دلائل الصدق لنهج الحق- الجزء 6
التجميع مفاهيم عقائدية
الکاتب الشيخ محمد حسن المظفر
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404





تعيين إمامة عليّ بالسّنّة

١ ـ حديث النور

قال المصنّف ـ رفع الله منزلته ـ(١) :

وأمّا السنّة : فالأخبار المتواترة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الدالّة على إمامته ، وهي أكثر من أن تحصى ، وقد صنّف الجمهور وأصحابنا في ذلك وأكثروا ، ولنقتصر هاهنا على القليل ، فإنّ الكثير غير متناه ؛ وهي أخبار :

الأوّل : ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده : قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «كنت أنا وعليّ بن أبي طالب نورا بين يدي الله قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام ، فلمّا خلق الله آدم قسّم ذلك النور جزءين ، فجزء أنا ، وجزء عليّ »(٢) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢١٢.

(٢) انظر : فردوس الأخبار ٢ / ١٧٨ ح ٤٨٨٤ ، تذكرة الخواصّ : ٥٠ ـ ٥١ نقلا عن أحمد في « الفضائل » ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٩ / ١٧١ وقال : « رواه أحمد في المسند ، وفي كتاب فضائل عليّعليه‌السلام ، وذكره صاحب كتاب ( الفردوس )


وفي حديث آخر رواه ابن المغازلي الشافعي : «فلمّا خلق الله آدم ركّب ذلك النور في صلبه ، فلم يزل في شيء واحد حتّى افترقنا في صلب عبد المطّلب ، ففيّ النبوّة ، وفي عليّ الخلافة »(١)

وفي خبر آخر رواه ابن المغازلي ، عن جابر ، في آخره : «حتّى قسمه جزءين ، فجعل جزءا في صلب عبد الله ، وجزءا في صلب أبي طالب ، فأخرجني نبيّا ، وأخرج عليّا وصيّا (٢) »(٣) .

* * *

__________________

وزاد فيه : ثمّ انتقلنا حتّى صرنا في عبد المطّلب ، فكان لي النبوّة ، ولعليّ الوصيّة » ، جواهر المطالب ١ / ٦١ وقال : « أخرجه أحمد في المناقب » ، ينابيع المودّة ٢ / ٤٩٠ ـ ٤٩١ ح ٣٧٩.

وراجع : فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٨٢٣ ـ ٨٢٤ ح ١١٣٠.

(١) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٢٠ ـ ١٢١ ح ١٣٠ ، ونحوه عن أبي ذرّ ح ١٣١ ، وانظر : ينابيع المودّة ١ / ٤٧ ح ٨.

وانظر : فردوس الأخبار ١ / ٣٧٤ ح ٢٧٧٦ عن سلمان ، وهو ما أشار إليه ابن أبي الحديد ، كما تقدّم في الهامش السابق ؛ فلاحظ!

(٢) في نهج الحقّ : وليّا.

(٣) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٢١ ـ ١٢٢ ح ١٣٢ ؛ وانظر : زين الفتى ١ / ١٣١ ح ٣٤ وص ١٣٣ ح ٣٨ ، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ ١ / ٨٤ ح ٣٨ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٤٥ ح ١٦٩ و ١٧٠ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٦٧ ، كفاية الطالب : ٣١٤ ـ ٣١٥ عن الخطيب البغدادي وابن عساكر ، الرياض النضرة ٣ / ١٢٠ عن أحمد ، فرائد السمطين ١ / ٤١ ـ ٤٤ ح ٥ ـ ٨ عن ابن مردويه وأبي نعيم والنطنزي ، ينابيع المودّة ١ / ٤٧ ح ٩.


وقال الفضل(١) :

ذكر ابن الجوزي هذا الحديث في كتاب « الموضوعات » في طريقين ، وقال : هذا حديث موضوع على رسول الله ، والمتّهم به في الطريق الأوّل محمّد بن خلف المروزي ؛ قال يحيى بن معين : كذّاب ، وقال الدارقطني : متروك.

وفي الطريق الثاني : المتّهم به جعفر بن أحمد ، وكان رافضيّا(٢) .

وقال أبو سعيد بن يونس : كان رافضيّا كذّابا ، يضع الحديث في سبّ أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) .

والنسبة إلى مسند أحمد باطل وزور.

وأمّا ما ذكر من أنّ الأخبار متواترة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على إمامة عليّعليه‌السلام ، فنسأله أوّلا عن معنى التواتر؟ فإن قال : أن يبلغ عدد الرواة حدّا لا يمكن للعقل أن يحكم بتواطئهم على الكذب.

فنقول : اتّفق جميع المحدّثين أنّه ليس لنا حديث متواتر إلّا قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار (٤) .

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٣٩١.

(٢) الموضوعات ١ / ٣٤٠.

(٣) الضعفاء والمتروكين ـ لابن الجوزي ـ ١ / ١٧٠ رقم ٦٦٠ ، وانظر : ميزان الاعتدال ٢ / ١٢٦ رقم ١٤٨٧ ولم ترد فيه الفقرة الثانية.

(٤) انظر : علوم الحديث ـ لابن الصلاح ـ : ٢٦٩ ، فتح المغيث : ٣١٣ ، فواتح الرحموت ـ بهامش المستصفى ـ ٢ / ١٢٠.


فهذا الحديث في كلّ عصر رواه جماعة يحكم العقل على امتناع تواطئهم على الكذب ، وبعضهم ألحق حديث : «البيّنة على المدّعي ، واليمين على من أنكر » بالمتواتر(١) .

فكيف هذا الرجل الجاهل بالحديث والأخبار ، بل بكلّ شيء ـ حتّى إنّي ندمت من معارضة كتابه وخرافاته بالجواب ؛ لسقوطه عن مرتبة المعارضة ؛ لانحطاط درجته في سائر العلوم ، معقولها ومنقولها ، أصولها وفروعها(٢) ، ولكن ابتليت بهذا مرّة فصبرت ـ يحكم بأنّ المنقول من « مسند أحمد » متواتر ، وأحمد بن حنبل قد جمع في مسنده الضعيف والمنكر ؛ لأنّه مسند لا صحيح ، وهو لا يعرف المسند إلّا الصحيح ، ولا يفرّق بين الغثّ والسمين؟!

والمغازلي رجل مجهول لا يعرفه أحد من العلماء من جملة المصنّفين والمحدّثين.

والعجب أنّ هذا الرجل لا ينقل حديثا إلّا من جماعة أهل السنّة ؛ لأنّ الشيعة ليس لهم كتاب ، ولا رواة ، ولا علماء مجتهدون مستخرجون للأخبار ، فهو في إثبات ما يدّعيه عيال على كتب أهل السنّة ؛ فإذا صار كذلك ، فلم لا يروي عن كتب الصحاح؟! فهو يترك المنقولات في الصحاح ، بل يطعن فيها ويذكر المناكير والضعفاء والمجهولات ، من جماعة مجهولة منكرة ، ويجعله سندا لمذهبه الباطل الفاسد ، وهذا عين التعصّب.

__________________

(١) لم نعثر على من قال بهذا القول في ما بأيدينا من الكتب!

(٢) انظر كلمات مديح وإطراء علماء العامّة بحقّ العلّامة الحلّيقدس‌سره في ترجمته من مقدّمة تحقيق هذا الكتاب في ج ١ / ١٥٩ ـ ١٦١.


ثمّ ما ذكر من المتواتر ، فإن ادّعى أنّه متواتر عند أهل السنّة والجماعة ، فقد بيّنّا بطلانه ، وأنّه ليس حديث متواتر عندنا إلّا ما ذكرناه(١) .

__________________

(١) إنّ تعريف الفضل هذا للتواتر بقوله : « لا يمكن للعقل أن يحكم بتواطئهم على الكذب » فيه تأمّل.

والأولى أن يقال في تعريفه : « هو خبر جماعة يحصل بإخبارهم العلم ، ويبلغوا من الكثرة بحيث يمتنع عادة تعمّدهم واتّفاقهم على الكذب ».

وقد خفي على الفضل بأنّ للتواتر أقساما ، فمنها :

التواتر الإجمالي : وهو أن يوجد بين مجموعة الأخبار ـ وإن اختلفت ألفاظها ـ ما تشترك به ، فيكون المشترك بينها متواترا إجماليا.

التواتر المعنوي : وهو أن تتّفق الأخبار معنى لا لفظا ، كعلمنا بشجاعة الإمام عليّ عليه‌السلام ، وكرم حاتم الطائي ، وإن اختلفت الصور الناقلة لمواقف عليّ عليه‌السلام في حروبه ، وحالات حاتم في إكرامه ، ولكنّ مجموعها يفيد العلم بأنّ عليّا عليه‌السلام كان شجاعا ، وأنّ حاتما كان كريما.

التواتر اللفظي : وهو أن تتّحد ألفاظ المخبرين في خبرهم على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم وبلدانهم.

أمّا عدد المخبرين ، فقد حدّده ابن حزم بأربعة ، واشترط الباقلّاني بأن يكونوا أكثر من أربعة ، ومنهم من قال : سبعة ، على عدد الأفلاك ؛ ومنهم من قال : إنّ أقلّه عشرة ؛ لأنّه أوّل جموع الكثرة ، كالإصطخري ؛ ومنهم من قال : اثنا عشر ، عدد نقباء بني إسرائيل ؛ وحكي عن أبي الهذيل العلّاف أنّ أقلّه عشرون ، وقيل أكثر من ذلك.

وكل هذا كلام غير سليم ؛ لأنّ المعيار في ذلك هو حصول العلم بعدم تعمّد الكذب ، وكلّ ذلك يعتمد على نوع الخبر المنقول وخطره ودقّته إلى غير ذلك ، ويشترط فيه استواء الوسط والأطراف ، مضافا إلى الحسّ.

أمّا قوله : « اتّفق جميع المحدّثين أنّه ليس حديث متواتر إلّا قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « من كذب عليّ متعمّدا »

فقد سبقه ابن الصلاح إلى ذلك ، وردّ عليه السيوطي في تدريب الراوي ٢ / ١٧٨ ـ ١٨٠ ، فقال : « ما ادّعاه ابن الصلاح من عزّة التواتر ، وكذا ما ادّعاه غيره


وإن ادّعى التواتر عند الشيعة والروافض ، فكلّ الناس يعلمون أنّ عدد الشيعة والروافض في كلّ عصر ، من العصر الأوّل إلى هذا العصر ، ما يبلغ حدّ الكثرة والاستفاضة ، فضلا عن حدّ التواتر ، فلا يمكن لهم دعوى التواتر في أيّ مدّعى كان.

وما ذكره من الأخبار في هذا الباب أكثرها ضعيف وموضوع ،

__________________

من العدم ، ممنوع ؛ لأنّ ذلك نشأ عن قلّة الإطّلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطأوا على الكذب ، أو يحصل منهم اتّفاقا

قال : ومن أحسن ما يقرّر به كون المتواتر موجودا وجود كثرة في الأحاديث ، أنّ الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقا وغربا ، المقطوع عندهم بصحّة نسبتها إلى مؤلّفيها ، إذا اجتمعت على إخراج حديث ، وتعدّدت طرقه تعدّدا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب ، أفاد العلم اليقيني بصحّته إلى قائله

قال : ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير.

قلت : قد ألّفت في هذا النوع كتابا لم أسبق إلى مثله ، سمّيته : ( الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة ) ، مرتّبا على الأبواب ، أوردت فيه كلّ حديث بأسانيد من خرّجه ، وطرقه ، ثمّ لخّصته في جزء لطيف سمّيته : ( قطف الأزهار ) ، اقتصرت فيه على عزو كلّ طريق لمن أخرجها من الأئمّة ، وأوردت فيه أحاديث كثيرة ـ ثمّ ذكر مجموعة من الأحاديث ، إلى أن قال : ـ كلّها متواترة في أحاديث جمّة أودعناها كتابنا المذكور ، ولله الحمد ».

وللزبيدي صاحب « تاج العروس » كتاب « لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة » ، أخرج فيه أكثر من سبعين حديثا متواترا ، واستدرك الكتّاني على السيوطي في كتاب « نظم المتناثر من الحديث المتواتر » ، وللشيخ نوح الحنفي رسالة في الأحاديث المتواترة.

وبعد هذا كلّه هل يصحّ أن يقال : ليس حديث متواتر إلّا قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « من كذب عليّ متعمّدا »؟!

انظر : مقدّمة ابن الصلاح : ١٥٧ ، المنهل الروي : ٣١ ـ ٣٢ ، لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة : ١٧ وما بعدها ، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي ٢ / ١٧٦ ـ ١٧٨ ، مقباس الهداية ١ / ٩٢ وما بعدها.


فلا يصحّ الاستدلال به ، ولكن نذكره على دأبنا ، ونتكلّم على كلّ خبر بما هو الحقّ فيه.

* * *


وأقول :

ذكر السيوطي في « اللآلئ المصنوعة » ـ التي هي مختصر كتاب ابن الجوزي ـ حديثين آخرين حكاهما عن الخطيب ، لا عن أحمد وابن المغازلي ، وأوّلهما لا ربط له بما حكاه المصنّفرحمه‌الله هنا ، وثانيهما مخالف له لفظا وفي بعض الخصوصيات.

قال السيوطي نقلا عن ابن الجوزي : الخطيب ، أخبرني أبو القاسم عليّ بن الحسن بن محمّد بن أبي عثمان الدقّاق ، حدّثنا محمّد بن خلف المروزي ، حدّثنا موسى بن إبراهيم المروزي ، حدّثنا موسى بن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جدّه مرفوعا : «خلقت أنا وهارون بن عمران ، ويحيى بن زكريّا ، وعليّ بن أبي طالب من طينة واحدة » ، موضوع ، آفته محمّد بن خلف.

جعفر بن أحمد بن عليّ بن بيان ، حدّثنا عمر الطائي ، حدّثنا أبي ، عن سفيان ، عن داود بن أبي هند ، عن الوليد بن عبد الرحمن ، عن نمير الحضرمي ، عن أبي ذرّ مرفوعا : «خلقت أنا وعليّ من نور ، وكنّا عن يمين العرش قبل أن يخلق الله آدم بألفي عام ، ثمّ خلق الله آدم فانقلبنا في أصلاب الرجال ، ثمّ جعلنا في صلب عبد المطّلب ، ثمّ شقّ أسماءنا من اسمه ، فالله محمود وأنا محمّد ، والله الأعلى وعليّ عليّ » ؛ وضعه جعفر ، وكان رافضيّا وضّاعا(١) . انتهى.

__________________

(١) اللآلئ المصنوعة ١ / ٢٩٣ ـ ٢٩٤ ، وانظر : تاريخ بغداد ٦ / ٥٩ رقم ٣٠٨٨ ، الموضوعات ١ / ٣٣٩ ـ ٣٤٠.


فأنت ترى أنّ هذين الحديثين غير ما حكاه المصنّفرحمه‌الله ، وراويهما ـ وهو الخطيب ـ غير راوي أخبار المصنّفرحمه‌الله ؛ فخان الفضل في النقل عن ابن الجوزي!

ولو كان محمّد بن خلف هو الراوي لحديث النور وطعن فيه ابن الجوزي ، لذكره السيوطي مع حديثه الأوّل ؛ لاتّحاد وجه الطعن ، وهو رواية ابن خلف له.

ويشهد لذلك أنّ الذهبي في « ميزان الاعتدال » ذكر بترجمة محمّد بن خلف الحديث الأوّل مع طعن ابن الجوزي فيه(١) .

ولو كان ابن خلف راويا لحديث النور ، وكان ابن الجوزي قائلا بوضعه ، لكان ذكر الذهبي له أولى ؛ لأنّه أدّل على فضل أمير المؤمنين وإمامته ، والذهبي أشدّ اهتماما بإنكار مثله.

ولو سلّم رواية محمّد بن خلف لحديث النور ، وطعن ابن الجوزي فيه ، فهو لا يستلزم كذب جميع رواة حديث النور ، بل يكون تعدّد طرقه دليلا على صدقه.

على أنّ ابن الجوزي أيضا طرف النزاع ، فكيف يعتبر قوله بوضع حديث النور ، مع أنّا نرى القوم أنفسهم لا يعتبرون كلامه؟!

قال السيوطي في ديباجة « اللآلئ المصنوعة » : « جمع الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي كتابا فأكثر فيه من إخراج الضعيف الذي لم ينحطّ إلى رتبة الوضع ، بل ومن الحسن ، ومن الصحيح ، كما نبّه على ذلك الأئمّة الحفّاظ ، ومنهم : ابن الصلاح في ( علوم الحديث ) ، وأتباعه »(٢) .

__________________

(١) ميزان الاعتدال ٦ / ١٣٥ رقم ٧٤٩٦.

(٢) اللآلئ المصنوعة ١ / ٩ ، وانظر : علوم الحديث : ٩٩.


وأمّا ما قيل : إنّ جعفر بن أحمد كان رافضيا ؛ فلا منشأ له إلّا روايته ما يسمعه من فضائل آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ومساوئ أعدائهم.

وهذه عادتهم في من روى فضيلة لأهل البيت أو رذيلة لأعدائهم ، يريدون بذلك إخفاء الحقّ وترويج الباطل ، كما عرفته في مقدّمة الكتاب(١) ؛ فلذا خفي جلّ فضائل آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وأكثر مساوئ مخالفيهم ، كما لا منشأ لنسبة الوضع إلى جعفر إلّا إظهاره للحقّ!

وأمّا تكذيب الفضل نسبة الحديث إلى « مسند أحمد » ؛ فالظاهر أنّ سببه عدم نقل ابن الجوزي للحديث إلّا عن الخطيب ، وإلّا فهو أقصر باعا عن الاطّلاع على جميع « مسند أحمد » ، كما يشهد له إنكاره للحديث الآتي مع ثبوته في « المسند ».

وقد نقل ابن أبي الحديد(٢) هذا الحديث بعينه ، عن أحمد في مسنده ، وفي « الفضائل » ، ثمّ قال : وذكره صاحب كتاب « الفردوس » وزاد فيه : «ثمّ انتقلنا حتّى صرنا في عبد المطّلب ، فكان لي النبوّة ، ولعليّ الوصيّة ».انتهى.

ولكنّي قد طلبت الحديث في « المسند » فلم أعثر عليه ، وجلّ ظنّي أنّه غير موجود في النسخة المطبوعة منه التي هي بأيدينا الآن ؛ لأنّهم إذا رأوا مثل هذه الفضيلة السنيّة حذفوها مهما أمكن ، كما سننبّهك على بعض ما عثرنا عليه ممّا نقله علماؤهم عن « المسند » ، ومع ذلك لم يوجد

__________________

(١) انظر : ج ١ / ١٨ و ٢٢ ـ ٢٥ من هذا الكتاب.

(٢) في شرح النهج ، ص ٤٥٠ من الجزء الثاني [ ٩ / ١٧١ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٨٢٣ ـ ٨٢٤ ح ١١٣٠ ، فردوس الأخبار ٢ / ١٧٨ ح ٤٨٨٤ وبلفظ آخر في ج ١ / ٣٧٤ ح ٢٧٧٦.


فيه الآن.

ثمّ إنّ أوّل ما نقله المصنّفرحمه‌الله عن ابن المغازلي ، نقله أيضا في « ينابيع المودّة »(١) عن ابن المغازلي ، بسنده عن سلمان الفارسي.

ونقل عنه أيضا بسنده عن أبي ذرّ حديثا آخر مثل حديث أحمد(٢) .

كما إنّه نقل عن صاحب « الفردوس » بسنده عن سلمان ، ما نقله ابن أبي الحديد عنه(٣) .

وزاد حديثا آخر نحو حديث أحمد ، عن الحمويني ، وموفّق بن أحمد ، بسنديهما عن أمير المؤمنينعليه‌السلام (٤) .

ثمّ نقل عن الحمويني ، بسنده عن ابن عبّاس ، قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول لعليّ : «خلقت أنا وأنت من نور الله عزّ وجلّ »(٥) .

فهذه الأخبار ـ كما ترى ـ معتبرة ، ولو لأجل اعتضاد أسانيدها بعضها ببعض ، وهي أدلّ دليل على فضل أمير المؤمنين على غيره ؛ فيكون هو الإمام ، مع تصريح بعضها بخلافته ووصايته.

وأمّا ما زعمه الفضل من انحصار المتواتر في خبر أو خبرين ، فمن

__________________

(١) في الباب الأوّل منها [ ١ / ٤٧ ح ٨ ]. منهقدس‌سره .

(٢) ينابيع المودّة ١ / ٤٧ ح ٩.

(٣) ينابيع المودّة ١ / ٤٧ ذ ح ٨ ، شرح نهج البلاغة ٩ / ١٧١ ، فردوس الأخبار ٢ / ١٧٨ ح ٤٨٨٤.

(٤) ينابيع المودّة ١ / ٤٧ ـ ٤٨ ح ١٠ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٤٥ ح ١٦٩ و ١٧٠ ، فرائد السمطين ١ / ٤١ ـ ٤٢ ح ٥ ـ ٧.

(٥) ينابيع المودّة ١ / ٤٩ ح ١٢ ، وانظر : فرائد السمطين ١ / ٣٩ ـ ٤٠ ح ٤.


عدم معرفته بالاصطلاح ، فإنّ هذا إنّما هو في المتواتر لفظا لا معنى فقط.

كيف؟! والأخبار المتواترة معنىّ أكثر من أن تحصى ، وقد ادّعى نفسه في هذا الكتاب تواتر بعض الأخبار!

فمراد المصنّف رحمه‌الله : إنّ مجموع الأخبار متواترة معنىّ بإمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام وإن لم يتواتر كلّ منها لفظا ولا معنى ، فلا يلزم أن يكون خصوص حديث النور متواترا ، وإن كان لو ادّعى أحد تواتره معنى بلحاظ أخبار الفريقين لم يبعد عن الصواب ، كحديث الغدير(١) .

ومن الطريف نسبة الفضل للمصنّفرحمه‌الله دعوى تواتر المنقول من « مسند أحمد » ، فإنّ غاية ما يمكن أن يسند إلى المصنّفرحمه‌الله دعوى تواتر حديث « النور » معنى ؛ بسبب تعدّد رواته ومخرّجيه ، ومنهم أحمد ، فلا يلزم منه القول بصحّة ما في « مسند أحمد » ، فضلا عن تواتره.

وأطرف منه نقصه للمصنّف العلّامةرحمه‌الله وزعمه الندم من معارضته ، وأنّه ابتلي فصبر ، وهو كما تراه لا يعرف حتّى العبارات الواضحة ، فما أصدق المعرّي في أبياته المشهورة ، وكأنّه ينظر فيها إلى هذا المقام(٢) .

__________________

(١) انظر : ج ١ / ١٩ ـ ٢٢ وج ٤ / ٣١٧ ـ ٣٥٠ ، من هذا الكتاب.

(٢) إشارة إلى الأبيات السائرة والمشهورة لأبي العلاء المعرّي ، والتي يستشهد بها في مثل هذا المقام ، وهي من قصيدة مطلعها :

ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل

عفاف وإقدام وحزم ونائل

إلى أن يقول :

إذا وصف الطائيّ بالبخل مادر

وعيّر قسّا بالفهاهة باقل

وقال السّهى للشمس : أنت خفيّة

وقال الدّجى : يا صبح لونك حائل

وطاولت الأرض السماء سفاهة

وفاخرت الشّهب الحصى والجنادل

فيا موت زر إنّ الحياة ذميمة

ويا نفس جدّي إن دهرك هازل

انظر : سقط الزند : ١٩٤ ـ ١٩٥.


ويكفي المصنّفرحمه‌الله فضلا عجز علماء القوم في عصره عن معارضته ، حينما جمعهم السلطان السعيد محمّد خدا بنده حتّى تشيّع السلطان في الحال وجمع كثير ممّن شاهد الحال أو سمعها ، وتشيّعت إيران ببركة علم المصنّف ونيّر برهانه(١) .

وأمّا ما زعمه من أنّ أحمد جمع الضعيف والمنكر ؛ معلّلا بأنّه « مسند » لا « صحيح » ، فمن عدم معرفته للمسمّيات إلّا بأسمائها ، فإنّ « مسند أحمد » كصحاحهم قد جمع أخبارا مسندة صحيحة عنده ، وإن سمّي ب‍ « المسند ».

قال ابن تيميّة في ردّه ل‍ « منهاج الكرامة » للمصنّف ، عند الكلام على « البرهان السابع » على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وهو آية « المودّة » : « شرط أحمد في المسند ، مثل أبي داود في سننه »(٢) .

وقال عند الكلام على « البرهان السادس(٣) والعشرين » وهو قوله تعالى :( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) (٤) : « وهي ـ أي أحاديث مسند أحمد ـ أجود من أحاديث سنن أبي داود »(٥) .

__________________

(١) انظر : روضة المتّقين ٩ / ٣٠ ـ ٣٢ ، أعيان الشيعة ٥ / ٣٩٩ ، وحكى هذه القصّة القاضي التستري في مجالس المؤمنين : الورقة ١١٨ / ترجمة العلّامة الحلّي ، عن تاريخ الحافظ ( آبرو ) من علماء السنّة ، وغيره ، كما في مقدّمة إحقاق الحقّ ١ / ١١ ـ ١٦.

(٢) منهاج السّنّة ٧ / ٩٧.

(٣) في الأصل : « السابع » ، وما أثبتناه من المصدر.

(٤) سورة الحديد ٥٧ : ١٩.

(٥) منهاج السنّة ٧ / ٢٢٣.


وقال المترجم لأحمد بمقدّمة مسنده ، المطبوع بالمطبعة الميمنية بمصر سنة ١٣١٣ : « قال السبكي ـ أي في : الطبقات الكبرى ـ : قال الحافظ أبو موسى محمّد بن أبي بكر المديني(١) : هذا الكتاب ـ يعني : مسند أحمد ـ أصل كبير ، ومرجع وثيق لأصحاب الحديث جعل إماما ومعتمدا ، وعند التنازع ملجأ ومسندا.

ثمّ روى عن حنبل بن إسحاق ، قال : جمعنا عمّي ـ يعني أحمد بن حنبل ـ لي ولصالح ولعبد الله وقال لنا : إنّ هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته(٢) من أكثر من سبعمئة وخمسين ألفا ؛ فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فارجعوا إليه ، فإن كان [ فيه ] ، وإلّا فليس بحجّة.

ثمّ نقل عن عبد الله بن أحمد ، عن أبيه ، قال : عملت هذا الكتاب إماما ، إذا اختلف الناس في سنّة [ عن ] رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رجع إليه.

ثمّ قال أبو موسى المديني : لم يخرّج ـ أي أحمد ـ إلّا عمّن ثبت

__________________

(١) هو : أبو موسى محمّد بن أبي بكر عمر بن أحمد بن عمر ، الحافظ الأصبهاني المدينى ، ولد بأصبهان سنة ٥٠١ ، وتوفّي بها سنة ٥٨١ ه‍ ، شيخ زمانه إسنادا وحفظا ، سمع بأصبهان وهمذان وبغداد ، وروى وصنّف كتبا كثيرة في الحديث والنحو واللغة وغيرها ، منها : نزهة الحفّاظ ، تتمّة « معرفة الصحابة » لأبي نعيم ، المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث ـ وهو تتمّة كتاب « الغريبين » للهروي ـ ، الأخبار الطوال.

انظر : وفيات الأعيان ٤ / ٢٨٦ رقم ٦١٨ ، مرآة الجنان ٣ / ٣٢١ ، سير أعلام النبلاء ٢١ / ١٥٢ رقم ٧٨ ، طبقات الشافعية الكبرى ـ للسبكي ـ ٦ / ١٦٠ رقم ٦٧٥ ، غاية النهاية في طبقات القرّاء ٢ / ٢١٥ رقم ٣٣٠٦ ، شذرات الذهب ٤ / ٢٧٣.

(٢) كان في الأصل : « وأتقنته » ، وهو تصحيف ، وما أثبتناه من « طبقات الشافعية ».


عنده صدقه وديانته ، دون من طعن في أمانته.

ثمّ روى عن عبد الله بن أحمد ، قال : سألت أبي عن عبد العزيز بن أبان؟ قال : لم أخرّج عنه في ( المسند ) شيئا ، لمّا حدّث بحديث المواقيت تركته »(١) .

وقد ذكر في ترجمة أحمد كثيرا من نحو هذا ما يدلّ على كون أحمد لم يرو في مسنده إلّا ما صحّ عنده ؛ فراجع!

ومجرّد جمع أحمد فيه الضعيف والمنكر عند غيره ، لا يقضي بعدم صحّته عنده ؛ إذ ليس مسنده بأحسن من صحاحهم وقد جمعت الضعيف والمنكر وما فيه الكفر ، كما سبق في مقدّمة الكتاب ومسألة النبوّة(٢) .

وأمّا قوله : « والمغازلي رجل مجهول ، لا يعرفه أحد من العلماء » ؛ فيكذّبه رواية ابن حجر في « الصواعق » عنه ، وكنّاه بأبي الحسن ، كما سبق في الآية السابعة والسبعين(٣) .

وكنّاه به أيضا في « ينابيع المودّة » في الباب الأوّل منها ، وسمّاه بعليّ بن محمّد(٤) ، كما سمّاه به أيضا في أوّل الكتاب عند ذكر من

__________________

(١) انظر : طبقات الشافعية الكبرى ٢ / ٣١ ـ ٣٢.

(٢) انظر : ج ١ / ٤١ وما بعدها ، وج ٤ / ١٣٧ وما بعدها ، من هذا الكتاب.

نقول : وفي نفحات الأزهار ٢ / ٢٧ ـ ٣٠ بحث مفصّل عن قيمة أحاديث « مسند أحمد » ؛ فراجع!

(٣) راجع : ج ٥ / ٣٤٣ من هذا الكتاب ؛ وانظر : الصواعق المحرقة : ٢٣٣ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٣٤ ح ٣١٤.

(٤) ينابيع المودّة ١ / ٤٧ ح ٨ ؛ وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٢٠ ح ١٣٠.


روى عنهم ، ووصفه بالفقيه الشافعي(١) .

وغاية طعن ابن تيميّة فيه أن قال : ليس الحديث من صنعته ولا يعرف الحديث(٢) .

ولا منشأ للتجاهل به والطعن في معرفته ، إلّا لأنّه يروي ما ليس من هوى ابن تيميّة ، وأنّه ألّف في فضل أمير المؤمنين ؛ وهذا كما مرّ في المقدّمة أولى بالدلالة على اطّلاعه وحسن إنصافه(٣) ، ولو ألّف في فضل الشيخين من مفتعلاتهم لحلّ عندهم بالمحلّ الأرفع والمنزل الأسنى!!

وأمّا قوله : « والعجب أنّ هذا الرجل لا ينقل حديثا إلّا من جماعة أهل السنّة » إلى آخره

فمن عدم تفرقته بين البحث الإلزامي وغيره ؛ فإنّ المصنّفرحمه‌الله إنّما

__________________

(١) ينابيع المودّة ١ / ٢٨.

نقول : وابن المغازلي عالم مؤرّخ ، سمع الكثير من أبي بكر الخطيب.

قال عنه السمعاني في الأنساب ٢ / ١٣٧ « الجلّابي » : « والمشهور بهذه النسبة : أبو الحسن عليّ بن محمّد بن محمّد بن الطيّب الجلّابي ، المعروف بابن المغازلي ، من أهل واسط العراق ، كان فاضلا عارفا برجالات واسط وحديثهم ، وكان حريصا على سماع الحديث وطلبه ، رأيت له ذيل التاريخ لواسط وطالعته وانتخبت منه ، وغرق ببغداد في الدجلة في صفر سنة ثلاث وثمانين وأربعمئة ، وحمل ميّتا إلى واسط فدفن بها ».

وانظر : تبصير المنتبه ١ / ٣٨٠ ، تاج العروس ١ / ٣٧٤ ـ ٣٧٥ مادّة « جلب ».

وله ترجمة مفصّلة استوعيت مراحل حياته ومشايخه وتلامذته ومصنّفاته وكلمات العلماء في حقّه ، اسمها : « الميزان القاسط في ترجمة مؤرّخ واسط » ، للسيّد شهاب الدين المرعشي النجفيقدس‌سره ، طبعت كمقدّمة لكتاب ابن المغازلي : « مناقب الإمام عليّ عليه‌السلام » ، ص ٧ ـ ٣٤ ؛ فراجع!

(٢) منهاج السنّة ٧ / ٦٢.

(٣) راجع : ج ١ / ٢٢ ـ ٢٤ من هذا الكتاب.


ينقل عن كتبهم ؛ لإلزامهم ، لا لحاجة به إليها ؛ لغناه عنها بالأدلّة القطعيّة ؛ العقليّة والنقليّة ، التي اشتملت عليها كتب أصحابه.

وقد تجاهل في معرفتها ومعرفة علماء الإمامية ورواتهم ظنّا منه أن يخدع الجهّال بذلك ، وهيهات أن تخفى الشمس على ذي عين!

نعم ، ما زالوا ـ وإلى الآن ـ يتغافلون عن كتب الشيعة ، ويتعامون عن النظر إليها ، كراهة لاتّضاح الحقّ ، ورغبة في ملّة الآباء!

وأمّا قوله : « فهو يترك المنقولات في الصحاح »

فكذب ظاهر ؛ لأنّ المصنّفرحمه‌الله ينقل عنها وعن غيرها ، كما ستعرف ، وكلّها عنده بمنزلة واحدة في الوهن ، لكنّه يروي عن الجميع ما يحتجّ به عليهم.

ولا يمكن أن نصحّح شيئا منها سوى ما يتعلّق بفضائل أهل البيت ونقائص أعدائهم ، كما سبق وجهه في المقدّمة ، وبيّنا فيها حال صحاحهم ، وأنّها بالسقم أحرى(١) .

ومن الطرائف إنكاره بلوغ عدد الشيعة إلى عصره حدّ الكثرة ، فلو صدق فما باله فرّ من بلاده إلى ما وراء النهر ، ثمّ استغاث في آخر هذا الكتاب من استيلائهم على ما هنالك؟!

وإن جهل كثرتهم ، فليسأل عنهم أئمّته بني أميّة يوم الدار وصفّين ، ويوم استولى عليهم بنو العبّاس ، وليسأل عنهم بني العبّاس أيّام البويهيّين والحمدانيّين والفاطميّين!

وقد ذكر المؤرّخون أنّ بليّة معاوية على الكوفة أشدّ ؛ لكثرة من

__________________

(١) راجع : ج ١ / ٤١ وما بعدها من هذا الكتاب.


فيها من الشيعة(١) .

نعم ، ما زال أعداء آل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومخالفوهم أكثر ، كما قال عزّ اسمه :( وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) (٢) .

* * *

__________________

(١) انظر : شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١١ / ٤٤ ، النصائح الكافية : ١٢٦.

(٢) سورة يوسف ١٢ : ١٠٣.

نقول : وقد توسّع السيّد عليّ الحسيني الميلاني ـ حفظه الله ورعاه ـ في دراسة حديث النور دراسة مفصّلة ، سندا ودلالة ، في الجزء الخامس من موسوعته « نفحات الأزهار » ؛ فراجع!


٢ ـ حديث : ويكون خليفتي ، ويكون معي في الجنّة

قال المصنّف ـقدس‌سره ـ(١) :

الثاني : من « مسند أحمد » : « لمّا نزل :( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (٢) جمع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من أهل بيته ثلاثين ، فأكلوا وشربوا ثلاثا ، ثمّ قال لهم :من يضمن عنّي ديني ومواعيدي ويكون خليفتي ، ويكون معي في الجنّة؟

فقال عليّ :أنا .

فقال :أنت »(٣) .

ورواه الثعلبي في تفسيره بعد ثلاث مرّات ، في كلّ مرّة سكت القوم غير عليّعليه‌السلام (٤) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢١٣.

(٢) سورة الشعراء ٢٦ : ٢١٤.

(٣) مسند أحمد ١ / ١١١ و ١٥٩ و ٣٣١.

(٤) تفسير الثعلبي ٧ / ١٨٢ ؛ وانظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٨٠٧ ـ ٨٠٨ ح ١١٠٨ وص ٨٧١ ح ١١٩٦ وص ٨٨٧ ح ١٢٢٠ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٢٥ ـ ١٢٦ ح ٨٤٥١ ، مسند البزّار ٢ / ١٠٥ ـ ١٠٦ ح ٤٥٦ ، المعجم الأوسط ٣ / ٢٤١ ح ٢٨٣٦ ، تفسير الحبري : ٣٤٨ ، تهذيب الآثار ٤ / ٦٠ ح ٥٠ وص ٦٢ ح ١٢٧ ، تاريخ الطبري ١ / ٥٤٢ ـ ٥٤٣ ، تفسير الطبري ٩ / ٤٨٣ ـ ٤٨٤ ح ٢٦٨٠٦ ، العلل الواردة في الأحاديث ـ للدارقطني ـ ٣ / ٢٧٥ رقم ٢٩٣ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٤٣ ح ٤٦٥٢ ، دلائل النبوّة ـ لأبي نعيم ـ ٢ / ٤٢٥ ح ٣٣١ قطعة


وقال الفضل(١) :

هذا الحديث ذكره ابن الجوزي في « الموضوعات » في قصّة طويلة ، وليس فيه : «ويكون خليفتي » ، وهذا من وضعه ، أو من وضع مشايخه من شيوخ الرفض وأهل التهمة والافتراء(٢) .

وفي مسند أحمد بن حنبل : «ويكون خليفتي » غير موجود ، بل هو من إلحاقات الرفضة.

وهذان الكتابان اليوم موجودان ، وهم لا يبالون من خجلة الكذب والافتراء ، بل الرواية : «ويكون معي في الجنّة »(٣) .

__________________

منه ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٢ / ١٧٩ ـ ١٨٠ قطعة منه ، شواهد التنزيل ١ / ٤٢٠ ـ ٤٢١ ح ٥٨٠ ، تفسير البغوي ٣ / ٣٤١ ـ ٣٤٢ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٤٩ ـ ٥٠ ، الوفا بأحوال المصطفى : ١٨٣ ـ ١٨٤ ح ٢٤٩ ، كفاية الطالب : ٢٠٥ ـ ٢٠٦ ، فرائد السمطين ١ / ٨٥ ح ٦٥ ، تفسير ابن كثير ٣ / ٣٣٩ ، السيرة النبوية ـ لابن كثير ـ ١ / ٤٥٧ ـ ٤٥٩ ، البداية والنهاية ٣ / ٣٢ ـ ٣٣ ، مجمع الزوائد ٨ / ٣٠٢ عن البزّار وأحمد والطبراني في « الأوسط » وقال : « رجال أحمد وأحد إسنادي البزّار رجال الصحيح ، غير شريك وهو ثقة » ، الدرّ المنثور ٦ / ٣٢٧ ـ ٣٢٨ ، كنز العمّال ١٣ / ١٣١ ـ ١٣٣ ح ٣٦٤١٩ عن ابن إسحاق وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم والبيهقي ـ والأخيران كلاهما في « دلائل النبوّة » ـ ، ينابيع المودّة ١ / ٣١١ ـ ٣١٢ ح ١ و ٢.

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤١٢.

(٢) لم يذكره ابن الجوزي في قصّة طويلة ، بل أشار إلى رواية يوم الدار إشارة ، فانظر : الموضوعات ١ / ٩٩ ؛ وتأمّل!

(٣) انظر : مسند أحمد ١ / ١١١ وقد جاء فيه : «ويكون معي في الجنّة ، ويكون خليفتي » ، فتأمّل!


وهو من فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام حيث أقبل إذ الناس أدبر ، وأقدم إذ الناس أحجم(١) ، وفضائله أكثر من أن تحصى ، عليه سلام الله يترى ، مرّة بعد أخرى.

* * *

__________________

(١) كذا وردت الجملتان السابقتان ؛ وهو غير عزيز من مثل ابن روزبهان!


وأقول :

من أعجب العجب أن يكذب هذا الرجل ، وينسب الكذب إلى آية الله المصنّفرحمه‌الله ، وشدّد النكير عليه وعلى علمائنا أهل الصدق والأمانة.

وإذا أردت أن تعرف كذبه ، فراجع « المسند » ، ص ١١١ من الجزء الأوّل ، تجد الحديث مشتملا على لفظ «خليفتي ».

وهكذا نقله في « كنز العمّال »(١) ، عن « المسند » ، وعن ابن جرير ، قال : « وصحّحه » ، وعن الطحاوي ، والضياء في « المختارة » ، التي حكى في أوّل « الكنز »(٢) صحّة جميع ما فيها عن السيوطي في ديباجة « جمع الجوامع ».

ونقل في « الكنز » أيضا(٣) هذا الحديث بقصّة طويلة ، عن ابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبي نعيم ، والبيهقي ، قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في آخره : «قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤازرني على أمري هذا؟

__________________

(١) ص ٣٩٦ من الجزء السادس [ ١٣ / ١٢٨ ـ ١٢٩ ح ٣٦٤٠٨ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : تهذيب الآثار ٤ / ٦٠ ح ٥ ، شرح معاني الآثار ٣ / ٢٨٤ ـ ٢٨٥ وج ٤ / ٣٨٧.

(٢) كنز العمّال ١ / ٩.

(٣) ص ٣٩٧ من الجزء المذكور [ ١٣ / ١٣٣ ذ ح ٣٦٤١٩ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : تهذيب الآثار ٤ / ٦٢ ح ١٢٧ ، دلائل النبوّة ـ لأبي نعيم ـ ٢ / ٤٢٥ ح ٣٣١ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٢ / ١٧٩ ـ ١٨٠.


قال عليّعليه‌السلام : فقلت :أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه.

فأخذ برقبتي ، فقال :إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا!

فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع وتطيع لعليّ ».

ونقل هذا الحديث الطبري في « تاريخه »(١) ، وابن الأثير في « الكامل »(٢) .

وحكى في « كنز العمّال »(٣) ، عن ابن جرير حديثا آخر ، قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه مثل قوله الأوّل : «هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا ».

وحكى ابن أبي الحديد في « شرح النهج »(٤) ، عن أبي جعفر الإسكافي ، أنّه قال : وروي في الخبر الصحيح أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كلّف عليّاعليه‌السلام في مبدأ الدعوة أن يصنع طعاما ويدعو له بني عبد المطّلب ، فصنع له طعاما ودعاهم له

ثمّ ضمن لمن يؤازره ، وينصره على قوله ، أن يجعله أخاه في الدين ، ووصيّه بعد موته ، وخليفته من بعده ؛ فأمسكوا كلّهم وأجابه هو وحده ، فقال لهم :هذا أخي ووصيّي ، وخليفتي من بعدي.

__________________

(١) ص ٢١٧ من الجزء الثاني [ ١ / ٥٤٢ ـ ٥٤٣ ]. منهقدس‌سره .

(٢) ص ٢٨ من الجزء الثاني [ ١ / ٥٨٥ ـ ٥٨٦ ]. منهقدس‌سره .

(٣) ص ٣٩٢ من الجزء المذكور [ ١٣ / ١١٤ ح ٣٦٣٧١ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : تهذيب الآثار ٤ / ٦٢ ح ١٢٧.

(٤) ص ٢٦٣ من المجلّد الثالث [ ١٣ / ٢١٠ ـ ٢١١ ]. منهقدس‌سره .


فقاموا يضحكون ويقولون لأبي طالب : أطع ابنك! فقد أمّره عليك » ؛ انتهى ملخّصا.

وهذه الأخبار كلّها اشتملت على لفظ « الخليفة ».

ونقل في « الكنز »(١) ، عن ابن مردويه خبرا آخر ، اشتمل على لفظ « الولاية » ، قال فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومدّ يده : «من يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووليّكم من بعدي؟ ».

فمددت يدي ، وقلت : أنا أبايعك! فبايعني على ذلك.

وأنت تعلم أنّ المراد بالولاية ـ هنا ـ هو المراد بالخلافة ، بقرينة ما سبق ، وقوله : « من بعدي » ، فإنّ النصرة والحبّ لا يختصّان بما بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وإنّما تختصّ به الخلافة.

وأعجب من الفضل ابن تيمية! حيث أنكر وجود أصل الحديث في الصحاح والمسانيد(٢) عند ذكر المصنّفرحمه‌الله له في « منهاج الكرامة »(٣) ، مع ما عرفت من رواية أحمد بن حنبل له في « المسند » وغير أحمد ممّن عرفت(٤) .

نعم ، أقرّ بوجوده في تفسير ابن جرير والبغوي والثعلبي وابن أبي حاتم ، لكنّه ناقش في إسناد كلّ منهم(٥) بما مرّ جوابه إجمالا في

__________________

(١) ص ٤٠١ من الجزء المذكور [ ١٣ / ١٤٩ ح ٣٦٤٦٥ ]. منهقدس‌سره .

(٢) منهاج السنّة ٧ / ٢٩٩.

(٣) منهاج الكرامة : ١٤٧ ـ ١٤٨.

(٤) انظر الصفحة ٢٣ ه‍ ٣ و ٤ من هذا الجزء.

(٥) منهاج السنّة ٧ / ٣٠٠ ـ ٣٠٣ ؛ وانظر : تهذيب الآثار ٤ / ٦٠ ح ٥ وص ٦٢ ح ١٢٧ ، تفسير الطبري ٩ / ٤٨٣ ـ ٤٨٤ ح ٢٦٨٠٦ ، تفسير البغوي ٣ / ٣٤١ ـ ٣٤٢.


مقدّمة الكتاب(١) .

مع أنّه قد استفاضت الطرق وقوّى بعضها بعضا ، وحكموا بصحّة بعضها كما سمعت ، فلا محلّ للمناقشة.

على أنّ مناقشته في سند رواية الثعلبي إجماليّة مردودة عليه ، إلّا مع البيان.

ومناقشته في سند رواية ابن أبي حاتم(٢) ، إنّما هي باشتماله على عبد الله بن عبد القدّوس ، وهو قد ضعّفه الدارقطني(٣) .

وقال النسائي : ليس بثقة(٤) .

وقال ابن معين : ليس بشيء ، رافضي خبيث(٥) .

وفيه :

إنّ تضعيف هؤلاء معارض بما في « تقريب » ابن حجر : إنّه صدوق(٦) .

__________________

(١) راجع : ج ١ / ٢٧ من هذا الكتاب.

(٢) ناقض ابن تيميّة نفسه بمناقشته هذه ، فإنّه قد مدح ابن أبي حاتم وتفسيره ، مصرّحا بأنّ لابن أبي حاتم لسان صدق ، وأنّ تفسيره خال من الموضوعات ، ومتضمّن للمنقولات التي يعتمد عليها في التفسير ، وبأسانيد معروفة!

انظر : منهاج السنّة ٧ / ١٣ و ١٧٨ ـ ١٧٩.

(٣) الضعفاء والمتروكين : ١١٤ رقم ٣٢٠.

(٤) الضعفاء والمتروكين ـ للنسائي ـ : ١٤٥ رقم ٣٣٧.

(٥) تهذيب التهذيب ٤ / ٣٨٢ رقم ٣٥٣٦ ، وقال ابن معين في معرفة الرجال ١ / ٧٦ رقم ٢٠٧ : « قال : وسمعت يحيى وسئل عن عبد الله بن عبد القدّوس ، فقال : شيخ كان يقدم الريّ ، لا أعرفه.

(٦) تقريب التهذيب ١ / ٥١٠ رقم ٣٤٥٧.


وقال في « تهذيب التهذيب » : قال محمّد بن عيسى : ثقة(١) .

وذكره ابن حبّان في « الثقات »(٢) .

وقال البخاري : وهو في الأصل صدوق ، إلّا أنّه يروي عن أقوام ضعاف(٣) .

مع أنّه أيضا من رجال « سنن الترمذي »(٤) .

ولا ريب أنّ مدح هؤلاء مقدّم على قدح أولئك ؛ لعدم العبرة بقدح أحد المتخالفين في الدين بالآخر من غير حجّة ، بخلاف مدحه له ؛ فإنّ الفضل ما شهدت به الأعداء.

وعبد الله هذا قد زعموه من الشيعة ، وإن كنّا لا نعرف الرجل في الشيعة! ولعلّه لمّا روى في فضل آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله نسبوه إلى الرفض والخبث!!

وغمزه ابن عديّ بقوله : عامّة ما يرويه في فضائل أهل البيت(٥) .

وليت شعري ، أبهذا صار ضعيفا واستحقّ أن يوصف بالخبث؟!

__________________

(١) تهذيب التهذيب ٤ / ٣٨٢ رقم ٣٥٣٦.

(٢) الثقات ٧ / ٤٨.

(٣) تهذيب التهذيب ٤ / ٣٨٢ رقم ٣٥٣٦.

(٤) وضع له ابن حجر في « تهذيب التهذيب » رمز « خت. ت » ، والأوّل إشارة إلى رواية البخاري عنه في صحيحه في التعاليق ، والثاني إشارة إلى رواية الترمذي عنه ، ثمّ قال : « أخرج له أبو داود حديثا في كتاب الفتن ».

انظر : سنن الترمذي ٤ / ٤٢٩ ح ٢٢١٢ كتاب الفتن ـ باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف ، سنن أبي داود ٤ / ١٠٠ ح ٤٢٦٦ كتاب الفتن ـ باب كفّ اللسان.

(٥) الكامل في الضعفاء ٤ / ١٩٨ رقم ١٠٠٨ ، على أنّه نقل توثيق محمّد بن عيسى الترمذي له في الصفحة ١٩٧!!


كما لا يعتبر ـ أيضا ـ طعنهم في أبي مريم عبد الغفّار بن القاسم ، راوي حديث ابن جرير والبغوي ، على ما ذكره ابن تيميّة(١) ؛ لأنّه ـ كما في « ميزان الاعتدال » ـ من الشيعة ، ولا سيّما قد شهد بحقّه الذهبيّ أنّه كان ذا اعتناء بالعلم وبالرجال(٢) .

وأمّا ما نسبه الفضل إلى ابن الجوزي ، فلا يبعد أنّه من كذباته ، وإلّا لنسبه إليه في « كنز العمّال » بالنسبة إلى بعض الأحاديث التي نقلناها عنه ، فإنّ عادته أن يروي عن كتاب « الموضوعات »(٣) .

وأيضا لم يذكره السيوطي في « اللآلئ المصنوعة » المأخوذة من كتاب « الموضوعات ».

ولو صحّت النسبة إلى ابن الجوزي ، فلا عبرة بكلامه ؛ لأنّه أيضا

__________________

(١) منهاج السنّة ٧ / ٣٠٢.

(٢) ميزان الاعتدال ٤ / ٣٧٩ ـ ٣٨٠ رقم ٥١٥٢.

نقول : إنّ أبا مريم عبد الغفّار بن القاسم ليس بمجمع على تركه ، بل هو مختلف فيه ، ونقلوا عن غير واحد مدحه وتوثيقه

قال الحافظ ابن حجر : « قال أبو حاتم : ليس بمتروك ، وكان من رؤساء الشيعة ، وكان شعبة حسن الرأي فيه.

وقال شعبة : لم أر أحفظ منه ».

انظر : تعجيل المنفعة : ٣٩٧ رقم ٦٦٥.

وقال ابن عديّ : « سمعت أحمد بن محمّد بن سعيد ـ يعني : ابن عقدة ـ يثني على أبي مريم ويطريه ، وتجاوز الحدّ في مدحه حتّى قال : لو انتشر علم أبي مريم وخرّج حديثه لم يحتج الناس إلى شعبة ولعبد الغفّار بن القاسم أحاديث صالحة ويكتب حديثه مع ضعفه ».

انظر : الكامل في ضعفاء الرجال ٥ / ٣٢٧ ـ ٣٢٨ رقم ١٤٧٩.

وراجع : تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات ٣ / ١٨٧ ـ ١٨٨.

(٣) راجع الصفحة ٢٤ من هذا الجزء.


طرف النزاع.

وأمّا ثناؤه على أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقد تأبّط به شرّا ؛ لأنّ قصده به أن يروّج كذبه وإنكاره لما رواه المصنّفرحمه‌الله ، وترتفع عنه تهمة النصب ؛ وهيهات أن يخفى حاله وقد أنكر الواضحات!

أتراه يفعل ذلك لو كانت الرواية في ما يؤيّد طريقته؟!

ثمّ إنّ من جملة الحديث الذي ذكره المصنّفرحمه‌الله في « منهاج الكرامة » ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله جمع بني عبد المطّلب وهم أربعون رجلا(١) ، فجعل ابن تيمية ذلك طريقا للطعن في الحديث ، بدعوى عدم بلوغهم في ذلك الوقت إلى هذا القدر(٢) .

وفيه : إنّه لو سلّم فلا يبعد أن المراد ببني عبد المطّلب : ما يشمل بني المطّلب ؛ لاختصاصهم بهم حتّى كأنّهم منهم ؛ ولذا كانوا معهم في حصار الشعب.

ويشهد له ما في « كامل » ابن الأثير ، حيث إنّه لمّا نقل الحديث قال : حضروا ومعهم نفر من بني المطّلب(٣) .

ولو سلّم أنّ المراد خصوص بني عبد المطّلب ، فغاية ما يلزم منه خطأ الراوي أو مبالغته في عددهم ، وهو لا ينافي صحّة أصل الواقعة المرويّة بطرق مستفيضة ، ولا تكاد تسلم واقعة مروية بطرق عن الخطأ في الخصوصيات.

ومنه أيضا يعلم ما في طعن ابن تيميّة في الحديث ، من حيث

__________________

(١) منهاج الكرامة : ١٤٧.

(٢) منهاج السنّة ٧ / ٣٠٤.

(٣) الكامل في التاريخ ١ / ٥٨٤.


اشتماله على أنّ الرجل منهم كان يأكل الجذعة(١) ، ويشرب الفرق(٢) ، مدّعيا أنّهم لم يكونوا معروفين بمثل هذه الكثرة من الأكل والشرب(٣) ؛ وذلك لأنّ غاية ما يلزم منه مبالغة الراوي ، أو الخطأ في ذلك ، وهو غير ضارّ في صحّة أصل الواقعة(٤) .

على أنّ عدم معروفيّتهم به لا تدلّ على العدم ، لا سيّما وقد كان الكثير من قريش كذلك ، كما تشهد به كتب التاريخ(٥) .

وقد أورد ابن تيميّة على الحديث بأنّه كيف يقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله للجماعة :من يؤازرني على أمري يكن وصيّي وخليفتي من بعدي ؟ والحال أنّ مجرّد الإجابة إلى مثل ذلك لا يوجب الخلافة ؛ فإنّ جميع

__________________

(١) الجذعة ـ والجمع : جذعات ـ : الأنثى الصغيرة السنّ من الإبل والخيل والبقر والضأن والمعز ، ولا يقال لها جذعة في الإبل إلّا إذا أتمّت أربعة أعوام ودخلت في السنة الخامسة ، وفي الخيل إذا استتمّ الفرس سنتين ودخل في الثالثة ، وكذا في البقر ، وفي الضأن إذا أتمّت سنة وقيل : ثمانية أو تسعة أشهر ، وفي المعز إذا أتمّت سنة من عمرها.

انظر : لسان العرب ٢ / ٢١٩ ـ ٢٢٠ مادّة « جذع ».

(٢) الفرق ـ بالتحريك ـ : مكيال يسع ستّة عشر رطلا ، وهي اثنا عشر مدّا ، وثلاثة أصوع عند أهل الحجاز ؛ وقيل الفرق : خمسة أقساط ، والقسط : نصف صاع ؛ فأمّا الفرق ـ بالسكون ـ : فمئة وعشرون رطلا ، وفيه الحديث : «ما أسكر منه الفرق فالحسوة منه حرام ».

انظر : لسان العرب ١٠ / ٢٤٨ مادّة « فرق ».

(٣) منهاج السنّة ٧ / ٣٠٦.

(٤) نقول : المراد هنا : بيان إعجاز رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ إذ شبع هؤلاء القوم ورووا وعددهم أربعون رجلا ، وحالهم في الأكل والشرب ما تقدّم ذكره آنفا ، من ذاك الطعام القليل!!

(٥) انظر : العقد الفريد ٣ / ٤٠٥ ـ ٤٠٦ ، ربيع الأبرار ٢ / ٦٨٢ و ٧٣٧ ، المستطرف ١ / ١٨٠ ـ ١٨١.


المسلمين وازروه ولم يكن منهم أحد خليفة ، ومن الجائز أيضا أن يجيبه جماعة منهم ، وحينئذ فمن الخليفة منهم؟!(١) .

وفيه : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يقل إنّ هذا علّة تامّة للخلافة بعده ، حتّى تلزم خلافة كلّ من فعل ذلك وإن لم يكن من عشيرته ، بل أراد بأمر الله إنذار عشيرته وترغيبهم ؛ لأنّهم أولى به وبنصرته ، فلم يجعل هذه المنزلة إلّا لهم

وليعلم من أوّل الأمر أنّ هذه المنزلة لعليّعليه‌السلام خاصّة ؛ فإنّ الله سبحانه ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعلمان أنّه لا يجيب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ويؤازره تماما إلّا عليّعليه‌السلام ، فكان ذلك من باب تثبيت إمامته ، وإلقاء الحجّة على قومه.

وحينئذ ، فلا يصحّ فرض تعدّد المجيبين للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ ولو صحّ ووقع ، لعيّن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الأولى والأحقّ.

هذا ، وقد صرّحت بالخلافة لعليّعليه‌السلام أخبار أخر

منها : ما سبق في الآية السادسة والثلاثين في سبب نزول سورة النجم(٢) .

ومنها : ما سيأتي في بعض أحاديث الثّقلين.

ومنها : ما في المواقف » ، في مبحث الإمامة ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال لعليّ : «أنت أخي ووصيّي ، وخليفتي من بعدي ، وقاضي ديني »(٣) ، بكسر الدال(٤) .

__________________

(١) منهاج السنّة ٧ / ٣٠٦ ـ ٣٠٧.

(٢) انظر مبحث سورة النجم في ج ٥ / ١٧٠ ـ ١٧٦ من هذا الكتاب.

(٣) المواقف : ٤٠٦.

(٤) شرح المواقف ٨ / ٣٦٣.


وأجاب عنه هو والشارح بأمرين :

الأوّل : إنّه معارض بالنصوص الدالّة على إمامة أبي بكر(١) .

وفيه : إنّه لو سلّم وجودها ودلالتها فليست حجّة علينا ؛ لأنّها من أخبارهم الخاصّة بهم(٢) ، بل هي من الكذب المسلّم ؛ لإقرارهم بأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يخلّفه(٣) .

الثاني : منع صحّة الحديث ؛ للدليل القاطع على عدم النصّ الجليّ ؛ لأنّه لو وجد لتواتر ، ولعارض عليّ أبا بكر في الإمامة ، ولصلابة الأصحاب في الدين ؛ فكيف لا يتّبعون النصّ المبين؟!(٤) .

ويرد على الأوّل : إنّ حصول التواتر مشروط بعدم الشبهة ، وهي ثابتة لهم ، بل الثابت أعظم منها ، وهو التعصّب ، الذي هو قذى البصائر.

وهل تبقى شبهة مع نصّ الكتاب العزيز بانحصار الولاية بالله ورسوله وأمير المؤمنين ، ونصّ حديث الغدير والمنزلة والثقلين ، وغيرها ، فإنّها متواترة ، ونصّ في إمامته ـ ولو بمجموعها ـ لو أنصفوا؟!

__________________

(١) المواقف : ٤٠٦ ، شرح المواقف ٨ / ٣٦٣.

(٢) كان ابن حزم ممّن اعترف بهذا وقرّره ، فقد قال ما نصّه : « لا معنى لاحتجاجنا عليهم برواياتنا ، فهم لا يصدّقونها ، ولا معنى لاحتجاجهم علينا برواياتهم ، فنحن لا نصدّقها ؛ وإنّما يجب أن يحتجّ الخصوم بعضهم على بعض بما يصدّقه الذي تقام عليه الحجّة به ، سواء صدّقه المحتجّ أو لم يصدّقه ؛ لأنّ من صدّق بشيء لزمه القول به أو بما يوجبه العلم الضروري ، فيصير حينئذ مكابرا منقطعا إن ثبت على ما كان عليه ».

انظر : الفصل في الملل والأهواء والنحل ٣ / ١٢.

(٣) ومن المقرّين بذلك القاضي الإيجي والشريف الجرجاني.

انظر : المواقف : ٤٠٠ ، شرح المواقف ٨ / ٣٥٤.

(٤) المواقف : ٤٠٤ ، شرح المواقف ٨ / ٣٥٩.


ولو سلّم أنّها ليست نصّا جليّا ، ولا متواترة معنى بإمامتهعليه‌السلام ، فالمطالبة بتواتر ما هو أجلى منها ليست في محلّها ؛ للصوارف عنه ، فإنّ عامّة قريش وكثيرا من الأنصار في الصدر الأوّل أعداء أمير المؤمنين ، فمنهم غاصب له ، ومنهم معين على غصبه ، ومنهم راض به ، والباقي رعاع وسوقة إلّا القليل ، والقليل لا يقدر على بيان النصّ الجليّ ، خوفا من الأمراء ، بل حتّى الكثير يخاف منهم!

ولذا خفي أمر الغدير ، فاحتاج أمير المؤمنين بعد زمن قريب إلى الاستشهاد بمن بقي من الصحابة ، مع أنّه لم يشهد له بعضهم ، عداوة له فأصابته دعوته ، كما سبق(١) .

ولو فرض إمكان بيان النصّ الكامل في الصدر الأوّل ، فلا ريب بعدم إمكانه أيّام معاوية والشجرة الملعونة ؛ لأنّهم أوجبوا سبّ إمام المتّقين ، وتتبعوا بالقتل والحبس من روى له فضيلة ، أو رأى له فضلا(٢) !

__________________

(١) انظر : ج ٤ / ٣٢٨ ؛ وانظر حديث من أصابته الدعوة في : جمهرة النسب ٢ / ٣٩٥ ، المعارف ـ لابن قتيبة ـ : ٣٢٠ ، أنساب الأشراف ٢ / ٣٨٦ ، تاريخ دمشق ٩ / ٣٧٥ ـ ٣٧٦ ، شرح نهج البلاغة ٤ / ٧٤ وج ١٩ / ٢١٧ ـ ٢١٨ ، الصواعق المحرقة : ١٩٨ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ١ / ٦٦٣ ح ٩٠٠ ، حلية الأولياء ٥ / ٢٦ ـ ٢٧ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٧٤ ح ٣٣ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣٧٨ ح ٣٩٦ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٠٦.

(٢) روى أبو الحسن المدائني في كتاب « الأحداث » ، قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة ، أن برئت الذمّة ممّن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته ؛ فقامت الخطباء في كلّ كورة وعلى كلّ منبر يلعنون عليّا ويبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته ، وكان أشدّ الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة ؛ لكثرة من بها من شيعة عليّعليه‌السلام ، فاستعمل عليهم زياد بن سميّة وضمّ إليه البصرة ، فكان يتتبّع الشيعة وهو بهم عارف ؛ لأنّه كان منهم أيّام عليّعليه‌السلام ، فقتلهم تحت كلّ


فكيف يمكن حينئذ أن تتواتر رواية النصّ الجليّ ، وكذا في الأيّام المتأخّرة ، كأيّام كثير من بني العبّاس ، الّذين هم مثل بني أميّة في تتبّع الشيعة وجحد حقّ أمير المؤمنينعليه‌السلام ؟!

ولا أعجب من طلب حصول التواتر بالنصّ الجليّ عند قوم يخالف مذهبهم ، مع اهتمام علمائهم لدنياهم في نقصه وإثبات مفضوليّته ، وأنّ تمام مناصب سلاطينهم وأمرائهم بإنكار النصّ عليه وعلى الأئمّة من ولده!

ويرد على دعوى معارضته لأبي بكر : إنّها ممنوعة وظاهرة المكابرة ؛ إذ أيّ معارضة تطلب في مقام الخوف على الإسلام أكبر من الامتناع عن بيعته وإظهار أنّه ظالم غاصب ، ولم يبايعه إلّا قهرا بعد ستّة أشهر أو أكثر(١) .

__________________

حجر ومدر ، وأخافهم ، وقطع الأيدي والأرجل ، وسمل العيون ، وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم وشرّدهم عن العراق ، فلم يبق بها معروف منهم.

وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق ، ألّا يجيزوا لأحد من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة

إلى أن قال : ثمّ كتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان : أنظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّا وأهل بيته فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاءه ورزقه ؛ وشفع ذلك بنسخة أخرى : من اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به ، واهدموا داره ؛ فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق إلى آخره.

انظر : شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١١ / ٤٤ ـ ٤٥.

وقال محمّد بن بحر الرّهني : لعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه على منابر الشرق والغرب.

انظر : معجم البلدان ٣ / ٢١٥ ( سجستان ).

(١) انظر : صحيح البخاري ٥ / ٢٨٨ ح ٢٥٦ ، تاريخ الطبري ٢ / ٢٣٦ ، تاريخ اليعقوبي ٢ / ١١ ، الكامل في التاريخ ٢ / ١٩٤.


إلى غير ذلك ممّا صدر من أمير المؤمنينعليه‌السلام ، كما عرفت بعضه في المبحث الرابع من مباحث الإمامة(١) .

ويرد على دعوى صلابة الأصحاب في الدين : إنّها محلّ تأمّل ، ولا سيّما بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولنسأل عنها قوله تعالى :( أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) (٢)

وسورة براءة ، المسمّاة بالفاضحة ؛ لأنّها فضحت أكثر الصحابة(٣)

وقوله تعالى :( وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها ) (٤) ،

حيث تركوا الواجب ولم يبالوا بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وانفضّوا للهو والتجارة ، ولم يبق معه إلّا النادر(٥)

.. إلى كثير من الآيات الكريمة(٦) .

ولنسأل أحاديث الحوض ، التي حكم بعضها بارتداد جلّ الصحابة ،

__________________

(١) راجع : ج ٤ / ٢٦١ وما بعدها وص ٢٨٠ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٢) سورة آل عمران ٣ : ١٤٤.

(٣) انظر : تفسير الماوردي ٢ / ٣٣٦ ، تفسير البغوي ٢ / ٢٢٤ ، تفسير الكشّاف ٢ / ١٧١ ، زاد المسير ٣ / ٢٩٤ ، تفسير الفخر الرازي ١٥ / ٢٢٣ ، تفسير القرطبي ٨ / ٤٠ ، تفسير البيضاوي ١ / ٣٩٤ ، تفسير النسفي ٢ / ١١٤ ، تفسير الخازن ٢ / ١٩٨ ، تفسير النيسابوري ٣ / ٤٢٧ ، الدرّ المنثور ٤ / ١٢٠ ـ ١٢١ ، فتح القدير ٢ / ٣٣١.

(٤) سورة الجمعة ٦٢ : ١١.

(٥) روي أنّه لم يبق في المسجد إلّا اثنا عشر رجلا ، وقيل أقلّ من ذلك ؛ انظر مثلا : الدرّ المنثور ٨ / ١٦٥ ـ ١٦٧.

(٦) كقوله تعالى :( إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا * وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلأَقَلِيلاً ) سورة الأحزاب ٣٣ : ١٠ ـ ٢٠.


وأنّهم إلى النار ، ولم يسلم منهم إلّا مثل همل النّعم(١)

.. إلى غيرها من الأخبار التي لا تحصى ، وسيمرّ عليك بعضها إن شاء الله تعالى.

وقد أجاب القوشجي في « شرح التجريد » عن الخبر الذي حكيناه عن « المواقف » بعد ذكر نصير الدينرحمه‌الله له(٢) ، فقال :

« وأجيب بأنّه خبر واحد في مقابلة الإجماع ، ولو صحّ لما خفي على الصحابة والتابعين ، والمهرة المتقنين من المحدّثين ، سيّما عليّ وأولاده الطاهرين ؛ ولو سلّم ، فغايته إثبات خلافته لا نفي خلافة الآخرين »(٣) .

ويشكل بمنع الإجماع ، كما مرّ في المبحث الرابع ، وبيّنّا أنّه لم يخف على الصحابة(٤) ، ولكن أخفوه عن عمد ، كحديث الغدير(٥) .

وكذا أخفاه من علم به من غير الصحابة ، عداوة لعليّعليه‌السلام ، أو خوفا من معاوية وأشباهه(٦) .

وأمّا دعوى خفائه على أمير المؤمنين وأبنائه الطاهرين ؛ فمخالفة لما تواتر عنهم من حصول النصّ عليه بالخلافة ، ولما ظهر من أحوالهم في تضليل الأوّلين ، فكم صرّحوا ولوّحوا بالنصّ من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فما زاد مخالفيهم إلّا عداوة وإعراضا عن الحقّ!

__________________

(١) راجع : ج ٢ / ٢٧ وج ٤ / ٢١٢ ـ ٢١٣ وتخريج حديث الحوض فيهما ، من هذا الكتاب.

(٢) تجريد الاعتقاد : ٢٣١ ، وانظر : المواقف : ٤٠٦.

(٣) شرح تجريد الاعتقاد : ٤٧٨ ـ ٤٧٩ ، وانظر الصفحة ٣٥ من هذا الجزء.

(٤) راجع : ج ٤ / ٢٤٩ و ٢٧٩ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٥) راجع : ج ١ / ١٩ ـ ٢١ من هذا الكتاب.

(٦) راجع : ج ٤ / ٢٨٨ وما بعدها من هذا الكتاب.


وأمّا إنكار دلالته على نفي خلافة الآخرين ؛ فمكابرة للضرورة ؛ إذ أيّ دليل أصرح في نفيها من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «خليفتي من بعدي »؟!

ولو كان التقليد بقوله : « من بعدي » غير دالّ على ذلك ، لم تثبت خلافة أحد بلا فصل بالنصّ!

وليت شعري! ما بال وصيّة أبي بكر لعمر كانت نصّا في خلافته له بلا فصل دون وصيّة النبيّ لأمير المؤمنين ، وهي ليست بأصرح منها في الدلالة على عدم الفصل ، وكذا وصايا سائر السلاطين لولاة عهدهم ، كما سبق في الآية الثانية من الآيات التي ذكرها المصنّفرحمه‌الله (١) ؟!

ومن جملة الأخبار المصرّحة بخلافة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ما في « ميزان الاعتدال » بترجمة عبد الله بن داهر ، حيث ذكر أنّه روى بسنده عن ابن عبّاس : « ستكون فتنة ، فمن أدركها فعليه بالقرآن وعليّ بن أبي طالب.

قال : فإنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله [ وهو آخذ بيد عليّ ] يقول :هذا أوّل من آمن بي ، وأوّل من يصافحني ، وهو فاروق هذه الأمّة ، ويعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظلمة ، وهو الصدّيق الأكبر ، وهو خليفتي من بعدي »(٢) .

قال في « الميزان » : قال ابن عديّ : عامّة ما يرويه في فضائل عليّ ،

__________________

(١) راجع : ج ٤ / ٣٤٨ من هذا الكتاب.

(٢) ميزان الاعتدال ٤ / ٩٣ رقم ٤٣٠٠ ؛ وانظر : المعجم الكبير ٦ / ٢٦٩ ح ٦١٨٤ ، الاستيعاب ٤ / ١٧٤٤ رقم ٣١٥٧ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٤١ ـ ٤٣ ، كفاية الطالب : ١٨٧ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٠٢ ، كنز العمّال ١١ / ٦١٢ ح ٣٢٩٦٤ وص ٦١٦ ح ٣٢٩٩٠ ، أسد الغابة ٥ / ٢٧٠ رقم ٦٢٠٧.


وهو متّهم في ذلك(١) .

وقال في « الميزان » أيضا : قال العقيلي : رافضي خبيث.

وقال أحمد ويحيى : ليس بشيء(٢) .

وأقول :

إذا كان جفاؤهم وقولهم في راوي ما ورد في أخي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ونفسه ، فكيف يطلبون أن يتواتر النصّ عليه بما هو أجلى من ذلك؟!

وليت شعري! لم كان عندهم من روى له فضيلة رافضيّا خبيثا متّهما ، ومن روى فضيلة لمشايخهم ثقة صادقا معتمدا في صحاحهم ، وصاحب سنّة ، وإن كفّره سيّد النبيّينصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كالخوارج والنصّاب؟! وقال سبحانه :( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) (٣) .

__________________

(١) ميزان الاعتدال ٤ / ٩٣ رقم ٤٣٠٠ ، وانظر : الكامل في ضعفاء الرجال ٤ / ٢٢٩ رقم ١٠٤٦.

(٢) ميزان الاعتدال ٤ / ٩٢ رقم ٤٣٠٠ ، وانظر : الضعفاء الكبير ـ للعقيلي ـ ٢ / ٢٥٠ رقم ٨٠٤ ، كتاب العلل ومعرفة الرجال ـ لأحمد ـ ٢ / ٦٠٢ رقم ٣٨٥٩.

(٣) سورة الحجرات ٤٩ : ٦.

نقول : لم يكن هناك سبب لجرح راوي الحديث عبد الله بن داهر ، إلّا النصب والتعصّب ، وإلّا فإنّهم لم يجمعوا على جرحه ، فإن منهم من وثّقه ، فقد قال الخطيب البغدادي ما نصّه : « قرأت في أصل كتاب أبي الحسن بن الفرات ـ بخطّه ـ : أخبرنا محمّد بن العبّاس الضبّي الهروي ، حدّثنا يعقوب بن إسحاق ابن محمود الفقيه ، أخبرنا صالح بن محمّد الأسدي ، قال : عبد الله بن داهر بن يحيى الأحمري الرازي ، شيخ صدوق ».

انظر : تاريخ بغداد ٩ / ٤٥٣ رقم ٥٠٨٥.

هذا ، فضلا عن أنّ صحاحهم ملأى من رجال الشيعة ؛ إذ إنّ أكثر محدّثيهم


ومن جملة الأخبار المصرّحة بخلافته أيضا ، ما في « اللآلئ المصنوعة » ، عن ابن حبّان ، بسنده عن أنس مرفوعا : «إنّ أخي ووزيري وخليفتي من بعدي في أهلي ، وخير من أترك بعدي ، يقضي ديني ، وينجز موعدي ، عليّ عليه‌السلام »(١)

وما في « اللآلئ » أيضا ، عن الخطيب في « المتّفق والمفترق » ، عن الجوزقاني ، بسندهما عن سلمان ، قال : سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من وصيّه؟

فقال : «وصيّي ، وموضع سرّي ، وخليفتي في أهلي ، وخير من أخلف بعدي ، عليّ »(٢) .

وقد نقل في « اللآلئ » عن ابن الجوزي ، أنّه قال : « إنّ الحديث الأوّل موضوع ، آفته مطر بن ميمون الإسكافي ؛ وإنّ الحديث الثاني أكثر رواته مجهولون وضعفاء ، وإسماعيل بن زياد ـ وهو أحد رواته ـ متروك »(٣) .

وفيه : إنّه لو سلّم ذلك كلّه ، فهو إنّما يرفع الاعتماد ، لا أنّه يقتضي

__________________

وحفّاظهم يأخذون برواية الشيعي ، إذا كانوا يرونه ثقة صدوقا في نقله ، سواء كان ممّن يتكلّم في معاوية وأمثاله ، أو في عثمان ورهطه ، وحتّى في الشيخين وأصحابهما ؛ وكذا الرفض فضلا عن التشيّع غير مضرّ بالوثاقة.

انظر : هدي الساري مقدّمة فتح الباري : ٥٤٤ الفصل ٩.

وقد توسّع السيّد عليّ الحسيني الميلاني في إيراد آراء علماء العامّة في أصحاب المذاهب من رجال الحديث ، في كتابه : تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات ١ / ٤١ ـ ٥٤ وج ٣ / ١٣٥ ـ ١٧١ ؛ فراجع!

(١) اللآلئ المصنوعة ١ / ٢٩٩ ، وانظر : كتاب المجروحين ـ لابن حبّان ـ ٣ / ٥.

(٢) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٢٧ ، وانظر : المتّفق والمفترق ١ / ٦٣٧ رقم ٣١٨.

(٣) اللآلئ المصنوعة ١ / ٢٩٩ و ٣٢٧ ، وانظر : الموضوعات ـ لابن الجوزي ـ ١ / ٣٤٧ و ٣٧٥.


الوضع ، على أنّ الأخبار الناطقة بخلافة أمير المؤمنينعليه‌السلام كثيرة ، فتعتبر لاعتضاد بعضها ببعض وإن ضعفت أسانيدها ، فكيف وقد صحّ بعضها عندهم كما عرفت(١) ؟!

بل عرفت في مقدّمة الكتاب أنّ رواة فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام ثقات في تلك الرواية(٢) ، خصوصا مثل مطر الذي لم يضعّفوه إلّا لروايته كثيرا في فضل عليّعليه‌السلام ، ولعلّه لذا لم يعتن ابن ماجة بتضعيفهم فأخرج له في صحيحه(٣) .

هذا ، وليس قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في بعض تلك الأخبار : «فيكم » أو «في أهلي » مقصودا به تقييد الخلافة ؛ للإجماع على عدم الفرق بين عشيرته وغيرهم ، وللزوم اجتماع خليفتين : عامّ وخاصّ ، ولا يقوله أحد.

ولا يصحّ أن يراد بخلافته في أهله ـ في الحديثين الأخيرين ـ قيامه بأمور دنياهم ؛ لعدم قيام عليّعليه‌السلام بأرحام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ونسائه ، وعدم خلافته عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في القيام بفاطمة والحسنين ، بل هم عياله الّذين تجب نفقتهم عليه أصالة لا بالخلافة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فالمقصود في هذه الأخبار هو : الخلافة العامّة والزعامة العظمى ، كما يشهد له ذكر الوصية مع الخلافة في الخبر الأخير ، وقوله : «خير من أخلف » أو «أترك بعدي » في الأخيرين ، مضافا إلى إطلاق الخلافة في بعض الأخبار السابقة(٤) .

__________________

(١) انظر الصفحة ٢٦ وما بعدها من هذا الجزء.

(٢) انظر : ج ١ / ٧ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٣) انظر : سنن ابن ماجة ٢ / ٩٤٦ ح ٢٨٣٤ كتاب الجهاد / باب الخديعة في الحرب.

(٤) انظر الصفحات ٦ و ٢٦ ـ ٢٧ و ٣٣ و ٤٠ من هذا الجزء.


والظاهر : أنّ تخصيص المخاطبين ـ وهم العشيرة ـ في أحاديث نزول قوله تعالى :( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (١) إنّما هو لكون الخطاب معهم ، أو أهمّيّتهم ، أو لأنّه لا أمّة له حينئذ.

كما لا يبعد أن يكون قيد «في أهلي » بالخبرين الأخيرين من زيادة بعض الرواة عمدا أو وهما.

واعلم ، أنّه قد ورد عند السنّة أيضا ما هو بمنزلة التعبير بالخلافة ، كالذي في ترجمة حكيم بن جبير من « ميزان الاعتدال » ، عن محمّد بن حميد ، عن سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن حكيم بن جبير ، عن ابن سفيان ، عن عبد العزيز بن مروان ، عن أبي هريرة ، عن سلمان : قلت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إنّ الله لم يبعث نبيّا إلّا بيّن له من يلي بعده ، فهل بيّن لك؟

قال :نعم ، عليّ بن أبي طالب »(٢)

قال في « الميزان » : « هذا حديث موضوع ثمّ كيف يروي مثل هذا عبد العزيز بن مروان وفيه انحراف عن عليّ؟! رواه ابن الجوزي في ( الموضوعات ) من طريق العقيلي ، عن أحمد بن الحسين ، عن ابن حميد ؛ وليس بثقة »(٣) .

وفيه ـ مع ما عرفت من وثاقة رواة فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام في ما يروونه في فضله ـ : إنّ حكيم بن جبير من رجال السنن الأربع(٤) ،

__________________

(١) سورة الشعراء ٢٦ : ٢١٤.

(٢) ميزان الاعتدال ٢ / ٣٥١ ـ ٣٥٢ رقم ٢٢١٨.

(٣) ميزان الاعتدال ٢ / ٣٥٢ رقم ٢٢١٨ ، وأنظر : الموضوعات ـ لابن الجوزي ـ ١ / ٣٧١ ـ ٣٧٢.

(٤) ميزان الاعتدال ٢ / ٣٥٠ رقم ٢٢١٨.


فلا يصحّ لهم الحكم بوضعه لهذا الحديث ، وإلّا جاء الطعن إلى أخبار صحاحهم!

وكذا الحال في محمّد بن حميد ؛ لأنّه من رجال سنن الترمذي وأبي داود وابن ماجة ، مع أنّه قد ذكر في « الميزان » بترجمة ابن حميد ، أنّه حدّث عنه أبو بكر الصنعاني ، فقيل له : أتحدّث عنه؟

فقال : وما لي لا أحدّث عنه؟! وقد حدّث عنه أحمد بن حنبل ، وابن معين!

وقال أبو زرعة : من فاته محمّد بن حميد يحتاج أن يترك عشرة آلاف حديث.

ومن آخر أصحاب ابن حميد : أبو القاسم البغوي ، وابن جرير الطبري(١) .

وحينئذ ، فلا يصحّ الحكم بوضع ابن جبير أو ابن حميد للحديث ، ولا سيّما على لسان عبد العزيز المنحرف عن أمير المؤمنينعليه‌السلام .

ولا يمنع انحرافه عند روايته لهذا الحديث ؛ لأنّ الله سبحانه إذا أراد إظهار الحقّ ألقى في نفوس القوم رواية ما علموه في حقّ أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ لتلزمهم وغيرهم الحجّة ، ولذا رووا حديث الغدير ونحوه!

على أنّه قد قيل لعمر بن عبد العزيز : كيف خالفت من قبلك في منع السبّ عن عليّ؟!

فقال : عرفته من أبي ؛ لأنّه إذا خطب وجاء إلى سبّه تلجلج ، فسألته عن ذلك ، فقال : لو عرف الناس ما أعرفه من فضل هذا الرجل ما تبعنا

__________________

(١) ميزان الاعتدال ٦ / ١٢٧ رقم ٧٤٥٩.


منهم أحد »(١) .

فظهر أنّه لا عبرة بما زعمه الناصبان ، الذهبيّ وابن الجوزيّ ، من وضع هذا الحديث ، ولا سيّما مع كونهما طرف النزاع ، وإن كان لا لوم عليهما بعد مخالفته لمذهبهما ، لكنّ الكلام في الدليل من حيث هو!

* * *

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ٤ / ٥٩ ، الكامل في التاريخ ٤ / ٣١٥ حوادث سنة ٩٩ ه‍.


٣ ـ حديث الوصيّة

قال المصنّف ـ طاب ثراه ـ(١) :

الثالث : من « المسند » ، عن سلمان ، قال : يا رسول الله! من وصيّك؟

قال :يا سلمان! من كان وصيّ أخي موسى؟

قال : يوشع بن نون.

قال :فإنّ وصيّي ، ووارثي ، يقضي ديني ، وينجز موعدي : عليّ ابن أبي طالب (٢) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢١٣.

(٢) رواه أحمد بن حنبل في مسنده كما في ينابيع المودّة ١ / ٢٣٤ ـ ٢٣٥ ح ٤ وج ٢ / ٢٣٠ ـ ٢٣١ ح ٦٤٦ ، وفي فضائل الصحابة ٢ / ٧٦٢ ح ١٠٥٢ ؛ وانظر : المعجم الكبير ٦ / ٢٢١ ح ٦٠٦٣ ، شواهد التنزيل ١ / ٧٦ ـ ٧٧ ح ١١٥ ، تذكرة الخواصّ : ٤٨ ، كفاية الطالب : ٢٩٢ ـ ٢٩٣ ، ذخائر العقبى : ١٣١ ـ ١٣٢ ، الرياض النضرة ٣ / ١٣٨ ، مجمع الزوائد ٩ / ١١٣ ، كنز العمّال ١١ / ٦١٠ ح ٣٢٩٥٢.


وقال الفضل(١) :

الوصيّ ، قد يقال ويراد به : من أوصي له بالعلم ، والهداية ، وحفظ قوانين الشريعة ، وتبليغ العلم والمعرفة.

فإن أريد هذا من الوصي ، فمسلّم أنّه كان وصيّا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا خلاف في هذا.

وإن أريد الوصيّة بالخلافة ، فقد ذكرنا بالدلائل العقليّة والنقليّة عدم النصّ في خلافة عليّ.

ولو كان نصّا جليّا لم يخالفه الصحابة ، وإن خالفوا لم يطعهم العساكر وعامّة العرب ، سيّما الأنصار.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤١٤.


وأقول :

إنّ معنى الوصيّة : العهد ، يقال : أوصى إلى فلان ، بمعنى : عهد إليه(١)

فإن أطلق متعلّق الوصيّة حكم بشموله لجميع ما يصلح تعلّقها به

وإن قيّد ، كما لو قيل : أوصى إليه بأيتامه ، أو ثلث ماله ، أو نحوهما ، اختصّ به.

ومن الواضح أنّ الرواية من قبيل الأوّل ، فتشمل الوصيّة بالخلافة ، بل هي أظهر ما تشمله وتنصرف إليه ، بل معنى وصيّ النبيّ : خليفته.

كما يشهد له أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ضرب لسلمان مثلا بوصيّ موسى ، وهو : « يوشع » الخليفة لموسى

وما رواه أحمد في مسنده(٢) ، عن طلحة بن مصرف ، قال : « قال أبو الهذيل(٣) [ بن شرحبيل ] : أبو بكر [ كان ] يتأمّر على وصيّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ودّ أبو بكر أنّه وجد مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عهدا فخزم أنفه بخزام ».

__________________

(١) انظر : لسان العرب ١٥ / ٣٢٠ ـ ٣٢١ مادّة « وصي ».

(٢) في أحاديث عبد الله بن أبي أوفى ، ص ٣٨٢ من ج ٤. منهقدس‌سره .

(٣) كذا في الأصل ، وفي المصدر : « الهذيل » ، وكلاهما تصحيف ، والصحيح : « الهزيل » بالزاي ؛ انظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٦ / ٢١٥ رقم ٢٠٩٦ ، التاريخ الكبير ٨ / ٢٤٥ رقم ٢٨٧٧ ، سنن ابن ماجة ٢ / ٩٠٠ ذ ح ٢٦٩٦ ، مسند الحميدي ٢ / ٣١٥ ح ٧٢٢ ، مسند البزّار ٨ / ٢٩٨ ذ ح ٣٣٧٠ ، تهذيب التهذيب ٩ / ٣٩ رقم ٧٥٦٢ ، تقريب التهذيب ٢ / ٢٦٥ رقم ٧٣٠٩.


فإنّه صريح في أنّ معنى وصيّ رسول الله : خليفته ، مضافا إلى أنّه عطف في ذلك الحديث الوارث على الوصيّ.

والمراد بالوارث : إمّا وارث المنزلة ، وهو المطلوب ؛ أو وارث العلم ، وهو يستدعي الخلافة ؛ لأنّ علم الأنبياء ميراث لمن هو أحقّ بالاتّباع والرئاسة ؛ لقوله سبحانه :( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلأَأَنْ يُهْدى ) (١) الآية.

ومنه يعلم تمام المطلوب لو أريد بالوصيّ من أوصي له بالعلم والهداية وحفظ قوانين الشريعة وتبليغ العلم ، ولا سيّما أنّ حفظ قوانين الشريعة يتوقّف على الخلافة ؛ لأنّ السوقة لا تقدر على حفظها تماما ؛ لاحتياجه إلى بسط اليد.

وقد اشتملت أخبار الوصيّة على قرائن أخر ، تقتضي إرادة الخليفة من الوصيّ ،

كقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في بعضها في وصف عليّعليه‌السلام ، بأنّه «خير من أخلّف ـ أو :أترك ـبعدي » ؛ كالخبرين السابقين عند الكلام في الحديث الثاني(٢) ، وكالذي حكاه في « كنز العمّال »(٣) ، عن الطبراني ، بسنده عن سلمان ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وأمّا قوله : « فقد ذكرنا بالدلائل العقليّة والنقليّة عدم النصّ »

فحوالة على العدم

ولعلّه يريد بالدليل ما أعاده هنا بقوله : « ولو كان نصّا جليّا »

__________________

(١) سورة يونس ١٠ : ٣٥.

(٢) انظر الصفحتين ٤٠ و ٤٢ من هذا الجزء.

(٣) ص ١٥٤ من ج ٦ [ ١١ / ٦١٠ ح ٣٢٩٥٢ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : المعجم الكبير ٦ / ٢٢١ ح ٦٠٦٣.


إلى آخره

وفيه : ما عرفت في المبحث الثالث وغيره ممّا سبق(١) .

ثمّ لا معنى لقوله : « لم يخالفه الصحابة ، ولو خالفوا لم يطعهم العساكر » إلى آخره ؛ لأنّ معناه : وإن خالف الصحابة ، لم تطعهم الصحابة ، إلّا أن يريد بالصحابة خصوص الشيخين وأنصارهما ، فيصحّ الكلام ، ولكن يكون الحكم بعدم مخالفتهم من أوّل المصادرات!

ثمّ إنّ أحاديث الوصيّة مستفيضة ، بل متواترة عند القوم ، فضلا عنّا.

وقد ذكر في « ينابيع المودّة »(٢) أحاديث منها كثيرة.

وفيها ما حكاه المصنّفرحمه‌الله عن « مسند أحمد »(٣) .

وسطّر ابن أبي الحديد ثلاث صفحات ، أوائل الجزء الأوّل ، من الشعر المقول في صدر الإسلام لكثير من وجوههم ، تتضمّن بيان وصيّة عليّعليه‌السلام (٤) .

ثمّ قال بعد انتهائها : « والأشعار التي تتضمّن هذه اللفظة كثيرة جدّا ، ولكنّا ذكرنا منها هاهنا [ بعض ] ما قيل في هذين الحربين ـ يعني حرب الجمل وصفّين ـ ، فأمّا ما عداهما فإنّه يجلّ عن الحصر ، ويعظم عن الإحصاء والعدّ ، ولو لا خوف الملالة [ والإضجار ] ، لذكرنا من ذلك ما يملأ أوراقا كثيرة »(٥) .

__________________

(١) انظر : ج ٤ / ٢٤١ ـ ٢٤٣ و ٢٥١ وما بعدها ، من هذا الكتاب.

(٢) في الباب ١٥ وغيره [ ١ / ٢٣٥ ـ ٢٤٢ ح ٤ ـ ١٦ ]. منهقدس‌سره .

(٣) ينابيع المودّة ١ / ٢٣٤ ـ ٢٣٥ ح ٤ وج ٢ / ٢٣٠ ـ ٢٣١ ح ٦٤٦ عن مسند أحمد.

(٤) شرح نهج البلاغة ١ / ١٤٣ ـ ١٥٠.

(٥) شرح نهج البلاغة ١ / ١٥٠.


وقد ذكر هذا في شرح قولهعليه‌السلام من خطبة له : «لا يقاس بآل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله من هذه الأمّة أحد ، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا ، هم أساس الدين ، وعماد اليقين ، إليهم يفيء الغالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم خصائص حقّ الولاية ، وفيهم الوصيّة والوراثة ، الآن إذ رجع الحقّ إلى أهله ، ونقل إلى منتقله »(١) .

ولا يخفى لطف قولهعليه‌السلام : «رجع الحقّ إلى أهله » وما فيه من الدلالة على غصب الأوّلين له.

* * *

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ١ / ١٣٨ ـ ١٣٩.


٤ ـ حديث : من أحبّ أصحابك؟

وإن كان أمر كنّا معه

قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :

الرابع : من كتاب « المناقب » لأبي بكر أحمد بن مردويه ـ وهو حجّة عند المذاهب الأربعة ـ ، رواه بإسناده إلى أبي ذرّ ، قال : دخلنا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقلنا : من أحبّ أصحابك إليك؟ وإن كان أمر كنّا معه ، وإن كانت نائبة كنّا من دونه!

قال : «هذا عليّ أقدمكم سلما وإسلاما »(٢) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢١٤.

(٢) المناقب المرتضوية ـ للكشفي الترمذي ـ : ٩٥ ، نقلا عن « المناقب » لابن مردويه.


وقال الفضل(١) :

هذا الحديث إن صحّ يدلّ على فضيلة أمير المؤمنين ، وأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يحبّه حبّا شديدا ، ولا يدلّ على النصّ بإمارته.

ولو كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ناصّا على خلافته ، لكان هذا محلّ إظهاره ، وهو ظاهر ؛ فإنّه لمّا لم يقل : إنّه الأمير بعدي ؛ علم عدم النصّ ، فكيف يصحّ الاستدلال به؟!

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤١٧.


وأقول :

المراد بسؤالهم المذكور : طلب تعيين الإمام بعدهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأنّ أحبّ أصحاب الرئيس إليه هو الذي يرجى بعده للرئاسة وينبغي أن يقيمه مقامه ؛ ولذا قالوا : « وإن كان أمر كنّا معه ، وإن كانت نائبة كنّا دونه » ، فإنّ معناه : إن كان أمر اتّبعناه ، وإن كانت نائبة نصرناه وفديناه ، كما هو شأن الأتباع والأمير.

وقد فهم الفضل هذا المعنى ثمّ جحده ، فإنّ قوله : « لكان هذا محلّ إظهاره » إلى آخره ، دالّ على أنّ معنى السؤال طلب معرفة الإمام ، كما ذكرناه ، وإلّا فكيف كان المقام محلّ إظهار النصّ ، وكان عدم إظهاره موجبا للعلم بعدم النصّ؟!

فإذا كان المراد : هو السؤال عن الإمام والخليفة بعده ، كان قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «هذا عليّ » كافيا في الجواب ، غنيّا عن أن يضيف قوله : الأمير بعدي.

نعم ، يحسن الإشارة إلى علّة تعيينه للأحبّيّة والإمامة فأشار إليها بقوله : «أقدمكم سلما وإسلاما » ، فإنّه موجب لأحبّيّته ، وكاشف عن زيادة معرفته على غيره ، وإنّه أسبقهم إلى الخير ، وأفضلهم عملا ؛ والأفضل علما وعملا أحقّ بالإمامة.

ثمّ إنّ كلام الفضل يدلّ على أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لو قال : « عليّ خليفتي من بعدي ، ووليّكم بعدي » ، كان نصّا في خلافته ، مثبتا لمدّعانا عنده وعند أصحابه ، وهو كذب ؛ فإنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «هو خليفتي من بعدي ، ووليّكم


بعدي » ، وقالوا : لا يدلّ على عدم الفصل بينهما حتّى تنتفي خلافة غيره ، كما صنعه القوشجي في ما حكيناه عنه في الخبر الثاني(١) .

وليس هذا الذي أقرّ الفضل بأنّه نصّ بأعظم نصوصيّة من قوله تعالى :( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) (٢) الآية ، ولا من حديث الغدير(٣) ، والمنزلة(٤) ، والثّقلين(٥) ، وأشباهها ، ومع ذلك كابروا الضرورة ، وعاندوا الحقيقة ؛ فليتدبّر من يريد لنفسه السلامة ، والقيام بالعذر والحجّة يوم القيامة.

* * *

__________________

(١) انظر الصفحة ٣٩ من هذا الجزء ؛ وراجع : شرح التجريد : ٤٧٨ ـ ٤٧٩.

(٢) سورة المائدة ٥ : ٥٥.

(٣) تقدّم تخريجه في ج ١ / ١٩ وج ٤ / ٣٢٠ من هذا الكتاب.

(٤) تقدّم تخريجه في ج ٤ / ٣٠٥ من هذا الكتاب.

(٥) تقدّم تخريجه في ج ٢ / ١٨٧ ، وسيأتي الكلام عليه في الصفحات ٢٣٥ ـ ٢٥٠ من هذا الجزء.


٥ ـ حديث : لكلّ نبيّ وصيّ ووارث

قال المصنّف ـ طاب مرقده ـ(١) :

الخامس : من كتاب ابن المغازلي الشافعي ، بإسناده عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : «لكلّ نبيّ وصيّ ووارث ، وإنّ وصيّي ووارثي عليّ بن أبي طالب »(٢) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢١٤.

(٢) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٩٢ ح ٢٣٨ ، وأخرجه الحافظ أبو القاسم البغوي في « معجم الصحابة » كما في ذخائر العقبى : ١٣١ ، وانظر : فردوس الأخبار ٢ / ١٩٢ ح ٥٠٤٧ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٨٤ ـ ٨٥ ح ٧٤ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٩٢ ، الرياض النضرة ٣ / ١٣٨ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٧٦٢ ـ ٧٦٣ ح ١٠٥٢ ، المعجم الكبير ٦ / ٢٢١ ح ٦٠٦٣.


وقال الفضل(١) :

قد ذكرنا معنى الوصاية وأنّه غير الخلافة ، فقد يقال : هذا وصيّ فلان على الصبي ، ويراد به أنّه القائم بعده بأمر الصبيّ ، وهو قريب من الوارث ، ولهذا قرنه في هذا الحديث بالوارث ؛ وليس هذا بنصّ في الخلافة إن صحّ الرواية.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤١٩.


وأقول :

رواه الذهبي في « ميزان الاعتدال » بترجمة شريك بن عبد الله ، من طريق عن بريدة(١) .

وحكاه السيوطي في « اللآلئ » عن العقيلي والحاكم ، كلّ منهما بطريق آخر ، عن بريدة.

وطعنوا في أسانيدها جميعا(٢) ؛ وقد مرّ مرارا ما فيه.

وحكاه في « ينابيع المودّة » ، في الباب الخامس عشر ، عن أخطب خوارزم ، عن بريدة ؛ ونحوه عن أمّ سلمة(٣) .

وحكاه في الباب السادس والخمسين ، عن « كنوز الدقائق » ، عن الديلمي(٤) .

فلا ريب باعتباره ؛ لكثرة طرقه ، واعتضادها ببقيّة أخبار الوصيّة المستفيضة(٥) .

كما لا ريب بدلالته على إمامة أمير المؤمنين ؛ لما سبق في الحديث

__________________

(١) ميزان الاعتدال ٣ / ٣٧٥ رقم ٣٧٠٢.

(٢) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٢٨.

(٣) ينابيع المودّة ١ / ٢٣٥ ح ٥ و ٦ ؛ وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٨٤ ـ ٨٥ ح ٧٤ وص ١٤٧ ذ ح ١٧١.

(٤) ينابيع المودّة ٢ / ٧٩ ح ٩٦ ؛ وانظر : فردوس الأخبار ٢ / ١٩٢ ح ٥٠٤٧.

(٥) أمّا ما تعلّلوا به في تضعيف بعض رجال أسانيد الحديث ، فمردود بأنّ أولئك الّذين ضعّفوا هم من رجال الصحاح الستّة أو بعضها ، فلا وجه لتضعيفهم هنا إلّا لروايتهم فضيلة لأمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ؛ فتأمّل!


الثالث(١) ، مضافا إلى ظهوره بلزوم الوصيّ لكلّ نبيّ ، واللازم هو : الخليفة ؛ إذ لا بدّ للناس من إمام.

وأمّا قوله : « فقد يقال : هذا وصيّ فلان على الصبيّ ، ويراد به أنّه القائم بأمر الصبيّ »

فهو مثبت للمطلوب ، لا ناف له ؛ لأنّ وصيّ النبيّ هو خليفته القائم بأمر أمّته.

وأمّا قوله : « وهو قريب من الوارث ؛ ولهذا قرنه بالوارث »

فصحيح ؛ ولذا أفاد اللفظان الخلافة ؛ فإنّ المراد بالوارث : هو وارث العلم والمنزلة في الأمّة لا المال ، فيكون هو الإمام.

* * *

__________________

(١) تقدّم في الصفحة ٤٧ وما بعدها من هذا الجزء.


٦ ـ حديث : لا يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك

قال المصنّف ـ طاب ثراه ـ(١) :

السادس : في « مسند أحمد » وفي « الجمع بين الصحاح الستّة » ما معناه ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعث « براءة » مع أبي بكر إلى أهل مكّة ، فلمّا بلغ ذا الحليفة(٢) بعث إليه عليّا فردّه ، فرجع أبو بكر إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : يا رسول الله! أنزل فيّ شيء؟!

قال :لا ، ولكنّ جبرئيل جاءني وقال : لا يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك (٣) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢١٤.

(٢) ذو الحليفة : قرية بينها وبين المدينة ستّة أميال أو سبعة ، ومنها ميقات أهل المدينة ، وهو من مياه جشم.

وموضع آخر بنفس الاسم ، هو بين حاذة وذات عرق من أرض تهامة ، وليس بالموضع الذي قرب المدينة.

انظر : معجم البلدان ٢ / ٣٣٩ ـ ٣٤٠ رقم ٣٨٧١.

والمقصود في الحديث هو الموضع الأوّل دون الثاني!

(٣) مسند أحمد ١ / ٣ و ١٥١ وج ٣ / ٢١٢ و ٢٨٣ ومواضع أخر ، جامع الأصول ٨ / ٦٦٠ ح ٦٥٠٩ عن الجمع بين الصحاح الستّة.

وانظر : سنن الترمذي ٥ / ٢٥٦ ح ٣٠٩٠ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٢٨ ـ ١٢٩ ح ٨٤٦٠ ـ ٨٤٦٢ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٠٦ ح ٧٢ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٦٩٤ ح ٩٤٦ و ٧٩٥ ح ١٠٩٠ ، السيرة النبوية ـ لابن هشام ـ ٥ / ٢٣٢ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٥٨٨ ـ ٥٨٩ ح ١٣٥١ ، زوائد عبد الله بن


وقال الفضل(١) :

حقيقة هذا الخبر ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في السنة الثامنة من الهجرة بعث أبا بكر الصدّيق أميرا للحاجّ ، وأمره أن يقرأ أوائل سورة « براءة » على المشركين في الموسم(٢) ، وكان بين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وقبائل العرب عهود ، فأمر أبا بكر بأن ينبذ إليهم عهدهم إلى مدّة أربعة أشهر ، كما جاء في صدر سورة « براءة » عند قوله تعالى :( فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) (٣) .

وأمر أيضا أبا بكر بأن ينادي في الناس أن لا يطوف بالبيت عريان ، ولا يحجّ بعد العام مشرك.

فلمّا خرج أبو بكر إلى الحجّ بدا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في أمر تبليغ

__________________

_ أحمد بن حنبل على المسند : ٣٥٣ ح ١٤٦ ، تفسير الطبري ٦ / ٣٠٦ ـ ٣٠٧ ح ١٦٣٨٦ و ١٦٣٨٩ و ١٦٣٩٢ ، الأموال ـ لأبي عبيد ـ : ٢١٥ ح ٤٥٧ ، أنساب الأشراف ٢ / ٨٥٧ ، المعجم الكبير ١٢ / ٧٧ ح ١٢٥٩٣ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٨ / ٢٢٢ ح ٦٦١٠ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٥٣ ح ٤٣٧٤ ، ما نزل نم القرآن في عليّ : ٩٤ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٩ / ٢٢٤ ـ ٢٢٥ ، تفسير الثعلبي ٥ / ٨ ، تفسير الماوردي ٢ / ٣٣٧ ، شواهد التنزيل ١ / ٢٣٢ ـ ٢٤٣ ح ٣٠٩ ـ ٣٢٧ ، تفسير البغوي ٢ / ٢٢٥.

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٢٠.

(٢) لا يخفى عدم صحة قول الفضل هذا ، فإنّ سورة التوبة نزلت في السنة التاسعة من الهجرة وبعد غزوة تبوك ، ولا خلاف في هذا ؛ انظر مثلا : تفسير الفخر الرازي ١٥ / ٢٢٦ ، الكشّاف ٢ / ١٧٢.

(٣) سورة التوبة ٩ : ٢.


سورة براءة ؛ لأنّها كانت مشتملة على نبذ العهود وإرجاعها إلى أربعة أشهر ، وأنّ العرب كانوا لا يعتبرون نبذ العهد وعقده إلّا من صاحب العهد ومن أحد من قومه ، وأبو بكر كان من بني تيم ، فخاف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن لا يعتبر العرب نبذ العهد وعقده إلى أربعة أشهر من أبي بكر ؛ لأنّه لم يكن من بني هاشم ، فبعث عليّا لقراءة سورة « براءة » ونبذ عهود المشركين ، وأبو بكر على أمره من إمارة الحجّ والنداء في الناس بأن لا يطوف في البيت عريان ، ولا يحجّ بعد العام مشرك.

فلمّا وصل عليّ إلى أبي بكر قال له أبو بكر : أمير؟

قال : لا ، بل مبلّغ لنبذ العهود.

فذهبا جميعا إلى أمرهم ، فلمّا حجّوا ورجعوا قال أبو بكر لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : فداك أبي وأمّي يا رسول الله! أنزل فيّ شيء؟

قال : لا ، ولكن لا يبلّغ عنّي إلّا أنا أو رجل من أهل بيتي

هذا حقيقة الخبر ، وليس فيه دلالة على نصّ ولا قدح في أبي بكر.

وأمّا ما ذكر أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «لا ، ولكنّ جبرئيل أتاني » ، فهذا من ملحقاته ، وليس في أصل الحديث هذا الكلام.

* * *


وأقول :

آثار الوضع في ما زعمه حقيقة الخبر ظاهرة ، والأدلّة على وضعه كثيرة

أوّلها : إنّه لو كان العرب لا يعتبرون عقد العهد ونبذه إلّا بمباشرة من له الأمر أو أحد أقاربه ، لما خالف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله هذه القاعدة!

فهل خالفها عمدا تساهلا بتنفيذ أمر الله تعالى ، أو جهلا بما يعرفه الناس؟!

وكلّ ذلك لا يصحّ!

ثانيها : إنّ أبا بكر أشفق من عزله حتّى خاف أن يكون نزل به شيء كما ستسمع ، ولو كان عزله بعليّعليه‌السلام على مقتضى القاعدة لما أشفق ، ولا سيّما أنّه قد بقي بزعمهم على إمرة الحجّ والنداء بأن لا يطوف في البيت عريان ، وأن لا يحجّ بعد العام مشرك ، وخصوصا قد صار عليّعليه‌السلام تحت إمرته في الحجّ كما زعموا!

فهل مع هذا كلّه محلّ لإشفاقه وبكائه لمجرّد العزل عن نبذ العهد إذا قضت به القاعدة؟!

ثالثها : إنّه لا وجه لهذه القاعدة المزعومة ؛ فإنّ العهد ونبذه إنّما يحتاجان إلى اليقين بحصولهما ممّن له الأمر ، فأيّ وجه لتخصيص قرابته دون خاصّته؟! لا سيّما والعهد المنبوذ في المقام هو الذي لم يف المشركون بشروطه ، فيكون منحلّا بنفسه ، وإنّما أجلهم الله ورسوله مع من لم يكن لهم عهد إلى أربعة اشهر إحسانا وتفضّلا.


فلا بدّ بعد توقّف أداء هذا الأمر على النبيّ أو من هو منه ـ كما نطقت به الأخبار ـ أن يكون هناك خصوصيّة خارجة عن العادات!

رابعها : الأخبار المصرّحة بأنّ ذلك من خواصّ(١) عليّعليه‌السلام دون سائر أقاربه ، كما في « مسند أحمد »(٢) ، عن يحيى بن آدم السلولي ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «عليّ منّي وأنا منه ، ولا يؤدّي عنّي إلّا أنا أو عليّ »(٣) .

وفيه أيضا عن حبشي بن جنادة مثل ذلك ، من ثلاثة طرق(٤) .

ومثله أيضا في « سنن الترمذي » بفضائل عليّعليه‌السلام ، وقال : حسن صحيح(٥) .

__________________

(١) الخواصّ : على صيغة منتهى الجموع « فواعل » ، جمع الخاصّ ؛ وقد يشكل بعضهم في استخدامه هنا ويقول : الصحيح أن يقال : « خصائص » ؛ وكلاهما جائز ، وقد ورد استعماله وشاع في كلام فقهاء الطائفة القدماء ومن بعدهم ، وهو صحيح من ناحية اللغة والاستعمال هنا ، والتقدير في كلام الشيخ المظفّرقدس‌سره : بأنّ ذلك الأمر هو من خواصّ عليّعليه‌السلام ؛ أي مختصّ به.

(٢) ص ١٦٤ من الجزء الرابع. منهقدس‌سره .

(٣) وانظر : مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٩٥ ب‍ ١٨ ح ٨ ، المعجم الكبير ٤ / ١٦ ح ٣٥١١ و ٣٥١٣ ، تمهيد الأوائل : ٥٤٦ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٧٢ ح ٤٧٦٨ ، مرقاة المفاتيح ١٠ / ٤٦٤ ح ٦٠٩٢.

(٤) ص ١٦٥ من ج ٤. منهقدس‌سره .

(٥) سنن الترمذي ٥ / ٥٩٤ ح ٣٧١٩ ، وفيه : « حسن غريب » بدلا من « حسن صحيح ».

وهذا ممّا طالته يد الخيانة ، فأسقطت كلمة « صحيح » وأبقت كلمة « غريب » ؛ فقد جاءت الجملة هكذا : « هذا حديث حسن غريب صحيح » في نسخة شرحي سنن الترمذي ؛ فانظر : عارضة الأحوذي ٧ / ١٥٤ ـ ١٥٥ ح ٣٧٤٠ ، تحفة الأحوذي ١٠ / ١٥١ ـ ١٥٢ ب‍ ٨٦ ح ٣٩٦٧.


وفي « كنز العمّال » ، عن النسائي ، وابن ماجة(١) .

ونحوه في بعض الأخبار الآتية.

خامسها : الأخبار الدالّة على رجوع أبي بكر عند وصول عليّعليه‌السلام إليه

منها : ما رواه أحمد في مسنده(٢) ، عن أبي بكر ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بعثه ب‍ « براءة » لأهل مكّة : لا يحجّ بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنّة إلّا نفس مسلمة ، من كان بينه وبين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مدّة فأجله إلى مدّته ، والله بريء من المشركين ورسوله.

قال : فسار بها ثلاثا ، ثمّ قال لعليّ :إلحقه! فردّ عليّ أبا بكر ، وبلّغها أنت ! ففعل.

فلمّا قدم على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أبو بكر بكى ، قال : يا رسول الله! حدث فيّ شيء؟!

قال :ما حدث فيك إلّا خير ، ولكن أمرت أن لا يبلّغه إلّا أنا أو رجل منّي .

وحكاه في « كنز العمّال » بتفسير سورة التوبة(٣) ، عن ابن خزيمة ، وأبي عوانة ، والدارقطني في « الأفراد ».

ومنها : ما رواه أحمد أيضا(٤) ، عن عليّعليه‌السلام ، قال : لمّا نزلت عشر

__________________

(١) ص ١٥٣ من ج ٦ [ ١١ / ٦٠٣ ح ٣٢٩١٣ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٤٥ ح ٨١٤٧ وص ١٢٨ ح ٨٤٥٩ ، سنن ابن ماجة ١ / ٤٤ ح ١١٩.

(٢) ص ٣ من ج ١. منهقدس‌سره .

(٣) ص ٢٤٦ من الجزء الأوّل [ ٢ / ٤١٧ ح ٤٣٨٩ ]. منهقدس‌سره .

(٤) ص ١٥١ من الجزء الأوّل. منهقدس‌سره .


آيات من براءة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله دعا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أبا بكر فبعثه بها ، ثمّ دعاني النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال لي :أدرك أبا بكر! فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه ، فاذهب به إلى أهل مكّة فاقرأه عليهم.

فلحقته بالجحفة(١) ، فأخذت الكتاب منه ، ورجع أبو بكر إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : يا رسول الله! نزل فيّ شيء؟!

قال :لا ، ولكن جبرئيل جاءني فقال : لن يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك.

ونقله في « كنز العمّال » ، عن أبي الشيخ ، وابن مردويه(٢) .

ونحوه في « الكشّاف » أيضا(٣) .

وهذا مصدّق لما نقله المصنّفرحمه‌الله من قول جبرئيل.

ومنها : ما رواه أحمد في مسنده(٤) ، عن أنس ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعث ب‍ « براءة » مع أبي بكر إلى أهل مكّة ، قال : ثمّ دعاه فبعث بها عليّا.

ونحوه في « سنن الترمذي » في تفسير سورة « التوبة » ، وقال : هذا حديث حسن(٥) .

__________________

(١) الجحفة ـ بالضمّ ، ثمّ السكون والفاء ـ : كانت قرية كبيرة ذات منبر على طريق المدينة من مكّة على أربع مراحل ، وهي ميقات أهل مصر والشام إن لم يمرّوا على انظر : معجم البلدان ٢ / ١٢٩ رقم ٢٩٥٥.

(٢) ص ٢٤٧ من الجزء الأوّل [ ٢ / ٤٢٢ ح ٤٤٠٠ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : زوائد عبد الله بن أحمد على المسند : ٣٥٣ ح ١٤٦.

(٣) الكشّاف ٢ / ١٧٢.

(٤) ص ٢٨٣ ج ٣. منهقدس‌سره .

(٥) سنن الترمذي ٥ / ٢٥٦ ح ٣٠٩٠.


وفي « كنز العمّال » ، نقلا عن ابن أبي شيبة(١) .

ومنها : ما رواه الحاكم في « المستدرك » ، في كتاب المغازي(٢) ، عن ابن عمر ، من حديث قال فيه : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعث أبا بكر وعمر ب‍ « براءة » إلى أهل مكّة فانطلقا ، فإذا هما براكب ، فقالا : من هذا؟!

قال :أنا عليّ يا أبا بكر! هات الكتاب الذي معك!

فأخذ عليّ الكتاب فذهب به ، ورجع أبو بكر وعمر إلى المدينة ، فقالا : ما لنا يا رسول الله؟!

قال : ما لكما إلّا خير ، ولكن قيل لي : [ إنّه ] لا يبلّغ عنك إلّا أنت أو رجل منك

سادسها : الأخبار المصرّحة بأنّ عليّا بعث أيضا بأن لا يحجّ بعد العام مشرك ، وأن لا يطوف بالبيت عريان ؛ كالذي رواه الترمذي في سورة التوبة وصحّحه(٣) ، عن زيد بن تبيع(٤) ، قال : « سألنا عليّا بأيّ شيء بعثت

__________________

(١) ص ٢٤٩ من الجزء الأوّل [ ٢ / ٤٣١ ح ٤٤٢١ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٠٦ ح ٧٢.

(٢) ص ٥١ من الجزء الثالث [ ٣ / ٥٣ ح ٤٣٧٤ ]. منهقدس‌سره .

(٣) وهذا ممّا طالته يد الخيانة كذلك ، فأسقطت كلمة « صحيح » من متن كتاب سنن الترمذي ؛ فقد جاءت الجملة في سنن الترمذي هكذا : « هذا حديث حسن » فقط ، بينما جاءت في نسخة شرحي سنن الترمذي هكذا : « هذا حديث حسن صحيح » ؛ فانظر : عارضة الأحوذي ٦ / ١٨٤ ذ ح ٣١٠٣ ، تحفة الأحوذي ٨ / ٣٨٨ ذ ح ٣٢٨٨.

(٤) كذا في الأصل ، وفي المصدر : يثيع ؛ والظاهر أنّه الصواب ؛ فهو : زيد بن يثيع ـ أو أثيع ـ الهمداني الكوفي ؛ انظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٦ / ٢٤٥ رقم ٢٢١٨ ، التاريخ الكبير ٣ / ٤٠٨ رقم ١٣٥٦ ، الثقات ـ لابن حبّان ـ ٤ / ٢٥١ ، الإكمال ١ / ١٢ باب أثيع ، تهذيب الكمال ٦ / ٤٩٠ رقم ٢١١٤ ، ميزان الاعتدال


في الحجّة؟

قال :بعثت بأربع : أن لا يطوف بالبيت عريان ؛ ومن كان بينه وبين النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عهد فهو إلى مدّته ، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر ؛ ولا يدخل الجنّة إلّا نفس مؤمنة ؛ ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا »(١) .

ونقله في « كنز العمّال »(٢) ، عن الحميدي ، وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة ، والعدني ، وأبي داود ، وابن مردويه ، والدارقطني ، وجماعة(٣) .

وكالذي رواه الحاكم في « المستدرك »(٤) ، وصحّحه ، عن أبي هريرة ، قال : « كنت في البعث الّذين بعثهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع عليّ ببراءة إلى مكّة ؛ فقال له ابنه أو رجل آخر : فبم كنتم تنادون؟

قال : كنّا نقول : لا يدخل الجنّة إلّا مؤمن ، ولا يحجّ بعد العام

__________________

٣ / ١٥٨ رقم ٣٠٣٥ ، الكاشف ١ / ٢٩٥ رقم ١٧٧٤ ، تهذيب التهذيب ٣ / ٢٣٩ رقم ٢٢٣٤ ، تعجيل المنفعة : ١٧٤ رقم ٣٤٩ ، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ١ / ٣٥٥ رقم ٢٢٨٣.

(١) سنن الترمذي ٥ / ٢٥٧ ـ ٢٥٨ ح ٣٠٩٢.

وانظر : سنن الترمذي ٣ / ٢٢٢ ب‍ ٤٤ ح ٨٧١ كتاب الحجّ ، وقال عنه : « حديث عليّ حديث حسن » ؛ وقال عنه ابن العربي المالكي في عارضة الأحوذي ٢ / ٢٩٩ ح ٨٧٢ : « الحديث مشهور بأبي هريرة ، وهو كلّه حسن صحيح » ، وقال عنه المباركفوري في تحفة الأحوذي ٣ / ٥١٩ ذ ح ٨٧٢ : « أخرجه الشيخان » ، وهو إشعار بصحّته ؛ فتأمّل!

(٢) ص ٣٣١ من الجزء المذكور [ ٢ / ٤٢٢ ح ٤٤٠٢ ]. منهقدس‌سره .

(٣) انظر : مسند الحميدي ١ / ٢٦ ح ٤٨ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٤ / ٤٢٠ ح ٥ ، سنن الدارمي ٢ / ٤٨ ح ١٩١٨ ، مسند أحمد ١ / ٧٩ ، مسند أبي يعلى ١ / ٣٥١ ح ٤٥٢ ، العلل الواردة في الأحاديث ـ للدارقطني ـ ٣ / ١٦٤ رقم ٣٢٩.

(٤) ص ٣٣١ من الجزء الثاني ، تفسير سورة براءة [ ٢ / ٣٦١ ح ٣٢٧٥ ]. منهقدس‌سره .


مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عهد فإنّ أجله أربعة أشهر ؛ فناديت حتّى صحل(١) صوتي ».

وروى الطبري في تفسيره نحو هذين الحديثين ، عن عليّ ، وابن عبّاس ، وأبي هريرة ، من عدّة طرق(٢) .

فثبت بما ذكرنا كذب ما زعمه الفضل حقيقة الخبر ، وظهر أنّ أبا بكر رجع قبل الحجّ معزولا ، لا لقضاء قواعد العرب بإرسال عليّعليه‌السلام ، بل لتوقّف مثل هذا العمل عند الله سبحانه على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أو عليّعليه‌السلام ؛ لأنّه منه ونفسه

فلا بدّ أن يكون نصب أبي بكر ، ثمّ عزله بعليّعليه‌السلام في أثناء الطريق بعد اشتهار نصبه ، إنّما هو للتنبيه من الله تعالى ونبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله على أنّ أبا بكر غير صالح للقيام مقام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في ذلك ، فلا يصلح ـ بالأولويّة ـ للزعامة العظمى بعده!

وللتنبيه أيضا على أنّ مثل هذا العمل إذا لم يصلح إلّا لمن هو من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ونفسه ، فالإمامة أولى!

ففيه إرشاد إلى فضل عليّ ، وأنّه هو المتعيّن للقيام مقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الإمامة والزعامة العامّة دون سائر الناس ، ولو أرسل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أمير المؤمنينعليه‌السلام من أوّل الأمر لم يحصل ذلك التنبيه والإرشاد(٣) .

__________________

(١) صحل صوته : بحّ صوته ؛ انظر : لسان العرب ٧ / ٢٩١ ـ ٢٩٢ مادّة « صحل ».

(٢) تفسير الطبري ٦ / ٣٠٥ ـ ٣٠٦ ح ١٦٣٨٢ ـ ١٦٣٨٥.

(٣) وانظر : الإمامة في أهمّ الكتب الكلامية : ٦٨ ـ ٧٢ قضيّة إبلاغ سورة براءة تعقيبا على « شرح المواقف ».


٧ ـ حديث اختصاص المناجاة بعليّ

قال المصنّف ـ قدّس الله روحه ـ(١) :

السابع : في الجمع بين الصحاح الستّة ، وتفسير الثعلبي ، ورواية ابن المغازلي الشافعي آية المناجاة ، واختصاص أمير المؤمنينعليه‌السلام بها ، « تصدّق بدينار حال المناجاة ، ولم يتصدّق أحد قبله ولا بعده ».

ثمّ قال عليّعليه‌السلام :إنّ في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي ، وهي :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ ) (٢) الآية.

وبي خفّف الله تعالى عن هذه الأمّة ، فلم تنزل في أحد بعدي (٣) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢١٥.

(٢) سورة المجادلة ٥٨ : ١٢.

(٣) جامع الأصول ٢ / ٣٧٩ ـ ٣٨٠ ح ٨٣٦ عن الجمع بين الصحاح الستّة ، تفسير الثعلبي ٩ / ٢٦١ ـ ٢٦٢ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٦٩ ح ٣٧٢ و ٣٧٣ ؛ وانظر : سنن الترمذي ٥ / ٣٧٩ ح ٣٣٠٠ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٥٢ ـ ١٥٣ ح ٨٥٣٧ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٠٥ ح ٦٢ ـ ٦٣ ، مسند عبد ابن حميد : ٥٩ ـ ٦٠ ح ٩٠ ، تفسير الحبري : ٣٢٠ ح ٦٥ ، تفسير الطبري ١٢ / ٢٠ ح ٣٣٧٨٨ ـ ٣٣٧٩١ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٤٧ ـ ٤٨ ح ٦٩٠٢ ـ ٦٩٠٣ ، أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ ٣ / ٦٤٠ ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٥٢٤ ح ٣٧٩٤ وصحّحه هو والذهبي ، ما نزل من القرآن في عليّ ـ لأبي نعيم ـ : ٢٤٩ ،


وقال الفضل(١) :

قد ذكرنا أنّ هذا من فضائل أمير المؤمنين ، ولم يشاركه أحد في هذه الفضيلة ، وهي مذكورة في الصحاح ، ولكن لا تدلّ على النصّ المدّعى.

* * *

__________________

أسباب النزول ـ للواحدي ـ : ٢٣٠ ، شواهد التنزيل ٢ / ٢٣١ ـ ٢٤٣ ح ٩٤٩ ـ ٩٦٧ ، تفسير البغوي ٤ / ٢٨٣ ، تفسير الكشّاف ٤ / ٧٦ ، تفسير الفخر الرازي ٢٩ / ٢٧٢ ـ ٢٧٣ ، تفسير النيسابوري ٦ / ٢٧٤ ـ ٢٧٦ ، ينابيع المودّة ١ / ٢٩٩ ح ١.

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٢٦.


وأقول :

قد أوضحنا دلالتها على إمامته ، فراجع وتبصّر(١) !

__________________

(١) انظر : ج ٥ / ٣١ ـ ٣٨ من هذا الكتاب.

وقد ردّ نظام الدين النيسابوري ، المتوفّى سنة ٧٢٨ ه‍ ، في تفسيره ٦ / ٢٧٤ ـ ٢٧٦ على ما أشكل به القاضي عبد الجبّار والفخر الرازي على هذه الفضيلة ، فقال ما نصّه : « قال القاضي : هذا لا يدلّ على فضله على أكابر الصحابة ؛ لأنّ الوقت لعلّه لم يتّسع للعمل بهذا الفرض.

وقال فخر الدين الرازي [ تفسير الفخر الرازي ٢٩ / ٢٧٣ ] : سلّمنا أنّ الوقت قد وسع ، إلّا أنّ الإقدام على هذا العمل ممّا يضيّق قلب الفقير الذي لا يجد شيئا ، وينفّر الرجل الغني ، ولم يكن في تركه مضرّة ؛ لأنّ الذي يكون سببا للألفة أولى ممّا يكون سببا للوحشة.

وأيضا : الصدقة عند المناجاة واجبة ، أمّا المناجاة فليست بواجبة ولا مندوبة ، بل الأولى ترك المناجاة ؛ لما بيّنّا من أنّها كانت سببا لسآمة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قلت : هذا الكلام لا يخلو عن تعصّب مّا!

ومن أين يلزمنا أن نثبت مفضوليّة عليّ رضي الله عنه في كلّ خصلة؟!

ولم لا يجوز أن يحصل له فضيلة لم توجد لغيره من أكابر الصحابة؟!

فقد روي عن ابن عمر : كان لعليّ رضي الله عنه ثلاث ، لو كانت لي واحدة منهنّ كانت أحبّ إليّ من حمر النّعم : تزويجه بفاطمة رضي الله عنها ، وإعطاؤه الراية يوم خبير ، وآية النجوى.

وهل يقول منصف : إنّ مناجاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله نقيصة؟!

على أنّه لم يرد في الآية نهي عن المناجاة ، وإنّما ورد تقديم الصدقة على المناجاة ، فمن عمل بالآية حصل له الفضيلة من جهتين : سدّ خلّة بعض الفقراء ، ومن جهة محبّة نجوى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ففيها القرب منه ، وحلّ المسائل العويصة ، وإظهار أنّ نجواه أحبّ إلى المناجي من المال ».


٨ ـ حديث المباهلة

قال المصنّف ـ طيّب الله رمسه ـ(١) :

الثامن : آية المباهلة : في « الجمع بين الصحيحين » ، أنّه لمّا أراد المباهلة لنصارى نجران احتضن الحسين ، وأخذ بيد الحسن ، وفاطمة تمشي خلفه ، وعليّ يمشي خلفها ، وهو يقول لهم : ذادعوت فأمّنوا (٢) .

فأيّ فضل أعظم من هذا ، والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يستسعد(٣) بدعائه ، ويجعله واسطة بينه وبين ربّه تعالى؟!

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢١٥.

(٢) الجمع بين الصحيحين ١ / ١٩٨ ذ ح ٢٠٨ ، وقد مرّ تخريج حديث نزول الآية الكريمة مفصّلا في ج ٤ / ٣٩٩ ـ ٤٠٠ ؛ فراجع!

(٣) الإسعاد : المعونة ؛ والمساعدة : المعاونة ، وساعده مساعدة وسعادا وأسعده : أعانه ، ويستسعد به : أي يستعين به ويعدّه سعدا ويمنا.

انظر مادّة « سعد » في : لسان العرب ٦ / ٢٦٢ ـ ٢٦٣ ، تاج العروس ٥ / ١٦.


وقال الفضل(١) :

قصّة المباهلة مشهورة ، وهي فضيلة عظيمة كما ذكرنا ، وليس فيه دلالة على النصّ.

وأمّا ما ذكره من أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يستسعد بدعائه ، فهذا لا يدلّ على احتياج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى دعاء أهل بيته وتأمينهم ، ولكن عادة المباهلة كما ذكر الله في القرآن أن يجمع الرجل أهله وقومه وأولاده ؛ ليكون أهيب في أعين المباهلين ، ويشمل البهلة إيّاه وقومه وأتباعه ، وهذا سرّ طلب التأمين منهم ، لا أنّه استعان بهم وجعلهم واسطة بينه وبين ربّه ليلزم أنّهم كانوا أقرب إلى الله منه.

هذا يفهم من كلامه ومن معتقده الميشوم الباطل!

نعوذ بالله من أن يعتقد أنّ في أمّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من كان أقرب إلى الله منه.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٢٧.


وأقول :

لا ريب أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكلّ صالح مقرّب ، لا يرى لنفسه استحقاقا في استجابة دعائه ، ولا يجعل الاعتماد على نفسه ، بل يتوسّل إلى الإجابة بأنواع الوسائل التي يقتضيها المقام ، كتعظيم الله سبحانه ، وتمجيده بأسمائه الحسنى ، والتملّق له بحمده وشكر نعمائه وإظهار المذلّة والخضوع لجنابه الأرفع قولا وفعلا ؛ بأن يجلس على الأرض ويعفّر وجهه بالتراب مثلا.

وربّما تقتضي أهمّيّة المطلوب أن يجمع معه المقرّبين ؛ لاحتمال أنّ للاجتماع مدخليّة في حصول الإجابة ، أو مبادرتها ، أو كونها تخصّ أحدهم لخصوصيّة هناك.

فحينئذ لا مانع من استسعاد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بدعاء أهل بيتهعليهم‌السلام ، واستعانته بهم في التأمين على دعائه ، وجعلهم واسطة بينه وبين ربّه ، وإن كان هو أقرب منهم إلى الله تعالى ، ولا سيّما إذا كان المراد ـ مع ذلك ـ إظهار فضلهم على سائر الأمّة من الأقارب والأباعد والأكابر والأصاغر.

فلا معنى لما زعمه الفضل من لزوم أنّهم أقرب إلى الله منه ، وليس هو معتقدا للمصنّفرحمه‌الله ، ولا يجوّزه أحد منّا ، ولكن يجوّزه بعض القوم كما عرفت(١) ، أنّ ابن حزم نقله عن الباقلّاني الأشعري ، وهو لازم مذهب الأشاعرة من نفي الحسن والقبح العقليّين.

__________________

(١) في الجزء الأوّل ، ص ٣٧٤ ، المبحث الثاني من مباحث النبوّة [ ٤ / ٣٠ ـ ٣٧ مبحث عصمة الأنبياء ]. منهقدس‌سره .

وانظر : الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢ / ٢٨٤.


وبالجملة : المباهلة إنّما تقع بين الخصمين ، ومن المعلوم أنّ خصم أهل نجران هو النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله خاصّة ، لكن لمّا كان إدخال عليّ وفاطمة والحسنين معه في المباهلة يشتمل على فوائد ، أدخلهم معه

الأولى : إظهار اعتماده على أنّه المحقّ ؛ فإنّ إدخال أعزّ الناس في محلّ الخطر دليل على ذلك ، وعلى اعتقاده بالنجاح والسلامة.

الثانية : الاستسعاد بهم والاستعانة بدعائهم ؛ ولذا أمرهم بالتأمين على دعائه ، ولا وجه لما قاله الفضل من أنّ سرّ طلب التأمين شمول البهلة لهم لا الاستعانة بدعائهم ؛ فإنّ خروجهم معه كاف في شمول البهلة لهم بلا حاجة إلى تأمينهم.

ولو كان التأمين هو السرّ في شمول البهلة لهم ، فمن أين علم شمولها لقوم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وأتباعه ، ولم يأخذهم معه ، وما أراد تأمينهم؟!

الثالثة : بيان فضلهم على الأمّة بإشراكهم معه كما أمر الله تعالى ، دون أقاربه وخاصّته ، في إثبات دعوى النبوّة بالمقام الشهير المشهود ؛ فإنّه منزلة عظمى ، لا سيّما لعليّعليه‌السلام الذي عبّر الله سبحانه عنه بنفس النبيّ.

ودعوى أنّ عادة المباهلة أن يجمع الرجل أهله وقومه وأولاده ، كاذبة ـ كما سبق في الآية السادسة(١) ، وإلّا لما خالفها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولاعترض عليه النصارى في المخالفة ـ ؛ كدعوى شمول البهلة للأتباع ، وإلّا لأدخل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله معه ولو واحدا منهم!

وكون وجوده هو الأصل والمدار فيستغني عن وجودهم ، وارد في المرأة والطفلين بالأولويّة ، فلم لا استغنى عنهم؟!

__________________

(١) راجع : ج ٤ / ٤٠٢ من هذا الكتاب.


ومن المضحك قوله : « ليكون أهيب في عيون المباهلين » ، فإنّه لو كان الداعي لوجودهم هو الهيبة ، فلم خصّ شابّا وامرأة وطفلين ، وترك المشايخ الكبار ، والحفدة(١) ، والأنصار؟!

وقد مرّ في الآية السادسة ما يزيدك تحقيقا وبيانا للمطلوب(٢) .

ثمّ إنّ غاية ما قلنا هو استسعاد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله واستعانته في الدعاء على المبطلين بمن طهّرهم الله عن الرجس تطهيرا ، وقد زعم القوم أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله استسعد بالدعاء لنفسه الشريفة بعمر بن الخطّاب ، وهو أعظم من الاستسعاد في الأوّل ، ولم يستنكره القوم ؛ لأنّه متعلّق بأوليائهم!

روى ابن حجر في « الصوّاعق » ، في فضائل عمر ، أنّ رسول الله قال له : « لا تنسنا يا أخي من دعائك ».(٣)

وفي رواية أخرى قال له : « يا أخي أشركنا في صالح دعائك ، ولا تنسنا »(٤) .

بل رووا أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله استسعد بأبي بكر وعمر وعثمان في حفظ نفسه المقدّسة ، وجعلهم واسطة لسلامته!

__________________

(١) الحفدة : الأعوان والخدمة ، واحدهم : حافد ؛ انظر : لسان العرب ٣ / ٢٣٥ مادّة « حفد ».

(٢) راجع : ج ٤ / ٤٠٢ وما بعدها من هذا الكتاب ، وانظر مبحث آية المباهلة في : تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات ١ / ٣٤٢ ـ ٤٦٦.

(٣) الصواعق المحرقة : ١٤٩ ح ٦١ ؛ وانظر : سنن أبي داود ٢ / ٨١ ح ٤٩٨ ، مسند أحمد ١ / ٢٩.

(٤) الصواعق المحرقة : ١٤٩ ح ٦٢ ؛ وانظر : سنن ابن ماجة ٢ / ٩٦٦ ح ٢٨٩٤ ، سنن الترمذي ٥ / ٥٢٣ ح ٣٥٦٢ ، مسند أحمد ٢ / ٥٩.


روى البخاري وغيره ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله صعد إلى أحد ومعه هؤلاء القوم ، فرجف بهم ، فضربه برجله وقال : « أثبت! فما عليك إلّا نبيّ أو صدّيق أو شهيد »(١) ، فإنّه دالّ على أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله استسعد بهم ، وجعلهم واسطة لحفظ نفسه وأنفسهم كما استسعد بنفسه لذلك ؛ وهو بالضرورة أعظم من جعل آل محمّد واسطة إلى لعن أهل نجران ؛ فتدبّر!

* * *

__________________

(١) صحيح البخاري ٥ / ٧٤ ح ١٧٢ وص ٧٨ ح ١٨٢ وص ٨٣ ح ١٩٥ ، سنن أبي داود ٤ / ٢١٢ ح ٤٦٥١ ، سنن الترمذي ٥ / ٥٨٢ ـ ٥٨٣ ح ٣٦٩٦ و ٣٦٩٧ ، مسند أحمد ٥ / ٣٣١ و ٣٤٦.


٩ ـ حديث المنزلة

قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :

التاسع : في مسند أحمد من عدّة طرق ، وفي صحيح البخاري ومسلم من عدّة طرق ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا خرج إلى تبوك(٢) استخلف عليّا في المدينة وعلى أهله ، فقال عليّ : ما كنت أوثر أن تخرج في وجه إلّا وأنا معك.

فقال :أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي؟! (٣) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢١٦.

(٢) تبوك ـ بالفتح ، ثمّ الضمّ ، وواو ساكنة ـ : موضع بين وادي القرى والشام ، بينها وبين المدينة اثنتا عشرة مرحلة ، وفيها كانت غزوة تبوك سنة ٩ ه‍.

انظر : معجم البلدان ٢ / ١٧ رقم ٢٤٤٥.

(٣) مسند أحمد ١ / ١٧٠ و ١٧٣ و ١٧٥ و ١٧٧ و ١٧٩ و ١٨٢ و ١٨٤ و ١٨٥ وج ٣ / ٣٢ و ٣٣٨ وج ٦ / ٣٦٩ و ٤٣٨ ، صحيح البخاري ٥ / ٨٩ ح ٢٠٢ وج ٦ / ١٨ ح ٤٠٨ ، صحيح مسلم ٧ / ١٢٠ كتاب الفضائل ـ باب فضائل أمير المؤمنين.

وانظر : سنن الترمذي ٥ / ٥٩٦ ح ٣٧٢٤ وص ٥٩٩ ح ٣٧٣٠ و ٣٧٣١ ، سنن ابن ماجة ١ / ٤٢ ـ ٤٣ ح ١١٥ وص ٤٥ ح ١٢١ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٤٤ ح ٨١٣٨ ـ ٨١٤٣ وص ١١٩ ـ ١٢٥ ح ٨٤٢٩ ـ ٨٤٤٩ من طرق كثيرة وص ٢٤٠ ح ٨٧٨٠ ، مسند الطيالسي : ٢٨ و ٢٩ ح ٢٠٥ و ٢٠٩ ، مصنّف عبد الرزّاق ٥ / ٤٠٦ ح ٩٧٤٥ وج ١١ / ٢٢٦ ح ٢٠٣٩٠ ، مسند الحميدي ١ / ٣٨ ح ٧١ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٣ / ١٦ ـ ١٧ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٩٦ ح ١١ ـ ١٥ وج ٨ / ٥٦٢


__________________

ح ٤ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٧٠٠ ـ ٧٠١ ح ٩٥٤ و ٩٥٦ و ٩٥٧ وص ٧٠٣ ـ ٧٠٤ ح ٩٦٠ وص ٧٣٢ ـ ٧٣٣ ح ١٠٠٥ ـ ١٠٠٦ وص ٧٤٠ ـ ٧٤١ ح ١٠٢٠ وص ٧٥٥ ح ١٠٤١ وص ٧٥٧ ح ١٠٤٥ وص ٧٨٥ ح ١٠٧٩ ، مسند سعد ابن أبي وقّاص ـ للدورقي ـ : ٥١ ح ١٩ وص ١٠٣ ح ٤٩ وص ١٣٦ ح ٧٥ و ٧٦ وص ١٣٩ ح ٨٠ وص ١٧٤ ـ ١٧٧ ح ١٠٠ ـ ١٠٢ ، التاريخ الكبير ١ / ١١٥ رقم ٣٣٣ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٥٥١ ح ١١٨٨ وص ٥٨٦ ـ ٥٨٩ ح ١٣٣١ ـ ١٣٥١ وص ٥٩٥ ـ ٥٩٦ ح ١٣٨١ ـ ١٣٨٧ ، مسند البزّار ٣ / ٢٧٦ ـ ٢٧٩ ح ١٠٦٥ و ١٠٦٦ و ١٠٦٨ وص ٢٨٣ ـ ٢٨٥ ح ١٠٧٤ ـ ١٠٧٦ وص ٣٢٤ ح ١١٢٠ وص ٣٦٨ ح ١١٧٠ ، مسند أبي يعلى ١ / ٢٨٥ ـ ٢٨٦ ح ٣٤٤ وج ٢ / ٥٧ ح ٦٩٨ وص ٦٦ ح ٧٠٩ وص ٧٣ ح ٧١٨ وص ٨٦ ح ٧٣٨ و ٧٣٩ وص ٩٩ ح ٧٥٥ وص ١٣٢ ح ٨٠٩ وج ١٢ / ٣١٠ ح ٦٨٨٣ ، المعجم الكبير ١ / ١٤٦ ح ٣٢٨ وص ١٤٨ ح ٣٣٣ و ٣٣٤ وج ٢ / ٢٤٧ ح ٢٠٣٥ وج ٤ / ١٧ ح ٣٥١٥ وص ١٨٤ ح ٤٠٨٧ وج ٥ / ٢٠٣ ح ٥٠٩٤ و ٥٠٩٥ وج ١١ / ٦١ ح ١١٠٨٧ وص ٦٣ ح ١١٠٩٢ وج ١٢ / ٧٨ ح ١٢٥٩٣ وج ١٩ / ٢٩١ ح ٦٤٧ وج ٢٣ / ٣٧٧ ح ٨٩٢ وج ٢٤ / ١٤٦ ـ ١٤٧ ح ٣٨٤ ـ ٣٨٩ ، المعجم الأوسط ٣ / ٢١١ ح ٢٧٤٩ وج ٤ / ٤٨٤ ح ٤٢٤٨ وج ٥ / ٤٣٩ ح ٥٣٣٥ وج ٦ / ٣٢ ح ٥٥٦٩ وص ١٣٨ ح ٥٨٤٥ وص ١٤٦ ح ٥٨٦٦ وج ٧ / ٣٦١ ح ٧٥٩٢ وج ٨ / ٧٤ ح ٧٨٩٤ ، المعجم الصغير ٢ / ٢٢ و ٥٤ ، الكنى والأسماء ـ للدولابي ـ ١ / ١٩٢ ، الجعديات ٢ / ٧٧ ح ٢٠٥٨ ، مسند الشاشي ١ / ١٦١ ح ٩٩ وص ١٦٥ ـ ١٦٦ ح ١٠٥ و ١٠٦ وص ١٨٦ ح ١٣٤ وص ١٨٨ ـ ١٨٩ ح ١٣٧ وص ١٩٥ ح ١٤٧ و ١٤٨ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٨ / ٢٢١ ح ٦٦٠٩ وج ٩ / ٤٠ ـ ٤١ ح ٦٨٨٧ و ٦٨٨٨ ، الغيلانيات ١ / ٩٧ ح ٥٠ وص ١٧٠ ح ١٢٨ ، طبقات المحدّثين بأصفهان ـ لأبي الشيخ ـ ٤ / ٢٦٤ ح ١٠٢٠ رقم ٦٥٥ ، العلل الواردة في الأحاديث ـ للدارقطني ـ ٤ / ٣٧٣ ـ ٣٧٦ رقم ٦٣٨ ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٣٦٧ ح ٣٢٩٤ وج ٣ / ١١٧ ح ٤٥٧٥ ، حلية الأولياء ٧ / ١٩٥ ـ ١٩٦ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٩ / ٤٠ ، الاستيعاب ٣ / ١٠٩٧ وقال : « وهو من أثبت الآثار وأصحّها » ، تاريخ بغداد ١ / ٣٢٥ وج ٣ / ٤٠٦ وج ٤ / ٢٠٤ و ٣٨٣ وج ٨ / ٥٣ و ٢٦٨ وج ٩ / ٣٦٥ وج ١٠ / ٤٣ وج ١١ / ٤٣٢ وج ١٢ / ٣٢٣ ، مناقب


وقال الفضل(١) :

هذا من روايات الصحاح ، وهذا لا يدلّ على النصّ كما ذكره العلماء(٢) .

ووجه الاستدلال به أنّه نفى النبوّة من عليّ ، وأثبت له كلّ شيء سواه ، ومن جملته الخلافة.

والجواب : إنّ هارون لم يكن خليفة موسى ؛ لأنّه مات قبل موسى ، بل المراد : استخلافه بالمدينة حين ذهابه إلى تبوك ، كما استخلف موسى هارون عند ذهابه إلى الطور ؛ لقوله تعالى :( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) (٣) .

وأيضا : يثبت به لأمير المؤمنين فضيلة الأخوّة والمؤازرة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في تبليغ الرسالة وغيرها من الفضائل ، وهي مثبّتة يقينا لا شكّ فيه.

* * *

__________________

الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٧٩ ـ ٨٧ ح ٤٠ ـ ٥٦ من عدّة طرق ، تاريخ دمشق ٤٢ / ١٤٢ ـ ١٨٦ من طرق كثيرة جدّا.

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٢٩.

(٢) انظر : الأربعين في أصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ٢ / ٢٨٣ ـ ٢٨٥ ، شرح المقاصد ٥ / ٢٧٥ ، شرح المواقف ٨ / ٣٦٢ ـ ٣٦٣.

(٣) سورة الأعراف ٧ : ١٤٢.


وأقول :

لا ريب أنّ الاستثناء دليل العموم(١) ، فتثبت لعليّعليه‌السلام جميع منازل هارون الثابتة له في الآية سوى النبوّة.

ومن منازل هارون : الإمامة ؛ لأنّ المراد بالأمر في قوله تعالى :( وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) (٢) هو الأعمّ من النبوّة ـ التي هي التبليغ عن الله تعالى ـ ، ومن الإمامة ـ التي هي الرئاسة العامّة ـ ، فإنّهما أمران مختلفان

ولذا جعل الله سبحانه إبراهيم نبيّا وإماما بجعلين مستقلّين ، وكان كثير من الأنبياء غير أئمّة ، كمن كانوا بزمن إبراهيم وموسى ، فإنّهم أتباع لهما ، وخاضعون لسلطانهما.

ويشهد للحاظ الإمامة وإرادتها من الأمر في الآية ، الأخبار السابقة المتعلّقة بآخر الآيات التي ذكرناها في الخاتمة(٣) ، المصرّحة ـ تلك ـ بأنّ

__________________

(١) قال البيضاوي : « ومعيار العموم جواز الاستثناء ، فإنّه يخرج ما يجب اندراجه لولاه ، وإلّا لجاز من الجمع المنكر » انظر : منهاج الوصول في معرفة علم الأصول : ٧٦.

وقال نظام الدين الأنصاري في شرحه المزجيّ لكلام محبّ الله البهاري : « ( لنا جواز الاستثناء ) ثابت في الكلمات المذكورة ، ( وهو معيار العموم ) ، فإنّه لإخراج ما لولاه لدخل » انظر : فواتح الرحموت ـ بهامش المستصفى ـ ١ / ٢٦١.

وراجع مبحث « دلالة الحديث على عموم المنزلة » في : نفحات الأزهار ١٧ / ٢٥٩ ـ ٣٨٠.

(٢) سورة طه ٢٠ : ٣٢.

(٣) راجع : ج ٥ / ٤٠٨ وما بعدها من هذا الكتاب.


النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله دعا فقال :

«اللهمّ إنّي أسألك بما سألك أخي موسى ، أن تشرح لي صدري ، وأن تيسّر لي أمري ، وتحلّ عقدة من لساني ، يفقهوا قولي ، واجعل لي وزيرا من أهلي ، عليّا أخي ، أشدد به أزري ، وأشركه في أمري »(١) .

فإنّ المراد هنا ب‍ ( الإشراك في أمره ) هو : الإشراك بالإمامة ، لا الإشراك بالنبوّة ، كما هو ظاهر ، ولا المعاونة على تنفيذ ما بعث فيه ؛ لأنّه قد دعا له أوّلا بأن يكون وزيرا له.

وبالجملة : معنى الآية الكريمة : أشركه في أمانتي الشاملة لجهتي النبوّة والإمامة.

ولذا نقول : إن خلافة هارون لموسى لمّا ذهب إلى الطور ليست كخلافة سائر الناس ممّن لا حكم ولا رئاسة له ذاتا ، بل هي خلافة شريك لشريك أقوى ، ولذا لا يتصرّف بحضوره.

فكذا عليّعليه‌السلام بحكم الحديث ؛ لدلالته على أنّ له جميع منازل هارون التي منها شركته لموسى في أمره سوى النبوّة ، فيكون عليّ إماما مع النبيّ في حياته ، كما أوضحناه عند الكلام على الأولى من الآيات التي ذكرها المصنّفرحمه‌الله (٢) ، فلا بدّ أن تستمرّ إمامته إلى ما بعد وفاته ، ولا سيّما أنّ النظر في الحديث إلى ما بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضا ؛ ولذا قال :

__________________

(١) انظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٨٤٣ ـ ٨٤٤ ح ١١٥٨ ، شواهد التنزيل ١ / ٣٦٨ ـ ٣٧١ ح ٥١٠ ـ ٥١٣ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٥٢ ، تفسير الفخر الرازي ١٢ / ٢٨ ، الرياض النضرة ٣ / ١١٨ ، ذخائر العقبى : ١١٩.

(٢) راجع : ج ٤ / ٣٠٥ وما بعدها من هذا الكتاب.


«إلّا أنّه لا نبيّ بعدي »

ولو تنزّلنا عن ذلك فلا إشكال بأنّ من منازل هارون أن يكون خليفة لموسى لو بقي بعده ؛ لأنّ الشريك أولى الناس بخلافة شريكه ، فكذا يكون عليّعليه‌السلام ، مع أنّ الآية الكريمة قاضية بفضل هارون على سائر قوم موسى ، فكذا عليّ بالنسبة إلى المسلمين ، فيكون إمامهم.

وقد علم على جميع الوجوه أنّه لا ينافي الاستدلال بالحديث على المدّعى موت هارون قبل موسى ، كما علم بطلان أن يكون المراد مجرّد استخلاف أمير المؤمنين في المدينة خاصّة ، فإنّ خصوص المورد لا يخصّص العموم الوارد ، ولا سيّما أنّ الاستخلاف بالمدينة ليس مختصّا بأمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ لاستخلاف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله غيره بها في باقي الغزوات.

ومقتضى الحديث أنّ الاستخلاف منزلة خاصّة به ، كمنزلة هارون من موسى التي لم يستثن منها إلّا النبوّة ، فلا بدّ أن يكون المراد بالحديث إثبات تلك المنزلة العامّة له إلى ما بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

واستدلّ الفضل على إرادة الاستخلاف بالمدينة خاصّة حين ذهاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى تبوك بقوله تعالى :( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) (١) ، وهو خطأ ظاهر ؛ لأنّ مجرّد وقوع الاستخلاف الخاصّ من موسى لا يدلّ على اختصاص خلافة هارون في ذلك المورد دون غيره ، فكذا استخلاف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّعليه‌السلام ، بل العبرة بعموم الحديث ، مع اقتضاء شركة هارون لموسى في أمره ثبوت الخلافة العامّة ، فكذا عليّعليه‌السلام .

__________________

(١) سورة الأعراف ٧٦ : ١٤٢.


ويدلّ على عدم إرادة ذلك الاستخلاف الخاصّ بخصوصه ، ورود الحديث في موارد لا دخل له بها

فمنها : ما سيجيء إن شاء الله تعالى من أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله علّل تحليل المسجد لعليّ جنبا بأنّه منه بمنزلة هارون من موسى(١) .

ومنها : ما رواه في « كنز العمّال »(٢) ، عن أمّ سليم(٣) ، أنّ

__________________

(١) انظر مثلا : مسند أحمد ٤ / ٣٦٩ وج ١ / ١٧٥ و ٣٣١ وج ٢ / ٢٦ ، سنن الترمذي ٤ / ٥٩٩ ح ٣٧٣٢ ، المعجم الكبير ٢ / ٢٤٦ ح ٢٠٣١.

وسيأتي الكلام عليه وتخريجه مفصّلا في الحديث الثاني عشر.

(٢) ص ١٦٤ من الجزء السادس [ ١١ / ٦٠٧ ح ٣٢٩٣٦ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : الضعفاء الكبير ـ للعقيلي ـ ٢ / ٤٦ ـ ٤٧ رقم ٤٧٧ وصحّح الحديث فقال : « وأمّا ( أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ) فصحيح من غير هذا الوجه » ، المعجم الكبير ١٢ / ١٤ ـ ١٥ ح ١٢٣٤١ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ١٦٩ ، كفاية الطالب : ١٦٨ ، فرائد السمطين ١ / ١٥٠ ذ ح ١١٣ ، ميزان الاعتدال ٣ / ٣ رقم ٢٥٩٠ وج ٤ / ٩٢ رقم ٤٣٠٠ ، مجمع الزوائد ٩ / ١١١ ينابيع المودّة ١ / ١٧١ ح ١٨.

(٣) كذا في الأصل والمصدر ، وفي بقيّة المصادر المذكورة في الهامش السابق : « أمّ سلمة » ؛ ولعلّ ما في المصدر تصحيف فانجرّ إلى أصل كتابنا هذا ؛ فلاحظ!

أمّا السيّدة أمّ سلمة رضوان الله عليها فغنيّة عن التعريف والتوثيق.

وأمّا أمّ سليم ، فقد اختلف في اسمها ، وهي : ابنة ملحان ـ واسمه : مالك ـ ابن خالد الأنصارية ، وهي أخت حرام بن ملحان ، استشهد أبوها وأخوها بين يدي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وكانت على جانب من الفضل والعقل ، روت عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث ، وروى عنها ابنها أنس ، وابن عبّاس ، وزيد بن ثابت ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وآخرون وتعدّ في أهل السوابق ، وهي من الدعاة إلى الإسلام.

كانت في الجاهلية تحت مالك بن النضر ، فأولدها أنس بن مالك ، فلمّا جاء الله بالإسلام كانت في السابقين إليه ، ودعت مالكا زوجها إلى الله ورسوله ، فأبى أن يسلم ، فهجرته ، فخرج مغاضبا إلى الشام ، فهلك هناك كافرا ، وقد نصحت لابنها أنس إذ أمرته وهو ابن عشر سنين أن يخدم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقبله النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إكراما لها.


النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لها : «يا أمّ سليم! إنّ عليّا لحمه من لحمي ، ودمه من دمي ، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى »

ومنها : ما رواه في « الكنز » أيضا(١) ، عن ابن عبّاس ، أنّ عمر قال : « كفّوا عن ذكر عليّ بن أبي طالب ، فإنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول في عليّ ثلاث خصال ، لأن يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس ؛ كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة ونفر من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والنبيّ متّكئ على عليّ حتّى ضرب على منكبه ، ثمّ

__________________

وخطبها أشراف العرب ، فكانت تقول : لا أتزوّج حتّى يبلغ أنس ويجلس مجلس الرجال ؛ فكان أنس يقول : جزى الله أمّي خيرا ، أحسنت ولايتي.

وقد أسلم على يدها أبو طلحة الأنصاري ، إذ خطبها وهو كافر ، فأبت أن تتزوّجه أو يسلم ، فأسلم بدعوتها ، وكان صداقها منه إسلامه.

أولدها أبو طلحة ولدا فمرض ومات ، فقالت : لا يذكرن أحد موته لأبيه قبلي ؛ فلمّا جاء وسأل عن ولده ، قالت : هو أسكن ما كان ؛ فظنّ أنّه نائم ، فقدّمت له الطعام فتعشّى ، ثمّ تزيّنت له وتطيّبت ، فنام معها وأصاب منها ، فلمّا أصبح قالت له : احتسب ولدك ؛ فذكر أبو طلحة قصّتها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : بارك الله لكما في ليلتكما ؛ وقالت : لقد دعا لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتّى ما أريد زيادة.

وعلقت في تلك الليلة بعبد الله بن أبي طلحة ، فأنجب ورزق أولادا ، وهو والد إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الفقيه وإخوته ، وكانوا عشرة كلّهم من حملة العلم.

وكانت أمّ سليم تغزو مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فتداوي الجرحى ، وتقوم بالمرضى ، واتّخذت في غزاة خنجرا لتبقر به بطن من دنا إليها من المشركين ، وكانت من أحسن النساء بلاء في الإسلام ، ولا تعرف امرأة سواها كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يزورها في بيتها فتتحفه بالشيء تصنعه له ، فقيل له ، فقال : إنّي أرحمها ، قتل أخوها وأبوها معي.

انظر : معرفة الصحابة ٦ / ٣٥٠٤ رقم ٤٠٩٣ ، الاستيعاب ٤ / ١٩٤٠ رقم ٤١٦٣ ، أسد الغابة ٦ / ٣٤٥ رقم ٧٤٧١ ، الإصابة ٨ / ٢٢٧ رقم ١٢٠٧٣.

(١) ص ٣٩٥ من الجزء المذكور [ ١٣ / ١٢٢ ـ ١٢٣ ح ٣٦٣٩٢ ]. منهقدس‌سره .


قال :أنت يا عليّ أوّل المؤمنين إيمانا ، وأوّلهم إسلاما.

ثمّ قال :أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، وكذب [ عليّ ] من زعم أنّه يحبّني ويبغضك ».

ومنها : ما في « الكنز » أيضا(١) ، عن زيد بن أبي أوفى ، في قصّة المؤاخاة ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «والذي بعثني بالحقّ! ما أخّرتك إلّا لنفسي ، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، غير أنّه لا نبيّ بعدي » الحديث.

ومنها : ما رواه النسائي في « الخصائص » ، بالنسبة إلى ما يتعلّق ببنت حمزة ، حيث اختصم بتربيتها عليّ وجعفر وزيد ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا عليّ! أنت منّي بمنزلة هارون من موسى »(٢) الحديث.

.. إلى غيرها من الموارد الكثيرة.

ويشهد أيضا لعموم المنزلة ما ورد أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله سمّى الحسنين بالحسنين ، اقتفاء لهارون في تسمية ولديه بشبّر وشبير ، كما في « مسند أحمد » بموارد عديدة(٣) .

فإنّ ذلك ونحوه شاهد بأنّ عليّاعليه‌السلام شبيه بهارون بجميع المزايا ، وأنّ له خصائصه كلّها ، وأظهرها الإمامة ، بل يستفاد من حديث التسمية إمامة الحسنين أيضا ، كولدي هارونعليه‌السلام (٤) .

__________________

(١) ص ٣٩٠ من الجزء المذكور [ ١٣ / ١٠٥ ح ٣٦٣٤٥ ] ، وص ٤٠ من الجزء الخامس [ ٩ / ١٦٧ ح ٢٥٥٥٤ ]. منهقدس‌سره .

(٢) خصائص الإمام عليّعليه‌السلام : ٦٥ ح ٦٦.

(٣) ص ٩٨ و ١١٨ و ١٥٩ من الجزء الأوّل. منهقدس‌سره .

(٤) وقد توسّع السيّد عليّ الحسيني الميلاني ـ حفظه الله ورعاه ـ في دراسة حديث


١٠ ـ حديث : إنّي دافع الراية غدا

قال المصنّف ـ شرّف الله منزلته ـ(١) :

العاشر : في مسند أحمد ـ من عدّة طرق ـ ، وصحيحي مسلم والبخاري ـ من طرق متعدّدة ـ ، وفي الجمع بين الصحاح الستّة أيضا ، عن عبد الله بن بريدة ، قال : سمعت أبي يقول : حاصرنا خيبر ، وأخذ اللواء أبو بكر فانصرف ولم يفتح له ، ثمّ أخذه عمر من الغد فرجع ولم يفتح له ، وأصاب الناس يومئذ شدّة وجهد ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّي دافع الراية غدا إلى رجل يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، كرّار غير فرّار ، لا يرجع حتّى يفتح الله له ».

فبات الناس يتداولون ليلتهم أيّهم يعطاها ، فلمّا أصبح الناس غدوا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كلّهم يرجو أن يعطاها.

فقال :أين عليّ بن أبي طالب ؟

فقالوا : إنّه أرمد العين!

__________________

المنزلة دراسة مفصّلة ، وتناول كلّ المباحث المتعلّقة به ، سندا ودلالة ، في الجزءين ١٧ و ١٨ من موسوعته « نفحات الأزهار » ؛ فراجع!

وانظر كذلك ما يخصّ حديث المنزلة من مباحث في : الإمامة في أهمّ الكتب الكلامية : ٢١٤ ـ ٢١٩ ، الأحاديث المقلوبة في مناقب الصحابة : ٦ ـ ١٢ وهي الرسالة السابعة من كتاب « الرسائل العشر » ، تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات ٣ / ٢٠٥ ـ ٢٤٢.

(١) نهج الحقّ : ٢١٦.


فأرسل إليه ، فأتى ، فبصق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في عينيه ، ودعا له فبرئ ، فأعطاه الراية ، ومضى عليّ ، فلم يرجع حتّى فتح الله على يديه(١) .

__________________

(١) انظر : مسند أحمد ٥ / ٣٥٣ ـ ٣٥٤ و ٣٥٨ ـ ٣٥٩ وج ٢ / ٣٨٤ ، صحيح مسلم ٧ / ١٢٠ ـ ١٢٢ فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام ، صحيح البخاري ٤ / ١٤٥ ح ٢١٣ وج ٥ / ٨٧ ـ ٨٨ ح ١٩٧ و ١٩٨ وص ٢٧٩ ح ٢٣٠ و ٢٣١.

وانظر : سنن الترمذي ٥ / ٥٩٦ ح ٣٧٢٤ ، سنن ابن ماجة ١ / ٤٣ ح ١١٧ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٤٦ ح ٨١٤٩ ـ ٨١٥١ وص ١٠٨ ـ ١١٣ ح ٨٣٩٩ ـ ٨٤٠٩ وص ١٧٨ ـ ١٨٠ ح ٨٦٠٠ ـ ٨٦٠٣ ، مسند الطيالسي : ٣٢٠ ح ٢٤٤١ ، مصنّف عبد الرزّاق ٥ / ٢٨٧ ح ٩٦٣٧ وج ١١ / ٢٢٨ ح ٢٠٣٩٥ ، سنن سعيد بن منصور ٢ / ١٧٨ ـ ١٧٩ ح ٢٤٧٢ ـ ٢٤٧٤ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٩٧ ح ١٧ وص ٥٠٠ ح ٣٣ و ٣٥ و ٣٧ وج ٨ / ٥٢٠ ـ ٥٢٢ ح ٢ و ٧ و ١٠ و ١١ وص ٥٢٥ ح ٢٢ و ٢٣ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٦٩٧ ح ٩٥٠ وص ٧٢٢ ح ٩٨٨ وص ٧٣٤ ـ ٧٣٥ ح ١٠٠٩ وص ٧٤٦ ح ١٠٣٠ و ١٠٣١ وص ٧٤٨ ح ١٠٣٤ وص ٧٥١ ـ ٧٥٢ ح ١٠٣٦ و ١٠٣٧ وص ٧٥٦ ـ ٧٥٧ ح ١٠٤٤ وص ٧٦٤ ـ ٧٦٥ ح ١٠٥٤ و ١٠٥٦ وص ٧٩١ ح ١٠٨٤ وص ٨١٨ ح ١١٢٢ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٢ / ٨٤ و ٨٥ ، مسند سعد بن أبي وقّاص ـ للدورقي ـ : ٥١ ح ١٩ ، التاريخ الكبير ـ للبخاري ـ ٢ / ١١٥ رقم ١٨٨١ وج ٧ / ٢٦٣ رقم ١١١٠ ، كتاب السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٥٩٤ ح ١٣٧٧ ـ ١٣٨٠ ، مسند البزّار ٢ / ١٣٥ ـ ١٣٦ ح ٤٩٦ وج ٣ / ٢٢ ح ٧٧٠ وص ٢٨١ ح ١٠٧١ و ١٠٧٢ وص ٣٢٤ ح ١١٢٠ ، مسند أبي يعلى ١ / ٢٩١ ح ٣٥٤ وج ١٣ / ٥٢٢ ح ٧٥٢٧ وص ٥٣١ ح ٧٥٣٧ ، مسند الروياني ٢ / ١٢٤ ح ١٠٢٣ وص ١٦٦ ح ١١٤٩ ، مسند أبي عوانة ٤ / ٣٠٦ ذ ح ٦٨٢٠ وص ٣١٠ ـ ٣١١ ذ ح ٦٨٢١ و ٦٨٢٣ ، مسند الشاشي ١ / ١٤٦ ح ٨٢ وص ١٦٦ ح ١٠٦ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٤٣ ـ ٤٥ ح ٦٨٩٣ ـ ٦٨٩٦ ، المعجم الكبير ٦ / ١٥٢ ح ٥٨١٨ وص ١٦٧ ح ٥٨٧٧ وص ١٨٧ ح ٥٩٥٠ وص ١٩٨ ح ٥٩٩١ وج ٧ / ١٣ ح ٦٢٣٣ وص ١٧ ح ٦٢٤٣ وص ٣١ ح ٦٢٨٧ وص ٣٥ ـ ٣٦ ح ٦٣٠٣ و ٦٣٠٤ وص ٧٧ ح ٦٤٢١ وج ١٨ / ٢٣٧ ـ ٢٣٨ ح ٥٩٤ ـ ٥٩٨ ، المعجم الأوسط ٣ / ٢٤١ ح ٢٨٣٦ وج ٦ / ١١٦ ح ٥٧٨٩ ، المعجم الصغير ٢ / ١٠ ـ ١١ ، العلل الواردة في الأحاديث ـ للدارقطني ـ ٣ / ٢٧٧ رقم ٤٠٤ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٤٠ ح


وقال الفضل(١) :

حديث خيبر صحيح ، وهذا من الفضائل العليّة لأمير المؤمنين ، لا يكاد يشاركه فيها أحد ، وكم له من فضائل مثل هذا!

العجب أنّ كلّ هذه الفضائل يرويه من كتب أصحابنا ، ويعلم أنّهم في غاية الاهتمام بنشر مناقب أمير المؤمنين وفضائله ، وما هم كالروافض والشيعة في إخفاء مناقب مشايخ الصحابة.

فلو كان هناك نصّ كانوا مهتمّين لنقله ونشره كاهتمامهم في نشر فضائله ومناقبه ؛ لخلوّهم عن الأغراض والإعراض عن الحقّ.

* * *

__________________

٤٣٤٢ وص ١١٧ ح ٤٥٧٥ وص ١٤٣ ح ٤٦٥٢ وص ٤٩٤ ح ٥٨٤٤ ، حلية الأولياء ١ / ٦٢ وج ٤ / ٣٥٦ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٦ / ٣٦٢ وج ٩ / ١٠٧ و ١٣١ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٤ / ٢٠٥ ـ ٢١٣ من عدّة طرق ، الاستيعاب ٣ / ١٠٩٩ ، تاريخ بغداد ٨ / ٥ رقم ٤٠٣٦ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٧٦ ـ ١٨٥ ح ٢١٣ ـ ٢٢٤ من عدّة طرق ، تاريخ دمشق ٤٢ / ١٠٣ ـ ١٢٣.

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٣٣.


وأقول :

إذا حكم بصحّة الحديث لزم أن يحكم بأنّه منقصة للشيخين ، كما هو كمال وفضيلة لأمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ لأنّ مدحه بهذا المدح ـ بعد انصرافهما باللواء ـ صريح بالتعريض بهما ، وأنهما ليسا على ذلك الوصف ، فهما لا يحبّان الله ورسوله ، ولا يحبّهما الله ورسوله ، وهما فرّاران غير كرّارين ، كما لا يخفى على من لحظ النظائر ، فإنّ من أرسل رسولا بمهمّة له ولم يقض المهمّة فقال : لأبعثنّ رسولا حازما يقضي المهمّ ، أحبّه ويحبّني ؛ دلّ على أنّ الرسول الأوّل ليس على هذا الوصف.

على أنّ وصف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لمن يدفع إليه اللواء بأنّه يحبّ الله ورسوله ويحبّانه ، غير مرتبط في المقام إلّا من حيث بيان أنّ من يحبّ الله ورسوله لا بدّ أن يبذل نفسه في سبيلهما ولا يجبن عند الجهاد ، وأنّ من يحبّه الله ورسوله لا يعصيهما بالفرار من الزحف ، الذي هو من أكبر الذنوب وأسوأ المعاصي ، فينبغي أن لا يكون الرجلان بهذا الوصف الجميل.

وحينئذ : فإذا اختصّ عليّعليه‌السلام دونهما بحبّه لله ورسوله ، وحبّهما له ، تعيّن للإمامة ؛ إذ كيف يكون إمام الأمّة وزعيم الدين من لا يحبّ الله ورسوله ، ولا يحبّانه ، فرّارا جبانا؟!

واعلم أنّ أخذ الشيخين للّواء وانصرافهما به غير موجود في الروايات التي رواها البخاري في غزوة خيبر ، ورواها مسلم في باب فضائل


عليّعليه‌السلام (١) .

فلعلّ نسبة المصنّفرحمه‌الله الحديث إليهما وإلى غيرهما باعتبار مجموعه ، وإن لم يرويا إلّا محاربة عليّعليه‌السلام وقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه.

ويمكن أن يكون تمام الحديث مرويّا في مقامات أخر من الصحيحين لم أطّلع عليها ، أو يكون ما يتعلّق بالشيخين مسقطا من الحديث حفظا لشأنهما!

وممّا وجدته من الأحاديث المشتملة عليه ، ما رواه أحمد في مسنده(٢) ، عن بريدة ، قال : « حاصرنا خيبر ، فأخذ اللواء أبو بكر فانصرف ولم يفتح له ، ثمّ أخذه عمر من الغد فخرج فرجع ولم يفتح له ، وأصاب الناس يومئذ شدّة وجهد ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :إنّي دافع الراية غدا إلى رجل يحبّه الله ورسوله ، ويحبّ الله ورسوله ، لا يرجع حتّى يفتح له.

فبتنا طيّبة أنفسنا أنّ الفتح غدا ، فلمّا أن أصبح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صلّى الغداة ، ثمّ قام قائما فدعا باللواء والناس على مصافّهم ، فدعا عليّا وهو أرمد ، فتفل في عينه ودفع إليه اللواء وفتح له ».

ومنها : ما رواه أحمد أيضا(٣) ، قال : « لمّا نزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بحصن أهل خيبر أعطى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اللواء عمر بن الخطّاب ، ونهض معه من نهض من المسلمين ، فلقوا أهل خيبر.

فقال رسول الله :لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله ،

__________________

(١) انظر : صحيح البخاري ٥ / ٢٧٩ ح ٢٣٠ و ٢٣١ ، صحيح مسلم ٧ / ١٢٠ ـ ١٢٢.

(٢) ص ٣٥٣ من الجزء الخامس بسنده. منهقدس‌سره .

(٣) ص ٣٥٨ من هذا الجزء. منهقدس‌سره .


ويحبّه الله ورسوله.

فلمّا كان الغد دعا عليّا وهو أرمد ، فتفل في عينه وأعطاه اللواء ، ونهض الناس معه فلقي مرحب ـ إلى أن قال : ـ فضربه على هامته حتّى عضّ السيف منها بأضراسه ، وسمع أهل العسكر صوت ضربته.

قال : وما تتامّ آخر الناس مع عليّ حتّى فتح له ».

ومنها : ما رواه الحاكم في كتاب المغازي من « المستدرك »(١) ، عن أبي ليلى ، عن عليّعليه‌السلام ، أنّه قال : « يا أبا ليلى! أما كنت معنا بخيبر؟!

قال : بلى والله ، كنت معكم.

قال : فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعث أبا بكر إلى خيبر فسار بالناس وانهزم حتّى رجع »

وروى الحاكم أيضا ، عن عليّعليه‌السلام ، قال : « سار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى خيبر ، فلمّا أتاها بعث عمر وبعث معه الناس فقاتلوهم ، فلم يلبثوا أن هزموا عمر وأصحابه ، فجاؤوا يجبّنونه ويجبّنهم »(٢) الحديث.

وروى الحاكم أيضا عن جابر نحو هذا(٣) ، وصحّح الأحاديث كلّها ، وما تعقّب الذهبيّ إلّا الحديث الأخير بالمناقشة في سنده ، وهو غير ضائر كما مرّ مرارا ، لا سيّما مع ثبوت مضمونه بالصحاح الأخر.

ثمّ روى الحاكم ، عن جابر ، قال : لمّا كان يوم خيبر بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رجلا فجبن ، فجاء محمّد بن مسلمة فقال : يا رسول الله! لم أر كاليوم قطّ!!

__________________

(١) ص ٣٧ من الجزء الثالث [ ٣ / ٣٩ ح ٤٣٣٨ أ ]. منهقدس‌سره .

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ / ٤٠ ح ٤٣٤٠.

(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ / ٤٠ ح ٤٣٤١.


إلى أن قال : ثمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :لأبعثنّ غدا رجلا يحبّ الله ورسوله ، ويحبّانه ، لا يولّي الدبر ، يفتح الله على يديه.

فتشوّف(١) لها الناس ، وعليّ يومئذ أرمد

فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : سر.

فقال : يا رسول الله! ما أبصر موضعا!

فتفل في عينيه ، وعقد له ودفع إليه الراية ـ إلى أن قال : ـ فلقيهم ففتح الله عليه(٢) .

أقول : المراد بالرجل الذي جبن هو أبو بكر ، أو عمر ، بدلالة الأخبار الأخر ، على أنّ الفارّ هو أحدهما لا غيرهما!

ومنها : ما نقله في « كنز العمّال »(٣) في فضائل عليّعليه‌السلام ، عن ابن أبي شيبة ، وأحمد بن حنبل ، وابن ماجة ، والبزّار ، وابن جرير ، قال : وصحّحه ، والطبراني ، والحاكم ، والبيهقي ، والضياء المقدسي في « المختارة » ، بأسانيدهم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال :

__________________

(١) في المصدر : « فتشرّف ».

وتشوّف لها : تطاول ونظر وتطلّع ؛ انظر : لسان العرب ٧ / ٢٣٨ مادّة « شوف ».

وتشرّف لها : تطلّع إليها وتعرّض لها ؛ انظر : لسان العرب ٧ / ٩١ مادّة « شرف ».

والكلام يستقيم بأيّ منهما.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ / ٤٠ ـ ٤١ ح ٤٣٤٢.

(٣) ص ٣٩٤ من الجزء السادس [ ١٣ / ١٢١ ـ ١٢٢ ح ٣٦٣٨٨ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : سنن ابن ماجة ١ / ٤٣ ـ ٤٤ ح ١١٧ ، مسند أحمد ١ / ٩٩ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٩٧ ح ١٧ ، مسند البزّار ٢ / ١٣٥ ـ ١٣٦ ح ٤٩٦ ، المعجم الأوسط ٣ / ٥١ ح ٢٣٠٧ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٣٩ ح ٤٣٣٨ أ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٤ / ٢١٣.


« كان عليّ يخرج في الشتاء في إزار ورداء ، ثوبين خفيفين ، وفي الصيف في القباء المحشوّ والثوب الثقيل ، فقال الناس : لو قلت لأبيك فإنّه يسمر معه ، فسألت أبي ـ إلى أن قال : ـ فسمر معه(١) ، فقال : يا أمير المؤمنين! إنّ الناس قد تفقّدوا منك شيئا ـ إلى أن قال : ـ قال : أوما كنت معنا يا أبا ليلى بخيبر؟!

قال : بلى والله ، كنت معكم.

قال : فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعث أبا بكر فسار بالناس ، فانهزم حتّى رجع عليه(٢) ، وبعث عمر فانهزم بالناس حتّى انتهى إليه ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :لأعطينّ الراية رجلا يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، يفتح الله له ، ليس بفرّار.

فأرسل إليّ فدعاني فأتيته وأنا أرمد لا أبصر شيئا ، فتفل في عيني وقال :اللهمّ اكفه الحرّ والبرد ؛ فما آذاني بعده حرّ ولا برد ».

ونحوه في « خصائص » النسائي(٣) .

ومنها : ما نقله في « كنز العمّال »(٤) في غزوة خيبر ، عن ابن أبي شيبة والبزّار ـ قال : وسنده حسن ـ ، عن عليّعليه‌السلام ، قال : « سار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى خيبر ، فلمّا أتاها بعث عمر ومعه الناس إلى مدينتهم [ والى قصرهم ] فقاتلوهم ، فلم يلبثوا أن هزموا عمر وأصحابه ، فجاء يجبّنهم ويجبّنونه ،

__________________

(١) في المصدر : « عنده ».

(٢) في المصدر : « إليه ».

(٣) خصائص الإمام عليّعليه‌السلام : ٢٧ ح ١٣ وص ١٠٨ ـ ١٠٩ ح ١٤٥ ، وانظر : السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٠٨ ـ ١٠٩ ح ٨٤٠١ وص ١٥٢ ح ٨٥٣٦.

(٤) ص ٢٨٣ من الجزء الخامس [ ١٠ / ٤٦٢ ح ٣٠١١٩ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : مصنّف ابن أبي شيبة ٨ / ٥٢٥ ح ٢٢ ، مسند البزّار ٣ / ٢٢ ـ ٢٣ ح ٧٧٠.


فساء ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال :لأبعثنّ عليهم رجلا يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، يقاتلهم حتّى يفتح الله له ، ليس بفرّار » الحديث.

ونقل أيضا في المقام المذكور عن ابن جرير ، عن بريدة ، قال : « لمّا كان يوم خيبر أخذ اللواء أبو بكر فرجع ولم يفتح له ، فلمّا كان من الغد أخذ عمر اللواء ولم يفتح له ، وقتل ابن مسلمة ، ورجع الناس ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :لأدفعنّ لوائي هذا إلى رجل يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، لن يرجع حتّى يفتح عليه »(١) الحديث.

ونحوه في « خصائص » النسائي أيضا(٢) .

ونقل في « الكنز » أيضا ، عن ابن أبي شيبة ، عن بريدة ، قال : « لمّا نزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بحصن(٣) خيبر فزع أهل خيبر فبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عمر بن الخطّاب بالناس ، فلقي أهل خيبر ، فردّوه وكشفوه هو وأصحابه ، فرجعوا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يجبّن أصحابه ويجبّنه أصحابه ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :لأعطينّ اللواء غدا رجلا يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله.

فلمّا كان الغد تصادر(٤) لها أبو بكر وعمر ، فدعا عليّا وهو يومئذ

__________________

(١) كنز العمّال ١٠ / ٤٦٣ ح ٣٠١٢٠.

(٢) خصائص الإمام عليّعليه‌السلام : ٢٨ ح ١٤ ، وانظر : السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٠٩ ح ٨٤٠٢.

(٣) في كنز العمّال ومصنّف ابن أبي شيبة : بحضرة.

(٤) كذا في مصنّف ابن أبي شيبة ، وفي كنز العمّال : « تطاول ».

و « تصادر » : تقدّم القوم بصدره ، ووقف في صدر الصفّ ومقدّم الجيش ليكون


أرمد ، فتفل في عينه وأعطاه اللواء ، فانطلق بالناس فلقي أهل خيبر ولقي مرحبا ـ إلى أن قال : ـ فضربه عليّ ضربة على هامته بالسيف عضّ السيف منها بالأضراس ، وسمع صوت ضربته أهل العسكر ، فما تتام آخر الناس حتّى فتح لأوّلهم »(١) .

ونحوه في « تاريخ الطبري »(٢) .

ومنها : ما أخرجه الطبري بعد الحديث المذكور ، عن بريدة ، قال : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ربّما أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس ، وإنّ أبا بكر أخذ راية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ نهض فقاتل قتالا شديدا ، ثمّ رجع ؛ فأخذها عمر فقاتل قتالا شديدا هو أشدّ من القتال الأوّل ، ثمّ رجع.

فأخبر بذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال :أما والله لأعطينّها رجلا يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، يأخذها عنوة ».

... إلى أن قال : « وخرج مرحب فبدره عليّ فضربه ، فقدّ الحجر والمغفر ورأسه حتّى وقع في الأضراس ، وأخذ المدينة »(٣) .

ومثله في « كامل ابن الأثير »(٤) ، إلّا أنّه قال في آخره : « فضربه فقدّ

__________________

أحدهما هو المختار لحمل اللواء وقيادة الحملة ؛ انظر : لسان العرب ٧ / ٣٠٠ مادّة « صدر ».

و « تطاول » : هو أن يقوم قائما ثمّ يتطاول في قيامه ثمّ يرفع رأسه ويمدّ قوامه للنظر إلى الشيء ؛ انظر : لسان العرب ٨ / ٢٢٨ مادّة « طول ».

فالمعنى صحيح بأيّ من الكلمتين.

(١) كنز العمّال ١٠ / ٤٦٣ ـ ٤٦٤ ح ٣٠١٢١ ، وانظر : مصنّف ابن أبي شيبة ٨ / ٥٢١ ـ ٥٢٢ ح ٧.

(٢) ص ٩٣ من الجزء الثالث [ ٢ / ١٣٦ ـ ١٣٧ حوادث سنة ٧ ه‍ ]. منهقدس‌سره .

(٣) تاريخ الطبري ٢ / ١٣٧ حوادث سنة ٧ ه‍ ، غزوة خيبر.

(٤) ص ١٠٥ من الجزء الثاني [ ٢ / ١٠١ ـ ١٠٢ حوادث سنة ٧ ه‍ ]. منهقدس‌سره .


الجحفة والمغفر ورأسه حتّى وقع في الأرض ، وأخذ المدينة ».

.... إلى غير ذلك من الأخبار التي يطول ذكرها(١) .

وليت شعري ما هذا القتال الشديد من الشيخين الذي لم يصب فيه أحد بكلم ، ولم يهرق فيه دم؟!

وأمّا ما ذكره الفضل من أنّ المصنّفرحمه‌الله يروي هذه الفضائل من كتبهم ، فمسلّم ؛ لأنّ المطلوب إلزامهم بما هو حجّة عليهم.

وليس ذكرهم لهذه الفضائل دليلا على اهتمامهم بنقل ما يروونه نصّا لو اطّلعوا عليه ، كما سبق بيانه في الآية الثانية والثمانين(٢) ، وما رووا تلك الفضائل إلّا لزعمهم عدم دلالتها على إمامته ، لا لخلوّهم عن الأغراض!

ولذا لمّا نبّههم الشيعة على دلالتها على إمامته حذف المتأخّرون منهم ما يمكن حذفه من كتب المتقدّمين ، كحديث النور ونحوه من مسند أحمد(٣) ، وأوّلوا كثيرا منها بما هو أشبه يشبه السوفساطائية ، وناقشوا في أسانيد الكثير منها مع تعدّد طرقها الكافي في اعتبارها ، على أنّهم قلّ ما يروون فضائله على وجهها ، ويوافون بالحقائق على حالها.

وأمّا قوله : « وما هم كالروافض والشيعة ، في إخفاء مناقب مشايخ الصحابة ».

فلعمري لقد أراد أن يفضح فافتضح ؛ لأنّه يطلب منّا أن نكذّب مثلهم

__________________

(١) انظر : مغازي الواقدي ٢ / ٦٥٣ ـ ٦٥٥ ، السيرة النبوية ـ لابن هشام ـ ٤ / ٣٠٥ ، تاريخ اليعقوبي ١ / ٣٧٥ ، السيرة النبوية ـ لابن حبّان ـ : ٣٠٢ ، المنتظم ٢ / ٣٧١ ـ ٣٧٢ حوادث سنة ٧ ه‍ ، البداية والنهاية ٤ / ١٥٠ ـ ١٥٤.

(٢) راجع : ج ٥ / ٣٦٤ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٣) نقله ابن أبي الحديد عن « المسند » و « الفضائل » في شرح نهج البلاغة ٩ / ١٧١ ، ولم نجده في المسند ، ورواه أحمد في فضائل الصحابة ٢ / ٨٢٣ ـ ٨٢٤ ح ١١٣٠.


ونحدّث بما لا أصل له ، ممّا أحدثه حبّ الدنيا ، وحدا إليه الرجاء والخوف في أيّام معاوية وأشباهه ، كما سبق في المقدّمة(١)

ويطلب منّا أن نروي ما يخالف العقل والدين ، كالأخبار القائلة : « إنّ أبا بكر وعمر لا يحبّان الباطل » ؛ الدالّة على أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يحبّه ، حيث غنّى له المغنّون والمغنّيات كما يروون(٢)

وكالأخبار القائلة : « لو لم أبعث لبعث عمر » و « لو كان نبيّ بعدي لكان عمر »(٣) ، المستلزمة لجواز بعثة من سبق منه الكفر

وكروايات تبشير العشرة بالجنّة ، التي عرفت حالها في الآية الثانية والثلاثين(٤)

وكرواية أنّ أبا بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة(٥) ؛ مع أنّه لا كهول فيها(٦)

وكرواية دعاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لمعاوية أن يجعله الله هاديا مهديّا(٧) ،

__________________

(١) راجع : ج ١ / ١٤ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٢) راجع : ج ٤ / ٧٤ و ١١١ من هذا الكتاب.

(٣) كنز العمّال ١١ / ٥٨١ ح ٣٢٧٦١ ـ ٣٢٧٦٣ ، الكامل في ضعفاء الرجال ٣ / ١٥٥ رقم ٦٦٩ وص ٢١٦ رقم ٧١٣ وج ٤ / ١٩٤ رقم ١٠٠٥ ، الموضوعات ـ لابن الجوزي ـ ١ / ٣٢٠.

(٤) راجع : ج ٥ / ١٤٥ وما بعدها.

(٥) كنز العمّال ١١ / ٥٦٢ ح ٣٢٦٥٤.

(٦) وقد فصّل السيّد عليّ الحسيني الميلاني القول في سند هذا الحديث وطرقه ودلالته في كتابه « الرسائل العشر » في الحديث الثالث من « رسالة في الأحاديث المقلوبة في مناقب الصحابة » ، ص ١٩ ـ ٢٧ ؛ فراجع!

(٧) سنن الترمذي ٥ / ٦٤٥ ح ٣٨٤٢ ، مسند أحمد ٤ / ٢١٦ ، الطبقات الكبرى ٧ / ٢٩٢ رقم ٣٧٤٦ ، التاريخ الكبير ـ للبخاري ـ ٧ / ٣٢٧ رقم ١٤٠٥ ، حلية الأولياء ٨ / ٣٥٨ ، مشكاة المصابيح ٣ / ٣٩٢ ح ٦٢٤٤ ، البداية والنهاية ٨ / ٩٨ ـ ٩٩.


مع ظهور الضلال على صفحات أفعاله وأقواله ، من قتله النفوس البريئة ، وحربه لمن حربه حرب لله ورسوله ، وسبّه لمن سبّه سبّهما ، وإلحاقه العهار بالنسب مراغمة للشريعة الأحمدية إلى نحو ذلك من أخبار فضائلهم.

* * *


١١ ـ حديث : برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه

قال المصنّف ـ طاب رمسه ـ(١) :

الحادي عشر : روى الجمهور : أنّه لمّا برز إلى عمرو بن عبد ودّ العامري في غزاة الخندق ، وقد عجز عنه المسلمون ، قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه »(٢) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢١٧.

(٢) شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢٦١ و ٢٨٥ ، حياة الحيوان الكبرى ـ للدميري ـ ١ / ٢٧٤ ، ينابيع المودّة ١ / ٢٨١ ح ٢ وص ٢٨٤ ضمن ح ٧.


وقال الفضل(١) :

إنّه صحّ هذا أيضا في الخبر ، وهذا أيضا من مناقبه وفضائله التي لا ينكرها إلّا سقيم الرأي ، ضعيف الإيمان ، ولكنّ الكلام على النصّ ، وهذا لا يثبته.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٣٥.


وأقول :

لمّا جعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّا كلّ الإيمان ، دلّ على أنّه قوامه ، وأنّه أفضل إيمانا وأثرا من جميع المؤمنين ؛ إذ لم يقم لهم إيمان لولاه ، والأفضل أحقّ بالإمامة.

ويشهد لفضله عليهم في الأثر ما جاء عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :لضربة عليّ أفضل من عبادة الثقلين ، أو : لمبارزة عليّ لعمرو أفضل من أعمال أمّتي إلى يوم القيامة ، كما سبق في الآية الحادية والخمسين(١) .

وهذا ممّا يؤيّده قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :الساعي بالخير كفاعله (٢) ، ويقضي به العقل ؛ إذ بقتل أمير المؤمنينعليه‌السلام لعمرو خمدت جمرة الكفر ، وانكسرت عزيمة الشرك ، فكان هو السبب في بقاء الإيمان واستمراره ، وهو السبب في تمكين المؤمنين من عبادتهم إلى يوم الدين.

لكن هذا ببركة النبيّ الحميد ودعوته وجهاده في الدين ، فإنّ عليّا حسنة من حسناته ، فلا أفضل من سيّد الوصيّين إلّا سيّد المرسلين ، زاد الله في شرفهما ، وصلّى عليهما وعلى آلهما الطاهرين.

* * *

__________________

(١) راجع : ج ٥ / ٢٤٢ من هذا الكتاب.

(٢) كنز العمّال ٦ / ٣٥٩ ـ ٣٦٠ ح ١٦٠٥٢ ـ ١٦٠٥٥.


١٢ ـ حديث سدّ الأبواب عدا باب عليّ

قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :

الثاني عشر : في مسند أحمد من عدّة طرق ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر بسدّ الأبواب إلّا باب عليّ ، فتكلّم الناس ، فخطب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال :

أمّا بعد ، فإنّي أمرت بسدّ هذه الأبواب غير باب عليّ ، فقال فيه قائلكم ، [ وانّي ] والله ما سددت شيئا ولا فتحته ، وإنّما أمرت بشيء فاتّبعته (٢) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢١٧.

(٢) مسند أحمد ٤ / ٣٦٩ وج ١ / ١٧٥ و ٣٣١ وج ٢ / ٢٦ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد ابن حنبل ـ ٢ / ٧٢٠ ح ٩٨٥ ؛ وانظر : سنن الترمذي ٥ / ٥٩٩ ح ٣٧٣٢ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١١٨ ـ ١١٩ ح ٨٤٢٣ ـ ٨٤٢٨ ، التاريخ الكبير ـ للبخاري ـ ١ / ٤٠٨ رقم ١٣٠٤ ، المعجم الكبير ـ للطبراني ـ ٢ / ٢٤٦ ح ٢٠٣١ ، المعجم الأوسط ٤ / ٣٦٣ ح ٣٩٣٠ ، مسند البزّار ٢ / ١٤٤ ح ٥٠٦ وج ٣ / ٣٦٨ ح ١١٦٩ ، أخبار القضاة ـ لوكيع ـ ٣ / ١٤٩ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٥ ح ٤٦٣١ ، حلية الأولياء ٤ / ١٥٣ رقم ٢٥٨ ، تاريخ بغداد ٧ / ٢٠٥ رقم ٣٦٦٩ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٢٦ ـ ٢٣١ ح ٣٠٣ ـ ٣٠٩ من عدّة طرق ، تاريخ دمشق ٤٢ / ١٣٧ ـ ١٣٩ من عدّة طرق ، مجمع الزوائد ٩ / ١١٤ ـ ١١٥.


وقال الفضل(١) :

كان المسجد في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله متّصلا ببيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان عليّ ساكن بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لمكان ابنته ، وكان الناس من أبوابهم في المسجد يتردّدون ويزاحمون المصلّين ، فأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بسدّ الأبواب إلّا باب عليّ.

وقد صحّ في الصحيحين أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر بسدّ كلّ خوخة في المسجد إلّا خوخة أبي بكر(٢) ، والخوخة : الباب الصغير(٣) ، فهذا فضيلة وقرب حصل لأبي بكر وعليّ.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٣٦.

(٢) انظر : صحيح البخاري ١ / ٢٠١ ـ ٢٠٢ ح ١٢٦ وج ٥ / ٦٦ ح ١٥٤ ، صحيح مسلم ٧ / ١٠٨.

(٣) انظر : لسان العرب ٤ / ٢٤٠ مادّة « خوخ ».


وأقول :

لا يخفى أنّ حقيقة الفضل في هذه الفضيلة ليس لمجرّد الاختصاص بعدم سدّ الباب ، بل لما يكشف عنه من طهارة عليّعليه‌السلام ، وأنّه يحلّ له أن يجنب في المسجد ويمكث فيه جنبا ، ولا يكره له النوم فيه كما كان ذلك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فإنّ عمدة الغرض من سدّ الأبواب تنزيه المسجد عن الأدناس ، وتبعيده عن المكروهات والأمور البيتية.

وكان عليّعليه‌السلام كالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لا تؤثّر فيه الجنابة والنوم دنسا معنويا ، وكان بيت الله كبيته ؛ لكونه حبيبه القريب منه ، فاستثني كالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لذلك ، كما ستعرفه.

وأمّا قوله : « كان عليّ ساكن بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله » إلى آخره.

فالظاهر أنّ غرضه به إنكار فضل أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ لأنّ المستثنى حينئذ هو باب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأنّ البيت له ؛ إذ لا يتعلّق في المقام بهذه المقدّمة فائدة سوى هذا الغرض السوء ، وإن ناقض نفسه بجعل الاستثناء فضيلة لعليّعليه‌السلام يشارك بها أبا بكر ، فكان يلزمه أن يخصّ الفضيلة بأبي بكر وحده!

وفي كلا مقصديه ، من إنكار فضل أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وإثبات فضل أبي بكر نظر

أمّا الأوّل ؛ فلأنّ كون البيت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يمنع من اختصاص عليّ بباب منفرد ؛ كيف؟! وقد صرّحت الأخبار بأنّ الباب لعليّ ، حتّى تكلّم الناس في استثناء بابه ، ولو كان الباب للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لما كان محلّ


لكلامهم فيه ، ولا لحسدهم لعليّعليه‌السلام .

بل هذا ممّا يقرّب أنّ البيت ـ كالباب ـ مختصّ بعليّعليه‌السلام ، إمّا ملكا كما هو الظاهر ، أو بالسكنى فقط والملكية لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ وعليه ينبغي أن يقبضه أبو بكر كما قبض فدك ، فيتركهم بلا دار ولا عقار!

وأمّا الثاني ؛ فلأنّ الخوخة إذا كانت هي الباب الصغير ، كما يشهد له رواية البخاري للحديث في مناقب أبي بكر ، بلفظ : « الباب » بدل « الخوخة »(١) ، لزم كذب خبر استثناء باب أبي بكر ؛ لأنّه إذا أقرّ باستثناء باب عليّعليه‌السلام وهو متقدّم زمانا ـ كما ستعرف ـ ، فلا بدّ من العمل بأمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلا يبقى باب مفتوح سوى باب عليّعليه‌السلام ، وحينئذ لم يكن محلّ للأمر بسدّ الأبواب واستثناء باب أبي بكر.

مضافا إلى اشتمال خبر استثناء باب أبي بكر على أمور تشهد بكذبه ، كما ستعرفها إن شاء الله تعالى عند ذكر الفضل له في مقدّمة مآخذ أبي بكر.

فإن قلت : ما الدليل على تقدّم استثناء باب عليّعليه‌السلام ؟ فلم لم يكونا في وقت واحد ، أو في وقتين متقاربين ، بحيث يكون الاستثناء الأخير قبل سدّ جميع الأبواب ، وحينئذ فلا يلزم التعارض والكذب؟

قلت : استثناء باب أبي بكر كان في وقت قرب موت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على ما زعموا(٢) ، واستثناء باب عليّعليه‌السلام في أيّام حمزة كما صرح به بعض أخبارهم(٣) ، ودلّ باقي الأخبار الآتية وغيرها على تقدّم زمانه.

__________________

(١) انظر : صحيح البخاري ٥ / ٦٥ ـ ٦٦ ح ١٥٤.

(٢) انظر : صحيح البخاري ١ / ٢٠١ ح ١٢٦ ، التاريخ الكبير ـ للبخاري ـ ١ / ٤٠٨ رقم ١٣٠٤.

(٣) انظر : فضائل الخلفاء الأربعة ـ لأبي نعيم ـ : ٧٢ ـ ٧٣ ح ٦٠ و ٦١ ، مجمع الزوائد ٩ / ١١٥.


مع أنّه لو كان زمانهما واحدا لقال : « سدّوا الأبواب إلّا باب عليّ وأبي بكر » ، ولاعتذر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عن فتح باب أبي بكر كما اعتذر عن فتح باب عليّعليه‌السلام !

ويشهد لكون الاستثناء من خواصّ عليّعليه‌السلام ما رواه أحمد في مسنده(١) ، عن ابن عمر ، وصحّحه ابن حجر في « الصواعق »(٢) ، قال :

« كنّا نقول في زمن النبيّ : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خير الناس ، ثمّ أبو بكر ، ثمّ عمر ؛ ولقد أوتي ابن أبي طالب ثلاث خصال ، لأنّ تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النّعم : زوّجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ابنته وولدت له ، وسدّ الأبواب إلّا بابه في المسجد ، وأعطاه الراية يوم خيبر ».

فإنّه صريح بأنّ الاستثناء أحد خواصّه الثلاثة ، ولا سيّما بعد ذكر أبي بكر المتخيّر بينهم.

وقد تمنّى قبل ابن عمر أبوه إحدى هذه الخصال ، كما رواه الحاكم في « المستدرك » وصحّحه(٣) .

ونقله ابن حجر في « الصواعق »(٤) ، عن أبي يعلى ، عن أبي هريرة ، عن عمر.

__________________

(١) ص ٢٦ من الجزء الثاني. منهقدس‌سره .

وانظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٧٠٠ ح ٩٥٥.

(٢) في الفصل الثالث من الباب التاسع [ ص ١٩٦ ]. منهقدس‌سره .

(٣) ص ١٢٥ من الجزء السادس [ ٣ / ١٣٥ ح ٤٦٣٢ ]. منهقدس‌سره .

(٤) في الفصل المذكور [ ص ١٩٦ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : مسند أبي يعلى ٩ / ٤٥٢ ـ ٤٥٣ ح ٥٦٠١ ، زوائد أبي يعلى ـ للهيثمي ـ ٣ / ١٨٥ ح ١٣٢٩.


ونقله في « كنز العمّال »(١) ، عن ابن أبي شيبة ، عن ابن عمر ، عن أبيه ، [ و ](٢) عن ابن أبي شيبة ، عن عليّ ، عن عمر ؛ قال فيه على الرواية الأخيرة : « وسكناه المسجد مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يحلّ له فيه ما يحلّ له » كما في لفظ رواية الحاكم أيضا(٣) ، وقال في رواية أبي يعلى : « وسكناه المسجد ، لا يحلّ لي فيه ما يحلّ له »(٤) .

فلا ريب أنّ هذا من خواصّ أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ إذ لا يتصوّر أن يظهر من عمر وابنه اختصاص عليّعليه‌السلام بهذا الأمر لو شاركه فيه أبو بكر ، الذي هو أساس شرفهم ، ومستند أمرهم ، والمتخيّر بينهم.

وقد تكلّف ابن عمر في تخيّر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على الناس ، حتّى على أبيه وصاحبه!

هذا ، مضافا إلى ضعف خبر استثناء خوخة أبي بكر ، لضعف سنده بجماعة ، منهم : فليح بن سليمان ، عدوّ آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الذي سبقت ترجمته في مقدّمة الكتاب(٥) .

ونزيدك هنا بيانا لحاله بذكر ما في « ميزان الاعتدال » و « تهذيب التهذيب » مضافا إلى ما تقدّم في المقدّمة

قالا : قال ابن معين مرّة : لا يحتجّ به.

ومرّة : ضعيف ، ما أقربه من أبي أويس.

__________________

(١) ص ٣٩١ من الجزء السادس [ ١٣ / ١١٠ ح ٣٦٣٥٩ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٠٠ ح ٣٦.

(٢) ص ٣٩٣ من الجزء المذكور [ ١٣ / ١١٦ ح ٣٦٣٧٦ ]. منهقدس‌سره .

(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٥ ح ٤٦٣٢.

(٤) المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي ٣ / ١٨٤ ـ ١٨٥ ح ١٣٢٩.

(٥) راجع : ج ١ / ٢٢٠ رقم ٢٦٣.


وقال مرّة ، والنسائي وأبو حاتم : ليس بالقويّ.

وفي « التهذيب » أيضا : قال النسائي مرّة : ضعيف.

وقال ابن المديني : فليح وأخوه عبد الحميد ضعيفان(١) .

وقد روى البخاري هذا الحديث أيضا في أواخر الجزء الثاني ، في باب هجرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه إلى المدينة(٢) ، وفي سنده إسماعيل بن عبد الله ، الكذّاب الوضّاع ، كما عرفت بعض ترجمته في المقدّمة(٣) .

فإذا كان خبر استثناء باب أبي بكر بهذا الحال من الضعف ، لم يصلح للاحتجاج به على استثنائه ، فضلا عن أن يعارض به أخبار استثناء باب أمير المؤمنين المستفيضة أو المتواترة.

وأعجب من القول بمعارضته لها دعوى ابن الجوزي وضعها لأجله ، لكنّه ذكر منها ثمانية ، كما ستعرف(٤) .

وذكر السيوطي في « اللآلئ المصنوعة » ما يزيد على ثلاثين حديثا منها هذه الثمانية(٥) .

ولنذكر منها ما يدلّ على أنّ استثناء باب عليّعليه‌السلام ؛ لطهارته وجواز أن يجنب في المسجد أو يمرّ فيه جنبا ، ولكونه من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بمنزلة

__________________

(١) ميزان الاعتدال ٥ / ٤٤٢ ـ ٤٤٣ رقم ٦٧٨٨ ، تهذيب التهذيب ٦ / ٤٣١ ـ ٤٣٢ رقم ٥٦٣١ ، وانظر : معرفة الرجال ـ ليحيى بن معين ـ ١ / ٦٩ رقم ١٥٦ ، الضعفاء والمتروكين ـ للنسائي ـ : ١٩٧ رقم ٥١٠ ، الجرح والتعديل ـ لابن أبي حاتم ـ ٧ / ٨٤ ـ ٨٥ رقم ٤٧٩.

(٢) صحيح البخاري ٥ / ١٥٣ ـ ١٥٤ ح ٣٨٦.

(٣) راجع : ج ١ / ٧٦ رقم ٢٣.

(٤) انظر : الموضوعات ١ / ٣٦٣ ـ ٣٦٧.

(٥) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣١٧ ـ ٣٢٤.


هارون من موسى ؛ لتعرف عدم صحّة استثناء باب أبي بكر.

فمنها : ما حكاه عن ابن حجر في « القول المسدّد » ، عن أحمد والنسائي ، بسنديهما عن ابن عبّاس ، قال في حديث سدّ الأبواب إلّا باب عليّ : « فكان يدخل المسجد جنبا وهو طريقه ليس له طريق آخر ».

ثمّ قال ابن حجر : وأخرجه الكلاباذي في « معاني الأخبار » ، ثمّ ذكر له طريقا آخر.

وأخرجه ابن الجوزي في « الموضوعات » ، من طريق أبي نعيم ، ثمّ ذكر له طريقا آخر أيضا(١) .

ومنها : ما حكاه عن ابن حجر أيضا ، عن الطبراني في « الكبير » ، بسنده عن جابر بن سمرة ، قال : أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بسدّ الأبواب كلّها غير باب عليّ ، فقال العبّاس : يا رسول الله! قدر ما أدخل وحدي [ واخرج ]؟!

قال :ما أمرت بشيء من ذلك ؛ فسدّها [ كلّها ] غير باب عليّ.

قال : وربّما مرّ وهو جنب(٢) .

ومنها : ما حكاه عن أبي نعيم في « فضائل الصحابة » ، بسنده عن بريدة الأسلمي ، قال : أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بسدّ الأبواب ، فشقّ ذلك على أصحابه ، فلمّا بلغ ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دعا الصلاة جامعة ، حتّى إذا

__________________

(١) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣١٩ ، وانظر : القول المسدّد : ٥٥ ، مسند أحمد ١ / ٣٣١ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١١٩ ح ٨٤٢٨ ، الموضوعات ١ / ٣٦٤ ، حلية الأولياء ٤ / ١٥٣ رقم ٢٥٨.

(٢) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣١٩ ـ ٣٢٠ ، وانظر : القول المسدّد : ٥٥ ـ ٥٦ ، المعجم الكبير ٢ / ٢٤٦ ح ٢٠٣١.


اجتمعوا صعد المنبر ، ولم نسمع لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تحميدا وتعظيما في خطبة مثل يومئذ ، فقال :

أيّها الناس! ما أنا سددتها ولا أنا فتحتها بل الله فتحها وسدّها.

ثمّ قرأ :( وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلأَوَحْيٌ يُوحى ) (١) .

فقال رجل : دع لي كوّة تكون في المسجد؟

فأبى ، وترك باب عليّ مفتوحا ، فكان يدخل ويخرج منه وهو جنب(٢) .

ومنها : ما حكاه أيضا عن أبي نعيم في « الفضائل » ، بسنده عن ابن مسعود ، قال : « انتهى إلينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات ليلة ونحن في المسجد جماعة من الصحابة ، فينا أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وحمزة ، وطلحة ، والزبير ، وجماعة من الصحابة بعدما صلّيت العشاء ، فقال : ما هذه الجماعة؟!

قالوا : يا رسول الله قعدنا نتحدّث ، منّا من يريد الصلاة ، ومنّا من ينام.

فقال :إنّ مسجدي لا ينام فيه ، انصرفوا إلى منازلكم ، ومن أراد الصلاة فليصلّ في منزله راشدا ، ومن لم يستطع فلينم ، فإنّ صلاة السرّ تضعف على صلاة العلانية.

__________________

(١) سورة النجم ٥٣ : ١ ـ ٤.

(٢) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٢١ ، وانظر : فضائل الخلفاء الأربعة ـ لأبي نعيم ـ : ٧١ ـ ٧٢ ح ٥٩.


فقمنا فتفرّقنا وفينا عليّ بن أبي طالب ، فقام معنا ، فأخذ بيد عليّ وقال :أمّا أنت فإنّه يحلّ لك في مسجدي ما يحلّ لي ، ويحرم عليك ما يحرم عليّ.

فقال له حمزة بن عبد المطّلب : يا رسول الله! أنا عمّك ، وأنا أقرب إليك من عليّ.

قال :صدقت يا عمّ ، إنّه والله ما هو عنّي ، إنّما هو عن الله عزّ وجلّ »(١) .

ومنها : ما حكاه عن ابن الجوزي في « الموضوعات » ، عن أبي نعيم(٢) ، بسنده عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ :إنّ موسى سأل ربّه أن يطهّر مسجده لهارون وذرّيّته ، وإنّي سألت الله أن يطهّر مسجدي لك ولذرّيّتك من بعدك.

ثمّ أرسل إلى أبي بكر أن سدّ بابك ، فاسترجع وقال : سمعا وطاعة ؛ فسدّ بابه.

ثمّ [ أرسل ] إلى عمر كذلك.

ثمّ صعد المنبر فقال :ما أنا سددت أبوابكم ، ولا فتحت باب عليّ ، ولكنّ الله سدّ أبوابكم وفتح باب عليّ (٣) .

__________________

(١) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٢٢ ، وانظر : فضائل الخلفاء الأربعة ـ لأبي نعيم ـ : ٧٢ ـ ٧٣ ح ٦٠.

(٢) كذا في الأصل ، وهو سهو ، فلم ينقله ابن الجوزي عن أبي نعيم ، وربّما جاء هذا نتيجة استطراد الشيخ المظفّرقدس‌سره في النقل عمّن نقل عن أبي نعيم كما في الموردين السابقين ، كما إنّنا لم نجد الحديث عند أبي نعيم ؛ فلاحظ!

(٣) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣١٧ ـ ٣١٨ ، وانظر : الموضوعات ١ / ٣٦٤ ـ ٣٦٥.


ومنها : ما حكاه أيضا عن ابن الجوزي ، عن ابن مردويه ، بسنده عن أبي سعيد ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ :لا يحلّ لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك (١) .

ثمّ حكاه السيوطي ، عن الترمذي ، وعن البيهقي في « سننه » من طريقين(٢) .

قال البيهقي(٣) : وقد ورد من طرق.

ثمّ حكاه السيوطي ، عن البزّار ، بسنده عن سعد(٤) .

أقول : وقد وجدت الحديث في فضائل عليّعليه‌السلام من سنن الترمذي وحسّنه(٥) .

ومنها : ما حكاه عن ابن منيع في « مسنده » ، عن جابر ، قال : جاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ونحن مضطجعون في المسجد ، فضربنا بعسيب(٦) كان بيده رطبا وقال :ترقدون في المسجد؟! إنّه لا يرقد فيه!

__________________

(١) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٢٢ ، وانظر : الموضوعات ١ / ٣٦٧ ـ ٣٦٨.

(٢) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٢٣ ، وانظر : سنن الترمذي ٥ / ٥٩٨ ح ٣٧٢٧ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٧ / ٦٦ كتاب النكاح / باب دخوله المسجد جنبا.

(٣) كذا في الأصل ، وهو تصحيف ، والصواب « السيوطي » ، انظر اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٢٣.

(٤) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٢٣ ، وانظر : مسند البزّار ٤ / ٣٦ ح ١١٩٧ ، مجمع الزوائد ٩ / ١١٥.

(٥) سنن الترمذي ٥ / ٥٩٨ ح ٣٧٢٧.

(٦) العسيب : جريدة من النخل مستقيمة دقيقة يكشط خوصها ، والعسيب من السعف : فويق الكرب ممّا لا ينبت عليه الخوص ؛ انظر : لسان العرب ٩ / ١٩٧ ـ ١٩٨ مادّة « عسب ».


فانجفلنا(١) وانجفل معنا عليّ ، فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :يا عليّ! إنّه يحلّ لك في المسجد ما يحلّ لي (٢) .

ومنها : ما حكاه عن ابن أبي شيبة ، بسنده عن أمّ سلمة رضي الله عنها ، قالت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ألا إنّ مسجدي حرام على كلّ حائض من النساء ، وكلّ جنب من الرجال ، إلّا على محمّد وأهل بيته : عليّ وفاطمة والحسن والحسين (٣) .

ويعضد هذه الأخبار ويفيد مفادها أخبار عديدة ، منها : حديث عمر السابق المروي بطرق كثيرة ، كما سمعت(٤) .

فظهر حلّيّة المسجد لعليّعليه‌السلام جنابة ونوما ؛ وليس هو إلّا لطهارة نفسه القدسيّة طهارة لا يدنّسها ما يدنّس غيره ؛ فكيف يستثنى باب أبي بكر ، وهو من سائر الناس؟!

بل في بعض الأخبار أنّ عليّاعليه‌السلام مطهّر للمسجد ؛ ففي « كنز العمّال »(٥) ، عن البزّار ، عن عليّعليه‌السلام ، قال : أخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بيدي فقال :إنّ موسى سأل ربّه أن يطهّر مسجده بهارون ، وإنّي سألت ربّي أن يطهّر مسجدي بك وبذريّتك.

__________________

(١) إنجفل القوم انجفالا : هربوا بسرعة وانقلعوا كلّهم ومضوا ؛ انظر : لسان العرب ٢ / ٣٠٩ مادّة « جفل ».

(٢) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٢٣.

(٣) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٢٣ ؛ وانظر : السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٧ / ٦٥ ، تاريخ أصبهان ١ / ٣٤٤ رقم ٦٢٥ ، تاريخ دمشق ١٤ / ١٦٦ ، كنز العمّال ١٢ / ١٠١ ح ٣٤١٨٢ و ٣٤١٨٣.

(٤) راجع الصفحتين ١٠٩ و ١١٠ من هذا الجزء.

(٥) ص ٤٠٨ من ج ٦ [ ١٣ / ١٧٥ ح ٣٦٥٢١ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : مسند البزّار ٢ / ١٤٤ ح ٥٠٦.


ثمّ أرسل إلى أبي بكر أن سدّ بابك ، فاسترجع ثمّ قال : سمعا وطاعة ؛ فسدّ بابه ، ثمّ أرسل إلى عمر ، ثمّ أرسل إلى العبّاس ، بمثل ذلك ، ثمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما أنا سددت أبوابكم وفتحت باب عليّ ، ولكنّ الله فتح باب عليّ وسدّ أبوابكم.

وبالجملة ، لا وجه لاستثناء باب أبي بكر ، وهو ليس ممّن طهّرهم الله من الرجس حتّى يحسن دخوله المسجد جنبا ، ولا هو من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بمنزلة هارون من موسى حتّى يجمل إلحاقه به.

فيكون ما دلّ على استثناء بابه باطلا ، ولا سيّما مع ضعفه سندا ، ومعارضته بالأخبار المصرّحة بسدّ بابه وباب من هو أولى منه بالرعاية والكرامة ، وهو حمزة أسد الله وأسد رسوله ، والعبّاس عمّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حتّى إنّ العبّاس طلب فتح بابه قدر ما يدخل وحده فمنعه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ومنع حتّى الكوّة(١) .

وبذلك علم فضل أمير المؤمنينعليه‌السلام على جميع الصحابة ، فيكون أولاها بالإمامة.

واعلم أنّه قد تضمّن كلام السيوطي في « اللآلئ » الجواب عن دعوى ابن الجوزي وضع الأحاديث الدالّة على استثناء باب عليّعليه‌السلام ، وذكر في الأثناء ردّ ابن حجر لابن الجوزي ، فلنذكر ما بيّنه السيوطي ملخّصا

فإنّه نقل فيها عن ابن الجوزي في « الموضوعات » ثمانية أحاديث :

__________________

(١) الكوّة ـ بالضمّ ـ : هي نقب البيت ، أو الخرق في الحائط والثقب بالبيت ، أو الموضع الضيّق ونحوه.

انظر مادّة « كوى » في : الصحاح ٦ / ٢٤٧٨ ، الفائق في غريب الحديث ٣ / ٢٨٥ ، لسان العرب ١٢ / ١٩٨.


حديثان منها لأحمد في مسنده ، أحدهما عن سعد بن أبي وقّاص ، والآخر عن ابن عمر(١)

وحديثان للنسائي ، أحدهما عن سعد ، والآخر عن زيد بن أرقم(٢)

وحديثان لأبي نعيم ، كلاهما عن ابن عبّاس(٣)

وحديث للخطيب ، عن جابر بن عبد الله(٤)

وحديث لابن مردويه ، عن أبي سعيد(٥) .

وقد زعم ابن الجوزي أنّ هذه الأحاديث جميعا باطلة موضوعة ، قال : « هي من وضع الرافضة ، قابلوا بها حديث أبي بكر في الصحيح »(٦) .

ثمّ نقل السيوطي عن ابن حجر في « القول المسدّد في الذبّ عن مسند أحمد » أنّه قال : « قول ابن الجوزي في الحديث إنّه باطل [ وانّه ] موضوع ، دعوى لم يستدل عليها إلّا بمخالفة الحديث الذي في الصحيحين ، وهذا إقدام على ردّ الأحاديث الصحيحة بمجرّد التوهّم ».

ثمّ قال : « وهذا الحديث مشهور ، له طرق متعدّدة ، كلّ طريق منها

__________________

(١) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣١٧ ، الموضوعات ١ / ٣٦٣ و ٣٦٤ ، وانظر : مسند أحمد ١ / ١٧٥ و ٢ / ٢٦.

(٢) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣١٧ و ٣١٨ ، الموضوعات ١ / ٣٦٣ و ٣٦٥ ، وانظر : السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١١٨ ح ٨٤٢٣ ـ ٨٤٢٦.

(٣) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣١٧ ، الموضوعات ١ / ٣٦٤ ، وانظر : حلية الأولياء ٤ / ١٥٣ رقم ٢٥٨ ترجمة عمرو بن ميمون الأسدي.

(٤) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣١٨ ، الموضوعات ١ / ٣٦٥ ، وانظر : تاريخ بغداد ٧ / ٢٠٥ رقم ٣٦٦٩.

(٥) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٢٢ ، الموضوعات ١ / ٣٦٧ ـ ٣٦٨ ، وانظر : سنن الترمذي ٥ / ٥٩٨ ح ٣٧٢٧.

(٦) الموضوعات ١ / ٣٦٦.


على انفراده لا يقصر عن رتبة الحسن ، ومجموعها ممّا يقطع بصحّته على طريقة كثير من أهل الحديث »(١) .

ثمّ نقل ابن حجر عن البزّار أنّ الروايات فيه جاءت من وجوه بأسانيد حسان(٢) .

ثمّ ذكر ابن حجر جملة أخرى من طرق الحديث ، تزيد على الطرق التي ذكرها ابن الجوزي ، وقد صحّح هو بعضها(٣) ، وصحّح الحاكم بعضها(٤) ، وروى أحمد بعضها(٥) ، والضياء في « المختارة »(٦) ، وغيرهم من عظماء علمائهم(٧) .

وفي أثناء ذلك تعرّض للجواب عن طعن ابن الجوزي في أسانيد الأخبار التي ذكرها وخطّأه في ما أعلّها به ، وذكر أنّ بعضا من رجال هذه الأسانيد قد صحّح له الترمذي ، ووثقه غير واحد ، وبعضهم من رجال مسلم(٨) .

ثمّ قال : « فهذه الطرق المتضافرة بروايات الثقات تدلّ على أنّ

__________________

(١) القول المسدّد : ٥٣ ، وانظر : اللآلئ المصنوعة ١ / ٣١٨ ـ ٣١٩.

(٢) القول المسدّد : ٥٣ ، وانظر : اللآلئ المصنوعة ١ / ٣١٩.

(٣) القول المسدّد : ٥٢ ـ ٥٨ ، اللآلئ المصنوعة ١ / ٣١٩ ـ ٣٢٠.

(٤) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٥ ح ٤٦٣١ و ٤٦٣٢ ، اللآلئ المصنوعة ١ / ٣١٩.

(٥) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣١٩ و ٣٢١ ، مسند أحمد ٤ / ٣٦٩ وج ٢ / ٢٦ وج ١ / ١٧٥ و ٣٣١.

(٦) كما في القول المسدّد : ٥٤.

(٧) انظر الصفحة ١٠٥ ه‍ ٢ من هذا الجزء.

(٨) القول المسدّد : ٥٤.


الحديث صحيح »(١) .

إلى أن قال : « ولو فتح هذا الباب لردّ الأحاديث لأدّعى(٢) في كثير من الأحاديث الصحيحة البطلان ، ولكن يأبى الله ذلك والمؤمنون »(٣) .

ثمّ ذكر السيوطي بعد انتهاء هذا الكلام من ابن حجر سبعة طرق أخر للحديث ، ثمّ نقل بعدها حديث ابن مردويه الذي ذكره ابن الجوزي في « الموضوعات »(٤) الذي أشرنا إليه(٥) .

ثمّ أورد له ثمانية طرق أخر ، فكان جميع طرق الحديث في « اللآلئ المصنوعة » ما يناهز الأربعين طريقا ، مسندة إلى جماعة من الصحابة ، منهم : أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وابن عبّاس ، وسعد بن أبي وقّاص ، وزيد بن أرقم ، وجابر بن عبد الله ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وأبو سعيد ، وأنس ابن مالك ، وبريدة الأسلمي ، وجابر بن سمرة ، وأمّ سلمة ، وعائشة(٦)

مضافا إلى البراء بن عازب ، وحذيفة بن أسيد ، على ما في حديث ابن المغازلي ، المشتمل سنده عليهما وعلى جماعة آخرين ممّن عرفت ، وقد ذكره في الباب السابع عشر من « ينابيع المودّة » مع عدّة أخبار ، ومضافا إلى عمر ، كما سمعته في رواية الحاكم وغيره من طرق مرويّة عنه(٧) .

__________________

(١) القول المسدّد : ٥٦ ، وانظر : اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٢٠.

(٢) كذا الأصل ، ولعلّه تصحيف ؛ وفي المصدر : لأدّعي.

(٣) القول المسدّد : ٥٧ ، وانظر : اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٢٠.

(٤) الموضوعات ١ / ٣٦٧ ـ ٣٦٨.

(٥) انظر الصفحة ١١٨ ه‍ ٥ من هذا الجزء.

(٦) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٢٠ ـ ٣٢٤.

(٧) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٢٦ ـ ٢٣١ ح ٣٠٣ ـ ٣٠٩ ، ينابيع المودّة ١ / ٢٥٧ ـ ٢٦٠ ح ١ ـ ١٠.


ولنعيّن لك صفحات روايات أحمد في مسنده ؛ لترجع إليها عند الحاجة ، فإنّه روى :

حديث سعد ، صفحة ١٧٥ من الجزء الأوّل

وحديث ابن عبّاس ، صفحة ٣٣١ من الجزء الأوّل أيضا

وحديث ابن عمر ، صفحة ٢٦ من الجزء الثاني

وحديث زيد بن أرقم ، صفحة ٣٦٩ من الجزء الرابع

ولعلّه لأحمد أحاديث أخر.

فأنت ترى أنّ طرق الحديث مستفيضة أو متواترة ، ولا سيّما بضميمة أخبارنا ، وقد صحّح القوم جملة من أحاديثهم كما عرفت ، حتّى صحّح الحاكم في « المستدرك » طريقين منها(١) ، وأقرّه الذهبي ـ مع ما تعلمه من حاله ـ على صحّة حديث زيد بن أرقم ، الذي رواه مع حديث عمر ، صفحة ١٢٥ من الجزء الثالث(٢) .

فمع هذا كلّه ، كيف يجوز لابن الجوزي دعوى الوضع لمجرّد رواية الصحيحين لحديث استثناء باب أبي بكر ، وهو أقرب إلى الوضع ؛ لأنّه من حديث المتّهمين والنصّاب ، مع ضعف رجال سنده كما عرفت(٣) ، وعدم تعدّد طرقه؟! ولكن لا حيلة مع التعصّب ومجانبة الإنصاف!!

* * *

__________________

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٥ ح ٤٦٣١ و ٤٦٣٢.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٥ ح ٤٦٣١.

(٣) راجع الصفحتين ١١٠ و ١١١ من هذا الجزء.


١٣ ـ حديث المؤاخاة

قال المصنّف ـ طاب ثراه ـ(١) :

الثالث عشر : في مسند أحمد بن حنبل ، من عدّة طرق ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله آخى بين الناس وترك عليّا حتّى بقي آخرهم لا يرى له أخا ، فقال : يا رسول الله! آخيت بين أصحابك وتركتني؟!

فقال : «إنّما تركتك لنفسي ، أنت أخي وأنا أخوك ، فإن ذكرك أحد فقل : أنا عبد الله وأخو رسوله ، لا يدّعيها بعدك إلّا كذّاب.

والذي بعثني بالحقّ ، ما أخّرتك إلّا لنفسي ، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي ، وأنت أخي ، ووارثي »(٢) .

وفي « الجمع بين الصحاح الستّة » ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : «مكتوب على باب الجنّة : محمّد رسول الله ، عليّ أخو رسول الله ،

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢١٧.

(٢) أخرجه أحمد في « المسند » كما في ينابيع المودّة ١ / ١٧٧ ح ١ ، وفي فضائل الصحابة ٢ / ٧٦٥ ح ١٠٥٥ وص ٧٩٢ ح ١٠٨٥ وص ٨٢٩ ح ١١٣٧ ؛ وانظر : سنن الترمذي ٥ / ٥٩٥ ح ٣٧٢٠ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٣ / ١٦ ، السيرة النبوية ـ لابن هشام ـ ٣ / ٣٦ ، السيرة النبوية ـ لابن حبّان ـ : ١٤٩ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٥ ـ ١٦ ح ٤٢٨٨ ـ ٤٢٨٩ ، الاستيعاب ٣ / ١٠٩٨ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٨٨ ـ ٨٩ ح ٥٧ ـ ٦٠ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٧٣ ح ٤٧٦٩ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٥١ ـ ٦٢ ، كنز العمّال ١٣ / ١٠٥ ـ ١٠٦ ح ٣٦٣٤٥ وص ١٤٠ ح ٣٦٤٤٠.


قبل أن يخلق الله السموات بألفي عام »(١) .

* * *

__________________

(١) انظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٨٢٧ ـ ٨٢٨ ح ١١٣٤ ـ ١١٣٥ وص ٨٣١ ـ ٨٣٢ ح ١١٤٠ ، المعجم الأوسط ٥ / ٥٠٤ ح ٥٤٩٨ ، حلية الأولياء ٧ / ٢٥٦ ، تاريخ بغداد ٧ / ٣٨٧ رقم ٣٩١٩ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٢٢ ـ ١٢٣ ح ١٣٤ ، فردوس الأخبار ٢ / ٣٤٠ ح ٦٧١٠ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٤٤ ح ١٦٨ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٥٩ ، الرياض النضرة ٣ / ١٢٥ ، مجمع الزوائد ٩ / ١١١ ، كنز العمّال ١١ / ٦٢٤ ح ٣٣٠٤٣ وج ١٣ / ١٣٨ ح ٣٦٤٣٥.


وقال الفضل(١) :

حديث المؤاخاة مشهور معتبر معوّل عليه ، ولا شكّ أنّ عليّا أخ(٢) رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومحبّه وحبيبه ، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله شديد الحبّ له ، وهذا كلّه يؤخذ من صحاحنا ومن مذهبنا ، ولكن لا يدلّ على النصّ ؛ لأنّ أبا بكر كان خليل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ووزيره وقرينه ، وله أيضا من الفضائل ما لا يعدّ ولا يحصى ، والكلام ليس في عدّ الفضائل وإثباتها ، بل وجود النصّ.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٣٩.

(٢) كذا في الأصل ، وليس بعزيز من مثل الفضل ، والصواب لغة : « أخو ».


وأقول :

نقل في « ينابيع المودّة » ، في الباب التاسع ، حديث المؤاخاة عن أحمد في مسنده ، عن زيد بن أبي أوفى(١) .

كما نقله المصنّفرحمه‌الله في « منهاج الكرامة » ، عن « المسند » أيضا(٢) .

وقد سبق ذكره في الآية الثانية والثلاثين ، وأنّ ابن تيميّة زعم أنّه من زيادات القطيعي(٣) .

وسبق أنّه قد نقله في « كنز العمّال » و « تذكرة الخواصّ » ، عن أحمد في « الفضائل »(٤) .

ثمّ حكى في « الينابيع » أيضا ، عن أحمد في « مسنده » ، عن حذيفة ابن اليمان ، قال : « آخى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بين المهاجرين والأنصار ، وكان يؤاخي بين الرجل ونظيره ، ثمّ أخذ بيد عليّعليه‌السلام ، فقال : هذا أخي »(٥) .

وحكى أيضا عن عبد الله بن أحمد في « زوائد المسند » ثمانية أحاديث في مؤاخاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّعليه‌السلام (٦) .

__________________

(١) ينابيع المودّة ١ / ١٧٧ ح ١.

(٢) منهاج الكرامة : ١٤٤ ـ ١٤٥.

(٣) انظر : ج ٥ / ١٤٣ من هذا الكتاب ، منهاج السنّة ٧ / ٢٧٨.

(٤) فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٧٩٢ ح ١٠٨٥ ، وانظر : كنز العمّال ١٣ / ١٠٥ ـ ١٠٦ ح ٣٦٣٤٥ ، تذكرة الخواصّ : ٢٩ و ٣١.

(٥) ينابيع المودّة ١ / ١٧٨ ح ٤.

(٦) إنّما هما حديثان عن « زوائد المسند » ، فانظر : ينابيع المودّة ١ / ١٧٨ ح ٣ وص ١٧٩ ح ٦ ، ويبدو أنّ ذلك من سهو القلم ، فمجموعة أحاديث المؤاخاة المذكورة


فيمكن أن يكون المصنّفرحمه‌الله أشار إلى هذه الأحاديث بقوله : « من عدّة طرق » ، وكأنّ القوم قد تعلّلوا لحذفها من « المسند » في الطبع ، بدعوى أنّها من الزيادات ، فإنّي لم أعثر على شيء منها!

وروى الترمذي حديث المؤاخاة في فضائل عليّعليه‌السلام من « سننه » ، عن ابن عمر ، وحسّنه ، ثمّ قال : وفيه عن زيد بن أبي أوفى(١) .

ورواه في « الاستيعاب » بترجمة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، عن أبي الطفيل ، قال : « لمّا احتضر عمر جعلها شورى بين عليّ ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وعبد الرحمن ، وسعد ، فقال لهم عليّ : أنشدكم الله هل فيكم أحد آخى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بينه وبينه ـ إذ آخى بين المسلمين ـ غيري؟!

قالوا : اللهمّ لا ».

ثمّ قال : « وروينا من وجوه عن عليّ أنّه كان يقول : أنا عبد الله وأخو رسوله ، لا يقولها أحد غيري إلّا كذّاب ».

ثمّ قال : « قال أبو عمر(٢) : آخى رسول الله بين المهاجرين [ بمكّة ] ، ثمّ آخى بين المهاجرين والأنصار [ بالمدينة ] ، وقال في كلّ واحدة منهما لعليّ :أنت أخي في الدنيا والآخرة ؛ وآخى بينه وبين نفسه ؛ فلذلك كان هذا القول وما أشبهه من عليّ ».

انتهى ما في « الاستيعاب »(٣) .

__________________

في ينابيع المودّة ١ / ١٧٧ ـ ١٨١ ب‍ ٩ ح ١ ـ ٧ هي من مصادر مختلفة وبطرق متعدّدة ؛ فلاحظ!

(١) سنن الترمذي ٥ / ٥٩٥ ح ٣٧٢٠.

(٢) هو صاحب كتاب « الاستيعاب في معرفة الأصحاب » ، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمّد بن عبد البرّ الأندلسي ، المتوفّى سنة ٤٦٣ ه‍.

(٣) الاستيعاب ٣ / ١٠٩٨ ـ ١٠٩٩.


وروى الحاكم حديث المؤاخاة في « المستدرك » ، في كتاب الهجرة ، من طرق ، عن ابن عمر(١)

وحكى في « كنز العمّال »(٢) ، عن الخلعي ، والبيهقي في « سننه »(٣) ، والضياء في « المختارة » ، عن عليّعليه‌السلام ، قال : «آخى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بين عمر وأبي بكر ، وبين حمزة بن عبد المطّلب وزيد بن حارثة ـ إلى أن قال : ـوبيني وبين نفسه »

وحكى في « الكنز » أيضا(٤) ، عن أبي يعلى في « مسنده »(٥) ، عن عليّعليه‌السلام ، قال : «آخى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بين الناس وتركني ـ إلى أن قال : ـ قال : إنّما تركتك لنفسي ، أنت أخي وأنا أخوك ، فإن حاجّك أحد فقل : إنّي عبد الله وأخو رسوله ، لا يدّعيها أحد بعدك إلّا كذّاب ».

وحكى في « الكنز » أيضا نحوه(٦) ، عن ابن عديّ ، بسنده عن يعلى ابن مرّة.

وحكى فيه أيضا ، عن الطبراني ، عن ابن عبّاس : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّعليه‌السلام : «أغضبت [ عليّ ] حين واخيت بين المهاجرين والأنصار ، ولم أواخ بينك وبين أحد منهم؟!

__________________

(١) ص ١٤ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٥ ـ ١٦ ح ٤٢٨٨ ]. منهقدس‌سره .

(٢) ص ٣٩٤ من الجزء السادس [ ١٣ / ١٢٠ ح ٣٦٣٨٤ ]. منهقدس‌سره .

(٣) لم نعثر عليه في « السنن » المطبوع!

(٤) ص ٣٩٩ من ج ٦ [ ١٣ / ١٤٠ ح ٣٦٤٤٠ ]. منهقدس‌سره .

(٥) لم نعثر عليه في « مسند أبي يعلى » المطبوع!

(٦) ص ٥٤ من ج ٦ [ ١١ / ٦٠٨ ح ٣٢٩٣٩ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : الكامل في ضعفاء الرجال ٥ / ٣٥ رقم ١٢٠٥.


أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي؟!

ألا من أحبّك حفّ بالأمن والإيمان ، ومن أبغضك أماته الله ميتة الجاهلية »(١) .

وحكى أيضا حديث المؤاخاة بين النبيّ وعليّ ، عن ابن عساكر ، عن أبي رافع ، عن أبي أمامة(٢) .

ونقل سبط ابن الجوزي في « تذكرة الخواصّ » ثلاث روايات في المؤاخاة ، عن أحمد في « الفضائل » ، كما هي عادته في النقل عنها ، وأثبت وثاقتها ، ونقل أيضا عن أحمد ما نقله المصنّفرحمه‌الله عن « الجمع بين الصحاح »(٣) .

وحكى في « ينابيع المودّة » ، في الباب التاسع ، عن ابن المغازلي ، أنّه أخرج ستّة أحاديث في المؤاخاة ، وعن أخطب خوارزم اثني(٤) عشر حديثا ، وعن الحمويني حديثين ، بأسانيدهم عن ابن عبّاس ، وابن عمر ، وحذيفة ، وأنس ، وزيد بن أرقم ، وزيد بن أبي أوفى ، وأبي أمامة ، وغيرهم(٥) .

__________________

(١) كنز العمّال ١١ / ٦٠٧ ح ٣٢٩٣٥ ، وانظر : المعجم الأوسط ٨ / ٧٣ ـ ٧٤ ح ٧٨٩٤ ، المعجم الكبير ١١ / ٦٢ ـ ٦٣ ح ١١٠٩٢ ، مجمع الزوائد ٩ / ١١١.

(٢) ص ٤٠٠ من ج ٦ [ ١٣ / ١٤٤ ح ٣٦٤٥٠ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ٥١.

(٣) تذكرة الخواصّ : ٢٩ ـ ٣١.

(٤) في المصدر : « إحدى ».

(٥) ينابيع المودّة ١ / ١٧٩ ضمن ح ٥ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٨٨ ـ ٨٩ ح ٥٧ ـ ٦٠ وص ١٣٥ ح ١٥٤ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام


وقد مرّ في الآية الثالثة والعشرين الأحاديث في قول أمير المؤمنين : «أنا عبد الله وأخو رسوله »(١) .

ونقل في « كنز العمّال »(٢) ، عن العدني ، عن أبي يحيى ، قال : سمعت عليّا يقول : «أنا عبد الله وأخو رسوله ، لا يقولها أحد بعدي إلّا كاذب » ؛ فقالها رجل فأصابته جنّة

ويشهد لصحّة أخبار المؤاخاة بين المهاجرين ، ما رواه البخاري في باب « كيف يكتب : هذا ما صالح فلان بن فلان » ، من كتاب « الصلح »(٣) .

وفي باب « عمرة القضاء » ، من كتاب « المغازي » ، أنّه اختصم عليّ وجعفر وزيد بن حارثة في كفالة ابنة حمزة لمّا تبعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وتناولها عليّعليه‌السلام ؛ فقال عليّعليه‌السلام : أنا أخذتها ، وهي بنت عمّي.

وقال جعفر : هي ابنة عمّي ، وخالتها تحتي.

وقال زيد : ابنة أخي(٤) .

ومثله في « مستدرك » الحاكم(٥) .

إذ لا معنى لقول زيد : « ابنة أخي » ومنازعته لأمير المؤمنين وجعفر ،

__________________

_ للخوارزمي ـ : ١١١ ـ ١١٢ ح ١٢٠ و ١٢١ وص ١٤٠ ح ١٥٩ وص ١٤٤ ح ١٦٨ وص ١٥٢ ضمن ح ١٧٨ وص ١٥٧ ح ١٨٦ وص ٢٩٤ ح ٢٨٢ وص ٣٠١ ضمن ح ٢٩٦ وص ٣٤١ ح ٣٦١ وص ٣٤٤ ضمن ح ٣٦٤ وص ٣٥٩ ح ٣٧٢ ، فرائد السمطين ١ / ١١٢ ـ ١١٦ ح ٨٠ و ٨١.

(١) راجع : ج ٥ / ٩٧ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٢) ص ٣٩٦ من الجزء السادس [ ١٣ / ١٢٩ ح ٣٦٤١٠ ]. منهقدس‌سره .

(٣) صحيح البخاري ٤ / ٢٢ ح ٩.

(٤) صحيح البخاري ٥ / ٢٩١ ـ ٢٩٢ ح ٢٦٣.

(٥) ص ١٢٠ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٣٠ ح ٤٦١٤ ]. منهقدس‌سره .


وهما هما مع رحمهما الماسّة بابنة عمّهما لو لا المؤاخاة التي عقدها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بين حمزة وزيد ، وهما مهاجريّان(١) .

لكنّ ابن تيميّة أنكر المؤاخاة بين المهاجرين ، وبين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنين(٢) ، قال : لأنّ المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار لإرفاق بعضهم ببعض ، ولتأليف قلوب بعضهم ببعض ، فلا معنى لمؤاخاة مهاجريّ لمهاجريّ(٣) .

وفيه : إنّ الإرفاق والتأليف أيضا مطلوبان بين المهاجرين بعضهم مع بعض ، مع اشتمال المؤاخاة على حكم كثيرة أخر.

قال في « السيرة »(٤) : « قال الحافظ ابن حجر : وهذا ردّ للنصّ بالقياس ، وبعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة ، فآخى بين الأعلى والأدنى ، ليرتفق الأدنى بالأعلى ، وليستعين الأعلى بالأدنى.

ولهذا تظهر مؤاخاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّعليه‌السلام ؛ لأنّه كان هو الذي يقوم بأمره قبل البعثة(٥) .

وفي ( الصحيح ) ، في عمرة القضاء ، أنّ زيد بن حارثة قال : ( إنّ بنت حمزة بنت أخي ) ؛ أي بسبب المؤاخاة(٦) » ؛ انتهى.

__________________

(١) انظر : السيرة النبوية ـ لابن كثير ـ ٢ / ٣٢٤ ـ ٣٢٥ ، السيرة الحلبية ٢ / ١٨١.

(٢) انظر : منهاج السنّة ٤ / ٣٢ ـ ٣٣ وج ٥ / ٧١ وج ٦ / ١٧٢ وج ٧ / ٢٧٩ و ٣٦١ و ٣٦٢.

(٣) كما في : السيرة النبوية ـ لابن كثير ـ ٢ / ٣٢٦ ولم يصرّح باسم ابن تيميّة ، فتح الباري ٧ / ٣٤٥ ب‍ ٥٠ ح ٣٩٣٧ ، السيرة الحلبية ٢ / ١٨١ ـ ١٨٢.

(٤) ص ٢٢ من الجزء الثاني [ السيرة الحلبية ٢ / ١٨٢ ]. منهقدس‌سره .

(٥) فتح الباري ٧ / ٣٤٥ ب‍ ٥٠ ح ٣٩٣٧.

(٦) تقدّم تخريجه في الصفحة السابقة ه‍ ٤.


وهو كلام حسن ، سوى إنّ مؤاخاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ ليست للارتزاق ؛ لغنى عليّعليه‌السلام حينئذ بالغنائم وغيرها ، وبلوغه منزلة يعول بها ولا يعال به.

وإنّما الغرض من مؤاخاته لعليّ تعريف منزلته ، وبيان فضله على غيره ؛ لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يؤاخي بين الرجل ونظيره ، كما دلّ عليه بعض الأخبار(١) ؛ لأنّ ذلك أقرب إلى التعاون والتعاضد ، وأوجب للتأليف ، فيكون أمير المؤمنينعليه‌السلام هو النظير لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

كما جعلته آية المباهلة نفسه ؛ وذلك رمز لإمامته ؛ ولذا احتجّ به أمير المؤمنين يوم الشورى(٢) .

كما أشار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ أيضا ـ إلى ذلك بقوله في كثير من هذه الأحاديث : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي ».

وقوله :أنت أخي ووارثي ؛ فقال عليّ :وما أرث منك ؟ قال :ما ورّث الأنبياء قبلي ؛ قال :وما ورّثوا ؟ قال :كتاب الله وسنن أنبيائه ؛ كما سبق في الآية الثانية والثلاثين(٣) .

فإنّ عليّاعليه‌السلام إذا ورث مواريث الأنبياء كان من خلفائهم وإمام الأمّة ؛ إذ ليس الإمام إلّا من كان كذلك.

ويشهد لذلك وصف عليّعليه‌السلام بالأخوّة في عرض وصف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالرسالة ، في ما هو مكتوب على باب الجنّة ، كما في الخبر

__________________

(١) انظر علاوة على أحاديث المؤاخاة المتقدّمة : مطالب السؤول : ٨٧ ـ ٨٨ ، كفاية الطالب : ١٩٤ ، الرياض النضرة ٣ / ١٨٧ ، ينابيع المودّة ١ / ١٧٨.

(٢) انظر مبحث آية المباهلة في ج ٤ / ٣٩٩ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٣) انظر : ج ٥ / ١٤٣ وما بعدها من هذا الكتاب.


الذي نقله المصنّفرحمه‌الله عن « الجمع بين الصحاح »(١) ، ونقلناه عن « تذكرة الخواصّ »(٢) ، ونقله في « كنز العمّال » عن الطبراني والخطيب(٣) ، وعن ابن عساكر(٤) ، بأسانيدهم عن جابر(٥) .

وأمّا مناظرة الفضل للحديث بأنّ أبا بكر خليل رسول الله ووزيره وقرينه ، فمن مقاومة حجّتنا عليهم بما ليس حجّة علينا.

والظاهر ، أنّه أشار بقوله : « خليل رسول الله » إلى ما رووه من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « لو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا »(٦) .

وأنت ترى أنّه نفي للخلّة(٧) لا إثبات لها.

نعم ، فيه خلّة فرضية لا تساوي الأخوّة الفعليّة ، مع أنّ الأخوّة فوق الخلّة.

وسيأتي إن شاء الله تعالى ما على هذا الخبر من دلائل أنّه من الموضوعات.

__________________

(١) انظر الصفحة ١٢٢ ـ ١٢٣ من هذا الجزء.

(٢) تذكرة الخواصّ : ٣٠ ، وانظر الصفحة ١٢٥ ه‍ ٤ من هذا الجزء.

(٣) ص ١٥٩ من الجزء السادس [ ١١ / ٦٢٤ ح ٣٣٠٤٣ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : المعجم الأوسط ٥ / ٥٠٤ ح ٥٤٩٨ ، المتّفق والمفترق ١ / ٤٩٨ ح ٢٦٠ ، تاريخ بغداد ٧ / ٣٨٧ رقم ٣٩١٩.

(٤) ص ٣٩٩ من هذا الجزء [ ١٣ / ١٣٨ ح ٣٦٤٣٥ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ٥٩.

(٥) وانظر مبحث حديث المؤاخاة في : تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات ٣ / ٢٤٢ ـ ٢٤٩!

(٦) انظر : سنن الترمذي ٥ / ٥٦٧ ـ ٥٦٨ ح ٣٦٥٩ و ٣٦٦٠ ، مسند أحمد ١ / ٣٧٧ و ٤٣٣.

(٧) الخلّة : الصداقة المختصّة التي ليس فيها خلل ؛ انظر : لسان العرب ٤ / ٢٠٢ مادّة « خلل ».


١٤ ـ حديث : إنّ عليّا منّي وأنا من عليّ

قال المصنّف ـ طاب ثراه ـ(١) :

الرابع عشر : من مسند أحمد بن حنبل ، وفي الصحاح الستّة ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، من عدّة طرق : «إنّ عليّا منّي وأنا من عليّ ، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي ، لا يؤدّي عنّي إلّا أنا أو عليّ »(٢) .

وفيه أيضا : لمّا قتل عليّ أصحاب الألوية يوم أحد قال جبرئيل لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ هذه [ لهي ](٣) المواساة.

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢١٨.

(٢) مسند أحمد ٤ / ١٦٤ و ١٦٥ و ٤٣٨ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٧٣٥ ح ١٠١٠ وص ٧٤٢ ح ١٠٢٣ ، صحيح البخاري ٤ / ٢٢ ح ٩ وج ٥ / ٨٧ « باب مناقب عليّ بن أبي طالب ، القرشيّ الهاشميّ ، أبي الحسن رضي الله عنه ، وقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ : أنت منّي وأنا منك » ولم نجد في هذا الباب حديثا يدلّ على قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هذا! وص ٢٩٢ ذ ح ٢٦٣ ، سنن الترمذي ٥ / ٥٩٤ ح ٣٧١٩ ، سنن ابن ماجة ١ / ٤٤ ح ١١٩ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٤٥ ح ٨١٤٦ ـ ٨١٤٧ وص ١٢٦ ح ٨٤٥٣ وص ١٢٨ ح ٨٤٥٩ وص ١٣٣ ح ٨٤٧٤ ، مسند الطيالسي : ١١١ ح ٨٢٩ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٩٥ ح ٨ وص ٥٠٤ ح ٥٨ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٥٥٠ ح ١١٨٧ وص ٥٥١ ح ١١٨٩ ، مسند أبي يعلى ١ / ٢٩٣ ح ٣٥٥ ، مسند الروياني ١ / ٦٢ ح ١١٩ ، المعجم الكبير ١٨ / ١٢٩ ح ٢٦٥ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٤٢ ح ٦٨٩٠ ، حلية الأولياء ٦ / ٢٩٤ رقم ٢٨٧ ، مناقب الإمام عليّ ٧ ـ لابن المغازلي ـ : ٢٠٥ ـ ٢١١ ح ٢٦٧ ـ ٢٧٦ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٧٢ ح ٤٧٦٦ و ٤٧٦٨.

(٣) أثبتناه من « فضائل الصحابة ».


فقال : النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إنّ عليّا منّي وأنا منه ».

فقال جبرئيل : وأنا منكما يا رسول الله(١) .

* * *

__________________

(١) انظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٨١٦ ـ ٨١٧ ح ١١١٩ و ١١٢٠ ، المعجم الكبير ١ / ٣١٨ ح ٩٤١ ، تاريخ الطبري ٢ / ٦٥ ، الأغاني ١٥ / ١٨٧ ، ربيع الأبرار ١ / ٨٣٣ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٧٦ ، الكامل في التاريخ ٢ / ٤٩ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٤ / ٢٥١ ، الرياض النضرة ٣ / ١٣١ عن أحمد ، ذخائر العقبى : ١٢٧ ، فرائد السمطين ١ / ٢٥٧ ـ ٢٥٨ ح ١٩٨ ، مجمع الزوائد ٦ / ١١٤ و ١٢٢ ، كنز العمّال ١٣ / ١٤٣ ـ ١٤٤ ح ٣٦٤٤٩.


وقال الفضل(١) :

إتّصال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بعليّ في النسب ، وأخوّة الإسلام ، والنصرة ، والمؤازرة ، غير خفيّ على أحد ، ولا دلالة على النصّ بخلافته ؛ لأنّ مثل هذا الكلام قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لغير عليّ ، كما ذكر أنّه قال : « الأشعريّون إذا قحطوا أرملوا(٢) ، أنا منهم وهم منّي »(٣) .

ولا شكّ أنّ الأشعريّين بهذا الكلام لم يصيروا خلفاء ، فلا يكون هذا نصّا.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٤٣.

(٢) أرمل القوم : أي نفد زادهم ، وأصله من الرّمل كأنّهم لصقوا بالرّمل ، كما قيل للفقير : التّرب ؛ انظر : لسان العرب ٥ / ٣٢١ مادّة « رمل ».

(٣) صحيح البخاري ٣ / ٢٧٦ ح ٤ ، صحيح مسلم ٧ / ١٧١ كتاب الفضائل / باب فضائل الأشعريّين ، مختصر تاريخ دمشق ١٣ / ٢٤٠ رقم ٦٧ ، كنز العمّال ١٢ / ٥٦ ح ٣٣٩٧٣.


وأقول :

روى البخاري والحاكم في « المستدرك » ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ : «أنت منّي وأنا منك »(١) ، وذلك في قصّة مخاصمة أمير المؤمنين وجعفر وزيد في ابنة حمزة ، كما أشرنا إليها في المبحث السابق(٢) .

وروى الحاكم في « المستدرك »(٣) ، عن عمران بن حصين ـ وصحّحه على شرط مسلم ـ ، قال عمران ما حاصله : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله استعمل عليّا على سريّة ، فأصاب جارية ، فأنكروا عليه ، فتعاقد أربعة أن يخبروا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأخبره أحدهم ، فأعرض عنه ، وكذلك الثاني والثالث.

ثمّ قام الرابع فأخبره ، فأقبل عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والغضب في وجهه فقال : «ما تريدون من عليّ؟! إنّ عليّا منّي وأنا منه ، وهو وليّ كلّ مؤمن ».

ونحوه في « سنن الترمذي » ، في مناقب عليّعليه‌السلام (٤) .

وفي « مسند أحمد »(٥) و « كنز العمّال »(٦) ، نقلا عن ابن أبي شيبة ،

__________________

(١) صحيح البخاري ٤ / ٢٢ ح ٩ وج ٥ / ٢٩١ ـ ٢٩٢ ح ٢٦٣ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٠ ح ٤٦١٤.

(٢) انظر الصفحة ١٢٥ من هذا الجزء.

(٣) ص ١١٠ من الجزء الثالث [ ٣ / ١١٩ ح ٤٥٧٩ ]. منهقدس‌سره .

(٤) سنن الترمذي ٥ / ٥٩٠ ـ ٥٩١ ح ٣٧١٢.

(٥) ص ٤٣٧ من الجزء الرابع. منهقدس‌سره .

(٦) ص ١٥٤ من الجزء السادس [ ١١ / ٥٩٩ ح ٣٢٨٨٣ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : كنز العمّال ١١ / ٦٠٨ ح ٣٢٩٤٠ وج ١٣ / ١٤٢ ح ٣٦٤٤٤.


جميعا عن عمران(١) .

وفي رواية أخرى لأحمد(٢) ، ولابن أبي شيبة ، كما في « الكنز »(٣) ، كلاهما عن بريدة ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «لا تقع في عليّ عليه‌السلام ، فإنّه منّي وأنا منه ، وهو وليّكم بعدي ».

وفي حديث آخر لابن أبي شيبة ، كما في « الكنز »(٤) ، عن عمران ، ـ وقال : صحيح ـ : «عليّ منّي وأنا من عليّ ، وعليّ وليّ كلّ مؤمن بعدي ».

وقد سبق في الحديث السادس أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «عليّ منّي وأنا منه ، ولا يؤدّي عنّي إلّا أنا أو عليّ »(٥) .

رواه أحمد ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة(٦) .

ودلالة الجميع على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ظاهرة ؛ لأنّ جعل كلّ من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّعليه‌السلام بعضا من الآخر دليل على اتّحادهما بالمزايا والفضل والإمامة.

كما يشهد له مضيّ فعل عليّعليه‌السلام في اصطفاء الجارية من السبي ، كما مرّ في رواية عمران وبريدة.

__________________

(١) انظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٧٤٩ ـ ٧٥٠ ح ١٠٣٥ وص ٧٦٨ ح ١٠٦٠ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٠٤ ح ٥٨.

(٢) ص ٣٥٦ من الجزء الخامس. منهقدس‌سره .

(٣) في الصحيفة السابقة [ ١١ / ٦٠٨ ح ٣٢٩٤٢ ]. منهقدس‌سره .

(٤) في الصحيفة السابقة أيضا [ ١١ / ٦٠٨ ح ٣٢٩٤١ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٠٤ ذ ح ٥٨.

(٥) راجع الصفحة ٦٥ وما بعدها من هذا الجزء.

(٦) انظر : مسند أحمد ٤ / ١٦٤ و ١٦٥ ، سنن الترمذي ٥ / ٥٩٤ ح ٣٧١٩ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٢٨ ح ٨٤٥٩ ، سنن ابن ماجة ١ / ٤٤ ح ١١٨.


وبهذا يعلم أنّه أراد الإمامة بقوله : «هو وليّ كلّ مؤمن » ؛ إذ لا يصلح إرادة غيرها في المقام.

وبالجملة ، قد دلّت هذه الروايات على صحّة اصطفاء أمير المؤمنين للجارية ، ومضيّ فعله ؛ لأنّه من رسول الله ورسول الله منه ، فيفهم منها أنّه إمام فعلا.

بل يفهم من مجرّد قوله : « هو منّي وأنا منه » ، أنّه بمنزلته فعلا ، فيكون إماما فعليّا.

ولا ينافيه التقييد بالبعديّة في بعض الأخبار المذكورة ؛ لأنّ المراد بها التأخّر في الرتبة ، والإشارة إلى قيامه بعده بتمام شؤون الإمامة ، كما سبق تحقيقه في الآية الأولى من الآيات التي استدلّ بها المصنّفرحمه‌الله على الإمامة(١) .

وأمّا معارضة الفضل بما ورد عندهم في شأن الأشعريّين ، ففي غير محلّها ؛ لأنّه من حديث المخالفين ، وهو ليس حجّة علينا

مع أنّه من رواية أبي موسى الأشعري ، وهو محلّ التهمة ، ومنافق ؛ لبغضه عليّا(٢) ، والمنافق أعظم الفاسقين ، فلا تقبل روايته لو صحّ السند

__________________

(١) راجع : ج ٤ / ٣٠٤ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٢) لا يخفى نفاق أبي موسى الأشعري وانحرافه وسوء مواقفه وبغضه لأمير المؤمنين الإمام عليّعليه‌السلام ، ومن سبر سيرته يعلم ذلك جليّا

فموقفه لمّا أتاه كتاب الإمام عليّ عليه‌السلام بيد محمّد بن أبي بكر ومحمّد بن جعفر ـ رضوان الله عليهما ـ ليجمع له أهل الكوفة لحرب الجمل ، فثبّطهم عن الخروج ، فأرسل له أمير المؤمنين الإمام عليّ عليه‌السلام الإمام الحسن عليه‌السلام وعمّار بن ياسر رضي الله عنه إلى الكوفة ليستنهضا أهلها ، فماطلهما وخذّل الناس عن الاستجابة لهما ، حتّى أتى


إليه.

ولو سلّم قبولها ، فاستعمال التبعيض في حديث الأشعريّين ـ بغير الإمامة ، بقرينة المقام وغيره ـ لا يستلزم مثله في ما نحن فيه ، الذي عرفت ظهوره في الاتّحاد بالفضل والمنزلة ؛ ولذا اقتضى قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله في قصّة براءة : «لا يؤدّي عنّي إلّا أنا أو رجل منّي » انعزال أبي بكر ، والحال أنّه ليس دون الأشعريّين عند القوم.

وممّا بيّنّا يعلم وجه الاستدلال بقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لجبرئيل : « إنّ

__________________

_ مالك الأشتر رضي الله عنه وطرده. انظر حوادث سنة ٣٦ ه‍ في : تاريخ الطبري ٣ / ٢٥ وما بعدها ، الكامل في التاريخ ٣ / ١١٨ وما بعدها.

وما رواه سويد بن غفلة ، قال : سمعت أبا موسى الأشعري يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « يكون في هذه الأمّة حكمين ضالّين ، ضالّ من اتّبعهما » فقلت : يا أبا موسى! انظر لا تكون أحدهما؟! قال : فو الله ما مات حتّى رأيته أحدهما. انظر : تاريخ دمشق ٣٢ / ٩٢.

وما روي عن شقيق ، قال : كنّا مع حذيفة جلوسا ، فدخل عبد الله [ أي : ابن مسعود ] وأبو موسى المسجد ، فقال : أحدهما منافق ؛ ثمّ قال : إنّ أشبه الناس هديا ودلّا وسمتا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عبد الله. انظر : تاريخ دمشق ٣٢ / ٩٣.

وهذا تلميح أبلغ من التصريح كما لا يخفى ؛ ومن الثابت أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر حذيفة رضي الله عنه بأسماء المنافقين. انظر مثلا : أسد الغابة ١ / ٤٦٨ رقم ١١١٣.

وما روي عن حكيّم ، قال : كنت جالسا مع عمّار فجاء أبو موسى ، فقال : ما لي ولك؟! قال : ألست أخاك؟! قال : ما أدري! إلّا أنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلعنك ليلة الجمل [ أي : ليلة العقبة ] ؛ قال : إنّه استغفر لي ؛ قال عمّار : قد شهدت اللعن ولم أشهد الاستغفار. انظر : تاريخ دمشق ٣٢ / ٩٣.

ولا يخفى دلالة هذا النصّ على أنّ أبا موسى الأشعري كان من النفر الّذين أرادوا قتل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم العقبة.

ثمّ موقفه المشين يوم التحكيم في صفّين.

.. إلى غير ذلك من المواقف التي تؤكّد انحرافه عن الإمام عليّ عليه السلام وبغضه له ، فكان مصداقا لقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « لا يحبّك إلّا مؤمن ، ولا يبغضك إلّا منافق ».


عليّا منّي وأنا منه » ؛ لدلالته على أنّه نفس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فله منزلته وفضله ، وقد كرّم جبرئيل نفسه يجعلها بعضا منهما.

وقد روى هذا الحديث المصنّفرحمه‌الله عن « مسند أحمد » في ظاهر كلامه(١) .

وحكاه في « كنز العمّال »(٢) ، عن الطبراني ، عن رافع بن خديج.

ورواه الطبري في « تاريخه »(٣) ، وذكر فيه قتل عليّعليه‌السلام لأصحاب الألوية ، وتفريقه لمن أراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من جماعات المشركين ، وقتله لبعضهم.

ومثله في « كامل » ابن الأثير(٤) .

ونحوه في « شرح النهج » لابن أبي الحديد(٥) ، نقلا عن غلام ثعلب(٦) ، ومحمّد بن حبيب في « أماليه » ، وجماعة من المحدّثين ، وقال :

__________________

(١) راجع الصفحة ١٣٣ من هذا الجزء.

(٢) ص ٤٠٠ ج ٦ [ ١٣ / ١٤٣ ـ ١٤٤ ح ٣٦٤٤٩ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : المعجم الكبير ١ / ٣١٨ ح ٩٤١.

(٣) ص ١٧ من الجزء الثالث [ ٢ / ٦٥ ]. منهقدس‌سره .

(٤) ص ٧٤ من الجزء الثاني [ ٢ / ٤٩ ]. منهقدس‌سره .

(٥) نحوه في آخر ص ٣٧١ من المجلّد الثالث [ ١٤ / ٢٥٠ ـ ٢٥١ ]. منهقدس‌سره .

(٦) هو : أبو عمر محمّد بن عبد الواحد بن أبي هاشم المطرّز الباوردي ، المعروف بالزاهد ، أحد أعلام اللغة المكثرين في التصنيف ، صحب أبا العبّاس ثعلبا النحوي زمانا حتّى لقّب ب‍ « غلام ثعلب » ، وكانت صنعته تطريز الثياب فنسب إليها.

كان نهاية في النصب والميل على الإمام عليّ عليه السلام ، مغاليا في حبّ معاوية! وصنّف جزءا في فضائله!! وكان إذا ورد عليه من يروم الأخذ عنه ألزمه بقراءة ذلك الجزء! ومن مصنّفاته : غريب القرآن ، غريب الحديث ، شرح الفصيح ، فائت الفصيح ، فائت العين ، فائت الجمهرة.


« هو من الأخبار المشهورة ».

* * *

__________________

ولد سنة ٢٦١ ، وتوفّي ببغداد سنة ٣٤٥ ودفن بها.

انظر : الفهرست ـ للنديم ـ : ١٢٠ ، تاريخ بغداد ٢ / ٣٥٦ رقم ٨٦٥ ، طبقات الحنابلة ٢ / ٥٦ رقم ٦٠٣ ، وفيات الأعيان ٤ / ٣٢٩ رقم ٦٣٨ ، تذكرة الحفّاظ ٣ / ٨٧٣ رقم ٨٤٤ ، لسان الميزان ٥ / ٢٦٨ رقم ٩٢٢.


١٥ ـ حديث : إنّ فيك مثلا من عيسى

قال المصنّف ـ قدّس الله روحه ـ(١) :

الخامس عشر : في مسند أحمد بن حنبل ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ : «إنّ فيك مثلا من عيسى ، أبغضه اليهود حتّى اتّهموا أمّه ، وأحبّه النصارى حتّى أنزلوه المنزل الذي ليس له بأهل »(٢)

وقد صدق النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأنّ الخوارج أبغضوا عليّاعليه‌السلام ، والنصيريّة(٣) اعتقدوا فيه الربوبيّة.

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢١٩.

(٢) مسند أحمد ١ / ١٦٠ ، وانظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٧٩٤ ح ١٠٨٧ وص ٨٨٨ ح ١٢٢١ و ١٢٢٢ ، زوائد عبد الله على المسند : ٤١٢ ح ١٩٦ ، السنّة ـ لعبد الله بن أحمد ـ ٢ / ٥٤٣ ح ١٢٦٢ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٣٧ ح ٨٤٨٨ ، التاريخ الكبير ـ للبخاري ـ ٣ / ٢٨١ ـ ٢٨٢ رقم ٩٦٦ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٤٧٠ ح ١٠٠٤ ، مسند البزّار ٣ / ١١ ـ ١٢ ح ٧٥٨ ، مسند أبي يعلى ١ / ٤٠٦ ـ ٤٠٧ ح ٥٣٤ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٢ ـ ١٣٣ ح ٤٦٢٢ ، فضائل الخلفاء ـ لأبي نعيم ـ : ٦٨ ح ٥٤ ، الاستيعاب ٣ / ١١٣٠ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١١٠ ح ١٠٤ ، شواهد التنزيل ٢ / ١٦٠ ـ ١٦٦ ح ٨٦٠ ـ ٨٧٠ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٩٣ ـ ٢٩٦ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٣٣ ، كنز العمّال ١٣ / ١٢٥ ح ٣٦٣٩٩.

(٣) النصيرية ـ ويقال لها : النّميرية ـ : فرقة تنسب إلى محمّد بن نصير النميري ، وكان هو من أصحاب الإمام الحسن العسكريعليهما‌السلام ، ثمّ انحرف عن جادّة الحقّ وادّعى أمورا باطلة عظيمة ، كالنيابة عن الإمام صاحب الزمانعليه‌السلام والقول بالتناسخ


وقال الفضل(١) :

الحمد لله الذي جعل أهل السنّة معتدلين بين الفريقين ؛ من المفرطة في حبّ عليّ ، كالنصيرية التي يدّعون ربوبيته ، وكالإماميّة التي يدّعون أنّ أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله كفروا كلّهم لمخالفة النصّ في شأنه ؛ ومن المفرطة في بغضه كالخوارج المبغضة.

وأمّا أهل السنّة والجماعة ـ بحمد الله ـ فيحبّونه حبّا شديدا ، وينزلونه في منزلته التي هو أهل لها ، من كونه وصيّا ، وخليفة من الخلفاء الأربع ، وصاحب ودائع العلم والمعرفة.

* * *

__________________

والغلوّ والنبوّة والإلحاد.

انظر : فرق الشيعة ـ للنوبختي ـ : ٩٣ ـ ٩٤ ، الفرق بين الفرق : ٢٣٩ و ٢٤١ ، الغيبة ـ للطوسي : ٣٩٨ ح ٣٦٩ ـ ٣٧١ ، الاحتجاج ٢ / ٥٥٢ و ٥٥٤.

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٤٦.


وأقول :

هذا الحديث كما هو مذكور في مسند أحمد ، مذكور في مستدرك الحاكم ، وخصائص النسائي ، وغيرها ، كما سبق في الآية الثانية والستّين(١) .

وبمعناه ما في « الاستيعاب » بترجمة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، أنّه قال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «تفترق فيك أمّتي كما افترقت بنو إسرائيل في عيسى »(٢) .

ولا ريب أنّ إنزال النصارى لعيسى بغير منزلته إنّما هو لاتّخاذهم له إلها.

وبمقتضى التمثيل يكون إنزال عليّعليه‌السلام بغير منزلته هو اتّخاذه إلها كعيسى ، كما فعل النصيرية وغيرهم من الغلاة ، فلا يدخل الإماميّة في من أنزله بغير منزلته ؛ لأنّهم يقولون : إنّه عبد من عبيد الله تعالى ، أكرمه بالخلافة بالنصّ عليه.

وحينئذ ، فينحصر أمر الإماميّة بين أن يكونوا ممّن أبغضه ، ولا سبيل إليه بالضرورة ؛ وبين أن يكونوا من النمط الأوسط والمحقّ ، وهو المطلوب.

__________________

(١) راجع : ج ٥ / ٢٨٤ من هذا الكتاب ، وانظر : مسند أحمد ١ / ١٦٠ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٢ ـ ١٣٣ ح ٤٦٢٢ ، خصائص الإمام عليّعليه‌السلام : ٨٤ ح ٩٨ ، مسند البزّار ٣ / ١١ ـ ١٢ ح ٧٥٨ ، مسند أبي يعلى ١ / ٤٠٦ ـ ٤٠٧ ح ٥٣٤.

(٢) الاستيعاب ٣ / ١١٠١.


كما ينحصر أهل السنّة بين هذين ، والمتعيّن فيهم الأوّل ؛ لأنّ النمط الأوسط لا يمكن أن يجمع الفريقين المتباينين ، ولأنّ أهل السنّة اجتهدوا في تأخيره عمّن لا يقاس به علما وعملا ، ولا يلتفتون إلى آية تدلّهم على منزلته ، ولا إلى سنّة ترشدهم إلى فضله وعلوّ محلّه ، بل يحتالون إلى نفي النصوصيّة بالأوهام والشبه البعيدة ، ويتناولون الأسانيد القويّة الكثيرة بالتضعيف بكلّ وسيلة ، بعكس ما يرد عندهم في حقّ مشايخهم!

فلا بدّ أن يكون من قال : « إنّ عليّا هو الخليفة الأوّل » محقّا ناجيا ، ومن قال : « إنّه رعيّة لغيره » مبطلا هالكا ؛ وبه يتمّ إثبات إمامته وخلافته للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بلا فصل.

وقد سبق في الآية الثانية والستّين دلالة ذلك على إمامته بوجوه أخر ؛ فراجع(١) .

وأمّا ما زعمه الفضل من أنّ الإماميّة يكفّرون أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله

فإن أراد به أنّهم يقولون بشركهم أو إنكارهم الرسالة ، فباطل

وإن أراد أنّهم يقولون : إنّ أكثر الصحابة خالفوا نصّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على عليّ ، وألغوا أمر الله تعالى وأمر رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّه ، فصحيح ؛ لأنّ الإمامة عندنا أصل من أصول الدين ، ومن لم يعرف إمام زمانه فقد مات ميتة جاهلية ، كما مرّ تحقيقه في أوّل مباحث الإمامة(٢)

__________________

(١) راجع : ج ٥ / ٢٨٥ ـ ٢٨٦ من هذا الكتاب.

(٢) راجع : ج ٤ / ٢١١ وما بعدها من هذا الكتاب.

وانظر : مسند أحمد ٣ / ٤٤٦ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٤٩٠ ح ١٠٥٨ ،


وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله :( أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) (١) ، وصرّحت به السنّة المستفيضة ، كأخبار الحوض ، التي منها ما رواه البخاري في « باب الحوض » ، من أنّ الأصحاب ارتدّوا على أدبارهم القهقرى ، ولا يخلص منهم إلّا مثل همل النّعم(٢) ، كما مرّ(٣) ويأتي إن شاء الله تعالى.

وأمّا ما زعمه من أنّ أهل السنّة يحبّون عليّا حبّا شديدا ، فلا نعرف منه إلّا الدعوى ، ولو كشف الله سبحانه حجاب ضمائرهم لعرفت أنّهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم

بل الوجدان يشهد بخلافه ، فهذه أقلامهم عند تلاوة آيات فضله ، وهذه أرقامهم(٤) عند سماع نصوص إمامته ، وهذا ولاؤهم لأظهر مبغضيه وأعدائه ، كمعاوية وأشباهه

تودّ عدوّي ثمّ تزعم أنّني

صديقك إنّ الرأي عنك لعازب(٥)

__________________

مجمع الزوائد ٥ / ٢١٨ و ٢٢٤ ؛ علاوة على ما مرّ في مقدّمة الكتاب ص ٣١ ، وفي ج ٤ / ٢١٤ ه‍ ١ ـ ٤ ، من تخريج ألفاظ حديث : «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ».

(١) سورة آل عمران ٣ : ١٤٤.

(٢) صحيح البخاري ٨ / ٢١٧ ح ١٦٦.

(٣) انظر ما تقدّم في ج ٢ / ٢٧ ه‍ ١ وج ٤ / ٢١٢ ـ ٢١٣ من هذا الكتاب.

(٤) الرّقم : الكتابة والختم ؛ والرّقم والتّرقيم : تعجيم الكتاب ، ورقم الكتاب يرقمه رقما : أعجمه وبيّنه ، وكتاب مرقوم أي قد بيّنت حروفه بعلاماتها من التنقيط ؛ انظر : لسان العرب ٥ / ٢٩٠ مادّة « رقم ».

والمراد هنا هو ما كتبوه ويكتبونه في إنكار إمامة أمير المؤمنين الإمام عليّ عليه‌السلام .

(٥) البيت من بحر الطويل ، وقد نسبه ابن عبد ربّه إلى العتابي ؛ انظر : العقد الفريد ٢ / ٧٥ باب أصناف الإخوان من كتاب « الياقوتة في العلم والأدب » ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٢٠ / ١٥.


١٦ ـ حديث : لا يحبّك إلّا مؤمن

قال المصنّف ـ ضاعف الله أجره ـ(١) :

السادس عشر : في مسند أحمد بن حنبل ، وهو مذكور في « الجمع بين الصحيحين » ، وفي « الجمع بين الصحاح الستّة » ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «لا يحبّك إلّا مؤمن ، ولا يبغضك إلّا منافق »(٢) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢١٩.

(٢) مسند أحمد ١ / ٩٥ و ١٢٨ وج ٦ / ٢٩٢ ، الجمع بين الصحيحين ١ / ١٧٢ ح ١٥٣ ، وانظر : سنن الترمذي ٥ / ٥٩٤ ح ٣٧١٧ وص ٦٠١ ح ٣٧٣٦ ، سنن النسائي ٨ / ١١٦ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٣٧ ح ٨٤٨٧ ، مسند الحميدي ١ / ٣١ ح ٥٨ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٠٣ ح ٥١ ، مسند أبي يعلى ١ / ٢٥١ ح ٢٩١ وج ١٢ / ٣٣١ ـ ٣٣٢ ح ٦٩٠٤ وص ٣٦٢ ح ٦٩٣١ ، المعجم الكبير ٢٣ / ٣٧٤ ـ ٣٧٥ ح ٨٨٥ و ٨٨٦ ، معرفة علوم الحديث : ١٨٠ ، فضائل الخلفاء ـ لأبي نعيم ـ : ٧٦ ح ٦٦ ، الاستيعاب ٣ / ١١٠٠ ، تاريخ بغداد ٨ / ٤١٧ رقم ٤٥٢٣ وج ١٤ / ٤٢٦ رقم ٧٧٨٥ ، الشفا ـ للقاضي عياض ـ ٢ / ٤٨ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٧٠ ـ ٢٨٠.


وقال الفضل(١) :

هذا الحديث صحيح لا شكّ فيه ، وفي رواية هذا الحديث عن عليّ ، أنّه قال : «لعهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إليّ ؛ أنّه لا يحبّني إلّا مؤمن ، ولا يبغضني إلّا منافق »(٢) .

والحمد لله الذي جعلنا من أهل محبّته ، وملأ قلوبنا من صفو مودّته ، وبالله التوفيق.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٤٩.

(٢) مرّ تخريج الحديث مفصّلا فى ج ١ / ١٥ ه‍ ٣ من هذا الكتاب ؛ وانظر علاوة على ذلك : السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٤٧ ح ٨١٥٣ وص ١٣٧ ح ٨٤٨٥ ـ ٨٤٨٦ ، مسند أحمد ١ / ٨٤ ، شرح السنّة ٨ / ٨٥ ـ ٨٦ ح ٣٩٠٧ و ٣٩٠٨.


وأقول :

إذا عرف صحّة هذا الحديث ، وصدّق بحمد الله على حبّه ، فما باله والى أشدّ أعدائه وأكبر مبغضيه ، كمعاوية وابن العاص ومروان ، وأشباههم ، ولم يحكم عليهم بالنفاق ، مع اتّضاح حالهم في بغض أمير المؤمنين واستمرارهم على عداوته وسبّه؟!

بل يلزمه أن لا يوالي عائشة ، بل يصفها بالنفاق ، لعلمه بعداوتها له ، واستدامتها على بغضه!

ففي « مسند أحمد »(١) عن عبيد الله بن عبد الله ، عن عائشة ، قالت :

لمّا مرض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في بيت ميمونة ، فاستأذن نساءه أن يمرّض في بيتي ، فأذنّ له ، فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله معتمدا على العبّاس وعلى رجل آخر ، ورجلاه تخطّان في الأرض.

وقال عبيد الله : فقال ابن عبّاس : أتدري من ذلك الرجل؟! هو عليّ ابن أبي طالب ، ولكنّ عائشة لا تطيب لها نفسا.

ورواه أيضا في مقام آخر(٢) .

__________________

(١) ص ٣٤ من الجزء السادس. منهقدس‌سره .

(٢) ص ٢٢٨ ج ٦. منهقدس‌سره .

وانظر : صحيح البخاري ٦ / ٣٢ ح ٤٣٢ ، صحيح مسلم ٢ / ٢١ ـ ٢٢ كتاب الصلاة ، سنن ابن ماجة ١ / ٥١٧ ح ١٦١٨ ، سنن النسائي ٢ / ١٠١ ـ ١٠٢ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ١ / ٢٩٣ ح ٩٠٨ ، سنن الدارمي ١ / ٢٠٥ ذ ح ١٢٥٥ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٢ / ١٧٩ ، مسند أبي عوانة ١ / ٤٤٢ ح ١٦٣٦ وص ٤٤٣ ح


فهل ترى أشدّ في البغض من أن لا تطيب نفس الشخص أن يتلفّظ باسم عدوّه؟!

ورواه الطبري في « تاريخه »(١) ، وفيه : « ولكنّها لا تقدر على أن تذكره بخير ، وهي تستطيع »!

وهو أصرح في الدلالة على بغضها لإمام المتّقين ونفس النبيّ الأمين.

ورواه البخاري في « باب الغسل والوضوء في المخضب » من كتاب الوضوء(٢)

وفي « باب حدّ المريض أن يشهد الجماعة » من كتاب الأذان(٣)

وفي « باب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها » من كتاب الهبة(٤)

وفي « باب مرض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله » في أواخر كتاب المغازي(٥) .

وفي كلّها لم تسمّ الرجل الآخر ، وإنّما سمّاه ابن عبّاس.

ولم يرو البخاري تتمّة كلام ابن عبّاس ؛ رعاية لشأن عائشة! ولم يدر أنّ تركها لاسم أمير المؤمنين مع ذكر اسم عديله كاف في الدلالة على بغضها له!!

وروى أحمد أيضا(٦) ، عن عطاء بن يسار ، قال : جاء رجل فوقع في

__________________

١٦٤٠ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ١ / ٣١ وج ٣ / ٨٠ ـ ٨١ وج ٨ / ١٥١ ـ ١٥٢ ؛ وقد أسقط قوله : « ولكنّ عائشة لا تطيب له نفسا » من بعض هذه المصادر ؛ فلاحظ!

(١) ص ١٩١ من الجزء الثالث [ ٢ / ٢٢٦ ]. منهقدس‌سره .

(٢) صحيح البخاري ١ / ١٠١ ح ٦١.

(٣) صحيح البخاري ١ / ٢٦٩ ح ٥٧.

(٤) صحيح البخاري ٣ / ٣١٣ ـ ٣١٤ ح ٢٢.

(٥) صحيح البخاري ٦ / ٣٢ ح ٤٣٢.

(٦) ص ١١٣ ج ٦. منهقدس‌سره .


عليّ وعمّار عند عائشة ، فقالت : أمّا عليّ فلست قائلة لك فيه شيئا! وأمّا عمّار ، فإنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول :لا يخيّر بين أمرين إلّا اختار أرشدهما.

.. إلى غير ذلك من الأخبار الكاشفة عن بغضها له ، وإن كان لا حاجة في بيان عداوتها وبغضها له إلى دليل.

وأعظم من ذلك حربها له ، وهي تعلم أنّ حربه حرب لرسول الله(١) ، مقدمة على قتله لو قدرت ، وهي تدري أنّه أخو رسول الله ونفسه.

وعلى هذه فقس ما سواها ، إذ لم تأت ذلك عنوة بل ورثته عن أسلافها!

وأمّا وجه الدلالة في الحديث الذي ذكره المصنّفرحمه‌الله ونحوه على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقد تقدّم في أوّل مباحث الإمامة ، وفي الآية الثانية عشرة(٢) .

* * *

__________________

(١) تقدّم تخريج ذلك مفصّلا في ج ٤ / ٣٥٨ ه‍ ٤ وج ٥ / ٣٢١ ه‍ ٣ من هذا الكتاب ؛ فراجع!

وانظر إضافة إلى ذلك : المعجم الأوسط ٣ / ٢٥٦ ح ٢٨٧٥ وج ٥ / ٣١٦ ح ٥٠١٥ وج ٧ / ٢٤٢ ح ٧٢٥٩ ، المعجم الصغير ٣ / ٣ ، تاريخ بغداد ٧ / ١٣٧ رقم ٣٥٨٢.

(٢) راجع : ج ٤ / ٢١٤ وما بعدها وج ٥ / ١٧ ـ ١٨ وما بعدها من هذا الكتاب.


١٧ ـ حديث : ولكنّه خاصف النعل

قال المصنّف ـ أجزل الله ثوابه ـ(١) :

السابع عشر : في مسند أحمد بن حنبل ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله.

فقال أبو بكر : أنا هو يا رسول الله؟

قال :لا .

قال عمر : أنا هو يا رسول الله؟

قال :لا ، ولكنّه خاصف النعل.

وكان عليّ يخصف نعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الحجرة عند فاطمةعليها‌السلام (٢) .

وفي « الجمع بين الصحاح الستّة » : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :لتنتهنّ

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٢٠.

(٢) مسند أحمد ٣ / ٣٣ و ٨٢ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٧٧٧ ح ١٠٧١ وص ٧٩٠ ح ١٠٨٣ ، وانظر : السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٥٤ ح ٨٥٤١ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٩٧ ح ١٩ ، مسند أبي يعلى ٢ / ٣٤١ ح ١٠٨٦ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٤٦ ح ٦٨٩٨ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٢ ح ٤٦٢١ ، حلية الأولياء ١ / ٦٧ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٦ / ٤٣٥ ـ ٤٣٦ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٩٩ ح ٧٨ ، مناقب عليّ بن أبي طالب ـ لابن أخي تبوك ؛ المطبوع بذيل مناقب ابن المغازلي ـ : ٣٤٣ ح ٢٣ ، شرح السنّة ٦ / ١٦٧ ح ٢٥٥٧ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٤٥١ ـ ٤٥٥ ، مجمع الزوائد ٥ / ١٨٦ وج ٩ / ١٣٣ ، كنز العمّال ١١ / ٦١٣ ح ٣٢٩٦٧.


معشر قريش أو ليبعثنّ الله عليكم رجلا منّي امتحن الله قلبه للإيمان ، يضرب أعناقكم على الدين.

قيل : يا رسول الله! أبو بكر؟

قال :لا .

قيل : عمر؟

قال :لا ، ولكن خاصف النعل في الحجرة (١) .

* * *

__________________

(١) انظر : سنن الترمذي ٥ / ٥٩٢ ح ٣٧١٥ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١١٥ ح ٨٤١٦ ، مصنّف عبد الرزّاق ١١ / ٢٢٦ ح ٢٠٣٨٩ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٩٧ ح ١٨ وص ٤٩٩ ح ٣٠ وص ٥٠٦ ح ٧٤ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٧٣٤ ح ١٠٠٨ وص ٧٤٣ ح ١٠٢٤ وص ٨٠٦ ح ١١٠٥ ، مسند البزّار ٣ / ٢٥٨ ـ ٢٥٩ ح ١٠٥٠ ، مسند أبي يعلى ٢ / ١٦٥ ـ ١٦٦ ح ٨٥٩ ، أنساب الأشراف ٢ / ٣٦٤ ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ١٤٩ ـ ١٥٠ ح ٢٦١٤ ، الاستيعاب ٣ / ١١٠٩ ـ ١١١٠ ، تاريخ بغداد ١ / ١٣٣ ـ ١٣٤ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٤٢ ـ ٣٤٣ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٦٣ ، كنز العمّال ١٣ / ١٧٣ ح ٣٦٥١٨ عن الترمذي وابن جرير في « تهذيب الآثار » والضياء المقدسي في « المختارة » وص ١٧٤ ح ٣٦٥١٩ عن ابن أبي شيبة في « المصنّف » وابن جرير في « تهذيب الآثار » والحاكم في « المستدرك » ويحيى بن سعيد في « إيضاح الإشكال ».


وقال الفضل(١) :

صحّ الحديث ، وهذا يدلّ على أنّه يقاتل البغاة والخوارج ، وكان مقاتلة البغاة والخوارج على تأويل القرآن ، حيث كانوا يؤوّلون القرآن ، ويدّعون الخلافة لأنفسهم ، فقاتلهم أمير المؤمنين ، وعلّم الناس قتال الخوارج والبغاة ، كما قال الشافعي : إنّه لو لم يقاتل أمير المؤمنين البغاة ما كنّا نعلم كيفيّة القتال معهم(٢) .

وهذا لا يدلّ على النصّ بخلافته ، بل إخبار عن مقاتلته في سبيل الله مع العصاة والبغاة.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٥٠.

(٢) انظر : الحاوي الكبير ١٦ / ٣٦٠.


وأقول :

ذكر المصنّفرحمه‌الله هنا حديثين تقدّم بيان رواتهما في الآية الثانية والعشرين(١) ، وكلّ منهما دالّ على المقصود

أمّا الأوّل ، فلأنّ المراد ـ بالقتال على تأويل القرآن ـ : إمّا القتال على وفق ما أدّى إليه القرآن باجتهاد المقاتل

أو ما أدّى إليه في الواقع ؛ لعلم المقاتل به

فيكون المشبّه به على الوجهين هو : قتال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على حسب ما أنزل إليه.

وإمّا أن يكون المراد : القتال على مؤوّل القرآن يعملوا به ، كما قاتل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله للإقرار بأنّه منزل من الله تعالى.

والأظهر أحد الوجهين الأخيرين ؛ لأنّهما أمكن في التشبيه.

ومن المعلوم أنّ القتال على أيّ الوجوه الثلاثة شأن خليفة الرسول ، وزعيم الأمّة ، فتثبت إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام .

ولمّا نفى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك عن الشيخين مع صدور القتال منهما علم أنّهما ليسا بإمامين.

وليت شعري ، إذا لم يكن قتالهما على وفق القرآن ، ولا لأجل العمل به ، فكيف وليا أمر القتال والأمّة؟! وكيف اتّخذهم الناس أئمّة؟!

فإن قلت : لعلّ المراد بقتال عليّعليه‌السلام على التأويل : قتاله لمن تأوّل

__________________

(١) راجع : ج ٥ / ٨٥ وما بعدها من هذا الكتاب.


القرآن وادّعى الخلافة لنفسه ، فلا يكون نفي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لهذا القتال عن الشيخين منافيا لإمامتهما ؛ لأنّ هذا النفي مطابق للواقع ، إذ لم يقاتلا إلّا المشركين وإن كانا إمامين.

ولعلّه إلى هذا أشار الفضل بقوله : « وكان مقاتلة البغاة والخوارج على تأويل القرآن حيث كانوا يؤوّلون القرآن ويدّعون الخلافة لأنفسهم ».

قلت : لو أريد ذلك ، كان قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «كما قاتلت على تنزيله » ـ بمقتضى المشابهة ـ أن يكون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قاتل من تنزّل عليه القرآن ؛ وهو كما ترى.

ولا أدري أيّة آية تأوّلها البغاة والخوارج حتّى استباحوا بها قتال أمير المؤمنين ، والخروج على إمام زمانهم؟!

ومتى قاتله الخوارج مدّعين للخلافة؟! وكذا معاوية وعائشة وأنصارها؟! فإنّهم إنّما قاتلوا ـ في ظاهر أمرهم ـ أمير المؤمنينعليه‌السلام طلبا بدم عثمان ، واتّخذوه ـ واقعا ـ وسيلة لبلوغ الرئاسة أو للانتقام من عليّعليه‌السلام ، عداوة له ، كما في عائشة.

ولو أعرضنا عن هذا كلّه ، فأبو بكر عندهم أيضا حارب المتأوّلين ، فلو كان إماما وحربه حقّا لما أجابه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بقوله : « لا ».

ونعني بالمتأوّلين : مانعي الزكاة ؛ لأنّهم قالوا كما في « شرح النهج » لابن أبي الحديد(١) : « إنّ الله قال لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ) (٢) .

فوصف الصدقة بأنّها من شأنها أن يطهّر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الناس

__________________

(١) ص ١٨٥ من المجلّد الرابع [ ١٧ / ٢٠٨ ]. منهقدس‌سره .

(٢) سورة التوبة ٩ : ١٠٣.


بأخذها ، وبيّن أنّ صلاته سكن لهم ، وهذه الصفات لا تتحقّق في غير النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ».

وأمّا الحديث الثاني : فهو ـ أيضا ـ دالّ على المدّعى ؛ لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وصف فيه الرجل الذي يبعثه الله تعالى بأنّه قد امتحن الله قلبه ، أي ابتلاه بأنواع المحن ، فوجده خالص الإيمان ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، ولا يصانع أحدا في دينه.

وهذا يفيد بمفهومه أنّ غير هذا الرجل ليس كذلك ، لا سيّما الشيخان ؛ للتصريح بهما ، ولأنّهما أشارا بردّ المؤمنين إلى بلاد الكفر ، وجعل السبيل للكافرين عليهم خلافا لحكم الله ورسوله ، ووفاقا لرغبة الكافرين ، لا سيّما عمر ، فإنّه وافق أبا بكر على قوله : « صدقوا » ، ولم يبال باستياء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من أبي بكر وتغيّر وجهه الشريف من قوله ، كما سبق في بعض الأخبار المصحّحة عندهم ، المذكورة في الآية الثانية والعشرين(١) .

ولو كانا ممّن امتحن الله قلبه للإيمان وخالصي الإيمان لما فعلا ذلك.

بل يستفاد من وصف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله للرجل الذي يبعثه الله بأنّه امتحن الله قلبه للإيمان ، ويضرب أعناقهم على الدين ، بعد موافقة الشيخين لقريش ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أراد التعريض بهما بأنّهما ليسا بهذا الوصف.

وبالضرورة أنّ من ليس كذلك ، ولم يبال بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مواجهة في حياته ، ولا بكتاب الله وحكمه ، أحقّ وأولى بعدم المبالاة بأحكام الله ودينه

__________________

(١) راجع : ج ٥ / ٨٦ وما بعدها من هذا الكتاب.


ونبيّه بعد وفاته ، فلا يصلح للإمامة ، وإنّما الصالح لها من ثبت له ذلك الوصف الجميل الجليل.

وقد أشار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ مع ذلك ـ إلى عصمة عليّعليه‌السلام وفضله ، بجعله منه أو مثل نفسه ، كما في رواية « الجمع بين الصحاح » وغيرها ممّا سبق في الآية المذكورة(١) ، فيتعيّن للإمامة.

* * *

__________________

(١) راجع : الصفحة ١٥٢ ـ ١٥٣ من هذا الجزء ، وج ٥ / ٨٨ وما بعدها من هذا الكتاب.


١٨ ـ حديث الطائر

قال المصنّف ـ ضاعف الله أجره ـ(١) :

الثامن عشر : في مسند أحمد بن حنبل ، و « الجمع بين الصحاح الستّة » ، عن أنس بن مالك ، قال : كان عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله طائر قد طبخ له ، فقال :اللهمّ ائتني بأحبّ الناس إليك يأكل معي ؛ فجاء عليّ فأكل معه(٢) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٢٠.

(٢) ينابيع المودّة ١ / ١٧٥ ح ١ وص ١٧٦ ح ٤ عن مسند أحمد وسنن أبي داود ، فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٦٩٢ ـ ٦٩٣ ح ٩٤٥ ، جامع الأصول ٨ / ٦٥٣ ح ٦٤٩٤ عن الجمع بين الصحاح الستّة ، وانظر : سنن الترمذي ٥ / ٥٩٥ ح ٣٧٢١ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٠٧ ح ٨٣٩٨ ، التاريخ الكبير ـ للبخاري ـ ١ / ٣٥٨ رقم ١١٣٢ وج ٢ / ٢ رقم ١٤٨٨ ، مسند أبي يعلى ٧ / ١٠٥ ح ٤٠٥٢ ، المعجم الكبير ١ / ٢٥٣ ح ٧٣٠ وج ٧ / ٨٢ ح ٦٤٣٧ وج ١٠ / ٢٨٢ ح ١٠٦٦٧ ، المعجم الأوسط ٢ / ٢٣٩ ح ١٧٦٥ وج ٦ / ١٥٣ ح ٥٨٨٦ وص ٤١٨ ح ٦٥٦١ وج ٧ / ٣١٥ ح ٧٤٦٦ وج ٩ / ٢٥١ ح ٩٣٧٢ ، أنساب الأشراف ٢ / ٣٧٨ ، تاريخ جرجان : ١٧٦ رقم ٢٢٨ ، العقد الفريد ٤ / ٧٧ ، طبقات المحدّثين بأصبهان ٣ / ٤٥٤ ح ٦١٣ رقم ٤٥١ ، مروج الذهب ٢ / ٤٢٥ ، تمهيد الأوائل : ٥٤٦ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٤١ ـ ١٤٢ ح ٤٦٥٠ و ٤٦٥١ ، المغني ـ للقاضي عبد الجبّار ـ ٢٠ ق ٢ / ١٢٢ ، حلية الأولياء ٦ / ٣٣٩ ، تاريخ أصبهان ١ / ٢٧٩ ـ ٢٨٠ رقم ٤٦٨ ، موضّح أوهام الجمع والتفريق ٢ / ٤٥٩ رقم ٤٥٨ ، تاريخ بغداد ٣ / ١٧١ رقم ١٢١٥ وج ٩ / ٣٦٩ رقم ٤٩٤٤ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٦٣ ـ ١٧٦ ح ١٨٩ ـ ٢١٢ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٧٣ ح ٤٧٧٠ ، تاريخ دمشق ٣٧ / ٤٠٦ رقم ٤٤٢٨ وج ٤٢ / ٢٤٥ ـ ٢٥٩ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٢٥ ـ ١٢٦.


ومنه ، أنّه لمّا حضرت ابن عبّاس الوفاة قال : اللهمّ إنّي أتقرّب إليك بولاية عليّ بن أبي طالب(١) .

* * *

__________________

(١) فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٨٢٣ ح ١١٢٩ ، وانظر : الرياض النضرة ٣ / ١٣٠ ـ ١٣١.


وقال الفضل(١) :

حديث الطير مشهور وهو فضيلة عظيمة ، ومنقبة جسيمة ، ولكن لا يدلّ على النصّ ، وليس الكلام في عدّ الفضائل.

وأمّا التوسّل بولاية عليّ ، فهو حقّ ومن أقرب الوسائل.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٥٢.


وأقول :

روى الترمذي حديث الطائر بسنده عن السّدي ، عن أنس ، ثمّ قال : وقد روي من غير وجه عن أنس(١) .

ورواه النسائي في « الخصائص » ، عن أنس ـ بهذا اللفظ ـ ، أنّه أتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعنده طائر فقال :اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير ؛ فجاء أبو بكر فردّه ، ثمّ جاء عمر فردّه ، ثمّ جاء عليّ فأذن له(٢) .

ورواه الحاكم في « المستدرك »(٣) ، عن أنس أيضا ، وذكر فيه أنّه جاء عليّ مرّتين فقال له : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على حاجة ؛ ثمّ جاء فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :إفتح ؛ فدخل.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :ما حبسك عليّ؟ !

قال :إنّ هذه آخر ثلاث كرّات يردّني أنس ، يزعم أنّك على حاجة ؛ الحديث.

ثمّ قال الحاكم : هذا حديث [ صحيح ] على شرط الشيخين.

وقال : وقد رواه عن أنس جماعة من أصحابه زيادة على ثلاثين نفسا ، ثمّ صحّت الرواية عن عليّ ، وأبي سعيد الخدري ، وسفينة.

__________________

(١) سنن الترمذي ٥ / ٥٩٥ ح ٣٧٢١.

(٢) خصائص الإمام عليّعليه‌السلام : ٢٥ ـ ٢٦ ح ١٢ ، وانظر : السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٠٧ ح ٨٣٩٨.

(٣) ص ١٣٠ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٤١ ـ ١٤٢ ح ٤٦٥٠ ]. منهقدس‌سره .


ثمّ رواه الحاكم أيضا من طريقين ، عن إبراهيم بن ثابت البصري القصّار ، عن ثابت البناني ، عن أنس ؛ وتعقّبه الذهبي : بأنّ إبراهيم بن ثابت ساقط(١) .

ويشكل بأنّ هذا مناقض لما ذكره هو في « ميزان الاعتدال » ، فإنّه قال فيه : « لا أعرف حاله جيّدا »(٢) .

كما أنّه تعقّب الحديث الأوّل بأنّ في سنده محمّد بن أحمد بن عياض ، عن أبيه ؛ فقال : « ابن عياض لا أعرفه »(٣) .

وقال في « الميزان » بترجمة محمّد المذكور ، بعد ما ذكر روايته لحديث الطير بالسند الذي ذكره الحاكم : « قال الحاكم : هذا على شرط البخاريّ ومسلم ».

ثمّ قال الذهبي : « الكلّ ثقات إلّا هذا ـ يعني محمّدا ـ ، فأنا أتهمه به ، ثمّ ظهر لي أنّه صدوق ـ إلى أن قال : ـ فأمّا أبوه فلا أعرفه »(٤) .

وعليه : فالأمر هيّن ؛ لأنّ عدم معرفته له لا تضرّ فيه بعدما عرفه الحاكم وصحّح حديثه على شرط الشيخين.

وقد روى الذهبيّ حديث الطير بترجمة جعفر بن سليمان الضّبعي من « الميزان » ، وسنده صحيح ؛ لأنّه رواه عن قطن بن نسير ـ وهو من رجال مسلم(٥) ـ ، عن جعفر المذكور ـ وهو من رجاله أيضا(٦) ـ ، عن

__________________

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٤٢ ـ ١٤٣ ح ٤٦٥١.

(٢) ميزان الاعتدال ١ / ١٤٣ رقم ٥٩.

(٣) انظر هامش المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٤١ ح ٤٦٥٠.

(٤) ميزان الاعتدال ٦ / ٥٣ رقم ٧١٨٦.

(٥) انظر : ميزان الاعتدال ٥ / ٤٧٤ رقم ٦٩٠٧ ، تهذيب التهذيب ٦ / ٥١٦ رقم ٥٧٤٦.

(٦) انظر : ميزان الاعتدال ٢ / ١٣٦ رقم ١٥٠٧ ، تهذيب التهذيب ٢ / ٦١ رقم ٩٨٤.


عبد الله بن المثنّى بن عبد الله بن أنس ـ وهو من رجال البخاري(١) ـ ، عن أنس(٢) .

وحكاه في « كنز العمّال »(٣) ، عن ابن عساكر من ثلاثة طرق ، وعن ابن النجّار من طريق(٤) .

ونقله سبط ابن الجوزي في « تذكرة الخواصّ » ، عن أحمد في « الفضائل » ، بسنده عن سفينة(٥) .

ونقله في « ينابيع المودّة » في الباب الثامن ، عن أحمد في مسنده ، عن سفينة(٦) .

كما نقله المصنّفرحمه‌الله هنا عن مسند أحمد ، عن أنس(٧)

والظاهر أنّ القوم أسقطوا الحديثين الأخيرين من « المسند » الموجود بأيدينا اليوم ، طبع المطبعة الميمنية بمصر سنة ١٣١٣ هجرية ، كما هي عادتهم في إسقاط كثير من الأحاديث المتعلّقة بفضل أمير المؤمنين!!

فمع ما ذكرناه ـ الذي هو قليل من كثير ـ كيف يزعم ابن تيميّة أنّه لم يرو حديث الطير أحد من أصحاب الصحاح ، ولا صحّحه أئمّة

__________________

(١) انظر : تهذيب التهذيب ٤ / ٤٦١ رقم ٣٦٦٤.

(٢) ميزان الاعتدال ٢ / ١٣٩ ذيل رقم ١٥٠٧.

(٣) ص ٤٠٦ من الجزء السادس [ ١٣ / ١٦٦ ـ ١٦٧ ح ٣٦٥٠٥ و ٣٦٥٠٧ و ٣٦٥٠٨.

منه قدس‌سره .

وانظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٤٥ ـ ٢٥٩.

(٤) لم نجده في « ذيل تاريخ بغداد » المطبوع!

(٥) تذكرة الخواصّ : ٤٤ ، وانظر : فضائل الصحابة ٢ / ٦٩٣ ح ٩٤٥.

(٦) ينابيع المودّة ١ / ١٧٥ ح ١.

(٧) تقدّم في الصفحة ١٥٩ من هذا الجزء.


الحديث(١) ؟!

والحال أنّه قد رواه : الترمذي ، والنسائي ، وصحّحه الحاكم(٢) .

ورواه الذهبي بترجمة جعفر بطريق لا شبهة في صحّته عندهم كما سمعت.

بل زعم ابن تيميّة ـ كعادته في فضائل إمام المتّقين ـ أنّ الحديث عند أهل المعرفة والعلم من المكذوبات والموضوعات(٣) ، والحال أنّه حكى عن أبي موسى المديني ، أنّه قال : جمع غير واحد من الحفّاظ طرق أحاديثه(٤) .

__________________

(١) انظر : منهاج السنّة ٧ / ٣٧١.

(٢) تقدّم آنفا في الصفحة ١٦٢ من هذا الجزء.

(٣) منهاج السنّة ٧ / ٣٧١.

(٤) منهاج السنّة ٧ / ٣٧١ ـ ٣٧٢.

نقول : وممّن ذكر أنّه جمع طرق حديث الطير وأفرده بالتصنيف :

١ ـ أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري ( ت ٣١٠ ) ؛ له : « حديث الطير » ؛ كما في البداية والنهاية ٧ / ٢٨١ وج ١١ / ١٢٥.

٢ ـ الحافظ أحمد بن محمّد بن سعيد بن عقدة ( ت ٣٣٣ ) ؛ له : « حديث الطير » ؛ كما في مناقب آل أبي طالب ـ لابن شهر آشوب ـ ٢ / ٣١٧.

٣ ـ الحاكم النيسابوري ، أبو عبد الله محمّد بن عبد الله بن حمدويه ، ابن البيّع الشافعي ( ت ٤٠٥ ) ؛ له : « قصّة الطير » ؛ ذكره هو لنفسه في معرفة علوم الحديث : ٢٥٢ ، وذكره له الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٧ / ١٧٦ رقم ١٠٠.

٤ ـ الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني ( ت ٤١٠ ) ؛ له : « حديث الطير » ؛ كما في البداية والنهاية ٧ / ٢٨١ ، ومنهاج السنّة ٧ / ٣٧٢.

٥ ـ الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني ( ت ٤٣٠ ) ؛ له : « حديث الطير » ؛ ذكره السمعاني في التحبير ١ / ١٨١ ، والذهبي في سير أعلام النبلاء ١٩ / ٣٠٦ رقم ١٩٣ ، وابن تيميّة في منهاج السنّة ٧ / ٣٧٢.

٦ ـ الحافظ أبو طاهر محمّد بن أحمد بن عليّ بن حمدان الخراساني ( ق ٥ ) ؛


وقال في « ينابيع المودّة » : ولابن المغازلي حديث الطير من عشرين طريقا(١) .

وقد سمعت قول الحاكم : رواه عن أنس زيادة على ثلاثين نفسا(٢) .

وليت شعري ، أيّ أهل المعرفة يدّعي وضعه؟! فإنّا لا نعرف أحدا من سائر الناس ادّعاه فضلا عن أهل المعرفة!!

__________________

له : « طرق حديث الطير » ؛ كما في سير أعلام النبلاء ١٧ / ٤٦٣ ، تذكرة الحفّاظ ٣ / ١١١٢ رقم ١٠٠٠ ، البداية والنهاية ٧ / ٢٨١.

٧ ـ شمس الدين أبو عبد الله محمّد بن أحمد الذهبي ( ت ٧٤٨ ) ؛ نصّ هو على ذلك في تذكرة الحفّاظ ٣ / ١٠٤٢ ـ ١٠٤٣ رقم ٩٦٢ بقوله : « وأمّا حديث الطير فله طرق كثيرة جدّا ، قد أفردتها بمصنّف ، ومجموعها هو يوجب أن يكون الحديث له أصل ».

وقال في سير أعلام النبلاء ١٧ / ١٦٩ : « وقد جمعت طرق حديث الطير في جزء ، وطرق حديث : من كنت مولاه ؛ وهو أصحّ ، وأصحّ منهما ما أخرجه مسلم عن عليّ ، قال : إنّه لعهد النبيّ الأمّيّ إليّ أنّه لا يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق ».

وقد أدرج السيّد عبد العزيز الطباطبائي قدّس سره كلّ ما ألّف عن حديث الطير ، كلّا في محلّه من كتابه « أهل البيت : في المكتبة العربية » ، كما أوسع الحديث بحثا في ألفاظه وطرقه ومصادره ، وذلك في معرض ذكره لكتاب الحاكم النيسابوري ، آنف الذكر برقم ٣ ؛ فراجع : أهل البيت عليهم السلام في المكتبة العربية : ٣٨٤ ـ ٤١٣ رقم ٥٩٤.

وكذا فعل السيّد عليّ الحسيني الميلاني ـ حفظه الله ـ ؛ إذ توسّع في الحديث بحثا ، سندا ودلالة ، ودحض أباطيل ومفتريات المشكّكين بصحّته ؛ فراجع الجزءين ١٣ و ١٤ من موسوعته « نفحات الأزهار في إمامة الأئمّة الأطهار ».

فلله درّهما وعليه أجرهما.

وراجع : ج ١ / ٨ ه‍ ٢ من هذا الكتاب.

(١) ينابيع المودّة ١ / ١٧٦ ذ ح ٣ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٦٣ ـ ١٧٦ ح ١٨٩ ـ ٢١٢.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٤٢ ذ ح ٤٦٥٠.


ولو سلّم ، فما زعمهم أهل المعرفة إنّما هم الخصوم والنواصب أمثاله ، الّذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم وأن يتّبع الحقّ أهواءهم!

وأمّا دلالة الحديث على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام فمن أظهر الأمور ؛ لأنّ أحبّ الناس إلى الله تعالى إنّما هو أفضلهم وأتقاهم وأعملهم بطاعته ، فلا بدّ أن يكون أحقّهم بالإمامة ، لا سيّما من أبي بكر وعمر ؛ إذ مع دخولهما بعموم الناس صرّح حديث النسائي باسمهما بالخصوص كما سمعت(١) .

وأشكل في « المواقف » وشرحها على الحديث : « بأنّه لا يفيد أنّه أحبّ إليه في كلّ شيء ؛ لصحّة التقسيم ، وإدخال لفظ الكلّ والبعض ؛ ألا ترى أنّه يصحّ أن يستفسر ويقال : أحبّ إليه في كلّ الأشياء أو في بعض الأشياء؟ فلا يدلّ على الأفضليّة مطلقا »(٢) .

والجواب : إنّ الإطلاق مع عدم القرينة على الخصوص يفيد العموم في مثل المقام ، ألا ترى أنّ كلمة الشهادة تدلّ على التوحيد؟! وبمقتضى ما ذكراه ينبغي أن لا تدلّ عليه ؛ لإمكان الاستفسار بأنّه لا إله إلّا هو في كلّ شيء ، أو في السماء ، أو في الأرض؟ إلى غير ذلك ؛ فلا تفيد نفي الشريك مطلقا ؛ وهذا لا يقوله عارف.

والعجب منهما أن يقولا ذلك ، وهما يستدلّان على فضل أبي بكر بقوله تعالى :( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ) (٣) ، زاعمين أنّ المراد بالأتقى : أبو

__________________

(١) تقدّم آنفا في الصفحة ١٦٢ ؛ فراجع!

(٢) انظر : المواقف : ٤٠٩ ، شرح المواقف ٨ / ٣٦٧ ـ ٣٦٨.

(٣) سورة الليل ٩٢ : ١٧.


بكر ، فيكون أفضل(١) ، والحال أنّه يمكن الاستفسار بأنّه الأتقى في كلّ شيء أو بعض الأشياء؟!

مضافا إلى أنّه لا يصحّ حمل الحديث على إرادة الأحبّ في بعض الأمور ، وإلّا لجاء مع عليّعليه‌السلام كلّ من هو أحبّ منه بزعمهم في بعض الأمور كالشيخين ؛ لاستجابة دعاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والحال أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قد ردّهما كما في حديث النسائي(٢) .

ونحن نمنع أن يكون أحد أحبّ إلى الله سبحانه بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من عليّعليه‌السلام في شيء من الأشياء ؛ لما سبق في المبحث الثاني من مباحث الإمامة أنّ الإمام أفضل الناس في كلّ شيء ، فيكون أحبّهم إلى الله تعالى في كلّ شيء(٣) .

وقد زاد ابن تيميّة في الطنبور نغمة ، فأورد على الحديث بأمور تشهد بجهله أو نصبه

منها : إنّ أكل الطير ليس فيه أمر عظيم هنا ، يناسب أن يجيء أحبّ الخلق إلى الله ليأكل معه ، فإنّ إطعام الطعام مشروع للبرّ والفاجر ، وليس في ذلك زيادة وقربة عند الله لهذا الآكل ، ولا معونة على مصلحة دين ولا دنيا ، فأيّ أمر عظيم يناسب أن يجيء أحبّ الخلق إلى الله يفعله(٤) ؟!

والجواب : إنّ الأمر العظيم تعريف الأحبّ إلى الله تعالى للناس

__________________

(١) المواقف : ٤٠٧ ـ ٤٠٨ ، شرح المواقف ٨ / ٣٦٦.

(٢) انظر : خصائص الإمام عليّعليه‌السلام : ٢٥ ـ ٢٦ ح ١٢ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٠٧ ح ٨٣٩٨.

(٣) انظر : ج ٤ / ٢٣٣ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٤) منهاج السنّة ٧ / ٣٧٤.


بدليل وجداني ، فإنّه آكد من اللفظ ، وأقوى في الحجّة ، كما عرّفهم نبيّ الهدىصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ عليّا حبيب الله في قصّة خيبر ، بإخبارهم أنّه يعطي الراية من يحبّه الله ورسوله ، ويحبّ الله ورسوله ، وأنّ الفتح على يده(١) .

على أنّه يكفي في المناسبة رغبة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بأن يأكل مع أحبّ الخلق إلى الله وإليه.

ومنها : إنّ هذا الحديث يناقض مذهب الرافضة ؛ فإنّهم يقولون : إنّ النبيّ كان يعلم أنّ عليّا أحبّ الخلق إلى الله ، وأنّه جعله خليفة من بعده ، وهذا الحديث يدلّ على أنّه ما كان يعرف أحبّ الخلق إلى الله(٢) .

الجواب : إنّا لا نعرف وجه الدلالة على أنّه لا يعرفه ، أتراه لو قال : « ائتني بعليّ » يدلّ على عدم معرفته له؟! وكيف لا يعرفه وقد قال كما في بعض الأخبار : «اللهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك وإليّ »(٣) ؟!

وقال لعليّ في بعض آخر : «ما حبسك عليّ ؟! »(٤)

وقال له في بعضها : «ما الذي أبطأ بك ؟! »(٥)

فالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان عارفا به ، لكنّه أبهم ولم يقل : « ائتني بعليّ » ؛ ليحصل التعيين من الله سبحانه ، فيعرف الناس أنّ عليّا هو الأحبّ إلى الله تعالى بنحو الاستدلال.

ومنها : ما حاصله أنّه مناقض للأحاديث الثابتة في الصحاح ، القاضية

__________________

(١) انظر الصفحة ٨٩ وما بعدها من هذا الجزء.

(٢) منهاج السنّة ٧ / ٣٧٤.

(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٤٢ ح ٤٦٥١.

(٤) انظر : المعجم الأوسط ٧ / ٣١٥ ح ٧٤٦٦ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٤٢ ح ٤٦٥٠.

(٥) تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٥٣.


بأنّ أبا بكر هو الأحبّ ، كما في الصحيحين من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « لو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا »(١) .

ومناقض لقوله تعالى :( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ) ، فإنّ أئمّة التفسير يقولون : إنّه أبو بكر(٢) ؛ والأتقى هو الأحبّ لله ورسوله(٣) .

والجواب : إنّ روايتهم لا تقوم حجّة علينا ، وكذا قول أهل تفسيرهم ؛ لأنّه من التفسير بالرأي التابع للهوى ، ولمقدّمات باطلة!

على أنّه ليس مجمعا عليه بينهم ، وسيأتي الكلام في الآية إن شاء الله تعالى ، كما أنّ روايته غير تامّة الدلالة على مدّعاه.

* * *

__________________

(١) صحيح البخاري ٥ / ٦٦ ح ١٥٦ ـ ١٥٨ ، صحيح مسلم ٧ / ١٠٨ ـ ١٠٩.

(٢) ذكر بعض المفسرين هذا على أنّه قول من الأقوال في تفسير الآية الكريمة ، لا أنّهم يقولون بذلك على وجه الجزم والقطع وليس هناك قول غيره ؛ فانظر : الوسيط في تفسير القرآن المجيد ٤ / ٥٠٥ ، زاد المسير ٨ / ٢٧٧ ، تفسير الفخر الرازي ٣١ / ٢٠٥ ، تفسير القرطبي ٢٠ / ٥٩ ، تفسير الدرّ المنثور ٨ / ٥٣٧ ـ ٥٣٨ عن ابن أبي حاتم وابن مردويه.

(٣) منهاج السنّة ٧ / ٣٧٥ ـ ٣٧٦.


١٩ ـ حديث : أنا مدينة العلم وعليّ بابها

قال المصنّف ـ طاب ثراه ـ(١) :

التاسع عشر : في مسند أحمد بن حنبل ، وصحيح مسلم ، قال : لم يكن أحد من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : « سلوني » إلّا عليّ بن أبي طالب(٢) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها »(٣) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٢١.

(٢) ينابيع المودّة ١ / ٢٢٤ ح ٥٠ عن مسند أحمد ، عمدة عيون صحاح الأخبار : ٣٢٦ ح ٤٣٥ عن صحيح مسلم ، وانظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٨٠٢ ح ١٠٩٨ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ٢ / ٢٥٦ ، ذخائر العقبى : ١٥١ ، الاستيعاب ٣ / ١١٠٣ ، جامع بيان العلم ١ / ١٣٧ ، الفقيه والمتفقّه ٢ / ٣٥٢ ح ١٠٨٣ ، شواهد التنزيل ١ / ٣٨ ح ٤٦ ـ ٤٨ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٩٠ ـ ٩١ ح ٨٣ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٩٩ ، أسد الغابة ٣ / ٥٩٧ ، الرياض النضرة ٣ / ١٦٦ ـ ١٦٧ ، كنز العمّال ١٣ / ١٣٠ ـ ١٣١ ح ٣٦٤١٥.

(٣) انظر : معرفة الرجال ـ لابن معين ـ ١ / ٧٩ رقم ٢٣١ وج ٢ / ٢٤٢ رقم ٨٣١ و ٨٣٢ ، سنن الترمذي ٥ / ٥٩٦ ح ٣٧٢٣ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٧٨٩ ح ١٠٨١ ، المعجم الكبير ١١ / ٥٥ ح ١١٠٦١ ، تهذيب الآثار ٤ / ١٠٤ ـ ١٠٥ ح ١٧٣ و ١٧٤ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٧ ـ ١٣٨ ح ٤٦٣٧ ـ ٤٦٣٩ ، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم : ١٢٧ ، معرفة الصحابة ـ لأبي نعيم ـ ١ / ٨٨ ح ٣٤٧ ، حلية الأولياء ١ / ٦٤ ، تاريخ جرجان : ٦٥ ح ٧ ، الاستيعاب ٣ / ١١٠٢ ، تاريخ بغداد ٢ / ٣٧٧ رقم ٨٨٧ وج ٤ / ٣٤٨ رقم ٢١٨٦ وج ٧ / ١٧٣ رقم ٣٦١٣ وج ١١ / ٤٨ ـ ٥٠ رقم ٥٧٢٨ ، تلخيص المتشابه ١ / ١٦٢ رقم ٢٥١ ، مناقب


وقال الفضل(١) :

هذا يدلّ على وفور علمه واستحضاره أجوبة الوقائع واطّلاعه على شتات العلوم والمعارف ، وكلّ هذه الأمور مسلّمة ولا دليل على النصّ ، حيث لا يجب أن يكون الأعلم خليفة ، بل الأحفظ للحوزة ، والأصلح للأمّة ، ولو لم يكن أبو بكر أصلح للإمامة لما اختاروه ، كما مرّ(٢) .

* * *

__________________

الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١١٥ ـ ١٢٠ ح ١٢٠ ـ ١٢٩ ، زين الفتى ١ / ١٦٢ ـ ١٦٣ ح ٦١ و ٦٢ وج ٢ / ٤٠٠ ـ ٤٠٣ ح ٥٢١ ـ ٥٢٦ ، شواهد التنزيل ١ / ٨١ ـ ٨٢ ح ١١٨ ـ ١٢١ ، فردوس الأخبار ١ / ٤٢ ح ١٠٩ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٧٤ ح ٤٧٧٢ ، مفردات القرآن : ٦٣ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٨٢ ـ ٨٣ ح ٦٩ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٧٨ ـ ٣٨٢ ، جامع الأصول ٨ / ٦٥٧ ح ٦٥٠١ ، مطالب السؤول : ٦٩ و ٩٨ ، منهاج السنّة ٥١٥٧ / ، مجمع الزوائد ٩ / ١١٤ ، تاريخ الخلفاء ـ للسيوطي ـ : ٢٠٢ ، جواهر العقدين : ٥٧ ، الصواعق المحرقة : ١٨٩ ، شرح المواهب اللدنّيّة ـ للزرقاني ـ ٤ / ٢١٥ ، كنز العمّال ١١ / ٦١٤ ح ٣٢٩٧٨ و ٣٢٩٧٩ وج ١٣ / ١٤٧ ـ ١٤٩ ح ٣٦٤٦٢ ـ ٣٦٤٦٤ ، مرقاة المفاتيح ١٠ / ٤٧٠.

وانظر تلازم المعنى والمؤدّى في لفظي الحديثين : « أنا مدينة العلم وعليّ بابها » و « أنا مدينة الحكمة وعليّ بابها » في ما نمّقه الشيخ المظفّر قدّس سرّه ، في الصفحة ٣٢٣ من هذا الجزء!

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٥٩.

(٢) انظر : ج ٤ / ٢٣٥ ـ ٢٣٦ من هذا الكتاب.


وأقول :

معنى كونه باب مدينة علم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه الواسطة للناس في وصولهم إلى علم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلا واسطة غيره ، والآخذ من غيره كالسارق ، فيكون أخذ العلم منه واجبا ومن غيره حراما ، فهو الإمام دون غيره ؛ لعدم اجتماع إمامة الشخص وحرمة الأخذ عنه واتّباعه في ما يحكم به.

كما أنّ وجوب الأخذ عنه للوصول إلى علم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يتمّ إلّا بعصمته ، فيتعينّ للإمامة.

وكذا جعله الباب لعلمه دالّ على إحاطته بجميع ما يصدر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من العلوم ، وذلك شأن الإمام.

ويشهد لانحصار طريق علم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بعليّعليه‌السلام ، جهل الأمّة بأكثر الأحكام لمّا أعرضوا عنه ، والحال أنّ الله سبحانه قد أكمل دينه ، فما زالت آراؤهم مضطربة ، وأحكامهم مختلفة ، حتّى كأنّ الله تعالى قد أوكل إلى أهوائهم أحكامه.

ولمّا رجع الأمر إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام لم يقدر على إمضاء ما علم ولا على نشره ؛ لأنّ الناس قد ألفوا خلافه

فقد نهى عن صلاة التراويح ، فصاح الناس : وا سنّة عمراه!(١)

__________________

(١) انظر : شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٢ / ٢٨٣.


ونهى عن أكل الجرّي والمارماهي(١) ، فلم يتّبعوه(٢)

وأمر بالمتعتين ، فخالفوه(٣)

.. إلى غير ذلك من الأحكام.

ولذا قالعليه‌السلام ـ كما رواه البخاري في باب مناقبه ـ : «أقضوا كما كنتم تقضون ، فإنّي أكره الخلاف حتّى يكون للناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي »(٤) .

فإنّه صريح في أنّ قضاء من كان قبله ليس حقّا ، لكنّه لا يتمكّن من الخلاف ما لم يتمّ له الأمر.

ولو سلّم عدم دلالة الحديث على انحصار طريق علم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بعليّعليه‌السلام ، فلا إشكال بدلالته على أعلميّته ، كما أقرّ به الفضل في ظاهر كلامه ، فيقبح تقديم المفضول عليه( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلأَأَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (٥) .

وقوله : « لا يجب أن يكون الأعلم خليفة ، بل الأحفظ للحوزة ، والأصلح للأمّة » ظاهر البطلان كما أوضحناه في المبحث الثاني من مباحث الإمامة(٦) .

__________________

(١) انظر : إيضاح الفوائد على شرح القواعد ٤ / ١٤٤ ، تفصيل وسائل الشيعة ٢٤ / ١٣٠ ـ ١٣٧ ب‍ ٩ ح ٣٠١٥٥ ـ ٣٠١٧٧.

(٢) فقد أفتوا بحلّيّتهما ، انظر : الإشراف على مذاهب أهل العلم ٣ / ٢٢٥ ، مختصر المزني على الأمّ : ٢٩٩ ، الحاوي الكبير ١٩ / ٧٠ ، المجموع ـ شرح المهذّب ٩ / ٣٠ ، نصب الراية ٦ / ٦٥ ، حياة الحيوان الكبرى ـ للدميري ـ ١ / ١٩٣ ـ ١٩٤.

(٣) انظر : شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٢ / ٢٥٣ ـ ٢٥٤.

(٤) صحيح البخاري ٥ / ٩٠ ح ٢٠٣.

(٥) سورة يونس ١٠ : ٣٥.

(٦) راجع : ج ٤ / ٢٣٧ وما بعدها من هذا الكتاب.


وقد أوضحنا أيضا في المبحث الثالث فساد قوله : « ولو لم يكن أبو بكر أصلح للأمامة ، لما اختاروه » فإنّ الاختيار لا يصلح أن يكون طريقا للإمامة ، على أنّ من اختاروه إنّما هم نفر محدود ، كما سبق(١) .

ثمّ إنّ هذا الحديث ـ أعني : حديث الباب ـ قد رواه الحاكم في « المستدرك »(٢) من طرق ، عن ابن عبّاس ، وصحّحها ، وذكر في بعض طرقه أبا الصلت ، وقال : « ثقة مأمون » ، ونقل توثيقه عن ابن معين وأنّه قيل له : « أليس قد حدّث بهذا الحديث عن أبي معاوية؟! فقال : قد حدّث به جعفر بن محمّد الفيدي ، وهو ثقة مأمون ».

ومع ذلك زعم الذهبيّ أنّه موضوع ؛ لزعمه أنّ أبا الصلت ليس بثقة ولا مأمون(٣) !

وفيه : إنّه مناف لوصفه له في « ميزان الاعتدال » ب‍ « الرجل الصالح » ، وقال : « إلّا أنّه شيعيّ جلد »(٤) .

ولو سلّم أنّ أبا الصلت ليس ثقة ، فلا معنى للحكم بوضع الحديث مع رواية الفيدي الثقة له عن أبي معاوية.

وإذا صحّت الرواية إلى أبي معاوية فقد صحّ الحديث ؛ لأنّ أبا معاوية رواه عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عبّاس ؛ وكلّهم ثقات عندهم.

__________________

(١) راجع : ج ٤ / ٢٤٨ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٢) ص ١٢٦ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٣٧ ح ٤٦٣٧ و ٤٦٣٨ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : معرفة الرجال ـ لابن معين ـ ١ / ٧٩ رقم ٢٣١ وج ٢ / ٢٤٢ رقم ٨٣١ و ٨٣٢.

(٣) كما في « تلخيص المستدرك » ؛ انظر : المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٧ ح ٤٦٣٧.

(٤) ميزان الأعتدال ٤ / ٣٤٨ رقم ٥٠٥٦.


ورواه الحاكم أيضا عن جابر وصحّحه(١)

وتعقّبه الذهبيّ بأنّ في سنده أحمد بن عبد الله بن يزيد الحرّاني ، وهو دجّال كذّاب(٢) .

وقد تبع فيه ابن عديّ ؛ لقوله في حقّه كما في « ميزان الاعتدال » : « كان سامرا(٣) يضع الحديث »(٤) .

والظاهر أن لا منشأ لنسبة الوضع والكذب إليه عندهما إلّا روايته لهذا الحديث ، فكان مؤاخذا بالرواية في فضل أمير المؤمنين ، وله أسوة بأبي الصلت!

ونقل السيوطي في « اللآلئ المصنوعة » ، عن ابن الجوزي ، أنّه نقل هذا الحديث بلفظه أو ما يشبهه من خمسة عشر طريقا ، أخرجها ابن عديّ ، وأبو نعيم ، وابن مردويه ، والطبراني ، والخطيب ، والعقيلي ، وابن حبّان ، عن عليّ ، وابن عبّاس ، وجابر(٥) .

ولفظ حديث جابر هكذا : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم الحديبية

__________________

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٨ ح ٤٦٣٩.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٧ رقم ٤٦٣٨.

(٣) كذا في الأصل ، وهو تصحيف ، والصواب كما في المصدر : « كان بسامرّا ».

(٤) ميزان الاعتدال ١ / ٢٤٩ رقم ٦٢٧ ، وانظر : الكامل في ضعفاء الرجال ١ / ١٩٢ رقم ٣٢ وفيه : « كان بسرّ من رأى ».

(٥) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٠٢ ـ ٣٠٧ ، الموضوعات ١ / ٣٤٩ ـ ٣٥٣ ، وانظر : الكامل في ضعفاء الرجال ١ / ١٩٠ رقم ٢٧ وص ١٩٢ رقم ٣٢ وج ٢ / ٣٤١ رقم ٤٧٤ وج ٣ / ٤١٢ رقم ٨٤٠ وج ٥ / ٦٧ رقم ١٢٤٤ ، معرفة الصحابة ـ لأبي نعيم ـ ١ / ٨٨ ح ٣٤٧ ، حلية الأولياء ١ / ٦٤ ، المعجم الكبير ١١ / ٥٥ ح ١١٠٦١ ، تاريخ بغداد ٢ / ٣٧٧ رقم ٨٨٧ وج ٤ / ٣٤٨ رقم ٢١٨٦ وج ٧ / ١٧٣ رقم ٣٦١٣ وج ١١ / ٤٨ ـ ٥٠ رقم ٥٧٢٨ ، تلخيص المتشابه ١ / ١٦٢ رقم ٢٥١ ، الضعفاء الكبير ـ للعقيلي ـ ٣ / ١٥٠ رقم ١١٣٤ ، المجروحين ـ لابن حبّان ـ ٢ / ٩٤ و ١٥١ ـ ١٥٢.


وهو آخذ بيد عليّ يقول : «هذا أمير البررة ، وقاتل الفجرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله ـ يمدّ بها صوته ـ، أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، فمن أراد العلم فليأت الباب »(١) .

وهذا الذي رواه الحاكم عن جابر ، لكنّه ذكر صدر الحديث في مقام متأخّر(٢) ، وقد زعم ابن الجوزي أنّها كلّها موضوعة ؛ مستندا إلى اضطراب إسناد بعضها ، وجهل بعض الرواة في بعضها ، وأنّ بعضهم لا يجوز الاحتجاج به ، وبعضهم متّهم بسرقة هذا الحديث ، وبعضهم كذّاب(٣) .

وأنت تعلم أنّ هذا لو تمّ لا يستوجب الحكم بوضع الحديث مع استفاضة طرقه ؛ وغاية ما يقتضيه ـ على نظر ـ عدم الاعتماد عليها.

على أنّ السيوطي في « اللآلئ » قد تعقّبه فقال : « حديث عليّ أخرجه الترمذي ، وحديث ابن عبّاس أخرجه الحاكم في ( المستدرك ) » ؛ ثمّ نقل كلام الحاكم الذي أشرنا إليه(٤) .

ونقل عن الخطيب ، أنّه روى عن ابن معين توثيق أبي الصلت ، وأنّ القاسم بن عبد الرحمن الأنباري سأل ابن معين عن الحديث ، فقال : صحيح

قال الخطيب : أراد أنّه صحيح من حديث أبي معاوية(٥) .

أقول : وفيه الكفاية في مطلوبنا.

__________________

(١) تاريخ بغداد ٢ / ٣٧٧ رقم ٨٨٧.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٨ ح ٤٦٣٩ وص ١٤٠ ح ٤٦٤٤.

(٣) الموضوعات ١ / ٣٥٣ ـ ٣٥٥.

(٤) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٠٤ ؛ وانظر : سنن الترمذي ٥ / ٥٩٦ ح ٣٧٢٣ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٧ ح ٤٦٣٧.

(٥) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٠٤ ؛ وانظر : تاريخ بغداد ١١ / ٤٩ ـ ٥٠ رقم ٥٧٢٨.


ثمّ نقل السيوطي عن الحافظ صلاح الدين العلائي ، أنّه قال في جملة جوابه عن دعوى الوضع : « أيّ استحالة في أن يقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مثل هذا في حقّ عليّ؟! ولم يأت كلّ من تكلّم في هذا الحديث وحكم بوضعه بجواب عن هذه الروايات الصحيحة عن ابن معين! ومع ذلك فله شاهد »(١) وذكر رواية الترمذي وغيره له ، عن شريك ، عن سلمة ، عن سويد

ثمّ قال : « وشريك احتجّ به مسلم ، وعلّق له البخاري ، ووثّقه ابن معين.

وقال العجلي : ثقة ، حسن الحديث.

وقال عيسى بن يونس : ما رأيت أحدا قطّ أورع في علمه من شريك.

فعلى هذا يكون تفرّده حسنا ، فكيف إذا انضمّ إلى حديث أبي معاوية؟! »(٢)

إلى أن قال العلائي : « ولم يأت أبو الفرج ولا غيره بعلّة [ قادحة ] في حديث شريك سوى دعوى الوضع ، دفعا بالصدر »(٣) .

ثمّ نقل السيوطي عن أبي الفضل ابن حجر ، أنّه قال : « هذا الحديث من قسم الحسن »(٤) .

ثمّ قال السيوطي : « وبقي للحديث طرق » ، وذكر منها طريقين

__________________

(١) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٠٥.

(٢) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٠٦.

(٣) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٠٦.

(٤) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٠٦.


للخطيب ، عن عليّعليه‌السلام (١)

وطريقا لابن النجّار ، عنهعليه‌السلام أيضا

وطريقا لأبي الحسن عليّ بن عمر الحربي ، في « أماليه » ، عنهعليه‌السلام أيضا ، ولفظه : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :أنا مدينة العلم وأنت بابها يا عليّ ، كذب من زعم أنّه يدخلها من غير بابها »

وطريقا لأبي الحسن شاذان الفضلي ، في « خصائص عليّعليه‌السلام » ، عن جابر بن عبد الله

وطريقا للديلمي ، بسنده عن أبي ذرّ ، ولفظه : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :عليّ باب علمي ، ومبيّن لأمّتي ما أرسلت به من بعدي ، حبّه إيمان ، وبغضه نفاق ، والنظر إليه رأفة »(٢) .

وحكى في « كنز العمّال »(٣) كلاما للسيوطي نحو ما هنا ، وذكر في طيّه أنّ ابن جرير روى في « تهذيب الآثار » الحديث الذي رواه الترمذي وصحّحه.

ثمّ ذكر في « الكنز » أنّ السيوطي قال أخيرا بصحّة هذا الحديث بعدما كان يرى حسنه(٤) .

__________________

(١) انظر : تاريخ بغداد ٢ / ٣٧٧ رقم ٨٨٧ ، وج ١١ / ٤٨ ـ ٥٠.

(٢) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٠٦ ـ ٣٠٧ ، وانظر : فردوس الأخبار ٢ / ٧٨ ح ٤٠٠٠.

(٣) ص ٤٠١ ج ٦ [ ١٣ / ١٤٨ ـ ١٤٩ ح ٣٦٤٦٤ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : جمع الجوامع ١ / ٣٨٨ ، تهذيب الآثار ٤ / ١٠٤ ح ٨ ، سنن الترمذي ٥ / ٥٩٦ ح ٣٧٢٣.

(٤) جاء هنا في المخطوطة ما نصّه : وطريقا لابن عساكر ، بسنده عن أنس ، ولفظه : « أنا مدينة العلم ، وأبو بكر وعمر وعثمان سورها ، وعليّ بابها ، فمن أراد العلم فليأت الباب » ، قال ابن عساكر :


أقول : ولا ريب لمصنف في صحّته ؛ لاستفاضة طرقه ، بل تواترها ، لا سيّما بضميمة أخبارنا(١) ، وله شواهد من الكتاب والسنّة

__________________

« منكر جدّا إسنادا ومتنا » ؛ [ اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٠٧ ـ ٣٠٨ ، وانظر : تاريخ دمشق ٤٥ / ٣٢١ رقم ٥٢٦٥ ].

أقول : حقّ له أن يستنكره ؛ لأنّ واضع الزيادة في الحديث أراد مشاركة القوم لأمير المؤمنين عليه السلام في الفضل ، فذمّهم من حيث مدحهم ؛ لأنّه جعلهم سورا لمدينة علم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، والسور حاجب ومانع عن الوصول إلى علمه ، بخلاف الباب!

ثم نقل السيوطي ، عن ابن عساكر ، أنّه روى عن غيث بن عليّ الخطيب ، عن أبي الفرج الأسفرايني ، قال : كان أبو أسعد إسماعيل بن المثنّى الأسترابادي يعظ بدمشق فقام إليه رجل فقال : أيّها الشيخ! ما تقول في قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « أنا مدينة العلم وعليّ بابها »؟

قال : فأطرق لحظة ثمّ رفع رأسه وقال : نعم ، لا يعرف هذا الحديث على التمام إلّا من كان صدرا في الإسلام! إنّما قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « أنا مدينة العلم ، وأبو بكر أساسها ، وعمر حيطانها ، وعثمان سقفها ، وعليّ بابها ».

قال : فاستحسن الحاضرون ذلك وهو يردّده ؛ ثمّ سألوه أن يخرّج له إسناده ، فاغتمّ ولم يخرّجه لهم. انتهى. [ اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٠٨ ، وانظر : تاريخ دمشق ٩ / ٢٠ ].

أقول : كان يجمل بالحاضرين ـ لو لم تكن قلوبهم قدّت من حجر ـ أن يستقبحوا ذلك لا أن يستحسنوه ؛ لأنّ الحيطان حاجبة ، والمدينة لا سقف لها ، والأساس هو الأصل ، فيكون علم أبي بكر أقوى وأثبت من علم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ! وما هذا إلّا كقولهم : « أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة » مناظرة لقول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : « الحسن والحسين سيّدا شباب اهل الجنّة » ، وقولهم : « فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام » مناقضة لقول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : « فاطمة سيّدة نساء العالمين » .

هذا ، وللحديث طرق أخر يمنعنا عن ذكرها طول المقام وعدم الحاجة ، يعرفها المتتبّع بلا كلفة.

منهقدس‌سره .

(١) انظر : صحيفة الإمام الرضاعليه‌السلام : ٥١ ح ٨٢ ، الخصال ٢ / ٥٧٤ ح ١ ، عيون أخبار


لا تحصى(١) .

هذا ، وأمّا ما حكاه المصنّفرحمه‌الله في صدر كلامه عن « مسند أحمد » فقد رواه في « الاستيعاب » بترجمة أمير المؤمنينعليه‌السلام عن سعيد بن المسيّب ، قال : ما كان أحد من الناس يقول : « سلوني » غير عليّ بن أبي طالب(٢) (٣) .

__________________

الرضاعليه‌السلام ٢ / ٧١ ـ ٧٢ ح ٢٩٨ ، الأمالي ـ للصدوق ـ : ٤٢٥ ح ٥٦٠ وص ٤٧٢ ح ٦٣٢ وص ٦١٩ ح ٨٤٣ ، الأمالي ـ للطوسي ـ : ٤٣١ ح ٩٦٤ وص ٤٨٣ ح ١٠٥٥ وص ٥٧٧ ـ ٥٧٨ ح ١١٩٤ ، الإرشاد ١ / ٣٣.

(١) كقوله تعالى :( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) سورة الرعد ١٣ : ٤٣ ، فإنّها نزلت في عليّ ٧ ؛ وقد روى الجمهور ذلك كما تقدّم في ج ٥ / ١١٧ وما بعدها من هذا الكتاب ؛ فراجع!

وقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لبضعته سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء ٣ : «أوما ترضين أنّي زوّجتك أقدم أمّتي سلما وأكثرهم علما وأعظمهم حلماً » ؛ انظر : مسند أحمد ٥ / ٢٦

وقول الإمام عليّعليه‌السلام نفسه : « علّمني ألف باب ، يفتح كلّ باب ألف باب » ؛ انظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٨٥ ، فرائد السمطين ١ / ١٠١ ح ٧٠ ، شرح المقاصد ٥ / ٢٩٧.

وقول عائشة : « أما إنّه أعلم الناس بالسنّة » ؛ انظر : الاستيعاب ٣ / ١١٠٤.

(٢) تقدّم آنفا في الصفحة ١٧١ ، وانظر : الاستيعاب ٣ / ١١٠٣.

(٣) نقول : وقد توسّع السيّد عليّ الحسيني الميلاني ـ حفظه الله ورعاه ـ في دراسة حديث مدينة العلم دراسة مفصّلة ، سندا ودلالة ، طرقا ومتنا ، وتناول كلّ المباحث المتعلّقة بألفاظه وتصحيح أسانيده ، وتفنيد ما أثير حوله من إشكالات وشبهات ، وذلك في الأجزاء ١٠ ـ ١٢ من موسوعته « نفحات الأزهار » ؛ فراجع!

وانظر : تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات ٣ / ٣٠٩ ـ ٣١٠ و ٣٣٨ ـ ٣٤٤.

كما إنّ الحافظ أحمد بن محمّد بن الصدّيق الغماري الحسني ، المتوفّى سنة ١٣٨٠ ه‍ ، قد صنّف كتابا بهذا الصدد أسماه : « فتح الملك العلي بصحّة حديث باب مدينة العلم علي » ، جمع فيه طرقه ، وسلك فيه مسلكا مبتكرا أثبت فيه


٢٠ ـ حديث : من آذى عليّا فقد آذاني

قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :

العشرون : في « مسند أحمد » من عدّة طرق ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «من آذى عليّا فقد آذاني (٢)

أيّها الناس! من آذى عليّا بعث يوم القيامة يهوديّا أو نصرانيّا » (٣) .

* * *

__________________

صحّة الحديث بتسعة مسالك ، وأبطل جميع الأكاذيب والادّعاءات بعدم صحّة سند الحديث ؛ فراجع!

(١) نهج الحقّ : ٢٢٢.

(٢) مسند أحمد ٣ / ٤٨٣ ، وانظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٧٨٤ ـ ٧٨٥ ح ١٠٧٨ ، التاريخ الكبير ٦ / ٣٠٦ ـ ٣٠٧ رقم ٢٤٨٢ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٠٢ ح ٤٥ ، مسند البزّار ٣ / ٣٦٦ ح ١١٦٦ ، مسند أبي يعلى ٢ / ١٠٩ ح ٧٧٠ ، مسند الشاشي ١ / ١٣٤ ح ٧٢ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٣٩ ح ٦٨٨٤ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٢ ح ٤٦١٩ ، معرفة الصحابة ٤ / ١٩٩٦ ح ٥٠١٣ ترجمة عمرو بن شأس الأسلمي / رقم ٢٠٤٧ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٥ / ٣٩٥ ، الاستيعاب ٣ / ١١٠١ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٠٢ ـ ٢٠٤ ، فوائد سمّويه : ٨٤ ح ٨٠ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٤٩ ح ١٧٦ وص ١٥٤ ح ١٨١ وص ٣٢٨ ح ٣٤٤ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٢٩.

(٣) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٩٧ ح ٧٦.


وقال الفضل(١) :

لا شكّ أنّ عليّا سيّد الأولياء ، وقد جاء في الحديث : «من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب »(٢) .

فإذا كان معاداة أحد من الأولياء وأذاه محاربة مع الله تعالى ، فكيف لا يكون إيذاء سيّد الأولياء موجبا لدخول النار؟! ولكن لا يدلّ هذا على النصّ.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٦١.

(٢) صحيح البخاري ٨ / ١٨٩ ح ٨٩ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ١٠ / ٢١٩.


وأقول :

لم أجد فعلا في « مسند أحمد » تمام الحديث ، وإنّما وجدت فيه صدره(١) عن عمرو بن شاش(٢) ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «من آذى عليّا فقد آذاني ».

ورواه الحاكم عنه أيضا في « المستدرك » وصحّحه(٣) .

ورواه البخاريّ في « تاريخه » ، كما حكاه عنه في « كنز العمّال »(٤) .

ورواه أيضا في « الاستيعاب » بترجمة أمير المؤمنين ، وزاد فيه : «ومن آذاني فقد آذى الله تعالى »(٥) ، وهو يقتضي وجوب طاعة عليّعليه‌السلام ؛ لأنّ عصيانه يؤذيه بالضرورة ، ووجوب طاعته على الإطلاق يقتضي عصمته وإمامته.

وإذا ضممت إلى الحديث قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً ) (٦) علمت حال الناكثين والقاسطين.

__________________

(١) ص ٤٨٣ ج ٣. منهقدس‌سره .

(٢) كذا في الأصل وكنز العمّال ، وفي مسند أحمد والمستدرك على الصّحيحين والتاريخ الكبير والإكمال ـ للحسيني ـ : ٣١٦ رقم ٦٥٣ : « شاس » ؛ فلاحظ!

(٣) ص ١٢٢ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٣٢ ح ٤٦١٩ ]. منهقدس‌سره .

(٤) كنز العمّال ١١ / ٦٠١ ح ٣٢٩٠١ ، وانظر : التاريخ الكبير ـ للبخاري ـ ٦ / ٣٠٧ رقم ٢٤٨٢.

(٥) الاستيعاب ٣ / ١١٠١.

(٦) سورة الأحزاب ٣٣ : ٥٧.


أمّا بقيّة الحديث ، وهي : «من آذى عليّا بعث يهوديا أو نصرانيا » ، فيشهد لصحّتها ما حكاه المصنّفرحمه‌الله في « منهاج الكرامة » ، عن أخطب خوارزم ، بسنده عن معاوية بن حيدة القشيري ، قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول لعليّعليه‌السلام : «من مات وهو يبغضك مات يهوديّا أو نصرانيّا »(١) .

وما حكاه السيوطي في « اللآلئ » ، عن العقيلي ، بسنده عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جدّه ، مرفوعا : «من مات وفي قلبه بغض لعليّ فليمت يهوديّا أو نصرانيّا »(٢) .

وزعم ابن الجوزي أنّه موضوع ؛ لأنّ في سنده الجارود بن يزيد وعليّ بن قرين(٣)

ولكنّ السيوطي تعقّبه بذكر رواية للديلمي أخرجها عن بهز بسندين خليّين ، عن الجارود وابن قرين ، قال فيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا عليّ! ما كنت أبالي من مات من أمّتي وهو يبغضك مات يهوديّا أو نصرانيّا »(٤) .

فهذه الأخبار متّفقة في المعنى مع ذيل الرواية التي حكاها المصنّفرحمه‌الله عن « مسند أحمد » ؛ لأنّ بغض عليّ إيذاء له.

ولا ريب بصحّة هذه الروايات ؛ لما تقدّم من أنّ بغض عليّعليه‌السلام

__________________

(١) منهاج الكرامة : ١٥٧ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٩٦ ح ٧٤ ، ولم نجده في مصنّفات أخطب خوارزم المطبوعة.

(٢) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٣٥ ، وانظر : الضعفاء الكبير ـ للعقيلي ـ ٣ / ٢٥٠ رقم ١٢٤٨ ، فردوس الأخبار ٢ / ٢٧٦ رقم ٥٩٨٩.

(٣) الموضوعات ١ / ٣٨٥.

(٤) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٣٥ ، وانظر : فردوس الأخبار ٢ / ٤٨٢ ح ٨٣١٢.


علامة النفاق(١) ، ومن الواضح أنّ المنافق بمنزلة اليهود والنصارى(٢) .

ومن الغريب مسارعة ابن الجوزي للحكم بوضع الأخبار ، بمجرّد اشتمال سندها على ضعيف أو متّهم عنده ؛ فإنّه على هذا ينبغي أن يحكم بوضع رواياتهم جميعا ، حتّى أخبار الصحاح الستّة ؛ إذ لا يخلو خبر عندهم ـ إلّا النادر ـ من اشتمال سنده على ضعيف ، كما أشرنا إليه في المقدّمة(٣) ، وهذا ممّا لا يرتضيه أصحابه.

ولعلّه إنّما يفعل ذلك في خصوص أخبار فضائل إمام الهدى انحرافا عنه ، وهو غير بعيد!

وأمّا الحديث الذي ذكره الفضل ، وهو : «من آذى لي وليّا فقد آذنته بحرب » ، فليس بمنزلة قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من آذى عليّا فقد آذاني » إلى آخره ؛ لأنّ معنى الحديث الذي ذكره : من آذى لي وليّا فليستعدّ للعقوبة ، وهذا ليس بمنزلة إيذاء عليّعليه‌السلام ، الذي هو إيذاء لله ورسوله ، وموجب للعنة الله في الدنيا والآخرة والعذاب المهين ، والبعث على اليهوديّة أو النصرانيّة ؛ فإنّ هذا لا يكون إلّا في إيذاء من هو بمنزلة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وإمام الوقت.

* * *

__________________

(١) راجع مبحث الحديث ١٦ : « لا يحبّك إلّا مؤمن ، ولا يبغضك إلّا منافق » في الصفحات ١٤٧ ـ ١٥١ من هذا الجزء.

(٢) روى الطبراني في المعجم الأوسط ٤ / ٣٨٩ ح ٤٠٠٢ عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : خطبنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فسمعته وهو يقول : « يا أيّها الناس! من أبغضنا أهل البيت حشره الله يوم القيامة يهوديّا »! فقلت : يا رسول الله! وإن صام وصلّى؟! قال : « وإن صام وصلّى وزعم أنّه مسلم ».

(٣) راجع مبحث « مناقشة الصحاح الستّة » في ج ١ / ٤١ وما بعدها من هذا الكتاب.


٢١ ـ حديث تزويج عليّ من فاطمة

قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :

الحادي والعشرون : في مسند أحمد بن حنبل ، أنّ أبا بكر وعمر خطبا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فاطمةعليها‌السلام ، فقال : « إنّها صغيرة » ، فخطبها عليّ فزوّجها منه(٢) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٢٢.

(٢) فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٧٦١ ـ ٧٦٢ ح ١٠٥١ ، وانظر : سنن النسائي ٦ / ٦٢ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٣ / ٢٦٥ ح ٥٣٢٩ وج ٥ / ١٤٣ ح ٨٥٠٨ ، المعجم الكبير ٤ / ٣٤ ح ٣٥٧١ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٥١ ح ٦٩٠٩ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٨ / ١٦ رقم ٤٠٩٧ ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ١٨١ ح ٢٧٠٥ ، مشكاة المصابيح ٣ / ٣٦٠ ح ٦١٠٤ ، مجمع الزوائد ٩ / ٢٠٤ ، موارد الظمآن : ٥٤٩ ح ٢٢٢٤.


وقال الفضل(١) :

صحّ في الأخبار أنّ أبا بكر وعمر خطبا فاطمة ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إنّي أنتظر أمر الله فيها »(٢)

، ولم يقل : « إنّها صغيرة »(٣) .

وهذا افتراء على أحمد بن حنبل ، وكلّ من قال هذا فهو مفتر على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وناسبا(٤) للكذب إليه ، فإنّ فاطمة كانت وقت الخطبة كبيرة ؛ لأنّها ولدت عام عمارة الكعبة.

والعجب من هذا الرجل أنّه يبالغ في احتراز الأنبياء عن الكذب وينسب الكذب الصراح إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله !

نعوذ بالله من هذا ، وإنّه خبّاط خبط عشواء(٥) .

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٦٣.

(٢) انظر : موارد الظمآن : ٥٤٩ ـ ٥٥٠ ح ٢٢٢٥ ، وفيه أنّ عمر قال لأبي بكر حكاية عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إنّه ينتظر أمر الله فيها ».

(٣) انظر : موارد الظمآن : ٥٤٩ ح ٢٢٢٤ ، وفيه : أنّ أبا بكر وعمر خطبا فاطمةعليها‌السلام فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إنّها صغيرة » ؛ فخطبها عليّ فزوّجها منه.

(٤) كذا في الأصل.

(٥) العشواء : الناقة التي لا تبصر بالليل ؛ وهذا من الأمثال السائرة ، يضرب مثلا للمتهافت في الشيء ، وللسادر الذي يركب رأسه ولا يهتمّ لعاقبته ، كالناقة العشواء التي لا تبصر ، فهي تخبط بيديها كلّ ما مرّت به.

انظر : جمهرة الأمثال ١ / ٤٤١ رقم ٧٧٢ ، مجمع الأمثال ١ / ٤٥٩ رقم ١٣٧٧ وج ٣ / ٥٢٠ رقم ٤٦٦٠ ، لسان العرب ٩ / ٢٢٦ مادّة « عشا ».


وأقول :

ما نقله المصنّفرحمه‌الله عن « المسند » قد رواه بعينه النسائيّ في أوائل « كتاب النكاح » من سننه ، في باب « تزوّج المرأة مثلها في السنّ »(١) .

ورواه الحاكم في « المستدرك » في كتاب النكاح(٢) ، وصحّحه على شرط الشيخين ، ولم يتعقّبه الذهبي(٣) .

والحقّ أنّها تزوّجت وهي صغيرة ؛ لأنّها ولدت بعد البعثة بإجماعنا(٤) .

واختاره الحاكم في « المستدرك » ، فإنّه عنون(٥) بقوله : « ذكر ما ثبت عندنا من أعقاب فاطمة وولادتها » ، ثمّ روى أنّها ولدت سنة إحدى وأربعين من مولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم يتعقّبه الذهبي.

وروى أيضا(٦) أنّها ماتت وهي ابنة إحدى وعشرين سنة ، وولدت على رأس إحدى وأربعين من مولد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وروى في « الاستيعاب » ـ بترجمة فاطمةعليها‌السلام ـ أنّها ولدت سنة

__________________

(١) سنن النسائي ٦ / ٦٢.

(٢) ص ١٦٧ من الجزء الثاني [ ٢ / ١٨١ ح ٢٧٠٥ ]. منهقدس‌سره .

(٣) نقول : لقد غفل ابن روزبهان أو تغافل ـ كعادته ـ عن ورود قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إنّها صغيرة » في جملة كبيرة من مصادر الجمهور ؛ فراجع ذلك في ما مرّ آنفا في الهامش رقم ٢ من الصفحة ١٨٧.

(٤) انظر مثلا : تاريخ أهل البيت : ٧١ ، الكافي ١ / ٥٢٠ ، إعلام الورى ١ / ٢٩٠ ، مناقب آل أبي طالب ٣ / ٤٠٥.

(٥) ص ١٦١ ج ٣ [ ٣ / ١٧٦ ح ٤٧٦٠ ]. منهقدس‌سره .

(٦) ص ١٦٣ من الجزء المذكور [ ٣ / ١٧٨ ح ٤٧٦٥ ]. منهقدس‌سره .


إحدى وأربعين من مولد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنكح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فاطمة عليّا بعد وقعة أحد(١) .

فعلى هذا كلّه تكون حين تزويجها صغيرة ابنة اثنتي عشرة سنة تقريبا.

ويروى عندنا أنّها تزوّجت وهي ابنة تسع(٢) ، وقد يوافقه ما في « الاستيعاب » بترجمة خديجةعليها‌السلام ، قال : « قال الزبير : ولد لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله القاسم ، وهو أكبر ولده ، ثمّ زينب ، ثم عبد الله ، وكان يقال له : الطيّب ، ويقال له : الطاهر ، ولد بعد النبوّة ، ثمّ أمّ كلثوم ، ثمّ فاطمة »(٣) .

فإنّ فاطمةعليها‌السلام إذا ولدت بعد الطاهر وأمّ كلثوم ، وكلاهما بعد النبوّة ، لم يبعد أن يكون تزويجها وهي ابنة تسع.

وزعم بعضهم أنّ سنّها يوم تزوّجت خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصف ، كما ذكره في « الاستيعاب » بترجمتها(٤) .

واختاره ابن حجر في « الصواعق » ، قال في أوّل الباب الحادي عشر : « تزويج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فاطمة من عليّ أواخر السنة الثانية من الهجرة على الأصحّ ، وكان سنّها خمس عشرة سنة ونحو نصف سنة »(٥) .

وكيف كان ، فهي صغيرة ، إمّا حقيقة ، أو بالإضافة إلى الشيخين ،

__________________

(١) الاستيعاب ٤ / ١٨٩٣ رقم ٤٠٥٧.

(٢) تاج المواليد : ٩٧ ـ ٩٨ ، وانظر : تاريخ الأئمّة : ٦ ، مسارّ الشيعة : ٣٦ ، مناقب آل أبي طالب ٣ / ٤٠٥.

(٣) الاستيعاب ٤ / ١٨١٨ رقم ٣٣١١.

(٤) الاستيعاب ٤ / ١٨٩٣ رقم ٤٠٥٧.

(٥) الصواعق المحرقة : ٢١٨ ب‍ ١١ في فضائل أهل البيت النبوي.


فلا يكذّب قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّها صغيرة ».

نعم ، هو عذر إقناعي ، والعذر الحقيقي أنّهما ليسا أهلا لها ، ولذا زوّجها من عليّعليه‌السلام بأثر هذا العذر.

ويشهد له ( ما في ) « الصواعق » ، في الفصل الأوّل من الباب المذكور ، في أثناء الكلام على الآية الحادية عشرة(١) ، عن أبي داود السجستاني ، قال : « إنّ أبا بكر خطبها فأعرضصلى‌الله‌عليه‌وآله عنه ، ثمّ عمر فأعرض عنه ، فأتيا عليّا فنبّهاه إلى خطبتها ، فجاء فخطبها ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :ما معك ؟ » الحديث ، ثمّ قال : « وأخرج أحمد وأبو حاتم نحوه »(٢) .

وحكى في « كنز العمّال »(٣) ، عن ابن جرير ، عن أنس ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أعرض عن أبي بكر ، فرجع إلى عمر وقال : هلكت ؛ وأعرض عن عمر ، فرجع إلى أبي بكر وقال : إنّه ينتظر أمر الله فيها.

فإنّ إعراض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عنهما دليل على عدم أهليّتهما لها ، وإنّه من سخط عليهما ، لطلبهما ما لا يليق بهما ، ولذا قال أبو بكر : « هلكت ».

وفي « الكنز » أيضا(٤) ، عن ابن جرير ، قال : « وصحّحه » ، والدولابي في « الذرّيّة الطاهرة » ، عن عليّعليه‌السلام ، قال : خطب أبو بكر وعمر فاطمة إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأبى عليهما ، فقال عمر : أنت لها » الحديث.

__________________

(١) كذا في الأصل ، ولعلّه تصحيف ، والصحيح : الثانية عشرة.

(٢) الصواعق المحرقة : ٢٤٩ الآية ١٢ ، جواهر العقدين : ٣٠١ و ٣٠٢ ، الرياض النضرة ٣ / ١٤٢ ـ ١٤٣ ، ذخائر العقبى : ٦٧ ـ ٦٨ ، وانظر : المعجم الكبير ٢٢ / ٤٠٨ ـ ٤١٠ ح ١٠٢١ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٤٩ ح ٦٠٩٥.

(٣) ص ١١٣ ج ٧ [ ١٣ / ٦٨٤ ح ٣٧٧٥٥ ]. منهقدس‌سره .

(٤) ص ٣٩٢ من الجزء السادس [ ١٣ / ١١٤ ح ٣٦٣٧٠ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : الذرّيّة الطاهرة : ٩٣ ح ٨٣.


وفي « الصواعق » ، في أوّل الباب المذكور ، عن أحمد وابن أبي حاتم ، عن أنس ، قال : « جاء أبو بكر وعمر يخطبان فاطمة إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فسكت ولم يرجع إليهما شيئا ، فانطلقا إلى عليّ يأمرانه بطلب ذلك » الحديث(١) .

ثمّ قال : « وفي رواية أخرى عن أنس أيضا ، عند أبي الخير القزويني الحاكمي : خطبها بعد أن خطبها أبو بكر ثمّ عمر ، فقال : قد أمرني ربّي بذلك » الحديث(٢) .

وفي هذا دلالة أخرى على عدم أهليّتهما للتزويج بسيّدة النساء ؛ فإنّ منعهما ـ دون عليّعليه‌السلام بأمر الله ـ كاشف عن أنّ النظر في أمرها راجع إلى الله سبحانه مع وجود أبيها سيّد النبيّين ، الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم.

كما عرفه عمر حيث قال في رواية ابن جرير المذكورة : « إنّه ينتظر أمر الله فيها » ، وليس ذلك إلّا لعظم شأنها عند الله تعالى وكرامتها عليه ، فلا يزوّجها إلّا بمن هو أهل لها ويليق بقدرها الرفيع ، فزوّجها في السماء بسيّد أوليائه ؛ وهو أدلّ دليل على فضله على الشيخين عند الله عزّ وجلّ وعند رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ والأفضل أحقّ بالإمامة.

ويا هل ترى أنّ الله تعالى يصون عنهما تزويج فاطمة ، ولا يعقبه ضرر ظاهرا ، وهو يرضى أن تزف إليهما إمامة الأمّة والحكم في الدين والدنيا ، والنفس والنفيس؟!

وأعظم من هذه الأحاديث في الدلالة على عدم أهليّتهما للزهراء

__________________

(١) الصواعق المحرقة : ٢١٨.

(٢) الصواعق المحرقة : ٢١٨ و ٢١٩.


وللإمامة ، ما في « اللآلئ المصنوعة » ، عن العقيلي والطبراني معا ، عن عليّ ابن عبد العزيز ، عن أبي نعيم ، عن موسى بن قيس الحضرمي ، عن حجر ابن عنبس ، قال : « خطب أبو بكر وعمر فاطمة ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :هي لك يا عليّ ، لست بدجّال »(١)

فإنّ قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لست بدجّال » تعريض بالشيخين بأنّهما دجّالان لا يصلحان لتزويج فاطمة ، ولا للإمامة بالضرورة ؛ ولذا هاجت حميّة ابن الجوزي فقال : « موضوع ، موسى من الغلاة في الرفض »(٢) .

وتعقّبه السيوطي بقوله : « روى له أبو داود ، ووثّقه ابن معين ، وقال أبو حاتم : لا بأس به ».

ثمّ قال السيوطي : « والحديث أخرجه البزّار » ، وذكر أيضا في سنده موسى بن قيس ، ثمّ حكى عن الهيثمي في « زوائده » أنّه قال : « رجاله ثقات ، إلّا أنّ حجرا لم يسمع من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله »(٣) .

وفيه : إنّه لو سلّم أنّ حجر بن عنبس لم يسمع من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فهو ممّن أسلم في أيامهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فيكون راويا عن الصحابة ، ولا يضرّ إرساله(٤) .

__________________

(١) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٣٤ ، وانظر : الضعفاء الكبير ـ للعقيلي ـ ٤ / ١٦٥ رقم ١٧٣٦ ، المعجم الكبير ٤ / ٣٤ ح ٣٥٧١ وليس فيه : « لست بدجّال ».

(٢) الموضوعات ١ / ٣٨٢.

(٣) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٣٤ ، وانظر روايته في : سنن أبي داود ١ / ٢٦٠ ح ٩٩٧ وج ٤ / ٣١٠ ح ٥٠٣٥ ، مجمع الزوائد ٩ / ٢٠٤.

وانظر : الثقات ـ لابن حبّان ـ ٧ / ٤٥٥ ، تاريخ أسماء الثقات ـ لابن شاهين ـ : ٣٠٥ رقم ١٢٩١ ، تهذيب التهذيب ٨ / ٤٢١ رقم ٧٢٨٥.

(٤) راجع ترجمته في : معرفة الصحابة ـ لأبي نعيم ـ ٢ / ٨٩٤ رقم ٧٧١ ، الاستيعاب ١ / ٣٣٢ رقم ٤٨٨ ، أسد الغابة ١ / ٤٦٢ رقم ١٠٩٤.


٢٢ ـ حديث : إجلس يا أبا تراب

قال المصنّف ـ أعلى الله منزلته ـ(١) :

الثاني والعشرون : في « الجمع بين الصحيحين » ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دخل على ابنته فاطمة فقبّل رأسها ونحرها ، وقال : أين ابن عمّك؟

قالت :في المسجد .

فوجد رداءه قد سقط عن ظهره ، وخلص التراب إلى ظهره ، فجعل يمسح عن ظهره التراب ويقول : « إجلس يا أبا تراب » مرّتين(٢) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٢٢.

(٢) الجمع بين الصحيحين ـ للحميدي ـ ١ / ٥٥٤ ح ٩١٦ ، وانظر : صحيح البخاري ٥ / ٨٨ ـ ٨٩ ح ١٩٩ وج ٨ / ١١٣ ح ٥٣ ، صحيح مسلم ٧ / ١٢٤ ، مسند أحمد ٤ / ٢٦٣ ، مسند الروياني ٢ / ١٢١ ح ١٠١٥ وص ١٢٣ ح ١٠٢١ ، المعجم الكبير ٦ / ١٤٩ ح ٥٨٠٨ وص ١٦٥ ح ٥٨٧٠ ، الكنى والأسماء ـ للدولابي ـ ١ / ٨ ، تاريخ الطبري ٢ / ١٤ ـ ١٥ ، مقاتل الطالبيّين : ٤٠ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن أخي تبوك ، المطبوع مع « مناقب الإمام عليّعليه‌السلام » لابن المغازلي ـ : ٣٤٠ ح ١٤ ، معرفة علوم الحديث : ٢١١ ، معرفة الصحابة ـ لأبي نعيم ـ ١ / ٧٧ ح ٢٩٢ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٢ / ٤٤٦ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٦٠ ـ ٦١ ح ٦ و ٧.


وقال الفضل(١) :

هذا حديث صحيح ، وهو من تلطّفات النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لأمير المؤمنينعليه‌السلام وإظهار المحبّة له ، ولا يثبت به النصّ.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٦٥.


وأقول :

نعم ، هو من تلطّفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله وحبّه لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، ولكن تلطّفه به حال نومه في المسجد من دون إشعار بالكراهة ، دليل على عدم كراهة النوم له فيه ، وعلى مساواته للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في الحكم والطهارة ، كما يفيده حديث سدّ الأبواب إلّا بابه(١) ، وقد سبق وجه دلالته على إمامتهعليه‌السلام (٢) .

مضافا إلى دلالة هذا الحديث على شدّة زهده البالغ أقصى الغايات ، الذي يمتاز به على سائر أهل الدرجات ؛ لأنّه من بيت النعمة والشرف ، وابن شيخ البطحاء(٣) ،

__________________

(١) راجع الصفحة ١٠٥ وما بعدها من هذا الجزء.

(٢) راجع الصفحة ١١٧ وما سبقها من هذا الجزء.

(٣) شيخ البطحاء : لقب أبي طالبعليه‌السلام ، حامي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكافله ، وناصره ، الذي رمي ظلما بالشرك ، وما ذاك إلّا بغضا لابنه عليّعليه‌السلام ؛ وكيف يكون مشركا وأحاديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله الثابتة تشهد بإيمانه ، ولطالما أثنى عليه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله عندما سأله عمّه العبّاس : ما ترجو لأبي طالب؟ قال : كلّ الخير أرجو من ربّي.

مضافا إلى ذلك الأدلّة الأخرى ، النقلية والعقلية ، التي أثبتها الإمامية وغيرهم في عشرات الكتب والرسائل التي ألّفوها لإثبات إيمانه ، ومن هذه الأدلّة :

١ ـ إنّ الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يفرّق بين أبي طالب وبين زوجه فاطمة بنت أسد وهي عاشر من أسلم ، فلم تزل معه حتّى توفّي ؛ إذ لو كان مشركا لفرّق بينهما كما فعل مع غيره ، وقد قال تعالى : ( وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ) ( وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ) سورة البقرة ٢ : ٢٢١ ، وقال سبحانه : ( فَإِنْ


__________________

عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَ ) سورة الممتحنة ٦٠ : ١٠.

٢ ـ إنّ الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله حزن لوفاته ، حتّى إنّه سمّى عام وفاته ووفاة زوجه السيّدة خديجة الكبرى ب‍ « عام الحزن » ؛ ومحال أن يحزن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله على مشرك أو كافر وهو المعصوم بنصّ القرآن الكريم( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلأَوَحْيٌ يُوحى ) ، ومعلوم أنّ قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وفعله وتقريره حجّة وسنّة يجب التسليم لها والعمل بها والاهتداء بهديها.

٣ ـ إنّ أبا طالب كان يأمر ابنه جعفرا أن يصلّي مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وابنه عليّ عليه‌السلام ، ولا يعقل أن يكون هذا الأمر من مشرك لمسلم.

٤ ـ وقد ورد أنّ أبا بكر جاء بأبيه أبي قحافة إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عام الفتح يقوده ، وهو شيخ كبير أعمى ، فقال رسول الله : ألا تركت الشيخ حتّى نأتيه ؟! فقال : أردت يا رسول الله أن يأجره الله! أما والذي بعثك بالحقّ لأنا كنت أشدّ فرحا بإسلام عمّك أبي طالب منّي بإسلام أبي ، ألتمس بذلك قرّة عينك ؛ فقال : صدقت.

٥ ـ ويوم الدار ، لمّا جمع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وجوه قريش وبلّغهم بآية( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) ضحك القوم وقالوا لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع!

ولا يمكن توجيه قولهم هذا إليه لو لم يكن مسلما.

٦ ـ إجماع أهل البيت عليهم‌السلام على إيمانه ، وإجماعهم حجّة ؛ لحديث الثّقلين وغيره من الأخبار المتواترة عند الفريقين.

هذا فضلا عمّا ورد في أشعاره من التصريح بالإيمان ، فقد قال :

فخير بني هاشم أحمد

رسول الإله على فترة

وقال :

وعرضت دينا قد علمت بأنّه

من خير أديان البرية دينا

وقال :

مليك الناس ليس له شريك

هو الوهّاب والمبدي والمعيد

ومن فوق السماء له لحقّ

ومن تحت السماء له عبيد

وأمّا الروايات الواردة في تعذيب أبي طالب ، فهي روايات مكذوبة موضوعة ،


وبيضة البلد(١) ، مع ما هو عليه من علوّ النفس وعزّتها ، وما هو فيه من الشجاعة وريعان الشباب.

فيكون ذلك الزهد منه دليلا على فضل إيمانه ومعرفته ، وزيادة تقواه ويقينه.

__________________

وأسانيدها معلولة بجرح أحد رواتها أو أكثر ، أو بعلّة أخرى كالإرسال والانقطاع وغيرهما.

انظر في ما يخصّ تفريق الزوجين إذا أسلم أحدهما : صحيح البخاري ٧ / ٨٦ ـ ٨٧ ح ٣٢ وباب « إذا أسلمت المشركة أو النصرانية » ، سنن أبي داود ٢ / ٢٧٨ ـ ٢٧٩ ح ٢٢٣٨ ـ ٢٢٤٠ ، سنن الترمذي ٣ / ٤٤٧ ـ ٤٤٩ ح ١١٤٢ ـ ١١٤٤ ، سنن النسائي ٦ / ١٨٥ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٦ / ١٨٢ ح ٤١٤٧ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٨ / ٢٥ رقم ٤٠٩٨ ، الاستيعاب ٤ / ١٧٠١ رقم ٣٠٦١ ، أسد الغابة ٥ / ١٨٥ رقم ٦٠٣٥ ، المدوّنة الكبرى ٢ / ٢١٢ ـ ٢١٣ ، كتاب الأمّ ٥ / ٩ تحريم المسلمات على المشركين ، المغني ـ لابن قدامة ـ ٧ / ٣٦٣ ، شرح فتح القدير ٣ / ٤١٨ ـ ٤٢١.

وانظر لما خلا ذلك : تفسير الطبري ٩ / ٤٨٣ ـ ٤٨٤ ح ٢٦٨٠٦ ، مجمع البيان ٧ / ٣١٩ ، الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب : ٣١٩ ، ديوان أبي طالب : ٨٧ و ١٥٨ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٤ / ٦١ ـ ٨٤ ، معجم ما ألّف عن أبي طالبعليه‌السلام ـ المنشور في مجلّة « تراثنا » ، العدد المزدوج ٦٣ ـ ٦٤ ، السنة ١٦ ، رجب ١٤٢١ ه‍ ـ : ١٦٣ ـ ٢٣٣ ، وغيرها.

(١) بيضة البلد : عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ؛ لأنّه فرد ليس أحد مثله في الشرف.

قالت أخت عمرو بن عبد ودّ ترثيه ، وتذكر قتل عليّ إيّاه يوم الخندق :

لو كان قاتل عمرو غير قاتله

بكيته ما أقام الروح في جسدي

لكنّ قاتله من لا يعاب به

وكان يدعى قديما بيضة البلد

كما أنّ من معاني بيضة البلد : السّيّد ، والرجل الكريم ، وواحد البلد الذي يجتمع إليه ويقبل قوله ، والرجل الفرد ليس أحد مثله في شرفه.

انظر : الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ١٠٨ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٣٥ ـ ٣٦ ح ٤٣٣٠ ، لسان العرب ١ / ٥٥٣ و ٥٥٤ مادّة « بيض » ، تاج العروس ١٠ / ٢١ مادّة « بيض ».


٢٣ ـ أحاديث : كسر الأصنام ،

وصكّ الولاية ،

وردّ الشمس ،

وغيرها

قال المصنّف ـ قدّس الله روحه ـ(١) :

الثالث والعشرون : روى الجمهور من عدّة طرق ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حمل عليّا حتّى كسر الأصنام من فوق الكعبة(٢) .

وأنّه لا يجوز على الصراط إلّا من كان معه كتاب بولاية عليّ بن أبي طالب(٣) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٢٣.

(٢) السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٤٢ ح ٨٥٠٧ ، مسند أحمد ١ / ٨٤ و ١٥١ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٨ / ٥٣٤ ح ٩ ، مسند أبي يعلى ١ / ٢٥١ ح ٢٩٢ ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٣٩٨ ح ٣٣٨٧ وج ٣ / ٦ ح ٤٢٦٥ ، موضّح أوهام الجمع والتفريق ٢ / ٤٩٩ ـ ٥٠٠ رقم ٤٨٨ ، تاريخ بغداد ١٣ / ٣٠٢ و ٣٠٣ رقم ٧٢٨٢ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٩٣ ح ٢٤٠ ، مجمع الزوائد ٦ / ٢٣ ، كنز العمّال ١٣ / ١٧١ ح ٣٦٥١٦.

(٣) انظر : تاريخ أصبهان ١ / ٤٠٠ رقم ٧٥٥ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٤٠ ح ١٥٦ وص ١٤٧ ـ ١٤٨ ح ١٧٢ وص ٢١٨ ـ ٢١٩ ح ٢٨٩ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٧١ ح ٤٨ ، مقتل الحسينعليه‌السلام : ٧١ ح ١١ ، الرياض النضرة ٣ / ١٣٧ ، ذخائر العقبى : ١٣١ ، فرائد السمطين ١ / ٢٨٩ ح ٢٢٨ وص ٢٩٢ ح ٢٣٠ ، الصواعق المحرقة : ١٩٥.


وأنّه ردّت له الشمس بعدما غابت ، حيث كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله نائما على حجره ودعا له بردّها ليصلّي عليّ العصر ، فردّت له(١) .

وأنّه نزل إليه سطل(٢) عليه منديل ، وفيه ماء ، فتوضّأ للصلاة ، ولحق بصلاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) .

وأنّ مناديا من السماء نادى يوم أحد :

__________________

(١) المعجم الكبير ٢٤ / ١٤٤ ح ٣٨٢ وص ١٤٧ ـ ١٥٢ ح ٣٩٠ و ٣٩١ ، مشكل الآثار ٢ / ٧ ح ١٢٠٧ و ١٢٠٨ وج ٤ / ٢٦٨ ح ٣٨٥٠ و ٣٨٥١ ، الذرّيّة الطاهرة : ١٢٩ ح ١٥٦ ، الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١ / ٢٨٤ ، شرح الشفا ـ للقاري ـ ١ / ٥٨٩ ـ ٥٩٢ ، قصص الأنبياء ـ للثعلبي ـ : ٢٤٩ ، أعلام النبوّة ـ للماوردي ـ : ١٤٩ ، فيض القدير ٥ / ٥٦١ ـ ٥٦٢ شرح ح ٧٨٨٩ ، زين الفتى ٢ / ٥٠ ـ ٥٦ ح ٣٣١ و ٣٣٢ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٢٦ ـ ١٢٧ ح ١٤٠ و ١٤١ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣٠٦ ـ ٣٠٧ ح ٣٠١ و ٣٠٢ ، تاريخ دمشق ٧٠ / ٣٦ رقم ٩٤٠٩ ، المنتقى من مناقب المرتضى : ١١١ ـ ١١٢ ح ٢٤ و ٢٥ ، تفسير الفخر الرازي ٣٢ / ١٢٧ ، التدوين في أخبار قزوين ٢ / ١٤٦ رقم ١١١٥ ، ذيل تاريخ بغداد ـ لابن النجّار ـ ١٧ / ١٥٤ ـ ١٥٥ رقم ٣٩٠ ، تذكرة الخواصّ : ٥٣ ، كفاية الطالب : ٣٨٣ ـ ٣٨٧ ، التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ـ للقرطبي ـ : ١٥ ، الرياض النضرة ٣ / ١٤٠ ، فرائد السمطين ١ / ١٨٣ ح ١٤٦ ، مجمع الزوائد ٨ / ٢٩٦ ـ ٢٩٧ ، كشف اللبس عن ردّ الشمس : ٨٩ ـ ١٠٨ ح ١ ـ ١٧ ، الصواعق المحرقة : ١٩٧ ، كنز العمّال ١٢ / ٣٤٩ ح ٣٥٣٥٣.

(٢) السّطل ـ وجمعها : سطول ـ : طسيسة صغيرة ، يقال إنّها على هيئة التّور ، لها عروة كعروة المرجل ؛ انظر مادّة « سطل » في : لسان العرب ٦ / ٢٥٩ ، تاج العروس ١٤ / ٣٤٥.

والتّور : إناء صغير من صفر أو حجارة ، كالإجانة ، يشرب فيه وقد يتوضّأ منه ؛ انظر مادّة « تور » في : لسان العرب ٢ / ٦٣ ، تاج العروس ٦ / ١٣٥.

(٣) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٢٥ ح ١٣٩ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣٠٤ ح ٣٠٠ ، كفاية الطالب ٢٨٩ ـ ٢٩١ ، ينابيع المودّة ١ / ٤٢٨ ـ ٤٢٩ ح ٦.


لا سيف إلّا ذو الفقا

ر ، ولا فتى إلّا عليّ(١)

__________________

(١) السيرة النبوية ـ لابن هشام ـ ٤ / ٥١ ، وقعة صفّين : ٣١٥ ، تاريخ الطبري ٢ / ٦٥ ، الأغاني ١٥ / ١٨٦ ـ ١٨٧ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٩٠ ح ٢٣٤ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٧٣ ح ٢٠٨ ، الروض الأنف ٣ / ٢٨٨ ، الكامل في التاريخ ٢ / ٤٩ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٤ / ٢٥١ ، ميزان الاعتدال ٥ / ٣٩٠ رقم ٦٦١٩ ، شرح المقاصد ٥ / ٢٩٨.

أمّا « ذو الفقار » : فهو سيف للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ قيل : كان عند المنبّه بن الحجّاج بن عامر بن سهم.

وقيل : كان عند ابنه العاص ؛ إذ كان من ضمن السيوف الستّة التي أهدتها بلقيس للنبيّ سليمان عليه السلام ، ثمّ وصل إلى العاص بن منبّه ، الذي قتله الإمام عليّ عليه السلام يوم بدر كافرا ، وقيل : قتل أباه أيضا.

وقيل : إنّ الحجّاج بن علاط أهدى ذا الفقار لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقيل : أنزله جبريل عليه‌السلام من السماء.

وقيل غير ذلك.

ولعلّ بسبب هذا الاختلاف ذكرت بعض المصادر أنّ نداء جبريل عليه السلام كان يوم بدر ، وذكر بعضها الآخر أنّه كان يوم أحد ؛ ولعلّ النداء كان في كلا اليومين فأخبرت كلّ جماعة عن أحدهما.

وسمّي ذا الفقار ؛ لأنّ فيه حفر صغار حسان ، ويقال للحفرة : فقرة ، وجمعها : فقر ، وذكر أنّ الإمام زين العابدين عليه السلام أخرج ذا الفقار فإذا قبيعته من فضّة ، وإذا حلقته التي تكون فيها الحمائل من فضّة ، وسلسلته.

وقال الأصمعي : ما رأيت شيئا قطّ أحسن منه ، إذا نصب لم ير فيه شيء ، وإذا بطح على الأرض عدّ منه سبع فقر ، وإذا هو صفيحة يمانية يحار الطرف فيه من حسنه.

وكيف كان ، فقد أجمع المؤرّخون على أنّ السيف كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثمّ وهبه لأمير المؤمنين عليه السلام.

انظر : تاريخ الطبري ٢ / ٤٨ و ٢٢٠ ، العقد الفريد ٢ / ٤٦٦ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٧١ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٤ / ١٦٩ ، مختصر تاريخ دمشق ٢ / ٣٤٨ ـ ٣٥٠ وج ١٧ / ٣١٩ ، البداية والنهاية ٧ / ١٨٠ حوادث سنة ٣٥ ، السيرة


وروي أنّه نادى به يوم بدر أيضا(١) .

* * *

__________________

الحلبية ٢ / ٥١٧ ، مادّة « فقر » في : لسان العرب ١٠ / ٣٠١ ، القاموس المحيط ٢ / ١١٥ ، تاج العروس ٧ / ٣٥٧ ، مجمع البحرين ٣ / ٤٤٣ ـ ٤٤٤.

(١) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٩١ ح ٢٣٥ و ٢٣٦ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٦٧ ح ٢٠٠ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٧١ ، كفاية الطالب : ٢٧٧ ـ ٢٨٠.


وقال الفضل(١) :

ما ذكر من الأشياء بعضه منكر ، منها :

إنّ النداء يوم بدر بأنّ « لا سيف إلّا ذو الفقار » من المنكرات ؛ لأنّ « ذو الفقار » كان سيفا لمنبّه بن الحجّاج(٢) ، من أشراف قريش ، وهو قتل يوم بدر ، وصار سيفه المشهور بذي الفقار لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكان ذو الفقار يوم بدر في يد الكفّار ، وكانوا يقتلون به المؤمنين ، فكيف يجوز أن ينادي مناديها أن : لا سيف إلّا ذو الفقار؟!.

نعم ، هو مطابق لمذهبه ، فإنّه يدّعي أنّ قتل أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله واجب ، فلا يبعد أن يدّعي أنّ المنادي يوم بدر نادى بذكر منقبة ذي الفقار وهو في يد الكفّار.

وهذا السفيه ما كان يعلم الحديث ولا التاريخ ، ومدار أمره ذكر المنكرات والمجهولات ، ولا يبالي التناقض والمخالفة بين الروايات.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٦٦.

(٢) هو : منبّه بن الحجّاج بن عامر السهمي ، كان من وجوه قريش وزنادقتها في الجاهلية ، وكان نديما لطعيمة بن عديّ ، شهد هو وأخوه نبيه بدرا ، وقتل فيها بيد أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام .

انظر : المحبّر : ١٧٧ ، الأغاني ١٧ / ٢٨٢.


وأقول :

ما بيّنه في وجه الإنكار خطأ ؛ لاحتمال أن يكون لأمير المؤمنينعليه‌السلام سيف ذو فقار حارب به يوم بدر ، أو أنّ سيف منبّه أو ابنه العاص ـ على الخلاف الذي ذكره ابن أبي الحديد(١) ـ صار إلى عليّعليه‌السلام ، وقاتل به لمّا قتلهما وقتل نبيها أخا منبّه ، كما في « شرح النهج » أيضا(٢) .

فعلى أحد هذين الاحتمالين لا يمتنع أن ينادي المنادي يوم بدر : « لا سيف إلّا ذو الفقار ».

وقد حكى السيوطي في « اللآلئ » رواية النداء يوم بدر ، عن ابن عديّ ، وذكر أنّ ابن الجوزي زعم أنّها موضوعة ؛ لأنّ في سندها عمّار ابن أخت سفيان ، وهو متروك(٣) .

فتعقّبه السيوطي بقوله : « كلّا ، بل هو ثقة ثبت ، من رجال مسلم ، وأحد الأولياء الأبدال(٤) ، والمصنّف تبع ابن حبّان في تجريحه ، وقد ردّ عليه »(٥) .

ثمّ إنّه ينبغي التعرّض لثبوت الأخبار التي ذكرها المصنّف بطرقهم ، وبيان وجه الاستدلال بها

__________________

(١) ص ٣٤٧ من المجلّد الثالث [ شرح نهج البلاغة ١٤ / ١٦٨ و ١٦٩ ]. منهقدس‌سره .

(٢) ص ٣٥٨ من المجلّد المذكور [ ١٤ / ٢١٢ ]. منهقدس‌سره .

(٣) انظر : الموضوعات ١ / ٣٨٢.

(٤) انظر : تاريخ أسماء الثقات ـ لابن شاهين ـ : ٢٢٨ رقم ٨٣٩ ، ميزان الاعتدال ٥ / ٢٠٣ رقم ٦٠٠٨ ، تهذيب التهذيب ٦ / ٩ رقم ٤٩٨٣.

(٥) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٣٣ ، وانظر : المجروحين ـ لابن حبّان ـ ٢ / ١٩٥.


[ ١ ـ كسر الأصنام ]

أمّا الخبر الأوّل ؛ وهو خبر كسر الأصنام

فقد أخرجه الحاكم في « المستدرك »(١) ، عن عليّعليه‌السلام ، وصحّحه ، قال : « لمّا كان الليلة التي أمرني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن أبيت على فراشه وخرج من مكّة مهاجرا ، انطلق بي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الأصنام ، فقال :اجلس .

فجلست إلى جانب الكعبة ، ثمّ صعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على منكبي ، ثمّ قال :انهض .

فنهضت به ، فلمّا رأى ضعفي تحته ، قال : «اجلس ».

فجلست ، فأنزلته عنّي ، وجلس لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ قال لي :يا عليّ! اصعد!

فصعدت على منكبيه ، ثمّ نهض بي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وخيّل لي أنّي لو شئت نلت السماء ، وصعدت إلى الكعبة » الحديث.

ونحوه في « مسند أحمد »(٢) لكن من دون تعيين الليلة ، وكذا في « كنز العمّال »(٣) ، نقلا عن ابن أبي شيبة ، وأبي يعلى في مسنده ، وابن جرير ، والخطيب(٤) .

__________________

(١) ص ٥ من الجزء الثالث [ ٣ / ٦ ح ٤٢٦٥ ]. منهقدس‌سره .

(٢) ص ٨٤ من الجزء الأوّل. منهقدس‌سره .

(٣) ص ٤٠٧ من الجزء السادس [ ١٣ / ١٧١ ح ٣٦٥١٦ ]. منهقدس‌سره .

(٤) انظر : مصنّف ابن أبي شيبة ٨ / ٥٣٤ ح ٩ ، مسند أبي يعلى ١ / ٢٥١ ح ٢٩٢ ، تهذيب الآثار ٤ / ٢٣٦ ـ ٢٣٧ ح ٣١ ـ ٣٢ ، تاريخ بغداد ١٣ / ٣٠٢ ـ ٣٠٣ رقم ٧٢٨٢.


ووجه الدلالة فيه على المطلوب ، أنّ اختصاص أمير المؤمنينعليه‌السلام بمشاركة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في هذه الواقعة الجليلة الخطيرة ـ بطلب من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ دليل على فضله على غيره ، لا سيّما وقد رقى على منكب دونه العيّوق(١) ، وهام الملائكة والملوك.

وقد أشار الشافعي إلى هذه الواقعة مادحا لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، كما حكاه في « ينابيع المودّة »(٢) ، فقال [ من الرّمل ] :

قيل لي : قل في عليّ مدحا

ذكره يخمد نارا موصده

قلت : لا أقدم في مدح امرئ

ضلّ ذو اللّبّ إلى أن عبده

والنبيّ المصطفى قال لنا

ليلة المعراج لمّا صعده :

وضع الله بظهري يده

فأحسّ القلب أن قد برّده

وعليّ واضع أقدامه

في محلّ وضع الله يده

بل قد يقال بدلالة الحديث على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام من وجه آخر ؛ وهو أنّ ضعفه عن حمل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا كان مخالفا لما هو عليه من القوّة العظيمة ، دلّ على أنّ المنشأ في ضعفه هو رعاية جهة النبوّة ؛ ولذا خيّل له أن لو شاء أن ينال السماء نالها ، فلا يرفع النبيّ على منكبيه ـ بما هو نبيّ ملحوظ به جهة النبوّة ـ إلّا من هو شريك له في أمره ، ومن هو كنفسه ، وخليفته في أمّته.

__________________

(١) العيّوق : نجم أحمر مضيء بطرف المجرّة الأيمن ، يتلو الثريّا ، ويطلع قبل الجوزاء ، سمّي بذلك لأنّه يعوق الدّبران عن لقاء الثريّا.

انظر مادّة « عوق » في : لسان العرب ٩ / ٤٧٧ ، القاموس المحيط ٣ / ٢٧٩ ، تاج العروس ١٣ / ٣٦٧.

(٢) في الباب ٤٨ [ ١ / ٤٢٣ ]. منهقدس‌سره .


[ ٢ ـ ولاية عليّعليه‌السلام ]

وأمّا الحديث الثاني ؛ وهو أنّه لا يجوز على الصراط إلّا من كان معه كتاب بولاية عليّعليه‌السلام

فقد سبق مع دلالته على المطلوب في الآية الحادية عشرة(١) .

٣ ـ ردّ الشمس

وأمّا الحديث الثالث ؛ وهو حديث ردّ الشمس

فقد أخرجه كثير بطرق كثيرة ، وصحّحه جماعة

قال ابن حجر في « الصواعق »(٢) : حديث ردّها صحّحه الطحاوي والقاضي في « الشفاء » ، وحسّنه شيخ الإسلام أبو زرعة وتبعه غيره »(٣) .

لكنّ ابن الجوزي على عادته في إنكار ما صحّ في فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام زعم وضع الحديث ، وذكر بعض طرقه فوهّنها ، كما حكاه عنه السيوطي في « اللآلئ »(٤) .

ولنذكر مجمل كلام ابن الجوزي

قال بعد ذكر حديث العقيلي عن أسماء بنت عميس : موضوع ،

__________________

(١) راجع : ج ٥ / ٧ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٢) الفصل الثالث من الباب التاسع [ ص ١٩٧ ]. منهقدس‌سره .

(٣) انظر : مشكل الآثار ٢ / ٧ ح ١٢٠٧ و ١٢٠٨ ، الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١ / ٢٨٤ ، طرح التثريب ٦ / ٢٤٧.

(٤) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٠٨ ، وانظر : الموضوعات ١ / ٣٥٥ و ٣٥٧.


اضطربت فيه الروايات ، رواه سعيد بن مسعود ، عن أسماء بنت عميس ، بسند فيه فضيل بن مرزوق ، ضعّفه يحيى ، وقال ابن حبّان : يروي الموضوعات ، ويخطئ على الثقات(١) .

وذكر حديثا آخر ، عن ابن شاهين ، عن أسماء ، وفي سنده عبد الرّحمن بن شريك ؛ قال أبو حاتم : واهي الحديث ، وشيخ ابن شاهين ابن عقدة رافضيّ ، رمي بالكذب ، وهو المتّهم به(٢) .

وذكر أيضا حديثا عن ابن مردويه ، عن أبي هريرة ، وفي سنده داوود ابن فراهيج ، ضعّفه شعبة(٣) .

انتهى ما عن ابن الجوزي.

وتعقّبه السيوطي بقوله : « فضيل ، الذي أعلّ به الطريق الأوّل ، ثقة صدوق ، احتجّ به مسلم في صحيحه ، وأخرج له الأربعة(٤) .

وعبد الرحمن بن شريك ، وإن وهاه أبو حاتم فقد وثّقه

__________________

(١) الموضوعات ١ / ٣٥٥ ـ ٣٥٦ ، وانظر : الضعفاء الكبير ـ للعقيلي ـ ٣ / ٣٢٧ ـ ٣٢٨ رقم ١٣٤٧.

(٢) الموضوعات ١ / ٣٥٦.

(٣) الموضوعات ١ / ٣٥٧.

(٤) انظر روايته في : صحيح مسلم ٢ / ١١٢ وج ٣ / ٨٥ ، سنن ابن ماجة ١ / ١٩١ ح ٥٧٦ وص ٢٥٦ ح ٧٧٨ ، سنن أبي داود ٤ / ٣١ ح ٣٩٧٨ ، سنن الترمذي ٢ / ٣٤٢ ح ٤٧٧ وج ٣ / ٦١٧ ح ١٣٢٩.

وأمّا ما حكاه ابن الجوزي من تضعيف ابن معين لفضيل بن مرزوق ، فغير صحيح ، فقد وثّقه في كتابيه : التاريخ ٢ / ٤٧٦ رقم ١٢٩٨ ، ومعرفة الرجال ٢ / ٢٣٩ ح ٨٢٤ وفيه : « عن حميد الرواسي ، أنّه كان من أصدق من رأينا من الناس » ، ويعضد هذا التوثيق ما في : تهذيب الكمال ١٥ / ١١٩ ـ ١٢٠ رقم ٥٣٥٥ ، ميزان الاعتدال ٥ / ٤٣٩ ـ ٤٤٠ رقم ٦٧٧٨ ، تهذيب التهذيب ٦ / ٤٢٥ رقم ٥٦٢٦.


غيره(١) ، وروى عنه البخاريّ في ( الأدب )(٢) .

وابن عقدة ، من كبار الحفّاظ ، والناس مختلفون في مدحه وذمّه ؛ قال الدارقطني : كذب من اتّهمه بالوضع ؛ وقال حمزة السهمي : ما يتّهمه بالوضع إلّا ذو الأباطيل ؛ وقال أبو علي الحافظ : أبو العبّاس إمام حافظ ، محلّه محلّ من يسأل عن التابعين وأتباعهم(٣) (٤) .

__________________

(١) انظر : ميزان الاعتدال ٤ / ٢٨٩ رقم ٤٨٩٢.

نقول : لقد نصّ الذهبي في ترجمة أبي حاتم على أنّه إذا جرح رجلا ينظر فيه ، فإن وثّقه غيره قدّم التوثيق على جرح أبي حاتم ، فقال ما لفظه : « إذا وثّق أبو حاتم رجلا فتمسّك بقوله ، فإنّه لا يوثّق إلّا رجلا صحيح الحديث ، وإذا ليّن رجلا ، أو قال فيه : لا يحتجّ به ؛ فتوقّف حتّى ترى ما قال غيره فيه ، فإن وثّقه أحد فلا تبن على تجريح أبي حاتم ، فإنّه متعنّت في الرجال » انظر : سير أعلام النبلاء ١٣ / ٢٦٠.

وكذا وصفه ابن حجر ، فقال عنه : « وأبو حاتم عنده عنت » انظر : هدي الساري مقدّمة فتح الباري : ٦١٦ ترجمة محمّد بن أبي عديّ البصري.

(٢) الأدب المفرد : ٢١٨ ح ٨٢٠.

(٣) انظر : تاريخ بغداد ٥ / ١٤ رقم ٢٣٦٥ ، سير أعلام النبلاء ١٥ / ٣٤٠ رقم ١٧٨ ، ميزان الاعتدال ١ / ٢٨١ رقم ٥٤٧.

(٤) وابن عقدة ، هو : أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد السبيعي الهمداني الكوفي ، الحافظ العلّامة ، أحد أعلام الحديث ، كان زيديا جاروديا.

ولد سنة ٢٤٩ ه‍ بالكوفة ، وطلب الحديث عن خلق كثير بالكوفة وبغداد ومكّة ، وتوفّي سنة ٣٣٢ ه‍.

صنّف كتبا كثيرة نفيسة ، منها : تسمية من شهد مع أمير المؤمنين عليه السلام حروبه من الصحابة والتابعين ، جزء في فضائل عليّ عليه السلام ، حديث الراية ، صلح الحسن عليه السلام ومعاوية ، طرق حديث الطير ، طرق حديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، كتاب من روى عن أمير المؤمنين عليه السلام ومسنده ، كتاب من روى عن الحسن والحسين والأئمّة : ، كتاب من روى عن عليّ بن الحسين عليه السلام ، كتاب من روى عن أبي جعفر محمّد بن عليّ عليه السلام ، كتاب من روى


__________________

عن جعفر بن محمّدعليه‌السلام ، كتاب من روى عن زيد بن عليّ ومسنده ، كتاب من روى عن عليّ أنّه : قسيم النار ، كتاب من روى عن فاطمة من أولادها ، كتاب الولاية.

وثّقه أغلب علماء الرجال وأكابر حفّاظ أهل السنّة ، وأثنوا على علمه وحفظه وخبرته وسعة اطّلاعه ، ونصّوا على اعتمادهم عليه ، ونقلوا آراءه في رجال الحديث

قال عنه السمعاني : « كان حافظا متقنا عالما ، جمع التراجم والأبواب والمشيخة ، وأكثر الرواية وانتشر حديثه روى عنه الأكابر من الحفّاظ

وكان الدارقطني يقول : أجمع أهل الكوفة على أنّه لم ير من زمن عبد الله بن مسعود إلى زمن أبي العبّاس ابن عقدة أحفظ منه ».

وقال سبط ابن الجوزي : « وابن عقدة مشهور بالعدالة ، كان يروي فضائل أهل البيت ويقتصر عليها فنسبوه إلى الرفض ».

وقال السبكي ـ في ذكر الطبقات ـ : « فأين أهل عصرنا من حفّاظ هذه الشريعة : وأبي العبّاس ابن عقدة فهؤلاء مهرة الفنّ ، وقد أغفلنا كثيرا من الأئمّة ، وأهملنا عددا صالحا من المحدّثين ، وإنّما ذكرنا من ذكرناه لننبّه بهم على من عداهم ».

وقال السيوطي : « سمع أمما لا يحصون ، وكتب العالي والنازل حتّى عن أصحابه ، وكان إليه المنتهى في قوّة الحفظ وكثرة الحديث ، ورحلته قليلة ، ألف ، وجمع ».

وقال الهندي الفتني : « وابن عقدة من كبار الحفّاظ ، وثّقه الناس ، وما ضعّفه إلّا عصريّ متعصّب ».

وأمّا طعن بعضهم فيه وقدحهم به وتضعيفهم له ، فلا يعتدّ به ولا يلتفت إليه ؛ لأنّه ليس بشيء ، ولا لشيء إلّا كثرة ما ألّفه وأخرجه في مناقب أهل البيت عليهم السلام وفضائلهم ؛ ولا سيّما ما أخرجه من طرق حديث الغدير ، حتّى أفرد لها كتابا مستقلّا أسماه : « كتاب الولاية » ، وما نقموا منه إلّا ذلك.

انظر : الأنساب ـ للسمعاني ـ ٤ / ٢١٤ « العقدي » ، تذكرة الخواصّ : ٥٤ ، طبقات الشافعية الكبرى ـ للسبكي ـ ١ / ٣١٤ ـ ٣١٨ ، طبقات الحفّاظ : ٣٥٠ رقم


وداوود ، وثّقه قوم وضعّفه آخرون(١) .

ثمّ الحديث ، صرّح جماعة من الأئمّة والحفّاظ بأنّه صحيح

قال القاضي عياض في ( الشفاء ) : أخرج الطحاوي في ( مشكل الحديث ) ، عن أسماء بنت عميس من طريقين ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يوحى إليه ورأسه في حجر عليّ ؛ فذكر هذا الحديث.

قال الطحاوي : وهذان الحديثان ثابتان ، ورواتهما ثقات.

وحكى الطحاوي أنّ أحمد بن صالح كان يقول : لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء ؛ لأنّه من علامات النبوّة(٢) »(٣) .

ثمّ ذكر السيوطي للحديث الأوّل طريقا للطبراني ، وآخر للعقيلي ، وثالثا للخطيب في « تلخيص المتشابه » ، ورابعا لأبي بشر الدولابي في « الذرّيّة الطاهرة »(٤) .

ثمّ قال : « ثمّ وقفت على جزء مستقلّ في جمع طرق هذا الحديث ، تخريج أبي الحسن شاذان الفضلي » ، ثمّ ساق له اثني عشر طريقا ، عن عليّ ، وأسماء ، وأبي هريرة ، وجابر بن عبد الله ، وأبي ذرّ ؛ لكنّ حديث

__________________

٧٨٩ ، تذكرة الموضوعات : ٩٦ ، هديّة العارفين ٥ / ٦٠ ، أهل البيتعليهم‌السلام في المكتبة العربية : ٦٢٣ ـ ٦٢٥ رقم ٧٦٢ ـ ٧٦٩ ومواضع أخر ، الغدير في التراث الإسلامي : ٤١ رقم ٦ ، نفحات الأزهار ٦ / ٧١ ـ ٧٩.

(١) انظر : ميزان الاعتدال ٣ / ٣١ ـ ٣٢ رقم ٢٦٤٤.

(٢) انظر : الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١ / ٢٨٣ ـ ٢٨٤ ، مشكل الآثار ٢ / ٧ ح ١٢٠٧ و ١٢٠٨ وص ٨ ذ ح ١٢١١ وج ٤ / ٢٦٨ ح ٣٨٥٠ و ٣٨٥١.

(٣) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٠٨ ـ ٣٠٩.

(٤) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٠٩ ؛ وانظر : المعجم الكبير ٢٤ / ١٥٢ ح ٣٩١ ، الضعفاء الكبير ٣ / ٣٢٧ رقم ١٣٤٧ ، تلخيص المتشابه ١ / ٢٢٥ رقم ٣٥٣ ، الذرّيّة الطاهرة : ١٢٩ ح ١٥٦.


أبي ذرّ هكذا :

« قال عليّ يوم الشورى : أنشدكم بالله ، هل فيكم من ردّت عليه الشمس غيري حين نام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وجعل رأسه في حجري حتّى غابت الشمس ، فانتبه فقال :يا عليّ! صلّيت العصر؟

قلت : اللهمّ لا.

فقال :اللهم ارددها عليه ، فإنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك ».

ثمّ قال السيوطي : « وروى ابن أبي شيبة طرقا من حديث أسماء ».

ثمّ قال : « وممّا يشهد بصحّة ذلك قول الإمام الشافعي وغيره : ما أوتي نبيّ معجزة إلّا أوتي نبيّنا نظيرها أو أبلغ منها.

وقد صحّ أنّ الشمس حبست على يوشع ليالي قاتل الجبّارين ، فلا بدّ أن يكون لنبيّنا نظير ذلك ، فكانت هذه القصّة نظير تلك ».

انتهى ما في « اللآلئ »(١) .

وقد نسج ابن تيميّة على منوال ابن الجوزي ، فحكم بوضع الحديث(٢) .

قال المصنّفرحمه‌الله في « منهاج الكرامة » : « التاسع : رجوع الشمس له مرّتين ، إحداهما : في زمن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والثانية : بعده.

أمّا الأولى : فروى جابر وأبو سعيد الخدري ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نزل عليه جبرئيل يوما يناجيه من عند الله ، فلمّا تغشّاه الوحي توسّد فخذ أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فلم يرفع رأسه حتّى غابت الشمس ، فصلّى عليّ

__________________

(١) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٠٩ ـ ٣١٢.

(٢) منهاج السنّة ٨ / ١٦٥.


العصر بالإيماء ، فلمّا استيقظ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال له :سل الله يرد عليك الشمس لتصلّي العصر قائما ؛ فدعا ، فردّت الشمس ، فصلّى العصر قائما.

وأمّا الثانية : فلمّا أراد أن يعبر الفرات ببابل ، استعمل كثير من أصحابه دوابّهم ، وصلّى لنفسه في طائفة من أصحابه العصر ، وفاتت كثيرا ، فتكلّموا في ذلك ، فسأل الله ردّ الشمس فردّت ، ونظمه الحميري فقال [ من الكامل ] :

ردّت عليه الشمس لمّا فاته

وقت الصلاة وقد دنت للمغرب

حتّى تبلّج نورها في وقتها

للعصر ثمّ هوت هويّ الكوكب

وعليه قد ردّت ببابل مرّة

أخرى وما ردت لخلق مغرب »(١)

وأجاب ابن تيميّة بإنكار الحديثين ، واستشهد بكلام ابن الجوزي ، ثمّ نقل عن أبي القاسم الحسكاني ، أنّه جمع طرق حديث ردّها في أيّام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في مصنّف سمّاه : « مسألة في تصحيح ردّ الشّمس وترغيب النواصب الشّمس »(٢) ، ثمّ ذكر ابن تيميّةطرقه ، وهي أكثر ممّا سبق ،

__________________

(١) منهاج الكرامة : ١٧١ ـ ١٧٢ ؛ وانظر : ديوان السيّد الحميري : ٨٧ ـ ٨٩ ، والأبيات من قصيدته المذهّبة ، التي مطلعها :

هلّا وقفت على المكان المعشب

بين الطويلع فاللوى من كبكب

والمغرب : من جاء بشيء وأمر غريب ؛ انظر : لسان العرب ١٠ / ٣٤ مادّة « غرب ».

(٢) ترجم الذهبي ترجمة حسنة للحاكم الحسكاني أبي القاسم عبيد الله بن عبد الله ابن الحذّاء الحنفي النيسابوري ، المتوفّى بعد سنة ٤٧٠ ه‍ ، في تذكرة الحفّاظ ٣ / ١٢٠٠ رقم ١٠٣٢ وذكر له هذا الكتاب قائلا : « ووجدت له مجلسا يدلّ على تشيّعه! وخبرته بالحديث ، وهو تصحيح خبر ردّ الشّمس لعليّ رضي الله عنه وترغيم


أخرجها عن أمير المؤمنين ، وأسماء ، وأبي سعيد ، وأبي هريرة ، وأورد عليه بأمور ، ولنذكرها مفصّلة وإن كانت مشوّشة في كلامه

الأمر الأوّل : عدم صحّة طرقه ، وبالغ في النقد عليها ، حتّى ضعّف جملة من رجالها ، وهم ممّن احتجّ بهم مسلم ، والبخاري في الصحيحين(١) .

فليت شعري ، كيف يجتمع هذا مع قولهم بصحّة أخبار الصحيحين أجمع؟!

وهل يسلم لهم خبر من نقد بعض رجاله بمثل تلك النقود ، حتّى يصحّ القول بصحّته؟!

وكيف كان! فنحن لا نضيّع الوقت بردّ نقوده بعدما صحّح جملة من

__________________

النواصب الشّمس ».

وذكره له كذلك ابن كثير في البداية والنهاية ٦ / ٦٢ قائلا : « فصل : إيراد هذا الحديث من طرق متفرّقة ، أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن أحمد الحسكاني يصنّف فيه : تصحيح ردّ الشّمس وترغيم النواصب الشّمس ».

وممّن صحّح هذا الحديث ، شمس الدين الصالحي الدمشقي ، المتوفّى سنة ٩٤٢ ه‍ ، في كتابيه : « مزيل اللبس عن حديث ردّ الشمس » الذي أفرده لهذا الغرض ، وفي كتابه : « سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ٩ / ٤٣٥ ـ ٤٣٩ ، وتطرّق فيه لرواية الحاكم الحسكاني ورميه بالتشيّع ، فقال ما لفظه : « التنبيه الثالث : ليحذر من يقف على كلامي هنا أن يظنّ بي أنّي أميل إلى التشيّع ؛ والله يعلم أنّ الأمر ليس كذلك ، والحامل لي على هذا الكلام أنّ الذهبي ذكر في ترجمة الحافظ الحسكاني أنّه كان يميل إلى التشيّع ؛ لأنّه أملى جزءا في طرق حديث ردّ الشمس ، وهذا الرجل ترجمه تلميذه الحافظ عبد الغفّار بن إسماعيل الفارسي في ( ذيل تاريخ نيسابور ) فلم يسعفه بذلك ، بل أثنى عليه ثناء حسنا ، وكذلك غيره من المؤرّخين ، نسأل الله تعالى السلامة من الخوض في أعراض الناس بما نعلم وبما لا نعلم »!.

(١) منهاج السنّة ٨ / ١٦٥ ـ ١٧٢ وما بعدها.


طرق الحديث : الطحاوي ، والقاضي عياض ، والحافظ السيوطي ، والحاكم الحسكاني ، وسبط ابن الجوزي في « تذكرة الخواصّ » ، وحسّنها أبو زرعة وغيره(١) .

ولا سيّما أنّ المطلوب الوثوق ، ولا ريب بحصوله من الطرق المستفيضة ، بل هو أشدّ وأقوى من الوثوق من خبر صحيح أو أخبار صحاح.

وإذا ضممت إلى تلك الأحاديث أخبارنا(٢) علمت أنّ ردّها لأمير المؤمنين متواتر.

الأمر الثاني : إنّه لو كان للواقعة أصل ، لكانت من أعظم عجائب العالم التي تتوفّر الدواعي إلى نقلها ، ولم يختصّ نقلها بالقليل(٣) .

ويرد عليه :

أوّلا : إنّ الدواعي إلى عدم نقلها أكثر ؛ لأنّ الناس في أيّام الأمويّين وكثير من الأوقات أعداء لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، ومجتهدون في نقصه ،

__________________

(١) انظر : مشكل الآثار ٢ / ٨ ذ ح ١٢١١ ، الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١ / ٢٨٤ ، اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٠٨ ـ ٣١٢ ، وأبا القاسم الحسكاني كما في منهاج السنّة ٨ / ١٧٢ ، تذكرة الخواصّ : ٥٤ ، طرح التثريب ٦ / ٢٤٧ ، كفاية الطالب : ٣٨٣ ، فتح الباري ٦ / ٢٧٢ ـ ٢٧٣ ، عمدة القاري ١٥ / ٤٣ ، شرح المواهب اللدنّية ٦ / ٤٨٦ ـ ٤٨٧ ، شرح الشفا ١ / ٤٨٩ و ٥٩٢.

وقد تقدّم رواية الطبراني له بسند حسن كما حكاه عنه غير واحد ممّن تقدّم ، بل قال في مجمع الزوائد ٨ / ٢٩٧ : رواه كلّه الطبراني بأسانيد ، ورجال أحدها رجال الصحيح غير إبراهيم بن حسن وهو ثقة.

(٢) انظر : الاحتجاج ١ / ٣٠٨ ، كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين : ١١١ ـ ١١٣ ، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٣٤٥ ـ ٣٤٧.

(٣) منهاج السنّة ٨ / ١٧١ و ١٧٧.


فكيف يستفيض بينهم نقل هذه الفضيلة العظيمة؟!

وثانيا : إنّه منقوض بانشقاق القمر ، الذي هو معجزة لنبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) ، ولا يشاركه فيها عليّ حتّى تتوفّر الدواعي إلى إخفائها ، ومع ذلك لم يروها أكثر من رواة ردّ الشمس.

ودعوى ابن تيميّة الفرق بأنّ انشقاق القمر كان بالليل وقت نوم الناس(٢) ، باطلة ؛ لما في « صحيح البخاري » في تفسير :( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ) (٣) ، عن أنس ، قال : سأل أهل مكّة أن يريهم آية ، فأراهم انشقاق القمر(٤) .

وفي « سنن الترمذي » ، في تفسير هذه السورة ، عن جبير بن مطعم ، قال : انشقّ القمر على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى صار فرقتين ، على هذا الجبل ، وعلى هذا الجبل ؛ فقالوا : سحرنا محمّد! فقال بعضهم : لئن كان سحرنا فما يستطيع أن يسحر الناس كلّهم(٥) .

وثالثا : إنّ السبب في عدم تواتر نقل مثل هذه الوقائع في الكتب ، هو أنّ عامّة الناس كانوا أمّيّين ، وما كان التاريخ والتأليف مألوفا بين من يعرف الكتابة منهم ، بلا فرق بين المسلمين وغيرهم ؛ ولذا لم يعرف مؤلّف في تلك العصور ، ولم يصل إلينا من معجزات النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلّا القليل ،

__________________

(١) صحيح البخاري ٥ / ٥٩ ـ ٦٠ ح ١٣٧ ـ ١٣٩ ، صحيح مسلم ٨ / ١٣٢ ـ ١٣٣ ، مسند أحمد ١ / ٣٧٧ و ٤١٣ و ٤٤٧ وج ٣ / ٢٧٥ وج ٤ / ٨٢ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٢ / ٢٦٢ ـ ٢٦٨ ، الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١ / ٢٨٠ ـ ٢٨٣.

(٢) منهاج السنّة ٨ / ١٧١.

(٣) سورة القمر ٥٣ : ١.

(٤) صحيح البخاري ٦ / ٢٥٢ ـ ٢٥٣ ح ٣٦١.

(٥) سنن الترمذي ٥ / ٣٧٢ ح ٣٢٨٩.


ولا سيّما من طرق السنّة.

وإنّما وقع التأليف نادرا في التابعين ، وكثر في تبع التابعين ، على حين لم يبق من ذكر الحوادث السالفة إلّا ما ندر ، وتناسى الناس فضائل أمير المؤمنين ؛ خوفا أو عنادا ، لا سيّما ما هو صريح في إمامته.

الأمر الثالث : إنّ خصوصيّات الروايات متنافية من وجوه ، وهو يكشف عن كذب الواقعة.

الأوّل : دلالة بعضها على طلوع الشمس حتّى وقعت على الجبال وعلى الأرض ، وبعضها حتّى توسّطت السماء ، وبعضها حتّى بلغت نصف المسجد.

وهذا دالّ على أنّ ذلك بالمدينة ؛ لأنّ المقصود مسجدها ، وكثير من الأخبار يدلّ على أنّه بالصهباء(١) في غزوة خيبر(٢) .

الثاني : إنّ بعضها يدلّ على أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يوحى إليه ، وبعضها كان نائما ثمّ استيقظ.

الثالث : دلالة بعضها على أنّ عليّا كان مشغولا بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبعضها على أنّه كان مشغولا بقسم الغنائم.

.. إلى غير ذلك من الخصوصيّات المتنافية(٣) .

__________________

(١) الصّهباء : اسم موضع بينه وبين خيبر روحة ، سمّيت بذلك لصهوبة لونها وهو حمرتها أو شقرتها ؛ انظر : معجم البلدان ٣ / ٤٩٤ ـ ٤٩٥ رقم ٧٦٧٩.

(٢) المعجم الكبير ٢٤ / ١٤٥ ح ٣٨٢ ، مشكل الآثار ٢ / ٧ ح ١٢٠٨ ، الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١ / ٢٨٤ ، البداية والنهاية ٦ / ٦٢.

(٣) راجع الصفحة ٢٠٠ ه‍ ١ ففيه تخريج جلّ روايات ردّ الشمس بمختلف طرقها وخصوصيّاتها.

وأجملها ابن تيميّة في منهاج السنّة ٨ / ١٧٥ و ١٨٣ ـ ١٨٦.


والجواب : إنّ تنافي الخصوصيّات لا يوجب كذب أصل الواقعة ، وإنّما يقتضي الخطأ في الخصوصيّات ؛ إذ لا ترى واقعة تكثّرت طرقها إلّا واختلف النقل في خصوصيّاتها ، حتى إنّ قصّة انشقاق القمر قد وردت ـ في الرواية التي تقدّمت عن الترمذي(١) ـ بأنّ القمر صار فرقتين على جبلين.

وفي رواية أخرى للترمذي : إنشقّ فلقتين ، فلقة من وراء الجبل ، وفلقة دونه(٢) .

وفي « صحيح البخاري » : فرقة فوق الجبل ، وفرقة دونه(٣) .

على أنّه لا تنافي بين تلك الخصوصيّات ؛ لأنّ المراد بجميع الخصوصيّات في الوجه الأوّل : هو رجوع الشمس إلى وقت صلاة العصر ، كما صرّح به بعض الأخبار(٤) .

لكن وقعت المبالغة في بعضها بأنّها توسّطت السماء(٥) ، والمبالغة غير عزيزة في الكلام.

كما أنّ وقوع ردّ الشمس في غزوة خيبر ، لا ينافي بلوغها نصف

__________________

(١) تقدّمت آنفا في الصفحة ٢١٦ ، وانظر : سنن الترمذي ٥ / ٣٧٢ ح ٣٢٨٩.

(٢) سنن الترمذي ٥ / ٣٧٠ ـ ٣٧١ ح ٣٢٨٥.

(٣) صحيح البخاري ٦ / ٢٥٢ ح ٣٥٨.

(٤) الظاهر أنّ جميع الأخبار الواردة ، وليس بعضها ، قد صرّحت بأنّ ردّ الشمس كان إلى وقت صلاة العصر ؛ فراجع الصفحة ٢٠٠ ه‍ ١ من هذا الجزء.

(٥) كذا في الأصل ، ولم يرد لفظ « السماء » في أيّ من ألفاظ الحديث ، ولعلّ الشيخ المصنّفقدس‌سره كنّى بذلك عن « وسط المسجد » و « نصف المسجد » و « وقعت على الجبال » و « وقفت على الجبال » و « بيضاء نقيّة » كما جاءت به نصوص الروايات ؛ فلاحظ!


المسجد.

وأمّا الخصوصيّات في الوجه الثاني ، فلا تنافي بينها أيضا ؛ لصحّة حمل نوم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على غشية الوحي والاستيقاظ على تسرّيه ؛ ولذا عبّر بعض الأخبار بالاستيقاظ بعد ذكر نزول جبرئيل وتغشّي الوحي للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

وأمّا الخصوصيّات في الوجه الثالث ، فهي أظهر بعدم التنافي بينها ؛ إذ لا يبعد أنّ قسم الغنائم هو الحاجة التي وقعت قبل شغل عليّعليه‌السلام بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لا في عرضه.

وعلى هذا القياس في سائر الخصوصيّات التي يتوهّم تنافيها.

الأمر الرابع : اشتمال الأحاديث على المنكرات :

منها : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «يا ربّ! إنّ عليّا في طاعتك وطاعة رسولك ، فاردد عليه الشمس ».

قال أبو سعيد : فو الله لقد سمعت للشمس صريرا كصرير البكرة حتّى رجعت بيضاء نقيّة.

ومنها : إنّها لمّا غابت سمع لها صرير كصرير المنشار.

ومنها : إنّها أقبلت ولها صرير كصرير الرحى.

وإنّما قلنا : إنّ هذه منكرات ؛ لأنّ الشمس لا تلاقي من الأجسام ما يوجب هذه الأصوات التي تصل من فلك الشمس إلى الأرض(٢) .

والجواب : إنّ الله سبحانه لا يعجز عن إحداث الصوت ليكون

__________________

(١) تاريخ دمشق ٧٠ / ٣٦ رقم ٩٤٠٩.

(٢) منهاج السنّة ٨ / ١٨٤ ـ ١٩٢.


للسمع حظّ من هذه الفضيلة كما للبصر ، فيزيد التيقّن بها ، والالتفات إليها.

ولو تسرّبنا(١) إلى هذه المناقشات منعنا انشقاق القمر ، وسقوط شقّيه على الجبلين أو الجبل وما دونه ، فإنّه أكبر من ذلك.

فإذا أجيب هاهنا بأنّ الله شقّه وصغّر جرمه وأنزله إلى الأرض إيضاحا للحجّة ، فليجب بمثله في المقام.

وممّا اشتملت عليه من المنكرات ـ بزعم ابن تيميّة ـ نوم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد صلاة العصر ، وهو مكروه ، ولا يفعله النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو أيضا تنام عيناه ولا ينام قلبه(٢) ؛ فكيف يفوّت على عليّ صلاته؟!

ثمّ إنّ تفويت الصلاة إن كان جائزا لم يكن على عليّ إثم إذا صلّى العصر بعد الغروب ، وليس عليّ أفضل من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والنبيّ قد فاتته العصر يوم الخندق ، ولم ترد عليه الشمس.

وقد نام ومعه عليّ وسائر الصحابة عن الفجر حتّى طلعت الشمس ، ولم ترجع إلى الشرق.

وإن كان التفويت محرّما فهو من الكبائر ، ومن فعل هذا كان من

__________________

(١) إنسرب وتسرّب : دخل في السّرب ؛ وهو جحر الثعلب والذئب ، وغيرهما من الحيوانات.

والسّرب : الطريق والوجهة.

انظر : تاج العروس ٢ / ٧٢ ـ ٧٣ مادّة « سرب ».

ومرادهقدس‌سره : أنّنا لو حدنا عن الأسلوب الصحيح في المناظرة وأوغلنا في إثارة الشكوك ، لأنكرنا المعجزات.

(٢) انظر : صحيح البخاري ١ / ٧٨ ح ٤ وج ٥ / ٣٣ ـ ٣٤ ح ٧٦ و ٧٧ ، صحيح مسلم ٢ / ١٨٠ ، سنن أبي داود ١ / ٥١ ح ٢٠٢ ، مسند أحمد ١ / ٢٧٤ و ٢٧٨ ، مصنّف ابن أبي شيبة ١ / ١٥٦ ح ٥ ب‍ ١٦٠ ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٤٦٨ ح ٣٦١٤.


مثالبه ، لا من مناقبه.

ثمّ إذا فاتت لم يسقط الإثم عنه بعود الشمس(١) .

والجواب : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لم ينم ـ كما عرفت ـ وإنّما تغشّاه الوحي(٢) .

وما ذكره من أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله تنام عيناه ولا ينام قلبه ، يجب أن يجعله دليلا على كذب رواية نومهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن صلاة الصبح ، وكذب رواية نسيانه الصلاة يوم الخندق ، كما أوضحناه في مباحث النبوّة(٣) .

فحينئذ يبطل نقضه بعدم ردّ الشمس للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا فاتته الصلاة في الوقتين ، وهو أفضل من عليّعليه‌السلام .

على أنّ فضل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يستلزم أولويّة ردّها له ؛ لجواز أن يكون ردّها لعليّعليه‌السلام دفعا لطعن أهل النفاق فيه بتركه الصلاة ، فردّت له ؛ ليعلم أنّه في طاعة الله تعالى بشاهد جليّ ؛ أو لغير ذلك من الحكم المقتضية لتخصيصه دون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

على أنّ عليّاعليه‌السلام لم يترك أصل الصلاة ، فإنّه صلّاها إيماء ، كما صرّح به بعض الأخبار(٤) ، وإنّما ردّها الله سبحانه له لينال فضل الصلاة قائما في وقتها ، ويظهر فضله وكمال طاعته ، وليقطع ألسنة المنافقين.

وبهذا يعلم ما في قوله : « إن كان جائزا لم يكن على عليّ إثم إذا

__________________

(١) منهاج السنّة ٨ / ١٧٥ ـ ١٧٦.

(٢) انظر : المعجم الكبير ٢٤ / ١٥٢ ح ٣٩١.

(٣) راجع : ج ٤ / ١٤٥ ـ ١٤٨ من هذا الكتاب.

(٤) ينابيع المودّة ١ / ٤١٧ ح ٣ ، أرجح المطالب : ٦٨٦ عن الدولابي وابن شاهين وابن مندة وابن مردويه.


صلّى العصر بعد الغروب » ، فإنّ الداعي لردّها ليس رفع الإثم ، بل تلك الحكم المذكورة ، فقد ظهر أنّ المناقشة في الحديث إنّما هي من السفاسف.

وأمّا دلالته على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام فأجلى من الشمس ؛ لأنّه من أعظم الأدلّة على الاهتمام بشأنه وفضله على جميع الأصحاب بما لا يحلم أن يناله أحد منهم.

هذا كلّه في ردّها له في حياة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله

ويروى ردّها له بعد وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله كما ذكره المصنّفرحمه‌الله (١) ، وحكاه ابن أبي الحديد في « شرح النهج »(٢) ، عن نصر بن مزاحم ، بسنده عن عبد خير ، قال : « كنت مع عليّ في أرض بابل وحضرت صلاة العصر ، فجعلنا لا نأتي مكانا إلّا رأيناه أقبح من الآخر ، حتّى أتينا على مكان أحسن ما رأينا ، وقد كادت الشمس أن تغيب

قال : فنزل عليّ فنزلت معه ، فدعا الله فرجعت الشمس كمقدارها من صلاة العصر ، فصلّيت العصر ثمّ غابت ».

ونقل في « ينابيع المودّة »(٣) ، عن « المناقب » ، عن الحسينعليه‌السلام ، قال : « لمّا رجع أبي من قتال النهروان سار في أرض بابل ، وحضرت صلاة العصر ، فقال : هذه أرض مخسوفة ، وقد خسفها الله ثلاثا ، ولا يحلّ لوصيّ نبيّ أن يصلّي فيها.

__________________

(١) منهاج الكرامة : ١٧٢.

(٢) ص ٢٧٧ من المجلّد الأوّل [ ٣ / ١٦٨ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : وقعة صفّين : ١٣٥ ـ ١٣٦.

(٣) في الباب السابع والأربعين [ ١ / ٤١٨ ـ ٤١٩ ح ٦ ]. منهقدس‌سره .


قال جويرية بن مسهر العبدي(١) : صلّى الناس هنا ، وتبعت بمئة فارس أمير المؤمنين إلى أن قطعنا أرض بابل ، والشمس قد غربت ، فنزل وقال :آتني الماء ؛ فآتيته الماء ، فتوضّأ وقال :يا جويرية! أذّن للعصر.

فقلت في نفسي : كيف يصلّي العصر وقد غربت الشمس؟!

فأذّنت ، وقال لي :أقم ؛ فأقمت ، وإذا أنا في الإقامة تحرّكت شفتاه ، وإذا رجعت الشمس وصلّينا وراءه.

فلمّا فرغنا من الصلاة غابت الشمس بسرعة كأنّها سراج وقعت في طشت ماء واشتبكت النجوم ، والتفت إليّ وقال :أذّن للمغرب يا ضعيف اليقين! ».

ونقل في « الينابيع » أيضا ، عن أخطب خوارزم ، بسنده عن مجاهد ، أنّ ابن عبّاس أثنى على أمير المؤمنينعليه‌السلام في كلام قال فيه : « وردّت عليه الشمس مرّتين »(٢) .

٤ ـ حديث السطل والماء والمنديل

وأمّا الحديث الرابع ؛ وهو حديث السطل والماء والمنديل

__________________

(١) جويرية بن مسهر العبدي ، من أصحاب أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، وشهد مشاهده ، وكان من ثقاته ، وكان من خيار التابعين ، صلبه زياد ابن أبيه إلى جذع وقطع يديه ورجليه رضي الله عنه.

انظر : لسان الميزان ٢ / ١٤٤ رقم ٦٣٤ ، معجم رجال الحديث ٥ / ١٥١ ـ ١٥٢ رقم ٢٤٢٠.

(٢) ينابيع المودّة ١ / ٤١٩ ح ٧ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣٣٠ ح ٣٤٩.


فقد حكاه أيضا في « الينابيع »(١) ، عن ابن المغازلي ، وصاحب « المناقب » ، وأخطب خوارزم ، بأسانيدهم عن أنس.

٥ ـ لا سيف إلّا ذو الفقار

ولا فتى إلّا عليّ

وأمّا الحديث الخامس ؛ وهو حديث النداء يوم أحد

فقد رواه الطبري في « تاريخه »(٢)

وابن الأثير في « كامله »(٣)

وكذا ابن أبي الحديد في « شرح النهج »(٤) ، ناقلا له عن غلام ثعلب ، ومحمّد بن حبيب في « أماليه » ، وجماعة من المحدّثين

ثمّ قال : « وهو من الأخبار المشهورة ، ووقفت عليه في بعض نسخ ( مغازي محمّد بن إسحاق ) ، ورأيت بعضها خاليا عنه.

__________________

(١) في الباب التاسع والأربعين [ ١ / ٤٢٨ ـ ٤٢٩ ح ٦ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : مناقب الإمام عليّ عليه السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٢٥ ح ١٣٩ ، مناقب الإمام عليّ عليه السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣٠٤ ح ٣٠٠.

(٢) ص ١٧ من الجزء الثالث [ ٢ / ٦٥ ]. منهقدس‌سره .

(٣) ص ٧٤ من الجزء الثالث [ ٢ / ٤٩ ]. منهقدس‌سره .

(٤) ص ٣٧٢ من المجلّد الثالث [ ١٤ / ٢٥١ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : وقعة صفّين : ٣١٥ ، السيرة النبوية ـ لابن هشام ـ ٤ / ٥١ ، الأغاني ١٥ / ١٨٧ ، مناقب الإمام عليّ عليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٩٠ ـ ١٩١ ح ٢٣٤ ـ ٢٣٦ ، تاريخ دمشق ٣٩ / ٢٠١ وج ٤٢ / ٧١ ، مناقب الإمام عليّ عليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣٠١ ، الروض الأنف ٣ / ٢٨٨ ، الرياض النضرة ٣ / ١٥٥ ـ ١٥٦ ، ذخائر العقبى : ١٣٧ ، البداية والنهاية ٤ / ٣٨ ، شرح المقاصد ٥ / ٢٩٨ ، نزهة المجالس ٢ / ٢٠٩.


وسألت شيخي عبد الوهّاب بن سكينة(١) عن هذا الخبر ، فقال : صحيح ».

أقول : ويكفي في صحّته استفاضته ، لا سيّما بضميمة أخبارنا(٢) .

وأمّا صدور النداء يوم بدر فقد تقدّمت روايته في أوّل المبحث(٣) ، وأشار إليها سبط ابن الجوزي في « تذكرة الخواصّ »(٤) .

ونقل أيضا عن أحمد في « الفضائل » ، وصحّحه ، وقوع النداء يوم خيبر ، وأنّهم سمعوا تكبيرا من السماء في ذلك اليوم ، وقائلا يقول :

لا سيف إلّا ذو الفقا

ر ولا فتى إلّا علي

فاستأذن حسّان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن ينشد شعرا ، فأذن له فقال [ من مجزوء الكامل ] :

جبريل نادى معلنا

والنّقع(٥) ليس ينجلي

__________________

(١) هو : ضياء الدين أبو أحمد عبد الوهّاب بن علي بن عبد الله البغدادي الصوفي الشافعي ( ٥١٩ ـ ٦٠٧ ه‍ ) ، المعروف بابن سكينة ، وسكينة هي والدة أبيه ، وكان فقيها محدّثا ، لبس خرقة التصوّف عن جدّه ، حدّث في مصر والشام والحجاز ، صاحب أبا الفرج ابن الجوزي ولازم مجلسه.

انظر : سير أعلام النبلاء ٢١ / ٥٠٢ رقم ٢٦٢ ، البداية والنهاية ١٣ / ٥٣ ، طبقات الشافعية ـ للأسنوي ـ ١ / ٣٤٠ رقم ٦٤٧.

(٢) انظر : عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ١ / ٨١ ، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٨٤ ، إعلام الورى بأعلام الهدى ١ / ٣٧٨.

(٣) راجع الصفحة ٢٠٢ من هذا الجزء.

(٤) تذكرة الخواصّ : ٣٤ ؛ وكان في الأصل : « الحفّاظ » بدل « الخواصّ » ، وهو من سهو القلم.

(٥) النّقع : الغبار الساطع ، والقتل ؛ انظر مادّة « نقع » في : لسان العرب ١٤ / ٢٦٧ ، تاج العروس ١١ / ٤٨٦.

والمعنى هنا كناية عن اشتداد القتال.


والمسلمون أحدقوا

حول النبيّ المرسل

لا سيف إلّا ذو الفقا

ر ولا فتى إلّا علي(١)

فلا ريب بصدور النداء بذلك من جبرئيل ولو في أحد هذه المواطن الثلاثة ، وهو صريح في نفي الفتوّة ـ أي : السخاء بالنفس ـ عن غير عليّعليه‌السلام ، فيدلّ على أنّه أسخى الناس بنفسه وأطوعهم له ، والفضل في الطاعة فرع الفضل الذاتي ؛ والأفضل أحقّ بالإمامة.

ويشهد لفضله الذاتي قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في الحديث : «هو منّي وأنا منه » ، وقول جبرئيل : وأنا منكما(٢) .

* * *

__________________

(١) تذكرة الخواصّ : ٣٣ ـ ٣٤.

(٢) مرّ تخريجه في الصفحة ١٣٤ ه‍ ١ من هذا الجزء ؛ فراجع!


٢٤ ـ حديث : الحقّ مع عليّ

قال المصنّف ـ رفع الله درجته ـ(١) :

الرابع والعشرون : في « الجمع بين الصحاح الستّة » ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : «رحم الله عليّا ، اللهمّ أدر الحقّ معه حيث دار »(٢) .

وروى الجمهور : قالصلى‌الله‌عليه‌وآله لعمّار : « ستكون في أمّتي بعدي هناة واختلاف حتّى يختلف السيف بينهم ، حتّى يقتل بعضهم بعضا ، ويتبرّأ بعضهم من بعض.

يا عمّار! تقتلك الفئة الباغية ، وأنت إذ ذاك مع الحقّ والحقّ معك ، إنّ عليّا لن يدنيك من ردى ، ولن يخرجك من هدى.

يا عمّار! من تقلّد سيفا أعان به عليّا على عدوّه قلّده الله يوم القيامة وشاحين من درّ ، ومن تقلّد سيفا أعان به عدوّه قلّده الله وشاحين من نار.

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٢٤.

(٢) انظر : سنن الترمذي ٥ / ٥٩٢ ح ٣٧١٤ ، المحاسن والمساوئ ـ للبيهقي ـ : ٤١ ، الإنصاف ـ للباقلّاني ـ : ٦٦ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٤ ـ ١٣٥ ح ٤٦٢٩ ، فردوس الأخبار ١ / ٤١٠ ح ٣٠٥٠ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٠٤ ح ١٠٧ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٤٤٨ ، جامع الأصول ٨ / ٥٧٢ ح ٦٣٨٢ ، تفسير الفخر الرازي ١ / ٢١٠ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٦ / ٣٧٦ ، فرائد السمطين ١ / ١٧٦ ح ١٣٨ ، الصواعق المحرقة : ١١٩ ، كنز العمّال ١١ / ٦٤٣ ح ٣٣١٢٤.


فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الذي عن يميني ـ يعني : عليّا ـ ، وإن سلك الناس كلّهم واديا وسلك عليّ واديا ، فاسلك واديا سلكه عليّ ، وخلّ الناس طرّا.

يا عمّار! إنّ عليّا لا يزال على الهدى.

يا عمّار! إنّ طاعة عليّ من طاعتي ، وطاعتي من طاعة الله تعالى »(١) .

وروى أحمد بن موسى بن مردويه ، من الجمهور ، من عدّة طرق ، عن عائشة ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «الحقّ مع عليّ ، وعليّ مع الحقّ ، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض »(٢) .

* * *

__________________

(١) تاريخ بغداد ١٣ / ١٨٦ ـ ١٨٧ رقم ٧١٦٥ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٠٥ ح ١١٠ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٤٧٢ ، فرائد السمطين ١ / ١٧٨ ح ١٤١ ، البداية والنهاية ٧ / ٢٤٤ ، كنز العمّال ١١ / ٦١٣ ـ ٦١٤ ح ٣٢٩٧٢.

(٢) انظر : كشف الغمّة ١ / ١٤٦ عن ابن مردويه ، مسند أبي يعلى ٢ / ٣١٨ ح ١٠٥٢ ، المعجم الكبير ٢٣ / ٣٣٠ ح ٧٥٨ وص ٣٩٦ ح ٩٤٦ ، المعجم الصغير ١ / ٢٥٥ ، الإمامة والسياسة ١ / ٩٨ ، الكنى والأسماء ـ للدولابي ـ ٢ / ٨٩ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٤ ح ٤٦٢٨ ، تاريخ بغداد ١٤ / ٣٢١ رقم ٧٦٤٣ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٢٠ ح ٢٩١ ، ربيع الأبرار ١ / ٨٢٨ ـ ٢٨٩ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٧٧ ح ٢١٤ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٤٤٩ ، فرائد السمطين ١ / ١٧٧ ح ١٤٠ ، مجمع الزوائد ٧ / ٢٣٥ ـ ٢٣٦ ، كنز العمّال ١١ / ٦٢١ ح ٣٣٠١٨.


وقال الفضل(١) :

صحّ في الصحاح أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعمّار :ويح عمّار! تقتله الفئة الباغية (٢) .

وباقي ما ذكر إن صحّ دلّ على أنّ عليّا كان مع الحقّ أينما دار ، وهذا شيء لا يرتاب فيه حتّى يحتاج إلى دليل ، بل هذا دليل على حقّية الخلفاء ؛ لأنّ الحقّ كان مع عليّ ، وعليّ كان معهم ، حيث تابعهم وناصحهم ، فثبت من هذا خلافة الخلفاء ، وأنّها كانت حقّا صريحا.

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٧٠.

(٢) انظر : صحيح البخاري ١ / ١٩٤ ح ١٠٧ وج ٤ / ٧٧ ح ٢٧ ، صحيح مسلم ٨ / ١٨٥ ـ ١٨٦ ، سنن الترمذي ٥ / ٦٢٧ ح ٣٨٠٠ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٧٥ ح ٨٢٧٥ ، مسند أحمد ٢ / ١٦١ و ١٦٤ وج ٣ / ٥ و ٢٢ وج ٤ / ١٩٧ و ١٩٩ وج ٥ / ٢١٥ و ٣٠٦ وج ٦ / ٢٨٩ و ٣٠٠ ، مسند البزّار ٤ / ٢٥٦ ح ١٤٢٨ ، مسند أبي يعلى ٣ / ٢٠٩ ح ١٦٤٥ وج ١١ / ٤٠٣ ح ٦٥٢٤ ، المعجم الكبير ٥ / ٢٦٦ ح ٥٢٩٦ وج ١٩ / ١٧١ ح ٣٨٢ و ٣٨٣ ، المعجم الأوسط ٨ / ٢٩٨ ح ٨٥٥١ ، مسند الطيالسي : ٩٠ ح ٦٤٩ وص ٢٨٨ ح ٢١٦٨ ، مصنّف عبد الرزّاق ١١ / ٢٤٠ ح ٢٠٤٢٧ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٨ / ٧٢٣ ح ٩ و ١٥ وص ٧٢٨ ح ٣٩ و ٤٠ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ١ / ١٨٥ وج ٣ / ١٩٠ ـ ١٩١ ، مسند الشاشي ٣ / ٤٠٨ ح ١٥٣٢ ، الجعديات ١ / ٣٤٢ ح ١١٧٩ وص ٤٧٢ ح ١٦٤١ و ١٦٤٢ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ١٠٥ ح ٧٠٣٦ ـ ٧٠٣٨ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٤٣٥ ح ٥٦٥٧ وص ٤٣٦ ح ٥٦٥٩ وص ٤٤٢ ح ٥٦٧٦ ، حلية الأولياء ٤ / ١٧٢ رقم ٢٧٠ وج ٧ / ١٩٧ ـ ١٩٨ ، الاستيعاب ٣ / ١١٤٠ رقم ١٨٦٣ ، تاريخ بغداد ٧ / ٤١٤ رقم ٣٩٦٥ ، تاريخ دمشق ١٣ / ٩ رقم ١٢٧٩ وج ٤٣ / ٤١٢ ـ ٤٣٦.


وأمّا من خالف عليّا من البغاة ، فمذهب أهل السنّة والجماعة أنّ الحقّ كان مع عليّ ، وهم كانوا على الباطل ، ولا شكّ في هذا.

* * *


وأقول :

روى لفظ الحديث الأوّل الترمذي في فضائل عليّعليه‌السلام (١) .

والحاكم أيضا في فضائله من « المستدرك »(٢) .

ونقل في « الصواعق »(٣) ، عن الذهبي أنّه صحّح طرقا كثيرة لدعاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ في غدير خمّ ؛ المشتمل على قوله : «وأدر الحقّ معه حيث دار ».

وحكى ابن أبي الحديد(٤) ، عن أبي القاسم البجلي(٥) وتلامذته من المعتزلة ، قالوا : لو نازع عليّ عقيب وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وسلّ سيفه لحكمنا بهلاك كلّ من خالفه وتقدّم عليه ، كما حكمنا بهلاك من نازعه حين أظهر نفسه ـ إلى أن قالوا : ـ وحكمه حكم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأنّه قد ثبت عنه في الأخبار الصحيحة أنّه قال : «عليّ مع الحقّ ، والحقّ مع عليّ ، يدور حيثما دار ».

__________________

(١) سنن الترمذي ٥ / ٥٩٢ ح ٣٧١٤.

(٢) ص ١٢٤ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٣٥ ح ٤٦٢٩ ]. منهقدس‌سره .

(٣) في الفصل الخامس من الباب الأوّل في الشبهة الحادية عشرة [ ٦٤ ]. منهعليه‌السلام .

وانظر : طرق حديث « من كنت مولاه » ـ للذهبي ـ : ١٢ ح ١ وص ١٧ ح ٤ وص ٢٧ ـ ٢٨ ح ١٨ ـ ٢٠ وص ٣٠ ح ٢٤ وص ٤٤ ح ٣٨ وص ٦٤ ح ٦٥ وص ٧٦ ح ٨٢ وص ٩١ ح ١٠٥ وص ٩٢ ح ١٠٧.

(٤) ص ٢١٢ من المجلّد الأوّل [ ٢ / ٢٩٧ ]. منهقدس‌سره .

(٥) كذا في الأصل ، وهو تصحيف ، والصحيح : « البلخي » كما في المصدر ؛ وقد تقدّمت ترجمته في ج ٢ / ١٦٧ ه‍ ٣ من هذا الكتاب ؛ فراجع!


وحكم ابن أبي الحديد أيضا بثبوت هذا الحديث(١) في شرح الخطبة التي يقول فيها :إنّ الأئمّة من قريش ، غرسوا في هذا البطن من هاشم.

ونقل في « كنز العمّال »(٢) ، عن أبي يعلى وسعيد بن منصور ، بسندهما عن أبي سعيد ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «الحقّ مع ذا ، الحقّ مع ذا ـ يعني : عليّا ـ ».

وحكى في « الكنز » أيضا(٣) ، عن الديلمي ، عن عمّار وأبي أيّوب ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «يا عمّار! إن رأيت عليّا قد سلك واديا وسلك الناس واديا غيره ، فاسلك مع عليّ ودع الناس ، إنّه لن يدلّك على ردى ، ولن يخرجك من هدى ».

وهذا بعض الحديث الذي ذكره المصنّفرحمه‌الله ، وذكره بتمامه إلّا القليل في « كشف الغمّة » ، نقلا عن الخوارزمي ، عن أبي أيّوب(٤) .

والأخبار الدالّة على أنّ الحقّ مع عليّ ـ والحقّ معه ـ ، إمّا بلفظه أو بمعناه ، أكثر من أن تحصى ، وهي متواترة معنى ، وقد تقدّم منها ما صرّح بأنّه فاروق هذه الأمّة يفرق بين الحقّ والباطل(٥)

ومنها أحاديث التمسّك بالثّقلين(٦)

__________________

(١) ص ٤٢٢ من المجلّد الثاني [ ٩ / ٨٨ خطبة ١٤٤ ]. منهقدس‌سره .

(٢) ص ١٥٧ من الجزء السادس [ ١١ / ٦٢١ ح ٣٣٠١٨ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : مسند أبي يعلى ٢ / ٣١٨ ح ١٠٥٢.

(٣) ص ١٥٥ ج ٦ [ ١١ / ٦١٣ ـ ٦١٤ ح ٣٢٩٧٢ ]. منهقدس‌سره .

(٤) كشف الغمّة ١ / ١٤٣ ؛ وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٠٥ ح ١١٠.

(٥) راجع الصفحة ٤٠ من هذا الجزء.

(٦) سيأتي الكلام عليها مفصّلا في الصفحة ٢٣٥ وما بعدها من هذا الجزء ؛ فراجع!


وأنّ أهل البيت سفينة النجاة(١) .

فإذا كان عليّ مع الحقّ ، والحقّ معه ، يدور حيث دار ، وجب أن يكون معصوما ، والعصمة شرط الإمامة ، ولا معصوم غيره من الصحابة اتّفاقا.

وأيضا : يلزم منه بطلان خلافة أبي بكر ، ولا سيّما في الستّة أشهر التي امتنع فيها عن بيعة أبي بكر ، كما رواه البخاري في غزاة خيبر(٢) ، وغيره(٣) .

وأمّا مبايعته بعد ذلك فلم تقع إلّا قهرا ، كما أنّ مناصحته لهم ـ بعد مشاورتهم له في بعض الأمور ـ إنّما هي لإصلاح الدين لا لترويج إمرتهم ؛ ولذا ما زال يتظلّم منهم ، ووقع بينهم وبينه من النفورة والعداوة ما هو جليّ لكلّ أحد(٤) .

وأمّا ما ذكره في شأن البغاة ، فهو إقرار بأنّ صاحبة الجمل وأصحابها ومعاوية وأنصاره ، كانوا مبطلين ، ومطالبين عند الله تعالى بأمر عظيم ، وهو إلقاح الفتنة إلى يوم الدين ، وإزهاق نفوس الآلاف من المسلمين ، الذي لا تنجي منه التوبة بالقول ـ لو صدرت ـ ما لم يعطوا النّصف من أنفسهم ويخرجوا عن المظالم إلى أهلها.

والإقرار بذلك لا يناسب تعظيمهم لهم ، وجعل تفضيل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام(٥) ، وجعل الزبير حواريّ

__________________

(١) راجع الصفحة ٢٦١ من هذا الجزء.

(٢) صحيح البخاري ٥ / ٢٨٨ ح ٢٥٦.

(٣) تاريخ الطبري ٢ / ٢٣٦ ، الصواعق المحرقة : ٢٥ ـ ٢٧.

(٤) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١ / ١٥١.

(٥) راجع الهامش ٤ في الصفحتين ١٧٩ ـ ١٨٠ من هذا الجزء.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) ، ومعاوية هاديا مهديّا(٢) .

* * *

__________________

(١) صحيح البخاري ٥ / ٩٣ ح ٢١٣ ، مسند أحمد ١ / ١٠٣ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٤٠٨ ح ٥٥٥٨.

(٢) سنن الترمذي ٥ / ٦٤٥ ح ٣٨٤٢ ، مسند أحمد ٤ / ٢١٦.


٢٥ ـ حديث الثّقلين وما بمعناه

قال المصنّف ـ طاب ثراه ـ(١) :

الخامس والعشرون : روى أحمد بن حنبل في « مسنده » ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أخذ بيد الحسن والحسين وقال : «من أحبّني وأحبّ هذين وأباهما وأمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة »(٢) .

وفيه : عن جابر ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم بعرفات وعليّ تجاهه : «ادن منّي يا عليّ! خلقت أنا وأنت من شجرة ، فأنا أصلها وأنت فرعها ، والحسن والحسين أغصانها ، فمن تعلّق بغصن منها أدخله الله الجنّة »(٣) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٢٥.

(٢) مسند أحمد ١ / ٧٧ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٨٦٣ ح ١١٨٥ ، زوائد عبد الله بن أحمد : ٤٢٠ ح ٢٠٣ ، سنن الترمذي ٥ / ٥٩٩ ـ ٦٠٠ ح ٣٧٣٣ ، جواهر العقدين : ٣٣٦ عن أبي داود ، المعجم الكبير ٣ / ٥٠ ح ٢٦٥٤ ، المعجم الصغير ٢ / ٧٠ ، كنز العمّال ١٣ / ٦٣٩ ح ٣٧٦١٣ ، الذرّيّة الطاهرة : ١٦٧ ح ٢٢٥ ، طبقات المحدّثين في أصبهان ٤ / ٨٠ ـ ٨١ ح ٨٤٨ ، جزء ابن غطريف : ٧٧ ح ٣٠ ، تاريخ أصبهان ١ / ٢٣٣ رقم ٣٦١ ، تاريخ بغداد ١٣ / ٢٨٧ ـ ٢٨٨ رقم ٧٢٥٥ ، الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢ / ٢٠ و ٤٩ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٣٨ ح ١٥٦ ، تاريخ دمشق ١٣ / ١٩٦ ، ميزان الاعتدال ٥ / ١٤٤ رقم ٥٨٠٥.

(٣) انظر : المعجم الأوسط ٤ / ٤٤٣ ح ٤١٥٠ ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٢٦٣ ح ٢٩٤٩ ، موضّح أوهام الجمع والتفريق ١ / ٤٩ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٢٢ ح ١٣٣ وص ٢٥١ ح ٣٤٠ ، شواهد التنزيل ١ / ٢٩٠ ـ ٢٩١ ح


وفيه : عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّي قد تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي ؛ الثّقلين ، وأحدهما أكبر من الآخر ؛ كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ألا وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ».

ورواه أحمد من عدّة طرق(١) .

وفي « صحيح مسلم » ، في موضعين ، عن زيد بن أرقم ، قال : خطبنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بماء يدعى « خمّا » بين مكّة والمدينة ، ثمّ قال بعد الوعظ :

«أيّها الناس! إنّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأجيب ، وإنّي تارك فيكم الثّقلين ؛ أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ـ فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه ، ثمّ قال : ـوأهل بيتي ، أذكّركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكّركم الله في أهل بيتي »(٢) .

وروى الزمخشري ـ وكان من أشدّ الناس عنادا لأهل البيت ، وهو الثقة المأمون عند الجمهور ـ ، قال بإسناده : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «فاطمة مهجة (٣) قلبي ، وابناها ثمرة فؤادي ، وبعلها نور بصري ،

__________________

٣٩٧ ، فردوس الأخبار ١ / ٤٣ ح ١١٢ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٦٤ ـ ٦٦ ، كفاية الطالب : ٣١٧ ـ ٣١٨ ، ميزان الاعتدال ٥ / ٥٤ رقم ٥٥٢٩.

(١) مسند أحمد ٣ / ١٤ و ١٧ و ٢٦ و ٥٩ وج ٤ / ٣٦٧ و ٣٧١ وج ٥ / ١٨٢ و ١٨٩ ـ ١٩٠ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ١ / ٢١١ ح ١٧٠ وج ٢ / ٧٠٨ ح ٩٦٨ وص ٧٢٣ ح ٩٩٠ وص ٧٤٧ ح ١٠٣٢ وص ٩٧٨ ح ١٣٨٢ و ١٣٨٣ وص ٩٨٨ ح ١٤٠٣.

(٢) صحيح مسلم ٧ / ١٢٢ و ١٢٣ فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام .

(٣) كذا في الأصل ، وفي المصادر المذكورة في الهامش التالي : « بهجة ».


والأئمّة من ولدها أمناء ربّي ، وحبل ممدود بينه وبين خلقه ، من اعتصم بهم نجا ، ومن تخلّف عنهم هوى »(١) .

وروى الثعلبي في تفسير قوله تعالى :( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) (٢) ، بأسانيد متعدّدة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : «أيّها الناس! قد تركت فيكم الثّقلين خليفتين ، إن أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي ، أحدهما أكبر من الآخر ؛ كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض ؛ وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض (٣) .

وفي « الجمع بين الصحيحين » : «إنّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأجيب ، وأنا تارك فيكم الثّقلين ؛ أوّلهما كتاب الله ، فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ؛ وأهل بيتي ، أذكّركم الله في أهل بيتي خيرا »(٤) .

__________________

(١) انظر : مقتل الحسينعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ ١ / ٩٩ ح ٢١ ، فرائد السمطين ٢ / ٦٦ ح ٣٩٠ ، ينابيع المودّة ١ / ٢٤٢ ح ١٧.

(٢) سورة آل عمران ٣ : ١٠٣.

(٣) انظر : ينابيع المودّة ١ / ١٠٥ ح ٢٥ عن تفسير الثعلبي.

(٤) الجمع بين الصحيحين ـ للحميدي ـ ١ / ٥١٥ ح ٨٤١ ، سنن الترمذي ٥ / ٦٢١ ـ ٦٢٢ ح ٣٧٨٦ و ٣٧٨٨ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٤٥ ح ٨١٤٨ وص ١٣٠ ح ٨٤٦٤ ، سنن الدارمي ٢ / ٢٩٢ ح ٣٣١١ ، مسند البزّار ٣ / ٨٩ ح ٨٦٤ ، مسند أبي يعلى ٢ / ٢٩٧ ح ١٠٢١ وص ٣٠٣ ح ١٠٢٧ وص ٣٧٦ ١١٤٠ ، المعجم الكبير ٣ / ٦٥ ـ ٦٧ ح ٢٦٧٨ ـ ٢٦٨٣ وج ٥ / ١٦٦ ـ ١٦٧ ح ٤٩٦٩ ـ ٤٩٧١ وص ١٦٩ ـ ١٧٠ ح ٤٩٨٠ ـ ٤٩٨٢ ، المعجم الأوسط ٤ / ٨١ ح ٣٤٣٩ وص ١٥٥ ح ٥٤٢ ، المعجم الصغير ١ / ١٣١ و ١٣٥ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤١٨ ح ٤١ ، مسند عبد ابن حميد : ١١٤ ح ٢٦٥ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٢ / ١٥٠ ، المنمّق : ٢٥ ،


وقال الفضل(١) :

هذه الأخبار بعضها في الصحاح ، وبعضها قريب المعنى منها ، وحاصلها : التوصية بحفظ أحكام الكتاب ، وأخذ العلم منه ومن أهل البيت ، وتعظيم أهل البيت ومحبّتهم وموالاتهم ، وكلّ هذه الأمور فريضة على المسلمين ، ولا قائل بعدم وجوبه على كلّ مسلم.

ولكن ليس في ما ذكر نصّ على خلافة عليّ بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛

__________________

السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٣٣٧ ح ٧٥٣ وص ٦٢٩ ـ ٦٣١ ح ١٥٤٨ ـ ١٥٥٨ ، صحيح ابن خزيمة ٤ / ٦٢ ـ ٦٣ ح ٢٣٥٧ ، أنساب الأشراف ٢ / ٣٥٧ ، الجعديات ٢ / ٣٠٢ ح ٢٧٢٢ ، نوادر الأصول ١ / ١٦٣ ، الذرّيّة الطاهرة : ١٦٨ ح ٢٢٨ ، جواهر العقدين : ٢٣٨ ، المؤتلف والمختلف ـ للدارقطني ـ ٢ / ١٠٤٥ وج ٤ / ٢٠٦٠ ، المستدرك علىالصحيحين ٣ / ١١٨ ح ٤٥٧٦ و ٤٥٧٧ وص ١٦٠ ـ ١٦١ ح ٤٧١١ ، حلية الأولياء ١ / ٣٥٥ رقم ٥٧ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٢ / ١٤٨ وج ٧ / ٣٠ وج ١٠ / ١١٤ ، الاعتقاد على مذهب السلف ـ للبيهقي ـ : ١٨٥ ، تاريخ بغداد ٨ / ٤٤٢ رقم ٤٥٥١ واقتصر فيه على ذكر الثقل الأوّل وأسقط الثاني فلم يذكره!! ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢١٤ ـ ٢١٥ ح ٢٨١ ـ ٢٨٤ ، فردوس الأخبار ١ / ٥٣ ـ ٥٤ ح ١٩٧ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٨٥ ح ٤٨٠٠ وص ١٨٩ ح ٤٨١٥ ، الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢ / ٤٧ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٢١٩ ـ ٢٢٠ ، كنز العمّال ١ / ١٨٥ ـ ١٨٧ ح ٩٤٣ ـ ٩٥٣ وج ١٣ / ١٠٤ ح ٣٦٣٤٠ و ٣٦٣٤١.

والحديث أخرجه أبو داود في سننه ٤ / ٢٩٥ ح ٤٩٧٣ ، إلّا أن يد الخيانة والتحريف حذفته ولم تذكر من الحديث إلّا قوله : « أمّا بعد » ، والحديث موجود في طبعة مطبعة السعادة بالقاهرة سنة ١٣٦٩ ه‍ برقم ٤٩٧٣ ، كما أشار إليه محقّق كتاب « المنتخب من مسند عبد بن حميد » ، في الصفحة ١١٤ هامش الحديث ٢٦٥.

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٧٣.


لأنّ هذا هو الوصيّة بالحفظ ، وأخذ العلم منهم.

وجعلهم قرناء للقرآن ، يدلّ على وجوب التعظيم ، وأخذ العلم عنهم ، والاقتداء بهم في الأعمال والأقوال ، وأخذ طريق السنّة والمتابعة من أعمالهم ، ولا يلزم من هذا خلافتهم ، وليس هو بالنصّ في خلافتهم بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : توصية الأمّة بحفظ القرآن ، ومتابعة أهل البيت ، وتعظيمهم ؛ وهذا ما لا نزاع فيه.

* * *


وأقول :

حديث الثّقلين مستفيض أو متواتر ، وقد رواه أحمد في « مسنده » من طرق كثيرة جدّا عن جماعة(١) .

ورواه الترمذي في مناقب أهل البيت من « سننه » ، عن خمسة من الصحابة(٢) .

ورواه مسلم في فضائل عليّعليه‌السلام ، من عدّة طرق ، عن زيد بن أرقم(٣) .

ورواه الحاكم في « المستدرك »(٤) ، عن زيد ـ أيضا ـ من طريقين.

وقال ابن حجر في « الصواعق » ـ عند تعرّضه لحديث الثّقلين(٥) ـ : « الحاصل : إنّ الحثّ وقع على التمسّك بالكتاب ، وبالسنّة ، وبالعلماء بهما من أهل البيت ؛ ويستفاد من مجموع ذلك بقاء الأمور الثلاثة إلى قيام الساعة ».

ثمّ قال : « إعلم أنّ لحديث التمسّك بذلك طرقا كثيرة وردت عن نيّف وعشرين صحابيّا ».

__________________

(١) تقدّم قريبا تخريج ذلك عنه في الصفحة ٢٣٦ ه‍ ١ ؛ فراجع!

(٢) سنن الترمذي ٥ / ٦٢١ ـ ٦٢٢ ح ٣٧٨٦ و ٣٧٨٨.

(٣) صحيح مسلم ٧ / ١٢٢ و ١٢٣.

(٤) ص ١٠٩ من الجزء الثالث [ ٣ / ١١٨ ح ٤٥٧٦ و ٤٥٧٧ ]. منهقدس‌سره .

(٥) في الآية الرابعة من الآيات الواردة في أهل البيتعليهم‌السلام ، وهي قوله تعالى :( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) [ ص ٢٣٠ ]. منهقدس‌سره .


ودلالته على إمامة عليّ وولده ظاهرة من وجوه :

الأوّل : إنّ تصريحه بأنّ الكتاب والعترة لا يفترقان ، دالّ على علمهم بما في الكتاب ، وأنّهم لا يخالفونه قولا وعملا.

والأوّل دليل الفضل على غيرهم ، والأفضل أحقّ بالإمامة.

والثاني دليل العصمة التي هي شرط الإمامة ، ولا معصوم غيرهم.

الثاني : إنّه جعلهم عديلا(١) للقرآن ، فيجب التمسّك بهم مثله ، واتّباعهم في كلّ أمر ونهي ، ولا يجب اتّباع شخص على الإطلاق إلّا النبيّ أو الإمام المعصوم.

الثالث : إنّه عبّر عن الكتاب والعترة ب‍ « خليفتين » ، كما في حديث الثعلبي الذي ذكره المصنّفرحمه‌الله (٢)

وحديث أحمد في « مسنده »(٣) ، عن زيد بن ثابت ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّي تارك فيكم خليفتين ، كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ».

ومن الواضح أنّ خلافة كلّ شيء بحسبه ، فخلافة القرآن بتحمّله أحكام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومواعظه ، وإنذاره ، وسائر تعاليمه ؛ وخلافة الشخص بإمامته ، وقيامه بما تحتاج إليه الأمّة ، ونشر الدعوة ، وجهاد المعاندين.

الرابع : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ذكر في مفتتح الحديث قرب موته ، كقوله : «يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأجيب »(٤)

__________________

(١) العدل والعدل والعديل : النّظير والمثيل ؛ انظر : لسان العرب ٩ / ٨٤ مادّة « عدل ».

(٢) تقدّم آنفا في الصفحة ٢٣٧.

(٣) ص ١٨٢ و ١٨٩ من الجزء الخامس. منهقدس‌سره .

(٤) راجع ما تقدّم في الصفحتين ٢٣٦ و ٢٣٧.


أو قوله : «كأنّي قد دعيت فأجبت »(١)

أو نحو ذلك كما في أحاديث مسلم(٢) ، وأحد حديثي الحاكم(٣) ، وحديث أحمد عن زيد بن أرقم(٤) ، وحديثه عن أبي سعيد(٥) .

ثمّ قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّي تارك فيكم الثّقلين » ؛ ومن المعلوم أن ذا السلطان والولاية ، الذي له نظام يلزم العمل به بعده ، إذا ذكر موته وقال : « إنّي تارك فيكم فلانا ، وكتابا حافظا لنظامي » ، لم يفهم منه إلّا إرادة العهد إلى ذلك الشخص بالإمرة بعده ؛ خصوصا وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من كنت مولاه فعليّ مولاه » ، أو : «من كنت وليّه فعليّ وليّه » ، كما في حديثي الحاكم وغيرهما(٦) .

ولا يبعد أنّ وصيّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالثّقلين كانت في غدير خمّ ، أو أنّه أحد مواردها(٧) ؛ لقوله في حديث مسلم : « خطبنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

(١) السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٤٥ ح ٨١٤٨ وص ١٣٠ ح ٨٤٦٤.

(٢) صحيح مسلم ٧ / ١٢٢ و ١٢٣.

(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١١٨ ح ٤٥٧٦.

(٤) ص ٣٦٧ من الجزء الرابع. منهقدس‌سره .

(٥) ص ١٧ من الجزء الثالث. منهقدس‌سره .

(٦) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١١٨ ح ٤٥٧٦ و ٤٥٧٧ ، المعجم الكبير ٥ / ١٦٦ ـ ١٦٧ ح ٤٩٦٩ ـ ٤٩٧١ وص ١٧١ ـ ١٧٢ ح ٤٩٨٦ ، فوائد سمّويه : ٨٤ ح ٨١.

(٧) لقد صدع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بحديث الثّقلين في مواطن متعدّدة ومواقف شتّى ، وقد أحصيت تلك المواقف فكانت خمسة ؛ مرّة يوم عرفة من حجّة الوداع ، وأخرى بعد انصرافهصلى‌الله‌عليه‌وآله من الطائف ، وتارة على منبره في المدينة ، وتارة أخرى يوم غدير خمّ ، وآخرها في حجرته المباركة في مرضه الذي توفّي فيه والحجرة غاصّة بأصحابه.

راجع تفصيل ذلك في : تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات ١ / ١٠٤ ـ ١٠٧ ، حديث الثّقلين تواتره ، فقهه : ٣٣ ـ ٣٥.


بماء يدعى خمّا »(١) ، ولقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله في بعض الأحاديث : «من كنت مولاه فعليّ مولاه »(٢) ، فإنّه صادر بالغدير ، فيكون قد عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في خمّ بالخلافة إلى أهل البيت عموما ، وإلى عليّ خصوصا ، فكان الخليفة بعده أمير المؤمنين ، ثمّ الحسنان.

وقد بيّنّا في الآية الثالثة أنّ أهل البيت لا يشمل بقيّة أقارب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) .

الخامس : قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّي تارك فيكم أمرين لن تضلّوا إن اتّبعتموهما » ، كما في أحد حديثي الحاكم ، وصحّحه على شرط الشيخين(٤)

ونحوه ما في « الصواعق »(٥) وصحّحه

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «قد تركت فيكم الثّقلين خليفتين ، إن أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي » ، كما في حديث الثعلبي الذي ذكره المصنّفرحمه‌الله (٦)

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي » ، كما في حديث الترمذي عن زيد بن أرقم(٧)

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا » ، كما

__________________

(١) صحيح مسلم ٧ / ١٢٢ ، المعجم الكبير ٥ / ١٨٣ ح ٥٠٢٨.

(٢) المعجم الكبير ٥ / ١٦٦ ـ ١٦٧ ح ٤٩٦٩ ـ ٤٩٧١ وص ١٧١ ـ ١٧٢ ح ٤٩٨٦.

(٣) راجع : ج ٤ / ٣٥١ ـ ٣٨٠ من هذا الكتاب.

(٤) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١١٨ ح ٤٥٧٧.

(٥) في المقام السابق [ ص ٢٣٠ ]. منهقدس‌سره .

(٦) تقدّم آنفا في الصفحة ٢٣٧.

(٧) سنن الترمذي ٥ / ٦٢٢ ح ٣٧٨٨.


في حديث الترمذي عن جابر(١) ، وحديث أحمد عن أبي سعيد(٢) .

فإنّ كلّ واحد من هذه الأقوال صريح في بطلان خلافة المشايخ الثلاثة ؛ لأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله رتّب عدم ضلال أمّته دائما وأبدا على التمسّك بالثقلين.

وبالضرورة ، أنّ الضلال واقع ولو أخيرا ؛ لاختلاف الأديان وفساد الأعمال ، فيعلم أنّهم لم يتمسّكوا في أوّل الأمر بالعترة والكتاب ، وأنّ خلافة الثلاثة خلاف التمسّك بهما ، ولذا وقع الضلال.

ولا يرد النقض بأنّ الأمّة تمسّكت بالعترة ـ حين بايعت عليّاعليه‌السلام ـ ومع ذلك وقع الضلال المذكور ؛ وذلك لأنّ المراد هو التمسّك بالعترة كالكتاب بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بلا فصل.

على أنّ الأمّة لم تتمسّك بعليّعليه‌السلام بعد مبايعته ؛ لمخالفة الكثير منهم له حتّى انقضت أيّامه بحرب الأمّة.

فأين تمسّكها بالعترة؟! وأين تمسّكها بالكتاب ، وهو قد قاتلهم على تأويله؟!(٣) .

فإن قلت : لعلّ المراد : أنّكم إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا ما دمتم متمسّكين بهما ، فلا يدلّ ضلالهم أخيرا على عدم تمسّكهم أوّلا.

قلت : هذا احتمال خارج عن الظاهر ، حتّى بلحاظ قوله ـ في خبري الترمذي المذكورين ـ : «ما إن تمسّكتم به » و « ما إن أخذتم به » ؛ لأنّ « ما » فيهما مفعول به ل‍ «تركت » و «تارك » ، لا ظرفية زمانية.

__________________

(١) سنن الترمذي ٥ / ٦٢١ ح ٣٧٨٦.

(٢) ص ٥٩ من الجزء الثالث. منهقدس‌سره .

(٣) راجع : ج ٥ / ٨٥ وما بعدها من هذا الكتاب.


فقد ظهر من هذه الوجوه الخمسة دلالة الحديث على أنّ الإمامة في العترة الطاهرة ، لا على مجرّد الوصيّة بأخذ العلم منهم.

ولو سلّم ، فمن الواضح دلالة الحديث على وجوب أخذ العلم منهم ، وعدم جواز مخالفتهم ، كالقرآن ، وحينئذ فيجب اتّباع قولهم في الإمامة ، وفي صحّة إمامة شخص وعدمها ؛ لأنّه من أخذ العلم منهم.

ومن المعلوم أنّ عليّا خالف في إمامة أبي بكر ـ ولو في بعض الأوقات ـ ، فتبطل ولو في الجملة ، وهذا خلاف مذهب القوم.

فكيف وقد ادّعى أنّ الحقّ له من يوم وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى حين موته هوعليه‌السلام ، وتظلّم منهم مدّة حياته ـ كما سبق(١) ـ؟!

وأيضا : لم تتّبع الأمّة عترة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في أمر الخمس والمتعتين وكثير من الأحكام ، فيكونون ضلّالا!

وما أدري متى تمسّكت الأمّة بالعترة؟!

أفي زمن أمير المؤمنين؟! أو في زمن أبنائه الطاهرين؟! وقد تركوا كلّا منهم حبيس بيته لا يسمع له قول ، ولا يتّبع له أمر ، ولا يؤخذ منه حكم.

بل جعلوا عداوتهم وسبّهم دينا ، وحاربوهم بالبصرة والشام والكوفة ، وسبوا نساءهم سبي الترك والديلم!

فهل تراهم مع هذا قد تمسّكوا بهم ، أو نبذوهم وراء ظهورهم وانقلبوا على الأعقاب ، كما ذكره سبحانه في عزيز الكتاب(٢) ؟!

__________________

(١) راجع : ج ٤ / ٢٨٠ ـ ٢٩٦ من هذا الكتاب.

(٢) كما في قوله تعالى :( وَما مُحَمَّدٌ إِلأَرَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ


هذا ، ولا يخفى أنّ الحديث دالّ على بقاء العترة إلى يوم القيامة لأمور :

الأوّل : قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه : «إنّي تارك فيكم الثّقلين » ؛ فإنّه دالّ على أنّه ترك فيهم ما يحتاجون إليه ، وما هو كاف في حصول حاجتهم.

وبالضرورة ، أنّه لو لم يدل الثقلان لم يكفيا ؛ لأنّ الأمّة محتاجة مدى الدهر إلى الأحكام والحكّام.

الثاني : قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا » ؛ فإنّ تأبيد عدم الضلال موقوف على تأبيد ما يتمسّك به.

الثالث : قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لن يفترقا » ؛ فإنّه لو لم يكن في وقت من الأوقات من هو قرين الكتاب من العترة ، لافترق الكتاب عنهم.

وقد أقرّ ابن حجر في عبارته السابقة بإفادة الحديث بقاء العترة إلى يوم القيامة(١)

وقال بعد ذلك : « وفي أحاديث التمسّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهّل منهم للتمسّك به إلى يوم القيامة ، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك ؛ ولهذا كانوا أمانا لأهل الأرض كما يأتي ، ويشهد لذلك الخبر السابق : (في كلّ خلف من أمّتي عدول من أهل بيتي ) »(٢) إلى آخره.

__________________

أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) سورة آل عمران ٣ : ١٤٤.

(١) راجع الصفحة ٢٤٠ من هذا الجزء.

(٢) الصواعق المحرقة : ٢٣٢.


أقول :

أراد بالخبر السابق ، ما نقله قبل هذا الكلام عن الملّاء في « سيرته » ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «في كلّ خلف من أمّتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالّين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، ألا وإن أئمّتكم وفدكم إلى الله عزّ وجلّ ، فانظروا من توفدون »(١) .

وليت شعري ، إذا علم ابن حجر ذلك ، فما باله أنكر إمامة العترة ، ودان بإمامة أضدادهم ، وتمسّك بالشجرة الملعونة في القرآن؟!

وكيف حلّ له أن يترك الأخذ ممّن ينفون عن الدين تحريف الضالّين ، ويرجع في أحكامه إلى من حرّفوا الدين ، بشهادة مخالفتهم لمن ينفون عنه التحريف؟!

بل لم يكتف ابن حجر وأصحابه حتّى عيّنوا لأخذ الأحكام أئمّتهم الأربعة ، وحرّموا الرجوع إلى أهل البيت!

فهل هذا من التمسّك بالكتاب والعترة اللذين لا يفترقان إلى يوم القيامة؟!

هذا كلّه في حديث الثّقلين(٢) .

__________________

(١) الصواعق المحرقة : ٢٣١ ؛ وانظر : ذخائر العقبى : ٤٩ ، جواهر العقدين : ٢٤١ ـ ٢٤٢.

(٢) وانظر تخريج الحديث مفصّلا في : ج ٢ / ١٨٧ ه‍ ١ من هذا الكتاب.

وراجع ما كتبه السيّد عليّ الحسيني الميلاني ـ حفظه الله ورعاه ـ في الأجزاء


وأمّا غيره ممّا ذكره المصنّفرحمه‌الله :

فالخبر الأوّل قد رواه أحمد(١) ، ورواه الترمذي في مناقب عليّ من « سننه » وحسّنه(٢) .

ودلالته على أنّ الإمامة في العترة الطاهرة ؛ لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ساواهم معه دون من سواهم ، في أنّ من أحبّهم نال تلك المنزلة الرفيعة والمرتبة السامية ، الدالّة على الفضل عند الله سبحانه والقرب منه.

فيثبت لهم الفضل على غيرهم ، وتكون الإمامة بهم.

ومثله في الدلالة على المطلوب الخبر الثاني ، الذي حكاه المصنّف عن أحمد ، عن جابر ؛ ولم أجده في « مسنده » ، ولا يبعد أنّه ممّا نالته يد الإسقاط كما هو العادة(٣) !

وقد تقدّم في الآية الحادية والأربعين ما يصدّق هذا الحديث(٤) .

__________________

١ ـ ٣ من موسوعته « نفحات الأزهار » ، من بحوث علمية في ما يتعلّق بالحديث وما يرتبط به.

وأمّا في ما يخصّ لفظ « كتاب الله وسنّتي » الوارد في بعض روايات الجمهور ، فانظر :

ما كتبه السيّد عليّ الحسيني الميلاني في كتابه « حديث الثّقلين : تواتره ، فقهه كما في كتب السنّة ».

ورسالته في حديث الوصيّة بالثّقلين : الكتاب والسنّة.

وكذلك ما كتبه الشيخ جلال الدين الصغير ـ حفظه الله ـ في كتابه : عصمة المعصوم عليه‌السلام وفق المعطيات القرآنية : ٢٠٥ ـ ٢٤٢.

(١) في الجزء الأوّل ، ص ٧٧. منهقدس‌سره .

(٢) سنن الترمذي ٥ / ٥٩٩ ـ ٦٠٠ ح ٣٧٣٣.

(٣) تقدّم تخريجه مفصّلا في الصفحة ٢٣٥ ه‍ ٣ من هذا الجزء ؛ فراجع!

(٤) راجع : ج ٥ / ٢٠٠ ـ ٢٠١ من هذا الكتاب.


ونقل السيوطي في « اللآلئ المصنوعة » ما هو قريب منه ، عن ابن مردويه ، بسند فيه عبّاد بن يعقوب ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «مثلي مثل شجرة ، أنا أصلها ، وعليّ فرعها ، والحسن والحسين ثمرتها ، والشيعة ورقها ، فأيّ شيء يخرج من الطيّب إلّا الطيّب »(١) .

قال ابن الجوزي : « عبّاد ، رافضي ، يروي المناكير »(٢) .

أقول :

لا وجه لذكر حديثه في « الموضوعات » ، وإلّا لجرّ الطعن إلى صحاحهم ؛ لأنّه ممّن روى له البخاري في « صحيحه » ، وروى له الترمذي ، وابن ماجة ، ووثّقه جماعة(٣) .

__________________

(١) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٤٥.

(٢) الموضوعات ١ / ٣٩٧.

(٣) انظر : تهذيب الكمال ٩ / ٤٣٣ رقم ٣٠٨٨ ، ميزان الاعتدال ٤ / ٤٤ رقم ٤١٥٤ ، تهذيب التهذيب ٤ / ١٩٩ رقم ٣٢٣٩ ، تقريب التهذيب ١ / ٢٧٤ رقم ٣٢٣٩ ، هدي الساري مقدّمة فتح الباري : ٥٧٩ ، وقد وضعوا له رمز البخاري والترمذي وابن ماجة.

وعبّاد هو : أبو سعيد عبّاد بن يعقوب الأسدي الرّواجني الكوفي ، المتوفّى سنة ٢٥٠ ه‍.

ومن جملة ما تثبت به وثاقته ـ فضلا عن كونه من رجال البخاري والترمذي وابن ماجة ـ رواية كبار أعلام الجمهور ومحدّثيهم عنه ، وتوثيقهم له ؛ فقد روى عنه أبو حاتم والبزّار وابن خزيمة.

وقال عنه أبو حاتم : شيخ ، ثقة.

وقال الحاكم : كان ابن خزيمة يقول عنه : حدّثنا الثقة في روايته.

وقال الدارقطني : صدوق.

وقال إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة : لو لا رجلان من الشيعة ما صحّ لهم


وليست مناكيره عندهم إلّا رواياته في فضل آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله !

قال ابن عديّ : « روى أحاديث في الفضائل أنكرت عليه » كما حكاه عنه في « ميزان الاعتدال »(١) .

وأظهر من الحديثين المذكورين في الدلالة على مذهب الإماميّة حديث الزمخشري(٢) ؛ فتبصّر واعتبر!

* * *

__________________

حديث ؛ عبّاد بن يعقوب ، وإبراهيم بن محمّد بن ميمون.

وقال الذهبي : صادق في الحديث.

وقال ابن حجر مرّة : بالغ ابن حبّان فقال : يستحقّ الترك.

وقال أخرى : رافضيّ مشهور ، إلّا أنّه كان صدوقا.

(١) ميزان الاعتدال ٤ / ٤٤ رقم ٤١٥٤ ؛ وانظر : الكامل في ضعفاء الرجال ٤ / ٣٤٨ رقم ١١٨٠.

(٢) تقدّم في الصفحة ٢٣٦ ـ ٢٣٧ ؛ فراجع!


٢٦ ـ حديث الكساء

قال المصنّف ـ قدّس الله روحه ـ(١) :

السادس والعشرون : في « مسند أحمد بن حنبل » ، من عدّة طرق ، وفي « الجمع بين الصحاح الستّة » ، عن أمّ سلمة ، قالت : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في بيتي ، فأتت فاطمة فقال : ادعي زوجك وابنيك.

فجاء عليّ وفاطمة والحسن والحسين ، وكان تحته كساء خيبري ، فأنزل الله :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ ) يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(٢) .

فأخذ فضل الكساء وكساهم به ، ثمّ أخرج يده فألوى بها إلى السماء وقال :هؤلاء أهل بيتي.

فأدخلت رأسي البيت وقلت : وأنا معهم يا رسول الله.

قال :إنّك إلى خير (٣) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٢٨.

(٢) سورة الأحزاب ٣٣ : ٣٣.

(٣) انظر : مسند أحمد ١ / ٣٣١ وج ٣ / ٢٥٩ و ٢٨٥ وج ٤ / ١٠٧ وج ٦ / ٢٩٢ و ٣٠٤ و ٣٢٣.

وأخرجه رزين العبدري في « الجمع بين الصحاح الستّة » من موطّأ مالك وصحيحي البخاري ومسلم وسنن أبي داود وصحيح الترمذي والنسخة الكبيرة من


وقد روي نحو هذا المعنى من « صحيح أبي داود »(١)

و « موطّأ مالك »(٢)

و « صحيح مسلم » في عدّة مواضع وعدّة طرق(٣) .

* * *

__________________

صحيح النسائي.

راجع : عمدة عيون صحاح الأخبار : ٨٨ ح ٣٤ و ٣٥.

(١) انظر : سنن أبي داود ٤ / ٤٣ ح ٤٠٣٢ باب في لبس الصوف والشعر!! وطالته يد الخيانة فبترت الحديث ، فلم يبق منه إلّا : « خرج رسول الله وعليه مرط مرحّل من شعر أسود » فجاء ناقص المعنى!!

(٢) عمدة عيون صحاح الأخبار : ٨٨ ـ ٨٩ ح ٣٤ و ٣٦ و ٣٧ عن « الموطّأ ».

(٣) صحيح مسلم ٧ / ١٣٠ ـ ١٣١ كتاب الفضائل / باب فضائل أهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .


وقال الفضل(١) :

إنّ الأمّة اختلفت فيها أنّها في من نزلت؟ وظاهر القرآن يدلّ على أنّها نزلت في أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وإن صدق في النقل عن « الصحاح » فكانت نازلة في آل العباء ، وهي من فضائلهم ، ولا تدلّ على النصّ بالإمامة.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٧٥.


وأقول :

سبق في الآية الثالثة ما فيه تبصرة ومعتبر(١) .

وليت شعري ، كيف تكون ذاهبة الرجس ، طاهرة عند الله سبحانه ، من ضرب مثلها في الكتاب العزيز بامرأة نوح وامرأة لوط(٢) ؟!

* * *

__________________

(١) تقدّم في مبحث آية التطهير ، في ج ٤ / ٣٥٦ ـ ٣٨٠ ؛ فراجع!

(٢) إشارة إلى قوله تعالى :( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) سورة التحريم ٦٦ : ١٠.

وراجع مبحث الآية ٣٤ ، وهي قوله تعالى :( وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) سورة التحريم ٦٦ : ٤ ، في ج ٥ / ١٥٩ ـ ١٦٣ من هذا الكتاب.

وانظر : ج ٤ / ٣٥٩ ه‍ ٢ و ٣ من هذا الكتاب.


٢٧ ـ حديث : أهل بيتي أمان لأهل الأرض

قال المصنّف ـ طاب ثراه ـ(١) :

السابع والعشرون : في « مسند أحمد بن حنبل » ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «النجوم أمان لأهل السماء ، فإذا ذهبت ذهبوا ، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهب أهل بيتي ، ذهب أهل الأرض »(٢) .

ورواه صدر الأئمّة موفّق بن أحمد المكّي(٣) .

وفي « مسند أحمد » : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «اللهمّ إنّي أقول كما قال أخي موسى : [ اللهمّ ] ( اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ) (٤) ،عليّا

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٢٩.

(٢) أخرجه أحمد في « المسند » كما في أرجح المطالب : ٣٢٨ ؛ وانظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٨٣٥ ح ١١٤٥ ، ينابيع المودّة ١ / ٧١ ح ١ عن عبد الله بن أحمد في « زيادات المسند ».

(٣) مقتل الحسينعليه‌السلام ١ / ١٦٢ ح ٦٥ ؛ وانظر : المعجم الكبير ٧ / ٢٢ ح ٦٢٦٠ ، نوادر الأصول ـ للحكيم الترمذي ـ ٢ / ١٠١ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٦٢ ح ٤٧١٥ ، موضّح أوهام الجمع والتفريق ٢ / ٤٦٣ رقم ٤٦١ ، فردوس الأخبار ٢ / ٣٧٩ ح ٧١٦٦ ، تاريخ دمشق ٤٠ / ٢٠ رقم ٤٦٣٠ ، ذخائر العقبى : ٤٩ ، فرائد السمطين ٢ / ٢٤١ ح ٥١٥ وص ٢٥٢ ـ ٢٥٣ ح ٥٢١ و ٥٢٢ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٧٤ ، جواهر العقدين : ٢٥٩ ، كنز العمّال ١٢ / ١٠١ ـ ١٠٢ ح ٣٤١٨٨ ـ ٣٤١٩٠.

(٤) سورة طه ٢٠ : ٢٩.


أخي( اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) (١) »(٢) .

* * *

__________________

(١) سورة طه ٢٠ : ٣١ و ٣٢.

(٢) رواه أحمد في « المسند » كما في عمدة عيون صحاح الأخبار : ٣٣٥ ح ٤٥٤ ؛ وانظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٨٤٣ ـ ٨٤٤ ح ١١٥٨ ، ينابيع المودّة ١ / ٢٥٨ ح ٥ ، الدرّ المنثور ٥ / ٥٦٦ عن ابن مردويه والخطيب البغدادي ، الطيوريات : ٧٥٣ ح ٢٥ م ، شواهد التنزيل ١ / ٣٦٩ ـ ٣٧١ ح ٥١١ ـ ٥١٣ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٥٢ ، ذخائر العقبى : ١١٩ ، الرياض النضرة ٣ / ١١٨.


وقال الفضل(١) :

هذا موافق في المعنى للحديث المذكور قبل ، وهو أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي »(٢) .

ومراد موسى في قوله :( وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) ، الإشراك في أمر النبوّة ، ودعوة فرعون.

وهذا لا يصحّ هناك ؛ لقوله : «إلّا أنّه لا نبيّ بعدي » ، اللهمّ إلّا أن يراد المشاركة في دفع الكفّار بالحرب وتبليغ العلم.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٧٦.

(٢) راجع مبحث حديث المنزلة في الصفحة ٨٠ وما بعدها من هذا الجزء.


وأقول :

سبق دلالة هذا الحديث ورواته في آخر آية من الآيات التي ذكرناها في الخاتمة ؛ فراجع(١) .

وما زعمه من إرادة المشاركة في دفع الكفّار وتبليغ العلم ظاهر البطلان ؛ لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّما سأل عين ما سأله موسىعليه‌السلام بقوله :( وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) .

ومن الواضح أنّ موسى لم يرد المشاركة في دفع الكفّار ؛ لأنّه قد طلب دفعهم بطلب جعله وزيرا ، فإنّ دفع الأعداء أظهر فوائد الوزارة ، فلا حاجة لإعادة هذا الطلب بقوله :( وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) .

فينبغي أن يريد المشاركة في النبوّة ، والرئاسة على الأمّة ، وتحمّل العلوم إلى نحو ذلك.

فإذا دعا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بما دعا به موسىعليه‌السلام ، ثبتت لعليّ المشاركة في كلّ ذلك سوى النبوّة ؛ للدليل المخرج لها.

على أنّ ظاهر الأخبار كون المشاركة من خواصّ أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فلا يراد بها المشاركة في دفع الكفّار وتبليغ العلم ؛ لأنّها لا تخصّ عليّاعليه‌السلام ، إلّا أن يراد بها أعلى مراتب المشاركة في الدفع والتبليغ ، بحيث لا يعدّ غيره مشاركا بالنسبة إليه ، فله وجه.

ولكنّه ـ أيضا ـ مثبت للمطلوب ؛ لأنّه فرع الفضل العظيم على غيره ،

__________________

(١) راجع : ج ٥ / ٤٠٨ وما بعدها من هذا الكتاب.


والأفضل أحقّ بالإمامة.

وقد تقدّم في الحديث التاسع ما ينفعك ؛ فراجع(١) .

واعلم أنّ الحديث الأوّل ـ الذي حكاه المصنّفرحمه‌الله عن أحمد وموفّق بن أحمد(٢) ـ لم يتعرّض الفضل لجوابه غفلة أو تغافلا ، وقد حكاه غير المصنّف عن « المسند » ، كصاحب « ينابيع المودّة »(٣) ، وابن حجر في « الصواعق »(٤) ، كما ستعرف.

وأنا لم أجده في « المسند » بعد التتبّع ، والظاهر أنّ أيدي التلاعب لعبت في إسقاطه!

ولعلّ الحديث الآخر كذلك(٥) ، ولا ريب أنّه من أدلّ الأمور على إمامة أهل البيتعليهم‌السلام ؛ إذ لا يكون المكلّف أمانا لأهل الأرض إلّا لكرامته على الله تعالى ، وامتيازه في الطاعة والمزايا الفاضلة ، مع كونه معصوما ، فإنّ العاصي لا يأمن على نفسه ، فضلا عن أن يكون أمانا لغيره ، ولا سيّما إذا كان عظيما ، فإنّ المعصية من العظيم أعظم ، والحجّة عليه ألزم.

فإذا كانوا أفضل الناس ومعصومين ، فقد تعيّنت الإمامة لهم ، وهو دليل على بقائهم ما دامت الأرض ، كما هو مذهبنا.

وقد جعل الله تعالى هذه الكرامة العظيمة لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل أهل بيته ،

__________________

(١) انظر كلامهقدس‌سره في مبحث حديث المنزلة ، في الصفحات ٨٣ ـ ٨٧ من هذا الجزء.

(٢) تقدّم آنفا في الصفحة ٢٥٥.

(٣) ينابيع المودّة ١ / ٧١ ح ١.

(٤) الصواعق المحرقة : ٢٣٤.

(٥) تقدّم آنفا في الصفحة ٢٥٥.


فقال سبحانه :( وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) (١) .

وأشار إلى ذلك ابن حجر في « صواعقه »(٢) ، فقال : « السابعة : قوله تعالى :( وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) ، أشارصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى وجود هذا المعنى في أهل بيته ، وأنّهم أمان لأهل الأرض كما كان هوصلى‌الله‌عليه‌وآله أمانا لهم ، وفي ذلك أحاديث كثيرة ».

ثمّ ذكر أخبارا من جملتها رواية أحمد التي ذكرها المصنّفرحمه‌الله أوّلا(٣) .

وحكى في « كنز العمّال » في فضائل أهل البيت(٤) ، عن ابن أبي شيبة ، ومسدّد ، والحكيم ، وأبي يعلى ، والطبراني ، وابن عساكر ، أنّهم رووا عن سلمة بن الأكوع ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «النجوم أمان لأهل السماء ، وأهل بيتي أمان لأمّتي ».

وروى الحاكم في « المستدرك » ، وصحّحه(٥) ، عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمان لأمّتي من الاختلاف ، فإذا خالفتها قبيلة من العرب ، اختلفوا

__________________

(١) سورة الأنفال ٨ : ٣٣.

(٢) عند الكلام على الآية السابعة من الآيات الواردة في أهل البيت : [ ص ٢٣٣ ]. منهقدس‌سره .

(٣) الصواعق المحرقة : ٢٣٤ ـ ٢٣٥.

(٤) ص ٢١٧ من الجزء السادس [ ١٢ / ١٠١ ـ ١٠٢ ح ٣٤١٨٨ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : نوادر الأصول ـ للحكيم الترمذي ـ ٢ / ١٠١ ، المعجم الكبير ٧ / ٢٢ ح ٦٢٦٠ ، تاريخ دمشق ٤٠ / ٢٠ رقم ٤٦٣٠.

أمّا في مسند أبي يعلى ١٣ / ٢٦٠ ح ٧٢٧٦ فقد جاءت لفظة « أصحابي » بدلا عن لفظة « أهل بيتي » ؛ فلاحظ!

(٥) ص ١٤٩ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٦٢ ح ٤٧١٥ ]. منهقدس‌سره .


فصاروا حزب إبليس ».

وهو كالأوّل في الدلالة على إمامتهم ؛ إذ شأن الإمام أن يكون أمانا من الاختلاف ؛ لعلمه وعصمته ، فلا يختلف في الدين من اتّبعه ، ولا في الدنيا ؛ لمنعه الناس عن ظلم بعضهم بعضا لو بسطت يده.

وقريب من هذه الأخبار ما استفاض عن رسول الله : «إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح »(١) و «إنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل »(٢) .

قال ابن حجر بعد كلامه السابق : « جاء من طرق عديدة يقوّي بعضها بعضا :إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح ، من ركبها نجا .

وفي رواية مسلم :ومن تخلّف عنها غرق .

__________________

(١) فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٩٨٧ ح ١٤٠٢ ، مسند البزّار ٩ / ٣٤٣ ح ٣٩٠٠ ، المعجم الكبير ٣ / ٤٥ ـ ٤٦ ح ٢٦٣٦ ـ ٢٦٣٨ وج ١٢ / ٢٧ ح ١٢٣٨٨ ، المعجم الأوسط ٤ / ١٠٤ ح ٣٤٧٨ وج ٦ / ١٧ ح ٥٥٣٦ وص ١٤٧ ح ٥٨٧٠ ، المعجم الصغير ١ / ١٣٩ وج ٢ / ٢٢ ، المعرفة والتاريخ ـ للفسوي ـ ١ / ٢٩٦ ، العلل الواردة في الأحاديث النبوية ـ للدارقطني ـ ٦ / ٢٣٦ السؤال ١٠٩٨ ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٣٧٣ ح ٣٣١٢ وج ٣ / ١٦٣ ح ٤٧٢٠ ، الكنى والأسماء ـ للدولابي ـ ١ / ٧٦ ، عيون الأخبار ١ / ٣١٠ ، المعارف : ١٤٦ ، البدء والتاريخ ١ / ٢٢٠ ، حلية الأولياء ٤ / ٣٠٦ ، تاريخ بغداد ١٢ / ٩١ رقم ٦٥٠٧ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٤٨ ـ ١٤٩ ح ١٧٣ ـ ١٧٧ ، أساس البلاغة : ٢٦٨ ، مشكاة المصابيح ٣ / ٣٧٨ ح ٦١٨٣ عن « مسند أحمد » ، مجمع الزوائد ٩ / ١٦٨ ، جواهر العقدين : ٢٦٠ عن « مسند أبي يعلى » وغيره ، الصواعق المحرقة : ٢٣٤ عن أحمد ومسلم وغيرهما ، كنز العمّال ١٢ / ٩٨ ح ٣٤١٦٩.

(٢) المعجم الكبير ٣ / ٤٦ ح ٢٦٣٧ ، المعجم الأوسط ٤ / ١٠٤ ح ٣٤٧٨ وج ٦ / ١٤٧ ح ٥٨٧٠ ، المعجم الصغير ١ / ١٤٠ وج ٢ / ٢٢ ، كفاية الطالب : ٣٧٨ ـ ٣٧٩ ، فرائد السمطين ٢ / ٢٤٢ ح ٥١٦ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٦٨ ، جواهر العقدين : ٢٦٠ ـ ٢٦١.


وفي رواية :هلك.

و:إنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل ، من دخله غفر له.

وفي رواية :غفر له الذنوب »(١) .

وروى الحاكم في « المستدرك »(٢) عن أبي ذرّ ، سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «ألا إن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق ».

وحكى مثله في « كنز العمّال »(٣) ، عن البزّار ، عن ابن عبّاس.

وحكى مثله أيضا بإبدال « غرق » ب‍ « هلك » ، عن ابن جرير والحاكم ، عن أبي ذرّ(٤) .

وكذا عن الطبراني ، عن أبي ذرّ ، مع زيادة قوله : «ومثل باب حطّة في بني إسرائيل »(٥) .

وهذه الأخبار كالتي قبلها في الدلالة على المطلوب ؛ لأنّه صريحة في أنّ أهل البيتعليهم‌السلام محلّ الاتّباع ووجوب الطاعة ، وأنّه باتّباعهم تحصل

__________________

(١) الصواعق المحرقة : ٢٣٤.

(٢) ص ٣٤٣ من الجزء الثاني [ ٢ / ٣٧٣ ح ٣٣١٢ ] ، وص ١٥١ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٦٣ ح ٤٧٢٠ ]. منهقدس‌سره .

(٣) ص ٢١٦ من الجزء السادس [ ١٢ / ٩٥ ح ٣٤١٥١ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : مسند البزّار ٩ / ٣٤٣ ح ٣٩٠٠ عن أبي ذرّ.

(٤) كنز العمّال ١٢ / ٩٤ ح ٣٤١٤٤ وص ٩٨ ح ٣٤١٦٩ ؛ وانظر : المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٦٣ ح ٤٧٢٠.

(٥) كنز العمّال ١٢ / ٩٨ ح ٣٤١٧٠ ؛ وانظر : المعجم الكبير ٣ / ٤٥ ح ٢٦٣٧ ، المعجم الأوسط ٤ / ١٠٤ ح ٣٤٧٨ ، المعجم الصغير ١ / ١٣٩ ـ ١٤٠.


النجاة والغفران ، وبالتخلّف عنهم يكون الهلاك ؛ وهو مقتضى الإمامة

ولذا جاء في الخبر : «عليّ باب حطّة ، من دخل منه كان مؤمنا ، ومن خرج منه كان كافرا ».

ونقله في « الكنز »(١) ، عن الدارقطني ، عن ابن عبّاس.

* * *

__________________

(١) ص ١٥٣ من الجزء المذكور [ ١١ / ٦٠٣ ح ٣٢٩١٠ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : فردوس الأخبار ٢ / ٧٨ ح ٣٩٩٨.


٢٨ ـ حديث : اثنا عشر خليفة

قال المصنّف ـ طاب مرقده ـ(١) :

الثامن والعشرون : في « صحيح البخاري » ، في موضعين بطريقين ، عن جابر وابن عيينة ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر خليفة ، كلّهم من قريش »(٢) .

وفي رواية عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا يزال أمر الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة ، كلّهم من قريش »(٣) .

وفي « صحيح مسلم » أيضا : «لا يزال الدين قائما حتّى تقوم الساعة ، ويكون عليهم اثنا عشر خليفة ، كلّهم من قريش »(٤) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٣٠.

(٢) انظر : جامع الأصول ٤ / ٤٥ ح ٢٠٢٢ عن « صحيح البخاري » ، وانظر : التاريخ الكبير ـ للبخاري ـ ١ / ٤٤٦ رقم ١٤٢٦ وج ٣ / ١٨٥ رقم ٦٢٧ وج ٨ / ٤١٠ ـ ٤١١ رقم ٣٥٢٠.

(٣) انظر : صحيح البخاري ٩ / ١٤٧ ح ٧٩ ، صحيح مسلم ٦ / ٣.

(٤) صحيح مسلم ٦ / ٤.

وانظر : سنن أبي داود ٤ / ١٠٣ ح ٤٢٧٩ ـ ٤٢٨١ ، سنن الترمذي ٤ / ٤٣٤ ح ٢٢٢٣ ، مسند أحمد ٥ / ٨٦ و ٨٧ و ٨٨ و ٨٩ و ٩٠ و ٩٢ و ٩٣ و ٩٨ و ٩٩ و ١٠٠ و ١٠١ و ١٠٦ و ١٠٧ و ١٠٨ ، مسند أبي يعلى ٨ / ٤٤٤ ح ٥٠٣١ وج ٩ / ٢٢٢ ـ ٢٢٣ ح ٥٣٢٢ و ٥٣٢٣ وج ١٣ / ٤٥٦ ـ ٤٥٧ ح ٧٤٦٣ ، المعجم الكبير ٢ / ١٩٥ ـ ١٩٧ ح ١٧٩١ ـ ١٨٠١ وص ١٩٩ ح ١٨٠٨ و ١٨٠٩ وص ٢٠٦ ح ١٨٤١ وص


وفي « الجمع بين الصحاح الستّة » في موضعين ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة ، كلّهم من قريش »(١) .

وكذا في « صحيح أبي داود »(٢) و « الجمع بين الصحيحين »(٣) .

وقد ذكر السّدّي في تفسيره ـ وهو من علماء الجمهور وثقاتهم(٤) ـ ،

__________________

٢٠٨ ح ١٨٤٩ ـ ١٨٥٢ وص ٢١٤ ح ١٨٧٥ و ١٨٧٦ وص ٢١٥ ح ١٨٨٣ وص ٢١٨ ح ١٨٩٦ وص ٢٢٣ ح ١٩٢٣ وص ٢٢٦ ح ١٩٣٦ وص ٢٣٢ ح ١٩٦٤ وص ٢٤٠ ـ ٢٤١ ـ ٢٠٠٧ وص ٢٤٨ ـ ٢٤٩ ح ٢٠٤٤ وص ٢٥٣ ـ ٢٥٤ ح ٢٠٥٩ ـ ٢٠٦٣ وص ٢٥٥ ح ٢٠٦٧ ـ ٢٠٧١ وص ٢٥٦ ح ٢٠٧٣ ، المعجم الأوسط ٢ / ١٢٢ ح ١٤٥٢ وج ٣ / ٢٧٩ ح ٢٩٤٣ وج ٤ / ٣٦٦ ح ٣٩٣٨ وج ٦ / ٢٨٥ ح ٦٢١١ ، مسند الطيالسي : ١٠٥ ح ٧٦٧ وص ١٨٠ ح ١٢٧٨ ، الفتن ـ لنعيم بن حمّاد ـ : ٥٢ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٥١٨ ح ١١٢٣ ، مسند أبي عوانة ٤ / ٣٦٩ ـ ٣٧٣ ح ٦٩٧٦ ـ ٦٩٩٨ ، أخبار القضاة ٣ / ١٧ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٨ / ٢٣٠ ح ٦٦٢٦ ـ ٦٦٢٨ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٧١٥ ـ ٧١٦ ح ٦٥٨٦ و ٦٥٨٩ ، تاريخ أصبهان ٢ / ١٤٧ رقم ١٣٢٧ ، حلية الأولياء ٤ / ٣٣٣ ، دلائل النبوّة ـ لأبي نعيم ـ ٢ / ٥٥٠ ح ٤٨٥ و ٤٨٦ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٦ / ٣٢٤ وص ٥١٩ ـ ٥٢٠ ، تاريخ بغداد ١٤ / ٣٥٣ رقم ٧٦٧٣ ، الكفاية في علم الرواية : ٧٣ ، فردوس الأخبار ٢ / ٤٢٧ ح ٧٧٠٥ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٣٧ ح ٤٦٨٠ ، البداية والنهاية ٦ / ١٨٥ ـ ١٨٦ ، مجمع الزوائد ٥ / ١٩٠.

(١) عمدة عيون صحاح الأخبار : ٤٨٧ ح ٨٠٧ عن « الجمع بين الصحاح الستّة ».

(٢) انظر : سنن أبي داود ٤ / ١٠٣ ح ٤٢٧٩ ـ ٤٢٨١.

(٣) الجمع بين الصحيحين ١ / ٣٣٧ ـ ٣٣٨ ذ ح ٥٢٠.

(٤) والسّدّيّ هو : أبو محمّد إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة الأعور ، الحجازي الكوفي القرشي ، مولاهم ، المعروف بالسّدّيّ الكبير ، كان يقعد في سدّة باب الجامع بالكوفة ، فسمّي السّدّيّ ، توفّي سنة ١٢٧ أو ١٢٨ ه‍.

روى عن جملة من الصحابة ـ كأنس وابن عبّاس ـ ، وروى عنه كبار القوم والتابعين ، وأخرج له مسلم والأربعة.


قال : « لمّا كرهت سارة مكان هاجر ، أوحى الله إلى إبراهيم فقال : انطلق بإسماعيل وأمّه حتّى تنزله بيت النبيّ التهاميّ ـ يعني : مكّة ـ ، فإنّي ناشر ذرّيّتك وجاعلهم ثقلا على من كفر بي ، وجاعل منهم نبيّا عظيما ، ومظهره على الأديان ، وجاعل من ذرّيّته اثني عشر عظيما ، وجاعل ذرّيّته عدد نجوم السماء »(١) .

__________________

وقد وثقه أعلام الجمهور وأئمّة الجرح والتعديل عندهم ، ووصفوه بالإمام المفسّر

روى البخاري عن ابن أبي خالد أنّه قال : السّدّي أعلم بالقرآن من الشعبي.

وقال عنه يحيى القطّان : ما رأيت أحدا يذكر السّدّي إلّا بخير ، وما تركه أحد.

وسئل عنه يحيى فقال : السّدّي عندي لا بأس به.

وقال أحمد بن حنبل : ثقة.

وسمع عبد الرحمن بن مهدي يوما تضعيف السّدّي فغضب غضبا شديدا وقال : سبحان الله! إيش ذا؟!

وقال العجلي : ثقة ، روى عنه سفيان وشعبة وزائدة ، عالم بتفسير القرآن ، راوية له.

وقال النسائي في الكنى : صالح الحديث.

وقال في موضع آخر : ليس به بأس.

وقال ابن عديّ : وهو عندي مستقيم الحديث ، صدوق ، لا بأس به.

وذكره ابن حبّان في « الثقات ».

وقال الحاكم ـ في باب الرواة الّذين عيب على مسلم إخراج حديثهم ـ : تعديل عبد الرحمن بن المهدي أقوى عند مسلم.

انظر : العلل ومعرفة الرجال ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٥٤٤ رقم ٤٥٨١ ، التاريخ الكبير ١ / ٣٦١ رقم ١١٤٥ ، تاريخ الثقات ـ للعجلي ـ : ٦٦ رقم ٩٤ ، الثقات ـ لابن حبّان ـ ٤ / ٢٠ ، الكامل في ضعفاء الرجال ١ / ٢٧٦ رقم ١١٦ ، المدخل إلى معرفة الصحيح ـ للحاكم ـ ٢ / ٧٠٩ رقم ٣٠٥٥ ، سير أعلام النبلاء ٥ / ٢٦٤ رقم ١٢٤ ، تهذيب التهذيب ١ / ٣٢٤ رقم ٤٩٩ ، الإتقان في علوم القرآن ٢ / ٥٣٤.

(١) انظر : الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف : ١٧٢ ح ٢٦٩ عن السدّي ، بحار الأنوار ٣٦ / ٢١٤ ح ١٦.


وقد دلّت هذه الأخبار على إمامة اثني عشر إماما من ذرّيّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا قائل بالحصر إلّا الإمامية في المعصومين ، والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى(١) .

* * *

__________________

(١) الكافي ١ / ٦٠٥ ح ١٣٨٥ ، عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ١ / ٥١ ـ ٦٠ ح ٥ ـ ٢٥ ، الأمالي ـ للصدوق ـ : ٧٢٨ ح ٩٩٨ ، كمال الدين ١ / ٢٥٩ ح ٤ وص ٢٦٩ ح ١٣ ، الغيبة ـ للنعماني ـ : ٧٤ ـ ٧٩ ، الغيبة ـ للطوسي ـ : ١٢٧ ـ ١٥٧ ح ٩٠ ـ ١١٤ ، مناقب آل أبي طالب ١ / ٣٥٨ ـ ٣٦١ ، دلائل الإمامة : ٢٣٧.


وقال الفضل(١) :

ما ذكر من الأحاديث الواردة في شأن اثني عشر خليفة ، فهو صحيح ثابت في « الصحاح » من رواية جابر بن سمرة.

وأمّا ابن عيينة فهو ليس بصحابيّ ولا تابعيّ ، بل يمكن أن يكون أحدا من سلسلة الرواة ؛ وهو من عدم معرفته بالحديث وعلم الإسناد يزعم أنّ ابن عيينة وجابر متقابلان في الرواية.

ثمّ ما ذكر من عدد اثني عشر خليفة ، فقد اختلف العلماء في معناه

فقال بعضهم : هم الخلفاء بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان اثنا عشر منهم ولاة الأمر إلى ثلاثمئة سنة ، وبعدها وقع الفتن والحوادث ، فيكون المعنى : أنّ أمر الدين عزيز في مدّة خلافة اثني عشر ، كلّهم من قريش.

وقال بعضهم : إنّ عدد صلحاء الخلفاء من قريش اثنا عشر ، وهم :

الخلفاء الراشدون ـ وهم خمسة ـ ، وعبد الله بن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز ، وخمسة أخر من خلفاء بني العبّاس ، فيكون هذا إشارة إلى الصلحاء من الخلفاء القرشية(٢) .

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ ٧ / ٤٧٨.

(٢) ما أورده الفضل هنا هو بعض ما حار فيه علماء الجمهور ـ في مراد الحديث ومعناه ـ واضطربوا فيه اضطرابا كبيرا ، فقد تباينت آراؤهم وأقوالهم في تعيين الاثني عشر خليفة تباينا فاحشا

قال ابن العربي المالكي ـ بعد أن أحصى ٤٥ أميرا ـ : « ولم أعلم للحديث معنى ، ولعلّه بعض حديث »!


وأمّا حمله على الأئمّة الاثني عشر ؛ فإن أريد بالخلافة : وراثة العلم والمعرفة ، وإيضاح الحجّة ، والقيام بإتمام منصب النبوّة ، فلا مانع من الصحّة ، ويجوز هذا الحمل.

وإن أريد به الزعامة الكبرى ، والإيالة العظمى ، هذا أمر لا يصحّ ؛ لأنّ من اثني عشر اثنين كان صاحب الزعامة الكبرى ؛ وهما : عليّ وحسن ، والباقون لم يتصدّوا للزعامة الكبرى.

ولو قال الخصم : إنّهم كانوا خلفاء لكن منعهم الناس عن حقّهم.

قلنا : سلّمت إنّهم لم يكونوا خلفاء بالفعل ، بل بالقوّة والاستحقاق.

وظاهر أنّ مراد الحديث : أن يكونوا خلفاء قائمين بالزعامة والولاية ، وإلّا فما الفائدة في خلافتهم في إقامة الدين؟! وهذا ظاهر ، والله أعلم.

__________________

ونقل النووي عدّة أوجه أوردها القاضي عياض ، لا يعود أيّ منها إلى محصّل! قال في آخرها : « ويحتمل أوجها أخر ، والله أعلم بمراد نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله »!

وشرّق ابن كثير في تفسيره ، ثمّ غرّب في تاريخه فذكر آراء آخرين ، وعقّب عليها معترضا بقوله : « فهذا الذي سلكه البيهقي ، وقد وافقه عليه جماعة فإنّه مسلك فيه نظر »!

وقال ابن بطّال القرطبي ، عن المهلّب : « لم ألق أحدا يقطع في هذا الحديث ـ يعني : بشيء معيّن ـ »!

وقال ابن الجوزي : « قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث ، وتطلّبت مظانّه ، وسألت عنه ، فلم أقع على المقصود به »!

وقال العسقلاني ـ بعد أن أورد أقوال من سبقه ـ : « والوجه الذي ذكره ابن المنادي ليس بواضح ، ويعكّر عليه ما أخرجه الطبراني »!

انظر : عارضة الأحوذي ٥ / ٦٦ ـ ٦٧ ح ٢٢٣٠ ، شرح صحيح مسلم ـ للنووي ـ ١٢ / ١٥٨ ـ ١٦٠ ح ١٨٢١ ، تفسير ابن كثير ٢ / ٣١ ، البداية والنهاية ٦ / ١٨٥ ـ ١٨٧ ، فتح الباري ١٣ / ٢٦١ ـ ٢٦٦ ح ٧٢٢٢ و ٧٢٢٣ ، تاريخ الخلفاء ـ للسيوطي ـ : ١٢ ـ ١٥.


ثمّ إنّ كلّ ما ذكره من الآيات والأحاديث وأراد بها الاستدلال على وجود النصّ بالخلافة في شأن عليّ ، قد علمت أنّ أكثرها كان بعيدا عن المدّعى ، ولم يكن بينها وبين المدّعى نسبة أصلا.

وما كان مناسبا فقد علمت أنّه لا يدلّ على النصّ ، فلم يثبت بسائر ما أورده مدّعاه ، فأيّ فائدة في قوله : « والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى »؟!

* * *


وأقول :

لا يخفى أنّ التقابل بين جابر وابن عيينة لا يتوقّف على كونهما صحابيّين ، بل يتوقّف على انتهاء السلسلة إليهما ؛ غاية الأمر أن تكون رواية ابن عيينة مرسلة ، وهو كثير في أخبار صحاحهم!

ولم أعثر في مراجعتي ل‍ « صحيح البخاري » إلّا على رواية واحدة في آخر « كتاب الأحكام » ، عن جابر ، قال : سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول :يكون اثنا عشر أميرا ؛ فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبي : إنّه قال :كلّهم من قريش (١) .

وحكى في « ينابيع المودّة »(٢) عن كتاب « العمدة » ، أنّ البخاري روى الحديث من ثلاثة طرق.

ولا ريب أنّ المراد به : أئمّتنا ؛ لأمور :

الأوّل : إنّه لو لا إرادتهم ، لكان الخبر كاذبا إن أراد جميع أمراء قريش ، وغير مفيد بظاهره إن أراد البعض.

الثاني : إنّ بعض أحاديث المقام يفيد بظاهره وجود الاثني عشر في تمام الأوقات بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى قيام الساعة ، وهو لا يتمّ إلّا على إرادة أئمّتنا ؛ كخبر مسلم في أول « كتاب الإمارة » ، عن جابر ، قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «لا يزال الدين قائما حتّى تقوم الساعة ، أو

__________________

(١) صحيح البخاري ٩ / ١٤٧ ح ٧٩.

(٢) في الباب السابع والسبعين [ ٣ / ٢٨٩ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : عمدة عيون صحاح الأخبار : ٤٨١ ح ٧٨٢ ـ ٧٨٤.


يكون عليهم اثنا عشر خليفة ، كلّهم من قريش »(١) .

ومثله في « مسند أحمد »(٢) .

وكخبر مسلم ـ أيضا ـ ، عن جابر : «إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة »(٣) .

الثالث : ما رواه مسلم في المقام المذكور ، عن عبد الله ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان »(٤) .

ورواه البخاري في أوّل « كتاب الأحكام » ، في « باب الأمراء من قريش »(٥) .

ورواه أحمد ، عن ابن عمر(٦) .

فإنّ المراد به : حصر الإمامة الشرعيّة في قريش ما دام الناس ، لا السلطة الظاهريّة ، ضرورة حصولها لغير قريش في أكثر الأوقات ، فيكون قرينة على أنّ المراد من الحديث الأوّل : حصر الخلفاء الشرعيّين في اثني عشر ، وهو لا يتمّ إلّا على مذهبنا.

الرابع : ما رواه أحمد(٧) ، عن مسروق ، قال : كنّا جلوسا عند

__________________

(١) صحيح مسلم ٦ / ٤.

(٢) ص ٨٩ من الجزء الخامس. منهقدس‌سره .

(٣) صحيح مسلم ٦ / ٣.

(٤) صحيح مسلم ٦ / ٣.

(٥) صحيح البخاري ٥ / ١٣ ح ١١ باب مناقب قريش ، وج ٩ / ١١٢ ح ٤ باب الأمراء من قريش.

(٦) ص ٢٩ و ١٢٨ من الجزء الثاني. منهقدس‌سره .

(٧) ص ٣٩٨ من الجزء الأوّل. منهقدس‌سره .


عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن ، فقال له رجل : يا أبا عبد الرحمن! هل سألتم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كم يملك هذه الأمّة من خليفة؟

فقال عبد الله : ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك.

ثمّ قال : نعم ، ولقد سألنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : «اثنا عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل ».

وروى نحوه أيضا بعد قليل(١) .

وذكره ابن حجر وحسّنه في « الصواعق »(٢) .

فإنّه دالّ على انحصار الخلافة في اثني عشر ، وإنّهم خلفاء بالنصّ ؛ لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «كعدّة نقباء بني إسرائيل » ، فإنّ نقباءهم خلفاء بالنصّ ، لقوله تعالى :( وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ) (٣) .

مع أنّ سؤال الصحابة للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّما هو عن خلفائه بالنصّ ، لا بتأمير الناس أو بالتغلّب ؛ إذ لا يهمّ الصحابة السؤال عن ذلك ؛ لأنّ تأمير الناس وتغلّب السلاطين لا يبتني عادة على الدين حتّى يهمّ الصحابة السؤال عنه ؛ ولأنّ السلاطين بلا نصّ لا يحتاج إلى السؤال عنهم وعن عددهم ؛ لأنّ العادة جرت على وجود مثلهم وأنّهم لا ينحصرون بعدد.

فظهر أنّ السؤال إنّما هو عن الخلفاء بالنصّ ، وعنهم أجاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

__________________

(١) ص ٤٠٦ من الجزء الأوّل. منهقدس‌سره .

(٢) في الفصل الثالث من الباب الأوّل [ ص ٣٤ ]. منهقدس‌سره .

(٣) سورة المائدة ٥ : ١٢.


ولا قائل بأنّ الخلفاء اثنا عشر بالنصّ غير أئمّتناعليهم‌السلام ، فيكونون هم المراد بالاثني عشر في هذا الحديث ، فكذا في الحديث السابق(١) .

الخامس : إنّ المنصرف من الخليفة من استخلفه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، خصوصا قبل حدوث دعوى حصول الخلافة بلا نصّ ، بل لا يتصوّر الصحابة وكلّ العقلاء أن يتركهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بلا إمام منصوب منهم ، حتّى يسألوا عن غيره أو الأعمّ منه ، أو يفهموا من إخباره إرادة الغير أو الأعمّ.

فلا بدّ أن يراد بالاثني عشر في الحديثين ، أئمّتنا ، فهم أئمّة الأمّة بالفعل ، ولهم الزعامة العظمى الإلهيّة عليها.

ولا يضرّ في إمامتهم الفعليّة عدم نفوذ كلمتهم ؛ لأنّ معنى إمامتهم وولايتهم أنّهم يملكون التصرّف وإن منعهم الناس ، كالأنبياء المقهورين ، فإنّهم ولاة الأمر وإن تغلّب عليهم الظالمون.

وكما أنّه لا يصحّ أن يقال : لا فائدة في نبوّة النبيّ الممنوع عن التصرّف ؛ لا يصحّ أن يقال : لا فائدة في إمامة الإمام الممنوع عنه.

فإنّ الفائدة لا تنحصر بالتصرّف ؛ لكفاية أن يكون بهم إيضاح الحجّة وإنارة المحجّة ونشر العلم.

بل لو لم يتمكّنوا حتّى من هذا لحبس أو نحوه ، ففائدتهم أنّ وجودهم حجّة لله على عباده ، ودافع لعذرهم ، كما قال سبحانه في شأن الرسل :( لِئَلأَيَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (٢) .

__________________

(١) أي حديث الاثني عشر خليفة.

(٢) سورة النساء ٤ : ١٦٥.


فكما أنّ النبيّ حجّة لم تبطل نبوّته بحبسه أو غيبته ؛ كما غاب نبيّنا في الغار ، وغاب موسى عن قومه ، فكذا الإمام ، ولا أثر لطول الغيبة أو قصرها في الفرق.

وأمّا الحملان اللذان ذكرهما الفضل ـ أعني : إرادة من لم تقع الفتن في أيّامهم ، أو الخلفاء الصلحاء ـ ، فيرد عليهما :

أوّلا : إنّ المراد بهذه الأخبار ، دوام الإسلام وعزّته إلى آخر الدنيا الذي تنتهي به الأئمّة الاثنا عشر ـ كما سبق ـ ، لا أنّ المراد : انتهاء عزّة الإسلام في قليل من السنين ويسير من الخلفاء.

وثانيا : إنّ ظاهر هذه الأخبار اتّصال عزّة الإسلام في مدّة خلافة الاثني عشر ، فلا يتّجه حمله على المتفرّقين.

ودعوى إرادة المجتمعين باطلة ؛ فإنّها لا تجامع أحد الحملين

أمّا الأوّل ؛ فلكثرة الفتن في أيّام الاثني عشر بمبدإ الإسلام.

وأمّا الثاني ؛ فلأنّ من الخلفاء ـ في مبدإ الإسلام ـ يزيد بن معاوية وعبد الملك وأشباههما ، ممّن هم غير صلحاء بالاتّفاق.

وكيف يصحّ أن يقال : إنّ الدين قائم في أيّام معاوية ؛ وهو قد ألحق العهار بالنسب علانية(١) ، وحارب الحقّ جهرة(٢) ، وقتل خيار عباد الله

__________________

(١) وذلك لمّا أقدم على إلحاق زياد بن سمية بأبي سفيان بعد أن ولد على فراش عبيد الثقفي ، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الولد للفراش وللعاهر الحجر » ، كما في : صحيح البخاري ٣ / ١١٥ ح ٧ وج ٤ / ٤٩ ح ٨ ، صحيح مسلم ٤ / ١٧١ ، سنن أبي داود ٢ / ٢٩١ ح ٢٢٧٣ و ٢٢٧٤ ، سنن الترمذي ٣ / ٤٦٣ ح ١١٥٧ ، سنن ابن ماجة ١ / ٦٤٦ ـ ٦٤٧ ح ٢٠٠٤ ـ ٢٠٠٧ ، سنن الدارمي ٢ / ١٠٦ ح ٢٢٣١ و ٢٢٣٢ ، الموطّأ : ٦٤٧ ح ٢٢ ، مسند أحمد ١ / ٥٩ و ٦٥.

(٢) بقتاله لإمام زمانه أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام .


صبرا ، كحجر وأصحابه(١) ، وابن الحمق وأمثاله(٢) ؟!

__________________

(١) أمّا حجر فهو : حجر بن عديّ بن معاوية بن جبلة الكندي ، الملقّب بحجر الخير ، وراهب أصحاب رسول الله ، كان من أفاضل الصحابة ، وفد مع أخيه على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وشهد القادسية وفتوح الشام ، وكان من خواصّ أصحاب أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، وشهد معه وقعتي الجمل وصفّين ، وكان على كندة ، أرسل في طلبه معاوية إلى أن وصل إلى مرج عذراء قرب دمشق ـ وكان هو الذي فتحها وأوّل من كبّر في نواحيها ـ فأمر به أن يقتل أو يلعن عليّاعليه‌السلام ويتبرّأ منه ، فلم يتبرّأ ، فصلّى ركعتين وقدّم فقتل صبرا ومعه ابنه وأصحابه ، ومشهدهم مشيد يزار.

ونقل أنّ معاوية لمّا حضرته الوفاة جعل يقول : يومي منك يا حجر طويل!

وأمّا أصحابه الّذين استشهدوا معه ، فهم : شريك بن شدّاد الحضرمي ، صيفي ابن فسيل الشيباني ، قبيصة بن ضبيعة العبسي ، محرز بن شهاب السعدي ، كدام ابن حيّان العنزي ، وعبد الرحمن بن حسّان العنزي ـ الذي دفنه زياد بأمر معاوية حيّا ـ ؛ وكان معاوية قد أمر بقتلهم ، فقتلوا بمرج عذراء ، بغوطة دمشق رحمه الله ، لا لشيء سوى إنّهم لم يتبرّأوا من إمام زمانهم أمير المؤمنين عليّ ٧ ؛ وكان ذلك سنة ٥١ ه‍.

انظر : تاريخ الطبري ٣ / ٢١٨ ـ ٢٣١ ، أسد الغابة ١ / ٤٦١ رقم ١٠٩٣ ، الإصابة ٢ / ٣٧ رقم ١٦٣١ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٥٣١ ح ٥٩٧٢ ـ ٥٩٨٤ ، معجم البلدان ٤ / ١٠٣ رقم ٨٢٥١ ، الكامل في التاريخ ٣ / ٣٢٦ ـ ٣٣٨ ، الاستيعاب ١ / ٣٢٩ ـ ٣٣٢ رقم ٤٨٧ ، سير أعلام النبلاء ٣ / ٤٦٢ رقم ٩٥.

(٢) أمّا عمرو فهو : عمرو بن الحمق بن كاهل ـ ويقال : كاهن ـ الخزاعي ، هاجر إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد الحديبية ، شهد مع الإمام عليّعليه‌السلام مشاهده كلّها ، وكان من أصحاب حجر بن عديّ.

طلبه معاوية وكان قد فرّ إلى الموصل ، فقتله عامل معاوية على الموصل عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي.

وروي أنّه حينما فرّ التجأ إلى غار في الجبل ـ وكان مريضا ـ فلدغته أفعى فمات ، فدخل الجند عليه واحتزّوا رأسه وبعثوا به إلى زياد ، ثمّ بعث به زياد إلى معاوية ، فألقي برأسه في حجر زوجته ـ وكان قد حبسها معاوية ـ فقالت : غيّبتموه عنّي طويلا ثمّ أهديتموه إليّ قتيلا ، فأهلا بها من هديّة ، غير قالية ولا مقليّة ؛


وفي أيّام يزيد وعبد الملك ؛ وقد هدما الكعبة(١) ، وهتكا حرمة الله ورسوله ، ولم يتركا لله محرّما إلّا فعلاه ، ولا حرمة إلّا أضاعاها(٢) ، والناس

__________________

فكان رأس عمرو أوّل رأس احتزّ في الإسلام وطيف به وأهدي!

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد دعا لعمرو يوما فقال :اللهمّ متّعه بشبابه ؛ فمرّت ٨٠ سنة لا ترى شعرة بيضاء في لحيته.

انظر : تاريخ الطبري ٣ / ٢٢١ و ٢٢٤ حوادث سنة ٥١ ه‍ ، البداية والنهاية ٨ / ٣٩ حوادث سنة ٥٠ ه‍ ، أسد الغابة ٣ / ٧١٤ رقم ٣٩٠٦ ، الاستيعاب ٣ / ١١٧٣ رقم ١٩٠٩ ، مختصر تاريخ دمشق ١٩ / ٢٠ رقم ١٢٥ ، الإصابة ٤ / ٦٢٤ رقم ٥٨٢٢.

وأمّا من قتله معاوية من أمثال ابن الحمق :

فقد دسّ السمّ لمالك الأشتر على يد عبد لعثمان ، حتّى قال معاوية : إنّ لله جنودا من عسل!

ومحمّد بن أبي بكر ، فقد قتله عامله على مصر عمرو بن العاص ، ثمّ وضعه في جوف حمار ميّت وأحرقه ، وكان ذلك سنة ٣٨ ه‍.

والحضرميان مسلم بن زيمر وعبد الله بن نجيّ ، صلبهما زياد بن أبيه بأمر من معاوية.

انظر : الغارات : ١٦٦ ـ ١٦٩ ، الكامل في التاريخ ٣ / ٢٢٨ ـ ٢٣١ حوادث سنة ٣٨ ه‍ ، أسد الغابة ٤ / ٣٢٦ ـ ٣٢٧ رقم ٤٧٤٤ ، الاستيعاب ٣ / ١٣٦٦ ـ ١٣٦٧ رقم ٢٣٢٠ ، سير أعلام النبلاء ٣ / ٤٨١ ـ ٤٨٢ رقم ١٠٤ ، الإصابة ٦ / ٢٤٥ ـ ٢٤٦ رقم ٨٣٠٠ ، المحبّر : ٤٧٩.

(١) أمّا يزيد فقد رمى الكعبة المشرّفة بالمنجنيق فهدمها وأحرقها ، وذلك سنة ٦٤ ه‍ عند حصار عبد الله بن الزبير ، كما هدمها عبد الملك سنة ٧٣ ه‍.

انظر : تاريخ الطبري ٣ / ٣٦١ و ٥٣٨ ، الكامل في التاريخ ٣ / ٤٦٤ وج ٤ / ١٢٢ ـ ١٢٣ ، المنتظم ٤ / ١٨١ و ٢٧٥.

(٢) ومن موبقاتهما علاوة على كونهما من بني أميّة الشجرة الملعونة في القرآن ، ونزوهما على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتسلّطهما على رقاب المسلمين بغير حقّ :

قتل يزيد ريحانة النبيّ وسبطه الإمام الحسين عليه السلام ، وأسره وسببه وتسييره للهاشميات وأهل بيت النبوّة والرسالة عليهم السلام ، وقوله الكفر شعرا بعد وضع رأس الإمام الحسين عليه السلام بين يديه ، وقتل النفوس المحترمة ، حتّى قتل أكثر من عشرة


لهما أعوان ، وبهم قام لهما السلطان؟!

فأين الإسلام وعزّته؟! وأين الدين وقيامه؟!

وثالثا : إنّ الحمل الأوّل لا يناسب عدد الاثني عشر ؛ لأنّ من لم تقع الفتن في أيّامهم أضعاف هذا العدد.

والحمل الثاني مناف لأخبارهم ؛ لإفادتها أنّ خلافة الصلحاء منحصرة في ثلاثين سنة

روى الحاكم في « المستدرك »(١) ، عن سفينة ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «خلافة النبوّة ثلاثون سنة ».

وقال ابن حجر في « الصواعق »(٢) : « الحادي عشر : أخرج أحمد ، عن سفينة ، وأخرجه أيضا أصحاب السنن ، وصحّحه ابن حبّان وغيره ، قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول :الخلافة ثلاثون عاما ، ثمّ يكون بعد ذلك الملك.

وفي رواية :الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثمّ تصير ملكا عضوضا ».

__________________

آلاف نفس في وقعة الحرّة ، واستباحة المدينة المنوّرة ثلاثة أيّام ؛ وشربهما الخمر ، وترك الصلاة ، واللعب بالطنابير والكلاب ، ونكاح المحارم ، ونهب الأموال ، وهتك الأعراض والحرمات وغيرها كثير.

انظر مثلا : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٥ / ٤٩ ، تاريخ دمشق ٢٧ / ٤٢٩ ، الردّ على المتعصّب العنيد : ٥٣ ـ ٦٢ ، تذكرة الخواصّ : ٢٥٩ ـ ٢٦١.

(١) ص ١٤٥ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٥٦ ح ٤٦٩٧ ]. منهقدس‌سره .

(٢) في الفصل ٣ من الباب الأوّل [ ص ٤١ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : سنن الترمذي ٤ / ٤٣٦ ح ٢٢٢٦ ، سنن أبي داود ٤ / ٢١٠ ح ٤٦٤٦ و ٤٦٤٧ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٤٧ ح ٨١٥٥ ، مسند أحمد ٥ / ٢٢٠ و ٢٢١ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٤٨ ح ٦٩٠٤.


فكيف يصحّ عندهم حمل الخلفاء الاثني عشر على الصلحاء؟!

على أنّ الحكم بصلاح من زعمهم من الصلحاء باطل ؛ لما ستعرف في الجزء الثالث(١) .

وأمّا ابن عبد العزيز(٢) ؛ فيكفيه أنّه من الشجرة الملعونة في القرآن(٣) ، الّذين رآهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ينزون على منبره نزو القردة ،

__________________

(١) سيأتي ذلك في الجزء السابع وفق تجزئتنا الجديدة للكتاب.

(٢) هو : أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص ، وأمّه : أمّ عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطّاب.

ولد سنة ٦٣ ه‍ ، وولي الخلافة بعهد من سليمان بن عبد الملك سنة ٩٩ ه‍ ، ودامت أيّام ملكه سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيّام.

جلد رجلا بالسوط لشتمه معاوية.

كان مترفا منعّما ، يختال في مشيته ، من أعطر الناس وألبسها ، كان يشترى له الثوب بأربعمئة دينار ، وعندما يلمسه يقول : ما أخشنه وأغلظه!

قال عبد الله بن عطاء التميمي : كنت مع عليّ بن الحسين في المسجد ، فمرّ عمر بن عبد العزيز وعليه نعلان شراكهما فضّة ، وكان من أمجن الناس وهو شابّ.

وقال بعضهم : كنّا نعطي الغسّال الدراهم الكثيرة حتّى يغسل ثيابنا في أثر ثياب عمر بن عبد العزيز ؛ من كثرة الطيب فيها ـ يعني : المسك ـ.

وكان هو أوّل خليفة دوّنت له صنعة الغناء والألحان ، فقد صنع أيّام إمارته على الحجاز سبعة ألحان يذكر سعاد فيها كلّها!

كان من المتشدّدين بالقول بأنّ كلّ شيء بقضاء وقدر ، قدرا لازما ، وقضاء مبرما حتميا ، لا دخل للعبد فيه ولا تأثير ؛ ليبرّر للأمويّين سياستهم وتسلّطهم وأفعالهم ؛ وله رسالة في معتقده هذا ؛ وقد ناظر غيلان الدمشقي في ذلك ، وكان يقول له : يا غيلان! والله ما طنّ ذباب بيني وبينك إلّا بقدر.

انظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٥ / ٢٥٣ و ٢٥٧ ، الأغاني ٩ / ٢٨٩ و ٣٠٠ ، حلية الأولياء ٥ / ٣٤٦ ـ ٣٥٣ ، الاستيعاب ٣ / ١٤٢٢ ، تاريخ دمشق ٤٨ / ١٩٣ ، مناقب آل أبي طالب ٤ / ١٥٥ ، سير أعلام النبلاء ٥ / ١١٤ رقم ٤٨.

(٣) إشارة إلى قول الله عزّ وجلّ :( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) سورة الإسراء ١٧ : ٦٠.


فساءه ذلك ولم ير ضاحكا بعدها(١) .

وأمّا ابن الزبير ؛ فهو من أبعد الناس عن الخلافة والصلاح

روى مسلم في باب ذكر كذّاب ثقيف ومبيرها من « كتاب الفضائل » ، أنّ ابن عمر لمّا مرّ على ابن الزبير وهو مقتول قال : « أما والله لأمّة أنت أشرّها لأمّة خير »(٢) .

وهذه شهادة من ابن عمر أنّ ابن الزبير شرّ الأمّة.

وروى البخاري في « كتاب الفتن » ، في باب « إذا قال عند قوم شيئا ثمّ خرج فقال بخلافه » ، عن أبي برزة الأسلمي ، أنّه حلف بالله إنّ ابن الزبير إن يقاتل إلّا على الدنيا(٣) .

وروى أحمد في « مسنده »(٤) ، أنّ عثمان بن عفّان لمّا قال له عبد الله ابن الزبير : هل لك أن تتحوّل إلى مكّة؟! قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول :« يلحد بمكّة كبش من قريش اسمه عبد الله ، عليه مثل نصف أوزار الناس ».

وروى أحمد أيضا(٥) : عن سعيد بن عمرو ، قال : أتى عبد الله بن عمر ابن الزبير وهو جالس في الحجر ، فقال : يا بن الزبير! إيّاك والإلحاد

__________________

(١) تقدّم أنّ المراد بالشجرة الملعونة هم بنو أميّة ، فانظر تخريج ذلك مفصّلا في ج ١ / ١٦٨ ه‍ ٤ من هذا الكتاب.

وانظر زيادة على ذلك : مسند أبي يعلى ١١ / ٣٤٨ ح ٦٤٦١ ، تفسير الطبري ٨ / ١٠٣ ح ٢٢٤٣٣ ، المستدرك على الصحيحين ٤ / ٥٢٧ ح ٨٤٨١ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٦ / ٥٠٩ ، مجمع الزوائد ٥ / ٢٤٣ ـ ٢٤٤.

(٢) صحيح مسلم ٧ / ١٩١.

(٣) صحيح البخاري ٩ / ١٠٣ ـ ١٠٤ ح ٥٦.

(٤) ص ٦٤ من الجزء الأوّل. منهقدس‌سره .

(٥) ص ٢١٩ من الجزء الثاني. منهقدس‌سره .


في حرم الله! فإنّي أشهد لسمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «يحلّها ويحلّ به رجل من قريش ، لو وزنت ذنوبه بذنوب الثّقلين لوزنها ».

وروى البخاري في تفسير سورة « براءة »(١) ، عن ابن عبّاس ، قال : إنّ الله كتب ابن الزبير وبني أميّة محلّين.

أقول :

هو من أكبر الذنوب ؛ فقد روى البخاري في « كتاب البيوع »(٢) ، عن ابن عبّاس ، أنّ رسول الله قال : «إنّ الله حرّم مكّة ، ولم تحلّ لأحد قبلي ، ولا لأحد بعدي ، وإنّما حلّت لي ساعة من نهار ».

ورواه أيضا في « كتاب المغازلي » وغيره(٣) .

وقال في « الاستيعاب » بترجمة ابن الزبير : كان فيه خلال لا تصلح معها الخلافة ؛ فإنّه كان بخيلا ، ضيّق العطن(٤) ، سيّئ الخلق ، حسودا ، كثير الخلاف(٥) .

وقال ابن أبي الحديد في « شرح النهج »(٦) : « كان شديد البخل ، يطعم الجند تمرا ويأمرهم بالحرب ، فإذا فرّوا من وقع السيوف لامهم

__________________

(١) من كتاب التفسير من صحيحه ، في باب قوله تعالى :( ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ ) [ ٦ / ١٢٧ ح ١٨٥ ]. منهقدس‌سره .

(٢) في باب ما قيل في الصّوّاغ [ ٣ / ١٢٧ ح ٤٢ ]. منهقدس‌سره .

(٣) صحيح البخاري ٥ / ٣٠٩ ح ٣١٦ ، وج ٣ / ٣٨ ح ٤٠٨ كتاب الحجّ.

(٤) رجل رحب العطن : أي رحب الذّراع كثير المال واسع الرّحل ، وضيّق العطن كناية عن البخل ؛ انظر : لسان العرب ٩ / ٢٧٣ مادّة « عطن ».

(٥) الاستيعاب ٣ / ٩٠٦ رقم ١٥٣٥.

(٦) ص ٤٨٧ ج ٤ [ ٢٠ / ١٢٣ ]. منهقدس‌سره .


وقال : أكلتم تمري وعصيتم أمري ».

وذكر المؤرّخون أشياء كثيرة تشهد بفسقه وسوء ذاته ، كتركه الصلاة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أربعين جمعة قائلا : إنّ له أهيل سوء(١) !

وكفاك من فسقه حربه لمن حربه حرب لله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن نفاقه بغضه الشديد له ، وقد مرّ مرارا أنّ بغض عليّ علامة النفاق(٢) .

هذا في ما انتخبه من خلفائهم وزعم أنّهم من أهل الصلاح ، فكيف حال غيرهم؟!

ولا أفسد من مذهب يلتزم أهله بعدم صلاح من تجب طاعتهم طول الدهر سوى اثني عشر ، فتدبّر!

* * *

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ٢٠ / ١٢٧.

(٢) راجع مبحث الحديث السادس عشر في الصفحات ١٤٧ ـ ١٥١ من هذا الجزء.


المبحث الخامس

في بعض فضائل عليّ

قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :

المبحث الخامس : في ذكر بعض الفضائل التي تقتضي وجوب إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام .

هذا باب لا يحصى كثرة.

روى أخطب خوارزم من الجمهور ، بإسناده إلى ابن عبّاس ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لو أنّ الرياض أقلام ، والبحر مداد ، والجنّ حسّاب ، والإنس كتّاب ، ما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب »(٢) .

فمن يقول عنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مثل هذا ، كيف يمكن ذكر فضائله؟!

لكن لا بدّ من ذكر بعضها ؛ لما رواه أخطب خوارزم أيضا ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ الله جعل لأخي عليّ فضائل لا تحصى كثرة ، فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرّا بها ، غفر الله له ما تقدّم من ذنبه

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٣١.

(٢) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣٢ ح ١ وص ٣٢٨ ح ٣٤١ ؛ وانظر : كفاية الطالب : ٢٥١ ، فرائد السمطين ١ / ١٦ ، ينابيع المودّة ٢ / ٢٥٤ ح ٧١٣ وقال : « رواه صاحب الفردوس ».


وما تأخّر.

ومن كتب فضيلة من فضائله ، لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم.

ومن استمع إلى فضيلة من فضائله ، غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالاستماع.

ومن نظر إلى كتاب من فضائله ، غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالنظر.

ثمّ قال : النظر إلى عليّ عبادة ، وذكره عبادة ، ولا يقبل الله إيمان عبد إلّا بولايته والبراءة من أعدائه »(١) .

* * *

وقد ذكرت في كتاب « كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين » ، أنّ الفضائل

إمّا قبل ولادته : مثل ما روى أخطب خوارزم ـ من علماء الجمهور ـ ، عن ابن مسعود ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لمّا خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه عطس آدم ، فقال : الحمد لله ؛ فأوحى الله تعالى إليه : حمدني عبدي ، وعزّتي وجلالي لو لا عبدان أريد أن أخلقهما في دار الدّنيا ما خلقتك.

__________________

(١) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣٢ ـ ٣٣ ح ٢ ؛ وانظر : كفاية الطالب : ٢٥٢ ، فرائد السمطين ١ / ١٩.


قال : إلهي فيكونان منّي؟

قال : نعم يا آدم ، ارفع رأسك وانظر!

فرفع رأسه فإذا مكتوب على العرش : لا إله إلّا الله ، محمّد نبيّ الرحمة ، وعليّ مقيم الحجّة ، من عرف حقّ عليّ زكا وطاب ، ومن أنكر حقّه لعن وخاب.

أقسمت بعزّتي وجلالي ، أن أدخل الجنّة من أطاعه وإن عصاني ، وأقسمت بعزّتي ، أن أدخل النار من عصاه وإن أطاعني »(١) .

والأخبار في ذلك كثيرة(٢) .

* * *

__________________

(١) كشف اليقين : ٧ ـ ٨ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣١٨ ح ٣٢٠.

(٢) راجع ـ مثلا ـ الصفحة ٥ والصفحة ١٢ وما بعدها من هذا الجزء.


وقال الفضل(١) :

لا يشكّ مؤمن في فضائل عليّ بن أبي طالب ، ولا في فضائل أكابر الصحابة ، كالخلفاء ؛ فإنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قد خصّ كلّ واحد منهم بالفضائل التي كانت فيه ، وهي مذكورة في كتب الصحاح.

وكما إنّ هذا الرجل يذكر فضائل أمير المؤمنين من كتب أصحابنا ، كذلك كلّ على حسب مرادهم يذكرون فضائل من يريدون من الخلفاء الراشدين.

ولكن يشترط في ذكر الفضائل ، أن يروى من الصحاح المعتبرة ، ومن العلماء الّذين اعتمدهم الناس ، ويكونوا(٢) صاحب قول مقبول ، ويعرفون سقيم الأخبار من صحيحها ، وجيّدها من رديئها ، ومقبولها من مردودها.

فإنّ الممارس لفنّ الحديث ، المبالغ في التتبّع والاقتفاء ، لا يخفى عليه صحّة الحديث ، وضعفه ، ووضعه ؛ فإنّ المنكر(٣) والشاذّ(٤) معلومان موسومان بوسم الشذوذ ؛ لأنّها غير المألوفة مثل هذه الأحاديث.

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٢٩ الطبعة الحجرية.

(٢) كذا في الأصل ، وهو غير غريب من الفضل ، فكلامه هنا مختلّ من الناحيتين اللغوية والنحوية ؛ والصحيح ـ لغة ونحوا ـ أن يقال : « ويكونون أصحاب قول مقبول » ؛ فلاحظ!

(٣) الحديث المنكر : هو ما رواه غير الثقة مخالفا لما عليه المشهور.

(٤) الحديث الشاذّ : هو ما رواه الثقة مخالفا لما عليه المشهور.


والأخبار التي يرويها عن أخطب خوارزم أثر النكر والوضع ظاهر عليها ، بحيث لا يخفى على المتدرّب في فنّ الحديث.

فإنّ هذه المبالغة التي نسبها للنبيّ في فضائل عليّ بقوله : «لو أنّ الرياض أقلام ، والبحر مداد ، والجنّ حسّاب ، والإنس كتّاب ، ما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب » لا يخفى على الماهر في فنّ الحديث أنّ هذا ليس من كلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولينصف المنصف المتدرّب في معرفة الأخبار ، أنّ من شأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يبالغ مثل هذه المبالغة في مدح أحد من المخلوقين ، وهذا من أوصاف الخالق ،( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ) (١) ؟!

ثمّ إنّ لفظ « الفضائل » لا يوجد في كلمات النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومحال أن يحكم المحدّث أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله تكلّم بلفظ « الفضائل » ، فإنّ هذا من ألفاظ المحدثين المولّدين وليس من كلام العرب.

والمحدّث لا يخفى عليه أنّ هذا موضوع ، وأكثر ما ذكر من مناقب الخوارزمي موضوعات.

وأمّا الحديث الذي رواه الخوارزمي عن ابن مسعود ، وهو أنّ الله خلق آدم لأجل محمّد وعليّ ، وأنّ العاصي لله إن أطاع عليّا فهو من أهل النجاة ، والمطيع بعد أن عصى عليّا فهو من أهل النار(٢) ، فقد تحتّم الحكم بأنّه من الموضوعات ؛ لأنّه مخالف لحكم الشرع ، فإنّ عليّا عبد من عباد

__________________

(١) سورة الكهف ١٨ : ١٠٩.

(٢) تقدّم آنفا في الصفحتين ٢٨٤ ـ ٢٨٥ ؛ فراجع!


الله تعالى ، وهو ليس بأكرم على الله من محمّد ، ومن اعتقد أنّ عليّا أكرم على الله من محمّد فهو كافر بالله العظيم ، ولا يرتاب في هذا أحد من المؤمنين.

ومحمّد لا يمكن أن يدّعى فيه أنّ من أطاعه وعصى الله فهو من أهل النجاة ؛ لأنّ طاعة الله وطاعة رسوله واحد ، فكيف يمكن الدعوى أنّ من أطاع عليّا وإن عصى الله فهو من أهل النجاة؟!

وهذا من موضوعات غلاة الرفضة ، ذكره هذا الرجل الرافضي ، ولا اعتداد بهذا النقل ولا اعتبار.

ثمّ إنّ كلّ ما يذكره من هذه الفضائل ـ وإن صحّ ـ لا يدلّ على وجوب إمامته ، كما لا يخفى.

* * *


وأقول :

يرد عليه أمور :

الأوّل : إنّ قوله : « كلّ على حسب مرادهم يذكرون فضائل من يريدون » إلى آخره

خطأ ظاهر ؛ لأنّ ذكرنا لفضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام من كتبهم يفيدنا حجّة عليهم ، بخلاف ذكرهم لفضائل أصحابهم من كتبهم ؛ فإنّه لا يفيدهم حجّة علينا ، لا سيّما مع معارضتها بما في كتبهم من مطاعنهم.

الثاني : إنّ قوله : « ولكن يشترط في ذكر الفضائل أن يروى من الصحاح » إلى آخره

مخالف لما ذكره ابن حجر في أوائل الفصل الأوّل من كتابه المسمّى ب‍ « تطهير الجنان واللسان عن الخطور والتفوّه بثلب معاوية بن أبي سفيان » ، قال بعد نقل حديث في فضل معاوية : « فإن قلت : هذا الحديث المذكور سنده ضعيف ، فكيف يحتج به؟!

قلت : الذي أطبق عليه أئمّتنا الفقهاء والأصوليّون والحفّاظ أنّ الحديث الضعيف حجّة في المناقب »(١) .

ثمّ إنّه إن أراد بالصحاح : صحاحهم الستّة ، فهو ظاهر البطلان ؛ إذ ليست الرواية عنها شرطا في الأحكام فضلا عن الفضائل.

وإن أراد بها الأخبار الصحيحة ـ وإن لم توجد في صحاحهم الستّة ،

__________________

(١) تطهير الجنان واللسان : ١٦.


كالأخبار التي استدركها الحاكم في « المستدرك » ، ورواها الضياء في « المختارة » ـ فهو أيضا باطل ؛ إذ ليست الفضائل بأعظم من الأحكام.

وقد اكتفوا في ثبوتها بغير الأخبار الصحيحة ؛ لعدم انحصار الحجّة بها ؛ فإنّ الخبر الحسن كاف في الثبوت ، وكذا الخبر الكثير الطرق ؛ فإنّ الأخبار إذا كثرت في معنى واحد ، قوّى بعضها بعضا ، وصارت حجّة وإن كان سند كلّ منها ضعيفا.

ونحن كما رأيت نذكر كثيرا من أخبار الصحاح الستّة ، ومستدرك الحاكم ، ومسند أحمد ، ونحوها من كتبهم المعتبرة عندهم ، ونذكر غيرها ممّا يؤيّد بعضها بعضا ، أو قامت قرينة على قوّتها ، والجميع حجّة عليهم.

الثالث : إنّ ما جعله أمارة للوضع ـ من المبالغة الواقعة في ما حكى عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ لا محلّ له ؛ إذ لا مبالغة فيه ، ولا سيّما إذا أريد عدم إحصاء الثواب على فضائله ، لا عدم إحصاء أنفسها ، فإنّ من كان عبارة عن الإيمان كلّه وله ضربة واحدة تعدل عبادة الثّقلين ، لا يكون ذلك مبالغة في حقّه.

وهل يكون ذلك مبالغة في من هو نفس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأخوه ، وعديل القرآن؟!

على أنّهم رووا نحو ذلك في حقّ الشيخين ، وما حكموا بوضعه! فقد نقل ابن حجر في « الصواعق »(١) ، عن أبي يعلى ، عن عمّار بن ياسر ، قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أتاني جبرئيل آنفا فقلت : يا جبرئيل! حدّثني بفضائل عمر بن الخطّاب.

__________________

(١) في الفصل ٣ من الباب ٣ [ ص ١٢١ ح ١٠١ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : مسند أبي يعلى ٣ / ١٧٩ ح ١٦٠٣ ، مجمع الزوائد ٩ / ٦٨.


فقال : لو حدّثتك بفضائل عمر منذ لبث نوح في قومه ما نفدت فضائل عمر ، وإنّ عمر حسنة من حسنات أبي بكر ».

ومن أعجب العجب روايتهم لهذا الحديث عن عمّار ، وهم يعلمون انحرافه عن خلفائهم وسوء رأيه فيهم ، فلو رووه عن غيره لكان أولى لهم!

ومن هذا الحديث ونحوه ، يعلم وجود لفظ « الفضائل » عندهم في ما نسبوه إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد روى أحمد في « مسنده »(١) ، عن ابن عمر ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حديثا قال في آخره : «وركعتا الفجر حافظوا عليهما ، فإنّهما من الفضائل »(٢) .

__________________

(١) ص ٨٢ من الجزء الثاني. منهقدس‌سره .

وفي مسند أحمد ٣ / ٤٣٨ عن معاذ بن أنس ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، أنّه قال : «أفضل الفضائل أن تصل من قطعك » ، وفي سنن أبي داود ٤ / ٣٥٢ ح ٥١٩٦ قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «هكذا تكون الفضائل ».

فلاحظ وتدبّر!

(٢) نقول ـ علاوة على ما نمّقه يراع الشيخ المظفّرقدس‌سره ـ :

إن ما ادّعاه الفضل من أن لفظ « الفضائل » ليس من كلام العرب ، وأنّه من كلام المحدثين المولّدين ؛ ليس بصحيح ؛ فإنّ لفظ « الفضائل » عربيّ فصيح قد ورد في كلام العرب القدماء الّذين يستشهد بكلامهم وأشعارهم على اللغة ، ومنه قول عنترة بن شدّاد العبسي الشاعر الجاهلي :

فضائل عزم لا تباع لضارع

وأسرار حزم لا تذاع لعائب

و « الفضائل » ـ على وزن « الفعائل » إحدى صيغ منتهى الجموع ـ : جمع الفضيلة خلاف النقيصة ؛ وهي الدرجة الرفيعة في الفضل.

ويجمع على هذا الوزن شيئان :

١ ـ اسم مؤنّث على أربعة أحرف قبل آخره حرف مدّ زائد ، سواء كان مؤنّثا بالعلامة ، أم كان بلا علامة ، مثل : صحيفة صحائف ، وعجوز عجائز.


الرابع : إنّ قوله : « هذا من أوصاف الخالق »

لا يعرف له معنى ، ولعلّه يريد أنّ الله جلّ وعلا يوصف بأنّه متكلّم بكلمات لا تنفد بنفاد البحر ، فكيف يقال : إنّ عليّا متّصف بفضائل لا تحصى وإن كان البحر مدادا؟!

وفيه ما لا يخفى.

الخامس : إنّ قوله : « أكثر ما ذكر من ( مناقب الخوارزمي ) موضوعات »

دعوى بلا دليل ، وطعن مجمل غير مقبول.

السادس : إنّ حكمه بوضع حديث ابن مسعود خطأ ، ويعلم وجهه بعد بيان مقدّمة ، فنقول :

لا شكّ أنّ الإقرار بالله وبنبوّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله شرط للإيمان ، وكذا الإقرار بإمامة عليّعليه‌السلام ؛ بناء على أنّ إمامته بنصّ الله ورسوله ، وأنّها كالنبوّة ، أصل من أصول الدين ، لكنّ الإقرار بها فرع الإقرار بالله ورسوله ، ومن أقرّ بها تمّ إيمانه ، ومن لم يقرّ بها كان ناقص الإيمان وإن أقرّ بالله ورسوله.

فإذا عرفت هذا ، عرفت أنّ من أطاع عليّا عارفا بحقّه ـ كما هو المراد بالحديث ـ كان مؤمنا مطيعا لله ورسوله بطاعة عليّعليه‌السلام ؛ لأنّ طاعته له ـ بما هو إمام من الله تعالى ـ مستلزمة للإيمان بهما وطاعتهما ، فيكون صالحا لدخول الجنّة وإن عصى الله في بعض الأحكام ، وعصى بها عليّا

__________________

٢ ـ صفة على وزن فعيلة بمعنى فاعلة ، مثل : كريمة كرائم.

انظر : تاج العروس ١٥ / ٥٧٨ مادّة « فضل » ، جامع الدروس العربية ٢ / ٥٥ ـ ٥٦ ، جواهر الأدب : ٥٠٩ ، ديوان عنترة : ٤٠.


أيضا ؛ لأنّ عصيانه ـ حينئذ ـ عصيان مؤمن أهل للغفران.

كما أنّ من عصى عليّا جاحدا لإمامته ، عاص لله ورسوله ، ومحلّ لدخول النار وإن أطاعهما في الظاهر(١) ؛ لأنّ طاعته لهما ليست طاعة مؤمن حتّى تكون مقبولة ، كمن أطاع الله في الظاهر وعصى رسول الله جاحدا لرسالته ، كأهل الكتاب.

فصحّ ما في الحديث من قوله سبحانه : «أقسمت أن أدخل الجنّة من أطاعه وإن عصاني ، وأن أدخل النار من عصاه وإن أطاعني »(٢) أي في الظاهر.

كما يصحّ القول بأنّ من أطاع عليّا كان من أهل النجاة والجنّة ، وإن عصى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ من عصى عليّا كان من أهل النار وإن أطاع رسول الله في الظاهر.

وذلك كلّه لا ينافي أكرميّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله من عليّعليه‌السلام ، كما هو ظاهر.

وبالجملة : المراد بالحديث : أنّ من أطاع الله في الظاهر ، وعصى عليّا منكرا لحقّه ، فهو من أهل النار ؛ لعدم إيمانه.

وأنّ من أطاع عليّا عارفا بحقّه ، فهو من أهل الجنّة ، وإن عصى الله في بعض الفروع ؛ لأنّ عصيانه عصيان مؤمن ، فيكون أهلا للمغفرة والرحمة.

فذلك إشارة إلى إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأنّ الإقرار بها شرط للإيمان ، وأنّه لا عبرة بطاعة المسلمين ظاهرا الّذين لم يقرّوا بالنصّ

__________________

(١) أي وإن صام وصلّى وحجّ وزكّى.

(٢) تقدّم آنفا في الصفحة ٢٨٥.


على عليّعليه‌السلام واتّبعوا غيره وعصوه ، وإن كانت طاعة الله ورسوله وخليفته في الواقع واحدة ، ومعصيتهم الواقعيّة معصية واحدة.

ويشهد لإرادة الإمامة من الحديث ، وصفه لعليّ في ما كتب على العرش ، بأنّه مقيم الحجّة في عرض وصف الله تعالى بالوحدانية ، ومحمّد بالنبوّة(١) ، فإنّه من أوضح ما يدلّ على الإمامة!

مضافا إلى تصريحه بأنّ محمّدا وعليّا علّة لخلق ادم ؛ فإنّه دليل الفضل على آدم ، فضلا عن الأمّة.

فلا بدّ أن يكون عليّ سيّدها وإمامها ، بل علّة خلقها بالأولويّة ، كما قالعليه‌السلام في « نهج البلاغة » بكتابه إلى معاوية : «نحن صنائع الله ، والناس بعد صنائع لنا »(٢) .

ثمّ إنّ الخبرين الأوّلين ظاهران أيضا في إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ لاقتضائهما فضله على غيره ، مع تصريح ثانيهما بأنّ الله تعالى لا يقبل إيمان عبد إلّا بولايته والبراءة من أعدائه ، كما هو شأنّ الإمام ؛ ولذا كان بغضه علامة النفاق.

هذا ، وقد نقل الذهبيّ هذين الخبرين في « ميزان الاعتدال » بترجمة محمّد بن أحمد بن عليّ بن الحسن بن شاذان ، عن نور الهدى أبي طالب الزيني ، ثمّ قال بعد الخبر الثاني : « هذا من أفظع ما وضع ، ولقد ساق خطيب خوارزم من طريق هذا الدجّال ابن شاذان أحاديث كثيرة باطلة سمجة ركيكة في مناقب عليّ ؛ من ذلك بإسناد مظلم ، عن مالك ، عن

__________________

(١) راجع مبحث حديث المؤاخاة ، في الصفحة ١٢٢ وما بعدها من هذا الجزء.

(٢) نهج البلاغة : ٣٨٦ رقم ٢٨.


نافع ، عن ابن عمر ، مرفوعا :من أحبّ عليّا أعطاه الله بكلّ عرق في بدنه مدينة في الجنّة »(١) .

وهذه المؤاخذة لابن شاذان ، إنّما هي لروايته في فضل أمير المؤمنين ما لا يتحمّله اعتقاد الذهبيّ فيه ، وإلّا فالرجل لا ذنب له سواه.

وقد عرفت في مقدّمة الكتاب ، أنّ رواية الشخص لفضائل أمير المؤمنين دليل على وثاقته ، ولا فظاعة ولا ركاكة في هذه المناقب التي يسطع من خلالها نور إمامة المرتضى عند من عرف بعض حقّه(٢) .

وقد نقل سبط ابن الجوزي في أوائل « تذكرة الخواصّ » نحو أوّل الحديثين ، عن ابن عبّاس(٣) .

ونقله في « ينابيع المودّة » ، في الباب السادس والخمسين ، آخر المناقب السبعين(٤) ، التي حكاها عن كتاب إمام الحرم الشريف بمكّة أبي جعفر أحمد بن عبد الله الطبري الآملي الشافعي(٥) ، رواه عن الديلمي

__________________

(١) ميزان الاعتدال ٦ / ٥٥ رقم ٧١٩٦.

(٢) راجع : ج ١ / ٧ ـ ٢٥ من هذا الكتاب.

(٣) تذكرة الخواصّ : ٢٣.

(٤) كتاب « السبعين في مناقب أمير المؤمنين » ، للسيّد علي بن شهاب الدين بن محمّد بن عليّ الحسيني الهمداني ، الصوفي ، المولود سنة ٧١٤ ه‍ ، والمتوفّى سنة ٧٨٦ ه‍ ، طاف في البلاد ، وجال في الآفاق ، له مؤلّفات ، منها : كتاب « مودّة القربى ».

انظر : الذريعة ١٢ / ١٣٢ رقم ٨٩٨ ، أهل البيت عليهم السلام في المكتبة العربية : ٢٠٩ ـ ٢١٢ رقم ٣٥٥.

(٥) هو الإمام الحافظ المحدّث المفتي أبو جعفر محبّ الدين أحمد بن عبد الله بن محمّد بن أبي بكر بن محمّد بن إبراهيم الطبري الآملي المكّي الشافعي ( ٦١٥ ـ ٦٩٤ ه‍ ).


في « الفردوس »(١) .

وأمّا الحديث الثاني ، فأكثر مضامينه قد وردت من عدّة طرق ، ولا سيّما قوله : «النظر إلى عليّ عبادة » ، فإنّه ورد مستفيضا بلفظه ، أو بلفظ : «النظر إلى وجه عليّ عبادة »(٢) .

وقد أخرجه الحاكم في « المستدرك »(٣) ، بطريق عن عمران بن حصين ، وطريقين عن ابن مسعود ، وصحّحها جميعا ، وتعقّبه الذهبي بعد حديث عمران ، وأحد حديثي ابن مسعود بقوله : « ذا موضوع » ، ولم يذكر له علّة!

وغاية ما يوجّه به : دعوى أنّ بعض رجال الحديثين ضعيف ، وهو لا يستوجب الوضع ، ولا سيّما مع الإقرار بصحّة الحديث الثالث.

__________________

فقيه الحرم بمكّة ومحدّث الحجاز ، نشأ بمكّة حيث ولد وطلب العلم وسمع الكثير ورحل إلى البلاد ، كان زاهدا كبير الشأن ، درّس وصنّف كتبا مفيدة ، منها كتابه : ذخائر العقبى في فضائل ذوي القربى.

انظر : تذكرة الحفّاظ ٤ / ١٤٧٤ رقم ١١٦٣ ، العبر ٣ / ٣٨٢ ، مرآة الجنان ٤ / ١٦٨ ، طبقات الشافعية الكبرى ـ للسبكي ـ ٨ / ١٨ رقم ١٠٤٦ ، طبقات الشافعية ـ للأسنوي ـ ٢ / ٧٢ رقم ٧٩٦ ، النجوم الزاهرة ٨ / ٦٢.

(١) ينابيع المودّة ٢ / ٢٥٤ ح ٧١٣.

(٢) انظر : المعجم الكبير ١٠ / ٧٦ ـ ٧٧ ح ١٠٠٠٦ وج ١٨ / ١٠٩ ـ ١١٠ ح ٢٠٧ ، أخبار القضاة ـ لوكيع ـ ٢ / ١٢٣ ، حلية الأولياء ٢ / ١٨٣ وج ٥ / ٥٨ ، تاريخ بغداد ٢ / ٥١ رقم ٤٤٨ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٩٦ ـ ١٩٩ ح ٢٤٤ ـ ٢٥٤ ، محاضرات الأدباء ٢ / ٤٩٥ ، فردوس الأخبار ٢ / ٣٧٥ ح ٧١١٧ و ٧١١٨ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٥٠ ـ ٣٥٥ ، التدوين ـ للرافعي ـ ٢ / ٤٤ رقم ٨٦٧ ، مجمع الزوائد ٩ / ١١٩ ، عمدة القاري ١٦ / ٢١٥ ، كنز العمّال ١١ / ٦٠١ ح ٣٢٨٩٥ وص ٦٢٤ ح ٣٣٠٣٩.

(٣) ص ١٤١ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٥٢ ح ٤٦٨١ ـ ٤٦٨٣ ]. منهقدس‌سره .


وقد سبقه إلى دعوى الوضع إمامه في النصب ابن الجوزي(١) ،

__________________

(١) إنّ محقّقي أهل السنّة ونقّادهم لا يعتدّون بكلام ابن الجوزي ، ولا يعبأون بقدحه وطعنه في الأحاديث ؛ لأجل تسرّعه في الحكم بالوضع على مجموعة كبيرة منها ، فإنّ كبار علماء القوم في علم الحديث نصّوا على اشتمال كتابيه « الموضوعات » و « العلل المتناهية » على الصحاح والحسان من الأحاديث ، بل منها أحاديث أخرجها الشيخان وغيرهما من أرباب الصحاح والمسانيد والسنن ؛ هذا فضلا عن طعنهم فيه لنصبه وتعصّبه

١ ـ قال عنه ابن الأثير ( ت ٦٣٠ ه‍ ) : « وكان كثير الوقيعة في الناس ، لا سيّما في العلماء المخالفين لمذهبه ، والموافقين له! ». انظر : الكامل في التاريخ ١٠ / ٢٧٦ حوادث سنة ٥٩٧ ه‍.

٢ ـ وقال ابن الصلاح ( ت ٦٤٣ ه‍ ) : « ولقد أكثر الذي جمع في هذا العصر الموضوعات في نحو مجلّدين ، فأودع فيها كثيرا ممّا لا دليل على وضعه ». انظر :

مقدّمة ابن الصلاح : ٥٩ وفي طبعة : ٢٧٩.

٣ ـ وقال سبط ابن الجوزي ( ت ٦٥٤ ه‍ ) ـ في معرض الكلام على حديث ردّ الشمس ـ : « إنّ قول جدّي : ( هذا حديث موضوع بلا شكّ ) دعوى بلا دليل ».

انظر : تذكرة الخواصّ : ٥٤.

٤ ـ وقال بدر الدين بن جماعة ( ت ٧٣٣ ه‍ ) : « وصنّف الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي كتابه في الموضوعات ، فذكر كثيرا من الضعيف الذي لا دليل على وضعه ». انظر : المنهل الروي : ٥٤.

٥ ـ وقال ابن كثير ( ت ٧٧٤ ه‍ ) : « وقد صنّف الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي كتابا حافلا في الموضوعات ، غير إنّه أدخل فيه ما ليس منه ، وخرج عنه ما كان يلزمه ذكره ، فسقط عليه ، ولم يهتد إليه ». انظر : الباعث الحثيث : ٧٥.

٦ ـ وقال ابن حجر العسقلاني ( ت ٨٥٢ ه‍ ) ـ في معرض الكلام على حديث سدّ الأبواب ـ : « قول ابن الجوزي : إنّه باطل ، وإنّه موضوع ؛ دعوى لم يستدلّ عليها إلّا بمخالفة الحديث الذي في الصحيحين ، وهذا إقدام على ردّ الأحاديث الصحيحة بمجرّد التوهّم ». انظر : القول المسدّد : ٥٣.

٧ ـ وقال كذلك : « وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث [ أي حديث سدّ الأبواب ] في الموضوعات وأخطأ في ذلك خطأ شنيعا ، فإنّه سلك في ذلك


كما ذكره السيوطي في « اللآلئ المصنوعة » ، مع أنّ ابن الجوزي ذكر له سبعة عشر طريقا ، عن أبي بكر ، وعثمان ، وابن مسعود ، ومعاذ ، وابن عبّاس ، وجابر ، وأبي هريرة ، وأنس وثوبان ، وعمران ، وعائشة ؛ واحتجّ للوضع بضعف بعض رواة بعضها ، والجهل بآخرين.

وتعقّبه السيوطي بالجواب عن بعض من طعن بهم ، وبإخراج عشرة طرق أخرى عن كثير من هؤلاء الصحابة ، منها روايات الحاكم الثلاث(١) .

وليت شعري ، كيف يكون الحديث موضوعا مع استفاضة طرقه وصحّة بعضها؟!

__________________

ردّ الأحاديث الصحيحة بتوهّمه المعارضة ». انظر : فتح الباري ٧ / ١٨.

٨ ـ وقال السيوطي ( ت ٩١١ ه‍ ) : « وقد أكثر جامع الموضوعات فذكر في كتابه كثيرا ممّا لا دليل على وضعه ، بل هو ضعيف ، بل وفيه الحسن والصحيح ، وأغرب من ذلك أنّ فيها حديث من صحيح مسلم قال الذهبي : ربّما ذكر ابن الجوزي في الموضوعات أحاديث حسانا قويّة ». انظر : تدريب الراوي ١ / ٢٧٨.

٩ ـ وقال السمهودي ( ت ٩١١ ه‍ ) ـ في معرض الكلام على حديث الثّقلين ـ : « ومن العجيب ذكر ابن الجوزي له في ( العلل المتناهية )! فإيّاك أن تغترّ به ، وكأنّه لم يستحضره حينئذ إلّا من تلك الطريق الواهية ، ولم يذكر بقيّة طرقه ، بل في صحيح مسلم وغيره ، عن زيد بن أرقم ، قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم » انظر : جواهر العقدين : ٢٣٢.

١٠ ـ وقال القاري ( ت ١٠١٤ ه‍ ) : « ولكن تعقّبه [ أي : ابن الجوزي ] العلماء في كثير من الأحاديث التي ذكرها في كتابه ». انظر : شرح شرح نخبة الفكر : ٤٤٧.

ولمزيد التفصيل انظر : نفحات الأزهار ٢ / ٤٩ ـ ٥٤ وج ١١ / ١١٨ ـ ١٢٩ وج ١٢ / ١٣٥ ـ ١٣٨.

(١) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣١٣ ـ ٣١٧ ، وانظر : الموضوعات ١ / ٣٥٨ ـ ٣٦١.


والحال أنّ الكثرة وحدها كافية في الاعتبار ، ولكنّ التعصّب فرس جموح(١) !

* * *

__________________

(١) فرس جموح : هو الذي إذا حمل لا يردّه لجام ، والجموح من الرجال : الذي يركب هواه فلا يمكن ردّه ؛ انظر مادّة « جمح » في : لسان العرب ٢ / ٣٤٦ ، تاج العروس ٤ / ٢٩.


فضائله حال الولادة

قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :

وإمّا حال ولادته

فإنّه ولد يوم الجمعة ، الثالث عشر من شهر رجب ، بعد عام الفيل بثلاثين سنة ، في الكعبة ، ولم يولد فيها أحد سواه قبله ولا بعده(٢) .

وكان عمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ثلاثين سنة(٣) ، فأحبّه وربّاه ، وكان يطهّره وقت غسله ، ويوجره(٤) اللبن عند شربه ، ويحرّك مهده عند نومه ، ويناغيه في يقظته ، ويحمله على صدره ، ويقول :هذا أخي ، ووليّي ، وناصري ، وصفيّي ، وذخري ، وكهفي ، وصهري ، وزوج كريمتي ، وأميني على وصيّتي ، وخليفتي.

وكان يحمله دائما ويطوف به جبال مكّة وشعابها وأوديتها.

رواه صاحب كتاب « بشائر المصطفى » من الجمهور(٥) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٣٢.

(٢) الكافي ١ / ٥١٤ ، الإرشاد إلى معرفة حجج الله على العباد ١ / ٥ ، تهذيب الأحكام ٦ / ١٩ ، كشف الغمّة ١ / ٥٩ ، إعلام الورى ١ / ٣٠٦ ، الفصول المهمّة : ٣٠.

(٣) وقيل : ثمان وعشرين سنة ، أي إنّ عمر أمير المؤمنينعليه‌السلام وقت البعثة اثنتي عشرة سنة كما في إقبال الأعمال : ١٥٥ ب‍ ٨ الفصل ٥١ في فضل صوم ثلاثة عشر يوما من رجب.

(٤) الوجر : جعل الماء أو الدواء في وسط حلق الصبي ؛ انظر : لسان العرب ١٥ / ٢٢٠ مادّة « وجر ».

(٥) انظر : كشف الغمّة ١ / ٦٠ ـ ٦١.


وقال الفضل(١) :

المشهور بين الشيعة أنّ أمير المؤمنين ولد في الكعبة ، ولم يصحّحه علماء التواريخ ، بل عند أهل التواريخ أنّ حكيم بن حزام ولد في الكعبة ، ولم يولد فيها غيره.

وأمّا ما ذكره من أحوال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالنسبة إليه في صغره ، فلا يصحّ به نقل إلّا ما ذكره.

ولا ردّ عليه إلّا في قوله : « وخليفتي » إن أريد به الخلافة بعده

وإن أريد أنّه من الخلفاء ، فهذا صحيح لا شكّ فيه.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٣٧ الطبعة الحجرية.


وأقول :

يكفي في الجزم بولادة أمير المؤمنينعليه‌السلام بالكعبة ، موافقة بعض الجمهور فيها ، وروايتهم لها(١) ، فإنّها منقبة تنكرها أسماع أعداء فضله ، وتتداعى لدرسها نفوس حسّاد مجده ؛ إذ بها الشرف الأعلى ، والدلالة على أنّه محلّ عناية الله سبحانه من يوم ولادته ، وأنّه قد طهّره بطهارته ، حتّى جعل مولده أعظم بيوت عبادته.

فإذا رواه واحد منهم كانت حجّة عليهم ، فكيف وقد ادّعى الحاكم في « المستدرك » تواترها؟!

فإنّه روى(٢) في مناقب حكيم ، عن مصعب بن عبد الله ، أنّ أمّ حكيم ولدته في الكعبة ، ضربها المخاض وهي في جوفها فولدته فيها ، وحملت في نطع(٣) .

قال مصعب : ولم يولد قبله ولا بعده في الكعبة أحد.

فقال الحاكم : « وهم مصعب في الحرف الأخير ، فقد تواترت الأخبار أنّ فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه

__________________

(١) انظر مثلا : تاريخ الموصل ـ للأزدي ـ : ٥٨ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٥٥٠ ح ٦٠٤٤ ، مروج الذهب ٢ / ٣٤٩ ، مطالب السؤول : ٦٣ ، نزهة المجالس ٢ / ٢٠٤ ـ ٢٠٥ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٥٨ ح ٣ ، كفاية الطالب : ٤٠٦ ، الفصول المهمّة ـ لابن الصبّاغ المالكي ـ : ٣٠ ، نزهة المجالس ٢ / ٢٠٤ ـ ٢٠٥ ، نور الأبصار : ٨٥.

(٢) ص ٤٨٣ من الجزء الثالث [ ٣ / ٥٥٠ ح ٦٠٤٤ ]. منهقدس‌سره .

(٣) النّطع : بساط من الأديم ؛ انظر : تاج العروس ١١ / ٤٨٢ مادّة « نطع ».


في جوف الكعبة ».

وأقول :

الحقّ أنّ حكيما لم يولد في الكعبة ، لكنّ المنحرفين عن الإمام المطهّر ذكروا ذلك لينقضوا فضله!

فعن ابن الصبّاغ المالكي ، في كتابه « الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة » ، ص ١٤ ، قال : « لم يولد أحد قبله في البيت سواه »(١) .

ونحوه عن الكنجي الشافعي ، في كتابه « كفاية الطالب » ، ص ٣٦١(٢) .

__________________

(١) الفصول المهمّة : ٣٠.

وابن الصبّاغ هو : نور الدين عليّ بن محمّد بن حمد بن عبد الله السفاقسي ، الغزّي ، المكّي ، المالكي.

ولد سنة ٧٨٤ ه‍ بمكّة المكرّمة ، ونشأ بها ، حفظ القرآن ، وأخذ النحو والفقه عن جملة من العلماء ، فكان من أعلام المحدّثين وكبار فقهاء المالكية ، قال عنه السخاوي : « أجاز لي » ؛ وله مؤلّفات ، منها : الفصول المهمّة ، العبر في من شفّه النظر.

وكتابه « الفصول المهمّة » من المصادر المعتمدة ، فقد نقل عنه الصفوري الشافعي في « نزهة المجالس » ، والسمهودي في « جواهر العقدين » ، وبرهان الدين الحلبي في « إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون » ، وغيرهم ممّن ألّف في مناقب أهل البيتعليهم‌السلام وفضائلهم.

توفّي سنة ٨٥٥ ه‍ ودفن بالمعلّاة من مكّة.

انظر : الضوء اللامع ٥ / ٢٨٣ رقم ٩٥٨ ، نزهة المجالس ٢ / ٢٠٤ ـ ٢٠٥ ، كشف الظنون ٢ / ١٢٧١ ، هديّة العارفين ٥ / ٧٣٢ ، الأعلام ٥ / ٨ ، معجم المؤلّفين ٢ / ٤٩٢ رقم ٩٨٧١ ، نفحات الأزهار ١٩ / ٢١٧ ـ ٢٢٣ رقم ٢٧.

(٢) كفاية الطالب : ٤٠٧.


وعن الشّبلنجي ، في « نور الأبصار » ، ص ٧٦(١) .

ومحمّد بن طلحة الشافعي ، في كتابه « مطالب السؤول » ، ص ١١(٢) .

__________________

والكنجي هو : أبو عبد الله فخر الدين محمّد بن يوسف بن محمّد الكنجي الشافعي.

كان من أهل العلم ، فقيها حافظا محدّثا ، فاضلا أديبا ، وله نظم حسن ، ونسبته إلى بلدة « كنج » بين أصبهان وخوزستان ، له مصنّفات عديدة ، منها : كفاية الطالب في مناقب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، البيان في أخبار صاحب الزمان.

أثنى عليه كلّ من ترجم له ، واتّهمه بعضهم بالرفض والتشيّع لما ألّفه في مناقب أهل البيتعليهم‌السلام !

قتله أهل دمشق في جامعها سنة ٦٥٨ ه‍ بعد صلاة الصبح!

انظر : تذكرة الحفّاظ ٤ / ١٤٤١ ، البداية والنهاية ١٣ / ١٨٤ ، النجوم الزاهرة ٧ / ٧٥ ، كشف الظنون ١ / ٢٦٣ وج ٢ / ١٤٩٧ ، هديّة العارفين ٦ / ١٢٧ ، الأعلام ٧ / ١٥٠ ، معجم المؤلّفين ٣ / ٧٨٧ رقم ١٦٤٨٢ ، مقدّمة تحقيق كفاية الطالب : ١٢ ـ ٣٥.

(١) نور الأبصار : ٨٥.

والشبلنجي هو : مؤمن بن حسن مؤمن الشبلنجي.

ولد سنة ١٢٥٢ ه‍ ، وكان حيّا سنة ١٣٢٢ ه‍ ؛ فقد ذكر إسماعيل باشا كتابه « فتح المنّان » وقال : « وهو الآن ـ أعني في سنة ١٣٢٢ ـ موجود بالأزهر ».

فاضل من أهل شبلنجة ، وهي قرية من قرى مصر ، قرب بنها العسل ، تعلّم في الأزهر ، وأقام في جواره ، وأخذ عن علماء عصره ، كان يميل إلى العزلة ، ويألف زيارة القبور والمشاهد ، ذا خلق رفيع ، له عدّة مصنّفات ، منها : نور الأبصار في مناقب آل بيت النبيّ المختار ، فتح المنّان في تفسير غريب القرآن ، مختصر « عجائب الآثار » للجبرتي.

انظر : إيضاح المكنون ٤ / ١٧٤ و ٦٨٣ ، هديّة العارفين ٦ / ٤٨٣ ، الأعلام ٧ / ٣٣٤ ، معجم المؤلّفين ٣ / ٩٤١ رقم ١٧٤٤٤ ، مقدّمة نور الأبصار : ٣ ـ ٤.

(٢) مطالب السؤول : ٦٣.

وقد تقدّمت ترجمة ابن طلحة في ج ٥ / ١٦٠ ه‍ ٢ من هذا الكتاب ؛ فراجع!


ولو سلّم ولادة حكيم بالكعبة ، فهي من باب الاتّفاق ، كما يدلّ عليه خبر ولادته ، لا لكرامة له ، فإنّه من مسلمة الفتح ، ومن المؤلّفة قلوبهم ، كما ذكره في « الاستيعاب »(١) .

وهذا بخلاف ولادة أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ فإنّها كجنابته في المسجد ، من طهارته وعناية الله به ، كما يشهد له ما رواه صاحب كتاب « بشائر المصطفى » على ما حكاه عنه في « كشف الغمّة » ، قال :

ومن « بشائر المصطفى » ، مرفوعا إلى يزيد بن قعنب ، قال : كنت جالسا مع العبّاس بن عبد المطّلب وفريق من بني عبد العزّى بإزاء بيت الله الحرام ، إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أمّ أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وكانت حاملا به لتسعة أشهر ، وقد أخذها الطلق ، فقالت : يا ربّ! إنّي مؤمنة بك ، وبما جاء من عندك من رسل وكتب ، وإنّي مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم الخليل ، وإنّه بنى بيتك العتيق ، فبحقّ الذي بنى هذا البيت ، والمولود الذي في بطني ، إلّا ما يسّرت عليّ ولادتي.

قال يزيد بن قعنب : فرأيت البيت قد انشقّ من ظهره ، ودخلت فاطمة فيه ، وغابت عن أبصارنا ، وعاد إلى حاله ، فرمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح ، فعلمنا أنّ ذلك من أمر الله تعالى.

ثمّ خرجت في اليوم الرابع وعلى يدها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.

ثمّ قالت : إنّي فضّلت على من تقدّمني من النساء ؛ لأنّ آسية بنت مزاحم عبدت الله سرّا في موضع لا يحبّ الله أن يعبد فيه إلّا اضطرارا.

__________________

(١) الاستيعاب ١ / ٣٦٢ رقم ٥٣٥.


وإنّ مريم بنت عمران هزّت النخلة اليابسة بيدها حتّى أكلت منها رطبا جنيّا.

وإنّي دخلت بيت الله الحرام فأكلت من ثمار الجنّة وأرزاقها ، فلمّا أردت أن أخرج هتف بي هاتف : يا فاطمة! سمّيه عليّا ، فهو عليّ ، والله العليّ الأعلى يقول : شققت اسمه من اسمي ، وأدّبته بأدبي ، وأوقفته على غامض علمي ، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي ، وهو الذي يؤذّن فوق ظهر بيتي ، ويقدّسني ، ويمجّدني ، فطوبى لمن أحبّه وأطاعه ، وويل لمن أبغضه وعصاه(١) .

ثمّ ذكر فعل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله معه وقوله فيه ، كما ذكره المصنّفرحمه‌الله (٢) .

ونقل أيضا في « كشف الغمّة » خبر ولادتهعليه‌السلام في الكعبة عن ابن المغازلي(٣) .

ورواه سبط ابن الجوزي في « تذكرة الخواصّ »(٤) .

__________________

(١) كشف الغمّة ١ / ٦٠.

(٢) تقدّم آنفا في الصفحة ٣٠٠.

(٣) كشف الغمّة ١ / ٥٩ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٥٨ ح ٣.

وقد تقدّمت ترجمة ابن المغازلي في الصفحة ٢٠ ه‍ ١ من هذا الجزء ؛ فراجع!

(٤) تذكرة الخواصّ : ٢٠.

وسبط ابن الجوزي هو : أبو المظفّر شمس الدين يوسف بن قزغلي ـ أو : قزأغلي ـ بن عبد الله ، التركي ، البغدادي ، الحنبلي ثمّ الحنفي.

ولد ببغداد سنة ٥٨١ أو ٥٨٢ ه‍ ، ونشأ بها ، ربّاه جدّه أبو الفرج ، سمع من جدّه وطائفة ، وحدّث عنه كثيرون ، انتقل إلى دمشق سنة ٦٠٧ ه‍ فاستوطنها حتى آخر حياته.

كان محدّثا فقيها مؤرّخا واعظا ، انتهت إليه رئاسة الوعظ وحسن التذكير ومعرفة التاريخ والإفتاء ، وافر الحرمة عند الملوك والعامّة ، كان أوّل أمره حنبليا ثمّ تحوّل


وقال عبد الباقي العمري(١) مادحا لأمير المؤمنينعليه‌السلام [ من البسيط ] :

أنت العليّ الذي فوق العلى رفعا

ببطن مكّة وسط البيت إذ وضعا(٢)

وقال الحميري(٣) في مدحهعليه‌السلام ومدح والدته الطاهرة [ من

__________________

حنفيا ، له مصنّفات عديدة ، منها : مرآة الزمان في تاريخ الأعيان ، تفسير كبير ، إيثار الإنصاف في آثار الخلاف ـ في الفقه على المذاهب الأربعة ـ ، مناقب أبي حنيفة ، تذكرة الخواصّ.

ترجم له الذهبي في بعض كتبه وأثنى عليه ثناء جميلا ، ثمّ عدّه في الضعفاء فقال : « ثمّ إنّه ترفّض ، وله مؤلّف في ذلك ، نسأل الله العافية »! ولم يضعّفه إلّا لتأليفه في تاريخ أهل البيتعليهم‌السلام وسيرتهم! فانظر إلى مدى غلّ الذهبيّ وحقده ، بل تعصّبه ونصبه!!

توفّي سنة ٦٥٤ ه‍ بمنزلة بسفح جبل قاسيون ، ودفن هناك ، وشيّعه السلطان والقضاة.

انظر : وفيات الأعيان ٣ / ١٤٢ رقم ٩٦ ، سير أعلام النبلاء ٢٣ / ٢٩٦ رقم ٢٠٣ ، العبر ٣ / ٢٧٤ ، ميزان الاعتدال ٧ / ٣٠٤ رقم ٩٨٨٨ ، الجواهر المضيّة في طبقات الحنفية ٣ / ٦٣٣ رقم ١٨٥١ ، المختصر في أخبار البشر ٣ / ١٩٧ ، مرآة الجنان ٤ / ١٠٤ ، طبقات المفسّرين ـ للداودي ـ ٢ / ٣٨٣ رقم ٧٠٠.

(١) هو : عبد الباقي بن سليمان بن أحمد العمريّ الموصلي ، أديب ، وشاعر ، ومؤرّخ.

ولد بالموصل عام ١٢٠٤ ، كان من وجهاء الموصل ، تولّى المناصب العالية ، فقد عيّن معاونا للوالي العثماني ، وانتقل إلى بغداد وولي بها أعمالا حكومية ، وتوفّي فيها عام ١٢٧٨ ه‍ ، وله مؤلّفات عديدة منها : الباقيات الصالحات ـ قصائد في مدح أهل البيت عليهم‌السلام ـ ، الترياق الفاروقي ـ وهو ديوان شعره ـ ، نزهة الدهر في تراجم فضلاء العصر ، وغيرها.

انظر : معجم المؤلفين ٢ / ٤٢ رقم ٦٥٠٧ ، الأعلام ٣ / ٢٧١.

(٢) الترياق الفاروقي : ٩٦.

(٣) تقدّمت ترجمته في ج ٤ / ٣٤١ ه‍ ٦ من هذا الكتاب ؛ فراجع!


الكامل ] :

ولدته في حرم الإله وأمنه

والبيت حيث فناؤه والمسجد

بيضاء طاهرة الثياب كريمة

طابت وطاب وليدها والمولد

في ليلة غابت نحوس نجومها

وبدت مع القمر المنير الأسعد

ما لفّ في خرق القوابل مثله

إلّا ابن آمنة النبيّ محمّد(١)

وهذا كاشف عن معلومية ولادته بالكعبة في الصدر الأوّل ، كما هو كذلك في جميع الأوقات(٢) .

* * *

__________________

(١) ديوان السيّد الحميري : ١٥٥.

(٢) هذا ، وقد أفاض الشيخ محمّد عليّ الغروي الأوردباديرحمه‌الله الكلام عن تواتر حديث ولادة أمير المؤمنين الإمام عليّعليه‌السلام في الكعبة المشرّفة ، وشهرته بين الأمّة جمعاء ، ولا سيّما بين المحدّثين والمؤرّخين والشعراء ؛ فراجع كتابه : « عليّ وليد الكعبة ».

كما فنّد شاكر شبع مزعمة ولادة حكيم بن حزام في الكعبة ، في مقاله : « الولادة في الكعبة المعظّمة فضيلة لعليّعليه‌السلام خصّه بها ربّ البيت » ، المنشور في مجلّة « تراثنا » ، العدد ٢٦ ، السنة السّابعة ، المحرّم ١٤١٢ ه‍ ، ص ١١ ـ ٤٢ ، وأعلّها بالإرسال والنكارة والشذوذ والتحريف والوضع ، وغير ذلك ؛ فراجع!

وكذا فعل الشيخ محمّد باقر الإلهي القمّي ، في مقاله : « المسك الفتيق في ولادة عليّعليه‌السلام بالبيت العتيق » ، المنشور في مجلّة « تراثنا » ، العدد المزدوج ٦٣ ـ ٦٤ ، السنّة السادسة عشرة ، رجب ١٤٢١ ه‍ ص ٤٨ ـ ٨٤ ؛ فراجع!


فضائله بعد الولادة

من فضائله النفسانية : إيمانه

قال المصنّف ـ قدّس الله روحه ـ(١) :

وإمّا بعد ولادته :

فأقسامها ثلاثة : نفسانية ، وبدنية ، وخارجية.

أمّا النفسانية : فينظمها مطالب :

الأوّل : الإيمان

وبواسطة سيفه تمهّدت قواعده ، وتشيّدت أركانه(٢)

وبواسطة تعليمه الناس حصل لهم الإيمان ، أصوله وفروعه(٣)

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٣٤.

(٢) وفي هذا المعنى قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٤ / ٨٤ :

ولو لا أبو طالب وابنه

لما مثّل الدّين شخصا فقاما

فذاك بمكّة آوى وحامى

وهذا بيثرب جسّ الحماما

(٣) ذكر ابن أبي الحديد أنّ جميع العلوم ؛ من العلم الإلهي ، والفقه ، والقضاء ، والتفسير ، وعلم الطريقة ، وعلوم النحو والعربية ، كلّها تنتهي إلى الإمام عليّعليه‌السلام ، وأنّ جميع الفرق الإسلامية أخذت علومها عنه ، من المعتزلة والأشاعرة ، والشيعة ، وغيرهم.

انظر : شرح نهج البلاغة ١ / ١٧ ـ ٢٠.


لم يشرك بالله طرفة عين ، ولم يسجد لصنم ، بل هو الذي كسر الأصنام لمّا صعد على كتف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (١)

( وهو أوّل الناس إسلاما )(٢) ؛ روى أحمد بن حنبل ، أنّه أوّل من أسلم ، وأوّل من صلّى مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) .

وفي « مسنده » ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لفاطمة : « أما ترضين أنّي

__________________

(١) راجع الحديث ٢٣ في الصفحة ١٩٩ وما بعدها من هذا الجزء.

(٢) ما بين القوسين لم يرد في « نهج الحقّ ».

(٣) انظر : مسند أحمد ١ / ٩٩ و ١٤١ وج ٤ / ٣٦٨ و ٣٧١ وج ٥ / ٢٦ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٧٢٨ ـ ٧٣٠ ح ٩٩٧ ـ ١٠٠٠ وص ٧٣٢ ح ١٠٠٣ و ١٠٠٤ وص ٧٥٤ ح ١٠٤٠ ؛ وانظر : سنن الترمذي ٥ / ٥٩٨ ح ٣٧٢٨ وص ٦٠٠ ح ٣٧٣٤ و ٣٧٣٥ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٤٣ ـ ٤٤ ح ٨١٣٧ وص ١٠٥ ـ ١٠٧ ح ٨٣٩١ ـ ٨٣٩٦ ، سنن ابن ماجة ١ / ٤٤ ح ١٢٠ ، مسند الطيالسي : ٩٣ ح ٦٧٨ وص ٣٦٠ ح ٢٧٥٣ ، مصنّف عبد الرزّاق ٥ / ٣٢٥ ، ضمن ح ٩٧١٩ وج ١١ / ٢٢٧ ح ٢٠٣٩٢ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٩٨ ح ٢١ و ٢٢ وص ٥٠٣ ح ٤٩ وص ٥٠٥ ح ٦٨ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٣ / ١٥ ، مسند البزّار ٢ / ٣٢٠ ح ٧٥١ و ٧٥٢ ، مسند أبي يعلى ١ / ٣٤٨ ح ٤٤٦ و ٤٤٧ ، المعجم الكبير ٥ / ١٧٦ ـ ١٧٧ ح ٥٠٠٢ وج ١١ / ٢١ ح ١٠٩٢٤ وص ٣٢١ ح ١٢١٥١ وج ١٩ / ٢٩١ ح ٦٤٨ وج ٢٢ / ٤٥٢ ح ١١٠٢ ، المعجم الأوسط ٧ / ٣٠٢ ح ٧٤٢٧ ، الأوائل ـ للطبراني ـ : ٧٨ ـ ٧٩ ح ٥١ ـ ٥٣ ، المغازي النبوية ـ للزهري ـ : ٤٦ ، السير والمغازي ـ لابن إسحاق ـ : ١٣٧ ـ ١٣٨ ، السيرة النبويّة ـ لابن هشام ـ ٢ / ٨٤ ـ ٨٥ ، المعارف ـ لابن قتيبة ـ : ٩٩ ، أنساب الأشراف ٢ / ٣٤٦ ـ ٣٤٧ ، تاريخ اليعقوبي ١ / ٣٤٣ ، تاريخ الطبري ١ / ٥٣٧ ـ ٥٣٩ ، العقد الفريد ٣ / ٣١٢ ، السيرة النبوية ـ لابن حبّان ـ : ٦٧ ، الأوائل ـ للعسكري ـ : ٩١ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٥٢٨ ح ٥٩٦٣ وص ٥٧١ ح ٦١٢١ ، حلية الأولياء ١ / ٦٦ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٦ / ٢٠٦ ، الاستيعاب ٣ / ١٠٩٠ ـ ١٠٩٦ ، تاريخ بغداد ٤ / ٢٣٣ رقم ١٩٤٧ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٦٤ ـ ٦٧ ح ١٧ ـ ٢٢ ، فردوس الأخبار ١ / ٣٤ ح ٣٩ وص ٤٠ ح ٩٥ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٦ ـ ٤٥.


زوّجتك أقدم أمّتي سلما ، وأكثرهم علما ، وأعظمهم حلما »(١) .

وحديث الدار يدلّ عليه أيضا(٢) .

* * *

__________________

(١) مسند أحمد ٥ / ٢٦ ؛ وانظر : المعجم الكبير ٢٠ / ٢٣٠ ح ٥٣٨ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٠١ و ١١٤ ، كنز العمّال ١١ / ٦٠٥ ح ٣٢٩٢٤ و ٣٢٩٢٦ وج ١٣ / ١٣٥ ح ٣٦٤٢٣.

(٢) راجع مبحث الحديث الثاني ، في الصفحات ٢٣ ـ ٤٦ من هذا الجزء.


وقال الفضل(١) :

ما ذكر أنّ عليّا أوّل الناس إسلاما ، فهذا أمر مختلف فيه ، وأكثر العلماء على أنّ أوّل الناس إسلاما هو خديجة.

وقال بعضهم : أبو بكر.

وقال بعضهم : زيد بن حارثة.

وحاكم بعضهم فقال : أوّل الناس إسلاما من الرجال أبو بكر ، ومن الصبيان عليّ ، ومن النساء خديجة ، ومن العبيد زيد بن حارثة(٢) .

وقد حقّقنا هذا في « تلخيص كتاب كشف الغمّة ».

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٣٨ الطبعة الحجرية.

(٢) تاريخ الطبري ١ / ٥٤٠ ـ ٥٤١ ، الكامل في التاريخ ١ / ٥٨٢ ـ ٥٨٣ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٢ / ١٦٣ ـ ١٦٥ ، السيرة النبوية ـ لابن كثير ـ ١ / ٤٣٢ ، الأوائل ـ للطبراني : ٨٢.


وأقول :

تعرّضه لتقدّم الإسلام خاصّة ، ظاهر في تسليمه ما عداه ـ ممّا ذكره المصنّفرحمه‌الله ـ ، وهو كاف في المطلوب ، ومن رام المناقشة في شيء من ذلك فقد كشف عن قصوره.

وأمّا ما ذكره من الخلاف في تقدّم إسلام أيّ الجماعة فلا يضرّنا ؛ لأنّا نحتجّ على الخصوم برواياتهم بلا حجّة لهم علينا.

بل يظهر من بعضهم الإجماع على تقدّم إسلام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، كما ذكره ابن حجر في « الصواعق »(١) ، قال : « قال ابن عبّاس ، وأنس ، وزيد بن أرقم ، وسلمان الفارسي ، وجماعة : إنّه أوّل من أسلم ؛ ونقل بعضهم الإجماع عليه(٢) ».

أقول :

ويظهر من نفس الحاكم في « المستدرك »(٣) دعوى الإجماع عليه ، فإنّه روى عن زيد بن أرقم : « إنّ أوّل من أسلم مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّ ».

__________________

(١) في أوّل الفصل الأوّل من الباب التاسع [ ص ١٨٥ ]. منهقدس‌سره .

(٢) انظر : المعيار والموازنة : ٦٦ ، معرفة علوم الحديث : ٢٢ ، الاستيعاب ٣ / ١٠٩٢ ، شرح نهج البلاغة ١ / ٣٠ ، تاريخ الخلفاء : ١٩٧.

(٣) ص ١٣٦ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٤٧ ح ٤٦٦٣ ]. منهقدس‌سره .


ثمّ قال : « هذا حديث صحيح الإسناد ، وإنّما الخلاف في هذا الحرف أنّ أبا بكر الصدّيق كان أوّل الرجال البالغين إسلاما ، وعليّ بن أبي طالب تقدّم إسلامه قبل البلوغ ».

فإنّ معنى هذا الكلام ، أنّ عليّاعليه‌السلام تقدّم إسلامه قبل البلوغ على الناس جميعا بلا خلاف ، وإنّما الخلاف في تقدّم إسلام أبي بكر على البالغين لا على عليّعليه‌السلام (١) .

وأمّا ما زعمه الفضل من المحاكمة ، فخطأ ؛ لأنّ حمل الأخبار المستفيضة في تقدّم إسلام عليّ على تقدّمه على الصبيان من المضاحك ، ولا يتفوّه به ذو رأي ؛ إذ أيّ صبيان أسلموا في ذلك الوقت حتّى يكون إسلام عليّعليه‌السلام متقدّما لهم؟!

مع أنّ من جملة ما ورد في تقدّم إسلامه ، ما دلّ على تفضيل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله له به على الأمّة ، كما في خطابه لفاطمةعليها‌السلام ، وما اشتمل على افتخار عليّعليه‌السلام به على الناس(٢) ، فإنّ التفضيل والافتخار إنّما يناسبان تقدّم إسلامه على جميع الأمّة ، لا على الصبيان لو فرض إسلامهم.

كما أنّ أكثر الأخبار صريح في سبق إسلامه على المسلمين جميعا(٣) .

__________________

(١) هذا فضلا عن أنّهم رووا بإسناد صحّحوه ورجال وثّقوهم ، أنّ أبا بكر أسلم بعد أكثر من خمسين أسلموا قبله ؛ فانظر : تاريخ الطبري ١ / ٥٤٠ ، البداية والنهاية ٣ / ٢٤.

وكان خالد بن سعيد بن العاص بن أميّة أحد هؤلاء الّذين أسلموا قبل أبي بكر ؛ انظر : المعارف ـ لابن قتيبة ـ : ١٦٨.

(٢) انظر ما تقدّم آنفا في الصفحة ٣١١.

(٣) تقدّم تفصيله في الصفحة ٣١٠ ه‍ ٣.


على أنّ تلك المحاكمة لو صحّت في نفسها لم تمنع من تقدّم إسلام أمير المؤمنينعليه‌السلام على أبي بكر وخديجة وزيد ؛ لأنّ تقدّم إسلامهم على أمثالهم لا ينافي تقدّم إسلام صبيّ على إسلامهم ، كما صرّح بعض الأخبار بتقدّم إسلامه على إسلام أبي بكر(١) .

والحقّ أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام ولد مسلما مقرّا بشهادة : أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كالنبيّ ، فإنّهما معصومان طاهران من حين ولادتهما.

أترى أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان غير مؤمن بربّه ، ولا عارفا بنبوّته ، كما يتخيّله الجاهلون ، حتّى زعموا أنّ خديجة وورقة علّماه نبوّته ، كما سبق في آخر « مباحث النبوّة »(٢) ؟!

كيف لا؟! وقد خلقهما الله سبحانه نورا واحدا قبل أن يخلق آدم كما مرّ(٣)

وهما خيرة الله من أرضه ؛ روى الحاكم في « المستدرك »(٤) ، عن أبي هريرة ، وصحّحه على شرط الشيخين ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أما ترضين أنّ الله اطّلع إلى أهل الأرض فاختار رجلين ، أحدهما أبوك ، والآخر بعلك ».

__________________

(١) المعارف ـ لابن قتيبة ـ : ٩٩ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٣ ، الرياض النضرة ٣ / ١١٠ ، ذخائر العقبى : ١١١ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٣ / ٢٠٠ و ٢٢٨ ، كنز العمّال ١٣ / ١٦٤ ح ٣٦٤٩٨.

(٢) راجع : ج ٤ / ١٣٧ ـ ١٤١ من هذا الكتاب.

(٣) تقدّم في مبحث حديث النور ، في الصفحات ٥ ـ ٢٢ من هذا الجزء.

(٤) ص ١٢٩ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٤٠ ح ٤٦٤٥ ]. منهقدس‌سره .


وحكاه في « كنز العمّال »(١) عن الحاكم ، عن أبي هريرة ؛ وعن الطبراني ، والحاكم ، والخطيب ، عن ابن عبّاس.

وحكى في « الكنز » أيضا ـ قبل هذا بحديث ـ ، عن الطبراني ، عن أبي أيّوب ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لفاطمة : «أمّا علمت أنّ الله عزّ وجلّ اطّلع على أهل الأرض فاختار منهم أباك فبعثه نبيّا ، ثمّ اطّلع الثانية فاختار بعلك ، فأوحى إليّ فأنكحته واتّخذته وصيّا »(٢) .

وحكى في « الكنز » الحديث الأوّل أيضا(٣) ، عن الخطيب ، وقال : « سنده حسن ».

ونقله ابن أبي الحديد(٤) ، عن أحمد في « مسنده »(٥) .

فكيف يتصوّر في من اختاره الله تعالى من جميع بريّته ـ حتّى الأنبياء ـ أن لا يكون مؤمنا عالما بالحقّ حين ولادته ، وقد كان عيسى ـ وهما مختاران عليه ـ مؤمنا عالما بأنّه رسول الله ساعة الولادة؟!

وحينئذ ، فهل يمكن أن يسبق عليّا في الإسلام غيره ممّن نشأ على عبادة الأوثان؟!

وكيف يتصوّر أن يكون مسبوقا وقد امتاز على الناس بالصلاة قبلهم

__________________

(١) ص ١٥٣ من الجزء السادس [ ١١ / ٦٠٥ ح ٣٢٩٢٥ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٤٠ ح ٤٦٤٥ أ ، المعجم الكبير ١١ / ٧٧ ح ١١١٥٣ و ١١١٥٤ ، تاريخ بغداد ٤ / ١٩٦ رقم ١٨٨٦.

(٢) كنز العمّال ١١ / ٦٠٤ ح ٣٢٩٢٣ ؛ وانظر : المعجم الكبير ٤ / ١٧١ ح ٤٠٤٦.

(٣) ص ٢٩١ ج ٦ [ ١٣ / ١٠٨ ـ ١٠٩ ح ٣٦٣٥٥ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : تاريخ بغداد ٤ / ١٩٥ رقم ١٨٨٦.

(٤) ص ٤٥١ من المجلّد الثاني [ ٩ / ١٧٤ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ١٣٥ ـ ١٣٦.

(٥) لم نعثر عليه في « المسند » المطبوع ، ولعلّه كان ضحية الإسقاط والحذف!


بسبع سنين؟!

روى الحاكم في « المستدرك »(١) ، عن عليّعليه‌السلام ، قال : «إنّي عبد الله وأخو رسوله ، وأنا الصدّيق الأكبر ، لا يقولها أحد بعدي إلّا كاذب ، صلّيت قبل الناس بسبع سنين قبل أن يعبده أحد من هذه الأمّة ».

ونقله في « الكنز »(٢) ، عن ابن أبي شيبة ، والنسائي في « الخصائص » ، وأبي نعيم ، وغيرهم.

وروى الحاكم ـ بعد الحديث المذكور ـ ، أنّ عليّاعليه‌السلام قال : «عبدت الله مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سبع سنين قبل أن يعبده أحد من هذه الأمّة »(٣) .

ونقله في « الكنز » ، عن الحاكم وابن مردويه(٤) .

ونقل أيضا عن الطبراني ، وأحمد وأبي يعلى في « مسنديهما » ، والحاكم في « المستدرك » ، أنّ عليّا قال : «اللهمّ ما أعرف أنّ عبدا لك من هذه الأمّة عبدك قبلي غير نبيّك ـ ثلاث مرّات ـ، لقد صلّيت قبل

__________________

(١) ص ١١٢ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٢١ ح ٤٥٨٤ ]. منهقدس‌سره .

(٢) ص ٣٩٤ من الجزء السادس [ ١٣ / ١٢٢ ح ٣٦٣٨٩ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٩٨ ح ٢١ ، خصائص الإمام عليّ عليه السلام ـ للنسائي ـ : ٢١ ـ ٢٢ ح ٦ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم : ٥٨٤ ح ١٣٢٤ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٢١ ح ٤٥٨٤ ، معرفة الصحابة ـ لأبي نعيم ـ ١ / ٨٦ ح ٣٣٩ ، سنن ابن ماجة ١ / ٤٤ ح ١٢٠ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٠٦ ح ٨٣٩٥ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٧٢٦ ح ٩٩٣ ، تاريخ الطبري ١ / ٥٣٧ ، المعارف ـ لابن قتيبة ـ : ٩٨ ، الكنى والأسماء ـ للدولابي ـ ٢ / ٨١ ، الأوائل ـ للعسكري ـ : ٩١ ، تفسير الثعلبي ٥ / ٨٥.

(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٢١ ح ٤٥٨٥.

(٤) كنز العمّال ١٣ / ١٢٢ ح ٣٦٣٩٠.


أن يصلّي الناس سبعا »(١) .

... إلى غيرها من الأخبار(٢) .

وليت شعري ، كيف يدّعى أنّ أحدا أسبق من أمير المؤمنينعليه‌السلام في الإسلام ، وهو كان من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بمنزلة هارون من موسى؟!

* * *

__________________

(١) كنز العمّال ١٣ / ١٢٦ ح ٣٦٤٠٠ ، وانظر : المعجم الأوسط ٢ / ٢٤٠ ح ١٧٦٧ ، مسند أحمد ١ / ٩٩ ، مسند أبي يعلى ١ / ٣٤٨ ح ٤٤٧ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٢١ ح ٤٥٨٥ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٠٧ ح ٨٣٩٦ ، مسند البزار ٢ / ٣١٩ ـ ٣٢٠ ح ٧٥١ ، مسند الطيالسي : ٢٦ ح ١٨٨ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٨٤٨ ح ١١٦٤ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣١ ـ ٣٢ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٠٢.

(٢) انظر : السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٠٥ ـ ١٠٧ ح ٨٣٩١ ـ ٨٣٩٦ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٢٠ ح ٤٥٨٢ وص ١٤٧ ح ٤٦٦٢ ، حلية الأولياء ١ / ٦٦ ، تاريخ بغداد ٢ / ٨١ رقم ٤٥٩ وج ٤ / ٢٣٣ رقم ١٩٤٧ ، الاستيعاب ٣ / ١٠٩١ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي : ٦٧ ح ٢٢ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٦ و ٤٢ و ٤٤ و ٤٥ و ٨١ و ١٣٢ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٣ / ٢٢٥ ، الرياض النضرة ٣ / ١١١ ، فرائد السمطين ١ / ٢٤٥ ح ١٩٠ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٠١ و ١٠٢ و ١١٤ ، كنز العمّال ١١ / ٦٠٥ ح ٣٢٩٢٦.


علمهعليه‌السلام

قال المصنّف ـ قدّس الله روحه ـ(١) :

المطلب الثاني : العلم

والناس كلّهم ـ بلا خلاف ـ عيال عليه في المعارف الحقيقية ، والعلوم اليقينيّة ، والأحكام الشرعيّة ، والقضايا النقليّة(٢) ؛ لأنّهعليه‌السلام كان في غاية الذكاء والحرص على التعلّم ، وملازمته لرسول الله ـ وهو أشفق الناس عليه ـ ، لا ينفكّ عنه ليلا ولا نهارا ؛ فيكون بالضرورة أعلم من غيره.

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّه : «أقضاكم عليّ »(٣) ، والقضاء يستلزم العلم والدين.

وروى الترمذي في « صحيحه » ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها »(٤) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٣٥.

(٢) راجع ما مرّ في الصفحة ٣١١.

(٣) انظر : سنن ابن ماجة ١ / ٥٥ ح ١٥٤ ، المعجم الصغير ١ / ٢٠١ ، أخبار القضاة ـ لوكيع ـ ١ / ٨٨ ـ ٩٠ ، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم : ١٢٧ ، الاستيعاب ٣ / ١١٠٢ ، الفقيه والمتفقّه ـ للخطيب البغدادي ـ ٢ / ٢٩١ ح ٩٩٢ ، التبصير في الدين ـ للأسفراييني ـ : ١٧٩ ، مفردات ألفاظ القرآن ـ للراغب ـ : ٤٢٢ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٨٠ ح ٤٧٨٧ ، تاريخ دمشق ٤٧ / ١١٢ ، أسد الغابة ٣ / ٥٩٧ ، شرح نهج البلاغة ١ / ١٨.

(٤) انظر : جامع الأصول ٨ / ٦٥٧ ح ٦٥٠١ ، مطالب السؤول : ٦٩ و ٩٨ ، منهاج


وذكر البغوي في « الصحاح » ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «أنا دار الحكمة وعليّ بابها »(١) .

* * *

__________________

السنّة ٧ ٥١٥ / ، تاريخ الخلفاء : ٢٠٢ ، جواهر العقدين : ٥٧ ، الصواعق المحرقة : ١٨٩ ، شرح المواهب اللدنّيّة ـ للزرقاني ـ ٤ / ٢١٥ ، مرقاة المفاتيح ١٠ / ٤٧٠ ، كلّهم عن الترمذي بلفظ : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها ».

وسيأتي الكلام على رواية الترمذي هذه في الصفحة ٣٢٤ ، وراجع مبحث الحديث ١٩ في الصفحات ١٧١ ـ ١٨١ من هذا الجزء.

(١) مصابيح السنّة ٤ / ١٧٤ ح ٤٧٧٢.


وقال الفضل(١) :

ما ذكره من علم أمير المؤمنين ، فلا شكّ أنّه من علماء الأمّة والناس محتاجون إليه فيه ، وكيف لا؟! وهو وصيّ النبيّ في إبلاغ العلم وودائع حقائق المعارف ، فلا نزاع لأحد فيه.

وأمّا ما ذكره من صحيح الترمذي ، فصحيح.

وأمّا ما ذكره من صحاح البغوي ، فإنّه قال : « الحديث غريب ، لا يعرف هذا عن أحد من الثقات غير شريك ، وإسناده مضطرب »(٢) .

فكان ينبغي أن يذكر ما ذكروه من معائب الحديث ؛ ليكون أمينا في النقل.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٣٩ الطبعة الحجرية.

(٢) مصابيح السنّة ٤ / ١٧٤ ح ٤٧٧٢.


وأقول :

لا يخفى ما في كلامه من التنافي ؛ لأنّ قوله : « إنّه من علماء الأمّة » يدلّ على أنّه فرد من جماعة لا فضل له عليهم ؛ وقوله : « كيف لا؟! وهو وصيّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في إبلاغ العلم وودائع حقائق المعارف » يدلّ على فضله على غيره!

وقد استدلّ المصنّفرحمه‌الله على أعلميّة أمير المؤمنين بأمور :

الأوّل : « إنّه كان في غاية الذكاء والحرص على التعلّم » إلى آخره.

وهو دليل إقناعي ، ذكره تقريبا إلى أذهان السامعين ، وإلّا فعلم أمير المؤمنينعليه‌السلام كعلم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله رشحة من الفيض الإلهي ، سوى إنّ علم عليّعليه‌السلام بواسطة النبيّ ، وعلم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بواسطة جبرئيل.

فكما إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يحتاج في علمه إلى ملازمة جبرئيل ، فكذا عليّ لا يحتاج إلى ملازمة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

كيف؟! وقد علّمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في مقام واحد ألف باب من العلم ، يفتح له من كلّ باب ألف باب(١) !

الثاني : إنّه قال فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أقضاكم عليّ » كما في

__________________

(١) الرسالة اللدنّيّة ـ للغزّالي ـ : ٢٣٢ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣٨٥ ، مطالب السؤول : ١١٨ ، فرائد السمطين ١ / ١٠١ ح ٧٠ ، البداية والنهاية ٧ / ٢٨٦ ، شرح المقاصد ٥ / ٢٩٧ ، سير أعلام النبلاء ٨ / ٢٤ ، كنز العمّال ١٣ / ١١٤ ـ ١١٥ ح ٣٦٣٧٢.


« الاستيعاب » بترجمة عليّ(١)

وفي « الصواعق »(٢) ، نقلا عن الطبراني ، وأبي يعلى ، والعقيلي ، وابن عساكر

ورواه الحاكم في « المستدرك »(٣) .

وروى البخاري في تفسير قوله تعالى :( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها ) من سورة البقرة(٤) ، أنّ عمر قال : أقرأنا أبيّ ، وأقضانا عليّ(٥) .

ونحوه في « الاستيعاب »(٦) .

ووجه الاستدلال به ظاهر من كلام المصنّفرحمه‌الله .

الثالث : ما رواه الترمذي وذكره البغوي ، وقد سبق الكلام في سنده ودلالته في الحديث التاسع عشر(٧) .

ولا يفترق الحال بين الحديثين ، حيث قال في أحدهما : «أنا مدينة العلم » ، وفي الآخر : «أنا دار الحكمة » ؛ وذلك للتلازم بينهما ؛ فإنّ من يكون بابا لعلم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لا بدّ أن تنكشف له وجوه الحكمة ، فيكون بابا لحكمته.

__________________

(١) الاستيعاب ٣ / ١١٠٢.

(٢) في الفصل الثالث ، من الباب الثالث ، في الحديث الرابع والتسعين [ ص ١٢٠ ].

منه قدس‌سره .

وانظر : المعجم الصغير ١ / ٢٠١ ، مسند أبي يعلى ١٠ / ١٤١ ح ٥٧٦٣ ، الضعفاء الكبير ٢ / ١٥٩ رقم ٦٦٤ ، تاريخ دمشق ٤٧ / ١١٢.

(٣) ص ٥٥٣ ح ٣ [ ٣ / ٦١٦ ح ٦٢٨١ ]. منهقدس‌سره .

(٤) سورة البقرة ٢ : ١٠٦.

(٥) صحيح البخاري ٦ / ٤٦ ح ٨.

(٦) الاستيعاب ٣ / ١١٠٢.

(٧) راجع مبحث الحديث ١٩ ، في الصفحات ١٧١ ـ ١٨١ من هذا الجزء.


وإنّما لم يذكر المصنّفرحمه‌الله قول البغوي : « وإسناده مضطرب » ؛ لأنّ الاضطراب الذي أراده ، هو رواية بعضهم للحديث عن سويد(١) ، عن عليّعليه‌السلام ؛ ورواية بعض آخر له عن سويد ، عن الصنابحي(٢) ، عن عليّعليه‌السلام ؛ وهو ليس بعيب في الحديث بعد اعتبار الصنابحي.

على أنّه لو كان عيبا ، لم يلزم التعرّض لمثله بعد استفاضة طرق الحديث ، وتصحيح جماعة من علمائهم لبعضها(٣) .

تنبيه :

لفظ الحديث في النسخة التي عندنا من صحيح الترمذي : «أنا دار الحكمة وعليّ بابها »(٤) ، والمصنّفرحمه‌الله نقله بلفظ : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها » ، وصحّح الفضل نقله(٥) ، وقد نقله ابن حجر عن الترمذي باللفظين معا(٦) ، فلعلّه رواه باللفظين في مقامين!

كما إنّ البغوي ذكر الحديث في « الحسان » لا في « الصحاح » ،

__________________

(١) هو : سويد بن غفلة بن عوسجة الجعفي الكوفي ، وثّقه ابن معين والعجلي ، وتوفّى سنة ٨٠ ه‍ وقيل ٨٢ ه‍ ؛ أنظر : تهذيب التهذيب ٣ / ٥٦٤ ـ ٥٦٥ رقم ٢٧٧١.

(٢) هو : أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة المرادي ، وثّقه ابن سعد ؛ انظر : لسان الميزان ٧ / ٥٠٩ رقم ٥٨٣٥.

(٣) راجع الأجزاء ١٠ ـ ١٢ من موسوعة « نفحات الأزهار » ، ففيها تفصيل كلّ ما يتعلّق بحديث مدينة العلم ، سندا ودلالة ، طرقا ومتنا ، رواته ، ألفاظه ، شواهد الحديث ، تصحيح أسانيده ، وتفنيد ما أثير ما حوله من شكوك وشبهات!

(٤) سنن الترمذي ٥ / ٥٩٦ ح ٣٧٢٣.

(٥) تقدّم آنفا في الصفحة ٣٢١.

(٦) في الفصل الثاني من الباب التاسع [ الصواعق المحرقة : ١٨٩ ]. منهقدس‌سره .


بحسب نسخة « المصابيح »(١) التي عندنا ، فيحتمل خطأها ، ويحتمل خطأ المصنّفرحمه‌الله ، والفضل ـ أيضا ـ بإقراره للمصنّف على نقله!

* * *

__________________

(١) مصابيح السنّة ٤ / ١٧٤ ح ٤٧٧٢.


قال المصنّف ـ طاب ثراه ـ(١) :

وفيه (٢) : عن أبي الحمراء ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في فهمه ، وإلى يحيى بن زكريّا في زهده ، وإلى موسى بن عمران في بطشه ، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب »(٣) .

وروى البيهقي ، بإسناده إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : «من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في تقواه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى موسى في هيبته ، وإلى عيسى في عبادته ، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب »(٤) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٣٦.

(٢) أي في حقّهعليه‌السلام ، عطفا على قول العلّامة الحلّيقدس‌سره : « وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّه : » المتقدّم آنفا في الصفحة ٣١٩ ؛ فلاحظ!

(٣) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٨٣ ح ٧٠ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٠٠ ح ٢٥٦ ، شواهد التنزيل ١ / ٧٨ ـ ٨٠ ح ١١٦ و ١١٧ وص ١٠٦ ح ١٤٧ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٣١٣ ، الرياض النضرة ٣ / ١٩٦ ، ذخائر العقبى : ١٦٨ ، البداية والنهاية ٧ / ٢٨٣ ، ينابيع المودّة ١ / ٣٦٣ ح ١.

(٤) رواه أحمد في « المسند » ، ورواه أحمد البيهقي في « الصحيح » ، كما في شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٩ / ١٦٨.

وانظر : تفسير الفخر الرازي ٨ / ٩١ ، مطالب السؤول : ٩٧ ، كفاية الطالب : ١٢١ ـ ١٢٢ ب‍ ٢٣ ، الفصول المهمّة : ١٢٣ ، نزهة المجالس ٢ / ٢٠٧.


وقال الفضل(١) :

خان في هذا النقل ؛ لأنّه ذكر أنّ في « صحاح البغوي » هذا الحديث ، وهذا كذب باطل ؛ فإنّ الحديث لم يذكره البغوي أصلا ، لا في « صحاحه » ولا في « حسانه » ، وأثر الوضع على هذا الحديث ظاهر.

ولا شكّ أنّه منكر ـ مع ما نسبه إلى البيهقي ـ ؛ لأنّه يوهم أنّ عليّ بن أبي طالب أفضل من هؤلاء الأنبياء ، وهذا باطل ؛ فإنّ غير النبيّ لا يكون أفضل من النبيّ.

وأمّا أنّه موهم لهذا المعنى ؛ لأنّه جمع فيه من الفضائل ما تفرّق في الأنبياء ، والجامع للفضائل أفضل ممّن تفرّق فيه الفضائل ، وأمثال هذا من موضوعات الغلاة ، وإن صحّ فيمكن حمله على أنّ له كمال هذه الفضائل.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٤٠ الطبعة الحجرية.


وأقول :

لم يفهم الفضل مراد المصنّفرحمه‌الله ؛ فإنّ الضمير في قوله : « فيه » لو رجع إلى « صحاح البغوي » لقال : « وفيها ».

كما إنّه لا يرجع إلى « صحيح الترمذي » ؛ لعدم ذكره للحديث في مناقب عليّعليه‌السلام ، ويبعد ذكره له في محلّ آخر.

فالظاهر أنّه راجع إلى « حقّه » في قول المصنّف سابقا : « وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّه »(١) ، وما أبعد الخيانة عن المصنّفرحمه‌الله !

ويحتمل سقوط حديث آخر نقله المصنّف من كتاب آخر ، فيعود الضمير إلى ذلك الكتاب ، ولا يبعد ـ على هذا ـ أنّه « مسند أحمد » ؛ فإنّ المصنّفرحمه‌الله ينقل عنه كثيرا ، وهو موجود فيه بحسب ما ذكره ابن أبي الحديد(٢) ، وصاحب « ينابيع المودّة »(٣) ، كما نقلاه أيضا عن البيهقي.

لكنّي لم أجده في « المسند » ، ولا يبعد أنّه من يد التصرّف!

ونقل السيوطي في « اللآلئ المصنوعة » ، عن الحاكم ، أنّه أخرج عن أبي الحمراء مرفوعا : «من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، ونوح في فهمه ، وإبراهيم في حلمه ، ويحيى في زهده ، وموسى في بطشه ، فلينظر إلى عليّ »(٤) .

__________________

(١) تقدّم آنفا في الصفحة ٣١٩.

(٢) ص ٤٤٩ من المجلّد الثاني [ ٩ / ١٦٨ ]. منهقدس‌سره .

(٣) في الباب الأربعين [ ١ / ٣٦٣ ح ١ ]. منهقدس‌سره .

(٤) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٢٥.


ونقل عن ابن الجوزي ، أنّه قال : « موضوع » ؛ متعلّلا باشتمال سنده على أبي عمر الأزدي ، وهو متروك(١) .

وتعقّبه السيوطي بأنّ له طريقا آخر عن أبي سعيد ، أخرجه ابن شاهين في « السنّة » عنه ، قال : كنّا حول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فأقبل عليّ ، فأدام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله النظر إليه ، ثمّ قال : «من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في حكمه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، فلينظر إلى هذا »(٢) .

ونقل السيوطي طريقا آخر لابن شاهين عن أبي الحمراء(٣) .

فعليه يكون الحديث كثير الطرق ومعتبرا ، وإن فرض ضعف كلّ من أسانيده(٤) ، مع أنّه قد رواه صاحب « المواقف » وما أعلّ سنده هو ولا الشارح(٥) .

ولا يضرّ اختلاف خصوصيّاته بحذف بعض الأنبياء وتبديل صفاتهم ؛ لجواز تعدّد أقوال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو خطأ بعض الرواة.

ولا ريب بدلالة الحديث على فضل أمير المؤمنينعليه‌السلام على الأمّة

__________________

(١) الموضوعات ١ / ٣٧٠.

(٢) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٢٥.

(٣) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٢٥.

(٤) لقد روى هذا الحديث الشريف الصحيح طائفة كبيرة من الرواة والحفّاظ والعلماء المعتمدين عند أهل السنّة ، فبلغوا أكثر من أربعين رجل ، من رجال الصحاح ، وأصحاب المسانيد ، ومشاهير العلماء ؛ فراجع الجزء ١٩ من « نفحات الأزهار » لترى أسانيد حديث التشبيه ، وأسماء أشهر رواته ومخرّجيه ، وكذا دلالة الحديث على إمامة الإمام أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام .

(٥) المواقف : ٤١٠ ، شرح المواقف ٨ / ٣٦٩.


وإمامته لهم ؛ لدلالته على فضله على هؤلاء الأنبياء العظام ، فكيف بآحاد الأمم؟!

وذلك لأنّه صرّح بأنّ عليّاعليه‌السلام جمع ما تفرّق في أعاظم الأنبياء من الأوصاف ، التي كلّ واحدة منها أعظم الأفراد من نوعها.

ودعوى أنّ غير النبيّ لا يكون أفضل منه ، دعوى بلا حجّة.

نعم ، لا يجوز أن يكون النبيّ مفضولا لواحد من أمّته ، كما يحكم به العقل ، وإن خالف به بعض القوم كما سبق في « مباحث النبوّة » لله(١) .

وقد بيّنّا في آية « المباهلة » وغيرها ، أنّ عليّا أفضل من جميع النبيّين سوى ابن عمّه سيّد المرسلين(٢) .

وقد تواتر عندنا أنّ عليّا سيّد الوصيّين(٣) ، ومن جملتهم الأنبياء ، كيوشع بن نون وصيّ موسىعليه‌السلام .

* * *

__________________

(١) ( لله ) راجع : ج ٤ / ٣٣ من هذا الكتاب.

(٢) راجع : ج ٤ / ٤٠٢ ـ ٤٠٨ من هذا الكتاب.

(٣) انظر مثلا : شرح الأخبار ١ / ٢٢٣ ذ ح ٢٠٧ ، الأمالي ـ للصدوق ـ : ٦١ ح ٢٠ وص ٧٤ ذ ح ٤٢ ، الخصال : ٥٧٥ ، معاني الأخبار : ٣٧٣ ، الأمالي ـ للطوسي ـ : ٤٤٢ ح ٩٩١ ، الحائريات ـ ضمن « الرسائل العشر » للشيخ الطوسي ـ : ٣٠٦ ، تفصيل وسائل الشيعة ٧ / ٢٠ ح ٦.


العلوم كلّها مستندة إليه

قال المصنّف ـقدس‌سره ـ(١) :

وأيضا : جميع العلوم مستندة إليه

أمّا الكلام وأصول الفقه ؛ فظاهر ، وكلامه في « النهج » يدلّ على كمال معرفته في التوحيد والعدل ، وجميع جزئيات علم الكلام والأصول.

وأمّا الفقه ؛ فالفقهاء كلّهم يرجعون إليه

أمّا الإمامية ؛ فظاهر(٢)

وأمّا الحنفية ؛ فإنّ أصحاب أبي حنيفة أخذوا عن أبي حنيفة(٣) ، وهو تلميذ الصادقعليه‌السلام (٤)

وأمّا الشافعية ؛ فأخذوا عن محمّد بن إدريس الشافعي(٥) ، وهو

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٣٧.

(٢) انظر : شرح نهج البلاغة ١ / ١٧ و ١٨.

(٣) هو : أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي ، مولى تيم ، إمام الحنفية وأصحاب الرأي ، وأحد الأئمّة الأربعة عند أهل السنّة والجماعة ؛ ولد سنة ٨٠ ه‍ ، ونشأ بالكوفة ، طلبه المنصور العبّاسي لتولّي القضاء فأبى ، فحبسه إلى أن مات سنة ١٥٠ ه‍ ، وقيل : إنّ المنصور سمّه.

انظر : تاريخ بغداد ١٣ / ٣٢٣ رقم ٧٢٩٧ ، المنتظم ٥ / ١٨٥ ، البداية والنهاية ١٠ / ٨٧.

(٤) انظر : شرح نهج البلاغة ١ / ١٨ ، تهذيب التهذيب ٢ / ٦٨ رقم ٩٩٤.

(٥) هو : أبو عبد الله محمّد بن إدريس الشافعي ، إمام الشافعية ، وأحد الأئمّة الأربعة


قرأ على محمّد بن الحسن(١) تلميذ أبي حنيفة ، وعلى مالك ؛ فرجع فقهه إليهما(٢)

وأمّا أحمد بن حنبل(٣) ؛ فقرأ على الشافعي ؛ فرجع فقهه إليه(٤) .

وأمّا مالك(٥) ؛ فقرأ على اثنين :

__________________

عند أهل السنّة والجماعة ؛ ولد بفلسطين ، وحمل منها إلى مكّة ، وانتقل إلى مصر سنة ١٩٩ ه‍ حتّى توفّي بها سنة ٢٠٤ ه‍ ، من أشهر آثاره : كتاب الأمّ ، المسند ، أحكام القرآن ، الرسالة في أصول الفقه.

انظر : تاريخ بغداد ٢ / ٥٦ رقم رقم ٤٥٤ ، المنتظم ٦ / ١٣٧ ، البداية والنهاية ١٠ / ٢١٠.

(١) هو : أبو عبد الله محمّد بن الحسن بن فرقد الشيباني ، مولاهم ، صاحب أبي حنيفة ، وإمام أهل الرأي ، أصله من دمشق من قرية حرستا وولد بواسط ، ونشأ بالكوفة ، سمع من أبي حنيفة وغلب عليه مذهبه ، وهو الذي نشر علم أبي حنيفة ؛ انتقل إلى بغداد وولّاه الرشيد القضاء بالرقّة ، ثمّ عزله ، ولمّا خرج الرشيد إلى خراسان صحبه فمات في الريّ سنة ١٨٩ ه‍.

انظر : تاريخ بغداد ٢ / ١٧٢ رقم ٥٩٣ ، البداية والنهاية ١٠ / ١٦٧ ، المنتظم ٥ / ٥٣٢ ، الجواهر المضيّة ٣ / ١٢٢ رقم ١٢٧٠.

(٢) انظر : حلية الأولياء ٩ / ٧٥ ، شرح نهج البلاغة ١ / ١٨ ، تاريخ دمشق ٥١ / ٢٦٧ رقم ٦٠٧١.

(٣) هو : أبو عبد الله أحمد بن محمّد بن حنبل ، إمام أهل الحديث ، وأحد أئمّة المذاهب الأربعة عند أهل السنّة والجماعة ، أصله من مرو ، وكان أبوه والي سرخس ، توفّي سنة ٢٤١ ه‍ ؛ ومن أشهر مصنّفاته « المسند ».

انظر : تاريخ بغداد ٤ / ٤١٢ رقم ٢٣١٧ ، المنتظم ٦ / ٤٨٨ ، البداية والنهاية ١٠ / ٢٧٣.

(٤) شرح نهج البلاغة ١ / ١٨.

(٥) هو : أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الأصبحي ، إمام المالكية ، وأحد أئمّة المذاهب الأربعة عند أهل السنّة والجماعة ، ولد سنة ٩٣ ه‍ بالمدينة ونشأ بها ، ورووا أنّ أمّه حملت به ثلاث سنين ؛ صنّف « الموطّأ » بأمر من المنصور


أحدهما : ربيعة الرأي(١) ، وهو تلميذ عكرمة ، وهو تلميذ عبد الله ابن عبّاس ، وهو تلميذ عليّعليه‌السلام (٢) .

والثاني : مولانا جعفر بن محمّد الصادق

وكان الخوارج تلامذة له(٣) .

وأمّا النحو ؛ فهو واضعه(٤) .

وكذا علم التفسير(٥)

قال ابن عبّاس : حدّثني أمير المؤمنينعليه‌السلام في باء( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) من أوّل الليل إلى الفجر ولم يتمّ(٦) .

* * *

__________________

العبّاسي ، وتوفّي سنة ١٧٩ ه‍.

انظر : حلية الأولياء ٦ / ٣١٦ ، ترتيب المدارك ١ / ١١٠ ـ ١١٢ ، المنتظم ٥ / ٤٢٦ ، البداية والنهاية ١٠ / ١٤٣.

(١) هو : أبو عثمان ربيعة بن أبي عبد الرحمن فرّوخ التيمي المدني ، مولى آل المنكدر ، صاحب الرأي والقياس ، أدرك بعض الصحابة والتابعين ، وكان صاحب الفتوى بالمدينة المنوّرة ، روى عنه مالك بن أنس وسفيان الثوري وشعبة بن الحجّاج والليث بن سعد وغيرهم ، قدم على أبي العبّاس السفّاح في الأنبار ليولّيه القضاء ؛ وتوفّي في الأنبار سنة ١٣٦ ه‍.

انظر : تاريخ بغداد ٨ / ٤٢٠ رقم ٤٥٣١ ، تذكرة الحفّاظ ١ / ١٥٧ رقم ١٥٣ ، تهذيب التهذيب ٣ / ٨٣ رقم ١٩٧٣.

(٢) انظر : شرح نهج البلاغة ١ / ١٨.

(٣) انظر : مطالب السؤول : ١١١ ـ ١١٢ ، شرح المقاصد ٥ / ٢٩٧ ـ ٢٩٨.

(٤) انظر : شرح نهج البلاغة ١ / ٢٠.

(٥) انظر : شرح نهج البلاغة ١ / ١٩.

(٦) ينابيع المودّة ١ / ٢١٤ ح ١٩ وج ٣ / ٢١١.


وقال الفضل(١) :

ذكر أنّ أبا حنيفة قرأ على الصادق ، ثمّ ذكر أنّ الشافعي قرأ على محمّد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة ، وعلى مالك ، فرجع فقهه إليهما.

ويفهم من هذا أنّ كلّ من قرأ على أحد يرجع فقهه إليه ، فيرجع فقه جميع الأئمّة على هذا التقدير إلى الصادق.

وفقه الصادق عنده لا شكّ أنّه حقّ وصدق ، فلم يبق له بعد هذا الكلام اعتراض على الأئمّة الأربعة.

وأمّا قوله : إنّ الشافعي قرأ على محمّد بن الحسن ؛ فهو كذب وباطل.

وأمّا قوله : إنّ جميع العلوم من الفقه والأصول والكلام يرجع إلى أمير المؤمنين

فإن أراد أنّ أصحاب هذه العلوم ما استفادوا في تدوين هذه العلوم من غير كلام أمير المؤمنين ؛ فهو ممنوع.

وإن أراد أنّهم استفادوا من كلامه أيضا كما استفادوا من كلام باقي علماء الصحابة ؛ فهو حقّ لا شكّ فيه.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٤٣ الطبعة الحجرية.


وأقول :

ما فهمه من كلام المصنّفرحمه‌الله ، وزعم أنّه لا يبقى بعده اعتراض على أئمّتهم ، خطأ ظاهر ؛ إذ ليس معنى الرجوع إليه اتّفاق فتاويهم معه ، بل معناه أنّه أساس تحصيلهم ومنشأ قوّتهم ، وإن خالفوه في أمور خطيرة وأحكام كثيرة استحسنوها بآرائهم ، وقاسوها بمقاييسهم!(١) .

ومنه يعلم أنّ ترديده في معنى رجوع العلوم إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام غير حاصر.

فإنّ مراد المصنّفرحمه‌الله : أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام أساس تلك العلوم ،

__________________

(١) ومن أمثلة مخالفة الطلّاب لشيوخهم : مخالفة الشافعي لمالك في مسائل كثيرة جدّا ، كالمسح ، ووقت صلاة المغرب ، وعدد كلمات الأذان ، فعنده تسعة عشر كلمة وعند مالك سبعة عشر كلمة ، وخالفه بالجهر بالبسملة ، وعند مالك لا تقرأ من أصلها ، وفي الجمع بين الظهر والعصر ، وفي الكلام حال خطبة الجمعة ، والتكبير في العيدين ، وفي مسائل الصيام ، والزكاة ، والحجّ ، وناقضه في مسائل كثيرة في كتاب البيوع إلى الإجارة ؛ فقال الشافعي باشتراط الإيجاب والقبول قولا بين البائع والمشتري ليدلّ على تراضيهما ؛ وقال مالك : لا يشترط ؛ وكذا في باقي أبواب الفقه.

انظر : طبقات الفقهاء ١ / ٤٩ ـ ٩٤.

وخالف أبو يوسف والشيباني شيخهما أبا حنيفة بمسائل كثيرة جدّا ، كما هو واضح لمن تتبّع موارد فتياهم.

وهذا أبو الحسن الأشعري ، إمام الأشاعرة ، الذي أنهى شطرا من حياته يأخذ من المعتزلة وشيخهم الجبّائي ، إلّا أنّه تبرّأ من الاعتزال وردّ على المعتزلة في مصنّفاته ؛ وبالرغم من ذلك نرى أنّ الأشعري يخالف عقيدة أهل الحديث في مسائل كثيرة ، وما ذلك إلّا بسبب الاعتزال وأثره فيه.


ومنشأ قوّة البحث والاجتهاد فيها ، وإن استفاد العلماء رواية بعض الأحكام أو رواية تفسير بعض الآيات من غيره ؛ وهو غير ما أراده في شقّي الترديد.

ولا يمكن أن ينكر أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام منشأ التحصيل وسبب قوّة البحث والاستنباط والاجتهاد في علم الكلام ، والأصول ، والنحو ، بل والفقه والتفسير ، فإنّ أعظم من ينظر إليه فيهما هو ابن عبّاس ، وهو تلميذ أمير المؤمنينعليه‌السلام ، لا في عرضه(١) .

وأمّا ابن مسعود ؛ فعلمه بالنسبة إلى علم أمير المؤمنين به كقطرة بالنسبة إلى البحر المحيط ؛ إذ ليس هو بأعظم من ابن عبّاس ، وهو قد كان كذلك(٢) .

قال ابن أبي الحديد في مقدّمة « شرح نهج البلاغة » : « ومن العلوم :

علم تفسير القرآن ، وعنه أخذ ومنه تفرّع ، وإذ رجعت إلى كتب التفسير علمت صحّة ذلك ؛ لأنّ أكثره عنه وعن عبد الله بن عبّاس.

وقد علم الناس حال ابن عبّاس في ملازمته له ، وانقطاعه إليه ، وأنّه تلميذه وخرّيجه ، وقيل له : أين علمك من علم ابن عمّك؟

فقال : كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط »(٣) .

بل علمه وعلم جميع الصحابة بالنسبة إلى علم أمير المؤمنينعليه‌السلام

__________________

(١) مراد الشيخ المظفّرقدس‌سره أنّ ابن عبّاس في العلم ليس في مصافّ ومنزلة الإمام أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام العلميّة ، أي أنّه لا يترتّب معه ترتيبا عرضيا ، بل يترتّب معه ترتيبا طوليا ؛ لأنّ علمه امتداد من علم أمير المؤمنينعليه‌السلام .

(٢) أي : ابن عبّاس.

(٣) شرح نهج البلاغة ١ / ١٩.


كذلك

فأين هم ممّن عنده علم الكتاب(١) ، وباب مدينة علم الرسول(٢) ، ومن يقول : «سلوني قبل أن تفقدوني »(٣) ؟!

وهل يتصوّر منصف أن يكون أصلا في الكلام والتفسير والفقه من لا يعرف أنّ الله سبحانه لا يحويه مكان؟! ويقول : هو في السماء على العرش!! في جواب السائل : أين هو؟(٤)

ومن لا يعرف مفردات الكتاب ـ كالأبّ(٥) ، والكلالة(٦) ـ فضلا عن مركنباته المتشابهة؟!

ويضرب السائل عن تفسير :( وَالذَّارِياتِ ذَرْواً ) (٧) ، فرارا عن

__________________

(١) راجع مبحث آية( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) ، في ج ٥ / ١١٥ ـ ١١٩ من هذا الكتاب.

(٢) راجع مبحث حديث « أنا مدينة العلم وعليّ بابها » ، في الصفحات ١٧١ ـ ١٨٢ من هذا الجزء.

(٣) سيأتي في الصفحة ٣٥٤ من هذا الجزء.

(٤) هو عمر بن الخطّاب.

انظر مثلا : شرح أصول اعتقاد أهل السنّة والجماعة ـ لللالكائي ـ ٣ ـ ٤ / ٤٣٠ و ٤٣٨ رقم ٦٥٨ ، النقض على بشر المريسي ١ / ٥١٧ ، اجتماع الجيوش الإسلامية : ٨٤ ـ ٨٦.

(٥) انظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٣ / ٢٤٩ ، تفسير الطبري ١٢ / ٤٥١ ح ٣٦٣٦٧ ـ ٣٦٣٧٢ ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٥٥٩ ح ٣٨٩٧ ، تفسير الثعلبي ١٠ / ١٣٤ ، تفسير الماوردي ٦ / ٢٠٨ ، شعب الإيمان ٢ / ٤٢٤ ح ٢٢٨١ ، تاريخ بغداد ١١ / ٤٦٨ ـ ٤٦٩ ، كنز العمّال ٢ / ٣٢٨ ح ٤١٥٤ و ٤١٥٥.

(٦) انظر : صحيح مسلم ٥ / ٦١ ، مسند أحمد ١ / ٤٨ ، سنن ابن ماجة ٢ / ٩١٠ ـ ٩١١ ح ٢٧٢٦ و ٢٧٢٧ ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٣٣٢ ـ ٣٣٣ ح ٣١٨٦ ـ ٣١٨٨ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٦ / ٢٢٤ وج ٨ / ١٥٠.

(٧) سورة الذاريات ٥١ : ١.


جوابه(١) ؟!

ويقرّ بأنّ المخدّرات أفقه منه(٢) ؟!.

وأمّا تكذيبه للمصنّفرحمه‌الله في دعوى قراءة الشافعي على محمّد بن الحسن ، فمن الجهل!

قال ابن أبي الحديد في مقدّمة « شرح النهج » : « ومن العلوم : علم الفقه ، وهوعليه‌السلام أصله وأساسه ، وكلّ فقيه في الإسلام عيال عليه ومستفيد من فقهه.

أمّا أصحاب أبي حنيفة ؛ كأبي يوسف(٣) ، ومحمّد(٤) ، وغيرهما(٥) ، فأخذوا عن أبي حنيفة.

__________________

(١) انظر : مسند البزّار ١ / ٤٢٣ ح ٢٩٩ ، تفسير القرطبي ١٧ / ٢١ ، تفسير ابن كثير ٤ / ٢٣٣ ، الدرّ المنثور ٧ / ٦١٤.

(٢) انظر : سنن سعيد بن منصور ١ / ١٦٦ ـ ١٦٧ ح ٥٩٨ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٧ / ٢٣٣ ، تمهيد الأوائل : ٥٠١ ، الأربعين في أصول الدين ـ للفخر الرازي ـ ٢ / ٣٠٣ ـ ٣٠٤ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٢ / ٢٠٨ ، مجمع الزوائد ٤ / ٢٨٤ وقال : « رواه أبو يعلى ».

(٣) هو : أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الكوفي البغدادي ، القاضي ، صاحب أبي حنيفة وتلميذه ، وهو أوّل من نشر مذهبه ، ولد بالكوفة سنة ١١٣ ه‍ ، وتفقّه بالحديث والرواية ، ثمّ لزم أبا حنيفة فغلب عليه الرأي ، ولي القضاء ببغداد أيّام المهدي والهادي والرشيد العبّاسيّين ، وهو أوّل من دعي قاضي القضاة ، ومات في أيّام الرشيد العبّاسي وهو على القضاء سنة ١٨٢ ه‍ ؛ ومن مصنّفاته : الخراج ، الآثار ، الردّ على مالك بن أنس.

انظر : تاريخ بغداد ١٤ / ٢٤٢ رقم ٧٥٥٨ ، المنتظم ٥ / ٤٥١ ، البداية والنهاية ١٠ / ١٤٨ ، الجواهر المضيّة ٣ / ٦١١ رقم ١٨٢٥.

(٤) هو : محمّد بن الحسن الشيباني ؛ انظر ترجمته المتقدّمة آنفا في الصفحة ٣١٧.

(٥) مثل : زفر بن الهذيل ، المتوفّى سنة ١٥٨ ه‍ ؛ والحسن بن زياد اللؤلؤي ، المتوفّى سنة ٢٠٤ ه‍ ؛ انظر مثلا : الجواهر المضيّة ٢ / ٥٦ رقم ٤٤٨ وص ٢٠٧ رقم ٥٩٦.


وأمّا الشافعي ؛ فقرأ على محمّد بن الحسن(١) ، فيرجع فقهه ـ أيضا ـ إلى أبي حنيفة.

وأمّا أحمد بن حنبل ؛ فقرأ على الشافعي ، فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة ؛ وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمّد ، وقرأ جعفر على أبيه ، وينتهي الأمر إلى عليّعليه‌السلام .

وأمّا مالك بن أنس ؛ فقرأ على ربيعة الرأي ، وقرأ ربيعة على عكرمة ، وقرأ عكرمة على عبد الله بن عبّاس ، وقرأ عبد الله بن عبّاس على عليّ(٢) .

وإن شئت رددت إليه فقه الشافعي بقراءته على مالك ، كان لك ذلك »(٣) (٤) .

* * *

__________________

(١) انظر : تاريخ بغداد ٢ / ٥٦ رقم ٤٥٤ ، تاريخ دمشق ٥١ / ٢٦٧ رقم ٦٠٧١ ، تهذيب الكمال ١٦ / ٤٠ رقم ٥٦٣٦ ، سير أعلام النبلاء ١٠ / ٧ رقم ١ ، تذكرة الحفّاظ ١ / ٣٦٢ رقم ٣٥٤ ، البداية والنهاية ١٠ / ٢١١ حوادث سنة ٢٠٤ ه‍.

(٢) بل أخذ مالك عن الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام مباشرة ، حاله كحال أبي حنيفة.

انظر : التاريخ الكبير ٢ / ١٩٨ رقم ٢١٨٣ ، الجرح والتعديل ٢ / ٤٨٧ رقم ١٩٨٧ ، الثقات ـ لابن حبّان ـ ٦ / ١٣١ ، حلية الأولياء ٣ / ١٩٩ رقم ٢٣٦ ، تهذيب الكمال ٣ / ٤١٩ رقم ٩٣٣ ، ميزان الاعتدال ٢ / ١٤٤ رقم ١٥٢١ ، تهذيب التهذيب ٢ / ٦٨ رقم ٩٩٤.

(٣) شرح نهج البلاغة ١ / ١٨.

(٤) وانظر : نفحات الأزهار ١ / ١٠٣ ـ ١٠٥ رقم ٨ ، في بيان انتشار العلوم في البلاد الإسلامية بواسطة الإمام عليّعليه‌السلام .


قال المصنّف ـ طاب مرقده ـ(١) :

وعلم الفصاحة إليه منسوب ، حتّى قيل في كلامه : « إنّه فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق »(٢) ، ومن كلامه تعلّم الفصحاء.

قال ابن نباتة(٣) : « حفظت من كلامه ألف خطبة ، ففاضت ثمّ فاضت »(٤) .

وأمّا المتكلّمون ، فأربعة ؛ معتزلة ، وأشاعرة ، وشيعة ، وخوارج وانتساب الشيعة معلوم

والخوارج كذلك ؛ فإنّ فضلاءهم رجعوا إليه(٥) .

وأمّا المعتزلة ؛ فإنّهم انتسبوا إلى واصل بن عطاء(٦) ، وهو تلميذ أبي

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٣٨.

(٢) شرح نهج البلاغة ١ / ٢٤.

(٣) هو : أبو يحيى عبد الرحيم بن محمّد بن إسماعيل بن نباتة الحذاقي الفارقي ، صاحب الخطب المنبرية ، قالوا : كان ديّنا ورعا ، فصيحا بليغا مقدّما في علوم الأدب ، وأجمعوا على أنّ خطبه لم يعمل مثلها في موضوعها ، وكان يحفظ « نهج البلاغة » وعامّة خطبه بألفاظها ومعانيها ، ولي خطابة حلب لسيف الدولة الحمداني ، وسمع على المتنبّي بعض ديوانه ، ولد في ميّافارقين سنة ٣٣٥ ه‍ وتوفّي بها سنة ٣٧٤ ه

انظر : وفيات الأعيان ٣ / ١٥٦ رقم ٣٧٣ ، النجوم الزاهرة ٤ / ١٥٠ ، البداية والنهاية ١١ / ٢٥٨ ، شذرات الذهب ٣ / ٨٣.

(٤) شرح نهج البلاغة ١ / ٢٤.

(٥) مطالب السؤول : ١١١ ـ ١١٢.

(٦) هو : أبو حذيفة واصل بن عطاء المخزومي ، مولاهم البصري ، ولد بالمدينة سنة


هاشم عبد الله(١) ، وهو تلميذ أبيه محمّد بن الحنفية ، وهو تلميذ أبيه عليّعليه‌السلام .

وأمّا الأشاعرة ؛ فإنّهم تلاميذ أبي الحسن عليّ بن أبي بشر الأشعري(٢) ، وهو تلميذ أبي عليّ الجبّائي(٣) ، وهو من مشايخ

__________________

٨٠ ه‍ ، كان بليغا مقتدرا باللغة ، وكان يلثغ بالراء فيجعلها غينا ، اعتزل الحسن البصري ـ بعد أن كان يجلس إليه ـ بسبب الاختلاف في مسألة تكفير مرتكب الكبيرة ، وحضر على أبي هاشم عبد الله بن محمّد بن الحنفية ، كان هو وعمرو بن عبيد رأسي المعتزلة ، له مصنّفات ، منها : أصناف المرجئة ، المنزلة بين المنزلتين ، معاني القرآن ؛ توفّى سنة ١٣١ ه‍.

انظر : معجم الأدباء ٥ / ٥٦٧ رقم ٩٩٥ ، وفيات الأعيان ٦ / ٧ رقم ٧٦٨ ، سير أعلام النبلاء ٥ / ٤٦٤ رقم ٢١٠ ، طبقات المعتزلة : ٢٨ ـ ٣٥ الطبقة الرابعة.

(١) هو : أبو هاشم عبد الله بن محمّد بن الحنفيّة ، كان ثقة ، قليل الحديث ، قيل : إنّ الوليد بن عبد الملك سمّه ومات سنة ٩٨ ه‍ ، وقيل : مات سنة ٩٩ ه‍ في زمان سليمان بن عبد الملك.

انظر : الملل والنحل ١ / ١٨ ، الجرح والتعديل ٥ / ١٥٥ رقم ٧١١ ، سير أعلام النبلاء ٤ / ١٢٩ رقم ٣٧ ، تهذيب الكمال ١٠ / ٥١٢ رقم ٣٥٢٧.

(٢) هو : أبو الحسن عليّ بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق الأشعري اليماني البصري ، المتكلّم المعروف ، وإليه تنسب الطائفة الأشعرية ، يرجع نسبه إلى أبي موسى الأشعري ، ولد بالبصرة سنة ٢٧٠ ه‍ ، وتوفّي ببغداد سنة ٣٢٤ ه‍ ، وقد كان من المعتزلة أوّل أمره ثمّ تركهم ، ونادى في المسجد الجامع في البصرة بتوبته عن القول بخلق القرآن ، وأنّ الله لا تراه الأبصار ، وأنّ العبد مسؤول عن أفعاله!! له مصنّفات عديدة ، منها : اللمع ، التبيين في أصول الدين ، الرؤية بالأبصار.

انظر : الملل والنحل ١ / ٨١ ، وفيات الأعيان ٣ / ٢٨٤ رقم ٤٢٩ ، سير أعلام النبلاء ١٥ / ٨٥ رقم ٥١ ، شذرات الذهب ٢ / ٣٠٣.

(٣) هو : أبو عليّ محمّد بن عبد الوهّاب البصري الجبّائي ، شيخ المعتزلة وإمامهم ، ولد سنة ٢٣٥ ه‍ ، وتوفّي بالبصرة سنة ٣٠٣ أو ٣٠٤ ه‍ ، وخلفه ابنه أبو هاشم الجبّائي بعد أن مات ، أخذ أبو الحسن الأشعري عنه فنّ علم الكلام ثمّ خالفه فيما


المعتزلة(١) .

* * *

__________________

بعد ؛ له عدّة مصنّفات ، منها : الأسماء والصفات ، النقض على ابن الراوندي ، الردّ على ابن كلّاب.

انظر : سير أعلام النبلاء ١٤ / ١٨٣ رقم ١٠٢ ، البداية والنهاية ١١ / ١٠٦ ، شذرات الذهب ٢ / ٢٤١.

(١) شرح نهج البلاغة ١ / ١٧.


وقال الفضل(١) :

لا شكّ في توغّل أمير المؤمنين في العلم ، والفصاحة ، والأسرار المكنونة ، التي لم يطّلع عليها أحد غيره.

وأمّا ما ذكره من رجوع طوائف أهل الكلام إليه ؛ فإن أراد به أنّ أصول كلامهم مأخوذ منه ، فهذا يوجب أن يكون أصول عقائد الخوارج ، والمعتزلة ، والأشاعرة ، مأخوذا من أمير المؤمنين ، وما كان مأخوذا منه يكون حقّا ؛ وهذا لا يوافق مذهبه.

وإن أراد به أنّهم ينتسبون إليه بلا أخذ العلم والعقيدة ؛ فإثبات هذا لا يفيده في ما يدّعيه.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٤٧ الطبعة الحجرية.


وأقول :

ظهر لك ـ ممّا سبق(١) ـ أنّ معنى رجوع هذه الطوائف ، هو أنّه المؤسّس لهم علم الكلام وطريقة الاستدلال على مسائله ، فلا ينافي مخالفتهم له في كثير من العقائد الحقّة.

ويكفيك من تعاليمه ما تضمّنه « نهج البلاغة » ، الذي هو سنا النور الإلهي ، ومصباح العلم الأحمدي.

قال ابن أبي الحديد في مقدّمة « شرح النهج » : « ما أقول في رجل تعزى إليه كلّ فضيلة ، وتنتهي إليه كلّ فرقة ، وتتجاذبه كلّ طائفة ، فهو رئيس الفضائل ، وينبوعها ، وأبو عذرها(٢) ، وسابق مضمارها ، ومجلّي(٣) حلبتها ؛ كلّ من برع فيها بعده فمنه أخذ ، وله اقتفى ، وعلى مثاله احتذى؟!

وقد عرفت أنّ أشرف العلوم هو العلم الإلهي ؛ لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم ، ومعلومه أشرف الموجودات ، فكان هو أشرف العلوم.

ومن كلامه اقتبس ، وعنه نقل ، وإليه انتهى ، ومنه ابتدأ!

فإنّ المعتزلة الّذين هم أهل التوحيد والعدل ، وأرباب النظر ، ومنهم

__________________

(١) تقدّم آنفا في الصفحة ٣٣٥ وما بعدها ؛ فراجع!

(٢) أبو عذرها وأبو عذرتها : أي هو أوّل كلّ فضيلة والسابق إليها ، وهو مجاز ؛ انظر : تاج العروس ٧ / ٢٠٤ مادّة « عذر ».

(٣) المجلّي : هو السابق الأوّل من الخيل ؛ وهو الفائز بكلّ فضيلة والسابق إليها ، على المجاز هنا ؛ انظر : لسان العرب ٧ / ٣٩٨ مادّة « صلا ».


تعلّم الناس هذا الفنّ(١) ، تلامذته وأصحابه ؛ لأنّ كبيرهم واصل بن عطاء ، تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمّد بن الحنفية ، وأبو هاشم تلميذ أبيه ، وأبوه تلميذهعليه‌السلام .

وأمّا الأشاعرة ؛ فإنّهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن أبي بشر الأشعري ، وهو تلميذ أبي عليّ الجبّائي ، وأبو عليّ أحد مشايخ المعتزلة.

فالأشعرية ينتهون بالآخرة الى أستاذ المعتزلة ومعلّمهم : عليّ بن أبي طالب.

وأمّا الإمامية والزيدية ؛ فانتماؤهم إليه ظاهر »(٢) .

* * *

__________________

(١) تقدّم أنّ الإمامية ليسوا تبعا للمعتزلة ، لا في الأصول ولا في الفروع ، فظهور المعتزلة متأخّر بعشرات السنين عن الإمامية الّذين أخذوا معالم دينهم من أهل بيت العصمة والرسالةعليهم‌السلام .

فانظر مقال « الكلام عند الإمامية » ، للشيخ محمّد رضا الجعفري ـ حفظه الله ـ ، المنشور في مجلّة « تراثنا » ، العدد المزدوج ٣٠ ـ ٣١ ، السنة الثامنة ، المحرّم ١٤١٣ ه‍ ، ص ١٤٤ ـ ٢٩٩.

وراجع : ج ٢ / ١٤٣ ه‍ ٣ من هذا الكتاب.

(٢) شرح نهج البلاغة ١ / ١٧.


قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :

وأمّا علم الطريقة ؛ فإنّ جميع الصوفيّة وأرباب الإشارات والحقيقة ، يسندون الخرقة إليه(٢) .

وأصحاب الفتوّة يرجعون إليه ، وهو الذي

نزل جبرئيل ينادي عليه يوم بدر :

لا سيف إلّا ذو الفقا

ر ، ولا فتى إلّا عليّ(٣)

وقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا الفتى ، ابن الفتى ، أخو الفتى »(٤) .

أمّا أنّه الفتى ؛ فلأنّه سيّد العرب

وأمّا أنّه ابن الفتى ؛ فلأنّه ابن إبراهيم ، الذي قال الله تعالى فيه :( قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ ) (٥)

وأمّا أنّه أخو الفتى ؛ فلأنّه أخو عليّ ، الذي قال جبرئيل فيه : لا فتى إلّا عليّ.

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٣٨.

(٢) انظر : شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١ / ١٩ ، مطالب السؤول : ١١٩.

(٣) مرّ تخريجه مفصّلا في الصفحات ٢٠١ ـ ٢٠٢ و ٢٢٤ ـ ٢٢٦ من هذا الجزء ؛ فراجع!

(٤) معاني الأخبار : ١١٩ ح ١.

(٥) سورة الأنبياء ٢١ : ٦٠.


وقال الفضل(١) :

ما ذكره أنّ الصوفية يرجعون إليه ، ينافي ما ادّعى في صدر الكتاب ، أنّ الصوفية هم تاركو الصلاة ، والمعتقدون للحلول والاتّحاد(٢) .

وكيف يجوز نسبتهم إلى أمير المؤمنين وهذا علمهم وعقيدتهم؟!

ثمّ إنّ انتساب الخرقة لا يوجب أخذ العلم ، وأخذ العلم هو المدّعى.

وفي الجملة : هذا الرجل لا يعرف ما يقول ، وهو كالناقة العشواء يرتعي كلّ حشيش.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٤٨ الطبعة الحجرية.

(٢) راجع : ج ٢ / ٢٠٣ ـ ٢٠٤ من هذا الكتاب.


وأقول :

قد عرفت أنّ معنى الرجوع إليه ، هو أنّه الأصل لهم ، والأساس لأمرهم(١) ، وهو لا يستدعي الموافقة في كلّ شيء

فإنّ الملّيّين جميعا ينتسبون إلى أنبيائهم ، مع أنّ الضلال قد غلب عليهم ، فغيّروا وبدّلوا.

ومنهم المسلمون بطوائفهم ؛ فإنّهم ينتسبون إلى دين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويرجعون في علومهم إليه ، وأكثر فرقهم ضلّال.

ومنهم الصوفيّة ، فإنّهم من المسلمين ، وينتسبون إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالإسلام ، كما ينتسبون إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام بعلم الطريقة ، وهما بريئان من عقائدهم وأعمالهم.

ويشهد لانتسابهم إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام إسنادهم الخرقة إليه ـ التي هي شعارهم ـ سواء أرادوا بها ـ كما قيل ـ : سرّ الولاية ، فاستعاروا له الخرقة كلباس التقوى ؛ أم أرادوا بها : الخرقة الظاهريّة ، التي يزعم جهّالهم أنّها الخرقة التي أخذوها عن أسلافهم ، عن أهل البيت ، عن أمير المؤمنينعليه‌السلام (٢) .

__________________

(١) تقدّم آنفا في الصفحة ٣٣٥ وما بعدها ؛ فراجع!

(٢) انظر : البرهان الجلي ـ للغماري ـ : ١ وما بعدها ، فقد ذكر أنّ فرقة التصوّف وأسانيد الصوفية أكثرها يتّصل بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، من رواية الحسن البصري عنه ، ثمّ شرع بتحقيق ذلك.

وراجع : عوارف المعارف ـ للسهروردي ـ : ٩٢ الباب الثاني عشر / في شرح خرقة المشايخ الصوفية.


قال ابن أبي الحديد في مقدّمة الشرح : « ومن العلوم : علم الطريقة والحقيقة وأحوال التصوّف.

وقد عرفت أنّ أرباب هذا الفنّ في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون ، وعنده يقفون.

وقد صرّح بذلك : الشّبلي(١) ، والجنيد(٢) ، وسريّ(٣) ، وأبو يزيد البسطامي(٤) ، وأبو محفوظ معروف الكرخي(٥) ، وغيرهم.

__________________

(١) هو : أبو بكر الشّبلي ، دلف بن جحدر ، وقيل : جعفر بن يونس ، وقيل : جعفر ابن دلف ، كان مولده في سامراء ، وهو من أهل الشّبليّة ، وهي قرية من قرى أسروشنة وراء سمرقند من بلاد ما وراء النهر ، كان في بادئ أمره واليا في دنباوند من رساتيق الريّ ، ثمّ صحب أبا القاسم الجنيد ، وكان فقيها عارفا بمذهب مالك ، وكان من كبار الصوفيّة ، توفّي ببغداد سنة ٣٣٤ ، وقيل : سنة ٣٣٥ عن نيّف وثمانين عاما.

انظر : حلية الأولياء ١٠ / ٣٦٦ رقم ٦٥٤ ، معجم البلدان ٣ / ٣٦٥ رقم ٦٩٩٢ ، وفيات الأعيان ٢ / ٢٧٣ رقم ٢٢٩ ، سير أعلام النبلاء ١٥ / ٣٦٧ رقم ١٩٠.

(٢) تقدّمت ترجمته في ج ٢ / ١٩٧ ه‍ ١ من هذا الكتاب ؛ فراجع!

(٣) هو : أبو الحسن السّريّ بن المغلّس السّقطي البغدادي ، ولد حدود سنة ١٦٠ ه‍ ، وصحب معروفا الكرخي ، وكان أجلّ أصحابه ، وهو خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه ، توفّي سنة ٢٥٣ ه‍ ، وقيل : ٢٥١ ه‍ ، وقيل غير ذلك.

انظر : الأربعين في شيوخ الصوفية : ٨٢ رقم ٢ ، حلية الأولياء ١٠ / ١١٦ رقم ٤٦٩ ، سير أعلام النبلاء ١٢ / ١٨٥ رقم ٦٥ ، لسان الميزان ٣ / ١٣ رقم ٤٦ ، شذرات الذهب ٢ / ١٢٧.

(٤) تقدّمت ترجمته في ج ٢ / ١٩٦ ه‍ ٣ من هذا الكتاب ؛ فراجع!

(٥) هو : أبو محفوظ معروف بن فيروز ـ أو : الفيرزان ـ الكرخي البغدادي ، اشتهر بالزهد والعزوف عن الدنيا ، حتّى إنّه لم يتزوّج ، كان أستاذ السّريّ السّقطي ، وصحب داود الطائي.

توفّي ـ على المشهور ـ سنة ٢٠٠ ه‍ ، وقيل : ٢٠١ ه‍ ، وقيل : سنة ٢٠٤ ه‍ ،


ويكفيك دلالة على ذلك الخرقة التي هي شعارهم إلى اليوم ، وكونهم يسندونها بإسناد متّصل إليهعليه‌السلام »(١) .

فقد ظهر أنّ مراد المصنّفرحمه‌الله بذكر الخرقة هو الاستشهاد بها على رجوعهم إليه ، لا أنّ إسنادها إليه موجب بذاته لأخذ العلم منه ، كما تخيّله الفضل.

__________________

وقبره ببغداد ظاهر معروف.

قيل : كان أبواه نصرانيّين ثمّ أسلما ، وقيل : كان من الصابئة ، فأسلم على يد الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه‌السلام ، وصار من مواليه وحجّابه ، وقيل : روى عن الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق عليه‌السلام .

نقول : وروايته عن الإمام الصادق عليه السلام تنافي ما ذكر من أنّ إسلامه كان على يد الإمام الرضا عليه السلام صغيرا ؛ لأنّ شهادة الإمام الصادق عليه السلام كانت في ٢٥ شوّال سنة ١٤٨ ه‍ ، وكانت ولادة الإمام الرضا عليه السلام في ١١ ذي القعدة من نفس السنة أو من سنة ١٥٣ ه‍ ؛ فلاحظ!

كما أنّ خدمته للإمام الرضا عليه السلام وموالاته له محلّ تأمّل ، ولا سيّما إذا علمنا أنّ الإمام الرضا عليه السلام لم يسكن بغداد ، بل لم يمرّ بها في سفره من المدينة إلى طوس ، في حين أنّهم قد ذكروا في سبب موت الكرخي أنّه كان في حجابة الإمام الرضا عليه السلام عندما كسرت أضلعه فمات من ذلك ، وقد كان دفنه في بغداد ، فما الذي أتى به من طوس إلى بغداد؟!

كما أنّه لم يعهد للإمام الرضاعليه‌السلام خادم اسمه « معروف »!!

إضافة إلى ذلك فإنّ مترجمي « معروف » لم يذكروا أنّه رحل إلى طوس أيّام حياته ، بالرغم من أنّهم ذكروا له كرامات عجيبة!!

انظر : الأربعين في شيوخ الصوفية : ٧٥ رقم ١ ، طبقات الصوفية : ٨٣ رقم ١٠ ، طبقات الحنابلة ١ / ٣٤٠ رقم ٤٩٨ ، حلية الأولياء ٨ / ٣٦٠ رقم ٤٣٦ ، تاريخ بغداد ١٣ / ١٩٩ رقم ٧١٧٧ ، الرسالة القشيرية : ٤٢٧ رقم ٦٢ ، صفة الصفوة ١ / ٥٢٥ رقم ٢٦٠ ، المنتظم ٦ / ١٠٠ حوادث سنة ٢٠٠ ه‍ ، وفيات الأعيان ٥ / ٢٣١ رقم ٧٢٩ ، سير أعلام النبلاء ٩ / ٣٣٩ رقم ١١١ ، مرآة الجنان ١ / ٣٥٣ حوادث سنة ٢٠٠ ه‍ ، لواقح الأنوار ١ / ٧٢ رقم ١٤٢ ، مجمع البحرين ٥ / ٩٩ مادّة « عرف ».

(١) شرح نهج البلاغة ١ / ١٩.


قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :

وأيضا : جميع الصحابة رجعوا إليه في الأحكام واستفادوا منه ، ولم يرجع هو إلى أحد منهم في شيء ألبتّة.

وقال عمر بن الخطّاب في عدّة مواضع : « لو لا عليّ لهلك عمر »(٢) ، حيث ردّه عن خطإ كثير.

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٣٩.

(٢) انظر : تأويل مختلف الحديث : ١٥٠ ، الاستيعاب ٣ / ١١٠٣ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١ / ١٨ و ١٤١ ، ذخائر العقبى : ١٤٩ ، المواقف : ٤١١ ، شرح تجريد الاعتقاد ـ للقوشجي : ٤٨٣.


وقال الفضل(١) :

رجوع الصحابة إليه في الفتوى غير بعيد(٢) ؛ لأنّه كان مفتي الصحابة ، والرجوع إلى المفتي من شأنّ المستفتين ، وإنّ رجوع عمر إليه كرجوع الأئمّة وولاة العدل إلى علماء الأمّة.

وما ذكره من قوله : « لو لا عليّ لهلك عمر » ، فهو من فضائل عمر في عدله وصدقه وإنصافه وتواضعه.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٥٠ الطبعة الحجرية.

(٢) لا مجال للاحتمال هنا ، فإنّ رجوعهم إليهعليه‌السلام من المسلّمات ؛ قال النووي : « وسؤال كبار الصحابة له ، ورجوعهم إلى فتاويه وأقواله ـ في المواطن الكثيرة ، والمسائل المعضلات ـ مشهور ».

انظر : تهذيب الأسماء واللغات ١ / ٣٤٦.


وأقول :

لا شكّ في رجوعهم إليه واستفتائهم منه ، لا سيّما في غوامض المسائل التي لا يهتدون إليها سبيلا ، ولا يعرفون لها عند أحد مخرجا ، وما هو إلّا لظهور فضله عليهم ، والأفضل أحقّ بالإمامة.

وأمّا قوله : « إنّ رجوع عمر إليه كرجوع الأئمّة وولاة العدل إلى علماء الأمّة »

فهو تجهيل لعمر ؛ إذ اعتبره كسائر الولاة الّذين يحتاجون إلى علم العلماء ، وقد سبق موضّحا أنّ الإمام أجلّ قدرا ، وأعلى شأنا ، من أن يحتاج إلى علم الرعيّة(١) .

وأمّا ما زعمه من صدق عمر وتواضعه ، فمتنافيان ظاهرا ؛ لأنّ الحقّ إن كان مع أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وكان عمر صادقا في قوله ، لزم أن لا يكون ذلك تواضعا ، بل إقرارا بالحقّ.

وإن كان الحقّ مع عمر ، فلا وجه لإقراره بعدم علمه وعمله بغير الحقّ تواضعا ، بل لزم أن يكون كاذبا في قوله.

* * *

__________________

(١) تقدّم في ج ٤ / ٢٣٧ ـ ٢٤٠ من هذا الكتاب ؛ فراجع!


قال المصنّف ـ رفع الله درجته ـ(١) :

وفي مسند أحمد بن حنبل : « لم يكن أحد من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : سلوني ؛ إلّا عليّ بن أبي طالب »(٢)

وفي صحيح مسلم ، أنّ عليّا قال على المنبر : « سلوني قبل أن تفقدوني ، سلوني عن كتاب الله عزّ وجلّ ، فما من آية إلّا وأعلم حيث نزلت ، بحضيض جبل ، أو سهل أرض.

سلوني عن الفتن ، فما من فتنة إلّا وقد علمت كبشها ، ومن يقتل فيها »(٣) .

وكان يقول : «سلوني عن طرق السماء فإنّي أعرف بها من طرق الأرض »(٤) .

وقال عليّ : «علّمني رسول الله ألف باب من العلم ، في كلّ باب ألف باب »(٥) .

وقضاياه العجيبة أكثر من أن تحصى ؛ كقسمة الدراهم على صاحبي

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٤٠.

(٢) ينابيع المودّة ١ / ٢٢٤ ح ٥٠ نقلا عن « مسند أحمد » ، وانظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٨٠٢ ح ١٠٩٨.

وراجع تخريجه مفصّلا في الصفحة ١٧١ ه‍ ٢ من هذا الجزء.

(٣) عمدة عيون صحاح الأخبار : ٣٢٦ ح ٤٣٥ نقلا عن صحيح مسلم.

(٤) نهج البلاغة : ٢٨٠ الخطبة رقم ١٨٩.

(٥) راجع الصفحة ٣٢٢ ه‍ ١ من هذا الجزء.


الأرغفة(١)

وبسط الدّية على القامصة(٢) ، والناسخة(٣) (٤)

وإلحاق الولد بالقرعة ، وصوّبه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (٥)

والأمر بشقّ الولد نصفين ، حتّى رجعت المتداعيتان إلى الحقّ(٦)

__________________

(١) الاستيعاب ٣ / ١١٠٥ ، ذخائر العقبى : ١٥٢ ، الرياض النضرة ٣ / ١٦٨ ، الصواعق المحرقة : ١٩٩ ، تاريخ الخلفاء : ٢١١ ـ ٢١٢ ، وانظر : الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٢١٨ ـ ٢١٩.

(٢) القامصة : الواثبة النافرة الضاربة برجلها ؛ انظر : لسان العرب ١١ / ٣٠٣ مادّة « قمص ».

(٣) كذا العبارة في الأصل ، وكانت في المصدر هكذا : « وبسط الدية على القارصة ، والقامصة ، والواقصة ».

والقرص ـ بالأصابع ـ : قبض على الجلد بأصبعين حتّى يؤلم ، والقارصة : اسم فاعلة من القرص بالأصابع ؛ انظر : لسان العرب ١١ / ١٠٩ مادّة « قرص ».

والوقص : كسر العنق ودقّها ، والواقصة : بمعنى الموقوصة ـ ك‍ : عيشة راضية ـ ، وهي التي اندقّت عنقها فكسرت ؛ انظر مادّة « وقص » في : لسان العرب ١٥ / ٣٦٧ ، تاج العروس ٩ / ٣٣٢ و ٣٨٠.

ونخس الدابّة وغيرها فهو ناخس ؛ ينخسها ـ وينخسها ، وينخسها ـ نخسا : غرز جنبها أو مؤخّرتها بعود أو نحوه ، وهو النّخس ؛ انظر : لسان العرب ١٤ / ٨٣ مادّة « نخس ».

(٤) انظر : السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٨ / ١١٢ ، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ١٩٦.

(٥) انظر : سنن ابن ماجة ٢ / ٧٨٦ ح ٢٣٤٨ ، سنن النسائي ٦ / ١٨٢ ، سنن أبي داود ٢ / ٢٨٩ ح ٢٢٦٩ و ٢٢٧٠ ، مسند أبي داود الطيالسي ١ / ٢٦ ح ١٨٧ ، مسند أحمد ٤ / ٣٧٤ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٤٦ ح ٤٦٥٩ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ١٠ / ٢٦٦ ـ ٢٦٧ ، الرياض النضرة ٣ / ١٦٩ ، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ١٩٥.

(٦) الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٢٠٥ ، مناقب آل أبي طالب ـ لابن شهر آشوب ـ ٢ / ٤٠٩.


والأمر بضرب عنق العبد حتّى رجع إلى الحقّ(١)

وحكمه في ذي الرأسين بإيقاظ أحدهما(٢)

واستخراج حكم الخنثى(٣)

وأحكام البغاة ؛ قال الشافعي : عرفنا أحكام البغاة من عليّ(٤) .

وغير ذلك من الأحكام الغريبة ، التي يستحيل أن يهتدي إليها من سئل عن الكلالة(٥) والأبّ(٦) فلم يعرفهما(٧) ، وحكم في الجدّ بمئة قضيّة(٨) .

* * *

__________________

(١) انظر : مناقب آل أبي طالب ـ لابن شهر آشوب ـ ٢ / ٤٢٣.

(٢) كنز العمّال ٥ / ٨٣٣ ح ١٤٥٠٩ ، وانظر : الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٢١٢ ، مناقب آل أبي طالب ـ لابن شهر آشوب ـ ٢ / ٤١٨.

(٣) الغارات : ١١٤ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٠١ ـ ١٠٢ ح ١٠٥ ، تذكرة الخواصّ : ١٤٨.

(٤) انظر : كتاب الأمّ ٤ / ٣١٧ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٩ / ٣٣١.

(٥) مرّ تخريجه مفصّلا في الصفحة ٣٣٧ ه‍ ٦ من هذا الجزء ؛ فراجع!

(٦) مرّ تخريجه مفصّلا في الصفحة ٣٣٧ ه‍ ٥ من هذا الجزء ؛ فراجع!

(٧) أي : عمر بن الخطّاب.

(٨) انظر : سنن الدارمي ٢ / ٢٤١ ـ ٢٤٢ ح ٢٩٠٨ ـ ٢٩١١ ، مصنّف عبد الرزّاق ١٠ / ٢٦١ ـ ٢٦٤ ح ١٩٠٤١ ـ ١٩٠٥٢ وص ٢٦٥ ـ ٢٦٧ ح ١٩٠٥٨ ـ ١٩٠٦٢ ، المعجم الأوسط ٤ / ٤٨٢ ـ ٤٨٣ ح ٤٢٤٥ ، المستدرك على الصحيحين ٤ / ٣٧٧ ـ ٣٧٨ ح ٧٩٨٣.


وقال الفضل(١) :

ما ذكره من الأقضية والأحكام التي قضى فيها أمير المؤمنين ، فهو حقّ لا يرتاب فيه ، وهذا شأنه وهو مشتهر به.

وأمّا قوله : «سلوني » ، فهذا من وفور علمه ، كالبحر الزاخر الذي يتموّج بما فيه ويريد إلقاء الدرّ على الساحل ، وليس هذا من باب النزاع حتّى يقيم فيه الدلائل.

وأمّا قوله : « من سئل عن الكلالة والأبّ فلم يعرفهما » ، فهو من المطاعن ، وستعرف جوابه في محلّه إن شاء الله.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٥١ الطبعة الحجرية.


وأقول :

مقصود المصنّفرحمه‌الله بيان فضل أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأنّه لا نسبة بينه وبين من تقدّم عليه ، فكيف يكون رعيّة لهم وهم أئمّته ، والله سبحانه يقول :( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (١)

ويقول :( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلأَأَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (٢) ؟!

وليس مراده مجرّد بيان علم أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ لئلّا يكون محلّ النزاع ، ولا مجرّد الطعن في غيره ليحيل جوابه على ما يأتي.

* * *

__________________

(١) سورة الزمر ٣٩ : ٩.

(٢) سورة يونس ١٠ : ٣٥.


إخباره بالمغيّبات

قال المصنّف ـ رفع الله درجته ـ(١) :

المطلب الثالث : الإخبار بالغيب

وقد حصل منه في عدّة مواطن

فمنها : إنّه قال في خطبة : «سلوني قبل أن تفقدوني ، فو الله لا تسألونني عن فئة تضلّ مئة وتهدي مئة ، إلّا نبّأتكم بناعقها وسائقها إلى يوم القيامة.

فقام إليه رجل فقال له : أخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر؟

فقالعليه‌السلام :والله لقد حدّثني خليلي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بما سألت ، وإنّ على كلّ طاقة شعر من رأسك ملكا يلعنك ، وإنّ على كلّ طاقة شعر من لحيتك شيطانا يستفزّك ، وإنّ في بيتك لسخلا يقتل ابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولو لا أنّ الذي سألت عنه يعسر برهانه لأخبرت به ، ولكن آية ذلك ما نبأت به من لعنك وسخلك الملعون ».

وكان ابنه في ذلك الوقت صغيرا ، وهو الذي تولّى قتل الحسينعليه‌السلام (٢) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٤١.

(٢) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٢ / ٢٨٦ ؛ وانظر : الغارات : ٦.


وأخبر بقتل ذي الثديّة من الخوارج(١) .

وعدم عبور الخوارج النهر ، بعد أن قيل له : قد عبروا(٢) .

وعن قتله نفسه(٣) .

وبقطع يدي جويرية بن مسهر ، وصلبه ؛ فوقع في أيّام معاوية(٤) .

وبصلب ميثم التمّار ، وطعنه بحربة عاشر عشرة ، وأراه النخلة

__________________

(١) مسند أحمد ١ / ٨٨ ، مروج الذهب ٢ / ٤٠٦ ، الكامل في التاريخ ٣ / ٢٢٢ ـ ٢٢٣.

وذو الثديّة هو : حرقوص بن زهير السعدي ، المعروف بذي الخويصرة ، وذي الثديّة ، والمخدج وهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند توزيع غنائم حنين : « لم تعدل منذ اليوم » ، فلمّا أراد المسلمون أن يقتلوه قال لهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : «دعوه! فإنّه سيخرج من ضئضيء هذا قوم يقرأون القرآن لا يتجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة » ، فكان كما أخبر به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فصار من الخوارج ، حتّى قتل في معركة النهروان سنة ٣٧ ه‍.

انظر : مسند أحمد ٣ / ٤ ـ ٥ ، سنن أبي داود ٤ / ٢٤٣ ٢٤٦ ح ٤٧٦٣ ـ ٤٧٧٠ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٨ / ٧٢٩ ب‍ ٣ ح ٢ و ٣ وص ٧٤١ ح ٥٢ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٤٢٦ ـ ٤٢٨ ح ٩١٠ ـ ٩١٢ ، الإصابة ٤٩ رقم ١٦٦٣ ز.

(٢) مروج الذهب ٢ / ٤٠٥ ، الكامل في التاريخ ٣ / ٢٢١ ، شرح نهج البلاغة ٢ / ٢٧٢.

(٣) الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٣ / ٢٤ ، مسند أحمد ١ / ١٣٠ ، وموضاع أخر ، المعجم الكبير ١ / ١٠٦ ح ١٧٣ ، مسند أبي يعلى ١ / ٣٧٧ ح ٤٨٥ وص ٤٣٠ ح ٥٦٩ وص ٤٤٣ ح ٥٩٠ ، مسند البزّاز ٣ / ١٣٧ ح ٩٢٧ ، كنز العمّال ١٣ / ١٨٧ ـ ١٨٨ ح ٣٦٥٥٦ ـ ٣٦٥٦١.

(٤) انظر : الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٣٢٢ ـ ٣٢٣ ، شرح نهج البلاغة ٢ / ٢٩٠ ـ ٢٩١.

وجويرية هو : جويرية بن مسهر العبدي الكوفي ، من ربيعة ، وقد كان من ثقات أصحاب الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وشهد معه مشاهده ، قطع زياد بن أبيه يديه ورجليه ، ثمّ صلبه إلى جذع ابن مكعبر.

انظر : رجال البرقي : ٥ ، رجال الطوسي : ٣٧ ، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٣٢٢.


التي يصلب على جذعها ؛ ففعل به ذلك عبيد الله بن زياد عليهما اللعنة(١) .

وبقطع يدي رشيد الهجري ورجليه ، وصلبه ؛ ففعل ذلك به(٢) .

وقتل قنبر ؛ فقتله الحجّاج(٣) .

وبأفعال الحجّاج التي صدرت عنه(٤) .

وجاء رجل إليه فقال : إنّ خالد بن عرفطة(٥) قد مات.

__________________

(١) الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٣٢٣ ، شرح نهج البلاغة ٢ / ٢٩١ ـ ٢٩٢.

وميثم هو : ميثم بن يحيى التمّار ، من أصفياء أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، ومن شرطة الخميس ، قتله عبيد الله بن زياد بسبب ولائه لأمير المؤمنين عليّ عليه السلام وحبّ أهل البيت عليهم السلام ، وذلك قبل قدوم الإمام الحسين عليه السلام العراق بعشرة أيّام ، وقد صلبه على جذع نحلة بعد أن قطع يديه ورجليه ولسانه ، ثمّ ألجمه ، فكان أوّل من ألجم في الإسلام.

انظر : رجال البرقي : ٤ ، رجال الطوسي : ٥٨ ، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٣٢٣.

(٢) شرح نهج البلاغة ٢ / ٢٩٤.

ورشيد الهجري من خواصّ أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، ومن شرطة الخميس ، قتله ابن زياد على حبّ عليّ عليه السلام.

انظر : رجال البرقي : ٤ ، رجال الطوسي : ٤١ ، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٣٢٥.

(٣) مناقب آل أبي طالب ٣ / ٣٥١ ، المناقب المرتضوية ـ للكشفي الترمذي ـ : ٢٥١.

وقنبر هو : أبو فاختة قنبر ، من مضر ، مولى أمير المؤمنين عليه السلام ، ومن خاصّة أصحابه والمقرّبين منه ، قتله الحجّاج لحبّه وموالاته للإمام عليّ عليه السلام.

انظر : رجال البرقي : ٤ ، رجال الطوسي : ٥٥ ، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٣٢٨.

(٤) شرح نهج البلاغة ٢ / ٢٨٩ ، منتخب كنز العمّال ـ المطبوع بهامش « مسند أحمد » ـ ٥ / ٤٥٤.

(٥) تقدّمت ترجمته في ج ١ / ١١٢ رقم ٨٣ من هذا الكتاب ؛ فراجع!


فقالعليه‌السلام :إنّه لم يمت ، ولا يموت حتّى يقود جيش ضلالة ، صاحب لوائه حبيب بن حماز (١) .

فقام رجل من تحت المنبر فقال : يا أمير المؤمنين! إنّي لك شيعة ومحبّ.

فقال : من أنت؟

فقال : أنا حبيب بن حماز.

قال :إيّاك أن تحملها! ولتحملنّها وتدخل بها من هذا الباب ؛ وأومأ بيده إلى باب الفيل.

فلما كان زمان الحسينعليه‌السلام ، جعل ابن زياد خالد بن عرفطة على مقدّمة عمر بن سعد ، وحبيب بن حماز صاحب رايته ، فسار بها حتّى دخل من باب الفيل(٢) .

__________________

(١) هو : أبو كثير حبيب بن حماز الأسدي الكوفي ، روى عن الإمام عليّعليه‌السلام وأبي ذرّ ، وروى عنه سماك بن حرب وعبد الله بن الحارث.

انظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٦ / ٢٥١ رقم ٢٢٦١ ، التاريخ الكبير ٢ / ٣١٥ رقم ٢٥٩٨ ، الجرح والتعديل ٣ / ٩٨ رقم ٤٦١ ، الثقات ـ لابن حبّان ـ ٤ / ١٣٩ ، المؤتلف والمختلف ـ للأزدي ـ : ٧٠ ، أسد الغابة ١ / ٤٤٢ رقم ١٠٤١ ، الإكمال : ٨١ رقم ١٣٥ ، تبصير المنتبه ١ / ٢٦٠ ، الإصابة ٢ / ١٧ رقم ١٥٧٧.

نقول : كان اسم أبيه في الأصل ـ هنا وفي المواضع التالية ـ : « حمار » بالراء المهملة ، ويبدو أنّه تصحيف ، فقد ورد الاسم في أغلب المصادر مصحّفا بصور عديدة مختلفة ، وما أثبتناه وفقا لما هو مشهور في كتب التراجم والرجال ؛ فلاحظ!

(٢) انظر : مقاتل الطالبيّين : ٧٨ ، شرح نهج البلاغة ٢ / ٢٨٦ ـ ٢٨٧ ، الإصابة ٢ / ٢٤٥ رقم ٢١٨٤ ترجمة خالد بن عرفطة ، بصائر الدرجات : ٣١٨ ح ١١ ، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٣٢٩.


وقال للبراء بن عازب(١) :يقتل ابني الحسين وأنت حيّ لا تنصره ؛ فقتل الحسين وهو حيّ لم ينصره(٢) .

ولمّا اجتاز بكربلاء في وقعة « صفّين » بكى وقال :هذا والله مناخ ركابهم ، وموضع قتلهم ؛ وأشار إلى ولده الحسين وأصحابه(٣) .

وأخبر بعمارة بغداد(٤)

وملك بني العبّاس وأحوالهم(٥)

__________________

(١) هو : البراء بن عازب بن الحارث الأنصاري الخزرجي ـ وقيل : الأوسي ـ ، غزا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أربع عشرة غزوة ، وكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قد ردّه يوم بدر لصغره ، وهو من أصفياء الإمام أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، وأحد رواة حديث الغدير ، وهو قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من كنت مولاه فعليّ مولاه » ، وشهد مع أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام الجمل وصفّين والنهروان ، وكان الإمام عليّعليه‌السلام قد بعثه إلى أهل النهروان يدعوهم ثلاثة أيّام ، فلمّا أبوا سار إليهم ؛ ونزل الكوفة وابتنى بها دارا ، ومات أيّام مصعب ابن الزبير.

وروي أنه كان أحد الثلاثة ـ أو الأربعة ـ الّذين امتنعوا عن الشهادة بحديث الغدير حين ناشدهم أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام ذلك في الرحبة ؛ وفي ذلك نظر!

وقد كفّ بصره في آخر عمره ، ولعلّ هذا هو سبب عدم توفيقه لنصرة الإمام أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام .

انظر : جمهرة النسب ٢ / ٣٩٥ ، المعارف ـ لابن قتيبة ـ : ٣٢٤ ، أنساب الأشراف ٢ / ٣٨٦ ، تاريخ بغداد ١ / ١٧٧ رقم ١٦ ، الاستيعاب ١ / ١٥٥ رقم ١٧٣ ، أسد الغابة ١ / ٢٠٥ رقم ٣٨٩ ، الإصابة ١ / ٢٧٨ رقم ٦١٨ ، مناقب آل أبي طالب ٢ / ٣١٥ ، معجم رجال الحديث ٤ / ١٨٤ رقم ١٦٦١.

(٢) الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٣٣٠ ، شرح نهج البلاغة ١٠ / ١٥.

(٣) وقعة صفّين : ١٤١ ـ ١٤٢ ، دلائل النبوّة ـ لأبي نعيم ـ ٢ / ٥٨٢ ح ٥٣٠.

(٤) مناقب آل أبي طالب ٢ / ٢٩٨ و ٣٠٨.

(٥) الكامل في اللغة والأدب ١ / ٣٦٧ وفيه عن عليّ بن عبد الله بن العبّاس ، ولا بدّ أنّه أخذه عن أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، منتخب كنز العمّال ٥ / ٤٢٥.


وأخذ المغول الملك منهم(١) .

وبواسطة هذا الخبر سلمت الحلّة والكوفة والمشهدان من القتل في وقعة هلاكو ؛ لأنّه لمّا ورد بغداد كاتبه والدي(٢) والسيّد ابن طاووس(٣) والفقيه ابن أبي المعزّ(٤) ، وسألوا الأمان قبل فتح بغداد ،

__________________

(١) نهج البلاغة : ١٨٦ الخطبة ١٢٨ ، شرح نهج البلاغة ٨ / ٢١٨ ، مناقب آل أبي طالب ٢ / ٣٠٩.

(٢) هو : الشيخ سديد الدين أبو المظفّر يوسف بن عليّ بن محمّد بن المطهّر الحلّي ، المتوفّى نحو سنة ٦٦٥ ه‍ ، والد العلّامة الحلّي ، عالم فاضل ، فقيه متبحّر ، نقل ولده العلّامة أقواله وفتاويه وأدرجها في مصنّفاته ، وذكر حفيده فخر المحقّقين مصنّفات جدّه في إحدى إجازاته.

انظر : الأنوار الساطعة في المئة السابعة ـ طبقات أعلام الشيعة ـ ٣ ق ١ / ٢٠٩ ، معجم رجال الحديث ٢١ / ١٨٤ رقم ١٣٨٢٨.

(٣) هو : السيّد رضيّ الدين أبو القاسم عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن طاووس الحسني العلوي الفاطمي ، ولد في مدينة الحلّة سنة ٥٨٩ ه‍ ، وتوفّي سنة ٦٦٤ ه‍.

لقّب بذي الحسبين ؛ لأنّ نسبه ينتهي إلى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام من طرف أبيه ، وإلى الإمام الحسين عليه السلام من طرف أمّه.

وهو من أعلام الطائفة وثقاتها ، جليل القدر ، عظيم المنزلة ، كثير الحفظ ، نقيّ الكلام ، وحاله في العلم والفضل والعبادة والزهد والورع أشهر من أن تذكر ، وكان كذلك شاعرا أديبا منشئا بليغا ، وصاحب كرامات ، وقد ولي نقابة الطالبيّين سنة ٦٦١ ه‍ وبقي فيها إلى حين وفاته ، وله كتب كثيرة حسنة ، منها : سعد السعود ، فرج المهموم ، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف ، إقبال الأعمال ، جمال الأسبوع ، الملهوف على قتلى الطفوف ، الدروع الواقية.

انظر : عمدة الطالب : ١٩٠ ، أمل الآمل ٢ / ٢٠٥ رقم ٦٢٢ ، لؤلؤة البحرين : ٢٣٥ رقم ٨٤ ، الأنوار الساطعة في المئة السابعة ـ طبقات أعلام الشيعة ـ ٣ ق ١ / ١٦٥ ، معجم رجال الحديث ١٣ / ٢٠٢ رقم ٨٥٤٦.

(٤) كذا في الأصل ، وجاء في بعض المصادر : « العزّ » ، وفي بعضها : « الغرّ ».


فطلبهم ، فخافوا ، فمضى والدي إليه خاصّة ، فقال : كيف أقدمت على المكاتبة قبل الظفر؟!

فقال له والدي : لأنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام أخبر بك وقال : «إنّه يرد الترك على الأخير من بني العبّاس ، يقدمهم ملك يأتي من حيث بدأ ملكهم ، جهوري الصوت ، لا يمرّ بمدينة إلّا فتحها ، ولا ترفع له راية إلّا نكسها ، الويل الويل لمن ناوأه ، فلا يزال كذلك حتّى يظفر »(١) .

والأخبار بذلك كثيرة(٢) .

* * *

__________________

والظاهر أنّه : محمّد بن أبي العزّ الحلّي ، المعاصر للمحقّق الحلّي ـ المتوفّى سنة ٦٧٦ ه‍ ـ ، وهو الذي وقّع على فتاوى المحقّق الحلّي وكتب عليها ـ في مسألة المقدار الواجب من المعرفة ـ : « هذا صحيح » ، وقد رأى المحقّق الكركي ـ المتوفّى سنة ٩٤١ ه‍ ـ هذه الفتاوى وكتب هو أيضا فتاوى نفسه في هذه المسألة مع فتاوى علماء الحلّة.

وقد كتب الشيخ شرف الدين عليّ المازندراني هذه الفتاوى عن خطّ الشهيد الأوّل محمّد بن مكّي ، الذي كتبها عن خطّ علماء الحلّة ، ومنها فتوى المحقّق مع توقيع صاحب الترجمة عليه.

انظر : الأنوار الساطعة في المئة السابعة ـ طبقات أعلام الشيعة ـ ٣ ق ١ / ١٦٥.

(١) انظر : كشف اليقين : ٨٠ ـ ٨٢.

(٢) انظر : مناقب آل أبي طالب ٢ / ٢٩١ ـ ٣١٣ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٢ / ٢٨٦ ـ ٢٩٥.


وقال الفضل(١) :

من ضروريات الدين أنّ علم الغيب مخصوص بالله ، والنصوص في ذلك كثيرة

( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلأَهُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ ) (٢) الآية

( إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ) (٣) الآية

فلا يصحّ لغير الله أن يقال : إنّه يعلم الغيب.

ولهذا لمّا قيل عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الرجز :

وفينا نبيّ يعلم ما في الغد

أنكر على قائله وقال :دع هذا! وقل غير هذا! (٤)

وبالجملة ، لا يجوز أن يقال لأحد : فلان يعلم الغيب.

نعم ، الإخبار بالغيب بتعليم الله جائز ، وطريق هذا التعليم إمّا الوحي ، أو الإلهام عند من يجعله طريقا إلى علم الغيب.

فإن صحّ أنّ أمير المؤمنين أخبر بالمغيّبات ، فلا بدّ أن يقال :

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٥٢ الطبعة الحجرية.

(٢) سورة الأنعام ٦ : ٥٩.

(٣) سورة لقمان ٣١ : ٣٤.

(٤) انظر : صحيح البخاري ٧ / ٣٣ ح ٧٩ كتاب النكاح ، سنن أبي داود ٤ / ٢٨٢ ـ ٢٨٣ ح ٤٩٢٢ ، سنن الترمذي ٣ / ٣٩٩ ح ١٠٩٠ ، سنن ابن ماجة ١ / ٦١١ ح ١٨٩٧ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٣ / ٣٣٢ ح ٥٥٦٣ ، مسند أحمد ٦ / ٣٥٩ و ٣٦٠.


إنّه كان بتعليم الله ؛ إمّا بالإلهام كما يكون للأولياء ، أو بالسماع من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وبعض الناس على أنّه كان يعلم بالعلم الموسوم بالجفر والجامعة(١) ، وهو ـ أيضا ـ من تعليم الله.

فكان ينبغي له أن يبيّن حقيقة هذا ، ولا يطلق القول بالإخبار بالغيب ، فإنّه يوهم أنّ البشر يمكن له الإخبار بالغيب.

وأمّا ما ذكر من الإخبار بوقائع خروج الترك وخراب بغداد ، فقد

__________________

(١) انظر : شرح المواقف ٦ / ٢٢ ، الفصول المهمّة ـ لابن الصبّاغ ـ : ٢٢٣ ، نور الأبصار : ١٦٠ ـ ١٦١ ، ينابيع المودّة ٣ / ٢٢٢.

والجفر : إهاب ماعز وإهاب كبش فيهما جميع العلوم حتّى أرش الخدش ، وسلاح رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والكتب ، ومصحف فاطمة عليها‌السلام .

وإلى هذا الجفر أشار أبو العلاء المعرّي بقوله :

لقد عجبوا لأهل البيت لمّا

أتاهم علمهم في مسك جفر

ومرآة المنجّم وهي صغرى

أرته كلّ عامرة وقفر

والجامعة : هي صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، من فلق فيه وإملائه صلى الله عليه وآله وسلم وخطّ الإمام عليّ عليه السلام بيمينه ، فيها كلّ حلال وحرام ، وكلّ شيء يحتاج الناس إليه ، حتّى أرش الخدش.

انظر مثلا : الكافي ١ / ٢٦٤ ـ ٢٦٧ ح ١ و ٣ و ٤ ـ ٦ ، بصائر الدرجات : ١٧٠ ـ ١٨١ ب‍ ١٤ ح ١ ـ ٣٤ ، كتاب من لا يحضره الفقيه ٤ / ٣٠٠ ح ٩١٠ ، عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ١ / ١٩٢ ب‍ ١٩ ح ١ ، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ٢ / ١٨٦ ، الغيبة ـ للطوسي ـ : ١٦٨ ، مجمع البحرين ٣ / ٢٤٨ مادّة « جفر » وج ٤ / ٣١٤ مادّة « جمع ».

وانظر الشعر في : لزوم ما لا يلزم ١ / ٥٥٣ ، وفيات الأعيان ٣ / ٢٤٠ ، نسمة السحر ١ / ٢٦٨.

هذا ، وقد نسب علم الجفر ـ في بعض المصادر الجمهور ـ إلى الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، ولا منافاة ـ في ذلك ـ مع نسبته إلى أمير المؤمنين الإمام عليّ عليه السلام ؛ لأنّ علم الإمام الصادق عليه السلام من علم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.


جاء في بعض الأحاديث الإخبار عنه(١) ، وهو بتعليم الله ، كما يقتضيه نصوص الكتاب وضرورة الدين.

* * *

__________________

(١) انظر : كنز العمّال ١٤ / ٥٧١ ح ٣٩٦٣٠.


وأقول :

من نظر إلى مفتتح كلامه تخيّل أنّ المصنّفرحمه‌الله جاء بذنب لا يغفر! وما برح بعد القعقعة(١) حتّى كانت نتيجة كلامة أنّه ينبغي للمصنّفرحمه‌الله أن يبيّن الحقيقة ، ولا يطلق القول بالإخبار بالغيب.

وليت شعري ، أيّ جواب في هذا عن كون أمير المؤمنينعليه‌السلام ذا الفضيلة على غيره بالإخبار بالمغيّبات ، القاضي بامتيازه على غيره وبإمامته دون من سواه؟!

ثمّ أيّ ضرر في الإطلاق ، وهو ممّا لا إيهام فيه ؛ لمعلوميّة المراد منه عند الجاهل فضلا عن الفاضل؟!

على أنّ المصنّفرحمه‌الله ذكر من الأحاديث ما يدلّ على أنّ إخبار أمير المؤمنينعليه‌السلام بالغيب كان من حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فيرتفع الإيهام لو وجد.

وقد نقل ابن أبي الحديد كثيرا ممّا ذكره المصنّفرحمه‌الله ، ومن غيره ، في عدّة صحائف(٢) .

__________________

(١) القعقعة : هي حكاية أصوات السلاح والتّرسة والجلود اليابسة والحجارة والرعد والبكرة والحليّ ونحوها ؛ انظر مادّة « قعع » في : لسان العرب ١١ / ٢٤٦ ، القاموس المحيط ٣ / ٧٤ ، تاج العروس ١١ / ٣٩٠.

والمعنى هنا على المجاز أنّ ما اعترض به ابن روزبهان على العلّامة لا طائل وراءه ولا محصّل منه.

(٢) أوّلها ص ٢٠٨ من المجلّد الأوّل [ ٢ / ٢٨٦ ـ ٢٩٥ ] ، وذكر غيرها في ص ١٧٥


ويشهد لعلمه بالغيب إيصاؤه بدفنه خفية(١) ، مع كون السلطان لهم بالفعل ، فإنّه لم يقع مثله عادة ، ولا يحسن أن يفعله بنوه لو لا علمه وعلمهم باستيلاء معاوية وبني أميّة على البلاد ، وهم غير مأمونين من إهانة قبره الشريف بنبش أو نحوه.

وكذا يعلم بكثرة الخوارج بعد ، وعداوتهم له ، فخاف منهم ما خافه من بني أميّة ، أو علمه منهم جميعا ، فأوصى سيّدي شباب أهل الجنّة ـ العالمين بما يعلم ـ أن يدفناه ليلا ولا يظهرا قبره ، فأخفياه حتّى قام الرشيد ببنائه وإظهاره ؛ لكرامة ذكرها المؤرّخون(٢) .

* * *

__________________

من المجلّد الثاني وفي ما بعدها [ ٧ / ٤٧ ] ، وفي ص ٥٠٨ من هذا المجلّد [ ١٠ / ١٣ ـ ١٥ ]. منهقدس‌سره .

وانظر كذلك : شرح نهج البلاغة ٥ / ٣ وما بعدها.

(١) انظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ٥٦٥ ـ ٥٦٦ ، كفاية الطالب : ٤٧٠ ـ ٤٧١ ، البداية والنهاية ٧ / ٢٦٣ ـ ٢٦٤ ، حياة الحيوان ـ للدميري ـ ١ / ٤٧.

(٢) انظر مثلا : الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٢٦ ـ ٢٨ ، كفاية الطالب : ٤٧١ ـ ٤٧٢.


شجاعته

قال المصنّف ـ أجزل الله ثوابه وأجره ـ(١) :

المطلب الرابع : في الشجاعة

وقد أجمع الناس كافّة على أنّ عليّاعليه‌السلام كان أشجع الناس بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتعجّبت الملائكة من حملاته(٢) ، وفضّل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قتله لعمرو بن عبد ودّ على عبادة الثقلين(٣) .

ونادى جبرئيل :

لا سيف إلّا ذو الفقا

ر ، ولا فتى إلّا عليّ(٤)

وروى الجمهور أنّ المشركين كانوا إذا أبصروا عليّا في الحرب ، عهد بعضهم إلى بعض(٥) .

* * *

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٤٤.

(٢) انظر : ربيع الأبرار ١ / ٨٣٣ ، شرح نهج البلاغة ١٤ / ٢٥١.

وراجع الصفحتين ١٣٣ ـ ١٣٤ من هذا الجزء.

(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ / ٣٤ ح ٤٣٢٧ ، تاريخ بغداد ١٣ / ١٩ ذيل رقم ٦٩٧٨ ، كنز العمّال ١١ / ٦٢٣ ح ٣٣٠٣٥.

(٤) راجع الصفحة ٢٠١ ه‍ ١ ، والصفحة ٢٠٢ ه‍ ١ ، من هذا الجزء.

(٥) انظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١١٠ ح ١٠٦ ، محاضرات الأدباء ٢ / ١٥١ ، المستطرف في كلّ فنّ مستظرف ١ / ٢٢١.


وقال الفضل(١) :

شجاعة أمير المؤمنين أمر لا ينكره إلّا من أنكر وجود الرمح السّماك(٢) في السماء ، أو حصول درع السمك في الماء ، مقدام إذ الأبطال تحجم ، لبّاث إذ الملاحم تهجم.

وهذا ممّا يسلّمه الجمهور ، وليس هذا محلّ نزاع حتّى يقام عليه الدليل.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٥٣ الطبعة الحجرية.

(٢) السّماك الرامح : هو أحد السّماكين ؛ والسّماكان : هما الأعزل والرامح : نجمان نيّران في السماء.

وسمّي الأعزل أعزلا لأنّه لا شيء بين يديه ، أي لا كوكب أمامه ، كالأعزل لا رمح معه ، ويقال : لأنّه إذا طلع لا يكون في أيّامه ريح ولا برد ، وهو إلى جهة الجنوب ، وهو من منازل القمر.

والسّماك الرامح : ليس من منازل القمر ، ولا نوء له ، إنّما النوء للأعزل ، وهو إلى جهة الشمال ، وهو نجم معروف قدّام الفكّة ، وليس من منازل القمر ، سمّي بذلك لأنّه يقدمه كوكب يقولون : هو رمحه ، وهو أشدّ حمرة من الأعزل ، ويقال له كذلك : السّماك المرزم.

انظر : تاج العروس ٤ / ٥٤ مادّة « رمح » وج ١٣ / ٥٨٥ مادّة « سمك ».


وأقول :

سبق أنّ الشجاعة شرط في الإمام ، فإذا ثبتت أشجعيّة أمير المؤمنين كان أولى بالإمامة.

وقول الفضل : « شجاعة أمير المؤمنين » إلى آخره ، دون أن يقول : أشجعيّته ؛ غفلة أو تغافل ، إلّا أن يرى أن لا شجاعة لغيره ـ ولو بالنسبة إليه ـ ، فيكون حسنا.

* * *


زهده

قال المصنّف ـ رفع الله درجته ـ(١) :

المطلب الخامس : في الزهد

لا خلاف في أنّه أزهد أهل زمانه ، طلّق الدنيا ثلاثا(٢) .

قال قبيصة بن جابر : « ما رأيت في الدنيا أزهد من عليّ بن أبي طالب ، كان قوته الشعير غير المأدوم ، ولم يشبع من البرّ ثلاثة أيّام »(٣) .

قال عمر بن عبد العزيز : « ما علمنا أنّ أحدا كان في هذه الأمّة بعد النبيّ أزهد من عليّ بن أبي طالب »(٤) .

وروى أخطب خوارزم ، عن عمّار بن ياسر ، قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : « يا عليّ! إنّ الله تعالى زيّنك بزينة لم يزيّن العباد بزينة هي أحبّ إليه منها ، زهّدك في الدنيا ، وبغضها إليك ، وحبّب إليك الفقراء ، فرضيت بهم أتباعا ، ورضوا بك إماما.

يا عليّ! طوبى لمن أحبّك وصدّق عليك(٥) ، والويل لمن

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٤٤.

(٢) انظر : نهج البلاغة : ٤٨٠ رقم ٧٧ ، الأمالي ـ لأبي علي القالي ـ ٢ / ١٤٧ ، حلية الأولياء ١ / ٨٤ ـ ٨٥ ، الاستيعاب ٣ / ١١٠٧ ـ ١١٠٨.

(٣) انظر : الزهد ـ لابن أبي الدنيا ـ : ١٦٦ ح ٤٠٣.

(٤) مناقب آل أبي طالب ٢ / ١٠٨ نقلا عن اللؤلؤيات.

(٥) في المصدر : « بك ».


أبغضك وكذب عليك.

أمّا من أحبّك وصدق عليك فإخوانك في دينك ، وشركاؤك في جنّتك.

وأمّا من أبغضك وكذّب عليك ، فحقيق على الله أن يقيمه يوم القيامة مقام الكاذبين »(١) .

* * *

__________________

(١) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١١٦ ح ١٢٦ ؛ وانظر : أسد الغابة ٣ / ٥٩٨ رقم ٣٧٨٣.


وقال الفضل(١) :

أمّا زهد أمير المؤمنين فهو مسلّم عند الجمهور ، ولو أخذنا في الحكايات الدالّة على زهده ممّا رواه جمهور أصحابنا لطال الكتاب.

وهذا الرجل يزعم أنّ أهل السنّة والجماعة ينكرون فضائل أمير المؤمنين ـ حاشاهم عن ذلك ـ ، إنّما ينكر فضائل الشمس الخفافيش.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٥٣ الطبعة الحجرية.


وأقول :

ليس الغرض بيان زهد أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فإنّه أشهر وأظهر من أن يذكر ، وإنّما الغرض أزهديّته الكاشفة عن فضله الذاتي على من سواه ، وقربه الأقرب إلى الله تعالى ؛ فإن أقرّ القوم بذلك ، فنعم الوفاق ، وإلّا فليأتوا بسورة من مثله.

وتنزيه الفضل لأصحابه لا حقيقة له ؛ فإنّهم أنكروا أعظم فضائله وأجمعها للمزايا ، وهي خلافته بنصّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنكروا عصمته وفضله على من سواه ، الذي هو من أظهر الضروريّات.

والفضل بنفسه لم يستطع أن يقرّ لأمير المؤمنين ، وإمام المتّقين ، بالأفضلية في العلم ، والشجاعة ، والزهد ؛ بل أثبت له ـ كما رأيت ـ أصل هذه الأمور فقط.

فهل يرى أنّ إنكار فضائله إنّما هو بإنكار علمه ، وشجاعته ، وزهده؟! فهذا لا يقدر عليه حتّى الخوارج!!

ثمّ إنّ الحديث الذي حكاه المصنّفرحمه‌الله عن أخطب خوارزم قد حكاه في « كنز العمّال »(١) ، ونقله ابن أبي الحديد في « شرح النهج »(٢) ، كلاهما عن أبي نعيم في « الحلية » ، بسنده عن عمّار ، ولفظه هكذا :

«يا عليّ! إنّ الله قد زيّنك بزينة ، لم يزيّن العباد بزينة أحبّ إليه

__________________

(١) ص ١٥٩ من الجزء السادس [ ١١ / ٦٢٦ ح ٣٣٠٥٣ ]. منهقدس‌سره .

(٢) ص ٤٤٩ من المجلّد الثاني [ ٩ / ١٦٦ ]. منهقدس‌سره .


منها ، هي زينة الأبرار عند الله ، الزهد في الدنيا ، فجعلك لا ترزأ (١) من الدنيا شيئا ، ولا ترزأ الدنيا منك شيئا ، ووهب لك حبّ المساكين ، فجعلك ترضى بهم أتباعا ، ويرضون بك إماما »(٢) .

ثمّ قال ابن أبي الحديد : « وزاد فيه أبو عبد الله أحمد بن حنبل في ( المسند ) :فطوبى لمن أحبّك وصدّق فيك ، وويل لمن أبغضك وكذّب فيك »(٣) .

وروى الحاكم هذه الزيادة فقط(٤) ، وقال : « هذا حديث صحيح الإسناد ».

ونقلها أيضا في « الكنز » ، عن الطبراني ، والخطيب ، مع الحاكم(٥) .

* * *

__________________

(١) يقال : ما رزأ فلانا شيئا ، أي ما أصاب من ماله شيئا ولا نقص منه ؛ انظر : لسان العرب ٥ / ٢٠٠ مادّة « رزأ »

والمعنى هنا : أنّك لا تصيب ولا تأخذ من الدنيا شيئا ، ولا الدنيا تصيب منك أو تستحوذ عليك أو تأخذ منك مأخذها.

(٢) حلية الأولياء ١ / ٧١.

(٣) شرح نهج البلاغة ٩ / ١٦٧ ؛ وانظر : فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٨٤٦ ح ١١٦٢.

(٤) ص ١٣٥ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٤٥ ح ٤٦٥٧ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : مسند أبي يعلى ٣ / ١٧٩ ح ١٦٠٢.

(٥) ص ١٥٨ من الجزء السابق [ ١١ / ٦٢٢ ـ ٦٢٣ ح ٣٣٠٣٠ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : المعجم الأوسط ٢ / ٤٠٣ ح ٢١٧٨ ، موضّح أوهام الجمع والتفريق ٢ / ٣٠٣ ـ ٣٠٤ رقم ٣٥٠ ، تاريخ بغداد ٩ / ٧٢ رقم ٤٦٥٦.


كرمه

قال المصنّف ـ ضاعف الله أجره ـ(١) :

المطلب السادس : في الكرم

لا خلاف في أنّه كان أسخى الناس ، جاد بنفسه فأنزل الله في حقّه :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ ) (٢) (٣) .

وتصدّق بجميع ماله في عدّة مرار(٤) .

وجاد بقوته ثلاثة أيّام(٥) .

وكان يعمل بيده حديقة حديقة ويتصدّق بها(٦) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٤٥.

(٢) سورة البقرة ٢ : ٢٠٧.

(٣) انظر : المستدرك على الصحيحين ٣ / ٥ ح ٤٢٦٣ و ٤٢٦٤ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٦٧ ـ ٦٨ ، تفسير الفخر الرازي ٥ / ٢٢٢ ، تفسير القرطبي ٣ / ١٦.

وراجع : ج ٤ / ٣٩٣ ـ ٣٩٨ من هذا الكتاب.

(٤) انظر : أسد الغابة ٣ / ٥٩٨ رقم ٣٧٨٣ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١ / ٢٢ و ٢٦ وج ١٥ / ١٤٧ ، مناقب آل أبي طالب ٢ / ٨٤ ـ ٩٤ و ١٠٨ ـ ١٢٠.

(٥) انظر : تفسير الفخر الرازي ٣٠ / ٢٤٤ ـ ٢٤٥ ، تفسير البغوي ٤ / ٣٩٧ ، الكشّاف ٤ / ١٩٧ ، فتح القدير ٥ / ٣٤٨ ـ ٣٤٩ ، الدرّ المنثور ٨ / ٣٧١ ، أسباب النزول : ٢٤٧.

وراجع مبحث سورة ( هَلْ أَتى ) في ج ٥ / ٥٠ من هذا الكتاب.

(٦) انظر : شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٥ / ١٤٧ ، وفاء الوفا ٤ / ١١٥٠ و ١٢٧١.


وقال الفضل(١) :

جود أمير المؤمنين أشهر من سخاء البحر والسحاب ، وأظهر من موج القاموس العباب(٢) ، فهو أسخى من مدرار الهواطل إذا فاض على الرمال ، وأجود من سيل دمث(٣) يسيل بين الجبال.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٥٣ الطبعة الحجرية.

(٢) القاموس : وسط البحر ومعظمه ، وقيل : قعر البحر الأقصى ، وقيل : أبعد موضع غورا في البحر ؛ انظر : لسان العرب ١١ / ٣٠٢ مادّة « قمس ».

والعباب : كثرة الماء وارتفاع موجه ؛ انظر : لسان العرب ٩ / ٧ مادّة « عبب ».

(٣) الدّمث : السّهل اللّيّن ؛ انظر : لسان العرب ٤ / ٤٠٠ مادّة « دمث ».


وأقول :

قد عرفت أنّ الكلام ـ في هذا ونحوه ـ في الأفضليّة ، فإن أقرّ به الفضل ، فهو المراد ، وإلّا فليأت بشبهة.

وكيف يقاس بمن جاد بنفسه في جميع مواقف الزحام ، من بخل بها في كلّ مقام ، وفرّ مرارا عن سيّد الأنام(١) ؟!

أو يقاس بمن سخا بجميع ماله على الأباعد ، من ضنّ ببعضه على الأقارب ، وحمل يوم الهجرة ماله كلّه وترك بلا قوت أهله(٢) ؟!

وهل يلحق من آثر على نفسه ولم يعزّ عليه قوته ، من كانت في أموال المسلمين نهمته حتّى كبت به بطنته(٣) .

* * *

__________________

(١) إشارة إلى الشيخين وأغلب الصحابة ، حين فرّوا من الزحف ، كيوم أحد وخيبر وحنين ؛ راجع : ج ٥ / ٥٧ ه‍ ١ وص ٧٧ ه‍ ١ وص ٨٢ من هذا الكتاب ، وص ٨٩ وما بعدها من هذا الجزء.

(٢) إشارة إلى أبي بكر ، الذي احتمل ماله كلّه ولم يترك لعياله منه شيئا ؛ انظر : البداية والنهاية ٣ / ١٤١ ـ ١٤٢.

(٣) إشارة إلى عثمان بن عفّان ، فقد وصفه أمير المؤمنينعليه‌السلام في الخطبة الشقشقية بقوله : « إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه ، بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع ، إلى أن انتكث عليه فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته ».

انظر : نهج البلاغة : ٤٩ الخطبة ٣.


استجابة دعائه ، وحسن خلقه ، وحلمه

قال المصنّف ـ قدّس الله روحه ـ(١) :

المطلب السابع : في استجابة دعائه

كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد استسعد به(٢) وطلب تأمينه على دعائه يوم المباهلة ، ولم تحصل هذه المرتبة لأحد من الصحابة(٣) .

ودعا على أنس بن مالك لمّا استشهده على قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من كنت مولاه فعليّ مولاه » ؛ فاعتذر بالنسيان

فقال :اللهمّ إن كان كاذبا فاضربه ببياض لا تواريه العمامة ؛ فبرص(٤) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٤٦.

(٢) استسعد به : عدّه سعدا ويمنا ؛ انظر مادّة « سعد » في : الصحاح ٢ / ٤٨٧ ، لسان العرب ٦ / ٢٦٢ ، تاج العروس ٥ / ١٦.

(٣) راجع : ج ٤ / ٣٩٩ من هذا الكتاب.

(٤) انظر : جمهرة النسب ٢ / ٣٩٥ ، المعارف ـ لابن قتيبة ـ : ٣٢٠ ، أنساب الأشراف ٢ / ٣٨٦ ، شرح نهج البلاغة ٤ / ٧٤ وج ١٩ / ٢١٧ ـ ٢١٨.

وهناك من روى المناشدة ، وأنّ أنسا كان أحد الحاضرين حينها ، ولكنّه تكتّم عليه فلم يذكر أنّ من أصابته الدعوة هو أنس! انظر : حلية الأولياء ٥ / ٢٦ ـ ٢٧.

ومنهم من روى أنّ أنسا كان به برص ، ولم يذكر سبب ذلك! انظر : تاريخ دمشق ٩ / ٣٧٥ ـ ٣٧٧.

ومنهم من روى عن زيد بن أرقم أنّه ـ أي : زيد ـ كان أحد الموجودين حين المناشدة ، فكتم الشهادة ، فعمي ؛ انظر : المعجم الكبير ٥ / ١٧١ ح ٤٩٨٥ وص


ودعا على البراء(١) بالعمى ؛ لأجل نقل أخباره إلى معاوية ، فعمي(٢) .

__________________

١٧٤ ـ ١٧٥ ح ٤٩٩٦ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٧٤ ح ٣٣ ، شرح نهج البلاغة ٤ / ٧٤ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٠٦.

وعاد الطبراني فأورد قصّة المناشدة عن زيد نفسه ، إلّا أنّه لم يذكر كتمان الشهادة بالحديث ودعاء الإمام عليّعليه‌السلام وذهاب البصر! انظر : المعجم الأوسط ٢ / ٣٢٤ ـ ٣٢٥ ح ١٩٨٧.

وراجع : ج ٤ / ٣٢٨ من هذا الكتاب.

(١) المغيرة / خ ل. منهقدس‌سره .

نقول : ورد الاسم مصحّفا تصحيفا بيّنا في مصادر هذه الحادثة ، ففي بعضها : « الغرار » ، وفي بعضها الآخر غير ذلك ، والمنقول في أغلبها : « العيزار » ، حتّى إنّ العلّامة الحلّيقدس‌سره ضبطه كذلك في كتابه « كشف اليقين ».

ولعلّ المقصود هو ، « العيزار بن جرول التنعي » ، الذي قالوا عنه إنّه يروى عن الإمام عليّعليه‌السلام ، وقد سكت عنه بعض علمائهم ووثّقه آخرون!! فإن كان هو المقصود ، فلا بدّ أن يكون توثيقهم له بسبب ميله إلى معاوية!

انظر : التاريخ الكبير ٧ / ٧٩ رقم ٣٦١ ، الجرح والتعديل ٧ / ٣٧ رقم ١٩٧ ، الثقات ـ لابن حبّان ـ ٧ / ٣٠٢ ، تاريخ أسماء الثقات ـ لابن شاهين ـ : ٢٥٢ رقم ١٠٠٣ ، الإكمال : ٢٢٩ رقم ٦٨٦.

أمّا « المغيرة » فلم يذكر لنا التاريخ أنّه عمي ، بل ولي الكوفة لمعاوية إلى أن مات بها سنة ٥٠ ه‍.

وممّا يقوّي احتمال التصحيف هنا ؛ أنّ قضية « البراء » ـ وفق ما جاءت به الروايات ، إن صحّت ـ كانت في رحبة مسجد الكوفة عند مناشدة أمير المؤمنين عليّ عليه السلام الصحابة عن حديث الغدير ، وهذه القضية كانت في نقل أخبار الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية.

أمّا إذا كان ورود اسم « البراء » هنا صحيحا ، فيحتمل ـ حينها ـ أنّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام قد دعا على « البراء » مرّتين ، مرّة بعد المناشدة ، وأخرى بعد نقل الأخبار ، فعمي ؛ فلاحظ!

(٢) انظر : الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٣٥٠ ـ ٣٥١ ، الخرائج والجرائح


وردّت عليه الشمس مرّتين لمّا دعا به(١) .

ودعا في زيادة الماء لأهل الكوفة حتّى خافوا الغرق ، فنقص حتّى ظهرت الحيتان ، فكلّمته إلّا الجرّي والمارماهي والزمّار(٢) ، فتعجّب الناس من ذلك(٣) .

وأمّا حسن الخلق ؛ فبلغ فيه الغاية ، حتّى نسبه أعداؤه إلى الدعابة(٤) .

وكذا الحلم ؛ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لفاطمةعليها‌السلام : «إنّي زوّجتك من أقدم الناس سلما ، وأكثرهم علما ، وأعظمهم حلما »(٥) .

* * *

__________________

١ / ٢٠٧ ح ٤٨ ، مناقب آل أبي طالب ٢ / ٣١٤ ، كشف اليقين ـ للعلّامة الحلّي ـ : ١١١ ، إرشاد القلوب ٢ / ٤٠ ، أرجح المطالب : ٦٨١.

(١) انظر : وقعة صفّين : ١٣٥ ـ ١٣٦ ، منهاج السنّة ٨ / ١٩١ ـ ١٩٢ ، البداية والنهاية ٦ / ٦٥ و ٦٦ ، مزيل اللبس عن حديث ردّ الشمس : ١٤٩ ، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٣٤٥ ـ ٣٤٦.

وراجع مبحث حديث ردّ الشمس في الصفحات ٢٠٠ ه‍ ١ و ٢٠٧ ـ ٢٢٣ من هذا الجزء ، وانظر : ج ٥ / ٢٨٦ ه‍ ٢ من هذا الكتاب.

(٢) الجرّي والمارماهي والزمّار : ضروب من الأسماك ، لا فلس لها.

(٣) انظر : الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٣٤٧ ـ ٣٤٨.

(٤) انظر : نهج البلاغة : ١١٥ الخطبة ٨٤ ، العقد الفريد ٣ / ٢٩٠ ، النهاية في غريب الحديث والأثر ٢ / ١١٨ مادّة « دعب » ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٦ / ٣٢٦ ـ ٣٣٠ ، لسان العرب ٤ / ٣٤٩ مادّة « دعب » وج ١٥ / ٣٢١ مادّة « وصي ».

(٥) مسند أحمد ٥ / ٢٦ ، مصنّف عبد الرزّاق ٥ / ٤٩٠ ح ٩٧٨٣ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٠٥ ح ٦٨ ، المعجم الكبير ١ / ٩٤ ح ١٥٦ وج ٢٠ / ٢٣٠ ح ٥٣٨ ، تلخيص المتشابه ١ / ٤٧٢ رقم ٧٨٦ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٢٩ ح ١٤٤ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ١٢٦ و ١٣١ ـ ١٣٣.


وقال الفضل(١) :

ما ذكره في هذا المطلب من استجابة دعاء أمير المؤمنين ؛ فهذا أمر لا ينبغي أن يرتاب فيه ، وإذا لم يكن دعاء سيّد الأولياء مستجابا ، فمن يستجاب له الدعاء؟!

وأمّا ما ذكر أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله استسعد بدعائه ؛ فقد ذكرنا سرّ هذا الاستسعاد والاشتراك في الدعاء في المباهلة ، أنّ هذا من عادات أهل المباهلة ، أن يشاركوا القوم والنساء والأولاد في الدعاء(٢) .

ويفهم منه أنّ النبيّ استسعد بدعائه لاحتياجه إلى ذلك الاستسعاد ، وهذا باطل عقلا ونقلا.

أمّا عقلا ؛ لأنّ النبيّ لا شكّ أنّه كان مستجاب الدعوة ، ومن كان مستجاب الدعوة فلا يحتاج إلى استسعاد الغير.

وأمّا نقلا ؛ فلأنّ الاشتراك في الدعاء في المباهلة لم يكن للاستسعاد ، بل لما ذكرنا.

وأمّا ما ذكر أنّ أمير المؤمنين استشهد من أنس بن مالك ، فاعتذر بالنسيان ، فدعا عليه ؛ فالظاهر أنّ هذا من موضوعات الروافض ؛ لأنّ خبر «من كنت مولاه فعليّ مولاه » كان في غدير خمّ.

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٥٤ الطبعة الحجرية.

(٢) راجع : ج ٤ / ٤٠١ من هذا الكتاب.


وكان لكثرة سماع السامعين كالمستفاض(١) ، فأيّ حاجة إلى الاستشهاد من أنس؟!

ولو فرض أنّه استشهد ولم يشهد أنس ، لم يكن من أخلاق أمير المؤمنين أن يدعو على صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن خدمه عشر سنين ، بالبرص ؛ ووضع الحديث ظاهر.

* * *

__________________

(١) الحديث المستفيض : هو ما زاد عدد رواته عن ثلاثة في كلّ طبقة من الطبقات ، وبذلك يختلف عن الحديث المشهور ، الذي هو أعمّ من ذلك ، فقد تطرأ الشهرة على جزء منه ، كوسطه دون طرفيه.

ويقال : فاض الخبر يفيض ، واستفاض ، أي شاع وذاع ، وهو حديث مستفيض ، أي منتشر شائع ذائع بين الناس ؛ ولا يقال : مستفاض ـ فذلك لحن ـ إلّا أن يقال : مستفاض فيه.

وهو على المجاز هنا ، مأخوذ من « فاض الماء يفيض فيضا » ، أي كثر حتّى سال على طرف الوادي.

انظر : شرح شرح نخبة الفكر : ١٩٢ ، شرح البداية في علم الدراية : ٧٠ ، مقباس الهداية في علم الدراية ١ / ١٢٨ ، ومادّة « فيض » في : الصحاح ٣ / ١٠٩٩ ، لسان العرب ١٠ / ٣٦٧ ، تاج العروس ١٠ / ١٣١.


وأقول :

استجابة الدعاء في مثل هذه الأمور الخارقة للعادة لا تقع إلّا لنبيّ أو وصيّ نبيّ ؛ لاشتمالها على المعجز ، وليس مثلها لغير أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فيكون هو الإمام.

وأمّا ما ذكره من سرّ الاستسعاد ، فهو من الأسرار الخاصّة بضمائر المخالفين لأهل البيت ؛ إذ لم يظهر علمه لغيرهم ، كما عرفته في الآية السادسة(١) ، والحديث الثامن(٢) .

كما إنّ الاستسعاد لا يتوقّف على الحاجة الواقعيّة ، بل هو من أمر الله تعالى ؛ لبيان شرف آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله عنده وعنايته بهم

ومن كمال الرسول ، حيث لا يظهر منه الاعتماد على نفسه ، وأنّ له حقّا على الله في الإجابة ، كما سبق موضّحا(٣) .

وأمّا تكذيبه للدعاء على أنس بحجّة أنّ حديث الغدير مستفيض لا يحتاج إلى الاستشهاد ؛ ففيه :

إنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام إنّما أراد بيان استفاضته ، وكثرة المطّلعين عليه ؛ لتظهر إمامته بالنصّ ، وهذا ممّا يحتاج إلى أعظم الشواهد عند من نشأوا على موالاة الأوّلين ، ولو لا هذا ونحوه لم يكثر الشيعة بالكوفة ،

__________________

(١) راجع : ج ٤ / ٤٠٢ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٢) راجع مبحث حديث المباهلة في الصفحات ٧٤ ـ ٧٩ من هذا الجزء.

(٣) تقدّم في ج ٤ / ٤٠٢ ـ ٤١٠ من هذا الكتاب ، والصفحات ٧٤ ـ ٧٩ من هذا الجزء.


فيكون كتمان الشهادة فيه كتمانا لما أنزل الله تعالى ، فيستحقّ كاتمها العقوبة في الدنيا ، وأشدّ العذاب في الآخرة.

ولا ريب برجحان الدعاء بمثل البرص ؛ ليكون شاهدا عيانيّا مستمرّا على صدق حديث الغدير ، وإمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وظلم السابقين له.

ولا يستبعد منه الدعاء على خادم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فإنّ ضرر كتمانه في مثل المقام أشدّ من غيره ، وهو أولى بالعقوبة ، ولذا كان عذاب العاصية من أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ضعفين(١) .

وليس هذا أوّل سيّئة من أنس مع أمير المؤمنينعليه‌السلام ، بل له نحوها في قصّة الطائر(٢) ، وغيرها(٣) ، وهو من المنحرفين عنه.

قال ابن أبي الحديد(٤) : « ذكر جماعة من شيوخنا البغداديّين أنّ عدّة من الصحابة والتابعين والمحدّثين كانوا منحرفين عن عليّعليه‌السلام ، قائلين فيه السوء ، ومنهم من كتم مناقبه وأعان أعداءه ؛ ميلا مع الدنيا وإيثارا للعاجلة ، فمنهم : أنس بن مالك ، ناشد عليّ الناس في رحبة القصر ـ أو قالوا : برحبة الجامع ـ بالكوفة : أيّكم سمع رسول الله يقول : «من كنت مولاه فعليّ

__________________

(١) إشارة إلى قوله تعالى :( يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً ) سورة الأحزاب ٣٣ : ٣٠.

(٢) فقد ردّ أنس أمير المؤمنينعليه‌السلام ثلاثا مدّعيا انشغال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ليصرفه عن الدخول متمنّيا أن يكون الآتي واحدا من قومه ؛ انظر مبحث حديث الطائر المشوي في الصفحات ١٥٩ ـ ١٧٠ من هذا الجزء.

(٣) كبعث أمير المؤمنينعليه‌السلام لأنس إلى طلحة والزبير لمّا جاء إلى البصرة يذكّرهما شيئا ممّا سمعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في أمرهما ، فلوى عن ذلك ، فرجع إليه ، فقال : إنّي أنسيت ذلك الأمر!

انظر : نهج البلاغة ٥٣٠ رقم ٣١١.

(٤) ص ٣٦١ من المجلّد الأوّل [ ٤ / ٧٤ ]. منهقدس‌سره .


مولاه »؟

فقام اثنا عشر رجلا ، فشهدوا بها ، وأنس بن مالك في القوم لم يقم.

فقال له : يا أنس! ما يمنعك أن تقوم فتشهد ، ولقد حضرتها؟!

فقال : يا أمير المؤمنين! كبرت ونسيت.

فقال : اللهمّ إن كان كاذبا فارمه بها بيضاء لا تواريها العمامة.

قال طلحة بن عمير : فو الله لقد رأيت الوضح به بعد ذلك أبيض بين عينيه

وروى عثمان بن مطرّف : إنّ رجلا سأل أنس بن مالك في آخر عمره عن عليّ بن أبي طالب ، فقال : إنّي آليت أن لا أكتم حديثا سئلت عنه في عليّ بعد يوم الرحبة ، ذاك رأس المتّقين يوم القيامة ، سمعته والله من نبيّكم

وروى أبو إسرائيل ، عن الحكم ، عن أبي سليمان المؤذّن ، أنّ عليّا نشد الناس : من سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول :من كنت مولاه فعليّ مولاه؟

فشهد له قوم ، وأمسك زيد بن أرقم فلم يشهد ، وكان يعلمها ، فدعا عليّ عليه بذهاب البصر ، فعمي ، فكان يحدّث الناس بالحديث بعدما كفّ بصره ».

وذكر فيه أمر البرص بمحلّ آخر(١) ، ثمّ قال : « ذكر ابن قتيبة حديث البرص والدعوة في كتاب ( المعارف ) في باب البرص من أعيان

__________________

(١) ص ٣٨٨ من المجلّد الرابع [ ١٩ / ٢١٨ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : المعارف : ٣٢٠.


الرجال ، وابن قتيبة غير متّهم في حقّ عليّ على المشهور من انحرافه عنه ».

وقد روى أحمد في مسنده من عدّة طرق استشهاد أمير المؤمنينعليه‌السلام بالرحبة ، وقيام من قام للشهادة ، وفي بعضها : « فقام إلّا ثلاثة ، ودعا عليهم فأصابتهم دعوته » ، كما سبق في الآية الثانية(١) .

هذا ، وقد أغفل الفضل ما ذكره المصنّفرحمه‌الله من فضل أمير المؤمنينعليه‌السلام بالحلم وحسن الأخلاق المطلوبين في الأئمّة ، ولا ريب بامتيازه على غيره بهما(٢) .

وأمّا الحديث الذي نقله المصنّفرحمه‌الله في تفضيل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لحلم أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقد رواه أحمد في مسنده(٣) .

__________________

(١) انظر : مسند أحمد ١ / ١١٩ ، وج ٤ / ٣٧٠ ؛ وراجع : ج ٤ / ٣٢٧ ـ ٣٢٩ من هذا الكتاب.

(٢) لا سيّما على عمر ؛ فإنّه معروف بالغلظة وسوء الخلق ، كما سبق ويأتي ؛ ومن سبر سيرة عمر ظهر له صدق ما ذكرنا.

كما يعرف حال عثمان من سيرته.

وأمّا أبو بكر ؛ فقد كان ـ أيضا ـ حادّا ، كما يدلّ عليه قوله : « إنّ لي شيطانا يعتريني ، فإذا غضبت فاجتنبوني لا أوثّر في أشعاركم وأبشاركم » [ شرح نهج البلاغة ١٧ / ١٥٩ ].

قال ابن أبي الحديد ـ ص ١٦٨ من المجلّد الرابع [ ١٧ / ١٦١ ] ، بعد قول المرتضى : « إنّها صفة طائش لا يملك نفسه » ـ قال : « لعمري ، إنّ أبا بكر كان حديدا ، وقد ذكره عمر بذلك ، وذكره غيره من الصحابة [ بالحدّة والسرعة ] ». انتهى.

منه قدس‌سره .

نقول : راجع ما تقدّم في ج ٤ / ٢٣٨ ه‍ ١ و ٢ وج ٥ / ٢١٣ ه‍ ٥ ، وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه من الجزء السابع من هذا الكتاب.

(٣) ص ٢٦ من الجزء الخامس. منهقدس‌سره .


ونقله في « كنز العمّال »(١) ، عن ابن جرير ، قال : « وصحّحه » ، وعن الدولابي في « الذرّيّة الطاهرة » ، من حديث ذكر فيه خطبة أبي بكر وعمر لفاطمةعليها‌السلام ، وإباه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتزويجها من عليّعليه‌السلام ، وقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لفاطمة : «والله لقد أنكحتك أكثرهم علما ، وأفضلهم حلما ، وأقدمهم سلما » قال : « وفي لفظ : أوّلهم سلما ».

ونقله أيضا في « الكنز »(٢) ، عن الطبراني ، بلفظ : «إنّه لأوّل أصحابي سلما ، وأكثرهم علما ، وأعظمهم حلما ».

ولو لا خوف الإطالة والملال ، لذكرت في حلمه من الأخبار والآثار ما كثر

وقد ذكر ابن أبي الحديد ـ في « مقدّمة الشرح » ، وفي أثنائه ـ نبذا من حلم أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وصفحه ، وحسن أخلاقه ؛ فراجع(٣) .

* * *

__________________

(١) ص ٣٩٢ من الجزء السادس [ ١٣ / ١١٤ ح ٣٦٣٧٠ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : الذرّيّة الطاهرة : ٩٣ ح ٨٣.

(٢) ص ١٥٣ من الجزء المذكور [ ١١ / ٦٠٥ ح ٣٢٩٢٧ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : المعجم الكبير ١ / ٩٤ ح ١٥٦.

(٣) شرح نهج البلاغة ١ / ٢٢ ـ ٢٤ وج ٣ / ٣٣٠ ـ ٣٣١ وج ٦ / ١٤٦ و ٣١٣ ـ ٣١٤ و ٣١٦ وج ١٤ / ٢٤.


عبادته من فضائله البدنية

قال المصنّف ـ شرّف الله قدره ـ(١) :

القسم الثاني : في الفضائل البدنية ، وينظمها مطلبان :

الأوّل : في العبادة

لا خلاف أنّهعليه‌السلام كان أعبد الناس ، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل ، والأدعية المأثورة ، والمناجاة في الأوقات الشريفة ، والأماكن المقدّسة(٢) .

وبلغ في العبادة إلى أنّه كان يؤخذ النشّاب من جسده عند الصلاة ؛ لانقطاع نظره عن غير الله تعالى بالكلّيّة(٣) .

وكان مولانا زين العابدينعليه‌السلام يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة ، ويدعو بصحيفته ، ثمّ يرمي بها كالمتضجّر ويقول : أنّى لي بعبادة عليّعليه‌السلام (٤) .

قال الكاظمعليه‌السلام : إنّ قوله تعالى :( تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) (٥)

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٤٧.

(٢) انظر : مطالب السؤول : ١٢٤ و ١٣١ ـ ١٣٢ و ١٣٦ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١ / ٢٧ ، كفاية الطالب : ٣٩٩ ـ ٤٠٠.

(٣) المناقب المرتضوية : ٣٦٤.

(٤) كشف الغمّة ٢ / ٨٥ و ٨٦ ، ينابيع المودّة ١ / ٤٤٦ ح ١٢.

(٥) سورة الفتح ٤٨ : ٢٩.


نزلت في أمير المؤمنينعليه‌السلام (١) .

وكان يوما في صفّين مشتغلا بالحرب ، وهو بين الصفّين يراقب الشمس ، فقال ابن عبّاس : ليس هذا وقت صلاة ، إنّ عندنا لشغلا!

فقال عليّعليه‌السلام :فعلام نقاتلهم؟! إنّما نقاتلهم على الصلاة (٢) !

وهو الذي عبد الله حقّ عبادته حيث قال :ما عبدتك خوفا من نارك ، ولا شوقا إلى جنّتك ، ولكن رأيتك أهلا للعبادة فعبدتك (٣) .

* * *

__________________

(١) شواهد التنزيل ٢ / ١٨١ ـ ١٨٣ ح ٨٨٦ ـ ٨٨٨ ، روح المعاني ٢٦ / ١٩٤ ، أرجح المطالب : ٣٧ و ٦٧ و ٨٦ ، المناقب المرتضوية : ٦٦.

(٢) إرشاد القلوب ٢ / ٢٢.

(٣) شرح مائة كلمة ـ لابن ميثم البحراني ـ : ٢١٩.


وقال الفضل(١) :

عبادة أمير المؤمنين ، لا يقاربه العابدون ، ولا يدانيه الزاهدون ، الملائكة عاجزون عن تحمّل أعبائها ، وأهل القدس مغترفون من بحار صفائها.

وكيف لا؟! وهو أعرف الناس بجلال القدس ، وجمال الملكوت ، وأعشق النفوس إلى وصال الجبروت.

وأمّا ما ذكر أنّه عبد الله حقّ عبادته ، فهو لا يصحّ ؛ لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال ـ مع كمال العبادة ـ : «ما عبدناك حقّ عبادتك »(٢) .

واتّفق العارفون أنّ الله لا يقدر أحد أن يعبده حقّ عبادته ، والدلائل على هذا مذكورة في محالّه.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٥٥ الطبعة الحجرية.

(٢) انظر : الكافي ٢ / ٩٩ ح ١ وفيه : « إنّ الله لا يعبد حقّ عبادته ».


وأقول :

إنّما الممتنع هو العبادة بحقّها من جميع الوجوه ، كمّا وكيفا ، وأمّا من جهة خاصّة فلا ، كعبادته سبحانه لذاته لا خوفا ولا طمعا ، وهي التي أرادها المصنّفرحمه‌الله ؛ ولذا جعل قولهعليه‌السلام : «ما عبدتك خوفا من نارك » إلى آخره ، تعليلا لكونه عبد الله حقّ عبادته ؛ وهي عبادة الأحرار ، لا عبادة العبيد والتجّار.

قال ابن أبي الحديد في مقدّمة « الشرح » : « كان أعبد الناس ، وأكثرهم صلاة وصوما ، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل ، وملازمة الأوراد ، وقيام النافلة.

وما ظنّك برجل يبلغ من محافظته على ورده(١) ، أن يبسط له نطع(٢) بين الصّفّين ليلة الهرير(٣) ، فيصلّي عليه ورده ، والسهام تقع بين

__________________

(١) الورد ـ والجمع : الأوراد ـ : النصيب أو الجزء أو المقدار المعلوم من القرآن ، وما يكون على الرجل أن يصلّيه في الليل ؛ انظر : لسان العرب ١٥ / ٢٦٩ مادّة « ورد ».

(٢) النّطع والنّطع والنّطع والنّطع ـ والجمع : نطوع وأنطاع وأنطع ـ : بساط من الأديم ؛ انظر مادّة « نطع » في : الصحاح ٣ / ١٢٩١ ، لسان العرب ١٤ / ١٨٦ ، تاج العروس ١١ / ٤٨٢.

(٣) ليلة الهرير : ليلة من ليالي معركة صفّين ، في صفر من سنة ٣٧ ه‍ ، اقتتل الجيشان في تلك الليلة حتّى الصباح ، فتطاعنوا بالرماح حتّى تقصّفت وتكسّرت واندقّت ، وتراموا حتّى نفد النبل ، ثمّ مشى القوم بعضهم إلى بعض بالسيوف وعمد الحديد ، فلم يسمع السامع إلّا وقع الحديد بعضه على بعض ، فكشف في


يديه ، وتمرّ على صماخيه(١) يمينا وشمالا ، فلا يرتاع لذلك ، ولا يقوم حتّى يفرغ من وظيفته؟!

وما ظنّك برجل كانت جبهته كثفنة البعير(٢) ، لطول سجوده؟!

وأنت إذا تأمّلت دعواته ومناجاته ، ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه وإجلاله ، وما تتضمّنه من الخضوع لهيبته ، والخشوع لعزّته ، والاستحذاء له(٣) ، عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص ، وفهمت من أيّ قلب خرجت ، وعلى أيّ لسان جرت!

وقيل لعليّ بن الحسينعليه‌السلام ـ وكان الغاية في العبادة ـ : أين عبادتك من عبادة جدّك؟

قال :عبادتي عند عبادة جدّي ، كعبادة جدّي عند عبادة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (٤) .

ولا غرو فقد وحّد الله قبل الناس طفلا ، وعبده صبيّا مع النبيّ سبع سنين ، في محلّ لم يعبده فيه عابد ، ولم يسجد له من الملأ ساجد.

__________________

صبيحتها عن ما يقرب من سبعين ألف قتيل.

انظر : وقعة صفّين : ٤٧٥ ، الكامل في التاريخ ٣ / ١٩١ ، تاج العروس ٧ / ٦٢١ مادّة « هرر ».

(١) الصّماخ ، والسّماخ لغة فيه ـ والجمع : أصمخة وصمخ ، وبالسين لغة ـ : هو ثقب الأذن الماضي إلى داخل الرأس ، ويقال : إنّ الصماخ هو الأذن نفسها ؛ انظر : لسان العرب ٧ / ٤٠٣ مادّة « صمخ ».

(٢) الثّفنة من البعير والناقة : الرّكبة وما مسّ الأرض من جسمه وأصول أفخاذه ، والجمع : ثفن وثفنات ؛ انظر : لسان العرب ٢ / ١٠٨ مادّة « ثفن ».

(٣) الاستحذاء له : أي متابعة أوامره والانقياد لها ؛ انظر : لسان العرب ٣ / ٩٨ مادّة « حذا ».

(٤) شرح نهج البلاغة ١ / ٢٧.


وهذا بالضرورة لم يكن إلّا من كمال النفس ، وصفاء الذات ، وتمام العلم والمعرفة ، التي امتاز بها على من لم يعرف ضعة الحجارة في أكثر أعوامه ، ولم يتّصف بأدنى مراتب تلك العبادة في باقي أيّامه.

روى البخاري في : « باب يفكّر الرجل الشيء في صلاته » ـ قبل أبواب السهو ـ ، عن عمر ، قال : « إنّي لأجهّز جيشي وأنا في الصلاة »(١) .

وروى في « كنز العمّال »(٢) ، أنّ عمر صلّى بالناس المغرب ولم يقرأ شيئا ، فلمّا فرغ قيل له ، فاعتذر بأنّي جهّزت عيرا إلى الشام ، وجعلت أنقلها منقلة منقلة ، حتّى قدمت الشام فبعتها وأقتابها وأحلاسها وأحمالها.

فكيف يقاس هذا بصاحب تلك العبادة والمعرفة؟!

وهل يحسن بشريعة العقل أن يكون هذا رئيسا دينيّا ، وإماما مذهبيّا ، وذاك مأموما؟!

ما هذا بحكم عدل ، ولا قول فصل!!

* * *

__________________

(١) صحيح البخاري ٢ / ١٤٨.

(٢) ص ٢١٣ من الجزء الرابع [ ٨ / ١٣٣ ح ٢٢٢٥٧ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٢ / ٣٨٢.


جهاده في الحروب

قال المصنّف ـ طاب رمسه ـ(١) :

المطلب الثاني : في الجهاد

وإنّما تشيّدت مباني الدين ، وثبتت قواعده ، وظهرت معالمه ، بسيف مولانا أمير المؤمنين ، وتعجّبت الملائكة من شدّة بلائه في الحرب(٢) .

ففي غزاة بدر ـ وهي الداهية العظمى على المسلمين ، وأوّل حرب ابتلوا بها ـ قتل صناديد قريش الّذين طلبوا المبارزة ، كالوليد بن عتبة ، والعاص(٣) بن سعيد بن العاص ـ الذي أحجم المسلمون عنه ـ ،

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٤٨.

(٢) انظر : ربيع الأبرار ١ / ٨٣٣ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٤ / ٢٥١.

ومرّ تخريجه مؤدّاه مفصّلا في مبحث الحديث الرابع عشر ؛ فراجع الصفحتين ١٣٣ ـ ١٣٤ ه‍ ١ من هذا الجزء.

(٣) كذا في الأصل والمصدر.

نقول : والصحيح في كتابته لغة : « العاصي » ؛ إذ إنّه من الأسماء المنقوصة ، وهي كلّ اسم معرب في آخره ياء ثابتة مكسور ما قبلها ، وحكمه الإعرابي حذف الياء منه في حالتي الرفع والجرّ ، كقولنا : هذا قاض ومررت بقاض ؛ وإثباتها عند الإضافة ودخول « أل » التعريف عليها ، كقولنا : جئت من عند قاضي القضاة والقاضي العادل أمان للضعفاء ؛ وثبوتها في حالة النصب ـ كذلك ـ كقولنا : رأيت قاضيا.


ونوفل بن خويلد ـ الذي قرن أبا بكر وطلحة بمكّة قبل الهجرة ، وأوثقهما بحبل وعذّبهما(١) ـ.

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا عرف حضوره في الحرب : «اللهمّ اكفني نوفلا »(٢) .

ولمّا قتله عليّعليه‌السلام ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« الحمد لله الذي أجاب دعوتي فيه »(٣) .

ولم يزل يقتل في ذلك اليوم واحدا بعد واحد ، حتّى قتل نصف المقتولين ، وكانوا سبعين.

وقتل المسلمون كافّة ، وثلاثة آلاف من الملائكة المسوّمين النصف الآخر(٤) .

__________________

وقد شاع بين الكتّاب والمتأدّبين ـ من العصر الأوّل حتّى يومنا هذا ـ كتابته بحذف الياء ، وهو ليس بصحيح

قال المبرّد : « هو العاصي بالياء ، لا يجوز حذفها ، وقد لهجت العامّة بحذفها ».

انظر : تاج العروس ١٩ / ٦٨٢ مادّة « عصي ».

وما قلناه هنا ينطبق على الموارد نفسها التي تقدّمت وستأتي ؛ فلاحظ!

(١) انظر : المغازي ـ للواقدي ـ ١ / ١٤٨ ـ ١٤٩ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٤١٦ ح ٥٥٨٦ ، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٧٠.

(٢) المغازي ـ للواقدي ـ ١ / ٩١ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٣ / ٩٤ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٤ / ١٤٣.

(٣) المغازي ـ للواقدي ـ ١ / ٩٢ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٣ / ٩٥ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٤ / ١٤٤.

(٤) انظر : المغازي ـ للواقدي ـ ١ / ١٤٧ ـ ١٥٢ ، أنساب الأشراف ١ / ٣٥٥ ـ ٣٦٠ ، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٧٠ ـ ٧٢ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١ / ٢٤.


وفي غزاة أحد انهزم المسلمون عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ورمي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وضربه المشركون بالسيوف والرماح ، وعليّ يدافع عنه ، فنظر إليه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد إفاقته من غشيته ، وقال : ما فعل المسلمون؟

فقال :نقضوا العهد وولّوا الدّبر.

فقال :اكفني هؤلاء ؛ فكشفهم عنه.

وصاح صائح بالمدينة : قتل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ! فانخلعت القلوب ، ونزل جبرئيل قائلا :

لا سيف إلّا ذو الفقا

ر ، ولا فتى إلّا عليّ

وقال للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا رسول الله! لقد عجبت الملائكة من حسن مواساة عليّ لك بنفسه.

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :ما يمنعه من ذلك وهو منّي وأنا منه ؟!(١) .

ورجع بعض الناس لثبات عليّعليه‌السلام ، ورجع عثمان بعد ثلاثة أيّام ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :لقد ذهبت بها عريضا !(٢)

وفي غزاة الخندق أحدق المشركون بالمدينة كما قال الله تعالى :( إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ) (٣) ، ونادى المشركون بالبراز ، فلم يخرج سوى عليّ ، وفيه قتل أمير المؤمنينعليه‌السلام عمرو بن

__________________

(١) راجع مبحث الحديث الرابع عشر ، في الصفحات ١٣٣ ـ ١٤١ من هذا الجزء.

(٢) انظر : السير والمغازي ـ لابن إسحاق ـ : ٣٣٢ ، تاريخ الطبري ٢ / ٦٩ ، تفسير الفخر الرازي ٩ / ٦٤ تفسير الآية ١٥٩ من سورة آل عمران ، شرح نهج البلاغة ١٥ / ٢١ ، الكامل في التاريخ ٢ / ٥٢ ، تفسير الطبري ٣ / ٤٨٩ ح ٨١٠٢.

(٣) سورة الأحزاب ٣٣ : ١٠.


عبدِ ودّ(١) .

قال ربيعة السعدي : أتيت حذيفة بن اليمان فقلت : يا أبا عبد الله! إنّا لنتحدّث عن عليّ ومناقبه ، فيقول أهل البصرة : إنّكم لتفرطون في عليّ ؛ فهل تحدّثني بحديث؟

فقال حذيفة : والذي نفسي بيده ، لو وضع جميع أعمال أمّة محمّد في كفّة ميزان منذ بعث الله محمّدا إلى يوم القيامة ، ووضع عمل عليّ في الكفّة الأخرى ، لرجح عمل عليّ على جميع أعمالهم.

فقال ربيعة : هذا الذي لا يقام له ولا يقعد [ ولا يحمل ](٢) !

فقال حذيفة : يا لكع(٣) ! وكيف لا يحمل؟!

وأين كان أبو بكر وعمر وحذيفة وجميع أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم عمرو بن عبد ودّ وقد دعا إلى المبارزة ، فأحجم الناس كلّهم ما خلا عليّا ، فإنّه نزل إليه فقتله.

والذي نفس حذيفة بيده ، لعمله ذلك اليوم أعظم أجرا من عمل أصحاب محمّد إلى يوم القيامة(٤) .

__________________

(١) انظر : تاريخ الطبري ٢ / ٩٤ ـ ٩٥ ، الكامل في التاريخ ٢ / ٧١ ـ ٧٢ ، البداية والنهاية ٤ / ٨٥ ـ ٨٧.

(٢) أثبتناه من شرح نهج البلاغة.

(٣) اللّكع : اللئيم في الأصل ، والعييّ ، أو الصغير في العلم والعقل وإن كان كبيرا في السنّ ؛ وهو المراد هنا ، وهو تعبير مستعمل وشائع في محاوراتهم بهذا المعنى.

انظر مادّة « لكع » في : الصحاح ٣ / ١٢٨٠ ، لسان العرب ١٢ / ٣٢١ ـ ٣٢٢ ، تاج العروس ١١ / ٤٣٨.

(٤) الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ١٠٣ ، شرح نهج البلاغة ١٩ / ٦٠.


وفي يوم الأحزاب(١) تولّى أمير المؤمنين قتل الجماعة(٢) .

وفي غزاة بني المصطلق قتل أمير المؤمنين مالكا وابنه ، وسبى جويرية بنت الحارث(٣) فاصطفاها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (٤) .

وفي غزاة خيبر كان الفتح فيها لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، قتل مرحبا ، وانهزم الجيش بقتله ، وأغلقوا باب الحصن ، فعالجه أمير المؤمنينعليه‌السلام ،

__________________

(١) يوم الأحزاب : هو يوم غزاة الخندق ، سنة ٥ ه‍ ؛ وقد تقدّمت الإشارة إليها آنفا.

راجع تفسير سورة الأحزاب من كتب التفسير ، وانظر مثلا : السيرة النبوية ـ لابن هشام ـ ٤ / ١٧٠ ، تاريخ الطبري ٢ / ٩٠ ، السيرة النبوية ـ لابن حبّان ـ : ٢٥٤ ، الكامل في التاريخ ٢ / ٧٠ ، البداية والنهاية ٤ / ٧٦ ، سبل الهدى والرشاد ٤ / ٣٦٣.

(٢) كعمرو بن عبد ودّ ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي ؛ انظر : شرح نهج البلاغة ١٩ / ٦٤ ، تاريخ الخميس ١ / ٤٨٧.

وانظر مبحث حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه » في الصفحات ١٠٢ ـ ١٠٤ من هذا الجزء.

(٣) هي : أمّ المؤمنين زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية ، أخذها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من سبي يوم المريسيع ، وهي غزوة بني المصطلق ، سنة خمس أو ستّ للهجرة ، وكانت قبله عند ابن عمّ لها ، وكان اسمها « برّة » فسمّاها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله « جويرية » ، وكان عمرها حين تزوّجها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عشرين سنة ، بعد أن قضى عنها مكاتبتها لمن وقعت في سهمه ، فأرسل الناس ما في أيديهم من سبايا بني المصطلق بسبب ذلك ، فكانت عظيمة البركة على قومها ؛ توفّيت سنة ٥٠ ـ وقيل : سنة ٥٦ ه‍ ـ ولها خمس وستّون سنة ، وصلّى عليها مروان بن الحكم وهو ـ يومئذ ـ على المدينة المنوّرة من قبل معاوية.

انظر : المنتخب من أزواج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : ٤٥ رقم ٦ ، الاستيعاب ٤ / ١٨٠٤ رقم ٣٢٨٢ ، صفة الصفوة ١ / ٣٦٠ رقم ١٣٢ ، أسد الغابة ٦ / ٥٦ رقم ٦٨٢٢ ، السمط الثمين : ١٣٥ ، الإصابة ٧ / ٥٦٥ رقم ١١٠٠٢.

(٤) انظر : تاريخ الطبري ٢ / ١١١ ، السيرة النبوية ـ لابن هشام ـ ٤ / ٢٥٧ ، البداية والنهاية ٤ / ١٢٨ حوادث سنة ٦ ه‍ ، السيرة الحلبية ٢ / ٥٨٦.


ورمى به ، وجعله جسرا على الخندق للمسلمين ، وظفروا بالحصن ، وأخذوا الغنائم ، وكان يقلّه(١) سبعون رجلا(٢) .

وقالعليه‌السلام :والله ما قلعت باب خيبر بقوّة جسمانيّة ، بل بقوّة ربانيّة (٣) .

وفي غزاة الفتح قتل أمير المؤمنينعليه‌السلام الحويرث بن نفيل بن كعب(٤) ـ وكان يؤذي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ ، وقتل جماعة ، وكان الفتح على يده(٥) .

وفي غزاة حنين حين استظهر(٦) النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالكثرة ، فخرج بعشرة آلاف من المسلمين ، فعانهم(٧) أبو بكر ، وقال : لن نغلب اليوم من

__________________

(١) يقلبه / خ ل. منهقدس‌سره .

(٢) انظر : مسند أحمد ٦ / ٨ ، شرح نهج البلاغة ١ / ٢١ ، الرياض النضرة ٣ / ١٥١ ـ ١٥٢ ، المقاصد الحسنة : ٢٣٠.

(٣) انظر : المطالب العالية ١ / ٢٥٨ ، المواقف : ٤١٢ ، شرح المواقف ٨ / ٣٧١.

(٤) هو : الحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد قصيّ ـ ويبدو أنّ ما في المتن تصحيف ـ ، كان يعظم القول في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وينشد الهجاء فيه ويكثر أذاه وهو بمكّة ، فلمّا كان يوم الفتح هرب من بيته فلقيه عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام فقتله.

انظر : أنساب الأشراف ١ / ٤٥٦ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٢ / ١٠٣ ، السيرة النبوية ـ لابن هشام ـ ٥ / ٧٠ ، تاريخ الطبري ٢ / ١٦٠.

(٥) انظر : السيرة النبوية ـ لابن هشام ـ ٥ / ٦٦ و ٧٢ ، تاريخ الطبري ٢ / ١٦١ ، تاريخ دمشق ٢٩ / ٣٢ ، الكامل في التاريخ ٢ / ١٢٢ و ١٢٥ ، البداية والنهاية ٤ / ٢٣٦ و ٢٣٨.

(٦) استظهر به : استعان واستنصر به ؛ انظر : لسان العرب ٨ / ٢٧٧ ـ ٢٧٨ مادّة « ظهر ».

(٧) عانهم : أصابهم بعينه ؛ انظر مادّة « عين » في : الصحاح ٦ / ٢١٧١ ، لسان العرب


قلّة(١) ؛ فانهزموا بأجمعهم ، ولم يبق مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله سوى تسعة من بني هاشم ، فأنزل الله تعالى :( ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) (٢) ، يريد عليّا ومن ثبت معه.

وكان عليّ يضرب بالسيف بين يديه ، والعبّاس عن يمينه ، والفضل عن يساره ، وأبو سفيان بن الحارث يمسك سرجه ، ونوفل وربيعة ابنا الحارث ، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطّلب ، وعتبة ومعتّب ابنا أبي لهب.

وقتل أمير المؤمنين جمعا كثيرا ، فانهزم المشركون وحصل الأسر(٣) .

وابتلي بجميع الغزوات ، وقتال الناكثين والقاسطين والمارقين(٤) .

__________________

٩ / ٥٠٤.

والمراد هنا أنّه أصابهم بعينه فبان أثر ذلك في المنظور.

(١) انظر : المغازي ـ للواقدي ـ ٣ / ٨٩٠ ، أنساب الأشراف ١ / ٤٦٣ ، زاد المسير ٣ / ٣١٤ ، تفسير الخازن ٢ / ٢٠٩ ، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ١٤٠.

(٢) سورة التوبة ٩ : ٢٥ و ٢٦.

(٣) انظر : السيرة النبوية ـ لابن هشام ـ ٥ / ١١١ ـ ١١٣ ، أنساب الأشراف ١ / ٤٦٤ ، تاريخ اليعقوبي ١ / ٣٨١ ، شواهد التنزيل ١ / ٢٥٢ ح ٣٤٠ ـ ٣٤١ ، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ١٤٠ ـ ١٤١.

(٤) انظر : مسند البزّار ٢ / ٢١٥ ح ٦٠٤ وج ٣ / ٢٧ ح ٧٧٤ ، مسند أبي يعلى ١ / ٣٩٧ ح ٥١٩ ، المعجم الكبير ١٠ / ٩١ ح ١٠٠٥٣ و ١٠٠٥٤ ، المعجم الأوسط ٨ / ٢٥٣ ـ ٢٥٤ ح ٨٤٣٣ ، السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٤٢٥ ح ٩٠٧ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٥٠ ح ٤٦٧٤ و ٤٦٧٥ ، الاستيعاب ٣ / ١١١٧ ، تاريخ بغداد ٨ / ٣٤٠ رقم ٤٤٤٧ وج ١٣ / ١٨٧ رقم ٧١٦٥ ، موضّح أوهام الجمع والتفريق ١ / ٣٩٣ رقم ١٣ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٤٦٨ ـ ٤٧٣ ، مجمع الزوائد ٦ / ٢٣٥ ، كنز العمّال


وروى أبو بكر الأنباري في « أماليه » ، أنّ عليّاعليه‌السلام جلس إلى عمر في المسجد وعنده ناس ، فلمّا قام عرض واحد بذكره ، ونسبه إلى التّيه والعجب.

فقال عمر : حقّ لمثله أن يتيه ، والله لو لا سيفه لما قام عمود الإسلام ، وهو بعد أقضى الأمّة ، وذو سبقها(١) ، وذو شرفها.

فقال له ذلك القائل : فما منعكم يا أمير المؤمنين عنه؟!

فقال : كرهناه على حداثة السنّ ، وحبّه بني عبد المطّلب(٢) .

وحمله سورة براءة إلى مكّة ، وكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنفذ بها أبا بكر ، فنزل عليه جبرئيل وقال : إنّ ربّك يقرئك السلام ويقول لك : لا يؤدّيها إلّا أنت أو واحد منك(٣) .

وفي هذه القصّة وحدها كفاية في شرف عليّ وعلوّ مرتبته ، بأضعاف كثيرة على من لا يوثق على أدائها ولم يؤتمن عليها.

وهذه الشجاعة ، مع خشونة مأكله ؛ فإنّه لم يطعم البر ثلاثة أيّام ، وكان يأكل الشعير بغير إدام ، ويختم جريشه لئلّا يؤدمه الحسنانعليهما‌السلام (٤) .

وكان كثير الصوم ، كثير الصلاة(٥) ، مع شدّة قوّته حتّى قلع باب

__________________

١١ / ٢٩٢ ح ٣١٥٥٢ و ٣١٥٥٣ وص ٣٠٠ ح ٣١٥٧٠ وص ٣٥٢ ح ٣١٧٢٠ و ٣١٧٢١ وج ١٣ / ١١٢ ـ ١١٣ ح ٣٦٣٦٧.

(١) سابقتها / خ ل. منهقدس‌سره .

(٢) شرح نهج البلاغة ١٢ / ٨٢.

(٣) راجع مبحث الحديث السادس ، في الصفحات ٦١ ـ ٧٠ من هذا الجزء.

(٤) انظر : الغارات : ٥٦ ـ ٥٧ ، حلية الأولياء ١ / ٨٢ ، صفة الصفوة ١ / ١٣٣ ، شرح نهج البلاغة ١ / ٢٦.

(٥) شرح نهج البلاغة ١ / ٢٧.


خيبر ، وقد عجز عنه المسلمون(١) .

وفضائله أكثر من أن تحصى.

* * *

__________________

(١) انظر : الكامل في التاريخ ٢ / ١٠٢ ؛ وراجع ما مرّ آنفا في الصفحة ٤٠٢ ـ ٤٠٣ من هذا الجزء.


وقال الفضل(١) :

ما ذكر من بلاء أمير المؤمنين في الحروب مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فهذا أمر لا شبهة فيه ، وكان في أكثر الحروب صاحب الظفر ، وهذا مشهور مسلّم لا كلام لأحد فيه.

وما ذكر من بلائه يوم بدر ، وأنّه قتل الرجال من صناديد قريش ، فهو صحيح ؛ وهو أوّل من بارز الصفّ يوم بدر حين خرج عتبة ، وشيبة ، والوليد بن عتبة ، وطلبوا المبارزة ، فخرج إليهم فئة من الأنصار ، فقالوا :

نحن لا نبارزكم ؛ ثمّ نادوا : يا محمّد! فلتخرج إلينا أكفاءنا من قريش.

فقال رسول الله : يا عبيدة! يا حمزة! يا عليّ! اخرجوا

فخرجوا ، وبارز عبيدة بن الحارث عتبة ، وحمزة شيبة ، وعلي الوليد.

فقتل عليّ الوليد ، وحمزة شيبة ، واختلف الضرب بين عتبة وعبيدة ، فعاونه عليّ وحمزة وقتلوا عتبة(٢) .

وهذا أوّل مبارزة وقع في الإسلام ، وكان أمير المؤمنين فارسه.

وأمّا ما ذكر من بلائه يوم أحد ، فهو صحيح ؛ ولكن كان الصحابة ذلك اليوم صاحبي بلاء ، وكان طلحة بن عبيد الله صاحب البلاء ذلك

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٥٧ الطبعة الحجرية.

(٢) انظر : الكامل في التاريخ ٢ / ٢٢.


اليوم ، وكذا سعد بن أبي وقاص ، وأبي دجانة(١) ، وجماعة من الأنصار.

وأمّا ما ذكر من أمر حنين ، وأنّ أبا بكر عانهم ، فهذا من أكاذيبه.

وكيف يعين أبو بكر أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان هو ذلك اليوم شيخ المهاجرين وصاحب رايتهم؟! ولكن رجل من المسلمين أعجبه الكثرة فأنزل الله تلك الآية(٢) .

وأمّا ما ذكر من أنّ عتبة ومعتّب ابني أبي لهب وقفوا عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم حنين ، فهذا من عدم علمه بالتاريخ!

ألم يعلم أنّ عتبة دعا عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يسلّط الله عليه كلبا من كلابه ، فافترسه الأسد ـ وذلك قبل الهجرة ـ ومات في الكفر ؛ فكيف حضر مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في غزوة حنين؟!

وهذا من جهله بأحوال السابقين!

وأمّا قصّة سورة براءة فقد ذكرنا حقيقته قبل هذا ؛ وأنّه كان لأجل أن يعتبر العرب على نبذ العهود ، لا لأنّه لم يكن أبو بكر موثوقا به في أداء

__________________

(١) كذا في الأصل ، وهو ليس بغريب من ابن روزبهان! والصواب : أبو دجانة ؛ وهو : أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري الخزرجي الساعدي ، شهد بدرا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان من الأبطال الشجعان ، وله مقامات محمودة في مغازي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان من الثابتين يوم أحد دفاعا عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد آخى بينه وبين عتبة بن غزوان ، استشهد يوم اليمامة ، وقيل : بل عاش حتّى شهد مع الإمام أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام صفّين.

انظر : معرفة الصحابة ـ لأبي نعيم ـ ٣ / ١٤٣٥ رقم ١٣٥٣ ، الاستيعاب ٢ / ٦٥١ رقم ١٠٦٠ وج ٤ / ١٦٤٤ رقم ٢٩٣٨ ، أسد الغابة ٢ / ٢٩٩ رقم ٢٢٣٥ وج ٥ / ٩٥ رقم ٤٨٥٦ ، الإصابة ٧ / ١١٩ رقم ٩٨٥٧.

(٢) راجع الصفحة ٤٠٣ ـ ٤٠٤ من هذا الجزء.


سورة براءة(١) .

وهذا كلام لا يرتضيه أحد من المسلمين أنّ مثل أبي بكر ـ وكان شيخ المهاجرين ، وأمين رسول الله ـ لا يثق عليه رسول الله في نبذ العهد وقراءة سورة براءة ؛ وهذا من غاية تعصّبه وجهله بأحوال الصحابة!

* * *

__________________

(١) تقدّم ذلك في الصفحة ٦٢ ـ ٦٣ من هذا الجزء ؛ فراجع!


وأقول :

لا نعرف بلاء لأحد يوم أحد إلّا لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأبي دجانة ، والمستشهدين.

وما قيل من بلاء طلحة وسعد فمحلّ نظر ؛ لأنّهما ممّن فرّوا.

روى الطبري في « تاريخه »(١) ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، قال :

« انتهى أنس بن النضر ـ عمّ أنس بن مالك ـ إلى عمر بن الخطّاب وطلحة ابن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار ، وقد ألقوا بأيديهم ، فقال :

ما يجلسكم؟

قالوا : قتل محمّد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله !

قال : فما تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله.

ثمّ استقبل القوم حتّى قتل ».

ومثله في « كامل » ابن الأثير(٢) ، وفي « الدرّ المنثور » للسيوطي ، عن ابن جرير(٣) .

__________________

(١) ص ١٩ من الجزء الثالث [ ٢ / ٦٦ حوادث سنة ٣ ه‍ ]. منهقدس‌سره .

(٢) ص ٧٥ من الجزء الثاني [ ٢ / ٥٠ ـ ٥١ حوادث سنة ٣ ه‍ ]. منهقدس‌سره .

(٣) الدرّ المنثور ٢ / ٣٣٦ تفسير الآية ١٤٤ من سورة آل عمران ؛ وانظر : السير والمغازي ـ لابن إسحاق ـ : ٣٣٠ ، المغازي ـ للواقدي ـ ١ / ٢٨٠ ، السيرة النبوية ـ لابن هشام ـ ٤ / ٣١ ـ ٣٢ ، الثقات ـ لابن حبّان ـ ١ / ٢٢٨ ، الأغاني ١٥ / ١٨٩ ، البداية والنهاية ٤ / ٢٨ ، تاريخ الخميس ١ / ٤٣٤.


هذا ممّا دلّ على فرار طلحة وعدم بلائه.

وأمّا ما دلّ على فرار سعد

فمنه : ما رواه الطبري ، عن السدّي ، قال : « لم يقف إلّا طلحة ، وسهل بن حنيف(١) »(٢) .

ومنه : ما رواه الحاكم ، في كتاب المغازي من « المستدرك »(٣) ، عن سعد ، قال : « لمّا جال(٤) الناس عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تلك الجولة [ يوم أحد ] ، تنحّيت فقلت : أذود عن نفسي ، فإمّا أن أستشهد ، وإمّا أن أنجو » الحديث.

ومنه : ما نقله ابن أبي الحديد(٥) ، عن الواقدي ، قال : « بايعه يومئذ على الموت ثمانية ؛ ثلاثة من المهاجرين ، وخمسة من الأنصار.

__________________

(١) هو : سهل بن حنيف بن واهب الأنصاري الأوسي ، شهد بدرا والمشاهد كلّها مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وثبت يوم أحد مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا انهزم الناس ، وكان بايعه يومئذ على الموت ، وكان يرمي بالنبل عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ صحب الإمام أمير المؤمنين عليّاعليه‌السلام حين بويع له ، واستخلفه أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام على المدينة حين سار منها إلى البصرة ، وشهد معه صفّين ، وولّاه بلاد فارس ، وتوفّي في الكوفة سنة ٣٨ ه‍ ، وصلّى عليه الإمام عليّعليه‌السلام .

انظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٣ / ٣٥٨ رقم ١٣٤ ، معرفة الصحابة ـ لأبي نعيم ـ ٣ / ١٣٠٦ رقم ١١٨١ ، الاستيعاب ٢ / ٦٦٢ رقم ١٠٨٤ ، أسد الغابة ٢ / ٣١٨ رقم ٢٢٨٨ ، الإصابة ٣ / ١٩٨ رقم ٣٥٢٩.

(٢) ص ٢٠ ج ٣ [ تاريخ الطبري ٢ / ٦٧ ]. منهقدس‌سره .

(٣) ص ٢٦ من الجزء الثالث [ ٣ / ٢٨ ح ٤٣١٤ ]. منهقدس‌سره .

(٤) جال يجول جولانا وجولة : إذا ذهب وجاء وانكشف ثمّ كرّ ؛ والمراد هنا : انهزم وانكشف وزال عن مكانه ؛ انظر مادّة « جول » في : النهاية في غريب الحديث والأثر ١ / ٣١٧ ، تاج العروس ١٤ / ١٢٦.

(٥) ص ٣٨٨ من المجلّد الثالث [ ١٥ / ٢٠ ]. منهقدس‌سره .


فأمّا المهاجرون : فعليّ ، وطلحة ، والزبير ـ إلى أن قال : ـ وأمّا باقي المسلمين ففرّوا ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يدعوهم في أخراهم(١) ، حتّى انتهى منهم إلى قريب من المهراس(٢) ».

وروى القوشجي في « شرح التجريد » ما يدلّ على فرار طلحة وسعد ـ عند ذكر نصير الدينرحمه‌الله لغزاة أحد ـ ، قال : « جمع له ـ أي : لعليّ ـ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بين اللواء والراية ، وكانت راية المشركين مع طلحة بن أبي طلحة ـ وكان يسمّى كبش الكتيبة ـ فقتله عليّ.

فأخذ الراية غيره فقتله عليّ ، ولم يزل يقتل واحدا بعد واحد ، حتّى قتل تسعة نفر ؛ فانهزم المشركون واشتغل المسلمون بالغنائم.

فحمل خالد بن الوليد بأصحابه على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فضربوه بالسيوف والرماح والحجر حتّى غشي عليه ، فانهزم الناس عنه سوى عليّ.

فنظر إليه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد إفاقته وقال له :اكفني هؤلاء ؛ فهزمهم عليّ عنه ، وكان أكثر المقتولين منه »(٣) .

__________________

(١) إشارة إلى قوله تعالى :( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ ) سورة آل عمران ٣ : ١٥٣.

(٢) المهراس : موضع ماء بأحد ؛ وقال سديف بن إسماعيل بن ميمون ، مولى بني هاشم ، في قصيدته المشهورة حين قدم على أبي العبّاس السفّاح :

واذكروا مصرع الحسين وزيد

وقتيلا بجانب المهراس

وقد عنى به حمزة بن عبد المطّلب عليه‌السلام .

انظر مادّة « هرس » في : لسان العرب ١٥ / ٧٥ ، تاج العروس ٩ / ٣٨ ؛ وانظر كذلك : تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٩٤ ، الكامل في التاريخ ٥ / ٧٧ ، تاريخ ابن خلدون ٣ / ١٦٢.

(٣) شرح تجريد الاعتقاد : ٤٨٦ ، وانظر : تجريد الاعتقاد : ٢٦٠.


وبهذا جاءت أخبارنا ، لكن مع ذكرها لثبات أبي دجانة(١) .

ولو سلّم أنّ طلحة وسعدا ثبتا ، فلا نعرف لهما بلاء يذكر.

ودعوى أنّ طلحة أصابه شلل وقاية لوجه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله محلّ نظر ، ولذا نسبه الشعبي إلى الزعم.

فقد حكى في « كنز العمّال »(٢) ، في كتاب الغزوات ، عن ابن أبي شيبة ، عن الشعبي ، قال : « أصيب يوم أحد أنف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ورباعيّته ، وزعم أنّ طلحة وقى رسول الله بيده ، فضرب فشلّت يده(٣) ».

ولعلّ الشلل كان حينما فرّ!!

على أنّ عمدة المستند في ثباتهما وبلائهما هو نفسهما ، وهما محلّ التهمة ، لا سيّما مع العلم بكذبهما في بعض ما ادّعياه!

روى البخاري في غزاة أحد ، وفي مناقب المهاجرين ، عن أبي عثمان ، قال : « لم يبق مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في بعض تلك الأيّام التي قاتل فيهنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله غير طلحة وسعد ، عن حديثهما »(٤) .

إذ لا ريب ـ على تقدير ثباتهما في أحد ـ قد ثبت معهما غيرهما

__________________

(١) انظر مثلا : الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٨١ ـ ٨٦ ، إعلام الورى ١ / ٣٧٧ ـ ٣٧٨.

(٢) ص ٢٧٧ من الجزء الخامس [ ١٠ / ٤٣٨ ح ٣٠٠٦١ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : مصنّف ابن أبي شيبة ٨ / ٤٩٠ ح ٣٤.

(٣) في المصدر : « أصبعه » ، وفي « المصنّف » : « أصابعه ».

والأصبع : واحدة الأصابع ، تذكّر وتؤنّث ، وفيه لغات ؛ انظر : لسان العرب ٧ / ٢٧٩ مادّة « صبع ».

(٤) صحيح البخاري ٥ / ٩٤ ح ٢١٦ وص ٢١٩ ح ١٠١.


كأمير المؤمنينعليه‌السلام ، فكيف يقولون : لم يبق غيرهما ؛ وليس هناك مقام آخر فرّ فيه المسلمون وثبتا فيه وحدهما؟!

فإذا علم كذبهما في ذلك ، كانا محلّ التهمة في كلّ ما أخبرا به ، ومنه دعوى سعد أنّ رسول الله جمع له أبويه وفداه بهما(١) !

ولو سلّم أنّهما لم يفرّا ، وأنّ لهما بلاء في أحد ، فلا يقاسان بأمير المؤمنينعليه‌السلام ، الذي عجبت الملائكة من حسن مواساته ، وصاح بمدحه جبرئيل ، حتّى يجعلهما الفضل في عرضه!

ولو أعرضنا عن هذا كلّه ؛ فعمدة المقصود : تفضيل أمير المؤمنينعليه‌السلام على المشايخ الثلاثة في الشجاعة والجهاد ، كسائر الصفات الحميدة ، والآثار الجميلة ، فلا ينفع الفضل إثبات شجاعة طلحة وسعد وبلائهما في أحد وحدهما دون المشايخ!

فكيف يستحقّون التقدّم على يعسوب الدين ، وليث العالمين ، وزين العلماء العاملين ، ونفس النبيّ الأمين؟!

لا سيّما عثمان! الذي اتّفقت الكلمة والأخبار على فراره بأحد ، وأنّه إنّما رجع بعد ثلاثة أيّام ، فقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لقد ذهبت بها عريضا ! »(٢) .

وكذا عمر ؛ فإنّ أكثر أخبارهم تدلّ على فراره

منها : جميع ما سبق.

ومنها : ما ذكره السيوطي في « الدرّ المنثور » ، بتفسير قوله سبحانه :

__________________

(١) انظر : صحيح البخاري ٥ / ٩٤ ح ٢١٨ ، صحيح مسلم ٧ / ١٢٥.

(٢) تقدّم تخريجه في الصفحة ٤٠٠ ه‍ ٢ ؛ فراجع!


( وَما مُحَمَّدٌ إِلأَرَسُولٌ ) (١) الآية ، قال : أخرج ابن المنذر(٢) ، عن كليب ، قال : خطبنا عمر فكان يقرأ على المنبر « آل عمران » ويقول : إنّها أحدية.

ثمّ قال : تفرّقنا عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم أحد ، فصعدت الجبل ، فسمعت يهوديّا يقول : قتل محمّد!

فقلت : لا أسمع أحدا يقول قتل محمّد إلّا ضربت عنقه ؛ فنظرت فإذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والناس يتراجعون إليه ، فنزلت هذه الآية :( وَما مُحَمَّدٌ إِلأَرَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) (٣) .

وليت شعري من أين جاء اليهودي هناك؟!

وأين كانت هذه الحماسة عن قريش؟!

ومنها : ما نقله في « كنز العمّال » ، في تفسير سورة آل عمران ـ بعدما ذكر حديث ابن المنذر المذكور(٤) ـ ، عن ابن جرير ، عن كليب ، قال :

__________________

(١) سورة آل عمران ٣ : ١٤٤.

(٢) هو : أبو بكر محمّد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري ، نزيل مكّة ، والمتوفّى بها سنة ٣١٨ ه‍ ، كان فقيها حافظا محدّثا ، أخذ الفقه عن أصحاب الشافعي ، ولا يتقيّد في اختيار فتياه بمذهب بعينه ، صنّف كتبا عديدة في الإجماع والخلاف ومذاهب العلماء وغيرها ، منها : الإشراف على مذاهب أهل العلم ، الإقناع ، الأوسط ، الإجماع ، المبسوط ، تفسير القرآن.

انظر : طبقات الفقهاء ـ لأبي إسحاق ـ : ١٠٥ ، وفيات الأعيان ٤ / ٢٠٧ رقم ٥٨٠ ، تهذيب الأسماء واللغات ٢ / ١٩٦ رقم ٣٠١ ، سير أعلام النبلاء ١٤ / ٤٩٠ رقم ٢٧٥ ، طبقات الشافعية الكبرى ٣ / ١٠٢ رقم ١١٨ ، لسان الميزان ٥ / ٢٧ رقم ١٠٤ ، طبقات الحفّاظ : ٣٣٠ رقم ٧٤٦.

(٣) الدرّ المنثور ٢ / ٣٣٤.

(٤) ص ٢٣٨ من الجزء الأوّل [ ٢ / ٣٧٥ ح ٤٢٩٠ ]. منهقدس‌سره .


خطبنا عمر فقرأ آل عمران ، فلمّا انتهى إلى قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ ) (١) قال : لمّا كان يوم أحد هزمناهم ، ففررت حتّى صعدت الجبل ، فلقد رأيتني أنزو كأنّني أروى(٢) »(٣) الحديث.

ومنها : ما ذكره ابن أبي الحديد(٤) ، نقلا عن الواقدي ، قال : « لمّا صاح إبليس : إنّ محمّدا قد قتل ؛ تفرّق الناس ـ إلى أن قال : ـ وممّن فرّ عمر وعثمان ».

ومنها : ما حكاه أيضا عن الواقدي ، في قصّة الحديبية ، قال : « قال عمر : ألم تكن حدّثتنا أنّك ستدخل المسجد الحرام؟! ـ إلى أن قال : ـ ثمّ أقبل على عمر فقال : أنسيتم يوم أحد( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ ) (٥) وأنا أدعوكم في أخراكم؟! »(٦) الحديث.

.. إلى غير ذلك من الأخبار(٧) .

__________________

(١) سورة آل عمران ٣ : ١٥٥.

(٢) الأروى : جمع كثرة للأرويّة ، وهي الأيايل التي تعيش في الجبال ، وقيل : إنّها غنم الجبال ، والأنثى من الوعول ؛ انظر : لسان العرب ٥ / ٣٨٤ مادّة « روي ».

(٣) كنز العمّال ٢ / ٣٧٦ ح ٤٢٩١ ، وانظر : تفسير الطبري ٣ / ٤٨٨ ح ٨٠٩٧.

(٤) ص ٣٨٩ ج ٣ [ ١٥ / ٢٤ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : المغازي ـ للواقدي ـ ١ / ٢٧٧ ـ ٢٧٩.

(٥) سورة آل عمران ٣ : ١٥٣.

(٦) شرح نهج البلاغة ١٥ / ٢٤ ، وانظر : المغازي ـ للواقدي ـ ٢ / ٦٠٩.

(٧) منها : ما أخرجه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٥ / ٢٢ ، أنّ عمر جاءته في أيّام خلافته امرأة تطلب بردا من برود كانت بين يديه ، وجاءت معها بنت لعمر تطلب بردا أيضا ، فأعطى المرأة وردّ ابنته ، فقيل له في ذلك ، فقال : إنّ أبا هذه


وأمّا أبو بكر ؛ فيدلّ على فراره أيضا أخبار

منها : بعض ما قدّمناه في أدلّة فرار سعد وطلحة(١) .

ومنها : ما رواه الحاكم في « المستدرك »(٢) ، وصحّحه ، عن عائشة ، قالت : قال أبو بكر : لمّا جال الناس عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم أحد كنت أوّل من فاء.

ومنها : ما نقله في « كنز العمّال »(٣) ، في غزاة أحد ، عن أبي داود الطيالسي ، وابن سعد ، والبزّار ، والدارقطني ، وابن حبّان ، وأبي نعيم ، والضياء في « المختارة » ، وغيرهم ، بأسانيدهم عن عائشة ، قالت : كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد بكى ، ثمّ قال : ذاك كان كلّه يوم طلحة!

ثمّ أنشأ يحدّث ، قال : كنت أوّل من فاء يوم أحد ، فرأيت رجلا يقاتل مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله [ دونه ] ، فقلت : كن طلحة حيث فاتني ما فاتني ، فقلت : يكون رجلا من قومي أحبّ إليّ » الحديث.

__________________

ثبت يوم أحد ، وأبا هذه فرّ يوم أحد ولم يثبت.

ومنها : ما رواه الواقدي في المغازي ١ / ٢٣٧ ونقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٥ / ٢٢ ـ ٢٣ ، عن خالد بن الوليد ، أنّه كان يقول : لقد رأيتني ورأيت عمر بن الخطّاب حين جال المسلمون وانهزموا يوم أحد وما معه أحد ، وأنّي لفي كتيبة خشناء ، فما عرفه منهم أحد غيري ، وخشيت إن أغريت به من معي أن يصمدوا له ، فنظرت إليه وهو متوجّه إلى الشعب.

(١) راجع ما مرّ آنفا في الصفحة ٤١٠ وما بعدها من هذا الجزء.

(٢) ص ٢٧ ج ٣ [ ٣ / ٢٩ ح ٤٣١٥ ]. منهقدس‌سره .

(٣) ص ٢٩٤ ج ٣ [ ١٠ / ٤٢٤ ـ ٤٢٥ ح ٣٠٠٢٥ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : مسند أبي داود الطيالسي : ٣ ، مسند البزّار ١ / ١٣٢ ح ٦٣ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٣ / ١٦٣ ، الأوائل ـ للطبراني ـ : ٩١ ح ٦٣ ، معرفة الصحابة ١ / ٩٦ ح ٣٦٩ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٢٩٨ ح ٥١٥٩ ، تاريخ دمشق ٢٥ / ٧٥.


ومنها : ما رواه مسلم ، في أوّل غزوة أحد ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش(١) .

ومن المعلوم أنّ أحد الرجلين عليّ ، والآخر ليس أبا بكر ؛ إذ لا رواية ولا قائل في ثباته ، وفرار سعد أو طلحة.

ومنها : ما رواه الحاكم في فضائل أبي بكر من « المستدرك »(٢) ، عن ابن عبّاس ، في قوله تعالى :( وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) (٣) ، قال : « أبو بكر وعمر » ؛ ثم قال الحاكم : « صحيح على شرط الشيخين ».

ونقله السيوطي في « الدرّ المنثور » ، عن الحاكم ، قال : « وصحّحه » ، وعن البيهقي في « سننه » ، عن ابن عبّاس ، قال : نزلت هذه الآية في : أبي بكر وعمر(٤) .

ونقل الرازي في « تفسيره » ، عن الواحدي في « الوسيط » ، عن عمرو ابن دينار ، أنّه قال : الذي أمر الله(٥) بمشاورته في هذه الآية : أبو بكر وعمر(٦) .

ووجه الدلالة في ذلك على فرار أبي بكر وكذا عمر ، أنّ من أمر الله سبحانه بمشاورته هم المنهزمون في أحد ، الّذين أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالعفو عنهم.

__________________

(١) صحيح مسلم ٥ / ١٧٨.

(٢) ص ٧٠ من الجزء الثالث [ ٣ / ٧٤ ح ٤٤٣٦ ]. منهقدس‌سره .

(٣) سورة آل عمران ٣ : ١٥٩.

(٤) الدرّ المنثور ٢ / ٣٥٩ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ١٠ / ١٠٨ ـ ١٠٩.

(٥) في المصدر : « النبيّ ».

(٦) تفسير الفخر الرازي ٩ / ٧٠ ، وانظر : الوسيط ١ / ٥١٢ ـ ٥١٣.


ولذا استشكل الرازي في رواية الواحدي فقال : « وعندي فيه إشكال ؛ لأنّ الّذين أمر الله رسوله بمشاورتهم في هذه الآية هم الّذين أمره أن يعفو عنهم ويستغفر لهم ، وهم المنهزمون.

فهب أنّ عمر كان من المنهزمين فدخل تحت الآية ، إلّا أنّ أبا بكر ما كان منهم ، فكيف يدخل تحت هذه الآية؟! والله أعلم »(١) انتهى.

وفيه : إنّ الإشكال موقوف على تقدير ثبات أبي بكر ، وهو خلاف الحقيقة!

هذا ، والآية ظاهرة في الأمر بمشاورتهم للتأليف ، كما يظهر من كثير من أخبارهم(٢) .

ومثله الأمر بالعفو عنهم والاستغفار لهم ، كما ستعرف إن شاء الله تعالى.

وقال ابن أبي الحديد(٣) : « قال الجاحظ : وقد ثبت أبو بكر مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم أحد كما ثبت عليّ ، فلا فخر لأحدهما على صاحبه.

قال شيخنا أبو جعفر : أمّا ثباته يوم أحد فأكثر المؤرّخين وأرباب السير ينكرونه ، وجمهورهم يروي أنّه لم يبق مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلّا عليّ وطلحة والزبير وأبو دجانة.

وقد روى عن ابن عبّاس أنّه قال : ولهم خامس ، وهو عبد الله بن

__________________

(١) تفسير الفخر الرازي ٩ / ٧٠.

(٢) انظر مثلا : تفسير الماوردي ١ / ٤٣٣ ، تفسير الطبري ٣ / ٤٩٥ ـ ٤٩٦ ، تفسير القرطبي ٤ / ١٦١.

(٣) ص ٢٨١ من المجلّد الثالث [ ١٣ / ٢٩٣ ـ ٢٩٤ ]. منهقدس‌سره .


مسعود ؛ ومنهم من أثبت سادسا ، وهو المقداد بن عمرو.

وروى يحيى بن سلمة بن كهيل ، قال : قلت [ لأبي ] : كم ثبت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم أحد؟

فقال : اثنان.

قلت : من هما؟

قال : عليّ وأبو دجانة.

وهب أنّ أبا بكر ثبت يوم أحد كما يدّعيه الجاحظ ، أيجوز له أن يقول : ( ثبت كما ثبت عليّ ، فلا فخر لأحدهما على الآخر )؟! وهو يعلم آثار عليّ ذلك اليوم ، وأنّه قتل أصحاب الألوية من بني عبد الدار ، منهم : طلحة بن أبي طلحة ، الذي رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في منامه أنّه مردف كبشا ، فأوّله وقال :كبش الكتيبة نقتله ؛ فلمّا قتله عليّ مبارزة ـ وهو أوّل قتيل قتل من المشركين ذلك اليوم ـ كبّر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال :هذا كبش الكتيبة !

وما كان [ منه ] من المحاماة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد فرّ المسلمون وأسلموه ، فتصمد له كتيبة من قريش ، فيقول : يا عليّ! اكفني هذه ؛ فيحمل عليها فيهزمها ، ويقتل عميدها ، حتّى سمع المسلمون والمشركون صوتا من قبل السماء :

لا سيف إلّا ذو الفقا

ر ولا فتى إلّا علي

وحتّى قال النبيّ عن جبرئيل ما قال!

أتكون هذه آثاره وأفعاله ثمّ يقول الجاحظ : لا فخر لأحدهما على صاحبه؟!


( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ ) (١) ».

وليت شعري ، كيف يتصوّر ثبات أبي بكر في ذلك اليوم الهائل وحومة الحرب الطاحنة وما أصاب ولا أصيب؟!

أتراهم ينعون شلل أصبع طلحة ، ولا ينعون جرح أبي بكر لو أصيب؟!

وكيف يسلم وهو قد ثبت للحرب ومحاماة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو يرى ما جنى عليه الكافرون؟! ولا سيّما قد زعم أولياؤه أنّه قرين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في طلب قريش له ، حتّى بذلوا في قتله ما بذلوا في قتل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) !

وأمّا تكذيب الفضل للمصنّفرحمه‌الله في دعوى أنّ أبا بكر عانهم يوم حنين ، فمن الجهل ؛ لأنّ الرازي والزمخشري ذكرا من الأقوال : إنّ أبا بكر هو القائل : « لن نغلب اليوم عن(٣) قلّة »(٤) .

وروى القوشجي في « شرح التجريد » ، عند تعرّض المصنّف لغزاة حنين ، قال : « سار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في عشرة آلاف ، فتعجّب أبو بكر من كثرتهم وقال : ( لن نغلب اليوم لقلّة ) ، فانهزموا بأجمعهم ، ولم يبق مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله سوى تسعة نفر : عليّ ، والعبّاس ، وابنه الفضل ، وأبو سفيان

__________________

(١) سورة الأعراف ٧ : ٨٩.

(٢) زعموا فضيلة اختلقوها له! استندوا فيها إلى قوله تعالى :( إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ ) سورة التوبة ٩ : ٤٠ ؛ انظر مؤدّى ذلك في العثمانية : ٢٨ وما بعدها.

(٣) كذا في الأصل ، وفي المصدرين : « من » ؛ وكلاهما بمعنى!

(٤) تفسير الفخر الرازي ١٦ / ٢٢ ، تفسير الكشّاف ٢ / ١٨٢.


ابن الحارث ، ونوفل بن الحارث(١) ، وربيعة بن الحارث(٢) ، وعبد الله بن الزبير(٣) ، وعتبة ومعتّب(٤) ابنا أبي لهب.

__________________

(١) هو : أبو الحارث نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب بن هاشم القرشي الهاشمي ، ابن عمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان أسنّ من إخوته ومن سائر من أسلم من بني هاشم ، أسر يوم بدر وفداه عمّه العبّاس ، وقيل : بل هو الذي فدى نفسه برماح كانت له ، ثمّ أسلم وهاجر أيّام الخندق ، وقيل : بل أسلم يوم فدى نفسه ، شهد فتح مكّة وحنينا والطائف ، آخى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بينه وبين العبّاس ، وكان ممّن ثبت يوم حنين مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأعان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم حنين بثلاثة آلاف رمح ، توفّي بالمدينة سنة ١٥ ه‍.

انظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٤ / ٣٣ رقم ٣٤٧ ، معرفة الصحابة ـ لأبي نعيم ـ ٥ / ٢٦٨٧ رقم ٢٨٩٧ ، الاستيعاب ٤ / ١٥١٢ رقم ٢٦٤٢ ، أسد الغابة ٤ / ٥٩٣ رقم ٥٣١٠.

(٢) هو : أبو أروى ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب بن هاشم القرشي الهاشمي ، كان أسنّ من عمّه العبّاس بسنتين ، كان غائبا بالشام حين خرج المشركون إلى بدر فلم يشهدها معهم ، ثمّ أسلم مع عمّه العبّاس وأخيه نوفل أيّام الخندق ، شهد مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فتح مكّة والطائف وحنين ، وتوفّي بالمدينة سنة ٢٣ ه‍ أيّام عمر ابن الخطّاب بعد أخويه نوفل وأبي سفيان.

انظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٤ / ٣٥ رقم ٣٤٨ ، معرفة الصحابة ـ لأبي نعيم ـ ٢ / ١٠٨٥ رقم ٩٤٣ ، الاستيعاب ٢ / ٤٩٠ رقم ٧٥٦ ، أسد الغابة ٢ / ٥٧ رقم ١٦٣٥.

(٣) هو : عبد الله بن الزبير بن عبد المطّلب بن هاشم القرشي الهاشمي ، لا عقب له ، ويروى أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يقول له : ابن عمّي وحبّي ؛ استشهد يوم أجنادين سنة ١٣ ه‍ ، ووجد عنده عصبة من الروم قد قتلهم ، ثمّ أثخنته الجراح فمات ، وكان أوّل من برز يومئذ ، وكانت سنّه يوم توفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نحوا من ثلاثين سنة.

انظر : جمهرة النسب ١ / ٢١ ، الاستيعاب ٣ / ٩٠٤ رقم ١٥٣٤ ، التبيين في أنساب القرشيّين : ١٤٠ ، أسد الغابة ٣ / ١٣٧ رقم ٢٩٤٦ ، الإصابة ٤ / ٨٩ رقم ٤٦٨٤.

(٤) في المصدر : « مصعب » ، وهو تصحيف ظاهر.


فخرج أبو جرول وقتله عليّ ، فانهزم المشركون ، وأقبل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وسار نحو العدوّ ، فقتل عليّ منهم أربعين وانهزم الباقون وغنمهم المسلمون »(١) .

ومن المعلوم أنّ الإصابة بالعين تحصل من نحو هذا التعجّب ؛ ولذا ساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قوله : « لن نغلب اليوم عن قلّة ».

قال السيوطي في « الدرّ المنثور » : أخرج البيهقي في « الدلائل » ، عن الربيع ، أنّ رجلا قال يوم حنين : « لن نغلب اليوم عن قلّة » ، فشقّ ذلك على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأنزل الله :( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ) (٢) (٣) .

ونحوه في « حاشية صحيح البخاري » للسندي(٤) .

والظاهر أنّ الراوي أراد بالرجل أبا بكر ، وعبّر عنه برجل احتشاما له في مثل المقام ، كما يشهد له التصريح باسمه في بعض الروايات!

وقول الفضل : « كيف يعين أبو بكر أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وكان ذلك اليوم شيخ المهاجرين؟! » إلى آخره

خطأ ؛ إذ لا يستبعد ذلك ممّن لم ينشأ على الحروب ومقارعة الجيوش ، ولا تتوقّف إصابة العين على العداوة ، بل تنشأ من أمور نفسيّة في العائن!

__________________

(١) شرح تجريد الاعتقاد : ٤٨٧.

(٢) سورة التوبة ٩ : ٢٥.

(٣) الدرّ المنثور ٤ / ١٥٨ ، وانظر : دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٥ / ١٢٣.

(٤) حاشية السندي على صحيح البخاري ٣ / ١١٠ ب‍ ٥٦.


راجع شرح ابن أبي الحديد لقولهعليه‌السلام : «العين حقّ »(١) (٢) .

وأمّا ما زعمه الفضل من أنّ أبا بكر كان صاحب رايتهم يوم حنين ، فلم أجد أحدا قاله أو رواه ، وإنّما صاحبها عليّعليه‌السلام .

روى الحاكم(٣) ، عن ابن عبّاس ، قال : « لعليّ أربع خصال ليست لأحد : هو أوّل عربي وأعجمي صلّى مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو الذي كان لواؤه معه في كلّ زحف ، والذي صبر معه يوم المهراس(٤) ، وهو الذي غسّله وأدخله قبره ».

وروى الحاكم أيضا(٥) ، عن مالك بن دينار ، قال : « سألت سعيد بن جبير : من كان حامل راية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟! ـ إلى أن قال : ـ فقال : كان حاملها عليّ ، هكذا سمعت من عبد الله بن عبّاس ».

ثمّ قال الحاكم : « هذا صحيح الإسناد ، وله شاهد من حديث زنفل

__________________

(١) ص ٤٣٠ من المجلّد الرابع [ ١٩ / ٣٧٢ الخطبة ٤٠٨ ]. منهقدس‌سره .

(٢) فمن العجيب ما جعله الرازي والزمخشري قولا لبعضهم ـ وإن استبعده الرازي ـ [ انظر : تفسير الفخر الرازي ١٦ / ٢٢ ، تفسير الكشّاف ٢ / ١٨٢ ] ، وهو أنّ الذي تعجّب من الكثرة وقال : « لن نغلب اليوم من قلّة » هو رسول الله!! فما أجرأهم على الله ورسوله!! كيف ينسبون إليه هذه الكلمة الدالّة على عدم التوكّل على الله ، وعلى صدور العين منه ، الكاشفة عن خبث النفس؟!

وكلّ هذا حفظا لشأن أبي بكر! فهم مرّة ينسبون الكلمة إلى رجل مجمل تبعيدا لها عن أبي بكر ومرّة ينسبونها إلى سيّد النبيّين ، المطهّر من كلّ عيب ، تبعيدا لها عن الدلالة على النقص!

منه قدس‌سره .

(٣) ص ١١١ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٢٠ ح ٤٥٨٢ ]. منهقدس‌سره .

(٤) أي : يوم أحد ، جاء فيه عليّعليه‌السلام بماء من المهراس. منهقدس‌سره .

(٥) ص ١٣٧ ج ٣ [ ٣ / ١٤٧ ح ٤٦٦٥ ]. منهقدس‌سره .


العرفي ، وفيه طول فلم أخرجه »(١) .

ونقل في « كنز العمّال »(٢) ، عن ابن عساكر ، عن ابن عبادة ، قال : كانت راية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المواطن كلّها ـ راية المهاجرين ـ مع عليّ ابن أبي طالبعليه‌السلام .

وأمّا ما أنكره على المصنّفرحمه‌الله من حضور عتبة بن أبي لهب في حنين ، فيبطله رواية القوشجي له كما سبق(٣) .

وما ذكره في « الاستيعاب » بترجمة معتّب وعتبة ، من أنّهما ما شهدا مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حنينا(٤) ، وما زعمه من أنّ عتبة افترسه الأسد بدعاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فباطل ؛ لأنّ ذلك هو لهب بن أبي لهب كما رواه الحاكم في « المستدرك » بتفسير سورة( تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ) (٥) (٦) .

واعلم أنّه لا خلاف في فرار عثمان يوم حنين ، ويظهر من « الاستيعاب » أنّه لا إشكال أيضا في فرار أبي بكر! وإنّما الكلام في فرار عمر

قال في ترجمة العبّاس بن عبد المطّلب : « انهزم الناس [ عن رسول

__________________

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٤٧ ذ ح ٤٦٦٥.

(٢) ص ٢٩٥ من الجزء الخامس [ ١٠ / ٥٠٦ ح ٣٠١٧١ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ٧٢.

(٣) تقدّم ذلك آنفا في الصفحتين ٤٢١ ـ ٤٢٢.

(٤) الاستيعاب ٣ / ١٠٣٠ رقم ١٧٦٦ وج ٣ / ١٤٣٠ رقم ٢٤٥٩ ، وانظر : أسد الغابة ٣ / ٤٦٥ رقم ٣٥٥٢ وج ٤ / ٤٤٩ رقم ٥٠١١ ، الإصابة ٤ / ٤٤٠ رقم ٥٤١٧ وج ٦ / ١٧٥ رقم ٨١٢٦.

(٥) سورة المسد ١١١ : ١.

(٦) ص ٥٣٩ من الجزء الثاني [ ٢ / ٥٨٨ ح ٣٩٨٤ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٢ / ٣٣٨.


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ] يوم حنين ، غيره(١) ، وغير عمر ، وعليّ ، وأبي سفيان ابن الحارث ، وقد قيل : غير سبعة من أهل بيته

وذلك مذكور في شعر العبّاس ، الذي يقول فيه [ من الطويل ] :

ألا هل أتى عرسي مكرّي ومقدمي

بوادي حنين والأسنّة تشرع »

إلى أن قال في « الاستيعاب » : « وهو شعر مذكور في ( السيرة ) لابن إسحاق ، وفيه :

نصرنا رسول الله في الحرب سبعة

وقد فرّ من قد فرّ عنه وأقشعوا(٢)

وثامننا لاقى الحمام بسيفه

بما مسه في الله لا يتوجّع

وقال ابن إسحاق : السبعة : عليّ ، والعبّاس ، والفضل بن العبّاس ، وأبو سفيان بن الحارث ، وابنه جعفر ، وربيعة بن الحارث ، وأسامة بن زيد ، والثامن أيمن بن عبيد(٣) .

وجعل غير ابن إسحاق في موضع أبي سفيان : عمر بن الخطّاب.

والصحيح أنّ أبا سفيان بن الحارث كان يومئذ معه ، لم يختلف فيه ،

__________________

(١) أي : العبّاس بن عبد المطّلب.

(٢) أقشع القوم : تفرّقوا ؛ انظر : لسان العرب ١١ / ١٧٣ مادّة « قشع ».

(٣) هو : أيمن بن عبيد بن عمرو بن بلال ، وهو ابن أمّ أيمن حاضنة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو أخو أسامة بن زيد بن حارثة لأمّه ، استشهد يوم حنين.

انظر : معرفة الصحابة ـ لأبي نعيم ـ ١ / ٣١٨ رقم ١٩٧ ، الاستيعاب ١ / ١٢٨ رقم ١٣١ ، أسد الغابة ١ / ١٨٩ رقم ٣٥٣ ، الإصابة ١ / ١٧٠ ـ ١٧١ رقم ٣٩٤.


واختلف في عمر »(١) .

ويؤيّد ما صحّحه ما ذكره البخاري في غزاة حنين ؛ فإنّه روى خبرين عن البراء صريحين في ثبات أبي سفيان(٢) ، وخبرين عن أبي قتادة صريحين في فرار عمر ، قال أبو قتادة في أحدهما : « انهزم المسلمون وانهزمت معهم ، فإذا عمر بن الخطّاب في الناس ، فقلت له : ما شأن الناس؟!

قال : أمر الله!!

ثمّ تراجع الناس إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله »(٣) .

وقال في الآخر : « لمّا التقينا كانت للمسلمين جولة ـ إلى أن قال : ـ فلحقت عمر فقلت : ما بال الناس؟!

قال : أمر الله!! ثمّ رجعوا »(٤) الحديث.

ونحوه في كتاب « الجهاد » من صحيح مسلم ، في « باب استحقاق القاتل سلب المقتول »(٥) .

وذكر في « كنز العمّال » ـ في كتاب الغزوات(٦) ـ حديثين يتضمّنان أنّ الثابتين هم : عليّ ، والعبّاس ، وأبو سفيان بن الحارث ، وعقيل بن أبي طالب ، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطّلب ، والزبير بن العوّام ، وأسامة بن

__________________

(١) الاستيعاب ٢ / ٨١٢ ـ ٨١٣ رقم ١٣٧٨.

(٢) صحيح البخاري ٥ / ٣١٠ ح ٣١٨ و ٣٢٠.

(٣) صحيح البخاري ٥ / ٣١٢ ح ٣٢٣.

(٤) صحيح البخاري ٥ / ٣١٢ ح ٣٢٣.

(٥) صحيح مسلم ٥ / ١٤٨.

(٦) ص ٣٠٤ من الجزء الخامس [ ١٠ / ٥٤٢ ح ٣٠٢١٤ و ٣٠٢١٥ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : تاريخ دمشق ٢٨ / ١٣٧ ـ ١٣٨.


زيد.

وقد روى في « كشف الغمّة » بيتي العبّاس الأخيرين كما في « الاستيعاب » ، إلّا أنّه أبدل لفظ « سبعة » ب‍ « تسعة » ، ولفظ « ثامن » ب‍ « عاشر » ، وسمّى التسعة كما سمّاهم المصنّف والقوشجي(١) .

وروى أيضا عن مالك بن عبادة الغافقي أنّه قال [ من الخفيف ] :

لم يواس النبيّ غير بني ها

شم عند السيوف يوم حنين

هرب الناس غير تسعة رهط

فهم يهتفون بالناس : أين(٢) ؟!

ثمّ قاموا مع النبيّ على المو

ت فآبوا زينا لنا غير شين

وثوى أيمن الأمين من القو

م شهيدا فاعتاض قرّة عين(٣)

وأمّا ما زعمه من حقيقة قصّة براءة ، فقد سبق في الخبر السادس أنّها لا حقيقة لها ، اختلقوها لتسديد حال أبي بكر ، وبيّنّا أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يبعثه أوّلا إلّا ليعزله ثانيا ؛ تنبيها على فضل عليّ وعدم كفاية أبي بكر ؛ ليعتبر الناس أنّ من ليست له أهليّة القيام بتأدية « براءة » مقام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يصلح للقيام مقامه في الإمامة والزعامة العظمى بالأولويّة(٤) !

* * *

__________________

(١) كشف الغمّة ١ / ٢٢١ ـ ٢٢٢ ، الاستيعاب ٢ / ٨١٣ ، وانظر : شرح تجريد الاعتقاد : ٤٨٧.

(٢) أين : ظرف للمكان مبنيّ على الفتح ، وكسر هنا لضرورة القافية.

(٣) كشف الغمّة ١ / ٢٢١.

(٤) انظر الصفحات ٦٤ ـ ٧٠ من هذا الجزء.


نسبه [ من فضائله الخارجية ]

قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :

القسم الثالث : في الفضائل الخارجيّة ، وفيه مطالب :

الأوّل : في نسبه

لم يلحق أحد أمير المؤمنينعليه‌السلام في شرف النسب ، كما قالعليه‌السلام : «نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد »(٢) .

قال الجاحظ ـ وهو من أعظم الناس عداوة لأمير المؤمنينعليه‌السلام ـ :

« صدق عليّ في قوله :نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد .

كيف يقاس بقوم منهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والأطيبان : عليّ وفاطمة ، والسبطان : الحسن والحسين ، والشهيدان : أسد الله حمزة وذو الجناحين جعفر ، وسيّد الوادي عبد المطّلب ، وساقي الحجيج عبّاس ، وحليم البطحاء أبو طالب.

والنجدة والخيرة فيهم ، والأنصار من نصرهم ، والمهاجرون من هاجر إليهم ومعهم ، والصدّيق من صدّقهم ، والفاروق من فرق بين الحقّ والباطل فيهم ، والحواريّ حواريّهم ، وذو الشهادتين ؛ لأنّه شهد لهم ، ولا خير إلّا فيهم ولهم ومنهم؟!

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٥٢.

(٢) انظر : فردوس الأخبار ٢ / ٣٧٣ ح ٧٠٩٤ ، ذخائر العقبى : ٤٩ ، كنز العمّال ١٢ / ١٠٤ ح ٣٤٢٠١ وج ١٣ / ٧ ـ ٨ ح ٣٦٠٩٥.


وأبان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أهل بيته بقوله :إنّي تارك فيكم الخليفتين ؛ كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض (١) .

ولو كانوا كغيرهم لما قال عمر لمّا طلب مصاهرة عليّ : إنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول :كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلّا سببي ونسبي (٢) .

فأمّا عليّ ، فلو أوردنا لأيّامه الشريفة ، ومقاماته الكريمة ، ومناقبه السنيّة ، لأفنينا في ذلك الطوامير الطوال العرق صحيح ، والمنشأ كريم ، والشأن عظيم ، والعمل جسيم ، والعلم كثير ، والبيان عجيب ، واللسان خطيب ، والصدر رحيب ، وأخلاقه وفق أعراقه ، وحديثه يشهد لقديمه ».

هذا قول عدوّه(٣) .

* * *

__________________

(١) راجع الصفحة ٢٣٦ وما بعدها من هذا الجزء.

(٢) السير والمغازي ـ لابن إسحاق ـ : ٢٤٩ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٨ / ٣٣٩ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٧٧٤ ـ ٧٧٦ ح ١٠٦٩ و ١٠٧٠ ، مسند البزّار ١ / ٣٩٧ ح ٢٧٤ ، المعجم الكبير ٣ / ٤٥ ح ٢٦٣٤ و ٢٦٣٥ وج ١١ / ١٩٤ ح ١٦٢١ ، المعجم الأوسط ٤ / ٤٣٧ ح ٤١٣٢ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٥٣ ح ٤٦٨٤ ، حلية الأولياء ٢ / ٣٤ رقم ١٣١ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٧ / ٦٤ و ١١٤ ، تاريخ بغداد ٦ / ١٨٢ رقم ٣٢٣٧ وج ١٠ / ٢٧١ رقم ٥٣٨٧.

(٣) انظر : كشف الغمّة ١ / ٣٠ ـ ٣١ ، ينابيع المودّة ١ / ٤٥٩.


وقال الفضل(١) :

ما ذكر من كلام الجاحظ صحيح لا شكّ فيه ، وفضائل أمير المؤمنين أكثر من أن تحصى ، ولو أنّي تصدّيت لبعضها لأغرقت فيه الطوامير.

وأمّا ما ذكر أنّ الجاحظ كان من أعدائه ، فهذا كذب ؛ لأنّ محبّة السلف لا تفهم إلّا من ذكر فضائلهم ، وليس هذه المحبّة أمرا مشتهيا للطبع.

وكلّ من ذكر فضائل أحد من السلف ، فنحن نستدلّ من ذلك الذكر على وفور محبّته إيّاه.

وقد ذكر الجاحظ أمير المؤمنين بالمناقب المنقولة ، وكذا ذكره في غير هذا من رسائله ، فكيف يحكم بأنّه عدوّ لأمير المؤمنين؟!

وهذا يصحّ على رأي الروافض ؛ فإنّ الروافض لا يحكمون بالمحبّة إلّا بذكر مثالب الغير.

فعندهم محبّ عليّ من كان مبغض الصحابة ، وبهذا المعنى يمكن أن يكون الجاحظ عدوّا.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٦٠ الطبعة الحجرية.


وأقول :

لا يصحّ الاستدلال على حبّ أمير المؤمنينعليه‌السلام بمجرّد ذكر فضائله ؛ إذ لا يسع أحدا أن يعد فضلا لسواه ويدعه ، ويثني على غيره ويعدوه.

وقد علم الله ما في طيّات قلوبهم من بغضه ، وإن اختلف قوّة وضعفا ؛ إذ لا يجتمع حبّه الصادق مع موالاة مبغضيه ، لا سيّما أظهر أعدائه وأكبر حسّاده وأشدّ محاربيه ، كمعاوية ، وابن العاص ، ومروان ، والمغيرة ، وأشباههم! بل كيف يوالي النبيّ من والاهم؟! وكيف يؤمن به من نصرهم وأطراهم؟!

أليس هو القائل لعليّعليه‌السلام : «حربك حربي »(١) و «من أبغضك أبغضني »(٢) و «من سبّك سبّني »(٣) ؟!

__________________

(١) انظر : المعجم الأوسط ٣ / ٢٥٦ ح ٢٨٧٥ وج ٥ / ٣١٦ ح ٥٠١٥ وج ٧ / ٢٤٢ ح ٧٢٥٩ ، المعجم الصغير ٣ / ٣ ، تاريخ بغداد ٧ / ١٣٧ رقم ٣٥٨٢ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٩٦ ح ٧٣ ، شرح نهج البلاغة ٢ / ٢٩٧ ، كنز العمّال ١٢ / ٩٧ ح ٣٤١٦٤ ، ينابيع المودّة ١ / ١٧٢ ح ١٩.

وقد تقدّم تخريج الحديث بألفاظه المختلفة في ج ٤ / ٣٥٨ ه‍ ٤ من هذا الكتاب ؛ فراجع!

(٢) انظر : المعجم الأوسط ٥ / ١٦٦ ح ٤٧٥١ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٦٩ ـ ٢٧١ ، تذكرة الخواصّ : ٥٢ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٢٩.

وقد تقدّم تخريج الحديث مفصّلا بألفاظه المختلفة في ج ١ / ١٢ ه‍ ٢ وج ٥ / ٢٧١ ه‍ ١ ؛ فراجع!

(٣) انظر : مسند أحمد ٦ / ٣٢٣ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٣٣ ح ٨٤٧٦ ،


وقال تعالى :( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ ) (١) .

فإذا رأيت أحدا ممّن يوالي هؤلاء يذكر فضلا لأمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ فليس إلّا لأنّه لا يسعه ـ كما عرفت ـ ، أو لأنّه يريد أن يدفع عنه وصمة النصب(٢) ، أو يريد بيان اطّلاعه وسعة باعه ، لا حبّا له ووفاء

__________________

مسند أبي يعلى ١٢ / ٤٤٤ ح ٧٠١٣ ، المعجم الكبير ٢٣ / ٣٢٢ ـ ٣٢٣ ح ٧٣٧ ، المعجم الصغير ٢ / ٢١ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٠ ـ ١٣١ ح ٤٦١٥ و ٤٦١٦ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للمغازلي ـ ٢٠٨ ح ٢٧١ ، مناقب الطمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٤٨ ح ١٧٥ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٦٦ ، كفاية الطالب : ٨٢ ـ ٨٩ باب « كفر من سبّ عليّاعليه‌السلام » ، الرياض النضرة ٣ / ١٢٢ و ١٢٣ ، ذخائر العقبى : ١٢٣ ، مختصر تاريخ دمشق ١٧ / ٣٦٦ وج ١٨ / ٨٣ ، الخلفاء الراشدون ـ للذهبي ـ : ٣٨٥ ، مشكاة المصابيح ٣ / ٣٥٩ ح ٦١٠١ ، البداية والنهاية ٧ / ٢٨٢ حوادث سنة ٤٠ ه‍ ، جامع المسانيد والسنن ١٩ / ٣١ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٣٠ ـ ١٣٣ ، الجامع الصغير ٢ / ٥٢٩ ح ٨٧٣٦ ، الصواعق المحرقة : ١٩٠ ، درّ السحابة : ٢٢٤ ، ينابيع المودّة ٢ / ٢٧٤ ح ٧٨٢ وص ٢٧٧ ـ ٢٧٨ ح ٧٩٦.

(١) سورة المجادلة ٥٨ : ٢٢.

(٢) كعبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ، المولود في سجستان سنة ٢٣٠ ه‍ ، والمتوفّى ببغداد سنة ٣١٦ ه‍ ، والمنسوب إلى النصب ، وهو ابن صاحب « السنن ».

قال ابن عديّ في ترجمته : سمعت عليّ بن عبد الله الداهري يقول : سألت ابن أبي داود بالريّ عن حديث الطير ، فقال : إن صحّ حديث الطير فنبوّة النبيّ باطل ؛ لأنّه حكى عن حاجب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله خيانة ، وحاجب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لا يكون خائنا!

وروى عبد الله هذا عن الزهري ، عن عروة ، قال : كانت قد حفيت أظافير عليّ من كثرة ما كان يتسلّق على أزواج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله !

وقد نفاه ابن الفرات من بغداد إلى واسط بسبب نصبه ، وردّه عليّ بن عيسى ، فحدّث وأظهر فضائل عليّ عليه‌السلام ، وكان يقول : كلّ الناس منّي في حلّ ، إلّا من رماني ببغض عليّ رضي الله عنه!


بحقّه(١) !

ولذا لا يروون له فضيلة إلّا وطعنوا ـ مهما أمكن ـ بسندها أو دلالتها ، ولا تنشرح نفوسهم لها ، بخلاف ما إذا رووا فضيلة لغيره!

ولا بدّ أن يظهر الله مخفيّات سرائرهم على صفحات أرقامهم وطفحات أقلامهم ، كما رأيته من هذا الرجل في كثير من كلماته ، وظهر على الجاحظ في رسالته التي تحامل فيها على أمير المؤمنينعليه‌السلام كلّ التحامل ، وظهر فيها مظهر العداء له ، التي نقضها أبو جعفر الإسكافي(٢) .

__________________

ثمّ تحنبل فصار شيخا فيهم!

انظر : الكامل في ضعفاء الرجال ٤ / ٢٦٥ رقم ١١٠١ ، سير أعلام النبلاء ١٣ / ٢٢١ رقم ١١٨.

(١) كالذهبي ؛ فقد أفرد طرق حديث الطير بمصنّف ، وحديث « من كنت مولاه » بمصنّف آخر ، وكان قد أنكر في كتابه « تلخيص المستدرك » على الحاكم النيسابوري إخراجه في « المستدرك » حديث الطير ، ولمّا رأى كثرة طرقه أفرده هو بمصنّف! حتّى قال : « وأمّا حديث الطير ، فله طرق كثيرة جدّا ، قد أفردتها بمصنّف ، ومجموعها هو يوجب أن يكون الحديث له أصل ؛ وأمّا حديث : ( من كنت مولاه ) ، فله طرق جيّدة ، وقد أفردت ذلك أيضا ».

انظر : تذكرة الحفّاظ ٣ / ١٠٤٢ ـ ١٠٤٣.

وقال : « وقد جمعت طرق حديث الطير في جزء ، وطرق حديث : (من كنت مولاه ) ، وهو أصحّ ، وأصحّ منهما ما أخرجه مسلم عن عليّ ، قال : (إنّه لعهد النبيّ الأمّيّ صلى الله عليه وآله وسلم إليّ : إنّه لا يحبّك إلّا مؤمن ، ولا يبغضك إلّا منافق ) ».

انظر : سير أعلام النبلاء ١٧ / ١٦٩

[ ٢ ] والإسكافي ، المتوفّى سنة ٢٤٠ ه‍ ، هو أوّل من نقض بكتابه « نقض العثمانية » كتاب « العثمانية » للجاحظ ، وقد أورد ابن أبي الحديد مقاطع كثيرة منه في كتابه.

انظر : شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢١٥ ـ ٢٩٥.

ومن الّذين نقضوا كتاب الجاحظ ، السيّد جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن موسى بن طاووس ، المتوفّى سنة ٦٧٣ ه‍ ، بكتابه « بناء المقالة الفاطمية في


ونقلنا كلمة منها في المبحث السابق(١) .

هيهات لا تتكلّفنّ لي الهوى

فضح التطبّع شيمة المطبوع(٢)

وممّا ذكرنا يعلم أنّه يشترط في حبّ عليّعليه‌السلام الحقيقي بغض أعدائه.

* * *

__________________

نقض الرسالة العثمانية » ، وهو مطبوع بتحقيق السيّد عليّ العدناني الغريفي ، ونشر مؤسّستنا.

(١) راجع الصفحتين ٤١٩ ـ ٤٢٠ من هذا الجزء.

(٢) البيت للشريف الرضي ، من الكامل ، من قصيدة في الغزل ، مطلعها :

يا صاحب القلب الصحيح أما اشتفى

ألم الجوى من قلبي المصدوع؟!

انظر : ديوان الشريف الرضي ١ / ٦٥٢.


شرف زوجته وأولاده

قال المصنّف ـ أعلى الله درجته ـ(١) :

المطلب الثاني : في زوجته وأولاده

كانت فاطمة سيّدة نساء العالمين زوجته

قال ابن عبّاس : « لمّا زفّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فاطمةعليها‌السلام كان قدّامها ، وجبرئيل عن يمينها ، وميكائيل عن يسارها ، وسبعون ألف ملك من ورائها ، يسبّحون الله ويقدّسونه حتّى طلع الفجر »(٢) .

فانظر ـ أيّها العاقل! ـ كيف يروي الجمهور هذه الروايات ، ويظلمونها ، ويأخذون حقّها(٣) ، ويكسرون ضلعها ، ويجهضون ولدها من

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٥٤.

(٢) انظر : تاريخ بغداد ٥ / ٧ رقم ٢٣٥٤ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣٤١ ـ ٣٤٢ ح ٣٦٢ ، مقتل الحسينعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٠٨ ح ٤١ ، ذخائر العقبى : ٧٣ ، فرائد السمطين ١ / ٩٦ ح ٦٥ ، مناقب آل أبي طالب ٣ / ٤٠٢.

(٣) انظر : صحيح البخاري ٤ / ١٧٧ ـ ١٧٨ ح ٢ وج ٥ / ٩١ ح ٢٠٧ وص ٢٨٨ ح ٢٥٦ وج ٨ / ٢٦٦ ح ٣ ، صحيح مسلم ٥ / ١٥٤ ـ ١٥٥ ، سنن أبي داود ٣ / ١٤٢ ح ٢٩٦٨ و ٢٩٦٩ ، سنن الترمذي ٤ / ١٣٤ ـ ١٣٥ ح ١٦٠٨ و ١٦٠٩ ، سنن النسائي ٧ / ١٣٢ ـ ١٣٣ ، مسند أحمد ١ / ٤ و ٦ و ٩ و ١٠ ، مسند أبي يعلى ١ / ٤٥ ح ٤٣ ، المعجم الأوسط ٥ / ٤٤١ ح ٥٣٣٩ ، مسند أبي عوانة ٤ / ٢٥٠ ـ ٢٥٣ ح ٦٦٧٧ ـ ٦٦٨٤ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٧ / ١٥٦ ح ٤٨٠٣ وج ٨ / ٢٠٥ ـ ٢٠٦ ح ٦٥٧٣ ، الإمامة والسياسة ١ / ٣١ ، فتوح البلدان : ٤٤ ـ ٤٦.


بطنها(١) !!

فليحذر المقلّد من اتّباع هؤلاء ، فإنّ أخذك منهم باطل قطعا!

* * *

__________________

(١) انظر : الفرق بين الفرق : ١٣٣ ، إثبات الوصيّة : ١٤٦ ، الملل والنحل ـ للشهرستاني ـ ١ / ٥١ ، مناقب آل أبي طالب ٣ / ٤٠٧ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٦ / ٢٨١ و ٢٨٣ ، فرائد السمطين ٢ / ٣٥ ح ٣٧١ ، الخطط المقريزية ٢ / ٣٤٦.


وقال الفضل(١) :

ما ذكره من فضائل فاطمة معلوم ، محقّق ، ثابت

وما ذكر أنّ الجمهور يروون فضائلها ويظلمونها ، فكلام باطل ؛ لأنّه على تقدير صحّة الظلم عليها ، فإنّ الظالمين عليها(٢) كانوا جماعة غير الراوين لفضائلها ، فكلامه هذا غير مربوط ولا معقول ، كأكثر كلامه في هذا الكتاب.

* * *

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٦٢ الطبعة الحجرية.

(٢) كذا في الأصل والنسخة الحجرية ، وهو غير غريب من ابن روزبهان ، والصواب لغة : « لها ».


وأقول :

أراد المصنّفرحمه‌الله بالجمهور : من خالفوا أمير المؤمنينعليه‌السلام ، سواء كانوا من الصحابة أم من غيرهم ، فتصحّ نسبة الظلم إليهم باعتبار بعضهم ، ونسبة الرواية إليهم باعتبار بعض آخر.

على أنّ الراوين لفضلها ـ إن لم يكونوا من الظالمين لها حقيقة ـ فهم منهم ببعض الوجوه والاعتبارات ؛ كمؤازرتهم لهم ، وتعظيمهم ، ونصرتهم لهم بالقلم واللسان!

ولنذكر من روى حديث سيادتها لنساء العالمين ، أو : المؤمنين ، أو : أهل الجنّة ، على اختلاف في ألفاظ الأحاديث ، ليعلم استفاضته عندهم أو تواتره.

فممّن رواه : البخاري ، في باب « مناقب فاطمة » ، وأواخر باب « علامات النبوّة » قبل أبواب فضائل أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بقليل(١) .

ومنهم : مسلم ، في باب « فضائل فاطمة » ، من طريقين عن عائشة ، عن فاطمة(٢) .

ومنهم : الحاكم ، في « المستدرك » ، من طريقين عن حذيفة(٣) ،

__________________

(١) صحيح البخاري ٥ / ٥٤ ـ ٥٥ ح ١٢٦ وص ٩١ باب « مناقب قرابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومنقبة فاطمةعليها‌السلام » وص ١٠٥ باب « مناقب فاطمةعليها‌السلام ، وقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : فاطمة سيّدة نساء العالمين » ولم يورد في البابين المذكورين أيّ حديث يدلّ على سيادتها للنساء عليها‌السلام ؛ فلاحظ!

(٢) صحيح مسلم ٧ / ١٤٣ ـ ١٤٤.

(٣) ص ١٥١ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٦٤ ح ٤٧٢١ و ٤٧٢٢ ]. منهقدس‌سره .


ومن طريق عن أبي سعيد(١) ، ومن طريق عن عائشة(٢) .

ومنهم : الترمذي في باب « مناقب الحسنين » من طريق عن حذيفة ، وفي باب « فضل أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله » من طريق عن أمّ سلمة(٣) .

ومنهم : ابن عبد البرّ في « الاستيعاب » من عدّة طرق ، عن عائشة ، وأبي سعيد ، وعمران بن حصين ، وأنس ، وأبي هريرة(٤) .

ومنهم : أحمد في « مسنده » ، عن أبي سعيد(٥) ، وحذيفة(٦) ، وعائشة عن فاطمة(٧) .

وأخرجه النسائي في « الخصائص » من عدّة طرق ، عن عائشة ، وأمّ سلمة ، وأبي سعيد ، وأبي هريرة(٨) .

وحكاه في « كنز العمّال » في فضائل فاطمة ، عن ابن جرير عن حذيفة(٩) ، وعن البزّار عن عليّعليه‌السلام (١٠) ، وابن أبي شيبة عن حذيفة(١١) .

__________________

(١) ص ١٥٤ من هذا الجزء [ ٣ / ١٦٨ ح ٤٧٣٣ ]. منهقدس‌سره .

(٢) ص ١٥٦ منه أيضا [ ٣ / ١٧٠ ح ٤٧٤٠ أ ]. منهقدس‌سره .

(٣) سنن الترمذي ٥ / ٦١٩ ح ٣٧٨١ وص ٦٥٨ ح ٣٨٧٣ وص ٦٦٦ ح ٣٨٩٣.

(٤) الاستيعاب ٤ / ١٨٩٤ ـ ١٨٩٦.

(٥) ص ٦٤ من الجزء الثالث. منهقدس‌سره .

(٦) ص ٣٩١ من الجزء الخامس. منهقدس‌سره .

(٧) ص ٢٨٢ من الجزء السادس. منهقدس‌سره .

(٨) خصائص الإمام عليّعليه‌السلام : ٩٨ ـ ١٠١ ح ١٢٢ ـ ١٢٧ ، وانظر : السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٤٥ ـ ١٤٧ ح ٨٥١٢ ـ ٨٥١٧.

(٩) ص ١٠٢ من الجزء السابع [ ١٣ / ٦٤٠ ح ٣٧٦١٧ ]. منهقدس‌سره .

(١٠) ص ١١١ من هذا الجزء [ ١٣ / ٦٧٤ ـ ٦٧٥ ح ٣٧٧٢٧ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : مسند البزّار ٣ / ١٠٢ ح ٨٨٥.

(١١) كنز العمّال ١٣ / ٦٧٥ ح ٣٧٧٢٨ ، وانظر : مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٢٧ ح ٣.


وحكاه أيضا(١) ، عن البيهقي ، وابن ماجة ، والعقيلي ، عن فاطمةعليها‌السلام

وابن عساكر(٢)

وابن حبّان في « صحيحه » ، عن حذيفة(٣)

وابن أبي شيبة ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى(٤)

وأبي يعلى والطبراني ، عن أبي سعيد(٥)

وابن النجّار والطبراني ، عن أبي هريرة(٦)

وفي أكثر هذه الروايات ذكر أنّ «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ».

وروى الحاكم في « المستدرك »(٧) ، عن ابن عبّاس : أفضل نساء أهل الجنّة : خديجة ، وفاطمة ، ومريم وآسية.

ومثله في « مسند أحمد » عن ابن عبّاس(٨) .

__________________

(١) ص ٢١٨ من الجزء السادس [ ١٢ / ١١٠ ح ٣٤٢٣٠ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : الاعتقاد على مذهب السلف : ١٨٧ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٦ / ٣٦٤ ، سنن ابن ماجة ١ / ٥١٨ ح ١٦٢١.

(٢) كنز العمّال ١٢ / ١٠٧ ـ ١٠٨ ح ٣٤٢١٧ ، وانظر : تاريخ دمشق ٤٢ / ١٣٤.

(٣) كنز العمّال ١٢ / ١١٣ ح ٣٤٢٤٩ ، وانظر : الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٥٥ ح ٦٩٢١.

(٤) كنز العمّال ١٢ / ١١٠ ح ٣٤٢٣٣ ، وانظر : مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٢٧ ح ٥.

(٥) كنز العمّال ١٢ / ١١٥ ح ٣٤٢٦٠ ، وانظر : مسند أبي يعلى ٢ / ٣٩٥ ح ١٩٥ ، المعجم الكبير ٢٢ / ٤٠٣ ح ١٠٠٥ وص ٤١٨ ـ ٤٢٠ ح ١٠٣١ ـ ١٠٣٤.

(٦) كنز العمّال ١٢ / ١١٧ ح ٣٤٢٧٤ ، وانظر : المعجم الكبير ٢٢ / ٤٠٣ ح ١٠٠٦.

(٧) ص ١٨٥ من الجزء الثالث [ ٣ / ٢٠٥ ح ٤٨٥٢ ]. منهقدس‌سره .

(٨) ص ٢٩٣ ج ١. منهقدس‌سره .


وفي رواية أخرى للحاكم ، عن عائشة : سيّدات نساء أهل الجنّة : مريم ، وفاطمة ، وخديجة ، وآسية(١) .

وروى حديثه الأوّل بسند آخر عن ابن عبّاس(٢) .

وروى الحديث عن أنس ـ أيضا ـ من طريقين ، بلفظ : « حسبك من نساء العالمين ، مريم ، وخديجة ، وفاطمة ، وآسية »(٣) .

ومثله في « صحيح الترمذي » ، في فضائل خديجة(٤) .

وفي « مسند أحمد » ، عن أنس(٥) .

وروي في « الاستيعاب » بترجمة خديجة ، حديث تفضيل الأربع ، من أربعة طرق ، عن ابن عبّاس(٦)

وثلاثة طرق ، عن أنس(٧)

وطريق ، عن أبي هريرة(٨)

ورواه بترجمة فاطمة بطرق أخر عن هؤلاء(٩) .

ورواه جماعة آخرون يطول ذكرهم(١٠) .

__________________

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ / ٢٠٥ ح ٤٨٥٣.

(٢) ص ١٦٠ ج ٣ [ ٣ / ١٧٤ ح ٤٧٥٤ ]. منهقدس‌سره .

(٣) ص ١٥٧ ج ٣ [ ٣ / ١٧١ ـ ١٧٢ ح ٤٧٤٥ و ٤٧٤٦ ]. منهقدس‌سره .

(٤) سنن الترمذي ٥ / ٦٦٠ ح ٣٨٧٨.

(٥) ص ١٣٥ ج ٣. منهقدس‌سره .

(٦) الاستيعاب ٤ / ١٨٢١ ـ ١٨٢٣.

(٧) الاستيعاب ٤ / ١٨٢٢.

(٨) الاستيعاب ٤ / ١٨٢١.

(٩) الاستيعاب ٤ / ١٨٩٤ ـ ١٨٩٦.

(١٠) انظر : السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٨٠ ـ ٨١ ح ٨٢٩٨ وص ٩٤ ـ ٩٦ ح ٨٣٦٤ ـ ٨٣٦٨ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٩٤٦ ح ١٣٢٥ وص ٩٤٩ ح ١٣٣١ و ١٣٣٢


وفي جملة هذه الروايات : « خير نساء العالمين أربع : مريم ، وآسية ، وخديجة ، وفاطمةعليها‌السلام ».

وذكر الحاكم(١) ، أنّ مسلما أخرج حديث أبي موسى ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «خير نساء العالمين أربع » ، ولم أجده في « صحيح مسلم » ، لا في فضائل خديجة! ولا في فضائل فاطمةعليها‌السلام !!

نعم ، روى في فضائل خديجة ، عن أبي موسى : « لم يكمل من النساء غير مريم وآسية ، وإنّ فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام »(٢) .

فلعلّ النّساخ حرّفوا الحديث ، إيثارا لعائشة بالفضل ، كما يشهد له أنّ هذا الحديث لم يشتمل على ذكر خديجة ، فكيف أخرجه مسلم في فضائلها؟!(٣) .

ولو لم يكن أصل لما ذكره الحاكم ، لتعقّبه الذهبيّ في « تلخيصه »! وكيف كان! فلا ريب عندنا أنّ فاطمةعليها‌السلام أفضل الأربع ، وسيّدة نساء العالمين أجمع ، كما قضت به أخبارنا(٤) ، وكذا أكثر أخبار القوم ؛

__________________

وص ٩٥٢ ـ ٩٥٣ ح ١٣٣٦ ـ ١٣٣٩ ، مسند الطيالسي : ١٩٦ ـ ١٩٧ ح ١٣٧٣ ، مصنّف عبد الرزّاق ١١ / ٤٣٠ ح ٢٠٩١٩ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٨ / ٢٢ ، مسند عبد بن حميد : ٢٠٥ ح ٥٩٧ ، أنساب الأشراف ٢ / ٢٢٥ ، مشكل الآثار ١ / ٣٥ ـ ٣٦ ح ٩٦ ـ ١٠١ ، حلية الأولياء ٢ / ٤٢ وج ٤ / ١٩٠ ، تاريخ بغداد ٩ / ٤٠٤ رقم ٥٠٠٨ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٨٤ ح ٤٧٩٨.

(١) ص ١٥٤ ج ٣ [ ٣ / ١٦٨ ح ٤٧٣٣ ]. منهقدس‌سره .

(٢) صحيح مسلم ٧ / ١٣٣.

(٣) انظر : ج ٤ / ٢٣١ ـ ٢٣٢ من هذا الكتاب.

(٤) انظر : علل الشرائع ١ / ٢١٦ ب‍ ٢١٦ ح ١ ، الأمالي ـ للصدوق ـ : ٥٧٥ ، معاني


لدلالتها على أنّها سيّدة نساء العالمين بلا استثناء(١) (٢) .

__________________

الأخبار : ١٠٧ ح ١ ، دلائل الإمامة : ١١ و ٥٤ و ٥٦ ، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ٣٧ ، الأمالي ـ للطوسي ـ : ٥٧٥ ، إعلام الورى ١ / ٢٩٥ ـ ٢٩٦ ، مناقب آل أبي طالب ٣ / ٣٦٩ ـ ٣٧١ ، عمدة عيون صحاح الأخبار : ٤٤٥ ح ٦٨٤ وص ٤٤٨ ـ ٤٤٩ ح ٦٩٢ ـ ٦٩٦.

(١) تقدّمت آنفا في الصفحات السابقة.

(٢) وبعضها مخصّصة بمريم ؛ ولا يبعد أنّه من الحسد لسيّدة النساء ، كما يشهد له أنّ بعض روايات التخصيص واهية اللفظ والمعنى ؛ قال فيها : « إلّا ما كان من مريم » أو « لمريم » ؛ إذ لا معنى للعدول عن استثناء مريم إلى ما كان منها!

وبعضها متنافية المراد ، كالتي رواها في « الاستيعاب » [ ٤ / ١٨٩٥ ] ، عن عمران ابن حصين ، قال : « قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لفاطمة : أما ترضين أنّك سيّدة نساء العالمين؟! قالت : فأين مريم؟! قال : تلك سيّدة نساء عالمها ، وأنت سيّدة نساء عالمك »

فإنّ قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « أنّك سيّدة نساء العالمين » دالّ ـ بلحاظ أنّ « العالمين » جمع محلّى باللام ـ على أنّ سيادتها لا تختصّ بعالمها ، وهو مناف لقوله : « أنت سيّدة نساء عالمك »

وإطلاق « العالمين » على العالم الواحد ـ مع مخالفته للظاهر ـ خال عن الفائدة في المقام

ولا يبعد أنّ في الحديث تحريفا بإبدال « العالمين » ب‍ « عالمك » ، فيكون آخر الحديث كأوّله مفيدا للعموم ولا يحصل التنافي ، ويكون موافقا لما ورد عندنا ، فإنّه جاء في أخبارنا [ كما في الهامش ٤ من الصفحة السابقة ] ، أنّ النبيّ قال : « فاطمة سيّدة نساء العالمين ؛ فقيل له : أليست تلك مريم؟! فقال : مريم سيّدة نساء عالمها ، وفاطمة سيّدة نساء العالمين ».

وأمّا قوله تعالى : وفضّلك( عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ) ، فالمراد به : أكثر العوالم ، بقرينة ما سبق.

ثمّ إنّ بعض الرواة لم يكتف باستثناء مريم ، بل أضاف إليها غيرها! فقد نقل في « كنز العمّال » [ انظر : كنز العمّال ١٢ / ١١٠ ح ٣٤٢٣٣ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٢٧ ب‍ ٣٣ ح ٥ ] ، عن ابن أبي شيبة ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، أنّ


وقد رغب بعض القوم أن يعارض حديث سيادة الزهراءعليها‌السلام بما وضعه على لسان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : « فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام »(١)

وهو ظاهر الوضع ؛ إذ لا يحسن نسبة هذا التشبيه الواهي إلى من أعطي جوامع الكلم ، وكان أفصح من نطق بالضاد.

وكيف لا يجزم بكذبه من عرف طريقة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في لطف كلامه ، وحسن بيانه ، وبديع تشبيهاته؟!

وأين هو من

قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «فاطمة سيّدة نساء العالمين »(٢) ؟!

وليت شعري ، أيكون الفضل جزافا ، وقد خالفت أمر الله في كتابه بقرارها في بيتها(٣) ، وخرجت على إمام زمانها الذي قال فيه رسول الله : «حربك حربي »(٤) ؟!

__________________

النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « فاطمة سيّدة نساء العالمين بعد مريم وآسية وخديجة »

وهو مناف لجميع أخبارهم! ويا ليتهم اكتفوا بذلك ولم يأتوا بما يناقضه في فضل عائشة!!

منه قدس‌سره .

(١) تقدّم في الصفحة السابقة عن « صحيح مسلم ».

(٢) انظر : سنن الترمذي ٥ / ٦١٩ ح ٣٧٨١ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٤٦ ـ ١٤٧ ح ٨٥١٥ ـ ٨٥١٧ ، مسند أحمد ٥ / ٣٩١ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٩٩٠ ح ١٤٠٦ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥٢٧ ح ٣ ، حلية الأولياء ٤ / ١٩٠ ، الاعتقاد على مذهب السلف : ١٨٧.

وانظر ما مرّ آنفا في الصفحات السابقة ، وكذا ما تقدّم في ج ٤ / ٢٣١ من هذا الكتاب.

(٣) إشارة إلى قوله تعالى :( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى ) سورة الأحزاب ٣٣ : ٣٣.

(٤) تقدّم تخريجه في الصفحة ٤٣٢ ه‍ ١ من هذا الجزء ؛ فراجع!


وجاهرت بعداوته(١) ، وقد قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه : «من عاداك عاداني ، ومن عاداني عادى الله »(٢) .

واستمرّت على بغضه(٣) ، وقد جعل الرسول بغضه دليل

__________________

(١) وذلك بيّن من حملها الناس وقيادة الجيوش لقتال الإمام عليّعليه‌السلام يوم الجمل فتسبّبت بشقّ كلمة المسلمين وقتل الآلاف منهم!

وكذا لمّا جاءها خبر مبايعة الناس لأمير المؤمنين عليّ عليه السلام خليفة للمسلمين قالت : « لوددت أنّ السماء انطبقت على الأرض إن تمّ هذا الأمر »!

وقد وصف أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام عداوتها له بقوله : « ضغن غلا في صدرها كمرجل القين ، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إليّ ، لم تفعل ».

انظر : تاريخ الطبري ٣ / ١٢ ، الإمامة والسياسة ١ / ٧١ ، تذكرة الخواصّ : ٦٤ ، نهج البلاغة : ٢١٨ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٦ / ٢١٥.

وراجع الصفحات ١٤٩ ـ ١٥١ من هذا الجزء!

(٢) لم نعثر عليه بهذا اللفظ ، وقد جاء فيهعليه‌السلام عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله بلفظ : « اللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه » ضمن حديث الغدير ؛ فراجع تخريجه مفصّلا في كتابنا هذا في : ج ١ / ١٩ ـ ٢١ ه‍ ١ ، وفي مبحث آية( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ) في ج ٤ / ٣١٤ ـ ٣٣٢ ، وفي مبحث آية( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) في ج ٥ / ١٦٥ ه‍ ١.

كما ورد بلفظ : « عادى الله من عادى عليّا » ؛ انظر : أسد الغابة ٢ / ٤٢ رقم ١٥٨٩ ، الجامع الصغير : ٣٣٢ رقم ٥٣٦٢ ، كنز العمّال ١١ / ٦٠١ ح ٣٢٨٩٩ ، ينابيع المودّة ٢ / ٧٧ ح ٦٩.

(٣) نذكر من ذلك مثلا :

قول ابن عبّاس رضي الله عنه : إنّ عائشة لا تطيب لعليّ نفسا بخير.

انظر : مسند أحمد ٦ / ٣٤ و ٢٢٨ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٢ / ١٧٩ ، تاريخ الطبري ٢ / ٢٢٦.

ونكرانها وصيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ في مرضه الذي توفّي فيه صلى‌الله‌عليه‌وآله .

انظر : صحيح البخاري ٦ / ٣٧ ح ٤٤٢ ، صحيح مسلم ٥ / ٧٥ ، سنن النسائي ٦ / ٢٤١ ، سنن ابن ماجة ١ / ٥١٩ ح ١٦٢٦.

وروايتها افتراء على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ عليّا والعبّاس يموتان على غير ملّته ،


النفاق(١) ، وقال فيه : «من أبغضك أبغضني ، ومن أبغضني أبغض الله »(٢) .

وكيف تكون أفضل النساء وقد ضرب الله سبحانه مثلها وصاحبتها في كتابه المجيد بقوله تعالى :( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ) ادْخُلَا( النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) (٣) ؟!

ثمّ إنّه بعد ثبوت حديث سيادتها الجامع لأصناف الفضل ، لا نحتاج إلى إثبات الحديث الذي ذكره المصنّفرحمه‌الله في زفافها ؛ فإنّه من بعض ما يقتضيه سيادتها وشرفها ، ولا سيّما بعدما زوّجها الله تعالى في السماء من

__________________

وأنّهما من أهل النار.

انظر : شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٤ / ٦٣ ـ ٦٤.

وسجدت لله شكرا لمّا سمعت باستشهاد الإمام عليّ عليه السلام ، وتمثّلت قائلة :

فألقت عصاها واستقرّ بها النوى

كما قرّ عينا بالإياب المسافر

ثمّ قالت : من قتله؟ فقيل : رجل من مراد ؛ فقالت :

فإن يك نائيا فلقد بغاه ( نعاه )

غلام ليس في فيه التّراب

انظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٣ / ٢٩ ، تاريخ الطبري ٣ / ١٥٩ ، مقاتل الطالبيّين : ٥٥.

وراجع الصفحات ١٤٩ ـ ١٥١ من هذا الجزء!

(١) انظر تفصيل ذلك في مبحث حديث : « لا يحبّك إلّا مؤمن » ، في الصفحات ١٤٧ ـ ١٥١ من هذا الجزء.

(٢) انظر : تاريخ بغداد ١٣ / ٣٢ رقم ٦٩٨٨ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٢٩ ـ ١٣٢ ، كنز العمّال ١٣ / ١٠٩ ح ٣٦٣٥٨.

وراجع الصفحة ٤٣٢ من هذا الجزء.

(٣) سورة التحريم ٦٦ : ١٠.


عليّ سيّد الأولياء ، ولكنّي رأيته مصادفة في « ميزان الاعتدال » بترجمة توبة بن عبد الله(١) ، وقال عداوة ودفعا بالصدر : « هذا كذب [ صراح ] »(٢) .

ولنذكر عوضه ما هو أعظم منه ، بل أعظم من حديث سيادتها ، وهو ما رواه الحاكم(٣) ، وصحّحه على شرط الشيخين ، عن عائشة ، قالت : « ما رأيت أحدا كان أشبه كلاما وحديثا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من فاطمة.

وكانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبّلها ورحّب بها ، وأخذ بيدها فأجلسها في مجلسه.

وكانت هي إذا دخل عليها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قامت إليه مستقبلة وقبّلت يده ».

ورواه أيضا(٤) إلى قوله : « فأجلسها في مجلسه » ، وصحّحه أيضا على شرط الشيخين ، وأقرّ الذهبيّ بصحّته لكن لا على شرطهما.

وروى الترمذي نحو الأوّل ، في فضل فاطمة ، وحسّنه ، ثمّ قال : « وروي [ هذا الحديث ] من غير وجه عن عائشة »(٥) .

__________________

(١) كذا في الأصل ، وهو سهو ، فإنّ الحديث جاء في ترجمة « توبة بن علوان » ، ويبدو أنّ الشيخ المظفّرقدس‌سره قد سبق نظره إلى ترجمة « توبة بن عبد الله » التي جاءت قبل ترجمة « ابن علوان » مباشرة ؛ فلاحظ!

انظر : ميزان الاعتدال ٢ / ٧٩ ـ ٨٠ رقمي ١٣٥١ و ١٣٥٢.

(٢) نقول : إنّ مراد الشيخ المظفّرقدس‌سره هنا أنّ حديث زفاف سيّدة نساء العالمين الزهراء البتولعليها‌السلام ـ الذي أورده العلّامة الحلّيقدس‌سره ـ هو من المسلّمات ، وهو فرع لحديث سيادتهاعليها‌السلام ، فهو في غنى عن الإثبات لو لا جرأة من كذّبه!

(٣) ص ١٦٠ من الجزء الثالث [ المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٧٤ ح ٤٧٥٣ ].

منه قدس‌سره .

(٤) ص ١٥٤ ج ٣ [ ٣ / ١٦٧ ح ٤٧٣٢ ]. منهقدس‌سره .

(٥) سنن الترمذي ٥ / ٦٥٧ ـ ٦٥٨ ح ٣٨٧٢.


وروي أيضا في « الاستيعاب » نحوه(١) .

فانظر إلى ما فيه من الدلالة على الفضل الباذخ والشرف الشامخ ؛ إذ ليس من شأن البنت أن يقوم لها أبوها ويتنحّى عنها ويجلسها في مجلسه ، لا سيّما وهو سيّد النبيّين وخير الأوّلين والآخرين.

ولعلّه يريد بذلك من أمّته تعظيمها بعده ، ورعاية حرمتها ، علما منه بما تلقاه منهم من التقصير بحقّها ، وغصبها ميراثها ، والهجوم على بيتها ، إلى أن ماتت غضبى عليهم.

وقد كان من تعظيمه لها أنّه إذا جاء من سفر أتى المسجد فصلّى فيه ركعتين ، ثمّ ثنّى بفاطمةعليها‌السلام ، كما رواه في « المستدرك » عن أبي ثعلبة(٢) .

وروى أيضا(٣) ، عن ابن عمر ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان إذا سافر كان آخر الناس عهدا به فاطمة ، وإذ قدم من سفر كان أوّل الناس به عهدا فاطمة.

* * *

__________________

(١) الاستيعاب ٤ / ١٨٩٦ ، وانظر : سنن أبي داود ٤ / ٣٥٦ ـ ٣٥٧ ح ٥٢١٧ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٩٦ ح ٨٣٦٩ ، الأدب المفرد : ٢٥٥ ح ٩٧٤ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٧ / ١٠١.

(٢) ص ١٥٥ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٦٩ ح ٤٧٣٧ ]. منهقدس‌سره .

(٣) ص ١٥٦ ج ٣ [ ٣ / ١٦٩ ـ ١٧٠ ح ٤٧٣٩ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : سنن أبي داود ٤ / ٨٥ ح ٤٢١٣ ، مسند أحمد ٥ / ٢٧٥ ، المعجم الكبير ٢ / ١٠٣ ح ١٤٥٣ ، حلية الأولياء ٢ / ٣٠ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ١ / ٢٦ ، الاستيعاب ٤ / ١٨٩٥ ، ذخائر العقبى : ٧٩.


قال المصنّف ـ طاب ثراه ـ(١) :

وكان سبطاه الحسنان أشرف الناس بعده

روى أخطب خوارزم ، بإسناده إلى ابن مسعود ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة »(٢) .

وعن البراء ، قال : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حامل الحسن وهو يقول : «اللهمّ إنّي أحبّه فأحبّه »(٣) .

وقال أبو هريرة : « رأيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يمصّ لعاب الحسن والحسين كما يمصّ الرجل التمر »(٤) .

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٥٥ ـ ٢٥٩.

(٢) مقتل الحسينعليه‌السلام ١ / ١٤٢ ح ١٤ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام : ٢٩٤ ح ٢٨٣.

(٣) صحيح البخاري ٣ / ١٣٨ ـ ١٣٩ ح ٧٣ وج ٥ / ١٠١ ح ٢٣٧ وج ٧ / ٢٩١ ح ١٠٠ ، صحيح مسلم ٧ / ١٣٠ ، سنن الترمذي ٥ / ٦٢٠ ح ٣٧٨٣ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٤٩ ح ٨١٦٣ ـ ٨١٦٥ ، سنن ابن ماجة ١ / ٥١ ح ١٤٢ ، مسند أحمد ٢ / ٢٤٩ و ٣٣١ و ٥٣٢ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥١٤ ح ١٨ و ١٩ ، الأدب المفرد : ٤٥ ح ٨٦ باب حمل الصبي على العاتق ، المعجم الكبير ٣ / ٣١ ح ٢٥٨٢ ـ ٢٥٨٥ ، المعجم الأوسط ٢ / ٩١ ح ١٣٧١ وص ٣٢٦ ح ١٩٩٣ ، مسند أبي يعلى ٢ / ٢٥٤ ح ٩٦٠ وج ١١ / ٢٧٩ ح ٦٣٩١ ، مسند الحميدي ٢ / ٤٥١ ح ١٠٤٣ ، الجعديات ٢ / ٦٦ ح ٢٠٢٣ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٥٦ ح ٦٩٢٣ و ٦٩٢٤ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٨٥ ح ٤٧٩١ وص ١٩٥ ح ٤٨٢١ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ١٠ / ٢٣٣ ، تاريخ بغداد ١ / ١٣٩ رقم ٢ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٨٦ ح ٤٨٠٣ و ٤٨٠٤ ، شرح السنّة ٨ / ١٠١ ـ ١٠٢ ح ٣٩٣١ و ٣٩٣٢ ، تاريخ دمشق ١٣ / ١٨٦ ـ ١٩٥.

(٤) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٩٨ ح ٤٢٠ ، تاريخ دمشق ١٣ / ٢٢٣


وعن أسامة بن زيد ، قال : « قلت : يا رسول الله! ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ فإذا هو حسن وحسين على ركبتيه.

فقال :هذان ابناي وابنا بنتي ، اللهمّ إنّك تعلم أنّي أحبّهما فأحبّهما » ثلاث مرّات(١) .

وعن جابر ، قال : دخلت على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى ظهره الحسن والحسين وهو يقول : «نعم الجمل جملكما ، ونعم العدلان أنتما »(٢) .

وروى صاحب كتاب « [ نهاية ] الطلب وغاية السؤول » الحنبلي(٣) ، بإسناده إلى ابن عبّاس ، قال : « كنت عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى فخذه الأيسر

__________________

وج ١٤ / ١٦٩ ، ميزان الاعتدال ١ / ٣٦٥ رقم ٨٢٠ ، كنز العمّال ١٣ / ٦٥٠ ح ٣٧٦٤٥ ، وانظر : مسند أحمد ٤ / ٩٣ ، المعجم الكبير ٣ / ٥٠ ـ ٥١ ح ٢٦٥٦ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٨٠ ـ ١٨١.

(١) انظر : سنن الترمذي ٥ / ٦١٤ ح ٣٧٦٩ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٤٩ ح ٨٥٢٤ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥١٢ ح ٨ ، المعجم الصغير ١ / ١٩٩ ـ ٢٠٠ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٥٨ ح ٦٩٢٨ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٩٩ ح ٤٢١ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٩٤ ح ٤٨٢٩ ، تاريخ دمشق ١٤ / ١٥٥ ، أسد الغابة ١ / ٤٨٩ بترجمة الإمام الحسنعليه‌السلام ، مشكاة المصابيح ٣ / ٣٧٤ ح ٦١٦٥ ، موارد الظمآن : ٥٥٢ ح ٢٢٣٤ ، كنز العمّال ١٢ / ١١٤ ح ٣٤٢٥٥ وج ١٣ / ٦٧١ ح ٣٧٧١١.

(٢) المعجم الكبير ٣ / ٥٢ ح ٢٦٦١ ، الكنى والأسماء ـ للدولابي ـ ٢ / ٦ ، مقتل الحسينعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ١٦٧ ح ٧٤ ، تاريخ دمشق ١٣ / ٢١٧ ، التدوين في أخبار قزوين ٣ / ١٩١ رقم ٢٥٥٢ ، ذخائر العقبى : ٢٢٦ ، البداية والنهاية ٨ / ٢٩ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٨٢ ، كنز العمّال ١٣ / ٦٦٣ ح ٣٧٦٨٧ وص ٦٦٤ ح ٣٧٦٨٩ و ٣٧٦٩٠.

(٣) هو : إبراهيم بن عليّ بن محمّد الدينوري الحنبلي ، له من المصنّفات : نهاية الطلب وغاية السؤول في مناقب آل الرسول.

انظر : الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف : ٣٠٢ رقم ٣٨٨.


ابنه إبراهيم ، وعلى فخذه الأيمن الحسين ، وهو يقبّل هذا تارة ، وهذا أخرى ، إذ هبط جبرئيل فقال : يا محمّد! إنّ الله يقرأ عليك السلام ، وهو يقول : لست أجمعهما لك ، فافد أحدهما بصاحبه.

فنظر إلى ولده إبراهيم وبكى ، ونظر إلى الحسين وبكى ، ثمّ قال :إنّ إبراهيم أمّه أمة ، إذا مات لم يحزن عليه غيري ، وأمّ الحسين فاطمة ، وأبوه عليّ ابن عمّي ، لحمه لحمي ، ودمه دمي ، ومتى مات حزنت عليه ابنتي ، وحزن ابن عمّي ، وحزنت ، أنا أوثر حزني على حزنهما ؛ يقبض إبراهيم ، فقد فديت الحسين به ؛ فقبض إبراهيم بعد ثلاث.

وكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا رأى الحسين مقبلا قبّله ، وضمّه إلى صدره ، ورشف ثناياه ، وقال : فديت من فديته بابني إبراهيم »(١) .

وفي « صحيح مسلم » ، في تفسير قوله تعالى :( فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ ) (٢) ، قال : « لمّا قتل الحسين بن عليّ بكت السماء ، وبكاؤها حمرتها »(٣) .

__________________

(١) كشف اليقين : ٣٢١ نقلا عن كتاب « نهاية الطلب وغاية السؤول » ، تاريخ بغداد ٢ / ٢٠٤ رقم ٦٣٥.

(٢) سورة الدخان ٤٤ : ٢٩.

(٣) عمدة عيون صحاح الأخبار : ٤٦٧ ح ٧٦١ عن صحيح مسلم ، وانظر : المعجم الكبير ٣ / ١١٣ ـ ١١٤ ح ٢٨٣٦ ـ ٢٨٤٠ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٦ / ٤٧١ ، المحاسن والمساوئ ـ للبيهقي ـ : ٦٣ ، تفسير السدّي الكبير : ٤٤٠ ، تفسير الطبري ١١ / ٢٣٧ ح ٣١١٢٠ ، تفسير الثعلبي ٨ / ٣٥٣ ، الفتوح ـ لابن أعثم ـ ٤ / ٣٣٠ ، تاريخ دمشق ١٤ / ٢٢٨ ، تفسير القرطبي ١٦ / ٩٤ ، تذكرة الخواصّ : ٢٤٦ ، تفسير ابن كثير ٤ / ١٤٥ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٩٧ ، الدرّ المنثور ٧ / ٤١٣ ، جواهر العقدين : ٤١٦.


وفي مسند أحمد بن حنبل ، أنّ من دمعت عيناه لقتل الحسين دمعة ، أو قطرت قطرة ، بوّأه الله عزّ وجلّ الجنّة(١) .

وفي تفسير الثعلبي ، بإسناده قال : « مطرنا دما أيّام قتل الحسينعليه‌السلام »(٢) .

وكان مولانا زين العابدين عليّ بن الحسين أعبد أهل زمانه وأزهدهم ، يحجّ ماشيا والمحامل تساق معه(٣) .

وولده الباقر ؛ سلّم عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ قال لجابر :أنت تدرك ولدي محمّد الباقر ، إنّه يبقر العلم بقرا ، فإذا رأيته فأقرئه عنّي السلام (٤) .

والصادق ؛ أعلم أهل زمانه وأزهدهم ، وكان يخبر بالغيب ، ولا أخبر

__________________

(١) لم نجده في « مسند أحمد » ، وفي فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٨٤١ ح ١١٥٤ ما لفظه : « كان حسين بن عليّ يقول : من دمعت عيناه فينا دمعة ، أو قطرت عيناه فينا قطرة ، أثواه الله عزّ وجلّ الجنّة » ، وانظر : ذخائر العقبى : ٥٢ ، رشفة الصادي : ٥٢ ، ينابيع المودّة ٢ / ١١٧ ح ٣٣٧ وص ٣٧٣ ح ٥٦.

(٢) تفسير الثعلبي ٨ / ٣٥٣ ، وانظر : تاريخ دمشق ١٤ / ٢٢٧ و ٢٢٩ ، ذخائر العقبى : ٢٤٨ و ٢٤٩ ، مقتل الحسينعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ ٢ / ١٠٢ ح ١٦ ، تذكرة الخواصّ : ٢٤٦ ، سير أعلام النبلاء ٣ / ٣١٢ ، مختصر تاريخ دمشق ٧ / ١٥٠ ، الصواعق المحرقة : ٢٩٥ ، ينابيع المودّة ٣ / ١٥ ح ١٨ ، جواهر العقدين : ٤١٦.

(٣) حلية الأولياء ٣ / ١٣٦ و ١٤١ ، تاريخ دمشق ٤١ / ٣٧٧ ـ ٣٧٨ ، كفاية الطالب : ٤٤٩ ـ ٤٥٠ ، مختصر تاريخ دمشق ١٧ / ٢٣٦ ـ ٢٣٧ ، تذكرة الحفّاظ ١ / ٧٥ رقم ٧١ ، تهذيب التهذيب ٥ / ٦٧٠ ـ ٦٧١ رقم ٤٨٥٥ ، الفصول المهمّة ـ لابن الصبّاغ المالكي ـ : ٢٠١ ، الصواعق المحرقة : ٣٠٢ ، نور الأبصار : ١٥٤.

(٤) انظر : عيون الأخبار ١ / ٣١٢ ، المعجم الأوسط ٦ / ٦٤ ح ٥٦٥٥ ، تاريخ دمشق ٥٤ / ٢٧٥ ـ ٢٧٦ ، تذكرة الخواصّ : ٣٠٣ ، مطالب السؤول : ٢٨١ ، سير أعلام النبلاء ٤ / ٤٠٤ رقم ١٥٨ ، مجمع الزوائد ١٠ / ٢٢ ، الصواعق المحرقة : ٣٠٤ ـ ٣٠٥.


بشيء إلّا وقع ؛ فلهذا سمّوه الصادق(١) .

وكان الكاظم أزهد أهل زمانه وأعلمهم(٢) ، وكذا ولده الرضا(٣) ، والجواد(٤) ، والهادي(٥) ، والعسكري(٦) ، والمهدي(٧) .

فهؤلاء الأئمّة الاثنا عشر لم يسبقهم سابق ، ولم يلحقهم لاحق ،

__________________

(١) انظر : مروج الذهب ٣ / ٢٥٤ ـ ٢٥٥ ، مقاتل الطالبيّين : ١٨٦ ، الصواعق المحرقة : ٣٠٥ ـ ٣٠٧ ، نور الأبصار : ١٦١ ـ ١٦٢.

(٢) انظر : تاريخ بغداد ١٣ / ٢٧ ـ ٣٢ رقم ٦٩٨٧ ، مطالب السؤول : ٢٨٩ ـ ٢٩٣ ، تذكرة الخواصّ : ٣١٢ ـ ٣١٤ ، سير أعلام النبلاء ٦ / ٢٧١ ـ ٢٧٤ رقم ١١٨ ، مرآة الجنان ١ / ٣٠٥ ، الفصول المهمّة ـ لابن الصبّاغ ـ : ٢٣١ ـ ٢٤٢ ، جواهر العقدين : ٤٤٥ ـ ٤٤٦ ، الصواعق المحرقة : ٣٠٧ ـ ٣٠٩.

(٣) انظر : التدوين في أخبار قزوين ٣ / ٢٦٩ ـ ٢٧٢ رقم ٢٧٠٩ ، مطالب السؤول : ٢٩٥ ـ ٣٠٢ ، تذكرة الخواصّ : ٣١٥ ـ ٣٢٠ ، وفيات الأعيان ٣ / ٢٦٩ ـ ٢٧١ رقم ٤٢٣ ، فرائد السمطين ٢ / ١٨٨ ح ٤٦٥ وص ١٩٠ ح ٤٦٧ ، سير أعلام النبلاء ٩ / ٣٨٧ ـ ٣٩٣ رقم ١٢٥ ، مرآة الجنان ٢ / ١٠ ـ ١١ ، الفصول المهمّة : ٢٤٣ ـ ٢٤٤ ، الصواعق المحرقة : ٣٠٩ ـ ٣١١.

(٤) تاريخ بغداد ٣ / ٥٤ ـ ٥٥ رقم ٩٩٧ ، مطالب السؤول : ٣٠٣ ـ ٣٠٥ ، تذكرة الخواصّ : ٣٢١ ، منهاج السنّة ٤ / ٦٨ ، مرآة الجنان ٢ / ٦٠ ـ ٦١ ، الفصول المهمّة : ٢٦٥ ـ ٢٧٥ ، الصواعق المحرقة : ٣١١ ـ ٣١٢ ، ينابيع المودّة ٣ / ١٧٠.

(٥) انظر : تاريخ بغداد ١٢ / ٥٦ ـ ٥٧ رقم ٦٤٤٠ ، مطالب السؤول : ٣٠٧ ـ ٣٠٨ ، تذكرة الخواصّ : ٣٢١ ـ ٣٢٣ ، مرآة الجنان ٢ / ١١٩ ، الفصول المهمّة : ٢٧٧ ـ ٢٨٣ ، الصواعق المحرقة : ٣١٢ ـ ٣١٣.

(٦) انظر : تاريخ بغداد ٧ / ٣٦٦ رقم ٣٨٨٦ ، مطالب السؤول : ٣٠٩ ـ ٣١٠ ، تذكرة الخواصّ : ٣٢٤ ، وفيات الأعيان ٢ / ٩٤ ـ ٩٥ رقم ١٦٩ ، مرآة الجنان ٢ / ١٢٧ ، الفصول المهمّة : ٢٨٤ ـ ٢٩٠ ، الصواعق المحرقة : ٣١٣ ـ ٣١٤.

(٧) انظر : مطالب السؤول : ٣١١ ـ ٣١٦ ، تذكرة الخواصّ : ٣٢٥ ، وفيات الأعيان ٤ / ١٧٦ رقم ٥٦٢ ، الفصول المهمّة : ٢٩١ ، الأئمّة الاثنا عشر ـ لابن طولون ـ : ١١٧ ، الصواعق المحرقة : ٣١٤ ، الإتحاف بحبّ الأشراف : ١٧٩ ، ينابيع المودّة ٣ / ١٧١ ، سبائك الذهب ـ للسويدي ـ : ٧٨.


اشتهر فضلهم وزهدهم بين المخالف والمؤالف ، وأقرّوا لهم بالعلم ، ولم يؤخذ عليهم في شيء ألبتّة كما أخذ على غيرهم!

فلينظر العاقل بعين البصيرة ، هل ينسب هؤلاء الزهّاد المعصومون العلماء إلى من لا يتوقّى المحارم ، ولا يفعل الطاعات؟!

* * *


وقال الفضل(١) :

ما ذكر من فضائل فاطمة صلوات الله على أبيها وعليها وعلى سائر آل محمّد والسلام ، أمر لا ينكر ؛ فإنّ الإنكار على البحر برحمته ، وعلى البرّ بسعته ، وعلى الشمس بنورها ، وعلى الأنوار بظهورها ، وعلى السحاب بجوده ، وعلى الملك بسجوده ، إنكار لا يزيد المنكر إلّا الاستهزاء به.

ومن هو قادر على أن ينكر على جماعة ، هم أهل السداد ، وخزّان معدن النبوّة ، وحفّاظ آداب الفتوّة ، صلوات الله وسلامه عليهم؟!

ونعم ما قلت فيهم منظوما [ من المتقارب ] :

سلام على المصطفى المجتبى

سلام على السيّد المرتضى

سلام على ستّنا فاطمة

من اختارها الله خير النّسا

سلام على المسك أنفاسه

على الحسن الألمعيّ الرضا

سلام على الأروعيّ الحسين

شهيد برى جسمه كربلا

سلام على سيّد العابدين

عليّ بن الحسين المجتبى

سلام على الباقر المهتدي

سلام على الصادق المقتدى

سلام على الكاظم الممتحن

رضيّ السجايا إمام التّقى

سلام على الثامن المؤتمن

عليّ الرضا سيّد الأصفيا

سلام على المتّقي التقي

محمّد الطيّب المرتجى

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٦٣ الطبعة الحجرية.


سلام على الأريحيّ النقي

عليّ المكرّم هادي الورى

سلام على السيّد العسكري

إمام يجهّز جيش الصفا

سلام على القائم المنتظر

أبي القاسم القرم نور الهدى

سيطلع كالشمس في غاسق

ينجّيه من سيفه المنتضى

يرى يملأ الأرض من عدله

كما ملئت جور أهل الهوى

سلام عليه وآبائه

وأنصاره ما تدور السّما

* * *


وأقول :

إنّ سيّد المرسلين وآله خيرة الله من العالمين ، لغنيّون بمدح الله لهم في كتابه العزيز(١) ، عن مدحهم بمثل هذا الذي سمّاه منظوما ، لكنّا نشكره عليه ، فإنّه غاية مقدوره ، ومبلغ علمه.

وينبغي التعرّض لهذه الأخبار التي ذكرها المصنّفرحمه‌الله ، لكنّها كثيرة يطول المقام ببيان من رواها ، فإن شئت أن تعرفها فارجع إلى « كنز العمّال » ، و « جامع الترمذي » ، و « صواعق » ابن حجر ، ونحوها ، تجدها وأضعافها(٢) .

نعم ، لا يجمل الإخلال بذكرها أصلا ، فالأولى أن نتعرّض لبعضها بنحو الإشارة إلى من رواها من الصحابة ، ومن أخرجها ، كحديث أنّ الحسنينعليهما‌السلام سيّدا شباب أهل الجنّة ، « وكلّ الصّيد في جوف الفرا »(٣) .

__________________

(١) كآية التطهير وآية المودّة وآية المباهلة ، وسورة هل آتى ؛ تجدها في ج ٤ / ٣٥١ و ٣٨١ و ٣٩٩ وج ٥ / ٥٠ من هذا الكتاب ، وكذا غيرها تجدها في محالّها من الجزءين الرابع والخامس من هذا الكتاب ؛ فراجع!

(٢) انظر : كنز العمّال ١٢ / ١١٢ ـ ١٢٣ ح ٣٤٢٤٦ ـ ٣٤٣٠٠ وج ١٣ / ٦٥٨ ـ ٦٧١ ح ٣٧٦٧٠ ـ ٣٧٧١٢ ، سنن الترمذي ٥ / ٦١٤ ـ ٦٢٠ ح ٣٧٦٨ ـ ٣٧٨٤ ، الصواعق المحرقة : ٢١١ ـ ٢١٣ وص ٢٩٠ ـ ٢٩٢ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٧٩ ـ ١٨٥.

(٣) مثل مشهور ، يضرب لمن يفضّل على أقرانه ، الذي يقوم مقام الكثير لعظمه.

وقد تألّف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا سفيان بهذا المثل حين استأذن على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فحجب قليلا ثمّ أذن له.


فنقول : رواه من الصحابة عليّعليه‌السلام ، وعمر ، وابنه ، وابن مسعود ، وأبو سعيد ، وجابر ، وحذيفة ، والبراء ، وأسامة ، وأنس ، وأبو هريرة ، وقرّة ، ومالك بن الحويرث ، وابن أبي رمثة ، وغيرهم(١)

وأخرجه الترمذي في « صحيحه »(٢)

والنسائي في « الخصائص »(٣) .

والحاكم في « المستدرك »(٤)

وأحمد في « المسند »(٥)

والضياء في « المختارة »(٦)

وابن عبد البرّ في « الاستيعاب »(٧)

والطبراني في « الكبير » و « الأوسط »(٨)

__________________

والفرا : حمار الوحش ، وليس ممّا يصيده الناس شيء أعظم منه.

انظر : مجمع الأمثال ٣ / ١١ ـ ١٢ رقم ٣٠١٠ ، جمهرة الأمثال ٢ / ١٦٢ ـ ١٦٣ رقم ١٤٥٠ ، المستقصى في أمثال العرب ٢ / ٢٢٤ رقم ٧٥٦.

(١) انظر : الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة : ١٥٦ ح ٢١٤ ، الشذرة في الأحاديث المشتهرة ١ / ٢٥٥ ح ٣٥٩ ، لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة :

١٤٩ ـ ١٥١ ح ٤٥ ، كشف الخفاء ومزيل الإلباس ١ / ٣٥٨ ح ١١٣٩.

كما أخرجه السيوطي في « الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة » من خمسة عشر طريقا.

(٢) سنن الترمذي ٥ / ٦١٤ ح ٣٧٦٨ وص ٦١٩ ح ٣٧٨١.

(٣) خصائص الإمام عليّعليه‌السلام : ٩٩ ح ١٢٤ و ١٢٥ وص ١٠٤ ـ ١٠٥ ح ١٣٥ ـ ١٣٧.

(٤) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٨٢ ح ٤٧٧٨ ـ ٤٧٨٠.

(٥) مسند أحمد ٣ / ٣ و ٦٢ و ٦٤ و ٨٢ وج ٥ / ٣٩١ و ٣٩٢.

(٦) انظر : كنز العمّال ١٢ / ١٢٠ ح ٣٤٢٨٨ عن « المختارة » للضياء المقدسي.

(٧) الاستيعاب ١ / ٣٩١.

(٨) المعجم الكبير ٣ / ٣٥ ـ ٤٠ ح ٢٥٩٨ ـ ٢٦١٨ وج ١٩ / ٢٩٢ ح ٦٥٠ وج


وأبو يعلى ، والبزّار ، وأبو نعيم ، وابن النجّار ، وابن مندة ، وابن أبي شيبة ، وابن سعد ، وابن شاهين ، والديلمي ، وابن عساكر ، وغيرهم(١) .

وربّما أخرجه الواحد منهم من نحو عشرة طرق عن جماعة من الصحابة(٢) .

ويعلم الكثير من هذا من مراجعة ما أشرنا إليه من محالّ روايات سيادة أمّهما فاطمةعليها‌السلام ؛ فإنّ كثيرا ممّن يروي سيادتها يروي سيادة

__________________

٢٢ / ٤٠٢ ـ ٤٠٣ ح ١٠٠٥ ، المعجم الأوسط ١ / ١٧٤ ح ٣٦٨ وج ٣ / ٨ ح ٢٢١١ وج ٤ / ٥٢٠ ح ٤٣٣٢ وج ٥ / ٣٨٨ ح ٥٢٠٨ وج ٦ / ٦٠ ح ٥٦٤٤.

(١) مسند أبي يعلى ٢ / ٣٩٥ ح ١١٦٩ ، مسند البزّار ٣ / ١٠٢ ح ٨٨٥ ، تاريخ أصفهان ٢ / ٣٢١ ـ ٣٢٢ رقم ١٨٤٧ ، فضائل الخلفاء : ١١٨ ـ ١١٩ ح ١٢٩ و ١٣٠ ، معرفة الصحابة ٢ / ٦٥٥ ح ١٧٤١ ـ ١٧٤٢ وص ٦٦٤ ح ١٧٧١ ، حلية الأولياء ٤ / ١٣٩ ـ ١٤٠ وج ٥ / ٥٨ و ٧١ ، كنز العمّال ١٢ / ١١٧ ـ ١١٨ ح ٣٤٢٧٤ عن ابن النجّار وج ١٣ / ٦٦١ ح ٣٧٦٨٠ عن ابن شاهين وص ٦٦٥ ح ٣٧٦٩٣ عن ابن مندة ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥١٢ ح ٢ و ٥ ، ترجمة الإمام الحسنعليه‌السلام من الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ : ٤٧ ـ ٥٠ ح ٥٤ ـ ٥٨ ، ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ : ٢٨ ح ٢١١ ، فردوس الأخبار ١ / ٣٥٥ ح ٢٦٢٤ ، تاريخ دمشق ١٣ / ٢٠٧ ـ ٢١٢ وج ١٤ / ١٣٠ ـ ١٣٧.

وانظر : سنن ابن ماجة ١ / ٤٤ ح ١١٨ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٥٠ ح ٨١٦٩ وص ٩٥ ح ٨٣٦٥ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٩٦٨ ح ١٣٦٠ وص ٩٧٢ ح ١٣٦٨ وص ٩٧٩ ح ١٣٨٤ وص ٩٩٠ ح ١٤٠٦ ، مشكل الآثار ٢ / ٢٦٩ ح ٢١٠٣ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٥٥ ح ٦٩٢٠ و ٦٩٢١ ، تاريخ بغداد ١ / ١٤٠ رقم ٢ وج ٢ / ١٨٥ رقم ٥٩٨ وج ٤ / ٢٠٧ رقم ١٨٩٦ وج ٦ / ٣٧٢ رقم ٣٣٩٧ وج ٩ / ٢٣١ و ٢٣٢ رقم ٤٨٠٤ وج ١١ / ٩٠ رقم ٥٧٧٨ وج ١٢ / ٤ رقم ٦٣٥٢ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٩٣ ح ٤٨٢٧ وص ١٩٦ ح ٤٨٣٥ ، شرح السنّة ٨ / ١٠٤ ح ٣٩٣٥.

(٢) كالطبراني في المعجمين الكبير والأوسط ، وابن عساكر في تاريخ دمشق.


ولديها(١) .

وقد وجدت حديث سيادتهما وحدهما ، أو مع أمّهما ، في « مسند أحمد » ، عن أبي سعيد ، من عدّة طرق(٢)

وعن حذيفة من طريقين(٣)

واعلم أنّه جاء في بعض ما أشرنا إليه من الأخبار أنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة إلّا ابني الخالة عيسى ويحيى(٤) .

والظاهر أنّه من قلم التصرّف ؛ لأنّ المراد بالشباب : إمّا الشباب في الدنيا أو في الآخرة

لا شكّ أنّه لا يراد الأوّل ؛ لأنّ الحسنين في أيّام كلام جدّهماصلى‌الله‌عليه‌وآله كانا طفلين ، وبلحاظ ما بلغاه من السنّ ، كان الحسن كهلا والحسين شيخا

كما أنّ عيسى حينما رفعه الله تعالى قد بلغ سنّ الكهولة أو تجاوزه ؛ لقوله تعالى :( وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ ) (٥) ، وحينما ينزله يوم خروج المهديّ عجّل الله فرجه يكون من أكبر الأنبياء سنّا

__________________

(١) كما في : سنن الترمذي ٥ / ٦١٩ ح ٣٧٨١ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ٩٥ ح ٨٣٦٥ ، فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٩٩٠ ح ١٤٠٦ ، المعجم الكبير ٢٢ / ٤٠٣ ح ١٠٠٥ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٩٦ ح ٤٨٣٥ ، تاريخ دمشق ١٣ / ٢٠٧ وج ١٤ / ١٣٤ ـ ١٣٥.

(٢) ص ٣ و ٦٢ و ٦٤ و ٨٢ ج ٣. منهقدس‌سره .

(٣) ص ٣٩١ و ٣٩٢ ج ٥. منهقدس‌سره .

(٤) انظر : المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٨٢ ح ٤٧٧٨ ، المعجم الكبير ٣ / ٣٦ ح ٢٦٠٣ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٨٢.

(٥) سورة آل عمران ٣ : ٤٦.


فكيف يقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة » ثمّ يستثني عيسى؟!

فلا بدّ أن يكون المراد : هو الشباب في الآخرة.

وحينئذ فلا وجه لاستثناء عيسى ويحيى وحدهما ، والناس كلّهم شباب في الجنّة ، ومنهم من هو أفضل من يحيى ، كنوح وإبراهيم وموسى.

فلا بدّ أن يكون الاستثناء باطلا ، ويكون الحسنان سيّدي شباب أهل الجنّة من دون استثناء ، كما تواترت به أخبارنا(١) ، واستفاضت به بقيّة أخبارهم(٢) .

__________________

(١) انظر مثلا : كتاب سليم ٢ / ٧٣٤ ح ٢١ ، قرب الإسناد : ١١١ ح ٣٨٦ ، الغيبة ـ للنعماني ـ : ٦٥ ح ١ ، عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ٢ / ٣٠ ح ١٢ وص ٣٦ ح ٥٦ ، الخصال : ٣٢٠ ح ١ وص ٥٥٠ و ٥٧٥ ، الأمالي ـ للصدوق ـ : ٧٤ ح ٤٢ وص ١١٢ ح ٩٠ وص ١٨٧ ح ١٩٦ وص ٢٤٥ ذ ح ٢٦٢ وص ٥٢٤ وص ٥٦٠ ح ٧٤٨ وص ٥٧٥ ح ٧٨٧ وص ٦٥٢ ح ٨٨٨ ، كمال الدين : ٢٥٨ ح ٣ وص ٢٦٣ ح ١٠ وص ٦٦٩ ح ١٤ ، معاني الأخبار : ١٢٤ ح ١ ، دعائم الإسلام ١ / ٣٧ ، كفاية الأثر : ٣٨ و ١٠٠ و ١٠٢ و ١٢٤ و ١٤٤ ـ ١٤٥ و ٢٢٢ ، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ٢ / ٢٧ و ٩٧ ، الأمالي ـ للمفيد ـ : ٢١ ح ٢ ، الأمالي ـ للطوسي ـ : ٨٥ ح ١٢٧ وص ٣١٢ ح ٦٣٤ ، مئة منقبة : ٤٢ رقم ٢ ، الاحتجاج ١ / ١٥٨ ، إعلام الورى ١ / ٤٠٧ ، روضة الواعظين ١ / ٣٣٧ ح ٣٤٦ وص ٣٦٠ ح ٣٨١ ، الخرائج والجرائح ١ / ٢٣٧ ، مناقب آل أبي طالب ٣ / ٤٤٥.

(٢) بل يمكن القول بأنها قد تجاوزت حدّ الاستفاضة وبلغت التواتر بناء على ما هو المعتمد عندهم في بلوغ حد التواتر ، فقد حدّده بعضهم بالأربعة ، وقيل : خمسة ، كما عن الباقلّاني ، وقيل : سبعة ، وقيل : عشرة ، كما عن الإصطخري ، وقيل غير ذلك. انظر : شرح شرح نخبة الفكر : ١٦٤ ، تدريب الراوي ٢ / ١٧٦.

وقد روي هذا الحديث ـ كما تقدّم ـ من طريق : الإمام عليّ عليه السلام ، والإمام


ولم يخرج من العموم إلّا جدّهماصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأنّه المتكلّم ، مع كون خروجه ضروريّا

وأبوهما ؛ لقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في كثير من هذه الأخبار : «وأبوهما خير منهما » ، كما رواه الحاكم في « المستدرك »(١) ، من طريق عن ابن مسعود ، وطريق عن ابن عمر ، واتّفق هو والذهبي على صحّة حديث ابن مسعود.

ونقله في « كنز العمّال »(٢) بلفظه ، أو بلفظ : «وأبوهما أفضل منهما » ، عن ابن عساكر ، عن عليّعليه‌السلام

وعن النسائي وابن عساكر ، عن ابن عمر ؛ وعن الطبراني ، عن قرّة ومالك بن الحويرث(٣)

ونقله أيضا بعد ذلك(٤) ، عن الديلمي ، عن أنس ؛ وعن الطبراني ،

__________________

الحسين بن عليّعليه‌السلام ، وعمر بن الخطّاب ، وأبي هريرة ، وجابر بن عبد الله ، وحذيفة بن اليمان ، وقرّة بن إياس ، وأسامة بن زيد ، ومالك بن الحويرث ، والبراء ابن عازب ، وابن عمر ، وبريدة ، وأنس بن مالك ، وجهم ، وابن عبّاس ، وعبد الله بن مسعود ، وابن أبي رمثة ، وبعض طرق أبي سعيد الخدري

فهذه ثمانية عشر طريقا لم يرد فيها الاستثناء ؛ فلاحظ!

(١) ص ١٦٧ من الجزء الثالث [ ٣ / ١٨٢ ح ٤٧٧٩ و ٤٧٨٠ ]. منهقدس‌سره .

(٢) ص ٢٢٠ من الجزء السادس [ ١٢ / ١١٢ ح ٣٤٢٤٦ و ٣٤٢٤٧ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : تاريخ دمشق ١٣ / ٢٠٩.

(٣) كنز العمّال ١٢ / ١١٥ ح ٣٤٢٥٩ ، وانظر : السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١٤٩ ح ٨٥٢٥ ـ ٨٥٢٧ ، تاريخ دمشق ١٣ / ٢٠٩ ، المعجم الكبير ٣ / ٣٩ ح ٢٦١٧ وج ١٩ / ٢٩٢ ح ٦٥٠.

نقول : لم ترد فقرة « وأبوهما أفضل ـ أو : خير ـ منهما » في رواية النسائي ، كما إنّ سنده ينتهي إلى أبي سعيد بدل ابن عمر ؛ فلاحظ!

(٤) ص ٢٢٢ ج ٦ [ ١٢ / ١٢٢ ح ٣٤٢٩٣ و ٣٤٢٩٥ ]. منهقدس‌سره .


عن حذيفة.

ولو سلّم صحّة الاستثناء المذكور ، فهو كالنصّ في سيادة الحسنين لبقيّة الأنبياء ، وهو الشرف الذي لا يوازى ، ودليل فضلهما على بقيّة الأنبياء ، فكيف بآحاد أمّتنا وغيرها؟!

وإنّما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «سيّدا شباب أهل الجنّة » ولم يقل : « [ سيّدا ](١) أهل الجنّة » ؛ للإشارة إلى أنّ أهل الجنّة شباب كلّهم.

وفي بعض أخبارنا أنّ جميع أهل الجنّة شباب إلّا محمّدا وعليّا وآدم ونوحا وإبراهيم ، فإنّهم شيب.

وعليه : فيتّجه التقييد بالشباب ، ويرتفع الإشكال عن خروج محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّعليه‌السلام .

هذا ، ولمّا أراد بعض القوم أن يناظر الحسنين بالشيخين ، وضع على لسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّهما سيّدا كهول أهل الجنّة(٢) ، وما تصوّر أنّهما في الدنيا بلغا سنّ الشيخوخة حتّى في زمن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ أهل الجنّة شباب لا كهل فيهم.

وقد ذكر في « ميزان الاعتدال » حديث أنّهما سيّدا كهول أهل الجنّة ، بترجمة محمّد بن كثير الصنعاني ، كما ذكرناه بترجمته في مقدّمة الكتاب ، وذكرنا أنّ ابن المديني بعدما سمع روايته لهذا الحديث قال : « لا أحبّ

__________________

وانظر : فردوس الأخبار ٢ / ٣٨٥ ح ٧٢٢٧ ، المعجم الكبير ٣ / ٣٧ ـ ٣٨ ح ٢٦٠٨.

(١) أثبتناه لضرورة النسق.

(٢) كنز العمّال ١٣ / ١٠ ح ٣٦١٠٤ و ٣٦١٠٥.


أن أراه »(١) .

وينبغي التعرّض ـ أيضا ـ لما رواه المصنّفرحمه‌الله ، عن جابر ، من ركوب الحسنينعليهما‌السلام على ظهر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقوله : «نعم الجمل جملكما ، ونعم العدلان أنتما »(٢)

فنقول : نقله في « كنز العمّال » ، في فضائل الحسنين(٣) ، عن ابن عديّ ، والرامهرمزي في « الأمثال » ، وعن ابن عساكر من ثلاثة طرق ، وكلّهم عن جابر ، إلّا أنّه قال في إحدى روايات ابن عساكر : دخلت على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يمشي بينهما(٤) ، فقلت : نعم الجمل جملكما ؛ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ونعم الراكبان هما »(٥) .

ونقله أيضا عن الطبراني ، عن سلمان ـ بقصّة طويلة أخرى ـ ، قال : « كنّا حول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فجاءت أمّ أيمن ، فقالت : يا رسول الله! لقد ضلّ الحسن والحسين ، وذلك رأد(٦) النهار.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :قوموا فاطلبوا ابنيّ !

__________________

(١) راجع : ج ١ / ٢٤٥ رقم ٢٩٨ من هذا الكتاب ، وانظر : ميزان الاعتدال ٦ / ٣١٢ رقم ٨١٠٦.

(٢) تقدّم آنفا في الصفحة ٤٥١.

(٣) ص ١٠٨ من الجزء السابع [ ١٣ / ٦٦٣ ح ٣٧٦٨٧ وص ٦٦٤ ح ٣٧٦٨٩ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : الكامل في ضعفاء الرجال ٥ / ٢٥٩ رقم ١٤٠٤ ، تاريخ دمشق ١٣ / ٢١٦ ـ ٢١٧.

(٤) في المصدر : « بهما » ، وهو المناسب لتتمّة الحديث ؛ فلاحظ!

(٥) كنز العمّال ١٣ / ٦٦٤ ح ٣٧٦٩٠ ، تاريخ دمشق ١٣ / ٢١٦.

(٦) الرّأد : رونق الضحى ، وقيل : هو بعد انبساط الشمس وارتفاع النهار ؛ انظر : لسان العرب ٥ / ٧٩ مادّة « رأد ».


وأخذ كلّ رجل تجاه وجهه ، وأخذت نحو النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، [ فلم يزل حتّى أتى سطح جبل ] ، وإذا الحسن والحسين يلتزق كلّ واحد منهما صاحبه ، وإذا شجاع(١) قائم على ذنبه يخرج من فيه شبه النار ، فأسرع إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فالتفت مخاطبا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ انساب فدخل بعض الأحجرة ، ثمّ أتاهما فأفرق بينهما ومسح وجوههما ، وقال : «بأبي وأمّي أنتما! ما أكرمكما على الله ! » ، ثمّ حمل أحدهما على عاتقه الأيمن والآخر على عاتقه الأيسر.

فقلت : طوبى لكما! نعم المطيّة مطيّتكما.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :ونعم الراكبان هما ، وأبوهما خير منهما »(٢) .

وروى الترمذي ، في مناقب الحسنين ، عن ابن عبّاس ، قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حامل الحسن(٣) على عاتقه ، فقال رجل : نعم المركب ركبت يا غلام!

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :ونعم الراكب هو (٤) .

ورواه الحاكم في فضائل الحسن(٥) .

__________________

(١) شجاع ـ بالضمّ والكسر ـ : هي الحيّة الذكر ، وقيل : الحيّة مطلقا ؛ انظر مادّة « شجع » في : النهاية في غريب الحديث والأثر ٢ / ٤٤٧ ، لسان العرب ٧ / ٣٨.

(٢) كنز العمّال ١٣ / ٦٦٢ ـ ٦٦٣ ح ٣٧٦٨٥ ، المعجم الكبير ٣ / ٦٥ ح ٢٦٧٧.

(٣) كذا في الأصل ، وفي المصدر : « الحسين ».

(٤) سنن الترمذي ٥ / ٦٢٠ ح ٣٧٨٤.

(٥) ص ١٧٠ من الجزء الثالث [ المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٨٦ ح ٤٧٩٤ ]. منهقدس‌سره .

وقال الحاكم : « حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه ».


وقريب من ذلك ما رواه الحاكم(١) في « المستدرك » أيضا ، في فضائل الحسنينعليهما‌السلام ، وصحّحه ، عن أبي هريرة ، قال : « كنّا نصلّي مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله العشاء ، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره ، وإذا رفع رأسه أخذهما فوضعهما وضعا رفيقا ، فإذا عاد عادا ، فلمّا صلّى جعل واحدا هاهنا ، وواحدا هاهنا.

فقلت : يا رسول الله! ألا أذهب بهما إلى أمّهما؟

قال : لا.

فبرقت برقة ، فقال :إلحقا بأمّكما .

فما زالا يمشيان في ضوئها حتّى دخلا ».

ومثله في « مسند أحمد » من طريقين ، عن أبي هريرة(٢) .

ونقله في « كنز العمّال »(٣) ، عن ابن عساكر ، من طريقين ، عن أبي هريرة.

وأمّا أحاديث حبّ النبيّ للحسنين فمتواترة ، ومن أحسنها ما رواه الحاكم(٤) وصحّحه ، عن أبي هريرة ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال :من أحبّهما فقد أحبّني ، ومن أبغضهما فقد أبغضني.

ونقله في « كنز العمّال »(٥) ، عن أحمد في « مسنده » ، وابن ماجة.

__________________

(١) ص ١٦٧ ج ٣ [ ٣ / ١٨٣ ح ٤٧٨٢ ]. منهقدس‌سره .

(٢) ص ٥١٣ من الجزء الثاني. منهقدس‌سره .

(٣) ص ١٠٩ من الجزء السابع [ ١٣ / ٦٦٩ ح ٣٧٧٠٦ و ٣٧٧٠٧ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : تاريخ دمشق ١٣ / ٢١٣ ـ ٢١٤.

(٤) ص ١٦٦ ج ٣ [ المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٨٢ ح ٤٧٧٧ ]. منهقدس‌سره .

ووافقه الذهبي في « تلخيص المستدرك » ، وقال : « صحيح ».

(٥) ص ٢٢٠ من الجزء السادس [ ١٢ / ١١٦ ح ٣٤٢٦٨ ]. منهقدس‌سره .


وروى الحاكم ـ أيضا ـ قبل الحديث المذكور ، وصحّحه على شرط الشيخين ، عن سلمان ، قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول :الحسن والحسين ابناي ، من أحبّهما أحبّني ، ومن أحبني أحبّ (١) الله ، ومن أحبّ (٢) الله أدخله الجنّة ، ومن أبغضهما أبغضني ، ومن أبغضني أبغضه الله ، ومن أبغضه الله أدخله النار.

وتعقّبه الذهبيّ بقوله : « هذا حديث منكر ، وإنّما رواه بقيّ بن خالد(٣) بإسناد آخر واه ، عن زاذان ، عن سلمان »(٤) .

أقول :

حقّا له أن يستنكره ؛ لأنّه يستوجب دخول أكثر أوليائه النار ، ومجرّد روايته بإسناد آخر واه لا يمنع من روايته بإسناد صحيح على شرط الشيخين ، ولذا لم يناقش الذهبيّ في هذا الإسناد!

__________________

وانظر : مسند أحمد ٢ / ٢٨٨ ، سنن ابن ماجة ١ / ٥١ ح ١٤٣.

(١) كذا في الأصل ، وفي المصدر : « أحبّه ».

(٢) كذا في الأصل ، وفي المصدر : « أحبّه ».

(٣) كذا في الأصل ، وهو تصحيف ، والصحيح : « مخلد ».

وهو : أبو عبد الرحمن بقيّ بن مخلد الأندلسي القرطبي ، الحافظ ، ولد في حدود سنة ٢٠٠ ه‍ ، أو قبلها بقليل ، وتفقّه في إفريقيّة ، وحمل الحديث عن أهل الحرمين ومصر والشام والعراق ، كان ذا خاصّة من أحمد بن حنبل ، وجاريا في مضمار البخاري ومسلم والنسائي ، له من المصنّفات : تفسير ومسند وجزء في ما روي في الحوض والكوثر توفّي سنة ٢٧٦ ه‍.

انظر : تاريخ دمشق ١٠ / ٣٥٤ رقم ٩٣٥ ، طبقات الحنابلة ١ / ١١٢ رقم ١٤١ ، سير أعلام النبلاء ١٣ / ٢٨٥ رقم ١٣٧ ، تذكرة الحفّاظ ٢ / ٦٢٩ رقم ٦٥٦ ، طبقات الحفّاظ : ٢٨١ رقم ٦٣٣.

(٤) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٨١ ح ٤٧٧٦.


وحكى نحوه في « كنز العمّال »(١) ، عن أبي نعيم وابن عساكر ، عن سلمان ؛ وعن أبي نعيم ، عن أبي هريرة ؛ لكن بهذا اللفظ : «من أحبّهما أحببته ، ومن أحببته أحبّه الله ، ومن أحبّه الله أدخله جنّات النّعم ، ومن أبغضهما أو بغى عليهما أبغضته ، ومن أبغضته أبغضه الله ، ومن أبغضه الله أدخله جهنّم ، وله عذاب مقيم ».

وأمّا حديث فداء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ابنه إبراهيم للحسينعليه‌السلام ، فقد وردت به أخبارنا أيضا(٢) .

وحكاه السيوطي في « اللآلئ المصنوعة » ، عن الخطيب ، وقال : « زعم ابن الجوزي أنّه موضوع ، آفته محمّد بن الحسن النقّاش »(٣) .

وفيه ـ مع ما عرفت في مقدّمة الكتاب من أنّ من روى فضيلة لأهل البيت ثقة فيها(٤) ـ : إنّ النقّاش ممّن أثنى عليه أبو عمرو الداني(٥) ، وكان شيخ المقرئين في عصره ، ورحل إلى عدّة مدائن في طلب

__________________

(١) ص ٢٢١ ج ٦ [ ١٢ / ١١٩ ـ ١٢٠ ح ٣٤٢٨٤ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : تاريخ دمشق ١٤ / ١٥٦ ، معرفة الصحابة ٢ / ٦٦٩ ح ١٧٩٧.

(٢) انظر : مناقب آل أبي طالب ٤ / ٨٨ ـ ٨٩ ، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف : ٢٠٢ ح ٢٨٩.

(٣) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٥٦ ـ ٣٥٧ ، وانظر : تاريخ بغداد ٢ / ٢٠٤ رقم ٦٣٥ ، الموضوعات ١ / ٤٠٧.

(٤) راجع : ج ١ / ٧ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٥) قال الداني فيه : « النقّاش جائز القول ، مقبول الشهادة » ؛ انظر : غاية النهاية في طبقات القرّاء ٢ / ١٢١ ذيل الرقم ٢٩٣٨.

أمّا الداني فهو : أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر الأموي ، مولاهم الأندلسي ، القرطبي ثمّ الداني ، ويعرف بابن الصيرفي ، صاحب التصانيف الكثيرة في القراءات والقرآن ، ولد سنة ٣٧١ ه‍ ، وتوفّي سنة ٤٤٤ ه‍ ودفن


العلم ، واحتيج إليه ، كما ذكره في « ميزان الاعتدال »(١) ، فأيّ داع له ـ وهو من أهل السنّة ـ إلى وضع هذا الحديث ، ويسقط نفسه بين قومه؟!

* * *

__________________

بمقبرة دانية.

والداني : نسبة إلى دانية ، وهي مدينة بالأندلس من أعمال بلنسية ، على ضفة البحر شرقا ، مرساها عجيب يسمّى السّمّان ، ولها رساتيق واسعة كثيرة التين والعنب واللوز.

انظر : سير أعلام النبلاء ١٨ / ٧٧ رقم ٣٦ ، معجم البلدان ٢ / ٤٩٤ رقم ٤٦٧١.

(١) ميزان الاعتدال ٦ / ١١٥ رقم ٧٤١٠.

وقال فيه الذهبي ـ كذلك ـ ما نصّه : « أبو بكر النقّاش ، محمّد بن الحسن بن محمّد بن زياد بن هارون الموصلي ، ثمّ البغدادي ، المقرئ ، المفسّر ، أحد الأعلام ، ولد سنة ستّ وستّين ومئتين ».

انظر : معرفة القرّاء الكبار : ٢٩٤ رقم ٢٠٩.


محبّته وموالاته

قال المصنّف ـ قدّس الله نفسه ـ(١) :

المطلب الثالث : في محبّته

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ كما في « مسند أحمد بن حنبل » ، وقد أخذ بيد حسن وحسين ـ : «من أحبّني وأحبّ هذين وأحبّ أباهما وأمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة »(٢) .

وعن حذيفة ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من أحبّ أن يتمسّك بقصبة الياقوت التي خلقها الله تعالى ، ثمّ قال لها : كوني ، فكانت ، فليتولّ عليّ بن أبي طالب من بعدي »(٣) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لو اجتمع الناس على حبّ عليّ لم يخلق الله النار »(٤) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «حبّ عليّ حسنة لا يضرّ معها سيئة ، وبغض عليّ

__________________

(١) نهج الحقّ : ٢٥٩.

(٢) مسند أحمد ١ / ٧٧ ، ورواه في فضائل الصحابة ٢ / ٨٦٢ ـ ٨٦٣ ح ١١٨٥ ، وقد تقدّم تخريجه عن جمع من الحفّاظ في مبحث الحديث الخامس والعشرين ، في الصفحة ٢٣٥ من هذا الجزء ، فراجع!

(٣) انظر : فضائل الصحابة ٢ / ٨٢٦ ح ١١٣٢ ، حلية الأولياء ١ / ٨٦ وج ٤ / ١٧٤ رقم ٢٧٠ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢٠٢ ـ ٢٠٤ ح ٢٦٠ ـ ٢٦٤.

(٤) فردوس الأخبار ٢ / ٢٠٣ ح ٥١٧٥ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٦٧ ح ٣٩ ، نزهة المجالس ٢ / ٢٠٧ ، ينابيع المودّة ١ / ٢٧٢ ح ٩ وج ٢ / ٢٩٠ ح ٨٣٠.


سيّئة لا ينفع معها حسنة »(١) .

وقال رجل لسلمان : ما أشدّ حبّك لعليّعليه‌السلام !

قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «من أحبّ عليّا فقد أحبّني ، ومن أبغض عليّا فقد أبغضني »(٢) .

ومن « المناقب » لخطيب خوارزم ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « من أحبّ عليّا قبل الله منه صلاته وصيامه وقيامه واستجاب دعاءه.

ألا ومن أحبّ عليّا أعطاه بكلّ عرق في بدنه مدينة في الجنّة.

ألا ومن أحبّ آل محمّد أمن الحساب والميزان والصراط.

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد فأنا كفيله بالجنّة مع الأنبياء.

ألا ومن أبغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه : آيس من رحمة الله »(٣) .

والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى(٤)

__________________

(١) فردوس الأخبار ١ / ٣٤٧ ح ٢٥٤٧ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٧٥ ـ ٧٦ ح ٥٦ ، نزهة المجالس ٢ / ٢٠٧ ، ينابيع المودّة ١ / ٢٧٠ ح ٤ وص ٣٧٥ ح ٦ وج ٢ / ٧٥ ح ٥٤ وص ٢٩٢ ح ٨٤١.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٤١ ح ٤٦٤٨ ، الاستيعاب ٣ / ١١٠١ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٦٩ ـ ٧٠ ح ٤٤ ، وانظر : المعجم الكبير ٢٣ / ٣٨٠ ح ٩٠١ وفيه زيادة : « ومن أبغضني فقد أبغض الله ».

(٣) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٧٢ ـ ٧٣ ح ٥١ ، مقتل الحسينعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٧٢ ح ١٥ ، وانظر : تفسير الكشّاف ٣ / ٤٦٧ ، تفسير الفخر الرازي ٢٧ / ١٦٦ ـ ١٦٧ ، تفسير القرطبي ١٦ / ١٦ ، فرائد السمطين ٢ / ٢٥٥ ح ٥٢٤ ، نزهة المجالس ٢ / ٢٢٢ ، جواهر العقدين : ٣٣٧ ـ ٣٣٨.

(٤) انظر : جواهر العقدين : ٣١٧ ـ ٣٤٠ ، الصواعق المحرقة : ٢٥٩ ـ ٢٧٤ وص ٣٣٩ ـ ٣٤٨.


وآيات القرآن دالّة عليه

قال الله تعالى :( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلأَالْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) (١) ، جعل مودّة عليّ وآله أجرا لرسالة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) .

وفي « الجمع بين الصحاح الستّة » ، عن ابن عبّاس ، قال : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «أحبّوا الله لما يغذوكم به من نعمة ، ولما هو أهله ، وأحبّوني لحبّ الله ، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي »(٣) .

ومن « مناقب » الخوارزمي : عن أبي ذرّ ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« من ناصب عليّا الخلافة بعدي فهو كافر ، وقد حارب الله ورسوله »(٤) .

ومنه : عن معاوية بن حيدة القشيري(٥) ، قال : سمعت

__________________

(١) سورة الشورى ٤٢ : ٢٣.

(٢) تفسير البغوي ٤ / ١١١ ، تفسير الكشّاف ٣ / ٤٦٧ ، زاد المسير ٧ / ١١٧ ، تفسير الفخر الرازي ٢٧ / ١٦٧ ، تفسير القرطبي ١٦ / ١٦ ، تفسير البيضاوي ٢ / ٣٦٢ ، تفسير ابن كثير ٤ / ١١٥ ، الدرّ المنثور ٧ / ٣٤٨ ، فتح القدير ٤ / ٥٣٧ ، روح المعاني ٢٥ / ٤٩.

(٣) رواه رزين العبدري في « الجمع بين الصحاح الستّة » نقلا عن « سنن أبي داود » كما في عمدة عيون صحاح الأخبار : ٤٦٤ ح ٧٤٩ ، وانظر : سنن الترمذي ٥ / ٦٢٢ ح ٣٧٨٩ ، المعجم الكبير ٣ / ٤٦ ح ٢٦٣٩ وج ١٠ / ٢٨١ ح ١٠٦٦٤ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٦٢ ح ٤٧١٦ ، حلية الأولياء ٣ / ٢١١ ، تاريخ بغداد ٤ / ١٦٠ رقم ١٨٣٣ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٥١ ح ١٨٠.

(٤) أخرجه الخوارزمي في كتابه كما في « مناقب عليّ » ـ للعيني الحيدرآبادي ـ : ٥٢ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٩٣ ح ٦٨.

(٥) كان في الأصل : « عن معاوية بن وحيد ، بخطّ القشيري » ، ووضع المصنّفقدس‌سره في المخطوط الحرف « خ » على كلمة « بخطّ » إشارة إلى أنّها نسخة بدل ؛ وكلّ ذلك


النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول لعليّ : «يا عليّ! لا يبالي من مات وهو يبغضك مات يهوديّا أو نصرانيّا »(١) .

ومنه : عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ : «كذب من زعم أنّه يبغضك ويحبّني »(٢) .

وعن أبي هريرة ، قال : أبصر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّا وحسنا وحسينا وفاطمة ، فقال : «أنا حرب لمن حاربكم ، وسلم لمن سالمكم »(٣) .

ومنه : عن ابن عبّاس ، قال : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ : «أنت سيّد في الدنيا ، وسيّد في الآخرة ، من أحبّك فقد أحبّني ، ومن أحبّني

__________________

تصحيف ، وما أثبتناه في المتن هو الصحيح.

انظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٧ / ٢٥ رقم ٢٨٥٥ ، تاريخ الثقات ـ للعجلي ـ : ٤٣٢ رقم ١٥٩٢ ، الثقات ـ لابن حبّان ـ ٣ / ٣٧٤ ، معرفة الصحابة ٥ / ٢٥٠٣ رقم ٢٦٥٨ ، الاستيعاب ٣ / ١٤١٥ رقم ٢٤٣٤ ، أسد الغابة ٤ / ٤٣٢ رقم ٤٩٧٥ ، تهذيب الكمال ١٨ / ١٩٨ رقم ٦٦٤٣ ، الإصابة ٦ / ١٤٩ رقم ٨٠٧١.

(١) انظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٩٦ ح ٧٤ ، فردوس الأخبار ٢ / ٤٨٢ ح ٨٣١٢ ، وراجع الصفحة ١٨٥ من هذا الجزء.

(٢) انظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٩٧ ح ٧٥ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٧٦ ح ٥٧ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ٢٦٨ ، كفاية الطالب : ٣٢٠.

(٣) انظر : سنن الترمذي ٥ / ٦٥٦ ح ٣٨٧٠ ، سنن ابن ماجة ١ / ٥٢ ح ١٤٥ ، مسند أحمد ٢ / ٤٤٢ ، فضائل الحصابة ٢ / ٩٦٢ ح ١٣٥٠ ، المعجم الكبير ٣ / ٤٠ ح ٢٦١٩ ـ ٢٦٢١ وج ٥ / ١٨٤ ح ٥٠٣٠ و ٥٠٣١ ، المعجم الأوسط ٣ / ٢٥٦ ح ٢٨٧٥ وج ٥ / ٣١٦ ح ٥٠١٥ وج ٧ / ٢٤٢ ح ٧٢٥٩ ، المعجم الصغير ٢ / ٣ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ٥١٢ ح ٧ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩ / ٦١ ح ٦٩٣٨ ، الكنى والأسماء ـ للدولابي ـ ٢ / ١٦٠ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٦١ ح ٤٧١٣ و ٤٧١٤ ، تاريخ بغداد ٧ / ١٣٧ رقم ٣٥٨٢ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٠٥ ح ٩٠ ، مصابيح السنّة ٤ / ١٩٠ ح ٤٨١٧ ، تاريخ دمشق ١٤ / ١٤٤ و ١٥٧ ـ ١٥٨ ، بغية الطلب ٦ / ٢٥٧٦.


أحبّ الله عزّ وجلّ (١) ، وعدوّك عدوّي ، وعدوّي عدوّ الله ، ويل لمن أبغضك »(٢) .

* * *

__________________

(١) وفي نسخة : « وحبيبي حبيب الله عزّ وجلّ ». منهقدس‌سره .

(٢) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣٢٧ ح ٣٣٧ ، وانظر : فضائل الصحابة ٢ / ٧٩٧ ح ١٠٩٢ ، سير أعلام النبلاء ١٢ / ٣٦٦ رقم ١٥٧.

وقد تقدّم تخريجه في ج ١ / ١٢ ه‍ ٢ من هذا الكتاب ؛ فراجع!


وقال الفضل(١) :

ما ذكر في هذا المطلب من وجوب محبّة أهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، سيّما عليّ بن أبي طالب ، فهو أمر لا منازع فيه ، والأخبار والآثار والدلائل على هذا المقصود عند أهل السنّة والجماعة كثيرة.

ولكن ذكر في هذا المطلب أخبارا منكرة موضوعة ، ظاهر عليها أثر الوضع والنّكارة(٢) والمجهولية.

ولكن ما يتعلّق بذكر الفضائل لا يتعرّض لكونه موضوعا أو مجهولا ؛ لأنّ ذكر الفضائل مقصود ، ولا يتعلّق بالمذهب ولا يتوجّه إليه ردّ.

وأمّا ما ذكره من « مناقب الخوارزمي » نقلا عن أبي ذرّ ، أنّه قال : «من ناصب عليّا الخلافة بعدي فهو كافر » ، فهذا حديث موضوع ، منكر ، لا يرتضيه العلماء ، وأكثر ما ذكر من « مناقب الخوارزمي » ، فكذلك.

وهذا الخوارزمي رجل كأنّه شيعيّ مجهول ، لا يعرف بحال ، ولا يعدّه العلماء من أهل العلم ، بل لا يعرفه أحد ، ولا اعتداد برواياته وأخباره!

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٦٥ الطبعة الحجرية.

(٢) النّكر والنّكر والنّكارة والنّكراء ـ لغة ـ : الدهاء والفطنة ، والنّكر والنّكر : المنكر والأمر الشديد ؛ انظر : تاج العروس ٧ / ٥٥٧ مادّة « نكر ».

وفي الاصطلاح ، فإنّ الحديث المنكر : هو ما يرويه غير الثقة خلافا لما عليه المشهور ، بخلاف الشاذّ الذي يرويه الثقة خلافا لما عليه المشهور.

انظر : شرح شرح نخبة الفكر : ٣٣٧ ـ ٣٣٨ ، علوم الحديث : ٧٦ ـ ٧٩ ، تدريب الراوي ١ / ٢٣٩.


وأقول :

قد سبق كثير ممّا ذكره المصنّفرحمه‌الله هنا وبيّنّا ثبوته(١) ، ولو احتجنا إلى إثبات الباقي لذكرناه ، وفي « المستدرك » و « الكنز » أكثره(٢) ، لكن لا حاجة إليه بعد قوله سبحانه :( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلأَالْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) (٣) ، وغيرها من الآيات(٤)

وبعد استفاضة الروايات في وجوب حبّهم وفضله ، وأنّ حبّهم علامة الإيمان ، وبغضهم علامة النفاق ، وأنّ من أحبّهم أحبّ الله ورسوله ، ومن أبغضهم أبغض الله ورسوله.

والإنسان في غنى عن البحث في سند الأحاديث المتعلّقة بحبّهم وبغضهم ؛ لاشتهارها ، بل تواترها معنى.

وإذا تأمّلت كثرة ما ورد في الترغيب بحبّهم ، والتحذير من بغضهم ، والوصيّة فيهم بالكيفيّات المختلفة ، والوجوه المتعدّدة ، لعلمت أنّ ذلك لم يكن إلّا لأمر في الأصحاب ، وإلّا لو كانوا كما يظنّ الظانّون ، لما احتاجوا إلى ذلك ؛ لقضاء العادة بحبّهم لأهل البيتعليهم‌السلام ، واحترامهم لهم ؛ لقربهم

__________________

(١) تقدّم في ج ٤ / ٢١٥ ـ ٢١٦ من هذا الكتاب ، وفي الصفحات ١٤٢ و ١٨٤ و ٢٣٥ و ٤٣٢ من هذا الجزء.

(٢) انظر : المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٣٨ ـ ١٤٥ ح ٤٦٤٠ ـ ٤٦٥٧ وص ١٦١ ـ ١٦٢ ح ٤٧١٣ ـ ٤٧١٧ ، كنز العمّال ١٢ / ١٠٣ ـ ١٠٥ ح ٣٤١٩٤ ـ ٣٤٢٠٦ وج ١٣ / ١٣٩ وما بعدها.

(٣) سورة الشورى ٤٢ : ٢٣.

(٤) راجع : ج ٤ / ٢٩٧ ـ ٤٣٥ وتمام الجزء الخامس من هذا الكتاب.


من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فضلا عن أهليّتهم في أنفسهم وكثرة آثار عليّعليه‌السلام في الإسلام

فلا بدّ أن يكون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قد علم ما نقوله ، من بغض غالب الأصحاب لهم ، وظلمهم إيّاهم ، وأنّ النفاق قد فشا فيهم وانقلبوا على الأعقاب!

بل لو تأمّل المنصف أخبار حبّهم وبغضهم لم يفهم منها إلّا إرادة وجوب التمسّك بهم ، فهي بيان لإمامتهم ، ولسان في وجوب اتّباعهم وحرمة مخالفتهم ، وإلّا فالحبّ والبغض من حيث هما ليسا بتلك الأهميّة التي اشتمل عليها الكتاب والسنّة.

وبهذا يعلم صحّة ما رواه أبو ذرّرحمه‌الله ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : «من ناصب عليّا الخلافة [ بعدي ] فهو كافر »

وما زعمه ـ من كونه منكرا موضوعا ـ تامّ على مذهبه ، وإلّا فبالنظر إلى الخبر بنفسه لا نكارة فيه ، وهو وأشباهه حجّة عليهم.

ويؤيّده ما في « كنز العمّال »(١) ، عن الدارقطني في « الأفراد » ، عن ابن عبّاس : «عليّ باب حطّة ، من دخل منه كان مؤمنا ، ومن خرج منه كان كافرا ».

وما في « الكنز » أيضا ، عن عليّ ، وجابر ، وابن مسعود ، بطرق : «عليّ خير البشر ، فمن أبى فقد كفر »(٢) .

ورواه السيوطي في « اللآلئ » ، عن ابن عديّ ، بسنده عن أبي سعيد ؛

__________________

(١) ص ١٥٣ ج ٣ [ ١١ / ٦٠٣ ح ٣٢٩١٠ ]. منهقدس‌سره .

(٢) كنز العمّال ١١ / ٦٢٥ ح ٣٣٠٤٥ و ٣٣٠٤٦ ، وانظر : تاريخ بغداد ٣ / ١٩٢ رقم ١٢٣٤ وج ٧ / ٤٢١ رقم ٣٩٨٤.


وعن أبي الحسن بن شاذان الفضلي ، بسنده عن حذيفة(١) .

فهو كثير الطرق ، حقيق بالاعتبار

.. إلى نحوها من الأخبار(٢) .

ولا يخفى أنّ قول الفضل : « ولكن ما يتعلّق بذكر الفضائل لا يتعرّض لكونه موضوعا » إلى آخره(٣)

مناف لما ذكره في أوّل المبحث الخامس ، حيث قال : « يشترط في ذكر الفضائل أن يروى من الصحاح المعتبرة ، ومن العلماء الّذين اعتمدهم الناس » إلى آخره(٤) .

والظاهر أنّ السبب في هذا العدول إرادته رواية فضائل أوليائه قريبا ، لتقبل على علّاتها ولا يلتفت إلى وضعها!

وأمّا ما طعن به الخوارزمي ، فليس إلّا لرواياته في فضائل أهل البيت ، والحال أنّه قد استفاض أكثرها بطرق أخر عن غيره ، بل كلّها بلحاظ شواهدها ومناسباتها.

وهو ممّن لا يجهل عند القوم ، فقد روى عنه ابن حجر ، وكنّاه ب‍ « أبي بكر » في « الصواعق » ، في المقصد الثاني من المقاصد المتعلّقة بالآية الرابعة عشرة ، من الآيات الواردة في أهل البيتعليهم‌السلام (٥) .

وقد ذكره الذهبيّ في « الميزان » ، بترجمة « محمّد بن عبد الله بن

__________________

(١) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٠١ ، الكامل في ضعفاء الرجال ٤ / ١٠ رقم ٨٨٨.

(٢) راجع : جواهر العقدين : ٣٤١ ـ ٣٥٨ ، الصواعق المحرقة : ٢٦٤ ـ ٢٦٧ و ٣٥٧.

(٣) تقدّم آنفا في الصفحة ٤٧٦.

(٤) انظر الصفحة ٢٨٦ من هذا الجزء.

(٥) الصواعق المحرقة : ٢٦٣.


محمّد البلوي » ، فقال ـ بعد ما ذكر حديثا في فضل عليّعليه‌السلام ـ : « رواه أخطب خوارزم »(١) .

وذكره أيضا بترجمة « محمّد بن أحمد بن عليّ بن الحسن بن شاذان » ، فإنّه ذكر في ترجمته أحاديث له في فضائل عليّعليه‌السلام ، ثمّ قال :

« ولقد ساق خطيب خوارزم من طريق هذا الدجّال ابن شاذان أحاديث كثيرة باطلة سمجة ركيكة في مناقب السيّد عليّ »(٢) .

ولو لا أنّ الرجل كبير المنزلة عندهم ، مسلّم الوثاقة بينهم ، لعرفت كيف رمته سهام ألسنتهم ، وطعنت فيه أسنّة أقلامهم!

فهذا ابن شاذان قد سمعت ما قال الذهبيّ فيه ، وهو لم يرو إلّا اليسير من فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فكيف بالخوارزمي وقد روى الكثير لو لا فضله الكبير بينهم؟!

وغاية ما طعن به ابن تيميّة على خبث لسانه أن قال : « ليس الحديث من صنعته »(٣) ، ذكر هذا في ردّه ل‍ « منهاج الكرامة ».

فكأنّه لا يكون من أهل صنعة الحديث إلّا أن يترك رواية فضائل آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو يروي ما يتحمّله رأي ابن تيميّة خاصّة(٤) .

__________________

(١) ميزان الاعتدال ٦ / ٢٠٦ رقم ٧٧٦٣.

(٢) ميزان الاعتدال ٦ / ٥٤ ـ ٥٥ رقم ٧١٩٦.

(٣) انظر : منهاج السنّة ٥ / ٤١ ـ ٤٢ وج ٧ / ٦٢.

(٤) وخطيب ـ أو : أخطب ـ خوارزم هو : ضياء الدين أبو المؤيّد الموفّق ـ أو : موفّق الدين ـ بن أحمد بن محمّد المكّي ، الخوارزمي ، الحنفي ، ولد سنة ٤٨٤ ه‍ ، وتوفّي بخوارزم سنة ٥٦٨ ه‍.

من أفاضل أعيان علماء أهل السنّة وفقهائهم ومحدّثيهم ، كان شاعرا بليغا وأديبا


إنّه صاحب الحوض ، واللواء ، والصراط ، والإذن

قال المصنّف ـ أعلى الله مقامه ـ(١) :

المطلب الرابع : في أنّه صاحب الحوض ، واللواء ،

والصراط ، والإذن.

روى الخوارزمي ، عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «عليّ يوم القيامة على الحوض ، لا يدخل الجنّة إلّا من جاء بجواز من عليّ »(٢) .

وعنه ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إذا كان يوم القيامة أمر الله تعالى جبرئيل أن يجلس على باب الجنّة ، فلا يدخلها إلّا من معه براءة من عليّ عليه‌السلام »(٣) .

__________________

فصيحا مفوّها ، برع في إنشاء الخطب ، أخذ علم العربية عن جار الله الزمخشري ، وتخرّج به جماعة ، من مصنّفاته : مناقب الإمام عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، مناقب الإمام أبي حنيفة.

انظر : الجواهر المضيّة في طبقات الحنفيّة ٣ / ٥٢٣ رقم ١٧١٨ ، المختصر المحتاج إليه من ذيل تاريخ بغداد ـ للذهبي ـ : ٣٦٠ رقم ١٣٤١ ، كشف الظنون ٢ / ١٨٣٧ و ١٨٤٤ ، هديّة العارفين ٦ / ٤٨٢ ، معجم البلدان ٢ / ٤٥٤ رقم ٤٤٤٤.

(١) نهج الحقّ : ٢٦١.

(٢) لم نجده بهذا اللفظ ، وانظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٧١ ح ٤٨ وص ٣١٠ ح ٣٠٨ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٤٠ ح ١٥٦.

(٣) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣١٩ ـ ٣٢٠ ح ٣٢٤ ، وانظر : تاريخ


وعن جابر بن سمرة ، قال : قيل : يا رسول الله! من صاحب لوائك في الآخرة؟

قال : «صاحب لوائي في الآخرة ، صاحب لوائي في الدنيا ، عليّ ابن أبي طالب »(١) .

وعن عبد الله بن أنس ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على شفير جهنّم ، لم يجز عليه إلّا من معه كتاب بولاية عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام »(٢) .

والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى.

فلينظر العاقل إذا كانت مثل هذه وأضعافها أضعافا مضاعفة يرويها السنّة في صحاح الأخبار عندهم ، والآيات ـ أيضا ـ موافقة لها ثمّ يتركونها ، هل يجوز له تقليدهم؟!

ومع ذلك لم ينقلوا عن أئمّة الشيعة منقصة ولا رذيلة ولا معصية ألبتّة ، والتجأوا في التقليد إلى قوم رووا عنهم كلّ رذيلة ، ونسبوهم إلى مخالفة الشريعة في قضايا كثيرة! ولنذكر هنا بعضها في مطالب

* * *

__________________

أصفهان ١ / ٤٠٠ ح ٧٥٥ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ١٤٨ ح ١٧٢ ، فرائد السمطين ١ / ٢٨٩ ح ٢٢٨ ؛ وراجع : ج ٥ / ٧ ـ ٨ من هذا الكتاب!

(١) مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٣٥٨ ح ٣٦٩ ؛ وانظر الصفحة ٤٢٤ ـ ٤٢٥ من هذا الجزء.

(٢) انظر : مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ للخوارزمي ـ : ٧١ ح ٤٨ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ـ لابن المغازلي ـ : ٢١٩ ح ٢٨٩ ؛ وراجع الصفحة ١٩٩ ه‍ ٣ من هذا الجزء.


وقال الفضل(١) :

من ضروريّات الدين أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله صاحب الحوض المورود ، والشفاعة العظمى ، والمقام المحمود يوم القيامة.

وأمّا أنّ عليّا صاحب الحوض ، فهو من مخترعات الشيعة ولم يرد به نقل صحيح.

وهذا الرجل ، الذي ينقل كلّ مطالبه من كتب أصحابنا ، لم ينقل هذا منهم ؛ وذلك لأنّه لم يصحّ فيه نقل عندنا.

ولكن ما ذكره لمّا كان من الفضائل والمناقب لمولانا عليّ بن أبي طالب ، فنحن لا ننكره ؛ لأنّ كلّ ما نقل من فضائله وفضائل أهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ما لم يكن سببا إلى الطعن في أفاضل الصحابة ، فنتسلّمه ونوافقه فيه ؛ لأنّ فضائلهم لا تحصى ، ولا ينكره إلّا منكر نور الشمس والقمر.

وأمّا ما ذكره ، أنّ أمثال هذه الأخبار يرويها السنّة ، وهي في صحاح الأخبار عندهم ، والآيات أيضا موافقة لها ، ثمّ يتركونها ، هل يجوز لهم تقليدهم؟!

فإنّ أهل السنّة يعملون بكلّ حديث وخبر صحيح بشرائطها.

ولكن كما صحّ عندهم الأحاديث الدالّة على فضل عليّ بن أبي طالب وأهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كذلك صحّ عندهم الأحاديث الدالّة على

__________________

(١) إبطال نهج الباطل ـ المطبوع ضمن إحقاق الحقّ ـ : ٤٦٧ الطبعة الحجرية.


فضائل الخلفاء الراشدين ، فهم يجمعون بين الأحاديث الصحاح ، وينزلون كلّا منزله الذي أنزله الله ، ولا ينقصون أحدا ممّن صحّ فيه هذا الحديث

والشيعة ينقلون الأحاديث من كتب أصحابنا ممّا يتعلّق بفضائل أهل البيت ، ويسكتون عن فضائل الخلفاء وأكابر الصحابة ؛ ليتمشّى لهم الطعن والقدح ، وهذا غاية الخيانة في الدين.

وأيّة خيانة أعظم من أنّ رجلا ذكر بعض كلام أحد ممّا يتعلّق بشيء ، وترك البعض الآخر بما يتعلّق بعين ذلك الشيء ، ليتمشّى به مذهبه ومعتقده؟!

ونعوذ بالله من هذه العقائد الفاسدة.

ثمّ ما ذكره ، أنّ أهل السنّة « لم ينقلوا عن أئمّة الشيعة منقصة ولا رذيلة ولا معصية ألبتّة ».

فجوابه أن نقول :

أيّها الجاهل العاميّ ، الضالّ العاصي! الشيعة ينسبون أنفسهم إلى الأئمّة الاثني عشر

أترى أئمّة أهل السنّة والجماعة يقدحون في أهل بيت النبوّة والولاية؟!

أتراهم ـ يا أعمى القلب! ـ أنّهم يفترون مثلك ومثل أضرابك على الأئمّة ، ويفترون المطاعن والمثالب ممّا لم يصحّ به خبر ، بل ظاهر عليه آثار الوضع والبطلان ، ولا كظهور البدر ليلة الأضحيان؟!

ثمّ ذكر أنّهم « التجأوا في التقليد إلى قوم رووا عنهم كلّ رذيلة ، ونسبوهم إلى مخالفة الشريعة ».

فجوابه : إنّهم لم يرووا عمّن يقلّدونه رذيلة أصلا ، بل هو يفتري


الكذب عليهم ، ومن هاهنا يريد أن يشرع في مطاعن الخلفاء ، ويبدأ بأبي بكر الصدّيق

ونحن نقول له : أنت لا تروي شيئا يعتدّ به إلّا من صحاحنا ، وها نحن قبل شروعك في مطاعن أبي بكر الصدّيق ، نذكر شيئا يسيرا من فضائله المذكورة في صحاحنا.

وصحاحنا ليس ككتب الشيعة التي اشتهر عند السنّة أنّها من موضوعات يهودي كان يريد تخريب بناء الإسلام ، فعملّها وجعلها وديعة عند الإمام جعفر الصادق ، فلمّا توفّي حسب الناس أنّه من كلامه(١)

والله أعلم بحقيقة هذا الكلام ، وهذا من المشهورات

مع هذا ، لا ثقة لأهل السنّة بالمشهورات ، بل لا بدّ من الإسناد الصحيح حتّى يصحّ الرواية.

وأمّا صحاحنا ، فقد اتّفق العلماء أنّ كلّ ما عدّ من الصحاح ـ سوى التعليقات في الصحاح الستّة ـ لو حلف بالطلاق أنّه من قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو من فعله وتقريره ، لم يقع الطلاق ، ولم يحنث(٢) .

وها نحن نشرع في بعض فضائل الصدّيق ؛ إظهارا للحقّ ، الحقيق

__________________

(١) نقول : إن كان يقصد باليهودي هو من يسمّى ب‍ « عبد الله بن سبأ » ، فلنا أن نتساءل ـ على فرض ثبوت شخصية ابن سبأ ـ ، أنّه كيف لقي الإمام الصادقعليه‌السلام ، المستشهد سنة ١٤٨ ه‍؟! فإنّ ابن سبأ ـ على ما يروى ويدّعى ـ كان في عصر عثمان ، وهو الذي ألّب الناس عليه ، وأجّج نار الثورة حتّى قتل ، وهو الذي أحرقه الإمام عليّعليه‌السلام وأصحابه ، فكيف اجتمع بالإمام جعفر الصادقعليه‌السلام ، وهو متأخّر عنه بزمن طويل ، حتّى يودعه كتبه الموضوعة المختلقة؟!

(٢) انظر : شرح صحيح مسلم ـ للنووي ـ ١ / ٢٨ ، مقدّمة ابن الصلاح : ١٦.

وراجع : ج ١ / ٣٩ من هذا الكتاب!


بالتحقيق ، فنقول :

أوّل خلفاء الإسلام : أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة ، من أولاد تيم ابن مرّة ، ونسبه يتّصل برسول الله في مرّة ، كان له ولدان : تيم وكلاب ، فكلاب هو أبو قصيّ ، وقصيّ جدّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتيم هو جدّ أبي بكر الصدّيق.

وكان أبو بكر الصدّيق قبل البعثة من أكابر قريش وأشرافها ، وصناديدها ، وكان قاضيا حكما بينهم ، وكان صاحب أموال كثيرة ، حتّى اتّفق جميع أرباب التواريخ ، أنّه لم يبلغ مال قريش مبلغ مال أبي بكر.

وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يصادقه ويحبّه ، ويجلس في دكّانه ، وهو كان يحبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله محبّة شديدة ، لا يفارقه ليلا ولا نهارا ، وكان يعين رسول الله بماله وأسبابه.

فلمّا بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان لا يظهر حال نبوّته في أوّل الأمر على الناس ، فذكر لأبي بكر فصدّقه ، وقال رسول الله : « ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلّا وأظهر تردّدا ما خلا أبي(١) بكر »(٢) ( كما قال )(٣) .

فأخذ أبو بكر يدعو الناس إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فآخر ذلك اليوم الذي أسلم أتى بعيون قبائل قريش ممّا(٤) كانوا يصادقونه في مكّة ، وهم :

عثمان بن عفّان ـ من عيون بني أميّة ـ ، وسعد بن أبي وقّاص ـ من

__________________

(١) كذا في الأصل وإحقاق الحقّ ؛ والصواب لغة : « أبا »!

(٢) انظر : البداية والنهاية ٣ / ٢٢.

(٣) كذا في الأصل وإحقاق الحقّ ؛ والعبارة مضطربة ومبهمة ، وذلك غير عزيز من فصاحة وبلاغة الفضل! ولعلّ في العبارة سقطا ، وربّما كان مراده : « فكان الأمر كما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّ أبي بكر » ؛ فلاحظ!

(٤) كذا في الأصل وإحقاق الحقّ ؛ والصواب لغة : « ممّن »!


أشراف بني زهرة ـ ، وطلحة بن عبيد الله ـ من أشراف تيم ـ ، والزبير بن العوّام ـ من أشراف بني أسد بن عبد العزّى ـ ، وغيرهم من الأشراف ، فبايعوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على الإسلام(١) .

ثمّ أخذ في الدعوة ، ولا يقدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على أمر إلّا بمشاورته وهو يدعو الناس!

وكان عاقلا لبيبا مدبّرا ، مقبول القول ، وكان يبذل ماله في إعانة المسلمين وفي تشهير الإسلام.

وروي في الصحيح ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت متّخذا خليلا من أمّتي لاتّخذت أبا بكر ، ولكن أخوّة الإسلام ومودّته ، لا تبقينّ في المسجد خوخة إلّا خوخة أبي بكر »(٢) .

وفيه ـ أيضا ـ : عن عبد الله بن مسعود ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : « لو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا ، ولكنّه أخي وصاحبي ، وقد اتّخذ الله صاحبكم خليلا »(٣) .

وفي الصحاح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « ما لأحد عندنا يد إلّا وقد كافأناه ما خلا أبا بكر ، فإنّ له عندنا يدا يكافئه الله يوم القيامة ، وما نفعني مال أحد قطّ ما نفعني مال أبي بكر ، ولو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا ، ألا وإنّ صاحبكم خليل الله »(٤) .

__________________

(١) انظر : السيرة الحلبية ١ / ٤٤٩.

(٢) انظر : صحيح البخاري ١ / ٢٠١ ح ١٢٥ ، صحيح مسلم ٧ / ١٠٨.

(٣) صحيح مسلم ٧ / ١٠٨.

(٤) سنن الترمذي ٥ / ٥٦٨ ـ ٥٦٩ ح ٣٦٦١.


ثمّ لمّا أخذ الكفّار في إيذاء المسلمين وتعذيبهم ، قام أبو بكر بأعباء أذيّة قريش وإعانة المعذّبين ، والذبّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بما هو مشتهر معلوم لا يحتاج إلى بيانه.

وكان يشتري المعذّبين من الكفّار ، واشترى بلال بن رباح ، وفدى غيره من الصحابة ، وابتلي بلاء حسنا لا يكون فوقها مرتبة حتّى جاء وقت الهجرة فصاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الغار ، وأنزل الله فيه :( ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ ) (١) .

وأثنى الله عليه في كتابه العزيز في مواضع عديدة ممّا يطول ذكرها ، ولو لا أنّ الكتاب غير موضوع لذكر التفاصيل ، لفصّلنا مناقبه في عشر مجلّدات!

ثمّ بعد الهجرة أقام يحفظ الدين والجهاد ، ولم يقدر أحد من الشيعة أن يدّعي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله غزا غزوة وتخلّف عنه أبو بكر حتّى توفّي.

وإجماع الأمّة على أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يقدّمه على أصحابه ويفضّله عليهم ، وهو لم يفارق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قطّ في غزاة ، ولا سفر ، ولا فرّ في غزوة ، ومن ادّعى خلاف ذلك فهو مفتر كذّاب ، مخالف لضرورات الدين.

ذكر في « صحيح البخاري » ، عن محمّد بن الحنفيّة ، قال : قلت لأبي : أيّ الناس خير بعد النبيّ؟

قال : أبو بكر.

قلت : ثمّ من؟

__________________

(١) سورة التوبة ٩ : ٤٠.


قال : عمر.

قال : [ و ] خشيت أن يقول : عثمان ، قلت : ثمّ أنت؟

قال : ما أنا إلّا رجل من المسلمين(١) .

انظروا معاشر العقلاء! إنّ أمير المؤمنين عليّ هكذا يذكر الخلفاء ، ثمّ جاء ابن المطهّر الأعرابي ، البوّال على عقبيه ، ويضع لهم المطاعن ، قاتله الله من رجل سوء بطّاط(٢) .

وأيضا : عن عبد الله بن عمر ، قال : كنّا في زمن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لا نعدل بأبي بكر أحدا ، ثمّ عمر ، ثمّ عثمان ، ثمّ نترك أصحاب النبيّ لا نفاضل بينهم(٣) .

وفي رواية : كنّا نحن نقول ـ ورسول الله حيّ ـ : أفضل أمّة النبيّ بعده أبو بكر ، ثمّ عمر ، ثمّ عثمان(٤) .

وفي الصحاح : عن ابن عمر ، عن رسول الله ، أنّه قال لأبي بكر : « أنت صاحبي في الغار ، وصاحبي في الحوض »(٥) .

وفيها : عنه ، قال : قال رسول الله : « أنا أوّل من تنشقّ عنه الأرض ، ثمّ أبو بكر ، ثمّ عمر ، ثمّ يأتي أهل البقيع فيحشرون معي ، ثمّ ينتظر أهل

__________________

(١) صحيح البخاري ٥ / ٧١ ح ١٦٨.

(٢) البطّاط : صانع البطّات ، جمع البطّة ؛ وهي الدبّة بلغة أهل مكّة ؛ لأنّها تعمل على شكل البطّة من الحيوان ، أو هو إناء كالقارورة يوضع فيه الدهن وغيره ؛ انظر مادّة « بطط » في : لسان العرب ١ / ٤٣١ ، تاج العروس ١٠ / ١٩٨.

(٣) صحيح البخاري ٥ / ٨٢ ح ١٩٣.

(٤) سنن أبي داود ٤ / ٢٠٥ ـ ٢٠٦ ح ٤٦٢٨.

(٥) سنن الترمذي ٥ / ٥٧٢ ح ٣٦٧٠.


مكّة حتّى تحشر بين الحرمين »(١) .

وفي الصحاح : عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « أتاني جبرئيل فأخذ بيدي فأراني باب الجنّة الذي يدخل منه أمّتي.

فقال أبو بكر : يا رسول الله! وددت أنّي كنت معك حتّى أنظر إليه.

فقال رسول الله : أما إنّك يا أبا بكر أوّل من يدخل الجنّة من أمّتي »(٢) .

والأخبار في هذا أكثر من أن تحصى

ثمّ لمّا قرب وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جعله في مرضه إماما للناس ؛ ليكون تلويحا إلى خلافته ، وهذا كالمتواتر عند المسلمين ، ولم يتردّد واحد في أنّ أبا بكر في أيّام مرض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يؤمّ الناس.

وفي الصحاح : عن عائشة ، قالت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في مرضه : « ادعي لي أبا بكر أباك ، وأخاك ، حتّى أكتب كتابا ، فإنّي أخاف أن يتمنّى متمنّ ، ويقول قائل : أنا أولى ، ويأبى الله والمؤمنون إلّا أبا بكر »(٣) .

وفي الصحاح : عن جبير بن مطعم ، قال : أتت النبيّ امرأة فكلّمته في شيء ، فأمرها أن ترجع إليه ، قالت ، يا رسول الله! أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ ـ كأنّها تريد الموت ـ.

قال : إن لم تجديني فأتي أبا بكر(٤) .

__________________

(١) انظر : سنن الترمذي ٥ / ٥٨١ ح ٣٦٩٢ ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٥٠٥ ح ٣٧٣٢.

(٢) سنن أبي داود ٤ / ٢١٢ ح ٤٦٥٢ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٧٧ ح ٤٤٤٤.

(٣) صحيح مسلم ٧ / ١١٠ ، وانظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٣ / ١٣٤ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٨ / ١٥٣.

(٤) انظر : صحيح مسلم ٧ / ١١٠.


والأخبار الدالّة على الإشارة بخلافته كثيرة ، وهي تعارض الأخبار الدالّة على خلافة عليّ.

والإجماع فضل زائد ودليل تامّ على صحّة خلافته.

ثمّ إنّ الرجل السوء يذكر لمثل هذا الرجل المطاعن ، لعن الله كلّ مخالف طاعن.

وكنت حين بلغت باب المطاعن أردت أن أطوي عنه كشحا ، ولا أذكر منه شيئا ؛ لأنّها تؤلم خاطر المؤمن ، ويفرح بها المنافق الفاسد الدين ؛ لأنّ من المعلوم أنّ الدين قام في خلافة هؤلاء الخلفاء الراشدين.

ولمّا سمع المنافق أنّ هؤلاء مطعونون ، فرح بأنّ الدين المحمّدي لا اعتداد به ؛ لأنّ هؤلاء المطعونين ـ حاشاهم ـ كانوا مؤسّسي هذا الدين ، وهذا ثلمة عظيمة في الإسلام ، وتقوية كاملة للكفر ، أقدم به الروافض ، لا أفلحوا!

ولكن رأيت لو أنّي أترك هذا الباب ولم أجاوبه ، يظنّ الناس أنّ ما أورده من الأباطيل كان كلاما متينا ، ونقلا صحيحا لا يقدر على مجاوبته ، فعزمت أن أجري على وفق ما جريت في هذا الكتاب ، من ذكر كلامه والردّ عليه ، والله الموفّق.

* * *


وأقول :

لا ريب أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله هو صاحب الحوض ، ولكنّ عليّا هو المتولّي عليه ، فهو صاحبه أيضا ، كما أنّ لواء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في الآخرة ـ وهو لواء الحمد ـ بيد عليّعليه‌السلام أيضا ، كما صرّحت بهذا كلّه أخبار القوم(١) ، فضلا عن أخبارنا(٢) .

فمنها : ما رواه الحاكم في « المستدرك »(٣) ، عن عليّ بن أبي طلحة ،

__________________

(١) فلم يكن ذلك من مخترعات الشيعة كما ادّعاه ابن روزبهان ، بل رواه جمع من أئمّة وحفّاظ وأعلام أهل السنّة ، فانظر ـ علاوة على ما تقدّم في الصفحتين ٤٨١ و ٤٨٢ من هذا الجزء ، وما سيأتي في الصفحات التالية منه ـ : المعجم الأوسط ١ / ١١٠ ح ١٩٠ ، تاريخ دمشق ٤٢ / ١٣٩ ـ ١٤٠ ، مطالب السؤول : ٨١ ، مختصر تاريخ دمشق ١٧ / ٣٨٢ و ٣٨٣.

وانظر مادّة « صيد » في : الفائق في غريب الحديث ٢ / ٣٢٤ ، النهاية في غريب الحديث والأثر ٣ / ٦٥ ، لسان العرب ٧ / ٤٥١.

(٢) انظر مثلا : كتاب سليم ٢ / ٧٠٨ ح ١٦ وص ٧٤٧ ح ٢٤ ، بصائر الدرجات : ٤٣٦ ـ ٤٣٧ ح ١١ ، تفسير فرات ٢ / ٣٦٦ ـ ٣٦٧ ح ٤٩٨ و ٤٩٩ ، تفسير القمّي ٢ / ٣٦٤ ـ ٣٦٥ ، تفسير العيّاشي ٢ / ١١٦ ح ١٢٧ ، كفاية الأثر : ١٠١ ، علل الشرائع ١ / ١٩٦ ـ ١٩٧ ب‍ ١٣٠ ح ٦ وص ٢٠٥ ـ ٢٠٦ ب‍ ١٣٧ ح ١ ، عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ١ / ٢٧٢ ح ٦٣ وج ٢ / ٥٢ ـ ٥٣ ح ١٨٩ ، الخصال : ٢٠٣ ـ ٢٠٤ ح ١٩ وص ٤١٥ ـ ٤١٦ ح ٥ و ٦ وص ٥٧٣ و ٥٨٢ ـ ٥٨٣ ح ٧ ، الأمالي ـ للصدوق ـ : ١٧٨ ح ١٨٠ وص ٤٠٢ ح ٥٢٠ وص ٥٨٦ ح ٨٠٧ وص ٧٥٦ ح ١٠١٩ ، الأمالي ـ للمفيد ـ : ٢٧٢ ذ ح ٣ ، الأمالي ـ للطوسي ـ : ٢٠٩ ح ٣٥٩ ، فضائل الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ـ لابن شاذان ـ : ٦٩ ـ ٧٠ ح ٩٤ و ٩٥ ، إعلام الورى ١ / ٣٦٩ ـ ٣٧٠ ، مناقب آل أبي طالب ٢ / ١٨٥.

(٣) ص ١٣٨ ج ٣ [ ٣ / ١٤٨ ح ٤٦٦٩ ]. منهقدس‌سره .


وصحّحه ، أنّ الحسنعليه‌السلام ، قال لمعاوية بن حديج :أنت السابّ لعليّ والله إن لقيته ـ وما أحسبك تلقاه ـ يوم القيامة ، لتجده قائما على حوض رسول الله يذود عنه رايات المنافقين.

ونحوه في « الصواعق » ، عن الطبراني(١) .

ومنها : ما في « الصواعق » ـ أيضا ـ ، عن الطبراني :يا عليّ! معك يوم القيامة عصا من عصيّ الجنّة تذود بها المنافقين عن الحوض (٢) .

ومنها : ما في « الصواعق » ، عن أحمد : أعطيت في عليّ خمسا ـ إلى أن قال : ـ وأمّا الثانية : فلواء الحمد بيده ، آدم ومن ولده تحته.

وأمّا الثالثة : فواقف على حوضي ، يسقي من عرف من أمّتي(٣) .

ونحوه في « كنز العمّال »(٤) .

وروى في « الكنز » ـ أيضا ـ ، عن الطبراني ، عن عليّعليه‌السلام :إنّي أذود عن حوض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بيديّ هاتين القصيرتين ؛ الكفّار

__________________

وانظر : السنّة ـ لابن أبي عاصم ـ : ٣٤٦ ح ٧٧٦ ، مسند أبي يعلى ١٢ / ١٣٩ ـ ١٤١ ح ٦٧٧١ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٣٠.

(١) في المقصد الثالث من المقاصد المتعلقة بالآية الرابعة عشرة ، وهي آية المودّة [ الصواعق المحرقة : ٢٦٥ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : المعجم الكبير ٣ / ٨١ ـ ٨٢ ح ٢٧٢٧ وص ٩١ ـ ٩٢ ح ٢٧٥٨.

(٢) الصواعق المحرقة : ٢٦٥ ، وانظر : المعجم الصغير ٢ / ٨٩ ، فردوس الأخبار ٢ / ٤٨٢ ح ٨٣١٤ ، ذخائر العقبى : ١٦٣ ـ ١٦٤ ، الرياض النضرة ٣ / ١٨٥ ـ ١٨٦ ، جواهر المطالب ١ / ٢٣٣.

(٣) الصواعق المحرقة : ٢٦٥ ، وانظر : فضائل الصحابة ٢ / ٨٢٢ ح ١١٢٧ ، ذخائر العقبى : ١٥٥ ، مختصر تاريخ دمشق ١٧ / ٣٨٤.

(٤) ص ٤٠٢ و ٤٠٣ من الجزء السادس [ ١٣ / ١٥٢ ح ٤٦٤٧٦ وص ١٥٤ ح ٣٦٤٧٩ ]. منهقدس‌سره .


والمنافقين (١) .

وروى فيه ـ أيضا(٢) ـ ، عن عمر ـ من حديث طويل ـ ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال فيه :وأنت تتقدّمني بلواء الحمد ، وتذود عن حوضي.

وفيه ـ أيضا(٣) ـ : عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ :أنت أمامي يوم القيامة ، فيدفع إليّ لواء الحمد ، فأدفعه إليك ، وأنت تذود الناس عن حوضي.

وقد ذكر كثير من أخبارهم أمر اللواء فقط ، كخبر « الكنز »(٤) ، عن الديلمي ، عن أبي سعيد :يا عليّ! أنت صاحب لوائي في الدنيا والآخرة.

وخبره الآخر(٥) ، عن الخطيب ، والرافعي ، عن عليّعليه‌السلام ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال له :سألت الله يا عليّ فيك خمسا ـ إلى أن قال : ـأعطاني فيك أنّ أوّل من تنشقّ عنه الأرض يوم القيامة أنا ، وأنت معي ، معك لواء الحمد ، وأنت تحمله بين يديّ تسبق به الأوّلين والآخرين.

__________________

(١) كنز العمّال ١٣ / ١٥٧ ح ٣٦٤٨٤ ، وانظر : المعجم الأوسط ٥ / ٣٦٧ ح ٥١٥٣ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٣٥ ، الرياض النضرة ٣ / ١٨٦ ، جواهر المطالب ١ / ٢٣٣.

(٢) ص ٣٩٣ ج ٦ [ ١٣ / ١١٧ ذ ح ٣٦٣٧٨ ]. منهقدس‌سره .

(٣) ص ٤٠٠ ج ٦ [ ١٣ / ١٤٥ ح ٣٦٤٥٥ ]. منهقدس‌سره .

(٤) ص ١٥٥ ج ٦ [ ١١ / ٦١٢ ح ٣٢٩٦٥ ]. منهقدس‌سره .

(٥) ص ١٥٩ ج ٦ [ ١١ / ٦٢٥ ح ٣٣٠٤٧ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : تاريخ بغداد ٤ / ٣٣٩ رقم ٢١٦٧ ، التدوين في أخبار قزوين ٢ / ٤٢ رقم ٨٦٣.


وروى نحوه في محلّ آخر(١) .

وحكى(٢) عن الطبراني ، عن بريدة ، قالوا : يا رسول الله! من يحمل رايتك يوم القيامة؟

قال :من يحسن أن يحملها إلّا من حملها في الدنيا ؛ عليّ بن أبي طالب.

.. إلى غيرها من الأخبار المصرّحة بأنّ عليّا صاحب حوض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولوائه في الآخرة(٣) ، وقد ذكر قسما منها في « ينابيع المودّة »(٤) .

وأمّا روايات الإذن ، التي ذكر قسما منها المصنّفرحمه‌الله (٥) ، الدالّة على أنّه لا يدخل الجنّة ، ولا يجوز الصراط ، إلّا من بيده جواز وبراءة من عليّعليه‌السلام ، فمستفيضة.

وقد تقدّم بعضها في الآية الحادية عشرة ، وهي قوله تعالى :( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) (٦) ، فراجع(٧) !

وأمّا ما زعمه الفضل من الخيانة في نقل فضائل أهل البيتعليهم‌السلام من كتبهم والسكوت عن فضائل خلفائهم ، فخطأ ؛ لأنّا ننقل فضائل

__________________

(١) ص ٣٩٦ ج ٣ [ ١٣ / ١٢٩ ح ٣٦٤١١ ]. منهقدس‌سره .

(٢) ص ٣٩٨ ج ٦ [ ١٣ / ١٣٦ ح ٣٦٤٢٧ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : المعجم الكبير ٢ / ٢٤٧ ح ٢٠٣٦ عن جابر.

(٣) راجع ما مرّ في الصفحات ٤٨١ و ٤٨٢ و ٤٩٣ ـ ٤٩٤ من هذا الجزء.

(٤) ينابيع المودّة ١ / ٣٩٥ ـ ٣٩٧ ح ١٠ و ١٣ ـ ١٧.

(٥) تقدّم ذلك في الصفحتين ٤٨١ و ٤٨٢ من هذا الجزء.

(٦) سورة الصافّات ٣٧ : ٢٤.

(٧) راجع : ج ٥ / ٧ وما بعدها من هذا الكتاب.


أهل البيت من كتبهم للاحتجاج بها عليهم ، مع علمنا بصحّتها ؛ لورودها في أخبارنا ، وإن كانت أخبارهم متلجلجة البيان.

وأمّا ما رووه في فضائل من خالف أهل البيت ، فنحن نعتقد كذبه ، وأنّه ممّا حدث في أيّام معاوية وبعده طلبا للدراهم البيض ، والدنانير الصفر ، ومراغمة لآل محمّد ، وتقرّبا لأهل الخلاف ، كما سبق في المقدّمة(١) .

وليت شعري ، كيف يطلب منّا أن نعتمد ما ليس حجّة عندنا؟! بل تواتر لدينا عكسه ، وظهر لنا ضدّه ، حتّى علمنا ـ كما دلّت عليه أخبارهم ـ أنّ كلّ ضلال وقع إنّما أساسه من رووا لهم الفضائل من يوم منعوا نبيّ الرحمة عن كتابة كتاب لا يضلّ المسلمون بعده أبدا(٢) .

وأمّا ما نال به كرامة الإمام العلّامة المصنّفرحمه‌الله لقوله : « لم ينقلوا عن أئمّة الشيعة منقصة » إلى آخره

ففيه : إنّه أيّ مانع لهم عن القدح بهم لو وجدوا إليه سبيلا ، وليسوا عندهم بأعظم وأحبّ من خلفائهم ، وقد نقلوا عنهم ما نقلوا؟! كما ستعرفه(٣) .

وأمّا قوله : « أنت لا تروي شيئا يعتدّ به إلّا من صحاحنا »

ففيه : إنّه إن أراد أنّ صحاحهم ممّا يعتدّ بها حتّى عندنا ، فليس بصحيح ، وليس ما نرويه منها إلّا للاحتجاج به عليهم ؛ لأنّه حجّة عندهم.

وإن أراد أنّها ممّا يعتدّ بها عندهم خاصّة ، فذكره لما فيها من

__________________

(١) راجع : ج ١ / ٧ ـ ٢٥ من هذا الكتاب.

(٢) انظر : ج ٤ / ٩٣ و ٢٦٧ من هذا الكتاب.

(٣) سيأتي تفصيله في موضعه من الجزء السابع إن شاء الله.


فضائل أوليائهم لا فائدة فيه ؛ لعدم حاجة أصحابه إلى نقلها ، وعدم صلوحها للاحتجاج بها علينا ؛ وهذا غير خفيّ عليه.

ولكن ، وما حيلة المضطرّ إلّا ركوبها(١)

أو لأنّه يريد أن يخدع السذّج بها وبما لفّقه ، ممّا لا يخفى حتّى على أهل المعرفة من قومه.

وأمّا قوله : « وصحاحنا ليس ككتب الشيعة التي اشتهر عند السنّة » إلى آخره

ففيه : إنّه لو صحّ نقله للشهرة عند أصحابه ، فهي ليست أوّل شهرة كاذبة أريد بها تشييد الباطل ، فقد اشتهر عندهم إدخال ـ من زعموه ـ ربّهم رجله في نار جهنّم حتّى تقول : قط قط(٢) .

واشتهر بينهم إلقاء الشيطان على لسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : تلك الغرانيق العلى ، منها الشفاعة ترتجى(٣) .

واشتهر عندهم رقص النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بأكمامه واستماعه للغناء الباطل دون عمر وأبي بكر(٤) .

__________________

(١) عجز بيت مشهور يتمثّل به ، للكميت بن زيد الأسدي ( ٦٠ ـ ١٢٦ ه‍ ) ، من البحر الطويل ، وتمام البيت :

وإن لم يكن إلّا الأسنّة مركب

فلا رأي للمحمول إلّا ركوبها

انظر : جمهرة أشعار العرب : ٧٩٠ رقم ٤٩ ، ديوان الكميت ١ / ١٠٢ رقم ٤٩.

وورد البيت بلفظ آخر ، هكذا :

إذا لم تكن إلّا الأسنّة مركب

فلا رأي للمضطرّ إلّا ركوبها

انظر : لباب الآداب : ١٦٤.

(٢) راجع : ج ١ / ٥٠ وج ٤ / ١٦٣ ـ ١٦٦ من هذا الكتاب.

(٣) راجع : ج ٤ / ١٨ و ٤٣ ـ ٤٩ من هذا الكتاب.

(٤) راجع : ج ٤ / ٧٤ ـ ٨٧ من هذا الكتاب.


إلى غير ذلك من المشهورات الباطلة قطعا.

ولو كان لهذا الرجل معرفة ، لما روى هذه الشهرة عن أصحابه ؛ لأنّها تكشف عن كون شهراتهم من هذا القبيل ، مخالفة للضرورة والوجدان ، فإنّ كتب الشيعة مملوءة بالنقل عن إمامهم الصادقعليه‌السلام ، وما أحد نقل عن كتاب له ، وإنّما يروون عن لسانه وألسنة الأئمّة الميامين ومراسلاتهم ، وها هي ذي كتب الشيعة بمنظر لمن أراد الاطّلاع عليها.

وأمّا ما زعمه ، من اتّفاق علمائهم على أنّ كلّ ما في الصحاح لو حلف بالطلاق إلى آخره

ففيه : إنّ من حلف كذلك حانث جزما ؛ لأمور :

الأوّل : إنّ كثيرا ممّا فيها متناف ، فكيف تصدق كلّها؟!

الثاني : اشتمالها على ما فيه نقص لله ورسوله ـ كما سبق في مباحث النبوّة(١) ـ وهما منزّهان عن النقص.

الثالث : إنّ الكثير من رواتها كذبة فسقة ـ كما تقدّم في المقدّمة(٢) ـ ، فكيف يحلف الحالف على صدقهم ولا يحنث؟!

الرابع : إنّ بعض أخبارها واضحة الكذب ؛ كالذي رواه البخاري في أواخر الجزء الثاني ، في باب مقدم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه المدينة ، عن عثمان ، قال : « أمّا بعد ، فإنّ الله بعث محمّداصلى‌الله‌عليه‌وآله بالحقّ ، وكنت ممّن استجاب لله ولرسوله وآمن بما بعث به محمّد ، ثمّ هاجرت هجرتين ،

__________________

(١) انظر : ج ٤ / ١٧ ـ ١٧٠ ، وراجع : ج ١ / ٤٩ ـ ٥٢ ، من هذا الكتاب.

(٢) انظر : ج ١ / ٥٧ وما بعدها من هذا الكتاب.


ونلت صهر رسول الله ، وبايعته ، فو الله ما عصيته ولا غششته حتّى توفّاه الله »(١) ، فإنّه قد ثبت عصيانه لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولو بفراره في الغزوات ، كفراره في أحد ثلاثة أيّام(٢) .

فإذا وقع مثل هذا الكذب في الرواية ، فكيف لا يحنث الحالف؟!

ونحوه ـ في ظهور الكذب ـ ما رواه البخاري ـ أيضا ـ ، في باب هجرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أقبل إلى المدينة وهو مردف أبا بكر ، وأبو بكر شيخ يعرف ، ونبيّ الله شابّ لا يعرف(٣) الحديث.

فإنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان أكبر سنّا ، وشأنا ، وبيتا ، وأثرا ، وشهرة ، بدعوته التي تستدعي القصد إليه ورؤيته ومعرفته ، فكيف كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله شابّا لا يعرف ، وأبو بكر شيخا يعرف؟!

ونحوهما كثير!!

وإذا أردت أن تعرف حقيقة صحاحهم ، فعليك بمراجعة مقدّمة الكتاب(٤) ، وكفاك أنّ عمدة أحاديثها تنتهي إلى عائشة ، وابن عمر ، وأبي هريرة ، وهم ليسوا محلّ الاعتماد ، فضلا عن السند الذي ينتهي إليهم.

__________________

(١) صحيح البخاري ٥ / ١٦٨ ح ٤٠٥.

(٢) انظر : السير والمغازي ـ لابن إسحاق ـ : ٣٣٢ ، المغازي ـ للواقدي ـ ١ / ٢٧٧ ـ ٢٧٩ ، أنساب الأشراف ١ / ٣٩٨ ، تاريخ الطبري ٢ / ٦٩ ، تفسير الفخر الرازي ٩ / ٦٤ تفسير الآية ١٥٩ من سورة آل عمران ، شرح نهج البلاغة ١٥ / ٢١ و ٢٢ و ٢٤ ، الكامل في التاريخ ٢ / ٥٢ ، تفسير الطبري ٣ / ٤٨٩ ح ٨١٠٢.

وراجع : الصفحات ٤٠٠ و ٤١٤ و ٤١٦ من هذا الجزء.

(٣) صحيح البخاري ٥ / ١٦١ ح ٣٩٢.

(٤) راجع : ج ١ / ٤١ وما بعدها من هذا الكتاب.


أمّا عائشة ؛ فلما سبق من بغضها لأمير المؤمنين(١) ، وما سيأتي في المآخذ ، من صدور الكبائر عنها(٢) .

على أنّها قد روت كثيرا من النقص للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الذي يعلم الإنسان بكذبه(٣) ، ونسبت إليه جهله بنبوّته في أوّل البعثة حتّى عرّفته خديجة وورقة نبوّته ، وهو مخالف لضرورة الدين ، كما مرّ بيانه في مباحث النبوّة(٤) .

وأمّا ابن عمر ؛ فيعلم حاله من عدّة وقائع

منها : ما نقله الفضل عنه ، من تفضيل الصحابة لأبي بكر ، ثمّ عمر ، ثمّ عثمان ، على وجه كان مفروغا عنه عندهم ، وأنّهم يتركون بعد الثلاثة سائر الصحابة بلا تفضيل بينهم ، فيكون عليّ من سائر المسلمين لا يرون له فضلا على غيره(٥) .

وقد تعقّبه صاحب « الاستيعاب » بترجمة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فإنّه بعد ما روى حديث ابن عمر المذكور ، قال : « وهو الذي أنكر [ ه‍ ](٦) ابن معين ، وتكلّم فيه بكلام غليظ ؛ لأنّ القائل بذلك قد قال بخلاف ما اجتمع عليه أهل السنّة من السلف والخلف من أهل الفقه والأثر ، أنّ عليّا أفضل الناس بعد عثمان ، وهذا ممّا لم يختلفوا فيه

وإنّما اختلفوا في تفضيل عليّ وعثمان

__________________

(١) راجع الصفحات ١٤٩ ـ ١٥١ من هذا الجزء!

(٢) سيأتي ذلك في موضعه من الجزء السابع إن شاء الله.

(٣) انظر مثلا : ج ٤ / ٦٤ ـ ٨٧ و ١٤٢ ـ ١٤٥ و ١٥٢ ـ ١٥٩ من هذا الكتاب.

(٤) انظر : ج ٤ / ١٣٧ ـ ١٤٢ من هذا الكتاب.

(٥) مرّ ذلك في الصفحة ٤٨٩ من هذا الجزء.

(٦) كان في الأصل والمصدر : « أنكر » ؛ وما أضفناه مقتضى اللغة والكلام.


واختلف السلف ـ أيضا ـ في تفضيل عليّ وأبي بكر

وفي إجماع الجميع ـ الذي وصفناه ـ دليل على أنّ حديث ابن عمر وهم وغلط ، وأنّه لا يصحّ معناه »(١) .

ومنها : ما كذّبته فيه عائشة في اعتمار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في رجب

روى مسلم في « باب عدد عمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وزمانهنّ » ، من « كتاب الحجّ » ، عن عروة بن الزبير ، قال : كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة ، وإنّا لنسمع ضربها بالسواك تستنّ.

قال : فقلت : يا أبا عبد الرحمن! اعتمر النبيّ في رجب؟

قال : نعم.

فقلت لعائشة : يا أمّتاه! ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟!

قالت : وما يقول؟

قلت : يقول : اعتمر النبيّ في رجب.

فقالت : لعمري ما اعتمر في رجب ، وما اعتمر من عمرة إلّا وإنّه لمعه.

قال : وابن عمر يسمع ، فما قال « لا » ، ولا « نعم » ؛ سكت(٢) !

وأخرج مسلم أيضا نحوه ، عن مجاهد ، قال : دخلت أنا وعروة المسجد ، فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة ، والناس يصلّون الضّحى في المسجد ، فسألناه عن صلاتهم؟

فقال : بدعة!

__________________

(١) الاستيعاب ٣ / ١١١٦.

(٢) صحيح مسلم ٤ / ٦١.


فقال له عروة : [ يا أبا عبد الرحمن! ] كم اعتمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

فقال : أربع عمر ، إحداهنّ في رجب

ثمّ ذكر نحو الحديث السابق(١) .

وروى البخاري مثله في باب « كم اعتمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله » ، من « كتاب الحجّ »(٢) .

وكذا أحمد في « مسنده » ، في مقامات عديدة(٣) .

ومنها : ما كذّبته فيه ـ أيضا ـ عائشة ، وهو عدد عمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

أخرج أحمد في « مسنده »(٤) ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قال : سئل كم اعتمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

قال : مرّتين.

فقالت عائشة : لقد علم ابن عمر أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد اعتمر ثلاثة سوى العمرة التي قرنها بحجّة الوداع.

وروى نحوه في مقام آخر(٥) ، غير إنّ ابن عمر قال فيه : اعتمر رسول الله مرّتين قبل أن يحجّ.

ومنها : ما كذّبته هي أيضا فيه ، وهو روايته عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ الميّت يعذّب ببكاء أهله.

__________________

(١) صحيح مسلم ٤ / ٦١ ، وانظر : صحيح البخاري ٥ / ٢٩٢ ح ٢٦٥.

(٢) صحيح البخاري ٣ / ١٦ ح ٣٥٣.

(٣) منها : ص ١٢٩ ج ٢ ، وص ١٥٧ ج ٦. منهقدس‌سره .

وانظر كذلك : مسند أحمد ٢ / ١٥٥.

(٤) ص ٧٠ من الجزء الثاني ، منهقدس‌سره .

(٥) ص ١٣٩ ج ٢. منهقدس‌سره .


روى البخاري ومسلم في « كتاب الجنائز » ، ما ملخّصه : أنّ ابنة لعثمان ماتت وحضرها ابن عبّاس وابن عمر ، فقال ابن عمر لعمرو بن عثمان : ألا تنهى عن البكاء ، فإنّ النبيّ قال : « إنّ الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه ».

فقال ابن عبّاس : قد كان عمر يقول بعض ذلك.

وذكر ذلك لعائشة ، فقالت : والله ما حدّث رسول الله أنّ الله يعذّب المؤمن ببكاء أهله عليه فو الله ما قال ابن عمر شيئا(١) .

وروى مسلم نحوه كثيرا(٢) .

وكذا أحمد(٣) .

ومنها : ما كذّبته هي أيضا فيه ، وهو ما رواه من كلام النبيّ لمّا وقف على قليب(٤) بدر.

أخرج مسلم في كتاب الجنائز ، في « باب الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه » ، عن عروة ، قال : ذكر عند عائشة أنّ ابن عمر يرفع إلى النبيّ أنّ الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه.

فقالت : إنّما قال رسول الله يعذّب بخطيئته أو بذنبه ، وإنّ أهله ليبكون عليه ، وذلك مثل قوله : إنّ رسول الله قام على القليب يوم بدر

__________________

(١) صحيح البخاري ٢ / ١٧٢ ح ٤٧ ، صحيح مسلم ٣ / ٤٣.

(٢) صحيح مسلم ٣ / ٤١ ـ ٤٥.

(٣) ص ٣١ و ٣٨ من الجزء الثاني ، وص ٥٧ وص ٢٠٩ من الجزء السادس. منهقدس‌سره .

وانظر كذلك : مسند أحمد ١ / ٤١ و ٤٢.

(٤) القليب : البئر مطلقا ، وقيل : هي البئر التي لا يعلم لها ربّ ولا حافر ، تكون بالبراري ، تذكّر وتؤنّث ؛ انظر : لسان العرب ١١ / ٢٧٢ مادّة « قلب ».


وفيه قتلى بدر من المشركين ، فقال لهم ؛ ما قال : إنّهم ليسمعون ما أقول ، إنّما قال : إنّهم ليعلمون أنّ ما كنت أقول حقّ(١) .

وروى أحمد ما تضمّنه عجز الحديث(٢) .

ومنها : ما كذّبته هي أيضا فيه ، وهو عدد أيّام الشهر

أخرج أحمد(٣) ، عن ابن عمر ، عن النبيّ ، قال : الشهر تسع وعشرون.

فذكروا ذلك لعائشة ، فقالت : إنّما قال : الشهر يكون تسعا وعشرين.

ومنها : ما كذّبه فيه معاوية

روى البخاري في أوّل كتاب الأحكام ، في « باب الأمراء من قريش » ، عن الزهري ، عن جبير بن مطعم ، أنّه بلغ معاوية أنّ عبد الله بن عمر يحدّث أنّه سيكون ملك من قحطان.

فغضب ، فقام فأثنى على الله بما هو أهله ، ثمّ قال : أمّا بعد ، فإنّه بلغني أنّ رجالا منكم يحدّثون أحاديث ليست في كتاب الله ، ولا تؤثر عن رسول الله ، وأولئك جهّالكم ، فإيّاكم والأمانيّ التي تضلّ أهلها ، فإنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : « إنّ هذا الأمر في قريش ، لا يعاديهم أحد إلّا كبّه الله على وجهه ما أقاموا الدّين »(٤) .

ومنها : ما كذّبه فيه بعض أهله

__________________

(١) صحيح مسلم ٣ / ٤٤ ، وانظر : صحيح البخاري ٥ / ١٨٦ ح ٢٩.

(٢) ص ٣١ و ٣٨ من الجزء الثاني. منهقدس‌سره .

(٣) ص ٥١ من الجزء السادس. منهقدس‌سره .

وانظر كذلك : مسند أحمد ٢ / ٣١ و ٥٦ وج ٦ / ٢٤٣.

(٤) صحيح البخاري ٩ / ١١١ ح ٣.


روى البخاري ، في « باب ما جاء في البناء » ، آخر « كتاب الاستئذان » ، عن سفيان ، قال ابن عمر : « والله ما وضعت لبنة على لبنة ، ولا غرست نخلة منذ قبض النبيّ.

قال سفيان : فذكرته لبعض أهله ، قال : والله لقد بنى!

لكنّ سفيان حمله على الصحّة ، فقال : لعلّه قال قبل أن يبني »(١) .

أقول :

أهله أعرف به ، ولو لم يعرفه هذا البعض منهم بالكذب لما تسرّع لتكذيبه.

ولو سلّم ، فلا تتّجه بقيّة الروايات ؛ إذ لا وجه لها إلّا الحمل على الخطأ ، وهو ممتنع عادة في كثير منها.

ولو سلّم ، فمن أخطأ في هذه الأمور المحسوسة الظاهرة ، لا يمكن الحلف على صدق ما يرويه.

وبالجملة : الكذب ـ عمدا أو خطأ ـ في ما اختلف فيه ابن عمر وغيره ، لا بدّ أن يكون صادرا من أحدهما ، فيمتنع معه صحّة الحلف المذكور.

وقد وقع لأنس من ابن عمر ، مثل ما وقع لابن عمر من عائشة.

أخرج أحمد(٢) ، عن بكر ، قال : قلت لابن عمر : إنّ أنسا حدّثه أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لبّى بالعمرة والحجّ.

فقال ابن عمر : هل خرجنا مع رسول الله إلّا حجّاجا؟! فلمّا قدمنا

__________________

(١) صحيح البخاري ٨ / ١٢٠ ح ٧٣.

(٢) ص ٧٩ ج ٢ ، ونحوه ص ٥٣ من الجزء المذكور. منهقدس‌سره .


أمرنا أن نجعلها عمرة إلّا من كان معه هدي.

قال : فحدّثت أنسا بذلك ، فغضب وقال : لا تعدّونا إلّا صبيانا!

ثمّ إنّ ابن عمر قد صدرت منه الكبائر ، فلا يعتدّ بروايته

منها : إنّه ترك صلاة الجمعة

روى البخاري في أوائل كتاب المغازي ، عن نافع ، أنّ ابن عمر ذكر له أنّ سعيد بن زيد مرض في يوم جمعة ، فركب إليه بعد أن تعالى النهار ، واقتربت الجمعة وترك الجمعة(١) .

ومنها : وهو أعظمها ، تخلّفه عن بيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وقد بايعه أهل الحلّ والعقد(٢) ، وعندهم أنّ الخلافة تنعقد بهم ، بل ببيعة الواحد والاثنين ، كما سبق(٣) .

مع أنّه قد روى مسلم في « باب الأمر بلزوم الجماعة » ، من « كتاب الإمارة » ، عن نافع ، قال : « جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرّة ما كان زمن يزيد ، فقال : اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة.

فقال : إنّي لم آتك لأجلس ، أتيتك لأحدّثك حديثا ؛ سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجّة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة ، مات ميتة جاهلية »(٤) .

__________________

(١) صحيح البخاري ٥ / ١٩١ ـ ١٩٢ ح ٣٩.

(٢) انظر : تاريخ الطبري ٢ / ٦٩٧ ، الكامل في التاريخ ٣ / ٨٢ ، البداية والنهاية ٧ / ١٨٢.

(٣) راجع : ج ٤ / ٢٤١ ـ ٢٤٣ من هذا الكتاب.

(٤) صحيح مسلم ٦ / ٢٢.


وروى أحمد نحوه من طرق(١) .

فيا عجبا من ابن عمر! يروي هذا ويرى أنّ من ليس في عنقه بيعة ليزيد المارد يموت ميتة جاهلية ، ويترك بيعة أخي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ونفسه عامدا مصرّا على الترك أكثر من أربع سنين!!

فهل تراه كاذبا في حديثه ، أو صادقا فيه غير مبال بالميتة الجاهلية بغضا لوليّ المؤمنين ومولاهم ، وهضما لحقّه ، والبغض له أعظم الفسق ، ودليل النفاق؟!

فكيف يكون مع هذا مقبول الرواية ، محلّ الاطمئنان برواياته؟!

فتدبّر واعتبر!!

وأمّا أبو هريرة ، فهو أولى بعدم الاعتماد عليه ؛ لكثرة خرافاته التي لا يقبلها عقل عاقل ، وظهور كذبه في كثير ممّا رواه ، واتّهام الصحابة والتابعين ، بل تكذيبهم له أفرادا ونوعا(٢) .

أمّا خرافاته وكذباته ، فلا يمكن إحصاؤها ، ولكنّا نذكر منها اليسير

فمنها : أخباره السابقة في « مبحث النبوّة »(٣) ، التي وصم بها جلال الله سبحانه وشرف أنبيائه المعصومين.

__________________

(١) ص ٨٣ و ٩٧ من الجزء الثاني. منهقدس‌سره .

وانظر نحوه في مسند أحمد ٢ / ١٣٣ و ١٥٤.

وراجع : ج ٤ / ٢١٣ ـ ٢١٤ وج ٥ / ٩ و ٢٧٠ من هذا الكتاب!

(٢) انظر : تأويل مختلف الحديث ـ لابن قتيبة ـ : ٢٢ و ٣٢ و ٣٣ ، وسيأتي تفصيل ذلك في الصفحة ٥١٦ وما بعدها من هذا الجزء.

(٣) راجع : ج ٤ / ٦٠ ـ ٦٣ و ٩٠ و ٩٢ و ٩٩ و ١١٦ ـ ١١٧ و ١٢٠ و ١٥٩ ـ ١٧٠ من هذا الكتاب.


ومنها : ما سنذكره من سبب حفظه العلم(١) .

ومنها : ما رواه البخاري ، عنه(٢) ، قال : « سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : لن يدخل أحدا عمله الجنّة.

قالوا : ولا أنت يا رسول الله؟!

قال : [ لا ، ] ولا أنا! ». الحديث

فإنّه مخالف لقوله تعالى :( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٣)

وقوله سبحانه :( وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (٤) .

.. إلى كثير من الآيات الكريمة ، والسنّة المستفيضة(٥) .

__________________

(١) سيأتي ذلك عمّا قريب في الصفحة ٥٢١.

(٢) في باب تمنّي المريض الموت من كتاب المرضى [ ٧ / ٢٢٠ ح ٣٤ ]. منهقدس‌سره .

(٣) سورة النحل ١٦ : ٣٢.

(٤) سورة الأحقاف ٤٦ : ١٩.

(٥) أمّا من الكتاب العزيز

فمثل قوله تعالى : ( أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) سورة الأحقاف ٤٦ : ١٤.

وقوله سبحانه : ( وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ) سورة الإنسان ٧٦ : ١٢.

وقوله عزّ وجلّ : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) سورة البيّنة ٩٨ : ٧ و ٨.

وأمّا من السنّة الشريفة

فمثل قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « من مات يعبد الله مخلصا من قلبه ، أدخله الله الجنّة وحرّم عليه النار » انظر : مسند أبي يعلى ٣ / ٣٥٢ ح ١٨٢٠ .

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « من أطاعني دخل الجنّة ، ومن عصاني فقد أبى » انظر : مسند


ولكنّ أبا هريرة ينسج على منوال القصّاصين ، ويمسخ معالم الله سبحانه بما يقتضيه عقله وتحكم به مخيّلته ، فيلقي على أسماع القوم هذه السخافات والكذب الظاهر ، فيقبلونها من دون التفات ؛ لاعتمادهم على كلّ صحابيّ وإن ظهرت منه الكبائر بأنواعها ، وجاز في حديثه حدّ العقل.

ومنها : ما أخرجه البخاري(١) ، عنه ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : « رأى عيسى بن مريم رجلا يسرق ، فقال له : أسرقت؟!

قال : كلّا والذي لا إله إلّا هو.

فقال عيسى : آمنت بالله ، وكذّبت عيني »

فإنّ الإيمان بالله لا ينافي صدق عينه ، وأيّ عقل يقتضي تكذيب العين ووجدانها ، وتصديق الحالف بالله كذبا المستحقّ للعقاب من جهة السرقة والحلف بالله كذبا؟!

ولكنّ وساوس أبي هريرة وخياليّاته لم تقنع إلّا بالكذب على نبيّ في نسبة نبيّ آخر إلى الحمق والجهل!

__________________

أحمد ٢ / ٣٦١.

وعن أبي أيّوب ، قال : جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال : دلّني على عمل أعمله يدنيني من الجنّة ويباعدني من النار.

قال : « تعبد الله لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصل اذا رحمك ».

فلمّا أدبر قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « إن تمسّك بما أمر به دخل الجنّة » انظر : صحيح البخاري ٢ / ٢١٥ ح ١٥١ ، صحيح مسلم ١ / ٣٣ ، مسند أحمد ٥ / ٤١٧ و ٤١٨.

(١) في باب :( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها ) ، من كتاب بدء الخلق [ ٤ / ٣٢٣ ح ٢٤٠ ]. منه ١.


ومنها : ما أخرجه البخاري(١) ، ومسلم(٢) ، وأحمد(٣) ، عنه ، قال : « كانت امرأتان معهما ابناهما ، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما.

فقالت صاحبتها : إنّما ذهب بابنك.

وقالت الأخرى : إنّما ذهب بابنك.

فتحاكمتا إلى داود ، فقضى به للكبرى.

فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه ، فقال : ائتوني بالسكّين أشقّه بينهما.

فقالت الصغرى : لا تفعل يرحمك الله ، هو ابنها.

فقضى به للصغرى.

قال أبو هريرة : والله إن سمعت بالسكّين إلّا يومئذ ، وما كنّا نقول إلّا : المدية ».

فإنّ داودعليه‌السلام إن حكم بلا دليل ، فقد حكم بغير الحقّ الذي أمدّه الله تعالى به ، وهو منزّه عن ذلك.

وإن كان بدليل ، فكيف نقض سليمان حكم الله بمجرّد إشفاق الأخرى؟!

فالحديث طعن من أبي هريرة بأحد النبيّين الأكرمين.

ومن المضحك قوله : « والله إن سمعت بالسكّين إلّا يومئذ »

__________________

(١) في باب :( وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ ) الآية ، من كتاب بدء الخلق [ ٤ / ٣١٥ ح ٢٢٥ ]. منهقدس‌سره .

(٢) في بيان اختلاف المجتهدين ، من كتاب الأقضية [ ٥ / ١٣٣ ]. منهقدس‌سره .

(٣) ص ٣٢٢ ج ٢ من المسند. منهقدس‌سره .


فإنّ لفظ السكّين كثير الدوران في كلام العرب ، ولا يجهله أحد منهم ، وقد نطق به الكتاب العزيز ، فقال تعالى في سورة « يوسف » :( وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً ) (١) ، وهي مكّيّة ، نزلت قبل إسلام أبي هريرة بعدّة سنين ؛ لأنّه أسلم سنة سبع للهجرة(٢) ، فما باله لم يسمع هذه الآية التي عمّ علمها المسلمين لقدمها؟!

ولم لم يعلمها وقد زعم أنّه حفظ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعاءين ، بثّ أحدهما ، ولو بثّ الآخر لقطع منه البلعوم ، كما رواه البخاري عنه(٣) ؟!

وليت شعري ، ما هذه الأسرار الغريبة التي خصّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بها أبا هريرة ، وأخفاها عن المسلمين ، فضاعت عنّا؟!

فإنّا لله وإنّا إليه راجعون!

ومنها : ما رواه البخاري(٤) ، عنه ، قال : « وكّلني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بحفظ زكاة رمضان ، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام ، فأخذته وقلت : والله لأرفعنّك إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قال : إنّي محتاج ، وعليّ عيال ، ولي حاجة شديدة.

فخلّيت عنه ، فأصبحت ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة؟

قلت : يا رسول الله! شكا حاجة شديدة [ وعيالا ] ، فرحمته ، فخلّيت

__________________

(١) سورة يوسف ١٢ : ٣١.

(٢) انظر : المعارف : ١٥٨ ، الاستيعاب ٤ / ١٧٧١ رقم ٣٢٠٨ ، أسد الغابة ٥ / ٣٢٠ رقم ٦٣١٩.

(٣) في باب حفظ العلم ، من كتاب العلم [ ١ / ٦٨ ح ٦١ ]. منهقدس‌سره .

(٤) في أوائل كتاب الوكالة [ ٣ / ٢٠٤ ]. منهقدس‌سره .


سبيله.

قال : [ أمّا ] إنّه قد كذبك وسيعود.

فعرفت أنّه سيعود ؛ لقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّه سيعود.

فرصدته ، فجاء يحثو من الطعام ، فأخذته ، فقلت : لأرفعنّك إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قال : دعني! فإنّي محتاج ، وعليّ عيال ، لا أعود.

فرحمته ، فخلّيت سبيله.

فأصبحت ، فقال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة؟

قلت : يا رسول الله! شكا حاجة شديدة وعيالا ، فرحمته فخلّيت سبيله.

قال : أمّا إنّه قد كذبك وسيعود.

فرصدته الثالثة ، فجاء يحثو من الطعام ، فأخذته ، فقلت : لأرفعنّك إلى رسول الله ، وهذا آخر ثلاث مرّات ، إنّك تزعم لا تعود ثمّ تعود.

قال : دعني أعلّمك كلمات ينفعك الله بها.

قلت : ما هو؟

قال : إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي( اللهُ لا إِلهَ إِلأَهُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) (١) حتّى تختم الآية ، فإنّك لا يزال عليك من الله حافظ ، ولا يقربك شيطان حتّى تصبح.

فخلّيت سبيله.

__________________

(١) سورة البقرة ٢ : ٢٥٥.


فأصبحت ، فقال لي رسول الله : ما فعل أسيرك البارحة؟

قلت : يا رسول الله! زعم أنّه يعلّمني كلمات ينفعني الله بها ، فخلّيت سبيله.

إلى أن قال : تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟!

قال : لا.

قال : ذاك شيطان ».

فليت شعري ، أيّ حاجة للشيطان في هذه السرقة الخاصّة؟!

ولم لم يسرق من حيث لا يراه أبو هريرة؟!

وكيف قدر أبو هريرة أن يأسره ، وهو جسم شفّاف؟!

وكيف ساغ لأبي هريرة أن يرحمه وهو أمين في الحفظ؟!

وكيف لم يصدّق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في قوله : « قد كذبك » ، وصدّق السارق في الدعوى التي كذّبه النبيّ فيها ، ولا سيّما بعد التكرار؟!

وكيف صدّق النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في قوله : « سيعود » ، ولم يصدّقه في قوله : « كذبك » ، وكلّ منهما خبر للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في كلام واحد؟!

وهل محلّ لرحمته لو صدّق النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في تكذيبه؟!

وكيف جاز لأبي هريرة أن يحنث في يمينه ثلاث مرّات بعدما حلف ثلاثا أن يرفعه إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟!

بل كيف صحّ للنبيّ ـ مع علمه بأنّه شيطان ـ أن يسكت بعد المرّة الأولى ، ولا ينهى أبا هريرة عن مسامحته بعدها ، والمال للفقراء ، وهوصلى‌الله‌عليه‌وآله أمينهم في الجمع والحفظ؟!

فهل يشكّ عاقل ـ بعد هذه الأمور ـ في أنّ ذلك من كذبات أبي


هريرة وسخافاته؟!

ومنها : ما رواه الحاكم(١) ، عنه ، وصحّحه ، قال : [ لمّا ] خلق الله آدم فمسح على ظهره ، فسقط من ظهره كلّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة أمثال الذّرّ ، ثمّ جعل بين عيني كلّ إنسان منهم وبيصا ـ أي : بريقا(٢) ـ من نور ، ثمّ عرضهم على آدم ، فقال آدم : من هؤلاء يا ربّ؟

قال : ذرّيّتك.

فرأى آدم رجلا منهم أعجبه وبيص ما بين عينيه.

فقال : يا ربّ! من هذا؟

قال : هذا ابنك داود.

قال آدم : كم جعلت له من العمر؟

قال : ستّين سنة.

قال : يا ربّ! زده من عمري أربعين سنة حتّى يكون عمره مئة سنة.

فقال الله عزّ وجلّ : إذا يكتب ويختم فلا يبدّل.

فلمّا انقضى عمر آدم جاء ملك الموت لقبض روحه ، قال آدم : أولم يبق من عمري أربعون سنة؟!

قال له ملك الموت : أولم تجعلها لابنك داود؟!

[ قال : ] فجحد ، فجحدت ذرّيّته » الحديث.

__________________

(١) ص ٣٢٥ ج ٢ من المستدرك [ ٢ / ٣٥٥ ح ٣٢٥٧ ]. منهقدس‌سره .

(٢) الوبيص : البريق ، وبص الشيء يبص وبصا ووبيصا وبصة : برق ولمع ؛ انظر : لسان العرب ١٥ / ٢٠٠ مادّة « وبص ».


فانظر إلى هذه القصّة الخيالية ، واعتبر في آخرها كيف نسب أبو هريرة نبيّ الله إلى الكذب ، وجحود ما فعل ، وكتب عليه وختم ، كراهة للموت الذي بعده الكرامة التي رآها قبل الهبوط إلى الدنيا الدنية وبكى شوقا إليها!!

ولو فرض نسيان آدم ، فما معنى جحوده ، وقد ذكّره ملك الموت ، وهو الصادق الأمين؟!

ولكنّ أبا هريرة لا يبالي بنقص الأنبياء حتّى جعل جحود آدمعليه‌السلام سببا لجحود ذرّيّته الباطل!

وليت شعري ، لم دخل في خيال أبي هريرة أنّ وبيص ما بين عيني داود أعجب إلى آدم من وبيص ما بين عيون الأنبياء ، حتّى سيّدهم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأحدهم يوسف ، ومن زاده الله بسطة في العلم والجسم(١) ؟!

ومنها : ما رواه البخاري(٢) ، عنه ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : « بينا أيّوب يغتسل عريانا ، فخرّ عليه جراد من ذهب ، فجعل أيّوب يحثي في ثوبه ، فناداه ربّه : يا أيّوب! ألم أكن أغنيتك عمّا ترى؟!

قال : بلى وعزّتك ، ولكن لا غنى بي عن بركتك ».

فإنّ جمعه للمال ؛ إن كان رغبة في الدنيا ، فالأنبياء أجلّ قدرا من ذلك.

وإن كان للآخرة ـ ولو بإظهار الحاجة إلى كرمه تعالى وتلقّي النعمة

__________________

(١) أي : نبيّ الله طالوتعليه‌السلام .

(٢) في باب من اغتسل عريانا وحده ، من كتاب الغسل [ ١ / ١٢٩ ح ٣٠ ]. منهقدس‌سره .


بإعظامها ـ ، فما وجه عتاب الله تعالى له؟!

واحتمال أنّ العتاب للاختبار ، ليس في محلّه ؛ لأنّه إنّ أريد الاختبار حقيقة ، فالله ، عالم بما في نفسه من دون اختبار.

وإن أريد كشف ما في نفسه للناس ، إظهارا لفضله ، فهو قد اغتسل وحده عريانا.

وقصص أبي هريرة الخرافية لا تنتهي حتّى ينتهي عنها!

وأمّا تكذيب الصحابة والتابعين له ، عموما أو خصوصا ، فالأخبار به مستفيضة ، وقد كان أمير المؤمنينعليه‌السلام بالخصوص ، وعمر وابنه ، وعائشة ، وأفراد أخر من الصحابة يكذّبونه ، أو يتّهمونه بالكذب(١) .

نقل ابن أبي الحديد(٢) ، عن أبي جعفر الإسكافي ، وابن قتيبة في كتاب « المعارف » ، أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام قال :ألا إنّ أكذب الناس ـ أو قال :أكذب الأحياء ـ على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أبو هريرة الدوسي.

وإنّ عمر بن الخطّاب ضرب أبا هريرة بالدّرّة(٣) ، وقال : « قد

__________________

(١) فممّن اتّهمه بالكذب من الصحابة والتابعين ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ غير من ذكر في المتن :

١ ـ سعد بن أبي وقّاص : فقد ردّ عليه حديثه حتّى تواثبا ، وقامت الحجزة بينهما ، وأرتجت الأبواب بينهما.

انظر : تاريخ دمشق ٦٧ / ٣٤٦ ، سير أعلام النبلاء ٢ / ٦٠٣.

٢ ـ إبراهيم النخعي ، الفقيه : كان لا يأخذ بحديث أبي هريرة ، ويقول : « دعني من أبي هريرة! » ؛ ويقول : « كانوا يتركون كثيرا من حديثه ».

انظر : تاريخ دمشق ٦٧ / ٣٦٠ ـ ٣٦١ ، شرح نهج البلاغة ٤ / ٦٨ ، سير أعلام النبلاء ٢ / ٦٠٨.

(٢) ص ٣٦٠ ج ١ [ ٤ / ٦٨ ]. منهقدس‌سره .

(٣) الدّرّة ـ والجمع : درر ـ : درّة السلطان ، التي يضرب بها ، عربية معروفة ؛ انظر مادّة « درر » في : لسان العرب ٤ / ٣٢٧ ، تاج العروس ٦ / ٣٩٧.


أكثرت من الرواية ، وأحر بك أن تكون كاذبا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله »(١) .

وحكى في « كنز العمّال »(٢) ، عن ابن عساكر ، أنّ عمر قال له : « لتتركنّ الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أو لألحقنّك بأرض دوس!

[ وقال لكعب : لتتركنّ الحديث ، ] أو [ لألحقنّك ] بأرض القردة! ».

وروى مسلم(٣) ، عن ابن عمر ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر بقتل الكلاب إلّا كلب صيد أو كلب غنم أو ماشية ؛ فقيل لابن عمر : إنّ أبا هريرة يقول : أو كلب زرع.

فقال ابن عمر : إنّ لأبي هريرة زرعا!

ثمّ روى مسلم ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « من اتّخذ كلبا إلّا كلب ماشية ، أو صيد ، أو زرع ، نقص من أجره قيراط.

قال الزهري : فذكر لابن عمر قول أبي هريرة ، فقال : يرحم الله أبا هريرة ، كان صاحب زرع(٤) .

وروى أيضا ، عن سالم ، عن أبيه ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : « من اقتنى كلبا إلّا كلب ضار ، أو ماشية ، نقص من عمله كلّ يوم قيراطان.

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ٤ / ٦٧ ـ ٦٨.

(٢) ص ٢٣٩ ج ٥ [ ١٠ / ٢٩١ ح ٢٩٤٧٢ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : تاريخ دمشق ٥٠ / ١٧٢ ترجمة كعب بن ماتع ، وج ٦٧ / ٣٤٣ ترجمة أبي هريرة.

وانظر : تاريخ المدينة ـ لابن شبّة ـ ٣ / ٨٠٠ ، سير أعلام النبلاء ٢ / ٦٠٠ ـ ٦٠١ رقم ١٢٦ ، البداية والنهاية ٨ / ٨٧.

(٣) في كتاب البيوع ، في باب الأمر بقتل الكلاب [ ٥ / ٣٦ ]. منهقدس‌سره .

(٤) صحيح مسلم ٥ / ٣٨.


قال سالم : وكان أبو هريرة يقول : أو كلب حرث ؛ وكان صاحب حرث »(١) .

وروى أحمد(٢) ، عن ابن عمر ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : « من اتّخذ [ أو قال : اقتنى ] كلبا ليس بضار ، ولا كلب ماشية ، نقص من أجره كلّ يوم قيراطان.

فقيل له : إنّ أبا هريرة يقول : وكلب حرث ، فقال : أنّى لأبي هريرة حرث! ».

وروى أحمد أيضا(٣) ، عن عبد الرحمن بن عتاب ، ما حاصله أنّ أبا هريرة أفتى بشيء ، فأرسل مروان إلى أمّ سلمة وعائشة ، فذكرتا عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خلافه ، فقيل لأبي هريرة في ذلك ، فقال : كذا كنت أحسب ، وكذا كنت أظنّ.

فقال له مروان : بأظنّ وأحسب تفتي الناس؟!

وروى أحمد أيضا(٤) ، عن أبي حسّان الأعرج ، أنّ رجلين دخلا على عائشة فقالا : إنّ أبا هريرة يحدّث أنّ نبيّ الله كان يقول : إنّما الطيرة في المرأة ، والدابّة ، والدار.

قال : فطارت شقّة منها في السماء وشقّة في الأرض(٥) ، فقالت :

__________________

(١) صحيح مسلم ٥ / ٣٧.

(٢) ص ٤ من الجزء الثاني. منهقدس‌سره .

(٣) ص ١٨٤ من الجزء السادس. منهقدس‌سره .

(٤) ص ٢٤٦ من الجزء السادس. منهقدس‌سره .

(٥) هذا ممّا يقال للإنسان عند المبالغة في الغضب والغيظ.

والشّقّة : الشّظيّة أو القطعة المشقوقة من لوح أو خشب أو غيره ؛ انظر : لسان العرب ٧ / ١٦٥ مادّة « شقق ».


والذي أنزل القرآن على أبي القاسمصلى‌الله‌عليه‌وآله ما هكذا كان يقول ، ولكنّ نبيّ الله كان يقول : كان أهل الجاهلية يقولون : الطيرة في المرأة ، والدار ، والدابّة »(١) .

وروى مسلم(٢) ، أنّ أبا هريرة يقول : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : من تبع جنازة فله قيراط من الأجر.

فقال ابن عمر : أكثر علينا أبو هريرة!

نعم ، ذكر في ذيل الحديث أنّ ابن عمر أرسل إلى عائشة يسألها فصدّقت أبا هريرة ، لكنّه لا يخرج أبا هريرة عن كونه متّهما بالكذب.

وروى مسلم أيضا(٣) ، عن ابن شهاب ، أنّ أبا سلمة بن عبد الرحمن حدّثه ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « لا عدوى ».

ويحدّث أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « لا يورد ممرض على مصحّ ».

قال أبو سلمة : كان أبو هريرة يحدّثهما ـ كلتيهما ـ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ صمت بعد ذلك أبو هريرة عن قوله : « لا عدوى » ، وأقام على أن « لا يورد ممرض على مصحّ » ، قال : فقال الحارث : قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدّثنا مع هذا الحديث حديثا آخر قد سكتّ عنه ،

__________________

(١) نقول ـ علاوة على ما جاء في المتن ـ : لقد ردّت عائشة كثيرا من أحاديث أبي هريرة حتّى قالت : « ألا تعجب من هذا؟! وإن كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ليحدّث الحديث لو شاء العادّ أن يحصيه أحصاه »!

وقالت : « لأخالفنّ أبا هريرة ».

انظر : سنن أبي داود ٣ / ٣١٩ ح ٣٦٥٤ ، الأصول ـ للسرخسي ـ ١ / ٣٤١ ، تأويل مختلف الحديث : ٣٢.

(٢) في كتاب الجنائز ، في باب فضل الصلاة على الجنائز [ ٣ / ٥١ ]. منهقدس‌سره .

(٣) في كتاب السلام ، في باب لا عدوى ولا طيرة [ ٧ / ٣١ ]. منهقدس‌سره .


كنت تقول : « قال رسول الله : لا عدوى ».

فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك ، [ وقال : لا يورد ممرض على مصحّ ].

فماراه(١) الحارث في ذلك حتّى غضب أبو هريرة ، فرطن(٢) بالحبشيّة ، فقال للحارث : أتدري ماذا قلت؟!

قال : لا.

قال أبو هريرة : قلت : أبيت.

قال أبو سلمة : ولعمري ، لقد كان أبو هريرة يحدّثنا أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « لا عدوى » ؛ فلا أدري أنسي أبو هريرة ، أم نسخ أحد القولين الآخر؟!

أقول :

كلا العذرين باطل!

أمّا النسخ ؛ فلأنّه إنّما يدخل الأحكام ، مع أنّ النسخ لو دعا أبا هريرة إلى الترك لاعتذر به عند الحارث ، أو لم يروهما أوّلا.

__________________

(١) ماراه مماراة ومراء : جادله ولاجه ؛ والمراء ـ في الأصل ـ : الجدال ، وأن يستخرج الرجل من مناظره كلاما ومعاني الخصومة وغيرها ؛ انظر : لسان العرب ١٣ / ٩٠ مادّة « مرا » ، تاج العروس ٢٠ / ١٨٣ مادّة « مري ».

وفي صحيح مسلم ٧ / ٣١ : « فما رآه » ، وهو تصحيف.

(٢) رطن العجميّ يرطن رطنا : تكلّم بلغته ؛ والرّطانة والرّطاّنة والمراطنة : التكلّم بالعجمية ؛ انظر : لسان العرب ٥ / ٢٣٩ مادّة « رطن ».


وأمّا النسيان ؛ فيبطله عندهم ما رواه البخاري(١) ، عن أبي هريرة ، قال : « قلت : يا رسول الله! إنّي أسمع منك حديثا كثيرا أنساه.

قال : ابسط رداءك!

فبسطته ؛ قال : فغرف بيديه ، ثمّ قال : ضمّه ؛ فضممته ؛ فما نسيت شيئا بعده ».

وأقول :

هذا أيضا من حديث خرافة(٢) ، فإنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لو كان مريدا له الحفظ ، كفاه أن يدعو له به ، كما فعل مع أمير المؤمنين لمّا بعثه قاضيا إلى اليمن(٣) ، ولمّا نزل قوله :( وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) (٤) .

__________________

(١) في باب حفظ العلم ، من كتاب العلم [ ١ / ٦٧ ـ ٦٨ ح ٦٠ ] ، وفي موارد كثيرة باختلاف فيه [ ٥ / ٦٢ ح ١٤٨ وج ٩ / ١٩٤ ح ١٢٢ كتاب الاعتصام ]. منهقدس‌سره .

(٢) مثل يضرب لكلّ ما لا يمكن وقوعه.

وقد مرّت الإشارة إليه مفصّلة في ج ٣ / ٤٣ ه‍ ١ من هذا الكتاب ؛ فراجع!

(٣) انظر : سنن أبي داود ٣ / ٣٠٠ ح ٣٥٨٢ ، سنن ابن ماجة ٢ / ٧٧٤ ح ٢٣١٠ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ٥ / ١١٦ ـ ١١٧ ح ٨٤١٧ ـ ٨٤٢٢ ، مسند أحمد ١ / ٨٣ و ٨٨ و ٩٠ و ٩٦ و ١١١ و ١٥٦ ، مسند البزّار ٣ / ١٢٥ ح ٩١٢ ، مسند أبي يعلى ١ / ٢٥٢ ح ٢٩٣ وص ٢٦٨ ح ٣١٦ ، المعجم الأوسط ٤ / ٣٤٨ ح ٣٨٩٢ ، مسند الطيالسي : ١٦ ح ٩٨ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٢ / ٢٥٧ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ / ١٣ ح ٥٧ وص ٤٩٥ ح ٥ ، مسند عبد بن حميد : ٦١ ح ٩٤ ، تأويل مختلف الحديث ـ لابن قتيبة ـ : ١٤٥ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٧ / ٢٦٠ ح ٥٠٤٢ ، أخبار القضاة ـ لوكيع ـ ١ / ٨٤ ـ ٨٨ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٤٥ ـ ١٤٦ ح ٤٦٥٨ وج ٤ / ٩٩ ح ٧٠٠٣ ، حلية الأولياء ٤ / ٣٨١ ـ ٣٨٢ رقم ٢٨٤ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ١٠ / ١٤٠ ، تاريخ بغداد ١٢ / ٤٤٤ رقم ٦٩١٦.

(٤) سورة الحاقّة ٦٩ : ١٢.

وراجع مبحث الآية ذاتها في ج ٥ / ٤٥ ـ ٤٩ من هذا الكتاب!


فلم يحتج إلى هذا الفضول ، من البسط والاغتراف من الهواء والضمّ ، اللواتي لا تشبه أفعال العقلاء ، بل المشعبذين والخرافيّين ، فكيف ينسب إلى نبيّ الهدى؟!

وأمّا تكذيب الصحابة والتابعين له عموما ، أو اتّهامهم له ، فيدلّ عليه ما أقرّ به هو بنفسه في ما رواه مسلم(١) ، عن أبي رزين ، قال : « خرج إلينا أبو هريرة فضرب بيده على جبهته ، فقال : إنّكم تحدّثون أنّي أكذب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لتهتدوا وأضلّ » الحديث.

وما رواه البخاري(٢) ، عن أبي هريرة ، قال : « يقولون : إنّ أبا هريرة يكثر الحديث! والله الموعد ؛ ويقولون : ما للمهاجرين والأنصار لا يحدّثون مثل أحاديثه؟!

وإنّ إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ، وإنّ إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم ، وكنت امرأ مسكينا ألزم رسول الله على ملء بطني ، فأحضر حين يغيبون ، وأعي حين ينسون » الحديث.

فهذا الحديث صريح باتّهامهم له ، كما إنّ الحديث الذي قبله صريح في تكذيبهم له!

فالعجب من السنّة! كيف يعتبرون حديثه ، وهم يطعنون في الراوي باتّهام بعض علمائهم له ، فضلا عن التكذيب له؟!

فكيف ، وقد اتّهمه الصحابة والتابعون ، وكذّبوه عموما وخصوصا؟!

__________________

(١) في باب إذا انتعل فليبدأ باليمين ، من كتاب اللباس والزينة [ ٦ / ١٥٣ ]. منهقدس‌سره .

(٢) في آخر أبواب المزارعة [ ٣ / ٢١٩ ح ٢٩ ] ، وباب حفظ العلم [ ١ / ٦٧ ح ٥٩ ] ، وغيره باختلاف [ ٣ / ١١١ ـ ١١٢ أوّل كتاب البيوع ]. منهقدس‌سره .


مع أنّ السنّة رأوه في هذا الحديث قد كذب كذبا ظاهرا ؛ إذ نسب إلى جميع المهاجرين الصفق بالأسواق ، وإلى عامّة الأنصار العمل بأموالهم(١) ـ أي : بساتينهم ـ ، والحال أنّ الّذين كانوا كذلك إنّما هم القليل.

ونسب إلى نفسه ملازمة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لأن يملأ بطنه ؛ وهذا أمر ـ لو تمّ ـ زاد عليه فيه أنس ، وشاركه فيه جماعة من أهل الصّفة!

وما أدري كيف زاد حضوره على سائر المهاجرين والأنصار ، والحال أنّ أيّام إسلامه ثلاث سنين قبل وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) ، وهم حضروا عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من مبدإ الهجرة ، وبعضهم قبلها؟!

ولو سلّم ، فليس هذا جوابا عن إشكال عدم تحديث المهاجرين والأنصار مثل حديثه في الغرابة ؛ فإنّ زيادة حضوره عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يقتضي أن يختصّ بالغرائب دون بطانة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهله وأكابر الصحابة!

وليت شعري ، كيف يرتضون عذره ، وهم يزعمون أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يصنع شيئا إلّا بمشاورة أبي بكر ، وأنّ أبا بكر لا يفارق النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ليلا ولا نهارا طول أيّام إسلامه ، بل قبل البعثة ، وهو لم يرو إلّا أقلّ القليل بالنسبة إلى روايات أبي هريرة؟!

فهل يرون أنّ أبا هريرة أوعى منه للعلم وأحفظ؟!

__________________

(١) المال : ما ملكته من جميع الأشياء ، وهو في الأصل ما يملك من الذهب والفضّة ، ثمّ أطلق على كلّ ما يقتنى ويملك من الأعيان.

انظر : لسان العرب ١٣ / ٢٢٣ مادّة « مول ».

(٢) راجع الصفحة ٥١١ ه‍ ٢ من هذا الجزء.


وكذا الحال في عظماء الصحابة ، ولا سيّما أمير المؤمنين ، عديل القرآن ، وصاحب الأذن الواعية ، الذي لم يفارق النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من طفوليّته إلى ساعة وفاته ، وهو لم تكن له من الرواية عندهم إلّا القليل بالنسبة إلى ما رواه أبو هريرة!

ثمّ إنّ عدم الاعتداد بأبي هريرة لا يختصّ بالصحابة والتابعين ، بل يعمّ غيرهم

فقد حكى ابن أبي الحديد(١) ، عن أبي جعفر ، وابن قتيبة ، أنّ أبا يوسف ذكر عن أبي حنيفة أنّه قال : « الصحابة كلّهم عدول ما عدا رجالا ، ثمّ عدّ منهم أبا هريرة ، وأنس بن مالك!

وأنّ أبا أسامة روى عن الأعمش ، قال : كان إبراهيم صحيح الحديث ، فكنت إذا سمعت الحديث أتيته فعرضته عليه ، فأتيته يوما بأحاديث عن أبي هريرة ، فقال : دعني من أبي هريرة! إنّهم يتركون كثيرا من حديثه ».

ويؤيّد ما عن أبي حنيفة ، ما نقله السيّد السعيدرحمه‌الله ، عن فخر الدين الرازي ، في مسألة التّصرية(٢) ، من رسالته المعمولة لتفضيل مذهب

__________________

(١) ص ٣٦٠ مجلّد ١ [ ٤ / ٦٨ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : الميزان الكبرى ـ للشعراني ـ ١ / ٤٥ ، فقد ورد فيه أنّ أبا حنيفة كان لا يعتدّ بحديث أبي هريرة وأنس بن مالك وسمرة بن جندب.

(٢) التّصرية : هي إذا لم تحلب ذوات اللبن ـ الناقة أو البقرة أو الشاة ـ أيّاما وتصرّ أخلافها حتّى يجتمع اللبن في ضرعها ، فإذا حلبها المشتري استغزرها.

والمصرّاة : هي الناقة أو البقرة أو الشاة يصرّى اللبن في ضرعها ، أي : يجمع ويحبس.

انظر : لسان العرب ٧ / ٣٣٧ مادّة « صري ».


الشافعي ، أنّ الحنفيّة طعنوا في أبي هريرة وقالوا : إنّه كان متساهلا في الرواية(١) .

هذا ، ولو أعرضنا عن طعن من سبق ذكرهم ، فلا ريب أنّ أبا هريرة كان من أعداء أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأنصار محاربيه ، ومن مبغضيه ، وقد عرفت أنّ بغضه علامة النفاق(٢) ، والنفاق أكبر الفسق المانع من قبول الرواية.

وما زال أبو هريرة من المهاجرين بعداوة إمام الهدى وخذلانه ونصرة أعدائه ، حتّى إنّه كان يضع الحديث على رسول الله في نقصه!

نقل ابن أبي الحديد(٣) ، عن أبي جعفر الإسكافي ، أنّ معاوية وضع قوما من الصحابة ، وقوما من التابعين ، على رواية أخبار قبيحة في عليّ تقتضي الطعن فيه والبراءة منه ، منهم : أبو هريرة ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين : عروة بن الزبير.

ثمّ ذكر ما اختلفوه ، وذكر عن أبي هريرة ما استحقّ به عند معاوية أن يولّيه إمارة المدينة(٤) .

ثمّ نقل عن أبي جعفر ، وابن قتيبة ، أنّ سفيان الثوري روى عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن عمر بن عبد الغفّار ، أنّ أبا هريرة لمّا قدم

__________________

(١) الصوارم المهرقة : ١٢٧ ، وانظر : مناقب الإمام الشافعي ـ للفخر الرازي ـ : ٤٢٧ ـ ٤٢٨ ، فتح الباري ٤ / ٤٥٩ ، إرشاد الساري ٥ / ١٣٢ ذ ح ٢١٥١ ب‍ ٦٥.

(٢) راجع مبحث قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لأمير المؤمنين عليّعليه‌السلام : « لا يحبّك إلّا مؤمن ، ولا يبغضك إلّا منافق » ، في الصفحات ١٤٧ ـ ١٥١ من هذا الجزء.

(٣) ص ٣٥٨ من المجلّد الأوّل [ ٤ / ٦٣ ]. منهقدس‌سره .

(٤) انظر : شرح نهج البلاغة ٤ / ٦٧.


الكوفة مع معاوية ، كان يجلس بالعشيّات بباب كندة ، ويجلس الناس إليه ، فجاء شابّ من الكوفة فجلس إليه ، فقال : يا أبا هريرة! أنشدك الله أسمعت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول لعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام : «اللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه »؟!

فقال : اللهمّ نعم.

قال : فأشهد بالله! لقد واليت عدوّه وعاديت وليّه!

ثمّ قام عنه(١) .

هذا كلّه مضافا إلى شهادة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّ أبا هريرة من أهل النار!

روى صاحبا « الإصابة » و « الاستيعاب » ، وغيرهما ، في ترجمة فرات ، أنّ أبا هريرة ، والرحّال بن عنفدة(٢) ، والفرات بن حبّان(٣) ، خرجوا من مجلس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال مشيرا إليهم :لضرس أحدكم في النار أعظم من أحد ، وإنّ معه لقفا غادر.

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ٤ / ٦٨.

(٢) كذا في مطبوعة طهران ؛ وقد وقع اضطراب في ضبط الاسم في المصادر كلّها ، ففي « الاستيعاب » ورد الاسم بالحاء المهملة ـ كذلك ـ مجرّدا عن اسم أبيه ، وفي « الإصابة » : « الرّجال بن عنفوة » ، وفي « إتحاف السادة المتّقين » : « الرجّال بن عنفوت » وقال عنه الزبيدي ما نصّه : « وهو بالجيم ، وذكره عبد الغني بالحاء المهملة ، وسبقه لذلك الواقدي والمدائني ، والأوّل أصحّ وأكثر ».

انظر : الاستيعاب ٣ / ١٢٥٨ رقم ٢٠٧٠ ، الإصابة ٥ / ٣٥٨ رقم ٦٩٦٩ ، إتحاف السادة المتّقين ٧ / ١٨١.

(٣) كذا في مطبوعة طهران وإتحاف السادة المتّقين ، والظاهر أنّه تصحيف ، والصحيح هو : « حيّان ».

انظر : معرفة الصحابة ٤ / ٢٢٩٣ رقم ٢٤١٢ ، الاستيعاب ٣ / ١٢٥٨ رقم ٢٠٧٠ ، أسد الغابة ٤ / ٥١ رقم ٤١٩٩ ، الإصابة ٥ / ٣٥٧ رقم ٦٩٦٩ ، إتحاف السادة المتّقين ٧ / ١٨١.


فكان أبو هريرة والفرات يقولان بعدها : ما أمنّا بعد هذا حتّى ارتدّ الرحّال وقتل مع مسيلمة(١) .

أقول :

مرادهما : تأويل الحديث بحمل لفظ « أحدكم » على الواحد لا الجميع ، وهو خلاف الظاهر والاستعمال المستفيض.

قال تعالى :( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ) (٢)

( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ ) (٣)

( شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ) (٤)

( حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ) (٥)

( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ) (٦)

( وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ) (٧) .

__________________

(١) انظر : الاستيعاب ٣ / ١٢٥٨ رقم ٢٠٧٠ ، الإصابة ٥ / ٣٥٧ ـ ٣٥٨ رقم ٦٩٦٩ ، إتحاف السادة المتّقين ٧ / ١٨١.

(٢) سورة البقرة ٢ : ٢٦٦.

(٣) سورة البقرة ٢ : ١٨٠.

(٤) سورة المائدة ٥ : ١٠٦.

(٥) سورة الأنعام ٦ : ٦١.

(٦) سورة البقرة ٢ : ٩٦.

(٧) سورة النحل ١٦ : ٥٨.


إلى غير ذلك ممّا لا يحصى من الآيات(١) ، وغيرها(٢) .

مضافا إلى أنّ النبيّ لا يمكن أن يسقط شأن جماعة من أمّته بالإجمال ، وهو يريد واحدا خاصّا(٣) .

__________________

(١) كقوله تعالى :( فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ ) سورة آل عمران ٣ : ٩١.

وقوله تعالى :( حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ) سورة المؤمنون ٢٣ : ٩٩.

وقوله تعالى :( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ) سورة الحجرات ٤٩ : ١٢.

وقوله تعالى :( وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ) سورة المنافقون ٦٣ : ١٠.

(٢) فمن السنّة الشريفة ، مثلا :

قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إذا صلّى أحدكم فلم يدر كيف صلّى ، فليسجد سجدتين وهو جالس » انظر : سنن الترمذي ١ / ٢٤٣ ح ٣٩٦ ، سنن ابن ماجة ١ / ٣٨٠ ح ١٢٠٤.

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إنّ الشيطان يأتي أحدكم في صلاته فيلبس عليه حتّى لا يدري كم صلّى » انظر : سنن الترمذي ١ / ٢٤٤ ح ٣٩٧ ، مسند أحمد ٢ / ٢٨٣ ، سنن ابن ماجة ١ / ٣٨٤ ح ١٢١٦.

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إذا دخل أحدكم المسجد ، فليركع ركعتين قبل أن يجلس » انظر : صحيح البخاري ١ / ١٩٣ ح ١٠٤ ، صحيح مسلم ٢ / ١٥٥.

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إنّ الملائكة تصلّي على أحدكم ما دام في مصلّاه الذي صلّى فيه ما لم يحدث » انظر : صحيح البخاري ١ / ١٩٣ ح ١٠٥ ، صحيح مسلم ٢ / ١٢٩.

(٣) نقول : وممّا يعضد ما أورده الشيخ المظفّرقدس‌سره في المتن ، أنّ القوم قد رووا أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لأبي هريرة وسمرة بن جندب وأبي محذورة : « آخركم موتا في النار » ؛ انظر : التاريخ الصغير ـ للبخاري ـ ١ / ١٠٦ ـ ١٠٧ ، المعجم الأوسط ٦ / ٢٨٣ ح ٦٢٠٦ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٦ / ٤٥٨ ـ ٤٥٩.

فمات سمرة بن جندب سنة ٥٨ ه‍ ؛ انظر : الاستيعاب ٢ / ٦٥٤ ، الكامل في التاريخ ٣ / ٣٦٢ حوادث سنة ٥٨ ه‍ ، سير أعلام النبلاء ٣ / ١٨٦.


ولو لا خوف الملال لزدنا في بيان أحوال هذا الرجل ، وفي ما ذكرناه تبصرة ومعتبر(١) !

فإذا كان هذا حال أبي هريرة ـ وهو أكثر رواتهم رواية ـ ، فكيف يحلف المنصف على صدور جميع ما في صحاحهم؟!

وأمّا ما ذكره الفضل من اتّصال نسب أبي بكر برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الأب الثامن ، فغير نافع ما لم تحصل التقوى وطاعة المولى ، وقد كان أبو لهب أقرب منه نسبا!

على أنّ أبناء تيم من أرذل بيت في قريش(٢) ، فلا يفيدهم شرف

__________________

ومات أبو محذورة سنة ٥٩ ه‍ ؛ انظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٦ / ٧ ـ ٨ رقم ١٤٩٤ ، الاستيعاب ٤ / ١٧٥٢ ، الكامل في التاريخ ٣ / ٣٦٦ ، سير أعلام النبلاء ٣ / ١١٨.

وكان أبو هريرة آخرهم موتا ؛ إذ إنّه مات ـ على ما هو مشهور ـ في شهر ذي الحجّة من سنة ٥٩ ه‍ ، وهو آخر شهر منها ؛ انظر : تاريخ دمشق ٦٧ / ٣٨٩ ـ ٣٩١ ، الاستيعاب ٤ / ١٧٧٢ ، الكامل في التاريخ ٣ / ٣٦٦ ، البداية والنهاية ٨ / ٩٣.

وإلّا فإنّ أبا هريرة قد بقي حيّا إلى ما بعد وقعة الحرّة سنة ٦٣ ه‍ ؛ لأنّه أقرّ فقال عن نفسه : « أعطاني رسول الله شيئا من تمر ، فجعلته في مكتل لنا ، فعلّقناه في سقف البيت ، فلم نزل نأكل منه حتّى كان آخره أصابه أهل الشام حيث أغاروا على المدينة ».

انظر : مسند أحمد ٢ / ٣٢٤ ، مسند ابن راهويه ١ / ١٢٦ ، سير أعلام النبلاء ٢ / ٦٣١ ، البداية والنهاية ٦ / ٩٠.

(١) ولتفصيل أحواله ، راجع الكتابين القيّمين : « أبو هريرة » للسيّد عبد الحسين شرف الدين الموسوي العامليقدس‌سره ، و « شيخ المضيرة أبو هريرة » للشيخ محمود أبو ريّة.

(٢) انظر : الاستيعاب ٣ / ٩٧٤ وج ٤ / ١٦٧٩ ، مصنّف عبد الرزّاق ٥ / ٤٥١ ح ٩٧٦٧ ، أنساب الأشراف ٢ / ٢٧١ ، مروج الذهب ٢ / ٢٩٩ ، الكامل في التاريخ ٢ / ١٨٩ حوادث سنة ١١ ه‍ ، شرح نهج البلاغة ٢ / ٤٥ وج ٦ / ٤٠.

وراجع : ج ٤ / ٢٨٩ وج ٥ / ٦٨ من هذا الكتاب!


الأصل ، وكلّ الناس من آدم ونوح.

وأمّا قوله : « كان أبو بكر قبل البعثة من أكابر قريش وأشرافها وصناديدها » إلى آخره

فيكذّبه ما رواه الجاحظ مفاخرا به ـ كما في « شرح النهج »(١) ـ ، من أنّ أبا بكر كان من المعذّبين بمكّة قبل الهجرة ، وأنّ نوفل بن خويلد ، المعروف بابن العدويّة(٢) ، ضربه مرّتين حتّى أدماه ، وشدّه مع طلحة بن عبيد الله(٣) في قرن(٤) ، وجعلهما في الهاجرة عمير بن عثمان(٥) ، ولذلك كانا يدعيان القرينين.

فإنّ مثل ذلك لم يفعلوه إلّا بأذلّائهم وعبيدهم ، لا بأشرافهم وصناديدهم(٦) .

__________________

(١) ص ٢٦٧ من المجلّد الثالث [ ١٣ / ٢٥٣ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : العثمانية : ٢٧ ـ ٢٨.

(٢) هو : نوفل بن خويلد بن أسد القرشي ، أحد كفّار قريش وأشدّهم عداوة وأذى للمسلمين ، وكانت أمّه من بني عديّ بن خزاعة ، فنسب إليها ، وهو الذي دعا عليه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم بدر بقوله : « اللهمّ اكفنا ابن العدويّة » ؛ قتله أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام يوم بدر.

انظر : نسب قريش : ٢٢٩ ـ ٢٣٠ ، المغازي ـ للواقدي ـ ١ / ١٤٩ ، أنساب الأشراف ١ / ٣٥٧ ، عيون الأثر ١ / ٣٤٢.

(٣) سيأتي تفصيل أحواله في محلّه من الجزء السابع إن شاء الله تعالى.

(٤) القرن : الحبل الذي يشدّ به الأسيران إلى بعضهما بعضا ؛ انظر : لسان العرب ١١ / ١٣٩ مادّة « قرن ».

(٥) هو : عمير بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ، من بني تيم بن مرّة ، قتله أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام يوم بدر.

انظر : المغازي ـ للواقدي ـ ١ / ١٤٩ ، السيرة النبوية ـ لابن هشام ـ ٣ / ٢٦٦ ، أنساب الأشراف ١ / ٣٥٧ ، عيون الأثر ١ / ٣٤٢.

(٦) انظر : شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢٥٥.


وأمّا قوله : « كان صاحب أموال كثيرة ، حتّى اتّفق جميع أرباب التواريخ أنّه لم يبلغ مال قريش مبلغ مال أبي بكر ».

فلا أدري من هؤلاء أرباب التواريخ؟! فإنّي لم أجد أحدا ذكره!!

وغاية ما ادّعاه الجاحظ في مقام المفاخرة ـ كما ذكره ابن أبي الحديد في « الشرح »(١) ـ ، أنّ ماله كان أربعين ألف درهم.

وهذا لا يعدّ مالا في قريش ، لو سلّمنا أنّ أبا بكر يملكه(٢) .

__________________

وقد تبيّن لك مقدار شرف أبي بكر ممّا تقدّم آنفا!

وأمّا بطولاته ؛ فإنّه لم يؤثّر عنه أنّه بارز رجلا واحدا ، فضلا عن أن يعدّ صنديدا ، بل ثبت فراره في عدّة غزوات ؛ فراجع الصفحات ٤١٧ ـ ٤٢٥ من هذا الجزء!

وأمّا قول الفضل عن أبي بكر ـ المتقدّم في الصفحة ٤٨٦ من هذا الجزء ـ : « وكان قاضيا حكما بينهم »

فجوابه : إنّه لم يعهد لأبي بكر علم أو حكمة تؤهّله ليكون قاضيا حكما بين الناس ، ولم يرو لنا التاريخ موردا واحدا من ذلك ؛ وإلّا لاحتكم إليه عتبة بن ربيعة ـ أبو هند ، أمّ معاوية ـ لمّا اتّهمها زوجها الفاكه بن المغيرة بالفجور ، ولم يتكلّف عناء السفر إلى أحد كهّان اليمن لإظهار براءتها!!

انظر : الأغاني ٩ / ٦٦ ـ ٦٧ ، المستطرف ٢ / ٩٢.

(١) ص ٢٧٤ من المجلّد الثالث [ ١٣ / ٢٧٣ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : العثمانية : ٣٥ ـ ٣٦.

(٢) تقدّم أنّ أبا بكر من أقلّ حيّ وأذلّ وأرذل بيت في قريش ، وقد كان بزّازا يدور في السوق حاملا على رقبته أثوابا ليبيعها ، وقيل : كان خيّاطا ومعلّما للصبيان!

انظر : الأعلاق النفيسة : ٢١٥ ، كنز العمّال ٤ / ٣٣ ح ٩٣٦٠ ، الصوارم المهرقة : ٣٢٤ ، الصراط المستقيم ٣ / ١٠٤.

وراجع : ج ٤ / ٢٨٩ وج ٥ / ٦٠ ه‍ ٤ و ٦٨ من هذا الكتاب ، والصفحة ٥٢٩ ه‍ ٢ من هذا الجزء!

نقول : لو صحّ أنّ أبا بكر كان يملك هذا المبلغ من المال ، فلا بدّ أن يكون


وأمّا قوله : « كان يعين رسول الله بماله وأسبابه »

فكغيره من دعاواه الكاذبة ؛ إذ كيف يصحّ ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يرض أن يأخذ من أبي بكر بعيرا إلّا بالثمن عند الهجرة في تلك الحال الشديدة ، كما رواه البخاري(١) ، وأحمد(٢) ، عن عائشة ؛ وذكره ابن الأثير في « الكامل »(٣) ، والطبري في « تاريخه »(٤) ؟!

وكيف يمكن أن يدّعي لأبي بكر بذل المال(٥) ، وقد أشفق أن يقدّم بين يدي نجواه صدقة يسيرة(٦) ، وترك أهله المحاويج بلا شيء يوم الهجرة وأخذ ماله معه ، وكان خمسة آلاف أو ستّة آلاف درهم ، كما رواه أحمد ، عن أسماء بنت أبي بكر(٧) ، ورواه الحاكم ، وصحّحه على شرط

__________________

قد جمعه من التقتير على العيال ، وإشفاقه من تقديم الصدقات ، كما سيأتي بيانه ؛ فلاحظ!

(١) في باب هجرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المدينة ، من أواخر أبواب الجزء الثاني من صحيحه [ ٥ / ١٥٦ ضمن ح ٣٨٧ ]. منهقدس‌سره .

(٢) ص ٢٤٥ ج ٥. منهقدس‌سره .

مسند أحمد ٦ / ١٩٨ و ٢١٢.

(٣) ص ٤٩ من الجزء الثاني [ ٢ / ٥ ]. منهقدس‌سره .

(٤) ص ٢٤٥ و ٢٤٧ من الجزء الثاني [ ١ / ٥٦٨ ]. منهقدس‌سره .

(٥) ولمّا كان بذل ماله من الكذب البيّن ، اضطرّ ابن تيميّة إلى تأويل إنفاق أبي بكر على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال في منهاج السنّة ٨ / ٥٥١ : « إنّ إنفاق أبي بكر لم يكن نفقة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في طعامه وكسوته ؛ فإنّ الله قد أغنى رسوله عن مال الخلق أجمعين ، بل كان معونة له على إقامة الإيمان ، فكان إنفاقه في ما يحبّه الله ورسوله ، لا نفقة على نفس الرسول ».

نقول : فلا فرق ـ حينئذ ـ بين أبي بكر وبين سائر الصحابة الّذين كانوا ينفقون أموالهم في سبيل الإسلام ؛ فلاحظ!

(٦) راجع مبحث آية النجوى في ج ٥ / ٢٩ ـ ٣٨ من هذا الكتاب!

(٧) ص ٣٥٠ من الجزء السادس. منهقدس‌سره .


مسلم(١) ؟!

وأيضا : قد تزوّجت ابنته أسماء الزبير وهو فقير لا يملك سوى فرسه ، فكانت تخدم البيت وتسوس الفرس وتدقّ النوى لناضحه وتعلفه وتستقي الماء ، وكانت تنقل النوى على رأسها من أرض الزبير التي أقطعها إيّاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهي على ثلثي فرسخ من منزلها ، كما رواه البخاري(٢) ، ومسلم(٣) ، وأحمد(٤) .

فلو كان أبو بكر من أهل البذل ، فأين هو عن ابنته وهي بتلك الحال؟!

نعم ، ادّعت أسماء أنّ أباها أرسل إليها بعد ذلك خادما كفتها سياسة الفرس ، قالت : فكأنّما أعتقني(٥) .

وأمّا ما نقله عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : « ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلّا أظهر تردّدا ما خلا أبا بكر »

فكذب ظاهر ؛ فإنّ عليّا وخديجة أظهر منه سلما وتسليما.

وكيف يدّعي التردّد لأبي ذرّ وأشباهه ممّن جاءوا إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قاصدين الإسلام رغبة فيه(٦) ؟!

__________________

(١) ص ٥ ج ٣ [ المستدرك على الصحيحين ٣ / ٦ ح ٤٢٦٧ ]. منهقدس‌سره .

(٢) في باب الغيرة من كتاب النكاح [ ٧ / ٦٣ ح ١٥٣ ]. منهقدس‌سره .

(٣) في كتاب النكاح ، في باب جواز إرداف المرأة الأجنبية إذا أعيت في الطريق [ ٧ / ١١ ]. منهقدس‌سره .

(٤) ص ٣٤٧ في الجزء السادس. منهقدس‌سره .

(٥) انظر المصادر المتقدّمة.

(٦) انظر : صحيح البخاري ٥ / ١٣٦ ح ٣٤٤ ، صحيح مسلم ٧ / ١٥٥ ـ ١٥٦ ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ٣٨٢ ح ٥٤٥٦.


والحقّ أنّ أبا بكر إنّما أسلم لما سمعه من بحيرا الراهب وغيره ، في ارتفاع أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبعد صيته ، وانتشار حكمه ؛ وكذلك عمر(١) .

__________________

(١) انظر : معرفة الصحابة ١ / ٤٤٥ ، رقم ٣٥٢ ، أسد الغابة ١ / ١٩٩ رقم ٣٧١ ، السيرة الحلبية ١ / ١٩٨ و ٤٤٣.

نقول : كلام الشيخ المظفّر قدّس سرّه دقيق ؛ فقد قال : « لما سمعه من بحيرا الراهب وغيره وكذلك » ؛ إذ الحقّ أنّهما سمعا ذلك من غير بحيرا ، فقد شاع خبر نبوّته وانتشار أمره صلى الله عليه وآله وسلم قبل ولادته وبعدها ، في الجزيرة العربية وغيرها ؛ إذ بشّرت به الكتب السماوية ، وتناقل أخباره اليهود والنصارى ، كما صرّحت بذلك كتب القوم.

وإنّما ذكر الشيخ المظفّر قدّس سرّه بحيرا هنا احتجاجا على القوم بما زعموه من كون أبي بكر مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في سفره إلى الشام ، أو مجاراة لهم ، وإلّا فإنّ دعوى كونه معه صلى الله عليه وآله وسلم ـ سواء في السفرة الأولى أو الثانية ـ باطلة ؛ إذ لم يأت ذلك في رواية أحد نقلة الأخبار ، وقد كان عمره الشريف صلى الله عليه وآله وسلم عشرة أعوام أو اثني عشر عاما ، وأبو بكر أصغر منه سنّا.

وما رواه الترمذي وغيره عن أبي موسى الأشعري ـ مرسلا ـ ، من أنّ أبا بكر أرسل بلالا مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا أرجعه عمّه أبو طالب إلى مكّة ، فباطل كذلك ؛ لما تقدّم من صغر سنّ أبي بكر حينذاك ؛ فقد كان ابن ستّ أو تسع سنين ، وبلال أصغر منه سنّا ولم يكن قد ولد في ذلك الوقت ؛ وبذلك اعترف الحفّاظ وحكموا ببطلان الحديث

قال الحافظ شمس الدين الذهبي في ذلك : « وممّا يدلّ على أنّه باطل قوله : وردّه أبو طالب ، وبعث معه أبو بكر بلالا ، وبلال لم يكن خلق بعد ، وأبو بكر كان صبيّا » انظر : ميزان الاعتدال ٤ / ٣٠٦ ـ ٣٠٧ رقم ٤٩٣٩ ترجمة عبد الرحمنبن غزوان.

وقال ابن القيّم الجوزية : « ووقع في كتاب الترمذي وغيره ، أنّه [ أي : أبو بكر ] بعث معه بلالا ؛ وهو من الغلط الواضح ؛ فإنّ بلالا إذ ذاك لعلّه لم يكن موجودا » انظر : زاد المعاد في هدي خير العباد ١ / ٣٧.

وكذا قال غيرهما ؛ انظر : عيون الأثر ١ / ٥٥ ، سبل الهدى والرشاد ٢ / ١٤٤ ،


وأمّا قوله : « فأخذ أبو بكر يدعو الناس إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فآخر ذلك اليوم الذي أسلم ، أتى بعيون أشراف قبائل قريش » إلى آخره

ففيه نظر ؛ قال ابن أبي الحديد(١) ، في « شرح الخطبة التي مدح أمير المؤمنينعليه‌السلام في بعضها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله » بقوله : «لم يسهم فيه عاهر ،

__________________

تاريخ الخميس ١ / ٢٥٨ ـ ٢٥٩.

وكان القوم قد وضعوا هذه الأخبار ليثبتوا تقدّم إسلام أبي بكر ، لكنّهم أخطأوا في كيفية الوضع ؛ لأنّهم قد نصّوا على تأخّر إسلامه عن أكثر من خمسين رجلا ، ولا خلاف بأنّ عمر ـ الذي لم يكن قد ولد حين السفرة الأولى ، وكان صغير السنّ أوان السفرة الثانية ، وقد سمع أخبار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من غير بحيرا ـ قد تأخّر إسلامه عن إسلام أبي بكر!!

انظر : السير والمغازي ـ لابن إسحاق ـ : ٧٣ و ٧٥ و ٨١ ـ ٨٢ ، السيرة النبوية ـ لابن هشام ـ ١ / ٣١٩ ـ ٣٢٢ وج ٢ / ٥ ـ ٦ ، سنن الترمذي ٥ / ٥٥٠ ح ٣٦٢٠ ، دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٢ / ٢٤ ـ ٢٩ ، تاريخ الطبري ١ / ٥٤٠ ، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٦٧٢ ح ٤٢٢٩ ، تاريخ دمشق ٣ / ٤٢٥ ، الكامل في التاريخ ١ / ٥٦٧ ـ ٥٦٩ ، الاستيعاب ٣ / ١١٥٥ ـ ١١٥٦ ، البداية والنهاية ٢ / ٢٢٥ ـ ٢٢٨ وج ٧ / ١١٢.

وراجع : ج ٥ / ٢٥٩ ه‍ ٢ من هذا الكتاب ، والصفحة ٣١٤ ه‍ ١ من هذا الجزء!

وإن تعجب فاعجب ممّا رووه عن الفرات بن السائب ، أنّه قال : « سألت ميمون ابن مهران ، فقلت : كان عليّ أوّل إسلاما أو أبو بكر؟

فقال : والله لقد آمن أبو بكر بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله زمن بحيرا الراهب ، واختلف في ما بيننه وبين خديجة حتّى أنكحها إيّاه ، وهذا كلّه قبل أن يولد عليّ بن أبي طالب ».

وهذا في غاية النكارة ؛ لما تقدّم آنفا ، فضلا عن أنّ ميمون بن مهران كان ناصبيا ، فقد كان يحمل على عليّ عليه‌السلام ، كما عن العجلي وابن حجر ؛ فلا يقبل له قول!

انظر : تاريخ الثقات ـ للعجلي ـ : ٤٤٥ رقم ١٦٦٩ ، تاريخ دمشق ٣٠ / ٤٢ ـ ٤٣ ، تهذيب التهذيب ٨ / ٤٤٧ رقم ٧٣٣١.

(١) ص ٢٣ من المجلّد الثالث [ ١١ / ٦٧ و ٦٨ ]. منهقدس‌سره .


ولا ضرب فيه فاجر »

قال : « في الكلام رمز إلى جماعة من الصحابة في أنسابهم طعن ، كما يقال : إنّ آل سعد بن أبي وقّاص ليسوا من بني زهرة بن كلاب ، وإنّهم من بني عذرة من قحطان.

وكما قالوا : إنّ آل الزبير بن العوّام من أرض مصر ، من القبط.

وقال الهيثم بن عديّ في كتاب ( مثالب العرب ) : إنّ خويلد بن أسد ابن عبد العزّى ، كان أتى مصرا ، ثمّ انصرف منه بالعوّام فتبنّاه.

فقال حسّان يهجو آل العوّام [ من الطويل ] :

بني أسد! ما بال آل خويلد

يحنّون شوقا كلّ يوم إلى القبط؟!

إلى أن قال :

لعمر أبي العوّام إنّ خويلدا

غداة تبنّاه ليوثق في الشّرط(١) »

أقول :

ولو سامحنا الفضل في أنّ هؤلاء من عيون الرجال ، وأنّ كلّ قبائلهم من أشراف القبائل ، فلا نسلّم أنّ إسلامهم بدعوة أبي بكر ، كما يشهد له

__________________

(١) انظر : ديوان حسّان ١ / ٣٧٤ رقم ٢٠٢.

والشّرط : جمع الشّريطة ، وهي شبه خيوط تفتل من الخوص والليف ، وقيل : هو الحبل ما كان ، سمّي بذلك لأنّه يشرط خوصه ؛ أي يشقّ ثمّ يفتل ، ويجمع على شرائ وشريط أيضا ؛ وقد سكّن الشاعر الراء للضرورة.

انظر : لسان العرب ٧ / ٨٥ مادّة « شرط ».


ما ذكره عليّ بن برهان الدين الحلبي في « السيرة الحلبية » ، وأحمد زيني ـ المشهور ب‍ « دحلان » ـ في « السيرة النبويّة » ، حيث ذكرا أنّ السبب في إسلام طلحة وعبد الرحمن إخبار الرهبان لهما بنبوّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ غاية الأمر ، أنّهما أخبرا أبا بكر بقصّة الرهبان قبل إسلامهما ، ثمّ أسلما على يد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

كما أنّ إسلام هؤلاء لم يكن في أوّل يوم.

ولو كان أبو بكر بهذه المنزلة من لطف الدعوة بحيث أسلم بسببه هؤلاء الجماعة في أوّل إسلامه ، لظهر له الأثر الكثير الكبير بعد ذلك بحيث تسلم مكّة عامّتها في أقلّ من مدّة سنة ، وما رأيناهم نقلوا إسلام أحد بسببه غير هؤلاء الّذين سمّاهم مع عبد الرحمن بن عوف!

وقد كشف عن كذب هذه الدعوى أبو جعفر الإسكافي ، في ردّه على رسالة الجاحظ ، كما حكاه ابن أبي الحديد(٢) عنه ، قال :

« ما أعجب هذا القول ؛ إذ تدّعي العثمانية لأبي بكر الرفتي في الدعاء وحسن الاحتجاج ، وقد أسلم ومعه ابنه عبد الرحمن فما قدر أن يدخله في الإسلام طوعا برفقه ولطف احتجاجه ، ولا كرها بقطع النفقة عنه وإدخال المكروه عليه ، ولا كان له عند ابنه عبد الرحمن من القدر ما يطيعه في ما يأمره به »

إلى أن قال : « وكان أبو قحافة فقيرا مدقعا سيّئ الحال ، وأبو بكر عندهم مثريا فائض المال ، فلم يمكنه استمالته إلى الإسلام بالنفقة والإحسان ، وقد كانت امرأة أبي بكر أمّ عبد الله ابنه لم تسلم ، وأقامت

__________________

(١) السيرة الحلبية ١ / ٤٤٦ و ٤٤٨ ، السيرة النبوية ـ لدحلان ـ ١٨٨ و ١٨٩.

(٢) ص ٢٧٢ ج ٣ [ ١٣ / ٢٦٩ ـ ٢٧١ ]. منهقدس‌سره .


على شركها بمكّة ، وهاجر أبو بكر وهي كافرة ، فلمّا نزل قوله تعالى :( وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ ) (١) ، طلّقها أبو بكر ، فمن عجز عن ابنه وأبيه وامرأته فهو عن غيرهم من الغرماء أعجز ».

ثمّ قال أبو جعفر : « وكيف أسلم سعد ، والزبير ، وعبد الرحمن ، بدعاء أبي بكر ، وليسوا من رهطه ، ولا من أترابه ، ولا من جلسائه ، ولا كانت بينهم صداقة متقدّمة [ ولا أنس وكيد ]؟!

وكيف ترك أبو بكر عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، لم يدخلهما في الإسلام برفقه وحسن دعائه ، وقد زعمتم أنّهما كانا يجلسان إليه لعلمه وطريف حديثه(٢) ؟!

وما باله لم يدخل جبير بن مطعم في الإسلام ، وقد ذكرتم أنّه أدّبه وخرّجه ، ومنه أخذ جبير العلم بأنساب قريش ومآثرها(٣) ؟!

فكيف عجز عن هؤلاء الّذين عددناهم ، وهم منه بالحال التي وصفنا ، ودعا من لم يكن بينه وبينه أنس ولا معرفة إلّا معرفة عيان؟!

وكيف لم يقبل منه عمر بن الخطّاب ، وقد كان شكله(٤) ، وأقرب الناس شبها به في أغلب أخلاقه؟!

ولئن رجعتم إلى الإنصاف لتعلمن أنّ هؤلاء لم يكن إسلامهم إلّا بدعاء الرسول [ لهم ] وعلى يديه ».

وأمّا قوله : « ولا يقدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله [ على أمر ] إلّا

__________________

(١) سورة الممتحنة ٦٠ : ١٠.

(٢) انظر : العثمانية : ٢٥.

(٣) انظر : العثمانية : ٢٥ ، عمدة التحقيق : ٢٨ ، تاريخ الخلفاء ـ للسيوطي ـ : ٥١.

(٤) الشكل : الشّبه والمثل ؛ انظر : لسان العرب ٧ / ١٧٦ مادّة « شكل ».


بمشاورته »

فإن أراد به المشاورة عن حاجة ، فهو ظاهر البطلان ؛ لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أعظم قدرا وأجلّ شأنا من ذلك ؛ كيف؟! وهو مؤيّد بالوحي ، مسدّد بالعصمة.

وإن أراد به المشاورة لا عن حاجة ، فوقوعها في الجملة مسلّم كما أمره عزّ وجلّ بقوله :( وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) .

ولا ريب أنّ هذه المشاورة المنزّهة عن الحاجة إنّما هي للتأليف ، كما يدلّ عليه نفس الآية الكريمة ، قال تعالى :( فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ ) لَانْفَضُّوا( مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ) (١) .

فإنّ قوله سبحانه :( وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا لَانْفَضُّوا ) دليل على ضعف إيمانهم ، وأنّه غير ثابت عن صميم القلب.

فلا بدّ أن يكون الأمر بمشاورتهم للتأليف ، مضافا إلى أنّها نازلة في العصاة المنهزمين في أحد(٢) ، ومثلهم يحتاج إلى التأليف.

وقد أخذ الفضل قوله : « لا يقدم إلّا بمشاورته » ممّا ورد عندهم من نزول قوله تعالى :( وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) بأبي بكر وعمر ، كما سبقت روايته قريبا عن الحاكم ، والبيهقي ، والواحدي ، في جهاد أمير المؤمنينعليه‌السلام ، من القسم الثاني المتعلّق بالفضائل البدنيّة(٣) .

__________________

(١) سورة آل عمران ٣ : ١٥٩.

(٢) انظر : تفسير الفخر الرازي ٩ / ٦٣ و ٧٠.

(٣) راجع الصفحة ٤١٨ من هذا الجزء ، وانظر : المستدرك على الصحيحين ٣ / ٧٤ ح


وأمّا قوله : « كان يبذل ماله في إعانة المسلمين »

فيظهر لك ما فيه ممّا ذكرنا.

وقال أبو جعفر ردّا على زعم الجاحظ ، أنّ مال أبي بكر كان أربعين ألف درهم ، فأنفقه في نوائب الإسلام ، كما في « شرح النهج »(١) .

قال أبو جعفر : « أخبرونا على أيّ نوائب الإسلام أنفق هذا المال؟! وفي أيّ وجه وضعه؟! فإنّه ليس بجائز أن يخفى ذلك ويدرس حتّى يفوت حفظه ، وينسى ذكره ، وأنتم لم تقفوا على شيء أكثر من عتقه ـ بزعمكم ـ ستّ رقاب ، لا يبلغ ثمنها في ذلك العصر مئة درهم ».

وأمّا ما رواه من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إنّ من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله ، أبو بكر ».

فهو بالهزل أشبه! لأنّه إن أريد المنّة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالإنفاق عليه ، فيبطله روايتهم السابقة امتناع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من أخذ البعير منه إلّا بالثمن(٢) .

على أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله غنيّ عنه وعن أمثاله ، وقد تكفّل عليّاعليه‌السلام في حياة عمّة شيخ البطحاء ، وطما(٣) فضله على المسلمين عامّة بعد الهجرة(٤) .

__________________

٤٤٣٦ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ١٠ / ١٠٨ ـ ١٠٩ ، الوسيط ١ / ٥١٢ ـ ٥١٣ ، تفسير الفخر الرازي ٩ / ٧٠ ، الدرّ المنثور ٢ / ٣٥٩.

(١) ص ٢٧٤ من المجلّد الثالث [ ١٣ / ٢٧٣ و ٢٧٤ ]. منهقدس‌سره .

(٢) راجع ما تقدّم آنفا في الصفحة ٥٣٢.

(٣) طمى الماء يطمي طميا ، وطما يطمو طموّا : علا وارتفع ، وطمست به همّته : أي علت به ؛ انظر : تاج العروس ١٩ / ٦٤٢ مادّتي « طمى » و « طمو ».

(٤) انظر : تفسير الفخر الرازي ٣١ / ٢٠٥ ، السيرة الحلبية ١ / ٤٣٢.


فكيف يحتاج إلى منّ أبي بكر؟!

وإن أريد المنّة عليه بالإنفاق في سبيل الله ، فهو ممّا لوجه له ، بل المنّة لله ورسوله عليه ، كما أنّ أعظم المنّة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليه بالصحبة لا له ،( قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ ) (١) (٢) .

وليت شعري ، لم لم يتّخذه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خليلا؟! أبخلا منه بالخلّة على من هو ـ بزعمهم ـ أهل لها؟!

أم لمانع منها؟! وهو خلّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لله تعالى ، كما يظهر من أخبارهم

ففي حديث البخاري ، في آخر باب قول النبيّ : « سدّوا الأبواب إلّا باب أبي بكر » ، قال فيه : « لو كنت متّخذا خليلا غير ربّي لاتّخذت أبا بكر خليلا »(٣) .

وهذا ليس بمانع ؛ لأنّ خلّة المؤمنين ممّا يزيد في القرب إلى الله ، والخلّة له ، مع أنّ وصف الخليل مختصّ بإبراهيمعليه‌السلام ، وليس من أوصاف نبيّنا المعروفة ، وإنّما يوصف بأنّه حبيب الله.

ومن المشتبه ما رواه البخاري أيضا : « لو كنت متّخذا خليلا لاتّخذته خليلا ، ولكن أخوّة الإسلام أفضل »(٤) .

فإنّ أخوّة الإسلام نفس الخلّة الإسلامية ، فما وجه الاختلاف

__________________

(١) سورة الحجرات ٤٩ : ١٧.

(٢) راجع ما تقدّم في الصفحة ٥٣٢ ـ ٥٣٣ وما بعدها.

(٣) صحيح البخاري ٥ / ٦٥ ح ١٥٤.

(٤) صحيح البخاري ٥ / ٦٦ ح ١٥٧.


الحقيقي بينهما والأفضليّة؟!

ولو كانت الأخوّة أفضل من ذات الخلّة ، لكانت أخوّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لأبي بكر أفضل من خلّته لله سبحانه!(١) .

وأمّا قوله : « ثمّ لمّا أخذ المشركون في إيذاء المسلمين وتعذيبهم ، قام أبو بكر بأعباء أذيّة قريش ».

فهو كسابقه في الكذب والهزل ؛ لأنّ من لم يقدر على دفع الأذى عن نفسه حتّى أدموه وأوثقوه مع طلحة في حبل واحد ، كيف يقدر على دفع الأذى عن غيره؟!(٢) .

وهل كان أعظم من شيخ البطحاء(٣) ، وأسدي الله ورسوله ، حمزة وأمير المؤمنين ، وهم لم يقدروا على دفع الأذى عن المسلمين؟!

فكيف قدر عليه أبو بكر ، وهو من أرذل بيت في قريش ، كما ترويه(٤) ؟!

ومن هذا الباب ـ أو أكبر ـ ، دعوى ذبّه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لكن غرّه ما رواه البخاري ، عن عروة بن الزبير(٥) ، قال : سألت ابن عمرو بن

__________________

(١) وراجع : مبحث حديث سدّ الأبواب في الصفحات ١٠٥ ـ ١٢١ من هذا الجزء ؛ وكذا ما كتبه السيّد عليّ الحسيني الميلاني ـ حفظه الله ـ من مباحث حول حديث سدّ الأبواب ، سندا ودلالة ، في الأحاديث المقلوبة في مناقب الصحابة » : ٢٨ ـ ٧٣ ، وهي الرسالة السابعة من كتابه : « الرسائل العشر في الأحاديث الموضوعة في كتب السنّة ».

(٢) راجع ما تقدّم في الصفحة ٥٣٠ من هذا الجزء.

(٣) أي : أبو طالب عمّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ وانظر الصفحة ١٩٦ ه‍ ٣ من هذا الجزء.

(٤) راجع الصفحة ٥٢٩ من هذا الجزء.

(٥) هو : أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوّام الأسدي القرشي ، أمّه أسماء بنت أبي


العاص(١) : أخبرني بأشدّ شيء صنعه المشركون بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

__________________

بكر ، فهو أخو عبد الله لأبيه وأمّه ، لازم خالته عائشة وتفقّه بها! ويعدّ أحد الفقهاء السبعة عند الجمهور ، عزم على القتال يوم الجمل ضدّ أمير المؤمنينعليه‌السلام فردّ لصغر سنّه ، سكن البصرة ، ثمّ انتقل إلى مصر وتزوّج بها ، وعاد إلى المدينة ، وتوفّي بها سنة ٩٣ ه‍ ، وقيل غير ذلك.

انظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٥ / ١٣٦ رقم ٧٢٩ ، سير أعلام النبلاء ٤ / ٤٢١ رقم ١٦٨ ، تهذيب التهذيب ٥ / ٥٤٥ رقم ٤٦٩٨.

(١) هو : أبو محمّد عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي ، كان أصغر من أبيه باثنتي عشرة سنة! أسلم قبل أبيه.

وهو الذي استأذن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في أن يكتب عنه حديثه ، فأذن له ، قال : يا رسول الله! أكتب كلّ ما أسمع منك في الرضا والغضب؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : نعم ، فإنّي لا أقول إلّا حقّا!

كان مع أبيه في صفّين في جانب معاوية ، وكانت الراية بيده يومئذ ، وندم بعد ذلك على قتاله مع معاوية ، وكان يقول : ما لي ولصفّين؟! ما لي ولقتال المسلمين؟! لوددت أني مت قبله بعشرين سنة.

وقال لجماعة كان فيهم لمّا مرّ بهم الإمام الحسين عليه السلام يوما : ألا أخبركم بأحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء؟

قالوا : بلى.

قال : هو هذا الماشي ، ما كلّمني كلمة منذ ليالي صفّين ، ولأن يرضى عنّي أحبّ إليّ من أن يكون لي حمر النّعم

فقال له الإمام الحسينعليه‌السلام : أعلمت يا عبد الله أنّي أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء؟!

قال : إي وربّ الكعبة!

قال : فما حملك على أن قاتلتني وأبي يوم صفّين؟! فو الله لأبي كان خيرا منّي!

قال : أجل!

مات ابن أبي العاص سنة ٦٣ ه‍ ، وقيل غير ذلك.

انظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٤ / ١٩٧ رقم ٤٤٧ ، معرفة الصحابة ٣ / ١٧٢٠ رقم ١٦٩٩ ، الاستيعاب ٣ / ٩٥٦ رقم ١٦١٨ ، أسد الغابة ٣ / ٢٤٥ رقم ٣٠٩٠ ، الإصابة ٤ / ١٩٢ رقم ٤٨٥٠.


قال : بينا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّي في حجر الكعبة ، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط ، فوضع ثوبه في عنقه ، فخنقه خنقا شديدا ، فأقبل أبو بكر حتّى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال :( أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ ) (١) ؟!(٢) .

وما أدري أأنظر إلى متن الحديث ودلالته على أنّ هذا أشدّ شيء صنعه المشركون بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والحال أنّهم صنعوا معه أشدّ منه أضعافا كثيرة ؛ كحصاره وأهله وقومه بالشعب سنين(٣) ، وتشريده من مكّة مرارا(٤) ، ورميه بالحجارة حتّى أدموا جبهته الشريفة وساقيه(٥) ، وكسروا رباعيّته(٦) ، وأدخلوا حلق المغفر في وجهه الشريف(٧) .

... إلى غير ذلك من أفعالهم الشنيعة(٨) .

__________________

(١) سورة غافر ٤٠ : ٢٨.

(٢) صحيح البخاري ٥ / ١٣٤ ح ٣٣٨ ، ونحوه في ص ٧٥ ح ١٧٥.

(٣) تاريخ الطبري ١ / ٥٥٠ ، الكامل في التاريخ ١ / ٦٠٤ ، البداية والنهاية ٣ / ٦٧.

(٤) تاريخ الطبري ١ / ٥٥٤ ، السيرة النبوية ـ لابن حبّان ـ : ٩٠ ، الكامل في التاريخ ١ / ٦٠٧.

(٥) المغازي ـ للواقدي ـ ١ / ٢٤٤ ، تاريخ الطبري ٢ / ٦٧ ، البداية والنهاية ٤ / ١٩ ـ ٢٠.

(٦) مسند أحمد ٣ / ٩٩ ، المغازي ـ للواقدي ـ ١ / ٢٤٨ ، تاريخ الطبري ٢ / ٦٥ ، البداية والنهاية ٤ / ١٩.

(٧) المغازي ـ للواقدي ـ ١ / ٢٤٦ ـ ٢٤٧ ، الكامل في التاريخ ٢ / ٤٩.

(٨) كإلقائهم سلى جزور وفرثه وقذره على ظهره ورقبته وهو ساجدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فجاءت ابنته وبضعته فاطمة الزهراءعليها‌السلام فألقته عنه.

والسّلى ، أو : السّليّ : الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من الدوابّ والإبل ، وهو من الناس المشيمة.

انظر : السيرة النبوية ـ لابن حبّان ـ : ٨٣ ، عيون الأثر ١ / ١٢٨ ، السيرة النبوية


ودلالته أيضا على أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا حراك به ولا قوّة حتّى يخنقه عقبة خنقا شديدا ولا يقدر على تخليص نفسه ، وأنّ أبا بكر شجاع قويّ القلب والبدن والجانب ، حتّى أخذ بمنكب عقبة ودفعه من دون أن يلاقيه بالمثل؟!

أم أنظر إلى سنده ورجاله وهم من أسوأ الرجال؟!

فإنّ منهم : عروة(١) ، وابن أبي العاص(٢) ، الخارجيّين(٣) .

ومنهم من تقدّمت ترجمته في مقدّمة الكتاب ، وهما :

يحيى بن أبي كثير ، المدلّس(٤)

والوليد بن مسلم ، مولى بني أميّة ، الكذّاب ، المدلّس عن الكذّابين ، ولا سيّما في روايته عن الأوزاعي(٥) ، كهذه الرواية.

__________________

_ لابن كثير ـ ١ / ٤٦٨ ، لسان العرب ٦ / ٣٥٣ مادّة « سلا ».

هذا فضلا عن وصفهم لهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّه ساحر ، وكذّاب ، وشاعر ، ومجنون ، ومعلّم

قال تعالى :( وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ ) سورة ص ٣٨ : ٤.

وقال عزّ وجلّ :( وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ ) سورة الصافّات ٣٧ : ٣٦.

وقال سبحانه :( ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ) سورة الدخان : ٤٤ : ١٤.

(١) تقدّمت ترجمته آنفا في الصفحة ٥٤٢ ه‍ ٥.

(٢) أي : عبد الله بن عمرو بن العاص.

ونسبه الشيخ المظفّر قدّس سرّه إلى أبيه بكنيته ، وإنّما كان اسمه « العاص » قبل أن يغيّره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى « عبد الله ».

وقد تقدّمت ترجمته آنفا في الصفحة ٥٤٣ ه‍ ١ ؛ فراجع!

(٣) وصفهما الشيخ المظفّرقدس‌سره ب‍ « الخارجيّين » لانحرافهما عن أهل البيتعليهم‌السلام .

(٤) انظر : ج ١ / ٢٧٥ رقم ٣٤٦ من هذا الكتاب.

(٥) انظر : ج ١ / ٢٦٧ ـ ٢٦٨ رقم ٣٣٦ من هذا الكتاب.


ومنهم : محمّد بن إبراهيم التيمي ، راوي المناكير ، كما قاله أحمد بن حنبل(١) ؛ مع أنّه متّهم في حقّ أبي بكر ، كعروة.

وأمّا قوله : « كان يشتري المعذّبين من الكفّار » إلى آخره

فقد أجاب عنه أبو جعفر ، كما حكاه عنه ابن أبي الحديد(٢) ، بعد قول الجاحظ : « أعتق أبو بكر جماعة من المعذّبين في الله ، وهم ستّ رقاب ، منهم : بلال(٣) ، وعامر بن فهيرة(٤) ، وزبيرة

__________________

(١) انظر : الضعفاء الكبير ـ للعقيلي ـ ٤ / ٢٠ رقم ١٥٧٤ ، الكامل في ضعفاء الرجال ٦ / ١٣١ رقم ١٦٣٣ ، ميزان الاعتدال ٦ / ٣٢ رقم ٧١٠٣ ، تهذيب التهذيب ٧ / ٦ ـ ٧ رقم ٥٨٩٠ ، لسان الميزان ٥ / ٢٠ رقم ٧٦.

(٢) ص ٢٧٤ ج ٣ [ ١٣ / ٢٧٣ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : العثمانية : ٣٣ ـ ٣٤.

(٣) هو : أبو عبد الله بلال بن رباح ، الحبشي ، واسم أمّه : حمامة ، كان آدم شديد الأدمة ، نحيفا طوالا ، خفيف العارضين ، من السابقين إلى الإسلام ، شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلّها مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو من مولّدي السّراة ، وقيل : من مولّدي مكّة ، وكان يؤذّن لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حياته سفرا وحضرا ، وكان خازنه على بيت المال ، آخى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بينه وبين عبيدة بن الحارث بن عبد المطّلب ، ولم يعقب بلال ولدا ، توفّي بدمشق سنة ٢٠ ه‍ ، وهو ابن بضع وستّين سنة ، ودفن بمقبرة الباب الصغير ، وقيل غير ذلك.

انظر : تاريخ الصحابة : ٤٣ رقم ١٠٦ ، معرفة الصحابة ١ / ٣٧٣ رقم ٢٧١ ، الاستيعاب ١ / ١٧٨ رقم ٢١٣ ، أسد الغابة ١ / ٢٤٣ رقم ٤٩٣ ، الإصابة ١ / ٣٢٦ رقم ٧٣٦.

(٤) هو : أبو عمرو عامر بن فهيرة ، من المهاجرين الأوّلين ، كان مولّدا من مولّدي الأزد ، أسود اللون ، وكان مملوكا للطفيل بن عبد الله بن سخبرة ، وهو أخو عائشة وعبد الرحمن لأمّهما ، شهد بدرا وأحدا ، ثمّ قتل يوم بئر معونة سنة أربع للهجرة وهو ابن أربعين سنة.

انظر : معرفة الصحابة ٤ / ٢٠٥١ رقم ٢١٣١ ، الاستيعاب ٢ / ٧٩٦ رقم ١٣٣٨ ، أسد الغابة ٣ / ٣٢ رقم ٢٧٢٢ ، الإصابة ٣ / ٥٩٤ رقم ٤٤١٨.


النهديّة(١) ، وابنتها ، ومرّ بجارية يعذّبها عمر بن الخطّاب ، فابتاعها منه ، وأعتقها ، وأعتق أبا عيسى(٢) ».

قال أبو جعفر : « أمّا بلال وعامر فإنّما أعتقهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، روى ذلك الواقدي ، وابن إسحاق ، وغيرهما.

وأمّا باقي مواليهم الأربع ، فإن سامحناكم في دعواكم ، لم يبلغ ثمنهم في تلك الحال ـ لشدّة بغض مواليهم لهم ـ إلّا مئة درهم أو نحوها ، فأيّ

__________________

(١) كذا في الأصل ، وضبط اسمها في نسخة في هامش « الاستيعاب » ـ كما في المتن ـ : « زبيرة » فقط بلا لقب ، وقد اختلف المصادر في ضبط اسمها ولقبها ، والمشهور هو : « زنّيرة ».

وهي : زنّيرة ، النهديّة ، الرّوميّة ، مولاة بني مخزوم ، وقيل : كانت مولاة بني عبد الدار ، كانت من السابقات إلى الإسلام ، وممّن عذّب في سبيل الله ، وكان أبو جهل يعذّبها ، ولمّا أسلمت ذهب بصرها ، فقال المشركون : أعمتها اللات والعزّى لكفرها بهما ؛ فقالت : وما يدري اللات والعزّى من يعبدهما؟! فردّ الله عليها بصرها.

انظر : السير والمغازي ـ لابن إسحاق ـ : ١٩١ ، العثمانية : ٣٣ ، معرفة الصحابة ٦ / ٣٣٤٥ رقم ٣٨٩٣ ، الاستيعاب ٤ / ١٨٤٩ رقم ٣٣٥٤ ، الروض الأنف ٢ / ٨٥ و ٨٨ ، أسد الغابة ٦ / ١٢٣ رقم ٦٩٤٠ ، شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢٧٣ ، الإصابة ٧ / ٦٦٤ رقم ١١٢١٦.

(٢) كذا في الأصل والمصدر ؛ وفي الروض الأنف : « أمّ عميس » ؛ وفي المصادر الأخرى : « أمّ عبيس » ؛ والتصحيف في الاسم بيّن ؛ فلاحظ!

وهي ممّن سبق إلى الإسلام وعذّب في الله ، وهي زوج كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ، ولدت له عبيسا فكنّيت به ، كانت أمة لبني تيم بن مرّة ، وقيل : لبني زهرة ، وكان الأسود بن عبد يغوث يعذّبها.

انظر : السير والمغازي ـ لابن إسحاق ـ : ١٩١ ، العثمانية : ٣٤ ، معرفة الصحابة ٦ / ٣٥٤٢ رقم ٤١٥١ ، الاستيعاب ٤ / ٩٤٦ رقم ٤١٨٢ ، أسد الغابة ٦ / ٣٦٥ رقم ٧٥٢٦ ، شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢٧٣ ، الإصابة ٨ / ٢٥٧ رقم ١٢١٥٩ ، الروض الأنف ٢ / ٨٨.


فخر في هذا؟! ».

وأمّا قوله : « فأنزل الله فيه :( ثانِيَ اثْنَيْنِ ) (١) » إلى آخره

فيرد عليه : إنّ الاستدلال على فضله بهذه الآية بأمور كلّها باطلة :

الأوّل : قوله تعالى :( ثانِيَ اثْنَيْنِ ) بدعوى دلالته على أنّ أبا بكر أحد اثنين في الفضل والشرف ، ولا فضل أعظم من كون أبي بكر قرينا للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في الفضل.

وفيه : إنّه لو أريد الاثنينيّة في الفضل والشرف ، لكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ بلحاظ أنّه المراد بالثاني ـ متأخّرا رتبة عن أبي بكر في الفضل والشرف ؛ وهو كفر!

فليس المراد ب‍( ثانِيَ اثْنَيْنِ ) إلّا ما هو ظاهر اللفظ ؛ أعني مجرّد الإخبار عن العدد ، وهو لا يدلّ على الفضل بالضرورة!

الثاني : إنّه جعله صاحبا للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والصحبة في هذا المقام العظيم منزلة عظمى.

وفيه : إنّ الصحبة ـ بما هي صحبة ـ لا تدلّ على أكثر من المرافقة والاصطحاب ، وهو قد يكون بين المؤمن وغيره ، كما قال تعالى :( قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ ) (٢) .

وأمّا خصوصيّة المقام ، فلا أثر لها إلّا إذا كانت لحاجة ورغبة في أبي بكر لذاته ، فيكون الدالّ على الفضل هو الرغبة في صحبة أبي بكر لذاته ، وهو ممنوع ؛ إذ لا إشارة في الآية الكريمة إليه ، وأخبارهم

__________________

(١) سورة التوبة ٩ : ٤٠.

(٢) سورة الكهف ١٨ : ٣٧.


مدخولة!

على أنّ رواية البخاري وغيره ، الواردة في هجرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، مصرّحة بأنّ أبا بكر هو الذي طلب الصحبة لمّا قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «قد أذن بالخروج إلى المدينة »(١) .

ولا شكّ عندنا أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يصحبه إلّا خشية أن يطلع عليه أحدا حيث أحسّ بخروجه ، وجاءت به بعض روايات القوم ، كما نقله السيّد السعيدرحمه‌الله عن أبي القاسم الصبّاغ(٢) ، من علماء الجمهور ، في كتابه « النور والبرهان »(٣) .

وكيف يكون في صحبة أبي بكر خير للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد ابتلي به فوق بلائه ، واحتاج إلى مداراته في دفع الخوف عنه؟!

ولو كان لأبي بكر فضل لعبّر الله سبحانه عنه ببعض ألفاظ التعظيم والإكرام ، ك‍ « الأخ » و « النفس » ، ونحوهما ، لا ب‍ « الصاحب » ، كما عبّر

__________________

(١) انظر : صحيح البخاري ٥ / ١٥٦ ح ٣٨٧ ، مسند أحمد ٦ / ١٩٨ و ٢١٢ ، تاريخ الطبري ١ / ٥٦٨.

(٢) هو : أبو القاسم عليّ بن أبي نصر عبد السيّد بن محمّد بن عبد الواحد بن الصبّاغ البغدادي ( ٤٦١ ـ ٥٤٢ ه‍ ).

كان شيخا فاضلا محترما ، حسن السيرة ، تبعه خلق عظيم ، سمع من أبيه شيخ الشافعية أبي نصر ابن الصبّاغ والصريفيني والزينبي ، وحدّث عنه جمع ، منهم : السلفي وابن عساكر والسمعاني ؛ وقد ذكره السبكي في عدّة مواضع من كتابه « طبقات الشافعية » ، وكان هو آخر من روى ببغداد كتاب ابن مجاهد في القراءات.

انظر : سير أعلام النبلاء ٢٠ / ١٦٧ رقم ١٠٢ ، العبر ٢ / ٤٦٢ ، شذرات الذهب ٤ / ١٣١.

(٣) انظر : إحقاق الحقّ : ٤٧٩ الطبعة الحجرية.


عن عليّ ب‍ « الأنفس »(١) و « الّذين آمنوا »(٢) .

الثالث : إنّه قال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا ) (٣) ، أي : معنا بلحاظ نصرته ورعايته لنا ، ومن كان شريكا للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في نصرة الله له كان من أعظم الناس.

وفيه : إنّ المقصود بالنصرة والرعاية واقعا هو النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأمّا أبو بكر فتابع محض ؛ ولذا خصّه الله تعالى بقوله :( فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ ) (٤) الآية.

والتبعيّة في النصرة ـ لأجل الاجتماع ـ لا تدلّ على فضل بالضرورة.

الرابع : قوله تعالى :( فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ) (٥) ، فإنّ كثيرا من الناس قالوا : إنّ السكينة مخصوصة بأبي بكر ؛ لأنّه المحتاج إليها لما تداخله من الحزن والهلع ، بخلاف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنّه عالم بأنّه محروس من الله تعالى(٦) .

وفيه : إنّه لا يتّجه إرجاع السكينة إلى أبي بكر ؛ لأنّ بعدها( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها ) (٧)

__________________

(١) إشارة إلى قوله تعالى :( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) سورة آل عمران ٣ : ٦١.

راجع مبحث آية المباهلة في ج ٤ / ٣٩٩ ـ ٤١٠ من هذا الكتاب!

(٢) إشارة إلى قوله تعالى :( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) سورة المائدة ٥ : ٥٥.

راجع مبحث الآية في ج ٤ / ٢٩٧ ـ ٣١٣ من هذا الكتاب!

(٣ ـ ٥) سورة التوبة ٩ : ٤٠.

(٦) انظر مثلا : تفسير الماوردي ٢ / ٣٦٤ ، تفسير البغوي ٢ / ٢٥٠ ، تفسير الفخر الرازي ١٦ / ٦٧ ـ ٦٨ ، تفسير القرطبي ٨ / ٩٥ ، تفسير ابن كثير ٢ / ٣٤٣.

(٧) سورة التوبة ٩ : ٤٠.


ودعوى عدم حاجة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الى السكينة ، باطلة ؛ إذ لا يستغني أحد عن لطف الله وتأييده وتثبيت قلبه ، كما قال تعالى في قصّة حنين :( وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) (١) .

فلمّا خصّ الله نبيّه بالسكينة في آية الغار ، ولم يجر أبا بكر مجرى المؤمنين في ثبوت السكينة له معه ، كشف عمّا لا خفاء به عليك!

كما إنّ ظهور الحزن منه في موطن لا ينبغي للمؤمن حقّا أن يحزن فيه ، دليل على نقصانه ؛ فإنّه قد ظهر على يد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من الآيات البيّنة والكرامات الظاهرة ما يشهد لكلّ مؤمن بالحفظ والسلامة ؛ كإنبات الشجرة ، ونسج العنكبوت ، وتعشيش الطائر ، وخروج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من بين القوم في حال لا يرجى لغيره الخروج فيها إلى غير ذلك(٢) .

فالآية من أوضح الأدلّة على ذمّ أبي بكر ؛ لعدم إدخالها له بالسكينة ؛ ودلالتها على حزنه في مقام لا يحزن فيه كامل الإيمان ، بل المؤمن ؛ وإعراضها عن مدحه أصلا ؛ ودلالتها على حزنه المحرّم ، كما يقتضيه النهي

فكيف يقاس من يحزن ويهلع ـ مع هذه الآيات الواضحة ـ بمن شرى نفسه ابتغاء مرضاة الله ، وبات على زيّ(٣) النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بين من

__________________

(١) سورة التوبة ٩ : ٢٥ و ٢٦.

(٢) انظر : السيرة النبوية ـ لابن حبّان ـ : ١٢٦ وما بعدها ، الروض الأنف ٢ / ٣١٩ وما بعدها ، البدايه والنهاية ٣ / ١٤١ ـ ١٤٣.

(٣) الزّيّ : الهيئة من الناس ، والجمع : أزياء ؛ انظر : لسان العرب ٦ / ١٣٠ مادّة « زيا ».


يطلبون سفك دمه ، ولا يرجى منهم الخروج؟!

فإن قلت : يرد النقض على بعض ما ذكرته بما جاء في الأنبياء ، قال تعالى :( فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى * قُلْنا لا تَخَفْ ) (١) ، فإنّ موسى ـ مع نبوّته ، وعظيم شأنّه ، وثبات إيمانه ، ووعد الله له ولأخيه بأن يجعل لهما سلطانا ، وأنّهم لا يصلون إليهما ، وأنّهما ومن اتّبعهما الغالبون ـ أوجس في نفسه خيفة ، حتّى نهاه الله تعالى ؛ فكيف ينكر على أبي بكر حزنه عند ظهور الآيات له؟!

وأيضا : فقد نهى الله سيّد رسله فقال :( وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ) (٢)

وقال تعالى :( وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ ) (٣)

وقال تعالى :( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ) (٤)

[ وقال تعالى : ](٥) ( فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ) (٦)

فكيف يلام أبو بكر وينكر عليه ، وهو من أمّته؟!

قلت : أمّا موسى فلم يحزن خوفا على نفسه ، أو من عدم غلبته ، بل خاف إيقاع السحرة في أوهام البسطاء إمكان معارضة آياته تشبّثا في مقام الجدال بالأمور الصورية الكاذبة ، فيعسر عليه الانتصار والغلبة سريعا ؛

__________________

(١) سورة طه ٢٠ : ٦٧ و ٦٨.

(٢) سورة النحل ١٦ : ١٢٧.

(٣) سورة لقمان ٣١ : ٢٣.

(٤) سورة الأنعام ٦ : ٣٣.

(٥) أثبتناه لتوحيد النسق.

(٦) سورة يس ٣٦ : ٧٦.


ولذا قال سبحانه :( لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى * إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى ) (١) .

فليس نهيه نهي تحريم ، بل للتطمين بالنصر السريع بإلقاء عصاه.

ومنه يعلم الوجه في قوله تعالى :( وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ) (٢) ، وقوله سبحانه :( فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ) (٣) .

وأمّا نهي الله تعالى له عن الحزن على الكافرين وكفرهم ، فالمراد به التنبيه على عدم الاعتناء بهم ، وعدم استحقاقهم للحزن والأسف عليهم بإهلاكهم أنفسهم ، كما قال تعالى :( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ) (٤) .

وهذا هو ظاهر الآيات بلا حاجة إلى تكلّف ، بخلاف نهي أبي بكر!

على أنّ تلك الآيات لو لم تكن ظاهرة بما قلنا ، فلا بدّ من حملها عليه ؛ للعلم بكمال الأنبياء وعصمتهم ، بخلاف أبي بكر ، ولا سيّما مع سهولة الحمل في تلك الآيات دون ما يتعلّق بأبي بكر ، بل هو متّضح الحال ، وأنّ حزنه لإشفاقه من القتل ، كما تدلّ عليه الأخبار.

وأمّا قوله : « وأثنى عليه في كتابه العزيز في مواضع عديدة »

فهو كذب مفترى ، بدليل ما رواه البخاري في سورة الأحقاف من

__________________

(١) سورة طه ٢٠ : ٦٨ و ٦٩.

(٢) سورة النحل ١٦ : ١٢٧.

(٣) سورة يس ٣٦ : ٧٦.

(٤) سورة فاطر ٣٥ : ٨.


« كتاب التفسير » ، عن يوسف بن ماهك ، أنّ مروان قال : « إنّ هذا ـ يعني عبد الرحمن بن أبي بكر ـ الذي أنزل الله فيه :( وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي ) (١) ، فقالت عائشة من وراء الحجاب : ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن ، إلّا أنّ الله أنزل عذري »(٢) .

إذ لو نزلت آية في مدح أبيها لاستثنتها أيضا ، فمن أين جاؤوا بالآيات العديدة؟!

ولا ينافي هذا العموم آية الغار ؛ لنزولها في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكنّها دلّت على خطابه لأبي بكر ، وهو ليس نزولا فيه!

وأشهر ما زعموا نزوله في أبي بكر قوله تعالى :( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى * وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ) (٣) .

رووا ذلك عن عروة وعبد الله ، ابني الزبير(٤) ، وهو ـ مع كونه عن رأيهما قول ـ محلّ التهمة ، وأعدى عدوّ لعليّ ، وممّن حاربه يوم الجمل.

وقد مرّ أنّ بغضه ـ فضلا عن حربه ـ علامة النفاق(٥) ، والمنافق فاسق لا يقبل رأيه في التفسير وروايته ، ولا كرامة!

__________________

(١) سورة الأحقاف ٤٦ : ١٧.

(٢) صحيح البخاري ٦ / ٢٣٧ ح ٣٢٣.

(٣) سورة الليل ٩٢ : ١٧ ـ ١٩.

(٤) انظر : تفسير الطبري ١٢ / ٦٢٠ ح ٣٧٤٩٠ ، لباب النقول : ٢٣٠.

(٥) راجع مبحث حديث : « لا يحبّك إلّا مؤمن » ، في الصفحات ١٤٧ ـ ١٥١ من هذا الجزء.


على أنّه معارض برواية أخرى ؛ فقد رووا نزولها في عليّعليه‌السلام ، أو أبي الدحداح(١) ، أو غيرهم(٢) .

وقال ابن حجر في « الصواعق »(٣) : « ولا يمكن حملها على عليّ خلافا لما افتراه بعض الجهلة ؛ لأنّ قوله :( وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ) (٤) يصرفه عن حمله على عليّ ؛ لأنّ النبيّ ربّاه فله عليه نعمة ، أي نعمة تجزى ، وإذا خرج عليّ تعيّن أبو بكر ؛ للإجماع على أنّ ذلك( الْأَتْقَى ) أحدهما لا غير ».

__________________

(١) هو : أبو الدّحداح الأنصاري ، وقيل : أبو الدّحداحة بن الدّحداحة الأنصاري ، وقيل : اسمه « ثابت بن الدّحداح » ، ولم يذكر له اسم ولا نسب ، ولم يذكر عنه أكثر من أنّه من الأنصار ، حليف لهم ، وقيل : قتل شهيدا في يوم أحد ، وقيل : بل بقي إلى زمان معاوية.

انظر : معرفة الصحابة ٥ / ٢٨٨٢ رقم ٤١٩٦ وج ١ / ٤٧٢ رقم ٣٨٢ ، الاستيعاب ٤ / ١٦٤٥ رقم ٢٩٣٩ وج ١ / ٢٠٣ رقم ٢٥١ ، أسد الغابة ٥ / ٩٦ رقم ٥٨٥٧ وج ١ / ٢٦٧ رقم ٥٤٥ ، الإصابة ٧ / ١١٩ رقم ٩٨٥٨ وص ١٢١ رقم ٩٨٥٩ وج ١ / ٣٨٦ رقم ٨٧٩.

(٢) انظر : مسند أحمد ٣ / ١٤٦ ، تفسير الثعلبي ١٠ / ٢٢٠ ـ ٢٢١ ، تفسير الفخر الرازي ٣١ / ٢٠٥ ، الدرّ المنثور ٨ / ٥٣٢ ـ ٥٣٨ ، مجمع البيان ١٠ / ٣٣٥.

وقد تكلّم السيّد عليّ الحسيني الميلاني ـ حفظه الله ـ على الاستدلال بما روي في نزول هذه الآية ، في كتابيه : الإمامة في أهمّ الكتب الكلامية : ١١٩ رقم ٣٦٦ ، محاضرات في الاعتقادات ١ / ٣٤١.

وكذا فعل السيّد حسن الحسيني آل المجدّد الشيرازي ـ حفظه الله ـ فقد فصّل الكلام على هذه الرواية سندا ومتنا وما يتعلّق بذلك من مباحث ، في مقاله : « نقض رسالة ( الحبل الوثيق في نصرة الصدّيق ) للسيوطي » ، المنشور في مجلّة « تراثنا » ، العدد المزدوج ٤٣ ـ ٤٤ ، السنة ١١ ، رجب ١٤١٦ ه‍ ، ص ٨٦ ـ ١٤٣.

فراجع!

(٣) في الفصل الثاني من الباب الثالث [ ص : ٩٨ ]. منهقدس‌سره .

(٤) سورة الليل ٩٢ : ١٩.


وأقول :

تكرّر هذا الكلام بينهم وتشدّقوا به ، وهو جهل وتعصّب ؛ إذ ليس المراد بقوله تعالى :( وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ) هو الثناء على الأتقى بأنّه لا يد لأحد عنده ؛ إذ لا يوجد أحد من بني آدم إلّا ولأحد نعمة عليه ، إذ لا أقلّ من أحد أبويه ، أو غيرهما من المربّين والكافلين ، سواء في ذلك عليّ ، أم أبو بكر ، أم غيرهما!

بل المراد : هو الثناء عليه بأنّه لم ينفق ماله لأجل مكافأة أحد بنعمة له عليه ، بل أنفق ماله ابتغاء وجه ربّه الأعلى.

ولذا صحّ الاستثناء في الآية ، فإنّه لا معنى لاستثناء قوله :( إِلأَابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ) (١) من مجرّد مدح الشخص بأن لا يد لأحد عليه.

ثمّ كيف جاز لهم أن ينفوا نعمة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على أبي بكر؟!

ألم ينعم عليه بدعوته إلى الإسلام ورفع شأنه؟!

ألم ينعم عليه بالغنائم وغيرها؟!

( وَما نَقَمُوا إِلأَأَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ) (٢) .

وأمّا قوله : « ولم يقدر أحد من الشيعة أن يدّعي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله غزا غزوة وتخلّف عنه أبو بكر »

فلو صحّ ، فهم يقدرون على إثبات تخلّفه عن أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في

__________________

(١) سورة الليل ٩٢ : ٢٠.

(٢) سورة التوبة ٩ : ٧٤.


الخروج تحت لواء أسامة(١) .

ويقدرون على إثبات أنّه ما قاتل ولا همّ بقتال إلّا مرّة واحدة ـ كما رواه القوم ـ لمّا تقدّم ابنه عبد الرحمن في غزاة أحد ، وطلب المبارزة ، فقام إليه أبو بكر ، فقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «شم (٢) سيفك وأمتعنا بنفسك »(٣) ـ مشيرا إلى جبنه ـ مع حنو(٤) الولد على أبيه.

ويقدرون على إثبات أنّه فرّ في مقامات الزحام ، كخيبر وأحد وحنين ـ كما سبق نقله من أخبارهم(٥) ـ ، وتستّر بالعريش في بدر(٦) .

فأيّ فائدة في عدم تخلّفه؟!

وأمّا قوله : « وإجماع الأمّة على أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يقدّمه

__________________

(١) انظر : تاريخ دمشق ٨ / ٦٠ ـ ٦٣ ، شرح نهج البلاغة ١ / ١٦٠ وج ٥ / ٥٢ وج ١٧ / ١٧٥.

وقد مرّ تخريج ذلك مفصّلا في ج ٤ / ٣١٩ ه‍ ٦ وج ٥ / ٢١٣ ه‍ ١ من هذا الكتاب ؛ فراجع!

(٢) شام السيف شيما : سلّه وأغمده ، وهو من الأضداد ؛ وهو هنا فعل أمر بمعنى : أغمد ؛ انظر : لسان العرب ٧ / ٢٦٢ ـ ٢٦٣ مادّة « شيم ».

(٣) انظر : شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢٨١ ، البداية والنهاية ٤ / ١٢.

قال أبو جعفر الإسكافي ـ كما في « شرح النهج » ـ : « لم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وأمتعنا بنفسك ؛ إلّا لعلمه بأنّه ليس أهلا للحرب وملاقاة الرجال ، وأنّه لو بارز لقتل ».

(٤) الحنوّ : العطف والشفقة ؛ يقال : حنا يحنو حنوّا ، وحنا عليه يحنو ، وأحنى يحني ؛ انظر : لسان العرب ٣ / ٣٧١ مادّة « حنا ».

(٥) راجع : ج ٥ / ٥٧ ه‍ ١ وص ٧٧ ه‍ ١ وص ٨٢ من هذا الكتاب ، ومبحث حديث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إنّي دافع الراية غدا » في الصفحات ٨٩ ـ ١٠١ من هذا الجزء!

(٦) انظر : تاريخ الطبري ٢ / ٣٣ ، المغازي ـ للواقدي ـ ١ / ٥٥ ، السيرة النبوية ـ لابن هشام ـ ٣ / ١٧٣ ، السيرة النبوية ـ لابن حبّان ـ : ١٦٧ ، عيون الأثر ١ / ٣٠٦.


على أصحابه ويفضّله عليهم »

فهو من مخيّلات أمّة أبي بكر وتسويلاتهم!

وأمّا ما نقله عن محمّد بن الحنفيّة(١) ، فهو ممّا رقمه(٢) قلم الأهواء ، ولا حجّة لهم ـ بنقلهم ـ على خصومهم ، وكيف يفضّله أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وهو مولى المؤمنين والمؤمنات؟!

وقال في « خطبته الشقشقية » : «لقد تقمّصها ابن أبي قحافة ، وهو يعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى ، ينحدر عنّي السّيل ، ولا يرقى إليّ ا لطير »(٣) .

وما زال يتظلّم منه ومن أصحابه(٤) .

وأمّا ما حكاه عن ابن عمر(٥) ، فقد سبق أنّه من موارد الطعن عليه ، ومن كذباته الواضحة(٦) .

فهل ترى أعجب من ابن عمر ، يسمع نداء آية المباهلة بأنّه نفس سيّد النبيّين ، وآية التصدّق بأنّه مع الله ورسوله وليّ المؤمنين إلى أمثالهما من الكتاب والسنّة ، ثمّ يجعله من سائر المسلمين ، ويجعل فضل

__________________

(١) تقدّمت في الصفحة ٤٨٨ ـ ٤٨٩ من هذا الجزء.

(٢) الرّقم والتّرقيم : تعجيم الكتاب ، ورقم الكتاب يرقمه رقما : أعجمه وبيّنه ، وكتاب مرقوم : أي كتاب مكتوب قد بيّنت حروفه بعلاماتها من التنقيط ؛ انظر : لسان العرب ٥ / ٢٩٠ مادّة « رقم ».

(٣) نهج البلاغة : ٤٨ رقم ٣ ، شرح نهج البلاغة ١ / ١٥١.

(٤) وقد تظلّمعليه‌السلام من قريش مرّات عدّة ؛ فانظر : نهج البلاغة : ٩٧ ـ ٩٨ رقم ٦٧ وص ٢٤٦ رقم ١٧٢ وص ٣٣٦ رقم ٢١٧.

(٥) تقدّمت في الصفحة ٤٨٩ من هذا الجزء.

(٦) راجع الصفحات ٥٠٠ ـ ٥٠٧ من هذا الجزء.


أبيه وصاحبيه مفروغا عنه؟!

ما هذا إلّا الغيّ والحمق!!

وبما ذكرنا من بيان حال صحاحهم في المقدّمة وغيرها(١) ، تستغني عن التعرّض لبقيّة ما ذكره الفضل من الأحاديث والتكلّم في أسانيدها ومتونها ومعارضاتها.

وأمّا ما زعمه من جعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأبي بكر إماما في الصلاة تلويحا إلى خلافته ، وأنّه صلّى بهم أيّام مرضه(٢)

فهو من كذباتهم

والحقّ أنّه لم يصلّ بالناس إلّا في صلاة واحدة ، وهي صلاة الصبح ، تلبّس بها بأمر ابنته ، فعلم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخرج يتهادى بين عليّ والعبّاس ـ أو ابنه الفضل ـ ، ورجلاه تخطّان في الأرض من المرض(٣) ، وممّا لحقه من تقدّم أبي بكر ، ومخالفة أمره بالخروج في جيش أسامة ، فنحّاه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وصلّى ، ثمّ خطب ، وحذّر الفتنة ، ثمّ توفّي من يومه ، وهو يوم الاثنين.

وقد صرّحت بذلك أخبارنا(٤)

ودلّت عليه أخبارهم ؛ لإفادتها أنّ الصلاة التي تقدّم فيها هي التي عزله النبيّ عنها ، وأنّها صبح الاثنين ، وهو الذي توفّى فيه

__________________

(١) راجع : ج ١ / ٢٧ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٢) تقدّم في الصفحة ٤٩٠ من هذا الجزء.

(٣) انظر : شرح نهج البلاغة ٩ / ١٩٧ ، البداية والنهاية ٢ / ٢٣١.

(٤) انظر : الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ١ / ١٨٢ ـ ١٨٣ ، إعلام الورى ١ / ٢٦٥.


أمّا الأوّل (١) ؛ فلما رواه مسلم(٢) ، عن عائشة ، قالت : « لمّا ثقل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جاء بلال يؤذنه بالصلاة ، فقال : مروا أبا بكر فليصلّ بالناس.

قالت : فقلت : يا رسول الله! إنّ أبا بكر رجل أسيف(٣) ، وإنّه متى يقم مقامك لم يسمع الناس ، فلو أمرت عمر؟

فقال : مروا أبا بكر فليصلّ بالناس!

قالت : فقلت لحفصة : قولي له : إنّ أبا بكر رجل أسيف ، وإنّه متى يقم مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر؟

فقالت له ؛ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّكنّ لأنتنّ صواحب يوسف! مروا أبا بكر فليصلّ بالناس!

قالت : فأمروا أبا بكر يصلّي بالناس.

[ قالت : ] فلمّا دخل في الصلاة وجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من نفسه خفّة ، فقام يهادى بين رجلين(٤) ، ورجلاه تخطّان في الأرض.

فلمّا دخل المسجد سمع أبو بكر حسّه ، فذهب يتأخّر ، فأومأ إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله [ قم مكانك ] ، فجاء رسول الله حتّى جلس عن يسار أبي بكر.

__________________

(١) أي : عزل أبي بكر عن الصلاة.

(٢) في باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من كتاب الصلاة [ ٢ / ٢٣ ]. منهقدس‌سره .

(٣) الأسيف ـ والأسوف ـ : السريع البكاء والحزن والكآبة ، الرقيق القلب والشيخ الفاني ؛ انظر مادّة « أسف » في : لسان العرب ١ / ١٤٢ ـ ١٤٣ ، تاج العروس ١٢ / ٨٢.

(٤) يهادى بين رجلين : أي يمشي بينهما يعتمد عليهما من ضعفه وتمايله ؛ انظر : لسان العرب ١٥ / ٦٣ مادّة « هدي ».


فكان أبو بكر يصلّي قائما ، وكان رسول الله يصلّي قاعدا ، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر ».

ورواه البخاري(١) ونحوه(٢) .

وهو ـ كما تراه ـ صريح في أنّ أوّل صلاة صلّاها أبو بكر هي التي عزله النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عنها.

وتدلّ عليه أخبار أخر أيضا(٣) .

وأمّا الثاني ؛ وهو أنّها صبح يوم الاثنين ؛ فلما رواه الطبري(٤) ، عن عبد الله بن أبي مليكة ، قال : « لمّا كان يوم الاثنين خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عاصبا رأسه إلى الصبح ، وأبو بكر يصلّي بالناس.

فلمّا خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تفرّج الناس ، فعرف أبو بكر أنّ الناس لم يفعلوا ذلك إلّا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فنكص عن مصلّاه فدفع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في ظهره ، وقال : صلّ بالناس ؛ وجلس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى جنبه ، فصلّى قاعدا عن يمين أبي بكر.

فلمّا فرغ من الصلاة ، أقبل على الناس وكلّمهم رافعا صوته ، حتّى خرج صوته من باب المسجد ، يقول : يا أيّها الناس! سعّرت النار ، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، وإنّي والله لا تمسكون عليّ شيئا ، إنّي لم

__________________

(١) في باب الرجل يأتمّ بالإمام ويأتمّ الناس بالمأموم ، من أبواب صلاة الجماعة [ ١ / ٢٨٧ ح ١٠٢ ]. منهقدس‌سره .

(٢) في باب قبل الباب المذكور [ ١ / ٢٨٧ ح ١٠١ ]. منهقدس‌سره .

(٣) انظر : سنن ابن ماجة ١ / ٥١٩ ح ١٦٢٤ ، مسند أحمد ٦ / ٢٥١ ، صحيح ابن خزيمة ١ / ١٢٧ ح ٢٥٧.

(٤) في تاريخه ، ص ١٩٦ من الجزء الثالث [ ٢ / ٢٣١ ]. منهقدس‌سره .


أحلّ لكم إلّا ما أحلّ لكم القرآن ، ولم أحرّم عليكم إلّا ما حرّم عليكم القرآن » الحديث.

وأمّا الثالث ؛ هو أنّها في يوم وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فلما حكاه في « كنز العمّال »(١) ، عن ابن جرير ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، قال : « صلّى ـ أي : النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ في اليوم الذي مات فيه صلاة الصبح في المسجد ».

وما في « الكنز » أيضا(٢) ، عن أبي يعلى في « مسنده » ، وابن عساكر ، عن أنس ، قال : « لمّا مرض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مرضه الذي مات فيه ، أتاه بلال فآذنه بالصلاة ، فقال : يا بلال! قد بلّغت ، فمن شاء فليصلّ ، ومن شاء فليدع.

قال : يا رسول الله! فمن يصلّي بالناس؟

قال : مروا أبا بكر فليصلّ بالناس.

فلمّا تقدّم أبو بكر رفعت الستور عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فنظرنا إليه كأنّه ورقة بيضاء عليه خميصة(٣) سوداء ، فظنّ أبو بكر أنّه يريد الخروج ، فتأخّر ، فأشار إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن صلّ مكانك ، فصلّى أبو بكر ، فما رأينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى مات من يومه ».

__________________

(١) ص ٦٠ من الجزء الرابع [ ٧ / ٢٧٢ ح ١٨٨٥٢ ]. منهقدس‌سره .

(٢) ص ٥٧ ج ٤ [ ٧ / ٢٦١ ح ١٨٨٢٢ ]. منهقدس‌سره .

وانظر : مسند أبي يعلى ٦ / ٢٦٤ ح ٣٥٦٧ ، مختصر تاريخ دمشق ٢ / ٣٨١ ـ ٣٨٢ ، مسند أحمد ٣ / ٢٠٢ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٢ / ٢٢٧ ح ٢.

(٣) الخميصة : كساء أو ثوب خزّ أو صوف معلم أسود مربّع له علمان ، فإن لم يكن معلما فليس بخميصة ، وقيل : لا تسمّى إلّا ان تكون سوداء معلمة ؛ انظر : لسان العرب ٤ / ٢١٩ ـ ٢٢٠ مادّة « خمص ».


ومنه ما في « الكنز » أيضا(١) ، عن أبي الشيخ في الأذان ، عن عائشة ، قالت : « ما مرّ عليّ ليلة مثل ليلة مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يقول : يا عائشة! هل طلع الفجر؟

فأقول : لا يا رسول الله ؛ حتّى أذّن بلال بالصبح.

ثمّ جاء بلال ، فقال : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته!

الصلاة يرحمك الله.

فقال النبيّ : ما هذا؟

فقلت : بلال.

فقال : مري أباك أن يصلّي بالناس »

فقد ثبت من جميع ما ذكرنا ، أنّ أوّل صلاة تقدّم فيها أبو بكر هي التي عزله النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عنها ، وأنّها صبح يوم الاثنين الذي توفّي فيه ، ولم يتقدّم في غيرها.

فما في بعض أخبار عائشة ، من أنّ الصلاة التي تأخّر فيها أبو بكر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله هي الظهر ، وأنّه صلّى بالناس في مرض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أيّاما(٢) ، مردودة بالأخبار المذكورة.

مع أنّها ليست حجّة علينا ، ولا سيّما أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قد نبز عائشة وصاحبتها بأنّهما صواحب يوسف(٣) ، وهي أيضا محلّ التهمة في حقّ

__________________

(١) ص ٥٨ ج ٤ [ ٧ / ٢٦٦ ح ١٨٨٣٤ ]. منهقدس‌سره .

(٢) انظر : صحيح البخاري ١ / ٢٧٨ ـ ٢٧٩ ح ٧٨ ، صحيح مسلم ٢ / ٢٠ ـ ٢١ ، سنن النسائي ٢ / ١٠١ ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٣ / ٢٧٦ ـ ٢٧٧ ح ٢١١٣ ، مسند أبي عوانة ١ / ٤٤٠ ح ١٦٣٢.

(٣) انظر : صحيح البخاري ١ / ٢٧٣ ح ٦٩ و ٧٠ وص ٢٨٧ ح ١٠١ و ١٠٢ وص ٢٨٩ ح ١٠٥ ، صحيح مسلم ٢ / ٢٢ ـ ٢٣ ، سنن الترمذي ٥ / ٥٧٣ ح ٣٦٧٢.


أبيها.

وأقرّت بكذبها في المقام بما أظهرته من سبب الاستعفاء ؛ فإنّها تقول في كثير من أخبارهم : « ما حملني على كثرة مراجعتي إلّا أنّي كنت أرى أنّه لن يقوم أحد مقام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلّا تشاءم الناس به »(١) .

فمع هذا ونحوه ، كيف تعتبر روايتها وتقدّم على ما يخالفها؟!

كما لا نعتبر خبرها بأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله هو الآمر بتقديم أبي بكر ، بل إنّما أمر أن يصلّي بالناس بعضهم ، فانتهزت عائشة الفرصة فأمرت بتقديم أبي بكر ؛ كما يشهد له خبر عائشة السابق في رواية أبي الشيخ ، حيث أخبرت في آخره بأنّ النبيّ قال : « مري أباك أن يصلّي بالناس »(٢) ، فإنّه كاشف عن أنّ الأمر بتقديم أبيها قد صدر منها ، لكن ادّعت أنّه عن أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله !

ويشهد لعدم تعيين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله للمصلّي ، ما في « الاستيعاب » بترجمة أبي بكر ، عن عبد الله بن زمعة(٣) ، قال : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : « مروا

__________________

(١) انظر : صحيح البخاري ٦ / ٣٣ ح ٤٣٢ ، صحيح مسلم ٢ / ٢٢ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٨ / ١٥٢.

(٢) تقدّم آنفا في الصفحة السابقة.

(٣) هو : عبد الله بن زمعة بن الأسود بن عبد المطّلب بن أسد بن عبد العزّى بن قصي القرشي الأسدي ، أمّه : قريبة بنت أبي أميّة بن المغيرة ، أخت أمّ سلمة أمّ المؤمنين رضوان الله عليها.

قتل أبوه زمعة وعمّه عقيل يوم بدر كافرين ، وأبوهما : الأسود ، كان من المستهزئين الّذين قال الله تعالى فيهم :( إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) سورة الحجر ١٥ : ٩٥.

وقتل هو سنة ٣٥ ه‍ مع عثمان بن عفّان في داره يوم هجم عليه المسلمون.

انظر : معرفة الصحابة ٣ / ١٦٥٣ رقم ١٦٣٨ ، الاستيعاب ٣ / ٩١٠ رقم ١٥٣٧ ، أسد الغابة ٣ / ١٤١ رقم ٢٩٤٩ ، الإصابة ٤ / ٩٥ رقم ٤٦٨٧.


من يصلّي بالناس ».

لكن زعم ابن زمعة أنّه أمر عمر بالصلاة ، فلمّا كبّر سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صوته ، قال : « فأين أبو بكر؟! يأبى الله ذلك والمسلمون! »(١) .

وهو غير مقبول منه ؛ لأنّه يقتضي قطع صلاة عمر ، وتأخيره ، وتقديم أبي بكر ؛ وهو حادث كبير ، لو صحّ لشاع.

ويشهد أيضا لعدم تعيين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله للمصلّي بالناس ، ما أخبر به أنس في الرواية المذكورة ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « يا بلال! قد بلّغت ، فمن شاء فليصلّ ، ومن شاء فليدع »(٢) .

فإنّ مراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله هو التخيير في أمر الجماعة والإمامة ، لا أصل الصلاة بالضرورة ، وحينئذ فيكون خبر الراوي في تتمّة الحديث بأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « مروا أبا بكر فليصلّ بالناس »(٣) من الإضافات التي قضت بها السياسة!

وكيف يجتمع زعمهم أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله هو الآمر بتقديم أبي بكر ، وأنّه صلّى بالناس أيّاما ، مع جعله من جيش أسامة ، ولعن من تخلّف عنه؟!(٤) .

وأيضا : لو كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله هو الآمر المصرّ على تقديم أبي بكر ، وقد قصد التلويح إلى خلافته ، فما معنى خروجهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأوّل صلاة صلّاها

__________________

(١) الاستيعاب ٣ / ٩٦٩ ـ ٩٧٠.

(٢) تقدّم آنفا في الصفحة ٥٦٢.

(٣) تقدّم آنفا في الصفحة ٥٦٠.

(٤) راجع الصفحة ٥٥٧ ه‍ ١ من هذا الجزء.


أبو بكر وعزله عن الجماعة ، وهو بتلك الحال الشديدة المشجية ، تخطّ رجلاه في الأرض ، ويتهادى بين رجلين ، حتّى صلّى بالناس من جلوس صلاة المضطرّين؟!

فلا بدّ أن يكون مريدا بخروجه المستغرب رفع ما لبسوه على الناس ، من أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هو الآمر بتقديمه.

وأيضا : لو كانت صلاته بأمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وصلّى بالناس أيّاما ، لا صلاة الصبح فقط ، فلم لم يحضر صلاة النهار يوم وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل كان بمنزله في السّنح(١) ؟!

وأيضا : لو كانت صلاته بأمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومرغوبة له ، ومريدا بها التلويح إلى خلافته التي يعلم بوقوعها ، وأنّهاعلى الهدى كما زعموا ، فما الذي حدث حتّى خرج على تلك الحال ، وخطب تلك الخطبة العالية ، وقال : « سعّرت النار ، وأقبلت الفتن »(٢) ؟!

فالمنصف يعلم من هذا أنّ صلاة أبي بكر لم تكن عن أمره ، بل كانت فتنة اتّخذها أولياؤه حجّة ، وكانت أوّل نار سعّرت على الحقّ ، وفتنة مظلمة!

ولذا لم يعتدّ بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وصلّى مبتدئا ؛ فإنّه لو صلّى إماما لهم من حيث وصل إليه أبو بكر ، لخلت صلاته ـ على الأقل ـ من

__________________

(١) انظر : تاريخ الطبري ٢ / ٢٣١ و ٢٣٢ ، تاريخ دمشق ٢ / ٥٦ ، البداية والنهاية ٥ / ١٨٤ ـ ١٨٦ ، شرح نهج البلاغة ١٣ / ٣٦.

والسّنح : هي إحدى محالّ المدينة المنوّرة ، وهي في طرف من أطرافها ، بينها وبين منزل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ميل ، كان بها منزل أبي بكر.

انظر : معجم البلدان ٣ / ٣٠١ رقم ٦٦٧٥.

(٢) تقدّم آنفا في الصفحة ٥٦١.


تكبيرة الافتتاح ، فتبطل!

فإذا كان مبتدئا تعيّن أن يكون الناس قد ابتدأوا معه غير معتدّين بصلاة أبي بكر ، وإلّا كانوا سابقين على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في بعض أفعال الصلاة ، وهو غير جائز في الجماعة(١) .

ومن الواضح أنّ عدم اعتداد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بصلاة أبي بكر ، دليل على أنّها ليست بأمره ، وأنّها أوّل فتنة أصابت الإسلام.

هذا ، ومن الأوهام والخيالات زعمهم أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قدّمه في الصلاة تلويحا إلى خلافته(٢)

والحال أنّ إمامة الصلاة عندهم لا يعتبر فيها العدالة ، فضلا عن الاجتهاد ونحوه من شروط الإمامة العامّة(٣) ، فكيف تكون تلويحا إلى الزعامة العظمى والرياسة الكبرى؟!

وأعجب من ذلك ، ما كذبوا فيه على أمير المؤمنينعليه‌السلام ، أنّه قال ـ كما في « الاستيعاب » ـ : « رضينا لدنيانا من رضي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لديننا »(٤)

إذ مع معلوميّة تظلّم أمير المؤمنين منهم وسخطه عليهم إلى حين وفاته ، كيف يجعل الخلافة من أمر الدنيا ، ويجعل الرضا بها تابعا للرضا

__________________

(١) انظر : الأمّ ١ / ٣١٠ ، الحاوي الكبير ٢ / ٤٣٠ ـ ٤٣١ ، حاشية ردّ المحتار ١ / ٥٠٨ ، بداية المجتهد ٢ / ٣١٢ ـ ٣١٣.

(٢) تقدّم في الصفحة ٤٩٠ من هذا الجزء.

(٣) انظر : المدوّنة الكبرى ١ / ٨٣ ، الحاوي الكبير ٢ / ٢١٤ ـ ٢١٥ ، النكت والفوائد السنيّة ١ / ١٦٩ ، الفتاوى الكبرى ١ / ٧١ وج ٢ / ٣٦ ، نصب الراية ٢ / ٣٤.

(٤) الاستيعاب ٣ / ٩٧١ رقم ١٦٣٣.


بإمامة الصلاة التي تجوز حتّى للفاجر بزعم القوم؟!

وأعجب من الجميع ، زعم الفضل معارضة ما دلّ على خلافة أمير المؤمنين بما أشير فيه إلى خلافة أبي بكر

فإنّ هذا من أخبارهم ، فلا يكون حجّة على خصومهم حتّى يوجب المعارضة ، ولا سيّما أنّهم أقرّوا بأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يخلّف أبا بكر ، ورووه عن عمر مستفيضا(١) ، فيلزم تكذيب ذلك أو تأويله ، ويبقى ما دلّ على خلافة أمير المؤمنين بلا معارض!

مع أنّ ما زعموا الإشارة فيه إلى خلافة أبي بكر نادر لا يصلح للمعارضة ، وغير دالّ على مرادهم أصلا ؛ إذ لا دلالة أصلا في خبر جبير ابن مطعم(٢) على أنّ الشيء الذي كلّمت المرأة فيه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من الأشياء التي مرجعها السلطان.

كما لا دلالة بقولها : « لم أجدك » على إرادة الموت ، وقول جبير : « كأنّها تريد الموت » ، ظنّ أو احتمال ، والظنّ لا يغني من الحقّ شيئا.

وأمّا ما رواه عن عائشة ، من قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في مرضه : « ادعي لي

__________________

(١) إشارة إلى ما رووه عن عمر عندما قيل له : ألا تستخلف؟! فقال : إن أترك فقد ترك من هو خير منّي ، رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ وإن استخلف فقد استخلف من هو خير منّي ، أبو بكر.

انظر : صحيح البخاري ٩ / ١٤٥ ح ٧٥ ، صحيح مسلم ٦ / ٤ ـ ٥ ، سنن أبي داود ٣ / ١٣٣ ح ٢٩٣٩ ، سنن الترمذي ٤ / ٤٣٥ ح ٢٢٢٥ ، مسند أحمد ١ / ٤٣ و ٤٦ و ٤٧ ، مصنّف عبد الرزّاق ٥ / ٤٤٨ ـ ٤٤٩ ح ٩٧٦٣ ، مسند البزّار ١ / ٢٥٧ ح ١٥٣ ، مسند الطيالسي : ٦ ـ ٧ ، الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٣ / ٢٦١ ، مسند عمر ـ لابن النجاد ـ : ٧٣ ح ٤٢ وص ٩٠ ح ٧٠.

(٢) تقدّم في الصفحة ٤٩٠ من هذا الجزء.


أباك وأخاك »(١) إلى آخره

فقد كفانا أمره عمر بقوله : « إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ وحاشاه ـ يهجر »(٢) .

مع احتمال أن يريد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يعطيه مالا ويكتب له فيه ، أو يكتب له في الصلاة بالناس التي زعموا أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بها ، أو نحو ذلك.

على أنّ هذا الحديث مقطوع الكذب ؛ إذ كيف يتصوّر أن يأمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عائشة بدعوة أبيها ـ وتحتمل أن يكتب له بالخلافة ـ فلا تحضره ، والحال أنّها تدعوه بلا دعوة!

أخرج الطبري في « تاريخه »(٣) ، عن الأرقم بن شرحبيل ، قال : « سألت ابن عبّاس : أوصى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

قال : لا.

قلت : فكيف ذلك؟!

قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :ابعثوا إلى عليّ فادعوه !

فقالت عائشة : لو بعثت إلى أبي بكر؟

وقالت حفصة : لو بعثت إلى عمر؟

فاجتمعوا عنده جميعا ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :انصرفوا! فإن تك لي حاجة أبعث إليكم ؛ فانصرفوا ».

__________________

(١) تقدّم في الصفحة ٤٩٠ من هذا الجزء.

(٢) قد تقدّم تخريج ذلك مفصّلا في ج ٤ / ٩٣ ه‍ ٢ من هذا الكتاب ؛ وانظر إضافة إلى ذلك : صحيح البخاري ٤ / ٢١١ ـ ٢١٢ ح ١٠ وج ٦ / ٢٩ ح ٤٢٢ ، البداية والنهاية ٥ / ١٧٣ أحداث سنة ١١ ه‍.

(٣) ص ١٩٥ من الجزء الثالث [ ٢ / ٢٣٠ ]. منهقدس‌سره .


ونقل السيوطي في « اللآلئ المصنوعة » ، عن الدارقطني ، أنّه أخرج عن عائشة ، قالت : « لمّا حضر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الموت قال :ادعوا لي حبيبي !

فدعوت له أبا بكر ، فنظر ، ثمّ وضع رأسه ، فقال :ادعوا لي حبيبي !

فدعوا له عمر ، فنظر إليه ، ثمّ وضع رأسه ، وقال :ادعوا لي حبيبي !

فقلت : ويلكم! ادعوا له عليّ بن أبي طالب ، فو الله ما يريد غيره.

فلمّا رآه أفرد الثوب الذي كان عليه ، ثمّ أدخله فيه ، فلم يزل محتضنه حتّى قبض ويده عليه »(١) .

ثمّ نقل السيوطي ، عن ابن الجوزي ، أنّه قال : « موضوع »(٢) .

ولم يذكر له دليلا!

ثمّ نقل عن الدارقطني ، أنّه قال : « غريب ، تفرّد به مسلم بن كيسان الأعور ، وتفرّد به عن ابنه(٣) إسماعيل بن أبان الورّاق »(٤) .

ثمّ قال السيوطي : « مسلم : روى له الترمذي ، وابن ماجة ، وهو متروك ، وإسماعيل بن أبان من شيوخ البخاري »(٥) .

ثمّ قال : « وله طريق آخر » وأنهاه إلى عبد الله بن عمرو ، قال : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال في مرضه :ادعوا لي أخي ! فدعوا له أبا بكر ، فأعرض عنه!

__________________

(١) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٤١ ـ ٣٤٢.

(٢) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٤٢ ، الموضوعات ١ / ٣٩٢.

(٣) أي تفرّد إسماعيل عن ابن مسلم ، وهو عبد الله. منهقدس‌سره .

(٤) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٤٢.

(٥) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٤٢.


ثمّ قال :ادعوا لي أخي ! فدعوا له عمر ، فأعرض عنه!

ثمّ قال :ادعوا لي أخي ! فدعوا له عثمان ، فأعرض عنه!

ثمّ قال :ادعوا لي أخي ! فدعوا له عليّ بن أبي طالب ، فستره بثوب وأكبّ عليه.

فلمّا خرج من عنده قيل له : ما قال؟

قال :علّمني ألف باب ، يفتح لي من كلّ باب ألف باب »(١) .

أقول :

مضمون الحديث معتبر ؛ لاعتضاد طرقه بعضها ببعض ، ولا سيّما أنّ مناقشة الدارقطني بإسماعيل ليست في محلّها ؛ لأنّه ممّن احتجّ به البخاري في صحيحه ، ووثّقه عامّة علمائهم حتّى الدارقطني في إحدى الروايتين عنه ، كما في « تهذيب التهذيب »(٢) .

وأمّا مسلم بن كيسان ، فدعوى أنّه متروك ، غير مسموعة

كيف؟! وقد أخرج له الترمذي وابن ماجة في صحيحيهما(٣) ، وروى عنه عدّة عديدة وفيهم أكابر رواتهم ، كشعبة ، والثوري ، والحسن بن صالح ، وعليّ بن مسهر ، والأعمش ، وسفيان بن عيينة ، وابن فضيل ، وإسرائيل ، وشريك ، وورقاء ، ومحمّد بن جحادة ، وزياد ، وعليّ بن

__________________

(١) اللآلئ المصنوعة ١ / ٣٤٢ ، وانظر : المجروحين ـ لابن حبّان ـ ٢ / ١٤ ، العلل المتناهية ١ / ٢٢١ ح ٣٤٧.

(٢) تهذيب التهذيب ١ / ٢٨٦ رقم ٤٤٣ ، وانظر : صحيح البخاري ٢ / ٣١١ ح ٢٣٩.

(٣) انظر : سنن الترمذي ٣ / ٣٣٧ ح ١٠١٧ ، سنن ابن ماجة ٢ / ٨٢٥ ح ٢٤٦٩ وص ١١٨٤ ح ٣٥٧٧.


عابس ، وجرير بن عبد الحميد ، وغيرهم ، كما في « تهذيب التهذيب »(١) (٢) .

وأمّا قوله : « والإجماع فضل زائد » إلى آخره

فقد سبق ما في دعوى الإجماع ، في أوائل مباحث الإمامة(٣) .

وأمّا قوله : « ولمّا سمع المنافق أنّ هؤلاء مطعونون فرح » إلى آخره

ففيه : إنّ المنافق يعلم أنّ صاحب الدّين ومؤسّسة هو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خاصّة ، فلا طعن في الدّين إلّا بالطعن به نفسه ، دون آحاد أمّته أو جميعها ؛ ولذا طعن الله سبحانه بالأمّة فما كان منه نقصا في نبيّه الكريم ، قال سبحانه :( أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ ) (٤) الآية ؛ ونحن ما زدنا على هذا الطعن!

على أنّ المنافق لا يرى فرقا بين المشايخ الثلاثة ، وعبد الملك ، والمنصور والرشيد ، وأشباههم ممّن فتحوا الفتوح ، ومصّروا الأمصار ، واتّخذهم القوم أئمّة وأمراء للمؤمنين.

__________________

(١) تهذيب التهذيب ٨ / ١٥٨ رقم ٦٩١٢ ، وانظر : تهذيب الكمال ١٨ / ٨٤ رقم ٦٥٣٠.

(٢) نقول : وقد توسّع السيّد عليّ الحسيني الميلاني ـ حفظه الله ورعاه ـ في دراسة وبحث هذه الأخبار ، سندا ودلالة ، في مقاله : « استخلاف النبيّ أبا بكر في الصلاة » ، المنشور أوّلا في مجلّة « تراثنا » ، العدد ٢٤ ، السنة ٦ ، رجب ١٤١١ ه‍ ، ص ٧ ـ ٧٦ ؛ وثانيا ضمن كتابه « الرسائل العشر في الأحاديث الموضوعة » ، فكان الرسالة الرابعة منها ، بعنوان : « رسالة في صلاة أبي بكر » ؛ فراجع!

(٣) راجع : ج ٤ / ٢٤٩ وما بعدها من هذا الكتاب.

(٤) سورة آل عمران ٣ : ١٤٤.


فكما لا يجوز منّا ترك القول بالحقّ في الآخرين لأجل أن لا يفرح المنافق ، لا يجوز منّا تركه في الأوّلين ، ولو أنصف المنافق لرأى أنّ من دلائل صحّة الإسلام فساد أمرائه ، وهو لا يزداد إلّا رفعة وسناء.

ثمّ إنّ الطعن لو صحّ لم يختصّ بأمّة نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل هو جار في الأمم السالفة ، كما في أمر السامري(١) ، وبلعم(٢) ، وغيرهما(٣) .

وكلّ ما جرى في أمّة نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله جرى في الأمم السابقة ، حذو

__________________

(١) قال تعالى :( قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ * قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً ) سورة طه ٢٠ : ٨٥ ـ ٩٧.

انظر ما جرى للسامريّ مع نبيّي الله موسى وهارونعليهما‌السلام ، في تفسير الآيات المذكورة من كتب التفسير.

وانظر : تاريخ الطبري ١ / ٢٥٠ ـ ٢٥٣ ، الكامل في التاريخ ١ / ١٤٥ ـ ١٤٦ ، البداية والنهاية ١ / ٢٥٢ ـ ٢٥٤ ، المنتظم ١ / ٢٣٥.

(٢) قال تعالى :( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَالَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ * وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) سورة الأعراف ٧ : ١٧٥ و ١٧٦.

انظر تفصيل ما جرى لبلعم بن باعوراء ، في تفسير الآيتين المذكورتين من كتب التفسير.

وانظر : تاريخ الطبري ١ / ٢٥٨ ـ ٢٦٠ ، الكامل في التاريخ ١ / ١٥٣ ، البداية والنهاية ١ / ٢٨٠ ، المنتظم ١ / ٢٣٧.

(٣) مثل : طالوت وجالوت ، وأقوام نوحعليه‌السلام وصالحعليه‌السلام ولوطعليه‌السلام ، وغيرهم ممّن ذكرهم القرآن الكريم.


النعل بالنعل ، والقذّة بالقذّة(١) ، كما صرّحت به أخبارنا(٢) وأخبارهم(٣)

فهل يحسن من الخصم ترك القول في السامريّ وأمثاله ، لئلّا يفرح المنافق حتّى يحسن منّا ترك القول بأشباههم؟!

ثمّ ما باله لم يوجّه الاعتراض أوّلا إلى إمامه معاوية ، حيث نسب إلى أخي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونفسه ، ومن كان منه بمنزلة هارون من موسى ، كلّ مكروه ، وسبّه على المنائر والمنابر؟!

فكان اللازم عليه أن يدعو أوّلا بعدم الفلاح على معاوية ، وسائر بني أميّة وأشياعهم ، ولو دعا لأمّنّا وحمدنا الله على ذلك!

* * *

تمّ الجزء الثاني ،

ويليه الجزء الثالث(٤) .

* * *

__________________

(١) القذّة : ريش السهم ، وجمعها : قذذ وقذاذ ؛ والحديث الشريف يضرب مثلا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان ؛ انظر مادّة « قذذ » في : لسان العرب ١١ / ٧١ ـ ٧٢ ، تاج العروس ٥ / ٣٨٨ ـ ٣٨٩.

(٢) انظر : من لا يحضره الفقيه ١ / ١٣٠ ح ٦٠٩ ، الخصال ٢ / ٤٦٣ ح ٤ ، علل الشرائع ١ / ٢٤٧ ح ١٢ ، قرب الإسناد : ٣٨١ ح ١٣٤٣ ، كفاية الأثر : ١٥ ، دعائم الإسلام ١ / ١.

(٣) تقدّمت تخريجاته مفصّلة في ج ٣ / ٢٠٢ ه‍ ١ وج ٤ / ٢٦٩ ه‍ ١ و ٢ وص ٢٨٣ ه‍ ٧ من هذا الكتاب ؛ فراجع!

(٤) طبقا لتقسيم الشيخ المظفّرقدس‌سره .


فهرس المحتويات

تعيين إمامة عليّ بالسّنّة ٥

١ ـ حديث النور ٥

وقال الفضل : ٧

وأقول : ١٢

٢ ـ حديث : ويكون خليفتي ، ويكون معي في الجنّة ٢٣

وقال الفضل : ٢٤

وأقول : ٢٦

٣ ـ حديث الوصيّة ٤٧

وقال الفضل : ٤٨

وأقول : ٤٩

٤ ـ حديث : من أحبّ أصحابك؟ ٥٣

وإن كان أمر كنّا معه ٥٣

وقال الفضل : ٥٤

وأقول : ٥٥

٥ ـ حديث : لكلّ نبيّ وصيّ ووارث ٥٧

وقال الفضل : ٥٨

وأقول : ٥٩

٦ ـ حديث : لا يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك ٦١

وقال الفضل : ٦٢

وأقول : ٦٤

٧ ـ حديث اختصاص المناجاة بعليّ ٧١

وقال الفضل : ٧٢

وأقول : ٧٣


٨ ـ حديث المباهلة ٧٤

وقال الفضل : ٧٥

وأقول : ٧٦

٩ ـ حديث المنزلة ٨٠

وقال الفضل : ٨٢

وأقول : ٨٣

١٠ ـ حديث : إنّي دافع الراية غدا ٨٩

وقال الفضل : ٩١

وأقول : ٩٢

١١ ـ حديث : برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه ١٠٢

وقال الفضل : ١٠٣

وأقول : ١٠٤

١٢ ـ حديث سدّ الأبواب عدا باب عليّ ١٠٥

وقال الفضل : ١٠٦

وأقول : ١٠٧

١٣ ـ حديث المؤاخاة ١٢٢

وقال الفضل : ١٢٤

وأقول : ١٢٥

١٤ ـ حديث : إنّ عليّا منّي وأنا من عليّ ١٣٣

وقال الفضل : ١٣٥

وأقول : ١٣٦

١٥ ـ حديث : إنّ فيك مثلا من عيسى ١٤٢

وقال الفضل : ١٤٣

وأقول : ١٤٤


١٦ ـ حديث : لا يحبّك إلّا مؤمن ١٤٧

وقال الفضل : ١٤٨

وأقول : ١٤٩

١٧ ـ حديث : ولكنّه خاصف النعل ١٥٢

وقال الفضل : ١٥٤

وأقول : ١٥٥

١٨ ـ حديث الطائر ١٥٩

وقال الفضل : ١٦١

وأقول : ١٦٢

١٩ ـ حديث : أنا مدينة العلم وعليّ بابها ١٧١

وقال الفضل : ١٧٢

وأقول : ١٧٣

٢٠ ـ حديث : من آذى عليّا فقد آذاني ١٨٢

وقال الفضل : ١٨٣

وأقول : ١٨٤

٢١ ـ حديث تزويج عليّ من فاطمة ١٨٧

وقال الفضل : ١٨٨

وأقول : ١٨٩

٢٢ ـ حديث : إجلس يا أبا تراب ١٩٤

وقال الفضل : ١٩٥

وأقول : ١٩٦

٢٣ ـ أحاديث : كسر الأصنام ، ١٩٩

وصكّ الولاية ، ١٩٩

وردّ الشمس ، ١٩٩


وقال الفضل : ٢٠٣

وأقول : ٢٠٤

٢٤ ـ حديث : الحقّ مع عليّ ٢٢٧

وقال الفضل : ٢٢٩

وأقول : ٢٣١

٢٥ ـ حديث الثّقلين وما بمعناه ٢٣٥

وقال الفضل : ٢٣٨

وأقول : ٢٤٠

٢٦ ـ حديث الكساء ٢٥١

وقال الفضل : ٢٥٣

وأقول : ٢٥٤

٢٧ ـ حديث : أهل بيتي أمان لأهل الأرض ٢٥٥

وقال الفضل : ٢٥٧

وأقول : ٢٥٨

٢٨ ـ حديث : اثنا عشر خليفة ٢٦٤

وقال الفضل : ٢٦٨

وأقول : ٢٧١

المبحث الخامس ٢٨٣

في بعض فضائل عليّ ٢٨٣

وقال الفضل : ٢٨٦

وأقول : ٢٨٩

فضائله حال الولادة ٣٠٠

وقال الفضل : ٣٠١

وأقول : ٣٠٢


فضائله بعد الولادة ٣٠٩

من فضائله النفسانية : إيمانه ٣٠٩

الأوّل : الإيمان ٣٠٩

وقال الفضل : ٣١٢

وأقول : ٣١٣

المطلب الثاني : العلم ٣١٩

وقال الفضل : ٣٢١

وأقول : ٣٢٢

قال المصنّف ٣٢٦

وقال الفضل : ٣٢٧

وأقول : ٣٢٨

العلوم كلّها مستندة إليه ٣٣١

وقال الفضل : ٣٣٤

وأقول : ٣٣٥

قال المصنّف ٣٤٠

وقال الفضل : ٣٤٣

وأقول : ٣٤٤

قال المصنّف ٣٤٦

وقال الفضل : ٣٤٧

وأقول : ٣٤٨


قال المصنّف ٣٥١

وقال الفضل : ٣٥٢

وأقول : ٣٥٣

قال المصنّف ٣٥٤

وقال الفضل : ٣٥٧

وأقول : ٣٥٨

إخباره بالمغيّبات ٣٥٩

المطلب الثالث : الإخبار بالغيب ٣٥٩

وقال الفضل : ٣٦٦

وأقول : ٣٦٩

المطلب الرابع : في الشجاعة ٣٧١

وقال الفضل : ٣٧٢

وأقول : ٣٧٣

المطلب الخامس : في الزهد ٣٧٤

وقال الفضل : ٣٧٦

وأقول : ٣٧٧

المطلب السادس : في الكرم ٣٧٩

وقال الفضل : ٣٨٠

وأقول : ٣٨١

المطلب السابع : في استجابة دعائه ٣٨٢

وقال الفضل : ٣٨٥

وأقول : ٣٨٧

عبادته من فضائله البدنية ٣٩٢


الأوّل : في العبادة ٣٩٢

وقال الفضل : ٣٩٤

وأقول : ٣٩٥

المطلب الثاني : في الجهاد ٣٩٨

وقال الفضل : ٤٠٧

وأقول : ٤١٠

نسبه [ من فضائله الخارجية ] ٤٢٩

الأوّل : في نسبه ٤٢٩

وقال الفضل : ٤٣١

وأقول : ٤٣٢

المطلب الثاني : في زوجته وأولاده ٤٣٦

وقال الفضل : ٤٣٨

وأقول : ٤٣٩

قال المصنّف ٤٥٠

وقال الفضل : ٤٥٦

وأقول : ٤٥٨

المطلب الثالث : في محبّته ٤٧١

وقال الفضل : ٤٧٦

وأقول : ٤٧٧


المطلب الرابع : في أنّه صاحب الحوض ، واللواء ، ٤٨١

وقال الفضل : ٤٨٣

وأقول : ٤٩٢

فهرس المحتويات ٥٧٥

* * *