دلائل الصدق لنهج الحق- الجزء 5
التجميع مفاهيم عقائدية
الکاتب الشيخ محمد حسن المظفر
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404





١١ ـ آية :( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ )

قال المصنّف ـ قدّس الله روحه ـ(١) :

الحادية عشرة : قوله تعالى :( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) (٢) .

روى الجمهور عن ابن عبّاس ، وعن أبي سعيد الخدري ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : «عن ولاية عليّ بن أبي طالب »(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٨١.

(٢) سورة الصافّات ٣٧ : ٢٤.

(٣) تفسير الحبري : ٣١٢ ـ ٣١٣ ح ٦٠ ، ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ١٩٦ ، شواهد التنزيل ٢ / ١٠٦ ـ ١٠٨ ح ٧٨٥ ـ ٧٩٠ ، مناقب الإمام عليّ عليه السلام ـ للخوارزمي ـ : ٢٧٥ ح ٢٥٦ ، تذكرة الخواصّ : ٢٦ ، كفاية الطالب : ٢٤٧ ، فرائد السمطين ١ / ٧٨ ـ ٧٩ ح ٤٦ و ٤٧ ، جواهر العقدين : ٢٥٢ ، الصواعق المحرقة : ٢٢٩.


وقال الفضل(١) :

ليس هذا من رواية أهل السنّة ، ولو صحّ دلّ على أنّه من أولياء الله تعالى ، فالوليّ : هو المحبّ المطيع ، وليس هو بنصّ في الإمامة.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ١٠٧.


وأقول :

قال ابن حجر في « الصواعق » ، في الآية الرابعة من الآيات النازلة في أهل البيتعليهم‌السلام : « أخرج الديلمي ، عن أبي سعيد ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال :( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) ؛عن ولاية عليّ .

وكأنّ هذا مراد الواحدي بقوله : روي في قوله تعالى :( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) أي عن ولاية عليّ وأهل البيتعليهم‌السلام »(١) .

ونقل المصنّفرحمه‌الله في « منهاج الكرامة » حديث الديلمي ، وحديثا آخر مثله عن أبي نعيم بسنده عن ابن عبّاس(٢) .

ونقلهما معا في « ينابيع المودّة »(٣) .

ونقل أيضا في « الينابيع » ، عن « المناقب » ، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : «إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على جهنّم ، لم يجز عليه إلّا من كان معه جواز فيه ولاية عليّ بن أبي طالب ، وذلك قوله تعالى : ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) عن ولاية عليّ »(٤) .

وفي « الينابيع » أيضا ، عن الحمويني ، بسنده عن عليّعليه‌السلام ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «إذا نصب الصراط على جهنّم ، لم يجز عنه أحد إلّا

__________________

(١) الصواعق المحرقة : ٢٢٩.

(٢) منهاج الكرامة : ١٢٧.

(٣) ينابيع المودّة ١ / ٣٣٤ ح ١١ و ١٢.

(٤) ينابيع المودّة ١ / ٣٣٨ ح ٢١ ، وأنظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢١٨ ح ٢٨٩.


من كانت معه براءة بولاية عليّ بن أبي طالب »(١)

وفيها نحوه أيضا ، عن موفّق بن أحمد ، عن ابن مسعود ، من طريقين ، وعن ابن عبّاس من طريق

وأيضا عن ابن المغازلي ، عن ابن عبّاس ، من طريقين

وعن أبي سعيد ، من طريق

وعن أنس ، من طريق(٢) .

ويؤيّد هذه الأخبار ما في « ميزان الاعتدال » بترجمة إبراهيم بن عبد الله الصاعدي ، قال : « روى عن ذي النون ، عن مالك ، خبرا باطلا ومتنه : إذا نصب الصراط لم يجز أحد إلّا من كانت معه براءة بولاية عليّ ».

ثمّ قال : « ذكره ابن الجوزي في ( الموضوعات ) ، وقال : إبراهيم متروك الحديث »(٣) .

ولا سبب للحكم بوضعه وبطلانه ، إلّا التعصّب والاستبعاد ، وكيف يستبعد ذلك في حقّ أخ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ونفسه ، وثقله في أمّته؟!

وذكر السيوطي في « اللآلئ المصنوعة » هذا الحديث نقلا عن الحاكم بسنده عن عليّعليه‌السلام ، وذكر كلام ابن الجوزي والذهبي ، وتعقّبهما بأنّ للحديث طريقا آخر ذكره أبو عليّ الحدّاد(٤) في معجمه ، ثمّ بيّن

__________________

(١) ينابيع المودّة ١ / ٣٣٥ ح ١٤ ، وأنظر : فرائد السمطين ١ / ٢٨٩ ح ٢٢٨.

(٢) ينابيع المودّة ١ / ٣٣٥ ذ ح ١٤ ، وأنظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣١٩ ـ ٣٢٠ ح ٣٢٤ ، مناقب الإمام عليّ ٧ ـ لابن المغازلي ـ : ١٤٧ ح ١٧٢ وص ٢١٨ ح ٢٨٩.

(٣) ميزان الاعتدال ١ / ١٦٥ رقم ١٣٢ ، وأنظر : الموضوعات ١ / ٣٩٩.

(٤) هو : أبو عليّ الحسن بن أحمد بن الحسن بن محمّد بن عليّ الأصبهاني الحدّاد ،


الطريق(١) .

وحينئذ فلا بدّ للمنصف من الحكم بصدق مضمون الحديث ، بل تواتره ، ولا سيّما بضميمة أخبارنا(٢) واقتضاء فضل أمير المؤمنينعليه‌السلام لمثله.

وكيف كان ؛ فهذه الآية ـ على ذلك المعنى ـ دالّة على إمامة عليّعليه‌السلام ؛ لأنّ الإمامة أوّل ما يسأل عنه بعد الوحدانية والرسالة ، وأحقّ ما يحتاج إلى معرفته في الجواز على الصراط ؛ لأنّ من لا يعرف إمامة إمامه مات ميتة جاهلية ، كما سبق(٣) ، بخلاف سائر الواجبات ، فإنّ من لا يقوم بها لا يخرج عن الدين ، إذ ليست من أصوله ، ولذلك جاءت الآية الكريمة في أثناء ذكر الكافرين.

وممّا بيّنّا يعلم ما في قول الفضل : « ولو صحّ دلّ على أنّه من أولياء الله تعالى ».

__________________

ـ شيخ أصبهان بالقراءات والحديث جميعا ، المقرئ المجوّد ، مسند الوقت ، كان مع علوّ إسناده أوسع أهل وقته رواية ، حمل الكثير عن أبي نعيم ، وخرّج لنفسه معجم أسامي مشايخه ؛ قال عنه السمعاني : كان ثقة صدوقا.

ولد في شعبان سنة ٤١٩ ، وتوفّي في ذي الحجّة سنة ٥١٥.

أنظر : المنتظم ١٠ / ١٧٩ ، سير أعلام النبلاء ١٩ / ٣٠٣ رقم ١٩٣ ، معرفة القرّاء الكبار ١ / ٤٧١ رقم ٤١٥ ، العبر في خبر من غبر ٢ / ٤٠٤ ، مرآة الجنان ٣ / ١٦١ ، غاية النهاية في طبقات القرّاء ١ / ٢٠٦ رقم ٩٤٦ ، توضيح المشتبه ٨ / ٢٩٤ ، شذرات الذهب ٤ / ٤٧.

(١) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٤٧.

(٢) أنظر مثلا : معاني الأخبار : ٦٧ ح ٧ وص ٣٨٧ ح ٢٣ ، الاعتقادات ـ للشيخ المفيد ـ : ٧٢ ، الأمالي ـ للشيخ الطوسي ـ : ٢٩٠ ح ٥٦٤ ، مناقب آل أبي طالب ٤ / ١٧٤ و ١٧٥ و ١٧٨ ، عمدة عيون صحاح الأخبار : ٣٦٣ ح ٥٣٠.

(٣) راجع ج ٤ / ٢١٣ ـ ٢١٤ من هذا الكتاب.


وأيّ عاقل يفهم هذا المعنى من تلك الرواية؟!

ولو سلّم ، فالسؤال عن ولايتهعليه‌السلام بهذا المعنى دون سائر الأولياء دليل على تميّزه عليهم بالفضل ، والقرب إلى الله عزّ وجلّ ، وهو يستدعي الإمامة.

ويبعد أيضا أن يراد بالولاية في الأخبار : الحبّ ، وإن كان حبّه واجبا وأجرا للرسالة ، اللهمّ إلّا بلحاظ الملازمة بين الحبّ الخالص له والإقرار بإمامته ، إذ لا ينكرها بعد وضوح أمرها إلّا من يميل عنه.

مع أنّ السؤال عن حبّه ، وتوقّف الجواز على الصراط على ودّه ، دليل على أنّ له ـ دون سائر الصحابة ـ منزلة عظمى ومرتبة توجب ذلك ؛ لفضله عليهم ؛ والأفضل أحقّ بالإمامة.

وقد نقل في « الينابيع » القول بإرادة الحبّ من الولاية ، عن الحاكم ، والأعمش ، ومحمّد بن إسحاق صاحب كتاب « المغازي »(١) .

ويشهد لهم الأخبار الكثيرة الدالّة على السؤال عن حبّ أهل البيتعليهم‌السلام (٢) .

منها : ما في « الينابيع » عن الثعلبي وابن المغازلي ، بسنديهما عن ابن عبّاس(٣)

__________________

(١) ينابيع المودّة ١ / ٣٣٥ ح ١٣.

(٢) أنظر : المعجم الكبير ١١ / ٨٣ ـ ٨٤ ح ١١١٧٧ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٤١ ح ١٥٧ ، كفاية الطالب : ٣٢٤ ، جامع المسانيد والسنن ـ لابن كثير ـ ٣٢ / ٣٢٥ ح ٣٣٥١ ، مجمع الزوائد ١٠ / ٣٤٦ ؛ وأنظر : ج ٤ / ٣٨٦ ه‍ ٤ من هذا الكتاب.

(٣) ينابيع المودّة ١ / ٣٣٦ ذ ح ١٥ ، وأنظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٤١ ح ١٥٧.


وعن الترمذي(١) وموفّق بن أحمد(٢) ، بسنديهما عن أبي برزة الأسلمي

وعن موفّق أيضا ، بسنده عن أبي هريرة(٣)

وعن الحاكم ، بسنده عن أبي سعيد(٤)

وعن الحمويني ، بسنده عن عليّ أمير المؤمنينعليه‌السلام (٥)

وعن « المناقب » ، بسنده عن الباقرعليه‌السلام (٦)

قالوا : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :لا تزول قدم عبد عن قدم حتّى يسأل عن عمره ، فيما أفناه؟ وعن جسده فيما أبلاه؟ ـ وفي رواية : « وعن شبابه » بدل « جسده » ـ ، وعن ماله ممّا اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ وعن حبّنا أهل البيت ».

وكلّ الروايات بهذا اللفظ أو بهذا المضمون ، إلى كثير من الأخبار التي يطول ذكرها ، وسبق بعضها في آية القربى(٧) .

__________________

(١) ينابيع المودّة ١ / ٣٣٧ ذ ح ١٨ ، وأنظر : سنن الترمذي ٤ / ٥٢٩ ح ٢٤١٦ و ٢٤١٧ ولم ترد فيهما جملة : « وعن حبّنا أهل البيت » أو ما بمعناها ، أمّا الحديث الثاني فهو عن أبي برزة الأسلمي ، وأمّا الحديث الأوّل فهو عن ابن مسعود ، وقال الترمذي في ذيله : « وفي الباب عن أبي برزة وأبي سعيد » ، فلعلّ يد التحريف طالت الحديثين طمسا للحقّ ؛ فلاحظ!

(٢) ينابيع المودّة ١ / ٣٣٦ ذ ح ١٥.

(٣) ينابيع المودّة ١ / ٣٣٦ ـ ٣٣٧ ح ١٨ ، وأنظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٧٦ ـ ٧٧ ح ٥٩.

(٤) ينابيع المودّة ١ / ٣٣٦ ذ ح ١٥.

(٥) ينابيع المودّة ١ / ٣٣٥ ـ ٣٣٦ ح ١٥ ، وأنظر : فرائد السمطين ٢ / ٣٠١ ح ٥٥٧.

(٦) ينابيع المودّة ١ / ٣٣٧ ـ ٣٣٨ ح ٢٠.

(٧) راجع : ج ٤ / ٣٨٦ ه‍ ٤ من هذا الكتاب.


وليت شعري أكان أبو بكر ، وعمر ، وعثمان أئمّة لأمير المؤمنين وهم لا يجوزون الصراط إلّا ويسألون عن ولايته ، ولا يمرّون عليه إلّا ببراءة منه وسند منه؟!

ما هذا إلّا عجب!!

* * *


١٢ ـ آية :( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ )

قال المصنّف ـقدس‌سره ـ(١) :

الثانية عشرة : قوله تعالى :( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) (٢) .

روى الجمهور ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : ببغضهم عليّاعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٨١.

(٢) سورة محمّد ٤٧ : ٣٠.

(٣) ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ٢٢٧ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٦٢ ح ٣٥٩ ، شواهد التنزيل ٢ / ١٧٨ ـ ١٧٩ ح ٨٨٣ ـ ٨٨٥ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٦٠ وقد حرّفت فيه كلمة « ببغضهم » إلى « بعضهم » وقد غفل المحرّف وفاته أنّ المعنى لا يستقيم بها ، كفاية الطالب : ٢٣٥ ، الدرّ المنثور ٧ / ٥٠٤.


وقال الفضل(١) :

ليس في تفسير أهل السنّة ، وإن صحّ دلّ على فضيلته لا نصّ على إمامته.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ١١٤.


وأقول :

ذكره السيوطي في تفسيره « الدرّ المنثور » ، ونقله عن ابن مردويه ، وابن عساكر ، عن أبي سعيد(١) .

ونقله المصنّفرحمه‌الله في « منهاج الكرامة » ، عن أبي نعيم ، عن أبي سعيد أيضا(٢) .

وقال السيوطي أيضا : أخرج ابن مردويه ، عن ابن مسعود ، قال : ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلّا ببغضهم عليّ بن أبي طالب(٣) .

أقول :

وروى الترمذي في فضائل عليّعليه‌السلام ، عن أبي سعيد ، قال : « إنّا كنّا لنعرف المنافقين ـ نحن معاشر الأنصار ـ ببغضهم عليّ بن أبي طالب »(٤) .

وروى أيضا ، عن أمّ سلمة ، قالت : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «لا يحبّ عليّا منافق ، ولا يبغضه مؤمن »(٥) .

__________________

(١) الدرّ المنثور ٧ / ٥٠٤ ، وأنظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٦٠.

(٢) منهاج الكرامة : ١٢٧ ، وأنظر : ما نزل من القرآن في عليّ : ٢٢٧.

(٣) الدرّ المنثور ٧ / ٥٠٤.

(٤) سنن الترمذي ٥ / ٥٩٣ ح ٣٧١٧ ، وأنظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٧١٥ ح ٩٧٩.

(٥) سنن الترمذي ٥ / ٥٩٤ ح ٣٧١٧ م ، وأنظر أيضا : مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٠٣ ح


وروى مسلم ، عن عليّعليه‌السلام ، قال : «والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، [ إنّه ] لعهد النبيّ الأمّي إليّ أنّه لا يحبّني إلّا مؤمن ، ولا يبغضني إلّا منافق »(١) .

ونحوه في « سنن النسائي » ، في علامة الإيمان من كتاب الإيمان(٢) .

ورواه بسند آخر في علامة النفاق(٣) .

وأيضا نحوه في « سنن الترمذي » ، في فضائل عليّعليه‌السلام (٤) .

وكذا في « كنز العمّال » في فضائل عليّ(٥) ، عن الحميدي ، وابن أبي شيبة ، وأحمد بن حنبل ، والعدني ، وابن ماجة ، وابن حبّان ، وأبي نعيم في « الحلية » ، وابن أبي عاصم في « السنّة »(٦) .

__________________

ـ ٥١ ، مسند أحمد ٦ / ٢٩٢ ، مسند أبي يعلى ١٢ / ٣٣١ ـ ٣٣٢ ح ٦٩٠٤ ، المعجم الكبير ٢٣ / ٣٧٥ ح ٨٨٥ و ٨٨٦.

(١) صحيح مسلم ١ / ٦١ ، كتاب الإيمان ، باب الدليل على أنّ حبّ الأنصار وعليّ من الإيمان وبغضهم من علامات النفاق.

(٢) سنن النسائي ٨ / ١١٦.

(٣) سنن النسائي ٨ / ١١٧.

(٤) سنن الترمذي ٥ / ٦٠١ ح ٣٧٣٦.

(٥) ص ٣٩٤ من الجزء السادس [ ١٣ / ١٢٠ ح ٣٦٣٨٥ ]. منهقدس‌سره .

(٦) انظر : مسند الحميدي ١ / ٣١ ح ٥٨ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٩٤ باب ١٨ ح ١ ، مسند أحمد ١ / ٨٤ و ٩٥ و ١٢٨ ، سنن ابن ماجة ١ / ٤٢ ح ١١٤ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٤٠ ح ٦٨٨٥ ، حلية الأولياء ٤ / ١٨٥ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٥٨٤ ح ١٣٢٥ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٤٧ ح ٨١٥٣ وص ١٣٧ ح ٨٤٨٥ ـ ٨٤٨٧ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٦٩٦ ح ٩٤٨ وص ٧٠٤ ح ٩٦١ ، مسند البزّار ٢ / ١٨٢ ح ٥٦٠ ، مسند أبي يعلى ١ / ٢٥١ ح ٢٩١ ، العلل ـ لابن أبي حاتم ـ ٢ / ٤٠٠ ح ٢٧٠٩ ، الاستيعاب ٣ / ١١٠٠ رقم ١٨٥٥ ، تاريخ بغداد ٢ / ٢٥٥ رقم ٧٢٨ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٧١ ح ٤٧٦٣ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٧١ ـ ٢٧٧.


وروى الحاكم في « المستدرك » ، في مناقب أمير المؤمنينعليه‌السلام (١) ، عن أبي ذرّ ، قال : « ما كنّا نعرف المنافقين إلّا بتكذيبهم الله ورسوله ، والتخلّف عن الصلوات ، والبغض لعليّ بن أبي طالب ».

ثمّ قال : « هذا حديث صحيح على شرط مسلم ».

ونقله في « كنز العمّال » في فضائل عليّ ، عن الخطيب في « المتّفق »(٢) .

ونقل ابن حجر في « الصواعق » ، في المقصد الثالث من المقاصد المتعلّقة بآية القربى ، عن أحمد والترمذي ، عن جابر : « ما كنّا نعرف المنافقين إلّا ببغضهم عليّا »(٣) .

والحصر في هذا الحديث ونحوه بلحاظ أنّ المنافق يتستّر بجميع علائم النفاق إلّا ببغض عليّعليه‌السلام ؛ لكثرة مبغضيه ، حتّى أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يعرفه منهم بلحن القول ، مع علمهم بحبّه له وشدّة اختصاصه به ، ولذا لمّا قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وجدوا الفرصة ، فاتّفق عليه أكثر قريش وكثير من الأنصار.

وهذه الأحاديث وإن لم تذكر نزول الآية ، لكنّها تؤيّد رواية أبي سعيد التي أشار إليها المصنّف(٤) ، ودلالتها على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ظاهرة ؛

__________________

(١) ص ١٢٩ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٣٩ ح ٤٦٤٣ ]. منهقدس‌سره .

(٢) ص ٣٩٠ من الجزء السادس [ كنز العمّال ١٣ / ١٠٦ ح ٣٦٣٤٦ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : المتّفق والمفترق ١ / ٤٣٤ ح ٢٢٠.

(٣) الصواعق المحرقة : ٢٦٥ ، وانظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٧٩٢ ـ ٧٩٣ ح ١٠٨٦ وص ٨٣٥ ح ١١٤٦ ، سنن الترمذي ٥ / ٥٩٣ ح ٣٧١٧ ، المعجم الأوسط ٢ / ٣٩١ ح ٢١٤٦ وج ٤ / ٤٤٣ ـ ٤٤٤ ح ٤١٥١ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٧٤.

(٤) انظر الصفحة ١٣ من هذا الجزء.


لأنّ من كان حبّه إيمانا ، وبغضه نفاقا وكفرا ، لا بدّ أن يكون متّصفا بأصل من أصول الدين الذي يشترط في الإيمان الإقرار به ، إذ ليس المدار في الإيمان والنفاق على ذات الحبّ والبغض ، بل على ما يلزمهما عادة من الإقرار بخلافته المنصوصة وإنكارها ، فإنّ من أبغضه أنكر إمامته عادة ، فيكون بإظهار الإيمان منافقا ، ومن أحبّه قال بإمامته ، إذ لا داعي له لإنكارها بعد اتّضاح ثبوتها بالكتاب والسنّة.

ولا ينافي المدّعى ما رواه القوم من أنّ حبّ الأنصار إيمان وبغضهم نفاق(١) ، فإنّه لو صحّ كان مفاده أنّ حبّهم وبغضهم إيمان ونفاق لنصرتهم لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأنّ الأنصار وصف ، وتعليق الحكم بالوصف مشعر بالحيثية

وهذا بخلاف تعليق الحكم بعليّعليه‌السلام ، فإنّه ليس لوصف النصرة ، بل لذاته الشريفة ، ويلزمه أنّ المنشأ هو الإمامة لا النصرة ، وإلّا لعاد الأمر إلى الإيمان بالنبيّ وعدمه ، ولم يكن لعليّ دخل ، وهو خلاف ظاهر الحديث.

* * *

__________________

(١) صحيح البخاري ١ / ١٨ ح ١٦ ، صحيح مسلم ١ / ٦٠ ، سنن الترمذي ٥ / ٦٦٩ ح ٣٩٠٠ ، سنن النسائي ٨ / ١١٦ ، مسند أحمد ٣ / ٧٠ و ١٣٠.


١٣ ـ آية :( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ )

قال المصنّف ـ رفع الله درجته ـ(١) :

الثالثة عشرة : قوله تعالى :( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) (٢) .

روى الجمهور ، عن ابن عبّاس ، قال : سابق هذه الأمّة عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٨١.

(٢) سورة الواقعة ٥٦ : ١٠ و ١١.

(٣) ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ٢٤٠ ، شواهد التنزيل ٢ / ٢١٦ ح ٩٢٩ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٤٤.


وقال الفضل(١) :

هذا الحديث جاء في رواية أهل السنّة ، ولكن بهذه العبارة : «سبّاق الأمم ثلاثة : مؤمن آل فرعون ، وحبيب ( بن ) (٢) النجّار ، وعليّ بن أبي طالب »(٣) .

ولا شكّ في أنّ عليّا سابق في الإسلام ، وصاحب السابقة والفضائل التي لا تخفى ، ولكن لا تدلّ الآية على نصّ إمامته وذلك المدّعى.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ١٢١.

(٢) كذا في الأصل ، وكلمة « بن » غير موجودة في إحقاق الحقّ وكفاية الطالب ، ولعلّها سهو ؛ فلاحظ!

(٣) انظر : الكشّاف ٣ / ٣١٩ ، كفاية الطالب : ١٢٣.


وأقول :

إذا كان أمير المؤمنينعليه‌السلام سابق هذه الأمّة ، كان خيرهم وأفضلهم ؛ لأنّ السبق إلى الإسلام أمارة الأعرفية والأفضلية كما يشهد له قوله تعالى :( أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) ؛ لإفادته الحصر وأنّه المقرّب دون غيره من الصحابة ، لجعل قرب غيره كلا قرب بالنسبة إليه ، فيكون بينه وبينهم في المعرفة والفضل والتقوى بون(١) شاسع.

ولا ريب أنّ من كان كذلك فهو الإمام ، لا سيّما وهو أفضل السابقين الثلاثة ، كما يدلّ عليه ما ذكره السيوطي في تفسير الآية

قال : أخرج ابن مردويه ، عن ابن عبّاس ، في قوله تعالى :( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) ، قال : « نزلت في حزقيل مؤمن آل فرعون ، وحبيب النّجار ـ الذي ذكر في( يس ) (٢) ـ ، وعليّ بن أبي طالب ، وكلّ رجل منهم سابق أمّته ، وعليّ أفضلهم سبقا »(٣) .

وفي رواية أخرى عبّر عنهم بالصدّيقين ، وذكر عليّا وقال : « وهو أفضلهم » ، نقلها السيوطي في تفسير سورة ( يس ) ، عن أبي داود وأبي نعيم والديلمي وابن عساكر(٤) ، كما ستسمعها في الآية الثالثة والعشرين إن

__________________

(١) البون والبون : مسافة ما بين الشيئين ؛ انظر : لسان العرب ١ / ٥٤٣ مادّة « بون ».

(٢) سورة يس ٣٦ : ٢٠ ـ ٢٧.

(٣) الدرّ المنثور ٨ / ٧.

(٤) الدرّ المنثور ٧ / ٥٣ ، وانظر : معرفة الصحابة ـ لأبي نعيم ـ ٥ / ٢٨٠٦ ح ٦٦٤٩ ،


شاء الله تعالى.

ولا ينافي ما ذكرنا أنّ حزقيل سابق أمّة موسى ولم يكن إمامهم ؛ وذلك لأنّه مات في حياة موسى ، ولو بقي بعده لكان هو الإمام لا يوشع ، على أنّ الموجود في بعض الأخبار « يوشع » بدل « حزقيل » ، ولعلّه الأصوب ، فيرتفع الإشكال

روى السيوطي في المقام ، عن ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، أنّهما أخرجا عن ابن عبّاس في قوله :( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) ، قال : « يوشع ابن نون سبق إلى موسى ، ومؤمن آل يس سبق إلى عيسى ، وعليّ بن أبي طالب سبق إلى رسول الله »(١) .

وروى السيوطي في تفسير سورة( يس ) ، عن الطبراني ، وابن مردويه ، عن ابن عبّاس ، قال : « السّبّق ثلاثة ، فالسابق إلى موسى يوشع ابن نون ، والسابق إلى عيسى صاحب يس ، والسابق إلى محمّد عليّ بن أبي طالب »(٢) .

__________________

ـ فردوس الأخبار ٢ / ٣٨ ح ٣٦٨١ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٤٣ و ٣١٣ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٧٧٨ ح ١٠٧٢ وص ٨١٤ ح ١١١٧ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٢١ ـ ٢٢٢ ح ٢٩٣ و ٢٩٤ ، شواهد التنزيل ٢ / ٢٢٣ ـ ٢٢٦ ح ٩٣٨ ـ ٩٤٢ ، الرياض النضرة ٣ / ١٠٤ ، ذخائر العقبى : ١٠٨ ، كنز العمّال ١١ / ٦٠١ ح ٣٢٨٩٧ و ٣٢٨٩٨.

(١) الدّر المنثور ٨ / ٦ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٦٥ ح ٣٦٥ ، شواهد التنزيل ٢ / ٢١٣ ـ ٢١٥ ح ٩٢٤ ـ ٩٢٦ وص ٢١٦ ـ ٢١٧ ح ٩٣١.

(٢) الدرّ المنثور ٧ / ٥٢ ، وانظر : المعجم الكبير ١١ / ٧٧ ح ١١١٥٢ ، شواهد التنزيل ٢ / ٢١٣ ـ ٢١٥ ح ٩٢٤ ـ ٩٢٦ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٥٥ ح ٢٠ ، شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢٢٥ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٠٢ ، كنز العمّال ١١ / ٦٠١ ح ٣٢٨٩٦.


وحكى المصنّف في « منهاج الكرامة » ، عن ابن المغازلي ، عن مجاهد ، عن ابن عبّاس ، قال : « سبق يوشع بن نون إلى موسى وهارون ، وسبق صاحب يس إلى عيسى ، وسبق عليّ إلى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله »(١) .

ويحتمل أن يكون يوشع وحزقيل سابقين معا إلى موسى ، وكلّ قسم من الأخبار خصّ واحدا بالذكر لخصوصية ، والإمام هو يوشع لأفضليّته بجهات أخر.

ثمّ إنّ الرواية التي ذكرها المصنّفرحمه‌الله هنا قد نقلها بعبارتها في « منهاج الكرامة » عن أبي نعيم(٢) .

هذا ، وروى الزمخشري في تفسير سورة( يس ) عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «سبّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين : عليّ ابن أبي طالب ، وصاحب يس ، ومؤمن آل فرعون »(٣) .

وهي دالّة على فضل آخر لأمير المؤمنينعليه‌السلام على غيره من الصحابة ، وهو أنّه لم يكفر بالله طرفة عين ، مع صغر سنّه ونشأته بين عبدة الأصنام ، فيكون أحقّ بالإمامة ممّن عبدها في كثير من عمره لقصور عقله ووفور جهله!

* * *

__________________

(١) منهاج الكرامة : ١٢٨ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٦٥ ح ٣٦٥ ، البداية والنهاية ١ / ٢٠٨ ، تفسير ابن كثير ٣ / ٥٤٧.

(٢) منهاج الكرامة : ١٢٨.

(٣) الكشّاف ٣ / ٣١٩ ، وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٢ / ٣١٣ عن جابر ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : « ثلاثة ما كفروا بالله قطّ : مؤمن آل ياسين ، وعليّ بن أبي طالب ، وآسية امرأة فرعون » ، وانظر : تاريخ بغداد ١٤ / ١٥٥ رقم ٧٤٦٨.


١٤ ـ آية :( أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِ )

قال المصنّف ـ طاب ثراه ـ(١) :

الرابعة عشرة : قوله تعالى :( أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ )

إلى قوله تعالى :( إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (٢) .

روى الجمهور في « الجمع بين الصحاح الستّة »(٣) ، أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب لمّا افتخر طلحة بن شيبة(٤) والعبّاس ، فقال طلحة : أنا أولى بالبيت ؛ لأنّ المفتاح بيدي.

وقال العبّاس : أنا أولى ، أنا صاحب السقاية ، والقائم عليها.

فقال عليّ :أنا أوّل الناس إيمانا ، وأكثرهم جهادا (٥) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٨٢.

(٢) سورة التوبة ٩ : ١٩ ـ ٢٢.

(٣) مرّ التعريف به وبمؤلّفه في ج ٤ / ٢٩٧ ه‍ ٤ من هذا الكتاب ، فراجع.

(٤) كذا في الأصل ، وفي بعض الأحاديث الواردة بهذا الخصوص : « شيبة » بدل « طلحة بن شيبة ».

(٥) جامع الأصول ٨ / ٦٦٣ ـ ٦٦٤ ح ٦٥١٤ عن رزين ، وانظر : تنوير المقباس من تفسير ابن عبّاس : ٢٠٠ ، تفسير الحسن البصري ١ / ٤١٠ ـ ٤١١ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٠٤ ح ٦١ ، تفسير الحبري : ٢٧٣ ، تفسير الطبري ٦ / ٣٣٧ ح ١٦٥٧٧ ، تفسير الثعلبي ٥ / ٢٠ ، ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ٩٨ ، فضائل الصحابة ـ لأبي نعيم ـ : ٨١ ح ٧٢ ، أسباب النزول ـ للواحدي ـ : ١٣٦ ، مناقب


فأنزل الله هذه الآية لبيان أفضليّته.

* * *

__________________

ـ الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٦٦ ح ٣٦٧ و ٣٦٨ ، شواهد التنزيل ١ / ٢٤٦ ـ ٢٥١ ح ٣٣٣ ـ ٣٣٩ ، تفسير البغوي ٢ / ٢٣٢ ، ربيع الأبرار ٣ / ٤٢٣ ـ ٤٢٤ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٥٧ ـ ٣٥٨ ، زاد المسير ٣ / ٣١٠ ـ ٣١١ ، تفسير الفخر الرازي ١٦ / ١٢ ، تفسير القرطبي ٨ / ٥٩ ، فرائد السمطين ١ / ٢٠٣ ـ ٢٠٤ ح ١٥٩ ، التسهيل لعلوم التنزيل ٢ / ٧٢ ، تفسير ابن كثير ٢ / ٣٢٧ ، لباب النقول : ١١٦ ، الدرّ المنثور ٤ / ١٤٦ ، فتح القدير ٢ / ٣٤٦.


وقال الفضل(١) :

هذا صحيح من رواية الجمهور من أهل السنّة ، وقد عدّها العلماء في فضائل أمير المؤمنين ، وفضائله أكثر من أن تحصى ، وليس هذا محلّ الخلاف كما مرّ حتّى يقيم عليه الدلائل ، بل الكلام في النصّ على إمامته ، وهذا لا يدلّ عليه.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ١٢٢.


وأقول :

دلالة الآية على المطلوب تتمّ بضميمة الرواية ؛ لأنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام فضّل نفسه عليهما بما يقتضي الفضل على جميع الأمّة ، حيث قال :أنا أوّل الناس إيمانا ، وأكثرهم جهادا (١)

وأقرّه الله سبحانه على دعوى الفضل بذلك ، وأنكر على من لا يرى له الفضل به ، فيكون أفضل الأمّة وأولاها بالإمامة.

على أنّ الآيات متضمّنة للبشارة له بالرحمة والرضوان من الله تعالى ، والخلود بالجنّة.

وستعرف إن شاء الله في الآية الثانية والثلاثين اقتضاء البشارة لشخص بعينه ، وإعلامه بالجنّة ، كونه معصوما أو قريبا منه ، فيكون أولى من الخلفاء الثلاثة بالإمامة.

ثمّ إنّ الرواية المذكورة قد نقلها السيوطي في « الدرّ المنثور » عن ابن مردويه ، وعبد الرزّاق ، وابن عساكر ، وأبي نعيم ، وابن جرير ، وأبي الشيخ ، وابن أبي حاتم ، وابن المنذر ، وابن أبي شيبة ، عن ابن عبّاس ، وأنس ، والشعبي ، والحسن ، وابن كعب(٢) .

ونقله في « ينابيع المودّة » عن النسائي في سننه ، عن محمّد بن

__________________

(١) راجع الصفحة ٢٤ من هذا الجزء.

(٢) الدرّ المنثور ٤ / ١٤٥ ـ ١٤٧.


كعب ، ونقله أيضا عن جماعة آخرين(١) .

وقال الواحدي في « أسباب النزول » : « قال الحسن والشعبي والقرظي(٢) : نزلت الآية في عليّ والعبّاس وطلحة بن شيبة ، وذلك أنّهم افتخروا ، فقال طلحة : أنا صاحب البيت ، بيدي مفتاحه ، وإليّ ثياب بيته.

وقال العبّاس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها.

وقال عليّ :ما أدري ما تقولان؟! لقد صلّيت ستّة أشهر قبل الناس ، وأنا صاحب الجهاد.

فأنزل الله هذه الآية »(٣) .

ولا إشكال بأنّ نزولها في عليّ والعبّاس وطلحة بقصّة الافتخار بينهم من المشهورات ، فلا حاجة إلى الإطالة.

زاد الله فضل سيّد الوصيّينعليه‌السلام ، فقد أعلن الكتاب المجيد بتفضيله بشتّى الوجوه ، فأين القلوب الواعية؟!

* * *

__________________

(١) ينابيع المودّة ١ / ٢٧٧ ح ١ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٦٦ ح ٣٦٧ و ٣٦٨ ، فضائل الخلفاء ـ لأبي نعيم ـ : ٨١ ـ ٨٢ ح ٧٢ ، فرائد السمطين ١ / ٢٠٣ ـ ٢٠٤ ح ١٥٩ ، الفصول المهمّة : ١٢٤ ـ ١٢٥.

(٢) هو : أبو حمزة ـ وقيل : أبو عبد الله ـ محمّد بن كعب بن سليم بن أسد القرظي المدني ، من حلفاء الأوس ، وكان أبوه من سبي بني قريظه ، سكن الكوفة ، ثمّ المدينة ، خرّج له أصحاب الصحاح الستّة ؛ قال ابن سعد : كان ثقة ؛ وقال العجلي : مدني تابعي ثقة ؛ ولد سنة ٤٠ ، وتوفّي سنة ١١٨ ه‍.

انظر : سير أعلام النبلاء ٥ / ٦٥ رقم ٢٣ ، تهذيب التهذيب ٧ / ٣٩٧ رقم ٦٥٠٩.

(٣) أسباب النزول : ١٣٦.


١٥ ـ آية المناجاة

قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :

الخامسة عشرة : آية المناجاة ؛ لم يفعلها غير عليّعليه‌السلام .

قال ابن عمر : كان لعليّ ثلاثة ، لو كانت لي واحدة منها كانت أحبّ إليّ من حمر النّعم : تزويجه بفاطمة ، وإعطاؤه الراية يوم خيبر ، وآية النجوى(٢) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٨٢.

(٢) تفسير الثعلبي ٩ / ٢٦٢ ، الكشّاف ٤ / ٧٦ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٢٧٧ ح ٢٦٣ ، تفسير القرطبي ١٧ / ١٩٦ ، تذكرة الخواصّ : ٢٧.


وقال الفضل(١) :

هذا من روايات أهل السنّة ، وإنّ آية النجوى لم يعمل بها إلّا عليّ ، ولا كلام في أنّ هذا من فضائله التي عجزت الألسن عن الإحاطة بها ، ولكن لا يدلّ على النصّ على إمامته.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ١٤٠.


وأقول :

ينبغي أوّلا ذكر بعض الأخبار الواردة من طرق القوم في نزول هذه الآية الكريمة ، تيمّنا بذكر فضلهعليه‌السلام .

روى الحاكم في « المستدرك »(١) ، في تفسير سورة المجادلة ، عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، قال :إنّ في كتاب الله آية ما عمل بها أحد ( قبلي ) (٢) ، ولا يعمل بها أحد بعدي ، آية النجوى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ) (٣) الآية.

قال :كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم فناجيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكنت كلّما ناجيت النبيّ قدّمت بين يدي نجواي درهما ، ثمّ نسخت فلم يعمل بها أحد ، فنزلت :( أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ ) (٤) الآية

ثمّ قال الحاكم : « هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرّجاه ».

ولم يتعقّبه الذهبي بشيء.

ونقله السيوطي في « الدرّ المنثور » عن الحاكم أيضا ، وعن سعيد بن منصور ، وابن راهويه ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ،

__________________

(١) ص ٤٨٢ من الجزء الثاني [ ٢ / ٥٢٤ ح ٣٧٩٤ ]. منهقدس‌سره .

(٢) لم ترد في المصدر.

(٣) سورة المجادلة ٥٨ : ١٢.

(٤) سورة المجادلة ٥٨ : ١٣.


وابن أبي حاتم ، وابن مردويه(١) .

ومثل هذا الحديث باختصار في تفسيري الزمخشري والرازي ، وفي « أسباب النزول » للواحدي ، وعن معالم البغوي ، وتفسير الثعلبي ، والطبري(٢) .

وقال السيوطي : « أخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن مجاهد ، قال : نهوا عن مناجاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى يقدّموا صدقة ، فلم يناجه إلّا عليّ بن أبي طالب ، فإنّه قد قدّم دينارا فتصدّق به ، ثمّ ناجى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فسأله عن عشر خصال ، ثمّ نزلت الرخصة »(٣) .

وقال السيوطي(٤) أيضا : « قال الكلبي : تصدّق به في عشر كلمات سألهنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله »(٥) .

ثمّ نقل عن ابن عمر ما نقله المصنّفرحمه‌الله (٦) .

.. إلى غير ذلك من الأخبار التي لا تحصى من طرقهم فضلا عن

__________________

(١) الدرّ المنثور ٨ / ٨٤ ، وانظر : مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٠٥ ح ٦٢ ـ ٦٣ ، مسند عبد بن حميد : ٥٩ ـ ٦٠ ح ٩٠.

(٢) تفسير الكشّاف ٤ / ٧٦ ، تفسير الفخر الرازي ٢٩ / ٢٧٢ ـ ٢٧٣ ، أسباب النزول : ٢٣٠ ، تفسير البغوي ٤ / ٢٨٣ ، تفسير الثعلبي ٩ / ٢٦١ ـ ٢٦٢ ، تفسير الطبري ١٢ / ٢٠ ح ٣٣٧٨٨ ـ ٣٣٧٩١.

(٣) الدرّ المنثور ٨ / ٨٤ ، وانظر : مسند عبد بن حميد : ٥٩ ـ ٦٠ ح ٩٠ ، تفسير مجاهد : ٦٥١.

(٤) كذا في الأصل ، وهو تصحيف ، والصحيح : « الزمخشري » ؛ إذ إنّ هذا القول له دون السيوطي ، ومنه يظهر ما يرتبط به من الفقرة التالية ممّا نقل عن ابن عمر ؛ فلاحظ!

(٥) تفسير الكشّاف ٤ / ٧٦ ، وانظر : تفسير الكلبي ٤ / ١٠٥.

(٦) الكشّاف ٤ / ٧٦ ، وراجع ما مرّ في الصفحة ٢٩ ه‍ ٢ من هذا الجزء.


طرقنا(١) .

حتّى إنّ ابن تيميّة مع شدّة نصبه قال في ردّ « منهاج الكرامة » : « ثبت أنّ عليّا تصدّق وناجى ، ثمّ نسخت الآية قبل أن يعمل بها غيره »(٢) (٣) .

__________________

(١) انظر : سنن الترمذي ٥ / ٣٧٩ ح ٣٣٠٠ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٥٢ ـ ١٥٣ ح ٨٥٣٧ ، تفسير الحبري : ٣٢٠ ح ٦٥ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٤٧ ـ ٤٨ ح ٦٩٠٢ و ٦٩٠٣ ، أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ ٣ / ٦٤٠ ، ما نزل من القرآن في عليّ : ٢٤٩ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٦٨ ـ ٢٦٩ ح ٣٧٢ و ٣٧٣ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٢٧٦ ـ ٢٧٧ ح ٢٦١ ـ ٢٦٣ ، فرائد السمطين ١ / ٣٥٧ ـ ٣٥٩ ح ٢٨٣ و ٢٨٥ ، شواهد التنزيل ٢ / ٢٣١ ـ ٢٤٣ ح ٩٤٩ ـ ٩٦٧ ، الدرّ المنثور ٨ / ٨٣ ـ ٨٥ ، كنز العمّال ٢ / ٥٢١ ح ٤٦٥١ و ٤٦٥٢ ، ينابيع المودّة ١ / ٢٩٩ ـ ٣٠٠ ح ١ ـ ٤.

وانظر : الخصال : ٥٧٤ ح ١ أبواب السبعين ، مناقب آل أبي طالب ٢ / ٨٥ ، مجمع البيان ٩ / ٣٧٢ ، تفسير فرات الكوفي ٢ / ٤٦٩ ح ٦١٤ ـ ٦١٧ ، تفسير القمّي ٢ / ٣٣٦ ـ ٣٣٧.

(٢) منهاج السنّة ٧ / ١٦٠.

(٣) وأمّا ما نقله السيوطي ، عن ابن أبي حاتم ، عن مقاتل ، قال : إنّ الأغنياء كانوا يأتون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فيكثرون مناجاته ، ويغلبون الفقراء على المجالس ، حتّى كره النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله طول جلوسهم ومناجاتهم ، فأمر الله بالصدقة عند المناجاة ، فأمّا أهل العسرة فلم يجدوا شيئا ، وكان ذلك عشر ليال ، وأمّا أهل الميسرة فمنع بعضهم ماله وحبس نفسه ، إلّا طوائف منهم جعلوا يقدّمون الصدقة بين يدي النبيّ ، ويزعمون أنّه لم يفعل ذلك غير رجل من المهاجرين من أهل بدر ، فأنزل الله تعالى( أَأَشْفَقْتُمْ ) الآية [ الدرّ المنثور ٨ / ٨٤ ]

فغير معتبر ؛ لما عرفت في المقدّمة أنّ أحمد لا يعبأ بمقاتل بن حيّان ، وأنّ وكيعا كذّبه [ انظر : ج ١ / ٢٥٣ رقم ٣١٣ ] ، فلا يسمع خبره هذا في تصدّق الطوائف

ومن عداوته لإمام المتّقين تعبيره عنه ب‍ « رجل »! فلم يقدر أن يذكره باسمه الشريف في مقام اختصاصه بالفضيلة.

على أنّ الموجود في « أسباب النزول » للواحدي [ ص ٢٣٠ ] أنّ مقاتلا قال :


ولا يعارض ذلك ما حكاه السيوطي ، عن الطبراني ، وابن مردويه ، عن سعد بن أبي وقّاص ، قال : « نزلت( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ) ، فقدّمت شعيرة! فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إنّك لزهيد » ، فنزلت الآية الأخرى :( أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ ) »(١) .

فإنّ خبر سعد إنّما يدلّ على شحّه ، وعدم قيامه بالصدقة المطلوبة ، لا على مناجاته ، لذا نزلت الآية الأخرى بعد قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله له : « إنّك لزهيد » ، فكان ممّن أشفق وتعلّق به اللوم والإنكار.

هذا ، ولا ريب بدلالة الآية الشريفة على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام دون غيره ممّن يقدر على الصدقة من الصحابة ، كالخلفاء الثلاثة ؛ وذلك لدلالتها على فضله عليهم ، وعلى معصيتهم بما يقتضي عدم صلوحهم للإمامة ، حتّى لو لم نعتبر العصمة في الإمام.

أمّا دلالتها على فضله ، فلمسارعته للطاعة وعدم تساهله في طلب العلم ، بخلاف غيره.

وأمّا على معصية من يقدر على الصدقة ، فلقوله تعالى :( أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ ) ، فإنّه إنكار ولوم ، وهو يقتضي المعصية وقوله تعالى :( فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ ) ، فإنّ التوبة تستدعي المعصية وقوله تعالى :( فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ

__________________

ـ « وأمّا أهل الميسرة فبخلوا ، واشتدّ ذلك على أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فنزلت الرخصة » ، ولم يذكر استثناءه للطوائف!

منه قدس‌سره .

(١) الدرّ المنثور ٨ / ٨٤ ، وانظر : المعجم الكبير ١ / ١٤٧ ح ٣٣١ ، مجمع الزوائد ٧ / ١٢٢.


صَدَقَةً ) ، فإنّ الأمر بتقديم الصدقة ظاهر في وجوبها ، فتجب المناجاة أيضا ، وإلّا لم يحصل عصيان بترك الصدقة ؛ لأنّ وجوب الصدقة مشروط بالمناجاة ، فإذا تركا معا لم يثبت عصيان ، وهو خلاف ما يقتضيه الإنكار والتوبة ، فلا بدّ من الالتزام بوجوبهما معا وبالعصيان بتركهما.

ومن الواضح أنّ المعصية بترك الصدقة اليسيرة ، ذات المصلحة الكبيرة ، الحاصلة بمناجاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله لأكبر دليل على البخل والشحّ ، ولذا عبّر سبحانه بالإشفاق ؛ ، والبخيل لا يصلح للإمامة ، لا سيّما بهذا البخل.

وممّا صرّح ببخلهم ما حكاه المصنّفرحمه‌الله في « منهاج الكرامة » ، عن أبي نعيم ، عن ابن عبّاس ، قال : « إنّ الله حرّم كلام رسول الله إلّا بتقديم الصدقة ، وبخلوا أن يتصدّقوا قبل كلامه ، وتصدّق عليّ ، ولم يفعل ذلك أحد من المسلمين غيره »(١) .

وأجيب عن إشكال معصيتهم ، بضيق الوقت

وفيه : إنّه لو ضاق ، لم يكن معنىّ للنسخ ، ولا للتوبة والإنكار بالإشفاق ، على أنّ الوقت متّسع ، وهو عشر ليال أو نحوها ، بل الوقت الذي يتّسع لمناجاة أمير المؤمنين ـ ولو مرّة ـ وتقديم صدقته ، متّسع لمناجاة غيره معه وتقديم صدقته!

ومن ذلك يظهر كذب ما رووه من بذل أبي بكر لماله الكثير في سبيل الله ، وأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « ما نفعني مال مثل ماله »(٢) .

__________________

(١) منهاج الكرامة : ١٢٩ ، وانظر : ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ٢٤٩.

(٢) سنن الترمذي ٥ / ٥٦٨ ـ ٥٦٩ ح ٣٦٦١ ، سنن ابن ماجة ١ / ٣٦ ح ٩٤ ، مسند


فإنّ من يشفق أن يتصدّق بالقليل في الفائدة الكثيرة ، لحريّ أن لا يبذل المال الكثير.

وكذا يظهر أنّ عثمان لم يبذل ما بذل في جيش العسرة ـ كما زعموه ـ إلّا للسمعة التي لم يكن يحسب أنّها تحصل في صدقة النجوى.

هذا ، وقد ذكر الرازي هنا ما يفيد العجب! قال :

« أقول : على تقدير أنّ أفاضل الصحابة وجدوا الوقت وما فعلوا ذلك ، فهذا لم يجرّ إليهم طعنا ؛ لأنّ ذلك الإقدام على هذا العمل ممّا يضيق قلب الفقير ، فإنّه لا يقدر على فعله(١) [ فيضيق قلبه ] ، ويوحش قلب الغنيّ ، فإنّه لمّا لم يفعل الغنيّ ذلك وفعله غيره ، صار [ ذلك الفعل ] سببا للطعن في من لم يفعل ، فهذا الفعل لمّا كان سببا لحزن الفقراء ووحشة الأغنياء لم يكن في تركه كبير(٢) مضرّة ؛ لأنّ الذي يكون سببا للألفة أولى ممّا يكون سببا للوحشة »(٣) .

وفيه :

أوّلا : إنّ هذا يستلزم تخطئة الله سبحانه في الإيجاب أو الندب ، وهو كفر.

__________________

ـ أحمد ٢ / ٢٥٣ ، مسند الحميدي ١ / ١٢١ ح ٢٥٠ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٧١ ح ٥ ، مسند أبي يعلى ٧ / ٣٩١ ـ ٣٩٢ ح ٤٤١٨ وج ٨ / ٣٠٨ ح ٤٩٠٥ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٤ ح ٦٨١٩.

(١) في المصدر : مثله.

(٢) في المصدر : كبيرة.

(٣) تفسير الفخر الرازي ٢٩ / ٢٧٣.


وثانيا : إنّه يرفع فضل أبي بكر في بذل ماله ، وفضل عثمان في تجهيز جيش العسرة ، وهو خلاف رأي أصحابه.

وثالثا : إنّه يستلزم عذر الغني في ترك الحجّ والزكاة وجميع المطلوبات المالية ؛ لأنّ فعلها يضيق قلب الفقير ويوحش الغني.

ورابعا : إنّه لا ضيق على قلب الفقير ؛ لعلمه بأنّه معذور عند الله وعند الناس ، مع دخول فائدة عليه بالصدقة.

وخامسا : إنّ قوله : « لم يكن في تركه كبير مضرّة » إقرار بثبوت أصلها ، وهو مناف لباقي كلامه ، على أنّ إثبات أصلها إثبات للطعن!

ثمّ قال الرازي : « وأيضا : فهذه المناجاة ليست من الواجبات ، ولا من الطاعات المندوبة ، بل قد بيّنّا أنّهم إنّما كلّفوا بهذه الصدقة ليتركوا هذه المناجاة ، ولمّا كان الأولى بهذه المناجاة أن تكون متروكة لم يكن تركها سببا للطعن »(١) .

وعليه : فالطعن على أمير المؤمنينعليه‌السلام بفعل المناجاة ؛ لأنّه خلاف الأولى.

وهذا لعمر الله هو النصب ، والجور ، والاستهزاء بآيات الله ، والتلاعب بكتابه وأحكامه!!

وأيّ مسلم ينكر رجحان المناجاة بعد الصدقة؟! ولم يدّع أحد أنّ الداعي لوجوب الصدقة ترك المناجاة بالكلّيّة!!

على أنّك عرفت دلالة الآية على وجوب المناجاة فضلا عن استحبابها.

__________________

(١) تفسير الفخر الرازي ٢٩ / ٢٧٣.


وما كنت أحسب أن يبلغ هنا العناد بالرازي حتّى يجعل الفضيلة التي تمنّاها ابن عمر منقصة!

ثمّ قال الرازي : « وأمّا قوله :( وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ ) ، فليس في الآية أنّه تاب عليكم من هذا التقصير ، بل يحتمل أنّكم إذا كنتم تائبين ، راجعين إلى الله سبحانه وأقمتم الصلاة ، وآتيتم الزكاة ، فقد كفاكم هذا التكليف »(١) .

وكأنّه يرى أنّ الله تعالى قد أوكل إليه معاني الكتاب العزيز ، وأن يحدث له معاني لا تنطبق على ألفاظه ، فإنّ الجملة الشرطية التي احتملها لا أثر لها في الآية أصلا ، ولا تدلّ عليها بإحدى الدلالات.

وظاهر الآية أو صريحها هو التوبة عليهم من عدم فعلهم للصدقة.

وإنّ المعنى : فإذ لم تفعلوا ما أمرتم به وتاب الله عليكم فلا تخلّوا بالواجبات الأخر ، وهي : إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وطاعة الله ورسوله.

ومن تأمّل في الحقيقة ، وتدبّر في إيجاب عالم الغيب للصدقة على من يعلم أنّهم لم يعملوا مع نسخه عنهم قريبا بعد فعل أمير المؤمنينعليه‌السلام ، حتّى أنزل بذلك قرآنا يتلى على مرور الأيّام ، وأنكر على المسلمين إشفاقهم وبخلهم ، علم أنّ المقصود كشف أحوال المسلمين وبيان فضل أميرهم عليهم.

* * *

__________________

(١) تفسير الفخر الرازي ٢٩ / ٢٧٤.


١٦ ـ آية :( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا )

قال المصنّف ـ قدّس الله روحه ـ(١) :

السادسة عشرة : روى ابن عبد البرّ ، وغيره من السنّة ، في قوله تعالى :( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا ) (٢) ، قال :

إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ليلة أسري به جمع الله بينه وبين الأنبياء ، ثمّ قال له : سلهم يا محمّد! على ماذا بعثتم؟

قالوا : بعثنا على شهادة أن لا إله إلّا الله ، وعلى الإقرار بنبوّتك ، والولاية لعليّ بن أبي طالب(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٨٣.

(٢) سورة الزخرف ٤٣ : ٤٥.

(٣) كما في عمدة عيون صحاح الأخبار : ٤١٤ ح ٦٠٩ عن ابن عبد البرّ ، وانظر : معرفة علوم الحديث : ٩٦ ، تفسير الثعلبي ٨ / ٣٣٨ ، شواهد التنزيل ٢ / ١٥٦ ـ ١٥٨ ح ٨٥٥ ـ ٨٥٨ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣١٢ ح ٣١٢ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٤١ ح ٨٧٥٤ ، كفاية الطالب : ٧٥ ، تفسير النيسابوري ٦ / ٩٣ ، فرائد السمطين ١ / ٨١ ح ٦٢ ، ينابيع المودّة ١ / ٢٤٣ ح ١٩.


وقال الفضل(١) :

ليس هذا من رواية أهل السنّة ، وظاهر الآية آب(٢) عن هذا ؛ لأنّ تمام الآية :( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ) (٣) .

والمراد : إنّ إجماع الأنبياء واقع على وجوب التوحيد ونفي الشرك.

هذا مفهوم الآية ، وهذا النقل من المناكير ، وإن صحّ فلا يثبت به النصّ الذي هو المدّعى ؛ لما علمت أنّ الولاية تطلق على معان كثيرة.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ١٤٥.

(٢) أبى يأبى إباء فهو آب وأبيّ وأبيان ـ بالتحريك ـ : امتنع ؛ انظر : لسان العرب ١ / ٥٤ مادّة « أبي ».

(٣) سورة الزخرف ٤٣ : ٤٥.


وأقول :

نقل المصنّف في « منهاج الكرامة » هذا الحديث عن ابن عبد البرّ ، وعن أبي نعيم(١) .

ونقل جماعة نحوه عن الثعلبي ، عن ابن مسعود ، قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أتاني ملك ، فقال : يا محمّد! واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا على ما بعثوا؟

قلت : على ما بعثوا؟

قال : على ولايتك وولاية عليّ بن أبي طالب »(٢) .

وفي « ينابيع المودّة » ، في الباب الخامس عشر(٣) ، عن أبي نعيم ، والحمويني ، وموفّق بن أحمد ، بأسانيدهم عن ابن مسعود ، قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لمّا عرج بي إلى السماء انتهى بي السير مع جبرئيل إلى السماء الرابعة ، فرأيت بيتا من ياقوت أحمر ، فقال جبرئيل : هذا البيت المعمور ؛ قم يا محمّد فصلّ إليه.

قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : جمع الله النبيّين ، فصفّوا ورائي صفّا ، فصلّيت بهم ، فلمّا سلّمت أتاني آت من عند ربّي ، فقال : يا محمّد! ربّك

__________________

(١) منهاج الكرامة : ١٣٠.

وانظر : عمدة عيون صحاح الأخبار : ٤١٤ ح ٦٠٩ عن ابن عبد البرّ ، تنزيه الشريعة المرفوعة ١ / ٣٩٧ ح ١٤٧ وقال : « لم يبيّن علّته ، وقد أورده الحافظ ابن حجر في ( زهر الفردوس ) من جهة الحاكم ، ثمّ قال : ورواه أبو نعيم ».

(٢) تفسير الثعلبي ٨ / ٣٣٨ ؛ وانظر : تفسير النيسابوري ٦ / ٩٣.

(٣) ص ٨٢ طبع إسلامبول [ ١ / ٢٤٣ ـ ٢٤٤ ح ١٩ ]. منهقدس‌سره .


يقرئك السلام ويقول لك : سل الرسل على ما أرسلتهم من قبلك.

فقلت : معاشر الرسل! على ماذا بعثكم ربّكم قبلي؟

فقالت الرسل : على نبوّتك وولاية عليّ بن أبي طالب

وهو قوله: ( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا ) (١) الآية.

ثمّ قال في « الينابيع » : رواه أيضا الديلمي ، عن ابن عبّاس(٢) .

ثمّ قال : عن طلحة بن زيد ، عن جعفر الصادق ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنين عليّ ، قال : « قال رسول الله :ما قبض الله نبيّا حتّى أمره الله تعالى أن يوصي إلى أفضل عشيرته من عصبته ، وأمرني أن أوص إلى ابن عمّك عليّ ، أثبتّه في الكتب السالفة وكتبت فيها أنّه وصيّك ، وعلى ذلك أخذت مواثيق الخلائق ، وميثاق أنبيائي ورسلي ، وأخذت مواثيقهم لي بالربوبيّة ، ولك يا محمّد بالنبوّة ، ولعليّ بالولاية والوصيّة »(٣) .

ودلالتها على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام واضحة ؛ فإنّ بعث الرسل وأخذ الميثاق عليهم في القديم بولاية عليّعليه‌السلام ، وجعلها محلّ الاهتمام العظيم في قرن أصلي الدين : الربوبية ، والنبوّة ، لا يمكن أن يراد بها إلّا إمامة من له الفضل عليهم كفضل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا سيّما مع عطف الوصية عليها في رواية طلحة ، فلا يضرّ حينئذ إطلاق الولاية على معان

__________________

(١) انظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣١٢ ح ٣١٢ ، فرائد السمطين ١ / ٨١ ح ٦٢.

(٢) ينابيع المودّة ١ / ٢٤٤ ذ ح ١٩.

(٣) ينابيع المودّة ١ / ٢٤٤ ح ٢٠.


كثيرة بعد هذه القرينة الصريحة في إرادة الإمامة.

فإن قلت : لم تذكر الآية الكريمة النبوّة والإمامة ، بل ولا الإرسال بشهادة أن لا إله إلّا الله ، فإنّها قالت :( أَجَعَلْنا ) ، ولم تقل : أ أرسلناهم بالشهادة.

قلت : السؤال والاستفهام في الآية للتقرير ؛ بمعنى تقرير الرسل عن أمر استقرّ عندهم نفيه ، وهو جعل آلهة من دون الرحمن يعبدون.

لكن لمّا كان المناسب لتقرير الرسل ـ بما هم رسل ـ ، هو تقريرهم عمّا أرسلوا به ، كان الظاهر إرادة تقريرهم عن ذلك ـ بما هم رسل ـ بنفيه ، وهو راجع إلى الإرسال بالشهادة بالوحدانية ، فصحّ ما أفادته الروايات من أنّ المراد بالآية السؤال عمّا بعث به الرسل من الشهادة بالوحدانية.

ولمّا كان بعثهم بهذا معلوما للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ألبتّة ، لم يحسن أن يراد أن يقرّرهم به خاصّة ، بل ينبغي أن يراد تقريرهم به بضميمة ما لا يعلم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إقرارهم به ؛ لعدم علمه بإرسالهم عليه ، وهو الذي ذكرته الروايات ؛ أعني إرسالهم على نبوّته وإمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وإنّما لم تذكره الآية الشريفة ؛ للاكتفاء بذكر الأصل ؛ وهو البعث على الشهادة بالوحدانية.

كما إنّ بعض الروايات المذكورة اكتفت بذكر نبوّة نبيّنا وإمامة وليّنا ؛ لأنّهما الداعي إلى السؤال والتقرير ، مع وضوح بعثهم على الشهادة بالوحدانية ؛ لكونه الأصل ، ولذكر الآية له.

فما أعظم قدر نبيّنا الأطيب ، وأخيه الأطهر ، عند الله تبارك وتعالى! حتّى ميّزهما على جميع عباده ، وأكرمهما ببعث الرسل الأكرمين على الإقرار بفضلهما ، ورسالة محمّد ، وإمامة عليّ ، وأخذ الميثاق عليهم بهما


مع الشهادة بالوحدانية ، فحقّ لذرّيّتهما أن يفتخروا بما افتخر الشريف الرضي به ، وهو قول الفرزدق [ من الطويل ] :

أولئك آبائي فجئني بمثلهم

إذا جمعتنا يا جرير المجامع(١)

* * *

__________________

(١) البيت للفرزدق من قصيدة يفتخر بها ويردّ على جرير ، مطلعها :

منّا الذي اختير الرجال سماحة

وخيرا إذا هبّ الرياح الزعازع

انظر : ديوان الفرزدق ١ / ٤١٨ ، مقدّمة السيّد الشريف الرضي لنهج البلاغة : ٣٥.


١٧ ـ آية :( وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ )

قال المصنّف ـ نوّر الله ضريحه ـ(١) :

السابعة عشرة : قوله تعالى :( وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) (٢) .

روى الجمهور أنّها نزلت في عليّ عليه أفضل الصلاة والسلام(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٨٣.

(٢) سورة الحاقّة ٦٩ : ١٢.

(٣) انظر : أنساب الأشراف ٢ / ٣٦٣ ، تفسير الطبري ١٢ / ٢١٣ ح ٣٤٧٧٢ و ٣٤٧٧٣ ، تفسير الثعلبي ١٠ / ٢٨ ، معرفة الصحابة ـ لأبي نعيم ـ ١ / ٨٨ ح ٣٤٥ ، حلية الأولياء ١ / ٦٧ ، أسباب النزول : ٢٤٥ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٣٣ ح ٣١٢ وص ٢٦٤ ـ ٢٦٥ ح ٣٦٣ و ٣٦٤ ، شواهد التنزيل ٢ / ٢٧١ ـ ٢٨٤ ح ١٠٠٧ ـ ١٠٢٩ ، محاضرات الأدباء ١ / ٥٩ وج ٢ / ٤٩٥ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٢٨٢ ـ ٢٨٣ ح ٢٧٦ و ٢٧٧ ، كفاية الطالب : ١٠٩ ، تفسير النيسابوري ٦ / ٣٤٧ ، فرائد السمطين ١ / ١٩٨ ـ ١٩٩ ح ١٥٥ ، تفسير ابن كثير ٤ / ٤١٤ ، شرح المقاصد ٥ / ٢٩٧ ، الدرّ المنثور ٨ / ٢٦٧.


وقال الفضل(١) :

روى المفسّرون ، أنّه لمّا نزلت هذه الآية قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّعليه‌السلام : «سألت الله أن يجعلها أذنك ».

قال عليّ : فما نسيت بعد هذا شيئا(٢) .

وهذا يدلّ على علمه وحفظه وفضيلته ، ولا يدلّ على النصّ بإمامته.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ١٥٤.

(٢) تفسير الطبري ١٢ / ٢١٣ ح ٣٤٧٧١ ، تفسير الماوردي ٦ / ٨٠ ، الكشّاف ٤ / ١٥١ ، تفسير الفخر الرازي ٣٠ / ١٠٨ ، تفسير القرطبي ١٨ / ١٧١ ، تفسير البحر المحيط ٨ / ٣٢٢ ، تفسير ابن كثير ٤ / ٤١٤ ، تفسير النيسابوري ٦ / ٣٤٧.


وأقول :

لم يدلّ على علمه وفضيلته فقط ، بل على أعلميّته وأفضليّته ؛ لدلالته على أنّ أذن عليّعليه‌السلام هي الواعية دون غيرها.

نعم ، للمسلمين التذكرة فقط ، قال تعالى :( لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) (١) ، فيكون هو الأحقّ بالإمامة.

وفي بعض الأخبار الآتية : « وحقّ على الله أن تعي » ، وهو دالّ على وجوب أن يكون عليّ واعيا ، إشارة إلى وجوب نصب الإمام الواعي على الله تعالى ؛ ولذا أمر الله سبحانه نبيّه بتعليمه ـ كما في الأخبار الآتية ـ فيكون عليّ هو الإمام وغيره مأموما.

وكيف يكون من لا يعي واليا لأمور المسلمين ، وحاكما في أمور الدين ، وواجب الطاعة ، على من له الأذن الواعية؟!

( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلأَأَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (٢) .

ويقرّب إرادة خصوص عليّ من الآية إفراد الأذن وتنكيرها ، فإنّه دالّ على الوحدة.

كما صرّحت بإرادة عليّعليه‌السلام الأخبار الكثيرة ، فقد حكى السيوطي في « الدرّ المنثور » ، عن ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وابن

__________________

(١) سورة الحاقّة ٦٩ : ١٢.

(٢) سورة يونس ١٠ : ٣٥.


عساكر ، وابن النجّار ، بأسانيدهم عن بريدة ، قال :

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ : «إنّ الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك ، وأن أعلّمك وتعي ، وحقّ لك أن تعي »(١) ، فنزلت الآية.

ومثله في « أسباب النزول » للواحدي ، إلّا أنّه قال : «وحقّ على الله أن تعي »(٢) .

وعن الثعلبي : «وحقّ على الله أن تسمع وتعي »(٣) .

وفي « كنز العمّال »(٤) ، عن ابن عساكر : «وإنّ حقّا على الله أن تعي » ونزلت :( وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) ، قال : أذن عقلت عن الله(٥) .

وحكى السيوطي أيضا ، عن أبي نعيم في « الحلية » ، عن عليّعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «[ يا عليّ! ] إنّ الله أمرني أن أدنيك وأعلّمك لتعي » ، فأنزلت هذه الآية : ( وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) ، فأنت أذن واعية لعلمي »(٦) .

ومثله في « كنز العمّال »(٧) ، عن أبي نعيم أيضاً.

ولا ينافي كون المراد بالأذن الواعية ، هي أذن عليّعليه‌السلام ، أنّ أذن الحسن والحسين أيضا واعية ؛ وذلك لأنّهما منه وهو منهما ، أو لأنّهما أذن

__________________

(١) الدرّ المنثور ٨ / ٢٦٧ ، وانظر : تفسير الطبري ١٢ / ٢١٣ ح ٣٤٧٧٢ و ٣٤٧٧٣ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٦١.

(٢) أسباب النزول : ٢٤٥.

(٣) تفسير الثعلبي ١٠ / ٢٨.

(٤) ص ٣٩٨ من الجزء الثالث [ ١٣ / ١٣٥ ـ ١٣٦ ح ٣٦٤٢٦ ]. منهقدس‌سره .

(٥) وانظر : تاريخ دمشق ٤٨ / ٢١٧ رقم ٥٥٧٣.

(٦) الدرّ المنثور ٨ / ٢٦٧ ، وانظر : حلية الأولياء ١ / ٦٧.

(٧) ص ٤٠٨ من الجزء المذكور [ ١٣ / ١٧٧ ح ٣٦٥٢٥ ]. منهقدس‌سره .


واعية في رتبة الأخذ من أبيهما ، وهو أذن واعية في رتبة الأخذ من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

* * *


١٨ ـ سورة( هَلْ أَتى )

قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :

الثامنة عشرة : سورة( هَلْ أَتى ) (٢) .

روى الجمهور أنّ الحسن والحسين مرضا ، فعادهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعامّة العرب ، فنذر عليّ صوم ثلاثة أيّام ـ وكذا أمّهما فاطمة ، وخادمتهم فضّة ـ لئن برئا.

فبرئا وليس عند آل محمّد قليل ولا كثير ، فاستقرض أمير المؤمنينعليه‌السلام ثلاثة أصوع(٣) من شعير ، وطحنت فاطمة منها صاعا ، فخبزته خمسة أقراص ، لكلّ واحد قرص.

وصلّى عليّ المغرب ، ثمّ أتى المنزل ، فوضع الطعام بين يديه للإفطار ، فأتاهم مسكين وسألهم ، فأعطاه كلّ منهم قوته ، ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئا.

ثمّ صاموا اليوم الثاني ، فخبزت فاطمة صاعا آخر ، فلمّا قدّمته بين أيديهم للإفطار ، أتاهم يتيم وسألهم القوت ، فتصدّق كلّ منهم بقوته.

فلمّا كان اليوم الثالث من صومهم وقدّم الطعام للإفطار ، أتاهم أسير

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٨٤.

(٢) سورة الإنسان ٧٦ : ١ ـ ٣١.

(٣) الأصوع ، جمع الصاع : وهو الذي يكال به ، ومقداره أربعة أمداد ؛ انظر : تاج العروس ١١ / ٢٩٠ مادّة « صوع ».


وسألهم القوت ، فأعطاه كلّ منهم قوته ، ولم يذوقوا في الأيّام الثلاثة سوى الماء.

فرآهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في اليوم الرابع ، وهم يرتعشون من الجوع ، وفاطمةعليها‌السلام قد التصق بطنها بظهرها من شدّة الجوع وغارت عيناها ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :وا غوثاه! يا الله! أهل محمّد يموتون جوعا!

فهبط جبرئيل فقال : خذ ما هنّأك الله في أهل بيتك.

فقال :وما آخذ يا جبرئيل ؟

فأقرأه : هَلْ أَتى(١) (٢) .

* * *

__________________

(١) سورة الإنسان ٧٦ : ١ ـ ٣١.

(٢) تفسير الحبري : ٣٢٦ ح ٦٩ ، العقد الفريد ٤ / ٧٧ ، تفسير الثعلبي ١٠ / ٩٩ ـ ١٠١ ، أسباب النزول : ٢٤٧ ، زين الفتى في شرح سورة هل أتى ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٣٧ ـ ٢٣٨ ح ٣٢٠ ، شواهد التنزيل ٢ / ٢٩٩ ـ ٣١٠ ح ١٠٤٢ ـ ١٠٦١ ، تفسير البغوي ٤ / ٣٩٧ ، الكشّاف ٤ / ١٩٧ ، ربيع الأبرار ٢ / ١٤٨ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٢٦٧ ح ٢٥٠ ، تفسير الفخر الرازي ٣٠ / ٢٤٤ ـ ٢٤٥ ، أسد الغابة ٦ / ٢٣٦ ـ ٢٣٧ رقم ٧٢٠٢ ، مطالب السؤول : ١٢٧ ، تذكرة الخواصّ : ٢٨١ ، كفاية الطالب : ٣٤٥ ـ ٣٤٨ ، الرياض النضرة ٣ / ١٨٠ و ٢٠٨ ، تفسير البيضاوي ٢ / ٥٥٢ ـ ٥٥٣ ، تفسير النيسابوري ٦ / ٤١٢ ، المواقف : ٤١١ ، الإصابة ٨ / ٧٥ رقم ١١٦٢٨ ، روح المعاني ٢٩ / ٢٧٠.


وقال الفضل(١) :

ذكر بعض المفسّرين في شأن نزول السورة ما ذكره ، ولكن أنكر على هذه الرواية كثير من المحدّثين وأهل التفسير ، وتكلّموا في أنّه هل يجوز أن يبالغ الإنسان في الصدقة إلى هذا الحدّ ، ويجوّع نفسه وأهله حتّى يشرف على الهلاك(٢) ، وقد قال الله تعالى :( وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ) (٣) ؟!

والعفو : ما كان فاضلا من نفقة العيال(٤) ، وقال رسول الله : «خير الصدقة ما كان صنوا عفوا »(٥)

وإن صحّ ، الرواية لا تدلّ على النصّ كما علمته.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ١٧٠.

(٢) انظر : منهاج السنّة ٧ / ١٨٥.

(٣) سورة البقرة ٢ : ٢١٩.

(٤) الصحاح ٦ / ٢٤٣٢ مادّة « عفا » ، تنوير المقياس من تفسير ابن عبّاس : ٣٨ وقال : « ثمّ نسخ ذلك بآية الزكاة » ، وانظر : راد المسير ١ / ٢٠٥.

(٥) لم نعثر عليه بهذا اللفظ ، وورد « خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى » ؛ انظر : تفسير القرطبي ٣ / ٤٢ ، كنز العمّال ٦ / ٣٩٦ ح ١٦٢٣١.


وأقول :

روى جماعة من القوم ما ذكره المصنّفرحمه‌الله ، كالزمخشري في « الكشّاف » ، والبيضاوي ، وعن الواحدي في كتاب « البسيط » ، والبغوي في « معالم التنزيل » ، والثعلبي ، وأبي السعادات العمادي ، وغيرهم(١) .

وروى الواحدي نحوه في « أسباب النزول » ، إلّا أنّه إنّما ذكر نزول قوله :( وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ ) (٢) الآية ، فيهم ، ولم يذكر النذر(٣) .

وحكى السيوطي في « الدرّ المنثور » عن بعض أصحابه نزول هذه الآية فيهم(٤) .

وذكر نظام الدين الحسن بن محمّد بن الحسين النيشابوري في تفسيره « غرائب القرآن ورغائب الفرقان » القصّة التي ذكرها المصنّفرحمه‌الله ونزول السورة فيهم ، ثمّ قال : « ويروى أنّ السائل لهم في الليالي الثلاث جبرئيل ، أراد بذلك ابتلاءهم بإذن الله سبحانه »(٥) .

ونقل الرازي في تفسيره عن الزمخشري والواحدي في « البسيط »

__________________

(١) تفسير الكشّاف ٤ / ١٩٧ ، تفسير البيضاوي ٢ / ٥٥٢ ، تفسير الفخر الرازي ٣٠ / ٢٤٤ ـ ٢٤٥ عن الواحدي في « البسيط » ، تفسير البغوي ٤ / ٣٩٧ ، تفسير الثعلبي ١٠ / ٩٨ ـ ١٠٢ ، تفسير أبي السعود العمادي ٥ / ٨٠١ ـ ٨٠٢ ، مناقب آل أبي طالب ٣ / ٤٢٤.

(٢) سورة الإنسان ٧٦ : ٨.

(٣) أسباب النزول : ٢٤٧.

(٤) الدرّ المنثور ٨ / ٣٧١.

(٥) تفسير النيسابوري ٦ / ٤١٢.


القصّة ونزول السورة بهم ، ثمّ أشكل عليه بأمرين :

الأوّل : إنّ السورة مشتملة على أمور أخر خارجة عن القصّة وغير متعلّقة بمدحهم ، كبيان خلق الإنسان وابتلائه ، وأنّه تعالى هداه السبيل ، وأنّه إمّا شاكر وإمّا كفور ، وكوعيد الكفّار إلى غير ذلك ممّا اشتملت عليه السورة(١) .

وفيه : إنّ المقصود كونهم سببا لنزول السورة ، فلا يضرّ اشتمالها على أمور أخر ، على أنّ هذه الأمور المذكورة دخيلة في مدحهم ؛ لدلالتها عند بيان قصّتهم وإخلاصهم على فضلهم وامتيازهم على غيرهم.

الثاني : إنّ الممدوحين في الآيات ذكروا بصيغة الجمع ، كقوله تعالى :( إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ ) (٢) و( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ *وَيُطْعِمُونَ ) (٣) إلى آخر الآيات ، فتخصيصه بجمع معيّنين خلاف الظاهر ، ويدخل فيهم أتقياء الصحابة والتابعين ، ولا يبقى للتخصيص معنى ألبتّة ، اللهمّ إلّا أنّ يقال : السورة إنّما نزلت عند صدور طاعة مخصوصة منهم(٤) .

ولكنّه قد ثبت في أصول الفقه أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب(٥) .

وفيه : إنّ التخصيص وإن كان خلاف الظاهر ، لكن لا بدّ من

__________________

(١) انظر : تفسير الفخر الرازي ٣٠ / ٢٤٥.

(٢) سورة الإنسان ٧٦ : ٥.

(٣) سورة الإنسان ٧٦ : ٧ و ٨.

(٤) في المصدر : عنه.

(٥) انظر : تفسير الفخر الرازي ٣٠ / ٢٤٥.


الالتزام به إذا وردت به الرواية ، وإلّا لم تصحّ دعوى نزول شيء من القرآن في مدح أحد.

وأمّا قوله : « العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب » ، فإنّما يسلّم في مقام التكليف والمدح والذمّ المطلقين ، لا المدح الناشئ من سبب خاصّ لم يتّفق صدوره من غيرهم ، لا سيّما في خصوصياته من الحبّ والحاجة لما أنفقوا ، ووقوعه على وجه الإخلاص التامّ لله تعالى والخوف منه ، حتّى وقاهم الله تعالى بسببه شرّ ذلك اليوم ولقّاهم نضرة وسرورا.

ولا أدري متى كان للصحابة في هذا الميدان أثر ، ولا سيّما الّذين عناهم الرازي؟!

دع المكارم لا ترحل لبغيتها

واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسي(١)

وأمّا ما ذكره الفضل من إنكار كثير من المحدّثين وأهل التفسير على هذه الرواية ، وتكلّمهم في جواز مبالغة الإنسان في الصدقة إلى هذا الحدّ ، فلم أجده في كلامهم ، ولو كان له أصل لذكره شيخ المشكّكين الرازي ، ولا سيّما في ما يتعلّق بفضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام .

على أنّه سبحانه قد مدح أولياءه بأنّهم :( يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ) (٢) ، فما لأهل البيت لا يجوز لهم ذلك؟!

وأمّا قوله تعالى :( وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ) (٣) ، فمعنى

__________________

(١) البيت للحطيئة ، من قصيدة من بحر البسيط يهجو بها الزبرقان بن بدر ، ويناضل فيها عن بغيض بن شمّاس في قصّة مشهورة ، ومطلع القصيدة :

والله ما معشر لاموا امرأ جنبا

في آل لأي بن شمّاس بأكياس

انظر : الأغاني ٢ / ١٧٦ ـ ١٧٨.

(٢) سورة الحشر ٥٩ : ٩.

(٣) سورة البقرة ٢ : ٢١٩.


العفو : أجلّ المال وأطيبه(١) ، لا الفضل ، كما زعمه الفضل ؛ لقوله تعالى :( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) (٢) (٣) .

كما إنّ المراد بالصنو في الحديث : الصدقة المكرّرة الموصولة بصدقة قبلها(٤) ، وهي أجلّ المال وأطيبه ؛ لانتهاء التكرير إليه عادة ؛ ولذا وصف الصنو وبيّنه في الحديث بالعفو ، أي الأجلّ الأطيب.

ويحتمل أن يكون العفو في الحديث قيدا آخر ، فيكون المعنى : أنّ خير الصدقة ما جمع وصفين : أن تكون لا حقة لصدقة قبلها ، وأن تكون من أجلّ المال وأطيبه ، فلا تنافي هذه الآية والرواية ما فعله أمير المؤمنينعليه‌السلام .

ثمّ إنّه ليس المنفق لكلّ الطعام في تلك القصّة هو أمير المؤمنين وحده ، حتّى يكون أجاع أهله ـ كما زعم الفضل ـ ، بل كلّ منهم أنفق قوته كما صرّحت به الرواية.

وأمّا قوله : « وإن صحّ ، الرواية لا تدلّ على النصّ »

__________________

(١) انظر : القاموس المحيط ٤ / ٣٦٦ مادّة « عفو » وفيه : « أحلّ » بدل « أجلّ » ، وتفسير الطبري ٢ / ٣٧٧ ح ٤١٧٠ وفيه « أفضل » بدل « أجلّ » ، تاج العروس ١٩ / ٦٨٦ مادّة « عفو » وفيه : « أحلّ » بدل « أجلّ » وقال مصنّفه : « وفي المحكم : أجمل المال وأطيبه ».

(٢) سورة آل عمران ٣ : ٩٢.

(٣) مراد الشيخ المظفّرقدس‌سره : إنّه كما جاء « العفو » بمعنى « فاضل النفقة » ، فقد جاء بمعنى « أجلّ المال وأطيبه وأحلّه وأجمله » ، وحمله على أحد المعنيين يحتاج إلى دليل ، وهو هنا قائم على المعنى دون الأوّل!

(٤) الصّنو : المثل ، يقال : فلان صنو فلان : أي أخوه ، ولا يكون صنوا حتّى يكون معه آخر ؛ وأصله في النخل ، فكلّ نخلتين فما زاد يكنّ من أصل واحد وفروعهنّ شتّى ، يقال لكلّ واحدة منهما : صنو ، والمراد في الحديث هنا : المتماثل المتكرّر.

انظر : لسان العرب ٧ / ٤٢٥ مادّة « صنا » ، تاج العروس ١٩ / ٦١٠ مادّة « صنو ».


ففيه : إنّ القصّة دالّة على فضل الحسنين وبلوغهما في المعرفة إلى منتهى الغايات ؛ لصدورها عنهما حال صغرهما بنحو استحقّا من الله سبحانه الثناء عليهما في كتابه المجيد ، وشهد لهما فيه بأنّهما أطعما لوجهه ، وكانا يخافان منه.

ولا ريب في أنّ الصغير الذي يصدر منه ذلك أكبر من الكبير الذي لم يعرف الله تعالى أكثر عمره ، وعصاه في عظام الأمور ، كالفرار من الزحف(١) ، فيكون الحسنان أفضل من شيوخ الصحابة.

ولا شكّ أنّ أمير المؤمنين أفضل من الحسنين ، بالنصّ والإجماع ، فيكون أفضل من الصحابة جميعا ، فيكون هو الإمام.

هذا ، والعجب من تمالؤ هؤلاء القوم على محو فضائل آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بالأوهام الكاسدة والخيالات الفاسدة ، دون ما يروونه في فضائل غيرهم ، وإن كان ظاهر الكذب والبهتان ، فقد رأيت الفضل كيف استشكل من جواز تلك الصدقة ، وهو قد ذكر في مبحث الحلول أنّ أبا يزيد البسطامي(٢) ترك شرب الماء سنة تأديبا لنفسه ، وعدّه منقبة له(٣) .

__________________

(١) فقد فرّ المشايخ وأغلب الصحابة في غزوتي أحد وحنين ، وأسلموا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله للمنيّة ، وكذا انهزموا في غزاة خيبر ؛ فانظر مثلا : السير والمغازي ـ لابن إسحاق ـ : ٣٣٢ ، المغازي ـ للواقدي ـ ٢ / ٦٠٩ ، تاريخ اليعقوبي ٢ / ٦٥ ، تاريخ الطبري ٢ / ٦٧ و ٦٩ و ١٦٧ ـ ١٦٨ ، السيرة النبوية ـ لابن حبّان ـ : ٢٢٣ ، تفسير الفخر الرازي ٩ / ٥٣ ، تاريخ دمشق ٤ / ١٦ ـ ١٧ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٣٩ و ٤٠ ح ٤٣٣٨ أ و ٤٣٤٠ ، البداية والنهاية ٤ / ٢٣ ، السيرة الحلبية ٢ / ٥٠٤ ، شرح الزرقاني على المواهب اللدنّيّة ٣ / ٢٢٥.

(٢) مرّت ترجمته في ج ٢ / ١٩٦ من هذا الكتاب.

(٣) راجع ج ٢ / ٢٠٨ من هذا الكتاب.


فليت شعري ، لم لا يجوز التصدّق لأهل البيت بعد السؤال منهم رغبة في الثواب ، بالإيثار على أنفسهم ، وجاز لأبي يزيد ترك شرب الماء سنة ـ وهو من المحالات ـ بلا سؤال أحد منه ولا إيثار ، ولا هو من أفعال سيّد المرسلين والأنبياء الأوّلين ، ولا ورد بنحوه الكتاب والسنّة؟!

وقال الغزّالي في « إحياء العلوم » ، في كسر شهوة البطن(١) : الوظيفة الثانية : في وقت الأكل ومقدار تأخيره ، وفيه [ أيضا ] أربع درجات :

الدرجة العليا : أن يطوي ثلاثة أيّام فما فوقها ، وفي المريدين من ردّ الرياضة إلى الطيّ لا إلى المقدار ، حتّى انتهى بعضهم إلى ثلاثين يوما وأربعين يوما ، وانتهى إليه جماعة من العلماء يكثر عددهم ، منهم : محمّد ابن عمرو القرني وذكر جماعة ، ثمّ قال :

وقد كان أبو بكر الصدّيق يطوي ستّة أيّام ، وكان عبد الله بن الزبير يطوي سبعة أيّام ، وكان أبو الجوزاء صاحب ابن عبّاس يطوي سبعا ، وروي أنّ الثوري وإبراهيم بن أدهم كانا يطويان ثلاثا ثلاثا ، كلّ ذلك [ كانوا ] يستعينون بالجوع على طريق الآخرة ثمّ نقل عن متصوّف أنّه طوى ستّين يوما(٢) .

فانظر إلى هذه الحكايات التي ما جاء بها الشرع ، وما كانت من فعل سيّد المرسلين ، يروونها في كتبهم ويصدّقون استمرار أوليائهم عليها ، ويكذّبون أن يتصدّق أهل البيت اتّفاقا بطعامهم ثلاثة أيّام لسؤال من سأل إيثارا على أنفسهم!

فهل الفرق إلّا اتّباع الهوى والجفاء لمن طهّرهم الله تعالى من الرجس

__________________

(١) ص ٧٢ من الجزء الثالث [ ٣ / ٢٢٥ ]. منهقدس‌سره .

(٢) إحياء علوم الدين ٣ / ٢٢٥.


تطهيرا وأوجب على الأمّة التمسّك بهم؟!

ثمّ إنّ المصنّفرحمه‌الله قد ذكر هذه القصّة في « منهاج الكرامة » نقلا عن الثعلبي(١) ، وردّه ابن تيميّة بكلّ ما تبلغه همّة النصب ، وذكر أمورا أشبه باللغو(٢)

كالمطالبة بصحّة الحديث ؛ وقد مرّ مرارا جوابه ، ولا سيّما أنّ شهرته كافية في اعتباره

وكز عم أنّ الحسنين صغيران لا يشرع إبقاؤهما ثلاثة أيّام جياعا ، وقد عرفت أنّهما بنفسيهما آثرا بطعامهما ؛ لمعرفتهما وكمالهما

وكز عم عدم حاجة أيتام المسلمين وأسراهم إلى الصدقة والسؤال ؛ لأنّ اليتيم مكفيّ بالنبيّ ، والأسير بآسره ؛ وهو كما ترى تكذيب للآية الكريمة

وكز عم أنّه لم يكن في العقبة قتال ، فكيف يقول اليتيم ـ كما في حديث الثعلبي ـ : « استشهد والدي يوم العقبة »(٣) ؟!

وفيه : إنّ العقبات كثيرة ، والعقبة : هي المرقى الصعب من الجبال(٤) ، كمرقى أحد ، لا خصوص عقبة مكّة التي بايع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فيها الأنصار قبل الهجرة.

وكز عم أنّ السورة مكّية بالاتّفاق ؛ والحال أنّ مجاهدا وقتادة قالا :

__________________

(١) منهاج الكرامة : ١٣٢ ـ ١٣٣ ، وانظر : تفسير الثعلبي ١٠ / ٩٩ ـ ١٠١.

(٢) انظرها في : منهاج السنّة ٧ / ١٧٧ ـ ١٨٧.

(٣) انظر : تفسير الثعلبي ١٠ / ١٠٠.

(٤) انظر مادّة « عقب » في : لسان العرب ٩ / ٣٠٦ ، تاج العروس ٢ / ٢٤٨.


إنّها مدنيّة(١)

وكز عم أنّ النذر منهيّ عنه ؛ والحال أنّ الآية الكريمة نزلت في الثناء على الناذرين ، فيكون تخطئة للكتاب المجيد(٢)

وكز عم أنّه ليس للزهراءعليهما‌السلام جارية تسمّى فضّة(٣)

وأنّ إنفاق أبي بكر أفضل من إنفاقهم(٤)

__________________

(١) تفسير البغوي ٤ / ٣٩٥ ، تفسير روح المعاني ٢٩ / ٢٥٨ ، وكذا أغلب المفسّرين

فانظر : تفسير الفخر الرازي ٣٠ / ٢٣٦ ، تفسير القرطبي ١٩ / ٧٧ ، فتح القدير ٥ / ٣٤٣.

(٢) يبدو أنّ ابن تيميّة لم يطّلع على جوامع الحديث أو كتب الفقه ، فضلا عن أن يسبر غورها ، فقد أثبت فيها مصنّفوها روايات كثيرة وردت عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في النذر وأفردوا أبوابا واسعة لذلك ، حتّى إنّه نسي أنّه أفرد فصلا في ذلك في فتاواه الكبرى!

فانظر مثلا : صحيح البخاري ٨ / ٢٥٤ ح ٧٠ وص ٢٥٥ ح ٧٤ ، سنن ابن ماجة ١ / ٦٨٧ ذ ح ٢١٢٨ ، سنن أبي داود ٣ / ٢٣٨ ذ ح ٣٣٢٢ ، المعجم الكبير ١١ / ٣٢٥ ذ ح ١٢١٦٩ ، كتاب الأمّ ـ للشافعي ـ ٢ / ٤٠٢ ، الهداية ـ للمرغيناني ـ ٤ / ٦٣ ، نصب الراية ـ للزيلعي ـ المطبوع بهامش الهداية ٤ / ٦٣ ، الفتاوى الكبرى ٥ / ١٩٦ ـ ١٩٨.

(٣) هي : فضّة النوبيّة ، أنفذها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى بضعته فاطمة الزهراءعليها‌السلام لكي تشاطرها الخدمة ، وقد علّمها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دعاء تدعو به ، وصارت من بعد الزهراءعليها‌السلام للإمام عليّعليه‌السلام ، فزوّجها من أبي ثعلبة الحبشي ، فأولدها ابنا ، ثمّ مات عنها أبو ثعلبة ، وتزوّجها من بعده أبو مليك الغطفاني ، وذكرت المصادر قصّة وجودها بالبادية وأنّها ما تكلّمت عشرين سنة إلّا بالقرآن.

انظر : أسد الغابة ٦ / ٢٣٦ رقم ٧٢٠٢ ، البداية والنهاية ٥ / ٢٤٩ ، السيرة النبويّة ـ لابن كثير ـ ٤ / ٦٤٩ ، الإصابة ٨ / ٧٥ رقم ١١٦٢٨ ، مناقب آل أبي طالب ٢ / ٤٠٢ ـ ٤٠٣ وج ٣ / ٣٩٠ ـ ٣٩٢.

(٤) لم يعهد لأبي بكر ثروة ، لا في الجاهلية ولا في الإسلام ، فهو من أقلّ حيّ وأذلّ ـ


إلى نحو ذلك ممّا هو بالهذيان أشبه!(١) .

* * *

__________________

ـ بيت في قريش ، كان بزّازا يدور في السوق حاملا على رقبته أثوابا ليبيعها ، مضافا إلى إشفاقه من تقديم صدقة يسيرة بين يدي نجواه ؛ فدعوى كثرة إنفاقه تخرّص سقيم!

انظر : تاريخ دمشق ٣٠ / ٣٢١ و ٣٢٢ و ٣٢٤ ، الكامل في التاريخ ٢ / ١٨٩ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٢ / ٤٥ ، الأعلاق النفيسة : ٢١٥.

(١) راجع كتاب تشييد المراجعات ٢ / ٥ ـ ٤٥ ، فقد فصّل السيّد عليّ الحسيني الميلاني البحث هناك حول السورة الكريمة واختصاصها بأهل البيتعليهم‌السلام والرّد على الشبهات المثارة.


١٩ ـ آية :( وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ )

قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :

التاسعة عشرة : قوله تعالى :( وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) (٢) .

روى الجمهور ، عن مجاهد ، قال : هو عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٨٥.

(٢) سورة الزمر ٣٩ : ٣٣.

(٣) تفسير الحبري : ٣١٥ ح ٦٢ ، ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ٢٤٠ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٣٥ ح ٣١٧ ، شواهد التنزيل ٢ / ١٢٠ ـ ١٢٢ ح ٨١٠ ـ ٨١٥ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٥٩ و ٣٦٠ ، كفاية الطالب : ٢٣٣ ، تفسير القرطبي ١٥ / ١٦٧ ، تفسير البحر المحيط ٧ / ٤٢٨ ، فتح القدير ٤ / ٤٦٣ ، الدرّ المنثور ٧ / ٢٢٨.


وقال الفضل(١) :

جماهير أهل السنّة على أنّ الآية نزلت في أبي بكر الصدّيق(٢) ، وإن صحّ نزوله في عليّ المرتضى فهو من فضائله ، ولا يدلّ على النصّ.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ١٧٩.

(٢) تفسير الطبري ١١ / ٥ ح ٣٠١٤٤ ، تفسير الفخر الرازي ٢٦ / ٢٨٠ المسألة الأولى ، الدرّ المنثور ٧ / ٢٢٨.


وأقول :

حكى السيوطي في « الدرّ المنثور » عن ابن مردويه ، أنّه أخرج عن أبي هريرة :( وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ ) رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ،( وَصَدَّقَ بِهِ ) عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام (١) .

ونحوه في « منهاج الكرامة » للمصنّف ، عن مجاهد ، من طريق ابن المغازلي(٢) .

وفيه أيضا عن مجاهد ، من طريق أبي نعيم ، مثل ما هنا(٣)

فيكون الجميع متّحدا في المراد ، وأنّ المقصود بثاني الوصفين أمير المؤمنينعليه‌السلام ، لا أنّه مقصود بهما معا كما يتوهّم ممّا نقله أبو نعيم ، كما أنّه ليس المقصود بالوصفين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وحده ؛ لقوله تعالى في تتمّة الآية بصيغة الجمع :( أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) (٤) .

فإذا أريد بمن صدّق به أمير المؤمنين ، دلّ على إمامته ؛ لأنّ ذكره خاصّة بالتصديق مع كثرة المصدّقين يدلّ على أنّه الكامل في التصديق ، وأنّه الصدّيق الأكبر.

ولا ريب أنّ الكامل فيه دون غيره هو الأفضل ، والأفضل أحقّ بالإمامة ، ولا سيّما أنّ كامل التصديق أرعى لما صدّق به ، وأمسّ في حفظ

__________________

(١) الدرّ المنثور ٧ / ٢٢٨.

(٢) منهاج الكرامة : ١٣٤ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٣٥ ح ٣١٧.

(٣) منهاج الكرامة : ١٣٤.

(٤) سورة الزمر ٣٩ : ٣٣.


الدين والحوزة.

على أنّ الله سبحانه قد شهد لمن جاء بالصدق ، ولمن صدّق به ، بالتقوى على الإطلاق ، فقال في تتمّة الآية :( أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) ، وهو يقتضي العصمة ، ولا معصوم مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله غير عليّعليه‌السلام بالإجماع ، فيكون هو الإمام ؛ لما سبق من اشتراط العصمة بالإمام(١) .

ولا ينافي دلالته على العصمة قوله تعالى بعد هذه الآية :( لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَالَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ) (٢) ؛ إذ ليس المراد ب‍( أَسْوَأَالَّذِي عَمِلُوا ) هو المحرّمات ؛ لعصمة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله جزما ، بل المراد أسوأه عند قومهم ، فإنّ الله سبحانه يكفّره(٣) ؛ أي يغطّيه عنهم بنصرهم على الكافرين ، وإحسانهم إليهم ، وإظهار شرفهم وفضلهم ؛ ولذا قال تعالى في الآية التي بعدها :( أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) (٤) .

وأمّا ما نسبه الفضل إلى الجماهير ، فكذب عليهم ؛ ولذا لم يذكره الزمخشري في « الكشّاف » ، وهو حقيق بذكره لو كان قولا لجماهيرهم ، لا سيّما وهو في فضل أبي بكر ، ولم يذكره أيضا غيره ممّن اطّلعنا على تفسيره.

__________________

(١) راجع ج ٤ / ٢٠٥ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٢) سورة الزمر ٣٩ : ٣٤ و ٣٥.

(٣) كفر الشيء كفرا وكفّره : ستره ، وأصل الكفر : تغطية الشيء تغطية تستهلكه! ومنه سمّي الكافر كافرا ؛ لأنّه مغطّى على قلبه ؛ انظر : تاج العروس ٧ / ٤٥٠ مادّة « كفر ».

(٤) سورة الزمر ٣٩ : ٣٦.


نعم ، نسبه الرازي إلى جماعة(١) ، وهو غير معنى الجماهير ، ولو سلّم فأيّ عبرة بقول جماهيرهم الناشئ من الهوى ، فإنّه كما ورد عندهم نزولها في أبي بكر ، ورد عندهم نزولها في أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فلم اختار الجماهير أو الجماعة نزولها في أبي بكر ، مع عدم صحّة الرواية الدالّة عليه كما اطّلعنا على سندها؟!

فإنّ الطبري رواها في تفسيره « جامع البيان » ، عن عمر بن إبراهيم بن خالد ، عن عبد الملك بن عمير ، عن أسيد بن صفوان(٢) .

وقد نقل الذهبي في « ميزان الاعتدال » عن الدارقطني ، أنّ عمر بن إبراهيم كذّاب ؛ وعن الخطيب ، أنّه غير ثقة ؛ ثمّ ذكر بترجمة عمر أنّ أسيدا مجهول(٣) .

ونقل بترجمة عبدالملك ، عن أحمد ، أنّه ضعّف عبد الملك جدّا ، وقال أيضا : ضعيف يغلط ، وقال ابن معين : مخلّط(٤) .

مضافا إلى أنّ لفظ الرواية ، كما صرّح به السيوطي في « الدرّ المنثور » ( الذي جاء بالحقّ ) محمّد ، ( وصدّق به ) أبو بكر(٥) ، وهو غير لفظ الآية ؛ لأنّ لفظها :( وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ ) .

هذا ، ومن المضحك ما ذكره الرازي في المقام ، قال : « أجمعوا على أنّ الأسبق الأفضل ؛ إمّا أبو بكر ، وإمّا عليّ ، وحمل هذا اللفظ على أبي بكر

__________________

(١) انظر : تفسير الفخر الرازي ٢٦ / ٢٨٠ المسألة الأولى.

(٢) تفسير الطبري ١١ / ٥ ح ٣٠١٤٤.

(٣) ميزان الاعتدال ٥ / ٢١٦ ـ ٢١٧ رقم ٦٠٥٠ ، وانظر : تاريخ بغداد ١١ / ٢٠٢ رقم ٥٩٠٥.

(٤) ميزان الاعتدال ٤ / ٤٠٥ ـ ٤٠٦ رقم ٥٢٤٠.

(٥) الدرّ المنثور ٧ / ٢٢٨.


أولى ؛ لأنّ عليّاعليه‌السلام كان وقت البعثة صغيرا ، فكان كالولد الصغير الذي يكون في البيت ، ومعلوم أنّ إقدامه على التصديق لا يفيد مزيد قوّة وشوكة.

أمّا أبو بكر فإنّه كان رجلا كبيرا في السنّ ، كبيرا في المنصب ، فإقدامه على التصديق يفيد مزيد قوّة وشوكة في الإسلام ، فكان حمل اللفظ على أبي بكر أولى »(١) .

فإنّ مزيد الشوكة لا ربط له بالأولوية المذكورة ؛ لأنّ التصديق فرع المعرفة والتقى لا الشوكة ؛ ولذا مدح الله سبحانه من جاء بالصدق وصدّق به : بالتقوى(٢) ، فقال :( أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) (٣) .

ومن المعلوم أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام أقرب إلى المعرفة والتقوى من أبي بكر ، فإنّه لم يعبد صنما قطّ ، خلافا لقومه ، وعبدها أبو بكر مدّة من عمره ؛ وطهّره الله سبحانه من الرجس ، ولم يطهّر أبا بكر ؛ وصلّى مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سبع سنين قبل أبي بكر وغيره(٤) .

ولا منافاة بين الصغر وبين المعرفة والكمال ؛ ولذا دعاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الإسلام وهو صبيّ ، فكان أخصّ الناس به وأطوعهم له ، وجعله خليفته ووزيره عند ما جمع عشيرته الأقربين في أوّل البعثة ودعاهم إلى الإسلام(٥) ، كما سيجيء.

__________________

(١) تفسير الفخر الرازي ٢٦ / ٢٨٠ المسألة الثانية.

(٢) انظر : تفسير الطبري ١١ / ٦.

(٣) سورة الزمر ٣٩ : ٣٣.

(٤) انظر : مسند أحمد ١ / ٩٩ ، المعجم الأوسط ٢ / ٢٤٠ ح ١٧٦٧ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٢١ ح ٤٥٨٥.

(٥) انظر : مسند أحمد ١ / ١١١ و ١٥٩ و ٣٣١ ، مسند البزّار ٢ / ١٠٥ ـ ١٠٦ ح ٤٥٦ ، المعجم الأوسط ٣ / ٢٤١ ح ٢٨٣٦.


كما جعل الله يحيى نبيّا وآتاه الحكم صبيّا ، وكذلك عيسى ويوسف وسليمان ، وقد مدح الله الحسنين وهما طفلان بقوله سبحانه :( إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ *وَيَخافُونَ يَوْماً *وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ *إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ ) (١) الآيات.

ولو سلّم دخل الشوكة والقوّة والمنصب بأولوية الوصف بالتصديق ، فأيّ قوّة وشوكة لأبي بكر ، وهو من أرذل بيت في قريش ، كما قاله أبو سفيان(٢) ؟!

وأيّ منصب له ، وهو كان خيّاطا ومعلّما للصبيان(٣) ؟!

فأين هو من أسد الله ورسوله ، وابن سيّد البطحاء ، الذي إن لم يزد الإسلام بنفسه قوّة فباتّصاله بأبيه وتعلّقه به؟!

بل قد عرفت أنّ شهادة الله سبحانه بالتقوى لمن صدّق بالصدق تدلّ على عصمته ، ولا معصوم غير عليّ بالإجماع ، فتتعيّن إرادته بالآية.

* * *

__________________

(١) سورة الإنسان ٧٦ : ٥ و ٧ ـ ٩.

(٢) انظر : الاستيعاب ٣ / ٩٧٤ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٢ / ٤٥.

(٣) انظر : الأعلاق النفيسة : ٢١٥ ، كنز العمّال ٤ / ٣٣ ح ٩٣٦٠ ، الصوارم المهرقة : ٣٢٤ ، الصراط المستقيم ٣ / ١٠٤.


٢٠ ـ آية :( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ )

قال المصنّف ـ نوّر الله ضريحه ـ(١) :

العشرون : قوله تعالى :( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ) (٢) .

عن أبي هريرة ، قال : مكتوب على العرش : لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، محمّد عبدي ورسولي ، أيّدته بعليّ بن أبي طالب(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٨٥.

(٢) سورة الأنفال ٨ : ٦٢.

(٣) انظر : المعجم الكبير ٢٢ / ٢٠٠ ح ٥٢٦ ، حلية الأولياء ٣ / ٢٧ ضمن رقم ٢٠٢ ، تاريخ بغداد ١١ / ١٧٣ رقم ٥٨٧٦ ، شواهد التنزيل ١ / ٢٢٣ ـ ٢٢٨ ح ٢٩٩ ـ ٣٠٤ ، الشفا ١ / ١٧٤ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٦٠ ، كفاية الطالب : ٢٣٤ ، الرياض النضرة ٣ / ١٣١ ، فرائد السمطين ١ / ٢٣٥ ـ ٢٣٧ ح ١٨٣ ـ ١٨٥ ، تهذيب الكمال ٢١ / ١٨٨ رقم ٧٩٢١ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٢١ ، الدرّ المنثور ٤ / ١٠٠.


وقال الفضل(١) :

جاء في روايات أهل السنّة ـ ولا شكّ ـ أنّ عليّا من أفاضل المؤمنين ، ومن خلفائهم وأئمّتهم.

ولمّا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مؤيّدا بالمؤمنين ، كان تأييده بعليّ من باب الأولى ، ولكن لا يدلّ على النصّ المدّعى.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ١٩٥.


وأقول :

قال السيوطي في « الدرّ المنثور » : أخرج ابن عساكر ، عن أبي هريرة : « مكتوب على العرش : لا إله إلّا أنا وحدي ، لا شريك لي ، محمّد عبدي ورسولي ، أيّدته بعليّ »(١) .

ونقل في « كنز العمّال » نحوه ، عن ابن عساكر عن أبي الحمراء ، وعن الطبراني عن أبي الحمراء ، وعن العقيلي عن جابر(٢) .

ونقل المصنّف الحديث في « منهاج الكرامة » ، عن أبي نعيم ، عن أبي هريرة ، ثمّ قال أبو هريرة : وذلك قوله تعالى :( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ) يعني بعليّ(٣) .

ونقل في « ينابيع المودّة » عن أبي نعيم ، بأسانيده عن أبي هريرة وابن عبّاس وإمامنا الصادقعليه‌السلام ، أنّهم قالوا : نزلت هذه الآية في عليّعليه‌السلام ، وأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «رأيت مكتوبا على العرش »(٤) الحديث بعينه.

وذكر في « الينابيع » أيضا ، أنّ أبا نعيم روى نحوه عن أنس بن

__________________

(١) الدرّ المنثور ٤ / ١٠٠ ، وانظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٦٠.

(٢) ص ١٥٨ من الجزء السادس [ ١١ / ٦٢٤ ح ٣٣٠٤٠ ـ ٣٣٠٤٢ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : تاريخ دمشق ١٦ / ٤٥٦ ذيل الرقم ١٩٨٩ ، المعجم الكبير ٢٢ / ٢٠٠ ح ٥٢٦ ، الضعفاء الكبير ١ / ٣٣ رقم ١٥ وج ٢ / ٨٦ رقم ٥٤٠.

(٣) منهاج الكرامة : ١٣٤.

وانظر : ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ٨٢.

(٤) ينابيع المودّة ١ / ٢٨١ ـ ٢٨٢ ح ٣.


مالك(١)

فإذا كان أمير المؤمنينعليه‌السلام هو المراد ب‍( بِالْمُؤْمِنِينَ ) في الآية ، دلّ على أنّه بمنزلة جميع المؤمنين في الإيمان والتأييد للنبيّ ؛ للتعبير عنه بصيغة الجمع العامّة ، فيكون أفضلهم وإمامهم ، خصوصا مع كتابة اسمه الشريف وتأييده على العرش

فقول الفضل : « لا شكّ أنّ عليّا من أفاضل المؤمنين » إلى آخره ، ظلم لأمير المؤمنين بجعله من الأفاضل ، والآية والرواية تدلّان على الأفضلية.

كما إنّ قوله : « ولمّا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مؤيّدا بالمؤمنين » إلى آخره ، خلاف مقصود الآية والرواية ، من كونه بمنزلة جميع المؤمنين في التأييد ؛ لأنّه العمدة والمتّبع ؛ ولذا قرنه الله سبحانه بنصره ، وزيّن به عرشه.

ولا ينافي إرادة أمير المؤمنين من( بِالْمُؤْمِنِينَ ) في الآية ، قوله تعالى بعدها :( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ) (٢) الآية ؛ وذلك لأنّ الاستخدام(٣)

__________________

(١) ينابيع المودّة ١ / ٢٨٢ ذ ح ٣.

(٢) سور الأنفال ٨ : ٦٣.

(٣) الاستخدام : هو أن يذكر لفظ له معنيان ، فيراد به أحدهما ، ثمّ يراد بالضمير الراجع إلى ذلك اللفظ معناه الآخر ؛ أو يراد بأحد ضميريه أحد معنييه ، ثمّ بالآخر معناه الآخر

فالأوّل كقوله :

إذا نزل السماء بأرض قوم

رعيناه وإن كانوا غضابا

أراد بالسماء : الغيث ، وبالضمير الراجع إليه من « رعيناه » : النبت.

والثاني كقوله :

فسقى الغضى والسّاكنيه وإن هم

شبّوه بين جوانحي وضلوعي


باب واسع.

* * *

__________________

ـ أراد بأحد الضميرين الراجعين إلى « الغضى » ـ وهو المجرور في « الساكنيه » ـ : المكان ، وبالآخر ـ وهو المنصوب في « شبّوه » ـ : النار ؛ أي : أوقدوا بين جوانحي نار الغضى ؛ يعني نار الهوى التي تشبه نار الغضى.

والاستخدام الذي عناه الشيخ ١ ، المستعمل في الآية الكريمة ، من القسم الأوّل.

انظر : التعريفات ـ للجرجاني ـ : ٢١ ـ ٢٢.


٢١ ـ آية :( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ )

قال المصنّف ـ قدّس الله روحه ـ(١) :

الحادية والعشرون : قوله تعالى :( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (٢) .

روى الجمهور أنّها نزلت في عليّعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٨٥.

(٢) سورة الأنفال ٨ : ٦٤.

(٣) انظر : ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ٩٢ ، شواهد التنزيل ١ / ٢٣٠ ح ٣٠٥ و ٣٠٦.


وقال الفضل(١) :

ظاهر الآية أنّها في كافّة المؤمنين ، ولو صحّ نزوله في عليّ يكون من فضائله ، ولا دلالة لها على النصّ المدّعى.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ١٩٦.


وأقول :

ـ مع أنّ الدليل مفسّر للمراد فيقدّم على الظهور ـ إنّا نمنع ظهورها بما ذكره ، بل ظاهرها الخصوص ؛ إذ ليس كلّ مؤمن متّبعا على الإطلاق ، فتكون « من » للتبعيض لا للبيان.

وحينئذ ، فينبغي إرادة أمير المؤمنينعليه‌السلام خاصّة ، حتّى لو لم ترد الرواية بإرادته ؛ إذ لا اتّباع على الإطلاق من غيره.

وحينئذ ، فتدلّ الآية على إمامته ؛ لأنّ الاتّباع المطلق يقتضي العصمة ، وهي شرط الإمامة ، ولا عصمة لغيره بالإجماع.

على أنّ الله سبحانه لمّا قرنه بنفسه المقدّسة ، وأخبر عنه ـ لا غيره من المسلمين ـ بأنّه حسبه ، دلّنا على فضله وامتيازه على كلّ أحد ، فيكون هو الإمام.

والمراد : حسبك الله ناصرا(١) ، وعليّ متّبعا ، فلا تذهب نفسك حسرات على من لم يتّبعك.

ويحتمل ـ كما هو الأقرب ـ أن يكون المراد : إنّهما حسبه في النصرة ، ولا يلزم الشرك كما زعم ابن تيميّة(٢) ؛ لأنّه كقوله تعالى :( فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) (٣) (٤) .

__________________

(١) انظر : لسان العرب ٣ / ١٦٣ مادّة « حسب ».

(٢) منهاج السنّة ٧ / ٢٠١ ـ ٢١١.

(٣) سورة التحريم ٦٦ : ٤.

(٤) انظر : تفسير الدرّ المنثور ٨ / ٢٢٤.


وليست نصرة غير الله عزّ وجلّ إلّا بإقداره ، وكون عليّ حسب النبيّ في النصرة ، لا ينافي حاجة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى غيره ، ولا حاجة عليّعليه‌السلام إلى الناصر بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إذ هو ككون الله حسبه ، أريد به عدم الاعتداد بنصرة غيره ؛ لضعفها ، أو لعدم الخلوص التامّ بها ؛ ولذا فرّ المسلمون عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في عدّة مواطن(١) ، فلا يرد ما أشكله ابن تيميّة ، وقد أساء القول وجاهر بنصبه.

ثمّ إنّ الرواية التي ذكرها المصنّفرحمه‌الله هنا قد نقلها هو في « منهاج الكرامة » عن أبي نعيم(٢) ، ونقلها غيره ، كصاحب « كشف الغمّة »(٣) ، عن عزّ الدين عبد الرزّاق المحدّث الحنبلي(٤) .

__________________

(١) السير والمغازي ـ لابن إسحاق ـ : ٣٣٢ ، المغازي ـ للواقدي ـ ١ / ٢٣٧ ، تاريخ اليعقوبي ١ / ٣٦٦ ، تاريخ الطبري ٢ / ٦٩ ، الكامل في التاريخ ٢ / ٥٢ ، شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢٩٣ وج ١٤ / ٢٧٦ وج ١٥ / ١٩ ـ ٢٥ ، البداية والنهاية ٤ / ٢٣ ، السيرة النبويّة ـ لابن كثير ـ ٣ / ٥٥ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٢٤ ، السيرة الحلبية ٢ / ٥٠٤ وج ٣ / ٦٧.

(٢) منهاج الكرامة : ١٣٥ ، وانظر : ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ٩٢.

(٣) كشف الغمّة ١ / ٣١٢.

(٤) هو : أبو محمّد عزّ الدين عبد الرزّاق بن رزق الله بن أبي بكر بن خلف الرّسعني الحنبلي ، ولد برأس عين الخابور سنة ٥٨٩ ، وتوفّي بسنجار سنة ٦٦١ ؛ محدّث ، مفسّر ، فقيه ، متكلّم ، أديب ، شاعر ، سمع الحديث ببلده وببغداد ودمشق وغيرها ، ولي مشيخة دار الحديث بالموصل ، من تصانيفه : رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز ، مقتل الشهيد الحسين ، درّة القاري ، مطالع أنوار التنزيل ومفاتح أسرار التأويل ، مختصر الفرق بين الفرق.

انظر : تذكرة الحفّاظ ٤ / ١٤٥٢ رقم ١١٥٢ ، العبر ٣ / ٣٠٢ ، البداية والنهاية ١٣ / ٢٠٠ ، الذيل على طبقات الحنابلة ٤ / ٢٢٢ رقم ٣٨٦ ، طبقات المفسّرين ـ للسيوطي ـ : ٥٥ رقم ٥٦ ، طبقات المفسّرين ـ للداوودي ـ ١ / ٣٠٠ رقم ٢٧٧ ، شذرات الذهب ٥ / ٣٠٥ ، كشف الظنون ١ / ٤٥٢ و ٧٤٣ و ٩١٣ وج ٢ / ١٧١٥.


٢٢ ـ آية :( فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ )

قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :

الثانية والعشرون : قوله تعالى :( فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) (٢) .

قال الثعلبي : نزلت في عليّعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٨٦.

(٢) سورة المائدة ٥ : ٥٤.

(٣) عمدة عيون صحاح الأخبار : ٣٥١ ح ٤٩٣ عن الثعلبي ، وانظر : تفسير البحر المحيط ٣ / ٥١١.


وقال الفضل(١) :

ذهب المفسّرون إلى أنّها نزلت في أهل اليمن(٢) .

وقيل : لمّا نزلت هذه الآية سئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن هذا القوم ، فضرب بيده على ظهر سلمان فقال : «هذا وقومه »(٣) .

والظاهر أنّها كانت نازلة لقوم لم يؤمنوا بعد ؛ لدلالة :( فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ ) على هذا ، وعليّ كان ممّن آتاه الله من أوّل الإسلام ، فكيف يصحّ نزوله فيه؟!

وإن سلّمنا ، فهو من فضائله ، ولا يدلّ على النصّ المدّعى.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ١٩٩.

(٢) انظر : تفسير الطبري ٤ / ٦٢٤ و ٦٢٥ ح ١٢١٩٨ و ١٢٢٠٠ ـ ١٢٢٠٤ ، تفسير الثعلبي ٤ / ٧٨ ، تفسير الفخر الرازي ١٢ / ٢٢ ، تفسير البيضاوي ١ / ٢٧١.

(٣) تفسير الثعلبي ٤ / ٧٩ ، تفسير الكشّاف ١ / ٦٢١ ، تفسير الفخر الرازي ١٢ / ٢٢ ، تفسير البيضاوي ١ / ٢٧١.


وأقول :

ينبغي هنا بيان أمرين :

الأوّل : معنى الارتداد ؛ والظاهر أنّ له معنيين :

حقيقيا : وهو الانقلاب عن الدين بمخالفة بعض أصوله ؛ كالشهادتين عند الجميع ، والإمامة عند الإماميّة.

ومجازيا : وهو مخالفة بعض أحكام الدين المهمّة.

ويحتمل أن يراد بالآية : الأوّل ؛ لأنّه الأصل في الاستعمال والثاني ؛ بدعوى القرينة ، بأن يراد بالارتداد تولّي الكافرين والتقاعد عن الجهاد ، بقرينة حكم الآية التي قبلها بأنّ من تولّاهم منهم.

الثاني : مورد نزولها ؛ وقد اختصّت أخبارنا في نزولها بأمير المؤمنينعليه‌السلام ، أو المهديّ عجّل الله فرجه(١) ، ولا يبعد إرادتهما معا.

وأمّا روايات القوم ، فقد جاءت بنزولها بعليّ ، كما نقله المصنّفرحمه‌الله عن الثعلبي(٢) ، وبنزولها في أهل اليمن(٣) ، ونزولها في الفرس(٤) ، وقيل

__________________

(١) تفسير القمّي ١ / ١٧٧ ـ ١٧٨ ، تفسير فرات الكوفي ١ / ١٢٣ ح ١٣٣ ، مجمع البيان ٣ / ٣٤٣ و ٣٤٤.

(٢) منهاج الكرامة : ١٣٥.

(٣) مرّ تخريج ذلك في الصفحة السابقة ه‍ ٢.

(٤) مرّ تخريج ذلك في الصفحة السابقة ه‍ ٣.


بنزولها في الأنصار(١) ، وقيل بأبي بكر(٢) .

ولم يرو أحدّ التفسير بهذين القولين الأخيرين عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، واختار أوّلهما السّدّي ، كما ذكره الرازي ، بحجّة أنّ الأنصار هم الّذين نصروا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) .

وفيه : إنّ المراد بالآية : النصرة في المستقبل ، وهي لم تختصّ بالأنصار ، بل لم تختصّ بهم في أوّل الأمر ؛ لمشاركة المهاجرين لهم في النصرة.

وأمّا من زعم نزولها بأبي بكر ، فبحجّة أنّه حارب المرتدّين ؛ وستعرف ما فيه

والحقّ أنّها نازلة بأمير المؤمنين(٤) ؛ لأمور :

الأوّل : ورود رواية الفريقين به ؛ فقد عرفت رواية الثعلبي له ، ولكنّ ابن تيميّة أنكرها(٥) ، ولم يحضرني « تفسير الثعلبي » حتّى أظهر بطلان إنكاره ، إذ لا شكّ أنّ المصنّفرحمه‌الله لا يتعمّد الكذب بخلاف ابن تيميّة ؛ فإنّا سبرنا أحوالهما ، وعرفنا صحّة نقل المصنّف دونه ، كما ستعرف.

ويؤيّد صحّة رواية الثعلبي ما ورد عن أمير المؤمنين ، أنّه قال يوم

__________________

(١) تفسير السدّي : ٢٣١ ، تفسير الطبري ٤ / ٦٢٥ ح ١٢٢٠٥ ، تفسير الثعلبي ٤ / ٧٩ ، تفسير الفخر الرازي ١٢ / ٢٢.

(٢) تفسير الطبري ٤ / ٦٢٣ ح ١٢١٨٤ ـ ١٢١٩١ ، تفسير الثعلبي ٤ / ٧٨ ، تفسير الفخر الرازي ١٢ / ٢٣.

(٣) تفسير الفخر الرازي ١٢ / ٢٢ ، وانظر : تفسير السدّي : ٢٣١.

(٤) انظر : تفسير الفخر الرازي ١٢ / ٢٥.

(٥) انظر : منهاج السنّة ٧ / ٢١٣.


البصرة : «والله ما قوتل أهل هذه الآية حتّى اليوم » ، ثمّ تلاها(١) .

ومثله عن عمّار وابن عبّاس(٢) ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

الثاني : انطباق أوصاف من يأتي به الله ـ المذكورة في الآية ـ على أمير المؤمنينعليه‌السلام دون غيره.

أمّا عدم انطباقها على أبي بكر ، فظاهر ؛ ولو لقوله تعالى :( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) (٣) ، فإنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال يوم خيبر بعد ما رجع أبو بكر وعمر منهزمين : «لأعطينّ الراية غدا إلى رجل يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، كرّار غير فرّا ر »(٤) ، وهو ظاهر ، بل صريح في التعريض بمن

__________________

(١) انظر : الإفصاح في الإمامة : ١٢٥ ، مجمع البيان ٣ / ٣٤٤.

(٢) انظر : الصراط المستقيم ١ / ٢٨٨ وفيه : عن عمّار وحذيفة ، الصوارم المهرقة : ٨٤.

(٣) سورة المائدة ٥ : ٥٤.

(٤) تاريخ اليعقوبي ١ / ٣٧٥ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٨٠ ح ٢١٧ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٧٠ ح ٢٠٣.

أمّا جملة ذيل الحديث : « كرّار غير فرّار » فقد رويت في بعض المصادر بلفظ : « غير فرّار » فقط ، أي من دون كلمة « كرّار » ، وفي مصادر أخرى روي بدلها ألفاظ أخرى مختلفة تفيد معناها ، مثل : «يفتح الله عليه » و«لن يرجع حتّى يفتح الله عليه » و«لا يردّها حتّى يفتح الله عليه » ، وغيرها ؛ جاءت كلّها في أمّهات مصادر الجمهور ؛ فانظر مثلا :

صحيح البخاري ٥ / ٨٧ ح ١٩٧ وص ٨٨ ح ١٩٨ وص ٢٧٩ ح ٢٣٠ ، تاريخ البخاري ٢ / ١١٥ رقم ١٨٨١ ، صحيح مسلم ٧ / ١٢٠ ـ ١٢٢ ، سنن ابن ماجة ١ / ٤٣ ح ١١٧ ، سنن الترمذي ٥ / ٥٩٦ ح ٣٧٢٤ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٤٦ ح ٨١٤٩ ـ ٨١٥١ وص ١٠٨ ـ ١١٣ ح ٨٣٩٩ ـ ٨٤٠٩ ، مسند أحمد ١ / ٩٩ و ١٣٣ و ١٨٥ وج ٤ / ٥١ ـ ٥٢ وج ٥ / ٣٣٣ و ٣٥٣ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٦٩٧ ح ٩٥٠ وص ٧٢١ ـ ٧٢٢ ح ٩٨٧ ـ ٩٨٨ وص ٧٣٤ ـ ٧٣٥ ح ١٠٠٩ وص ٧٤٦ ح ١٠٣٠ وص ٧٥٠ ذ ح ١٠٣٦ وص ٧٥٢ ح ١٠٣٧ وص ٧٦٤ ح ١٠٥٤ وص ٧٩١ ح ـ


فرّ ، وأنّه ليس على هذه الأوصاف.

وأمّا عدم انطباقها على الأنصار وأهل اليمن والفرس ، فلظهور الآية في أنّ من يأتي به الله ؛ إمام شجاع ، ذو حزم وتقوىّ وتواضع ؛ لأنّ قوله

__________________

ـ ١٠٨٤ وص ٨١٨ ح ١١٢٢ وص ٨٤٩ ـ ٨٥٠ ضمن ح ١١٦٨ ، مسند أبي داود الطيالسي : ٣٢٠ ح ٢٤٤١ ، مصنّف عبد الرزّاق ٥ / ٢٨٧ ـ ٢٨٨ ح ٩٦٣٧ وج ١١ / ٢٢٨ ح ٢٠٣٩٥ ، سنن سعيد بن منصور ٢ / ١٧٨ ـ ١٧٩ ح ٢٤٧٢ ـ ١٤٧٤ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٩٦ ح ١٥ وص ٤٩٧ ح ١٧ وص ٥٠٠ ح ٣٧ ، أنساب الأشراف ٢ / ٣٥٥ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٥٩٤ ح ١٣٧٧ ـ ١٣٨٠ ، مسند البزّار ٢ / ١٣٥ ـ ١٣٦ ح ٤٩٦ وج ٣ / ٢٨١ ح ١٠٧٢ وص ٣٢٤ ضمن ح ١١٢٠ ، مسند أبي يعلى ١ / ٢٩١ ح ٣٥٤ وج ١٣ / ٥٢٢ ح ٧٥٢٧ ، تاريخ الطبري ٢ / ١٣٦ ـ ١٣٧ ، مسند الشاشي ١ / ١٤٥ ـ ١٤٦ ضمن ح ٨٢ وص ١٦٥ ـ ١٦٦ ضمن ح ١٠٦ ، السيرة النبويّة ـ لابن حبّان ـ : ٥٢٢ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٤٣ ـ ٤٥ ح ٦٨٩٤ ـ ٦٨٩٦ ، المعجم الكبير ٦ / ١٥٢ ح ٥٨١٨ وص ١٦٧ ح ٥٨٧٧ وص ١٩٨ ح ٥٩٩١ وج ٧ / ١٣ ح ٦٢٣٣ وص ١٦ ـ ١٧ ح ٦٢٤٣ وص ٣١ ح ٦٢٨٧ وص ٣٥ ح ٦٣٠٣ وص ٧٧ ح ٦٤٢١ وج ١٨ / ٢٣٧ ح ٥٩٤ و ٥٩٥ وص ٢٣٨ ح ٥٩٦ ـ ٥٩٨ ، المعجم الأوسط ٦ / ١١٦ ح ٥٧٨٩ ، المعجم الصغير ٢ / ١١ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٤٠ ح ٤٣٤٢ وص ١١٧ ح ٤٥٧٥ وص ١٤٣ ح ٤٦٥٢ وص ٤٩٤ ح ٥٨٤٤ ، حلية الأولياء ١ / ٦٢ وج ٤ / ٣٥٦ ، معرفة الصحابة ١ / ٨٥ ح ٣٣٢ و ٣٣٣ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٦ / ٣٦٢ وج ٩ / ١٣١ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٤ / ٢٠٥ ـ ٢١٣ ، تاريخ بغداد ٨ / ٥ رقم ٤٠٣٦ ، الاستيعاب ٣ / ١٠٩٩ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٧٦ ـ ١٨٥ ح ٢١٣ ـ ٢٢٤ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٦٧ ح ٢٠١ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٨١ ـ ١٢٣.

وفي ذلك يقول حسّان بن ثابت :

وكان عليّ أرمد العين يبتغي

دواء فلمّا لم يحسّ مداويا

شفاه رسول الله منه بتفلة

فبورك مرقيّا وبورك راقيا

وقال : سأعطي راية القوم فارسا

كمينا شجاعا في الحروب مجاريا

يحبّ إلها والإله محبّه

به يفتح الله الحصون الأوابيا

فخصّ لها دون البريّة كلّهم

عليّا وسمّاه الوليّ المواخيا


تعالى :( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ) (١) بمعنى أنّه متواضع للمؤمنين تواضع وال عليهم وإمام لهم ، إذ لا معنى لتعدية الأذلّة ب‍ « على » المفيدة للعلوّ لو لا تضمّن الأذلّة معنى الولاية.

وهو أيضا عزيز على الكافرين ، أيّ ظاهر العزّة عليهم والعظمة في أعينهم ؛ لكونه ذا سلطان.

وهو أيضا يجاهد في سبيل الله ؛ لكونه مقداما شجاعا تقيّا.

ولا يخاف لومة لائم ؛ لحزمه ومقدرته.

وإذا ضممنا إلى ذلك قوله تعالى :( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) ، تعيّنت إرادة أمير المؤمنين.

ولا ينافي إرادته التعبير بالقوم وصيغ الجمع ؛ إمّا لصحّة القصد إلى تعظيمه بذلك ، كما هو في القرآن وغيره كثير ، كما تشهد له آية المباهلة ، أو للإشارة إلى أنّه ذو أتباع.

كما لا ينافيها التعبير ب‍ « سوف » ، خلافا للفضل ؛ لما عرفت من دلالة الآية على أنّه سبحانه يأتي بذي ولاية وسلطان ، وعليّعليه‌السلام إنّما صار كذلك في المستقبل ، فجاهد حينئذ.

وبنحوه أجاب الرازي عن إشكال إرادة أبي بكر من الآية ؛ لأنّ جهاده متأخّر(٢) .

الثالث : إنّ الآية التي بعدها ، وهي قوله تعالى :( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ

__________________

(١) سورة المائدة ٥ : ٥٤.

(٢) انظر : تفسر الفخر الرازي ١٢ / ٢٣.


وَرَسُولُهُ ) (١) الآية ، نازلة بأمير المؤمنينعليه‌السلام (٢) ، فينبغي أن تكون هذه الآية كذلك لترتبط الآيتان ، ولدخولهما في خطاب واحد منفرد عمّا قبله وبعده ، وهو :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) (٣) الآيتان.

الرابع : الأخبار المقتضية لنزولها بعليّعليه‌السلام

فمنها : المصرّحة بأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ».

قال أبو بكر وعمر : أنا هو؟

قال : «لا ، ولكنّه خاصف النعل » ؛ يعني عليّا.

أخرجه أحمد في « مسنده » ، عن أبي سعيد من طريقين(٤) .

وأخرجه الحاكم عنه أيضا من طريقين في « المستدرك »(٥) ، وصحّحه على شرط الشيخين.

ونقله في « كنز العمّال »(٦) ، عن أبي يعلى في « مسنده » ، وابن أبي شيبة ، وأبي نعيم في « الحلية » ، وابن حبّان في « صحيحه » ، والضياء في

__________________

(١) سورة المائدة ٥ : ٥٥.

(٢) انظر : تفسير الفخر الرازي ١٢ / ٢٨ ، الكشّاف ١ / ٦٢٤ ، وراجع ج ٤ / ٢٩٧ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٣) سورة المائدة ٥ : ٥٤.

(٤) ص ٣٣ من الجزء الثالث من طريق ، وص ٨٢ منه من طريق آخر. منهقدس‌سره .

وانظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٧٩٠ ح ١٠٨٣.

(٥) ص ١٢٣ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٣٢ ح ٤٦٢١ ]. منهقدس‌سره .

(٦) ص ٣٩١ من الجزء السادس [ ١١ / ٦١٣ ح ٣٢٩٦٧ وج ١٣ / ١٠٧ ح ٣٦٣٥١ ]. منهقدس‌سره .


« المختارة » ، كلّهم عن أبي سعيد(١) .

ورواه النسائي في خصائصه(٢) .

وهو يستلزم أن يكون من يأتي به الله لحرب المرتدّين هو عليّ لا أبو بكر ؛ لأنّ حرب أمير المؤمنين على التأويل دون أبي بكر ، فلا بدّ أن يكون المنذر في الكتاب العزيز بحربه هو عليّعليه‌السلام .

ومنها : الأخبار الكثيرة التي أنذر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيها الناس بعليّ خاصّة ، وقال : «لتنتهنّ أو ليبعثنّ الله رجلا » ، يعني به عليّا ، فالأنسب أن يكون هو المنذر به في الآية.

نقل في « كنز العمّال »(٣) ، عن أحمد وابن جرير ، قال : وصحّحه ، وعن سعيد بن منصور في « سننه » ، عن عليّعليه‌السلام ، قال : « جاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أناس من قريش ، فقالوا : يا محمّد! إنّا جيرانك وحلفاؤك ، وإنّ ناسا من عبيدنا قد أتوك ، ليس بهم رغبة في الدين ، ولا رغبة في الفقه ، إنّما فرّوا من ضياعنا ، وأموالنا ، فارددهم إلينا.

فقال لأبي بكر :ما تقول ؟

قال : صدقوا ، إنّهم لجيرانك وحلفاؤك.

فتغيّر وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثمّ قال لعمر :ما تقول ؟

قال : صدقوا ، إنّهم لجيرانك وحلفاؤك.

__________________

(١) انظر : مسند أبي يعلى ٢ / ٣٤١ ح ١٠٨٦ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٩٧ ح ١٩ ، حلية الأولياء ١ / ٦٧ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٤٦ ح ٦٨٩٨.

(٢) خصائص الإمام عليّعليه‌السلام : ١١٢ ح ١٥٠.

(٣) ص ٣٩٦ من الجزء السادس [ ١٣ / ١٢٧ ح ٣٦٤٠٢ ]. منهقدس‌سره .


فتغيّر وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال :يا معشر قريش! والله ليبعثنّ الله عليكم رجلا قد امتحن الله قلبه بالإيمان فيضربكم على الدين ، أو يضرب بعضكم .

فقال أبو بكر : أنا يا رسول الله؟

قال :لا .

قال عمر : أنا يا رسول الله؟

قال :لا ، ولكنّه الذي يخصف النعل ؛ وكان أعطى عليّا نعلا يخصفها(١) .

ومثله في خصائص النسائي(٢) .

ونقل في « الكنز » نحوه ، عن الخطيب(٣)

وعن الترمذي ، قال : وقال : حسن صحيح(٤)

وعن ابن جرير ، قال : وصحّحه(٥)

وعن الضياء في « المختارة »(٦)

وعن ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، والحاكم في « المستدرك » ،

__________________

(١) انظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٨٠٦ ح ١١٠٥ ، ولم نجده في سنن سعيد ابن منصور.

(٢) خصائص الإمام عليّعليه‌السلام : ٣٩ ح ٣٠.

(٣) ص ٣٩٣ من الجزء المذكور [ ١٣ / ١١٥ ح ٣٦٣٧٣ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : تاريخ بغداد ٨ / ٤٣٣ رقم ٤٥٤٠.

(٤) كنز العمّال ١٣ / ١٧٣ ح ٣٦٥١٨ ، وانظر : سنن الترمذي ٥ / ٥٩٢ ح ٣٧١٥.

(٥) كنز العمّال ١٣ / ١٧٣ ح ٣٦٥١٨.

(٦) ص ٤٠٧ منه أيضا [ ١٣ / ١٧٣ ح ٣٦٥١٨ ]. منهقدس‌سره .


ويحيى(١) بن سعيد(٢) .

وقد قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في بعضها : «يا معشر قريش! لتنتهنّ أو ليبعثنّ الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين ، قد امتحن الله قلبه على الإيمان »

وفي بعضها : «لن تنتهوا يا معشر قريش حتّى يبعث الله عليكم رجلا امتحن الله قلبه بالإيمان ، يضرب أعناقكم وأنتم مجفلون عنه إجفال النعم »(٣) .

وروي في « الاستيعاب » ، بترجمة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، عن معمر ، عن ابن طاووس ، عن أبيه ، عن المطّلب بن عبد الله بن حنطب ، قال :

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لوفد ثقيف حين جاءه : «لتسلمنّ أو لأبعثنّ رجلا منّي ـ أو قال : مثل نفسي ـ فليضربنّ أعناقكم ، وليسبينّ ذراريكم ، وليأخذنّ أموالكم ».

قال عمر : فو الله ما تمنّيت الإمارة إلّا يومئذ ، وجعلت أنصب صدري له رجاء أن يقول : هو هذا.

__________________

(١) كذا ورد في « كنز العمّال » ، وهو تصحيف ، والصواب هو : عبد الغني بن سعيد المصري الأزدي ، الحافظ النسّابة ، المولود سنة ٣٣٢ ، والمتوفّى سنة ٤٠٩ ه‍ ، صاحب كتابي « المؤتلف والمختلف » و« إيضاح الإشكال » الذي نقل عنه المتّقي الهندي هذا الحديث في « كنز العمّال » ؛ فلاحظ!

انظر : سير أعلام النبلاء ١٧ / ٢٦٨ رقم ١٦٤.

(٢) ص ٤٠٨ منه أيضا [ ١٣ / ١٧٣ ح ٣٦٥١٨ و ٣٦٥١٩ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٩٧ ح ١٨ ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ١٤٩ ح ٢٦١٤.

(٣) كنز العمّال ١٣ / ١١٥ ح ٣٦٣٧٣ ، وانظر : تاريخ بغداد ١ / ١٣٤ رقم ١ وج ٨ / ٤٣٣ رقم ٤٥٤٠.


[ قال : ] فالتفت إلى عليّ ، فأخذ بيده ، ثمّ قال : « هو هذا ، [ هو هذا ] »(١) .

وفي « الصواعق » ، بعد الحديث الأربعين من أحاديث فضل عليّ ، عن ابن أبي شيبة ، عن عبد الرحمن بن عوف ، قال : لمّا فتح رسول الله مكّة انصرف إلى الطائف ـ إلى أن قال : ـ ثمّ قام خطيبا وقال : «والذي نفسي بيده لتقيمنّ الصلاة ولتؤتنّ الزكاة أو لأبعثنّ إليكم رجلا منّي ـ أو : كنفسي ـ يضرب أعناقكم ».

ثمّ أخذ بيد عليّعليه‌السلام ، ثمّ قال : «هو هذا »(٢) .

وعن « مسند أحمد » وغيره ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : « لتنتهنّ يا بني وليعة(٣) أو لأبعثن إليكم رجلا كنفسي ، يقتل المقاتلة ، ويسبي الذّرّيّة ».

فالتفت إلى عليّ فأخذ بيده ، وقال : «هو هذا »(٤) .

__________________

(١) الاستيعاب ٣ / ١١٠٩ ـ ١١١٠ ، وانظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٧٣٣ ـ ٧٣٤ ح ١٠٠٨ ، أنساب الأشراف ٢ / ٣٦٤ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٣٦ ح ١٥٣ ، الرياض النضرة ٣ / ١١٩.

(٢) الصواعق المحرقة : ١٩٤ ، وانظر : مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٩٨ ب‍ ١٨ ح ٢٣.

(٣) وليعة : بطن من كندة ، من القحطانية.

انظر مادّة « ولع » في : القاموس المحيط ٣ / ١٠١ ، لسان العرب ١٥ / ٣٩٦ ، معجم قبائل العرب ٣ / ١٢٥٣.

وقال ابن سعد في الطبقات الكبرى ١ / ٢٦٢ : « قدم وفد حضر موت مع وفد كندة على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهم بنو وليعة ملوك حضر موت : حمدة ومخوس ومشرح وأبضعة ، فأسلموا ».

(٤) رواه أحمد في مسنده كما في ينابيع المودّة ١ / ٤٢ ح ٢١ وص ١٦٦ ح ٣ و ٤ ، ورواه كذلك في فضائل الصحابة ٢ / ٧٠٦ ح ٩٦٦ ، وانظر : مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٩٩ ب‍ ١٨ ح ٣٠.


إلى غير ذلك من الأخبار التي تفيد أنّ عادة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الإنذار بعليّ(١) ، فتحمل عليه الآية ؛ لأنّ إنذاره من إنذار الله تعالى ، وما كان ينطق عن الهوى ، إن هو إلّا وحيّ يوحى(٢)

ولو كان أبو بكر صالحا لذلك لما ردّه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، مع أنّه يعلم من قول أبي بكر : « صدقوا إنّهم جيرانك وحلفاؤك » أنّه ليس ممّن لا يخاف لومة لائم ؛ فلا يكون مرادا بالآية هو وأشباهه.

كما إنّه يعلم من ردّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله له ، بعد وصفه لمن يبعثه بأنّه امتحن الله قلبه بالإيمان ، أنّه ليس على هذا الوصف ، وإلّا لما ردّه ، فلا يكون ممّن يحبّ الله ويحبّه الله ؛ إذ لا يكون كذلك إلّا صاحب الإيمان الكامل الممتحن قلبه به ؛ وحينئذ فلا يكون مرادا بالآية.

وأيضا : فقد جعل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في بعض هذه الأحاديث وغيرها عليّا منه أو كنفسه ، فيكون هو الأحقّ بالأوصاف المذكورة في الآية وبإرادته منها.

هذا ، وممّا يستوقف الفكر ويستثير العجب قول عمر : « صدقوا » بعد ما تغيّر وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من قول أبي بكر!!

ولكنّه ليس بأعجب من قوله : « إنّ الرجل ليهجر »(٣) ! إلى كثير من أقواله وأفعاله معه.

__________________

(١) انظر : سنن الترمذي ٥ / ٥٩٢ ح ٣٧١٥ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٢٧ ح ٨٤٥٧ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٩٧ ح ١٨ وص ٤٩٨ ح ٢٣ وص ٥٠٦ ح ٧٤ ، مجمع الزوائد ٧ / ١١٠ ، كنز العمّال ٤ / ٤٤١ ح ١١٣١١.

(٢) إشارة إلى سورة النجم ٥٣ : ٣ و ٤.

(٣) تقدّم تخريجه مفصّلا في ج ٤ / ٩٣ ه‍ ٢ من هذا الكتاب ؛ فراجع!


وما أدري كيف استباح هو وصاحبه أن يجعلا للكافرين على المؤمنين سبيلا ، ويردّا من آمنوا بالله ورسوله ، ملكا وخدما لمن كفر بهما؟!

وكيف مع هذا يكونان إمامين للناس ، ويؤمنان على الأمّة ونفوسها وأموالها؟!!

ثمّ إنّ حجّتهم على إرادة أبي بكر من الآية بحربه للمرتدّين ممنوعة ؛ لأنّ من حاربهم إمّا كافر بالأصل ، كأصحاب مسيلمة وسجاح ؛ أو مؤمن حقّا ، كبني حنيفة ، فإنّه حاربهم لامتناعهم من أداء الزكاة إليه إنكارا لخلافته ، وتمسّكا ببيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام يوم الغدير ، كما ستعرف إن شاء الله تعالى.

هذا ، وقد ناقش الرازي بإرادة أمير المؤمنينعليه‌السلام من الآية ، بل زعم دلالتها على فساد مذهب الشيعة!!

قال ما حاصله : إنّه لو كان المقصود بالآية عليّا ـ وكان هو الإمام ـ ، ومن لم يقل بإمامته ليس بمؤمن ـ كما يزعم الشيعة ـ ، لحارب أبا بكر ؛ لقوله تعالى :( مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ ) (١) الآية.

فإنّ كلمة( مَنْ ) في معرض الشرط ، فتفيد العموم ، فيقتضي أنّ كلّ من ارتدّ يأتي الله بقوم يردّونهم عن كفرهم ويبطلون شوكتهم ، ولم نجد الأمر كذلك ، فإنّ أبا بكر وأصحابه على شوكتهم ، بل وجدنا الأمر على الضدّ ، فإنّ الشيعة هم المقهورون(٢) .

__________________

(١) سورة المائدة ٥ : ٥٤.

(٢) انظر : تفسير الفخر الرازي ١٢ / ٢٢.


وفيه : إنّ الإنذار إنّما هو بذي الولاية والسلطان ـ كما عرفت ـ ، فلا تلزم محاربة أمير المؤمنينعليه‌السلام لأبي بكر ، وأجاب به الرازي بنفسه عن إشكال إرادة أبي بكر من الآية ، حيث إنّه لم يحارب المرتدّين حين نزول الآية إلى أن تولّى الخلافة(١) .

فالمراد : إتيان ذي سلطان لحرب كلّ من ارتدّ عن دينه في وقت سلطانه ؛ ولذا صحّ عندهم إرادة أبي بكر مع أنّه لم يحارب كلّ مرتدّ ، كالأسود العنسي(٢) ؛ لأنّه قتل زمن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ وكغسّان(٣) ، فإنّ عمر حاربهم في وقته كما قيل(٤)

مضافا إلى إمكان أن يكون معنى الآية مجرّد تحذير من يرتدّ ، وإنذاره بالحرب أعمّ من أن يقع أو لا يقع.

والله العالم.

* * *

__________________

(١) انظر : تفسير الفخر الرازي ١٢ / ٢٣.

(٢) هو : عبهلة بن كعب بن غوث ، ذو الخمار ، مشعوذ من أهل اليمن ، ادّعى النبوّة ، قتل سنة ١١ ه‍.

انظر : البداية والنهاية ٦ / ٢٣٠ ، تاريخ الطبري ٢ / ٢٤٧.

(٣) غسّان : هم أولاد عمّ الأنصار ـ الأوس والخزرج ـ ، وهم نصارى العرب أيّام هرقل ، وكان جبلة بن الأيهم ـ وكنيته : أبو المنذر الغسّاني الجفني ـ ملك غسّان ، وهو آخر ملوكهم ، فكتب إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كتابا مع شجاع بن وهب يدعوه إلى الإسلام ، فأسلم ، وقيل : لم يسلم قطّ ، وقيل : أسلم بعد ما شهد اليرموك مع الروم أيّام عمر بن الخطّاب ، ثمّ ارتدّ نصرانيّا وترحلّ بأهله حتّى دخل أرض الروم ، توفّي في زمن معاوية ، قيل : سنة ٤٠ ، وقيل سنة ٥٣ ه‍.

انظر : المنتظم ٤ / ٧٧ حوادث سنة ٥٣ ه‍ ، مختصر تاريخ دمشق ٥ / ٣٦٨ رقم ٢٠٦ ، البداية والنهاية ٨ / ٥١ حوادث سنة ٥٣ ه‍.

(٤) انظر : الكامل في التاريخ ٢ / ٣٤٤ حوادث سنة ١٥ ه‍.


٢٣ ـ آية :( أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ )

قال المصنّف ـقدس‌سره ـ(١) :

الثالثة والعشرون : قوله تعالى :( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ) (٢) .

روى أحمد بن حنبل ، أنّها نزلت في عليّعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٨٦.

(٢) سورة الحديد ٥٧ : ١٩.

(٣) انظر : فضائل الصحابة ٢ / ٧٧٧ ـ ٧٧٨ ح ١٠٧٢ وص ٨١٤ ـ ٨١٥ ح ١١١٧.


وقال الفضل(١) :

لا شكّ أنّ عليّا من الصدّيقين والشهداء ، والظاهر أنّ الآية نزلت في جماعة من الصدّيقين والشهداء ، ويمكن أن تكون نازلة في الخلفاء ؛ وإن صحّ نزولها في عليّ ، فهي من فضائله ، وليس دليلا على مدّعى النصّ.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٢٤٥.


وأقول :

لا شكّ أن ليس كلّ مؤمن صدّيقا ؛ لأنّ الصدّيق كثير التصديق وكامله ؛ ولا شهيدا ، وهو ظاهر ؛ فلا بدّ أن يراد الخصوص.

وقد علمنا من الأخبار أنّه ليس في هذه الأمّة صدّيق غير عليّعليه‌السلام ، فلا بدّ أن يكون هو المراد بخصوصه من الآية ، أو الأعمّ منه ومن صدّيقي الأمم الثلاثة.

فقد نقل السيوطي في « الدرّ المنثور » ، بتفسير سورة « يس » ، عن أبي داود ، وأبي نعيم ، وابن عساكر ، والديلمي ، بأسانيدهم عن أبي ليلى ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

«الصدّيقون ثلاثة : حبيب النجّار مؤمن آل يس ، الذي قال :( يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) (١) .

وحزقيل مؤمن آل فرعون ، الذي قال :( أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ ) (٢) .

وعليّ بن أبي طالب ، وهو أفضلهم »(٣) .

__________________

(١) سورة يس ٣٦ : ٢٠.

(٢) سورة غافر ٤٠ : ٢٨.

(٣) الدرّ المنثور ٧ / ٥٣ ، وانظر : معرفة الصحابة ١ / ٨٦ ـ ٨٧ ح ٣٤٠ ، شواهد التنزيل ٢ / ٢٢٣ ـ ٢٢٦ ح ٩٣٨ ـ ٩٤٢ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٤٣ وص ٣١٣ ، فردوس الأخبار ٢ / ٣٨ ح ٣٦٨١ ، كفاية الطالب : ١٢٤ ، ذخائر العقبى : ١٠٨ ، الرياض النضرة ٣ / ١٠٤ ، كنز العمّال ١١ / ٦٠١ ح ٣٢٨٩٨.


ورواه الرازي باختصار في تفسير سورة « المؤمن » عند قوله تعالى :( وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ ) (١) (٢) .

وحكى السيوطي أيضا في تفسير سورة « يس » ، عن البخاري في تاريخه ، عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الصدّيقون ثلاثة : حزقيل مؤمن آل فرعون ، وحبيب النجّار صاحب آل يس ، وعليّ بن أبي طالب »(٣) .

وحكاه في « كنز العمّال »(٤) ، عن ابن النجّار ، عن ابن عبّاس.

ونقل المصنّفرحمه‌الله حديث أبي ليلى في « منهاج الكرامة » ، عن أحمد في مسنده ، والديلمي ، وابن المغازلي(٥) .

وأنكر ابن تيميّة كونه من أصل « المسند » ، وزعم أنّه من زيادات القطيعي ، أخرجه من طريقين ثمّ ناقش في سندهما(٦) .

وقد عرفت أنّ المناقشة في سند الأخبار الواردة في فضل أمير المؤمنينعليه‌السلام غير صحيحة ؛ لما أوضحناه في المقدّمة من أنّ الاعتبار يشهد بوثاقة رجالها في تلك الأخبار ؛ على أنّ الرواية إذا كثرت طرقها حكم

__________________

(١) سورة غافر « المؤمن » ٤٠ : ٢٨.

(٢) تفسير الفخر الرازي ٢٧ / ٥٨.

(٣) الدرّ المنثور ٧ / ٥٣.

(٤) ص ١٥٢ من الجزء السادس [ ١١ / ٦٠١ ح ٣٢٨٩٧ ]. منهقدس‌سره .

(٥) منهاج الكرامة : ١٣٦ ، وانظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٧٧٧ ـ ٧٧٨ ح ١٠٧٢ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٢١ ح ٢٩٣ ـ ٢٩٤ ، فردوس الأخبار ٢ / ٣٨ ح ٣٦٨١ ، وانظر كذلك : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣١٠ ح ٣٠٧.

(٦) منهاج السنّة ٧ / ٢٢٤ ـ ٢٢٥.


باعتبارها ، وإن لم تصحّ أسانيدها ، فقد سمعت من تعرّض لها(١) .

ومرّ في الآية الثالثة عشرة ما هو بمعناها ، وهو كثير من الأخبار القائلة : إنّ سبّاق الأمم ثلاثة(٢) ، فلا وجه للتشكيك بها.

ويشير إلى هذه الروايات الأخبار المصرّحة بأنّ الصدّيق الأكبر هو أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ كرواية الحاكم في « المستدرك »(٣) ، عن عبّاد بن عبد الله الأسدي ، عن عليّعليه‌السلام ، قال : «إنّي عبد الله ، وأخو رسوله ، وأنا الصدّيق الأكبر ، لا يقولها بعدي إلّا كاذب » الحديث.

ثمّ قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين.

وتعقّبه الذهبي بقوله : « [ كذا قال ] ، ليس هو على شرط واحد منهما ، بل ولا [ هو ] بصحيح ، بل حديث باطل ، فتدبّره. وعبّاد ، قال ابن المديني : ضعيف ».

وفيه : إنّه لا اعتبار بتضعيف ابن المديني له مع توثيق غيره له ، كالحاكم(٤) ، ولو التفتنا إلى هذه التضعيفات لم يصحّ لهم حديث ، ولا أدري ما الذي أنكره الذهبي من الحديث حتّى حكم ببطلانه مع شواهد صحّته الكثيرة؟!

__________________

(١) انظر : ج ١ / ٧ وما بعدها من هذا الكتاب.

وراجع : تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات : ٢٤ ـ ٣٠ ، الحلقة ١٦ ، المنشورة في مجلّة « تراثنا » ، العدد ٦١ ، السنة ١٦ ، المحرّم ١٤٢١ ه‍ ؛ فقد صحّح السيّد عليّ الحسيني الميلاني ـ حفظه الله ـ في الصفحات المشار إليها من مبحث الآية الكريمة : ( أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ) بعض أسانيد الحديث ، وأثبت اعتبارها على ضوء كلمات علماء الجرح والتعديل من الجمهور.

(٢) انظر الصفحة ٢١ وما بعدها من هذا الجزء.

(٣) ص ١١٢ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٢٠ ـ ١٢١ ح ٤٥٨٤ ]. منهقدس‌سره .

(٤) وانظر : الثقات ـ لابن حبّان ـ ٥ / ١٤١.


وقد نقل في « كنز العمّال » هذا الحديث(١) ، عن ابن أبي شيبة ، والنسائي في « الخصائص » ، وابن أبي عاصم في « السنّة » ، والعقيلي ، وأبي نعيم في « المعرفة ».

ونقل أيضا(٢) ، عن العقيلي ، ومحمّد بن أيّوب الرازي ، أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام قال على منبر البصرة : «أنا الصدّيق الأكبر ».

ونقل في « الكنز » أيضا(٣) ، عن الطبراني ، عن سلمان وأبي ذرّ معا ، وعن البيهقي وابن عديّ ، عن حذيفة ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال في حقّ عليّعليه‌السلام : «إنّ هذا أوّل من آمن بي ، وهو أوّل من يصافحني يوم القيامة ، وهذا الصدّيق الأكبر ، وهذا فاروق هذه الأمّة ، يفرّق بين الحقّ والباطل ، وهذا يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظالمين ».

ونحوه ب‍ « إصابة » ابن حجر ، بترجمة أبي ليلى الغفاري ، وزاد في أوّله : «ستكون بعدي فتنة ، فإذا كان كذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب ، فإنّه أوّل من آمن بي » الحديث(٤) .

__________________

(١) ص ٣٩٤ من الجزء السادس [ ١٣ / ١٢٢ ح ٣٦٣٨٩ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٩٨ ح ٢١ ، خصائص الإمام عليّ عليه‌السلام : ٢١ ح ٦ ، السنّة : ٥٨٤ ح ١٣٢٤ ، الضعفاء الكبير ٣ / ١٣٧ رقم ١١٢٠ ، معرفة الصحابة ١ / ٨٦ ح ٣٣٩.

(٢) ص ٤٠٥ من الجزء المذكور [ ١٣ / ١٦٤ ح ٣٦٤٩٧ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : الضعفاء الكبير ٢ / ١٣٠ ـ ١٣١ رقم ٦١٦ ، وكذا : البداية والنهاية ٧ / ٢٦٦ ، ذخائر العقبى : ١٠٨.

(٣) ص ١٥٦ منه أيضا [ ١١ / ٦١٦ ح ٣٢٩٩٠ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : المعجم الكبير ٦ / ٢٦٩ ح ٦١٨٤ ، الكامل في ضعفاء الرجال ٤ / ٢٢٩ رقم ١٠٤٦ ؛ وانظر أيضا : تاريخ دمشق ٤٢ / ٤١ ـ ٤٣ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٠٢.

(٤) الإصابة ٧ / ٣٥٤ رقم ١٠٤٧٨.


فإذا ثبت أنّ عليّاعليه‌السلام هو أكمل الأمّة تصديقا ، وجب أن يكون أفضلهم ، ولا سيّما هو أفضل صدّيقي أمم الأنبياء ، والأفضل هو الإمام ، ولكنّ القوم سرقوا هذا الاسم ونحلوه إلى أبي بكر ، فسمّوه صدّيقا!

ولمّا علم الله سبحانه ذلك منهم ، أثبت دليلا واضحا على كذبهم ، وهو ما ألحقه بهذا الوصف من وصف الشهداء.

وهذه السرقة ليست بغريبة منهم ، فإنّهم سرقوا أيضا وصف الفاروق من أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى عمر ، فقد صرّح بأنّ عليّا هو الفاروق الحديث المتقدّم وغيره ، كالذي نقله في « كنز العمّال »(١) ، عن أبي نعيم ، عن أبي ليلى ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «ستكون بعدي فتنة ، فإذا كان ذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب ، فإنّه الفاروق بين الحقّ والباطل ».

وقال الطبري في « المنتخب من كتاب ذيل المذيّل » ، المطبوع في ذيل تاريخه ، ص ٩ : « قال ابن سعد : أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن صالح بن كيسان ، قال : قال ابن شهاب : بلغنا أنّ أهل الكتاب كانوا أوّل من قال لعمر : الفاروق ؛ وكان المسلمون يؤثرون ذلك من قولهم ، وما بلغنا أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذكر من ذلك شيئا »(٢) .

* * *

__________________

(١) ص ١٥٥ من الجزء السادس [ ١١ / ٦١٢ ح ٣٢٩٦٤ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : معرفة الصحابة ٦ / ٣٠٠٣ ح ٦٩٧٤ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٤٥٠.

(٢) المنتخب من كتاب ذيل المذيّل : ١١ ؛ وانظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٣ / ٢٠٥ ، تاريخ المدينة ـ لابن شبّة ـ ٢ / ٦٦٢ ، تاريخ الطبري ٢ / ٥٦٢ ، تاريخ دمشق ٤٤ / ٥١ ، مناقب عمر ـ لابن الجوزي ـ : ٣٠ ، أسد الغابة ٣ / ٦٤٨.


٢٤ ـ آية :( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ )

قال المصنّف ـ طاب ثراه ـ(١) :

الرابعة والعشرون : قوله تعالى :( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً ) (٢) .

روى الجمهور ، أنّها نزلت في عليّعليه‌السلام ، كانت معه أربعة دراهم ، أنفق في الليل درهما ، وبالنهار درهما ، وفي السرّ درهما ، وفي العلانية درهما(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٨٧.

(٢) سورة البقرة ٢ : ٢٧٤.

(٣) تفسير الحبري : ٢٤٣ ح ١٠ ، المعجم الكبير ١١ / ٨٠ ح ١١١٦٤ ، تفسير الثعلبي ٢ / ٢٧٩ ، ما نزل من القرآن في عليّ : ٤٣ ، تفسير الماوردي ١ / ٣٤٧ ، أسباب النزول : ٤٩ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٤١ ح ٣٢٥ ، محاضرات الأدباء ١ / ٦٨٠ ، تفسير البغوي ١ / ١٩٧ ، الكشّاف ١ / ٣٩٨ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٢٨١ ح ٢٧٥ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٥٨ ، شواهد التنزيل ١ / ١٠٩ ـ ١١٥ ح ١٥٥ ـ ١٦٣ ، تفسير الفخر الرازي ٧ / ٩١ ، أسد الغابة ٣ / ٦٠١ ، تفسير القرطبي ٣ / ٢٢٥ ، تفسير ابن كثير ١ / ٣٠٨ ، الدرّ المنثور ٢ / ١٠٠.


وقال الفضل(١) :

ذكر المفسّرون من أهل السنّة أنّ الآية نزلت في عليّ ، وهو من فضائله ، ولا يثبت به مدّعى النصّ.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٢٥٢.


وأقول :

روى الواحدي في « أسباب النزول » ذلك عن ابن عبّاس ، ومجاهد ، والكلبي(١) .

ونسب السيوطي في « الدرّ المنثور » روايته إلى ابن جرير ، وعبد الرزّاق ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن عساكر(٢) .

ونسبه المصنّفرحمه‌الله في « منهاج الكرامة » إلى الثعلبي ، وأبي نعيم(٣) .

ورواه أيضا الزمخشري ، والرازي ، وغيرهم(٤) .

لكنّ ابن تيميّة ـ كعادته ـ زعم كذب الحديث ؛ بحجّة أنّ الإنفاق في السرّ والعلانية لا يخرج عن الإنفاق بالليل والنهار ، فكيف يكون مقابلا له(٥) ؟! وأظهر التبجّح بكلامه كعادته.

وفيه : إنّ المراد هو الإنفاق بالليل سرّا وعلانية ، وبالنهار كذلك ، أو أنّ المراد أنّه أنفق درهمين بالليل والنهار ، ثمّ أنفق درهمين سرّا وعلانية ، فلحظ أوّلا : خصوصيّة الوقت ، ولحظ ثانيا : خصوصيّة الوصف.

__________________

(١) أسباب النزول : ٤٩ ، وانظر : تنوير المقباس : ٥١ ، تفسير الكلبي ١ / ٩٤.

(٢) الدرّ المنثور ٢ / ١٠٠ ، وانظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٥٨ ، المعجم الكبير ١١ / ٨٠ ح ١١١٦٤.

(٣) منهاج الكرامة : ١٣٧ ، وانظر : تفسير الثعلبي ٢ / ٢٧٩ ، ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ٤٣.

(٤) تفسير الكشّاف ١ / ٣٩٨ ، تفسير الفخر الرازي ٧ / ٩١ ، وانظر : تفسير ابن كثير ١ / ٣٠٨ ، مجمع الزوائد ٦ / ٣٢٤ ، أسد الغابة ٣ / ٦٠١ ، الصواعق المحرقة : ٢٠٢.

(٥) منهاج السنّة ٧ / ٢٢٩.


ووجه الدلالة على المطلوب ؛ أنّ ذكر الله سبحانه لهذه الصدقة الخاصّة ، وبشارته لأجلها ـ مع قلّتها وكثرة المتصدّقين بنحوها وأضعافها ـ ، أقوى دليل على فضله على غيره بالمعرفة والإخلاص ؛ فيكون أتقى الناس ، وأفضلهم ، وأولادهم بالإمامة.

هذا ، ونقل الزمخشري عن بعضهم ، أنّها نزلت في أبي بكر ، حيث تصدّق بأربعين ألف دينار ، عشرة بالليل ، وعشرة بالنهار ، وعشرة في السرّ ، وعشرة في العلانية(١) !

ولا أدري ، أ أعجب من تخيّل القائل أنّ مدار الفضل على الكثرة دون الإخلاص ، حتّى نسب لأبي بكر الصدقة بهذا المقدار ، ليعارض صدقة أمير المؤمنينعليه‌السلام ويفوقها؟!

أم أعجب من إرادته إثبات منقبة هي بالمنقصة أشبه ؛ إذ لا يجتمع هذا المال مع ضعف المسلمين إلّا من نهاية الإمساك؟!

أم أعجب من دعوى وجود هذا المال عند أبي بكر ، البالغ أربعمئة ألف درهم ، وهو كان معلّما للصبيان في الجاهلية ، وخيّاطا في الإسلام(٢) ، ولم يكن قسمه من الغنائم إلّا كواحد من المسلمين ، وقد كان ماله عند الهجرة خمسة آلاف درهم أو ستّة آلاف ، كما رواه الحاكم عن ابنته أسماء(٣) ، ورواه أحمد عنها في مسنده(٤) ، فمن أين اجتمع له ذلك

__________________

(١) تفسير الكشّاف ١ / ٣٩٨.

(٢) انظر : الصوارم المهرقة : ٣٢٤ عن صحيح البخاري ، مصنّف ابن أبي شيبة ١ / ٣٢٦ ب‍ ٦٨ ح ٩ ، وراجع الصفحة ٦٠ ه‍ ٤ من هذا الجزء.

(٣) ص ٥ من الجزء الثالث من المستدرك [ ٣ / ٦ ح ٤٢٦٧ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : البداية والنهاية ٣ / ١٤١.

(٤) ص ٣٥٠ من الجزء السادس. منهقدس‌سره .


المال؟!

أم أعجب من خفاء الصدقة بهذا المال على عامّة الناس حتّى أظهرها هذا الراوي ، وهي ممّا ينبغي أن تغني أكثر أهل المدينة في ذلك اليوم؟!

أم أعجب من سماحة نفسه بهذا المال ، وهو قد ضنّ(١) على أهله بالقليل؟!

فقد ذكرت أسماء في تتمّة الحديث المذكور ، أنّ أبا بكر انطلق بذلك المال لمّا هاجر ، ولم يترك لهم شيئا(٢) !

ولو كان من أهل الصدقة بمثل ذلك المقدار ، فلم أشفق من تقديم الصدقة اليسيرة في النجوى(٣) ؟!

ولم أخذ من رسول الله حين الهجرة والضيق قيمة البعير الذي ابتاعه منه(٤) ، وهم قد زعموا أنّه واسى النبيّ بماله؟!

فانظر واعتبر!!

* * *

__________________

(١) الضّنّة والضّنّ والمضنّة والمضنّة : الإمساك والبخل ، وضنّ بالشيء ضنّا : بخل به ؛ انظر : لسان العرب ٨ / ٩٤ مادّة « ضنن ».

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ / ٦ ذ ح ٤٢٦٧.

(٣) انظر : الصفحة ٣١ وما بعدها من هذا الجزء.

(٤) انظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ١ / ١٧٦ ، تاريخ الطبري ١ / ٥٦٨ و ٥٧٠ ، البداية والنهاية ٣ / ١٤٥ و ١٤٩.


٢٥ ـ آية الصلاة على النبيّ

قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :

الخامسة والعشرون : قوله تعالى :( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (٢) .

في صحيح مسلم : قلت : يا رسول الله! أمّا السلام عليك فقد عرفناه ، وأمّا الصلاة عليك فكيف هي؟

فقال : «قولوا : اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم (٣) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٨٧.

(٢) سورة الأحزاب ٣٣ : ٥٦.

(٣) صحيح مسلم ٢ / ١٦ ، وانظر : صحيح البخاري ٤ / ٢٨٩ ح ١٧٢ وج ٦ / ٢١٧ ح ٢٩١ ، سنن أبي داود ١ / ٢٥٥ ح ٩٧٦ ـ ٩٧٨ وص ٢٥٦ ح ٩٨٠ و ٩٨١ ، سنن الترمذي ٥ / ٣٣٤ ـ ٣٣٥ ح ٣٢٢٠ ، سنن النسائي ٣ / ٤٥ ، سنن ابن ماجة ١ / ٢٩٢ ـ ٢٩٣ ح ٩٠٣ ـ ٩٠٦ ، الموطّأ : ١٥٢ ح ٧٣ ، كتاب الأمّ ١ / ٢٢٨ ـ ٢٢٩ ، مسند أحمد ١ / ١٦٢ وج ٣ / ٤٧ وج ٤ / ١١٨ ـ ١١٩ وج ٥ / ٢٧٤ ، سنن الدارمي ١ / ٢٢١ ح ١٣٤٣ ـ ١٣٣٤ ، صحيح ابن خزيمة ١ / ٣٥١ ـ ٣٥٢ ح ٧١١ ، مسند البزّار ٣ / ١٥٧ ح ٩٤١ و ٩٤٢ ، مسند أبي يعلى ٢ / ٢١ ـ ٢٢ ح ٦٥٢ ـ ٦٥٤ ، المعجم الكبير ٥ / ٢١٨ ح ٥١٤٣ وج ١٧ / ٢٥١ ح ٦٩٧ و ٦٩٨ وج ١٩ / ١١٦ ح ٢٤١ ، المعجم الأوسط ٣ / ٨٨ ح ٢٣٨٩ وص ١٥٦ ح ٢٦٠٦ و ٢٦٠٨ وج ٥ / ٤١ ح ٤٤٨١ وج ٧ / ٩١ ح ٦٨٣٨ ، المعجم الصغير ١ / ٧٥ و ٨٦ ، مسند الطيالسي : ١٤٢ ح ١٠٦١ ، مصنّف عبد الرزّاق ٢ / ٢١٢ ـ ٢١٣ ح ٣١٠٥ ـ ٣١٠٩ ، مسند الحميدي ـ


وقال الفضل(١) :

كأنّه نسي المدّعى ، وهو إثبات النصّ ، وأخذ يذكر فضائل عليّ ، وهذا أمر مسلّم ، واتّفق العلماء على أنّه نزلت فيهم آيات كثيرة ، ومن يظنّ أنّه ينكر فضل محمّد وآله؟! فما ينكره إلّا من ينكر ضوء الشمس والقمر!!

* * *

__________________

ـ ٢ / ٣١١ ح ٧١١ و ٧١٢ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٢ / ٣٩٠ ـ ٣٩١ ح ١ ـ ٥ ، مسند عبد بن حميد : ١٤٤ ح ٣٦٨ ، مسند الروياني ١ / ٣٥ ح ٥٧ ، مسند أبي عوانة ١ / ٥٢٦ ـ ٥٢٧ ح ١٩٦٦ ـ ١٩٧٢ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٣ / ٢٠٦ ـ ٢٠٧ ح ١٩٥٤ ـ ١٩٥٦ ، سنن الدارقطني ١ / ٢٧٩ ح ١٣٢٣ و ١٣٢٤ ، المستدرك على الصحيحين ١ / ٤٠١ ـ ٤٠٢ ح ٩٨٨ و ٩٩١ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٢ / ١٤٧ ـ ١٤٨.

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٢٧٢.


وأقول :

جهل المعترض أو تجاهل في مقصود المصنّفرحمه‌الله ؛ فإنّه يستدلّ بالآيات والروايات على إمامة أمير المؤمنين ؛ إمّا لدلالتها عليها بالمطابقة ، أو بالالتزام ؛ لدلالتها على أفضليّته المستلزمة للإمامة(١) .

وأنت تعلم دلالة هذه الآية على أفضليّة آل محمّد ؛ لأنّها أوجبت الصلاة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأرادت بها الصلاة عليه وعلى آله معا ، مشيرة بالاكتفاء بذكره إلى أنّه وإيّاهم كنفس واحدة ، وأنّه منهم وهم منه ، فلا بدّ أن يكونوا أفضل من سائر الأمّة.

على أنّ مجرّد وجوب الصلاة عليهم كالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله دليل على أنّ لهم فضلا ومنزلة يستحقّون بها الصلاة وإيجابها على الأمّة كالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكفى بذلك فضلا باذخا.

والمراد بآل محمّد : « عليّ وفاطمة والحسن والحسين » كما نطقت به الأخبار المتواترة ك‍ « حديث الكساء » وغيره(٢) ، ولا شكّ أنّ عليّا أفضلهم ، فيكون هو الإمام.

__________________

(١) أي إنّ الأدلّة على إمامة عليّعليه‌السلام تكون تارة بالدلالة المطابقية ، وهي النصّ ، وأخرى بلوازم الإمامة ، كالعصمة والأفضلية ؛ وإذا ثبتت أفضليّته على غيره أصبح ذلك صغرى لقاعدة قبح تقديم المفضول على الفاضل أو الأفضل.

(٢) صحيح مسلم ٧ / ١٢١ و ١٣٠ ، التاريخ الكبير ٢ ق ٢ / ٦٩ رقم ١٧١٩ ، سنن الترمذي ٥ / ٣٢٧ ح ٣٢٠٥ وص ٥٩٦ ذ ح ٣٧٢٤ وص ٦٢١ ح ٣٧٨٧ ، مسند أحمد ١ / ١٨٥ وج ٤ / ١٠٧ وج ٦ / ٢٩٢ و ٢٩٨ و ٣٠٤ ، وانظر : ج ٤ / ٣٥٧ وما بعدها من هذا الكتاب.


وإنّما قلنا : إنّ الآية أرادت الصلاة عليه وعلى آله معا ؛ لتصريح الأخبار المفسّرة لكيفية الصلاة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك ؛ كالرواية التي نقلها المصنّفرحمه‌الله عن مسلم ، فإنّه رواها من طرق في باب الصلاة على النبيّ بعد التشهّد ، من كتاب الصلاة(١) .

ونحوها في « صحيح البخاري » ، في تفسير سورة الأحزاب(٢) .

ولا يبعد عن الصواب من ادّعى تواترها(٣) .

وأمّا قوله : « ومن يظنّ أنّه ينكر فضل محمّد وآله » إلى آخره.

ففيه : إنّه ليس الكلام في فضلهم ، بل أفضليّتهم وإمامتهم ، والقوم ـ كما ترى ـ قد اجتهدوا في إنكارهما مراغمة(٤) للأدلّة الواضحة ، بل اجتهدوا في درس فضائلهم بكلّ ما تناله أوهامهم ، وجدّوا في الإزراء بهم والغضّ من شأنهم.

كما يشهد له أنّهم مع وجود هذه الآية الشريفة وتلك الأخبار المستفيضة ـ وهي بمرأى منهم ومسمع ـ تراهم إذا ذكروا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أفردوه عن آله بالصلاة ، وإذا ذكروا واحدا من آله الطاهرين لم يصلّوا أو لم يسلّموا عليه كما أمر الله ورسوله ، بل يترضّون عليه كسائر المسلمين ، مع أنّه قد ورد عندهم أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، نهى عن الصلاة البتراء ، فقيل له : وما الصلاة البتراء؟

__________________

(١) صحيح مسلم ٢ / ١٦.

(٢) صحيح البخاري ٦ / ٢١٧ ح ٢٩١.

(٣) انظر : المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٦٠ ح ٤٧١٠ ، جامع الأحاديث الكبير ٢ / ١٣١ ح ٤٣٩٣.

(٤) المراغمة : الهجران والمنابذة والتباعد والمغاضبة والمعاداة والكراهية ، على المجاز هنا ؛ انظر : تاج العروس ١٦ / ٢٩٤ ـ ٢٩٥ مادّة « رغم ».


قال : «تقولون : اللهمّ صلّ على محمّد وتمسكون ، بل قولوا : اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد » ، كما ذكره ابن حجر في « الصواعق » ، في الآية الثانية من الآيات الواردة في أهل البيت(١) .

نعم ، ربّما يصلّون على آله معه في أوائل مصنّفاتهم أو أواخرها ، ولكن يضيفون إليه صحبه ، كراهة لإفرادهم وتمييزهم على صحبه بالاقتران مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما ميّزهم الله ورسوله.

ويشهد له أيضا ما ذكره الزمخشري في تفسير الآية ، فإنّه بعد ما ذكر الخلاف في وجوبها ، كلّما يذكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو في كلّ مجلس مرّة ، أو في العمر مرّة ، قال :

« القياس جواز الصلاة على سائر المؤمنين ؛ لقوله تعالى :( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ) (٢) وقوله تعالى :( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ) (٣) وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله :اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى.

ولكنّ للعلماء تفصيلا في ذلك ، وهو : إنّها إن كانت على سبيل التّبع كقولك : صلّى الله على النبيّ وآله ، فلا كلام فيها.

وأمّا إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو ، فمكروه ؛ لأنّ ذلك صار شعارا لذكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولأنّه يؤدّي إلى الاتّهام بالرفض وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفنّ

__________________

(١) الصواعق المحرقة : ٢٢٥ ، وانظر : سنن الدار قطني ١ / ٢٨١ ح ١٣٢٨ و ١٣٢٩ ، فردوس الأخبار ٢ / ٣١١ ح ٦٤٠٣ ، الشفا ٢ / ٦٤ ، جواهر العقدين : ٢١٧ و ٢٢١ ، كشف الغمّة عن جميع الأمّة ـ للشعراني ـ ١ / ٣٤٢ ، رشفة الصادي : ٦٨.

(٢) سورة الأحزاب ٣٣ : ٤٣.

(٣) سورة التوبة ٩ : ١٠٣.


مواقف التهم »(١)

ويرد عليه :

أوّلا : إنّه إذا لم يكن لهم كلام في الصلاة عليهم على سبيل التبع ، فلم التزموا بتركها إذا ذكروهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ كما سبق ـ؟! فهل المنشأ غير الانحراف عن آل محمّد؟!

ثانيا : لا تصحّ كراهتها عند انفرادهم بالذكر ، وما ذكره من صيرورتها شعارا لذكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فهو لا يوجب الكراهة ؛ لأنّهم منه وهو منهم ، وتعظيمهم تعظيمه ، وما بالهم جعلوها شعارا لذكرهصلى‌الله‌عليه‌وآله دونهم ، وهم شركاؤه في أمر الله بالصلاة عليهم؟!

وأمّا الاتّهام بالرفض ؛ فهو لو اقتضى كراهة الصلاة على آل محمّد ، وتغيير حكم الله تعالى ، لأدّى إلى كراهة حبّهم ، ولعلّه لهذا تظهر منهم آثار العداوة لآل محمّد.

على أنّ الاتّهام إنّما يقتضي الكراهة في مقام التهمة ، فما بالهم تركوا الصلاة على آل محمّد في كلّ مقام؟!

وأمّا الحديث ؛ فلو صحّ لم يمكن أن يفهم منه مسلم إرادة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله النهي عن تعظيم آله الطاهرين ، الذي هو من علائم الإيمان ، ومأمور به في الكتاب العزيز.

* * *

__________________

(١) الكشّاف ٣ / ٢٧٣.


٢٦ ـ آية :( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ )

قال المصنّف ـ رفع الله درجته ـ(١) :

السادسة والعشرون : قوله تعالى :( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ) (٢) .

روى الجمهور ، قال ابن عبّاس : عليّ وفاطمة ، و( بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ) (٣) : النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ،( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ) (٤) : الحسن والحسين(٥) .

ولم يحصل لغيره من الصحابة هذه الفضيلة.

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٨٨.

(٢) سورة الرحمن ٥٥ : ١٩.

(٣) سورة الرحمن ٥٥ : ٢٠.

(٤) سورة الرحمن ٥٥ : ٢٢.

(٥) تفسير الثعلبي ٩ / ١٨٢ ، ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ٢٣٦ ، الدرّ المنثور ٧ / ٦٩٧ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٧٧ ح ٣٩٠ ، شواهد التنزيل ٢ / ٢٠٨ ـ ٢١٢ ح ٩١٨ ـ ٩٢٣ ، مقتل الحسينعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٦٨ ح ٧٥ ، تذكرة الخواصّ : ٢١٢ ، نور الأبصار : ١٢٤.


وقال الفضل(١) :

ليس هذا من تفاسير أهل السنّة ، ثمّ ما ذكره من أنّ النبيّ برزخ بين فاطمة وعليّ ، فلا وجه له ، وإن صحّ التفسير دلّ على فضيلته ، لا على النصّ المدّعى.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٢٧٧.


وأقول :

ذكره السيوطي في تفسيره « الدرّ المنثور » ، نقلا عن ابن مردويه عن ابن عبّاس وأنس بن مالك ، إلّا أنّ أنسا لم يذكر تفسير البرزخ بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

ونقله في « ينابيع المودّة » ، عن الثعلبي ، وأبي نعيم ؛ والمالكي عن أبي سعيد ، وابن عبّاس ، وأنس(٢) .

ثمّ نقله عن الصادقعليه‌السلام ، عن أبي ذرّ(٣) .

ونقله عن سفيان الثوري(٤) .

ونقله أيضا ابن تيميّة عن الثعلبي ، عن سفيان الثوري(٥) ، وناقش في سنده بما سبق جوابه في مقدّمة الكتاب وغيرها(٦) ، وأورد عليه بما شاء الجهل والنصب ؛ وفي نقله وردّه ضياع المداد والقرطاس!

وأمّا دلالته على المطلوب ، فظاهرة ؛ لأنّ الله سبحانه شبّه عليّاعليه‌السلام بالبحر لغزارة علمه ، ولا مبالغة في قول الله سبحانه وشهادته لعبده ، فيكون

__________________

(١) الدرّ المنثور ٧ / ٦٩٧.

(٢) ينابيع المودّة ١ / ٣٥٤ ح ٤.

(٣) ينابيع المودّة ١ / ٣٥٥ ح ٥.

(٤) ينابيع المودّة ١ / ٣٥٤ ح ٤.

(٥) منهاج السنّة ٧ / ٢٤٦ ـ ٢٤٩.

(٦) راجع ج ١ / ٧ وما بعدها ، وج ٤ / ٣٩٦ و ٤١٩.


أمير المؤمنين ظاهر الامتياز على من لم يعرف الأبّ والكلالة(١) ، ومن كانت المخدّرات أفقه منه(٢) ؛ فيكون هو الإمام.

وأمّا تشبيه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالبرزخ بينهما ؛ فلأنّه الهادي لهما ، ولا بدّ أن يتّبعاه ؛ لعصمتهما ، فلا يبغي أحدهما على الآخر.

ويقرّب إرادة عليّ وفاطمةعليهما‌السلام من( الْبَحْرَيْنِ ) ، أنّه لو أريد ظاهرهما ، احتاج الحكم بخروج اللؤلؤ والمرجان منهما إلى توسّع ؛ لأنّهما إنّما يخرجان من أحدهما كما قيل.

__________________

(١) هما أبو بكر وعمر ؛ انظر مثلا : سنن الدارمي ٢ / ٢٤٩ ح ٢٩٦٨ ، مصنّف عبد الرزّاق ١٠ / ٣٠٤ ـ ٣٠٥ ح ١٩١٩١ ـ ١٩١٩٥ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٣٦٣ ح ٧ ، تفسير الطبري ١٢ / ٤٥٣ ح ٣٦٣٨٧ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٦ / ٢٢٣ ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٥٥٩ ح ٣٨٩٧ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٣ / ٢٦١ ، تاريخ بغداد ١١ / ٤٦٨ ـ ٤٦٩ ، شعب الإيمان ٢ / ٤٢٤ ح ٢٢٨١ ، النهاية في غريب الحديث والأثر ١ / ١٣ مادّة « أبب » ، الكشّاف ٤ / ٢٢٠ ، تفسير القرطبي ١٩ / ١٤٥ ، الدرّ المنثور ٨ / ٤٢١.

وسيأتي تفصيل ذلك في محلّه من الجزء السابع.

(٢) إشارة إلى قول عمر بن الخطّاب : « كلّ أحد أفقه من عمر ، حتّى المخدّرات » ؛ انظر مثلا : سنن سعيد بن منصور ١ / ١٦٧ ذ ح ٥٩٨ ، تمهيد الأوائل : ٥٠١ ، الأربعين في أصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ٢ / ٣٠٣ ـ ٣٠٤ ، الكشّاف ١ / ٥١٤ ، تفسير القرطبي ٥ / ٦٦ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٢ / ١٥ ، تفسير ابن كثير ١ / ٤٤٢ ، مجمع الزوائد ٤ / ٢٨٤ ، الدرّ المنثور ٢ / ٤٦٦ ، فتح القدير ١ / ٤٤٣.

وسيأتي تفصيل ذلك في محلّه من الجزء السابع.


٢٧ ـ آية :( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ )

قال المصنّف ـ قدّس الله روحه ـ(١) :

السابعة والعشرون : قوله تعالى :( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) (٢) .

روى الجمهور ، عن عبد الله بن سلّام ، قال : هو عليّ(٣) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٨٨.

(٢) سورة الرعد ١٣ : ٤٣.

(٣) انظر : تفسير الحبري : ٢٨٥ ـ ٢٨٦ ح ٤١ ، تفسير الثعلبي ٥ / ٣٠٣ ، ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ١٢٥ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٦٢ ح ٢٥٨ ، شواهد التنزيل ١ / ٣٠٧ ـ ٣١٠ ح ٤٢٢ ـ ٤٢٧ ، زاد المسير ٤ / ٢٦١ ، تفسير القرطبي ٩ / ٢٢٠ ، ينابيع المودّة ٢ / ٢٥٠ ح ٧٠٣.


وقال الفضل(١) :

جمهور المفسّرين على أنّ المراد به علماء اليهود الّذين أسلموا ، كعبد الله بن سلّام وأضرابه(٢) .

وقيل : المراد به هو الله تعالى ، ويكون جمعا بين الوصفين(٣) .

وأمّا نزوله في شأن عليّ ، فليس في التفاسير ؛ وإن سلّمنا لا يستلزم المطلوب.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٢٨٣.

(٢) انظر : تفسير الفخر الرازي ١٩ / ٧٦ القول الأوّل ، تفسير القرطبي ٩ / ٢٢٠ ، تفسير ابن كثير ٢ / ٥٠٢ ، الدرّ المنثور ٤ / ٦٦٩ ، وغيرها.

وراجع الآية الرابعة والسبعين الآتية في الصفحة ٣٣٠ وما بعدها من هذا الجزء.

نقول : لقد ردّ أغلب المفسّرين هذا القول فتعقّبوه بأنّ هذه الرواية شاذّة وغريبة ؛ لأنّ عبد الله بن سلّام أسلم في المدينة ، والآية نزلت في مكّة.

(٣) انظر : تفسير الفخر الرازي ١٩ / ٧٧ القول الرابع ، تفسير القرطبي ٩ / ٢٢٠ ، الدرّ المنثور ٤ / ٦٦٨ و ٦٦٩.


وأقول :

نقله المصنّفرحمه‌الله في « منهاج الكرامة » عن الثعلبي(١) .

ونقل فيه أيضا مثله عن أبي نعيم ، عن ابن الحنفيّة(٢) .

ونقله في « ينابيع المودّة » عن الثعلبي ، وأبي نعيم ، عن ابن الحنفيّة(٣) .

ونقل أيضا عن الثعلبي ، وابن المغازلي ، عن عبد الله بن عطاء ، قال : « كنت مع محمّد الباقر في المسجد فرأيت ابن عبد الله بن سلّام

فقلت : هذا ابن الذي عنده علم الكتاب؟

قال :إنّما ذلك عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام »(٤) .

ثمّ ذكر في « الينابيع » أنّه روي أيضا عن أبي سعيد الخدري ، والإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام ، وزيد بن عليّ ، وإسماعيل السّدّي ، أنّهم قالوا : هو عليّ بن أبي طالب(٥) .

.. إلى غير ذلك ممّا في « الينابيع »(٦) .

__________________

(١) منهاج الكرامة : ١٤٠ ، وانظر : تفسير الثعلبي ٥ / ٣٠٣.

(٢) منهاج الكرامة : ١٣٩ ، وانظر : ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ١٢٥.

(٣) ينابيع المودّة ١ / ٣٠٥ ح ٢.

(٤) ينابيع المودّة ١ / ٣٠٥ ح ١ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٦٢ ح ٢٥٨ ، شواهد التنزيل ١ / ٣٠٨ ح ٤٢٥.

(٥) ينابيع المودّة ١ / ٣٠٧ ح ٧ و ٨ ، وانظر : شواهد التنزيل ١ / ٣٠٧ ح ٤٢٢.

(٦) انظر : ينابيع المودّة ١ / ٣٠٨ ح ١١ ـ ١٣.


ويؤيّده الأخبار الكثيرة الآتية في الآية التاسعة والثلاثين ، الواردة في تفسير الشاهد بقوله تعالى :( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ) (١) ؛ إذ فسّرته بعليّ(٢) ، فإنّها تؤيّد أن يكون الذي عنده علم الكتاب ، المجعول شهيدا مع الله تعالى في قوله عزّ وجلّ :( كَفى بِاللهِ شَهِيداً وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) (٣) ، هو أمير المؤمنين.

ويشهد لإرادة عليّعليه‌السلام في الآية ، التعبير عنه ب‍( مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) ، الدالّ على إحاطة علمه بما في الكتاب ـ أعني القرآن ـ كما هو المنصرف ؛ إذ لا يحيط به علما غير قرينه الذي أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالتمسّك به معه.

كما يشهد لعدم إرادة ابن سلّام ، ما في « الدرّ المنثور » ، عن سعيد بن منصور ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وغيرهم ، أنّهم أخرجوا عن سعيد بن جبير ، أنّه سئل عن قوله تعالى :( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) أهو عبد الله ابن سلّام؟

قال : وكيف؟! وهذه السورة مكّيّة!!(٤) .

وفي « الدرّ المنثور » أيضا : عن ابن المنذر ، أنّه أخرج عن الشعبي ، قال : ما نزل في عبد الله بن سلّام شيء من القرآن(٥) .

__________________

(١) سورة هود ١١ : ١٧.

(٢) تأتي في الصفحة ١٨٨ من هذا الجزء.

(٣) سورة الرعد ١٣ : ٤٣.

(٤) الدرّ المنثور ٤ / ٦٦٩ ، وانظر : الإتقان في علوم القرآن ١ / ٣٦ ، تفسير الثعلبي ٥ / ٣٠٢ ، تفسير القرطبي ٩ / ٢٢٠ ، ينابيع المودّة ١ / ٣٠٨ ح ١٠ وزاد فيه : « وعبد الله بن سلّام أسلم في المدينة بعد الهجرة ».

(٥) الدرّ المنثور ٤ / ٦٦٩.


وأمّا ما حكاه من قول بعضهم : إنّ المراد به هو الله سبحانه(١) ، فغير متّجه ؛ لأنّ ظاهر العطف التعدّد ، مع أنّه يبعد التعبير عن الله سبحانه ب‍( مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) ، ولا سيّما مع عطفه على لفظ الجلالة ، فإنّه لا يحسن أو لا يصحّ عطف الصفة على الموصوف.

ولا إشكال بدلالة الآية الكريمة على إمامة أمير المؤمنين ؛ لاقتضائها فضله الظاهر على غيره ، وعصمته ؛ لجعل الله سبحانه شهادته كافية في ثبوت نبوّة نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله ، من حيث ظهور فضله ومعرفته وفهمه وكماله وعصمته ، واجتنابه الكذب والنقائص ، حتّى عدّت شهادته بقرن(٢) شهادة الله تعالى ، فلا بدّ أن يكون هو الإمام ، ولا سيّما أنّ عنده علم الكتاب.

__________________

(١) تقدّم في الصفحة ١١٦ من هذا الجزء.

(٢) القرن : لدة الرّجل ، ومثله في السّنّ ، ويقال : هو على قرني ، أي على سنّي وعمري ، كالقرين ، فهما إذا متّحدان ؛ انظر : تاج العروس ١٨ / ٤٤٣ مادّة « قرن ».

والمعنى هنا على المجاز : إنّ شهادة الإمام عليّ عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي بدرجة شهادة الله تعالى له ، ومساوقة لها في الأثر.


٢٨ ـ آية :( يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ )

قال المصنّف ـ نوّر الله ضريحه ـ(١) :

الثامنة والعشرون : قوله تعالى :( يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ) (٢) .

قال ابن عبّاس : عليّ وأصحابه(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٨٩.

(٢) سورة التحريم ٦٦ : ٨.

(٣) ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ٢٦٢.


وقال الفضل(١) :

ظاهر الآية يدلّ على أنّها في جماعة يكونون مع النبيّ في الآخرة ، وعليّ من جملتهم ؛ لأنّ عدم الخزيان(٢) في القيامة لا يختصّ بالنبيّ وعليّ ، بل خواصّ أصحابه داخلون في عدم الخزيان ؛ وإن سلّم ، لا يثبت النصّ المطلوب.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٢٨٥.

(٢) الخزيان ـ كهذيان ، وزنا ـ : الذلّ والهوان والفضيحة ؛ انظر : تاج العروس ١٩ / ٣٧٢ مادّة « خزي ».


وأقول :

قال المصنّف في « منهاج الكرامة » : روى أبو نعيم مرفوعا إلى ابن عبّاس ، قال : أوّل من يكسى من حلل الجنّة إبراهيم بخلّته ، ومحمّد ؛ لأنّه صفوة الله ، ثمّ عليّ ، يزفّ بينهما إلى الجنان.

ثمّ قرأ ابن عبّاس :( يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ) ، قال : عليّ وأصحابه(١) .

وحكاه في « كشف الغمّة » عن ابن مردويه عن ابن عبّاس ، وحكى أيضا عن العزّ الحنبلي نزول الآية بعليّ وأصحابه(٢) .

فالمراد ب‍( الَّذِينَ آمَنُوا ) فيها : عليّ وأصحابه ؛ والمراد بأصحابه : أتباعه ـ كما هو المنصرف ـ ؛ ولذا ذكر باسمه الشريف ، وهم بالصحبة ، فلا يدخل فيهم الخلفاء الثلاثة ؛ لأنّهم ـ على ما يزعم القوم ـ أئمّة لعليّ ، ومتبوعون له ، فلا تشملهم الآية!

فيتعيّن عليّ للفضل والإمامة ؛ إذ لا أقلّ من دلالة الرواية على أنّه رأس المؤمنين ورئيسهم.

وأمّا قوله : « ظاهر الآية يدلّ على أنّها في جماعة » إلى آخره

فصحيح ؛ وهو صريح الرواية ، فتشمل الآية النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّاعليه‌السلام وأصحابه ؛ وهم شيعته من خواصّ الصحابة وغيرهم.

__________________

(١) منهاج الكرامة : ١٤٠ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣٠٩ ح ٣٠٥ ، الصراط المستقيم ١ / ٢٩٥ عن أبي نعيم.

(٢) كشف الغمّة ١ / ٣١٤ و ٣١٦.


ولا ينافي صحّة رواية أبي نعيم تصريحها بزفاف عليّ بين الرسولين الكريمين ، فإنّه لا يقتضي فضله على نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل هو لخصوصية ، كتقديم إبراهيم والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله معا بالكسوة ، لخصوصية الخلّة ، لا للمساواة بينهما.

ويعرف ذلك من جعل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في الحديث صفوة الله ، فإنّه ينفي احتمال مساواته لإبراهيم ، وفضل عليّعليه‌السلام على النبيّ(١) .

* * *

__________________

(١) ويؤيّد هذا ما روي عن أنس ، قال : كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أراد أن يشهر عليّا في موطن أو مشهد علا على راحلته وأمر الناس أن ينخفضوا دونه ؛ وإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله شهر عليّا يوم خيبر فقال :

«أيّها الناس! من أحبّ أن ينظر إلى آدم في خلقه ، وأنا في خلقي ، وإلى إبراهيم في خلّته ، وإلى موسى في مناجاته ، وإلى يحيى في زهده ، وإلى عيسى في سنّته ، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب » الحديث.

انظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٨٨ و ٣١٣ ، مناقب الإمام عليّ عليه السلام ـ للخوارزمي ـ : ٨٣ ح ٧٠ ، فرائد السمطين ١ / ١٧٠ ح ١٣١ ، ينابيع المودّة ١ / ٣٦٣ ح ١ وج ٢ / ١٨٣ ح ٥٢٧ و ٥٢٨ وص ٣٠٦ ح ٨٧٤.


٢٩ ـ آية :( أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ )

قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :

التاسعة والعشرون : قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (٢) .

روى الجمهور ، عن ابن عبّاس ، قال : لمّا نزلت هذه الآية قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « هم أنت يا عليّ وشيعتك ، تأتي أنت وشيعتك راضين مرضيّين ، ويأتي أعداؤك غضابا مقمحين(٣) »(٤) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٨٩.

(٢) سورة البيّنة ٩٨ : ٧.

(٣) المقمح : الذليل الذي لا يرفع بصره ، وكذا : الرافع رأسه لا يكاد يضعه مع غضّ البصر ؛ فهو من الأضداد ؛ انظر : لسان العرب ١١ / ٢٩٧ ـ ٢٩٨ مادّة « قمح ».

والمعنى هنا : أذلّاء خاشعين خاضعين.

(٤) انظر : تفسير الطبري ١٢ / ٦٥٧ ح ٣٧٧٣١ ، المعجم الأوسط ٤ / ٣٦٤ ح ٣٩٣٤ ، تفسير الحبري : ٣٢٨ ح ٧١ ، ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ٢٧٤ ، شواهد التنزيل ٢ / ٣٥٦ ـ ٣٦٦ ح ١١٢٥ ـ ١١٤٨ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٢٦٥ ـ ٢٦٦ ح ٢٤٧ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٧١ ، النهاية في غريب الحديث والأثر ٤ / ١٠٦ ، كفاية الطالب : ٢٤٦ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٣١ ، جواهر العقدين : ٢٩٥ ـ ٢٩٦.


وقال الفضل(١) :

هذا غير مذكور في التفاسير(٢) ، بل الظاهر العموم ؛ وإن سلّم فلا نصّ.

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٢٩٣.

(٢) بل ذكر في التفاسير وغيرها كما تقدّم في الصفحة السابقة ه‍ ٤ ، وانظر كذلك : فتح القدير ٥ / ٤٧٧ ، روح المعاني ١٦ / ٣٧٠ ؛ وسيأتي مزيد تفصيل في ردّ الشيخ المظفّر ١.


وأقول :

نقل السيوطي في « الدرّ المنثور » نحو الحديث المذكور ، عن ابن عديّ ، عن ابن عبّاس(١) .

ونقل مثله أيضا ابن حجر في « الصواعق » ، في الآية الحادية عشرة ، وهي الآية المذكورة عن الحافظ جمال الدين الزرندي ، عن ابن عبّاس أيضا(٢) .

كما نقله المصنّفرحمه‌الله في « منهاج الكرامة » ، عن أبي نعيم ، عن ابن عبّاس(٣) .

ونقل السيوطي أيضا ، عن ابن مردويه ، أنّه أخرج عن عليّعليه‌السلام ، قال : «قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ألم تسمع قول الله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ، أنت وشيعتك موعدي وموعدكم الحوض ، إذا جثت الأمم للحساب تدعون غرّا محجّلين »(٤) .

ونقل السيوطي أيضا ، عن ابن عساكر ، أنّه أخرج عن جابر بن عبد الله ، قال : « كنّا عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فأقبل عليّعليه‌السلام ، فقال النبيّ : «والذي نفسي بيده! إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة » ، ونزلت :( إِنَّ

__________________

(١) الدر المنثور ٨ / ٥٨٩.

(٢) الصواعق المحرقة : ٢٤٦ ـ ٢٤٧ ، نظم درر السمطين : ٩٢.

(٣) منهاج الكرامة : ١٤١ ، وانظر : ما نزل من القرآن في علي : ٢٧٤.

(٤) الدر المنثور ٨ / ٥٨٩.


الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ، فكان أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أقبل عليّعليه‌السلام قالوا : جاء خير البريّة »(١) .

ونقل أيضا ، عن ابن عديّ ، وابن عساكر ، عن أبي سعيد مرفوعا : «عليّ خير البريّة »(٢) .

.. إلى غير ذلك من الأخبار المعتبرة ، ولو لاعتضاد بعضها ببعض ، مع موافقتها لأخبارنا الدالّة على نزول الآية بعليّ وشيعته خاصّة(٣) .

فقول الفضل : « بل الظاهر العموم » لا وجه له ، ولا سيّما أنّ غير عليّ وشيعته هم مخالفوه وأعداؤه ، وهم شرّ البريّة ؛ لما استفاض من أنّ من عاداه عادى الله ورسوله.

ومن الغريب دعوى ابن حجر : « أنّ السنّة شيعته »(٤) ! فإنّها ـ مع مخالفتها لما يتبادر من لفظ الشيعة ـ مكابرة ؛ لما أكنّته ضمائرهم من الميل عنه.

وكيف يكونون من شيعته ، وهم لا يروون نصّا في إمامته ولا منقبة توجب أفضليّته ، إلّا واحتالوا لردّها بكلّ حيلة وتشكيك ، وإن خالفوا العدل والإنصاف؟!

__________________

(١) الدرّ المنثور ٨ / ٥٨٩ ، وانظر : جزء ابن الغطريف : ٨٢ ح ٣٥ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٧١ ، كفاية الطالب : ٢٤٤ ـ ٢٤٥.

(٢) الدرّ المنثور ٨ / ٥٨٩ ، وانظر : الكامل في ضعفاء الرجال ١ / ١٧٠ ذيل رقم ٦ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٧١ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١١١ ح ١١٩ ، تذكرة الخواصّ : ٢٧ ، فرائد السمطين ١ / ١٥٤ ـ ١٥٥ ح ١١٧.

(٣) انظر مثلا : مناقب آل أبي طالب ٣ / ٨٤ ، المحاسن ـ للبرقي ـ ١ / ٢٧٥ ح ٥٣٧ ، الأمالي ـ للطوسي ـ : ٢٥١ ح ٤٤٨.

(٤) الصواعق المحرقة : ٢٣٦.


واستشهد لدعوى أنّهم شيعته بأخبارهم ، وهو كما ترى!

على أنّه لا ريب أنّ المراد بشيعة عليّعليه‌السلام : أتباعه

فإن كان الخلفاء الثلاثة أتباعه ، تمّ مطلوبنا.

وإن لم يكونوا أتباعه ، بل أئمّته ـ كما يزعم القوم ـ ، فلا يكونون شيعته ، ومن خير البريّة!

فلا يعقل أن يكونوا أئمّته! فالآية الشريفة تدلّ على إمامته أحسن دلالة!

هذا ، وقد أعرب ابن تيميّة هنا عمّا في ضميره ، وسوّد وجه صحيفتين(١) ، يغني في ردّ ما قد يحتاج منهما إلى الردّ ما ذكرناه ، ويكفي في فساد الباقي مجرّد النظر فيه!

* * *

__________________

(١) انظر : منهاج السنّة ٧ / ٢٥٩ ـ ٢٦٣.


٣٠ ـ آية :( هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً )

قال المصنّف ـ أجزل الله ثوابه ـ(١) :

الثلاثون : قوله تعالى :( هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً ) (٢) .

قال ابن سيرين : نزلت في النبيّ وعليّ ؛ زوّج فاطمة عليّا(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٠.

(٢) الفرقان ٢٥ : ٥٤.

(٣) تفسير الثعلبي ٧ / ١٤٢ ، شواهد التنزيل ١ / ٤١٤ ـ ٤١٥ ح ٥٧٣ و ٥٧٤ ، تفسير القرطبي ١٣ / ٤١ ، فرائد السمطين ١ / ٣٧٠ ح ٣٠١ ، تفسير البحر المحيط ٦ / ٥٠٧ ، نور الأبصار : ١٢٤.


وقال الفضل(١) :

ليس هذا من تفاسير أهل السنّة ؛ وإن صحّ دلّ على فضيلته ، وهي مسلّمة ، ولا تثبت النصّ.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٢٩٦.


وأقول :

نقله المصنّفرحمه‌الله في « منهاج الكرامة » عن الثعلبي(١) .

ونقله غيره عن ابن مردويه(٢) .

وقال في « ينابيع المودّة » : أبو نعيم الحافظ ، وابن المغازلي ، أخرجا بسنديهما عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس ، قال : « نزلت هذه الآية في الخمسة أهل العبا »

ثمّ قال ـ أي ابن عبّاس ـ : « المراد من الماء : نور النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي كان قبل خلق الخلق ، ثمّ أودعه في صلب آدم ، ثمّ نقله من صلب إلى صلب إلى أن وصل إلى صلب عبد المطّلب ، فصار جزءين : جزء إلى صلب عبد الله ، فولد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وجزء إلى صلب أبي طالب ، فولد عليّا ، ثمّ ألّف(٣) النكاح ، فزوّج عليّا بفاطمة ، فولد حسنا وحسينا ».

أيضا : الثعلبي ، وموفّق بن أحمد الخوارزمي ، عن أبي صالح ، عن ابن عبّاس.

أيضا : ابن مسعود ، وجابر ، والبراء ، وأنس ، وأمّ سلمة ، قالوا : « نزلت في الخمسة أهل العبا ».

انتهى ما في « الينابيع »(٤) .

__________________

(١) منهاج الكرامة : ١٤٢ ، وانظر : تفسير الثعلبي ٧ / ١٤٢.

(٢) انظر : كشف الغمّة ١ / ٣٢٢.

(٣) ألّفت الشيء تأليفا : إذا وصلت بعضه ببعض ؛ انظر : لسان العرب ١ / ١٨٠ مادّة « ألف ».

(٤) ينابيع المودّة ١ / ٣٥٥ ـ ٣٥٦ ح ٨ و ٩.


ويؤيّد هذه الأخبار ما سيأتي في أوّل الأخبار من السنّة ، من أنّ نور محمّد وعليّ خلق قبل خلق آدم ، ثمّ أودع في صلبه(١) .

وعلى ذلك : فحاصل معنى الآية الكريمة ، أنّه سبحانه خلق بشرا من الماء ، أي ما صار ماء ، وكان نورا مودعا في صلب آدم ، فجعل البشر نسبا ، وهو : محمّد ؛ لأنّه نسب لفاطمة والحسنين ، وجعله صهرا ، وهو : عليّ.

وحينئذ ، فدلالة الآية الشريفة على إمامة أمير المؤمنين ظاهرة ؛ لأنّ اتّحاد نورهما الذي سبق آدم دليل على امتياز عليّ بالفضل حتّى على الأنبياء ، ومن كان كذلك يتعيّن للإمامة ، لا سيّما وفي بعض أخبار النور الآتية أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «فأخرجني نبيّا ، وأخرج عليّا وصيّا »(٢) .

وفي بعضها : «ففيّ النبوّة ، وفي عليّ الإمامة »(٣) .

ولو سلّم أنّ المراد بالماء في الآية غير النور ، فلا ريب أنّ جعل الآية الشريفة محمّدا وعليّا خاصّة بشرا واحدا ، بأيّ جهة من جهات الوحدة ، منقسما في الخارج إلى نسب وصهر ، دليل على فضل عليّ ، وأنّه نفس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ونظيره ، فيكون أفضل الخلق وأحقّهم بالإمامة(٤) .

__________________

(١) انظر : فضائل الصحابة ٢ / ٨٢٣ ـ ٨٢٤ ح ١١٣٠ ؛ وسيأتي تخريج ذلك مفصّلا في أوّل الجزء السادس

(٢) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٢١ ـ ١٢٢ ذ ح ١٣٢.

(٣) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ذ ح ١٣٠ ، فردوس الأخبار ١ / ٣٧٤ ح ٢٧٧٦ ، وفيهما : « الخلافة » بدل « الإمامة » ؛ وانظر : ينابيع المودّة ١ / ٤٧ ذ ح ٨.

وراجع الجزء الخامس من « نفحات الأزهار » فقد فصّل السيّد عليّ الحسيني الميلاني البحث هناك حول حديث النور ، ألفاظه وسنده ودلالته ، والردّ على الشبهات المثارة حوله.

(٤) انظر : فرائد السمطين ١ / ٤١ ح ٥.


٣١ ـ آية :( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ )

قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :

الحادية والثلاثون : قوله تعالى :( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (٢) .

روى الجمهور ، أنّها نزلت في عليّ(٣)

وكذا قوله تعالى :( وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ) (٤) ، أنّها نزلت في رسول الله وعليّ(٥) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٠.

(٢) سورة التوبة ٩ : ١١٩.

(٣) تفسير الحبري : ٢٧٥ ح ٣٥ ، تفسير الثعلبي ٥ / ١٠٨ ـ ١٠٩ ، ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ١٠٢ ، شواهد التنزيل ١ / ٢٥٩ ـ ٢٦٠ ح ٣٥١ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٢٨٠ ح ٢٧٣ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٦١ ، كفاية الطالب : ٢٣٦ ، فرائد السمطين ١ / ٣٦٩ ـ ٣٧٠ ح ٢٩٩ ، فتح القدير ٢ / ٤١٤ ، روح المعاني ٧ / ٦٥.

(٤) سورة البقرة ٢ : ٤٣.

(٥) تفسير الحبري : ٢٣٧ ح ٥ ، ما نزل من القرآن في عليّ : ٤٠ ، شواهد التنزيل ١ / ٨٥ ح ١٢٤ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٢٨٠ ح ٢٧٤ ، تذكرة الخواصّ : ٢٣.


وقال الفضل(١) :

نزلت(٢) قوله تعالى :( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) في الثلاثة الّذين تخلّفوا في غزوة تبوك(٣) ، وأنّهم صدقوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأنجاهم الله ، وكذب المنافقون فهلكوا ، فأنزل الله تعالى :( كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) ، وخاطب المؤمنين حتّى لا يهلكوا بالكذب كالمنافقين ؛ وإن صحّ دلّ على الفضيلة لا على النصّ ، كسائر أخواته.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٠٠.

(٢) كذا في الأصل ؛ وهو غير غريب من الفضل!

(٣) الدرّ المنثور ٤ / ٣١٦ ، فتح القدير ٢ / ٤١٤.


وأقول :

حكى المصنّفرحمه‌الله في « منهاج الكرامة » ما ذكره هنا في شأن نزول الآيتين ، عن أبي نعيم ، عن ابن عبّاس(١) .

ونقل السيوطي في « الدرّ المنثور » عن ابن مردويه ، أنّه أخرج عن ابن عبّاس ، في قوله تعالى :( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) ، قال : مع عليّ بن أبي طالب(٢) .

ونقل مثله عن ابن عساكر ، بسنده إلى أبي جعفر الباقرعليه‌السلام (٣).

والمراد بالكون معه ؛ ليس هو الحضور الخارجي بالضرورة ؛ بل المراد اتّباعه في كلّ ما يراد به الاتّباع والعمل شرعا ؛ لاقتضاء الإطلاق له ، لا سيّما مع عطفه على الأمر بالتقوى ، قال تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) .

فتدلّ الآية على عصمة أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ لوصفها له بالصدق ـ أي في الأعمال والأقوال ـ كما يقتضيه الإطلاق ، ولقبح الأمر باتّباع من لا تؤمن عليه مخالفة أحكام الله عمدا أو خطأ ، وللزوم اجتماع الضدّين : وجوب الاتّباع(٤) وحرمته لو فعل المعصية(٥) .

__________________

(١) منهاج الكرامة : ١٤٢ ، وانظر : ما نزل من القرآن في عليّ : ١٠٢.

(٢) الدرّ المنثور ٤ / ٣١٦.

(٣) الدرّ المنثور ٤ / ٣١٦ ، وانظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٦١.

(٤) لما تقدّم من أنّ معنى الكون معه : اتّباعه.

(٥) أي : لا بدّ من أن يكون معصوما لئلّا يلزم اجتماع الضدّين.


فإذا أفادت الآية عصمة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ثبتت إمامته ؛ لأنّ العصمة شرط الإمامة ـ كما سبق(١) ـ ، ولا عصمة لغيره من الصحابة بالإجماع ، مع أنّ الأمر باتّباع الأمّة لشخص على الإطلاق ، ظاهر في إمامته لهم.

وممّا ذكرنا يعلم بطلان حمل( الصَّادِقِينَ ) على مطلق المهاجرين والأنصار ، أو خصوص الثلاثة الّذين تخلّفوا في غزوة تبوك ، كما ذهب إلى كلّ منهما بعض المفسّرين(٢) ؛ وذلك لعدم عصمة هؤلاء.

هذا ، والظاهر أنّ المخاطب بالاتّباع في قوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (٣) ، هو جميع المؤمنين بكلّ زمان ، لا خصوص الصحابة ؛ فيدلّ على وجود معصوم واجب الاتّباع بكلّ وقت ، فكان هو محمّداصلى‌الله‌عليه‌وآله في وقته ، وعليّا في وقته ، والأئمّة الطاهرين من آلهما بعدهما ، كما يقتضيه ـ أيضا ـ كون( الصَّادِقِينَ ) صيغة جمع.

وإنّما خصّت الروايات السابقة عليّاعليه‌السلام ؛ للفراغ عن وجوب اتّباع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولأنّ عليّاعليه‌السلام أوّل الأئمّة وأصلهم ، فوجوب اتّباعهم فرع وجوب اتّباعه.

ويشهد لذلك ما في « ينابيع المودّة » ، عن موفّق بن أحمد بسنده ، عن ابن عبّاس ، قال : « الصادقون [ في هذه الآية ] : محمّد وأهل بيته »(٤) .

وفيها نحوه ، عن أبي نعيم ، عن الصادقعليه‌السلام (٥) .

__________________

(١) راجع ج ٤ / ٢٠٥ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٢) انظر : تفسير الطبري ٦ / ٥٠٨ ذ ح ١٧٤٦١ وص ٥٠٩ ح ١٧٤٦٥ ـ ١٧٤٦٩ ، تفسير القرطبي ٨ / ١٨٣ ، الدرّ المنثور ٤ / ٣١٤ و ٣١٦.

(٣) سورة التوبة ٩ : ١١٩.

(٤) ينابيع المودّة ١ / ٣٥٨ ح ١٥.

(٥) ينابيع المودّة ١ / ٣٥٨ ذ ح ١٥.


وفيها ، عن أبي نعيم وصاحب « المناقب » ، عن الباقر والرضاعليهما‌السلام ، قالا : «الصادقون هم الأئمّة من أهل البيت عليهم‌السلام »(١)

وقد تنبّه الرازي لدلالة الآية الكريمة على وجود المعصوم بكلّ وقت ، إلّا أنّه زعم أنّ المعصوم هو مجموع الأمّة(٢) ـ أي مجموع علمائها وأهل الحلّ والعقد ـ ، فتدلّ الآية على حجّيّة الإجماع.

وفيه ـ مع عدم تيسّر تحصيل الإجماع في كلّ وقت ، أو امتناعه فلا يوجد حتّى يأمر باتّباعه ـ :

إن المجموع بما هو مجموع لا يوصف بالصادق ؛ ولو سلّم ، فالمجموع من حيث هو مجموع ليس ممّن يعقل ، فلا يجمع وصفه جمع المذكّر السالم ؛ ولو سلّم جوازه ـ ولو مسامحة ، بلحاظ أنّ أجزاء المجموع ، وهي الأفراد ، ممّن يعقل ـ فلا ريب أنّ إرادة المجموعات خلاف الظاهر ؛ فإنّ المنصرف من( الصَّادِقِينَ ) هو الأفراد لا المجموعات ، فتدلّ الآية على وجوب الكون مع الأفراد الصادقين المعصومين واتّباعهم في كلّ وقت ، وهو المطلوب.

ونحن متّبعون لإمام زماننا ، بالإقرار بإمامته ، والأخذ بأحكامه ، وإن لم نجتمع معه ونسعد بطلعته.

وقد أشكل الرازي على إرادة أئمّتنا من( الصَّادِقِينَ ) بقوله : « إنّه تعالى أوجب على كلّ واحد من المؤمنين أن يكون مع الصادقين ، وإنّما يمكنه ذلك لو كان عالما بأنّ ذلك الصادق من هو ، لا الجاهل بأنّه من هو ، فلو كان مأمورا بالكون معه كان ذلك تكليف ما لا يطاق ، وأنّه لا يجوز ؛

__________________

(١) ينابيع المودّة ١ / ٣٥٨ ح ١٦.

(٢) انظر : تفسير الفخر الرازي ١٦ / ٢٢٧.


لأنّا(١) لا نعلم إنسانا معيّنا موصوفا بوصف العصمة »(٢) .

وفيه : إنّه يمكن معرفته ، فيجب البحث عنه مقدّمة لاتّباعه ، وقد أوضح الله سبحانه السبيل إلى معرفته بقيام الأدلّة الكثيرة الواضحة ، ولم يجهلها إلّا معاند ، كما عرفت(٣) ويأتي.

ثمّ إنّ ابن تيميّة قد سرد هنا من الخرافات والأغاليط ما يقبح بكلّ أحد نقله والتعرّض لردّه ، ولا أدري كيف يفوه بها وهو قد صوّر نفسه بصورة الفضلاء ، وقرن نفسه بالعلماء(٤) ؟!

واعلم أنّ الفضل لم يتعرّض للجواب عن قوله تعالى :( وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ) (٥) ، ولا يبعد أنّه اكتفى عنه بما ذكره في أخواته من أنّه إن صحّ لا يدلّ على النصّ

وفيه : إنّ الآية لمّا ساوت بين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّ في الأمر باتّباعهما ، فقد دلّت على أنّ عليّا بمنزلة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في وجوب اتّباعه ، فيكون أفضل من غيره ، ويكون هو الإمام.

على أنّ الآية لمّا عبّرت عن وجوب اتّباعهما بإيجاب الركوع مع الراكعين ، فقد دلّت على أنّهما أسبق من غيرهما في العبادة لله تعالى ، كما تقتضيه التبعيّة ، وصرّحت به الرواية

فإنّها ـ كما ذكرها المصنّفرحمه‌الله في « منهاج الكرامة » ـ هكذا من طريق أبي نعيم ، عن ابن عبّاس : « أنّها نزلت في رسول الله وعليّ خاصّة ، وهما

__________________

(١) في المصدر : لكنّا.

(٢) تفسير الفخر الرازي ١٦ / ٢٢٧.

(٣) راجع الجزء الرابع / مبحث الإمامة.

(٤) انظر : منهاج السنّة ٧ / ٢٦٦ ـ ٢٧٣.

(٥) سورة البقرة ٢ : ٤٣.


أوّل من صلّى وركع »(١) .

ومن المعلوم أنّ السبق إلى العبادة والطاعة فرع الفضل ، والفضل يستدعي الإمامة.

* * *

__________________

(١) منهاج الكرامة : ١٤٣.


٣٢ ـ آية :( إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ )

قال المصنّف ـقدس‌سره ـ(١) :

الثانية والثلاثون : قوله تعالى :( إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) (٢) .

في مسند أحمد بن حنبل ، أنّها نزلت في عليّ(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩١.

(٢) سورة الحجر ١٥ : ٤٧.

(٣) رواه عن أحمد في مسنده صاحب ينابيع المودّة ١ / ٣٥٤ ح ٣ ، وانظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٧٣٩ ـ ٧٤٠ ح ١٠١٨ ، المعجم الأوسط ٧ / ٣٩٣ ح ٧٦٧٥ ، شواهد التنزيل ١ / ٢٠٠ ـ ٢٠١ ح ٢٥٩ ـ ٢٦٠ وص ٣١٧ ح ٤٣٦ وص ٣٢١ ح ٤٤٤ ، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ ١ / ١١١ ح ٤٧ ، فتح القدير ٣ / ١٣٦.


وقال الفضل(١) :

صحّ الرواية عندنا أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام بعد وقعة الجمل كان يقول : وأنا أرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير كما يقول الله تعالى :( وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) (٢) (٣) .

هكذا صحّ ، وإن صحّ ما رواه فهو من الفضائل المسلّمة ، ولا دليل به على النصّ.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٢٥٢.

(٢) سورة الحجر ١٥ : ٤٧.

(٣) فضائل الصحابة ٢ / ٩٣٣ ـ ٩٣٥ ح ١٢٩٨ ـ ١٣٠٠.


وأقول :

ما صحّ عندهم سقيم عندنا وعند كلّ عاقل ، وإلّا لكان التكليف لغوا والدين لعبا!

أترى أنّ أحدا يخرج على إمام زمانه الذي يقول فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «حربه حربي »(١) ، وينهب بيت مال المسلمين ، ويلفّ الألوف بالألوف ، ويقتل ما لا يحصى منهم ، ثمّ يقتل في ميدان الحرب أو خارجه على عناده ، من دون إصلاح لما أفسد(٢) ، ومع هذا يكون عند الله تعالى قرينا لذلك الإمام المصلح الأعظم؟! ما أظنّ عاقلا يرتضيه!

ثمّ إنّ الحديث الذي ذكره المصنّف هنا ، قد نقله في « منهاج الكرامة » مفصّلا(٣) .

ونقله سبط ابن الجوزي ، عن أحمد في « الفضائل »(٤) .

وكذا صاحب « كنز العمّال »(٥) .

__________________

(١) انظر : كنز العمّال ١٢ / ٩٧ ح ٣٤١٦٤ ، وقد تقدّم نحوه في ج ٤ / ٣٥٨ ه‍ ٤ من هذا الكتاب ، وسيأتي ذكره مفصّلا.

(٢) انظر : تاريخ الطبري ٣ / ١٨ و ٢١ ـ ٢٢ و ٤٠ ـ ٤٣ و ٥٥ و ٥٦ ، الكامل في التاريخ ٣ / ١٠٨ ـ ١١٣ و ١٢٨ و ١٣٠ ـ ١٣٢ حوادث سنة ٣٦ ه‍.

(٣) منهاج الكرامة : ١٤٤ ـ ١٤٥.

(٤) تذكرة الخواصّ : ٣١ ، وانظر : فضائل الصحابة ٢ / ٧٣٩ ح ١٠١٨ وص ٧٩١ ح ١٠٨٥ وص ٨٢٩ ح ١١٣٧.

(٥) ص ٣٩٠ من الجزء السادس [ ٩ / ١٦٧ ح ٢٥٥٥٤ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : كنز العمّال ٢ / ٤٥٠ ح ٤٤٧٢ وج ٩ / ١٦٧ ذ ح ٢٥٥٥٥ وج ١٣ / ١٠٥ ـ ١٠٦ ح ٣٦٣٤٥.


ولنذكر منه ما تتمّ به الفائدة :

قال المصنّفرحمه‌الله : من مسند أحمد ، بإسناده إلى زيد بن [ أبي ] أوفى ، قال : دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مسجده ـ وذكر قصّة مؤاخاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أن قال : ـ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

«والذي بعثني بالحقّ! ما أخّرتك إلّا لنفسي ، فأنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي ، وأنت أخي ووارثي وأنت معي في قصري في الجنّة ، ومع ابنتي فاطمة ، فأنت أخي ورفيقي ؛ ثمّ تلا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله :( إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) »(١) .

وزعم ابن تيميّة أنّه من زيادات القطيعي لا من نفس المسند ، وذكر أنّ للحديث تتمّة ، وهي : أنّ عليّاعليه‌السلام قال عند قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «وأنت أخي ووارثي » : وما أرث منك يا رسول الله؟

قال : ما ورّث الأنبياء من قبلي.

قال : وما ورّث الأنبياء من قبلك؟

قال : كتاب الله وسنّة نبيّهم(٢) .

وذكر السبط هذه التتمّة أيضا(٣) .

وكذا صاحب « كنز العمّال »(٤) .

وقد أطال ابن تيميّة القول هنا كعادته ، وذكر ما لا يحتجّ به عاقل

__________________

(١) فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٧٩١ ـ ٧٩٢ ح ١٠٨٥ وص ٨٢٩ ح ١١٣٧.

(٢) منهاج السنّة ٧ / ٢٧٨ ـ ٢٧٩.

(٣) تذكرة الخواصّ : ٣١.

(٤) كنز العمّال ٩ / ١٦٧ ح ٢٥٥٥٤ وص ١٧٠ ح ٢٥٥٥٥ وج ١٣ / ١٠٥ ح ٣٦٣٤٥.


على خصمه ، وأدّى به النصب إلى إنكار مؤاخاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّعليه‌السلام (١) ، مع أنّها من أصحّ الأخبار ، كما ستعرف

ولا يستحقّ أن يذكر من كلامه شيء إلّا إنكار صحّة الحديث لضعف سنده ، وقد عرفت جوابه مرارا في المقدّمة وبعدها(٢) .

على أنّ السبط قد وثّق رجال ما رواه أحمد في « الفضائل » ، وقال :

« هو من غير رواية عبد المؤمن ، والضعيف ما رواه عبد المؤمن »(٣) .

وسيأتي إنّ شاء الله تعالى في الآية الخامسة والسبعين ما يؤيّد هذا الحديث(٤) ، وهو دالّ على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام من وجوه ، والآية تدلّ عليها من بعضها :

الأوّل : مؤاخاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله له ؛ فإنّها تدلّ على فضله على سائر الصحابة بمناسبته للنبيّ دونهم ؛ والأفضل هو الإمام.

الثاني : قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه

__________________

(١) انظر : منهاج السنّة ٤ / ٣٢ وج ٥ / ٧١ وج ٧ / ١١٧ و ٢٧٩ و ٣٦١.

وراجع : دراسات في منهاج السنّة : ٢٧٥ ـ ٢٧٨ ، تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات : الحلقة ٢٠ ، ص ٧٨ و ٨٨ ، والحلقة ٢١ ، ص ٧ ـ ١٢ ، المنشورتين في مجلّة « تراثنا » ، العددين ٦٦ ـ ٦٧ و ٦٨ ، السنة ١٧ ، ربيع الآخر وشوّال ١٤٢٢ ه‍ ؛ فقد أورد فيها السيّد علي الحسيني الميلاني كلمات علماء الجمهور ومصادرهم في ردّ تكذيب ابن تيميّة لحادثتي المؤاخاة وحديثها ، التي وقعت في مكّة مرّة وفي المدينة أخرى!

(٢) راجع ج ١ / ٧ وما بعدها ، وانظر : ج ٤ / ٣٩٦ و ٤١٩.

(٣) تذكرة الخواصّ : ٣١.

نقول : وحتّى عبد المؤمن بن عبّاد ـ أو : عبادة ـ العبدي ، الذي ضعّف السند لأجله ، قد وثّقه ابن حبّان ، وقال عنه : « روى عنه البصريّون » ؛ انظر : الثقات ٨ / ٤١٧.

(٤) انظر الصفحة ٣٣٣ وما بعدها من هذا الجزء.


لا نبيّ بعدي » ؛ فإنّه أوضح دليل على إمامته ، كما ستعرف إن شاء الله تعالى.

الثالث : إنّه ورث منه ميراث الأنبياء لخلفائهم وأوصيائهم من الكتاب والسنّة.

الرابع : إنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أخبر أنّهما بقصر واحد ؛ وهو دليل الفضل والامتياز على الأمّة.

الخامس : إنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أخبر بأنّه من أهل الجنّة ، وبيّن نزول الآية فيهم.

ومن الواضح أنّه لا يصحّ إخبار شخص بعينه بأنّه من أهل الجنّة إلّا مع العلم بعصمته ، أو أنّ له ملكة تحجزه عن الذنوب إعظاما لله تعالى ، حتّى مع أمانه من ناره ، وإن أذنب نادرا ـ خطأ أو عمدا ـ مع التوبة ، وإلّا كان إخباره بأنّه من أهل الجنّة نقضا للغرض ، وهو تجنّب المحرّمات ، وكان تشجيعا له على الحرام ؛ لأنّه إذا كسب الأمان من العقاب لم يحجزه عن المعصية حاجز.

وبهذا يعلم كذب حديث تبشير العشرة بالجنّة الذي رواه القوم(١) ؛ لامتناع أن يبشّر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالجنّة من لا ملكة له تردعه عن الخروج على إمام زمانه ، وقتل النفوس المحترمة ، وغصب الأموال المحرّمة.

على أنّ راوي حديث تبشير العشرة هو منهم ، وهو موضع التهمة

__________________

(١) لقد توسّع السيّد حسن الحسيني آل المجدّد الشيرازي ـ حفظه الله ـ بدراسة حديث العشرة المبشّرة ، سندا ودلالة ، في مقاله : « الصحف المنشّرة في بطلان حديث العشرة المبشّرة » ، المنشور في مجلّة « تراثنا » ، السنة ١١ ، العدد المزدوج ٤١ ـ ٤٢ ، ص ١٣ ـ ٦٤ ؛ فراجع!


عندنا ، وفوق ذلك ضعف رواته ، ولذا لم يروه البخاري ومسلم.

وقال البخاري : لم يصحّ ؛ كما حكاه عنه في « ميزان الاعتدال » بترجمة عبد الله بن ظالم(١) .

وقال العقيلي أيضا : لم يصحّ ؛ كما حكاه عنه ابن حجر في « تهذيب التهذيب » بترجمة عبد الله أيضا(٢) .

مضافا إلى القرائن الدالّة على كذبه ، كتحريض بعض العشرة على عثمان يوم الدار حتّى قتل(٣) ، فإنّه لا يجتمع مع كون الجميع من أهل

__________________

(١) ميزان الاعتدال ٤ / ١٢٩ رقم ٤٣٩٨ ، وانظر : التاريخ الكبير ٥ / ١٢٥ رقم ٣٦٧.

(٢) تهذيب التهذيب ٤ / ٣٥٠ رقم ٣٤٨٨ ، وانظر : الضعفاء الكبير ـ للعقيلي ـ ٢ / ٢٦٧ رقم ٨٢٧.

(٣) روى القوم أنّ طلحة والزبير من العشرة الّذين بشّرهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالجنّة ؛ كيف؟! وهما أشدّ الناس تحريضا على قتل عثمان ، وأشد تحريضا على محاربة عليّعليه‌السلام يوم الجمل.

فقد رووا أنّ عثمان قال : ويلي على ابن الحضرميّة ـ يعني طلحة ـ! أعطيته كذا وكذا بهارا ذهبا ، وهو يروم دمي يحرّض على نفسي ، اللهمّ لا تمتّعه به ، ولقّه عواقب بغيه.

وروى المؤرّخون والمؤلّفون الّذين صنّفوا في واقعة الدار : إنّ طلحة كان يوم قتل عثمان مقنّعا بثوب قد استتر عن أعين الناس ، يرمي الدار بالسهام.

ورووا أيضا : إنّه لمّا امتنع على الّذين حصروه الدخول من باب الدار ، حملهم طلحة إلى دار لبعض الأنصار ، فأصعدهم إلى سطحها ، وتسوّروا منها على عثمان داره فقتلوه.

ورووا أيضا : إنّ الزبير كان يقول : اقتلوه! فقد بدّل دينكم ؛ فقالوا : إنّ ابنك يحامي عنه بالباب ؛ فقال : ما أكره أن يقتل عثمان ولو بدئ بابني ، إنّ عثمان لجيفة على الصراط غدا.

أفمثل هؤلاء يبشّرهم الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله بالجنّة؟! وهم الّذين زرعوا الفتنة والحقد لإمام زمانهم ، وقتلوا آلافا مؤلّفة من الناس ظلما وعدوانا!


الجنّة ، مستحقّين للبشارة بها على لسان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله

وكاتّفاق جلّ المهاجرين والأنصار على خلع عثمان ، والحكم بأنّه أتى من المحرّمات ما يستحقّ به العزل ، فإنّه يمتنع مع ما زعمه أهل السنّة من عدالة الصحابة جميعا أن يفعلوا ذلك بمن بشّره النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالجنّة

وكعدم احتجاج عثمان به يوم الدار

.. إلى غير ذلك من القرائن على كذبه.

وكيف كان! فإذا كانت بشارة الآية والرواية لأمير المؤمنينعليه‌السلام دليلا على عصمته أو ثبوت تلك الملكة له ، كان هو الأفضل والإمام ؛ لأنّ أوّل الخلفاء الثلاثة ـ وهو أعظمهم ـ لم يكن كذلك ، فضلا عن صاحبيه ؛ لأنّه كما قال في خطبته عن نفسه : « أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ، ألا وإنّ لي شيطانا يعتريني ، فإذا أتاني فاجتنبوني لا أؤثّر في أشعاركم وأبشاركم »(١) .

ولا أدري كيف يبشّر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالجنّة من كان كذلك ، ويؤمنه من النار حتّى يكون ذلك سببا لأن تهون عليه المعصية وظلم الأمّة؟!

والكلام في عمر وعثمان أعظم!

* * *

__________________

ـ انظر : شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٩ / ٣٥ و ٣٦ ، الإمامة والسياسة ١ / ٥٧ و ٧١ ، أنساب الأشراف ٦ / ٢١١.

(١) الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٣ / ١٥٩ ، الإمامة والسياسة ١ / ٣٤ ، تاريخ الطبري ٢ / ٢٤٤ ـ ٢٤٥ ، تاريخ دمشق ٣٠ / ٣٠٣ و ٣٠٤ ، صفة الصفوة ١ / ١١٠ ، شرح نهج البلاغة ٦ / ٢٠ ، البداية والنهاية ٥ / ١٨٨ و ١٨٩ ، مجمع الزوائد ٥ / ١٨٣ ـ ١٨٤ ، تاريخ الخلفاء : ٨٤.


٣٣ ـ آية :( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ )

قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :

الثالثة والثلاثون : قوله تعالى :( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ ) (٢) .

روى الجمهور ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لو يعلم الناس متى سمّي عليّ ( أمير المؤمنين ) ما أنكروا فضله! سمّي ( أمير المؤمنين ) وآدم بين الروح والجسد ، قال الله عزّ وجلّ : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) .

قالت الملائكة : بلى.

فقال تعالى : أنا ربّكم ، ومحمّد نبيّكم ، وعليّ أميركم »(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩١.

(٢) سورة الأعراف ٧ : ١٧٢.

(٣) فردوس الأخبار ٢ / ١٩٧ ح ٥١٠٤ ، ينابيع المودّة ٢ / ٢٤٧ ح ٦٩٦ وص ٢٧٩ ح ٨٠٣ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٣٧ ح ٣١٩.


وقال الفضل(١) :

هذا من تفاسير الشيعة ، وليس من تفاسير المفسّرين ، والعجب أنّه لم يتابع المعتزلة في هذه المسألة ؛ فإنّهم ينكرون إخراج الذرّ من ظهر آدم ، ويقولون : هذا تمثيل وتخييل لا حقيقة له(٢) ؛ لأنّه ينافي قواعدهم في نفي القضاء والقدر السابق.

وإن صحّ النقل ، فيدلّ على أنّ عليّا أمير المؤمنين ، وهذا مسلّم ؛ لأنّه كان من الخلفاء ، ولم يلزم منه نصّ على أنّه أمير المؤمنين بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى يثبت به مطلوبه.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٠٨.

(٢) انظر : الكشّاف ٢ / ١٢٩.


وأقول :

إنّما نسبه المصنّفرحمه‌الله إلى رواية الجمهور ، لا إلى تفسيرهم حتّى ينفيه المعترض.

وقد ذكر المصنّف راويه في « منهاج الكرامة » ، وهو الديلمي في الفردوس(١) ، وهو ممّن أقرّ له ابن تيميّة بالعلم والدين ، ولم ينكر وجود الحديث في كتابه ، وإنّما ناقش بأمور أخر ، منها المطالبة بصحّة الحديث(٢) ، وقد مرّ جوابه مرارا(٣) .

ومنها ما ستعرف جوابه في طيّ الكلام الآتي.

وينبغي قبل بيان المطلوب التعرّض للخلاف في أمر الذرّ ، فنقول :

ذهب الأشاعرة إلى وجوده وإخراجه من ظهر آدمعليه‌السلام وأخذ الميثاق عليه(٤) .

وأنكره الإماميّة والمعتزلة(٥) .

واستدلّ الأشاعرة برواية مسلم [ بن يسار الجهني ] ، أنّ عمر سئل عن هذه الآية ، فقال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سئل عنها ، فقال : « إنّ الله

__________________

(١) منهاج الكرامة : ١٤٦ ، وانظر : فردوس الأخبار ٢ / ١٩٧ ح ٥١٠٤.

(٢) منهاج السنّة ٧ / ٢٨٩.

(٣) انظر : ج ١ / ٧ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٤) الإبانة عن أصول الديانة : ١٥٩ رقم ٢٥٥ ، تفسير الفخر الرازي ١٥ / ٥٥ ، تفسير القرطبي ٧ / ٢٠٠ ـ ٢٠٢.

(٥) انظر : التبيان ٥ / ٢٨ ، جوامع الجامع ١ / ٧١٩ ، مجمع البيان ٤ / ٣٥٨ ـ ٣٥٩ ، الكشّاف ٢ / ١٢٩ ، تفسير الفخر الرازي ١٥ / ٥٠ و ٥١ الحجّة الأولى.


سبحانه خلق آدم ، ثمّ مسح ظهره فاستخرج منه ذرّيّة ، فقال : خلقت هؤلاء للجنّة ، وبعمل أهل الجنّة يعملون ؛ ثمّ مسح ظهره فاستخرج منه ذرّيّة ، فقال : خلق هؤلاء للنار ، وبعمل أهل النار يعملون »(١) .

وبما عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « لمّا خلق الله آدم مسح ظهره ، فسقط من ظهره كلّ نسمة من ذرّيّته إلى يوم القيامة »(٢) .

وبما عن مقاتل : إنّ الله تعالى مسح صفحة ظهر آدم اليمنى ، فخرج منه ذرّيّة بيضاء كهيئة الذرّ فتحرّك(٣) ، ثمّ مسح صفحة ظهره اليسرى ، فخرج منه ذرّية سوداء كهيئة الذرّ ، فقال : يا آدم! هذه ذرّيّتك ؛ ثمّ قال :( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ) .

إلى أن قال : وقال تعالى في من نقض العهد الأوّل :( وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ) (٤) (٥) .

واستدلّ الإماميّة والمعتزلة على بطلانه بمخالفته للآية ؛ لأنّه تعالى يقول :( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) (٦) ،

__________________

(١) سنن أبي داود ٤ / ٢٢٦ ح ٤٧٠٣ ، سنن الترمذي ٥ / ٢٤٨ ح ٣٠٧٥ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٦ / ٣٤٧ ح ١١١٩٠ ، مسند أحمد ١ / ٤٤ ، العقيدة الطحاوية : ٨١ ، التنبيه والردّ على أهل الأهواء والبدع ـ للملطي الشافعي ـ : ١٣٧ ـ ١٣٨ ، تفسير البغوي ٢ / ١٧٧ ، تفسير الفخر الرازي ١٥ / ٥٠ ، تفسير القرطبي ٧ / ٢٠٠.

(٢) سنن الترمذي ٥ / ٢٤٩ ح ٣٠٧٦ ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٣٥٥ ح ٣٢٥٧ ، تفسير البغوي ٢ / ١٧٧ ، تفسير الفخر الرازي ١٥ / ٥٠ ، تفسير القرطبي ٧ / ٢٠٠.

(٣) كذا في الأصل ، وفي المصدر : تتحرّك.

(٤) سورة الأعراف ٧ : ١٠٢.

(٥) تفسير الفخر الرازي ١٥ / ٥٠.

(٦) سورة الأعراف ٧ : ١٧٢.


ولم يقل : أخذ من آدم من ظهره ذرّيّته(١)

وبمخالفته لظواهر آيات أخر

كقوله تعالى :( أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) (٢) (٣) ؛ فإنّه لو صحّ أخذ الميثاق على الذرّ لكانت الموتات ثلاثا ؛ لأنّ أخذ الميثاق عليه يتوقّف على حياته ، ولا ريب بموته بعد ذلك ؛ إذ لا يمكن القول باستمرار حياته إلى هذا العالم الحاضر ؛ لشهادة الوجدان بعدم الحياة للنطفة والعلقة والمضغة ، فهذه موتة

والثانية : موتة الدنيا ، وقبلها حياة

والثالثة : موتة القبر ، وبعدها حياة.

وكقوله تعالى :( خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ) (٤) ؛ فإنّه ظاهر في خلق بني آدم من الماء الحادث ، وإنّه أصلهم ، لا الذرّ(٥) ، كما إنّ أصل آدم هو الطين ، الذي هو مبدأ خلق الإنسان(٦) .

واستدلّوا أيضا بمخالفته للعقل من وجوه :

منها : إنّ أخذ الميثاق إنّما يصحّ من العاقل ، ولو كان الذرّ ممّن يعقل لما نسيه الناس كلّهم ، وبهذا يبطل القول بالتناسخ

__________________

(١) مجمع البيان ٤ / ٣٥٨ ، تفسير الفخر الرازي ١٥ / ٥١ الحجّة الثانية.

(٢) سورة غافر ٤٠ : ١١.

(٣) تفسير الفخر الرازي ١٥ / ٥٣ الحجّة الحادية عشرة.

(٤) سورة الطارق ٨٦ : ٦.

(٥) انظر : تفسير القرطبي ٢٠ / ٥.

(٦) بدلالة قوله تعالى :( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ) سورة المؤمنون ٢٣ : ١٢ ؛ انظر : تفسير القرطبي ١٢ / ٧٣ و ٧٤ ، مجمع البيان ٧ / ١٦٠ ، الكافي ٢ / ٢٨ ـ ٣٠ ح ١ ـ ٣.


ودعوى الفرق ـ بأنّ التناسخ مبنيّ على دعوى نسيان ما مارسته كثيرا ، وبقيت فيه دهرا طويلا ، وهو محال جزما ، بخلاف أخذ الميثاق ، فإنّه لم يطل وقته ، ولا يمتنع عادة في مثله أن يتعلّق النسيان ـ باطلة ؛ لأنّ نسيان الناس كلّهم ما وقع منهم ، وإنّ لم يطل وقته أيضا محال عادة(١) .

ومنها : إنّ أخذ الميثاق على الذرّ إن كان ليصير حجّة عليهم في ذلك الوقت ، فباطل ؛ لأنّه ليس وقت تكليف بالإجماع ، وإن كان ليصير عليهم حجّة بعد البلوغ ، أو يوم القيامة ، فالمفروض عدم تذكّر أحد له(٢) .

وأجاب الرازي : بأنّه يمكن أن يكون أخذ الميثاق ليميّز الملائكة في ذلك الوقت السعيد من الشقي(٣) .

ويردّه : إنّ الآية قالت :( أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ) (٤) ، وهو يدلّ على أنّ الفائدة في أخذ الميثاق عليهم ، هو كونه حجّة عليهم ، لا تمييز الملائكة بين السعيد والشقي.

على أنّ التمييز إن كان بنقض العهد وحفظه ، فهما في هذه الحياة الفعلية لا حين أخذ الميثاق ، وإن كان بالبياض والسواد ، كان أخذ الميثاق لغوا ، فيبطل جعل التمييز فائدة لأخذ الميثاق.

اللهمّ إلّا أن يقال : إنّ الله سبحانه كما أرى الملائكة أخذ الميثاق على الناس في عالم الذرّ ، يمكن أن يكون أراهم أيضا كيف ينقضون العهد أو يحفظونه في الحياة الدنيوية ، فيكون التمييز فائدة لأخذ الميثاق بما يقترن

__________________

(١) انظر : تفسير الفخر الرازي ١٥ / ٥١ الحجّة الرابعة.

(٢) انظر : تفسير الفخر الرازي ١٥ / ٥٢ الحجّة السابعة.

(٣) انظر : تفسير الفخر الرازي ١٥ / ٥٥.

(٤) سورة الأعراف ٧ : ١٧٢.


به من إراءة نقض العهد وحفظه ، ولكن يشكل بإغناء البياض والسواد عنه في التمييز مع دلالة الآية ، كما عرفت.

على أنّ الفائدة في أخذ الميثاق كونه حجّة عليهم لا تمييز الملائكة ، فلا بدّ أن يكون معنى الآية : إنّ الله عزّ وجلّ أخرج ذرّيّة بني آدم من ظهورهم ؛ لكونهم نطفة في أصلابهم ، وأشهدهم على أنفسهم ، فقال لهم ـ بما أراهم من عجائب الصنع في أنفسهم ـ :( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) ؟ فقالوا :( بَلى شَهِدْنا ) ، بلسان حالهم وحاجتهم إلى مدبّر لهم يخرج النطفة ، ثمّ يجعلها علقة ، ثمّ مضغة ، ثمّ بشرا سويّا(١) .

ولهذا نظائر في الكتاب العزيز وغيره

قال تعالى :( فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ) (٢) ؛ فإنّ قولهما :( أَتَيْنا طائِعِينَ ) إنّما هو بلسان الحال.

وقال الشاعر [ من الرجز ] :

امتلأ الحوض وقال : قطني(٣)

مهلا رويدا قد ملأت بطني(٤)

فإذا عرفت هذا ، فنقول :

استدلال المصنّفرحمه‌الله ـ بما ذكره ـ إمّا مبنيّ على إلزام الأشاعرة

__________________

(١) انظر : تفسير الفخر الرازي ١٥ / ٥٣ ضمن القول الثاني ، مجمع البيان ٤ / ٣٥٩ ضمن الوجه الثاني.

(٢) سورة فصّلت ٤١ : ١١.

(٣) قط : حسب ، وهو الاكتفاء ، وقطني بمعنى : حسبي ، أي : اكتفيت ؛ انظر مادّة « قطط » في : الصحاح ٣ / ١١٥٣ ، النهاية في غريب الحديث والأثر ٤ / ٧٨ ، لسان العرب ١١ / ٢١٨ ـ ٢١٩.

(٤) هذا رجز من شواهد اللغة ، استشهد به الجوهري في « الصحاح » ، ولم ينسبه لأحد ، وإنّما قال : « قال الراجز » ، وكذا في « لسان العرب » ، إلّا أنّه قال : « سلا رويدا » ؛ راجع الهامش السابق.


بمقتضى مذهبهم ، من صحّة أخذ الميثاق على الذرّ ووقوعه ، فإذا دلّت رواية « الفردوس »(١) على أخذ الميثاق بإمرة عليّعليه‌السلام ، كان لازما لهم وإن لم تذكره الآية الشريفة ؛ لجواز الاكتفاء عن ذكره بذكر أخذ الميثاق بالربوبيّة ؛ لأنّ الإمامة من توابع الربوبيّة ولوازمها لتكون بالإمام لله الحجّة على الناس.

لكن يبقى عليه سؤال ؛ إنّ الرواية تقول : « وآدم بين الروح والجسد »(٢) ، وفي هذه الحال لا وجود للذرّ ، ولا يقول الأشاعرة بأخذ الميثاق فيه ، فإنّهم إنّما يقولون به بعد تعلّق الروح بآدم.

وقد يجاب عنه بأنّه مجاز في النسبة ، للمبالغة في تقدّم أخذ الميثاق.

وإمّا مبنيّ على ما يقوله الإماميّة من الإشهاد بلسان حال إبداء الصنع العجيب ، والشهادة بلسان حال الحاجة ، فإنّ البشر كما يحتاج إلى خالق ، يحتاج إلى حجّة من رسول أو إمام(٣) .

لكن يبقى عليه أيضا سؤال ؛ إنّ هذا إنّما يقتضي وجود حجّة بلا تعيين ، فمن أين يتعيّن محمّد وعليّ كما ذكرته الرواية؟!

وقد يجاب عنه بأنّ التعيين إنّما هو للتنصيص من الله تعالى الذي أظهره للملائكة.

وإنّما أضاف النبوّة والإمرة إلى ضمير خطاب الملائكة ، فقال :

__________________

(١) انظر : الصفحة ١٥٠ من هذا الجزء.

(٢) انظر : الصفحة ١٤٨ من هذا الجزء.

(٣) انظر : الذخيرة في علم الكلام : ٣٢٣ وما بعدها وص ٤٢٩ وما بعدها ، الاقتصاد في ما يتعلّق بالاعتقاد : ٢٩٦ وما بعدها ، مناهج اليقين : ٢٦٦ و ٢٩٠ ، الكشّاف ٢ / ٤٤١ ، مجمع البيان ٦ / ٢١٧.


«نبيّكم » و«أميركم » ؛ لأنّه يجب عليهم الإقرار بنبوّة محمّد وإمرة عليّ ، فأضاف إليهم بهذا اللحاظ ؛ أو لأنّ المراد بالضمير الأعمّ من الملائكة ، أمّة محمّد ، فغلبت الملائكة بجهة الخطاب ، والأمّة بجهة أنّ النبوّة والإمرة لهم.

ويبقى أيضا سؤال ؛ إنّ الرواية تريد تطبيق ما ذكرته على الآية ، وهو غير منطبق ؛ لأنّ الآية ـ بناء على تفسير الإمامية ـ إنّما ذكرت شهادة الذرّيّة بلسان الحال المتأخّر ، والرواية ذكرت شهادة الملائكة في القدم.

وقد يجاب عنه بجواز وقوع الشهادة منهما ، فالذرّيّة بلسان الحال المتأخّر ، والملائكة بلسان المقال المتقدّم ، فإنّهم يعلمون بإخراج ذرّيّة بني آدم من ظهورهم ، وصيرورتهم أناسيّ ، الدالّين على حاجتهم إلى الخالق ، فشهدوا بالربوبية في القدم.

وكيف كان! فالرواية قاضية بإمرة عليّعليه‌السلام حتّى على الخلفاء الثلاثة ؛ لأنّهم ممّن أخذ عليه الميثاق ؛ ولأنّ أخذ الميثاق بإمرته مع نبوّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله دليل على أنّه خليفته بلا فصل ، وإلّا فلا وجه لترك السابقين عليه!

* * *


٣٤ ـ آية :( وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ )

قال المصنّف ـ نوّر الله ضريحه ـ(١) :

الرابعة والثلاثون : قوله تعالى :( وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) (٢) .

أجمع المفسّرون ، وروى الجمهور ، أنّه عليّعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩١.

(٢) سورة التحريم ٦٦ : ٤.

(٣) تفسير الحبري : ٣٢٣ ـ ٣٢٥ ح ٦٧ و ٦٨ ، تفسير الثعلبي ٩ / ٣٤٨ ، ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ٢٥٥ ، تفسير الماوردي ٦ / ٤١ ، شواهد التنزيل ٢ / ٢٥٤ ـ ٢٦٣ ح ٩٧٩ ـ ٩٩٦ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٣٥ ح ٣١٦ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٦١ و ٣٦٢ ، زاد المسير ٨ / ٨٢ ، كفاية الطالب : ١٣٧ ـ ١٣٩ ، تفسير القرطبي ١٨ / ١٢٤ و ١٢٦ ، فرائد السمطين ١ / ٣٦٣ ح ٢٩٠ ، تفسير ابن كثير ٤ / ٣٩٠ ، كنز العمّال ٢ / ٥٣٩ ح ٤٦٧٥ ، فتح القدير ٥ / ٢٥٣ ، روح المعاني ٢٨ / ٢٢٨.


وقال الفضل(١) :

هذه الآية في سورة التحريم ، وهي نازلة في شأن عائشة وحفصة ، واتّفق المفسّرون أنّ المراد من( صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) : أبو بكر وعمر ؛ لأنّ صدر الآية هكذا :( وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) (٢) .

يعني : إن تظاهر عائشة وحفصة على جنب(٣) رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من نسائه ، فإنّ( اللهِ ) مولاه ، وجِبْرِيلُ ، بأن يخبره عن صنيعهما ، و( صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) ، المراد به : أبواهما(٤) ؛ فإنّهما كانا ينصحانهما بترك الأفعال التي تكون للضرّات.

وإن صحّ نزوله في أمير المؤمنين ، فلا شكّ أنّه( صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) ، ولكن لا يدلّ على النصّ المدّعى.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣١٤.

(٢) سورة التحريم ٦٦ : ٤.

(٣) الجنب ـ على المجاز هنا ـ : الحقّ ؛ والمعنى هنا : أنّهما تظاهرا على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالغيلة والفتنة والوقيعة والشتم ؛ انظر مادّة « جنب » في : لسان العرب ٢ / ٣٧٢ ، تاج العروس ١ / ٣٧٨.

(٤) تفسير البغوي ٤ / ٣٣٧ ، الدرّ المنثور ٨ / ٢٢٣.


وأقول :

أراد المصنّفرحمه‌الله بإجماع المفسّرين ، عدم اختصاص مفسّري الشيعة به ، وإن كان الموافق لهم بعض خصومهم ، فقد نقل القول به عن مجاهد(١) .

وقال ابن تيميّة : « وقيل : هو ـ أي( صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) ـ عليّ ، حكاه الماوردي »(٢) .

وقد استفاضت به رواية القوم ، فقد نقل السيوطي في « الدرّ المنثور » عن ابن أبي حاتم ، أنّه أخرج عن عليّعليه‌السلام ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّ( صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) : عليّ(٣) .

ونقله أيضا ، عن ابن مردويه ، وابن عساكر ، بسنديهما عن ابن عبّاس(٤) .

ونقله أيضا ، عن ابن مردويه ، بسنده عن أسماء بنت عميس ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٥) .

ونقله المصنّفرحمه‌الله في « منهاج الكرامة » ، عن أبي نعيم ، عن

__________________

(١) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٣٥ ح ٣١٦ ، تفسير ابن كثير ٤ / ٣٩٠ ، مجمع البيان ١٠ / ٥٣.

(٢) منهاج السنّة ٧ / ٢٩٣ ، وانظر : تفسير الماوردي ٦ / ٤١.

(٣) الدرّ المنثور ٨ / ٢٢٤.

(٤) الدرّ المنثور ٨ / ٢٢٤ ، وانظر ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٦١ و ٣٦٢.

(٥) الدرّ المنثور ٨ / ٢٢٤.


أسماء(١) .

وحكاه محمّد بن طلحة الشافعي(٢) في كتابه « مطالب السؤول » ، عن الثعلبي ، عن أسماء ، قالت : لمّا نزل قوله تعالى :( وَإِنْ تَظاهَرا ) (٣) الآية ، سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول :( صالح المؤمنين ) :عليّ عليه‌السلام (٤) .

وحكاه في « ينابيع المودّة » ، عن أبي نعيم والثعلبي ، عن أسماء أيضا(٥) .

ونقله السيّد السعيدرحمه‌الله عن السّدّي في تفسيره ، عن أبي مالك ، وابن عبّاس(٦) .

__________________

(١) منهاج الكرامة : ١٤٦ ، وانظر : ينابيع المودّة ١ / ٢٧٨ ح ٢ عن أبي نعيم عن أسماء بنت عميس.

(٢) هو : أبو سالم كمال الدين محمّد بن طلحة بن محمّد بن الحسن القرشي العدوي النصيبي الشافعي ، مفتي دمشق وخطيبها ( ٥٨٢ ـ ٦٥٢ ه‍ ) ، كان من الصدور الأكابر والرؤساء المعظّمين ، ذا جلال وحشمة ، برع في فقه المذهب وأصوله ، مشارك في عدّة فنون ، أقام بدمشق بالمدرسة الأمينية ، ولي الوزارة بدمشق يومين ثمّ تركها وتزهّد ، سمع الحديث بنيسابور وحدّث ببلاد كثيرة حتّى توفّي بحلب.

انظر : سير أعلام النبلاء ٢٣ / ٢٩٣ رقم ١٩٩ ، العبر ٣ / ٢٦٩ ، طبقات الشافعية الكبرى ـ للسبكي ـ ٨ / ٦٣ رقم ١٠٧٦ ، طبقات الشافعية ـ للأسنوي ـ ٢ / ٢٨٢ رقم ١٢٠٠ ، طبقات الفقهاء الشافعيّين ـ لابن كثير ـ ٢ / ٨٧٧ رقم ١٤ ، شذرات الذهب ٥ / ٢٥٩.

(٣) سورة التحريم ٦٦ : ٤.

(٤) مطالب السؤول : ٨١.

(٥) ينابيع المودّة ١ / ٢٧٨ ح ٢ ، وانظر : ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ٢٥٥ ، تفسير الثعلبي ٩ / ٣٤٨.

(٦) إحقاق الحقّ ٣ / ٣١٦.


إلى غير ذلك من أخبارهم(١) ، وهي حجّة عليهم ؛ لكثرتها واعتضاد بعضها ببعض.

ولا يعارضها روايتهم عن ابن عبّاس أنّ( صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) : أبو بكر وعمر ؛ لأنّ الراوي لها هو عبد الوهّاب بن مجاهد عن أبيه ، كما بيّنه في « ميزان الاعتدال » بترجمة عبد الوهّاب(٢) ، وقد سبق في المقدّمة بيان حاله وحال أبيه ، فراجع(٣) ؛ ولا يمكن أن تعارض هذه الرواية البالغة منتهى الضعف تلك الروايات المستفيضة!

مع أنّ المنصرف من( صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) هو الأوحد في الصلاح ، كما يعرف من نظائره ، يقال : شاعر القوم ، وعالمهم ، وشجاعهم ؛ ويراد به أوحدهم في الوصف ، ولا شكّ أن أمير المؤمنينعليه‌السلام هو الأحقّ بهذا الوصف ؛ لآية التطهير(٤) وغيرها.

ولأنّ الله سبحانه جعل نصرة( صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في قرن نصرته ونصرة جبرئيل.

وبالضرورة أنّ أظهر المؤمنين في نصرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هو أمير المؤمنينعليه‌السلام .

على أنّ استعمال( صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) في الاثنين خلاف الظاهر ؛ فإنّ « فاعلا » ليس ك‍ « فعيل » في استعماله في الواحد والأكثر(٥) .

__________________

(١) راجع ما تقدّم في الصفحة ١٥٧ ه‍ ٣.

(٢) ميزان الاعتدال ٤ / ٤٣٦ رقم ٥٣٢٩.

(٣) انظر : ج ١ / ١٨٤ رقم ٢٠٨ وص ٢٣٢ رقم ٢٧٦.

(٤) مرّ مبحث آية التطهير في ج ٤ / ٣٥١ ـ ٣٨٠ ؛ فراجع!

(٥) مرادهقدس‌سره أنّ صيغة « فاعل » تستعمل غالبا في الواحد ، كقولنا : هذا شاهد ، وهو ـ


وبهذا يضعّف ما حكاه السيوطي عن ابن عساكر ، عن مقاتل بن سليمان ، أنّ( صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) : أبو بكر وعمر وعليّ(١) .

وقد يستدلّ بقول مقاتل على أنّ المراد ب‍( صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) هو عليّ خاصّة ؛ لما سبق من أنّ مقاتلا من أعداء أمير المؤمنينعليه‌السلام (٢) ، فلا يكون ذكره له ـ وهو من أعدائه ـ إلّا لمعلوميّة إرادته ، وليروّج منه إدخال الشيخين ، فإنّه أدفع للتهمة!

فإذا عرفت أنّ المراد ب‍( صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) أوحدهم صلاحا ، وأنّه عليّعليه‌السلام ، عرفت أنّه الأحقّ بالإمامة ؛ لأنّها منزلة دينية لا يليق لها إلّا الأصلح الأقوى في النصرة.

وأمّا ما زعمه الفضل من اتّفاق مفسّريهم على أنّ المراد ب‍( صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) : أبو بكر وعمر ، فلا يعارض أخبارهم السابقة ، التي هي حجّة عليهم ، وأيّ عبرة بالقول الناشئ عن الهوى ، المتفرّع عن تلك الرواية الضعيفة ، لا سيّما وهو مخالف للّغة؟!

على أنّ دعوى اتّفاقهم كاذبة ؛ لاختلاف مفسّريهم في المراد به ، أهو الصحابة ، أو خيار المؤمنين ، أو الأنبياء ، أو الخلفاء إلى غير ذلك من أقوالهم ، كما ذكره الزمخشري والرازي وغيرهما(٣) ؟!

__________________

ـ ضارب إلى آخره ، وإن كانت الصيغة بنفسها صالحة للواحد والأكثر ؛ بخلاف صيغة « فعيل » ، التي هي صيغة مبالغة ل « فاعل » ، فإنّ استخدامها في الأكثر هو الغالب.

(١) الدرّ المنثور ٨ / ٢٢٤.

(٢) انظر : ج ٤ / ٣٥٦.

(٣) الكشّاف ٤ / ١٢٧ ، تفسير الفخر الرازي ٣٠ / ٤٥ ، تفسير البغوي ٤ / ٣٣٧ ، تفسير القرطبي ١٨ / ١٢٤.


وأمّا ما احتجّ به الفضل لإرادتهما ، بأنّهما كانا يناصحانهما ، فغير نافع ؛ لأنّ الله سبحانه أراد بالآية تهديد المرأتين ، فأيّ دخل للمناصحة به؟!

كما أنّ حمله لنصرة جبرئيل على مجرّد الإخبار ، باطل ؛ فإنّ المراد بها ما فوق الإخبار ؛ لقوله تعالى :( وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ ) (١) !

فيا لله ما أشدّ إيذائهما لسيّد النبيّينصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأعظم مكرهما ، حتّى يحتاج ردعهما إلى التهديد بنصرة الله تعالى ، وجبرئيل ، وأمير المؤمنين ، الذي لا تأخذه في نصرة رسول الله لومة لائم!! فلو اتّكلتا على حلمهم فكلّ الملائكة بعد ذلك ظهير!

والإنسان لا يأمن عقوبة هذا الجمّ الغفير!

وما أكبر خيانتهما لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى ضرب لهما مثلا بامرأتي نوح ولوط(٢) !!

فتدبّر واعجب!!

* * *

__________________

(١) سورة التحريم ٦٦ : ٤.

(٢) في قوله تعالى :( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ) ادْخُلَا( النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) سورة التحريم ٦٦ : ١٠.


٣٥ ـ آية :( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ )

قال المصنّف ـ رفع الله درجته ـ(١) :

الخامسة والثلاثون : قوله تعالى :( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) (٢) الآية.

روى الجمهور ، عن أبي سعيد الخدري ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله دعا الناس إلى عليّعليه‌السلام في يوم غدير خمّ ، وأمر بما تحت الشجرة من الشوك فقمّ(٣) ، فدعا عليّا فأخذ بضبعيه(٤) ، فرفعهما حتّى نظر الناس إلى بياض إبطي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّعليه‌السلام ، ثمّ لم يتفرّقوا حتّى نزلت هذه الآية :( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ) .

فقال رسول الله : «الله أكبر على إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضى الربّ برسالتي ، والولاية لعليّ بن أبي طالب من بعدي ».

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٢.

(٢) سورة المائدة ٥ : ٣.

(٣) قمّ الشيء قمّا : كنسه ؛ انظر : الصحاح ٥ / ٢٠١٥ ، لسان العرب ١١ / ٣٠٨ مادّة « قمم ».

(٤) الضّبع ـ والجمع أضباع ـ : وسط العضد بلحمه ، يكون للإنسان وغيره ، وقيل : العضد كلها ، وقيل : ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاه ؛ انظر : لسان العرب ٨ / ١٦ مادّة « ضبع ».


ثمّ قال : «من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله »(١) .

* * *

__________________

(١) انظر : ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ٥٦ ، تاريخ بغداد ٨ / ٢٩٠ رقم ٤٣٩٢ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٦٩ ح ٢٤ ، شواهد التنزيل ١ / ١٥٧ ـ ١٥٨ ح ٢١١ ـ ٢١٢ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٣٣ و ٢٣٤ و ٢٣٧ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٣٥ ح ١٥٢ ، تذكرة الخواصّ : ٣٦ ، فرائد السمطين ١ / ٧٤ ح ٤٠.


وقال الفضل(١) :

في صحيح البخاري ومسلم : إنّ هذه الآية نزلت في حجّة الوداع ، ليلة عرفة ، حين قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الموقف(٢) ؛ ولا خلاف في هذا ، والذي ذكره من مفتريات الشيعة.

وإن صحّ ، فقد ذكرنا قبل هذا أنّ وصيّة غدير خمّ لم تكن نصّا ، بل توصية لأهله وأقاربه ، وتعريف عليّ بين العرب ، وليتّخذوه سيّد بني هاشم(٣) .

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٢٧.

(٢) صحيح البخاري ٦ / ٩٩ ـ ١٠٠ ح ١٢٨ ، صحيح مسلم ٨ / ٢٣٨ كتاب التفسير ، كلاهما عن عمر.

(٣) راجع ج ٤ / ٣١٥ ـ ٣١٦ من هذا الكتاب.


وأقول :

حكاه المصنّفرحمه‌الله في « منهاج الكرامة » ، عن أبي نعيم(١) .

وقال السيوطي في « الدرّ المنثور » : « أخرج ابن مردويه ، وابن عساكر ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : لمّا نصب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّا يوم الغدير فنادى له بالولاية ، هبط جبرئيل بهذه الآية :( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) (٢) .

وقال أيضا : « أخرج ابن مردويه ، والخطيب ، وابن عساكر ، عن أبي هريرة ، قال : لمّا كان يوم غدير خمّ ، وهو يوم ثماني عشر ذي الحجّة ، قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :من كنت مولاه فعليّ مولاه ، فأنزل الله :( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) (٣) .

ونقل السيّد السعيدرحمه‌الله مثل ذلك عن ابن جرير الطبري ، وابن عقدة ، في ما جمعاه من طرق حديث الغدير(٤) .

وعن الثعلبي ، وابن المغازلي ، والحافظ محمّد الجزري الشافعي في رسالته المسمّاة ب‍ « أسنى المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب »(٥) .

فظهر أنّ الذي ذكره المصنّفرحمه‌الله من روايات القوم ، وهي كثيرة

__________________

(١) منهاج الكرامة : ١١٨ ـ ١١٩ ، وانظر : ما نزل من القرآن في عليّ : ٥٦.

(٢) الدرّ المنثور ٣ / ١٩ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٣٧.

(٣) الدرّ المنثور ٣ / ١٩ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٣٣ ـ ٢٣٤ ، تاريخ بغداد ٨ / ٢٩٠ رقم ٤٣٩٢.

(٤) إحقاق الحقّ ٣ / ٣٢٨ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٦٩ ح ٢٤.

(٥) إحقاق الحقّ ٣ / ٣٢٨ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٦٩ ح ٢٤.


متعاضدة ، فهي حجّة عليهم.

وأمّا ما نقله الفضل عن الصحيحين ، فهو من رواية عمر ، الذي هو أساس نقض عهد الغدير ، فكيف تعتبر روايته؟!

على أنّ رواية الفضل لا تقوم حجّة على خصمه ، فكيف يحتجّ علينا بهذه الرواية ، التي نعتقد أنّها من موضوعات عمر أو أوليائه؟!

ثمّ إنّ قوله تعالى :( وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) (١) ، أدلّ دليل على نصب إمام ؛ حيث إنّه أعظم النعم على الأمّة ، وبدونه لن تتمّ النعمة.

وكذا إكمال الدين ؛ فإنّه إنّما يحصل بنصب الإمام ، بناء على أنّ الإمامة من أصول الدين ، كما نقوله ، وسبق دليله(٢) .

وبالضرورة والإجماع إن كان ثمّة إمام منصوب ، فهو أمير المؤمنينعليه‌السلام .

وأمّا قوله : « فقد ذكرنا قبل هذا » إلى آخره ، فقد عرفت ما فيه(٣) .

ومن المضحك قوله : « وتعريف عليّ بين العرب » ، فإنّ عليّاعليه‌السلام أغنى الناس عن التعريف ، شخصا وشأنا ، فإن كان هناك تعريف فليس هو إلّا بالإمامة.

ولا أعرف وجها للتخصيص ببني هاشم في قوله : « وليتّخذوه سيّد بني هاشم » ، إلّا دفع سيادة أمير المؤمنين لخلفائهم ، خلافا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذ يقول : « من كنت مولاه فعليّ مولاه ».

__________________

(١) سورة المائدة ٥ : ٣.

(٢) انظر : ج ٤ / ٢١١ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٣) انظر : ج ٤ / ٣١٧ وما بعدها من هذا الكتاب.


فإنّ « المولى » هو : السيّد الأولى بالتصرّف بالمولّى عليه من نفسه ، كما يشهد له فهم الفضل لسيادته من الحديث ، وإن خصّها ببني هاشم.

والعجب منه حيث لم يقرّ بما أقرّ به إمامه عمر ؛ إذ قال لعليّعليه‌السلام :

« بخ بخ! أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة »(١) .

وفي رواية قال له الشيخان ذلك ، كما سبق(٢) .

ثمّ لا أدري أيّ عاقل يتصوّر أن تكون غاية النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في ما فعله بغدير خمّ مجرّد جعل عليّعليه‌السلام سيّدا لبني هاشم؟!

وما الفائدة في اتّخاذ العرب له سيّدا لبني هاشم؟!

فانظر إلى هؤلاء كيف خالفوا الضرورة لجحد فضل سيّد المسلمين!!

* * *

__________________

(١) مسند أحمد ٤ / ٢٨١ ، تاريخ بغداد ٨ / ٢٩٠ رقم ٤٣٩٢ ، زين الفتى ٢ / ٢٦٥ ح ٤٧٤ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٦٩ ح ٢٤ ، شواهد التنزيل ١ / ١٥٧ ح ٢١٠ وص ١٥٨ ح ٢١٣ ، سرّ العالمين : ٤٥٣ باب في ترتيب الخلافة والمملكة ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٥٦ ح ١٨٤ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٣٣ و ٢٣٤ ، الرياض النضرة ٣ / ١٢٦ ـ ١٢٧ ، البداية والنهاية ٧ / ٢٧٩.

(٢) تقدّم في ج ١ / ١٩ ه‍ ١ وج ٤ / ٣٣٦ ، وانظر : زين الفتى ٢ / ٢٦٣ ح ٤٧٢ ، فيض القدير بشرح الجامع الصغير ٦ / ٢٨٢ ضمن ح ٩٠٠٠ ، الصواعق المحرقة : ٦٧ ، الفتوحات الإسلامية ٢ / ٤٢٨.


٣٦ ـ سورة النجم

قال المصنّف ـ طاب مرقده ـ(١) :

السادسة والثلاثون : قوله تعالى :( وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ) (٢) .

روى الجمهور ، عن ابن عبّاس ، قال : « كنت جالسا مع فئة(٣) من بني هاشم عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إذ انقضّ كوكب ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « من انقضّ هذا النجم في منزله فهو الوصيّ من بعدي ».

فقام فئة(٤) من بني هاشم فنظروا ، فإذا الكوكب قد انقضّ في منزل عليّ بن أبي طالب ، فقالوا : يا رسول الله! لقد غويت في حبّ عليّ.

فأنزل الله :( وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى ) (٥) (٦) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٢.

(٢) سورة النجم ٥٣ : ١.

(٣) كذا في الأصل ، وفي المصدر : فتية.

والفئة : الجماعة من الناس ، والجمع : فئات وفئون ؛ انظر : لسان العرب ١٠ / ١٦٩ مادّة « فأي ».

(٤) كذا في الأصل ، وفي المصدر : فتية.

والفئة : الجماعة من الناس ، والجمع : فئات وفئون ؛ انظر : لسان العرب ١٠ / ١٦٩ مادّة « فأي ».

(٥) سورة النجم ٥٣ : ١ و ٢.

(٦) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٣٣ ـ ٢٣٤ ح ٣١٣ وص ٢٥٩ ـ ٢٦٠ ح ٣٥٣ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٩٢ ، شواهد التنزيل ٢ / ٢٠٣ ـ ٢٠٤ ح ٩١٢ ، كفاية الطالب : ٢٦١.


وقال الفضل(١) :

آثار الوضع والافتراء على هذا النقل ظاهر لا خفاء به ، فإنّ هذه السورة نزلت في أوائل بعثة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وابن عبّاس لم يولد ، فكيف روى هذا الحديث؟!

ثمّ نسبته الغواية إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في حبّ عليّ ، وربط الآية بها ، في غاية الركاكة ، ولا يخفى هذا.

ولو صحّ ، دلّ على وصايته ، والوصاية غير الخلافة.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٣٦.


وأقول :

نقله المصنّفرحمه‌الله في « منهاج الكرامة » ، عن ابن المغازلي الشافعي ، عن ابن عبّاس(١) .

ونقله السيّد السعيدرحمه‌الله ، عن أبي حامد الشافعي(٢) (٣) .

وذكر ابن تيميّة روايتين أيضا ، إحداهما عن ابن عبّاس ، والأخرى عن أنس(٤) ، زعم أبو الفرج أنّهما من الموضوعات ؛ لضعف سنديهما ، وكون الأولى مرويّة عن ابن عبّاس ، وهي مصرّحة بانقضاض النجم بأثر المعراج ، وابن عبّاس حينئذ ابن سنتين ، فكيف يشهد تلك الحالة ـ أي حالة الانقضاض ـ ويرويها؟!

__________________

(١) منهاج الكرامة : ١١٩ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٥٩ ـ ٢٦٠ ح ٣٥٣.

(٢) هو : أبو سعد عبد الملك بن أبي عثمان محمّد بن إبراهيم بن يعقوب الواعظ النيسابوري الخركوشي ، نسبة إلى « خركوش » سكّة بنيسابور ، من فقهاء الشافعية ، سمع بنيسابور وحدّث بها ، حدّث عنه الحاكم وهو أكبر منه ، وحدّث ببغداد ودمشق ومصر ، ودخل مكّة حاجّا وأقام بها مجاورا عدّة سنين ، ثمّ انصرف إلى نيسابور ، وبنى فيها دارا للمرضى ، وتوفّي بها سنة ٤٠٦ ه‍ ؛ من مصنّفاته : تفسير كبير ، شرف المصطفى ، دلائل النبوّة ، سير العبّاد والزهّاد.

انظر : تاريخ بغداد ١٠ / ٤٣٢ رقم ٥٥٩٤ ، تاريخ دمشق ٣٧ / ٩٠ رقم ٤٢٥٠ ، الأنساب ـ للسمعاني ـ ٢ / ٣٥٠ ( الخركوشي ) ، المنتظم ٩ / ١٤٦ ، معجم البلدان ٢ / ٤١٢ رقم ٤٢١٣ ، سير أعلام النبلاء ١٧ / ٢٥٦ رقم ١٥٣ ، طبقات الشافعية الكبرى ـ للسبكي ـ ٥ / ٢٢٢ رقم ٤٧٨.

(٣) إحقاق الحقّ ٣ / ٣٤٠ ـ ٣٤١ ، وفيه : في نسخة : « أبو سعد » بدل « أبو حامد ».

(٤) منهاج السنّة ٧ / ٦٣ و ٦٥.


وكون الثانية عن أنس ، وهو إنّما خدم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالمدينة ، والمعراج قبل الهجرة بسنة(١) .

وفيه ـ مع ما عرفت مرارا من أنّ ضعف سند الرواية عندهم في فضل أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ولا سيّما المتعلّقة بخلافته ، غير ضائر في صحّتها(٢) ـ :

إنّ الرواية إذا تعدّدت أسانيدها قوي اعتبارها ، ولا سيّما مع موافقتها للأخبار الكثيرة المصرّحة بخلافة عليّعليه‌السلام ووصايته.

وأمّا قوله : « إنّ ابن عبّاس كان حين المعراج ابن سنتين » ، فغير مسلّم

ذكر في « الاستيعاب » بترجمة ابن عبّاس ، من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أبيه ، بسنده عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس ، قال : « توفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا ابن خمس عشرة سنة »

قال عبد الله : قال أبي : وهذا هو الصواب »(٣) .

فيكون ابن عبّاس حين الهجرة ابن خمس سنين ، كما قال ابن تيميّة : « له نحو خمس سنين »(٤) ، وقال به كثير منهم(٥) .

وحينئذ : فله عند المعراج أربع سنين ، ولا شكّ أنّ مثله في معرفته وذكائه يلتفت إلى مثل ذلك.

__________________

(١) الموضوعات ١ / ٣٧٢ ـ ٣٧٤.

(٢) انظر : ج ١ / ٧ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٣) الاستيعاب ٣ / ٩٣٤ رقم ١٥٨٨.

(٤) منهاج السنّة ٧ / ٦٦.

(٥) انظر : أسد الغابة ٣ / ١٩٠ رقم ٣٠٣٥ ، تهذيب الكمال ١٠ / ٢٥٥ رقم ٣٣٤٠ ، سير أعلام النبلاء ٣ / ٣٣٥ رقم ٥١ ، تهذيب التهذيب ٤ / ٣٥٧ رقم ٣٤٩٨.


وكيف لا؟! وقد روى الروايات الكثيرة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله المتعلّقة بالأمور الخفيّة وهو صبيّ!

فكيف لا يحسن أن يروي وهو ابن أربع سنين ما شاهده من الأمر الغريب ، الذي يلتفت إليه سائر الصبيان؟!

وأمّا أنس ، فيمكن أن يكون جاء بصحبة أحد إلى مكّة قبل الهجرة بسنة فشاهد ما شاهد.

وأمّا ما زعمه الفضل وابن تيميّة ، من أنّ سورة النجم نزلت في أوائل البعثة(١) ، فممنوع

نعم ، قيل : إنّها مكّيّة(٢) ، وهو لا يقتضي ما زعماه.

وقد ذكر ابن تيميّة هنا ما لا يستحقّ الجواب(٣) ، وإن تكلّفنا بردّ بعضه في طيّ الكلام الآتي.

وأمّا ما زعمه الفضل من الركاكة في نسبة الغواية إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وربط الآية بها

ففيه : إنّ الكافرين والمنافقين إذا لم ينسبوا الغواية له في حبّ عليّ ، فمن ينسبها إليه؟! وليست هي بأعظم من نسبة الهجر له.

كما إنّ تلك النسبة ليست بغريبة من بني هاشم ، فإنّهم ليسوا بأعظم من أولاد يعقوب الّذين صاروا بزعم القوم أنبياء ، وقد نسبوا إلى أبيهم الضلال في حبّ يوسفعليه‌السلام .

__________________

(١) منهاج السنّة ٧ / ٦٦.

(٢) تفسير البغوي ٤ / ٢٢٣ ، تفسير الفخر الرازي ٢٨ / ٢٧٨ ، البحر المحيط ٨ / ١٥٣ ، الدرّ المنثور ٧ / ٦٣٩ ، روح المعاني ٢٧ / ٦٨.

(٣) انظر : منهاج السنّة ٧ / ٦٧.


وأمّا ربط الآية بنسبة الغواية إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في هوى عليّعليه‌السلام وبيان وصيّته ، فأوضح حالا من تجاهل الفضل.

وأمّا قوله : « إنّ الوصاية غير الخلافة » ، فباطل ؛ لأنّ غير الخلافة لا يحتاج إلى هذا البرهان العظيم ، ولا يوجب نسبة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الغواية.

مع أنّ روايتي ابن تيميّة مصرّحتان بالخلافة ، فإنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال في إحداهما : «في دار من وقع هذا النجم فهو خليفتي من بعدي »(١) ، وفي الأخرى : «من انقضّ في داره فهو الخليفة بعدي »(٢) .

ثمّ إنّ النجم الذي هوى يحتمل أن يكون من نجوم السماء ، أنزله الله تعالى بجرم صغير في دار عليّعليه‌السلام معجزة ؛ ليجعله آية ظاهرة لإمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، كما شقّ القمر وأنزله بجرم صغير إلى الأرض معجزة لرسالة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ويحتمل أن يكون من غيرها ، فإنّ الآيات الإلهيّة لا يستبعد فيها شيء ممكن ، كما لا يستبعد بيان خلافة أمير المؤمنينعليه‌السلام بمكّة ، لتتضافر الحجج عليهم ، فإنّه يعلم عاقبة قريش مع عليّعليه‌السلام ، كما لا يمنع من بيانها صغر سنّه ؛ ولذا نصّ له بالخلافة في أوّل رسالته عند ما أنزل الله سبحانه :( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (٣) ، وجمع بني هاشم ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

ثمّ إنّه لا ينافي وجه النزول ـ الذي ذكرته تلك الروايات ـ ما حكاه

__________________

(١) منهاج السنّة ٧ / ٦٣.

(٢) منهاج السنّة ٧ / ٦٥.

(٣) سورة الشعراء ٢٦ : ٢١٤.


السيوطي في « الدرّ المنثور » ، عن ابن مردويه ، أنّه أخرج عن أبي الحمراء ، وحبّة العرني ، قالا :

« أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن تسدّ الأبواب التي في المسجد ، فشقّ عليهم إلى أن قالا : فقال رجل : ما يألو يرفع ابن عمّه ، [ قال : ] فعلم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قد شقّ عليهم ، فدعا بالصلاة جامعة ، فلمّا اجتمعوا صعد المنبر ، فلم يسمع لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خطبة قطّ كان أبلغ منها تمجيدا وتوحيدا.

فلمّا فرغ قال : «أيّها الناس! ما أنا سددتها ، ولا أنا فتحتها ، ولا أنا أخرجتكم وأسكنته » ، ثمّ قرأ :( وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلأَوَحْيٌ يُوحى ) (١) »(٢) .

وإنّما قلنا : إنّه لا ينافيه ؛ لأنّ هذه الرواية لا تقتضي إلّا استشهاد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالآيات ، إذ لم يهو نجم حينئذ ، فلا تنافي نزولها سابقا في أمر خلافة أمير المؤمنينعليه‌السلام .

__________________

(١) سورة النجم ٥٣ : ١ ـ ٤.

(٢) الدرّ المنثور ٧ / ٦٤٢.


٣٧ ـ سورة العاديات

قال المصنّف ـ قدّس الله روحه ـ(١) :

السابعة والثلاثون : أقسم الله تعالى بخيل جهاده في « غزوة السلسلة »(٢) لمّا جاء جماعة من العرب واجتمعوا على وادي الرملة ليبيّتوا(٣) النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالمدينة ، فقال النبيّ لأصحابه : من لهؤلاء؟

فقام جماعة من أهل الصفّة(٤) ، فقالوا : نحن ؛ فولّ علينا من شئت!

فأقرع بينهم ، فخرجت القرعة على ثمانين رجلا منهم ومن غيرهم.

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٣.

(٢) غزوة السلسلة : هي الغزوة التي حدثت في السنة الثامنة للهجرة ، والتي جرت بين المسلمين وبين جماعة من قضاعة أرادوا التآمر على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد سمّيت ب‍ « غزوة السلاسل » نسبة إلى الموضع الذي وقعت فيه ، وهو ماء بأرض جذام ، يقال له : سلاسل ، وهو على بعد عشرة أيّام من المدينة ، وتقع وراء وادي القرى.

انظر : تاريخ الطبري ٢ / ١٤٦ ، الكامل في التاريخ ٢ / ١١٠ ، المنتظم ٢ / ٣٩٠.

(٣) بيّت الأمر : عمله أو دبّره ليلا ، وكلّ ما فكّر فيه من سوء ، أو خيض فيه ، أو قدّر بليل ، فقد بيّت ؛ انظر : تاج العروس ٣ / ٢٤ مادّة « بيت ».

(٤) أهل الصفّة : هم فقراء المهاجرين ، ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه ، فكانوا يأوون إلى موضع مظلّل في مسجد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يسكنونه.

انظر مادّة « صفف » في : النهاية في غريب الحديث ٣ / ٣٧ ، لسان العرب ٧ / ٣٦٤.


فأمر أبا بكر بأخذ اللواء والمضيّ إلى بني سليم(١) ، وهم ببطن الوادي ، فهزموهم وقتلوا جمعا من المسلمين ، وانهزم أبو بكر.

وعقد لعمر وبعثه ، فهزموه ، فساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال عمرو بن العاص : ابعثني يا رسول الله! فأنفذه ، فهزموه وقتلوا جماعة من أصحابه.

وبقي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أيّاما يدعو عليهم.

ثمّ طلب أمير المؤمنينعليه‌السلام وبعثه إليهم ، ودعا له وشيّعه إلى مسجد الأحزاب ، وأنفذ معه جماعة ، منهم : أبو بكر ، وعمر ، وعمرو بن العاص.

فسار الليل وكمن النهار حتّى استقبل الوادي من فمه ، فلم يشكّ عمرو بن العاص أنّه يأخذهم ، فقال لأبي بكر : هذه أرض سباع وذئاب وهي أشدّ علينا من بني سليم ، والمصلحة أن نعلو الوادي ؛ وأراد إفساد الحال وقال : قل ذلك لأمير المؤمنين ؛ فقال له أبو بكر ، فلم يلتفت إليه.

ثمّ قال لعمر ، فلم يجبه أمير المؤمنينعليه‌السلام .

وكبس على القوم الفجر ، فأخذهم ، فأنزل الله تعالى :( وَالْعادِياتِ ضَبْحاً ) (٢) السورة.

واستقبله النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فنزل أمير المؤمنين ، وقال له النبيّ :

__________________

(١) بنو سليم : قبيلة عظيمة من قيس بن عيلان ، من العدنانية ، تنتسب إلى سليم بن منصور بن عكرمة ، تتفرّع إلى عدّة عشائر وبطون ، وكانت لهم عدّة منازل منها : عليّة نجد بالقرب من خيبر ، وحرّة سليم ، وغيرها ، قاتلهم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في عدّة مواطن.

انظر : معجم قبائل العرب ٢ / ٥٤٣ ـ ٥٤٦.

(٢) سورة العاديات ١٠٠ : ١ ـ ١١.


«لو لا أن أشفق أن يقول فيك طوائف من أمّتي ما قالت النصارى في المسيح ، لقلت فيك اليوم مقالا لا تمرّ بملأ منهم إلّا أخذوا التراب من تحت قدميك ، اركب فإنّ الله ورسوله عنك راضيان »(١) .

* * *

__________________

(١) انظر : الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ١٦٢ ـ ١٦٥ ، تفسير القمّي ٢ / ٤٣٥ ـ ٤٣٩ ، تفسير فرات ٢ / ٥٩١ ـ ٦٠٣ ح ٧٥٨ ـ ٧٦١ ، الخرائج والجرائح ١ / ١٦٧ ح ٢٥٧.


وقال الفضل(١) :

قصّة غزوة ذات السلاسل منقولة في الصحاح ، وأنّها تصدّاها عمرو ابن العاص بتأمير رسول الله إيّاه ، وكان الفتح بيده(٢) .

وأمّا ما ذكره ، فليس بمنقول في الصحاح ، بل اشتمل على المناكير ، فإنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كيف يجوز أن يدّعي ألوهيّة عليّ؟!

والمفهوم من هذا الخبر أنّ النبيّ كان يريد أن يقول بألوهيّة عليّ ، ولكنّه خاف أن يعبده الناس.

وهذا كلام غلاة الرافضة ، ولا ينبغي نقل هذا لمسلم فضلا عن فاضل(٣) .

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٤٥.

(٢) نعم ، بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عمرو بن العاص في هذه الغزوة ، ولكن لم يذكر أحد أنّ الفتح كان على يديه ، بل اختلف هو وأبو عبيدة حول الإمرة!!

انظر : صحيح البخاري ٥ / ٣٢٩ ح ٣٥٥ ، صحيح مسلم ٧ / ١٠٩ ، كنز العمّال ١٠ / ٥٦٤ ح ٣٠٢٥٣ وص ٥٩٨ ح ٣٠٢٩٤.

(٣) ليس هذا من كلام غلاة الرافضة ؛ بل رواه جمع من الأئمّة والحفّاظ الأثبات ، منهم : أبو عبد الله أحمد بن حنبل في « المسند » كما في شرح نهج البلاغة ٩ / ١٦٨ ، والطبراني في المعجم الكبير ١ / ٣٢٠ ح ٩٥١ ، وابن المغازلي في مناقب الإمام عليّعليه‌السلام : ٢١٦ ح ٢٨٥ ، والخوارزمي في مناقب الإمام عليّعليه‌السلام : ١٢٨ ـ ١٢٩ ح ١٤٣ وص ١٥٨ ح ١٨٨ وص ٣١١ ح ٣١٠ ، والكنجي في كفاية الطالب : ٢٦٤ ، والهيثمي في مجمع الزوائد ٩ / ١٣١.


وأقول :

لم يذكر البخاري ولا غيره ممّن اطّلعت على ذكره لهذه الغزوة كالطبري ، وابن الأثير ، أنّ الفتح على يد عمرو(١) ، فلا يبعد أنّه من وضع الفضل.

وأمّا نفيه لوجود ما حكاه المصنّفرحمه‌الله في صحاحهم ، فلا يدلّ على عدم صحّته ؛ إذ ليس كلّ ما لم يكن فيها غير صحيح عندهم.

وأمّا قوله : « والمفهوم من هذا الخبر ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يريد » إلى آخره

فمنشأه اعوجاج فهمه ، أو تغيير الكلم عن مواضعه ؛ فإنّ صريح الخبر أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أشفق من قولهم بإلهيّة عليّعليه‌السلام ، التي لا يقولها إلّا مبطل ، كإلهيّة المسيح

وهو حقّ ؛ فإنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لو ذكر فضله الواقعي ، وأنّ الله أقدره على خوارق العادات ، حيث إنّه أظهر مصاديق قوله تعالى في الحديث القدسي : «عبدي أطعني تكن مثلي ، تقول للشيء : كن ، فيكون »(٢) ، أو بيّن فضائله الفاضلة ، التي يفوق بها الأنبياء السابقين ، ويمتاز بها عن الأمّة أجمعين ، لخافصلى‌الله‌عليه‌وآله من طوائف من أمّته أن يقولوا بربوبيّته ، كما وقع لكثير منهم لمّا رأوا منه بعض خوارق العادة.

__________________

(١) صحيح البخاري ٥ / ٣٢٩ ح ٣٥٥ ، تاريخ الطبري ٢ / ١٤٦ ـ ١٤٧ ، الكامل في التاريخ ٢ / ١١٠.

(٢) انظر : الجواهر السنيّة في الأحاديث القدسية : ٣٦١.


وقد ورد مضمون هذا الخبر في جملة من أخبار القوم فضلا عن أخبارنا(١) ، فقد حكاه في « ينابيع المودّة » عن أحمد في مسنده من طريقين(٢) ، وكذا عن موفّق بن أحمد(٣) .

وقال الشافعي في ما نسب إليه [ من الوافر ] :

لو أنّ المرتضى أبدى محلّه

لصار الخلق طرّا سجّدا له

كفى في فضل مولانا عليّ

وقوع الشكّ فيه أنّه الله(٤)

* * *

__________________

(١) انظر : الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ١٦٥ ، إعلام الورى ١ / ٣٦٦.

(٢) ينابيع المودّة ١ / ٣٩٣ ح ٥ ، وانظر : المعجم الكبير ١ / ٣٢٠ ح ٩٥١ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٣١ ، كفاية الطالب : ٢٦٤ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢١٦ ح ٢٨٥.

(٣) ينابيع المودّة ١ / ١٩٩ ـ ٢٠٠ ضمن ح ٢ وص ٣٩١ ح ٤ ـ ٦ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٢٩ ح ١٤٣ وص ٣١١ ح ٣١٠.

(٤) انظر : كتاب الأربعين ـ لمحمّد طاهر الشيرازي ـ : ٣٨٠.


٣٨ ـ آية :( أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً )

قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :

الثامنة والثلاثون : قوله تعالى :( أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ) (٢) .

المؤمن : عليّعليه‌السلام ، الفاسق : الوليد(٣) ؛ نقله الجمهور(٤) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٤.

(٢) سورة السجدة : ٣٢ : ١٨.

(٣) هو : الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي ، أخو عثمان بن عفّان لأمّه ، قتل أبوه بأمر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد معركة بدر ، فقد كان شديد الأذى للرسول والمسلمين ؛ ولّاه عمر بن الخطّاب صدقات بني تغلب ، وكان واليا لعثمان على الكوفة سنة ٢٨ ه‍ ، وعرف بإدمانه على الخمر ، وقد أمّ الناس وهو سكران ، وأقيم عليه الحدّ ، واشتهر بفسقه حتّى أنزل الله فيه هذه الآية ؛ لم يعرف متى ولد ، وقيل : توفّي في زمن معاوية.

انظر : الاستيعاب ٤ / ١٥٥٢ رقم ٢٧٢١ ، تهذيب الكمال ١٩ / ٤٣٥ رقم ٧٣١٧ ، سير أعلام النبلاء ٣ / ٤١٢ رقم ٦٧ ، الإصابة ٦ / ٦١٤ رقم ٩١٥٣ ، تهذيب التهذيب ٩ / ١٥٩ ـ ١٦٠ رقم ٧٧٢٣.

(٤) انظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٧٥٦ ح ١٠٤٣ ، أنساب الأشراف ٢ / ٣٨٠ ـ ٣٨١ ، تفسير الطبري ١٠ / ٢٤٤ ـ ٢٤٥ ح ٢٨٢٦٢ ، الأغاني ٥ / ١٥٣ ، الكامل في الضعفاء ٦ / ١١٨ رقم ١٦٢٦ ، تفسير الثعلبي ٧ / ٣٣٣ ، تاريخ بغداد ١٣ / ٣٢١ رقم ٧٢٩١ ، أسباب النزول ـ للواحدي ـ : ١٩٥ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٦٨ ح ٣٧٠ و ٣٧١ ، شواهد التنزيل ١ / ٤٤٥ ـ ٤٥٣ ح ٦١٠ ـ ٦٢٣ ، تفسير البغوي ٣ / ٤٣٣ ، الكشّاف ٣ / ٢٤٥ ـ ٢٤٦ ، أحكام القرآن ـ لابن العربي ـ ٣ / ٥٣٥ ، تاريخ دمشق ٦٣ / ٢٣٥ ، زاد المسير ٦ / ١٨٢ ، مطالب السؤول : ـ


وقال الفضل(١) :

جاء هذا في تفاسير أهل السنّة ، والآية نازلة في عليّ ، وهو من فضائله التي لا تحصر.

__________________

ـ ٩٣ ـ ٩٤ ، كفاية الطالب : ١٤٠ ـ ١٤١ ، تفسير القرطبي ١٤ / ٧٠ ، تفسير ابن كثير ٣ / ٤٤٥ ، تفسير البحر المحيط ٧ / ٢٠٣ ، الدرّ المنثور ٦ / ٥٥٣ ، فتح القدير ٤ / ٢٥٥.

وقد نظم حسان بن ثابت الواقعة في الأبيات التالية ، فانظرها في « كفاية الطالب » :

أنزل الله والكتاب عزيز

في عليّ وفي الوليد قرآنا

فتبوّأ الوليد من ذاك فسقا

وعليّ مبوّأ إيمانا

ليس من كان مؤمنا عرف الله

كمن كان فاسقا خوّانا

فعليّ يجزى هناك نعيما

ووليد يجزى هناك هوانا

سوف يجزى الوليد خزيا ونارا

وعليّ لا شكّ يجزى جنانا

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٥٢.


وأقول :

المراد بالفاسق في الآية : الكافر ، ولو في وقت سابق ، بقرينة المقابلة مع المؤمن.

وإنّما قلنا : ولو في وقت سابق ؛ لأنّ الوليد كان حين نزول الآية مسلما ، فإذا دلّت الآية على عدم استواء الكافر ولو في وقت ما مع المؤمن في جميع أوقاته ، على وجه تفيد قاعدة كلّيّة ، كما هو ظاهرها ، وإن نزلت في مورد خاصّ ، فقد دلّت على عدم استواء الخلفاء الثلاثة مع أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ لثبوت الكفر في وقت ، فيتعيّن للإمامة.

فإن قلت : لعلّ المراد بالفاسق ، هو المسلم الذي لم يدخل الإيمان في قلبه ، بقرينة المقابلة مع المؤمن ، وهو الذي دخل الإيمان في قلبه ، قال تعالى :( قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) (١) ، وحينئذ فلا يقتضي عدم خلافة الثلاثة ؛ لأنّهم ليسوا كالوليد.

قلت : لو سلّم جميع ذلك ، أو قلنا : إنّ الوليد من المنافقين ، يظهر الإيمان ويبطن الكفر ، كما تدلّ على كفره الآيات اللاحقة لهذه الآية ، حيث أثبتت له التكذيب بعذاب النار ، كما ستسمعها ، فقد لزم عدم صحّة خلافة عثمان ؛ لأنّه قد ولّى هذا الفاسق على المسلمين ، وكان يعظّمه كثيرا ـ بعد ما خالف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في ردّه ـ ، حتّى كان لا يجلس معه على سريره غيره

__________________

(١) سورة الحجرات ٤٩ : ١٤.


وغير العبّاس وأبي سفيان والحكم(١) ، كما رواه القوم(٢) ، وستعرفه إنّ شاء الله تعالى.

اللهمّ إلّا أن يدّعى علمه بإيمان الوليد بعد فسقه ، وهو باطل ؛ فإنّ الله سبحانه لا يفضح على طول الدهر من يعلم بحسن عاقبته.

بل الآيات صريحة بأنّ الوليد مستمرّ على تكذيبه ، وأنّه من أهل النار

قال السيوطي في « الدرّ المنثور » أخرج ابن إسحاق ، وابن جرير عن عطاء بن يسار قال : « نزلت بالمدينة في عليّ ، والوليد بن عقبة ، كان بين الوليد وبين عليّ كلام

فقال الوليد : أنا أبسط منك لسانا ، وأحدّ منك سنانا ، وأردّ منك للكتيبة.

فقال عليّ : أسكت! فإنّك فاسق ؛ فأنزل تعالى :( أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ) (٣) (٤) الآيات كلّها ويعني بالآيات قوله تعالى :

__________________

(١) هو : الحكم بن أبي العاص بن أميّة الأموي ، عمّ عثمان بن عفّان ، أسلم بعد الفتح ، وقد طرده الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الطائف ؛ لأنّه كان يفشي أسرار الرسول ، ويحاكيه في حركاته ، وهو الذي قال فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « ويل لأمّتي ممّا في صلب هذا » ؛ أعاده عثمان إلى المدينة وآواه ووصله بمئة ألف ، إلى أن توفّي بها على عهده.

انظر : الاستيعاب ١ / ٣٥٩ رقم ٥٢٩ ، الجرح والتعديل ٣ / ١٢٠ رقم ٥٥٥ ، الإصابة ٢ / ١٠٤ ١٧٨٣ ، سير أعلام النبلاء ٢ / ١٠٧ رقم ١٤

(٢) انظر : الأغاني ٥ / ١٣٥ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٧ / ٢٢٧.

(٣) سورة السجدة ٣٢ : ١٨.

(٤) الدرّ المنثور ٦ / ٥٥٣ ، وانظر : تفسير الطبري ١٠ / ٢٤٥ ح ٢٨٢٦٢.


( أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) (١) .

وإذا بطلت إمامة عثمان ، بطلت إمامة صاحبيه ؛ لأنّها من باب واحد ، واختصّت بعليّعليه‌السلام ، لا سيّما وقد بشّر بجنّة المأوى.

وقد سبق في الآية الثانية والثلاثين أنّ بشارة شخص بالجنّة وإعلامه بأنّه من أهلها يستدعي تفضيله وإمامته(٢) .

* * *

__________________

(١) سورة السجدة ٣٢ : ١٩ و ٢٠.

(٢) راجع الصفحة ١٤٣ ـ ١٤٤ من هذا الجزء.


٣٩ ـ آية :( وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ )

قال المصنّف ـ طاب ثراه ـ(١) :

التاسعة والثلاثون : قوله تعالى :( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ) (٢) .

روى الجمهور ، أنّ( فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ) : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والشاهد : عليّعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٥.

(٢) سورة هود ١١ : ١٧.

(٣) تفسير الحبري : ٢٧٩ ـ ٢٨٠ ح ٣٦ ـ ٣٧ ، تفسير الطبري ٧ / ١٧ ح ١٨٠٦١ و ١٨٠٦٢ ، تفسير الثعلبي ٥ / ١٦٢ ، معرفة الصحابة ـ لأبي نعيم ـ ١ / ٨٨ ح ٣٤٦ ، ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ١٠٦ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٣٦ ح ٣١٨ ، شواهد التنزيل ١ / ٢٧٥ ـ ٢٨٢ ح ٣٧٢ ـ ٣٨٧ ، تفسير البغوي ٢ / ٣١٨ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٢٧٨ ح ٢٦٧ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٦٠ ، زاد المسير ٤ / ٦٦ ، تفسير الفخر الرازي ١٧ / ٢٠٩ ، تذكرة الخواصّ : ٢٥ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٦ / ١٣٧ ، كفاية الطالب : ٢٣٥ ، تفسير القرطبي ٩ / ١٣ ، الدرّ المنثور ٤ / ٤٠٩ ـ ٤١٠.


وقال الفضل(١) :

ليس هذا من تفاسير أهل السنّة(٢) ، وإن صحّ كان سهلا.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٥٧.

(٢) انظر : الهامش ٣ من الصفحة السابقة ، وما سيأتي من ردّ الشيخ المظفّرقدس‌سره ، حتّى يتّضح الحقّ.


وأقول :

قال الرازي : ذكروا في تفسير « الشاهد » وجوها ـ إلى أن قال ـ :

« ثالثها : إنّ المراد : عليّ بن أبي طالب ، والمعنى : أنّه يتلو تلك البيّنة.

وقوله :( مِنْهُ ) ، أي هذا الشاهد من محمّد وبعض منه ، والمراد منه تشريف هذا الشاهد بأنّه بعض من محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله »(١) .

وقال السيوطي في « الدرّ المنثور » : « أخرج ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبو نعيم في ( المعرفة ) ، عن عليّ بن أبي طالب ، قال :ما من رجل من قريش إلّا نزل فيه طائفة من القرآن.

فقال له رجل : ما نزل فيك؟

قال :أما تقرأ سورة هود :( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ) (٢) ؟! رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ) ، وأنا :( شاهِدٌ مِنْهُ ) »(٣)

ونحوه في تفسير الطبري(٤) .

وقال السيوطي أيضا : أخرج ابن مردويه ، وابن عساكر ، عن عليّ ، قال : «رسول الله :( عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ) ، وأنا :( شاهِدٌ مِنْهُ ) »(٥) .

__________________

(١) تفسير الفخر الرازي ١٧ / ٢٠٩.

(٢) سورة هود ١١ : ١٧.

(٣) الدرّ المنثور ٤ / ٤٠٩ ـ ٤١٠ ، وانظر : معرفة الصحابة ١ / ٨٨ ح ٣٤٦.

(٤) تفسير الطبري ٧ / ١٧ ح ١٨٠٦٢.

(٥) الدرّ المنثور ٤ / ٤١٠ ، وانظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٦٠ ح ٨٩٥٢.


وقال أيضا : أخرج ابن مردويه من وجه آخر ، عن عليّ ، قال : « قال رسول الله :( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ) ، قال : عليّ »(١) .

.. إلى غير ذلك ممّا حكي عن الثعلبي وجماعة(٢) .

وحينئذ ، فالآية دالّة على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام من وجوه :

الأوّل : إنّها جعلت عليّاعليه‌السلام شاهدا ، والمراد به : الشاهد على الأمّة ، بقرينة جعله تاليا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو يعطي الولاية على أمورهم ، كما قال تعالى :( إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ) (٣)

وقال تعالى :( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ ) (٤) .

الثاني : إنّها جعلت عليّا بعضا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : « عليّ منّي ، وأنا من عليّ »(٥)

وهو دليل المشاركة في العصمة ، والفضل ، وسائر الصفات الحميدة ، فيكون الأحقّ بخلافته.

الثالث : إنّها جعلت عليّا تاليا للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فإنّ ضمير المفعول في( يَتْلُوهُ ) مذكّر ، وهو على الظاهر عائد إلى( فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ

__________________

(١) الدرّ المنثور ٤ / ٤١٠.

(٢) انظر : تفسير الثعلبي ٥ / ١٦٢ ، تذكرة الخواصّ ، ينابيع المودّة ١ / ٢٩٤ ح ٣ ، فرائد السمطين ١ / ٣٣٨ ـ ٣٤١ ح ٢٦٠ ـ ٢٦٣.

(٣) سورة الفتح ٤٨ : ٨.

(٤) سورة النحل ١٦ : ٨٩.

(٥) تقدّم عن البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد ، وغيرهم ؛ فانظر : ج ٤ / ٣٠٧ ه‍ ١ وص ٤٠٦ ه‍ ١ من هذا الكتاب ؛ فراجع!


رَبِّهِ ) ، لا إلى « البيّنة » ، وإن احتمل بعيدا رجوعه إليها باعتبار أنّها بمعنى البرهان.

والمراد من تلوّه له : تعقّبه إيّاه ، إمّا في القيام مقامه بصيرورته خليفة له

أو في كونه مثله على بيّنة من ربّه

أو في كونه ظهيرا له على دعوته ، كما ورد عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه دعا ربّه أن يشدّ أزره بعليّ ، ويشركه في أمره ، فكان منه بمنزلة هارون من موسى(١) .

وعلى جميع الاحتمالات ، فالآية تدلّ على المطلوب

أمّا على الأوّل ؛ فظاهر

وأمّا على الثاني ؛ فلأنّ المراد بكون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على بيّنة من ربّه :

إمّا كونه ذا برهان على ما يدّعيه ؛ لثبوت المعجزة له من الله تعالى

أو كونه عالما بأنّ منزلته بجعل من الله تعالى.

وعلى الوجهين : فالتالي له ـ أي المماثل له في ذلك ـ لا بدّ أن يكون هو الإمام من عند الله تعالى ؛ لأنّ من يحتاج إلى البيّنة والإعجازهو النبيّ أو الإمام من الله تعالى ، ومن يعلم بأنّ منزلته من الله سبحانه لا بدّ أن يكون منصوصا عليه.

وأمّا على الثالث ؛ فلأنّ عليّا إذا كان هو الظهير لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في نشر دعوته كهارون من موسى ، كان أولى الناس بخلافته.

__________________

(١) انظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٨٤٣ ـ ٨٤٤ ح ١١٥٨ ، شواهد التنزيل ١ / ٣٦٨ ـ ٣٧١ ح ٥١٠ ـ ٥١٣ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٥٢ ، تفسير الفخر الرازي ١٢ / ٢٨ ، الدرّ المنثور ٥ / ٥٦٦.


ثمّ إنّه على تقدير رجوع ضمير المفعول في( يَتْلُوهُ ) إلى البيّنة ، بلحاظ معناها ـ وهو البرهان ـ ، فالدلالة على إمامة الشاهد ـ وهو عليّ أيضا ـ واضحة ؛ لأنّ تلوّه للبرهان بالشهادة للنبيّ بالنبوّة ظاهر في أنّه معتبر الشهادة بها ، كالمعجزات ، فهو من علائم النبوّة وشواهدها ، وكفاه بذلك فضلا على الأمّة ؛ فيكون إمامها.

فالآية ـ على هذا ـ نظير قوله تعالى :( كَفى بِاللهِ شَهِيداً وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) (١) .

وقد أوضحنا دلالته على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، في ما سبق(٢) .

* * *

__________________

(١) سورة الرعد ١٣ : ٤٣.

(٢) انظر الصفحة ١١٧ وما بعدها من هذا الجزء.


٤٠ ـ آية :( فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ )

قال المصنّف ـ قدّس الله روحه ـ(١) :

الأربعون : قوله تعالى :( فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ) (٢) .

قال الحسن البصري : استوى(٣) الإسلام بسيف عليّعليه‌السلام (٤) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٥.

(٢) سورة الفتح ٤٨ : ٢٩.

(٣) استوى الشيء : اعتدل ؛ انظر : لسان العرب ٦ / ٤٤٧ مادّة « سوا ».

(٤) انظر : تفسير الحسن البصري ٢ / ٢٩٣ ، تنوير المقباس من تفسير ابن عبّاس : ٥٤٦ وقال فيه : «( فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ) فقام على إظهار أمره في قريش بعليّ بن أبي طالب » ، وانظر : تفسير البغوي ٤ / ١٨٦.


وقال الفضل(١) :

جاء في التفسير ، أنّ هذه نزلت في الخلفاء الأربع :( كَزَرْعٍ ) : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ،( أَخْرَجَ شَطْأَهُ ) : أبو بكر ،( فَآزَرَهُ ) : عمر ،( فَاسْتَغْلَظَ ) : عثمان ،( فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ) : عليّ(٢) .

وهو من فضائله الكبيرة ، ولا يدلّ على النصّ.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٥٩.

(٢) تفسير البغوي ٤ / ١٨٦ ، الكشّاف ٣ / ٥٥١ ، زاد المسير ٧ / ٢١٦ ـ ٢١٧ ، شواهد التنزيل ٢ / ١٨٤ ـ ١٨٥ ح ٨٩٠ و ٨٩١ ، الدرّ المنثور ٧ / ٥٤٤.


وأقول :

نعم ، قاله بعض مفسّريهم برأيه ، وذكر بعضهم قريبا منه(١) .

ولعلّه أيضا مذكور في ما حكاه المصنّفرحمه‌الله عن الحسن ، وإن خلا عنه ما نقله في « كشف الغمّة » عن ابن مردويه عن الحسن(٢) .

لكن لعلم المصنّفرحمه‌الله بخطئه في حقّ الخلفاء الثلاثة ترك ذكره ، لا سيّما مع عدم مناسبته للترتيب والعطف بالفاء بالآية ؛ لأنّ الإسلام لم يكن استغلاظه بأيّام عثمان ، بل قبله ، خصوصا في أيّام عمر ، فلو قال : فاستغلظ : في أيّام عمر ، فآزره : عثمان ؛ كان له وجه ، لكنّه لا يناسب ترتيب الآية والعطف بالفاء.

كما أنّ الإسلام قد استوى بسيف عليّ في أيّام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكذا الاستغلاظ وغيره.

وبالجملة : ما ذكره الحسن وغيره ، من استواء الإسلام بسيف عليّعليه‌السلام ، حجّة عليهم بإقرارهم ، كما هو ضروريّ ، وهو دالّ على كبير جهاد أمير المؤمنين دون غيره.

ومن كثر جهاده ، وفاق غيره ، حتّى استوى الإسلام بسيفه ، كان

__________________

(١) راجع الصفحة السابقة ه‍ ٢ ، وانظر : روح المعاني ٢٦ / ١٩٤ وقال بعد إيراده جملة من هذه الأخبار : « وكلّ هذه الأخبار لم تصحّ في ما أرى ، ولا ينبغي تخريج ما في الآية عليها ».

(٢) كشف الغمّة ١ / ٣١٦.


الأفضل عند الله تعالى ، والأحقّ بالإمامة ؛ لفضله ، ولكونه لمّا استوى الإسلام بسيفه أوّلا ، كان أولى بنصره أخيرا ، وأرعى له فروعا وأصولا.

* * *


٤١ ـ آية :( يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ )

قال المصنّف ـ طاب ثراه ـ(١) :

الحادية والأربعون : قوله تعالى :( يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ) (٢) .

قال جابر الأنصاري : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «الناس من شجر شتّى ، وأنا وأنت يا عليّ من شجرة واحدة »(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٥.

(٢) سورة الرعد ١٣ : ٤.

(٣) المعجم الأوسط ٤ / ٤٤٣ ح ٤١٥٠ ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٢٦٣ ح ٢٩٤٩ ، تفسير الثعلبي ٥ / ٢٧٠ ، موضّح أوهام الجمع والتفريق ١ / ٤٩ ، فردوس الأخبار ١ / ٤٣ ح ١١٢ عن ابن عبّاس وج ٢ / ٣٧٦ ح ٧١٣٩ عن ابن عمر ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٤٣ ح ١٦٥ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٦٤ و ٦٥ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٠٠ ، كنز العمّال ١١ / ٦٠٨ ح ٣٢٩٤٣ و ٣٢٩٤٤.


وقال الفضل(١) :

قوله :( يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ) نزل في بيان أنّ الفواكه تختلف طعومها ، مع أنّها تسقى بماء واحد ، هذا من غرائب صنع الله ، وما ذكره من الحديث لا ربط له بالآية.

والعجب أنّ كلام هذا الرجل في غاية التشويش ، وكأنّه يزعم أنّ أحدا لا ينظر في كتابه ، أو كان ضعيف الرأي لا يعرف ربط الدليل بالمدّعى.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٦١.


وأقول :

قال السيوطي في « الدرّ المنثور » : أخرج الحاكم وصحّحه ، وابن مردويه ، عن جابر : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «يا عليّ! الناس من شجر شتّى ، وأنا وأنت من شجرة واحدة » ، ثمّ قرأ النبيّ :( وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ ) (١) (٢) .

وفي « كنز العمّال »(٣) ، عن الديلمي ، عن جابر ، نحوه.

والآية وإن استفيد من ظاهرها بيان قدرة الله تعالى حيث أخرج من الأرض بماء واحد أشجارا وزروعا مختلفة ، وفضّل بعضها على بعض في الأكل ، لكن لا ينافي أنّ الله سبحانه ضرب بها مثلا لفضل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنينعليه‌السلام على الناس ، مع اتّفاقهم بأصل واحد.

أو أنّ للآية باطنا ، كما ورد أنّ للكتاب الشريف ظهرا وبطنا(٤) ؛ ولذا كان فيه بيان كلّ شيء لا يعلمه إلّا الله والراسخون في العلم.

وكيف كان ، فالمراد أنّ النبيّ وعليّا مخلوقان من نور واحد ، متّفقان بالصفات الفاضلة والمنافع ، ومخالفان للناس ، كما أنّ الناس مختلفون في ما بينهم ، فهما صنوان ، أي كنخلتين أو نخيل على أصل واحد ، ومن

__________________

(١) سورة الرعد ١٣ : ٤.

(٢) الدرّ المنثور ٤ / ٦٠٥ ، وانظر : المستدرك على الصحيحين ٢ / ٢٦٣ ح ٢٩٤٩.

(٣) ص ١٥٤ من الجزء السادس [ ١١ / ٦٠٨ ح ٣٢٩٤٣ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : فردوس الأخبار ١ / ٤٣ ح ١١٢ عن ابن عبّاس وج ٢ / ٣٧٦ ح ٧١٣٩ عن ابن عمر.

(٤) حلية الأولياء ١ / ٦٥.


عداهم غير صنوان.

وليت شعري! إذا لم يرض الفضل بهذا ، بحجّة عدم ارتباطه بظاهر الآية ، فما باله رضي بتفسير الآية السابقة بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والخلفاء ، مع أنّه مثله في مخالفة الظاهر؟!

بل يفترقان بأنّ تفسير الآية السابقة ، تفسير بالرأي من ذوي الأهواء ، وتفسير هذه الآية من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو أعلم بمعناها!

نعم ، هذا مختصّ بفضل أمير المؤمنين ، فاستحقّ جحد الفضل ؛ وذاك يعمّ غيره ، فاستوجب القبول!

وأمّا ربط هذا الدليل بالمدّعى ، فغير خفيّ على عارف ؛ لأنّه إذا دلّ على مشاركة عليّعليه‌السلام للنبيّ في الفضل ، والامتياز على الناس ، فقد صار الأفضل ، وأحقّ الناس بخلافته ومنصبه ، وأولاهم بالإمامة بعده ، كما هو المدّعى.

* * *


٤٢ ـ آية :( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا )

قال المصنّف ـ أجزل الله ثوابه ـ(١) :

الثانية والأربعون : قوله تعالى :( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ) (٢) .

نزلت في عليّعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٦.

(٢) سورة الأحزاب ٣٣ : ٢٣.

(٣) انظر : شواهد التنزيل ٢ / ١ ـ ٢ ح ٦٢٧ و ٦٢٨ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٢٧٩ ح ٢٧٠ ، كفاية الطالب : ٢٤٩ ، الفصول المهمّة : ١٣١ ، سمط النجوم العوالي ٣ / ١٩ ، ينابيع المودّة ١ / ٢٨٥ ح ١٠ ، نور الأبصار : ١١٩.


وقال الفضل(١) :

هذه الآية نزلت في قتلى أحد حين قتلوا ، ووقف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على مصعب بن عمير ـ وهو ممّن قتل بأحد ـ فقرأ عليه هذه الآية(٢) .

وإن صحّ نزوله في عليّ ، فهو من فضائله ، ولا يدلّ على النصّ المقصود.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٦٤.

(٢) انظر : الكشّاف ٣ / ٢٥٦ ، تفسير القرطبي ١٤ / ١٠٥ ، الدرّ المنثور ٦ / ٥٨٧ ، فتح القدير ٤ / ٢٧٢ ، روح المعاني ٢١ / ٢٥٧.


وأقول :

قال ابن حجر في « الصواعق » ، في الفصل الأخير من الباب التاسع : سئل أمير المؤمنينعليه‌السلام ـ وهو على المنبر بالكوفة ـ عن قوله تعالى :( رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (١) .

قال : « اللهمّ غفرا! هذه الآية نزلت فيّ ، وفي عمّي حمزة ، وفي ابن عمّي عبيدة بن الحارث(٢) ، فأمّا عبيدة فقضى نحبه شهيدا يوم بدر ، وحمزة قضى نحبه شهيدا يوم أحد ، وأمّا أنا فأنتظر أشقاها ، يخضّب هذه من هذا ؛ وأشار بيده إلى لحيته ورأسه »(٣) .

ونحوه في « ينابيع المودّة » ، عن أبي نعيم ، عن ابن عبّاس وإمامنا

__________________

(١) سورة الأحزاب ٣٣ : ٢٣.

(٢) هو : عبيدة بن الحارث بن [ عبد ] المطّلب بن عبد مناف ، ابن عمّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان من السابقين الأوّلين في الإسلام ، وهو أسنّ من الرسول بعشرة سنوات ، وهو أوّل من عقد له الرسول لواء في الإسلام.

هاجر إلى المدينة ، وكان ذا قدر ومنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو أحد الثلاثة المبارزين يوم بدر ، هو والإمام عليّ عليه السلام وسيّد الشهداء حمزة رضوان الله عليه ، حين دعاهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لمبارزة ثلاثة من المشركين ، فبارز حمزة شيبة بن ربيعة ابن عبد شمس ، وبارز عليّ عليه السلام الوليد بن عتبة بن ربيعة ، وبارز عبيدة عتبة بن ربيعة وقطعت رجله فيها ، وتوفّي بالصفراء في ناحية المدينة قرب بدر وهو ابن ثلاث وستّين.

انظر : الاستيعاب ٣ / ١٠٢٠ رقم ١٧٤٨ ، أسد الغابة ٣ / ٤٤٩ رقم ٣٥٢٨ ، سير أعلام النبلاء ١ / ٢٥٦ رقم ٤٥ ، البداية والنهاية ٣ / ١٨٤.

(٣) الصواعق المحرقة : ٢٠٧.


الصادقعليه‌السلام ، عن أمير المؤمنينعليه‌السلام (١) .

وهو دالّ على إمامته ؛ لأنّ مقتضى مفهوم وصف الرجال بأنّهم صدقوا ، أنّ غيرهم لم يعاهد الله سبحانه أو لم يصدق العهد ؛ فهم خواصّ المؤمنين وخيرتهم ؛ لانفرادهم بهذه الفضيلة الكاشفة عن زيادة المعرفة والتفاني في ذات الله تعالى.

ولا شكّ أنّ عليّاعليه‌السلام خاصّة الخاصّة ، فيكون أحقّ الناس بالإمامة ؛ لأفضليّته ، ولا سيّما أنّ صدق العهد في وقته بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مختصّ به ، فلا يصلح للإمامة سواه.

وأمّا ما زعمه من نزول الآية في قتلى أحد ، فيبطله أنّه سبحانه قسّم صادقي العهد إلى من قضى نحبه ومن ينتظر ، فلا يختصّ بالقتلى.

اللهمّ إلّا أنّ يريد نزولها في بعض قتلى أحد وبعض الأحياء ، فهو مسلّم ، وهو الذي نقوله ، وبيّنته الرواية السابقة ، وقال به صاحب « الكشّاف » ، لكنّه عدّ جماعة زعم أنّهم من صادقي العهد ، حمله على ذكرهم حسن الظنّ بهم(٢) ؛ ونحن لا نعترف لهم بذلك.

* * *

__________________

(١) ينابيع المودّة ١ / ٢٨٥ ح ١٠ وانظر : ج ٢ / ٤٢١ ح ١٦٢.

(٢) الكشّاف ٣ / ٢٥٦.


٤٣ ـ آية :( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ )

قال المصنّف ـقدس‌سره ـ(١) :

الثالثة والأربعون : قوله تعالى :( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ) (٢) .

وهو عليّعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٦.

(٢) سورة فاطر ٣٥ : ٣٢.

(٣) كشف الغمّة ١ / ٣١٦ ـ ٣١٧ عن ابن مردويه ، وانظر مؤدّاه في : شواهد التنزيل ٢ / ١٠٤ ح ٧٨٢ و ٧٨٣.


وقال الفضل(١) :

عليّ من جملة ورثة الكتاب ؛ لأنّه عالم بحقائق الكتاب ، فهذا يدلّ على علمه ووفور توغّله في معرفة الكتاب ، ولا يدلّ على النصّ.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٦٧.


وأقول :

سبق في الآية السابعة والعشرين ، أنّ المراد ب‍( مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) (١) هو : عليّعليه‌السلام (٢) ؛ فيتعيّن أن يكون هو المراد بمن أورثه الله الكتاب ، واصطفاه ، فإنّ الكتاب فيهما واحد ، وهو : القرآن ، كما هو المنصرف.

ويدلّ عليه الآية التي قبل الآية التي نحن فيها ، وهي قوله تعالى :( وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ ) (٣) ؛ فإنّ إعادة المعرّف ب‍ ( اللام ) تفيد الوحدة.

ويشهد أيضا لإرادة عليّ بمن أورثه الكتاب واصطفاه ، الأخبار المستفيضة الدالّة على أنّ عليّا مع القرآن والقرآن معه(٤) ، فإنّ المعيّة تستدعي أن يكون علم القرآن عنده ، وإنّه وارثه.

فإذا أفادت الرواية التي أشار إليها المصنّفرحمه‌الله ، وحكاها السيّد السعيدرحمه‌الله عن ابن مردويه ، أنّ المراد بمن أورثه الكتاب هو عليّعليه‌السلام (٥) ،

__________________

(١) سورة الرعد ١٣ : ٤٣.

(٢) انظر الصفحة ١١٧ وما بعدها من هذا الجزء.

(٣) سورة فاطر ٣٥ : ٣١.

(٤) المعجم الأوسط ٥ / ٢٤٢ ح ٤٨٨٠ ، المعجم الصغير ١ / ٢٥٥ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٤ ح ٤٦٢٨ وصحّحه ووافقه الذهبي في « التلخيص » ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٧٦ ـ ١٧٧ ح ٢١٤ ، فرائد السمطين ١ / ١٧٧ ح ١٤٠ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٣٤ ، الجامع الصغير ـ للسيوطي ـ : ٣٤٦ ح ٥٥٩٤ ، الصواعق المحرقة : ١٩١ ، كنز العمّال ١١ / ٦٠٣ ح ٣٢٩١٢.

(٥) إحقاق الحقّ ٣ / ٣٦٧.


كانت مؤكّدة لغيرها.

وحينئذ ، فلا معنى لقول الفضل : « عليّ من جملة ورثة الكتاب » ، ولا سيّما أنّه قد أراد أن يشرك معه من لا يعرف الأبّ والكلالة ومن كانت المخدّرات أفقه منه(١) .

هذا كلّه مضافا إلى أنّ اصطفاء الشخص لميراث الكتاب يدلّ على أنّه حافظ له ، غير مضيّع لما فيه عمدا وسهوا ، فيكون معصوما ، وغير عليّ من الصحابة غير معصوم بالإجماع ، فيتعيّن أن يكون هو المراد بالآية وحده ، أو معه أبناؤه المعصومون بشهادة حديث الثقلين ، وإنّما تركت الرواية ذكرهم ؛ لأنّهم غير موجودين في وقته ، أو لأنّ ذكره أهمّ ، وهو الأصل وهم فرعه ، فإذا ثبت ثبتوا جميعا.

فإن قلت : لا يمكن أن يراد وحده أو مع الأئمّة خاصّة ؛ لأنّهم معصومون عندكم ، والآية قسّمت من أورثه الله الكتاب واصطفاه إلى الظالم لنفسه ، والمقتصد ، والسابق بالخيرات ، فيتعيّن أن يراد بالآية مطلق المؤمنين.

قلت : التقسيم راجع إلى العباد ، والضمير في قوله تعالى :( فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ ) (٢) عائد إلى قوله تعالى :( عِبادِنا ) ، لا لمن أورثه الكتاب واصطفاه منهم ؛ إذ لا يصحّ تقسيم من اصطفاه إلى الظالم وغيره ، ولا شمول من أورثه الكتاب لكلّ مؤمن عالم وجاهل ، فهي نظير قوله تعالى في سورة الحديد :( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ

__________________

(١) انظر الصفحة ١١٤ ه‍ ١ و ٢ من هذا الجزء.

(٢) سورة فاطر ٣٥ : ٣٢.


وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) (١) .

وأمّا قول آدمعليه‌السلام :( رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ) (٢) ، مع أنّه من المصطفين ، فمتأوّل بإرادة فعل المكروه ؛ للأدلّة العقليّة والنقليّة بخلاف ذلك(٣) .

نعم ، يمكن أن يكون التقسيم راجعا إلى من أورثه الكتاب واصطفاه ، على أن تكون الوراثة والاصطفاء بلحاظ اشتماله على البعض الوارث المصطفى ، فيصحّ تقسيم الجنس إلى هذه الأقسام الثلاثة ، لكنّ المراد بالبعض الوارث المصطفى هو : عليّ وحده في وقته ، أو مع أبنائه بلحاظ جميع الأوقات ؛ للأدلّة السابقة ونحوها ، كما وردت بذلك الرواية عندنا(٤) ؛ وحينئذ ، فتدلّ الآية على إمامته ؛ لدلالتها على العصمة ، التي هي شرط الإمامة ، ولا معصوم غيره من الصحابة بالضرورة والإجماع

ولأنّ وراثة الكتاب بالاصطفاء شأن خلفاء الأنبياء ؛ فيكون هو الخليفة والإمام.

__________________

(١) سورة الحديد ٥٧ : ٢٦.

(٢) سورة الأعراف ٧ : ٢٣.

(٣) انظر : تنزيه الأنبياء ـ للشريف المرتضى ـ : ٢٧ ، أوائل المقالات : ٦٢ القول في عصمة الأنبياء.

(٤) انظر : أصول الكافي ١ / ٢٤٠ ـ ٢٤١ ح ٥٥٨ ـ ٥٦١.


٤٤ ـ آية :( أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي )

قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :

الرابعة والأربعون : قوله تعالى :( أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) (٢) .

هو : عليّعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٦.

(٢) سورة يوسف ١٢ : ١٠٨.

(٣) انظر : شواهد التنزيل ١ / ٢٨٦ ح ٣٩١ و ٣٩٢ ، كشف الغمّة ١ / ٣١٦.


وقال الفضل(١) :

إن أراد أنّه ما اتّبع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله غير عليّ ، فهو باطل كما لا يخفى.

وإن أراد أنّه من جملة التابعين ، فهو ظاهر لا يحتاج إلى دليل ، ولا نسبة له بالمدّعى.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٦٨.


وأقول :

أراد الأوّل ؛ على معنى أنّه لم يتّبع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الاتّباع الصحيح ، الكامل تسليما وعملا ، إلّا عليّعليه‌السلام .

ولذا كان خلفاؤهم يخالفون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في الرأي والعمل ، كما في التخلّف عن جيش أسامة(١) ، والفرار في مقام الخوف عليه وعلى الدين(٢) .

وفي منع كتابه الهادي ، الذي سبّب منعه ضلال الأمّة إلى يوم الدين ، وقول عمر : « حسبنا كتاب الله »(٣) ، مفيّلا(٤) لرأي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

.. إلى غير ذلك ممّا لا يحصى ، وسيرد عليك بعضه(٥) إن شاء الله

__________________

(١) مرّ تخريج ذلك في ج ٤ / ٣١٩ ه‍ ٦ ؛ فراجع! وانظر علاوة على ذلك : البداية والنهاية ٦ / ٢٢٧ و ٢٢٨ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٢ / ١٩١ ـ ١٩٢ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١ / ١٥٩ ـ ١٦٠ وج ١٧ / ١٧٥ ، السيرة الحلبية ٣ / ٢٢٧ ـ ٢٣١.

(٢) انظر الصفحة ٥٧ ه‍ ١ من هذا الجزء.

(٣) انظر مثلا : البداية والنهاية ٥ / ١٧٣ أحداث سنة ١١ ه‍ ، ومرّ تخريجه بتفصيل أكثر في ج ٤ / ٩٣ ه‍ ٢ من هذا الكتاب ؛ فراجع!

(٤) فيّل رأيه : قبّحه وخطّأه ؛ انظر : لسان العرب ١٠ / ٣٧٠ مادّة « فيل ».

(٥) يضاف إلى ما ذكر من مخالفات خلفائهم للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالرأي وبالعمل ، على سبيل المثال ما يلي :

١ ـ جذب عمر بن الخطّاب ثوب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عند ما قام ليصلّي على عبد الله بن أبيّ بن سلول ، وقال له : أتصلّي عليه وقد نهاك الله أن تصلّي عليه؟!

انظر : صحيح البخاري ٦ / ١٢٩ ـ ١٣١ ح ١٩٠ ـ ١٩٢ ، صحيح مسلم ٧ / ١١٦ كتاب الفضائل وج ٨ / ١٢٠ كتاب صفات المنافقين ، سنن ابن ماجة ١ / ٤٨٧ ـ ٤٨٨ ح ١٥٢٣ ، تفسير الطبري ٦ / ٤٣٩ ـ ٤٤٠ ح ١٧٠٦٥ و ١٧٠٦٦ و ١٧٠٧٠ ، تفسير ـ


تعالى.

وكيف يكون هؤلاء وأشباههم أهل بصيرة حتّى يرادوا بقوله تعالى :( أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) (١) ، وهم لم يزالوا مخالفين له في آرائهم وأعمالهم؟!

ويدلّ على اختصاص أمير المؤمنين بهذه الآية ، ما سبق من نزول الآية الحادية والعشرين فيه(٢) ، وهي قوله تعالى :( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ

__________________

ـ الفخر الرازي ١٦ / ١٥٥ ، الكامل في التاريخ ٢ / ١٦١ حوادث سنة ٩ ه‍ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٢ / ٥٥ ، الدرّ المنثور ٤ / ٢٥٨ ـ ٢٥٩.

٢ ـ حادثة عذق البسر ، وتجرّؤ عمر على ضرب العذق بالأرض وتناثر البسر نحو وجه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

انظر : حلية الأولياء ٢ / ٢٧ ـ ٢٨ رقم ١٢٦.

٣ ـ عدم تنفيذ أبي بكر وعمر لما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قتل الرجل الذي كان يصلّي في المسجد ، فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : « لو قتل ما اختلف في أمّتي رجلان ».

انظر : مسند أبي يعلى ١ / ٩٠ ـ ٩١ ح ٩٠ ، حلية الأولياء ٣ / ٢٢٧

٤ ـ شكّ عمر بصحّة قسمة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وقال : يا رسول الله! لغير هؤلاء أحقّ منهم أهل الصفّة.

انظر : مسند أحمد ١ / ٢٠.

٥ ـ شكّ عمر يوم الحديبية.

انظر : صحيح البخاري ٤ / ٤٠ ـ ٤١ ضمن ح ١٨ ، صحيح مسلم ٥ / ١٧٥ ـ ١٧٦ كتاب الجهاد ـ باب صلح الحديبية ، مسند أحمد ٤ / ٣٣٠ ، تاريخ الطبري ٢ / ١٢٢ حوادث سنة ٦ ه‍ ، السيرة النبويّة ـ لابن هشام ـ ٤ / ٢٨٤ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٢ / ٧٨ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٢ / ٥٩ ، البداية والنهاية ٤ / ١٣٦ حوادث سنة ٦ ه‍ ، السيرة النبويّة ـ لابن كثير ـ ٣ / ٣٢٠ ، السيرة الحلبية ٢ / ٧٠٦.

(١) سورة يوسف ١٢ : ١٠٨.

(٢) راجع الصفحة ٧٤ وما بعدها من هذا الجزء.


اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (١) .

وأنت تعلم أنّ الدعوة على بصيرة ، وكمال الاتّباع للنبيّ في أقواله وأفعاله ، موجبان لانتشار الدعوة إلى الدين كما يريده الله تعالى ، فيكون كامل الاتّباع ، الداعي على بصيرة ، أحقّ بمنصب النبيّ ، وأولى بخلافته.

ولا سيّما أنّ الاتّباع المطلق يقتضي ثبوت العصمة والاتّصاف بالأوصاف الحميدة ؛ كالعلم ، والحلم ، ونحوهما ممّا يراد في الإمام.

فيكون أمير المؤمنين هو الإمام.

* * *

__________________

(١) سورة الأنفال ٨ : ٦٤.


٤٥ ـ آية :( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ )

قال المصنّف ـ طاب مرقده ـ(١) :

الخامسة والأربعون : قوله تعالى :( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُ ) (٢) .

هو عليّعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٧.

(٢) سورة الرعد ١٣ : ١٩.

(٣) انظر : كشف الغمّة ١ / ٣١٦ نقلا عن كتاب « المناقب » لابن مردويه.


وقال الفضل(١) :

هذا من تفاسير الشيعة ، لا من تفاسير أهل السنّة ، وإن صحّ يدلّ على علمه بحقيقة الكتاب ، لا على التنصيص بإمامته ، وهو المدّعى.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٦٩.


وأقول :

لم يحضرني من كتب القوم إلّا اليسير ، ولا ريب أنّ ما ذكره المصنّفرحمه‌الله موجود في بعضها ، ولا قيمة لإنكار الفضل ؛ لما عرّفناك من وجود ما أنكره سابقا(١) ، على قلّة اطّلاعي على كتبهم.

ويؤيّد إرادة أمير المؤمنينعليه‌السلام في الآية نزول أشباهها ، أو لازم معناها فيه ، كالآيات السابقة الدالّة على أنّه المصدّق بالصدق(٢) ، ومن عنده علم الكتاب(٣) ، ووارث الكتاب(٤) ، ومن اصطفاه الله(٥) إلى نحوها من الآيات.

فإذا كان هو المراد بالآية ، فلا بدّ أن يراد بعلمه ـ بأنّ ما أنزل إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حقّ ـ هو العلم الذي لا تختلجه الشكوك ولا تخالطه الأوهام ؛ لأنّه هو الذي يصحّ أن يمتاز به ، ويصلح أن يمدح عليه.

ولا شكّ أنّ أشدّ الناس يقينا بحقّية شريعة النبيّ ، أولاهم بإمرتها وحفظها ، كما أنّ من ليس بمنزلته في اليقين أدنى منه عقلا وفضلا ؛ ولذا عدّه تعالى أعمى ، فقال سبحانه في هذه الآية :( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ

__________________

(١) راجع مثلا الصفحات ١١٣ و ١١٧ و ١٣١ و ١٥٠ و ١٨١ و ١٩٠ من هذا الجزء ، وغيرها.

(٢) انظر مبحث الآية ١٩ ، في الصفحات ٦٢ ـ ٦٨ من هذا الجزء.

(٣) انظر مبحث الآية ٢٧ ، في الصفحات ١١٥ ـ ١١٩ من هذا الجزء.

(٤) انظر مبحث الآية ٤٣ ، في الصفحات ٢٠٦ ـ ٢١٠ من هذا الجزء.

(٥) انظر مبحث الآية ٨ ، في ج ٤ / ٤١٧ ـ ٤٢٢ من هذا الكتاب.


إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ) (١) .

وقد سبق أنّ الإمامة لا تصلح للمفضول مع وجود الفاضل ، بل لا يصحّ أن يكون الأعمى إماما بوجه(٢) .

والمراد بالأعمى : الأعمّ من عديم اليقين وناقصه ؛ فإنّ الناقص أعمى في الجملة.

* * *

__________________

(١) سورة الرعد ١٣ : ١٩.

(٢) راجع المبحث الثاني من مباحث الإمامة ، في ج ٤ / ٢٣٣ وما بعدها من هذا الكتاب.


٤٦ ـ آية :( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا )

قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :

السادسة والأربعون : قوله تعالى :( الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) (٢) .

قال عليّ :يا رسول الله! ما هذه الفتنة؟

قال :يا عليّ بك ، وأنت مخاصم ، فاعتد (٣) للخصومة (٤) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٧.

(٢) سورة العنكبوت ٢٩ : ١ و ٢.

(٣) أي : استعدّ وأعدّ للخصومة عدّتها ؛ انظر : لسان العرب ٩ / ٧٩ مادّة « عدد ».

(٤) انظر : كشف الغمّة ١ / ٣١٦ ـ ٣١٧ عن ابن مردويه في « المناقب » ، شواهد التنزيل ١ / ٤٣٨ ـ ٤٣٩ ح ٦٠٢ و ٦٠٣.


وقال الفضل(١) :

أجمع المفسّرون على أنّ الآية نزلت في رجل وامرأة أسلما ، وكان لهما ولد يحبّانه حبّا شديدا ، فمات فافتتنا ، وكادا يرجعان عن الإسلام ، فأنزل الله هذه الآية.

وأمّا ما ذكره من الخبر ، فالظاهر أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يجعل عليّا فتنة للمسلمين.

وهذه من القوادح لا من الفضائل على ما ذكره.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٧٠.


وأقول :

نقل الزمخشري والرازي في نزول الآية أقوالا ، ولم يذكرا ما ذكره الفضل ، فضلا عن أن يكون مجمعا عليه(١) .

وأمّا « الفتنة » في الآية ، فالمراد بها : الامتحان ، كما في « الكشّاف »(٢) ، أو الابتلاء ، كما في « تفسير الرازي »(٣) ، والمقصود بهما واحد.

لكن ادّعى الزمخشري أنّ الممتحن به هو شدائد التكليف ، والفقر والقحط ، وأنواع المصائب بالنفس والأموال ، ومصابرة الكفّار على أذاهم وكيدهم(٤) .

وخصّ الرازي الابتلاء بالفرائض البدنيّة والماليّة(٥) .

وكيف كان! فلم يدّع أحد قدحا في ما به الفتنة ، كما زعم الفضل.

وبالجملة : الرواية دالّة على أنّ المقصود بالآية أنّ عليّاعليه‌السلام محنة للمؤمنين ، يميّز به ثابت الإيمان من غيره ، وصادقه من كاذبه.

فمن ثبت على الإيمان بإمامته كان مؤمنا حقّا ، ومن زال عنه كان

__________________

(١) تفسير الفخر الرازي ٢٥ / ٢٨ ـ ٢٩ ، الكشّاف ٣ / ١٩٦ ؛ وانظر : تفسير البغوي ٣ / ٣٩٥ ، تفسير القرطبي ١٣ / ٢١٥ ، زاد المسير ٦ / ١٢٦ ، روح المعاني ٢٠ / ٢٠٠.

(٢) الكشّاف ٣ / ١٩٥.

(٣) تفسير الفخر الرازي ٢٥ / ٢٩.

(٤) الكشّاف ٣ / ١٩٥.

(٥) تفسير الفخر الرازي ٢٥ / ٢٩.


مستعار الإيمان كاذبه.

ويشهد لذلك قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله في هذه الرواية : « أنت مخاصم فاعتد للخصومة »

فإنّ الخصومة الواقعة بينه وبين قومه إنّما هي في إمامته.

ويؤيّد هذا الحديث ، ويرشد إلى إرادة الامتحان في إمامته ، ما نقله السيوطي في « اللآلئ المصنوعة » ، عن عمر ، قال :

« كفّوا عن عليّ! فلقد سمعت من رسول الله فيه خصالا لأن تكون واحدة منهنّ في آل الخطّاب أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس ؛ كنت أنا [ وأبو بكر ] وأبو عبيدة في نفر من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فانتهينا إلى باب أمّ سلمة ، وعليّ قائم على الباب ، فقلنا :

أردنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فقال : يخرج إليكم ؛ فخرج ، فثرنا(١) إليه ، فاتّكأ على عليّ بن أبي طالب ، ثمّ ضرب بيده على منكبه ، ثمّ قال :

«أنت مخاصم تخصم ، أنت أوّل المؤمنين إيمانا ، وأعلمهم بأيّام الله ، وأوفاهم بعهده ، وأقسمهم بالسويّة ، وأرفقهم بالرعيّة ، وأعظمهم مزيّة ، وأنت عاضدي ، وغاسلي ، ودافني ، والمتقدّم إلى كلّ كريهة وشديدة ، ولن ترجع بعدي كافرا ، وأنت تتقدّمني بلواء الحمد تذود عن حوضي »(٢) .

فإنّ هذه الصفات إنّما تكون بأفضل الأمّة وإمامها ، ولكن قال ابن الجوزي : « باطل ، عمله الأبزاري »(٣) ، ويعني به الحسن بن عبيد الله

__________________

(١) ثار إليه ثورا وثؤورا وثورانا : وثب ؛ انظر : لسان العرب ٢ / ١٤٨ مادّة « ثور ».

(٢) اللآلئ المصنوعة ١ / ٢٩٦ ـ ٢٩٧ ، وانظر : كنز العمّال ١٣ / ١١٦ ـ ١١٧ ح ٣٦٣٧٨.

(٣) اللآلئ المصنوعة ١ / ٢٩٧ ، الموضوعات ١ / ٣٤٤.


الأبزاري ، المذكور في سند هذا الحديث.

وسمّاه في « ميزان الاعتدال » : الحسين أيضا ، وقال : « قال أحمد بن كامل : كان كذّابا »(١) .

والظاهر : إنّ سبب تكذيبه له أنّ له روايات في فضل آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ذكر في « الميزان » بعضها.

والحقّ أنّ هذا الحديث من أصدق الحديث ؛ لأنّ مضامينه بين ضروريّ ومستفيض الرواية به ، مع أنّه روي بطريق آخر قال في « اللآلئ المصنوعة » نقلا عن ابن الجوزي : « وقد رواه أبو بكر ابن مردويه ، عن أبي بكر بن كامل ، عن عليّ بن المبارك الربيعي ، عن إبراهيم بن سعيد »(٢) ، ثمّ قال : « ولعلّ ابن المبارك أخذه من الأبزاري »(٣) .

فيا عجبا! أيجوز تكذيب الحديث الضروري بالاحتمالات والخيالات ، مع أنّ ابن المبارك لم ينقل في « الميزان » عن أحد فيه قدحا.

نعم ، له عذر ظاهر في إبطال الحديث ، وهو أنّ راويه عمر!

ولكن ، ألم يعلم أنّ هذا من إلزام الله لهم بالحجّة؟!

* * *

__________________

(١) ميزان الاعتدال ٢ / ٢٩٦ رقم ٢٠٢٥.

(٢و ٣) اللآلئ المصنوعة ١ / ٢٩٧ ، وراجع الموضوعات ١ / ٣٤٤.


٤٧ ـ آية :( وَشَاقُّوا الرَّسُولَ )

قال المصنّف ـ رفع الله درجته ـ(١) :

السابعة والأربعون : قوله تعالى :( وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهدى ) (٢) .

قال : في أمر عليّعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٧.

(٢) سورة محمّد ٤٧ : ٣٢.

(٣) أرجح المطالب : ٥٨ من طريق ابن مردويه ، وانظر : كشف الغمّة ١ / ٣١٧ عن ابن مردويه كذلك.


وقال الفضل(١) :

هذا من رواياته ، وأثر النكر عليه ظاهر ، ولا دلالة له أصلا على ثبوت النصّ المدّعى.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٧١.


وأقول :

رواه ابن مردويه على ما في « كشف الغمّة »(١) .

ودعوى الفضل ظهور أثر النكر عليه لا منشأ لها إلّا صراحة الرواية ببطلان مذهبه ؛ إذ لا يفهم من أمر عليّعليه‌السلام إلّا خلافته ، فإنّها أظهر أمر يعود إليه وقعت به المشاقّة في حياة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وبعده

فمرّة نسبوا إليه فيه : الغواية(٢)

وأخرى : الهجر(٣)

وثالثة : قول الحارث بن النعمان الفهري : اللهمّ إن كان ما يقول محمّد حقّا فأمطر علينا حجارة من السماء(٤)

ورابعة : بيعة السقيفة(٥)

__________________

(١) كشف الغمّة ١ / ٣١٧.

(٢) راجع ما مرّ في سورة النجم في الصفحة ١٧٠ من هذا الجزء.

(٣) انظر : البداية والنهاية ٥ / ١٧٣ أحداث سنة ١١ ه‍ ، ومرّ تخريج ذلك في ج ٤ / ٩٣ ه‍ ٢ من هذا الكتاب ؛ فراجع!

(٤) قالها عند ما تمّ تنصيب الإمام عليّعليه‌السلام أميرا للمؤمنين وخليفة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في غدير خمّ ، فنزل قوله تعالى :( سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ) ، فانظر : تفسير الثعلبي ١٠ / ٣٥ ، شواهد التنزيل ٢ / ٢٨٦ ـ ٢٨٩ ح ١٠٣٠ ـ ١٠٣٤ ، تفسير القرطبي ١٨ / ١٨١ ، تذكرة الخواصّ : ٣٧ ، فرائد السمطين ١ / ٨٢ ح ٦٣ ، نزهة المجالس ٢ / ٢٠٩ ، جواهر العقدين : ٢٤٧ ، فيض القدير ٦ / ٢٨٢ ح ٩٠٠٠ ، السيرة الحلبية ٣ / ٣٣٧.

وانظر تفصيل الواقعة في ج ٤ / ٣٣٧ ـ ٣٣٨ من هذا الكتاب.

(٥) انظر مثلا : تاريخ الطبري ٢ / ٢٣٤ ـ ٢٣٦ ، الكامل في التاريخ ٢ / ١٨٩ ، البداية ـ


وخامسة : قهره على البيعة(١)

.. إلى ما لا يحصى من المشاقّة في أمره للرسول في حياته وبعده.

ويؤيّد هذا الحديث ما سبق في الآية السابقة(٢) ، وما رواه الحاكم في « المستدرك »(٣) ، عن عليّعليه‌السلام ـ وصحّحه ـ ، قال :« إنّ ممّا عهد إليّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ الأمّة ستغدر بي بعده ».

.. إلى نحوه من الأخبار(٤) .

* * *

__________________

ـ والنهاية ٥ / ١٨٦ حوادث سنة ١١ ه‍ ، وانظر : ج ٤ / ٢٤٤ وما بعدها و ٢٧٧ وما بعدها من هذا الكتاب.

(١) انظر مثلا : تاريخ الطبري ٢ / ٢٣٣ ، تاريخ اليعقوبي ٢ / ١١ ؛ وراجع ج ٤ / ٢٧٧ من هذا الكتاب.

(٢) انظر الصفحة ٢٢٠ من هذا الجزء.

(٣) ص ١٤٠ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٥٠ ح ٤٦٧٦ ]. منهقدس‌سره .

(٤) انظر مثلا : التاريخ الكبير ـ للبخاري ـ ٢ / ١٧٤ رقم ٢١٠٣ ، مسند البزّار ٣ / ٩١ ـ ٩٢ ح ٨٦٩ ، الكنى والأسماء ـ للدولابي ـ ١ / ١٠٤ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٥١ ح ٤٦٧٧ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٦ / ٤٤٠ ، تاريخ بغداد ١١ / ٢١٦ رقم ٥٩٢٨ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٤٤٧ و ٤٤٨ ، البداية والنهاية ٦ / ١٦٤.


٤٨ ـ آية :( وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ )

قال المصنّف ـ نوّر الله ضريحه ـ(١) :

الثامنة والأربعون : قوله تعالى :( وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ) (٢) .

هو : عليّ عليه الصلاة والسلام(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٨.

(٢) سورة هود ١١ : ٣.

(٣) راجع : شواهد التنزيل ١ / ٢٧١ ح ٣٦٧ ، وانظر : كشف الغمّة ١ / ٣١٧ عن ابن مردويه.


وقال الفضل(١) :

إن صحّ نزوله فيه فهو دالّ على فضله المتّفق عليه ، ولا دلالة له على النصّ.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٧٢.


وأقول :

رواه ابن مردويه على ما في « كشف الغمّة »(١) .

ومراد الآية الشريفة إمّا بيان أنّ الله تعالى أنعم على الناس بإيتائهم الفضل والمعرفة ، وفضّل بعضهم على بعض

وإمّا بيان أنّه يؤتي كلّ ذي فضل جزاء فضله ـ أي جزاءه ـ بحسب ما يترتّب عليه من العمل ، كثرة وقلّة وإخلاصا(٢) .

وحينئذ : فمعنى نزولها في عليّعليه‌السلام ، هو الإعلام بأنّه الفاضل ذاتا أو جزاء ، والفاضل في كلّ منهما أحقّ بالإمامة.

أمّا على الأوّل ، فظاهر

وأمّا على الثاني ؛ فلأنّ زيادة الجزاء فرع كثرة العمل وقوّة الإخلاص الناشئين من الفضل الذاتي ، كما أشرنا إليه.

* * *

__________________

(١) كشف الغمّة ١ / ٣١٧.

(٢) قيل : إنّ الفضل بمعنى التفضيل والإفضال ، أي : ويعطي كلّ ذي إفضال على غيره بمال أو كلام أو عمل بيد أو رجل جزاء أفضاله ، فيكون حرف الهاء في « فضله » عائدا إلى ذي الفضل

وقيل : إنّ معناه يعطي كلّ ذي عمل صالح فضله ، أي : ثوابه ، على قدر عمله ، فإنّ من كثرت طاعاته في الدنيا زادت درجاته في الجنّة ، وعلى هذا فالأولى أن يكون الهاء في « فضله » عائدا إلى اسم الله تعالى.

انظر : مجمع البيان ٥ / ٢١٩.


٤٩ ـ آية :( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ )

قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :

التاسعة والأربعون : قوله تعالى :( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ ) (٢) .

هو من ردّ قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في عليّعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٨.

(٢) سورة الزمر ٣٩ : ٣٢.

(٣) انظر : كشف الغمّة ١ / ٣١٧ عن ابن مردويه.


وقال الفضل(١) :

هذا من رواياته ، وإن صحّ لا يدلّ على ثبوت المقصود.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٧٣.


وأقول :

هذا أيضا ممّا حكاه في « كشف الغمّة » عن ابن مردويه(١) .

والمراد من ردّ قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في عليّعليه‌السلام : ردّه في إمامته ؛ لأنّها هي التي ردّها من أعظم الظلم ، وفي عرض الكذب على الله عزّ وجلّ ، فإنّ الردّ لسائر فضله ليس كذلك ، على أنّه لو أريد فهو دليل أفضليّته ؛ إذ ليس مثله أحد من الأمّة يكون الردّ لفضائله كذلك.

والأفضل ـ لا سيّما بهذا الفضل المكشوف عنه بمثل ذلك ـ أعظم الأمّة ، وأحقّها بالإمامة.

* * *

__________________

(١) كشف الغمّة ١ / ٣١٧.


٥٠ ـ آية :( وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )

قال المصنّف ـ طاب ثراه ـ(١) :

الخمسون : قوله تعالى :( وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) (٢) .

قال أبو رافع(٣) : وجّه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّا [ في نفر معه ] في طلب أبي سفيان ، فلقيهم أعرابي من خزاعة ، فقال : إنّ القوم قد جمعوا لكم فاخشوهم.

فقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل(٤) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٨.

(٢) سورة آل عمران ٣ : ١٧٣.

(٣) هو : أبو رافع القبطي ، مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، من قبط مصر ، وقد اختلف في اسمه ، فمنهم من قال : إبراهيم ، ومنهم من قال : أسلم ، وهو المشهور ، وقيل : هرمز ، وقيل : ثابت.

كان مولى للعبّاس بن عبد المطّلب ، فوهبه للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ؛ أسلم بمكّة مع إسلام أمّ الفضل ، شهد أحدا والخندق ، زوّجه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مولاته سلمى ، وقد اختلفوا في وفاته ، فقيل : توفّي في زمان عثمان ، وقيل : في خلافة الإمام عليّ عليه السلام ، وهو الصواب ، وقيل : توفّي بالكوفة سنة أربعين للهجرة.

وكان ابنه عبيد الله خازنا وكاتبا لأمير المؤمنين عليّعليه‌السلام .

انظر : الاستيعاب ١ / ٨٣ ـ ٨٤ رقم ٣٤ وج ٤ / ١٦٥٦ رقم ٢٩٤٨ باب الكنى ، أسد الغابة ١ / ٩٣ رقم ١١٨ ، تهذيب الكمال ٢١ / ٢١٨ ـ ٢١٩ رقم ٧٩٤٨ ، سير أعلام النبلاء ٢ / ١٦ رقم ٣.

(٤) لباب النقول في أسباب النزول : ٦١ ، الدرّ المنثور ٢ / ٣٨٩.


وقال الفضل(١) :

الآية نزلت في بدر الصغرى(٢) ؛ وذلك لأنّ أبا سفيان لمّا انقضى الحرب يوم أحد ، قال : « الموعد بيننا في بدر » ، فلمّا كان في وقت الموسم ، لم يستطع أبو سفيان أن يخرج ؛ لجدب السنة ، فأرسل نعيم بن مسعود(٣) ليثبّط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من القتال ، فجاء نعيم بن مسعود وخوّف رسول الله وأصحابه ، فقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل(٤) .

وتتمّة الآية يدلّ على ما ذكرنا ، فإنّه يقول :( الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ ) (٥) وهو نعيم بن مسعود ،( إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ) أي :

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٧٥.

(٢) المقصود ببدر الصغرى هنا ؛ هي بدر الموعد ، وسمّيت أيضا ب‍ : بدر الثانية ، وبدر الأخيرة ، وغزوة السويق.

انظر : المغازي ـ للواقدي ـ ١ / ٣٨٤ ، تاريخ الطبري ٢ / ٨٧ ، الكامل في التاريخ ٢ / ٦٨ ، البداية والنهاية ٤ / ٧٢.

(٣) هو : نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة الغطفاني الأشجعي ، أسلم في وقعة الخندق ، وهو الذي أوقع الخديعة في بني قريظة وغطفان وقريش بإذن من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم الخندق ، وكان رسول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى ابن ذي اللّحية ؛ قيل : توفّي في زمان عثمان ، وقيل : يوم الجمل قبل قدوم الإمام عليّعليه‌السلام إلى البصرة.

انظر : معرفة الصحابة ـ لأبي نعيم ـ ٥ / ٢٦٦٧ رقم ٢٨٧١ ، الاستيعاب ٤ / ١٥٠٨ ـ ١٥٠٩ رقم ٢٦٢٩ ، أسد الغابة ٤ / ٥٧٢ رقم ٥٢٧٤ ، الإصابة ٦ / ٤٦١ رقم ٨٧٨٥.

(٤) الكشّاف ١ / ٤٨٠ ، تفسير الفخر الرازي ٩ / ١٠٢ ، روح المعاني ٤ / ١٩٧.

(٥) سورة آل عمران ٣ : ١٧٣.


أبو سفيان وقريش ، فقال المؤمنون :( حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) .

هذا رواية أهل السنّة ، وإن صحّ ما رواه فلا يدلّ على المقصود ، كما علمت.

* * *


وأقول :

هذا أيضا ممّا نقله في « كشف الغمّة » عن ابن مردويه(١) .

ونقله عنه أيضا السيوطي في « لباب النقول في أسباب النزول » ، قال : أخرج ابن مردويه ، عن أبي رافع ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وجّه عليّاعليه‌السلام في نفر معه [ في طلب أبي سفيان ] ، فلقيهم أعرابي من خزاعة وذكر تمام الحديث(٢) .

وهو كما ترى دالّ على شدّة توكّل أمير المؤمنينعليه‌السلام ومن معه على الله تعالى ، وحسن بصائرهم ، وأنّ التخويف لم يزدهم إلّا إيمانا ؛ ولذا مدحهم الله سبحانه في كتابه العزيز.

ومن المعلوم أنّ أفضلهم في ذلك عليّعليه‌السلام ، بل هو المراد فيه ، وأصله ؛ لأنّه رئيسهم ، وقائدهم ، والمنظور إليه فيهم.

وأمّا تتمّة الآية الكريمة ، فلا أعرف كيف تدلّ على ما ذكره الفضل دون إرادة عليّعليه‌السلام ومن معه ، والحديث الذي نقله ليس حجّة علينا حتّى يعارض خبر ابن مردويه.

__________________

(١) كشف الغمّة ١ / ٣١٧.

(٢) لباب النقول : ٦١.


٥١ ـ آية :( وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ )

قال المصنّف ـقدس‌سره ـ(١) :

الحادية والخمسون : قوله تعالى :( وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ ) (٢) .

في قراءة ابن مسعود : بعليّ بن أبي طالب(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٩.

(٢) سورة الأحزاب ٣٣ : ٢٥.

(٣) ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ١٧٢ ، تفسير الماوردي ٤ / ٣٩١ ، شواهد التنزيل ٢ / ٣ ـ ٥ ح ٦٢٩ ـ ٦٣٢ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٦٠ ، كفاية الطالب : ٢٣٤ ، ينابيع المودّة ١ / ٢٨٣ ـ ٢٨٤ ح ٧ و ٨.


وقال الفضل(١) :

ليس هذا من القراءات المتواترة ، والشيعة يعدّونها من الشواذّ ، وإن صحّ ، دلّ على فضيلته لا على إمامته بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٧٨.


وأقول :

هذا وإن لم يكن من المتواترات ، إلّا أنّه ليس من الشواذّ ـ أعني قراءة التابعين ـ ، بل من الآحاد ، وهي القراءات الثلاث ، وقراءة الصحابي ، كما حكى هذا الاصطلاح السيّد السعيدرحمه‌الله عن « إتقان » السيوطي ، عن القاضي جلال الدين البلقيني(١) .

ولا مستند للفضل في النقل عن الشيعة ، إلّا كونها ليست من القراءات السبع المدّعى تواترها ، وهو كما ترى.

وقد ذكر هذه القراءة السيوطي في « الدرّ المنثور » ، قال : أخرج ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وابن عساكر ، عن ابن مسعود ، أنّه كان يقرأ هذا الحرف :( وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ ) بعليّ بن أبي طالب(٢) .

ويشهد لهذه القراءة ما رواه الحاكم(٣) ، عن يحيى بن آدم ، قال : « ما شبّهت قتل عليّ عمرا إلّا بقول الله عزّ وجلّ :( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ ) (٤) .

__________________

(١) إحقاق الحقّ ٣ / ٣٧٨ ـ ٣٨٠ ، وانظر : الإتقان في علوم القرآن ١ / ٢١١.

(٢) الدرّ المنثور ٦ / ٥٩٠ ، وانظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٦٠.

هذا ، وقد صرّح ابن تيميّة بأنّ لابن أبي حاتم لسان صدق ، وأنّ تفسيره خال من الموضوعات ، ومتضمّن للمنقولات التي يعتمد عليها في التفسير ، وبأسانيد معروفة.

انظر : منهاج السنّة ٧ / ١٣ و ١٧٨ ـ ١٧٩.

(٣) في كتاب المغازي من المستدرك ، ص ٣٤ من الجزء الثالث [ ٣ / ٣٦ ح ٤٣٣٠ أ ]. منهقدس‌سره .

(٤) سورة البقرة ٢ : ٢٥١.


وكيف كان! فلتفرض قراءة ابن مسعود رواية له ، بأن يكون قد روى أنّ الله سبحانه أنزل هذه الآية لبيان هذه الفضيلة لعليّعليه‌السلام ، وأنّ الله تعالى كفى به المؤمنين القتال يوم الأحزاب ، حيث قتل عمرو بن عبدودّ ، وردّ الأحزاب خاسرين ، فيكون جهاده أفضل من جهاد المسلمين جميعا ؛ لأنّ به الفتح مع حفظ نفوسهم ، فمنه حياة الإسلام والمسلمين.

ولو لا أن يكفيهم الله تعالى القتال بعليّ لاندرست معالم الإسلام ؛ لضعف المسلمين ذلك اليوم وظهور الوهن عليهم ؛ ولذا قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لضربة عليّ خير ـ أو : أفضل ـ من عبادة الثقلين » ، كما رواه في « المواقف » وغيرها(١)

وفي رواية الحاكم في « المستدرك »(٢) : «لمبارزة عليّ لعمرو [ بن ودّ يوم الخندق ] أفضل من أعمال أمّتي إلى يوم القيامة ».

فلا محالة يكون أفضلهم وأولاهم بالإمامة ؛ لكشف ذلك عن زيادة علمه ومعرفته وتمام بصيرته ، حتّى استحقّ مدح الله تعالى له في كتابه المجيد ، وأنّى لغيره مثل ذلك؟!

__________________

(١) المواقف : ٤١٢ ، شرح المقاصد ٥ / ٢٩٨ ، السيرة الحلبية ٢ / ٦٤٢ ـ ٦٤٣.

قال ابن تيميّة في منهاج السنّة ٨ / ١٠٩ ردا على هذا الحديث : « كيف يكون قتل كافر أفضل من عبادة الثقلين؟! ».

فردّ عليه الحلبي في السيرة الحلبية ٢ / ٦٤٣ بقوله : « لأنّ قتل هذا كان فيه نصرة للدين وخذلان للكافرين ».

(٢) ص ٣٢ من الجزء الثالث [ ٣ / ٣٤ ح ٤٣٢٧ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : تاريخ بغداد ١٣ / ١٩ رقم ٦٩٧٨ ، شواهد التنزيل ٢ / ٨ ـ ٩ ح ٦٣٦ ، مناقب الإمام عليّ عليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٠٦ ـ ١٠٧ ح ١١٢ ، تاريخ دمشق ٥٠ / ٣٣٣ ، تفسير الفخر الرازي ٣٢ / ٣٢ تفسير سورة القدر ، فرائد السمطين ١ / ٢٥٥ ـ ٢٥٦ ح ١٩٧ ، كنز العمّال ١١ / ٦٢٣ ح ٣٣٠٣٥.


٥٢ ـ آية :( وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ )

قال المصنّف ـ أجزل الله ثوابه ـ(١) :

الثانية والخمسون : قوله تعالى :( وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ) (٢) .

هو عليّ ، عرضت ولايته على إبراهيمعليه‌السلام فقال : اللهمّ اجعله من ذرّيّتي ؛ ففعل الله ذلك(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٩.

(٢) سورة الشعراء ٢٦ : ٨٤.

(٣) أرجح المطالب : ٧١ ، وانظر : كشف الغمّة ١ / ٣٢٠ عن ابن مردويه.


وقال الفضل(١) :

مفهوم الآية : إنّ إبراهيم سأل من الله تعالى أن يجعل له ذكر جميل بعد وفاته ، وهو المراد من « لسان الصدق » ، وحمل « لسان الصدق » على عليّ بعيد بحسب المعنى.

والشيعة لا يبالون من مثل ذلك ، ويذكرون كلّ ما يسمعون ، ولا دليل لهم في ما يفترون.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٨١.


وأقول :

إطلاق « لسان الصدق » على الذكر الجميل إنّما هو من باب الكناية أو المجاز ، فلا يبعد صدقه من هذه الباب على الولد الصالح الذي به الفخر والذكر الخالد ، ولا مرجّح للأوّل.

وقد حكى الرازي في أحد تأويلات « لسان الصدق » ، أنّ المراد به بعثة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) ، فليس هذا النحو من التفسير من خواصّ الشيعة ، بل زعم القوم ما هو أبعد منه ، كما نقله الفضل في الآية الأربعين(٢) .

وأمّا دلالتها ـ بناء على ذلك المعنى ـ على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام فمن وجهين:

الأوّل : إنّها صرّحت بعرض ولايته على إبراهيمعليه‌السلام ، وليس هو إلّا لكون ولايته مطلوبة لله سبحانه ، قديما وحديثا ، وهو أعظم دليل على فضله وإمامته.

ويعضده ما سبق في الآية السادسة عشرة ، وهي قوله تعالى :( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا ) (٣) الآية ، من أنّ الأنبياءعليهم‌السلام بعثوا على الشهادتين وولاية عليّعليه‌السلام (٤)

وفي الآية الثالثة والثلاثين ، وهي قوله تعالى :( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ

__________________

(١) تفسير الفخر الرازي ٢٤ / ١٥٠.

(٢) راجع الصفحة ١٩٥ من هذا الجزء.

(٣) سورة الزخرف ٤٣ : ٤٥.

(٤) راجع الصفحة ٣٩ من هذا الجزء.


بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) (١) الآية(٢) .

الثاني : دعاء إبراهيمعليه‌السلام أن يجعله الله من ذرّيّته ، فإنّه أظهر شيء في فضله وشدّة إيمانه وعظمته عند الله عزّ وجلّ ، حتّى كان فخرا وشرفا لإبراهيمعليه‌السلام ؛ ومن كان كذلك فلا بدّ أن يكون سيّد أمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وإمامهم.

وهذه الرواية المفسّرة « لسان الصدق » بأمير المؤمنينعليه‌السلام نقلها في « كشف الغمّة » عن ابن مردويه ، ورويت عن إمامنا الصادقعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) سورة الأعراف ٧ : ١٧٢.

(٢) راجع الصفحة ١٤٨ من هذا الجزء.

(٣) كشف الغمّة ١ / ٣٢٠.


٥٣ ـ سورة العصر

قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :

الثالثة والخمسون :( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ) (٢) ، يعني : أبا جهل ،( إِلأَالَّذِينَ آمَنُوا ) (٣) : عليّ وسلمان(٤) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٩.

(٢) سورة العصر ١٠٣ : ١ و ٢.

(٣) سورة العصر ١٠٣ : ٣.

(٤) ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ٢٧٨ ، شواهد التنزيل ٢ / ٣٧٢ ح ١١٥٤ ، الدرّ المنثور ٨ / ٦٢٢.


وقال الفضل(١) :

هذا تفسير لا يصحّ أصلا ؛ لأنّ الإنسان إذا أريد به أبو جهل ، يكون الاستثناء منقطعا(٢) ، ولم يقل به أحد

وإن كان الاستثناء متّصلا(٣) ، لا يصحّ أن يراد بالإنسان أبو جهل ، فالمراد منه أفراد الإنسان على سبيل الاستغراق.

وعلى هذا : لا يصحّ تخصيص المؤمنين بعليّ وسلمان ؛ فإنّ غيرهم من المؤمنين ليسوا في خسر.

وهذا الرجل يعلف كلّ نبت ، ولا يفرّق بين السّمّ والحشيش!

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٨٣.

(٢) الاستثناء المنقطع : هو ما كان المستثنى ليس من جنس ما استثني منه ، نحو : احترقت الدار إلّا الكتب ، وهو يفيد الاستدراك لا التخصيص ؛ لأنه استثناء من غير الجنس.

انظر : جامع الدروس العربية ٣ / ١٢٣.

(٣) الاستثناء المتّصل : هو ما كان من جنس المستثنى منه ، نحو : « جاء المسافرون إلّا سعيدا » ، وهو يفيد التخصيص بعد التعميم ؛ لأنّه استثناء من الجنس.

انظر : جامع الدروس العربية ٣ / ١٢٣.


وأقول :

ذكر الرازي في المراد بالإنسان قولين ، قال :

« الثاني : إنّ المراد منه شخص معيّن

قال ابن عبّاس : يريد جماعة من المشركين ، كالوليد(١) ، والعاص(٢) ، والأسود(٣) .

__________________

(١) هو : الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، يكنّى أبا عبد شمس ، كان من حكّام قريش وزعمائها ، ومن زنادقتها ، ومن المستهزئين برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والمشاركين في هدم الكعبة ، هلك مشركا ، وذلك لمروره برجل من خزاعة يريش نبلا له ، فوطئ على سهم منها فخدشه ، ثمّ أومأ جبريل إلى ذلك الخدش بيده فانتفض ، ومات على أثر هذا الخدش بعد الهجرة بثلاثة أشهر وهو ابن خمس وتسعين سنة ، ودفن بالحجون ، فأوصى إلى بنيه أن يأخذوا ديته من خزاعة ، فأعطت خزاعة ديته.

انظر : الكامل في التاريخ ١ / ٥٩٢ ـ ٥٩٣ ، تاريخ اليعقوبي ١ / ٣١٢ و ٣٤٤ ، البداية والنهاية ٣ / ٨٤ و ٨٥ و ٩٦ و ١٨٥ ، تاريخ الطبري ١ / ٥٢٦ وج ٢ / ٩.

(٢) هو : العاص ـ أو : العاصي ـ بن وائل السهمي ، وهو والد عمرو ، كان أحد الحكّام في الجاهلية ، أدرك الإسلام ، وظلّ على الشرك ، ويعدّ من المستهزئين ، ومن الزنادقة ، وهو القائل لمّا مات القاسم ابن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ محمّدا أبتر لا يعيش له ولد ذكر ؛ فأنزل الله :( إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ) .

مات لمّا ركب حمارا له ، فلمّا كان بشعب من شعاب مكّة ربض به حماره ، فلدغ في رجله ، فانتفخت حتّى صارت كعنق البعير ، فقالوا : لدغته الأرض ، فمات منها بعد هجرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ثاني شهر دخل المدينة ، وهو ابن خمس وثمانين سنة.

انظر : الكامل في التاريخ ١ / ٥٩٣ ـ ٥٩٤ ، تاريخ اليعقوبي ١ / ٣٤٤ ، البداية والنهاية ٣ / ٨٤ و ٨٥ و ٩٦ و ١٨٥ ، تاريخ الطبري ٢ / ٩.

(٣) هو : الأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العزّى بن قصي ، يكنّى أبا زمعة ، من ـ


وقال مقاتل : نزلت في أبي لهب ، وفي خبر مرفوع : إنّه أبو جهل »(١)

وحينئذ : يكون الاستثناء منقطعا بالضرورة ، كما صرّح به النيشابوري(٢) ، فإنكار الفضل للقول به كما ترى.

وأمّا قوله : « لا يصحّ تخصيص المؤمنين بعليّ وسلمان ؛ فإنّ غيرهم من المؤمنين ليسوا في خسر » ، فمن قلّة التأمّل

قال الرازي : « ها هنا احتمالان :

الأوّل : في قوله تعالى :( لَفِي خُسْرٍ ) (٣) أي : في طريق الخسر ، وهذا كقوله في آكل أموال اليتامى :( إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً ) (٤) لمّا كانت عاقبته النار.

الاحتمال الثاني : إنّ الإنسان لا ينفكّ عن خسر ؛ لأنّ الخسر هو تضييع رأس المال ، ورأس ماله هو عمره ، وهو قلّما ينفكّ عن تضييع عمره ؛ وذلك لأنّ كلّ ساعة تمرّ بالإنسان ، فإن كانت مصروفة إلى المعصية

__________________

ـ المستهزئين برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان وأصحابه يتغامزون بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه ويقولون : « قد جاءكم ملوك الأرض ومن يغلب على كنوز كسرى وقيصر » ويصفّرون به ويصفّقون ، فدعا عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يعمى ويثكل ولده ، فجلس في ظلّ شجرة فجعل جبريل يضرب وجهه وعينيه بورقة من ورقها وبشوكها حتى عمي ، ومات والناس يتجهّزون إلى معركة أحد ، وهو يحرّض الكفّار وهو مريض ؛ وقتل ابنه معه ببدر كافرا ، قتله أبو دجانة الأنصاريرضي‌الله‌عنه .

انظر : الكامل في التاريخ ١ / ٥٩٥ ، تاريخ اليعقوبي ١ / ٣٤٤ ، البداية والنهاية ٣ / ٨٥.

(١) تفسير الفخر الرازي ٣٢ / ٨٧ ـ ٨٨.

(٢) تفسير النيسابوري ٦ / ٥٥٩.

(٣) سورة العصر ١٠٣ : ٢.

(٤) سورة المائدة ٤ : ١٠.


فلا شكّ في الخسران

وإن كانت مشغولة في المباحات ، فالخسران أيضا حاصل ؛ لأنّه كما ذهب لم يبق منه أثر ، مع أنّه كان متمكّنا من أن يعمل فيه عملا يبقى أثره دائما

وإن كانت مشغولة في الطاعات ، فلا طاعة إلّا ويمكن الإتيان بها أو بغيرها على وجه أحسن من ذلك ؛ لأنّ مراتب الخضوع والخشوع غير متناهية ، فإنّ مراتب جلال الله وقهره غير متناهية ، وكلّما كان علم الإنسان بها أكثر كان خوفه منه تعالى أكثر ، فكان تعظيمه عند الإتيان بالطاعات أتمّ وأكمل ، وترك الأعلى والاقتصار بالأدنى نوع خسران »(١) .

وحينئذ : فعلى الاحتمالين يكون استثناء عليّ وسلمان دليلا على فضلهما على من سواهما ، وعصمتهما دون غيرهما من الأمّة ، ولا ريب أنّ عليّاعليه‌السلام أفضل من سلمان ، فيتعيّن للإمامة.

* * *

__________________

(١) تفسير الفخر الرازي ٣٢ / ٨٨ ـ ٨٩.


٥٤ ـ آية :( وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ )

قال المصنّف ـ قدّس الله روحه ـ(١) :

الرابعة والخمسون : قال تعالى :( وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ) (٢) .

قال ابن عبّاس : هو عليّعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ١٩٩.

(٢) سورة العصر ١٠٣ : ٣.

(٣) شواهد التنزيل ٢ / ٣٧٠ ـ ٣٧٢ ذ ح ١١٥٣ عن ابن عبّاس وح ١١٥٤ عن أبيّ بن كعب ، تفسير القرطبي ٢٠ / ١٢٣ ، وانظر : كشف الغمّة ١ / ٣٢٠ عن ابن مردويه.


وقال الفضل(١) :

أنت خبير بأنّ الصبر صفة من الصفات ، وليس هو من الأسامي حتّى يراد شخص ، وهذا قريب من السابق.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٨٥.


وأقول :

مراد ابن عبّاس : إنّ من تواصوا بالصبر عليّعليه‌السلام ، لا أنّ نفس الصبر عليّ ، كما هو واضح.

وعبّر سبحانه عن عليّ بصيغة الجمع ، إعظاما له ، وبيانا لكمال صبره ، وأنّ صبره بمنزلة صبر جميع المؤمنين المتواصين به ؛ لشدّة ما يلزم نفسه به ، فلا يقع منه خلاف الصبر الذي هو صبران ؛ صبر على الطاعة ، وصبر عن المعصية ؛ فيكون أفضل الأمّة ، ومعصومها ، وإمامها.

* * *


٥٥ ـ آية :( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ )

قال المصنّف ـ طاب مرقده ـ(١) :

الخامسة والخمسون : قوله تعالى :( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ ) (٢) .

عليّ وسلمان(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٠.

(٢) سورة التوبة ٩ : ١٠٠.

(٣) انظر : شواهد التنزيل ١ / ٢٥٤ ـ ٢٥٥ ح ٣٤٢ ـ ٣٤٤.


وقال الفضل(١) :

المراد بالسابق : إن كان السابق في الإسلام ، فسلمان ليس كذلك.

وإن كان السابق في الأعمال الصالحات ، فغيره من الصحابة هكذا.

ولا صحّة لهذا النقل ، وهو من تفاسير الشيعة(٢) .

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٨٨.

(٢) بل أخرجه الحسكاني كما تقدّم وابن مردويه كما سيأتي.


وأقول :

هذا أيضا ممّا حكاه في « كشف الغمّة » عن ابن مردويه(١) .

ثمّ إنّه لا مانع من اختيار الشقّ الأوّل ؛ فإنّ سلمان كان مؤمنا بالله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل البعثة ، متطلّبا لمعرفة مبعث النبيّ قبل رؤياه كما هو مذكور في خبر إسلامه(٢) .

وقال ابن حجر في « الإصابة » بترجمة سلمان : « كان قد سمع بأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله سيبعث ، فخرج في طلب ذلك فأسر ، وبيع بالمدينة ، فاشتغل بالرقّ »(٣) .

وقال السيوطي في « لباب النقول » ، عند قوله تعالى من سورة الزمر :( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها ) (٤) : « أخرج ابن أبي حاتم ، عن زيد بن أسلم ، أنّ هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر كانوا في الجاهليّة يقولون : « لا إله إلّا الله » ؛ زيد بن عمرو بن نفيل ، وأبي ذرّ الغفاري ، وسلمان الفارسي »(٥) .

__________________

(١) كشف الغمّة ١ / ٣٢٠.

(٢) انظر : الاستيعاب ٢ / ٦٣٤ ـ ٦٣٨ رقم ١٠١٤ ، حلية الأولياء ١ / ١٨٥ ـ ٢٠٨ رقم ٣٤ ، تاريخ بغداد ١ / ١٦٣ ـ ١٧٣ رقم ١٢ ، سير أعلام النبلاء ١ / ٥٠٥ ـ ٥٥٧ رقم ٩١ ، الإصابة ٣ / ١٤١ ـ ١٤٢ رقم ٣٣٥٩.

(٣) الإصابة ٣ / ١٤١ رقم ٣٣٥٩.

(٤) سورة الزمر ٣٩ : ١٧.

(٥) لباب النقول : ١٨٤ ـ ١٨٥.


روى الواحدي نحوه ، عن ابن زيد في سبب نزول الآية(١) .

.. إلى غير ذلك ممّا هو مستفيض الرواية ، الدالّ على سبق إسلام سلمان ، أو إقراره بالوحدانية(٢) .

ولا ينافيه ما يروى أنّ إسلامه عند ما جاء إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بصدقة فلم يقبلها ، ثمّ أتاه بهديّة فقبلها ، ثمّ رأى خاتم النبوّة فأسلم ؛ لأنّ هذا إنّما هو لتعيين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بشخصه ، لا لأنّه لم يؤمن به إلّا حينئذ ، فيكون من السابقين الأوّلين.

لكنّ أمير المؤمنين أفضل منه سبقا ، وأشدّ منه يقينا ، وأقدم منه في الصلاة ، كما هو معلوم بالضرورة ، ولما تقدّم من أنّ عليّاعليه‌السلام سابق هذه الأمّة وصدّيقها ؛ فيكون أفضلها ، وأولاها بالإمامة(٣) .

ولا مانع أيضا من اختيار الشقّ الثاني ؛ فإنّ سلمان من المعصومين السابقين في الأعمال الصالحة ، كما تدلّ عليه الآية الثالثة والخمسون(٤) .

ويؤيّده ما رواه القوم عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : «إنّ الجنّة اشتاقت إلى ثلاثة : عليّ وعمّار وسلمان » رواه الترمذي وحسّنه ، والحاكم وصحّحه(٥) .

__________________

(١) أسباب النزول : ٢٠٥.

(٢) انظر الهامش رقم ٢ من الصفحة السابقة.

(٣) راجع مبحثي آية :( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) في الصفحة ١٩ وما بعدها ، وآية :( أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ) ، في الصفحة ٩٣ وما بعدها ، من هذا الجزء.

(٤) راجع مبحث سورة العصر ، في الصفحة ٢٤٧ من هذا الجزء.

(٥) سنن الترمذي ٥ / ٦٢٦ ح ٣٧٩٧ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٤٨ ح ٤٦٦٦.

وانظر كذلك : تفسير القرطبي ١٠ / ١١٩ ، البداية والنهاية ٧ / ٢٤٨ ، مجمع الزوائد ٩ / ١١٧ و ١١٨ ، كنز العمّال ١١ / ٦٣٩ ح ٣٣١١٢.


ويؤيّده أيضا ما رواه الترمذي وحسّنه ، وابن عبد البرّ في « الاستيعاب » ، وغيرهما ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال ـ كما في لفظ الترمذي ـ : «إنّ الله أمرني بحبّ أربعة ، وأخبرني أنّه يحبّه م.

قيل : يا رسول الله! سمّهم لنا.

قال :عليّ منهم ـ يقول ذلك ثلاثا ـ ،وأبو ذرّ ، والمقداد ، وسلمان »(١)

فإذا كان عليّ وسلمان سابقي الأمّة في صالح الأعمال ومعصوميها ، ولا شكّ أنّ عليّا أعظم من سلمان في الوصفين ، فقد تعيّن للإمامة ، وتعيّنت له(٢) .

__________________

(١) سنن الترمذي ٥ / ٥٩٤ ح ٣٧١٨ ، الاستيعاب ٢ / ٦٣٦ رقم ١٠١٤ وج ٤ / ١٤٨٢ رقم ٢٥٦١.

وانظر كذلك : مسند أحمد ٥ / ٣٥١ و ٣٥٦ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٨٥٧ ح ١١٧٦ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٤١ ح ٤٦٤٩ ، حلية الأولياء ١ / ١٧٢ رقم ٢٨ وص ١٩٠ رقم ٣٤.

(٢) ولا ريب أنّ أمير المؤمنين أحبّ الأربعة إلى الله كما يدلّ عليه الحديث الأخير ، وأفضلهم عملا بمقدار فضله عليهم ؛ فيكون هو الإمام.

وأمّا ما نقله السيوطي في « الدرّ المنثور » [ ٤ / ٢٦٩ ] ، عن ابن مردويه ، عن ابن عبّاس ،( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ ) ، قال : « أبو بكر ، وعمر ، وعليّ ، وسلمان ، وعمّار » فمكذوب عندنا ، وغير حجّة علينا [ حتّى ] لو صحّ سنده عندهم ، بل هو كذب عندهم ؛ لأنّه لم يذكر عثمان ، وهو من السابقين الأوّلين عندهم ، كما أنّ عمر لم يكن من السابقين في الإسلام وبالإجماع!

منهقدس‌سره .

نقول : وحتّى أبو بكر لم يكن من السابقين في الإسلام ، فقد أسلم قبله أكثر من خمسين!! انظر : تاريخ الطبري ١ / ٥٤٠.


٥٦ ـ آية :( وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ )

قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :

السادسة والخمسون : قوله تعالى :( وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ) إلى قوله تعالى :( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) (٢) ، عليّ منهم(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٠.

(٢) سورة الحجّ ٢٢ : ٣٤ و ٣٥.

(٣) تفسير القرطبي ١٢ / ٤٠ ، تفسير الكلبي ٣ / ٤١ ، شواهد التنزيل ١ / ٣٩٧ ح ٥٥٠ ، وانظر : كشف الغمّة ١ / ٣٢٠ عن ابن مردويه.


وقال الفضل(١) :

هذا مسلّم لا نزاع فيه ، ولكن لا يدلّ على المدّعى.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٨٩.


وأقول :

بل يدلّ عليه ؛ لأنّ البشارة بكرامة الآخرة لشخص معيّن لا تصحّ إلّا مع عصمته أو نحوها ، وليس الخلفاء الثلاثة كذلك ، كما سبق في الآية الثانية والثلاثين ، وبيّنّا فيها لزوم إمامتهعليه‌السلام دون الثلاثة ، بل ودون غيرهم ؛ لأنّه أفضل المخبتين(١) .

* * *

__________________

(١) انظر الصفحة ١٤٤ وما بعدها من هذا الجزء.


٥٧ ـ آية :( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى )

قال المصنّف ـ طاب ثراه ـ(١) :

السابعة والخمسون : قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى ) (٢) ، عليّ منهم(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٠.

(٢) سورة الأنبياء ٢١ : ١٠١.

(٣) شواهد التنزيل ١ / ٣٨٤ ـ ٣٨٥ ح ٥٢٨ ـ ٥٣١ ، الكشّاف ٢ / ٥٨٤ ، زاد المسير ٥ / ٢٨٩ ، تفسير ابن كثير ٣ / ١٩٢ ، تفسير البيضاوي ٢ / ٧٩ ، الدرّ المنثور ٥ / ٦٨١ ، روح المعاني ١٧ / ١٤٥.


وقال الفضل(١) :

هذا مسلّم لا نزاع فيه ، ولكن لا يدلّ على المدّعى.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٩٠.


وأقول :

تمام الآية وما بعدها :( أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) (١) .

وتعرف دلالتها ممّا أشرنا إليه في الآية السابقة(٢)

وأوضحناه في الآية الثانية والثلاثين من أنّ بشارة شخص معيّن بنيل الموعود ، والأمن من الوعيد ، تقتضي ـ مع علمه بالبشارة ـ عصمته ، أو قريبا منها ، وأوضحنا أنّ المشايخ الثلاثة وأشباههم ليسوا كذلك ، فيكون أمير المؤمنينعليه‌السلام هو المعصوم ، أو الفاضل على غيره ، ويكون هو الإمام(٣) .

وما رواه بعض القوم(٤) من تفسير من سبقت لهم الحسنى بما يشمل غير أمير المؤمنينعليه‌السلام ، غير صحيح ، ولا حجّة لهم علينا في ما يروونه بحقّ غيره.

أترى أنّ الله سبحانه يبشّر مثلهم بالجنّة ، ويؤمّنهم من النار ، ليهون عليهم تغيير الأحكام ، وغصب حقوق الأطهار ، وسفك دماء المسلمين ،

__________________

(١) سورة الأنبياء ٢١ : ١٠١ ـ ١٠٣.

(٢) راجع الصفحة ٢٦٢.

(٣) انظر الصفحة ١٤٤ وما بعدها من هذا الجزء.

(٤) انظر ما مرّ من المصادر المدرجة في الهامش ٣ من الصفحة ٢٦٣.


والاستئثار ببيت المال ، والخروج على إمام الزمان ، ومحاربة الله ورسوله ، بحربه؟!

* * *


٥٨ ـ آية :( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ )

قال المصنّف ـ رفع الله درجته ـ(١) :

الثامنة والخمسون : قوله تعالى :( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ ) (٢) .

قال عليّعليه‌السلام : «الحسنة حبّنا أهل البيت ، والسيّئة بغضنا ، من جاء بها أكبّه الله على وجهه في النار »(٣) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٠.

(٢) سورة الأنعام ٦ : ١٦٠ ، سورة النمل ٢٧ : ٨٩ ، سورة القصص ٢٨ : ٨٤.

(٣) تفسير الحبري : ٢٩٤ ح ٤٧ ، تفسير الثعلبي ٧ / ٢٣٠ ، شواهد التنزيل ١ / ٤٢٥ ـ ٤٢٦ ح ٥٨١ و ٥٨٢ و ٥٨٧.


وقال الفضل(١) :

لا شكّ أنّ حبّ أهل بيت محمّد من الحسنات ، ولكن لا يثبت النصّ.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٩٢.


وأقول :

نقل في « كشف الغمّة » عن ابن مردويه ما ذكره المصنّفرحمه‌الله بلفظه كلّه مرّة ، وإلى قوله : « والسيّئة بغضنا » مرّة أخرى ، وذلك في تفسير آيتين :

الأولى : قوله تعالى في أواخر سورة الأنعام :( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلأَمِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (١) .

الثانية : قوله تعالى في أواخر سورة النمل :( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلأَما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٢) (٣) .

ونقل في « ينابيع المودّة » ، عن أبي نعيم والثعلبي والحمويني ، في تفسير الثانية ، عن عليّعليه‌السلام ، قال : «الحسنة حبّنا ، والسيّئة بغضنا »(٤) .

ويشهد لصحّة هذه الروايات ، ما عرفته من الأخبار في الآية الرابعة ، والآية الثانية عشرة ، كما عرفت هناك أيضا وجه الدلالة على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ فراجع(٥) .

__________________

(١) سورة الأنعام ٦ : ١٦٠.

(٢) سورة النمل ٢٧ : ٨٩ و ٩٠.

(٣) كشف الغمّة ١ / ٣٢١ و ٣٢٤.

(٤) ينابيع المودّة ١ / ٢٩١ ح ١ ، وانظر : تفسير الثعلبي ٧ / ٢٣٠ ، فرائد السمطين ٢ / ٢٩٧ ـ ٢٩٩ ح ٥٥٤ و ٥٥٥.

(٥) راجع ج ٤ / ٣٨٣ وما بعدها ، والصفحة ١٥ وما بعدها من هذا الجزء.


ويؤيّد دلالتها عليها ما رواه الحاكم في « المستدرك »(١) وصحّحه ، عن عمّار [ بن ياسررضي‌الله‌عنه ] ، قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول لعليّ :« طوبى لمن أحبّك وصدّق فيك ، وويل لمن أبغضك وكذّب فيك » ؛ لأنّ المراد ـ ظاهرا ـ هو التصديق والتكذيب بإمامته ، أو فضله الموجب لها.

وما نقله في « كنز العمّال »(٢) ، عن الطبراني ، عن ابن عبّاس ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّعليه‌السلام : «ألا من أحبّك حفّ بالأمن والإيمان ، ومن أبغضك أماته الله ميتة الجاهلية ».

ونقل بعده بقليل عن الطبراني ، عن ابن عمر ، مثل ذلك(٣) .

فإنّ الإيمان إنّما يتمّ بالإقرار بالإمام الحقّ المستلزم لحبّه ؛ لما سبق من أنّ الإمامة أصل من أصول الدين(٤) ، كما أنّ ميتة الجاهلية إنّما هي بالإخلال بهذا الأصل الناشئ من البغض عادة.

ويؤيّد المطلوب أيضا ما دلّ على الملازمة بين حبّ عليّ وحبّ الله ورسوله ، والتلازم بين بغضه وبغضهم ؛ كالذي نقله في « الكنز » أيضا عن الطبراني وابن عساكر ، عن عمّار ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : «من أحبّه ـ يعني عليّا ـفقد أحبّني ، ومن أحبّني فقد أحبّ الله تعالى ، ومن

__________________

(١) ص ١٣٥ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٤٥ ح ٤٦٥٧ ]. منهقدس‌سره .

(٢) ص ١٥٤ من الجزء السادس [ ١١ / ٦٠٧ ح ٣٢٩٣٥ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : المعجم الكبير ١١ / ٦٢ ـ ٦٣ ح ١١٠٩٢ ، المعجم الأوسط ٨ / ٧٣ ـ ٧٤ ح ٧٨٩٤.

(٣) كنز العمّال ١١ / ٦١٠ ح ٣٢٩٥٥ ، وانظر : المعجم الكبير ١٢ / ٣٢١ ح ١٣٥٤٩.

(٤) راجع ج ٤ / ٢١١ وما بعدها من هذا الكتاب.


أبغضه فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله تعالى »(١) .

وكيف لا يراد بذلك بيان إمامة عليّعليه‌السلام وقد اهتمّ الكتاب العزيز ببيان وجوب حبّه وحرمة بغضه ، حتّى نزل فيه مكرّرا ، وعبّر عن حبّه بالحسنة ، وعن بغضه بالسيّئة ، وكذلك استفاضت وتواترت بهما السنّة النبويّة؟!

* * *

__________________

(١) كنز العمّال ١١ / ٦١٠ ح ٣٢٩٥٣ ، وانظر : المعجم الكبير ٢٣ / ٣٨٠ ح ٩٠١ بسند آخر عن أمّ سلمة ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٤٠ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٠٩.


٥٩ ـ آية :( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ )

قال المصنّف ـ أجزل الله ثوابه ـ(١) :

التاسعة والخمسون : قال تعالى :( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ) (٢) .

هو : عليّعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠١.

(٢) سورة الأعراف ٧ : ٤٤.

(٣) انظر : شواهد التنزيل ١ / ٢٠٢ ـ ٢٠٣ ح ٢٦١ ـ ٢٦٥ ، تفسير الآلوسي ٨ / ١٨٢ ، ينابيع المودّة ١ / ٣٠١ ـ ٣٠٢ ح ٢ ـ ٥.


وقال الفضل(١) :

هذا لم يثبت في الصحاح والتفاسير ، وإن صحّ لا يدلّ على النصّ.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٩٣.


وأقول :

نقله في « كشف الغمّة » عن ابن مردويه(١) .

وقال في « ينابيع المودّة » : أخرج الحاكم الحسكاني ، عن محمّد بن الحنفيّة ، عن أبيه عليّ ، قال : «أنا ذلك المؤذّن »(٢) .

وقال أيضا : أخرج الحاكم ، عن ابن عبّاس ، قال عليّ : « في كتاب الله أسماء لي لا يعرفها الناس ، منها :( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ) يقول : ألا( لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (٣) ،أي : الّذين كذّبوا بولايتي ، واستخفّوا بحقّي »(٤) .

ونقل أيضا نحوه ، عن « المناقب » ، عن الباقرعليه‌السلام (٥) .

وهذه الآية ظاهرة الدلالة على المطلوب ؛ لأنّ المراد بالظالمين :

إمّا مطلق العصاة ، فحينئذ لا بدّ أن يكون المؤذّن معصوما ؛ إذ لا يصحّ أن يكون عاصيا وهو ينادي بلعنة العصاة ؛ وإذا كان معصوما ولا معصوم غيره ، كان هو الإمام ؛ لأنّ العصمة شرط الإمامة ـ كما

__________________

(١) كشف الغمّة ١ / ٣٢١.

(٢) ينابيع المودّة ١ / ٣٠١ ـ ٣٠٢ ح ٢ ، وانظر : شواهد التنزيل ١ / ٢٠٢ ح ٢٦١ ، مجمع البيان ٤ / ٢٤٢.

(٣) سورة الأعراف ٧ : ٤٤.

(٤) ينابيع المودّة ١ / ٣٠٢ ح ٣ ، وانظر : شواهد التنزيل ١ / ٢٠٢ ح ٢٦٢ ، مجمع البيان ٤ / ٢٤٢.

(٥) ينابيع المودّة ١ / ٣٠٢ ح ٤.


سبق ـ(١) ؛ ولكن يبعد النداء بلعن كلّ عاص.

وإمّا أن يراد بالظالمين : العصاة بالكبائر ، لا سيّما الكفر والنفاق ، الذي منه بغض عليّعليه‌السلام ، كما مرّ(٢) .

ولا شكّ أنّ من يستحقّ الناس اللعنة لبغضه ، مع النداء بها على رؤوس الخلائق يوم الحساب ، هو الإمام الحقّ ، بل كونه هو المنادي دليل على فضله على الأمّة ؛ والأفضل هو الإمام.

ويشهد لدلالة الآية على الإمامة ، الخبر الأخير ، فإنّ المراد فيه بالولاية : الإمامة ؛ لأنّ التكذيب إنّما يتعلّق بها لا بالحبّ.

وبمقتضى إطلاق الولاية في الحديث ، لا يفترق الحال بين من كذّب بإمامته مطلقا أو في وقت خاصّ.

* * *

__________________

(١) انظر : ج ٤ / ٢٤١ من هذا الكتاب.

(٢) راجع الصفحات ٢٦٩ ـ ٢٧١ من هذا الجزء.


٦٠ ـ آية :( إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ )

قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :

الستّون : قال تعالى :( إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ) (٢) .

دعاكم لولاية عليّ بن أبي طالب(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠١.

(٢) سورة الأنفال ٨ : ٢٤.

(٣) أخرجه الكشفي الترمذي في المناقب : ٥٦ عن ابن مردويه.


وقال الفضل(١) :

ليس هذا في التفاسير ، وإن صحّ لا يدلّ على المقصود.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٩٥.


وأقول :

نقله أيضا في « كشف الغمّة » عن ابن مردويه(١) .

والمراد فيه بالولاية : إمّا الإمامة ، كما هو المنصرف في مثل المقام ؛ أو الحبّ ؛ وعلى الاحتمالين يتمّ المدّعى.

أمّا على الأوّل ، فغنيّ عن البيان

وأمّا على الثاني ؛ فلأنّ دعوة الله ورسوله إلى محبّة عليّ بخصوصه ، وجعلها حياة للناس ، دليل على أنّ له منزلة فوق منازل الناس ، وهي إمّا الإمامة ، وهي عين المطلوب ، أو الأفضليّة ، وهي تستلزمها.

* * *

__________________

(١) كشف الغمّة ١ / ٣٢١.


٦١ ـ آية :( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ )

قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :

الحادية والستّون : قوله تعالى :( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) (٢) .

عليّعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠١.

(٢) سورة القمر ٥٤ : ٥٥.

(٣) أرجح المطالب : ٨٢ عن ابن مردويه.


وأقول :

لم يتعرّض الفضل للجواب عن هذه الآية الكريمة ؛ لسقوطها عن نسخته ، وقال : « لم يذكر هنا الأوّل ، وكأنّه في الحساب أيضا غالطا »(١) .

والأولى بالغلط من ينصب خبر « كأنّ » ، ويطلق الأوّل ، ويريد : « الحادي » بلا نكتة تقتضيه.

ووجه الدلالة في ذلك على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، أنّه سبحانه عبّر عنه بصيغة الجمع فقال :( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) (٢) ، فدلّ على أنّهعليه‌السلام بمنزلة جميع المتّقين ؛ لأنّه قوام التقوى وأساسها ، فهو أعظم الأمّة وأفضلها ؛ فيكون هو الإمام.

وأيضا : فقد بشّرت الآية عليّاعليه‌السلام بشخصه بالجنّة ، وهو عالم بذلك ؛ لأنّ عنده علم الكتاب ، وقد سبق أن هذا يقتضي عصمته أو أفضليّته على غيره ؛ فيكون هو الإمام(٣) .

وقد نقل في « كشف الغمّة » عن ابن مردويه خبرا آخر ، رواه عن جابر ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال في آخره : « أبشر يا عليّ! ما من عبد ينتحل مودّتنا إلّا بعثه الله معنا يوم القيامة » ثمّ قرأ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) (٤) .

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٣٩٧.

(٢) سورة القمر ٥٤ : ٥٤ و ٥٥.

(٣) انظر الصفحة ١١٩ من هذا الجزء.

(٤) كشف الغمّة ١ / ٣٢١.


ونقل أيضا عن موفّق بن أحمد الخوارزمي ، عن جابر ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا عليّ! من أحبّك وتولّاك أسكنه الله معنا ».

ثمّ تلا رسول الله :( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) (١)

ويستفاد من أوّل هذين الحديثين ، أنّ مودّتي النبيّ وعليّ عليهما الصلاة والسلام متلازمتان ؛ ومن الحديثين ، أنّ مودّة عليّ توجب دخول الجنّة.

وذلك دليل الفضل على سائر الأمّة ، فيكون عليّعليه‌السلام إمامها ، لا سيّما مع إعلامه بأنّه من أهل الجنّة ، وأنّه السبب في دخولها.

* * *

__________________

(١) كشف الغمّة ١ / ٣٠٥ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٢٧٦ ح ٢٥٩.


٦٢ ـ آية :( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً )

قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :

الثانية والستّون : قوله تعالى :( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) (٢) .

قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ : «إنّ فيك مثلا من عيسى ، أحبّه قوم فهلكوا فيه ، وأبغضه قوم فهلكوا فيه ».

فقال المنافقون : أما يرى له مثلا إلّا عيسى؟! فنزلت الآية(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٢.

(٢) سورة الزخرف ٤٣ : ٥٧.

(٣) انظر : شواهد التنزيل ٢ / ١٥٩ ـ ١٦٧ ح ٨٥٩ ـ ٨٧١ ، وراجع : السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٣٧ ح ٨٤٨٨ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٧٩٣ ـ ٧٩٤ ح ١٠٨٧ وص ٨٨٨ ح ١٢٢١ و ١٢٢٢ ، زوائد عبد الله على المسند : ٤١١ ـ ٤١٢ ح ١٩٥ و ١٩٦ ، التاريخ الكبير ـ للبخاري ١ / ٢٨١ ـ ٢٨٢ رقم ٩٦٦ ترجمة ربيعة بن ناجذ الأسدي ، مسند البزّار ٣ / ١١ ـ ١٢ ح ٧٥٨ ، مسند أبي يعلى ١ / ٤٠٦ ـ ٤٠٧ ح ٥٣٤ ، العقد الفريد ٣ / ٣١٣ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٣ ح ٤٦٢٢ ، فضائل الخلفاء ـ لأبي نعيم ـ : ٦٨ ح ٥٤ ، الاستيعاب ٣ / ١١٣٠ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٠٩ ـ ١١٠ ح ١٠٤ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٩٣ ـ ٢٩٦ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٣٣.


وقال الفضل(١) :

نزلت في عبد الله بن الزّبعرى(٢) ، حين نزل :( إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) (٣) ، فقال ابن الزبعرى : عيسى عبد ، فهو يدخل جهنّم!

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما أجهلك بلغة قومك!

فإنّ « ما » لا يراد به ذوو العقول ، وعيسى من ذوي العقول.

فأنزل الله تعالى :( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) (٤) .

وإن صحّ ، فهو في حكم أخواتها.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤٠٢.

(٢) هو : عبد الله بن الزبعرى بن قيس بن عديّ السهمي ، يصل نسبه إلى مضر بن نزار ، وهو أحد شعراء قريش المعدودين ، كان شاعرا مفلّقا خبيثا ، وكان مؤذيا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يهجو المسلمين ، ويحرّض عليهم كفّار قريش في شعره ، ثمّ أسلم بعد ذلك ، فقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إسلامه ، وأمّنه يوم الفتح ، قيل : توفّي سنة ١٥ ه‍.

انظر : الأغاني ١٥ / ١٧٤ رقم ١٣ ، المؤتلف والمختلف ـ للآمدي ـ : ١٩٤.

(٣) سورة الأنبياء ٢١ : ٩٨.

(٤) تفسير الفخر الرازي ٢٧ / ٢٢٢ ، تفسير البغوي ٤ / ١٢٨ ، تفسير القرطبي ١٦ / ٦٩ ، الكشّاف ٣ / ٤٩٣ ، زاد المسير ٧ / ١٤١ ، روح المعاني ٢٥ / ١٤٢.


وأقول :

هذا ممّا رواه ابن مردويه كما في « كشف الغمّة »(١) ، ورواه أئمّتنا الأطهار عن أمير المؤمنين(٢) .

ونقل نحوه في « ينابيع المودّة » ، في الباب الرابع والأربعين ، عن « المناقب »(٣) .

وقد استفاض ضرب المثل لعليّ بعيسى في أخبارهم حتّى روي في « مسند أحمد » من طريقين(٤) ، ورواه النسائي في « خصائصه »(٥) ، والحاكم في « المستدرك » وصحّحه(٦) .

ونقله في « الصواعق » ، في الحديث العشرين من الأحاديث الواردة في فضل أمير المؤمنينعليه‌السلام ، عن البزّار وأبي يعلى(٧) .

ونقله في « كنز العمّال »(٨) ، عن أبي نعيم وغيره.

__________________

(١) كشف الغمّة ١ / ٣٢١.

(٢) انظر : تفسير فرات ٢ / ٤٠٣ ـ ٤٠٤ ح ٥٣٨ ـ ٥٣٩ ، تفسير القمّي ٢ / ٢٥٩.

(٣) ينابيع المودّة ١ / ٣٩٣ ح ٦.

(٤) ص ١٦٠ من الجزء الأوّل ، وهي آخر صحيفة من مسند عليّعليه‌السلام . منهقدس‌سره .

(٥) خصائص الإمام عليّ : ٨٤ ـ ٨٥ ح ٩٨.

(٦) ص ١٢٣ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٣٢ ـ ١٣٣ ح ٤٦٢٢ ]. منهقدس‌سره .

(٧) الصواعق المحرقة : ١٩٠ ـ ١٩١ ، وانظر : مسند البزّار ٣ / ١١ ـ ١٢ ح ٧٥٨ ، مسند أبي يعلى ١ / ٤٠٦ ـ ٤٠٧ ح ٥٣٤.

(٨) ص ١٥٨ من الجزء السادس [ ١١ / ٦٢٣ ح ٣٣٠٣٢ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : فضائل الخلفاء ـ لأبي نعيم ـ : ٦٨ ح ٥٤ ، وراجع ما مرّ في الصفحة ٢٨٢ ه‍ ٣.


ولا ريب في صحّة ذلك ـ حتّى لو لم ترد به رواية ـ ؛ لشهادة الوجدان به ، فإنّ الغلاة بأمير المؤمنينعليه‌السلام كثيرون ، وكذلك النصّاب له الّذين هلكوا ببغضه ، كالخوارج وبني أمّية وأشياعهم ، وأشباه الفضل ، ممّن ألزموا أنفسهم من دون برهان بتأخيره رتبة وفضلا عمّن لا يقاس به علما وعملا.

ولا يمكن أن تكون الإماميّة ممّن هلك بحبّه ؛ لأنّ الروايات المشار إليها جعلت الهالكين بحبّه من نحو الهالكين بحبّ عيسى ، ومن المعلوم أنّ من هلك بحبّ عيسى إنّما هو من قال بإلهيّته ، فكذا من هلك بحبّ عليّ.

وأمّا ما ذكره الفضل من قصّة ابن الزبعرى ؛ فلا مناسبة لها بجعل عيسى مثلا ؛ لأنّ ابن الزبعرى صيّر عيسى نقضا للآية لا مثلا.

على أنّ المفهوم من الآية أنّ الضارب للمثل بعيسى هو النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لا قومه ، وإنّما هم صادّون عنه.

وممّا ذكر يعلم وجه الدلالة على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ فإنّ ضرب المثل له بعيسى دالّ على أنّه مثله في الفضل عند الله تعالى ، بحيث كان بغضه هلاكا ؛ فهو شبيه عيسى بالعظمة ، وفوق الأمّة ، وإمامها ؛ ولذا قال المنافقون : « لا يرى له مثلا إلّا عيسى »

مضافا إلى أنّ الداعي للغلوّ فيه كالداعي للغلوّ بعيسى ، وهو ما صدر عنه من المعجزات والكرامات الباهرة ، ولا شكّ أنّ صدورها من شخص دون غيره دليل على كرامته عند الله وفضله على قومه ، والأفضل محلّ الإمامة ، ودليل على أنّ إمامته من الله تعالى ؛ لاقتران معجزته بدعوى الإمامة.


ويكفيك من معجزاته إخباره بالمغيّبات(١) ، وردّ الشمس له في حياة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وبعده(٢) ، ومخاطبة الثعبان له(٣) ، وغيرها من كراماته الباهرة.

وسيأتي إن شاء الله تعالى في الحديث الخامس عشر وجه آخر لبيان إمامته من الآية وهذا الحديث.

__________________

(١) انظر : تاريخ الطبري ٣ / ١٢٥ ، جواهر المطالب ١ / ٢٦٣ ، شرح نهج البلاغة ٢ / ٢٩٠ ـ ٢٩٤ وج ١٠ / ١٣ ـ ١٥.

(٢) وقد ردّت الشمس لأمير المؤمنين عليّعليه‌السلام مرّتين :

أولاهما في زمن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بالصهباء من أرض خيبر أيّام غزاتها ، وقد أخرج حديث ردّ الشمس هذا جمع كبير من الحفّاظ والمحدّثين ، يربو عددهم على الأربعين ، وقد أخرجوه بأسانيد متعدّدة وطرق كثيرة ، وقد نصّ بعضهم على أنّ منها طرقا صحيحة ثابتة ، فانظر : الذرّيّة الطاهرة ـ للدولابي ـ : ١٢٩ ح ١٥٦ ، مشكل الآثار ٢ / ٧ ح ١٢٠٧ ، ١٢٠٨ وج ٤ / ٢٦٨ ح ٣٨٥٠ و ٣٨٥١ ، المعجم الكبير ٢٤ / ١٤٤ ـ ١٤٥ ح ٣٨٢ وص ١٤٧ ـ ١٥٢ ح ٣٩٠ و ٣٩١ ، أعلام النبوّة ـ للماوردي ـ : ١٤٩ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٢٦ ـ ١٢٧ ح ١٤٠ و ١٤١ ، زين الفتى ٢ / ٥٠ ـ ٥٢ ح ٣٣١ ، الشفا ـ للقاضي عياض ـ ١ / ٢٨٤ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣٠٦ ـ ٣٠٧ ح ٣٠١ و ٣٠٢ ، تاريخ دمشق ٧٠ / ٣٦ رقم ٩٤٠٩ ، كفاية الطالب : ٣٨٣ ـ ٣٨٤ ، المقاصد الحسنة : ٢٧٠ ح ٥١٩.

كما أفرده بعضهم بالتأليف ، فأوردوا أحاديثه وجمعوا طرقه ، كأبي عبد الله الجعل المعتزلي الحنفي ، والحاكم الحسكاني ، والنقيب العبيدلي ، وأخطب خوارزم ، والسيوطي ، وشمس الدين الدمشقي ؛ فانظر : الغدير ٣ / ١٨٣ ـ ٢٠٣ و ٥٣٧ ، أهل البيتعليهم‌السلام في المكتبة العربية : ١١٠ ـ ١١٤ رقم ٢٠٨ ومواضع أخر ، كشف الرمس عن حديث ردّ الشمس : ٩ ـ ٧٧.

وأمّا ثانيتهما ، فقد ردّت الشمس بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عليه عليه السلام ببابل ، وقد ورد ذلك في عدّة مصادر ، منها : وقعة صفّين : ١٣٥ ـ ١٣٦ ، مناقب الإمام عليّ عليه السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣٢٩ ـ ٣٣٠ ح ٣٤٩ ، ينابيع المودّة ١ / ٤١٨ ـ ٤١٩.

(٣) انظر : الكافي ١ / ٤٤٩ ـ ٤٥٠ ح ٦ كتاب الحجّة ، بصائر الدرجات : ١١٧ ح ٧.


٦٣ ـ آية :( وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِ )

قال المصنّف ـ طاب ثراه ـ(١) :

الثالثة والستّون : قوله تعالى :( وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) (٢) .

قال عليّعليه‌السلام : «أنا وشيعتي »(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٢.

(٢) سورة الأعراف ٧ : ١٨١.

(٣) انظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣٣١ ح ٣٥١ ، شواهد التنزيل ١ / ٢٠٤ ح ٢٦٧.


وقال الفضل(١) :

هذا من رواياته ومدّعياته ، والله أعلم ، وليس فيه دليل على المدّعى.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤١٤.


وأقول :

لا يخفى أنّه ورد في كثير من أخبار القوم أنّ المراد بالأمّة في الآية : أمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) ، وليس المراد : هو الأمّة بإطلاقها ؛ لما في تفسير الرازي ، قال : قرأ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الآية ، وقال : «إنّ من أمّتي قوما على الحقّ حتّى ينزل عيسى بن مريم »(٢)

ولما استفاض في الأخبار من أنّ أمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله تفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة ، فرقة ناجية ، وما سواها هالكة في النار(٣) .

فلا يمكن أن تكون كلّها هادية بالحقّ ، بل بعضها ، وهي الفرقة الناجية ، وقد فسّرتها الرواية ـ التي أشار إليها المصنّف ـ بعليّ وشيعته ، كما يشهد لها حديث الثقلين(٤) ، وغيره(٥) .

__________________

(١) شواهد التنزيل ١ / ٢٠٤ ح ٢٦٦.

(٢) تفسير الفخر الرازي ١٥ / ٧٦.

(٣) انظر : سنن الترمذي ٥ / ٢٦ ح ٢٦٤١ ، سنن أبي داود ٤ / ١٩٧ ح ٤٥٩٧ ، سنن ابن ماجة ٢ / ١٣٢١ ـ ١٣٢٢ ح ٣٩٩١ ـ ٣٩٩٣ ، مسند أحمد ٢ / ٣٣٢ ، مسند الشاميّين ٢ / ١٠٠ ـ ١٠١ ح ٩٨٨ ، المعجم الصغير ١ / ٢٥٦ ، المعجم الأوسط ٥ / ٢٤٧ ح ٤٨٨٦ وج ٨ / ٥٦ ح ٧٨٤٠ ، المعجم الكبير ٨ / ٢٧٣ ح ٨٠٥١ وج ١٨ / ٧٠ ح ١٢٩ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٨ / ٤٨ ح ٦٢١٤ ، المستدرك على الصحيحين ١ / ٢١٨ ـ ٢١٩ ح ٤٤٤.

(٤) سيأتي تخريجه مفصّلا في محلّه من الجزء السادس إن شاء الله تعالى.

(٥) كحديث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في عليّعليه‌السلام : « هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة » ، انظر : جزء ابن الغطريف : ٨٢ ح ٣٥ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١١١ ضمن ح ١٢٠ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٣٣ و ٣٧١ ، الدرّ المنثور ٨ / ٥٨٩.


قال عليّعليه‌السلام في هذه الرواية ـ كما في « كشف الغمّة » عن ابن مردويه ـ :

«تفترق هذه الأمّة على ثلاث وسبعين فرقة ، اثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنّة ، وهم الّذين قال الله تعالى :( وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) (١) ،وهم أنا وشيعتي (٢) .

ومثله في الباب الخامس والثلاثين ، من « ينابيع المودّة » ، عن موفّق ابن أحمد ، بسنده عن عليّعليه‌السلام ، إلّا أنّه قال : «وهم أنا ومحبّيّ وأتباعي »(٣) .

فإذا كان عليّعليه‌السلام وشيعته هم الفرقة الناجية ، الّذين يهدون بالحقّ وبه يعدلون ، كان هو الإمام ألبتّة ؛ إذ لا يمكن أن يكون مأموما وتابعا لبعض شيعته ؛ لأنّ الشيعة هم الأتباع لا المتبوعون

ولذا لا يدخل في شيعته ـ على مذهب القوم ـ المشايخ الثلاثة ؛ لأنّهم ـ بزعم القوم ـ أئمّة عليّعليه‌السلام ، ومتبوعون له لا تابعون.

كما لا يدخل في شيعته محاربوه وأعداؤه ، كالزبير وطلحة وأصحابهما من الناكثين ، ومعاوية وأتباعه من القاسطين.

وكذا لا يدخل فيهم جميع السنّة ، ضرورة أنّهم شيعة لأعدائه لا له!

* * *

__________________

(١) سورة الأعراف ٧ : ١٨١.

(٢) كشف الغمّة ١ / ٣٢١ ـ ٣٢٢.

(٣) ينابيع المودّة ١ / ٣٢٧ ح ١ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣٣١ ح ٣٥١ وفيه : « وهم أنا وشيعتي ».


٦٤ ـ آية :( تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً )

قال المصنّف ـ نوّر الله ضريحه ـ(١) :

الرابعة والستّون :( تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً ) (٢) .

نزلت في عليّعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٢.

(٢) سورة الفتح ٤٨ : ٢٩.

(٣) شواهد التنزيل ٢ / ١٨٣ ح ٨٨٨ و ٨٩٠ ، تفسير روح المعاني ٢٦ / ١٩٤.


وقال الفضل(١) :

إن صحّ فلا دلالة له على النصّ.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤١٦.


وأقول :

هذا ممّا نقله في « كشف الغمّة » عن ابن مردويه(١) .

والمراد في نزول الآية بعليّ : نزولها بتمامها به مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما هو الأظهر ؛ لأنّ الآية هكذا :

( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ) (٢) الآية.

وظاهرها : أنّ( أَشِدَّاءُ ) وما بعده خبر لـ( مُحَمَّدٌ ) وما عطف عليه ، لا للمعطوف فقط ، أعني( الَّذِينَ مَعَهُ ) ، فيكون الركّع السجود محمّدا وعليّا.

وحينئذ : فتدلّ الآية على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ لتعبيرها عنه بصيغة الجمع ، وهي :( الَّذِينَ مَعَهُ ) ، مشيرا بها إلى أنّه بمنزلة جميع من مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، من حيث إنّه قوامهم.

فيثبت فضله عليهم بالجهاد والتقوى وجميع صفات الكمال ، لا سيّما بضميمة ما أخبر به عن محمّد والّذين معه من الأوصاف الجليلة ، التي لا تثبت بمجموعها لأكثر الصحابة ، بل ولا لبعضهم على وجه الكمال ، وإنّما تثبت كاملة للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّعليه‌السلام ، فهو نظيره ونفسه.

__________________

(١) كشف الغمّة ١ / ٣٢٢.

(٢) سورة الفتح ٤٨ : ٢٩.


ويؤيّد الرواية التي أشار إليها المصنّف نزول أبعاض الآية الأخر في عليّعليه‌السلام أيضا ، كما عرفته في قوله تعالى :( فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ) (١) ، وما سيأتي في قوله تعالى :( يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ) (٢) .

* * *

__________________

(١) راجع ذلك في الصفحة ١٩٦ من هذا الجزء.

(٢) سيأتي ذلك في الصفحة ٣٣٩ من هذا الجزء ؛ فراجع!


٦٥ ـ آية :( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ )

قال المصنّف ـقدس‌سره ـ(١) :

الخامسة والستّون :( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا ) (٢) .

نزلت في عليّ ؛ لأنّ نفرا من المنافقين كانوا يؤذونه ويكذبون عليه(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٣.

(٢) سورة الأحزاب ٣٣ : ٥٨.

(٣) انظر : تفسير الثعلبي ٨ / ٦٣ ، شواهد التنزيل ٢ / ٩٣ ـ ٩٤ ح ٧٧٥ ، زاد المسير ٦ / ٢٢٤ ، تفسير القرطبي ١٤ / ١٥٤ ، تفسير النسفي ٣ / ٣١٢ ـ ٣١٣ ، تفسير الخازن ٣ / ٤٧٨ ، تفسير البيضاوي ٢ / ٢٥٢.


وقال الفضل(١) :

ظاهر الآية العموم ، وإن خصّ فلا دلالة له على النصّ المقصود.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤١٨.


وأقول :

هذا أيضا ممّا نقله في « كشف الغمّة » ، عن ابن مردويه ، عن مقاتل(١) .

ونقله عنه الواحدي في « أسباب النزول » ، إلّا أنّه قال : « يسمعونه » بدل « يكذبون عليه »(٢) .

وأشار إليه الزمخشري بقوله : « وقيل : نزلت في ناس من المنافقين يؤذون عليّا ويسمعونه(٣) »(٤) .

ووجه الدلالة على المطلوب : إنّ قوله تعالى :( بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا ) (٥) شهادة ببراءة عليّعليه‌السلام ممّا يقولون ، وإنّ قولهم بهتان ، كما قال سبحانه في تمام الآية :( فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ) (٦) .

ومن المعلوم أنّ اهتمام الآية ببراءة عليّعليه‌السلام ، وبيان أنّ من آذاه احتمل إثما مبينا ـ مع كثرة ما يصدر من الناس من قول البهتان والإيذاء للمؤمنين ـ ، دليل على عظمته عند الله تعالى وفضله على غيره ، ولا سيّما مع التعبير عنه بصيغة الجمع ، وذكر إيذائه مع إيذاء الله ورسوله ؛ والأفضل أحقّ بالإمامة.

__________________

(١) كشف الغمّة ١ / ٣٢٢.

(٢) أسباب النزول : ٢٠٢.

(٣) التّسميع : الشّتم وإسماع القبيح ؛ انظر : لسان العرب ٦ / ٣٦٦ مادّة « سمع ».

(٤) تفسير الكشّاف ٣ / ٢٧٣.

(٥) أي : بغير جناية واستحقاق للأذى ؛ كما في الكشّاف ٣ / ٢٧٣.

(٦) سورة الأحزاب ٣٣ : ٥٨.


ثمّ إنّه لا منافاة بين ذكر المؤمنات في الآية وبين نزولها في عليّعليه‌السلام ومن يؤذيه ؛ إذ لا مانع من التعرّض لهنّ بالتّبع ، ولا سيّما أنّ المنصرف من المؤمنات عند إرادة عليّ بالمؤمنين هو فاطمة المظلومة ، فتزيد فائدة الآية في المطلوب.

* * *


٦٦ ـ آية :( وَأُولُوا الْأَرْحامِ )

قال المصنّف ـ رفع الله درجته ـ(١) :

السادسة والستّون :( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ ) (٢) .

هو عليّ ؛ لأنّه كان مؤمنا مهاجرا ذا رحم(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٣.

(٢) سورة الأحزاب ٣٣ : ٦.

(٣) ذكره ابن مردويه في « المناقب » ، كما في كشف الغمّة ١ / ٣٢٢.


وقال الفضل(١) :

ظاهر الآية العموم ، ولم يذكر المفسّرون تخصيصا بأحد ، ولو خصّ فلا دلالة له على النصّ ، والاستدلال بأنّه مؤمن مهاجر ذو رحم لا يوجب التخصيص ؛ لشمول الأوصاف المذكورة لغيره.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤١٩.


وأقول :

لا نسلّم شمول الأوصاف المذكورة لغيره ؛ فإنّ العبّاس ليس من المهاجرين ؛ إذ لا هجرة بعد الفتح ، فلا يستحقّ من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ميراثا ؛ لأنّه تعالى قيّد في الآية أولي الأرحام بكونهم من المؤمنين والمهاجرين.

ولو سلّم أنّ( مِنْ ) في هذه الآية ليست بيانيّة ، بل هي الداخلة على المفضّل عليه ، كفى في الدلالة ـ على اعتبار الهجرة في الأولوية ـ قوله تعالى في آخر سورة الأنفال :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا ) (١) الآية.

بل يظهر من هذه الآية اعتبار الجهاد حين الهجرة أيضا في الأولوية ، ولا جهاد للعبّاس حينئذ ، كما لا هجرة له.

ولو تنازلنا عن ذلك ، فعليّعليه‌السلام أقرب رحما من العبّاس ، وإن كان ابن عمّ للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأنّ ابن العمّ للأبوين أقرب عندنا رحما وأولى بميراث ابن عمّه من العمّ للأب فقط(٢) .

ولو أعرضنا عن هذا وأخذنا بإطلاق( أُولُوا الْأَرْحامِ ) في الآية ،

__________________

(١) سورة الأنفال ٨ : ٧٢.

(٢) انظر : المقنعة : ٦٩٢ باب ميراث الأعمام والعمّات والأخوال والخالات ، التهذيب ٩ / ٣٢٦ ح ١١٧٢ ، الاستبصار ٤ / ١٧٠ ح ٦٤٤ ، اللمعة الدمشقية ٨ / ٥٤ ، وسائل الشيعة ٢٦ / ١٩٢ ح ٣٢٨٠٠.


فغاية الأمر أن يستوي عليّ والعبّاس بميراث الإمامة ، بلحاظ إطلاق الآية ، إلّا أنّه لا بدّ من تقديم عليّعليه‌السلام ؛ لأفضليّته ، وتسليم العبّاس لإمامته ، ولذا طلب مبايعته عند وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

وممّا بيّنّا يعلم ما في قول الرازي والمنصور الدوانيقي في جواب محمّد بن عبد الله(٢)

قال الرازي بتفسيره : « المسألة الثانية : تمسّك محمّد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب في كتابه إلى أبي جعفر المنصور بهذه الآية ، في أنّ الإمام بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هو عليّ بن أبي طالب.

فقال : قوله تعالى :( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) (٣) يدلّ على ثبوت الأولوية(٤) .

وليس في الآية شيء معيّن في ثبوت هذه الأولوية ، فوجب حمله على الكلّ ، إلّا ما خصّه الدليل ، وحينئذ يندرج فيه الإمامة.

ولا يجوز أن يقال : إنّ أبا بكر كان من أولي الأرحام ؛ لما نقل أنّه عليه الصلاة والسلام أعطاه سورة براءة ليبلّغها إلى القوم ، ثمّ بعث عليّا خلفه ، وأمر بأن يكون المبلّغ هو عليّ ، وقال : «لا يؤدّيها إلّا رجل منّي ».

__________________

(١) الإمامة والسياسة ١ / ٢١ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١ / ١٦٠ وج ٩ / ١٩٦ ، الأحكام السلطانية ـ للماوردي ـ : ٧ ، المواقف : ٤٠١ ، شرح تجريد الاعتقاد ـ للقوشجي ـ : ٤٧٦.

(٢) هو : محمّد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، ذو النفس الزكية ، المستشهد سنة ١٤٥ ه‍.

انظر ترجمته في : مقاتل الطالبيّين : ٢٠٦ رقم ٢٧ ، دول الإسلام : ٨٧ ، شذرات الذهب ١ / ٢١٣ حوادث سنة ١٤٤.

(٣) سورة الأحزاب ٣٣ : ٦.

(٤) في المصدر : « الولاية ».


وذلك يدلّ على أنّ أبا بكر ما كان منه ؛ فهذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية.

والجواب : إن صحّت هذه الدلالة كان العبّاس أولى بالإمامة ؛ لأنّه كان أقرب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من عليّ ؛ وبهذا الوجه أجاب أبو جعفر المنصور عنه »(١) .

وإنّما قلنا : إنّه يعلم الجواب عن هذا ممّا ذكر ؛ لما عرفت من أنّ العبّاس ليس من المهاجرين ، فلا ولاية بينه وبين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ ولو سلّم ، فعليّ أقرب منه رحما.

ولو تمسّكنا بإطلاق( أُولُوا الْأَرْحامِ ) فعليّ أفضل ، والأفضل أحقّ بالإمامة.

ولعلّه لهذه الأمور طلب العبّاس مبايعة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، لكن الحقّ أنّ المنشأ في الطلب علمه ببيعة الغدير وغيرها.

ثمّ إنّ الأمر المهمّ هو أولويّة أمير المؤمنينعليه‌السلام من أبي بكر بميراث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهي حاصلة ؛ لعدم الرحميّة لأبي بكر ، كما يدلّ عليه حديث عزله عن أداء سورة براءة(٢) ؛ فتكون خلافته باطلة ، وأنّ الحقّ لعليّعليه‌السلام .

__________________

(١) تفسير الفخر الرازي ١٥ / ٢٢١.

(٢) انظر : مسند أحمد ١ / ٣ و ١٥١ وج ٣ / ٢١٢ و ٢٨٣ ، سنن الترمذي ٥ / ٢٥٦ ـ ٢٥٧ ح ٣٠٩٠ و ٣٠٩١ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٢٨ ـ ١٢٩ ح ٨٤٦٠ ـ ٨٤٦٢ ، سنن ابن ماجة ١ / ٤٤ ح ١١٩ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٠٦ ح ٧٢ ، مسند البزّار ٢ / ٣٠٨ ح ٧٣٣ ، المعجم الكبير ١٢ / ٧٧ ح ١٢٥٩٣ ، تفسير الطبري ٦ / ٣٠٦ ـ ٣٠٧ ح ١٦٣٨٦ و ١٦٣٨٩ و ١٦٣٩٢ ، تاريخ الطبري ٢ / ١٩٢ حوادث سنة ٩ ه‍ ، سيرة ابن هشام ٥ / ٢٣٢ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٥٣ ح ٤٣٧٤ ، تفسير الماوردي ٢ / ٣٣٧ ، تفسير البغوي ٢ / ٢٢٥.


وقول الرازي : « إن صحّت هذه الدلالة » ، إن أراد به منع دلالة آية أولي الأرحام على أولويّة أرحام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالإمامة ، فظاهر البطلان ؛ لأنّ الآية أطلقت الأولوية ، والمطلق حجّة في الإطلاق بالإجماع.

وإن أراد به منع دلالة حديث عزل أبي بكر على أنّه ليس بذي رحم ، فالأمر أشنع!

ولو كان أبو بكر رحما للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لكانت قريش كلّها أرحاما ، بل الناس كلّهم كذلك ؛ لاجتماعهم في آدم ونوحعليهما‌السلام .

ولو سلّم ، فعليّ أقرب منه رحما للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فيحجبه عن الميراث اتّفاقا ، وتكون الخلافة لعليّعليه‌السلام .

* * *


٦٧ ـ آية :( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا )

قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :

السابعة والستّون :( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ ) (٢) .

نزلت في ولاية عليّعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٣.

(٢) سورة يونس ١٠ : ٢.

(٣) انظر : تفسير الحبري : ٢٣٥ ح ٤ ، شواهد التنزيل ١ / ٧٤ ح ١١٣.


وقال الفضل(١) :

لم يذكره المفسّرون ، فإن صحّ فهو في حكم أخواته.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤٢٣.


وأقول :

حكاه في « كشف الغمّة » عن ابن مردويه(١) .

وعليه : فدلالة الآية على إمامة أمير المؤمنين واضحة ؛ لأنّ من تثبت قدم الصدق للمؤمنين بولايته ، ويبشّر الله تعالى بثبوتها في كتابه العزيز ، لا بدّ أن يكون أفضلهم وخيرهم جميعا ، فيكون إمامهم.

ولو أريد بالولاية في الحديث الإمامة ، كانت الآية نصّا فيها.

* * *

__________________

(١) كشف الغمّة ١ / ٣٢٢.


٦٨ ـ آية :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ )

قال المصنّف ـ طاب ثراه ـ(١) :

الثامنة والستّون :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (٢) .

كان عليّ منهم(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٣.

(٢) سورة النساء ٤ : ٥٩.

(٣) كشف الغمّة ١ / ٣٢٣ عن ابن مردويه ، شواهد التنزيل ١ / ١٤٨ ـ ١٤٩ ح ٢٠٣ و ٢٠٤ ، تفسير البحر المحيط ٣ / ٢٧٨ ، ينابيع المودّة ١ / ٣٤١ ح ٢ وص ٣٥١ ح ٥.


وقال الفضل(١) :

هذا يشمل سائر الخلفاء ، فإنّ كلّهم كانوا أولي الأمر ، ولا دليل على مدّعاه.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤٢٦.


وأقول :

لا يمكن أن يشمل سائر الخلفاء ، سواء أراد بهم خصوص الأربعة ، أم الأعمّ منهم ، ومن معاوية ويزيد والوليد وأشباههم ؛ لدلالة الآية على عصمة أولي الأمر ، وهؤلاء ليسوا كذلك ـ كما سبق موضّحا في أوّل مباحث الإمامة ـ(١) .

فيتعيّن أن يراد بأولي الأمر : عليّ وأبناؤه الأطهار ؛ لانتفاء العصمة عن غيرهم بالضرورة والإجماع.

* * *

__________________

(١) راجع ج ٤ / ٢٠٥ وما بعدها من هذا الكتاب.


٦٩ ـ آية :( وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ )

قال المصنّف ـ أجزل الله ثوابه ـ(١) :

التاسعة والستّون :( وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ) (٢) .

في مسند أحمد : هو عليّ ، حين أذّن بالآيات من سورة « براءة » ، حين أنفذها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مع أبي بكر ، وأتبعه بعليّعليه‌السلام فردّه ، ومضى عليّ.

وقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «قد أمرت أن لا يبلّغها إلّا أنا أو واحد منّي »(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٤.

(٢) سورة التوبة ٩ : ٣.

(٣) مسند أحمد ١ / ٣ و ١٥١ وج ٣ / ٢١٢ و ٢٨٣.


وقال الفضل(١) :

سيرد عليك : إنّ إنفاذ عليّ بعد أبي بكر كان لأجل أنّ العرب في العهود لا يعتبرون إلّا قول صاحب العهد ، أو واحد من قومه ، ولأجل هذا أنفذ عليّا.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤٣٩.


وأقول :

لو كان العرب على ما ذكره لما خفي على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه في أوّل الأمر ، فلا بدّ أن يكون إرسال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لأبي بكر ليس مخالفا لقاعدة العرب ، بل هو مع عزله بعليّ للتنبيه من الله ورسوله على فضل عليّ ، وأنّه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دون سائر الناس ؛ وعلى أنّ أبا بكر ليس أهلا للقيام مقام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في ذلك ، فكيف يقوم مقامه في الزعامة العظمى؟! ولو أرسل عليّاعليه‌السلام أوّلا لم يحصل هذا التنبيه!

ثمّ إنّ الضمير في قوله في الحديث : « هو عليّ » راجع إلى الأذان ، أو المؤذّن المستفاد من الكلام.

ويشهد للأوّل ما في « الدرّ المنثور » ، عن ابن أبي حاتم ، أنّه أخرج عن حكيم بن حميد ، قال : « قال لي عليّ بن الحسينعليه‌السلام :إنّ لعليّ عليه‌السلام في كتاب الله اسما ، ولكن لا يعرفونه .

قلت : ما هو؟

قال :ألم تسمع قول الله تعالى :( وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ) ؟!هو والله الأذان »(١)

أقول :

وأنت تعلم أنّ تسميتهعليه‌السلام في كتاب الله تعالى بالأذان المنسوب إلى

__________________

(١) الدرّ المنثور ٤ / ١٢٦.


الله عزّ وجلّ ، دليل على شرف محلّه ، وخطر مقامه ، فلا يقاس به من لم يصلح لتأدية الرسالة.

* * *


٧٠ ـ آية :( طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ )

قال المصنّف ـ شيّد الله حجّته ـ(١) :

السبعون :( طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) (٢) .

قال ابن سيرين : هي شجرة في الجنّة أصلها في حجرة عليّ ، وليس في الجنّة حجرة إلّا وفيها غصن من أغصانها(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٤.

(٢) سورة الرعد ١٣ : ٢٩.

(٣) تفسير الحبري : ٢٨٤ ح ٤٠ ، تفسير الثعلبي ٥ / ٢٩٠ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٣٤ ـ ٢٣٥ ح ٣١٥ ، شواهد التنزيل ١ / ٣٠٥ ـ ٣٠٦ ح ٤١٨ ـ ٤٢١ ، تفسير القرطبي ٩ / ٢٠٨ ، كشف الغمّة ١ / ٣٢٣ ، الدرّ المنثور ٤ / ٦٤٤ ، ينابيع المودّة ١ / ٢٨٧ ح ١ وص ٣٩٤ ح ٨.


وقال الفضل(١) :

في الروايات المشهورة أنّها في بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا يبعد أنّ بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والوليّ يكون متّحدا.

ولا بأس بهذه الرواية ، فإنّ كلّ هذه تدلّ على الفضائل المتّفق عليها ، ولا دلالة فيها على النصّ ، وهو المدّعى.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤٤٣.


وأقول :

حكاه في « الدرّ المنثور » ، عن ابن أبي حاتم ، عن ابن سيرين(١) .

وما ذكره الفضل أنّها في دار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مرويّ أيضا ، ومقتضى الجمع أنّ دارهما واحدة ، كما ورد من طرقنا تصريح النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله به بعد أن قال مرّة : «إنّ طوبى شجرة في الجنّة ، أصلها في داري وفروعها في دور أهل الجنّة ».

وقال مرّة : «أصلها في دار عليّ عليه‌السلام »(٢) .

ودلالتها على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام من وجهين :

الأوّل : إنّها أبانت أنّ عليّاعليه‌السلام من أهل الجنّة ؛ وقد سبق مرارا أنّ إعلامه بشخصه بأنّه من أهل الجنّة يستدعي عصمته ، أو فضله على غيره.

الثاني : إنّ اتّحاد دار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والوليّ دليل على أنّهما كنفس واحدة ، وبمنزلة متّحدة ، فيكون عليّعليه‌السلام أفضل الناس وخيرهم حتّى الأنبياء ، فيكون إمام الأمّة ألبتّة.

* * *

__________________

(١) الدرّ المنثور ٤ / ٦٤٤.

(٢) شواهد التنزيل ١ / ٣٠٤ ـ ٣٠٦ ح ٤١٧ ـ ٤٢١ ، تفسير القرطبي ٩ / ٢٠٨ ، مجمع البيان ٦ / ٣٥.


٧١ ـ آية :( فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ )

قال المصنّف ـ شرّف الله قدره ـ(١) :

الحادية والسبعون :( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ) (٢) .

قال ابن عبّاس : بعليّعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٥.

(٢) سورة الزخرف ٤٣ : ٤١.

(٣) ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ٢١٦ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٣٨ ـ ٢٣٩ ح ٣٢١ ، شواهد التنزيل ٢ / ١٥٢ ـ ١٥٥ ح ٨٥١ ـ ٨٥٤ ، فردوس الأخبار ٢ / ١١٠ ح ٤٢٧٢ ، ينابيع المودّة ٢ / ٢٣٨ ح ٦٦٧.


وقال الفضل(١) :

لا يظهر ربطه بعليّ ؛ إذ المراد من الّذين ينتقم منهم : هم الكفّار ، وعليّ لم يحارب الكفّار بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وإن أراد البغاة ، فالآية ليست نازلة في شأنهم ، كما يدلّ السابق واللاحق من الآية على أنّها نزلت في شأن الكفّار ؛ وإن صحّ فلا يدلّ على المدّعى.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤٤٥.


وأقول :

هذا ممّا نقله في « كشف الغمّة » ، عن ابن مردويه ، عن ابن عبّاس(١) .

ونقله أيضا في « ينابيع المودّة » ، في الباب السادس والعشرين ، عن أبي نعيم ، عن حذيفة بن اليمان(٢) .

وقال السيوطي في « الدرّ المنثور » : أخرج ابن مردويه ، عن جابر ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في هذه الآية : « نزلت في عليّ بن أبي طالب ، أنّه ينتقم من الناكثين والقاسطين بعدي »(٣)

فهذه الرواية صريحة في نزول الآية بانتقام عليّعليه‌السلام من البغاة ، كما هو مقتضى الأخبار الأخر.

وأمّا ما زعمه الفضل من أنّ المراد من الّذين ينتقم منهم : هم الكفّار ، بدعوى دلالة ما سبق على الآية وما لحقها على ذلك ، فممنوع ؛ لشمول هذه الآيات للكافرين والمنافقين ، قال تعالى في سورة « الزخرف » :( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ

__________________

(١) كشف الغمّة ١ / ٣٢٣.

(٢) ينابيع المودّة ١ / ٢٩٣ ح ١ ، وانظر : ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ٢١٦.

(٣) الدرّ المنثور ٧ / ٣٨٠.


فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ * أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ) (١) .

فإذا كان لفظ الآيات شاملا للكافرين والمنافقين ، وكان صالحا لتخصيصه بالمنافقين لدليل خاصّ كسائر العمومات ، فقد صحّ لتلك الأخبار أن يراد بالآيات الخصوص ، وأن يكون المراد بضمير الغيبة في قوله تعالى :( فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ) هو : المنافقون ، لا سيّما مع التصريح ـ في رواية جابر المذكورة ـ بالانتقام من الناكثين والقاسطين ، فإنّهم وسائر البغاة على عليّعليه‌السلام أعداء مبغضون له ، وقد استفاضت الأخبار كما مرّ مرارا أنّ بغضه علامة النفاق(٢) .

فإذا كان عليّعليه‌السلام هو الذي وعد الله سبحانه بالانتقام به بعد النبيّ بمقتضى تلك الأخبار ، كان هو الإمام ؛ لأنّ قيامه مقام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في ما هو أنسب بعمل الخلفاء والأئمّة ظاهر في إمامته بعده.

ولو سلّم أنّ الآيات نازلة بالكافرين ، فالبغاة على أمير المؤمنينعليه‌السلام منهم ؛ لإنكارهم لإمامته ، والإمامة من أصول الدين كما هو الحقّ

ولقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «حربك حربي »(٣)

وقوله سبحانه :( مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) (٤) الآية ، فإنّها نازلة بعليّعليه‌السلام ومن حاربه ، كما

__________________

(١) سورة الزخرف ٤٣ : ٣٦ ـ ٤٢.

(٢) راجع ج ١ / ١٥ ه‍ ٣ من هذا الكتاب.

(٣) انظر : كنز العمّال ١٢ / ٩٧ ح ٣٤١٦٤ ، وقد تقدّم نحوه في ج ٤ / ٣٥٨ ه‍ ٤ من هذا الكتاب ، وسيأتي ذكره مفصّلا.

(٤) سورة المائدة ٥ : ٥٤.


سبق(١) .

.. إلى غير ذلك من الأدلّة الدالّة على كفرهم ، ولو حكما في الجملة.

* * *

__________________

(١) راجع الصفحة ٧٨ وما بعدها من هذا الجزء.


٧٢ ـ آية :( هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ )

قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :

الثانية والسبعون :( هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (٢) .

عن ابن عبّاس : إنّه عليّعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٥.

(٢) سورة النحل ١٦ : ٧٦.

(٣) ذكره الحافظ أبو بكر بن مردويه في « المناقب » ، كما في كشف الغمّة ١ / ٣٢٤.


وقال الفضل(١) :

لا شكّ أنّ عليّا كان يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ، لكن لا يدلّ هذا على النصّ على إمامته.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤٤٨.


وأقول :

هذا ممّا حكاه في « كشف الغمّة » ، عن ابن مردويه(١) .

وأوّل الآية :( وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (٢) .

وهذا المثل ـ كما تدلّ عليه الآيات السابقة على هذه الآية ـ قد ضربه الله سبحانه لنفسه وللأصنام ، فمثّلها بالأبكم العاجز ، ومثّل نفسه المقدّسة بعليّعليه‌السلام ، وقال سبحانه :( لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى ) (٣) .

فيكون عليّعليه‌السلام أعلى وأفضل من سائر الأمّة وإمامها

وأيضا : قد دلّ على أنّه على الصراط المستقيم ، فيكون معصوما

وعلى أنّه يأمر بالعدل أيضا ، فيكون أفضل وأولى بالإمامة ممّن قال :

« أما والله ما أنا بخيركم ، أفتظنّون أنّي أعمل فيكم بسنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا لا أقوم بها ، إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يعصم بالوحي ، وكان معه ملك ، وإنّ لي شيطانا يعتريني ، فإذا غضبت فاجتنبوني ، أن لا أؤثّر في أشعاركم وأبشاركم »(٤) .

__________________

(١) كشف الغمّة ١ / ٣٢٤.

(٢) سورة النحل ١٦ : ٧٦.

(٣) سورة النحل ١٦ : ٦٠.

(٤) الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٣ / ١٥٩ ، المعيار والموازنة : ٦١ ، الإمامة والسياسة ١ / ٣٤ ، تاريخ الطبري ٢ / ٢٤٤ ـ ٢٤٥ ، تاريخ دمشق ٣٠ / ٣٠٣ و ٣٠٤ ، ـ


٧٣ ـ آية :( سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ )

قال المصنّف ـ قدّس الله روحه ـ(١) :

الثالثة والسبعون :( سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ ) (٢) .

عن ابن عبّاس : آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) .

* * *

__________________

ـ صفوة الصفوة ١ / ١١٠ ، شرح نهج البلاغة ٦ / ٢٠ ، البداية والنهاية ٥ / ١٨٨ و ١٨٩ ، مجمع الزوائد ٥ / ١٨٣ ـ ١٨٤ ، تاريخ الخلفاء : ٨٤.

(١) نهج الحقّ : ٢٠٥.

(٢) سورة الصافّات ٣٧ : ١٣٠.

(٣) المعجم الكبير ١١ / ٥٦ ح ١١٠٦٤ ، الكامل في الضعفاء ٦ / ٣٥٠ رقم ١٨٣٢ ، تفسير الثعلبي ٨ / ١٦٩ ، تفسير الماوردي ٥ / ٦٥ ، شواهد التنزيل ٢ / ١٠٩ ـ ١١٢ ح ٧٩١ ـ ٧٩٧ ، تفسير البغوي ٤ / ٣٥ ، زاد المسير ٦ / ٣٢٠ ، تفسير الفخر الرازي ٢٦ / ١٦٣ ، تفسير القرطبي ١٥ / ٧٩ ، تفسير ابن كثير ٤ / ٢١ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٧٤ ، الدرّ المنثور ٧ / ١٢٠ ، جواهر العقدين : ٢٢٨ ، الصواعق المحرقة : ٢٢٨ ، فتح القدير ٤ / ٣٥٩.


وقال الفضل(١) :

صحّ هذا ، وآل يس آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعليّ منهم ، والسلام عليهم.

ولكن أين هو دليل المدّعى؟!

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤٥٠.


وأقول :

فضّل الله سبحانه في هذه السورة ، أي سورة الصافّات ، جماعة مخصوصة من الأنبياء ، فقال تعالى :( وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ ) (١)

وقال تعالى :( سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ ) (٢)

وقال سبحانه :( سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ ) (٣) .

ثمّ ختم السورة بالتعميم لجميع المرسلين.

وخصّ أيضا في أثناء ذلك آل محمّد بالسلام ، فقال :( سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ ) (٤) ، وهو دليل على شرف منزلتهم ، وأنّهم في قرن الأنبياء والمرسلين ؛ فيكون دليلا على فضلهم وإمامتهم للأمّة.

قال الرازي في ما حكاه عنه ابن حجر في « الصواعق »(٥) : « إنّ أهل بيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله يساوونه في خمسة أشياء :

في السلام ، قال : السلام عليك أيّها النبيّ ، وقال :( سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ )

وفي الصلاة عليه وعليهم في التشهّد

__________________

(١) سورة الصافّات ٣٧ : ٧٨ و ٧٩.

(٢) سورة الصافّات ٣٧ : ١٠٩.

(٣) سورة الصافّات ٣٧ : ١٢٠.

(٤) سورة الصافّات ٣٧ : ١٣٠.

(٥) في الآية الثالثة من الآيات النازلة في أهل البيت ، وهي الآية التي نحن فيها. منهقدس‌سره .


وفي الطهارة ، قال تعالى :( طه ) (١) أي : يا طاهر ، وقال :( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٢)

وفي تحريم الصدقة

وفي المحبّة ، قال تعالى :( فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) (٣) ، وقال :( لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلأَالْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) (٤) »(٥) .

وأقول :

لقد ترك عمدة ما يساوونه فيه ، وهو أنّهم حجج الله مثله(٦) ؛ لكونهم خلفاءه الاثني عشر من قريش ، ونسي المباهلة بهم معه وعصمتهم ، وكثيرا من الفضائل التي يشاركونه بها دون الأمّة ، كالعلم بما في الكتاب ونحوه.

* * *

__________________

(١) سورة طه ٢٠ : ١.

(٢) سورة الأحزاب ٣٣ : ٣٣.

(٣) سورة آل عمران ٣ : ٣١.

(٤) سورة الشورى ٤٢ : ٢٣.

(٥) الصواعق المحرقة : ٢٢٩ ، وانظر مؤدّاه في : تفسير الفخر الرازي ٢٢ / ٤ تفسير سورة طه ، وج ٢٥ / ٢١٠ تفسير آية التطهير ، وج ٢٧ / ١٦٧ تفسير آية المودّة ، جواهر العقدين : ٢٢٩ ـ ٢٣٠.

(٦) وهو وارد من طرقهم وإن حاول بعضهم الخدشة فيه ، انظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٠٨ و ٣٠٩ ، تاريخ بغداد ٢ / ٨٨ رقم ٤٧٤ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٩٣ ح ٦٧ ، ميزان الاعتدال ٦ / ٤٤٦ رقم ٨٥٩٦ ، الكامل في الضعفاء ٦ / ٣٩٧ رقم ١٨٨٣ ، الرياض النضرة ٣ / ١٥٩ ، كشف الغمّة ١ / ٩٤ و ١٦١ نقلا عن العزّ الحنبلي والحافظ اللفتواني في كتاب « الأربعين ».


٧٤ ـ آية :( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ )

قال المصنّف ـ طاب مرقده ـ(١) :

الرابعة والسبعون :( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) (٢)

و( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ) (٣) .

قال ابن عبّاس : هو عليّ(٤) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٦.

(٢) سورة الرعد ١٣ : ٤٣ ، وراجع بخصوص هذه الآية : ص ١١٥ ـ ١١٩ من هذا الجزء.

(٣) سورة الحاقّة ٦٩ : ١٩.

(٤) أرجح المطالب : ٨٥.


وقال الفضل(١) :

قد علمت أنّ آية :( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) ، نزلت في عبد الله ابن سلّام(٢) .

وأمّا آية :( مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ) ، فالظاهر أنّ المراد : سائر المؤمنين من أصحاب اليمين ، وإن خصّ فلا دلالة له على المدّعى.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤٥٢.

(٢) انظر الصفحة ١١٦ من هذا الجزء.


وأقول :

قد علمت ممّا سبق كذب دعوى نزولها في ابن سلّام ، وأنّ الحقّ نزولها في عديل القرآن وقرينه ، وباب مدينة علم سيّد المرسلين ، وأوضحنا دلالتها على إمامته هناك في الآية السابعة والعشرين(١) .

وأمّا الآية الثانية ، فتعرف دلالتها على إمامتهعليه‌السلام ممّا سبق في الآية الثانية والثلاثين(٢) وغيرها ؛ لبشارتها له وإعلامها له بأنّهيؤتى كتابه بيمينه ، وأنّه في عيشة راضية في جنّة عالية.

وإنّما أعاد المصنّفرحمه‌الله ذكر الآية الأولى من هاتين الآيتين ؛ لأنّه إنّما رواها سابقا من طريق الثعلبي عن عبد الله بن سلّام ، ومن طريق أبي نعيم ، عن محمّد بن الحنفيّة(٣) .

وأمّا روايتها هنا فمن طريق ابن مردويه ، عن ابن عبّاس ، فإنّه روى نزول الآيتين معا في رواية واحدة ، كما في « كشف الغمّة » ، فحسن لذلك إعادتها بتبع أختها(٤) .

* * *

__________________

(١) راجع الصفحات ١١٧ ـ ١١٩ من هذا الجزء.

(٢) راجع الصفحات ١٤٢ ـ ١٤٧ من هذا الجزء.

(٣) راجع الصفحة ١١٥ من هذا الجزء.

(٤) كشف الغمّة ١ / ٣٢٤.


٧٥ ـ آية :( إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ )

قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :

الخامسة والسبعون :( وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) (٢) .

عن أبي هريرة ، قال : « قال عليّ بن أبي طالب : يا رسول الله! أيّما أحبّ إليك ، أنا أم فاطمة؟

قال : فاطمة أحبّ إليّ منك ، وأنت أعزّ عليّ منها ، وكأنّي بك وأنت على حوضي تذود عنه الناس ، وأنّ عليه الأباريق مثل عدد نجوم السماء ، [ وإنّي ] وأنت والحسن والحسين وفاطمة وعقيل وجعفر في الجنّة إخوانا على سرر متقابلين ، أنت معي وشيعتك في الجنّة.

ثمّ قرأ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) ، لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه »(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٦.

(٢) سورة الحجر ١٥ : ٤٧.

(٣) انظر : المعجم الأوسط ٧ / ٣٩٢ ـ ٣٩٣ ح ٧٦٧٥ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٧٣.

وانظر صدر الحديث في : أسد الغابة ٦ / ٢٢٤ رقم ٧١٧٥ ، الجامع الصغير ٢ / ٣٦٠ ح ٥٨٣٦ ، فيض القدير ٤ / ٥٥٦ ح ٥٨٣٦ ، كنز العمّال ١٢ / ١٠٩ ح ٣٤٢٢٥.


وقال الفضل(١) :

إن صحّ هذا فهو من فضائله وذكر درجاته العلى في الجنّة ، ولا ريب لمؤمن في هذا ؛ والبحث في وجود النصّ ، فأيّ نفع لذاكر هذه الفضائل في ذكرها؟!

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤٥٥.


وأقول :

سبق ذكر هذه الآية ، وهي الآية الثانية والثلاثون ، وإنّما أعادها المصنّفرحمه‌الله ؛ لأنّه نقلها سابقا ، عن « مسند أحمد » ، وذكرنا هناك تمام حديثه وبيّنّا وجوه دلالته(١) .

وأمّا ذكرها هنا ؛ فلأنّ الحديث المذكور في المقام من أحاديث ابن مردويه(٢) ، وهو مشتمل على خصوصيّات أخر تقتضي الإمامة أيضا

منها : إنّ عليّاعليه‌السلام هو الساقي على حوض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يذود عنه الناس ، وهو بظاهره يقتضي الامتياز والفضل على جميع الناس ، ولا أقلّ من دلالته على الفضل على هذه الأمّة ، فيكون إمامها.

ومنها : إنّ شيعته في الجنّة ، فيكون ما يعتقدونه من إمامته دون غيره حقّ.

ومنها : بشارته بشخصه بالجنّة ، وهو كما سبق(٣) دليل على عصمته ، أو فضله على مثل المشايخ الثلاثة ممّن لا يصحّ تبشيره بهذه البشارة ، فيتعيّن دونهم للإمامة.

فإن قلت : على هذا يكون عقيل مساويا لعليّعليه‌السلام بالعصمة أو الفضل على غيره ؛ لبشارته بشخصه أيضا في الجنّة ، فيلزم جواز إمامته وأنتم لا تقولونه!

__________________

(١) راجع الصفحة ١٤٣ من هذا الجزء.

(٢) انظر : كشف الغمّة ١ / ٣٢٥ عن ابن مردويه.

(٣) راجع الصفحة ١٤٥ من هذا الجزء.


قلت : قد اعتبرنا في الدلالة على العصمة أو الفضل علم الشخص بدخوله الجنّة ، وليس في الحديث ما يدلّ على علم عقيل ، وليس هو ـ أيضا ـ كعليّعليه‌السلام عنده علم الكتاب ، والعلم بكلّ آية في من نزلت ، فلا يلزم علوّ رتبته كعليّعليه‌السلام .

على أنّ عقيلا ليس بمعصوم ، فلا تجوز إمامته ، وإن فرض جواز بشارته وإعلامه بدخول الجنّة.

هذا ، ونقل نحو هذا الحديث في الباب الرابع والأربعين من « ينابيع المودّة » عن أبي نعيم ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ :« أنت يا عليّ على حوضي ، تذود عنه المنافقين ، وأنّ أباريقه عدد نجوم السماء ، وأنت والحسن والحسين وحمزة وجعفر في الجنّة ، إخوانا على سرر متقابلين ، وأنت وأتباعك معي » ، ثمّ قرأ :( وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) (١) .

* * *

__________________

(١) ينابيع المودّة ١ / ٣٩٥ ح ١٠.


٧٦ ـ آية :( يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ )

قال المصنّف ـقدس‌سره ـ(١) :

السادسة والسبعون :( يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ) (٢) .

هو : عليّعليه‌السلام (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٧.

(٢) سورة الفتح ٤٨ : ٢٩.

(٣) تاريخ بغداد ١١ / ١٧٢ رقم ٥٨٧١ وج ١٣ / ١٥٣ رقم ٧١٣١ ، شواهد التنزيل ٢ / ١٨٥ ح ٨٩١ ، تاريخ دمشق ٣٩ / ١٧٨.


وقال الفضل(١) :

قد سبق ما ذكر في شأن نزول هذه الآية(٢) ، وهو من الفضائل ، ولا يدلّ على النصّ.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤٥٦.

(٢) في مبحث الآية رقم ٤٠ ، انظر الصفحة ١٩٥ من هذا الجزء.


وأقول :

هذا ممّا حكاه في « كشف الغمّة » ، عن ابن مردويه(١) .

ويؤيّده ما ورد من نزول أبعاض أخر من الآية في أمير المؤمنينعليه‌السلام ، كما عرفته في الآية الأربعين ، والرابعة والستّين(٢) .

والظاهر نزولها جميعا في النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنين ؛ لتصريح صدرها بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وورود نزول جملة من أبعاضها في عليّعليه‌السلام .

قال تعالى :( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) ـ يعني : عليّا ـ( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) (٣) .

ثمّ بيّن سبحانه مثل النبيّ وعليّ لمؤازرته له في دعوته بالزرع الذي( أَخْرَجَ شَطْأَهُ ) أي : فراخه وصغاره(٤) ، وذلك بلحاظ ابتداء دعوة النبيّ ،( فَآزَرَهُ ) من حيث مؤازرة عليّعليه‌السلام لهصلى‌الله‌عليه‌وآله ،( فَاسْتَغْلَظَ ) بهما ،( فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ) باستمرار دعوة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وسيف عليّعليه‌السلام ،( يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ) أي : بالنبيّ وعليّ.

ولا ريب أنّ من امتاز بكونه غيظا للكافرين ، لا بدّ أن يكون أقوى

__________________

(١) كشف الغمّة ١ / ٣٢٥.

(٢) راجع الصفحة ١٩٦ وما بعدها ، والصفحة ٢٩١ وما بعدها ، من هذا الجزء.

(٣) سورة الفتح ٤٨ : ٢٩.

(٤) انظر : تفسير الطبري ١١ / ٣٧٢ ، لسان العرب ٧ / ١١٤ مادّة « شطأ ».


المسلمين عزيمة ، وأشدّهم شكيمة ، وأعلاهم حجّة وأثرا ، وأفضلهم فهما وعلما ، وليس ذلك إلّا النبيّ والإمام.

* * *


٧٧ ـ آية :( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ )

قال المصنّف ـ نوّر الله ضريحه ـ(١) :

السابعة والسبعون :( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) (٢) .

قال الباقرعليه‌السلام :نحن الناس (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٧.

(٢) سورة النساء ٤ : ٥٤.

(٣) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٣٤ ح ٣١٤ ، وانظر : شواهد التنزيل ١ / ١٤٣ ـ ١٤٥ ح ١٩٥ ـ ١٩٨ ، وفي الحديث ١٩٥ : عن جعفر بن محمّدعليه‌السلام ، قال : « نحن المحسودون » ؛ وفي حديث آخر ، عنهعليه‌السلام ، قال : « نحن والله هم ، نحن والله المحسودون » ، ثمّ ذكر الحمويني أبيات خزيمة بن ثابت التالية :

رأوا نعمة لله ليست عليهم

عليك وفضلا بارعا لا تنازعه

من الدين والدنيا جميعا لك المنى

وفوق المنى أخلاقه وطبايعه

فعضّوا من الغيظ الطويل أكفّهم

عليك ومن لم يرض فالله خادعه

وانظر أيضا : جواهر العقدين : ٢٤٥ ، رشفة الصادي : ٦٣.


وقال الفضل(١) :

هذا أيضا إن صحّ فهو من الفضائل ، ولا ثبوت للمدّعى.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤٥٨.


وأقول :

قال ابن حجر في « الصواعق »(١) : أخرج أبو الحسن المغازلي ، عن الباقرعليه‌السلام ، أنّه قال في هذه الآية : «نحن الناس والله »(٢) .

ونحوه في « ينابيع المودّة »(٣) .

وزاد رواية أخرى عن ابن المغازلي ، عن ابن عبّاس ، قال : « هذه الآية في النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وفي عليّعليه‌السلام »(٤) .

ووجه الدلالة على المطلوب ظاهر ؛ فإنّ المراد ب‍ :( ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) هو العلم والهدى والفهم والحكمة ، ونحوها من الصفات والفضائل التي هي شأن محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّعليه‌السلام ، لا أمور الدنيا الدنيّة.

ومن المعلوم : أنّ إيتاء هذا الفضل لعليّعليه‌السلام الذي حسده الناس عليه يستدعي الأفضليّة والإمامة ، وإلّا لما حسدوه عليه.

كما أنّ مشاركتهعليه‌السلام للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في الفضل ـ على الرواية الثانية ـ ، دليل على أنّ فضله من نوع فضل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فيكون الأفضل والأحقّ بخلافته.

__________________

(١) في الآية السادسة من الآيات الواردة في أهل البيت ، وهي هذه الآية [ الصواعق المحرقة : ٢٣٣ ]. منهقدس‌سره .

(٢) وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٣٤ ح ٣١٤.

(٣) في الباب ٣٩ [ ١ / ٣٦٢ ح ٣٠ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : ينابيع المودّة ٢ / ٣٦٩ ح ٥٢.

(٤) ينابيع المودّة ١ / ٣٦٢ ح ٢٩.


٧٨ ـ آية :( كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ )

قال المصنّف ـ رفع الله درجته ـ(١) :

الثامنة والسبعون :( كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ ) (٢) .

عن الحسن البصري ، قال : « المشكاة : فاطمة ، والمصباح : الحسن والحسين.

و( الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ ) ، قال : كانت فاطمة كوكبا درّيّا بين نساء العالمين.

( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ ) ، قال : الشجرة المباركة : إبراهيم.

( لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) ، لا يهوديّة ولا نصرانيّة.

( يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ) ، قال : يكاد العلم ينطف(٣) منها.

( وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ ) ، قال فيها : إمام بعد إمام.

( يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ ) (٤) ، قال : يهدي الله لولائهم(٥) من يشاء »(٦) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٧.

(٢) سورة النور ٢٤ : ٣٥.

(٣) ينطف : يقطر ؛ انظر : لسان العرب ١٤ / ١٨٨ مادّة « نطف ».

(٤) سورة النور ٢٤ : ٣٥.

(٥) في المصدر : « لولايتنا ».

(٦) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٦٣ ـ ٢٦٤ ح ٣٦١ ، جواهر العقدين : ٢٤٤ ، رشفة الصادي : ٦٤.


وقال الفضل(١) :

ليس هذا من تفاسير أهل السنّة ، وإن صحّ فدلّ على فضائل أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو متّفق عليه ، ولو ذكر أضعاف هذا فلا ينازع منازع.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤٥٩.


وأقول :

هذا من روايات ابن المغازلي على ما حكاه السيّد السعيد عنه(١) .

ويشهد لصحّته ما نقله السيوطي في « الدرّ المنثور » ، في تفسير ما بعد هذه الآية ، وهو قوله تعالى :( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ ) (٢) ، عن ابن مردويه ، أنّه أخرج عن أنس بن مالك وبريدة ، قال :

قرأ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هذه الآية :( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ ) .

فقام إليه رجل ، فقال : أيّ بيوت هذه يا رسول الله؟

قال :بيوت الأنبياء.

فقام إليه أبو بكر ، فقال : يا رسول الله! هذا البيت منها؟ ـ لبيت عليّ وفاطمة ـ.

قال :نعم ، من أفاضلها »(٣) .

ونقل المصنّفرحمه‌الله نحوه في « منهاج الكرامة » ، عن الثعلبي ، عن أنس وبريدة(٤)

فإنّ قوله تعالى :( فِي بُيُوتٍ ) مرتبط بقوله :( كَمِشْكاةٍ ) كما هو

__________________

(١) إحقاق الحقّ ٣ / ٤٦٠ ؛ وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٦٣ ـ ٢٦٤ ح ٣٦١.

(٢) سورة النور ٢٤ : ٣٦.

(٣) الدرّ المنثور ٦ / ٢٠٣ ، وانظر : شواهد التنزيل ١ / ٤٠٩ ـ ٤١٠ ح ٥٦٦ ـ ٥٦٨ عن أبي برزة وأنس وبريدة ، مجمع البيان ٧ / ٢٢٦.

(٤) منهاج الكرامة : ١٢١ ، وانظر : تفسير الثعلبي ٧ / ١٠٧.


الظاهر ، ووافق عليه الأكثر(١) .

ومن المعلوم أنّ تقييد « المشكاة » بكونها في بيوت الأنبياء ، لا دخل له بظاهر الآية من إرادة تعظيم المشكاة بزيادة النور الظاهري ، فينبغي أن يراد بالمشكاة : فاطمة ، كما في رواية ابن المغازلي ؛ ليكون التقييد بكونها في بيوت الأنبياء مفيدا ، لزيادة تعظيمها ونورها المعنوي.

فيكون حاصل المعنى : أنّ مثل نوره تعالى كفاطمة العالمة ، المنيرة بمصباح نور الحسن والحسين ، المتضاعف نورها بأنوار الأئمّة من ولدها.

وهذا أدلّ دليل على إمامة عليّ وولده الأطهار ؛ فإنّه ذكر أنّ من فاطمةعليها‌السلام الأئمّة ، إماما بعد إمام.

ولا ريب ـ على القول بإمامتهم ـ أنّ إمامتهم فرع إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فتثبت إمامته ، كما هو المطلوب.

مضافا إلى أنّ الله سبحانه أظهر لفاطمة وولدها ـ بضرب المثل بهم لنوره ـ فضلا لا يوازى ، وفخرا لا يماثل.

ولا شكّ أنّ فضلهم من فضل عليّعليه‌السلام ودونه ، فيكون أفضل الأمّة ، والأفضل هو الإمام.

هذا ، وقد روي عندنا ، عن إمامنا أبي جعفر الباقرعليه‌السلام ما هو أظهر في المطلوب ، وأقرب إلى معنى الآية

قالعليه‌السلام ما حاصله : إنّ( كَمِشْكاةٍ ) : صدر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله

و( الْمِصْباحُ ) : نور علمه

و( الزُّجاجَةُ ) : صدر أمير المؤمنينعليه‌السلام

__________________

(١) انظر : الكشّاف ٣ / ٦٨ ، زاد المسير ٥ / ٣٨٥ ، تفسير الفخر الرازي ٢٤ / ٣.


( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ ) ، أي : من نور علم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأنّ علمه صار إلى عليّعليه‌السلام

( لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) : لا يهودية ولا نصرانية

( يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ) ، قال : يكاد العالم من آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله يتكلّم قبل أن يسأل

( نُورٌ عَلى نُورٍ ) ، أي : إمام مؤيّد بنور العلم والحكمة في إثر إمام من آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

* * *

__________________

(١) انظر : التوحيد ـ للصدوق ـ : ١٥٨ ح ٤ ، مجمع البيان ٧ / ٢٢٥.


٧٩ ـ آية :( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ )

قال المصنّف ـ طاب ثراه ـ(١) :

التاسعة والسبعون :( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ) (٢) .

قال ابن عبّاس : لا تقتلوا أهل بيت نبيّكمصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٨.

(٢) سورة النساء ٤ : ٢٩.

(٣) انظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٦٤ ح ٣٦٢ ، شواهد التنزيل ١ / ١٤١ ـ ١٤٢ ح ١٩٣ و ١٩٤.


وقال الفضل(١) :

ليس هذا من تفاسير أهل السنّة ؛ وترك قتال أهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله هل يحتاج إلى الاستدلال بالنصّ ، وهو على إقامة الدليل على إثبات نصّ الإمامة ، ويستدلّ بالقرآن على عدم جواز قتلهم؟!

وهذا من غرائب أطواره في البحث!

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤٦١.


وأقول :

النظر في الاستدلال إنّما هو إلى جعل قتل الناس لهم كقتل الناس لأنفسهم ؛ لأنّ حسم مادّة الفتن وحفظ الأنفس على الوجه الشرعي موقوف على أئمّة معصومين ، فتكون الآية دليلا على إمامتهم وعصمتهم.

ويعضدها قوله تعالى في الآية الستّين :( إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ) (١) ، أي : دعاكم إلى ولاية عليّعليه‌السلام .

فالمراد بالأنفس في الآية معناها الحقيقي ، ولكن كنّى بالنهي عن قتلها عن النهي عن قتل أهل البيتعليهم‌السلام ؛ لتوقّف حفظ النفوس عليهم.

ويحتمل أن يكون تجوّزا في نسبة القتل إلى الأنفس عن نسبته إلى أهل البيتعليهم‌السلام .

كما يحتمل أن يراد التجوّز في المفرد ، بأن يكون قد أطلق الأنفس على أهل البيت مجازا ؛ إشارة إلى أنّهم بمنزلة الأنفس في وجوب حفظها ورعايتها على الناس كلّهم ؛ لأنّ حياتهم حياة الأنفس من كلّ وجه

أمّا في الآخرة ؛ فلأنّهم الهداة ، وبهم النجاة وأمّا في الدنيا ؛ فلحفظ النفوس بهم ، وبهم السعادة والبركات ؛ ولذا قال سلمان الفارسيرضي‌الله‌عنه : « لو أطعتم عليّا لأكلتم من فوق رؤوسكم ومن تحت أرجلكم »(٢) .

ويحتمل أن يكون تجوّزا في المفرد ، على أن يراد بالأنفس : أهل

__________________

(١) سورة الأنفال ٨ : ٢٤ ؛ وانظر الصفحة ٢٧٦ من هذا الجزء.

(٢) انظر : أنساب الأشراف ٢ / ٢٧٤ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٦ / ٤٣.


البيتعليهم‌السلام ، وبقتلهم : غصب خلافتهم ؛ لأنّه آيل إلى قتلهم ، كما شهد به الوجدان.

* * *


٨٠ ـ آية :( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا )

قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :

الثمانون :( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) (٢) .

عن ابن عبّاس ، قال : « سأل قوم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : في من نزلت هذه الآية؟

قال : إذا كان يوم القيامة عقد لواء من نور أبيض ، ونادى مناد : ليقم سيّد المؤمنين ومعه الّذين آمنوا ببعث محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فيقوم عليّ بن أبي طالب ، فيعطى اللواء من النور الأبيض ، وتحته جميع السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار لا يخالطهم غيرهم ، حتّى يجلس على منبر من نور ربّ العزّة ، ويعرض الجميع عليه رجلا رجلا ، فيعطى أجره ونوره.

فإذا أتى على آخرهم قيل لهم : قد عرفتم صفتكم ومنازلكم في الجنّة إنّ ربّكم يقول لكم : إنّ لكم عندي مغفرة وأجرا عظيما ـ يعني : الجنّة ـ.

فيقوم عليّ ـ والقوم تحت لوائه ـ معهم حتّى يدخل بهم الجنّة ، ثمّ يرجع إلى منبره ، فلا يزال حتّى يعرض عليه جميع المؤمنين فيأخذ نصيبه

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٨.

(٢) سورة الفتح ٤٨ : ٢٩.


منهم إلى الجنّة ويترك أقواما على النار ، وذلك قوله تعالى :( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) (١) ، يعني : السابقين الأوّلين وأهل الولاية.

( وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ) (٢) ، يعني : بالولاية بحقّ عليّ ، وحقّ عليّ الواجب على العالمين »(٣) .

[( أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ) ، وهم الّذين قاسم عليّ عليهم النار فاستحقّوا الجحيم ].

* * *

__________________

(١) سورة الحديد ٥٧ : ١٩.

(٢) سورة الحديد ٥٧ : ١٩.

(٣) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٦٧ ح ٣٦٩ ، شواهد التنزيل ٢ / ١٨٢ ح ٨٨٧.


وقال الفضل(١) :

هذا من القصص والحكايات التي يرويها الشيعة ، ولا نقل صحيح به ، ولا إسناد ، ولا شيء ، ولا اتّقاء من الكذب والافتراء(٢) .

وإن صحّ هذا دلّ على منقبة عظيمة من مناقب أمير المؤمنين ، وهي مسلّمة ، والكلام في النصّ ، وأين هذا الاستدلال منه؟!

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤٧٢.

(٢) رواه ابن المغازلي والحاكم الحسكاني ، كما تقدّم بإسناديهما عن ابن عبّاس.


وأقول :

نقله السيّد السعيد عن « شواهد التنزيل » للحاكم أبي القاسم الحسكاني(١) .

ويؤيّده ما دلّ على أنّ عليّا قسيم الجنّة والنار(٢) ، وأنّه سيّد المسلمين(٣) ، وأنّه لا يدخل الجنّة إلّا من بيده براءة منه وسند

__________________

(١) إحقاق الحقّ ٣ / ٤٧٣ ، وانظر : شواهد التنزيل ٢ / ١٨١ ـ ١٨٢ ح ٨٨٧ بإسناده عن عبد الكريم بن مالك الجزري ، وهو من رجال الصحاح ـ كما في ميزان الاعتدال ٤ / ٣٨٧ رقم ٥١٧٤ ـ ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس.

(٢) مسند الإمام زيد : ٤٥٥ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٠٧ ح ٩٧ ، فردوس الأخبار ٢ / ٧٨ ح ٣٩٩٩ ، طبقات الحنابلة ـ لابن أبي يعلى ـ ١ / ٢٩٥ ، الشفا ـ للقاضي عياض ـ ١ / ٣٣٨ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٤٠ و ٤١ و ٢٩٤ ح ٢٨١ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٩٨ ـ ٣٠١ ، النهاية في غريب الحديث والأثر ٤ / ٦١ ، شرح نهج البلاغة ٢ / ٢٦٠ وج ٩ / ١٦٥ وج ١٩ / ١٣٩ ، فرائد السمطين ١ / ٣٢٥ و ٣٢٦ ح ٢٥٣ و ٢٥٤ ، البداية والنهاية ٧ / ٢٨٣ ، جواهر العقدين : ٤٤٦ و ٤٤٧ ، الصواعق المحرقة : ١٩٥ ، ينابيع المودّة ١ / ٢٥٤ ح ١٢ وقال القندوزي في ذيله : وممّا ينسب إلى الإمام الشافعي :

عليّ حبّه جنّة

قسيم النار والجنّة

وصيّ المصطفى حقّا

إمام الإنس والجنّة

(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٤٨ ح ٤٦٦٨ ، حلية الأولياء ١ / ٦٣ و ٦٦ رقم ٤ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٠٦ ح ٩٣ وص ١٣١ ح ١٤٦ و ١٤٧ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٢٩٥ ح ٢٨٧ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٠٢ و ٣٠٣ و ٣٠٥ ، أسد الغابة ١ / ٨٤ رقم ٩٢ وج ٣ / ٧٠ رقم ٢٨١١ ، مطالب السؤول : ٨١ ، شرح نهج البلاغة ١٥ / ٢٧٨ ، كفاية الطالب : ٢١١ ـ ٢١٢ ، ذخائر العقبى : ١٣٠ ، الرياض النضرة ٣ / ١٣٧ ـ ١٣٨ ، فرائد السمطين ١ / ١٤١ ح ١٠٤ وص ١٤٥ ح ١٠٩.


بولايته(١) .

ودلالتها على إمامته من وجوه :

كونه سيّد المسلمين

وأنّهم يدخلون الجنّة بزمرته وتحت لوائه

وأنّهم يعرضون عليه جميعا ؛ فإنّها تقتضي إمامته ، ولو لدلالتها على فضله ، والأفضل هو الإمام ، ولا سيّما مع التصريح في آخر الحديث بأنّ حقّه واجب على العالمين ، وتصريحه بأنّ أهل الولاية له هم الّذين آمنوا بالله ورسله ، وأنّ المكذّبين بولايته في زمرة الكافرين.

بل هذا كما يدلّ على إمامته ، يدلّ على أنّها من أصول الدين ؛ إذ لا يكفر من كذّب بغير أصوله!

* * *

__________________

(١) تاريخ أصفهان ـ لأبي نعيم ـ ١ / ٤٠٠ رقم ٧٥٥ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٤٠ ح ١٥٦ وص ١٤٧ ـ ١٤٨ ح ١٧٢ وص ٢١٨ ـ ٢١٩ ح ٢٨٩ ، شواهد التنزيل ٢ / ١٠٧ ح ٧٨٨ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣١٩ ـ ٣٢٠ ح ٣٢٤ ، ذخائر العقبى : ١٣١ ، الرياض النضرة ٣ / ١٣٧ ، فرائد السمطين ١ / ٢٨٩ ـ ٢٩٠ ح ٢٢٨ ، الصواعق المحرقة : ١٩٥.


٨١ ـ آية :( الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ )

قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :

الحادية والثمانون :( الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (٢) .

نزلت في عليّعليه‌السلام لمّا وصل إليه قتل حمزةرضي‌الله‌عنه ، فقال : «( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) » ؛ فنزلت هذه الآية(٣) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٩.

(٢) سورة البقرة ٢ : ١٥٦ و ١٥٧.

(٣) انظر : نهج الإيمان ـ لابن جبر ـ : ٦٥٩ ، مناقب آل أبي طالب ٢ / ١٣٨ وفيه : « ولمّا نعى رسول الله عليّا بحال جعفر في أرض مؤتة قال :( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) فأنزل عزّ وجلّ » وج ٣ / ٢٩٣.


وقال الفضل(١) :

هذا ليس من تفاسير أهل السنّة ، وإن صحّ فهو كسائر أخواته في عدم دلالته على النصّ.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤٧٤.


وأقول :

هذا أيضا نقله السيّد السعيدرحمه‌الله عن تفسيري الثعلبي والنقّاش(١) .

والاستدلال به على المطلوب من وجهين :

الأوّل : إنزال الله سبحانه القرآن في صبر عليّعليه‌السلام وتسليمه لأمر الله تعالى ، وجعل الصلوات العديدة والرحمة عليه.

ومن الواضح أنّ ذكرهعليه‌السلام بذلك ـ مع كثرة الصابرين القائلين : «( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) » ـ دليل على تميّزه بالصبر والتسليم الكاشفين عن كماله الذاتي وفضله على غيره ، فيكون هو الإمام.

الثاني : تعبير الكتاب العزيز عنه بصيغ الجموع مع حصر الاهتداء به بقوله :( أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (٢) ، الدالّ على أنّ اهتداء غيره بالنسبة إليه كلا اهتداء.

فإنّ ذلك من أعظم الدلائل على عظمته عند الله سبحانه ، وارتفاع شأنه لديه ، وكونه أهدى الأمّة وأفضلها ، فيكون هو الإمام(٣) .

* * *

__________________

(١) إحقاق الحقّ ٣ / ٤٧٥.

(٢) سورة البقرة ٢ : ١٥٧.

(٣) نقول : ويمكن الاستدلال على المطلوب بوجه ثالث ؛ هو إن ضمّ قوله تعالى :( وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) سورة الزخرف ٤٣ : ٣٢ ، إلى آية: ( أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) سورة البقرة ٢ : ١٥٧ ، المشتملة على الرحمة النازلة على أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، لدلّ ذلك على الأفضليّة ؛ فيكون هو الإمام!


٨٢ ـ ما في القرآن آية [( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) ]

إلّا وعليّ رأسها

قال المصنّف ـ طاب ثراه ـ(١) :

الثانية والثمانون : في مسند أحمد بن حنبل : قال ابن عبّاس : « ما في القرآن آية [ يا( أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) ] إلّا وعليّ رأسها وقائدها وشريفها وأميرها ، ولقد عاتب الله أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله في القرآن ، وما ذكر عليّا إلّا بخير »(٢) .

وعنه : « ما نزل في أحد من كتاب الله ما نزل في عليّ »(٣) .

وعن مجاهد : « نزل في عليّ سبعون آية »(٤) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٠٩.

(٢) لم ينكر الفضل كونه من أحاديث « المسند » ، وكذا ابن تيميّة ، إلّا أنّه ادّعى كونه من زيادات القطيعي ، لكنّا لم نجده في « المسند » المطبوع ، والله العالم بالسبب! وقد وجدناه في فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٨١٢ ـ ٨١٣ ح ١١١٤.

وانظر : المعجم الكبير ١١ / ٢١٠ ـ ٢١١ ح ١١٦٨٧ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٦٣ ، تاريخ الخلفاء ـ للسيوطي ـ : ٢٠٣ ، الرياض النضرة ٣ / ١٨٠ ، ذخائر العقبى : ١٦٠ عن « المناقب » لأحمد.

(٣) انظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٦٣ ، كشف الغمّة ١ / ٣١٤ عن ابن مردويه في « المناقب » ، شواهد التنزيل ١ / ٣٩ ح ٤٩ ، تاريخ الخلفاء : ٢٠٣.

(٤) شواهد التنزيل ١ / ٣٩ ـ ٤١ ح ٥٠ و ٥١ ، كشف الغمّة ١ / ٣١٤ عن ابن مردويه في « المناقب ».


وعن ابن عبّاس : « ما أنزل الله آية وفيها :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلّا وعليّ رأسها وأميرها »(١) .

* * *

__________________

(١) حلية الأولياء ١ / ٦٤ رقم ٤ ، شواهد التنزيل ١ / ٥١ ـ ٥٢ ح ٧٨ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٢٦٦ ـ ٢٦٧ ح ٢٤٩ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٦٢ ـ ٣٦٣ ، كفاية الطالب : ١٣٩ ـ ١٤٠ ، مجمع الزوائد ٩ / ١١٢ ، كشف الغمّة ١ / ٣١٤ عن ابن مردويه في « المناقب ».


وقال الفضل(١) :

هذه أخبار لو صحّت دلّت على فضائل عليّ ، وكلّ ما ينقله من مسند أحمد بن حنبل ، فهو يدلّ على أنّ أهل السنّة لا يألون جهدا في ذكر فضائل أمير المؤمنين.

ولو كان النصّ موجودا في إمامته ، لكانوا يروونه وينقلونه ولا يكتمونه ، فعلم أن لا نصّ هناك!

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤٨١.


وأقول :

نقل المصنّفرحمه‌الله في « منهاج الكرامة » حديث أحمد(١) ، فأنكر ابن تيميّة أن يكون من أصل « المسند » ، وزعم أنّه من زيادات القطيعي ، ثمّ ناقش في سنده(٢) .

ونحن لا يهمّنا إثبات كونه من أصل « المسند » ، فإنّ القطيعي أيضا معتبر النقل عندهم(٣) .

وأمّا ضعف سنده ب‍ ( زكريّا بن يحيى الكسائي ) ، فقد سبق جوابه في المقدّمة ، لا سيّما ولا داعي لهم إلى الطعن ب‍ ( زكريّا ) إلّا روايته فضائل أهل البيت ومثالب أعدائهم ، وهو كما سبق في المقدّمة دليل وثاقته(٤) .

على أنّ الحديث ونحوه مستفيض عن ابن عبّاس(٥) ، وروي عن غيره(٦)

__________________

(١) منهاج الكرامة : ١٣٧.

(٢) منهاج السنّة ٧ / ٢٣٢.

(٣) قال الذهبي في ميزان الاعتدال ١ / ٢٢١ رقم ٣١٩ بترجمة القطيعي : صدوق في نفسه ، مقبول.

وقال الخطيب : لم نر أحدا ترك الاحتجاج به.

وقال الحاكم : ثقة مأمون.

وقال كذلك في سير أعلام النبلاء ١٦ / ٢١٢ رقم ١٤٣ : قال السلمي : سألت الدار قطني عنه ، فقال : ثقة زاهد قديم ، سمعت أنّه مجاب الدعوة.

(٤) انظر : ج ١ / ٧ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٥) انظر ما مرّ آنفا في الصفحة ٣٦١.

(٦) تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٦٢ ـ ٣٦٣ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٢٦٦ ـ ٢٦٧ ح ٢٤٩ ، ينابيع المودّة ١ / ٣٧٦ ـ ٣٧٧ ح ١٣ و ١٤.


فقد نقل في « كنز العمّال »(١) ، عن أبي نعيم ، عن ابن عبّاس ، قال : « ما أنزل الله آية( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلّا وعليّ رأسها وأميرها ».

ونقل فيه(٢) ، عن أبي نعيم أيضا ، عن ابن عبّاس ، قال : « ما أنزل الله سورة في القرآن إلّا وكان عليّ أميرها وشريفها ، ولقد عاتب الله أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وما قال لعليّ إلّا خيرا ».

ونقل ابن حجر في « الصواعق »(٣) ، عن الطبراني ، وابن أبي حاتم(٤) ، عن ابن عبّاس ، قال : « ما أنزل الله( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلّا وعليّ أميرها وشريفها ، ولقد عاتب الله أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله في غير مكان وما ذكر عليّا إلّا بخير ».

ونقل في « كشف الغمّة » ، عن ابن مردويه نحو ذلك من عدّة طرق ، عن ابن عبّاس وحذيفة(٥) .

وهو دالّ على إمامة أمير المؤمنين ؛ لأنّ المراد بكون عليّعليه‌السلام رأسها

__________________

(١) ص ١٥٣ من الجزء ٦ [ ١١ / ٦٠٤ ح ٣٢٩٢٠ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : حلية الأولياء ١ / ٦٤ رقم ٤.

(٢) ص ٣٩١ من الجزء ٦ [ ١٣ / ١٠٨ ح ٣٦٣٥٣ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : معرفة الصحابة ـ لأبي نعيم ـ ١ / ٨٥ ح ٣٣٤.

(٣) في الفصل ٣ من الباب ٩ [ ص ١٩٦ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : المعجم الكبير ١١ / ٢١٠ ـ ٢١١ ح ١١٦٨٧ ، تفسير ابن أبي حاتم ١ / ١٩٦ ح ١٠٣٥.

(٤) لقد أشرنا في الصفحة ٢٤١ ه‍ ٢ من هذا الجزء أنّ ابن تيميّة قد مدح ابن أبي حاتم وتفسيره ، مصرّحا بأنّ لابن أبي حاتم لسان صدق ، وأنّ تفسيره خال من الموضوعات ، ومتضمّن للمنقولات التي يعتمد عليها في التفسير ، وبأسانيد معروفة!

انظر : منهاج السنّة ٧ / ١٣ و ١٧٨ ـ ١٧٩.

(٥) كشف الغمّة ١ / ٣١٤ و ٣١٧.


وأميرها : هو كونه رأس من خوطب بها ، وهم المؤمنون ، وأنّه أميرهم وإن لم يكن داخلا معهم في الخطاب في بعض الآيات ، كقوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ) (١)

وقوله سبحانه :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ) (٢)

.. إلى غير ذلك ممّا عاتب الله به المؤمنين(٣) .

ولو سلّم أنّ مراد ابن عبّاس : دخول أمير المؤمنين معهم في الخطاب بجميع تلك الآيات ، فلا بدّ من تخصيصه بغير هذا النحو من الآيات ؛ لقوله : « وما ذكر عليّا إلّا بخير ».

هذا ، وقد استنهضت ابن تيميّة حميّة النصب لمعارضة هذه الأخبار ، فمخض زبد الباطل ، وروى ما افتراه بعض أسلافه من النواصب ، من أنّ الله تعالى أنزل في عليّعليه‌السلام :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ) (٤) ، بدعوى أنّه صلّى وهو سكران ، فقرأ وخلط(٥) !

وكيف يصدّق حديث يكذّب خبر الله سبحانه بطهارة عليّعليه‌السلام

__________________

(١) سورة الصفّ ٦١ : ٢.

(٢) سورة الممتحنة ٦٠ : ١.

(٣) كقوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ ) سورة آل عمران ٣ : ١١٨.

وقوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ ) سورة المائدة ٥ : ٨.

(٤) سورة النساء ٤ : ٤٣.

(٥) منهاج السنّة ٧ / ٢٣٧.


وإذهاب الرجس عنه(١) ؟! والخمر رجس كما صرّح به الكتاب العزيز(٢) ، لكنّ القوم لم يبالوا بتكذيب الله ورسوله إذا صدّقوا هواهم(٣) !!

وقد اجترأ هذا الناصب على إمام الحقّ وسيّد الخلق بما هو أعظم من ذلك(٤) ، ضاعف الله تعالى له جزاء ما عمل ، إنّه خير الحاكمين.

وما أكثر ما لغا في المقام بنقل أخبار قومه التي لا تقوم حجّة على خصمه ، وبذكر الأمور الواهية التي لا يليق بنا نقلها وردّها.

ثمّ إنّ من جملة ما نقله المصنّفرحمه‌الله قول ابن عبّاس : « ما نزل في أحد من كتاب الله ما نزل في عليّعليه‌السلام » ، وهو ممّا نقله ابن حجر في « الصواعق »(٥) عن ابن عساكر(٦) .

ويشهد لصحّته وصحّة قول مجاهد ـ الذي ذكره المصنّف(٧) ـ الأخبار المستفيضة الدالّة على نزول ما سبق من الآيات وغيرها فيه.

بل حكى ابن حجر أيضا ، عن ابن عساكر ، عن ابن عبّاس ، أنّه

__________________

(١) في قوله تعالى :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) سورة الأحزاب ٣٣ : ٣٣.

(٢) في قوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ ) سورة المائدة ٥ : ٩٠.

(٣) قد حقّق رائد المحقّقين العلّامة الأكبر السيّد حامد حسين النيسابوري اللكهنوي واقع الحال في هذه القضيّة ، وأثبت أن الغرض من وضع النواصب هذا الخبر هو التغطية على الحقيقة ، وهي إصرار المشايخ وكبار الأصحاب على شرب الخمر حتى بعد تحريمها ، ومن شاء التفصيل فليرجع إلى كتاب ( استقصاء الإفحام في الردّ على منتهى الكلام ).

(٤) منهاج السنّة ٧ / ٢٣٢ و ٢٣٧.

(٥) في المقام السابق [ ص ١٩٦ ]. منهقدس‌سره .

(٦) انظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٦٣.

(٧) انظر الصفحة ٣٦١.


قال : « نزل في عليّ ثلاثمئة آية »(١)

بل في « ينابيع المودّة » عن الطبراني ، عن ابن عبّاس ، أنّه قال : « نزل في عليّ أكثر من ثلاثمئة آية في مدحه »(٢)

وأنت تعلم أنّ كثرة نزول الكتاب بمدح شخص ـ ولو لأدنى مناسبة ـ دليل على فضله على غيره ، وعظمته عند الله سبحانه ، والأفضل هو الإمام ، لا سيّما وقد كانت الآيات مختلفة البيان ، فبعضها يفيد تفضيله ، وبعضها يفيد عصمته ، وبعضها وجوب اتّباعه ، وبعضها أنّه المسؤول عن ولايته ، إلى غير ذلك ممّا سبق.

وأمّا قول الفضل : « إنّ ما ينقله المصنّفرحمه‌الله عن مسند أحمد يدلّ على أنّ أهل السنّة لا يألون جهدا في ذكر فضائل أمير المؤمنين ، وأنّه لو كان نصّ في إمامته لنقلوه »

فباطل ؛ إذ كيف يروون ما يرونه نصّا مع ما عرفت في المقدّمة من أحوال ملوكهم وعلمائهم وعوامّهم مع من يروي له فضيلة(٣) ؟!

فكيف بمن يروي ما يرونه نصّا عليه؟!

وقد عرفت أيضا في الآية الخامسة والعشرين ، أنّ الزمخشري حكم بكراهة الصلاة على آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أفردوا بالذكر ؛ لأنّه يؤدّي إلى الاتّهام بالرفض ، مع اعترافه برجحان الصلاة عليهم بالكتاب والسنّة(٤) .

__________________

(١) الصواعق المحرقة : ١٩٦ ، وانظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٦٤ ، تاريخ بغداد ٦ / ٢٢١ رقم ٣٢٧٥.

(٢) ينابيع المودّة ١ / ٣٧٧ ح ١٥.

(٣) راجع ج ١ / ٧ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٤) انظر الصفحة ١٠٩ من هذا الجزء.


فكيف يروي أحدهم النصّ الصريح على إمامة عليّعليه‌السلام ؟!

بل كيف يروون النصّ عليه وهو خلاف مذهبهم؟! كما يشهد له ما في « مسند أحمد »(١) ، حيث أخرج عن أبي هريرة ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال :يهلك أمّتي هذا الحيّ من قريش.

قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله؟

قال :لو أنّ الناس اعتزلوهم.

قال عبد الله بن أحمد : قال أبي في مرضه : « إضرب على هذا الحديث ، فإنّه خلاف الأحاديث عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله » يعني قوله : « اسمعوا وأطيعوا واصبروا »(٢) .

فأنت ترى أنّ أحمد أمر بالضرب على هذا الحديث مع صحّة سنده عندهم ؛ لمخالفته للأحاديث الدالّة على السمع والطاعة لأئمّة الجور والضلالة ، فكيف يروي هو أو غيره ما يعتقدونه نصّا على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام وخلافته للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، المستلزم لظلم الأوّلين له وبطلان خلافتهم؟!

وما روى أكثر الخصوم فضائل أهل البيت إلّا لتوهينها ، أو دفع وصمة النصب الخبيثة عنهم ، أو للفخر بالاطّلاع ، أو غير ذلك من الغايات الفاسدة.

ومع ذلك ترى جملة ممّن رواها ساقطا عندهم إذا توهّموا فيه حبّ أهل البيتعليهم‌السلام ، وإن كان من أعلامهم!

__________________

(١) ص ٣٠١ من الجزء الثاني. منهقدس‌سره .

(٢) مسند أحمد ٢ / ٣٠١.


فكان من إتمام الله تعالى الحجّة عليهم أن أجراها على ألسنة أقلامهم ؛ لئلّا يقولوا يوم القيامة :( إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ) (١) .

ولا يضرّها الطعن بالسند ؛ لصحّة الكثير منها عندهم ، واستفاضة أكثرها ـ مع ما بيّنّاه في المقدّمة(٢) ـ.

كما لا يضرّها توهين الدلالة ، فإنّ الكثير منها صريح الدلالة ، وما آفتها إلّا عناد المخاصمين ، كما عرفته في جملة ممّا سبق ، وتعرفه في حديث المنزلة والثقلين ونحوهما.

ولو نقلوا أحاديث فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام على وجهها ، لظهر لك كيف دلالتها على إمامته! حتّى إنّهم لم ينقلوا من نصّ الغدير إلّا اليسير ، وأخفوا أكثر ما فيه الصراحة الذي يقطع كلّ غافل بوجوده ؛ إذ لا يمكن أن يجمع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله نحو مئة ألف من المسلمين ويقوم فيهم بحرّ الحجاز وقت الظهيرة على منبر يقام له من الأحداج(٣) ، ويخطبهم لداعي حضور أجله وهو لا يقول إلّا : «من كنت مولاه فعليّ مولاه »(٤) ، أو بزيادة قليلة عليه ، ومع ذلك لا يريد إلّا بيان أنّ عليّا ناصر لمن كنت ناصره أو نحوه ، ما أظنّ أنّ عاقلا يرتضيه!!

__________________

(١) سورة الأعراف ٧ : ١٧٢.

(٢) انظر : ج ١ / ٧ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٣) الأحداج : جمع الحدج : أي الحمل ، والحدج : من مراكب النساء يشبه المحفّة ، ويقال : أحداج وحدوج ، والحدوج : الإبل برحالها.

انظر : لسان العرب ٣ / ٧٧ مادّة « حدج ».

(٤) انظر : ج ١ / ١٩ ـ ٢٢ من هذا الكتاب.


٨٣ ـ آية :( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ )

قال المصنّف ـ أجزل الله ثوابه ـ(١) :

الثالثة والثمانون : روى الحافظ محمّد بن موسى الشيرازي(٢) من علماء الجمهور ، واستخرجه من التفاسير الاثني عشر ، عن ابن عبّاس في قوله تعالى :( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) (٣) ، قال : « هم : محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين ، هم أهل الذكر والعلم والعقل والبيان ، وهم أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ؛ والله ما سمّي المؤمن مؤمنا إلّا كرامة لأمير المؤمنين(٤) .

ورواه سفيان الثوري ، عن السّدّي ، عن الحارث(٥) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢١٠.

(٢) كذا في الأصل وفي « نهج الإيمان » لابن جبر ، الذي ينقل عنه العلّامةقدس‌سره ؛ والظاهر أنّ الصحيح هو : محمّد بن مؤمن الشيرازي ؛ انظر : معجم المؤلّفين ٣ / ٧٤٥ رقم ١٦٢١٧.

(٣) سورة النحل ١٦ : ٤٣ ، سورة الأنبياء ٢١ : ٧.

(٤) أخرجه محمّد بن مؤمن الشيرازي في « المستخرج من التفاسير الاثني عشر » كما في كفاية الخصام : ٣٣٨.

(٥) رواه الحسكاني بهذا الإسناد في شواهد التنزيل ١ / ٣٣٤ ح ٤٥٩ وص ٣٣٥ ـ ٣٣٧ ح ٤٦٠ ـ ٤٦٦ ؛ وانظر مؤدّاه : تفسير الطبري ٧ / ٥٨٧ ح ٢١٦٠٣ ، تفسير الثعلبي ٦ / ٢٧٠ ، تفسير ابن كثير ٢ / ٥٥١ ، تفسير الآلوسي ١٤ / ٢١٧ ـ ٢١٨ ، ينابيع المودّة ١ / ١٤٥ ـ ١٤٦ الآية التاسعة.


وقال الفضل(١) :

ليس هذا من روايات أهل السنّة ، وهي أشياء تدلّ على فضيلة آل العباء ، وهذا أمر لا ريب فيه ، ولا ينكره إلّا المنافق ، ولا يعتقده إلّا المؤمن الخالص ، ولكن لا يثبت به النصّ.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤٨٤.


وأقول :

الحافظ المذكور هو من علماء القوم ، والتفاسير الاثنا عشر من أشهر تفاسير قدمائهم كما سيذكرها المصنّفرحمه‌الله في « مطاعن الصحابة ».

فإنكار الفضل لكونه من روايات تفاسيرهم إنكار بارد ، وظنّي أنّه لم ير كتاب الحافظ المذكور ، وأنكر رجما بالغيب.

ويعضد هذه الرواية ما نقله في « ينابيع المودّة »(١) ، عن تفسير الثعلبي(٢) ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال عليّعليه‌السلام : نحن أهل الذكر.

و« الذكر » في القرآن قد أطلق على معنيين مناسبين للمقام ، نبّه عليهما إمامنا الصادقعليه‌السلام وقال : « نحن أهل الذكر »(٣) بكلا المعنيين :

أحدهما : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال تعالى في سورة الطلاق :( قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ ) (٤) (٥) .

وثانيهما : القرآن ، وهو في الكتاب العزيز كثير ، كقوله تعالى :( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (٦) وقوله تعالى :

__________________

(١) في الباب التاسع والثلاثين [ ١ / ٣٥٧ ح ١٢ ]. منهقدس‌سره .

(٢) انظر : تفسير الثعلبي ٦ / ٢٧٠.

(٣) تفسير القمّي ٢ / ٣٥٩ ؛ وروي لفظ الحديث عن الإمام أبي جعفر الباقرعليه‌السلام في : تفسير فرات ١ / ٢٣٥ ح ٣١٥ ، تفسير العيّاشي ٢ / ٢٨٢ ح ٣٢ ، مجمع البيان ٦ / ١٥٠.

(٤) سورة الطلاق ٦٥ : ١٠ و ١١.

(٥) انظر : تفسير فرات ١ / ٢٣٥ ح ٣١٧ ، تفسير القمّي ٢ / ٣٥٩ ، مجمع البيان ٦ / ١٥٠ وج ١٠ / ٤٣.

(٦) سورة النحل ١٦ : ٤٤.


( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) (١) (٢) .

ومن الواضح أنّ أهل البيت : أهل الذكر ، بكلا المعنيين ، كما سبق عن إمامناعليه‌السلام (٣) ؛ لأنّهم أهل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأهل القرآن ؛ لأنّ علم القرآن عندهم ، وهما الثقلان اللذان لا يفترقان.

والأظهر إرادة المعنى الثاني في قوله تعالى :( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) ، ولا ينافي إرادة الأوّل دخول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في أهل الذكر على الرواية التي نقلها المصنّفرحمه‌الله ؛ لصحّة إطلاق أهل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على ما يشمله تغليبا(٤) .

وعلى كلا المعنيين ، فأمر الله سبحانه بسؤالهم ، دليل على أنّ لهم العلم الوافر ، والامتياز والفضل على الناس ، فتكون الإمامة فيهم ، مع أنّ قوله في الحديث : « والله ، ما سمّي المؤمن مؤمنا إلّا كرامة لأمير المؤمنين » ، قد تضمّن من بيان الفضل على غيره ما لا يوازيه بيان.

وقريب منه قوله : « هم أهل الذكر ، والعلم ، والعقل ، والبيان » إلى آخره.

* * *

__________________

(١) سورة الحجر ١٥ : ٩.

(٢) انظر : تفسير العيّاشي ٢ / ٢٨٢ ح ٣٢ ، مجمع البيان ٦ / ١٥١ وج ١٠ / ٤٣.

(٣) وانظر : تفسير فرات ١ / ٢٣٥ ح ٣١٦.

(٤) انظر : الكافي ١ / ٣٢٧ ح ٧٦١.


٨٤ ـ آية :( عَمَّ يَتَساءَلُونَ )

قال المصنّف ـقدس‌سره ـ(١) :

الرابعة والثمانون : وعن الحافظ في قوله تعالى :( عَمَّ يَتَساءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ) (٢) ، بإسناده إلى السّدّي ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ ولاية عليّ يتساءلون عنها في قبورهم ، فلا يبقى ميّت في شرق ولا غرب ، ولا في برّ ولا بحر ، إلّا ومنكر ونكير يسألانه عن ولاية أمير المؤمنينعليه‌السلام بعد الموت ، يقولون للميّت : من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟ ومن إمامك؟(٣)

وعنه : عن ابن مسعود ، قال : « وقعت الخلافة من الله تعالى لثلاثة نفر :

آدم ، في قوله تعالى :( إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) (٤) .

وداود :( إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ) (٥) .

وأمير المؤمنين :( لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢١١.

(٢) سورة النبأ ٧٨ : ١ و ٢.

(٣) انظر : شواهد التنزيل ٢ / ٣١٨ ح ١٠٧٥ ، مناقب آل أبي طالب ٣ / ٩٦ ، نهج الإيمان : ٥٠٧.

(٤) سورة البقرة ٢ : ٣٠.

(٥) سورة ص ٣٨ : ٢٦.


مِنْ قَبْلِهِمْ ) (١) ، داود وسليمان(٢)

( وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ) (٣) ، يعني : الإسلام

( وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ ) ، يعني : من أهل مكّة

( أَمْناً ) ، يعني : في المدينة

( يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) ، يعني : يوحّدونني

( وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ ) ، بولاية عليّ

( فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) (٤) ، يعني : العاصين لله ولرسوله ».

وهذا كلّه نقله الجمهور واشتهر عنهم وتواتر(٥) .

* * *

__________________

(١) سورة النور ٢٤ : ٥٥.

(٢) في نهج الحقّ : « يعني : آدم وداود » وفي نسخة منه : « يعني : داود وسليمان » ، والأوّل هو الصواب ، والثاني وما في المتن تصحيف.

(٣) سورة النور ٢٤ : ٥٥.

(٤) سورة النور ٢٤ : ٥٥.

(٥) انظر : شواهد التنزيل ١ / ٧٥ ـ ٧٦ ح ١١٤ ، ونحوه في تفسير أبي عبيدة والطائي كما ذكره في مناقب آل أبي طالب ٣ / ٧٧ ـ ٧٨ ، نهج الإيمان : ٣٨٩ ـ ٣٩٠ ، الصراط المستقيم ٢ / ٤٧.


وقال الفضل(١) :

ما ذكر أنّ المراد ب‍( عَمَ ) : عليّ ، فلا يصحّ بحسب المعنى والتركيب ، ويكون هكذا : « عليّ يتساءلون ، عن النبأ العظيم » ، وأنت تعلم أن هذا تركيب فاسد.

وأمّا ما ذكر من السؤال في القبر عن ولاية عليّ ، فلم يثبت هذا في الكتاب ولا السنّة ، ولو كان من المسؤولات في القبر ، لكان ينبغي أن يعلمنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتواتر واشتهر كما اشتهر باقي أركان الإسلام.

وأمّا ما نقل عن ابن مسعود ، أنّه وقعت الخلافة من الله لثلاثة : آدم ، وداود ، وعليّ ؛ فآدم وداود قد صرّح باسمهما في الخلافة فيالقرآن.

وأمّا أن يكون المراد من قوله :( لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ) عليّ فحسب ، فغير ظاهر ، ولا خبر صحيح يدلّ على هذا ، بل الظاهر يشمل الخلفاء الأربع وملوك العرب في الإسلام

فإنّ ظاهر الآية : أنّ الله وعد المؤمنين بأن يجعلهم خلفاء الأرض ، وينزع الملك من كسرى وقيصر ويؤتيه المؤمنين ، وهذا مضمون الآية ، وما فسّره في الآية فكلّه من باب التفسير بالرأي.

وما ذكر أنّ كلّ الأشياء التي ذكرها نقله الجمهور ، واشتهر عنهم ،

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٣ / ٤٨٥.


وتواتر ؛ فهذا كذب أظهر وأبين من كذب مسيلمة الكذّاب ؛ لأنّ مراده من الجمهور : أهل السنّة والجماعة ، وليس كلّ ما ذكر متواتر عند أهل السنّة ، وكأنّه لا يعلم معنى التواتر.

* * *


وأقول :

ما ذكره في صدر كلامه دليل الغفلة أو المغالطة ؛ إذ لا يتصوّر أحد أنّ الرواية ، أو ذكر المصنّفرحمه‌الله نزول الآية في عليّعليه‌السلام يقتضي كون مجموع الجار والمجرور عليّا ، ضرورة أنّ صريح الرواية أنّ المراد بالمجرور ، وهو « ما » الاستفهامية : ولاية عليّعليه‌السلام ، التي هي النبأ العظيم.

ويحتمل أن يكون النبأ العظيم عليّا نفسه ، وأنّه المسؤول عنه ، لكن لمّا كان السؤال عنه لأجل التقرير بولايته ، عبّرت الرواية بالسؤال عن ولايته ، وأشار الشاعر إلى أنّه المراد بالنبأ العظيم بقوله [ من الوافر ] :

هو النبأ العظيم وفلك نوح

وباب الله وانقطع الخطاب(١)

وأمّا ما زعمه من عدم ثبوت السؤال عن ولاية عليّ في القبر ، فيكفي في ثبوته هذه الرواية المؤيّدة بالأخبار السابقة في الآية الحادية عشرة(٢) ، وهي قوله تعالى :( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) (٣) .

وأمّا قوله : « ولو كان من المسؤولات [ في القبر ] ، لكان ينبغي أن يعلمنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتواتر »

__________________

(١) البيت للناشئ الصغير من قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين الإمام عليّعليه‌السلام ، مطلعها :

بآل محمّد عرف الصّواب

وفي أبياتهم نزل الكتاب

انظر : نسمة السحر ٢ / ٤٠٧ ، وأخرج ياقوت الحموي قسما من القصيدة في معجم الأدباء ٤ / ١٤٨.

(٢) انظر الصفحات ٧ ـ ١٢ من هذا الجزء.

(٣) سورة الصافّات ٣٧ : ٢٤.


فيرد عليه : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أعلمهم به ، كما في هذه الرواية ونحوها ، وقد تواتر عندنا ، وإنّما لم يتواتر عندهم ؛ لأنّه على خلاف رأي ملوكهم.

وكيف لا يسأل عن ولاية عليّ وإمامته ، والإمامة كالنبوّة من أركان الإيمان وأصول الدين كما سبق(١) ؟!

فإذا كان عليّعليه‌السلام هو المسؤول عن إمامته ، فيقال للميّت : من إمامك؟ ، كان هو الإمام لا من قبله ، وإلّا لوقع السؤال عنه بالأولويّة.

وأمّا ما رواه المصنّفرحمه‌الله عن ابن مسعود ، فيؤيّده أنّ الاستخلاف المذكور في قوله تعالى :( لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ) مسند إلى الله تعالى ، وهو مطابق بظاهره لمذهبنا في الإمامة ، لا لمذهب القوم فيها ؛ فإنّها عندهم إنّما تثبت بالاختيار لا باستخلاف الله سبحانه ، مع أنّ الآية صريحة بتمكين الخليفة من دين الله الذي ارتضاه ، وهو فرع العلم بالدين كلّه ، والخلفاء الثلاثة ليسوا كذلك.

وأظهر منهم بعدم الإرادة ، بقيّة ملوك العرب ، كمعاوية ويزيد والوليد وأشباههم ، بل الظاهر دخولهم في قوله تعالى بعد هذا القول :( وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) (٢) كما بيّنه الزمخشري بقوله في تفسير الآية : « أنجز الله وعده ، وأظهرهم على جزيرة العرب ، وافتتحوا بعد بلاد المشرق والمغرب ، ومزّقوا ملك الأكاسرة ، وملكوا خزائنهم ، واستولوا على الدنيا ، ثمّ خرج الّذين على خلاف سيرتهم ، فكفروا بتلك النعم ، وفسقوا ، وذلك قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثمّ يملّك الله من يشاء ،

__________________

(١) انظر : ج ٤ / ٢١١ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٢) سورة النور ٢٤ : ٥٥.


فتصير ملكا ، ثمّ تصير بزّيزى(١) قطع سبيل ، وسفك دماء ، وأخذ أموال بغير حقّها »(٢) .

فإنّ كلامه كما ترى دالّ على ما قلناه من كفر بقيّة ملوك العرب ، وإن أخطأ في دعوى إرادة الاستخلاف للخلفاء الأربعة جميعا ؛ لما عرفت من عدم تمكين الثلاثة من الدين الذي ارتضاه ؛ ولأنّ الاستخلاف من الله تعالى إنّما هو لعليّ ، وأمّا غيره فإمامته بالاختيار.

ولنذكر كلام الرازي هنا ؛ لأنّ به وبردّه تمام المطلوب ، قال :

« المسألة الثامنة : دلّت الآية على إمامة الأئمّة الأربعة ؛ وذلك لأنّه تعالى وعد الّذين آمنوا وعملوا الصالحات من الحاضرين في زمان محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو المراد بقوله :( لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) (٣) ، وأن يمكّن لهم دينهم المرضي ، وأن يبدلهم بعد الخوف أمنا.

ومعلوم أنّ المراد بهذا الوعد بعد الرسول هؤلاء ؛ لأنّ استخلاف غيره لا يكون إلّا بعده

ومعلوم أنّه لا نبيّ بعده ؛ لأنّه خاتم النبيّين

فإذا المراد بهذا الاستخلاف : طريقة الإمامة.

ومعلوم أنّ بعد الرسول الاستخلاف الذي هذا وصفه إنّما كان في أيّام أبي بكر وعمر وعثمان ؛ لأنّ في أيّامهم كانت الفتوح العظيمة ، وحصل

__________________

(١) البزّيزى ـ بكسر الباء وتشديد الزاي الأولى والقصر ـ : السلب والتّغلّب.

انظر : لسان العرب ١ / ٣٩٨ ـ ٣٩٩ مادّة « بزز ».

(٢) الكشّاف ٣ / ٧٣.

(٣) سورة النور ٢٤ : ٥٥.


التمكين ، وظهور الدين ، والأمن ، ولم يحصل في أيّام عليّ ؛ لأنّه لم يتفرّغ للجهاد ؛ لاشتغاله بمحاربة من خالفه من أهل الصلاة.

فثبت بهذا دلالة الآية على صحّة خلافة هؤلاء.

فإن قيل : الآية متروكة الظاهر ؛ لأنّها تقتضي حصول الخلافة لكلّ من آمن وعمل صالحا ، ولم يكن الأمر كذلك.

نزلنا عنه ؛ لكن لم لا يجوز أن يكون المراد من قوله :( لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ) : هو أنّه تعالى يسكنهم في الأرض ويمكّنهم من التصرّف ، لا أنّ المراد منه : خلافة الله تعالى؟!

وممّا يدلّ عليه قوله :( كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) ، واستخلاف من كان قبلهم لم يكن بطريق الإمامة ، فوجب أن يكون الأمر في حقّهم أيضا كذلك.

نزلنا عنه ؛ لكن هاهنا ما يدلّ على أنّه لا يجوز حمله على خلافة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأنّ [ من ] مذهبكم أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يستخلف أحدا ، وروي عن عليّ أنّه قال : « أترككم كما ترككم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ».

نزلنا عنه ؛ لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه عليّا ، والواحد قد يعبّر عنه بلفظ الجمع على سبيل التعظيم ، كقوله تعالى :( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) (١) ، وقال تعالى في حقّ عليّ :( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) (٢) ؟!

نزلنا عنه ؛ ولكن نحمله على الأئمّة الاثني عشر.

__________________

(١) سورة القدر ٩٧ : ١.

(٢) سورة المائدة ٥ : ٥٥.


والجواب عن الأوّل : إنّ كلمة « من » للتبعيض ، فقوله :( مِنْكُمْ ) ، يدلّ على أنّ المراد بهذا الخطاب : بعضهم.

وعن الثاني : إنّ الاستخلاف بالمعنى الذي ذكرتموه حاصل لجميع الخلق ، فالمذكور هنا في معرض البشارة لا بدّ أن يكون مغايرا له.

وأمّا قوله :( كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) ، فالّذين كانوا قبلهم خلفاء تارة بسبب النبوّة ، وتارة بسبب الإمامة ، والخلافة حاصلة بالصورتين.

وعن الثالث : إنّه وإن كان من مذهبنا أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يستخلف أحدا بالتعيين ، ولكنّه قد استخلف بذكر الوصف والأمر بالاختيار ، فلا يمتنع في هؤلاء الأئمّة الأربعة أنّه تعالى يستخلفهم ، وأنّ الرسول استخلفهم.

وعلى هذا الوجه قالوا في أبي بكر : يا خليفة رسول الله!

فالذي قيل : إنّهعليه‌السلام لم يستخلف ؛ أريد به على وجه التعيين ؛ وإذا قيل : استخلف ؛ فالمراد على طريقة الوصف والأمر.

وعن الرابع : إنّ حمل لفظ الجمع على الواحد مجاز ، وهو خلاف الأصل.

وعن الخامس : إنّه باطل لوجهين :

أحدهما : قوله تعالى :( مِنْكُمْ ) يدلّ على أنّ هذا الخطاب كان مع الحاضرين ، وهؤلاء الأئمّة ما كانوا حاضرين.

الثاني : إنّه تعالى وعدهم القوّة والشوكة والنفاذ في العالم ، ولم يوجد ذلك فيهم.

فثبت بهذا صحّة إمامة الأئمّة الأربعة ، وبطل قول الرافضة الطاعنين


على أبي بكر وعمر وعثمان ، وبطلان قول الخوارج الطاعنين على عثمان وعليّ ».

انتهى كلام الرازي(١) .

وأقول :

الكلام معه في هذه الآية الكريمة إنّما هو بالنظر إلى ما يستفاد من ظاهرها ، بلا نظر إلى ما ورد في تفسيرها ، فإنّها ـ عليه ـ نازلة في أمير المؤمنينعليه‌السلام كما عرفته في رواياتهم ، أو في الحجّة المنتظر ، كما ورد في أخبارنا(٢) ، ويمكن الجمع بين الأخبار بإرادة الاستخلاف لهما معا.

وعليه : فبالنظر إلى ظاهرها يرد على كلامه أمور :

الأوّل : إنّ قوله : « إنّ المراد بهذا الوعد بعد الرسول هؤلاء ؛ لأنّ استخلاف غيره لا يكون إلّا بعده » إلى آخره

غير متّجه ؛ لأنّ المراد بقوله تعالى :( لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ) بحسب ظاهره هو الاستخلاف عمّن قبلهم من الأمم لا عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فيمكن أن يراد استخلاف المؤمنين ، وتمكينهم من الدين وتبديل خوفهم أمنا في زمن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولو سلّم أنّ المراد الاستخلاف عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلا يتّجه حمله على الاستخلاف في أيّام الثلاثة ؛ إذ لم يحصل لهم التمكين من الدين الذي ارتضاه الله تعالى وأكمله ؛ لجهلهم بكثير منه.

__________________

(١) تفسير الفخر الرازي ٢٤ / ٢٦ و ٢٧.

(٢) الغيبة ـ للنعماني ـ : ٢٤٧ ح ٣٥ ، الغيبة ـ للطوسي ـ : ١٧٧ ذ ح ١٣٣ ، مجمع البيان ٧ / ٢٣٨ ؛ وانظر : ينابيع المودّة ٣ / ٢٤٥ ح ٣١ ـ ٣٣.


بل قد يقال : إنّ ظاهر الآية لا يلائم الحمل على الاستخلاف في أيّام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وفي أيّام الثلاثة وأيّام أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ لظهور الآية في وقوع الاستخلاف في الأرض كلّها ، أو أكثرها ، فينبغي حمله على الاستخلاف أيّام الحجّة المنتظر عجّل الله فرجه.

الثاني : إنّ قوله : « ولم يحصل ذلك في أيّام عليّ » إلى آخره

مناف لما زعمه في صدر كلامه من دلالة الآية على خلافة الأربعة جميعا!

على أنّ تعليله له بقوله : « لأنّه لم يتفرّغ لجهاد الكفّار » عليل ؛ إذ لم تشترط الآية في حصول الاستخلاف أن يكون بجهاد المستخلف نفسه للكفّار.

ولعلّه أشار بقوله : « لاشتغاله بمحاربة من خالفه من أهل الصلاة » إلى الطعن في حرب أمير المؤمنين بأنّه حارب المصلّين ، أو إلى تفضيل حرب من سبقه على حربه ؛ لأنّهم حاربوا الكفّار وهو حارب أهل الصلاة ، وكأنّه لم يعلم بما رواه أصحابه من أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ».

فقام إليه أبو بكر ، ثمّ عمر ، وقال كلّ منهما : أنا هو؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : « لا ، ولكنّه خاصف النعل ـ يعني عليّا ـ »(١)

فإنّه دالّ على أنّ حرب عليّعليه‌السلام ـ كحربهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ مأمور به من الله سبحانه دون حرب الرجلين ، فلم يحارب أمير المؤمنينعليه‌السلام إلّا مهدور

__________________

(١) مسند أحمد ٣ / ٨٢ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٢ ح ٤٦٢١ ، مجمع الزوائد ٥ / ١٨٦ ، وانظر : الصفحة ٨٥ وما بعدها من هذا الجزء.


الدم ، ومن لا تقبل صلاته ، ولم يحارب الرجلان حربا مشروعا واقعا على تنزيل القرآن أو تأويله ، فإنّهما عزلا من له المنصب والحرب الإلهيّة ، وحاربا بلا أمر منه ، فكانا كمن عزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وحارب باستقلاله.

الثالث : إنّ جوابه عن الإشكال الثالث بدعوى ثبوت الاستخلاف بالوصف والأمر ، غير صحيح ؛ لأنّا لو لم نقل بالنصّ على أمير المؤمنينعليه‌السلام فلا دليل على الاستخلاف أصلا ، لا بالتعيين ولا بالوصف ، كما هو ظاهر

ولا بالأمر بالاختيار ؛ إذ غاية ما استدلّوا به على الأمر بالاختيار هو الإجماع ، وقد أوضحنا لك كذبه في أوائل مباحث الإمامة(١) .

وقوله : « وعلى هذا الوجه قالوا في أبي بكر : يا خليفة رسول الله »!! تخمين محض ، وفرية(٢) أخرى ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في أوّل مآخذ أبي بكر.

الرابع : إنّ دعواه ـ في الجواب عن الرابع ـ مجازية حمل الجمع على الفرد مسلّمة ، لكن لا بدّ من المصير إلى هذا المجاز ؛ لقيام القرينة عليه ، كالرواية التي سمعتها ، الدالّة على النزول بأمير المؤمنين ، وكنسبة الاستخلاف إلى الله لا إلى الناس ، وكالقرينة العقليّة المانعة من النزول في الثلاثة ، كعدم تمكينهم من الدين ونحوه.

الخامس : إنّ ما ذكره من الوجهين لإبطال الخامس ليس في محلّه

أمّا الوجه الأوّل ؛ فلصحّة خطاب الجمع بحضور البعض ، تغليبا

__________________

(١) انظر : ج ٤ / ٢٤٨ وما بعدها.

(٢) الفرية : الكذب أو الافتراء ، وافتراه : اختلقه ؛ انظر : لسان العرب ١٠ / ٢٥٦ مادّة « فرا ».


للحاضرين على الغائبين ، فلا يكون عدم حضور أئمّتنا الاثني عشر مانعا من الوعد لهم ، لا سيّما وقد حضر عظماؤهم ، وهم أمير المؤمنين والحسنانعليهم‌السلام .

وأمّا الثاني ؛ فلأنّ الوعد للأئمّة بالقوّة(١) لا يتوقّف على ثبوتها لكلّ فرد منهم ، بل يكفي ثبوتها لبعضهم ، كأمير المؤمنين والإمام المنتظر ؛ لأنّ قوّة البعض قوّة للجميع ، على أنّ القوّة حاصلة لكلّ منهم في الرجعة كما جاءت به أخبارنا(٢) .

واعلم ، أنّ الآية التي نحن فيها وما قبلها وما بعدها من الآيات مرتبطة ظاهرا بعموم المسلمين الحاضرين حال الخطاب ، ولكنّه تعالى خصّ الوعد ببعضهم ، وهم الّذين وصفهم الله سبحانه بالّذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فينبغي أن يكون غير هذا البعض غير موصوفين بهذا الوصف ؛ إمّا لعدم عملهم بالصالحات ، أو لكونهم غير مؤمنين ، أي غير كاملي الإيمان ، أو غير ثابتي الإيمان ، لا أنّهم غير مسلمين ولا مؤمنين أصلا ؛

__________________

(١) يقسم الوجود المطلق إلى : ما وجوده بالفعل ، وإلى ما يقابله ، وهو ما وجوده بالقوّة

والأوّل : وجود الشيء في الأعيان بحيث يترتّب عليه آثاره المطلوبة منه.

والثاني : إمكان وجود الشيء في الأعيان قبل تحقّقه ، وهو ليس جوهرا قائما بذاته ، بل هو عرض قائم بموضوع ـ مادّة ـ يحمل قوّة وجوده ، وغير ممتنع عن الاتّحاد بالفعلية التي تحمل إمكانها ، كالاستعداد الموجود في البذرة لأن تكون شجرة أو ثمرة ، والنطفة التي هي قوّة بالنسبة للإنسان الذي هو فعل ، فكلّ قوّة تتقوّم بفعلية ، ومادّتها واحدة وإن اختلفت الصور.

انظر : شرح تجريد الاعتقاد : ٤٨ ، نهاية الحكمة : ١٩٦ ـ ٢٠٠.

(٢) انظر : المسائل السروية : ٣٢ ، رسائل الشريف المرتضى ١ / ١٢٥ ـ ١٢٦ المسألة الثامنة.


لفرض تعلّق الآيات بالمسلمين.

فالبعض الموعود بالاستخلاف ممتاز ، إمّا بعمل الصالحات ، أو كمال الإيمان ، أو ثباته ، وما هو إلّا أمير المؤمنين وأبناؤه الأطهار المعصومون ؛ لأنّ الخلفاء الثلاثة ـ فضلا عن غيرهم ـ ليسوا كذلك ؛ ولو لفرارهم من الزحف(١) ، وتخلّفهم عن جيش أسامة(٢) ، وشكّ عمر يوم الحديبية(٣) ، إلى كثير ممّا صدر عنهم ، ممّا ينافي كمال الإيمان وعمل الصالحات.

هذا ، وأمّا قول الفضل : « وليس كلّ ما ذكر متواترا عند أهل السنّة »

فمسلّم إذا أراد التواتر لفظا ، وأمّا معنى ـ بلحاظ الإمامة ـ ، فممنوع ؛ لأنّ كلّ واحد ممّا ذكر مفيد لإمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فإمامته متواترة معنى كما تواترت شجاعته.

بل قد يدّعى تواتر بعض ما ذكر بخصوصه ، معنى أو لفظا ، ولا سيّما مع ضمّ أخبارنا إلى أخبارهم!

* * *

__________________

(١) راجع الصفحة ٥٧ ه‍ ١ من هذا الجزء.

(٢) راجع الصفحة ٢١٣ ه‍ ١ من هذا الجزء.

(٣) راجع الصفحة ٢١٤ ذيل الهامش ٥ الفقرة ٥ ، من هذا الجزء.


خاتمة

قد عثرنا في أثناء الكلام في الآيات على آيات أخر ذكرها القوم مضافا إلى ما سبق من الآيات التي ذكرها المصنّفرحمه‌الله .

فمنها : ما سبق في بيان الآية الثانية ؛ وهو قوله تعالى :( سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ) (١) .

ومنها : ما سبق في الآية الرابعة ؛ وهو قوله تعالى :( وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً ) (٢) .

ومنها : ما سبق في أثناء بيان الآية الثامنة والخمسين ؛ وهو قوله تعالى :( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ) (٣) .

ومنها : ما تقدّم في الآية الثامنة والسبعين ؛ وهو قوله تعالى :( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ ) (٤) .

وقد أحببت أن أذكر أيضا ممّا عثرت عليه ما به تمام مئة ، وهو اثنتا عشرة آية :

__________________

(١) سورة المعارج ٧٠ : ١ ؛ وانظر : ج ٤ / ٣٣٨ ـ ٣٣٩ من هذا الكتاب

(٢) سورة الشورى ٤٢ : ٢٣ ؛ وانظر : ج ٤ / ٣٨٥ ـ ٣٨٧ من هذا الكتاب.

(٣) سورة النمل ٢٧ : ٨٩ ؛ وانظر الصفحة ٢٦٩ من هذا الجزء.

(٤) سورة النور ٢٤ : ٣٦ ؛ وانظر الصفحة ٣٤٦ من هذا الجزء.


الأولى : قوله تعالى من سورة آل عمران : ١٠٣ :

( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) (١) .

قال ابن حجر في « الصواعق » عند كلامه في هذه الآية ؛ وهي الآية الخامسة من الآيات النازلة في أهل البيت :

أخرج الثعلبي في تفسيرها عن جعفر الصادق ، أنّه قال : « نحن حبل الله الذي قال :( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) »(٢) .

ومثله في « ينابيع المودّة » عن الثعلبي(٣) ، وزاد عن « المناقب » : عن ابن عبّاس ، قال : « كنّا عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إذ جاء أعرابيّ فقال : يا رسول الله! سمعتك تقول :( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ ) ، فما حبل الله الذي نعتصم به؟

فضرب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يده في يد عليّعليه‌السلام وقال :تمسّكوا بهذا ، هو حبل الله المتين »(٤) .

والمراد بحبل الله : السبب الواصل بين الله سبحانه وعباده ، وبالاعتصام به : اتّباعه والتمسّك به ، وبعدم التفرّق عنه : عدم مخالفة أحد له ؛ وهذا معنى اتّخاذ الأمّة له إماما.

ويؤيّده حديث الثقلين(٥)

__________________

(١) سورة آل عمران ٣ : ١٠٣.

(٢) الصواعق المحرقة : ٢٣٣.

(٣) ينابيع المودّة ١ / ٣٥٦ ح ١٠ ؛ وانظر : شواهد التنزيل ١ / ١٣٠ ـ ١٣١ ح ١٧٨ و ١٨٠ ، جواهر العقدين : ٢٤٥ ، رشفة الصادي : ٥٦.

(٤) ينابيع المودّة ١ / ٣٥٦ ـ ٣٥٧ ح ١١ ؛ وانظر : شواهد التنزيل ١ / ١٣١ ح ١٨٠.

(٥) سيأتي تمام الحديث وتخريجه في محلّه من الجزء السادس.


وما رواه الحاكم وصحّحه(١) ، عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمان لأمّتي من الاختلاف ، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس »(٢) .

والظاهر : أنّ المراد بكونهم أمانا من الاختلاف ؛ أنّهم بالنصّ عليهم يرتفع الخلاف في الإمامة ؛ لتعيين الإمام من الله تعالى ، وعدم إرجاع أمر الإمامة إلى اختيار الناس حتّى يحصل بسببه الاختلاف.

* * *

__________________

(١) ص : ١٤٩ من الجزء الثالث منهقدس‌سره .

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٦٢ ح ٤٧١٥.


الثانية : قوله تعالى من سورة طه : ٨٢ :

( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً

ثُمَّ اهْتَدى) (١) .

ففي « الصواعق » عند الكلام في هذه الآية ، وهي الآية الثامنة من الآيات النازلة في أهل البيت ، قال :

قال ثابت البناني : اهتدى إلى ولاية أهل بيت نبيّه ، وجاء ذلك عن أبي جعفر الباقر(٢) .

وفي « ينابيع المودّة » ، عن أبي نعيم ، بسنده عن عليّعليه‌السلام ، قال في هذه الآية : اهتدى إلى ولايتنا(٣) .

ثمّ نقل في « الينابيع » نحو هذا كثيرا(٤) .

والمراد بالولاية : الإمامة ؛ لأنّها هي التي تعتبر في الغفران ، ويناسب تعلّق الهداية بها ، ولو سلّم أنّ المراد بالولاية : المحبّة ، فهو دليل على فضلهم على الأمّة ؛ إذ لا تعتبر محبّة غيرهم في الغفران ، والأفضلية تقتضي الإمامة.

__________________

(١) سورة طه ٢٠ : ٨٢.

(٢) الصواعق المحرقة : ٢٣٥ ؛ وانظر : شواهد التنزيل ١ / ٣٧٦ ح ٥٢٠ ، جواهر العقدين : ٣٣٥ ، رشفة الصادي : ٦٢.

(٣) ينابيع المودّة ١ / ٣٢٩ ح ١ ، وانظر : ما نزل من القرآن في علي ـ لأبي نعيم ـ : ١٤٢.

(٤) ينابيع المودّة ١ / ٣٢٩ و ٣٣٠ ح ٢ و ٣ ؛ وانظر : شواهد التنزيل ١ / ٣٧٥ ـ ٣٧٦ ح ٥١٨ و ٥٢١.


وإنّما عطف سبحانه الهداية ب‍ ( ثمّ ) ، مع أنّه قد عطف ما قبلها بالواو ، للنظر إليها بعين الاستقلال الدالّ على تميّزها والاهتمام بها ، لا لانحطاط رتبتها عمّا قبلها ، ضرورة أنّ الاهتداء إلى الإمامة أو محبّتهم خير الأعمال الصالحة ، ومن لم يوالهم فهو منافق.

* * *


الثالثة : قوله تعالى من سورة الزمر : ٢٢ :

( أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ

فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ

فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ

أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (١) .

قال الواحدي في « أسباب النزول » : « نزلت في حمزة وعليّ وأبي لهب وولده ؛ فعليّ وحمزة ممّن شرح الله صدره للإسلام ، وأبو لهب وأولاده الّذين قست قلوبهم عن ذكر الله »(٢) .

فقد شهد الله سبحانه بأنّه قد شرح صدر عليّ وحمزة للإسلام ، وأنّهما على نور من ربّهما.

ولا شكّ أنّ من هو كذلك يلتزم بكلّ أحكام الإسلام أصولا وفروعا ، فيكون معصوما أو بحكمه ، وأفضل الأمّة.

ولا ريب أنّ عليّاعليه‌السلام أكمل في ذلك من حمزة ، فيكون إمام الأمّة.

* * *

__________________

(١) سورة الزمر ٣٩ : ٢٢.

(٢) أسباب النزول : ٢٠٥ ؛ وراجع : زاد المسير ٧ / ٤٨ ، تفسير القرطبي ١٥ / ١٦١ ، الرياض النضرة ٣ / ١٧٩ ، ذخائر العقبى : ١٥٩ ، تفسير البيضاوي ٢ / ٣٢٣ ، تفسير الخازن ٤ / ٥٣ ، ينابيع المودّة ٢ / ١٧٧ ح ٥٠٤.


الرابعة : قوله تعالى من سورة الحجّ : ١٩ :

( هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ

فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ) (١)

إلى قوله تعالى : ٢٣ [ و ٢٤ ] :

( إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ

جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ

يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً

وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ *

وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ

وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ) (٢) .

روى الحاكم في تفسير سورة الحجّ من « المستدرك »(٣) ، عن قيس ابن عبّاد ، قال : سمعت أبا ذرّ يقسم لنزلت هذه الآية في هؤلاء الرهط

__________________

(١) سورة الحجّ ٢٢ : ١٩.

(٢) سورة الحجّ ٢٢ : ٢٣ و ٢٤.

(٣) ص ٣٨٦ من الجزء الثاني [ ٢ / ٤١٩ ح ٣٤٥٥ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : مسند الطيالسي : ٦٥ ح ٤٨١ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٣ / ١٢ ، مسند البزّار ٢ / ٢٩١ ـ ٢٩٢ ح ٧١٥ ، المعجم الكبير ٣ / ١٤٩ ح ٢٩٥٤ ، تفسير النسائي ٢ / ٨٤ ـ ٨٥ ح ٣٦١ ـ ٣٦٢ ، مشكل الآثار ٢ / ١٨٥ ـ ١٨٦ ح ١٨٠٢ ـ ١٨٠٦ ، العلل ـ للدارقطني ـ : السؤال رقم ٤٥٢ ، تفسير الثعلبي ٧ / ١٣ ، تلخيص المتشابه في الرسم ١ / ١٧٧ رقم ٢٧٨ ، شواهد التنزيل ١ / ٣٨٦ ـ ٣٨٩ ح ٥٣٢ ـ ٥٤٠ ، أسباب النزول : ١٧٢.


الستّة في يوم بدر : عليّ ، وحمزة ، وعبيدة ، وعتبة ، وشيبة ، والوليد ،( هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) ، إلى قوله تعالى :( نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ) (١) .

وقال السيوطي في « الدرّ المنثور » : أخرج عبد بن حميد ، عن لاحق ابن حميد ، قال : نزلت هذه الآية يوم بدر :( هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ ) في عتبة وشيبة والوليد.

ونزلت :( إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) إلى قوله :( وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ ) في عليّ وحمزة وعبيدة(٢) .

وقال السيوطي أيضا : أخرج سعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، والبخاري ، ومسلم ، والترمذي ، وابن ماجة ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي في « الدلائل » ، عن أبي ذرّ ، أنّه كان يقسم قسما أنّ هذه الآية :( هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) إلى قوله :( إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ) (٣) نزلت في الثلاثة الّذين تبارزوا يوم بدر ، وهم : حمزة ، وعبيدة ، وعليّ ، وعتبة ، وشيبة ، والوليد.

قال عليّ :أنا أوّل من يجثو للخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة (٤) .

__________________

(١) سورة الحجّ ٢٢ : ٢٥.

(٢) الدرّ المنثور ٦ / ٢٠.

(٣) سورة الحجّ ٢٢ : ١٤.

(٤) الدرّ المنثور ٦ / ١٨ و ١٩ ؛ وانظر ، صحيح البخاري ٥ / ١٨٣ ح ١٨ ـ ٢١ وج ـ


أقول :

جعله لنهاية هذه الآيات قوله تعالى :( إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ) خطأ ، بل هو نهاية لآية أخرى قبل الآيات المذكورة ، وهي قوله :( إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ) (١) .

فلعلّ بعض من نقل عنهم السيوطي قد ذكر نزول هذه الآية أيضا في عليّ وحمزة وعبيدة ، فغفل عن البيان.

وقال السيوطي أيضا : أخرج ابن أبي شيبة والبخاري والنسائي وابن جرير والبيهقي ، من طريق قيس بن عبّاد ، عن عليّعليه‌السلام ، قال :أنا أوّل من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة.

قال قيس : فيهم نزلت :( هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) قال : هم الّذين بارزوا يوم بدر : عليّ ، وحمزة ، وعبيدة ، وشيبة ، وعتبة ، والوليد(٢) .

__________________

ـ ٦ / ١٨١ ح ٢٦٤ ، صحيح مسلم ٨ / ٢٤٦ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٥٠ ح ٨١٧٢ وج ٦ / ٤١٠ ح ١١٣٤١ ، سنن ابن ماجة ٢ / ٩٤٦ ح ٢٨٣٥ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٨ / ٤٧٤ ح ٣١ ، تفسير الطبري ٩ / ١٢٣ ح ٢٤٩٧٨ ـ ٢٤٩٨٠ ، دلائل النبوّة ٣ / ٧٢ ـ ٧٣ ، كشف الغمّة ١ / ٣٢٥ عن ابن مردويه.

(١) سورة الحجّ ٢٢ : ١٤.

(٢) الدرّ المنثور ٦ / ١٩ ؛ وانظر : صحيح البخاري ٥ / ١٨٣ ح ١٧ وج ٦ / ١٨١ ح ٢٦٥ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٦ / ٤١٠ ح ١١٣٤٢ وح ١١٣٤١ عن أبي ذرّ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٨ / ٤٨٠ ح ٥٨ ، تفسير الطبري ٩ / ١٢٣ ح ٢٤٩٧٨ و ٢٤٩٧٩ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٣ / ٢٧٦ ، دلائل النبوّة ٣ / ٧٣.


ودلالة الآيات على المطلوب ظاهرة ، لبشارتها لعليّ بالجنّة مع علمه بذلك ؛ لأنّ عنده علم الكتاب(١) ، وهو قرين له.

وقد مرّ مرارا دلالة مثل ذلك على إمامتهعليه‌السلام ، كما أوضحناه في الآية الثانية والثلاثين(٢) .

* * *

__________________

(١) انظر الصفحات ١١٥ و ١١٧ ـ ١١٩ من هذا الجزء.

(٢) انظر الصفحة ١٤٤ من هذا الجزء.


الخامسة : قوله تعالى في سورة القصص : ٦١ :

( أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ

كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا

ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) (١) .

روى الواحدي في « أسباب النزول » ، عن مجاهد ، قال : نزلت في عليّ وحمزةعليهما‌السلام وأبي جهل لعنه الله(٢) .

وهي كالآية التي قبلها في الدلالة على المدّعى ، وكذا الآية الآتية.

* * *

__________________

(١) سورة القصص ٢٨ : ٦١.

(٢) أسباب النزول : ١٨٩ ؛ وانظر : تفسير الطبري ١٠ / ٩٢ ـ ٩٣ ح ٢٧٥٤٦ ـ ٢٧٥٤٨ ، تفسير الثعلبي ٧ / ٢٥٧ ، شواهد التنزيل ١ / ٤٣٦ ـ ٤٣٧ ح ٥٩٩ ـ ٦٠١ ، تفسير القرطبي ١٣ / ٢٠٠ ، ذخائر العقبى : ١٥٩ ، الرياض النضرة ٣ / ١٧٩ ، فرائد السمطين ١ / ٣٦٤ ح ٢٩١.


السادسة : وهي قوله تعالى في آخر سورة المجادلة :

( أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ

وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ

تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) (١) .

قال في « الكشّاف » : نزلت في عليّ وحمزة وعبيدة بن الحارث ، قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر(٢) .

ولا يلزم من الدلالة المذكورة في هذه الآية والتي قبلها إمامة حمزة وعبيدة ؛ لعدم علمهما بالنزول فيهم بخلاف أمير المؤمنينعليه‌السلام ، مع أنّهما مفضولان له ، ولا تجوز إمامة المفضول مع وجود الفاضل.

مضافا إلى موتهما قبل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلا مورد لإمامتهما حتّى لو قلنا بإمكانها.

* * *

__________________

(١) سورة المجادلة ٥٨ : ٢٢.

(٢) الكشّاف ٤ / ٧٩ ؛ وانظر : تفسير الثعلبي ٩ / ٢٦٥ ، شواهد التنزيل ٢ / ٢٤٥ ح ٩٦٨.


السابعة : قوله تعالى في سورة الأعراف : ٤٦ :

( وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ ) (١) .

قال في « الصواعق » عند الكلام في هذه الآية ، وهي الثالثة عشرة من الآيات الواردة في أهل البيت : أخرج الثعلبي في تفسيرها عن ابن عبّاس ، قال : الأعراف : موضع عال من الصراط ، عليه العبّاس وحمزة وعليّ وجعفر ، يعرفون محبّيهم ببياض الوجوه ، ومبغضيهم بسواد الوجوه(٢) .

ومثله في « ينابيع المودّة » عن الثعلبي ، بزيادة روايات أخر عن غيره(٣) .

ونقل في « كشف الغمّة » في الآية التي بعدها ، وهي قوله تعالى :( وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ ) (٤) ، عن ابن مردويه ، بسنده عن عليّعليه‌السلام ، قال :نحن أصحاب الأعراف ، من عرفناه بسيماه أدخلناه الجنّة (٥) .

ودلالتها على إمامة أمير المؤمنين واضحة ، كما أشرنا إليها في الآيات الثلاث التي قبلها ، وأوضحناها في الآية الثانية والثلاثين وغيرها(٦) .

__________________

(١) سورة الأعراف ٧ : ٤٦.

(٢) الصواعق المحرقة : ٢٥٨ ؛ وانظر : تفسير الثعلبي ٤ / ٢٣٦.

(٣) ينابيع المودّة ١ / ٣٠٣ ـ ٣٠٤ ح ٢ ـ ٤ ، وراجع : شواهد التنزيل ١ / ١٩٨ ـ ١٩٩ ح ٢٥٦ ـ ٢٥٨ ، جواهر العقدين : ٣٤٤.

(٤) سورة الأعراف ٧ : ٤٨.

(٥) كشف الغمّة ١ / ٣٢٤.

(٦) انظر الصفحة ١٤٤ من هذا الجزء ، وبقيّة الاستدلالات في الآيات الأخرى.


ولا ينافيها عدم صلوح العبّاس للإمامة ـ عندنا ـ مع بقائه بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ووضوح دلالة هذه الرواية على كونه من أهل الجنّة ؛ وذلك لعدم علمه بأنّه من أصحاب الأعراف.

ولو فرض علمه به ، فمفضوليّته مانعة من إمامته ، فضلا عن وضوح عدم عصمته.

* * *


الثامنة : قوله تعالى من سورة الجاثية : ٢١ :

( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ

نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) (١) .

قال الرازي في تفسيره : قال الكلبي : « نزلت في عليّ وحمزة وعبيدة ، وفي ثلاثة من المشركين : عتبة وشيبة والوليد »(٢) .

وقال سبط ابن الجوزي في « تذكرة الخواصّ » : قال السدّي ، عن ابن عبّاس : نزلت في عليّ يوم بدر(٣) .

دلّت الآية على عدم المساواة بين المطيع والعاصي ، ولا ريب أنّ غيره قد اجترح السيّئات ؛ إذ لا أقلّ من الفرار من الزحف(٤) ، فلا يساوون عليّاعليه‌السلام ، فهو أحقّ منهم بالإمامة.

* * *

__________________

(١) سورة الجاثية ٤٥ : ٢١.

(٢) تفسير الفخر الرازي ٢٧ / ٢٦٧ ؛ وانظر : شواهد التنزيل ٢ / ١٦٨ ـ ١٦٩ ح ٨٧٢ ـ ٨٧٤ ، كفاية الطالب : ٢٤٧.

(٣) تذكرة الخواصّ : ٢٦.

(٤) انظر الصفحة ٥٧ ه‍ ١ من هذا الجزء.


التاسعة : قوله سبحانه في سورة( وَالضُّحى ) :

( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) (١) .

قال في « الصواعق » عند الكلام في هذه الآية ، وهي العاشرة من الآيات الواردة بأهل البيتعليهم‌السلام : نقل القرطبي ، عن ابن عبّاس ، أنّه قال : رضى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار ؛ وقاله السّدّي(٢) .

ثمّ استشهد ابن حجر له بأخبار كثيرة(٣) .

وأقول :

هو غنيّ عن الاستشهاد له بالنسبة إلى عليّعليه‌السلام ؛ ضرورة أنّ من رضى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دخول عليّ الجنّة وعدم دخوله النار ، وهو من أوضح ما تقتضيه الآية ويعلمه عليّعليه‌السلام منها ، فيكون ممّا أعلمه الله به وبشّره ، فتثبت إمامته ، كما عرفت وجهه في الآيات السابقة وغيرها(٤) .

* * *

__________________

(١) سورة الضحى ٩٣ : ٥.

(٢) الصواعق المحرقة : ٢٤٤ ؛ وانظر : تفسير القرطبي ٢٠ / ٦٤ ، تفسير السدّي : ٤٧٨ ، تفسير الطبري ١٢ / ٦٢٤ ح ٣٧٥١٦ ، تفسير الثعلبي ١٠ / ٢٢٤ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٦٣ ذ ح ٣٦٠ ، شواهد التنزيل ٢ / ٣٤٦ ح ١١١٣ ، تاريخ دمشق ١٩ / ٤٦٠ ، جواهر العقدين : ٢٩٠ ، الدرّ المنثور ٨ / ٥٤٢.

(٣) الصواعق المحرقة : ٢٤٤ ـ ٢٤٦.

(٤) انظر الصفحة ١٤٤ من هذا الجزء.


العاشرة : قوله تعالى في سورة المطفّفين :

( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ) (١) .

ذكر الرازي في تفسيره ، أنّه جاء عليّعليه‌السلام في نفر من المسلمين ، فسخر منه المنافقون وضحكوا وتغامزوا ، ثمّ رجعوا إلى أصحابهم ، فقالوا :

رأينا اليوم الأصلع ؛ فضحكوا منه ، فنزلت هذه الآية قبل أن يصل عليّعليه‌السلام إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) .

ومثله في « الكشّاف »(٣) .

ودلالتها على المطلوب باعتبار تمام الآيات ، وهي قوله تعالى :( فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ) (٤) .

فإنّها دالّة على بشارة عليّعليه‌السلام بالجنّة ، القاضية بإمامته ، كما سبق(٥) .

ولا ريب أنّ اهتمام الكتاب العزيز في ما يتعلّق بعليّعليه‌السلام ـ حتّى نزل في مثل هذا الأمر اليسير في الظاهر ـ لأكبر دليل على عظمته عند الله عزّ وجلّ وفضله على الأمّة كلّها.

__________________

(١) سورة المطفّفين ٨٣ : ٢٩.

(٢) تفسير الفخر الرازي ٣١ / ١٠٢.

(٣) الكشّاف ٤ / ٢٣٣ ، وانظر : تفسير الحبري : ٣٢٧ ح ٧٠ ، تفسير الثعلبي ١٠ / ١٥٧ ، التسهيل لعلوم التنزيل ٤ / ١٨٦ ، شواهد التنزيل ٢ / ٣٢٧ ـ ٣٢٩ ح ١٠٨٣ ـ ١٠٨٨ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٢٧٥ ح ٢٥٤.

(٤) سورة المطفّفين ٨٣ : ٣٤ و ٣٥.

(٥) انظر الصفحة ١٤٤ من هذا الجزء.


الحادية عشرة : قوله تعالى :

( وَالشَّمْسِ وَضُحاها ) (١)

الآيات من سورة الشمس.

حكى السيوطي في « اللآلئ المصنوعة » ، عن الخطيب في « السابق واللاحق » ، بسنده عن ابن عبّاس ، مرفوعا : « اسمي في القرآن :( وَالشَّمْسِ وَضُحاها ) ، واسم عليّ :( وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها ) ، واسم الحسن والحسين :( وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها ) ، واسم بني أميّة :( وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها ) (٢) ، إنّ الله بعثني رسولا إلى خلقه ـ إلى أن قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ـ فلواء الله فينا إلى يوم القيامة ، ولواء إبليس في بني أميّة إلى أن تقوم الساعة ، وهم أعداء لنا ، وشيعتهم أعداء لشيعتنا ».

ثمّ قال السيوطي : « قال الخطيب : منكر جدّا ، بل موضوع ، والحوضي وموسى وأبوه مجهولان(٣) »(٤) .

أقول :

لا عبرة باستنكارهم ؛ فإنّهم لمّا جحدوا الحقّ استنكروه ، واشتمال

__________________

(١) سورة الشمس ٩١ : ١.

(٢) سورة الشمس ٩١ : ١ ـ ٤.

(٣) كذا في الأصل ، وهو تصحيف ؛ وفي المصدر : « مجهولون » ، وهو الصواب.

(٤) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٢٦ ، وراجع : شواهد التنزيل ٢ / ٣٣٣ ـ ٣٣٤ ح ١٠٩٤ ـ ١٠٩٥ ، لسان الميزان ٥ / ٣٢٩ رقم ١٠٨٧.


سنده على المجاهيل عندهم لا يقتضي الوضع ، وإلّا لزم الحكم بوضع الكثير من أخبار الصحاح الستّة ، فقد بيّنّا في المقدّمة جملة من المجاهيل الّذين رووا عنها في هذه الصحاح(١) ، كما حقّقنا فيها وثاقة من يروي فضيلة لآل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله أو رذيلة لأعدائهم(٢) .

ومنه يعلم ما في تكذيب الذهبيّ للحديث ؛ لاشتمال سنده على مجاهيل ، حيث أشار إلى الحديث بترجمة محمّد بن عمرو الحوضي من « ميزان الاعتدال »(٣) .

ودلالتها على المطلوب من وجهين :

الأوّل : إنّها سمّت عليّاعليه‌السلام قمرا ، وهو أنور النيّرات بعد الشمس ، فيكون إشارة إلى فضله على الأمّة وعظم نفعه لهم ، والأفضل هو الإمام ، ولا سيّما قد قال تعالى :( إِذا تَلاها ) مشيرا إلى أنّه تال لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في خلافته له وفضله وفائدته للأمّة ، وإلّا لخلا هذا الشرط عن كثير فائدة.

الثاني : إنّها عبّرت عن بني أميّة بالليل ، مشيرة إلى ظلمة أمرهم ، ومنهم عثمان.

* * *

__________________

(١) انظر : ج ١ / ٥٧ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٢) انظر : ج ١ / ٧ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٣) ميزان الاعتدال ٦ / ٢٨٥ رقم ٨٠٣٠.


الثانية عشرة : قوله تعالى من سورة طه : ٢٥ :

( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ) (١) الآيات.

قال السيوطي في « الدرّ المنثور » : أخرج ابن مردويه ، والخطيب ، وابن عساكر ، عن أسماء بنت عميس ، قالت : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بإزاء ثبير وهو يقول : أشرق ثبير! أشرق ثبير! اللهمّ إنّي أسالك بما سألك أخي موسى ، أن تشرح لي صدري ، وأن تيسّر لي أمري ، وأن تحلّ عقدة من لساني ،( يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ) (٢) ، عليّا(٣) أخي ،( اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً ) (٤) (٥) .

وقال السيوطي أيضا : وأخرج السّلفي في « الطيوريّات » بسند رواه(٦) عن أبي جعفر محمّد بن عليّعليه‌السلام ، قال : « لمّا نزلت :( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ) (٧) كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على جبل ، ثمّ دعا ربّه وقال :اللهمّ أشدد أزري

__________________

(١) سورة طه ٢٠ : ٢٥.

(٢) سورة طه ٢٠ : ٢٨ و ٢٩.

(٣) في المصدر : « هارون » ؛ وهو تحريف.

(٤) سورة طه ٢٠ : ٣١ ـ ٣٥.

(٥) الدرّ المنثور ٥ / ٥٦٦ ، وانظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ٥٢.

(٦) في الدرّ المنثور : « واه » ، وهو تصحيف ، أو تحريف لا تخفى بواعثه ؛ فلاحظ!

(٧) سورة طه ٢٠ : ٢٩ ـ ٣١.


بأخي عليّ ! فأجابه إلى ذلك(١) .

ونقل المصنّفرحمه‌الله نحوه في ما سيجيء عن أحمد في مسنده(٢) .

ونقل أيضا نحوه صاحب « ينابيع المودّة » في الباب السابع عشر ، عن أحمد في مسنده(٣)

وفي الباب السادس والخمسين ، عن « ذخائر العقبى » للطبري ، عن أحمد في « الفضائل »(٤) .

وكذا نقله سبط ابن الجوزي في « تذكرة الخواصّ » عن أحمد في « الفضائل »(٥) .

وحكى المصنّفرحمه‌الله في « منهاج الكرامة »(٦) ، عن أبي نعيم ، عن ابن عبّاس ، قال : « أخذ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بيد عليّ وبيدي ونحن بمكّة ، وصلّى أربع ركعات ، ورفع يده إلى السماء فقال :اللهمّ! موسى بن عمران سألك ، وأنا محمّد نبيّك أسألك ، أن تشرح لي صدري ، وتحلّ عقدة من لساني ، يفقهوا قولي ، واجعل لي وزيرا من أهلي ، عليّ بن أبي

__________________

(١) الدرّ المنثور ٥ / ٥٦٦ ؛ وانظر : الطيوريّات : ٧٥٣ ح ٢٥ م ، وقد استدرك محقّق « الطيوريّات » هذا الحديث على الأصل المخطوط المعتمد في التحقيق ، ضمن ملحق ضمّ المرويّات الساقطة من النسخة المخطوطة ، والتي عثر عليها في المصادر الناقلة عن « الطيوريّات » ؛ فلاحظ!

(٢) سيأتي في الحديث السابع والعشرين من مبحث الأحاديث ، في الجزء السادس من هذا الكتاب ؛ وانظر : فضائل الصحابة ٢ / ٨٤٣ ح ١١٥٨.

(٣) ينابيع المودّة ١ / ٢٥٨ ح ٥ ؛ وانظر : شواهد التنزيل ١ / ٣٦٩ ـ ٣٧١ ح ٥١١ و ٥١٢.

(٤) ينابيع المودّة ٢ / ١٥٣ ح ٤٢٧ ؛ وانظر : ذخائر العقبى : ١١٩ ، فضائل الصحابة ٢ / ٨٤٣ ـ ٨٤٤ ح ١١٥٨.

(٥) تذكرة الخواصّ : ٣٠ ؛ وانظر : فضائل الصحابة ٢ / ٨٤٣ ح ١١٥٨.

(٦) في البرهان السابع والثلاثين على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام . منهقدس‌سره .


طالب أخي ، أشدد به أزري ، وأشركه في أمري.

قال ابن عبّاس : سمعت مناديا ينادي : يا أحمد! قد أوتيت ما سألت »(١) .

وقد سبق في أثناء كلامنا على الآية الأولى من الآيات التي ذكرها المصنّفرحمه‌الله ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله دعا بمثل هذا الدعاء فنزل قوله تعالى :( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) (٢) الآية ، وقد نقلناه عن الثعلبي والرازي ؛ فراجع(٣) ، وهو مؤيّد لهذه الأخبار.

كما يؤيّدها حديث المنزلة ، الذي كاد أن يكون متواترا ، أو هو متواتر(٤) .

وأمّا دلالتها على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ فلإفادتها ثبوت خصائص هارون له ، فيكون مثله في تحمّل العلوم ، ووجوب طاعة الأمّة له ، ورئاسته عليهم ؛ لأنّ هارون شريك موسى في أمره.

فعليّعليه‌السلام مثله بالنسبة إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، سوى أنّ عليّا ليس بنبيّ ، كما استثنى النبوّة حديث المنزلة ، ودلّ الكتاب العزيز على أنّ محمّداصلى‌الله‌عليه‌وآله خاتم النبيّين

فتحمل تلك الأخبار المذكورة على إرادة المشاركة في ما عدا النبوّة ، فتثبت لعليّعليه‌السلام الإمامة والرئاسة العامّة على الأمّة ، حتّى في أيّام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لكنّه ساكت في حياة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلّا في ما قلّ ، كما

__________________

(١) منهاج الكرامة : ١٤٤ ؛ وانظر : ما نزل من القرآن في عليّ : ١٣٨.

(٢) سورة المائدة ٥ : ٥٥.

(٣) تفسير الثعلبي ٤ / ٨٠ ـ ٨١ ، تفسير الفخر الرازي ١٢ / ٢٨ ؛ وانظر : ج ٤ / ٣١٠ ـ ٣١١ من هذا الكتاب.

(٤) مرّ تخريجه مفصّلا في ج ٤ / ٣٠٥ ه‍ ١.


سبق بيانه في الآية الأولى(١) .

وممّا ذكرنا يعلم ما في مطالبة ابن تيميّة بصحّة حديث ابن عبّاس ، وإشكاله عليه بلزوم نبوّة عليّعليه‌السلام ، وأشكل عليه أيضا بصغر سنّ ابن عبّاس قبل الهجرة(٢) .

وفيه ـ مع أنّ صغر مثله غير ضائر ـ : إنّه يحتمل قريبا صدور ما رواه ابن عبّاس حين الفتح ، أو في حجّة الوداع.

وأشكل عليه أيضا بما حاصله : إنّكم قلتم : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله دعا بهذا الدعاء عند تصدّق عليّ بخاتمه ، فنزل قوله تعالى :( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) الآية ، وذلك بالمدينة ، فإذا كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله دعا به قبل ذلك بمكّة ، وقد استجيب له ، فأيّ حاجة إلى الدعاء به ثانيا بالمدينة؟!(٣) .

وفيه : إنّ تكرّر الدعاء إنّما وقع لإظهار فضل عليّعليه‌السلام وبيان إمامته مكرّرا ؛ تأكيدا للحجّة.

على أنّ كلامه يقتضي أن لا يتكرّر من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله دعاء بالغفران والرحمة والهداية ونحوها ، فلا يتكرّر منه في الصلوات قوله تعالى :( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) (٤) ، بل لا يقع منه الدعاء بمثل تلك الأمور أصلا ؛ لعلمه بتحقّقها.

ولو لا طلب الإحاطة في الجملة ، لقبح بنا التعرّض لكلام هذا ومثله.

واعلم ، أنّ هذه الآية الشريفة وإن لم يكن لنزولها دخل بأمير

__________________

(١) انظر : ج ٤ / ٣٠٥ من هذا الكتاب.

(٢) انظر : منهاج السنّة ٧ / ٢٧٤.

(٣) انظر : منهاج السنّة ٧ / ٢٧٥.

(٤) سورة الفاتحة ١ : ٦.


المؤمنينعليه‌السلام ، لكن لمّا أمكن أخذ الدليل لإمامته منها بضميمة الأحاديث الحاكية لدعاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لهعليه‌السلام بمضمونها ، صحّ لنا ذكرها في طيّ الأدلّة القرآنية على إمامته.

وإن شئت استبدالها بآية أخرى لإكمال المئة ، فعليك بمراجعة آيات تعرّض لأكثرها في « ينابيع المودّة »(١) ، ولبعضها في « كشف الغمّة » ، كقوله تعالى في سورة الفاتحة :( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) .

فقد حكى في « كشف الغمّة » ، عن العزّ الحنبلي ، عن بريدة : « هو صراط محمّد وآله »(٢)

وكقوله تعالى من سورة المؤمنين :( وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ ) (٣) ، فقد نقل في « كشف الغمّة » ، عن العزّ الحنبلي ، أنّ المراد : صراط محمّد وآله(٤)

ونقل في « ينابيع المودّة » ، عن الحمويني ، و« المناقب » ، عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، قال : «الصراط ولايتنا أهل البيت »(٥)

وكقوله سبحانه من سورة المؤمنين أيضا :( وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (٦) (٧)

__________________

(١) انظر : الآية ١٥٣ من سورة الأنعام ، والآيتين ٧٣ و ٧٤ من سورة المؤمنون ، كما في ينابيع المودّة ١ / ٣٣١ ـ ٣٣٢ ح ٣ وص ٣٣٨ ـ ٣٣٩ ح ٢٢ ـ ٢٤.

(٢) كشف الغمّة ١ / ٣١٠.

(٣) سورة المؤمنون ٢٣ : ٧٤.

(٤) كشف الغمّة ١ / ٣١٣.

(٥) ينابيع المودّة ١ / ٣٣٨ ب‍ ٣٧ ح ٢٢ ، وانظر : فرائد السمطين ٢ / ٣٠٠ ح ٥٥٦ ، مناقب آل أبي طالب ٣ / ٩٠.

(٦) سورة المؤمنون ٢٣ : ٧٣.

(٧) ينابيع المودّة ١ / ٣٣٩ ح ٢٥.


وكقوله تعالى من سورة الأنعام :( وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) (١) (٢)

وقوله تعالى من سورة البقرة :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ) (٣) (٤)

وقوله عزّ وجلّ من سورة الملك :( فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ) (٥) (٦)

وقوله سبحانه من سورة الصفّ :( يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ ) (٧) (٨)

وقوله تعالى في سورة لقمان :( وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى ) (٩) (١٠)

وقوله تعالى في سورة الزخرف :( وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) (١١) (١٢)

__________________

(١) سورة الأنعام ٦ : ١٥٣.

(٢) ينابيع المودّة ١ / ٣٣١ ـ ٣٣٢ ح ٣.

(٣) سورة البقرة ٢ : ٢٠٨.

(٤) ينابيع المودّة ١ / ٣٣٢ ح ٥.

(٥) سورة الملك ٦٧ : ٢٧.

(٦) ينابيع المودّة ١ / ٣٠١ ح ١ ؛ وانظر : شواهد التنزيل ٢ / ٢٦٤ ـ ٢٦٦ ح ٩٩٧ ـ ١٠٠١.

(٧) سورة الصفّ ٦١ : ٨.

(٨) ينابيع المودّة ١ / ٣٥٣ ح ٢.

(٩) سورة لقمان ٣١ : ٢٢.

(١٠) ينابيع المودّة ١ / ٣٣١ ح ١ و ٢ ؛ وانظر : مناقب آل أبي طالب ٣ / ٩٣.

(١١) سورة الزخرف ٤٣ : ٢٨.

(١٢) ينابيع المودّة ١ / ٣٥٣ ح ١.


وقوله تعالى من سورة البقرة :( وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ ) (١) (٢) الآية

وقوله تعالى منها :( وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَ ) (٣) (٤)

وقوله تعالى من سورة النساء :( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ ) (٥) الآية.

ونزولها محكيّ عن تفسير ابن الحجّام(٦) من غير « الينابيع » و« كشف الغمّة »

فعن التفسير المذكور ، أنّ عليّا قال: يا رسول الله! هل نقدر أن نزورك في الجنّة كلّما أردنا؟ فنزلت

__________________

(١) سورة البقرة ٢ : ١٤.

(٢) كشف الغمّة ١ / ٣٠٧.

(٣) سورة البقرة ٢ : ١٢٤.

(٤) ينابيع الموّدة ١ / ٢٩٠ ح ٦.

(٥) سورة النساء ٤ : ٦٩.

(٦) هو : أبو عبد الله محمّد بن العبّاس بن عليّ بن مروان بن الماهيار البزّاز ، المعروف بابن الحجّام.

قال فيه الرجاليّون : ثقة ثقة ، عين ، سديد ، كثير الحديث.

له عدّة مصنّفات ، منها : كتاب الأصول ، المقنع في الفقه ، التفسير الكبير ، الناسخ والمنسوخ ، كتاب قراءة أمير المؤمنين عليه السلام ، ما نزل من القرآن في أهل البيت عليهم السلام ، قال عنه جماعة من أصحابنا : « إنّه كتاب لم يصنّف في معناه مثله ».

سمع منه أبو محمّد هارون بن موسى التلّعكبري سنة ٣٢٨ ه‍ وله منه إجازة.

انظر : الرجال ـ للطوسي ـ : ٥٠٤ رقم ٧١ ، الفهرست ـ للطوسي ـ : ٤٢٣ رقم ٦٥٣ ، أمل الآمل ٢ / ٢٩١ رقم ٨٧٠ ، معجم رجال الحديث ١٧ / ٢٠٩ رقم ١١٠٤٢ وج ١٨ / ٣٠ رقم ١١٣٧٦.


فدعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاعليه‌السلام فقال :إنّ الله قد أنزل بيان ما سألت ، فجعلك رفيقي ؛ لأنّك أوّل من أسلم ، وأنت الصدّيق الأكبر (١) .

.. إلى غير ذلك ممّا لا يخفى على المتتبّع.

ولو ذكرنا لك ما روته كتب الإمامية في نزول آيات أخر في أمير المؤمنين وأهل البيت الطاهرين ، لأمكن بلوغ الآيات النازلة بهم ثلاثمئة أو تزيد ؛ فراجع وتدبّر تصب طريق الرشاد!

* * *

__________________

(١) كشف الغمّة ١ / ٨٧ عن تفسير ابن الحجّام.



فهرس المحتويات

١١ ـ آية : ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) ٥

وقال الفضل(١) : ٦

وأقول : ٧

١٢ ـ آية : ( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) ١٣

وقال الفضل(١) : ١٤

وأقول : ١٥

١٣ ـ آية : ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) ١٩

وقال الفضل(١) : ٢٠

وأقول : ٢١

١٤ ـ آية : ( أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِ ) ٢٤

وقال الفضل(١) : ٢٦

وأقول : ٢٧

١٥ ـ آية المناجاة ٢٩

وقال الفضل(١) : ٣٠

وأقول : ٣١

١٦ ـ آية : ( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا ) ٣٩

وقال الفضل(١) : ٤٠

وأقول : ٤١

١٧ ـ آية : ( وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) ٤٥

وقال الفضل(١) : ٤٦

وأقول : ٤٧

١٨ ـ سورة ( هَلْ أَتى ) ٥٠

وقال الفضل(١) : ٥٢


وأقول : ٥٣

١٩ ـ آية : ( وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ ) ٦٢

وقال الفضل(١) : ٦٣

وأقول : ٦٤

٢٠ ـ آية : ( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ ) ٦٩

وقال الفضل(١) : ٧٠

وأقول : ٧١

٢١ ـ آية : ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ ) ٧٤

وقال الفضل(١) : ٧٥

وأقول : ٧٦

٢٢ ـ آية : ( فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ) ٧٨

وقال الفضل(١) : ٧٩

وأقول : ٨٠

٢٣ ـ آية : ( أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ) ٩٣

وقال الفضل(١) : ٩٤

وأقول : ٩٥

٢٤ ـ آية : ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ ) ١٠٠

وقال الفضل(١) : ١٠١

وأقول : ١٠٢

٢٥ ـ آية الصلاة على النبيّ ١٠٥

وقال الفضل(١) : ١٠٦

وأقول : ١٠٧

٢٦ ـ آية : ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ) ١١١

وقال الفضل(١) : ١١٢

وأقول : ١١٣


٢٧ ـ آية : ( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) ١١٥

وقال الفضل(١) : ١١٦

وأقول : ١١٧

٢٨ ـ آية : ( يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ ) ١٢٠

وقال الفضل(١) : ١٢١

وأقول : ١٢٢

٢٩ ـ آية : ( أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ١٢٤

وقال الفضل(١) : ١٢٥

وأقول : ١٢٦

٣٠ ـ آية : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً ) ١٢٩

وقال الفضل(١) : ١٣٠

وأقول : ١٣١

٣١ ـ آية : ( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) ١٣٣

وقال الفضل(١) : ١٣٤

وأقول : ١٣٥

٣٢ ـ آية : ( إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) ١٤٠

وقال الفضل(١) : ١٤١

وأقول : ١٤٢

٣٣ ـ آية : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ) ١٤٨

وقال الفضل(١) : ١٤٩

وأقول : ١٥٠

٣٤ ـ آية : ( وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) ١٥٧

وقال الفضل(١) : ١٥٨

وأقول : ١٥٩


٣٥ ـ آية : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) ١٦٤

وقال الفضل(١) : ١٦٦

وأقول : ١٦٧

٣٦ ـ سورة النجم ١٧٠

وقال الفضل(١) : ١٧١

وأقول : ١٧٢

٣٧ ـ سورة العاديات ١٧٧

وقال الفضل(١) : ١٨٠

وأقول : ١٨١

٣٨ ـ آية : ( أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً ) ١٨٣

وقال الفضل(١) : ١٨٤

وأقول : ١٨٥

٣٩ ـ آية : ( وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ) ١٨٨

وقال الفضل(١) : ١٨٩

وأقول : ١٩٠

٤٠ ـ آية : ( فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ) ١٩٤

وقال الفضل(١) : ١٩٥

وأقول : ١٩٦

٤١ ـ آية : ( يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ) ١٩٨

وقال الفضل(١) : ١٩٩

وأقول : ٢٠٠

٤٢ ـ آية : ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ) ٢٠٢

وقال الفضل(١) : ٢٠٣

وأقول : ٢٠٤


٤٣ ـ آية : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ ) ٢٠٦

وقال الفضل(١) : ٢٠٧

وأقول : ٢٠٨

٤٤ ـ آية : ( أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) ٢١١

وقال الفضل(١) : ٢١٢

وأقول : ٢١٣

٤٥ ـ آية : ( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) ٢١٦

وقال الفضل(١) : ٢١٧

وأقول : ٢١٨

٤٦ ـ آية : ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا ) ٢٢٠

وقال الفضل(١) : ٢٢١

وأقول : ٢٢٢

٤٧ ـ آية : ( وَشَاقُّوا الرَّسُولَ ) ٢٢٥

وقال الفضل(١) : ٢٢٦

وأقول : ٢٢٧

٤٨ ـ آية : ( وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ) ٢٢٩

وقال الفضل(١) : ٢٣٠

وأقول : ٢٣١

٤٩ ـ آية : ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ ) ٢٣٢

وقال الفضل(١) : ٢٣٣

وأقول : ٢٣٤

٥٠ ـ آية : ( وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) ٢٣٥

وقال الفضل(١) : ٢٣٦

وأقول : ٢٣٨


٥١ ـ آية : ( وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ ) ٢٣٩

وقال الفضل(١) : ٢٤٠

وأقول : ٢٤١

٥٢ ـ آية : ( وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ) ٢٤٣

وقال الفضل(١) : ٢٤٤

وأقول : ٢٤٥

٥٣ ـ سورة العصر ٢٤٧

وقال الفضل(١) : ٢٤٨

وأقول : ٢٤٩

٥٤ ـ آية : ( وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ) ٢٥٢

وقال الفضل(١) : ٢٥٣

وأقول : ٢٥٤

٥٥ ـ آية : ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ ) ٢٥٥

وقال الفضل(١) : ٢٥٦

وأقول : ٢٥٧

٥٦ ـ آية : ( وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ) ٢٦٠

وقال الفضل(١) : ٢٦١

وأقول : ٢٦٢

٥٧ ـ آية : ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى ) ٢٦٣

وقال الفضل(١) : ٢٦٤

وأقول : ٢٦٥

٥٨ ـ آية : ( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ ) ٢٦٧

وقال الفضل(١) : ٢٦٨

وأقول : ٢٦٩


٥٩ ـ آية : ( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ) ٢٧٢

وقال الفضل(١) : ٢٧٣

وأقول : ٢٧٤

٦٠ ـ آية : ( إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ) ٢٧٦

وقال الفضل(١) : ٢٧٧

وأقول : ٢٧٨

٦١ ـ آية : ( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ) ٢٧٩

وأقول : ٢٨٠

٦٢ ـ آية : ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً ) ٢٨٢

وقال الفضل(١) : ٢٨٣

وأقول : ٢٨٤

٦٣ ـ آية : ( وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِ ) ٢٨٧

وقال الفضل(١) : ٢٨٨

وأقول : ٢٨٩

٦٤ ـ آية : ( تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً ) ٢٩١

وقال الفضل(١) : ٢٩٢

وأقول : ٢٩٣

٦٥ ـ آية : ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ ) ٢٩٥

وقال الفضل(١) : ٢٩٦

وأقول : ٢٩٧

٦٦ ـ آية : ( وَأُولُوا الْأَرْحامِ ) ٢٩٩

وقال الفضل(١) : ٣٠٠

وأقول : ٣٠١


٦٧ ـ آية : ( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ) ٣٠٥

وقال الفضل(١) : ٣٠٦

وأقول : ٣٠٧

٦٨ ـ آية : ( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) ٣٠٨

وقال الفضل(١) : ٣٠٩

وأقول : ٣١٠

٦٩ ـ آية : ( وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) ٣١١

وقال الفضل(١) : ٣١٢

وأقول : ٣١٣

٧٠ ـ آية : ( طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) ٣١٥

وقال الفضل(١) : ٣١٦

وأقول : ٣١٧

٧١ ـ آية : ( فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ) ٣١٨

وقال الفضل(١) : ٣١٩

وأقول : ٣٢٠

٧٢ ـ آية : ( هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) ٣٢٣

وقال الفضل(١) : ٣٢٤

وأقول : ٣٢٥

٧٣ ـ آية : ( سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ ) ٣٢٦

وقال الفضل(١) : ٣٢٧

وأقول : ٣٢٨

٧٤ ـ آية : ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ) ٣٣٠

وقال الفضل(١) : ٣٣١

وأقول : ٣٣٢


٧٥ ـ آية : ( إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) ٣٣٣

وقال الفضل(١) : ٣٣٤

وأقول : ٣٣٥

٧٦ ـ آية : ( يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ) ٣٣٧

وقال الفضل(١) : ٣٣٨

وأقول : ٣٣٩

٧٧ ـ آية : ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ ) ٣٤١

وقال الفضل(١) : ٣٤٢

وأقول : ٣٤٣

٧٨ ـ آية : ( كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ ) ٣٤٤

وقال الفضل(١) : ٣٤٥

وأقول : ٣٤٦

٧٩ ـ آية : ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) ٣٤٩

وقال الفضل(١) : ٣٥٠

وأقول : ٣٥١

٨٠ ـ آية : ( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ) ٣٥٣

وقال الفضل(١) : ٣٥٥

وأقول : ٣٥٦

٨١ ـ آية : ( الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ ) ٣٥٨

وقال الفضل(١) : ٣٥٩

وأقول : ٣٦٠


٨٢ ـ ما في القرآن آية [ ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) ] ٣٦١

وقال الفضل(١) : ٣٦٣

وأقول : ٣٦٤

٨٣ ـ آية : ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) ٣٧١

وقال الفضل(١) : ٣٧٢

وأقول : ٣٧٣

٨٤ ـ آية : ( عَمَّ يَتَساءَلُونَ ) ٣٧٥

وقال الفضل(١) : ٣٧٧

وأقول : ٣٧٩

خاتمة ٣٨٩

الأولى ٣٩٠

( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا )(١) ٣٩٠

الثانية ٣٩٢

الثالثة ٣٩٤

الرابعة ٣٩٥

الخامسة ٣٩٩

السادسة ٤٠٠

السابعة ٤٠١

( وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ )(١) ٤٠١

الثامنة ٤٠٣

التاسعة ٤٠٤

( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى )(١) ٤٠٤

العاشرة ٤٠٥

( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ )(١) ٤٠٥


الحادية عشرة ٤٠٦

( وَالشَّمْسِ وَضُحاها )(١) ٤٠٦

الثانية عشرة ٤٠٨

( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي )(١) الآيات ٤٠٨

فهرس المحتويات ٤١٧

* * *