاف ذلك ، فإنّ تحريم التماثيل جاء في الآية ٥٢ من سورة الأنبياء ، وهي سورة مكّيّة بلا خلاف ؛ انظر مثلا : الإتقان في علوم القرآن ١ / ٤٥.
(٤) بل صريح الرواية السابقة المخرّجة عن سنن أبي داود والسنن الكبرى للنسائي ورواية البغوي في « مصابيح السنّة » الآتية بعد صفحتين أنّ لعب عائشة باللّعب كان
وللصور شرائط إنّما تحرم عند وجودها ، وربّما لم يكن شرط من الشرائط موجودا ، ولمّا صحّ الأخبار وجب التأويل والجمع.
وليس أخبار الصحاح الستّة مثل أخبار الروافض ، فقد وقع إجماع الأئمّة على صحّتها.
* * *
__________________
بعد إحدى غزوات الرسولصلىاللهعليهوآله في تبوك أو خيبر أو حنين ؛ وسيأتي ما يخصّ هذا المطلب في ردّ الشيخ المظفّرقدسسره ، فراجع!
وأقول :
من الغريب استدلاله على صغرها وعدم تكليفها حين اللعب بدخول النبيّصلىاللهعليهوآله عليها وهي بنت تسع ، فإنّ بناءه بها وهي بهذا السنّ ـ كما يزعمون(١) ـ لا يقتضي أن يكون لعبها في أوّل زمن الدخول ، بل أخبارهم تدلّ على لعبها في أواخر أيّام النبيّصلىاللهعليهوآله .
ففي مصابيح البغوي من الحسان ، في باب عشرة النساء ، من كتاب النكاح ، عن عائشة قالت : « قدم رسول اللهصلىاللهعليهوآله من غزوة تبوك أو حنين ، وفي بهوتها(٢) ستر ، فهبّت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة تلعب بها.
فقال : ما هذه يا عائشة؟!
قالت : بناتي.
__________________
(١) ربّ مشهور لا أصل له ، ومن ذلك القول بأنّ سنّ عائشة عند زواجها من رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان تسع سنين ؛ إذ إنّها تصغر أختها أسماء بعشر سنين ـ كما في : البداية والنهاية ٨ / ٢٧٦ ـ ، وقد كانت ولادة أختها أسماء قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة ـ كما في : معرفة الصحابة لأبي نعيم ٦ / ٣٢٥٣ رقم ٣٧٦٩ ، وأسد الغابة ٦ / ٩ رقم ٦٦٩٨ ، والإصابة ٧ / ٤٨٨ رقم ١٠٧٩٨ ، فتكون ولادة عائشة قبل الهجرة بسبعة عشرة سنة ، وهذا عمرها عند زواجها من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ فلاحظ!
(٢) البهو : البيت المقدّم أمام البيوت ؛ انظر : لسان العرب ١ / ٥٢٨ مادّة « بها ».
وفي المصدر : « سهوتها » وفي نسخة منه كما في المتن ، والسهوة : حائط صغير يبنى بين حائطي البيت ويجعل السقف على الجميع ، فما كان وسط البيت فهو سهوة ، وما كان داخله فهو المخدع ، وقيل : هي صفّة بين بيتين ، وقيل غير ذلك ؛ انظر : لسان العرب ٦ / ٤١٥ مادّة « سها ».
ورأى بينهنّ فرسا له جناحان من رقاع ، فقال : وما هذا الذي أرى وسطهنّ؟!
قالت : فرس.
قال : وما هذا الذي عليه؟!
قالت : جناحان.
قال : الفرس يكون له جناحان؟!
قالت : أما سمعت أنّ لسليمان خيلا لها أجنحة؟!
قالت : فضحك حتّى رأيت نواجذه »(١)
فإنّها صريحة في لعبها بعد إحدى الغزاتين ، وهما كانتا بعد فتح مكّة ، ومنه يعلم ما في قوله أخيرا : « ولعب عائشة كان في أوائل الهجرة ».
ولو سلّم أنّ لعبها كان في أوّل بناء النبيّصلىاللهعليهوآله بها ، وأنّها بنت تسع ، فبنت التسع التي تصلح للتزويج ولأحكامه مكلّفة على الأحقّ.
ولو سلّم أنّها غير مكلّفة ، فإشكال المصنّفرحمهالله ليس في لعبها حتّى يجاب بأنّها غير مكلّفة ، بل في إبقاء النبيّصلىاللهعليهوآله الصور في بيته وهو محلّ هبوط الملائكة التي لا تدخل بيتا فيه صور ، وفي عدم إنكاره على عمل الصور ، وقد تواتر عنه النهي عنه.
وأمّا قوله : « وهذه اللعب ما كانت مصوّرة بصورة الإنسان »
فمناف لما تضافرت به أخبارهم من لعبها بالبنات ، التي هي عبارة
__________________
(١) مصابيح السنّة ٢ / ٤٥٢ ح ٢٤٤٢ ، وقد تقدّم تخريجه في الصفحة ٦٦ ه ٢ عن أبي داود والنسائي.
عمّا كان بصورة البنات من الناس ، وقد جمعت رواية البغوي السابقة بين ذكر البنات والفرس ، وهي التي ذكرها الخصم على الظاهر ، لكنّه تصرّف فيها بإسقاط لفظ البنات ليروّج مطلبه في الجملة!
وأمّا قوله : « وهيئة الفرس لا تسمّى صورة ؛ لأنّ الأطفال » إلى آخره
ففيه : إنّ الصورة هي : الشكل ، كما في القاموس(١) ، فتكون الهيئة منها ، وتعليله لا وجه له ؛ لأنّ عائشة لم تكن صغيرة حين اللعب بالأفراس ، بل كانت بنت سبع عشرة تقريبا على رأيهم ، لما سبق من تصريح رواية البغوي بلعبها بها بعد إحدى الغزاتين.
ولو سلّم أنّها كانت ـ حينئذ ـ صغيرة ، فمن الإزراء بحقّها أن ينسب إليها العجز عن تصوير الصورة ؛ لما زعموا أنّها في غاية الذكاء ، ومن تقدر في كبرها على قيادة الحرب العظيمة لا تعجز في صغرها عن تصوير الصورة!!
ولو سلّم عجزها ، فهو لا يقتضي عدم كمال هيئة الفرس ، بحيث لا تسمّى صورة ؛ لجواز أن يكون غيرها قد صنعها لها.
ولا تخفى ظرافة تسميته لها طفلا وقد تزوّجت وبلغت سنّ النساء!
وأمّا قوله : « ولا حرمة في عمل اللعبة على هيئة الخيل »
فباطل ؛ لإطلاق أخبارهم المستفيضة(٢) في حرمة تصوير ذوات
__________________
(١) القاموس المحيط ٢ / ٧٥ مادّة « صور ».
(٢) وعدم وجود ما يصلح أن يكون مخصّصا أو مقيّدا لتلك الأخبار ، سوى ما ورد في رواية أبي طلحة ـ المروية في صحاحهم ، وقد تقدّم تخريجها في الصفحة ٦٤ _
الأرواح(١)
وقد رواها البخاري في مقامات لا تحصى ، منها في آخر صحيحه ، ومنها في أواخر كتاب البيع
وقد قال النبيّصلىاللهعليهوآله في بعضها : « من صوّر صورة فإنّ الله معذّبه بها حتّى ينفخ فيها الروح ، وليس بنافخ فيها أبدا »(٢)
وقالصلىاللهعليهوآله في بعضها : « إنّ أصحاب هذه الصور يعذّبون يوم القيامة ، ويقال لهم : أحيوا ما خلقتم »(٣) .
وروى مسلم طرفا منها في كتاب « اللباس والزينة » من صحيحه ، في باب : « لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة »(٤) ، وبعضها صريح في صور الخيل ذوات الأجنحة
فقد أخرج عن عائشة ، قالت : « قدم رسول اللهصلىاللهعليهوآله من سفر وقد سترت على بابي درنوكا(٥) فيه الخيل ذوات الأجنحة فأمرني
__________________
هـ ٥ ـ من استثناء الرّقم ، وهي لا تصلح لتخصيص أو تقييد محلّ البحث والنزاع!
والرّقم هو الصورة والرسم على الثوب والستر ، ورقم الثوب رقما : وشّاه وخطّطه وعلّمه ؛ انظر : تاج العروس ١٦ / ٢٩٧ مادّة « رقم ».
(١) راجع ه ٥ من الصفحة ٦٤.
(٢) صحيح البخاري ٣ / ١٦٩ ح ١٦٨.
(٣) صحيح البخاري ٧ / ٣١٠ ح ١٧١.
(٤) انظر : صحيح مسلم ٦ / ١٥٥ ـ ١٦٢.
(٥) الدرنوك : ضرب من الثياب أو البسط ، له خمل قصير كخمل المناديل ، وبه تشبّه فروة البعير والأسد ، وجمعه : درانك.
انظر مادّة « درنك » في : الصحاح ٤ / ١٥٨٣ ، لسان العرب ٤ / ٣٤٠ ، تاج العروس ١٣ / ٥٥٧.
فنزعته »(١)
ويا هل ترى أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله لا يرضى بصورة الخيل على الدرنوك ويرضى بصورها المجسّمة ويبقيها في بيته؟!
وأمّا قوله : « وأيضا يحتمل أن يكون هذا قبل تحريم الصور ، فإنّ تحريم الصور كان عام الفتح ـ على ما ثبت ـ ولعب عائشة كان في أوائل الهجرة »
ففيه : إنّ رواية البغوي السابقة(٢) صريحة في لعبها بعد الفتح ، فلا يصحّ هذا الاحتمال ، ولا أعلم من أين ثبت عنده أنّ التحريم عام الفتح؟! والظاهر أنّه مستند إلى الهوى ونصرة المذهب!
وأمّا قوله : « وللصور شرائط إنّما تحرّم عند وجودها »
ففيه : إنّه إن أراد أنّ لتحريم الصور شرائط ، فباطل ؛ إذ لا يعتبر فيه أكثر من صدق تصوير الحيوان كما تدلّ عليه الأخبار السابقة وغيرها.
وإن أراد أنّ لتحريم اللعب بالصور شرائط ، فممنوع حتّى بمذهبه
فقد نقل هو في آخر الكتاب ـ في القضاء وتوابعه ـ عن الشافعي أنّ عدم حرمة اللعب بالشطرنج مشروط بأربعة شروط ، رابعها : أن لا تكون أسبابه مصوّرة بصورة الحيوانات(٣) ؛ ولم يقيّد هناك الصور بقيد ، ولم يعتبر فيها شروطا.
__________________
(١) صحيح مسلم ٦ / ١٥٨.
(٢) تقدّمت في الصفحة ٦٨ ـ ٦٩.
(٣) راجع : إحقاق الحقّ : ١١٧٦ الطبعة الحجرية.
وذكر الخصم ثمّة أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام مرّ بقوم يلعبون بالشطرنج فقال :( ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ ) (١) (٢) ، ورواه المصنّف هناك عن النبيّصلىاللهعليهوآله (٣)
وهو دالّ على أنّ اللعب بصور الخيل كالعكوف على الأصنام فيحرم ، فكيف تلعب بها عائشة ولم يمنعها النبيّصلىاللهعليهوآله ، أو لم تظهر منه الكراهة حتّى يرتدع الغير؟!
ولا يخفى أنّ أجوبة الخصم كلّها لا تصلح جوابا عمّا ذكره المصنّف من إشكال إبقاء النبيّصلىاللهعليهوآله للصور في بيته ، والحال أنّ الملائكة لا تدخل بيتا فيه الصور ، إلّا ما زعمه من عجز الأطفال عن تصوير الصور ، فإنّه يمكن جعله جوابا ولكن قد عرفت ما فيه.
وأمّا قوله : « وليس أخبار الصحاح الستّة مثل أخبار الروافض »
فقد صدق فيه ؛ لأنّ من يرفض الباطل لا يروي مثل تلك الخرافات ، ولا يعتمد على روايات من عرفت بعض أحوالهم في المقدّمة وأشباههم!(٤) .
* * *
__________________
(١) سورة الأنبياء ٢١ : ٥٢.
(٢) انظر : السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ١٠ / ٢١٢ ، الحاوي الكبير ٢١ / ١٩٢.
(٣) نهج الحقّ : ٥٦٨.
(٤) راجع الجزء الأوّل من هذا الكتاب.
قال المصنّف ـ أسبغ الله عليه رحمته ـ(١) :
وروى الحميدي في « الجمع بين الصحيحين » : قالت عائشة : « رأيت النبيّ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد ، فزجرهم عمر »(٢) .
وروى الحميدي ، عن عائشة ، قالت : « دخل عليّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعندي جاريتان تغنّيان بغناء بعاث(٣) ، فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه ، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال : مزمارة الشيطان عند النبيّصلىاللهعليهوآله ، فأقبل عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقال : دعها ؛ فلمّا غفل غمزتهما ، فخرجتا »(٤) .
وكيف يجوز للنبيّصلىاللهعليهوآله الصبر على هذا مع أنّهصلىاللهعليهوآله نصّ على تحريم اللعب واللهو(٥) ، والقرآن مملوء منه(٦) وبالخصوص مع زوجته؟!
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٤٩.
(٢) الجمع بين الصحيحين ٤ / ٥٢ ح ٣١٦٨.
(٣) بعاث : هو اسم حصن للأوس ، وبه سمّي يوم كانت فيه حرب بين الأوس والخزرج في الجاهلية ؛ انظر : لسان العرب ١ / ٤٣٩ مادّة « بعث ».
(٤) الجمع بين الصحيحين ٤ / ٥٣ ح ٣١٦٨ وفيه : « دعهما » بدل « دعها ».
(٥) انظر : سنن ابن ماجة ٢ / ٧٣٣ ح ٢١٦٨ ، سنن الترمذي ٣ / ٥٧٩ ح ١٢٨٢ ، الأدب المفرد : ٢١٦ ح ٨٠٥ ـ ٨٠٩ باب الغناء واللهو ، المعجم الكبير ١٩ / ٣٤٣ ـ ٣٤٤ ح ٧٩٤ ، مسند أبي يعلى ١ / ٤٠٢ ح ٥٢٧ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ١٠ / ٢٢١ ، مجمع الزوائد ٣ / ١٣ عن مسند البزّار.
(٦) كقوله تعالى :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) سورة لقمان ٣١ : ٦.
وهلّا دخلته الحميّة والغيرة مع أنّهصلىاللهعليهوآله أغير الناس؟!
وكيف أنكر أبو بكر وعمر ومنعهما؟! فهل كانا أفضل منه؟!
وقد رووا عنهعليهالسلام ، أنّه لمّا قدم المدينة من سفر خرجن إليه نساء المدينة يلعبن بالدفّ فرحا بقدومه ، وهو يرقّص بأكمامه!(١) .
هل يصدر [ مثل ] هذا عن رئيس أو من له أدنى وقار؟!
نعوذ بالله من هذه السقطات
مع أنّه لو نسب أحدهم إلى مثل هذا قابله بالسبّ والشتم وتبرّأ منه ، فكيف يجوز نسبة النبيّصلىاللهعليهوآله إلى مثل هذه الأشياء التي يتبرّأ منها؟!
* * *
__________________
(١) انظر مؤدّاه في : سنن الترمذي ٥ / ٥٧٩ ح ٣٦٩٠ ، مسند أحمد ٥ / ٣٥٣ ، مسند أبي يعلى ٦ / ١٣٤ ح ٣٤٠٩ ، المعجم الصغير ١ / ٣٢ ـ ٣٣.
وقال الفضل(١) :
ضرب الدفّ ليس بحرام مطلقا ، وكذا اللهو كما ذكر في موضعه
وما ذكر من ضرب الجاريتين بالدفّ عند عائشة كان يوم عيد ، واتّفق العلماء على جواز اللهو وضرب الدفّ في أوقات السرور ، كالأعياد والختان والإملاك.
وأمّا منع أبي بكر عنه ، فإنّه كان لا يعلم جوازه في أيّام العيد.
وتتمّة الحديث أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال لأبي بكر : « دعهما ، فإنّها أيّام عيد » ، فلذلك منعه أبو بكر ، فعلّمه رسول الله أنّ ضرب الدفّ والغناء ليس بحرام في أيّام العيد.
وما ذكر أنّ نساء المدينة خرجن إليه من عوده من السفر ، فذلك كان من خصال نساء المدينة ، ولم يمنعهنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ لأنّها كانت قبل نزول الحجاب ، ولأنّهنّ كنّ يظهرنّ السرور بمقدم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهو عبادة
وإنّ ترك المروءة في أمثال هذه الأمور ـ التي توجب الألفة ، والموافقة ، وتطييب الخاطر ، وتشريع المسائل ـ جائز
ولكنّه نعم ما قيل شعرا :
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٢٤٠.
وعين الرضا عن كلّ عيب كليلة |
ولكنّ عين السخط تبدي المساويا(١) |
* * *
__________________
(١) البيت من شعر عبد الله بن معاوية بن عبد الله الجعفري ، قاله في صديق له يقال له : قصيّ بن ذكوان ، وكان قد عتب عليه ، وهو من أبيات مطلعها :
رأيت قصيّا كان شيئا ملفّفا |
فكشّفه التمحيص حتّى بدا ليا |
انظر : الأغاني ١٢ / ٢٥٠.
وأقول :
ما استدلّوا به لإباحة اللهو غير صالح له ؛ لأمور :
الأوّل : إنّ كثيرا منها أدلّ على الحرمة ، كرواية الغزّالي التي سينقلها المصنّف(١) ، ورواية أحمد التي سنذكرها بعدها إن شاء الله تعالى(٢) ، فإنّهما أطلقتا الباطل على اللعب والغناء.
وكرواية الترمذي في مناقب عمر ، عن عائشة ، قالت : « كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله جالسا في المسجد ، فسمعنا لغطا وصوت صبيان ، فقام رسول اللهصلىاللهعليهوآله فإذا حبشيّة تزفن(٣) والصبيان حولها.
فقال : يا عائشة! تعالي وانظري.
فجئت فوضعت لحييّ على منكب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه
فقال : أما شبعت؟! [ أما شبعت؟! ].
فجعلت أقول : لا ؛ لأنظر منزلتي عنده ، إذ طلع عمر ، فارفضّ(٤) الناس عنها
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّي لأنظر إلى شياطين الجنّ والإنس قد فرّوا
__________________
(١) ستأتي في الصفحة ١١١ ه ٣ من هذا الجزء.
(٢) ستأتي في الصفحة ١١٥ ه ١ من هذا الجزء.
(٣) الزّفن : الرّقص ؛ انظر : لسان العرب ٦ / ٥٨ مادّة « زفن ».
(٤) ارفضّ : تفرّق ؛ انظر مادّة « رفض » في : لسان العرب ٥ / ٢٦٦ ، تاج العروس ١٠ / ٦٢.
من عمر بن الخطّاب »(١) .
فإنّ تعبير النبيّصلىاللهعليهوآله بالشياطين دليل على حرمة عملها وعملهم ، وإنّ ذلك اللهو مجمع للشياطين فيحرم.
وكرواية الترمذي أيضا عن بريدة ، وصحّحها ـ كالرواية الأولى ـ هو والبغوي في ( مصابيحه )
قال بريدة : « خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله في بعض مغازيه ، فلمّا انصرف جاءت جارية سوداء ، فقالت : يا رسول الله! إنّي كنت نذرت إن ردّك الله صالحا أن أضرب بين يديك بالدفّ وأتغنّى.
فقال لها رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إن كنت نذرت فاضربي ، وإلّا فلا.
فجعلت تضرب ، فدخل أبو بكر وهي تضرب ، ثمّ دخل عليّ وهي تضرب ، ثمّ دخل عثمان وهي تضرب ، ثمّ دخل عمر فألقت الدفّ تحت إستها ، ثمّ قعدت عليه.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ الشيطان ليخاف منك يا عمر ، إنّي كنت جالسا وهي تضرب ، فدخل أبو بكر وهي تضرب ، ثمّ دخل عليّ وهي تضرب ، ثمّ دخل عثمان وهي تضرب ، فلمّا دخلت أنت [ يا عمر ] ألقت الدفّ »(٢) .
فإنّ تعبير النبيّصلىاللهعليهوآله عنها بالشيطان دليل على حرمة فعلها ، إذ لو
__________________
(١) سنن الترمذي ٥ / ٥٨٠ ح ٣٦٩١ ، وانظر : السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٣٠٩ ح ٨٩٥٧ ، الكامل في الضعفاء ٣ / ٥١ رقم ٦٠٨ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٥٩ ح ٤٧٣٧ ، تاريخ دمشق ٤٤ / ٨٢ و ٨٤.
(٢) سنن الترمذي ٥ / ٥٧٩ ـ ٥٨٠ ح ٣٦٩٠ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٥٨ ـ ١٥٩ ح ٤٧٣٦ ، وانظر : مسند أحمد ٥ / ٣٥٣ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ١٠ / ٧٧.
كان طاعة أو مباحا لم يصحّ ذمّها وتهجين عملها ، لا سيّما وقد كان وفاء للنذر.
كما إنّه لو كان مباحا لم يصحّ نهيها عنه بلا قرينة على إرادة الإباحة من النهي ، لو فرض أنّها لم تكن قد نذرت ؛ لظهور النهي في الحرمة وهي في وقت الحاجة والعمل.
الثاني : إنّ أخبار حلّيّة اللهو قد اشتملت جملة منها على إرادة النبيّصلىاللهعليهوآله من عائشة أن تنظر إلى اللعب وأهله ، وعلى أنّه يسترها وهي تنظر إلى الحبشة ، وهذا كذب صريح ؛ لأنّه مناف لسنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله
روى البغوي في ( مصابيحه ) ، من الحسان ، في باب النظر إلى المخطوبة وبيان العورات ، من كتاب النكاح ، عن أمّ سلمة رضي الله عنها : « أنّها كانت عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله وميمونة ، إذ أقبل ابن أمّ مكتوم فدخل عليه ، فقالصلىاللهعليهوآله :احتجبا عنه !
فقلت : يا رسول الله! أليس هو أعمى لا يبصرنا؟!
فقالصلىاللهعليهوآله :أفعمياوان أنتما؟! ألستما تبصرانه؟ ! »(١)
ونحوه في الجزء السادس من مسند أحمد ، ص ٢٩٦(٢) .
فإذا كان النبيّصلىاللهعليهوآله يأبى من نظر أزواجه إلى الأعمى ، فكيف يرضى لعائشة أن تنظر إلى أهل اللهو حال اللعب والخلاعة؟!
الثالث : إنّها منافية للغيرة والحياء ، بل بعضها مشتمل على التهتّك
__________________
(١) مصابيح السنّة ٢ / ٤٠٨ ح ٢٣١٦ ، وانظر : السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٣٩٣ ـ ٣٩٤ ح ٩٢٤٢.
(٢) وانظر : سنن أبي داود ٤ / ٦٢ ح ٤١١٢ ، سنن الترمذي ٥ / ٩٤ ح ٢٧٧٨ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٣٩٣ ح ٩٢٤١.
الذي لا يصدر إلّا من الأنذال وأسافل الناس وأدناهم حياء وغيرة!
كرواية البخاري في الباب الثاني من كتاب العيدين(١)
وفي باب الدرق ، من كتاب الجهاد والسير ، عن عائشة ، قالت : « كان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب ، فإمّا سألت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وإمّا قال : تشتهين تنظرين؟
فقلت : نعم!
فأقامني وراءه ، خدّي على خدّه ، وهو يقول : دونكم يا بني أرفدة(٢) .
حتّى إذا مللت قال : حسبك؟
قلت : نعم.
قال : فاذهبي »(٣) .
فليت شعري كيف حال من يجعل نفسه وزوجته منظرا لأهل الفساد واللهو ، وهو يحثّهم على اللعب ، ويحرّكهم إلى النظر إليهما ملتصقي الخدّين ، وخدّها على خدّه؟!
فهل ترى فوق هذا خلاعة؟!
لعمر الله ما من أحد يؤمن بالله ورسولهصلىاللهعليهوآله يرضى بهذه النسبة إلى سيّد المرسلين ، الذي كان أشدّ حياء من العذراء في خدرها(٤) ، وقال :
__________________
(١) صحيح البخاري ٢ / ٥٤ ح ٢ وص ٦٨ ح ٣٤.
(٢) جنس من الحبشة ، أو لقب لهم ، أو اسم أبيهم الأكبر ؛ انظر : تاج العروس ٤ / ٤٦٠ مادّة « رفد ».
(٣) صحيح البخاري ٤ / ١٠٨ ح ١١٨ ، وانظر : صحيح مسلم ٣ / ٢٢.
(٤) انظر : صحيح البخاري ٥ / ٣١ ح ٦٩ و ٧٠ وج ٨ / ٤٨ ح ١٢٦ ، صحيح مسلم _
«الحياء من الإيمان »(١)
وكان أشدّ الخلق غيرة ومروءة ، وقال : «من لا مروءة له لا إيمان له »(٢)
وكان أعظم الناس وقارا ، حتّى إنّ ضحكه التبسّم(٣)
فكيف ينقاد إلى هوى عائشة هذا الانقياد ولا يلتفت إلى ما فيه من النقص والهوان؟!
ويا عجبا! كيف يجتمع هذا التهتّك من عائشة مع ما رواه أحمد(٤) عنها؟!
__________________
٧ / ٧٨ ، سنن ابن ماجة ٢ / ١٣٩٩ ح ٤١٨٠ ، مسند أحمد ٣ / ٧١ و ٧٩ و ٨٨ و ٩١ و ٩٢ ، المعجم الكبير ١٨ / ٢٠٦ ح ٥٠٨ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٦ / ٩٢ ح ٨.
(١) صحيح البخاري ١ / ٢١ ح ٢٣ ، صحيح مسلم ١ / ٤٦ ، سنن ابن ماجة ٢ / ١٤٠٠ ح ٤١٨٤ ، سنن أبي داود ٤ / ٢٥٣ ح ٤٧٩٥ ، سنن الترمذي ٤ / ٣٢١ ح ٢٠٠٩ ، سنن النسائي ٨ / ١٢١ ، الموطّأ : ٧٩٠ ح ١٠ ، مسند أحمد ٢ / ٥٦ و ١٤٧ ، مسند أبي يعلى ٩ / ٣٠٢ ح ٥٤٢٤ وج ١٣ / ٤٨٨ ح ٧٥٠١ ، المعجم الكبير ١٠ / ١٩٦ ح ١٠٤٤٢ وج ١٨ / ١٧٨ ح ٤٠٩ وج ٢٢ / ٤١٣ ح ١٠٢٤ ، المصنّف ـ لعبد الرزّاق ـ ١١ / ١٤٢ ح ٢٠١٤٦ ، المصنّف ـ لابن أبي شيبة ـ ٦ / ٩٢ ح ١٣.
(٢) لم نعثر عليه بهذا اللفظ عن النبيّصلىاللهعليهوآله ، وقد روي عنهصلىاللهعليهوآله بلفظ : « كرم المرء تقواه ، ومروءته خلقه ، وحسبه دينه » و « كرم المرء دينه ، ومروءته عقله ، وحسبه خلقه » وما يؤدّي هذا المعنى.
انظر : كتاب المروءة ـ لابن المرزبان ـ : ٢٣ ـ ٣٤ ح ١ ـ ١١.
هذا ، وقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام حديث بلفظين قريبين ممّا في المتن ، هما : « من لا دين له لا مروءة له » و « من لا مروءة له لا همّة له » ؛ انظر : غرر الحكم ودرر الكلم ـ للآمدي ـ ٢ / ١٦٣ رقم ٢٨٥ و ٢٨٦.
(٣) انظر : سنن الترمذي ٥ / ٥٦١ ـ ٥٦٢ ح ٣٦٤٢ و ٣٦٤٥ ، مسند أحمد ٥ / ٩٧ و ١٠٥ ، مسند أبي يعلى ١٣ / ٤٥٠ ح ٧٤٥٥ وص ٤٥٣ ح ٧٤٥٨ ، المعجم الكبير ٢ / ٢٤٤ ح ٢٠٢٤ ، شرح السنّة ٧ / ٤٢٥ ح ٣٦٤٢.
(٤) مسند أحمد ٦ / ٢٠٢. منهقدسسره .
قالت : « كنت أدخل بيتي الذي دفن فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأبي ، فأضع ثوبي فأقول : إنّما هو زوجي وأبي ، فلمّا دفن عمر معهم فو الله ما دخلت إلّا وأنا مشدودة عليّ ثيابي حياء من عمر ».
ولا أدري أين ذهب هذا الحياء من الأموات عنها يوم الجمل ، وهي تلفّ الألوف بالألوف من الأحياء؟!
الرابع : إنّ اللهو والصياح منافيان لحرمة المساجد ووضعها ، فكيف يرضى النبيّصلىاللهعليهوآله بهما ، ويمكّن منهما فيها أهل اللهو والطرب؟! قال الله تعالى :( إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) (١) .
فهل كان من عمرانها اللعب والغناء؟!
وروى القوم في صحاحهم أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : «من سمع رجلا ينشد ضالّة في المسجد فليقل : لا ردّها الله عليك ؛ فإنّ المساجد لم تبن لهذا »(٢)
وإنّهصلىاللهعليهوآله نهى عن تناشد الأشعار في المسجد(٣) ، وأن تقام فيه الحدود(٤) ، وأن ترفع فيه الأصوات ، فكيف يرضى بإعلان اللهو والغناء في
__________________
(١) سورة التوبة ٩ : ١٨.
(٢) صحيح مسلم ٢ / ٨٢ ، سنن ابن ماجة ١ / ٢٥٢ ح ٧٦٧ ، سنن أبي داود ١ / ١٢٥ ح ٤٧٣ ، مسند أحمد ٢ / ٣٤٩ ، صحيح ابن خزيمة ٢ / ٢٧٣ ح ١٣٠٢ ، مسند أبي عوانة ١ / ٣٣٩ ح ١٢١٢ و ١٢١٣ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٢ / ٤٤٧ وج ٦ / ١٩٦ وج ١٠ / ١٠٢.
(٣) انظر : سنن الترمذي ٢ / ١٣٩ ح ٣٢٢ ، سنن ابن ماجة ١ / ٢٤٧ ح ٧٤٩ ، سنن النسائي ٢ / ٤٨ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ١ / ٢٦٢ ح ٧٩٤ ، صحيح ابن خزيمة ٢ / ٢٧٤ ح ١٣٠٤.
(٤) انظر : سنن الترمذي ٤ / ١٢ ح ١٤٠١ ، سنن ابن ماجة ٢ / ٨٦٧ ح ٢٥٩٩
المسجد الأعظم؟!
والعجب أنّهم يروون أنّه يحثّ على اللهو في مسجده!!
ويروي البخاري في باب رفع الصوت في المساجد ، من كتاب الصلاة ، عن السائب ، قال : « كنت قائما في المسجد فحصبني رجل ، فإذا عمر بن الخطّاب ، فقال : اذهب فأتني بهذين ؛ فجئته بهما.
قال : من أنتما؟ ـ أو : من أين أنتما؟ ـ.
قالا : من أهل الطائف.
قال : لو كنتما من أهل هذا البلد لأوجعتكما ، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟! »(١) .
ولكن لا عجب ، فإنّهم ينسبون تلك الخلاعة القبيحة إلى صفوة الله من خلقه ، ويزعمون أنّ عمر في منتهى الغيرة ، حتّى إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله لم يدخل في المنام قصر عمر في الجنّة رعاية منه لغيرة عمر(٢) !
وذلك كلّه ممّا يكشف عن حال رجالهم وأخبارهم فانظر وتبصّر!
الخامس : إنّ راوي تلك الأخبار ـ التي زعموا دلالتها على إباحة اللهو ـ هو : عائشة ، إلّا ما قلّ عن غيرها ، ومن الواضح أنّها متّهمة بإرادة
__________________
و ٢٦٠٠ ، مسند أحمد ٣ / ٤٣٤ ، المعجم الكبير ٢ / ١٣٩ ـ ١٤٠ ح ١٥٩٠ وج ٣ / ٢٠٤ ح ٣١٣١.
(١) صحيح البخاري ١ / ٢٠٣ ح ١٢٩ ، وانظر : السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٢ / ٤٤٧ ـ ٤٤٨.
(٢) صحيح البخاري ٥ / ٧٥ ذ ح ١٧٦ وج ٧ / ٦٤ ح ١٥٥ و ١٥٦ وج ٩ / ٧٠ ـ ٧١ ح ٤٠ و ٤١ ، صحيح مسلم ٧ / ١١٤ ، مسند أحمد ٣ / ٣٧٢ وص ٣٨٩ ـ ٣٩٠ ، مسند أبي يعلى ٣ / ٤٦٧ ح ١٩٧٦ وج ٤ / ١٣ ح ٢٠١٤ وص ٥١ ح ٢٠٦٣ ، مسند الطيالسي : ٢٣٨ ح ١٧١٥ ، المصنّف ـ لابن أبي شيبة ـ ٧ / ٤٨١ ح ٢٥ و ٢٦.
الافتخار وإظهار حبّ النبيّصلىاللهعليهوآله لها ، وبيان فضل أبيها وخليله ، كما هو ظاهر على صفحات تلك الروايات!
وما اكتفت بذلك حتّى جعلت تحرّض الناس على إعطاء بناتهم زمام اللهو واللعب ، وما خصّته بوقت ، فقالت ـ كما في كثير من روايات البخاري وغيره ـ : « فاقدروا قدر الجارية الحديثة السنّ ، الحريصة على اللهو »(١) .
ولعلّ هذه التتمّة تشهد بأنّ تلك الأخبار من وضع الكذّابين الّذين يريدون التقرّب إلى ملوك الجهل والفساد ، من الأمويّين والعبّاسيّين وأمرائهم!
فإذا عرفت هذه الأمور ، ظهر لك أنّه لا يستبيح ذو عقل وذو دين الاستدلال بتلك الأخبار على إباحة اللهو في شيء من الأوقات ، لا سيّما والكتاب العزيز ناطق بحرمته(٢) .
وأيّ عاقل يشكّ بكذب تلك الأخبار التي تحطّ من قدر النبيّ والنبوّة؟!
وبذلك يظهر لك حال من نسب إليهم الخصم الاتّفاق على جواز اللهو استنادا إليها!
وأمّا ما ذكره من تتمّة الحديث ، فمن إضافاته ، على أنّها لا تنفعه بالنظر إلى تلك الأمور السابقة
ومن أحبّ الاطّلاع على كذبه في هذه الإضافة ـ أعني قولهصلىاللهعليهوآله :
__________________
(١) صحيح البخاري ٧ / ٥٠ ح ١٢٠ ، صحيح مسلم ٣ / ٢٢ ، سنن النسائي ٣ / ١٩٥ ـ ١٩٦ ، مسند أحمد ٦ / ٨٤ و ٨٥ و ١٦٦ و ٢٧٠.
(٢) في قوله تعالى :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) سورة لقمان ٣١ : ٦.
« فإنّها أيّام عيد » تعليلا لقوله لأبي بكر : « دعها » ـ فليراجع الباب الثاني من كتاب العيدين من صحيح البخاري(١) ، وآخر كتاب العيدين من صحيح مسلم(٢) (٣) .
وأمّا ما ذكره من أنّ ذلك من خصال نساء المدينة ، فمحلّ تأمّل ؛ لأنّه مستفاد من روايات عائشة ، وفيها ما سبق.
وأمّا ما ذكره من إظهار هنّ السرور ، وأنّه عبادة ؛ ففيه : إنّ إظهار السرور وإن كان عبادة ، لكن إذا لم يكن باللهو ، فإنّه يحرّم حينئذ كما لو أظهر بشرب الخمر ونحوه.
وأمّا ما أجاب به عن رقص النبيّصلىاللهعليهوآله بأكمامه ـ وحاشاه ـ ، فمن قول الهجر ؛ لأنّ الرقص سفه ظاهر وخلاعة بيّنة ، ومن أكبر النقص بالرئيس ، وأعظم منافيات الحياء والمروءة في تلك الأوقات ، وأشدّ المباينات للرسالة لإرشاد الخلق بتهذيبهم عن السفه والنقائص وتذكيرهم بمقرّبات الآخرة ، لا سيّما بالملأ العامّ مع حضور النقّاد والأضداد ، فلا يمكن أن يلتزم بتسويغه لطلب الألفة وتطييب الخواطر ؛ لأنّ حفظ شرف الرسالة وفخامتها ودفع نقد النقّاد والمشكّكين أهمّ ، بل لا يحسن
__________________
(١) صحيح البخاري ٢ / ٥٤ ح ٢.
(٢) صحيح مسلم ٣ / ٢٢.
(٣) إنّ جملة « فإنّها أيّام عيد » التي زعم ابن روزبهان أنّها تتمّة للحديث الذي استدلّ به العلّامة الحلّيقدسسره غير موجودة فيه! ولذلك تمسّك الشيخ المظفّرقدسسره بتكذيبه إلّا أنّ هذه الجملة مذكورة بعينها في حديث آخر من صحيح البخاري ، وإنّما ألحقها الفضل منه ، وهو غير محلّ النزاع ، فلم يك أمينا في ما نقله! فانظر : صحيح البخاري ٢ / ٦٨ ح ٣٤!
وانظر : صحيح البخاري ٢ / ٥٤ ح ٢ ، صحيح مسلم ٣ / ٢٢ ، الجمع بين الصحيحين ـ للحميدي ـ ٤ / ٥٣ ح ٣١٦٨.
لذلك أقلّ منافيات المروءة فضلا عن مثل الرقص مع النساء!
وأمّا التشريع ، فلا يصلح أن يكون داعيا لفعل المنافي مع إمكان البيان اللفظي ، كما لا يصلح أن يكون داعيا له إرادة إيمان الناس ؛ لأنّ فعل المنافي مبعّد عنه لا مقرّب له ، حتّى لو أوجب الألفة ، فإنّ الألفة لا توجب الاعتقاد ، ولو سلّم إيجابها له في الجملة فخطر المنافي للمروءة أعظم.
وأمّا استشهاده بالبيت ، ففي محلّه ؛ لأنّا سخطنا على أخبارهم لكذب رواتها واشتمالها على المناكير والأضاليل فأبدينا بعض مساويها ، وأمّا هم فرضوا بها على علّاتها ، فعميت عيون قلوبهم عن معايبها وإن أوهنت مقام النبوّة ، بل ومقام الربوبية! كما ستعرف إن شاء الله تعالى.
* * *
قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :
وفي الصحيحين : إنّ ملك الموت لمّا جاء لقبض روح موسى لطمه موسى ففقأ عينه(٢) .
فكيف يجوز لعاقل أن ينسب موسى ـ مع عظمته ، وشرف منزلته ، وطلب قربه من الله تعالى والفوز بمجاورة عالم القدس ـ إلى هذه الكراهة؟!
وكيف يجوز منه أن يوقع بملك الموت ذلك ، وهو مأمور من قبل الله تعالى؟!
* * *
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٥٢.
(٢) صحيح البخاري ٢ / ١٩١ ح ٩٥ وج ٤ / ٣٠٦ ح ٢٠٧ ، صحيح مسلم ٧ / ١٠٠ ؛ وانظر : سنن النسائي ٤ / ١١٨ ـ ١١٩ ، مسند أحمد ٢ / ٢٦٩ و ٣١٥ و ٣٥١ ، المصنّف ـ لعبد الرزّاق ـ ١١ / ٢٧٤ ح ٢٠٥٣٠ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ ١ / ٢٦٦ ذ ح ٥٩٩ ، مسند أبي عوانة ١ / ١٦٠ ح ٤٦٤ ، مصابيح السنّة ٤ / ٢٣ ـ ٢٤ ح ٤٤٤٠.
وقال الفضل(١) :
الموت بالطبع مكروه للإنسان ، وكان موسى رجلا حادّا كما جاء في الأخبار والآثار ، فلمّا صحّ الحديث وجب أن يحمل على كراهته للموت ، وبعثته الحدّة على أن لطم ملك الموت ، كما أنّه ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه ، وهذا الاعتراض وارد على ضرب هارون وكسر ألواح التوراة التي أعطاه الله إيّاها هدى ورحمة ، ويمكن أن يقال : كيف يجوز أن ينسب إلى موسى إلقاء الألواح ، وطرح كتاب الله ، وكسر لوحه ، إهانة لكتاب الله؟! وكيف يجوز له أن يضرب هارون وهو نبيّ مرسل؟!
وكلّ هذه عند أهل الحقّ محمول على ما يعرض البشر من صفات البشرية ، وليس فيه قدح في ملكة عصمة الأنبياء.
وأمّا عند ابن المطهّر فهي محمولة على ذنوب الأنبياء
ولو لم يكن القرآن متواترا ، ونقل لابن المطهّر الحلّي أنّ موسى ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه ، لكان ينكر هذا ويعترض بمثل هذه الاعتراضات ، فلو أنّه أنصف من نفسه يعلم ما نقوله في تعصّبه حقّ.
* * *
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٢٤٣.
وأقول :
كان موسىعليهالسلام شديد الغضب لله تعالى ، ولم يكن حادّا تخرجه الحدّة إلى غضب الله عليه.
وقوله : « فلمّا صحّ الحديث » إلى آخره ، باطل
إذ كيف يصحّ حديث يرويه الكذبة عن أبي هريرة الخرافي الكذوب ، وهو يشتمل على ما يحيله العقل؟! فإنّ الأنبياءعليهمالسلام معصومون عن الذنوب ، لا سيّما الكبائر بإقرار الخصم ، ولا سيّما مثل هذه الجناية الكبرى على أحد عظماء الملائكة ، ورسول الله العامل بأمره ، إن صحّ عقلا أن يقع مثلها على الملائكة الروحانيّين.
ولو سلّم جواز وقوع مثل هذه الكبيرة منهم ، فأيّ عاقل يجوّز على موسى ـ مع عظم شأنه ـ أن يكره الانتقال إلى عالم الكرامة والرحمة ، وهو الهادي والداعي إليه ، والعالم بما أعدّ الله فيه لأوليائه؟!
ولو سلّم خوفه من الموت وكراهته له ، فأيّ عاقل يجوّز قلع عين ملك الموت مع روحانيّته وشفافيّته بلطمة بشر؟!
ولو سلّم أنّه تصوّر له بصورة شخص تؤثّر فيه اللطمة ، فكيف يقدر موسى عليه وهو على شفا جرف الموت ، وملك الموت بقوّته العظمى مؤيّدا بالقدرة الربّانية التي يتسلّط بها على نفوس العالمين بلا كلفة ومقاومة؟!
ويا للعجب! كيف ضيّع الله حقّ الملك المرسل بأمره ولم يقاصّه من
موسى ، والقصاص حقّ ثابت في القرآن والتوراة ، بل لم يعاقبه أصلا ، وأكرمه حيث خيّره بين الموت والحياة؟! فهل عند الله هوادة ، أو يختلف حكمه في بريّته؟!
هذا ، وقد حمل بعضهم الحديث على المدافعة عن نفسه ، بدعوى أنّ الملك تصوّر له بصورة إنسان معتد عليه يريد إهلاكه ، فلا معصية منه!(١)
وفيه : إنّه لا يلائم ما في تمام الحديث : فقال : « أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت وقد فقأ عيني »(٢) ، فإنّه يدلّ على شكايته منه والتعريض بذمّه بعدم إرادته للموت ، وهو لا يصحّ إذا كان مدافعا عن نفسه ؛ لوجوب المدافعة وإن أحبّ الموت.
على أنّه لا وجه لتصوّر ملك الموت بصورة معتد ، فإنّه من الحمق والجهل.
ودعوى الامتحان لا وجه لها(٣) ؛ لأنّه إن أريد الامتحان في حبّه للموت فهو لا يناسب تصوّره بصورة من تجب مدافعته ، وإن أريد الامتحان في مخالفة الواجب من المدافعة فهو لا يجامع القول بعصمته ، بل لا معنى لهذا الامتحان ؛ لأنّ كلّ إنسان يدافع بمقتضى طبعه عن نفسه حيث يمكن ، وإن لم تجب عليه المدافعة ، على أنّه لا يلائم التعبير بكراهة الموت إلى تمام الحديث
ويدلّ على معرفة موسى بملك الموت ، فلا يصحّ الحمل المذكور ،
__________________
(١) انظر : فتح الباري ٦ / ٥٤٦ ، إرشاد الساري ٧ / ٣٩٦.
(٢) تقدّم تخريج الحديث عن صحاح القوم ، فراجع الصفحة ٨٨ ه ٢.
(٣) فتح الباري ٦ / ٥٤٦ ـ ٥٤٧.
ما رواه مسلم بإحدى روايتيه عن أبي هريرة ، قال :
« جاء ملك الموت إلى موسىعليهالسلام فقال : أجب ربّك.
فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها!
قال : فرجع الملك إلى الله عزّ وجلّ ، فقال : إنّك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت ، وقد فقأ عيني.
قال : فردّ الله إليه عينه وقال : ارجع إلى عبدي فقل له : الحياة تريد؟
فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور ، فما توارت يدك من شعره فإنّك تعيش بها سنة.
قال : ثمّ مه؟
قال : ثمّ الموت.
قال : فالآن يا ربّ من قريب »(١) .
فإنّ قوله : « أجب ربّك » دالّ على معرفة موسى بملك الموت ، وإنّه ليس من المعتدين.
وأصرح من هذه الرواية ما رواه أحمد عن أبي هريرة(٢) ، قال :
« كان ملك الموت يأتي الناس عيانا ، فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه ، فأتى ربّه فقال : يا ربّ! عبدك موسى فقأ عيني ، ولو لا كرامته عليك
__________________
(١) ونحوه في مسند أحمد ٢ / ٢٦٩ و ٣١٥ و ٣٥١. منهقدسسره .
وانظر : صحيح مسلم ٧ / ١٠٠ ، وقد تقدّم تخريجه مفصّلا في الصفحة ٨٨ ه ٢ ، فراجع.
(٢) مسند أحمد ٢ / ٥٣٣. منهقدسسره .
وانظر : مجمع الزوائد ٨ / ٢٠٤ ـ ٢٠٥ عن أحمد والبزّار.
لعنفت به(١) » الحديث.
ثمّ إنّهم ذكروا في توجيه الحديث أمورا أخر تشبه الخرافة
منها : إنّ موسى أراد إظهار وجاهته عند الملائكة ؛ فإنّ فعل الحرام مناف لدعوى الوجاهة عند الله تعالى ، وهذه الإرادة بهذا الفعل الخاسر أولى أن تقع من الحمقاء السافلين ، لا من الأنبياء والمرسلين!
ومنها : إنّه وقع من غير اختياره ؛ لأنّ للموت سكرات ؛ وكأنّ هذا التوجيه مأخوذ من قول عمر : « إنّ النبيّ ليهجر »(٢) !
__________________
(١) عنف به وعليه : إذا لم يكن رفيقا في أمره ؛ انظر : لسان العرب ٩ / ٤٢٩ مادّة « عنف ».
(٢) روى الجمهور هذا القول بألفاظ متعدّدة ، وعمّوا على اسم قائله في بعضها ، والهدف من ذلك غير خاف
* فقد روي بلفظ : « قالوا : هجر رسول الله! » كما في صحيح البخاري ٤ / ١٦٢ ح ٢٥١
* وبلفظ : « وقالوا : ما شأنه؟! أهجر؟! » و « فقالوا : إنّ رسول الله يهجر! » كما في : صحيح مسلم ٥ / ٧٥ ـ ٧٦ ، مسند أحمد ١ / ٢٢٢ و ٣٥٥ ، مصنّف عبد الرزّاق ٦ / ٥٧ ح ٩٩٩٢ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٢ / ١٨٧ ـ ١٨٨ ، تاريخ الطبري ٢ / ٢٢٨
* وبلفظ : « قال عمر كلمة معناها أنّ الوجع قد غلب على رسول اللهصلىاللهعليهوآله » كما في شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٦ / ٥١
* وبلفظ : « قال عمر : إنّ النبيّ غلبه الوجع » و « فقال عمر : إنّ النبيّ قد غلب عليه الوجع » كما في صحيح البخاري ١ / ٦٥ ـ ٦٦ ح ٥٥ وج ٧ / ٢١٩ ح ٣٠ ، صحيح مسلم ٥ / ٧٦ ، مسند أحمد ١ / ٣٢٤ ـ ٣٢٥ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٢ / ١٨٨ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٨ / ٢٠١ ح ٦٥٦٣ ، الملل والنحل ـ للشهرستاني ـ ١ / ١٢
* وبلفظ : « قال عمر : دعوا الرجل فإنّه ليهجر » كما في سرّ العالمين ـ المطبوع ضمن مجموعة رسائل الغزّالي ـ : ٤٥٣.
وسيأتي تفصيل ذلك في محلّه.
وكيف يناسب ذلك تمام الحديث وشكاية ملك الموت منه؟!
وهل هذا الموجّه أعرف بحال موسى من ملك الموت؟!
ومنها : إنّ المراد صكّه بالحجّة وفقأ عين حجّته(١) ؛ ولا أعلم أيّ مباحثة وقعت بينهما ضلّ فيها ملك الموت؟!
وكيف يجتمع هذا مع قوله : « فردّ الله عليه عينه »(٢) إلى آخر الفقرات؟!
وأمّا ما ذكره من النقض بقصّة الألواح ؛ فهو وارد عليه أيضا ؛ لأنّ إلقاءها وكسرها إهانة لكتاب الله [ و ] كفر لا يقوله الخصم ، بل لو لم يقصد به الإهانة كان كبيرة كضرب النبيّ ، وهو يقول بعصمتهم عن الكبائر!
وأمّا ما حمله عليه ؛ فإن أراد به ما يعرض البشر من دون شعور ، فهو من أعظم النقص ، وتجويزه على الأنبياء رافع للثقة بهم ، وهل هذا إلّا كما ذمّ الله عليه الكافرين إذ قالوا :( إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) (٣) ؟! فإنّ سلب الشعور إن لم يكن جنونا فهو بمنزلته ، ولو جاز ، لجاز الجنون عليهم ؛ لأنّه ممّا يعرض البشر أيضا!
وإن أراد به ما لا يسلب معه الشعور ، فتلك الأفعال كبيرة ، والأنبياء معصومون عنها ، بل إذا كان الإلقاء بقصد الإهانة يكون كفرا!
ومن الغريب أنّ الخصم بظاهر كلامه خصّ الحمل عند أصحابه بذلك ، مع أنّه في كلّ ما سبق من المباحث عيال على « المواقف » وشرحها ، وهما لم يذكرا هذا! وإنّما ذكرا وجوها أخر :
__________________
(١) فتح الباري ٦ / ٥٤٧.
(٢) انظر : صحيح مسلم ٧ / ١٠٠.
(٣) سورة الحجر ١٥ : ٦.
منها : ما اختاره صاحب « المواقف » ، وهو أنّ فعل موسى بأخيه لم يكن على سبيل الإيذاء ، بل أراد أن يدنيه لنفسه ليتفحّص منه عن حقيقة الحال ، فخاف هارون أن يعتقد بنو إسرائيل خلافه(١) ، فقال :( تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ) (٢) الآية.
وهذا الحمل منقول عن السيّد المرتضى(٣) وأنّ الرازي استحسنه(٤) .
ومنها : إنّ موسى لمّا رأى جزع أخيه واضطرابه من قومه أخذه ليسكّن من قلقه(٥) .
ومنها : إنّ موسى لمّا غلب عليه الهمّ [ واستيلاء الفكر ] أخذ برأس أخيه لا على طريق الإيذاء ، بل كما يفعل الإنسان بنفسه من عضّ يده وشفته وقبض لحيته ، إلّا أنّه نزّل أخاه منزلة نفسه ، لأنّه شريكه في ما يناله من خير أو شرّ(٦) .
ثمّ قال الشارح : « قال الآمدي : لا يخفى بعد هذه التأويلات وخروجها عن مذاق العقل »(٧) .
ولم يذكر الشارح لنفسه شيئا وكأنّه على مذاق الآمدي ، وهو في محلّه لبعد هذه الوجوه جدّا ، مع أنّها لا ترفع إشكال إلقاء الألواح
__________________
(١) المواقف : ٣٦٣ ، وانظر : شرح المواقف ٨ / ٢٧٢.
(٢) سورة طه ٢٠ : ٩٤.
(٣) تنزيه الأنبياء : ١١٧.
(٤) تفسير الفخر الرازي ٢٢ / ١٠٩ ، الأربعين في أصول الدين ٢ / ١٤٦ ، عصمة الأنبياء : ٨٤.
(٥) شرح المواقف ٨ / ٢٧٢ ، وانظر : تنزيه الأنبياء ـ للمرتضى ـ : ١١٧.
(٦) شرح المواقف ٨ / ٢٧٢ ، وانظر : تنزيه الأنبياء ـ للمرتضى ـ : ١١٦.
(٧) شرح المواقف ٨ / ٢٧٢.
والأولى في الجواب أنّ بني إسرائيل لمّا كفروا واتّخذوا العجل ، أراد موسىعليهالسلام أن يبيّن لهم عظيم جرمهم وشديد سخطه عليهم ، فألقى الألواح الكريمة إظهارا للضجر من فعلهم ، وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه مع علمه ببراءة ساحته ، تفظيعا لعملهم ، وتنبيها لهم على سوء ما أتوا به ، وعلى مساءته منهم من باب : إيّاك أعني واسمعي يا جارة(١) ، كما هو في القرآن كثير ، قال تعالى :( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) (٢) ، مع علمه سبحانه بأنّه معصوم عن الشرك وقال تعالى :( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ) (٣) الآية
فيكون فعل موسى لمصلحة انزجارهم عن الكفر حتّى أظهر لأخيه أنّه ينبغي مفارقتهم واتّباعه له لعظيم ما جاءوا به ، فيكون فعله راجحا لا حراما ، بخلاف فقء عين ملك الموت ، فإنّه لا مصلحة فيه البتّة!
واعلم أنّه ليس في الآية الكريمة أنّ موسى كسر الألواح وضرب أخاه كما ادّعاه الخصم ، ولكن حمله على ذلك هضم الحقّ والتهويل على الغافلين.
وأمّا قوله : « وأمّا عند ابن المطهّر فهي محمولة على ذنوب الأنبياء »
ففيه : إنّ الطاهر ابن المطهّر لا ينكر إلّا ما هو صريح بالذنب والجهل ، كرواية فقء عين ملك الموت ، لا على ما يقرّب فيه التوجيه ويتّضح فيه الحمل كالآية الشريفة ، فتدبّر واستقم!
__________________
(١) مجمع الأمثال ١ / ٨٠ رقم ١٨٧.
(٢) سورة الزمر ٣٩ : ٦٥.
(٣) سورة الحاقّة ٦٩ : ٤٤.
قال المصنّف ـ رفع الله درجته ـ(١) :
وفي « الجمع بين الصحيحين » أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال في صفة الخلق يوم القيامة : « وإنّهم يأتون آدم ويسألونه الشفاعة فيعتذر إليهم ، فيأتون نوحا فيعتذر إليهم ، فيأتون إبراهيم فيقولون : يا إبراهيم! أنت نبيّ الله وخليله ، اشفع لنا إلى ربّك ، أما ترى ما نحن فيه؟! فيقول لهم : إنّ ربّي قد غضب غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولم يغضب بعده مثله ، وإنّي قد كذبت ثلاث كذبات ، نفسي نفسي ، إذهبوا إلى غيري »(٢) .
وفي « الجمع بين الصحيحين » أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : « لم يكذب إبراهيم النبيّ إلّا ثلاث كذبات »(٣) .
كيف يحلّ لهؤلاء نسبة الكذب إلى الأنبياء؟!
وكيف الوثوق بشرائعهم مع الاعتراف بتعمّد كذبهم؟!
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٥٢.
(٢) الجمع بين الصحيحين ٣ / ١٦٤ ـ ١٦٦ ح ٢٣٨٨ ؛ وانظر : صحيح البخاري ٤ / ٢٧٠ ح ١٤٣ وص ٢٨١ ح ١٦٤ وج ٦ / ١٥٧ ـ ١٥٩ ح ٢٣٣ ، صحيح مسلم ١ / ١٢٧ ـ ١٢٨ ، سنن الترمذي ٥ / ٢٨٨ ح ٣١٤٨ ، مسند أحمد ٢ / ٤٣٥ ـ ٤٣٦ وج ٣ / ٢٤٤ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤١٥ ح ٣٦ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم _ : ٣٦٥ ـ ٣٦٦ ح ٨١١ ، التوحيد ـ لابن خزيمة ـ : ٢٤٢ ـ ٢٤٣ ، مسند أبي عوانة ١ / ١٤٧ ـ ١٥٠ ح ٤٣٧ ـ ٤٤٠.
(٣) الجمع بين الصحيحين ٣ / ١٨٤ ح ٢٤١٥ ؛ وانظر : صحيح البخاري ٤ / ٢٨٠ ح ١٦١ وج ٧ / ٩ ح ٢٢ ، صحيح مسلم ٧ / ٩٨ ، سنن أبي داود ٢ / ٢٧٢ ح ٢٢١٢ ، سنن الترمذي ٥ / ٣٠٠ ـ ٣٠١ ح ٣١٦٦ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٩٨ ح ٨٣٧٤ و ٨٣٧٥ ، مسند أحمد ٢ / ٤٠٣ ، مسند أبي يعلى ١٠ / ٤٢٦ ـ ٤٢٨ ح ٦٠٣٩ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٧ / ٣٦٦.
وقال الفضل(١) :
قد عرفت في ما مضى أنّ الإجماع واقع على وجوب عصمة الأنبياء عن الكذب(٢) .
وأمّا الكذبات المنسوبة إلى إبراهيم لما صحّ الحديث ، فالمراد منه صورة الكذب لا حقيقته ، كما قال :( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ) (٣)
وكان مراده إلزامهم ونسبة الفعل إلى كبيرهم ؛ لأنّ الفأس الذي كسّر به الأصنام وضعه على رقبة كبير الأصنام ، فالكذب المؤوّل ليس كذبا في الحقيقة ، بل هو صورة الكذب إذا كان التأويل ظاهرا ، وهذا لا بأس به عند وقوع الضرورة.
* * *
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٢٤٨.
(٢) تقدّم في الصفحة ٢٠ من هذا الجزء.
(٣) سورة الأنبياء ٢١ : ٦٣.
وأقول :
سبق أنّ أكثرهم أجازوا صدور الكبائر عن الأنبياء سهوا قبل النبوّة وبعدها ، وعمدا قبلها ، وأنّ بعضهم أجاز صدورها عمدا بعدها ، ومنها الكذب في غير التبليغ ، بل أجاز بعضهم صدور الكفر عنهم لله(١)
وقد نقل الخصم هناك بعض ذلك(٢) ، فكيف يزعم هنا الإجماع على عصمتهم عن الكذب؟!
وأمّا ما زعمه من أنّ المراد صورة الكذب ، فلا يلائم الحديث ، ولنذكره لتتّضح الحال
روى البخاري في كتاب تفسير القرآن ، في سورة بني إسرائيل ، عن أبي هريرة ما ملخّصه :
إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « أنا سيّد الناس يوم القيامة ، وهل تدرون ممّ ذلك؟! يجمع الله الناس الأوّلين والآخرين في صعيد واحد ، وتدنو الشمس ، فيبلغ الناس من الغمّ والكرب ما لا يطيقون ، فيقول الناس : ألا ترون ما قد بلغكم؟! ألا تنظرون من يشفع إلى ربّكم؟!
فيقول بعض الناس لبعض : عليكم بآدم ؛ فيأتونه ، فيعتذر بأنّ الله سبحانه نهاه عن الشجرة فعصاه
ويأتون نوحا بأمر آدم ، فيعتذر بأنّ له دعوة على قومه
__________________
(١) ( لله ) راجع الصفحتين ١٧ و ٣٠ من هذا الجزء.
(٢) راجع الصفحتين ٢٠ ـ ٢١.
ويأتون إبراهيم بأمر نوح ، فيعتذر بأنّه كذب ثلاث كذبات
ويأتون موسى بأمر إبراهيم ، فيعتذر بأنّه قتل نفسا لم يؤمر بقتلها
ويأتون عيسى بأمر موسى ، فيعتذر
ثمّ قال : ولم يذكر ذنبا »(١) .
وهذا صريح بأنّ تلك الأمور الواقعة من الأنبياء الأوّل ذنوب ، وبعضها من الكبائر ، كالكذب وقتل النفس.
ومن المعلوم أنّ صورة الكذب ليست ذنبا إذا أدّت إليها الضرورة الدينية ، بل هي طاعة عظمى.
وقد صرّح أيضا بأنّ إبراهيم صاحب خطيئة حديث آخر رواه البخاري عن أنس في أواخر « كتاب الرقاق » ، وحديث رواه عنه أيضا في « كتاب التوحيد » في باب قول الله تعالى :( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ) (٢) قال فيهما ما حاصله :
« يجمع الله الناس يوم القيامة فيقولون : لو استشفعنا إلى ربّنا؟
فيأتون آدم ، ثمّ نوحا ، ثمّ إبراهيم ، ثمّ موسى ، فيقول كلّ منهم : لست هناك ؛ ويذكر خطيئته »(٣) .
__________________
(١) تقدّم تخريجه في الصفحة ٩٧ ه ٢ و ٣.
(٢) سورة القيامة ٧٥ : ٢٢ و ٢٣.
(٣) صحيح البخاري ٨ / ٢٠٩ ح ١٤٩ وج ٩ / ٢١٧ ح ٣٩ باب قول الله تعالى :( لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ ) ، صحيح مسلم ١ / ١٢٤ ـ ١٢٦ ،مسند أحمد ٣ / ١١٦ و ٢٤٤ و ٢٤٧ ، مسند أبي يعلى ٥ / ٣٩٦ ـ ٣٩٨ ح ٣٠٦٤ ، المصنّف ـ لابن أبي شيبة ـ ٧ / ٤١٦ ـ ٤١٨ ح ٣٧ و ٣٩ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٣٦٠ ـ ٣٦٥ ح ٨٠٤ ـ ٨١٠ وص ٣٦٧ ـ ٣٧٤ ح ٨١٢ ـ ٨١٧ ، التوحيد ـ لابن خزيمة ـ : ٢٤٨ ـ ٢٥٠ و ٢٥٣ ـ ٢٥٤ ، مسند أبي عوانة ١ / ١٥١ ـ ١٥٤ ح ٤٤٣ ـ ٤٤٧ ، الجمع بين الصحيحين ـ للحميدي ـ ٢ / ٥٤٥ ح ١٩٠٢.
وما أدري كيف تتصوّر الخطيئة من نوح في دعائه ، وهو إنّما دعا على الكافرين الّذين لا يلدون إلّا فاجرا كفّارا؟!
ودعوى أنّ خطيئته لنسبته ذلك إليهم كذبا ، باطلة ، إذ لو سلّم عدم إضلالهم وأنّهم يلدون مؤمنا ، فنسبة ذلك إن صدرت منه خطأ فلا خطيئة له ، وإن صدرت عمدا كانت له خطيئتان : الكذب والدعوة على من لا يستحقّ ، لا خطيئة واحدة كما يظهر من الأخبار هذه!
وممّا ينكره العقل على هذه الأحاديث :
أوّلا : إعراض المسلمين عن طلب الشفاعة من نبيّهم وهم يعتقدون أنّه سيّد الأنبياء ، وعدول من عدا عيسى من هؤلاء الأنبياء عن نبيّناصلىاللهعليهوآله وهم يعلمون أنّه أولى بالشفاعة.
كما ينكر العقل عليها ثانيا : مخاطبة الناس بعضهم بعضا ، وطلبهم الرأي وهم في حال الشدّة وقد دنت الشمس منهم ، والله سبحانه يقول :( يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ ) (١) .
وأيضا فقد نسب في حديثي أنس إلى النبيّصلىاللهعليهوآله رؤية الله(٢) ، وقد عرفت امتناعها(٣) .
ونسب إليه في حديث أنس بكتاب التوحيد ، أنّه قال : « فأستأذن
__________________
(١) سورة الحجّ ٢٢ : ٢.
(٢) انظر الهامش رقم ٣ من الصفحة السابقة ، عن البخاري وغيره.
(٣) راجع ج ٢ / ٤٧ و ١١٠ فما بعدها من هذا الكتاب.
على ربّي في داره »(١) فأثبت له المكان ، وهو يوجب الإمكان.
واعلم أنّا نعتقد أنّ إبراهيمعليهالسلام لم يكذب قطّ حتّى بقوله :( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ) (٢)
إمّا لكونه ليس من باب الإخبار الحقيقي ، بل من باب التبكيت والإلزام لهم بالحجّة على بطلان مذهبهم وعبادتهم لما لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضرّا ، كما يشهد له قوله :( فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ) (٣) .
وإمّا للاشتراط بقوله :( إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ) ؛ لدلالته على أنّ إخباره مقيّد به بناء على كونه شرطا لقوله :( فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ) .
ولكنّ الكلام في أحاديث القوم الدالّة على الكذب الحقيقي من إبراهيمعليهالسلام ، وأنّ خطيئته تمنعه من الشفاعة.
نعم ، للبخاري في « كتاب بدء الخلق » ، ولمسلم في « باب فضائل إبراهيم » ، رواية تدلّ على أنّ كذبتين من الثلاث حقيقيّتان ، إلّا أنّهما في ذات الله! والثالثة بصورة الكذب لمصلحة شرعية(٤) !
وهذه الرواية لا توجب صرف روايات الشفاعة عن ظاهرها من الخطيئة ، بل تنافيها وتضادّها ، وإلّا فما معنى اعتذار إبراهيم عن الشفاعة بالكذب والخطيئة إذا كان كذبه في ذات الله ، أو صوريّا لمصلحة شرعية؟!
__________________
(١) الجمع بين الصحيحين ـ للحميدي ـ ٢ / ٥٤٨ ذ ح ١٩٠٢ ، وانظر : صحيح البخاري ٩ / ٢١٧ ـ ٢١٨ ح ٣٩ ، مسند أحمد ٣ / ٢٤٤ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٣٦٠ ح ٨٠٤ ، التوحيد ـ لابن خزيمة ـ : ٢٤٨.
(٢) سورة الأنبياء ٢١ : ٦٣.
(٣) سورة الأنبياء ٢١ : ٦٣.
(٤) صحيح البخاري ٤ / ٢٨٠ ح ١٦١ كتاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، صحيح مسلم ٧ / ٩٨ ؛ وقد تقدّم ذلك عنهما وعن غيرهما في الصفحة ٩٧ من هذا الجزء.
قال المصنّف ـ طاب ثراه ـ(١) :
وفي « الجمع بين الصحيحين » أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « نحن أحقّ بالشكّ من إبراهيم إذ قال :( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) (٢) ، ويرحم الله لوطا ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد ، ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي »(٣) .
كيف يجوز لهؤلاء الاجتراء على النبيّ بالشكّ في العقيدة؟!
* * *
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٥٣.
(٢) سورة البقرة ٢ : ٢٦٠.
(٣) الجمع بين الصحيحين ٣ / ٤٥ ح ٢٢٢٥ ، وانظر : صحيح البخاري ٤ / ٢٩٠ ح ١٧٤ وج ٦ / ٦٧ ح ٦٠ ، صحيح مسلم ١ / ٩٢ وج ٧ / ٩٨ ، سنن ابن ماجة ٢ / ١٣٣٥ ح ٤٠٢٦ ، مسند أحمد ٢ / ٣٢٦ ، مسند أبي عوانة ١ / ٧٧ ـ ٧٨ ح ٢٣٠ ـ ٢٣٢ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٨ / ٣٠ ح ٦١٧٥.
وقال الفضل(١) :
كان من عادة النبيّصلىاللهعليهوآله التواضع مع الأنبياء كما قال : « لا تفضّلوني على يونس بن متّى »(٢)
وقال : « لا تفضّلوني على موسى »(٣) .
وقد ذكر في هذا الحديث فضائل الأنبياء ، فذكر ثبات إبراهيم في الإيمان ، والمراد بالحديث أنّ إبراهيم مع ثباته في الإيمان وكمال استقامته في إثبات الصانع ، كان يريد الاطمئنان ويقول :( وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) (٤) ، فغيره أحقّ بهذا التردّد الذي يوجب الاطمئنان.
وأمّا الترحّم على لوط فهو أمر واقع ، فإنّ لوطا كان يأوي إلى ركن شديد كما قال :( آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) (٥) ، فترحّم رسول اللهصلىاللهعليهوآله له لكونه كان ضعيفا ، وليس فيه الدلالة على أنّهصلىاللهعليهوآله عاب لوطا في إيوائه إلى ركن شديد.
وأمّا قوله : « لو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي »
ففيه : وصف يوسف بالصبر والتثبّت في الأمور ، وأنّه صبر مع طول
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٢٥١.
(٢) انظر : الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١ / ٢٢٦ ، البداية والنهاية ١ / ٢١٣ ، إتحاف السادة المتّقين ٢ / ١٠٥.
(٣) صحيح البخاري ٣ / ٢٤٣ ح ٢ ، صحيح مسلم ٧ / ١٠١.
(٤) سورة البقرة ٢ : ٢٦٠.
(٥) سورة هود ١١ : ٨٠.
السجن حتّى تبيّن أمره.
فانظروا معاشر الناظرين : هل في هذه الأمور يرجع عيب وشين إلى الأنبياء ، مع أنّ الحديث صحّ وهو يطعن في قول النبيّصلىاللهعليهوآله ؟!
نعوذ بالله من رأيه الفاسد.
* * *
وأقول :
لا ريب بتواضع النبيّصلىاللهعليهوآله مع المؤمنين فضلا عن النبيّين ، لكن لا وجه للتواضع المدّعى مع إبراهيم ويوسف ، إذ لا يصحّ تواضع الشخص بإثباته لنفسه أمرا قبيحا ، كقول الشخص : أنا فاسق ، أو نحوه.
وقول النبيّ : « نحن أحقّ بالشكّ من إبراهيم » فإنّ الشكّ في الصانع والحشر أعظم الأمور نقصا ومباينة لمن هو في محلّ الدعوة إلى الإقرار بالصانع والحشر.
وقريب منه قول النبيّصلىاللهعليهوآله : « لو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي » ، فإنّه دالّ على قلّة صبر النبيّصلىاللهعليهوآله وحكمته بالنسبة إلى يوسف ، وهو لا يلائم دعوته إلى مكارم الأخلاق والصبر الكامل والتسليم
فإنّهصلىاللهعليهوآله إذا جعل نفسه أدنى صبرا من يوسف الذي توسّل غفلة إلى خلاصه من السجن بمخلوق ، فقال :( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) (١) ، لما ناسب طلبه من الناس الصبر الأعلى ، والتسليم لأمر الله في كلّ شيء ، والاستعانة بالله لا بغيره في كلّ أمر.
كما إنّ تواضع النبيّصلىاللهعليهوآله الذي ذكره الخصم مع موسى ويونس كاذب ، وإلّا كان النبيّصلىاللهعليهوآله متناقض القول ؛ لأنّه يقول في مقامات أخر :
__________________
(١) سورة يوسف ١٢ : ٤٢.
«أنا سيّد ولد آدم »(١)
ويقول : «إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيّين ، وخطيبهم ، وصاحب شفاعتهم غير فخر »(٢)
ويقول : «أنا سيّد الناس يوم القيامة »(٣) .
وكذا في الحديث السابق الذي ذكر فيه اعتذار أعاظم الأنبياء عن الشفاعة.
وهذا الذي زعم الخصم تواضع النبيّصلىاللهعليهوآله فيه مع موسى قد رواه القوم بقصّة ظاهرة الكذب ؛ لأنّهم زعموا فيها أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله أنكر على من فضّله على موسى ، وأنّه أظهر بمحضر اليهودي الشكّ في فضله على موسى ، مستندا إلى أنّه ينفخ في الصور وأنّه أوّل من يبعث ، فإذا موسى آخذ بالعرش فلا يدري النبيّصلىاللهعليهوآله أحوسب موسى بصعقته في الطور ، أم بعث قبله؟!
__________________
(١) صحيح مسلم [ ٧ / ٥٩ ] كتاب الفضائل / باب تفضيل نبيّناصلىاللهعليهوآله . منهقدسسره .
وانظر : سنن أبي داود ٤ / ٢١٧ ـ ٢١٨ ح ٤٦٧٣ ، سنن الترمذي ٥ / ٢٨٨ ح ٣١٤٨ وص ٥٤٨ ح ٣٦١٥ ، مسند أحمد ١ / ٢٨١ و ٢٩٥ وج ٢ / ٥٤٠ وج ٣ / ٢ ، التاريخ الكبير ـ للبخاري ـ ٧ / ٤٠٠ رقم ١٧٤٨.
(٢) مسند أحمد ٥ / ١٣٧ و ١٣٨. منهقدسسره .
وانظر : سنن الترمذي ٥ / ٥٤٧ ذ ح ٣٦١٣ ، سنن ابن ماجة ٢ / ١٤٤٣ ح ٤٣١٤ ، الكامل في الضعفاء ٤ / ١٢٩ ضمن الرقم ٩٦٩ ، المستدرك على الصحيحين ١ / ١٤٣ ح ٢٤٠ و ٢٤١ وج ٤ / ٨٨ ح ٦٩٦٩.
(٣) مسند أحمد ٥ / ٣٨٨. منهقدسسره .
وانظر كذلك : مسند أحمد ١ / ٢٨١ و ٢٩٥ وج ٢ / ٤٣٥ وج ٣ / ٢ و ١٤٤ ، صحيح البخاري ٦ / ١٥٧ ح ٢٣٣ ، صحيح مسلم ١ / ١٢٧ و ١٢٩ ، سنن الترمذي ٤ / ٥٣٨ ح ٢٤٣٤ ، مسند أبي عوانة ١ / ١٤٧ ـ ١٤٩ ح ٤٣٧ ـ ٤٤٠ ، المستدرك على الصحيحين ١ / ٨٣ ح ٨٢ وج ٤ / ٦١٧ ـ ٦١٨ ح ٨٧١٢.
وهذا إغراء لليهودي بالجهل! حيث ادّعى أنّ الله اصطفى موسى على البشر ، فلا يمكن أن يصدر من النبيّصلىاللهعليهوآله !
روى ذلك مسلم في باب فضائل موسى ، والبخاري في أوّل أبواب الخصومات بعد كتاب المساقاة ، وفي تفسير سورة الأعراف ، وفي كتاب بدء الخلق(١) .
وأمّا قوله : « وقد ذكر في هذا الحديث فضائل الأنبياء »
ففيه : إنّا لا نعرف فضيلة ذكرت فيه لإبراهيم ولوط
أمّا لإبراهيم ؛ فلأنّه لم يشتمل بالنسبة إليه إلّا على إثبات الشكّ له في الحشر ، ولا أقلّ من دلالته على أنّه ضعيف اليقين ، وذلك مباين للنبوّة ، ومناف لقوله تعالى :( وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ ) (٢) وقوله تعالى :( وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) (٣) .
والحقّ أنّ إبراهيمعليهالسلام لم يطلب الاطمئنان بالحشر ، بل بغيره(٤) ، أو
__________________
(١) صحيح مسلم ٧ / ١٠١ ، صحيح البخاري ٣ / ٢٤٣ ح ٢ و ٣ وج ٤ / ٣٠٧ ح ٢٠٨ وج ٦ / ١١٤ ـ ١١٥ ح ١٦٠.
(٢) سورة الأنبياء ٢١ : ٥١.
(٣) سورة الأنعام ٦ : ٧٥.
(٤) ذكر في ذلك عدّة وجوه ، نذكر منها أنسبها بمقام خليل الرحمن إبراهيمعليهالسلام ونبوّته :
١ ـ سكون القلب إلى المشاهدة والمعاينة ، ليصير علم اليقين عين اليقين ، كما يحبّ المؤمن أن يرى الجنّة وهو مؤمن بها من قبل ، وذلك من دون تطرّق الشكّ أو الوساوس والخطرات أساسا كما ورد عن بعض المفسّرين ، فهذا ينافي العصمة
٢ ـ الاطمئنان من القتل وخوف انقطاع التبليغ بسبب ذلك بعد أن هدّده نمرود _
طلب الاطمئنان بالحشر لقومه بأن يكون خطابه مع الله مجاراة لهم لطلبهم له كقول موسى :( رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) (١) (٢) .
وأمّا عدم اشتماله على فضيلة للوط ؛ فلأنّ قول النبيّ : « ويرحم الله لوطا ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد »(٣) ، ظاهر في التعريض بلوط ، حيث قال :( لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) (٤) .
فإنّ قول لوط يدلّ على أنّه لم يأو إلى ركن شديد لمكان « لو » ، فعرّض به النبيّصلىاللهعليهوآله بأنّه كاذب ، لأنّه آوى ، أو بأنّه ضعيف القلب لا يرى الركن الشديد ركنا شديدا ، وكلاهما ذمّ لا فضيلة!
ومن المضحك أنّ الخصم استدلّ على إيوائه إلى ركن شديد بقوله في الآية :( آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) ، مع أنّ معناها : « لو آوي »!
وأيّ عيب يريد الخصم أن يشتمل عليه الحديث أكثر من الضعف الذي زعمه ، وهو مناف للإمامة فضلا عن النبوّة؟! حتّى إنّ الخصم بنفسه حكم في مبحث الإمامة بأنّه يشترط في الإمام أن يكون شجاعا قويّ القلب ، فكيف يجوز إثبات الضعف للنبيّ؟! وكيف يصحّ الحديث الدالّ على ذلك؟!
__________________
بذلك في المحاججة التي جرت بينهما في الإحياء والإماتة.
انظر مثلا : تفسير الثعلبي ٢ / ٢٥١ ـ ٢٥٢ ، تنزيه الأنبياء ـ للمرتضى ـ : ٥١ ، مجمع البيان ٢ / ١٧٧ ـ ١٧٨ الوجهين الأوّل والثالث ، تفسير الفخر الرازي ٧ / ٤٢ الوجهين الثاني والرابع ، عصمة الأنبياء ـ للفخر الرازي ـ : ٥٤ الوجه السادس.
(١) سورة الأعراف ٧ : ١٤٣.
(٢) انظر مثلا : تنزيه الأنبياء ـ للمرتضى ـ : ٥١.
(٣) تقدّم تخريجه في الصفحة ١٠٣ ه ٣.
(٤) سورة هود ١١ : ٨٠.
والحقّ أنّ ذلك القول من لوطعليهالسلام لم يكن عن ضعف منه ، وإنّما قاله لأنّ نظر الناس إلى القوّة التي يشاهدونها لا إلى الله تعالى ، فخاطبهم على حسب عقولهم ، أو لأنّه قال ذلك استفزازا لعشيرته واستنصارا بهم على الحقّ.
* * *
قال المصنّف ـ قدّس الله روحه ـ(١) :
وفي الصحيحين ، قال : « بينما الحبشة يلعبون عند النبيّصلىاللهعليهوآله بحرابهم ، دخل عمر فأهوى إلى الحصباء ، فحصبهم بها ، فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله دعهم يا عمر »(٢) .
وروى الغزّالي في « إحياء علوم الدين » : « إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله كان جالسا وعنده جوار يغنّين ويلعبن ، فجاء عمر فاستأذن ، فقال النبيّصلىاللهعليهوآله للجوار [ ي ] : اسكتن! فسكتن ، فدخل عمر وقضى حاجته ، ثمّ خرج
فقال لهنّ : عدن ؛ فعدن إلى الغناء.
فقلن : يا رسول الله! من هذا الذي كلّما دخل قلت : اسكتن ؛ وكلّما خرج قلت : عدن إلى الغناء؟!
قال : هذا رجل لا يؤثر سماع الباطل »(٣) .
كيف يحلّ لهؤلاء القوم رواية مثل ذلك عن النبيّصلىاللهعليهوآله ؟!
أيرى عمر أشرف من النبيّصلىاللهعليهوآله حيث لا يؤثر سماع الباطل والنبيّصلىاللهعليهوآله يؤثره؟!!
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٥٣.
(٢) صحيح البخاري ٤ / ١٠٦ ح ١١٣ ، صحيح مسلم ٣ / ٢٣ ، وانظر : الجمع بين الصحيحين ٣ / ٣٣ ح ٢٢١١ ، مسند أحمد ٢ / ٣٠٨ ، المصنّف ـ لعبد الرزّاق ـ ١٠ / ٤٦٦ ح ١٩٧٢٤ ، مسند أبي عوانة ٢ / ١٥٧ ـ ١٥٨ ح ٢٦٥٥ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٧ / ٥٤٤ ح ٥٨٣٧ ، شرح السنّة ٣ / ١٧٩ ح ١١١٢.
(٣) لم نجده في إحياء علوم الدين ـ المطبوع الموجود بين أيدينا ـ بهذا اللفظ ، ونقله عنه السيّد ابن طاووس في الطرائف : ٣٦٤.
وقال الفضل(١) :
أمّا لعب الحبشة بالحراب فإنّه كان يوم عيد ، وقد ذكرنا أنّه يجوز اللهو يوم العيد بالاتّفاق(٢) .
ويمكن أن يكون تجويز ذلك اللعب بالحراب ؛ لأنّه ينفع في الحرب ، وفيه المهارة من طعن الحربة وكيفية تعليمه وإلقائه في الحرب ، وكلّ ما كان من أمر الحرب فلا بأس به.
ويمكن أن يكون عمر لم يعلم جوازه فعلّمه النبيّصلىاللهعليهوآله .
وأمّا ما روي عن الغزّالي ، فإن صحّ يمكن حمله على جواز اللعب مطلقا ، أو في أيّام الأعياد ، وكان النبيّصلىاللهعليهوآله يسمعه لضرورة التشريع حتّى يعلم أنّ اللهو ليس بحرام ، وربّما كان عمر يمتنع منه ومكّنه على عدم السماع ، ليعلم أنّ الأولى تركه ، وسمع هو ـ كما ذكرنا ـ لضرورة التشريع ، فهل يلزم من هذا أن يكون عمر أشرف من النبيّصلىاللهعليهوآله وعمر من أمّته وممّن يتعلّم منه الشريعة؟!
* * *
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٢٥٧.
(٢) تقدّم في الصفحة ٧٦ من هذا الجزء.
وأقول :
دعواه أنّ ذلك اللعب كان يوم عيد ، رجم بالغيب ، ومجرّد ورود بعض أخبارهم في وقوع لعب يوم عيد لا يقتضي أن يكون هذا اللعب كذلك.
ومن نظر إلى أخبارهم الكثيرة في وقوع اللعب عند النبيّصلىاللهعليهوآله مع عدم تعيين وقت(١) ، علم أنّه لم يختصّ بوقت ، على أنّك عرفت حال ما استدلّوا به لحلّيّة اللهو في العيد(٢) .
وأمّا تعليله لحلّيّة اللعب في الحراب بنفعه في الحرب ، وأنّ كلّ ما كان من أمر الحرب فلا بأس به ، فدعوى مجرّدة عن دليل.
وأمّا عذره بأنّ عمر لا يعلم ، فمستلزم لأن يكون عمر ـ بحصبه للحبشة بمحضر النبيّصلىاللهعليهوآله ـ مقدّما بين يدي الله ورسوله ، وهو ممّا نهى الله عنه في كتابه العزيز(٣) .
ومن أظرف الأمور أنّه كلّما وردت رواية تتضمّن مثل ذلك يكون محلّها عند الخصم جهل عمر وتعليم النبيّصلىاللهعليهوآله إيّاه ، فهلّا علم جواز
__________________
(١) انظر : صحيح البخاري ٢ / ٥٤ ح ٢ ، صحيح مسلم ٣ / ٢٢ ، الجمع بين الصحيحين ـ للحميدي ـ ٤ / ٥٣ ح ٣١٦٨ ، سنن الترمذي ٥ / ٥٨٠ ح ٣٦٩٠ و ٣٦٩١ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٣٠٩ ح ٨٩٥٧ ، الكامل في الضعفاء ٣ / ٥١ رقم ٦٠٨ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٥٩ ح ٤٧٣٧ ، تاريخ دمشق ٤٤ / ٨٢ و ٨٤.
(٢) راجع ما مرّ في الصفحة ٧٨ وما بعدها من هذا الجزء.
(٣) وذلك قوله تعالى :( لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ ) سورة الحجرات ٤٩ : ١.
منه قدسسره .
اللهو في العيد من أوّل مرّة؟!
وأمّا جوابه عن رواية الغزّالي بأنّه يمكن حملها على جواز اللعب مطلقا
ففيه : إنّه لا يصحّ معارضة السنّة للكتاب المجيد بنحو المباينة(١) ، فكيف يحلّل اللهو بها مطلقا وقد حرّمه الكتاب كذلك؟!
وأمّا دعوى السماع لضرورة التشريع ، فقد عرفت ما فيها من منع الضرورة ؛ لعدم انحصار طريق التشريع بالسماع(٢) ، وكيف يسمعه النبيّصلىاللهعليهوآله والأولى ترك السماع بإقرار الخصم؟!
أيحتمل أن يمتنع عمر منه ويمكّنه النبيّصلىاللهعليهوآله من الامتناع ، ولا يمتنع عنه بنفسه الطاهرة وله عنه مندوحة بالتشريع القولي؟!
ولو توقّف تشريع جواز المكروهات على فعل النبيّصلىاللهعليهوآله لها ، للزم النبيّصلىاللهعليهوآله أن يأتي بكلّ مكروه ، كما يلزم أن يأتي بكلّ محرّم أبيح للضرورة ، كشرب الخمر ، فيضطرّه الله سبحانه إليه فيشربه تشريعا له ؛ ولم يقل به مسلم!
ولو سلّم حاجة النبيّصلىاللهعليهوآله إلى السماع للتشريع كفى سماعه أوّل مرّة ، فما باله يقول : « عدن » إذا خرج عمر؟! وما باله تكرّرت منه الوقائع الكثيرة كما تفيده أخبارهم؟!
ثمّ إنّ تعبير النبيّصلىاللهعليهوآله عن اللهو ب « الباطل » دليل على أنّه حرام لا مكروه ، فإنّ المكروه لا يسمّى باطلا ، فيلزم أن يكون النبيّصلىاللهعليهوآله عند
__________________
(١) وذلك لصدق المخالفة للكتاب إذا كان التعارض مستقرّا ولم يكن هناك ما يصلح لأن يكون قرينة على التخصيص أو التقييد ، فيجب طرحه.
(٢) راجع الصفحة ٨٧ من هذا الجزء.
القوم مرتكبا للحرام والباطل دون عمر ، وكذا عند عمر نفسه ، فيكون أفضل من النبيّصلىاللهعليهوآله وعلى الإسلام السلام!!
وقريب من رواية الغزّالي ما رواه أحمد ، عن الأسود بن سريع(١) ، قال : « أتيت النبيّصلىاللهعليهوآله فقلت : يا رسول الله! إنّي قد حمدت ربّي بمحامد ومدح وإيّاك.
قال : هات ما حمدت به ربّك.
قال : فجعلت أنشده ، فجاء رجل أدلم(٢) فاستأذن ، فقال النبيّصلىاللهعليهوآله : بين بين.
قال : فتكلّم ساعة ثمّ خرج ، فجعلت أنشده ، ثمّ جاء فاستأذن ، فقال النبيّصلىاللهعليهوآله : بين بين ؛ ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثا.
فقلت : يا رسول الله! من هذا الذي استنصتّني له؟!
قال : عمر بن الخطّاب ، هذا رجل لا يحبّ الباطل ».
* * *
__________________
(١) مسند أحمد ٣ / ٤٣٥. منهقدسسره .
وانظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ١ / ٣١٨ ـ ٣٢٠ ح ٣٣٤ ـ ٣٣٦ ، المعجم الكبير ١ / ٢٨٧ ـ ٢٨٨ ح ٨٤٤ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٧١٢ ـ ٧١٣ ح ٦٥٧٦ ، حلية الأولياء ١ / ٤٦.
والأسود بن سريع بن حمير بن عبادة التميمي السعدي ، كان شاعرا قاصّا ، وكان أوّل من قصّ في مسجد البصرة ، مات سنة ٤٢ ه في زمان معاوية ، وقيل : فقد أيّام الجمل ، وقيل : لمّا قتل عثمان ركب الأسود سفينة وحمل معه أهله وعياله ، فانطلق فما رئي بعد.
انظر : الاستيعاب ١ / ٨٩ رقم ٤٤ ، أسد الغابة ١ / ١٠٣ ـ ١٠٤ رقم ١٤٤ ، الإصابة ١ / ٧٤ ـ ٧٥ رقم ١٦١.
(٢) الأدلم : الطويل الشديد السواد من الرجال ؛ انظر : لسان العرب ٤ / ٣٩٥ مادّة « دلم ».
قال المصنّف ـ رفع الله درجته ـ(١) :
وفي « الجمع بين الصحيحين » عن أبي هريرة ، قال : « أقيمت الصلاة وعدّلت الصفوف قياما قبل أن يخرج إلينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فخرج إلينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فلمّا قام في مصلّاه ذكر أنّه جنب ، فقال لنا : مكانكم! فلبثنا على هيئتنا قياما ، فاغتسل ثمّ خرج إلينا ورأسه يقطر ، فكبّر وصلّينا »(٢) .
فلينظر العاقل هل يحسن منه وصف أدنى الناس بأنّه يحضر الصلاة ويقوم في الصفّ وهو جنب؟!
وهل هذا إلّا من التقصير في عبادة ربّه وعدم المسارعة إليها؟! وقد قال تعالى :( وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) (٣) ( فاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ) (٤)
فأيّ مكلّف أجدر بقبول هذا الأمر من النبيّصلىاللهعليهوآله ؟!
وفي « الجمع بين الصحيحين » عن أبي هريرة ، قال : « صلّى بنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله إحدى صلاتي العشيّ ـ وأكثر ظنّي أنّها العصر ـ ركعتين ،
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٥٤.
(٢) الجمع بين الصحيحين ٣ / ٥٦ ح ٢٢٣٧ ، وانظر : صحيح البخاري ١ / ١٢٨ ح ٢٧ وص ٢٦٠ ـ ٢٦١ ح ٣٥ و ٣٦ ، صحيح مسلم ٢ / ١٠١ ، سنن أبي داود ١ / ٥٩ ح ٢٣٥ ، سنن النسائي ٢ / ٨١ ـ ٨٢ و ٨٩ ، سنن ابن ماجة ١ / ٣٨٥ ح ١٢٢٠ ، مسند أحمد ٢ / ٥١٨.
(٣) سورة آل عمران ٣ : ١٣٣.
(٤) سورة البقرة ٢ : ١٤٨ ، سورة المائدة ٥ : ٤٨.
ثمّ سلّم ، ثمّ قام إلى خشبة في مقدّمة المسجد فوضع يده عليها ، وفيهم أبو بكر وعمر ، فهاباه أن يكلّماه.
وخرج سرعان الناس فضجّ الناس وقالوا : أقصرت الصلاة؟! ورجل يدعى ذو اليدين قال : يا نبيّ الله! أنسيت أم قصرت الصلاة؟!
فقال : لم أنس ولم تقصر.
قال : بلى نسيت.
قال : صدق ذو اليدين.
فقام فصلّى ركعتين ، ثمّ سلّم »(١) .
فلينظر العاقل هل يجوز نسبة هذا الفعل إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟!
وكيف يجوز منه أن يقول : « ما نسيت »؟! فإنّ هذا سهو في سهو!
ومن يعلم أنّ أبا بكر وعمر حفظا ما نسي رسول اللهصلىاللهعليهوآله مع أنّهما لم يذكرا ذلك للنبيّصلىاللهعليهوآله ؟!
* * *
__________________
(١) الجمع بين الصحيحين ٣ / ١٨٢ ح ٢٤١٢ ، وانظر : صحيح البخاري ١ / ٢٠٦ ح ١٣٩ وج ٢ / ١٥١ ـ ١٥٢ ح ٢٥٣ وج ٨ / ٢٩ ح ٧٩ ، صحيح مسلم ٢ / ٨٦ ، سنن أبي داود ١ / ٢٦٣ ح ١٠٠٨ ، سنن النسائي ٣ / ٢٠ ـ ٢١ ، سنن ابن ماجة ١ / ٣٨٣ ح ١٢١٤ ، سنن الدارمي ١ / ٢٥١ ب ١٧٥ ح ١٤٩٩ ، مسند أحمد ٢ / ٢٣٤ ـ ٢٣٥ و ٢٤٨ و ٢٨٤.
وقال الفضل(١) :
قد مرّ في ما سبق جواز السهو والنسيان على الأنبياء ؛ لأنّهم بشر ، سيّما إذا كان السهو موجبا للتشريع(٢) ، فإنّ التشريع في الأعمالالفعلية آكد وأثبت من الأقوال ، فما ذكر من حديث تذكّر الجنابة فمن باب النسيان ، وفيه تشريع العمل بعد النسيان إذا تذكّر.
ولهذا ترجم البخاري الباب الذي ذكر فيه هذا الحديث بقوله : « باب من تذكّر أنّه جنب رجع فاغتسل »(٣) ، ولا يلزم من هذا نقص.
وما ذكر من سهو رسول اللهصلىاللهعليهوآله في الصلاة ، فهو سهو يتضمّن التشريع ؛ لأنّه شرّع بذلك النسيان جواز وقوع الفعل المتعلّق بالصلاة في أثناء الصلاة ، وكذا الكلام القليل.
والعجب أنّه قال : « كيف يجوز أن يحفظ أبو بكر وعمر ما نسي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟! »
وأيّ عجب في هذا؟! فإنّ الإمام كثيرا ما يسهو ، والمأمومون لا يسهون ، فلا يلزم من هذا تفضيل المأموم على الإمام ، وهل هذه الكلمات إلّا ترّهات ومزخرفات؟!
* * *
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٢٥٩.
(٢) تقدّم في الصفحتين ٢١ و ٥١ من هذا الجزء.
(٣) صحيح البخاري ١ / ١٢٨ ح ٢٧.
وأقول :
بيّنّا في ما سبق امتناع وقوع السهو من النبيّ في العبادة ، وبطلان التشريع بالأفعال الموجبة لنقصه كما في المقام(١) ، فإنّ سهوه عن الغسل حتّى يشارف على الدخول في الصلاة أو يدخل فيها نقص ظاهر ، إذ هو خلاف المحافظة على العبادة والسبق إلى الخير ، ومناف لما حثّ به على كثرة تلاوة القرآن التي تكره من الجنب ، بل تحرّم إذا كان من العزائم(٢) .
على أنّه معرّض لنزول الملائكة عليه ، والملائكة لا تدخل بيتا فيه جنب كما استفاض في أخبارهم(٣) ، فكيف يؤخّر غسله هذا التأخير حتّى ينسى؟!
وأيضا : قد تضافرت الأخبار ـ كما سبق ـ بأنّه تنام عيناه ولا ينام قلبه(٤) ، فكيف ينام عن عبادة ربّه وهو يقظان؟!
ولا يمكن أن يسهيه الله طلبا للتشريع ؛ فإنّ نبيّه أشرف عنده من أن يجعله عرضة للنقص ومحلّا للانتقاد بأمر عنه مندوحة ، وهي التشريع بالقول.
__________________
(١) تقدّم في الصفحة ٥٣ وما بعدها من هذا الجزء.
(٢) انظر : مسند البزّار ٢ / ٢٨٤ ح ٧٠٦ ، مجمع الزوائد ١ / ٢٧٦ وج ٢ / ٨٥ ، كنز العمّال ١ / ٦٢١ ح ٢٨٧٣.
(٣) سنن أبي داود ١ / ٥٧ ح ٢٢٧ ، سنن النسائي ١ / ١٤١ ، سنن الدارمي ٢ / ١٩٦ ح ٢٦٥٩ ، مسند أحمد ١ / ٨٣ و ١٠٧ و ١٣٩ و ١٥٠ ، المستدرك على الصحيحين ١ / ٢٧٨ ح ٦١١ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ١ / ٢٠١.
(٤) راجع الصفحة ٥٤ ه ٤ من هذا الجزء.
ودعوى أنّ التشريع بالأعمال الفعلية آكد لا نعرف وجهها ، بل الأمر بالعكس ؛ لأنّ الفعل يحتمل خصوصية النبيّ بخلاف القول العامّ.
ولو تنزّلنا عن هذا كلّه ، فلا نتصوّر حاجة للتشريع في أمر الغسل ؛ لأنّ الواجب المؤقّت الذي لم يفت وقته ، أو غير المؤقّت ، لا يحتاج إلى التشريع بعد النسيان ، لكفاية الأمر الأوّل في لزوم الإتيان به.
هذا ، ولا يخفى أنّ حديث الجنابة الذي ذكره المصنّفرحمهالله لم يصرّح بأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله ذكر الجنابة بعد الدخول في الصلاة ، ولكنّ حديث أحمد(١) عن أبي هريرة صرّح به ، قال : « إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله خرج إلى الصلاة ، فلمّا كبّر انصرف ، وأومأ إليهم ـ أي : كما أنتم ـ ، ثمّ خرج فاغتسل ، ثمّ جاء ورأسه يقطر فصلّى بهم ، فلمّا صلّى قال : إنّي كنت جنبا فنسيت أن أغتسل ».
وكذا حديث أحمد عن عليّعليهالسلام (٢) ، قال : « صلّى بنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوما ، فانصرف ثمّ جاء ورأسه يقطر ماء ، فصلّى بنا ، ثمّ قال : إنّي صلّيت بكم آنفا وأنا جنب ، فمن أصابه مثل الذي أصابني ، أو وجد رزّا(٣) في بطنه ، فليصنع مثل ما صنعت ».
ومثله في كنز العمّال ، عن الطبراني(٤) .
__________________
(١) مسند أحمد ٢ / ٤٤٨. منهقدسسره .
(٢) مسند أحمد ١ / ٩٩. منهقدسسره .
(٣) الرّزّ : غمز الحدث وحركته في البطن للخروج حتّى يحتاج صاحبه إلى دخول الخلاء ، كان بقرقرة أو بغير قرقرة ، وأصل الرّزّ الوجع يجده المرء في بطنه.
انظر : لسان العرب ٥ / ٢٠٢ مادّة « رزز ».
(٤) كنز العمّال ٤ / ٢٢٣ [ ٨ / ١٧١ ح ٢٢٤٢٦ ]. منهقدسسره .
وانظر : المعجم الأوسط ٦ / ٣٤٩ ح ٦٣٩٠.
ونقل في ( الكنز ) أيضا في صفحة قبل الصفحة المذكورة ، عن ابن عساكر ، عن أبي بكرة : « أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله كبّر في صلاة الفجر ، ثمّ أومأ إليهم ، ثمّ انطلق فاغتسل ، فجاء ورأسه يقطر فصلّى بهم »(١) .
ونحوه في موطّأ مالك ، تحت عنوان : إعادة الجنب الصلاة وغسله إذا صلّى ولم يذكر(٢) .
.. إلى غير ذلك من أخبارهم(٣)
وهي بظاهرها باطلة ؛ لإفادتها أنّهم لم ينقضوا صلاتهم ، وأتمّوها مع النبيّصلىاللهعليهوآله بعد ما اغتسل وصلّى ، وهذا ضروريّ البطلان ؛ للفصل الطويل الواقع في أثناء صلاتهم ؛ ولأنّ الجماعة لا تنعقد مع سبق المأمومين بتكبيرة الافتتاح ، فتزيد أحاديث نسيان النبيّصلىاللهعليهوآله للجنابة إشكالا فوق إشكال ، فاتّضح أنّها كاذبة على سيّد المرسلين!
كما كذبت بمثله على سيّد الوصيّين
روي في ( الكنز )(٤) : « أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام صلّى بالناس جنبا فأمرهم بالإعادة ».
وكيف لا يكذّب هذا الخبر ومن المعلوم من مذهب أهل البيتعليهمالسلام عدم إعادة المأمومين إذا كان الإمام جنبا؟!(٥) .
__________________
(١) كنز العمّال ٨ / ١٦٩ ح ٢٢٤١٤ ، وانظر : تاريخ دمشق ٣٧ / ٣٩١ ضمن الرقم ٤٤١٣ ، مسند أحمد ٥ / ٤١ نحوه ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٢ / ٣٩٧.
(٢) الموطّأ : ٤٦ ح ٨٢.
(٣) انظر ذلك في ما مرّ في الهامش ٢ من الصفحة ١١٦ من هذا الجزء.
(٤) كنز العمّال ٤ / ٢٤٣ [ ٨ / ١٧٢ ح ٢٢٤٢٨ ]. منهقدسسره .
(٥) الكافي ٣ / ٣٧٨ ح ١ ، كتاب من لا يحضره الفقيه ١ / ٢٦٢ ح ١١٩٧ وص ٢٦٤ ح _
ولعلّ الداعي إلى كذب القوم على النبيّصلىاللهعليهوآله ووصيّهعليهالسلام هو المحافظة على شؤون أشياخهم.
فقد روي في ( الكنز ) قبل الحديث الأخير بقليل : « إنّ عمر صلّى بالناس الصبح جنبا ، وأنّه صلّى بهم ركعتين بغير طهارة »(١) .
وروى أيضا : « إنّ عثمان صلّى بالناس جنبا »(٢) ، لكن زعم عثمان أنّه لم يعلم بالجنابة!
ثمّ إنّه بما ذكرنا هنا وفي ما سبق تعلم النظر في ما أجاب به الخصم عن حديث سهو النبيّصلىاللهعليهوآله في الصلاة ، وعن السهو في السهو ، وليس الداعي لهم ـ أيضا ـ إلى هذا الكذب على النبيّصلىاللهعليهوآله إلّا دفع النقص عن أوليائهم حيث تكرّر منهم ذلك!
حتّى روي في ( الكنز )(٣) : « إنّ عمر صلّى بالناس المغرب ولم يقرأ شيئا حتّى سلّم ، فلمّا فرغ قيل له : [ إنّك لم تقرأ شيئا؟! ] فاعتذر بأنّي جهّزت عيرا إلى الشام ، وجعلت أنقلها منقلة منقلة حتّى قدمت الشام فبعتها وأقتابها وأحلاسها وأحمالها ؛ [ فأعاد عمر وأعادوا ] ».
فليت شعري أيّ عبادة هذه؟! وأيّ إقبال على الله تعالى مع هذه
__________________
١٢٠٧ ، تهذيب الأحكام ٣ / ٣٩ ح ١٣٧ وص ٢٦٩ ح ٧٧٢ ، الاستبصار ١ / ٤٤٠ ح ١٦٩٥ ، وانظر : تفصيل وسائل الشيعة ٨ / ٣٧١ ـ ٣٧٣ ب ٣٦ ح ١٠٩٣٢ ـ ١٠٩٣٩.
(١) كنز العمّال ٨ / ١٦٦ ح ٢٢٤٠١ ـ ٢٢٤٠٣ ، وانظر : السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٢ / ٣٩٩.
(٢) كنز العمّال ٨ / ١٦٧ ح ٢٢٤٠٦.
وانظر : سنن الدارقطني ١ / ٢٨٦ ح ١٣٥٧ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٢ / ٤٠٠.
(٣) كنز العمّال ٤ / ٢١٣ [ ٨ / ١٣٣ ح ٢٢٢٥٧ ]. منهقدسسره .
وانظر : السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٢ / ٣٨٢.
التمنّيات والوساوس الشيطانية؟!
وروي في ( الكنز ) أيضا بعد الحديث المذكور : « إنّ عمر صلّى بالناس العشاء الآخرة ، فلم يقرأ بها فاعتذر بأنّي سهوت ، جهّزت عيرا من الشام حتّى قدمت المدينة ، فأمر المؤذّن فأقام الصلاة ، ثمّ عاد وصلّى بالناس العشاء »(١) .
وهذا من الجهل ؛ لأنّ نسيان القراءة لا يوجب الإعادة!
.. إلى غير ذلك ممّا رووه عن أشياخهم ، من السهو والإعراض عن الصلاة ، حتّى روى البخاري في : « باب يفكر الرجل الشيء في الصلاة » ، عن عمر أنّه قال : « إنّي لأجهّز جيشي وأنا في الصلاة »(٢) .
وأمّا قوله : « شرّع بذلك النسيان جواز وقوع الفعل المتعلّق بالصلاة في أثناء الصلاة »
ففيه : إنّ المشي إلى الخشبة ليس ممّا يتعلّق بها ، وكذا الدخول إلى الحجرة والخروج منها كما في حديث مسلم(٣) ، بل الدخول والخروج مستلزمان للانحراف عن القبلة ، ولو إلى المغرب والمشرق ؛ لأنّ بيت النبيّصلىاللهعليهوآله في يسار المسجد ، ومثل هذا الانحراف مبطل للصلاة وإن وقع سهوا
على أنّ تلك الأفعال كثيرة عرفا ، والكثير مبطل للصلاة عند
__________________
(١) كنز العمّال ٨ / ١٣٣ ـ ١٣٤ ح ٢٢٢٥٨ ، وانظر : مصنّف عبد الرزّاق ٢ / ١٢٣ ـ ١٢٤ ح ٢٧٥٢.
(٢) صحيح البخاري ٢ / ١٤٨ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٢ / ٣١٤ ب ٢٦١ ح ٢ ، كنز العمّال ٨ / ٢١٦ ح ٢٢٦٢٩.
(٣) صحيح مسلم ٢ / ٨٨.
جمهورهم كما نقله السيّد السعيدرحمهالله عن كتاب « الينابيع »(١) وشرحها ، ونقل عنهما : إنّ الخطوات الثلاث المتوالية من الكثير(٢) .
هذا ، مضافا إلى أنّ عادة النبيّصلىاللهعليهوآله المكث بعد الصلاة إلى أن تنصرف النساء ويدخلن بيوتهنّ ، كما رواه البخاري في أواخر كتاب الأذان ، في باب مكث الإمام في مصلّاه بعد الصلاة(٣) ، وهذا موجب للفصل الطويل بين أجزاء الصلاة مضافا إلى الفصل الحاصل من الكلام والدخول والخروج وغيرها ، فتتغيّر هيئة الصلاة ، فتبطل.
وأمّا ما زعمه من تشريع النبيّصلىاللهعليهوآله للكلام القليل في أثناء الصلاة
ففيه : إنّ السلام الواقع على الركعتين مع الكلام المتكرّر من النبيّصلىاللهعليهوآله من الكثير عرفا ، فيبطل الصلاة وإن وقع سهوا عنها.
على أنّ بعض ما رووه من كلامهصلىاللهعليهوآله كان من الكلام العمدي ، فيبطل الصلاة وإن قلّ!
__________________
(١) كتاب « ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام » فقه على المذاهب الأربعة ، لا يزال مخطوطا ، وهو لصدر الدين أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن زنكي الشعيبي الساوي الأسفراييني الشافعي ( ٦٧٧ ـ ٧٤٧ ه ).
انظر : كشف الظنون ٢ / ٢٠٥٠ ، هديّة العارفين ٢ / ١٥٣ ، معجم المؤلّفين ٣ / ٦٧٩ رقم ١٥٧٩٠.
هذا ، ولم نهتد إلى اسم الشرح المشار إليه في المتن!
(٢) إحقاق الحقّ ٢ / ٢٦٢.
وانظر : المهذّب ١ / ٨٨ ، المجموع شرح المهذّب ٤ / ٩٢ ـ ٩٤ ، فتح العزيز ـ حاشية المجموع ـ ٤ / ١١٨ ، فتح العلّام ٢ / ٤٤٧ ـ ٤٤٨ ، حاشية ردّ المحتار ١ / ٦٧٧.
(٣) صحيح البخاري ٢ / ١٩ ح ٢٣١.
روى الحاكم(١) : « إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله سها في المغرب فسلّم في ركعتين ، فأمر بلالا فأقام الصلاة ، ثمّ أتمّ تلك الركعة ».
ونحوه في كنز العمّال(٢) ، عن ابن أبي شيبة.
فإنّ أمر النبيّصلىاللهعليهوآله لبلال بالإقامة بعد ما تبيّن له السهو ، كلام عمدي.
وروي في ( الكنز ) قبل الحديث المذكور بقليل ، عن الدارقطني وعبد الرزّاق : « إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله بعد ما قال : أصدق ذو اليدين؟! وقال الناس : نعم ؛ قال : حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح ، قد قامت الصلاة ، ثمّ صلّى بهم »(٣) .
فإنّ إقامة النبيّصلىاللهعليهوآله بعد انكشاف السهو له ، كلام عمدي ، وهو مبطل للصلاة بالسنّة والإجماع.
كما إنّه بمقتضى أخبارهم أنّ الناس أيضا سلّموا على ركعتين ، وصدرت منهم الأفعال والأقوال الكثيرة عمدا ، فكان اللازم عليهم إعادة الصلاة لمجرّد السلام فضلا عن غيره!
وكان اللازم أيضا على النبيّصلىاللهعليهوآله البيان ، ولم ينقل شيء من ذلك ، بل نقلوا في بعض أخبارهم أنّهصلىاللهعليهوآله أتمّ بهم الناقص فقط ، حتّى إنّهم لم ينقلوا أنّه أمرهم بسجود السهو مثله ، أو أنّ أحدا منهم سجد ، وهذا من شواهد الكذب
__________________
(١) المستدرك على الصحيحين ١ / ٢٦١ [ ١ / ٤٦٩ ح ١٢٠٦ ]. منهقدسسره .
(٢) كنز العمّال ٤ / ٢١٥ [ ٨ / ١٣٩ ـ ١٤٠ ح ٢٢٢٨٦ ]. منهقدسسره .
وانظر : المصنّف ـ لابن أبي شيبة ـ ١ / ٤٨٨ ب ٢٥٢ ح ١.
(٣) كنز العمّال ٨ / ١٣٨ ح ٢٢٢٨٠ ، وانظر : سنن الدارقطني ١ / ٢٨٧ ـ ٢٨٨ ح ١٣٦٣ و ١٣٦٤ ، المصنّف ـ لعبد الرزّاق ـ ٢ / ٢٩٨ ح ٣٤٤٤.
وإنّ قصد الرواة مجرّد نسبة السهو إلى النبيّصلىاللهعليهوآله دفعا للطعن عن أنفسهم وأوليائهم ، وإرضاء لأئمّة جماعاتهم ، كما يعرفه من سبر أحوالهم.
وأمّا قوله : « والعجب أنّه قال : كيف يجوز أن يحفظ أبو بكر وعمر »
ففيه : إنّ المصنّف لم ينكر على حفظهما ، بل على من روى حفظهما وأثبته لهما ، والحال أنّهما لم يذكرا ذلك للنبيّصلىاللهعليهوآله .
فإنّ قول الراوي : « فهاباه أن يكلّماه » دالّ على أنّهما حافظان لما نسيه النبيّصلىاللهعليهوآله ومنعتهما هيبته عن بيان سهوه له ، وهذا أمر تشهد الضرورة بكذبه ، إذ كيف يترك عمر بيانه له ـ لو كان حافظا ـ وهو خلاف ما يروونه من أحواله معه وجرأته عليه؟!
وكفاك ما رووه من حصبه للحبشة بحضرته(١)
ومعارضته له في الصلاة على ابن أبيّ(٢)
وجرأته عليه يوم الحديبية(٣)
وقوله في وجهه المبارك : « إنّ النبيّ ليهجر »(٤)
فإنّ من يواجهه بالهجر لا يهاب من مواجهته بالسهو!
__________________
(١) راجع الصفحة ١١١ ه ٢.
(٢) انظر : صحيح البخاري ٦ / ١٢٩ ـ ١٣٠ ح ١٩٠ ـ ١٩٢ وج ٧ / ٢٦٢ ح ١٥ ، صحيح مسلم ٨ / ١٢٠ ، الجمع بين الصحيحين ـ للحميدي ـ ١ / ١٢٤ ح ٥٢ ، سنن الترمذي ٥ / ٢٦٠ ـ ٢٦١ ح ٣٠٩٧ و ٣٠٩٨ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٦ / ٣٥٧ ح ١١٢٢٤ و ١١٢٢٥ ، مسند أحمد ١ / ١٦.
(٣) انظر : صحيح البخاري ٤ / ٣٦ ـ ٤٣ ح ١٨ ، صحيح مسلم ٥ / ١٧٥ ، مسند أحمد ٤ / ٣٣٠.
(٤) راجع الصفحة ٩٣ ه ٢.
وكذلك أبو بكر ، فإنّه قد مارى عمر في تأمير الأقرع بن حابس حتّى ارتفعت أصواتهما بحضرة النبيّصلىاللهعليهوآله (١)
وقد زعموا أنّه أخذ بيد النبيّصلىاللهعليهوآله ، وقال له : حسبك! فقد ألححت على ربّك! لمّا ناشد النبيّ ربّه عهده يوم بدر(٢) .
ولعمري لو كان لقصّة سهو النبيّصلىاللهعليهوآله أصل ، لكان أبو بكر وعمر أوّل من يلاقيه بها كما هو ظاهر لكلّ منصف.
* * *
__________________
(١) انظر : صحيح البخاري ٥ / ٣٣٣ ح ٣٦٤ وج ٦ / ٢٤٣ ح ٣٣٩ ، سنن الترمذي ٥ / ٣٦١ ح ٣٢٦٦ ، سنن النسائي ٨ / ٢٢٦ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٦ / ٤٦٦ ح ١١٥١٤ ، الاستيعاب ٣ / ١٢٨٤ رقم ٢١٢٢ ، تفسير ابن كثير ٤ / ٢٠٧.
(٢) انظر : صحيح البخاري ٤ / ١١١ ح ١٢٦ وج ٥ / ١٨٠ ح ٥ وج ٦ / ٢٥٤ ـ ٢٥٥ ح ٣٦٩ و ٣٧١ ، مسند أحمد ١ / ٣٢٩ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٣ / ٥٠.
قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :
وفي الصحيحين ، عن عبد الله بن عمر أنّه كان يحدّث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « أنّه دعا زيد بن عمرو بن نفيل(٢) ، وذلك قبل أن ينزل الوحي على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقدّم إليه رسول اللهصلىاللهعليهوآله سفرة فيها لحم ، فأبى أن يأكل منها ، ثمّ قال : إنّي لا آكل ما تذبحون على أنصابكم ، ولا آكل ممّا لم يذكر اسم الله عليه »(٣) .
فلينظر العاقل ، هل يجوز له أن ينسب نبيّه إلى عبادة الأصنام والذبح على الأنصاب ويأكل منه ، وأنّ زيد بن عمرو بن نفيل كان أعرف بالله منه ، وأتمّ حفظا ورعاية لجانب الله تعالى؟!
نعوذ بالله من هذه الاعتقادات الفاسدة!
* * *
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٥٥.
(٢) هو : زيد بن عمرو بن نفيل العدوي ، والد سعيد بن زيد ، وابن عمّ عمر بن الخطّاب ، قيل : كان يتعبّد في الجاهلية ، ومات قبل مبعث النبيّصلىاللهعليهوآله .
انظر : أسد الغابة ٢ / ١٤٣ رقم ١٨٦٠ ، الإصابة ٢ / ٦١٣ رقم ٢٩٢٥.
(٣) صحيح البخاري ٥ / ١٢٤ ح ٣١٢ وج ٧ / ١٦٥ ح ٣١ ، الجمع بين الصحيحين ـ للحميدي ـ ٢ / ٢٧٥ ح ١٤٢٤ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٥٥ ح ٨١٨٩ ، مسند أحمد ٢ / ٦٩ و ٨٩ و ١٢٧ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٢ / ١٢١ ـ ١٢٢.
وقال الفضل(١) :
من غرائب ما يستدلّ به على ترك أمانة هذا الرجل ، وعدم الاعتماد والوثوق على نقله ، رواية هذا الحديث
فقد روى بعض الحديث ليستدلّ به على مطلوبه ، وهو الطعن في رواية الصحاح ، وما ذكر تمامه!
وتمام الحديث : « إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله لمّا قال زيد بن عمرو بن نفيل هذا الكلام ، قال : وأنا أيضا لا آكل من ذبيحتهم وممّا لم يذكر اسم الله عليه ، فأكلا معا »(٢) .
وهذا الرجل لم يذكر هذه التتمّة ليتمكّن من الطعن في الرواية ، نسأل الله العصمة من التعصّب ، فإنّه بئس الضجيع.
* * *
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٢٦٣.
(٢) لو نظرت إلى صحاحهم لبطل ادّعاء الفضل هذا ، إذ لا توجد تتمّة للحديث ، انظر : صحيح البخاري ٧ / ١٦٥ ح ٣١ ، كتاب الذبائح والصيد ، باب ما ذبح على النصب والأصنام.
وأقول :
قد راجعنا صحيح البخاري فوجدنا الحديث إثر أبواب المناقب ، وفي باب ما ذبح على النصب والأصنام من كتاب الذبائح ، وما رأينا لهذه التتمّة أثرا!(١) .
وقد رواه أحمد في مسنده(٢) ، ولم يذكر ما أضافه الخصم!
وليست هذه أوّل كلمة وضعها ، بل سبق له مثلها قريبا في روايات اللهو(٣) ، وسيأتي له أمثالها!
ولا عجب فإنّها سنّة لهم في غالب أخبارهم ، ومنها أصل هذا الحديث ، ولكنّي أعجب من إرعاده وإبراقه وسؤاله العصمة عن التعصّب ونسبته إلى المصنّف عدم الأمانة! وكأنّه يريد بذلك أن يدعو قومه إلى إضافة هذه التتمّة!!
* * *
__________________
(١) انظر : صحيح البخاري ٧ / ١٦٥ ح ٣١.
(٢) مسند أحمد ٢ / ٦٩ و ٨٩ و ١٢٧. منهقدسسره .
(٣) راجع ردّ الشيخ المظفّرقدسسره في الصفحة ٧٨ وما بعدها.
قال المصنّف ـ قدّس الله روحه ـ(١) :
وفي الصحيحين ، عن حذيفة بن اليمان ، قال : « كنت مع النبيّصلىاللهعليهوآله فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائما ، فتنحّيت ، فقال : ادنه ؛ فدنوت حتّى قمت عند عقبيه ، فتوضّأ ومسح على خفّيه »(٢) .
فكيف يجوز أن ينسب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله البول قائما ، مع أنّ أرذل الناس لو نسب هذا إليه تبرّأ منه؟!
ثمّ المسح على الخفّين والله تعالى يقول :( وَأَرْجُلَكُمْ ) (٣) ؟!
فانظروا إلى هؤلاء القوم كيف جوّزوا الخطأ والغلط على الأنبياء ، وأنّ النبيّ يجوز أن يسرق درهما(٤) ، ويكذب في أخسّ الأشياء وأحقرها(٥) !
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٥٦.
(٢) صحيح البخاري ١ / ١١٠ ح ٨٧ و ٨٨ وج ٣ / ٢٧٠ ح ٤٤ ، صحيح مسلم ١ / ١٥٧ ؛ وانظر : سنن أبي داود ١ / ٦ ح ٢٣ ، سنن الترمذي ١ / ١٩ ح ١٣ ، سنن النسائي ١ / ١٩ و ٢٥ ، سنن ابن ماجة ١ / ١١١ ح ٣٠٥ و ٣٠٦ ، سنن الدارمي ١ / ١٢٣ ب ٩ ح ٦٧١ ، مسند أحمد ٤ / ٢٤٦ وج ٥ / ٣٨٢ و ٣٩٤ و ٤٠٢.
(٣) سورة المائدة ٥ : ٦.
(٤) وقد اتّهموهصلىاللهعليهوآله بسلّ قطيفة من مغانم بدر! انظر : سنن الترمذي ٥ / ٢١٤ ح ٣٠٠٩ وقال : « حديث حسن غريب » ، سنن أبي داود ٤ / ٣٠ ح ٣٩٧١ ، مسند أبي يعلى ٤ / ٣٢٧ ح ٢٤٣٨ وج ٥ / ٦٠ ح ٢٦٥١ ، المعجم الكبير ١١ / ٢٨٨ ح ١٢٠٢٨ و ١٢٠٢٩ ، أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ ٢ / ٦٢ ـ ٦٣ ، أسباب النزول ـ للواحدي ـ : ٧٠ ، تفسير الطبري ٣ / ٤٩٨ و ٥٠٠ ، شرح نهج البلاغة ١٤ / ١٦٨.
(٥) بناء على قولهم بعدم عصمتهصلىاللهعليهوآله في غير التبليغ.
وقال الفضل(١) :
اختلف في جواز البول قائما ، فالذي يجوّزه يستدلّ بهذا الحديث ، وعن الأطبّاء : إنّ البول قائما ينفع الكلية والمخصر ؛ فالنبيّصلىاللهعليهوآله عمل هكذا ليشرّع جواز البول قائما.
وأيّ منقصة يتصوّر من البول قائما ، سيّما إذا كان متضمّنا للتشريع؟!
وطلب الدنوّ من حذيفة ربّما يكون لتشريع جواز البول قائما بقرب من الناس ، بخلاف الغائط ، لغلظته ، ولهذا كان يبعد من الناس في الغائط دون البول.
وأمّا المسح على الخفّ ، فهو جائز بالإجماع من أهل السنّة ، كما سيأتي في مباحث الفقه ، والله أعلم.
ثمّ ما ذكر أنّهم جوّزوا الخطأ والغلط على الأنبياء ، والنبيّ يجوز أن يسرق درهما ، فقد ذكرنا أنّ هذا افتراء محض ، ووجب تنزيه الأنبياء من الصغيرة الدالّة على الخسّة(٢) .
* * *
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٢٦٥.
(٢) انظر الصفحة ٢٠ وما بعدها من هذا الجزء.
وأقول :
يدلّ على كذب الحديث أمور :
الأوّل : ما رواه أحمد في مسنده ، عن عائشة(١) ، قالت : « من حدّثك أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بال قائما فلا تصدّقه ، ما بال رسول اللهصلىاللهعليهوآله قائما منذ أنزل عليه القرآن ».
ونحوه في كتاب الطهارة من مستدرك الحاكم(٢) ، وصحّحه هو والذهبي في ( التلخيص ) على شرط البخاري ومسلم
الثاني : ما نقله البغوي في باب أدب الخلاء ، من ( مصابيحه ) ، من الحسان ، عن عمر ، قال : « رآني النبيّصلىاللهعليهوآله أبول قائما ، فقال : يا عمر! لا تبل قائما »(٣)
الثالث : إنّ البول قائما يستلزم بحسب العادة وصوله إلى البائل ، ولا سيّما عند قرب انقطاعه ، ولا ريب أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله أولى بتجنّب موارد احتمال الإصابة ، فضلا عن موارد القطع العادي
__________________
(١) مسند أحمد ٦ / ١٣٦ و ١٩٢ و ٢١٣. منهقدسسره .
وانظر : سنن الترمذي ١ / ١٧ ح ١٢ وقال : « حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصحّ » ، سنن النسائي ١ / ٢٦ ، سنن ابن ماجة ١ / ١١٢ ح ٣٠٧ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ١ / ١٠٢.
(٢) المستدرك على الصحيحين ١ / ١٨١ [ ١ / ٢٩٠ ح ٦٤٤ ]. منهقدسسره .
(٣) مصابيح السنّة ١ / ٢٠٠ ح ٢٥٥ ، وانظر : سنن الترمذي ١ / ١٧ ح ١٢ ، سنن ابن ماجة ١ / ١١٢ ح ٣٠٨ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ١ / ١٠٢.
كيف؟! وقد روى مسلم في آخر كتاب الطهارة : « إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله مرّ بقبرين ، فقال : أما إنّهما يعذّبان وما يعذّبان في كبير ، أمّا أحدهما فكان يمشي بالنميمة ، وكان الآخر لا يستنزه عن البول »(١)
ونحوه في موارد كثيرة من صحيح البخاري(٢) .
ونقل البغوي في باب أدب الخلاء من الحسان : « إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله أراد أن يبول ، فأتى دمثا(٣) في أصل جدار فبال ، ثمّ قال : إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله »(٤)
فمع هذه الأخبار ، وأضعافها من أخبارنا(٥) ، كيف نصدّقهم على النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه بال قائما؟! ولا سيّما مع دعوى طلب دنوّ حذيفة منه ، وهو مناف للحياء وسنّته ، فإنّه كان يبعد المذهب ، ولم ير على بول أو غائط.
ودعوى التشريع واضحة البطلان ، إذ ليس لإباحة البول قائما بقرب الناس من الأهمّية ما يحتاج إلى التشريع بالفعل ، وقد كان التشريع بالقول ممكنا ، وأظهر بيانا!
__________________
(١) صحيح مسلم ١ / ١٦٦.
(٢) صحيح البخاري ١ / ١٠٧ ح ٧٩ وص ١٠٨ ح ٨١ وج ٨ / ٣١ ح ٨٣ ، وانظر : سنن أبي داود ١ / ٥ ح ٢٠ ، سنن ابن ماجة ١ / ١٢٥ ح ٣٤٩.
(٣) الدمث : المكان الليّن ذو رمل ، والأرض الليّنة السهلة الرّخوة ؛ انظر : الصحاح ١ / ٢٨٢ ، لسان العرب ٤ / ٤٠٠ ، مادّة « دمث ».
(٤) مصابيح السنّة ١ / ١٩٤ ح ٢٣٧ ، وانظر : سنن أبي داود ١ / ١ ح ٣ ، مسند أحمد ٤ / ٣٩٦ و ٤١٤.
(٥) انظر مثلا : كتاب من لا يحضره الفقيه ١ / ١٦ ح ٣٦ وج ٢ / ١٩٥ ح ٨٨٤ ، تهذيب الأحكام ١ / ٣٣ ح ٨٧ ، وراجع : تفصيل وسائل الشيعة ١ / ٣٠٥ ـ ٣٠٦ ح ٨٠٠ ـ ٨٠٤ وص ٣٣٨ ـ ٣٤٠ ح ٨٨٩ ـ ٨٩٥.
وليس البول قائما في الجواز إلّا كالتغوّط قائما ، وإرسال الريح جالسا بين الناس ، فهل ترى يحسن فعلهما للتشريع؟!
وأمّا قوله : « وأيّ منقصة تتصوّر من البول قائما؟! »
فمن مكابرة الضرورة ، ولكن يحقّ له نفي المنقصة ، فقد كان إمامهم عمر يفعل ذلك كما عرفت ، وكذلك ابنه عبد الله!
روى مالك في موطّئه تحت عنوان : « ما جاء في البول قائما » ، عن عبد الله بن دينار ، قال : « رأيت عبد الله بن عمر يبول قائما »(١) .
وعن النووي : « إنّ عمر كان يقول : البول قائما أحصن للدبر »(٢) .
ولعلّه لهذه الحكمة كان يفعله ويفعله أصحابه!
وأمّا ما ذكره من أنّ نسبة تجويز الخطأ والغلط افتراء عليهم ؛ فمكابرة ظاهرة ؛ لأنّه بنفسه في ما سبق ذكر الخلاف بينهم في عصمة الأنبياء عن الكذب سهوا في ما يبلّغونه عن الله تعالى(٣) ، فإذا جاز الخطأ في التبليغ ، ففي العمل أولى
ولذا أجازوا سهو النبيّ في الصلاة ، فكما يجوز أن يصلّي الظهر ركعتين سهوا وخطأ ، فليجز أن يخطأ في مسح الخفّ والمطلوب المسح على الرجل.
وأمّا إنكاره لتجويز سرقة الدرهم على الأنبياء ؛ فمبنيّ على أنّها من
__________________
(١) الموطّأ : ٥٨ ح ١١٥.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٢ / ١٣٥ ح ٢٧٣ ، وانظر : كنز العمّال ٩ / ٥٢٠ ح ٢٧٢٤٤.
(٣) انظر الصفحة ٢٠ وما بعدها من هذا الجزء.
الصغائر الدالّة على الخسّة ، وهو من محدثات بعض المتأخّرين منهم ، كصاحب « المواقف »(١) ، وقد ذهبوا إليه ـ مع مخالفته لقواعدهم ـ فرارا من بعض الشناعات!
* * *
__________________
(١) المواقف : ٣٥٩.
تتمّة
الأحاديث الموضوعة في توهين الأنبياء والخالق
تشتمل على أخبار لهم معتبرة عندهم ، نسبوا فيها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى ما لا يليق!
[ ١ ـ حديث بدء الوحي ]
فمنها : ما رواه البخاري في أوّل صحيحه ، ومسلم في باب بدء الوحي من كتاب الإيمان ، عن عائشة ، قالت في أثناء حديثها :
« حتّى فاجأه الوحي وهو في غار حراء ، فجاءه الملك ، فقال : إقرأ!
قال : ما أنا بقارئ.
قال : فأخذني فغطّني(١) حتّى بلغ منّي الجهد ، ثمّ أرسلني فقال : إقرأ!
فقلت : ما أنا بقارئ.
فأخذني فغطّني الثانية حتّى بلغ منّي الجهد ، ثمّ أرسلني فقال : إقرأ!
فقلت : ما أنا بقارئ.
فأخذني فغطّني الثالثة ، ثمّ أرسلني فقال :( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ) (٢) .
__________________
(١) الغطّ : العصر الشديد والكبس ؛ انظر : لسان العرب ١٠ / ٨٨ مادّة « غطط ».
(٢) سورة العلق ٩٦ : ١ ـ ٣.
فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة ، فقال : زمّلوني زمّلوني(١) ، فزمّلوه حتّى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر : لقد خشيت على نفسي.
فقالت خديجة : كلّا! ما يخزيك الله أبدا ، إنّك لتصل الرحم ، وتحمل الكلّ ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحقّ.
فانطلقت به خديجة حتّى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى ، ابن عمّ خديجة ، وكان امرأ قد تنصّر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني ، وكان شيخا كبيرا قد عمي.
فقالت له خديجة : يا بن عمّ! اسمع من ابن أخيك.
فقال له ورقة : يا بن أخي! ماذا ترى؟
فأخبره رسول اللهصلىاللهعليهوآله خبر ما رأى.
فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى »(٢) الحديث.
ورواه البخاري أيضا في باب التعبير بعد أبواب كتاب الحيل ، وزاد فيه قوله :
« وفتر الوحي فترة حتّى حزن النبيّصلىاللهعليهوآله ـ في ما بلغنا ـ حزنا غدا منه مرارا كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال ، فكلّما أوفى بذروة جبل
__________________
(١) تزمّل فلان : إذا تلفّف بثيابه وتدثّر ؛ انظر : لسان العرب ٦ / ٨٣ مادّة « زمل ».
(٢) صحيح البخاري ١ / ٤ ـ ٥ ح ٣ وج ٦ / ٣٠٠ ـ ٣٠٢ ح ٤٥٠ ، صحيح مسلم ١ / ٩٧ ـ ٩٨ ، وانظر : المصنّف ـ لعبد الرزّاق ـ ٥ / ٣٢١ ـ ٣٢٣ ح ٩٧١٩ ، مسند أبي عوانة ١ / ١٠٢ ح ٣٢٨ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٧ / ٥١ وج ٩ / ٦ ، مصابيح السنّة ٤ / ٦٣ ـ ٦٦ ح ٤٥٥٦.
لكي يلقي منه نفسه تبدّى له جبرئيل فقال : يا محمّد! إنّك رسول الله حقّا ؛ فيسكن لذلك جأشه ، وتقرّ نفسه.
فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفى بذروة جبل تبدّى له جبرئيل فقال له مثل ذلك »(١) .
ورواه أحمد في ( مسنده ) في مقامات عديدة ، وفي بعضها أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال لخديجة : « خشيت أن يكون بي جنن »(٢) .
وروى ابن الأثير في ( كامله ) نحو ما سبق(٣) ، وزاد فيه :
« وقالت خديجة لرسول اللهصلىاللهعليهوآله فيما تثبّته في ما أكرمه الله به من نبوّته : يا بن عمّ! أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟
قال : نعم.
فجاءه جبرئيل ، فأعلمها ، فقالت : قم فاجلس على فخذي اليسرى.
فقام فجلس عليها ، فقالت : هل تراه؟
قال : نعم.
قالت : فتحوّل فاقعد على فخذي اليمنى.
فجلس عليها ، فقالت : هل تراه؟
قال : نعم.
فتحسّرت ، فألقت خمارها ورسول الله في حجرها ، ثمّ قالت : هل تراه؟
__________________
(١) صحيح البخاري ٩ / ٥٤ ح ١.
(٢) مسند أحمد ١ / ٣١٢ وج ٦ / ٢٢٣ و ٢٣٢ ـ ٢٣٣.
(٣) الكامل في التاريخ ٢ / ٢١ [ ١ / ٥٧٦ ]. منهقدسسره .
قال : لا.
قالت : يا بن عمّ! اثبت وأبشر ، فو الله إنّه ملك وما هو بشيطان ».
ورواه الطبري أيضا في تاريخه مع هذر كثير(١) .
ورواه في « الاستيعاب » بترجمة خديجة(٢) .
وهذا الحديث أحقّ بأن يجعل مسخرة للناظرين لا رواية للراوين! وذلك لأمور :
الأوّل : إنّه كيف يقول النبيّصلىاللهعليهوآله مرارا : « ما أنا بقارئ » ويتحمّل المشاقّ ، ولم يسأل جبرئيل عمّا يراد قراءته؟! وهل هو من كتاب أو غيره؟! فلعلّ له بأحد الوجوه علما أو عذرا!
ثمّ كيف يجوز لجبرئيل إيذاء النبيّصلىاللهعليهوآله وترويعه وهو يراه عاجزا عن إتيان ما أمره به ، فهل جاء معنّفا أو معلّما؟!
وليت شعري ما لرسول اللهصلىاللهعليهوآله يستسلم بين يديه مرارا ويرجف فؤاده؟! ألم تكن له عند القوم شجاعة موسى فيلطم جبرئيل كما لطم موسى ملك الموت؟!
الثاني : إنّه لا يمكن أن يجهل رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه رسول الله وقد علم برسالته قبل وقتها الكهّان والرهبان ، ولو جهل بها لكان غيره أولى بالجهل بها في تلك الحال ، فيلغو فيها إرساله.
أيجوز أن يبعث الله من لا يدري برسالة نفسه ولا يعلم ما هو؟! وهو سبحانه قد بعث عيسى وهو في المهد وعرّفه أنّه نبيّه وأنطقه برسالته!
__________________
(١) تاريخ الطبري ١ / ٥٣٣.
(٢) الاستيعاب ٤ / ١٨٢٠ رقم ٣٣١١.
ولا أدري أيّ نبوّة لمن يخشى على نفسه من رسول الله إليه؟!
وأيّ رسالة لمن يحقّقها بقول نصراني ، ويتعرّفها بقول امرأة ، حتّى تثبّته عليها بذلك الطريق الوحشي؟!
ولعمري إنّ امرأة تثبّت نبيّا نبوّته وتعلّمه بها لأحقّ منه بالنبوّة! وعلى ذلك يكون ورقة وخديجة أوّل الناس إسلاما والسابقين فيه حتّى على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهذا بالخرافات والكفر أشبه!
الثالث : إنّه كيف يريد النبيّصلىاللهعليهوآله إلقاء نفسه من شواهق الجبال وهو فعل من لا عقل له ، وقد حرّمه الشرع كتابا وسنّة! حتّى روى أحمد(١) ، عن أبي هريرة ، عن النبيّصلىاللهعليهوآله ، أنّه قال : « من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو يردى في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها ».
فيا حسرة لسيّد النبيّينصلىاللهعليهوآله ! ويا أسفا على شأنه من شانئيه! مرّة ينسبونه إلى الهجر في القول ، ومرّة إلى الهجر في العمل ، لعمر الله لقد فضحنا هؤلاء المتّسمون بالمسلمين عند الملل الخارجة!
فيا هل ترى إذا جاء الرجل منهم وفتح أصحّ كتاب بعد كتاب الله بزعم جمهور من يدّعي الإسلام ، ونظر إلى أوّل صفحة منه ، ورأى فيها هذه الخرافة والشناعة ، كيف يقع في ذهنه الإسلام؟! وفي أيّ محلّ يجعل النبيّ الأطيب من الصدق والمعرفة والعقل؟!
وممّا يكذّب هذا الحديث ما رواه البخاري في تفسير سورة المدّثّر ، عن أبي سلمة ، قال : سألت جابر بن عبد الله : أيّ القرآن أنزل أوّل؟
فقال :( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) (٢) .
__________________
(١) مسند أحمد ٢ / ٢٥٤ و ٤٣٥ و ٤٧٨ و ٤٨٨. منهقدسسره .
(٢) سورة المدّثّر ٧٤ : ١.
فقلت : أنبئت أنّه :( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) (١) .
فقال : لا أخبرك إلّا بما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : كنت في حراء ، فلمّا قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي ، فنوديت ، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي ، فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض ، فأتيت خديجة فقلت : دثّروني وصبّوا عليّ ماء باردا ، وأنزل [ عليّ ] :( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ) (٢) (٣) .
فإنّه صريح في تكذيب الحديث السابق المبنيّ على أنّ أوّل آية نزلت قوله تعالى :( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) وقد يقال : إنّ الحديثين متكاذبان فيلغيان ، وهما باللغو متشابهان!
[ ٢ ـ حديث تأبير النخل ]
ومن الأخبار التي نسبوا الأنبياء فيها إلى ما لا يليق ، ما رواه مسلم في كتاب الفضائل ، في باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي(٤) .
ورواه أحمد(٥) ، عن عائشة ، قالت : « إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله سمع أصواتا
__________________
(١) سورة العلق ٩٦ : ١.
(٢) سورة المدّثّر ٧٤ : ١ ـ ٣.
(٣) صحيح البخاري ٦ / ٢٨٣ ح ٤١٧ ، وانظر : صحيح مسلم ١ / ٩٩ ، مسند أحمد ٣ / ٣٠٦ و ٣٩٢.
(٤) صحيح مسلم ٧ / ٩٥.
(٥) مسند أحمد ٦ / ١٢٣. منهقدسسره .
وانظر : سنن ابن ماجة ٢ / ٨٢٥ ح ٢٤٧١.
فقال : ما هذه الأصوات؟!
قالوا : النخل يؤبّرونه(١) .
فقال : لو لم يفعلوا لصلح ـ وفي رواية : كان خيرا ـ!
فلم يؤبّروا عامئذ ، فصار شيصا(٢) ، فذكروا ذلك للنبيّصلىاللهعليهوآله ، فقال : إذا كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم به ، وإذا كان شيئا من أمر دينكم فإليّ ».
فليت شعري كيف لا يعلم رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّ النخل لا يصلح بغير تأبير وهو في محلّ النخل فعلا ، وفي قربه سابقا ، وقد قارب عمره الستّين أو تجاوز؟!.
ولو فرض أنّه لا يعلم ، كيف يقول : « لو لم يؤبّروا لصلح ـ أو : كان خيرا ـ »؟! فيكذب ـ حاشاه ـ من غير رويّة ، ويرسل من غير سدد!
وهل يوثق به بعد هذا أو يسترشد برأيه في الأمور العامة ومصادر الزعامة؟!
ولو نسب هذا إلى أحد لكان مسخرة لمن سمع ، وأعجوبة لمن عقل ، فكيف ينسب إلى سيّد النبيّين ، العالم بأسرار الأشياء ، المعلّم من ربّ الأرض والسماء ، الذي لا ينطق إلّا عن وحي ، ولم يعط مثله أحد جوامع الكلم؟!
__________________
(١) أبر وأبّر النخل : لقّحه ، ونخلة مؤبّرة ومأبورة ؛ انظر : لسان العرب ١ / ٤٢ مادّة « أبر ».
(٢) الشّيص : رديء التمر ، والتمر الذي لا يشتدّ نواه ويقوى وقد لا يكون له نوى أصلا ، وإنما يشيّص إذا لم يلقح ؛ انظر : لسان العرب ٧ / ٢٥٦ مادّة « شيص ».
[ ٣ ـ حديث إسقاط النبيّصلىاللهعليهوآله آيات من القرآن ]
ومنها : ما رواه البخاري في كتاب الدعوات ، في باب قول الله تعالى :( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ) (١) ، عن عائشة ، قالت : « سمع النبيّصلىاللهعليهوآله رجلا يقرأ في المسجد ، فقال : رحمه الله! لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها في سورة كذا وكذا »(٢) .
ورواه مسلم بهذا اللفظ ، وبلفظ « أنسيتها » بدل « أسقطتها » في باب الأمر بتعهّد القرآن ، من أبواب فضائل القرآن(٣) .
ورواه أبو داود ، في أوّل كتاب الحروف والقراءة ، من سننه ، عن عائشة أيضا ، بلفظ : « كأيّن من آية أذكرنيها الليلة كنت قد أسقطتها »(٤) .
وهذا من أكذب الأحاديث ؛ لقوله سبحانه :( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ) (٥) ، ولأنّه أبلغ الأمور نقصا بالنبيّ ؛ لأنّ من ينسى ما أرسل به ، وما هو معجزة له ، لم يكن محلّ الوثوق والاعتماد في التبليغ ، فلا يصلح للرسالة.
__________________
(١) سورة التوبة ٩ : ١٠٣.
(٢) صحيح البخاري ٨ / ١٣٢ ح ٣١ ، وانظر : ج ٣ / ٣٣٩ ح ٢١ وج ٦ / ٣٣٤ ح ٦٣ ، مسند أحمد ٦ / ٦٢ و ١٣٨ ، مسند أبي عوانة ٢ / ٤٥٩ ح ٣٨٢٨ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٣ / ١٢ ، الجمع بين الصحيحين ٤ / ٩٨ ح ٣٢١٢ ، شرح السنّة ٣ / ٢٧٢.
(٣) صحيح مسلم ٢ / ١٩٠ ، وانظر : صحيح البخاري ٦ / ٣٣٢ ـ ٣٣٣ ح ٥٧ ـ ٥٩ ، مسند أبي عوانة ٢ / ٤٥٩ ح ٣٨٢٧.
(٤) سنن أبي داود ٤ / ٣٠ ح ٣٩٧٠ ، وانظر : ج ٢ / ٣٨ ح ١٣٣١ ، مصنّف عبد الرزّاق ٣ / ٣٦١ ح ٥٩٧٥ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٣ / ١٢.
(٥) سورة الأعلى ٨٧ : ٦.
وروى مسلم في الباب المذكور ، أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : بئسما لأحدهم أن يقول : نسيت آية كيت وكيت ؛ وقال : بئسما للرجل أن يقول :
نسيت سورة كيت وكيت ، وأنسيت آية كيت وكيت(١) .
فكيف يذمّ غيره على ذلك وهو يتّصف به؟!
[ ٤ ـ حديث نوم النبيّصلىاللهعليهوآله عن صلاة الصبح ]
ومنها : ما رواه مسلم في باب قضاء الصلاة ، آخر كتاب المساجد ، من الأخبار الكثيرة المتضمّنة لنوم النبيّصلىاللهعليهوآله عن صلاة الصبح حتّى أيقظه وأصحابه حرّ الشمس ، وفي بعضها كان أبو بكر أوّل من استيقظ ، ثمّ استيقظ عمر ، فقام عند نبيّ الله فجعل يكبّر ويرفع صوته بالتكبير حتّى استيقظ رسول اللهصلىاللهعليهوآله (٢) !
وروى البخاري نحو ذلك في كتاب التيمّم ، في باب الصعيد الطيّب وضوء المسلم ، وفي كتاب الصلاة ، في باب الأذان بعد ذهاب الوقت(٣) .
فما أدري أأصدّق نوم النبيّصلىاللهعليهوآله عن عبادة ربّه الواجبة ، وقد كان
__________________
(١) صحيح مسلم ٢ / ١٩١ ، وانظر : صحيح البخاري ٦ / ٣٣١ ح ٥١ وص ٣٣٣ ح ٦٠ ، سنن الترمذي ٥ / ١٧٧ ح ٢٩٤٢ ، سنن النسائي ٢ / ١٥٤ ـ ١٥٥ ، سنن الدارمي ٢ / ٢٩٧ ح ٣٣٤٢ ، مسند أحمد ١ / ٤١٧ و ٤٢٣ و ٤٢٩ و ٤٣٨ و ٤٤٩ و ٤٦٣ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٢ / ٧٠ ح ٧٥٩ و ٧٦٠ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٢ / ٣٩٥ ، شرح السنّة ٣ / ٢٧١ ح ١٢٢٢.
(٢) صحيح مسلم ٢ / ١٣٨ ـ ١٤٢.
(٣) صحيح البخاري ١ / ١٥٢ ح ١٠ وص ٢٤٤ ح ٧١ ، وانظر : سنن أبي داود ١ / ١١٦ ـ ١١٧ ح ٤٣٥ ـ ٤٣٧ ، سنن ابن ماجة ١ / ٢٢٧ ـ ٢٢٨ ح ٦٩٧ ، سنن النسائي ١ / ٢٩٧ ـ ٢٩٩ ، مسند أحمد ٤ / ٤٣٤ و ٤٤١ ، صحيح ابن خزيمة ٢ / ٩٤ ح ٩٨٧ ، مسند أبي عوانة ١ / ٥٦٣ ـ ٥٦٦ ح ٢٠٩٨ ـ ٢١٠١.
تنام عيناه ولا ينام قلبه؟! أم أصدّق ثقل نومه حتّى يحتاج إلى أن يرفع عمر صوته بالتكبير عنده؟! أم أصدّق نوم الجيش كلّه بلا حارس ، وهو ممّا لم يتّفق؟!!
وروى البخاري في أثناء أبواب التقصير ، في باب إذا نام ولم يصلّ بال الشيطان في أذنه ، وفي كتاب بدء الخلق ، في باب صفة إبليس وجنوده ، أنّه ذكر عند النبيّصلىاللهعليهوآله رجل نام ليله حتّى أصبح ، فقال : « ذلك رجل بال الشيطان في أذنه »(١) .
ورواه مسلم في باب الحثّ على صلاة الوقت ، من كتاب صلاة المسافرين(٢) .
فهل يجوز عند القوم أن يفعل الشيطان ذلك بنبيّهم؟! قبّح الله آراءهم!
[ ٥ ـ حديث ترك النبيّصلىاللهعليهوآله صلاة العصر ]
ومنها : ما رواه البخاري في بابين من أواخر كتاب المواقيت ، وفي باب قول الرجل : ما صلّينا ، من كتاب الأذان ، وفي أواخر كتاب الجمعة :
« إنّ عمر بن الخطّاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس فجعل يسبّ كفّار قريش ، قال : يا رسول الله! ما كدت أصلّي العصر حتّى كادت الشمس تغرب.
__________________
(١) صحيح البخاري ٢ / ١٢١ ح ١٧٤ وج ٤ / ٢٤٩ ح ٧٩.
(٢) صحيح مسلم ٢ / ١٨٧ ، وانظر ، سنن النسائي ٣ / ٢٠٤ ، سنن ابن ماجة ١ / ٤٢٢ ح ١٣٣٠ ، مسند أحمد ١ / ٣٧٥ و ٤٢٧ وج ٢ / ٢٦٠ و ٤٢٧ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٢ / ١٧٣ ب ١٠٠ ح ٧ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٣ / ١٥.
قال النبيّصلىاللهعليهوآله : ما صلّيتها!
فقمنا إلى ضجنان(١) فتوضّأ للصلاة وتوضّأنا لها ، فصلّى العصر بعد ما غربت ، ثمّ صلّى بعدها المغرب »(٢) .
ورواه مسلم في باب الدليل لمن قال : الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ، من كتاب المساجد(٣) .
وهذا الحديث أسوأ من الحديث الذي قبله ؛ لأنّ ترك الصلاة في اليقظة أعظم من تركها للنوم!
فلو فرض صدق هذا الخبر كان النبيّصلىاللهعليهوآله مصداقا لقوله تعالى :( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ) (٤) !
وكذلك المسلمون جميعا سوى عمر! وكان النبيّصلىاللهعليهوآله مخالفا لأمر الله بالسبق إلى الخيرات والمسارعة إلى المغفرة ، ولما حثّ عليه هو بنفسه من الصلاة في أوّل وقتها!
__________________
(١) كذا في الأصل ، والظاهر أنّه تصحيف ، والصواب كما في المصدر وفتح الباري ٢ / ٨٧ ـ ٨٨ ح ٥٩٦ : « بطحان » ؛ إذ إنّ وقعة الخندق كانت في المدينة ، وبطحان ـ أو : بطحان ـ : واد في المدينة ، وهو أحد أوديتها الثلاثة ، وهي : العقيق وبطحان وقناة ؛ انظر : معجم البلدان ١ / ٥٢٩ رقم ١٩٦٦.
أمّا ضجنان : فهو جبل بناحية تهامة ، وقيل : جبيل على بريدة من مكّة ، وقيل : بينه وبين مكّة ٢٥ ميلا ، وقيل غير ذلك ؛ انظر : معجم البلدان ٣ / ٥١٤ رقم ٧٧٣٩.
(٢) صحيح البخاري ١ / ٢٤٥ ح ٧٢ وص ٢٦١ ح ٣٧ وج ٢ / ٥٢ ح ٦٨ وج ٥ / ٢٤١ ح ١٤٨.
(٣) صحيح مسلم ٢ / ١١٣ ، وانظر : سنن الترمذي ١ / ٣٣٨ ح ١٨٠ ، سنن النسائي ٣ / ٨٤ ـ ٨٥ ، صحيح ابن خزيمة ٢ / ٩٨ ح ٩٩٥ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ٢ / ٢١٩ ، شرح السنّة ٢ / ٥١ ح ٣٩٦.
(٤) سورة الماعون ١٠٧ : ٤ و ٥.
وليت شعري كيف نسيها يوم الخندق ولا حرب ، وهو لم ينسها في سائر المشاهد عند تقابل الصفوف وتلاقي السيوف؟!
ولا أدري كيف عمّ النسيان المسلمين جميعا غير عمر؟!
فلا ريب أنّ استثناء عمر هو الداعي لوضع هذا الحديث وتوهين مقام الرسالة كما أنّ ذكره وذكر صاحبه بطرف فضيلة هو الداعي لوضع الحديث الذي قبله.
[ ٦ ـ حديث إذا لعن النبيّصلىاللهعليهوآله أحدا فهو له زكاة ]
ومنها : ما رواه مسلم في كتاب البرّ والصلة والآداب ، في باب من لعنه النبيّ أو سبّه أو دعا عليه وليس هو أهلا لذلك كان له زكاة وأجرا ورحمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « اللهمّ إنّما أنا بشر ، فأيّما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته ، فاجعلها له زكاة ورحمة »(١) .
وفي رواية : « اللهمّ إنّما محمّد بشر يغضب كما يغضب البشر »(٢) .
وروى نحو ذلك عن عائشة وغيرها(٣) .
وكذا رواه البخاري في باب قول النبيّصلىاللهعليهوآله : « من آذيته فاجعل ذلك له قربة إليك » ، من كتاب الدعوات(٤) .
__________________
(١) صحيح مسلم ٨ / ٢٥.
(٢) صحيح مسلم ٨ / ٢٦.
(٣) صحيح مسلم ٨ / ٢٤.
(٤) صحيح البخاري ٨ / ١٣٩ ح ٥٤.
وأخرجه أحمد(١) .
وهو كذب صريح ، ونقص في النبيّصلىاللهعليهوآله كبير ؛ لأنّه مستلزم ـ وحاشا النبيّ ـ لفسقه ، لما
رواه البخاري ومسلم في كتاب الإيمان ، أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر »(٢)
وكيف يلعن النبيّصلىاللهعليهوآله مسلما وهو
يقول : « لعن المؤمن كقتله » كما رواه مسلم في باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ، من كتاب الإيمان(٣)
ويقول : « لا يكون اللعّانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة »
ويقول : « لا ينبغي لصدّيق أن يكون لعّانا »
كما رواهما مسلم ، في باب النهي عن لعن الدوابّ ، من كتاب البرّ والصلة(٤)
__________________
(١) مسند أحمد ٢ / ٢٤٣. منهقدسسره .
وانظر : مسند أحمد ٢ / ٤٨٨ وج ٣ / ٤٠٠ وج ٥ / ٤٥٤ ، مسند أبي يعلى ٤ / ١٨٤ ـ ١٨٥ ح ٢٢٧١ ، المعجم الأوسط ٣ / ٦٥ ح ٢٣٣٠ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٨٩ ب ٦٢ ح ٣ و ٤.
(٢) صحيح البخاري ١ / ٣٣ ح ٤٧ وج ٨ / ٢٧ ح ٧٢ وج ٩ / ٩٠ ح ٢٥ ، صحيح مسلم ١ / ٥٨ ، وانظر : سنن الترمذي ٤ / ٣١١ ح ١٩٨٣ وج ٥ / ٢٢ ح ٢٦٣٥ ، سنن النسائي ٧ / ١٢١ ، سنن ابن ماجة ١ / ٢٧ ح ٦٩ وج ٢ / ١٢٩٩ ـ ١٣٠٠ ح ٣٩٣٩ ـ ٣٩٤١ ، مسند أحمد ١ / ١٧٦ و ١٧٨ و ٣٨٥ و ٤١١ و ٤٣٣ و ٤٣٩ و ٤٥٤.
(٣) صحيح مسلم ١ / ٧٣ ، وانظر : صحيح البخاري ٨ / ٢٧ ـ ٢٨ ح ٧٥ ، مسند أحمد ٤ / ٣٣ ، المعجم الكبير ٢ / ٧٢ ح ١٣٢٦ ، مسند أبي عوانة ١ / ٥٠ ح ١٢٩.
(٤) صحيح مسلم ٨ / ٢٣ ـ ٢٤ ، وانظر : سنن الترمذي ٤ / ٣٢٦ ح ٢٠١٩ ، سنن أبي داود ٤ / ٢٧٩ ح ٤٩٠٧ ، مسند أحمد ٢ / ٣٣٧ و ٣٦٦ وج ٦ / ٤٤٨ ، الأدب المفرد : ١٠٠ ح ٣١٩ و ٣٢٠ ، المستدرك على الصحيحين ١ / ١١١ ح ١٤٩ ، حلية الأولياء ٣ / ٢٥٩ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ١٠ / ١٩٣ ، شرح السنّة ٧ / ٣٦٥ ح ٣٥٥٤.
وروى مسلم في هذا الباب ، عن أبي هريرة : « أنّه قيل : يا رسول الله! ادع على المشركين؟ قال : إنّي لم أبعث لعّانا ، وإنّما بعثت رحمة »(١)
وروى فيه أيضا : « أنّه سمع النبيّصلىاللهعليهوآله في بعض أسفاره امرأة لعنت ناقتها ، فقال : خذوا ما عليها ودعوها ، فإنّها ملعونة(٢) .
وفي رواية : « لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة »(٣)
مع أنّ ذلك ليس من أخلاقهصلىاللهعليهوآله ، فقد كان كما وصفه الله تعالى :( إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (٤) ، فكيف يكون سيّئ الخلق لعّانا؟!
وروى البخاري في كتاب الآداب ، في باب لم يكن النبيّ فاحشا ولا متفحّشا ، عن أنس ، قال : « لم يكن [ النبيّصلىاللهعليهوآله ] سبّابا ، ولا فحّاشا ، ولا لعّانا ، كان يقول لأحدنا عند المعتبة ما له ترب جبينه »(٥)
وروى في الباب عن عائشة : « أنّ يهودا أتوا النبيّصلىاللهعليهوآله فقالوا : السام عليكم.
__________________
(١) صحيح مسلم ٨ / ٢٤ ، وانظر : الأدب المفرد ١٠١ ب ١٤٩ ح ٣٢٤ ، مسند أبي يعلى ١١ / ٣٥ ح ٦١٧٤ ، مصابيح السنّة ٤ / ٥٦ ح ٤٥٣١.
(٢) صحيح مسلم ٨ / ٢٣ ، وانظر : سنن أبي داود ٣ / ٢٦ ح ٢٥٦١ ، سنن الدارمي ٢ / ١٩٩ ح ٢٦٧٣ ، مسند أحمد ٤ / ٤٢٩ و ٤٣١ ، المعجم الكبير ١٨ / ١٩٠ ح ٤٥٢ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٦ / ١٦٢ ب ٩٧ ح ١.
(٣) صحيح مسلم ٨ / ٢٣ ، وانظر : مسند أحمد ٤ / ٤٢٠ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٥ / ٢٥٤.
(٤) سورة القلم ٦٨ : ٤.
(٥) صحيح البخاري ٨ / ٢٣ ح ٥٩ وص ٢٧ ح ٧٤ ، وانظر : الأدب المفرد : ١٢٧ ح ٤٣٥ ، مسند أحمد ٣ / ١٢٦ و ١٤٤ و ١٥٨ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ١٠ / ١٩٣.
فقالت عائشة : عليكم ، ولعنة الله وغضب الله عليكم.
قال : مهلا يا عائشة! عليك بالرفق ، وإيّاك والعنف والفحش »(١) الحديث
فكيف يكون سبّابا للمؤمنين كأقلّ البشر؟!
أو كيف يجلد أحدا جورا وهو
يقول : « المسلم من سلم الناس من يده ولسانه » كما في أوائل صحيح البخاري(٢) ؟!
نعم ، ربّما يلعن بعض المنافقين وفراعنة الأمّة ، الّذين ينزون على منبره نزو القردة(٣) ؛ لكشف حقائقهم ، إذ يعلم بابتلاء الأمّة بهم ، كبني أميّة ، الشجرة الملعونة في القرآن(٤) ، لكنّ أتباعهم
__________________
(١) صحيح البخاري ٨ / ٢٢ ح ٥٨ ، وانظر : ج ٤ / ١١٧ ح ١٤٦ وج ٨ / ٢١ ح ٥٣ وص ١٠٣ ح ٢٩ ، صحيح مسلم ٧ / ٤ ـ ٥ ، سنن الترمذي ٥ / ٥٧ ـ ٥٨ ح ٢٧٠١ ، مسند أحمد ٦ / ٣٧ و ١٣٤ ـ ١٣٥ و ١٩٩ ، مسند أبي يعلى ٧ / ٣٩٤ ح ٤٤٢١.
(٢) صحيح البخاري ١ / ١٦ ح ٩ ، وانظر : ج ٨ / ١٨٣ ح ٧١ ، صحيح مسلم ١ / ٤٨ ، سنن أبي داود ٣ / ٤ ح ٢٤٨١ ، سنن الترمذي ٥ / ١٨ ح ٢٦٢٧ ، سنن النسائي ٨ / ١٠٥ و ١٠٧ ، سنن الدارمي ٢ / ٢٠٧ ح ٢٧١٢ ، مسند أحمد ٢ / ١٦٣ و ١٩٢ و ٢٠٥ و ٢٠٩.
(٣) إشارة إلى ما روي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه رأى في المنام أنّ بني أميّة ينزون على منبره نزو القردة ؛ انظر : مسند أبي يعلى ١١ / ٣٤٨ ح ٦٤٦١ ، تفسير الطبري ٨ / ١٠٣ ح ٢٢٤٣٣ ، المستدرك على الصحيحين ٤ / ٥٢٧ ح ٨٤٨١ وصحّحه على شرط الشيخين وأقرّه الذهبي في « التلخيص » على شرط مسلم ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٦ / ٥١١ ، تاريخ بغداد ٩ / ٤٤ ، تفسير القرطبي ١٠ / ١٨٣ ـ ١٨٤ ، مجمع الزوائد ٥ / ٢٤٣ ـ ٢٤٤ وقال : « رواه أبو يعلى ، ورجاله رجال الصحيح غير مصعب بن عبد الله بن الزبير وهو ثقة » ، الدرّ المنثور ٥ / ٣٠٩ ـ ٣١٠ ، كنز العمّال ١١ / ١٦٧ ح ٣١٠٦٤ وص ٣٥٨ ح ٣١٧٣٦.
(٤) تقدّم تخريج ذلك عن أمّهات مصادر القوم في ج ١ / ١٦٨ ه ٤ ، فراجع.
وضعوا الحديث الذي صيّروا فيه اللعنة زكاة ليعمّوا على الناس أمرهم ، ويجعلوا لعن النبيّصلىاللهعليهوآله لهم لغوا ، ودعاءه على معاوية بأن « لا يشبع الله بطنه »(١) باطلا ، فجزاهم الله تعالى عن نبيّهم ما يحقّ بشأنهم!
[ ٧ ـ حديث نفي النبيّصلىاللهعليهوآله عذاب القبر ]
ومنها : ما رواه أحمد(٢) ، عن عائشة ، أنّ يهودية قالت لها : « وقاك الله عذاب القبر.
قالت : فدخل رسول اللهصلىاللهعليهوآله عليّ ، فقلت : هل للقبر عذاب قبل يوم القيامة؟
قال : لا ، وعمّ ذلك؟!
قالت : هذه يهودية قالت : وقاك الله عذاب القبر.
قال : كذبت يهود ، وهم على الله أكذب ، لا عذاب دون يوم القيامة.
ثمّ مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث ، فخرج ذات يوم نصف النهار مشتملا بثوبه ، محمرّة عيناه ، وهو ينادي بأعلى صوته : أيّها الناس! ستعيذوا بالله من عذاب القبر ، فإنّ عذاب القبر حقّ ».
وروى أيضا عن عائشة(٣) ، قالت : « سألتها امرأة يهودية فأعطتها ، فقالت لها : أعاذك الله من عذاب القبر ؛ فأنكرت عائشة ذلك ، فلمّا رأت النبيّصلىاللهعليهوآله قالت له ، فقال : لا.
__________________
(١) انظر : أنساب الأشراف ٥ / ١٣٣ ـ ١٣٤ ، الجمع بين الصحيحين ـ للحميدي ـ ٢ / ١٣٥ ح ١٢٤٠ ؛ وراجع ج ١ / ١٠ ـ ١١ ه ١ فقد فصّلنا تخريج الحديث هناك.
(٢) مسند أحمد ٦ / ٨١. منهقدسسره .
(٣) مسند أحمد ٦ / ٢٣٨. منهقدسسره .
قالت عائشة : ثمّ قال لنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعد ذلك : إنّه أوحي إليّ أنّكم تفتنون في قبوركم ».
فهذا الحديث لو صدق لا قتضى أن يكون نفي النبيّصلىاللهعليهوآله لعذاب القبر كذبا وقولا بغير علم! بل تقوّلا على الله تعالى ؛ لأنّه يخبر بما هو نبيّ ، والله سبحانه يقول :( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ) (١) .
واقتضى أن يكون قوله : « كذبت يهود » ظلما لهم وحيفا عليهم ، حمله عليه الهوى ، والله سبحانه يقول :( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى ) (٢) .
فكيف جاز لهؤلاء القوم أن ينسبوا ذلك إلى سيّد النبيّين؟!
[ ٨ ـ حديث حبّ النبيّصلىاللهعليهوآله لعائشة ]
ومنها : ما رواه أحمد(٣) ، عن عائشة ، قالت : « أرسلت أزواج النبيّصلىاللهعليهوآله فاطمة [ بنت النبيّصلىاللهعليهوآله ] فاستأذنت والنبيّ مع عائشة في مرطها(٤) ، فأذن لها ، فدخلت عليه فقالت : يا رسول الله! إنّ أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة.
فقال النبيّصلىاللهعليهوآله : أي بنيّة! ألست تحبّين ما أحبّ؟!
__________________
(١) سورة الحاقّة ٦٩ : ٤٤ ـ ٤٦.
(٢) سورة النجم ٥٣ : ٣ و ٤.
(٣) مسند أحمد ٦ / ٨٨. منهقدسسره .
(٤) المرط ، وجمعه مروط : كساء من خزّ أو صوف أو كتّان ؛ انظر : لسان العرب ١٣ / ٨٣ مادّة « مرط ».
فقالت : بلى.
فقال : أحبّي هذه لعائشة.
فقامت فاطمة وخرجت ، فجاءت أزواج النبيّ فحدّثتهنّ بما قالت وبما قال لها
فقلن لها : ما أغنيت عنّا من شيء ، فارجعي إلى النبيّصلىاللهعليهوآله .
فقالت فاطمة : والله لا أكلّمه فيها أبدا.
فأرسل أزواج النبيّ زينب بنت جحش ، فاستأذنت ، فأذن لها ، فدخلت فقالت : يا رسول الله! أرسلنني إليك أزواجك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة.
قالت [ عائشة ] : ثمّ وقعت بي زينب » الحديث.
وروى أيضا نحوه(١) .
ورواه مسلم في باب فضل عائشة(٢) .
وهو دالّ على أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله لم يعدل بين أزواجه ، وكان يقدّم عائشة عليهنّ حبّا لها ، وهو خلاف ما أمر الله تعالى به ، مع أنّه
قد روى أحمد(٣) ، عن أبي هريرة ، أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « من كانت له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى ، جاء يوم القيامة وأحد شقّيه ساقط ».
ومثله في مسند أحمد(٤) .
ونحوه في سنن أبي داود ، في باب القسم بين النساء ، من كتاب
__________________
(١) مسند أحمد ٦ / ١٥٠. منهقدسسره .
(٢) صحيح مسلم ٧ / ١٣٥ ، وانظر : صحيح البخاري ٣ / ٣١٠ ح ١٦ ، سنن النسائي ٧ / ٦٥ ـ ٦٧.
(٣) مسند أحمد ٢ / ٣٤٧. منهقدسسره .
(٤) مسند أحمد ٢ / ٤٧١. منهقدسسره .
النكاح(١)
وروى البغوي في باب القسم ، من كتاب النكاح ، من ( مصابيحه ) ، من الحسان : « إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : إذا كانت عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما ، جاء يوم القيامة وشقّه ساقط »(٢)
وليت شعري إذا عجز عدل رسول الله عن المساواة بين أزواجه اتّباعا لهواه في عائشة ، فكيف يعدل بين الناس والدواعي لخلاف العدل فيهم أكثر وأعظم؟!
وما باله لم يتّبع أمر الله تعالى ـ حاشاه ـ إذ يقول :( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً ) (٣) ، فلا يتزوّج غير عائشة ، أو يطلّق من عداها ويقيم معها في مرطها؟!
ولست أعجب من عائشة في رواية مثل ذلك ، وهي لا تبالي بنقص النبيّصلىاللهعليهوآله لإظهار حبّه لها! ولكنّ العجب ممّن يروي عنها ذلك ونحوه ولا يرعى حرمة سيّد الرسل!!
فكم رووا عنها من خرافات كثيرة متشدّقين بها ، مثل ما رواه أحمد(٤) ، عن عائشة ، قالت : « كانت عندنا أمّ سلمة ، فجاء النبيّصلىاللهعليهوآله
__________________
(١) سنن أبي داود ٢ / ٢٤٩ ح ٢١٣٣.
(٢) مصابيح السنّة ٢ / ٤٤١ ح ٢٤١٤ ، وانظر : سنن الترمذي ٣ / ٤٤٧ ح ١١٤١ ، سنن النسائي ٧ / ٦٣ ، سنن ابن ماجة ١ / ٦٣٣ ح ١٩٦٩ ، سنن الدارمي ٢ / ١٠٠ ح ٢٢٠٢ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٦ / ٢٠٤ ح ٤١٩٤ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٧ / ٢٩٧.
(٣) سورة النساء ٤ : ٣.
(٤) مسند أحمد ٦ / ١٣٠. منهقدسسره .
وانظر : سنن أبي داود ٤ / ٢٧٦ ح ٤٨٩٨ وفيه : « زينب بنت جحش » بدل « أمّ سلمة ».
عند جنح الليل ، قالت : فذكرت شيئا صنعه بيده ، وجعل لا يفطن لأمّ سلمة ، وجعلت أومئ إليه حتّى فطن
قالت أمّ سلمة : أهكذا [ الآن ]؟! أما كانت واحدة منّا عندك إلّا في خلابة(١) كما أرى ، ـ وسبّت عائشة ـ!
وجعل النبيّصلىاللهعليهوآله ينهاها فتأبى ، فقال النبيّصلىاللهعليهوآله : سبّيها! فسببتها [ حتّى غلبتها ].
فانطلقت أمّ سلمة إلى عليّ وفاطمة ، فقالت : إنّ عائشة سبّتها ، وقالت لكم وقالت لكم.
فقال عليّ لفاطمة : إذهبي فقولي : إنّ عائشة قالت لنا وقالت لنا.
[ فأتته ] فذكرت ذلك له ، فقال لها النبيّصلىاللهعليهوآله : إنّها حبّة(٢) أبيك وربّ الكعبة.
فرجعت إلى عليّ فذكرت له الذي قال لها.
فقال : أما كفاك إلّا أن قالت لنا عائشة وقالت لنا حتّى أتتك فاطمة فقلت لها : إنّها حبّة أبيك وربّ الكعبة ».
فأنت ترى أنّ عائشة قد رمت أمّ سلمة الطاهرة بأنّها سبّتها ظلما ، ولم تنته بنهي النبيّصلىاللهعليهوآله ولم تراع حرمته ، وأنّها أرادت الفتنة بينها وبين أمير المؤمنين والزهراءعليهماالسلام ، وأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله لم يجب بضعته إلّا بأنّ عائشة حبّته!
__________________
(١) الخلابة : المخادعة ، وقيل : الخديعة باللسان ؛ انظر : لسان العرب ٤ / ١٦٥ مادّة « خلب ».
(٢) الحبّ ـ والأنثى بالهاء ـ : الحبيب والمحبوب ؛ انظر : لسان العرب ٣ / ٧ ـ ٨ مادّة « حبب ».
فإن كانت أمّ سلمة صادقة في ما نسبته إلى عائشة بالنسبة إلى أمير المؤمنين والزهراء ، فلم لم ينتصف من عائشة لأخيه وبضعته؟!
وإن كانت كاذبة ، فلم لم يطيّب قلبيهما بتكذيب أمّ سلمة؟!
فهل أغفله عشقه لعائشة عن ذلك كما أغفله عن العدل بين نسائه وطاعة الله تعالى ، وعن فعل ما لا يليق بشرفه وشأنه؟!
وليس هذا الخبر إلّا من وضع القصّاصين المخنّثين فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
وروى البخاري في باب قبول الهدية ، من كتاب الهبة ، عن عائشة :
« إنّ الناس كانوا يتحرّون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك مرضاة النبيّصلىاللهعليهوآله »(١) .
ورواه مسلم عن عائشة ، في باب فضلها(٢) .
وهو أشبه بالخرافات ، إذ كيف يجمل برسول اللهصلىاللهعليهوآله ترك الإنصاف بين أزواجه ـ تبعا لهواه ـ حتّى أظهره للناس وعرّفه العامّة فطلبوا مرضاته في مراعاة جانب عائشة؟! فأشبه العشّاق الوالهين لا رسل الله ربّ العالمين!!
فالله حسيب من ينسب إليه هذه الأباطيل الكاذبة!
وروى أحمد(٣) ، عن عائشة : « قالت : خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله فلمّا كنّا بالحرّ انصرفنا وأنا على جمل ، وكان آخر العهد منهم وأنا أسمع صوت
__________________
(١) صحيح البخاري ٣ / ٣٠٨ ح ٩.
(٢) صحيح مسلم ٧ / ١٣٥.
(٣) مسند أحمد ٦ / ٢٤٨. منهقدسسره .
وانظر : مجمع الزوائد ٩ / ٢٢٨ ، مسند عائشة : ٢٦٨ ح ٧١٢.
النبيّصلىاللهعليهوآله وهو بين ظهري ذلك السمر وهو يقول : وا عروساه! » الحديث.
وروى عنها أيضا(١) ، قالت : « خرجت مع النبيّصلىاللهعليهوآله في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن ، فقال للناس : تقدّموا! فتقدّموا.
ثمّ قال لي : تعالي حتّى أسابقك ؛ فسابقته ، فسبقته.
فسكت عنّي حتّى إذا حملت اللحم وبدنت ، ونسيت ، خرجت معه في بعض أسفاره ، فقال للناس : تقدّموا! فتقدّموا.
ثمّ قال : تعالي أسابقك ؛ فسابقته ، فسبقني.
فجعل يضحك وهو يقول : هذه بتلك ».
فيا عجبا كيف يصنع رسول الله ذلك وهو الوقور الذي ضحكه التبسّم ، وهو الحييّ الذي كان أشد حياء من العذراء في خدرها؟!
فهلّا غلبه الحياء أو خاف أن يستخفّه الناس إذ يأمرهم بالتقدّم وهو أميرهم ، وينفرد بزوجته ، ثمّ يسابقها ولا يخشى من ناظر ينظر؟!
وأعظم من ذلك ما رواه أحمد عنها(٢) ، قالت في حديث تزويجها بالنبيّصلىاللهعليهوآله : « ثمّ دخلت بي [ أمّي ](٣) فإذا رسول اللهصلىاللهعليهوآله جالس على
__________________
(١) مسند أحمد ٦ / ٢٦٤. منهقدسسره .
وانظر : السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٣٠٣ ـ ٣٠٥ ح ٨٩٤٢ ـ ٨٩٤٥ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٧١٩ ب ١٦٩ ح ١ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ١٠ / ١٨.
(٢) مسند أحمد ٦ / ٢١١. منهقدسسره .
وانظر : مجمع الزوائد ٩ / ٢٢٥ ـ ٢٢٧ عن الطبراني وأحمد ، أزواج النبيّ : ٨١ ـ ٨٣ عن الطبراني وأحمد والبيهقي.
(٣) إضافة توضيحه منهقدسسره .
سرير في بيتنا وعنده رجال ونساء من الأنصار ، فأجلستني في حجره فوثب الرجال والنساء [ فخرجوا ] وبنى بي » الحديث.
وهذا من أعجب الأحاديث وأفظعها! إذ كيف لا يستنكر النبيّصلىاللهعليهوآله هذا الفعل الخاسر الوحشي ولا تحمله الغيرة على إباء هذا الفعل الشنيع؟!
لعمر سيّد المرسلين لو كان له عند القوم حرمة وشأن لما استمعوا إلى عائشة في نقل هذه الأمور وتناقلتها أفواههم وأقلامهم!
ولا يسع المقام استيفاء هذه الكذبات والشناعات ، وربّما تسمع بعضها في ما يأتي إن شاء الله تعالى.
[ ٩ ـ حديث فرار الحجر من النبيّ موسىعليهالسلام ]
ومن أخبارهم التي ذكرت في الأنبياء ما لا يليق ، ما رواه البخاري في باب من اغتسل عريانا وحده ، من كتاب الغسل ، عن أبي هريرة ، عن النبيّصلىاللهعليهوآله ، قال : « كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض ، وكان موسى يغتسل وحده ، فقالوا : والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلّا أنّه آدر(١) .
فذهب مرّة يغتسل ، فوضع ثوبه على حجر ، ففرّ الحجر بثوبه ، فخرج موسى في أثره يقول : ثوبي يا حجر! ثوبي يا حجر! حتّى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى ، فقالوا : والله ما بموسى من بأس.
وأخذ ثوبه ، فطفق بالحجر ضربا!
__________________
(١) الأدرة : نفخة في الخصية ، ويقال : رجل آدر ؛ انظر : لسان العرب ١ / ٩٤ مادّة « أدر ».
فقال أبو هريرة : والله إنّه لندب بالحجر ستّة أو سبعة ضرب بالحجر »(١) .
وروى نحوه أيضا في كتاب بدء الخلق ، بعد حديث الخضر مع موسى(٢) .
وروى نحوه مسلم ، في فضائل موسى ، وفي باب تحريم النظر إلى العورات ، وقال فيه : « حتّى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى »(٣) .
ولا أدري من أيّ شيء أعجب؟!
أمن هتك الله نبيّه المقرّب وإيذائه إيّاه لمجرّد دفع وهم الجاهلين في ما لا يضرّ؟!
أم من انحصار طرق التبرئة على الله بإخراجه إلى الملأ عاريا عاديا؟!
أم من خروج موسى لقومه بادي العورة وارتكابه الحرام؟!
أم من تأديبه لما لا يعقل؟!
أم من عدم تصوّر موسىعليهالسلام أنّ عدو الحجر إنّما هو من أمر الله وفعله فلا يستحقّ الضرب؟!
انظر وتبصّر! ولا أعدّ هذه الخرافة من مختصّات أبي هريرة ، بل
__________________
(١) صحيح البخاري ١ / ١٢٩ ح ٣٠.
(٢) صحيح البخاري ٤ / ٣٠٥ ح ٢٠٤.
(٣) صحيح مسلم ١ / ١٨٣ وج ٧ / ٩٩ ، وانظر : سنن الترمذي ٥ / ٣٣٥ ح ٣٢٢١ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٦ / ٤٣٧ ح ١١٤٢٤ ، مسند أحمد ٢ / ٣١٥ ، تفسير الطبري ١٠ / ٣٣٧ ح ٢٨٦٧٣ ـ ٢٨٦٧٥ ، تفسير البغوي ٣ / ٤٧٠ ، تفسير القرطبي ١٤ / ١٦١.
يشاركه فيها كلّ راو لها ومصدّق بها!
[ ١٠ ـ حديث طواف النبيّ سليمانعليهالسلام بمئة امرأة ]
ومنها : ما رواه البخاري في باب طلب الولد للجهاد ، من كتاب الجهاد والسير ، عن أبي هريرة ، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، قال : « قال سليمان ابن داود : لأطوفنّ الليلة على مئة امرأة أو تسع وتسعين ، كلّهنّ يأتي بفارس مجاهد في سبيل الله.
فقال له صاحبه : قل إن شاء الله.
فلم يقل ( إن شاء الله ) ، فلم يحمل منهنّ إلّا امرأة واحدة جاءت بشقّ رجل »(١) الحديث.
وروى أيضا نحوه في آخر ورقة من كتاب النكاح(٢) .
وفي كتاب بدء الخلق ، في باب قول الله :( وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) (٣) (٤) .
وفي كتاب الأيمان والنذور ، في باب الاستثناء في الأيمان(٥) .
وروى نحوه مسلم أيضا ، في باب الاستثناء ، من كتاب النذور(٦) .
__________________
(١) صحيح البخاري ٤ / ٧٩ ح ٣٥.
(٢) صحيح البخاري ٧ / ٦٩ ح ١٧١.
(٣) سورة ص ٣٨ : ٣٠.
(٤) صحيح البخاري ٤ / ٣١٤ ح ٢٢٣.
(٥) صحيح البخاري ٨ / ٢٦٢ ح ١٣ ، وانظر : ج ٩ / ٢٤٧ ح ٩٥.
(٦) صحيح مسلم ٥ / ٨٧.
وأحمد في مسنده(١) .
وهو من أسخف الحكايات! فإنّ من يقول هذا القول ينبغي أن يكون قد اغترّ بكثرة الأولاد ، وأنّه ولد له قبل ذلك آلاف من البنين ، وهو غير واقع.
وكيف يحلف نبيّ الله على فعل الله وحده ، أو يتهاون بقول « إن شاء الله » ، لا سيّما بعد تنبيه صاحبه له ، المعبّر عنه بالملك في بعض هذه الأحاديث ، وهو من أعظم الدعاة إلى الله ، الموصوف في الكتاب العزيز : ب :( نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) ؟!
وكيف يستطيع بشر أن يواقع في ليلة واحدة مائة امرأة ، أو تسعا وتسعين ، أو تسعين ، أو سبعين ، على اختلاف أقوال أبي هريرة أو أشباهه من الرواة عنه؟!
[ ١١ ـ حديث حرق نبيّ قرية للنمل ]
ومنها : ما رواه البخاري في أواخر كتاب الجهاد ، عن أبي هريرة ، قال : « سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : قرصت نملة نبيّا من الأنبياء ، فأمر بقرية النمل فأحرقت ، فأوحى الله إليه : أفي(٢) إن قرصتك نملة أحرقت
__________________
(١) مسند أحمد ٢ / ٢٢٩ و ٢٧٥. منهقدسسره .
وانظر : سنن الترمذي ٤ / ٩٢ ح ١٥٣٢ ، سنن النسائي ٧ / ٢٥ ، مسند أبي عوانة ٤ / ٥٢ ـ ٥٣ ح ٥٩٩٩ ـ ٦٠٠١ ، مشكل الآثار ٢ / ٢٥٨ ح ٢٠٥٨ ، حلية الأولياء ٢ / ٢٧٩ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ١٠ / ٤٤ ، مصابيح السنّة ٤ / ٢٧ ح ٤٤٤٨.
(٢) كذا في الأصل وصحيح مسلم ، وفي سنن أبي داود : « في » ، ولم ترد في صحيح البخاري.
أمّة من الأمم تسبّح الله؟! »(١) .
ورواه ونحوه مسلم ، في باب النهي عن قتل النمل ، من كتاب قتل الحيّات(٢) .
ليت شعري كيف يصحّ أن ينسب مثل ذلك إلى نبيّ من الأنبياء؟!
.. إلى غير ذلك من أخبارهم المعتبرة عندهم التي نسبت الأنبياء إلى ما لا يليق!
وليتهم اكتفوا بها ولم يمسّوا قدس جلال الله تعالى بخرافاتهم
[ ١٢ ـ حديث وضع الربّ رجله في جهنّم ]
فمنها : ما رواه البخاري في تفسير سورة « ق » ، عن أبي هريرة :
« يقال لجهنّم : هل امتلأت ، وتقول : هل من مزيد ، فيضع الربّ تبارك وتعالى قدمه عليها فتقول : قط قط »(٣) .
وفي رواية أخرى : « فأمّا النار فلا تمتلئ حتّى يضع رجله ، فتقول : قط قط ، فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض ، ولا يظلم الله من خلقه أحدا »(٤) .
__________________
(١) صحيح البخاري ٤ / ١٤٨ ح ٢٢٢.
(٢) صحيح مسلم ٧ / ٤٣ ، وانظر : سنن أبي داود ٤ / ٣٦٨ ح ٥٢٦٦ ، سنن النسائي ٧ / ٢١٠ ـ ٢١١ ، سنن ابن ماجة ٢ / ١٠٧٥ ح ٣٢٢٥ ، مسند أحمد ٢ / ٤٠٣ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٥ / ٢١٣.
(٣) صحيح البخاري ٦ / ٢٤٥ ـ ٢٤٦ ح ٣٤٣.
(٤) صحيح البخاري ٦ / ٢٤٦ ح ٣٤٤.
وروى نحو ذلك ، عن أنس ، في كتاب التوحيد ، في باب قول الله تعالى ، وهو العزيز الحكيم :( سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ) (١) ، قال : حتّى يضع فيها ربّ العالمين قدمه ، فيزوى بعضها إلى بعض ، ثمّ تقول : قد قد بعزّتك وكرمك »(٢) .
وكذا عن أبي هريرة ، في باب ما جاء في قول الله تعالى :( إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) (٣) من الكتاب المذكور ، قال : « فتقول :
هل من مزيد ؛ ثلاثا ، حتّى يضع فيها قدمه فتمتلئ ، ويردّ بعضها إلى بعض وتقول : قط قط قط »(٤) .
وروى أيضا نحو ذلك عن أنس ، في باب الحلف بعزّة الله وصفاته ، من كتاب الأيمان والنذور ، وقال : « لا تزال تقول : هل من مزيد ، حتّى يضع ربّ العزّة فيها قدمه ، فتقول : قط قط وعزّتك »(٥) .
وروى مسلم أخبارا كثيرة من هذا النحو ، في باب النار يدخلها الجبّارون والجنّة يدخلها الضعفاء ، من كتاب الجنّة وصفة نعيمها وأهلها(٦) .
__________________
(١) سورة الصافّات ٣٧ : ١٨٠.
(٢) صحيح البخاري ٩ / ٢٠٩ ح ١٣.
(٣) سورة الأعراف ٧ : ٥٦.
(٤) صحيح البخاري ٩ / ٢٣٩ ـ ٢٤٠ ح ٧٥.
(٥) صحيح البخاري ٨ / ٢٤١ ـ ٢٤٢ ح ٣٧.
(٦) صحيح مسلم ٨ / ١٥١ ـ ١٥٢.
وانظر : سنن الترمذي ٥ / ٣٦٤ ح ٣٢٧٢ ، مسند أحمد ٢ / ٢٧٦ و ٣١٤ و ٥٠٧ وج ٣ / ١٣٤ و ١٤١ و ٢٣٠ و ٢٣٤ ، سنن الدارمي ٢ / ٢٣٣ ح ٢٨٤٤ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٢٣١ ـ ٢٣٦ ح ٥٢٥ ـ ٥٣٥ ، التوحيد ـ لابن خزيمة ـ : ٩٧ ـ ٩٨ ، الأسماء والصفات ـ للبيهقي ـ ٢ / ٨٤ ـ ٨٦.
وهي كما ترى كفر صريح ؛ لاقتضائها الجسمية والحلول بالمكان ، وفيها تكذيب لله سبحانه حيث يقول في سورة الأعراف :( اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ) (١) .
وقال تعالى في سورة ص :( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ ) (٢) .
وقال تعالى في سورة ألم السجدة :( وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (٣) .
فإنّ هذه الآيات الشريفة صريحة في أنّها تمتلئ بإبليس وأتباعه ، فكيف يقال : لا تمتلئ حتّى يضع قدمه؟!
ولعلّ الذي أوهم أبا هريرة وأنسا ، أو الرواة عنهما ، هو قوله تعالى :
( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) (٤) ، حيث تخيّلوا منه أنّها لا تزال تقول : « هل من مزيد » ولم تمتلئ بالعصاة أصلا ، لا في حين سؤال الله تعالى لها عن امتلائها!
وغفلوا عن بقية الآيات المذكورة ، فأحدثوا رواية خيالية ، وكذبوا على حسب ما تقتضيه عقولهم ، وأخذ عنهم الخرافيّون والقصصيّون من دون معرفة أيضا.
ولا يخفى أن قول أبي هريرة : « ولا يظلم الله من خلقه أحدا »(٥) دالّ على أنّه سبحانه لو ألقى فيها أحد غير من فيها كان ظالما له ، وهو خلاف
__________________
(١) سورة الأعراف ٧ : ١٨. منهقدسسره .
(٢) سورة ص ٣٨ : ٨٥. منهقدسسره .
(٣) سورة السجدة ٣٢ : ١٣. منهقدسسره .
(٤) سورة ق ٥٠ : ٣٠.
(٥) صحيح البخاري ٦ / ٢٤٦ ح ٣٤٤ وج ٩ / ٢٣٩ ـ ٢٤٠ ح ٧٥.
مذهب الأشاعرة(١) !
كما لا يخفى سخافة هذا ؛ لأنّ معناه أنّ الله سبحانه يعذّب نفسه إجابة لطلب النار ولا يظلم من خلقه أحدا!
ولا أدري أتحترق رجل ربّهم المدّعى فتطلب من الله المزيد ، أم تبقى تحت آلام النار بالتخليد؟!!
[ ١٣ ـ حديث خلق الله آدم على صورته ]
ومنها : ما رواه مسلم ، في باب النهي عن ضرب الوجه ، من كتاب البرّ والصلة والآداب ، عن أبي هريرة ، قال : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إذا قاتل أحدكم(٢) أخاه فليجتنب الوجه ، فإنّ الله خلق آدم على صورته »(٣) .
ونحوه في مسند أحمد(٤) .
__________________
(١) إذ يقولون : إنّه لا يقبح من الله شيء ، ولا يجب عليه شيء ، وله أن يعذّب المؤمنين بالنار ، ويدخل الكافرين الجنّة ، وله أن يؤلم الأطفال في الآخرة ، وكلّ هذا عدل منه ، لأنّه في ملكه ، ولا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون.
انظر : اللمع في الردّ على أهل الزيغ والبدع : ١١٥ ـ ١١٦ ، المسائل الخمسون : ٦١ ، تفسير الفخر الرازي ٧ / ١٤٤ ، شرح المواقف ٨ / ٢٠٠.
(٢) كان في الأصل : « أحدهم » ، وما أثبتناه من المصدر.
(٣) صحيح مسلم ٨ / ٣٢.
(٤) مسند أحمد ٢ / ٢٤٤ و ٤٦٣. منهقدسسره .
وانظر : مصنّف عبد الرزّاق ٩ / ٤٤٤ ح ١٧٩٥٠ ، مسند الحميدي ٢ / ٤٧٦ ح ١١٢١ ، مسند عبد بن حميد : ٢٨٣ ح ٩٠٠ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٢٢٨ ح ٥١٦ ، التوحيد ـ لابن خزيمة ـ : ٣٦ ـ ٣٧ ، الشريعة ـ للآجري ـ : ٣١٩ ح ٧٣٤ و ٧٣٦ ، الأسماء والصفات ـ للبيهقي ـ ٢ / ١٧.
وروى فيه(١) ، عن أبي هريرة أيضا ، عن النبيّصلىاللهعليهوآله : « إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه ، ولا يقل : قبّح الله وجهك ، ووجه من أشبه وجهك ، فإنّ الله خلق آدم على صورته ».
فهذه الأخبار قد أثبتت لله صورة مثل صورة الإنسان ، وشبّهته بخلقه ، وهو تجسيم وكفر ولا يمكن تأويلها ، فقبّح الله وجه من زوّرها! وكم لهم مثلها!
روى البخاري في تفسير سورة( ن * وَالْقَلَمِ ) ، أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « يكشف ربّنا عن ساقه ، فيسجد له كلّ مؤمن ومؤمنة »(٢) .
وروى أيضا في تفسير سورة الزمر : « إنّ حبرا جاء إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال : يا محمّد! إنّا نجد أنّ الله يجعل السموات على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والشجر [ على إصبع ] ، والماء [ والثرى ] على إصبع ، وسائر الخلائق على إصبع ، فيقول : أنا الملك.
فضحك النبيّصلىاللهعليهوآله حتّى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر ، ثمّ قرأ رسول اللهصلىاللهعليهوآله :( وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) (٣) »(٤) .
__________________
(١) مسند أحمد ٢ / ٢٥١ و ٤٣٤. منهقدسسره .
وانظر : مصنّف عبد الرزّاق ٩ / ٤٤٥ ح ١٧٩٥٢ ، مسند الحميدي ٢ / ٤٧٦ ح ١١٢٠ ، الأدب المفرد : ٦٧ ح ١٧٣ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٢٢٩ ـ ٢٣٠ ح ٥١٩ و ٥٢٠ ، التوحيد ـ لابن خزيمة ـ : ٣٦ ، الشريعة ـ للآجري ـ : ٣١٩ ح ٧٣٧ ، الأسماء والصفات ـ للبيهقي ـ ٢ / ١٧.
(٢) صحيح البخاري ٦ / ٢٧٩ ح ٤١٢ ، وانظر : مسند أبي عوانة ١ / ١٤٦ ح ٤٣٣ ، مصابيح السنّة ٣ / ٥٢٩ ح ٤٢٩٤ ، مشكاة المصابيح ٣ / ٢٠٠ ح ٥٥٤٢ وقال : « متّفق عليه ».
(٣) سورة الأنعام ٦ : ٩١.
(٤) صحيح البخاري ٦ / ٢٢٥ ح ٣٠٦.
وروى نحوه في آخر صحيحه ، في كتاب التوحيد ، في باب قوله :( إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا ) (١) (٢) .
وفي باب كلام الربّ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم(٣) .
وروى مسلم نحو ذلك في باب صفة القيامة والجنّة والنار ، من كتاب صفات المنافقين وأحكامهم(٤) .
وروى فيه أيضا : « إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله [ قال : ] يأخذ الله سماواته وأرضيه بيده فيقول : أنا الله ؛ ويقبض أصابعه ويبسطها ويقول : أنا الملك »(٥) .
وروى البخاري ، في باب قول الله :( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ) (٦) ، من كتاب التوحيد ، في حديث طويل عن أبي هريرة ، عن النبيّصلىاللهعليهوآله قال فيه : « وتبقى هذه الأمّة ، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون ، فيقول : أنا ربّكم.
فيقولون : أنت ربّنا ؛ فيتبعونه ـ إلى أن قال : ـ ثمّ يفرغ الله من القضاء
__________________
(١) سورة فاطر ٣٥ : ٤١.
(٢) صحيح البخاري ٩ / ٢٤٠ ح ٧٧.
(٣) صحيح البخاري ٩ / ٢٦٤ ح ١٣٩.
(٤) صحيح مسلم ٨ / ١٢٥ ـ ١٢٦ ، وانظر : سنن الترمذي ٥ / ٣٤٥ ـ ٣٤٦ ح ٣٢٣٨ و ٣٢٣٩ ، مسند أحمد ١ / ٤٢٩ و ٤٥٧ ، مسند أبي يعلى ٩ / ٩٣ ح ٥١٦٠ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٢٣٨ ـ ٢٣٩ ح ٥٤١ ـ ٥٤٣ ، تفسير الطبري ١١ / ٢٥ ح ٣٠٢١٧ ـ ٣٠٢٢٢ ، التوحيد ـ لابن خزيمة ـ : ٧٦ ـ ٧٧ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٢١٣ ح ١ / ٧٢٨ و ٧٢٨٢ ، الشريعة ـ للآجري ـ : ٣٢٤ ـ ٣٢٥ ح ٧٥٠ ـ ٧٥٣ ، الأسماء والصفات ـ للبيهقي ـ ٢ / ٦٧ ـ ٦٩ ، مصابيح السنّة ٣ / ٥٢٣ ح ٤٢٧٩.
(٥) صحيح مسلم ٨ / ١٢٦ ـ ١٢٧ ، وراجع الهامش السابق.
(٦) سورة القيامة ٧٥ : ٢٢ و ٢٣.
بين العباد ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار ، هو آخر أهل النار دخولا إلى الجنّة ، فيقول : أي ربّ! اصرف وجهي عن النار؟ فيدعو بما يشاء أن يدعوه ، ثمّ يقول الله : هل عسيت إن أعطيت ذلك أن تسألني غيره.
فيقول : لا وعزّتك ، لا أسألك غيره ؛ ويعطي ربّه من عهود ومواثيق ما شاء ، فيصرف الله وجهه عن النار ».
ثمّ ذكر ما حاصله : « إنّه يسأل أيضا القرب من الجنّة ، فيقول الله : ما أغدرك! فيدعو الله ويعطيه المواثيق أن لا يسأله غيره ، فيقدّمه إلى باب الجنّة ، ثمّ يقول : أي ربّ! أدخلني الجنّة؟
فيقول الله : ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أعطيت. ويقول : يابن آدم! ما أغدرك!
فلا يزال يدعو حتّى يضحك الله منه ، فإذا ضحك منه قال له : ادخل الجنّة »(١) .
وروى مسلم نحوه في باب رؤية المؤمنين في الآخرة لربّهم ، من كتاب الإيمان ، وقال فيه : « فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول : أنا ربّكم.
فيقولون : نعوذ بالله منك ، هذا مكاننا حتّى يأتينا ربّنا ، فإذا جاء ربّنا عرفناه ؛ فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون »(٢) .
__________________
(١) صحيح البخاري ٩ / ٢٢٨ ـ ٢٣١ ح ٦٥ ، وانظر : ج ٢ / ٢ ـ ٤ ح ١٩٣ وج ٨ / ٢١١ ـ ٢١٤ ح ١٥٦.
(٢) صحيح مسلم ١ / ١١٣ ، وانظر : مسند أحمد ١ / ٣٩١ ـ ٣٩٢ و ٤١٠ ـ ٤١١ وج ٢ / ٢٩٣ ـ ٢٩٤ ، المعجم الكبير ١٠ / ٩ ـ ١٠ ح ٩٧٧٥ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم _ :
إلى غير ذلك من خرافاتهم التي ينكر القلم نشرها لولا إرادة التنبيه على سقطاتهم ، ولولا نسبتها إلى النبيّصلىاللهعليهوآله لما ضرّنا روايتهم لها ، وإنّا لنعلم أنّ الخرافيّين والقصّاصين منهم ، كأبي هريرة وأضرابه ، إنّما أخذوا رواية خلق آدم على صورته ـ ونحوها من الهزليّات ـ عن اليهود والنصارى(١) ، فلولا نسبتها إلى النبيّ لهان أمرها!
* * *
__________________
٢٠٦ ـ ٢٠٩ ح ٤٧٥ ـ ٤٧٩ ، التوحيد ـ لابن خزيمة ـ : ٣٢٣ ـ ٣٢٤ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٢٥٨ ـ ٢٦١ ح ٧٣٨٦ ـ ٧٣٨٨ ، الشريعة ـ للآجري _ : ٢٨٨ ـ ٢٨٩ ح ٦٥٨ ، الإيمان ـ لابن مندة ـ ٢ / ٧٨٤ ـ ٧٩٠ ح ٨٠٣ ـ ٨٠٧ ، الأسماء والصفات ـ للبيهقي ـ ٢ / ٢٢٢ ـ ٢٢٣ ، مصابيح السنّة ٣ / ٥٤٤ ـ ٥٤٧ ح ٤٣٢٤ ـ ٤٣٢٦.
(١) الكتاب المقدّس : سفر التكوين / الأصحاح ٥ الفقرة ١.
لزوم المحالات من إنكار عصمة الأنبياء
قال المصنّف ـ طيّب الله ثراه ـ(١) :
فيلزمهم من ذلك محالات :
منها : جواز الطعن على الشرائع وعدم الوثوق بها ، فإنّ المبلّغ إذا جوّزوا عليه الكذب وسائر المعاصي جاز أن يكذب عمدا أو نسيانا ، أو يترك شيئا ممّا أوحي إليه ، أو يأمر من عنده ، فكيف يبقى اعتماد على أقواله؟!
* * *
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٥٧.
وقال الفضل(١) :
قد علمت في ما سبق مذهب الأشاعرة ، وأنّهم لا يجوّزون الكذب عمدا على الأنبياء ولا سهوا(٢) ، وهذا مذهبهم.
وأمّا السهو في غير الكذب فيجوّزونه ولا بأس فيه ؛ لأنّ الله هو الذي يوقع عليه السهو ليجعله سببا للتشريع(٣) .
* * *
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٢٦٩.
(٢) انظر الصفحة ٢٠ من هذا الجزء.
(٣) التبصرة في أصول الفقه : ٥٢٤ ، الأربعين في أصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ٢ / ١١٦ ـ ١١٧ ، شرح المقاصد ٥ / ٤٩ ـ ٥١ ، شرح المواقف ٨ / ٢٦٣ و ٢٦٥.
وأقول :
لا وجه لإنكار تجويزهم الكذب على الأنبياء سهوا ، فإنّ الخصم نفسه قد نقل سابقا عنهم الخلاف في تجويز الكذب في التبليغ سهوا(١) .
ونحن نقلنا عن « المواقف » أنّ أكثرهم أجازوا صدور الكبائر عنهم سهوا ومنها الكذب في غير التبليغ(٢) .
ومعلوم أنّه يكفي في لزوم المحال تجويزهم الكذب سهوا في التبليغ وغيره فضلا عن العمد ، فيجوز أن يكذب النبيّ ويأمر من عنده سهوا ، بل يترك للسهو شيئا ممّا أوحي إليه ، إذ ليس هو من موارد العصمة ولا يقتضيها مذهبهم ، ولذا رووا ـ كما سبق ـ أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نسي بعض آيات الكتاب العزيز(٣) ، بل عرفت أنّ كثيرا منهم قالوا بعدم عصمتهم عن الكبائر عمدا(٤) ، فيجوز أن يترك ما أوحي إليه عمدا ، ويكذب في غير التبليغ عمدا وقصدا ، بل وفي التبليغ كما تقتضيه رواية الغرانيق(٥) ، بل مقتضى هذه الرواية وقوع الكفر عنهم عمدا كما تساعد عليه رواية شكّ إبراهيمعليهالسلام ونحوها(٦) .
ومن نظر إلى الأدلّة التي استدلّ بها بعضهم على ذنوب الأنبياء كما في
__________________
(١) انظر الصفحة ٢٠ من هذا الجزء.
(٢) راجع الصفحة ٢٨ من هذا الجزء ، وانظر : المواقف : ٣٥٨.
(٣) انظر الصفحة ١٤٤ ـ ١٤٥ من هذا الجزء.
(٤) انظر الصفحتين ٣٢ و ٣٣ من هذا الجزء.
(٥) انظر الصفحات ١٨ و ٢٥ و ٣٥ فما بعدها من هذا الجزء.
(٦) انظر الصفحة ١٠٣ من هذا الجزء.
« المواقف »(١) ، عرف أنّهم أجازوا عليهم كلّ ذنب ، وهو الذي تقتضيه الروايات التي ذكرها المصنّف وغيرها ، فمع هذا كيف يعتمد على الأنبياء ، إذ لا أقلّ من احتمال السهو فيهم والنسيان؟!
وأمّا ما ذكره من التشريع فقد عرفت ما فيه(٢) .
* * *
__________________
(١) المواقف : ٣٦١ ـ ٣٦٥.
(٢) انظر الصفحة ٥٥ وما بعدها من هذا الجزء.
قال المصنّف ـ ضاعف الله أجره ـ(١) :
ومنها : إنّه إذا فعل المعصية فإمّا أن يجب علينا اتّباعه فيها ، فيكون قد وجب علينا فعل ما وجب تركه واجتمع الضدّان ، وإن لم يجب انتفت فائدة البعثة.
* * *
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٥٧.
وقال الفضل(١) :
قد ذكرنا هذا الدليل في ما مضى من قبل الأشاعرة(٢) ، وهو حجّة على من يجوّز المعاصي على الأنبياء ، وهذا ليس مذهب الأشاعرة ، والصغائر التي يجوّزونها ما يقع على سبيل الندرة ، ولا يقدح هذا في ملكة العصمة كما قدّمنا(٣) ، ويجب أن يكون في محلّ يعلم أنّها واقعة منهم على سبيل الندرة ، والنبيّ يبيّن أنّ هذا ليس محلّ المتابعة.
وبالجملة : قد قدّمنا أنّ تجويز المعصية على الأنبياء مطلقا محلّ تأمّل(٤) ؛ لهذا البرهان ، والله أعلم.
* * *
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٢٧٠.
(٢) انظر الصفحتين ٢١ و ٢٢ من هذا الجزء.
(٣) انظر الصفحة ٢٣ ـ ٢٥ من هذا الجزء.
(٤) لا محلّ لهذا التأمّل ، إذ لا يمكن الفصل بين مفردات المعصية ؛ للملازمة بينها بناء على وحدة الملاك.
وأقول :
هذا الدليل جار في الصغائر والكبائر بلا فرق ، فالتفصيل بينهما لا وجه له وإن وقعت الصغيرة على وجه الندرة ، كما لا فرق في جريانه بين العمد والسهو ، لكنّ الأشاعرة أجازوا الكبائر عليهم سهوا وأجازها بعضهم عمدا كما سبق(١) .
وأيضا : لم يقيّدوا وقوع الصغيرة بالندرة ، وبيان أنّها ليست محلّ الاتّباع كما زعمه الخصم لضيق الخناق ، على أنّه لا نفع فيه ، إذ لو بيّن النبيّ أنّ ذلك ليس محلّ الاتّباع لم يعتمد عليه ، لأنّه في محلّ المعصية والإقرار بها فتنتفي فائدة البعثة ، ولعلّه في هذا البيان كان ساهيا أو موهما وليس ذلك بمحال عندهم!
ولو سلّم ، فهو مصحّح أيضا لوقوع الكبيرة ، والخصم لا يقول به.
وأجاب القوشجي عن الدليل بأنّه لا يجب الاتّباع إلّا في ما يتعلّق بالشريعة وتبليغ الأحكام ، لا في ما يصدر عن بذلة وطبع(٢) .
وفيه : إنّ فعل النبيّ كلّه ممّا يتعلّق بالشريعة ، ولذا عدّوا فعله من
__________________
(١) انظر الصفحة ٢٨ وما بعدها من هذا الجزء.
(٢) شرح التجريد : ٤٦٤.
والبذلة : الثوب الخلق ، وكلّ ما لا يصان من الثياب ، على الاستعارة هنا تشبيها للفعل الخسيس الساقط به ؛ انظر : تاج العروس ١٤ / ٤٨ مادّة « بذل ».
والطّبع : الوسخ الشديد من الصدأ ، ومجازا : هو الشّين والعيب في دين أو دنيا ؛ انظر : تاج العروس ١١ / ٣١٨ مادّة « طبع ».
والمراد منهما هنا : هو الكلام الصادر على عواهنه من غير رويّة وحساب دقيق.
السنّة كقوله وتقريره ، ولو لم يجب اتّباع فعله لما صحّ الاستدلال بالأخبار الناقلة له ، وهو خلاف الضرورة ، وكلّ عاقل إذا رأى المشرّع فاعلا لشيء يستدلّ به على جوازه.
فظهر أنّ ذكرهم لهذا الدليل قول بلا عمل ، بل بلا قول في الكبائر سهوا والصغائر مطلقا ، وهو إنّما ذكره بعضهم تبعا للإمامية ، ولذا لم يلتزموا بلوازمه.
* * *
قال المصنّف ـ رفع الله درجته ـ(١) :
ومنها : إنّه لو جاز أن يعصي لوجب إيذاؤه والتبرّي منه ؛ لأنّه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لكن الله تعالى قد نصّ على تحريم إيذاء النبيّصلىاللهعليهوآله فقال :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) (٢) .
* * *
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٥٧.
(٢) سورة الأحزاب ٣٣ : ٥٧.
وقال الفضل(١) :
قد ذكرنا هذا الدليل من قبل الأشاعرة(٢) ، وهو حجّة على من يجوّز الكبائر
وأمّا الصغائر ، فمن لم يباشر الكبيرة ، فهو معفوّ عنه ، فلا زجر ولا تعنيف ولا إيذاء.
* * *
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٢٧٠.
(٢) انظر الصفحة ٢١ ـ ٢٢ من هذا الجزء.
وأقول :
أدلّة النهي عن المنكر عامّة للكبائر والصغائر بلا فرق ، ومجرّد العفو عن الصغيرة مع اجتناب الكبائر لا يخرجها عن كونها منكرا يجب النهي عنه ، ولا يجعلها بحكم المباح ، كما يجب نهي فاعل الكبيرة وإن علمنا أنّه يتوب بالأثر.
فإن قلت : النبيّ لا يتأذّى بشيء يعود إلى النهي عن المنكر.
قلت : كيف لا يتأذّى وقد منع عمّا رغب فيه ولا سيّما بالقسر ، وإن كان ربّما يرتفع الأذى في ما بعد لكنّه لا يجدي بعد أن كان الناهي فاعلا للإيذاء.
ثمّ إنّهم أجازوا على الأنبياء فعل الكبائر سهوا ، وهذا الدليل يبطله ، إذ إنّ المنكرات لا يراد وقوعها حتّى سهوا ، غاية الأمر أنّ الساهي غير معاقب في الآخرة ، وهو أمر آخر ، مع أنّه لا يعلم السهو غالبا إلّا بعد أن يعتذر الساهي به.
* * *
قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :
ومنها : سقوط محلّه ورتبته عند العوامّ فلا ينقادون إلى طاعته ، فتنتفي فائدة البعثة.
ومنها : إنّه يلزم أن يكونوا أدون حالا من آحاد الأمّة ؛ لأنّ درجات الأنبياء في غاية الشرف ، وكلّ من كان كذلك كان صدور الذنب عنه أفحش ، كما قال تعالى :( يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ ) (٢) ، والمحصن يرجم وغيره يحدّ ، وحدّ العبد نصف حدّ الحرّ.
والأصل فيه أنّ علمهم بالله أكثر وأتمّ ، وهم مهبط وحيه ومنازل ملائكته ، ومن المعلوم أنّ كمال العلم يستلزم كثرة معرفته والخضوع والخشوع فينا في صدور الذنب ، لكنّ الإجماع دلّ على أنّ النبيّ لا يجوز أن يكون أقلّ حالا من آحاد الأمّة.
ومنها : إنّه يلزم أن يكون مردود الشهادة ؛ لقوله تعالى :( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) (٣) ، فكيف تقبل شهادته في الوحي؟!
ويلزم أن يكون أدنى حالا من عدول الأمّة ، وهو باطل بالإجماع!
ومنها : إنّه لو صدر عنه الذنب لوجب الاقتداء به ؛ لقوله تعالى :
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٥٧.
(٢) سورة الأحزاب ٣٣ : ٣٠.
(٣) سورة الحجرات ٤٩ : ٦.
( وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) (١) ( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (٢) ( فَاتَّبِعُونِي ) (٣) ، والتالي باطل بالإجماع ، وإلّا اجتمع الوجوب والحرمة.
* * *
__________________
(١) سورة المائدة ٥ : ٩٢.
(٢) سورة الأحزاب ٣٣ : ٢١.
(٣) سورة آل عمران ٣ : ٣١ ، وسورة طه ٢٠ : ٩٠.
وقال الفضل(١) :
قد سبق أنّ هذه الدلائل حجّة على من قال بجواز صدور الكبائر عنهم ، والإكثار من الصغائر حتّى يصير سببا لحطّ منزلتهم عند الناس ، وموجبا للإيذاء والتعنيف ، وترجيح الأمّة عليه(٢) .
وأمّا صدور الصغائر التي عفا الله عنها إذا كان على سبيل الندرة فغير ممتنع ، ولا تدلّ المعجزة على وجوب انتفاء شيء منها ، وكلّ هذه الدلائل قد ذكرناها في ما سلف(٣) ، وأنّ الأشاعرة ذكروها على سبيل الاستدلال على من يقول بجواز الكبائر ، وقد قدّمنا أنّ بعض تلك الأدلّة يدلّ على وجوب نفي الذنب عن الأنبياء مطلقا ؛ والله أعلم.
* * *
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٢٧١.
(٢) انظر الصفحتين ٢١ و ٢٢ من هذا الجزء.
(٣) انظر الصفحة ٢٢ وما بعدها من هذا الجزء.
وأقول :
لا ريب أنّ الدليل الأوّل يثبت عصمتهم عن الكبائر والصغائر ، حال النبوّة وقبلها ، عمدا وسهوا ؛ لأنّ الذنب وإن قلّ وصغر يسقط محلّ المذنب ولو في الجملة ، ويمنع من الوثوق التامّ به والانقياد الكامل إليه حتّى مع العلم بسهوه ؛ لأنّ السهو يقع غالبا من التساهل ويجهل الناس سببه فتنتفي فائدة البعثة.
وبالجملة : النبيّ منار الدعوة إلى الله تعالى ، وباب طاعته ، فيجب أن يكون بريئا من كلّ عيب يمسّ مقام الدعوة ، ونقيّا من كلّ حزونة(١) لا تسهّل سبيل الطاعة ، فلا يجوز أن يصدر عنه ذنب أصلا.
وأمّا الدليل الثاني : فهو أيضا يثبت عصمتهم عن الذنوب مطلقا حتّى قبل النبوّة ؛ لأنّ معصية الكبير أكبر ، فلو عصوا كانوا أدون حالا من أداني الأمم ؛ لأنّ أصغر الصغائر من أعلى المكلّفين أكبر الكبائر من أدناهم حتّى مع السهو ؛ لأنّ التمييز بالمعرفة يستدعي المحافظة التامّة ، وبدونها يكون أدنى من الأداني ولو في الجملة ، وهو خلاف ضرورة العقل والملّيّين.
وأمّا الدليل الثالث : فهو يثبت عصمتهم عمّا ينافي العدالة حال النبوّة وقبلها عمدا وسهوا ، مع عدم العلم بسهوه ؛ لأنّ صدورها حينئذ
__________________
(١) الحزونة : الخشونة في النفس لما يحصل فيها من الغمّ على المجاز هنا ؛ انظر مادّة « حزن » في : لسان العرب ٣ / ١٥٩ ، تاج العروس ١٨ / ١٣٧.
يثبت فسقه ، والفاسق مردود الشهادة ، فكيف تقبل شهادته(١) بالوحي؟! ويلزم أن يكون أدون حالا من عدول الأمم إذا صدرت عمدا.
وأمّا الدليل الرابع : فهو يثبت عصمتهم عن الكبائر والصغائر عمدا وسهوا ، لكن حال النبوّة ، وإنّما جعل المصنّف هذا الدليل مستقلّا مع أنّه أحد شقّي الترديد في الدليل الذي ذكره سابقا بقوله : « ومنها : إنّه إذا فعل المعصية فإمّا أن يجب علينا اتّباعه » ؛ لأنّ الكتاب العزيز يقتضي تعيينه ، فذكره هنا معيّنا لذلك ، وذكره سابقا بنحو الترديد ؛ لأنّ المراد هناك بيان وجوه الاحتمال.
فثبتت من الأدلّة المذكورة عصمتهم عن الذنوب مطلقا ، وفي جميع الأحوال حتّى قبل النبوّة وإن اختصّ بعض تلك الأدلّة ببعض الذنوب ، وحينئذ فيبطل ما زعمه القوم جميعا من أنّه يجوز عقلا صدور الصغائر والكبائر عنهم عمدا وسهوا ، حال النبوّة وقبلها سوى الكذب في دعوى النبوّة وفي التبليغ كما سبق.
غاية الأمر أنّ أكثر الأشاعرة ـ على ما ادّعاه في « المواقف » ـ قالوا بعدم جواز تعمّدهم الكبائر للدليل السمعي في حال النبوّة خاصّة وإن جاز وقوعها عقلا(٢) .
هذا ، ولا نحتاج في مطلوبنا بعد هذه الأدلّة إلى دلالة المعجزة حتّى يقول الخصم : « ولا تدلّ المعجزة على وجوب انتفاء شيء منها ».
وأمّا قوله : « إنّ الأشاعرة ذكروها على سبيل الاستدلال »
__________________
(١) المراد هنا هو إخباره بالوحي ، فلن يقبل إخباره بالوحي مثلما لم تقبل شهادة الفاسق.
(٢) المواقف : ٣٥٩.
فمسلّم ؛ لذكر بعضهم لها تبعا لغيرهم ، لكن ما بالهم لم يتّبعوا دلالتها على وجوب العصمة عن الذنوب مطلقا كما عرفت؟!
والظاهر أنّ منشأه عدم التدبّر من وجه ؛ لأنّهم إنّما ذكروها تبعا ، والتعصّب لمذهب الأسلاف من وجه آخر ، كما يشهد له إقرار الخصم بدلالة بعضها على العصمة عن الذنوب مطلقا ومخالفته له في باقي كلماته.
ثمّ إنّه يدلّ على المطلوب أمور أخر ، يغني عن تطويل الكلام فيها ما عرفت ، وسيأتي بعضها في عصمة الإمام إن شاء الله تعالى ، كقوله تعالى :( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (١) ، وقوله تعالى :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (٢) .
* * *
__________________
(١) سورة البقرة ٢ : ١٢٤.
(٢) سورة النساء ٤ : ٥٩.
نزاهة النبيّ
عن دناءة الآباء وعهر الأمّهات
قال المصنّف ـ قدّس الله نفسه ـ(١) :
المبحث الثالث
في أنّه يجب أن يكون منزّها
عن دناءة الآباء وعهر الأمّهات
ذهبت الإمامية إلى أنّ النبيّ يجب أن يكون منزّها عن دناءة الآباء وعهر الأمّهات ، بريئا من الرذائل والأفعال الدالّة على الخسّة ، كالاستهزاء به والسخرية والضحك عليه(٢) ؛ لأنّ ذلك يسقط محلّه من القلوب ، وينفّر الناس عن الانقياد إليه ، فإنّه من المعلوم بالضرورة الذي لا يقبل الشكّ والارتياب.
وخالفت السنّة فيه
أمّا الأشاعرة فباعتبار نفي الحسن والقبح(٣) ، فلزمهم أن يذهبوا إلى
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٥٨.
(٢) تجريد الاعتقاد : ٢١٣ ـ ٢١٤ ، قواعد المرام : ١٢٧.
(٣) محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين : ٢٩٣ ، شرح المقاصد ٤ / ٢٨٢ و ٢٨٣.
جواز بعثة ولد الزنا المعلوم لكلّ أحد
وأن يكون أبوه فاعلا لجميع أنواع الفواحش وأبلغ أصناف الشرك ، وهو ممّن يسخر به ويضحك عليه ويصفع في الأسواق ويستهزأ به ، ويكون قد ليط به دائما لأبنة فيه ، قوّادا.
وتكون أمّه في غاية الزنا والقيادة والافتضاح بذلك ، لا تردّ يد لامس
ويكون هو في غاية الدناءة والسفالة ممّن قد ليط به طول عمره ، حال النبوّة وقبلها ، ويصفع في الأسواق ، ويعتمد المناكير ، ويكون قوّادا بصّاصا(١) .
فهؤلاء يلزمهم القول بذلك حيث نفوا التحسين والتقبيح العقليّين ، وأنّ ذلك ممكن ، فيجوز من الله وقوعه ، وليس هذا بأبلغ من تعذيب الله من لا يستحقّ العذاب ، بل يستحقّ الثواب طول الأبد(٢) !
* * *
__________________
(١) البصّاصة : العين ، واستعيرت هنا لمن لا يغضّ بصره عن الحرمات ؛ انظر : لسان العرب ١ / ٤٢١ مادّة « بصص ».
(٢) انظر ج ٢ / ٣٥٦ من هذا الكتاب.
وقال الفضل(١) :
نعوذ بالله من هذه الخرافات والهذيانات وذكر الفواحش عند ذكر الأنبياء ، والدخول في زمرة :( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) (٢) .
وكفى به إساءة الأدب أن يذكر عند ذكر الأنبياء أمثال هذه الترّهات ، ثمّ يفتري على مشايخ السنّة وعلماء الإسلام ما لا يلزم من قولهم شيء منه.
وقد علمت أنّ الحسن والقبح يكون بمعان ثلاثة :
أحدها : وصف النقص والكمال.
والثاني : الملاءمة والمنافرة.
وهذان المعنيان عقليّان لا شكّ فيه ، فإذا كان مذهب الأشاعرة أنّهما عقليّان ، فأيّ نقص أتمّ من أن يكون صاحب الدعوة موصوفا بهذه القبائح التي ذكرها هذا الرجل السوء الفحّاش ، وكأنّه حسب أنّ الأنبياء أمثاله من رعاع الحلّة ، الّذين يفسدون على شاطئ الفرات بكلّ ما ذكره!
نعوذ بالله من التعصّب ، فإنّه أورده النار!
* * *
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٢٧٨.
(٢) سورة النور ٢٤ : ١٩.
وأقول :
لا يخفى أنّ كون المعنى الأوّل عقليّا عندهم لا دخل له بالمقام ؛ لأنّ الكلام في جواز بعث الله سبحانه لصاحب الصفات المذكورة ، والبعث من أفعال الله تعالى لا صفاته حتّى يكون وصف نقص أو كمال ، وكون تلك الأمور نقصا في صاحب الدعوة مسلّم ، إلّا أنّ الكلام في جواز بعث الله للناقص ، الذي هو من أفعال الله تعالى التي لا تتّصف عندهم بالقبح أصلا كخلقه لسائر القبائح والفواحش.
وأمّا المعنى الثاني ، فهو وإن ثبت في الأفعال إلّا أنّ أفعال الله تعالى عندهم لا تعلّل بالأغراض ، فلا ملاءمة ولا منافرة فيها مع ما عرفت من الكلام في كونه عقليّا ، فراجع(١) .
وبالجملة : لو سلّم قولهم بالحسن والقبح العقليّين بهذين المعنيين لم يلزم عدم جواز بعث الله تعالى صاحب الأوصاف المذكورة ، بل يجوز عندهم بعث مثله ، إذ لا يقبح عندهم من الله سبحانه شيء وهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
وقد سبق أنّهم جوّزوا بعض المعاصي على الأنبياء ، بحجّة عدم دلالة المعجزة على امتناعه(٢) ، وهو آت في المنفّرات المذكورة.
ويدلّ على تجويزهم إرسال صاحب هذه الأوصاف أنّ صاحب
__________________
(١) راجع ج ٢ / ٤١٣ من هذا الكتاب.
(٢) انظر الصفحات ١٧ و ٢٨ وما بعدها من هذا الجزء.
« المواقف » وشارحها قالا : « ولا يشترط في الإرسال شرط من الأغراض(١) والأحوال المكتسبة بالرياضات والمجاهدة في الخلوات والانقطاعات ، ولا استعداد ذاتي ، من صفاء الجوهر وذكاء الفطرة كما يزعمه الحكماء ، بل الله يختصّ برحمته من يشاء من عباده ، فالنبوّة رحمة وموهبة متعلّقة بمشيئته فقط »(٢)
فإنّ قولهما : « بل الله يختصّ » إلى آخره ، دالّ على جواز بعث أيّ شخص كان ، فيجوز أن يكون النبيّ كما وصفه المصنّف إذا تعلّقت بإرساله المشيئة.
ومن العجب استدلال صاحب « المواقف » على عدم اشتراط الإرسال بشرط بقوله تعالى :( اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ) (٣) ، فإنّ الآية ظاهرة الدلالة أو صريحتها في أنّ صاحب الدعوة أهل في نفسه فيبعثه الله تعالى ؛ لعلمه بأهليّته وأنّه مستعدّ الذات.
ولذا أورد عليه الشارح بقوله : « وفي دلالة هذه الآية على المطلوب نوع خفاء »(٤) .
ويدلّ أيضا على تجويزهم إرسال صاحب النقائص المذكورة قول صاحب « المواقف » ، وشارحها أيضا ، في مقام عصمة الأنبياء ، قال :
« وأمّا قبله ـ أي قبل الوحي ـ فقال الجمهور ـ أي أكثر أصحابنا وجمع من المعتزلة ـ : لا يمتنع أن يصدر عنهم كبيرة ، إذ لا دلالة للمعجزة
__________________
(١) كذا في المطبوع ، وفي المخطوط والمصدر : الأعراض.
(٢) المواقف : ٣٣٧ ، شرح المواقف ٨ / ٢١٨.
(٣) سورة الأنعام ٦ : ١٢٤.
(٤) شرح المواقف ٨ / ٢١٨.
عليه ، ولا حكم للعقل بامتناعها ، ولا دلالة سمعية عليه أيضا.
وقال أكثر المعتزلة : تمتنع الكبيرة وإن تاب عنها ؛ لأنّه ـ أي صدور الكبيرة ـ يوجب النفرة ، وهي تمنع عن اتّباعه فتفوت مصلحة البعثة ، ومنهم من منع عمّا ينفّر مطلقا ، أي سواء لم يكن ذنبا [ لهم ، أو كان ](١) كعهر الأمهات والفجور في الآباء ودناءتهم واسترذالهم »(٢) .
فإنّ هذا الكلام دالّ على اختصاص بعض المعتزلة بمنع المنفّرات المذكورة ، فيكون الأشاعرة وبعض المعتزلة مجوّزين لها.
فتحقّق أنّ ما نسبه المصنّف إليهم حقّ وصدق ، وأنّ القوم أولى بحبّ إشاعة الفاحشة في الّذين آمنوا ؛ لأنّهم أجازوا أن يكون النبيّ كما وصفه المصنّف رحمه الله تعالى ، بل نسبوا إليهم فواحش الأعمال وأشاعوها في كتبهم على ممرّ الأيام ، كرقص النبيّصلىاللهعليهوآله بأكمامه ، وحضوره مجالس المغنّين والمغنّيات ، وضرب الدفوف(٣) ، وقوله في مدح الأصنام : تلك الغرانيق العلا(٤) إلى غير ذلك من المخزيات.
وأمّا المصنّفقدسسره فلم يقصد بذكر تلك الأوصاف الشنيعة إلّا الإنكار على القوم واستفظاع آرائهم ، ليرتدع من له قلب ، وناقل الكفر ليس بكافر ، فإساءة الأدب مع الأنبياء إنّما هي ممّن يجوّز فيهم أن يكونوا على تلك الفضائح ، لا ممّن يريد الردع عنه والإنكار عليه!
لكن الخصم لعجزه وحيرته يلوذ بهذه التهمة للمصنّف ، ويشهد
__________________
(١) أثبتناه من شرح المواقف.
(٢) شرح الأصول الخمسة : ٥٧٣ ، المواقف : ٣٥٩ ، شرح المواقف ٨ / ٢٦٥.
(٣) انظر الصفحتين ٧٤ و ٧٥ من هذا الجزء.
(٤) انظر الصفحة ١٨ من هذا الجزء.
لتحلّيه في هذا التنزّه المصطنع في إجلال مقام الأنبياء قوله سابقا في حقّ الله سبحانه ما هو أعظم وأشنع ، وهو أنّه مغلول اليد(١) ، معبّرا به عن تنزيه الإمامية لله تعالى عن فعل القبائح وعقاب من لا ذنب له وإن كان قادرا عليهما.
* * *
__________________
(١) انظر ج ٢ / ٣٩١ من هذا الكتاب.
قال المصنّف ـ طيّب الله رمسه ـ(١) :
وأمّا المعتزلة ، فلأنّهم حيث جوّزوا صدور الذنب عنهم(٢) ، لزمهم القول بجواز ذلك أيضا ، واتّفقوا على وقوع الكبائر منهم كما في قصّة إخوة يوسف(٣) .
فلينظر العاقل بعين الإنصاف ، هل يجوز المصير إلى هذه الأقاويل الفاسدة والآراء الرديئة؟!
وهل يبقى مكلّف ينقاد إلى قبول قول من كان يفعل به الفاحشة طول عمره إلى وقت نبوّته ، وأنّه يصفع ويستهزأ به حال النبوّة؟!
وهل يثبت بقول هذا حجّة على الخلق؟!
واعلم أنّ البحث مع الأشاعرة في هذا الباب ساقط ، وأنّهم إن بحثوا في ذلك استعملوا الفضول ؛ لأنّهم يجوّزون تعذيب المكلّف على أنّه لم يفعل ما أمره الله تعالى به من غير أن يعلم ما أمر به ، ولا أرسل إليه رسولا ألبتّة ، بل وعلى امتثال ما أمره به
وأنّ جميع القبائح من عنده تعالى ، وأنّ كلّ ما وقع في الوجود فإنّه فعله تعالى وهو حسن ؛ لأنّ الحسن هو الواقع والقبيح هو الذي لم يقع.
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٦٢.
(٢) شرح المواقف ٨ / ٢٦٥.
(٣) شرح الأصول الخمسة : ٥٧٣ ، وانظر : الأربعين في أصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ٢ / ١١٦ ـ ١١٧ ، محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين : ٣٢٠ ـ ٣٢١ ، شرح المواقف ٨ / ٢٦٥.
فهذه الصفات الخسيسة في النبيّ وأبويه تكون حسنة ؛ لوقوعها من الله تعالى ، فأيّ مانع من البعثة باعتبارها؟!
فكيف يمكن الأشاعرة منع كفر النبيّ وهو من الله تعالى ، وكلّ ما يفعله فهو حسن؟! وكذا أنواع المعاصي!
وكيف يمكنهم مع هذا المذهب التنزيه للأنبياء؟!
نعوذ بالله من مذهب يؤدّي إلى تحسين الكفر وتقبيح الإيمان وجواز بعثة من اجتمع فيه كلّ الرذائل والسقطات!
وقد عرفت من هذا أنّ الأشاعرة في هذا الباب قد أنكروا الضروريات.
* * *
وقال الفضل(١) :
استدلال المعتزلة على وقوع الكبائر من الأنبياء قبل البعثة بقصّة إخوة يوسف استدلال قويّ ؛ لأنّ الإجماع واقع على أنّ إخوة يوسف صاروا أنبياء بعد إلقاء يوسف في الجبّ ، وغيره من الذنوب التي لا شكّ أنّها كبائر.
وهذا الرجل ما تعرّض بجوابه إلّا بالفحش والخز عبلية(٢) واللّوذعية(٣) كالرعاع والأجلاف السوقية ، والمعتزلة يثبتون الوقوع(٤) ، وهو لا يقدر على الدفع ويبحث معهم في الجواز ، وهذا من غرائب أطواره في البحث.
ثمّ ما ذكر أنّ البحث مع الأشاعرة ساقط لأنّهم يجوّزون تعذيب الكفّار(٥) وغيره من الطامّات قد عرفت في ما سبق جواب كلّ ما ذكر ، وأنّ الحسن والقبح شرعيّان بمعنى ، وعقليّان بمعنيين(٦)
وعلمت أنّ كلّ ما ذكره ليس من مذهبهم ولا يرد عليهم شيء ، وأنّهم لا يخالفون ضرورة العقل.
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٢٨٢.
(٢) الخزعبل : الباطل ، والخزعبل : الأحاديث المستطرفة التي يضحك منها ؛ انظر مادّة « خزعبل » في : لسان العرب ٤ / ٨٣ ، تاج العروس ١٤ / ١٩٨.
(٣) اللّوذعي : الحديد الفؤاد والنفس واللسان ، اللسن الفصيح ، الظريف الذهن ، الذكيّ ، كأنّه يلذع من ذكائه ؛ انظر مادّة « لذع » في : لسان العرب ١٢ / ٢٦٨ ـ ٢٦٩ ، تاج العروس ١١ / ٤٣٢.
(٤) أثبته الجبّائي ومنعه القاضي عبد الجبّار ؛ انظر : شرح الأصول الخمسة : ٥٧٣.
(٥) كذا في الأصل ، وفي « إحقاق الحقّ » : « المكلّف » ، وهو المناسب.
(٦) انظر ج ٢ / ٣٣٠ و ٤١١ من هذا الكتاب.
وأقول :
لمّا كان الاستدلال على صدور الكبائر من الأنبياء قبل البعثة بقصّة إخوة يوسف ساقط جدّا ، اكتفى المصنّفرحمهالله في الجواب عنه بإثبات المحاليّة ، ولم يتعرّض لكلمة القائلين بنبوّتهم ودليلهم ، إذ لم يقل بها إلّا من لا عبرة به وبرأيه.
لكنّ الخصم على عادته وعادة أصحابه في التسامح بدعاوي الإجماعات ، قال : الإجماع على نبوّتهم واقع.
ويشهد لعدم الإجماع ما ذكره ابن حزم(١) إذ قال : « إنّ إخوة يوسف لم يكونوا أنبياء ، ولا جاء قطّ في أنّهم أنبياء نصّ ، لا من قرآن ولا من سنّة صحيحة ، ولا من إجماع ، ولا من قول أحد من الصحابة ».
وقال القاضي عياض في « الشفاء » : « وأمّا قصّة يوسف وإخوته فليس على يوسف منها تعقّب ، وأمّا إخوته فلم تثبت نبوّتهم »(٢) .
ونقل ابن أبي الحديد(٣) عن المعتزلة : « إنّهم قالوا : يجب أن ينزّه النبيّ قبل البعثة عن الكفر والفسق ».
ثمّ نقل عن أبي محمّد بن متّويه(٤) أنّه قال : في كتاب « الكفاية » :
__________________
(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤ / ٩ [ ٢ / ٢٩٤ ]. منهقدسسره .
(٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢ / ١٦٤.
(٣) شرح النهج ٢ / ١٦٢ [ ٧ / ٨ ـ ١٠ ]. منهقدسسره .
(٤) هو أبو محمّد الحسن بن أحمد بن متّويه ، أخذ عن القاضي عبد الجبّار ، وله
« إنّ أهل العدل كلّهم منعوا من تجويز بعثة من كان فاسقا قبل النبوّة »(١) .
ثمّ قال : « وقال قوم من الأشعرية ومن أهل الظاهر وأرباب الحديث :
إنّ ذلك جائز واقع ، واستدلّوا بأحوال إخوة يوسف ، ومنع المانعون من ذلك من ثبوت نبوّة إخوة يوسف »(٢) .
ويشهد لذلك أيضا كلام صاحب « المواقف » المتقدّم في المبحث السابق ؛ لنقله فيه عن أكثر المعتزلة المنع من صدور الكبيرة على الأنبياء قبل الوحي(٣) .
ونقله القوشجي عن كثير منهم ، وهو يستلزم القول بعدم نبوّة إخوة يوسف(٤) .
فأين الإجماع الذي ادّعاه الخصم؟!
على أنّ سادة الأمّة وأئمّتها الّذين أمرنا بالتمسّك بهم قد أنكروا نبوّة إخوة يوسفعليهالسلام (٥) ، وكذلك شيعتهم.
وأعلم أنّ ظاهر كلام « المواقف » السابق أنّ بعض المعتزلة قائلون بجواز عهر أمهات الأنبياء ، وفجور آبائهم ودناءتهم واسترذالهم ، فيكون شاهدا لما قاله المصنّفرحمهالله من تجويز المعتزلة لذلك.
__________________
كتب ، منها : المحيط في أصول الدين ، التذكرة في لطيف الكلام.
انظر : طبقات المعتزلة ـ لابن المرتضى ـ : ١١٩.
(١) شرح نهج البلاغة ٧ / ١٠.
(٢) شرح نهج البلاغة ٧ / ١٠.
(٣) تقدّم في الصفحتين ١٩٣ و ١٩٤.
(٤) شرح التجريد : ٤٦٤.
(٥) الغيبة ـ للنعماني ـ : ١٦٣ ح ٤ ، إكمال الدين : ١٤٤ ح ١١ وص ٣٤١ ح ٢١ ، علل الشرائع ١ / ٢٨٥ ب ١٧٩ ح ٣ ، دلائل الإمامة : ٢٩٠ ، تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٦ ح ٧٤ ـ ٧٧ ، مجمع البيان ٥ / ٣٢٨ ، إعلام الورى ٢ / ٢٣٦.
هذا ، وقد استدلّ بعضهم على نبوّة إخوة يوسفعليهالسلام بقوله تعالى :( وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ ) (١) الآية.
قال الرازي في تفسيرها : « اختلفوا في الاجتباء ، فقال الحسن : يجتبيك ربّك بالنبوّة ، وقال آخرون : المراد به إعلاء الدرجة وتعظيم الرتبة ».
.. إلى أنّ قال : « واعلم أنّا لمّا فسّرنا الآية بالنبوّة لزم الحكم بأنّ أولاد يعقوب كلّهم كانوا أنبياء ؛ وذلك لأنّه قال :( وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ ) ، وهذا يقتضي حصول تمام النعمة لآل يعقوب ، فلمّا كان المراد من تمام النعمة النبوّة لزم حصولها لآل يعقوب وترك العمل به في حقّ من عدا أبنائه ، فوجب أن يبقى معمولا به في حقّ أولاده »(٢)
وفيه نظر ظاهر ؛ حتّى إذا أريد بالاجتباء الاصطفاء للنبوّة ، كما هو الأقرب ؛ لأنّ عطف إتمام النعمة على الاجتباء دليل على المغايرة بينهما ، ولهذا خصّ يوسفعليهالسلام بالاجتباء ، وعمّه وغيره من آل يعقوب بإتمام النعمة.
على أنّه لو أريد بإتمام النعمة النبوّة ، فلا بدّ أن يكون إتمامها عليهم بلحاظ ثبوتها لبعضهم لا لمطلق آل يعقوب ، وإلّا لزم خروج الأكثر ، وهو غير صحيح في العربية ، فكيف يثبت بالآية نبوّة إخوة يوسفعليهالسلام ؟!
هذا ، وأمّا ما أشار إليه الخصم من أجوبته السابقة ، فقد عرفت أنّها
__________________
(١) سورة يوسف ١٢ : ٦.
(٢) تفسير الفخر الرازي ١٨ / ٩١ ـ ٩٢.
لا تستحقّ أن توسم بالجواب.
وقد عرفت أنّ كلّ ما نسبه المصنّف إليهم حقّ بلا ارتياب
وأنّ القول بالحسن والقبح العقليّين بالمعنيين المذكورين لا ينفع في منع بعثة من يوصف بتلك القبائح(١) ، فلاحظ واستقم!
* * *
والله هو الموفّق ،
وله الحمد حمدا دائما ،
ونسأله العصمة عن الخلل في القول والعمل ،
إنّه أكرم المسؤولين ، وأجود المعطين.
والصلاة والسلام على محمّد وآله المعصومين.
تمّ بقلم مصنّفه محمّد حسن بن الشيخ محمّد مظفّرقدسسره .
* * *
__________________
(١) راجع ردّ الشيخ المظفّرقدسسره في ج ٢ / ٤١٣ من هذا الكتاب.
مباحث الإمامة
بسم الله الرّحمن الرحيم
الحمد ربّ العالمين ، وصلّى الله على سيّد النبيّين وآله المعصومين ، الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.
قال المصنّف ـ قدّس الله نفسه ـ(١) :
المسألة الخامسة في الإمامة
وجوب عصمة الإمام
وفيها مباحث :
[ المبحث ] الأوّل
في أنّ الإمام يجب أن يكون معصوما
ذهبت الإمامية إلى أنّ الأئمّة كالأنبياء في وجوب عصمتهم عن جميع القبائح والفواحش من الصغر إلى الموت ، عمدا وسهوا.
لأنّهم حفظة الشرع والقوّامون به ، حالهم في ذلك كحال النبيّ ، ولأنّ الحاجة إلى الإمام إنّما هي للانتصاف للمظلوم من الظالم ، ورفع الفساد ،
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٦٤.
وحسم مادّة الفتن ، وأنّ الإمام لطف يمنع القاهر من التعدّي ، ويحمل الناس على فعل الطاعات واجتناب المحرّمات ، ويقيم الحدود والفرائض ، ويؤاخذ الفسّاق ، ويعزّر من يستحقّ التعزير ، فلو جازت عليه المعصية وصدرت عنه ، انتفت هذه الفوائد وافتقر إلى إمام آخر ، وتسلسل(١) .
وخالفت السنّة في ذلك ، وذهبوا إلى جواز إمامة الفسّاق والعصاة والسرّاق(٢) ، كما قال الزمخشري ـ وهو من أفضل علمائهم _ :
« لا كالدوانيقي المتلصّص »(٣) ! يشير به إلى المنصور(٤) .
فأيّ عاقل يرضى لنفسه الانقياد الديني والتقرّب إلى الله تعالى بامتثال أوامر من كان يفسق طول وقته وهو غائص في القيادة وأنواع الفواحش ، ويعرض عن المطيعين المبالغين في الزهد والعبادة؟! وقد أنكر الله تعالى بقوله :( أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ
__________________
(١) الذخيرة في علم الكلام : ٤٢٩ ـ ٤٣١ ، شرح جمل العلم والعمل : ١٩٢ ، المنقذ من التقليد ٢ / ٢٧٨ ، تجريد الاعتقاد : ٢٢١ ـ ٢٢٢.
(٢) انظر : أصول السنّة ـ لأحمد بن حنبل ـ : ٨٠ ، الأحكام السلطانية ـ للفرّاء _ : ٢٤ ، الإرشاد ـ للجويني ـ : ٣٥٨ ، شرح المقاصد ٥ / ٢٥٧ ، شرح العقائد النسفية : ٢٣٩ ـ ٢٤١ ، إتحاف السادة المتّقين ٢ / ٢٣٣.
(٣) تفسير الكشّاف ١ / ٣٠٩.
(٤) هو : أبو جعفر عبد الله بن محمّد بن علي بن العبّاس ، الملقّب بالمنصور ، ولد سنة ٩٥ ه ، وكان يلقّب في صغره بمدرك التراب وبالطويل كذلك ، ثمّ لقّب في أيّام حكومته بأبي الدوانيق والدوانيقي ، لبخله ومحاسبته الصّنّاع على الدوانيق والحبّات وأمّه سلّامة البربريّة ؛ أباد جماعة كبارا حتّى توطّد له الملك ودانت له الأمم على ظلمه ، توفّي سنة ١٥٨ ه.
انظر : مروج الذهب ٣ / ٢٨١ ، تاريخ بغداد ١٠ / ٥٣ رقم ٥١٧٩ ، سير أعلام النبلاء ٧ / ٨٣ رقم ٣٧ ، تاريخ الخميس ٢ / ٣٢٤.
أُولُوا الْأَلْبابِ ) (١) .
فالأشاعرة لا يتمشّى هذا على قواعدهم ، حيث جوّزوا صدور القبائح عنه تعالى ومن جملتها الكذب ، فجاز الكذب في هذا القول ، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
وأمّا الباقون فإنّهم جوّزوا تقديم المفضول على الفاضل(٢) ، فلا يتمشّى هذا الإنكار على قولهم أيضا
فقد ظهر أنّ الفريقين خالفوا الكتاب العزيز!
* * *
__________________
(١) سورة الزمر ٣٩ : ٩.
(٢) المغني ـ للقاضي عبد الجبّار ـ ٢٠ ق ١ / ٢١٥ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١ / ٣.
وقد قال جمع من متكلّمي الأشاعرة وعلمائهم بذلك أيضا وإن اشتهر أنّه من مختصّات المعتزلة ، فانظر : غياث الأمم : ١٤٠ ، تفسير القرطبي ١ / ١٨٧ المسألة ١٢ من الآية ٢ لكريمة ( وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) سورة البقرة ٢ : ٣٠ ، شرح المقاصد ٥ / ٢٤٦ ـ ٢٤٧ ، شرح العقائد النسفية : ٢٣٨ ، شرح المواقف ٨ / ٣٧٢ ـ ٣٧٣.
وقال الفضل(١) :
إعلم أنّ مبحث الإمامة عند الأشاعرة ليست من أصول الديانات والعقائد ، بل هي عند الأشاعرة من الفروع المتعلّقة بأفعال المكلّفين(٢) .
والإمامة عند الأشاعرة : هي خلافة الرسول في إقامة الدين وحفظ حوزة الملّة ، بحيث يجب اتّباعه على كافّة الأمّة(٣) .
وشروط الإمام الذي هو أهل للإمامة ومستحقّها أن يكون :
مجتهدا في الأصول والفروع ؛ ليقوم بأمر الدين
ذا رأي وبصارة بتدبير الحرب وترتيب الجيوش
شجاعا قويّ القلب ؛ ليقوى على الذبّ عن الحوزة
عدلا ؛ لئلّا يجور ، فإنّ الفاسق ربّما يصرف الأموال في أغراض نفسه ، والعدل عندنا من لم يباشر الكبائر ولم يصرّ على الصغائر
عاقلا ؛ ليصلح للتصرّفات الشرعية
بالغا ؛ لقصور عقل الصبي
ذكرا ؛ إذ النساء ناقصات العقل والدين
حرّا
قرشيّا.
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٢٩٤.
(٢) الإرشاد ـ للجويني ـ : ٣٤٥ ، المواقف : ٣٩٥ ، شرح المواقف ٨ / ٣٤٤.
(٣) غياث الأمم في التياث الظلم : ٥٥ و ٥٩ ، المواقف : ٣٩٥ ، شرح المواقف ٨ / ٣٤٥.
فمن جمع هذه الصفات فهو أهل للإمامة والزعامة الكبرى(١) .
وأمّا العصمة فقد شرطها الشيعة الإمامية والإسماعيلية ، واستدلّ عليها هذا الرجل بأنّ الحاجة إلى الإمام بالأمور المذكورة ، ولو جازت المعصية عليه وصدرت عنه ، انتفت هذه الفوائد.
ونقول : ماذا يريد من العصمة؟! إن أراد وجوب الاجتناب في جميع أحواله عن الصغائر والكبائر ، فلا نسلّم لزوم ذلك ؛ لأنّ صدور بعض الصغائر المعفوّ عنها لاجتنابه عن الكبائر لا يوجب أن لا يكون منتصفا من الظالم للمظلوم وباقي الأمور المذكورة.
وإن أراد وجود ملكة مانعة من الفجور ، فنحن أيضا نقول بهذه العصمة ووجوبها للإمام ؛ لأنّا شرطنا أن يكون عدلا ، والعدل من له ملكة العصمة المانعة من الفجور
وصدور بعض الصغائر عنه في بعض الأوقات لا يبطل ملكة العصمة ؛ لأنّ الملكة كيفية راسخة في النفس ، متى يراد صدور الفعل عنهصدر بلا مشقّة ورويّة وكلفة ، وصدور خلاف مقتضى الملكة لا ينفي وجود الملكة لعوارض لا يخلو الإنسان عنها ، كصاحب الملكة الخلقيّة من العفّة والشجاعة قد يعرض له ما يعرّضه إلى إصدار خلاف الملكة ومع ذلك لا تزول عنه الملكة.
فالعصمة بمعنى الملكة حاصلة للمجتنب عن الكبائر المصرّ في تركها وإن صدر عنه نادرا بعض الصغائر ، فاندفع الإشكال ، ولم يلزم التسلسل ، كما ذكره.
__________________
(١) انظر : تمهيد الأوائل : ٤٧١ ، أصول الإيمان ـ للبغدادي ـ : ٢٢٠ ـ ٢٢١ ، الإرشاد ـ للجويني ـ : ٣٥٨ ـ ٣٥٩ ، المواقف : ٣٩٨ ، شرح المواقف ٨ / ٣٤٩.
وأمّا ما قال : « إنّ أهل السنّة خالفوا ذلك وذهبوا إلى جواز إمامة السرّاق والفسّاق »
فأنت تعلم أنّ هذا من مفترياته ؛ لأنّ كتب أهل السنّة مشحونة بالقول بوجوب عدالة الأئمّة ، فالفاسق كيف يجوز أن يكون عندهم إماما؟! والحال أنّه ضدّ العدل ، فعلم أنّه مفتر كذّاب ، ونعم ما قلت فيه شعرا [ من المتقارب ] :
إذا ما رأى طيّبا في الكلام |
بقاذورة الكذب قد دنّسه |
|
يخلّط بالطهر أنجاسه |
فابن المطهّر ما أنجسه |
* * *
وأقول :
لا يخفى أنّ أصل الشيء أساسه وما يبتنى عليه ، فأصول الدين هي التي يبتنى عليها الدين ، وبالضرورة أنّ الشهادتين كذلك ، إذ لا يكون الشخص مسلما إلّا بهما ، وكذلك الاعتراف بالإمام ؛ للكتاب والسنّة
*أمّا الكتاب ، فقوله تعالى :( أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) (١)
فإنّ الاستفهام فيه ليس على حقيقته ؛ لاستلزامه الجهل ، فلا بدّ أن يراد به الإنكار أو التوبيخ ، وكلّ منهما لا يكون إلّا على أمر محقّق بالضرورة ، فيكون انقلابهم بعد موت النبيّصلىاللهعليهوآله محقّقا ، ولذا قال :( انْقَلَبْتُمْ ) بصيغة الماضي تنبيها على تحقّقه.
ومن المعلوم أنّ الصحابة بعد موت النبيّصلىاللهعليهوآله لم يعدلوا عن الشهادتين ، فيتعيّن أن يراد به أمر آخر ، وما هو إلّا إنكار إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام ، إذ لم يصدر منهم ما يكون وجها لا نقلابهم عموما غيره بالإجماع.
فإذا كان إنكار إمامتهعليهالسلام انقلابا عن الدين ، كانت الإمامة أصلا من أصوله
ولا ينافيه أنّ الآية نزلت يوم أحد ، حيث أراد بعض المسلمين الارتداد ، فإنّ سببية نزولها في ذلك لا تمنع صراحتها في وقوع الانقلاب
__________________
(١) سورة آل عمران ٣ : ١٤٤.
بعد النبيّصلىاللهعليهوآله كما يقتضيه الترديد في الآية بين الموت والقتل ، فإنّ ما وقع يوم أحد إنّما هو لزعم القتل.
وقد فهم ذلك أمير المؤمنينعليهالسلام في ما رواه الحاكم(١) ، عن ابن عبّاس ، قال :
« كان عليّعليهالسلام يقول في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ الله تعالى يقول :
( أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ، والله لئن مات أو قتل لأقاتلنّ على ما قاتل عليه حتّى أموت ، والله إنّي لأخوه ، ووليّه ، وابن عمّه ، ووارث علمه ؛ فمن أحقّ به منّي؟! »
* وأمّا السنّة ، فنحن لا نذكر منها إلّا أخبار القوم كعادتنا ؛ لتكون حجّة عليهم.
فمنها : ما هو كالآية الشريفة في الدلالة على ارتداد الأمّة بعد النبيّصلىاللهعليهوآله ، كروايات الحوض ، ولنذكر منها ما هو صريح بارتداد الأمّة إلّا النادر ،
كرواية البخاري في ( كتاب الحوض ) ، عن النبيّصلىاللهعليهوآله ، قال :
« بينما أنا قائم ، فإذا زمرة ، حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلمّ!
فقلت : أين؟!
قال : إلى النار والله!
__________________
(١) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٢٦ كتاب معرفة الصحابة [ ٣ / ١٣٦ ح ٤٦٣٥ ]. منهقدسسره .
وانظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٨١٠ ح ١١١٠ ، المعجم الكبير ١ / ١٠٧ ح ١٧٦ ، ذخائر العقبى : ١٧٨ ، الرياض النضرة ٣ / ٢٠٦ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٣٤ ، الدرّ المنثور ٢ / ٣٣٨.
قلت : وما شأنهم؟!
قال : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى.
ثمّ إذا زمرة ، حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال :
هلمّ!
فقلت : أين؟!
قال : إلى النار والله!
قلت : ما شأنهم؟!
قال : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى.
فلا أراه يخلص منهم إلّا مثل همل النعم »(١)
فهذه الرواية قد دلّت على ارتداد الصحابة إلّا القليل الذي هو في القلّة كالنعم المهملة المتروكة سدى(٢) .
وقد عرفت أنّ الصحابة لم يرتكبوا ما يمكن أن يكون سببا للارتداد غير إنكار إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام ، فلا بدّ أن تكون الإمامة أصلا من أصول الدين.
ومنها : الأخبار المستفيضة الدالّة على أنّ من مات بلا إمام مات ميتة جاهليّة ، ونحو ذلك ، فتكون أصلا للدين ألبتّة ، كرواية مسلم في باب : ( الأمر بلزوم الجماعة ، من كتاب الإمارة ) ، عن ابن عمر ، قال :
__________________
(١) صحيح البخاري ٨ / ٢١٧ ح ١٦٦ باب في الحوض ، وانظر : الجمع بين الصحيحين ـ للحميدي ـ ٣ / ١٩٤ ح ٢٤٣٤ ، الترغيب والترهيب ٤ / ١٩٢ ح ٧٥ وقال : « رواه البخاري ومسلم » ، فتح الباري ١١ / ٥٦٨ ح ٦٥٨٧ ، كنز العمّال ١١ / ١٣٢ ح ٣٠٩١٨.
(٢) السّدى والسّدى : المهمل ، الواحد والجمع فيه سواء ؛ انظر مادّة « سدا » في : النهاية في غريب الحديث والأثر ٢ / ٣٥٦ ، لسان العرب ٦ / ٢٢٣.
وسمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجّة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليّة »(١)
وكرواية مسلم أيضا في الباب المذكور ، والبخاري في ثاني أبواب ( كتاب الفتن ) ، عن النبيّصلىاللهعليهوآله ، قال : «من كره من أميره شيئا فليصبر عليه ، فإنّه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهليّة »(٢)
وكرواية أحمد(٣) ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « من مات بغير إمام مات ميتة جاهليّة ».
.. إلى نحو ذلك ممّا لا يحصى(٤) .
ومنها : الأخبار الكثيرة التي ناطت الإيمان بحبّ آل محمّدصلىاللهعليهوآله
__________________
(١) صحيح مسلم ٦ / ٢٢ ، وانظر : مسند أبي عوانة ٤ / ٤١٦ ح ٧١٥٣ ـ ٧١٥٧ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٨ / ١٥٦ ، مصابيح السنّة ٣ / ٩ ح ٢٧٦٥.
(٢) صحيح مسلم ٦ / ٢١ ، صحيح البخاري ٩ / ٨٤ ح ٥ و ٦ وص ١١٣ ح ٧ ، وانظر : سنن الدارمي ٢ / ١٦٦ ـ ١٦٧ ح ٢٥١٥ ، مسند أحمد ١ / ٢٧٥ و ٢٩٧ و ٣١٠ ، المعجم الكبير ١٢ / ١٢٤ ح ١٢٧٥٩ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٨ / ١٥٧ ، شرح السنّة ٦ / ٣٨ ح ٢٤٥٨.
(٣) مسند أحمد ٤ / ٩٦. منهقدسسره .
وانظر : مسند أبي يعلى ١٣ / ٣٦٦ ح ٧٣٧٥ ، المعجم الكبير ١٩ / ٣٨٨ ح ٩١٠ ، المعجم الأوسط ٦ / ١٢٨ ح ٥٨٢٠ ، مسند الشاميّين ـ للطبراني ـ ٢ / ٤٣٧ ـ ٤٣٨ ح ١٦٥٤ ، مسند الطيالسي : ٢٥٩ ح ١٩١٣ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٤٨٩ ح ١٠٥٧ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٧ / ٤٩ ح ٤٥٥٤ ، حلية الأولياء ٣ / ٢٢٤ وقال : « هذا حديث صحيح ثابت ».
(٤) وقد مرّ تخريج حديث « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية » ، الذي هو موضع البحث هنا ، وبألفاظه المختلفة ، مفصّلا ، في مقدّمة السيّد عليّ الحسيني الميلاني ـ حفظه الله ـ لهذا الكتاب ، أجلى البرهان في نقد كتاب ابن روزبهان : ٣١ ه ١ ـ ٤ ؛ فراجع!
والكفر ببغضهم ، فإنّها كناية عن الاعتراف بإمامتهم وإنكارها ؛ للملازمة عادة بين حبّهم الحقيقي والاعتراف بفضلهم وبغضهم وإنكاره ، ولا يراد الحبّ والبغض بنفسيهما ، إذ لا دخل لهما بماهيّة الإيمان والكفر ، فلا بدّ أن يكونا كناية عن ذلك ، فلا بدّ أن تكون أصلا.
فمن هذه الأخبار ما رواه في « الكشّاف » في تفسير قوله تعالى :( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) (١) ، عن النبيّصلىاللهعليهوآله في حديث طويل قال فيه :
«ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمنا ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة ، ألا ومن مات على بغض آل محمّد مات كافرا »(٢) .
ومثله عن تفسير الثعلبي(٣) .
وروى في « كنز العمّال »(٤) ، عن النبيّصلىاللهعليهوآله ، قال : «أساس الإسلام : حبّي وحبّ أهل بيتي »
وروى أيضا(٥) ، عن ابن عبّاس : « أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال لعليّ يوم
__________________
(١) سورة الشورى ٤٢ : ٢٣.
(٢) تفسير الكشّاف ٣ / ٤٦٧.
(٣) تفسير الثعلبي ٨ / ٣١٤.
وانظر : تفسير الفخر الرازي ٢٧ / ١٦٧ ، تفسير القرطبي ١٦ / ١٦ ، فرائد السمطين ٢ / ٢٥٥ ح ٥٢٤ ، الفصول المهمّة ـ لابن الصبّاغ ـ : ١٢٨ ، نزهة المجالس ـ للصفوري ـ ٢ / ٢٢٢ ، الصواعق المحرقة : ٣٤٨.
(٤) كنز العمّال ٧ / ١٠٣ [ ١٢ / ١٠٥ ح ٣٤٢٠٦ وج ١٣ / ٦٤٥ ح ٣٧٦٣١ ]. منهقدسسره .
(٥) كنز العمّال ٦ / ١٥٤ [ ١١ / ٦٠٧ ح ٣٢٩٣٥ ] ، ونحوه عن ابن عمر ٦ / ١٥٥ [ ١١ / ٦١٠ ـ ٦١١ ح ٣٢٩٥٥ ]. منهقدسسره .
المؤاخاة: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه ليس بعدي نبيّ؟! ألا من أحبّك حقّ (١) بالأمن والإيمان ، ومن أبغضك أماته الله ميتة جاهليّة ».
وروى أيضا(٢) عن الطبراني والحاكم في « المستدرك »(٣) وأبي نعيم ، عن زيد بن أرقم ، أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : «من أحبّ أن يحيا حياتي ويموت موتي ، ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي ، فليتولّ عليّ بن أبي طالب ، فإنّه لن يخرجكم من هدى ، ولن يدخلكم في ضلالة »
وروى بعده نحوه عن جماعة ، إلّا أنّهصلىاللهعليهوآله قال : «فليتولّ عليّا وذرّيّته من بعده ، فإنّهم لن يخرجوكم من باب هدى ، ولن يدخلوكم في باب ضلالة »(٤)
ويحتمل أن يريد النبيّصلىاللهعليهوآله فيه بتولّي عليّ الالتزام بولايته ، أي : إمامته ، فيكون دالّا على المطلوب بالصراحة ، ومثله تولّي أولاده في الحديث الأخير.
.. إلى غير ذلك من الأحاديث المستفيضة.
__________________
وانظر : المعجم الكبير ١١ / ٦٢ ـ ٦٣ ح ١١٠٩٢ ، المعجم الأوسط ٨ / ٧٣ ـ ٧٤ ، مجمع الزوائد ٩ / ١١١.
(١) نسخة بدل : حفّ. منهقدسسره .
(٢) كنز العمّال ٦ / ١٥٥ [ ١١ / ٦١١ ح ٣٢٩٥٩ ]. منهقدسسره .
(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٢٨ [ ٣ / ١٣٩ ح ٤٦٤٢ ]. منهقدسسره .
وانظر : المعجم الكبير ٥ / ١٩٤ ح ٥٠٦٧ ، فضائل الصحابة ـ لأبي نعيم ـ : ٩١ ح ٨٨.
(٤) كنز العمّال ١١ / ٦١١ ـ ٦١٢ ح ٣٢٩٦٠ ، وانظر : حلية الأولياء ١ / ٨٦ وج ٤ / ٣٤٩ ، مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ للخوارزمي ـ : ٧٥ ح ٥٥ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٠٨.
ويشهد لكون الإمامة من أصول الدين ، أنّ منزلة الإمام كالنبيّ في حفظ الشرع ، ووجوب اتّباعه ، والحاجة إليه ، ورئاسته العامّة ، بلا فرق.
وقد وافقنا على أنّها أصل من أصول الدين جماعة من مخالفينا ، كالقاضي البيضاوي في مبحث الأخبار(١) ، وجمع من شارحي كلامه ، كما حكاه عنهم السيّد السعيدرحمهالله (٢) .
واعلم أنّ العصمة ملكة تقتضي عدم مخالفة التكاليف اللزومية عمدا وخطأ مع القدرة على الخلاف ، وهي واجبة الثبوت للإمام لأمور :
* الأوّل : ما أشار إليه المصنّف بقوله : « لأنّهم حفظة الشرع » إلى آخره
وحاصله : إنّ الإمام حافظ للشرع كالنبيّ ؛ لأنّ حفظه من أظهر فوائد إمامته ، فتجب عصمته لذلك ؛ لأنّ المراد حفظه علما وعملا ، وبالضرورة لا يقدر على حفظه بتمامه إلّا معصوم ، إذ لا أقلّ من خطأ غيره ، ولو اكتفينا بحفظ بعضه لكان البعض الآخر ملغى بنظر الشارع ، وهو خلاف الضرورة ، فإنّ النبيّ قد جاء لتعليم الأحكام كلّها وعمل الناس بها على مرور الأيّام ، وهذا الأمر لم يتعرّض الخصم لجوابه.
* الثاني : ما ذكره المصنّف بقوله : « إنّ الحاجة » إلى آخره
وتوضيحه : إنّ الحاجة إلى الإمام في تلك الفوائد توجب عصمته ، وإلّا لافتقر إلى إمام آخر وتسلسل ؛ لأنّ غير المعصوم إمّا فاسق أو عادل ، وبالضرورة أنّ الفاسق لا تحصل منه تلك الفوائد ولو بالنسبة إلى نفسه ،
__________________
(١) منهاج الوصول في معرفة علم الأصول ـ المطبوع بهامش الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج ـ : ١٦٧.
(٢) إحقاق الحقّ ٢ / ٣٠٧.
فيحتاج إلى غيره ، والعادل كذلك ؛ لأنّ الصغائر قد تحصل منه لأنّها لا تنافي العدالة ، والكبائر ربّما تقع منه أيضا ، ولو لا أنّه قد يفسق فيحتاج إلى إمام آخر يمنعه عن الصغائر والكبائر لو وقعت ، أو يحترز به عن وقوعها.
كما إنّ الخطأ غير مأمون عليه ، فيحتاج إلى إمام آخر يمنعه عمّا يخطأ به وإن كان معذورا ، فإنّ معذوريّته لا تصحّح تفويت تلك الفوائد ، وإلّا لما كانت موجبة للحاجة إلى الإمام.
فإن قلت : الصغائر مع ترك الكبائر معفوّ عنها ، فلا يلزم المنع عنها ، والكبائر لا تقع من العادل عمدا حتّى يجب منعه ، ولو فرض وقوعها عمدا وجب عزله ونصب غيره ، وأمّا وقوعها خطأ ، فهو وإن لم يكن مأمونا منه لكن ربّما لا يوجد فلا يلزم نصب آخر ، ولو وقعت نبّهه من يرفع خطأه وإن لم يكن إماما.
قلت : العفو عن الصغائر لا يرفع حرمتها ، وإلّا لما احتاجت إلى العفو ، كما إنّ السهو عن الكبائر إنّما يرفع العقاب ، فلا بدّ من الحاجة إلى من يردّ فاعلهما.
وأمّا الكبائر مع العمد ، فلا يمتنع وقوعها من العادل ، إذ ربّما تعرض له الكبيرة نادرا من دون أن تزول ملكته ، كما إنّه قد يفسق ، وهو كثير ، والالتزام بوجوب عزله حينئذ غير متّجه ؛ للأخبار الكثيرة الآتية ، ولإمكان أن لا يثبت فسقه عند كلّ أهل الحلّ والعقد ، أو يثبت ولكنّهم مثله في الفسق ، أو لا يمكنهم عزله ، أو يحصل من عزله ضرر أعظم ، فتبتلي الأمّة بإمام فاسق لا يحصل منه محلّ الحاجة إلى الإمام ، وهو ناشئ من عدم اعتبار العصمة والاكتفاء بالعدالة ، ولا سيّما مع كون العدالة الواقعية عسرة الإحراز ، وإنّما تثبت ظاهرا ، إذ ربّما كان العادل في الظاهر فاسقا في الواقع ، فتبتلي
الأمّة من أوّل الأمر بإمام فاسق ، فلا يحصل محلّ الحاجة إلى الإمام ولو بالنسبة إلى نفسه ، فيجب نصب إمام آخر على جميع الوجوه ، لئلّا تفوت الفوائد المطلوبة ويتسلسل.
وأمّا دعوى أنّ الخطأ ربّما لا يقع ، فخلاف المقطوع به عادة ، ولا ينكر المخالفون خطأ أئمّتهم الثلاثة الأول ، فضلا عن غيرهم ، ولو سلّم عدم القطع به ، فمع فرض إمكانه عادة يجب نصب إمام آخر يحترز به عن الخطأ المتوقّع ، لئلّا تفوت تلك الفوائد التي لا تتدارك مع الخطأ ، ولو تسامحنا فيها لما وجب نصب الإمام لأجلها.
قولكم : ولو وقع نبّهه من يرفع خطأه.
قلنا : إذا فات محلّ التدارك لم يبق محلّ للتنبيه ، وكذا لو لم يحضر من يصلح للتنبيه أو لم يصوّب الإمام رأيه ، فلا بدّ من إمام آخر ويتسلسل.
* الثالث : إنّ الإمام لو عصى لوجب الإنكار عليه والإيذاء له من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو مفوّت للغرض من نصبه ، ومضادّ لوجوب طاعته وتعظيمه على الإطلاق المستفاد من قوله تعالى :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (١) كما ستعرف.
* الرابع : إنّه لو صدرت المعصية منه لسقط محلّه من القلوب ، فلا تنقاد لطاعته ، فتنتفي فائدة النصب.
* الخامس : إنّه لو عصى لكان أدون حالا من أقلّ آحاد الأمّة ؛ لأنّ أصغر الصغائر من أعلى الأمّة وأولاها بمعرفة مناقب الطاعات ومثالب المعاصي ، أقبح وأعظم من أكبر الكبائر من أدنى الأمّة.
__________________
(١) سورة النساء ٤ : ٥٩.
*السادس : قوله تعالى :( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (١) ، فإنّه دالّ على كون الإمامة من عهد الله تعالى ، وعلى اعتبار عصمة الإمام حين الإمامة وقبلها ؛ لأنّ كلّ عاص ظالم ، لقوله تعالى :( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (٢) .
وروى السيوطي في « الدرّ المنثور » بتفسير هذه الآية ، عن ابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عبّاس ، قال :
« معناها : إنّه كائن لا ينال عهده من هو في رتبة ظالم ، ولا ينبغي أن يولّيه شيئا من أمره »(٣) .
وروى أيضا ، عن وكيع ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، عن مجاهد ، قال : « المعنى : لا أجعل إماما ظالما يقتدى به »(٤) .
فإن قلت : إنّما تدلّ الآية على العصمة حين تولّي العهد ، وأمّا قبله ـ كما ادّعيتموه أيضا ـ فلا ؛ لأنّ الظالم مشتقّ ، والمشتقّ حقيقة فيمن تلبّس بالمبدأ بالحال.
قلت : المراد بالحال حال ثبوت مبدأ المشتقّ للذات وتلبّسها به ، والمبدأ هو الظلم لا نيل العهد ، فيكون الظالم عبارة عن الذات في حين الظلم وإن كان زمانه ماضيا ، وهذا لا دخل له بحال ثبوت العهد.
*السابع : قوله تعالى :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ
__________________
(١) سورة البقرة ٢ : ١٢٤.
(٢) سورة البقرة ٢ : ٢٢٩.
(٣) الدرّ المنثور ١ / ٢٨٨.
(٤) الدرّ المنثور ١ / ٢٨٨.
مِنْكُمْ ) (١) ، فإنّه تعالى أوجب طاعة أولي الأمر على الإطلاق كطاعته وطاعة الرسول ، وهو لا يتمّ إلّا بعصمة أولي الأمر ، فإنّ غير المعصوم قد يأمر بمعصية وتحرم طاعته فيها ، فلو وجبت أيضا اجتمع الضدّان ، وجوب طاعته وحرمتها.
ولا يصحّ حمل الآية على إيجاب الطاعة له في خصوص الطاعات ، إذ ـ مع منافاته لإطلاقها ـ لا يجامع ظاهرها من إفادة تعظيم الرسول وأولي الأمر بمساواتهم لله تعالى في وجوب الطاعة ، إذ يقبح تعظيم العاصي ، ولا سيّما المنغمس بأنواع الفواحش.
على أنّ وجوب الطاعة في الطاعات ليس من خوّاص الرسول وأولي الأمر ، بل تجب طاعة كلّ آمر بالمعروف ، فلا بدّ أن يكون المراد بالآية بيان عصمة الرسول وأولي الأمر ، وأنّهم لا يأمرون ولا ينهون إلّا بحقّ.
وقد أقرّ الرازي في تفسيره بدلالة الآية على عصمة أولي الأمر ، لكنّه زعم أنّ المراد بهم أهل الإجماع(٢) !
وفيه ـ مع أنّ المنصرف من أولي الأمر من له الزعامة ـ : إنّ ظاهر الآية إفادة عصمة كلّ واحد منهم لا مجموعهم ؛ لأنّ ظاهرها إيجاب طاعة كلّ واحد منهم ، على أنّ العمل بمقتضى الإجماع ليس من باب الطاعة لهم ؛ لأنّ الإجماع من قبيل الخبر الحاكي.
وأشكل الرازي على إرادة أئمّتنا الأطهار من أولي الأمر بأمور :
* [ الأمر ] الأوّل : إنّ طاعة الأئمّة المعصومين مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول إليهم ، فلو وجب علينا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا
__________________
(١) سورة النساء ٤ : ٥٩.
(٢) تفسير الفخر الرازي ١٠ / ١٤٩.
تكليف ما لا يطاق ، ولو وجب علينا طاعتهم إذا صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار هذا الإيجاب مشروطا ، وظاهر قوله تعالى :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) يقتضي الإطلاق(١) .
وفيه أوّلا : النقض بطاعة الله ورسولهصلىاللهعليهوآله وطاعة أهل الإجماع ، بناء على أنّهم المراد من أولي الأمر.
وثانيا : الحلّ بأن نقول : إنّ وجوب طاعة الأئمّة ليس مشروطا بمعرفتهم ، وقدرة الوصول إليهم ، بل مطلقا كطاعة الله ورسوله ، فيجب تحصيل معرفتهم ومذهبهم ، مقدّمة لطاعتهم ، فلا يلزم ما ذكره من تكليف ما لا يطاق ولا صيرورة الإيجاب مشروطا.
ومعرفة الأئمّة ممكنة لوجود الأدلّة على إمامتهم ، كما يمكن أخذ الأحكام عنهم كالنبيّصلىاللهعليهوآله ، لوجود الرواة عنهم وإن لم يصل المكلّف إلى شخص الإمام والنبيّصلىاللهعليهوآله .
* الأمر الثاني : إنّه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر ، وأولو الأمر جمع ، وعندهم لا يكون في الزمان إلّا إمام واحد ، وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر(٢) .
وفيه : إنّ المراد هو الجمع ولكن بلحاظ التوزيع في الأزمنة ، ولا منافاة فيه للظاهر.
* [ الأمر ] الثالث : إنّه تعالى قال :( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ) (٣) ، ولو كان المراد بأولي الأمر الإمام المعصوم ، لوجب
__________________
(١) تفسير الفخر الرازي ١٠ / ١٥١.
(٢) تفسير الفخر الرازي ١٠ / ١٥١.
(٣) سورة النساء ٤ : ٥٩.
أن يقال : فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الإمام(١) .
وفيه : إنّ الردّ إلى أولي الأمر أيضا مأمور به ، لكن اكتفى عن ذكرهم في آخر الآية بما ذكره في أوّلها من مساواة طاعتهم لطاعة الله ورسولهصلىاللهعليهوآله .
فإذا عرفت معنى العصمة وأدلّة وجوبها ، عرفت أنّ الفضل قد خلط في معناها ، وأخطأ في تجويز الصغائر على الإمام حتّى بلحاظ خصوص الدليل الثاني الذي اختصّ كلامه فيه ، إذ من جملة فوائد الإمام وجهات الحاجة إليه منع المحرّمات ، فلو فعلها هو احتاج إلى إمام آخر يمنعه ويتسلسل وإن فرض حصول الفوائد الأخر منه ، من الانتصاف للمظلوم ونحوه.
على أنّ خلاف الانتصاف ربّما يكون من الصغائر ، فلا تحصل هذه الفائدة ، وكذا جملة من غيرها من الفوائد.
ودعوى أنّ ترك الصغائر ليس من محلّ الحاجة إلى الإمام ، باطلة ، ضرورة أنّ تركها مطلوب للشارع ، ومن نظامه الشرعي المطلوب تنفيذه كما عرفت.
بقي الكلام في ما ذكره الخصم من شروط الإمام ، فنقول :
إشترطها جماعة منهم وخالف آخرون ، كما يدلّ عليه ما ذكره صاحب « المواقف » وشارحها ، فإنّهما بعد ما ذكرا اشتراط الاجتهاد في الأصول والفروع ، والشجاعة ، والبصارة بتدبير الحرب والسلم ، قالا :
« وقيل : لا يشترط هذه [ الصفات ] الثلاثة ؛ لأنّها لا توجد الآن
__________________
(١) تفسير الفخر الرازي ١٠ / ١٥١.
مجتمعة ، وإذا لم توجد كذلك ، فإمّا أن يجب نصب فاقدها ، فيكون اشتراطها عبثا ، أو يجب نصب واجدها ، فيكون تكليفا بما لا يطاق ، أو لا يجب هذا ولا ذاك ، فيكون اشتراطها مستلزما للمفاسد التي يمكن دفعها بنصب فاقدها »(١) انتهى ملخّصا.
وبمقتضى سكوت صاحب « المواقف » عن الردّ على هذا الكلام يستفاد موافقته عليه ، وأنّه ممّن لا يشترط هذه الثلاثة.
نعم ، أجاب عنه الشارح ب : « أنّا نختار عدم الوجوب مطلقا ، لكن للأمّة أن ينصبوا فاقدها دفعا للمفاسد »(٢) .
وفيه : إنّهم إذا نصبوه فإمّا أن يجب ترتيب آثار الإمامة عليه ، فحينئذ لم يكن وجه لا شتراطها ، وإن لم يجب فلا فائدة فيه.
هذا ، ويمكن إجراء نحو هذا الكلام في جميع الشروط فتنتفي شرطيّتها جميعا.
ونقل السيّد السعيدرحمهالله عن الإسفراييني الشافعي ، في كتاب « الجنايات » ، أنّه قال : « وتنعقد الإمامة بيعة أهل الحلّ والعقد ـ إلى أن قال : ـ وبالقهر والاستيلاء ولو كان فاسقا أو جاهلا أو أعجميا »(٣) .
ونقل أيضا عن صاحب « الوقاية في فقه الحنفية »(٤) ، أنّه قال :
__________________
(١) المواقف : ٣٩٨ ، شرح المواقف ٨ / ٣٤٩.
(٢) شرح المواقف ٨ / ٣٥٠.
(٣) إحقاق الحقّ ٢ / ٣١٦.
(٤) لم نظفر بنسخة من « الوقاية » أو شرحه أو مختصره.
وكتاب « وقاية الرواية في مسائل الهداية » ، لبرهان الشريعة ـ أو : تاج الشريعة ـ محمود بن عبيد الله بن إبراهيم المحبوبي البخاري الحنفي ، المتوفّى في شرع آباد
« لا يحدّ الإمام حدّ الشرب ؛ لأنّه نائب من الله تعالى »(١) .
ونقل عن شارح « العقائد النسفية » ، أنّه قال : « لا ينعزل الإمام بالفسق والجور ؛ لأنّه قد ظهر الفسق والجور من الأئمّة والأمراء بعد الخلفاء والسلف ، وكانوا ينقادون لهم ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم »(٢) .
فظهر من هذه الكلمات ونحوها أنّه لا يشترط عند كثير منهم تلك الشروط ، بل يظهر من كلام شارح « العقائد النسفية » دعوى الإجماع على عدم اعتبار العدالة في الإمام دواما(٣) .
والظاهر أنّه لا خصوصيّة للعدالة ولا للدوام ، بل كلّ الشرائط كذلك ابتداء ودواما ؛ لأنّهم ينقادون لمن فقد أيّ شرط كان ، ويخاطبونه بإمرة المؤمنين ، ويحرّمون الخروج عليه ، ويقتلون النفوس بأمره ، ويقيمون الجمع والأعياد بإذنه ، فلا بدّ أن تكون الشروط التي اشترطوها شروطا صناعية جدلية لا عملية.
__________________
ببخارى نحو سنة ٦٧٣ ه.
وهو متن مشهور في فروع الفقه الحنفي ، وقد عني العلماء بشأنه قراءة وتدريسا وحفظا ، وعليه شروح كثيرة ، أشهرها شرح حفيده صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود بن محمود ، المتوفّى سنة ٧٤٧ ه ، وللكتاب مختصر لحفيده هذا اسمه « النقاية ».
طبع الكتاب في قازان سنة ١٨٨٨ م ، وطبع شرح حفيده في لكهنو سنة ١٢٩٠ ه طبعة حجرية ، وكذا في مطبعة الإمبراطورية القازانية سنة ١٣١٨ ه.
انظر : كشف الظنون ٢ / ٢٠٢٠ ، هديّة العارفين ٢ / ٤٠٦ ، اكتفاء القنوع بما هو مطبوع : ١٤٤ ، معجم المطبوعات العربية والمعرّبة ٢ / ١١٩٩ ـ ١٢٠٠ ، معجم المؤلّفين ٣ / ٨١٨ رقم ١٦٦٤١.
(١) إحقاق الحقّ ٢ / ٣١٨.
(٢) إحقاق الحقّ ٢ / ٣١٧ ، وانظر : شرح العقائد النسفية : ٢٣٩.
(٣) شرح العقائد النسفية : ٢٤١.
فما نسبه المصنّف إليهم من جواز إمامة السرّاق والفسّاق صحيح ألبتّة ، ولا سيّما انعقاد البيعة ، وهو الذي يقتضيه إنكار الحسن والقبح العقليّين ، كما اقتضى أيضا نفي وجوب أن يكون الإمام أفضل من رعيّته ، كما ستعرف.
ويصدّق ذلك ـ بحيث لا يبقى به ريب أصلا ـ أخبارهم الصحيحة عندهم ، التي عليها المعوّل بينهم ، الآمرة بالسماع والطاعة لسلاطين الجور والضلالة ، وقد سبق بعضها في صدر المبحث(١)
التي منها : ما رواه مسلم ، عن ابن عمر ، أنّه قال بعد حادثة الحرّة ، وفعل يزيد فيها الأفعال الشنيعة :
سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجّة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليّة »(٢) .
ومنها : ما رواه البخاري ، في الباب الثاني من ( كتاب الفتن ) ، ومسلم ، في باب وجوب طاعة الأمراء من ( كتاب الإمارة ) ، عن عبادة بن الصامت ، قال : « دعانا النبيّصلىاللهعليهوآله فبايعناه ، فكان في ما أخذ علينا أن بايعناه على السمع والطاعة ، ولا ننازع الأمر أهله ، إلّا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان »(٣) .
__________________
(١) راجع الصفحتين ٢١٣ ـ ٢١٤.
(٢) صحيح مسلم ٦ / ٢٢.
(٣) صحيح البخاري ٩ / ٨٥ ح ٧ ، صحيح مسلم ٦ / ١٧ ، وانظر : سنن النسائي ٧ / ١٣٨ ـ ١٣٩ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٤ / ٤٢١ ـ ٤٢٢ ح ٧٧٧٠ ـ ٧٧٧٦ ، سنن ابن ماجة ٢ / ٩٥٧ ح ٢٨٦٦ ، الموطّأ : ٣٩٢ ح ٥ ، مسند أحمد ٥ / ٣١٤ _
ومنها : ما رواه مسلم ، في باب الأمر بلزوم الجماعة من ( كتاب الإمارة ) ، عن حذيفة ، من حديث قال فيه النبيّصلىاللهعليهوآله :
«يكون بعدي أئمّة لا يهتدون بهداي ولا يستنّون بسنّتي ، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان الإنس ».
قال : قلت : كيف أصنع يا رسول الله [ إن أدركت ذلك ]؟
قال : «تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وبطنك (١) وأخذ مالك »(٢)
ومنها : ما رواه مسلم ، في باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء ، الأوّل فالأوّل ، من ( كتاب الإمارة ) ، عن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، من حديث عن النبيّصلىاللهعليهوآله قال فيه :
«من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر »
.. إلى أن قال عبد الرحمن : فقلت له : هذا ابن عمّك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا ، والله تعالى يقول :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ
__________________
و ٣١٩ ، مسند الحميدي ١ / ١٩٢ ح ٣٨٩ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٨ / ٦١٤ ح ١٤٩ و ١٥٠ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٤٨٠ ح ١٠٢٩ وص ٤٨٢ ح ١٠٣٥ ، مسند أبي عوانة ٤ / ٤٠٦ ـ ٤٠٧ ح ٧١١٩ ـ ٧١٢٣ ، مسند الشاشي ٣ / ١١٩ ـ ١٢٣ ح ١١٨٠ ـ ١١٩٠ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٧ / ٣٩ ـ ٤٠ ح ٤٥٣٠.
(١) لم ترد في المصدر.
(٢) صحيح مسلم ٦ / ٢٠ ، وانظر : السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٨ / ١٥٧ ، الجمع بين الصحيحين ـ للحميدي ـ ١ / ٢٨٣ ح ٣٩٨.
تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) (١) ؟!
قال : فسكت ساعة ، ثمّ قال : أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله »(٢) .
.. إلى غير ذلك من أخبارهم المستفيضة المصرّحة بأنّ من الأئمّة أئمّة جور ، وتجب طاعتهم وإقرارهم على إمرتهم ، ومن خرج عن طاعتهم شبرا مات ميتة جاهليّة.
وما ألطف ما شهد به عبد الرحمن ، وأقرّ به عبد الله ، في حقّ معاوية ، وهو خيرة أئمّتهم بعد الثلاثة ، فيا بشراهم به وبابنه يزيد!!
فمع هذه الأخبار ونحوها من الأخبار المعتبرة المعمول بها عندهم ، كيف تصحّ دعوى أنّهم يشترطون واقعا تلك الشروط في الإمام؟!
فالظاهر أنّ من يشترطها إنّما يريد بها دفع الاستبشاع والمحافظة على الخلفاء الثلاثة ، ببيان أنّهم ممّن جمع هذه الشروط ، وإلّا فما فائدة شروط لا يتّبعونها في سلاطينهم ، ولا تنطبق عندهم على خليفة سوى الثلاثة ، إلّا النزر الأندر؟!
ولذا عجزوا عن تطبيق حديث الاثني عشر خليفة على سلاطينهم(٣) .
__________________
(١) سورة النساء ٤ : ٢٩.
(٢) صحيح مسلم ٦ / ١٨ ، وانظر : سنن أبي داود ٤ / ٩٤ ح ٤٢٤٨ ، سنن النسائي ٧ / ١٥٢ ـ ١٥٣ ، سنن ابن ماجة ٢ / ١٣٠٦ ح ٣٩٥٦ ، مسند أحمد ٢ / ١٦١ و ١٩١ ، مسند أبي عوانة ٤ / ٤١٣ ـ ٤١٤ ح ٧١٤٧ و ٧١٤٨ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٨ / ١٦٩.
(٣) انظر : تفسير ابن كثير ٢ / ٣١ ـ ٣٢ ، الحاوي للفتاوي ٢ / ٨٥ ، عون المعبود شرح سنن أبي داود ١١ / ٣٦٢ ـ ٣٦٤.
ورووا أنّ ما بعد الثلاثين سنة ملك عضوض لا خلافة(١) .
ولو سلّم أنّهم يشترطونها واقعا ، فأكثرها لاغ ، إمّا لعدم اعتباره ، أو لعدم كفايته في الإمام.
فمن الأوّل : البلوغ ، فإنّ الحقّ عدم اعتباره ، إذ ليست الإمامة بأعظم من النبوّة ، وقد أرسل الله عيسى ونبّأ يحيى طفلين ، لكن لمّا جعلوا الإمامة بالاختيار كان لاشتراطهم البلوغ وجه.
ومن الثاني : العدالة ، لما عرفت من عدم كفايتها عن العصمة ، وكذا الشجاعة ، والعقل ، والبصارة في تدبير الحرب والسلم ، لما سيأتي في المبحث الآتي من اعتبار أفضليّة الإمام في جميع صفات الكمال ، فلا بدّ أن يكون أشجع الناس وأعقلهم وأبصرهم في الأمور ، ولا يكفي ثبوت أصل الشجاعة والعقل والبصارة فقط.
وكذا الاجتهاد ، ضرورة أنّه لا يكفي في النيابة عن الرسول ، بل لا بدّ أن يكون عالما بجميع أحكام الشريعة علما يقينيّا ؛ لأنّ الله سبحانه قد بلّغ نبيّهصلىاللهعليهوآله أحكاما أتمّها وأجراها على أمّته إلى يوم الدين ، ولا شكّ أنّ الاجتهاد لا يوصل إليها دائما ، لوقوع الخطأ فيه
فلا يمكن أن لا يجعل الله لنا إماما عالما بجميع الأحكام ويحيلنا على من لا طريق له إلّا الظنّ ، والظنّ لا يغني من الحقّ شيئا.
__________________
(١) انظر : سنن أبي داود ٤ / ٢١٠ ح ٤٦٤٦ و ٤٦٤٧ ، سنن الترمذي ٤ / ٤٣٦ ح ٢٢٢٦ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٤٧ ح ٨١٥٥ ، مسند أحمد ٥ / ٢٢١ ، مسند أبي يعلى ٢ / ١٧٧ ح ٨٧٣ ، المعجم الكبير ١ / ٥٥ ح ١٣ وص ٨٩ ح ١٣٦ وج ٧ / ٨٣ ـ ٨٤ ح ٦٤٤٢ ـ ٦٤٤٤ ، مشكل الآثار ٤ / ٢١٥ ح ٣٦٥٧ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٧٥ ح ٤٤٣٨ وص ١٥٦ ح ٤٦٩٧ ، تخريج أحاديث العقائد النسفية ـ للسيوطي ـ : ٢٣١.
على أنّه إذا أخطأ الإمام في حكم أو موضوع ، فإمّا أن يلزم الناس السكوت عن خطئه ، فيلزم الإغضاء على القبيح ، وربّما يجتهد في تحليل الحرام وما يوجب الضرر والفساد ، فلا تحصل به الفائدة المطلوبة في الإمام وإمّا أن يلزم ردّه ، وهو ربّما يوقع في الشقاق.
نعم ، بقيّة الشروط التي ذكرها صحيحة..
أمّا الحرّية ؛ فلأنّ المملوكية نقص في الشأن والتصرّف.
وأمّا القرشية ؛ فلأنّها وإن لم يحكم بها العقل إلّا أنّه لمّا اتّفق أنّ الأئمّة من قريش ومن آل رسول الله ، صحّ جعلها شرطا بهذا الاعتبار ، كما أخبر النبيّصلىاللهعليهوآله بأنّه لا يزال هذا الأمر في قريش ، وأنّ الأئمّة اثنا عشر(١) ، وأوجب التمسّك بعترته كما ستعرف إن شاء الله تعالى.
وقد خالف عمر هذا الشرط وقول رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذ قال : « لو كان سالم حيّا ما جعلتها شورى »(٢)
ونحوه في حقّ معاذ ، كما سيأتي في مطاعن الصحابة.
وأمّا الذكورة ؛ فلأنّ النفوس لا تنقاد غالبا إلى المرأة فلا يحصل منها
__________________
(١) انظر : صحيح البخاري ٩ / ١٤٧ ح ٧٩ ، صحيح مسلم ٦ / ٣ ـ ٤ ، سنن أبي داود ٤ / ١٠٣ ح ٤٢٧٩ ٤٢٨٠ ، سنن الترمذي ٤ / ٤٣٤ ح ٢٢٢٣ ، مسند أحمد ١ / ٣٩٨ وج ٥ / ٨٦ ، مسند أبي يعلى ١٣ / ٤٥٦ ح ٧٤٦٣ ، المعجم الكبير ٢ / ٢٢٣ ح ١٩٢٣ ، مسند الطيالسي : ١٠٥ ح ٧٦٧ وص ١٨٠ ح ١٢٧٨ ، الفتن ـ لنعيم بن حمّاد ـ : ٥٢ ـ ٥٣ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٥١٨ ح ١١٢٣ وص ٥٣٤ ح ١١٥٢ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٨ / ٢٣٠ ح ٦٦٢٦ ـ ٦٦٢٨ ، المستدرك على الصحيحين ٤ / ٤٩٦ ح ٨٣٨٨ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٣٧ ح ٤٦٨٠.
(٢) أنساب الأشراف ١٠ / ٤٢١ ، تاريخ الطبري ٢ / ٥٨٠ ، الاستيعاب ٢ / ٥٦٨ ، أسد الغابة ٢ / ١٥٦ ، الكامل في التاريخ ٢ / ٤٥٩.
الغرض من الإمامة ، لكنّ بعض القوم ـ كابن حزم(١) ـ اختار نبوّة أمّ موسى ومريم وأمّ إسحاق! فيلزمه عدم اشتراط الذكورية في الإمام للأولوية.
وتعليل الفضل بأنّ النساء ناقصات العقل والدين ، باطل ؛ إذ كم امرأة أعقل من أكثر الرجال ، بل بعضهنّ بالغات مرتبة العصمة والكمال كما ورد في أخبارنا في حقّ الزهراء وخديجة ومريم وآسية(٢) .
وروى مسلم في فضائل خديجة ، عن النبيّصلىاللهعليهوآله ، قال : «كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون »(٣)
والظاهر أنّه قد سقط ذكر خديجة من الحديث ، وإلّا فلا معنى لروايته في فضائلها ، ولا بدّ أن تكون الزهراء أكمل من هذه الثلاث ؛ لما رواه البخاري وغيره أنّها سيّدة نساء أهل الجنّة(٤) كما ستعرف ، بل لا يبعد سقوط ذكر الزهراء كخديجة من الحديث(٥) .
__________________
(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤ / ١١ [ ٢ / ٢٩٦ ]. منهقدسسره .
وقال القرطبي بنبوّة مريم عليه السلام في تفسيره الجامع لأحكام القرآن ٤ / ٥٣!!
كما نقل العسقلاني في فتح الباري ٦ / ٥٥٣ أنّ الأشعري قال بنبوّة ستّ من النساء ، هنّ : حوّاء وسارة وأمّ موسى وهاجر وآسية ومريم ، والضابط عنده أنّ من جاءه الملك عن الله بحكم من أمر أو نهي أو بإعلام ممّا سيأتي فهو نبيّ!! ونقل كذلك ما مرّ آنفا ـ في المتن والهامش ـ عن ابن حزم والقرطبي.
(٢) انظر : الخصال : ٢٠٥ ـ ٢٠٦ ح ٢٢ و ٢٣ ، إعلام الورى ١ / ٢٩٥ ـ ٢٩٦.
(٣) صحيح مسلم ٧ / ١٣٣.
(٤) صحيح البخاري ٥ / ٩١ و ١٠٥ ، سنن الترمذي ٥ / ٦١٩ ح ٣٧٨١ ، وسيأتي مزيد تفصيل له في محلّه.
(٥) والحقّ مع الشيخ المظفّرقدسسره ، إذ لو استقصينا موارد الحديث بألفاظه المختلفة في مصادر الجمهور المعتمدة ، فسنجد كيف تلاعبت يد التحريف والخيانة بنصّ _
وإنّما جعلت شهادة المرأتين عن شهادة رجل واحد جريا على الغالب من نقصان عقل المرأة.
وأمّا ما ذكره من أنّهنّ ناقصات الدين ، فلا ينافي إمامتهنّ ؛ لأنّه مفسّر في الأخبار بقعودهنّ عن الصلاة والصوم أيّام المحيض والنفاس ، كما رواه البخاري في ( كتاب الحيض ) ، في باب ترك الحائض الصوم(١) .
فقد ظهر أنّ جملة من كلمات القوم وصحاح أخبارهم تقتضي جواز إمامة الفسّاق والسرّاق كما ذكره المصنّفرحمهالله .
__________________
الحديث ، فتارة نجده كاملا مشتملا على اسمي السيّدتين الزهراء وخديجةعليهماالسلام ، كما في : سنن الترمذي ٥ / ٦٦٠ ح ٣٨٧٨ ، مسند أحمد ١ / ٣١٦ وج ٣ / ١٣٥ ، مسند أبي يعلى ٥ / ١١٠ ح ٢٧٢٢ وص ٣٨٠ ح ٣٠٣٩ ، المعجم الكبير ١١ / ٢٦٦ ح ١١٩٢٨ وج ٢٢ / ٤٠٢ ح ١٠٠٣ وص ٤٠٧ ح ١٠١٩ وج ٢٣ / ٧ ح ١ ـ ٣ ، مصنّف عبد الرزّاق ١١ / ٤٣٠ ح ٢٠٩١٩ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٣٠ ب ٣٥ ح ٥ ، تفسير الطبري ٣ / ٢٦٢ ح ٧٠٢٣ و ٧٠٢٥ و ٧٠٢٦ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٧١ ح ٦٩٦٤ ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٦٥٠ ح ٤١٦٠ وج ٣ / ١٧٢ ح ٤٧٤٦ وص ١٧٤ ح ٤٧٥٤ وص ٢٠٥ ح ٤٨٥٢ و ٤٨٥٣ ووافقه الذهبي عليها كلّها ، تاريخ بغداد ٧ / ١٨٥ رقم ٣٦٣٦ وج ٩ / ٤٠٤ رقم ٥٠٠٨ ، مصابيح السنّة ٤ / ٢٠٢ ح ٤٨٥٠ ، تاريخ دمشق ٧٠ / ١٠٧ ـ ١١٢ ، كنز العمّال ١٢ / ١٤٣ ح ٣٤٤٠٢ ـ ٣٤٤٠٤ وص ١٤٤ ح ٣٤٤٠٦و ص ١٤٥ ح ٣٤٤٠٩ و ٣٤٤١١.
وتارة أسقطت اسم الزهراء البتول عليها السلام فقط! فانظر : صحيح البخاري ٤ / ٣١٨ ح ٢٣٠ ، صحيح مسلم ٧ / ١٣٢ ، سنن الترمذي ٥ / ٦٥٩ ـ ٦٦٠ ح ٣٨٧٧ ، مسند أحمد ١ / ٨٤ و ١٣٢ و ١٤٣ ، مسند أبي يعلى ١ / ٣٩٩ ح ٥٢٢ وص ٤٥٠ ح ٦١٢ ، تفسير الطبري ٣ / ٢٦٢ ح ٧٠٢١ و ٧٠٢٢ وص ٢٦٣ ح ٧٠٢٨ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٢٠٣ ح ٤٨٤٧ ، تاريخ دمشق ٧٠ / ١٠١ ـ ١٠٦ و ١١٤.
وتارة اسم السيّدة خديجة عليها السلام فقط! انظر مثلا : تاريخ دمشق ٧٠ / ١١٣.
وأسقطت اسميهماعليهماالسلام تارة أخرى!! فانظر مثلا : صحيح مسلم ٧ / ١٣٣ ، تاريخ دمشق ٧٠ / ١١٦ ـ ١١٧.
(١) صحيح البخاري ١ / ١٣٦ ـ ١٣٧ ح ٩.
الإمام أفضل من رعيّته
قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :
المبحث الثاني
في أنّ الإمام يجب أن يكون أفضل من رعيّته
اتّفقت الإمامية على ذلك ، وخالف فيه الجمهور فجوّزوا تقديم المفضول على الفاضل(٢) ، وخالفوا مقتضى العقل ونصّ الكتاب(٣) ، فإنّ العقل يقبّح تقديم المفضول وإهانة الفاضل ، ورفع مرتبة المفضول وخفض
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٦٨.
(٢) هذا القول من معتقدات الجمهور من المعتزلة والأشاعرة ، وإن اشتهر به المعتزلة دون الأشاعرة
فانظر للمعتزلة : المغني ـ للقاضي عبد الجبّار ـ ٢٠ ق ١ / ٢١٥ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١ / ٣.
وانظر للأشاعرة في ذلك أيضا : غياث الأمم : ١٤٠ ، تفسير القرطبي ١ / ١٨٧ المسألة ١٢ من الآية الكريمة( وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) سورة البقرة ٢ : ٣٠ ، شرح المقاصد ٥ / ٢٤٦ ـ ٢٤٧ ، شرح العقائد النسفية : ٢٣٨ ، شرح المواقف ٨ / ٣٧٢ ـ ٣٧٣.
وانظر الصفحة ٢٠٧ من هذا الجزء.
(٣) انظر مثلا : تفسير القرطبي ١ / ١٨٢ في تفسير آية( إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) سورة البقرة ٢ : ٣٠ ؛ وانظر كذلك تفسير قوله تعالى :( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ) سورة البقرة ٢ : ١٢٤ ، وقوله تعالى :( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ) سورة ص ٣٨ : ٢٦.
مرتبة الفاضل ، والقرآن نصّ على إنكار ذلك فقال تعالى :
( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (١)
وقال تعالى :( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ) (٢) .
وكيف ينقاد الأعلم الأزهد ، الأشرف حسبا ونسبا ، للأدون في ذلك كلّه؟!
* * *
__________________
(١) سورة يونس ١٠ : ٣٥.
(٢) سورة الزمر ٣٩ : ٩.
وقال الفضل(١) :
المراد من كون الإمام أفضل من الرعيّة : إن كان كونه أحسب ، وأنسب ، وأشرف ، وأعرف ، وأعفّ ، وأشجع ، وأعلم ؛ فلا يلزم وجوبه عقلا ـ كما ادّعاه ـ على تقدير القول بالوجوب العقلي ؛ لأنّ صريح العقل يحكم بأنّ مدار الإمامة على حفظ الحوزة والعلم بالرئاسة وطريق التعيّش مع الرعيّة ، بحيث لا يكون فظّا غليظا منفّرا ، ولا سهلا ضعيفا يستولي عليه الرعيّة ، ويكون حامي الذمار
ويكفيه من العلم ما يشترط القوم من الاجتهاد ، وكذا الشجاعة والقرشية في الحسب والنسب
وإن وجد في رعيّته من كان في هذه الخصال أتمّ ولا يكون مثله في حفظ الحوزة ، فالذي يكون أعلم بتدبير حفظ الحوزة ، فالعقل يحكم بأنّه هو الأولى بالإمامة.
وكثير من المفضولين يكونون أصلح للإمامة من الفاضلين ، إذ المعتبر في ولاية كلّ أمر والقيام به معرفة مصالحه ومفاسده وقوّة القيام بلوازمه ، وربّ مفضول في علمه وعمله وهو بالزعامة والرئاسة أعرف ، وبشرائطها أقوم ، وعلى تحمّل أعبائها أقدر.
وإن أراد بالأفضل أن يكون أكثر ثوابا عند الله تعالى ، فهذا أمر يحصل له الشرف والسعادة ، ولا تعلّق له بالزعامة والرئاسة.
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٣٢٠.
وإن أراد بالأفضل الأصلح للإمامة ؛ لكونه أعلم بحفظ الحوزة وتدبير المملكة ، فلا شكّ أنّه أولى ، ولا يجب التقديم إذا حصل حفظ الحوزة بالأدون ، بل الأولى والأنسب تقديم هذا إذا لم يسبق عقد بيعة ، فإن سبق وكان في تغييره مظنّة فتنة فلا يجوز التغيير.
هذا جواب ما استدلّ به على هذا المطلب من لزوم القبح العقلي ، مع إنّا غير قائلين به.
وأمّا ما استدّل به من الآية ، فهو يدلّ على عدم استواء العالم والجاهل ، وعدم استواء الهادي والمضلّ والمهتدي والضالّ ، وهذا أمر مسلّم ، فذاك الفاضل الذي لم يصر إماما وصار المفضول إماما يترجّح على المفضول بالعلم والشرف ، ولكن المفضول إذا كان أحفظ لمصالح الحوزة وأصلح للإمامة فهو أحقّ بالإمامة ، والفاضل على فضله وشرفه ، ولا محذور في هذا.
ومن الأشاعرة من فصّل في هذه المسألة وقال : نصب الأفضل إن أثار فتنة لم يجب ، كما إذا فرض أنّ العسكر والرعايا لا ينقادون للفاضل بل للمفضول ، وإلّا وجب(١) .
* * *
__________________
(١) غياث الأمم : ١٤٠ ، تفسير القرطبي ١ / ١٨٧ ، المواقف : ٤١٣ ، شرح المواقف ٨ / ٣٧٣.
وأقول :
لا يخفى أنّ رئاسة الإمام رئاسة دينية ، وزعامة إلهيّة ، ونيابة عن الرسول في أداء وظائفه ، فلا تكون الغاية منها مجرّد حفظ الحوزة وتحصيل الأمن في الرعية ، وإلّا لجاز أن يكون الإمام كافرا ، أو منافقا ، أو أفسق الفاسقين إذا حصلت به هذه الغاية.
بل لا بدّ أن تكون الغاية منها تحصيل ما به سعادة الدارين كالغاية من رسالة الرسول ، وهي لا تتمّ إلّا أن يكون الإمام كالنبيّ معصوما ، وأحرص الناس على الهداية ، وأقربهم للاتّباع والانتفاع به في أمور الشريعة والآخرة ، وأحفظهم للحوزة وحقوق الرعية وسياستها على النهج الشرعي.
فلا بدّ أن يكون فاضلا في صفات الكمال كلّها ، من الفهم ، والرأي ، والعلم ، والحزم ، والكرم ، والشجاعة ، وحسن الخلق ، والعفّة ، والزهد ، والعدل ، والتقوى ، والسياسة الشرعية ، ونحوها ؛ ليكون أقرب للاتّباع ، وتسليم النفوس له ، والاقتفاء لآثاره ، فيحصل لهم ـ مع حفظ الحوزة ـ السعادة بكمال الإيمان وشرف الفضائل ، وخير الدارين ، وهي الغاية من رسالة الرسول.
فاتّضح أنّه يجب أن يكون الإمام أفضل من الرعية في جميع المحامد كما هو مراد المصنّفرحمهالله ولعلّه مراد الفضل بالوجه الأوّل ، وحينئذ فلا يصحّ ردّه على المصنّف بقوله : « لأنّ صريح العقل يحكم بأنّ مدار الإمامة على حفظ الحوزة » إلى آخره.
فإنّ هذا وحده لا يكفي في نيابة الرسول ، ولا سيّما إذا رأى الأمير ارتفاع ملكه ونفوذ أمره بسحق الدين وقتل المؤمنين وإخافتهم وتقريب الطالحين ، كما وقع في العصر الأوّل ، وعلى نحوه توالت العصور.
ومنه يعلم أنّ فرض كون المفضول في العلم والعمل أحفظ للحوزة خطأ ؛ لأنّ المطلوب هو الأحفظية على الوجه الشرعي ، وهي فرع الأعلمية والأعملية بوجوه الحفظ الشرعية.
هذا ، والأولى أن لا يذكر الفضل شرط أن لا يكون فظّا غليظا ، ولا شرط أن لا يكون سهلا ضعيفا يستولي عليه الرعية ، فإنّ الأوّل مضرّ بإمامة عمر(١) ، والثاني بإمامة عثمان(٢) .
وبما ذكرنا من وجوب كون الإمام فاضلا في جميع صفات الكمال ، يعلم أنّه لا يصحّ فرض كونه فاضلا في صفة دون أخرى حتّى تتصوّر المعارضة ويقال بتقديم صاحب الصفة التي هي أمسّ بالإمامة ، كما فعل الفضل.
__________________
(١) فإنّه كان يوصف بأنّه فظّ ، غليظ شديد الغلظة ، وعر الجانب ، خشن الملمس ، دائم العبوس ، سريع إلى المساءة ، كثير الجبه والشتم والسبّ ، وكان الناس يقولون لأبي بكر : ماذا تقول لربّك إذا لقيته وقد ولّيت علينا فظّا غليظا؟!
انظر : تاريخ المدينة المنوّرة ـ لابن شبّة ـ ٢ / ٦٧١ ، غياث الأمم : ١٢٥ ، الكامل في التاريخ ٢ / ٢٧٢ ـ ٢٧٣ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١ / ١٦٤.
(٢) كان عثمان في أيّامه الأخيرة كثيرا ما يعطي العهود والمواثيق من نفسه ويعلن توبته ، ولكنّ مروان وغيره من بني أميّة يحيدونه عن رأيه وينقاد حسب هواهم وقد روي أنّ زوجته نائلة بنت الفرافصة قالت له : قد أطعت مروان يقودك حيث شاء!
انظر : أنساب الأشراف ٦ / ١٨٠ ـ ١٨١ ، تاريخ الطبري ٢ / ٦٥٩.
وأعلم أنّ الإمام إذا كان فاضلا في صفات الكمال ، يلزم أن يكون أطوع لله وأكثر عملا بالبرّ والخير ، فلا بدّ أن يكون أكثر ثوابا.
فحينئذ لو أريد بالأفضل الأكثر ثوابا من حيث لزومه للأفضل في صفات الكمال ، كان متّجها.
ولم يرد عليه ما ذكره الفضل ، على أنّه غير مراد المصنّف.
كما لا يريد ما احتمله الفضل ثالثا ؛ لما عرفت من أنّ الصلوح للإمامة عند المصنّف إنّما يكون بالعصمة والفضل بسائر الصفات الحميدة ، لا بالأعلمية بحفظ الحوزة فقط.
على أنّ قوله : « لا يجب التقديم إذا حصل حفظ الحوزة بالأدون »
ظاهر البطلان ؛ لأنّ العقل يقبّح تقديم المفضول بالصلوح للإمامة على الأفضل فيه ، فلا يصحّ حينئذ سبق العقد للمفضول حتّى يكون في تغييره مظنّة فتنة.
لكنّ القوم أنكروا الحسن والقبح العقليّين ، وعليه : فما معنى اشتراطهم اجتهاد الإمام ، وعدالته ، إلى غيرهما من الشروط المتقدّمة سوى القرشية التي قالوا بورود الشرع بها.
وأمّا ما أجاب به عن الآيتين فخطأ ظاهر ؛ إذ لا يراد بهما مجرّد نفي المساواة بين العالم والجاهل ، أو بين الهادي وغيره ، كما تخيّله الفضل ، فإنّ نفي المساواة بينها ضروري غير محتاج إلى البيان ، ولا يمكن أن يقول عاقل بالمساواة حتّى ينكر عليه ، بل المراد هو الإنكار على عدم ترتيب أثر الفرق بينها وعدم اتّباع الأفضل كما هو صريح الآية الأولى ، إذ أنكرت على من لا يقول بأنّ الهادي أحقّ بالاتّباع ممّن لا يهتدي إلّا أن يهدى.
ولا يخفى أنّ القوم لم يوجبوا تقديم الأعلم مع المساواة في الحفظ ، وكفاهم فيه مخالفة للكتاب العزيز!
هذا ، ولا يعتبر أن يكون الإمام أشرف الناس في الجهات الدنيوية ، من الجاه والمال والسلطان وإن كانت مقرّبة للأتباع ؛ لأنّ المطلوب هو الاتّباع والإيمان الحقيقي ، لا مجرّد الطاعة الظاهرية.
كما لا يعتبر أن لا يساويه أحد في صحّة النسب ، وإنّما يعتبر أن لا يفضله فيه أحد ؛ إذ لا تنافي المساواة فيه حسن التبعة إذا كان أشرف حسبا ، ولذا جاز أن يكون للإمام إخوة من أمّه وأبيه!
فتدبّر! وعلى الله التوفيق.
* * *
طريق تعيين الإمام
قال المصنّف ـ قدّس الله روحه ـ(١) :
المبحث الثالث
في طريق تعيين الإمام
ذهبت الإمامية كافّة إلى أنّ الطريق إلى تعيين الإمام أمران :
الأوّل : النصّ من الله تعالى ، أو نبيّه ، أو إمام ثبتت إمامته بالنصّ عليه
أو(٢) : ظهور المعجزة على يده ؛ لأنّ شرط الإمامة العصمة ، وهي من الأمور الخفيّة الباطنة التي لا يعلمها إلّا الله تعالى(٣) .
وخالفت السنّة في ذلك ، وأوجبوا إطاعة أبي بكر على جميع الخلق في شرق الأرض وغربها ، باعتبار مبايعة عمر بن الخطّاب له برضا أربعة : أبي عبيدة بن الجرّاح(٤) ، وسالم مولى أبي
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٦٨.
(٢) هذا هو الأمر الثاني من طريق تعيين الإمام.
(٣) انظر : أوائل المقالات : ٦٥ ، الذخيرة في علم الكلام : ٤٣٦ ـ ٤٣٧ ، شرح جمل العلم والعمل : ١٩٩ ، المقنع في الإمامة : ١٤٥ ، المنقذ من التقليد ٢ / ٢٩٦ ، تجريد الاعتقاد : ٢٢١ ـ ٢٢٣.
(٤) هو : عامر بن عبد الله الجرّاح بن هلال بن أهيب الفهري القرشي ، كان يعمل حفّارا للقبور ، استخلفه عمر على الشام بعد تولّيه الخلافة ، وعزل خالد بن الوليد
حذيفة(١) ، وبشير بن سعد(٢) ، وأسيد بن حضير(٣) ، لا غير(٤) .
فكيف [ يحلّ ] لمن يؤمن بالله واليوم الآخر إيجاب اتّباع من لم ينصّ الله عليه ولا رسوله ، ولا اجتمعت الأمّة عليه ، على جميع الخلق لأجل مبايعة أربعة نفر؟!
بل ذهب الجويني ، وكان من أكثرهم علما وأشدّهم عنادا لأهل
__________________
عنها ، توفّي بالطاعون سنة ١٨ ه وله ٥٨ عاما.
انظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٢ / ٢٢٨ ، تاريخ الطبري ٢ / ٢٣٩ ، الاستيعاب ٢ / ٧٩٢ رقم ١٣٣٢ ، أسد الغابة ٣ / ٢٤ رقم ٢٧٠٥ ، سير أعلام النبلاء ١ / ٥ رقم ١.
(١) هو : سالم بن عتبة ، وقيل : عبيد بن ربيعة ، وقيل : ابن معقل ، أصله من إصطخر فارس ، كان مولى لامرأة من الأنصار ، اختلف في اسمها ، قتل في اليمامة.
انظر : أسد الغابة ٢ / ١٥٥ رقم ١٨٩٢ ، سير أعلام النبلاء ١ / ١٦٧ رقم ١٤ ، الإصابة ٣ / ١٣ رقم ٣٠٥٤.
(٢) هو : بشير بن سعد بن ثعلبة بن خلاس ، وقيل : جلاس ـ بضمّ الجيم ـ ، الأنصاري الخزرجي ، يكنّى أبا النعمان ، هو أوّل أنصاري بايع أبا بكر في السقيفة ، قتل يوم عين التمر مع خالد بن الوليد بعد انصرافه من اليمامة عام ١٢ أو ١٣ ه.
انظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٣ / ٤٠٢ رقم ٢١١ ، معرفة الصحابة ـ لأبي نعيم ـ ١ / ٣٩٧ رقم ٢٩٤ ، أسد الغابة ١ / ٢٣١ رقم ٤٥٩ ، الكامل في التاريخ ٢ / ٢٤٧ حوادث سنة ١٢ ، تهذيب الكمال ٣ / ١٠٨ رقم ٧٠٦ ، الإصابة ١ / ٣١١ رقم ٦٩٤.
(٣) هو : أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن نافع بن امرئ القيس ، الأنصاري الأوسي الأشهلي ، أسلم بعد العقبة الأولى ، وقيل : الثانية ، ولم يشهد بدرا ، كان أبوه يلفّ حصير الكتائب ؛ توفّي سنة ٢٠ أو ٢١ ه.
انظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٣ / ٤٥٣ رقم ٣٢٦ ، معرفة الصحابة ـ لأبي نعيم ـ ١ / ٢٥٨ رقم ١١٦ ، الاستيعاب ١ / ٩٢ رقم ٥٤ ، أسد الغابة ١ / ١١١ رقم ١٧٠ ، سير أعلام النبلاء ١ / ٣٤٠ رقم ٧٤ ، الإصابة ١ / ٨٣ رقم ١٨٥.
(٤) انظر : تمهيد الأوائل : ٤٨٠ ـ ٤٨١ ، الأحكام السلطانية ـ للماوردي ـ : ٧ ، المواقف : ٤٠٠ ، شرح العقائد النسفية : ٢٢٩.
البيتعليهمالسلام إلى أنّ البيعة تنعقد لشخص واحد من بني هاشم إذا بايعه رجل واحد لا غير(١) .
فهل يرضى العاقل لنفسه الانقياد إلى هذا المذهب ، وأن يجب على نفسه الانقياد وبذل الطاعة لمن لا يعرف عدالته ، ولا يدري حاله من الإيمان وعدمه ، ولا عاشره ليعرف جيّده من رديّه ، وحقّه من باطله ، لأجل أنّ شخصا لا يعرف عدالته بايعه؟!
وهل هذا إلّا محض الجهل والحمق والضلال عن سبيل الرشاد؟!
نعوذ بالله من اتّباع الهوى وغلبة حبّ الدنيا.
ومن أغرب الأشياء وأعجبها : بحث الأشاعرة عن الإمامة وفروعها وعن الفقه وتفاصيله ، مع تجويز أن يكون جميع الخلق على الخطأ والزلل ، وأن يكون الله تعالى قد قصد إضلال العبيد بهذه الشرائع والأديان ، فإنّهم غير جازمين بصدقها ولا ظانّين.
فإنّه مع غلبة الضلال والكفر وأنواع العصيان الصادرة منه تعالى ، كيف يظنّ العاقل أو يشكّ في صحّة الشرائع؟! بل يظنّ بطلانها عندهم حملا على الغالب ، إذ الصلاح في العالم أقلّ القليل.
ثمّ مع تجويزهم أن يحرّم الله علينا التنفّس في الهواء مع الضرورة والحاجة إليه وعدم الغناء عنه من كلّ وجه ، ويحرّم علينا شرب الماء السائغ مع شدّة العطش والانتفاع بذلك الماء وعدم التضرّر به وانتفاء المفاسد كلّها كيف يحصل الجزم بأنّه يفعل اللطف بالعبد والمصلحة في إيجاب اتّباع هذا الإمام؟!
__________________
(١) انظر : غياث الأمم : ٨٨.
وقال الفضل(١) :
إعلم أنّ الشخص بمجرّد صلوحه للإمامة وجمعه لشرائطها لا يصير إماما ، بل لا بدّ مع ذلك من أمر آخر ، وإنّما تثبت بالنصّ من الرسول ، ومن الإمام السابق بالإجماع.
وتثبت ببيعة أهل الحلّ والعقد عند أهل السنّة والجماعة والمعتزلة والصالحية من الزيدية(٢) ، خلافا للإمامية من الشيعة ، فإنّهم قالوا : لا طريق إلّا النصّ(٣) .
لنا : ثبوت إمامة أبي بكر ببيعة أهل الحلّ والعقد ، كما سيأتي بعد هذا مفصّلا في محالّه.
وأمّا ما ذكر : أنّ خلافة أبي بكر انعقدت ببيعة عمر ورضا أربعة
فهذا أمر باطل ، يكذّبه النقول المتواترة وإجماع الأمّة ، فإنّ خلافة أبي بكر انعقدت يوم السقيفة بمحضر من أرباب الحلّ والعقد ، وهم كانوا ذلك اليوم جماعة الأنصار سيّما(٤) الخزرج ؛ لأنّ المراد من أهل الحلّ والعقد أمراء العساكر ومن لم يتمّ أمر الإمارة والخلافة بغير رضاهم ، وكانوا في ذلك الوقت جماعة الأنصار أهل الحلّ والعقد بهذا المعنى.
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٣٣٦.
(٢) شرح المواقف ٨ / ٣٥١.
(٣) راجع ما مرّ آنفا في الصفحة ٢٤١.
(٤) سيّ : اسم بمنزلة « مثل » وزنا ومعنى ، وتثنيته سيّان ، ومن الخطأ استخدامها بدون تقدّم « لا » عليها ، والغالب تقدّم « الواو » أيضا ، هكذا : « ولا سيّما ».
انظر : مغني اللبيب : ١٨٦.
وهل اختلف رجل واحد من زمان الصحابة إلى اليوم من أرباب التواريخ أنّ أبا بكر لم يفارق السقيفة حتّى بايعه جميع الأنصار ، إلّا سعد بن عبادة(١) ، وهو كان مريضا ، ومات بعد سبعة أيّام(٢) ؟! فكيف يقول : إنّ خلافته انعقدت ببيعة عمر ورضا أربعة من الصحابة؟!
وهل هذا إلّا افتراء باطل يكذّبه جميع التواريخ المثبّتة في الإسلام؟!
نعم ، البادئ بالبيعة كان عمر بن الخطّاب ، وتتابع الأنصار وبايعوه بعد تلجلج وتردّد ومباحثة.
ولو كان الأنصار سمعوا من رسول اللهصلىاللهعليهوآله النصّ على خلافة عليّ ، فلم لم يجعلوه حجّة على أبي بكر ، ولم لم يدفعوا خلافته بهذه الحجّة؟!
أكانوا يخافون من أبي بكر وعمر وهم كانوا في عقر دارهم وقد اجتمعوا لنصب الإمام من قومهم وكانوا زهاء ألف أو زيادة؟!
__________________
(١) هذا ادّعاء باطل ، فهناك عدد كبير من أكابر الصحابة لم يبايعوا أبا بكر ، منهم :
أبيّ بن كعب ، فروة بن عمرو بن ودقة الأنصاري البياضي ـ وكان ممّن جاهد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله وشهد العقبة وبدرا وما بعدها من المشاهد ـ ، أبان وخالد وعمرو أبناء سعيد بن العاص ، البراء بن عازب ، أبو ذرّ الغفاري ، سلمان الفارسي ، عمّار ابن ياسر ، المقداد بن عمرو ، الزبير بن العوّام ، بريدة الأسلمي ، خزيمة بن ثابت ، ابن التيّهان ، سهل وعثمان ابنا حنيف ، حذيفة بن اليمان ، أبو أيّوب الأنصاري ، أبو سفيان بن حرب الأموي ، مالك ومتمّم ابنا نويرة وقومهما ، علاوة على سعد بن عبادة ورهطه ، وطائفة من الخزرج ، وفرقة من قريش ؛ انظر : الاستيعاب ٣ / ٩٧٣ ، روضة المناظر ـ لابن الشحنة ـ ١١ / ١١٢ ـ ١١٣.
وقبل كلّ هؤلاء الإمام عليّعليهالسلام والعبّاس وبنو هاشم ؛ انظر : تاريخ اليعقوبي ٢ / ٩ ، الأخبار الموفّقيّات : ٤٧١.
(٢) بل اتّفاق أهل العلم والمؤرّخين على أنّه قتل في إمارة عمر ، بحوران من أعمال دمشق ، وسيأتي بيان المصنّفقدسسره بصدد ذلك في الصفحة ٢٦٥ منهذا الجزء.
وقالوا بعد المباحثة : « منّا أمير ومنكم أمير » فلم لم يقولوا : يا أبا بكر! يا عمر! إنّ العهد لم يطل ، وإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله في غدير خمّ نصّ بخلافة عليّ ، فلم تبطلون قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟! ولم لا تنقادون بقوله؟!
وكان أقلّ فائدة هذه المباحثة دفع البيعة عن أنفسهم؟!
ولم يجترئ أحد من الإمامية أن يدّعي أنّ الأنصار قالوا يوم السقيفة هذا القول(١) .
فيا معشر العقلاء! هل يمكن وجود النصّ في محضر جميع الناس ولم يحضر الأنصار؟!
وهل يمكن أنّ الأنصار ، الّذين نصروا الله ورسوله وتبوّأوا الدار والإيمان ، وارتكبوا عداوة العرب وقتل الأشراف في نصرة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، كانوا ساكتين في وقت المعارضة ولم يذكروا النصّ أصلا ، مع أنّ عمر وأبا عبيدة ألزموهم بقوله : «الأئمّة من قريش »(٢) ؟!
فلم لم يقولوا : الإمامة لعليّ بنصّ من رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم غدير خمّ؟!
__________________
(١) سيأتي عن الطبري وابن الأثير ، أنّ الأنصار ـ أو بعض الأنصار ـ قالوا : لا نبايع إلّا عليّا.
(٢) تاريخ دمشق ٣٠ / ٢٨٦.
وانظر : مسند أحمد ٣ / ١٨٣ ، مسند أبي يعلى ٦ / ٣٢١ ح ٣٦٤٤ وج ٧ / ٩٤ ح ٤٠٣٢ و ٤٠٣٣ ، مسند أبي داود الطيالسي : ١٢٥ ح ٩٢٦ وص ٢٨٤ ح ٢١٣٣ ، الفتن ـ لنعيم بن حمّاد ـ : ٦٧ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٥١٧ ح ١١٢٠ و ١١٢٥ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٨ / ١٤٣ ـ ١٤٤ ، تاريخ دمشق ٢٠ / ٢٠٥ وج ٦١ / ١١ ـ ١٤.
والعاقل المسلم المنصف لو تأمّل في ما قلنا من سكوت الأنصار ، وعدم الاستدلال في دفع بيعة أبي بكر بالنصّ على عليّ ، لجزم بعدم النصّ من رسول اللهصلىاللهعليهوآله على أحد ، ويعلم أنّ خلافة أبي بكر ثبتت ببيعة أرباب الحلّ والعقد.
ثمّ ما ذكر هذا الرجل من أنّ الأشاعرة لا يقدرون على هذا المبحث ، وتعجّب من بحثهم في الإمامة لقولهم : « بأنّ الله خالق كلّ شيء »(١) ، فهذا شيء ذكره مرارا ، وهو لا يعرف غير هذا وتصوير المحالات على رأيه الباطل الفاسد.
وقد بيّنّا لك أنّ شيئا ممّا ذكره لا يلزم الأشاعرة ، وكثرة التكرار من شأن الكوزيّين(٢) وأمثاله.
* * *
__________________
(١) المواقف : ٣٢٠ ـ ٣٢١.
(٢) الكوز : إناء للشرب ، وجمعه : أكواز وكيزان وكوزة ؛ انظر : لسان العرب ١٢ / ١٨٦ مادّة « كوز ».
ومراد الفضل هنا أنّ العلّامة الحلّي مثله مثل صانع الكيزان ، الذي من دأبه أن يكون عمله مكرّرا على شاكلة واحدة ، من الصباح إلى المساء وعلى مدار الأيّام ، فلا يأتي بجديد ، ولمّا كان هذا العمل من الصنائع الدنيئة في المجتمع ، أراد ابن روزبهان إهانة العلّامة فمثّله بهذا المثل!
وأقول :
ينبغي هنا بسط المقال لتتّضح الحال ، فنقول : استمرّ النزاع في أنّ تعيين الإمام من الله تعالى أو باختيار الناس؟ ذهبت الإمامية إلى الأوّل ، وأهل السنّة إلى الثاني ، والحقّ هو الأوّل ؛ لأمور :
الأوّل : قوله تعالى :( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) (١) .
الثاني : إنّ الرجوع إلى الاختيار مفسد للإمامة والأمّة والدين ، ولا سيّما إذا اكتفينا باختيار الواحد كما هو مذهب القوم(٢) ، كما ستعرف إن شاء الله تعالى ؛ لأنّ الاختيار ربّما يؤدّي إلى اختيار فاسق فعلا أو استقبالا فتفسد الإمامة ، وتفسد الأمّة والدين بفساد الإمام ، ولو من أجل أنّ الناس على دين ملوكهم وتبع لأهوائهم كما هو المشاهد.
الثالث : إنّ الأمّة قد تختلف باختيار الإمام ولو لزعم كلّ طائفة أنّ إمامة صاحبهم متعيّنة لاختلال شروطها في الغير ، أو لعدم معرفتهم به ولو لبعد الأماكن وكثرة المسلمين ، فيؤدّي إلى إمامة إمامين أو أكثر ، وإلى الحرب وفساد البلاد وضعف الإسلام.
ودعوى تعيّن المتقدّم كما زعمه في « المواقف »(٣) ، باطلة إذا فرض قول كلّ طائفة بعدم صلوح غير صاحبهم للإمامة ، مع أنّه قد يقع الاختلاف
__________________
(١) سورة القصص ٢٨ : ٦٨.
(٢) تمهيد الأوائل : ٤٦٧ ، غياث الأمم : ٨٦ ـ ٨٩.
(٣) المواقف : ٤٠٠ ، شرح المواقف ٨ / ٣٥٣.
في المتقدّم.
كما إنّ دعوى وجوب الانتظار إلى الاتّفاق باطلة أيضا ؛ لأنّ الانتظار يوجب إهمال أمر الأمّة زمانا أو أزمنة طويلة أو دائما.
على أنّ إيجاب الانتظار مناف لاختيار عمر وأصحابه لأبي بكر ، وبيعتهم له قبل اتّفاق من في السقيفة فضلا عن غيرهم ، بل مع تصريح الكثير أو الأكثر من أهل السقيفة بالخلاف(١) .
الرابع : إنّ تعيين الإمام باختيار واحد ـ إماما كان أو غيره ـ ، أو باختيار جماعة ـ وإن كانوا جميع أهل الحلّ والعقد ـ ، حيف بحقوق بقيّة المسلمين بلا سلطان جعله الله لأولئك عليهم.
ودعوى الإجماع ساقطة ؛ لأنّها ناشئة من فعل عمر ومن وافقه ، وهم ـ مع عدم تحقّق الإجماع بهم ـ محلّ الكلام.
وكيف يمكن دعوى الإجماع على اعتبار اختيار الناس وقد خالف أمير المؤمنين ، الذي يدور معه الحقّ حيث دار(٢) ، وجماعة من الصحابة في بيعة أبي بكر ، وما حفلوا باختيار من اختاره إلى أن بايعوا بعد مدّة طويلة بالاضطرار ، وبقي بعضهم على المخالفة حتّى لحق بالملك القهّار؟!
__________________
(١) السيرة النبوية ـ لابن هشام ـ ٦ / ٧٧ ، تاريخ الطبري ٢ / ٢٣٤ وما بعدها ، الكامل في التاريخ ٢ / ١٨٩ وما بعدها ، تاريخ ابن خلدون ٢ / ٤٦٧ و ٤٦٨.
(٢) انظر : مسند أبي يعلى ١ / ٤١٩ ح ٥٥٠ ، المعجم الكبير ٢٣ / ٣٢٩ ح ٧٥٨ وص ٣٩٥ ح ٩٤٦ ، الإمامة والسياسة ١ / ٩٨ ، الكنى والأسماء ـ للدولابي ـ ٢ / ٨٩ ، المحاسن والمساوئ ـ للبيهقي ـ : ٤١ ، المستصفى من علم الأصول ١ / ٢٧٠ ، فردوس الأخبار ١ / ٤١٠ ح ٣٠٥٠ ، ربيع الأبرار ١ / ٨٢٨ ، نهاية الإقدام في علم الكلام : ٤٩٤.
هذا ، وقد تقدّم تخريج الحديث مفصّلا في ج ١ / ١٦٤ ـ ١٦٥ ه ١ ؛ فراجع!
الخامس : إنّه يمتنع أن يترك الله سبحانه اختياره للإمام ويأمر الناس بأن يختاروه وهو أنظر لهم وأخبر ، إذ يقبح بالحكيم أن يترك أسهل الطريقين وأوصلهما إلى المطلوب ، ويأمر بسلوك الطريق الصعب الذي لا يوصل إلى المطلوب أحيانا أو غالبا.
السادس : إنّ التكليف بالاختيار ، إن تعلّق بالناس جميعا على نحو الاتّفاق منهم فهو تكليف بما لا يطاق.
وإن تعلّق بهم على نحو يكفي البعض ، ويجب على الباقي القبول بشرط العلم بجامعيّة الإمام للشرائط ، فهو ظاهر البطلان ، إذ يمتنع عادة معرفة الناس جميعا بجامعيّته حتّى من حيث شهادة المختار أو المختارين له بها ؛ لأنّهم إن لم يكونوا فسّاقا فالعادة تقضي بالجهل في عدالتهم عند الناس إلّا النادر ، فيبقى الناس في هرج بلا إمام أزمانا طويلة ، أو إلى أن يموت ذلك الإمام
وربّما تكون شهادتهم معارضة بشهادة آخرين بعدم جامعيّته ، فيزيد الهرج ، وكذا إن كان المختار له واحدا.
وأمّا لو أوجبنا القبول مطلقا ، فالأمر أظهر بطلانا ، إذ يلزم تديّن الشخص بإمامة إمام لا يعرف جامعيّته بمجرّد اختيار واحد أو جماعة لا يعرف عدالتهم ، أو يعرف فسقهم ، وهذا لا يقوله من يؤمن بالله وحكمته.
السابع : إنّ الإمام لا بدّ أن يكون معصوما وأفضل الأمّة وأكملهم صفات ـ كما سبق ـ ، ولا يعلمه الناس إلّا بطريق النصّ من الله تعالى بلسان نبيّه ، أو إمام آخر معصوم حاك عن الله ورسوله ، أو بإظهار المعجزة على
يده(١) .
ولو لم يكن الإمام السابق معصوما حاكيا عن الله تعالى لم ينفع نصّه ؛ لاحتمال خطئه أو عمده إلى من لم يكن أهلا للإمامة اتّباعا للهوى أو حبّا للرحم.
ففي الحقيقة لم يوافقنا السنّة على ثبوت الإمامة بنصّ الإمام السابق ؛ لأنّا نريد بالسابق إماما خاصّا وهم يريدون غيره.
الثامن : إنّ نصب الإمام واجب على الله تعالى ، فلا بدّ أن يكون الاختيار والتعيين منه تعالى ، ويدلّ على وجوبه عليه الكتاب والعقل
* أمّا الكتاب ، فقوله تعالى :( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) (٢) ، وبالضرورة أنّ نصب الإمام رحمة.
وقوله تعالى :( إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ) (٣) ، ولا ريب أنّ نصب الإمام من الهدى ، أو مقدّمته ، فيجب.
وقوله تعالى :( وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ) (٤) ، ومن الواضح أنّ نصب الإمام من قصد السبيل.
* وأمّا العقل ، فأمران :
الأوّل : إنّه لا إشكال بأنّ الناس في كلّ وقت محتاجون إلى عالم بكلّ ما كلّف الله تعالى به عباده وجاء به الرسول من عنده ، من حلال أو حرام ، فإنّ حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة(٥) .
__________________
(١) راجع الصفحة ٢١٧ وما بعدها من هذا الجزء.
(٢) سورة الأنعام ٦ : ٥٤.
(٣) سورة الليل ٩٢ : ١٢.
(٤) سورة النحل ١٦ : ٩.
(٥) الكافي ١ / ٧٩ ح ١٧٥ ، وانظر : سنن الدارمي ١ / ٨٥ ح ٤٣٦.
ولا يعلم بهذا العالم إلّا الله تعالى ، فلا بدّ من نصبه له ، ولا يغني الاجتهاد عن العلم الواقعي ؛ لوقوع الخطأ فيه.
وكذلك هم محتاجون إلى عالم بكلّ حجّة ودليل يثبت به الإسلام ليحتجّ به على كلّ بحسب فهمه وحاله.
ولو احتاج الثبوت إلى معجزة لزم أن يكون الإمام محلّا لإظهار الله لها على يده ، وإلّا لا نقطعت حجج الله وبيّناته ، لعدم كفاية معجزات النبيّ في الحجّيّة بالنسبة إلى أكثر الناس المتأخّرين ؛ لجهلهم بها أو بإعجازها.
فيجب على الله تعالى نصب الإمام ، العالم ببيّناته ، القادر على إثبات دينه ولو بالمعجزة ، كما قال أمير المؤمنينعليهالسلام : «اللهمّ بلى ، لا تخلو الأرض من قائم لك بحجّة ، إمّا ظاهرا مشهورا ، أو خائفا مغمورا ، لئلّا تبطل حججك وبيّناتك »(١)
فلولا نصب هذا الإمام لكان لأكثر الكافرين والضالّين الحجّة على الله تعالى ؛ إذ يصحّ عذرهم بالجهل والغفلة الآتية بسبب عدم نصب الحجّة عليهم ، فيقولون :( إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ) (٢) .
ولا يضرّ في حجّيّته استتاره ؛ لأنّه بسببهم ، حيث أخافوه ، ففوّتوا الخير عن أنفسهم كمن يخيفون الأنبياء ويشرّدونهم ، فلا تبطل حجج الله بذلك.
وأمّا قوله سبحانه :( لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ
__________________
(١) الغارات : ٩١ ، الفصول المختارة : ٣٢٥ ، غرر الحكم ودرر الكلم ـ للآمدي ـ ٢ / ٣٦٢ رقم ٣٨٤.
(٢) سورة الأعراف ٧ : ١٧٢.
الرُّسُلِ ) (١) ، فلا يدلّ على عدم الحاجة إلى الإمام ؛ لأنّ المراد البعديّة بلحاظ ما جاؤوا به ، وممّا جاؤوا به نصب الإمام.
الثاني : إنّ نصب الإمام لطف ، واللطف واجب على الله عزّ وجلّ.
أمّا الصغرى ؛ فلأنّ اللطف هو ما يقرّب إلى الطاعة ويبعّد عن المعصية ولو بالإعداد ، وبالضرورة أنّ نصب الإمام كذلك ، لما به من تنفيذ الأحكام ورفع الظلم والفساد ونحوها.
ولا ينافي اللطف في نصبه سلب العباد سلطانه أو غيبته ؛ لأنّ الله سبحانه قد لطف بهم بنصب المعدّ لهم ، وهم فوّتوا أثر اللطف عن أنفسهم.
وعورض هذا اللطف بلطف آخر حاصل بعدم الإمام ، فإنّ فاعل الواجب وتارك الحرام مع عدم الإمام أقرب إلى الإخلاص ؛ لانتفاء الخوف منه ، فيكون أكثر ثوابا ، ويكون عدم الإمام لطفا.
بل قيل : إنّ تفويت هذا الثواب مفسدة مانعة من وجوب نصب الإمام.
وفيه : إنّ هذا اللطف لا يصلح للمعارضة ؛ لأنّه لطف خاصّ بقليل من الناس ، ونصب الإمام لطف عامّ.
على أنّا نمنع كونه لطفا ؛ لعدم إحاطة غير الإمام بجهات الإخلاص ، فلا يحصل الإخلاص التامّ بدون الإمام ، للحاجة إلى تعليمه وإرشاده.
مع أنّ من لا يخالف الأوامر والنواهي مع عدم الإمام ، لا يتفاوت حاله
__________________
(١) سورة النساء ٤ : ١٦٥.
في الإخلاص بين وجود الإمام وعدمه ، ضرورة أنّه يوافق التكاليف بالطبع والطوع ، لا بالخوف ألبتّة ، بلا فرق بين حالتي وجود الإمام وعدمه ، بل هو مع الإمام أقرب إلى الإخلاص اقتداء به وسلوكا لنهجه.
وأمّا كون فوات المصلحة مفسدة ، فظاهر البطلان لو سلّم فواتها ، على أنّ مقتضاه عدم جواز نصب الإمام ، لا عدم وجوبه فقط ، لما في نصبه من المفسدة فرضا.
وأمّا الكبرى ؛ فلأنّ ترك هذا اللطف من المولى إخلال بغرضه ومطلوبه ، وهو طاعة العباد له وترك معصيته ، فيجب نصب الإمام على المولى لئلّا يخلّ بمطلوبه ؛ لأنّ الناس غير معصومين ، والمفاسد بنصب المعدّ للطاعة منتفية بالضرورة ، وإلّا لما جاز نصبه ، وهو خلاف الإجماع والضرورة.
على أنّه سبحانه أخبر بأنّه لطيف ، فيلزمه نصب الإمام تصديقا لإخباره.
وهو ـ سبحانه ـ لم يخلق جوارح الإنسان إلّا وجعل لها إماما يهديها إلى أفعالها ، وأميرا يحكم في مشتبهاتها ، وهو القلب ، كما أقرّ به عمرو بن عبيد لمّا سأله هشام بن الحكمرحمهالله (١) ، فكيف يترك الناس في حيرة
__________________
(١) راجع ما جرى بين هشام بن الحكم وبين عمرو بن عبيد في : رجال الكشّي ٢ / ٥٤٩ ـ ٥٥١ رقم ٤٩٠ ، الكافي ١ / ١٩٠ ح ٤٢٩ ، إكمال الدين ١ / ٢٠٧ ـ ٢٠٩ ح ٢٣ ، علل الشرائع ١ / ٢٢٨ ح ٢ ، الأمالي ـ للصدوق ـ : ٦٨٥ ـ ٦٨٧ ح ٩٤٢ ، الاحتجاج ٢ / ٢٨٣ ح ٢٤٢.
وأمّا عمرو فهو : أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب ـ وقيل : ابن ثوبان ـ البصري ، شيخ المعتزلة في عصره ، كان جدّه من سبي فارس ، وأبوه نسّاجا ثمّ
الضلالة بلا إمام يهديهم سواء السبيل ، ويرفع مشتبهاتهم وخلافهم ، مع انتشارهم في أطراف الأرض ، واختلافهم بالطباع والأهواء ، وتباينهم بالمقاصد والآراء؟!
ويمكن إرجاع الدليلين العقليّين(١) إلى دليل واحد ، وهو كون الإمامة لطفا من جهتين :
جهة العلم ؛ وهي الأمر الأوّل
وجهة السياسة ؛ وهو الأمر الثاني
واللطف واجب.
فإذا عرفت أنّه لا يجوز الرجوع إلى اختيار الناس في تعيين الإمام ، وأنّه يجب على الله سبحانه نصبه ، ظهر لك بطلان القول بثبوت الإمامة
__________________
شرطيّا للحجّاج في البصرة ، وكان محظيّا عند أبي جعفر المنصور ، وكان المنصور يحبّه ويعظّمه ، له من الكتب : تفسير القرآن عن الحسن البصري ، وخطب ، ورسائل ، وديوان شعر ، قيل : ولد هو وواصل بن عطاء سنة ٨٠ ه ، وتوفّي سنة ١٤٤ ه ، وقيل : ١٤٣ و ١٤٢ ه ، وهو في طريقه إلى مكّة.
انظر : تاريخ بغداد ١٢ / ١٦٦ رقم ٦٦٥٢ ، وفيات الأعيان ٣ / ٤٦٠ رقم ٥٠٣ ، تهذيب الكمال ١٤ / ٢٧٦ رقم ٤٩٩٠ ، سير أعلام النبلاء ٦ / ١٠٤ رقم ٢٧ ، البداية والنهاية ١٠ / ٦٤ حوادث سنة ١٤٢ ، شذرات الذهب ١ / ٢١٠ و ٢١١ حوادث سنة ١٤٢ ه ، هديّة العارفين ٥ / ٨٠٢.
وأمّا هشام فهو : أبو محمّد هشام بن الحكم الشيباني ، من أهل الكوفة ، سكن بغداد ، من كبار متكلّمي الإمامية ، له تصانيف كثيرة في علم الكلام ، وكان من أصحاب الإمام جعفر الصادقعليهالسلام ، وبعده الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام ، توفّي سنة ١٧٩ ه بالكوفة في أيّام الرشيد ، وقيل سنة ١٩٩ ه.
انظر : رجال الكشّي ٢ / ٥٢٦ رقم ٤٧٥ ، الفهرست ـ للنديم ـ : ٣٠٧ ، سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٤٣ رقم ١٧٤ ، لسان الميزان ٦ / ١٩٤ رقم ٦٩١.
(١) وهما : إنّ الناس في كلّ وقت محتاجون إلى عالم ، وإنّ نصب الإمام لطف.
ببيعة أهل الحلّ والعقد ، وبطلان القول بوجوب النصب شرعا على الأمّة.
ومن طريف ما قيل في بطلان دعوى أنّ الإمامة بالاختيار ، قول الشاعر العبدي(١) [ من الطويل ] :
وقالوا : رسول الله ما اختار بعده |
إماما ، ولكنّا لأنفسنا اخترنا |
|
أقمنا إماما إن أقام على الهدى |
أطعنا وإن ضلّ الهداية قوّمنا |
|
فقلنا : إذن أنتم إمام إمامكم |
بحمد من الرحمن تهتم وما تهنا |
|
ولكنّنا اخترنا الذي اختار ربّنا |
لنا يوم خمّ ما اعتدينا ولا حلنا |
|
سيجمعنا يوم القيامة ربّنا |
فتجزون ما قلتم ونجزى الذي قلنا |
|
ونحن على نور من الله واضح |
فيا ربّ زدنا منك نورا وثبّتنا(٢) |
واستدلّ الأشاعرة على وجوب النصب على الأمر شرعا بثلاثة وجوه ، ذكر صاحب « المواقف » وشارحها منها اثنين ، قالا :
«الأوّل : إنّه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأوّل بعد وفاة النبيّصلىاللهعليهوآله على امتناع خلوّ الوقت من خليفة وإمام ، حتّى قال أبو بكر في خطبته المشهورة حين وفاتهصلىاللهعليهوآله : ألا إنّ محمّدا قد مات ، ولا بدّ لهذا الدين ممّن يقوم به.
__________________
(١) هو : أبو محمّد سفيان بن مصعب العبدي الكوفي ، من شعراء أهل البيتعليهمالسلام والمنقطعين إليهم ،
وكان الإمام الصادق عليه السلام يسمع شعره ويقول : « يا معشر الشيعة! علّموا أولادكم شعر العبدي ، فإنّه على دين الله » ، وكان معاصرا للسيّد الحميري ، المتوفّى سنة ١٧٣ ه ، وله معه موقف ينمّ عن تضلّعه ومعرفته بمواضع الكلام ، فقال السيّد : « أنا أشعر الناس إلّا العبدي ».
انظر : الكافي ٨ / ٢١٦ ح ٢٦٣ ، رجال الكشّي ٢ / ٧٠٤ رقم ٧٤٨ ، الأغاني ٧ / ٢٩٣.
(٢) مناقب آل أبي طالب ١ / ٣١٨.
فبادر الكلّ إلى قبول قوله ، ولم يقل أحد : لا حاجة إلى ذلك ؛ بل اتّفقوا عليه ، وقالوا : ننظر في هذا الأمر ؛ وبكّروا إلى سقيفة بني ساعدة ، وتركوا أهمّ الأشياء ، وهو دفن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ـ واختلافهم في التعيين لا يقدح في ذلك [ الاتّفاق ] ـ ولم يزل الناس [ بعدهم ] على ذلك في كلّ عصر إلى زماننا هذا من نصب إمام متّبع »(١) انتهى.
وفيه ـ مع ما عرفت من وجوب النصب على الله تعالى ، فلا محلّ لوجوبه على الأمّة شرعا ـ : إنّ دعوى امتناع خلوّ الوقت عن إمام ، أعمّ من وجوبه على الله سبحانه ، وعلى الأمّة ، شرعا أو عقلا.
نعم ، لو صحّ ما نقلاه عن أبي بكر وقبول الصحابة له ، وقولهم :
« ننظر في هذا الأمر » ، كان ظاهرا في وجوبه على الأمّة ، لكنّه ـ مع كونه أعمّ من الوجوب شرعا وعقلا ـ كذب صريح ؛ إذ لم يقل أبو بكر : « لا بدّ لهذا الدين ممّن يقوم به » في خطبته التي رأيناها في كتبهم ، كتاريخي الطبري وابن الأثير وصحيح البخاري ، عند ذكر مناقب أبي بكر(٢) ، ومستدرك الحاكم ، حيث ذكر خطبة أبي بكر(٣) ، وغيرها من كتبهم(٤) .
وما قال أحد بعد خطبة أبي بكر : « ننظر في هذا الأمر » ، ولا راحوا إلى السقيفة وفاء بالوعد وقياما بواجب النصب شرعا
__________________
(١) المواقف : ٣٩٥ ، شرح المواقف ٨ / ٣٤٥ ـ ٣٤٦ ، وانظر : شرح تجريد الاعتقاد ـ للقوشجي ـ : ٤٧٢.
(٢) تاريخ الطبري ٢ / ٢٣٢ ـ ٢٣٣ ، الكامل في التاريخ ٢ / ١٨٧ حوادث سنة ١١ ه ، صحيح البخاري ٥ / ٧٠ ح ١٦٧.
(٣) المستدرك على الصحيحين ٢ / ٣٢٣ ح ٣١٦٢.
(٤) راجع : السيرة النبوية ـ لابن هشام ـ ٦ / ٧٥ ـ ٧٦ ، السيرة النبوية ـ لابن حبّان _ : ٤٠١ ، السيرة النبوية ـ لابن كثير ـ ٤ / ٤٨٠ ـ ٤٨٣.
فإنّ رواياتهم متضافرة في أنّ الأنصار اجتمعوا في السقيفة لبيعة سعد ساعة موت النبيّصلىاللهعليهوآله ، فعلم أبو بكر وأصحابه ، فذهبوا ينافسونهم في الإمرة ، كما يدلّ عليه خطبة عمر التي بيّن فيها أنّ بيعة أبي بكر فلتة ، ورواها القوم ، منهم البخاري في « باب رجم الحبلى إذا أحصنت » من كتاب المحاربين(١) .
وكيف يمكن أن تكون مبادرتهم إلى السقيفة أداء للوظيفة الشرعية؟! والحال أنّ تجهيز النبيّصلىاللهعليهوآله ومراعاة حرمته أهمّ الواجبات ، وتأخير دفنه تلك المدّة أكبر الوهن به وبالإسلام! ولا يضرّ تقديم تجهيزه بأمر الإمامة ، ولا سيّما بناء على حسن ظنّ القوم بالصحابة وحكمهم بعدالتهم أجمع ، وصلابتهم في الدين كما تسمع!
فلا ريب أنّهم لم يؤخّروا دفن النبيّصلىاللهعليهوآله مبادرة لواجب البيعة ، وإنّما أخّروه منافسة في الدنيا ، وانتهازا لفرصة مشغولية أمير المؤمنينعليهالسلام بالنبيّصلىاللهعليهوآله وعلمهم بأنّه لا يترك النبيّصلىاللهعليهوآله بلا دفن ويأتي لمزاحمتهم!
ولو كانوا بذلك الاهتمام في أداء واجب البيعة فما بال عمر أباح تأخير البيعة في الشورى ثلاثة أيّام ، والنفر الّذين اختارهم للشورى ستّة ، ويمكنهم بتّ الأمر في يوم واحد أو ساعة واحدة ، ولا سيّما مع علمهم بالحال قبل موته؟!
ولو كانوا بذلك الاهتمام في أمر الإمامة الإلهيّة فلم لم يسألوا
__________________
(١) صحيح البخاري ٨ / ٣٠٠ ـ ٣٠٤ ح ٢٥ ، وانظر : مسند أحمد ١ / ٥٥ ، مصنّف عبد الرزّاق ٥ / ٤٣٩ ـ ٤٤٥ ح ٩٧٥٨ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٨ / ٥٧٠ ح ٢ ، المعيار والموازنة : ٣٨ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ١ / ٣٢٠ ـ ٣٢١ ح ٤١٥ ، الثقات ـ لابن حبّان ـ ٢ / ١٥٢ ـ ١٥٤ ، تاريخ دمشق ٣٠ / ٢٨١ ـ ٢٨٣.
النبيّصلىاللهعليهوآله نصب إمام لمّا أخبرهم بموته مرارا عديدة تصريحا وتلويحا فيريحهم عن تكلّف ذلك المهمّ؟!
ولم نسبوه إلى الهجر ومنعوه من كتابة ما لا يضلّون بعده؟!(١) ألم يحتملوا أنّه يريد نصب إمام فيريحهم عن ذلك الاهتمام؟!
ولم لم يعطها النبيّصلىاللهعليهوآله بعض اهتمامهم وينصب لهم خليفة أو يشرّع جواز ترك الاستخلاف بالقول ويحفظ حرمته وحرمة الإسلام؟!
ولم لم يكن عند أمير المؤمنين ذلك الاهتمام فيشاركهم في أداء الواجب فيحصل لدفن النبيّصلىاللهعليهوآله تعجيل؟!
وأمّا قولهما : « ولم يزل الناس على ذلك في كلّ عصر إلى زماننا »
إلى آخره(٢)
فغريب ؛ لأنّا لم نر ولم نسمع أنّهم اهتمّوا لنصب إمام قياما بالواجب ، ولذا لم يطلبوا إماما جامعا للشرائط التي ذكراها ، من العدالة والاجتهاد والقرشية ونحوها ، وإنّما رأينا وسمعنا قيامهم برئاسة من انتفت عنه الشرائط ، طلبا لأن ينالوا به شيئا من الدنيا الدنيّة!
الدليل الثاني الذي ذكراه لمختار الأشاعرة : إنّ في نصب الإمام دفع ضرر مظنون ، ودفعه واجب إجماعا(٣) .
وفيه : إنّ الدفع به إنّما يجب على الناس إذا لم يجب على الله تعالى ، أو أهمل أمر الأمّة ، وكلاهما باطل
ولو سلّمنا ، فلا مخرج للنبيّصلىاللهعليهوآله عن وجوب دفع الضرر
__________________
(١) راجع الصفحة ٩٣ ه ٢ من هذا الجزء.
(٢) راجع الصفحة ٢٥٧ من هذا الجزء.
(٣) المواقف : ٣٩٦ ، شرح المواقف ٨ / ٣٤٦.
بالنصب ، فلا بدّ أن يكون قد نصب وإلّا أخلّ بالواجب.
على أنّ نصبهم للإمام وإن دفع ضررا ، إلّا أنّ نصب غير المعصوم يوجب ضررا آخر ناشئا من عمده أو خطئه ، فيضرّ بالدين والأمّة ، فيحرم ، فلا مناص من نصب الله سبحانه لمن يعلم عصمته.
وقد ذكر القوشجيدليلا ثالثا ، وهو : إنّ الشارع أمر بإقامة الحدود وتجهيز الجيوش وسدّ الثغور ونحوها ممّا لا يتمّ إلّا بإمام ، وما لا يتمّ الواجب إلّا به واجب »(١) .
وفيه ـ مع توقّفه على عدم الوجوب على الله سبحانه ، وتركه لنصب الإمام ، وكلاهما باطل ـ : إنّ تلك الواجبات إنّما تجب بشرط وجود الإمام ، ومقدّمة الواجب المشروط غير واجبة ، كالاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ ، ولا سيّما أنّ الأوّل ـ وهو إقامة الحدود ـ إنّما يجب على الإمام ، بل وكذا الأخيران ، فكيف تجب مقدّمتها ، وهي نصب الإمام على غيره؟! اللهمّ إلّا إذا خيف على بيضة الإسلام ، فإنّه يجب الأخيران على الناس أيضا ، فيجب عليهم النصب هنا خاصّة.
ولو سلّم وجوب تلك الأمور على الناس ، وأنّ النصب مقدّمة وجود لها ، فكثير من الجمهور لا يقولون بوجوب مقدّمة الواجب كما سيذكره المصنّفرحمهالله في مسألة أصول الفقه.
فاتّضح بما بيّنّا بطلان الرجوع إلى اختيار الأمّة ، كلّا أو بعضا ، وبطلان إيجاب النصب عليهم.
لكنّ القوم مع اختيارهم لذلك ، اكتفوا ببيعة الواحد والاثنين في عقد
__________________
(١) شرح تجريد الاعتقاد : ٤٧٢.
الإمامة وإيجاب اتّباعه على الأمّة(١) ! قال في « المواقف » وشرحها ـ وهما عنوان مذهبهم _ :
« وإذا ثبت حصول الإمامة بالاختيار والبيعة ، فاعلم أنّ ذلك [ الحصول ] لا يفتقر إلى الإجماع من جميع أهل الحلّ والعقد ، إذ لم يتمّ عليه [ أي : على هذا الافتقار ] دليل من العقل والسمع ، بل الواحد والاثنان من أهل الحلّ والعقد كاف في ثبوت الإمامة ، ووجوب اتّباع الإمام على أهل الإسلام ؛ وذلك لعلمنا أنّ الصحابة ـ مع صلابتهم في الدين وشدّة محافظتهم على أمور الشرع كما هو حقّها ـ اكتفوا في عقد الإمامة بذلك المذكور من الواحد والاثنين ، كعقد عمر لأبي بكر ، وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان.
ولم يشترطوا في عقدها اجتماع من بالمدينة من أهل الحلّ والعقد ، فضلا عن إجماع الأمّة من علماء أمصار الإسلام ومجتهدي جميع أقطارها ، هذا [ كما مضى ] ولم ينكر عليه أحد.
وعليه ـ أي : على الاكتفاء بالواحد والاثنين في عقد الإمامة ـ انطوت الأعصار بعدهم إلى وقتنا هذا »(٢) .
وأنت إذا نظرت بعين الإنصاف ، وسمعت بأذن واعية ، وتدبّرت في ما ذكرنا ، عرفت بطلان هذا الكلام.
ومن العجب دعواهما اكتفاء الصحابة في عقد الإمامة ببيعة الواحد والاثنين!
ألم يعلما امتناع أمير المؤمنين وسيّد المسلمين وجماعة من الصحابة
__________________
(١) انظر : تمهيد الأوائل : ٤٦٧ ـ ٤٦٨ ، غياث الأمم : ٨٥ ـ ٨٩.
(٢) المواقف : ٤٠٠ ، شرح المواقف ٨ / ٣٥٢ ـ ٣٥٣.
عن بيعة أبي بكر ، وتخلّفهم عنها زمنا طويلا ، ولم يكتفوا ببيعة من بايعه من أهل السقيفة فضلا عن عمر وحده؟!
ألم يسمعا تخلّف سعد وابن عمر وأسامة بن زيد ومحمّد بن مسلمة وأبي مسعود الأنصاري وغيرهم عن بيعة أمير المؤمنينعليهالسلام مع مشاهدتهم بيعة أهل الحلّ والعقد له(١) ؟!
ألم يدريا أنّ بيعة الأوس لأبي بكر كانت حسدا للخزرج ، لا للاكتفاء المذكور ، كما تشهد به مراجعة تأريخي الطبري وابن الأثير(٢) في كيفية بيعة السقيفة ؛ وكذا بيعة المهاجرين ، إنّما كانت حسدا وعداوة لأمير المؤمنينعليهالسلام ؟! كما ستعرف إن شاء الله تعالى.
وأعجب من ذلك دعواهما انطواء الأعصار على ذلك ، فإنّا لم نسمع أنّه اتّفق في زمان اكتفاء الناس ببيعة الواحد والاثنين ، وأنّ التكليف دعاهم إلى التسليم!
نعم ، سمعنا عهد الملوك الخونة لأبنائهم الجهلة الفسقة ، ولكنّه من نصّ الإمام عندهم لا من محلّ الكلام!
ومن المضحك أنّهم يصفون الصحابة بالصلابة في الدين في مثل المقام ، ممّا يحتاجون فيه إلى إثبات صلابتهم ومحافظتهم على أمور الشرع ، ويدّعون في مقام آخر أنّ مبادرتهم إلى البيعة وإعراضهم عن دفن سيّد المرسلين ، خوفا من الفتنة وزوال أمر الإسلام ، فإنّهم إذا كانوا بتلك
__________________
(١) راجع : تاريخ الطبري ٢ / ٦٩٧ ـ ٦٩٨ ، السيرة النبوية ـ لابن حبّان ـ : ٥٢٤ ، الكامل في التاريخ ٣ / ٨٢ ، البداية والنهاية ٧ / ١٨٢.
(٢) تاريخ الطبري ٢ / ٢٤٣ ، الكامل في التاريخ ٢ / ١٩٤ حوادث سنة ١١ ه ، وانظر : شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٦ / ١٠.
الصلابة ، فأيّ خوف يخشى على الإسلام إذا بادروا لدفن نبيّهمصلىاللهعليهوآله وأخّروا البيعة ساعة ، وتذاكروا في أثناء هذا الوقت بتعيين الأولى؟!
وإذا كانوا بتلك الصلابة ، فكيف خاف عمر من وجوه الصحابة أن يفسدوا إذا خرجوا في الجهاد وإمرة البلاد؟! روى الحاكم في « المستدرك » في مناقب أمير المؤمنينعليهالسلام ، من كتاب معرفة الصحابة(١) ، وصحّحه الذهبي في « تلخيصه » ، عن قيس بن أبي حازم ، قال :
جاء الزبير إلى عمر بن الخطّاب يستأذنه في الغزو ، فقال عمر : اجلس في بيتك فقد غزوت مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
قال : فردّد ذلك عليه ، فقال له عمر في الثالثة أو التي تليها : اقعد في بيتك! فو الله إنّي لأجد بطرف المدينة منك ومن أصحابك أن تخرجوا فتفسدوا عليّ أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآله .
فقد ظهر من كلام « المواقف » وشرحها أنّ إمامة أبي بكر انعقدت ببيعة عمر ، فوجب اتّباعه على أهل الإسلام قاطبة.
فكان ما نسبه المصنّف إليهم صدقا ، وإنّما الفضل جاهل بمذهبه وبمراد المصنّف.
فالمصنّف لم يرد إنكار بيعة الأنصار يوم السقيفة ، بل أراد نفي كون إمامة أبي بكر عن مشورة أهل الحلّ والعقد واجتماع رأيهم ، وإنّما كان أصل انعقادها ببيعة عمر ورضا أربعة ، ولذا كانت فلتة كما قاله عمر(٢) ،
__________________
(١) ص ١٢ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٢٩ ح ٤٦١٢ ]. منهقدسسره .
وانظر : مسند البزّار ١ / ٤٦٦ ح ٣٣٢ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٥٢ ، كنز العمّال ١١ / ٢٦٧ ح ٣١٤٧٦ ، عون المعبود ١١ / ٣٦٦.
(٢) راجع الصفحة ٢٥٨ ه ١ من هذا الجزء.
ومع ذلك أوجبوا طاعته على جميع الخلق! وهذا لا يستحلّ القول به من يؤمن بالله وعدله وحكمته.
على أنّ ما ادّعاه الفضل من اتّفاق أرباب التواريخ على أنّ أبا بكر لم يفارق السقيفة حتّى بايعه جميع الأنصار إلّا سعدا ، كذب صريح
قال ابن الأثير(١) : « لمّا توفّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة ، فبلغ ذلك أبا بكر ، فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجرّاح ، فقال : ما هذا؟!
فقالوا : منّا أمير ومنكم أمير.
فقال أبو بكر : منّا الأمراء ومنكم الوزراء.
ثمّ قال أبو بكر : قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، عمر وأبا عبيدة أمين هذه الأمّة.
فقال عمر : أيّكم يطيب نفسا أن يخلّف قدمين قدّمهما النبيّصلىاللهعليهوآله ؟
فبايعه عمر وبايعه الناس.
فقالت الأنصار ـ أو : بعض الأنصار ـ : لا نبايع إلّا عليّا » ؛ انتهى.
ونحوه في « تاريخ الطبري »(٢) .
وقال ابن عبد البرّ في « الاستيعاب » بترجمة أبي بكر : « بويع له بالخلافة في اليوم الذي مات فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآله في سقيفة بني ساعدة ، ثمّ بويع له البيعة العامّة يوم الثلاثاء من غد ذلك اليوم ، وتخلّف عن بيعته سعد بن عبادة وطائفة من الخزرج وفرقة من قريش »(٣) .
__________________
(١) في كامله ص ١٥٦ من الجزء الثاني [ ٢ / ١٨٩ ، حوادث ١١ ه ]. منهقدسسره .
(٢) ص ١٩٨ من الجزء الثالث [ ٢ / ٢٣٣ حوادث سنة ١١ ه ]. منهقدسسره .
(٣) الاستيعاب ٣ / ٩٧٣ رقم ١٦٣٣.
وأمّا ما زعمه من أنّ أهل الحلّ والعقد كانوا ذلك اليوم جماعة الأنصار ، فازدراء بحقّ المهاجرين على كثرتهم وكثرة العلماء والأمراء منهم.
ومن طريف الكذب ما قاله من موت سعد بعد سبعة أيّام ، فإنّه لا يجامع اتّفاق العلماء والمؤرّخين على أنّه مات بحوران(١) ، وقال أكثرهم :
مات في إمارة عمر(٢) .
وقال ابن حجر في « الإصابة » ، في ترجمة سعد : « وقصّته في تخلّفه عن بيعة أبي بكر مشهورة ، وخرج إلى الشام فمات بحوران سنة ١٥ وقيل :
سنة ١٦ »(٣) .
وقال الحاكم(٤) : إنّه توفّي بحوران من أرض الشام لسنتين ونصف من خلافة عمر وذلك سنة ١٥ ، وروى أيضا أنّه مات بحوران سنة ١٦.
وقال الطبري في « تاريخه »(٥) : كان سعد لا يصلّي بصلاتهم ، ولا يجمّع معهم ، ويحجّ ولا يفيض معهم بإفاضتهم ، فلم يزل كذلك حتّى هلك أبو بكر.
__________________
(١) حوران : كورة واسعة من أعمال دمشق من جهة القبلة ، ذات قرى كثيرة ومزارع وغير هما ، وفتحت قبل دمشق ؛ انظر : معجم البلدان ٢ / ٣٦٤ رقم ٣٩٨٩.
(٢) انظر : الاستيعاب ٢ / ٥٩٩ رقم ٩٤٤ ، الكامل في التاريخ ٢ / ٣٣٧ حوادث سنة ١٤ ه ، سير أعلام النبلاء ١ / ٢٧٧ رقم ٥٥ ، البداية والنهاية ٧ / ٢٧ ـ ٢٨ حوادث سنة ١٣ ه ، تهذيب التهذيب ٣ / ٢٨٦ رقم ٢٣١٧.
(٣) الإصابة ٣ / ٦٧ رقم ٣١٧٥.
(٤) في المستدرك على الصحيحين ص ٢٩٢ من الجزء الثالث [ ٣ / ٢٨٢ رقم ٥٠٩٨ و ٥٠٩٩ ]. منهقدسسره .
(٥) ص ٢١٠ من الجزء الثالث [ ٢ / ٢٤٤ حوادث سنة ١١ ه ]. منهقدسسره .
وقال في « الاستيعاب » ، بترجمة سعد : « وتخلّف سعد بن عبادة عن بيعة أبي بكر ، وخرج من المدينة ، ولم ينصرف إليها إلى أن مات بحوران من أرض الشام لسنتين ونصف مضتا من خلافة عمر ، وذلك سنة ١٥ ، وقيل : أربع عشرة ، وقيل : بل مات بخلافة أبي بكر سنة ١١ »(١) .
وقال ابن الأثير في « كامله » في تاريخ سنة ١٤ : « وفيها مات سعد بن عبادة ، وقيل : سنة ١١ ، وقيل : سنة ١٥ »(٢) .
وقد ذكر ابن أبي الحديد نحو ذلك في عدّة مواطن من « شرح النهج »(٣) .
وذكره جماعة كثيرون لا يسع المقام استقصاءهم(٤)
وذكر ابن أبي الحديد(٥) : إنّ أبا بكر ـ وقال بعضهم : عمر ـ كتب إلى خالد بن الوليد بالشام أن يقتل سعدا ، فكمن له هو وآخر معه ـ وقيل : هو محمّد بن مسلمة(٦) ـ ليلا ، فرمياه فقتلاه وألقياه في بئر هناك فيها ماء ،
__________________
(١) الاستيعاب ٢ / ٥٩٩ رقم ٩٤٤.
(٢) الكامل في التاريخ ٢ / ٣٣٧ حوادث سنة ١٤ ه.
(٣) انظر : شرح نهج البلاغة ٦ / ١٠ ـ ١١ وج ١٠ / ١١١.
(٤) راجع الصفحة السابقة ه ٢.
(٥) ص ١٩٠ من المجلّد الرابع [ ١٧ / ٢٢٣ ]. منهقدسسره .
(٦) هو : محمّد بن مسلمة بن سلمة بن خالد الأنصاري ، يقال : إنّه أسلم على يد مصعب بن عمير ؛ شهد بدرا ، وكان ممّن اعتزل في الجمل وصفّين ، اختلف في سنة وفاته ، فقيل : توفّي سنة ٤٢ ، وقيل : سنة ٤٣ ، وقيل غير ذلك ، وكان عمره آنذاك ٧٧ سنة.
انظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٣ / ٣٣٨ رقم ٩٦ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٤٩٠ ـ ٤٩٤ ح ٥٨٣٣ ـ ٥٨٤٤ ، الاستيعاب ٣ / ١٣٧٧ رقم ٢٣٤٤ ، سير أعلام النبلاء ٢ / ٣٦٩ رقم ٧٧ ، تهذيب التهذيب ٧ / ٤٢٧ رقم ٦٥٥٢.
فهتف صاحب خالد في ظلام الليل ببيتين [ من مجزوء الرمل ] :
نحن قتلنا سيّد الخزر |
ج سعد بن عباده |
|
ورميناه بسهمين |
فلم نخطئ فؤاده |
يريهم أنّ ذلك من شعر الجنّ!
وأمّا قوله : « ولو كان الأنصار سمعوا من رسول الله النصّ على خلافة عليّ ، فلم لم يجعلوه حجّة على أبي بكر »
ففيه : إنّهم إنّما لم يجعلوه حجّة عليه ؛ لأنّه حجّة عليهم ، فإنّهم مثله كانوا يطلبون الإمرة ، وقد اجتمعوا لنصب إمام منهم كما ذكره الفضل ، وهم أوّل من أبطل قول النبيّصلىاللهعليهوآله ونصّه يوم الغدير ، لكن بعد ما علموا أنّ قريشا تمالأت على أمير المؤمنين وغصب حقّه ، لما صدر منهم من الصحيفة الجائرة بمكّة ، التي جعلوا أبا عبيدة أمينها ، فسمّوه أمينا لذلك(١) ، ولما وقع منهم من القول البذيء في بعض خيامهم يوم الغدير(٢) ، ومن الفعل الفظيع ليلة الدباب في العقبة إذ همّوا بقتل النبيّصلىاللهعليهوآله (٣) ، ولنسبتهم الهجر إليه(٤) فمنعوه من تأكيد النصّ على أمير المؤمنينعليهالسلام ، مضافا إلى تصريح النبيّصلىاللهعليهوآله بأنّ عليّا لا يزال مظلوما
__________________
وقيل : إنّ صاحب خالد هو المغيرة بن شعبة ، كما في مناقب آل أبي طالب ١ / ٣٣١ ، الاحتجاج ٢ / ٣١٤.
(١) انظر : تفسير القمّي ٢ / ٣٣٦ ، الكافي ٤ / ٥٤٥ ، الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم ٣ / ١٥٣ ـ ١٥٥.
(٢) انظر : تفسير العيّاشي ٢ / ١٠٣ ـ ١٠٥ ح ٨٩ و ٩٠.
(٣) راجع : مسند أحمد ٥ / ٤٥٣ ، الكشّاف ٢ / ٢٠٣ ، الخصال ٢ / ٤٩٩ ح ٦ ، الاحتجاج ١ / ١٢٧ ـ ١٣٢.
(٤) راجع الصفحة ٩٣ ه ٢ من هذا الجزء.
مقهورا ، وأنّ الأمّة تغدر به(١)
فخاف الأنصار من ولاية أعداء أمير المؤمنين ، فأرادوا الاستقلال أو المشاركة.
ولا يبعد أنّ كثيرا من الأنصار احتجّوا على أبي بكر بالنصّ على عليّعليهالسلام ، فلم يبال أبو بكر وأعوانه به ، كما يشهد له ما سبق عن الطبري وابن الأثير أنّ الأنصار أو بعضهم قالوا : « لا نبايع إلّا عليّا! »(٢) .
وأمّا قوله : « وهل يمكن أنّ الأنصار الّذين نصروا الله ورسوله » إلى آخره
فلو سلّم أنّهم سكتوا ولم يذكروا النصّ على أمير المؤمنينعليهالسلام ، فهو غير عجيب ؛ لانقلابهم كغيرهم بعد النبيّصلىاللهعليهوآله كما دلّت عليه الآية(٣) ، وأخبار الحوض(٤)
وما رواه البخاري وغيره ، أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : «لتتّبعنّ سنن (٥) من
__________________
(١) انظر : التاريخ الكبير ـ للبخاري ـ ٢ / ١٧٤ رقم ٢١٠٣ ، الكنى والأسماء ـ للدولابي ـ : ١٠٤ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٥٠ ح ٤٦٧٦ ووافقه الذهبي ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٦ / ٤٤٠ ، تاريخ بغداد ١١ / ٢١٦ رقم ٥٩٢٨ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٤٤٧ ـ ٤٤٨ ، كنز العمّال ١١ / ٢٩٧ ح ٣١٥٦١.
(٢) تقدّم في الصفحة ٢٦٤ ه ١ و ٢.
(٣) وهي قوله تعالى :( وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) سورة آل عمران ٣ : ١٤٤.
(٤) تقدّم تخريج ذلك مفصّلا في ج ٢ / ٢٧ ـ ٢٨ ه ١ ، وانظر : الصفحة ٢١٢ ـ ٢١٣ من هذا الجزء.
(٥) السّنّة : الطريقة ، وسنن الطريق وسننه وسننه ـ ثلاث لغات ـ ، وقيل كذلك : سننه : هي نهجه وجهته ومحجّته ؛ والسّنّة ـ كذلك ـ : السّيرة أو الطريقة ، حسنة كانت أو قبيحة.
كان قبلكم ، شبرا بشبر ، وذراعا بذراع ، حتّى لو دخلوا جحر ضبّ تبعتموهم .
قلنا : يا رسول الله! اليهود والنصارى؟
قال : فمن ؟! »(١)
ونحوه كثير جدّا(٢) .
قال الأزريرحمهالله [ من الطويل ] :
أتعجب من أصحاب أحمد إذ رضوا |
بتأخير ذي فضل وتقديم ذي جهل |
|
فأصحاب موسى في زمان حياته |
رضوا بدلا عن بارئ الخلق بالعجل |
وأمّا قوله : « مع أنّ عمر وأبا عبيدة ألزموهم بقولهصلىاللهعليهوآله : الأئمّة من قريش »
ففيه : إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله ، وإن قاله ، لكن لم يلزموهم به كراهيّة للتعرّض حينئذ لما فيه نصّ في الجملة ، وإنّما ألزموهم بقولهم : « لن يعرف هذا الأمر إلّا لهذا الحيّ من قريش ، هم أوسط العرب نسبا ودارا » ،
__________________
انظر مادّة « سنن » في : الصحاح ٥ / ٢١٣٨ ـ ٢١٣٩ ، لسان العرب ٦ / ٣٩٩ ـ ٤٠٠ ، تاج العروس ١٨ / ٣٠٠ و ٣٠٦.
(١) صحيح البخاري ٤ / ٣٢٦ ح ٢٤٩ وج ٩ / ١٨٤ ح ٨٩ و ٩٠ ، صحيح مسلم ٨ / ٥٧ ـ ٥٨ ، الجمع بين الصحيحين ـ للحميدي ـ ٢ / ٤٣٧ ح ١٧٥٣.
(٢) انظر مثلا : سنن ابن ماجة ٢ / ١٣٢٢ ح ٣٩٩٤ ، سنن الترمذي ٤ / ٤١٢ ـ ٤١٣ ح ٢١٨٠ ، مسند أحمد ٢ / ٣٢٧ وج ٣ / ٩٤ ، المعجم الكبير ـ للطبراني ـ ٦ / ١٨٦ ح ٥٩٤٣ ، مصنّف عبد الرزّاق ١١ / ٣٦٩ ح ٢٠٧٦٤ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٢٥ ح ٤٥ وص ٣٦ ـ ٣٧ ح ٧٢ ـ ٧٥ ، المستدرك على الصحيحين ١ / ٩٣ ح ١٠٦.
كما ذكره عمر في خطبته التي رواها البخاري في باب رجم الحبلى ، من كتاب المحاربين(١) ، أو نحو هذا القول.
ولم أعرف أحدا روى أنّهم ألزموهم بقولهصلىاللهعليهوآله : «الأئمّة من قريش ».
وقد أنكره السيّد المرتضى ـ قدّس الله روحه ـ غاية الإنكار ، كما نقله عنه ابن أبي الحديد(٢) .
نعم ، ورد في بعض روايات القوم أنّ عكرمة بن أبي جهل وابن العاص روياه بعد السقيفة وانقضاء البيعة وندم بعض الأنصار ، كما ذكره ابن أبي الحديد في أوائل المجلّد الثاني ، في منازعة جرت بين المهاجرين والأنصار(٣) .
وأمّا ما أحال الفضل عليه من الجواب عن تعجّب المصنّف من بحث الأشاعرة عن الإمامة وفروعها ، فهو كإحالة الظمآن على السراب ، كما أوضحناه في ما مرّ.
* * *
__________________
(١) صحيح البخاري ٨ / ٣٠٠ ـ ٣٠٤ ح ٢٥.
(٢) ص ١٧ من المجلّد الرابع [ شرح نهج البلاغة ١٧ / ١٦٧ ]. منهقدسسره .
وانظر : الشافي في الإمامة ١ / ١٢٤.
(٣) شرح نهج البلاغة ٦ / ٢٣ ـ ٢٤.
تعيين إمامة عليّ بدليل العقل
قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :
المبحث الرابع
في تعيين الإمام
ذهبت الإمامية كافّة إلى أنّ الإمام بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله هو عليّ ابن أبي طالبعليهالسلام (٢) .
وقالت السنّة : إنّه أبو بكر بن أبي قحافة ، ثمّ عمر بن الخطّاب ، ثمّ عثمان بن عفّان ، ثمّ عليّ بن أبي طالب(٣) ، وخالفوا المعقول والمنقول.
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٧١.
(٢) هذا من ضروريات المذهب ، ونحن في غنى عن إثباته ، فهو من أوضح الواضحات ، ولكنّنا نذكر عدّة مصادر لذلك على سبيل المثال ، عملا بقواعد المناظرة ، فانظر مثلا : أوائل المقالات : ٤٠ ، الذخيرة في علم الكلام : ٤٣٧ ، شرح جمل العلم والعمل : ٢٠١ ، المنقذ من التقليد ٢ / ٢٩٩ ، تجريد الاعتقاد : ٢٢٣.
(٣) وهذا من الثوابت عندهم ، وفق التسلسل التاريخي لما يسمّى ب « الخلفاء الراشدين » ، ولأحاديث وضعت في ترتيب الخلافة من أجل ذلك ، ولأدلّة استدلّوا بها ، سيأتي الكلام عليها في محالّها ؛ وانظر لما قالوه مثلا : أصول السنّة ـ لأحمد ابن حنبل ـ : ٧٧ ، السنّة ـ لعبد الله بن أحمد بن حنبل ـ ٢ / ٥٩٠ رقم ١٤٠٠ و ١٤٠١ ، العقيدة الطحاوية : ٩١ ، الإبانة عن أصول الديانة : ١٦٨ ـ ١٧٩ ، الإنصاف ـ للباقلّاني ـ : ٦٤ ـ ٦٧ ، أصول الإيمان ـ لابن طاهر البغدادي ـ : ٢٢٣ ـ ٢٢٧ ، تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة ـ لأبي نعيم ـ : ٤٦ ، الإرشاد ـ للجويني _ : ٣٦٣ ، شرح العقائد النسفية : ٢٢٧ ـ ٢٢٩.
أمّا المعقول :
فهي الأدلّة الدالّة على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام من حيث العقل ، وهي من وجوه :
الأوّل : الإمام يجب أن يكون معصوما ، وغير عليّ لم يكن معصوما بالإجماع ، فتعيّن أن يكون هو الإمام.
الثاني : شرط الإمام أن لا يسبق منه معصية ، على ما تقدّم ، والمشايخ قبل الإسلام كانوا يعبدون الأصنام ، فلا يكونون أئمّة ، فتعيّن عليّعليهالسلام للعدم الفارق.
الثالث : يجب أن يكون منصوصا عليه ، وغير عليّ من الثلاثة ليس منصوصا عليه ، فلا يكون إماما.
الرابع : الإمام يجب أن يكون أفضل من رعيّته ، وغير عليّ لم يكن كذلك ، فتعيّنعليهالسلام .
الخامس : الإمامة رئاسة عامّة ، وإنّما تستحقّ بالزهد والعلم والعبادة والشجاعة والإيمان ، وسيأتي أنّ عليّاعليهالسلام هو الجامع لهذه الصفات على الوجه الأكمل الذي لم يلحقه غيره ، فيكون هو الإمام.
* * *
وقال الفضل(١) :
مذهب أهل السنّة والجماعة أنّ الإمام بالحقّ بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله أبو بكر الصدّيق ، وعند الشيعة : عليّ المرتضى.
ودليل أهل السنّة وجهان :
الأوّل : إنّ طريق ثبوت الإمامة إمّا النصّ ، أو الإجماع بالبيعة
أمّا النصّ فلم يوجد ؛ لما ذكرنا(٢) ولما سنذكر ونفصّل بعد هذا.
وأمّا الإجماع فلم يوجد في غير أبي بكر اتّفاقا من الأمّة.
الوجه الثاني : إنّ الإجماع منعقد على حقّيّة أحد الثلاثة : أبي بكر وعليّ والعبّاس ، ثمّ إنّهما لم ينازعا أبا بكر ، ولو لم يكن على الحقّ لنازعاه كما نازع عليّ معاوية ؛ لأنّ العادة تقضي بالمنازعة في مثل ذلك ، ولأنّ ترك المنازعة مع الإمكان مخلّ بالعصمة ؛ لأنّه هو معصية كبيرة توجب انثلام العصمة ، وأنتم توجبونها في الإمامة وتجعلونها شرطا لصحّة الإمامة.
فإن قيل : لا نسلّم الإمكان ـ أي إمكان منازعتهما أبا بكر ـ.
قلنا : قد ذهبتم وسلّمتم أنّ عليّا كان أشجع من أبي بكر ، وأصلب في الدين ، وأكثر منه قبيلة وأعوانا ، وأشرف منه نسبا ، وأتمّ منه حسبا
والنصّ الذي تدّعونه لا شكّ أنّه بمرأى من الناس وبمسمع منهم ،
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٣٥٦.
(٢) راجع الصفحة ٢٤٤ ـ ٢٤٦ من هذا الجزء.
والأنصار لم يكونوا يرجّحون أبا بكر على عليّ ، والنبيّصلىاللهعليهوآله ذكر في آخر عمره على المنبر ، وقال : «إنّ الأنصار كرشي وعيبتي »(١) ، وهم كانوا الجند الغالب والعسكر.
وكان ينبغي أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله أوصى الأنصار بإمداد عليّ في أمر الخلافة ، وأن يحاربوا من يخالف نصّه في خلافة عليّ.
ثمّ إنّ فاطمة ـ مع علوّ منصبها ـ زوجته ، والحسن والحسين ـ مع كونهما سبطي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ـ ولداه
والعبّاس ـ مع علوّ منصبه ـ معه ، فإنّه روي أنّه قال لعليّ : أمدد يدك أبايعك حتّى يقول الناس : بايع عمّ رسول الله ابن عمّه ، فلا يختلف فيك اثنان(٢) .
والزبير ـ مع شجاعته ـ كان معه ، قيل : إنّه سلّ السيف وقال : لا أرضى بخلافة أبي بكر(٣) .
وقال أبو سفيان : أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي عليكم تيميّ؟! والله لأملأنّ الوادي خيلا ورجلا(٤) !
وكرهت الأنصار خلافة أبي بكر ، فقالوا : منّا أمير ومنكم أمير ؛ كما
__________________
(١) انظر : صحيح البخاري ٥ / ١١٥ ـ ١١٦ ح ٢٨٧ و ٢٨٩ ، صحيح مسلم ٧ / ١٧٤ ، سنن الترمذي ٥ / ٦٧٢ ح ٣٩٠٧ ، مسند أحمد ٣ / ١٥٦ و ١٧٦ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٢ / ١٩٣.
(٢) الإمامة والسياسة ١ / ٢١ ، المغني ـ للقاضي عبد الجبّار ـ ٢٠ ق ١ / ١٢١ ، الأحكام السلطانية ـ للماوردي ـ : ٧.
(٣) تاريخ الطبري ٢ / ٢٣٤ ، المغني ـ للقاضي عبد الجبّار ـ ٢٠ ق ٢ / ٢٦٨.
(٤) تاريخ اليعقوبي ٢ / ١٠ ، تاريخ الطبري ٢ / ٢٣٧ ، المغني ـ للقاضي عبد الجبّار ـ ٢٠ ق ١ / ١٢١ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٨٣ ح ٤٤٦٢ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٢ / ٤٥ ، الكامل في التاريخ ٢ / ١٨٩.
ذكرنا(١) .
ولو كان على إمامة عليّ نصّ جليّ ، لأظهروه قطعا ، ولأمكنهم المنازعة جزما.
كيف لا؟! وأبو بكر شيخ ضعيف جبان ، لا مال له ولا رجال ولا شوكة ، فأنّى يتصوّر امتناع المنازعة معه؟!
وكلّ هذه الأمور تدلّ على أنّ الإجماع وقع على خلافة أبي بكر ، ولم يكن نصّ على خلافة غيره.
وبايعه عليّ حيث رآه أهلا للخلافة ، عاقلا ، صبورا ، مداريا ، شيخا للإسلام.
ولم يكن غرض بين الصحابة لأجل السلطنة والزعامة ، بل غرضهم كان إقامة الحقّ وتقويم الشريعة ليدخل الناس كافّة في دين الإسلام.
وقد كان هذا يحصل من خلافة أبي بكر ، فسلّموا إليه الأمر ، وكانوا أعوانا له في إقامة الحقّ.
هذا هو المذهب الصحيح ، والحقّ الصريح ، الذي عليه السواد الأعظم من الأمّة ،
وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «عليكم بالسواد الأعظم »(٢) .
__________________
(١) تقدّم قريبا في الصفحة ٢٦٤.
وانظر : تاريخ اليعقوبي ٢ / ٧ ، تاريخ الطبري ٢ / ٢٤٢ حوادث سنة ١١ ه ، الكامل في التاريخ ٢ / ١٨٩ حوادث سنة ١١ ه ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٦ / ٣٩ ، البداية والنهاية ٥ / ١٨٧ حوادث سنة ١١ ه.
(٢) مسند أحمد ٤ / ٣٨٣ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٣٩ ح ٨٠ ، تفسير القرطبي ١٤ / ٣٩.
وأمّا ما استدلّ به من الوجوه العقلية على خلافة عليّ :
فالأوّل : وجوب كون الإمام معصوما ، وقد قدّمنا عدم وجوبه ، لا عقلا ولا شرعا(١) .
وجواب الثاني : عدم اشتراط أن لا تسبق منه معصية كما قدّمنا(٢) .
وجواب الثالث : عدم وجوب النصّ ؛ لأنّ الإجماع في هذا كالنصّ.
وجواب الرابع : عدم وجوب كون الإمام أفضل من الرعيّة ـ كما ذكر ـ إذا ثبت أفضليّة عليّ كرّم الله وجهه.
وجواب الخامس : إنّ أوصاف الزهد والعلم والشجاعة والإيمان كانت موجودة في المشايخ الثلاثة ، وأمّا الأكمليّة في هذه الأوصاف ، فهي غير لازمة إذا كانوا أحفظ للحوزة.
* * *
__________________
(١) راجع الصفحة ٢١ وما بعدها من هذا الجزء.
(٢) راجع الصفحة ٢١ وما بعدها من هذا الجزء.
وأقول :
يرد على دليلهم الأوّل : إنّ النصّ على خلافة عليّ واقع كما ستعرف
وإنّ الإجماع على بيعة أبي بكر لم يقع ؛ كيف؟! ولم يبايعه زعيم الخزرج وسيّدهم سعد بن عبادة ولا ذووه ، إلى أن مات أبو بكر
ولم يبايعه سيّد المسلمين ومولاهم ومن يدور معه الحقّ حيث دار(١) إلّا بعد ما هجموا عليه داره وهمّوا بإحراق بيته(٢) ، كما ستعرفه في مطاعن أبي بكر.
وكذلك الزبير ، لم يبايع إلّا بعد أن كسروا سيفه وأخذوه قهرا(٣) .
ولا المقداد ، إلّا بعد ما دفعوا في صدره وضربوه(٤) .
وكذلك جملة من خيار المسلمين ، لم يبايعوا إلّا بعد الغلبة والقهر ، كسلمان وأبي ذرّ وعمّار وحذيفة وبريدة وأشباههم ، وكذا كثير من سائر
__________________
(١) راجع الصفحة ٢٤٩ ه ٢ من هذا الجزء.
(٢) مصنّف ابن أبي شيبة ٨ / ٥٧٢ ب ٤٣ ح ٤ ، الإمامة والسياسة ١ / ٣٠ ، أنساب الأشراف ٢ / ٢٦٨ ، تاريخ الطبري ٢ / ٢٣٣ حوادث سنة ١١ ه ، العقد الفريد ٣ / ٢٧٣ ، الملل والنحل ـ للشهرستاني ـ ١ / ٥١ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٦ / ٤٨ ، المختصر في أخبار البشر ١ / ١٥٦ ، كنز العمّال ٥ / ٦٥١ ح ١٤١٣٨.
(٣) الإمامة والسياسة ١ / ٢٨ ، تاريخ الطبري ٢ / ٢٣٣ و ٢٣٤ ، البداية والنهاية ٦ / ٢٢٦ حوادث سنة ١١ ه ، الكامل في التاريخ ٢ / ١٨٩ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٦ / ٤٨.
(٤) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١ / ١٧٤.
المسلمين(١) .
ففي شرح النهج(٢) ، عن البراء بن عازب ، قال :
« لم أزل محبّا لبني هاشم ، فلمّا قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآله خفت أن تتمالأ قريش على إخراج الأمر عنهم
إلى أن قال : فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة وهم محتجزون بالأزر الصنعانية ، لا يمرّون بأحد إلّا خبطوه وقدّموه ، فمدّوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه ، شاء ذلك أو أبى » الحديث.
.. إلى غير ذلك ممّا يدلّ على أنّ بيعة أبي بكر لم تتمّ إلّا بالقهر والغلبة ؛ ولذا أخّروا دفن النبيّصلىاللهعليهوآله ثلاثة أيّام(٣) !
فهل ترى مع هذا يصحّ لمسلم دعوى الإجماع ، ويجزم بوقوعه ، ولا يعتريه الريب فيه ، حتّى يجعله مستندا لدينه الذي يلقى الله عزّ وجلّ به؟!
هذا ، وقد يوجّه الاستدلال بالإجماع بأمرين :
الأوّل : عدم الاعتداد بخلاف البعض إذا حصل اتّفاق الغالب
وفيه : إنّ اتّفاق الغالب ليس بإجماع حقيقة ، ولا حجّة أصلا ؛ لعدم الدليل ، وإلّا لزمهم القول بانعزال عثمان لاتّفاق أكثر أهل الحلّ والعقد على عزله ، فقتل لا متناعه.
__________________
(١) راجع الصفحة ٢٤٥ ه ١ من هذا الجزء.
(٢) ص ٧٣ من المجلّد الأوّل [ شرح نهج البلاغة ١ / ٢١٩ ]. منهقدسسره .
(٣) تاريخ الطبري ٢ / ٢٣٨ ، السيرة النبوية ـ لابن كثير ـ ٤ / ٥٠٥.
الثاني : ما ذكره ابن أبي الحديد(١) ، قال : « احتجّ أصحابنا بالإجماع ، فاعتراض حجّتهم بخلاف سعد وولده وأهله اعتراض جيّد وليس يقول أصحابنا : هؤلاء شذّاذ ، فلا نحفل بخلافهم ؛ وإنّما المعتبر الكثرة التي بإزائهم ، وكيف يقولون هذا وحجّتهم الإجماع ، ولا إجماع؟!
ولكنّهم يجيبون عن ذلك بأنّ سعدا مات في خلافة عمر ، فلم يبق من يخالف في خلافته ، فانعقد الإجماع عليها وبايع ولد سعد وأهله من قبل.
وإذا صحّت خلافة عمر صحّت خلافة أبي بكر ؛ لأنّها فرع عنها ، ومحال أن يصحّ الفرع ويكون الأصل فاسدا ».
وفيه : إنّه لو سلّم الإجماع على خلافة عمر ورضى جميع الأمّة ، فإمامته إنّما تصحّ حين تحقّق الإجماع لا قبله ، فتكون أصلا برأسها لا فرعا.
كيف؟! ودعوى الفرعيّة منافية لاستناد صحّة إمامة عمر إلى الإجماع الحادث عليها!
نعم ، كانت فرعا عنها حيث كان الأصل والفرع فاسدين.
وأمّا دليلهم الثاني ؛ ففيه : إنّهم إن أرادوا ثبوت الإجماع على حقّيّة أحد الثلاثة بعد موت النبيّصلىاللهعليهوآله وقبل بيعة أبي بكر ، فهو ممنوع ؛ لأنّ المسلمين ، أو أهل الحلّ والعقد منهم ، لم يجتمعوا حتّى تعرف آراؤهم ، ومن اجتمع منهم في السقيفة كان بعضهم يرى أنّ سعدا حقيق بها ، فكيف يدّعى الإجماع حينئذ على حقّيّة أحد الثلاثة بالخصوص؟!
على أنّا لم نسمع أنّ أحدا ذكر العبّاس حينئذ!
__________________
(١) ص ٢٢٤ من المجلّد الأوّل [ ٣ / ٦ ]. منهقدسسره .
وأيضا : فمذهب القوم أنّ كلّ من جمع العدالة والاجتهاد وغيرهما من الصفات السابقة حقيق بالخلافة ، فما معنى الاختصاص بالثلاثة حتّى يجمع عليه الصحابة؟!
ومجرّد الترجيح لهم ، لا يقتضي الاختصاص بهم وعدم صلوح غيرهم للخلافة.
وإن أرادوا ثبوت الإجماع بعد بيعة أبي بكر ، فهو ينافي ما زعموه من الإجماع على أبي بكر خاصّة إن اتّفق زمن الإجماعين ، وإلّا بطل الإجماع على حقّيّة أحد الثلاثة ، سواء تقدّم أم تأخّر ؛ لأنّ الإجماع على تعيين واحد هو الذي يجب اتّباعه ، فيكون الحقّ مختصّا بأبي بكر ، ولم يصحّ جعل الإجماع على حقّيّة أحد الثلاثة دليلا ثانيا.
ويحتمل بطلان الإجماع المتقدّم وصحّة المتأخّر مطلقا ؛ وهو الأقرب.
وأمّا ما زعمه من إمكان منازعة أمير المؤمنينعليهالسلام ، فممنوع ؛ إذ لا ناصر له إلّا أقلّ القليل ، ولذا قالعليهالسلام في خطبته الشقشقية :
«فطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء ، أو أصبر على طخية عمياء »(١) .
.. إلى غير ذلك من متواتر كلامه(٢) .
__________________
(١) نهج البلاغة : ٤٨ الخطبة ٣.
(٢) فقد ثبت في الأحاديث أنّ الأمّة ستغدر بأمير المؤمنينعليهالسلام بعد وفاة النبيّصلىاللهعليهوآله ، ولا تبدي ضغائنها وبغضها وحسدها له إلّا بعد ذلك ـ كما سيأتي قريبا ـ ، وقد شكاعليهالسلام قريشا وعداوتها له إلى الله في غير موضع ، وأستعدى الله تعالى عليها
انظر في ذلك مثلا : نهج البلاغة : ٤٧٢ رقم ٢٢ وص ٥٠٦ رقم ٢٠٩ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٦ / ١٥١ وج ٢٠ / ٢٩٨ رقم ٤١٣.
فإنّ قريشا أجمعت على إخراج الأمر من يده عداوة وحسدا له وطلبا بالتّرات(١) .
ألا ترى أنّه لم يكن معه في صفّين من قريش إلّا خمسة أو نحوهم ، ومع معاوية ثلاث عشرة قبيلة(٢) ، مع علمهم ببغي معاوية وعدم مشاهدتهم لما فعله أمير المؤمنينعليهالسلام بأسلافهم ، إلّا القليل ، فكيف بمن شاهدوا؟!
ولا يستبعد من قريش بغضه وعداوته ، فإنّ النبيّصلىاللهعليهوآله مع طهارته وعصمته وقداسة نفسه ، لم يطق رؤية وحشيّ قاتل حمزةعليهالسلام ، وقد أسلم ، حتّى قال له : «ما تستطيع أن تغيّب وجهك عنّي ؟! » كما في « الاستيعاب »(٣) و « المسند »(٤)
فكيف بمن أفنوا أعمارهم بالكفر ، وربّوا على عادات الجاهلية ، أن يروا صاحب تراتهم أميرا عليهم ، وحاكما مطاعا فيهم وفي غيرهم ، ولهم طريق إلى صرف الأمر عنه؟!
مضافا إلى أنّ كلّ دم أراقه أخوه وابن عمّه إنّما يعصبونه به على قواعد العرب ، وكلّ أمر صنعه بهم إنّما يطلبونه منه ؛ لأنّه أقرب الناس إليه وأخصّهم به ، وأشدّهم مؤازرة له ، وأعظمهم اجتهادا في نصرته من يوم
__________________
(١) التّرة ، وجمعها : أوتار وترات : الثأر ، يقال : وتره يتره وترا وترة ، والموتور : الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه ؛ انظر مادّة « وتر » في : الصحاح ٢ / ٨٤٣ ، لسان العرب ١٥ / ٢٠٥.
(٢) رجال الكشّي ١ / ٢٨١ ح ١١١.
(٣) الاستيعاب ٤ / ١٥٦٤ ـ ١٥٦٥ رقم ٢٧٣٩.
(٤) مسند أحمد ص ٥٠١ من الجزء الثالث. منهقدسسره .
وانظر : السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٩ / ٩٨.
مبعثه إلى يوم وفاته.
مضافا إلى حسدهم ؛ لعلوّ مقامه وظهور فضله ، وتعظيم النبيّصلىاللهعليهوآله إيّاه ، وتقريبه إليه بالأخوّة والمصاهرة على بضعته سيّدة النساء ، وتخصيصه له بالمنازل العظمى ، كالمباهلة به وبآله ، وجعله مولى كلّ مؤمن ومؤمنة.
.. إلى غير ذلك ممّا يظهر به مكانته السامية وشرفه الباهر عند الله وعند رسوله والناس.
هذا ، مع رجاء كثير منهم للإمرة بعد أبي بكر ، فإنّه إذا وليها أبو بكر وهو أدناهم شرفا ، كانوا إليها أقرب ، وبها أطمع ، بخلاف ما لو وليها أمير المؤمنينعليهالسلام ، فإنّها تستقرّ في بيته ، كما يشهد له قول المغيرة لأبي بكر وعمر عند موت النبيّصلىاللهعليهوآله : « وسّعوها في قريش تتّسع! فقاما إلى السقيفة » ، حكاه في ( شرح النهج )(١) ، عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري.
وما في كتاب « الإمامة والسياسة » في باب إمامة أبي بكر وإباء عليّعليهالسلام من بيعته ، من حديث قال فيه عليّ لعمر : «احلب حلبا لك شطره ، [ و ] اشدد له اليوم أمره ليردّه عليك غدا »(٢) .
ومثله في ( شرح النهج ) نقلا عن الجوهري(٣) .
هذا حال قريش
وأمّا الخزرج ، فقد كانوا أوّل الحال يطلبونها لأنفسهم ، وبعد أن
__________________
(١) ص ١٨ من المجلّد الثاني [ ٦ / ٤٣ ]. منهقدسسره .
(٢) الإمامة والسياسة ١ / ٢٩.
(٣) ص ٥ من المجلّد الثاني [ ٦ / ١١ ]. منهقدسسره .
صرفت عنهم وكبا(١) جدّهم(٢) ونبا(٣) حدّهم ، لم تبق لهم قوّة وهمّة على العدول إلى أمير المؤمنين ، لا سيّما مع صيرورتهم محلّ التهمة.
وأمّا الأوس ، فقد كان همّهم صرف الأمر عن الخزرج ، مع أنّ كثيرا منهم ومن الخزرج مبغضون لأمير المؤمنينعليهالسلام ، كأسيد بن حضير(٤) ، وبشير بن سعد(٥) .
وفوق ذلك كلّه قد سمعت إعلام الله سبحانه انقلاب الأمّة على أعقابها(٦) ، وإخبار النبيّ بأنّهم يتّبعون سنن بني إسرائيل حذو النعل بالنعل(٧)
وبأنّهم يرتدّون على أدبارهم القهقرى ، ويصيرون إلى النار ،
__________________
(١) كبا كبوا وكبوّا : عثر وانكبّ على وجهه ؛ انظر : لسان العرب ١٢ / ٢٠ مادّة « كبا ».
(٢) الجدّ : البخت والحظوة والحظّ ؛ انظر : لسان العرب ٢ / ١٩٨ ـ ١٩٩ مادّة « جدد ».
(٣) نبا حدّ السيف : إذا لم يقطع ، ونبا الشيء عنّي أي تجافى وتباعد ؛ انظر : لسان العرب ١٤ / ٢٩ ـ ٣٠ مادّة « نبا ».
والمعنى هنا أنّهم لم يعد لهم قوّة أو شوكة يطلبون بها الإمارة.
(٤) تقدّمت ترجمته في الصفحة ٢٤٢ ه ٣ من هذا الجزء.
(٥) تقدّمت ترجمته في الصفحة ٢٤٢ ه ٢ من هذا الجزء.
(٦) في قوله تعالى :( وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) سورة آل عمران ٣ : ١٤٤.
(٧) انظر : المصنّف ـ لابن أبي شيبة ـ ٨ / ٦٣٦ ح ٢٧٩ ، الثقات ـ لابن حبّان ـ ٦ / ١٦١ ترجمة حميد بن زياد اليمامي ، تاريخ دمشق ١٣ / ٩٨ رقم ١٣٣٨ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٩ / ٢٨٦ ، الدرّ المنثور ٢ / ٢٩٠ ، كنز العمّال ١ / ١٨٣ ح ٩٢٨.
وتقدّمت بقيّة تخريجاته في ج ٣ / ٢٠٢ ه ١ ؛ فراجع!
وانظر الصفحتين ٢٦٨ و ٢٦٩ من هذا الجزء.
ولا يخلص منهم إلّا مثل همل النعم(١)
وبأنّ الأمّة ستغدر بأمير المؤمنين(٢)
.. إلى غير ذلك.
فكيف مع هذا كلّه يمكن لأمير المؤمنينعليهالسلام منازعة القوم ، وإن كان أحسب وأنسب وأكثر قبيلة وقائم الدين؟! إذ ليس هو بأعظم من رسول اللهصلىاللهعليهوآله لمّا ترك الحرب بمكّة وفي أوائل الهجرة ويوم صلح الحديبية ، وقد كان أكثر ناصرا من أمير المؤمنينعليهالسلام !
على أنّ أمير المؤمنين قد نازعهم لكن بغير الحرب ، فقد امتنع مدّة من بيعتهم حتّى قهروه وأرادوا حرق بيته ، وجمع أعوانا في داره حتّى تهدّدهم عمر(٣) .
وحمل الزهراء والحسنين ليلا مستنصرا بوجوه المسلمين فلم ينصروه ، كما رواه ابن قتيبة(٤) .
__________________
(١) تقدّم تخريج ذلك مفصّلا في ج ٢ / ٢٧ ه ١ ، وانظر : الصفحة ٢١٢ ـ ٢١٣ ه ١ من هذا الجزء.
(٢) كما رواه الحاكم في المستدرك ص ١٤٠ من الجزء الثالث وصحّحه [ ٣ / ١٥٠ ح ٤٦٧٦ ، وانظر : ص ١٥١ ح ٤٦٧٧ وص ١٥٣ ح ٤٦٨٦ ووافقه الذهبي عليها كلّها ]. منهقدسسره .
وانظر : التاريخ الكبير ـ للبخاري ـ ٢ / ١٧٤ رقم ٢١٠٣ ، الغارات ـ للثقفي _ : ٣٣٥ ، الكنى والأسماء ـ للدولابي ـ ١ / ١٠٤ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٥٠ ح ٤٦٧٣ ، تاريخ بغداد ١١ / ٢١٦ رقم ٥٩٢٨ ، مجمع الزوائد ٩ / ١١٨ ، كنز العمّال ١١ / ٦١٧ ح ٣٢٩٩٧.
(٣) مصنّف ابن أبي شيبة ٨ / ٥٧٢ ح ٤ ، الإمامة والسياسة ١ / ٣٠ ، تاريخ اليعقوبي ٢ / ١١ ، تاريخ الطبري ٢ / ٢٣٣ ، العقد الفريد ٣ / ٢٧٣ ، المغني ـ للقاضي عبد الجبّار ـ ٢٠ ق ٢ / ٢٦٩ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٦ / ٤٨.
(٤) في كتابه : الإمامة والسياسة ص ١٣ [ ١ / ٢٩ و ٣٠ ]. منهقدسسره .
ونقله ابن أبي الحديد عن الجوهري(١) .
وذكره معاوية في كتابه المشهور إلى أمير المؤمنين ، قال :
« وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار ، ويداك في يد ابنيك الحسن والحسين ، يوم بويع أبو بكر الصدّيق ، فلم تدع من أهل بدر والسوابق إلّا دعوتهم إلى نفسك ، ومشيت إليهم بامرأتك ، وأدليت إليهم بابنيك فلم يجبك منهم إلّا أربعة أو خمسة »(٢) .
وما زال أمير المؤمنينعليهالسلام يقول : «لو وجدت أربعين رجلا ذوي عزم منهم لناهضت القوم » ، كما ذكره معاوية في كتابه المذكور ، قال : « ومهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لمّا حرّكك وهيّجك :لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لنا هضت القوم »(٣) .
وروى ابن أبي الحديد نحوه عن نصر(٤) ، قال نصر ما حاصله :
« لمّا استولى معاوية على الماء يوم صفّين ، قال له ابن العاص : خلّ بينهم وبين الماء ، فإنّ عليّا لم يكن ليظمأ وأنت ريّان ، وفي يده أعنّة الخيل وأنت تعلم أنّه الشجاع المطرق وقد سمعته مرارا وهو يقول : ( لو استمكنت من أربعين ) يعني في الأمر الأوّل ».
وممّا بيّنّا من أحوال قريش والأنصار يعلم ما في قول الفضل : « ثمّ إنّ فاطمة ـ مع علوّ منصبها ـ زوجته ».
ومن العجب أنّه يرجو أن يكون وجود الزهراء والحسنينعليهمالسلام
__________________
(١) ص ٥ من المجلّد الثاني [ ٢ / ٤٧ وج ٦ / ١٣ ]. منهقدسسره .
(٢) شرح نهج البلاغة ٢ / ٤٧.
(٣) شرح نهج البلاغة ٢ / ٤٧ و ٢٢.
(٤) ص ٣٢٧ من المجلّد الأوّل [ ٣ / ٣٢٠ ]. منهقدسسره .
وانظر : وقعة صفّين : ١٦٣.
مؤثّرا في قوّة أمير المؤمنينعليهالسلام وتمكّنه من أخذ الزعامة العظمى والإمامة الكبرى ، وهي سلام الله عليها لم تقدر على أخذ فدك وهي مال يسير ، مع شأنها العظيم ، ومكانتها الرفيعة ، وحججها الرصينة ، وخطبها البليغة ، واستنصارها بمن يدّعون الإسلام!!
ولو كانت فدك لهم ، وحقّا من حقوقهم ، لكان حقّا عليهم أن يعطوها إيّاها بمجرّد إرادتها ، حفظا لنبيّهم في بضعته التي لم يخلّف فيهم غيرها مع قرب وفاته.
فكيف يمكن أن يكون وجودها بنفسه سببا لقدرة أمير المؤمنين على إعادة الزعامة العظمى؟!
وأمّا اتّفاق العبّاس والزبير معه ، فلا يغني عنه شيئا في مقابلة جمهور قريش ، كيف؟! وقد كسروا سيف الزبير لمّا همّ بهم فلم يدفع عن نفسه ضيما(١) !!
وكذلك اتّفاق أبي سفيان معه ، لا سيّما وهو منافق لم يرد إلّا الفتنة
روى الطبري(٢) وابن الأثير(٣) : « أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام زجر أبا سفيان وقال :والله ما أردت إلّا الفتنة ، وإنّك والله طالما بغيت للإسلام شرّا ؛ لا حاجة لنا في نصيحتك ».
ويدلّ على نفاقه أنّه لمّا رشوه صار تابعا لهم(٤) .
روى الطبري(٥) : « أنّه لمّا استخلف أبو بكر قال أبو سفيان : ما لنا
__________________
(١) الكامل في التاريخ ٢ / ١٨٩ ، وراجع الصفحة ٢٧٧ ه ٣ من هذا الجزء.
(٢) في تاريخه ص ٢٠٣ من الجزء الثالث [ ٢ / ٢٣٧ ]. منهقدسسره .
(٣) في كامله ص ١٥٧ من الجزء الثاني [ ٢ / ١٨٩ حوادث سنة ١١ ه ]. منهقدسسره .
(٤) انظر : شرح نهج البلاغة ٢ / ٤٤.
(٥) ص ٢٠٢ من الجزء المذكور [ ٢ / ٢٣٧ حوادث سنة ١١ ه ]. منهقدسسره .
ولأبي فصيل(١) ؟! إنّما هي بنو عبد مناف!
فقيل له : إنّه قد ولّى ابنك.
قال : وصلته رحم ».
ونقل ابن أبي الحديد(٢) ، عن الجوهري : « أنّ النبيّ [ قد ] بعث أبا سفيان ساعيا ، فرجع من سعايته وقد مات رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فلقيه قوم فسألهم ، فقالوا : مات رسول الله.
فقال : من ولّي بعده؟
قيل : أبو بكر.
قال : أبو فصيل؟!
قالوا : نعم.
.. إلى أن قال : فكلّم عمر أبا بكر فقال : إنّ أبا سفيان قد قدم وإنّا لا نأمن شرّه ؛ فدفع له ما في يده ، فتركه فرضي ».
وأمّا قوله : « وكرهت الأنصار خلافة أبي بكر ، فقالوا : منّا أمير » إلى آخره
فصحيح بالنسبة إلى أكثر الخزرج ، لكن كراهتهم لخلافته ؛ لأنّهم يريدونها لأنفسهم لا نصرة لأمير المؤمنين ؛ ولذا قالوا : « منّا أمير ومنكم أمير ».
__________________
(١) قالها أبو سفيان استصغارا وانتقاصا واستنكارا
فالبكر : الفتيّ من الإبل ، بمنزلة الغلام من الناس ؛ انظر : لسان العرب ١ / ٤٧٢ مادّة « بكر ».
والفصيل : ولد الناقة إذا فصل عن أمّه ، أي فطم عن الرضاعة ؛ انظر مادّة « فصل » في : لسان العرب ١٠ / ٢٧٣ ، تاج العروس ١٥ / ٥٧٤.
(٢) ص ١٣٠ من المجلّد الأوّل [ ٢ / ٤٤ ]. منهقدسسره .
ومنه يعلم ما في قوله : « ولو كان على إمامته نصّ لأظهروه »
فإنّ إظهارهم مناف لطلبهم الإمرة كما سبق(١) ، ولم يبق بعد هذا الطلب مجال لإظهار النصّ ؛ لتسرّع عمر إلى بيعة أبي بكر ، حتّى وصفها عمر بأنّها فلتة(٢) .
على أنّه لا يبعد أنّ كثيرا من الأنصار أظهروه وأخفاه رواة القوم ، كما يرشد إليه ما نقلناه سابقا عن الطبري وابن الأثير من أنّهما رويا أنّ الأنصار أو بعضهم قالوا : « لا نبايع إلّا عليّا ».
مع أنّ النصّ لمّا كان بمرأى من الناس ومسمع لا يحتاج إلى الإظهار ؛ لقرب عهد الغدير ونزول قوله تعالى :( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) (٣) الآية ، لكنّ الناس خالفوه على عمد ، انقلابا منهم عن الدين ، وغدرا بوليّهم ومولاهم ، واقتفاء لسنّة بني إسرائيل.
فقد اتّضح ممّا بيّنّا أنّ ما لفّقه الفضل تبعا للمواقف لإثبات إمكان المنازعة ، إنّما هو أمور خيالية وأوهام كاذبة صوّرها الهوى والتعصّب ، وإلّا فالوجدان والأحاديث شاهدان بخلافه ، حتّى
روى أحمد في مسنده(٤) ، عن أمّ الفضل ، قالت :
« أتيت النبيّ في مرضه فجعلت أبكي ، فرفع رأسه فقال :ما يبكيك ؟!
قلت : خفنا عليك ، وما ندري ما نلقى من الناس بعدك يا رسول الله!
__________________
(١) انظر الصفحة ٢٦٧ من هذا الجزء.
(٢) انظر الصفحة ٢٥٨ ه ١ من هذا الجزء.
(٣) سورة المائدة ٥ : ٥٥.
(٤) ص ٣٣٩ من الجزء السادس. منهقدسسره .
وانظر : المعجم الكبير ـ للطبراني ـ ٢٥ / ٢٣ ح ٣٢ ، مجمع الزوائد ٩ / ٣٤.
قال :أنتم المستضعفون بعدي »
انظر إلى هذه الحرّة كيف أدركت من الناس الشحناء والبغضاء لهم ، وطلب الترات منهم ، والنبيّصلىاللهعليهوآله حيّ بينهم حتّى بكت ، وقال لها النبيّ : «أنتم المستضعفون بعدي »
وأهل السنّة رأوا ما رأوا من اتّفاق الكلمة على أهل البيتعليهمالسلام ، وهجوم من هجم على دارهم وإرادتهم إحراقها عليهم ، وغصب بضعة الرسول حقّها حتّى ماتت غضبى(١) ومع ذلك يزعمون أنّ أمير المؤمنين قويّ الجانب بالمسلمين ، وكان يمكنه منازعة أبي بكر ، وما بايعه إلّا طوعا!
ولا ينافي ما قلنا جبن أبي بكر وضعفه وذلّته في نفسه وبيته ، حتّى عبّر عنه أبو سفيان بأبي فصيل وقال : « إنّه من أرذل بيت في قريش » كما في « الاستيعاب » وغيره(٢)
فإنّه إنّما قوي على أمير المؤمنين بقريش وبعض الأنصار ، وما مكّنهم الله سبحانه من ذلك إلّا فتنة لهم ولغيرهم كما قال سبحانه :( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) (٣) .
__________________
(١) انظر : صحيح البخاري ٤ / ١٧٧ ـ ١٧٨ ح ٢ وج ٥ / ٢٨٨ ح ٢٥٦ ، صحيح مسلم ٥ / ١٥٣ ـ ١٥٤ ، مسند أحمد ١ / ٦ و ٩ ، تاريخ الطبري ٢ / ٢٣٦ ، مشكل الآثار ١ / ٣٤ ح ٩٤ ، السيرة النبوية ـ لابن حبّان ـ : ٤٢٩ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٦ / ٣٠٠.
(٢) انظر : الاستيعاب ٣ / ٩٧٤ رقم ١٦٣٣ وج ٤ / ١٦٧٩ رقم ٣٠٠٥ ، المصنّف ـ لعبد الرزّاق ـ ٥ / ٤٥١ ح ٩٧٦٧ ، أنساب الأشراف ٢ / ٢٧١ ، شرح نهج البلاغة ٢ / ٤٥ وج ٦ / ٤٠.
(٣) سورة العنكبوت ٢٩ : ٢.
ثمّ إنّ أكثر هذه الأمور التي قرّب بها وقوع الإجماع على أبي بكر بالاختيار أدلّ على خلافه ، كعدم ترجيح الأنصار لأبي بكر على عليّعليهالسلام ، وكون العبّاس معه ، وسلّ الزبير سيفه في نصرته ، وتظاهر أبي سفيان بخلاف أبي بكر وذمّه له
فإنّ هذه الأمور ونحوها مقرّبة لكون بيعة أبي بكر لم تكن عن رغبة ، بل لأمور تسخط الله ورسوله.
وممّا ذكرنا يعلم ما في قوله : « وبايعه حيث رآه أهلا للخلافة » ، وقد أشرنا إلى كيفية البيعة مجملا(١) وستعرفها مفصّلا.
وكيف يقال : إنّه بايعه طوعا حيث رآه أهلا للخلافة ، وآثار العداوة ظاهرة بينهما وبين أتباعهما إلى يومنا هذا؟!
وهوعليهالسلام لم يزل يتظلّم منهم إلى حين وفاته ، حتّى قال في بعض كلامه :
«اللهمّ إنّي أستعديك على قريش ومن أعانهم ، فإنّهم قطعوا رحمي ، وصغّروا عظيم منزلتي ، وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي ، ثم قالوا : ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه ، وفي الحقّ أن تتركه »(٢) .
قال ابن أبي الحديد في شرح هذا الكلام(٣) : « إعلم أنّه قد تواترت الأخبار عنهعليهالسلام بنحو من هذا القول ، نحو قوله :وما زلت مظلوما منذ قبض الله رسوله صلىاللهعليهوآله حتّى يوم الناس هذا .
__________________
(١) راجع الصفحة ٢٧٧ وما بعدها من هذا الجزء.
(٢) نهج البلاغة : ٢٤٦ الخطبة ١٧٢.
(٣) ص ٤٩٥ من المجلّد الثاني [ ٩ / ٣٠٥ ]. منهقدسسره .
وقوله :اللهمّ اجز (١) قريشا ، فإنّها منعتني حقّي ، وغصبتني أمري .
وقوله :فجزى قريشا عنّي الجوازي ، فإنّهم ظلموني حقّي ، واغتصبوني سلطان ابن أمّي.
وقوله ـ وقد سمع صارخا ينادي : أنا مظلوم! ـ فقال :هلمّ فلنصرخ معا ، فإنّي ما زلت مظلوما.
وقوله :وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى .
وقوله :أرى تراثي نهبا.
وقوله :أصغيا بإنائنا (٢) ، وحملا الناس على رقابنا .
وقوله :إنّ لنا حقّا إن نعطه نأخذه ، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل وإن طال السرى.
وقوله :ما زلت مستأثرا عليّ مدفوعا عمّا أستحقّه وأستوجبه »(٣) .
وأمّا قوله : « ولم يكن غرض بين الصحابة لأجل السلطنة والزعامة ، بل عزمهم كان إقامة الحقّ وتقويم الشريعة »
فبعيد عن الصواب ؛ لأنّ من يقصد إقامة الحقّ وتقويم الشريعة لا يصدّ النبيّصلىاللهعليهوآله عن كتابة ما لا يضلّون بعده أبدا ، حتّى نسبه إلى
__________________
(١) في شرح نهج البلاغة : « أخز ».
(٢) أصغى الإناء : أماله وحرفه على جنبه ليجتمع ما فيه ، وأصغاه نقصه ، ويقال : فلان مصغى إناؤه إذا نقص حقّه ، وأصغى فلان إناء فلان إذا أماله ونقصه من حظّه ؛ انظر : لسان العرب ٧ / ٣٥٣ مادّة « صغا ».
(٣) شرح نهج البلاغة ٩ / ٣٠٦ ـ ٣٠٧ ، وانظر : نهج البلاغة : ٥٣ الخطبة ٦ وص ٤٨ الخطبة ٣ وص ٤٧٢ الحكمة ٢٢ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٤٢٩ ، الفائق في غريب الحديث ٢ / ٣٩٧.
الهجر ، فقابل إحسانه بأعظم إساءة ، ونصيحته بأكبر غشّ ، وهدايته بأضلّ ضلالة!
وكيف يريدون إقامة الحقّ وتقويم الشريعة ، ووليّهم بنصّ الكتاب المجيد ، ومولاهم ، وأخو نبيّهم ، وباب علمه ، ووارثه بين أظهرهم(١) ، لا يلتفتون إليه بوجه ، بل ينتهزون فرصة اشتغاله بتجهيز النبيّ ويتنازعون الإمرة بينهم في السقيفة ، ويستعملون في نيلها الحيل والتزويرات؟!
وكيف يقصدون إقامة الحقّ وقد انتهكوا حرّمة نبيّهمصلىاللهعليهوآله بترك دفنه وغصب بضعته ولمّا يطل العهد حتّى ماتت مقهورة غضبى؟!
وكيف يقال في حقّهم ذلك وقد ارتدّوا على أدبارهم القهقرى ، وكلّهم إلى النار ، ولا يخلص منهم إلّا مثل همل النعم؟!
وقد روى الطبري(٢) ، عن ابن عبّاس ، أنّ عمر قال : أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمّدصلىاللهعليهوآله ؟!
فكرهت أن أجيبه ، فقلت : إن لم أدر فأمير المؤمنين يدريني.
فقال عمر : كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخلافة فتبجّحوا على قومكم بجحا بجحا(٣) ، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفّقت.
فقلت : يا أمير المؤمنين! إن تأذن لي في الكلام وتمط عنّي الغضب تكلّمت.
فقال : تكلّم [ يا بن عبّاس ]!
__________________
(١) سيأتي ذكر مصادر الفقرات المتقدّمة في محالّها مفصّلة.
(٢) في تاريخه ص ٣١ من الجزء الخامس [ ٢ / ٥٧٨ حوادث سنة ٢٣ ه ]. منهقدسسره .
(٣) البجح : الفرح ، والتّبجّح : الفخر ، والمعنى هنا أنّهم سيفخرون بالخلافة على قومهم فرحا وعجبا ؛ انظر : لسان العرب ١ / ٣١٦ مادّة « بجح ».
فقلت : أمّا قولك : « اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفّقت » ، فلو أنّ قريشا اختارت لأنفسها حيث اختار الله عزّ وجلّ لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود.
وأمّا قولك : « إنّهم كرهوا أن تكون لنا النبوّة والخلافة » ، فإنّ الله عزّ وجلّ وصف قوما بالكراهيّة فقال :( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ ) (١) .
فقال عمر : هيهات! والله يا بن عبّاس قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أفرّك(٢) عنها فتزيل منزلتك منّي.
فقلت : وما هي؟! فإن كانت حقّا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك ، وإن كانت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه.
فقال عمر : بلغني أنّك تقول : إنّما صرفوها عنّا حسدا وظلما.
فقلت : أمّا قولك : « ظلما » فقد تبيّن للجاهل والحليم ؛ وأمّا قولك :
« حسدا » فإنّ إبليس حسد آدم ، فنحن ولده المحسودون.
فقال عمر : هيهات! أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلّا حسدا ما يحول ، وضغنا وغشّا ما يزول.
فقلت : مهلا! لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا بالحسد والغشّ ، فإنّ قلب رسول اللهصلىاللهعليهوآله من قلوب بني هاشم.
فقال عمر : إليك عنّي الحديث.
ومثله في ( كامل ) ابن الأثير(٣) .
__________________
(١) سورة محمّد ٤٧ : ٩.
(٢) فارك الرجل صاحبه : تاركه وفارقه وأبغضه ، والمفرّك : المتروك المبغض ؛ انظر : لسان العرب ١٠ / ٢٥٠ مادّة « فرك ».
(٣) ص ٣١ من الجزء الثالث [ ٢ / ٤٥٨ حوادث سنة ٢٣ ه ]. منهقدسسره .
ونحوه في ( شرح النهج )(١) .
وأمّا قوله : « وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : عليكم بالسواد الأعظم »
فلا يعرف معناه حتّى يعرف المقام الذي ورد فيه ، فإنّه قد يرد في مقام محاربة الجمع الكثير ، فيفيد الأمر بقتالهم ، كما قال أمير المؤمنينعليهالسلام في بعض أيّام صفّين : «عليكم بهذا السواد الأعظم [ والرواق المطنّب ] فاضربوا ثبجه (٢) »(٣) .
وقد يرد في مقام ترجيح الاجتماع والسكنى في البلاد الكبيرة لا ستحبابه شرعا ؛ لأنّها أجمع للمعارف ما لم تكن بلاد كفر.
ولو سلّم أنّ المراد به الأمر باتّباع السواد الأعظم في الدين ، فليس المراد فيه بالسواد : الجمهور ، فإنّ أكثر الناس غير مؤمنين ، بل المراد به جماعة المؤمنين الخلّص وإن قلّوا ، فإنّهم السواد الأعظم ، أي محلّ النظر والالتفات والعناية.
قال الزمخشري والرازي في تفسير قوله تعالى :( وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) (٤) :
« فإن قيل : لم قال :( أُذُنٌ واعِيَةٌ ) على التوحيد والتنكير؟!
قلنا : للإيذان بأنّ الوعاة فيهم قلّة ، وتوبيخ الناس بقلّة من يعي منهم ، والدلالة على أنّ الأذن الواعية(٥) إذا وعت فهي السواد الأعظم ، وأنّ
__________________
(١) ص ١٨ من المجلّد الثاني [ ١٢ / ٥٣ ـ ٥٤ ]. منهقدسسره .
(٢) ثبج كلّ شيء : معظمه ووسطه وأعلاه ؛ انظر : لسان العرب ٢ / ٨٠ مادّة « ثبج ».
(٣) انظر : نهج البلاغة : ٩٧ الخطبة ٦٦ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٤٦٠ ، كنز العمّال ١١ / ٣٤٧ ح ٣١٧٠٥.
(٤) سورة الحاقّة ٦٩ : ١٢.
(٥) في المصدرين : الواحدة.
ما سواها لا يلتفت إليه وإن امتلأ العالم منهم »(١) .
وأمّا ما أجاب به عن أدلّة المصنّف العقلية ، فقد تبيّن لك ما فيه ممّا سبق(٢) ، ودعوى العلم والزهد الحقيقي والشجاعة للمشايخ الثلاثة محلّ نظر.
هذا ، ويمكن أن يستدلّ على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام بوجه آخر عقلي ، وهو :
إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله لم يفارق المدينة قطّ إلّا وخلّف فيها من يخلفه ، ولا أرسل جيشا إلّا وأمّر عليهم كما تقتضيه الرئاسة والسياسة ، فكيف يمكن أن يتركهم في غيبته الدائمة معرضا للفتن ، وغرضا لسهام الخلاف ، على قرب عهدهم بالكفر ، وتوقّع الانقلاب منهم ، ووجود من مردوا على النفاق ، وتربّص الكفرة بهم الدوائر ، كما نطقت به آيات الكتاب العزيز؟!
وكيف يمكن أن لا يطالبه المسلمون ـ على كثرتهم ـ بنصب إمام لهم ، مع طول مرضه وإعلامه مرارا لهم بموته؟!
فلمّا لم يقع الطلب منهم مع ضرورة حاجتهم إلى إمام ، علم أنّه قد أغناهم بالبيان الذي علمه الشاهد والغائب ، وليس هو إلّا نصّ الغدير ونحوه ، فيكون أمير المؤمنينعليهالسلام هو الإمام.
ولا يمكن أن يكون تشريع جواز ترك الاستخلاف سببا لترك النبيّصلىاللهعليهوآله للنصّ كما زعموا ؛ لأنّ فائدة التشريع اتّباع الناس له في فعله.
وبالضرورة أنّه لم يتّفق ترك ملك أو خليفة للنصّ على من بعده عملا بالسنّة.
__________________
(١) الكشّاف ٤ / ١٥١ ، التفسير الكبير ٣٠ / ١٠٨.
(٢) راجع الصفحة ١٩٢ وما بعدها من هذا الجزء.
ويمكن أن يستدلّ على إمامته بوجه سابع عقلي ، وهو :
إنّه لا ريب بأنّ من يعرف طرفا من التاريخ رأى أنّ بين أمير المؤمنينعليهالسلام والمشايخ الثلاثة مباينة بعيدة ، ومناوأة شديدة ، حتّى لم يشهد التاريخ بحرب له في نصرتهم ، مع أنّه أبو الحرب وابن بجدتها(١) وما قام الإسلام إلّا بسيفه ، وما تخلّف عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله في موقف(٢) سوى تبوك ، وقام بأعباء الحروب الثقيلة في أيّام تولّيه الخلافة.
وقد امتلأت كتب التاريخ بما وقع بينه وبينهم ، لا سيّما الثالث(٣) .
وذلك لا يجتمع مع البناء على أنّهم جميعا أركان الدين ، وأقطاب الحقّ ، وإخوة الصدق ، وهمّهم نصر الإسلام لا الزعامة الدنيوية ، فلا بدّ من وقوع خلل هناك ، إمّا لكونهم جميعا على باطل ـ ولا يقوله مسلم ـ ، أو لكون أحد الطرفين على الحقّ والآخر على الباطل ، وهو المتعيّن ، ولا قائل من أهل الإسلام بأنّ عليّاعليهالسلام إذ ذاك : مبطل ، حتّى الخوارج
فيتعيّن أن يكون أمير المؤمنينعليهالسلام هو المحقّ ، وغيره المبطل ، فلا بدّ أن يكون هو الإمام.
* * *
__________________
(١) بجد : بجد بالمكان : أقام به ، وعنده بجدة ذلك : أي علمه ، ومنه يقال : هو ابن بجدتها للعالم بالشيء المتقن له ، وكذلك يقال للدليل والهادي ؛ انظر : لسان العرب ١ / ٣١٦ مادّة « بجد ».
(٢) انظر : صحيح البخاري ٦ / ١٨ ح ٤٠٨ ، صحيح مسلم ٧ / ١٢٠ ، السيرة النبوية ـ لابن هشام ـ ٥ / ١٩٩ ، تاريخ الطبري ٢ / ١٨٣ ، الاستيعاب ٣ / ١٠٩٠ رقم ١٨٥٥ ، الكامل في التاريخ ٢ / ١٥٠ ، الإصابة ٤ / ٥٦٤ رقم ٥٦٩٢.
(٣) انظر : تاريخ اليعقوبي ٢ / ٦٨ ـ ٦٩ ، مروج الذهب ٢ / ٣٤١ ـ ٣٤٢ ، شرح نهج البلاغة ٩ / ١٤ ـ ٢٤.
تعيين إمامة عليّ بالقرآن
١ ـ آية :( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ )
قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :
وأمّا المنقول : فالقرآن ، والسنّة المتواترة
أمّا القرآن ، فآيات :
الأولى :( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) (٢) .
أجمعوا على نزولها في عليّعليهالسلام (٣) ، وهو مذكور في [ الجمع بين ](٤)
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٧٢.
(٢) سورة المائدة ٥ : ٥٥.
(٣) انظر التصريح بإجماع المفسّرين واتّفاقهم على ذلك في : المواقف : ٤٠٥ ، شرح المقاصد ٥ / ٢٧٠ ، شرح المواقف ٨ / ٣٦٠ ، شرح تجريد الاعتقاد ـ للقوشجي _ : ٤٧٦.
(٤) أثبتناه من نسخة « نهج الحقّ » في إحقاق الحقّ ٢ / ٣٩٩.
وكتاب « التجريد في الجمع بين الصحاح الستّة » للمحدّث أبي الحسن رزين بن معاوية بن عمّار العبدري الأندلسي السّرقسطي المالكي ، المجاور بمكّة ، المتوفّى سنة ٥٣٥ ه.
انظر : سير أعلام النبلاء ٢٠ / ٢٠٤ رقم ١٢٩ ، العبر في خبر من غبر ٢ / ٤٤٧ ، تذكرة الحفّاظ ٤ / ١٢٨١ ، مرآة الجنان ٣ / ٢٠١ ، كشف الظنون ١ / ٣٤٥ ، شذرات الذهب ٤ / ١٠٦.
الصحاح الستّة ، لمّا تصدّق بخاتمه على المسكين في الصلاة بمحضر من الصحابة(١) .
والوليّ : هو المتصرّف(٢) .
وقد أثبت الله تعالى الولاية لذاته وشرك معه الرسول وأمير المؤمنين.
وولاية الله عامّة ، فكذا النبيّ والوليّ.
* * *
__________________
(١) انظر : جامع الأصول ٨ / ٦٦٤ ح ٦٥١٥ عن رزين العبدري ، المعجم الأوسط ٦ / ٢٩٤ ح ٦٢٣٢ ، تفسير السدّي : ٢٣١ ، المعيار والموازنة : ٢٢٨ ، أنساب الأشراف ٢ / ٣٨١ ، تفسير الطبري ٤ / ٦٢٨ ـ ٦٢٩ ح ١٢٢١٥ ـ ١٢٢١٩ ، أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ ٢ / ٦٢٥ ـ ٦٢٦ ، معرفة علوم الحديث : ١٠٢ ، تفسير الماوردي ٢ / ٤٩ ، المتّفق والمفترق ـ للخطيب البغدادي ـ ١ / ٢٥٨ ح ١٠٦ ، أسباب النزول ـ للواحدي ـ : ١١٠ ـ ١١١ ، مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ لابن المغازلي _ : ٢٦٠ ـ ٢٦١ ح ٣٥٤ ـ ٣٥٧ ، شواهد التنزيل ١ / ١٦١ ـ ١٨٤ ح ٢١٦ ـ ٢٤٠ ، تفسير البغوي ٢ / ٣٨ ، الكشّاف ١ / ٦٢٤ ، تفسير القرطبي ٦ / ١٤٣ ـ ١٤٤ ، مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ للخوارزمي ـ : ٢٦٤ ح ٢٤٦ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٥٧ ، تفسير الفخر الرازي ١٢ / ٢٨ ، تفسير البيضاوي ١ / ٢٧٢ ، شرح المقاصد ٥ / ٢٦٩ ، مجمع الزوائد ٧ / ١٧ ، شرح المواقف ٨ / ٣٥٩ ـ ٣٦٠ ، الدرّ المنثور ٣ / ١٠٥.
(٢) انظر مادّة « ولي » في : لسان العرب ١٥ / ٤٠١ ، تاج العروس ٢٠ / ٣١١ و ٣١٥.
وقال الفضل(١) :
جوابه : إنّ المراد من الوليّ : الناصر ، فإنّ الوليّ لفظ مشترك ، يقال للمتصرّف ، والناصر ، والمحبّ ، والأولى بالتصرّف ، كوليّ الصبيّ والمرأة.
والمشترك إذا تردّد بين معانيه ، يلزم وجود القرينة للمعنى المطلوب منه ، وهاهنا كذلك ، فلا يكون هذا نصّا على إمامة عليّ ، فبطل الاستدلال به.
وأمّا القرائن على أنّ المراد بالوليّ : الناصر ـ في الآية ـ لا الأولى والأحقّ بالتصرّف ؛ لأنّه لو حمل على هذا لكان غير مناسب لما قبلها ، وهو قوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) (٢) ، فإنّ الأولياء هاهنا : الأنصار ، لا بمعنى الأحقّين بالتصرّف
وغير مناسب لما بعدها ، وهو قوله تعالى :( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) (٣) ، فإنّ التولّي هاهنا بمعنى المحبّة والنصرة.
فوجب أن يحمل ما بينهما على النصرة أيضا ؛ ليتلاءم أجزاء الكلام.
* * *
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٤٠٨.
(٢) سورة المائدة ٥ : ٥١.
(٣) سورة المائدة ٥ : ٥٦.
وأقول :
لا يبعد أنّ الوليّ مشترك معنى ، موضوع للقائم بالأمر ، أي الذي له سلطان على المولّى عليه ـ ولو في الجملة ـ ، فيكون مشتقّا من الولاية ، بمعنى السلطان.
ومنه : وليّ المرأة والصبي والرعيّة ، أي القائم بأمورهم وله سلطان عليهم في الجملة.
ومنه أيضا : الوليّ : بمعنى الصديق والمحبّ ، فإنّ للصديق ولاية وسلطانا في الجملة على صديقه وقياما بأموره.
وكذا الناصر بالنسبة إلى المنصور ، والحليف بالنسبة إلى حليفه ، والجار بالنسبة إلى جاره إلى غير ذلك(١) .
فيحنئذ يكون معنى الآية : إنّما القائم بأموركم هو الله ورسوله وأمير المؤمنين ، ولا شكّ أنّ ولاية الله تعالى عامّة في ذاتها ، مع أنّ الآية مطلقة فتفيد العموم بقرينة الحكمة(٢) ، فكذا ولاية النبيّ والوصيّ
فيكون عليّعليهالسلام هو القائم بأمور المؤمنين ، والسلطان عليهم ، والإمام
__________________
(١) انظر مادّة « ولي » في : لسان العرب ١٥ / ٤٠١ ـ ٤٠٣ ، تاج العروس ٢٠ / ٣١٠ ـ ٣١٦.
(٢) قرينة الحكمة : هي أنّه إذا كان المتكلّم الحكيم في مقام بيان مراده الجدّي ، وكان ملتفتا إلى انقسامات موضوع حكمه ، ولم يقم قرينة على إرادة خصوصية منها ، كان كلامه ظاهرا في الإطلاق بحكم العقل ، ويعمّ كلّ الانقسامات ؛ لأنّه لو أراد شيئا منها بخصوصه كان مقتضى الحكمة إقامة القرينة على ذلك.
انظر مثلا : أصول الفقه : ١٨٤ ـ ١٨٦.
لهم.
ولو سلّم تعدّد المعاني واشتراك الوليّ بينها لفظا ، فلا ريب أنّ المناسب لإنزال الله الآية في مقام التصدّق أن يكون المراد بالوليّ : هو القائم بالأمور ، لا الناصر.
إذ أيّ عاقل يتصوّر أنّ إسراع الله سبحانه بذكر فضيلة التصدّق واهتمامه في بيانها بهذا البيان العجيب لا يفيد إلّا مجرّد بيان أمر ضروري ، وهو نصرة عليّعليهالسلام للمؤمنين؟!
ولو سلّم أنّ المراد : الناصر ، فحصر ( الناصر ) بالله ورسوله وعليّ ، لا يصحّ إلّا بلحاظ إحدى جهتين :
الأولى : إنّ نصرتهم للمؤمنين مشتملة على القيام والتصرّف بأمورهم ، وحينئذ يرجع إلى المعنى المطلوب.
الثانية : أن تكون نصرة غيرهم للمؤمنين ، ك لا نصرة بالنسبة إلى نصرتهم ، وحينئذ يتمّ المطلوب أيضا ، إذ من أظهر لوازم الإمامة النصرة الكاملة للمؤمنين ، ولا سيّما قد حكم الله عزّ وجلّ بأنّها في قرن نصرته ونصرة رسوله.
وبالجملة : قد دلّت الآية الكريمة على انحصار الولاية ـ بأيّ معنى فسّرت ـ بالله ورسوله وأمير المؤمنين ، وأنّ ولايتهم من سنخ واحد.
فلا بدّ أن يكون أمير المؤمنينعليهالسلام ممتازا على الناس جميعا ، بما لا يحيط به وصف الواصفين ، فلا يليق إلّا أن يكون إماما لهم ، ونائبا من الله تعالى عليهم جميعا.
ويشهد لإرادة الإمامة من هذه الآية : الآية التي قبلها ، الداخلة معها في
خطاب واحد ، وهي قوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) (١) الآية
فإنّها ظاهرة في أنّ من يأتي بهم الله تعالى ، من أهل الولاية على الناس والقيام بأمورهم ؛ لأنّ معناها :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ ) مخصوصين معه بالمحبّة بينه وبينهم ،( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) أي : متواضعين لهم تواضع ولاة عليهم ، للتعبير ب « على » التي تفيد العلوّ والارتفاع ،( أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ ) أي : ظاهري العزّة عليهم والعظمة عندهم ، ومن شأنهم الجهاد فيسبيل الله ولا يخافون لومة لائم.
ومن المعلوم أنّ هذه الأوصاف إنّما تناسب ذا الولاية والحكم والإمامة ، فيكون تعقّبها بقوله تعالى :( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ ) الآية ، دليلا على أنّ المراد بوليّ المؤمنين إمامهم القائم بأمورهم ؛ للارتباط بين الآيتين.
وأمّا ما زعمه الفضل من أنّ إرادة الأولى بالتصرّف لا تناسب ما قبل الآية ، وهو قوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ ) (٢) الآية ؛ لأنّ المراد بالأولياء : الأنصار لا الأحقّين بالتصرّف
فخطأ ؛ لأنّ هذه الآية مفصولة عن آية المقام بآيات عديدة أجنبية
__________________
(١) سورة المائدة ٥ : ٥٤ ـ ٥٥.
(٢) سورة المائدة ٥ : ٥١.
عن آية المقام ، ولذا صدّر آية المقام مع الآية التي قبلها المتّصلة بها بخطاب مستقلّ ، فلا تصلح تلك الآية المفصولة بآيات عديدة للقرينية.
ولنتل عليك الآيات لتتّضح الحال :
قال تعالى بعد الآية التي ذكرها الفضل :( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ) (١) الآية.
ثمّ قال بعدها :( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) (٢) الآية.
فأنت ترى أنّه انتقل في قوله :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ ) إلى تمام الآيتين ، إلى مطلب آخر مستقلّ بخطاب ، فكيف تكون إرادة الأنصار من الأولياء في الآية الأولى البعيدة ، موجبة لعدم إرادة الأولى بالتصرّف من الوليّ في الآية الأخيرة؟!
ولو سلّم أنّ الآيات كلّها مرتبطة بعضها ببعض فلا ينافي المطلوب ؛ لأنّ المراد أيضا بالأولياء في الآية الأولى هو : القائمون بالأمور في الجملة ، ولو بالنسبة إلى النصرة والمحافظة ؛ لما بيّنّاه في معنى ( الوليّ ) ، وأنّه مشترك معنى.
فيتمّ المطلوب من كلّ وجه ، ولا سيّما بضميمة قوله تعالى :( مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ) الآية ؛ لاشتمالها كما عرفت على الأوصاف
__________________
(١) سورة المائدة ٥ : ٥٢ ـ ٥٤.
(٢) سورة المائدة ٥ : ٥٥.
المناسبة للقائم بالأمور.
وأمّا قوله : « وغير مناسب لما بعدها وهو قوله :( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) (١) »
فظاهر البطلان ؛ لأنّ المراد بتولّي الله ورسوله والّذين آمنوا هو اتّخاذهم أولياء ، وتسليم الولاية لهم بالمعنى الذي أريد من ( الوليّ ) في قوله تعالى قبله :( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) الآية فكيف لا تحصل المناسبة؟!
هذا ، وقد اعترض القوم على الاستدلال بالآية بأمور أخر :
الأوّل : إنّ الحصر إنّما ينفي ما فيه تردّد ، ولا نزاع ولا خفاء في أنّه لا نزاع في إمامة الثلاثة عند نزول الآية(٢) .
وفيه ـ مع النقض بالنسبة إلى الله ورسوله ، فإنّه لا نزاع للمخاطبين في ولاية ما يضادّهما ـ : إنّه لو سلّم اعتبار التردّد والنزاع فإنّما هو في القصر الإضافي لا الحقيقي.
ولو سلّم ، كفى النزاع في علم الله تعالى ، فإنّه سبحانه عالم بوقوع النزاع في إمامة الثلاثة في المستقبل.
الثاني : إنّ ظاهر الآية ثبوت الولاية بالفعل ، ولا شبهة في أنّ إمامة عليّعليهالسلام إنّما كانت بعد النبيّصلىاللهعليهوآله ، وصرف الآية إلى ما يكون في المآل دون الحال لا يستقيم في حقّ الله ورسوله(٣) .
وفيه : إنّ ولاية كلّ منهم بحسبه ، فولاية الوصيّ في طول ولاية النبيّ وبعدها ، فإذا دلّت الآية على ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام وإمامته ،
__________________
(١) سورة المائدة ٥ : ٥٦.
(٢) انظر : شرح المقاصد ٥ / ٢٧١ ، شرح التجريد ـ للقوشجي ـ : ٤٧٦ ـ ٤٧٧.
(٣) انظر : شرح المقاصد ٥ / ٢٧١ ، شرح التجريد ـ للقوشجي ـ : ٤٧٦ ـ ٤٧٧.
فقد دلّت على أنّها بعد رسول الله.
على أنّ الحقّ ثبوت الولاية لأمير المؤمنينعليهالسلام في حياة النبيّصلىاللهعليهوآله برتبة ثانية ، فتجب طاعته وتمضي تصرّفاته ، لكنّه ساكت غالبا كما هو شأن الإمام في حياة الإمام الذي قبله ، كالحسنعليهالسلام في زمن أبيه ، والحسين في زمن أخيهعليهالسلام .
ويدلّ على ذلك حديث المنزلة(١) ، فإنّه دالّ على أنّ منزلة أمير
__________________
(١) انظر : صحيح البخاري ٥ / ٨٩ ـ ٩٠ ح ٢٠٢ وج ٦ / ١٨ ح ٤٠٨ ، صحيح مسلم ٧ / ١٢٠ ـ ١٢١ ، سنن الترمذي ٥ / ٥٩٩ ح ٣٧٣٠ و ٣٧٣١ ، سنن ابن ماجة ١ / ٤٢ ـ ٤٣ ح ١١٥ وص ٤٥ ح ١٢١ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٤٤ ح ٨١٣٨ ـ ٨١٤٣ وص ١٠٨ ح ٨٣٩٩ وص ١١٣ ح ٨٤٠٩ وص ١١٩ ـ ١٢٥ ح ٨٤٢٩ ـ ٨٤٤٩ ، مسند أحمد ١ / ١٧٠ و ١٧٣ و ١٧٥ و ١٧٧ و ١٧٩ و ١٨٢ و ١٨٤ و ١٨٥ وج ٣ / ٣٢ وج ٦ / ٣٦٩ و ٤٣٨ ، مسند الطيالسي : ٢٩ ح ٢٠٩ ، مسند الحميدي ١ / ٣٨ ح ٧١ ، مصنّف عبد الرزّاق ٥ / ٤٠٦ ح ٩٧٤٥ وج ١١ / ٢٢٦ ح ٢٠٣٩٠ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٣ / ١٧ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٩٦ ح ١١ ـ ١٥ ، مسند سعد بن أبي وقّاص ـ للدورقي ـ : ٥١ ح ١٩ وص ١٠٣ ح ٤٩ وص ١٣٦ ح ٧٥ و ٧٦ وص ١٧٤ ـ ١٧٧ ح ١٠٠ ـ ١٠٢ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٥٥١ ح ١١٨٨ وص ٥٨٦ ـ ٥٨٨ ح ١٣٣١ ـ ١٣٥٠ وص ٥٩٥ ـ ٥٩٦ ح ١٣٨٤ ـ ١٣٨٧ ، مسند البزّار ٣ / ٢٧٦ ـ ٢٧٨ ح ١٠٦٥ ـ ١٠٦٨ وص ٢٨٣ ـ ٢٨٤ ح ١٠٧٤ ـ ١٠٧٦ وص ٣٢٤ ح ١١٢٠ وص ٣٦٨ ح ١١٧٠ ، مسند أبي يعلى ١ / ٢٨٦ ح ٣٤٤ وج ٢ / ٥٧ ح ٦٩٨ وص ٦٦ ح ٧٠٩ وص ٧٣ ح ٧١٨ وص ٨٦ ـ ٨٧ ح ٧٣٨ ـ ٧٣٩ وص ٩٩ ح ٧٥٥ وص ١٣٢ ح ٨٠٩ ، الجعديات ٢ / ٧٧ ح ٢٠٥٨ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٨ / ٢٢١ ح ٦٦٠٩ وج ٩ / ٤١ ح ٦٨٨٧ و ٦٨٨٨ ، المعجم الكبير ـ للطبراني ـ ١ / ١٤٦ ح ٣٢٨ وص ١٤٨ ح ٣٣٣ و ٣٣٤ وج ٢ / ٢٤٧ ح ٢٠٣٥ وج ٤ / ١٧ ح ٣٥١٥ وص ١٨٤ ح ٤٠٨٧ وج ٥ / ٢٠٣ ح ٥٠٩٤ و ٥٠٩٥ وج ١١ / ٦١ ـ ٦٣ ح ١١٠٨٧ و ١١٠٩٢ وج ١٢ / ٧٨ ح ١٢٥٩٣ وج ١٩ / ٢٩١ ح ٦٤٧ وج ٢٣ / ٣٧٧ ح ٨٩٢ وج ٢٤ / ١٤٦ ـ ١٤٧ ح ٣٨٤ ـ ٣٨٩ ، _
المؤمنينعليهالسلام من النبيّصلىاللهعليهوآله كمنزلة هارون من موسى.
ومن المعلوم ثبوت الولاية لهارون مع موسى ؛ لأنّه شريكه ، فكذا أمير المؤمنين له الولاية الفعلية أيضا وإن سكت ؛ إذ لم يستثن إلّا النبوّة.
ويدلّ ـ أيضا ـ على ذلك حديث الغدير ، ولذا قال له عمر :
« أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة » كما رواه أحمد في مسنده ، عن البراء بن عازب(١) .
ومثله عن الثعلبي في تفسيره(٢) .
ورواه الرازي في تفسير قوله تعالى :( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) (٣) الآية ، ولكن بلفظ : « أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة »(٤) .
ورواه ابن حجر في أوائل « الصواعق » ، في الشبهة الحادية عشر [ ة ] ، عن الطبراني ، عن عمر وأبي بكر ، بلفط : « أمسيت [ يا بن أبي طالب ] مولى كلّ مؤمن ومؤمنة »(٥) .
__________________
المعجم الأوسط ٣ / ٢١١ ح ٢٧٤٩ وج ٤ / ٤٨٤ ح ٤٢٤٨ وج ٥ / ٤٣٩ ح ٥٣٣٥ وج ٦ / ٣٢ ح ٥٥٦٩ وص ١٣٨ ح ٥٨٤٥ وص ١٤٦ ح ٥٨٦٦ وج ٧ / ٣٦١ ح ٧٥٩٢ وج ٨ / ٧٣ ـ ٧٤ ح ٧٨٩٤ ، المعجم الصغير ٢ / ٥٣ ـ ٥٤ ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٣٦٧ ح ٣٢٩٤ وج ٣ / ١١٧ ح ٤٥٧٥ وص ١٤٣ ـ ١٤٤ ح ٤٦٥٢ ، حلية الأولياء ٤ / ٣٤٥ وج ٧ / ١٩٤ ـ ١٩٧ وج ٨ / ٣٠٧ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٩ / ٤٠ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٧٠ ح ٤٧٦٢.
(١) ص ٢٨١ من الجزء الرابع. منهقدسسره .
(٢) تفسير الثعلبي ٤ / ٩٢.
(٣) سورة المائدة ٥ : ٦٧.
(٤) تفسير الفخر الرازي ١٢ / ٥٣.
(٥) الصواعق المحرقة : ٦٧ وقال : « أخرجه الدارقطني » ؛ وانظر : مسند أحمد
ويدلّ على ذلك أيضا ما رواه الترمذي في فضائل أمير المؤمنينعليهالسلام ، المصرّح بأنّ أمير المؤمنينعليهالسلام أصاب جارية من سبيّ ، فتعاقد عليه أربعة فوشوا به عند النبيّ ، فغضب وقال :
«ما تريدون من عليّ؟! ما تريدون من عليّ؟! [ ما تريدون من عليّ؟! ] إنّ عليّا منّي وأنا منه ، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي »(١) .
فإنّه دالّ على مضيّ فعل عليّ في ذلك الوقت ، وأنّ له الاصطفاء من الغنيمة كالنبيّصلىاللهعليهوآله ، لولايته مثله ؛ لأنّه منه ـ أي أنّه كنفسه ـ ، ففعله كفعله.
وعليه : فالبعديّة في هذه الرواية بلحاظ الرتبة لا الزمان ، كما يقرّبه خلوّ الحديث في بعض الروايات عن لفظ « بعدي » كما رواه الحاكم في « المستدرك » بفضائل أمير المؤمنينعليهالسلام (٢) .
وقد جاء أيضا في أحاديث كثيرة أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : «من كنت
__________________
٤ / ٢٨١ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٠٣ ح ٥٥ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٧٣٨ ـ ٧٣٩ ح ١٠١٦ ، تمهيد الأوائل : ٤٥٣ ، الاعتقاد على مذهب السلف ـ للبيهقي ـ : ٢٠٤ ، تاريخ بغداد ٨ / ٢٩٠ رقم ٤٣٩٢ ، مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ لابن المغازلي ـ : ٦٩ ح ٢٤ ، الملل والنحل ـ للشهرستاني ـ ١ / ١٦٤ ، مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ للخوارزمي ـ : ١٥٦ ح ١٨٤ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٢٠ ـ ٢٢٢.
(١) سنن الترمذي ٥ / ٥٩٠ ح ٣٧١٢ ؛ وانظر : السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٣٢ ـ ١٣٣ ح ٨٤٧٤ ، مسند أحمد ٤ / ٤٣٧ ، مسند أبي يعلى ١ / ٢٩٣ ح ٣٥٥ ، المعجم الكبير ١٨ / ١٢٨ ح ٢٦٥ ، مسند الطيالسي : ١١١ ح ٨٢٩ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٠٤ ح ٥٨ ، مسند الروياني ١ / ٦٢ ح ١١٩ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٤١ ـ ٤٢ ح ٦٨٩٠ ، حلية الأولياء ٦ / ٢٩٤ ، كنز العمّال ١٣ / ١٤٢ ح ٣٦٤٤٤.
(٢) ص ١١٠ من الجزء الثالث [ ٣ / ١١٩ ح ٤٥٧٩ ]. منهقدسسره .
وانظر : مصابيح السنّة ٤ / ١٧٢ ح ٤٧٦٦.
وليّه فعليّ وليّه » ، كما في مسند أحمد ، عن بريدة(١)
الأمر الثالث : إنّ( الَّذِينَ آمَنُوا ) صيغة جمع فلا تصرف إلى الواحد إلّا بدليل ، وقول المفسّرين : « نزلت في عليّ » لا يقتضي الاختصاص ، ودعوى انحصار الأوصاف فيه مبنية على جعل( وَهُمْ راكِعُونَ ) حالا من ضمير( يُؤْتُونَ ) وليس بلازم ، بل يحتمل العطف ، بمعنى أنّهم يركعون في صلاتهم ، لا كصلاة اليهود خالية من الركوع ، أو بمعنى أنّهم خاضعون(٢) .
وفيه : إنّ الحاليّة متعيّنة لوجهين :
[ الوجه ] الأوّل : بعد الاحتمالين المذكورين ؛ لا ستلزام أوّلهما التأكيد المخالف للأصل ؛ لأنّ لفظ ( الصلاة ) مغن عن بيان أنّهم يركعون في صلاتهم ، لتبادر ذات الركوع منها ، كما يتبادر من الركوع ما هو المعروف ، فيبطل الاحتمال الثاني أيضا.
الوجه الثاني : إنّ روايات النزول صريحة بالحاليّة وإرادة الركوع المعروف
فمنها : ما في « الدرّ المنثور » للسيوطي ، عن ابن مردويه ، من حديث طويل قال في آخره :
__________________
(١) ص ٣٥٠ و ٣٥٨ من الجزء الخامس. منهقدسسره .
نقول : ويضاف إلى ردّ الشيخ المظفّر قدسسره بأنّه يمكن أن يجاب عن إشكال الفضل هذا ، بأنّه غير صحيح أصلا ؛ لأنّه مبتن على كون « الولاية » بمعنى « الحكومة » ؛ في حين أنّ « الحكومة » شأن من شؤون « الولاية » ، فيندفع الإشكال كبرويا وصغرويا ، فإنّ اجتماع « الحكومتين » في زمان واحد غير ممكن لا اجتماع « الولايتين » ؛ فلاحظ!
(٢) شرح المقاصد ٥ / ٢٧٢ ، شرح التجريد ـ للقوشجي ـ : ٤٧٧.
« وخرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال :أعطاك أحد شيئا ؟
قال : نعم.
قال : من؟
قال : ذلك الرجل القائم.
قال : على أيّ حال أعطاكه؟
قال : وهو راكع.
قال : وذلك عليّ بن أبي طالب.
فكبّر رسول اللهصلىاللهعليهوآله عند ذلك وهو يقول :( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) (١) (٢) .
ومثله في « أسباب النزول » للواحدي(٣) .
ومنها : ما في « الدرّ المنثور » أيضا ، عن الخطيب في « المتّفق » ، عن ابن عبّاس ، قال : تصدّق عليّ بخاتمه وهو راكع ، فقال النبيّصلىاللهعليهوآله : من أعطاك هذا الخاتم؟
قال : ذاك الراكع.
فأنزل الله :( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) (٤) الآية(٥) .
ومنها : ما في « الدرّ المنثور » أيضا ، عن الطبراني وابن مردويه ، عن عمّار بن ياسر ، قال : وقف بعليّ سائل وهو راكع في صلاة تطوّع ،
__________________
(١) سورة المائدة ٥ : ٥٦.
(٢) الدرّ المنثور ٣ / ١٠٥ ـ ١٠٦.
(٣) أسباب النزول : ١١١ ؛ وانظر : معرفة علوم الحديث : ١٠٢ ، زاد المسير ٢ / ٢٢٧ ، تفسير ابن كثير ٢ / ٦٨.
(٤) سورة المائدة ٥ : ٥٥.
(٥) الدرّ المنثور ٣ / ١٠٤ و ١٠٥ ، وانظر : المتّفق والمفترق ١ / ٢٥٨ ح ٧٩.
فنزع خاتمه فأعطاه السائل ، فأتى رسول الله فأعلمه ذلك ، فنزلت على النبيّصلىاللهعليهوآله [ هذه الآية ] :( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) الآية(١) .
ونحوه في التقييد بقوله : « وهو راكع » ما في « الدرّ المنثور » أيضا ، عن ابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن عساكر ، عن سلمة بن كهيل(٢) .
ونحوه أيضا فيه ، عن ابن جرير ، عن السدّي وعتبة بن [ أبي ](٣) حكيم(٤) .
ومنها : ما عن الثعلبي ؛ وفي تفسير الرازي ، عن أبي ذرّرحمهالله ، قال : « سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله بهاتين وإلّا صمّتا ، ورأيته بهاتين وإلّا عميتا ، يقول :عليّ قائد البررة ، وقاتل الكفرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله .
أمّا إنّي صلّيت مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله صلاة الظهر ، فسأل سائل في المسجد ، فلم يعطه أحد شيئا ، وكان عليّ راكعا ، فأومأ بخنصره إليه وكان يتختّم فيها ، فأقبل السائل حتّى أخذ الخاتم من خنصره ، فتضرّع النبيّصلىاللهعليهوآله إلى الله عزّ وجلّ فقال :
اللهمّ إنّ أخي موسى سألك فقال : اللهمّ ( اشْرَحْ لِي صَدْرِي *
__________________
(١) الدرّ المنثور ٣ / ١٠٥ ؛ وانظر : المعجم الأوسط ـ للطبراني ـ ٦ / ٢٩٤ ح ٦٢٣٢.
(٢) الدرّ المنثور ٣ / ١٠٥ ؛ وانظر : تفسير ابن كثير ٢ / ٦٨ ، لباب النقول : ٩٣.
(٣) أثبتناه من تفسير الطبري ؛ وهو : عتبة بن أبي حكيم الهمداني الشعباني الأردني ، روى له الأربعة ـ أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ـ والبخاري في « خلق أفعال العباد » ووقع في كتاب العلم من صحيحه ضمنا.
انظر : تهذيب الكمال ١٢ / ٣٥٩ رقم ٤٣٥٥ ، ميزان الاعتدال ٥ / ٣٧ رقم ٥٤٧٥ ، تهذيب التهذيب ٥ / ٤٥٦ رقم ٤٥٦١.
(٤) الدرّ المنثور ٣ / ١٠٥ ؛ وانظر : تفسير السدّي : ٢٣١ ، تفسير الطبري ٤ / ٦٢٨ ح ١٢٢١٥ وص ٦٢٩ ح ١٢٢١٨ و ١٢٢١٩.
وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) (١) ، فأنزلت عليه :( سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً ) (٢) .
اللهمّ وأنا محمّد عبدك ونبيّك ، فاشرح لي صدري ، ويسّر لي أمري ، واجعل لي وزيرا من أهلي ، عليّا اشدد به ظهري.
قال أبو ذرّرحمهالله : فو الله ما استتمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله الكلمة حتّى هبط جبرئيل بهذه الآية »(٣) .
ومنها : ما في تفسير الرازي ، عن عبد الله بن سلّام ، قال : « لمّا نزلت هذه الآية ، قلت : يا رسول الله! أنا رأيت عليّا تصدّق بخاتمه [ على محتاج ] وهو راكع ، فنحن نتولّاه »(٤) .
.. إلى غير ذلك من الأخبار التي لا تحصى ، الصريحة في الحاليّة ، وإرادة الركوع المعروف ، الدالّة على أنّ المراد تعيين أمير المؤمنينعليهالسلام بهذه الأوصاف(٥) .
كما لا ريب بإرادة المفسّرين اختصاص الآية بأمير المؤمنينعليهالسلام ؛ لأنّ تفسيرهم مأخوذ من هذه الروايات ونحوها(٦) .
__________________
(١) سورة طه ٢٠ : ٢٥ ـ ٣٢.
(٢) سورة القصص ٢٨ : ٣٥.
(٣) تفسير الثعلبي ٤ / ٨٠ ـ ٨١ ، تفسير الفخر الرازي ١٢ / ٢٨.
(٤) تفسير الفخر الرازي ١٢ / ٢٨.
(٥) راجع الصفحة ٢٩٧ من هذا الجزء.
(٦) انظر : تفسير الطبري ٤ / ٦٢٩ ح ١٢٢١٩ ، تفسير البغوي ٢ / ٣٨ ، تفسير القرطبي
ولعمري لو فتحنا باب تلك التأويلات السوفسطائية ، لا سيّما مع مخالفتها للأخبار ، لما كانت آية حجّة على أمر ألبتّة ، بل لم يثبت بكلمة الشهادة إسلام أحد!
وذلك غير خفيّ على القوم ، ولكنّ البغض والعداوة داء لا دواء له!
فيا هل ترى لو نزلت هذه الآية في حقّ أبي بكر أو عمر أكانوا يجرون فيها هذه التأويلات ، أو يجعلونها أدلّ النصوص على الإمامة؟!
وأنت تعلم أنّهم يزعمون أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله أمر أبا بكر بالصلاة في الناس(١) ، ومن مذهبهم جواز إمامة الفاسق في الصلاة(٢) ، ومع ذلك قالوا إنّه دليل على إمامته!! فيا بعد ما بين المقامين ، ولا أمر كأمر أبي بكر وأبي حسن وحسين!!
ثمّ إنّ الفائدة في التعبير عن أمير المؤمنينعليهالسلام ـ وهو فرد ـ بصيغة الجمع ، هي تعظيمه(٣) ، والإشارة إلى أنّه بمنزلة جميع المؤمنين المصلّين المزكّين ؛ لأنّه عميدهم ، ومن أقوى الأسباب في إيمانهم ومبرّاتهم ، كما أشار إلى ذلك رسول اللهصلىاللهعليهوآله بقوله يوم الخندق : «برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه »(٤) .
__________________
٦ / ١٤٣ ـ ١٤٤ ، تفسير الدرّ المنثور ٣ / ١٠٤ و ١٠٥ ، روح المعاني ٦ / ٢٤٤ ـ ٢٤٥.
(١) سيأتي تفصيله في محلّه من الجزء السابع من هذا الكتاب.
(٢) انظر الصفحة ٢٠٦ ه ٢ من هذا الجزء.
(٣) انظر : تفسير الفخر الرازي ١٢ / ٣٠ ، مجمع البيان ٣ / ٣٤٨.
(٤) انظر : شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢٦١ و ٢٨٥ ، حياة الحيوان الكبرى ـ للدميري ـ ١ / ٢٧٤ ، ينابيع المودّة ١ / ٢٨١ ح ٢ و ٢٨٤ ح ٧ ، مناقب آل أبي طالب ٣ / ١٦١ ، الطرائف : ١٦.
وجعل الزمخشري الفائدة فيه ترغيب الناس في مثل فعله ، لينبّه [ على ] أنّ سجيّة المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان(١) (٢) .
* * *
__________________
(١) الكشّاف ١ / ٦٢٤.
(٢) وللعلّامة السيّد عبد الحسين شرف الدين ١ بيان آخر لهذه المسألة ، فبعد أن أورد قولي الطبرسي والزمخشري ، قال ما نصّه : « قلت : عندي في ذلك نكتة ألطف وأدقّ ، هي : إنّه إنّما أتى بعبارة الجمع دون عبارة المفرد بقيا منه تعالى على كثير من الناس ، فإنّ شانئي عليّ وأعداء بني هاشم وسائر المنافقين وأهل الحسد والتنافس ، لا يطيقون أن يسمعوها بصيغة المفرد ؛ إذ لا يبقى لهم حينئذ مطمع في تمويه ، ولا ملتمس في التضليل ، فيكون منهم ـ بسبب يأسهم ـ حينئذ ما تخشى عواقبه على الإسلام ، فجاءت الآية بصيغة الجمع ـ مع كونها للمفرد ـ اتّقاء من معرّتهم ، ثمّ كانت النصوص بعدها تترى بعبارات مختلفة ، ومقامات متعدّدة ، وبثّ فيهم أمر الولاية تدريجا تدريجا حتّى أكمل الدين وأتمّ النعمة ، جريا منهصلىاللهعليهوآله على عادة الحكماء في تبليغ الناس ما يشقّ عليهم ، ولو كانت الآية بالعبارة المختصّة بالمفرد ، لجعلوا أصابعهم في آذانهم ، واستغشوا ثيابهم ، وأصرّوا واستكبروا استكبارا!
وهذه الحكمة مطّردة في كلّ ما جاء في القرآن الحكيم من آيات فضل أمير المؤمنين وأهل بيته الطاهرين كما لا يخفى ».
انظر : المراجعات : ٢٦٣ رقم ٥.
٢ ـ آية :( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ )
قال المصنّف ـ قدّس الله روحه ـ(١) :
الثانية : قوله تعالى :( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) (٢) .
نقل الجمهور أنّها نزلت في بيان فضل عليّعليهالسلام يوم الغدير ، فأخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بيد عليّعليهالسلام وقال : «أيّها الناس! ألست أولى منكم بأنفسكم ».
قالوا : بلى يا رسول الله.
قال : «من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحقّ معه كيفما دار »(٣) .
المولى يراد به : الأولى بالتصرّف ؛ لتقدّم « ألست أولى » ، ولعدم صلاحيّة غيره هاهنا.
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٧٢.
(٢) سورة المائدة : ٥ : ٦٧.
(٣) انظر : تفسير الحبري : ٢٦٢ ح ٢٤ وص ٢٨٥ ـ ٢٨٧ ح ٤١ ، تفسير الثعلبي ٤ / ٩٢ ، أسباب النزول ـ للواحدي ـ : ١١٢ ، شواهد التنزيل ١ / ١٨٧ ـ ١٩٢ ح ٢٤٣ ـ ٢٥٠ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٣٧ ، تفسير الفخر الرازي ١٢ / ٥٣ ، مطالب السؤول : ٧٩ ، فرائد السمطين ١ / ١٥٨ ح ١٢٠ ، الفصول المهمّة ـ لابن الصبّاغ المالكي ـ : ٤٢ ، الدرّ المنثور ٣ / ١١٧ ، ينابيع المودّة ١ / ٣٥٩.
وقال الفضل(١) :
أمّا ما ذكره من إجماع المفسّرين على أنّ الآية نزلت في عليّ ، فهو باطل ؛ فإنّ المفسّرين لم يجمعوا على هذا.
وأمّا ما روي من أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ذكره يوم غدير خمّ حين أخذ بيد عليّ وقال : «ألست أولى » ، فقد ثبت هذا في الصحاح(٢) .
وقد ذكرنا سرّ هذا في ترجمة كتاب « كشف الغمّة في معرفة الأئمّة »(٣)
ومجمله : إنّ واقعة غدير خمّ كانت في مرجع رسول الله عام حجّة الوداع ، وغدير خمّ : محلّ افتراق قبائل العرب ، وكان رسول الله يعلم أنّه آخر عمره ، وأنّه لا يجتمع العرب بعد هذا عنده مثل هذا الاجتماع ، فأراد أن يوصي العرب بحفظ محبّة أهل بيته وقبيلته
ولا شكّ أنّ عليّا كان بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله سيّد بني هاشم وأكبر أهل البيت ، فذكر فضائله ، وساواه بنفسه في وجوب الولاية والنصرة والمحبّة معه ، ليتّخذه العرب سيّدا ويعرفوا فضله وكماله.
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٤٨٢.
(٢) انظر : سنن ابن ماجة ١ / ٤٣ ح ١١٦ ، سنن الترمذي ٥ / ٥٩١ ح ٣٧١٣ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٣٤ ح ٨٤٧٨ ، مسند أحمد ١ / ١١٩ وج ٤ / ٣٧٢ وج ٥ / ٣٤٧ ، المعجم الكبير ٥ / ١٩٤ ـ ١٩٥ ح ٥٠٦٦ و ٥٠٦٨ ـ ٥٠٧١ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٤٢ ح ٦٨٩٢ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١١٨ ح ٤٥٧٦.
(٣) راجع ج ٢ / ٢٠ ـ ٢١ من هذا الكتاب.
ولينصف المنصف من نفسه ، لو كان يوم غدير خمّ صرّح رسول اللهصلىاللهعليهوآله بخلافة عليّ نصّا جليّا لا يحتمل خلاف المقصود ، ألا ترى العرب مع جلافتهم وكفرهم بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وجعلهم الأنبياء فيهم مثل مسيلمة الكذّاب(١) ، وسجاح(٢) ، وطليحة(٣) ، كانوا يسكتون على خلافة أبي بكر ، وكانوا لا يتكلّمون بنباس(٤) في أمر خلافة عليّ ، مع أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله نصّ على المنبر بمحضر جميع قبائل العرب؟!
إن أنصف المتأمّل العاقل ، علم أن لا نصّ هناك!
* * *
__________________
(١) هو : مسيلمة بن حبيب من بني تميم ، متنبّئ ، وقد وضع عن قومه الصلاة ، وأحلّ لهم الخمر والزنا ، وجعل يسجع لهم السجعات مضاهاة للقرآن ، كان من المعمّرين ، ولد باليمامة قبل ولادة والد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، تلقّب بالجاهلية بالرحمن ، وعرف برحمن اليمامة ، قالوا في وصفه : كان رويجلا ، أصيغر ، أخينس ، كان اسمه مسلمة ، وسمّاه المسلمون مسيلمة تصغيرا له ، قتل في غزوة اليمامة عام ١٢ ه وكان عمره آنذاك ١٥٠ سنة.
انظر : تاريخ الطبري ٢ / ١٩٩ ـ ٢٠٠ ، تاريخ الخلفاء ـ للسيوطي ـ : ٨٩ ، شذرات الذهب ١ / ٢٣.
(٢) تقدّمت ترجمتها في ج ١ / ١٤٢ ه ١ من هذا الكتاب.
(٣) هو : طليحة بن خويلد بن نوفل بن نضلة بن الأشتر الأسدي ، كان ممّن شهد الخندق مع الأحزاب ، وأسلم سنة ٩ ه ، ثمّ ارتدّ وأدّعى النبوّة في عهد أبي بكر ، ثمّ كانت له وقائع كثيرة مع المسلمين ، ثمّ خذله الله وهرب حتّى لحق بأعمال دمشق ، ونزل على آل جفنّة ، ثمّ أسلم وقدم مكّة معتمرا ، ثمّ خرج إلى الشام مجاهدا ، وشهد اليرموك ، وشهد بعض حروب الفرس ، وقتل بنهاوند سنة ٢١ ه.
انظر : الاستيعاب ٢ / ٧٧٣ رقم ٧٧٣ ، أسد الغابة ٢ / ٤٧٧ رقم ٢٦٣٩ ، تاريخ دمشق ٢٥ / ١٤٩ ـ ١٧٢ رقم ٢٩٩٢.
(٤) النّبس : هو أقلّ الكلام ، وما نبس : أي ما تحرّكت شفتاه بشيء ، وما نبس بكلمة : أي ما تكلّم ؛ انظر : لسان العرب ١٤ / ٢٠ مادّة « نبس ».
وأقول :
لم يذكر المصنّفرحمهالله المفسّرين في كلامه هنا ، فضلا عن أنّه ادّعى إجماعهم ، وإنّما نقل رواية الجمهور لنزول الآية في فضل عليّعليهالسلام ، وهو حقّ ، فإنّه قد رواه الكثير منهم.
فقد نقل السيوطي في « الدرّ المنثور » بتفسير الآية ، عن ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر بأسانيدهم ، عن أبي سعيد ، قال : « نزلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم غدير خمّ في عليّ »(١)
ونقل أيضا عن ابن مردويه ، بإسناده عن ابن مسعود ، قال : « كنّا نقرأ على عهد رسول الله :( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) (٢) أنّ عليّا مولى المؤمنين( وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (٣) (٤) .
وروى الواحدي في « أسباب النزول » ، عن أبي سعيد ، قال : « نزلت يوم غدير خمّ في عليّ »(٥) .
ونقل المصنّفرحمهالله نحو هذا في « منهاج الكرامة » ، عن أبي نعيم ، عن عطيّة(٦) .
__________________
(١) الدرّ المنثور ٣ / ١١٧ ، وانظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٣٧.
(٢) سورة المائدة ٥ : ٦٧.
(٣) سورة المائدة ٥ : ٦٧.
(٤) الدرّ المنثور ٣ / ١١٧.
(٥) أسباب النزول : ١١٢.
(٦) منهاج الكرامة : ١١٧ ، وانظر : ما نزل من القرآن في عليّ : ٨٦.
ونقل أيضا نحو ما ذكره هنا عن الثعلبي(١) .
وقال الرازي في أحد وجوه نزولها : « ولمّا نزلت أخذ بيده وقال :من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه .
فلقيه عمر فقال : هنيئا لك يا بن أبي طالب! أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة.
وهو قول ابن عبّاس ، والبراء بن عازب ، ومحمّد بن علي ».
ثمّ قال : « وأعلم أنّ هذه الروايات وإن كثرت ، إلّا أنّ الأولى حمله على أنه آمنه من مكر اليهود والنصارى ، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم ؛ وذلك لأنّ ما قبل هذه الآية [ بكثير ] وما بعدها بكثير ، لمّا كان كلاما مع اليهود والنصارى ، امتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين على وجه تكون أجنبيّة عمّا قبلها وما بعدها »(٢) .
وفيه : مع أنّه هذا اجتهاد في مقابلة النصّ ، وهو غير مقبول : إنّ سورة المائدة آخر سورة نزلت من القرآن ، كما رواه الحاكم في « المستدرك »(٣) ، ورواه غيره أيضا(٤) ، وكان نزولها بحجّة الوداع.
ومن المعلوم أنّه حينئذ لم تكن لليهود والنصارى شوكة يخشى منها النبيّصلىاللهعليهوآله أن يبلّغ ما أنزل إليه ، فالمناسب أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله خاف منافقي قومه.
__________________
(١) منهاج الكرامة : ١١٧ ، وانظر : تفسير الثعلبي ٤ / ٩٢.
(٢) تفسير الفخر الرازي ١٢ / ٥٣.
(٣) المستدرك على الصحيحين ٢ / ٣٤٠ ح ٣٢١٠ و ٣٢١١.
(٤) سنن الترمذي ٥ / ٢٤٣ ح ٣٠٦٣ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٦ / ٣٣٣ ح ١١١٣٨ ، مسند أحمد ٦ / ١٨٨ ، تفسير النسائي ١ / ٤٢٧ ح ١٥٨ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٧ / ١٧٢ ، تفسير القرطبي ٦ / ٢٢ ـ ٢٣ ، الدرّ المنثور ٣ / ٣.
ومن الواضح أنّه لا يخشاهم من تبليغ شيء جاء به إلّا نصب عليّعليهالسلام إماما ، عداوة وحسدا له.
وقد ورد عندنا أنّ جبرئيلعليهالسلام نزل على النبيّصلىاللهعليهوآله في حجّة الوداع بأن ينصب عليّا خليفة له ، فضاق رسول اللهصلىاللهعليهوآله به ذرعا مخافة تكذيب أهل الإفك ، وقال لجبرئيل :إنّ قومي لم يقرّوا لي بالنبوّة إلّا بعد أن جاهدت ، فكيف يقرّون لعليّ بالإمامة في كلمة واحدة؟! وعزم على نصبه بالمدينة .
فلمّا وصل إلى غدير خمّ نزل عليه قوله تعالى :( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (١) الآية(٢) .
ولمّا سار بعد نصبه ووصل العقبة دحرجوا له الدّباب(٣) لينفّروا ناقته ويقتلوه فينقضوا فعله ، فعصمه الله سبحانه منهم(٤) .
ثمّ أراد أن يؤكّد عليه النصّ في كتاب لا يضلّون بعده ، فنسبوه إلى الهجر!(٥) ؛ وأراد تسييرهم بجيش أسامة ، فعصوه!(٦) .
__________________
(١) سورة المائدة ٥ : ٦٧.
(٢) انظر : أصول الكافي ١ / ٣٢٠ ـ ٣٢٢ ح ٧٥٥ و ٧٥٧ ، الاحتجاج ١ / ١٣٧ ـ ١٣٨.
(٣) الدّبّة : ظرف يجعل فيه الزيت والبزر والدّهن ، والجمع : دباب ؛ انظر مادّة « دبب » في : لسان العرب ٤ / ٢٧٨ ، تاج العروس ١ / ٤٧٩.
(٤) انظر : مسند أحمد ٥ / ٤٥٣ ، الكشّاف ٢ / ٢٠٣ ، الخصال ٢ / ٤٩٩ ح ٦ ، الاحتجاج ١ / ١٢٧ ـ ١٣٢.
(٥) مرّ تخريج ذلك مفصّلا في الصفحة ٩٣ ه ٢ من هذا الجزء ؛ فراجع!
(٦) انظر : صحيح البخاري ٥ / ٩٦ ح ٢٢٣ وص ٢٩٠ ح ٢٦٢ وج ٦ / ٤٠ ح ٤٥٠ و ٤٥١ وج ٨ / ٢٣٠ ح ٦ وج ٩ / ١٣٢ ح ٤٧ ، صحيح مسلم ٧ / ١٣١ ، سنن _
وأمّا توسّط هذه الآية بين الآيات المتعلّقة باليهود والنصارى ، فللإشارة إلى أنّ المنافقين بمنزلتهم ، ومن سنخهم في الضلال والكفر ؛ ولذا حكم بارتدادهم في أخبار الحوض(١) .
ولو كان المقصود هو : العصمة عن اليهود والنصارى ، لكان الأولى هو الإضمار لا التعبير عنهم بالناس.
ثمّ إنّه لا بدّ من تحقيق حديث الغدير(٢) في الجملة سندا ودلالة ،
__________________
الترمذي ٥ / ٦٣٥ ح ٣٨١٦ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٥٣ ح ٨١٨٥ و ٨١٨٦ ، مسند أحمد ٢ / ٢٠ و ١٠٦ و ١١٠ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ١٠٥٢ ح ١٥٢٥ وص ١٠٥٤ ح ١٥٢٩ ، مسند أبي يعلى ٩ / ٣٥٢ ح ٥٤٦٢ وص ٣٩٠ ح ٥٥١٨ ، مصنّف عبد الرزّاق ١١ / ٢٣٤ ح ٢٠٤١٣ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٣٢ ح ٣ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٢ / ١٤٦ ، المغازي ـ للواقدي ـ ٣ / ١١١٩ ، السيرة النبوية ـ لابن هشام ـ ٦ / ٦٥ ، تاريخ الطبري ٢ / ٢٢٤ ـ ٢٢٥ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٩٤ ح ٧٠٠٤ ، الملل والنحل ـ للشهرستاني ـ ١ / ١٢ ، تاريخ دمشق ٨ / ٥٨ ـ ٦٢.
(١) تقدّم تخريج ذلك مفصّلا في ج ٢ / ٢٧ ـ ٢٨ ه ١ ، وانظر : الصفحة ٢١٢ ـ ٢١٣ ه ١ من هذا الجزء.
(٢) روى حديث الغدير أغلب أعلام وحفّاظ ومحدّثي الجمهور ، في صحاحهم وسننهم ومسانيدهم ، وقد مرّ تخريج الحديث مفصّلا في ج ١ / ١٩ ـ ٢١ ه ١ ، ونورد في ما يلي مجموعة أخرى من أمّهات مصادرهم من التي روت الحديث زيادة عمّا مرّ : السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٣٠ ح ٨٤٦٤ وص ١٣١ ـ ١٣٢ ح ٨٤٦٨ ـ ٨٤٧٣ وص ١٣٤ ـ ١٣٥ ح ٨٤٧٨ ـ ٨٤٨١ وص ١٣٦ ح ٨٤٨٣ و ٨٤٨٤ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٨٤٩ ح ١١٦٧ وص ٨٧٨ ح ١٢٠٦ ، التاريخ الكبير ـ للبخاري ـ ١ / ٣٧٥ رقم ١١٩١ ، مصنّف عبد الرزّاق ١١ / ٢٢٥ ح ٢٠٣٨٨ ، مسند أبي يعلى ١ / ٤٢٨ ـ ٤٢٩ ح ٥٦٧ وج ١١ / ٣٠٧ ح ٦٤٢٣ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٤٢ ح ٦٨٩٢ ، مسند الإمام زيد : ٤٥٧ ، الإمامة والسياسة ١ / ١٢٩ ، _
فهنا مطلبان :
الأوّل : في صحّته :
وهي لا ريب فيها لأحد إلّا لبعض النصّاب كما ستعرف.
قال ابن حجر : « إنّه حديث صحيح لا مرية فيه ، وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد ، وطرقه كثيرة جدّا ، ومن ثمّ رواه ستّة عشر صحابيا
__________________
تأويل مختلف الحديث : ١٧ و ٤٩ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٥٩٠ ـ ٥٩٣ ح ١٣٥٤ ـ ١٣٧٦ ، زوائد عبد الله بن أحمد بن حنبل : ٤١٣ ـ ٤١٩ ح ١٩٧ ـ ٢٠١ ، فضائل الصحابة ـ للنسائي ـ : ١٥ ح ٤٥ ، مسند الروياني ١ / ٣٦ ح ٦٢ ، الكنى والأسماء ـ للدولابي ـ ٢ / ٦١ و ٨٨ ، الذرّية الطاهرة : ١٦٨ ح ٢٢٨ ، نوادر الأصول ـ للحكيم الترمذي ـ ٢ / ١٥٥ ـ ١٥٦ ، مشكل الآثار ٢ / ٢١١ ـ ٢١٢ ح ١٩٠٠ ـ ١٩٠٢ ، العقد الفريد ٣ / ٣١٢ ، الغيلانيات ١ / ١٥٧ ـ ١٥٨ ح ١١٨ وص ١٦٨ ح ١٢٦ ، الكامل ـ لابن عديّ ـ ٣ / ٨٠ رقم ٦٢٣ وص ٢٥٦ رقم ٧٣٥ وج ٤ / ١٢ رقم ٨٨٨ وج ٥ / ٣٣ رقم ١٢٠٤ وص ١٢٢ رقم ١٢٨٦ وج ٦ / ٨٢ رقم ١٦١٥ وص ٢١٦ رقم ١٦٨٦ وص ٣٨١ رقم ١٨٦٥ وص ٤١٣ رقم ١٨٩٥ ، العلل ـ للدارقطني ـ ٣ / ٢٢٤ رقم ٣٧٥ وج ٤ / ٩١ رقم ٤٤٦ ، تمهيد الأوائل : ٥٤٥ ، المغني ـ للقاضي عبد الجبّار ـ ٢٠ ق ١ / ١٤٤ ـ ١٤٥ ، شرح الأصول الخمسة : ٧٦٦ ، معرفة الصحابة ـ لأبي نعيم ـ ٣ / ١١٧٠ ح ٢٩٦٦ وج ٥ / ٢٨٨٥ ح ٦٧٧٩ وج ٦ / ٣١٥٥ ح ٧٢٦٣ ، تثبيت الإمامة : ٥٤ ح ٥ ، حلية الأولياء ٤ / ٢٣ و ٥ / ٣٦٤ ، الاستيعاب ٣ / ١٠٩٩ ، المتّفق والمفترق ـ للخطيب البغدادي ـ ٣ / ١٧٣٩ ح ١٢٧٧ ، موضح أوهام الجمع والتفريق ١ / ١٨٥ ، الفصل للوصل ١ / ٥٥٥ ـ ٥٥٦ ح ٥٨ ، أسباب النزول ـ للواحدي ـ : ١١٢ ، شواهد التنزيل ١ / ١٨٧ ـ ١٩٣ ح ٢٤٣ ـ ٢٥٠ ، زين الفتى ١ / ٤٩٣ ـ ٤٩٥ ح ٢٩٣ ـ ٢٩٥ ، سرّ العالمين : ٤٥٣ ، ربيع الأبرار ١ / ٨٤ ـ ٨٥ ، نهاية الإقدام في علم الكلام : ٤٩٣ ـ ٤٩٤ ، الملل والنحل ـ للشهرستاني ـ ١ / ١٦١ ـ ١٦٢ ، كنز العمّال ١١ / ٦٠٨ ـ ٦١٠ ح ٣٢٩٤٥ ـ ٣٢٩٥١ وج ١٣ / ١٣١ ح ٣٦٤١٧ و ٣٦٤١٨.
وفي رواية لأحمد أنّه سمعه من النبيّصلىاللهعليهوآله ثلاثون صحابيا ، وشهدوا به لعليّ لمّا نوزع أيّام خلافته ، كما مرّ وسيأتي »(١) .
أقول :
وهذا صريح في دلالة الحديث على الخلافة ، ثمّ في « الصواعق » :
« وكثير من أسانيده صحاح وحسان ، ولا التفات لمن قدح في صحّته ، ولا لمن ردّه بأنّ عليّا كان باليمن ؛ لثبوت رجوعه منها وإدراكه الحجّ مع النبيّصلىاللهعليهوآله
وقول بعضهم : إنّ زيادة : (اللهمّ وال من والاه ) إلى آخره موضوعة ، مردود ، فقد ورد ذلك من طرق ، صحّح الذهبيّ كثيرا منها »(٢) .
والدعاء الذي أشار إليه هنا قد ذكره قبل هذا الكلام بلفظ :اللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأحبّ من أحبّه ، وأبغض من أبغضه ، وأنصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحقّ معه حيث دار (٣) .
بل الحقّ أنّ هذا الحديث من المتواترات حتّى عند القوم ، فقد نقل السيّد السعيدرحمهالله عن الجزري الشافعي ، أنّه أثبت في رسالته « أسنى المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب » تواتره من طرق كثيرة ، ونسب منكره إلى الجهل والعصبيّة(٤) .
__________________
(١) الصواعق المحرقة ٦٤ الشبهة الحادية عشرة ، وانظر : مسند أحمد ٤ / ٣٧٠.
(٢) الصواعق المحرقة : ٦٤ الشبهة الحادية عشرة ، وقد جمع الذهبي طرقه في مصنّف كما في تذكرة الحفّاظ ٣ / ١٠٤٣.
(٣) الصواعق المحرقة : ٦٤ ، الشبهة الحادية عشرة.
(٤) إحقاق الحقّ ٢ / ٤٨٧ ، وانظر : أسنى المطالب : ٣ ـ ٤.
واعترف الحافظ السيوطي ـ كما نقل عنه ـ بتواتره(١)
وكيف لا يكون متواترا ، وقد زادت طرقه على مائة عندهم ، ورواه سبعون صحابيا أو أكثر؟!
نقل جماعة عن الطبري ، صاحب التاريخ المشهور ، أنّه أخرج هذا الحديث من خمسة وسبعين طريقا ، وأفرد له كتابا سمّاه « الولاية »(٢) .
ونقلوا عن ابن عقدة أنّه أخرجه من مائة وخمسة طرق ، وأفرد له كتابا سمّاه « الموالاة »(٣) .
وأشار إلى الكتابين ابن حجر العسقلاني في « تهذيب التهذيب » بترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام ، قال : « صحّ حديث الموالاة ، واعتنى بجمع طرقه أبو العبّاس ابن عقدة فأخرجه من حديث سبعين صحابيا أو أكثر ، وقد جمعه ابن جرير الطبري في مؤلّف »(٤) .
__________________
(١) نقله عنه المناوي في فيض القدير ٦ / ٢٨٢ ح ٩٠٠٠.
(٢) انظر : معجم الأدباء ٥ / ٢٦٦ و ٢٦٩ ، سير أعلام النبلاء ١٤ / ٢٧٤ و ٢٧٧ ، البداية والنهاية ١١ / ١٢٥ ، تهذيب التهذيب ٥ / ٧٠١ رقم ٤٨٩٨.
وانظر : العمدة ـ لابن بطريق ـ : ١٥٧ ح ١٦٧ ، مناقب آل أبي طالب ٣ / ٣٤ ، أهل البيت عليهالسلام في المكتبة العربية : ٦٦١ ـ ٦٦٤ رق ٨٥٢.
(٣) انظر : جواهر العقدين : ٢٣٧ ، فيض القدير ٦ / ٢٨٢ ح ٩٠٠٠ ، كفاية الطالب : ٦٠ ، العمدة ـ لابن بطريق ـ : ١٥٧ ح ١٦٧ ، مناقب آل أبي طالب ٣ / ٣٤ ، إقبال الأعمال ٢ / ٢٣٩ ـ ٢٤٠ وقال فيه : « وجدت هذا الكتاب بنسخة قد كتبت في زمان أبي العبّاس ابن عقدة مصنّفه ، تاريخها سنة ثلاثين وثلاثمائة ، صحيح النقل ، عليه خطّ الطوسي وجماعة من شيوخ الإسلام ، لا يخفى صحّة ما تضمّنه على أهل الأفهام ، وقد روى فيه نصّ النبيّ صلوات الله عليه على مولانا عليّ ٧ بالولاية من مائة وخمس طرق ».
(٤) تهذيب التهذيب ٥ / ٧٠١ رقم ٤٨٩٨.
وقال ابن حجر في « الإصابة » بترجمة أبي قدامة الأنصاري : « ذكره أبو العبّاس ابن عقدة في كتاب ( الموالاة ) ، الذي جمع فيه طرق حديث :من كنت مولاه فعليّ مولاه ، فأخرج فيه من طريق محمّد بن كثير ، عن فطر ، عن أبي الطفيل ، قال : كنّا عند عليّعليهالسلام فقال :أنشدكم الله من شهد يوم غدير خمّ ؟ فقام سبعة عشر رجلا ، منهم أبو قدامة الأنصاري ، فشهدوا أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال ذلك »(١) (٢)
ولنذكر بعض ما عثرنا عليه من أخبار القوم الذي ينفعنا في الدلالة على المطلوب ؛ لاشتماله على قرائن وخصوصيات لا تناسب غير الاهتمام بالإمامة ، وإن لم يرووا من الحقيقة إلّا أقلّها!
فمن ذلك البعض الذي أردناه ما رواه الحاكم في « المستدرك »(٣) ، عن زيد بن أرقم ، وقال : « صحيح على شرط الشيخين » ولم يتعقّبه الذهبي
__________________
(١) الإصابة ٧ / ٣٣٠ رقم ١٠٤١٠.
(٢) نقول : ومضافا إلى ما ذكره الشيخ المظفّر ١ في المتن ، فقد صحّحه الترمذي في « السنن » ، والطحاوي في « مشكل الآثار » ، والمحاملي في « الأمالي » كما في كنز العمّال ١٣ / ١٤٠ ح ٣٦٤٤١ ، والحاكم في « المستدرك على الصحيحين » كما سيأتي بعد قليل ، والعاصمي في « زين الفتى » وقال : « وهذا حديث تلقّته الأمّة بالقبول ، وهو موافق بالأصول » ، وابن عبد البرّ في « الاستيعاب » وقال بعد ذكر أحاديث المؤاخاة والراية والغدير : « هذه كلّها آثار ثابتة » ، وأبن المغازلي في « مناقب الإمام عليّ ٧ » وقال : « هذا حديث صحيح عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وقد رواه نحو مئة نفس ، منهم العشرة المبشّرة ، وهو حديث ثابت لا أعرف له علّة » ، وابن الجوزي في « تذكرة الخواصّ » ، والذهبي في « تلخيص المستدرك » ، والهيثمي في « مجمع الزوائد » ، وغيرهم.
راجع ما تقدّم في الصفحة ٣٢١ وما بعدها.
(٣) ص ١٠٩ من الجزء الثالث [ ٣ / ١١٨ ح ٤٥٧٦ ]. منهقدسسره .
في تلخيصه
« قال زيد : لمّا رجع رسول اللهصلىاللهعليهوآله من حجّة الوداع ونزل غدير خمّ أمر بدوحات فقممن فقال :كأنّي قد دعيت فأجبت ، إنّي قد تركت فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله ، وعترتي ؛ فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض .
ثمّ قال :إنّ الله عزّ وجلّ مولاي ، وأنا مولى كلّ مؤمن ، ثمّ أخذ بيد عليّ ، فقال :من كنت مولاه فهذا وليّه ، اللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ».
ومثله في « كنز العمّال »(١) نقلا عن ابن جرير في « تهذيب الآثار » ، بسنده عن أبي الطفيل ، وفي آخره : « فقلت لزيد أنت سمعته من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟!
فقال : ما كان في الدوحات أحد إلّا قد رآه بعينيه وسمعه بأذنيه ».
ثمّ قال في ( الكنز ) أيضا : ابن جرير ، عن عطيّة العوفي ، عن أبي سعيد الخدري ، مثل ذلك(٢) .
ومن ذلك البعض أيضا ما رواه الحاكم بعد الحديث المذكور ، عن زيد بن أرقم ، وصحّحه على شرط الشيخين : « قال زيد : نزل رسول اللهصلىاللهعليهوآله بين مكّة والمدينة عند شجرات خمس دوحات عظام ، فكنس الناس ما تحت الشجرات ، ثمّ راح رسول الله عشيّة فصلّى ، ثمّ قام خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه ، وذكّر ووعظ فقال ما شاء الله أن يقول
__________________
(١) ص ٣٩٠ من الجزء السادس [ ١٣ / ١٠٤ ح ٣٦٣٤٠ ]. منهقدسسره .
(٢) كنز العمّال ١٣ / ١٠٤ ح ٣٦٣٤١.
ثمّ قال :أيّها الناس! إنّي تارك فيكم أمرين لن تضلّوا إن اتّبعتموهما ، وهما : كتاب الله ، وأهل بيتي عترتي .
ثمّ قال :أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ـ ثلاث مرّات ـ؟!
قالوا : نعم.
فقال رسول الله :من كنت مولاه فعليّ مولاه »(١)
ومنه أيضا : ما رواه أحمد في مسنده ، عن البراء بن عازب(٢) ، من طريقين رجالهما رجال صحيح مسلم ، وأكثرهم أيضا من رجال صحيح البخاري
قال : « كنّا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله في سفر فنزلنا بغدير خمّ ، فنودي فينا : الصلاة جامعة ، وكسح لرسول الله تحت شجرتين فصلّى الظهر ، وأخذ بيد عليّ ، فقال :ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟!
قالوا : بلى.
قال :ألستم تعلمون أنّي أولى بكلّ مؤمن من نفسه ؟!
قالوا : بلى.
قال : فأخذ بيد عليّ فقال :من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه .
قال : فلقيه عمر بعد ذلك ، فقال له : هنيئا يا بن أبي طالب! أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة ».
__________________
(١) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١١٨ ح ٤٥٧٧.
(٢) ص ٢٨١ من الجزء الرابع. منهقدسسره .
ومنه أيضا : ما رواه أحمد(١) ، عن زيد بن أرقم ، قال : « نزلنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله بواد يقال له : وادي خمّ ، فأمر بالصلاة فصلّاها بهجير.
قال : فخطبنا وظلّل لرسول الله بثوب على شجرة سمرة ، من الشمس
فقال :ألستم تعلمون ـ أو : ألستم تشهدون ـ أنّي أولى بكلّ مؤمن ومؤمنة من نفسه؟ !
قالوا : بلى.
قال :فمن كنت مولاه فإنّ عليّا مولاه ، اللهمّ عاد من عاداه ، ووال من والاه »
وروى نحوه بعده بقليل(٢) .
ومنه أيضا : ما رواه أحمد أيضا(٣) ، عن حسين بن محمّد وأبي نعيم ، قالا : حدّثنا فطر ، عن أبي الطفيل ، قال : جمع عليّ الناس في الرحبة ، ثمّ قال لهم :
أنشد الله كلّ امرئ مسلم سمع رسول الله يقول يوم غدير خمّ ما سمع لمّا قام ؛ فقام ثلاثون من الناس.
وقال أبو نعيم : فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذه بيده فقال للناس :
أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟!
قالوا : نعم يا رسول الله.
قال :من كنت مولاه فهذا مولاه ، اللهمّ وال من والاه ، وعاد من
__________________
(١) ص ٣٧٢ من الجزء المذكور. منهقدسسره .
(٢) مسند أحمد ٤ / ٣٧٢ ـ ٣٧٣.
(٣) ص ٣٧٠ من الجزء السابق. منهقدسسره .
عاداه .
قال : فخرجت وكأنّ في نفسي شيئا ، فلقيت زيد بن أرقم ، فقلت له : إنّي سمعت عليّا يقول كذا وكذا.
قال : فما تنكر؟! قد سمعت رسول الله يقول ذلك له »
وروى أحمد في مسند عليّعليهالسلام حديث المناشدة من عدّة طرق ،
اثنان منها(١) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال في أحدهما : « فقام اثنا عشر بدريّا ».
وفي الآخر : « فقام اثنا عشر رجلا فقام إلّا ثلاثة لم يقوموا
فأصابتهم دعوته »(٢)
ونقل في « كنز العمّال » نحو الأخير(٣) ، عن الخطيب في الأفراد ، عن عبد الرحمن ، قال فيه : « فقام بضعة عشر رجلا فشهدوا ، وكتم قوم ، فما فنوا من الدنيا إلّا عموا وبرصوا »
ونقل أيضا في ( الكنز ) حديث المناشدة(٤) ، عن ابن أبي عاصم ،
__________________
(١) ص ١١٩ من الجزء الأوّل. منهقدسسره .
(٢) والثلاثة الّذين امتنعوا عن الشهادة ، ودعا عليهم أمير المؤمنين الإمام عليّعليهالسلام هم : أنس بن مالك ، والبراء بن عازب ، وجرير بن عبد الله ؛ فأصاب البرص أنسا ، وعمي البراء ، ورجع جرير أعرابيا بعد هجرته فأتى السراة فمات في بيت أمة ـ ونقل : أمّه ـ هناك.
انظر : جمهرة النسب ٢ / ٣٩٥ ، المعارف ـ لابن قتيبة ـ : ٣٢٠ ، أنساب الأشراف ٢ / ٣٨٦ ، حلية الأولياء ٥ / ٢٦ ـ ٢٧ ، مناقب الإمام عليّ عليهالسلام ـ لابن المغازلي _ : ٧٤ ح ٣٣ ، شرح نهج البلاغة ٤ / ٧٤ وج ١٩ / ٢١٧ ـ ٢١٨.
(٣) ص ٣٩٧ من الجزء السادس [ ١٣ / ١٣١ ح ٣٦٤١٧ ]. منهقدسسره .
وانظر : المتّفق والمفترق ـ للخطيب البغدادي ـ ٣ / ١٧٣٩ ح ١٢٧٧.
(٤) ص ٤٠٧ من الجزء المذكور [ ١٣ / ١٧٠ ح ٣٦٥١٥ ]. منهقدسسره .
وابن جرير ، والخطيب ، وسعيد بن منصور ، وأبي يعلى ، وغيرهم.
ونقله أيضا قبل ذلك(١) ، عن الطبراني ، عن عمير [ ة ](٢) بن سعد بروايتين.
وعن البزّار ، وأبن جرير ، والخلعي [ في « الخلعيات » ] ، عن عمرو ذي مرّ(٣) ، وسعيد بن وهب ، وزيد بن يثيع(٤) ، قالوا :
« سمعنا عليّا يقول :نشدت الله رجلا سمع رسول الله يقول يوم غدير خمّ ما قال لمّا قام ؟
فقام ثلاثة عشر رجلا فشهدوا أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال :ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟!
قالوا : بلى يا رسول الله.
فأخذ بيد عليّ ، فقال :من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللهمّ وال من
__________________
وانظر : السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٥٩٣ ح ١٣٧٢ ـ ١٣٧٤ ، مسند أبي يعلى ١ / ٤٢٨ ح ٥٦٧ ، تاريخ بغداد ١٤ / ٢٣٦ رقم ٧٥٤٥.
(١) ص ٤٠٣ [ ١٣ / ١٥٤ ح ٣٦٤٨٠ وص ١٥٧ ح ٣٦٤٨٦ ]. منهقدسسره .
وانظر : المعجم الأوسط ٢ / ٣٨٦ ح ٢١٣١ وج ٣ / ٣٦ ح ٢٢٧٥ ، المعجم الصغير ١ / ٦٤.
(٢) كان في الأصل والمصدر : « عمير » ، وهو تصحيف ؛ وما أثبتناه هو الصواب من المعجمين الأوسط والصغير وتهذيب الكمال ١٤ / ٤٢٤ رقم ٥١١١.
(٣) كان في الأصل : « عمر ذي مرّة » ، وهو تصحيف ، وما أثبتناه هو الصحيح ، انظر : تهذيب الكمال ١٤ / ٣٧١ رقم ٥٠٦٢ ، ميزان الاعتدال ٥ / ٣٥٤ رقم ٦٤٨٧ ، تهذيب التهذيب ٦ / ٢٢٨ رقم ٥٣٢٧.
(٤) كان في الأصل : « سبع » ، وهو تصحيف ، وما أثبتناه هو الصحيح ؛ انظر : تهذيب الكمال ٦ / ٤٩٠ رقم ٢١١٤ ، ميزان الاعتدال ٣ / ١٥٨ رقم ٣٠٣٥ ، تهذيب التهذيب ٣ / ٢٣٩ رقم ٢٢٣٤.
والاه ، وعاد من عاداه ، وأحبّ من أحبّه ، وأبغض من أبغضه ، وأنصر من نصره ، وأخذل من خذله »(١)
ثمّ قال في ( الكنز ) : « قال الهيثمي(٢) : رجال سنده ثقات ، قال ابن حجر : ولكنّهم شيعة! »(٣) .
أقول :
هل مع توثيقهم ، وشهرة حديث المناشدة تلك الشهرة ، وثبوت صحته وصحّة أصل حديث الغدير ، محلّ لتهمة الرواة لتشيّعهم ، لو صح كونهم شيعة؟!
ولكنّ ابن حجر وأشباهه أبوا أن يسمعوا فضيلة لإمام المتّقين إلّا أن يقولوا فيها شيئا ؛ ليكونوا محلّا
لدعاء النبيّصلىاللهعليهوآله بقوله : « وأخذل من خذله »
ومنه : ما رواه النسائي في « الخصائص » ، بسنده عن سعد ، قال : « كنّا مع رسول الله بطريق مكّة [ وهو متوجّه إليها ] ، فلمّا بلغ غدير خمّ وقّف الناسّ ، ثمّ ردّ من سبقه(٤) ، ولحقه من تخلّف ، فلمّا اجتمع الناس إليه قال : [أيّها الناس! ] من وليّكم ؟!
قالوا : الله ورسوله ـ ثلاثا ـ.
[ ثمّ أخذ بيد عليّ ] ثمّ قال :من كان الله ورسوله وليّه فهذا
__________________
(١) كنز العمّال ١٣ / ١٥٨ ح ٣٦٤٨٧ ؛ وانظر : مسند البزّار ٣ / ٣٤ ـ ٣٥ ح ٧٨٦.
(٢) كان في الأصل : « البيهقي » ، وهو تصحيف ، وما أثبتناه هو الصحيح.
(٣) كنز العمّال ١٣ / ١٥٨ ذ ح ٣٦٤٨٧ ، وانظر : مجمع الزوائد ٩ / ١٠٤ ـ ١٠٥ وفيه : « رواه البزّار ، ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة ، وهو ثقة ».
(٤) في المصدر : « تبعه » بدل « سبقه ».
وليّه »(١) .
وأخرجه أيضا بطريق آخر عن سعد ، وقال في أوّله : «ألم تعلموا أنّي أولى بكم من أنفسكم ؟! »(٢)
ومنه : ما ذكره ابن حجر في « الصواعق » ، في المقام السابق ، قال : « ولفظه عند الطبراني وغيره بسند صحيح ، أنّهصلىاللهعليهوآله خطب بغدير خمّ تحت شجرات فقال :
أيّها الناس! إنّه قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لم يعمّر نبيّ إلّا نصف عمر النبيّ الذي يليه من قبله ، وإنّي لأظنّ أنّي يوشك أن أدعى فأجيب ، وإنّي مسؤول وإنّكم مسؤولون ، فماذا أنتم قائلون ؟!
قالوا : نشهد أنّك [ قد ] بلّغت وجهدت ونصحت ، فجزاك الله خيرا.
فقال :أليس تشهدون أن لا إله إلّا الله ، وأنّ محمّدا عبده ورسوله ، وأنّ جنّته حقّ ، وأنّ ناره حقّ ، وأنّ الموت حقّ ، وأنّ البعث حقّ بعد الموت ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها ، وأنّ الله يبعث من في القبور ؟!
قالوا : بلى نشهد بذلك.
قال :اللهمّ اشهد !
ثمّ قال :أيّها الناس! إنّ الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فهذا مولاه ـ يعني عليّا ـ ،
__________________
(١) خصائص الإمام عليّعليهالسلام : ٨٠ ح ٩١ ، وانظر : السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٣٥ ح ٨٤٨١.
(٢) خصائص الإمام عليّعليهالسلام : ٧٩ ح ٩٠ ، وانظر : السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٣٤ ـ ١٣٥ ح ٨٤٨٠.
اللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه.
ثمّ قال : أيّها الناس! إنّي فرطكم ، وأنتم واردون عليّ الحوض ، حوض أعرض ممّا بين بصرى إلى صنعاء ، فيه عدد النجوم قد حان من فضّة ، وإنّي سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟!
الثقل الأكبر : كتاب الله عزّ وجلّ ، سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم ، فاستمسكوا به لا تضلّوا ولا تبدّلوا.
وعترتي أهل بيتي ، فإنّه [ قد ] نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن يفترقا(١) حتّى يردا عليّ الحوض »(٢) .
ومنه : ما رواه صاحب « المواقف » وشارحها ، والقوشجي في « شرح التجريد » : « أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله أحضر القوم [ بعد رجوعه من حجّة الوداع بغدير خمّ [ وهو موضع بين مكّة والمدينة ، بالجحفة ] ، وأمر بجمع الرحال ، فصعد عليها وقال لهم :
ألست أولى بكم من أنفسكم؟!
قالوا : بلى.
قال :فمن كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله »(٣) .
ولنكتف بهذا القدر ، فإنّ فيه الكفاية لمن طلب الحقّ.
__________________
(١) في المصدر : « ينقضيا ».
(٢) الصواعق المحرقة : ٦٥ ـ ٦٦ ، وانظر : المعجم الكبير ـ للطبراني ـ ٣ / ١٨٠ ح ٣٠٥٢ ، مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ لابن المغازلي ـ : ٦٧ ـ ٦٩ ح ٢٣ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٢١٩.
(٣) المواقف : ٤٠٥ ، شرح المواقف ٨ / ٣٦٠ ، شرح التجريد : ٤٧٧.
المطلب الثاني : في دلالة الحديث على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام :
فنقول : ذكروا للمولى معاني عديدة ، منها : المعتق ، والمعتق ، والحليف ، والجار ، والابن ، والعمّ ، وابن العمّ ، والمحبّ ، والناصر ، والمالك للأمر الذي هو عبارة أخرى عن الأولى بالتصرّف(١) .
ولا شكّ أنّه لا يصحّ في المقام إلّا المعنى الأخير ؛ لأمرين :
الأوّل : عدم صلاحية إرادة تلك المعاني الباقية ، إمّا في أنفسها ، ك : المعتق ، والعمّ ، والابن ، ونحوها
أو لكونها من توضيح الواضحات ، الغنيّة عن الاهتمام ببيانها ، ك : المحبّ ، والناصر.
الثاني : وجود القرائن المعيّنة لإرادة المعنى الأخير ، فمنها :
سبق أمر الله سبحانه نبيّه بهذا التبليغ وقوله :( إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ) (٢) .
فإنّه لا يصحّ حمله على الأمر بتبليغ أنّ عليّا محبّ ، أو ناصر لمن أحبّه النبيّصلىاللهعليهوآله أو نصره.
فإنّ الذي يليق بهذا التهديد هو أن يكون المبلّغ به أمرا دينيا يلزم الأمّة الأخذ به ، كالإمامة ، لا مثل الحبّ والنصرة من عليّعليهالسلام لهم ، التي لا دخل لها بتكليفهم.
__________________
(١) انظر : لسان العرب ١٥ / ٤٠٢ و ٤٠٣ مادّة « ولي ».
(٢) سورة المائدة ٥ : ٦٧.
فهل ترى أنّ الله ورسوله يريدان تسجيل الأمر على عليّعليهالسلام والإشهاد عليه ، لئلّا يفعل ما ينافي الحبّ والنصرة ، أو يريدان توضيح الواضحات والإخبار بالبديهيّات؟!
على أنّ نصرة عليّعليهالسلام لكلّ مؤمن ومؤمنة موقوفة على إمامته وزعامته العامّة ، إذ لا تتمّ منه وهو رعيّة ومحكوم لغيره في جلّ أيّامه.
ولذا لم يقدر على نصر أخصّ الناس به ، وهو : سيّدة النساء ، مع علمه بأنّها محقّة في دعواها(١) .
فلا بدّ إمّا أن يكون كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقوله : «من كنت مولاه فعليّ مولاه » كذبا ، وحاشاه.
أو بيانا لإمامة عليّ ، وهو المطلوب.
ومنها : تقرير النبيّصلىاللهعليهوآله لهم بأنّه أولى بهم من أنفسهم ، فإنّه دالّ على أنّه مقدّمة لإثبات أمر عليهم يحتاج إلى مثل هذا التقرير
فإذا قال : «من كنت مولاه فعليّ مولاه » علم أنّ الغرض إثبات تلك المنزلة لعليّعليهالسلام عليهم ، وإيجاب إمامته عليهم ، لا الإخبار بأنّه محبّ لمن أحبّه ، أو ناصر لمن نصره.
ومنها : إنّهصلىاللهعليهوآله بيّن قرب موته ، كما في رواية الحاكم الأولى ورواية الصواعق(٢) وغيرهما(٣) ، وهو مقتض للعهد بالخلافة ومناسب له.
فلا بدّ من حمل قوله : «من كنت مولاه فعليّ مولاه » على العهد
__________________
(١) في مطالبتها بما تملّكتهعليهاالسلام من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، نحلة في حياته ، أو إرثا بعد وفاته.
(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١١٨ ح ٤٥٧٦ ، الصواعق المحرقة : ٦٥.
(٣) المعجم الكبير ٣ / ١٨٠ ح ٣٠٥٢ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٦٤ ـ ١٦٥.
لأمير المؤمنين بالخلافة ، لا على بيان الحبّ والنصرة ، ولا سيّما مع قوله في رواية الحاكم : «إنّي [ قد ] تركت » إلى آخره ، الدالّ على الحاجة إلى عترته وكفايتهم مع الكتاب في ما تحتاج إليه الأمّة.
وقوله في رواية « الصواعق » : «إنّي سائلكم عنهما » وقوله : «لن يفترقا » بعد أمره بالتمسّك بالكتاب ، فإنّ هذا يقتضي وجوب التمسّك بهم واتّباعهم ، فيسأل عنهم ، وذلك لا يناسب إلّا الإمامة.
ومنها : إنّهصلىاللهعليهوآله دعا لعليّ بما يناسب الدعاء لولاة العهد بعد نصبهم للزعامة العامة ، فقال :
«اللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحقّ معه حيث دار » أو نحو ذلك.
فكيف يصحّ حمل المولى على المحبّ أو الناصر؟!
ومنها : قرائن الحال الدالّة على أنّ ما أراد النبيّصلىاللهعليهوآله بيانه هو أهمّ الأمور وأعظمها ، كأمره بالصلاة جامعة في السفر بالمنزل الوعر بحرّ الحجاز وقت الظهيرة ، مع إقامة منبر من الأحداج(١) له ، وقيامه خطيبا بين جماهير المسلمين ، الّذين يبلغ عددهم مائة ألف أو يزيدون.
فلا بدّ مع هذا كلّه أن يكون مراد النبيّصلىاللهعليهوآله بيان إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام التي يلزم إيضاح حالها ، والاهتمام بشأنها ، وإعلام كلّ مسلم بها ، لا مجرّد بيان أنّ عليّا محبّ لمن أحببته ، وناصر لمن نصرته ، وهو لا أمر ولا إمرة له!
__________________
(١) الحدج : الحمل ، وهو أيضا مركب من مراكب النساء نحو الهودج والمحفّة ، والجمع : أحداج وحدوج ؛ انظر : لسان العرب ٣ / ٧٧ مادّة « حدج ».
وعلى هذا : فبالنظر إلى خصوص كلّ واحدة من تلك القرائن الحاليّة والمقاليّة ، فضلا عن مجموعها ، لا ينبغي أن يشكّ ذو إدراك في إرادة النصّ على عليّعليهالسلام بالإمامة ، وإلّا فكيف تستفاد المعاني من الألفاظ؟!
وكيف يدلّ الكتاب العزيز أو غيره على معنى من المعاني؟!
وهل يمكن أن لا تراد الإمامة وقد طلب أمير المؤمنينعليهالسلام من الصحابة بمجمع الناس بيان الحديث ، ودعا على من كتمه؟!
إذ لو أريد به مجرّد الحبّ والنصرة لما كان محلّا لهذا الاهتمام ، ولا كان مقتض لأن يبقى في نفس أبي الطفيل منه شيء ، وهو أمر ظاهر ، ليس به عظيم فضل ، حتّى قال له زيد بن أرقم : « ما تنكر؟! قد سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول ذلك له » كما سبق(١)
ولا كان مستوجبا لتهنئة أبي بكر وعمر لأمير المؤمنينعليهالسلام بقولهما :
« أصبحت [ وامسيت ] مولى كلّ مؤمن ومؤمنة »(٢) ، فإنّ التهنئة لأمير المؤمنين ، الذي لم يزل محلّا لذكر رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالفضائل العظيمة ، والخصائص الجليلة ، والمحامد الجسيمة ، إنّما تصحّ على أمر حادث ، تقصر عنه سائر الفضائل ، وتتقاصر له نفوس الأفاضل ، وتتشوّق إليه القلوب ، وتتشوّف له العيون.
فهل يمكن أن يكون هو غير الإمامة ، من النصرة ونحوها ، ممّا هو أيسر فضائله وأظهرها وأقدمها؟!
ولكن كما قال الغزّالي في « سرّ العالمين » : « ثمّ بعد ذلك غلب الهوى
__________________
(١) انظر الصفحة ٣٢٨ من هذا الجزء ، وراجع : مسند أحمد ٤ / ٣٧٠.
(٢) انظر الصفحتين ٣٠٦ و ٣٢٦ من هذا الجزء ، وراجع : مسند أحمد ٤ / ٢٨١.
وحبّ الرئاسة ، [ وحمل عمود الخلافة ] وعقود النبوّة(١) ، وخفقان [ الهوى في قعقعة ] الرايات ، و [ اشتباك ] ازدحام الخيول ، وفتح الأمصار ، والأمر والنهي ، فحملهم على الخلاف ، فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا »(٢) فبئس ما يشترون!
وقد ذكر جماعة من القوم أنّ « سرّ العالمين » للغزّالي(٣) ، كالذهبي في « ميزان الاعتدال » بترجمة الحسن بن الصباح الإسماعيلي(٤) .
هذا ، ويشهد لإرادة الإمامة من الحديث : فهم الناس لها منه ، كما سبق في الرواية التي نقلناها في أوّل المطلب الأوّل ، عن ابن حجر في « الصواعق » ، عن أحمد ، حيث قال :
« وفي رواية لأحمد أنّه سمعه من النبيّصلىاللهعليهوآله ثلاثون صحابيا ، وشهدوا به لعليّعليهالسلام لمّا نوزع في أيّام خلافته »(٥) .
فإنّ قوله : « لمّا نوزع » دالّ على أنّ استشهاد أمير المؤمنين إنّما كان للاستدلال على خلافته وصحّتها ، وأنّها من النبيّصلىاللهعليهوآله .
فهوعليهالسلام وشهوده وراوي ذلك قد فهموا من الحديث الإمامة.
وعن تفسير الثعلبي ، أنّه لمّا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله بغدير خمّ نادى
__________________
(١) كان في الأصل : « البنود » ، وما أثبتناه من المصدر هو الصحيح.
(٢) سرّ العالمين : ٤٥٣ باب ترتيب الخلافة.
(٣) انظر : لسان الميزان ٢ / ٢١٥ رقم ٩٥٠ ، إيضاح المكنون ٢ / ١١.
(٤) هو : الحسن بن صباح الإسماعيلي ، الملقّب ب : الكيا ، صاحب الدعوة النزارية ، وجدّ صاحب قلعة ألموت ، كان من كبار الزنادقة ومن دهاة العالم ، أصله من مرو ، كان له باع في الهندسة والفلسفة والسحر والنجوم وغيرها ، مات سنة ٥١٨ ه.
انظر : ميزان الاعتدال ٢ / ٢٤٨ رقم ١٨٧٥.
(٥) الصواعق المحرقة : ٦٤ ، وانظر : مسند أحمد ٤ / ٣٧٠.
الناس فاجتمعوا ، فأخذ بيد عليّ فقال :من كنت مولاه فعليّ مولاه ؛ فشاع ذلك وطار بالبلاد ، فبلغ الحارث بن النعمان الفهري فأتى نحو النبيّصلىاللهعليهوآله على ناقته إلى الأبطح ، فنزل عن ناقته فأناخها وعقلها ، ثمّ أتى النبيّ في ملأ من أصحابه فقال : يا محمّد! أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسول الله ففعلناه ، وأمرتنا أن نصلّي خمسا فقبلناه ، وأمرتنا أن نصوم شهر رمضان فقبلناه ، وأمرتنا أن نحجّ البيت فقبلناه ، ثمّ لم ترض بهذا حتّى رفعت بضبعي ابن عمّك وفضّلته علينا وقلت :من كنت مولاه فعليّ مولاه ؛ أهذا شيء منك أم من الله؟!
فقال النبيّ :والله الذي لا إله إلّا هو إنّه من الله .
فولّى الحارث يريد راحلته وهو يقول : اللهمّ إن كان ما يقول محمّد حقّا فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم!
فما وصل إليها حتّى رماه الله بحجر ، فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله ، وأنزل الله تعالى :( سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ * لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ ) (١) (٢)
وروى نحوه في « مجمع البيان » عن إمامنا الصادقعليهالسلام ، وقال فيه : « لم ترض حتّى نصبت هذا الغلام »(٣) ؛ وهو بمعنى قوله في حديث الثعلبي : « وفضّلته علينا » ، فيكون دالّا على فهم الفهري من قول النبيّصلىاللهعليهوآله : «فعليّ مولاه » نصب عليّ للزعامة العامّة.
__________________
(١) سورة المعارج ٦٩ : ١ و ٢.
(٢) تفسير الثعلبي ١٠ / ٣٥ ، وانظر : شواهد التنزيل ٢ / ٢٨٦ ـ ٢٨٩ ح ١٠٣٠ ـ ١٠٣٤ ، تفسير القرطبي ١٨ / ١٨١ ، تذكرة الخواصّ : ٣٧ ، فرائد السمطين ١ / ٨٢ ح ٦٣ ، جواهر العقدين : ٢٤٧ ، فيض القدير ٦ / ٢٨٢ ، السيرة الحلبية ٣ / ٣٣٧.
(٣) مجمع البيان ١٠ / ١٠٧.
ويشهد أيضا لإرادتها منه ، إكثار الشعراء وأهتمامهم في ذكر هذا الحديث وفهمهم منه الإمامة.
قال سبط ابن الجوزي في « تذكرة الخواصّ » : أكثرت الشعراء في يوم غدير خمّ ، فقال حسّان بن ثابت [ من الطويل ] :
يناديهم يوم الغدير نبيّهم |
بخمّ فأسمع بالرسول مناديا |
|
وقال : فمن مولاكم ووليّكم |
فقالوا ـ ولم يبدوا هناك التعاميا _ : |
|
إلهك مولانا وأنت وليّنا |
وما لك منّا في الولاية عاصيا |
|
فقال له : قم يا عليّ فإنّني |
رضيتك من بعدي إماما وهاديا |
|
فمن كنت مولاه فهذا وليّه |
فكونوا له أنصار صدق مواليا |
|
هناك دعا : اللهمّ وال وليّه |
وكن للذي عادى عليّا معاديا(١) |
قال : وروي أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله لمّا سمعه ينشد هذه الأبيات قال له :
يا حسّان لا تزال مؤيّدا بروح القدس ما نصرتنا ـ أو : نافحت عنّا ـ بلسانك (٢) .
وقال قيس بن سعد بن عبادة(٣) ـ وأنشدها بين يدي عليّ بصفّين _
__________________
(١) تذكرة الخواصّ : ٣٩ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ للخوارزمي ـ : ١٣٦ ، كفاية الطالب : ٦٤ ، فرائد السمطين ١ / ٧٣ ذ ح ٣٩ وص ٧٤ ـ ٧٥ ذ ح ٤٠.
(٢) تذكرة الخواصّ : ٣٩ ؛ وراجع : كفاية الطالب : ٦٤.
(٣) هو : أبو عبد الله قيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة الأنصاري الخزرجي الساعدي ، وقيل : إنّ كنيته هي : أبو عبد الملك.
وأمّه : فكيهة بنت عبيد بن دليم بن حارثة.
كان من فضلاء الصحابة ، وأحد دهاة العرب وكرمائهم ، وكان من ذوي الرأي الصائب والمكيدة في الحرب.
صحب أمير المؤمنين عليّاعليهالسلام لمّا بويع له بالخلافة ، وشهد معه حروبه ،
[ من الخفيف ] :
قلت لمّا بغى العدوّ علينا : |
حسبنا ربّنا ونعم الوكيل |
|
وعليّ إمامنا وإمام |
لسوانا به أتى التنزيل |
|
يوم قال النبيّ : من كنت مولا |
ه فهذا مولاه ، خطب جليل |
|
إنّ ما قاله النبيّ على الأ |
مّة نصّ(١) ما فيه قال وقيل(٢) |
ثمّ ذكر السبط أبياتا للكميت(٣) ، منها [ من الوافر ] :
__________________
وكان له في صفّين موقفا مشهودا ملأ معاوية رعبا ، وأستعمله الإمام عليّعليهالسلام على مصر.
توفّي في سنة ٥٩ ه ، وقيل : سنة ٦٠ ه.
انظر : أسد الغابة ٤ / ١٢٤ رقم ٤٣٤٨ ، الاستيعاب ٣ / ١٢٨٩ رقم ٢١٣٤ ، سير أعلام النبلاء ٣ / ١٠٢ رقم ٢١.
(١) وفي نسخة : « حتم » بدل « نصّ ». منهقدسسره .
(٢) تذكرة الخواصّ : ٣٩ ؛ وانظر : رسالة في أقسام المولى في اللسان : ٣٧ ، الفصول المختارة : ٢٩١ ، خصائص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ـ للرضي ـ : ٧ ، كنز الفوائد ٢ / ٩٨.
(٣) هو : الكميت بن زيد بن خنيس بن مجالد بن وهيب الأسدي الكوفي ، شاعر مقدّم ، عالم بلغات العرب ، خبير بأيّامها ، من شعراء مضر وألسنتها ، والمتعصّبين على القحطانية.
شاعر أهل البيتعليهمالسلام ، وخطيب بني أسد ، وفقيه الشيعة ، وحافظ القرآن ، وكان ثبت الجنان ، كاتبا حسن الخطّ ، نسابة ، جدليّا ، وهو أوّل من ناظر في التشيع ، مجاهرا بذلك ، وله في أهل البيتعليهمالسلام القصائد المشهورة ، وهي أجود شعره.
ولد الكميت أيّام مقتل الإمام الحسينعليهالسلام سنة ٦٠ ه ، وتوفيّ سنة ١٢٦ ه في حكومة مروان بن محمّد ، وكان مبلغ شعره حين وفاته خمسة آلاف ومئتين وتسعة وثمانين بيتا.
انظر : الأغاني ١٧ / ٣ ـ ٤٤ ، سير أعلام النبلاء ٥ / ٣٨٨ رقم ١٧٧ ، خزانة الأدب ١ / ١٥٣ ـ ١٥٤.
ويوم الدوح دوح غدير خمّ |
أبان له الولاية لو أطيعا |
|
ولكنّ الرجال تبايعوها(١) |
فلم أر مثله خطرا(٢) مبيعا(٣) |
قال السبط : ولهذه الأبيات قصّة عجيبة حدّثنا بها شيخنا عمرو بن صافي الموصلي ، قال : أنشد بعضهم هذه الأبيات فبات مفكّرا ، فرأى عليّاعليهالسلام في المنام فقال له :أعد عليّ أبيات الكميت .
فأنشده إيّاها حتّى بلغ قوله : « خطرا مبيعا » فأنشده عليّعليهالسلام بيتا آخر من قوله زيادة فيها :
فلم أر مثل ذلك اليوم يوما |
ولم أر مثله حقّا أضيعا(٤) |
ثمّ ذكر السبط أبياتا من نحو هذا(٥) للسيّد الحميري(٦) وبديع الزمان
__________________
(١) وفي نسخة : « تدافعوها ». منهقدسسره .
(٢) الخطر : ارتفاع القدر والمال والشرف والمنزلة ، ورجل خطير : أي له قدر وخطر ؛ انظر : لسان العرب ٤ / ١٣٧ مادّة « خطر ».
(٣) تذكرة الخواصّ : ٣٩ ؛ وانظر : رسالة في أقسام المولى في اللسان : ٤١ ، كنز الفوائد ١ / ٣٣٣.
(٤) تذكرة الخواصّ : ٤٠.
(٥) راجع الأبيات في تذكرة الخواصّ : ٤٠.
(٦) هو : إسماعيل بن محمّد بن يزيد بن ربيعة بن مفرّغ الحميريّ ، يلقّب بالسيّد ، ويكنّى أبا هاشم ، توفّي سنة ١٧٣ ه.
أمّه امرأة من الأزد ، ثمّ من بني الحدّان ، وجدّه يزيد بن ربيعة شاعر مشهور ، وهو الذي هجا زياد ابن أبيه وبنيه ، ونفاهم عن آل حرب ، وحبسه عبيد الله بن زياد لذلك وعذّبه ، ثمّ أطلقه معاوية.
كان شاعرا متقدّما مطبوعا ، يقال : إنّ أكثر الناس شعرا في الجاهلية والإسلام ثلاثة : بشّار ، وأبو العتاهية ، والسيّد.
وإذا سئل عن التشيّع من أين وقع له؟ قال : غاصت عليّ الرحمة غوصا.
انظر ترجمته في : الأغاني ٧ / ٢٤٨ ـ ٢٥٠.
الهمداني(١) .
ولا يمكن استيفاء ما قاله الشعراء ، فإنّه ممّا يمتنع حصره.
هذا ، وقد أورد القوم على الحديث بأمور حقيقة بالإعراض عنها لو لا إرادتنا استيفاء ما عندهم
الأوّل : منع صحّته :
قال في « المواقف » وشرحها : « ودعوى الضرورة في العلم بصحّته لكونه متواترا ، مكابرة! كيف؟! ولم ينقله أكثر أصحاب الحديث ، كالبخاري ومسلم وأضرابهما ، وقد طعن بعضهم فيه ، ك [ ابن ](٢) أبي داود السجستاني وأبي حاتم الرازي ، وغيرهما من أئمّة الحديث! »(٣) .
__________________
(١) هو : أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى الهمذاني ، أحد أئمّة الكتاب ، له : « المقامات » ، أخذ الحريري أسلوب مقاماته عنها ، وكان شاعرا ، وطبقته في الشعر دون طبقته في النثر ، ولد في همذان سنة ٣٥٨ ه ، وأنتقل إلى هراة سنة ٣٨٠ ، فسكنها ، ثمّ ورد نيسابور سنة ٣٨٢ ه فلقي أبا بكر الخوارزمي فشجر بينهما ما دعاهما إلى المساجلة ، فطار ذكر الهمذاني في الآفاق ، كان قويّ الحافظة يضرب المثل بحفظه ، ويذكر أنّ أكثر مقامته ارتجال ، وله ديوان شعر ، ورسائل عدّتها ٢٣٣ رسالة ، ووفاته في هراة مسموما سنة ٣٩٨ ه.
انظر : يتيمة الدهر ٤ / ٢٩٣ رقم ٦٤ ، وفيات الأعيان ١ / ١٢٧ رقم ٥٢.
(٢) أثبتناه من « شرح المواقف » ، وهي إضافة يقتضيها المقام ؛ انظر الهامش التالي.
(٣) المواقف : ٤٠٥ ، شرح المواقف ٨ / ٣٦١.
هذا ، وقد قال الشريف المرتضى في معرض ردّه على القاضي عبد الجبّار ما نصّه : فإن قال : أليس قد حكي عن ابن أبي داود السجستاني دفع الخبر ، وحكي مثله عن الخوارج ، وطعن الجاحظ في كتاب « العثمانية » فيه؟!
قيل له : أوّل ما نقوله إنّه لا معتبر في باب الإجماع بشذوذ كلّ شاذّ عنه ، بل _
__________________
الواجب أن يعلم أنّ الذي خرج عنه ممّن يعتبر قول مثله في الإجماع ، ثمّ يعلم أنّ الإجماع لم يتقدّم خلافه ، فابن أبي داود والجاحظ لو صرّحا بالخلاف لسقط خلافهما بما ذكرناه من الإجماع ، خصوصا بالذي لا شبهة فيه من تقدّم الإجماع ، وفقد الخلاف ، وقد سبقهما ثمّ تأخّر عنهما.
على أنّه قد قيل : إنّ ابن أبي داود لم ينكر الخبر ، وإنّما أنكر كون المسجد الذي بغدير خمّ متقدّما ، وقد حكي عنه التنصّل من القدح في الخبر ، والتبرّي ممّا قذفه به محمّد بن جرير الطبري.
والجاحظ أيضا لم يتجاسر على التصريح بدفع الخبر ، وإنّما طعن في بعض رواته ، وأدّعى اختلاف ما نقل من لفظه ، ولو صرّحا وأمثالهما بالخلاف لم يكن قادحا ؛ لما قدّمناه.
انظر : الشافي ٢ / ٢٦٣ ـ ٢٦٤.
ويضاف إلى ذلك أنّ ما طعن به ابن أبي داود ـ لو ثبت ـ معارض برواية أبيه ـ صاحب « السنن » ـ للحديث كما في السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٣٠ ح ٨٤٦٧ وص ١٣٢ ح ٨٤٧٣ وص ١٣٤ ح ٨٤٧٨.
كما إنّ ابن أبي داود كان منحرفا عن الإمام عليّ عليه السلام ، وأشتهر ببغضه له عليه السلام ، وتكلّم فيه جمع من كبار الأئمّة والأعلام وفي مقدّمتهم أبوه ، فقد قال : « ابني عبد الله يكذب » ، حتّى قال ابن صاعد : « كفانا ما قال فيه أبوه ».
انظر : سير أعلام النبلاء ١٣ / ٢٢٨ ـ ٢٢٩.
أمّا طعن أبي حاتم في الحديث فلا يعبأ به ؛ لتعنّته وتسرّعه في الطعن بغير دليل وبدون تورّع ، فقد قال الذهبي فيه : « إذا ليّن رجلا ، أو قال فيه : لا يحتجّ به ، فتوقّف حتّى ترى ما قال غيره فيه ، فإن وثّقه أحد ، فلا تبن على تجريح أبي حاتم ، فإنّه متعنّت في الرجال » ، وقد نسب كتابا للبخاري إلى نفسه ، وما صنعه من أقبح الأشياء وأشنعها!
راجع : سير أعلام النبلاء ١٣ / ٢٦٠ ، طبقات الشافعية الكبرى ـ للسبكي ـ ٢ / ٢٢٥ ـ ٢٢٦.
ثمّ إنّ طعن أبي حاتم معارض برواية ابنه للحديث كما في الدرّ المنثور ٣ / ١١٧ ، والمعروف عند أهل الفنّ أنّ ابنه عبد الرحمن أشهر من أبيه وأوثق
أقول :
إن أريد بمنع صحّته ، أنّه لم يرو بسند صحيح ، كذّبهم تصحيح الحاكم(١) وغيره له ، حتّى إنّ الذهبي على نصبه ، وابن حجر على تعصّبه ، اعترفا بصحّة كثير من طرقه كما سبق(٢) .
وإن أريد عدم إفادته اليقين بالصدور ، لعدم كونه متواترا عندهم ، فمتّجه في الجملة من حيث حصول الشبهة في الإمامة عندهم.
ولكن الحقّ أنّه لا محلّ لمنع تواتره ، لاستفاضة طرقه بينهم ـ فضلا عنّا ـ استفاضة توجب أعلى مراتب التواتر عند من أنصف.
وقد اعترف السيوطي ـ كما عرفت ـ بتواتره ، وكذلك ابن الجزري ، حتّى نسب منكر تواتره إلى الجهل والتعصّب(٣) .
وأمّا عدم ذكر البخاري ومسلم له فغير عجيب ؛ إذ كم أهملا أخبارا صحيحة عندهم واستدركها أصحابهما.
ولست ألومهما على إهمالهما لهذا الحديث الصحيح المتواتر ، لا لمجرّد عدم موافقته لمذهبهما ، بل لرعاية ملوك زمانهما وهوى قومهما ، والناس على دين ملوكهم!
وبهذا تعلم عذر السجستاني وأبي حاتم!
__________________
وأعرف بالرواية والحديث والجرح والتعديل ، ومن راجع مصنّفات ابنه ك « الجرح والتعديل » و « علل الحديث » تبيّن له ذلك.
(١) انظر : المستدرك على الصحيحين ٣ / ١١٨ ح ٤٥٧٦ و ٤٥٧٧.
(٢) راجع الصفحة ٣٢١ وما بعدها من هذا الجزء.
(٣) راجع الصفحة ٣٢١ من هذا الجزء.
قال سنّيّ لشيعيّ : ما لكم تنوحون على الحسين في كلّ وقت وقد مضت على قتله السنون؟!
فقال : نخاف أن تنكروا قتله ومظلوميّته كما أنكرتم بيعة الغدير!
الثاني : إنّ عليّا لم يكن يوم الغدير مع النبيّصلىاللهعليهوآله ، فإنّه كان باليمن.
ويرد عليه : إنّ رجوعه من اليمن وحضوره الحجّ مع النبيّصلىاللهعليهوآله ممّا تضافرت به الأخبار ، كما ستعرف بعضها في تحريم عمر للمتعتين ، وقد عرفت إقرار ابن حجر بثبوت ذلك(١) .
الثالث : إنّ أكثر رواته لم يرووا مقدّمة الحديث ، وهي : « ألست أولى بكم من أنفسكم؟! ».
وفيه : إنّه لو سلّم عدم ذكر الأكثر لها ، كفانا وجودها في الصحاح الكثيرة والأخبار المتضافرة ، وقد نصّ ابن حجر والذهبي والحاكم وغيرهم على صحّتها كما سبق(٢) .
الرابع : إنّ « مفعل » بمعنى « أفعل » لم يذكره أحد من أئمّة العربية ، مع أنّ الاستعمال على خلافه ؛ لجواز أن يقال : هو أولى من كذا ، دون : مولى من كذا ؛ ولو سلّم ، فأين الدليل على أنّ المراد : الأولى بالتصرّف والتدبير؟!
بل يجوز أن يراد الأولى في أمر من الأمور كما قال تعالى :( إِنَّ
__________________
(١) انظر الصفحة ٣٢١ من هذا الجزء ، وراجع : الصواعق المحرقة : ٦٤ الشبهة ١١.
(٢) انظر الصفحة ٣٢١ وما بعدها من هذا الجزء ، وراجع : الصواعق المحرقة : ٦٤ ـ ٦٦ ، تذكرة الحفّاظ ٣ / ١٠٤٣ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١١٨ ح ٤٥٧٦.
أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ) (١) (٢) ، وأراد الأولويّة في الاتّباع والاختصاص به والقرب منه ، لا في التصرّف به.
ولصحّة الاستفسار ؛ إذ يجوز أن يقال : في أي شيء هو أولى؟ أفي نصرته أو محبّته أو التصرّف فيه؟
ولصحّة التقسيم ؛ بأن يقال : كونه أولى به ، إمّا في نصرته ، وإمّا في ضبط أمواله ، وإمّا في تدبيره والتصرّف فيه.
وحينئذ لا يدلّ الحديث على إمامته.
هذا ما ذكره في « المواقف » وشرحها(٣) .
وفيه أوّلا : إنّ أبا عبيدة فسّر « المولى » في قوله تعالى :( مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ ) (٤) بالأولى بكم ، كما حكاه عنه في « شرح التجريد » للقوشجي(٥) .
وثانيا : إنّ من يفسّر « المولى » في الحديث ب « الأولى بالتصرّف » لم
__________________
(١) سورة آل عمران ٣ : ٦٨.
(٢) القول بأنّ « مفعل » بمعنى « أفعل » لم يذكره أحد من أئمّة العربية مجازفة شنيعة ، وتغافل بيّن ، فقد قال به جمع كبير من الأعلام ، كابن عبّاس ، وزيد بن عليّ ، ومحمّد بن السائب الكلبي ، والفرّاء ، وأبي عبيدة معمر بن المثنّى ، وابن قتيبة ، والمبرّد ، وأبي العبّاس ثعلب النحوي ، والزجّاج ، وغيرهم.
انظر : تفسير تنوير المقياس : ٥٧٧ ، تفسير غريب القرآن : ٤٠٨ ، العمدة ـ لابن بطريق ـ : ١٥٨ ـ ١٥٩ ، تفسير الفخر الرازي ٢٩ / ٢٢٨ ، رسالة في معنى المولى : ٣٧ ، صحيح البخاري ٦ / ٢٥٩ ، شحر المعلّقات ـ للزوزني ـ : ١٤٨ ، تفسير الطبري ١١ / ٦٨٠ ، معالم التنزيل ـ للبغوي ـ ٤ / ٢٧٠ ، الكشّاف ٤ / ٦٤.
(٣) المواقف : ٤٠٥ ، شرح المواقف ٨ / ٣٦١.
(٤) سورة الحديد ٥٧ : ١٥.
(٥) شرح تجريد الاعتقاد : ٤٧٧.
يرد أنّه اسم تفضيل مثله ، حتّى يرد عليه أنّه يقال : هو أولى من كذا ، ولا يقال : مولى من كذا.
بل أراد التفسير بحاصل المعنى ، بقرينة مقدّمة الحديث ، وهي قوله : «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟! ».
فإنّ هذه المقدّمة تدلّ على أنّ المراد بمولاهم : الأولى بهم من أنفسهم ، وهو عبارة أخرى عن الأولى بالتصرّف.
وإن شئت أن تفسّر المولى بمالك الأمر ، كما هو معناه الحقيقي ، كان أحسن ، فيكون معنى الحديث : من كنت مالك أمره لكوني أولى به من نفسه ، فعليّ مثلي مالك أمره ، كقوله : «أيّما امرأة نكحت بغير إذن مولاها »(١) أي مالك أمرها.
وكيف كان ، فالنتيجة واحدة ، وهي أنّ عليّاعليهالسلام مالك أمر الأمّة ، وإمامها ، وأولى بها من أنفسها في التصرّف ، كالنبيّصلىاللهعليهوآله .
وأمّا ما زعماه من جواز أن يراد الأولى في أمر من الأمور غير التصرّف ، وما زعماه من صحّة الاستفسار والتقسيم ، فخطأ ظاهر ؛ لابتناء ذلك على إجمال الحديث.
وقد عرفت أنّ مقدّمته وغيرها من القرائن تدلّ على أنّ المراد
__________________
(١) انظر : سنن أبي داود ٢ / ٢٣٥ ـ ٢٣٦ ح ٢٠٨٣ ، سنن الترمذي ٣ / ٤٠٧ ـ ٤٠٨ ح ١١٠٢ ، سنن الدارمي ٢ / ٩٦ ح ٢١٨٠ ، مسند أحمد ٦ / ٤٧ و ٦٦ و ١٦٦ ، مسند الحميدي ١ / ١١٢ ح ٢٢٨ ، سنن سعيد بن منصور ١ / ١٤٨ ـ ١٤٩ ح ٥٢٨ و ٥٢٩ ، مختصر المزني على كتاب الأمّ ٩ / ١٧٦ ، المعجم الأوسط ١ / ٣٦٠ ح ٨٧٧ وج ٦ / ٣٣٧ ح ٦٣٥٢ ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ١٨٢ ح ٢٧٠٦ ، مجمع الزوائد ٤ / ٢٨٥.
بالمولى : الأولى بهم من أنفسهم في التصرّف ، ومالك أمرهم ، وإمامهم.
كيف؟! ولو كان الحديث مجملا مع تلك القرائن ، حتّى يدخله الاحتمال المذكور ، ويجوز فيه الاستفسار والتقسيم ، لكانت كلمة الشهادة أولى بالإجمال ؛ لإمكان الاستفسار فيها بأنّ المراد هل هو : لا إله إلّا الله في السماء أو في الأرض ، أو : لا إله إلّا الله في آسيا أو أوربّا أو غيرهما إلى غير ذلك ؛ ولإمكان التقسيم أيضا بنحو ذلك ، وهذا لا يقوله ذو معرفة.
الخامس : إنّه لو سلّم دلالة الحديث على إمامة عليّعليهالسلام فلا نسلّم دلالته على كونها بعد النبيّصلىاللهعليهوآله بلا فصل ، حتّى تنتفي إمامة الثلاثة.
وفيه : إنّ هذا مكابرة ظاهرة ، إذ كيف يترك النبيّصلىاللهعليهوآله ـ في حال نصب إمام للمسلمين لحضور أجله ـ ذكر ثلاثة وينصّ على من بعدهم ، الذي يكون إماما بعد خمس وعشرين سنة من وفاته؟!
ولو جاز ذلك ، لكان جميع ولاة العهد محلّ كلام ، إذ لا يقول السلطان : هذا وليّ عهدي بلا فصل ؛ بل على احتمالات القوم لو قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من كنت مولاه فعليّ مولاه بعدي ؛ لقالوا : لا منافاة بين البعديّة والفصل بغيره ، كما صنع القوشجي في
قولهصلىاللهعليهوآله :أنت وصيّي وخليفتي من بعدي (١) .
بل لو قال : فعليّ مولاه بعدي بلا فصل ؛ لقالوا : يحتمل أن يكون المعنى بلا فصل من غير الثلاثة.
ولا عجب ممّن نشأ على التعصّب وحبّ العاجلة ، وقال : إنّا وجدنا آباءنا على ملّة!
__________________
(١) راجع : شرح تجريد الاعتقاد : ٤٧٨ ـ ٤٧٩.
بقي شيء : وهو ما ذكره الفضل في تأويل الحديث
فنقول : يظهر منه أنّ المراد ب « المولى » في الحديث : المحبوب والمنصور ؛ لأنّه قال : « أراد أن يوصي العرب بحفظ محبّة أهل بيته وقبيلته » إلى أن قال : « وساواه بنفسه في وجوب الولاية والنصرّة والمحبّة معه ؛ ليتّخذه العرب سيّدا » إلى آخره.
فإنّ هذا يقتضي أن يكون معنى قولهصلىاللهعليهوآله :من كنت مولاه فعليّ مولاه ، من كنت محبوبه أو منصورا له ، فعليّ كذلك.
وفيه ـ مع أنّ « المولى » لم يستعمل بمعنى المحبوب والمنصور _ :
إنّك عرفت أنّ القرائن الحالية والمقالية تقتضي إرادة مالك الأمر كما هو واضح ، حتّى ظهر الحقّ على لسان قلمه من حيث يريد إخفاءه ، فإنّ مساواة عليّ بنفس النبيّ في وجوب محبّته ونصرته على الإطلاق ، لا تتمّ إلّا بثبوت منزلته له من الرئاسة العامّة والعصمة.
ولذا كانت النتيجة كما ذكرها الفضل أن يتّخذه العرب سيّدا.
وأمّا ما عرّض به من الإنصاف ، فيا حبّذا لو سلك سبيله ، فإنّه إذا أقرّ بجلافة أولئك العرب وكفرهم بعد النبيّصلىاللهعليهوآله ، وأتّخاذهم الأنبياء فيهم كمسيلمة وسجاح ، فقد كان الأنسب بهم مخالفة النصّ الصريح وأتّخاذ خليفة غير الخليفة الحقّ ، ولا سيّما أنّ أبا بكر كان مستعينا بظاهر الصحبة وتمويه الأقران.
وما أدري من أين فهم الفضل إرادة النبيّ الوصيّة بحفظ محبّة مطلق قبيلته ، لو لا عدم الإنصاف وكراهة تخصيص أمير المؤمنينعليهالسلام بالفضل والنصّ؟!
ولو رأيت ما ذكره ابن حجر في « الصواعق » بالنسبة إلى الجواب عن الحديث ، من الخرافات والآراء السخيفة وأخبارهم الكاذبة ، لعرفت إلى أين يبلغ عنادهم للحقّ وتعصّبهم للهوى!(١) .
* * *
__________________
(١) انظر : الصواعق المحرقة : ٦٣ ـ ٧٢.
٣ ـ آية التطهير
قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :
الثالثة : قوله تعالى :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٢) .
أجمع المفسّرون(٣) ، وروى الجمهور ، كأحمد بن حنبل وغيره ، أنّها نزلت في [ رسول الله و ] عليّ وفاطمة والحسن والحسين(٤) .
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٧٣.
(٢) سورة الأحزاب ٣٣ : ٣٣.
(٣) انظر مثلا : تفسير الطبري ١٠ / ٢٩٦ ـ ٢٩٨ ح ٢٨٤٨٥ ـ ٢٨٥٠٢ ، تفسير الحبري : ٢٩٧ ـ ٣١١ ح ٥٠ ـ ٥٩ ، أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ ٣ / ٥٢٩ ، تفسير الثعلبي ٨ / ٤٢ ـ ٤٣ ، تفسير الماوردي ٤ / ٤٠١ ، أسباب النزول ـ للواحدي _ : ١٩٨ ، شواهد التنزيل ٢ / ١٠ ـ ٩٢ ح ٦٣٧ ـ ٧٧٤.
وسيأتي ذكر غير هذه المصادر في محالّها من البحث في ردّ الشيخ المظفّر قدسسره .
(٤) مسند أحمد ١ / ٣٣١ وج ٣ / ٢٥٩ وص ٢٨٥ وج ٤ / ١٠٧ وج ٦ / ٢٩٢ و ٣٠٤ و ٣٢٣ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٧٢٧ ـ ٧٢٨ ح ٩٩٤ ـ ٩٩٦ ، وانظر : صحيح مسلم ٧ / ١٣٠ ، سنن الترمذي ٥ / ٣٢٧ ـ ٣٢٨ ح ٣٢٠٥ وص ٦٢١ ح ٣٧٨٧ وص ٦٥٦ ـ ٦٥٧ ح ٣٨٧١ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٠٧ ـ ١٠٨ ح ٨٣٩٩ ، مسند البزّار ٣ / ٣٢٤ ح ١١٢٠ ، مسند أبي يعلى ٧ / ٥٩ ـ ٦٠ ح ١٢٢٣ ـ ١٢٢٤ وج ١٢ / ٣١٣ ح ٦٨٨٨ وص ٣٤٤ ح ٦٩١٢ وص ٤٥١ ح ٧٠٢١ وص ٤٥٦ ح ٧٠٢٦ ، المعجم الكبير ٣ / ٥٢ ـ ٥٦ ح ٢٦٦٢ ـ ٢٦٧٣ وج ٩ / ٢٥ ـ ٢٦ ح ٨٢٩٥ وج ٢٣ / ٣٣٣ ـ ٣٣٤ ح ٧٦٨ ـ ٧٧١ و ٧٧٣ وص ٣٣٧ ح ٧٨٣ ، المعجم الأوسط ٣ / ٣٩ ح ٢٢٨١ وج ٧ / ٣٦٩ ح ٧٦١٤ ، المعجم الصغير ١ / ٦٥ و ١٣٥ ، مسند _
وروى أبو عبد الله محمّد بن عمران المرزباني ، عن أبي الحمراء ، قال : خدمت النبيّصلىاللهعليهوآله تسعة أشهر أو عشرة ، وكان عند كلّ فجر لا يخرج من بيته حتّى يأخذ بعضادتي باب عليّ فيقول :السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
فيقول علي وفاطمة والحسن والحسين :عليك السلام يا نبيّ الله ورحمه الله وبركاته .
ثمّ يقول :الصلاة رحمكم الله ، إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا ؛ ثمّ ينصرف إلى مصلّاه(١) .
__________________
الطيالسي : ٢٧٤ ح ٢٠٥٩ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٠١ ح ٣٩ ـ ٤٠ وص ٥٢٧ ح ٤ ، مسند عبد بن حميد : ١٧٣ ح ٤٧٥ وص ٣٦٧ ـ ٣٧٨ ح ١٢٢٣ ، التاريخ الكبير ٨ / ٢٥ رقم ٢٠٥ كتاب الكنى ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٥٨٩ ح ١٣٥١ ، ٢ لإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٦١ ح ٦٩٣٧ ، الكنب والأسماء ـ للدولابي ـ ٢ / ١٢١ ، الذرّيّة الطاهرة : ١٤٩ ـ ١٥٠ ح ١٩٢ ـ ١٩٤ ، نوادر الأصول ـ للحكيم الترمذي ـ ٢ / ١٠٨ ، مشكل الآثار ١ / ٢٢٧ ـ ٢٣١ ح ٧٧٠ ـ ٧٨٥ ، الغيلانيات ١ / ٢٦٤ ـ ٢٦٥ ح ٢٥٩ ، أخلاق النبيّ ـ لأبي الشيخ ـ : ١١٥ ح ٢٧٩ ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٤٥١ ح ٣٥٥٨ ـ ٣٥٥٩ وج ٣ / ١٦٠ ح ٤٧٠٩ ، تاريخ أصبهان ١ / ١٤٣ رقم ٩٥ وج ٢ / ٢٢٣ رقم ١٥٢٠ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٢ / ١٤٩ وج ٧ / ٦٣ ، الاستيعاب ٣ / ١١٠٠ رقم ١٨٥٥ ، موضّح أوهام الجمع والتفريق ـ للخطيب البغدادي ـ ٢ / ٣١٢ ـ ٣١٣ رقم ٣٥٧ ، تاريخ بغداد ١٠ / ٢٧٨ رقم ٥٣٩٦ ، مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٥٤ ـ ٢٥٧ ح ٣٤٥ ـ ٣٥١ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٨٣ ح ٤٧٩٦ ، الشفا ـ للقاضي عياض ـ ٢ / ٤٨ ، تاريخ دمشق ١٣ / ٢٠٢ ـ ٢٠٧ وص ٢٦٨ ـ ٢٧٠ وج ١٤ / ١٣٧ ـ ١٤٨.
(١) انظر : التاريخ الكبير ـ للبخاري ـ ٨ / ٢٥ ـ ٢٦ رقم ٢٠٥ كتاب الكنى ، المعجم الكبير ـ للطبراني ـ ٣ / ٥٦ ح ٢٦٧٢ ، مسند عبد بن حميد : ١٧٣ ح ٤٧٥ ، تفسير الحبري : ٣٠٨ ـ ٣٠٩ ح ٥٧ ، تفسير الطبري ١٠ / ٢٩٦ ـ ٢٩٧ ح ٢٨٤٩١ ، تفسير الثعلبي ٨ / ٤٤ ، شواهد التنزيل ٢ / ٤٧ ـ ٥٢ ح ٦٩٤ ـ ٧٠٢ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٢١ و ١٦٨.
والكذب من الرجس ، ولا خلاف في أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام ادّعى الخلافة لنفسه ، فيكون صادقا.
* * *
وقال الفضل(١) :
أمّا إجماع المفسّرين على أنّ الآية نزلت في عليّ فخلاف الواقع ، ولم يجمعوا على ذلك ، بل أكثر المفسّرين على أنّ الآية نزلت في شأن الأزواج ، وهو المناسب لنظم القرآن
قوله تعالى :( يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٢) .
هذا نصّ القرآن يدلّ على أنّها نزلت في أزواج النبيّصلىاللهعليهوآله ؛ لأنّه مذكور في قرن حكاياتهنّ والمخاطبة معهنّ.
ولكن لمّا عدل عن صيغة خطاب الإناث إلى خطاب الذكور ، فلا يبعد أن تكون نازلة في شأن كلّ أهل بيت النبيّصلىاللهعليهوآله من الرجال والنساء ، فشملت عليّا وفاطمة والحسن والحسين وأزواج النبيّصلىاللهعليهوآله .
وعلى هذا فليس الرجس هاهنا محمولا على الطهارة من كلّ الذنوب ، بل المراد من الرجس : الشرك وكبائر الفواحش كالزنا ، كما يدلّ عليه سابق الآية ، وهو قوله تعالى :( فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ) (٣) .
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٢ / ٥٦٣.
(٢) سورة الأحزاب ٣٣ : ٣٢ و ٣٣.
(٣) سورة الأحزاب ٣٣ : ٣٢.
ولو سلّمنا هذا فلا نسلّم أنّ عليّا ادّعى الإمامة لنفسه ، ولو كان يدّعيها لما كان يدّعيها بالعجز والخفية ؛ لوجود القوّة والشجاعة والأعوان ، وكثرة القبائل والعشائر وشرف القوم وغيرها من الفضائل.
ثمّ لو كان الرجس محمولا على الذنب لما كانت عائشة مؤاخذة بذنبها في وقعة الجمل ؛ لأنّ الآية نزلت فيها وفي أزواج النبيّ غيرها على قول أكثر المفسّرين ، فلا يتمّ له الاستدلال بهذه الآية.
* * *
وأقول :
لم يبعد أن يكون مراد المصنّف بإجماع المفسّرين على ذلك هو اجتماع الشيعة والسنّة على القول به ، أي أنّه من مقول الطرفين معا وإن لم يجمع عليه السنّة.
أو يكون مراده إجماع من يعتدّ بقوله في مثل ذلك ، فإنّ المخالف هو عكرمة ومقاتل(١) وأشباههما ، ممّن لا يجوز حتّى للقوم الاعتداد بقوله في مقام النزول وشبهه ؛ لأنّ قول المفسّر إنّما يؤخذ به في ذلك إذا كان رواية عن النبيّصلىاللهعليهوآله ، أو من يعتبر قوله من الصحابة ؛ لأنّه من باب الإخبار.
وعكرمة كذّاب خارجيّ كما سبق بعض ترجمته في مقدّمة الكتاب(٢) ، فلا يعتدّ بخبره في ذلك ، فضلا عن رأيه ، ولا سيّما أنّه متعلّق بفضل آل محمّد.
وكذا مقاتل ، كان كذّابا ، حتّى قال النسائي : الكذّابون المعروفون بوضع الحديث على رسول اللهصلىاللهعليهوآله أربعة ؛ وعدّه منهم(٣) .
__________________
(١) هو : أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير ، الأزدي بالولاء ، المروزي الخراساني ، وأصله من بلخ ، انتقل إلى البصرة ، ودخل بغداد وحدّث بها ، وكان له باع في التفسير ، وله تفسيره المعروف ، وبحوث أخرى في التفسير ، أخذ الحديث عن مجاهد بن جبر ، وعطاء بن أبي رباح ، لم يوثّقه أغلب علماء الجرح والتعديل ، وكذّبه وكيع والنسائي ، توفّي سنة ١٥٠ ه بالبصرة.
انظر : تاريخ بغداد ١٣ / ١٦٠ رقم ٧١٤٣ ، وفيات الأعيان ٥ / ٢٥٥ رقم ٧٣٣ ، شذرات الذهب ١ / ٢٢٧.
(٢) راجع ج ١ / ١٩١ ـ ١٩٣ رقم ٢٢٤ من هذا الكتاب.
(٣) تهذيب التهذيب ٨ / ٣٢٤ ـ ٣٢٥ رقم ٧١٤٦.
وكان يأخذ علم القرآن من اليهود والنصارى ، وكان دجّالا جسورا أسند ظهره إلى القبلة وقال : سلوني عمّا دون العرش ؛ فسئل عن النملة أين أمعاؤها ، في مقدّمها أو مؤخّرها؟ فلم يحر جوابا!
وسئل عن آدم حين حجّ من حلق رأسه؟ فبقي ضالّا!
راجع « ميزان الاعتدال » و « تهذيب التهذيب » و « وفيات الأعيان » ، تجد ما ذكرناه من بعض أحواله الخبيثة(١) .
وقس على هذين الكذّابين ، اللذين هما من رؤوس مفسّريهم ، غيرهما!
وأمّا قول الفضل : « أكثر المفسّرين على أنّ الآية نزلت في شأن الأزواج »
فغير صحيح ؛ لأنّ ابن حجر أكثر منه اطّلاعا ، قال في « الصواعق » عند ذكر الآية في فضائل أهل البيتعليهمالسلام : « أكثر المفسّرين على أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين »(٢) .
بل الحقّ أنّ القائلين بنزولها في شأن الأزواج خاصّة أقلّ القليل بالنسبة إلى غيرهم ؛ لأنّ جميع مفسّري الشيعة وأكثر مفسّري السنّة قالوا ـ كما عرفت ـ : بنزولها في عليّ وفاطمة والحسنين ، لكن مع النبيّصلىاللهعليهوآله عندنا(٣) .
__________________
(١) ميزان الاعتدال ٦ / ٥٠٥ ـ ٥٠٦ رقم ٨٧٤٧ ، تهذيب التهذيب ٨ / ٣٢٠ ـ ٣٢٥ ، رقم ٧١٤٦ ، وفيات الأعيان ٥ / ٢٥٥ ـ ٢٥٦ رقم ٧٣٣.
(٢) الصواعق المحرقة : ٢٢٠.
(٣) انظر مثلا : مجمع البيان ٨ / ١٣٧ و ١٣٨ ، تفسير فرات ١ / ٣٣١ وما بعدها.
وقال بعض مفسّريهم بنزولها في بني هاشم(١) .
وقال جملة منهم بنزولها في آل النبيّ الأربعة المذكورين والأزواج(٢) .
فلم يبق من المفسّرين من يقول بنزولها في الأزواج خاصّة إلّا القليل(٣) .
وكيف كان ، فلا عبرة بهم حتّى لو كانوا الأكثر ؛ لامتناع إرادة الأزواج ولو منضمّات ؛ لأنّهنّ غير مطهّرات من الرجس ، حتّى لو أريد به الشرك وكبائر الذنوب ؛ لتقدّم الشرك منهنّ ، وحدوث الكبائر من بعضهنّ ، كعائشة ، حيث خرجت على إمام زمانها الذي قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «حربك حربي »(٤) ، وقتلت الآلاف العديدة ، وخالفت
__________________
(١) تفسير البغوي ٣ / ٤٥٦ ، تفسير القرطبي ١٤ / ١١٩ ، فتح القدير ٤ / ٢٨٠ ، البحر المحيط ٧ / ٢٣١ ـ ٢٣٢ ، روح المعاني ٢٢ / ٢٠.
(٢) انظر : تفسير الفخر الرازي ٢٥ / ٢١٠.
(٣) انظر : تفسير ابن كثير ٣ / ٤٦٥.
(٤) مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢١٦ ح ٢٨٥ ، مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ للخوارزمي ـ : ١٢٩ ح ١٤٣ ، شرح نهج البلاغة ١٣ / ١٩٣.
كما ورد أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله قال لعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام : « أنا حرب لمن حاربتم ـ أو : حاربكم ؛ أو : حاربهم ـ ».
فانظر : سنن الترمذي ٥ / ٦٥٦ ح ٣٨٧٠ ، سنن ابن ماجة ١ / ٥٢ ح ١٤٥ ، مسند أحمد ٢ / ٤٤٢ ، المعجم الكبير ٣ / ٤٠ ح ٢٦١٩ ـ ٢٦٢١ وج ٥ / ١٨٤ ح ٥٠٣٠ و ٥٠٣١ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥١٢ ب ٢٣ ح ٧ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٦١ ح ٦٩٣٨ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٦١ ح ٤٧١٣ و ٤٧١٤ ولم يتعقّبهما الذهبي في « التلخيص ».
هذا ، وقد أسقطت يد الخيانة اسم أمير المؤمنينعليهالسلام من مصنّف ابن أبي شيبة والإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ؛ فلاحظ!!
أمر الله سبحانه في نصّ كتابه بقرارها في بيتها(١)
كما تظاهرت مع صاحبتها على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وكذبتا عليه ، فأنزل الله تعالى به قرآنا مبينا ، لعظيم مكرهما وفعلهما(٢) ، وضرب لأجلهما المثل بامرأتي نوح ولوط(٣) .
مع أنّ إرادة الأزواج مخالفة للأخبار المتواترة المشتملة على الصحيح
__________________
(١) إشارة إلى قوله تعالى :( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى ) ( وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) سورة الأحزاب ٣٣ : ٣٣.
(٢) إشارة إلى عائشة وحفصة في قوله تعالى :( إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ * عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً ) سورة التحريم ٦٦ : ٤ ـ ٥.
انظر : صحيح البخاري ٣ / ٢٦٦ ح ٤١ وج ٦ / ٢٧٥ ـ ٢٧٨ ح ٤٠٦ ـ ٤٠٩ وج ٧ / ٥٠ ح ١٢١ وص ٢٧٧ ـ ٢٧٩ ح ٦١ ، صحيح مسلم ٤ / ١٨٨ ـ ١٩٤ ، سنن الترمذي ٥ / ٣٩١ ـ ٣٩٤ ح ٣٣١٨ ، سنن النسائي ٤ / ١٣٧ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٢ / ٧٢ ح ٢٤٤٢ وج ٥ / ٣٦٦ ح ٩١٥٧ ، مسند أحمد ١ / ٣٣ و ٤٨ ، مسند أبي داود الطيالسي : ٦ ، مسند البزّار ١ / ٣٠٣ ح ١٩٥ وص ٣١٨ ح ٢٠٦ وص ٣٢٩ ح ٢١٢ ، مسند أبي يعلى ١ / ١٤٩ ـ ١٥٣ ح ١٦٤ وص ١٦٢ ح ١٧٨ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٨ / ١٤٧ ـ ١٥٣ ، تفسير الحبري : ٣٢٥ ح ٦٨ ، تفسير الطبري ١٢ / ١٥٣ ح ٣٤٤١٠ ـ ٣٤٤١٦ ، مسند أبي عوانة ٣ / ١٦٣ ـ ١٧٢ ح ٤٥٧٢ ـ ٤٥٨١ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٦ / ٢٢٩ ـ ٢٣٢ ح ٤٢٥٤ ، سنن الدارقطني ٤ / ٢٦ ح ٣٩٦٩ ، تفسير الماوردي ٦ / ٤٠ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٧ / ٣٥٣ ، تفسير البغوي ٤ / ٣٣٥.
(٣) إشارة إلى قوله تعالى :( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) سورة التحريم ٦٦ : ١٠.
انظر : تنوير المقباس من تفسير ابن عبّاس : ٦٠٥ ، تفسير الماوردي ٦ / ٤٧ ، الكشّاف ٤ / ١٣١ ، زاد المسير ٨ / ٨٤ ، تفسير الفخر الرازي ٣٠ / ٥٠ ، تفسير القرطبي ١٨ / ١٣٢ ، تفسير الخازن ٤ / ٢٨٨ ، فتح القدير ٥ / ٢٥٥ ـ ٢٥٦.
الكثير عندهم ، الدالّة على نزول الآية في خصوص أمير المؤمنين وفاطمة وأبنيهماعليهمالسلام ، وبعضها نصّ بخروج الأزواج
فمنها : ما رواه مسلم ، في باب فضائل أهل البيتعليهمالسلام ، عن عائشة ، قالت : خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله غداة ، وعليه مرط مرجّل(١) من شعر أسود ، فجاء الحسن بن عليّ فأدخله ، ثمّ جاء الحسين فدخل معه ، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها ، ثمّ جاء عليّ فأدخله ، ثمّ قال :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٢) (٣) .
ونقله السيوطي في « الدّر المنثور » أيضا عن أحمد ، وابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم(٤) .
ورواه الحاكم(٥) بسند آخر عن عائشة ، وصحّحه على شرط
__________________
(١) كذا في الأصل ، وفي المصدر : مرحّل.
والمرط ، وجمعه مروط : كساء من خزّ أو صوف أو كتّان ؛ انظر : لسان العرب ١٣ / ٨٣ مادّة « مرط ».
والمرجّل : أي فيه صور كصور الرجال ؛ انظر : لسان العرب ٥ / ١٥٥ مادّة « رجل ».
والمرحّل : ضرب من برود اليمن ، سمّي مرحّلا لأنّه موشّى وشيا وعليه تصاوير رحل وما ضاهاه ؛ انظر : لسان العرب ٥ / ١٧١ مادّة « رحل » ، الفائق في غريب الحديث ٣ / ٣٦٠.
ولعل الصحيح هو ما في المصدر ، وما في المتن تصحيف.
(٢) سورة الأحزاب ٣٣ : ٣٣.
(٣) صحيح مسلم ٧ / ١٣٠ باب فضائل أهل البيتعليهمالسلام .
(٤) الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٥ ؛ وانظر : مسند أحمد ٦ / ١٦٢ ولكنّ يد الخيانة بترت الحديث فيه من بعد كلمة « مرجّل » فجاء الحديث ناقص المعنى!! ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٠١ ب ١٨ ح ٣٩.
(٥) ص ١٤٧ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٥٩ ح ٤٧٠٧ ]. منهقدسسره .
الشيخين.
ومنها : ما رواه الحاكم أيضا قبل الحديث المذكور ، عن أمّ سلمة ، قالت : « في بيتي نزلت :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) ، فأرسل رسول الله إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين ، فقال :هؤلاء أهل بيتي ».
ثمّ قال الحاكم : هذا صحيح على شرط البخاري(١) .
ورواه أيضا في تفسير سورة الأحزاب(٢) ، بسند آخر عن أمّ سلمة ، وصحّحه على شرط البخاري ، وزاد فيه :
« قالت أمّ سلمة : يا رسول الله! ما أنا من أهل البيت؟
قال :إنّك على خير ، وهؤلاء أهل بيتي ، اللهمّ أهلي أحقّ »
ومنها : ما رواه الحاكم أيضا ، عن واثلة ، قال : أتيت عليّا فلم أجده ، فقالت لي فاطمة : انطلق إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله يدعوه ، فجاء مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فدخلا ودخلت معهما
فدعا رسول اللهصلىاللهعليهوآله الحسن والحسين ، فأقعد كلّ واحد منهما على فخذيه ، وأدنى فاطمة من حجره وزوجها ، ثمّ لفّ عليهم ثوبا ، وقال :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )
ثمّ قال : هؤلاء أهل بيتي ، اللهمّ أهل بيتي أحقّ
ثمّ قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين(٣) .
وروى مثله في تفسير سورة الأحزاب ، بسند آخر عن واثلة ،
__________________
(١) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٥٨ ح ٤٧٠٥.
(٢) ص ٤١٦ من الجزء الثاني [ ٢ / ٤٥١ ح ٣٥٥٨ ]. منهقدسسره .
(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٥٩ ح ٤٧٠٦.
وصحّحه على شرط مسلم(١) .
وروى نحوه أحمد في مسنده ، عن واثلة أيضا(٢) .
ونقل السيوطي في « الدرّ المنثور » نحوه عن ابن أبي شيبة ، وأبن جرير ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، والبيهقي ؛ كلّهم عن واثلة(٣) .
ومنها : ما رواه الحاكم بعد الحديث الأوّل ، عن أبي سعيد(٤) ، قال : « نزل على رسول الله الوحي فأدخل عليّا وفاطمة وأبنيهما تحت ثوبه ، ثمّ قال :اللهمّ هؤلاء أهلي وأهل بيتي »(٥)
وناقش الذهبي في سنده ، حيث إنّ فيه بكير بن مسمار وعليّ بن ثابت ، فقال : « عليّ وبكير تكلّم فيهما »(٦) .
وفيه : إنّ بكيرا من رجال صحيح مسلم(٧) ، وعليّا لم يضعّفه سوى الأزدي(٨) .
__________________
(١) المستدرك على الصحيحين ٢ / ٤٥١ ح ٣٥٥٩.
(٢) ص ١٠٧ من الجزء الرابع. منهقدسسره .
(٣) الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٥.
(٤) كذا في الأصل ، وفي المصدر : « سعد ».
(٥) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٥٩ رقم ٤٧٠٨.
(٦) تلخيص المستدرك ـ بحاشيته ـ ٣ / ١٥٩ رقم ٤٧٠٨.
(٧) ميزان الاعتدال ٢ / ٦٨ رقم ١٣١٢.
(٨) ميزان الاعتدال ٥ / ١٤٣ رقم ٥٨٠٢.
نقول : وأبو الفتح محمّد بن الحسين بن يزيد الأزدي الموصلي الحافظ ، المتوفّى سنة ٣٩٤ ه ، هو نفسه ضعيف ، ونقل الذهبي تضعيفه عن البرقاني والأرموي والخطيب ، ولذا لم يعبأ الذهبي وأبن حجر بتضعيفاته ، وردّ الذهبي عليه مرّة قائلا : « ليت الأزدي عرف ضعف نفسه ».
انظر : الضعفاء والمتروكين ـ لابن الجوزي ـ ٣ / ٥٣ رقم ٢٩٥٣ ، ميزان الاعتدال
ونقل السيوطي في « الدرّ المنثور » نحو هذا الحديث ، عن ابن مردويه ، وأبن جرير ، وسعد(١) .
ومنها : ما رواه الحاكم أيضا وصحّحه ، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، قال : « لمّا نظر رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى الرحمة هابطة ، قال :ادعو لي! ادعو لي !
فقالت صفيّة : من يا رسول الله؟
قال :أهل بيتي ، عليّا وفاطمة والحسن والحسين .
فجيء بهم ، فألقى عليهم النبيّصلىاللهعليهوآله كساءه ، ثمّ رفع يديه ، ثمّ قال :
اللهمّ هؤلاء آلي ، فصلّ على محمّد وآل محمّد.
وأنزل الله :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) »(٢)
ومنها : ما رواه الترمذي في مناقب أهل البيت ، عن عمر بن أبي سلمة : « نزلت هذه الآية على النبيّصلىاللهعليهوآله :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) في بيت أمّ سلمة ، فدعا النبيّصلىاللهعليهوآله فاطمة وحسنا وحسينا فجلّلهم بكساء ، وعليّ خلف ظهره ، فجلّله بكساء ، ثمّ قال :
اللهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.
قالت أمّ سلمة : وأنا معهم يا نبيّ الله؟
__________________
٦ / ١١٨ رقم ٧٤٢٢ ، سير أعلام النبلاء ١٣ / ٣٨٩ ترجمة الحارث بن محمّد ، لسان الميزان ٥ / ١٣٩ رقم ٤٦٤ ، هدي الساري مقدّمة فتح الباري : ٦٤٢ ـ ٦٤٥.
(١) الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٥.
(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٥٩ ـ ١٦٠ ح ٤٧٠٩.
قال :أنت على مكانك ، وأنت إلى خير »(١)
ثمّ قال : وفي الباب عن أمّ سلمة ، ومعقل بن يسار ، وأبي الحمراء ، وأنس بن مالك(٢) .
ورواه الترمذي أيضا في تفسير سورة الأحزاب ، وروى معه عن أنس وحسّنه ، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يمرّ بباب فاطمة ستّة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول :الصلاة يا أهل البيت !( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٣) .
ومثله في مسند أحمد ، عن أنس(٤) .
وكذا في مستدرك الحاكم(٥) ، وصحّحه على شرط مسلم ، ولم يتعقّبه الذهبي.
ونقله في « الدرّ المنثور » عن ابن جرير ، وأبن أبي شيبة ، وأبن المنذر ، والطبراني ، وأبن مردويه ، كلّهم عن أنس(٦) .
ونقل نحوه أيضا عن الطبراني ، عن أبي الحمراء(٧) .
ونقل أيضا عن ابن جرير وأبن مردويه ، عن أبي الحمراء ، قال : « حفظت من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرّة يخرج
__________________
(١) سنن الترمذي ٥ / ٦٢١ ـ ٦٢٢ ح ٣٧٨٧.
(٢) سنن الترمذي ٥ / ٦٢٢ ذ ح ٣٧٨٧.
(٣) سنن الترمذي ٥ / ٣٢٨ ح ٣٢٠٦.
(٤) ص ٢٥٩ و ٢٨٥ من الجزء الثالث. منهقدسسره .
(٥) ص ١٥٨ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٧٢ ح ٤٧٤٨ ]. منهقدسسره .
(٦) الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٥ ؛ وانظر : مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٢٧ ح ٤ ، المعجم الكبير ـ للطبراني ـ ٣ / ٥٦ ح ٢٦٧١.
(٧) الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٧ ؛ وانظر : المعجم الكبير ـ للطبراني ـ ٣ / ٥٦ ح ٢٦٧٢.
إلى صلاة الغداة إلّا أتى إلى باب عليّ ، فوضع يده على جنبتي الباب ، ثمّ قال : الصلاة الصلاة!( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ ) الآية(١) .
ونقل أيضا عن ابن مردويه ، عن ابن عبّاس ، قال : « شهدنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله تسعة أشهر ، يأتي كلّ يوم باب عليّ بن أبي طالب عند وقت كلّ صلاة فيقول :السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت ،( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ ) الآية ،الصلاة رحمكم الله ؛ كلّ يوم خمس مرّات »(٢) .
ومنها : ما رواه الترمذي ، في باب ما جاء في فضل فاطمةعليهاالسلام ، عن أمّ سلمة : « أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله جلّل على الحسن والحسين وعليّ وفاطمة كساء ثمّ قال :اللهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامّتي (٣) ، أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.
فقالت أمّ سلمة : وأنا معهم يا رسول الله؟
قال :إنّك إلى خير .
ثمّ قال الترمذي : هذا حديث حسن ( صحيح )(٤) ، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب.
وفي الباب : عن أنس ، وعمر بن أبي سلمة ، وأبي الحمراء »(٥) .
__________________
(١) الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٦.
(٢) الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٦.
(٣) كذا في الأصل ، وفي المصدر : « وخاصّتي ».
(٤) لم ترد في المصدر ، وهو تحريف يقينا ، فقد رواه أئمّة الحديث عن الترمذي كذلك! قال القاري : « أخرجه الترمذي وقال : حسن صحيح » ؛ انظر : مرقاة المفاتيح ١٠ / ٥٠٩ ح ٦١٣٦.
(٥) سنن الترمذي ٥ / ٦٥٦ ـ ٦٥٧ ح ٣٨٧١.
ومنها : ما رواه أحمد في مسنده(١) ، عن أمّ سلمة بثلاثة طرق : « أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله كان في بيتها فأتته فاطمة ببرمة(٢) فيها حريرة(٣) ، فدخلت بها عليه ، فقال لها : ادعي زوجك وأبنيك.
قالت : فجاء عليّ والحسن والحسين ، فدخلوا عليه ، فجلسوا يأكلون من تلك الحريرة ، وهو على منامة له على دكّان(٤) تحته كساء له خيبريّ.
قالت : وأنا أصلّي في الحجرة ، فأنزل الله هذه الآية :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )
قالت : فأخذ فضل الكساء فغشّاهم به ، ثمّ أخرج يده فألوى بها إلى السماء ، ثمّ قال :
اللهمّ هؤلاء أهل بيتي ، وخاصّتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا [ اللهمّ هؤلاء أهل بيتي ، وخاصّتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ].
__________________
(١) ص ٢٩٢ من الجزء السادس. منهقدسسره .
(٢) البرمة : القدر مطلقا ، وهي في الأصل القدر المتّخذة من الحجر المعروف في الحجاز واليمن ، والجمع : برم وبرام وبرم ؛ انظر : لسان العرب ١ / ٣٩٢ مادّة « برم ».
(٣) الحريرة : الحساء من الدسم والدقيق ، وقيل : هو الدقيق الذي يطبخ بلبن ؛ انظر : لسان العرب ٣ / ١١٩ مادّة « حرر ».
وقد ورد في المصدر : « خزيرة » ؛ والخزيرة والخزير : اللحم الغابّ يؤخذ فيقطع صغارا في القدر ثمّ يطبخ بالماء الكثير والملح ، فإذا أميت طبخا ذرّ عليه الدقيق فعصد به ، ويقال : هي مرقة ، وهي أن تصفّى بلالة النّخالة ثمّ تطبخ ، وقيل : إذا كانت من لحم أو نخالة فهي خزيرة ، وإن كانت من دقيق فهي حريرة ، والحريرة أرقّ من الخزيرة ؛ انظر : لسان العرب ٤ / ٨٠ مادّة « خزر ».
(٤) الدّكّة والدّكّان : بناء يسطّح أعلاه ليقعد عليه ؛ انظر مادّة « دكك » في : لسان العرب ٤ / ٣٨٢ ، تاج العروس ١٣ / ٥٥٩.
قالت : فأدخلت رأسي البيت(١) ، فقلت : وأنا معكم يا رسول الله؟
قال :إنّك إلى خير ، إنّك إلى خير ».
ونحوه في « أسباب النزول » للواحدي(٢) .
وفي « الدرّ المنثور » عن ابن جرير ، وأبن المنذر ، وأبن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن مردويه ، عن أمّ سلمة أيضا(٣)
ومنها : ما رواه أحمد أيضا(٤) عن أمّ سلمة : « أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله جلّل على عليّ وحسن وحسين وفاطمة كساء ، ثمّ قال :
اللهمّ هؤلاء أهل بيتي ، وخاصّتي ، اللهمّ أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.
فقالت أمّ سلمة : أنا منهم؟
قال :إنّك إلى خير » .
ومنها : ما نقله السيوطي في « الدرّ المنثور » عن ابن مردويه ، عن أمّ سلمة ، قالت : نزلت هذه الآية في بيتي :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، وفي البيت سبعة : جبرئيل ، وميكائيل ، وعليّ ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، وأنا على باب البيت.
قلت : يا رسول الله! ألست من أهل البيت؟
قال :إنّك إلى خير ، إنّك من أزواج النبيّ »(٥) .
__________________
(١) أي : تحت ما أظلّه بهم النبيّصلىاللهعليهوآله من الكساء ؛ انظر : تاج العروس ٣ / ٢١ مادّة « بيت ».
(٢) أسباب النزول : ١٩٨.
(٣) الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٣ و ٦٠٤.
(٤) ص ٣٠٤ من الجزء السادس. منهقدسسره .
(٥) الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٤.
ومنها : ما في « الدرّ المنثور » عن ابن مردويه ؛ والخطيب ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : « كان يوم أمّ سلمة أمّ المؤمنين ، فنزل جبرئيل على رسول اللهصلىاللهعليهوآله بهذه الآية :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .
قال : فدعا رسول اللهصلىاللهعليهوآله بحسن وحسين وفاطمة وعليّ ، فضمّهم إليه ، ونشر عليهم الثوب ، والحجاب على أمّ سلمة مضروب ، ثمّ قال :
اللهمّ أهل بيتي ، اللهمّ أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.
قالت : فأنا معهم يا نبي الله؟
قال :إنّك على مكانك ، وإنّك على خير »(١) .
ومنها : ما في « الدرّ المنثور » عن الترمذي ، قال : وصحّحه ، وعن ابن جرير ، وأبن المنذر ، وأبن مردويه ، والبيهقي ، من طرق عن أمّ سلمة ، قالت : في بيتي نزلت :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ ) الآية ، وفي البيت فاطمة وعليّ والحسن والحسين ، فجلّلهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله بكساء كان عليه ، ثمّ قال :هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا »(٢) .
ومنها : ما في « الدرّ المنثور » ، عن ابن جرير ، وأبن أبي حاتم ، والطبراني ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : نزلت هذه الآية في خمسة : فيّ ، وفي عليّ ، وفاطمة ، وحسن ، وحسين :
__________________
(١) الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٤ ، وانظر : تاريخ بغداد ١٠ / ٢٧٨ رقم ٥٣٩٦.
(٢) الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٤ ، وانظر : سنن الترمذي ٥ / ٣٢٧ ـ ٣٢٨ ح ٣٢٠٥ وص ٦٢١ ح ٣٧٨٧ وص ٦٥٦ ـ ٦٥٧ ح ٣٨٧١ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٢ / ١٤٩ وج ٧ / ٦٣.
( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ) الآية(١) .
ومثله في « الصواعق » ، عن أحمد بن حنبل ، عن أبي سعيد(٢) .
وفي « أسباب النزول » للواحدي ، عن أبي سعيد(٣) .
ومنها : ما في « الدرّ المنثور » قال : أخرج الحكيم الترمذي ، والطبراني ، وأبن مردويه ، وأبو نعيم ، والبيهقي ، عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله :إنّ الله قسم الخلق قسمين ، فجعلني في خيرهما قسما
إلى أن قال : ثمّ جعل القبائل بيوتا ، فجعلني في خيرها بيتا ، فذلك قوله تعالى :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، فأنا وأهل بيتي مطهّرون من الذنوب(٤) .
.. إلى غير ذلك من الأخبار التي لا تحصى ، الدالّة على نزول الآية الكريمة في الخمسة الأطهار أو في الأربعة(٥) ، فلا تشمل الأزواج قطعا.
بل يستفاد من تلك الأخبار أنّ المراد بأهل البيت عند الإطلاق هو خصوص الخمسة أو الأربعة ، فضلا عن نزول الآية بهم ، فلا تدخل الأزواج فيهم بكلّ مقام ، إلّا أن يراد لقرينة بيت السكنى فيدخلن مع الإماء.
__________________
(١) الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٤ ، وانظر : المعجم الكبير ٣ / ٥٦ ح ٢٦٧٣.
(٢) الصواعق المحرقة : ٢٢١.
(٣) أسباب النزول : ١٩٨.
(٤) الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٥ ـ ٦٠٦ ، وانظر : نوادر الأصول ١ / ٢١٤ ـ ٢١٥ ، المعجم الكبير ـ للطبراني ـ ٣ / ٥٦ ـ ٥٧ ح ٢٦٧٤ وج ١٢ / ٨١ ـ ٨٢ ح ١٢٦٠٤ ، دلائل النبوّة ـ لأبي نعيم ـ ١ / ٥٨ ح ١٦ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ١ / ١٧٠ ، كنز العمّال ٢ / ٤٤ ح ٣٠٥٠.
(٥) راجع الصفحتين ٣٥١ و ٣٥٨ وما بعدها من هذا الجزء.
ويدلّ(١) على عدم كونهنّ من أهل البيت ، ما رواه مسلم في باب فضائل عليّعليهالسلام ، أنّه قيل لزيد بن أرقم بعد ما روى حديث الثقلين : من أهل بيته؟ نساؤه؟
قال : لا وأيم الله! إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثمّ يطلّقها فترجع إلى أبيها وقومها ، أهل بيته أصله وعصبته الّذين حرموا الصدقة بعده(٢) .
وفي رواية أخرى لمسلم : « فقال له حصين : ومن أهل بيته يا زيد؟
أليس نساؤه من أهل بيته؟!
قال : نساؤه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده »(٣) .
فإنّه أراد بقوله : « نساؤه من أهل بيته » الإنكار على من تخيّل دخولهنّ في أهل بيت النبيّصلىاللهعليهوآله ، ولذا استدرك وقال : « ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده ».
ولا تنافي هاتان الروايتان تلك الأخبار السابقة الدالّة على نزول آية التطهير في الخمسة أو الأربعة ؛ لأنّ هاتين الروايتين إنّما تدلّان على دخول غير الأربعة من عشيرة النبيّصلىاللهعليهوآله في مسمّى أهل بيته ، فلا تنافيان ما يدلّ على اختصاص نزول الآية بالأربعة.
__________________
(١) هذا الاستدلال من الشيخ المظفّرقدسسره مجاراة للقوم في ما يعتمدون عليه ، وإلزام لهم بما يعتقدونه ، استيفاء منه لجوانب البحث وتتميما لها ؛ إذ ليس « الدليل » إلّا الكتاب والسنّة ، ثمّ العقل القطعي ، وأمّا ما ينقل عن زيد أو عمرو فهو « قول » وليس ب « دليل » ، وقد قامت الأدلّة من الكتاب والسنّة على متابعة « الدليل » لا إطاعة « القول » ؛ فلاحظ!
(٢) صحيح مسلم ٧ / ١٢٣.
(٣) صحيح مسلم ٧ / ١٢٣.
على أنّا لا نسلّم لزيد اجتهاده في شمول أهل البيت لغير الأربعة ؛ لأنّ غيرهم بالضرورة ليس من الثقل الذي هو قرين القرآن وعديله في لزوم التمسّك به ، وأنّ من تمسّك به لا يضلّ أبدا ؛ لاشتمالهم على الجهلة والعصاة والفسّاق ، فكيف يدخلون في حديث الثقلين؟! وكذا في آية التطهير بالضرورة؟!
ويدلّ أيضا على خروج الأزواج عن مسمّى أهل البيت ، فضلا عن الآية ، ما رواه أحمد(١) ، عن أمّ سلمة ، قالت : « بينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله في بيتي يوما إذ قالت الخادم : إنّ عليّا وفاطمة بالسدّة(٢) ، فقال لي :قومي فتنحّي عن أهل بيتي .
قالت : فقمت فتنحّيت في البيت قريبا ، فدخل عليّ وفاطمة ومعهما الحسن والحسين ، وهما صبيّان صغيران ، فأخذ الصبيّين فوضعهما في حجره فقبّلهما ، وأعتنق عليّا بإحدى يديه ، وفاطمة باليد الأخرى ، فقبّل فاطمة ، وقبّل عليّا ، فأغدق عليهم خميصة(٣) سوداء ، فقال :اللهمّ إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي .
قالت : فقلت : وأنا يا رسول الله؟
فقال :وأنت ».
__________________
(١) ص ٢٩٦ من الجزء السادس. منهقدسسره .
(٢) السدّة : الفناء أو الساحة أمام باب الدار ، أو الظّلّة أو السقيفة تكون بباب الدار ، أو الصّفّة بين يدي البيت ، وقيل : هي الباب نفسه ؛ انظر : لسان العرب ٦ / ٢١١ مادّة « سدد ».
(٣) الخميصة : كساء من خزّ أو صوف أسود مربّع له علمان ، ولا تسمّى خميصة إلّا أن تكون سوداء معلمة ؛ انظر : لسان العرب ٤ / ٢١٩ مادّة « خمص ».
ومثله في محلّ آخر عن أمّ سلمة(١) .
وأرادصلىاللهعليهوآله بقوله : « وأنت » إنّك أيضا إلى الله لا إلى النار ، لا أنّها من أهل بيته ، لقوله : «تنحّي عن أهل بيتي ».
ويدلّ أيضا على خروج الأزواج عن مسمّى أهل البيت ما رواه أحمد(٢) ، عن أمّ سلمة أيضا : « أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لفاطمة :ائتيني بزوجك وأبنيك .
فجاءت بهم ، فألقى عليهم كساء فدكيا ، ثمّ وضع يده عليهم ، ثمّ قال :اللهمّ إنّ هؤلاء آل محمّد ، فاجعل صلواتك وبركاتك على محمّد وآل محمّد ، إنّك حميد مجيد ».
قالت أمّ سلمة : « فرفعت الكساء لأدخل معهم ، فجذبه من يدي وقال :إنّك على خير ».
ومثله في « الدرّ المنثور » ، عن الطبراني(٣) .
وإنّما لم نجعل هذه الأحاديث في طيّ الأخبار السابقة ؛ لأنّها لم تتعرّض لنزول الآية ، وإنّما دلّت على خروج الأزواج من أهل البيت ، وإن كان الظاهر تعلّقها في قصّة نزول الآية بقرينة الأخبار السابقة.
وبالجملة : لا ريب بأنّ الآية الكريمة مختصّة بالخمسة الأطهار ، ولا تشمل الأزواج ، ولا بقيّة أقارب النبيّصلىاللهعليهوآله ؛ لاختصاص أخبار النزول بالخمسة الأطهار ، ولكون غيرهم غير مطهّرين من الرجس.
ولا يعارض تلك الأخبار ما رواه ابن حجر في « الصواعق » ، من أنّ
__________________
(١) ص ٣٠٤ من الجزء المذكور. منهقدسسره .
(٢) ص ٣٢٣ من الجزء المذكور. منهقدسسره .
(٣) الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٤ ، وانظر : المعجم الكبير ٣ / ٥٣ ح ٢٦٦٤.
النبيّصلىاللهعليهوآله اشتمل على العبّاس وبنيه بملاءة ، ثمّ قال : « يا ربّ هذا عمّي ، وصنو أبي ، وهؤلاء أهل بيتي ، فاسترهم من النار كستري إيّاهم » ؛ فأمّنت أسكفّة(١) الباب وحوائط البيت ، فقال : « آمين » وهي ثلاثا(٢) .
وذلك لأنّ هذا الحديث لا يدلّ على نزول الآية بالعبّاس وبنيه ، وإنّما يدلّ على صدق أهل البيت عليهم فقط.
على أنّه ضعيف السند ، واضح الكذب ، ظاهر التصنّع ، رعاية لملوك العبّاسيّين! وإلّا فما هذا الاهتمام بالعبّاس وبنيه حتّى تؤمّن أسكفّة الباب وحيطان البيت ثلاثا مع النبيّصلىاللهعليهوآله ؟!
هذا ، وقد استدلّ من زعم نزول الآية بالأزواج بمناسبة نظم القرآن كما بيّنه الفضل ، وفيه :
أوّلا : إنّ مناسبة النظم لا تعارض ما تواتر بنزولها في الخمسة الطاهرين ، أو الأربعة خاصّة.
وثانيا : إنّا نمنع المناسبة ؛ لتذكير الضمير بعد التأنيث ، ولتعدّد الخطاب والمخاطب.
وإنّما جعل سبحانه هذه الآية في أثناء ذكر الأزواج وخطابهنّ للتنبيه على أنّه سبحانه إنّما أمرهنّ ونهاهنّ وأدّبهنّ إكراما لأهل البيت ، وتنزيها لهم عن أن تنالهم بسببهنّ وصمة ، وصونا لهم عن أن يلحقهم من أجلهنّ عيب ، ورفعا لهم عن أن يتّصل بهم أهل المعاصي ، ولذا استهلّ سبحانه
__________________
(١) الأسكفّة والأسكوفة : عتبة الباب التي يوطأ عليها ؛ انظر : لسان العرب ٦ / ٣٠٨ مادّة « سكف ».
(٢) الصواعق المحرقة : ٢٢٢.
الآيات بقوله :( يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ ) (١) .
ضرورة أنّ هذا التمييز إنّما هو للاتّصال بالنبيّ وآله ، لا لذواتهنّ ، فهنّ في محلّ ، وأهل البيت في محلّ آخر.
فليست الآية الكريمة إلّا كقول القائل : يا زوجة فلان! لست كأزواج سائر الناس ، فتعفّفي ، وتستّري ، وأطيعي الله تعالى ، إنّما زوجك من بيت أطهار يريد الله حفظهم من الأدناس ، وصونهم عن النقائص.
وقد يستدلّ أيضا للقائل بنزولها في الأزواج بما رواه الواحدي في « أسباب النزول » ، عن ابن عبّاس ، قال : « أنزلت هذه الآية في نساء النبيّصلىاللهعليهوآله »(٢) .
وفيه ـ مع ضعفه بجماعة متروكين ، منهم صالح بن موسى ، الذي سبق بعض ترجمته في مقدّمة الكتاب(٣) _ :
إنّه معارض بما مرّ عن ابن عبّاس نفسه ، من أنّ المراد بأهل البيت :
البيت من القبيلة(٤) ، وبالأخبار السابقة الصحيحة المستفيضة الدالّة على نزولها في الخمسة أو الأربعة خاصّة.
وقد روى القوم أيضا نزولها فيهنّ ، عن ابن عبّاس ، من طريق عكرمة ؛ وقد عرفت حاله ، وأنّه كذّاب خارجي(٥) .
__________________
(١) سورة الأحزاب ٣٣ : ٣٢.
(٢) أسباب النزول : ١٩٨.
(٣) انظر : ج ١ / ١٤٦ رقم ١٤٥ من هذا الكتاب.
(٤) راجع الصفحة ٣٦٩ من هذا الجزء.
(٥) انظر : ج ١ / ١٩١ رقم ٢٢٤ من هذا الكتاب.
ورووه أيضا عن عروة بن الزبير ؛ وهو معلوم العداوة لآل محمّد(١) ، ومتّهم بإرادة جلب الفضل لخالته في أمر لم تدّعه هي لنفسها لو صحّ السند إليه(٢) .
على أنّ رأي عروة وغيره لا يزاحم تلك الأخبار المتواترة ، الحاكية لفعل النبيّصلىاللهعليهوآله ، وقوله المأخوذ عن جبرئيل عن الله تعالى.
واستدلّ من زعم نزول الآية بالأزواج وعشيرة النبيّصلىاللهعليهوآله ، بما رواه ابن حجر في « الصواعق » ، من أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله ضمّ إلى الأربعة الأطهار بقيّة بناته وأقاربه وأزواجه(٣) .
وأثر الوضع على هذه الرواية ظاهر ، فإنّا لم نعهد وجود كساء يسع مقدار بني هاشم وأزواج النبيّصلىاللهعليهوآله ، الّذين يبلغ عددهم في ذلك الوقت
__________________
(١) ورد أنّ الرعدة كانت تأخذ عروة إذا ذكر عليّعليهالسلام ، فيسبّه ويضرب بإحدى يديه على الأخرى ، وكان يعيب على عليّ وينال منه ، وكان منحرفا عنهعليهالسلام ؛ أنظر : شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٤ / ٦٩ و ١٠٢.
(٢) الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٣.
نقول : أمّا سند الحديث إليه كما أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٨ / ١٦٠ فهو : محمّد بن عمر ، عن مصعب بن ثابت ، عن أبي الأسود ، عن عروة.
ومحمّد بن عمر ، هو الواقدي ، فقد ضعّفه يحيى بن معين وقال فيه : ضعيف ، ليس بثقة ، وقال أحمد بن حنبل : كذّاب ، وقال البخاري ومسلم : متروك الحديث ، وقال النسائي : ليس بثقة ؛ انظر : تهذيب الكمال ١٧ / ٩٧ ـ ١٠٤ رقم ٦٠٩٠.
وأمّا مصعب ، فقد ضعّفه يحيى بن معين كذلك ، وقال أحمد بن حنبل : أراه ضعيف الحديث ، وقال أبو حاتم والنسائي : ليس بالقوي ؛ انظر : تهذيب الكمال ١٨ / ١٢٠ رقم ٦٥٧٢.
وأمّا أبو الأسود ، فهو : محمّد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشي الأسدي ، يتيم عروة ؛ انظر : تهذيب الكمال ١٦ / ٥٠٧ رقم ٦٠٠٠.
(٣) الصواعق المحرقة : ٢٢٢.
تقريبا مئة نفس صغيرا وكبيرا! ولو وجد فما حاجة النبيّصلىاللهعليهوآله إلى اقتناء مثله؟!
ولو كان من الخمسة الأطهار غيرهم لاشتهر وذاع وافتخر به مفتخرهم ؛ لأنّه يتنافس به المتنافسون!
أترى أنّ حفصة تترك ذكره ، وعائشة ترويه للخمسة وتدع نفسها؟!
وهل يغفل حسّاد أمير المؤمنينعليهالسلام عنه؟!
هذا كلّه مع الإعراض عمّا في سند الحديث ، ومعارضته بتلك الأخبار المتواترة.
واستدلّوا أيضا بما رواه بعضهم عن واثلة ، أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله لمّا جمع الأربعة الطيّبين وتلا الآية ، قال واثلة : « وأنا من أهلك؟ قال : وأنت من أهلي »(١) .
فإنّه إذا كان واثلة من أهل النبيّصلىاللهعليهوآله ، فأقاربه وأزواجه أولى.
وفيه : إنّه لو صحّ السند ، فدخول واثلة مبنيّ على ضرب من التجوّز ، فلا تلزم الأولويّة(٢) .
على أنّ هذه الرواية معارضة بالرواية السابقة عن واثلة ، الدالّة على خروجه ، وهي أشهر وأصحّ ، مع اعتضادها بالأخبار المتواترة(٣) .
__________________
(١) تفسير الطبري ١٠ / ٢٩٧ ح ٢٨٤٩٤ ، الصواعق المحرقة : ٢٢١.
(٢) ثمّ يقال : ما وجه دخول واثلة بن الأسقع ، وهو ليثي كناني ، في بني هاشم وأهل البيت؟! وما الذي أتى بواثلة وأدخله إلى بيت النبيّ ، وقد كان وقت نزول الآية كافرا؟! لأنّه أسلم والنبيّ يتجهّز إلى تبوك سنة ٩ ه ـ كما في الاستيعاب ٤ / ١٥٦٤ رقم ٢٧٣٨ ـ والآية نزلت قبل ذلك بكثير!!
(٣) المستدرك على الصحيحين ٢ / ٤٥١ ح ٣٥٥٩ وج ٣ / ١٥٩ ح ٤٧٠٦ ، الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٥.
وقد يستدلّ لهم بما رواه أحمد في مسنده(١) ، عن أمّ سلمة ، من حديث ذكرت فيه أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله اجتبذ من تحتها كساء خيبريا ، فلفّه عليه وعلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين ، وأخذ بشماله طرفي الكساء ، وألوى بيده اليمنى إلى ربّه عزّ وجلّ ، ودعا لهم بالتطهير ثلاثا.
قالت : قلت : يا رسول الله! ألست من أهلك؟!
قال :بلى ، فادخلي في الكساء .
قالت : فدخلت في الكساء بعد ما قضى دعاءه لابن عمّه وابنيه وابنته فاطمة
وفيه ـ مع ضعف سنده بجماعة ، منهم : شهر بن حوشب ، الذي سبق بعض ترجمته في المقدّمة(٢) _ :
إنّ المراد : أنّها من أهله دون أن تشملها آية التطهير ، ولذا جذب الكساء من تحتها وخصّهم بدعائه ، فهي من أهله بوجه التجوّز ؛ لأنّها من المطيعات لله تعالى ، وله ، أو من أهل بيت سكناه.
فاتّضح أنّ الآية الكريمة مختصّة بالخمسة الطاهرين ، أو الأربعة ، وقد كان هذا معروفا في الصدر الأوّل.
وإنّما حدث الخلاف من عكرمة الكذّاب الخارجي(٣) وأشباهه ، كما يشهد له ما في « الدرّ المنثور » ، عن ابن جرير وابن مردويه ، عن عكرمة ، ـ في الآية ـ ، قال : ليس بالذي تذهبون إليه ، إنّما هو نساء النبيّصلىاللهعليهوآله (٤) .
__________________
(١) ص ٢٩٨ من الجزء السادس. منهقدسسره .
(٢) انظر : ج ١ / ١٤٣ رقم ١٤٠ من هذا الكتاب.
(٣) راجع ترجمته في ج ١ / ١٩١ رقم ٢٢٤ من هذا الكتاب.
(٤) الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٣.
فإنّ قوله : « ليس بالذي تذهبون إليه » دالّ على معروفية نزولها في عليّ وفاطمة والحسن والحسين بين أهل الصدر الأوّل ، ولذا احتاج عكرمة إلى أن ينادي في الأسواق بنزولها في الأزواج ، كما في « الصواعق »(١) .
واحتاج إلى أن يقول : « من شاء باهلته أنّها في أزواج النبيّصلىاللهعليهوآله » كما في « الدرّ المنثور »(٢) .
وقد اجتهد في إطفاء أنوار آل محمّدصلىاللهعليهوآله ( وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ) (٣) .
ثمّ إنّه لا ريب بدلالة الآية الكريمة على عصمتهم عن جميع الذنوب مطلقا ؛ لإطلاق الرجس فيها مع معونة بعض الأخبار السابقة ، حيث
قال النبيّصلىاللهعليهوآله فيه : «فأنا وأهل بيتي مطهّرون من الذنوب »(٤)
فإنّ الذنوب جمع محلّى باللام ، وهو يفيد العموم ، ولأنّ الآية الشريفة دالّة على مدحهم والعناية العظمى بشأنهم ، ولا يحسن مثله ، ـ بحيث أنزل الله تعالى به قرآنا يتلى إلى آخر الدهر ـ إلّا بعصمتهم وطهارتهم عن كلّ ذنب ، لا عن خصوص الشرك وكبائر الفواحش كما زعمه الفضل ، ولا سيّما وهو ممّا يشاركهم فيه كثير من المؤمنين!
فكيف يخصّهم بالثناء ويأتي بما يفيد الحصر؟!
وأمّا ما استند إليه الفضل من سبق قوله تعالى :( فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي
__________________
(١) الصواعق المحرقة : ٢٢١.
(٢) الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٣.
(٣) سورة التوبة ٩ : ٣٢.
(٤) الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٥ ـ ٦٠٦.
قَلْبِهِ مَرَضٌ ) (١) ، فباطل ؛ لأنّه لو كان سبق مثله قرينة على إرادة الطهارة عنه ، لكان اللازم أيضا القول بالطهارة عن مخالفة كلّ ما سبق في الآية ، من الأمر بقولهنّ المعروف ، وبالقرار في بيوتهنّ ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وطاعة الله ورسوله ؛ وذلك في معنى العصمة عن كلّ الذنوب
والفضل لا يقول بها ، ولا يمكن أن يدّعيها للأزواج ؛ لما يعلمه هو وغيره من أنّ عائشة لم تقرّ في بيتها ، وعصت الله ورسوله بحرب إمام زمانها ، وشقّت عصا المسلمين وشتّتت أمرهم ، وتظاهرت هي وحفصة على النبيّ ، وعصتا ربّهما ، كما يدلّ عليه قوله تعالى :( إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ) (٢) إلى غير ذلك ممّا ستعرفه في المطاعن.
فإذا ثبت نزول الآية في الخمسة الأطهار ، ودلّت على عصمتهم من الذنوب ، ثبتت إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام دون من تقدّمة في الخلافة ؛ لما سبق من أنّ العصمة شرط الإمامة(٣) ، وغير عليّ ليس معصوما بالإجماع والضرورة
ولأنّ أمير المؤمنينعليهالسلام ادّعى الإمامة لنفسه ، وأنّها حقّه ـ وإن لم يتمكّن من حرب من تقدّم عليه كما سبق(٤) ـ ، فيكون صادقا ؛ لأنّ الكذب ـ ولا سيّما في مثل دعوى الإمامة ـ من أعظم الرجس.
وقوله : « لا نسلّم أنّ عليّا ادّعى الإمامة لنفسه »(٥) ، مكابرة ظاهرة كما
__________________
(١) سورة الأحزاب ٣٣ : ٣٢.
(٢) سورة التحريم ٦٦ : ٤.
(٣) انظر الصفحة ٢٠٥ وما بعدها من هذا الجزء.
(٤) انظر الصفحة ٢٨٠ من هذا الجزء.
(٥) مرّ في الصفحة ٣٥٥ من هذا الجزء.
مرّ توضيحه(١) .
وإلّا فما الموجب لتأخّره عن بيعتهم إلى أن قهروه عليها ، وبقي يتظلّم منهم مدّة حياته ، وجرّد الزبير سيفه لأجله إلى غير ذلك ممّا سبق(٢) ؟!
* * *
__________________
(١) تقدّم في الصفحة ٢٨٠ وما بعدها من هذا الجزء.
(٢) انظر الصفحة ٢٧٧ وما بعدها من هذا الجزء.
٤ ـ آية المودّة في القربى
قال المصنّف ـ قدّس الله روحه ـ(١) :
الرابعة : قوله تعالى :( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) (٢) .
روى الجمهور في الصحيحين ، وأحمد بن حنبل في مسنده ،
والثعلبي في تفسيره ، عن ابن عبّاس ، قال :
لمّا نزل :( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى )
قالوا : يا رسول الله! من قرابتك الّذين وجبت علينا مودّتهم؟
قال :عليّ وفاطمة وأبناهما (٣)
ووجوب المودّة يستلزم وجوب الطاعة.
* * *
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٧٥.
(٢) سورة الشورى ٤٢ : ٢٣.
(٣) فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٨٣٢ ـ ٨٣٣ ح ١١٤١ ، المعجم الكبير ـ للطبراني ـ ٣ / ٤٧ ح ٢٦٤١ وج ١١ / ٣٥١ ح ١٢٢٥٩ ، تفسير الثعلبي ٨ / ٣١٠ ، مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٥٨ ـ ٢٥٩ ح ٣٥٢ ، شواهد التنزيل ٢ / ١٣٠ ـ ١٣٤ ح ٨٢٢ ـ ٨٢٨ ، الكشّاف ٣ / ٤٦٧ ، تفسير الفخر الرازي ٢٧ / ١٦٧ ، الجامع لأحكام القرآن ١٦ / ١٦ ، فرائد السمطين ٢ / ١٣ ح ٣٥٩ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٦٨ ، تفسير ابن كثير ٤ / ١١٤ ـ ١١٥.
وقال الفضل(١) :
اختلفوا في معنى الآية ، فقال بعضهم : الاستثناء منقطع(٢) ، والمعنى :
لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجرا ، لكن المودّة في القربى حاصلة بيني وبينكم ، فلهذا أسعى وأجتهد في هدايتكم وتبليغ الرسالة إليكم(٣) .
وقال بعضهم : الاستثناء متّصل(٤) ، والمعنى : لا أسألكم عليه أجرا من الأجور إلّا مودّتكم في قرابتي(٥) .
وظاهر الآية على هذا المعنى شامل لجميع قرابات النبيّ ، ولو خصّصناه بمن ذكر لا يدلّ على خلافة عليّ ، بل يدلّ على وجوب مودّته.
ونحن نقول : إنّ مودّته واجبة على كلّ المسلمين ، والمودّة تكون مع الطاعة ، ولا كلّ مطاع يجب أن يكون صاحب الزعامة الكبرى.
والعجب من هذا الرجل أنّه يستدلّ على المطلوب ، وكلامه في غاية البعد عنه وهو لا يفهم هذا.
* * *
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ١٩.
(٢) الاستثناء المنقطع : هو أن لا يكون المستثنى بعضا ممّا قبله ، ولذا صحّ وضع « لكن » في مكان « إلّا » ، مثل : ما حضر الأساتذة إلّا طلبتهم ؛ انظر : شرح ابن عقيل ٢ / ٤٧٢.
(٣) تفسير الطبري ١١ / ١٤٥ ذ ح ٣٠٦٨٦ ، تفسير الفخر الرازي ٢٧ / ١٦٦ ، تفسير القرطبي ١٦ / ١٥ ، الكشّاف ٣ / ٤٦٦ ، روح المعاني ٢٥ / ٤٨.
(٤) الاستثناء المتّصل : هو أن يكون المستثنى بعضا ممّا قبله ، مثل : سقيت الأشجار إلّا شجرة ؛ انظر : شرح ابن عقيل ٢ / ٤٧٢.
(٥) تفسير الكشّاف ٣ / ٤٦٦ ، تفسير القرطبي ١٦ / ١٦ ، روح المعاني ٢٥ / ٤٨.
وأقول :
ينبغي قبل الكلام في الآية ذكر بعض الأخبار التي رواها القوم ، الدالّة على أنّ المراد بالقربى آل محمّدصلىاللهعليهوآله
فمنها : الحديث الذي ذكره المصنّفرحمهالله ، وقد رواه الزمخشري في تفسير الآية ، واستدلّ لصحّته بأخبار كثيرة تستلزم معناه(١) .
ونقله السيوطي في « الدرّ المنثور » ، عن ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن مردويه(٢) .
ونقله في « ينابيع المودّة » عند ذكر الآية ، عن أحمد ، والثعلبي ، والحاكم في « المناقب » ، والواحدي في « الوسيط » ، وأبي نعيم في « الحلية » ، والحمويني في « فرائد السمطين »(٣) .
ونقله في « الصواعق » في الآية الرابعة عشرة من الآيات الواردة في أهل البيت ، عن أحمد ، والطبراني ، وابن أبي حاتم ، والحاكم(٤) .
ومنها : ما نقله الحاكم في « المستدرك » ، في تفسيرحم عسق ، من كتاب التفسير(٥) ، عن البخاري ومسلم ، قال : [ هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه ، إنّما ] اتّفقا في تفسير هذه الآية ـ أي آية المودّة _
__________________
(١) تفسير الكشّاف ٣ / ٤٦٧.
(٢) الدرّ المنثور ٧ / ٣٤٨.
(٣) ينابيع المودّة ١ / ٣١٥ ب ٣٢ ح ١.
(٤) الصواعق المحرقة : ٢٥٨ ـ ٢٥٩.
(٥) ص ٤٤٤ من الجزء الثاني [ ٢ / ٤٨٢ ذ ح ٣٦٥٩ ]. منهقدسسره .
على حديث عبد الملك بن ميسرة الزرّاد ، عن طاووس ، عن ابن عبّاس ، أنّه في قربى آل محمّدصلىاللهعليهوآله .
ولعلّ هذا هو الذي أراده المصنّف بما عن البخاري ومسلم.
ومنها : ما في « الدرّ المنثور » أيضا ، قال : أخرج ابن جرير ، عن أبي الديلم : « لمّا جيء بعليّ بن الحسينعليهالسلام فأقيم على درج دمشق ، قام رجل من أهل الشام فقال : الحمد لله الذي قتلكم وأستأصلكم.
فقال له عليّ بن الحسينعليهالسلام : أقرأت القرآن؟!
قال : نعم.
قال : أما قرأت :( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) ؟!
قال : فإنّكم لأنتم هم؟!
قال : نعم »(١) .
ونحوه في « الصواعق » ، عن الطبراني(٢) .
ومنها : ما في « الصواعق » ، قال : « روى أبو الشيخ وغيره ، عن عليّعليهالسلام : فينا الـ( حم ) (٣) آية ، لا يحفظ مودّتنا إلّا كلّ مؤمن.
ثمّ قرأ :( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) (٤) .
__________________
(١) الدرّ المنثور ٧ / ٣٤٨ ، وانظر : تفسير الطبري ١١ / ١٤٤ ح ٣٠٦٧٧.
(٢) الصواعق المحرقة : ٢٥٩ ، وانظر : المعجم الكبير ٣ / ٤٧ ح ٢٦٤١ وج ١١ / ٣٥١ ح ١٢٢٥٩.
(٣) سورة الشورى ٤٢ : ١.
(٤) الصواعق المحرقة : ٢٥٩ ، جواهر العقدين : ٣١٧.
ومنها : ما في « الصواعق » أيضا ، قال : « أخرج البزّار والطبراني ، عن الحسنعليهالسلام ، من طرق بعضها حسان ، أنّه خطب خطبة من جملتها :
من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمّد.
ثمّ تلا :( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ ) (١) الآية.
ثمّ قال :أنا ابن البشير ، أنا ابن النذير.
ثمّ قال :وأنا من أهل البيت الّذين افترض الله عزّ وجلّ مودّتهم وموالاتهم ، فقال في ما أنزل على محمّد صلىاللهعليهوآله :( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) .
قال : وفي رواية :الّذين افترض الله مودّتهم على كلّ مسلم ، وأنزل فيهم : ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً ) (٢) ،واقتراف الحسنات مودّتنا أهل البيت »(٣) .
وروى الحاكم هذه الخطبة في فضائل الحسنعليهالسلام من « المستدرك »(٤) ، قال الحسنعليهالسلام في آخرها :
«وأنا من أهل البيت الّذين افترض الله مودّتهم على كلّ مسلم ، فقال تبارك وتعالى لنبيّه صلىاللهعليهوآله :( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ
__________________
(١) سورة يوسف ١٢ : ٣٨.
(٢) سورة الشورى ٤٢ : ٢٣.
(٣) الصواعق المحرقة : ٢٥٩ ، وانظر : المعجم الأوسط ٢ / ٤٠١ ـ ٤٠٢ ح ٢١٧٦ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٤٦ عن البزار وغيره.
(٤) ص ١٧٢ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٨٨ ـ ١٨٩ ح ٤٨٠٢ ]. منهقدسسره .
وانظر : الذرية الطاهرة : ١٠٩ ـ ١١١ ح ١١٤ ـ ١١٥.
فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً ) ، فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت ».
ومنها : ما في « الصواعق » أيضا ، عن الثعلبي والبغوي ، عن ابن عبّاس ، أنّه لمّا نزل قوله تعالى :( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) قال قوم في نفوسهم : ما يريد إلّا أن يحثّنا على قرابته من بعده ، فأخبر جبرئيل النبيّصلىاللهعليهوآله أنّهم اتّهموه ، فأنزل :( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً ) (١) الآية.
فقال القوم : يا رسول الله! إنّك لصادق
فأنزل الله :( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ) (٢) (٣) .
.. إلى غير ذلك من الأخبار.
ويؤيّدها الأخبار المستفيضة الدالّة على وجوب حبّ أهل البيت ، وأنّه مسؤول عنه يوم القيامة(٤) .
وذكر في « الكشّاف » أخبارا أخر جعلها دليلا لإرادة عليّ وفاطمة والحسنين من القربى(٥) .
وكذا يؤيّدها الأخبار المفسّرة للحسنة في تتمّة الآية بحبّ أهل
__________________
(١) سورة الشورى ٤٢ : ٢٤.
(٢) سورة الشورى ٤٢ : ٢٥.
(٣) الصواعق المحرقة : ٢٥٩ ـ ٢٦٠ ، وانظر : تفسير الثعلبي ٨ / ٣١٥ ، تفسير البغوي ٤ / ١١٢.
(٤) انظر : المعجم الكبير ١١ / ٨٣ ـ ٨٤ ح ١١١٧٧ ، المعجم الأوسط ٣ / ٩ ح ٢٢١٢ وص ٢٦ ح ٢٢٥١ وج ٩ / ٢٦٤ ـ ٢٦٥ ح ٩٤٠٦ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٧٢ وج ١٠ / ٣٤٦ ، ذخائر العقبى : ٦٣ ، جواهر العقدين : ٣٢٦ و ٣٢٧.
(٥) تفسير الكشّاف ٣ / ٤٦٧.
البيت ، كما سمعته في بعض الروايات المذكورة(١) .
وقال ابن حجر عند كلامه في الآية : أخرج أحمد ، عن ابن عبّاس :( وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً ) ، قال : المودّة لآل محمّد(٢) .
ومثله في « الدرّ المنثور » ، عن ابن أبي حاتم ، عن ابن عبّاس(٣) .
وقال في « الكشّاف » :( وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً ) ، عن السدّي أنّها المودّة في آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله (٤) .
ولكن يا للأسف! ما هان على القوم رواية تلك الأخبار حتّى رووا عن ابن عبّاس ما ينافي رواياته السابقة ، فنسبوا إليه مخالفة النبيّ والوحي!!
روى البخاري في كتاب « التفسير » من صحيحه ، في تفسير الآية :
« أنّه سئل ابن عبّاس عنها ، فقال سعيد بن جبير : قربى آل محمّد.
فقال ابن عبّاس : عجلت ؛ لم يكن بطن في قريش إلّا كان له فيهم قرابة ، فقال : إلّا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة »(٥) .
والمعنى على حسب ظاهر هذا التفسير : لا أسألكم على التبليغ أجرا إلّا صلتكم لي لما بيني وبينكم من القرابة ، حيث إنّ له قرابة في بطون قريش كلّها.
__________________
(١) مرّت في الصفحة السابقة.
(٢) الصواعق المحرقة : ٢٥٩.
(٣) الدرّ المنثور ٧ / ٣٤٨ ، وانظر : تفسير القرطبي ١٦ / ١٧ ، جواهر العقدين : ٣١٩.
(٤) الكشّاف ٣ / ٤٦٨ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٦٣ ح ٣٦٠.
(٥) صحيح البخاري ٦ / ٢٣١ ح ٣١٤.
وفيه : مع مخالفته لقول من أنزل عليه القرآن ، ولظاهر اللفظ ، إنّه لا معنى لسؤال الأجر على التبليغ ممّن لم يعترف له بالرسالة ؛ لأنّ المقصود على هذا التفسير هو السؤال من الكافرين ، ولذا قال في « الكشّاف » في بيانه : « والمعنى : إن أبيتم تصديقي فاحفظوا حقّ قرابتي ولا تؤذوني »(١) .
أقول : وفي جعل معنى( لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ) : « إن أبيتم تصديقي » نظر ظاهر.
ومثل هذا المحكيّ عن ابن عبّاس في البطلان ، ما ذكره الفضل من المعنى على الاستثناء المنقطع ، فإنّ المنقطع عبارة عن إخراج ما لو لا إخراجه لتوهّم دخوله في حكم المستثنى منه نظير الاستدراك.
وأنت تعلم أنّ المستثنى الذي ذكره الفضل أجنبيّ عمّا قبله بكلّ وجه ، فلا يتوهّم دخوله في حكمه حتّى يستثنى منه.
وأعظم من هذين التفسيرين في البطلان ، ما رواه بعض القوم عن ابن عبّاس ، من أنّ المعنى : « لا أسألكم أجرا على التبليغ إلّا مودّة الله بالتقرّب إليه »(٢) ، فإنّ القربى لم تأت بمعنى التقرّب ، مع أنّه مناف للأخبار السابقة المعتبرة عن ابن عبّاس(٣) .
والحقّ أنّ هذه التفاسير من تحريف الكلم عن مواضعه ، الذي يدعو إليه العناد والتعصّب ، فلا ريب لكلّ منصف في أنّ المراد بالقربى : القرابة ، وأنّ المقصود : عليّ وفاطمة والحسنان ، كما نطقت به الأخبار.
وقول الفضل : « وظاهر الآية على هذا المعنى شامل لجميع قرابات
__________________
(١) الكشّاف ٣ / ٤٦٧.
(٢) انظر : تفسير القرطبي ١٦ / ١٦ ـ ١٧ ، جواهر العقدين : ٣٢٣.
(٣) راجع الصفحات ٣٨١ و ٣٨٣ و ٣٨٧ من هذا الجزء.
النبيّصلىاللهعليهوآله » ، باطل ؛ لمنافاته للقرينة اللفظية ـ وهي الأخبار السابقة وغيرها ـ وللقرينة الحاليّة ؛ لأنّ المعلوم من حال النبيّصلىاللهعليهوآله الاعتناء بعليّ وفاطمة والحسنين ، لا من ناوأه من أقربائه ولم يسلموا إلّا بحدود السيوف والغلبة وللقرينة العقليّة ؛ إذ لا يتصوّر أن يكون ودّ من لم يوادّ الله ورسوله أجرا للتبليغ والرسالة.
فلا بدّ أن يكون المراد مودّة من يكمل الإيمان بمودّته ، وتحصل السعادة الأبديّة بموالاته ، ولذا قال سبحانه في آية أخرى :( قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ) (١) .
بل بلحاظ شأن النبيّصلىاللهعليهوآله إنّما يعدّ قرابة له من هو منه ، لا من بان عنه معنى ومنزلة ، ولذا قال تعالى لنوح :( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ) (٢) .
وقال الرازي في تفسير آية المودّة التي نحن فيها : « آل محمّدصلىاللهعليهوآله هم الّذين يؤول أمرهم إليه ، فكلّ من كان مآل أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل.
ولا شكّ أنّ فاطمة وعليّا والحسن والحسين كان التعلّق بينهم وبين رسول الله أشدّ التعلّقات.
وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر ، فوجب أن يكونوا هم الآل »(٣) .
أقول : ونحو هذا آت في لفظ « القربى » ، فيتعيّن أن يكون المراد بالآية الأربعة الأطهار.
__________________
(١) سورة سبأ ٣٤ : ٤٧.
(٢) سورة هود ١١ : ٤٦.
(٣) تفسير الفخر الرازي ٢٧ / ١٦٧.
وهي تدلّ على أفضليّتهم ، وعصمتهم ، وأنّهم صفوة الله سبحانه ؛ إذ لو لم يكونوا كذلك لم تجب مودّتهم دون غيرهم ، ولم تكن مودّتهم بتلك المنزلة التي ما مثلها منزلة ؛ لكونها أجرا للتبليغ والرسالة الذي لا أجر ولا حقّ يشبهه
ولذا لم يجعل الله المودّة لأقارب نوح وهود أجرا لتبليغهما ، بل قال لنوح :( وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ ) (١) .
وقال لهود :( يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (٢)
فتنحصر الإمامة بقربى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ إذ لا تصحّ إمامة المفضول مع وجود الفاضل ، لا سيّما بهذا الفضل الباهر
مضافا إلى ما ذكره المصنّفرحمهالله من أنّ وجوب المودّة مطلقا يستلزم وجوب الطاعة مطلقا ؛ ضرورة أنّ العصيان ينافي الودّ المطلق
ووجوب الطاعة مطلقا يستلزم العصمة التي هي شرط الإمامة ، ولا معصوم غيرهم بالإجماع ، فتنحصر الإمامة بهم ، ولا سيّما مع وجوب طاعتهم على جميع الأمّة.
وقد فهم دلالة الآية على الإمامة الصحابة ، ولذا اتّهم النبيّصلىاللهعليهوآله بعضهم فقالوا : « ما يريد إلّا أن يحثّنا على قرابته بعده » ، كما سمعته في بعض الروايات السابقة(٣) .
وكلّ ذي فهم يعرفها من الآية الشريفة ، إلّا أنّ القوم أبوا أن يقرّوا
__________________
(١) سورة هود ١١ : ٢٩.
(٢) سورة هود ١١ : ٥١.
(٣) تقدّم في الصفحة ٣٨٦ من هذا الجزء.
بالحقّ ويؤدّوا أجر الرسالة ، فإذا صدرت من أحدهم كلمة طيّبة لم تدعه العصبيّة حتّى يناقضها!
ولذا لمّا نطق الرازي بما حكيناه عنه سابقا عقّبه بقوله :
«المسألة الثالثة : قوله تعالى :( إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) فيه منصب عظيم للصحابة ؛ لأنّه تعالى قال :( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) (١) ، فكلّ من أطاع الله كان مقرّبا عند الله ، فدخل تحت قوله تعالى :( إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) .
والحاصل : إنّ هذه الآية تدلّ على وجوب حبّ آل رسول الله وحبّ أصحابه »(٢) .
فانظر إلى هذه الكلمات الهزلية ، بل لا يتصوّر لكلامه معنى إلّا أن يراد بالقربى المقرّبون ، وهو ليس من معاني القربى.
ولو سلّم ، فاللازم وجوب ودّ كلّ من أطاع الله بلا خصوصيّة للصحابة ، فكيف تدلّ الآية على عظيم منصب للصحابة؟!
ثمّ إنّ بعض القوم أورد على نزول الآية بعليّ وفاطمة والحسنينعليهمالسلام بأنّ سورة الشورى مكّيّة وعليّ حينئذ لم يتزوّج بفاطمة ، فضلا عن ولادة الحسنينعليهماالسلام (٣) .
وفيه : إنّ أخبار نزول الآية الشريفة بالأربعة الطاهرين حجّة قطعيّة وكثيرة معتبرة ، فلا يعتنى بدعوى كون السورة مكّية على أنّه جاء في
__________________
(١) سورة الواقعة ٥٦ : ١٠ و ١١.
(٢) تفسير الفخر الرازي ٢٧ / ١٦٧ ـ ١٦٨.
(٣) كابن تيميّة في منهاج السنّة ٤ / ٢٧ و ٥٦٢ وج ٧ / ٩٩ ، وأبن كثير في تفسيره ٤ / ١١٤ ، والقسطلاني في إرشاد الساري ١١ / ٥٠.
بعض أخبارهم أنّها مدنيّة.
ولو سلّم ، فكون السورة مكيّة إنّما هو بلحاظ أكثرها ، فلا ينافي نزول آية منها بالمدينة(١) .
* * *
__________________
(١) لم نعثر على أحد من أهل الفنّ قال بأنّ آية المودّة مكّية ، فضلا عن إطلاق القول بأنّ سورة الشورى مكّية ، فكثير من السور نزلت في مكّة ولم يكتمل نزولها إلّا في المدينة ، ومنها سورة الشورى التي منها آية المودّة ، فقد صرّح القرطبي عن ابن عبّاس وقتادة بأنّ السورة مكّية إلّا أربع آيات نزلت بالمدينة ، منها آية المودّة ، كما في تفسيره ١٦ / ٣ ، ومثل ذلك في تفسير الخازن ٤ / ٨٩ ، فذكر أنّها مكّية إلّا أربع آيات نزلت بالمدينة أوّلها آية المودّة ، وذكر ذلك أبو حيّان في تفسيره النهر المادّ ٥ / ١٠٥ ، والسيوطي في الإتقان ١ / ٤٦ من قوله تعالى :( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى ) إلى قوله :( بَصِيرٌ ) ، والشوكاني في تفسيره فتح القدير ٤ / ٥٢٤ ، والآلوسي في روح المعاني ٢٥ / ١٦.
يضاف إلى ذلك أنّ ما رواه الطبراني في المعجم الكبير ١٢ / ٢٦ ـ ٢٧ ح ١٢٣٨٤ ، وفي المعجم الأوسط ٦ / ١٠٣ ـ ١٠٤ ح ٥٧٥٨ ، ما يؤكّد نزول آية ١٢٣٨٤ ، وفي المعجم الأوسط ٦ / ١٠٣ ـ ١٠٤ ح ٥٧٥٨ ، ما يؤكّد نزول آية المودّة وبعدها أربع آيات في المدينة.
وراجع ما كتبه السيّد عليّ الحسيني الميلاني في ما يتعلّق بآية المودّة من مباحث علمية في كتابه : تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات ١ / ٢٣١ ـ ٣٤١.
٥ ـ آية :( مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ )
قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :
الخامسة : قوله تعالى :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ ) (٢) .
قال الثعلبي : ورواه ابن عبّاس : أنّها نزلت في عليّعليهالسلام لمّا هرب النبيّصلىاللهعليهوآله من المشركين إلى الغار ، خلّفه لقضاء دينه وردّ ودائعه ، فبات على فراشه ، وأحاط المشركون بالدار
فأوحى الله إلى جبرئيل وميكائيل : إنّي قد آخيت بينكما ، وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر ، فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة؟
فاختار كلّ منهما الحياة ، فأوحى الله إليهما : ألا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب؟! آخيت بينه وبين محمّد ، فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة ، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه!
فنزلا ، فكان جبرئيل عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه ، فقال جبرئيل : بخ بخ! من مثلك يابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة(٣) ؟!
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٧٦.
(٢) سورة البقرة ٢ : ٢٠٧.
(٣) انظر : تفسير الثعلبي ٢ / ١٢٥ ـ ١٢٦.
وانظر : مسند أحمد ١ / ٣٣١ ، فضائل الصحابة ـ له ـ ٢ / ٨٥١ ح ١١٦٨ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١١٣ ح ٨٤٠٩ ، المعجم الكبير ١٢ / ٧٧ ح ١٢٥٩٣ ، المعجم _
__________________
الأوسط ٣ / ٢٤١ ـ ٢٤٢ ح ٢٨٣٦ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٥٨٩ ح ١٣٥١ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٤٣ ح ٤٦٥٢ ، تلخيص المتشابه ١ / ٤١٤ رقم ٦٨٩ ، شواهد التنزيل ١ / ٩٦ ـ ١٠٢ ح ١٣٣ ـ ١٤٢ ، إحياء علوم الدين ٤ / ٣٧ ، مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ للخوارزمي ـ : ١٢٦ ح ١٤٠ و ١٤١ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٩٩ ـ ١٠٢ ، تفسير الفخر الرازي ٥ / ٢٢٢ ، تفسير القرطبي ٣ / ١٦ ، مجمع الزوائد ٩ / ١١٩ ـ ١٢٠.
وقال الفضل(١) :
اختلف المفسّرون أنّ الآية نزلت في من؟
قال كثير منهم : نزلت في صهيب الرومي ، وأنّه كان غريبا بمكّة ، فلمّا هاجر رسول اللهصلىاللهعليهوآله قصد الهجرة ، فمنعه قريش من الهجرة ، فقال : يا معشر قريش! إنّكم تعلمون أنّي كثير المال ، وإنّي تركت لكم أموالي ، فدعوني أهاجر في سبيل الله ولكم مالي.
فلمّا هاجر ، وترك الأموال ، أنزل الله هذه الآية.
فلمّا دخل صهيب على رسول اللهصلىاللهعليهوآله قرأ عليه الآية وقال له : ربح البيع(٢) .
وأكثر المفسّرين على أنّها نزلت في الزبير بن العوّام ، ومقداد بن الأسود لمّا بعثهما رسول اللهصلىاللهعليهوآله لينزلوا خبيب بن عديّ من خشبته التي صلب عليها ، فكان صلب بمكّة ، وحوله أربعون من المشركين ، ففديا أنفسهما حتّى أنزلاه ، فأنزل الله الآية(٣) .
ولو كان نازلا في شأن أمير المؤمنين عليّ ، فهو يدلّ على فضله واجتهاده في طاعة النبيّصلىاللهعليهوآله ، وبذل الروح له.
وكلّ هذه مسلّمة لا كلام لأحد فيه ، ولكن ليس هو بنصّ في إمامته كما لا يخفى.
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٨.
(٢) الكشّاف ١ / ٣٥٣ ، تفسير الفخر الرازي ٥ / ٢٢٢ ، تفسير القرطبي ٣ / ١٥ ـ ١٦ ، الدرّ المنثور ١ / ٥٧٥.
(٣) تفسير البغوي ١ / ١٣٢ ، روح المعاني ٢ / ١٤٦.
وأقول :
إنّ استدلالنا بشيء لا يتوقّف على انحصار أقوالهم وأخبارهم فيه ، بل يكفينا وجوده في رواياتهم لنتّخذه حجّة عليهم ، من دون أن يعارضه ما يخالفه من أقوالهم ورواياتهم ؛ لأنّها ليست حجّة علينا ، وحينئذ يكفينا روايتهم نزول الآية في أمير المؤمنينعليهالسلام ، كما نقله المصنّفرحمهالله عن الثعلبي
ونقله في « ينابيع المودّة » أيضا ، عنه ، وعن ابن عقبة في ملحمته ، وأبي السعادات في « فضائل العترة الطاهرة » ، والغزّالي في « الإحياء » عن ابن عبّاس ، وأبي رافع ، وهند بن أبي هالة ربيب النبيّصلىاللهعليهوآله (١) .
ورواه الرازي في تفسيره بمثل ما عن الثعلبي(٢) .
وروى الحاكم ما يدلّ على ذلك في « المستدرك »(٣) ، وصحّحه هو والذهبي ، عن ابن عبّاس ، من حديث قال فيه : « شرى عليّ نفسه ، ولبس ثوب النبيّصلىاللهعليهوآله ، ثمّ نام مكانه ».
ومثله في مسند أحمد(٤) .
وروى الحاكم بعد الحديث المذكور عن عليّ بن الحسين ، قال :
__________________
(١) ينابيع المودّة ١ / ٢٧٤ ح ٣ ، وانظر : إحياء علوم الدين ٤ / ٣٧ في بيان الإيثار وفضله.
(٢) تفسير الفخر الرازي ٥ / ٢٢٢.
(٣) ص ٤ من الجزء الثالث [ ٣ / ٥ ح ٤٢٦٣ ]. منهقدسسره .
وانظر : المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٤٣ ح ٤٦٥٢ وصحّحه هو والذهبي.
(٤) ص ٣٣١ من الجزء الأوّل. منهقدسسره .
« أوّل من شرى نفسه ابتغاء مرضاة الله عليّ بن أبي طالب وذكر شعرا لأمير المؤمنين في مبيته على فراش النبيّصلىاللهعليهوآله »(١) .
ونقل في « ينابيع المودّة » نزولها في أمير المؤمنينعليهالسلام ، عن أبي نعيم بسنده عن ابن عبّاس إلى غير ذلك ممّا في « الينابيع » وغيرها(٢) .
ولو ضممت إليه أخبارنا كان متواترا(٣)
فكيف يعتنى برواية الفضل في نزولها بصهيب(٤) ؟!
وأمّا ما ذكره من قول أكثر المفسّرين بنزولها في الزبير والمقداد ، فكذب صريح
كيف؟! ولم يذكره الرازي في تفسيره ، وهو قد جمع فيه جميع أقوالهم!
ولا ذكره الزمخشري أيضا ، ولا تعرّض السيوطي في « الدرّ المنثور » لرواية تتعلّق به ، مع أنّه قد جمع فيه عامّة أخبارهم ، ولا سيّما إذا كانت في فضل مثل الزبير(٥) !
__________________
(١) المستدرك على الصحيحين ٣ / ٥ ح ٤٢٦٤.
(٢) ينابيع المودّة ١ / ٢٧٤ ح ٢ ، وانظر : الصفحة ٣٩٣ ه ٣ من هذا الجزء.
(٣) انظر : مجمع البيان ٢ / ٥٧ و ٥٨ ، تفسير فرات ١ / ٦٥ ح ٣١ ـ ٣٣ ، كشف الغمّة في معرفة الأئمّة ١ / ٣١٠ ، مناقب آل أبي طالب ٢ / ٧٦ ـ ٧٧ ، تفسير الصافي ١ / ٢٤١ رقم ٢٠٧ ، بحار الأنوار ٣٦ / ٤٠ وما بعدها.
(٤) لا سيّما ونحن نعرفه بعداوة آل محمّدصلىاللهعليهوآله وصداقة أعدائهم ؛ ولذا أوصى عمر إليه بالصلاة في الناس أيّام الشورى ، وقال في حقّه : « نعم العبد صهيب ، لو لم يخف الله لم يعصه »!! ومن المعلوم أنّ كلّ عدوّ لآل محمّد منافق لا فضل له ولا كرامة. منهقدسسره .
(٥) راجع : تفسير الكشّاف ١ / ٣٥٢ ـ ٣٥٣ ، تفسير الفخر الرازي ٥ / ٢٢٢ ـ ٢٢٣ ، الدرّ المنثور ١ / ٥٧٥ ـ ٥٧٨.
وذكر في « الاستيعاب » بترجمة خبيب ، أنّ الذي أرسله النبيّصلىاللهعليهوآله لإنزاله هو عمرو بن أميّة الضمري ، وما ذكر الزبير ، ولا المقداد(١) !
هذا في نزول الآية
وأمّا دلالتها على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام ؛ فلأنّ نزولها فيه كاشف عن أفضليّته وامتيازه بالمعرفة والإخلاص ؛ لأنّ كثيرا من المسلمين غيره قد بذلوا أنفسهم في الجهاد ، وحفظ الرسولصلىاللهعليهوآله ونشر الدعوة ولم ينالوا ما ناله أمير المؤمنينعليهالسلام من شهادة الله له ، بأنّه شرى نفسه ابتغاء مرضاته حتّى باهى به سادة ملائكته ، وذكره بالأخوّة لسيّد أنبيائه ، وقال له جبرئيل : « من مثلك؟! »(٢) الدالّ على عدم المماثل له والأفضل هو الإمام!
* * *
__________________
(١) الاستيعاب ٢ / ٤٤٢ رقم ٦٣٢.
(٢) كما في رواية الثعلبي المتقدّمة آنفا في الصفحة ٣٩٣.
٦ ـ آية المباهلة
قال المصنّف ـقدسسره ـ(١) :
السادسة : آية المباهلة (٢) ، أجمع المفسّرون على أنّ( أَبْناءَنا ) إشارة إلى الحسن والحسين ،( ونِساءَنا ) إشارة إلى فاطمة ،( وأَنْفُسَنا ) إشارة إلى عليّعليهالسلام (٣) .
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٧٧.
(٢) وهي قوله تعالى :( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ) سورة آل عمران ٣ : ٦١.
(٣) انظر : تفسير السدّي : ١٧٩ ، تفسير الحبري : ٢٤٧ ـ ٢٤٨ ح ١٢ ـ ١٣ ، تفسير الطبري ٣ / ٢٩٨ ـ ٢٩٩ ح ٧١٧٨ و ٧١٧٩ و ٧١٨٦ ، أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ ٢ / ٢٣ ، تفسير الثعلبي ٣ / ٨٥ ، تفسير الماوردي ١ / ٣٩٨ ـ ٣٩٩ ، أسباب النزول ـ للواحدي ـ : ٥٧ ، شواهد التنزيل ١ / ١٢٠ ـ ١٢٨ ح ١٦٨ ـ ١٧٦ ، تفسير البغوي ١ / ٢٤٠ ، تفسير الكشّاف ١ / ٤٣٤ ، أحكام القرآن ـ لابن عربي ـ ١ / ٣٦٠ ، زاد المسير ١ / ٧٣٢٤ تفسير الفخر الرازي ٨ / ٨٩ ـ ٩٠ ، تفسير القرطبي ٤ / ٦٧ ، تفسير النسفي ١ / ١٦١ ، البحر المحيط ٢ / ٤٧٩ ـ ٤٨٠ ، تفسير القرآن العظيم ـ لابن كثير ـ ١ / ٣٥٠ ، الدرّ المنثور ٢ / ٢٣١ ـ ٢٣٣ ، تفسير أبي السعود ١ / ٣٧٣ ، فتح القدير ١ / ٣٤٧ ـ ٣٤٨ ، روح المعاني ٣ / ٣٠٣.
وانظر : صحيح مسلم ٧ / ١٢٠ ـ ١٢١ ، سنن الترمذي ٥ / ٢١٠ ح ٢٩٩٩ وص ٥٩٦ ح ٣٧٢٤ ، مسند أحمد ١ / ١٨٥ ، فضائل الصحابة ـ له ـ ٢ / ٩٧٤ ـ ٩٧٥ ح ١٣٧٤ ، مسند سعد ـ للدورقي ـ : ٥١ ح ١٩ ، تاريخ المدينة ـ لابن شبّة ـ ٢ / ٥٨٣ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٦٣ ح ٤٧١٩ ، معرفة علوم الحديث : ٥٠ ، المغني ـ للقاضي عبد الجبّار ـ ج ٢٠ ق ١ / ١٤٢ ، دلائل النبوّة ـ لأبي نعيم _
فجعله الله نفس محمّدصلىاللهعليهوآله ، والمراد المساواة ، ومساوي الأكمل الأولى بالتصرّف ، أكمل وأولى بالتصرّف.
وهذه الآية أدلّ دليل على علوّ مرتبة مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام ؛ لأنّه تعالى حكم بالمساواة لنفس الرسولصلىاللهعليهوآله ، وأنّه تعالى عيّنه في استعانة النبيّصلىاللهعليهوآله في الدعاء.
وأيّ فضيلة أعظم من أن يأمر الله نبيّه بأن يستعين به على الدعاء إليه ، والتوسّل به؟!
ولمن حصلت هذه المرتبة؟!
* * *
__________________
٢ / ٣٥٣ ـ ٣٥٥ ح ٢٤٤ ـ ٢٤٥ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٧ / ٦٣ ، مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٣١ ـ ٢٣٢ ح ٣١٠ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٨٣ ح ٤٧٩٥ ، الشفا ـ للقاضي عياض ـ ٢ / ٤٨ ، جواهر العقدين : ٢٧٨ عن الدارقطني ، كنز العمّال ٢ / ٣٧٩ ـ ٣٨٠ ح ٤٣٠٧.
وقال الفضل(١) :
كان عادة أرباب المباهلة أن يجمعوا : أهل بيتهم وقراباتهم ؛ ليشمل البهلة(٢) سائر أصحابهم ، فجمع رسول الله أولاده ، ونساءه.
والمراد بالأنفس ها هنا : الرجال ، كأنّه أمر بأن يجمع نساءه وأولاده ورجال أهل بيته.
فكان النساء : فاطمة ، والأولاد : الحسن والحسين ، والرجال :
رسول الله وعليّ.
وأمّا دعوى المساواة التي ذكرها ، فهي باطلة قطعا ، وبطلانها من ضروريات الدين ؛ لأنّ غير النبيّ من الأمّة لا يساوي النبيّ أصلا ، ومن ادّعى هذا فهو خارج عن الدين.
وكيف يمكن المساواة ، والنبيّ نبيّ مرسل خاتم الأنبياء ، وأفضل أولي العزم ، وهذه الصفات كلّها مفقودة في عليّ؟!
نعم ، لأمير المؤمنين عليّ في هذه الآية فضيلة عظيمة ، وهي مسلّمة ، ولكن لا تصير دالّة على النصّ بإمامته.
* * *
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٦٢.
(٢) الابتهال : التضرّع ، والاجتهاد في الدعاء وإخلاصه لله عزّ وجلّ.
والبهل : اللعن ، والمباهلة : الملاعنة.
انظر مادّة « بهل » في : الصحاح ٤ / ١٦٤٢ ، لسان العرب ١ / ٥٢٢.
وأقول :
دعوى العادة كاذبة! ولا أدري متى اعتيد أصل المباهلة حتّى يعتاد فيها جمع الأهل والأقارب؟!
ولو كانت هناك عادة بذلك لاعترض النصارى على النبيّصلىاللهعليهوآله بمخالفتها ، حيث لم يجمع من أهله وأقاربه إلّا القليل!
ولو سلّم ، فمخالفة النبيّصلىاللهعليهوآله للعادة دليل على أنّ محلّ العناية الإلهيّة ، والكرامة النبويّة ، هو من جمعهم النبيّصلىاللهعليهوآله بأمر الله سبحانه ، دون بقيّة أقاربه كالعبّاس وبنيه ، وسائر بني هاشم وبناتهم ، وبنات الزهراءعليهاالسلام ، ودون زوجاته ، مع أنّهنّ من نسائه ، ومن أهل بيت سكناه.
وقد عرف أنّهم محلّ عناية الله والشرف عنده ، ومحلّ الخطر والعظمة لديه ، أسقف نجران حيث قال ـ كما عن ابن إسحاق ، ورواه في « الكشّاف » ـ : « إنّي لأرى وجوها لو شاء الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها »(١) .
وفي تفسيري الرازي والبيضاوي : « لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها »(٢) .
ثمّ قال الرازي : « واعلم أنّ هذه الرواية كالمتّفق على صحّتها بين أهل التفسير والحديث »(٣) .
__________________
(١) تفسير الكشّاف ١ / ٤٣٤.
(٢) تفسير الفخر الرازي ٨ / ٩٠ ، تفسير البيضاوي ١ / ١٦٣.
(٣) تفسير الفخر الرازي ٨ / ٩٠.
فيا عجبا قد عرف ذلك لهم النصارى وأنكره من يدّعي الإسلام ، كالفضل وأمثاله! حتّى جعلوا جمعهم من العاديّات ، لا لكرامتهم وفضلهم عند الله تعالى وعزّتهم على الرسولصلىاللهعليهوآله .
وما اكتفى الفضل بمشاركة سائر أقارب النبيّصلىاللهعليهوآله ونسائه لهم حتّى أضاف إليهم أصحابه ، فقال : « لتشمل البهلة سائر أصحابهم » ، وهو ضروري البطلان ؛ لأنّ شمولها لهم إن كان باعتبار التبعيّة ، فلا حاجة إلى إحضار الأربعة الأطيبين ؛ لأنّ الكلّ أتباعه
وإن كان لأجل المباشرة ، فالأصحاب كبقيّة الأقارب غير مباشرين.
ولو شملت البهلة غير الأربعة لأحضر النبيّصلىاللهعليهوآله من غيرهم ، ولو واحدا من أفاضل الأقارب والأصحاب!
فلا بدّ أن يكون تخصيص الله والرسول للأربعة الطاهرين ؛ لعناية الله بهم ، وبيانه لفضلهم وكرامتهم عند النبيّ ، وعزّتهم عليه ، واستعانته بدعائهم ، كما قال سبحانه :( ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ) وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «إذا دعوت فأمّنوا » ، كما رواه الزمخشري والرازي والبيضاوي وغيرهم(١)
إذ كلّما كثر محلّ العناية ومنجع(٢) الاستجابة ، كان أدخل بالإجابة ؛ لأنّ الاستكثار منهم أظهر في إعظام الله والرغبة إليه ، ولذا يستحبّ في الأدعية كثرة تعظيم الله بأسمائه المقدّسة ، وشدّة إظهار الخضوع لجلاله.
__________________
(١) الكشّاف ١ / ٤٣٤ ، تفسير الفخر الرازي ٨ / ٩٠ ، تفسير البيضاوي ١ / ١٦٣ ، وانظر : دلائل النبوّة ـ لأبي نعيم ـ ٢ / ٣٥٥ ح ٢٤٥ ، الدرّ المنثور ٢ / ٢٣٢.
(٢) المنجع ـ والجمع : مناجع ـ : محالّ ومواضع حصول التأثير والنفع والفائدة ؛ انظر مادّة « نجع » في : لسان العرب ١٤ / ٥٥ ، تاج العروس ١١ / ٤٦٩ ـ ٤٧٠.
وبذلك يعلم أفضليّة الحسن والحسين ، فضلا عن أمير المؤمنينعليهالسلام والزهراءعليهاالسلام ، على جميع الصحابة وأقارب النبيّصلىاللهعليهوآله .
فإنّ استعانة سيّد النبيّين بهما في الدعاء بأمر الله سبحانه مع صغرهما ، ووجود ذوي السنّ من أقاربه ، وأصحابه ، لأعظم دليل على امتيازهما بالشرف عند الله ، وتميّزهما مع صغرهما بالمعرفة والفضل ، ولذا قال :( ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ) ، فجعل الحسنين ممّن تشمله اللعنة لو كانا من الكاذبين ، وأشركهما في تحقيق دعوة الإسلام ، وتأييد دين الله
فكانا شريكي رسول الله ، وأمير المؤمنين ، والزهراء في ذلك ، ممتازين على الأمّة كما امتاز عيسى وهو صبيّ على غيره.
فظهر دلالة الآية الكريمة على أفضلية الأربعة الأطهار ، ولا سيّما أمير المؤمنينعليهالسلام ؛ لأنّها جعلته نفس النبيّ ، وعبّرت عنه بالأنفس بصيغة الجمع ، كما عبّرت عن فاطمة بالنساء للإعلام من وجه آخر بعظمهم.
وقول الفضل : « والمراد بالأنفس هاهنا الرجال » ، باطل لوجهين :
الأوّل : إنّ أمر الشخص نفسه ودعوته لها مستهجن ومخالف لما ذكره الأصوليّون من أنّ المتكلّم لا يشمله خطابه ، فإذا قال : يا أيّها الناس اتّقوا الله ؛ لا يكون من المخاطبين ، وإذا دعا الجماعة لا يكون من المدعوّين(١) .
الثاني : ما نقله ابن حجر في ( صواعقه ) عند ذكر الآية ، وهي الآية التاسعة من الآيات النازلة في أهل البيتعليهمالسلام ، عن الدارقطني : « إنّ عليّا
__________________
(١) انظر مثلا : التبصرة في أصول الفقه : ٧٣ ، إرشاد الفحول : ٢٢٥ ـ ٢٢٦.
يوم الشورى احتجّ على أهلها فقال لهم : أنشدكم بالله هل فيكم أحد أقرب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله في الرحم منّي ، ومن جعله نفسه ، وأبناءه أبناءه ، ونساءه نساءه ، غيري؟!
قالوا : اللهمّ لا »(١) .
ونقل الواحدي وغيره ، عن الشعبي ، أنّه قال :( أَبْناءَنا ) الحسن والحسين ،( ونِساءَنا ) فاطمة ،( وأَنْفُسَنا ) عليّ بن أبي طالب(٢) .
وأمّا ما ذكره الفضل من أنّ دعوى المساواة خروج عن الدين ، فخروج عن سنن الحقّ المبين ؛ لأنّ مقصود المصنّفرحمهالله هو المساواة في الخصائص والكمال الذاتي ، عدا خاصّة أوجبت نبوّته وميّزته عنه ، وهو مفاد ما حكاه في « كنز العمّال » في فضائل عليّعليهالسلام (٣) ، عن ابن أبي عاصم ، وابن جرير ، قال : وصحّحه ، وعن الطبراني في « الأوسط » ، وابن شاهين في « السنّة » ، أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال لعليّ : «ما سألت الله لي شيئا إلّا سألت لك مثله ، ولا سألت الله شيئا إلّا أعطانيه ، غير أنّه قيل لي : إنّه لا نبيّ بعدك »(٤) .
__________________
(١) الصواعق المحرقة : ٢٣٩.
(٢) أسباب النزول : ٥٧ ، وانظر : دلائل النبوّة ـ لأبي نعيم ـ ٢ / ٣٥٣ ـ ٣٥٤ ح ٢٤٤.
(٣) ص ٤٠٧ من الجزء السادس [ ١٣ / ١١٣ ح ٣٦٣٦٨ وص ١٥١ ح ٣٦٤٧٤ وص ١٧٠ ح ٣٦٥١٣ ]. منهقدسسره .
(٤) انظر : السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٥٨٢ ح ١٣١٣ ، المعجم الأوسط ٨ / ٨٢ ح ٧٩١٧ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٥١ ح ٨٥٣٢ و ٨٥٣٣ ، أنساب الأشراف ٢ / ٣٥٧ ، مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٥٠ ح ١٧٨ ، مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ للخوارزمي ـ : ١١٠ ح ١١٧ وص ١٤٣ ح ١٦٤ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣١٠ ـ ٣١١ ، ذخائر العقبى : ١١٥ ، فرائد السمطين ١ / ٢٢٠ ـ ٢٢١ ح ١٧١ و ١٧٢ ، مجمع الزوائد ٩ / ١١٠.
ويدلّ عليه ما روي مستفيضا عن النبيّصلىاللهعليهوآله : «إنّ عليّا منّي وأنا منه »(١) .
فتدلّ الآية الشريفة على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام ؛ لأنّ مساواته للنبيّصلىاللهعليهوآله في خصائصه عدا مزية النبوّة تستوجب أن يكون مثله أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وأفضل من غيره بكلّ الجهات ، وأن يمتنع صيرورته رعيّتة ومأمورا لغيره ، كالنبيّصلىاللهعليهوآله .
بل يكفي في الدلالة على إمامته مجرّد دلالتها على أفضليّته من جميع الأمّة(٢) .
__________________
(١) انظر : صحيح البخاري ٤ / ٢٢ ح ٩ وج ٥ / ٨٧ ، سنن ابن ماجة ١ / ٤٤ ح ١١٩ ، سنن الترمذي ٥ / ٥٩٠ ـ ٥٩١ ح ٣٧١٢ وص ٥٩٣ ح ٣٧١٦ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٤٥ ح ٨١٤٦ و ٨١٤٧ وص ١٢٦ ـ ١٢٧ ح ٨٤٥٣ ـ ٣٤٥٥ وص ١٢٨ ح ٨٤٥٩ وص ١٣٢ ـ ١٣٣ ح ٨٤٧٤ ، مسند أحمد ٤ / ١٦٤ و ١٦٥ و ٤٣٧ ـ ٤٣٨ وج ٥ / ٣٥٦ ، مسند الطيالسي : ١١١ ح ٨٢٩ ، مصنّف عبد الرزّاق ١١ / ٢٢٧ ح ٢٠٣٩٤ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٩٥ ح ٨ وص ٤٩٩ ح ٢٧ وص ٥٠٤ ح ٥٨ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٥٥٠ ح ١١٨٧ وص ٥٨٤ ح ١٣٢٠ ، مسند أبي يعلى ١ / ٢٩٣ ح ٣٥٥ ، مسند الروياني ١ / ٦٢ ح ١١٩ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٤١ ـ ٤٢ ح ٦٨٩٠ ، المعجم الكبير ١٨ / ١٢٨ ح ٢٦٥ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١١٩ ح ٤٥٧٩ ، حلية الأولياء ٦ / ٢٩٤ ، مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٠٦ ـ ٢١١ ح ٢٦٧ ـ ٢٧٦ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٧٢ ح ٤٧٦٥ و ٤٧٦٦ و ٤٧٦٨.
(٢) كما يمكن الاستدلال بآية المباهلة على إمامة أمير المؤمنين عليّعليهالسلام بضميمة تفسير قوله تعالى :( ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ) سورة التوبة ٩ : ١٢٠
و( نَفْسِهِ ) هنا هو عليّعليهالسلام ، ولو كان الضمير يعود إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله لقال : « ولا يرغبوا بأنفسهم عنه » كما هو مقتضى البلاغة وخصوص المورد لا يخصّصه.
انظر : العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية : ٣٣٩ ـ ٣٤٠.
ويستفاد من الرازي في تفسير الآية تسليم دلالتها على أفضليّته من الصحابة ؛ لأنّه نقل عن الشيخ محمود بن الحسن الحمصي(١) أنّه استدلّ بجعل عليّعليهالسلام نفس النبيّصلىاللهعليهوآله على كونه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمّدصلىاللهعليهوآله ؛ لأنّ النبيّ أفضل منهم وعليّ نفسه.
ونقل عن الشيعة قديما وحديثا الاستدلال بذلك على فضل عليّ على جميع الصحابة.
وما أجاب الرازي إلّا عن الأوّل ، بدعوى الإجماع على أنّ الأنبياء أفضل من غيرهم قبل ظهور الشيخ محمود(٢) .
وفيه : إنّ الإجماع إنّما هو على فضل صنف الأنبياء على غيره من الأصناف ، وفضل كلّ نبيّ على جميع أمّته ، لا فضل كلّ شخص من الأنبياء على كلّ من عداهم حتّى لو كان من أمم غيرهم.
فذلك نظير تفضيل صنف الرجال على صنف النساء ، حيث إنّه لم يناف فضل بعض النساء على كثير من الرجال.
ولم يختصّ تفضيل أمير المؤمنين على من عدا محمّد من الأنبياء
__________________
(١) هو : تاج الدين محمود بن علي بن الحسن الحمصي الرازي ، المعروف بتاج الرازي أو سديد الدين ، فقيه أصولي ، ورع ثقة ، متكلّم ، من علماء الإمامية الأعلام ، له تصانيف كثيرة منها : التعليق الكبير ، التعليق الصغير ، المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد ، التبيين والتنقيح في التحسين والتقبيح ، بداية الهداية ، نقض الموجز ، وغيرها ؛ توفّي في أوائل المئة السابعة.
انظر : فهرست أسماء علماء الشيعة ومصنّفيهم : ١٦٤ رقم ٣٨٩ ، رياض العلماء ٥ / ٢٠٢ ـ ٢٠٣ ، هديّة العارفين ٦ / ٤٠٨ ، طبقات أعلام الشيعة / الثقات العيون في سادس القرون : ٢٧٧ ، معجم المؤلّفين ٣ / ٨٢٠ رقم ١٦٦٥٤.
(٢) تفسير الفخر الرازي ٨ / ٩١.
بالشيخ محمود ، حتّى ينافي ما ادّعاه الرازي من الإجماع(١)
بل قال به الشيعة قبل وجود الشيخ محمود وبعده ، مستدلّين بالآية الكريمة ، وغيرها من الآيات والأخبار المتضافرة ، التي ليس المقام محلّ ذكرها ، وستعرف بعضها(٢) .
__________________
(١) كما أجاب السيّد عليّ الحسيني الميلاني عن هذا الإجماع المدّعى ، في مبحث آية المباهلة من كتابه : تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات ١ / ٤٦١ ـ ٤٦٦ ؛ فراجع!
(٢) ومن المضحك الدالّ على إرادة القوم إطفاء أنوار آل محمّدصلىاللهعليهوآله ، ما نقله السيوطي [ الدرّ المنثور ٢ / ٢٣٣ ] في تفسير الآية ، عن ابن عساكر [ تاريخ دمشق ٣٩ / ١٧٧ ] ، أنّه أخرج عن جعفر بن محمّد ، عن أبيهعليهماالسلام ، في هذه الآية ، أنّه قال : « فجاء بأبي بكر وولده ، وبعمر وولده ، وبعثمان وولده ، وبعليّ وولده »!!
إذ لو صحّ هذا لملأ القوم به الطوامير ، ولما خفي أمره عليهم حتّى يظهره الإمام جعفر بن محمّدعليهماالسلام ، ولكانت رواية عائشة له أقرب إلى فخرها من ذكر تقبيل النبيّ ٦ إيّاها ، ومسابقته معها ، ولعبها بالبنات في بيته ، وغناء الجواري لها بحضرته ، ووضع خدّها على خدّه بمنظر الأجانب وهي تنظر إلى لعب الحبشة إلى غير ذلك من مفاخرها!!
وما أدري أيّ ولد خلفائهم يصلح للمباهلة به؟!
أعبد الرحمن بن أبي بكر ، أم عبيد الله بن عمر ، الذي قتل نفسا بغير نفس ، وحارب الله ورسوله بحرب أمير المؤمنين بصفّين؟!
أم من تظاهرتا على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، والتي حاربت إمام زمانها ، ولم تقرّ في بيتها ، وشتّتت أمر المسلمين ، وقتلت الآلاف العديدة منهم؟!
أم غيرهم من أولادهم ، كعبد الرحمن وعاصم ابني عمر بن الخطّاب ، اللذين شربا الخمر ، كما ذكره في العقد الفريد ، في أواخر الجزء السادس [ ٥ / ٢٨٣ ] ، تحت عنوان : « من حدّ من الأشراف في الخمر وشهّر بها » ، وذكر معهما أخاهما عبيد الله؟!
ويا عجبا ما اكتفى هذا الراوي بالكذب حتّى نسبه إلى جعفر الصادق وأبيه ، _
وكيف كان ، فقد استفاضت الأخبار بنزول الآية بأهل الكساء ، حتّى روى مسلم والترمذي ـ كلاهما في باب فضائل عليّعليهالسلام ـ عن سعد بن أبي وقّاص ، قال : « لمّا نزلت هذه الآية :( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ ) دعا رسول اللهصلىاللهعليهوآله عليّا وفاطمة وحسنا وحسينا ، فقال :اللهمّ هؤلاء أهلي »(١) .
ونقله السيوطي أيضا عن ابن المنذر ، والحاكم ، والبيهقي في سننه(٢) .
ولا يخفى ما في قولهصلىاللهعليهوآله : «هؤلاء أهلي » من اختصاص أهل النبيّصلىاللهعليهوآله في الأربعة الأطهار ، كما يدلّ عليه أيضا حديث الكساء ، وغيره.
ونقل السيوطي أيضا ، عن البيهقي في « الدلائل » ، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كتب إلى أهل نجران وذكر خبرا طويلا قال في آخره :
« فلمّا أصبح رسول اللهصلىاللهعليهوآله أقبل مشتملا على الحسن والحسين ،
__________________
اللذّين قد علم منهما الخلاف ، وتضافرت الأخبار عنهما باختصاص الآية بأهل الكساء!!
وليت شعري ألم يستح القوم من ذكر هذه الرواية المضحكة؟!!
منهقدسسره .
نقول : وقد استوفى السيّد عليّ الحسيني الميلاني البحث حول سند الحديث الموضوع ، المشار إليه آنفا في كلام الشيخ المظفّر قدّس سرّه ـ ، في كتابه : الرسائل العشر : الرسالة ٧ ـ رسالة في الأحاديث المقلوبة في مناقب الصحابة / الحديث الثاني ـ حديث المباهلة / ص ١٣ ـ ١٨ ، وكذا في مبحث آية المباهلة من كتابه : تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات ١ / ٤١٦ ـ ٤٢٠ ؛ فراجع!
(١) صحيح مسلم ٧ / ١٢٠ ـ ١٢١ ، سنن الترمذي ٥ / ٥٩٦ ح ٣٧٢٤.
(٢) الدرّ المنثور ٢ / ٢٣٢ ـ ٢٣٣ ، وانظر : المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٦٣ ح ٤٧١٩ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٧ / ٦٣.
وفاطمة تمشي خلف ظهره ، للملاعنة ، وله يومئذ عدّة نسوة »(١) الحديث
وقد أشار بقوله : « وله عدّة نسوة » إلى أنّ أزواجه لسن من أهل المباهلة ، ولا من محلّ العناية!
.. إلى غير ذلك من الأخبار المستفيضة ، أو المتواترة ، التي تقدّمت الإشارة إلى بعضها في كلام الرازي وغيره.
* * *
__________________
(١) الدرّ المنثور ٢ / ٢٢٩ ـ ٢٣٠ ، وانظر : دلائل النبوّة ٥ / ٣٨٥ ـ ٣٨٨.
٧ ـ آية :( فَتَلَقَّى آدَمُ )
قال المصنّف ـ رفع الله درجته ـ(١) :
السابعة : قوله تعالى :( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ) (٢) .
روى الجمهور ، عن ابن عبّاس ، قال : سئل رسول الله عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه ، قال :سأله بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلّا تبت عليّ ؛ فتاب عليه (٣) .
* * *
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٧٩.
(٢) سورة البقرة ٢ : ٣٧.
(٣) انظر : مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٠٤ ـ ١٠٥ ح ٨٩ ، الدرّ المنثور ١ / ١٤٧.
وقال الفضل(١) :
اختلف المفسّرون في هذه الكلمات
فقال بعضهم : هو التسبيح والتهليل والتحميد(٢) .
وقال بعضهم : هي مناسك الحجّ ، فيها غفر ذنوب آدم(٣) .
وقال بعضهم : هي الخصال العشرة(٤) التي سمّيت خصال الفطرة ، وقد أمر آدم بالعمل بها ليتوب الله عليه(٥) .
ولو صحّ ما رواه عن الجمهور ـ ولا نعرف هذا الجمهور ـ لدلّ على فضيلة كاملة لعليّ ، ونحن نقول بها ، ونعلم أنّ التوسّل بأصحاب العباء من أعظم الوسائل وأقرب الذرائع ، ولكن لا يدلّ على نصّ الإمامة ، فخرج الرجل من مدّعاه ؛ ويقيم الدلائل على فضائل عليّ من نصّ القرآن! وكلّ هذه الفضائل مسلّمة.
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٧٧.
(٢) تفسير القرطبي ١ / ٢٢١ ـ ٢٢٢.
(٣) الدرّ المنثور ١ / ١٤٥ ، تفسير الفخر الرازي ٣ / ٢١.
(٤) كذا ، والصواب لغة : « العشر ».
(٥) لم نعثر على من سمّى الخصال العشر بخصال الفطرة ، وقد روي في تفسير الآية :( وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَ ) سورة البقرة ٢ : ١٢٤ ، عن ابن عبّاس أنّه قال : هي عشر خصال ، كانت فرضا في شرعه وهي سنّة في شرعنا ، خمس في الرأس وخمس في الجسد ، أمّا التي في الرأس : فالمضمضة والاستنشاق وفرق الرأس وقصّ الشارب والسواك ، وأمّا التي في البدن : فالختان وحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاستنجاء بالماء.
انظر : تفسير الفخر الرازي ٤ / ٤٢ ، فتح القدير ١ / ١٣٧.
ويبدو أن الأمر اختلط على الفضل ، إذ لا يخفى عدم ملاءمة هذا المعنى مع الآية الكريمة مورد البحث ، وهي :( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ) ؛ فلاحظ!
وأقول :
لا مناسبة بين مناسك الحجّ ونحوها ـ ممّا هو من قسم الأفعال ـ وبين الكلمات التي هي من الأقوال ، فكيف يحسن أن تفسّر بها؟!
ولا يهمّنا اختلافهم بعد ما صرّحت أخبارهم بالمدّعى
ففي « الدرّ المنثور » ، عن ابن النجّار ، بسنده إلى ابن عبّاس ، قال : سألت رسول الله عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه.
قال :سأله بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلّا تبت عليّ ؛ فتاب عليه (١) .
ومثله في « ينابيع المودّة »(٢) .
وفي « منهاج الكرامة » للمصنّف ، عن ابن المغازلي ، بسنده إلى ابن عبّاس ، إلّا أنّه قال : « سئل النبيّصلىاللهعليهوآله » بالبناء للمجهول ، كما ذكره المصنّفرحمهالله هنا(٣) .
ونقله ابن الجوزي ، عن الدارقطني ، بلفظ : « سألت النبيّصلىاللهعليهوآله » ، قال الدارقطني : حدّثنا أبو ذرّ أحمد بن محمّد بن أبي بكر الواسطي ، حدّثنا محمّد بن علي بن خلف العطّار ، حدّثنا حسين الأشقر ، حدّثنا عمرو بن ثابت ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس : « سألت
__________________
(١) الدرّ المنثور ١ / ١٤٧.
(٢) ينابيع المودّة ١ / ٢٨٨ ب ٢٤ ح ٤.
(٣) منهاج الكرامة : ١٢٤ ، وراجع : مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٠٤ ـ ١٠٥ ح ٨٩.
النبيّ »(١) الحديث.
وزعم ابن الجوزي في ( الأحاديث الموضوعة ) أنّه موضوع ، قال : « تفرّد به عمرو ، عن أبيه أبي المقدام ؛ وتفرّد به حسين ، عنه
وعمرو : قال يحيى [ بن معين ] : لا(٢) ثقة ، ولا مأمون.
وقال ابن حبّان : يروي الموضوعات عن الأثبات »(٣) .
وفيه : إنّ التفرّد لو تمّ لا يقتضي الوضع ، ولا سيّما في فضائل آل الرسولصلىاللهعليهوآله الّذين يخشى من يروي لهم فضيلة أسنّة الضلال ، وألسنة الضلّال ، بل روايته في فضائلهم بتلك العصور تشهد بوثاقته ، كما سبق في المقدّمة(٤) .
وأمّا ما حكاه عن يحيى ، فلو اعتبرناه فهو معارض بما حكاه عنه في « ميزان الاعتدال » أنّه قال : لا يكذب في حديثه(٥) .
على أنّ ضعف الراوي لا يقتضي وضع روايته!
وأمّا ابن حبّان ، فمع عدم اعتبار قوله ـ كما عرفته في مقدّمة الكتاب(٦) ـ ، لا يقتضي كلامه وضع هذا الحديث بعينه ، مع أنّه قد شهد لعمرو ، أبو داود بالصدق في الحديث ، قال : ليس في حديثه نكارة.
وقال : هو رافضي خبيث ، وكان رجل سوء ، ولكنّه صدوقا في الحديث.
__________________
(١) الموضوعات ٢ / ٣.
(٢) في المصدر : « غير ».
(٣) الموضوعات ٢ / ٣.
(٤) انظر : ج ١ / ٧ وما بعدها من هذا الكتاب.
(٥) ميزان الاعتدال ٥ / ٣٠٢ رقم ٦٣٤٦.
(٦) انظر : ج ١ / ٣٥ ـ ٣٦ من هذا الكتاب.
وقال أيضا : رافضي خبيث ، ولكن ليس يشبه حديثه أحاديث الشيعة ـ يعني أنّه مستقيم [ الحديث ] ـ.
كما ذكر ذلك كلّه ابن حجر في « تهذيب التهذيب » ، وذكر بعضه في « ميزان الاعتدال »(١) .
وبالجملة : إنّ الرجل صدوق كما قاله أبو داود ، فلا يصحّ نسبة الوضع إليه ، وإنّما طعن به القوم لتشيّعه.
ويعضد هذا الحديث ما نقله السيوطي في « الدرّ المنثور » ، عن الديلمي في « مسند الفردوس » ، بسند أخرجه عن عليّ ، قال : سألت النبيّصلىاللهعليهوآله عن قول الله تعالى :( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ ) (٢) .
فقال : إنّ الله أهبط آدم بالهند إلى أن قال : حتّى بعث الله إليه جبرئيل ، قال : قل :
اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد ، سبحانك لا إله إلّا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي ، فاغفر لي ، إنّك أنت الغفور الرحيم.
اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد ، سبحانك لا إله إلّا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي ، فتب عليّ ، إنّك أنت التوّاب الرحيم.
فهذه الكلمات التي تلقّى آدم »(٣) .
__________________
(١) تهذيب التهذيب ٦ / ١٢٢ رقم ٥١٥٦ ، ميزان الاعتدال ٥ / ٣٠٣ رقم ٦٣٤٦.
(٢) سورة البقرة ٢ : ٣٧.
(٣) الدرّ المنثور ١ / ١٤٧.
وأمّا دلالة هذه الآية مع تفسيرها بهذه الأخبار على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام ، فأوضح من أن تحتاج إلى بيان ؛ لأنّ توسّل شيخ النبيّين بمحمّد وآله ـ بتعليم الله سبحانه ـ وهم في آخر الزمان ، والإعراض عن أعاظم المرسلين وهم أقرب إليه زمانا ، لأدلّ دليل على فضلهم على جميع العالمين ، وعلى عصمتهم من كلّ زلل وإن كان مكروها.
فإنّ آدم إنّما عصى بارتكاب المكروه ، فلا يصحّ التوسّل بهم في التوبة عمّا ارتكب إلّا لأنّهم لم يرتكبوا معصية ومكروها ، فلا بدّ أن تنحصر خلافة الرسول بآله ؛ لفضلهم على الأنبياء ، وعصمتهم دون سائر أمّة محمّدصلىاللهعليهوآله .
وكيف يكون المعصوم من كلّ زلّة الفاضل حتّى على أعاظم الأنبياء رعيّة ومأموما لسائر الناس ، ولا سيّما من أفنى أكثر عمره بالشرك ، وعبادة الأوثان ، وقضى باقيه بالفرار من الزحف ، والعصيان؟!
* * *
٨ ـ آية :( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً )
قال المصنّف ـ نوّر الله ضريحه ـ(١) :
الثامنة : قوله تعالى :( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) (٢) .
روى الجمهور ، عن ابن مسعود ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «انتهت الدعوة إليّ ، وإلى عليّ ، لم يسجد أحدنا لصنم قطّ ، فاتّخذني [ الله ] نبيّا ، واتّخذ عليّا وصيّا »(٣) .
* * *
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٧٩.
(٢) سورة البقرة ٢ : ١٢٤.
(٣) مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٣٩ ـ ٢٤٠ ح ٣٢٢.
وقال الفضل(١) :
هذه الرواية ليست في كتب أهل السنّة والجماعة ، ولا أحد من المفسّرين ذكر هذا.
وإن صحّ ، دلّ على أنّ عليّا وصيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، والمراد بالوصاية : ميراث العلم والحكمة ، وليست هي نصّا في الإمامة كما ادّعاه.
* * *
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٨٠.
وأقول :
قد نقل المصنّفرحمهالله هذه الرواية في « منهاج الكرامة » عن ابن المغازلي ، ولم ينكرها ابن تيميّة ، ولكنّه طالب بصحّتها(١) .
وفيه : إنّه لا ريب بصحّتها ؛ لأنّ كلّ من يروي في ذلك الزمان فضيلة لآل محمّد فقد أوقع نفسه في خطري : الموت ، وسقوط الشأن ، ولا موجب له إلّا الوثاقة وحبّ الصدق بتلك الرواية ، كما عرفته في مقدّمة الكتاب(٢) .
على أنّ سند الحديث ليس بأيدينا فعلا ، ولعلّه صحيح عندهم.
وأمّا دلالة الآية بضميمة الحديث على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام ؛ فلأنّ الحديث قد دلّ على استجابة دعوة إبراهيم في بعض ذرّيّته ، وصيرورتهم أئمّة للناس لكونهم أنبياء أو أوصياء
ودلّ على أنّ الدعوة انتهت إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعليّعليهالسلام ، فكانت إمامة رسول اللهصلىاللهعليهوآله باتّخاذ الله له نبيّا ، وإمامة عليّ باتّخاذه وصيّا ، فوصايته لا بدّ أن تكون بإمامته للناس ومن أنواعها.
ولو سلّم أنّ المراد بالوصاية وراثة العلم والحكمة ، فهي من خواصّ الأئمّة ؛ لقوله تعالى :( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ
__________________
(١) منهاج الكرامة : ١٢٥ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٣٩ ـ ٢٤٠ ح ٣٢٢ ، منهاج السنّة ٧ / ١٣٣.
(٢) انظر ج ١ / ٧ وما بعدها من هذا الكتاب.
لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (١) .
ثمّ إنّ قولهصلىاللهعليهوآله : «لم يسجد أحدنا لصنم قطّ » إشارة إلى انتفاء مانع النبوّة والإمامة عنهما ، أعني : المعصية والظلم المذكور في تلك الآية بقوله سبحانه :( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (٢) .
فيكون معنى كلامهصلىاللهعليهوآله : انتهت إليّ وإلى عليّ دعوة إبراهيم لذرّيّته ؛ لا نتفاء الظلم عنّا الذي جعله الله مانعا عن نيل الإمامة ، فاتّخذني نبيّا وعليّا وصيّا.
وإنّما خصّ السجود للصنم بالذكر دون سائر الظلم والمعصية ؛ لأنّه الفرد الأهمّ في الانتفاء ، وابتلاء عامّة قومه به.
فالمقصود إنّما هو بيان انتفاء المانع المذكور في الآية عنهما ، لا بيان أنّ عدم السجود للصنم علّة تامّة لانتهاء الدعوة إليهما ، حتّى تلزم إمامة كلّ من لم يسجد لصنم ، وإن كان جاهلا عاصيا
ولا بيان كون عدم السجود للصنم فضيلة مختصّة بهما في دائم الدهر ، حتّى يقال بمشاركة كلّ من ولد على الإسلام لهما.
ولا بيان أنّ عدم السجود للصنم سبب تامّ للأفضلية ، حتّى يقال : إنّ بعض من تاب عن الكفر أفضل ممّن ولد على الإسلام.
ثمّ إنّ المراد بانتهاء الدعوة إليهما : وصولها إليهما ، لا انقطاعها عندهما ؛ لتعديته ب « إلى » ، فلا ينفي إمامة الحسن والحسين ، والتسعة من بعدهما ، وقد ظهر بذلك بطلان ما لفّقه ابن تيميّة في المقام(٣) ، ويظهر منه
__________________
(١) سورة يونس ١٠ : ٣٥.
(٢) سورة البقرة ٢ : ١٢٤.
(٣) انظر : منهاج السنّة ٧ / ١٣٣ ـ ١٣٥.
تجويز نبوّة من كان كافرا ، بل وقوعها ، فإنّه لمّا أنكر كون عدم السجود للصنم موجبا للفضل على من كان كافرا ثمّ تاب ، استدلّ عليه بأنّ لوطا آمن لإبراهيم ثمّ بعثه الله نبيّا ، وأنّ شعيبا قال :( قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْها ) (١) ، وأنّ الله سبحانه قال :( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ) (٢) .
وإذا كان هؤلاء أنبياء ، فمن المعلوم أنّ الأنبياء أفضل من غيرهم ، فلا يكون عدم السجود للأصنام موجبا للأفضليّة(٣) .
وفيه : إنّ إيمان لوط لإبراهيم لا يستدعي سبق الكفر منه ـ وحاشاه ـ ؛ لاحتمال ولادته بعد نبوّة إبراهيم ، أو أنّه كان متديّنا بشريعة سابقة ، وآمن به في أوّل نبوّته.
وأمّا إطلاق العود في الآيتين الأخيرتين ، فمن باب التغليب بلحاظ أتباعهم.
ثمّ إنّ مقتضى استدلال ابن تيميّة بالآية الأخيرة ؛ كون الرسل كلّهم أو أكثرهم ـ بزعمه ـ كانوا كفّارا ، وهو خلاف ضرورة الإسلام والمسلمين!
وما الداعي له إلى هذا الضلال إلّا إنكار فضل أمير المؤمنين على أقوام أفنوا أكثر أعمارهم في الكفر ، ولمزيد نصبه أنكر عدم سجود أخ النبيّصلىاللهعليهوآله للأصنام قبل إسلامه(٤) ، خلافا لإجماع المسلمين! حتّى إنّ
__________________
(١) سورة الأعراف ٧ : ٨٩.
(٢) سورة إبراهيم ١٤ : ١٣.
(٣) انظر : منهاج السنّة ٧ / ١٣٣ ـ ١٣٥.
(٤) انظر : منهاج السنّة ٧ / ١٣٤.
قومه السنّيّين إذا ذكروا عليّاعليهالسلام قالوا : « كرّم الله وجهه » إشارة إلى عدم سجوده للأصنام أصلا.
ولم يزل يتمحّل لإنكار فضل وليّ المؤمنين تلك التمحّلات ، ويتقلّب بهاتيك الجهالات ، فالله حسيبه ، والنبيّ شاهده ، وعليّ خصمه.
* * *
٩ ـ آية :( سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا )
قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :
التاسعة : قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ) (٢) .
روى الجمهور ، عن ابن عبّاس ، قال : نزلت في أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ؛ قال : الودّ : المحبّة في قلوب المؤمنين(٣) .
* * *
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٨٠.
(٢) سورة مريم ١٩ : ٩٦.
(٣) المعجم الكبير ١٢ / ٩٦ ح ١٢٦٥٥ ، المعجم الأوسط ٦ / ١٠ ح ٥٥١٦ ، تفسير الحبري : ٢٨٩ ح ٤٣ ، تفسير الثعلبي ٦ / ٢٣٣ ، ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ١٢٩ و ١٣٢ ، مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٦٩ ـ ٢٧٠ ح ٣٧٤ ، شواهد التنزيل ١ / ٣٥٩ ـ ٣٦٧ ح ٤٨٩ ـ ٥٠٩ ، الطيوريات : ٣٩٨ ـ ٣٩٩ ح ٧٠٢ ، الكشّاف ٢ / ٥٢٧ ، مناقب الإمام عليّعليهالسلام ـ للخوارزمي ـ : ٢٧٨ ح ٢٦٨ ، زاد المسير ٥ / ١٩٧ ، تذكرة الخواصّ : ٢٦ ، كفاية الطالب : ٢٤٩ ، تفسير القرطبي ١١ / ١٠٧ ، ذخائر العقبى : ١٥٩ ، الرياض النضرة ٣ / ١٧٩ ، فرائد السمطين ١ / ٧٩ ح ٤٩ ، التسهيل لعلوم التنزيل ٣ / ١٠ ، الدرّ المنثور ٥ / ٥٤٤ ، جواهر العقدين : ٣٢٧.
وقال الفضل(١) :
ليست هذه الرواية في تفاسير أهل السنّة(٢) ، وإن صحّت دلّت على وجوب محبّته ، وهو واجب بالاتّفاق ، ولم يثبت به النصّ على الإمامة وهو المدّعى.
* * *
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٨٧.
(٢) راجع الهامش رقم ٣ من الصفحة السابقة.
وأقول :
قال السيوطي في « الدرّ المنثور » : أخرج الطبراني وابن مردويه ، عن ابن عبّاس ، قال : نزلت في عليّ بن أبي طالب :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ) ، قال : محبّة في قلوب المؤمنين(١) .
وقال السيوطي أيضا : أخرج ابن مردويه والديلمي ، عن البراء ، قال : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعليّ :قل : اللهمّ اجعل لي عندك عهدا ، واجعل لي عندك ودّا ، واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة .
فأنزل الله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ) ، قال : نزلت في عليّ »(٢) .
وروي مثل الأخير في « الكشّاف »(٣) .
ونقله سبط ابن الجوزي في « تذكرة الخواصّ » عن « تفسير الثعلبي »(٤) .
وكذا نقله عنه المصنّفرحمهالله في « منهاج الكرامة » مع الحديث الأوّل عن أبي نعيم(٥) .
__________________
(١) الدرّ المنثور ٥ / ٥٤٤ ، وانظر : المعجم الكبير ١٢ / ٩٦ ح ١٢٦٥٥ ، المعجم الأوسط ٦ / ١٠ ح ٥٥١٦.
(٢) الدرّ المنثور ٥ / ٥٤٤.
(٣) تفسير الكشّاف ٢ / ٥٢٧.
(٤) تذكرة الخواصّ : ٢٦.
(٥) منهاج الكرامة : ١٢٥ ، وانظر : ما نزل من القرآن في عليّ : ١٢٩ و ١٣٢.
وقال في « الصواعق » ، في المقصد الثاني من المقاصد المتعلّقة بالآية الرابعة عشرة من الآيات النازلة في أهل البيتعليهمالسلام : « أخرج الحافظ السلفي ، عن محمّد بن الحنفية ، أنّه قال في تفسير هذه الآية : لا يبقى مؤمن إلّا وفي قلبه ودّ لعليّ وأهل بيته »(١) .
والظاهر أنّ ما رواه في « الكشّاف » مذكور في « تفسير الرازي » ، كما نقله السيّد السعيد عنه(٢) ، فإنّ عمدة ما ذكره الرازي هنا مأخوذ من « الكشّاف » ، لكنّ نسخة « تفسير الرازي » التي رأيتها خالية عن تلك الرواية ، فلا يبعد أنّ فيها سقطا.
وأمّا دلالة الآية على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام دون غيره ، فمحتاجة إلى بيان معناها أوّلا
قال في « الكشّاف » : « المعنى : سيحدث لهم في القلوب مودّة ، ويزرعها لهم فيها من غير تودّد منهم ، ولا تعرّض للأسباب التي توجب الودّ ويكتسب بها الناس مودّات القلوب ، من قرابة ، أو صداقة ، أو اصطناع بمبرّة ، أو غير ذلك وإنّما هو اختراع منه ابتداء ، اختصاصا منه لأوليائه بكرامة خاصّة ، كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب [ والهيبة ] إعظاما لهم وإجلالا لمكانهم »(٣) .
ومثله في « تفسير الرازي »(٤) .
ولا يخفى أنّ هذه العناية الإلهية ، والبشارة الربّانية التي استحقّت
__________________
(١) الصواعق المحرقة : ٢٦١.
(٢) انظر : إحقاق الحقّ ٣ / ٨٧.
(٣) تفسير الكشّاف ٢ / ٥٢٧.
(٤) تفسير الفخر الرازي ٢١ / ٢٥٦.
الذكر في الكتاب المجيد ، ناشئة من أهليّة من به العناية ، وامتيازه بالقرب إلى الله تعالى ، وارتقائه على كلّ المؤمنين بالفضل والطاعة ، وهي مختصّة بأمير المؤمنين ؛ ولذا نزلت الآية به دون غيره من الصحابة.
فيكون أفضل الأمّة وإمامها بشهادة تعظيم الله سبحانه له ، حيث عبّر عنه : ب( الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) ، كناية عن أنّه بمنزلتهم جميعا في الإيمان والعمل الصالح ، لكونه إمامهم ، وسبب إيمانهم وعملهم الصالحات ؛ ولذا قال رسول الله في حقّه يوم الخندق : «برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه »(١) وقال : «ضربة عليّ تعدل عبادة الثقلين »(٢) .
ثمّ إنّه بمقتضى رواية « الصواعق »(٣) تكون العناية ثابتة أيضا لأبناء أمير المؤمنين الطاهرين ، فتثبت لهم الإمامة أيضا.
وأمّا ما ذكر الفضل من دلالة الآية على وجوب محبّتهعليهالسلام ، فخلاف الظاهر ؛ لأنّ المراد بالجعل فيها على الأظهر هو التكوين لا التكليف كما عرفته من كلام « الكشّاف »(٤) .
ولو سلّم ، فهو أيضا دالّ على الإمامة ؛ لأنّ إيجاب المودّة على الإطلاق مستلزم لوجوب الطاعة مطلقا ، المستلزم للإمامة وللعصمة التي هي شرط الإمامة ، فإذا فقد هذا الشرط عن غيره بالإجماع والضرورة تعيّنت إمامتهعليهالسلام .
__________________
(١) شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢٨٥ ، حياة الحيوان ـ للدميري ـ ١ / ٢٧٤ ، ينابيع المودّة ١ / ٢٨١ ح ٢ وص ٢٨٣ ـ ٢٨٤ ضمن ح ٧.
(٢) المواقف : ٤١٢ ، شرح المقاصد ٥ / ٢٩٨ ، شرح المواقف ٨ / ٣٧١ ، السيرة الحلبية ٢ / ٦٤٢ ـ ٦٤٣.
(٣) الصواعق المحرقة : ٢٦١.
(٤) الكشّاف ٢ / ٥٢٧.
١٠ ـ آية :( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ )
قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :
العاشرة : قوله تعالى :( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) (٢) .
نقل الجمهور ، عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «أنا المنذر ، وعليّ الهادي ، وبك يا عليّ يهتدي المهتدون [ من بعدي ] »(٣) .
* * *
__________________
(١) نهج الحقّ : ١٨٠.
(٢) سورة الرعد ١٣ : ٧.
(٣) انظر : مسند أحمد ١ / ١٢٦ ، زوائد عبد الله بن أحمد بن حنبل على المسند : ٣٥٥ ح ١٤٨ ، المعجم الأوسط ٢ / ٩٤ ح ١٣٨٣ ، المعجم الصغير ١ / ٢٦١ ، تفسير الحبري : ٢٨١ ـ ٢٨٣ ح ٣٨ و ٣٩ ، تفسير الطبري ٧ / ٣٤٤ ح ٢٠١٦١ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٤٠ ح ٤٦٤٦ ، تفسير الثعلبي ٥ / ٢٧٢ ، ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ١١٧ ، تاريخ بغداد ١٢ / ٣٧٢ ، شواهد التنزيل ١ / ٢٩٣ ـ ٣٠٣ ح ٣٩٨ ـ ٤١٦ ، فردوس الأخبار ١ / ٤٢ ح ١٠٣ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٥٩ ـ ٣٦٠ ، زاد المسير ٤ / ٢٣٦ ، تفسير الفخر الرازي ١٩ / ٢٠ ، كفاية الطالب : ٢٣٢ ـ ٢٣٣ ، فرائد السمطين ١ / ١٤٨ ح ١١١ و ١١٢ ، تفسير ابن كثير ٢ / ٤٨٣ ، مجمع الزوائد ٧ / ٤١ ، الدرّ المنثور ٤ / ٦٠٨.
وقال الفضل(١) :
ليس هذا في تفاسير السنّة ، ولو صحّ دلّ على أنّ عليّا هادي ، وهو مسلّم ، وكذا أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله هداة ؛ لقولهصلىاللهعليهوآله : « أصحابي كالنجوم ، بأيّهم اقتديتم اهتديتهم »(٢) ، ولا دلالة فيه على النصّ.
* * *
__________________
(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٩٣.
(٢) لسان الميزان ٢ / ١١٨ رقم ٤٤٨.
وأقول :
نقل الحديث المذكور بعينه في « كنز العمّال » بفضائل عليّعليهالسلام (١) ، عن الديلمي في كتاب « الفردوس »(٢) .
ونقله عنه أيضا المصنّفرحمهالله في « منهاج الكرامة »(٣) .
وذكر السيوطي في « الدرّ المنثور » أخبارا أربعة في نزولها بعليّعليهالسلام (٤) :
الأوّل : ما أخرجه ابن جرير ، وابن مردويه ، وأبو نعيم في « المعرفة » ، والديلمي ، وابن عساكر ، وابن النجّار ، عن ابن عبّاس ، قال : « لمّا نزلت :( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) ، وضع رسول اللهصلىاللهعليهوآله يده على صدره فقال : « أنا المنذر » ، وأومأ بيده إلى عليّعليهالسلام فقال : «أنت الهادي يا عليّ ، بك يهتدي المهتدون من بعدي »(٥) .
ولعلّه هو حديث الديلمي السابق.
الثاني : ما أخرجه ابن مردويه ، عن أبي برزة الأسلمي : « سمعت رسول الله يقول : « إنّما أنت منذر » ووضع يده على صدره ، ثمّ وضعها
__________________
(١) ص ١٥٧ من الجزء السادس [ ١١ / ٦٢٠ ح ٣٣٠١٢ ]. منهقدسسره .
(٢) فردوس الأخبار ١ / ٤٢ ح ١٠٣.
(٣) منهاج الكرامة : ١٢٦.
(٤) وقد توسّع السيّد عليّ الحسيني الميلاني بدراسة تفسير الآية الكريمة وما ورد في ذلك من أحاديث ، سندا ودلالة ، في موسوعته : نفحات الأزهار ٢٠ / ٢٩٧ ـ ٣٦٨ ؛ فراجع!
(٥) انظر : معرفة الصحابة ١ / ٨٧ ـ ٨٨ ح ٣٤٤ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٥٩.
على صدر عليّ وهو يقول :( لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) (١) .
الثالث : ما أخرجه ابن مردويه ، والضياء في « المختارة » ، عن ابن عبّاس ، قال : « رسول الله المنذر ، وعليّ بن أبي طالب الهادي »(٢) .
الرابع : ما أخرجه عبد الله بن أحمد في « زوائد المسند » ، وابن أبي حاتم ، والطبراني في « الأوسط » ، والحاكم وصحّحه ، وابن مردويه ، وابن عساكر ، عن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، في قوله تعالى :( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) ، قال : «رسول الله صلىاللهعليهوآله المنذر ، وأنا الهادي »(٣) .
قال السيوطي : وفي لفظ : « والهادي رجل من بني هاشم » ، يعني نفسه(٤) .
وقد ذكر الحاكم هذا الحديث في « المستدرك »(٥) ، وقال : « صحيح الإسناد » ؛ وما تعقّبه الذهبي إلّا ببهت النصب وتحكّم الضلالة ، فقال : « بل كذب ، قبّح الله واضعه ».
وقد نقل جماعة هذا الحديث باللفظ الثاني عن الثعلبي مع أوّل الأحاديث التي ذكرها السيوطي ، منهم صاحب « ينابيع المودّة » ، وهو أيضا نقل الحديث الأخير باللفظ الثاني عن الحمويني ، قال : « أخرجه بسنده عن أبي هريرة »(٦) .
ونقل أيضا خبرا آخر عن الحاكم أبي القاسم الحسكاني ، بسنده عن
__________________
(١) الدرّ المنثور ٤ / ٦٠٨.
(٢) الدرّ المنثور ٤ / ٦٠٨.
(٣) الدرّ المنثور ٤ / ٦٠٨.
(٤) الدرّ المنثور ٤ / ٦٠٨.
(٥) ص ١٢٩ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٤٠ ح ٤٦٤٦ ]. منهقدسسره .
(٦) ينابيع المودة ١ / ٢٩٦ ح ٥ و ٦.
بريدة الأسلمي ، قال : دعا رسول اللهصلىاللهعليهوآله بماء للطهور ، فأخذ بيد عليّ ـ بعد ما تطهّر ـ فألصق يده بصدره ، فقال : « أنا المنذر » ، ثمّ ردّ يده إلى صدر عليّ ، فقال : أنت( لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) .
ثمّ قال له : «أنت منادي (١) الأنام ، وغاية الهدى ، وأمير الغرّ المحجّلين ، أشهد لك إنّك كذلك »(٢) .
ثمّ قال في « الينابيع » : « المالكي أيضا أخرجه عن ابن عبّاس »(٣) .
ويعني بالمالكي : علي بن أحمد ، صاحب « الفصول المهمّة » ، ونقل أيضا أخبارا كثيرة من هذا النحو(٤) .
ونقل الرازي في تفسيره الخبر الأوّل من أخبار السيوطي ، وذكر في الآية أقوالا ثلاثة ، ثالثها ما دلّ عليه هذا الخبر(٥) .
ولا ريب أنّه المتّبع ؛ لأنّه تفسير بالرواية عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، والقولان الأوّلان تفسير بالرأي ، ولو فرض ورود رواية بهما فلا تكون حجّة علينا ، ولا تعارض تلك الروايات ؛ لاتّفاق الفريقين عليها ، فقول الفضل : « ليس هذا في تفاسير السنّة » كما ترى!
وقد ذكر السيّد السعيدرحمهالله ، أنّ ابن عقدة صنّف كتابا في هذه الآية وروايات نزولها في شأن أمير المؤمنينعليهالسلام (٦) .
__________________
(١) في شواهد التنزيل : منارة.
(٢) ينابيع المودّة ١ / ٢٩٦ ـ ٢٩٧ ح ٧ ، وانظر : شواهد التنزيل ١ / ٣٠١ ـ ٣٠٢ ح ٤١٤.
(٣) ينابيع المودّة ١ / ٢٩٧ ذ ح ٧ ، وانظر : الفصول المهمّة : ١٢٣.
(٤) ينابيع المودّة ١ / ٢٩٦ ـ ٢٩٧ ح ٥ ـ ١٠.
(٥) تفسير الفخر الرازي ١٩ / ٢٠.
(٦) إحقاق الحقّ ٣ / ٩٣.
وأمّا دلالتها على إمامته دون غيره فأوضح من أن تحتاج إلى بيان ؛ لأنّ الله تبارك وتعالى جعله في قرن النبيّصلىاللهعليهوآله بأنّ له الإنذار ولعليّ الهداية ، أي إراءة الطريق ، وعمّم هدايته لكلّ قوم ، وذلك من آثار الإمامة ، لا سيّما وقد قال له رسول الله : «وبك يهتدي المهتدون من بعدي »(١)
فإنّه بمقتضى تقديم الجار والمجرور دالّ على حصر الهداية به بعد وفاة النبيّصلىاللهعليهوآله ، مع أنّه قد أثنى عليه في رواية الحسكاني بما يناسب الإمامة(٢) .
وممّا بيّنّا يعلم ما في قول الفضل : « دلّ على أنّ عليّا هاد » ، مريدا به عدم دلالة الآية والرواية على اختصاص الهداية به.
وأمّا ما رواه من حديث « أصحابي كالنجوم » ، فهو باطل متنا وسندا(٣)
أمّا الأوّل : فلأنّ عمومه لكلّ أصحابه مخالف للضرورة ؛ لأنّ أكثرهم من الجاهلين
وكثيرا منهم من المرتدّين بعده كما دلّت عليه أخبار الحوض ، بل بعضها دالّ على ارتداد الكلّ إلّا مثل همل النعم(٤)
__________________
(١) كما في رواية ابن جرير وابن مردويه وأبي نعيم والديلمي وابن عساكر وابن النجّار ، عن ابن عبّاس.
(٢) تقدّمت آنفا في الصفحة ٤٣١ ـ ٤٣٢.
(٣) وانظر : رسالة في حديث « أصحابي كالنجوم » ، وهي الرسالة الأولى من كتاب « الرسائل العشر » ، للسيّد عليّ الحسيني الميلاني ، فقد توسّع في بحثه سندا ودلالة ، على ضوء كلمات علماء وحفّاظ أهل السنّة وآرائهم ؛ فراجع!
(٤) تقدّم تخريج ذلك مفصّلا في ج ٢ / ٢٧ ـ ٢٨ ه ١ ، وانظر : الصفحة ٢١٢ ـ ٣١٣ ه ١ من هذا الجزء.
كما أنّ بعضهم من المنافقين في وقته ، قال تعالى :( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) (١)
وبعضهم من القاسطين والناكثين والمارقين(٢)
وبعضهم من الزنّائين ، والفاسقين ، كالمغيرة والوليد وأشباههما(٣) .
فكيف يقول النبيّصلىاللهعليهوآله : « بأيّهم اقتديتم اهتديتم »؟! وهو يقتضي العصمة ، ولا أقلّ من العدالة ، ويقتضي العلم والإحاطة بما جاء به الرسول وأكثرهم من الجاهلين!
فلا بدّ أن يكون المراد بالأصحاب في الحديث ـ على فرض صحّته ـ ثقل النبيّصلىاللهعليهوآله وسفينة النجاة ، وهم آله كما فسّر بهمعليهمالسلام (٤) .
وأمّا الثاني : فلما نقله السيّد السعيدرحمهالله عن شارح « الشفاء » للقاضي عياض ، أنّه قال : « اعلم أنّ حديث : ( أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم ) أخرجه الدارقطني في ( الفضائل ) وابن عبد البرّ في ( العلم ) ، من طريق من حديث جابر ، وهذا إسناد لا يقوم به حجّة ؛ لأنّ الحارث بن
__________________
(١) سورة التوبة ٩ : ١٠١.
(٢) سيأتي الكلام عنهم.
(٣) استفاضت الأخبار بزنا المغيرة في الجاهلية والإسلام حتّى ضرب بزناه المثل ، وقصّته مع أمّ جميل أثناء ولايته على البصرة مشهورة ؛ راجع : فتوح البلدان : ٣٤٤ ، تاريخ الطبري ٢ / ٤٩٢ ـ ٤٩٤ ، الأغاني ١٦ / ١٠٣ ـ ١١٠ ، الكامل في التاريخ ٢ / ٣٨٤ ـ ٣٨٥ ، البداية والنهاية ٧ / ٦٦ ـ ٦٧.
أمّا الوليد ، فقد نزل فيه قوله تعالى : ( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) سورة الحجرات ٤٩ : ٦ ؛ انظر : تفسير الطبري ١١ / ٣٨٣ ـ ٣٨٤ ح ٣١٦٨٦ ـ ٣١٦٩٢ ، تفسير البغوي ٤ / ١٩١ ، الكشّاف ٣ / ٥٥٩ ، تفسير الفخر الرازي ٢٨ / ١٢٠ ، تفسير ابن كثير ٤ / ٢١٠.
(٤) انظر : معاني الأخبار : ١٥٦ ح ١.
غضين : مجهول.
ورواه عبد بن حميد في مسنده ، من رواية عبد الرحيم بن زيد ، عن أبيه ، عن [ ابن ] المسيّب ، عن [ ابن ] عمر ؛ قال البزّار : منكر لا يصحّ.
ورواه ابن عديّ في ( الكامل ) ، من رواية حمزة بن أبي حمزة النصيبي ، عن نافع عن [ ابن ] عمر بلفظ : ( بأيّهم أخذتم بقوله ) بدل ( اقتديتم ) ، وإسناده ضعيف لأجل حمزة ؛ لأنّه متّهم بالكذب.
ورواه البيهقي في ( المدخل ) ، من حديث ابن عبّاس ، وقال : متنه مشهور ، وأسانيده ضعيفة لم يثبت منها في هذا الباب إسناد.
وقال ابن حزم : مكذوب موضوع باطل ».
انتهى كلام شارح « الشفاء »(١) .
* * *
__________________
(١) شرح الشفاء ٢ / ٩١ ـ ٩٢ ، ولم يرد فيه قول ابن حزم ، وانظر : جامع بيان العلم وفضله ٢ / ١١٠ ـ ١١١ ، الكامل في الضعفاء ٢ / ٣٧٧ رقم ٥٠٢.
وراجع : إحقاق الحقّ ٣ / ٩٥ ـ ٩٩.
فهرس المحتويات
مباحث النبوة ٥
نبوّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ٧
المسألة الرابعة ٧
في النّبوّة ٧
المبحث الأوّل ٧
في نبوّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ٧
وقال الفضل : ١٠
وأقول : ١٣
عصمة الأنبياء ١٧
المبحث الثاني ١٧
في أنّ الأنبياء معصومون ١٧
وقال الفضل : ٢٠
وأقول : ٢٨
قال المصنّف ٥٠
وقال الفضل : ٥١
وأقول : ٥٣
قال المصنّف ٦٤
وقال الفضل : ٦٦
وأقول : ٦٨
قال المصنّف ٧٤
وقال الفضل : ٧٦
وأقول : ٧٨
قال المصنّف ٨٨
وقال الفضل : ٨٩
وأقول : ٩٠
قال المصنّف ٩٧
وقال الفضل : ٩٨
وأقول : ٩٩
قال المصنّف ١٠٣
وقال الفضل : ١٠٤
وأقول : ١٠٦
قال المصنّف ١١١
وقال الفضل : ١١٢
وأقول : ١١٣
قال المصنّف ١١٦
وقال الفضل : ١١٨
وأقول : ١١٩
قال المصنّف ١٢٨
وقال الفضل : ١٢٩
وأقول : ١٣٠
قال المصنّف ١٣١
وقال الفضل : ١٣٢
وأقول : ١٣٣
الأحاديث الموضوعة في توهين الأنبياء والخالق ١٣٧
[ ١ ـ حديث بدء الوحي ] ١٣٧
[ ٢ ـ حديث تأبير النخل ] ١٤٢
[ ٣ ـ حديث إسقاط النبيّ صلىاللهعليهوآله آيات من القرآن ] ١٤٤
[ ٤ ـ حديث نوم النبيّ صلىاللهعليهوآله عن صلاة الصبح ] ١٤٥
[ ٥ ـ حديث ترك النبيّ صلىاللهعليهوآله صلاة العصر ] ١٤٦
[ ٦ ـ حديث إذا لعن النبيّ صلىاللهعليهوآله أحدا فهو له زكاة ] ١٤٨
[ ٧ ـ حديث نفي النبيّ صلىاللهعليهوآله عذاب القبر ] ١٥٢
[ ٨ ـ حديث حبّ النبيّ صلىاللهعليهوآله لعائشة ] ١٥٣
[ ٩ ـ حديث فرار الحجر من النبيّ موسى عليهالسلام ] ١٥٩
[ ١٠ ـ حديث طواف النبيّ سليمان عليهالسلام بمئة امرأة ] ١٦١
[ ١١ ـ حديث حرق نبيّ قرية للنمل ] ١٦٢
[ ١٢ ـ حديث وضع الربّ رجله في جهنّم ] ١٦٣
[ ١٣ ـ حديث خلق الله آدم على صورته ] ١٦٦
لزوم المحالات من إنكار عصمة الأنبياء ١٧١
منها ١٧١
وقال الفضل : ١٧٢
وأقول : ١٧٣
ومنها ١٧٥
وقال الفضل : ١٧٦
وأقول : ١٧٧
وقال الفضل : ١٨٠
وأقول : ١٨١
وقال الفضل : ١٨٤
وأقول : ١٨٥
نزاهة النبيّ ١٨٩
عن دناءة الآباء وعهر الأمّهات ١٨٩
المبحث الثالث ١٨٩
في أنّه يجب أن يكون منزّها ١٨٩
عن دناءة الآباء وعهر الأمّهات ١٨٩
ذهبت ١٨٩
وقال الفضل : ١٩١
وأقول : ١٩٢
وأمّا المعتزلة ١٩٦
وقال الفضل : ١٩٨
وأقول : ١٩٩
مباحث الإمامة ٢٠٣
المسألة الخامسة في الإمامة ٢٠٥
وجوب عصمة الإمام ٢٠٥
[ المبحث ] الأوّل ٢٠٥
في أنّ الإمام يجب أن يكون معصوما ٢٠٥
وقال الفضل : ٢٠٨
وأقول : ٢١١
الإمام أفضل من رعيّته ٢٣٣
المبحث الثاني ٢٣٣
في أنّ الإمام يجب أن يكون أفضل من رعيّته ٢٣٣
وقال الفضل : ٢٣٥
وأقول : ٢٣٧
طريق تعيين الإمام ٢٤١
المبحث الثالث ٢٤١
في طريق تعيين الإمام ٢٤١
وقال الفضل : ٢٤٤
وأقول : ٢٤٨
تعيين إمامة عليّ بدليل العقل ٢٧١
المبحث الرابع ٢٧١
في تعيين الإمام ٢٧١
وقال الفضل : ٢٧٣
وأقول : ٢٧٧
تعيين إمامة عليّ بالقرآن ٢٩٧
١ ـ آية : ( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) ٢٩٧
وقال الفضل : ٢٩٩
وأقول : ٣٠٠
٢ ـ آية : ( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ) ٣١٤
وقال الفضل : ٣١٥
وأقول : ٣١٧
٣ ـ آية التطهير ٣٥١
وقال الفضل : ٣٥٤
وأقول : ٣٥٦
٤ ـ آية المودّة في القربى ٣٨١
وقال الفضل : ٣٨٢
وأقول : ٣٨٣
٥ ـ آية : ( مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ) ٣٩٣
وقال الفضل : ٣٩٥
وأقول : ٣٩٦
٦ ـ آية المباهلة ٣٩٩
وقال الفضل : ٤٠١
وأقول : ٤٠٢
٧ ـ آية : ( فَتَلَقَّى آدَمُ ) ٤١١
وقال الفضل : ٤١٢
وأقول : ٤١٣
٨ ـ آية : ( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ) ٤١٧
وقال الفضل : ٤١٨
وأقول : ٤١٩
٩ ـ آية : ( سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ) ٤٢٣
وقال الفضل : ٤٢٤
وأقول : ٤٢٥
١٠ ـ آية : ( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) ٤٢٨
وقال الفضل : ٤٢٩
وأقول : ٤٣٠
فهرس المحتويات ٤٣٧
* * *