تراث كربلاء



تراث كربلاء

سلمان هادي آل طعمة

طبعة مزيدة ومنقّحة

منشورات: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات

بيروت - لبنان


الطبعة الثانية

١٤٠٣ ه - ١٩٨٣م


الصورة المؤلّف


الإهداء

إلى القابسين من أنوار الفضيلة ، والواردين حياض البذل والفداء.

إلى الواجفة قلوبهم ، والواكفة مدامعهم ، والمتفطّرة أكبادهم.

إلى زوار قبر أبي الشهداء الإمام الحسين بن علي (عليه‌السلام ).

اُهدي هذه السطور جهداً متواضعاً في سلسة الجهود المبذولة لتعريف بتاريخ هذه المدينة المقدّسة.

سلمان هادي آل طعمة


منظر عام لمدينة كربلاء


تراث كربلاء

هذه إضمامة عطرة تفضّل بها الشاعر المبدع السيد مرتضى الوهاب مؤرّخاً صدور الطبعة الأولى من الكتاب:

أضاءَ للناظرِ برقٌ فجلا

ما قد توارى من فخارٍ وعلا

و ما حواه الطفُّ في كنوزه

من أدبٍ مزوّقٍ يحكي الطلا

وانكشفت آثارُ ما شيّده

عباقرُ الفنِّ لنا من الاُلى

أظهرهُ ( سلمان ) بعد غيبةٍ

كادت بأن تأتي عليه فانجلى

فإنّ أهلَ البيت و هو منهمُ

أدرى بما في بيتهم مفصّلا

بـسعيهِ و فنِّهِ و جهده

أرّخته ( يحيا تراثُ كربلا )

١٣٨٣ ه

كربلاء - مرتضى السيد محمّد الوهاب


كلمة حجة الإسلام الشيخ آقا بزرك الطهراني

أتحفنا البحّاثة القدير ، المؤرّخ الكبير ، حجة الإسلام العلّامة الشيخ محمّد محسن ، الشهير بآقا بزرك الطهراني , صاحب موسوعة ( الذريعة ) , بهذه الكلمة القيّمة:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسّلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد خاتم النبيِّين ، وعلى أوصيائه الاثني عشر الأئمّة المعصومين من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعد ، فقد سرّحت النظر عابراً بالنظرة العجلى هذا السفر النفيس الذي هو ( تراث كربلاء ) , فوجدته اسماً طابق المسمّى ؛ لاحتوائه على ما لم يبحث عنه المتقدّمون عليه من مؤلّفي تواريخ كربلاء. كيف وقد أبرزه إلى الوجود يراع الفاضل البارع ، الشاب اللبيب ، فضيلة السيد سلمان آل طعمة الحائري ؛ أداء لبعض حقوق وطنه ومسقط رأسه ، فأعرضنا عن الثناء عليه ، واكتفينا بالدعاء له بالتوفيق والتأييد لإخراج أمثال هذا السفر الشريف ، ووفّق أقرانه لاتّباعه بإجراء قلمهم النزيه النظيف في هذه المواضيع ليجزيهم الله جزاء المحسنين.

حرّرته بيدي المرتعشة في مكتبتي العامّة في النجف الأشرف يوم الجمعة المطابقة لأوّل الحمل من السنة الشمسية ، الخامس من شهر ذي القعدة الحرام ، عام ثلاثة وثمانين [وثلاثمئة] وألف , وأنا الفاني الشهير بآقا بزرك الطهراني.


كلمة حجّة الإسلام الأصفهاني الحائري

تكرّم علينا حجة الإسلام الفيلسوف الكبير الحاج الشيخ محمّد رضا الأصفهاني الحائري بكلمة بليغة عبّر فيها عن انطباعاته لهذا الكتاب.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله كلّه ، والصلاة والسّلام على رسول الله محمّد بن عبد الله وعلى آله آل الله.

وبعد ، إنّ من أسباب فضيلة الكلام أن يكون الكلام في موضوع ذي فضل ، ولمـّا كانت كربلاء من أفضل بقاع الدنيا ، فالتكلّم في تاريخها من أفضل الكلام في التواريخ. وقد تكلّم جماعة في تاريخ هذا البلد المقدّس ، ولكنّي ما رأيت تلك التواريخ ، وإنّما رأيت تاريخ ( تراث كربلاء ) الذي ألّفه الفاضل الشاب اللبيب ، والمهذب البارع الأديب ، السيد سلمان ابن السيد هادي ابن السيد محمّد مهدي آل طعمة (سلّمه الله تعالى).

فوجدته في هذا الموضوع مؤلّفاً جامعاً مشتملاً على كثير من الخصوصيات ؛ فقد تعرّض لذكر عامري هذا البلد المبارك من العلماء والسادات والسلاطين وغيرهم ، ولبيان بعض خصوصيات الروضتين المقدّستين: روضة سيّدنا الحسين (عليه‌السلام ) وأخيه أبي الفضل العباس (عليه‌السلام ) ، ولكثير من البقاع ؛ كبقعة السيد إبراهيم المجاب ، وبقعة حبيب بن مظاهر ، وبقعة الحرّ بن يزيد الرياحي وغيرها ، ولكثير من المدارس الدينية والمساجد والحسينيات ، ولكثير من المكتبات العامّة


والخاصة ، ولذكر كثير من أعاظم العلماء والأساطين وبعض مصنّفاتهم ، ولجماعة من الأدباء والشعراء وبعض طرائف أشعارهم.

وفي الحقيقة يُعدّ هذا من كتب التواريخ والتراجم والمعاجم والأنساب والأدبيات ، وقد أتعب نفسه ، وصرف عمره ، وبذل مجهوده في جميع ما في هذا الكتاب من المصادر المتفرّقة ، والموارد المتشتتة (فلله درّه وعلى الله بره) ، فليقدر مجهوده ، ويشكر سعيه ، ويعرف قدره.

وأسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل سعيه هذا شرفاً لدنياه ، وذخيرة لعقباه ، وأن يحشرنا وإيّاه مع مشرّف هذه البلدة المقدّسة ، وجدّه وأبيه ، واُمّه وأخيه ، والأئمّة من ذرّيّته وبنيه , بجاههم وحرمهم فإنّه أرحم الراحمين.

حرّره أحوج المربوبين إلى رحمة ربّه الغني محمّد رضا بن محمّد التقي الإصبهاني ، يوم العشرين من ذي القعدة الحرام سنة ١٣٨٣ ه من الهجرة المباركة في كربلاء المعلّى.


كلمة البحّاثة الكبير السيد حسن الأمين

كربلاء المدينة المقدّسة ذات التاريخ الحافل ، بحاجة إلى التعريف بها ، والتنويه بشأنها بصورة تتفق مع مكانتها في الماضي والحاضر ، وهذا ما قام به فريق من محقّقي هذه المدينة ؛ فألّفوا عدّة كتب تؤرّخ لها وتدلّ عليها ، ومع ذلك فقد ظلّت جوانب كثيرة منها بحاجة إلى تخصيصها بالعديد من البحوث والدراسات.

فكربلاء منذ اليوم الذي حلّ فيها ركب الحسين (عليه‌السلام ) ، وصمّم على الصمود في وجه الطغيان ونفّذ تصميمه ، فغدت بذلك محجّة للقلوب تهوي إليها من كلّ مكان , وأصبحت ملتقى للاُلوف ينزلونها من كلّ فجّ عميق ، مستوحين من ذكرى صاحب القبر أسمى معاني الرجولة والبسالة والشمم ، ومستلهمين من روعة المكان أرفع مبادئ التحرّر والتمرّد على الطغيان والاستبداد.

إنّ كربلاء منذ ذلك اليوم حظيت بعناية المنقّبين والباحثين ، والناثرين والشاعرين ، وكانت بذلك جديرة ، وظلّت الأقلام تتعاقب على ذكرها من عصر إلى عصر حتّى هذا العصر ، فكان بين أيدينا من ذلك ذخيرة ثمينة ، وتشاء الأقدار لها أن تكون إلى جانب ما حظيت به من قداسة وتكريم ، وما قام فيها من مشاهد ومراقد ، أن تكون مبعثاً لنهضات علمية وفكرية , وأدبيّة وسياسية ؛ فقد جاء وقت كانت فيه مدرسة الشيعة الكبرى ، ومقرّ كبار مجتهديهم المدرّسين المفتين.

كما إنّها لم تخل في كلّ عصر من حلقات علمية واسعة ، ومناهج تدريسية


مطبقة ، فنبغ فيها العديد من رجال الفكر والقلم ، وشهدت الكثير من العلماء والشعراء ، كما شيّدت فيها المعاهد والمدارس ، كما كانت مصدراً لعدد من الحركات السياسيّة والثورات الوطنية ، وقد كان كلّ ذلك داعياً لأن لا يكتفي بالوقوف عند حدّ معين من الكتاب والتأليف فيها على كثرة ما كُتب واُلّف.

ومن هنا نهض واحد من أدبائها الأكفّاء فأخذ على نفسه خدمة بلده خدمة خالدة ، والوفاء لها وفاء دائماً ؛ فألف الكتاب الذي أسماه ( تراث كربلاء ) ، ذاك هو الاُستاذ السيد سلمان هادي آل طعمة ، الذي كتب كتابه مستهدفاً إحياء تراث كربلاء من جميع جوانب هذا التراث ، وطبع الكتاب طبعته الأولى , ولقي ما يستحقه من الرواج والإقبال عليه حتّى نفذت الطبعة الأولى ، فعزم على إعادة طبعه مضيفاً إليه ما فاته من قبل , وما استجدّ ممّا لم يكن ، وهو هذا الذي يراه القارئ بين يديه في الصفحات التالية.

ولن استبق القارئ فأدلّه على ما سيلقى في مطالعته ممّا يشوقه ويلذّه , بل أترك له أن ينكب على الكتاب منقّباً مستطلعاً ، وأنا واثق من أنّه سيخرج من ذلك بكلّ فائدة وكلّ متعة ، وسيتعرّف على مختلف النواحي في هذا البلد المقدّس التاريخي ؛ وهذا ما يحملنا على تحية الكتاب والإشادة بجهوده ، واثقين من أنّ من واجب المثقفين جميعاً أن يدرسوا بلدانهم كهذه الدراسة ؛ ليكون لنا من مجموع ما يكتبونه تاريخاً مفصّلاً للوطن ، ودليلاً كاملاً لكل جزء من أجزائه ، وأمامهم هذه التجربة الناجحة لهذا الكاتب الناجح.

حسن الأمين - بيروت


مقدّمة الطبعة الاُولى

لا شك إنّ الذين كتبوا عن تاريخ هذه المدينة المقدّسة ، وما جرى عليها من الحوادث الدامية في مختلف العصور ، أسدوا خدمة كبيرة للعالم بتقديم ذلك التراث القيّم الذي يخدم الإنسانيّة جمعاء ؛ فلذا حاز تقدير أرباب العلم ، وأساطين الفكر ، ورجال المبدأ والعقيدة وسواهم.

ومع كلّ ذلك رأيت لزاماً عليّ أن أقوم بجمع ما يمكن جمعه كلّ ما يخص تاريخ كربلاء الثقافي والسياسي والاجتماعي ؛ تخليداً لذكرى المفكّرين الذين أنجبتهم هذه الأرض الطيّبة من علماء وشعراء وفلاسفة ، ورجال جهاد وسياسة وغيرهم ممّن أقاموا للفكر وزناً ، وقدّموا تراثاً فيه عناصر إنسانيّة علينا أن نجدّده ونعيد درسه ، وقد بقي تاريخ قسم من هؤلاء المفكّرين مجهولاً لم يعرف عنه الملأ إلّا النزر اليسير ؛ فآثرت وضع هذه البحوث المنشورة في الصحف والمجلات العربية في كتاب جامع باسم ( تراث كربلاء ).

وغير خافٍ على القارئ اللبيب أنّ مدينة كربلاء لها تاريخ مجيد حافل بجلائل الأعمال ، ويضمّ أنصع الصفحات التي خطّ أسطرها أمير البلاغة والبيان ، ورجل البطولة والفداء الإمام الحسين بن علي (عليه‌السلام ) بكلّ ما حوت فيه من بطولة نادرة ، وجهاد لا يشق إليه غبار.

وكربلاء في ماضيها العلمي والأدبي زاخرة بالمواهب الخلاقة ، وقد مرّت في


القرون الغابرة بمراحل وأدوار مختلفة ، ممّا عظم شأنها ، وسمت منزلتها في ميدان العلم والمعرفة حيث بلغت أوج عظمتها ، وكان سببه ظهور علماء ومفكّرين رفعوا رأسها عالياً ، ولا تزال آثارهم تدرس حتّى اليوم في معاهدنا العلميّة.

كما وشهدت ساحات كربلاء قبل قرنين أو أكثر حركة علميّة صاخبة لم تشهد لها مثيل من قبل ؛ حيث استقرت فيها الزعامة الروحية ؛ وذلك بوجود عدد غفير من أساطين العلماء حتّى بدأت كربلاء تنافس النجف الأشرف في حركتها العلميّة ، كما وشهدت مباريات خطابية وحلبات أدبيّة يعجز القلم عن وصفها ، ويكلّ اللسان عن الثناء عليها.

تتضمن مواد هذا الكتاب أحوال كربلاء منذ أوّل تشييدها وتدوين تطوراتها الاجتماعيّة والسياسيّة والعمرانيّة والعلميّة والأدبيّة ، وتضمّ تراجم أقطاب العلم الذين قدّموا للإنسانيّة أعمالاً مجدية في الفكر والجهاد , إلى غير ذلك من المواضيع الهامة المتعلّقة بشؤون هذا البلد المقدّس التي شغفت منذ الحداثة بجمعها وتدوينها.

ومهما يكن من أمر فأنا أنتهز هذه الفرصة الثمينة لتقديم ما اختمر في الذهن ، وما شعرت به النفس من المواضيع والبحوث التي كانت مبعثرة هنا وهناك ، فأثرت إخراجها بهذا الشكل ؛ حرصاً للفائدة العامة ، ورغبة في تحفيز هواة الأدب والتاريخ وتوسيع طاقاتهم.

وقد توفّرت لديّ مصادر كافية غنية يعتمد عليها ما ينبغي إيراده من الشواهد والدلائل ، علماً بأنّ هناك عدداً من المخطوطات التي تتعلّق بمواضيع الكتاب قد اطلعت عليها في مكتبات إيران والعراق , زد على ذلك أنّي استمعت إلى روايات المعمرين من الجيل الماضي ، وأحاديث ممّن يروي عنهم طيلة السنين الخوالي.

وأخيراً لا يسعني إلّا أن أرفع أسمى آيات شكري وامتناني إلى كلّ مَنْ آزرني في هذا المشروع الضخم الذي يتطلّب وقتاً طويلاً ، وعملاً متواصلاً ؛ من تقديم يد المساعدة إليّ ، وأخص بالذكر فضيلة العلّامة الكبير حجة الإسلام الشيخ آقا بزرك الطهراني صاحب ( الذريعة ) ، والاُستاذ كوركيس عواد مدير مكتبة


المتحف العراقي ، والاُستاذ ضياء الدين أبو الحبّ ، وفضيلة العلّامة الشيخ محمّد علي اليعقوبي ، والشيخ كاظم أبو أذان ، والمحامي السيد عبد الصاحب شيقر ، والاُستاذ عبد المجيد حسين السالم ، والاُستاذ حسن عبد الأمير المهدي ، وكلاً من أبناء عمومتي السيد مجيد السيد سلمان الوهاب آل طعمة ، والمحامي السيد محمّد مهدي الوهاب آل طعمة ، وغيرهم من رواد الفكر ومحبّي الثقافة ، سائلاً المولى العلي القدير أن يوفّقهم في مسعاهم ، وأن يلهمهم التوفيق في خدمة العلم والأدب والتاريخ ، والله هو الموفّق.

سلمان السيد هادي آل طعمة

كربلاء - ١٠ شوال المكرّم ١٣٨٣ ه - ٢٣ شباط ١٩٦٤ م


مقدّمة الطبعة الثانية

بعد نفاذ الطبعة الأولى من كتابنا « تراث كربلاء » لقيت من لدن القرّاء الكرام إقبالاً كبيراً وتشجيعاً أعتزّ به ؛ لذا رأيت لزاماً عليّ أن أعيد طبعه مرّة ثانية لرغبة الكثير من الأصدقاء المثقفين ، فأخذت على عاتقي إخراجه بثوب جديد بعد أن توفّرت لديّ معلومات قيّمة ، ووثائق عظيمة الأهمية تُلقي أضواء على بعض الأحداث التاريخيّة.

كما إنّني حذفت من الكتاب بعض الأفكار والمواضيع التي هي غير جديرة بالتسجيل ؛ حيث يغلب عليها طابع التشكيك في صحتها ، أو التي هي غير مرغوب في إدراجها ، وقد دعاني إلى تدوينها في الطبعة الأولى الإسراع.

إنّ هذه الطبعة الجديدة تمتاز بدقّة المعلومات ، وصحة الأسانيد ، وروعة الأغراض ، وسمو الأهداف ، وقد خلت من الأخطاء التي وقعت فيها خلال الطبعة الأولى.

إنّني لم أستهدف من وراء إخراج هذا الكتاب إلّا خدمة للفكر ، وحفظاً للتراث العربي في هذه المدينة الشامخة المقدّسة التي لعبت دوراً مهمّاً في تاريخ العرب قديماً وحديثاً ، ولقيت من أحداث الدهر ما جعلها اُنشودة في فم الزمان ؛ لأنّها صمدت كالطود الأشمّ دون أن تلين قناتها ، أو ترضخ أمام قوى الشرّ والعدوان.


وكان في طليعة رجال الفكر الذين زوّدوني بالمعلومات النافعة ، وأرشدوني إلى محجّة الصواب الأديب الكبير السيد صالح الشهرستاني - نزيل طهران - الذي نقد الكتاب بتفصيل ، كما أخص بالشكر السادة محمّد حسن مصطفى الكليدار ، وإبراهيم شمس الدين القزويني على توجيهاتهما واهتمامهما ، وكذلك جدّي السيد أحمد السيد صالح آل طعمة (حفظه الله) الذي عاصر معظم الأحداث التي مرّت بكربلاء ، وجالس أدباءها وعلماءها ، ويحتفظ لهم في ذاكرته الكثير من الطرائف المستملحة ، والحكايات اللطيفة التي كانت تتناقلها الأندية حينذاك.

وبعدُ أيّها القارئ ، فهذه هي الطبعة الثانية من تراث كربلاء ، آمل أن تلقى منك استحساناً ، وتترك في نفسك أثراً ، وتسترعي اهتمامك ؛ فهو كتاب يجلو مآثر كربلاء وأحداثها الضخام ، ويبرز صفحات مشرقة من بطولات رجالها العظام وعبقربات أدبائها الكرام.

والله اسأل أن يسدد خطانا إلى ما فيه الخير والصواب.

سلمان السيد هادي السيد محمّد مهدي آل طعمة

كربلاء - العراق ١٠ ربيع الأول ١٤٠٣ ه


الفصل الأوّل: نظرة عامة في تاريخ كربلاء

في الواقع إنّ كربلاء اسم قديم في التاريخ ، يرجع إلى عهد البابليين ، وقد استطاع المؤرّخون والباحثون التوصّل إلى معرفة لفظة ( كربلاء ) من نحت الكلمة وتحليلها اللغوي ، فقيل: إنّها منحوتة من كلمة ( كور بابل ) العربية ، وهي عبارة عن مجموعة قرى بابلية قديمة , منها ( نينوى) التي كانت قرية عامرة في العصور الغابرة ، تقع شمال شرقي كربلاء ، وهي الآن سلسة تلول أثرية ممتدة من جنوب سدّة الهنديّة حتّى مصبّ نهر العلقمي في الأهوار ، وتُعرف بتلول نينوى.

ومنها ( الغاضريّة ) , وهي الأراضي المنبسطة التي كانت مزرعة لبني أسد ، وتقع اليوم في الشمال الشرقي من مقام ، أو شريعة الإمام جعفر الصادق (عليه‌السلام ) على العلقمي بأمتار ، وتُعرف بأراضي الحسينيّة.

ثمّ ( كربلّه) بتفخيم اللام ، وتقع إلى شرقي كربلاء وجنوبها ، ثمّ ( كربلاء أو عقر بابل ) , وهي قرية في الشمال الغربي من الغاضريّة ، وبأطلالها أثريات مهمّة , ثمّ ( النواويس ) , وكانت مقبرة عامّة للنصارى قبل الفتح الإسلامي ، وتقع في أراضي ناحية الحسينيّة قرب نينوى.

أما الأطلال الكائنة في شمال غربي كربلاء تُعرف بـ ( كربلاء القديمة ) ، يستخرج منها


أحياناً بعض الحباب الخزفية ، وكان البابليون يدفنون موتاهم فيها.

وقد عبّر عنها الإمام الحسين (عليه‌السلام ) في خطبة مشهورة له ، وذلك عندما عزم السير نحو الكوفة: (( وكأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا ))(١) .

ثمّ ( الحير ) , ومعناه اللغوي الحمى ، ثمّ ( الحائر )(٢) , وهي الأراضي المنخفضة التي تضمّ موضع قبر الحسين (عليه‌السلام ) إلى رواق بقعته الشريفة ، وقد حار الماء حولها على عهد المتوكّل العباسي عام ٢٣٦ ه.

وكانت للحائر وهدة فسيحة محدودة بسلسلة تلال ممدودة ، وربوات متّصلة في الجهات الشماليّة الغربيّة والجنوبيّة منه تشكّل للناظرين نصف دائرة ، مدخلها الجهة الشرقيّة , حيث يتوجّه منها الزائر إلى مثوى سيدنا العباس بن علي (عليهما‌السلام )(٣) .

وسُمّيت كذلك بـ ( الطفّ ) لوقوعها على جانب نهر العلقمي ، وفيها عدّة عيون ماء جارية ؛ منها الصيد ، والقطقطانية ، والرهيمة ، وعين الجمل وذواتها ، وهي عيون كانت للموكّلين بالمسالح التي كانت وراء الخندق الذي حفره شابور كحاجز بينه وبين العرب(٤) .

ومنها ( شفيه ) , وهي بئر حفرتها بنو أسد بالقرب من كربلاء ، واُنشأت بجانبها قرية ، وكان الحسين (عليه‌السلام ) عندما حبسه الحرّ بن يزيد الرياحي عن الطريق ، وأمّ كربلاء ، أراد أن ينزله في مكان لا ماء فيه ، قال أصحابه: دعنا ننزل في هذه القرية - يعنون نينوى - , أو هذه القرية - يعنون الغاضريّة - ، أو هذه الاُخرى - يعنون شفيه -.

وإنّ الضحاك بن عبد الله المشرفي عندما اشتدّ الأمر على الحسين (عليه‌السلام ) يوم عاشوراء وبقي وحيداً استاذن الحسين (عليه‌السلام ) بالانصراف ؛ لوعد كان بينهما ( أنّه ينصره متى كان كثير الأنصار) , فاستوى على ظهر فرسه فوجّهها نحو العسكر ، فأفرجوا له واخترق صفوفهم ، ثمّ تبعه منهم خمسة عشر

____________________

(١) اللهوف في قتلى الطفوف - للسيد ابن طاووس / ٢٦.

(٢) دائرة المعاوف الإسلاميّة الفرنسية - انظر مادة ( حائر Hair ).

(٣) نهضة الحسين - للسيد محمّد علي هبة الدين الحسيني / ٨٠.

(٤) معجم البلدان - لياقوت الحموي - مادة الطفّ.


فارساً حتّى جاء شفيه فالتجأ بها وسلم من القتل(١) .

وتُسمّى بـ ( العقر ) ، وكانت به منازل بخت نصر ، ويوم العقر قُتل به يزيد بن المهلّب سنة ١٠٢ ، وكلّها قرى متقاربة.

وقد روي أنّ الحسين (عليه‌السلام ) لمـّا انتهى إلى كربلاء وأحاطت به خيل عبيد الله بن زياد , قال: (( ما اسم تلك القرية ؟ )) , وأشار إلى العقر. فقيل له: اسمها العقر. فقال: (( نعوذ بالله من العقر. فما اسم هذه الأرض التي نحن فيها ؟ )). قالوا: كربلاء. فقال: (( أرض كرب وبلاء )). وأراد الخروج منها فمُنع حتّى كان ما كان(٢) .

وقد سبق أن نزلها أبوه الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) في سفره إلى حرب صفّين ، وشوهد فيها متأمّلاً في ما بها من أطلال وآثار ، فسُئل عن السبب ، فقال: (( إنّ لهذه الأرض شأناً عظيماً ؛ فها هنا محطّ ركابهم ، وها هنا مهراق دمائهم )). فسُئل في ذلك ، فقال: (( ثقل لآل محمّد ينزلون ها هنا ))(٣) . إلى غير ذلك من الأسماء التي وردت في التاريخ ، وليس باستطاعتنا استيفاء البحث عن قدمها(٤) .

وذكر ياقوت في كتابه ( معجم البلدان) بخصوص لفظة ( كربلاء ) , وأوعزها إلى ثلاثة أوجه ، فقال ما نصّه: « كربلا بالمد: وهو الموضع الذي قُتل فيه الحسين بن علي (عليه‌السلام ) في طرف البريّة عند الكوفة »(٥) .

فأمّا اشتقاقه: فالكربلة رخاوة في القدمين ، يُقال: جاء يمشي مكربلاً ، فيجوز على هذا أن تكون أرض هذا الموضع رخوة فسُمّيت بذلك ، ويُقال: كربلت الحنطة إذا هززتها ونقيتها ، وينشد في صفة الحنطة:

____________________

(١) كربلاء في التاريخ - السيد عبد الرزاق عبد الوهاب آل طعمة ( الجزء الأول ) (مخطوط) - فصل أسماء كربلاء / ٥ - ٦.

(٢) معجم البلدان - ياقوت الحموي ٦ / ١٩٥

(٣) الأخبار الطوال - للدينوري / ٢٥٠.

(٤) الطبري - لابن جرير ١٠ / ١١٨ ، مروج الذهب - للمسعودي ج ٣ ، مزار البحار - للمجلسي / ١٤٢ ، مجالي اللطف بأرض الطفّ - للشيخ محمّد السماوي / ٣ - ٤.

(٥) انظر مراصد الإطلاع في أسماء الأمكنة والبقاع - لابن عبد الحق البغدادي ٣ / ١١٥٤.


يحملنَ حمراءَ رسوباً للثقلْ

قد غربلت وكربلت من القصلْ

فيجوز على هذا أن تكون هذه الأرض مُنقّاة من الحصى والدغل فسُمّيت بذلك. والكربل: اسم نبت الحماض.

وقال أبو وجزة السعدي يصف عهود الهودج:

وتامر كربلٍ وعميمُ دفلى

عليها والندى سبطٌ يمورُ

فيجوز أن يكون هذا الصنف من النبت يكثر نباته هناك فسُمّي به.

ونزل خالد كربلاء عند فتحه الحيرة سنة ١٢ ه , فشكى إليه عبد الله بن وثيمة البصري الذبان ، فقال رجل من أشجع في ذلك:

لقد حُبست في كربلاءَ مطيتي

وفي العين حتّى عاد غثاً سمينُها

إذا رحلت من منزلٍ رجعت له

لَعمري وإيهاً إنّني لأهينُها

ويمنعها من ماءِ كلِّ شريعةٍ

رفاقٌ من الذبان زرقٌ عيونُها(١)

وقد وردت لفظة « كربلاء » في رسالة السيد حسن الصدر , فقال: « إنّها مشتقة من الكربة بمعنى الرخاوة. ولمـّا كانت أرض هذا الموضع رخوة سُمّيت كربلاء. أو من النقاوة , من كربلت الحنطة إذا هززتها ونقيتها ، ولمـّا كانت هذه الأرض مُنقّاة من الحصى والدغل سُمّيت كربلاء. أو إنّ الكربل نبت الحماض كان كثير نبته في هذه الأرض فسُمّيت به ، والأظهر من هذه الوجوه الثاني والأوسط »(٢) .

ويرى فريق آخر من المؤرّخين أنّ لفظة ( كربلاء ) مركّبة من كلمتين آشوريتين , هما: ( كرب ) و ( إيلا ) ومعناها ( حرم الله ) ، وذهب آخرون إلى أنّ الكلمة فارسية المصدر ، فهم يرون أنّها مركّبة من كلمتين هما ( كار ) و( بالا ) ومعناهما العمل الأعلى ، أي العمل السماوي ، أو بعبارة اُخرى:

____________________

(١) معجم البلدان - لياقوت الحموي ٧ / ٢٢٩.

(٢) نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين - للسيد حسن الصدر / ١٧ ( طبع الهند ).


محلّ العبادة والصلاة(١) .

ومن الأسماء التي اُطلقت على كربلاء اسم ( النوائح ) ، وربّما اشتق من كلمة النياح ؛ لكثرة البكاء والعويل منذ نزول الحسين (عليه‌السلام ) فيها.

وذكر ياقوت الحموي في معجمه أبياتاً أنشدها الشاعر معن بن أوس المزني من قصيدة طويلة:

إذا هي حلّت كربلاءَ فلعلعا

فجوزُ العذيب دونها و النوائحا

فباتت نواها من نواك فطاوعت

مع الشانئين الشانئاتِ الكواشحا

توهّمتُ ربعاً بالمعبّر واضحاً

أبت قرّتاه اليوم ألا تراوحا(٢)

ولا بدّ لنا ونحن في معرض حديثنا عن تاريخ كربلاء القديم أن ننقل رأي الدكتور عبد الجواد الكليدار في هذا الصدد بشأن التعريف بأسماء كربلاء , فقال: « وقد نُعتت كربلاء منذ الصدر الأوّل في كلّ من التاريخ والحديث باسم كربلاء , والغاضريّة ، ونينوى ، وعمورا ، وشاطئ الفرات.

ورد منها في الرواية والتاريخ باسم مارية ، والنواويس ، والطفّ ، وطف الفرات ، ومشهد الحسين ، والحائر ، والحير , إلى غير ذلك من الأسماء المختلفة الكثيرة ، إلّا أنّ أهم هذه الأسماء في الدين هو ( الحائر ) ؛ لِما اُحيط بهذا الاسم من الحرمة والتقديس ، أو اُنيط به من أعمال وأحكام في الرواية والفقه إلى يومنا هذا »(٣) .

وذكر صاحب دبستان المذاهب أنّ كربلاء كانت في الزمن السالف تحوي بيوت نيران ومعابد للمجوس ، ويُطلق عليها بلغتهم ( مه بارسور علم ) , أي المكان المقدّس(٤) .

____________________

(١) موجز تاريخ البلدان العراقية - للسيد عبد الرزاق الحسني / ٦١ - ٦٢ ، وانظر كتابه العراق قديماً وحديثاً / ١٢٤.

(٢) معجم البلدان - لياقوت الحموي ( مادة كربلاء ) ، وانظر الأغاني - لأبي الفرج الأصفهاني ١٢ / ٦٣.

(٣) تاريخ كربلاء - للدكتور عبد الجواد الكليدار آل طعمة ( الطبعة الثانية ) / ٢٣.

(٤) دبستان المذاهب - مجهول المؤلّف , طبع بَمْبَيْ / ١٢٦٢ ه.


وتحدّثنا المصادر أنّ هناك أسماء قرى كانت تُحيط بكربلاء القديمة عند ورود الحسين (عليه‌السلام ) لها سنة ٦١ ه , منها: عمورا ، ومارية ، وصفورا ، وشفية ، وقد اُطلقت عليها بعد مقتل الحسين تسميات اُخرى , منها: مشهد الحسين ، أو مدينة الحسين ، والبقعة المباركة ، وموضع الابتلاء ، ومحل الوفاء(١) .

وقد سبق أن أوضحنا أنّ كربلاء هي اُمّ لقرى عديدة تقع بين بادية الشام وشاطئ الفرات , ويحدّثنا التاريخ أنّها كانت من اُمّهات مدن بين النهرين الواقعة على ضفاف نهر بالأكوباس - الفرات القديم - ، وعلى أرضها معبد للعبادة والصلاة كما يستدلّ من الأسماء التي عُرفت بها قديماً.

وقد كثرت حولها المقابر , كما عُثر على جثث الموتى داخل أواني خزفية يعود تاريخها إلى قبل العهد المسيحي. أمّا الأقوام التي سكنوها فكانوا يعولون على الزراعة ؛ لخصوبة تربتها , وغزارة مائها ، والسبب في ذلك هو كثرة العيون التي كانت منتشرة في ربوعها.

وقد أخذت كربلاء تزدهر شيئاً فشيئاً سيّما على عهد الكلدانيين , والتنوخيين , واللخميين , والمناذرة يوم كانت الحيرة عاصمة ملكهم ، وعين التمر(٢) البلدة العامرة , ومن حولها قراها العديدة التي من ضمنها شفاثا.

____________________

(١) مدينة الحسين - محمّد حسن الكليدار آل طعمة ( الطبعة الأولى ) ١ / ١٤.

(٢) تقع غربي كربلاء ، وتبعد عنها ٧٤ كيلو متراً في طريق ترابي وعر.

ذكرها ياقوت الحموي في ( معجم البلدان ٣ / ٧٥٩ ) , فقال: « عين التمر: بلدة قريبة من الأنبار غربي الكوفة ، بقربها موضع يُقال له: شفاثا ، منها يجلب القسب والتمر إلى سائر البلاد , وهو بها كثير جدّاً ، وهي على طرف البرية , وهي قديمة ».

كما ورد ذكرها في « مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع » - لابن عبد الحق البغدادي ٢ / ٩٧٧ ، وهذا نصّه: « عين التمر: بلدة في طرف البادية على غربي الفرات , وحولها قريات منها شفاثا ، وتُعرف ببلدة العين ، أكثر نخلها القسب , ويُحمل منها إلى سائر الأماكن ».

وشفاثا مجموعة قرى نمت على حساب بلدة « عين التمر » التي هجرها سكّانها بعد جفاف ينابيعها ، وهي ناحية من نواحي كربلاء واقعة في الجهة الغربيّة , تسقيها الأنهار المنسابة من ينابيعها =


من كلّ ما تقدم تتجسّد لنا المكانة الرفيعة التي مُنيت بها هذه البقعة المقدّسة ، والمنزلة السامية التي حظيت بها بين بلدان العالم.

الأنهار في كربلاء

هناك مصادر قديمة تؤكّد على وجود أنهار كانت تروي المزارع في كربلاء , إلّا أنّها طمست بمرور الزمن , ولم يبقَ منها غير الآثار ، اللّهمّ سوى نهر الحسينيّة الذي ما زالت مياهه تتدفق فتحمل الخيرات والبركات إلى المدينة. ومن بين هذه الأنهار التي اندثرت بسبب ترسّبات الغرين الذي كان يحمله الفرات خلال موسم الفيضان من كلّ عام هي:

النهرين(*)

[وهما] فرعان يشتقان من عمود الفرات كانا يجريان في كربلاء قديماً ، وقد ورد ذكرهما في كتب المؤرّخين الذين تطرّقوا إلى مأساة الحسين (عليه‌السلام ) ؛ ومنهم أبو الفرج الأصفهاني في كتابه ( مقاتل الطالبيّين ) ، وابن كثير في كتابه ( البداية والنهاية ) ، وابن شهر آشوب في كتابه ( المناقب ) ، والطبري في تاريخه المعروف.

نهر العلقمي

وكان يسقي كربلاء قديماً نهر العلقمي ، وهو اليوم من الآثار المندرسة أيضاً ؛

____________________

= المعدنية المتفجرة. وقد بلغ عدد سكّانها حوالي ١٠ آلاف نسمة هاجروا إليها من المناطق البعيدة والمجاورة ، وعدد القرى ( القصور ) سبعة عشر قصراً , سُمّيت أغلبها بأسماء العشائر والرؤساء من الذين سكنوها , أمّا اليوم فقد أصبحت عين التمر قضاءً تابعاً لمحافظة كربلاء ، وتبعد عنها مسافة (٧٠) كيلو متراً ، وطريقها معبّد بالأسفلت , وفيها دار للاستراحة.

ولأهالي عين التمر ارتباطات وثيقة بأهالي كربلاء ، لا سيما وإنّ عدداً كبيراً من مالكي البساتين هم من أهالي كربلاء.

(*) اضطررنا إلى ترك التسمية على حالها كما وردت , وإلّا فالأصح أن يقال: النهران. (موقع معهد الإمامين الحسنَين)


فقد ذكر المسعودي في التنبيه والإشراف ، وكاتب البريد ابن خر داذبه في المسالك: إذا جاز عمود الفرات هيت والأنبار ( يقابل الثاني الأوّل في الضفة الغربيّة ) فتجاوزهما , فينقسم قسمين ؛ منها قسم يأخذ نحو المغرب قليلاً المسمّى ( بالعلقمي ) إلى أن يصير إلى الكوفة(١) .

يروي السيد عبد الحسين الكليدار في كتابه ( بغية النبلاء في تاريخ كربلاء ) عن آثار العلقمي فيقول: وآثار العلقمي الباقي منه اليوم - على ما وقفت عليه - إذا انتهى إلى شمال ضريح عون اتجه إلى الجنوب حتّى يروي الغاضريّة لبني أسد , والغاضريّة على ضفته الشرقيّة ، وبمحاذاة الغاضريّة شريعة الإمام جعفر بن محمّد (عليه‌السلام ) على الشاطئ الغربي من العلقمي.

وقنطرة الغاضريّة تصل بينه وبين الشريعة , ثمّ ينحرف إلى الشمال الغربي ، فيقسم الشرقي من مدينة كربلاء بسفح ضريح العباس (عليه‌السلام ) إذ استشهد ما يلي مسناته ، فإذا جاوزه انعطف إلى الجنوب الشرقي من كربلاء مارّاً بقرية نينوى , وهناك يتصل [النهران] ( نينوى والعلقمي ) فيرويان ما يليهما من ضياع وقرية شفيه ، فيتمايلان بين جنوب تارة وشرق اُخرى , حتّى إذا بلغ خان الحماد - منتصف الطريق بين كربلاء والغري - اتجها إلى الشرق تماماً وقطعا شط الهنديّة بجنوب برس وحرقة - وأثرهما هناك مرئي ومشهور - حتّى يشتقان شرقي الكوفة(٢) .

وحكي في ( الكبريت الأحمر ) عن السيد مجد الدين محمّد المعروف بمجدي , من معاصري الشيخ البهائي , في كتابه (زينة المجالس) المؤلّف سنة ١٠٠٤ هذا نصّه: أنّ الوزير السعيد ابن العلقمي لمـّا بلغه خطاب الصادق (عليه‌السلام ) للنهر: (( إلى الآن تجري وقد حُرم جدّي منك )) , أمر بسدّ النهر وتخريبه ، ومن أجله حصل خراب الكوفة ؛ لأنّ ضياعها كانت تُسقى منه(٣) .

____________________

(١) التنبيه والإشراف - للمسعودي / ٤٧.

(٢) بغية النبلاء في تاريخ كربلاء - للسيد عبد الحسين الكليدار آل طعمة / ٨٢ ( مطبعة الإرشاد - بغداد ٣١ / ٤ / ١٩٦٦ م).

(٣) الكبريت الأحمر , نقلاً عن زينة المجالس - لمحمد مجدي.


وفي ( مصباح المتهجّد ): « إنّ الصادق (عليه‌السلام ) قال لصفوان الجمال: (( إذا أتيت الفرات (أعني شرعة الصادق بالعلقمي ) فقل: اللّهمّ أنت خير مَنْ وفد ))... إلخ »(١) .

ولهذا يؤكّد الشاعر السيد جعفر الحلّي مصرع العباس (عليه‌السلام ) جنب العلقمي بقوله:

وهوى بجنبِ العلقمي فليتهُ

للشاربينَ بهِ يدافُ العلقمُ

وذهب فريق آخر من المؤرّخين إلى الاعتقاد بأنّ القسم المحاذي من هذا النهر لطفّ كربلاء قد كُلّف بحفره رجل من بني علقمة - بطن من تميم ثمّ من دارم جدّهم علقمة بن زرارة بن عدس - فسُمّي النهر بالعلقمي ، وذلك في أواخر القرن الثاني الهجري.

وبذلك قال الشريف محمّد بن علي الطباطبائي الشهير بالطقطقي في تاريخه الفخري عند ذكره ترجمة حال أبي طالب مؤيد الدين ابن العلقمي الوزير العباسي على عهد المستعصم وهولاكو الإيلخاني: إنّه سُمّي بابن العلقمي نسبة إلى جدّه علقمة الذي قام بحفر نهر العلقمي.

والفريق الثاني من المؤرّخين سمّوا النهر باسم العلقم ، فذكر النويري في كتابه (بلوغ الأرب في فنون الأدب) أنّ نهر الفرات بعد اجتيازه الأنبار ينقسم إلى قسمين: قسم يأخذ نحو الجنوب قليلاً , وهو المسمّى بالعلقم ؛ وذلك لكثرة العلقم ( الحنظل ) حول حافتي النهر(٢) ، والعلقم - بالفتح والسكون -: يُطلق على كلّ شجر مرّ ( الحنظل ) وما عداه من غير فارق.

والعلقمة: المرارة ، يخال لي لشدّة ما كان العرب يكابدون من مرارة ماء آبار الجزيرة حتّى تخوم الجزيرة ومياه عيون الطفّ ، ثمّ ينهلون عذب نمير هذا النهر ؛ فلبعد شقّة البين بالضد أطلقوا عليه اسم ( العلقمي )(٣) .

وقد أورد الشهيد ابن طاووس روايات بخصوص زيارات الحسين (عليه‌السلام ) غير

____________________

(١) انظر قمر بني هاشم - للسيد عبد الرزاق المقرّم / ١٢١ نقلاً عن مصباح المتهجد للشيخ الطوسي / ٤٩٩.

(٢) مدينة الحسين - محمّد حسن الكليدار آل طعمة ٢ / ٤ - ٥ , طبع طهران.

(٣) بغية النبلاء في تاريخ كربلاء - عبد الحسين الكليدار آل طعمة / ٨٣ - ٨٤.


مقيدة: إذا أردت زيارة الحسين (عليه‌السلام ) في كربلاء ، ووردت قنطرة العلقمي , فقل: إليك اللّهمّ قصد القاصد... إلخ.

وجاء في تاريخ آل سلجوق لعماد الدين الأصفهاني المؤرّخ الإسلامي الذي عاش في القرن الثامن الهجري: أنّ جدول العلقمي كان يمرّ بالمشهدين ، أي كربلاء والنجف(١) .

وقد بقي نهر العلقمي حتّى عام ٦٩٧ ه , ثمّ علته الرمال والأوحال ممّا عرقل جريان الماء فيه. وتروي بعض المصادر القديمة أنّ السلطان محمود الغزنوي قد أرسل وزيره علي الجويني إلى كربلاء , فأمر بتطهير نهر العلقمي وإزالة الرمال والطمى منه ، وعاد الماء في واديه متدفقاً ، وفي عام ٩١٥ ه عادت الرمال تعلو هذا النهر وتوقفه عن الجريان.

نهر نينوى

ومن الأنهار الاُخرى التي كانت تروي هذه التربة الطاهرة نهر نينوى الذي كان يتفرّع من عمود الفرات ما يقارب الحصاصة وعقر بابل ، بين شمال سدّة الهنديّة وجنوب قضاء المسيب من نهر سوري , ثمّ يشقّ ضيعة أمّ العروق ، ويجري جنوب كرود أبو حنطة ( أبو صمانة ) , وتقاطع مجراه باقياً إلى يومنا هذا ، ويُعرف بعرقوب نينوى.

ويُقال: إنّ البابليِّين هم الذين حفروا هذا النهر مع تشكيل قرية نينوى باسم عاصمة الآشوريين التي كانت تُعرف ( كربا - إيلو ) إبان حكمهم.

النهر الغازاني

ومن الأنهار المندرسة الاُخرى النهر الغازاني , نسبة إلى غازان خان من آل

____________________

(١) مدينة الحسين ٢ / ٤ - ٥.


جنكيز أحد ملوك التتر الذين حكموا العراق بعد سقوط الخلافة العباسيّة ، فأمر غازان بتجديد نهر العلقمي وتقريب مأخذه من الفرات.

وقد بتر المغول القسم الأعلى من مجرى النهر وأوصلوا القسم الآخر بالنهر الذي حفره غازان من فرات الحلّة ، ولم يستسيغوا بقاء اسم العلقمي على هذا النهر ، لا سيما وقد طرأ عليه الكثير من التغيير والتبديل كما نصّ على ذلك ابن الفوطي في حوادث سنة ثمان وتسعين وستمئة بقوله: فيها سار السلطان غازان إلى العراق , وجعل طريقه على جوخا ، وسيّر بعض العسكر إلى بطائح واسط ، فحصروا الأعراب وأكثروا القتل فيهم والنهب والسبي , وغنموا أموالهم , وعيّن جماعة لملازمة أعمال واسط , ومنع مَنْ تخلّف من العرب عن الفساد , ثمّ توجه إلى الحلّة وقصد زيارة المشاهد الشريفة , وأمر للعلويين والمقيمين بها بمال كثير ، ثمّ أمر بحفر نهر بأعلى الحلّة , فُحفر وسُمّي النهر الغازاني.

تولّى ذلك شمس الدين صواب الخادم السكورجي , وغرس الدولة ابن.... ثمّ سار إلى بغداد(١) ؛ وسُمّي بالغازاني تخليداً لذكرى حافره غازان المذكور.

نهر السليماني ( الحسينيّة )

أمّا النهر السليماني ( الحسينيّة ) فقد أنشأه السلطان سليمان القانوني العثماني سنة ٩٤١ ه / ١٥٣٤ م.

ذكر المستر لونكريك في كتابه ( أربعة قرون من تاريخ العراق ): أنّ السلطان سليمان كانت غايته الثانية أن يزور العتبات المقدّسة في الفرات الأوسط ، ويفعل هناك أكثر ممّا فعله الزائر الصفوي في العهد الأخير ، فوجد مدينة كربلاء المقدّسة حائرة في حائرها بين المحل والطغيان ؛ إذ كان الفرات الفائض في الربيع يغمر الوهاد التي حول البلدة بأجمعها من دون أن تسلم منه العتبات نفسها ، وعند هبوط النهر كانت عشرات الاُلوف من الزوار يعتمدون

____________________

(١) الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المئة السابعة - لأبي الفضل عبد الرزاق بن الفوطي / ٤٩٧ - ٤٩٨ , طبع ببغداد / ١٣٥١ ه.


على الاستسقاء من آبار شحيحة قذرة ؛ فرفع مستوى ( روف السليمانية ) ، وهي سدّة ما تزال تقوم بعملها حتّى اليوم لوقاية البلدة من الفيضان ، ثمّ وسع الترعة المعروفة بالحسينيّة , وزاد في عمقها لكي تأتي بالماء المستمر ، ولتجعل الأراضي الخالية المغبرة حولها بساتين وحقولاً يانعة للقمح.

وصارت هذه الترعة تنساب في أرض كان الجميع يظنونها أعلى من النهر الأصلي ، فاستبشر الجميع بالمعجزة , واقتسم الحسين الشهيد والسلطان القانوني جميع الثناء والإعجاب ، وبعد أن زار سليمان قبر الإمام علي في النجف رجع إلى بغداد(١) .

ويعقّب عباس العزاوي على ذلك بقوله: نهر الحسينيّة هذا النهر من أعظم أعمال السلطان سليمان القانوني , كان يُسمّى باسمه ( النهر السليماني ) ، والآن يُسمّى بالحسينيّة , أجراه إلى كربلاء فأحياها ، ولم يوفّق السلاطين السابقون أيام غازان وغيره , ومنهم الشاه إسماعيل والشاه طهماسب(٢) ... إلخ.

وبتبرّع زوجة محمّد شاه القاجاري ملك إيران أنفذ نهر الرشدية , وذلك عام ١٢٥٩ ه , فسُمّي الفرع عند ذاك باسم الرشدية(٣) .

أمّا الفرع الثاني لهذا النهر فسُمّي بالهنيدية ، ويسير باتجاه جنوب مدينة كربلاء.

وممّا يذكر بهذا الصدد أنّ الرحالة الميرزا أبا طالب خان بن محمّد الأصفهاني الذي قدم إلى بغداد في غرّة

____________________

(١) أربعة قرون من تاريخ العراق - للمستر لونكريك - ترجمة جعفر الخياط / ٣٩ ( الطبعة الرابعة - مطبعة المعارف - بغداد / ١٩٦٨ م ).

(٢) تاريخ العراق بين احتلالين - عباس العزاوي ٤ / ٣٦ - ٣٧.

(٣) من الذين خدموا كربلاء العالمان الفاضلان السيد مير علي الطباطبائي صاحب الرياض ، والسيد كاظم الرشتي ؛ حيث طلب الأوّل مساعدات من الهند بعد هجوم الوهابيّين على كربلاء عام ١٢١٦ ه ونهبهم المدينة وتخريبهم إيّاها ، وقد لُبّي طلبه ؛ حيث استطاع إثر وصول الأموال المرسلة إليه أن يشيّد سور المدينة لحفظها من الغزوات في المستقبل.

وكان السيد كاظم ابن السيد قاسم الرشتي قد طلب المساعدات من بعض وجوه إيران ؛ بغية توسيع هذه الشاخة ، وإيصال الماء إلى مرقد الشهيد الحرّ الرياحي ، وبعد وصولها أكمل توسيم هذا الفرع الذي يبدأ من قنطرة باب الطاق فسُمّي بالرشتية ، وعُرف فيما بعد بالرشدية.

وقد أشرف على كري هذا النهر المرحوم السيد مهدي ابن السيد محمّد الطباطبائي الشهير بالنهري ، وتُعرف أسرته اليوم بآل السندي.


شوال ١٢١٧ ه - ١٧ كانون الثاني ١٨٠٣ م , وبعد أيام غادرها لزيارة سامراء , ثمّ عاد إلى بغداد ، وأخيراً بارحها في ٤ ذي القعدة ١٢١٧ه أوّل آذار ١٨٠٣ م لزيارة الأضرحة التي في كربلاء والنجف.

قال ما تعريبه: وبعد أن قمت بواجب الزيارة في كربلاء بارحتها قاصداً النجف بطريق الحلّة , فقدمت إليها في اليوم نفسه ، ولاقيت في طريقي جدولين ؛ أوّلهما يُقال له: النهر الحسيني ( الحسينيّة ) على بعد أميال قليلة في كربلاء ، وكان حفره بأمر السلطان مراد ( كذا , وصححه السلطان سليمان ).

والثاني من النهرين يُقال له: نهر الهنيدية أو الآصفي ؛ لأنّ النوّاب آصف الدولة حفره بنفقاته ، وهو أعرض من النهر الحسيني ، والغاية من حفره إيصال الماء إلى مرقد الإمام علي (عليه‌السلام ).

وقد بلغت نفقات هذا الجدول حتّى الآن عشرة لكوك من الروبيات ، مع أنّه لم يصل بعد إلى النجف ؛ لأنّ باشا بغداد والرجل الذي ولاّه الباشا الإشراف على العمل جعلا النهر يمرّ بالكوفة وغيرها من المدن عوضاً عن جعله يجري مستقيماً ، وقد بقيت أربعة أميال لإيصاله إلى المحل , والأعمال متداولة عليها... إلخ(١) .

أمّا حادثة مصرع الحسين بن علي (عليه‌السلام ) فهي مناهضة لحكم الطاغية يزيد بن أبي سفيان ، وتُعدّ من أشهر حوادث التاريخ الإسلامي ، وقد حدثت في اليوم العاشر من محرّم الحرام سنة ٦١ه ( ٦٨٠ م) , فاستشهد مع أهل بيته وأصحابه ، ودُفن في هذه البقعة الطاهرة في الموضع الذي يُعرف بالحائر.

وضريح الحسين (عليه‌السلام ) يُقام اليوم وسط صحن عظيم ، تعلوه القبّة المنوّرة ، والمآذن المغشاة بالذهب الإبريز ، فتتلألأ روعة وبهاء.

____________________

(١) رحلة أبي طالب خان / ٢٩٢ - ٢٩٣ ، ترجمها من الفرنسية إلى العربية الدكتور مصطفى جواد ( بغداد ١٩٧٠ ).


تاريخ الروضة الحسينيّة

عندما قصد الإمام الحسين بن علي (عليه‌السلام ) العراق سنة ٦١ هجرية مع أهله وأصحابه الغرّ الميامين لم يكن في كربلاء للعمران أثرٌ يُذكر ، إلى أن قُتل الحسين (عليه‌السلام ) في العام نفسه ودُفن في الحائر المقدّس.

يذكر ابن كثير القرشي في ( البداية والنهاية ) أنّ مقتل الحسين (رضي‌الله‌عنه ) كان يوم الجمعة يوم عاشوراء من المحرّم سنة إحدى وستين.

وقال هشام ابن الكلبي: سنة اثنتين وستين ، وبه قال علي ابن المديني ، وقال ابن لهيعة: سنة اثنتين أو ثلاث وستين ، وقال غيره: سنة ستين ، والصحيح الأول ، بمكان من الطفّ يُقال له: كربلاء أرض العراق ، وله من العمر ثمان وخمسون سنة أو نحوها.

وأخطأ أبو نعيم في قوله: إنّه قُتل وله من العمر خمس أو ست وستون سنة(١) .

ويشير ابن قولويه أنّ الذين دفنوا الحسين (عليه‌السلام ) أقاموا لقبره رسماً ، ونصبوا له علامة وبناء لا يندرس أثره(٢) .

وفي عهد بني اُميّة وضِعت على قبره المسالح لمنع الزائرين من الوصول إلى القبر المطهّر ، وكان القبر مطوّقاً بمخافر تتولّى المهمّة السالفة الذكر.

إنّ أوّل مَنْ زار الحائر المقدّس عبيد الله بن الحرّ الجعفي ؛ لقرب موضعه منها ، فوقف على الأحداث , ونظر إلى مصارع القوم ، فاستعبر باكياً ورثى الحسين (عليه‌السلام ) بقصيدة معروفة:

يقولُ أميرٌ غادرٌ وابنُ غادرِ

ألا كيفَ قاتلت الشهيد ابن فاطمهْ

فوا ندمي أن لا أكون نصرتُه

ألا كلّ نفسٍ لا تُسدّدُ نادمهْ

ويا ندمي إن لم أكن من حُماتِه

لذو حسرةٍ ما إن تفارقُ لازمهْ

____________________

(١) البداية والنهاية - لابن كثير القرشي ٨ / ١٩٨.

(٢) كامل الزيارة - لجعفر بن قولويه / ١٣٣.


سقى اللهُ أرواحَ الذين تآزروا

على نصرهِ سقياً من الغيثِ دائمهْ

وقفتُ على أجداثهم ومحالهمْ

فكادَ الحشا ينفضّ والعينُ ساجمهْ

لعمري لقد كانوا مصاليتَ في الوغى

سراعاً إلى الهيجا حماةً خضارمهْ

تآسوا على نصرِ ابن بنت نبيِّهمْ

بـأسيافهم آسادُ غيلٍ ضراغمهْ

فإن تقبلوا من كلّ نفسٍ زكية

على الأرضِ قد أضحت لذلك واجمهْ

وما إن رأى الراؤون أصبرَ منهمُ

لدى الموتِ سادات وزهراً قماقمهْ(١)

ويروى عن الصحابي الجليل الضرير جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه قال لقومه عندما زار قبر الحسين (عليه‌السلام ) يوم ٢٠ صفر سنة ٦٢ هجرية مع جماعة من المسلمين من أهل المدينة ، واجتمع بنفس السنة بالإمام السجاد (عليه‌السلام ): المسوني القبر(٢) .

ويروى عن أبي جعفر محمّد الصادق (عليه‌السلام ): (( إذا أتيت الحائر فاعبر القنطرة واغتسل في الفرات ، وضع رجلك في الغاضريّة ))(٣) . ويستدلّ من ذلك أنّ الصادق (عليه‌السلام ) كان يحثّ شيعته على الإكثار من زيارة الحائر ، ويأمرهم باتخاذ المقام بنينوى أو الغاضريّة.

ويروي أبو حمزة الثمالي عن الصادق (عليه‌السلام ) بأنّه قال: (( إذا أردت الوداع بعد فراغك من الزيارات فأكثر منها ما استطعت ، وليكن مقامك بنينوى أو الغاضريّة ، ومتى أردت الزيارة فاغتسل وزره الوداع ))(٤) .

وفي ( المزار ) بسنده عن صفوان بن مهران الجمّال ، عن الإمام الصادق (عليه‌السلام ) إنّه قال: (( إذا أردت قبر الحسين في كربلاء قف خارج القبّة , وارم بطرفك نحو القبر ، ثمّ ادخل الروضة وقم بحذائها من حيث يلي الرأس ، ثمّ اخرج من الباب الذي عند رجلَي علي بن الحسين (عليه‌السلام ) ، ثمّ توجّه إلى الشهداء ، ثمّ امشِ حتّى تأتي مشهد أبي الفضل العباس فقف على باب السقيفة وسلّم))(٥) .

____________________

(١) خزانة الأدب - للبغدادي ٢ / ١٣٨ ( الطبعة السلفية ).

(٢) تاريخ قمقام - لفرهاد مرزا ( فارسي ) / ٤٩٥.

(٣) كامل الزيارة - لجعفر بن قولويه / ٢٢١ ، وانظر مزار البحار - للشيخ محمّد باقر المجلسي ١٠ / ١٤٥ ( طبع كمبني ).

(٤) كامل الزيارة - لجعفر بن قولويه / ٢٥٣ - ٢٥٤.

(٥) مزار بحار الأنوار - للشيخ محمّد باقر المجلسي / ١٧٩.


يستبان من الرواية آنفة الذكر وجود مسجد للحسين (عليه‌السلام ) ، وسقيفة تظلّلها شجرة السدرة أيام العهد الأموي وأواخره.

وفي أيام أبي العباس السفّاح خليفة بني العباس الأوّل فسح المجال لزيارة قبر الحسين (عليه‌السلام ) , وابتدأ عمران القبر في ذلك الحين.

يروي محمّد بن أبي طالب في كتابه ( تسلية المجالس وزينة الجالس ) عند ذكره لمشهد الحسين (عليه‌السلام ): « أنّه اتُّخذ على الرمس الأقدس لعهد الدولة المروانية مسجداً »(١) .

الحائر الحسيني في العصر العباسي

لم يزل القبر تمتد إليه يد العدوان بعد عهد بني اُميّة ، وفي زمن بني العباس فقد ضيّق الرشيد الخناق على زائري القبر ، وقُطعت شجرة السدرة التي كانت عنده ، وكُرب موضع القبر(٢) . كما إنّ الرشيد هدم الأبنية التي كانت تحيط بتلك الأضرحة المقدّسة ، وقطع السدرة التي كان يستدلّ بها الزوار موضع القبر ويستظلون تحتها.

أمّا في فترة عام ( ٢٣٦ - ٢٤٧ ه ) فقد كان القبر الشريف عرضة إلى تعرّض وتنكيل المتوكّل العباسي ، حيث أحاط القبر بثلّة من الجند لئلاّ يصل الزائرون إليه ، وأمر بتهديم قبر الحسين (عليه‌السلام ) وحرث أرضه , وأسال الماء عليه فحار الماء حول القبر الشريف ، وأقام في المسالح اُناساً يترصدون لمـّنْ يأتي لزيارة قبر الحسين (عليه‌السلام ) أو يهتدي إلى موضع قبره(٣) .

وعلى ذكر المتوكّل فقد أدلى المجلسي في (البحار) برأيه عن أبي المفضل ، عن علي بن عبد المنعم بن هرون الخديجي الكبير من شاطئ النيل ، قال: حدّثني جدّي القاسم بن أحمد بن معمر الأسدي الكوفي ، وكان له علم بالسيرة وأيام الناس ، قال: بلغ المتوكّل جعفر بن المعتصم أنّ أهل السواد يجتمعون بأرض نينوى لزيارة قبر الحسين (عليه‌السلام ) , فيصيّر إلى قبره

____________________

(١) نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين - للسيد حسن الصدر / ٢٨ ( طبع الهند ) , نقلاً عن تسلية المجالس.

(٢) نزهة أهل الحرمين / ٦١.

(٣) تاريخ كربلاء المعلّى - للسيد عبد الحسين الكليدار آل طعمة / ١٣ , طبع النجف / ١٣٤٩ ه.


منهم خلق كثير ، فأوفد قائداً من قواده وضمّ إليه كتفاً من الجند كثيراً ؛ ليشعب قبر الحسين (عليه‌السلام ) ويمنع الناس من زيارته والاجتماع إلى قبره ، فخرج القائد إلى الطفّ وعمل بما أمر ذلك في سنة سبع وثلاثين ومئتين ، فثار أهل السواد به , واجتمعوا عليه ، وقالوا: لو قتلتنا عن آخرنا لما مسك مَنْ بقي منّا عن زيارته.

وراموا من الدلائل ما حملهم على ما صنعوا ، فكتب الأمر إلى الحضرة , فورد كتاب المتوكّل إلى القائد بالكفّ عنهم ، والمسير إلى الكوفة مظهراً أنّ مسيره إليها في مصالح أهلها ، والا نكف(*) إلى المصير.

فمضى الأمر على ذلك حتّى كانت سنة سبع وأربعين , فبلغ المتوكّل أيضاً مصير الناس من أهل السواد والكوفة إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين (عليه‌السلام ) ، وأنّه قد كثر جمعهم لذلك , وصار لهم سوق كبير ؛ فأوفد قائداً في جمع كثير من الجند , وأمر منادياً ينادي: برئت الذمّة ممّن زار قبره. ونبش القبر , وحرث أرضه ، وانقطع الناس عن الزيارة ، وعمل على تتبع آل أبي طالب والشيعة فقتل , ولم يتمّ له ما قدّره(١) .

وفي شوال من سنة ٢٤٧ ه قُتل المتوكّل من قبل ابنه المنادي ( المنتصر ) ، فعطف هذا على آل أبي طالب وأحسن إليهم ، وفرّق فيهم الأموال , وأعاد القبور في أيّامه إلى أن خرج الداعيان الحسن ومحمد ابنا زيد بن الحسن ، فأمر محمّد بعمارة المشهدين ؛ مشهد أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ومشهد أبي عبد الله الحسين (عليه‌السلام ) , وأمر بالبناء عليهما ، وبعد ذلك بلغ عضد الدولة بن بويه الغاية في تعظيمها(٢) .

ومنذ ذلك الحين أخذ عمران القبر يتقدّم تدريجياً ، وانطلق العلويون يفدون إلى القبر والسكنى بجواره ، وفي مقدّمتهم السيد إبراهيم المجاب الضرير الكوفي ابن محمّد العابد ابن الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ) ، وهو أوّل علوي وطأت قدماه أرض الحائر الشريف فاستوطنها مع ولده وذلك سنة ٢٤٧ ه.

روى السيد حسن

____________________

(*) هكذا وردت المفردة هنا , ولعل هناك خطأً ما وقع في رسمها أثناء النسخ. (موقع معهد الإمامين الحسنَين)

(١) بحار الأنوار - للمولى محمّد باقر المجلسي ٤٥ / ٣٩٧ , المطبعة الإسلاميّة - طهران - ربيع الأول / ١٣٨٥ ه.

(٢) نزهة أهل الحرمين / ١٧.


الصدر فقال: فاعلم أنّ آل إبراهيم ، ويُقال له: إبراهيم الضرير الكوفي ابن محمّد العابد ابن موسى الكاظم (عليه‌السلام ) , أوّل مَنْ سكن الحائر فيها ، ولم أعثر على مَنْ تقدّم في المجاورة عليهم ؛ فإنّ علماء النسب كلّهم ينسبون محمّد بن إبراهيم المجاب بالحائري ، ويصفون إبراهيم المجاب نفسه بالكوفي.

وفي بالي إنّي رأيت أنّه كان إبراهيم المجاب الضرير مجاوراً بالحائر , وبه مات , وقبره هناك معروف ، لكنّي لا أذكر الكتاب الذي رأيت فيه ذلك ، لكن نصّ الكلّ على أنّ ابنه محمّد الحائري كان في الحائر , وعقبه بالحائر كلّهم... إلخ(١) .

والسيد إبراهيم المجاب هذا هو الجدّ الأعلى لسادات آل فائز في الحائر الحسيني الشريف.

وتولّى الخلافة بعد الراحل المنتصر بالله أبو جعفر محمّد بن المتوكّل ، وعند تولّيه أنعم على حاشيته , وألغى أساليب أبيه وطريقته الممقوتة ، وسلك بالرعية مسلكاً مرضياً , وأحسن إلى العلويين وقرّبهم ، وأكثر من تكريمهم وتعظيمهم ، وأجزل لهم العطاء , ورفع من قلوبهم الكدر الذي نابهم من جرّاء تصرّفات [أبيه] ، وعمّر أضرحة ومراقد الإمام الحسين (رضي‌الله‌عنه ) وشهداء كربلاء ، وظلّ يتفقدها ويرعاها , وأذن بزيارتهم كالسابق(٢) .

وفي عام ٢٧٣ ه تداعت بناية المنتصر ، فقام بتجديدها محمّد بن محمّد بن زيد القائم بطبرستان ، ثمّ شيّدها الداعي العلوي قبّة على القبر لها بابان ، وبنى حولها سقفين , وأحاطهما بسور , وكان ذلك عام ٢٨٠ ه.

الحائر في الدور البويهي

وفي عام ٣٧١ ه شيّد عضد الدولة البويهي قبّة ذات أروقة وضريحاً من العاج ، وعمّر حولها بيوتاً وأحاط المدينة بسور. وعضد الدولة هذا هو الذي أمر بإعادة مشهد الحسين بن علي (عليه‌السلام ) بعد أن كان الخليفة المتوكّل قد أمر عام

____________________

(١) نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين - للسيد حسن الصدر / ٣٦ - ٣٧.

(٢) كلشن خلفاء - لمرتضى نظمي زاده / ٦٠ ( ١٩٧١ م) نقله إلى العربية موسى كاظم نورس.


٢٣٦ ه - ٨٥٠ م بهدم قبره وهدم ما حوله من المنازل ، وبأن يُحرث ويُبذر ويُسقى.

وكان يزعم البعض أنّ رأس الحسين ( سيد الشهداء ) يوجد في رباط صغير من مدينة مرو , وذلك في القرن الرابع الهجري.

ويقول المقريزي: إنّ رأس الحسين حُمل من عسقلان إلى القاهرة ، ووصل إليها في عام ٥٤٨ ه - ١١٥٣ م.

ويرى ابن تيمية أنّ هذا باطل باتفاق أهل العلم ، وأنّ أحداً من أهل العلم لم يقل إنّ رأس الحسين كان بعسقلان.

وفي سنة ٣٥٦ ه توفي معزّ الدولة ، وبناءً على وصية عماد الدولة صار عضد الدولة أبو شجاع ابن ركن الدين ملكاً على فارس ، وكان أميراً شهيراً قام ببناء الكثير من الأمكنة في النجف وكربلاء المشرّفة(١) .

وفي عام ٣٩٩ ه - ١٠٠٩ م توفي أبو العباس الكافي الوزير بالرّي ، وكان قد أوصى قبل موته أن يُدفن في مشهد الحسين (عليه‌السلام ) ، فكتب ابنه إلى العلويين أن يبيعوه تربة بخمسمئة دينار ، فقال الشريف إذ ذاك: هذا رجل التجأ إلى جوار جدّي ولا آخذ لتربته ثمناً. واُعطيت للرجل تربة من غير أن يدفع شيئاً.

ولم يصل إلينا وصف لداخل مشهد الحسين بكربلاء قبل وصف ابن بطوطة في القرن الثامن الهجري ، أمّا ما قبل ذلك فيُذكر أنّ القبر كان يُغطّى بقماش تاريز , وحوله شموع مضاءة(٢) .

وتقدّمت كربلاء على عهد البويهيين الديالمة تقدّماً ملموساً(٣) ، وازدهرت ازدهاراً واسعاً ، وتقدّمت معالمها الدينية والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصادية ؛ فاتسعت تجارتها , وأخضلت زراعتها ، وأينعت علومها وآدابها ، فدبّت في جسمها روح الحياة والنشاط ، فتخرّج منها علماء فطاحل وشعراء مجيدون ، وتفوّقت في مركزها

____________________

(١) كلشن خلفاء / ٨٣.

(٢) الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري - لآدم متز ، نقله إلى العربية محمّد عبد الهادي أبو ريدة / ١١٢.

(٣) السيد محسن الأمين - بحث موسع عن تاريخ آل بويه في موسوعته ( أعيان الشيعة ) ١٤ / ٢٤٠ ، وذكر لنا أنّ أوّل ملوكهم ثلاثة ؛ هم عماد الدولة علي أبو الحسن ، وركن الدولة أبو علي الحسن ، ومعزّ الدولة أبو الحسن أحمد أولاد أبي شجاع الدولة.


الديني المرموق.

وقد أطنب ابن الأثير في تاريخه في مآثر عضد الدولة ، وما تقدّم به من الخدمات الجليلة نحو الحرمين الشريفين في مكة والمدينة ، ونحو المشهدين المقدّسين في الحائر والغري.

ولا تنكر أعماله العظيمة ومآثره الإسلاميّة الجليلة ؛ فقد بالغ في تشييد الأبنية حول المشهد الشريف في الحائر ؛ فجدّد تعمير القبّة ، وشيّد الأروقة من حوله ، وبالغ في تزيينهما وتزيين الضريح بالساج والديباج ، وعمّر البيوت والأسواق من حول الحائر ، وعصم مدينة كربلاء بالأسوار العالية ، فجعلها كحصن منيع(١) .

واقتفى أثره عمران بن شاهين أحد أمراء البطائح ؛ فبنى المسجد والرواق الخلفي الملحق بالروضة الحسينيّة المعروف باسمه.

وأشار إليه السيد ابن طاووس بقوله: إنّه هو الذي بنى الرواق المعروف برواق عمران في المشهدين الشريفين الغروي والحائري (على مشرفهما السّلام)(٢) .

وقد جاء في ( الكامل ) لابن الأثير في ترجمة عمران بن شاهين النصّ التالي: كان عمران بن شاهين في بدء حياته صيّاداً ، قطّاع الطرق ، أغار على البطيح فاستولى عليه , وذلك في أواسط القرن الرابع الهجري ، فلمـّا استتب له الأمر بالبطيح أخذ يعيث فساداً في البقاع المجاورة له حتّى استولى ذعره على أكثر الساكنين المجاورين له ، فشكى أمره إلى السلطان عضد الدولة بن بويه الديلمي , فسار على رأس جيش عرمرم للقضاء على حصون عمران بن شاهين ودك قلاعه.

فلمـّا وصل عضد الدولة إلى البطيح كان عمران بن شاهين متحصّناً في قلعته , فلم يتمكّن السلطان البويهي من تحطيم حصونه ؛ فأمر جنده بفتح الماء على قلاعه وغرق البطيح ، وشدّ في الحصار عليه , فترك عمران بن شاهين البطيح وولّى هارباً من وجه السلطان البويهي(٣) .

روى المجلسي في (البحار) ، والسيد ابن طاووس في (فرحة الغري): عندما فرّ عمران بن شاهين من وجه السلطان البويهي لاذ بقبر الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) , فرأى في المنام علي بن

____________________

(١) تاريخ كربلاء وحائر الحسين - الدكتور عبد الجواد الكليدار / ١٧١ ( الطبعة الثانية ).

(٢) فرحة الغري - للسيد ابن طاووس / ٦٧.

(٣) تاريخ الكامل - لأبي الحسن علي ابن الأثير ٨ / ١٧٦ - ١٧٧.


أبي طالب (عليه‌السلام ) , فقال له: (( يا عمران , سيقدم العبد فنا خسرو لزيارة هذه البقعة , فلذ به سيفرج عنك )). فلمـّا استيقظ نذر بناء أروقة في المشهد الغروي ، وآخر في المشهد الحائري لو تمّ له ذلك.

ولمـّا قدم عضد الدولة لزيارة قبر علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) رأى شخصاً ملاصقاً بجدار الروضة , فسأله عن حاجته ، فخاطبه عمران بن شاهين باسمه الحقيقي , فاندهش السلطان من معرفة هذا الشخص من اسمه , أي ( فنا خسرو) ، فقصّ عليه عمران منامه , فعفى عنه السلطان وأولاه إمارة البطيح ثانية ، فقام من ساعته وبنى رواقاً في حرم الأمير بالمشهد الغروي ، وآخر في الحائر الشريف , وبنى بجنبه مسجداً , وهو أوّل مَنْ ربط حرم الحائر بالرواق المعروف باسمه رواق ابن شاهين(١) .

وذكر الفاضل المعاصر السيد محمّد صادق بحر العلوم في كتابه ( سلاسل الذهب ) أنّ رواق ابن شاهين في الجانب الغربي من الحائر الشريف المعروف اليوم برواق السيد إبراهيم المجاب ، وبني بجنبه مسجداً سُمّي باسمه , ذكره ابن بطوطة الطبخي في رحلته.

وكان هذا المسجد موجوداً إلى أيام الصفويِّين , فاستثنوا بدمج المسجد في الصحن فاُدمج في الصحن ، وبقي من المسجد أثره حتّى اليوم , وهو محلّ خزن مفروشات الروضة الحسينيّة خلف الإيوان المعروف بالإيوان الناصري ، وتمّ ذلك البناء ، أي بناء الرواق , والمسجد المعروف برواق مسجد ابن شاهين ، في سنة ٣٦٧ ه(٢) .

وقد أدلى المرحوم السيد حسين القزويني الحائري برأيه أنّه شاهد متانة بناء هذا المسجد عند الحفريات الأخيرة في المشهد الحسيني ، فكان سمك الأساس يقرب من ٣ أمتار.

وفي عام ٤٠٧ ه أصاب الحريق حرم الحسين (عليه‌السلام ) , حيث كان مزيّناً بخشب الساج ، وذلك على أثر سقوط شمعتين كبيرتين في حرم الحسين (عليه‌السلام )(٣) ، كما يؤكّد على

____________________

(١) البحار - لمحمد باقر المجلسي ج ١٠ , طبع إيران.

(٢) سلاسل الذهب - السيد محمّد صادق بحر العلوم ( مخطوط ) في عدة أجزاء.

(٣) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم - لأبي الفرج سبط ابن الجوزي ٧ / ٢٨ ( طبع حيدر آباد ) , وانظر تاريخ ابن الأثير ٩ / ١٠٢ ، ونزهة أهل الحرمين - للسيد حسن الصدر / ٢١ ، وأعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين ٤ / ٣٠٦.


ذلك ابن تغري بقوله: السنة الحادية والعشرون من ولاية الحاكم منصور على مصر ، وهي سنة سبع وأربعمئة , وفيها احترق مشهد الحسين بن علي (عليه‌السلام ) بكربلاء من شمعتين غفلوا عنهما(١) .

وجُدّد البناء على عهد البويهيِّين غب ذلك الحريق ؛ حيث قام الحسن بن الفضل وزير الدولة البويهية بإعادة البناء نفسه مع تشييد السور.

الحائر في عهد السلاجقة

وفي النصف الثاني من القرن الخامس الهجري زار الحائر الشريف السلطان ملكشاه السلجوقي مع وزيره نظام الملك عندما كان ذاهباً للصيد في تلك الأنحاء , وذلك في سنة ٤٧٩ ه(٢) ، وأمر بتعمير سور الحائر(٣) .

وفي سنة ٥٢٩ ه مضى إلى زيارة علي ومشهد الحسين (عليهما‌السلام ) خلق لا يحصون , وظهر التشيّع(٤) . وفي ربيع الآخر سنة ٥٥٣ ه خرج الخليفة المقتفي بالله بقصد الأنبار وعبر الفرات , وزار قبر الحسين (عليه‌السلام )(٥) .

الحائر في العهد المغولي ( الأيلخاني )

إثر انقراض الدولة العباسيّة وظهور الدولة الإيلخانية سنة ٦٥٦ ه قدم بغداد هولاكو ، وعند استيلائه على العراق اجتمع فريق من أقطاب الشيعة فقرّروا مفاتحة هولاكو ومكاتبته يسألونه الأمان ، وأنفذ هولاكو فرماناً يطيّب قلوب الشيعة ، وبعد ذلك أخذت جحافل المغول تغزو مدن الفرات الأوسط وجنوب

____________________

(١) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة - لابن تغري بردى ٤ / ٢٤١.

(٢) الكامل - للمبرد ٩ / ١٥.

(٣) المنتظم - لابن الجوزي ٩ / ٢٩.

(٤) المنتظم ١٠ / ٥٣.

(٥) المنتظم ١٠ / ١٨١.


العراق ، وقد استسلمت بعض مدنه دون أيّة مقاومة ، لولا بعض المدن التي سلمت من هجمات المغول.

يقول العلّامة الحلّي في كتابه ( كشف اليقين في باب أخبار مغيبات أمير المؤمنين ): سبب سلامة أهل الكوفة والحلّة والمشهدين الشريفين إلى ما ذكره والده الشيخ سديد الدين لهولاكو من أخبار أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) بعمارة بغداد ، وملك بني العباس وأحوالهم ، وأخذ المغول الملك منهم(١) .

ويؤيّد ما ذهب إليه الداودي في كتابه (عمدة الطالب ) فقال: إنّ مجد الدين محمّد بن طاووس خرج إلى هولاكو , وصنّف له كتاب ( بشارة المصطفى ) ، وسلّم الحلّة والنيل والمشهدين الشريفين من القتل والنهب ، ورد إليه حكم النقابة بالبلاد الفراتية(٢) .

وفي سنة ٦٦٢ ه زار المشهد الحائري جلال الدين ابن الدواتدار الصغير ، فشرع في بيع ماله من الغنم والبقر والجواميس وغير ذلك ، واقترض من الأكابر والتجّار مالاً كثيراً ، واستعار خيولاً وآلات السفر ، وأظهر إنّه يريد الخروج إلى الصيد وزيارة المشاهد ، وأخذ والدته وقصد مشهد الحسين (عليه‌السلام ) ، ثمّ توجه إلى الشام فتأخّر عنه جماعة ممّن صحبه من الجند لعجزهم(٣) . وكانت كربلاء إذ ذاك غارقة في دياجير الظلام ، ترزح تحت وطأة الفقر والجهل ، ولم تلقَ عناية من هؤلاء المغول الفاتحين.

ولا يخفى أنّ الحياة والخصب في كربلاء متوقفة على تدفّق الماء الذي كان ينساب إليها فيما مضى عبر نهر العلقمي ، الذي كان قد انطمر واندرس نتيجة عدم العناية بكريه وتنظيفه ، وسكنة كربلاء آنذاك هم وجوه الأشراف من العلويِّين والمنقطعين في جوار الحسين ، ولم يكن لهم القدرة على القيام بأعباء ذلك(٤) .

____________________

(١) كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) - للعلاّمة الحلّي / ١٧ ، وانظر الحوادث الجامعة - لابن الفوطي / ٣٣٠.

(٢) عمدة الطالب - للسيد أحمد الداودي / ١٧٨.

(٣) تاريخ العراق بين احتلالين - المحامي عباس العزاوي ١ / ٢٤٨.

(٤) مجلة الأقلام - الجزء ٩ السنة ٤ مقال ( كربلاء في العهد المغولي الإيلخاني ) بقلم: عادل عبد الصالح الكليدار.


وكان السلطان أرغون بن أباقاخان بن هولاكو معروفاً بحبّه الشديد لآل البيت (عليهم‌السلام ) ؛ ممّا بذل من السعي المحمود في حفره نهر جديد يخرج من الفرات ويدفع ماءه إلى سهل كربلاء(١) ، وسُمّي هذا النهر ( الغازاني الأعلى ) ؛ تمييزاً لنهرين آخرين حفرهما غازان أيضاً.

يقول مؤلّف الحوادث الجامعة: وفي سنة ثمان وتسعون وستمئة توجه السلطان غازان إلى الحلّة , وقصد زيارة المشاهد الشريفة ، وأمر للعلويين والمقيمين بمال كثير ، ثمّ أمر بحفر نهر من أعلى الحلّة ، فحُفر وسُمّي بالغازاني ، وتولّى ذلك شمس الدين صواب الخادم السكورجي وغرس الدولة(٢) .

وجاء اُولجياتو محمّد خدابنده خلفاً لأخيه غازان الذي وافاه الأجل سنة ٧٠٣ ه ، وكان هو الآخر مهتمّاً بالعمران وبناء المدن ، واقتفى أثره واهتمامه بالمشاهد وبالعلويِّين ، وقد اعتنق اُولجياتو المذهب الشيعي على يد العلّامة الحلّي الحسن بن يوسف بن المطهر إثر زيارته للنجف الأشرف(٣) .

وممّا يُذكر عن هذا القرن أنّ ابن الفوطي تعرّض إلى ذكر شخصية معروفة ذلك هو ( عزّ الدين أبو عبد الله بن أبي السعادات الحسيني العبدلي) , فقال: من سكّان المشهد الحائري (على حالّه أفضل السّلام والتحية) , رأيته في تبريز سنة سبع وسبعمئة ، وهو من التجّار الذين يترددون إلى بلاد الشام ، وهو شريف النفس(٤) .

ومن أدباء هذه الفترة عزّ الدين الحسن ابن الشيخ محمّد بن علي بن معتوق بن نائل الحائري الكاتب ، هاجر شاباً إلى بغداد ، وكتب بها التمغات(*) ، وله شعر رآه ابن الفوطي ، وذكر أنّه ولد سنة ست وخمسين وستمئة(٥) .

____________________

(١) الفوز بالمراد في تاريخ بغداد - للأب أنستاس ماري الكرملي / ١٣.

(٢) الحوادث الجامعة - لابن الفوطي / ٤٩٧.

(٣) روضات الجنات - للسيد محمّد باقر الخونساري ٢ / ٢٧٩.

(٤) الحوادث الجامعة - لابن الفوطي ١٤ / ١٢١.

(*) هكذا وردت المفردة هنا , ولا نعلم المراد منها , وربما وقع خطأ في رسمها أثناء النسخ. (موقع معهد الإمامين الحسنَين)

(٥) الحوادث الجامعة - لابن الفوطي ١٤ / ١٠٦.


وفي أواسط عهد أبي سعيد ( ٧١٦ - ٧٣٦ ه ) دبّ النزاع بين القبيلتين العلويتين آل فائز وآل زحيك كما صرّح بذلك الرحالة الطبخي ابن بطوطة الذي زار الحائر سنة ٧٢٦ ه ، وفي أواخر عهد أبي سعيد خمدت نار الفتنة وعادت المياه إلى مجاريها الطبيعية.

الحائر وتعميرات الجلائريين

أمّا بناء القبر الموجود حالياً فقد جدّده السلطان أوليس الإيلخاني الجلائري ، كما إنّه جدّد قبر أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

هذا وكان إكمال بناء الحرم الحسيني لسنة السابعة والستين والسبعمئة ٧٦٧ ه ، وقد أمر بتشييده السلطان أويس الإيلخاني وأتمّه وأكمله ولده السلطان حسين(١) ؛ حيث أتمّ الابن ما بدأه الأب من تشييد ، وشيّد البهو الأمامي للروضة المعروف بإيوان الذهب. أمّا الرواق الغربي للروضة فقد شيّده عمران بن شاهين - كما مرّ بنا آنفاً - ويُعرف اليوم برواق السيد إبراهيم المجاب.

ويُطلق على الرواق الشرقي برواق آقا باقر البهبهاني شيخ الطائفة الأصولية في عصره ، على قبره صندوق خشبي بديع الصنع ، وفي الواجهة الأمامية للروضة رواق حبيب بن مظاهر الأسدي. أمّا الرواق الشمالي للروضة فيُعرف برواق الشاه نسبة إلى وجود مقبرة بعض الملوك القاجاريِّين ، ويقع خلف مسجد عمران بن شاهين.

الحائر في العهد الصفوي

وفي سنة ٩١٤ ه فتح الشاه إسماعيل الصفوي(٢) بغداد ، ثمّ زار كربلاء , فأمر

____________________

(١) بغية النبلاء في تاريخ كربلاء - للسيد عبد الحسين الكليدار آل طعمة / ٣٨.

(٢) جاء في دائرة المعارف الإسلاميّة ٢ / ١٧٥: توفي الشاه إسماعيل الأوّل عام ٩٣٠ ه - ١٥٢٤ م بأردبيل , حيث توجد مقابر الصفويِّين هناك.


بتذهيب حواشي الضريح الحسيني ، وأهدى اثني عشر قنديلاً من الذهب ، كما أهدى الشاه نفسه شبكة فضية ، أي صندوقاً بديع الصنع للحائر المقدّس. ويظهر أنّ الصندوق الذي أمر به الشاه إسماعيل لم يتمّ إلّا في عام ٩٣٢ ه.

ويروي عباس العزاوي في حوادث سنة ٩١٤ ه قائلاً: وفي اليوم التالي ( أي في ٢٦ جمادى الثانية ) ذهب الشاه إسماعيل إلى زيارة كربلاء المشرّفة , وصنع الصندق المذهب للحضرة ، ووقف فيه اثني عشر قنديلاً من الذهب ، وفرش رواق الحضرة بأنواع المفروشات القيّمة ، واعتكف هناك ليلة ، ثمّ رجع في اليوم التالي متوجّهاً إلى الحلّة ومنها إلى النجف(١) .

وتوجد على غرفة القبر الشريف رخامة كُتب عليها نصّ العبارة التالية: « قد عمّر هذا المكان بهمّة آقا حسين خان شجاع السلطان في ١٤ محرّم سنة ١٣٢٥ هجرية ».

وقد بذل الشاه صفي الدين الصفوي الكثير من الأموال لأجل تعمير الروضة الحسينيّة خلال عام ١٠٤٢ ه ، ووسع المسجد الكبير الملحق بالحائر الحسيني.

ويُخال إلينا أنّ ما أشار إليه المجلسي في كتاب المزار كان المراد منه هذه التعميرات التي جرت في الجهة الشماليّة من الصحن فيقول: الأظهر عندي أي ( الحائر ) مجموع الصحن القديم لا ما تجدّد منه في الدولة العلية الصفوية ؛ إذ لم يتغيّر الصحن من جهة القبلة ، ولا من اليمين , بل إنّما زيد من خلف الجهة الشماليّة من الصحن.

وفي سنة ٩٨٤ ه مات الشاه طهماسب الصفوي مسموماً , وخلفه ابنه إسماعيل مرزا الذي كان سجيناً في قلعة الموت. وفي هذه الأيام صدرت الإرادة الهمايونية بتعيين علي باشا الوند والياً على بغداد ، وبأمر من السلطان شيّد ضريح سيّد شباب أهل الجنّة ، وقرّة عين أهل السنة الإمام الحسين (رضي الله تعالى عنه) ، وكذلك شيّد

____________________

(١) تاريخ العراق بين احتلالين - عباس العزاوي ٣ / ٣١٦.


المسجد والرواق والقبّة ، وعمّر أيضاً قباب شهداء كربلاء(١) .

وقد أمرت زوجة نادر شاه كريمة السلطان حسين الصفوي بتعمير المسجد المطهّر عام ١١٥٣ ه ، وأنفقت لذلك أمولاً طائلة(٢) .

الحائر في العهد القاجاري

تمّ تذهيب قبّة الحسين (عليه‌السلام ) على عهد القاجاريِّين ثلاث مرّات ، [فقام] السلطان آقا محمّد خان ( الخصي ) مؤسس الدولة القاجارية في إيران بتذهيب القبّة السامية للسنة السابعة بعد المئتين والألف الهجرية.

وبهذه المناسبة نظم الميرزا سليمان خان المشهور بصباحي الشاعر أبياتاً بالفارسية مؤرّخاً هذا التذهيب بقوله:

كلك صباحي از اين تاريخ او نوشت

در كنبد حسين علي زيب يافت رز(٣)

١٢٠٧ه

أمّا التذهيب الثاني فقد حصل في عهد السلطان فتح علي شاه القاجاري ؛ لأنّ التذهيب الأوّل كان قد اسودّ ، فكتب إليه أهالي كربلاء بذلك , فأمر الشاه تواً بقلع الأحجار الذهبية القديمة واستبدالها بالذهب الجديد(٤) .

كما إنّه أهدى شبكة فضية بتاريخ ١٢١٤ ه ، وهي اليوم ما زالت موجودة على القبر الشريف ، وفي هذا الدور تبرّعت زوجته بتذهيب المئذنتين.

وفي عام ١٢٣٢ ه جرت إصلاحات كثيرة للحائر بعد غارة الوهابيِّين على يد

____________________

(١) كلشن خلفا / ٢٠٨.

(٢) تاريخ كربلاء المعلّى / ١٥.

(٣) بغية النبلاء في تاريخ كربلاء / ٧٦.

(٤) تاريخ كربلاء وحائر الحسين / ٢٦٢.


السلطان المذكور بهمّة المرحوم الشيخ جعفر آل كاشف الغطاء , وقام نجله محمّد علي مرزا القاجاري بتعمير الحائر أيضاً ، وتزيين الحرم وما يحتاجه من تعمير.

وتمّ التذهيب الثالث للقبة من قبل السلطان ناصر الدين شاه القاجاري حفيد فتح علي شاه ؛ حيث جدّد بناءها وقسماً من تذهيبها في سنة ١٢٧٣ ه كما يتضح ذلك من الكُتيبة التي نُقشت على القسم الأسفل من القبّة نفسها ، ويبلغ ارتفاع القبّة ١٥ متراً.

وقد وسع السلطان ناصر الدين شاه الجانب الغربي من الصحن ، وجدّد بناءه حيث وجّه كبير علماء إيران المرحوم الشيخ عبد الحسين الطهراني سنة ١٢٧٦ه من أجل إصلاح وتجديد وتعمير الصحن الشريف(١) .

وقد تمّ تجديد صندوق الخاتم للقبر المطهّر في هذا العهد بالذات ؛ فقد جدّده خان جان القاجار في سنة ١٢٢٥ ؛ لأنّ الوهابيِّين كانوا قد كسروا هذا الصندوق وأحرقوه في سنة ١٢١٦ ه(٢) .

وتعلو الضريح الأواني الذهبية المرصّعة بالأحجار الكريمة ، وفي كلّ ركن من أركانه رمانة من الذهب الخالص يبلغ قطرها نحو نصف متر ، ويتصل بهذا المشبّك الخارجي مشبّك آخر لا يختلف عنه بمزية من مزاياه ، ولا يوجد أدنى حاجز بينهما إلّا أنّه يقصر بمتر واحد من كلّ من جانبيه ، وقد رقد تحته علي بن الحسين ( الأكبر ) الذي استشهد مع أبيه في يوم واحد فدُفن إلى جانبه.

وأمام هذا المشبّك ساحة مقدّسة لمراقد الشهداء الذين استشهدوا مع الإمام (عليه‌السلام ) ، وفي زاوية من هذه الساحة مشبّك من الفضة يتصل بالحائط يمثل مراقد الشهداء.

وممّا يناسب المقام أنّ هناك أبياتاً نُقشت على كُتيبة داخل الضريح الحسيني ، وهي من قصيدة مطوّلة لأمير المراثي الشاعر السيد حيدر الحلّي:

يا تربةَ الطفّ المقدسة التي

هالوا على ابن محمّد بَوغاءها

حيّت ثراك فلاطفته سحابةٌ

من كوثر الفردوس تحمل ماءَها

____________________

(١) المصدر السابق / ٢٢٤.

(٢) المصدر السابق / ٢٦٥.


واريت روح الأنبياء وإنّما

واريت من عينِ الرشادِ ضياءَها

فلأنّهم تنعى الملائك مَنْ له

عقد الإلهُ ولاءهم و ولاءَها

الآدمٍ تنعى وأين خليفة الـ

رحمن آدم كي يقيم عزاءَها

و بـك انطوى و بـقيةُ الله التي

عرضت وعُلّم آدمٌ أسماءَها

أم هل إلى نوحٍ و أين نبيّه

نوح فيسعد نوحها وبـكاءَها

ولقد ثوى بثراك والسببُ الذي

عصم السفينة مغرقاً أعداءَها

أم هل إلى موسى وأين كليمه

موسى لكي وجداً يطيل نُعاءَها

و لقد توارى فيك والنار التي

في الطور قد رفع الإله سناءَها(١)

وقد بذلت الدولة القاجارية اهتماماً ملحوظاً ، وأجرت إصلاحات واسعة ، وأرصدت مبالغ طائلة للحائر الشريف , إلّا أنّ الإصلاحات تلك توقّفت بعد إعلان الدستور العثماني سنة ١٩٠٨ ميلادية ، أي من أوائل القرن الرابع عشر الهجري إلى ما بعد منتصفه.

الحائر في العصر الحاضر

وفي هذا القرن أي في سنة ١٣٥٥ ه زار كربلاء السلطان طاهر سيف الدين الداعية الإسماعيلي , فأشرف على الحائر , ومدّ يد المساعدة له ؛ وذلك فقد أمر بتجديد شباك الضريح الحسيني المقدّس من الفضة الخالصة ، وقد صُنع في الهند سنة ١٣٥٨ ه.

كما وتبرع بعض الوجوه بالهمّة التي بذلها السيد عبد الحسين السيد علي آل طعمة سادن الروضة الحسينيّة بمبلغ من المال لتجديد هيكل الضريح ، فتمّ ذلك في سنة ١٣٦٠ ه.

____________________

(١) لقد سعى لتدوين هذه الأبيات السيد عبد الحسين آل طعمة سادن الروضة الحسينيّة ، واعتزازاً بها أراد خطّها على الضريح الشريف ؛ ولمـّا تعذّر خطّها في كربلاء لندرة الخطّاطين حينذاك ، جلب خطّاطاً من شيراز لأجل ذلك.


وبهذه المناسبة نظم الخطيب الشاعر الشيخ عبد الكريم النايف الحائري قصيدة أرّخ تجديد الضريح ، قال فيها:

جدّدوا للحسينِ خيرَ ضريحٍ

قد تسامى على الضراحِ المقاما

وعليهِ عزّ الملائك يترى

وعلى ابن البتولِ تتلو السّلاما

ذللاً حولهُ تطوفُ وتبكي

بدموعٍ تحكي السحاب انسجاما

والورى بالخضوعِ تلثمُ منـ

ـه صفحاتٍ بـها تنالُ المراما

قلت بـشراً بـنصبهِ أرّخوه

( نامَ بالأمنِ جارهُ لن يضاما )

١٣٦٠ه

وللخطيب الشاعر الشيخ محمّد علي اليعقوبي أبيات اُثبتت على الضريح الحسيني كُتبت بماء الذهب ، وهي:

زر بالطفوفِ ضريحَ قدس واعتكف

بـحماهُ حيث ترى الملائكَ عكّفا

طف واسعَ فيه مقبّلاً أركانَه

ما الركن ما البيت الحرام وما الصفا

فيه حشى الزهراءِ قرّةُ عينها

و فؤادُ حيدرةٍ و روحُ المصطفى

تالله لم يكن الضراح و إن علا

بـأجلّ من هذا الضريح وأشرفا

ثمّ انعطفْ نحو ابـنه متذكّراً

قولَ الحسينِ لهُ على الدنيا العفا

وقد ركّز البيت الأخير على قبر علي الأكبر ابن الإمام الحسين (عليه‌السلام ).

وفي الواجهة الشماليّة من الروضة الحسينيّة تقع خزانة الروضة ، ففيها من الذخائر النادرة التي لا تُثمّن ، وتحتوي على المصاحف الخطّية القديمة الثمينة الموقوفة في الروضة الحسينيّة المباركة في أوقات مختلفة ، كما تحتوي على الطنافس (الزوالي) الثمينة القديمة المطرّزة باللؤلؤ والمرجان ، والمجوهرات والتحف ذات الشأن التي اُهديت من ملوك إيران والهند والأقطار الإسلاميّة وأمرائها.

كما توجد فيها


قناديل ذهبية خالصة ، وأواني ذهبية وفضية ونحاسية(١) .

وفي الجانب الغربي من الخزانة المذكورة توجد مكتبة الروضة الحسينيّة ، وفيها المصاحف الثمينة المحفوظة داخل مكاتب مصنوعة من خشب الساج.

ولعلّ من المفيد هنا أن ندوّن الوصف الرائع الذي دبّجه يراع الرحّالة العباس بن علي الملكي الحسني الموسوي , المتوفّى حدود سنة ١١٨٠ ه , عن المشهد الحسيني في القرن الثاني عشر الهجري ، فقال: وفي سادس الشهر دخلنا أرض الحائر ، مشهد الحسين الطاهر (سلام الله عليه وعلى أخيه , وعلى جدّه وأبيه , واُمّه وبنيه , وسائر مواليه ومحبّيه):

للهِ أيامٌ مضت في كربلا

محروسةٌ من كلّ كربٍ وبلا

بمشهدِ الطهرِ الحسين ذي العلا

و نسلِ خيرِ الخلقِ من كلّ البلا

( إلى آخر القصيدة ) فتشرّفت والحمد لله بالزيارة ، ولاح لي من جنابه الشريف إشارة ؛ فإنّي قصدته لحال , وما كل ما يُعلم يُقال ، وقرّت عيني بزيارة الشهيد علي الأصغر ابن مولانا الحسين الشهيد الأكبر ، وزيارة سيدي الشهيد العباس بن علي بن أبي طالب (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين).

وأمّا ضريح سيدي الحسين فيه جملة قناديل من الورق المرصّع والتحف ما يبهت العين , من أنواع الجواهر الثمينة ما يساوي خراج مدينة ، وأغلب ذلك من ملوك العجم ، وعلى رأسه الشريف قنديل من الذهب الأحمر يبلغ وزنه منين بل أكثر ، وقد عقدت عليه قبّة رفيعة السماك ، متصلة بالأفلاك ، وبناؤها عجيب ، صنعه حكيم لبيب.

وقد أقمت شهرين بمشهد مولانا الحسين ، بلدة من كلّ المكاره جُنّة ، كأنّها من رياض الجنّة ، نخيلها باسقات ، وماؤها عذب زلال من شط الفرات ، وأقمارها مبدرة ، وأنوارها مسفرة ، ووجوه قطّانها ضاحكة مستبشرة ، وقصورها كغرف من الجنان مصنوعة ، فيها سرر

____________________

(١) انظر ( خزانة عتبة الروضة الحسينيّة ) , مقال كتبه منير القاضي في مجلة ( المجمع العلمي العراقي) ٦ / ١٦- ٣٧.


مرفوعة ، وأكواب موضوعة ، وفواكهها مختلفة الألوان ، وأطيارها تسبّح الرحمن على الأغصان ، وبساتينها مشرقة بأنوار الورود والزهور ، وعرف ترابها كالمسك ، ولونها كالكافور ، وأهلها كرام أماثل ، ليس لهم في عصرهم مماثل ، لم تلقَ فيهم غير عزيز جليل ، ورئيس صاحب خلق وخلق جميل ، وعالم فاضل ، وماجد عادل ، يحبّون الغريب ويصلونه من برّهم وبُرّهم بأوفر نصيب.

ولا تلتفت إلى قول ابن أياس في نشق الأزهار بأنّهم من البخلاء الأشرار ، لله خرق العادة ؛ فإنّهم فوق ما أصف وزيادة:

هينون لينون أيسارٌ ذوو كرمٍ

سوّاس مكرمة أبـناءُ أيسارِ

إن يسألوا الحقَّ يُعطوه وإن خبروا

في الجهد أدرك منهم طيب أخبارِ

لا ينطقون عن الفحشاءِ إن نطقوا

ولا يمارون إن ماروا بـإكثارِ

فيهم ومنهم يُعدّ المجد متّلداً

و لا يُعدّ ثنا خزي ولا عارِ

مَن تلقَ منهم تقل لاقيتُ سيّدهمْ

مثل النجوم التي يسري بها الساري

واجتمعت بالرئيس المعظّم ، والعظيم المفخّم ، ذي الشرف الباذخ ، والفخر الوضاح ، مولانا السيد حسين الكليدار ، يعني صاحب المفتاح ، وبأخيه الشهم النجيب ، الكريم النبيل العظيم مولانا السيد مرتضى (حماه الله تعالى من حوادث القضاء) ، وبالعالم الحبر النحرير الرحلة الفهامة ، ذي الوصف الجميل ، والذكر الحسن مولانا الفاضل الملا أبو الحسن.

فجمع بيني وبين الأمير المظفّر ، الشجاع الغضنفر ، البحر الغطمطم ، الأشد الغشمشم ، بحر الإحسان ، ومعدن الكرم الأمير حسين أوغلي بيك أيشك أغاسي باشي حرم سلطان العجم ، وكان قد اُستاذن من السلطان في ذلك العام أن يسير إلى العراق لزيارة الأئمّة أعلام الهدى , ومصابيح الظلام.

وهذا الأمير من أكابر أمراء أصفهان ، وهذا الخطاب الذي هو خطاب لرئيس الحجاب على أبواب


حريم السلطان(١) .

إنّ الآثار التاريخيّة المقدّسة في الروضة الحسينيّة هي محطّ احترام وتعظيم الملايين من الزائرين ، ومهوى أفئدة المتعطشين إلى مثوى أبي الأحرار الإمام الشهيد الحسين بن علي (عليه‌السلام ) ، فضريحه الذي يضمّ رفاته ورفاة نجليه ؛ علي الأكبر وعلي الأصغر , أهم أثر تاريخي مقدّس ، وفي الحضرة الحسينيّة ضريح الشهداء , وضريح حبيب بن مظاهر الأسدي , وضريح السيد إبراهيم المجاب.

وفي الواجهة الأمامية من الروضة الحسينيّة طارمة خشبية(٢) ذات بهو فسيح يُعرف ( بإيوان الذهب ) ، وقد سُجّلت على جانبي جدرانه السقفية أبيات مناسبة للخطيب الشاعر الشيخ عبد الكريم النايف ، وهي:

هذه روضةُ قدسٍ

بحسين الطهر تسطعْ

تهبط الأملاك فيها

وعلى الأعتاب تخضعْ

في بـيوت أذن الـ

ـله بأن للعرش تُرفعْ

وفي مطلع عام ١٣٨٨ ه بوشر بتهديم الطارمة الخشبية المذكورة ، وقد وصلت كربلاء في الحادي عشر من محرّم الحرام سبعة وعشرون سيارة شحن كبيرة تحمل أعمدة المرمر ، وجبهة الطارمة من المرمر الإيراني الفاخر الصلب ، المستخرج من مدينة ( سنندج ) ، وقد جرى حجاريتها في طهران , تبرّع بها السيد قنبر رحيمي متعهد معادن إيران.

____________________

(١) نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس - للعباس بن علي بن نور الدين المكي الحسيني الموسوي ١ / ١٣١ - ١٣٥ (الطبعة الثانية).

(٢) ويعرف هذا الإيوان بطارمة إيران الذهب ، وقد جليت أعمدة وسقف هذا البهو من غابات الهند ، ويرجع تاريخ تشييدها إلى عام ١٣٣٠ ه ، أكسيت جدران البهو الأمامية بالذهب الإبريز.


واهتمت رئاسة ديوان وزارة الأوقاف العراقية بإرسال الرافعات اللازمة ، وكذلك إجراء كافة التسهيلات المباشرة الفورية بالعمل من قبل لجنة تعميرات الروضة الحسينيّة بنصب هذه الهدية الثمينة في محلّها في الأيام القلائل المقبلة. هذا وتقدّر قيمة المرمر الكاشي المعرّق حوالي ربع مليون دينار.

أمّا الجانب الغربي من الصحن الشريف الذي أشرنا إليه سلفاً ، فقد وسّعه السلطان ناصر الدين شاه ، وعلّق العزاوي على ذلك بقوله: فقد وسّع الشيخ عبد الحسين الطهراني المرسل من قبل ناصر الدين شاه بن محمّد شاه القاجاري الضلع الغربي ، وجدّد بناء الصحن الشريف الحسيني ، وأنشد الشيخ جابر الكاظمي الشاعر تاريخاً لهذا البناء بالفارسية في عدّة أبيات ، وله تاريخ بالعربية أيضاً(١) .

وقد ظهر صدع في الإيوان الوسطي المعروف بالإيوان الناصري نسبة إلى بانيه ناصر الدين شاه القاجاري عام ١٢٨٣ ه الذي لم يوفّق لإكمال بنائه ، فاضطر السلطان عبد الحميد العثماني إلى تجديد بنائه ، وتمّ ذلك في شعبان عام ١٣٠٩ ه كما يظهر ذلك من التاريخ المثبت على الجدار الأمامي لهذا الإيوان ، وعُرف فيما بعد بالإيوان الحميدي.

وقد نُقشت أبيات على الكُتيبة لأحد الشعراء ، وفيها يؤرّخ ذلك الإيوان ، وهي:

إيوانُ مجدٍ شاده كهفُ الورى

سلطان غازي عالم الإنسانِ

عبد الحميد المتّقي و المرتقي

من كلّ مكرمة على كيوانِ

من آل عثمان الذين بسيفهمْ

حفظوا الثغور بسطوة الإيمانِ

حلّ الحسينُ برحبهم فسموا به

وبـنوا بيوتَ الذكر للرحمانِ

الله شرّفهم وعظّم قدرهمْ

فبناؤهم من أشرف البنيانِ

حتى إذا ورث الخلافة منهمُ

سلطاننا المقصودُ بالعنوانِ

شاد البناءَ بحضرة قد عُطّرتْ

بشذا سليل المصطفى العدناني

____________________

(١) تاريخ العراق بين احتلالين - عباس العزاوي ٧ / ١٢٦.


هي حضرة كحضيرة القدس التي

فيها تجلّى الوارد السبحاني

فيها ثوى سبطُ النبيِّ بطعنة

شلّت لها كفّ الشقي سنانِ

فغدا شهيد الطفّ تندب حوله

مضرٌ كما تبكي بنو شيبانِ

إنّا لَنذكره و نسكب أدمعاً

تجري على الوجنات كالمرجانِ

فالصبر يُحمد في المواطن كلّها

إلّا عليه فإنّه كالفاني

يا حبذا الإيوانُ في أوضاعه

جاءت مبانيه على الإتقانِ

قد قابل القبرَ الشريف بوجهه

فتراه بـين يديه في إذعانِ

ينحطّ فيه عن الورى أوزاره

فيكال للقالين بـالصيعانِ

وسما إلى الفلك الأثير مسلّماً

تيمين يمن العالم الروحاني

من أجل ذا أرّخته ( يا حُسنه

قد شاده عبدُ الحميد الثاني )

١٣٠٩ ه

ويقابل هذا المكان إيوان رأس الحسين الملحق برواق السيد إبراهيم المجاب ، حيث تظهر فيه زخارف الكاشي البديعة وصناعة الفسيفساء الدقيقة ، وتوجد في الواجهة الأمامية عبارة ( عمل اُستاذ أحمد جواد شيرازي عام ١٢٩٦ ه ) ، وفي أسفلها كُتيبة نُقشت عليها أبيات الخطيب الشاعر الشيخ محسن أبو الحبّ , المتوفّى سنة ١٣٠٥ ، وهي:

الله أكبر ماذا الحادث الجللُ

لقد تزلزل سهلُ الأرضِ و الجبلُ

ما هذه الزفرات الصاعداتأسىً

كأنّها شُعلٌ تُرمى بها شعلُ

كأنّ نفحةَ صور الحشر قد فُجئتْ

فالناس سكرى ولا خمرٌ ولا ثملُ

قامت قيامةُ أهل البيت و انكسرت

سفنُ النجاة و فيها العلم والعملُ

جلّ الإله فليس الحزنُ مانعَه

لكنّ قلباً حواه حزنه جللُ

مَنْ التجا فيه يسلم في المعاد ومَنْ

يجحده يندم و لم يُرفع له عملُ

قف عنده و اعتبر ما فيه إنّ به

دينُ الإله الذي جاءت به الرسلُ

ما كان أعظم ما يأتيه من سفهٍ

اُميّةُ السوء أو أشياعُها السفلُ


لو راقبوا الله كانوا عهدَه حفظوا

و لو أطاعوه كانوا أمرَه امتثلوا

واللهِ ما خلفوه بـعد غيبتِهِ

في قطع مَن قطعوا أو وصل من وصلوا

سرعان ما ضيّعوه في ودايعه

أهكذا في بـنيه يُخلف الرجلُ

أتلك زينبُ مسلوبٌ مقلّدها

الله أكبـر هذا الفادح الجللُ

كأنّها لم تكن تنمى لفاطمةٍ

أو أنّها غيرَ دين الله تنتحلُ

لئن بدت و حجابُ الصون منتهكٌ

عنها فإنّ حجاب الله منسدلُ

لا بـرّد الله قلبي إن نسيتُ لها

قلباً تعارض فيه الوجد و الوجلُ

حسينُ يا واحدي أورثتني أبداً

حزناً مقيماً و وجداً ليس يرتحلُ

حسينُ يا واحدي أوريت في كبدي

داءً عضالاً و جرحاً ليس يندملُ

مَنْ كان خادمَها جبريلُ كيف ترى

أضحى يحكّم فيها الفاجرُ الرذلُ

لو قام يصرخ بالبطحاء صارخُها

رأيت كيف اعوجاج المجد يعتدلُ

مهلاً اُميّة إنّ الله مدرك ما

أدركتموه فلا تغرركم المُهلُ

هناك يعلم مَنْ لم يدرِ حاصلها

أيَّ الفريقين منصورٌ ومنخذلُ

فيه الحسينُ الذي لا خلق يعدله

و فيه نوحٌ و مَنْ حنّت له الإبلُ

موسى و عيسى و إبراهيمُ قبلهما

وهل تُعادل بالرضراضة الحبلُ

هذي حرائرُه أستارَها هتكوا

و هؤلاء بـنيه بـعده قُتلوا

أمّا المسجد الكائن في القسم الشرقي من الصحن الشريف فقد قام بتجديده السيد كاظم ابن السيد قاسم الرشتي , المتوفّى سنة ١٢٥٩ه.

وفي سنة ١٢٨٢ ه أمرت والدة السلطان عبد المجيد العثماني بتشييد خزان لإرواء الماء في الجهة الجنوبيّة الشرقيّة من الصحن الشريف , وأرّخ بناءه الشاعر الشيخ عباس القصاب فقال:

سلسبيلٌ قد أتى تاريخُه

( اشرب الماء ولا تنسَ الحسين )

١٢٨٢ه


ويروى عن بعض المعمرين أنّه عندما اُريد حفر أسس بناية هذا الخزّان وجد خلال الحفر درع عتيق وسهم وقربة ؛ لذا اتخذ هذا المكان خزاناً للسقاية تيمّناً بقربة العباس بن علي (عليه‌السلام ) ، وقد هُدم الخزان المذكور سنة ١٣٦٣ ه إثر توسيع الصحن الشريف.

كما أنشأ المرحوم الحاج حبيب الحافظ خزّاناً آخر للماء مقابل ذلك الخزّان المار ذكره. وهنالك خزّان ثالث لسقاية الماء عند مدخل باب القبلة اُنشئ عام ١٣٢٢ه ، وقد أصبحت هذه الخزّانات اليوم أثراً بعد عين.

أمّا القسم الشمالي من الصحن الحسيني فقد قام ببنائه الشاه سليمان الصفوي ، ويُعرف الإيوان الكبير الذي يتوسّط ذلك القسم بإيوان ( صافي صفا ) , وهو من منشآت الصفويِّين ، وعُرف فيما بعد بإيوان ليلو , ثمّ إيوان الوزير ؛ نسبة إلى مجدّده المرحوم مرزا موسى أحد وزراء الدولة القاجارية في إيران ليكون مقبرة له ولأسرته , وذلك عام ١٢٨١ ه ؛ حيث جدّد مرايا الإيوان والكُتيبة القرآنية التي كانت تزيّنه ، إضافة إلى الكاشي المعرّق ، وقد ذهبت معالمه اليوم.

وفي عام ١٣٥٤ ه أرصدت مديرية الأوقاف العامّة مبلغاً من المال لتسوير أسس جدار الرواق الغربي للصحن الحسيني ، كما خصّصت المبالغ اللازمة لدفن الجهة الغربيّة من الصحن ، ويرجع ذلك إلى الهمّة التي بذلها المرحوم السيد عبد الحسين السيد أحمد آل طعمة مدير أوقاف كربلاء المتوفّى يوم ٢٥ صفر سنة ١٣٥٤ه.

وقد بقيت أرض صحن الروضة مفروشة بالرخام الذي كان قد تبرّع به السلطان ناصر الدين شاه القاجاري , إلى أن تبرّع السيد أحمد مصطفوي - أحد تجّار إيران - بالكميّة الكافية من الرخام الإيراني ذي الحجم الكبير لتجديد فرش الصحن والروضة الحسينيّة(١) .

ومن الآثار الفنيّة التي كانت تزيّن الحائر الحسيني هي ( مئذنة العبد ) الشهيرة التي كان موقعها في الزاوية الشماليّة الشرقيّة من الصحن الحسيني ، وقد تولّى

____________________

(١) مدينة الحسين - محمّد حسن الكليدار آل طعمة ١ / ٤٤.


بناءها في بادئ الأمر الخواجة مرجان أولجياتي ، وذلك عام ٧٦٧ه , وزيّنها بالقاشاني ، وبنى خلفها من الجانب الشرقي من الصحن مسجداً ، وأجرى لهما من أملاكه في بغداد وكربلاء وعين التمر والرحالية وغيرها أوقافاً يصرف واردها على الجامع والمئذنة.

وممّا يجدر ذكره أنّ مرجان هذا كان والياً على بغداد من قبل السلطان أويس الجلائري عام ٧٦٧ه , فشقّ عصا الطاعة ؛ ممّا اضطر السلطان إلى توجيه حملة من تبريز لإخضاعه ، فهرب مرجان نحو كربلاء واستجار بالحسين (عليه‌السلام ) , وتولى حينذاك بناء تلك المئذنة ، وعندما علم أويس بما جرى للعبد أحضره فأكرمه وعفا عنه ، وأعاده والياً على العراق لِما قام به من خدمات جليلة في الحائر الشريف ، وفي عام ٩٨٢ ه تمّ تعمير المئذنة بأمر من الشاه طهماسب الصفوي وترميمها.

وأرّخ ذلك بكلمة ( انكشت يار ) , وتعريبها باللغة العربية ( خنصر المحبّ ) ، وقال الشيخ محمّد السماوي في ذلك:

ثمّ بـنى نجلُ أويسٍ أحمد

منارتين فاستنار المشهدُ

حلّيتا من ذهبٍ بـتلوين

فأرّخوه ( دوستون زرين )

يعنون تاريخاً ( طلاهما ذهبْ )

ذلك للعجم و هذا للعربْ(١)

وفي عام ١٣٠٨ ه أوعز البلاط العثماني بتصليح المئذنة المذكورة فاُصلحت.

وفي عام ١٣٥٧ه أمر ياسين الهاشمي رئيس الوزارة العراقية آنذاك بهدم المئذنة ؛ نظراً للاعوجاج الذي ظهر عليها كما دلّت التقارير التي استلمتها مديرية الأوقاف العامّة ، فكان هدمها جبراً ، وبذلك خسر الفن المعماري أثراً تاريخياً رائعاً قلّ أن يجد الحائر نظيراً له(٢) .

وتمّ ذلك في عهد صالح جبر متصرّف لواء كربلاء عام ١٣٥٤ه - ١٣٥٥ه ، وأرّخ هدمها الخطيب الشاعر الشيخ عبد الكريم النايف قائلاً:

____________________

(١) مجالي اللطف بأرض الطفّ - الشيخ محمّد السماوي / ٤٢.

(٢) تاريخ كربلاء وحائر الحسين - د. عبد الجواد الكليدار / ٢٤٠ ، ومدينة الحسين ١ / ٣٤ - ٣٥.


منارةُ العبد بصحن الحسين

بناؤها أرّخ ( انكشت يارْ )

وهدمها أعلن تاريخه

( ما جاء إلا لجأ الاضطرارْ )

١٣٥٥ه

ومن الآثار المندرسة في الحائر المقدّس ( الصحن الصغير ) الذي يقع خلف مئذنة العبد , ومنه يذهب الزائر إلى الروضة العباسيّة ، وقد شيّد في عهد بني بويه الديالمة في القرن الرابع الهجري ، واحتوى على مئذنتين تقعان عند مدخل باب الصحن المذكور من الجهة الشماليّة.

ثمّ شيّدت تحت المئذنتين مقبرتان بأمر من نجيب باشا عام ١٢٦٢ه كما يتضح من الكتابات الموجودة في مدخليهما ، وكانت إحدى المقبرتين عائدة لأسرة السيد إبراهيم القزويني صاحب الضوابط ، والاُخرى عائدة لأسرة السيد محمّد مهدي ابن السيد علي الطباطبائي.

ويحوي الصحن الصغير أيضاً مقبرة آل بويه الخاصة ببعض أفراد عائلتهم ، وقد اكتشفت عام ١٢٩٢ه ، وكان البويهيّون قد اتخذوا هذا المكان مدفناً لهم لوقوعه على طريق الزوار القاصدين إلى الروضة العباسيّة.

كما توجد في هذا الصحن مقبرة المرحوم السيد مهدي الصافي جدّ اُسرة السادة آل الصافي بكربلاء ، وتقع عند مدخل الباب المعروفة باسمه ، والتي تُعرف اليوم بباب الشهداء.

وقد نُقشت على الجبهة الأمامية للباب أبيات بلقاشاني للسيد محمّد هادي الصدر قاضي كربلاء آنذاك ، وهي:

أبا الشهداء حسبي فيك منجى

يقيني شرّ عادية الزمانِ

إذا ما الخطبُ عبّس مكفهراً

وجدت ببابك العالي أماني

وها أنا قد قصدتك مستجيراً

لأبـلغ فيك غاياتِ الأماني

فلا تردد يديَّ و أنت بحرٌ

يفيض نداه بالمنن الحسانِ

وكان الصحن الصغير آية في الفن المعماري وهندسة البناء ، فهو من الأبنية


الأثرية التاريخيّة المهمّة ، إلّا أنّه تناولته أيدي الهدم يوم ١٦ محرّم عام ١٣٦٨ه الموافق ١٨/ ١١/ ١٩٤٨م على عهد عبد الرسول الخالصي متصرّف لواء كربلاء يومذاك.

وتعلو الروضة الحسينيّة المقدّسة كلّها قبّة شاهقة مطلية بالذهب الإبريز ، وقد قام السلطان مراد الرابع العثماني بتعميرها وتجديدها وجصّصها من الخارج وذلك سنة ثمان وأربعين وألف.

كما قام آقا محمّد خان ( الخصي ) مؤسس الدولة القاجارية في إيران بتذهيب القبّة السامية للسنة السابعة بعد المئتين والألف الهجرية. وبهذه المناسبة نظم المرزا سليمان خان المشهور بـ (صباحي الشاعر) أبياتاً أرّخ فيها هذا التذهيب ، فقال:

كلك صباحي ازين تاريخ اونوشت

در كنبد حسين علي زيب يافت زر(١)

وقد تمّ تذهيب القبّة على عهد السلطان ناصر الدين شاه القاجاري ؛ حيث جدّد بناءها وقسماً من تذهيبها في سنة ١٢٧٣ ه كما يتضح ذلك من الكُتيبة المنقوشة على الحزام الأسفل للقبّة نفسها ، ويبلغ ارتفاع القبّة المذكورة ١٥ متراً من قاعدتها إلى قمّتها.

وجُدّد بناء القبّة في سنة ١٣٧١ ه - ١٩٥١م ورصّعت بالأحجار الذهبية ، ويحيطها من الأسفل ١٢ شباكاً , ترتفع على جنبيها مئذنتان شاهقتان مكسوّتان بالذهب الخالص ، تتجلّى الريازة الإسلاميّة فيها ، وهما على بعد ١٠ أمتار من جنوب القبّة ، ويبلغ ارتفاع كلّ منهما ابتداء من سطح بناء الروضة حوالي ٢٥ متراً ، وسمكها ٤ أمتار.

وفي جانبي الصحن ساعتان دقاقتان كبيرتان مثبتتان على برج شاهق ؛ إحداهما فوق باب القبلة ، والاُخرى فوق المسجد في الجهة الشرقيّة للصحن ، وقد نقلت إلى الجهة الغربيّة فوق إيوان الناصري ( باب رأس الحسين ).

____________________

(١) بغية النبلاء في تاريخ كربلاء - للسيد عبد الحسين الكليدار / ٧٦.


وتمتاز الروضة الحسينيّة المطهرة بسعة صحنها ، وكثرة أواوينها الجميلة المزخرفة ، ويبلغ طول الصحن ٩٥ متراً وعرضه ٧٥ متراً ، وله عشرة أبواب هي: باب القبلة ، وباب الرحمة ، وهما يقعان في الجنوب ، وباب قاضي الحاجات ، وباب الشهداء ، وباب الكرامة ، تقع في شرقي الصحن , وباب السّلام ، وباب السدرة ، موقعهما في شمال الصحن.

أمّا في الغرب فتقع باب السلطانية ، وباب رأس الحسين ، وباب الزينبية ، ولكلّ باب من هذه الأبواب طاق معقود بالفسيفساء البديع. ويحيط بالروضة المطهرة (٦٥ ) إيواناً يوجد في كلّ إيوان حجر ، وزينت جدرانها من الداخل والخارج بالفسيفساء ، وقد أعدّت هذه الحجرة ليتلقى طلاب العلم دروسهم ، وأعدّ البعض الآخر منها مقابر للسلاطين والملوك ، وكبار العلماء ، ورجال الدين ، وبعض الأسر المعروفة.

أمّا تولية سدانة الروضة الحسينيّة(١) المقدّسة فقد تناولها الخلف عن السلف ، وتنقّلت بين الأسر العلوية القديمة من آل إبراهيم المجاب الذين قطنوا الحائر الشريف في أوائل عهده ، وآل إبراهيم المرتضى الأصغر ابن الإمام الكاظم (عليه‌السلام ) ، تخرج منهم ثمّ تعود إليهم كما صرّح بذلك السيد جعفر الأعرجي في كتابه ( مناهل الضرب ).

وقد تسلّم مقاليد الروضة الحسينيّة اليوم الحاج السيد عبد الصالح ابن السيد عبد الحسين الكليدار ابن السيد علي الكليدار ابن السيد جواد الكليدار ابن السيد حسن ابن السيد سليمان ابن السيد درويش ابن السيد أحمد ابن السيد يحيى آل طعمة من آل فائز الموسوي الحائري , المولود في كربلاء سنة ١٩١١ م - ١٣٢٩ ه ، وهو يدير شؤون هذه العتبة المشرّفة حتّى هذا اليوم على أحسن ما يرام (حفظه الله ووفّقه لما فيه الخير).

____________________

(١) انظر كتاب ( مدينة الحسين ) - للسيد محمّد حسن مصطفى الكليدار آل طعمة ( فصل سدانة الروضة الحسينيّة ) ١ / ٧٦.


صورة تاريخيّة للباب الفضي في مدخل الروضة الحسينيّة التقطت

في شوال سنة ١٣٣٩ ه / ١٩٢١ م

من اليمين: المرحوم السيد سلمان الوهاب آل طعمة ، المرحوم السيد حسين الوهاب ، أحد حاشية الملك ، المرحوم السيد عبد الحسين الكليدار آل طعمة سادن الروضة الحسينيّة ، المرحوم الملك فيصل الأول باللباس العربي ، عبد الله المضايفي ، المرحوم السيد محمّد رضا زيني ، المرحوم السيد كاظم السيد أحمد النقيب ، المرحوم السيد محمّد حسن آل طعمة رئيس خدمة الروضة الحسينيّة ، المرحوم السيد مصطفى الكليدار آل طعمة.


تاريخ الروضة العباسيّة

العباس بن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) أشهر من أن يُعرف ، فهو أحد أفذاذ العلويِّين الذين طبقت شهرتهم الآفاق ؛ فقد خاض المعركة الدامية في حادثة الطفّ وصمد فيها صمود الأبطال ، وقاوم بني اُميّة مقاومة عنيفة حتّى لفظ أنفاسه الأخيرة ، فسقط صريعاً تحت مشتبك النصول على مشرعة الفرات ، حيث نهر العلقمي الذي كان يجري من الشمال إلى الجنوب مارّاً بمرقد سيدنا العباس (عليه‌السلام ) ، فاستشهد في هذا المكان من أجل أن يأتي بالماء لأخيه الحسين (عليه‌السلام ) وأهل بيته وصحبه الأبرار.

وقد أبت نفسه الكريمة أن يلتذّ بجرعة من الماء وهو يتلظى عطشاً وقد ورد المشرعة ؛ إذ تذكّر عطش أخيه الحسين وصبيته الأبرياء ؛ ومن هنا اُطلق عليه لقب ساقي عطاشى كربلاء تارة ، وبطل العلقمي تارة اُخرى ، وحامي الضعينة ، والعبد الصالح ، وسبع القنطرة ، وقمر بني هاشم ، والضيغم ، والغضنفر , إلى غير ذلك من المسمّيات التي اتصف بها.

يقع مرقده الشريف على بعد ٣٠٠ متراً - على وجه التقريب - من الجهة الشماليّة الشرقيّة من حائر الحسين (عليه‌السلام ) , وقد قيّض الله لتشييد عمارة مرقده أناساً أجذلوا بذلهم بالعطاء والسخاء المتواصل ، وتولّى تشييده كلّ مَنْ تولّى تشييد صرح الروضة الحسينيّة في الأدوار المتعاقبة من ملوك وأمراء ورجال إصلاح.

ويروي لنا التاريخ أنّ الديالمة ( آل بويه ) كانوا أخلص الناس ولاءً بآل البيت (عليهم‌السلام ) ؛


فهم أوّل مَنْ بادروا بتخليد ذكرى الحسين وأخيه العباس (عليهما‌السلام ) في كلّ عام ، وخاصة على عهد السلطان عضد الدولة البويهي الذي أعلن التشيّع ، وشيّد عمارة الروضة العباسيّة والقبّة المنوّرة(١) .

وقد تمصّرت كربلاء مجدّداً عام ٣٧٢ ه على عهد السلطان عضد الدولة بن ركن الدولة المذكور(٢) .

أمّا في عهد الصفويِّين فقد تقدّم العمران في الروضة العباسيّة تقدّماً محسوساً ؛ حيث قام الشاه طهماسب الصفوي بتزيين القبّة السامية بالقاشاني سنة ١٠٣٢ ه ، وبنى شباكاً على الصندوق ونظم الرواق والصحن ، وبنى البهو أمام الباب الأولى للحرم ، وأرسل الفرش الثمينة من صنع إيران.

وفي سنة ١١٥٣ ه أهدى نادر شاه إلى الحرم المطهّر تحفاً كثيرة ، وزيّن بعض تلك المباني بالقوارير. وفي سنة ١١٧٢ه زار الحسين (عليه‌السلام ) وزيره الشهم ، فجدّد صندوق القبر وعمّر الرواق ، وأهدى ثريّا يوضع فيها الشمع لإنارة الصحن الشريف(٣) . وفي عام ١٢٣٦ ه أمر السلطان محمّد شاه بن عباس ميرزا بن فتح علي شاه القاجاري بصنع شباك فضي لضريح العباس (عليه‌السلام ). وفي سنة ١٢٥٩ ه قد عمّر بقعة حرم أبي الفضل سلطان مملكة أود في الهند ، وهو محمّد علي شاه ابن السلطان ماجد علي شاه(٤) .

وإلى ذلك أشار الشيخ محمّد السماوي في أرجوزته بقوله:

ثمّ أتى العباس في الأملاكِ

فصيّر الصندوق في شبّاكِ

و زيّن القبّة بـالكاشاني

والبهو في شأنٍ يغيظ الشاني

و روّق الرواق والصحن نظمْ

واستجلب الفراش من صنع العجمْ

____________________

(١) تاريخ وجغرافيائي كربلاي معلّى - عماد الدين حسين الأصفهاني / ١٨٢.

(٢) مدينة الحسين - محمّد حسن الكليدار آل طعمة ٢ / ١٠٦.

(٣) قمر بني هاشم - السيد عبد الرزاق المقرّم / ١٢٦ - ١٢٧.

(٤) المصدر السابق / ١٢٧.


و أطلقَ الكفّ بـفضلٍ وافرِ

لسادنِ الروضةِ و المجاورِ

للاثنتين والثلاثين قفا

ألف فأرّخوه ( بالحسن صفا )

ثمّ أتى النادر و استضافا

طرائفاً من غنمه لطافا

و زانَ هاتيك المباني المنشئة

في الخمسِ والخمسين من بعد المئة

وجدّد الصندوقَ والرواقا

و علّق الأستارَ والأعلاقا(١)

وبعد حادثة الوهابيِّين التي نشبت عام ١٢١٦ ه ونُهب ما في خزائن الروضتين المقدّستين من الأعلاق النفيسة ، والذخائر الثمينة النادرة الوجود ، نهض السلطان فتح علي شاه القاجاري وجدّد ما نُهب من الروضتين المقدّستين ، وعمّر قبّة العباس (عليه‌السلام ) بالقاشاني.

كما إنّه ذهّب قبّة الحسين سيد الشهداء (عليه‌السلام ) وصدر الإيوان المقابل للباب الأولى للحرم من جهة القبلة ، وأنشأ صندوق ساج على قبر أبيّ الضيم أبي عبد الله (عليه‌السلام ) , وفضض الشباك المطهّر(٢) ، وأمر بصنع ضريح من الفضة الخالصة إلى مرقد العباس (عليه‌السلام ) سنة ١٢٢٧ ه.

وقد بذل الحاج شكر الله بن بدل بك الأفشاري اهتماماً ملحوظاً في الروضة المطهّرة العباسيّة ؛ حيث سعى في تذهيب الإيوان الكائن أمام حرم أبي الفضل العباس ، وأنفق على ذلك كلّه , وذلك بإيعاز من زين الفقهاء والمجتهدين الشيخ زين العابدين الحائرى المتوفّى يوم ١٢ ذي القعدة سنة ١٣٠٩ ه ، وكتب اسمه في الجانب الغربي من جدار الإيوان على صفائح الذهب بخطّ ذهبي موجود إلى الآن ، وتاريخ الكتابة سنة ١٣٠٩ ه(٣) .

أمّا الإيوان الصغير الذي يقع أمام الباب الأولى المعروف بـ (إيوان الذهب)

____________________

(١) مجالي اللطف بأرض الطفّ - الشيخ محمّد السماوي / ٤٢.

(٢) قمر بني هاشم - السيد عبد الرزاق المقرّم / ١٢٧.

(٣) قمر بني هاشم / ١٧٢.


قديماً ، فقد أنشأه السلطان محمّد علي شاه اللكناهوري ، كما وقامت احترام الدولة كريمة فرهاد الدولة وعقيلة ناصر الدين شاه القاجاري بإطلاء الواجهة الأمامية القريبة من سهوات الباب القبلي بالذهب.

وقام السيد حسن الملقّب بمقتدر السلطنة بإطلاء الواجهة الغربيّة من البهو ، ويقرأ التاريخ المثبت في الجدار الغربي لهذا البهو سنة ١٣١٩ ه.

وقد أمر السلطان عبد الحميد العثماني بتسقيف البهو المذكور بالخشب الساج والزان في سنة ١٣٠٦ ه ، كما هو واضح من التاريخ المذكور في أعلى الباب القبلي للحرم الشريف مع بعض الأبيات من الشعر التركي(١) .

وفي عام ١٣٦٧ ه تبرّع الثري الإيراني الحاج حسين حجار باشي برصف وفرش أرضية الروضة العباسيّة من بقايا الرخام الذي كان مخصّصاً لقصر كلستان في إيران ، وقدّرت تكاليفه بأكثر من ١٥ ألف تومان ، أي ما يساوي ١١٠٠ ديناراً عراقياً(٢) . وتبرّع الحاج أمين السلطان في سنة ١٣١١ه بنصب الساعة الدقاقة الموجودة حالياً في الروضة العباسيّة ، وأشرف على نصبها فضيلة المرحوم السيد علي القطب(٣) .

وكما قام المرحوم الحاج محمّد صادق الشوشتري الأصفهاني بإنشاء الأطراف الأربعة لصحن الروضة العباسيّة , وذلك سنة ١٣٠٤ ه ، وقام بإكساء قبّة الروضة بالقاشاني سنة ١٣٠٥ ه ، ويقرأ هذا التاريخ المذكور في كُتيبة القبّة نفسها.

وفي سنة ١٢٢١ ه بلطّت مئذنتا الروضة العباسيّة بالقاشاني كما هو منقوش في أسفلها.

____________________

(١) مدينة الحسين - محمّد حسن الكليدار آل طعمة ٢ / ١٧٤.

(٢) المصدر السابق ٢ / ١٧٥.

(٣) ترجم له السيد محسن الأمين في ( أعيان الشيعة ) ٤٢ / ١٢ ، فقال: إنّ السيد علي القطب أشهر من نارٍ على علم في زمانه ، ترك مازندران (إيران ) وسكن العراق مجاوراً للعتبات المقدّسة ، وكان متصوّفاً , له من المريدين كثرة ، وكان كريماً في قومه ورهطه , وكان معروفاً بالقطب الهزار جريبي المازندراني الحائري. تزوّج من ابنة تاجر كبير في الكاظميّة ، وبنى قصراً عظيماً في كربلاء , توفّي سنة ١٣٢٢ه في كربلاء.


والمرجع أنّ المرحوم محمّد حسين صدر الأعظم الأصفهاني ( الجدّ الأعلى لآل نظام الدولة وآل صدري في كربلاء اليوم ) هو الذي قام بإكسائها ، ولدى إجراء الإصلاحات الأخيرة للصندوق الخاتمي وجدت العبارة التالية منقوشة عليه: (يا أبا الفضل العباس أدركني , سنة ١٢٤٦ ه ).

وكذلك تبرّع النوّاب ( بهراء ) بتجديد سقف الضريح بالخشب الجاوه والزان ، وكان المشرف على تبديله المرزا محمّد باقر الراجه الحائري ، وقام بزخرفته النجار باشي أسطه إسماعيل.

كما وجدت على المشبّك الفولاذي المحيط بالصندوق الخاتمي العبارة التالية منقوشة عليه: ( ضريح العباس سنة ١١٨٢ ه , عمل أحمد أكبر المشبّك المذكور سنة ١١٨٣ ) ، كما يقرأ التاريخ من العبارة الاُخرى المنقوشة عليه , وهي: ( لا زال مطافاً لخيار الناس ). أمّا الذي تبرّع بالضريح الفضي للمرقد هو محمّد شاه بن عباس مرزا القاجاري ، والمشرف على صنعه هو المرحوم الحاج عبد الهادي الإسترابادي عميد اُسرة آل الإسترابادي في الكاظميّة(١) .

وعلى ذكر قبر أبي الفضل العباس (عليه‌السلام ) يحدّثنا الأديب المحامي محمود العبطة فيقول: إنّ الشاعر التركماني هجري ده شاعر ينظم بأربع لغات: التركية والفارسية , والعربية والكردية ، وإنّه أكثر اقتداراً بالأوّل ، وإنّ له أبياتاً كُتبت بماء الذهب على قبر سيدنا العباس بن علي في كربلاء باللغة العربية ، وإنّه يميل إلى القول بما قاله شعراء التصوف المسلمين من الرمز واللغز ووحدة أبناء البشر والمحبّة والاُخوّة(٢) .

وقام المغفور له السيد مرتضى آل ضياء الدين سادن الروضة العباسيّة بإكساء المداخل الداخلية للروضة المطهّرة داخل الرواق القبلي بالفضة.

وممّا يجدر ذكره أنّ هناك أبياتاً نُقشت على مصراعي الباب الفضي الكائن في إيوان الذهب ، وهي للخطيب المرحوم الشيخ محمّد علي اليعقوبي ، وهي:

____________________

(١) مدينة الحسين - محمّد حسن الكليدار آل طعمة ٢ / ١٧٥ - ١٧٦.

(٢) جريدة ( الأيام ) البغدادية الصادرة بتاريخ ١٣/ ١/ ١٩٦٣.


لُذ بـأعتابِ مرقدٍ قد تمنّت

أن تكونَ النجومُ من حصباهُ

وانتشق من ثرى أبي الفضل العبا

س ليس يحكى العبير نشر شذاهُ

غابَ فيه من هاشمٍ أيُّ بدرٍ

فيه ليلُ الضلال يمحي دجاهُ

هو يوم الطفوفِ ساقي العطاشى

فاسقِ من فيضِ مقلتيك ثراهُ

و أطل عنده البكاءَ ففيه

قد أطالَ الحسينُ شجواً بكاهُ

لا يضاهيه ذو الجناحين لمّا

قُطعت في شبا الحسام نداهُ

هو بـابُ الحسين ما خاب يوماً

و افداً جاء لائذاً بـحماهُ

قام دون الهدى يناضلُ عنه

و كفاه ذاك المقامَ كفاهُ

فادياً سبـطَ أحمدٍ كأبيه

حيدرٍ مُذ فدى النبيَّ أخاهُ

جدّد( المرتضى ) له باب قدسٍ

من لُجينٍ يغشى العيونَ سناهُ

إنّه بـابُ حطّةٍ ليس يخشى

كلّ هول مستمسك في عراهُ

قف بـه داعياً و فيه توسّلْ

فبـه المرء يستجابُ دعاهُ

كما نُقشت على مصراعي الباب المؤدّي للروضة الكائن في الجانب الغربي قصيدة الشاعر الكربلائي المرحوم السيد حسين العلوي , المتوفّى سنة ١٣٦٤ ه ، وهي:

فتبدّى للصبح مُذ جدّدوه

بـعنان السماء منه الضياءُ

( حسنُ الندب بالسدانة فيه

نال فضلاً عنت له الفضلاءُ)

نصر الدين عن بصيرة أمنٍ

صابراً للذي أراد القضاءُ

فعلى قبرِه الملائكُ طافت

وإليه قد زارت الأنبياءُ

و غدا بـابُ قدسه للبرايا

كهفَ أمنٍ به المُنى والرجاءُ

بطلٌ نال في الطفوف مقاماً

غبـطته بـنيلِهِ الشهداءُ

قد حباه اللوا حسين فخراً(*)

و إلى مثله يحقّ اللواءُ

____________________

(*) لا يخفى ما في المصراع من خلل عروضي بيّن. (موقع معهد الإمامين الحسنين)


نارُ موسى أم باب قدسٍ تجلّى

لأبـي الفضل نورُه أم ذُكاءُ

أم غدا العلقميُّ طور التجلّي

وبه الأرض أشرقت والسماءُ

مذ حوى مرقداً لشبل عليٍّ

مَنْ له الفضل ينتمي والوفاءُ

وقال أيضاً في تاريخ تجديدها:

قد جدّدوا بـاب حمى للمبينْ

بـنوره أشرق للسالكينْ

مذ تمّ أرّخ ( مجملاً قولنا

باب الهدى والرشد في العالمينْ )

وللمرحوم الشاعر الشيخ محسن ابن الشيخ محمّد حسن أبو الحبّ أبيات في تشييد باب في الروضة المقدّسة سنة ١٩٣٦ م ، وهي:

شيّدت يابن المرتضى باب علاً

بـها البرايا قد لوت رقابَها

فقف عليها خاضعاً مسلّماً

ملتثماً من أدبٍ أعتابَها

فإنّها البابُ التي قد ضرب الـ

ـلهُ على هام السها أطنابَها

ألا ترى الأملاكَ فيها أحدقت

أضحت على أبوابه حجّابَها

بـاب أبي الفضل سليلِ حيدرٍ

مَنْ فاق أبناءَ العلا أنجابَها(١)

وللمرحوم الشاعر الشيخ جعفر الهر أبيات في تشييد باب في الروضة العباسيّة أيضاً ، وتاريخ التشييد هو عام ١٣١٨ ه ، وهي:

صحن أبي الفضل رفيع الذرى

قد فاخر العرشَ علاً فارتفعا

فيه قبابٌ للفخار ضربتْ

بـفخرها خازنها قد رفعا

أبوابُها أمست رجاء المرتجي

ومستجابَ دعوةٍ لمَنْ دعا

ألق العصا مؤرّخاً ( بباب مجـ

ـدٍ أذن الله له أن يُرفعا )

١٣١٨ه

____________________

(١) ديوان أبي الحب - تحقيق المؤلّف / ٤٢ ( ١٣٨٥ ه / ١٩٦٦ م ).


وفي مخلع النعال ( الكشوانية ) المقابل لديوان سادن الروضة العباسيّة بيتان منقوشان في الواجهة ، وهما للشاعر المرحوم السيد حسين العلوي:

لذ بأعتاب أبي الفضل الذي

كأبيه المرتضى يحمي حماه

واخلع النعلين وادخل صاغراً

وانتزع من قدسه طيب شذاه

ومرقد العباس (عليه‌السلام ) فخم البناء ، يتخلله ضريح في وسط الحضرة الشريفة ، تكسوه الفضة الناصعة البياض ، وتحيط بجهاته الأربعة أروقة تؤدّي واحدة إلى الاُخرى ، وتعلو الأركان الأربعة قبّة من القاشاني البديع الملوّن ، وتتقدّمها مئذنتان مطليتان بالذهب الإبريز من القمّة وبالقاشاني والفسيفساء من الأسفل ، وفيهما قال الشاعر الشيخ محمّد حسين ابن الشاعر الحاج جواد بدقت:

بـحضرة القدس وغاية الأملْ

مئذنة زانت لعباسِ البطلْ

فقل لبانيها سُعدت فبذا

أحبطت نسراً و يغوثاً وهُبلْ

وقل لمَنْ يرقى بـها مكبّراً

أرّخ ( فقل حيَّ على خير العملْ )

١٣٠٩ه

وتقوم ساعة دقّاقة كبيرة على برج شاهق باتجاه هاتين المئذنتين عند باب القبلة ، ويحيط بالحضرة المشرّفة كلّها صحن واسع أصغر من صحن الحسين (عليه‌السلام ) بقليل.

وفي عام ١٣٧٥ ه - ١٩٥٥ م تمّ تذهيب قبّة العباس (عليه‌السلام ) , وذلك على عهد مكي الجميل متصرّف اللواء ، وبهذه المناسبة نظم الشاعر الكربلائي المعاصر السيد مرتضى الوهاب الأبيات التالية ، وهي من الموشح:

شعَّ ثغرُ الفجر نوراً وانجلى

عن سما الدنيا رداءَ الغيهبِ

مستطيلاً من ذكا رأد الضحى

يخطف الأبصارَ غيلاً طفحا

وغزال الشرق مجداً سبّحا

ومن الآيات أوحى جملا

نشرت موجتها في المغربِ


بـكّر الطير على أنوارِهِ

زاحفاً في الروض من أوكارِهِ

و انتشى البلبل من أزهارِهِ

و على الأغصان بالشدو علا

بـأغاريد الهوى والطربِ

سابحاً وسط حشا يمٍّ عميق

من خيال حالمٍ فيه غريق

كلّما يظمأ سلسالُ رحيق

يجتني ثغر الأقاحي قُبلا

فائزاً منها بـبنت العنبِ

سحر الطرف بياض السحرِ

فخلا للسمع لحن الوترِ

(ما لعيني عشيت بالنظرِ )

أطلى الكأس تجلّت أم طلى

قبة صيغت بغالي النشبِ

خلتها بـالتبر لمّا برقت

نار موسى جانب الطور بدت

أم سنا الشمس جلالاً سجدت

أم غريض الماء يشفي الغللا

سال مشفوهاً بنهرٍ سربِ

أنثار الورد في الأرض انتشر

فتراءى كاللآلي للبشر

أم ترى أدركت الشمس القمر

أم جلال الله بـالقدر جلا

فتجلّى للورى عن كثبِ

قبّة بـالتبر لمّا طليت

شرف التبر بها مذ حليت

فوق طود للمعالي بنيت

من له يوم وغى في كربلا

خالد رغم مرور الحقبِ

مَنْ بوجه الشمس فرداً غبرا

وأذاق القوم موتاً أحمرا

فاتحاً نحو الفرات انحدرا

عرف الماء وعنه عدلا

ذكر السبط ولمـّا يشربِ


قبّةٌ فوق الثريا ارتفعتْ

وعلى الآفاق بدرٌ اُطلعتْ

من أبي الفضل بنورٍ سطعتْ

وحكى تاريخها ( صدقاً على

مرقد العباس تاج الذهبِ )

١٣٧٥ه

وليس من شك أنّ للعباس (عليه‌السلام ) كراماتٍ لا تُعد ولا تُحصى ، وأصبح يُضرب به المثل بإيثاره ؛ فما من زائر يؤمّ قبره إلّا وتراه يخشع أمام مثواه ، ويتضرّع في طلب قضاء حاجة.

وممّا رواه السيد محمّد ابن السيد مهدي القزويني في كتابه ( كروس الإنشاء ) بهذا الصدد قوله: « في سنة ١٣٠٦ ه انقطع نهر الحسينيّة ، وعاد أهل كربلاء يُقاسون شحّة الماء وكضة الظمأ ، فأمرت الحكومة العثمانيّة بحفر نهر في أراضي النقيب السيد سلمان ، فأبى النقيب أن يمكّنهم , فاتّفق أن زرت كربلاء , فطلب أهلها أن أكتب إلى النقيب ، فكتبت إليه ما يشجيه , وعلى حالهم ما يبكيه:

لك عصبةٌ في كربلا تشكو الظمأ

من فيض كفّك تستمد رواءَها

وأراك ياساقي عطاشى كربلا

وأبوك ساقي الحوض تمنع ماءَها

فأجاز النقيب حفر النهر وانتفع أهل كربلاء منه(١) .

ومنذ عام ١٩٥١ م / ١٣٧١ ه وحتى يومنا هذا بوشرت التعميرات في الروضة العباسيّة ، أو قد بذل المسؤولون في كلّ الأدوار اهتماماً ملحوضاً ، فقد تمّ جلب الكاشي المعرّق من أصفهان ، وتمّ إكساء الواجهات الأمامية للصحن بالقاشاني. والروضة العباسيّة لا تقل روعة وضخامة عن الروضة الحسينيّة وعن بقية روضات المشاهد والعتبات المقدّسة.

وقد اعتاد المسلمون أن يُزيّنوا هذا المرقد

____________________

(١) طروس الإنشاء - تأليف السيد محمّد ابن السيد مهدي القزويني ( مخطوط ) , نسخته في مكتبة الخطيب الشيخ محمّد علي اليعقوبي في النجف.


كغيره من المراقد المقدّسة بالمجوهرات والحلي ، وقد ساهموا في صيانتها وتطوير أبنيتها ؛ فبلغت الروعة في الفن المعماري والزخرفة والتذهيب مبلغاً عظيماً بشكل يليق ومقام العباس العظيم في نفوس المسلمين.

هذا وتبلغ مساحة الروضة العباسيّة والصحن الشريف ( ٤٣٧٠ متراً مربعاً ) ، وللصحن ثمانية أبواب هي: باب الإمام الحسن (عليه‌السلام ) ، باب الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، باب الإمام صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) ، باب الإمام موسى بن جعفر (عليه‌السلام ) ، وهذه الأبواب موقعها في الجهة الغربيّة من الصحن.

باب الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ، باب الإمام علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) ، ويقعان في الجهة الشرقيّة ، باب الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) المسمّاة بباب القبلة تقع في الجهة الجنوبيّة ، أمّا في الجهة الشماليّة فتوجد باب الإمام محمّد الجواد (عليه‌السلام ). وتضمّ جوانب الصحن الشريف عدّة غرف وأواوين دُفن فيها العلماء والسلاطين , والوزراء وكبار الشخصيات الإسلاميّة ، وزُيّنت جوانب الصحن بالفسيفساء والكاشاني البديع الصنع ، ويعتبر اليوم من النفائس الأثرية.

وفي يوم ٢٨ رجب سنة ١٣٨٥ ه احتفلت مدينة كربلاء بوصول الضريح الأثري الجديد لمرقد سيدنا العباس (عليه‌السلام ) ، وهو ضريح مصنوع من الذهب الخالص والفضة ، مطعّم بالميناء والأحجار الكريمة ، ويعتبر آية في الإبداع.

وقد أعلمني السيد بدر الدين آل ضياء الدين سادن الروضة العباسيّة المطهّرة أنّ كلفته بلغت حوالي ١٥٠ ألف دينار ، وقد استعمل في صياغته ٤٠٠ ألف مثقال من الفضة و ٨٠٠٠ آلاف مثقال من الذهب ، واستغرق العمل فيه ثلاث سنوات ، وتمّ إنجازه في أصفهان بمساعي العلّامة الكبير آية الله السيد محسن الحكيم الطباطبائي ، وكان يوم استقباله من أيام كربلاء المشهورة.

كما تمّ استملاك قطعة مجاورة للصحن ، وشيّدت مضيفاً لسيدنا العباس (عليه‌السلام ) ؛ أمّا تولية سدانة الروضة العباسيّة(١) فقد كانت في السابق تابعة لسدانة الروضة

____________________

(١) راجع بشأن سدانة الروضة العباسيّة كتاب ( مدينة الحسين ) ١ / ٨٧ - ٨٨.


الحسينيّة ، وتسنّم مقاليدها أخيراً الحاج السيد بدر الدين الكليدار نجل المرحوم السيد محمّد حسن الكليدار ابن المرحوم الحاج السيد مرتضى الكليدار ابن السيد مصطفى الكليدار ابن السيد حسين الكليدار آل ضياء الدين من آل فائز الموسوي الحائري.

ومنذ عشر سنوات انتزعت منه السدانة وأوكلت إلى لجنة خاصة من خدمة الروضة العباسيّة بإشراف مديرية الأوقاف.

صورة تاريخيّة للملك فيصل الأوّل في الروضة العباسيّة في شوال ١٣٣٩ ه - ١٩٢١ م

ويبدو إلى يمينه: حميد خان متصرّف كربلاء أحد ضباط الجيش ، السيد حسين الدده ، صالح حمام مدير شرطة كربلاء ، السيد محمّد حسن ضياء الدين ، السيد عبود السيد علي نصر الله. وإلى يساره: السيد مرتضى ضياء الدين سادن الروضة العباسيّة ، السيد عبد الوهاب آل طعمة , ورئيس بلدية كربلاء السيد حسن النقيب.


الروضة العباسيّة في كربلاء


فضل كربلاء والتربة الحسينيّة

تمتاز تربة هذه الأرض المقدّسة عن سائر بقاع العالم بقدسيتها الدينية السامية ، فكم أثنى عليها الشعراء والكتّاب وأشادوا بها ورفعوها إلى المكانة اللائقة والدرجات الرفيعة التي تستحقها ؛ فهي الأرض التي قدم إليها الحسين (عليه‌السلام ) وقُتل بها ، فاختلطت التربة الطاهرة بدماء الحسين وأهل بيته (عليهم‌السلام ) من العلويِّين الأبرار ، وقد نُعتت الأرض بأنّها قبلة الإباء ، ومكة قبلة الصلاة ؛ ولذا فضّلها الله سبحانه وتعالى على كافة البقاع المعمورة ؛ فأرض كربلاء هي بحقّ وحقيق جديرة بالثناء والإجلال.

والتربة الحسينيّة هي خير شفاء للناس ، فيها الفوائد الكثيرة والمنافع العامة لكلّ إنسان. قال الإمام الصادق (عليه‌السلام ): (( في طين قبر الحسين شفاء من كلّ داء ؛ إذا أخذته فقل: بسم الله ، اللّهمّ بحقّ هذه التربة الطاهرة ، وبحقّ البقعة الطيّبة ، وبحقّ الوصي الذي تواريه ، وبحقّ جدّه وأبيه وأخيه ، والملائكة الذين يحفّون به ، والملائكة العكوف على قبره ليلاً ينتظرون نصره (صلّى الله عليهم أجمعين) , اجعل لي فيه شفاء من كلّ داء ، وأماناً من كلّ خوف ، وعزّاً من كلّ ذلّ ، ووسّع عليّ في رزقي ، واصح به جسمي ))(١) .

وقال الإمام الصادق (عليه‌السلام ) أيضاً: (( إذا أكلتها فقل: اللّهمّ ربّ التربة

____________________

(١) راجع الكافي - للكليني ، وانظر مَنْ لا يحضره الفقيه - للشيخ الصدوق / ٣٠٤ , طبع طهران.


المباركة ، وربّ الوصي الذي واريته ، صلِّ على محمّد وآل محمّد ، واجعله علماً نافعاً ، ورزقاً واسعاً ، وشفاء من كلّ داء )). وقال (عليه‌السلام ): (( حريم قبر الحسين (عليه‌السلام ) خمسة فراسخ من أربع جوانب القبر )). وروى إسحاق بن عمّار ، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام ) قال: (( موضع قبر الحسين منذ يوم دُفن فيه روضة من رياض الجنّة ))(١) .

كثيرة هي المزايا التي تتّصف بها هذه الأرض المقدّسة والتربة الحسينيّة المشرّفة ، وكثيرة هي الفوائد التي يُجنى منها. ولعلّ رأي العالم الفاضل الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء خير مصدر لتفهّم حقيقة هذه التربة ، قال: وهذه التربة هي التي يُسمّيها أبو ريحان البيروني في كتابه الجليل (الآثار الباقية) التربة المسعودة في كربلاء.

نعم ، وإنّما يُعرف طيب الشيء بطيب آثاره ، وكثرة منافعه وغزارة فوائده ، وتدلّ على طيب الأرض وامتيازها على غيرها طيب ثمارها ورواء أشجارها ، وقوّة نبعها وريعها.

وقد امتازت تربة كربلاء من حيث المادة والمنفعة بكثرة الفواكه وتنوّعها , وجودتها وغزارتها ، حتّى إنّها في الغالب هي التي تموّن أكثر حواضر العراق وبواديه بكثير من الثمار اليانعة التي تخصّها ولا توجد في غيرها. إذاً ، فليس هو صميم الحقّ والحقّ الصميم أن تكون أطيب بقعة في الأرض مرقداً وضريحاً لأكرم شخصية في الدهر.

نعم ، لم تزل الدنيا تمخض لبلد أكرم فرد في الإنسانيّة ، وأجمع ذات لأحسن ما يمكن من مزايا العبقرية في الطبيعة البشرية ، وأسمى روح ملكوتية في أصقاع الملكوت وجوامع الجبروت ؛ فولدت نوراً واحداً شطرته نصفين ؛ سيّد الأنبياء محمداً (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) , وسيد الأوصياء علياً (عليه‌السلام ) ، ثمّ جمعتهما ثانياً فكان الحسين (عليه‌السلام ) مجمع النورين وخلاصة الجوهرين كما قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (( حسين منّي وأنا من حسين )). ثمّ عصمت أن تلد لهم الأنداء أبد الآباد(٢) .

وقوله أيضاً: فإذا وقفت على بعض ما للأرض والتربة الحسينيّة من المزايا

____________________

(١) مَنْ لا يحضره الفقيه - للشيخ الصدوق / ٣٠٤.

(٢) الأرض والتربة الحسينيّة - الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء / ٢١.


والخواص لم يبقَ لك عجب واستغراب إذا قيل: إنّ الشفاء قد يحصل من التراب ، وإنّ تربة الحسين (عليه‌السلام ) هي تربة الشفاء كما ورد في كثير من الأخبار والآثار التي تكاد تكون متواترة كتواتر الحوادث والوقائع التي حصل الشفاء فيها لمـّنْ استشفى بها من الأرض التي عجز الأطباء عن شفائها.

أفلا يجوز أن يكون في تلك الطينة عناصر كيماوية تكون بلسماً شافياً من جملة الأسقام , قاتلة للميكروبات ؟ وقد اتفق علماء الإماميّة وتضافرت الأخبار بحرمة أكل الطين إلّا من تربة قبر الحسين (عليه‌السلام ) بآداب خاصّة وبمقدار معين ، وهو أن يكون أقلّ من حمصة ، وأن يكون أخذها من القبر بكيفية خاصة وأدعية معينة(١) .

هذا أهم ما ورد عن فوائد تربة الحسين (عليه‌السلام ) في شفاء المرضى ، وهي أقوال أثبتتها الدلائل العديدة.

____________________

(١) المصدر السابق / ٢٤.


زيارة الملوك والخلفاء والاُمراء لكربلاء

لمدينة كربلاء منزلة خاصة في قلوب المسلمين وغير المسلمين ، فلا جرم وهي مدينة السبط الشهيد المضرّجة بدمائه الزكية ، العبقة بأرواح شيعته القدسية ، الزاخرة بالمعالم الإسلاميّة ، وهي لهذا منتجع الملوك ، ومرتاد الخلفاء والأمراء ، يؤمّونها زرافات ووحداناً ؛ تيمّناً بتربتها المقدّسة ، وزلفى لله تعالى في زيارة أضرحة الأئمّة الأطهار ، وكان لهم شرف الخدمة في تقدير موقف الحسين (عليه‌السلام ) وصحبه للدفاع عن العقيدة والإباء والإنسانيّة.

إنّ أوّل مَنْ زار الحائر الشريف من السلاطين الديالمة هو عزّ الدولة البويهي , وذلك في سنة ٢٦٦ ه ، ثمّ زار الحائر عضد الدولة البويهي في سنة ٢٧١ ه وأقام فيه مدّة.

وقيل عند زيارته ما نصّه: « كانت زيارة عضد الدولة للمشهدين الشريفين الطاهرين الغروي والحائري في شهر جمادى الأولى سنة ٢٧١ ، وورد مشهد الحائر مولانا الحسين (صلوات الله عليه) لبضع بقين من جمادى الأولى ، فزاره (صلوات الله عليه) وتصدّق وأعطى الناس على اختلاف طبقاتهم ، وجعل في الصندوق درهماً ، وكان عددهم ألفين ومئتين اسم ، ووهب للعوام والمجاورين عشرة آلاف درهم ، وفرّق على أهل المشهد من الدقيق والتمر مئة ألف رطل ، ومن الثياب خمسمئة قطعة ، وأعطى الناظر عليهم ألف درهم »(١) .

____________________

(١) فرحة الغري - للسيد ابن طاووس / ٥٩ ، وانظر تحفة العالم - للسيد جعفر آل بحر العلوم ١ / ٢٧٣.


وزار الحائر الشريف كلّ من الأخوين الملقّبين بجالبي الحجارة ؛ الدّاعي الكبير حسن بن زيد العلوي ملك طبرستان وديلم ، فباشر هذا بتشييد الحضرة الحسينيّة ، واتّخذ حولها مسجداً ، ولم يكن الزمن كفيلاً بإنجازه ؛ حيث توفّي سنة ٢٧١ ه.

وتولّى بعده أخوه الملقّب بالدّاعي الصغير محمّد بن زيد العلوي الذي ملك طبرستان وديلم وخراسان ؛ فزار الحائر وأمر بتشييد قبّة قبر الحسين (عليه‌السلام ) ، وبنى حوله مسجداً وسوّر الحائر ، واستغرق إنجاز هذا البناء عشر سنوات ؛ حيث تمّ عام ٢٨٣ ه(١) .

ويذكر لنا المؤرّخون أنّ الزعيم القرمطي أبا طاهر سلمان بن أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي , وكان كثير التردّد على كربلاء عند غزواته للكوفة سنة ٣١٣ ه ؛ حيث توجه إلى الحائر الحسيني فزار قبر الحسين وطاف حوله مع أتباعه ، وأمن أهل الحائر , ولم يمسّهم بأيّ مكروه بالرغم من أنّ أبا طاهر كان كثير العبث بالحجيج(٢) .

وزار الحائر السلطان أبو طاهر جلال الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة البويهي سنة ٤٣١ ه , ترافقه حاشية كبيرة من أهله وأتباعه ومواليه من الأتراك ، وبضمنهم الوزير كمال الملك أبو المعالي عبد الرحيم ، وكان في أكثر الطريق يمشي على قدميه ؛ طلباً لمزيد الأجر والثواب ، ومكث في كربلاء مدّة من الزمن أجزل خلالها العطايا والنعم على سكان الحائر ، ثمّ قصد زيارة الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) في النجف(٣) .

وزار الحائر من السلاجقة السلطان أبو الفتح جلال الدولة ملك شاه بن أبي شجاع محمّد ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق ؛ حيث توجّه قاصداً زيارة الحسين بن علي (عليه‌السلام ) في كربلاء سنة ٤٧٩ ه , ومعه حاشية كبيرة كان من

____________________

(١) المنتظم - لابن الجوزي ٢ / ٦٠.

(٢) المنتظم ٨ / ١٠٥.

(٣) المصدر نفسه.


ضمنهم الوزير خواجة نظام الملك ، وقد أجزل السلطان لدى زيارته أكثر من ثلاثمئة دينار على سكان الحائر ، وأمر بعمارة سوره ، ثمّ توجه إلى النجف حيث زار مشهد الإمام علي (عليه‌السلام )(١) .

وفي سنة ٥١٣ ه زار كربلاء الأمير دبيس بن صدقة بن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد أبو الأعز الأسدي ، وكان شجاعاً أديباً شاعراً ملك الحلّة بعد والده وحكمها زهاء ١٧ عاماً ، وقُتل سنة ٥٢٩ ه بتحريض السلطان مسعود السلجوقي.

ولمـّا قصد كربلاء دخل الحائر الحسيني باكياً حافياً متضرّعاً إلى الله أن يمنّ عليه بالتوفيق وينصره على أعدائه ، ولمـّا فرغ من مراسيم الزيارة أمر بكسر المنبر الذي كان يخطب عليه باسم الخليفة العباسي عند صلاة الجمعة قائلاً: لا تُقام في الحائر الحسيني صلاة الجمعة ، ولا يُخطب هنا لأحد. ثمّ قصد مرقد الإمام علي (عليه‌السلام ) في النجف ، وعمل ما عمل في كربلاء(٢) .

وفي سنة ٦٩٦ ه قدم العراق من بلاد الجبل السلطان محمود غازان خان مارّاً بالحلّة فالنجف ؛ فتوجه إلى كربلاء حيث قصد زيارة الحسين بن علي (عليه‌السلام ) ، وفي هذه المرحلة أمر بتوزيع آلاف من الخبز في اليوم للأشخاص المقيمين بجوار قبر الحسين (عليه‌السلام ).

وكذلك قصد السلطان غازان خان العراق سنة ٦٩٨ , هو قدم إلى زيارة كربلاء والنجف ، وفي رحلته هذه كان قد عبر الفرات في ١٠ جمادى الأولى متوجهاً إلى الحلّة ومكث بها ستة أيام ، وهناك أمر الخواجة شمس الدين صواب الخادم السكورجي أن يحفر نهراً من أعالي الحلّة يأخذ الماء من الفرات ويدفعه إلى مرقد الحسين (عليه‌السلام ) ، ويروي سهل كربلاء اليابس القفر ، ووهب غلاة هذا النهر إلى العلويِّين والفقراء الذين يأتون إلى المرقد الحسيني وعددهم كان عديداً(٣) .

____________________

(١) المنتظم - لابن الجوزي ٨ / ٧٤.

(٢) المنتظم ٩ / ٧٤.

(٣) الحوادث الجامعة - لابن الفوطي / ٤٩٧ ، وانظر مجالس المؤمنين - للقاضي نور الله التستري / ٣٨٠ - ٣٩٠.


ويؤكّد براون Broun المستشرق الإنكليزي بقوله: وفي سنة ٧٠١ ه أو سنة ٧٠٣ ه توجه السلطان غازان إلى الحلّة ، وانحدر منها إلى كربلاء لزيارة المشهد الحسيني ، وأهدى إلى المشهد هدايا سلطانية ، وزيّن الروضة بالتحف النفيسة ، وأمر للعلويين المقيمين فيها بأموال وفيرة(١) . وقد ولد السلطان محمود فجر يوم الجمعة سنة ٦٧٠ ه , وتوفي سنة ٧٠٣ ه(٢) .

وفي دور الدولة الإيلخانية الجلائرية التي تأسست إمارتها في العراق على عهد الشيخ حسن الجلائري المتوفّى سنة ٧٥٧ ه ، وأعقبه في الحكم نجله السلطان أويس قام بتشييد بناية الروضة الحسينيّة المقدّسة ، وقد زار الحائر نجله السلطان أحمد بهادر خان بن أويس الذي تمّ على يده بناء الروضة الحسينيّة الماثلة للعيان اليوم.

يروي لنا بعض المؤرّخين: أمّا السلطان أحمد فإنّه عندما أيقن بعدم مقدرته على صدّ هذا الفاتح العظيم اضطر إلى ترك بغداد ، والانسحاب منها بجيشه الذي كان نحو ألفي مقاتل ، فخرج من بغداد بعساكره ليلاً , وحمل ما قدر عليه من الأموال والذخائر ونزل في سهل كربلاء.

فاستولى تيمور على بغداد في السنة نفسها ( سنة ٧٩٥ ه ) , وفتك بأهلها فتكاً ذريعاً ، ثمّ أرسل جيوشه في أثر السلطان أحمد , فدارت بين الفريقين معركة شديدة في سهل كربلاء انهزم في آخرها السلطان أحمد إلى مصر مستجيراً بسلطانها الملك الظاهر برقوق(٣) .

وأوّل مَنْ زار الحائر من الصفويِّين السلطان إسماعيل الصفوي , وذلك بتاريخ ٢٥ جمادى الثانية سنة ٩١٤ ه. ويروي المستر لونكريك في كتابه ( أربعة قرون من تاريخ العراق ) بهذا الخصوص ما هذا نصّه: « فأسرع الشاه في القضاء

____________________

(١) تاريخ أدبي إيران - للمستشرق براون ٣ / ٥٣ ، وانظر كلشن خلفا / ١٥٧.

(٢) انظر مجلة الأقلام / الجزء ٩ - السنة ٤ ( ١٣٨٨ ه / ١٩٦٨ م ) , مقال ( كربلاء في العهد المغولي الإيلخاني ) - للسيد عادل عبد الصالح الكليدار.

(٣) مختصر تاريخ بغداد القديم والحديث - علي ظريف الأعظمي / ١٥٦ - ١٥٧.


على الحكومة الآق قويونليه التركمانية في العراق ، فخضعت بغداد لحكمه في أواخر سنة ١٥٠٨م - ٩١٤ ه على يد القائد حسين بك لاله. وإنّ دخول العراق في حوزة العرش الشيعي الجديد بالشاه مسرعاً لزيارة العتبات المقدّسة(*) ؛ إذ لم تكد تستقر جنوده في بغداد حتّى قدم لزيارة الأضرحة المقدّسة في كربلاء والنجف(١) .

وفي سنة ٩٤١ ه / ١٥٣٤ م تمّ فتح العراق على يد السلطان سليمان القانوني الذي احتل بغداد في ١٨ جمادى الأولى سنة ٩٤١ ه ، وزار مرقد الإمامين الهمامين الجوادين (عليهما‌السلام ) في ظاهر بغداد ، ثمّ قصد زيارة المشهدين المعظّمين أمير المؤمنين وأبي عبد الله الحسين (عليهما‌السلام ) واستمدّ من أرواحهما(٢) .

وكانت زيارته لكربلاء في ٢٨ جمادي الأولى من السنة المذكورة ، وأمر بشقّ نهر كبير من الفرات وأوصله إلى كربلاء وجعلها كالفردوس ، الأمر الذي زاد في محصولاتها وأثمار أشجارها ، وأنعم على الخدمة والسكان كما وأنعم على ساكني دار السّلام...(٣) .

كما زار الحائر الشاه عباس الكبير حفيد الشاه إسماعيل الصفوي وذلك في سنة ( ١٠٣٢ ه / ١٦٢٣ م ) ، ويؤيد ذلك صاحب كتاب ( عالم آراي عباسي ) كما في قوله: « بعدما قضى الشاه عباس زيارة الحسين (عليه‌السلام ) توجّه عن طريق الحلّة إلى النجف للثم عتبة الحرم الحيدري »(٤) .

____________________

(*) لا يخفى ما في العبارة من إرباك , وأكبر الظن أنّ هناك سقطاً وقع أثناء النسخ أفقدها وحدة السياق والمعنى. (موقع معهد الإمامين الحسنين)

(١) أربعة قرون من تاريخ العراق - للمستر لونكريك , ترجمة الاُستاذ جعفر خياط / ٢٠ ، وانظر تاريخ العراق بين احتلالين ٣ / ٣١٦ ، والتاريخ الحديث - لوزارة المعارف / ١٠ , طبع بغداد ١٩٤٦ م.

(٢) تحفة العالم - للسيد جعفر بحر العلوم ١ / ٢٦٥.

(٣) كلشن خلفا / ٢٠٠ - ٢٠١ ، وانظر تاريخ العراق بين احتلالين ٤ / ٢٩ ، وموسوعة العتبات المقدّسة - قسم كربلاء ١ / ١١١.

(٤) عالم آراي عباسي - لاسكندر منشي ٣ / ٧٠٧ ، وانظر أربعة قرون من تاريخ العراق - لونكربك / ٦٢.


وفي بداية سنة ١٠٨٨ ه توجّه الوالي قبلان مصطفى باشا إلى زيارة العتبات المقدّسة في كربلاء والنجف الأشرف , وذلك في شهر شعبان ، وأنعم على الخدم ثمّ عاد إلى بغداد ، وعند عودته ورد أمر عزله(١) , ثمّ زار الحائر السلطان حسن باشا سنة ١١١٧ ه - ١٧٠٥ م.

يروي لنا ابن السويدي في كتابة ( تاريخ بغداد ) عن وصف زيارة السلطان المذكور بقوله: وفي شوال من هذه السنة رفع اللواء بالمسير إلى كربلاء لزيارة سيد الشهداء ، وإمام الصلحاء قرّة عين أهل السنة ، وسيّد شباب أهل الجنّة أبي عبد الله (رضي‌الله‌عنه ) ، وإلى زيارة الليث الجسور ، والشجاع الغيور ، قاطع الأنفاس من ضال كالخناس أبي الفضل العباس ؛ فدخل كربلاء وزار أصحاب الكساء ، وأطلعت المباخر ، وظهرت المفاخر ؛ فأجزل على خدّامها ، وأجمل في فقرائها ، ودعا بحصول المراد ، وزوال الأنكاد ، ودعا له بما يروم ، وأنجح في سعيه بالقدوم ، وبقي يوماً واحداً لضيق القصبة بأحزابه وأعوانه وأصحابه ، ثمّ ارتحل قاصداً أرض الغري(٢) .

وممّن زار كربلاء أيضاً السلطان نادر شاه الأفشاري ؛ فإنّه توجّه نحو العراق عن طريق خانقين إلى بغداد سنة ١١٥٦ ه ، ومنها إلى الحلّة ، ثمّ منها إلى النجف , دخلها يوم الأحد في الحادي والعشرين من شوال ، وارتحل عنها يوم الجمعة ، ودخل كربلاء يوم السبت , وأقام فيها خمسة أيام هو ووزراؤه وعساكره وأرباب دولته ومعه نديمه مرزا زكي(٣) .

وزار الحائر السلطان ناصر الدين شاه القاجاري حفيد فتح علي شاه وذلك في سنة ١٢٨٧ ه ، , فقيل عن لسانه في تاريخ زيارته: ( تشرّفنا بالزيارة ) ، وقد دوّن

____________________

(١) كلشن خلفا / ٢٨٢ ، وانظر تاريخ العراق بين احتلالين ٥ / ١١٣ ، وموسوعة العتبات المقدّسة - قسم كربلاء ١ / ١١٩.

(٢) تاريخ بغداد - لابن السويدي / ٢٥.

(٣) ماضي النجف وحاضرها - للشيخ جعفر محبوبة ١ / ٢٢٢ - ٢٢٣.


ما أسعفته الذاكرة في رحلته المطبوعة بالفارسية باسم ( سفرنامه ناصري ).

ويُقال: إنّ معتمد الملك هو الذي كتب وصنّف هذه الرحلة عن لسان السلطان المذكور. جاء في ( المنتظم الناصري ) وصف زيارته للحائر قوله: في سنة ١٢٨٧ ه في شهر رمضان في الثالث عشر منه ورد السلطان ناصر الدين شاه زائراً النجف ، وخرج يوم العشرين منه عائداً إلى كربلاء ، وأنعم على المجاورين للروضة المطهّرة ، وقدّم لأعتاب تلك الحضرة المقدّسة فصَّ ألماسٍ مكتوباً عليه سورة المـُلك على يد متولّي الحضرة الشريفة ( انتهى )(١) .

ومن جملة الإصلاحات التي اُنجزت في عهده توسيع صحن الحسين (عليه‌السلام ) من جهة الغرب ، وتشييد الجامع الناصري العظيم فوق الرأس ، إضافة إلى تذهيب القبّة السامية كما يستدلّ من كُتيبة القسم الأسفل من القبّة ، وقد نُقشت بماء الذهب.

ويؤيّد ما ذهبنا إليه صاحب كتاب ( تحفة العالم ) بقوله: في سنة ١٢٧٦ ه جاء الشيخ عبد الحسين الطهراني إلى كربلاء بأمر السلطان ناصر الدين شاه القاجاري ، وجدّد تذهيب القبّة الحسينيّة وبناء الصحن الشريف ، وبناء الإيوانات بالكاشي الملوّن ، وتوسعة الصحن من جانب فوق الرأس المطهّر ، ولمـّا فرغ من ذلك مرض في الكاظميين , وتوفي سنة ١٢٨٦ه , ونقل إلى كربلاء(٢) .

ويروى أنّه لدى وصول السلطان ناصر الدين شاه لكربلاء كان في استقباله داخل الحضرة الحسينيّة المرحوم السيد محمّد علي ابن السيد عبد الوهاب آل طعمة - رئيس بلدية كربلاء آنذاك - فاحتفى به وأنشده هذين البيتين بالفارسية:

قبهء سبط نبي در ارض ني(٣)

بـرتوش بـرقبها افكنده في

كفتهء شهزادهء اقليم ري

جون بنات النعش بردور جدي

____________________

(١) المنتظم الناصري - ناصر الدين شاه ٣ / ٣١٥.

(٢) تحفة العالم - مير عبد اللطيف الشوشتري / ٣٠٨ , طبع الهند.

(٣) مختصر كلمة ( نينوى ) , وهي من أسماء كربلاء. انظر الفصل الأول من هذا الكتاب.


وعند ذاك منحه السلطان المذكور وساماً فضّيّاً مزيناً بشعار الحكومة الإيرانيّة(١) .

وممّن زار الحائر الحاج حسن باشا والي بغداد ، وكانت ولايته من عام ١٣٠٨ ه - ١٣١٤ ه ، إذ جاء إلى كربلاء ثمّ تشرّف بزيارة النجف ، وكان قد زارها مراراً عديدة , كما زار الحائر أيضاً السيد محمّد خان اللكناهوري أحد سلاطين الهند ، وذلك في سنة ١٣١٠ ه , وزار الحائر في سنة ١٣٢٦ ه مير فيض محمّد خان تالبر أمير مقاطعة خير بور السند ، وهو شيخ كبير ومعه عدد من وزرائه وعساكره.

وفي ١٩ رمضان سنة ١٣٣٨ ه زار الحائر السلطان أحمد شاه ابن السلطان محمّد علي شاه القاجاري ملك إيران ، وزُيّنت المدينة تزييناً رائعاً ، وخرج الأشراف والأعيان لاستقباله.

وزار كربلاء الملك فيصل الأول بن شريف حسين ملك العراق وذلك في شوال سنة ١٣٣٩ ه - ١٩٢١ م وذلك عند توليه عرش العراق لأوّل مرّة ، واستُقبل بحفاوة بالغة من قبل أعيان البلد ووجهائه ، وزُيّنت الشوارع والطرق بالسجاجيد الثمينة , وزار كربلاء سنة ١٣٤٢ ه رضا شاه بهلوي رئيس وزراء إيران وقائد الجيش الإيراني ، فاستُقبل استقبالاً رائعاً ، ولدى عودته إلى إيران تولّى العرش , وزار الحائر الشريف الأمير عبد الله بن الحسين ملك المملكة الأردنيّة الهاشمية , وذلك في يوم الأربعاء ١٩ جمادى الأولى سنة ١٣٤٨ ه , وزار الحائر أيضاً عباس حلمي ملك مصر السابق في رمضان سنة ١٣٥١ه.

____________________

(١) مذكرات السيد مجيد السيد سلمان الوهاب آل طعمة.


وزار الحائر ملك العراق غازي الأوّل وذلك في يوم الإثنين ٢٤ ذي الحجة سنة ١٣٥٢ ه , واستُقبل بحفاوة وتكريم عظيمين , وزار الحائر السيد علي رضا خان الرامبوري وذلك في يوم الأحد في الخامس والعشرين من رجب سنة ١٣٥٣ ه عائداً من النجف , كما جاء الحائر أيضاً السيد طاهر سيف الدين زعيم الطائفة الإسماعيلية في الهند وأفريقيا وذلك في سنة ١٣٥٨ ه.

وزار الحائر أيضاً السلطان محمّد ظاهر شاه ملك الأفغان في اليوم الخامس من جمادى الآخرة سنة ١٣٦٩ ه حيث توجّه إلى النجف , وزار الحائر ملك العراق فيصل الثاني مع خاله عبد الإله في اليوم السابع عشر من شهر جمادى الثانية سنة ١٣٦٩ ه ، كما زار الحائر زيارات متتالية أخرى.

وبعد إعلان ثورة الرابع عشر من تموز سنة ١٩٥٨ م / ١٣٧٨ ه زار كربلاء عدد كبير من رؤساء وملوك الدول الإسلاميّة , وما زالوا يزورون ؛ وذلك لقدسيتها ومكانتها العلميّة.

دروس من مأساة كربلاء

تحلّ في شهر محرّم من كلّ عام ذكرى حادثة أليمة عرفها التاريخ الإسلامي منذ أمد طويل ، ألا وهي فاجعة الطفّ التي ما زال صداها يدوّي في سمع الزمن. إنّ مأساة كربلاء أو حادثة الحسين (عليه‌السلام ) مثّلت دوراً من أسمى أدوار الإنسانيّة الفذة ، ولقّنت العالم الإسلامي دروساً لن تُنسى أبد الدهر.

فمن هذه المدينة الخالدة وجّه الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ضربته القاضية بوجه الاُمويِّين ، وفي هذه البقعة الشريفة خاض الشهداء معركة الحقّ والكرامة ، فاُهرقت دماؤهم البريئة وروّت أرض الطفّ ، فاصطبغت بدمائهم الزكية ، وبذلوا أنفسهم


الكريمة من أجل العزّة والسيادة ، فكانت أحسن وقع في نفس الإسلام وفي تحقيق الوحدة الإسلاميّة النبيلة.

ومَنْ يتصفح التاريخ الإسلامي يلمس تلك المنزلة والقداسة التي حلّت بهذه المدينة المقدّسة منذ مقتل أبيّ الضيم سيدنا الحسين بن علي (عليه‌السلام ) حتّى يومنا هذا.

لقد أعطى الإمام الحسين (عليه‌السلام ) لشباب العالم وشيوخ الأمم دروساً بليغة في النضال والحرية والدفاع عن شرف النفس ، فقدّم نفسه وأهل بيته وأطفاله ضحايا على رمال الصحراء وقرابين على مذبح الشرف والإباء في سبيل تقويم شرعة جدّه ، وهكذا وقف الحسين (عليه‌السلام ) موقفه الجبّار في عرصات الطفوف غير هيّاب ولا مكترث ، ولسان حاله يقول:

إنْ كان دينُ محمّد لم يستقم

إلّا بقتلي يا سيوف خذيني(١)

ويوم عاشوراء من الأيام المشهودة التي تمرّ علينا كلّ عام منذ استشهاد الحسين الخالد في العاشر من محرّم الحرام ، وما يزال ليعيد لنا ذكرى بطولة أبي الأحرار وموقفة الحازم من الطاغية يزيد بن معاوية ، ذلك الصراع الذي دار بين الحقّ والباطل ، فقد اندحر الظلم وانتصرت العدالة ؛ لأنّ الحقّ يعلو ولا يُعلى عليه.

قيل: لمـّا بلغ الحسين (عليه‌السلام ) القادسية لقيه الحرّ بن يزيد الرياحي(٢) ، فقال له: أين تريد يابن رسول الله ؟

قال: (( اُريد هذا المصر )).

فعرّفه بقتل مسلم وما كان من خبره ، ثمّ قال: ارجع فإنّي لم أدع خلفي خيراً أرجوه لك. فهمّ بالرجوع ، فقال له إخوة مسلم: والله لا نرجع حتّى نُصيب بثأرنا أو نُقتل كلّنا. فقال الحسين: (( لا خير في الحياة بعدكم )).

ثمّ سار حتّى لقي خيل عبيد الله بن زياد عليها

____________________

(١) من قصيدة طويلة لشاعر كربلاء وخطيبها المرحوم الشيخ محسن أبو الحبّ المتوفّى عام ١٣٠٥ ه.

(٢) الحرّ بن يزيد الرياحي التميمي , هو الذي انضم إلى جيش الحسين (عليه‌السلام ) يوم العاشر من المحرّم بعد أن خرج من صفوف أهل الكوفة ، ووقف بين يديه نادباً تائباً ، فأذن له الحسين (عليه‌السلام ) ، وكان أوّل قتيل بين يديه ، ودُفن على بعد ٦ كيلو مترات عن كربلاء , وقبره يزار.


عمر بن سعد بن أبي وقاص , فعدل إلى كربلاء , وهو في مقدار خمسمئة فارس من أهل بيته وأصحابه , ونحو مئة راجل ، فلمـّا كثرت العساكر على الحسين (عليه‌السلام ) أيقن أنّه لا محيص له ، فقال: (( اللّهمّ احكم بيننا وبين القوم ، دعونا لينصرونا ثمّ هم يقتلونا )). فلم يزل يُقاتل حتّى قُتل (رضوان الله عليه)(١) .

ومَنْ يتعمّق في هذه الفاجعة الرهيبة ، ويتصوّر موكب المجد السائر في طريقه نحو التضحية والشهادة ، وموقف العباس بطل العلقمي في الدفاع عن حرم الحسين ومصرعه الرهيب في كربلاء ، يستمد منها دروساً وعبراً ؛ فمن الشهداء مَنْ يتركوا الدينا لأنّهم لم يصلحوا للبقاء فيها ، ومَنْ يخرجون من نعمائها وما دعتهم قطّ للدخول في تلك النعماء.

أمّا شهيد كربلاء فقد ترك الدنيا وهي في يديه ، وتركها وهي مقبلة بنعمائها عليه ، تركها لأنّه أرادها كما ينبغي أن يرضاها ، ولم يقبل أن تريده هي على شرطها كما ترضيه ؛ فهو الشهيد ملء الشهادة من نبل وعظمة وإيثار(٢) . فحري بنا أن نتّعظ بتلك الدروس ونتقبّل تلك العبر ؛ لكي نستطيع أن نشقّ طريق الحياة بحرية واسعة ، ونبني مجداً ونعيد للأمّة الإسلاميّة مكانتها المرموقة في التاريخ.

إنّ التشاور والتآزر , ووحدة الصفوف وجمع الكلمة ، وضرب الحزازات والعمل في سبيل المصلحة العامة وغيرها من جلائل الأعمال الصالحة هي التي تمهّد لنا السبيل لتحقيق رسالة الحسين (عليه‌السلام ) وتأدية الواجب المقدّس والعمل على تمجيده وتخليده. هذا هو المغزى الصحيح لفاجعة الطفّ ، وهكذا يجب أن يعمل الإنسان من أجل الثورة على الظلم والطغيان.

____________________

(١) مروج الذهب - لأبي الحسن علي بن الحسين المسعودي ٣ / ٧٠ , طبع مصر.

(٢) مجلة ( الألواح ) اللبنانية - السنة الأولى - العدد ٤ ( محرّم ١٣٧٠ ) - بحث ( يوم الحسين ) - لعباس محمود العقاد.


الفصل الثاني: كربلاء.. قبلة الأنظار

على الجانب الغربي من نهر الحسينيّة المتفرّع من نهر الفرات تقوم أخلد مدينة في التاريخ ، هي كربلاء التي يبلغ تعداد نفوسها اليوم ١١٠،٠٠٠ ألف نسمة.

وجدير بنا أن نذكر أن نهرها الجميل هو مثار للعاطفة ورواء للقلوب الضامئة ، لا سيما في أيام الربيع وليالي الصيف الحالمة ، وبمجرد أن يزحف موكب الأصيل بأعراسه وبهجته الساحرة ، تمتدّ الكراسي على ضفتيه وينتظم الشباب عليها في حلقات جميلة للتمتع بهذه الروعة الطبيعية المدهشة والجمال الخلاب ؛ حيث النسيمات الندية تهبّ مغمورة بعطر الورد والقدّاح ، وحيث يتكسّر الماء في قلب هذا النهر الجميل ، فيبدّد ظلمة الهموم وينير القلوب بوميض من الفرح ، ويتّجه هذا النهر نحو الطريق الذي يمرّ بمرقد الحرّ الرياحي مخترقاً صفوف النخيل وشجيرات الصفصاف التي تنعكس ظلالها على صفحات الماء الرقراق لتزيده روعة وسحراً.

إنّ مَنْ يسبر غور تاريخ كربلاء يحبّ ألواناً من الجهاد الوطني الذي يشع بإيمان الإخلاص.. جهاد لا يضاهيه جهاد ، وإخلاص لا يضارعه إخلاص ؛ فكربلاء قد حازت قصب السبق في الحقلين الديني والوطني ، ونالت القدح المعلّى


في الزعامة الفراتية ، وضربت الرقم القياسي في الدفاع عن حقوقها ؛ فهي أبداً ثائرة بوجه الاستعمار ، أبداً طامحة إلى بلوغ أمانيها النبيلة ، أبداً ناشرة تعاليم منقذ الإنسانيّة الرسول الأعظم محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وقد ضمّت حضيرتها رجالاً اتصفوا بالعزم والحزم ورباطة الجأش وشدّة الشكيمة ، رجالاً اتصفوا بالنزاهة ، رجالاً أشادوا بالتفاني في سبيل المبدأ ، رجالاً لا تأخذهم في الحقّ لومة لائم. وكذا ضمّت كربلاء بيوتاً لها من الشرف نصيب وافر ، وقد فتحت أبوابها على مصراعيها للشارد والوارد ، ونوادي أدبيّة حوت أنفس الآثار الأدبيّة ، خلقت علماء لهم مكانتهم العلميّة الرفيعة ، وقد بلغت كربلاء علوّاً ورفعة وقداسة مستمدة علوّها ورفعتها وقداستها من رفعة الحسين (عليه‌السلام ) وعلوّه وقداسته ؛ فهي من أسبق المدن التي انتزعت إليها الزعامة العلميّة وعادت إليها بعد مضي قرون.

وقد وصف كربلاء عدد غير قليل من الرحالين والمستشرقين والمؤرّخين على اختلاف المراحل الزمنية ، وجاءت أقوالهم نابعة من صدق الإحساس ومن صميم الواقع.

وممّن قصد كربلاء في سنة ٧٢٦ هجرية الرحالة الشهير محمّد بن عبد الله بن محمّد بن إبراهيم بن يوسف اللواتي الطنجي المعروف بأبي عبد الله شرف الدين بن بطوطة القاضي ، فكتب عنها في رحلته قائلاً: « زرت كربلاء في أيام السلطان أبي سعيد بهادر خان بن خدابنده بعد أن تركت الكوفة في سنة ٧٢٦ه قاصداً مدينة الحسين ( كربلاء ).

وهي مدينة صغيرة تحصنها حدائق النخيل ويسقيها ماء الفرات ، والروضة المقدّسة داخلها وعليها مدرسة عظيمة وزاوية كريمة فيها الطعام للوارد والصادر ، وعلى باب الروضة الحجاب والقومة ( الخدمة ) لا يدخل أحد إلّا عن إذنهم فيقبّل العتبة الشريفة وهي من الفضة ، وعلى الأبواب أستار الحرير ، وأهل هذه المدينة طائفتان ؛ أولاد زحيك , وأولاد فائز ، وبينهما القتال أبداً ، وهم


جميعاً إمامية يرجعون إلى أب واحد ؛ ولأجل فتنتهم تخرّبت هذه المدينة , ثمّ سافرنا منها إلى بغداد»(١) .

ووصف كربلاء الرحالة البرتغالي بيدرو تكسيرا الذي زارها يوم الجمعة المصادف ٢٤ أيلول ١٦٠٤ الموافق ١٠٢٤ه , فقال: نزلت في أحد الخانات العامرة التي كان بناؤها للزوار يعدّ من الأعمال الخيرية المبرورة.

ويقول تكسيرا: إنّ كربلاء - التي يُسمّيها مشهد الحسين - كانت بلدة تحتوي على أربعة آلاف بيت معظمها من البيوت الحقيرة ، وكان سكانها من العرب وبعض الإيرانيين والأتراك الذين كانوا يعينون للأشراف على المناطق المحيطة بها كذلك ، ولكن الأتراك كلّهم كانوا قد انسحبوا يومذاك إلى بغداد بسبب الحرب مع الإيرانيين , فأدّى ذلك إلى رحيل العجم عنها أيضاً ؛ لأنّهم لم يعودوا يشعرون بالطمأنينة والأمان. وقد كانت أسواقها مبنيّة بناء محكماً بالطابوق ، وملأى بالحاجات والسلع التجارية ؛ لتردد الكثيرين من الناس عليها.

وبعد أن يشير إلى وجود الروضة الحسينيّة وتوارد المسلمين لزيارتها من جميع الجهات يتطرّق إلى ذكرى السقاة الذين كانوا يسقون الماء للناس في سبيل الله , وطلباً للأجر ، أو إحياء لذكرى الإمام الشهيد (عليه‌السلام ) الذي قُتل عطشانَ في هذه البقعة من الأرض.

ويقول: إنّهم كانوا يدورون بقربهم الجلدية الملأى بالماء ، وهم يحملون بأيديهم طاسات النحاس الجميلة. ثمّ يشير إلى تيسير الأرزاق ورخصها ، وتوفّر المأكولات والحبوب بكثرة ؛ مثل الحنطة والشعير والفواكه والخضروات واللحوم ، وإلى لطف الهواء فيها , وكون الجو فيها أحسن منه في جميع الأماكن التي أتى على ذكرها من قبل.

وقد وجد في كربلاء عدداً من الآبار العامة الحاوية على الماء العذب الجيد جدّاً ، وكثيراً من الأشجار وبعض أنواع الفاكهة الاُوروبية على حدّ تعبيره. وكانت الأراضي فيها تُسقى من جدول خاص يتفرّع من الفرات الذي يبعد عن البلدة بثمانية فراسخ ، وكان هناك بالإضافة

____________________

(١) تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار - للرحالة ابن بطوطة ١ / ١٣٩ , طبع مصر.


إلى ذلك عدد كبير من الأغنام والماشية التي شاهدها ترعى في المراعي المحيطة بالبلدة. وفي نهايتها من جهة الفرات كانت هناك بركتان كبيرتان من الماء مربعتا الشكل ، وهو يعتقد أنّهما كانتا قد أنشئتا للنزهة والتسلية ، مستدلاً على ذلك بما شاهده من إطلال بعض الأبنية والملاجئ الموقّتة من حولهما.

ولعلّ مواقع الأمكنة والمخيّمات التي كانت تنصب للزوار في مواسم الزيارات الكبيرة. وهنا يشير كذلك إلى أنّ كربلاء والنجف كانتا تخضعان يومذاك إلى المير ناصر المهنا الذي يطلق على نفسه لقب ( ملك ) ، كما يشير إلى أنّه كان تابعاً للأتراك الذين كانوا يغتصبون واردات الأراضي الممتدة في المنطقة كلّها.

ومع هذا فقد شاهد تكسيرا بنفسه الأعراب التابعين للمير ناصر يبيعون في وضح النهار خيول وملابس وأثاث وأسلحة أربعة وثلاثين تركياً من رجال الحكومة التركية في كربلاء بعد أن قتلوهم وسلبوهم ما يملكون. وهذا يدلّ بلا ريب على مقدار الفوضى التي كانت تضرب أطنابها في تلك الجهات ، وهو يعزو هذا إلى انشغال الحكومة يومذاك بالحرب مع إيران.

وممّا يذكره في هذه المناسبة أنّه وجد في الخان الذي كان ينزل فيه أربعين ( سكمانياً ) مع ضابطهم الخاص ، و( السكمانيون ) هم من الجيش المحلي التابع للحكومة ، وقد كان الناس يخشونهم ؛ لأنّهم كانوا متعوّدين على التجاوز على الناس في كلّ فرصة أو مناسبة ، وكانوا من دون وجدان أو ضبط على حدّ قوله... إلخ(١) .

وزار كربلاء الرحالة الألماني كارستن نيبور فوصلها في أواخر أيام السنة الميلادية وهو يوم ٢٧ كانون الأول ١٧٦٥ م بعد أن استغرق في قطع المسافة بينها وبين الحلّة حوالي سبع ساعات على ظهور الدواب ، ويقارن نيبور كربلاء بالنجف من حيث كثرة النخيل فيها وازدياد عدد سكانها ، لكنّه يقول: إنّ بيوتها

____________________

(١) موسوعة العتبات المقدّسة - قسم كربلاء , فصل ( كربلاء في المراجع الغربيّة ) , ترجمة جعفر الخياط / ٢٨١ - ٢٨٤.


لم تكن متينة البنيان ؛ لأنّها كانت تُبنى باللبن غير المشوي ، وكانت البلدة على ما يظهر ممّا جاء في الرحلة محاطة بأسوار من اللبن المجفف بالشمس أيضاً ، كما كانت لها في هذه الأسوار خمسة أبواب ، على أنّه وجد الأسوار متهدمة كلّها في تلك الأيام الغابرة.

ولا شك أنّ أهم ما يُلفت نظره في كربلاء الروضة الحسينيّة المطهّرة التي رسم لها رسماً تقريباً خاصاً استقى تفصيلاته من الدوران حولها والتقرّب إليها ، ومن دخوله إليها في إحدى الأمسيات لفترة وجيزة بصحبة الملا البغدادي الذي كان معه بعد أن لبس عمامة تركية مناسبة في رأسه.

والظاهر إنّه فعل ذلك في موسم أحد الأعياد والزيارات المهمّة ؛ لأنّه يقول: إنّ أطراف الحضرة والصحن كانت متنوّرة للشبابيك الكثيرة التي كانت موجودة فيها ، وقد كان ذلك يكاد يكون غريباً في هذه البلاد التي كان يقلّ فيها زجاج النوافذ يومذاك.

وممّا يأتي على ذكره في هذه المناسبة أنّ الحضرة تقوم في ساحة كبيرة تحيط بها من أطرافها الأربعة مساكن السادة والعلماء على حدّ قوله ، ولا شك أنّه يقصد بذلك ساحة الصحن الكبيرة ، وكان يوجد بين يدي الباب الكبرى شمعدان نحاسي ضخم يحمل عدداً من الأضوية على شاكلة ما كان موجوداً في مشهد الإمام علي (عليه‌السلام ).

لكنّه يقول: إنّه لم يلاحظ وجود الكثير من الذهب في الروضة الحسينيّة يومذاك ، ولا سيما عندما يقارن ضريح الإمام الحسين (عليه‌السلام ) بضريح الإمام علي (عليه‌السلام ) في هذا الشأن. ويذكر نيبور أيضاً أنّ العباس بن علي (عليه‌السلام ) قد شيّد له جامع كبير كذلك ؛ تقديراً لبطولته التي أبداها في يوم عاشوراء ، وتضحيته بنفسه من أجل أخيه.

وهنا يروي قصة العباس المعروفة في الوقعة التي قطعت فيها يداه الكريمتان حينما اخترق حصار الأعداء الأخسّاء لمعسكر الإمام الحسين (عليه‌السلام ) , وذهب ليأتي بالماء إليه وإلى الأطفال والنساء.

ويشير أيضاً إلى وجود مزار خاص خارج البلدة في أوّل الطريق المؤدّي إلى النجف ، ويقول: إنّه شيّد في الموضع الذي سقط فيه جواد


الحسين بركبه الشهيد... إلخ(١) .

وممّا يزيد من مناظر كربلاء وجنانها روعة وابتهاجاً هو ( نهر الحسينيّة ) الذي يخترق بساتين كربلاء , مبتدئ بشمال المدينة , ومنتهياً ببحيرة ( أبي دبس ) حيث يصبّ فيها من جهة الغرب ، وكان يُعرف الفرع الرئيس هذا باسم نهر الحيدري أو الخصيبة ، ويسير باتجاه الشمال الغربي من المدينة لإرواء بساتينها.

غير أنّ كربلاء كانت تعاني أحياناً الجفاف والظمأ ، فقد ينقطع عنها الماء طيلة أربعة أشهر ، وكانت معظم بساتين كربلاء قد حفرت فيها الآبار المبنية بالآجر ، فاستخدم الفلاح الكربلائي ( الكرد ) لسحب الماء من تلك الآبار وسقي البساتين والمزارع(٢) .

وقد وصف كربلاء في مفتتح هذا القرن ( عمانوئيل فتح الله عمانوئيل مضبوط ) حيث زارها سنة ١٣٢٩ ه ١٩١١م ، ونحن ننقل الوصف بكامله لأهميته ، فقال: « قد سرّنا منظر ( كربلاء ) أعظم السرور لا سيما ( كربلاء الجديدة ) أو شهرنو ؛ فإنّ طرقها منارة كلّها , تنيرها القناديل والمصابيح ذات الزيت الحجري.

والقادم من بغداد إذا كان لم يتعوّد مشاهدة الطرق الواسعة والجادات العريضة ، أو إذا كان لم يخرج من مدينته الزوراء ويدهشني أعظم الدهش عند رؤيته لأوّل مرّة هذه الشوارع الفسيحة التي تجري فيها الرياح والأهوية جرياً مطلقاً ، لا حائل يحول دونها , كالتعاريج التي ترى في أزقة بغداد ، وأغلب مدن بلادنا العثمانيّة.

وعند دخولنا المدينة نزلنا على أحد تجار المدينة وهو السيد صالح السيد مهدي(٣) الذي كان قد أعدّ لنا منزلاً نقيم فيه ، فأقمنا

____________________

(١) موسوعة العتبات المقدّسة - قسم كربلاء , فصل (كربلاء في المراجع الغربيّة) , ترجمة جعفر الخياط / ٢٨٦ - ٢٨٨.

(٢) مذكرات السيد مجيد السيد سلمان الوهاب آل طعمة.

(٣) يغلب على الظن أنّ السيد صالح هو ابن السيد مهدي البلور فروش من تجّار المدينة ، والسيد أحمد هو ابن السيد حسن ابن السيد مرتضى آل طعمة.


فيه نهاراً وليلتين.

وفي الليلة الأولى خرجنا لمشارفة ما في المدينة مع السيد أحمد , وأخذنا نطوف ونجول في الطرق ؛ فمررنا على عدّة قهوات حسنة الترتيب والتنسيق ، ورأينا فيها جوامع فيحاء ، ومساجد حسناء ، وتكايا بديعة البناء ، وفنادق تأوي عدداً عديداً من الغرباء ، وقصوراً شاهقة ، ودوراً قوراء ، وأنهاراً جارية ، ورياضاً غناء ، وأشجاراً غبياء.

والخلاصة: وجدنا كربلاء من اُمّهات مدن ديار العراق ؛ إذ إنّ بعض الصنّاع يفوقون مهرة صنّاع بغداد بكثير ، لا سيما في الوشي والتطريز ، والنقش والحفر على المعادن والتصوير ، وحسن الخط والصياغة ، والترصيع وتلبيس الخشب ، خشباً أثمن وأنفس على أشكال ورسوم بديعة عربية وهندية وفارسية , وهندسية.

ولمـّا كان الغد وكان يوم السبت رأينا ما لم نره في الليل فسبقنا وصفه ، وكنّا نقف عند التجار زملائنا وحرفائنا ومعاميلنا الذين نتعاطى معهم بالبيع والشراء ، وفي خارج المدينة نهر اسمه ( الحسينيّة ) ( بالتصغير ) , وماؤه عذب فرات ، ومنه يشرب السكان , إلّا أنّ ماءه ينضب في القيظ ، فتخرج الصدور وتضيق النفوس ويغلو ثمن الماء ، فيضطر أغلبهم إلى حفر الآبار وشرب مياهها ، وهي دون ماء الحسينيّة عذوبة ؛ فتتولد الأمراض ، وتفشو بينهم فشواً ذريعاً ، كالحميات والأدواء الوافدة ، والأمل أنّ الحكومة تسعى في حفر النهر وحفظ مياهه طول السنة.

في كربلاء مستشفى عسكري , ودار حكومة ( سراي ) ، وثكنة للجند , وصيدلية , وحمامات كثيرة ، ودار برق وبريد , وبلدية , وقيسريات عديدة. وفيها قنصلية إنكليزية , والوكيل مسلم , وأغلب رعية الإنكليز من الهنود.

وفيها أيضاً قنصل روسي وهو مسلم أيضاً من كوه قاف ( قوقاسي ) ، وهيئة كربلاء الجديدة ترتقي إلى مدحت باشا الشهيرة , ويبلغ عدد سكّانها ١٠٥٠٠٠ نسمة , منها ٢٥ ألفاً من العثمانيين و٦٠ ألفاً من الإيرانيين وبعض الأجانب المختلفي العناصر و ٢٠ ألفاً من الزوار الغرباء الوافدين إليها من الديار البعيدة ، وليس فيها نصارى لكن فيها عدد من اليهود.

أمّا هواء كربلاء فمعتدل في الشتاء ، ورديء في الصيف ؛ لرطوبته ,


أمّا في سائر أيام السنة فيشبه هواء سائر مدن العراق بدون فرق يعتدّ به , والذي يجلب المسلمين إلى كربلاء هو زيارة قبر الحسين (عليه‌السلام ) ابن بنت رسول المسلمين (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، وقبور جماعة من شهداء آل البيت (عليهم‌السلام ).

والحسين (عليه‌السلام ) مدفون في جامع فاخر حسن البناء , فيه ثلاث مآذن وقبّتان , كلّها مبنية بالآجر والقاشاني ، ومغشّاة بصفيحة من الذهب الإبريز ، وهناك أيضاً ساعتان كبيرتان دقاقتان , وكلّ ساعة مبنية على برج شاهق. وفي كربلاء جامع آخر لا يقلّ عن السابق حسناً في البناء , وهو جامع العباس (عليه‌السلام ) ، وفيه أيضاً مئذنتان وقبّتان وساعتان كبيرتان على الصورة المتقدّم ذكرها ووصفها.

وفي هذه المدينة قسم قديم البناء والطرز , ضيق الأزقّة والشوارع والأسواق , إلّا أنّ ما يباع في تلك الأسواق بديع الصنع ، وأغلب بضائعها تشاكل بضائع بلاد فارس ، لا سيما يشاهد المناظر كثيراً من الطوس من كبيرة وصغيرة من النحاس الأصفر ( الصفر ).

وهناك سلعة لا تراها تباع في غير كربلاء , وهي الترب ( جمع تربة وزان غرفة ) ، وهي عبارة عن قطعة من الفخار أخذ ترابها من أرض كربلاء ، وجبلت على صورة مستديرة أو مربعة أو مستطيلة أو نحو ذلك , يتخذها الشيعة وقت الصلاة فيجعلونها في جهة القبلة ويصلّون متّجهين نحوها.

وممّا يكثر في أسواقها أنواع الأحذية المختلفة الشكل , الفارسية الطرز ، وترى في الحوانيت الزعفران الفاخر الخالص من كلّ شائبة وغش ممّا لا تجد مثله في بغداد.

ولغة أغلب أهل كربلاء الفارسية ؛ لكثرة العجم فيها ، إلّا أنّ الكثيرين منهم تعلّموا العربية ويحسنون التكلّم بها.

ويقسم لواء كربلاء إلى ثلاثة أقضية ؛ وهي مركز قضاء كربلاء والهنديّة والنجف ، والى سبع نواح , وهي: ثلاث منها في مركز القضاء , وأسماؤها: المسيّب والرحالية وشفاثة ، وواحد في الهنديّة , وهي الكفل ، وثلاث في النجف , وهي: الكوفة والرحبة والناجية.

ولمـّا كان نهار الأحد ٤ نيسان نهضنا صباحاً وفطرنا , ثمّ ركبنا العجلات وبرحنا كربلاء في نحو الساعة العاشرة(١) .

____________________

(١) مجلة ( لغة العرب ) ٤ / ١٥٦ - ١٦٠ , رجب ١٣٢٩ شوال - ١٩١١ م.


وقد وصف كربلاء المؤرّخ العراقي المعاصر السيد عبد الرزاق الحسني في كتابه ( موجز تاريخ البلدان العراقية ) ، فقال ما هذا نصّه: « أمّا كربلاء اليوم فتبعد عن بغداد ٧٤ ميلاً ، وتربطها بها سكة حديد ثابتة. وهي مدينة واسعة جالسة على ضفة ترعة ( الحسينيّة ) اليسرى ، يحيط بها شجر النخيل الوارف ، وتحفّها البساتين المحتوية على أشجار الفواكه الباسقة المختلفة الصنوف ، وهي إلى ذلك ذات جادّات واسعة ، ومؤسسات فخمة ، وأسواق منظّمة ، ومبان عامرة ، ورياض وغياض كثيرة.

وتقسم كربلاء من حيث العمران إلى قسمين ؛ يسمّى الأول ( كربلاء القديمة ) , وهو الذي أقيم على أنقاض كربلاء العريقة في القدم والشهيرة في التاريخ ، ويدعى الثاني ( كربلاء الجديدة ) , وهو الذي خطّط في عهد ولاية المصلح الكبير مدحت باشا في عام ١٢٨٥ ه ( ١٨٦٨ م ) ، وبني بعد عام ١٣٠٠ للهجرة على طراز يختلف عن الطراز القديم ، إلّا أنّه تهدّم معظمه - مع الأسف - ؛ حيث اُقيم على أرض سبخة تنزّ فيها المياه فتأكل اُسس الجدران ؛ ولهذا السبب يحيط بكربلاء اليوم مستنقع كبير هو علّة وجود أمراض مزمنة في هذه المدينة تجعل وجوه الأهلين صفر الوجوه ، هزيلي الأجسام ، معرّضين للأمراض المختلفة(١) .

كما وصف كربلاء أيضاً الاُستاذ رزوق عيسى ، فقال: كربلاء وهي أحد المدن المقدّسة عند الشيعة ، وفيها مرقد الحسين ، وموقعها على ضفة نهر الحسينيّة اليسرى يحيط بها من جهة الشمال والغرب ، وتكتنفها المزارع والبساتين والرياض من الشمال والشرق والجنوب ، وهي واقعة إلى الجنوب والجنوب الغربي من بغداد , تبعد عنها ٨٠ كيلو متراً ، أو نحو ٣٥ ميلاً , وتبعد عن الحلّة ٢٥ ميلاً ، وهي قائمة إلى الغرب والشمال الغربي منها.

وفي كربلاء بلدتان: الواحدة قديمة والاُخرى جديدة ؛ فالأولى إلى الشمال , ويحيط بها سور من الشرق والشمال والغرب , ومفتوحة من جهة الجنوب , حيث ترى البلدة الجديدة وهي متّسعة البناء ، وفيها جادة واسعة عريضة آخذة

____________________

(١) موجز تاريخ البلدان العربية - للسيد عبد الرراق الحسني / ٦٣ - ٦٤.


إلى الشمال والجنوب ، وعلى مسافة ميل من جنوب البلدة الجديدة منزل واسع للزوّار.

وأمّا البلدة العتيقة فطرقها معوجّة ، ودورها متجمعة ، وارتفاع سورها يتراوح بين ٢٠ و٣٠ قدماً ، وهو مبني بالآجر وفي أعلاه أبراج ، وموقع المدينة مستو إلّا أنّ الجهة الشماليّة الغربيّة أعلى من سائر الجهات(١) .

ولعلّ أروع وصف لجمال الطبيعة في كربلاء ما دبجه يراع الاُستاذ عبد الرزاق الظاهر ؛ حيث يصف لنا نهر الحسينيّة ويتأمّل جماله الفتّان ، وسحره الأخاذ ، وهو ينساب بين البساتين الغنّاء والسهول الخضراء ، فاهتزت خلجات نفسه لهذه المناظر الطبيعية الخلابة ، وصورها الحالمة ، وجاشت قريحته بهذه العبارات البليغة الزاخرة بالعواطف الملتهبة ، والمشاعر المتدفقة التي تنمّ عن حبّه العميق لمدينة كربلاء العربية الخالدة.

فهو يقول: وفي كربلاء صورة بديعة للملكية الصغيرة ، وما ينتج من تطبيقها من الحسنات والمنافع ؛ فالبساتين المنثورة على ضفتي نهر الحسينيّة وعلى فروعه تذكّرني بغوطة دمشق وجناتها ومياهها ، والداخل إلى تلك الجنائن يشعر بالراحة والانتعاش ، وتحمل إليه الأرواح العذبة التي تهبّ من جنبات الأشجار والنخيل ، ومن أريجها وعبقها أطيب العطور ، وتقع العين على المنظر البهيج والثمر الشهي يتدلى بقدرة القادر فتطيب له النفس.

ولقد كنّا صغاراً في أوائل مراحل الصبا نخرج في مواسم الزيارة ونذهب إلى طرف مدينة كربلاء ؛ فنركب الحمير السريعة العدو ونحن فرحون مرحون ، ونتّجه إلى مسجد الحرّ الرياحي ومقبرته ، فنقطع الطريق من النخل والشجر والزرع , والماء تماسك أوّله بآخره ، وهذه الرياض والبساتين لا تمتاز بالجمال فحسب وإنّما تمتاز بالخير الوفير والبركة ، وينتفع مالكوها من ثمراتها أضعاف ما ينتفع به المالكون للمئات من الدونمات المهجورة والتي تستغل لزراعة الحبوب ، ولجعلها مراعي للمواشي في أماكن اُخرى(٢) .

____________________

(١) جغرافية العراق - رزوق عيسى / ١١٩.

(٢) الإقطاع والديوان في العراق - عبد الرزاق الظاهر / ٦١.


ويصف أبو طالب خان رحلته إلى كربلاء ، فيقول: وباليوم الرابع من ذي القعدة سنة ١٢١٨ ه الموافق اليوم الأول من مارس سنة ١٨٠٣ م بعد إقامتي ببغداد ثمانية أيام استأنفت سفري لزيارة مشهد كربلاء ومشهد النجف الأشرف.

وفي هذه المرّة لم اُعلم الباشا بنيّتي وخطّتي فاكتريت خفية خيلاً وبغالاً من حوذي ، وأنفقت معه على أن يرافقني في جميع الطريق ، وسافرت بلطف فائق ، ولقيت حفاوة من كلّ مَنْ لاقاني في أيّ موضع كنت من طريقي ، وابتهجت بلقيا قاضي كربلاء ( ملا عثمان ) , وكان عائداً إلى كربلاء ، وكان رجلاً سنيّاً ولكنّه كان قد تفقّه وتثقف وتعلّم علماً جليلاً ، وكان بريئاً من أوهام الأحكام التي يحكم بها الطغام قبل الاستعلام ، وظهر لي أنّه سر سروراً عظيماً بلقائي ، ورجا منّي أن أكون رفيقه في السفر.

وفي الطريق من بغداد إلى النجف رأيت بين كلّ ثمانية أميال خانات مسافرين مبنية بالآجر تشبه حصوناً ، ولكنّها يندر أن يقيم فيها المسافرون.

وفي اليوم الأول سرنا أربعين ميلاً وقضينا الليل في خان المزراقجي ، ثمّ وصلنا إلى كربلاء في نحو الساعة الثالثة من اليوم الثاني ، ونزلت في دار السيد حمزة ، وكنت عرفت ابن أخيه في مقصود آباد في البنغال ، وكنت أرجي أن أراه ثانية بكربلاء ولكنّه توفي قبل وصولي إليها بعدّة أشهر ، ومع ذلك استقبلني أبواه استقبالاً حسناً ، وأعاناني على إتمام مختلف مناسك الزيارة.

وتلقّاني حاكم كربلاء أمين آقا بكثير من الأدب ، ودعاني مرّتين إلى التغذي معه ، وأعدّ لي فيلاً لأسافر إلى النجف ، ورغب في دفع كرائها ، ولمـّا كان ذلك يحرمني ثواب الزيارة لم أقبل قطّ هذا البذل(١) .

وكانت مدينة كربلاء مقسّمة إلى ثلاثة أطراف أو محلاّت ، تشكّل قصبة كربلاء قديماً ؛ يدعى الطرف الأول بمحلّة ( آل فائز ) التي تُعرف اليوم بمحلّة باب السلالمة ، والقسم الشرقي من باب الطاق وباب بغداد وبركة العباس.

أمّا الطرف

____________________

(١) رحلة أبي طالب خان إلى العراق وأوروبا / ٣٨١ , (١٧٩٩) م.


الثاني فيُعرف بمحلّة ( آل زحيك ) , وتضمّ محلّة باب النجف وباب الخان ، ويُدعى الطرف الثالث بمحلّة ( آل عيسى ) , وتشمل القسم الغربي من باب الطاق ومحلّة المخيّم.

وقد سمّيت المحلاّت الثلاث بتلك الأسماء نسبة إلى السادة العلويِّين الذين كانوا يقطنونها منذ عدّة قرون ، وكانوا يتقاضون ضرائب على أعقارهم من العشائر التي سكنت هذه الأطراف فيما بعد كما تنصّ على ذلك الوثائق الرسمية ، والمستندات القديمة التي يحتفظ بها معظم رجالات البلد وذوي البيوتات.

وبعد أن أتمّ السيد علي الطباطبائي الشهير بصاحب الرياض بناء سور كربلاء ابتداء من سنة ١٢١٧ ه جعل له ستة أبواب ، وعُرفت كلّ باب باسم خاص ، واستبدل أسماء الأطراف بأسماء تلك الأبواب كما هي اليوم.

ولدى مجيء الوالي مدحت باشا(١) هدم قسماً من السور من جهة باب النجف ، وأضاف طرفاً آخر إلى المدينة سمّي بطرف ( العباسيّة ) , مضافاً إلى ذلك أنّ محلّة العباسيّة نفسها قسّمت إلى قسمين يُعرفان بالعباسيّة الشرقيّة والعباسيّة الغربيّة ، فأصبحت بكربلاء اليوم ثمانية أطراف ( محلاّت ) ، وهي:

١ - محلّة باب السلالمة: وسمّيت بهذا الاسم نسبة إلى العشيرة العربية المعروفة بـ ( السلالمة ) التي قطنتها ، وتقع إلى الشمال من مرقد الإمام الحسين (عليه‌السلام ).

٢ - محلّة باب بغداد: وتقع إلى الشمال من مرقد العباس (عليه‌السلام ) وهو الحي الذي يمرّه المسافرون منه إلى بغداد ، وتُعرف أيضاً بـ ( باب العلوه ) نسبة إلى وجود علوة لبيع الخضروات.

٣ - محلّة باب الطاق: وتقع إلى الجهة الشماليّة الغربيّة من المدينة ؛ وسمّيت

____________________

(١) ومن أعمال هذا الوالي في كربلاء تبديله طريق كربلاء بغداد السابق المعروف بـ ( عكد بغداد ) ، وذلك عند مجيء ناصر الدين شاه القاجاري لزيارة العتبات المقدّسة سنة ١٢٨٧ ه , وجعله من طريق كربلاء - عون ، وهو الطريق الأصلي الذي كانت تسير فيه القوافل والعربات حتّى زمن الاحتلال.


بذلك نسبة إلى وجود طاق السيد إبراهيم الزعفراني أحد رجالات كربلاء في حادثة المناخور سنة ١٢٤١ ه.

٤ - محلّة باب الخان: وتقع إلى الجانب الشرقي من المدينة ، وسمّيت بهذا الاسم نسبة إلى وجود خان كبير كان قد أقيم بالقرب من سور المدينة.

٥ - محلّة المخيّم: تقع إلى الجنوب الغربي من المرقدين المقدّسين ، وسمّيت بذلك تيمّناً بوجود المخيّم الحسيني.

٦ - محلّة باب النجف: تقع في قلب المدينة ، وتشمل الأماكن التي تفصل المرقدين المقدّسين ، وهو الحي الذي كان يمرّ المسافرون منه إلى النجف.

٧ - محلّة العباسيّة: تقع إلى جنوب المدينة ، وقد اختطت في عهد الوالي مدحت باشا ، وتُعرف بالجديدة ، وقسّمت إلى قسمين:

العباسيّة الشرقيّة: وهي التي تقع إلى شرق شارع العباس.

العباسيّة الغربيّة: وهي التي تقع إلى غرب شارع العباس.

وفي عام ١٩٥٦ م أحدث متصرّف كربلاء حسين السعد ( حي الحسين ) ويقع جنوب كربلاء ، ثمّ أخذت المدينة تتوسّع ويزداد عدد سكانها فاستحدثت محلاّت وأحياء أخرى ، وهي كما يلي:

١ - حي المعلّمين.

٢ - حي العباس: ويقع شمال المدينة ضمن أراضي ( فدان السادة ) العائدة للسادة آل طعمة.

٣ - حي النقيب.

٤ - حي الثورة.

٥ - حي الحرّ.

٦ - حي رمضان.

٧- حي الصحة.

٨ - حي الإسكان.

٩ - حي الإصلاح الزراعي.

١٠ - القزوينية.


١١ - حي العدالة.

١٢ - حي البنوك.

١٣- حي الأنصار.

١٤ - حي الموظفين.

١٥ - حي البلدية.

١٦ - حي العروبة.

١٧ - السعدية.

١٨ - حي العلماء.

١٩ - المعلمجي.

٢٠ - حي التعليب.

٢١ - حي العامل.

وفي كربلاء عمارات بديعة أشهرها رباط الهنود الإسماعيليّة المعروفين ( البهره ) ؛ فإنّه كبير جدّاً ، وفيه مشروع إسالة ماء خاص به ، ومؤسسة للكهرباء ، وصيدلية توزّع فيها الأدوية مجاناً.

ومنها بناية دائرة الماء والكهرباء ، وصرح الحكومة ، ودائرة البرق ، وعمارة القنصلية الإيرانية إلى عدد كبير من الفنادق الحديثة المعدّة لإيواء الزوار ، ومكتبة للأوقاف العامة ، ومكتبات خاصة وتجارية كثيرة(١) .إضافة إلى ذلك فإنّ هناك الكثير من المباني الحكومية التي اُنشئت حديثاً ، كما أنّ فيها شوارع مستقيمة ومبلّطة ، كشارع الإمام علي (عليه‌السلام ) ، وشارع علي الأكبر (عليه‌السلام ) ، وشارع الحسين (عليه‌السلام ) ، وشارع العباس (عليه‌السلام ) ، وشارع الرسول الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، وشارع الوحدة العربية وسواها. ويروى أنّ أحد ملوك الهند زار كربلاء في أوائل القرن التاسع عشرة الميلادي ، أي بعد حادثة الوهابيِّين , فأشفق على حالتها وبنى فيها أسواقاً حسنة وبيوتاً قوراء أسكنها بعض مَنْ نكبوا ، وبنى للبلدة سوراً حصيناً لصدّ هجمات الأعداء ، وأقام حوله الأبراج والمعاقل ، ونصب آلات الدفاع على الطراز القديم ، وصارت على مَنْ يهجمها أمنع من عقاب الجو , فأمّنت على نفسها وعاد إليها بعض الرقي والتقدم(٢) .وفي أيام الوالي المصلح مدحت باشا ( ١٨٧١ م ) بُنيت الدوائر الحكومية في كربلاء ، وتمّ توسيع السوق فيها(٣) , إضافة إلى وجود عدد من الأسواق

____________________

(١) العراق قديماً وحديثاً - السيد عبد الرزاق الحسني / ١٢٦.

(٢) تاريخ كربلاء المعلّى - عبد الحسين الكليدار آل طعمة / ٢٢.

(٣) موسوعة العتبات المقدّسة - قسم كربلاء ١ / ٢٨٠.


الكبيرة(١) .

ولعلّ أشهر المباني الحكومية الفخمة التي تتوسط حي الحسين (عليه‌السلام ) الجميل هو فندق كربلاء ، أو ما يسمّى بفندق المصايف والسياحة ، حيث يأوي إليه السوّاح والزوار , أمّا نفوس كربلاء فقد ثبت لدى الإحصائية الأخيرة التي اُجريت سنة ١٩٧٦ م أنّ نفوس مدينة كربلاء (٢٨١٨١٤) نسمة.

وقد اقترن اسم كربلاء بحكم مركزها الديني المرموق بأسماء العديد من ذوي المواهب الفنية والأدبيّة ؛ فقد خرّجت العديد من الشعراء والكتّاب ورجال العلم والدين ، كما اشتهرت بعدد من الصناعات والفنون الشعبية الدقيقة ؛ كصناعة السيراميك , والقاشاني الملوّن المنقوش بالصور الجميلة ، وصناعة النقش على النحاس التي برع بها الكربلائيون فأخرجوا من النماذج ما يرتقي إلى مصاف اللوحات الفنية

____________________

(١) يروى أنّ سوق البزازين ( سوق العرب اليوم ) اُسس قبل ٢٠٠ سنة ، وكان يسمّى قديماً بـ ( سوق مدك الطبل ) ، أي أنّه كان سوقاً للصفارين. وللسادة آل الأشيقر بعض الموقوفات في هذا السوق. وقد اطلعت على وقفية خاصة بها وتاريخها سنة ١٢٥١ ه ، الواقف لها علي الحردان , والموقوف عليه السيد محمّد السيد حمزة الأشيقر.

ومن الأسواق الاُخرى ( سوق الحسين ) الذي أوقف بعض حوانيته الشيخ محمّد صالح البرغاني على الجهات الخيرية للحائر الحسيني , وقد اطلعت على الوقفية الخاصة بتلك الحوانيت , وتاريخها رجب المرجب من شهور سنة سبعين بعد الألف والمئتين , مختوماً بختم شيخ الطائفة الشيخ مرتضى الأنصاري. وهناك أسواق اُخرى قديمة كسوق القبلة الذي بناه السيد أحمد الدده , وكان عبارة عن مجموعة دور وخان كبير.

ووردت أهزوجة شعبية بعد وضع ( الجمالي ) على السوق من قبل الوالي , تقول:

الله يديمه الوالي

سوّه السوك جمالي

وعدا ما ذكرت فإنّ هناك سوق التجار الكبير ، وسوق العباس (عليه‌السلام ) ، وسوق الزينبية ، وسوق العلاوي ، وسوق باب الخان وغيرها.


المتكاملة(١) .

وممّا لا غبار عليه أنّ كربلاء مجبولة على الصناعة اليدوية البدائية ، فقد كان من الطبيعي أن تكون مركزاً لقيام صناعات النحاس ( الصفر ) على أشكاله ، وهي تعدّ من أنفس الصناعات لا سيما ( السماورات ) لصنع الشاي ، والصياغة الدقيقة والوشي والتطريز ، وفيها صناعة الترب ، وصناعة الأحذية الشعبية ، والصياغة الذهبية والفضية ، وصناعة الأواني النحاسية والبرونزية المنقوشة بالصور والتماثيل.

كما تقوم بصناعة الغزل والنسيج والصناعات الفرعية الاُخرى ، كصناعة الترب التي تتخذ من أرض كربلاء تبرّكاً للسجود عليها ، والسبح للتسبيح بها وغير ذلك ، وكان من جرّاء الماضي الصناعي لكربلاء أن تخرّج فيها عدد من العمال المهرة.

وقد أسهم الشعراء والكتّاب إسهاماً ملحوظاً في وصف كربلاء والثناء عليها ، وها نحن نثبت في هذا الفصل بعض النماذج التي تجسد مفاتن ومحاسن هذه المدينة شعراً.

فهذه أبيات من قصيدة بعنوان (بعد الأحبّة) للشاعر الكربلائي المرحوم عباس أبو الطوس يستنهض بها أحبّته , فيناشدهم بقوله:

هبّ النسيمُ على الربى فذكرتكمْ

وهفا الفؤاد لأمسه البسّامِ

والبدرُ قد أرخى طلاقته على

هضباتِ وادي ( الطفّ ) والآكامِ

و( الطفّ ) دار صبابتي وسعادتي

ومقرّ أحبابي وأرض إمامي

أرض بها طابت ملاعبُ صبوتي

وصفت كلطف نسيمها أيامي

ونشأتُ بـين حقولها ونخيلها

فغدت مثار عواطفي وهيامي

وسحبتُ ذيل صباي فيها باسماً

ما بين صحبٍ من ذوي الأقلامِ

يا كربلاء تقدّمي يا كربلا

للعلم للأدب الرفيع السامي

سيري على نور الحضارة والعلا

هذا أوان الجدّ والإقدامِ

سيري على نهج النهى جذلانةً

ودعي الرقاد فلات حين منامِ

____________________

(١) مجلة ( العراق الجديد ) - العدد ١٠ تشرين الأول ١٩٦١ م.


ثمّ اخلعي الثوب الذي لعبت به

كفّ البلى في سالف الأعوامِ

سيري على أسس الحياة فإنّما

تعلو البلاد إذا سرت بنظامِ

يا كربلاء وما القريض بنافعٍ

إذ لا يشقّ حنادس الإبـهامِ

لا يستحق أخو الأحاجي عزّةً

إن كان فيه كخابطٍ بظلامِ(١)

وفي يوم ١٦ / ٢ / ١٩٦٠ م زار الشاعر خضر عباس الصالحي مدينة كربلاء ، ومكث فيها زهاء أربعة أيام , تسنّى له خلالها التعرّف على طائفة ممتازة من أدبائها الأحرار المثقفين ، فلقي منهم أنبل اللطف وأروع المجاملة وأحسن اللقاء ؛ فألهمته هذه المزايا الرائعة قصيدة وجدانية ، هي:

أرسلت حلو الغناءِ

على ربُى كربلاءِ

كعاشقٌ مستهام

بـغادة حسناءِ

أو هائمٌ هيجته

عواطفُ الشعراءِ

أو ظامئ بات يحسو

خمرَ المنى باشتهاءِ

أو طائر راح يشدو

في واحةٍ فيحاءِ

بـها تحف رياضٌ

ملأى بكنز الرخاءِ

وحولها غابُ نخلٍ

يطفو بدفق الثراءِ

بأفقها الرحب تسمو

مراقدُ الشهداءِ

تشق قلب الليالي

بـنورها اللألاءِ

فيالها ذكريات

جاشت بفيض الولاءِ

بـها فؤادي المعنّى

أضحى طليقَ الرجاءِ

وعاش في ظلِّ قومٍ

من صفوة الاُدباءِ

في لُجّة من حنينٍ

وموجة من هناءِ

بـها الشعور تعرّى

من الأسى والشقاءِ


والقلب صار يغني

بـنغمةٍ خضراءِ

الذكريات ستبقى

مغموسةً في دمائي

كنفحة تتهامى

من وردة عذراءِ

طاف الربيع عليها

بـروحه السمحاءِ

فدب في كل عرق

منها عبير الضياءِ

فانسل من عاطفاتي

همس الدجى والمساءِ

ياليت شعري أأحظى

بعد النوى باللقاءِ(١)

ويشارك الشاعر هادي الشربتي بهذه المشاعر الصادقة والأحاسيس المتدفقة نحو مدينته فيقول:

كلفت بـأرض الطفّ منذ طفولتي

وأرجو بأن تمسي لدى الموت مهجعي

فلي عندها في كلّ شبر لبانةٌ

من العمر تبدو لي على كلّ موضعِ

وأوعتها أحلى الأماني فما ابتغى

فؤادي سواها فهي بيتي ومفزعي

ولو جبت في الآفاق طراً فلم يكن

إلى غيرها يوماً ركوني ومرجعي

دفنت بـها خير الأحبّة لم تزل

طيوف لهم تترى فينهلّ مدمعي

ومن نبتها أحببت غرساً وصاله

لدى الروح من أحلى الأماني وأمتعِ

أهاجت شظايا لوعةِ البين أضلعي

قوافٍ بـها جادت يراعة مبدعِ

____________________

(١) جريدة ( شعلة الأهالي ) الكربلائية - العدد ٩ ( ٢١ مايس ١٩٦٠ م - ذي القعدة ١٣٧٩ ه ).


الفصل الثالث: الآثار التاريخيّة في كربلاء

تعتبر كربلاء من أقدس وأشهر المدن الإسلاميّة الكبرى ؛ إذ يؤمّها ملايين الزائرين من جميع الأقطار الإسلاميّة وغيرها لزيارة مرقدي الإمام الحسين بن علي وأخيه العباس (عليهما‌السلام ) وباقي الآثار التاريخيّة فيها.

فإلى جانب هذين المرقدين المقدّسين تحتضن كربلاء عدّة مزارات مقدّسة وقبور أساطين العلم ، ومقامات رفيعة الشأن بأسماء الأئمّة الأطهار ؛ فمن بين هذه المراقد التي تُزار في الروضة الحسينيّة هي:

مرقد السيد إبراهيم المجاب

والسيد إبراهيم هو ابن السيد محمّد العابد المدفون في شيراز ابن الإمام الهمام موسى بن جعفر (عليه‌السلام ) ، يقع مرقده الشريف في الزاوية الشماليّة الغربيّة من الرواق المعروف باسمه في الروضة الحسينيّة ، وعليه ضريح لطيف الصنع من البرونز.

لقد أجمع المؤرّخون وعلماء النسب أنّ السيد إبراهيم المجاب الضرير الكوفي هو أوّل فاطمي انتقل إلى الحائر الحسيني ، وآثر الاستيطان فيه بعد حادثة مقتل


المتوكّل في أيام ابنه المنتصر العباسي , وذلك سنة ٢٤٧ هجرية ، أي في منتصف القرن الثالث الهجري ؛ ولذا يلقّب ابنه الأكبر بمحمد الحائري ، وهو الجدّ الأقدم للسادات ( آل فائز ) المعروفين اليوم في كربلاء بـ ( آل طعمة ، وآل نصر الله ، وآل ضياء الدين ، وآل تاجر ، وآل مساعد ، وآل سيد أمين ).

ذكرها العلّامة السيد محسن الأمين في موسوعته قائلاً: عن كتاب عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب للسيد الشريف النسابة أحمد بن علي بن الحسين أنّه قال: وأمّا إبراهيم الضرير بن محمّد بن موسى الكاظم (عليه‌السلام ) فهو المعروف بالمجاب ، وقبره بمشهد الحسين (عليه‌السلام ) معروف مشهور.

وفي رجال بحر العلوم: وإنّما لقّب أبوه محمّد العابد لكثرة عبادته وصومه وصلاته كما ذكر المفيد (طاب ثراه) في الإرشاد وغيره. انتهى.

أي إنّ المفيد ذكر كثرة عبادته ؛ لأنّه قال ذلك سبب تلقيبه بالعابد. أمّا سبب تلقيبه إبراهيم المجاب ؛ فهو يُقال: أنّه سلّم على الحسين (عليه‌السلام ) فاُجيب من القبر والله أعلم بصحة ذلك. وليس هو جدّ السيدين المرتضى والرضي كما يتوهّم ؛ لأنّ جدّهما إبراهيم ابن الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام )(١) .

وذكره النسّابة الشهير ابن زهرة ، نقيب حلب في كتابه « غاية الاختصار » فقال: وبنو المجاب إبراهيم بن موسى قالوا: سمّي بالمجاب بردّ السّلام ؛ وذلك لأنّه دخل إلى حضرة أبي عبد الله الحسين بن علي (عليه‌السلام ) فقال: السّلام عليك يا أبي. فسمع صوت: (( وعليك السّلام يا ولدي ))(٢) .

وقال الشيخ شرف الدين العبيدلي في كتابه ( تذكرة الإنسان ): إبراهيم الضرير الكوفي المجاب بردّ السّلام ، يقول بعض ولده:

من أين للناسِ مثل جدّي

موسى أو ابن ابنه المجابِ

____________________

(١) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين العاملي ٥ / ٤٠١.

(٢) غاية الاختصار في البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار - للسيد تاج الدين بن محمّد بن حمزة بن زهرة الحسيني / ٨٩ ( طبع النجف ).


إذ خاطبَ السبطَ وهو رمسٌ

جاوبهُ أكرم الجوابِ(١)

وجاء ذكره أيضاً في كتاب ( نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين ) , هذا نصّه في الجواب عن أوّل مَنْ جاور الحائر المقدّس من الأشراف الحسينيّة: فاعلم أنّ آل إبراهيم المجاب ، ويُقال له: إبراهيم الضرير الكوفي ابن محمّد العابد ابن الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ) أوّل مَنْ سكن الحائر فيما أعلم.

ولم أعثر على مَنْ تقدّم في المجاورة عليهم ؛ فإنّ علماء النسب كلّهم ينسبون محمّد بن إبراهيم المجاب بالحائري ، ويصفون إبراهيم المجاب نفسه بالكوفي ، وفي بالي إنّي رأيت أنّه كان إبراهيم المجاب الضرير مجاور الحائر , وبه مات ، وقبره هناك معروف ، لكنّي لا أذكر الكتاب الذي رأيت فيه ذلك ، لكن نصّ الكلّ على أنّ ابنه محمّد الحائري كان في الحائر ، وعقبه بالحائر كلّهم. انتهى(٢) .

وعلّق المؤلّف نفسه بالنسبة لقبور بعض بني هاشم الشهداء ، وبعض أولاد الأئمّة المحترمين قوله: ومنهم إبراهيم المجاب بن محمّد العابد ابن الإمام الكاظم ، قبره في رواق حرم الحسين ، وهو صاحب الشباك ، وهو أوّل مَنْ سكن الحائر من الموسوية. كان ضريراً يسكن الكوفة ، ثمّ سكن الحائر.

وقد وهم فيه السيد بحر العلوم في الفوائد الرجالية فظنّه إبراهيم ابن الإمام الكاظم (عليه‌السلام ) ، وأنّه إبراهيم صاحب أبي السرايا ، وهو وهم في وهم ، وعرفت التحقيق فيهما ، وقد شرحت التفصيل في كتاب ( تكلمة أمل الآمل ) في ترجمة السيد المرتضى. انتهى(٣) .

وجاء في كتاب (بغية النبلاء / ٢٠) أقول: كانت قرية المجاب حتّى سنة ١٢١٧ ه سبعة عشر وألف ومئتين على ما ذكره أبو طالب بن محمّد الأصفهاني

____________________

(١) تذكرة الأنساب - لأحمد بن محمّد بن مهنا بن علي بن مهنا الحسيني النسّابة - فصل ( بيت أبي الفائز ) / ١٠٧ - ١١٢ , مخطوط في مكتبة الإمام الرضا بمشهد سنة ٦٥٧ ه.

(٢) نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين - للسيد حسن الصدر / ٢١ ( طبع لكهنو ).

(٣) نزهة أهل الحرمين / ٢١.


في رحلة ( مسير طالبي ) في الصحن الشريف ، وعندما ألحقت بالروضة الطاهرة الأروقة الثلاثة الشرقي والغربي والقسم الشمالي أصبح عندئذ ضريحه في الرواق الغربي , حيث الشمال كما هو عليه اليوم(١) .

تلك هي بعض الآراء في السيد إبراهيم المجاب جاولنا عرضها قدر المستطاع ، وهي غيض من فيض أردنا التنويه عنها.

مرقد حبيب بن مظاهر الأسدي

وهو أحد شهداء حادثة الطفّ ، ناصر الحسين (عليه‌السلام ) ، وشهر سيفه أمام الأعداء حتّى سقط صريعاً على رمضاء كربلاء ، ودُفن في الواجهة الغربيّة من الرواق الأمامي للروضة الحسينيّة المطهّرة ، وضريحة مصنوع من الفضة ، وهو أجلّ شأناً من أن يوصف.

ذكره الكشي في رجاله فقال: كان حبيب من السبعين الرجال الذين نصروا الحسين (عليه‌السلام ) ، ولقوا حبال الحديد ، واستقبلوا الرماح بصدورهم والسيوف بوجوههم ، ويُعرض عليهم الأمان والأموال ، فيأتون ويقولون: لا عذر لنا عند رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إن قُتل الحسين (عليه‌السلام ) ومنّا عين تطرف , حتّى قُتلوا حوله ( رحمهم الله وحشرنا معهم برحمته في جوار مولانا الحسين (عليه‌السلام ) ).

ولقد خرج حبيب بن مظاهر الأسدي وهو يضحك ، فقال له يزيد بن حصين الهمداني , وكان يُقال له: سيد القرّاء: يا أخي , ليس هذه بساعة ضحك !

قال: فأيّ موضع أحقّ من هذا بالسرور ؟! والله ما هو إلّا أن يميل علينا هذه الطغاة بسيوفهم فنعانق الحور العين(٢) .

ويُقال: إنّ حبيب بن مظاهر كان يحفظ القرآن عن ظهر قلب ، وكان يشرع بتلاوة جميع القرآن من بعد صلاة عشائه حتّى الفجر في كل ليلة(٣) .

____________________

(١) بغية النبلاء في تاريخ كربلاء - للسيد عبد الحسين الكليدار آل طعمة / ١٢٠.

(٢) رجال الكشي / ٥٢ ( طبع بمبي ).

(٣) تحفة الأحباب - للشيخ عباس القمي / ٥١.


وذكره الزرگلي في ( الأعلام ) قائلاً: حبيب بن مظهر ، أو مظاهر أو مطهر , ابن رئاب بن الأشتر بن حجوان الأسدي الكندي ثمّ الفقعسي تابعي من القوّاد الشجعان ، نزل الكوفة وصحب علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) ، ثمّ كان على ميسرة الحسين يوم كربلاء وعمره خمس وسبعون سنة ، وهو واحد من سبعين رجلاً استبسلوا في ذلك اليوم ، وعُرض عليهم الأمان فأبوا ، وقالوا: لا عذر لنا عند رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إن قُتل الحسين وفينا عين تطرف , حتّى قُتلوا حوله(١) .

وجاء في ( القاموس الإسلامي ) وهذا نصّه: حبيب بن مطر تابعي من شيعة الحسين ، وهو حبيب بن مطهر بن رئاب الأسدي , اشترك مع الحسين في وقعة كربلاء وهو كهل في الخامسة والسبعين من العمر ، وعُرض عليه الأمان فأبى , واستشهد مع أصحابه عام ٦١ ه - ٦٨٠ م(٢) . إلى غير ذلك من الأقوال التي تؤكّد على موقف حبيب بن مظاهر الحازم في حادثة الطفّ ، وما أدّاه من بطولة نادرة وشجاعة فريدة يُضرب بها المثل.

ضريح الشهداء

وموقعه في شرقي الضريح الحسيني حيث مثوى أصحاب الحسين والقاسم بن الحسن (عليه‌السلام ) وهم ملحدون في ضريح واحد. وهذا الضريح وضع علامة لمكان قبورهم ، وهم في التربة التي فيها قبر الحسين (عليه‌السلام )(٣) .

والضريح لطيف بديع الصنع ، مصنوع من الفضة ، وقد شيّده ناصر الدين شاه القاجاري , أمّا بقية شهداء الطفّ فإنّهم يرقدون في الساحة الأمامية لضريح الشهداء المذكور.

____________________

(١) الأعلام - خير الدين الزركلي ٢ / ١٧٣.

(٢) القاموس الإسلامي - وضع أحمد عطية الله ٢ / ٣٣ , طبع القاهرة.

(٣) بغية النبلاء في تاريخ كربلاء / ٥٤.


المخيّم

من معالم كربلاء الأثرية والأماكن المقدّسة التي يتبرّك بها الزوار المخيّم ، ويقع في الجنوب الغربي من الحائر الحسيني. يُؤخذ من أقوال المؤرّخين أنّ المخيّم الحالي الذي نتحدّث عنه لا يمتّ إلى الحقيقة بصلة ، ولا يستند إلى دليل أو برهان ؛ ولذا لم نجد أثر يذكر لموقع مخيّم الحسين (عليه‌السلام ) في كتب أرباب السير والتواريخ.

زار كربلاء الرحالة الألماني كارستن نيبور فوصلها يوم ٢٧ كانون الأوّل سنة ١٧٦٥ م ، ولنتركه يصف لنا ما شاهده في المخيّم قال: إنّ هذا الموقع قد أصبح حديقة غنّاء واسعة الأرجاء ، تقع في نهاية البلدة ، وتشاهد فيه بركة كبيرة من الماء ، وموقع هذه البركة هو نفس الموقع الذي كان الإمام العباس قد حفر فيه لإيجاد الماء فلم يعثر على شيء منه.

ويروي نيبور بالمناسبة أنّ الناس هناك كانوا يعتقدون بأنّ ظهور الماء في البركة بعد ذلك يعتبر من المعجزات. وقد أشار إلى وجود هذه البركة الكبيرة في الموقع نفسه الرحالة البرتغالي تكسيرا الذي زار كربلاء في ١٦٠٤ م ، أي قبل مجيء نيبور إليها بمئة وستين سنة كما ذكر قبل هذا.

وممّا يذكره كذلك أنّ موقع المخيّم كان يوجد بقربه مرقد غير كبير ، دُفن فيه القاسم ابن الإمام الحسن (عليه‌السلام ) وعدد من الشهداء الآخرين الذين سقطوا في معركة التضحية والبطولة يوم عاشوراء ، ويسرد بالمناسبة قصة القاسم الشاب وعرسه المعروفة(١) .

ويروي الرحّالة أبو طالب خان في رحلته عند زيارته لكربلاء سنة ١٢١٧ه قائلاً: وعلى بعد ربع ميل خارج المدينة قرية المخيّم ، ومقام زين العابدين (عليه‌السلام ) , شيدت عليه زوجة المرحوم آصف الدولة عمارة لائقة ، وأقامت قربه رباط لم يتمّ

____________________

(١) موسوعة العتبات المقدّسة - قسم كربلاء ١ / ٢٨٨ بحث الاُستاذ جعفر الخياط.


بناؤه بسبب وفاة آصف الدولة(١) .

غير أنّ هناك رأياً للعلاّمة السيد محمّد تقي الطباطبائي نقله عن المرحوم العلّامة السيد حسن الصدر يقول فيه: إنّ مخيّم الحسين (عليه‌السلام ) كان قريباً من المستشفى الحسيني في كربلاء اليوم ، ويغلب على الظنّ أنّ هذا الموضع أقرب إلى الصواب ؛ الأمر الذي اكتفينا بالتنويه عنه(٢) .

والمرجح عندنا أنّ المخيّم الحالي من الأبنية التي ابتدعها مدحت باشا من أجل ضيافة السلطان ناصر الدين شاه وعساكره وحاشيته ، كما يؤكّد بعض الثقاة أنّ عبد المؤمن الدده تولّى بناء غرفة في هذا المكان لتكون رمزاً لمخيّم الحسين ، وذلك عندما قطن كربلاء في القرن العاشر الهجري ، وغرس بجنبه نخيلات لتكون صومعة له ، ولم يزل البستان الواقعة جنب المخيّم تُعرف ببستان الدده.

وعندما أتمّ السيد علي الطباطبائي المشهور بصاحب الرياض بناء سور لكربلاء سنة ١٢١٧ ه بعد غارة الوهابيِّين , أتخذ هذا المحلّ مقبرة لدفن الموتى ، واستبدل الطرف بمحلّة المخيّم ، وكانت قصبة كربلاء القديمة التي شيّدها عضد الدولة البويهي في المئة الرابعة الهجرية تحتوي على ثلاثة أطراف ؛ يُدعى الطرف الأوّل منها بمحلّة آل فائز ، والطرف الثاني بمحلّة آل زحيك ، والطرف الثالث بمحلّة آل عيسى.

وعندما أتمّ السيد علي الطباطبائي بناء سور كربلاء جعل له ستة أبواب عُرفت كلّ باب باسم خاص ، واستبدل أسماء الأطراف بأسماء تلك الأبواب كما هو عليه الحال اليوم.

وبعد مجيء مدحت باشا هدم قسماً من السور من جهة طرف باب

____________________

(١) مسير طالبي - ميرزا أبو طالب خان بن محمّد الأصفهاني / ٢٨٣ ( فارسي ) , طبع الهند سنة ١٢٢٧ ه.

وممّا يجدر التنويه به أنّ الكتاب طُبع باسم ( رحلة أبي طالب خان ) إلى العراق وأوروبا سنة ١٢١٣ ه - ١٧٩٩ م , ترجمها من الفرنسية إلى العربية الدكتور مصطفى جواد , مطبعة الإيمان - بغداد / ١٩٧٠.

(٢) مدينة الحسين - محمّد حسن الكيدار آل طعمة ٢ / ٢٤.


النجف ، وأضاف طرفاً آخر إلى البلدة سُمّي بمحلّة العباسيّة ، فأصبحت لكربلاء سبعة أطراف(١) .

وتنصّ الوثائق والمستندات التاريخيّة القديمة التي اطلعنا عليها لدى سادات كربلاء أنّ محلّة المخيّم ، والقسم الشرقي من محلّة باب الطاق كانت تُعرف بمحلّة السادة ( آل عيسى ) حتّى أواخر عام ١٢٧٦ ه ، وقد تغيّر هذا الاسم إلى محلّة المخيّم بعد هذا التاريخ.

وعلى باب المخيّم توجد رخامة نُقشت عليها أبيات للشاعر الكربلائي المرحوم السيد حسين العلوي ، وهي:

هذي خيامُ بني النبيِّ محمّدٍ

بـالطفِّ حصناً شيّدت للدينِ

قد خصّها الباري لكلِّ فضيلةٍ

شرفاً فلا نبتٌ لها بقرينِ

إن قلتَ مكّة قلتُ هذي كربلا

فخراً سرت من عالم التكوينِ

سلها إذا شرّفت في أعتابها

أين الحسينُ بعبرةٍ وشجونِ

فتجبك ما قد نالهوأصابها

من بـعدهِ أعداؤه حرقوني

المخيّم الحسيني

____________________

(١) المصدر السابق ١ / ١٥.


هذا وقد اُجريت على المخيّم مؤخّراً إصلاحات جديدة من قبل وزارة الأوقاف , حيث قامت بتعميره سنة ١٩٧٨ م.

سبيل خانة المخيّم

مرقد الحر بن يزيد الرياحي

لو اتجهنا نحو ثلاثة أميال عن غربي كربلاء لاحت لنا قبّة من القاشاني الملوّن ، تلك هي قبّة الحرّ بن يزيد الرياحي التميمي الذي استشهد مع الحسين (عليه‌السلام ) في


حادثة الطفّ ودُفن في هذا المكان ، ويقصد مثواه الأهلون للزيارة والتنزّه في البساتين المحاطة بمرقده ، ويرى الزائر لدى دخوله عند باب الإيوان كُتيبتين , تقرأ الأولى « تعمير الإيوان بسعي الحاج السيد عبد الحسين كليدار حضرة سيد الشهداء سنة ١٣٣٠ ه ». وفي الجانب الآخر الكُتيبة التالية « قد عمّر هذا المكان بهمة آقا حسين خان شجاع السلطان الهمداني (دام ظله الفاني) سنة ١٣٣٠ ».

وكان أوّل مَنْ بذل الاهتمام بتشييد هذا القبر هو السلطان إسماعيل الصفوي الذي زار العراق عام ٩١٤ ه - ١٥٠٥ م ، وبنى عليه قبّة وجعل له صحناً.

وللشيخ محسن أبو الحبّ خطيب كربلاء المتوفّى سنة ١٣٠٥ ه أبيات يخاطب فيها الحرّ بن يزيد الرياحي بقوله:

نصرتَ أبـيّاً من عرانين هاشمٍ

فتى من حماةِ النصرِ يستنجدِ النصرا

وجدتَ بـنفسٍ كان لولا ابن أحمدٍ

عزيزاً على مَنْ رام إذلالها قسرا

ولكنّها هانت عليك لأنّ مَنْ

فديت بـها كبر النفوس لهُ صغرا

جريت بـها جري العبيد أبرّها

عبودية حتّى غدوت بـها حرّا

ألا يا قتيلاً زعزع المجدَ قتله

فأضحى عليهِ المجد ذا مقلةٍ عبرا(١)

وسمع السيد محمّد القزويني قول أحد الشعراء المتقدّمين في الحرّ:

أشر للحُرِّ من بُعد وسلمْ

فإنّ الحرَّ تكفيه الإشاره

فقال ردّاً عليه:

زر الحرّ الشهيدَ ولا تؤخّر

زيارته على الشهدا وقدّمْ

ولا تسمع مقالة مَنْ ينادي

أشر للحرّ من بُعدٍ و سلّمْ

وقال في المعنى نفسه:

____________________

(١) الحائريات - للشيخ محسن أبو الحبّ المتوفى سنة ١٣٠٥ ه ( مخطوط ).


إذا ما جئت مغنى الطفّ بادر

لمثوى الحرّ ويحك بالرواحِ

وزر مغناه من قُربٍ وأنشد

( لنعم الحرّ حرّ بني رياحِ )

مرقد ابن الحمزة

وهو عماد الدين محمّد بن علي بن حمزة الطوسى المعروف بابن الحمزة ، كان فقيهاً عالماً فاضلاً من أعلام القرن الخامس الهجري ، يقع مرقده في الطريق العام المؤدّي إلى مدينة الهنديّة (طويريج ).

مرقد الأخرس ابن الإمام الكاظم (عليه‌السلام )

وهو محمّد بن أبي الفتح الأخرس(١) ، ينتهي نسبه إلى الإمام موسى بن جعفر (عليه‌السلام ) ، وإليه ينتسبون السادة آل الخرسان في النجف ، يقع مرقده بضواحي مدينة كربلاء في المقاطعة المعروفة بـ ( الإبيتر ).

مرقد عون بن عبد الله

وعلى بعد سبعة أميال من شمال كربلاء تشاهد قبّة مزينة بالقاشاني ، تلك هي قبّة عون بن عبد الله بن جعفر من سلالة الإمام الحسن بن علي (عليه‌السلام ).

وقد ذكر النسّابة السيد جعفر الأعرجي الكاظمي في كتابه ( مناهل الضرب في أنساب العرب) ما نصّه: كان سيّداً جليلاً مقيماً في الحائر الحسيني ، وكانت له ضيعة على ثلاثة فراسخ من كربلاء خرج إليها وأدركه الموت فدُفن في ضيعته ، وبُني على مرقده هذا المزار المشهور ، وعليه قبّة عالية ، والناس يقصدونه بالنذور وقضاء الحاجات.

ويظنّ الناس أنّه قبر عون بن عبد الله بن جعفر الطيار , وهو غير صحيح ؛ إذ إنّ اسمه عون بن عبد الله بن جعفر بن مرعي بن علي بن الحسن البنفسج بن إدريس بن داود بن أحمد المسود بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى ابن الإمام الحسن السبط ابن الإمام أمير المؤمنين

____________________

(١) مراقد المعارف - للشيخ محمّد حرز الدين ١ / ١٣٣.


علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) ؛ الأمر الذي اكتفينا بالتنويه عنه(١) . ويُزار مرقده من قبل العامة والخاصة ، وتُنحر عنده الذبائح وتُقدّم إليه النذور والهدايا.

مرقد السيد أحمد (أبو هاشم)

يقع مرقده في الشمال الغربي من شفاثا الحالية في طريق طوله ٢٥ كيلو متراً. إنّ السيد أحمد ، الناظر لرأس العين ، هو ابن محمّد أبي الفائز الذي طلبه الرشيد طبيب اولجاتو خدابنده لكي يقتل تاج الدين(*) ، وأطمعه في نقابة العراق , فامتنع من ذلك وهرب من ليلته إلى الحائر(٢) .

أمّا شهرته أحمد بن هاشم فهي خطأ ، ويحتمل أن يكون أبا هاشم ؛ لأنّ الناس إذا أرادوا أن يعظّموا علويّاً يستنهضونه فيخاطبونه بأبي هاشم.

أمّا مقاطعة رأس العين فهي نسبة إلى عين شفاثة ، وتُعرف حتّى اليوم برأس العين ، وهي أراضي مساحتها ٤٧٨٦ مشارة ، تقع إلى شمال غربي شفاثة بالقرب من الرحالية ، وإنّ تلك الأراضي التي كان السيد أحمد ناظراً عليها فيها عين ماء ولكنّ ماءها قليل ؛ لأنّها مطمورة(٣) .

وفي أوائل القرن الثامن الهجري صادف فتح العراق من قبل الأمير أقساس تيمور الشهير بتيمور لنك , وذلك سنة ٧٩٧ ه ، فجاء إلى كربلاء الأمير عثمان بهادر خان بن تيمور لنك على رأس جيش لمنازلة السلطان أحمد الجلائري ، والتحم

____________________

(١) مناهل الضرب في أنساب العرب - للسيد جعفر الأعرجي الكاظمي , ( مخطوط ) نسخته في مكتبة الشيخ آقا بزرك الطهراني في النجف.

(*) هكذا وردت العبارة الأخيرة , ولا يخفى ما فيها من إرباك. (موقع معهد الإمامين الحسنين)

(٢) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب - لأحمد بن مهنا الداودي / ٣٣٥ , طبع النجف ، وانظر مناهل الضرب في أنساب العرب - للنسّابة السيد جعفر الأعرجي الكاظمي ( مخطوط ) / ٥٦٥ ، ومراقد المعارف - للشيخ محمّد حرز الدين ١ / ٨٧.

(٣) مذكرات السيد مجيد السيد سلمان آل وهاب آل طعمة.


القتال بينهما في سهل كربلاء ، ولمـّا فرّ السلطان أحمد والتجأ إلى حصن عين التمر أعقبه عثمان بهادر خان ، وفي الطريق خرج من ضيعته لاستقباله السيد الجليل الحسيب النسيب السيد محمّد بن أحمد الموسوي الملقّب بأبي طراس ، وعند ذلك خلع عليه الأمير عثمان الخلع والهدايا وعيّنه ناظراً على حصن عين التمر , وخازناً للمشهدين كربلاء والنجف ، ولقّب بالأمير محمّد شمس الدين بن أحمد شمس الدين الذي قبره لا زال ظاهراً يُزار فوق شفاثا ، يُعرف بقبر أحمد بن هاشم ، وهو الجدّ الأعلى للسادة آل فائز اليوم في كربلاء.

ومنذ ذلك الحين أصبح للسادات العلويِّين من آل فائز وآل زحيك القبيلتين العلويتين الساكنتين يومئذ في الحائر الحسيني أراضي ومزارع من تلك الأراضي التي فتحها الأمير المذكور ووهبها لهؤلاء السادة.

جاء في كتاب « غاية الاختصار » المنسوب لأبي الحسن بن زهرة نقيب حلب قوله: « وبيت أبي الفائز بالحائر الحسيني قوم من العلويِّين ذوو نيابة ونخل بشفاثا ، من أعيان سادات المشهد ، وكان جدّهم شمس الدين محمّد ناظراً لشفاثا ، كريماً موصوفاً بالأفضال والجود ، وهم كانوا بالمشهد على قاعدة البدو ، وقد دخلوا في طي الخمول »(١) .

أمّا نسب السيد أحمد أبو هاشم فهو: السيد أحمد ناظر رأس العين ابن محمّد أبي الفائز ابن أبي جعفر محمّد بن علي بن أبي فويرة بن أبي جعفر محمّد الحبر خير العمال بن علي المجدور بن أبي الطيب أحمد بن محمّد الحائري بن إبراهيم المجاب بن محمّد العابد ابن الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ).

وينصّ صاحب موسوعة ( دائرة المعارف ) بقوله: أحمد بن محمّد بن محمّد بن علي بن أحمد بن محمّد بن إبراهيم المجاب بن محمّد العابد بن موسى بن جعفر (عليه‌السلام ) المشهور بأحمد بن هاشم ، أو أبو هاشم الموسوي ، الظاهر هو الذي قبره بشفاثة على

____________________

(١) غاية الاختصار في البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار - المنسوب لنقيب حلب / ٨٨.


ثلاثة مراحل بكربلاء(١) .

وقد دوّن هذا النسب الشريف في المشجّرات العائلية المنتشرة في كربلاء وخارجها ، وفي مصنّفات كثيرة مخطوطة ومطبوعة(٢) .

وضمن مشجّرة سادات كتابجي ذكر النسّابة المعاصر السيد شهاب الدين المرعشي نسب السيد أحمد أبو هاشم في القرآن الكريم المطبوع في طهران مراراً بطبعات مختلفة. وهناك الكثير من تلك الأدلّة الصريحة التي تثبت صحة هذا النسب الشريف.

أمّا مرقده فلا يقلّ عن المراقد والمزارات الاُخرى أهمية ؛ حيث تعلوه قبّة من القاشاني ، ويحيط به صحن واسع ، ويزور مثواه عدد كبير من عشائر كربلاء واُسرها ، وكذلك من المدن المجاورة في مواسم الزيارات الخاصة كلّ عام ، فتُنحر حواليه الذبائح ، وتُقدّم القرابين وتُهدى النذور.

____________________

(١) دائرة المعارف المسماة بمقتبس الأثر ومجدد ما دثر - للشيخ محمّد حسين بن سليمان الأعلمي الحائري ٣ / ٢٥٦ ( طبع قم ).

(٢) من المصادر التي وجد فيها نسب السيد أحمد أبو هاشم هي:

أ - أنساب مشجر: لمؤلّفه غياث الدين منصور دشتكي الشيرازي , المتوفى سنة ٩٦٨ ه ، رأيت نسخته الأصلية المخطوطة في مكتبة الإمام الرضا (عليه‌السلام ) العامة بمشهد.

ب - تذكرة الأنساب: لمؤلّفه أحمد بن مهنا العبيدلي الحسيني / ٦٥٧ , فصل ( بيت أبي الفائز بالحائر ) , مخطوط بمكتبة الإمام الرضا (عليه‌السلام ) العامة بمشهد.

ج - بحر الإنسان: للسيد المراد ابن المرحوم السيد أحمد النقيب / ١٧٤ , مخطوط بمكتبة الإمام الرضا (عليه‌السلام ) العامة بمشهد.

د - جامع الأنساب: للسيد محمّد علي الروضاتي ١ / ٣٥ , طبع إيران ١٣٧٦ ه.

ه - بحر الأنساب: للسيد حسين بن محمّد الرفاعي الشافعي الحنفي / ٣٠.

و - مراقد المعارف: للشيخ محمّد حرز الدين ١ / ٨٥.


حصن الأخيضر في كربلاء


حصن الأخيضر

من الآثار المهمّة التي تبعد عن مركز المدينة حوالي ٢٩ ميلاً ، أو ما يُقارب السبعة فراسخ بين كربلاء وشفاثة ، ويتكوّن حصن منيع ذي ثلاثة قصور متقاربة يحيط بهنّ سور عظيم لم يبقَ منه غير الأنقاض. ومن المؤسف حقّاً أنّه لم يُعرف تاريخه على وجه التدقيق ؛ وذلك لعدم وجود كتابة أو إشارات على جوانب القصر أو الحصن.

ولقد اختلفت آراء الباحثين حول زمن بناء الأخيضر ؛ فالمؤرّخون مجمعون على أنّه من مباني العرب في العصر الإسلامي ، غير أنّهم اختلفوا في تاريخ البناء وفي العصر الذي بُني فيه ، ولكنّ الرأي الأرجح هو أنّه من الآثار العربية الإسلاميّة ، ومن عمارات المنتصف الثاني من القرن الثاني الهجري ؛ اعتماداً على نوعية الريازة العامة في البناء ، ودراسة اللقى التي عثر عليها خلال التحرّيات الأثرية في الموقع ؛ حيث إنّ كلّها تعود للفترة الزمنية المذكورة.

قال ياقوت الحموي في مادة « دومة الجندل »: إنّ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) صالح أكيدر على دومة الجندل وأمّنه ، وقرّر عليه وعلى أهله الجزية ، وكان نصرانياً فأسلم أخوه حربث فأقرّه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على ما في يده.

ونقض أكيدر الصلح بعد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فأجلاه عمر من دومة الجندل في مَنْ أجلى من مخالفي دين الإسلام إلى الحيرة ، فنزل في موضع منها قرب عين التمر وبنى فيها منازلاً سمّاها ( دومة ) ، وقيل: ( دوماء ) باسم حصنه بوادي القرى , فهو قائم يُعرف ، إلّا أنّه خراب.... إلخ(١) .

وأسند العلّامة المرحوم شكري الآلوسي رأيه هذا إلى قول ياقوت , فعقّب على ذلك قائلاً: إنّ كلمة ( الأخيضر ) محرّفة من اسم ( الأكيدر ) ، وهو اسم أمير من أمراء كنده أسلم في صدر الإسلام ، فالقصر يجب أن يكون شُيّد من

____________________

(١) معجم الياقوت - ياقوت الحموي ٢ / ١٠٦ , مادة ( دومة الجندل ).


قبل الأمير المبحوث عنه قبل الإسلام.

غير أنّ ( موزيل ) لاحظ أنّ كلمة ( الأخيضر ) من ألقاب شخص معروف في التاريخ , وهو ( إسماعيل بن يوسف الأخيضر ) حاكم اليمامة على الكوفة من قبل القرامطة ( في أوائل القرن الرابع الهجري ، العاشر الميلادي ) ، فقال: إنّ الأخيضر يجب أن يكون ( دار الهجرة ) التي اُسست من قبل الحاكم المشار إليه(١) .

ويعقّب ماسينيون على رأي موزيل الذي ذكر أنّه بُني عام ٢٧٧ ، وذلك ليجعله عين دار الهجرة التي بناها ثوّار القرامطة في هذا العام بقوله: ولا شك في أنّه من المحتمل جدّاً أن يكون القرامطة قد أعادوا تشييده للالتجاء إليه ، ولكن لم تكن لديهم الوسائل بل لم يكن من شأنهم أن يبتنوا مثل هذا الحصن العظيم ليتحصّنوا فيه(٢) .

وقد لاحظ المستشرق ماسينيون عند زيارته الأخيضر أنّ ريازته تشابه الريازة الساسانية ، فاعتقد لذلك أنّه يجب أن يكون قد شُيّد من قبل معمار إيراني قبل العهد الإسلامي في العراق لأجل أحد ملوك الحيرة من اللخميين ، وقال: ربما كان ( قصر السدير ) الذي تغنّى به الشعراء هو الأخيضر نفسه.

وقد أيّد ( ديولافوا ) رأي ماسينيون من حيث الأساس ، واعتبر الأخيضر من المباني المشيّدة قبل الإسلام في أواخر القرن السادس للميلاد. وقرّرت المس بيل سكرتيرة دار الاعتماد البريطاني في بغداد لدى زيارتها الأخيضر سنة ١٩٠٩ م أنّه من المباني الإسلاميّة ؛ لأنّها اكتشفت المسجد ولاحظت المحراب ، ورجّحت أن يكون دومة الحيرة التي شيّدت في عهد الاُمويِّين.

أمّا ( موزيل وأسكار روتير وكره سويل ) فقد أيّدوا رأي المس بيل من حيث الأساس , فاعتبروا الأخيضر من المباني الإسلاميّة ، غير أنّهم اختلفوا في أمر تثبيت

____________________

(١) الأخيضر - الآثار القديمة في العراق / ٣٥ ( ١٩٣٧ م ).

(٢) دائرة المعارف الإسلاميّة ١ / ٥٣١ ( مادة أخيضر ).


تاريخ البناء بين أواخر القرن الأوّل وأوائل القرن الرابع للهجرة.

ولكن ( كره سويل ) لم يوافق على رأي المس بيل في اعتبار الأخيضر في عهد الاُمويِّين , بل قرّر أنّه من عهد العباسيِّين ، ورجّح أن يكون قد شُيّد في عهد عيسى بن موسى ابن أخ السفّاح والمنصور , وابن عمّ المهدي ولّي عهد المنصور ، وكان والياً على الكوفة.

وأمّا ( هو سفيلد ) فقال: يجب أن يكون من مباني أوائل القرن الثالث للهجرة ؛ لأنّه وجد شبهاً ريازة الأخيضر وريازة سامراء(١) .

ونشر البحّاثة توفيق الفكيكي بحثاً مسهباً في مجلة ( المقتطف ) المصرية باسم ( قصر الأخيضر في التاريخ ) عندما كان الحاكم المنفرد في كربلاء سنة ١٩٣٥ م - ١٩٣٦ م ، وقد اُعيد نشره في العدد الخاص من ملحق جريدة ( الأخبار ) البغدادية ، ويستخلص رأيه بالقول: إنّ قصر الأخيضر هو ( دومة الجندل ) ، وإنّ مشيّده هو ( أكيدر ) ، وإنّ عصر تشييده هو العصر الأوّل من تاريخ الإسلام ، وفي عهد الخليفة الأوّل من الخلفاء الراشدين , وليس هناك أية شبهة أو تضليل(٢) .

وهناك بحث موسّع آخر عن حصن الأخيضر وموقعه وأهميته التاريخيّة نقتبس منه ما يخصّ وصف القصر: يتألّف قصر الأخيضر من حصن كبير ، داخله قصر فخم ، وبجانبه بناية محصنة منفصلة عن البناية الأصلية.

الحصن مربع الشكل ، يبلغ طول كلّ ضلع من أضلاعه ١٧ متراً ، أمّا القصر فمستطيل الشكل يبلغ عرضه ٨٠ متراً وطوله ١١٠ متراً ، ويوجد في مدخل هذا القصر دهليز فخم يعلوه طاق مرتفع.

أمّا الجامع فيقع في الجهة الغربيّة من الدهليز ، وجدرانه الخارجية مجهّزة بسلسلة أبراج من جهاتها الأربعة ، والأبراج الكائنة في الزوايا تستوقف الأنظار أكثر من غيرها بطبيعة الحال ، غير أنّ البرجين الواقعين في وسط الجهتين الشرقيّة

____________________

(١) المصدر السابق.

(٢) قصر الأخيضر في التاريخ - للاُستاذ توفيق الفكيكي / ١٥ - ١٧ (ملحق العدد ١٣٢ - ١٠ الأخبار ١٩ تشرين الثاني ١٩٣٨ / ٢٦ رمضان ١٣٥٧ ه).


والغربيّة يحتويان على آثار معمارية أهم من جميعها(١) .

يتضح لنا ممّا تقدّم أنّ قصر الأخيضر من أهم الآثار التاريخيّة في العراق ، وقد اختلفت الآراء في سبب وجوده في هذه المنطقة العزلاء. وممّا ذكر عنه أنّه كان ملتقى لرؤوس إخوان الصفا فيه ، فكانوا يقصدونه من أجل اجتماعاتهم ويضعون رسائلهم.

والأخيضر يحتفظ بكثير من مزاياه ومن هندسته ومن معالمه ، وقد مهّد الطريق إليه من كربلاء مؤخراً ، وسهل النقل إليه في طريق معبّد ، وأصبح قبلة للسكان والسوّاح الأجانب وغير الأجانب. وفي الآونة الأخيرة بذلت الحكومة العراقية اهتماماً ملحوظاً في إصلاح بعض جوانب القصر ، وإعداد ما يلزم من رسائل كإنشاء دار للاستراحة توفّرت فيها المتطلبات الضرورية.

قلعة الهندي

أثر تاريخي يقع في الجنوب الشرقي من كربلاء على بعد ٤ كيلو مترات شيّده نوازش علي خان الكبير بن علي رضا خان النوّاب اللوهوري من القزلباش ، وذلك في عام ١٢٩٦ ه.

وكان هذا الرجل من الشخصيات المرموقة في الهند ومن الأثرياء ، ويُعرف بالنوّاب ، وبعد أن أتمّ بناء القلعة المذكورة سافر إلى سامراء وقضى فيها ردحاً طويلاً من الزمن في خدمة المرزا حسن الشيرازي العالم المبرز في عصره ، وعاد بعدها إلى كربلاء بعد وفاة السيد المجدّد الشيرازي ، ومكث فيها فترة من الزمن إلى أن وافاه الأجل ، ودُفن في مقبرة خاصة له في صحن الحسين , ولا تزال تُعرف القلعة المذكورة باسمه.

وعلى أثر سفر أسرة النوّاب المذكور إلى الهند أوكل أمر الأملاك العائدة لها إلى رئيس وكلائها , وهو محسن خان القندهاري الذي كان يمتّ بصلة إلى النوّاب المذكور ، والعقب منه في

____________________

(١) رسالة الأخيضر - تأليف عباس علوان الصالح , مطبعة الثقافة , كربلاء / ١٩٤١ م - ١٣٦٠ ه ، وانظر جريدة الغروب الكربلائية - السنة الأولى - تموز ١٩٣٥ م , فصل ( حصن الأخيضر ).


كربلاء يُعرف بآل النوّاب.

ومن هذه الأسرة المحترمة معاون دائرة الاستخبارات للشرق الأوسط في السفارة البريطانية ، كما كان نائباً للحاكم العسكري في كربلاء ، ومنهم النطاسي البارع الدكتور حسن أفضل نائب كربلاء الأسبق ، والدكتور مهدي هاشم النوّاب ، والمرحوم محمّد حسين خان سكرتير دار الاعتماد الشرقي في بغداد وغيرهم.

خان العطشان

ذكر الرحّالة الفرنسي تافرنيه ضمن رحلته للعراق في القرن السابع عشر الميلادي وصفاً مسهباً لهذا الخان نُقل إلى العربية ، وهذا نصّه: قد يكون هذا القصر الذي اكتشفه تافرنيه ( خان العطشان ) وهو بناء قديم ترى أطلاله ورسومه في البادية غربي الفرات على نحو من ثلاثين كيلو متراً من جنوب غربي كربلاء ، وهو على حدّ وصف رحّالتنا مبني بالآجر ، وما زالت كثير من جدرانه وأقواسه وبعض عقاداته ترى إلى يومنا هذا وإن كانت قد تشعّثت وتصدّعت. والذي نميل إليه أنّ لهذا البناء صلة بالموقدة ( الموجدة ) ، وهو منار يبعد عنه مسيرة ساعتين إلى الشمال الغربي.

إنّ هذه المباني التي ترى بقاياها منثورة في طفّ البادية كانت فيما مضى مسالح ومعاقل وحصوناً ومناور للدولة الفارسية تقيها شرّ هجمات دولة الروم. وقد وصفت الآنسة المس بيل خان العطشان وصفاً أثرياً دقيقاً في كتابها الموسوم , وعنيت بتخطيط البناء وتصوير بقاياه في اللوحات ٤٦ - ٥٢ من الكتاب المذكور.

أمّا أصل البناء وتاريخه فلم تتطرّق إليه المؤلّفة(١) .

____________________

(١) العراق في القرن السابع عشر - تافرنيه ، إعراب بشير فرنسيس , وكوركيس عواد / ١٣٣.


وفي رواية أخرى: إنّ موقع هذا القصر بين موقدة وبين الكوفة (قصر العطشان) المسمّى بهذا الاسم في العصر الحاضر ، وهذا القصر هو واسطة بين القصر الأوّل وبين الكوفة ؛ لإخبار مَنْ في الكوفة بالإنارة حسب العادة القديمة ، وسُمّي بالعطشان لانطماس منابع مائه(١) .

ويغلب على الظنّ أنّ هذا الخان ( قصر العطشان ) يعتبر من منشآت الدولة الصفوية ، وخير دليل على ذلك وجود ( تل مرعز ) على مقربة منه ، وهذا التل هو المكان الذي كانت تقف فيه قوافل الزوّار والمشاة لرؤية قبّة الروضة الحسينيّة المقدّسة ، وكان يُطلق عليه قديماً ( قبه نما)(٢) . على أنّ هناك قصوراً اُخرى لا تقلّ أهمية عن الآثار المذكورة , وهي: قصر شمعون ، وقصر العوينة ، وقصر موقدة(٣) . ويُقال: إنّها كانت قديماً معمورة بالسكان ، ولا تزال آثارها شاخصة للعيان اليوم.

وفي داخل مدينة كربلاء توجد آثار تاريخيّة أخرى جديرة بالاعتزاز والتقديس , منها قبور بعض رجال الفكر وأساطين العلم والأدب الذين أحيوا التراث العربي والإسلامي ، وخدموا الشريعة الإسلاميّة في فترات متباينة , منها قبر الشريف الرضي(٤) ، والشريف المرتضى ، ووالدهما في مدخل الروضة الحسينيّة خلف ضريح

____________________

(١) جريدة ( الندوة ) الكربلائية العدد ١٤ ( تموز / ١٩٤١ م ).

(٢) كلمة فارسية تعريبها موضع رؤية معالم المآذن عن بعد.

(٣) جريدة ( الندوة ) الكربلائية - العدد ١٤ , وانظر الدليل العراقي / ٦٨٧ , لسنة ١٩٣٩ م.

(٤) هو أبو الحسن محمّد بن أبي أحمد الطاهر ذي المنقبتين الحسين بن موسى بن محمّد بن موسى بن إبراهيم المجاب بن محمّد العابد ابن الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ). ولد سنة ٣٥٩ ه , مارس الشعر وهو ابن عشر , وبرع فيه وأجاد وفاق شعراء عصره. له ديوان حافل بكلّ بديع ، وتوفي بداره في الكرخ يوم الأحد في السادس من محرّم سنة ٤٠٦ ه ، ونُقل إلى مشهد الحسين (عليه‌السلام ) بكربلاء ودُفن عند قبر أبيه ، وقبرهما ظاهر معروف. ( عمدة الطالب / ٢١٠ ).

وجاء في كتاب النجوم =


الحسين (عليه‌السلام ) بستة أذرع.

فقد ذكر السيد حسن الصدر في كتابه ما نصّه: وأمّا في كربلاء فغير المستشهدين مع الحسين (عليه‌السلام ) , منهم إبراهيم الأصغر ابن الإمام الكاظم (عليه‌السلام ) , قبره خلف ظهر الحسين بستة أذرع ، وهو الملقّب بالمرتضى.

وهو المعقّب المكثر , جدّ السيد المرتضى والرضي , وجدّنا وجدّ أشراف الموسوية , معه جماعة من أولاده كموسى أبي السبحة وأولاده ، وجدّنا الحسين القطعي وجماعة من أولاده , في سردابين متّصلين خلف الضريح المقدّس.

كانت قبورهم ظاهرة ، ولمـّا عمّر الحرم [التعمير] الأخير محوا آثارهم , ومعهم قبر السيد المرتضى والسيد الرضي , وأبوهما وجدّهما

____________________

الزاهرة ٤ / ٢٤٠ , (فصل السنة العشرون من ولاية الحاكم منصور على مصر , وهي سنة ست وأربعمئة) ، وفيها توفي محمّد بن الحسين بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (رضي‌الله‌عنه ).

الشريف أبو الحسن الرضي الموسوي , ولد سنة تسع وخمسين وثلاثمئة ، كان عارفاً باللغة والفرائض والفقه والنحو ، وكان شاعراً فصيحاً ، عالي الهمّة متديناً ، إلّا أنّه كان مذهب القوم إماماً للشيعة هو وأبوه وأخوه.

ومن شعره من جملة أبيات:

ياصاحبيَّ قفا لي واقضيا وطراً

وحدّثانيَ عن نجدٍ بـأخبارِ

هَل رُوِّضَت قاعَةُ الوَعساءِ أَم مُطِرَت

خَميلَةُ الطَلحِ ذات البانِ وَالغارِ

وقد أكّد السيد حسن الصدر في قضية وفاة الشريف بقوله: وقد شرحت التفصيل في كتاب (تكملة أمل الآمل) في ترجمة السيد المرتضى ، وتعرّضت إلى تحقيق أنّ قبر السيد المرتضى وأخيه السيد الرضي في كربلاء ، وأنّ المكان المعروف في بلد الكاظميّة وقبرهما هو موضع دفنهما فيه أولاً , ثمّ نُقلا منها إلى كربلاء. ولا بأس بزيارتهما في هذا الموضع أيضاً ، وإنّما أبقوه وذلك لعظم شأنهما ( نزهة أهل الحرمين / ٧١ ).

أمّا الدكتور عبد الرزاق محي الدين فهو الآخر الذي أدلى برأيه قائلاً: إنّ تقليداً اُسريّاً لآل أبي أحمد يقضي في الغالب بدفن أفراد الأسرة في كربلاء ؛ فقد دُفن والد الشريفين النقيب أبو أحمد في داره ، ثمّ نقل إلى مشهد الحسين ( كربلاء ) ، وإنّ أختاً للشريفين نُقل جثمانها إلى كربلاء ، وإنّ زوجة الشريف المرتضى ماتت ببغداد ونُقل جثمانها إلى كربلاء ، فالملاحظ من تقاليد هذه الأسرة أن تتخذ مرقد الإمام الحسين (عليه‌السلام ) مدفناً لها. ( أدب المرتضى / ٧٧ - ٧٨ ).


موسى الأبرش(١) .

كما إنّ هناك قبوراً اُخرى في الحائر لفريق من أعلام العصر ؛ كقبر الميرزا شفيع خان رئيس الطريقة الشيخية ، وقبر السيد كاظم الرشتي صاحب الفرقة الكشفية ، وقبر حسين علي شاه رئيس الطريقة الصوفية ، وقبر مؤمن دده رئيس الطريقة البكتاشية(٢) ، وقبر السيد أحمد النقشبندي في تكية البكتاشية ، ومرقد الشيخ أحمد بن فهد الحلّي صاحب الكرامات ، وقبر الآقا باقر البهبهاني ، والسيد علي الطباطبائي صاحب الرياض ، وقبر الشيخ يوسف البحراني ، وقبر السيد محمّد المجاهد الطباطبائي ، وقبر الشاعر فضولي البغدادي ، وقبر الشيخ محمّد تقي الشيرازي وغيرهم كثيرون.

وبالإضافة إلى ذلك فتوجد قبور بعض الملوك الديالمة ( آل بويه ) في الصحن الحسيني الصغير الذي تهدّم في عهد متصرّف لواء كربلاء عبد الرسول الخالصي عام ١٩٤٨ م ، ومقبرة سلاطين آل قاجار قرب مرقد السيد إبراهيم المجاب.

ويوجد في أرجاء مدينة كربلاء بعض الأماكن والمراقد المقدّسة التي يتبرك بها الزوار ، ومنها هي:

مقام الحسين (عليه‌السلام ) وابن سعد

رمز هذا المكان إلى الموقع الذي اجتمع فيه الإمام الحسين (عليه‌السلام ) مع عمر بن سعد للمفاوضة ، موقعه في قطاع ( الچاچين ) المحرّفة عن كلمة ( دكاكين ) التي

____________________

(١) نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين - السيد حسن الصدر / ٤١.

(٢) انظر بستان السياحة - للحاج زين العابدين الشيرواني ( ١١٩٤ - ١٢٥٣ ه ) / ٤٩٢ ( مادة كربلاء ) ، وقد التبس الأمر على صاحب بستان السياحة في نسبته للميرزا شفيع خان كونه رئيس الفرقة الشيخية ، والصواب هو الميرزا شفيع خان الصدر الأعظم رئيس وزراء إيران الذي وصل جثمانه كربلاء يوم ١٩ رمضان سنة ١٢٣٤ ه.


هي اليوم عند باب البويبة(١) في محلّة باب السلالمة.

والمقام عبارة عن شبه حانوت خارج من جدار الدار المرقم ٣٢٢ / ٧٥ ، ويرجع تاريخ تشييده إلى سنة ١١١٣ ه كما هو موجود على الكُتيبة , وتمّ تجديده سنة ١٣٥٢ه - ١٩٣٤م , ثمّ جُدّد عام ١٣٧٨ ه - ١٩٥٢ م ، وهذا المقام يؤمّه الزائرون ليتبركوا به.

مقام تل الزينبيّة

يقع في الجهة الغربيّة من الصحن الحسيني بالقرب من باب الزينبيّة في مرتفع يُعرف بـ ( تل الزينبيّة ).

ويُقال: إنّ هذا التل كان يُشرف على مصارع القتلى في حادثة الطفّ , حيث كانت السيدة زينب الكبرى تتفقد حال أخيها الحسين (عليه‌السلام ) ، وإلى ذلك أشار الشاعر الشعبي المرحوم حسين الكربلائي بقوله:

روحي من الصبر ملّت و صاحتْ

ومثلها ما انسبت حرّة وصاحتْ

على ( التل ) اُوكفت (زينب ) وصاحتْ

نادت ياخوتي يهل الحميّه

وتيمّناً بها سمّي هذا الموضع باسمها.

والمقام عبارة عن شبك صغير من البرونز داخله أبيات كُتبت على القاشاني ، وتوجد في أعلاه أحجار من القاشاني مزيّنة بصور تمثّل معركة الطفّ ، وقد جدّد بناؤه أخيراً سنة ١٣٩٨ ه.

مقام الكفّ الأيمن للعباس (عليه‌السلام )

يقع بين محلتي باب بغداد وباب الخان ، وهذا المكان يمثّل موضع سقوط الكفّ الأيمن لأبي الفضل العباس بن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) أثناء بترها في معركة كربلاء كما تقول العامّة.

والمقام شباك من البرنز خارج من الدار المرقّمة

____________________

(١) البويبة: كلمة مصغرة من الباب ، ويُقال: إنّها كانت باب سور محلّة باب السلالمة قبيل هدمه.


١٨٣ / ٥ الواقعة في زقاق الصخاني ، وعلى جدار المقام نقش لطيف مؤرّخ سنة ١٣٢٤ ه ، وبيتان بالفارسية لم يذكر قائلهما. وقد نُقشت صورة ساعدين مقطوعين كُتب تحتها: هنا قُطعت يدا أبي الفضل العبّاس.

والمعروف أنّ هذا المقام شُيّد في أواسط القرن الثالث عشر الهجري على بقايا نهر كان يُعرف في حينه بنهر مقبرة العباس ، وقد يكون من بقايا نهر العلقمي.

مقام الكفّ الأيسر للعباس (عليه‌السلام )

يشاهد الزائر مقاماً آخر على بعد ٥٠ متراً من باب القبلة الصغرى لصحن العباس عند مدخل سوق باب الخان ، وهو عبارة عن مشبّك صغير من البرنز خارج من الدار المرقمة ٥٢/ ٥١ مزيّن بقطع من المرايا الصغيرة ، وعلى الشبّاك لوحات من الأدعية ، وفوق المشبّك أبيات شعرية نُقشت على القاشاني للشاعر الكربلائي المرحوم الشيخ محمّد السراج:

سل إذا ما شئت واسمع واعلمِ

ثمّ خذ منّي جواب المفهمِ

إنّ في هذا المقامِ انقطعتْ

يسرةُ العباس بحرِ الكرمِ

ها هنا يا صاح طاحت بعدما

طاحت اليمنى بجنب العلقمي

أجرِ دمعَ العينِ وابكيه أسىً

حقّ أن تبكي بدمعٍ من دمِ

وتوجد صورة كفّ فوق المشبّك المذكور.

ويُحكى أنّ هذا المقام شُيّد من قبل محمّد علي آل شنطوط في عام ١٣٢٧ ه ؛ وذلك إثر رؤيا رآها في منامه ، وهي أنّ الساعد الأيسر للعباس قُطع في هذا المكان ؛ ممّا دعاه إلى شقّ جدار داره في الصباح الباكر وأنشأ هذا المقام ؛ تخليداً لموقع سقوط الساعد.

مقام جعفر الصادق (عليه‌السلام )

كانت الأراضي التي يقع فيها هذا المقام تُعرف بالجعفريات ، وهي من موقوفات


الشيخ أمين الدين الخيرية ، وهي ضمن الأراضي والعقارات العائدة له في الحائر الحسيني ، ويرجع تاريخها إلى سنة ٩٠٤ ه(١) .

وقد شُيّد هذا المقام رمزاً تذكارياً من قبل الزعيم البكتاشي جهان دده ( كلامي ) ، الشاعر الصوفي الذي كان حيّاً سنة ٩٧٠ ه ، ويُعرف المكان هذا بشريعة الإمام جعفر بن محمّد ، وهو المكان الذي كان يغتسل فيه الإمام جعفر الصادق (عليه‌السلام ) في نهر الفرات قبيل زيارته للحائر(٢) ، وموقعه في أراضي الجعفريات على الشاطئ الغربي من نهر العلقمي(٣) , حيث يجد الزائر مزاراً مشهوراً عليه قبّة عالية من القاشاني تُحيط به البساتين ، والناس تقصده للزيارة والتبرّك وقضاء الحاجات.

وممّا يجدر ذكره أنّ هذا المقام كان المطاف الأخير للفرقة الإسماعيليّة المعروفة ( البهرة ) , حيث لم يكن يسمح لرجالها بالدخول إلى كربلاء لزيارة العتبات المقدّسة حتّى سنة ١٢٦٢ ه ، وذلك بعد وفاة العلّامة السيد إبراهيم القزويني صاحب الضوابط ؛ إذ أجاز العلّامة الشيخ زين العبادين المازندراني بإصدار فتوى للسماح لهم في الدخول إلى كربلاء.

كما إنّ المرحوم السيد يوسف السيد سليمان آل طعمة المتوفّى سنة ١٢٨٨ ه استحصل موافقة والي بغداد آنذاك ( السر عسكر عبدي باشا ) , حيث إنّ السلطة العثمانيّة الحاكمة إذ ذاك كانت هي الاُخرى تُساند المنع المذهبي.

والمقام المذكور يقع على طريق العربات المؤدّي إلى مدينة كربلاء عبر نهر الحسينيّة المار بقنطرة الحديبة ، وهو الطريق الرئيس بين بغداد وكربلاء.

مقام المهدي (عليه‌السلام )

موقعه على الضفة اليسرى من نهر الحسينيّة الحالي عند مدخل كربلاء على الطريق المؤدّي إلى مقام جعفر الصادق (عليه‌السلام ) ، وهو مزار مشهور عليه قبّة عالية ،

____________________

(١) مدينة الحسين - محمّد حسن الكليدار آل طعمة ٢ / ١٦٥.

(٢) تاريخ كربلاء - الدكتور عبد الجواد الكليدار آل طعمة / ٨٢.

(٣) بغية النبلاء في تاريخ كربلاء - السيد عبد الحسين الكليدار آل طعمة / ٨٢.


وقد سُمّي هذا المقام التذكاري تيمّناً باسم الإمام المهدي المنتظر (عليه‌السلام ).

جدّده المرحوم الحاج حمزة الخليل , وذلك عام ١٣٧٨ ه ، وأرّخ تجديده الشاعر الكربلائي المعاصر السيد مرتضى الوهاب بأبيات كُتبت بالقاشاني على جبهة المقام ، وهي:

شاد للقائمِ إذ ضحّى الخليل

بـيت قدس فيه بردٌ وسلامُ

واعتنى ( الحمزة ) في تجديده

فاستوى منه عمادٌ ورخامُ

مذ تجلّى نورُه أرّخته

( ضاء للمهديِّ ركنٌ ومقامُ)

١٣٧٨ه

وهناك مقامات اُخرى في مواضع مختلفة من أزقّة المدينة شيّدت تبرّكاً لاستلهام ذكرى الأئمّة الأطهار (عليهم‌السلام ) بوحي من العقيدة.


الفصل الرابع: الاُسر العلميّة والأدبيّة

الاُسر العلميّة

يطّلع القارئ في هذا الفصل على تاريخ الاُسر العلميّة الشهيرة في كربلاء قديماً وحديثاً ، وكنت قد ثبتها في الطبعة الأولى من كتابي هذا حسب استيطانها التاريخي ، وفي هذه الطبعة رغبت أن يكون ترتيب الاُسر حسب حروف المعجم ، ومستنداً في ذلك إلى المصادر المطبوعة والمخطوطة التي عثرت عليها ، بالإضافة إلى المستندات والوثائق القديمة ، مع ذكر أسماء أعلام كلّ اُسرة.

آل الإسترابادي

إحدى اُسر العلم المعروفة التي ينتهي نسبها إلى الإمام الحسين بن علي (عليه‌السلام ) ، استوطنت كربلاء في القرن الثالث عشر الهجري ، ومن مشاهيرها العالم الفاضل السيد مصطفى ابن السيد حسين ابن السيد محمّد ابن السيد علي ابن السيد سميع ابن


السيد مير عبد المجيد من سلالة زيد بن علي بن الحسين (عليه‌السلام ) ، ومنها العلّامة الخطيب السيد حسن ابن السيد علي ابن السيد مصطفى الإسترابادي المذكور ( ١٢٨٣ - ١٣٦٦ ه ) ، كان فاضلاً جليلاً بليغاً في الوعظ والإرشاد ، له قريحة وقّادة ، وبديهة سريعة في المنظم ، توفي يوم ٢٥ ربيع الأول سنة ١٣٦٦ ه ، وأرّخ وفاته الخطيب السيد علي بن الحسين الهاشمي بقوله:

محافل الطفّ وأعوادُها

تنعى خطيباً كان فردَ الزمنِ

وتنشد الأعلامُ تاريخه

( بيومه نذكر فقدَ الحسن ِ)

١٣٦٦ ه

وأعقب ثلاثة أولاد هم من أهل الفضل والكمال:

١ - السيد محمّد علي (١٣١٠ - ١٣٧٥ ه ) , كان ذكياً فطناً ، قوي الحافظة ، فصيحاً جريئاً في الخطابة.

٢ - السيد محمّد مهدي , وهو اليوم أحد الخطباء الأجلاء ، واسع العلم ، كبير الهمّة.

٣ - السيد محمّد , وهو فاضل جليل ، يتكسّب بالتجارة ، ولم يزل شغوفاً بمطالعة الكتب.

آل الأمير السيد علي الكبير

من الأسر العلميّة التي تُعرف بآل الأمير السيد علي الكبير(١) ، ينتهي نسبها إلى زيد الشهيد ابن الإمام السجاد علي بن الحسين (عليه‌السلام ) ، تفرّعت منها عوائل كثيرة , منها عائلة العلّامة السيد محمّد علي هبة الدين الحسيني الشهير بالشهرستاني(٢) ،

____________________

(١) راجع بشأن تفصيل تاريخ هذه الاُسرة مجلة ( المرشد ) البغدادية ج ٩ المجلد ٤ جمادى الثانية ١٣٤٨ ه - تشرين الثاني ١٩٢٩ م.

(٢) عالم جليل ، وشاعر مبدع ، اُسند إليه منصب وزارة المعارف يوم ٢٧ أيلول سنة ١٩٢١ م عند تشكيل وزارة عبد الرحمن النقيب الثانية ، وكان أحد رجالات الثورة العراقية. له مؤلّفات قيّمة , منها: نهضة الحسين ، الهيئة والإسلام ، جبل قاف ، الدلائل والمسائل ، ما هو نهج البلاغة ؟ =


نسبة لمصاهرته بأسرة السادة آل الشهرستاني. وكان جدّه الأعلى الأمير السيد علي الكبير من جهابذة أعلام عصره ، تتلمذ على الشيخ آقا باقر البهبهاني ( المؤسس الوحيد ) ، والشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق ، والسيد نصر الله الفائزي الحائري مدرّس الطفّ.

وإنّ الذي هاجر إلى كربلاء واستوطنها في القرن الثاني عشر الهجري هو السيد منصور والد الأمير السيد علي الكبير ، ومن ذرّيته السيد حسين بن محسن بن مرتضى ابن الأمير السيد علي الكبير ( ١٢٤٦ - ١٣١٩ ) ، كان عالماً تقيّاً ورعاً ، وهو والد العلّامة السيد محمّد علي هبة الدين الحسيني.

آل البحراني

اُسرة علمية ذات شرف باذخ ومجد شامخ ، استوطنت كربلاء في مطلع القرن الثاني عشر الهجري ، تنتسب إلى الفقيه الكبير السيد عبد الله البلادي البحراني المدفون في بهبهان من ذرّيّة السيد إبراهيم المجاب بن محمّد العابد ابن الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ).

وأبرز أعلام(١) هذه السلالة في كربلاء السيد عبد الله ابن السيد محمّد البحراني المتوفّى بكربلاء سنة ١٢١٠ ه ، وهو اُستاذ الشيخ خلف بن عسكر الحائري ، ومنها السيد محسن ابن السيد عبد الله المذكور المولود بكربلاء سنة ١٢٠٤ ه , والمتوفى بها سنة ١٣٠٦ ه ، وهو صهر العلّامة الشيخ خلف بن عسكر الحائري ، ومنها السيد محمّد ابن السيد محسن المذكور المولود بكربلاء سنة ١٢٦٢ ه ،

____________________

= وغيرها ، كما وله مخطوطات كثيرة ، أصدر مجلة العلم في النجف عام ١٩١٠ م ، وهي أوّل مجلة عربية ظهرت في العراق ، توفي بالكاظميّة مساء يوم الإثنين ٢٧ شوال ١٣٨٦ ه - ٦ شباط ١٩٦٧ م. وأعقب عدّة أولاد , منهم المحامي السيد جواد الشهرستاني , وهو أديب فاضل ، وكاتب مطبوع ، ساهم في كثير من الحلبات الأدبيّة.

(١) راجع كتاب ( الفقيه الطاهر ) ( كربلاء ١٣٨٥ ه ) , وفيه عرض مسهب لأعلام اُسرة آل البحراني.


والمتوفّى بها يوم ١٢ ذي القعدة سنة ١٣٥٥ ه ، وأرّخ وفاته السيد ميرزا هادي الخراساني بقوله:

محمّدٌ زيد في الفردوس إكراما

به حاز غفراناً تأرّخ ( عاما )

١٣٥٥ ه

وأعقب ولده السيد محمّد طاهر , المولود بكربلاء سنة ١٣٠٢ ه والمتوفّى بها يوم ٦ صفر سنة ١٣٨٤ ه ، كان فاضلاً جليلاً ، له مكانته السامية في النفوس ، وقد أدركته يقيم الجماعة في المشهد الحسيني.

والعقب منه في أولاده الأربعة , وهم: السيد محمّد علي ، والسيد عماد الدين ، وهما يُقيمان الجماعة في الصحن الشريف الحسيني ، والسيد علاء ، والسيد محمّد باقر (حفظهم الله).

آل البهبهاني

بيت علم ومجد انحدر من سلالة الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ) ، استوطن كربلاء في القرن الثالث عشر الهجري ، تسلسل منه أعلام أجلاّء , هم: السيد حسين(١) ابن السيد إبراهيم ابن السيد حسن ابن السيد زين العابدين البهبهاني الموسوي الحائري ، المقتول في المدينة المنوّرة سنة ١٣٠٠ ه.

كان من أعلام كربلاء المشاهير يقيم الجماعة في مسجده المعروف باسمه عند باب صحن العباس (عليه‌السلام ) ، وابنه السيد إبراهيم , المتوفّى في نيف وثلاثمئة وألف ، والسيد كاظم ابن السيد حسين المذكور , المتوفّى سنة ١٣٤٥ه ، والسيد صادق , المتوفّى سنة ١٣٣٣ ه ، والسيد محمّد علي , المتوفّى سنة ١٣٥٠ ه ، والسيد محمّد رضا ، والسيد مهدي ابن السيد كاظم البهبهاني وهو اليوم من أفاضل العلماء.

آل الحكيم

من الاُسر المعروفة في المجد والشرف ، استوطنت كربلاء في القرن الثاني

____________________

(١) الكرام البررة - للشيخ آقا بزرك الطهراني ١ / ٣٧٥.


عشر الهجري ، امتهنت الطبّ ، اشتهر منها السيد مهدي ابن السيد خليل ابن السيد إبراهيم بن محمود بن عبد العزيز بن عمران بن جعفر بن إدريس من سلالة السيد عبد الله ابن الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ) (كما في مشجرة نسبه التي أطلعنا عليها ).

كانت له خزانة كتب فيها طائفة حسنة من المخطوطات الطبيّة , وتوفي سنة ١٣١٨ ه ، وأعقب أربعة أولادهم: السيد أحمد ، والسيد حسين ، والسيد محمّد علي ، والسيد حسن الذي امتهن مهنة أبيه , ومن ذرّيّته اليوم الخطيب الفاضل الأديب السيد محمّد علي صدر الدين ابن السيد حسن ابن السيد مهدي المذكور صاحب مجلة ( رسالة الشرق) الكربلائيّة.

آل الخطيب

اُسرة عربية معروفة تنتسب إلى عشيرة جشعم(١) النازحة من الحجاز ، استوطنت كربلاء في القرن الثالث عشر الهجري. لها من الآثار الأرض المعروفة بالخطيبية(٢) ، نبغ فيها: الشيخ محمّد ابن الحاج داود بن خليل بن حسين بن نصير , المولود سنة ١٣٠١ ه , والمتوفّى يوم ١٧ رجب سنة ١٣٨٠ ه.

كان فاضلاً جليلاً ، تتلمذ على الشيخ غلام حسين المرندي ، والسيد محمّد البحراني ، والشيخ جعفر الهر. وله تصانيف خطّية ومكتبة ومدرسة دينية انتقلت عمادتها بعد وفاته إلى نجله الشيخ عبد الحسين الخطيب.

ومن هذه الأسرة الدكتور حسن ابن الشيخ محمّد المذكور الذي يتولّى منصب القضاء في البصرة ، وله مؤلّفات مطبوعة , أهمها:

____________________

(١) العلّامة الخطيب - منشورات مدرسة الإمام الخطيب الدينية في كربلاء ( كربلاء ١٩٦٢ م ).

(٢) أوقفها نصير بن حارث بن زيد الخطيب على أولاده الذكور ، تقع في مقاطعة باب الطاق ، ومساحتها ٢٤ دونماً و٢١ أولك و٥٠ متراً بموجب القرار الابتدائي للتسوية المؤرخ ٥/ ٧ / ١٩٤٥ ، وأرضها أميرية موقوفة وقفاً غير صحيح ، وأشجارها ملك صرف ووقف صحيح ذوي.


١ - قانون الإصلاح الزراعي.

٢ - مقارنة قانون العمل العراقي بالقانون الفرنسي.

ومنها الدكتور محمّد سعيد ابن الشيخ محمّد المذكور ، والمحامي صادق ابن الشيخ محمّد المذكور ، والمحامي محمّد رضا ، وعلي نجلي الشيخ محمّد المذكور ، وآخرون غيرهم.

آل خير الدين

اُسرة علمية تبوّأت مكانة رفيعة الشأن بالعلم والفضل والأدب ، يرجع نسبها إلى الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ) ، نبتت أرومتها في كربلاء في القرن الثاني عشر الهجري.

ومن أعلام هذه السلالة السيد محمّد علي ابن السيد نوازش علي آل خير الدين الموسوي الهندي الحائري , ومنها السيد حسين(١) ابن السيد محمّد علي المذكور , المتوفّى يوم ٢٠ جمادى الثانية سنة ١٣٥٨ ه , ومنها السيد محمّد علي ابن السيد حسين ابن السيد محمّد علي المذكور ، وهو من مشاهير علماء كربلاء ، ولد في كربلاء يوم ٥ رمضان سنة ١٣١٣ ه - كما حدّثني نفسه - , ودرس الفقه والأصول على والده ، ثمّ سافر إلى النجف وأمضى فيها ثلاث سنوات درس فيها على يد السيد أبي الحسن الأصفهاني ، والشيخ ميرزا حسين النائيني ، والسيد آقا ضياء العراقي ، ثمّ عاد إلى مسقط رأسه واختصّ بالبحث والتدريس.

وكان إلى وقت قريب يُقيم الجماعة في صحن العباس ، وتوفي يوم ٢٦ ربيع الأول سنة ١٣٩٤ ه. كان فاضلاً جليلاً مصنّفاً , حسن الشعر ، [يملك] خزانة كتب ورثها عن آبائه.

وأعقب عدّة أولاد , هم: السيد محمّد الذي قام مقام والده في صلاة الجماعة ، والسيد حسن المحامي ، والسيد حسين ، والسيد رضا.

آل الرشتي

وهي من الاُسر العلميّة والأدبيّة الشهيرة ، يرجع استيطانها كربلاء إلى أوائل

____________________

(١) نقباء البشر في القرن الرابع عشر - للشيخ آقا بزرك الطهراني ٢ / ٦٣٢.


القرن الثالث عشر الهجري ، تسلسل منها أعلام ساهموا في بناء المجد العلمي ، وشاركوا في تدعيم الأدب الكربلائي.

ومن أبرز أعلامها السيد كاظم ابن السيد قاسم الحسيني الرشتي , المتوفّى سنة ١٢٥٩ه , وكان فاضلاً تقياً ، ومصنّفاً ماهراً ؛ ونظراً لبروزه ونبوغه في الإرشادات الدينية لقّب عقبة بآل الرشدي.

ومنها السيد حسن ابن السيد كاظم المذكور , كان فاضلاً أديباً ، رأيت تقريضه لكتاب ( شواهد الغيب ) ، وترك ولداً اسمه ( آقا بزرك ) توفّي بهمدان , ومنها السيد أحمد ابن السيد كاظم المذكور , كان عالماً أديباً يقيم الجماعة في محل والده في الصحن الشريف الحسيني ، وقُتل في حادثة معروفة عام ١٢٩٥ ه ، وله ديوان شعر مخطوط.

ومن شعره قوله مؤرّخاً وفاة السيد رضا الرفيعي سادن الروضة الحيدرية المقتول سنة ١٢٨٥ ه:

أما ترى الجنان قد زُخرفتْ

مذ حلَّ فيها خازنُ المرتضى

لذلكم رضوانُ مستبشراً

ناداه أرّخ ( مرحباً بالرضا )

١٢٨٥ ه

ومن تآليفه كتاب ( شواهد الغيب ) الذي فرغ من نسخه عصرية يوم الجمعة ثاني شهر ربيع الأول سنة ١٢٧٤ ه. وقد حذا حذوه نجله السيد قاسم الرشتي , المتوفّى في شهر ذي الحجة ١٣٦٠ ه عن عمر ٥٨ سنة ، وأعقب ثلاثة أولاد , هم: السيد محمّد مهدي ، والسيد أحمد وفي ، والسيد فيضي.

آل سلطان

إحدى الأسر العلميّة التي تنتسب إلى عشائر (زبيد) من فخذ يُقال له: (الأكرع)(١) . نزحت من الحلّة في القرن الثاني عشر الهجري على عهد جدّها الأعلى

____________________

(١) عشائر العراق - عباس العزاوي ٢ / ٤٨.


( سلطان ) ، وبرز فيها علماء أفاضل لهم شأن وسمعة ، ونالوا حظّاً وافراً من العلوم الروحية ، كان منهم:

١ - الحاج محمّد علي ابن الحاج حسن سلطان الحائري ، من أجلاّء حملة العلم والفضل ، وهو الذي تولّى غسل العلّامة الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق , المتوفّى سنة ١١٨٦ ه ، وله رسالة في الطهارة والصلاة ، شرحها ولده الشيخ حسن(١) .

٢ - الشيخ حسن ابن الحاج محمّد علي سلطان ، عالم متبحّر ورع ، كان مشهوراً بالتقوى ، معاصراً للشيخ خلف بن عسكر الزوربعي المتوفّى بطاعون سنة ١٢٤٦ ه ، وله شرح رسالة الطهارة والصلاة لوالده توجد في مكتبة العلّامة الشيخ محمّد حسين الأعلمي بكربلاء ، وقد عدّه المولى حسين المحيط في جوانب بعض مسائله من أعوان الشيخ أحمد الإحسائي كما عدّه الشيخ خلف المذكور(٢) .

٣ - الشيخ أحمد ابن الشيخ محمّد علي سلطان ، عالم فاضل جليل من أرباب الفضيلة ، وجد بخطّه كتاب ( أساس الأصول ) , تأليف العلّامة السيد دلدار علي النقوي , المتوفّى ١٢٣٥ ه , كتبه في ١٢١٤ ه(٣) . وقد وجدت ختمه في ورقة بيع دار في محلّة آل فائز مؤرّخة غرّة ذي القعدة سنة ١٢٥١ ه.

٤ - الشيخ خلف ابن الشيخ حسن ابن الشيخ محمّد علي سلطان ، كان من فقهاء عصره الأعلام ، استكتب لنفسه ( الذكرى ) للشهيد وذلك في سنة ١٢٢٧ ه ، وله عليها تعاليق تدلّ على علوّ كعبه في الفضل ، وكانت وفاته بعد هذا التاريخ(٤) .

____________________

(١) الكواكب المنتثرة - للشيخ آقا بزرك الطهراني ( مخطوط ) / ١٤٣.

(٢) الكرام البررة - للشيخ آقا بزرك الطهراني ١ / ٣٤٣.

(٣) المصدر السابق ١ / ٩٩.

(٤) المصدر السابق ٢ / ٤٩٩.


٥ - الشيخ راضي بن محسن ابن الشيخ محمّد علي سلطان الحائري ، درس على العلّامة السيد علي الكبير الحسيني , المولود سنة ١١٢٥ والمتوفّى سنة ١٢١٧ ه ، وكان حيّاً حتّى عام ١٢٥٠ ه كما تحكيه صكوك آل سلطان.

٦ - الشيخ جواد ابن الشيخ راضي بن محسن ابن الشيخ محمّد علي سلطان الحائري ، فاضل جليل له صيت طائر وسمعة حسنة ، وجد بخطّه (منهاج الكرامة في إثبات الإمامة ) للعلّامة الحلّي ، فرغ من كتابته سنة ١٢٥٣ ه , توفي يوم ٧ رمضان سنة ١٢٨٤ ه(١) .

٧ - الشيخ حسين الشيخ راضي ابن الحاج محسن ابن الشيخ سلطان الحائري ، فاضل جليل ، وجد ختمه في ورقة بيع دار في محلّة آل فائز تاريخها غرّة ذي القعدة سنة ١٢٥١ ه.

كما اطلعت على عدّة وثائق لدى أفراد آل سلطان تنصّ بوجود دار لهم في محلّة آل زحيك مؤرّخة سنة ١٢٦٧ ه ، ١٢٧٧ ه ، واُخرى تنصّ وجود بستان الشيخ سلطان واقعة خارج قصبة كربلاء مؤرّخة سنة ١٢٨٤ ه.

من أفراد هذه الاُسرة اليوم صديقنا الحاج عبد الزهرة ومحمد نجلا عبود ابن الشيخ جواد آل سلطان ، ويمتهنون الزراعة.

آل الشيخ خلف

إحدى الاُسر العلميّة العربية التي تفرّعت من عشيرة ( الزوبع ) بالانتساب إلى جدّها الفقيه الشيخ خلف بن عسكر الحائري ، استوطنت كربلاء في القرن الثاني عشر الهجري. رأيت شهادة بعض أعلامها في الصكوك الكربلائيّة.

وأشهر من نبغ فيها من العلماء والمحدّثين الشيخ خلف بن عسكر , المتوفّى بطاعون

____________________

(١) المصدر السابق ١ / ٢٨١.


سنة ١٢٤٦ ه ، وهو أحد تلامذة السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض.

وأعقب ثلاثة أولاد فضلاء , هم:

١ - الشيخ حسين: عالم فاضل تبوّأ مكانة والده في الإمامة والوظائف الشرعية ، وكانت وفاته بعد سنة ١٣٤٦ ه(١) ، وأعقب ولدين هما الشيخ علي ، والشيخ صادق.

٢ - الشيخ عبد الحسين: فاضل جليل له مكانة سامية وشأن مرموق ، أعقب ولدين فاضلين هما الشيخ باقر ، والشيخ حسن(٢) .

٣ - الشيخ محمد(٣) : عالم فاضل يتمتّع بسمعة حسنة وذكر حميد ، ولا تزال ذراريهم يقطنون كربلاء.

آل الشهرستاني

إحدى الاُسر العلميّة التي لها نصيب وافر في العلم ، وصيت طائر وسمعة طيبة في كربلاء وخارجها. وأشهر أعلام هذا البيت العالم الجهبذ السيد ميرزا محمّد مهدي الموسوي الشهرستاني ، أحد مراجع التقليد في عصره ، وهو جدّ الأسرة الشهرستانية اليوم الذي انتقل إلى كربلاء لتلقّي العلم فيها ، وذلك في أواسط القرن الثاني عشر الهجري , واستوطنها واستملك فيها منذ عام ١١٨٨ ه دوراً وعقارات تقع أكثرها في حي ( باب السدرة ) من صحن الحسين (عليه‌السلام ).

وهو جزء من محلّة ( آل عيسى ) إحدى محلاّت قصبة كربلاء الثلاث آنذاك ، وتوفي بها في صفر سنة ١٢١٦ ه , ودُفن في مقبرة خاصة له في الحضرة الحسينيّة المقدّسة خلف ضريح

____________________

(١) أعيان الشيعة - السيد محسن الأمين ٢٦ / ٢٤.

(٢) الكرام البررة - الشيخ آقا بزرك الطهراني ٢ / ٥٠٢.

(٣) المصدر نفسه.


الشهداء.

ومن هذه السلالة الكريمة: السيد ميرزا أبو القاسم ابن السيد محمّد مهدي الشهرستاني المذكور , المتوفّى بعد وفاة والده بفترة وجيزة.

ومنها أيضاً السيد ميرزا محمّد حسين ابن السيد محمّد مهدي الشهرستاني المذكور , المتوفّى بالطاعون سنة ١٢٤٧ ه ، وكان كوالده من فطاحل العلماء ومرجعاً للتقليد , ومنها أيضاً البحاثة الكبير المعاصر صديقنا الوفي المتغمّد بالرحمة السيد صالح الشهرستاني ( نزيل طهران ) الذي ساعدنا في كثير ممّا تحتفظ به مكتبته من الصكوك والمستندات والوثائق التاريخيّة.

وإليك نسب هذه الأسرة الجليلة:

السيد صالح , المتوفّى يوم السبت ٢٢ شعبان سنة ١٣٩٥ ه ( ٣٠ / ٨ / ١٩٧٥ ) , ابن السيد إبراهيم , المتوفّى يوم ٢٥ شعبان سنة ١٣٧٦ ه , ابن السيد ميرزا صالح , المتوفّى سنة ١٣٠٩ ه , ابن السيد ميرزا محمّد حسين المعروف ( آقا بزرك ) ابن السيد ميرزا محمّد مهدي الموسوي الشهرستاني , المتوفّى سنة ١٢١٦ ه بكربلاء , ابن أبي القاسم ابن ميرزا روح الله بن جلال الدين الحسن ابن ميرزا رفيع الدين محمّد الصدر بن جلال الدين محمّد أبو الفتوح بن صدر الدين إسماعيل المشهور بمير سيد شهرستاني ، الواقف للموقوفات سنة ٩٣١ ه.

ابن زين الدين أمير علي بن صدر الدين إسماعيل بن زين الدين علي بن علاء الدين الحسين بن معين الدين عبد الله بن ركن الدين الحسين بن أشرف بن ركن الدين الحسن بن أشرف بن نور الدين محمّد بن أبي طاهر عبد الله بن محمّد أبي الحسن المحدّث بن طاهر بن أبي الطيب الحسين القطعي بن موسى أبي السبحة بن إبراهيم المرتضى ابن الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام )(١) .

ويرأس هذه العائلة اليوم في كربلاء الحاج السيد خليل ابن السيد إبراهيم الشهرستاني.

آل صالح

اُسرة مشهورة بالعلم والفضل ، وتُعرف أيضاً ببيت كدا علي ، استوطنت

____________________

(١) اقتبسنا هذا النسب الشريف من موسوعة ( أعيان الشيعة ) ٤٩ / ١.


كربلاء في أواخر القرن الثاني عشر الهجري ، وأشهر أعلامها: الشيخ محمّد صالح(١) بن مهدي بن الخطّاط آقا محمّد جعفر ابن الأمير فضل علي خان المشهور بكدا علي بيك النوري الحائري , المتوفّى سنة ١٢٨٨ ه ، كان من مراجع عصره ، واشتهر بين مختلف طبقات أهل كربلاء.

ومنها نجله الشيخ مهدي ابن الشيخ محمّد صالح المذكور , المتوفّى سنة ١٣٤٠ ه , فاضل جليل ، اقتفى سيرة والده في إقامة الجماعة والفتيا. ومنها أيضاً الشيخ صالح ابن الشيخ مهدي المذكور , المتوفّى سنة ١٣٥٢ ه ، عالم جليل ، كان يقيم الجماعة في مسجد قرب باب السدرة ، وله كتاب شرح على قانون الأصول. وأعقابه يقطنون كربلاء ، منهم: الشيخ عيسى العطار ، والشيخ هادي العطار ، والشيخ مرتضى ابن الشيخ صالح ابن الشيخ مهدي المذكور.

ومنهم الدكتور عبد الرزاق الشهرستاني ابن الشيخ مرتضى المذكور.

آل الطباطبائي

بنو طباطبا سادات حسينيون من أنجال الحسن المثنى ابن الإمام الحسن السبط ابن الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ). وأول مَنْ تخرّج منها السيد أبو المعالي الصغير السيد محمّد علي ابن السيد محمّد ابن السيد عبد الكريم ابن السيد مراد ، وهو أوّل مَنْ هاجر إلى كربلاء واستوطنها وذلك في القرن الثاني عشر الهجري طلباً للعلم(٢) .

وحازت الزعامة الدينية والمرجعية في بعض الأدوار ، ونبغ فيها عدد من العلماء والمحدّثين , منهم: السيد علي الطباطبائي الشهير بصاحب (رياض المسائل) ابن السيد محمّد علي , المتوفّى سنة ١٢٣١ ه ، والسيد محمّد المجاهد ابن السيد علي صاحب الرياض المذكور , المتوفّى سنة ١٢٤٢ ه ، والسيد محمّد مهدي ابن السيد علي صاحب الرياض المذكور , المتوفّى سنة ١٢٣١ ه ، والسيد ميرزا علي نقي الطباطبائي , المتوفّى سنة ١٢٨٩ ه ، والسيد زين العابدين ابن السيد حسين ابن السيد

____________________

(١) الكرام البررة - للشيخ آقا بزرك الطهراني ٢ / ٦٦٣.

(٢)


محمد المجاهد , المتوفّى يوم ٨ ذي القعدة سنة ١٢٩٢ ه ، والسيد ميرزا أبو القاسم , المتوفّى سنة ١٣٢٥ ه ، والسيد محمّد باقر الحجة , المتوفّى سنة١٣٣١ ه ، والسيد محمّد صادق الحجة , المتوفّى سنة ١٣٣٧ ه ، والسيد محمّد مهدي الحجة , المتوفّى سنة ١٣٤١ ه.

ومنها أيضاً السيد محمّد مهدي بحر العلوم الطاطبائي الذي اشترك في الثورة العربية ، وكان أوّل وزير للمعارف في تاريخ العراق الحديث ، حيث تسنّم وزارة المعارف في عهد عبد الرحمن النقيب في أيلول ١٩٢١ م , وتوفي في شوال سنة ١٣٥١ ه - ١٩٣٢ م ، وخلّف نجله المحامي السيد محمّد صالح بحر العلوم الذي انتخب نائباً عن كربلاء أكثر من مرّة ، وقد نذر نفسه لخدمة الكربلائيين بصورة خاصة ، وكان يتّصف بالحنكة والقول السديد ، توفي سنة ١٣٩٣ ه.

ومن هذه الاُسرة السيد حسن الحجة , المتوفّى سنة ١٣٥٤ ه ، والسيد عبد الحسين الحجة , المتوفّى ٢٤ محرّم سنة ١٣٦٣ ه ، والسيد محمّد تقي الطباطبائي , المتوفّى سنة ١٣٨١ ه ، ومنها السيد مرتضى ابن السيد مهدي الطباطبائي , المتوفّى يوم ٧ رجب سنة ١٣٨٩ ه , وغيرهم كثيرون.

ويجمعهم النسب بالسادة آل بحر العلوم في النجف بالسيد مراد ، وكلا الأسرتين من سلالة واحدة ، كما يجتمع نسب السادة آل الحكيم بآل بحر العلوم في السيد أبي المكارم.

آل طعمة

أقدم الاُسر والبيوتات العلوية التي قطنت كربلاء في منتصف القرن الثالث الهجري ، يرتقي نسبها إلى السيد إبراهيم المجاب ابن السيد محمّد العابد ابن الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ) الذي استوطن كربلاء سنة ٢٤٧ هجرية ، وهو الجدّ الأعلى لهذه السلالة.

وكانت تُعرف في القرون السابقة بالسادة ( آل فائز ) ، ولها في كربلاء وشفاثة ( عين التمر ) بساتين ومسقّفات وعقارات يرجع تاريخها إلى عدّة قرون خلت ، وقد أنجبت نقباء وسدنة وعلماء وأدباء وخطباء سجّل لهم


التاريخ سطوراً ذهبية لامعة.

افتتح العلّامة الشيخ محمّد السماوي الاُسر العلميّة في أرجوزته ( مجالي اللطف بأرض الطفّ ) بقوله:

وآل طعمة ذوي الأنسابِ

في الفضل والعلوم والآدابِ(١)

أمّا أشهر علماء هذا البيت هو السيد السند والكهف المعتمد السيد طعمة علم الدين الفائزي الموسوي(٢) ، وهو الواقف لمقاطعة ( فدان السادة ) على أولاده الذكور سنة ١٠٢٥ ه.

وكان السيد طعمة الثالث من علم الدين هذا عالماً جليلاً ، شهد له بذلك العلّامة الشيخ أحمد ابن الشيخ علي النحوي في وقفية فدان السادة(٣) التي يحتفظ بها مؤلّف الكتاب.

ومن أبرز علماء الأسرة من المتأخرين السيد عبد الحسين الكليدار آل طعمة سادن الروضة الحسينيّة , المتوفّى يوم ١٢ شوال سنة ١٣٨٠ ه ، مؤلّف التصانيف التاريخيّة المطبوعة والمخطوطة.

وقد أشار إلى ترجمته عدد كبير من أرباب الفضل ، منهم شيخنا آقا بزرك الطهراني الذي تناول تاريخ الأسرة قائلاً: « آل طعمة من اُسر المجد المعروفة في كربلاء ، ومن بيوت العلويِّين الأشراف القديمة ؛ فقد عرفوا في كربلاء منذ قرون طويلة ، وهم من آل فائز ، وفيهم سدانة الروضة الحسينيّة والروضة العباسيّة من قديم ، ومن معارف هذه الأسرة المترجم له»(٤) .

وممّن ذكر أعلام هذه الأسرة وتراجمهم الاُستاذ الأديب غالب الناهي ، فقال:

ولله سر في علاك وإنّما

كلام العدى ضرب من الهذيانِ

____________________

(١) مجالي اللطف بأرض الطفّ - للشيخ محمّد السماوي / ٧٤.

(٢) الروضة النضرة في القرن الحادي بعد العشرة - للشيخ آقا بزرك الطهراني ( مخطوط ) / ١٣٥.

(٣) البيوتات العلوية في كربلاء - السيد إبراهيم شمس الدين القزويني ١ / ١٩.

(٤) نقباء البشر في القرن الرابع عشر - الشيخ آقا بزرك الطهراني ٢ / ١٠٤.


لو بُعث المتنبي وأخذ إلى كربلاء ، وقيل له اختر لبيتك هذا ممدوحاً لما وجد عدا بيت آل طعمة ؛ فهم أقدم أسرة علوية شريفة النسب ، وهم ذوو جاه وسلطة في مدينة كربلاء ، وهم ذوو ثراء وغنى ، وفوق كلّ هذا هم ذوو علم وثقافة ، وقليل ممّن تأتت له مثل هذه الحال يعني بالأمور العلميّة.

فالسيد عبد الحسين الكليدار كان سادناً للروضة الحسينيّة ، وهو عالم فاضل ، وفيلسوف ومؤرّخ ، له مكتبة عظيمة توازي المكتبات الكبرى في العراق كما أشار إليها الاُستاذ جرجي زيدان في كتابه ( آداب اللغة العربية ).

ومن هذه الأسرة سعادة الدكتور عبد الجواد الكليدار ، والسيد عبد الرزاق آل وهاب ، والسيد محمّد حسن مصطفى الكليدار ، فكلّ واحد منهم عالم فاضل ، ومنها الأديبان الشاعران الدكتور صالح جواد آل طعمة ، والسيد سلمان هادي آل طعمة ، فهل يكون من الغريب أن تنجب أديباً عالماً ، مفكّراً لغوياً كالاُستاذ مصطفى السيد سعيد ؟ كلا ، وإنّما الغريب إلّا تنجب مثله(١) .

إضافة إلى ما تقدّم فهناك أدباء أفاضل آخرون أنجبتهم هذه السلالة ، منهم السيد صادق محمّد رضا آل طعمة ، ومصطفى الفائزي آل طعمة ، والدكتور عدنان جواد آل طعمة وغيرهم كثيرون. وهناك مصادر كثيرة تناولت تاريخ هذه الأسرة سواء منها مطبوعة أو مخطوطة.

آل عصفور

من الاُسر العلميّة التي نزحت من البحرين في القرن الثاني عشر الهجري واستوطنت كربلاء ، نبغ فيها الشيخ يوسف بن أحمد البحراني صاحب الحدائق , المتوفّى سنة ١١٨٦ ه , المدفون في الروضة الحسينيّة.

ومنها الشيخ أحمد بن محمّد

____________________

(١) دراسات أدبيّة - غالب الناهي ٢ / ١٠٤.


ابن إبراهيم بن صالح بن عطية بن عصفور الدرازي البحراني ، تلميذ الشيخ خلف بن عبد علي بن أحمد بن إبراهيم الدرازي الذي هو أحد المجازين في اللؤلؤة ، وقد كتب الشيخ أحمد صاحب الترجمة رسالة اُستاذ المذكور في ولاية الوصي على تزويج الصغير والصغيرة والمجنون وعدمها ، فرغ اُستاذ المؤلّف ( ١١٧٦ ه ) ، وفرغ التلميذ من الكتابة ( ١١٧٧ ه) ، والنسخة عند السيد شهاب الدين المرعشي(١) .

ومنها الشيخ حسين آل عصفور ذكره صاحب كتاب ( أنوار البدرين ) فقال: كان يُضرب به المثل في قوة الحافظة ، ملازماً للتدريس والتصنيف ، والمطالعة والتأليف ، مواظباً على تعزية الحسين (عليه‌السلام ) في بيته في كلّ وقت منيف...(٢) .

وقال عنه صاحب ( ريحانة الأدب ): آل عصفور , منهم الشيخ حسين بن محمّد بن أحمد بن إبراهيم ابن أخ صاحب الحدائق , من أجلاّء الإمامية ، توفي ليلة الأحد ٢١ شوال سنة ١٢١٦ ه ، ومن تآليفه كتاب ( باهرة العقول في نسب آل الرسول)(٣) .

ومن أعقاب آل عصفور في كربلاء المرحوم داود بن سلمان آل عصفور الذي كان أحد المعمّرين ، كما كان راوية لكثير من الحوادث التاريخيّة ، ومنهم المرحوم محمّد بن عبد الرزاق بن سلمان آل عصفور ، أحد رجال التربية والتعليم ، ومارس منهم الوظائف الحكومية.

آل الفتوني

من اُسر العلم والفضل العربية الكربلائيّة ، هاجرت من جبل عامل واستوطنت كربلاء في أوائل القرن الثاني عشر الهجري ، ينتهي نسبها إلى

____________________

(١) الكواكب المنتثرة في القرن الثاني بعد العشرة - للشيخ آقا بزرك الطهراني ( مخطوط ) / ٣٥.

(٢) أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والإحساء والبحرين - للشيخ علي البلادي البحراني / ٢٠٧.

(٣) ريحانة الأدب - محمّد علي التبريزي ( فارسي ) ١ / ١٦.


الشيخ بهاء الدين العاملي.

وقد عُرفت بحدبها على العلم والأدب ، وكان منها العلّامة الشيخ محمّد تقي بن بهاء الدين الفتوني الحائري , المتوفّى سنة ١١٨٣ ه - ١٧٩٦ م , ومنها أيضاً الشيخ علي بن محمّد بن علي بن محمّد التقي بن بهاء الدين الفتوني العاملي الحائري , المتوفّى سنة ١١٩٢ ه(١) , ومنها أيضاً الشيخ حسين بن علي بن محمّد بن علي بن محمّد التقي بن بهاء الدين الفتوني المتولد في كربلاء , المتوفّى بعد سنة ١١٧٩ ه ، كان واسع العلم ، فاضلاً أديباً ، وهو مؤلّف اُرجوزة ( الدوحة المهدية).

ومن هذه الأسرة علي الفتوني ( رأيت توقيعه في وثيقة مؤرّخة غرّة ذي الحجة سنة ١٢٤٨ ه ) , ومن أفراد هذه الأسرة المرحوم الحاج سلمان ابن الشيخ مهدي ابن الشيخ علي ابن الشيخ حسين الفتوني الذي كانت له وظيفة خدمة بالمخيّم ، وتوفي يوم ١/ ٦/ ١٩٦٨ م , وكان بيده فرمان ( إرادة سلطانية ).

ولا يزال أفراد هذا البيت يقطنون كربلاء ، ويشتغل قسم منهم بالزراعة ، منهم مهدي بن حميد بن مجيد الفتوني ، ومحيي الدين ، وسلمان الفتوني.

آل القزويني

من الاُسر العلميّة التي حظيت بنصيب وافر من المعرفة والثقافة , استوطنت العراق في القرن الثاني عشر الهجري ، واشتهر منها السيد باقر الموسوي القزويني الملقّب بـ ( معلم السلطان ) ، وهو أوّل مَنْ هاجر إلى النجف الأشرف سنة ١١٨٥ ه ، ومنها إلى كربلاء وذلك سنة ١١٩٨ ه مع أخيه السيد محمّد علي ابن السيد عبد الكريم الموسوي القزويني الحائري.

وأشهر أعلام هذه السلالة في كربلاء هو السيد إبراهيم القزويني صاحب ( الضوابط ) و(الدلائل ) , المولد سنة ١٢٠٤ ه والمتوفّى سنة ١٢٦٢ ه , ابن السيد باقر الموسوي القزويني.

ومنها السيد محمّد مهدي

____________________

(١) الكرام البررة - للشيخ آقا بزرك الطهراني ٢ / ٤٠٥ ، وانظر ماضي النجف وحاضرها - للشيخ جعفر محبوبة ٣ / ٥٨.


ابن السيد باقر المذكور , المولود سنة ١٢٠٧ ه والمتوفّى سنة ١٢٦٩ ه , ومنها السيد هاشم المتوفّى سنة ١٣٢٧ ه , وولديه السيد محمّد رضا المتوفّى ١٣٤٨ ه ، والسيد محمّد إبراهيم المتوفّى سنة ١٣٦٠ ه.

ومنها العالم الشاعر السيد مهدي ابن السيد محمّد طاهر ابن السيد محمّد مهدي المذكور , المتوفّى سنة ١٣٥١ ه , ومنها السيد حسين القزويني أحد رجالات الثورة العراقيّة الكبرى , المولود سنة ١٢٨٨ ه والمتوفّى سنة ١٣٦٧ ه , ومنها السيد محمّد حسن الشهير بـ ( آقا مير ) مؤلّف كتاب ( الأمانة الكبرى ) , المتوفّى ستة ١٣٨٠ ه.

ومنها السيد محمّد حسين ابن السيد محمّد طاهر , المولود سنة ١٢٨٧ ه والمتوفّى سنة ١٣٨٥ ه , ومنها الخطيب الشاعر السيد محمّد صالح ابن السيد محمّد مهدي , المتوفّى سنة ١٣٧٥ه , ومنها اليوم العالم الفاضل السيد محمّد صادق ابن السيد محمّد رضا , المولود سنة ١٣٢٥ه ، والبحاثة السيد إبراهيم شمس الدين ابن السيد حسين القزويني , المولود سنة ١٣١٨ ه , مؤلّف كتاب ( البيوتات العلوية في كربلاء ).

ومنها الخطيبان الفاضلان السيد محمّد كاظم ابن السيد محمّد إبراهيم , المولود ١٢ شوال سنة ١٣٤٨ ه ، والسيد مرتضى ابن السيد محمّد صادق , المولود سنة ١٣٤٩ه ، وغيرهم من العلماء والأدباء. ولهذه الأسرة الكريمة فروع في أغلب المدن العراقيّة , ولهم فرع في الكويت.

آل الكشميري

إحدى اُسر العلم والفضل المعروفة التي تنتسب إلى الإمام علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) ، استوطنت كربلاء في القرن الثالث عشر الهجري ، وأشهر أعلامها السيد مرتضى بن مهدي بن محمّد بن كرم الله الكشميري , المتوفّى في الكاظميّة في الثالث عشر من شوال سنة ١٣٢٣ ه ، وقد حُمل جثمانه إلى كربلاء ودُفن في الصحن الحسيني ، وكان قد درس على الشيخ مرتضى الأنصاري(١) .

____________________

(١) أحسن الوديعة في تراجم مشاهير مجتهدي الشيعة - للسيد محمّد مهدي الموسوي الأصفهاني الكاظمي ١ / ١٥٢.


ومن أعلامها أيضاً العلّامة السيد حسن(١) ابن السيد عبد الله الرضوي الكشميري الحائري , المتوفّى سنة ١٣٢٨ ه ، ومنها أنجاله السادة مصطفى ومحمد(٢) ومحمد حسين. ولهذه الأسرة أعقاب يقطنون كربلاء.

آل المازندراني

اُسرة مشهورة بالعلم والفضل قطنت كربلاء في القرن الثاني عشر الهجري ، ظهر منها علماء أجلاء ، ونبغ فيها في غضون القرن الماضي الشيخ زين العابدين المازندراني الحائري أحد جهابذة الفكر الإسلامي , المتوفّى سنة ١٣٠٩ ه ، وانتهت إليه الرئاسة العلميّة في بلده.

وتعتبر داره ندوة علمية تضمّ نخبة طيّبة من رجال العلم والأدب ، وقد أعقب أربعة أولاد نهجوا نهجه ، هم: الشيخ حسين , المتوفّى سنة ١٣٣٩ ه - ١٩٢١ م ، والشيخ علي ، والشيخ محمّد ، والشيخ عبد الله.

ومن هذه الاُسرة العالم الفاضل الشيخ أحمد ابن الشيخ محمّد ، والشيخ عبد الله. ومن هذه الاُسرة العالم الفاضل الشيخ أحمد ابن الشيخ حسين ابن الشيخ زين العابدين المذكور , المتوفّى يوم ٢٩ جمادى الأولى سنة ١٣٧٦ ه الموافق ١/١/ ١٩٥٧ م ، وكان من أهل العلم والصلاح ، معظّماً لشعائر الدين ، شبّ في بيئة علمية وتخرّج على رجال عصره الأماثل.

ولهذا البيت أعقاب في كربلاء وإيران ، منهم العلّامة الشيخ محمّد باقر المازندراني ، والمحامي الشيخ صدر الدين الحائري ، ومنهم المهندسان فاضل الشيخ أحمد الحائري ، وفضل الله الشيخ أحمد الحائري.

آل المرعشي

وهم سادة حسينيون ، اشتهروا بالعلم والفضل ، وقد غلبت عليهم شهرة الشهرستاني نسبة لمصاهرتهم بأسرة آل الشهرستاني الموسويين. استوطنوا

____________________

(١) نقباء البشر في القرن الرابع عشر - للشيخ آقا بزرك الطهراني ١ / ٤٠٨.

(٢) توفي السيد محمّد الكشميري يوم ١ ذي القعدة سنة ١٣٧٦ ه الموافق ٣١ مايس ١٩٥٧ م ، وكان المومى إليه من رجال الثورة العراقيّة الكبرى لسنة ١٩٢٠ م.


كربلاء في القرن الثاني عشر الهجري ، ونبغ فيهم السيد محمّد حسين المرعشي الحسيني , المتوفّى ١٢٤٧ ه.

ومنهم السيد محمّد علي ابن السيد محمّد علي ابن السيد محمّد حسين المرعشي , المتوفّى سنة ١٢٨٧ ه ، ومنهم السيد محمّد حسين بن محمّد علي بن محمّد حسين المرعشي المذكور , المتوفّى سنة ١٣١٥ ه ، وكان هذا من كبار أعلام الفضل ممّن له صيت عال ومجد منيف ، وكانت له خزانة كتب حوت نفائس المخطوطات ورثها عن آبائه.

ومنها السيد ميرزا علي ابن السيد محمّد حسين المذكور , المتوفّى سنة ١٣٤٤ ه ، وقد حذا حذو والده في إمامة الجماعة. ومنها السيد زين العابدين ابن السيد محمّد حسين المرعشي المذكور , المتوفّى سنة ١٣٥٦ ه ، ومنها العالم الفاضل المعاصر السيد عبد الرضا المرعشي الحسيني الشهرستاني. ولكلّ من أولئك الأعلام الأفاضل آثار وتصانيف مطبوعة ومخطوطة ورد لها ذكر في موسوعة ( الذريعة ) للشيخ آقا بزرك الطهراني.

ومن هذه الأسرة أيضاً الخطيب الفاضل السيد حسين ابن السيد مرتضى ابن السيد محمّد حسين المرعشي الشهرستاني ، له من الشعر الرائق الشيء الكثير. ولا يزال أفراد هذا البيت يقطنون كربلاء.

آل النقيب

من الاُسر العلوية العريقة في الشهرة والشرف التي تُعرف في كربلاء سابقاً بآل دراج ، المتفرّعة من قبيلة ( آل زحيك ) من ذرّيّة السيد إبراهيم المرتضى ( الأصغر ) ابن الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ). استوطنت كربلاء في مطلع القرن الخامس الهجري ، ولا تزال دور آل النقيب في محلّة آل زحيك ملاصقة للروضة الحسينيّة من جهة الجنوب ، ولهم أملاك شاسعة في شفاثة ( عين التمر ) وكربلاء.

تولّى منهم رجال بعض المناصب الهامة في هذه المدينة ، كنقابة الأشراف ، وسدانة الروضة الحسينيّة ، ورئاسة البلدية ، وفيهم رجال فضل وعلم.

وقال العلّامة الشيخ محمّد السماوي:


وآلُ درّاج الفتى النقيبِ

فكم لهمْ من فاضلٍ أديبِ(١)

ومن مشاهيرهم السيد دراج(٢) بن سليمان بن سلطان كمال الدين من آل زحيك الموسوي ، نقيب السادات , وسادن مشهد الحسين (عليه‌السلام ) ، كان حيّاً سنة ١٠٤٨ ه.

ومن أبرز أعلام هذه الأسرة السيد مصطفى بن حسين آل دراج ، كان عالماً فاضلاً , له كتاب ( اُصول الدين ) ، فرغ من تأليفه يوم الخميس تاسع شهر ذي القعدة سنة ١١٧٥ ه(٣) . وجاء في مشجرة السادة آل النقيب أنّه كان سيّداً عالماً ، ورعاً تقيّاً صالحاً ، توفي في حياة أبيه.

ومنها أيضاً السيد فاضل ابن السيد عباس النقيب , المتوفّى في صفر سنة ١٣٦١ ه ، كان تقياً ورعاً ، مشتغلاً بطلب العلم ، كتب بخطّه كتاب ( اللمعة الدمشقية في الفقه للشهيد الأول ) ، وذلك بتاريخ ٢٨ جمادى الأول سنة ١٣٣٠ ه.

ومنها أيضاً الخطيب الفاضل الأديب السيد كاظم ابن السيد محمّد ابن السيد فاضل ابن السيد عباس النقيب ، المولود سنة ١٩٣٤ م ، له آثار مطبوعة , منها: الدعوة والعقبات ، مجتمعنا وعوامل الهدم والبناء ، نحن واليهود , وغيرها , وله خزانة كتب جليلة. ومنها أيضاً الشاعر السيد رضا ابن السيد صادق النقيب , ، المولود سنة ١٩٢٥ م.

ونثبت هنا نسب(٤) السادة آل النقيب:

____________________

(١) مجالي اللطف بأرض الطفّ - للشيخ محمّد السماوي / ٧٤.

(٢) راجع بشأن ترجمته: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر - للمحبي ج ١ , ترجمة أحمد حافظ باشا ، وانظر تاريخ الدولة العثمانيّة - للتون هافر الألماني ، مترجم عن الفارسية باسم ( سلطان التواريخ ) ، وانظر أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين العاملي ، وتاريخ العراق بين احتلالين - لعباس العزاوي ٤ / ٢٤٠.

(٣) الذريعة إلى تصانيف الشيعة - للشيخ آقا بزرك الطهراني ٢ / ١٩٥.

(٤) نقلت هذه السلسلة الشريفة عن مشجرة السادة آل النقيب التي هي بخطّ النسّابة علي بن عبد الحسين بن طوغان العيسوي الحسيني الحائري ، الذي كان حيّاً سنة ١٠١٩ ه.


محمد علي بن حسن بن محسن بن عباس بن محسن بن محمّد ( الملقّب محمّد كنعان ) بن حسن بن عباس بن بهاء الدين بن أحمد بن محمّد الدراج ابن سلمان بن سلطان كمال الدين نقيب النقباء ( الجدّ الأعلى لأل ثابت وآل النقيب ) ابن إدريس بن جماز بن نعمة بن علي القصير ابن أبي القاسم بن يحيى ( ويُقال لولده: آل زحيك ) بن منصور بن محمّد بن يحيى بن محمّد بن عبد الله الحائري بن محمّد بن أبي الحرث بن علي أبي الحسن المعروف بابن الديلمية.

ابن عبد الله أبو طاهر محمّد أبو الحسن الأرم المحدّث ابن الطاهر أبو الطيب بن الحسين أبو عبد الله القطعي نقيب النقباء ابن موسى أبو السبحة ابن إبراهيم المرتضى ( الأصغر ) ابن الإمام موسى بن جعفر (عليه‌السلام ).


الاُسر الأدبيّة

هناك في كربلاء اُسر أدبيّة نبغ فيها بعض الأدباء والشعراء الذين احتلوا مكانة مرموقة في الأوساط الأدبيّة ، ولهم شعر في كثير من المناسبات الاجتماعيّة والدينية ، وتركوا دواوين ما يزال القسم الأكبر منها مخطوطاً في خزائن كتب كربلاء الخاصة وطبع قسم منها.

وقد حاولت في هذا الباب ذكر هذه الاُسر والشعراء الذين أنجبتهم مع نماذج شعرية انتقيتها لهم من المجاميع المخطوطة والمطبوعة.

آل أبي الحبّ

اُسرة عربية معروفة هاجرت من الحويزة واستوطنت كربلاء في القرن الثاني عشر الهجري ، تنتسب إلى قبيلة ( آل خثعم ). وقد نبغ فيها علماء وخطباء وشعراء كان أشهرهم ذيوعاً الشاعر الكبير ، والخطيب الجهير الشيخ محسن ابن الحاج محمّد أبو الحبّ الخثعمي الحويزي الحائري , المولود سنة ١٢٣٥ ه والمتوفّى سنة ١٣٠٥ ه(١) . وله ديوان مخطوط باسم ( الحائريات ) ، توجد نسخة الأصل منه في

____________________

(١) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين العاملي ٤٣ / ٢٠٢ ، وشعراء كربلاء - للمؤلّف ١ / ١٦٨.


خزانة كتبه.

والديوان غني بالقصائد الدينية التي رثى فيها آل البيت (عليهم‌السلام ) ، ورثى بعض أصدقائه العلماء والأعيان.

ومن بين قصائده التي ذاع شهرتها في المجالس الحسينيّة قوله:

أعطيت ربـي موثقاًلا ينتهي

إلّا بـقتلي فاصعدي وذريني

إن كان دينُ محمّدٍ لم يستقم

إلّا بـقتلي يا سيوف خذيني

هذا دمي فلترو صادية الظبا

منه وهذا بـالرماحِ وتيني

هذا الذي ملكت يميني حبسة

ولأتبـعته يسرتي ويميني

خذها إليك هدية ترضى بها

ياربّ أنت وليها من دوني

أنفقت نفسي في رضاك ولا أرا

ني فاعلاً شيئاً وأنت معيني

ما كان قربانُ الخليل نظيرَ ما

قرّبـته كلا ولا ذي النونِ

هذي رجالي في رضاك ذبائحٌ

ما بين منحورٍ وبـين طعينِ

رأسي وأرؤس أسرتي معْ نسوتي

تُهدى لرجسٍ في الضلال مبينِ

وإليك أشكو خالقي من عصبةٍ

جهلوا مقامي بعد ما عرفوني

ومن هذا البيت الفقيه الخطيب الشهير الشيخ محمّد حسن ابن الشيخ محسن المذكور , المولود سنة ١٢٥٥ ه , المتوفّى يوم الثلاثاء ١٣ شوال سنة ١٣٥٧ ه.

ومنها الخطيب الشاعر الشيخ محسن ابن الشيخ محمّد حسن المذكور , المولود سنة ١٣٠٥ ه والمتوفّى نهار يوم الجمعة ٥ ربيع الثاني سنة ١٣٦٨ ه ، وكان شاعراً مكثراً مطبوعاً , قوي الحافظة ، فصيحاً جريئاً ، له ديوان مطبوع(١) سجّل فيه تاريخ عصره وأحداث زمانه.

ومن شعره قوله في رثاء الحسين (عليه‌السلام ):

لاقى الصلاةَ بأرضِ الطفّ منفرداً

وما لهُ من معينٍ ناصرٍ وولي

____________________

(١) ديوان أبي الحبّ - تحقيق مؤلف الكتاب ، نشره الدكتور ضياء الدين أبو الحبّ ١٩٦٦ م - ١٣٨٥ ه.


أصحابهُ جاهدوا عنهُ وما نكلوا

حتّى قضوا بين منحورٍ ومنجدلِ

واللهُ منهم شرى قدماً نفوسَهمُ

فقدّموها له طوعاً بلا مهلِ

عبّادُ ليلٍ فهم لا يهجعونَ به

فمن مصلٍّ ومن داعٍ ومنتفلِ

أماجدٌ كأنّ يومَ الحربِ عيدهمُ

والموتَ عندهمُ أحلى من العسلِ

شدّوا على زمرِ الأعدا كأنّهمُ

اُسدٌ تُشدّ على جمعٍ من الهملِ

وقال مناهضاً الحكم البريطاني البغيض , ومندداً بسياسته الخرقاء:

ألا فانهضوا إنّ الجهادَ لواجبٌ

ولا تقعدوا ياعصبة المجدِ والكرمْ

أما تنظروا إخوانكم دخلوا الوغى

بـعزمٍ وحزمٍ والشجاعةِ والهممْ

يحامون عن أوطانِهم فكأنّهم

أسودُ شرى عاثت بجمعٍ من الغنمْ

على الكفرِ صالوا والإلهُ يمدّهمْ

بـنصرٍ ومنهم كافرٌ قطّ ما سلمْ

لقد تركوا أبـناءَ لندن أكلةً

وأجسادهم صارت لذؤبانِهم طعمْ

أبـادوا جنودَ الإنكليز ومزّقوا

من الكفرِ جمعاً بعد ذا ليسَ يلتئمْ

بـريطانيا مخذولةً لا محالةً

وقد لبست ثوباً من الذلِّ والعدمْ

بريطانيا ياعرب خانت وضيّعتْ

عهودَكمُ واللهُ منها قد انتقمْ

إلى أين يأوي الإنكليزوكلّما

تحاربهُ بالسيفِ والرمحِ والقلمْ

فيرجعُ مقهوراًَ ذليلاً وجيشُهُ

بـهِ الذلّ من كلّ الجوانبِ قد ألمْ

ومنها الدكتور ضياء ابن الشيخ محسن بن محمّد حسن المذكور , المولود يوم الغدير سنة ١٣٣٢ ه - ١٩١٣ م ، وهو اليوم اُستاذ الصحة النفسية في كلية التربية بجامعة بغداد ، شاعر مطبوع ، له آثار في التربية وعلم النفس ، طبع قسم منها ، وله ديوان شعر مخطوط.

ومنها الدكتور جليل بن كريم بن جواد ابن الشيخ محسن ابن الحاج محمّد أبو الحبّ , المولود سنة ١٩٢٧ م ، المدرّس في كلّية الزراعة بحامعة بغداد ، أديب فاضل ، له


آثار مطبوعة.

ومنها المحامي جواد بن رضا بن حمزة بن حمادي أبو الحبّ ، وآخرون غيرهم من أصحاب الشهادات العالية.

آل الأصفر

إحدى الاُسر العربية التي عُرفت في كربلاء في أوائل القرن الثالث عشر الهجري ، وقطن بعض رجالها الكاظميّة ، وهم قليلو العدد ، لم يكتب أحد بخصوص هجرتهم.

كان منهم الشاعر الشيخ موسى بن قاسم الأصفر(١) , المولود في كربلاء والمتوفّى بها سنة ١٢٨٩ ه. اتصل بالسيد كاظم الرشتي وابنه السيد أحمد ولازمهما ، كما اتصل بالسيد علي نقي الطباطبائي فنال عليه قسطاً وافراً من المعرفة ، وعمل عنده كاتباً ، وكان من المعمّرين ، له شعر تناول فيه عدّة أغراض كالرثاء والمديح والعتاب والمداعبة والغزل.

قال متغزّلاً بغادة حسناء معتدلة القوام يزين وجهها نار ونور:

بـاتت تميسُ بـليلةِ الميلاد

وبدت تضيء ضياءَ صبحِ النادي

حوراءُ غانيةٌ بـغمدِ جفونها

ما قرّ سيفُ اللحظِ في الأغمادِ

فتكت صوارم لحظها ونباله

وكذلك ذابـلُ قدّها الميّادِ

في وجهها نارٌ ونورٌ مثلما

بـلحاظها بـيضٌ وسحرُ صعادِ

وبـنحرها ليلٌ وفجرٌ ساطعٌ

وبـصدرها طرسٌ ونقشُ سوادِ

وحوت أشعةَ لعلعٍ وزبرجدٍ

ومن العوارضِ جوهرَ الأفرادِ

وترى يواقيتَ البهاءِ بـها بـدت

فأمدت النارينِ بالإيقادِ

قالت بـرغمٍ للعواذلِ كلّهمْ

نحنُ بـوادٍ والعذول بـوادِ

____________________

(١) شعراء كربلاء - للمؤلّف ١ / ١٢٧.


وكتب إلى العلّامة السيد ميرزا علي نقي الطباطبائي ، وقد قارب حلول شهر رمضان المبارك:

مسألة أتعبني حلّها

وأنتَ فيها سيدي أخبرْ

رمضان شهرٌ جاءنا مسرعاً

يصومهُ المفلس أم المفطرْ

وكان الشيخ محسن الخضري حاضراً ، فأجابه بديهة عن السيد المذكور:

رمضان شهرٌ واجبٌ صومُهُ

وغيرُ ذات العذر لا يُعذرْ

الصوم إمساكٌ وكفٌّ ومَنْ

أفلس في إحرازه أجدرْ

ومن هذه الأسرة الشاعر الشيخ جواد بن جعفر بن مهدي بن موسى الأصفر , ، المولود في كربلاء سنة ١٢٩٣ ه والمتوفّى بها سنة ١٣٥٨ ه ، كان شاعراً مغموراً ، امتهن الخياطة في كربلاء ، وله شعر قليل يخضع إلى طابع التقليد في الأسلوب والمنحى.

قال مهنّئاً الخطيب السيد محمّد القاري آل قطفون بمناسبة زفافه:

إنّ قلبي بـسنا النورِ انغمر

مذ رأيتُ الشمسَ زُفّت للقمرْ

حرةٌ للحرِّ لمّا اُهديت

فاضَ بالبهجةِ روحي وازدهرْ

سرت ما بينَ الملا محفوفةً

مثلَ نورٍ يتجلّى للبصرْ

كلّما هبّت لنا ريحُ الصبا

ذكّرتنا وجهكَ الزاكي الأغرْ

يارفيعَ القدرِ يا أزكى الورى

كلّ مَنْ رامَ يحاكيكَ عثرْ

إنّ مدحي لنداكم قاصرٌ

ولساني عن ثناكم قد قصرْ

وكذا شوقي لكم لي شاهدٌ

عند كلّ الناس أمرٌ مشتهرْ

وقد اهتزّ لمدحي فيكمُ

كلّ قلبٍ حينما مدحي انتشرْ

يا لها محفوفة في سادةٍ

فضلهم يعرفه كلّ البشرْ

خرجت من بيتِ مجدٍ شامخٍ

دخلت في صغرِ عيشٍ مستقرْ


أدخلوها بـيتَ مجدٍ سامقٍ

فاُضيء البيتُ من تلكَ الصورْ

وغدت تسحبُ أذيالَ الهنا

بـسرورٍ مثل نجمٍ منتثرْ

( هاشم ) هنيت في خيرِ هناً

بـمحيّا كهلالٍ قد زهرْ

دمت في عزٍّ و فخرٍ وعلاً

وعداكَ اليومَ أمسوا في سقرْ

رحتُ في شعريَ أشدو هاتفاً

أرّخو (الشمسُ زُفّت للقمر)

١٣٥٠ ه

وأعقب ولده كاظم الذي يمتهن الخياطة في الكاظميّة.

ومن هذه الأسرة في كربلاء اليوم عبد الحسن بن صبري بن إبراهيم بن مهدي بن موسى الأصفر الذي يزاول مهنة التعليم.

آل بدقت

من بيوت الأدب المعروفة في كربلاء ، يمتّ بنسبة إلى ( بني أسد ) كما تُصرح بذلك المصادر ، نبغ فيه رجال لهم شأن مرموق ومكانة رفيعة ، قطن كربلاء منذ عدّة قرون ، واشتهر هذا البيت ببدقت ، وهو لقب جدّهم الحاج مهدي الذي أراد أن يقول عن الشمس بزغت فقال لتمتمة فيه: بذقت ، أو بدكت (بالكاف الأعجمية) ؛ فلازمه هذا اللقب ولذرّيته ومَنْ يمتّ إليه.

ومن مشاهير هذا البيت وأعلامه الحاج جواد(١) ابن الحاج محمّد حسين ابن الحاج عبد النبي ابن الحاج مهدي ابن الحاج صالح ابن الحاج علي الأسدي الحائري الشهير ببذقت , المولود في كربلاء سنة ١٢١٠ ه والمتوفّى بها سنة ١٢٨١ ه. كان شاعراً مجيداً ، ينظم الشعر الجيد القوي

____________________

(١) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين ١٧ / ٨٨ ، والكرام البررة - للشيخ آقا بزرك الطهراني ٢ / ٢٧٨ ، وشعراء كربلاء - للمؤلّف ١ / ٧٢.


السبك ، وكان متوقّد الذهن ، مشبوب العاطفة ، وشعره مدوّن في كثير من المجاميع المخطوطة والمطبوعة.

قال راثياً الحسين بن علي (عليه‌السلام ) ، وأوّلها:

فوقَ الحمولةِ لؤلؤٌ مكنونُ

زعمَ العواذلُ أنّهنَّ غصونُ

لم لقّبوها بـالظعونِ وإنّها

غرفُ الجنانِ بهنَّ حورٌ عينُ

هب زعمهمْ حقّاً أيمنعكَ الهوى

أم للصبابةِ عن هواكَ يبينُ

ومنها قوله:

ولقد هوى صعقاً لذكرِ حديثها

موسى وهوّن ما لقيهارونُ

واختار يحيى أن يُطافَ برأسه

وله التأسّي بـالحسينِ يكونُ

وأشدّ ممّا نابَ كلّ مكوّنٍ

مَنْ قالَ قلبَ محمدٍ محزونُ

فجزاك يتم بـالضلالةِ بعده

للحشرِ لا يأتي عليهِ سكونُ

بـرقيِّ منبره رُقي في كربلا

صدرٌ و ضُرّجَ بالدماءِ جبينُ

وبكسر ذاك الضلعِ رُضّت أضلعٌ

في طيّها سرُّ الإلهِ مصونُ

وله في رثاء الحسين (عليه‌السلام ) أيضاً من قصيدة مشهورة:

شجتك الضغائن لا الأربع

وسال فؤادكَ لا الأدمع

ولو لم يذب قلبك الأشتياق

فمن أين يسترسل المدمع ؟

توسمتها دمنةبـلقعاً

فما أنتَ والدمنة البلقع

تخاطبها وهي لا ترعوي

وتسألها وهي لا تسمع

فعدت تروم سبيل السلو

و سهمك طاش به المنزع

ومنها قوله:

فيا ابن الذي شرع المكرمات

وإلّا فليس لها مشرع


بـكم أنزلَ اللهُ أم الكتاب

وفي نشر آلائكم يصدع

أوجهك يخضبه المشرفي

وصدركَ فيهِ القنا تشرع

وتعدو على جسمك الصافنات

وعلم الإلهِ بـه مودع

وينقعُ منك غليلُ السيوف

و إنّ غليلكَ لا ينقع

ويقضي عليك الردى مصرعاً

و كيف القضا بالردى يصرع

ومنها الشاعر الشيخ محمّد حسين ابن الحاج جواد ابن الحاج محمّد حسين بدقت , المولود في كربلاء سنة ١٢٥٥ ه والمتوفّى بها سنة ١٣٣٥ ه ، كان كاتباً في الروضة العباسيّة ، وكان شاعراً ماهراً ، له بضع قصائد ومقطوعات في مناسبات شتى.

ومن شعره قوله راثياً العلّامة الشيخ محمّد طه نجف:

دهرُ العنا أثكلنا بالأمين

فأورثَ الأكبادَ داءً دفين

ودكَ طورَ الصبر منّا على

مَنْ كان ركناً للمعالي ركين

اسمعنا واعيةًيا لها

واعية يشيبُ منها الجنين

محمد طه الذي قد سما

لهامةِ الجوزاءِ و هو القمين

من غامض العلم يبينُ لنا

دقايقاً منه بـحلمٍ رزين

كم حكم أحكمها دقّةً

على وثوقِ النصّ للمسلمين

تبصرة الرشدِ غدا موضحاً

بمنتضى الشكِّ بعينِ اليقين

أحكامه الأحكام نهج الهدى

وفيضه مرتبع المسنتين

ويومه أعظم يوم على

كلّ امرئ ذاك تقي فطين

ولا يزال أفراد هذه الاُسرة يقطنون كربلاء ، منهم أسعد بن عبد الأمير ابن الشيخ علي ابن الحاج جواد بدقت الذي يمتهن التعليم في مدارس كربلاء ، وعبد الرضا بن جعفر ابن الشيخ محمّد حسين ابن الحاج جواد بدقت أحد خدمة الروضة العباسيّة.


وممّن ينتمي إلى هذه الاُسرة(١) الأديبان الكربلائيان ؛ مشكور الأسدي مؤلّف كتاب (مذكراتي في أفغانستان) و (صورة قلمية.. جعفر الخليلي) ، والدكتور زكي عبد الحسين الصرّاف ابن مهدي الأسدي ، اُستاذ الأدب الفارسي في كلّية الآداب بجامعة بغداد ، صدر له: ليالي الشباب (مجموعة شعرية سنة ١٩٥٦ , والمقالة في الأدب الفارسي المعاصر سنة ١٩٧٩).

آل حسون رحيم

وهي إحدى الاُسر الأدبيّة التي تنتسب إلى عشيرة ( الجشعم ) العربية التي قطنت كربلاء في القرن الثالث عشر الهجري. نبغ فيها الشاعر الشيخ فليح بن حسون بن رحيم بن ثويني بن عبد العزيز بن حبيب من آل جشعم , المتوفّى سنة ١٢٩٦ ه.

اتصل بالسادة آل الرشتي ، وكان ورعاً يأكل من كسبه ، يكتب المصاحف الشريفة ليحصل على الاُجرة. انصرف إلى مديح السيد كاظم وابنه السيد أحمد الرشتي فلازمهما ملازمة الظلّ بما أوتي من حول وقوّة ، وقد أثارت عواطفه وأحاسيسه تضحيته الغالية بفلذة كبده الشيخ محمّد في حادثة قتل السيد أحمد ابن السيد كاظم الرشتي سنة ١٢٩٥ ه ، فبكاهما مرّ البكاء ، ورثاهما بقصائد تجسّدت فيها اللوعة الصادقة والعاطفة الجيّاشة.

وللشاعر ديوان مخطوط يضمّ الأغراض التالية:

١ - المديح والرثاء لآل البيت (عليهم‌السلام ).

٢ - المديح والرثاء للسادة آل الرشتي.

٣ - الغزل والنسيب.

٤ - رثاؤه لولده القتيل الشيخ محمّد.

قال من قصيدة يهنّئ بها السيد أحمد الرشتي لدى حصوله على نيشان عظيم من الرتبة الرابعة:

____________________

(١) أطلعني الاُستاذ مشكور الأسدي على وثيقة عثمانية ( سند خاقاني ) خاص بأسرته , مؤرّخ في شباط ١٣٢٩ هجري رومي ، يتضمّن أنّ والده المرحوم الحاج مهدي من التبعة العثمانيّة , وهو ابن حمود بدكت.


سما بكَ المجدُ للعلياء لا الطلبِ

وزانكَ الفضلُ بين الناسِ لا الرتبِ

فالدفع للعلمِ المرجوِّ نائله

والزينة الفضل لا ما زين للذهبِ

تقارن السعدُ والإقبالُ فيكَ كما

تقارن النسبُ الوضّاح والحسبِ

مَنْ كان من دوحةِ المختار نبعتُهُ

لا غرو أن جاوزَ الجوزاءَ بالنسبِ

فشأ وِشأنكَ للنيشان يرفقه

لو لم يكن لعزيز الملكينتسبُ

هناك عزّك فيما حزت من طرفٍ

ولاح فيكَ من الإقبالِ والغلبُ

وله راثياً القتيلين السيد أحمد الرشتي والشيخ محمّد فليح ، ويندبهما بقلب مقروح ودمع مسفوح ، فقال:

ما بال عيني فارقت إنسانَها

ورمى يميني بينها فأبانها

إنسان عيني أحمدٌ ومحمدٌ

كفّي وقد جذّ الحمام بنانَها

هيمات نفسي بعد مصرع أحمدٍ

ومحمدٍ يوماً ترى سلوانَها

هذا سليمانُ الزمان رئاسة

أضحى وهذا عفّة سلمانَها

روحي فداء مهذبين كليهما

قد ألهبا بحشاشتي نيرانَها

ومنها الشاعر الشيخ محمّد ابن الشاعر الشيخ [فليح] , ، المولود في كربلاء سنة ١٢٧٢ ه والمقتول سنة ١٢٩٥ ه ، ورث الشعر عن والده وخاله الشاعر الشيخ محمّد علي الشيخ خليل. ارتاد مكتبة السيد كاظم الرشتي فأفاد منها.

وكما كان أبوه ملازماً للسيد كاظم الرشتي كان الابن الشيخ محمّد ملازماً لولده السيد أحمد ابن السيد كاظم الرشتي ، وفداه بنفسه في الحادثة المروعة المشهورة سنة ١٢٩٥ ه.

تطرّق في شعره إلى الأغراض التالية:

١ - المديح.

٢ - الرثاء.

٣ - الحماسة.

٤ - الغزل.

قال من قصيدة رقيقة:

تأوبني همّي وفي القلبِ ساجرهْ

فبتُّ وبات الدمعُ تهمي بوادره

تذكرت أيامَ الوصالِ فتارة

يبادرني دمعي وطوراً اُبادره


ولم أنسَ معسولَ الرضاب غُزيّلاً

مواردُه محبوبةٌ ومصادره

وطلعته صبحٌ وطرّتهُ دجىً

وأردانهُ ريّاً وكحلاً نواظره

إلى أن حدا حادي الفراقِ فليته

اُتيحَ لهُ من بطنِ خفّان خادره

فقامَ وقالَ الركبَ قوّضَ راحلاً

وموعدنا من عامِ قابل هاجره

لوى فوقَ جيدي للوداع يمينه

ويسراهُ كفّت ما تصبّ محاجره

فأتبعتهُ دمعاً كصوب غمامةٍ

وفي القلبِ من نارِ الفراقِ مساعره

مضى ومضى قلبي وراءَ ضعونه

يراجعني طوراً وطوراً يسايره

فلولا التسلّي للمشوقِ بوعده

لشقت لما قاساه منهُ مرائره

ولا يزال أفراد هذا البيت يقطنون كربلاء ويمارسون الوظائف الحكومية ، منهم عبد الجبّار بن مصطفى ابن الشيخ فليح بن حسون رحيم , وأخواه محمّد وصالح.

آل زيني

إحدى الاُسر المعروفة في كربلاء التي يرتقي نسبها إلى العالم الفاضل السيد زين الدين ابن السيد علي تبن السيد سيف الدين من سلالة الإمام الحسن بن علي (عليه‌السلام ) ، وقد عُرفت بالانتساب إلى جدّها المذكور.

وهو الذي استوطن كربلاء في أواخر القرن الثاني عشر الهجري حسب ما جاء في الوثيقة المؤرّخة سنة ١١٧٣ ه ، والتي تنصّ أنّ السيد زيني ابن السيد علي بنى داراً في كربلاء واتخذها مسكناً له ، وموقعها في محلّة آل عيسى ، أي في القسم الشرقي من محلّة باب الطاق اليوم ، واندمج ذووه في سلك خدمة الروضتين.

ومن أشهر أعلام هذا البيت السيد محمّد بن أحمد بن زين الدين بن علي , ، المولود في النجف سنة ١١٤٨ ه والمتوفّى في الكاظميّة سنة ١٢١٦ ه ، ويُعرف بالزيني البغدادي. كان شاعراً


مشهوراً من أبطال ( وقعة الخميس ) ، تلك المساجلة الأدبيّة التي اتفقت في عهد السيد مهدي بحر العلوم , المتوفّى سنة ١٢١٢ ه ، وردتها المجاميع العراقيّة وكتب التراجم والسير.

قال من قصيدة يمدح بها آل البيت (عليهم‌السلام ) ، وأوّلها:

هذي منازلُ آل بيتِ المصطفى

فالثم ثراها واكتحل بغبارِها

هي بقعة الوادي المقدّس فاخلع الـ

نعلين إن أصبحت من حضّارِها

هي مهبط الأملاك والأرض التي

جبريلُ عبدٌ من عبيد مزارِها

وقال مهنئاً السيد مهدي بحر العلوم بولادة نجله السيد محمّد ، ومؤرّخاً عام ولادته وذلك سنة ١١٩٧ ه:

بشرى فقد وافى السرورُ السرمدُ

وقارنَ الإقبالَ صبحٌ أسعدُ

لقد وفى الدهرُ لنا بوعدِه

وقلّما ينجزٍ منهُ الموعدُ

وقد تولّى كلّ همّ مخلفاً

لمـّا أتانا فرحٌ مجددُ

ومنها قوله:

ياأيها السيد والمولى الذي

سادَ بـهِ مَنْ قالَ أين سيدُ

ليهنك اليوم محمّد وما

محمّد إلّا الحبيب الأحمدُ

أعيذه من شرّ كلّ حاسدٍ

بـالصمدِ الفردِ الذي لا يلدُ

لا زلتُ مسروراً به حتّى ترى

أولادَ أولادٍ لهُ تُولّدوا

فقرّ عيناً فيهِ واسعد مثلما

عادت جدودُ الناس فيكم تُسعدُ

فاسلم ودم وطل وعش منعّماً

بـنعمةِ اللهِ التي لا تنفدُ

قد زال أقصى السوء حين أرّخوا

( قُرّة عينٍ للورى محمّدُ )

١١٩٧ ه

ومنها الأديب الشاعر السيد جواد ابن السيد محمّد ابن السيد أحمد زيني


المذكور , المولود سنة ١١٧٥ ه والمتوفّى بطاعون سنة ١٢٤٧ ه ، ويُعرف بالسيد جواد السياه بوش(١) .

ذكره السيد محسن الأمين فقال: الشاعر الأديب كان إخباريّاً صلباً في مذهبه ، أخذ ذلك من اُستاذه الميرزا محمّد الإخباري ، وقد جُفي من الفرقة الاُصولية. له كتاب بمنزلة المجموعة ، وكان هجّاءً ، وله قصيدة هجا بها أهل بغداد(٢) .

قال من قصيدة في الغزل ، وأوّلها:

سطع الكأسُ حين وافى السقاة

بـمدامٍ لم تحوها الحانات

طافَ فيها النديمُ يسعى ولبّى

للمحبّين حيث نحن دعاة

بـمجالي أسراره آنسونا

نار موسى وأنسنا الكلمات

فاقتبسنا نوراً بذاك التجلّي

هو و الله للحقيقةِ ذات

عجزَ الواصفون عن كنهِ معناه

فأنّى تحيطُ فيهِ الصفات

وقال مادحاً والي بغداد داود باشا من قصيدة:

عشق السماح فليس قرّة عينه

إلّا بـقبضة كفّه المتزايدِ

لا تنجلي عيناه في رأد الضحى

إلّا إذا اكتحلت بـغرّة فرقدِ

ومن هذه الاُسرة الخطيب الفاضل السيد عبد الرزاق(٣) ابن السيد كاظم ابن السيد جعفر ابن السيد حسين ابن السيد أحمد ابن السيد زين الدين الحسني , المولود سنة ١٣١٠ ه والمتوفّى سنة ١٣٧٣ ه.

ولا يزال أفراد هذا البيت يقطنون كربلاء ، ومنهم في بغداد والنجف والكاظميّة ، وعميد هذه الأسرة في كربلاء السيد سعيد بن أحمد زيني صاحب مكتبة السعادة.

____________________

(١) لفظة فارسية مركبة من كلمتين معناهما (اللباس الأسود ) ، وتطلق على مَنْ يرتدي هذا النوع.

(٢) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين ١٧ / ١٨٣.

(٣) خطباء المنبر الحسيني - الشيخ حيدر صالح المرجاني ٢ / ١٦٢.


آل العلوي

من اُسر الأدب والفضل التي تنتسب إلى السيد أحمد شاه جراغ ابن الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ) ، قطنت كربلاء في أواخر القرن الثالث عشر الهجري ، واندمجت ضمن خدمة الروضتين.

ومن رجالها السيد حسين ابن السيد محمّد علي بن جواد بن مهدي بن هاشم الموسوي الشهير بالعلوي نسبة إلى الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) , المولود في كربلاء والمتوفّى بها سنة ١٣٦٤ ه. كان شاعراً مطبوعاً ، اشتهر بجميل الذكر ، وحسن المعاشرة , جمع بين الموهبتين ؛ موهبة النظم في الفصحى والعامية , وحلّق في كليهما ، وله قصائد كثيرة في المناسبات الاجتماعيّة والوطنية.

حدّثني بعض المعمّرين أنّه كان يعتمد في قرضه للشعر على السليقة والذوق الأدبي , قال من قصيدة متحمّساً لقضية فلسطين العربية:

ياعرب ليس الصبرُ يُحمدْ

من أمّة إن جاوزَ الحدّْ

أو لستم أنتم أباة الضيـ

ـمِ والتاريخُ يشهدْ

أو لستم مَنْ شادَ قدماً

للإبـا صرحاً ممرّدْ

أو لستم غوث الصريـ

ـخِ وكهف أمن للمشرّدْ

ولكم تصاغرَ ذلّةً

يوم الكريهة كلُّ أصيدْ

يا أمّة العرب التي

سمت الورى شرفاً وسؤددْ

ردّوا الحقوق لأهلها

اليوم بـالسيف المجرّدْ

فالموت أحلى مورداً

للعرب من عيش منكّدْ

الداء زاد توجّعاً

وداؤه السيف المهنّدْ

هذي فلسطينٌ وذا

جيش العدوِّ بها تحشّدْ

لم يرع ذمّة مسلمٍ

فيها ولا شرفاً لمعهدْ

وبـها اليهود تألّبتْ

والإنجليز لها تعهّدْ


في القدسِ ينصب عرشها

ظلماً وعنها العرب تُطردْ

وقال راثياً الحاج السيد مرتضى آل ضياء الدين سادن الروضة العباسيّة ، ومعزّياً نجله السيد محمّد حسن ، وأوّلها:

لحق إذا ناديت والدمعُ سائلُ

أجبني أبا الزاكي فها أنا سائلُ

رحلتَ وخلّفتَ القلوبَ بحسرة

تحنّ وفيها حزنُ فقدكَ نازلُ

فواللهِ ما عوّدتنا الهجرَ ساعةً

فإنّ الجفا والهجرَ لا شك قاتلُ

حنانيكَ عطفاً رحمةً بأحبّة

تودّ وصالاً منكَ هلاّ تواصلُ

فيا راحلاً لو كنتَ تهوى منازلاً

وحقّكَ ذا كلّ القلوبِ منازلُ

لقد كنتَ نبراساً لمشكاةِ رشدنا

إذا اظلمَّ ليلٌ أو اُثيرت قساطلُ

تسيرُ بنا نهجَ الصوابِ وتغتدي

إماماً لنا لم يثنِ عزمكَ باطلُ

أبـا حسنٍ خلدت ذكراً وسؤدداً

مدى الدهرِ باقٍ ما لهُ قطّ زائلُ

ومنها نجله السيد إبراهيم ابن السيد حسين العلوي , المولود في كربلاء سنة ١٣٤٣ ه - ١٩٢٣ م والمتوفّى ببغداد ليلة الإثنين ١٠ ذي القعدة سنة ١٣٨١ ه الموافق نيسان ١٩٦٢ م. كان شاعراً خفيف الروح ، وكاتباً مطبوعاً.

قال مادحاً الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ) ، وأوّلها:

لله رزؤكَ فيهِ الدمعُ ينسكبُ

فقد اُصيبت بحامي عزّها العربُ

كنتَ الكفيلَ لها في كلّ معضلة

تطيشُ من هولها الأقلامُ والكتبُ

يابن الهداةِ الميامين الذين جلوا

ظلمَ العصورِ بصبحِ الرشدِ مذ وجبوا

فما البليغُ وإن غالى بـمدحته

بـبـالغِ نعتهم يوماً إذا ندبوا

وقال راثياً وهو من أوائل نظمه:

أيا عين سحّي الدمعَ قد خانني دهري

ويا قلب ذب وجداً على مَنْ همُ فخري

فخار الفتى في جدّه وإبـائه

وإلّا فإنّ الموتَ أولى من العمرِ


فمَنْ مات في شرعِ الإبا قطّ لم يمت

و مَنْ عاشَ في ذلّ فقد عاشَ في خسرِ

فلا غرو لو أجريتُ دمعي تلهّفاً

عليهم واُبدي الحزنَ مهما يطل عمري

أحبـاي عطفاً بـالمسيرِ ترفّقوا

فقلبي وراءَ الركبِ يقفو على الأثرِ

تحيّرتُ لمّا سرتموا بـظعونكمْ

اُودّع قلبي أم لروحيَ أم صبري

فواللهِ إنّ الموتَ أهونُ للفتى

إذا فارقَ الأحبابَ من حيثُ لا يدري

ومن هذه الاُسرة الكريمة المرحوم السيد جواد الوكيل ابن السيد كاظم ابن السيد مهدي. ومنها السيد حسن السعدي ، والسيد محمود نظوة , وآخرون غيرهم.

آل الهر

كانت من الاُسر الأدبيّة المعروفة في كربلاء ، وهي فخذ من عشيرة ( الطهامزة )(١) المتفرّعة من قبيلة خفاجة. وإنّ أوّل مَنْ رحل منها إلى كربلاء في أوائل القرن الثاني عشر الهجري واستوطنها هو الشيخ أحمد بن عيسى الهر الحائري ، وتخرّج منها رعيل من أهل الفضل والأدب ساجلوا أدباء عصرهم وطارحوهم بأفانين الشعر ، وطوّقوا أعناق الأعيان بغرر مدائحهم ومراثيهم.

وقد توارثوا النبوغ والسبق في الأدب خلفاً عن سلف , اشتهر منهم:

١ - الشيخ قاسم بن محمّد علي بن أحمد بن عيسى الهر الحائري البصير أخيراً , المولود سنة ١٢١٦ ه والمتوفّى سنة ١٢٧٦ ه.

قال الشيخ محمّد السماوي:

وآل عيسى الهر والذي نبزْ

قاسم إذ كان قصيراًً مكتنزْ(٢)

____________________

(١) تاريخ العراق بين احتلالين - عباس العزاوي ٤ / ٩٢ ، ودائرة المعارف - الشيخ محمّد حسين الأعلمي الحائري ٣٠ / ٥٨.

(٢) مجالي اللطف بأرض الطفّ - للشيخ محمّد السماوي / ٧٥.


كان شاعراً لبيباً ، حسن البديهة ، حاز على قسط وافر من الأدب ، اشترك في معظم الحلبات الأدبيّة التي كانت تُعقد في بغداد ، وكان قادراً على الارتجال. له مجموعة قصائد قالها في أغراض شتى دوّنت في المجاميع المخطوطة(١) ، توفّي في كربلاء ودُفن في صحن الحسين (عليه‌السلام ) بالقرب من باب السدرة.

ومن شعره قوله راثياً الإمام الحسين بن علي (عليه‌السلام ):

لمّا دعاهمُ للقتالِ فداؤه

روحي وقلّ لهُ عظيمُ فداءِ

بـالطفّ نجلُ محمّدٍ ووصيهِ

وابـن البتولِ ووالد النجباءِ

لم أنسهُ لمّا رأى أصحابَه

صرعى بلا غُسلٍ على الرمضاءِ

وبـقى فريدَ العصرِ فرداً بينهم

إذ لا نصيرَ لهُ على الأعداءِ

فغدى إلى نحو الخيامِ مودّعاً

حرمَ النبيِّ وجملةَ الأبناءِ

أسفي لهُ نادى لزينبَ اُخته

يا أخت قومي قبلَ وشكِ فناءِ

قومي إلى التوديعِ يابنةَ حيدرٍ

لا تجزعي من موضعِ الأرزاءِ

ولتشكري فيهِ اُخيّة واحمدي الـ

ـرحمنَ في السرّاءِ والضراءِ

وعليكِ بالصبرِ الجميلِ وبالتقى

بـعدي إذا جُدّلتُ في الغبراءِ

وبـطاعةِ السجّادِ نجليَ إنّه

خلَفٌ لكم ياعترتي ونسائي

وقال مرتجلاً جواباً على قصيدة نعمان خير الدين الآلوسي ، الشهير بأبي الثناء الآلوسي وذلك في ١٠ شوال سنة ١٢٧٠ ه ، وأوّلها:

ما شمس كرم في كؤوس تدارُ

كؤوسها اللجين وهي النضارُ

يطوفُ فيها أحور جؤذرٌ

في وجنتيهِ يزهرُ الجلنارُ

ذو قامة كالغصنِ مهما انثنت

كان لمـّنْ في الحبّ مات انتشارُ

وذو لحاظٍ كمواضي الظُّبا

بـها فؤادي قد غدا مستطارُ

______________________

(١) شعراء كربلاء - للمؤلّف ١ / ٩٢.


٢ - الشيخ محمّد علي ابن الشيخ قاسم بن محمّد علي بن أحمد الحائري الشهير بالهر , المولود سنة ١٢٤٨ ه والمتوفّى سنة ١٣٢٩ ه. كان من أهل الوعظ والإرشاد ، أديباً بارعاً ، تتلمذ على عمّه الشيخ صادق ووالده الشيخ قاسم ، وأخذ الخطابة لنفسه وبدأ فيها في الروضة الحسينيّة ، ثمّ طلب إلى البصرة والمحمّرة ، وكان ذا صوت جهوري أخّاذ.

له بضع قصائد في شتى الأغراص ، وبالأخص مدائحه للسادة آل الرشتي وآل كمونة. ومن جيّد شعره قوله في هذه القصيدة التي رثى بها القتيلين السيد أحمد الرشتي والشيخ محمّد فليح:

تعس الدهر ما لهُ قد جارا

ولِم اغتال من لؤي الفخارا

عثرت رجله بقطبِ ذوي المجـ

ـد فياليتَ لا اُقيل العثارا

ما لهُ غادرَ المكارمَ تبكي

والمعالي فؤادي مستطارا

ويلهُ خلّف المفاخرَ شعثاً

والرزايا دموعُها تتجارى

ألبس المكرماتِ أثوابَ حزنٍ

زلزلَ الكونَ دكدكَ الأمصارا

إلى أن يصل قوله:

ذلك المجتبى محمّد فعلاً

مَنْ زكى محتداً وطاب نجارا

قد رأى بـعد قتله عاراً

فلهذا اختار الممات اختيارا

جاد في حبّه بأنفسِ نفسٍ

ولقى مثله المواضي حوارا

وله راثياً الحاج مهدي كمونة , المتوفّى سنة ١٢٧٢ ه , من قصيدة له:

الله أكبر أيّ طودٍ قد هوى

لو طاولتهُ الراسياتِ لطالها

إن أوحشت منه المجالس حقّ إذ

قد كان بهجتها وكان جمالها

فكأنّما الخضرا تزلزلَ قطبها

وكأنّما الغبرا نسفنََ جبالها

لولا التسلّي بعدهُ في ( محسنٍ )

كدنا بـأن نلقى بـها آجالها

فهو الذي بالجودِ قد فاقَ الورى

وبـهِ المعالي أدركت آمالها


٣ - الشيخ كاظم بن صادق بن محمّد بن أحمد الحائري الشهير بالهر , المولود في كربلاء سنة ١٢٥٧ ه والمتوفّى بها سنة ١٣٣٠ ه. كان شاعراً مجيداً ، وهو أشهر شعراء هذا البيت ، وكان سريع البديهة ، أعجوبة في الظرافة والطرافة ، سريع الإجابة ، حسن الروية ، له نظم رائق ، وشعر جزل.

درس الفقه واُصوله على أعلام عصره كالشيخ زين العابدين المازندراني ، والسيد محمّد حسين المرعشي الشهرستاني ، والشيخ صادق ابن الشيخ خلف. له ديوان شعر مخطوط حوى مجموعة قصائد في شتى الأغراض ، وله في آل البيت (عليهم‌السلام ) مدائح كثيرة.

اسمعه في هذه القصيدة التي استهلها بالغزل:

غيداءُ من بيضِ الملاحِ رداحُ

ألوت عنانَ القلبِ فهو جماحُ

كم ذا اُكتّمُ صبوتي فيها وذا

دمعي السفوحُ لصبوتي فضّاحُ

مهما تنسّمت الصبا سحراً فلي

قلبٌ كخفّاق النسيمِ متاحُ

بالله ياقلبي المتيّم بالضنى

كم فيكَ من ألمِ الغرام جراحُ

طعنتك من هيفِ القدودِ رماحٌ

وبرتكَ من نجلِ العيونِ صفاحُ

وسبتكَ من خودِ الغواني غادة

فيها دماءُ العاشقينَ تباحُ

وقال راثياً السيد أحمد الرشتي المقتول سنة ١٢٩٥ ه من قصيدة طويلة أوّلها:

إذا لم أمت حزناً لشمسٍ سما الفخرِ

فوا العصرِ إنّي ما حييت لفي خسرِ

وفي العيد إن فاضت سحائبُ مقلتي

فها هي لم تبرح مدامعها تجري

وكيف هلالُ العيدِ يبزغُ بعد ما

توارى هلالُ المجدِ في ظلمةِ القبرِ

وتسعدُ أيامي وقد راحَ أحمدٌ

شهيداً على حدِّ المهنّدةِ البترِ

أبـو قاسم مَنْ شادَ ركنَ فخارِها

وداسَ بـنعليهِ على هامةِ النسرِ

توفي بكربلاء سنة ١٣٣٠ ه ودُفن في الحجرة الأخيرة من الشرف الشمالي للروضة العباسيّة. ورثاه جملة من شعراء عصره ، وبالأخص تلميذه الشاعر الكبير الشيخ محمّد حسن أبو المحاسن ، ومطلع قصيدته:


لم يبقَ لي صبرٌ ولا سلوانُ

غاضَ السلوّ وفاضتِ الأجفانُ

٤ - الشيخ جعفر ابن الشيخ صادق بن محمّد علي بن أحمد الحائري الشهير بالهر , المولود في كربلاء سنة ١٢٦٧ ه والمتوفّى بها سنة ١٣٤٧ ه. درس مبادئ العربية على أخيه الشاعر الشيخ كاظم ، ودرس المعاني والبيان والمنطق على أعلام كربلاء ، كالشيخ زين العابدين المازندراني ، والشيخ حسين الأردكاني ، والسيد ميرزا محمّد حسين المرعشي الشهرستاني.

كان فاضلاً أديباً ، شديد الورع ، له ديوان شعر مخطوط يحوي قصائد في أغراض شتى ، منها مديحه ورثاؤه لآل البيت (عليهم‌السلام ) ، ومدائحه ورثاؤه لآل كمونة وآل الرشتي.

قال راثياً شهيد كربلاء علي الأكبر ابن الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، وهي من قصائده المشهورة:

بـقلبي أو قدت ذاتُ الوقودِ

رزايا الطفّ لا ذاتُ النهودِ

شباب بالطفوفِ قضى شهيدا

يشيب لرزئه رأسُ الوليدِ

شبيه محمّد خلقاً وخُلقاً

وفي مشي وفي لفتاتِ جيدِ

وفي نطقِ لسان الوحي منه

يرتّلهُ بـقرآنٍ مجيدِ

وفي وجهٍ يفوق البدر نوراً

وفي سيمائه أثرُ السجودِ

إلى أن يقول:

فما أدري اُهنّي أم اُعزّي

علي المرتضى بابن الشهيدِ

فطوراً ياعليّ اُهنّي فيه

وأنظم مدحه نظمَ العقودِ

عليٌّ بالطفوفِ أقام حرباً

كحربكَ ياعلي مع اليهودِ

وصيّر كربلا بدراً واُحداً

ونادى ياحروب الجدِّ عودي

وقاتلَ بكرهم كقتالِ عمرو

وغادرَ جسمه نهبَ الحديدِ

وطوراً ياعلي اُعزّي فيه

وتبكي العينُ للعقدِ الفريدِ


أقولُ لها وقد مُلأت دموعاً

ألا يا مقلتي هل من مزيدِ

شباب ما رأى عرساً ولكنْ

تخضّبَ كفّهُ بـدمِ الوريدِ

وعانقَ قدّه سيفُ المنايا

وضمّت كتفهُ ذاتَ الزرودِ

ولم أنسَ النساءَ غداة فرّتْ

إلى نعشِ الشهيدِ ابنالشهيدِ

فقل بـبنات نعشٍ قد أفاقتْ

مناح جوىً على بدرِ السعودِ

تقبّل هذهِ وتشمّ هذي

خضيبَ الكفِّ أو وردَ الخدودِ

إذا اُمٌّ تنوحُ تقولُ اُختٌ

أعيدي النوحَ معولةً أعيدي

فهنّ على البكا متساعداتٍ

ألا فاعجب لذي ثكلٍ سعيدِ

وقال راثياً السيد أحمد الرشتي المقتول سنة ١٢٩٥ ه ، وأوّلها:

ما لي أرى ربع المعالي مقفرا

واُولي الحجى كلّ تراه محسّرا

يارزءه ما كان أعظم خطبه

لن يستطيعَ لهُ الفؤادُ تصبّرا

مَنْ مبلغ العلياءَ أنّ عمادَها

نشبت بهِ ريبُ الحوادثِ أظفرا

أودى بهِ شركُ الردى ولطالما

قد حطّ من عليا نزارِ المفخرا

مَنْ لليتيم وللأسير وللدخيـ

ـلِ وللذليلِ وللنزيلِ وللقرى

أفهل ترى من راحمٍ من بعدِه

من بعدهِ مَنْ أرحمٌ أفهل ترى

توفي في كربلاء سنة ١٣٤٧ ه ودُفن في الرواق الحسيني قرب صندوق صاحب الرياض.

٥ - الشيخ جواد ابن الشاعر الشيخ كاظم بن صادق بن محمّد علي بن أحمد الحائري الشهير بالهر , المولود في كربلاء سنة ١٢٩٧ ه والمتوفّى بها يوم ١٠ محرم سنة ١٣٤٧ ه. كان من أهل الفضل والأدب ، وتتلمذ على والده ودرس على حملة العلم من معاصريه في مدرسة حسن خان الدينية. نظم في كافة الفنون الشعرية ، وكان يُكني نفسه بشاعر آل كمونة(١) .

شعره تقليدي حافل بالصور الكلاسيكية

____________________

(١) شعراء كربلاء أو الحائريات - علي الخاقاني ( مخطوط ).


وجامع الظرافة. وفي هذه القطعة الوجدانية الرقيقة يقول:

نعم زارني طيفُ الخيالِ طروقا

فنبّه للوجدِ القديمِ مشوقا

وذكّرني أيامَ جزوى ورامةٍ

سقتها الغوادي المعصراتِ غدوقا

بوادي الصفا منها إلى العيشِ قد صفا

وعشتُ بـها عيشَ الخليعِ رقيقا

رعى اللهُ في آرام رامة أهيفا

رعى لي على رغم الرقيبِ حقوقا

أمص رضاب الثغر منه رحيقا

و اُطفي من القلبِ القريح حريقا

خدودٌ بها روضُ المحاسنِ قد زها

و أينعَ من بـاهي الورودِ شقيقا

وإن أسلو لا أسلو لييلات حاجرٍ

ولست أرى لي للسلوِّ طريقا

تخلّصتُ من أسرِ الغرام طريقا

و قد عادَ غصني بالسرورِ وريقا

وقال مادحاً الشيخ محمّد علي بن محسن آل كمونة من قصيدة ، أوّلها:

باللقا قلبي وصدري انشرحا

حين دهري بالتداني سمحا

ما صحا صبّاً مشوقاً بالنوى

بـالنوى صبّاً مشوقاً ما صحا

عجباً يا مهجتي من شيّقٍ

( شرب الدمع وعاف القدحا)

لا تسل عمّا جرى كيف جرى

كلّ مَنْ رام الغواني افتضحا

حسب الدنيا لهُ دائمةً

والذي عنّا مضى لن يصيحا

نائمٌ قد هبّ من نومته

فزعاً يصغي إلى مَنْ نصحا

٦ - الشيخ موسى ابن الشاعر الشيخ جعفر بن صادق بن محمّد بن علي بن أحمد الحائري الشهير بالهر , المتوفّى سنة ١٣٦٩ ه ، أحد شعراء الاُسرة وأفاضلها , أخذ من أبيه بعضَ المبادئ الأولية وتخرّج على أساتذة فضلاء.

رأيته رجلاً صالحاً ، حسن الأخلاق ، طيّب المعاشرة ، له بضع قصائد دينية ، وتقاريض لبعض الكتب التي كانت تُهدى إليه ، غير أنّ شعره تقليدي ينحى منحى الأقدمين. توفي يوم ١٨ ذي الحجة سنة ١٣٦٩ ه ودُفن في مقبرة قرب داره.

قال من قصيدة عنوانها ( في البقيع ):


مصاب دهى الإسلامَ والشرعةَ الغرّا

فأمست برغمِ الدينِ أعينها عبرى

مصاب لهُ شمسُ العلومِ تكوّرت

وأنجمُ سعدِ الدين قد نثرت نثرا

مصابٌ لهُ عينُ النبي بكت دماً

وحيدرةٍ والطهرِ فاطمة الزهرا

وقامت اُصول الدين تنعى فروعَه

بـحادثةٍ فقماء زلزلتِ الغبرا

فأضحت عيونُ الرشد تهملُ بالدما

وأصبح وجهُ الغيِّ مبتسماً ثغرا

فهل نابها من فادحِ الدهرِ فادحٌ

أسالَ عقيقَ الدمعِ من مضر الحمرا

وعادت لنا الأيامُ يومَ مذلّة

بـهِ أصبحَ الإسلامُ منقصماً ظهرا

آل الوهاب

يتفرّع هذا البيت من سلالة آل السيد يوسف(١) الموسويين المعروفين اليوم بآل الوهاب وآل الجلوخان ، بنو عمّ السادة آل زحيك. استوطن كربلاء في مطلع القرن الخامس الهجري ؛ وقد سُمّي بآل الوهاب تيمّناً منهم بتخليد السيد محمّد موسى (سادن الروضة الحسينيّة) ابن محمّد علي بن محمّد بن حسين بن موسى بن أحمد بن محمّد بن فخر الدين بن بدر الدين بن ناصر الدين ، هو وأخوه السيد حسن اللذان استشهدا في حادثة الوهابيِّين يوم ١٨ ذي الحجّة سنة ١٢١٦ ه ، وهم غير آل وهاب من آل طعمة علم الدين من آل فائز المار ذكرهم.

ومن أشهر أعلام هذا البيت:

١ - السيد عبد الوهاب ابن السيد علي بن سليمان آل الوهاب , المتوفّى بالوباء سنة ١٣٢٢ ه(٢) ، كان علي جانب عظيم من الفضل والورع والتقى ، يزخر شعره بحرارة العاطفة ، وعمق الشعور ، وصدق التجربة.

____________________

(١) راجع سلسة نسبهم مجلة ( المرشد ) البغدادية ج ١ المجلد الأول ( صفر ١٣٤٥ ه ، ايلول ١٩٢٦ م ).

(٢) حدث في شهر رمضان من هذه السنة الوباء المسمّى ( أبو زوعة ) ، وقد استفحل أمره فاُصيب العدد الكبير من أبناء البلد ، وكان عدد الوفيات بموجب الإحصائية التي أجراها الميرزا محمّد باقر وكيل [الراجة](*) ٦٠٠ شخص يومياً.

(*) هكذا وردت المفردة , ولا نعلم المراد منها. (موقع معهد الإمامين الحسنين)


ومن شعره قوله في رثاء الإمام الحسين (عليه‌السلام ):

ذكرتُ السيوفَ الغرّ من آلِ هاشمٍ

غدت بـسيوفِ الهندِ وهي تُثلّمُ

وتلك الوجوهُ الغرّ بالطفّ أصبحتْ

يحطّمها شوكُ الوشيجِ المثلّمُ

تساقوا كؤوسَ الموتِ حتّى انثنوا وهم

نشاوى على وجهِ البسيطةِ نوّمُ

قضوا فقضوا حقّ المعالي أماجداً

بـيومٍ بـهِ الاُسدُ الضراغمُ تحجمُ

ولم يبقَ إلّا السبطُ في الجمعِ مفرداً

ولا ناصرٌ إلّا حسامٌ ولهذمُ

وعزمٌ إذا ما صُبّ فوقَ يلملمٍ

لخرّ إذا أو هدّ منهُ يلملمُ

لئن عادَ فرداً بين جيشٍ عرمرمٍ

ففي كلِّ عضوٍ منه جيشٌ عرمرمُ

كأنّ لديهِ الحرب إذ شبّ نارُها

حدائقُ جنّاتٍ وأنهارَها دمُ

كأنّ المواضي بـالدماءِ خواضباً

لديهِ أقاحٍ بـالنقيقِ مكمّمُ

كأنّ لديهِ السمهرياتِ في الوغى

نشاوى غصون هزهنَّ التنسّمُ

سطى فسقى العضبَ المهنّدَ من دمٍ

وأحشاه من فرطِ الغمى تتضرّمُ

وقال متغزّلاً:

حمّلوني ما لم أطق من هواهمْ

ما كفاهم ما لم أطق حمّلوني

كلّفوني كتم الهوى ولعمري

لعظيمٌ عليّ ما كلّفوني

أرداه سلطان الموت نتيجة تسرّب مرض الوباء الذي استفحل داؤه آنذاك , وتوفي بمقاطعة الفراشية , وهي ضيعة قريبة من كربلاء تعود ملكيتها للسادة آل الوهّاب ، وهو لم يبلغ العقد الثالث من عمره ، ففاضت روحه في رمضان سنة ١٣٣٢ ه , ونُقل رفاته إلى الروضة الحسينيّة ودُفن بالقرب من مرقد صاحب الرياض.

٢ - السيد مرتضى ابن السيد محمّد ابن السيد حسين ( سادن الروضة العباسيّة ١٢٥١ ه - ١٢٥٦ ه ) ابن السيد حسن الشهيد في واقعة الوهابيِّين , ابن السيد


محمد علي آل السيد يوسف الموسوي , المولود في كربلاء سنة ١٣٢٦ ه - ١٩١٦ م. كان شاعراً مفلقاً من شعراء هذه الاُسرة الكريمة ، ممّن له باع طويل في معرفة تاريخ الأحداث شعراً ، وله قصائد ومقطوعات وتقاريض وتخاميس وتشاطير كثيرة في غاية الجودة والإبداع.

ومن شعره قوله راثياً الإمام الحسين بن علي (عليه‌السلام ):

وقائدٍ سجّلَ التاريخُ وقفتَه

وكان في رحلهِ المحفوظ نسوانُ

وأهلُ بـيتٍ كرامٌ ما لهم شبهٌ

في الحربِ يتبعهم صحبٌ وأعوانُ

سبعون شهماً كريماً لا يُضام إذا

سيمَ الهوان وأطفالٌ ورضعانُ

ضحّى بـهم إذ تحدّى وهو يقدمهمْ

سبعينَ ألفاً وما أثنتهُ فرسانُ

هو ( الحسينُ ) قضى حرَّ الضميرِ ولم

يتبع يزيد ولم يرهبهُ سلطانُ

ومن شعره الوطني قوله في هذه القصيدة التي يلتفت فيها إلى مأساة فلسطين الدامية ، وفي نفسه ثورة عربية عارمة:

أمسى بنو صهيون في حقلنا

جرادَ بـرٍّ يقضمُ السنبلا

حوقلة الحياء أودت بها

وأجلت اليافعَ والحوقلا

هذي جموعُ العربِ مطرودةً

عن أرضها هائمةً بالفلا

تاركة جنّاتِ عدنٍ بها

تؤتي جناها القلّب الحوّلا

وانتشرت تحصدُ خيراتِها

أيدي ذئابٍ تحملُ المنجلا

أنحت على كلّ كيان بها

وأعملت في هدمهِ المعولا

علت بغاثُ الطير في جوِّها

طريدةً تُطاردُ الأجدلا

إنّ اختلافَ الرأي في أمرها

أطمع فيها الصاغرَ الزمّلا

لا يرتضي إلّا أخو همّةٍ

لكلّ صعبٍ في الدنا ذلّلا

مَنْ باتَ جنبَ البحرِ في مدِّه

فحقّه المهضومُ لا يُجتلى

وله من قصيدة عنوانها ( مصرع زنبقة ) وهي في الوصف:


ومفتتن بـاقتطافِ الزهور

وشمّ الرياحينِ وقتَ السحرْ

تخطّى فجاسَ خلالَ الرياض

وقد بلّلَ الزهرَ دمعُ المطرْ

فلاحت لهُ بين تلكَ الزهور

زنبـقةٌ تتحدّى القمرْ

تعشق فيها عروس الرياض

وراحَ يصوّبُ فيها البصرْ

تدله من سحرِ إغفائها

ومن خمرِ ريّاً شذاها سكرْ

فمدّ إليها يد الآثمينْ

مقتطفاً بـالإثمِ البشرْ

قرفت بـكفّيه مقطوعةً

وقد ذبـلت بـعدها بالأثرْ

فساق إليها نداءَ الضمير

من اللومِ ممّا بهِ معتبرْ

توفي يوم ٢ رجب سنة ١٣٩٣ ه المصادف ٢/ ٨ / ١٩٧٣ م , ودُفن في مقبرة السادة آل خير الدين بالروضة العباسيّة بكربلاء.


بعض العشائر والاُسر

قطنت كربلاء قبيلتان علويتان هما (آل فائز وآل زحيك ) ، وكلاهما من ذرّيّة الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ) ؛ فآل إبراهيم المجاب هم أوّل مَنْ استوطنوا الحائر الحسيني ، ولم يتقدّم عليهم أحد في المجاورة من العلويِّين - كما مرّ بنا في ترجمة السيد إبراهيم المجاب - , ومن أولاده محمّد الحائري ابن إبراهيم المجاب في كربلاء (آل فائز).

وأبو الفائز هو محمّد بن محمّد بن علي بن أبي جعفر محمّد الحبر بن علي المجدور بن أحمد بن محمّد الحائري بن إبراهيم المجاب.

قال العلّامة الشيخ محمّد السماوي:

لم يكُ رهطٌ مثلَ آل الفائزْ

بـنائلٍ نقابة أو حائزْ

فقد مضت في كربلا قرونُ

منهم نقيبُ كربلا يكونُ

مثل أبـي الفائز أو محمّدِ

أو طعمة الأول مقول الندي

أو شرف الدين الفتى أو طعمهْ

الثاني أو خليفة بن نعمهْ(١)

آل نصر الله

طائفة كبيرة من أعيان وسادات البلد ، تفرّعت من قبيلة (آل فائز) العلوية ، ولها حقّ الإشراف على شؤون الحرم.

وهي من سلالة السيد جميل ابن السيد علم الدين ابن السيد طعمة ( الثاني ) ابن السيد طعمة

____________________

(١) مجالي اللطف بأرض الطفّ - الشيخ محمّد السماوي / ٧٢.


كمال الدين ( الأوّل ) نقيب الأشراف ابن أبي جعفر أحمد ( أبو طراس ) ابن ضياء الدين يحيى بن أبي جعفر محمّد ابن السيد أحمد ( الناظر لرأس العين المدفون في شفاتة ) ابن أبي الفائز محمّد الموسوي الحائري.

ومن رجال هذه السلالة العريقة السيد جواد ابن السيد كاظم ابن نصر الله بن ناصر بن يونس بن جميل بن علم الدين بن طعمة ( الثاني ) ، وهو جدّ السادة آل الطويل من آل نصر الله. تولّى سدانة الروضة الحسينيّة سنة ١٢١٧ ه.

ومنها أيضاً المرحوم السيد علي ابن السيد أحمد بن نصر الله بن موسى بن إبراهيم بن نصر الله بن ناصر الدين بن يونس بن جميل المذكور , المتوفّى سنة ١٣٢٩ ه. كان سيّداً جليلاً ، رفيع القدر والجاه ، ذا همّة عالية ، وهو زعيم هذه الاُسرة في عصره.

رثاه الشاعر الشيخ محمّد حسن أبو المحاسن الكربلائي بقصيدة عصماء مطلعها:

أأبـكيك أم أبكي الندى والمعاليا

وأرثيك أم أرثي جميلَ اصطباريا

وهو والد السادة ناصر وعبود وتوفيق.

ومنها أيضاً السيد محمّد أو حمود ابن السيد سلطان نصر الله الذي كان رئيساً للتجار , المتوفّى يوم ١٩ رجب سنة ١٣١٩ ه ، وأعقب ولديه المرحوم السيد حسن والمرحوم السيد حسين.

ومن هذه الاُسرة اليوم السيد هاشم ابن السيد حسن ابن السيد محمّد المذكور الذي تولّى رئاسة غرفة تجارة كربلاء , ومنها السيد علي(١) ابن السيد عبود ابن السيد علي الأحمد آل نصر الله.

ومن الموقوفات العائدة للسادة آل نصر الله في كربلاء ( بساتين يونس ) ، وقد اطلعت على بعض الوقفيات الخاصة بها ، منها: الوقفية المشتركة بين السيد جواد وأولاد

____________________

(١) أطلعني فضيلة السيد علي السيد عبود نصر الله على نسخة خطّية من ديوان الشاعر السيد نصر الله بن الحسين الفائزي الحائري المقتول سنة ١١٦٨ ه ، وفيها إضافات لم تدوّن في النسخة المطبوعة سنة ١٣٧٣ ه / ١٩٥٤ م.


أخيه السيد محمّد والسيد عبّاس ، المؤرّخة سنة ١٢٥٠ ه ، والوقفية الشهيرة بمال يونس المحاذية لحصة أولاد السيد نصر الله وغيرها ، كما إنّ لهم في شفاثة بعض الأعقار.

آل ضياء الدين

اُسرة عريقة وافرة الجاه ، كريمة المنبت ، طيّبة الأرومة ، تفرّعت من قبيلة (آل فائز ) العلوية. ومن آثار هذه السلالة بعض الأعقار في شفاثة ( عين التمر ) وتُعرف بـ (أمّ رميلة ) ، ولهم في كربلاء مقاطعة تُعرف ببستان ضوي(١) .

ويقول في ورقة وقفية: بستان ضوي خارج باب بغداد الواقع للخارج من الباب في جانب اليمين الواقف السيد يحيى ابن السيد طعمة النقيب على ولده السيد ضياء الدين وعلى أولاده من بعدهم لمصالح الحضرة الحسينيّة (عليه‌السلام ) سنة ١٢١٤ ه... مجموع البستان الواقعة قريباً من حواش القصبة في محلّة آل فائز من محلاّت قصبة كربلاء.... والحدود.... والحدّ الرابع طريق ( بغداد وفيه الباب ).

وحسب هذه الاُسرة شرفاً وفخراً أنّها أنجبت رجالاً بذلوا جهوداً صادقة في خدمة خزانة العتبة العباسيّة المشرّفة ، والسهر على شؤون السدانة ، ومنهم:

١ - السيد حسين بن محمّد علي بن مصطفى بن ضياء الدين نقيب الأشراف ابن يحيى نقيب الأشراف ابن طعمة ( الثاني ) نقيب الأشراف ابن شرف الدين بن طعمة ( الأوّل ) كمال الدين نقيب الأشراف الفائزي ، تولّى سدانة الروضة العباسيّة سنة ١٢٨١ ه , وتوفي سنة ١٢٨٨ ه.

٢ - السيد مصطفى ابن السيد حسين آل ضياء الدين ، تولّى سدانة الروضة بعد وفاة والده المذكور في أوائل سنة ١٢٨٨ إلى أن توفي سنة ١٢٩٧ ه.

٣ - السيد مرتضى ابن السيد مصطفى آل ضياء الدين. كان صغير السنّ عند وفاة والده ، فتولّى سدانة الروضة السيد محمّد مهدي السيد محمّد كاظم آل

____________________

(١) توجد وقفيتها لدى المؤلّف.


طعمة حتّى وشي به لدى الوالي فعزّل السيد محمّد مهدي المذكور ، وتولّى السدانة السيد مرتضى سنة ١٢٩٨ ه إلى أن توفي يوم الخميس ١٨ ربيع الأول سنة ١٣٥٧ ه المصادف ١٧ مايس سنة ١٩٣٨ م.

٤ - السيد محمّد حسن ابن السيد مرتضى آل ضياء الدين , تولّى السدانة بعد وفاة والده سنة ١٣٥٧ ه. كان من أكبر شخصيات كربلاء خلقاً ونبلاً وشهامة وكرماً ، يتمتع باحترام الجميع ، وله مكانة مرموقة تحوطها الهيبة والوقار ، توفي يوم ١٦ ربيع الثاني سنة ١٣٧٢ ه المصادف سنة ١٩٥٣م.

٥ - السيد بدر الدين السيد محمّد حسن آل ضياء الدين ، تولّى سدانة الروضة سنة ١٣٧٢ ه وقام مقام والده في تمشية أمور السدانة.

وقطنت كربلاء قبيلة (آل زحيك ) في مطلع القرن الخامس الهجري ، وكان أوّل مَنْ هاجر من مقابر قريش ( الكاظميّة ) إلى كربلاء ، واستوطنها أبو محمّد عبد الله الحائري من سلالة السيد إبراهيم المرتضى ( الأصغر ) ابن الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ) ، ويُعرف عقبه اليوم بآل ثابت وآل دراج ( النقيب ) ، ولهم بعض العقارات في كربلاء وعين التمر.

ومن أفخاذهم:

آل ثابت

تنتسب هذه السلالة إلى السيد سلطان كمال الدين نقيب نقباء العراق عام ٩٥٧ ه من سلالة أبي محمّد عبد الله الحائري المذكور.

وقد اختص بعض سادات آل ثابت بسدانة الروضة العباسيّة ، وهم:

١ - السيد محمّد علي ابن السيد درويش بن محمّد حسين بن ناصر بن نعمة الله بن ثابت بن سلطان كمال الدين ( ١٢٢٥ ه - ١٢٢٩ ) ، وهو الجدّ الأعلى لآل ثابت في كربلاء وخراسان.

٢ - السيد ثابت ابن السيد درويش بن محمّد بن حسين آل ثابت ( ١٢٣٢ ه - ١٢٣٨ ).

٣ - السيد سعيد ابن السيد سلطان بن ثابت بن درويش بن محمّد بن حسين


ابن ناصر آل ثابت , المتوفّى سنة ١٢٥٨ ه.

٤ - السيد حسين ابن السيد سعيد ابن السيد سلطان آل ثابت ، ويُعرف بـ ( نائب التولية ) ، وعلى أثر عزله من سدانة الروضة العباسيّة ، أولاه ناصر الدين شاه القاجاري سدانة الروضة الرضوية في خراسان ( مشهد ) وذلك في أوائل القرن الرابع عشر الهجري ، وتُعرف هذه الاُسرة في إيران بـ ( ثابتي ).

ومن أبرز رجالات هذه الاُسرة الكريمة: السيد جعفر ابن السيد حسين ابن السيد محمّد علي ابن السيد درويش آل ثابت , المتوفّى يوم ٧ شوال سنة ١٣٤٣ ه ، الذي اعتقل في حادثة علي هدلة سنة ١٢٩٤ ه.

أعقب عدّة أولاد ، هم: السيد محمّد صادق ، المولود سنة ١٢٨٦ ه , وكان نافذ الشخصية , أسّس حزباً سرّياً سمّاه ( حزب المحالفة ) وذلك سنة ١٣١٩ ه في عهد الوالي المشير ( محمّد فيض باشا ) ، وقد اغتيل في أراضي الحزم من قضاء المسيّب في شهر رمضان سنة ١٣٣٥ ه ، وأعقب عدّة أولاد هم: السادة ضياء ومحمود وحميد.

ومن شخصيات الاُسرة السيد كمال الدين ابن السيد جعفر , المتوفّى يوم ٧ رجب سنة ١٣٤٧ ه ، وأعقب ولده السيد صالح.

ومنها أيضاً السيد محمّد علي ابن السيد جعفر , المتوفّى يوم ٢٨ ربيع الأول سنة ١٣٧٥ ه الموافق ١٤ / ١١/ ١٩٥٥ م ، كانت له مكانة مرموقة في المجتمع الكربلائي.

ومنها أيضاً السيد محمّد سعيد ابن السيد محمّد علي آل ثابت الذي سار على نهج والده ، وله خزانة كتب جليلة ، وأخواه السيد محمّد رضا والسيد جمال , ومنها السيد محمّد حسن ابن السيد جعفر آل ثابت وهو اليوم شخصية محبّبة وعميد أسرته ، منصرف إلى إدارة أملاكه.

آل الجلوخان

من الاُسر العلوية المتفرّعة من سلالة آل السيد يوسف ، عُرفت بهذه التسمية نسبة لوجود فسحة أمام دورهم ، وكانت تُعرف قديماً بـ ( جلوخان ).

ومن الموقوفات القديمة العائدة لآل السيد يوسف ( حمام


الكبيس ) الذي يعود تاريخ وقفيته إلى القرن العاشر الهجري , وهو ٩ ع ٩٨٩ ه.

ومن مشاهير هذه الاُسرة السيد مرتضى وابنه السيد مصطفى ، والسيد يحيى بن علي بن مصطفى بن محسن بن حسين بن موسى الذين استشهدوا في حادثة الوهابيِّين سنة ١٢١٦ ه. ومنهم اليوم السيد مصطفى بن جواد بن مصطفى بن سليمان بن علي الجلوخان آل سيد يوسف ، وهو من ذوي الوجاهة في الأوساط القضائية ، يشغل اليوم منصب رئيس استئناف بغداد.

آل الأشيقر

اُسرة علوية جليلة الشأن ، عظيمة المنزلة ، يتصل نسبها بنسب آل زحيك وآل سيد يوسف ، وقد نزحت من مقابر قريش في الكاظميّة واستوطنت كربلاء في القرن العاشر الهجري ، وهي من سلالة السيد محمّد علي الأشيقر بن أبي محمّد الحسن بن حيدر بن أبي محمّد الحسن بن أبي تراب بن علي بن حسين الأشيقر بن أبي طاهر عبد الله بن أبي الحسن محمّد المحدث بن أبي الطيب طاهر بن حسين القطعي بن موسى أبي السبحة ابن أمير الحاج إبراهيم المرتضى ( الأصغر ) ابن الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ).

ومن أعيان هذه الاُسرة السيد مهدي ابن السيد علي ابن السيد باقر الأشيقر صاحب الثورة المعروفة ضدّ الحكومة العثمانيّة سنة ١٢٩٤ ه , ومنها السيد هاشم شاه ابن السيد عبد الحسين بن السيد محمّد الأشيقر ، كان له مجلس من مجالس الفضل في حديقته العامرة ، وكان كريم الطبع ، ليّن العريكة ، توفي في ١٢ ذي الحجة سنة ١٣٦٣ ه.

ومنها السيد يوسف ابن السيد أحمد ابن السيد عبد الحسين الأشيقر , المتوفّى ٨ ذي الحجة سنة ١٣٦٣ ه الموافق ٢٤ / ١١/ ١٩٤٤ م ، وكانت له خزانة كتب عامرة باُمّهات المصادر ، وله مكانة محترمة في الأوساط الاجتماعيّة.

ومنها الصحفي الأديب المحامي السيد عبد الصاحب ابن السيد يوسف الأشيقر صاحب جريدة ( شعلة الأهالي ) الكربلائيّة ، ولا تزال هذه الاُسرة تتعاطى الخدمة في شؤون الحرم الحسيني.


آل الدده

أسرة علوية من ذوي الجاه والحسب ، تنتسب إلى الإمام علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) , استوطنت كربلاء في مطلع القرن الثالث عشر الهجري. من رجالها السيد أحمد بن موسى بن صادق بن جعفر الدده الذي عيّن متولّياً على التكية البكتاشية في كربلاء ، واندمج ابنه السيد محمّد تقي المعروف بالدرويش في سلك خدمة الروضة الحسينيّة ، توفي سنة ١٣١٤ ه.

ثمّ تولّى نجله السيد عبّاس اُمور السهر على شؤون الدراويش وإدارة التكية المذكورة ، وتوفي في ذي الحجة سنة ١٣١٦ ه ، وأعقب ثلاثة أولادهم: عبد الحسين وجعفر ومحمد. وكان السيد عبد الحسين الدده أحد كبار الوجهاء والمتنفذين ، اعتقل في الحلّة إبان الثورة العراقيّة الكبرى ، وتوفي يوم ٢٩ آب ١٩٤٨ م - ٢٣ شوال ١٣٦٧ ه.

وانخرط قسم من آل الدده في الوظائف الحكومية , منهم اليوم الدكتور زكي ابن السيد هاشم ابن السيد عبد الحسين الدده المذكور ، وبأيدي هذه الاُسرة بعض الممتلكات الزراعية , منها مقاطعة ( الدراويش ) في أراضي الحسينيّة.

آل تاجر

اُسرة علوية ذات حسب عريق ونسب رفيع ، تتشرّف بخدمة الروضتين الحسينيّة والعباسيّة ، تفرّعت من قبيلة ( آل فائز ) ، وهي من سلالة السيد حسن بن علي بن أبي الحسن بن علي بن حسن بن حسين بن عيسى بن موسى بن جعفر بن طعمة ( الثاني ) بن شرف الدين بن طعمة كمال الدين ( الأوّل ) من آل فائز ، وهو الذي أوقف بعض الممتلكات على أولاده الذكور ، وتُعرف اليوم بالهيابي وأمّ السودان.

ومن هذه الاُسرة السيد حسن بن علي بن محمّد بن علي بن حسن آل تاجر ، ومنها الدكتور محمّد علي عزيز آل تاجر.

آل أصلان

من الاُسر العلوية التي تُنتسب إلى الاُسرة الصفوية ، وهي من سلالة الحمزة ابن الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ) ، استوطنت كربلاء في القرن الثالث عشر الهجري على عهد السيد جعفر السيد أصلان الصفوي الموسوي الذي اشتغل بكتابة الأكفان ؛ فلقّب عقبه بـ ( الكفن نويس ) ، وصاهروا آل طعمة ودخلوا


سلك الخدمة الحائرية ، وفي عام ١٢٦٥ ه عهد إليه أمر إنارة الروضة الحسينيّة.

منها اليوم السيد نوري ابن السيد أصلان ابن السيد كاظم ابن السيد جعفر ابن السيد أصلان ، المشرف التربوي في كربلاء , ومنها السيد إبراهيم ابن السيد جعفر بن إبراهيم بن جعفر بن أصلان , ومنها السادة: إسماعيل وناصر ومنصور أولاد السيد عبّاس بن حسين بن عبّاس آل أصلان.

آل الزعفراني

اُسرة علوية شريفة تنتسب إلى الإمام محمّد الجواد ابن الإمام علي الرضا (عليهم‌السلام ) ، هاجرت في أوائل القرن التاسع الهجري ، وكان أوّل مَنْ انتقل منها إلى كربلاء واستوطنها العالم الفاضل السيد قاسم ابن السيد إبراهيم الرضوي الجدّ الأعلى للسادة آل الزعفراني ، تولّى منها سدانة الروضة الحسينيّة.

ومنها السيد محمّد منصور بن حسين بن محمّد بن قاسم بن إبراهيم الرضوي ، تولّى السدانة سنة ١١٠٦ ه , وتوفى في حياة والده سنة ١١٢٥ ه , ومنها السيد حسين بن محمّد ، تولّى السدانة سنة ١١٢٥ ه , وكان معاصراً للشاعر العالم السيد نصر الله الفائزي الحائري الذي أطرى السادن المذكور بقصيدة مثبتة في ديوانه , ومطلعها:

لقد لاح صبحُ الفتحِ في مشرقِ النصرِ

فجلّى ظلامَ الهمِّ عن ساحةِ النصرِ

والجدير بالذكر أنّ السادن المذكور هو الذي اجتمع بالرحّالة عبّاس بن علي بن نور الدين المكي الموسوي الحسيني لدى زيارته للحائر سنة ١١٣٠ ه ، وذكره في كتابه (نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس ).

واستمر الخازن المذكور حتّى سنة ١١٣٩ ه في تأدية خدمة السدانة حيث وافاه الأجل المحتوم ، واستخلفه ولده في السدانة السيد علي بن محمّد منصور , وبقي سادناً حتّى سنة ١٢٠٤ ه. وبرز من هذه السلالة الزعيم السيد إبراهيم الزعفراني أحد أبطال حادثة ( نجيب باشا ) سنة ١٢٥٨ ه.

ومن هذه السلالة اليوم السيد إبراهيم ابن السيد سعيد بن إبراهيم بن خليل بن إبراهيم بن هاشم بن مصطفى بن هاشم بن مصطفى بن مرتضى بن محمّد بن قاسم بن إبراهيم بن شاه مير بن شكر الله بن نعمة الله


ابن درويش بن عطاء الله بن كمال الدين محمّد بن عطاء الله بن محمّد بن قريش بن حسن بن محمّد بن حسن بن أحمد بن علي بن أحمد بن محمّد الأعرج بن أحمد بن موسى المبرقع بن أبي جعفر الثاني بن محمّد الجواد (عليه‌السلام ).

آل الداماد

اُسرة علوية استوطنت كربلاء في القرن الثالث عشر الهجري ، واشتهر منها العالم الفاضل السيد ميرزا صالح الداماد الشهير بـ ( عرب ) , المتوفّى في ربيع الثاني سنة ١٣٠٣ ه ابن السيد حسن ابن السيد يوسف الموسوي الحائري.

وكان السيد صالح أحد رجالات كربلاء في واقعة نجيب باشا سنة ١٢٥٨ ه ، ومن ذرّيّته الفاضل الجليل السيد حسن الداماد أحد ملاكي كربلاء.

آل السندي

اُسرة شهيرة تنتسب إلى الحسن المثنى ابن الإمام الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب (عليهم‌السلام ) , قطنت كربلاء في القرن الثالث عشر الهجري ، وتجمعها رابطة النسب بالسادة آل الطباطبائي وآل بحر العلوم وآل الحكيم.

اشتهر منها السيد حسين ابن السيد مهدي السندي الطباطبائي النهري الذي أشغل منصب رئاسة بلدية كربلاء إبان العهد العثماني ، وله مشاريع عمرانية كثيرة. ولهذه الاُسرة موقوفات ومسقّفات في كربلاء والنجف وسامراء ، وكان سبب اشتهار جدّهم الأعلى السيد مهدي السندي بالنهري نسبة لإشرافه على كرّ نهر الرشدية من قبل الزعيم الديني السيد كاظم الرشتي.

آل لطيّف

اُسرة علوية تتمتّع بمكانة عالية في المجتمع الكربلائي , وهي تنتسب إلى السيد عبد اللطيّف(١) بن مهدي بن خزعل بن شمس الدين بن ربيع بن محمود بن علي بن يحيى بن ناصر بن حسن بن علي بن محمّد بن علي بن جعفر بن أبي يعلى محمّد صاحب المجدي ابن الحسين بن حسن الأحول بن علي الأعرج بن محمّد بن جعفر بن الحسن ابن الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ).

استوطنت كربلاء

____________________

(١) نقلت هذا النسب الشريف عن مشجرة السادة آل لطيّف ، وهو بخطّ النسابة السيد رضا الغريفي البحراني الموسوي , كتبه في ١٧ رجب سنة ١٣٢٧ ه.


في القرن الثاني عشر الهجري ، وصاهرت السادة آل نصر الله , ودخلت ضمن خدمة الروضة المطهّرة.

وقد أطلعني المرحوم السيد علي ابن السيد جواد ابن السيد علي ابن السيد محمّد ابن السيد عبد اللطيّف الموسوي عميد اُسرة آل لطيّف [على] مستمسكات خاصة بأملاكهم , منها مغارسة بستان في محلّة آل زحيك يعود تاريخها إلى سنة ١٢١١ ه. وهناك اُسر علوية أخرى تقطن كربلاء لا مجال للتحدّث عنها في هذا الباب.

وتقطن كربلاء وضواحيها بعض القبائل والعشائر العربية المعروفة , وأشهرها:

١ - المسعود , وأشهر أفخاذها:

(أ) الغدير. (ب) الهرير. (ج) الكوام. (د) الجديلات. (ه) عناز. (و) التراجمة. (ز) العكبات. (ح ) الفرحان. (ط) الكيظة.

٢ - الزقاريط , وأشهر أفخاذها:

(أ) المغرة. (ب) الحجلة. (ج) الشريفات.

٣ - اليسار , وأشهر أفخاذها:

(أ) البوجمعة. (ب) آل ظاهر.

٤ - بنو سعد , وأشهر أفخاذها:

(أ) آل علي. (ب) آل رباح. (ج) الزريرات. (د) المحامدة.

٥ - الوزون.

٦ - السلالمة.

٧ - الطهامزة , وأشهر أفخاذها:

(أ) البو جيران. (ب) البو يونس. ( ج-) البو شوارب. (د) البو هر.

٨ - النصاروة , وأشهر أفخاذها:

(أ) البو خليل. (ب) البو عبد الأمير.

٩ - العامرية ( المعامرة ).


١٠ - عشائر شمر ، وبعضها لا يزال رحّالة.

١٢ - المناكيش.

١٣ - العبودة.

١٤ - الرحيم.

ونحن إذ نذكر في هذا الباب أشهر هذه العشائر والاُسر العربية باقتضاب:

السلالمة

هم من أسلم ، ويرجع نسبهم إلى قبائل (شمر) , استوطنوا محلّة (آل فائز ) في كربلاء في القرن العاشر الهجري ، وبرز فيهم الشيخ حمزة الكليدار الذي تولّى سدانة الروضة العباسيّة منذ سنة ١٠٩١ ه إلى ما بعد سنة ١١٠٨ ه ، وكان من الأعيان وأهل الفضل ، وقد وضع مذكّرات قيّمة عن تاريخ كربلاء.

ومن رؤسائهم أيضاً محمّد الحمزة الذي اشترك في حادثة المناخور (داود باشا) سنة ١٢٤١ ه , ومنها الشاعر الشيخ علي بن ناصر بن حسن بن صالح بن فليح بن حسن ابن الحاج كنيهر السلومي ، المتولّد في كربلاء سنة ١٢٥٠ ه والمتوفّى بها سنة ١٣٠٠ ه. له ديوان شعر مخطوط في خزانة الشيخ محمّد علي اليعقوبي في النجف.

قال عنه صاحب ( أعيان الشيعة ): الشيخ علي الأعور السلومي الحائري , توفي سنة ١٣٠٠ ه ، كان ورّاقاً في كربلاء , نسخ بنفسه كثيراً من الكتب ، وله شعر قليل(١) .

نظم في جميع الفنون الشعرية لا سيما رثائه لأهل البيت (عليهم‌السلام ) , وأخدانه السادة آل الرشتي ، وشعره بديع السبك ، رفيع السبك ، ليس فيه تعقيد.

قال راثياً الإمام الحسين بن علي (عليه‌السلام ) من قصيدة:

وكم من أبـيٍّ من سُراة محمّدٍ

أسيراً سرى من فوق أعجف عاريا

وسبـطٍ كريمٍ للنبيِّ أحاله

على وجهه في كربلا وهو ثاويا

قضى بعد ما أعطى المهنّد حقَّه

وعنه لقد عاد المثقّف راضيا

____________________

(١) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين ٤٢ / ١٨٤.


ترى سيفهُ فوقَ الطلاء كأنّه

على منبرِ الهاماتِ يخطبُ قاضيا(١)

له همّةٌ قد طاولت هامةَ السُّها

وعزمٌ يغلّ الثابتاتِ الرواسيا

كلا قاصديهِ عن يديهِ تحدّثا

قرىً وقلاعاً معجباً ومعاديا(٢)

بـصيرٌ إذا الأبـصارُ زاغت وبلّغتْ

لدى الروحِ أرواحُ الكماةِ التراقيا

يردّ أبـيّ القوم فيهِ تصاغرٌ

وطوع يمينِ الذلّ مَنْ كان عاصيا

ولمّا التقى الجمعان واختلفَ القنا

وعادَ نهارُ القومِ كالليلِ داجيا

أضاءَ لهم منهُ نهاراً بـسيفهِ

بـهِ يهتدي للرشدِ غادٍ وجاويا

ومن هذه العشيرة حسين بن محمّد الحمزة , المتوفّى سنة ١٣٣٥ ه , وابنه عبّاس , ومنها الشاعر الشعبي الحاج كاظم بن حمزة بن طعان السلامي ، المولود في كربلاء سنة ١٩٠٤ م والمتوفّى سنة ١٩٧١ م.

وكان يرأس هذه العشيرة المرحوم نايف , المتوفّى سنة ١٣٢٤ ه , ابن برغش بن هميلة بن زايد إبراهيم بن حمزة بن كعب بن ظاهر بن عزيز بن عبّاس بن دباس بن سلوم. ومن بعده المرحوم كمر النايف المتوفّى سنة ١٩٣٨ م , أمّا اليوم فيرأسها حسين بن نايف البرغش.

آل عواد

وينتسبون إلى فخذ من جعفر من عشائر شمّر ، ولهم مواقف وطنية مشهودة في مقاومتهم طغيان الأتراك واستبداد الإنكليز في الثورة العراقيّة الكبرى.

ومن رجالات هذه الاُسرة مال الله بن عبد العزيز بن محمّد آل عواد ، وهو أحد رجال حادثة المناخور سنة ١٢٤١ ه , ومنها المرحوم عبد الرزاق بن حمادي بن مال الله المذكور ، تولّى زعامة عشيرته ، واشترك في حزب المحالفة.

ومنها عبد الكريم بن عبد الرزاق آل عواد. كان أحد رجالات الثورة العراقيّة الكبرى ، توفي يوم الخميس ٢٧ رمضان سنة ١٣٥٣ ه , ومنها عبد الرحمن بن

____________________

(١) ألجأته ضرورة القافية ، وإلّا فلا مناسبة لقوله: يخطب قاضيا.

(٢) معجباً لا تقابل معادياً ، فلو قال: صاحباً ومعادياً لصح القول.


عبد الرزاق آل عواد ، اعتقل مع الوطنيين الأحرار الذين قُبض عليهم إبان ثورة العشرين ، وتوفّي سنة ١٩٣٣ م الموافق ٢ شعبان ١٣٥١ ه.

ومنها عبد الجليل بن عبد الرزاق آل عواد ، كان مثالاً يُحتذى به من أمثلة النشاط الوطني في ثورة العشرين ، توفي سنة ١٣٥٢ ه الموافق سنة ١٩٣٤ م , ومنها عبد النبي ابن الحاج محمّد آل عواد , المتوفّى ١٣ تشرين الأول سنة ١٩٥٨ م ( ١٣٧٨ ه ) , وغيرهم كثيرون.

ولآل عواد مصاهرات مع السادة آل طعمة وآل ضياء الدين وآل نصر الله , ويرأسهم اليوم الحاج أحمد بن عبد الجليل آل عواد.

الوزون

هم بطن من خفاجة ، اشتهر من رؤسائهم عمر الحاج علوان بن فليح المتوفّى سنة ١٩٣٢ م ، وعثمان الحاج علوان بن فليح المتوفّى سنة ١٩٤٠ م , اللذان اشتركا في حادثتي حمزة بك وثورة العشرين ، ونُفيا قبيل ثورة العشرين إلى هنجام مع أحرار كربلاء.

ومن رجالها المرحوم عبّاس ابن الحاج حمادي بن دندح بن درويش بن عجرش بن حمادي الوزني الخفاجي , المتوفّى مساء يوم السبت ٣١ صفر سنة ١٣٩٢ ه ( ١٥ نيسان سنة ١٩٧٢ م ) ، كان مشهوراً بشدّة الشكيمة ومضاء العزيمة ، ومنهم اليوم الدكتور عفان بن عثمان العلوان الحائز على دبلوم أطفال من جامعة لندن.

النصاروة

وأصلهم من قبيلة عبادة ، هاجروا من قرية الناصرية من أعمال المسيّب ، وكانت لهم بها ضيعة واسعة يخترقها نهر الناصرية فانتسبوا إليها ، وقطنوا كربلاء في القرن الثالث عشر الهجري ، وكان من أبرز أعيان هذه العشيرة المرحوم حسون الحسن الذي كانت له مواقف وطنية مشهودة في ثورة العشرين الكبرى.

وكان منهم الحاج مهدي بن حمادي بن سهيل النجم , المتوفّى يوم ١٠ ذي القعدة سنة ٩٦٤ م , ومنهم الوطني الغيور عبّاس المجاهد ابن عبد الكريم ابن الحاج شكير , ومنهم أيضاً طليفح بن حسون بن حسن ابن الحاج راضي أحد رجالات الثورة العراقيّة الكبرى ، وكان رئيس عشيرته.


الطهامزة

بطن من خفاجة نزحوا من نهر الطهمازية(١) في الحلّة ، وسكنوا كربلاء في القرن الثاني عشر الهجري ، ومن رؤسائهم الشيخ محمّد علي بن سلطان (أبو هر) الذي ورد ذكره في الحوادث السياسيّة المقتول سنة ١٢٩٤ ه. ونبغ فيها بعض الشعراء.

وقد تولّى رئاسة هذه العشيرة المرحوم الحاج عبد بن عزيز بن سلطان بن مهدي بن أحمد الطهمازي الخفاجي , المتوفّى سنة ١٩٣٨ م ، وأعقب عدّة أولاد , هم: علوان وناصر وإبراهيم ومجيد ونجم ، ويرأسها اليوم الشيخ علوان الحاج عبد أبو هر الذي أفادنا في كثير من المعلومات المتعلّقة بعشيرته.

بني سعد

عشيرة عربية طار صيتها ، وكان أوّل مَنْ قدم منها إلى كربلاء مهاجراً واستوطنها مجاوراً في القرن الثاني عشر الهجري هو عيد بن سليمان السعدي. سجّلت هذه العشيرة صفحات ناصعة في تاريخ كربلاء.

ومن رجالها الحاج الشيخ طعمة العيد ، الذي اشترك في حادثة نجيب باشا سنة ١٢٥٨ه ، ومنها أيضاً الحاج علوان بن جار الله بن طعمة العيد السعدي الذي اشترك في الثورة العراقيّة ضد الإنكليز ، وكان أحد الوطنيين الأحرار على رأس عشيرته التي أطاعت أوامر السادة ورجال الدين ، توفي يوم ١٠ شوال سنة ١٣٤٤ ه ، وأعقب أربعة بنين هم: حسين وعزيز وطعمة وعجيل.

وأشهر أفخاذ هذه العشيرة في كربلاء آل علي وآل رباح. ومن رجال آل رباح المرحوم نايف بن حسين العاشور ، ومنهم العلّامة الشيخ علي بن محسن بن عاشور المذكور , المتوفّى سنة ١٣٥٠ ه.

آل كمونة

اُسرة عربية معروفة في كربلاء ، انحدرت من الشيخ عيسى كمونة

____________________

(١) يُنسب هذا النهر للسلطان طهماسب شاه الصفوي ( ٩١٩ - ٩٨٤ ه ) الذي زار العتبات المقدّسة في العراق ، فأمر بحفر هذا النهر من الفرات في قرية قريبة من الحلّة ، ونسب إليه وسمّي بنهر ( الطهماسية ) ، ثمّ صحّف وحرّف نتيجة كثرة استعماله فعُرف بالطهمازية ، وموقعه بين الحلّة ونمرود.


الذي هاجر من ظهر الكوفة واستوطن كربلاء في أوائل القرن الثاني عشر الهجري ، ظهر فيها الشيخ مهدي بن محمّد بن عيسى كمونة الذي تولّى سدانة الروضة الحسينيّة ( ١٢٥٨ ه - ١٢٧٢ ه ) ، والشيخ ميرزا حسن بن محمّد بن عيسى كمونة الذي تولّى سدانة الروضة الحسينيّة بعد وفاة أخيه ( ١٢٧٢ ه - ١٢٩٢ ه ).

ونبغ فيها الشاعر الأديب الحاج محمّد علي ابن الشيخ محمّد بن عيسى كمونة , المتوفّى سنة ١٢٨٢ ه - ١٨٦٥ م ، وله ديوان شعر مطبوع سنة ١٣٦٧ ه - ١٩٤٨ م ، وقد ثبت في شعره تواريخ وفيّات مَنْ عاصرهم من رجال الفكر ، ويضمّ قصائد كثيرة في رثاء ومديح آل البيت (عليهم‌السلام ).

ومن أروع ما قاله في رثاء الإمام الحسين (عليه‌السلام ) هذه الأبيات:

عرا فاستمر الخطبُ واستوعبَ الدهرا

مصابٌ أهاجَ الكربَ واستأصلَ الصبرا

وطبـق أرجاءَ البسيطةِ حزنه

وأحدثَ روعاً هولهُ هوّنَ الحشرا

وجاسَ خلالَ الأرضِ حتّى أثارها

إلى الجوِّ نقعاً أحجبَ الشمسَ والبدرا

ومارت لهُ حتّى السماء وزلزلت

لهُ الأرض وانهدّت أخاشبها طرّا

وغير عجيب أن تمورَ لهُ السما

ومن أوجهِ تهوي السماءُ على الغبرا

ومنها قوله:

وأعظم بخطبٍ زعزع العرشَ وانحنى

له الفُلكُ الدوار مُحدودباً ظهرا


غداة أراقَ الشمرُ من نحرهِ دماً

له انبجست عينُ السما أدمعاً حمرا

فيا لدماءٍ قد اُريقت ويا له

شجىً فتّت الأكبادَ حيث جرت هدرا

وإن أنس لن أنسى العوادي جوارياً

ترضى القرى من مصدرِ العلمِ والصدرا

ولن أنسى فتياناً تنادوا لنصرةٍ

وللذبّ عنهُ عانقوا البيضَ والسمرا

رجال تواصوا حيث طابت اُصولهمْ

وأنفسهم بـالصبرِ حتّى قضوا صبرا

ومنهم اليوم المحامي الشيخ عبد الحسين ابن الشيخ هادي ابن الشيخ محمّد ابن الميرزا حسن سادن الروضة الحسينيّة ( ١٢٧٢ - ١٢٩٢ ه ) ابن الشيخ محمّد ابن الشيخ عيسى كمونة.

آل التريري

اُسرة عربية قديمة قطنت كربلاء منذ القرن العاشر الهجري , وتنتسب إلى ( خفاجة ). ومن أبرز رجالها زين الدين بن علي التريري الذي وجدت توقيعه في وقفية ( فدان السادة ) المؤرّخة سنة ١٠٢٥ ه ، وهذه الاُسرة تشتغل بالزراعة ، ومن آثارها نهر التريري المحاذي لمقاطعة فدان السادة.

ومنها اليوم الحاج كاظم بن خلف بن عبد الله بن عليوي بن شهيب بن أحمد التريري ، وهو من الوجوه المعروفين بصدق الطوية ، ونقاء الضمير ، وتمسّكه بالتقاليد الإسلاميّة المورثة ، وهو منصرف إلى مزاولة شؤون زراعته وإدارة ممتلكاته.

ومنها أيضاً الحاج مهدي بن عبد الله بن حسين بن عليوي بن شهيب بن أحمد التريري وغيرهم.


آل شويليّة

من الاُسر العربية المرموقة في الأوساط الكربلائيّة ، تنتسب إلى قبيلة ( عبس ) ، برز فيها المرحوم الشيخ ملاّ خضر ابن الحاج عبد العباس ابن الحاج محسن بن علي بن محمّد بن عبّاس بن محسن بن علي أبو شويلية , المتوفّى يوم الثلاثاء جمادى الثانية سنة ١٣٥٤ ه , وكانت له مواقف مشرّفة في حادثتي حمزة بك وثورة العشرين الكبرى ، كما كانت تربطه صلات ودّية بالسادة آل طعمة.

اشتهر بالفضل والصدق ، والعقب منه في ولديه المرحوم ياسين المتوفّى يوم ٨ ٣ ١٩٦٤ ، وكريم الذي يسير على نهج أبيه في نزاهته وإخلاصه. ومنها اليوم الشيخ صالح بن مشكور شويلية.

آل حافظ

تنتسب إلى قبيلة ( خفاجة ) هاجر ، جدّها الأعلى حافظ من الشطرة ، واستوطن كربلاء في مطلع القرن الثالث عشر الهجري ، وأقام في ( بركة الحافظ ) في محلّة باب بغداد ، وقد تطلع منها في الأوساط التجارية والأدبيّة رجال عديدون.

ونبغ فيها الشاعر الأديب الحاج عبد المهدي بن صالح بن حبيب بن حافظ , المتوفّى في ربيع الثاني سنة ١٣٣٤ ه , وكان مبعوث كربلاء الأسبق في اسطنبول.

ومن شعره قوله من قصيدة أوّلها:

هي صعدةٌ سمراءُ أم قدْ

أم وردةٌ حمراءُ أم خدْ

وافى بـهنّ غزيّلٌ

غنج خفيف الطبع أغيدْ

متقلّدٌ من لحظهِ

سيفاً يفوق على المهندْ

كالبـدر إلّا أنّه

أبهى وأسنى بل وأسعدْ

شفتاه قالا للعذا

ر فما العقيق و ما الزبرجدْ

و افترّ مبسمه فلا

ح خلاله الدرّ المنضّدْ

ومنها اليوم هادي وعامر أولاد محمّد صالح بن عبد المهدي آل حافظ.

الحميرات

وهي من الاُسر العربية المعروفة ، برز فيها الشاعر الأديب الحاج


محسن بن حبيب الحميري(١) المتوفّى سنة ١٢٨٨ ه.

ومن شعره قوله راثياً الحاج محمّد كريم خان رئيس الطريقة الكشفية ( الركنية ) من قصيدة أوّلها:

يتداعى من الفخرِ العلي شمامُ

وأورى سنى شمس العلومِ قتامُ

وألبس بدر الدين ثوبَ كتابه

وجلّل صبح المكرماتِ ظلامُ

لموت كريم طبّق الكونَ رزؤه

فهل تُرتجى بعد الكريمِ كرامُ

فيا لكَ من رزءٍ عظيمٍ مصابُه

و نازلها بين الضلوعِ ضرامُ

استوطنت هذه الاُسرة في القرن الثاني عشر الهجري ، واتخذت طرف باب الخان مقرّاً لها.

ومن ذرّيّة هذا الشاعر اليوم محمّد جواد بن مهدي بن محمّد علي بن محسن الحميري , ومنها أيضاً الحاج كاظم الحاج جواد الحميري الذي استشهد في حادثة حمزة بك , ومنها عبد علي بن عبّاس بن حمادي بن حسن بن علي الحميري أحد رجالات ثورة العشرين الكبرى , ومنها اليوم الحاج عبد الخالق بن الحاج رشيد بن عبد علي الحميري المذكور ، والحاج عبد الحسين بن إبراهيم بن حسين الحميري وغيرهم.

آل عويد

هاجر هذا البيت من بغداد واستوطن كربلاء في أواخر القرن الثالث عشر الهجري ، ونبغ فيها الشاعر عمران بن شكير بن عويد ، المولود في كربلاء والمتوفّى بها سنة ١٢٩٠ ه.

ومن شعره الوجداني قوله:

هي بـانة مرّ النسيم أمالَها

أم غادةٌ خطرت تريدُ دلالَها

وثقيلةُ الأردافِ كيف ترنّمت

والحُسن أرسى أن تميدَ جبالها

أغرتْ على نهبِ القلوبِ عيونُها

وجمت على نهبِ العيونِ جمالها

أبـدت بـدائع حسنها حركاتُها

وتحجّبت عمّنْ يُريدُ وصالَها

____________________

(١) جاء في ( قاموس اللغة ): حمير كدرهم ، موضع غربي صنعاء اليمن ، وفي ( الكُنى والألقاب ): قبيلة باليمن كانت منهم الملوك.


احفظ فؤادكَ أن يمرّ به الهوى

واترك لأعباءِ الهوى حمّالَها

ومن هذه الاُسرة الشيخ سلمان ابن الحاج حمد بن عمران المذكور الذي تسنّم رئاسة بلدية كربلاء عام ١٣٢٤ ه ، وتنحصر ذرّيّته بأولاده حمود ونعمة السلمان.

آل أبو المحاسن

تنتسب إلى قبيلة آل محسن بطن من آل علي التي تقطن قرية جناجة شرقي كربلاء ، استوطنت كربلاء في أواخر القرن الثالث عشر الهجري. نبغ فيها الشاعر الوطني الحاج محمّد حسن بن حمادي بن محسن الجناجي الكربلائي المولود سنة ١٢٩٣ ه ، تسنّم وزارة المعارف العراقيّة في ٣ كانون الأول عام ١٩٢٣ م ، وكان قد ساهم في الثورة العراقيّة الكبرى سنة ١٩٢٠ م ، وتوفي يوم ١٣ ذي الحجة سنة ١٣٤٤ ه.

ومن شعره الوطني قوله من قصيدة عنوانها ( في السجن ):

أنا والنجمُ كلانا ساهرُ

غير أنّي مفردٌ بالشجنِ

لا اُبـالي والمعالي غايتي

وصل أشجاني وهجر الوسنِ

في سبيل المجد منّا أنفسٌ

رُخّصت وهي غوالي الثمنِ

ليس غير الشعب واستقلالِه

ليَ شغلٌ فهو أضحى ديدني

نحن للعلياء والعليا لنا

لو أقالتنا صروفُ الزمنِ

عُرف المعروف والعدل بنا

ولنا تأسيسُ تلك السُّننِ

صاهر الشاعر السادة آل نصر الله ، وأعقب عدّة أولاد هم: كامل , ومحمد حسين ، وفاضل , ومحمد شريف , وعبد الرزاق , وهم يزاولون التجارة.

آل بريطم

اُسرة عربية تنتسب إلى ( شمّر ) ، استوطنت كربلاء في القرن الثاني عشر الهجري ، نبغ فيها الشاعر الشيخ يوسف بن أحمد آل بريطم ، توفي سنة ١٢٨٨ ه.

ومن شعره قوله مقرضاً كتاب ( شواهد الغيب ) , تأليف السيد أحمد الرشتي:


شواهدُ غيبٍ طُرّزت بفصاحةٍ

فنمّقها قسُّ الفصاحةِ مفردُ

شؤوناتها فاقت عُلاءً على العُلا

كما قد علا فوقَ الفلزّاتِ عسجدُ

و ليست ببدعٍ فالفصاحةُ شأنُه

أبـوه عليُّ الطهرِ والجدّ أحمدُ

ومن هذه الاُسرة اليوم جواد وحسين وعباس أنجال كاظم بن جواد بن حسين بن جواد بريطم.

آل دعدوش

من الاُسر العربية المعروفة التي قطنت كربلاء في القرن الثاني عشر الهجري. نبغ فيها الخطيب الشاعر الشيخ جمعة بن حمزة ابن الحاج محسن بن محمّد علي بن قاسم بن محمّد علي بن قاسم آل دعدوش الحائري , المولود سنة ١٢٨٤ والمتوفّى سنة ١٣٥٠ ه ، وأعقب ولديه حسن وحسين ، وتنحصر ذرّيّته بأحفاده حامد وجمعة ومحمود بن حسن بن جمعة المذكور.

آل الكبيسي

عشيرة عربية هاجرت من قرية كبيسة التابعة للواء الديلم ، وقطنت كربلاء في القرن العاشر الهجري ، وقد عُرف ( حمام الكبيسي ) باسمها. ومن مشاهيرها الخطيب الشاعر الشيخ عبد الكريم ابن الملاّ كاظم بن نايف الكبيسي الحائري , المتوفّى بكربلاء سنة ١٣٦٥ ه ، وأعقب ثلاثة أولاد هم: مجيد وكاظم وحميد.

ومن الكبيسات أيضاً بيت الحاج حمود الوكيل ابن الشيخ حسين بن عكلة الكبيسي.

آل كشمش

بطن من ( خفاجة ) استوطنت كربلاء في القرن الثاني عشر الهجري ، وكانت لها الرئاسة في محلّة باب بغداد ، اشتهر منها علي الحاج مهدي كشمش الذي اشترك في حادثة المناخور سنة ١٢٤١ ه. ومن رجالها أيضاً محمّد الحاج مهدي كشمش ، وصالح الحاج مهدي كشمش.

ومن هذه السلالة اليوم عبد الرزاق بن حمزة بن عزيز كشمش ، وعلي بن هاشم بن هتيمي بن مجيد كشمش ، وجاسم بن محمّد بن حمادي كشمش , بالإضافة إلى ذلك فإنّ هناك اُسراً عربية أخرى تقطن كربلاء ، سنأتي على ذكرها في كتابنا ( عشائر كربلاء وأسرها ) بإذن الله.


الفصل الخامس

المعاهد العلميّة في كربلاء

المدارس الدينيّة

في هذا الباب استقصاء لأشهر المدارس العلميّة والدينيّة التي كانت تعجّ بالفكر ، وتمدّ العالم الإسلامي بأضواء العلم المشرقة ، وتبثّ العلوم والثقافة الدينيّة العربية.

إنّ تاريخ تأسيس المعاهد العلميّة والمدارس الدينيّة يرجع إلى القرن السادس الهجري ؛ فقد كانت الروضة الحسينيّة المشرّفة بادئ ذي بدء محطّ أنظار العلماء وأساطين الفكر ؛ لأنّ من أروقتها كانت تتوزّع أنوار المعرفة ، ثمّ بعد ذلك تأسّست الجوامع والمدارس الخيرية في كربلاء , فانتشرت الدعوة الإسلاميّة وأخذت تبثّ الوعي الإسلامي ، وتلقن الناس دروس الفقه والدين واللغة.

إنّ الكتب المقرّرة للدراسة في هذه المعاهد الدينيّة تحتوي على علوم النحو والصرف , والمنطق ، والمعاني والبيان ، والفلسفة والحكمة ، واللغة واُصول الفقه ، وأخيراً الفقه وهو الهدف الأسمى.

ولكلّ مادة من المواد الآنفة الذكر مراجع كثيرة ومتشعبة ينبغي على الطلاب دراستها بإتقان ، وبعد هضمها واستيعاب دراسة


الفقه بصورة خاصة تمنح إجازة الاجتهاد ، وذلك بعد مضي فترة دراسية طويلة تختلف باختلاف فهم الطالب وقوّة استنباطه الأحكام من الأدلّة.

أمّا أشهر المعاهد العلميّة ( الدينيّة ) في كربلاء هي:

١ - مدرسة السردار حسن خان

يرجع تاريخ تأسيسها إلى سنة ١١٨٠ ه ، وتقع في الزاوية الشماليّة الشرقيّة من صحن الحسين (عليه‌السلام ) ، وتخرّج منها رعيل من أساطين العلم والجهابذة الثقاة ، أمثال مصلح الشرق جمال الدين الأفغاني(١) والشيخ شريف العلماء. وقد أنفق السردار حسن خان القزويني المبالغ الطائلة في إنشائها وتأسيس الأوقاف لها ، وبوشر بهدم بنائها في ١٦ محرّم سنة ١٣٦٨ ه الموافق ١٨ / ١١/ ١٩٤٨(٢) .

وكانت المدرسة واسعة عامرة بأهل العلم ، وكانت تحتوي على ٧٠ غرفة ، فهي أعظم مؤسسة دينية في كربلاء قلّ ما تضاهيها مدرسة مثلها في العتبات المقدّسة ، تخرّج منها فحول العلماء قديماً وحديثاً. وقد ذهبت موقوفاتها ضمن شارع الحائر الحسيني ، ولا تزال البقيّة الباقية من آثارها قائمة حتّى اليوم ، وعدد غرفها ١٦ غرفة.

إنّ أجمل ما يلاحظ في هذه المدرسة التاريخيّة الجدران المكسوة

____________________

(١) جاء في مجلة ( الحبل المتين ) العدد ٤ السنة ١٨ ص ١ الصادرة في ١٠ رجب سنة ١٣٢٨ ه - ١٩١٠ م ما نصّه: « ولد جمال الدين الأفغاني في شهر شعبان سنة ١٢٥٤ ه ، وبعد تحصيل الدروس الابتدائيّة ومقدّمات اللغة العربية والفارسية هاجر إلى العتبات المقدّسة وسكن كربلاء ، وواصل دراسته في تحصيل العلوم الدينيّة ، وبعد ذلك سافر عن طريق الخليج العربي إلى الهند ، وبقي هناك عدّة شهور في مدينة كلكته في دار الحاج ميرزا عبد الكريم التاجر الشيرازي.

روى بعض المعمّرين في كربلاء أنّهم شاهدوا السيد جمال الدين الأفغاني يتلقّى العلم في مدرسة السردار حسن خان ، وللحقيقة أثبتنا ذلك.

(٢) تاريخ كربلاء وحائر الحسين - للدكتور عبد الجواد الكليدار آل طعمة / ٢٧٠.


بالزخارف الهندسية البديعة بأشكال متقنة وبديعة ، تعلوها كتابات من الآيات الكريمة ونقوش وزخارف رائعة الصنع.

٢ - مدرسة المجاهد

تمّ تأسيسها حدود سنة ١٢٧٠ ه كما تنصّ بذلك الوقفية الخاصة بها ، وهي اليوم موئل رواد أهل العلم ورجال الدين. تخرّج منها عدد لا يُستهان به من أرباب الفكر ، موقعها في سوق التجار الكبير بالقرب من مرقد السيد محمّد المجاهد الطباطبائي.

٣ - مدرسة صدر الأعظم النوري

شيّدها العلّامة الشيخ عبد الحسين الطهراني من ثلث الأمير الميرزا تقي خان الصدر الأعظم المقتول سنة ١٢٦٨ ه ، وكان موقعها غرب الصحن الحسيني ، وهي من اُمّهات المعاهد العلميّة العامرة بأهل العلم.

تخرج منها رعيل من أساطين الفكر. ومن أساتذتها يومذاك الشيخ أبو القاسم الخوئي المتوفّى سنة ١٣٦٤ ه ، والشاعر السيد عبد الوهاب الوهاب المتوفّى سنة ١٣٢٢ه.

٤ - مدرسة الزينبيّة

سمّيت بهذه التسمية نسبة لموقعها عند باب الزينبيّة للصحن الحسيني من جهة الغرب , وكانت آهلة بطلاب العلم إلّا أنّها ذهبت ضحية الشارع المحيط بالروضة الحسينيّة. ومن الذين قاموا بالتدريس فيها الشاعر الشيخ جعفر الهر المتوفّى سنة ١٣٤٧ ه ، وتلميذه الشيخ محمّد الخطيب المتوفّى سنة ١٣٨٠ ه.

٥ - مدرسة الهنديّة

وهي من أشهر المعاهد العلميّة الدينيّة اليوم ، موقعها في زقاف الزعفراني بالقرب من المشهد الحسيني , تمّ تأسيسها في أواخر القرن الثالث عشر الهجري كما تنصّ بذلك الوقفية الخاصة بها ، وهي ذات طابقين ، وتحتوي على (٢٢)


غرفة ، يدرّس فيها مختلف العلوم ، كالفقه والاُصول والحديث والتفسير وما إلى ذلك.

وفي المدرسة مكتبة عامة تُعرف باسم ( المكتبة الجعفرية ) ، ومن الآثار الفكرية التي صدرت عن المدرسة المذكورة مجلة ( أجوبة المسائل الدينيّة ).

٦ - مدرسة الباد كوبه ( ترك )

وهي من مدارس كربلاء الشهيرة ، تأسست سنة ١٢٧٠ كما تنصّ بذلك الوقفية الخاصة بها. موقعها في زقاق الداماد ، وهي آهلة بحملة العلم ورجال الدين ، وفيها ( ٣٠ ) غرفة. وفي المدرسة مكتبة عامة عامرة بالكتب القيّمة.

ومن الآثار الفكرية التي صدرت كتاباً شهريّاً لكلّ مؤلّف.

٧ - مدرسة مرزا كريم الشيرازي

وهي مدرسة واسعة ذات ساحة فسيحة ، وفيها مصلّى كبير , تأسست سنة ١٢٨٧ ه ، وتمّ تعمير المصلّى بسعي السيد الموسوي ميرزا علي محمّد الشيرازي في رجب سنة ١٣٠٨ ه كما تنصّ الكُتيبة في داخله. وموقعها في محلّة العباسيّة الشرقيّة ، وتشتمل على طابق واحد ، ومن مدرسيها الخطيب الشيخ عبد الزهراء الكعبي ، والشيخ محمّد علي الخليق.

٨ - مدرسة البقعة

تأسست في منتصف القرن الثالث عشر الهجري ، موقعها في شارع الإمام علي (عليه‌السلام ) ، مجاورة لمرقد السيد محمّد المجاهد الطباطبائي. وهي ذات طابقين ، وفيها (٢٠) غرفة , تخرج فيها لفيف من العلماء ؛ كالسيد محسن الكشميري ، والسيد مرتضى الطباطبائي ، والشيخ عبد الرحيم القمّي.

ومن الآثار الفكرية التي صدرت عن هذه المدرسة مجلة دينية باسم ( صوت المبلّغين ).


٩ - مدرسة السليميّة

أسسها الحاج محمّد سليم خان الشيرازي سنة ١٢٥٠ ه. موقعها في زقاق جامع الميرزا علي نقي الطباطبائي. وهي تشمل على طابقين ، غير أنّ مساحتها صغيرة ، وتحوي على (١٣) غرفة. ولم يكتفِ مؤسسها ببناء المدرسة فحسب بل خصّص رواتب شهرية للطلبة الذين يواصلون دراساتهم فيها ، وكانت النفقات تُصرف بتوسّط العلّامة السيد حسن آقا مير القزويني.

ومن أشهر أساتذتها الشيخ يوسف الخراساني ، والسيد محمّد علي البحراني. ومن الآثار التي صدرت عن هذا المعهد مجلة ( الأخلاق والآداب ).

١٠ - مدرسة المهدية

شيّدها الشيخ مهدي ابن الشيخ علي ابن الشيخ جعفر كاشف الغطاء سنة ١٢٨٤ ه ، كما شيّد مدرسة اُخرى في النجف. وأمّا موقعها فهو في الزقاق المجاور لديوان السادة آل الرشتي ، وهي ذات طابقين ، يسكنها طلبة العلم. ومن أساتذتها الشيخ عبد الحسين الدارمي ، والشيخ علي العيثان البحراني ، والشيخ عبد الحميد الساعدي ، والشيخ محمّد شمس الدين ، والشيخ حسين البيضاني.

١١ - مدرسة الهنديّة الصغرى

تأسست سنة ١٣٠٠ ه ، أوقفتها امرأة صالحة تُعرف بـ ( تاج محل ) الهنديّة على العلّامة السيد علي نقي الطباطبائي كما تنصّ بذلك الوقفية الخاصة بها. وتحوي المدرسة على ٧ غرف ، يسكنها أهل العلم من الأفغان والهنود ، ومن أساتذتها السيد محمّد حسين الكشميري ، والسيد مرتضى الطباطبائي ، والسيد مرتضى الواجدي.

١٢ - مدرسة ابن فهد الحلّي

موقعها في شارع الحسين الممتد من باب القبلة ، وفيها مزار العالم العارف الشيخ أحمد بن فهد الحلّي الأسدي , المولود سنة ٧٥٧ ه والمتوفّى سنة ٨٤١ ه. وللمدرسة


مسجد يُصلّى فيه ، وفيها ساحة واسعة ذات طابقين ، وتحوي على (٤٠) غرفة ، يسكنها طلبة العلم ، وكان التجديد الأوّل لهذا البناء سنة ١٣٥٨ ه.

أمّا التجديد الثاني للمدرسة فقد تمّ على نفقة جمع من المؤمنين بينهم المرجع الديني الأكبر السيد محسن الطباطبائي الحكيم وذلك سنة ١٣٨٤ ه ، وقد حوت المدرسة مكتبة عامة باسم ( مكتبة الرسول الأعظم ).

١٣ - مدرسة شريف العلماء

وهي إحدى المدارس الدينيّة المعروفة ، موقعها في زقاق كدا علي المتفرّع من شارع الحسين (عليه‌السلام ) ، وإلى جانب المدرسة يقع مرقد العلّامة الشيخ شريف العلماء ( المولى شريف الدين محمّد بن حسن علي الآملي المازندراني الحائري , المتوفّى سنة ١٢٤٥ ه ).

والمدرسة ذات طابقين ، تحوي على (٢٢) غرفة ، يسكنها بعض طلبة العلم الأجانب , قام بتأسيسها فقيه العصر السيد محسن الطباطبائي الحكيم وقفاًً على طلاب العلوم الدينيّة في كربلاء والنجف الأشرف سنة ألف وثلاثمئة وأربع وثمانين ١٣٨٤ ه.

١٤ - مدرسة البروجردي

أنشأها المرجع الديني الأكبر السيد آقا حسين البروجردي سنة ١٣٨١ ه ، وقد أنفق على تشييدها مبالغ باهضة ، وكانت الأرض من الممتلكات العائدة لورثة آل الأشيقر في شارع المخيّم , فجاءت البناية على غاية من الإبداع في الطراز الهندسي والفنّ المعماري.

وهي ذات طابقين ، وتحوي على (٢٠ ) غرفة يسكنها بعض أهل العلم. وقيل في تاريخ تشييدها:

زعامة الحسين لم تنصرمْ

عنّا بـرغم الموتِ أيامُها

قد أعلن التاريخ ( في هدمها

زُفت بنصر الله أعلامُها )

١٣٨١ ه


١٥ - مدرسة الإمام الباقر (عليه‌السلام )

أسّسها السيد عماد الدين ابن السيد محمّد طاهر البحراني سنة ١٣٨١ ه ، موقعها في محلّة باب الخان قرب الفسحة , وتحوي على عدّة غرف يسكنها طلبة العلم , واُنشئت فيها مكتبة عامة.

ومن نشاطات المدرسة إقامة الحفلات في المناسبات الدينيّة ، وإصدار بعض الكتب الخاصة بالتعاليم الدينيّة.

١٦ - المدرسة الحسنية

أنشأها الكسبة والتجار الكربلائيون سنة ١٣٨٨ ه ، وتقع على بعد ٣٠ متراً شمال الروضة العباسيّة ، ومساحتها ٤٠٠ متراً ، وفيها ٢٨ غرفة يسكنها أهل العلم.

وأهم ما يُدرّس فيها الفقه والاُصول والنحو والمنطق والتفسير والأخلاق , وتُقام فيها الشعائر الدينيّة والاحتفالات الخاصة بالمناسبات ، مثل العشرة الأولى من محرّم ، وفي رمضان وغيرها.

المدرسة الحسنية


الحلقات الدينيّة (الدراسات العليا)

تعقد في أرجاء المدينة المقدّسة وفي زوايا الروضتين الحسينيّة والعباسيّة بعض الحلقات الدينيّة التي يقوم بالتدريس فيها بعض أساطين العلم المعمّرين الذين أكملوا دراساتهم العليا ، أمثال آية الله السيد حسن آقا مير القزويني ، والشيخ محمّد رضا الأصفهاني ، والشيخ يوسف الخراساني ، والشيخ محمّد علي سيبويه ، والسيد محمّد علي خير الدين ، والسيد مرتضى الطباطبائي ، والشيخ جعفر الرشتي ، والسيد عبد الرضا المرعشي ، والشيخ محمّد الشاهرودي ، والسيد محمّد الشيرازي وغيرهم.

إنّ مدّة الدراسة تتوقّف على إكمال الكتب المقرّرة ضمن عشر سنوات حتّى تبلغ عام الخمسين تقريباً.

وهناك مدرسة دينية اُخرى بَيْدَ أنّها رسمية ، وهي:

١ - مدرسة الخطيب

أسسها الشيخ محمّد بن داود الخطيب سنة ١٣٥٧ ه - ١٩٣٧ م , ومقرّها في محلّة المخيّم. وفترة الدراسة المقرّرة بها خمس سنوات ، يتلقّى الطلاب في صفوفها العلوم العربية والدين.

٢ - مدرسة الامام الصادق (عليه‌السلام )

اُسست بجهود نخبة من علماء كربلاء ، ومقرّها في شارع الحسين (عليه‌السلام ) بمحلّة العباسيّة الغربيّة ، وفترة الدراسة المقرّرة لها ست سنوات ، وعيّن لها السيد مرتضى القزويني مديراً ، ثمّ تولاّها السيد محمّد ابن السيد مرتضى الطباطبائي.

المدارس الأهلية والحكوميّة

لقد تأسست في كربلاء قبل الانقلاب العثماني وما بعده عدّة مدارس ، سعى بتشييدها رجالات كربلاء ، كما قامت مدارس أجنبيّة فيها بعد الانقلاب العثماني


وإعلان المشروطة سنة ١٩٠٨ م.

وفي هذا البحث يطّلع القارئ على نشأة المدارس في كربلاء وتأسيسها ، وهي:

١ - المدرسة الرشدية

تعتبر من أقدم المدارس الحكوميّة في كربلاء ، تأسست سنة ١٩٠٨ م , وكان موقعها خلف مديرية البريد والبرق والهاتف.

إنّ مدّة الدراسة فيها أربع سنوات ، كان يدرس الطالب في السنة الأولى منها مبادئ القراءة والكتابة ، وكان ( الملاّ ) هو المسؤول عن تدريس الطالب ، وتُطلق على تسمية هذا الصف بـ ( الاحتياط ) ، وبعد أن يتمّ الطالب دراسته فيها يُمنح الشهادة الابتدائيّة.

أمّا المواضيع والدروس التي يتلقّاها فهي اللغة التركية ، كما وتدرّس اللغة الفرنسية والفارسية أيضاً ، بَيْدَ أنّ قواعد اللغة العربية كانت تُترجم إلى اللغة التركية باعتبارها اللغة الرسمية الشائعة. والطالب المتخرّج من هذه المدرسة يحقّ له الدخول إلى دار المعلمين الابتدائيّة والمدارس الأهلية والعسكرية التركية.

وكان ممّن قضى شطراً في هذه المدرسة الدكتور السيد عبد الجواد الكليدار ، والسيد عبد الرزاق السيد عبد الوهاب ، والسيد جواد السيد مهدي النقيب ، والسيد هاشم الخطيب وغيرهم.

٢ - المدرسة الابتدائيّة

تأسست هذه المدرسة من قبل الدولة العثمانيّة أيضاً ، وذلك سنة ١٩١٠ م ، وكانت تشتمل على أربعة صفوف ، تُدرّس فيها اللغة التركية. ومن أبرز طلابها آنذاك السيد كاظم السيد أحمد النقيب ، وعزيز أسد خان ، والسيد إبراهيم شمس الدين القزويني ، والسيد عبد الرزاق السيد عبد الوهاب وغيرهم.

٣ - المدرسة الحسينيّة

تأسست في ١٥ شعبان سنة ١٣٢٧ ه المصادف سنة ١٩٠٨ م ، وكانت بمستوى المدارس الابتدائيّة ، وعيّن لها السيد ميرزا هادي الشهرستاني مديراً ، وبعد تأسيس الحكم الوطني في العراق أصبحت هذه المدرسة تُدار من قبل وزارة المعارف


الإيرانيّة على أساس المقابلة بالمثل بالنسبة للمدارس العراقيّة في إيران , ومن طلابها السيد عبد الرزاق السيد عبد الوهاب ، والسيد صادق السيد حسون آل طعمة.

٤ - المدرسة الابتدائيّة النموذجية

وخلال الحرب العلميّة الأولى مزجت المدرسة الرشدية بالمدرسة الابتدائيّة ، وكانت مؤلّفة من ستة صفوف ، تشغل قسماً من بناية المدرسة الابتدائيّة الأولى للبنين مع نادي الطلاب ، أي ( مديرية البريد والبرق والهاتف حالياً ).

أمّا بناية المدرسة الابتدائيّة فكانت في محلّة العباسيّة الشرقيّة على مقربة من نهر الحلّة ، وكانت تلقّن الطلاب ثلاثة دروس عملية صباحاً ، ودرساً للمطالعة , ودرسين عمليين عصراً.

٥ - المدرسة الجعفرية

تأسست في كربلاء سنة ١٩١٢ م - ١٣٢٨ ه ، وقد أشرف على تأسيسها الحاج محمّد مهدي الحائري ، وكانت تقبل التلاميذ من أجناس مختلفة بحيث تكون الدراسة مجاناً ، واُطلق على تسميتها آنذاك اسم ( مكتب الهنود ).

ذكرها الأب أنستاس الكرملي ، فقال: أسس الهنود مكتباً مجّانيّاً يُقبل فيه التلميذ من أي رعية كان ، وقد أدخلوا فيه تعليم اللغة الإنكليزية ، وفي المكتب الآن نحو ١٣٠ طالباً ، وأغلبهم من رعية الدولة البريطانية ، وكذلك أغلب معلميهم(١) .

ولم يطل العهد بهذه المدرسة ؛ وذلك بسبب إعلان الحرب العظمى على إنكلترا وحلفائها في سنة ١٣٣٣ ه - ١٩١٧ م ممّا أدّى إلى إغلاق المدرسة المذكورة من قبل السلطة المحلّية.

____________________

(١) مجلة ( لغة العرب ) - للأب أنستاس ماري الكرملي ٣ / ١١٨ , السنة الثانية - رمضان ١٣٣٠ ه - أيلول ١٩١٢ م.


٦ - مدرسة السادة الأيتام

وفي سنة ١٩١٥ م احترقت المدرسة الابتدائيّة القديمة من قِبل الزوار ، وافتتحت مدرسة السادة الأيتام بسعي أحد الأثرياء الهنود ، وكانت مدرسة أهلية تمنح لطلاّبها مساعدة مالية , إلّا أنّها تهدّمت أخيراً ، ولم يكن باستطاعة مؤسسها فتحها ثانية ؛ وذلك لندرة المخصّصات المالية ، وبعد ذلك أخذت مديرية المعارف توزّع المخصّصات على الطلاب الفقراء في هذا البلد.

وبعد الاحتلال البريطاني سنة ١٩١٨ م افتتحت المدرسة الابتدائيّة ثانية بأربعة صفوف في بناية أهلية ، وهي الدار المسمّاة بدار شمس الدولة ( حسينيّة ربيعة حالياً ).

وفي عام ١٩٢٠ م نُقلت إلى محلّة باب النجف ، وكانت مناهج دراستها صعبة ، وتدرّس فيها اللغة الإنكليزية ابتداء من الصف الأول. وقد اُغلفت المدارس الابتدائيّة عامة في هذا العام بسبب نشوب الثورة العراقيّة الكبرى سنة ١٩٢٠ م ، وعندما أطلّ عام ١٩٢٢ م تمّ فتح المدارس ومن ضمنها هذه المدرسة , حيث افتتحت بخمسة صفوف وأصبحت مدرسة كاملة.

ومن الطريف أنّه كان عدد طلاب الصف السادس فيها آنذاك أربعة طلاب , هم السادة محمّد علي السعيد ، ومحمد حسين السعيد آل طعمة ، وماجد سليم ، وتقي المصعبي ، ونجح منهما اثنان فقط.

٧ - المدرسة الأحمديّة

تأسست هذه المدرسة سنة ١٩٢١ م واستمرت لغاية سنة ١٩٢٢ م ، ومؤسسها الشيخ مهدي الرئيس صاحب ( المكتبة العلميّة ) ، وقد سعى طالب باشا النقيب بفتحها عندما كان وزيراً للداخليّة ، ومنحها مبلغاً مقداره ألف روبية لغرض صرفها على المدرسة.

٨ - المدرسة الفيصلية

تأسست سنة ١٩٢٢ م بإشراف هيئة مؤسسة من رجالات كربلاء ، وهم:


الشيخ عمر العلوان ، والشيخ محمّد حسن أبو المحاسن الذي تولّى وزارة المعارف ، والشيخ محمّد علي أبو الحبّ ، والشيخ عبد الرضا مال الله ، والسيد محمود الكليدار آل طعمة سكرتير لجنة التأسيس وأحد خريجي جامعة السوربون بباريس ، فأخذوا على عاتقهم صرف المبالغ اللازمة لها.

روى بعض المعمّرين أنّ أساتذتها هم: السيد مجيد السيد جواد آل طعمة ، والشيخ عبد الأمير الحداد ، والشيخ محمّد علي القاضي (قصير الأدباء) ، وكان يتقاضى كلّ منهم راتباً شهرياً قدره ستون روبية.

ولدى مجيء جلالة الملك فيصل الأوّل إلى كربلاء كان بصحبته معالي السيد هبّة الدين الحسيني وزير المعارف آنذاك ، طلب منه عمر الحاج علوان أن تكون هذه المدرسة رسمية فلبّى الملك طلبه وذلك سنة ١٩٢٤ م.

ونظراً لعجز الهيئة الإدارية عن إدارتها من الناحية المالية تولّت إدارتها وزارة المعارف ؛ اُسوة ببقية المدارس الحكوميّة ، وأصبحت ذات صفّين ، كان ذلك سنة ١٩٢٥ م.

٩ - المدرسة الجعفرية

تأسست سنة ١٩٢٨ م ، وكانت مدرسة أهلية مديرها الشيخ محمّد مهدي محمّد كاظم الحائري ، وأوّل اسم لها ( المدرسة الجعفرية ) ، ثمّ مدرسة (كربلاء الأولية الأولى) , ومديرها السيد محمّد نوري أيضاً ، وتبدّلت باسم (باب الطاق) , ومديرها السيد هاشم الخطيب ، ثم تبدلّت أخيراً باسم (مدرسة السبط) , ومديرها السيد يحيى محمّد علي آل طعمة.

تخرّج منها نخبة من التلاميذ الذين تسنّموا مناصب رفيعة في الدولة ، وانتقلت إلى بنايتها الجديدة في محلّة باب السلالمة وذلك سنة ١٩٥١ م. من المعلّمين الذين اشتغلوا فيها عبد المنعم الكاظمي ، والسيد ذاكر السيد حسين ، وعبد الرسول إسماعيل ، ومهدي جاسم الشماسي ، وجواد باقر ، والسيد أحمد نعمة الوكيل.

انقسمت على نفسها سنة ١٩٦٠ - ١٩٦١ م , والتحق مديرها المرحوم السيد يحيى محمّد علي آل طعمة إلى وظيفته في التفتيش


بتاريخ ١٥ / ١١/ ١٩٦٢ م ، وكان هذا ذا همّة عالية ، وقد أحرز شهرة ذائعة ومنزلة رفيعة وشخصية محبّبة.

١٠ - المدرسة المتوسطة

ولجهود السيد جلال بابان أحد رجالات الثورة العراقيّة ومتصرّف لواء كربلاء آنذاك تمّ تأسيس المدرسة المتوسطة في سنة ١٩٣٠ م. وكان أوّل مدير لها الاُستاذ شاكر جاسم ، وبعد عدّة سنوات أصبحت ثانوية ، وافتتح فيها فرع للأدبي ، ثمّ فُتح فرع للعلمي ، ويُطلق عليها اليوم إعدادية كربلاء للبنين. وهناك في مركز كربلاء مدارس كثيرة منها ابتدائيّة ومتوسطة وإعدادية , وكذلك في القرى المجاورة للمدينة.

ومنذ تأسيس الحكم الوطني في العراق قامت الحكومات برعاية هذه المدارس والاهتمام بها ، وبعد ثورة الرابع عشر من تموز ١٩٥٨ م أولت الحكومات جانب التعليم أهمية خاصة ، حيث رصدت حصة الأسد لجانب وزارة التربية ؛ من ذلك إدخال العلم إلى كلّ بيت وقرية وجعلته إلزامياً.

مدارس البنات

بعد أن كان التعليم النسوي في كربلاء مقتصراً على بعض النساء المتعلّمات اللواتي يقمنَ بتعليم البنات القرآن الكريم فقط في دور صغيرة ، أصبح نطاق التعليم واسعاً ، والإقبال على دخول المدارس بشكل متزايد.

ومن هذه المدارس التي تأسست هي:

١ - المدرسة الابتدائيّة الأولى

في عام ١٩١٠ م وبعد جهود كبيرة استطاعت الحكومة أن تفتح مدرسة ابتدائيّة للبنات باسم ( الابتدائيّة الأولى ) , يُدرّس فيها اللغة التركية والعربية ، ثمّ اُغلقت لقلّة الإقبال عليها ، واُعيد فتحها بعد حصول العراق على الحكم الوطني


سنة ١٩٢٩ م ، وبقيت مستمرة في سيرها. وقد تبدّل اسم المدرسة اليوم إلى مدرسة خديجة الكبرى.

٢ - العباسيّة الابتدائيّة

وتأسست بعد ذلك سنة ١٩٤٢ م مدرسة ابتدائيّة للبنات باسم ( العباسيّة الأولى ) , وراحت تستقبل الطالبات ، وواجهت إقبالاً شديداً من قبل كافة الأهلين لإلحاق بناتهم في المدرسة , ثمّ تعددت بعدها المدارس على اختلاف مراحلها ؛ حيث تمّ فتح مدرسة الأحداث الحسينيّة , ومدرسة الأحداث العباسيّة وغيرهما , وبمرور الزمن شيّدت مدارس للبنات في مركز المدينة ، ثمّ شملت القرى المجاورة.

متوسطة البنات

اتسع نطاق التعليم بشكل ملحوظ حيث تأسست في سنة ١٩٤٢ م أوّل متوسطة للبنات ، ثمّ اتسعت وأصبحت ثانوية بفرعيها العلمي والأدبي ، ولم يمضِ وقت على إنشائها حتّى شهدت إقبالاً منقطع النظير من طالبات المدارس الابتدائيّة ، وهكذا أخذت تتوسّع تدريجياً.

علماً بأنّ مديريات المعارف لم تكن قد شملت ألوية العراق كلّها كما هو آلان ؛ حيث كانت المراجعات مع مديرية معارف لواء بغداد ، ثمّ تحوّلت المراجعات إلى مديرية معارف الحلّة سنة ١٩٢١ م التي تشمل منطقة الفرات الأوسط ، وفي سنة ١٩٤٣ م تأسست أوّل مديرية المعارف في لواء كربلاء.

الكتاتيب

لقد جاء افتتاح المدارس في كربلاء متأخّراً بسبب انتشار الكتاتيب فيها ، ولاسيما في الروضتين المقدّستين. والمعروف أنّ الطلاب في الكتاتيب يتلقّون


القرآن الكريم ومبادئ الحساب الأولية والخطّ العربي ، وكان عددهم يفوق عدد طلاب المدارس.

وقد وجدت الحكومة صعوبة بالغة في فتح المدارس لعدم الإقبال عليها حتّى اضطرت إلى غلق الكتاتيب ، وإجبار أولياء اُمور الطلاب بإدخال أبنائهم إلى المدارس الحكوميّة.

وفي سنة ١٩٤٢ م اُجريت إحصائية بعدد طلاب المدارس الحكوميّة في كربلاء , فكانت النتيجة قد بلغت أربعمئة طالب فقط ، بينما بلغ عدد طلاب الكتاتيب خمسمئة.

ويلاحظ في سنة ١٩٣٦ م عندما تولّى الاُستاذ صالح جبر منصب متصرّف كربلاء دعا إلى تشكيل لجنة خاصة مكوّنة من مدير المتوسطة ومدير مدرسة الابتدائيّة ومفتّش المعارف السيد عبد الهادي المختار , حيث امتنعت الكتاتيب نهائياً.


الجوامع والحسينيّات

تشتهر كربلاء إلى جانب معاهدها العلميّة بكثرة جوامعها وكذلك حسينيّاتها ؛ ففي كلّ منعطف طريق يُشاهد المرء مسجداً اُقيم للعبادة وتأدية شعائر الإسلام.

ونحن هنا لا يمكننا حصرها في هذا الباب ؛ لأنّ قسماً منها اُنشئت من قبل أصحابها ، والقسم الآخر وضِع تحت إشراف مديرية أوقاف كربلاء كما تثبت ذلك السجّلات التي اطّلعنا عليها في المديرية المذكورة.

ولكنّنا نذكر الشهيرة منها والقديمة والمندرسة:

١ - جامع رأس الحسين (عليه‌السلام )

سمّي بذلك نسبة لموقعه في جهة رأس الإمام الحسين (عليه‌السلام ) بالقرب من باب السدرة ، وكان من أقدم الجوامع الأثرية العظيمة ، وفي وسط هذا الجامع التاريخي مقام رأس الحسين (عليه‌السلام ) ، وقد شمله الهدم بسبب افتتاح شارع الحائر الحسيني.

٢ - جامع عمران بن شاهين

من أقدم مساجد كربلاء ، شيّده عمران بن شاهين أمير البطائح في القرن الثامن الهجري ، وهو الملحق بالحرم الحسيني الشريف ، وكان له شأن كبير في توسيع وانتشار الحركة العلميّة والدينيّة.


٣ - جامع الميرزا شفيع خان

يقع على نهر الهنيدية في المرحلة الأولى ما بين كربلاء وخان النخيلة ، أي ( خلف معمل اليشماغ حالياً ). ويرجع تاريخه إلى عهد الميرزا شفيع خان(١) صدر الأعظم ، رئيس وزراء إيران السابق أيام القاجاريِّين الذي زار كربلاء وأقام على نهر الهنيدية في طريقه إلى النجف ، ودُفن في المسجد المذكور كما جاء في مجموعة السيد عبد الحسين الكليدار.

ولدى زيارة السلطان ناصر الدين شاه القاجاري لمدينة كربلاء مرّ بأراضي ( السنقر ) التي تقع على نهر الهنيدية في طريقه إلى النجف الأشرف ، وسار في سفح هذا النهر مارّاً بالمقبرة القديمة كما ذكر ذلك في رحلته المسمّاة ( سفرنامه ناصري ) بالفارسية , وكذلك عند تشييد مقبرة وادي أيمن في أثناء غرق كربلاء سنة ١٣٠٥ه اتخذت الأراضي الواقعة بالقرب منها مقبرة وادي أيمن الحالية للسبب المذكور.

وقد جدّد بناء هذا الجامع المرحومان الحاج علي وأخيه الحاج آقا جان في سنة ١٣١٩ ه ، ونُقشت على الباب كُتيبة من القاشاني دوّنت فيها أبيات شعر بالفارسية ، وأوّلها:

حبذا أين مسجد عالي كه اندر كربلا است

قامت افلا كيان درنزد محرايش دوتا است

ومادة التاريخ هو سنة ١٣٠٩ ه كما يتضح من البيت الأخير:

____________________

(١) ذكر صاحب ( المنجد ) المطبوع في بيروت سنة ١٩٥٦ في مادة كربلاء / ٤٥٣: أنّ الميرزا شفيع خان رئيس الفرقة الشيخية دُفن في كربلاء ، غير أنّ السيد محمّد حسن مصطفى الكليدار يُخالف هذا الرأي ؛ فقد ذكر في كتابه (مدينة الحسين ج ٣) أنّ الميرزا شفيع خان الذي يعنيه صاحب ( المنجد ) بأنّه رئيس الطريقة الشيخية هو غير صحيح ؛ إذ إنّ الميرزا طاهر شفيعي خان الحكاك الإصبهاني هو مؤسس الطريقة المعروفة باسمه ( الشفيعية ) ، وقد قُتل في اسطنبول شرّ قتلة سنة ١٢٦٢ ه.


خواستم آرم مثالي بهر سالش عقل گفت

مسجد أقصى بود كه در وادى صفا است

كما نُقشت على بابه كُتيبتان تاريخ الأولى سنة ١٣٠٩ ه ، وتاريخ الثانية سنة ١٣١٩ ه. وإلى جانب المسجد المذكور مقبرة خاصة عليها قبّة من القاشاني تهدّم القسم العلوي منها ، ودُفن فيها العالم الجليل السيد هاشم الحسيني الجهرمي الحائري المتوفّى سنة ١٣٢٢ ه.

٤ - جامع السردار حسن خان

من المساجد القديمة ، وكان يعدّ آيّة في الفنّ المعماري البديع ، وكان ملحقاً بالمدرسة الدينيّة المعروفة باسمه(١) ، وأصبح اليوم أثراً بعد عين.

٥ - الجامع الناصري

من أهم المساجد التي شيّدها السلطان ناصر الدين شاه القاجاري سنة ١٢٧٦ هجرية ، وكان موقعه إلى شمال الروضة الحسينيّة المقدّسة ، وقد اندرست آثاره وطُمست معالمه اليوم.

٦ - جامع الآقا باقر البهبهاني

موقعه إلى جوار مدرسة الهنديّة , أسسه حامل لواء النهضة العلميّة في القرن الثاني عشر الوحيد الآقا باقر البهبهاني ، وقد اُسس على العلم والتقوى في عهده ، ولم يزل أثره قائماً حتّى اليوم.

____________________

(١) اطّلعت على ورقة إعلام مصدّقة من قبل العلّامة السيد علي نقي الطباطبائي ، والعلّامة السيد مهدي القزويني وغيرهما من رجالات كربلاء ، تاريخها الثاني عشر من شهر محرّم الحرام السنة السابعة والستون بعد الألف والمئتين من هجرة سيد الثقلين (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، تنصّ على بناء عمارة المدرسة الواقعة فوق مسجد حسن خان ، وقد أنشأها العلّامة السيد إبراهيم القزويني صاحب الضوابط ، وأنّ الإعلام صادر بعد وفاة السيد المذكور بستة أعوام.


٧ - جامع صاحب الحدائق

شيّده الشيخ يوسف البحراني الشهير بصاحب الحدائق المتوفّى سنة ١١٨٦ ه ، وموقعه في الواجهة الأمامية لمدرسة الهنديّة وجامع البهبهاني المذكور ، واُعيد بناؤه مؤخّراً.

٨ - جامع الشيخ خلف

من أشهر المساجد القديمة التي شيّدها الشيخ خلف بن عسكر الحائري المتوفّى سنة ١٢٤٦ ه. موقعه في شارع السدرة بمحلّة باب السلالمة ، وقد جدّد سنة ١٣٧١ ه , ثمّ شمله الهدم بسبب توسيع الشارع المذكور.

٩ - جامع الشهرستاني

كان يُعرف قديماً بجامع الشيخ عبد الرحيم. موقعه قرب باب الشهداء عند صحن الحسين (عليه‌السلام ) , قام بتشييده السيد ميرزا مهدي الموسوي الشهرستاني وذلك في سنة ١١٨٩ ه.

وقد أرّخ أحد الشعراء عام تشييده ، قائلاً:

ذا مسجدٌ أسسه من قبل ذا

مهديُّ آل الصفوة الأماجد

وكان فيما قد مضى مشتهراً

تاريخه ( معظّم المساجد )

١١٨٩ ه

وفي سنة ١٣٥٦ ه جُدّد بناؤه وذلك في عهد عبد الرزاق الأزري متصرّف لواء كربلاء ، فنظم أحد الشعراء مؤرّخاً تجديده بهذه الأبيات:

سعادة الأزري لمـّا جاءه

بـناه للذكرِ الجميلِ الخالد

يا قارئ التاريخ ( قل ذا جا

معٌ جدّده لراكع وساجد )

١٣٥٦ ه

وبسبب توسيع الشارع الذي يربط الحرمين الشريفين تهدّم المسجد المذكور سنة ١٣٩٩ ه وأصبح أثراً بعد عين.


١٠ - جامع الميرزا علي نقي الطباطبائي

موقعه في الواجهة الأمامية لمدرسة السليمية بالقرب من سوق التجار الكبير. وهو واسع المصلّى ، وقام بتشييده السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض في شهر ربيع الثاني سنة ١٢١٠ ه ، وعُرف بعد وفاته باسم حفيده السيد علي نقي الطباطبائي. وقد طرأ على هذا المسجد تغيير كبير في الأيام الأخيرة ، وفي سنة ١٣٨٢ ه شيّد على طراز صحي جميل.

١١ - جامع الأردبيلية

من الجوامع القديمة ، يقع على الطريق المؤدّي لمقام ابن الحمزة ، وهو ذو مصلّى واسع. وفيه غرف جانبية تحوي قبور عدّة من العلماء ، منها قبر حسين علي شاه رئيس الطريقة الصوفية المتوفّى سنة ١٢٣٤ ه ، وقبر ميرزا نصر الله صدر الممالك المتوفّى سنة ١٢٨٥ ه ، وقبر ميرزا محمّد هادي صدر الممالك المتوفّى ١٣ شعبان سنة ١٣١٠ ه ، وقبر محمّد تقي ابن الحاج عبد الكريم تبريزي المتوفّى سنة ١٣٣٢ ه ، وقبر ميرزا محمّد علي ابن المرحوم الحاج رضا الهمداني المتوفّى سنة ١٢٩٣ ه.

١٢ - جامع الحميدية

أسسه خليفة آل عثمان السلطان عبد الحميد الثاني ، وقد هُدم سنة ١٩١٥ م , واستقطعت قطعة من أرضه لبناية مديرية أوقاف كربلاء في شارع الناحية ، وهو من الأوقاف المضبوطة ، ذو ساحة كبيرة ومصلّى واسع.

وقد اُجري عليه تغيير كبير ؛ فجُدّد بناؤه سنة ١٩٦٠ م - ١٩٦١ م ، واستبدل اسمه باسم ( المسجد الحسيني ) ، وشيّدت فيه مكتبة عامة باسم مكتبة الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

١٣ - جامع العباسيّة

تأسس في العهد العثماني ، وهو من الأوقاف المضبوطة ، موقعه في محلّة العباسيّة الغربيّة.


١٤ - جامع الطهراني

أوقفه السيد صالح فوزي الطهراني سنة ١٢٤٣ه ، موقعه في سوق النجّارين في محلّة العباسيّة الغربيّة ، وأصبح تحت إشراف مديرية أوقاف كربلاء منذ سنة ١٩٤٣ م.

١٥ - جامع الترك

أوقفه محمّد جعفر الترك وذلك في العهد العثماني ، موقعه في محلّة العباسيّة الغربيّة عند نهاية سوق النجّارين ، وقد أصبح تحت إشراف مديرية الأوقاف منذ سنة ١٩٤٣ م.

١٦ - جامع الحاج نصر الله

قام بإنشائه الحاج نصر الله ابن الحاج عبد الكريم وذلك سنة ١٣٤٣ ه ، موقعه في شارع العباس قرب سراي الحكومة. وتنصّ الكتيبة المنقوشة على جبهة بابه أنّ المتولّي كاظم الحاج حسن. جُدّد بناؤه سنة ١٣٨٣ ه.

١٧ - جامع ماهي كليب

أوقفه المرحوم الحاج ماهي بن كليب جدّ أسرة آل ماهي الجيلاوي في كربلاء وذلك سنة ١٢٩٩ ه. موقعه في سوق العلاوي بمحلّة باب النجف ، وتهدّم أخيراً وجدّد بناءه الحاج مجيد العبايجي.

١٨ - جامع السيد هاشم فتح الله

يقع هذا الجامع في شارع الناحية بمحلّة باب الخان ، وقام بتشييده المرحوم السيد هاشم السيد حسين السيد فتح الله آل طعمة(١) , أوقفه سنة ١٣٢٢ ه.

____________________

(١) كان أحد وجوه كربلاء ، وله مشاريع إصلاحية مهمّة ، وقد جلب عدّة مكائن للطحين والهبش ، وأسس معملاً للثلج ، وكان يُكرم العلماء بالثلج مجاناً ، توفي سنة ١٣٤٩ ه.

ومن الآثار المطبوعة التي ظهرت له كتابان ألّفهما باللغة الفارسية ؛ الأوّل باسم ( رومان هاشمي ) طُبع سنة ١٣٣١ ه واُعيد طبعه سنة ١٣٤٧ ه ، والثاني باسم ( نتائج أفكار ) طُبع سنة ١٣٤٧ ه.


وقد أرّخ أحد الشعراء عام تشييده بأبيات نُقشت على كُتيبة من القاشاني ، فقال:

هاشم بن الحسين فتح الله

قد بنى مسجداً له التقوى

قلت فيه مؤرّخاً ( اتلو

مسجدٌ اُسس على التقوى )

١٣٢٢ ه

كما قام المرحوم السيد هاشم بتشييد جامع آخر مقابل مغتسل المخيّم الحالي.

١٩ - جامع السيد جواد الصافي

وهو من المساجد الشهيرة يقع في سوق الحسين خلف ( حمام المالح ) ، شيّده المرحوم السيد جواد السيد مهدي الصافي سنة ١٣٢٩ ه. وقد أرّخ عام بنائه الشاعر الكربلائي الشيخ مهدي الخاموش بأبيات كُتبت بالحجر القاشاني على جبهة بابه من الخارج:

هلّلَ الدينُ وكبّر

حينَ وجهُ الحقِّ أسفر

بنجومِ الأرضِ آل الـ

ـمصطفى والطهر حيدر

سادة فيهم مدى الأيّـ

ـام أضحى الفخر يفخر

سادة ليس يجاري مجـ

ـدهم كسرى وقيصر

سادة فيهم قضى الرحـ

ـمان ما شاءَ وقدّر

كوّنوا من قبلتكويـ

ـن الورى في عالمِ الذر

آل صافي خير مَنْ قد

شاد للأخرى وعمّر

هم أشادوا باب قدس

لابن داحي باب خيبر

شادها المهدي كيما

عندها إن ماتَ يقبر

كي ليسقيه حسين جدّ

ه في الحشرِ كوثر

واقتدى فيهِ جوادٌ

شبلهُ الندب ليؤجر

عمّر المسجدَ شوقاً

نِعْمَ ما شادَ وعمّر


كي بهِ الإسلام طرّاً

لصلاةِ الخمسِ تحضر

والتقى فيهِ ينادي

معلناً اللهُ أكبـر

قائلاً أرّخ ( لمسجد

فيه اسم الله يُذكر )

١٣٢٩ ه

وقد تهدّم هذا الجامع مؤخّراً من قبل مديرية أوقاف كربلاء.

٢٠ - جامع الشهيد الثاني

وهو جامع قديم يقع في زقاق العكيسة بمحلّة باب السلالمة ، اُسس تيمّناً باسم الشيخ زين الدين بن نور الدين العاملي ، المنعوت بالشهيد الثاني المستشهد سنة ٩٦٥ ه.

٢١ - جامع المخيّم

وهو المسجد المعروف في محلّة المخيّم ، تمّ تشييده سنة ١٣٨٠ ه ، وكتبت على جبهة بابه من الخارج الأبيات التالية ، وهي للخطيب الشيخ محمّد علي اليعقوبي:

مسجدُ قدسٍ قامَ بـنيانه

على التقى والرشدِ بين الأنام

بـخيرِ أرضٍ قد سمت رفعةً

على ذرى البيتِ وركنِ المقام

قد فاز مَنْ صلّى بمحرابه

للهِ في صبحٍ بدا والظلام

٢٢ - جامع الكرامة

يقع في نهاية سوق الحسين في طريق محلّة باب السلالمة عند باب البويبة ، سعى بإنشائه السيد محمّد علي السيد يوسف الأشيقر , جُدّد بناؤه سنة ١٣٨٨ ه - ١٩٦٨ م ، وقد نُقشت على واجهة بابه بالقاشاني أبيات للشاعر الكربلائي السيد مرتضى الوهاب هي:

مسجد شادهُ الأوائل وقفاً

لم يزل خالداً ليومِ القيامه

أسسوهُ على التقى ليقيموا

لفروضِ الصلاةِ فيهِ دعامه

منتهاهُ بابُ الكرامةِ للسبـ

ـ طِ وحصنُ العباسِ عال أمامه


وكرامٌ قد جدّدوه فأرّخ

صلّ فيهِ هذا مصلّى الكرامه

١٣٨٨ ه

الحسينيّات

بالإضافة إلى المساجد المذكورة فقد اُسست الحسينيّات ؛ حيث شيّدت على التقوى لنزول زوار الإمام الحسين (عليه‌السلام ) فيها ، وحلولهم لأيام معدودات في الغرف المعدّة لهم ، وقد يكون فيها جامع خاص لأداء فريضة الصلاة.

ومن هذه الحسينيّات الشهيرة:

١ - حسينيّة السيد محمّد صالح

شيّدت في عهد المرحوم الحاج السيد محمّد صالح البلور فروش(١) وذلك في سنة ١٣٤٤ ه , تقع في شارع المخيّم ، وهي ذات فناء رحب ومصلّى واسع ، وهي معدّة لإيواء الزوار على أن لا يمكثوا فيها أكثر من خمسة أيام كما تنصّ الكُتيبة الموجودة في مدخل الحسينيّة ، وقد جدّدت وعمّرت مراراً.

أمّا الطابق العلوي الذي يشرف على الشارع فهو من موقوفات السيد عبد الحسين آل طعمة سادن الروضة الحسينيّة حيث كانت داره ومكتبته.

٢ - حسينيّة الحاج حنن

أوقفها الحاج حنن ابن الحاج فليح من أهالي الحلّة لأجل عموم زوار الحسين (عليه‌السلام ) مع موقوفاتها العائدة إليها في سنة ١٣٤٥ ه ، وقام بتعميرها الحاج فليح سنة ١٣٧٧ ه. تقع الحسينيّة في الشارع المؤدّي إلى الهنديّة ( طويريج ).

____________________

(١) كان نائباً لسادن الروضة الحسينيّة ، توفي يوم الأربعاء ٤ شهر صفر سنة ١٣٥٤ ه ، وأعقب ولده السيد عبد الحسين.


٣ - حسينيّة الأسكوئي الحائري

موقعها في مدخل زقاق الداماد ، تأسست سنة ١٣٤٥ ه من قبل الشيخ ميرزا علي ابن الميرزا موسى الأسكوئي الحائري.

وقد أنشأ فيها مكتبة عامة باسم ( مكتبة العلّامة الحائري ) ، وهي ذات طابق واحد وساحة واسعة تُقام فيها المآتم.

٤ - حسينيّة المازندراني

تشتمل على المسجد والمدرسة والمكتبة والمقبرة ، أسسها الشيخ محمّد مهدي الواعظ المازندارني الحائري في شهر شوال سنة ١٣٧٢ ه كما تنصّ الكُتيبة المنقوشة بالحجر القاشاني على جبهة بابها ، موقعها خلف المخيّم الحسيني بأمتار.

وقد اُنشئت في السنوات الأخيرة حسينيّات فخمة كلّفت مبالغ باهظة ، أخصّ بالذكر منها الحسينيّة الأصفهانية ، والحسينيّة الطهرانية ، وحسينيّات أخرى شيّدت خصّيصاً للزوار والمواكب التي تفد إلى كربلاء في الزيارات المخصوصة لا سيما أيام أربعين الإمام الشهيد الحسين (عليه‌السلام ) التي تصادف في العشرين من صفر في كلّ عام.


الفصل السادس:تاريخ الحركة العلميّة

من الواضح أنّ كربلاء هي المدينة الشامخة المجد في دنيا العلم والأدب والجهاد منذ أقدم العصور والأزمنة ؛ فقد ازدهرت فيها الحركة العلميّة في أواخر القرن الثالث ومطلع القرن الرابع الهجري على أثر نبوغ الزعيم الديني حميد بن زياد النينوي مؤسس جامعة العلم في كربلاء.

ونينوى إذ ذاك إحدى قرى كربلاء المجاورة , حيث تمتدّ من جنوب سدّة الهنديّة حتّى مصبّ نهر العلقمي كما مرّ بنا أنفاً ، ولعلّ أصدق وصف لما بلغته كربلاء من مكانة علمية وتجارية في ذلك الزمن ما جاء في كتاب ( مدينة الحسين ): ولا يغرب عن البال أنّ كربلاء كانت خلال القرن الثالث مزدحمة بالزائرين الذين يفدونها من كلّ حدب وصوب لزيارة مرقد الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، وكانت أسواق كربلاء عامرة تسودها الطمأنينة فتؤمّها القوافل ، ومنهم مَنْ يؤثر السكنى , وآخر مَنْ يعود إلى بلاده ، وهنا كثرت فيها القبائل العلوية وغير العلوية ، وأخذت تتمصّر شيئاً فشيئاً.

ويستطرد المؤلّف قائلاً: وكذلك زارها كبار رجال الحديث والسير من رجال الإمامية ، وأخذوا في تدريس مسائل الدين والفقه لسكّانها المجاورين والزائرين ؛ فاتّسعت


الحركة العلميّة فيها ، وصار الطلبة يقصدونها من مختلف الأمصار(١) .

ومن الأعلام الذين زاروا كربلاء في هذه الحقبة ، أعني بها المئة الثالثة ، زيد المجنون ومحمد بن الحسين الأشتياني ، وفي مطلع القرن الرابع الهجري زار عضد الدولة البويهي مدينة كربلاء فأحيا فيها حركة العلم والعمران.

يؤيّد ما ذهبت إليه الدكتور عبد الجواد الكليدار في كتابه ( تاريخ كربلاء وحائر الحسين) فيقول: وقد ازدهرت كربلاء في عهد البويهيِّين ، وتقدّمت معالمها الدينيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصادية ؛ فاتسعت تجارتها ، وأخضلت زراعتها ، وأينعت علومها وآدابها ، فبدت في جسمها روح الحياة والنشاط ، فتخرّج منها علماء فطاحل ، وشعراء مجيدون ، وتفوّقت في مركزها الديني المرموق(٢) .

ومن هنا حازت كربلاء على الرئاسة العلميّة والزعامة الدينيّة ، ومن ثمّ انتقلت الحركة الدينيّة إلى النجف الأشرف وذلك في مطلع القرن الخامس الهجري حيث هبط إليها من بغداد الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي سنة ٤٤٣ ه ، ولبثت فيها هذه الحركة فترة قصيرة.

وفي هذا القرن برز في كربلاء الشيخ هشام بن إلياس الحائري صاحب ( المسائل الحائرية ) المتوفّى حدود سنة ٤٩٠ ه ، ومحمد بن علي بن حمزة الطوسي المكنّى بابن الحمزة صاحب كتاب ( الوسيلة ) ، ومع كلّ هذا فإنّ الحلّة الفيحاء كانت محتفظة بزعامتها الدينيّة والعلميّة.

ويحدّثنا التاريخ أنّ القرن السادس كان حافلاً بشعراء فطاحل في كربلاء ، وقد تأسست مدارس علمية يديرها العلماء ، وأهم ما يثبت احتفاظ كربلاء بمركزها العلمي في فترة القرن السابع الهجري ظهور علماء كبار بمكانة مرموقة في التاريخ ، كالسيد فخار بن معد الحائري الموسوي المتوفّى سنة ٦٣٠ ه ، وعزّ الدين حسن بن نائل المولود سنة ٦٥٦ ه , وغيرهما ممّن انتقلوا إلى الحائر الشريف لأجل الدراسة وطلب

____________________

(١) مدينة الحسين (عليه‌السلام ) - محمّد حسن الكليدار آل طعمة ٢ / ٩٩.

(٢) تاريخ كربلاء وحائر الحسين - للدكتور عبد الجواد الكليدار آل طعمة / ١٧١.


العلم ليس إلّا.

أمّا في مطلع القرن الثامن الهجري فقد زار كربلاء الرحالة الشهير ابن بطوطة سنة ٧٢٦ ه ونوّه بوجود مدرسة عظيمة وزاوية كريمة فيها الطعام للوارد والصادر ؛ فالمدرسة العظيمة التي يقصدها في مسجد ابن شاهين الملحق بالروضة الحسينيّة المار ذكره ، وإنّ الزاوية الكريمة هي ( دار السيادة ) ، وقد أقامها السلطان محمود غازان خان ، وجعلها وقفاً للفقراء والمساكين وأبناء السبيل ؛ فكان يرتاد مسجد ابن شاهين هذا عدد هائل من طلبة العلم للارتشاف من مناهل الفكر الإسلامي ما يسدّ حاجاتهم.

ومن أعلام كربلاء في هذا القرن العالم الفاضل الأديب الشاعر السيد عميد الدين عبد المطلب ابن السيد مجد الدين أبي الفوارس من سلالة الحسين الأصغر ابن الإمام زين العابدين (عليه‌السلام ) , ومنها الشيخ عزّ الدين أبي محمّد الأسدي ، والشيخ علي ابن الخازن الحائري ، والحسين بن سعد الله الحسيني العبدلي ، والشيخ ابن دريد الحائري ، والسيد جلال الدين عبد الحميد بن فخار الموسوي ، والشيخ علي بن الحسن الحائري وغيرهم كثيرون.

ثمّ انتقل بعض رجال الفكر إلى النجف الأشرف فتعهّدوا فيها إحياء الحركة العلميّة ، وما لبثت أن انتقلت إلى الحلّة الفيحاء التي أنجبت رهطاً كبيراً من فطاحل العلماء والشعراء وأساطين الأدب(١) .

وانتقلت الموجة الفكرية في منتصف القرن التاسع الهجري إلى كربلاء بسبب انتقال الزعيم الديني الشيخ أحمد بن محمّد بن فهد الحلّي الأسدي , المتولد سنة ٧٥٧ ه والمتوفّى سنة ٨٤١ ه , وبروز علماء آخرين كالشيخ إبراهيم الكفعمي المتوفّى سنة ٩٠٠ ه ، والسيد حسين بن مساعد الموسوي المتوفّى سنة ٩١٠ ه وغيرهم.

وبقيت الدراسة العلميّة في كربلاء بين مدّ وجزر حتّى القرن الثاني عشر الهجري ، ثمّ انتقلت إلى النجف الأشرف على إثر انتقال زعيم الحركة العلميّة السيد مهدي بحر العلوم المولود في كربلاء سنة ١١٥٥ ه.

وفي هذه الفترة

____________________

(١) لضرورة الاطّلاع على تاريخ اليقظة الفكرية والزعامة الدينيّة في الحلّة آنذاك يراجع كتاب ( فقهاء الفيحاء ) - للفاضل السيد هادي السيد حمد كمال الدين ( بغداد ١٩٦٢ م ) ، وكتاب ( تاريخ الحلّة ) - للاُستاذ يوسف كركوش , في جزئين ( النجف ١٩٦٥ ).


وصلت الحركة العلميّة في كربلاء إلى حدّ لم يسبق له مثيل ، فكانت كربلاء في هذا العصر محوراً للدراسات ، ومنتجعاً لروّاد العلم ، وقد انتشرت حرية الأفكار فيها ، وقصدها العلماء من مختلف الأقطار فتعهّدوا الحركة العلميّة.

وكان أبرز هؤلاء الذين لمع نجمهم في تلك الفترة السيد نصر الله بن الحسين الفائزي الحائري ، المدرّس في الروضة الحسينيّة ، المقتول سنة ١١٦٨ ه ، والشيخ مهدي الفتوني المتوفّى سنة ١١٨٣ ه ، والشيخ يوسف البحراني المتوفّى سنة ١١٦٨ ه ، والمؤسس الوحيد الآقا باقر البهبهاني المتوفّى سنة ١٢٠٥ ه ، الذي أصبح إماماً بالعلم والفقه ، والشيخ محمّد باقر الغروي أحد أساتذة السيد مهدي بحر العلوم ، والعلّامة الجزائري ، والسيد علي الطباطبائي صاحب الرياض المتوفّى سنة ١٢٣١ ه ، وابنه السيد محمّد المجاهد الطباطبائي المتوفّى سنة ١٢٤٢ ه ، والشيخ شريف العلماء المتوفّى سنة ١٢٤٥ ه ، والشيخ خلف بن عسكر الحائري المتوفّى سنة ١٢٤٦ ه ، والسيد كاظم الرشتي المتوفّى سنة ١٢٥٩ ه ، والشيخ محمّد حسين الأصفهاني صاحب الفصول المتوفّى سنة ١٢٦١ ه.

والسيد إبراهيم القزويني صاحب الضوابط المتوفّى سنة ١٢٦٢ ه ، والمولى محمّد صالح البرغاني المتوفّى سنة ١٢٨٣ ه ، والشيخ عبد الحسين الطهراني المتوفّى سنة ١٢٨٦ ه ، والشيخ محمّد صالح گدا علي المتوفّى سنة ١٢٨٨ ه ، والسيد ميرزا علي نقي الطاطبائي المتوفّى سنة ١٢٨٩ ه ، والشيخ حسين الأردكاني المتوفّى سنة ١٣٠٢ ه ، والسيد ميرزا صالح الداماد المتوفّى سنة ١٣٠٣ ه ، والشيخ زين العابدين المازندراني المتوفّى سنة ١٣٠٩ ه ، والسيد محمّد حسين المرعشي المتوفّى سنة ١٣١٥ ه.

والسيد مرتضى الكشميري المتوفّى سنة ١٣٢٣ ه ، والسيد محمّد باقر الحجة الطباطبائي المتوفّى سنة ١٣٣١ ه ، والشيخ محمّد تقي الشيرازي المتوفّى سنة ١٣٣٨ ه , وسواهم من فطاحل العلماء الأفذاذ الذين نشروا العلم والفقه في طول البلاد وعرضها ، وخلدوا آثاراً فكرية ما زال يرتوي من معينها الطلاب.

من أقطاب الفكر

امتازت كربلاء بقدسيتها ومكانتها الدينيّة والعلميّة والتاريخيّة ؛ لوجود مرقد


أبيّ الضيم الإمام الحسين وأخيه العباس (عليهما‌السلام ) ؛ فكانت تحجّ إليها الوفود من مختلف أصقاع المعمورة ، ويؤمّها العلماء من كلّ فجّ عميق رغبة في مجاورة العتبات المقدّسة.

وفي أواخر القرن الثالث الهجري كانت مدرسة فكرية عامة ، أمّا في القرون التي تلته فقد بزغ فيها علماء وشعراء ومفكّرون ممّا ستقرأ سيرهم وتراجمهم في هذا الفصل ، على أنّي أشرت إلى مشاهيرهم والمبرزين في كلّ أسرة علمية ، وقد اقتبست المعلومات عنهم من شتى المصادر المطبوعة والمخطوطة والمراجع العربية والفارسية ، وأثبتّ هذه التراجم حسب تاريخ وفاة صاحبها.

غير أنّ هناك أعلاماً آخرين لم ترد أسماؤهم في كتب الرجال ودوائر المعارف ، كموسوعة ( أعيان الشيعة ) للسيد محسن الأمين العاملي ، و( طبقات أعلام الشيعة ) للشيخ آقا بزرك الطهراني ، و( الكُنى والألقاب ) للشيخ عبّاس القمي ، و( روضات الجنات ) للسيد محمّد باقر الخونساري وسواها من المراجع ، فقد أعرضنا عنها ريثما يتمّ لنا التحقيق عنها في المستقبل لإصدار كتاب خاص بأعلام كربلاء قديماً وحديثاً.

القرن الثالث الهجري

حميد بن زياد النينوي

لقد نشطت الحركة العلميّة في كربلاء في أواخر القرن الثالث الهجري ، وذلك في أيام المنتصر العباسي , حيث كانت من قبل تحت سيطرة الاُمويِّين ، ومن ثمّ في عهد خلفاء بني العباس. أمّا بعد ذلك بقليل فقد ازدهرت الحركة العلميّة والأدبيّة في هذا البلد ؛ حيث أخذت كربلاء تعجّ بالعلماء والفلاسفة ، كيف لا وهي قبلة أنظار العالم الإسلامي المتعطّش للثقافة والعلم.

وفي أواسط القرن الثالث الهجري ، أي بعد مقتل المتوكّل العباسي ، وعلى عهد المنتصر أخذت جموع غفيرة من العلويِّين تفد إلى كربلاء للسكنى بجوار قبر جدّهم الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ؛ حيث تولّوا إدارة شؤون حراسة الروضة الحسينيّة والعباسيّة حتّى القرن الرابع الهجري.


وفي عهد الدولة البويهي ازدادت نسبة وفود العلويِّين من ذرّيّة الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ) ، كما ارتحل إليها كثير من طلاب العلم من الأقطار النائية القريبة , فكان العلم يحتل جانباً مهماً في كربلاء ؛ فتعقد حلقات أهل الفضل والأدب الواسعة بشكل يدعو إلى الإعجاب ، وبذلك حازت كربلاء الرئاسة العلميّة منذ ذلك الحين ، ذلك على إثر نبوغ العالم الكبير المحدّث الشهير حميد بن زياد النينوي ، نسبة إلى نينوى قرية إلى جانب الحائر على نهر العلقمي.

والشائع على ألسنة الباحثين والمؤرّخين أنّ كربلاء كانت في مطلع القرن الثالث مملوءة بالأكواخ وبيوت الشعر التي كان يشيّدها المسلمون الذين يفدون إلى قبر الحسين (عليه‌السلام ) ، وهكذا ظلّت كربلاء حتّى مطلع القرن الرابع الهجري ؛ إذ تمصّرت على عهد البويهيِّين الذين كان لهم فضل كبير في تشييد هذا البلد المقدّس وعمارته ، وإحياء التراث العلمي وتشجيع الحركة العلميّة.

في قرية نينوى العامرة المجاورة للحائر ، وفي هذه البقعة المباركة بزغ نجم عالم فذ فكان مولده أملاً مشرقاً يزخر بالنور ويرفل بالإيمان ، وكان نبوغه دعامة لتركيز نهضة علمية في كربلاء بلد العلم والعرفان ، ودوّى له في الأوساط العلميّة ومجالات الثقافة صدى يجلجل الآذان.

فهو من فطاحل علماء عصره ، ومن كبار المحقّقين والرواة ، ذكره السيد محسن الأمين في ( أعيان الشيعة ) قائلاً: حميد بن زياد بن حمّاد ( مكرّراً ) ابن هواز الدهقان أبو القاسم من أهل نينوى ، توفي سنة ٣١٠ ه ، وفي حاشية الخلاصة للشهيد الثاني أنّ بخطّ السيد ( ابن طاووس ) في كتاب النجاشي سنة ٣٢٠ ه(١) .

وقال الشيخ في الفهرست: حميد بن زياد من أهل نينوى قرية إلى جانب الحائر (على ساكنه السّلام) ثقة كثير التصانيف ، روى الاُصول أكثرها ، له كتب كثيرة على عدد كتب الاُصول ، أخبرني برواياته ، وكتب أحمد بن عبدون عن أبي

____________________

(١) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين ٢٨ / ٩٥.


طالب الأنباري ، عن حميد ، وأخبرني عدّة من أصحابنا عن أبي المفضل ، عن حميد ، وأخبرنا بها أيضاً أحمد بن عبدون ، عن أبي القاسم علي بن حبش بن قوني بن محمّد الكاتب ، عن حميد ، وذكره في رجاله فيمَنْ لم يرو عنهم (عليهم‌السلام ) ، فقال: حميد بن زياد من أهل نينوى , قرية إلى جانب الحائر (على ساكنه السّلام). عالم جليل ، واسع العلم ، كثير التصانيف ، قد ذكرنا طرفاً من كتبه في الفهرست(١) .وقال النجاشي: حميد بن زياد بن حمّاد بن زياد الدهقان أبو القاسم ، سكن سوراء ، وانتقل إلى نينوى قرية إلى جانب الحائر (على ساكنه السّلام). كان ثقة واقفاً فيهم ، سمع الكتب وصنع وصنّف(٢) .وفي الخلاصة - القسم الأول - حميد زياد من أهل نينوى ، ثقة عالم جليل ، واسع العلم ، كثير التصانيف ، قاله الشيخ الطوسي , ثمّ نقل كلام النجاشي إلى قوله وجهاً فيهم ، ثمّ قال: فالوجه عندي أنّ روايته مقبولة إذا خلت عن المعارض.وقال الشهيد الثاني في الحاشية: لا وجه لذكره في هذا القسم معقود لمثله ، ولكنّ المصنف ذكر جماعة فيه كذلك , واُجيب بأنّ القسم الأوّل معقود لمـّنْ تُقبل روايته(٣) .وفي رجال المامقاني(٤) ترجمة وافية عنه ، وتعداد لتلامذته وآثاره ، وقد تخرّج عليه جماعة من الفطاحل ، هم: الحسين بن علي بن سفيان ( سفين ) ، أبو المفضل الشيباني أجازه سنة ٣١٠ ه ، وأبو الحسن علي بن حاتم أجازه سنة ٣٠٦ ه ، وأحمد بن جعفر بن سفيان.

أمّا أشهر آثاره فهي:

١ - الجامع من أنواع الشرائع.

٢ - الخمس.

٣ - الدعاء.

٤ - الرجال.

٥ - مَنْ روى عن الإمام جعفر الصادق (عليه‌السلام ).

٦ - الفرائض.

٧ - الدلائل.

٨ - ذمّ مَنْ خالف الحقّ وأهله.

٩ - فضل العلم والعلماء.

١٠ - الثلاث والأربع.

١١ - النوادي , وهو كتاب كبير.

____________________

(١) الفهرست - لشيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي.

(٢) رجال النجاشي ( طبع حجر ).

(٣) الخلاصة / القسم الأول.

(٤) الرجال - للمامقاني - الجزء الأول.


إنّ هذه الآثار الفكرية التي خلّفها هذا العالم المجاهد والمفكر الموهوب سوف تخلّده مدى الزمن.

القرن الخامس الهجري

الشيخ هشام بن إلياس الحائري

كان أحد أعلام القرن الخامس الهجري ، له إحاطة بشتى العلوم والفنون ، ومن آثاره الفكرية مصنّفه ( المسائل الحائرية)(١) .

وقد ذكره الشيخ الحرّ العاملي في ( أمل الآمل ) ما هذا نصّه: الشيخ إلياس بن هشام الحائري عالم فاضل جليل ، يروي عن الشيخ أبي علي ابن الشيخ هشام أبي جعفر الطوسي ، ويحتمل اتحاده مع سابقه بأنّ تكون النسبة هنا إلى الحدّ(٢) .

وأطراه السيد محسن الأمين في موسوعته قائلاً: ثقة عين قاله منتجب الدين ، وفي نسخة ابن همّام , لكن يظهر ممّا يأتي عن أمل الآمل أنّ الذي في نسخته ابن هشام ، وفي مشيخة مستدركات الوسائل الشيخ أبو محمّد إلياس بن محمّد بن هشام الحائري العالم الفاضل الجليل ، يروي عنه الشيخ أبو محمّد عربي بن مسافر العبادي الحلّي ، ويروي هو عن الشيخ أبي الحسن ابن شيخ الطائفة أبي جعفر محمّد الطوسي.

وفي بعض إجازات أصحابنا وصف إلياس بن هشام الحائري بالفقيه ، وفي بعضها أنّه يروي أيضاً السيد الموفّق أبي طالب بن مهدي السليقي العلوي عن الشيخ أبي جعفر الطوسي(٣) .

وقال عنه السيد علي الطباطبائي في كتابه (رياض العلماء ): جاء في بعض

____________________

(١) ذكره شيخنا آقا بزرك الطهراني في موسوعته ( الذريعة ) ٦ / ٤ , فقال: المسائل الحائرية للشيخ هشام بن إلياس الحائري ، حكاه كذلك الحرّ في ( أمل الآمل ) عن بعض الإجازات ، واحتمل أنّ هشاماً هذا هو ابن الشيخ أبي محمّد بن إلياس بن محمّد بن هشام الحائري الذي كان تلميذ الشيخ أبي علي ابن شيخ الطائفة الطوسي.

(٢) أمل الآمل - للشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي ٢ / ٤٠.

(٣) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين العاملي ١٢ / ٤٥٥.


الإجازات أنّ اسمه إلياس بن هشام الحائري ، فلعلّ المراد ابنه أيضاً كذا أفادنا أحد تلامذة الشيخ علي الكركي في رسالته المعمولة في ذكر أسامي مشايخ أصحابنا , ومنهم الشيخ هشام بن إلياس الحائري ، وهو صاحب المسائل الحائرية ، وهو تلميذ أبي علي ابن الشيخ الطوسي , توفي في حدود عام ٤٩٠ ه ودفن في الحائر الحسيني(١) .

لقد كان صاحب الترجمة فاضلاً جليلاً ، ومصنّفاً مشهوراً ، اشتهر بغزارة علمه ، وطول باعه ، وسعة اطّلاعه.

عماد الدين الطوسي

هو عماد الدين محمّد بن علي بن حمزة الطوسي المكنّى بابن الحمزة. وكان فقيهاً عالماً فاضلاً من تلامذة الشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ، أحد أعلام الإمامية في القرن الخامس الهجري المدفون في وادي أيمن(٢) بكربلاء ، وقبره مزار معروف ، لم يتيسر لنا التعرّف على تاريخ مولده ووفاته بالضبط.

ومن مصنّفاته المعروفة ( الوسيلة ) في الفقه ، و( الرابع في الشرايع ) ، و( المثالب والمناقب ) وفيه بعض المعجزات الغريبة. وقد ورد ذكره في كتاب ( فلك النجاة ) ما نصه: محمّد بن علي بن حمزة الطوسي قبره في كربلاء خارج البلد ، وهو من تلامذة محمّد بن الحسن الطوسي(٣) . وجاء في ( الكنى والألقاب ) أنّه عماد الدين محمّد بن علي بن محمّد الطوسي المشهدي ، فقيه عالم فاضل ، وله تصانيف ، ونوّه

____________________

(١) رياض العلماء - للسيد علي الطباطبائي ( طبع حجري ).

(٢) كان هذا الوادي مقبرة واسعة موقعه في باب طويريج بكربلاء ، وقد سعى بتجديد المقبرة السلطان ناصر الدين شاه القاجاري عند تشرّفه كربلاء سنة ١٢٨٧ ه , وبقيت مدفناً حتّى سنة ١٣٢٥ ه ، وبعد هذا التاريخ اُدخلت ضمن المدينة بغية توسيع الشارع.

(٣) فلك النجاة - للسيد محمّد مهدي القزويني.


عنه في الحاشية أنّه غير الشيخ الإمام العلّامة نصير الدين عبد الله بن حمزة الطوسي المشهدي الثقة الفقيه الجليل(١) .

وفي كتاب (أمل الآمل): الشيخ الإمام عماد الدين أبو جعفر محمّد بن علي بن حمزة الطوسي المشهدي , فقيه عالم واعظ ، له تصانيف ، منها: الوسيلة ، الواسطة ، الرابع في الشرايع ، مسائل في الفقه قاله منتجب الدين(٢) . وله ترجمة في كتاب مدينة الحسين ٢ / ١١٨ وغيرها من كتب السير والتواريخ.

القرن السادس الهجري

السيد أحمد بن إبراهيم الموسوي

شخصية لامعة ذكرها السيد محسن الأمين في موسوعته , فقال: الشريف أبو جعفر أحمد بن إبراهيم العلوي الموسوي النقيب بالحائر (على ساكنه السّلام). في جمال الأسبوع في عمل ليلة السبت عمل وصلاة للفرج عن المسجون مروي عن الإمام الكاظم (عليه‌السلام ).

ثمّ قال: ذكر رواية بهذه الصلاة والدعاء ليلة السبت بشرح وتفصيل وزيادة في دعائها الجميل ، وجدناها في كتب أمثالها من العبادات مروية عن مولانا موسى بن جعفر (عليه أفضل الصلاة) ، وهذا لفظها: حدّثنا الشريف أبو جعفر أحمد بن إبراهيم العلوي الموسوي النقيب بالحائر (على ساكنه السّلام) ، قال: حدّثنا أبو الحسين محمّد بن الحسن بن إسماعيل الأسكاف ، يرفعه بإسناده إلى الربيع ، قال: استدعاني الرشيد الخبر(٣) .

____________________

(١) الكنى والألقاب - للشيخ عبّاس القمي ١ / ٢٦٢.

(٢) أمل الآمل - للشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي ٢ / ٢٨٥.

(٣) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين العاملي ٢١ / ٤٧٧ - ٤٧٨.


القرن السابع الهجري

السيد فخار بن معدي الحائري

إحدى شخصيات العلم المعروفة ، ومن أعلام الفكر الإسلامي في المئة السابعة للهجرة , حظي بمكانة محترمة في الأوساط الكربلائيّة العلميّة آنذاك ؛ فهو النسّابة العالم المحدّث السيد شمس الدين علي بن فخار بن معد بن فخار بن معد بن أحمد بن محمّد بن محمّد بن أبي الغنائم بن الحسين الموسوي من سلالة السيد إبراهيم المجاب بن محمّد العابد ابن الإمام موسى بن جعفر (عليه‌السلام ).

جاء في عمدة الطالب: فخار بن معد الموسوي السيد السعيد ، العلّامة المرتضى ، إمام الأدباء ، والنسّاب والفقهاء شمس الدين صاحب (الشرايع) ، وهو يروي عن محمّد بن إدريس ، وعن ابن شهر آشوب المازندراني ، أو شاذان بن جبريل القمي ، مات سنة ثلاثين وأربعمئة. (نظام الأقوال)(١) .

وكان أحد أقطاب العلم والفضل ، حلقة فريدة في الحديث والرواية والنسب والرجال ، ومن أعيان الشعراء والأدباء وأكابر الفقهاء في عصره , قال فيه تاج الدين الدين بن زهرة الحسيني: وبيت فخار في الحلّة ، ومنهم شمس الدين النسّابة السيد الفاضل الدين الفقيه ، الأديب الشاعر المؤرّخ ، كان سيداً جليلاً ، فقيهاً نبيلاً , نسّابة , عالماً بالاُصول والفروع ، متورّعاً ديّناً ، مؤرّخاً صادقاً أميناً(٢) .

ومن شعره قوله:

سأغسلُ أشعاري الحسانَ وأهجر الـ

ـقوافي وأقلي ما حييت القوافيا

وألوي عن الآداب عنقي وأعتذر

لها بـعد حتماً ما أرى القوم قاليا

____________________

(١) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ، عن هامش الأصل - للسيد أحمد الداودي / ٢١٦ ( طبع النجف ).

(٢) غاية الاختصار في البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار - ابن زهرة الحسيني نقيب حلب / ٨٨ ( طبع النجف ).


فإنّي أرى الآدابَ يا أمّ مالكٍ

تزيد الفتى ممّا يروم تنائيا(١)

ومن أشهر تصانيف السيد فخار كتابه ( الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ) المطبوع سنة ١٣٥١ ه ، دحض فيه آراء المتطرّفين الذين ذهبوا إلى تكفير أبي طالب ، وقد أثبت فيه بأنّ أبا طالب قد مات وهو يؤمن بالإسلام إيماناً عميقاً لا شائبة فيه ؛ إذ كانت مواقفه المشرّفة في الدفاع عن ابن أخيه محمّد بن عبد الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تعدّ من مآثره التي خلّدته على مرّ العصور.

تعرّض لذكره جمع من المؤرّخين منهم في الفوائد الرضوية / ٣٤٦ ، وتجارب السلف / ٣٣٦ ، وأمل الآمل ٢ / ٢١٤ ، و دائرة المعارف الإسلاميّة - لعبد العزيز الجواهري ( فارسي ) ١ / ١٨٧ ، و مستدرك الوسائل - للشيخ النوري / ٤٧٩ ، و أعلام العرب - لعبد الصاحب الدجيلي ٣ / ٢٥ وغيرهم.

القرن الثامن الهجري

عز الدين الحسيني العبدلي الحائري

كان أحد أعلام كربلاء في القرن الثامن الهجري , وردت ترجمته في كتاب ( تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب ) لابن الفوطي , وهذا نصّها: عزّ الدين أبو عبد الله الحسين بن سعد الله بن حمزة بن سعد الله بن أبي السعادات الحسيني العبدلي من سكّان المشهد الحائري (على حالّه أفضل السّلام والتحية) ، رأيته بتبريز سنة سبع وسبعمئة , وهو من التجار الذين يترددون إلى بلاد الشام ، وهو شريف النفس(٢) .

____________________

(١) روضات الجنات - للسيد محمّد باقر الخونساري ٥ / ٥٠٩.

(٢) تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب - لابن الفوطي - تحقيق الدكتور مصطفى جواد - القسم الأول ٤ / ١٢١.


الشيخ أبو طالب بن دريد الحائري

هو الشيخ أبو طالب إبراهيم بن سيفي بن إبراهيم بن علي بن دريد الحائري , من علماء عصر فخر المحقّقين ، وقد كتب الجزء الأول من مختلف العلّامة لنفسه في الحائر الشريف ، وفرغ من تعليقه لنفسه في عاشر ربيع الأول سنة ٧٧٤ ه ، رأيته في كتب السيد محمّد الطباطبائي اليزدي(١) .

السيد عبد الحميد بن فخار الحائري

هو السيد جلال الدين عبد الحميد بن فخار بن معد بن فخار بن أحمد الموسوي من مشايخ السعيد أبي عبد الله محمّد بن مكي الشهيد سنة ٧٨٦ ه ، وهو مروي عن والده الأجل السيد فخار بن معد الموسوي , كذا عن شيخنا في الخاتمة ثامن مشايخ الشهيد ، لكنّه سهو من قلمه الشريف ؛ لأنّ السيد تاج الدين معية الذي هو من مشايخ الشهيد يروي عن ولد صاحب الترجمة ، هو السيد علم الدين المرتضى علي بن عبد الحميد بن فخار ، فكيف يروي الشهيد عن الوالد مع رواية شيخه عن الولد ؟!

وبالجملة: صاحب الترجمة من المئة السابعة كوالده السيد فخار الذي توفي سنة ٦٣٠ ه(٢) ، وترجم له الشيخ محمّد ابن الحرّ العاملي في كتابه (أمل الآمل ) ٢ / ١٥٥ ، والسيد محسن الأمين في ( أعيان الشيعة ) ٣٧ / ١٥٥ وغيرهما.

الشيخ علي بن الحسن الحائري

الشيخ علي بن الحسن الحائري , له حواشٍ نافعة مفيدة على منهاج الوصول إلى

____________________

(١) الحقائق الراهنة في تراجم أعيان المئة الثامنة - للشيخ آقا بزرك الطهراني ( مخطوط ) / ١٠.

(٢) الحقائق الراهنة ( مخطوط ) / ٥٧.


علم الاُصول للقاضي البيضاوي ، كتبها على هامش النسخة التي كتبها بنفسه سنة ٧٧٧ه الموجودة في المدرسة الفاضلية بالمشهد الرضوي ، وله أيضاً حواشٍ على تهذيب الوصول للعلاّمة ، كتبها بخطّه على النسخة التي كتبها أيضاً بخطّه في سنة ٧٧٧ه وقابلها ، وقرأها على شيخه الشيخ علي بن عبد الجليل الحائري.

وكتب الاُستاذ المذكور القراءة والبلاغ بخطّه على النسخة ٧٧٨ ه ، وهي في المدرسة الفاضلية ، والظاهر أنّه غير ابن الخازن المشهور بهذا العنوان(١) .

الشيخ علي ابن الخازن الحائري

كان أحد أعلام القرن الثامن الهجري ، وكان على جانب عظيم من الفضل والورع والتقى والصلاح , ذكره صاحب روضات الجنات فقال: كان (رحمه‌الله ) من المحقّقين الفضلاء ، حاله في الفضل والنبالة ، والعلم والفقه ، والفصاحة والأدب والإنشاء معلوماً معروفاً عند العامة والخاصة ، وكفاه فخراً تتلمذ على شيخنا الشهيد الأوّل وأجازه(٢) .

وقال فيه صاحب كتاب ( فوائد الرضوية ): علي ابن الخازن الحائري زين الدين أبو الحسن , فقيه فاضل ، عالم كامل ، اُستاذ الشيخ أحمد بن فهد الحلّي تلميذ الشيخ الشهيد.

قال شيخنا الشهيد في إجازته له: ولمـّا كان المولى الشيخ العالم التقي ، الورع المحصّل ، القائم بأعباء العلوم ، الفائق أولي الفضل والفهوم زين الدين أبو الحسن علي ابن المرحوم السعيد الصدر الكبير العالم عزّ الدين بن محمّد ابن المرحوم المغفور سيدنا الإمام شمس الدين محمّد الخازن بالحضرة الشريفة المقدّسة(٣) .

وتعرّض لذكره شيخنا آقا بزرك الطهراني فقال: الشيخ زين الدين أبو الحسن

____________________

(١) الحقائق الراهنة ( مخطوط ) / ٨٠.

(٢) روضات الجنات - للسيد محمّد باقر الخونساري ٥ / ١١٨.

(٣) فوائد الرضوية - للشيخ عبّاس القمي / ٢٩٠.


علي ابن الخازن الحائري كما يعبّر به في بعض الإجازات هكذا ، ومرّ بعنوان علي بن الحسين بن محمّد الخازن(١) ، كما تطرّق إلى ترجمته السيد محمّد حسن آل طعمة في كتابه ( مدينة الحسين) فقال: ومن جملة الذين يروي عنه هذا الشيخ الجليل هو العلّامة الهمام أحمد بن فهد الحلّي الذي أخذ منه الإجازة بالرواية في سنة ٧٩١ ه في الحائر الحسيني. توفي علي ابن الخازن الحائري كما في بعض النسخ سنة ٧٩٣ه(٢) .

هذا وقد دوّنت ترجمة الشيخ علي ابن الخازن في الكثير من كتب المراجع ، نخصّ بالذكر منها: الكنى والألقاب ١ / ٢٧٣ ، وهدية الأحباب / ٥٦ ، وروضات الجنات ٤ / ١١٨ ، والروضة البهية / ١١٠ ، وريحانة الأدب ٥ / ٣٢١ ، وأمل الآمل ٢ / ١٨٦ وغيرها.

الشيخ علي بن عبد الجليل الحائري

من علماء عصره , وقد قرأ عليه تلميذه الشيخ علي بن الحسن الحائري تهذيب الوصول إلى علم الاُصول للعلاّمة الحلّي الذي كتبه لتلميذه سنة ٧٧٧ه ، وكتب صاحب الترجمة بخطّه شهادة القراءة والبلاغ على النسخة في ٧٧٨ ه ، وهي في مدرسة الفاضلية(٣) .

الشيخ جلال الدين محمّد الحائري

الشيخ جلال الدين محمّد ابن الشيخ شمس الدين محمّد بن أحمد الكوفي الهاشمي الحائري من مشايخ السعيد أبي عبد الله محمّد بن مكي الشهيد في ٧٨٦ ه(٤) .

____________________

(١) الحقائق الراهنة (مخطوط) / ٨٢.

(٢) مدينة الحسين (عليه‌السلام ) - محمّد حسن الكليدار آل طعمة ٢ / ١٣٨ - ١٣٩.

(٣) الحقائق الراهنة (مخطوط) / ٨٢.

(٤) الحقائق الراهنة (مخطوط) / ١٠١.


القرن التاسع الهجري

الشيخ أحمد بن فهد الحلّي

قلنا إنّ الحركة العلميّة في الحلّة الفيحاء كانت في أوج عظمتها ، وما أن لبثت أن انتقلت في منتصف القرن التاسع إلى كربلاء بسبب هجرة الزعيم الديني المجاهد الشيخ أحمد بن محمّد بن فهد الحلّي إليها.

فقد تبنّى الحركة العلميّة في هذا البلد ، وازدهرت المعاهد الدينيّة في عهده ؛ حيث أخذ يرتادها أعلام الفكر ، ورجالات الأدب ، ورسل الثقافة من كلّ حدب وصوب ، فزخرت بهم مدينة الحسين (عليه‌السلام ) ، واكتظّت جوامعها ومدارسها وقاعات الدرس فيها ، وراح اُولئك الطلاب يتلقون ما يطرحه الفقهاء من آراء وأفكار وأبحاث ، ويحتدم النقاش ويدور الجدل حول المسائل الفقهية.

وبالإضافة إلى مجد كربلاء الثقافي العالمي في مختلف المجالات الفكرية ، فقد ثبتت لنفسها مجداً جديداً ، وأنجبت رهطاً آخر من ذوي العقول النيّرة والمواهب الخلاقة ، ويعدّ ابن فهد الحلّي من أشهر فقهاء القرن الثامن والتاسع الهجري ومحدّثيهم.

ولد الشيخ جمال الدين أبو العباس أحمد بن محمّد بن فهد الحلّي الأسدي سنة ٧٥٧ ه , وتوفي بكربلاء سنة ٨٤١ ه ، ودُفن في المكان المعروف ببستان النقيب ، ومرقده يزار.

ذكره جمع من المؤرّخين والمصنّفين ، فقال صاحب ( روضات الجنات ): هو الشيخ العالم العارف ، وكاشف أسرار الفضائل جمال الدين أبو العباس أحمد بن شمس الدين محمّد بن فهد الحلّي ، الساكن بالحلّة السيفية والحائر الشريف حيّاً وميتاً.

وله من الاشتهار بالفضل والإتقان ، والذود والعرفان ، والزهد والأخلاق ، والخوف والإشفاق ، جمع بين المعقول والمنقول ، والفروع والاُصول ، والقشر واللب ، واللفظ والمعنى ، والظاهر والباطن ، والعلم والعمل بأحسن ما كان يجمع.

أجازه العلّامة علي ابن الخازن في الحائر الحسيني سنة ٧٩١ ه , ودُفن في الحائر وقبره ظاهر خلف المخيّم الحسيني في بستان يُعرف ببستان النقيب(١) .

وما دمنا نسوق أقوال المؤرّخين

____________________

(١) روضات الجنات - السيد محمّد باقر الخونساوي ١ / ١٦٦.


فليس من العدل أن نغفل رأي العلّامة الجليل السيد محسن الأمين حيث قال: ولد سنة ٧٥٦ أو ٧٥٧ , وتوفي سنة ٨٤١ عن ٨٥ سنة ، ودُفن بكربلاء بالقرب من مخيّم سيد الشهداء (عليه‌السلام ) في بستان هناك تسمّيه العامة ببستان أبو الفهد ، وقبره مزار متبرّك به ، وعليه قبّة , وقيل: إنّ عمره ٥٨ سنة ، والظاهر أنّه اشتباه بجعل الخمس خمسين والثمانية ثمانين والله أعلم(١) . ثمّ يستشهد المحسن الأمين بأقوال العلماء فيه معتمداً على عدد من كتب مَنْ تقدّمه من المؤرّخين ، ويعدّد مشايخه وتلامذته وأسماء مصنّفاته بصورة مسهبة.

ممّن ذكره أيضاً الشيخ عبّاس القمي فقال: يروي عن الشيخ الأجل علي بن هلال الجزائري ، وهو يروي عن جماعة من أجلاّء تلامذة الشهيد الأوّل وفخر المحقّقين ، كالفاضل المقداد ، والشيخ علي ابن الخازن الفقيه ، والعلّامة النحرير بهاء الدين بن حسن بن محمّد بن إدريس بن فهد المقري الإحسائي ، وكان معاصراً لابن فهد الحلّي ، ويروي كلّ منهما عن ابن المتوج البحراني ، ومن غريب الإتقان أنّ لكلّ منهما شرح على الإرشاد(٢) .

يقع مرقده في شارع الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، ومرقده وسط جامع فسيح ذي طابقين ، تتوسطه قبّة من القاشاني البديع الصنع ، وفي داخله صندوق خشبي مزركش ومبرقع بالطنافس الحريرية.

إنّ هناك الكثير من المصادر التي تناولت شخصية العالم الفذ الشيخ أحمد بن فهد الحلّي ، فهو موضع تقدير أرباب العلم والمعرفة ، وإنّ سيرة حياته مأثرة علمية حافلة بكلّ طارف وتليد.

____________________

(١) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين ١٠ / ٨٦.

(٢) الكنى والألقاب - للشيخ عبّاس القمي ١ / ٣٧٥.


الشيخ إبراهيم الكفعمي

من مشاهير الفقهاء الإمامية وثقاتهم في القرن التاسع الهجري ، جمع بين العلم والأدب ، والفقه والحديث ، والزهد والتقوى. طفحت صفحات المعاجم بإطرائه والثناء عليه ؛ فهو من أساطين العلم الذين نشؤوا بكربلاء ودُفنوا فيها.

هو الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسين بن محمّد بن صالح بن إسماعيل الحارثي العاملي الكفعمي , وفي آخر المصباح: إبراهيم بن علي بن حسن بن صالح , وفي آخر حياة الأرواح: إبراهيم بن علي بن حسن بن محمّد بن إسماعيل , ولد سنة ٨٤٠ ه كما استفيد من اُرجوزة سنة ٨٧٠ ، وكانت ولادته بقرية كفرعيما من جبل عامل ، وتوفي في القرية المذكورة ودُفن بها , وتاريخ وفاته مجهول(١) .

وقال فيه الخونساري: هو العالم العادل ، الورع الأمين ، والثقة الأديب ، الماهر المتفنن.. إلخ(٢) .

وقال المامقاني: هو من مشاهير الفضلاء والمحدّثين ، والصلحاء والمتورّعين ، وكان بين زماني الشهيدين (رحمة الله عليهما) ، ووصفه في فهرست الرسائل بالورع , وعدالته لا تحتاج إلى بيان... إلخ(٣) .

وذكره الشيخ الحرّ العاملي بعد سرد نسبه قائلاً: كان ثقة فاضلاً ، أديباً شاعراً ، عابداً زاهداً ورعاً ، له كتب منها المصباح ، وهو الجنة الواقية والجنة الثمانية ، وهو كبير كثير الفوائد , تاريخ تصنيفه سنة ٨٩٥ ه ، وله مختصر منه لطيف ، وله كتاب البلد الأمين في العبادات أيضاً أكبر من المصباح ، وفيه شرح الصحيفة , أوّله: كتاب لمع البرق في معرفة الفرق ، وله شعر كثير ورسائل متعدّدة(٤) .

____________________

(١) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين ٥ / ٢٨٤.

(٢) روضات الجنات - للسيد محمّد باقر الخونساوي ١ / ٧.

(٣) تنقيح المقال - للمامقاني ١ / ٢٧.

(٤) أمل الآمل - للشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي ١ / ٢٨.


وللشيخ الكفعمي أخ عالم جليل هو جمال الدين أحمد بن علي مات في حياة أخيه ، له كتاب زبدة البيان في عمل شهر رمضان ، ينقل عنه أخوه في البلد الأمين وغيره.

و( الكفعمي ) نسبة إلى كفعم - كزمزم - قرية من قرى جبل عامل(١) . وقال فيه صاحب كتاب ( منتخب التواريخ ): الشيخ إبراهيم بن علي بن حسن العاملي الكفعمي صاحب كتاب البلد الأمين والمصباح وغيرهما ، تاريخ ولادته مجهول , ووفاته سنة ٨٩٥ ه ، ويحتمل أن يكون قبره في كربلاء(٢) . توفي الكفعمي في كربلاء سنة ٩٠٠ ه كما تنصّ بعض الروايات ، ودُفن في وادي أيمن بكربلاء وكان قبره ظاهراً.

ويقول صاحب الأعيان: قد سكن كربلاء مدّة وعمل لنفسه أزجاً بها بأرض تسمّى عقير ، وأوصى أن يُدفن فيه كما يظهر ممّا يأتي ، ثمّ عاد إلى جبل عامل وتوفي فيها ، ولم يذكر أحد ممّن ترجمه من الأوائل تاريخ ولادته ووفاته... إلخ(٣) .

أمّا تآليفه فهي أشهر من أن تعدّ ، فقد بلغت ٤٨ كتاباً ، أشهرها كتاب المصباح ، وهو الجنة الواقية والجنة الثمانية ، وقد فرغ من تأليفه سنة ٨٩٥ ه ، إضافة إلى رسائل وحواشي على بعض الكتب.

كان واسع الاطّلاع ، طويل الباع في الأدب ، سريع البديهة في الشعر والنثر كما يظهر من مصنّفاته خصوصاً من شرح بديعته , حسن الخط ، وجدت بخطّه كتاب دروس الشهيد (قدس‌سره ) ، فرغ من كتابته سنة ٨٥٠ ه ، وعليه قراءته وبعض الحواشي الدالة على فضله ، ورأيت بعض الكتب بخطّه في بعض خزائن الكتب في كربلاء سنة ١٣٥٣ ه(٤) .

____________________

(١) الكنى والألقاب - للشيخ عبّاس القمي ٣ / ١٠١.

(٢) منتخب التواريخ - للحاج محمّد هاشم الخراساني ( فارسي ) / ٣١٢.

(٣) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين ٥ / ٢٨٧.

(٤) المصدر نفسه / ٢٨٨.


وللشيخ الكفعمي قصيدة يوصي فيها أهله بدفنه في الحائر المقدّس بأرض تسمّى عقيراً , فيقول:

سألتكم باللهِ أن تدفنوني

إذا متُّ في قبرٍ بـأرضِ عقيرِ

فإنّي بـهِ جارُ الشهيد بـكربلا

سليلِ رسولِ اللهِ خيرِ مجيرِ

فإنّي بـهِ في حفرتي غيرُ خائفٍ

بـلا مريةٍ من منكرٍ ونكيرِ

أمنتُ بـه في موقفي وقيامتي

إذا الناسُ خافوا من لظى وسعيرِ

فإنّي رأيتُ العربَ يحمي نزيلَها

ويمنعهُ من أن يصابَ بـضيرِ

فكيفَ بـسبطِ المصطفى أن يذود مَن

بـحائرهِ ثاوٍ بـغيرِ نصيرِ

وعارٌ على حامي الحمى وهو في الحمى

إذا ضلَّ في البيدا عقالُ بعيرِ(١)

وأورد له الشيخ الحرّ العاملي أبياتاً لم تدوّن في المصادر الاُخرى , وهي:

إلهي لكَ الحمدُ الذي لا نهايةً

لهُ ويرى كلّ الأحايين باقيا

على أن رزقتَ العبدَ منكَ هدايةً

أتاحتهُ تخليصاً من الكفرِ واقيا

إلهيَ فاجعلني مطيعاً أجرته

وإن لم أكن فارحم بمَنْ جاءَ عاصيا

بـعثتُ الأماني نحو جودكَ سيدي

بردّ الأماني العاطلاتِ حواليا(٢)

وله اُرجوزة تنيف على مئة وثلاثين بيتاً في الأيام المستحب صومها ، وقد أوردها في المصباح ، كما إنّ له قصيدة في مدح الإمام أمير المؤمنين علي (عليه‌السلام ) ووصف الغدير ، تبلغ مئة وتسعين بيتاً ، ويظهر من آخرها أنّه عملها في الحائر الحسيني (على مشرّفه السّلام) ، وقد أوردها في المصباح أيضاً.

إنّ هذا العالم الأديب هو من اُولئك الأفذاذ الموهوبين الذين تركوا صدى قوياً في مسمع الزمن.

____________________

(١) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين ٥ / ٢٩٦.

(٢) أمل الآمل - للشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي ٢ / ٢٨ - ٢٩.


السيد حسين بن مساعد الحائري

هو السيد عزّ الدين حسين بن مساعد بن الحسن بن مخزوم بن أبي القاسم بن أبي عبد الله الحسين بن محمّد بن عيسى الحسيني الحائري , هكذا كتب نسبه بخطّه في هامش نسخة الأصل من كتاب ( عمدة الطالب ) التي نسخها في ٢٩ ربيع الأول سنة ٨٩٣ ه ، وله عليها حواشي بخطّه إلى تاريخ سنة ٩١٧ ه.

والمترجم له عالم فذّ ، وأديب ضليع ، قوي الحجّة ، واسع الاطّلاع ، ورع تقي ، له باع طويل في النسب ، وقد عمل عدّة مشجرات بخطّ يده لاُسر كربلاء العلوية القديمة , ومن آثاره مصنّفه (تحفة الأبرار في مناقب أبي الأئمّة الأطهار)(١) .

وهو ينحدر من سلالة علوية قديمة تُعرف بـ ( آل طوغان ) الحسينيِّين ، ذكرها صاحب كتاب ( مدينة الحسين ) فقال: وآل طوغان من المخزوميين الحسينيِّين ، ومنهم العالم الفاضل النسّابة حسين بن مساعد العيسوي الطوغاني الحسيني من سلالة عيسى بن زيد الشهيد حفيد الإمام السجّاد (عليه‌السلام ) ، وباسمهم سمّيت محلّة ( آل عيسى ) في كربلاء(٢) ، توفي سنة ٩١٠ ه.

وأرّخ وفاته الشيخ محمّد السماوي في اُرجوزته بقوله:

ثمّ الحسين بن مساعد الأبي

وجامع الأخبار بعد النسبِ

الموسوي الحائري قد مضى

لربّه بها فأرّخه ( قضى )

٩١٠ ه

وكان شاعراً مجيداً ، سريع البديهة ، حسن الأسلوب ، وقفت على بعض شعره الذي أورده صاحب أعيان الشيعة ، ومنه قصيدة في مدح أهل البيت (عليهم‌السلام ) ، ورثاء الإمام الشهيد الحسين (عليه‌السلام ) , نقتطف منها هذه الأبيات:

مصابُ رسولِ اللهِ في آلهِ الاُلى

تقاصر زيد عن علاهم كذا عمرو

____________________

(١) الذريعة - للشيخ آقا بزرك الطهراني ٣ / ٤٠٥.

(٢) مدينة الحسين - محمّد حسن الكليدار آل طعمة ١ / ٦٨.


أئمّة هذا الخلقِ بـعدَ نبيِّهمْ

بـناة العُلا قد طابَ من ذكرهم ذكرُ

همُ التينُ والزيتونُ هم شافعوا الورى

همُ السادةُ الأطهارُ والشفعُ والوترُ

همُ مهبطُ الوحي الشريفِ وهم غداً

سقاةُ الزلالِ العذبِ مَن ضمّهُ الحشرُ(١)

وله من قصيدة اُخرى يقول فيها:

قلبي لطولِ بـعادكم يتفطّرُ

ومدامعي لفراقكم تتقطرُ

وإذا مررتُ على معاهدكم ولا

ألفي بـها من بعدكم مَنْ يخبرُ

هاجت بلابلُ خاطري ووقفتُ في

أرجائها ودموعُ عينيَ تهمرُ

غدرَ الزمانُ بـنا ففرّق شملَنا

والغدرُ طبعٌ فيهِ لا يتغيّرُ(٢)

إنّ تاريخ حياة هذا الرجل حافلة بالأخبار والآثار وجلائل الأعمال ، وقد تعرّضت لذكره كتب الأسفار والمعاجم الكثيرة.

القرن العاشر الهجري

فضولي البغدادي

من أشهر شعراء الترك ، عراقي اسمه محمّد بن سليمان البغدادي(٣) ، فهو أحد أدباء المتصوّفة في القرن العاشر الهجري ، برع في نظم الشعر التركي والفارسي والعربي ، وكان يميل إلى التقشّف والزهد والتصوّف.

وقد اختلف الرواة في أصله ؛ فمنهم مَنْ ينسبه إلى قبيلة (بيات) التي استوطنت العراق قديماً ، وهي بطن من أغز قبيلة من الترك وهم التركمانية , وأدّعى آخر أنّه ينتمي إلى الكرد ،

____________________

(١) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين ٢٧ / ٢١٢.

(٢) المصدر نفسه / ٢١٢ - ٢١٣.

(٣) تاريخ العراق بين احتلالين - عبّاس العزاوي ٣ / ٣٧٠ ، و٤ / ٩٨ - ١٠٣.


وخصّه ثالث بكرد آذربيجان. أمّا تاريخ مولده ومحلّ الولادة فهو موضع اختلاف الرواة أيضاً.

جاء في مقدّمة ديوانه ( مطلع الاعتقاد ) ، المطبوع في باكو من قبل أكاديمية العلوم في آذربيجان السوفياتية الاشتراكية ما نصّه: (ولد محمّد بن سليمان فضولي في مدينة كربلاء في عام ١٤٩٨ ميلادي وعهدي البغدادي ، معاصر وصاحب فضولي)(١) .

ويؤكّد ذلك الشيخ محمّد حرز الدين في ترجمته التي عنوانها ( فضولي الحائري ) ( ٨٩٤ - ٩٦٣ ه ) بقوله: وتاريخ ولادته كما وقفنا عليه أنّه ولد في العشرة الأخيرة من القرن التاسع عشر للهجرة النبوية حدود سنة ٨٩٤ ، ويؤثر عنه أنّه أقام ببغداد مدّة ثمّ في كربلاء - الحائر الحسيني - حتّى آخر لحظة من عمره(٢) .

وكما اختلف الرواة في أصله ومولده ، فقد اختلفوا في تاريخ وفاته ؛ فمن قائل سنة ٩٦٣ ه ، وآخر سنة ٩٦٦ ه ، وآخر ٩٦٩ ه و ٩٧٠ ه ، بَيْدَ أنّ الأصح هو أنّ فضولي توفّي سنة ٩٦٣ ه - ١٥٥٥ م بمرض الطاعون الذي انتشر في كربلاء آنذاك واستفحل داؤه ، ودُفن إلى جانب مرقد الدرويش عبد المؤمن دده شيخ الطريقة البكتاشية مقابل باب قبلة سيدنا الحسين (عليه‌السلام ) في كربلاء ، وأعقب ولده الشاعر فضلي.

فضلي بن فضولي

كان أحد أفاضل الأدباء في أواخر القرن العاشر الهجري ، ترعرع في أحضان الفضل والأدب ، وكان أديباً رقيق الطبع ، مليح السبك ، عذب اللفظ ، برع في النظم بالتركية والفارسيّة والعربيّة ، لقّبه معاصره روحي البغدادي ( مؤرّخ الكون).

وذكره عبّاس العزاوي قائلاً: فضلي هذا ابن سابقه , ونعته عهدي البغدادي بقوله صافي الذهن ، مستقيم الذكاء والطبع ، لا يزال مشغولاً في علوم الظاهر ، معتزلاً في زاوية بقناعة تامة ، أخذ بنواحي الشعر في اللغات الثلاث ,

____________________

(١) مطلع الاعتقاد ( باكو ١٩٥٨ م ) مصدر الكتاب حميد أرسلي.

(٢) معارف الرجال - محمّد حرز الدين ٢ / ٢١٢.


وله مهارة في المعمّى ، وقدرة معجزة التواريخ ، وأبيات عشقية فريدة ، جاذبة آخذة بمجامع القلوب ، وأورد له أمثلة لا محل لإيرادها.

والمفهوم أنّه لا يزال حيّاً عند تحرير التذكرة ( كلشن شعراء ) ، ومن تذكرة عهدي البغدادي وتاريخ بناء الجامع ( كذا ) المرادية سنة ٩٧٨ ه أنّه لا يزال حيّاً إلى هذه السنة ، والملحوظ أنّه بقي إلى ما بعد وفاة عهدي البغدادي.

والتراجم قليلة في بيان أحواله ، وقد تحرّينا مراجع عديدة فلم نظفر ببغية في تاريخ وفاته(١) , ويغلب على الظنّ أنّ الشاعر فضلي مات بعد سنة ١٠١٤ ه(٢) ، ودُفن مع والده في مقبرة الدرويش عبد المؤمن دده.

كلامي ( جهان دده )

وهو أحد أدباء هذا القرن ، شاعر متصوّف ، عُرف بفصاحة اللسان وبلاغة المنطق ، عاصر جمعاً من أدباء المتصوّفة ، كروحي البغدادي ، ومحيطي ، وفضولي ، وفضلي ، وبرع في النظم بالتركية والفارسيّة والعربيّة.

كان في الخانقاه التي تُعرف بـ ( تكية البكتاشية ) ، ذكره عبّاس العزاوي قائلاً: كلامي كربلائي شاعر صوفي ، كان في الخانقاه في مشهد الحسين ( رض ) ، نزعت نفسه إلى العالم ومشاهدة الأقطار ، يُعرف بـ ( جهان دده )(٣) .

ورأيت في بعض الوثائق الرسمية الكربلائيّة ختمه باسم ( كليم جهان دده المؤرّخ سنة ١٠٠٦ ه ) , ومهما يكن من أمر فقد كان كلامي من أعلام الفكر وأرباب البيان.

____________________

(١) تاريخ العراق بين احتلالين - عبّاس العزاوي ٤ / ١٠٣.

(٢) فضولي البغدادي - للدكتور حسين علي محفوظ / ٣٨.

(٣) تاريخ العراق بين احتلالين - عبّاس العزاوي ٤ / ١٣٧.


السيد ولي الحسيني الحائري

فاضل جليل خلّدته آثاره ، وهو من أهل القرن العاشر الهجري الذين لمع ذكرهم في سماء الفكر. ذكره شيخنا صاحب الذريعة بقوله: السيد ولي ابن السيد نعمة الله الحسيني الرضوي الحائري صاحب كتاب كنز الطالب فرغ منه سنة ٩٨١ ه ، وله أيضاً مجمع البحرين , ومنهاج الحقّ , وتحفة الملوك المصرّح فيه بأنّه مجاور الحائر. نسخة منه عند المولى حسن يوسف بكربلاء.

كما صرّح بمجاورته أيضاً في كتابه مصباح الزائرين في فضل زيارة خامس آل العبا (بالفارسيّة) ، وقد ألّفه باسم الشاه طهماسب ، وترجمه في أمل الآمل وقال: كان عالماً فاضلاً ، صالحاً محدّثاً ، ولم يذكر عصره. وله أيضاً درر الطالب في مناقب علي بن أبي طالب ، ينقل عنه المير محمّد أشرف في فضائل السادات ، ومؤلّف الدمعة الساكبة(١) .

وذكره صاحب كتاب ( ريحانة الأدب ) فقال: السيد ولي ابن السيد نعمة الله الحسيني الرضوي الحائري , عالم محدّث صالح ، وهو من الإمامية المتأخّرين ، كان من معاصري الشيخ حسين والد الشيخ البهائي والشهيد الثاني ، له مؤلّفات دينية نافعة كثيرة ذكرها صاحب الذريعة(٢) .

السيد عبد الحسين بن مساعد

ذكره صاحب ( الذريعة ) بقوله: السيد عبد الحسين بن مساعد بن حسن بن علي بن حسن بن طوغان الحسيني الحائري , كتب بخطّه شرح مختصر العضدي ، وفرغ منه في الخميس رابع شهر رمضان ٩٩١ ه في مكتبة المرحوم الشيخ علي كاشف الغطاء(٣) .

____________________

(١) إحياء الدائر في مآثر القرن العاشر - للشيخ آقا بزرك الطهراني ( مخطوط ) / ٣٢٦.

(٢) ريحانة الأدب - للشيخ محمّد علي التبريزي ١ / ٣١١.

(٣) إحياء الدائر ( مخطوط ) / ١٧١.


المولى محمّد قاسم الكربلائي

المولى محمّد قاسم بن تقي بن محمّد الكربلائي كتب بخطّه منتقى الجمان لصاحب المعالم ، وفرغ من الكتابة عصر نهار السبت السابع والعشرين من شعبان سنة ١٣٠٨ ، وقابله وصححه عن نسخة خطّ المصنّف(١) .

القرن الحادي عشر الهجري

المولى شمس الدين الشيرازي

ذكره صاحب الذريعة قائلاً: المولى شمس الدين الشيرازي المتوفّى بالري سنة ١٠٣٥ ، قرأ عليه ولده المولى القاضي محمّد شريف المتخلص بكاشف العلوم الأدبيّة والمنطق والكلام ، يظهر من كتاب ولده الموسوم بـ ( خزان وبهار ) أنّ والده صاحب الترجمة كان مجاوراً كربلاء في حدود سنة ١٠٠٠ ه , فهاجر إلى أصفهان سنة ١٠٠٦ ه ، ثمّ إلى مشهد الرضا (عليه‌السلام ) سنة ١٠١٠ ه , وبعد ثمانية أشهر رجع إلى أصفهان ، وفي سنة ١٠٢٩ ه ذهب إلى الري وبها توفي سنة ١٠٣٥ ه(٢) .

محمد شريف كاشف

ذكره سيدنا المحسن الأمين فقال: المولى القاضي محمّد شريف المتخلص بكاشف ابن شمس الدين الشيرازي الأصل الكربلائي المولد. ولد في حدود سنة ١٠٠١ ه بكربلاء , ووالده من شيراز ، وهاجر والده من كربلاء إلى أصفهان سنة ١٠٠٦ ه وهو ابن خمس سنين ، وتشرّف معه بمشهد الرضا (عليه‌السلام ) للزيارة سنة ١٠١٠ ه ورجع إلى

____________________

(١) إحياء الدائر ( مخطوط ) / ١٢٣.

(٢) الروضة النضرة في علماء المئة الحادية عشرة - للشيخ آقا بزرك الطهراني ( مخطوط ) / ٧٠.


أصفهان ، وفي سنة ١٠٢٩ ه ذهب والده إلى الري وتوفّي بها سنة ١٠٣٥.

قرأ على والده الأدبيات والمنطق والكلام ، وتولّى القضاء من قبل السلطان بأصفهان ، وحدّث عن نفسه أنّ له خمس عشرة سنة منصوباً للقضاء. له من المصنّفات ( خزان وبهار ) في الأخلاق ، والفرج بعد الشدّة مرتّب بعد المقدّمة على أربعة عشر أساساً ، الصبر ، الرحم ، الأدب ، الطهارة ، العبادة ، اللطف ، اليقين ، العلم ، النصرة ، المروءة ، السخاء ، الكرامة ، الهدية. وفي طي كلّ فيها يذكر حكايات عجيبة ، وله السراج المنير ، والدرّة المكنونة ، وحواس الباطن ، ومنشآت متفرّقة.

ومن منظوماته ليلى ومجنون ، هفت بيكر ، عبّاس نامه ، الغزليات ، القصائد ، الرباعيات ، القطعة ، التركيب ، الترجيع(١) .

وذكره عمر رضا كحالة قائلاً: محمّد شريف كاشف الشيرازي الكربلائي ( ١٠٠١ ه - ٠٠٠ ) ( ١٥٩٣ م - ٠٠٠ ) من القضاة ، أصله من شيراز ، ولد بكربلاء ، قرأ على والده الأدب والمنطق والكلام ، تولّى القضاء من قبل السلطان بأصفهان. من مصنّفاته الفرج بعد الشدّة ، السراج المنير ، الدرّة المكنونة ، حواس الباطن(٢) .

السيد علي الحسيني

السيد علي بن الحسين بن مساعد الحسيني الحائري النسّابة ، قال المولى محمّد كاظم الشريف النجفي في حاشية عمدة الطالب: إنّي رأيت مشجرة نسب السيد ربيع الحائري الذي عمله في سنة ١٠١٩ وعليه شهادة صاحب الترجمة بخطّه ، وكذا شهادة السيد مساعد بن محمّد الحسيني كما يأتي ، ومرّ في ( إحياء الداثر ) السيد حسين بن مساعد الحسيني(٣) .

____________________

(١) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين ٤٥ / ٢٢٢.

(٢) معجم المؤلفين - عمر رضا كحالة ١٠ / ٦٧.

(٣) الروضة النضرة - الشيخ آقا بزرك الطهراني ( مخطوط ) / ١٠٨.


السيد حسين الحسيني

السيد حسين بن الحسن العسكري الحسيني الحائري ، رأيت بخطّه الدروس للشهيد كتبه السنة السادسة والعشرين بعد الألف في خزانة الحاج علي محمّد النجف آبادي ، قال في آخره: وقد فرغ من تسويد هذا الكتاب اللطيف الشائق ، جامع أثمار الفوائد من أنواع الحدائق ، المنسوب إلى المظلوم الشهيد الذي ذمّه فائق على ملأ ذوي الفضل المتقدّم واللاحق ، العبد المذنب ، المسرف الراجي رحمة ربّه الغني حسين بن حسن العسكري الحسيني الكربلائي في العشر الآخر من شهر ربيع الأول سنة ست وعشرين وألف ، عليه تصحيحات بخطّه يظهر منها أنّه من أهل النور والاطّلاع ، وعليه حواشي رمزها م ح ق (مدّ ظله العالي)(١) .

الشيخ عبّاس البلاغي

الشيخ عبّاس بن محمّد علي بن محمّد البلاغي العاملي ، والد الشيخ حسن الذي له كتاب تنقيح المقال ، وقد ترجم فيه جدّه الشيخ محمّد علي المتوفّى سنة ١٠٠٠ ه(٢) ... إلخ.

ووالد المترجم له فاضل جليل له إحاطة بكثير من العلوم ، وهو صاحب كتاب ( شرح الكافي ) ، وأرّخ وفاته الشيخ محمّد السماوي بقوله:

كذا البلاغيّ محمّد العلي

وشارح الكافي بشرحٍ منجلِ

اُغمد إذ كان حساماً منتضى

بروضه فأرّخوا ( سيف مضى )

١٠٠٠ ه

أمّا نجله الشيخ عبّاس فقد اقتفى أثر والده في تتبّع العلوم ، والارتشاف من مناهل المعرفة.

____________________

(١) الروضة النضرة ( مخطوط ) / ٤٣.

(٢) المصدر نفسه / ٧٨.


السيد مساعد بن محمّد الحسيني

السيد مساعد بن محمّد الحسيني العالم النسابة ، كتب شهادة صحة نسب السيد ربيع الحائري في سنة ١٠١٩ ه ، كما ذكره المولى محمّد كاظم الشريف النجفي في حاشية عمدة الطالب ، قال: رأيت المشجر الذي عليه شهادته في الحائر سنة ١١٦٦ ه عند السيد عبّاس بن حسين من أحفاد السيد ربيع ، وكتب الشهادة أيضاً معاصره السيد علي بن عبد الحسين بن مساعد(١) .

السيد طعمة علم الدين الحائري (كان حيّاً سنة ١٠٢٥ ه - ١٦١٦ م)

هو السيد طعمة ( الثالث ) نقيب الأشراف ابن السيد علم الدين ابن السيد طعمة ( الثاني ) ابن السيد شرف الدين نقيب الأشراف ابن السيد طعمة كمال الدين ( الأول ) من آل فائز الموسوي الحائري(٢) .

كان السيد طعمة علم الدين هذا حيّاً سنة ١٠٢٥ ه في أيام السلطان مراد بن السلطان سليم ابن السلطان سليمان القانوني ( ١٠١٢ ه - ١٠٢٦ ه ) ، وقد شهد احتلال الشاه عبّاس الصفوي الأول لمدينة بغداد سنة ١٠٣٣ ه.

ولا شك أنّه كان من العلماء المتضلّعين في المشهد الحسيني ، ولم نعثر خلال دراستنا لكتب التراجم والسير على ترجمة وافية تشفي الصدور وتنقع غليل القارئ ، غير أنّ الشيخ أحمد ابن الشيخ علي النحوي العالم المبرز في وقته سجّل شهادته في وقفية ( فدان السادة ) التي أوقفها السيد طعمة علم الدين المذكور على أولاده الذكور سنة ١٠٢٥ ه ، المقاطعة الواقعة في ضاحية حي العباس اليوم شمالي كربلاء على بعد كيلو مترين.

وكان صاحب الترجمة رئيساً مطاعاً ، يعدّ من أشهر أعيان

____________________

(١) الروضة النضرة ( مخطوط ) / ١٥٦.

(٢) المصدر نفسه / ١٣٥.


وملاكي كربلاء في عصره ، وكان مرجعاً لحلّ الكثير من القضايا العشائرية ، يقصده الناس من كلّ صقع ومكان ، فكانت له سطوة وجلالة بالحائر الشريف ، وكانت له بها ضياع وبساتين وعقارات ، وإليه ينتسب السادة آل طعمة في كربلاء التي يبلغ تعداد نفوسها زهاء خمسمئة نسمة من الذكور ، وكانت تعرف خلال القرون الغابرة بقبيلة ( آل فائز ).

لم نعثر على تاريخ مولده ، أمّا تاريخ وفاته فالظاهر أنّها بعد عام ١٠٤٣ ه استناداً لتوقيع نجله المرحوم السيد نعمة الله في وقفية مؤرّخة في شهر ذي القعدة الخامس والأربعون بعد الألف ، ومنه تسلسلت اليوم إلى إلى عدّة أفخاذ هي:

١ - آل السيد وهاب.

٢ - آل السيد مصطفى.

٣ - آل السيد درويش.

٤ - آل السيد جواد.

٥ - آل السيد محمّد ( ويُعرف عقبه ببيت الشروفي ).

الشيخ محفوظ السعدي

الشيخ محفوظ بن بدر بن عبد الله بن محفوظ السعدي الكربلائي كتب بخطّه مَنْ لا يحضر ، وفرغ من جزئه الأوّل سنة ١٠٥٣ ه ، وفرغ من تمامه نهار الأربعاء من شهر ربيع الآخر سنة ١٠٥٥ ه ، وعليه تصحيحاته وآثار قراءته على المشايخ(١) .

السيد علي بن محمّد الكربلائي

السيد علي بن محمّد الكربلائي الموسوي يكنّى أبا الحسين ، كان حيّاً سنة ١٠٩٤ ه ، أحد أدباء كربلاء في القرن الحادي عشر ، ولد سنة ١٠٩٤ ، كان يراسل السيد علي خان(٢) .

____________________

(١) الروضة النضرة ( مخطوط ) / ١٣١.

(٢) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين ٤٢ / ٣٣.


القرن الثاني عشر الهجري

السيد نصر الله الحائري

من أبرز أعلام العراق في القرن الثاني عشر الهجري ، فهو علم شامخ من أعلام الفكر الإسلامي ، وجهبذ فذّ ، له إحاطة شاملة بكثير من العلوم العقلية والنقلية.

استهل دراسته العلميّة والأدبيّة على لفيف من فضلاء عصره ، كما أخذ العلم عنه جماعة كثيرة من أهل الفضل ؛ لذا يُعرف بمدرّس الطفّ تارة ، ومدرّس الروضة الحسينيّة تارة اُخرى ، ويُكنّى بالفائزي نسبة إلى قبيلته العلوية العريقة المعروفة قديماً بآل فائز.

فهو السيد نصر الله بن الحسين بن علي الحسيني الموسوي الفائزي الحائري ، المنتهي نسباً بالسيد إبراهيم المجاب ابن السيد محمّد العابد ابن الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ) الذي استشهد في إسطنبول سنة ١١٦٨ ه كما في كثير من المراجع.

وفي رواية اُخرى عام ١١٥٨ ه كما ينصّ على ذلك الشيخ محمّد السماوي بقوله(١) :

وكالشهيد ذي العُلا والجاهِ

مدرّس الحائرِ نصر الله

نجل الحسينِ الفائزي المنتمى

فكم وكم من المراثي نظما

جاهدَ في نقصِ الثلاث مفردا

فأرّخوا ( استشهد ناصر الهدى )

ذكره السيد محسن الأمين فقال: السيد أبو الفتح عزّ الدين نصر الله بن الحسين بن علي الحائري الموسوي الفائزي ، المدرّس في الروضة الحسينيّة ، المعروف بالمدرّس ، وفي كلام عبد الله السويدي البغدادي أنّه يُعرف بابن قطّة ، وكذا في نشوة السلافة.

وفاته: استشهد بقسطنطينية على التشيّع سنة ١٥٥٥ ، أو ٥٣ عن عمر يُقارب الخمسين. نسبته ( للفائزي ) نسبة إلى عشيرته , ويسمّون آل فائز ، أو آل أبي الفائز ، وفيهم يقول المترجم من قصيدة يرثي والدته:

____________________

(١) مجالي اللطف بأرض الطفّ - للشيخ محمّد السماوي / ٧٦.


كيف لا وهي آلُ أبي الفا

ئزِ من هديهم بـهِ الاقتداءْ

معشر شادَ مجدَهم وعلاهم

سيدُ المرسلين والأوصياءْ

سادةٌ قادةٌ كرامٌ عظامٌ

علماءٌ أئمّةٌ نقباءْ

لهم أوجهٌ تنيرُ الدياجي

ما أظلّت نظيرها الخضراءْ

لست تلقى سواهم قطّ قطباً

إن أدارت أرجاءها الهيجاءْ

و( الحائري ) نسبة إلى الحائر الحسيني ، وهو كربلاء ؛ فإنّها تسمّى بالحائر(١) ... إلخ.

قام بجمع ديوان السيد نصر الله تلميذه الشاعر السيد حسين بن مير رشيد بن قاسم الرضوي الحائري المتوفّى سنة ١١٧٠ ه , وكتب مقدّمته. يضمّ الديوان طائفة من القصائد والمقطعات تناول فيها موضوعات هامة كثيرة واختتم بالبنود , وطبع الديوان ( سنة ١٣٧٣ ه / ١٩٥٤ م ).

قال من قصيدة يتفجّع فيها للحسين (عليه‌السلام ) ، وأوّلها:

يا بـدوراً لم ترضَ أفقُ السماءِ

كيف غُيّبت في ثرى كربلاءِ

ياشموساً في الترابِ غارت وكانت

تبهرُ الخلقَ بـالسنا والسناءِ

يا جبالاً شواهقاً للمعالي

كيفَ وارتكِ تربةُ الغبراءِ

يابحاراً في عرصةِ الطفِّ جفّت

بـعدما أروتِ الورى بـالعطاءِ

ومنها قوله:

آه لا يطفئ البكاءَ غليلي

ولو أنّي اغترفت من دأماءِ(٢)

كيف يطغي والسبطُ نصبٌ لعيني

وهو في كربةٍ وفرطِ عناءِ

لست أنساه في الطفوفِ فريداً

بـعد قتلِ الأصحابِ والأقرباءِ

____________________

(١) أعيان الشيعة - السيد محسن الأمين ٤٩ / ١٤٧ - ١٦٦.

(٢) الدأماء: البحر ، كلّ ما يغمر الإنسان ويغطيه من ماء وغيره.


فإذا كرّ فرّ جيشُ الأعادي

وهم كثرةٌ كقطرِ السماءِ

كيف لا وهو نجلُ سمّ الأعادي

( أسدِ اللهِ ) قامعِ الأدعياءِ(١)

وقال مهنّئاً السيد حسن الكليدار بوروده من الهند في عيد الفطر من قصيدة جاء فيها:

بـمقدمِ مولانا الحسين أخي الرضا

ونجلِ الهداةِ الطاهرين اُولي الأمرِ

هو الماجدُ السامي الذي عن يمينهِ

روى البحرُ أخبارَ السماحةِ للقطرِ(٢)

وقال مهنّئاً اُستاذه الشيخ علي الشيخ محمّد آل قنديل بختان ولده ، ومطلعها:

يا أيّها الاُستاذ من مدحِهِ

إن رمتَ أحصرهُ لساني يحصر

يا أيّها المولى الذي في جوده

دوحُ الأماني كلّ حين يغمر(٣)

إنّ السيد نصر الله الحائري مدرّس الطف , فقيه عالم أكثر من كونه شاعر ، ونحن نكبر إنسانيته كلّ الإكبار ، ونجلّ علمه وأدبه غاية الإجلال.

الشيخ يوسف البحراني

هو المحدّث الكبير الشيخ يوسف ابن الشيخ أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن صالح بن أحمد بن عصفور بن أحمد بن عبد الحسين بن عطية بن شيبة الدرازي البحراني صاحب كتاب ( الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة ) ، المتولد سنة ١١٠٧ ه والمتوفّى في ربيع الأول سنة ١١٨٦ ه.

والدرازي منسوب إلى دراز - بالدال المهملة المفتوحة والراء المخفضة بعدها ألف وزاي - من أفاضل علمائنا المتأخرين ، جيّد الذهن ، معتدل السليقة ، له باع في الفقه والحديث ، وكان على رواية الإخباريِّين(٤) .

____________________

(١) ديوان السيد نصر الله الحائري / ٤٧ - ٤٨.

(٢) ديوان السيد نصر الله الحائري / ١٠٥.

(٣) ديوان السيد نصر الله الحائري / ١٢١

(٤) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين ٥٢ / ٧١.


ولد في كربلاء ونشأ بها ، وولج أندية العلم وحلقات التدريس فتتلمذ على والده الشيخ أحمد ، كما تتلمذ على الشيخ أحمد بن عبد الله بن الحسن بن جمال البلادي البحراني المتوفّى سنة ١١٣٧ ه ، والمحقق الشيخ حسين المتوفّى سنة ١١٧١ ه ، والشيخ عبد الله بن علي بن أحمد البلادي البحراني المتوفّى سنة ١١٤٨ ه وغيرهم , وتلامذته كثيرون.

اشتهر ذكره وذاع صيته ، وصنّف ما يقرب من ٤٥ كتاباً , أهمّها: ( الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة ) ، و ( لؤلؤ البحرين في الإجازة لقرة العين ) ، و ( الكشكول ) وغيرها. وكانت وفاته في كربلاء يوم السبت رابع ربيع الأول من عام ١١٨٦ ه عن عمر ناهز الثمانين ، ودُفن في الحضرة الحسينيّة جوار قبر الآقا باقر البهبهاني(*) .

ورثاه جمع غفير من الأدباء منهم السيد محمّد الشهير بالزيني البغدادي الحائري بقصيدة مطلعها:

ما عذرُ عيني بالدما لا تذرفُ

وحشاشةٍ بلظى الأسى لا تتلفُ

وأرّخ عام وفاته بقوله:

فقضيت واحد ذا الزمان فأرّخوا

( قد حنّ قلب الدين بعدكَ يوسف )

١١٨٦ ه

ذكره جمع غفير من المؤرّخين في تصانيفهم.

القرن الثالث عشر الهجري

الآقا باقر البهبهاني

لم تفقد مدينة كربلاء مكانتها العظمى وسيطرتها الدينيّة والعلميّة والأدبيّة حتّى القرن الثاني عشر الهجري ؛ فقد كانت مركزاً ثابتاً للحضارة ، ونالت القدح المعلّى ، والمكانة السامية ، وبلغت ذرى عزّها الشامخ ، ومجدها السامق ، وطفحت بأعلام الأمّة الإسلاميّة ، وأفذاذ المحقّقين ، وانتعشت حركة الفكر فيها إبان ذلك العصر ، وأخذت الأبصار تشخص إلى المدينة ؛ حيث برز فيها رعيل من

____________________

(*) هكذا وردت العبارة ، وهي لا تخلو من بعض التأمّل والتوقف ؛ إذ إنّ وفاة الآقا محمد باقر البهبهاني كانت سنة ١٢٠٥ ه كما يصرّح به المؤلِّف نفسه في الصفحة اللاحقة , أي بعد وفاة المترجَم له بتسع عشرة سنة ؛ وعليه فكيف يُمكن أن يُدفن المتقدم وفاةً إلى جوار المتأخر عنه في الوفاة بهذه المدة الطويلة ؟! اللهمَّ إلّا إذا قلنا إنّ جثمان المُترجَم له (الشيخ يوسف البحراني) قد نُقل فيما بعد إلى الروضة الحسينيّة فكان بجوار الآقا البهبهاني. (موقع معهد الإمامين الحسنَين)


العلماء للقيام بأداء الرسالة المقدّسة ، فقدّمت على مسرح الفكر في هذه الحقبة ، أعني بها القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر ، شيخ الطائفة الإمامية والاُصولية ، المؤسس الوحيد الآقا باقر بن محمّد أكمل البهبهاني ، فقد حفلت سيرة هذا المجاهد بالمواهب النادرة والقابليات الفذّة.

ذكر الأب إنستاس ماري الكرملي بخصوص مدرسة الآقا باقر قائلاً: كان في القرن الثاني عشر للهجرة مدرستان للشيعة في كربلاء تتزاحمان ؛ مدرسة الإخبارية ، ومدرسة الاُصولية ، وكان الرجحان للمدرسة الإخبارية حتّى بعث الله ذلك المجدّد الكبير ، والمصلح الشهير العلّامة المعروف بالآقا باقر البهبهاني.

نبغ ذلك العبقري في بهبهان إحدى مدن الخليج الفارسي ، وبعد أن برز فيها هاجر إلى كربلاء فنفخ من روحه الطاهر في مدرسة الاُصولية ، فتزاحمت المدرسة الإخبارية , بل أخرجتها من كربلاء والنجف ، وعلى يد ذلك العلّامة تأسست المدرسة الاُصولية الكبرى ، أو دار المعلّمين في النجف ، وصارت تلك المدينة مدرسة عالية لتلك الطائفة ؛ فالنجف اليوم هي مدرسة الآقا باقر البهبهاني , وكلّ مَنْ نبغ فيها أو ينبغ من العلماء فهم تلاميذ الآقا البهبهاني(١) .

ولد في أصفهان سنة ١١١٨ ه ، وقطن برهة في بهبهان ، ثمّ انتقل إلى كربلاء في عهد رئاسة الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق ، وحضر على أركان الملّة وأقطاب الشريعة من سدنة المذهب وفحول العلماء ، ونشر فيها العلم ، فانتهت إليه الزعامة الدينيّة ورئاسة المذهب الإمامي ، وأخذ عنه علماء ذلك العصر ؛ كالمولى مهدي النراقي ، والميرزا أبي القاسم القمي ، والميرزا مهدي الشهرستاني ، والسيد محسن الأعرجي ، والشيخ ابن علي الحائري ، والشيخ الأكبر جعفر صاحب كشف الغطاء ، والسيد مهدي بحر العلوم وغيرهم.

أجاب داعي ربّه في كربلاء سنة ١٢٠٥ ه ، وكان يوم وفاته مشهوداً ، ودُفن

____________________

(١) مجلة ( لغة العرب ) ٦ س ٤ / ٣٣٠.


أنّه(*) اختص بالأوّل لمصاهرته به ؛ حيث تزوّج ببنت خالة الشيخ المذكور ، وقام في الرواق الشرقي من الحضرة الحسينيّة المعروفة باسمه ، وعلى قبره صندوق خشبي بديع الصنع.

وقد صنّف ما يقرب من ستين كتاباً منها شرحه على المفاتيح للفيض الكاشاني ، وحواشيه على المدارك ، وعلى شرح الإرشاد للمحقق الأردبيلي ، وعلى الوافي والمعالم ، والتهذيب والمسالك على شرح القواعد ، وعلى الرجال الكبير وغيرها. ترجم له في كثير من المصنّفات ، وكتب الرجال والسير ، أهمها: أعيان الشيعة ، الكنى والألقاب ، الكرام البررة ، روضات الجنات ، ومنتهى المقال ، الروضة البهية ، فوائد الرضوية ، ومنتخب التواريخ ، ريحانة الأدب ، معارف الرجال وغيرها.

الأمير السيد علي الكبير

هو الأمير السيد علي الكبير بن منصور بن أبي المعالي محمّد بن أحمد نقيب البصرة ابن شمس الدين محمّد البازباز بن شريف الدين محمّد بن عبد العزيز بن أبي الحسن علي الرئيس بن محمّد بن علي القتيل بن الحسن النقيب بن أبي الفتوح محمّد بن الحسن بن عيسى الكريم بن عزّ الدين بن تاج الدين أبي الغنائم محمّد ابن النقيب ابن الشريف أبي علي الحسن ابن نقيب النقباء محمّد التقي السابس ابن النقيب الحسن الفارس ابن نقيب النقباء يحيى بن الحسين النسّابة بن أحمد بن عمر بن يحيى بن الحسين ذي العبرة ابن زيد الشهيد ابن الإمام السجّاد زين العابدين علي بن الحسين السبط ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )(١) .

كان من مشاهير علماء عصره ، وكان هو ووالده السيد منصور مؤسسين لهذة الدوحة الشريفة التي قطنت كربلاء من نحو مئتي سنة ، وقد تتلمذ على الشيخ آقا باقر البهبهاني ، والشيخ يوسف البحراني ، والسيد نصر الله الفائزي الحائري ، غير(**)

____________________

(*) هكذا ورد السياق في الأصل , ولا يخفى ما فيه من قطع وسقط واضحين أربكا وحدته. (موقع معهد الإمامين الحسنَين)

(١) اقتبسنا نسبه الشريف من كتاب ( عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ) - لأحمد بن مهنا الداودي / ٢٨٠ ( طبع النجف ).

(**) لعل هناك كلاماً ما قد سقط أثناء النسخ كما هو الحال فيما سبق , وإلّا فمفردة (غير) لا معنى لها هنا. (موقع معهد الإمامين الحسنَين)


بأعمال مهمّة تدرّ فوائد جسام ، وخلف صدقات جارية النفع والثمر في كربلاء ، وانتشر عقبه في بلاد العجم والعرب.

ذكره صاحب الأعيان فقال: توفي في كربلاء سنة ١٢٠٧ ه ودُفن عند أبيه السيد منصور بين منارة العبد والرواق الشريف ، وهو غير السيد مير علي الصغير صاحب الرياض وإن كان كلّ منهما ابن أخت الآقا باقر البهبهاني ، لكنّ الثاني حسني طباطبائي والأول حسيني.

ذكره الآقا أحمد سبط الآقا البهبهاني في رسالته (جهان نما) وأثنى عليه ، ووصفه بغاية التقديس والصلاح. رأى له عدّة تصانيف لم تخرج إلى المبيضّة ، ولم يمكث بعد خاله الآقا البهبهاني إلّا قليلاً ؛ فلذا لم يشتهر اسمه ، واشتهر اسم صاحب الرياض لمكثة كثيراً بعد خاله ، هكذا يُقال والله أعلم بحقيقة الحال... إلخ(١) . ومن ذرّيّته اليوم المرحوم السيد محمّد علي هبة الدين الحسيني الشهير بالشهرستاني وأولاده.

السيد مهدي بحر العلوم

هو نجل العالم الفقيه السيد مرتضى بن محمّد بن عبد الكريم بن مراد شاه بن أسد الله بن جلال الدين بن الأمير بن الحسن بن مجد الدين بن قوام الدين بن إسماعيل بن عباد بن أبي المكارم بن عباد بن أبي المجد بن عباد بن علي بن حمزة بن أحمد بن إبراهيم (طباطبا) ابن إسماعيل (الديباج) ابن إبراهيم ( الغمر ) ابن الحسن المثنى ابن الإمام الحسن الزكي ابن سيدنا الإمام علي بن

____________________

(١) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين ٤٢ / ١٦٧.


أبي طالب (عليه‌السلام )(١) .

كان من أعلام الأمّة الإسلاميّة ، معيناً لا ينضب من العلم ، ولد في كربلاء سنة ١١٥٥ ه ، ومادة تاريخ ولادته (لنصرة آي الحقّ قد ولد المهدي).

اشتهر ببحر العلوم لِما يتمتّع به من غزارة في العلم ، جامع العلوم العقيلة والنقلية. ترك كربلاء سنة ١١٦٩ ه قاصداً النجف ليواصل دراسته على أعلام عصره ، وبقي فيها فترة من الزمن ثمّ عاد إلى مسقط رأسه كربلاء ، وهو على أبواب العقد الثالث , وتتلمذ على الأستاد الآقا باقر البهبهاني ، واغترف من منهله ، وقصد النجف ثانية إلى أن وافاه الأجل المحتوم سنة ١٢١٢ ه.

والسيد مهدي بحر العلوم الطباطبائي هو رأس هذه الاُسرة المعروفة بآل بحر العلوم ، ومؤسس مجدها علماً وأدباً وفضلاً ، استوطنت النجف منذ عهده ، وبقيت بقية صالحة من هذه الاُسرة في كربلاء ، كان من بينها المرحوم السيد محمّد مهدي(٢) ابن السيد حسن بحر العلوم الكربلائي. ولد سنة ١٢٨٣ ه واشترك في الثورة العربيّة ، واستوزر في وزارة عبد الرحمان النقيب ، وهي الوزارة الأولى للحكم الوطني في العراق. ومنها ولده المرحوم المحامي السيد صالح بحر العلوم.

السيد مهدي الشهرستاني

هو العلّامة الكبير السيد مهدي الشهرستاني الموسوي ، ولد في أصفهان سنة ١١٣٠ه وتوفي بكربلاء يوم ١٢ صفر سنة ١٢١٦ ه ، ودُفن في مقبرة خاصة شيّدت له ولأسرته في الحضرة الحسينيّة خلف قبور الشهداء.

وذكره صاحب الأعيان ، فقال: انتقل المترجم في عنفوان شبابه إلى مدينة كربلاء لتلقي العلم فيها ، وذلك في أواسط القرن الثاني عشر ، أي بعد استيلاء الأفاغنة على أصفهان ، وانقراض

____________________

(١) عمدة الطالب - للسيد أحمد الداودي / ١٧٤.

(٢) مشهد الإمام - لمحمد علي جعفر التميمي ٣ / ٥٣.


الدولة الصفوية ، وكان معه أهله وإخوانه وأقاربه ، واستوطن هذه المدينة ، واستملك فيها منذ أوائل عام ١١٨٨ ه دوراً وعقارات وفيرة يقع أكثرها في حي ( باب السدرة ) من صحن الإمام الحسين (عليه‌السلام ) الذي كان يسمّى وقتئذ بمحلّة ( آل عيسى ) إحدى محلاّت كربلاء الأربع حينذاك(١) , ولمـّا استقر به المقام تتلمذ على فحول علماء ذلك العصر ، كالآقا باقر البهبهاني ، والشيخ يوسف البحراني ، والشيخ محمّد مهدي الفتوني ، وروى عنهم ، واستجازهم فأجازوه.

اشتهر المترجم له في درس التفسير والحديث ، والفقه واللغة ، وقد تخرّج على يديه كثير من العلماء ، وقام بإصلاحات كثيرة في الروضة الحسينيّة والصحن الشريف الحسيني. ومن جملة تلك الإصلاحات إلحاق الجامع الكبير بالروضة الحسينيّة ، كما بنى جامعاً خارج الصحن قرب باب الصافي.

ومن أشهر تصانيفه الفذالك في شرح المدارك ، وكتاب المصابيح في الفقه ، وبعض الحواشي والرسائل ؛ كحاشيته على المفاتيح ، وتفسير بعض سور القرآن ، وكلّها مخطوطة , أطلعني عليها حفيد المترجم البحاثة الجليل المرحوم السيد صالح ابن السيد إبراهيم الشهرستاني نزيل طهران.

السيد علي الطباطبائي

هو العالم النحرير المير السيد علي الطباطبائي(٢) الشهير بصاحب الرياض ، وينتهي نسبه إلى إبراهيم الغمر ابن الحسن المثنى ابن الإمام الحسن السبط ابن الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

ولد في الكاظميّة يوم ١٢ ربيع الأول سنة ١١٦١ ه , ونشأ في كربلاء في

____________________

(١) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين ٤٩ / ٣ - ٤.

(٢) راجع تاريخ ( الطباطبائي ونسبها ) - مجلة المرشد البغدادية ٢ / ٤٤ - ٤٧ , السنة الأولى , جمادى الآخرة ١٣٤٤.


اُسرة علمية لها مكانتها , وتتلمذ على أعلام عصره ، وكان يعمل لغرس الأمانة العلميّة في طلابه حين تصدّر للتدريس والفتيا ، وكان إلى جانب ذلك شعوره بالمسؤولية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويعدّ من أبرز علماء عصره بالأخبار والتاريخ والفقه.

ذكره السيد محسن الأمين فقال: السيد علي ابن السيد محمّد علي بن أبي المعالي الصغير بن أبي المعالي الكبير أخي السيد عبد الكريم جدّ بحر العلوم الطباطبائي الحائري ، ولد في الكاظميّة ١٢ ريبع الأول سنة ١١٦١ ه وتوفي سنة ١٢٣١ ه ، وجاء في تاريخ وفاته ( بموت علي مات علم محمّد ) ، ودُفن في الرواق الشريف ممّا يلي مقابر الشهداء ، وهو مع الآقا البهبهاني في صندوق واحد يزار.

وما يحكى عن مجموع للسيد مهدي بحر العلوم الطباطبائي من قوله: وفاة العمّ المرحوم السيد علي سنة ١٢٠١ ه ، وما في روضات الجنات من أنّه توفي حدود إحدى ومئتين بعد الألف الظاهر أنّه وقع فيه نقصان ثلاثين سنة ؛ أوّلاً: لمخالفته للتاريخ المذكور المنظوم ، ثانياً: لأنّ عمره على هذا يكون أربعين سنة ، ويبعد بلوغه هذه الغاية من العلم والتأليف في هذه المدّة...(١) إلخ.

وجاء في الأعيان أيضاً: وكان في أوّل أمره يكتب بكتابة الأكفان ، وهو مشغول بتصنيف الرياض ، ثمّ انفتح عليه باب الهند في الدول الشيعية وصارت الدراهم عنده كأكوام الحنطة حتّى اشترى دور الكربلائيين من أربابها وأوقفها على سكّانها وأهلها جيلاً بعد جيل ، وبنى سور كربلاء ، وطلب عشيرة من ( البلوج ) وأسكنهم كربلاء لقوّتهم وشدّتهم ، وروّج الدين بكلّ قواه ، وبذل في سبيل ذلك كلّ لوازمه ، وعظّم أهل العلم... إلخ(٢) .

ومن تآليفه القيّمة:

(١) الرياض في الفقه

(٢) مختصره

(٣) رسالة حجية الشهرة

____________________

(١) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين ٤٢ / ٤٤ - ٤٥.

(٢) المصدر نفسه / ٤٦.


(٤) شرح صلاة المفاتيح

(٥) رسالة في اُصول الدين , وغيرها.

ترجم له عدد كبير من المعنيين بتراجم الرجال.

السيد محمّد المجاهد الطباطبائي

من العلماء الأجلاّء والفقهاء الأفاضل الذين حظوا على مكانة مرموقة سامية بين رجال عصره ، وتبنّوا الزعامة الدينيّة والرئاسة الروحية في هذا البلد المقدّس ؛ فهو السيد محمّد ابن العلّامة الكبير السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض ، وسبط الوحيد البهبهاني ، وصهر السيد الكبير مهدي بحر العلوم.

ولد في كربلاء عام ١١٨٠ ه ، ونشأ في أسرة لها منزلتها وجلال قدرها بين اُسر العلم في التاريخ الإسلامي ، وكان لها تأثير كبير على تطوّر الفكر العربي بما قدّمته له من خدمات جليلة متواصلة في حقلي العلم والدين.

درس على علماء أجلاّء , وأخذ على أساتذة ثقاة ، ولمـّا توفي والده في أصفهان رجع إلى كربلاء فكان المرجع العام لكلّ الإمامية في أطراف الدنيا ، وقام سوق العلم في كربلاء ، وصارت الرحلة إليه في طلب العلم من كلّ البلاد ، وسكن الكاظميّة , وكثرت مهاجمة الوهابية لكربلاء ، وكانت البلدة بوجوده مرجعاً للشيعة(١) .

لقد كان معاصراً للسلطان فتح علي شاه القاجاري ، وعندما استولى الروس على بعض المدن الإيرانيّة كدربند وشيروان وسواها من المدن انتدبه السلطان نفسه لمحاربة الروس ؛ فقاد جيشاً عرمرماً إلّا أنّه فشل فمات إثر ذلك في قزوين ، ثمّ نُقل رفاته إلى كربلاء ؛ ولهذا سمّي بالمجاهد ، وقد أفتى بالجهاد ضدّ الروس.

ومن تصانيفه المهمّة كتاب « مفاتيح الاُصول » ، وكتاب « المصابيح في شرح

____________________

(١) أعيان الشيعة ٤٦ / ٧٩.


المفاتيح » ، و« مناهل الأحكام في الفقه » وغيرها من كتب الفقه المخطوطة والمطبوعة. وكان من أصحاب الرأي الناضج والفقه الرصين.

كما إنّه كان دؤوباً على العلم والمطالعة ، وكانت وفاته في عام ١٢٤٢ ه بقزوين ، وحُمل نعشه إلى كربلاء ودُفن بها ، وقبره الشريف في سوق التجار الكبير ، مجاور لمدرسة البقعة ، وكان له أخ اسمه السيد محمّد مهدي , أصغر منه ، كان أيضاً عالماً جليلاً , اُمّهما بنت الآقا باقر البهبهاني ، كانت عالمة فقيهة.

الشيخ شريف العلماء

عالم جليل القدر ، تبوّأ مكانة سامية في ميدان العلم ، وله شهرة ذائعة الصيت ، وحياة حافلة بجلائل الأعمال ونوادر الأفعال ؛ فهو المولى محمّد شريف بن حسن علي المازندراني الحائري ، شيخ فقهاء عصره ، واُستاذ العلماء الفحول.

ذكره العاملي في ( أعيان الشيعة ) بقوله: ولد في كربلاء ، ودُفن قرب باب القبلة ، شيخ العلماء ، ومربّي الفقهاء ، ومؤسس علم الاُصول ، وجامع المعقول والمنقول ، نادرة الدهر ، وأعجوبة الزمان. قرأ أوّلاً على السيد محمّد المجاهد ، ثمّ قرأ على والده صاحب الرياض في الاُصول والفقه حتّى استغنى عن الاُستاذ ولم يعدّ ينتفع بدرسه ؛ فسافر مع أبيه إلى إيران وساح فيها ، وبقي في كلّ بلد شهر أو شهرين ؛ فزار الرضا (عليه‌السلام ).

ورجع إلى كربلاء ، وحضر درس صاحب الرياض , فرأى أنّه لا يستفيد من درسه ، وصار السيد معمّراً فاشتغل بالمباحثة والمطالعة ، واجتمع في درسه الفضلاء حتّى زادوا على الألف ؛ منهم السيد إبراهيم صاحب الضوابط ، وملاّ إسماعيل اليزدي الذي كان في أواخر أمره يرجح على شريف العلماء ، وبعد موت شريف العلماء صار في مكانه في التدريس ، لكن لم تطل مدّته ومات بعده بسنة ، وملاّ آقا الدربندي ، وسعيد العلماء البارفروشي ، والشيخ مرتضى الأنصاري ، والسيد محمّد شفيع الجابلقي صاحب الروضة البهية وغيرهم.

وكان يدرّس درسين ؛ أحدهما للمبتدئين ، والآخر للمنتهين ، وقلّما رأى مثله من تأسيس


قواعد الاُصول ، وقد صرف عمره على تربية العلماء ؛ فلهذا كان قليل التصنيف ، ومصنّفاته على قلّتها لم تخرج إلى البياض ، وكان أعجوبة في الحفظ والضبط ، ودقّة النظر وسرعة الانتقال في المناظرات وطلاقة اللسان. له يد طولى في علم الجدل ، وكان له ولد توفي سنة وفاته , وانقطع نسله(١) ، وكان يقول في التدريس في الحائر المقدّس في المدرسة المعروفة بمدرسة السردار حسن خان ، وكان يحضر تحت منبره ألف من المشتغلين , ومنهم المئات في العلماء.

توفي في الطاعون الجارف سنة ١٢٤٦ ه(٢) ودُفن في داره بكربلاء ، وقبره مزار معروف في زقاق كدا علي المتفرّع من شارع الحسين (عليه‌السلام ) , وإلى جانبه مدرسة شريف العلماء.

ذكرته كتب السير والتراجم , منها الكرام البررة ٢ / ٦١٩ - ٩٢٠ ، ومعارف الرجال ٢ / ٢٩٨ - ٣٠٠.

الشيخ خلف بن عسكر الحائري

هو الشيخ خلف ابن الحاج عسكر الزوبعي الحائري من كبار علماء عصره ومشاهير الأعلام , كانت له في كربلاء رئاسة دينية وسمعة طائلة في العلم والفضل ، وشهرة واسعة في التحقيق والتدقيق. تتلمذ على العلّامة السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض ، ولازمه فترة زمنية طويلة.

ورد له ذكر في ( الكرام البررة ) وهذا نصه: وكان من أجلاّء المدرّسين ، تخرّج عليه كثير من أهل العلم والفضل ، وكان تخرّجه على السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض ، وعمدة تلمذه عليه ؛ فقد لازمه سنين طوال ، وسبر مؤلّفاته الفقهية ، وواظب على حضور مجالسه الفتوائية حتّى أصبح علماً يُشار إليه ، ومنهلاً صافياً يرتوي أهل العلم من معارفه وعلومه ، وكان

____________________

(١) أعيان الشيعة ٤٥ / ٢٢٣.

(٢) أورد ترجمته الشيخ عبّاس القمي في الكنى والألقاب ٢ / ٣٣١ - ٣٣٢ ، وذكر أنّه توفي في الحائر المقدّس بالطاعون سنة ١٢٤٥ ، بينما تنصّ معظم المصادر حدوث الطاعون سنة ١٢٤٦ ه.


إلى جانب ذلك من أهل الورع والصلاح ، والزهد والتقوى. توفي في الطاعون سنة ١٢٤٦ ه كما ذكره السيد الصدر في ( التكملة ) نقلاً عن بعض أحفاده...(١) إلخ ، ودُفن عند باب السدرة على الدكة في الصحن الحسيني الشريف.

وترك آثاراً فكرية قيّمة , منها: ( شرح الشرائع ) في عدة مجلدات ، و( الخلاصة ) وهو تلخيص لفتاوى اُستاذه صاحب الرياض في الطهارة والصلاة من شرحه الصغير , لخّصه في حياته سنة ١٢٢٨ ، وله ( ملخص الرياض ) ، و ( مقدّمات الحدائق ) في مجلد فرغ من كتابته سنة ١٢١٤ ه ، و( طهارة الحدائق ).

يرجع نسب الشيخ خلف إلى عشيرة ( الزوبع ) العربيّة المشورة ، وكانت داره في الشارع الذي يبدأ من باب السدرة وينتهي بمحلّة باب السلالمة عند طاق كان يُعرف بطاق الشيخ خلف ، وقد هُدم اليوم بسبب فتح شارع السدرة.

ترك ثلاثة أولاد هم:

١ - الشيخ حسين ، وهو من الأجلاء ، قام مقام والده في الإمامة وسائر الوظائف الشرعية ، توفي في طاعون سنة ١٢٤٦ ه ، وهو والد العالم الشيخ صادق المتوفّى سنة ١٣١٥ ه والشيخ علي.

٢ - الشيخ عبد الحسين والد الفاضلين الشيخ باقر والشيخ حسن.

٣ - الشيخ محمّد. ولأولئك أولاد وأحفاد معروفون.

السيد كاظم الرشتي

كان من أبرز علماء كربلاء في عصره ، أحرز شهرة طائلة ، ومنزلة رفيعة ، وشهدت له أندية العلم بغزارة علمه ، وحدّة ذكائه ، تتلمذ على الشيخ أحمد الأحسائي المتوفّى عام ١٢٤٢ ه ، وتأثر بمبادئه وآرائه المخالفة لآراء الاُصولية ، وعُرف مذهبه بـ ( الكشفي ) ، أو (بشت سري) ، أمّا مذهب الفرقة الاُصولية فيُعرف ( البالا سرية ) ، وكانت بين الفريقين خصومات حادّة.

____________________

(١) الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة ٢ / ٥٠١ - ٥٠٢.


ذكره الاُستاذ عبّاس العزاوي فقال: توفي السيد كاظم الرشتي في ٩ ذي الحجة سنة ١٢٥٩ ه ، وعقائد الكشفية هي عقائد الشيخية موسعة في شرح المطالب ، وآل الرشتي معروفون في كربلاء وهم من ذرّيّة السيد كاظم(١) .

وقال فيه صاحب كتاب ( ريحانة الأدب ): السيد كاظم بن قاسم الحسيني الكيلاني الرشتي الحائري من علماء أواسط القرن الثالث عشر الهجري ، ومن أكابر تلامذة الشيخ أحمد الأحسائي ، وبعد وفاة اُستاذه المذكور تولّى المرجعية في جميع الأمور الدينيّة ، فكان عميداً للطريقة الشيخية ، وله تآليف كثيرة(٢) ذكرت ضمن ترجمته.

وقد ورد له ذكر في كتاب ( أحسن الوديعة ) وهذا نصه: السيد كاظم بن قاسم صاحب المؤلّفات الكثيرة التي لم يفهم أحد ما يقول فيها ، وكأنّه يتكلّم بالهنديّة ، ولا سيما شرح القصيدة والخطبة مشحونة بالألغاز والمعمّيات ، خالية عن صريح العبارات والدلائل الساطعات(٣) .

وذكره مؤلّف كتاب ( القاموس الإسلامي ) بكونه موسوي النسب ، فقال: كاظم بن قاسم الحسيني الموسوي الرشتي من فقهاء الشيعة الإمامية ، لقّب بالموسوي نسبة إلى الإمام موسى بن جعفر... إلخ(٤) . ونحن إذ نختلف مع المؤرّخ المذكور في كون الرشتي موسوي ، فهو حسيني النسب.

وذكره خير الدين الزركلي فقال: كاظم بن قاسم الحسيني الموسوي الرشتي فاضل إمامي ، من أهل ( رشت ) بإيران ، سكن الحائر ( كربلاء ) ، له كتب منها (رسائل الرشتي - ط ) أجاب بها على بعض المسائل ، و( شرح قصيدة عبد الباقي العمري اللامية - ط ) في مدح موسى بن جعفر (عليه‌السلام )(٥) .

____________________

(١) تاريخ العراق بين احتلالين - عبّاس العزاوي ٧ / ٦٩.

(٢) ريحانة الأدب - للشيخ محمّد علي التبريزي ( فارسي ) ٢ / ٧٧.

(٣) أحسن الوديعة - للسيد محمّد مهدي الموسوي الكاظمي ٢ / ٣٠٩.

(٤) القاموس الإسلامي - أحمد عطية الله ٢ / ٥٢٦.

(٥) الأعلام - خير الدين الزركلي ٦ / ٦٧.


وهناك مؤلّفات مطبوعة قسم منها لأنصار الفرقة الكشفية ، والقسم الآخر لخصومها ، وقد لا يعول عليها الباحث ، وربما لعبت بها أيدي النسّاخ ؛ فعليه لم نرَ ما يدعو إلى الاعتماد على تلك المصادر. وقد راجعنا المصادر الأصلية الخطّية التي دوّنت في عصر السيد كاظم الرشتي معبّرة عن العقائد الكشفية(١) .

وللسيد كاظم خدمات جليلة ، ومشاريع هامة ما تزال آثارها شاخصة للأبصار ، نوّه عنها مؤلّف كتاب ( بغية النبلاء في تاريخ كربلاء ) , حيث قال: أنفق السيد كاظم الرشتي من فضله مصرف تحديد إنشاء المسجد الواقع في القسم الشرقي من الصحن الحسيني ، وتبرّع زوجة محمّد شاه القاجاري ملك إيران أنفذ نهر الرشتية إلى الرزازة وبطيحة أو هور أبو دبس ، ولتبرّع أحد المحسنين من رجال حاشية الشاه عبّاس الأوّل الصفوي إبان احتلال الدولة الصفوية للعراق ( ١٠٣٢ - ١٠٤٢ ) جدّد صدراً لهذا النهر(٣) .

ترجم له كثير من أرباب السير في آثارهم.

____________________

(١) رسائل في عقائد الكشفية - للميرزا أحمد ترك ابن الملاّ الآخوند الحاج إسماعيل الخراساني ، صنّفه في شعبان ١٢٦٢ ه ، وهو معلّم أطفال الفرقة الكشفية في كربلاء ، ومن أبرز تلامذة السيد كاظم الرشتي ، حاجج البابية والقرتية. والكتاب يحتوي على خمس عشرة رسالة في إثبات عقائد الكشفية ، وضعت من قبل السيد كاظم ، وفي الكتاب فصلان في الردّ على البابية والقرتية ، وهو من مخطوطات مكتبة الأديب حسن عبد الأمير.

(٢) البارقة الحيدرية في الردّ على الكشفية - لمؤلّفه محمّد باقر ابن المرحوم السيد حيدر الحسني الحسيني ، انتهى من تأليفه يوم السبت سابع عشر ذي الحجة سنة ١٢٧٦ ه ، مخطوط في مكتبة الإمام الصادق (عليه‌السلام ) في حسينيّة الحيدرية بالكاظميّة.

(٣) بغية النبلاء في تاريخ كربلاء - عبد الحسين الكليدار آل طعمة / ٩٩.


الشيخ محمّد حسين الأصفهاني (صاحب الفصول)

يطول بنا المقام لو أردنا أن نستوفي ما ورد فيه من أقوال الفقهاء والمتكلّمين ؛ فهو علم شامخ ، وفقيه نبيل ، ومحدّث واسع الاطّلاع.

ذكره صاحب ( أعيان الشيعة ) فقال: الشيخ محمّد حسين بن عبد الرحيم الرازي الأصل , الحائري المسكن والمدفن ، صاحب الفصول ، توفي في كربلاء سنة ١٢٦١ , الفقيه الاُصولي الشهير ، أخذ عن أخيه الشيخ محمّد تقي صاحب هداية المسترشدين ، وعن الشيخ علي ابن الشيخ جعفر ، واختار الإقامة في كربلاء فرحل إليه الطلاب , وأخذ عنه جماعة من العلماء ، مثل الحاج ميرزا علي نقي ، والميرزا زين العابدين الطباطبائيين.

وله مؤلّفات في الاُصول , منها ( الفصول ) ، وهي من كتب القراءة في هذا الفنّ ، أورد فيه مطالب القرانين وحلّها واعترض عليها ، وهو مشهور عند أهل هذا النوع ، وأحفاده موجودون في كربلاء وأصفهان. خلّف ولدين ؛ الشيخ عبد الحسين مات بكربلاء ، والشيخ باقر مات بأصفهان(١) .

وجاء في ( المنجد ) نصّ هذا التعريف: محمّد حسين بن عبد الرحيم الطهراني الرازي , أقام وعلّم في أرض الحائر المطهر ( من أحياء كربلاء ) ، وفيها توفي ( ١٨٤٥ ) ، له ( الاُصول في علم الاُصول ) طبع في العجم ١٨٦٨(٢) .

ولد صاحب الترجمة في « إيوان كيف »(٣) ، ونشأ بها ، وأخذ المقدّمات عن كبار علماء طهران. ولمـّا عاد شقيقه الحجة الكبير الشيخ محمّد تقي الأصفهاني وانتهت إليه الرئاسة كان المترجم قد انتهل من نميره ؛ فقد حضر عليه فترة طويلة ، ثمّ هاجر إلى العراق واتخذ كربلاء موطناً له ، وكانت يومذاك مدرسة عربيّة إسلاميّة تغصّ معاهدها بالدارسين ؛ فاتسعت شهرته ، ونشر العلم وترويج الأحكام حتّى أصبح مرجعاً عاماً

____________________

(١) أعيان الشيعة ٤٤ / ٢١٦.

(٢) المنجد في الأدب والعلوم - فردينال توتل / ٤٨٢.

(٣) من أعمال إيران.


في التدريس ، وكان يقيم الجماعة في الروضة الحسينيّة المشرّفة ، وكانت في كربلاء يومذاك فرقة الكشفية ، وقد أخذ المترجم يضعف نفوذهم ويحاربهم حتّى كسر شوكتهم.

توفي عام ١٢٥٤ ه , ودُفن في الصحن الصغير في مقبرة آل الطباطبائي. ومن آثاره المهمّة ( الفصول الغروية ) في الاُصول ، وله رسالة عملية فرغ من تأليفها عام ١٢٥٣ ه ، وكان ولده الشيخ عبد الحسين عالماً فاضلاً من أجلّ تلامذة صاحب الجواهر.

السيد إبراهيم القزويني (صاحب الضوابط)

علم شامخ من أعلام الفكر ، فقيه بارع متضلّع بالعلوم العقلية والنقلية , انتقل مع والده السيد محمّد باقر الموسوي القزويني إلى كربلاء فقرأ على السيد علي صاحب الرياض ، وفي أواخر أيّامه لازم درس شريف العلماء في الاُصول ، ثمّ هاجر إلى النجف فقرأ على الشيخ علي ابن الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء في الفقه ، وعلى أخيه الشيخ موسى ، ثمّ عاد إلى كربلاء فلازم درس شريف العلماء ، واشتغل في التدريس في حياة اُستاذه ، واجتمع في مجلس درسه نحو مئة طالب.

واستقلّ في التدريس بمدرسة السردار حسن خان المتصلة بالصحن الحسيني الشريف ، وكان يجتمع في حلقة درسه ما يزيد على ألف طالب وفيهم من فحول العلماء.

كما قرأ أيضاً على السيد محمّد صاحب المناهل ومفاتيح الاُصول ، وهو الذي رغّبه في التأليف في الفقه ، وأعطاه من كتب الفقه ما يلزمه. توفي في كربلاء بمرض الوباء سنة ١٢٦٢ ه عن عمر ناهز الستين ، ودُفن في مقبرته جنب داره قريباً من المشهد الحسيني ، وأعقب ولدين هما: السيد أحمد ، والسيد باقر الشهيد آقا بزرك.

ومن آثاره الخيرية بناء سور سامراء ، وتذهيب إيوان سيدنا العباس بن علي (عليه‌السلام ) كما صرّحت بذلك المصادر.

أمّا أشهر تلامذته فقد ذكرهم صاحب ( أعيان الشيعة ) وهم: الشيخ زين


العابدين البارفروشي المازندراني الفقيه المشهور الذي انتهت إليه الرئاسة العلميّة في كربلاء ، والسيد حسين الترك ، والسيد أسد الله نجل حجة الإسلام ! والشيخ مهدي الكجوري الذي كان في شيراز ، والسيد أبو الحسن التنكابني ، والحاج محمّد كريم اللاهيجي ، والشيخ عبد الحسين الطهراني شيخ العراقين ، وملاّ محمّد علي التركي ، وملاّ علي الكني ، وميرزا محمّد حسين الساوري ، وميرزا محمّد حسن الأردبيلي ، وميرزا صالح الداماد الشهير بـ ( العرب ) ، وميرزا رضا الدامغاني ، والشيخ محمّد طاهر الكيلاني ، وميرزا محمّد صالح التركي ، وآقا جمال المحلاتي وأمثالهم ، وكلّ من اُولئك أصبح مرجعاً في صقعه(١) .

مؤلّفاته: ترك لنا صاحب الضوابط مجموعة من تصانيفه القيّمة التي دوّنت في ( أعيان الشيعة )(٢) , وهي كما يلي:

١ - ضوابط الاُصول في مجلدين - مطبوع ، وكان تأليفه في سنة الطاعون.

٢ - نتائج الأفكار في الاُصول بقدر المعالم - مطبوع.

٣ - رسالة في حجية الظن.

٤ - دلائل الأحكام في شرائع الإسلام ، في الفقه من الطهارة إلى الديات في عدّة مجلدات.

٥ - رسالة فارسيّة في الطهارة والصلاة والصوم.

٦ - رسالة عربيّة مفصلة في الطهارة والصلاة.

٧ - مناسك الحج.

٨ - رسالة في الغيبة.

٩ - رسالة في صلاة الجمعة.

____________________

(١) أعيان الشيعة ٥ / ٣٤٣.

(٢) المصدر نفسه.


١٠ - رسالة من القواعد الفقهية جمع فيها خمسمئة قاعدة.

أورد ذكره وأثنى عليه عدد غير قليل من المؤرّخين في مصنّفاتهم ، ومنهم: الاُستاذ خير الدين الزركلي في ( الأعلام ١ / ٢١٧ ) ، وعمر رضا كحالة في ( معجم المؤلّفين ١ / ١٧ ) ، وآقا بزرك الطهراني في ( الكرام البررة ١ / ١٠ - ١١ ) ، وانظر ( إيضاح المكنون ١ / ٤٧٦ ) ، و( معجم سركيس / ١٨١٥ ).

الشيخ محمّد حسين القزويني

من الرجالات العلميّة التي عُرفت بطول الباع ، وسعة الاطّلاع في مختلف العلوم الدينيّة ؛ فهو الشيخ محمّد حسين بن عبّاس علي الطالقاني القزويني الحائري ، عالم فاضل ، ورئيس مطاع ، ومروّج للدين والأحكام ، وخطيب مصقع يرجع إليه في أحكام الشرع.

ذكره صاحب ( أحسن الوديعة ) فقال: العالم الفاضل ، والفقيه الكامل ، الشيخ محمّد حسين القزويني الأصل ، الحائري المسكن ، كان من أكابر المجتهدين ورؤساء الدين ، له مؤلّفات في الفقه والاُصول تدلّ على كثرة تبحرّه في العلوم العقلية والنقلية ، وقفت على بعضها عند بعض المعاصرين بخطّ بعضهم ، وكان عمدة تلمذه على شيخ مشايخنا صاحب الجواهر , وعليه تخرّج.

ذكره في ص ١٥٦ س ١٨ من المآثر والآثار ، وأشار إلى أنّه كان من فحول المجتهدين وفقهاء زمانه ، وله منزلة رفيعة وجاه عظيم(١) .

وأثنى عليه الشيخ آقا بزرك الطهراني فقال: كان في كربلاء من تلاميذ شريف العلماء المازندراني ، وكان في النجف من أكابر تلاميذ صاحب ( الجواهر )

____________________

(١) أحسن الوديعة - للسيد محمّد مهدي الموسوي الأصفهاني الكاظمي ( الطبعة الثانية ) ١ / ٥٢.


بل من معاصريه ومعاصري صاحب الفصول ، جاور كربلاء فكان رئيساً مقدماً ، ومدرّساً كبيراً ، وخطيباً جليلاً ، ومفتياً يرجع إليه في أحكام الشرع ، وكان له تبحّر غريب في الفقه والاُصول تنطق به آثاره وتشهد مآثره ، توفي في ٤ محرّم ١٢٨١ ه ، وهي السنة التي توفي بها الشيخ المرتضى الأنصاري عن ثلاث وستين سنة ، فولادته في ١٢١٨ ه , ودُفن بمقبرة ركن الدولة في الصحن الصغير المهدوم فعلاً.

وله من الآثار (نتائج البدائع) في شرح (الشرايع) خرج منه أكثر أبواب الفقه ، و (نتيجة البديعة) في علم فروع الشريعة عندي المجلد الثاني من طهارته ، وهو من الدماء إلى آخر أحكام الأموات بخطّه الشريف ، شرع فيه ( ١٢٥٠ ) , وفرغ منه في ( ١٢٥١ ) ، ولعلّه منتخب من شرحه المذكور , وعنوانه نتيجة نتيجة.

ورأيت مجلد الإقرار منه عند السيد محمّد صادق آل بحر العلوم فرغ منه في ١٢٧٤ ه بكربلاء ، ورأيت بعض مجلداته الاُخر في مكتبة الشيخ عبد الحسين الطهراني الموقوف بكربلاء ، ويظهر من بعضها أنّ اسم والده عبّاس علي ، وله أيضاً ( بدائع الاُصول ) في المكتبة المذكورة بكربلاء(١) . والعقب منه في ولديه الفاضلين الشيخ موسى والشيخ عيسى.

الشيخ عبد الحسين الطهراني

من علماء عصره الذين يُشار إليهم بالبنان ، كانت له الزعامة الدينيّة والمرجعية في الأحكام الشرعية , ذكره صاحب ( أعيان الشيعة ) فقال: توفي في الكاظميّة في ٢٢ رمضان ١٢٨٦ , ونُقل إلى كربلاء فدُفن في حجرة بجانب الباب الجديد المسمّى بالباب السلطاني على يسار الداخل إلى الصحن الشريف ، وقد تجاوز عمره الستين.

وكان عالماً فقيهاً ، اُصولياً رجالياً ، أديباً حافظاً للشعر العربي ، حاوياً لجملة من الفنون ، هاجر إبان الطلب من طهران إلى النجف الأشرف ، وأخذ عن الشيخ

____________________

(١) الكرام البررة ١ / ٤٠٥.


مشكور الحولاوي ، والشيخ عيسى زاهد ، وصاحب الجواهر ، ورجع بعد إجازته إلى طهران فرأس وتصدّر فيها ، وتقدّم عند الشاه ووزرائه ، وحصل له القبول عند الخاصة والعامة ، ثمّ خرج منها بأهله وسكن كربلاء سنة ١٢٨٠ ه ، وفوّض الشاه إليه عمارة المشاهد في كربلاء والكاظميّة وسامراء ، وأقام على تذهيب القبّة في سامراء وبناء الصحن وزخرفته وتوسعة الحرم الحائري.

وكان جماعاً للكتب خصوصاً المخطوطة منها ، وله من ذلك مكتبة نفيسة أوقفها وقد تلف جملة منها ، وتفرق باقيها أيدي سبأ ، وكان فيها مجلدات من رياض العلماء ، وقد سألنا عنها في زيارتنا للعراق سنة ١٣٥٢ ه في كربلاء فأخبرنا بتلفها ، وإحتراق بعض أجزاء رياض العلماء الذي كان فيها ، وهكذا تذهب آثارنا النفيسة ضحية الإهمال والفوضى.

وله مدرسة غربي المشهد الشريف ملاصقة له تنسب إليه ، له كتاب في طبقات الرواة في جدول لطيف غير أنّه ناقص ، وله رسالة علمية مطبوعة ، وترجمة نجاة العباد ، وحواشي وتعليقات ورسائل وكتب في الرجال(١) .

وأرّخ وفاته تلميذه الميرزا محمّد الهمداني الكاظمي المعروف بإمام الحرمين , بقوله:

منذ ( عبد الحسين ) مولى البرايا

فاض من ربـه عليه النورُ

طار شوقاً إلى الجنان شريفاً

ودعاه إليه أرّخ ( غفورُ )(٢)

وخلف من الأولاد الذكور خمسة ؛ الشيخ علي ، والشيخ مهدي ، والشيخ أحمد ، والشيخ شريف ، والشيخ عيسى.

وجاء في ( سفر نامه ) ناصر الدين شاه إلى العتبات أنّه في يوم الخميس عاشر ذي الحجّة قدّم العطايا للمحترمين من أهل كربلاء ، وعدّ أولاد المترجم له ، وقال: أنّهم ثلاثة ، ومراده الثلاثة الأجلاء الكبار منهم ، وإلّا فقد ذكرنا أنّهم خمسة ، والشيخ مهدي هو الذي شارك أخاه الشيخ علي

____________________

(١) أعيان الشيعة ٣٧ / ١٠٨.

(٢) الكرام البررة ١ / ٧٢٤.


صاحب ( معراج المحبّة ) المطبوع في وقف مكتبة والدهما سنة ١٢٨٨ ه ، ولولده الشيخ مهدي أولاد , منهم: الشيخ محمّد باقر المولود سنة ١٣٠١ ه ، ومحمد هادي المولود سنة ١٣١٠ ه(١) .

وللمترجم له مكتبة نفيسة أتينا على ذكرها في (مخطوطات كربلاء) ، وقد ذكرها جرجي زيدان في ( تاريخ آداب اللغة العربيّة ٤ / ١٤١ ) ، والفيكنت فيليب دي طرازي في ( خزائن الكتب العربيّة في الخافقين ١ / ٣١٠ ).

ودوّنت ترجمته في كثير من المصنّفات التاريخيّة ومنها: ( المآثر والآثار / ١٣٩ ) ، و ( مستدرك الوسائل ٣ / ٣٩٧ ) ، و ( كفاية الموحّدين ٢ / ٦٢٩ ) ، و( جنّة النعيم / ٥٢٨ ) ، و ( ريحانة الأدب ٢ / ٤١٠ ) ، و ( أحسن الوديعة ١ / ٦٠ - ٦٢ ) ( الطبعة الثانية ) ، و ( أعيان الشيعة ٣٧ / ١٠٧ - ١٠٨ ) ، و ( تاريخ سامراء ٢ / ١٦ - ١٧ ) ، و ( الكرام البررة ١ / ٧١٣ - ٧١٥ ) وغيرها من عشرات المصادر.

الشيخ محمّد صالح آل كدا علي

هو العالم الفاضل الشيخ محمّد صالح بن مهدي ابن الخطّاط المشهور آقا محمّد جعفر ابن الأمير فضل علي خان المعروف بكدا علي بيك النوري الحائري ، أحد مراجع التقليد في عصره , من أهل الصلاح والورع.

كان جدّه كدا علي بيك من خوانين إيران ، ومن أكابر المثرين في بروجرد وسلطان آباد ، يُقال: إنّه من قبيلة (جوذرزي) المنسوبة إلى آل نوبخت ، هاجر بعد الدولة الصفوية إلى العراق فسكن كربلاء ، وتزوّج بها أخت السيد الميرزا صالح الشهرستاني(٢) ... إلخ.

تتلمذ المترجم له على العلّامة السيد إبراهيم القزويني صاحب الضوابط وغيره من أعلام كربلاء في ذلك العهد ، وترك تصانيف قيّمة في الفقه لا تزال محفوظة

____________________

(١) الكرام البررة ١ / ٧١٥.

(٢) هكذا ذكره صاحب الذريعة في مصنفه ( الكرام البررة ١ / ٦٦٣ ).


بأيدي أحفاده اليوم. وكان يقطن في الزقاق المعروف باسمه ، المتفرّع من شارع الحسين (عليه‌السلام ) قرب الصحن الشريف الحسيني.

توفي في شهر ذي الحجة سنة ١٢٨٨ ه بعد أن ناهز عمره المئة سنة ، وأرّخ عام وفاته العلّامة الميرزا محمّد الهمداني الشهير بإمام الحرمين , فقال:

لله صالح قضى نحبَه

أحيا الليالي بالدعا والقنوت

وآخرها:

ومَنْ يكن ذا عمل صالحٍ

أرّخ (هو الحي الذي لا يموت)

١٣٨٨ ه

ودُفن في مقبرة خاصة له ولأسرته في الواجهة الشماليّة من الصحن الحسيني جوار إيوان الوزير. ومن أحفاده اليوم الدكتور عبد الرزاق الشهرستاني.

الشيخ ميرزا علي نقي الطباطبائي

من كبار العلماء العاملين ، وأعاظم المجتهدين ، كان غصناً يانعاً من دوحة علم أصلها ثابت وفرعها في السماء ؛ فهو العالم الفقيه السيد ميرزا علي نقي ابن السيد حسن ابن السيد محمّد المجاهد ابن السيد علي الطباطبائي الحائري صاحب الرياض.

ولد في كربلاء سنة ١٢٢٦ هجرية ، ونشأ في بيت روحي فشبّ فيه , وتلقّى العلم على لفيف من الفقهاء المبرزين ؛ كالعلّامة السيد ميرزا مهدي الطباطبائي نجل العلّامة السيد محمّد المجاهد ، والشيخ محمّد حسين صاحب الفصول ، وقرأ في النجف على العلّامة الشيخ حسن نجل كاشف الغطاء ، والشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر وغيرهم.

واُنيطت به من المهام والمناصب الشرعية والفتاوى العلميّة ما هو أهل لها ، وانتهت إليه الرئاسة الدينيّة ، وكان يُقيم صلاة الجماعة في المسجد المعروف باسمه بين الحرمين ، فذاعت شهرته ، وعلا صيته ، وعظم شأنه ، فحظي على مكانة


مرموقة واحترام شامل.

وتتلمذ عليه لفيف من أهل الفضل ، نخص بالذكر منهم: الشيخ محمّد تقي الشيرازي زعيم الثورة العراقيّة ، والسيد محمّد الفشاركي ، والشيخ الملاّ فضل الله المازندراني وغيرهم. ومن بين تآليفه المطبوعة ( الدرّة الحائرية ) في شرح الشرائع ، برز منه شرح كتاب البيع وقد طُبع في إيران طبعة حجرية ، وشرح مباحث العقود والإيقاعات والأحكام والطهارة , والدرّة في العام والخاص طُبع خلف الكتاب المذكور ، ثمّ رسالة عملية في العبادات.

وله إضافة إلى ذلك من الكتب والرسائل وأجوبة المسائل وحلّ المشاكل ، ذكرها صاحب ( أعيان الشيعة ) وهي:

١ - كتاب القضاء ، وله رسائل ٢ - رسالة في صلاة المسافر ٣ - في الغسالة ٤ - في تقويض الأحكام ٥ - في تداخل الأغسال ٦ - في تعيين السورة بعد الحمد ٧ - في جواز بيع الوقف ٨ - في قضاء الرواتب ٩ - في حكم تقدّم المرأة على الرجل في الصلاة ١٠ - في قضاء بالنكول ١١ - في الأصل المثبت ١٢ - في اجتماع الميت والمحدث والجنب ومعهم من الماء ما يكفي أحدهم ١٣ - كتاب في البيع ١٤ - منظومة في الحج اسمها مزيج الاحتياج في حكم منسك الحاج ١٥ - كتاب في الإجازة ١٦ - شرح مزجي على زيارة الجامعة , كبير لم يتمّ , تخلف بولده الميرزا جعفر(١) .

توفي في ٦ صفر من عام ١٢٨٩ هجرية ودُفن في مقبرة آل الطباطبائي المواجهة لمقبرة السيد محمّد المجاهد في سوق التجار الكبير بين الحرمين.

وأرّخ وفاته أحد الشعراء بقوله:

لمّا نعى العلمُ حبراً

قضى نقي الردى زكيا

ناديتُ ألقِ العصا وأرّخ

( حقاً علي قضى نقيا )

١٢٨٩ ه

____________________

(١) أعيان الشيعة ٤٢ / ١٩٨.


ذكرته كتب التراجم والسير منها: ( أحسن الوديعة ١ / ١٥٧ ) ، و( المآثر والآثار / ١٥٤ ) ، و ( معارف الرجال ٢ / ١٤٨ ) وغيرها.

المولى محمّد صالح البرغاني

من الفقهاء والمحدّثين الذين كانت لهم صولات وجولات في ميدان العلم ، بذل نفسه في ترويج الدين وإحياء الشريعة الإسلاميّة. هو ابن المولى محمّد البرغاني القزويني المتوفّى سنة ١٢٠٠ ه ، وشقيقه المولى محمّد تقي المعروف بالشهيد الثالث ، قتيل الفرقة البهائية سنة ١٢٦٤ ه.

ولد في برغان(١) سنة ١٢٠٠ ه وأقام بقزوين ، وعمّر فيها مسجداً ومدرسة عظيمة , وفي أواخر عمره جاور كربلاء وتوفي بها سنة ١٢٨٣ ه ، وكانت وفاته فجأة في الحرم الشريف الحسيني عندما كان مشغولاً بالدعاء , ودُفن في الروضة الحسينيّة.

ورد ذكره في ( معجم المؤلّفين ) وهذا نصّه: كان حيّاً سنة ١٢٧٠ ه محمّد صالح بن محمّد القزويني الكربلائي , فاضل. [من آثاره]: بحر العرفان في تفسير مفتاح الجنان ، ومفتاح البكاء في مصيبة خامس آل العباء فرغ من تأليفه سنة ١٢٧٠ ه(٢) .

ذكره الشيخ آقا بزرك الطهراني فقال: أدرك السيد علي الطباطبائي في كربلاء ، وتلمذ على ولده السيد محمّد المجاهد , واُجيز منه ومن السيد عبد الله شبر وغيرهما ، وتوفي في الحائر الشريف فجأة سنة ١٢٨٣ ه كما رأيته بخطّ بعض أولاده في آخر ( مفتاح البكاء ) له ، ودُفن في رواق الحسين في طرف الرأس الشريف(٣) ... إلخ.

وذكره صاحب ( أعيان الشيعة ) بقوله: محمّد صالح بن محمّد القزويني , ولد سنة

____________________

(١) من أعمال قزوين بإيران.

(٢) معجم المؤلّفين - عمر رضا كحالة ١٠ / ٨٧.

(٣) الكرام البررة ١ / ٦٦٠ - ٦٦١.


١٢٠٠ ه وتوفي سنة ١٢٧٠ ه بكربلاء , ودُفن في الرواق الشريف.ذكره في الشجرة الطيبة ، وقال: كان من أجلاّء العلماء ، تلمذ في إيران على الميرزا القمي ، ثمّ انتقل إلى النجف وتلمذ على الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء ، ثمّ انتقل إلى كربلاء وتوفي فيها.

له من المصنّفات:

(١) غنيمة المعاد في تمام الفقه ١٤ مجلداً

(٢) مسالك الراشدين ٣ مجلدات

(٣) بحر العرفان في تفسير القرآن ٧ مجلدات

(٤) كنز الأخبار في أحوال النبي والأئمّة ٤ مجلدات

(٥) كنز الأبرار في أحوال الأئمّة الأطهار مجلدان

(٦) مجمع الدرر في اللطائف والحكايات

(٧) ذخيرة المعاد في اُصول الدين

(٨) كتاب في اُصول الفقه (٩) مفتاح البكاء في مصيبة سيد الشهداء

(١٠) معدن البكاء

(١١) كنز المصائب

(١٢) منبع البكاء

(١٣) مجمع البكاء , كلّها في مصيبة أهل البيت (عليهم‌السلام ) ومناقبهم

(١٤) كنز الزائرين

(١٥) الستة الأشهر(١) .

وهذه المؤلّفات اطّلعت عليها في مكتبته المحفوظة لدى أحفاده بكربلاء ، ودوّنت التعريف بها في( مخطوطات كربلاء).

القرن الرابع عشر الهجري

الشيخ المولى حسين الأردكاني

عالم جليل القدر ، وفقيه ورع ، هاجر إلى كربلاء المشرّفة فأدرك بها شريف العلماء , وحضر بحثه ، وكتب من تقريرات درسه مبحث البيع الفضولي من كتاب التجارة ، وحضر أيضاً على السيد إبراهيم القزويني صاحب الضوابط ، فاشتهر بين العلماء والطلاب حتّى اتجهت إليه الأنظار ، وكثر الإقبال عليه من مختلف الأصقاع والأمصار.تخرّج من معهده جمع من الفطاحل الكبار ؛ كالسيد الميرزا محمّد حسين المرعشي الشهرستاني ، والميرزا محمّد تقي الشيرازي ، والسيد محمّد الأصفهاني ، والسيد حسن الكشميري ، والميرزا مهدي الشيرازي ، والشيخ علي البفروئي ، والميرزا محمّد

____________________

(١) أعيان الشيعة ٤٥ / ٢٤٠ - ٢٤١ ) ، وراجع أحسن الوديعة ١ / ٣٠.


الهمداني وآخرون غيرهم.

وازدهر العلم في كربلاء في عصره حيث أعاد إليها نضارة عصر الوحيد الآقا باقر البهبهاني ، واشتهر اسمه وذاع صيته فأصبحت له زعامة دينية لا يكاد ينازعه عليها أحد. وقد أثنى عليه المؤرّخون في تآليفهم. للمترجم تقريرات طبعت في كتاب مستقل ونسخته نادرة.

وافاه الأجل عام ١٣٠٥ ه ودُفن في مقبرة اُستاذه صاحب الضوابط ، وأرّخ وفاته تلميذه الحاج ميرزا محمّد حسين الشهرستاني بقوله:

وقال مفجع التاريخ ( أوه

سيلقى الشامتون كما لقينا

١٣٠٥ ه

وأرّخ وفاته بقوله:

ولمّا ذاب قلبُ الوجدِ همّاً

لموت وليِّ أمر المؤمنينا

فقم فزعاً وأرّخ ( بالبكاءِ

حسينٌ بالثرى أمسى رهينا)

١٣٠٥ ه

وقال مؤرّخاً أيضاً:

وقد تلقته حورٌ ونظرةٌ وسرورُ

أرّخن ( حبّاً وأهلاً لفضل الأردكاني )

١٣٠٥ ه

كما رثاه الشاعر السيد جعفر الحلّي بقصيدة طويلة مثبتة في ديوانه ص ١٩٦ ، وقد أعقب ولده الأرشد الآقا الشيخ محمّد , وكان فاضلاً حذا حذو أبيه في صلاة الجماعة.

ذكره الأصفهاني الكاظمي في ( أحسن الوديعة ١ / ٨١ ) ، ومحمد حسن خان اعتماد السلطنة في ( المآثر والآثار / ١٤٤ ) وغيرهم.

السيد صالح الداماد

هو الزعيم السيد محمّد صالح ابن السيد حسن ابن السيد يوسف الموسوي الفاموري


الشيرازي الحائري المعروف بالداماد , صاهر والده السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض فاشتهر في كربلاء بهذا اللقب.

كان سياسياً محنّكاً ، وعالماً فقيهاً محقّقاً ، ولد في كربلاء ونشأ بها ، قرأ على خاله السيد مهدي ابن السيد علي صاحب الرياض ، والسيد إبراهيم القزويني صاحب الضوابط وغيرهما ، فاشتهر بالفضل والعلم ، واشتغل بالتدريس ، وتخرّج من تحت منبره جمع غفير من الأفاضل ، وصارت له رئاسة علمية وزعامة دينية.

حدثت في عهده واقعة كربلاء المعروفة في ذي الحجة عام ١٢٥٨ ه ، المؤرّخة بلفظة ( غدير دم ) على عهد السلطان العثماني عبد المجيد ، وكان ذلك على يد ( نجيب باشا )(١) والي بغداد ، فصارت مجزرة دامية ذهب ضحيتها الألوف المؤلّفة من الرجال والنساء والأطفال ، وكثير من العلماء والصلحاء ، إضافة إلى القتل والسلب ، وإباحة المدينة من قبل الجيش.

وفي هذه الحادثة بالذات أخذ المترجم أسيراً إلى القسطنطينية ، وتدخّل في أمره هناك أحد رجال الدولة الإيرانيّة ؛ فاُرسل إلى طهران وعفي عنه ، وهناك احتفل به وعنى له السلطان ناصر الدين شاه فأصبح من مشاهير الأعلام ، وعُرف بلسان العامة من الناس بمير صالح عرب ، وصاهره السيد عبد الله ابن السيد إسماعيل البهبهاني والد العلّامة السيد محمّد البهبهاني المعروف في طهران. توفي ليلة الجمعة ثاني ربيع الثاني سنة ١٣٠٣ ه عن أربعة وثمانين عاماً ، وحُمل جثمانه إلى كربلاء ودُفن في الرواق الحسيني الشريف.

جاء في معجم المؤلّفين: محمّد صالح عرب بن حسين الكربلائي الشيعي الإمامي الشهير بعرب ، فقيه اُصولي من تصانيفه ( زهر الرياض ) ، و( المهذب في الاُصول )(٢) .

____________________

(١) راجع فصل ( الحوادث السياسيّة ).

(٢) معجم المؤلّفين - عمر رضا كحالة ١٠ / ٨٢.


ومن مؤلّفاته القيّمة:

١ - زهر الرياض , حاشية على رياض المسائل.

٢ - حاشية على الروضة البهية.

٣ - المهذّب في الاُصول أو مهذّب القوانين , طبع عام ١٣٠٣ ه.

٤ - التجزّي والاجتهاد , طبع مع مفاتيح الاُصول لخاله السيد محمّد المجاهد عام ١٢٩٦ ه.

أورد ترجمته العلّامة آقا بزرك الطهراني في ( نقباء البشر في القرن الرابع عشر ١ / ٨٨١ - ٨٨٣ ) ، وترجم له في ( المآثر والآثار / ١٤٨ ) وغيرها من المصنّفات.

الشيخ زين العابدين الحائري

هو المجتهد الكبير الشيخ زين العابدين بن مسلم البارفروش-ي المازندراني الحائري(١) من أعظم فقهاء عصره ، تتلمذ في كربلاء على المولى محمّد سعيد المازندراني الشهير بسعيد العلماء المتوفّى سنة ١٢٧٠ ه ، والسيد إبراهيم القزويني صاحب الضوابط ، وحضر في النجف على الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفّى عام ١٢٨١ ه ، والشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر وغيرهم ، وبرع في الفقه والاُصول حتّى بزّ أقرانه وحظي على مكانة مرموقة ، فذاع صيته واشتهر أمره في التقليد لا سيما في بلاد الهند.

توفي في السادس عشر من ذي القعدة سنة ١٣٠٩ ه عن ٨٢ سنة ودُفن في مقبرته الخاصة عند باب قاضي الحاجات في الروضة الحسينيّة ، وأعقب أربعة أولاد نهجوا نهج أبيهم ، وهم:

(١) الشيخ علي صاحب ( فهرس الجواهر ) المتوفّى سنة ١٣٤٥ ه

(٢) الشيخ محمّد

(٣) الشيخ عبد الله الذي تولّى رئاسة الطريقة الصوفية في إيران

(٤) الشيخ حسين الذي قام مقام والده في إمامة الجماعة والمرجعية والتدريس في كربلاء ، وتوفي في ١٢ شوال سنة ١٣٣٩ ه , وأعقب كلاً

____________________

(١) انظر ترجمته في أحسن الوديعة ١ / ٩٥ ، ونقباء البشر / ٥٨٦.


من الشيخ محمّد باقر الذي قطن إيران وتوفي عام ١٣٨٨ ه ، والشيخ أحمد الذي قام مقام والده في إمامة الجماعة وتوفي يوم ٢٩ جمادى الأولى سنة ١٣٧٦ ه.

ذكره خير الدين الزركلي في ( الأعلام ) فقال ما هذا نصه: زين العابدين ( ١٢٢٧ - ١٣٠٩ ه ) ( ١٨١٢ - ١٨٩٢ م ) ابن كربلائي مسلم المازندراني الحائري ، فقيه إمامي جاور الحائر إلى أن توفي ، له ( ذخيرة المعاد ط ) فقه ، و ( مناسك الحج ) وغير ذلك(١) .

ورد له ذكر في كثير من كتب الرجال المطبوعة والمخطوطة ، وبالأخص موسوعة ( أعيان الشيعة ٣٣ / ٢٣٩ - ٢٤١ ) ، و( نقباء البشر ١ / ٨٠٥ - ٨٠٦ ) ، و( معارف الرجال ١ / ٣٢١ - ٣٣٣ ) ، وانظر ( القاموس الإسلامي - لأحمد عطية الله ٢ / ٢٤ ) وغيرها.

السيد حسين المرعشي الشهرستاني

هو الحاج السيد ميرزا محمّد حسين(٢) ابن السيد ميرزا محمّد علي المرعشي ابن السيد ميرزا محمّد حسين ابن السيد ميرزا محمّد علي بن إسماعيل بن محمّد بن باقر بن محمّد تقي بن محمّد جعفر بن عطاء الله الحسيني الشهير بالشهرستاني نسبة لمصاهرته بآل الشهرستاني ، وينتهي نسبه إلى الإمام علي بن الحسين (عليهما‌السلام ).

ولد في كرمنشاه في ( ١٥ شوال سنة ١٢٥٥ ه ) , ونشأ في كربلاء نشأة طيبة بين ظهراني أسرته أولي الفضائل والمآثر ، حيث قرأ النحو والمنطق والبيان وسائر المقدّمات , وصنّف فيها رسائل كثيرة , وله إجازات متعدّدة ، فقرأ بها السطوح وأتمّها , ولازم حوزة والده ، ودرس على المولى حسين الأردكاني

____________________

(١) الأعلام - خير الدين الزركلي ٣ / ١٠٦.

(٢) اقتبسنا هذه المعلومات من رسالة خطّية باسم ( أحوالات الميرزا محمّد حسين الشهرستاني ) , كتبها حفيده السيد عبد الرضا المرعشي الشهرستاني , وتقع في ٢٤ صفحة.


في الفقه والاُصول , وحاز قسطاً وافراً من أنواع العلوم ؛ فقد شارك في الرياضيات والهيئة ، والفلك والنجوم ، والأدب والتفسير ، والفلسفة والحديث والكلام وغير ذلك ، وحصلت له إجازات كثيرة من أساتذته.

في مجلة ( المرشد ): وافته المنية فاختطفت روحه الطاهرة وقضت على حياته المباركة في اليوم الثالث من شوال سنة ١٣١٥ ه ، وهو آنئذ بكربلاء بعد داء عضال لازمه مدّة طويلة عن عمر ناهز التسعة والخمسين سنة ، قضاها بين المحابر والطروس والأقلام ، ودُفن في كربلاء مع أبيهم وأجداده في مقبرتهم المختصة بهم في الرواق الشريف(١) .

وأرّخ وفاته الخطيب الشاعر السيد جواد الهندي فقال:

محمد الحسين يوم موته

حلّ من الفردوس أعلى مرتقى

إن صارَ عن دارِ الفناءِ راحلاً

فإنّ في الاُخرى لهُ دارُ البقا

ومذ قضى أبو علي أرّخوا

( انطمست والله أعلامُ التقى )

وللسيد محمّد حسين أشعار متناثرة في المجاميع الخطّية ، منها تخميسه لقصيدة الشريف الرضي التي قال فيها:

أمسيتُ والهمّ في إيران يطرقني

والكربُ طول الليالي ما يفارقني

وذكرُ مَنْ حلّ في كوفان يقلقني

مَنْ لي بعاصف شملالٍ يبلّغني

إلى الغري فيلقيني وينساني

إلى الذي ظهرَ الجبارُ طينته

إلى الذي بشّرَ المختارُ شيعته

إلى الذي أوجبَ القربى مودّته

إلى الذي فرضَ الرحمانُ طاعته

على البريةِ من جنٍّ وإنسانِ

____________________

(١) مجلة المرشد - الجزء العاشر من السنة الثانية ، جمادى الأولى ١٣٤٦ / ٣٧٩ - ٣٨٤.


إن لم يكن عاصفٌ أسعى على قدمي

أسعى برأسي وقلبي مهجتي ودمي

أسعى بأجفانِ عيني نحو ذي الحرم

ما أستعينُ بـشملالٍ ولا قدمِ

من تربِ ساحتهِ طوبى لأجفانِ

وأرّخ وفاة الشيخ مرتضى الأنصاري بقوله:

بـالواحدِ الفردِ استعنتُ مؤرّخاً

(علمُ الهدى في الخلدِ حيٌّ يُرزقُ)

١٢٨١ ه

خلف أثماراً شهية وآثاراً نفيسة تنيف على الثمانين كتاباً ، منها رسائل فارسيّة وعربيّة ما تزال مخطوطة في كتبته. وقد حذا حذوه نجله السيد الميرزا علي الشهرستاني ، وكان فاضلاً جليلاً , ولد سنة ١٢٨٠ ه وتوفي يوم ١١ رجب سنة ١٣٤٤ ه.

إنّ تاريخ حياة السيد الميرزا محمّد حسين المرعشي الشهرستاني حافلة بجلائل الأعمال ، ويجد القارئ سيرته في كثير من المراجع , منها ( أعيان الشيعة ٤٤ / ٢١٢ ) ، و ( الكرام البررة ٢ / ٤٣٢ ) ، و ( ريحانة الأدب ٢ / ٣٦٢ ) ، و ( الكنى والألقاب ٢ / ٣٤٥ ).

السيد هاشم القزويني

كان من أبرز علماء كربلاء في مفتتح هذا القرن ، اشتغل بالتدريس ، ونشر العلوم ، وأجاز على مكانة سامية في الفضل والصلاح والورع ، فكان مرجعاً لأهالي كربلاء وغيرها.

ذكره صاحب ( أعيان الشيعة ) فقال: هو ابن السيد محمّد علي القزويني الحائري , توفّي في كربلاء يوم الجمعة ٢٩ شوال سنة ١٣٢٧ ه ، ودُفن إلى جنب ابن عمّه صاحب الضوابط في بعض حجر الصحن الشريف. تخرّج بصاحب الجواهر فقهاً ، وبالشيخ مرتضى الأنصاري اُصولاً ، ثمّ عاد إلى كربلاء وتصدّر للدرس.

في تتمة أمل الآمل: هو عالم فاضل اُصولي فقيه ، من تلامذة الشيخ مرتضى الأنصاري ، والسيد محمّد القزويني ، وصفه الميرزا حسين النوري


بالعالم الفاضل ، الورع التقي ، كانت له رياسة ووجاهة في كربلاء ، والإمامة في الجماعة في صحن مشهد أبي الفضل العباس (عليه‌السلام ) ، وكان معروفاً بالصلاح والتقوى والوثاقة في كربلاء ، وهو ابن عمّ السيد إبراهيم صاحب الضوابط. خلّف ولدين السيد محمّد رضا والسيد إبراهيم يعدّان اليوم من علماء كربلاء ، يصلّيان جماعة في صحن مشهد أبي الفضل العباس (عليه‌السلام )(١) .

ترجمه آقا بزرك الطهراني في ( الكرام البررة) القسم المخطوط ، وانظر ( معارف الرجال ٣ / ١٣٠ وغيرها ).

السيد الميرزا جعفر الطباطبائي

هو ابن الميرزا علي نقي ابن السيد حسن ابن السيد محمّد المجاهد ابن السيد علي صاحب الرياض الطباطبائي الحائري ، فقيه جليل ، برع في فنون العلم ، واجتهد في القواعد الاُصولية والفروع الفقهية ، وتزوّد من المعرفة ما جعله في مصاف جهابذة العلماء.

يروى أنّه كان طويل القامة ، جيد التحرير ، وكان رئيساً مطاعاً ، عالماً نحريراً ، بصيراً بالاُمور. ولد في ١٢ ربيع الآخر سنة ١٢٥٨ ه ، وشبّ في أسرة كريمة مكبّاً على الدرس والتحصيل.

وتتلمذ على والده العلّامة السيد علي نقي الطباطبائي ، والميرزا عبد الرحيم النهاوندي ، وخاله السيد علي الطباطبائي صاحب البرهان القاطع ، والسيد حسين الكوهكمري المعروف بالسيد حسين الترك(٢) حتّى بلغ مرتبة الاجتهاد ، ثمّ انتقل إلى النجف وحضر أبحاث مشاهير علمائها الفحول في الفقه والاُصول ، وعاد بعدها إلى مسقط رأسه كربلاء , وتقلّد مناصب الإفتاء والإمامة ، وصار مرجعاً عاماً ، وله إجازات من مشاهير علماء العصر.

توفي يوم ٢٢ صفر سنة ١٣٢١ ه , ودُفن في مقبرة آل الطباطبائي الكائنة في سوق التجار الكبير أمام قبر السيد محمد المجاهد.

____________________

(١) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين ٥١ / ٤٢.

(٢) المصدر نفسه ١٦ / ٤٨.


وترك تصانيف كثيرة في الفقه والاُصول ، ومعظمها رسائل خطّية ، وله شعر طبع بعضه في آخر ( المجالس النظامية ) ، ويجد القارئ تعداد مؤلّفاته في ( أعيان الشيعة ١٦ / ٤٩ ).

دوّنت ترجمته في كثير من المؤلّفات المطبوعة ، ومنها: نقباء البشر ١ / ٢٩٣ ، ومعارف الرجال ٢ / ٢٢٠ - ٢٢١ ، وأحسن الوديعة ١ / ١٩٤ وغيرها.

السيد محمّد باقر الحجة الطباطبائي

عالم فذّ تبوّأ مكانة مرموقة في الأوساط الفكرية ، أحبّ العلم والأدب وشغف به ، وقد ورثه من أسلافه. أنجبته اُسرة علميّة اشتهرت بالعلوم الدينيّة ؛ فقد ولد عام ١٢٧٣ ه ، وتعهّده والده الميرزا أبو القاسم بتربيته وتوجيهه ، فشبّ علماً مبرزاً على مَنْ عاصره ، ومبشّراً للدين الإسلامي ونشر المثل العليا ، فكانت داره الكائنة في سوق التجّار الكبير محجّاً يرتاده العلماء والأدباء ، ومنهلاً عذباً يرتوي من نميره أهل الفضل.

أخذ العلم عن والده ، والفاضل الشيخ محمّد حسين الأردكاني ، وحضر بحث الميرزا حبيب الله الرشتي ، وانتهت إليه الرئاسة في كربلاء شأن أعلام أسرته ؛ فكان مرجعاً للقضاء والتدريس والفتيا.

له تصانيف كثيرة نظماً ونثراً في الفقه والاُصول ، والكلام والأخلاق ، منها: كتاب ( الزكاة ) الكبير المبسوط متناً وشرحاً ، و ( الشهاب الثاقب ) أو ( السهم الثاقب ) في ردّ ابن الآلوسي وهي اُرجوزة شعرية ، وله منظومة ( مصباح الظلام ) في اُصول الدين وعلم الكلام ، وأراجيز اُخرى نكتفي بذكر أسمائها , وهي: ( النكاح ) ، و ( الأطعمة والأشربة ) ، و ( الحج ) ، و( تكملة الدرّة ) ، و ( المصباح ) وسواها.

توفي في كربلاء يوم الأحد رجب سنة ١٣٣١ ه ، وقد أرّخ أحد الشعراء وفاته بقوله:

رضوان نادى في الجنان أرّخوا

( قد نوّر الفردوسَ نورُ الباقرِ )


ورثاه الشيخ إبراهيم البادكوبي بقصيدة أرّخها بقوله:

قلتُ لنجمِ السعدِ هل تدري مَنْ

قد حلّ في مسندهِ اللائقِ

قالَ نعم قلتُ فأرّخ ( فقال

انتقلَ الأمرُ إلى الصادقِ )

وممّن تتلمذ عليه من العلماء والشعراء وأهل الفضل الشيخ حسين الكربلائي الشاعر الشعبي المعروف المتوفّى سنة ١٣٢٨ ه ، والسيد عبد الوهاب آل الوهاب المتوفّى سنة ١٣٢٢ ه ، والشيخ حبيب شعبان المتوفّى عام ١٣٣٦ ه وغيرهم.

ذكرته كتب التراجم , ومنها: ( أعيان الشيعة ٤٤ / ١٠٣ - ١٠٤ ) ، و ( نقباء البشر ١ / ١٩٣ - ١٩٤ ).

الشيخ محمّد تقي الشيرازي

هو المجاهد الأكبر الشيخ محمّد تقي ابن الحاج محبّ علي ابن ميرزا محمّد علي كلشن الحائري الشيرازي ، زعيم الثورة العراقيّة الكبرى ومُروّي شرارتها الأولى ، كان من أكابر العلماء والمجتهدين.

ولد في شيراز سنة ١٢٥٦ ه وهاجر إلى كربلاء سنة ١٢٧١ ه لارتشاف مناهل العلم والمعرفة ؛ فقرأ الأوليات ومقدّمات العلوم ، وحضر على العلّامة المولى الشيخ حسين الأردكاني ، وانتقل إلى سامراء فتتلمذ على أية الله المجدّد السيد محمّد حسن الشيرازي فكان من أجلّة تلامذته.

ولمـّا احتلت الجيوش البريطانية سامراء رغب في الرجوع إلى كربلاء ، فكان عاملاً كبيراً من عوامل بعث الروح الوطنية(١) , وضحّى بكلّ غالٍ ونفيس ؛ ومن هنا اكتسب شهرة ذائعة الصيت ، وتخطّت

____________________

(١) راجع فصل - الحوادث السياسيّة - الثورة العراقيّة.


شهرته حدود العراق ، وانتشر اسمه في البلدان الاُخرى كإيران ولبنان ، ومصر وسوريا وغيرها. وفي أوقات فراغه استطاع أن يصنّف الكتب العديدة ، نخص بالذكر منها:

١ - شرح مكاسب الشيخ مرتضى الأنصاري.

٢ - شرح منظومة رضاعة السيد صدر الدين العاملي.

٣ - القصائد الفاخرة في مدح العترة الطاهرة.

٤ - رسالة في صلاة الجمعة.

٥ - رسالة الخلل.

وكان يجيد النظم في الأدب الفارسي خاصة في مديح آل البيت (عليهم‌السلام ).

ومن تلامذته: السيد ميرزا هادي الخراساني ، والشيخ محمّد كاظم الشيرازي ، والشيخ محمّد علي القمّي ، والشيخ آقا بزرك الطهراني وغيرهم.

أدركه الأجل ليلة الثالث من ذي الحجة سنة ١٣٣٨ هجرية ، وشُيّع تشييعاً حافلاً من قبل الشعب العراقي لا سيما رؤساء الفرات ؛ حيث حضروا بأسلحتهم وأهازيجهم الشعبية في ساحات كربلاء ، ودُفن في الروضة الحسينيّة المقدّسة.

وقد رثاه لفيف من الشعراء ، منهم: الحاج محمّد حسن أبو المحاسن ، والشيخ محسن أبو الحبّ ، والشيخ محمّد مهدي الجواهري ، والشيخ محمّد علي اليعقوبي ، والشيخ ناجي الحلّي وغيرهم.

وقد أنجب ثلاثة أولاد علماء ، هم: الشيخ محمّد رضا ، والشيخ عبد الحسين ، والشيخ محمّد حسن ، وكلّهم ذوو فضلٍ وتقوى. ترجمه عدد من المعنيين بالتراجم في تصانيفهم ، ومنها: ( نقباء البشر ١ / ٢٦١ - ٢٦٤ ) ، و ( أعيان الشيعة ٤٤ / ١٢١ - ١٢٢ ) ، و ( معارف الرجال ٢ / ٢١٥ - ٢١٨ ) وغيرها.

السيد إسماعيل الصدر

من علماء كربلاء الأفذاذ ، اشتهر بغزارة علمه ، وجلالة قدره ، وسمو مكانته في العلم والفضل ؛


فهو السيد إسماعيل(١) ابن السيد صدر الدين العاملي الأصفهاني ، من سلالة السيد إبراهيم المرتضى ( الأصغر ) ابن الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ) أحد مراجع التقليد في كربلاء.

ذكره صاحب ( الذريعة ) فقال: « ولد في أصفهان عام ١٢٥٨ ه ونشأ بها ، وتتلمذ في الفقه على العلّامة الشيخ محمّد باقر الأصفهاني ، وتشرّف إلى النجف ١٢٧١ ه وحجّ البيت بها أيضاً ، ورجع فلازم بحث العلّامة الفقيه الشيخ راضي بن محمّد آل خضر الجناجي النجفي المتوفّى عام ١٢٩٠ ه ، وبحث الفقيه الأوحد الشيخ مهدي بن علي ابن الشيخ الأكبر كاشف الغطاء المتوفّى ١٢٨٩ ه ، ثمّ اختص بالمجدّد الشيرازي مدّة حياته ، وهاجر بعد هجرته إلى سامراء بقليل فكان في سامراء إلى ١٣١٤ ه ، ثمّ هاجر إلى الحائر الشريف مروّجاً للدين ، وحافظاً للعلماء ، ومساعداً للمشتغلين ، وعوناً للضعفاء والمساكين(٢) ... إلخ ». واتخذ كربلاء دار إقامته فاستوطنها وأصبح مرجعاً للأمور الشرعية بها.

وذكره السيد مهدي الكاظمي في ( أحسن الوديعة ) فقال: واشتهر أكثر من أبيه وإن لم يبلغ مرتبة فضله وعلمه وشهرته إلى أن توفي في الكاظميّة في يوم الثلاثاء ١٢ جمادي الأول عام ١٣٣٨ ه ، ودُفن في الرواق الشرقي من الروضة الكاظميّة(٣) ... إلخ.

وأبّنه شاعر كربلاء المرحوم الحاج محمّد حسن أبو المحاسن بقصيدة عامرة نُشرت في ديوانه , أوّلها:

أصابت سهامُ الحتفِ ياحسرةَ الدهرِ

صريحَ قريشٍ والخلاصةَ من فهرِ

لقد نثلَ الدهرُ الكنانةَ رامياً

حشاشةَ نفسٍ من كنانة والنضرِ

نعى البرقُ غيثَ الناسِ في كلّ أزمةٍ

وعهدي بهِ قبلاً يُبشّرُ بالقطرِ(٤)

____________________

(١) دوّن نسب السيد المترجم له في مجلة ( الهدى ) العمارية - الجزء ٢ / ٨٧ , السنة الثانية , ربيع الآخر ١٣٤٨ - أيلول ١٩٢٩ ( من هو السيد الصدر ؟ ).

(٢) نقباء البشر ١ / ١٦٠.

(٣) أحسن الوديعة ١ / ٢٠٨ ، وانظر الطبعة الثانية ١ / ١٦٩.

(٤) ديوان أبي المحاسن الكربلائي / ٨١.


وكانت وفاته خسارة كبرى لا تعوّض في التراث الإسلامي والحركة الثقافية.

وأعقب أبناءه الأربعة ، وهم: السيد محمّد مهدي ، والسيد محمّد الجواد ، والسيد صدر الدين ، والسيد حيدر ، وكلّهم ذوو فضل وتقى.

السيد ميرزا هادي الخراساني

هو السيد ميرزا هادي ابن السيد علي ابن السيد محمّد الخراساني الحائري أحد أساطين العلم المعروفين في كربلاء ، ومن ألمع فقهائها الذين تركوا ثروة ضخمة من المؤلّفات القيّمة.

أدركت أواخر أيامه ، وكانت داره منتجعاً لطلاب العلم ورواد الفضيلة ، وكان أحد مراجع التقليد في عصره. ألفيت فيه عِلْماً وذكاء ودراية شاملة ، وأصالة رأي وأنفة وإباء ، وقد تفنن في الفنون الشرعية فحذق الفقه والاُصول ، والكلام والتفسير ، والحديث والرجال ، وأتقن النحو والصرف.

وكانت ولادته في كربلاء ليلة الجمعة غرّة ذي الحجة عام ١٢٩٧ ه ، ولمـّا بلغ السابعة من عمره درس القرآن الكريم ، وختمه ولم يبلغ العاشرة من عمره ، ثمّ عاد إلى كربلاء ومنها ذهب إلى النجف حيث أخذ يتردد على الحلقات الدراسية العليا مستفيداً ، وبعد أن أتمّ دراسته في النجف عاد إلى كربلاء وأصبح مدرّساً من مدرّسي هذه المدينة(١) .

وقد حضر أبحاث الشيخ محمّد كاظم الخراساني ، والسيد كاظم اليزدي ، والشيخ محمّد تقي الشيرازي الذي تخرّج عليه ، ثم استقلّ بعده بالتدريس في كربلاء(٢) .

رُشّح للمرجعية لِما يتمتع به من علم غزير ، ومساع مشكورة ، وخدمات جليلة للدين الإسلامي. وقد أحدثت وفاته رنّة أسى وأسف في قلوب محبيه ، وشقّ نعيه على عارفي فضله ، فكانت وفاته في الثاني عشر من ربيع الأول عام ١٣٦٨ ه.

____________________

(١) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين ٥٢ / ١٤١.

(٢) المصدر نفسه ٥٠ / ٤٣.


ترك آثاراً جليلة كثيرة ، ومن أهمها:

(١) دعوة الحقّ ، وهو الجزء الأول من كتاب يبحث في فضائل آل البيت (عليهم‌السلام ) وأخبارهم ، كما يتضمّن الردّ على شبهات الوهابيِّين ، طبع بمطبعة النجاح ببغداد سنة ١٣٤٧.

(٢) اُصول الشيعة وفروع الشريعة , طبع ببغداد.

(٣) حاشية على مكاسب المحقّق الأنصاري.

(٤) حاشية على رسائله.

(٥) حاشية على طهارته.

(٦) هداية الفحول في شرح كفاية الاُصول.

(٧) حاشية الوجيزة على الكفاية.

(٨) أجوبة المسائل في الفقه , أغلبها استدلالية.

(٩) تقريرات بحث اُستاذه الخراساني.

(١٠) تقريرات بحث اُستاذه الشيرازي ، وغيرها من المؤلّفات التي ناهزت العشرين كتاباً ، أودعت لنجله فضيلة السيد مهدي الخراساني الحائري الذي هو اليوم مرشد الطائفة الشيعية بلندن.

وللمترجم مكتبة حافلة بالكتب القيّمة في كربلاء حوت على كتب خطّية نفيسة خاصة بعض المصاحف التاريخيّة. وكان يجيد نظم الشعر ، وله ديوان مخطوط باسم ( دعوة دار السّلام ) حوى بعض النماذج التي كان يودعها في فراغه. ومن بين تلك النماذج هذه المقطوعة التي يعاتب فيها الزمان وهو في طريقه إلى النجف الأشرف:

إنّي ابتليتُ بيومي

كما ابتلى بي زماني

فإنّي أشتكيه

كما زماني شكاني

يقول إنّي جفوتُ

كما أقول جفاني

رميته لم يصبه

أصابني إذ رماني

فيا له منقرينٍ

قليته وقلاني

يا بئس من جار سوءٍ

أهانني ودهاني

أعاذني الله منه

ومن عداه وقاني

لم يرضَ بي قطّ يوماً

كذاك ما أرضاني

وقال من مقطوعة اُخرى:


لمسلمٍ وقعةُ يوم الحرّه

لكلِّ مسلم تزيد حسره

فضوا البنات عفّة أبكارا

فوق المئات ما ترى إنكارا

بغدرها القتلى من الأصحابِ

من حافظي السنة والكتابِ

قد ولدت ألفٌ بلا نكاحِ

وكلّها كانت من السفاحِ

السيد عبد الحسين الحجة الطباطبائي

عالم جليل القدر ، سليل بيت تسوده المكارم ؛ فهي من الاُسر العريقة في العلم والفضل ، لم تبارحها الزعامة الدينيّة في كربلاء منذ عدّة قرون ، وقد اُطنبت كتب السير والتراجم في مآثرها ومفاخرها.

هو السيد عبد الحسين ابن السيد علي بن أبي القاسم ابن الآقا حسن ابن السيد محمّد المجاهد ابن المير السيد علي صاحب الرياض الطباطبائي من أبرز الشخصيات الروحية ، وأحد المراجع الذي انتهت إليه الرئاسة في كربلاء.

كان مرجعاً للقضاء والتدريس والفتيا ، وكان دائم المذاكرة ، دقيق النظر ، بعيد الغور ، خصب الفكر ، مكبّاً على التدريس ، تتلمذ على آية الله العظمى الآخوند الملاّ كاظم الخراساني في النجف ، وبعد إكمال الدروس العالية وبلوغه مرحلة الاجتهاد عاد إلى كربلاء واُنيطت به مسؤولية التقليد.

أدركت أواخر أيامه فرأيته يقيم الجماعة في الصحن الحسيني الشريف ، وكان ذا هيبة ووقار ، جميل الأخلاق ، سخي الطبع ، عالي الهمّة ، عصبي المزاج ، توفي في الكاظميّة يوم ٢٤ محرّم الحرام عام ١٣٦٣ ه ، ونُقل جثمانه إلى مسقط رأسه كربلاء ، وكان يوم وفاته من الأيام المشهودة حيث شقّ نعيه على المسلمين فكانت خسارته جسيمة ، ودُفن في الروضة الحسينيّة ، واُقيمت له عدّة فواتح.

وأبّنه الشعراء ، وكان من بينهم خطيب كربلاء الشيخ محسن أبو الحبّ الذي قال في ذكراه السنوية الأولى بقصيدة مطلعها:

العلمُ أصبح يبكي

على مصاب الحسينِ


والدمع حزناً عليه

قد سال من كلّ عينِ(١)

وكانت له مكتبة ضخمة أشرنا إليها في فصل المكتبات الخاصة , ترجمه العلّامة آقا بزرك الطهراني في ( نقباء البشر ٣ / ١٠٥١ - ١٠٥٢ ).

السيد حسين القزويني الحائري

هو السيد حسين نجل السيد باقر نجل السيد إبراهيم صاحب الضوابط ابن السيد باقر ابن السيد عبد الكريم بن نعمة الله ابن السيد مرتضى الموسوي القزويني الحائري.

هاجر السيد باقر والد السيد إبراهيم صاحب الضوابط من قزوين واستوطن النجف مع شقيقه السيد محمّد علي وذلك في أواخر القرن الثاني عشر الهجري ، واتصل الأخوان بالعلّامة الشيخ جعفر الكبير صاحب كشف الغطاء ودرسا عليه , ثم هاجر السيد باقر إلى كربلاء مع نجليه السيد إبراهيم والسيد مهدي ، وبقي السيد محمّد علي في النجف مصاحباً الشيخ موسى نجل الشيخ جعفر الكبير إلى أن وافاه الأجل ودُفن قرب مسجد صفوة الصفا في النجف , أمّا السيد إبراهيم الشهير بصاحب الضوابط فهو جدّ المترجم له.

ولد السيد حسين في كربلاء سنة ١٢٨٨ ه , وتتلمذ على العلّامة الحجة الشيخ كاظم الخراساني الشهير بـ ( الآخوند ) ، وله عدّة إجازات في الاجتهاد. ومن أساتذته في الإجازة الآخوند الخراساني ، وآقا ضياء العراقي ، والسيد أحمد السيد صالح القزويني الموسوي ، والسيد أبو الحسن الأصفهاني ، والشيخ محمّد تقي الشيرازي ، وميرزا محمّد حسين النائيني.

ساهم المترجم له في الثورة العراقيّة الكبرى سنة ١٩٢٠ م , وكان عضواً فعّالاً فيها ، وبعد أن اُخمدت نار الثورة قبض عليه الإنكليز وقدّم إلى المجلس العرفي العسكري ، فاُطلق سراحه بعد اعتقاله في الحلّة طيلة

____________________

(١) راجع ( ديوان أبي الحبّ ) , تحقيق المؤلّف / ٩٧.


ثمانية أشهر مع رفاقه أحرار كربلاء.

ومن مؤلّفاته المطبوعة مدينة الفاضلة في الإسلام , أمّا مخطوطاته فهي: شخصية الإمام علي (عليه‌السلام ) , بحث وتحليل اُصول الدين ( ترجمه عن الفارسيّة سنة ١٩١٨ م ) ، وغيرها من الآثار التي أطلعني عليها نجله السيد إبراهيم شمس الدين القزويني ، وقد دوّناها في كتابنا ( مخطوطات كربلاء).

وكان الفقيد يملك مكتبة سيأتي ذكرها في الفصل الخاص بالمكتبات الخاصة. توفي يوم ٢ ذي الحجة سنة ١٣٦٧ ه ودُفن في مقبرة آل القزويني في الصحن الصغير للروضة الحسينيّة.

ورثاه خطيب كربلاء الشيخ محسن أبو الحبّ بقصيدة مطلعها:

قد حلَّ في الإسلامِ خطبٌ جسيمُ

بـكى لهُ الشرعُ الحنيفُ القويمُ

ورثاه أيضاً خطيب الكاظميّة الشيخ كاظم آل نوح بقصيدة مطلعها:

خطبٌ دهى مفاجئاً في كربلا

غداة علاّمتها قد قوضا

وأرّخ وفاته بقوله:

فاجأهُ الموتُ فأردى راحلاً

أرّخ بهِ أبوك ياشمسُ قضى

السيد محمّد حسن القزويني

قليل منّا لا يعرف مركز السيد محمّد حسن القزويني العلمي الديني الرفيع ؛ فقد كان من أفاضل فقهاء عصره ، وأحد أقطاب الفكر الإسلامي ، ساهم في الحقل الثقافي ، وخدم الدين واحتل مكانة اجتماعيّة تليق به.

تحدّثت إليه أكثر من مرّة فرأيته متضلّعاً بعلم الفقه ، ذا اطّلاع واسع باُصوله ؛ فهو موسوعة نفيسة ، ودائرة معارف حاوية لكثير من العلوم العقلية والنقلية ، وأحد


المراجع المعروفة في كربلاء التي يُشار إليها. كان متوقّد الذهن ، صافي السريرة ، كبير النفس ، عالي الهمّة ، صريح الرأي.

هو السيد حسن ابن السيد أبي المعالي محمّد باقر - المعروف بآقا مير ؛ لكونه سمي جدّه - ابن الميرزا مهدي ابن السيد محمّد باقر الموسوي القزويني الحائري. عالم جليل ، وفقيه بارع ، ومصنّف ماهر.

ولد يوم عرفة بكربلاء سنة ١٢٩٦ ه ، وترعرع في اُسرة علمية كريمة فاح عطر ذكرها ، وتضوّع أريجها ، فنشأ فيها نشأة طيّبة ، ثمّ انتقل إلى النجف الأشرف وتتلمذ على المولى محمّد كاظم الخراساني الشهير بالآخوند ، وكتب من تقريرات بحثه تمام مباحث الاُصول والطهارة ، والخمس والوقف ، والخيارات والطلاق وقليلاً من القضاء ، ومنها هاجر إلى سامراء ، فحضر على الميرزا محمّد تقي الشيرازي واستفاد منه كثيراً ، ثمّ عاد إلى كربلاء بعودة الإمام الشيرازي فذاع اسمه بسبب جهاده العلمي ، وجهوده الإصلاحية المشكورة.

وقد وضع مؤلّفات وتصانيف ثمينة مطبوعة , منها:

(١) شرح اللمعة.

(٢) هدي الملّة إلى أنّ فدك من النحلة , المطبوع في ٩ ربيع الثاني ١٣٥٢ ه.

(٣) البراهين الجلية في رفع تشكيكات الوهابية , المطبوع في ١٣٤٦ ه.

(٤) الإمامة الكبرى , طبع منه مجلد واحد من بين ثمان مجلدات.

انتقل إلى جوار ربّه يوم ٢٦ رجب سنة ١٣٨٠ ه ، وكان لنعيه رنّة أسى وأسف ، وموجة حزن طاغية ، ودُفن في مقبرة السيد محمّد المجاهد.

ورد ترجمته في كثير من المراجع ، أخص بالذكر منها: ( نقباء البشر في القرن الرابع عشر ١ / ٣٨٩ ) ، و ( عام الثمانين - للشيخ حسين البيضاني / ١٨ ) وغيرها.


السيد ميرزا مهدي الشيرازي(١)

ولد في كربلاء سنة ١٣٠٤ هجري ، ونشأ بها في بيت تبوّأ المكانة المرموقة في علوم الدين والشريعة , والده السيد حبيب الله الحسيني الشيرازي من أبناء عمّ السيد محمّد حسين الشيرازي الشهير.

وقد عنى بتربيته شقيقه المرحوم السيد ميرزا عبد الله الحسيني الشهير بالتوسّلي ، وتتلمذ على الميرزا محمّد تقي الشيرازي زعيم الثورة العراقيّة ، والحاج آقا رضا الهمداني ، والسيد محمّد كاظم اليزدي وسواهم من أساطين العلم.

وله عدّة إجازات من الرواية من العلّامة الميرزا محمّد الطهراني السامرائي صاحب (مستدرك بحار الأنوار) ، والشيخ آقا بزرك الطهراني صاحب ( الذريعة ) ، والحاج الشيخ عبّاس القمّي صاحب ( مفاتيح الجنان ).

وكان فقيهاً بارعاً ، اضطلع بمسؤولية التقليد والمرجعية الدينيّة حيث أقام الجماعة في الصحن الحسيني الشريف ، وله مؤلّفات قيّمة في مباحث الاُصول ورسائل وتعليقات بلغت ١٨ كتاباً.

وبالإضافة إلى كونه فقيهاً زاهداً ، وعالماً جليلاً ، فإنّ له إلماماً بنظم الشعر خاصة في أهل البيت (عليهم‌السلام ). قال من قصيدة في الزهراء (عليها السّلام) , ومطلعها:

درّة أشرقت بـأبهى سناها

فتلالا الورى فياً بشراها

لمعَ الكونُ من سنا نورِ قدسٍ

بـسنا نارهِ أضاءَ طواها

يا لها لمعةٌ أضاءت فأبدتْ

لمعاتٍ أهدى الأنامَ هُداها

وله من قصيدة قال فيها:

أرى وجدَ قلبي مستنيرَ الجوانبِ

وفيضَ دموعي مستهلَّ الذوائبِ

وفي الصدرِ من نارِ الفراقِ شرارةٌ

تفورُ لظاها في زوايا الترائبِ

____________________

(١) اقتبسنا نبذة من تاريخ حياته من أعيان الشيعة ٥٠ / ١١٥.


أغارت على صبري وأفنت تجلّدي

وأهدت إليّ الكربَ من كلّ جانبِ

وشمّرَ دهري من قديمٍ وإنّه

لحتفي وآلى أن يكلّ مساربي

وأخنى على قومي وأردى عشيرتي

ولم يبقِ لي إلّا رنيني و ساكبي

وكان يحسن الخطّ ويجيده في العربيّة والفارسيّة. وقد تقدّمت كربلاء في عصره تقدّماً دينياً وعلمياً وثقافياً. توفي في اليوم الثامن والعشرين من شهر شعبان المعظم سنة ١٣٨٠ ه ، وخسرت كربلاء بموته أحد أعلامها البارزين ، واُقيمت على روحه الطاهرة عدّة فواتح.

وقد أبّنته في الاحتفال الذي أقامه خدمة الروضتين المقدّستين بقصيدة مطلعها:

أترانا وللهمومِ أوارُ

في الحنايا وللقلوب استعارُ

يصطفينا السلوُّ حلواً نديّاً

والأسى في شغافنا فوّارُ(١)

ورثاه فريق من شعراء القطر.

وقد أنجب الفقيد عدّة أولاد , هم السادة: محمّد الشيرازي ، وحسن الشيرازي ، وصادق الشيرازي ، ومجتبى الشيرازي ، وكلّهم رجال علم وعمل ، لهم مؤلّفات مطبوعة.

تطرّق إلى ترجمته عدد من المؤلّفين , منهم: السيد صادق محمّد رضا آل طعمة الذي أصدر كتاباً خاصاً أسماه ( ذكرى فقيد الإسلام الخالد ).

____________________

(١) راجع ديوان ( الأشواق الحائرة ) - لمؤلّف الكتاب / ٨٣.


السيد عبد الحسين آل طعمة

هو السيد عبد الحسين الكيلدار ابن السيد علي الكليدار(١) ابن السيد جواد الكليدار ابن السيد حسن ابن السيد سليمان ابن السيد درويش ابن أحمد بن يحيى نقيب الأشراف ابن خليفة نقيب الأشراف ابن نعمة الله ابن العالم الفاضل السيد طعمة ( الثالث ) نقيب الأشراف ( وهو الواقف لفدان السادة على أولاده الذكور سنة ١٠٢٥ ه ) ، ويُقال: لولده (آل طعمة) ابن علم الدين بن طعمة ( الثاني) ابن شرف الدين ابن طعمة كمال الدين ( الأوّل ) نقيب الأشراف ابن أبي جعفر أحمد ( أبو طراس ) ابن ضياء الدين يحيى بن أبي جعفر محمّد ابن السيد أحمد الناظر لرأس العين ( المدفون في شفاثة وقبره يُزار وله كرامات ) ابن أبي

____________________

(١) تولّى سدانة الروضة الحسينيّة بعد وفاة والده عام ١٣٠٩ ه , وتوفي يوم الخميس ٣ محرّم الحرام سنة ١٣١٨ ه ، وكان مثالاً للزهد والورع ، واشتهر بإطعام الفقراء ، وبنى بعض القناطر على نهر الحسينيّة.

أعقب ستة أولاد ذكور هم: صاحب الترجمة ، والسيد مهدي ، والسيد عبد الرضا ، والسيد مصطفى ، والدكتور عبد الجواد ، ومحمود.


الفائز محمّد ( ويُقال لولده: آل فائز ) ابن أبي جعفر محمّد بن علي الغريق بن أبي جعفر محمّد الحبر الملقّب بخير العمال ابن أبي الحسن علي المجدور ابن أبي عانقة أحمد ( ويُقال لولده: بنو أحمد ) ابن محمّد الحائري ابن إبراهيم المجاب ابن محمّد العابد ابن الإمام موسى بن جعفر (عليهما‌السلام )(١) .

وردت ترجمته في ( أعيان الشيعة ) , وهذا نصها: ولد في كربلاء سنة ١٢٩٩ ه وتوفي فيها ١٣٨٠ ه ، ودُفن في إحدى حجرات الصحن الحسيني الشريف ، هو ابن السيد علي الكليدار ابن السيد جواد الكليدار من أسرة آل طعمة من سلالة آل فائز الموسويين التي استوطنت منذ سنة ٢٤٧ هجرية.

انتقلت إليه سدانة الروضة الحسينيّة سنة ١٣١٨ بعد وفاة والده ، واستمر على أداء خدمته لحرم جدّه المطهّر الحسين بن علي (عليه‌السلام ) حتّى سنة ١٣٤٣ حينما رغب في الاعتكاف والانزواء ، فتنازل عنها لولده الأكبر السيد عبد الصالح آل طعمة السادن الحالي للروضة الحسينيّة.

ولقد كان المترجم باحثاً محقّقاً ، يميل بطبعه إلى التتبّع في بطون الكتب التاريخيّة والفلسفية نتيجة لدراسته وتربيته الأولية في حضن أبيه ، وما كان يحيط به من جو علمي أدبي. وقد اشترك في كثير من المؤتمرات التي عُقدت ، والحركات التي اُثيرت في كربلاء وبغداد إبان الثورة العراقيّة سنة ١٩٢٠ ميلادية.

ولم يترك البحث التاريخي والأدبي والعلمي , حيث استطاع أن يصنّف بعض المؤلّفات المفيدة ، ويجمع مكتبة قيّمة كانت تعدّ من أضخم المكتبات في كربلاء ؛ سواء في مخطوطاتها أو مطبوعاتها ، ولكنّها احترقت في عام ١٣٣٣ ه إثر الثورة التي نشبت في كربلاء في هذه السنة بين أهالي كربلاء والسلطة التركية فيها ، والتي انتهت بانسحاب الأتراك من كربلاء واستيلاء الأهلين على الحكم.

وقد تمكّن المترجم من أن يجمع بعض مسودّاته في عزلته في أواخر أيامه ويؤلّف منها عدّة كتب , هي:

____________________

(١) اقتبسنا صورة هذا النسب من المشجرات الخاصة الموجودة لدى الاُسرة ، وقد أثبتها النسّابون في كتب الأنساب المخطوطة والمطبوعة أيضاً.


١ - تاريخ كربلاء , طبع عام ١٣٤٩.

أمّا كتبه المخطوطة فهي:

٢ - حالة العرب الاجتماعيّة في الجاهليّة.

٣ - قريش في التاريخ.

٤ - بطون قريش.

٥ - تاريخ كربلاء مفصلاً.

٦ - تاريخ آل طعمة الموسويين.

٧ - تاريخ كربلاء بالفارسيّة.

٨ - أديان العرب في الجاهليّة.

٩ - معجم المدن والأنهار التاريخيّة في العراق , وذلك بالإضافة إلى بحوث اُخرى منها:

١٠ - تاريخ المعاهد العلميّة في الإسلام.

١١ - نشأة الأديان السماوية.

١٢ - ترجمة حياة أبي طالب عمّ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

١٣ - تاريخ المدن المقدّسة في العراق.

١٤ - نشأة الدولة العقيلية التي أسسها محمّد بن المسيب وملوكها.

١٥ - الأدباء العلويون في العصر العباسي.

١٦ - حياة بعض الخلفاء العباسيِّين.

وتوجد هذه المؤلّفات والمخلّفات لدى أكبر أولاد المترجم السيد عبد الصالح(١) .

عاشرته السنوات الأخيرة من حياته ( ١٣٧٥ ه - ١٣٨٠ ه ) ، وكان العامل الأول في رسوخ معاشرته النبل الذي يحمله ، والعاطفة الرقيقة التي يتحلّى بها ، فكان مثال الإنسان الوديع على نحافة جسمه ، وجهورة صوته ، وإشراق وجهه،

____________________

(١) أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين ٥٠ / ١٢٤ - ١٢٥.


وكان المتواضع الذي تداخل الزهد معه ، وكان على جانب عظيم من الذكاء الحاد ، والحسّ المتوقد ، والخلق القويم ، كما إنّه كان ميّالاً إلى العزلة ، يؤثر الانقطاع عن غوغاء الناس ، محبّاً للمطالعة والتأمّل.

ولم أزل أحتفظ في ذاكرتي الكثير من الأخبار والصور عن سيرة هذا المفكّر ؛ فقد كان عالماً فاضلاً ، ورث الشرف العظيم من أسلافه الأمجاد ، وكنت كلّما ضمّني مجلس وإيّاه في داره الكائنة في محلّة المخيّم راح يحدّثني فصولاً ممتعة عن تاريخ الإسلام وسير شخصياته ، فاستمتعت بأحاديثه الطلية التي لا يملّها السمع ، ولا يحف منها الحقّ ، وكان يستشهد بأقوال الفلاسفة والحكماء عن المصادر التي أجهد نفسه أعواماً طويلة في البحث والتتبع والاستقصاء عنها.

ولفظ أنفاسه الأخيرة في صباح يوم الجمعة ١٢ شوال سنة ١٣٨٠ ه الموافق ١٦ مارس سنة ١٩٦٢ م.

وأرّخ عام وفاته الشاعر الشيخ علي البازي بقوله:

سدانة السبطِ سليلِ الهدى

ومَنْ إلى الإسلامِ إنسانُ عينْ

قامَ بـها عبد الحسين الذي

قد فازَ فيما قامَ بالحُسنيينْ

فسوفَ يجزى الأجرَ يومَ الجزا

من شافعٍ يشفعُ في النشأتينْ

غابَ ولكن شخصهُ ماثلٌ

أمامنا من دونِ زيغٍ ومينْ

إن رمتَ أن تعرفَ تاريخه

( قل إنّهُ لاذ بقبرِ الحسينْ )

١٣٨٠ ه

وأرّخ وفاته أيضاً الخطيب السيد علي بن الحسين الهاشمي بقوله:

نعاكَ في الحائرِ ناعي الحجى

فاغرورقت بدمعها كلّ عينْ

عبد الحسين قد قضى نحبه

أرّخته ( الخلدُ مثوى الحسينْ )

١٣٨٠ ه

وممّن ذكره من الأعلام في تصانيفهم السيد جعفر الأعرجي الكاظمي في


كتابه ( مناهل الضرب في أنساب العرب ، المخطوط / ٥٦٥ ) ، والشيخ آقا بزرك الطهراني في ( نقباء البشر في أعلام القرن الرابع عشر ١ / ١٠٥٨ ) ، وخير الدين الزركلي في ( الأعلام ٧ / ١١٥ ) ، والسيد صالح الشهرستاني في كتابه ( شخصيات أدركتها ) وغيرهم. ورثاه فريق من الشعراء والأدباء في ذكراه الأربعينية والسنوية.

السيد محمّد علي الطباطبائي

هو العالم الفاضل السيد محمّد علي ابن السيد مهدي ابن السيد محمّد علي ابن ميرزا مهدي ابن المير السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض.

ولد في كربلاء سنة ١٣٠٢ ه ، ونشأ في أسرة ( آل الطباطبائي ) المعروفة بقدسيتها وعلمها ، وأخذ المقدّمات من أعلام أسرته كالعلّامة السيد الآقا ميرزا جعفر ابن الميرزا علي نقي الطباطبائي المتوفّى عام ١٣٢١ ه ، ثمّ حضر درس الأوليات من العربيّة على الشاعر الشيخ جعفر الهر ، ثمّ حضر درس العالم الكبير المجاهد الشيخ محمّد تقي الشيرازي زعيم الثورة العراقيّة ، والسيد ميرزا هادي الخراساني وغيرهم من الأساتذة الفضلاء ، وله منهم إجازات عديدة.

اشتغل بالقضايا الوطنية وضرب فيها بسهم وافر ، وساهم بمقدّمات الثورة العراقيّة الكبرى عام ١٩٢٠ م , حيث نُفي إلى سامراء سنة ١٩١٨ م من قبل السلطة المحلّية آنذاك ، وسافر إلى هنجام مع أحرار كربلاء في ٢٥ أيلول عام ١٩٢٠ م.

وللمرحوم ذكريات تاريخيّة تدلّ على همّته القعساء ، وقد ضرب بها أروع المثل في البطولة والتضحية ، والشهامة والإباء ضدّ الاحتلال البريطاني الغاشم في ثورة العشرين. وكان إلى جانب فقاهته رقيق الروح ، وإلى جانب تقواه نقي السريرة ، وكان يتمتع بشخصية محترمة في الأوساط الاجتماعيّة ، وكان رجلاً صلباً


في الحقّ والوطنية الصادقة ، جريئاً لا يهاب الكوارث والزعازع. ترك مؤلّفات خطّية لم ترَ النور بعد.

توفي في كربلاء يوم ١٦ جمادى الثانية سنة ١٣٨١ ه ، وجرى له تشييع حافل على نطاق رسمي وشعبي ، ودُفن في مقبرة العلّامة السيد محمّد المجاهد ابن السيد علي صاحب الرياض.


الفصل السابع:مجالس الشعراء

هنا وهناك في أرجاء مدينة الحسين المعمورة كانت تعقد مجالس أدبيّة ، ونوادي علمية يلتقي بها رجال الأدب وأكابر رجال البلد ، والوجهاء والأغنياء ، والشعراء والأدباء من شيوخ وشباب يقضون أوقاتهم في سمر ومنادمة ، ويتحدّثون ويتغنون بخرائد المنظوم ، وروائع المنثور ؛ فقد كانت كربلاء سابقاً كعبة القاصدين لشعراء بغداد والحلّة والنجف وغيرها من المدن.

وفي هذا الفصل تجسيد لملامح تلك المجالس الأدبيّة الراقية التي اشتهرت في كربلاء خلال القرون الثلاث الأخيرة ، أمّا باقي المجالس والدواوين فكانت لا تخلو من وجود أساليب التسلية واللهو ليلاً ونهاراً.

والمجالس الكربلائيّة الشهيرة التي كانت تترنّح في أجوائها ألف حكاية من حكايات الأدب والعلم ، والشعر والاجتماع , المجالس التي لا زالت آثارها باقية اليوم ، فقد كان سراة القوم يجتمعون بالعامة من الناس لدراسة أمورهم المعاشية وحلّ معضلاتهم ، فيحتكمون عندهم فيحكمون لهم في كلّ كبيرة وصغيرة دون أن يعدم لأحدهم حقّ ، فضلاً عن اتخاذها ندوات أدبيّة يتطارحون فيها الشعر ، ويتذاكرون فيها سير


الأولين ، ويقصّون روائع الأسمار ، وطرائف القصص ما يخلب الألباب ، وتُنسيهم مشاكل الحياة وهمومها ؛ فيقضون ساعات في جو من الغبطة والارتياح.

ومن مزايا تلك المجالس أن يدخّن فيها النارجيلة ، ويقدّم للوافدين الشاي فيرشفون القهوة العربيّة المرّة التي تُدار عليهم بين حين وآخر. وقد حاولت أدوّن ما أودعته ذاكرتي ، وما تعلّق في خاطري في مجالستي لشعراء ورجال معمّرين ، أو ما رواه لي بعضهم عن بعضهم من نوادر ، ولعلّ في ذلك ما يشوق للقراء. ولا تزال الأبيات التي سأذكرها متعلّقة في ذاكرة المخضرمين من الأدباء وهواة الأدب.

ومن هذه المجالس:

١ - ديوان الميرزا أحمد النوّاب

يعتبر الميرزا أحمد النوّاب(١) صاحب المحاورات الأدبيّة التي منها ( معركة الخميس ) المشهورة ، حيث كان يُقيم في كربلاء في مطلع القرن الثالث عشر الهجري ، أي قبل حوالي مئة وخمسين عاماً.

ولقد أشار صاحب ( أعيان الشيعة ) إلى ذلك فقال: وجرت في مجلس هذا الديوان مجالس أدبيّة تناقلها العراقيون ، وأودعت في المجاميع في ذلك العصر تدلّ على معرفة المترجم بالأدب والشعر معرفة تامة(٢) ... إلخ.

ومعركة الخميس هي تلك المساجلة الأدبيّة التي جرت حول قصيدة السيد نصر الله الحائري التي مطلعها:

ياتربةً شرفت بالسيدِ الزاكي

سقاكِ دمعُ الحيا الهامي وحيّاكِ

____________________

(١) ترجمه سيدنا الحجة السيد محسن الأمين في ( أعيان الشيعة ١٠ / ٣١١ ) فقال: أديب كبير ، كان يقيم في كربلاء في عصر السيد مهدي الطباطبائي بحر العلوم , ولا يُعرف عنه شيء اليوم ، ويُحتمل أن يكون من آل النوّاب في يزد ، وهم أسرة علوية من بقايا الصفوية ، ويُحتمل أن يكون من الاُسرة الهنديّة التي كانت تستوطن كربلاء وإليها يُنسب بعض العقار إلى الآن ، والله أعلم ، وهم غير آل النوّاب الذين يسكنون بغداد ؛ فاُولئك أسبق هجرة من سكّان بغداد.

(٢) أعيان الشيعة ١٠ / ٣١١.


واشترك فيها شعراء ذلك العصر كالشيخ محمّد رضا النحوي والشيخ أحمد النحوي فحكّموا بها السيد مهدي بحر العلوم ، وقد وردت هذه المساجلة في عدة مصادر اُخرى كديوان السيد نصر الله الحائري والبابليات وشعراء الحلة وغيرها.

٢ - ديوان آل الرشتي

كان مجلس هذا الديوان قديماً محطّ رحال الأدباء ، ومنتجع الشعراء والندماء ، لا يخلو من مطارحات أدبيّة ومساجلات شعرية ، وذلك منذ عهد العالم السيد كاظم ابن السيد قاسم الحسيني الرشتي المتوفّى سنة ١٢٥٩ ه ، فقد كان الشعراء يؤمّون هذا الديوان ؛ حيث تروى فيه الأخبار وتتناشد الأشعار.

وكان من بين شعراء كربلاء الذين مدحوا السيد المذكور الشاعر الشيخ قاسم الهر ، فقال من قصيدة له:

كيفَ الضلال ونورُ رشدكَ مشرقُ

وشذاكَ في الأكوانِ مسكٌ يعبقُ

يا مَنْ إذا لمعت أشعّةُ نورِه

ظلّت بـها حدقُ الخلائقِ تحدقُ

يا كاظمَ الغيظِ الذي فيهِ اغتدتْ

كلّ العلومِ الغامضاتِ تحقّقُ(١)

أمّا في عهد نجله السيد أحمد الرشتي فكان شعراء الحلّة وبغداد والنجف كعادتهم يكثرون الاختلاف إلى ديوانه ، وقد دلّت مساجلاته الشعرية على بعد غوره وتضلّعه في هذا الفن.

وكان من بين شعراء الحلّة الشيخ صالح الكواز الذي قصد كربلاء في إحدى زيارته معاتباً في قصيدة له السيد أحمد الرشتي ؛ حيث لم يلقَ الترحيب الذي كان يلقاه من أبيه السيد كاظم في حياته وذلك في عام ١٢٨٦ ه ، ومطلعها:

وقوفيَ تحتَ الغيثِ ما بلّني القطرُ

وعمت بـلجّ البحرِ ما علّني البحرُ

ورحتُ بما في معدنِ التبرِ طامعاً

فعدتُ وكفّي وهي من صفرها صفرُ

____________________

(١) نقلنا هذه الأبيات عن مجموعة خطّية لآل الهر.


وكنتُ قد استنصحتُ في الأمرِ رائداً

فقالَ هو الوادي بهِ العشبُ و الزهرُ

فلمـّا حططتُ الرحلَ فيهِ وجدته

وأمواههُ نارٌ وأزهارهُ حمرُ

فواللهِ ما أدري أأخطأ رائدي

أم اَكذبني عمداً أم انعكسَ الأمرُ

وكم أطمعتكَ الغانياتُ بـوصلها

فلمـّا تدانى الوصلُ آيسكَ الهجرُ

وذلكَ من فعلِ الغواني محبّبٌ

ولكنّهُ من غيرها خُلقٌ وعرُ

على أنّهُ يُنمى إلى العيلمِ الذي

تمدّ البحارَ السبعَ أنملهُ العشرُ

فتى كاظمٌ للغيظِ ما ضاقَ صدرُه

إذا ضاقَ من وسعِ الفضا بالأذى صدرُ

إذا حسّنَ البشر الوجوه فإنّه

لمولى محيّاهُ بهُ يحسنُ البشرُ(١)

وكان السيد أحمد الرشتي يبذل لأخدانه الشعراء بالعطاء ويوسع عليهم في العيش.

ومن شعراء كربلاء المختلفين إليه الحاج جواد بدقت ، والشيخ فليح ، والشيخ محمّد فليح ، والشيخ موسى بن قاسم الأصفر ، والشيخ كاظم الهر وسواهم. وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ لهؤلاء الشعراء قصائد كثيرة في مديح السيدين كاظم وأحمد الرشتي.

وكانت في الديوان مكتبة حافلة بالكتب القيّمة ، وقد بلغ عدد كتبها عشرة آلاف مجلد بين مطبوع ومخطوط سوف يأتي ذكرها في الفصل الخاص بالمكتبات الخاصة , وفي هذا الديوان كانت تتبادل الآراء الأدبيّة ، ويدور النقاش في كافة فنون الأدب. ودار الزمن دورته ، فقُتل السيد أحمد الرشتي عام ١٢٩٥ ه في كربلاء بتحريض من الحاج محسن كمونة ، وقد قتله كلّ من جعفر بن باخية ، والحاج حسن الشهيب ، وسليمان الصائغ ، وأحد أفراد أسرة الفتوني وآخرون غيرهم.

كما إنّهم قتلوا خدينه الوفي محمّد بن فليح بعد مقتل سيده ، وهما يخرجان من باب السدرة بعد صلاة العشاء ، وكانت مواقف الشعراء شديدة لهذه الوقعة المؤلمة ، وقد هزّت هذه الحادثة

____________________

(١) مجموعة آل الرشتي ( مخطوط ).


عواطفهم لا سيما الشاعر الشيخ كاظم الهر ؛ فقد جزع جزعاً شديداً لمقتل سيده , [ فقال ] من قصيدة طويلة أوّلها:

إذا لم أمت حزناً لشمسِ سما الفخرِ

فو العصر إنّي ما حُييت لفي خسرِ

وفي العيد إن فاضت سحائبُ مقلتي

فها هي لم تبرح مدامعها تجري

وكيف هلالُ العيدِ يبزغُ بعدما

توارى هلالُ المجدِ [في] ظلمةِ القبرِ

وتسعدُ أيامي وقد راحَ أحمدٌ

شهيداً على حدّ المهنّدةِ البترِ

أبـو قاسمٍ مَنْ شادَ ركنَ فخارِها

وداسَ بـنعليهِ على هامةِ النسرِ

وهيهات عينُ العيدِ تنضبُ بعده

وروضُ الهنا يفتّرُ مبتسمُ الثغرِ

ومن ثمّ ينتقل إلى رثاء زميله الشاعر الشيخ محمّد ابن الشاعر الشيخ فليح الذي قُتل في نفس الحادثة:

مصابٌ دهى غضَ الشبابِ محمّداً

وقادَ زمامَ المجدِ ناشرةَ الشعرِ

محمد يا ربّ الحجى وأخا النهى

محمد يا غيظَ الحسودِ ويا ذخري

فديتكَ هل أسلو وهيهات نكبة

فحاشا بأن تقضي ولا ينقضيعمري

محمّد يا مَنْ حازَ أفضلَ غاية

وأنسى جريراً بالفصاحةِ والشعرِ(١)

واستخلف السيد أحمد نجله الأديب الظريف السيد قاسم الرشتي ، فكان الشعراء كعهدهم السابق يتوافدون على ديوانه ويمطرونه بمدائحهم ؛ فمن الحلّة الشاعر الشيخ حمادي نوح الذي يضمّ ديوانه المخطوط فصلاً باسم « الرشتيات » , وهي تهانيه ومدائحه للسيد قاسم المذكور.

ومن شعراء كربلاء الشيخ كاظم الهر ، والحاج محمّد حسن أبو المحاسن وزير المعارف سابقاً ، والشيخ عبد الحسين الحويزي. ومن الرجال البارزين الذين كانوا يرتادون هذا المنتدى الأدبي الشهير الخطيب الشاعر السيد جواد الهندي ، والشيخ محمّد علي القاضي الشهير بـ ( قصير

____________________

(١) ديوان الشيخ كاظم الهر , نسخته المخطوطة في مكتبة الاُستاذ حسن عبد الأمير.


الأدباء ) ، والسيد هاشم قفطون(١) .

وحدّثني المرحوم الشاعر الشيخ عبد الحسين الحويزي في خصومة جرت بينه وبين الخطيب الشهير السيد جواد الهندي في هذا الديوان ، فقال: ارتقى المنبر ذات مرّة خطيب كربلاء السيد جواد الهندي في ديوان السيد قاسم , وأخذ يُطيل في حديثه وقراءته في المأتم الحسيني المقام في الديوان المذكور حتّى ملّ الحاضرون منه ، ولكنّه تعمد بذلك وأراد عدم إفساح المجال لغيره من الخطباء لألقاء القصائد المعدّة حينذاك ؛ حيث كانت من بينها قصيدتي وقصيدة المرحوم الشاعر الحاج محمّد حسن (أبو المحاسن).

وأخيراً هجرته بعد دراسة المواقف وبحث السبب في ذلك في محضر اجتماع ضمّني وإياه في ديوان السيد أحمد الوهاب ، والأبيات هي:

أجواد مهلاً إن جريت إلى العلا

كم من جوادٍ قبل شأوكَ قد كبا

لا تعجبنَّ بخلق نفسكَ في الورى

إنّ الغبي يتيه فيكَ تعجّبا

لِم لا رضيت رثاء جدكّ برهةً

يتلى لذا صيّرتَ ربّكَ مغضبا

وأرى الشريفَ إذا بكى اُكرومةً

لأبـيهِ لم يكن الشريفُ لهُ أبا

إنّي وأنت على الإقامة والسّرى

خصمانِ نُدعى فليتب مَنْ أذنبا

وهكذا كانت الطرائف والأحاديث تجري كالسيل الجارف في مجلس هذا الديوان.

ولمـّا فاضت روح السيد قاسم الرشتي إلى بارئها اُصيب الأدب عندنا بنكسة كبرى وخسارة عظمى ؛ حيث توقّف النشاط الفكري ، والإنتاج

____________________

(١) هو الخطيب السيد هاشم الشهير بالقاري ابن السيد محمّد ابن السيد هاشم آل قفطون الموسوي ، المولود سنة ١٢٨٥ ه في كربلاء. درس على والده السيد محمّد بعض المقدّمات ، وتلقّى علومه على أيدي أساتذة وشيوخ ؛ فدرس الفقه والتفسير والحديث ، ولازم السيد جواد الهندي خطيب كربلاء ، وبعد وفاته سار على نهجه وعكف على إدارة مجالسه فترة طويلة بحزم ، وأصبح خطيباً له مكانته المرموقة ، واتصف بالمزايا العالية والسجايا النبيلة. توفي عام ١٣٥٠ ه ، وأعقب ولدين فاضلين هما: الخطيب السيد كاظم ، والسيد محمّد.


الأدبي بين علماء وشعراء ذلك العصر ، وخبت تلك الشعلة الفيّاضة التي كانت تبعث بأنوارها من أرجاء هذا البيت.

٣ - ديوان آل كمونة

وكان الشعراء يقصدون هذا الديوان وينشدون قصائدهم في مناسبات مختلفة ، ويكيلون المديح لآل كمونة , ومن هؤلاء الشعراء الشيخ جعفر الهر ، والشيخ جواد الهر الذي صرّح بأنّه شاعر آل كمونة ، والشيخ مهدي الخاموش ، والشيخ عبد الكريم النايف وغيرهم , ومن نتاج هؤلاء ألّفت مجموعة ضخمة في مديح ورثاء آل كمونة ما تزال مخطوطة.

وكانت المجالس تُعقد في أدوار متعاقبة منذ عهد شاعر الاُسرة الحاج محمّد علي كمونة المتوفّى عام ١٢٨٢ ه.

٤ - تكية البكتاشية(١)

يعود تاريخ التكية إلى أكثر من قرنين ، وهي تجاور قبر الشاعر فضولي البغدادي ، وتضمّ قبّة كبيرة ومحراباً في الأرض مبنياً بالقاشاني يتوسّطه عمود من المرمر النفيس ، وتتصل هذه التكية بالروضة الحسينيّة من جهة الجنوب ، وكان يلتقي فيها الباشوات والمشراء القادمين من إسطنبول بين حين وآخر ، كما يلتقي بها شعراء كربلاء ، أخصّ بالذكر منهم الشيخ مهدي الخاموش(٢) الذي كان يقصد التكية في عهد السيد تقي الدرويش عميد أسرة آل الدده الحاليين.

____________________

(١) البكداشية ، أو البكطاشية: جماعة من المتصوّفة ، لهم اُصولهم وحياتهم وطريقتهم الحياتية ، وقد اهتمّ لفيف كبير من المستشرقين والكتّاب العرب بهم ، فكتبوا عنهم الفصول الطويلة. وقد أعدّ الاُستاذ أحمد الصرّاف بتأليف كتاب عنهم ، نشر فصوله في جريدة ( كلّ شيء ) البغدادية , ابتداء من العدد ٣٠ الصادر في ٢ رمضان ١٣٨٤ ه ١ كانون الثاني ١٩٦٥.

(٢) هو أبو زيارة الشيخ مهدي بن عبود الحائري الشهير بالخاموش ، كان خطيباً وشاعراً تشهد له المحافل الكربلائيّة ، توفي سنة ١٣٣٢ ه. انظر كتابنا « شعراء كربلاء ١ / ٢١٦ ».


والشاعر الشيخ جمعة الحائري(١) ، والشيخ محسن أبو الحبّ خطيب كربلاء ، وكذلك الخطيب الشيخ علي أبو غزالة وذلك في عهد المرحوم السيد حسين الدده ابن السيد عبّاس ابن السيد محمّد تقي الدرويش.

ومن المعروف أنّ تلك الأحاديث والمسامرات الأدبيّة كانت تحتلّ الصدارة في مجالس التكية ، فيتبارى أهل الفضل والأدب بالمنظوم والمنثور ، وقد استكملت التكية أخيراً من قبل وزارة الأوقاف فأمرت بهدمها سنة ١٤٠٠ ه.

٥ - ديوان الميرزا الحائري

كان ديوان زعيم الثورة العراقيّة آية الله الشيخ محمّد تقي الحائري الشيرازي مرجعاً للزعماء السياسيين وملتقى للوطنيين والمجاهدين الأحرار , وكان الشعراء يختلفون إليه من وقت لآخر ، أخصّ بالذكر منهم الشاعر الوطني خيري الهنداوي ، والشيخ محمّد حسن أبو المحاسن ، والدكتور محمّد مهدي البصير ، لا سيما في الوقت الذي شملت العراق الظروف السياسيّة الراهنة يوم نشبت ثورة العشرين ؛ حيث كانت فتاوى الإمام الشيرازي تفرض الجهاد على المواطنين وتحرّضهم على التضحية بكلّ غال ونفيس للانتصار على الاستعمار البغيض.

وشاء القدر أن يختار لجواره الإمام محمّد تقي الشيرازي في اليوم الثالث من ذي الحجة عام ١٣٣٨ ه المصادف ١٣ آب سنة ١٩٢٠ م ، فاُقيم له احتفال رائع بديوانه العامر في كربلاء ؛ فرثاه الشعراء بقصائد عصماء ، ومنهم الشاعر خيري الهنداوي بقصيدة بدأها بقوله:

خطبٌ عليهِ بكى [الإنسانُ](*) والجانُ

مذ بان عن زورقِ الإيمانِ سكّانُ

____________________

(١) هو الشيخ جمعة بن حمزة ابن الحاج محسن بن محمّد علي بن قاسم بن محمّد علي بن قاسم آل دعدوش المتوفّى سنة ١٣٥٠ ه ، كان من شعراء وخطباء كربلاء. انظر كتابنا « شعراء كربلاء ١ / ٢٧٧ ».

(*) وردت المفردة في الأصل (الإنس) , ومعها لا يستقيم الوزن إلّا بما أثبتناه بين المعقوفتين. (موقع معهد الإمامين الحسنين)


مضى إلى اللهِ مَنْ كانت طبيعتُه

للهِ آيةُ توحيدٍ وبـرهانُ

الدهرُ دارُ زوالٍ لا ثباتَ له

وإنّما هو غدّارٌ وفتّانُ

لا تطمئنَّ بـدنيا غيرِ دائمةٍ

فإنّما شأنها ظلمٌ و عدوانُ

إلى أن قال:

فحقّ أبـصارنا تبكي عليهِ دماً

لأنّهُ كان للإسلامِ سلطانُ

العلمُ ينعاهُ والتقوى لهُ وله

والزهدُ يصرخُ والمحرابُ حيرانُ

وقد تهدّم ديوان الميرزا الحائري بعد وفاته ؛ وذلك على إثر افتتاح شارع علي الأكبر في عهد صالح جبر متصرّف لواء كربلاء عام ١٩٣٨ م.

٦ - ديوان آل النقيب

وهو ناد خفيف الروح لا يخلو من الاجتماعات ذات الطرائف والخواطر الأدبيّة التي تثير الدعابة والمرح في الجو الشعري ، ففي عهد المرحوم السيد محسن النقيب توافد إليه شعراء كربلاء ، ومنهم الشيخ كاظم الهر وله فيه مدائح.

وعندما طوى السيد محسن الأجل في رمضان ١٣٣٨ ه جاء دور نجله السيد حسن النقيب ، وكانت له صداقات مع كثير من الأدباء ، أمثال الشاعر الشيخ جواد بن كاظم الهر الذي عاتب السادة آل النقيب بهذين البيتين ؛ وذلك لأنّهم لم يدعوه لوليمة في بعض أعراسهم ، والبيتان هما:

أنسيتم سادتي هرَّكُمُ

عن طبيخٍ دسمٍ في الأكلِ يُحمدْ

أم عملتم بـالذي قيل بنا

عند أكلّ اللحمِ إنّ الهرّ يُطردْ

فما كان من السيد النقيب إلّا أن كافأه بمنحة مالية سخية عوضاً عن الوليمة.

وكان يختلف على الديوان المذكور بعض الزائرين والسائحين الأجانب الذين يقصدون كربلاء ، وممّن زار الديوان عام ١٩٢٠ م الصحفي الشاعر عبد المسيح الأنطاكي مؤلّف ملحمة ( العلوية المباركة ).


٧ - ديوان آل الوهاب

وهو الذي يقع في محلّة باب الطاق قرب ديوان آل الرشتي ، أسسه السيد أحمد السيد محمّد الوهاب عميد أسرة آل الوهاب ، وكانت للسيد المذكور مواقف جليلة ، وخدمات لها شأن يذكر لا سيما يوم كان نائباً عن كربلاء سنة ١٩٤٠م.

وممّن كان يختلف على ديوانه من شعراء كربلاء الشيخ كاظم الهر ، والسيد جواد الهنيدي ، والشيخ محمّد حسن أبو المحاسن ، والشيخ محسن أبو الحبّ ، والشيخ عبد الحسين الحويزي وغيرهم.

وممّا يذكر بهذا الصدد أنّ الشيخ علي أبو غزالة الخطيب الكربلائي المتوفّى سنة ١٣٥٠ ه قال معاتباً الحاج محمّد حسن كبّة حاكم كربلاء ؛ وذلك بوعد وعده ولم يفِ به:

إنّ الفتى مَنْ بدا منه الجميلُ بلا

وعدٍ و مَنْ أنكرَ الميعادَ نصفُ فتى

ومَنْ تخلّى عن الأمرينِ فامرأةٌ

ونصفُ امرأةٍ مَنْ خُلقه ثبتا

وكان السيد أحمد الوهاب يشهد هذه النوادر اللطيفة والمواضيع الظريفة منهم.

٨ - مجلس السيد يوسف الأشيقر

وهو إحدى المجالس العامرة في هذا البلد ، أسسه السيد يوسف السيد أحمد الأشيقر ، يلتقي فقيه رجال الأدب والوجاهة ، يقضون أوقاتهم في سمر ومنادمة ، ويتحدّثون فيه أظرف الأحاديث التي تتعلّق بشؤون الفكر والكتاب العربي وقضايا الساعة ، موقعه في حارة آل الأشيقر.

وكان يرتاده السيد عبد الحسين آل طعمة سادن الروضة الحسينيّة ، والشاعر الشيخ محمّد القريني ، والسيد يونس نصر الله ، والسيد إبراهيم شمس الدين القزويني ، والسيد صالح السيد جواد ، والسيد يوسف آل طعمة ، وعبد الحميد الوكيل.

ومن الجدير بالذكر أنّ السيد يوسف الاشيقر سعى سنة ١٩٢٦ م بتأسيس ( الجمعية الأدبيّة ) مع رعيل من مثقفي المدينة إلّا أنّ الحكومة خشيت أن


تكون جمعية سياسية فرفضت طلبه.

٩ - ديوان مجد العلماء

يُعرف مجيد خان ابن المرحوم أسد خان بمجد العلماء ، وديوانه كان مزدحماً بأهل العلم ، وكان موقعه خلف ديوان آل الرشتي ، يؤمّه فريق من شعراء كربلاء ، كالشيخ مهدي الخاموش ، والشيخ جعفر الهر ، والشيخ جمعة الحائري , وكان مجيد خان يستمتع بتلك القصائد والأحاديث التي تنتهي بالفكاهة المستملحة.

١٠ - ديوان السيد عبد الوهاب آل طعمة(١)

وهو ديوان رئيس بلدية كربلاء ، وكانت مجالسه لا تخلو من ولاة وعلماء ، وأدباء وأعيان ووجوه ، فضلاً على جماهير الناس المحتشّدة ، وفيه تجري أطيب الأسمار وأظرف الأحاديث ، وهذه اللقاءات الفكرية أدّت إلى تأليف كتاب ( فدك ) للسيد محمّد حسن القزويني.

وكان من روّاده الشاعر محمّد حسن أبو المحاسن ، والسيد محمّد تقي الطباطبائي ، والسيد حسين القزويني ، والشيخ كاظم أبو ذان ، والشيخ محمّد علي ( قصير الأدباء ).

١١ - ديوان آل حافظ

ومن المجالس الأدبيّة التي كان يرتادها أدباء ذلك الجيل ورجالات البلد

____________________

(١) هو ابن السيد عبد الرزاق ابن السيد عبد الوهاب , حاكم كربلاء وسادن الروضتين المقدّستين , ابن السيد محمّد علي سادن الروضة الحسينيّة ابن السيد عبّاس نقيب الأشراف ابن السيد نعمة الله نقيب الأشراف ابن يحيى بن خليفة نقيب الأشراف ابن نعمة الله نقيب الأشراف ابن العالم الفاضل السيد طعمة علم الدين الفائزي الموسوي الحائري.

ولد عام١٢٨٤ ه ، وكان أحد رجالات الثورة العراقيّة عام ١٩٢٠ م ، وعيّن رئيساً لبلدية كربلاء قبل الاحتلال البريطاني وبعده ، وعيّن عضواً في المجلس الوطني إبان الثورة ، وتوفي في رمضان سنة ١٣٤٧ ه. راجع ترجمته في مجلة ( المرشد ) البغدادية السنة الرابعة صفر ١٣٤٨ ه تموز ١٩٢٩ م.


السياسيين ، هو ديوان رئيس بلدية كربلاء الشاعر الحاج عبد المهدي الحافظ الكائن عند باب الصحن الصغير للروضة الحسينيّة المشرّفة , فكان هذا الديوان مكتظّاً بوجوه وأدباء البلد ، يرتاده بين حين وآخر الشاعر الوطني الحاج محمّد حسن أبو المحاسن ، والسيد حسين القزويني ، والشيخ كاظم أبو ذان ، والسيد أحمد البير ، والسيد نعمة السيد حسين ، والشيخ علي الشيخ زين العابدين الحائري ، والآقا رضا المحدّد ، والشاعر التركي الشيخ رضا الطالباني ، وكان لتلك المحاورات أثر في الحياة السياسيّة والاجتماعيّة.

١٢ - ديوان السيد جواد الصافي

كان موقعه في سوق الحسين (عليه‌السلام ) قرب حمّام المالح ، توافد إليه وجوه البلد وأعيانه ، أخصّ بالذكر منهم المرحوم السيد محمّد مهدي السيد حسن بحر العلوم الطباطبائي المتوفّى سنة ١٩٣٣ م ، الذي تولّى منصب وزارة المعرف في الوزارة النقيبية الأولى في ١٠ أيلول ١٩٢١ م ، ومنهم السيد أحمد السيد صالح آل طعمة - جدّ المؤلّف - , وفيه تجري الطرائف من أطايب الأسمار والأحاديث ، وفيه تنتعش فنون الأدب الرفيع.

١٣ - ديوان آل الشهرستاني

أسسه العلّامة الكبير السيد ميرزا مهدي الموسوي الشهرستاني ، وكان مجلسه مقرّاً للعلماء والأدباء ورجال الدين. وممّا زاد على بعد صيته وعلوّ ذكره كونه عالماً تقياً ، وزاهداً ورعاً ، يعدّ في الرعيل الأوّل من العلماء العاملين. انتقلت الرئاسة من بعده إلى أبنائه وأحفاده.

وفي عهد المرحوم السيد إبراهيم الشهرستاني اُقيمت في الديوان عدّة حفلات في مناسبات دينية ، شارك فيها الشعراء والأدباء الشيخ عبد الحسين الحويزي ، والسيد مرتضى الوهاب ، والسيد مرتضى القزويني ، والسيد صادق آل طعمة ، والسيد صدر الدين الحكيم الشهرستاني وسواهم.


١٤ - ديوان الشيخ محمّد رشيد الصافي

موقعه في شارع العباس ( مصرف الرهون حالياً ) ، أسسه الشيخ محمّد رشيد الصافي رئيس بلدية كربلاء سابقاً ، وكان يختلف على ديوانه بعض الشعراء وأهل الفضل ، كالسيد جعفر الحلّي ، والشيخ محمّد علي اليعقوبي ، ومن كربلاء الشيخ عبد الحسين الحويزي ، والشيخ موسى الهر.

بالإضافة إلى تلك المجالس الأدبيّة فهناك مجالس للعلماء ودواوين الرؤساء يرتادها وجهاء البلد وبقية الناس من طبقات الشعب المختلفة ؛ حيث يتناولون في أحاديثهم الشؤون الزراعية والقضايا المعاشية ، ويتناقلون أخبار الأحداث المحلّية أو العلميّة التي يسمعونها في الإذاعات ويلتقطونها من أفواه الناس ، فتكون لهم مادة طريفة للأحاديث الشيّقة والأسمار اللطيفة.

ومن هذه الدواوين القديمة التي لم يبقَ إلّا اسمها ديوان السيد صالح السيد سليمان آل طعمة المتوفّى سنة ١٣١٩ ه ، وديوان السيد عبد الحسين السر خدمة آل طعمة مدير أوقاف كربلاء ، وديوان السادة آل ثابت ، وديوان آل شهيب ، وديوان آل جار الله ، وديوان آل عواد ، وديوان السيد مصطفى الشروفي نائب سادن الروضة الحسينيّة ، ودواوين العلماء.

ومن دواعي الأسى والأسف أنّ أغلب هذه الدواوين لم يكن لها وجود اليوم بسبب تطور الحياة الاجتماعيّة.


الفصل الثامن

المكتبات الخاصة والعامة

المكتبات الخاصة

تعتبر كربلاء من اُمّهات المدن التي لعبت دوراً مهمّاً في التطوّر الحضاري والتقدّم الفكري منذ عدّة قرون. وبالرغم من عبث الحوادث الدامية في تشتيت الكبت في خزائن كربلاء ومكتباتها ؛ فقد كثرت فيها الكتب القديمة والذخائر القيمة ، ولا تخلو هذه الخزائن من مجاميع مخطوطة فيها النادر والنفيس ، والقديم والجدير بالتحقيق والنشر.

ونحن هنا ندوّن تسجيل خزائن الكتب البائدة والحاضرة ، قديمها وحديثها ؛ لكي يطّلع القارئ اللبيب على المعلومات الواردة فيها:

١ - مكتبة السيد ميرزا محمّد مهدي الشهرستاني

أسسها في داره الكائنة بمحلّة آل عيسى ، وكانت في وقتها عامرة بالمصادر المهمّة والمخطوطات القيّمة , ومنها مؤلفاته , ثمّ انتقلت بعد وفاته إلى نجله السيد محمّد حسين الشهرستاني الموسوي المتوفّى سنة ١٢٤٧ ه ، وقد نُهبت محتوياتها إثر


غزوة الوهابيِّين مدينة كربلاء ليلة الثامن عشر من ذي الحجة عام ١٢١٦ ه ؛ إذ إنّ صاحبها كان قد توفي في ١٢ صفر من العام نفسه , ولم يبقَ منها اليوم سوى بعض المخطوطات التي يحتفظ بها حفيده البحّاثة السيد صالح الشهرستاني نزيل طهران اليوم.

٢ - مكتبة السيد كاظم الرشتي

أسسها السيد كاظم ابن السيد قاسم الحسيني الرشتي الحائري المتوفّى عام ١٢٥٩ ه , وكانت في وقتها من أضخم المكتبات العراقيّة ، وقد بلغت قيمتها الكبرى في عهد نجله العالم الشاعر السيد أحمد الرشتي المقتول سنة ١٢٩٥ ه في كربلاء ، وكان هذا يبجّل الشعراء والأدباء والكتّاب ويغدق عليهم من أمواله الطائلة ، وكانت داره ندوة لمنتجعي الأدب.

وقد حدّثني أحد الأصدقاء فقال: رأيت أطلالها في بيت اُناس لا يقدّرون الأدب ولا يعطفون على تراث الأجداد. ومن بين هذه الأطلال تظهر مجموعة ضخمة جدّاً من دواوين قدامى الشعراء ، كلّها خطّية وكلّها أوراق متناثرة.

ويُقال: إنّ المكتبة تناهبها كثير من الموظفين الكبار في كربلاء وغيرهم ، ومنهم محام جليل في بغداد.

٣ - مكتبة المولى عبد الحميد الفراهاني

وهي من المكتبات المندرسة أيضاً ، أسسها الآخوند الملاّ عبد الحميد ابن المولى عبد الوهاب الفراهاني العراقي ( الآراكي ) المتوفّى حوالي عام١٣١١ ه.

وقد هاجر من مدينة شيراز وهبط سامراء وتلمذ على العلّامة السيد محمّد حسن الشيرازي المجدّد ، ومنها رحل إلى كربلاء حيث استقر به المقام فأسس مكتبة نفيسة فيها وذلك عام ١٢٧٦ ه ، ولم يبقَ من محتوياتها بعد وفاته سوى ٣٠٠ مجلداً مخطوطاً عند السيد علي أكبر اليزدي بمدرسة السردار حسن خان ، ثمّ تفرّقت أخيراً.


٤ - مكتبة الشيخ عبد الحسين الطهراني

أسسها الشيخ عبد الحسين بن علي الطهراني المكنّى بشيخ العراقين , المتوفّى عام ١٢٨٥ ه ، على أن يكون الواقف عليها ولداه الشيخ علي والشيخ مهدي ، وقد تفرّقت في زمنه أيدي سبأ. ومن نفائسها كتاب نادر ثمين ، هو النسخة الوحيدة في العالم ، ترجمه العلّامة ( نصير الدين الطوسي ) لأحد كتّاب اليونان ، ابتاعها بطرق ملتوية المتحف البريطاني وهي من ذخائره اليوم.

وقد حدّثني أحد أصدقائي فقال: إنّها اشتُريت من كربلاء بستة آنات ، وكانت تضمّ من بين مخطوطاتها النفيسة كتاب ( العين ) للخليل بن أحمد الفراهيدي ، وكتاب ( المحيط ) للصاحب بن عبّاد.

لقد بُعثرت هذه الخزانة ، وانتقلت جلّ مخطوطاتها إلى المكتبة الجعفرية بمدرسة الهنديّة بكربلاء اليوم ، وقسم منها لدى المرحوم الشيخ أحمد ابن الشيخ حسين المازندراني ، كما وتوجد بعض نفائسها اليوم في بعض بيوت كربلاء والنجف , ذكرها الاُستاذ جرجي زيدان في (تاريخ آداب اللغة العربيّة ٤ / ١٢٨).

٥ - مكتبة الشيخ زين العابدين المازندراني

وهي مكتبة قديمة أيضاً أسسها العالم الجهبذ الشيخ زين العابدين البار فروشي المازندراني الحائري المتوفّى عام ١٣٠٩ ه ، أحد علماء كربلاء المبرز في وقته ، انتقلت حيازتها إلى نجله الشيخ حسين المتوفّى عام ١٣٣٩ ه ١٩٢١ م ، ثمّ إلى حفيده الشيخ أحمد المتوفّى يوم ٢٩ جمادى الأولى عام ١٣٧٦ ه الموافق ١ / ١ / ١٩٥٧ م.

وقد جمعت فيها اُمّهات الكتب التي تبحث في سائر العلوم وأغلبها مخطوطة. ومن نفائسها كتاب ( العين ) للخليل بن أحمد الفراهيدي ، وإنّ نسخة العلّامة الشيخ محمّد السماوي منقولة عنها ، ذكرها الاُستاذ جرجي زيدان في (تاريخ آداب اللغة العربيّة ٤ / ١٢٨).

٦ - مكتبة السيد عبد الحسين الكليدار آل طعمة

أسسها السيد عبد الحسين ابن السيد علي ابن السيد جواد الكليدار آل طعمة


الموسوي سادن الروضة الحسينيّة , المولود في كربلاء سنة ١٢٩٩ ه والمتوفّى بها سنة ١٣٨٠ ه ، عُدّت في طليعة المكتبات العراقيّة ، ذكرها كثير من المؤرّخين ، منهم المرحوم جرجي زيدان في المجلد الرابع ص ١٢٨ من كتابه ( آداب اللغة العربيّة ) ، وذكر بعض تصانيفها الشيخ آقا بزرك الطهراني في موسوعته (الذريعة).

وهي خزانة جليلة لِما كانت تحويه من نفائس المطبوعات ، وذخائر المخطوطات التي لم يأل المؤسس جهداً في سبيل التنقيب عنها وجمعها ، فتمكن من جمع مجموعة نادرة من المخطوطات ، حتّى إنّ صديقاً له في إنكلترا واسمه « محمود بلشة » كان يبعث له مصوّرات نادرة لمخطوطات مكتبة لندن ، فلا غرو بعد ذلك أن أصبحت المكتبة هذه منتدى الأدباء والعلماء ، وكان قلّما يمرّ بكربلاء أديب أو باحث لا يحظى بزيارتها.

وكان للمستشرقين نصيب وافر من هذه الزيارات , فممّن زاره المستشرق الفرنسي الكبير ماسينيون ، والمستشرقة الإنكليزية المس بيل وغيرهم , ولكن اُسوة بمثيلاتها من المكتبات الكبرى التي لم يتسنَّ لها البقاء فقد احترقت واُتلفت إثر حادثة حمزة بيك سنة ١٣٣٣ ه ، فكانت خسارة كربلاء بفقد هذا التراث العربي الإسلامي القيّم خسارة لا تعوّض.

وليس لدينا اليوم ما يفصح عن محتوياتها سوى الفهرست الذي وضعه لنا المؤسس ، ومن مطالعاتنا للفهرست بان لنا ما أحرزته من المطبوعات النادرة والمخطوطات الثمينة ما يندر أن تضمّ خزانة مثل هذه الكتب.

٧ - مكتبة السيد إبراهيم القزويني

أسسها العالم الفاضل السيد إبراهيم ابن السيد محمّد باقر ابن السيد عبد الكريم القزويني الموسوي الحائري ، الشهير بصاحب الضوابط المتوفّى سنة ١٢٦٢ ه , وكانت حاوية لسائر كتب الحديث والفقه ، والتفسير والتاريخ واللغة ، وفيها من المخطوطات النفيسة النادرة التي يزيد عددها على ٢٠٠ مخطوطة ، وقد انتقلت بعد وفاته إلى نجله السيد باقر ، ومنه إلى العلّامة السيد حسين القزويني حفيد صاحب الضوابط آنف الذكر.

ومن المؤسف أنّ المكتبة احترقت سنة ١٣٣٠ ه ،


ولم يسلم منها سوى بعض الكتب. ومن أهم نفائسها اليوم كتاب ( المحيط ) للصاحب بن عباد ، و ( مناسك الشاهوردية ) ، و ( نتائج الأفكار ).

٨ - مكتبة الشيخ أبي القاسم الخوئي

وهي من المكتبات البائدة العائدة للشيخ أبي القاسم ابن الشيخ عبد الله الخوئي ، المدرّس في مدرسة صدر الأعظم النوري , المتوفّى ١٤ صفر سنة ١٣٦٤ ه , وقد اشتملت على كتب نفيسة من المخطوطات والمطبوعات النادرة الثمينة في مدرسة الصدر ، وبيعت بعد وفاة صاحبها بالمزاد العلني وتفرّقت. أقتنى قسماً منها السيد أبو الحسن الأصفهاني الموسوي ، وعُثر على قسم من مخطوطاتها في مكتبة الإمام الرضا (عليه‌السلام ) في مشهد.

ومن المخطوطات التي كانت تحتفظ بها كتاب ( تعقيبات الصلاة ) للسيد كاظم بن باقر الموسوي الكشميري الحدبيلي ، وكتاب ( الحسينيّة في الاُصول الدينيّة والفروع العبادية ) للمولى عزّ الدين جعفر بن شمس الدين الآملي ، وكتاب ( شاهان در كربلاي معلّى ) , وهو مخطوط فارسي مجهول المؤلّف يقع في نحو من ٧٠ ورقة , وتاريخ كتابته حوالي ١١٢٨ ه.

ولصاحب المكتبة آثار مخطوطة , منها ( إزالة الأوهام عمّا اشتهر في الأسماء والأعلام ) , نسخة عند ابن أخيه الشيخ جابر الفاضل في مدينة خوي شمال إيران.

٩ - مكتبة السيد علي البغدادي

كانت مكتبة حاوية لأكثر الكتب القديمة , حدّثني والدي بشأنها فقال: كان المرحوم السيد علي السيد مهدي البغدادي من الرجال المعمّرين الأفاضل ، اقتنى في حياته كثيراً من الكتب الخطّية والمطبوعة وجمعها , إلّا أنّها تفرّقت بعد وفاته بين ورثته وبيع أغلبها.

كما حدّثني سماحة العلّامة السيد مرتضى الطباطبائي فقال: كان المرحوم السيد علي من تلامذة السيد محمّد حسين المرعشي الشهرستاني ، وله منه إجازة في الاجتهاد ، ومن مؤلّفاته المطبوعة ( رسالة في الكر ).


١٠ - كتب السيد طالب السيد عاشور

ليس لدينا معلومات كافية عن هذه الكتب ، والظاهر أنّ السيد طالب كان مولعاً باستنساخ الكتب وجمعها ؛ فقد ذكر لنا العلّامة السيد عبد الحسين الكليدار آل طعمة أنّ كتاب ( الدرّ النظيم ) لجمال الدين الشامي توجد منه نسخة عند ورثة السيد طالب السيد عاشور مستكتبة على نسخة مكتبة الشيخ عبد الحسين الطهراني. وكان المومى إليه سيداً جليل الشان من أصدقاء السيد الكليدار المخلصين ، وهو جدّ السادة آل ماجد في كربلاء اليوم.

١١ - مكتبة الشيخ محسن أبو الحبّ

صاحب هذه الخزانة الخطيب الشيخ محسن ابن الحاج أبو الحبّ , المولود سنة ١٢٣٥ ه والمتوفّى سنة ١٣٠٥ ه. اشتملت على اُمّهات كتب الفقه والتاريخ ، والأدب والشعر ، معظمها مطبوع بالطبع الحجري , وهي غنية بما تشتمل عليه من ذخائر فريدة ، ونفائس جليلة من المخطوطات , وبعد وفاته انتقلت إلى نجله الخطيب الشيخ محمّد حسن أبو الحبّ والدكتور جليل أبو الحبّ ، وقد لقيت منهما عناية فائقة ؛ وذلك بلمّ شتاتها من التلف.

١٢ - مكتبة السيد علي أكبر الحائري

وهي الخزانة العائدة للعالم الفاضل السيد علي أكبر ابن السيد مير حسين القزويني الحائري. قال عنها صاحب الذريعة: كان من أهل الفضل والمعرفة في كربلاء ، وكانت لديه مكتبة نفيسة وقف كثيراً منها على المنتفعين ، وجعل التولية بيد السيد هاشم القزويني المتوفّى بكربلاء سنة ١٣٢٧ ه. رأيت جملة من تلك الكتب في مكتبة مدرسة الهندي بكربلاء ، وكانت وفاة المترجم له بعد سنة ١٣٠٠ ه(١) .

____________________

(١) نقباء البشر في القرن الرابع عشر - آقا بزرك الطهراني ٣ / ١٥٩.


١٣ - مكتبة السيد محمّد باقر الحجة الطباطبائي

من الخزائن القديمة الثمينة في حينها ، تشتمل على المخطوطات والمطبوعات التي تتراوح على ٣٠٠ كتاب ، جُمعت منذ عهد السيد علي صاحب الرياض ، انتقلت بالتناوب حتّى وصلت إلى السيد محمّد باقر المتوفّى عام١٣٣١ ه ، ثمّ إلى نجله السيد محمّد صادق المتوفّى سنة ١٣٣٧ ه ، وبعد وفاته قسّمت كتبها إلى ولده السيد باقر وابن عمّه السيد عبد الحسين الحجة ، ولا يزال قسم منها موجوداً في مدرسة المجاهد الدينيّة.

١٤ - مكتبة السيد عبد الحسين الحجة الطباطبائي

وهي مكتبة قيّمة حوت على ١٢٠٠ كتاباً بين مخطوط ومطبوع ، وقد اعتنى بها السيد عبد الحسين ابن السيد علي الحجة المتوفّى في ٢٤ محرّم عام ١٣٦٣ ه ، وأضاف إليها كثيراً من اُمّهات الكتب , وقد بيعت بعد وفاته إلى أحد أقربائه وهو السيد محمّد مهدي الحجة الطباطبائي ، ومن نفائس هذه المكتبة نسخة خطية نادرة من كتاب ( عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ) للسيد أحمد بن مهنا الداودي.

كما إنّ هناك اليوم نسخة ثمينة من كتاب ( مغني اللبيب ) لابن هشام جمال الدين عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله الأنصاري , المولود بالقاهرة سنة ٧٠٨ ه والمتوفّى سنة ٧٦١ ه , ويبحث في النحو والصرف.

وقد أقبل فريق من المصريين الذين يعنون بالمخطوطات لشراء هذه النسخة وطبعها , فامتنع صاحب المكتبة ، وبيعت بعد وفاته , ولا تزال آثار كتب من كتبها باقية في العمارة الملحقة بمدرسة حسن خان بإشراف المتولّي السيد عبّاس نجل السيد محمّد مهدي الحجة المذكور.

١٥ - مكتبة السيد محمّد حسين الشهرستاني

أسسها السيد ميرزا محمّد حسين المرعشي الحسيني الشهرستاني المتوفّى عام ١٣١٥ ه , وقد اشتملت على مؤلّفات والده الحاج ميرزا علي الكبير ، وفيها نحو من


٢٠ مجلداً ، واشتملت أيضاً على مؤلّفاته التي بلغ تعدادها نحو مئة مجلد تقريباً ، تبحث في الفقه والاُصول ، والحديث والدراية ، واُصول الدين والعلوم المكنونة , ومن أثمن هذه الكتب الخطية هو « زوائد الموائد » , ويحتوي على جميع العلوم.

وتتضمّن مكتبته أيضاً مؤلّفات نجله العلّامة السيد ميرزا علي الشهرستاني , وتضمّ ما يقرب من خمسين مجلداً ، ذكر بعض تصانيفها شيخنا العلّامة آقا بزرك الطهراني في أجزاء (الذريعة). وقد كانت في مكتبته نسخة خطية من جزء من كتاب ( القانون ) ناقص الأول والآخر ، وقد شرح عليها المرحوم السيد محمّد حسين الشهرستاني بأنّها هي بخطّ مؤلّفها أبي علي ابن سينا الفيلسوف الإسلامي الشهير.

وقد حدّثني البحّاثة السيد صالح الشهرستاني فقال: اطّلعت على هذه النسخة الفريدة في تلك المكتبة قبل ٤٠ عاماً، ولا يعلم أين هي الآن ؟

١٦ - مكتبة السيد مرتضى الكيدار آل ضياء الدين

لقد سعى المرحوم السيد مرتضى نجل السيد مصطفى آل ضياء الدين سادن الروضة العباسيّة بإنشائها في مدخل الروضة العباسيّة ، وكانت تضمّ الكثير من ذخائر الفكر ، ونفائس المخطوطات النادرة التي كانت منتدى أدبياً يؤمّه بعض الفضلاء الذين يعنون بقضايا الفكر وشؤون الأدب ، ولكن أيدي الزمن الجائرة قد امتدت إليها فبعثرتها ولم يبقَ منها اليوم شيء يذكر.

وقد أنشد الشاعر السيد حسين العلوي قصيدة بمناسبة افتتاحها وذلك في يوم ١٩ ذي الحجة عام ١٣٥٩ ه ، وأوّلها:

بأربعِ المجدِ قف فخراً وقل طرباً

قد أيّد المجتبى للمرتضى طلبا

ندبٌ سما قمّةَ العلياءِ من صغرٍ

وفوقها بيتُ مجد للعلا ضربا

وشادَ للعلمِ صرحاً بعد والدِه

والوفا ! علماً بالطفّ قد نصبا

لذا بساحتهِ نادى البشيرُ ضحىً

هيّا بني الفضلِ هبّوا أيّها الاُدبا

قد اُسست يالقومي خيرُ مكتبةٍ

لِما حوت شرفاً للمرتضى كتبا


لطالبي العلمَ والوفّاد قد فتحتْ

أبوابَها وعليها الوحي قد كتبا

١٧ - مخطوطات الروضة الحسينيّة

كانت تحتوي على مخطوطات ومصاحف غاية في النفاسة والقدم ، تراكمت فيها على مرّ السنين من هدايا السلاطين والأمراء والعلماء ، وقد نُهبت هذه المصاحف الثمينة على إثر غارة الوهابيِّين سنة ١٢١٦ ه. والظاهر إنّه لم يبقَ من هذه المصاحف شيئاً اليوم ؛ إذ كل ما يوجد اليوم من مصاحف ثمينة عددها ( ٢٧٢ ) مخطوطة عربيّة ، وكلّها مصاحف فيها القديم والنفيس في خطّه(١) .

ومنها مصحف شريف بخطّ الإمام زين العابدين (عليه‌السلام ) , كتابته كوفية على رق الغزال ، ومصحف آخر مذهّب بنقش أبيض على قرطاس شرمة بالقطع الكبير ، وبين أوراقه رق غزال لئلاّ يأتي خلل على صفحاته ، وهما نفيستان للغاية، يُقال: إنّ قيمتها تساوي نحو ألف ليرة(٢) ، ولها ثبت لم يُطبع. وفي مكتبة المتحف العراقي نسخة من هذا الثبت مكتوبة بالآلة الطابعة.

وكانت هذه المكتبة قبل غارة الوهابيِّين سنة ١٢١٦ ه تحتوي على مصاحف قديمة الخطّ وفي غاية النفاسة(٣) .

١٨ - مخطوطات الروضة العباسيّة

عددها ١٠٩ مخطوطة ، وكلّها مصاحف ، وما ذُكر عن قدم ونفاسة مخطوطات

____________________

(١) راجع ( فهارس المخطوطات في العراق ) , بحث للاُستاذ كوركيس عواد - مجلة المعارف ٢ / ٤٧.

(٢) تاريخ العراق بين احتلالين - للاُستاذ عبّاس العزاوي ٨ / ٨٤ ، وانظر موسوعة العتبات المقدسة - قسم كربلاء ١ / ١٣٣ - ١٣٤.

(٣) ذكر الشيخ محمّد ابن الشيخ عبود الكوفي في كتابه ( نزهة الغري / ٥٢ ) ما هذا نصّه: أقول: ولمـّا كنت في جبل حايل , وهو جبل ابن رشيد... رأيت قرآناً عند سلامة السبهان من القرائين التي نُهبت من كربلاء. ويقول - أي ( سلامة ) -: لمـّا غزونا كربلاء مع الإمام ابن سعود أصبت هذا القرآن من الحضرة الحسينيّة ، وكان يعرضه علينا ، فإذا هو قرآن كبير مخطوط مجدول بالذهب ، وهو من أعلى الخطوط.


الروضة الحسينيّة يصح أن يُقال عن مخطوطات هذه الروضة , ولها ثبت لم يُطبع ، ومنه نسخة في مكتبة المتحف العراقي مكتوبة بالآلة الطابعة , وقد نوّه الاُستاذ ناصر النقشبندي بثلاث قطع قديمة من المصاحف المكتوبة بالخط الكوفي ، تحرزها هذه الحضرة(١) .

١٩ - مكتبة المولوي حسن يوسف الأخباري

كانت مكتبة حاوية لمطبوعات نادرة ، ومخطوطات ثمينة ، ومجموعات ضخمة من الكتب العلميّة والدينيّة والرسائل , وبعد وفاته انتقلت إلى ابن أخيه محمّد جواد بن علي مهدي الإخباري الذي بقي حريصاً عليها إلى أن وافاه الأجل فاستولى عليها شقيقه محمّد صالح الإخباري , فابتاع قسيماًً منها في بغداد ، وأهدى القسم الآخر إلى السيد ميرزا عبّاس آل جمال الدين الموجود حالياً في البصرة.

وهكذا تفرّقت أجزاء المكتبة ، وقد تناول بتعريف قسم من مخطوطاتها العلّامة الشيخ آقا بزرك الطهراني في أجزاء الذريعة.

٢٠ - مكتبة الشيخ علي اليزدي الحائري

وهي المكتبة العائدة للعالم الفاضل الشيخ علي ابن الشيخ زين العابدين البارجيني اليزدي الحائري المعروف بـ ( شهرنوى ) المتوفّى بالحائر سنة ١٣٣٣ ه ، وهو مؤلّف عدّة تصانيف ، أهمها ( إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب ) الذي يقع في جزئين ، صدرت الطبعة الأولى بإشراف نجله الشيخ علي أكبر عام ١٣٥٢ ه ، وصدرت الطبعة الثانية في سنة ١٣٨٣ ه ١٩٦٣ م ، و كتاب ( روح السعادة في ذكر الأخبار المنقولة عن السادة ) المطبوع في سنة ١٣٣٠ ه ، وصدرت الطبعة الثانية في سنة ١٣٨٣ ه وغيرها من المؤلّفات القيّمة.

وكان من أئمّة الجماعة في

____________________

(١) راجع بحث ( فهارس المخطوطات في العراق ) للاُستاذ كوركيس عواد - مجلة المعارف ٢ / ٤٧.


مسجد يقع بالقرب من داره في محلّة العباسيّة الشرقيّة ، وكانت مكتبته حاوية على نوادر المخطوطات ونفائس المطبوعات، كما كان يقوم بطبع بعض الكتب النفيسة النادرة ، ولا ندري أين آلت كتبه اليوم ، وقد ذكر شيخنا العلّامة آقا بزرك الطهراني بعض تصانيف مكتبته في أجزاء الذريعة.

٢١ - مكتبة السيد هاشم القزويني

أسسها العلّامة السيد هاشم ابن السيد محمّد علي القزويني الحائري المتوفّى سنة ١٣٢٧ ه ، وتحتوي على كتب الفقه والاُصول ، والكلام والحديث ، ومعظم كتبها خطّية ، ومن أهم مخطوطاتها كتاب نادر الوجود باسم ( إحقاق الحقّ ).

وقد تفرّقت المكتبة بعد وفاته ، واُهدي قسم منها إلى المكتبة الجعفرية ، والقسم الآخر بحيازة حفيده الخطيب السيد محمّد كاظم نجل العلّامة السيد محمّد إبراهيم القزويني مؤلّف ( شرح نهج البلاغة ) ، وقد ذكر بعض تصانيف هذه المكتبة شيخنا آقا بزرك الطهراني في ( الذريعة ).

٢٢ - مكتبة السيد محمّد الكاشاني الحائري

أسسها العلّامة السيد محمّد ابن السيد حسين الكاشاني الحائري الحسيني ، المولود سنة ١٢٧٠ ه والمتوفّى سنة ١٣٥٣ ه. كانت مكتبته من الخزائن التي حوت عدداً من الكتب القديمة الزاخرة بالنوادر والنفائس الخطّية ذات القيمة الأثرية ، وقد آلت كتبها بعد وفاته إلى نجله سماحة العلّامة السيد زين العابدين الكاشاني المتوفّى عام ١٣٧٥ ه.

وذكر لي الشيخ آقا بزرك الطهراني شفهياً أنّ من الكتب الخطّية التي رآها في مكتبته كتاب لعلم الهدى ابن المحقّق الفيض الكاشاني ، جمع فيه رسائل الأئمّة (عليهم‌السلام ) ، منها الرسالة التي نقل فيها عن الشيخ الكليني واسمها « معادن الحكمة في مكاتيب الأئمّة ».


٢٣ - مكتبة السيد الميرزا محمّد تقي الحسيني الشهرستاني المرعشي(١)

كانت مكتبته حافلة بشتى الكتب الأثرية ؛ من مخطوطة ومطبوعة , انتقلت بعد وفاته سنة ١٣٠٧ ه إلى أكبر أنجاله وهو السيد علي آقا الحسيني المرعشي ، ثمّ تفرّقت في حينها بين ورثته.

ومن جملة المخطوطات التي كانت تحتويها مؤلّفاته القيّمة مجموعة ضخمة من الأدعية والمأثورات التي كان قد جمعها ونسخها بخطّه ، وهي الآن لدى حفيده العلّامة السيد أحمد المرعشي الحسيني الشهرستاني نزيل طهران اليوم.

٢٤ - مكتبة الشيخ محمّد علي القمي الحائري

وهي من المكتبات البائدة التي دُرست آثارها ، وكانت فيها جملة من نفائس الكتب ونوادرها في شتى العلوم والفنون ؛ مخطوطة ومطبوعة. ومن محتوياتها نسخة من كتاب ( مَنْ لا يحضره الفقيه ) ، وهي من الأعلاق الثمينة وعليها إجازات متعدّدة(٢) .

وقد ذكرت بعض تصانيفها في أجزاء الذريعة ، وللشيخ محمّد علي القمّي كتاب مطبوع باسم ( كفر الوهابية ).

خزائن الكتب الحاضرة

تحدّثنا في بحثنا السابق عن خزائن الكتب التي بادت ولم يبقَ منها سوى قسم ضئيل من مخطوطاتها ، تفرّقت أيدي سبأ ، وسنعرف في بحثنا هذا أهم خزائن الكتب الحاضرة وما تضمّنته من الذخائر والكنوز ، وإليك ثبت بأسماء خزائن الكتب الخاصة التي سنتعرّض لها بالتعريف ، وهي كما يلي:

____________________

(١) كان من زمرة العلماء الذين حظوا بلقاء السلطان ناصر الدين شاه القاجاري الذي زار العراق سنة ١٢٨٧ ه.

(٢) انظر ( ماضي النجف وحاضرها ) - للشيخ جعفر محبوبة ٢ / ٤٦٢.


١ - مكتبة السيد عبد الحسين آل طعمة

وهي اليوم من المكتبات الشهيرة الخاصة في البلد ، وفيها مخطوطات نادرة ومطبوعات نفيسة ، وقد سعى حفيده السيد عادل السيد عبد الصالح الكليدار بتنظيمها وتنسيقها ، وأضاف إليها بعض الدورات الهامّة.

٢ - مكتبة السيد حسن آقا مير القزويني

وهي الخزانة العائدة للسيد محمّد حسن آقا مير القزويني الموسوي المتوفّى يوم ٢٦ رجب سنة ١٣٨٠ ه ، وبالرغم ممّا بيع منها بعد وفاته فهي اليوم لا تزال في عداد الخزائن المهمّة في المدينة ، وكانت حاوية لكتب المذاهب الخمسة ، وفيها مخطوطات قيّمة في الفقه والاُصول والتاريخ والحديث.

٣ - مكتبة السيد محمّد مهدي الحجة الطباطبائي

وهي خزانة ثمينة حوت كلّ طريف من كتب التراجم والأدب والحديث ، عائدة للسيد محمّد مهدي الحجة ابن السيد أبي القاسم الحجة الطباطبائي المتوفّى سنة ١٣٤٢ ه ، وهي اليوم في حيازة نجله السيد عبّاس الحجة.

٤ - مكتبة السيد محمّد هادي الخراساني

وهي الخزانة العائدة للسيد محمّد هادي ابن السيد علي الخراساني المتوفّى ١٢ ربيع الأول سنة ١٣٦٨ ه ، وكان حسن الشعر بالفارسيّة والعربيّة , اشتملت خزانته على نسخ خطّية نادرة , منها بعض المصاحف النفيسة التي جمعها وصنّفها منذ صباه ، وعدّة هذه الخزانة ( ٢٠٠٠ ) كتاباً.

٥ - مكتبة الشيخ محمّد مهدي المازندراني

كان المرحوم الشيخ محمّد مهدي ابن الشيخ عبد الهادي المازندراني المتوفّى ١٤ ذي القعدة سنة ١٣٨٥ ه واعظاً جليل القدر ، تضمّ خزانته كثيراً من كتب الفقه


والاُصول ، ونفائس المخطوطات الأثرية القديمة ، وهي اليوم محفوظة في جناح خاص من مدرسته.

٦ - مكتبة الشيخ محمّد علي السنقري

صاحب هذه الخزانة الشيخ محمّد علي الحائري الشهير بالسنقري(١) المتوفّى يوم ٦ محرّم سنة ١٣٧٨ ه ، حوت خزانته مجلدات ضخمة في الفلسفة والحكمة الإلهية واليونانية ، والفقه والاُصول ، انتقلت بعد وفاته إلى دار العلّامة السيد محمّد رضا الطبسي.

٧ - مكتبة السيد محمّد طاهر البحراني

وهي الخزانة العائدة للسيد محمّد طاهر بن محمّد بن محسن البحراني الموسوي المتوفّى ٦ صفر سنة ١٣٨٤ ه ، احتوت على كتب الفقه والأنساب والعلوم الدينيّة ، ومن بين نفائسها كتاب ( النفحات العنبرية من أنساب خير البرية ) , تأليف السيد أبي فضل محمّد الكاظم بن أبي الفتوح الأوسط الحسيني ، نسخ سنة ٨٩١ ه ، ونسخة نفيسة من القرآن الكريم يُنسب إلى الإمام حسن العسكري (عليه‌السلام ).

٨ - مكتبة الشيخ محمّد صالح البرغاني

اشتملت على كتب التفسير والحديث ، والفقه والتاريخ والفلسفة ، ومن نوادر مخطوطاتها اليوم كتاب ( مَنْ لا يحضره الفقيه ) ، و ( شرح اللمعة الدمشقية ) ، و ( مخزن الأبرار ) ، و ( معتصم الشيعة ) ، و ( النخبة ) ، و ( عيون الاُصول ) وغيرها. وقد امتدت إليها أيدي العابثين فتناهبت خيرة مخطوطاتها.

____________________

(١) من مشاهير علماء كربلاء توفي يوم ٦ محرّم الحرام عام ١٣٧٨ ه ، وترك عدّة مؤلّفات قيّمة , منها: ( المشاهد المشرّفة والوهابيون ) المطبوع عام ١٣٤٥ ه ، و ( الرسالة العاصمية ) المطبوع عام ١٣٧٩ ه بإشراف سبطه السيد هاشم السيد أمين آل نصر الله ، وله مؤلّفات خطّية اُخرى بلغت ٢٠ كتاباً ، ترجمه شيخنا آقا بزرك الطهراني في ( نقباء البشر ٤ / ١٣٩٥ ).


٩ - مكتبة السيد مهدي شمس الفقهاء

صاحب هذه الخزانة السيد مهدي ابن السيد علي ابن السيد حسين ابن السيد يونس ابن السيد إسماعيل الشهير بشمس الفقهاء الموسوي المتوفّى في رجب سنة ١٣٨١ ه , تولّى القضاء في مندلي والحلّة وكربلاء ، ولقّب بنائب الجعفرية. كان من الأدباء المطبوعين والشعراء المرموقين , جمع خزانة كتب ثمينة اشتملت على طائفة حسنة من المخطوطات القيّمة في مختلف ألوان المعرفة.

١٠ - مكتبة المرحوم السيد يوسف الأشيقر

كانت مكتبة حاوية للكتب الحديثة أغلبها تفاسير القرآن الكريم ؛ كطنطاوي وجوهري ، والطبرسي وسيد قطب والزمخشري ، فضلاً عن معظم الصحاح , وكتب تاريخيّة ودينية لمختلف الملل والنحل الإسلاميّة ، وبالإضافة إلى ذلك كتب حديثة عصرية ؛ كغالبية كتب العقّاد , وطه حسين ، وسيد قطب , والغزالي ، ونوفل , وأحمد أمين , وأبي زهرة.

ولدى وفاة صاحبها عام ١٩٤٤ م انتقلت غالبيتها إلى نجله الأكبر المحامي السيد عبد الصاحب الأشيقر مؤسس جريدة ( شعلة الأهالي ) الكربلائيّة ، والقسم الآخر منها إلى نجله الآخر المحامي الحاج محمّد علي الأشيقر ، وقد تضاعف عدد كتبها بمرور الزمن حتّى بلغت اليوم أربعة آلاف كتاباً في شتى الأبواب ومختلف المواضيع.

١١ - مكتبة المرحوم السيد عبد الرزاق الوهاب آل طعمة

ومن المخطوطات النادرة التي أطلعني عليها الفقيد في مكتبته المتواضعة كتاب ألف بالفارسيّة باسم ( كاشف الإعجاز) ، لمؤلّفه العالم الفاضل محمّد إبراهيم بن محمّد كريم الهمداني الأصل , الكربلائي المسكن , كتبه سنة ١٢٤٤ ه , ويبحث في حادثة المناخور ، وقد ترجم السيد عبد الرزاق المذكور القسم الأوفر منه إلى العربيّة حرفياً ، ومن المؤسف أنّ الظروف لم تمهله لإكمال ترجمته.

وبالإضافة إلى ذلك توجد لديه كتب خطّية نادرة , منها كتاب ( الجواهر الزاهرة والفواكه المثمرة )


لمؤلفه السيد حسون البراقي ، وكتاب ( نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين ) للسيد حسن الصدر ، ومصنّفه ( كربلاء في التاريخ ) بجزئيه الأول والثاني.

١٢ - مكتبة السيد محسن الجلالي الكشميري

صاحبها السيد محسن ابن السيد علي الحسيني الجلالي الكشميري المتوفّى فجر يوم ٢٠ صفر سنة ١٣٩٦ ه ، كان فاضلاً جليلاً ورعاً ، أحرز خزانة كتب قيّمة حافلة بالمخطوطات والنفائس في شتى العلوم.

١٣ - مكتبة السيد مهدي الحكيم الشهرستاني

وهي خزانة جليلة عائدة للسيد مهدي السيد خليل الحكيم الموسوي الشهير بالشهرستاني المتوفّى سنة ١٣١٨ ه ، أسسها في داره بمحلّة باب الطاق , انتقلت بعد وفاته إلى نجله الطبيب السيد محمّد حسن ، ومنه آلت إلى حفيده الخطيب الشاعر السيد صدر الدين الحكيم. تدور موضوعات المكتبة على فروع الثقافة القديمة من لغة ودين ، وفيها طائفة قيّمة من المخطوطات الطبية.

١٤ - مكتبة السيد مجيد السيد سلمان آل طعمة

وهي الخزانة العائدة للسيد مجيد ابن السيد سلمان ابن السيد محمّد علي الوهاب آل طعمة المتوفّى ٨ محرم سنة ١٣٩٣ ه. كان فاضلاً كثير المطالعة ، يحفظ الأشعار ويستشهد بها ، له باع طويل في التاريخ الإسلامي.

تحفل خزانته ببعض المخطوطات فضلاً من الكتب المطبوعة ، ومن نوادرها ديوان ( عبد الباقي العمري ) , كتبه عبد الله ثابت العمري الموصلي في ١٠ ذي الحجة سنة ١٢٧٠ ه ، وكتاب ( مفتاح الفلاح ) للشيخ بهاء الدين العاملي وغيرها.

١٥ - مكتبة الحاج ودّاي العطية

وهي الخزانة العائدة للحاج وداي بن عطية بن غضبان بن مشيمش بن عبد الله ، المولود في الشامية سنة ١٣١٠ ه , وهي خزانة كتب قيّمة حوت تحفاً فريدة


ونفائس جليلة في التاريخ والأنساب اشتراها بأغلى الأثمان ، ومن تصانيفه المطبوعة ( تاريخ الديوانية ).

١٦ - مكتبة الشيخ محمّد حسين الأعلمي

صاحب هذه الخزانة الشيخ محمّد حسين بن سليمان الأعلمي الحائري المتوفّى سنة ١٣٩٤ ه ، كان في كربلاء من رجال العلم الأتقياء ، جمع خزانة كتب ثمينة حوت كلّ طارف وتليد في مختلف العلوم الإسلاميّة ، يربو عددها على ألفي كتاب ، فيها المطبوعات النادرة ؛ كمعجم البلدان , ومعجم الأدباء ، ولسان الميزان , وتهذيب التهذيب , وتاج العروس وغيرها ، فضلاً عن أنّه أصدر ( دائرة المعارف ) وهي موسوعة كبيرة في ثلاثين مجلداً مطبوعاً.

١٧ - مكتبة الأديب حسن عبد الأمير

وفيها من الكتب ما يربو على ( ٣٠٠٠ ) كتاباً , اقتناها صاحبها من سفراته المتعدّدة لإسطنبول والقاهرة ، وطهران وبيروت والاتحاد السوفياتي ، فيها من الكتب الخطّية التي تبحث في التراجم والسير والأدب والتاريخ.

١٨ - مكتبة الشيخ جاسم النصار الإخباري

أنشأها الشيخ جاسم الشيخ حسن الإخباري الحائري المتوفّى ٩ ذي الحجة سنة ١٣٣٤ ه ، وهي خزانة ثمينة تفيد الباحثين ، وقد حوت كتباً قيّمة في الفقه والاُصول ، والتفسير واللغة ، يتولاّها حفيده الأديب ضياء محمّد حسن النصار.

١٩ - مكتبة الراجة محمود آباد

أسسها سمو الأمير محمّد أحمد خان المعروف بالراجة محمود آباد ، وهي مكتبة قيّمة معظم كتبها مطبوعة ، تبحث في الفقه والحديث واُصول الدين ، وفيها من نفائس الكتب والدراسات والمراجع المهمّة , يقصدها معظم رجالات البلد ، وقد تولّى إدارتها الاُستاذ محمّد الحسين الأديب مدير مدرسة الحسين الابتدائيّة.


٢٠ - مكتبة السيد محمّد سعيد آل ثابت

تضمّ هذه المكتبة مجموعة من الكتب القيّمة ، وأغلبها في تاريخ العراق والبلاد العربيّة ، كما تحوي بعض المخطوطات العربيّة والفارسيّة الثمينة ، وهي في داره الواقعة بمحلّة باب الطاق.

٢١ - مكتبة السيد محمّد الطباطبائي

أسسها المتغمد بالرحمة السيد مرتضى ابن السيد مهدي الطباطبائي المتوفّى ٧ رجب ١٣٨٩ ه , وآلت إلى نجله السيد محمّد ، مقرّها في مدرسة الهنديّة الصغرى ، وفيها ما يربو على (١٢٠٠ ) كتاباً في التاريخ والتفسير ، واللغة والأدب ، والفقه والاُصول.

٢٢ - مكتبة الخطيب الشيخ عبد الزهراء الكعبي

أحرز هذا الرجل خزانة كتب قيّمة ، واشتهر بوقوفه الحسن على العلوم المختلفة ؛ كالفقه والأدب ، والتاريخ والنحو ، وتحفل خزانته بكتب ثمينة ومجموعة كبيرة من اُمّهات المراجع والمصادر. وقد وافاه الأجل بتاريخ يوم الخميس ١٤ جمادى الأولى سنة ١٣٩٤ ه.

٢٣ - مكتبة الاُستاذ محمّد حسين الأديب

أنشأها سنة ١٩٣٧ م , وهي خزانة جليلة تبحث موضوعاتها في الدين واللغة ، والتاريخ والعلوم الغيبية ، وفيها بعض المخطوطات الثمينة.

٢٤ - مكتبة الاُستاذ حسين فهمي الخزرجي

أسسها الأديب حسين فهمي بن علي غالب الخزرجي في داره بكربلاء سنة ١٩٤٦ م ، وهي خزانة ثمينة تحوي أنفس الآثار المطبوعة ، وقد نُسّقت تنسيقاً عصرياً ، وهي مبوّبة حسب طريقة ديوي ، ويبلغ عدد كتبها ٥٠٠٠ كتاباًً ونيف في شتى العلوم.


٢٥ - مكتبة السيد مرتضى القزويني

أسسها الخطيب الشاعر السيد مرتضى ابن السيد محمّد صادق الموسوي القزويني في داره بكربلاء ، وقد اشتملت على كتب وأعلاق نفيسة نادرة ، وفّق لجمعها من خلال رحلاته إلى بلاد العالم الإسلامي.

٢٦ - مكتبة الاُستاذ سعيد هادي الصفار

وهي من المكتبات المرموقة لِما تجمّع فيها من نفائس الكتب والدورات المهمة , ومصنّفة تصنيفاً جيداً ، أسسها في داره بكربلاء سنة ١٩٤٢ م ، وتضمّ ( ١٨٠٠ ) كتاباً مطبوعاً.

٢٧ - مكتبة الاُستاذ علي كاظم الفتال

أسسها في داره بكربلاء سنة ١٩٦٣ م ، وتضمّ ( ٢٠٠٠ ) كتاباً ونيف ، وهي مبوّبة تبويباً حديثاً ، كما تضمّ مجلات وجرائد قديمة. أمّا موضوعاتها [فهي] في التاريخ والاجتماع ، والقرآن واللغة ، والطبّ والرجال والشعر وغيرها.

٢٨ - مكتبة الاُستاذ جاسم الكلكاوي

وهي مكتبة عامرة باُمّهات الكتب ، جلبها من رحلاته المتعدّدة للبلاد العربيّة ، وتدور موضوعاتها في الأدب والشعر ، والتراجم والرجال والسياسة.

٢٩ - مكتبة الشيخ عبد اللطيف الدارمي

تأسست سنة ١٩٥٨ م وهي حاوية لسائر العلوم والفنون ، بينها جملة من الدواوين القديمة والحديثة ، كما تضمّ المصادر الخاصة بالخليج العربي وفلسطين وغيرها من اُمّهات الكتب ، وقد بلغت ( ٨٠٠٠ ) كتاباً ، ولها فهارس مبوّبة ومنسّقة.


٣٠ - مكتبة الاُستاذ عبد المنعم الجابري

أسسها المأسوف على شبابه الاُستاذ عبد المنعم عبود الجابري المتوفّى سنة ١٣٨٦ ه ، وفيها عدد لا يُستهان به من المطبوعات النادرة ، وقد انتقلت اليوم إلى شقيقه الاُستاذ كاظم عبود الجابري.

٣١ - مكتبة السيد سلمان هادي آل طعمة

أسسها مؤلّف هذا الكتاب في داره بكربلاء سنة ١٩٥٣ م ، وفيها اليوم زهاء ( ٣٠٠٠ ) كتاباً , بينها نيف وخمسون مخطوطة , تدور موضوعاتها على التاريخ والأدب ، والشعر والتراجم ، والرجال وفهارس المخطوطات ، وفيها طائفة حسنة من الدواوين الشعرية فضلاً عن بعض الصحف والمجلاّت العراقيّة القديمة.

٣٢ - كتب السيد أحمد السيد صالح آل طعمة

كان جدّنا المرحوم السيد أحمد السيد صالح السيد سليمان المتوفّى يوم الأحد ٩ محرّم سنة ١٣٨٨ ه حافظاً للأشعار، عارفاً بأخبار العرب , وكان راوية لكثير من الحوادث التاريخيّة ، وجمع بعض المخطوطات منها ( ديوان الأزري) للشيخ كاظم الأزري ، المولود ببغداد سنة ١١٤٣ ه المتوفّى سنة ١٢١١ ه ، و ( مفتاح الفلاح ) للشيخ بهاء الدين العاملي وغيرها.

٣٣ - كتب السيد كاظم النقيب

وهي الخزانة العائدة للخطيب الأديب السيد كاظم ابن السيد محمّد ابن السيد فاضل النقيب من آل درّاج الموسوي ، جمع فيها كتباً ثمينة حوت كلّ طارف وتليد من كتب التراجم والسير ، والحديث والفقه والتاريخ.

المكتبات العامة

في كربلاء مؤسسات ثقافية يرتادها المثقفون من أبناء البلد وغيرهم للانتفاع منها في أوقات فراغهم ، وتحتل معظمها بنايات خاصة بها ، واتخذت الاُخرى غرفاً في الجوامع الكبيرة ، ومن هذه المكتبات الشهيرة:


١ - المكتبة المركزية

وهي من أشهر المكتبات في كربلاء ، تأسست عام ١٩٤٤ م ، بلغ مجموع كتبها أكثر من (١٥) ألف كتاب ، أودعت إليها مجاميع كثيرة منها مكتبة ندوة الشباب العربي.

وقد بذلت مديرية معارف لواء كربلاء في حينها جهوداً مشكورة بإمدادها بالكتب والمجلاّت ، وكان اسمها السابق ( مكتبة المعارف العامّة) ، وإبان ثورة تموز ١٩٥٨ م بدّل اسمها إلى ( المكتبة المركزية ) , وهي اليوم تابعة للإدارة المحلّية.

تفتقر المكتبة إلى الكتب الحديثة التي طُبعت في الآونة الأخيرة ، وقد علمنا أنّ هناك قوائم اُعدت لشراء هذه الكتب بمبلغ محترم إلّا أنّنا نأمل أن تُشترى في أقرب وقت ممكن , وكذلك تفتقر إلى المواد المشوّقة ( السمعية والبصرية ) التي يجب توفّرها في المكتبات الحديثة ، وفعلاً تمّ تزويد بعض مكتبات الألوية بهذه الوسائل. أمّا موقع المكتبة فهو في ساحة الإمام علي (عليه‌السلام ).

٢ - مكتبة سيد الشهداء الحسين (عليه‌السلام )

اُنشئت سنة ١٣٧٦ ه ، ويبلغ عدد كتبها ( ٧٥٠٠ ) كتاباً ويرتادها المطالعون مساء كلّ يوم ، وإنّ معظم كتبها قيّمة ، وقد اُهديت إليها مجاميع نادرة من مختلف الجهات الرسمية وغير الرسمية ، لا سيما من جامعة طهران ، ووزارة الإرشاد العراقيّة ، ومديريات التربية والتعليم في العراق ، ومن الهند.

وفيها أكثر من خمسمئة كتاب مخطوط ، يظهر بينها نسخ نادرة الوجود ، وتُلقى فيها كلّ أسبوع محاضرات دينية ، يحضرها النشء الجديد من الشباب المتحمّس للقضايا الإسلاميّة لإعادة التراث الإسلامي. وقد سعى بإنشاء هذه المكتبة سماحة السيد نور الدين نجل آية الله السيد هادي الميلاني. كان موقعها في محلّة العباسيّة الغربيّة ، ولا وجود لها اليوم.

٣ - مكتبة أبي الفضل العباس (عليه‌السلام )

وهي من أشهر مكتبات البلد ، يؤمّها يومياً عشرات المثقفين وروّاد العلم والفضيلة ، ويرتادها الزائرون والوفود من كلّ حدب وصوب. تأسست سنة ١٣٨٢ ه - ١٩٦٣ م , وذلك بالهمّة المشكورة التي بذلها سيادة السيد بدر الدين آل


جانب من مكتبة أبي الفضل العباس (عليه‌السلام )

ضياء الدين سادن الروضة العباسيّة , وتبرّع عدد لا يُستهان به من أهالي كربلاء بالكتب والمخطوطات القيّمة ، وقد بلغ عدد كتبها اليوم ( أربعة آلاف ) كتاباً , كما وتشكّلت فيها ندوة علمية لغرض تشجيع الحركة العلميّة في البلد ورفع المستوى الثقافي. وتقع المكتبة عند مدخل باب قبلة سيدنا العباس (عليه‌السلام ).

٤ - المكتبة الجعفرية

إنّ هذه المكتبة تحوي ما يقرب من ( أربعة آلاف ) كتاباً بين مخطوط ومطبوع. تأسست سنة ١٣٧٢ ه بجهود لجنة علمية في كربلاء ؛ وذلك حفظاً للتراث العلمي والأدبي من الضياع ، وصيانة لتلك الآثار القيّمة من الاندراس ؛ وقد سمّيت بهذا الاسم تيمّناً برئيس مذهب الإمامية الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه‌السلام ). وموقعها في مدرسة الهنديّة.

٥ - مكتبة النهضة الإسلاميّة

تأسست عام ١٣٨٠ ه وهي زاخرة بالكتب الثقافية المختلفة ، ويربو عدد كتبها على ثلاثة آلاف كتاباً في مختلف الفنون الثقافية ، ومجموعة كبيرة من


المجلاّت ، كما احتوت على كتب خطّية ثمينة. موقعها في مسجد الشهرستاني مقابل باب الصافي , ولا وجود لها اليوم بسبب فتح الشارع الذي يربط بين الروضتين.

٦ - مكتبة العلّامة الحائري

أسسها الشيخ ميرزا علي ابن الحاج ميرزا موسى بن محمّد باقر بن محمّد سليم الأسكوئي الحائري المتوفّى ٢٥ رمضان سنة ١٣٨٦ ه. موقعها في حسينيّة الحائري عند مدخل طاق الداماد ، وهي من المكتبات التي يستفيد منها كلّ طالب ومثقف ، ولا وجود لها اليوم.

٧ - مكتبة السيدة زينب الكبرى العامة

أنشأها في كربلاء الخطيب السيد أحمد السيد هادي الحسيني المرعشي الشهرستاني سنة ١٣٨٦ ه - ١٩٦٦ م. موقعها في الزقاق المقابل لباب الزينبيّة ، وقد احتوت على ( ١٦٠٠ ) كتاباً في شتى فنون المعرفة ، وقد اُغلقت أخيراً.

٨ - مكتبة القرآن الحكيم العامة

تأسست سنة ١٣٨٧ ه - ١٩٦٧ م ، ومقرّها خلف المخيّم الحسيني في بناية خاصة لها على حساب واقفها. وقد فتحت أبوابها للمطالعين كلّ يوم ، ويربو عدد كتبها على ٧٠ ألفاً في مواضيع شتى ، ولا وجود لها اليوم.

٩ - مكتبة مدرسة البادكوبة

موقعها في مدرسة البادكوبة المعروفة بمدرسة الترك ، أو مدرسة أهل البيت في زقاق الداماد , وهي تعدّ من المكتبات القديمة التي يتوافد عليها رجال العلم والثقافة ، وفيها مراجع حسنة في اللغة والأدب ، والتاريخ والتراجم ، والدين في العربيّة والفارسيّة ، ولا وجود لها اليوم.

١٠ - مكتبة الرسول الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

أسسها فريق من الشباب الكربلائي ، موقعها حالياً في مدرسة العلّامة ابن


فهد الحلّي ، وهي حافلة بمختلف الكتب القيّمة , تدور موضوعاتها على علوم الدين من تفسير وفقه ، وتاريخ ولغة وأدب ، ولا وجود لها اليوم.

١١ - مكتبة غرفة تجارة كربلاء

مقرّها في بنايتها الواقعة في شارع بغداد ، وقد انتقلت مؤخّراً إلى عمارة التأميم. تحوي على ( ٤٠٠٠ ) كتاباً في الأدب والتاريخ ، والاقتصاد والعلوم الاُخرى.

١٢ - مكتبة دور الثقافة الجماهيرية

مقرّها في محلّة العباسيّة الغربيّة بمديرية دور الثقافة الجماهيرية. وتمّ إنشاؤها سنة ١٩٧٤ م ، وفيها أكثر من ١٠٠٠ كتاباً في شتى فنون المعرفة.

١٣ - مكتبة الروضة الحسينيّة

تأسست سنة ١٣٩٩ ه - ١٩٧٩ م من قبل وزارة الأوقاف ، مقرّها جوار الروضة الحسينيّة ، وفيها زهاء خمسة عشر ألف كتاب مطبوع ، بالإضافة إلى ذلك فقد جُلبت إليها الكتب المخطوطة.

خزائن الكتب المدرسية

يتبيّن للقارئ أنّ كلّ مدرسة من مدارس كربلاء الرسمية اُنشئت فيها مكتبة ، ونحن [ إن ] أردنا جرد محتويات المكتبات المدرسية في المحافظة وما فيها من الكتب المتصلة بالمناهج المدرسية لاحتجنا إلى جهد جهيد.

وتدلّ الإحصائية الأخيرة لمديرية تربية كربلاء إلى وجود أكثر من ثلاثين مكتبة مدرسية عامرة بالكتب والمجلاّت ، يفد إليها عدد كبير من الطلاب والطالبات الذين لا تتوفّر لديهم المصادر والمراجع الكافية لتدوين المعلومات واستكمال بحوثهم ودراساتهم.

وقسم من هذه المكتبات لها غرف خاصة بها في المدارس ، وتمّ تزويدها بمراجع علمية وأدبيّة بغية الاستفادة منها , وقد صُنّفت الكتب حسب تقسيمات ديوي العشرية للعلوم.


أمّا محتويات كلّ مكتبة فقد يصل إلى عدّة آلاف كتاب في مختلف اللغات ، علاوة على المجلاّت والصحف ، وطبيعي أنّ عدد الكتب في هذه المكتبات ينمو باطّراد ، واستكمالاً للبحث نرى من الواجب أن نجمل التعريف بأهمّ هذه المكتبات ، وهي:

١ - مكتبة إعدادية كربلاء للبنين

وهي مكتبة حافلة باُمّهات الكتب والمجاميع الهامة , وفيها ما يربو على ٤٦٨٨ كتاباً , تدور موضوعاتها على كتب الدين والفلسفة ، والرياضيات والشعر ، والتاريخ واللغة وغيرها , وفيها ما يُدهش المتأمّل من آثار نادرة في بابها. تقع في غرفة واسعة الأرجاء حسنة التنظيم.

٢ - المكتبة المهنية

وهي من المكتبات العامرة اليوم ، ذات بناية خاصة ، تقع مقابل مديرية تربية كربلاء ، يقبل عليها عدد كبير من أفراد الاُسرة التعليمية وطلاب وطالبات المدارس للتزود والانتهال من مناهل المعرفة والاستعارة الخارجية. ويبلغ تعداد كتبها ٣٠٥٠ كتاباً في شتى العلوم ، وقد ضُمّت إليها مكتبة دار المعلّمين ودار المعلّمات.

٣ - مكتبة إعدادية كربلاء للبنات

وفي هذه المكتبة كتب نفيسة جيدة يبلغ مجموعها ١٩٣٨ كتاباً في مختلف العلوم والفنون , وهي ضمن بناية إعدادية البنات.

٤ - مكتبة مدرسة السبط الابتدائيّة للبنين

احتوت ما ينيف على ١٩٨٧ كتاباً في سائر الفنون , جمعت فيها الكتب والمصنّفات القديمة والحديثة حتّى أصبحت كما هي عليه الآن ، يستفيد منها كلّ طالب ومثقف ، ولها فهارس صنّفت على الطريقة الحديثة.


٥ - مكتبة متوسطة الثورة للبنين

وهي مكتبة جامعة لكثير من الكتب المهمّة المطبوعة والمخطوطة حديثاً , تضمّ محتوياتها حوالي ١٦٣٨ كتاباً في سائر الفنون , ينتهل منها رواد العلم والآداب من الدارسين والطلاب.

٦ - مكتبة مدرسة الحسين (عليه‌السلام ) الابتدائيّة للبنين

وهي من المكتبات العامرة المهمّة ، يبلغ عدد كتبها ١٣٢٥ كتاباً ، يجد فيها المطالع نفائس الكتب ونوادرها في شتى العلوم والفنون.

٧ - مكتبة ثانوية النجاح للبنات

وفيها طائفة حسنة من الكتب الحديثة ، يبلغ عدد كتبها اليوم زهاء ١٢٧٥ كتاباً.

٨ - مكتبة متوسطة القدس للبنين

وهي مكتبة في غاية الجودة ، وكلّها كتب حديثة ، احتوت ما ينيف على ١٠٥٠ كتاباً في سائر العلوم واللغات.

٩ - مكتبة مدرسة العزّة الابتدائيّة للبنين

وهي مكتبة مهمّة تفيد المثقفين ، وفيها كثير من الكتب الأدبيّة والتاريخيّة المطبوعة ، ويبلغ عدد كتبها ١١٢٠ كتاباً في شتى العلوم.

١٠ - مكتبة ثانوية حي الحسين للبنين

وهي مكتبة جامعة لكثير من الكتب المطبوعة النادرة ، يبلغ مجموعها ١٠٧٥ كتاباً.

١١ - مكتبة متوسطة الوحدة للبنين

وفيها نفائس الأسفار ما لا يُستهان بها , شملت محتوياتها ١٠٥٠ كتاباً في سائر الفنون.


١٢ - مكتبة إعدادية الزراعة

وهي من المكتبات التي تمّ أنشاؤها حديثاً ، جُهّزت بمجموعة من أنفس الكتب المختلفة ، ففيها ما يربو على ٩٠٠ كتاباً في فنون مختلفة.

هذا وللقارئ سرد عام بأسماء المكتبات الاُخرى وعدد محتوياتها:

اسم عدد

المدرسة الكتب

العلقمي ٦٥٠

العباس ٧٢٥

الطفّ ٥٣٠

ثانوية الحسينيّة ٥٠٠

المخيّم ٦٢٥

النظامية ٦٢٠

الهاشمية ٨٢٥

الاعتماد ٦١٠

الفنون ٥٩٠

اُمّ سلمة ٥٠٠

خديجة الكبرى ٦٣٠

المفاخر ٣٥٠

التوجيه ٢٧٠

قرطبة ٤٥٠

الكرامة ٧٠٠

متوسطة المعارف ٧٥٠

الزرقاء ٣٢٥

الفرزدق ٣٨٠

ثانوية الزهراء ٤٥٠

متوسطة رفح ٥٦٠


ولا شك ، لقد بقيت مكتبات اُخرى لم أسجّلها ؛ وذلك لقلّة محتوياتها ، أو تعرّضها للزيادة والنقصان.

تاريخ الطباعة في كربلاء

كانت كربلاء ولا تزال مصدر إشعاع فكري في العراق منذ عدّة قرون خلت ، وقد أنجبت رهطاً كبيراً من العلماء والشعراء والمفكّرين الذين حفلت الكتب بتراجمهم وتعداد مآثرهم. وقد سعت كربلاء منذ قرن أو أكثر بنشر العلوم والمعارف ، وتعميم الثقافة بين الناس عن طريق الطباعة التي هي أهم وسائل النشر والثقافة في العالم.

وقد اُنشئت المطابع في الموصل وكربلاء سنة ١٨٥٦ م ، وفي بغداد على أشهر المصادر سنة ١٨٦٠ م(١) .

وأشهر هذه المطابع هي:

١ - المطبعة الحجرية: وهي أوّل مطبعة دخلت العراق واستقرت في كربلاء وذلك عام ١٢٧٣ هجرية. ومن الكتب المهمّة التي طُبعت فيها كتاب (مقامات الآلوسي) الذي تطرق إليه كثير من المؤرّخين والباحثين , كما طُبع فيها كتاب ( خلاصة الأخبار ) للسيد محمّد مهدي سنة ١٨٧٩ م(٢) ، وهو من الكتب التي تعني بحياة الأئمّة (عليهم‌السلام ).

وقد جاء ذكر هذه المطبعة في مجلة ( لغة العرب ) هذا نصّه: مطبعة كربلاء هي أوّل مطبعة حجرية جُلبت إلى بلاد العراق وصاحبها أحد أكابر كربلاء ، اُنشئت في موقع قرب كربلاء سنة ١٢٧٣ ه - ١٨٥٦ م في عهد ولاية المشير محمّد باشا حاكم العراق ، وكان من ذوي المدارك النيرة , محبّاً للعلوم ، منشطاً

____________________

(١) راجع كتاب « الشعر السياسي العراقي » - للاُستاذ إبراهيم الوائلي / ١٠١ حاشية.

(٢) راجع كتاب ( عقيدة الشيعة ) - تأليف دواينت م. رونلدسن / ٣٦٤.


لرجال الأدب ، وأكثر مطبوعاتها مناشير تجارية وكتب أدعية ورسائل دينية حاوية لآداب زيارة عتبات أهل البيت (رضي‌ الله ‌عنهم ) ، وليس بين مطبوعاتها كتاب يستحق الذكر غير كتاب مقامات الآلوسي في ١٣٤ صفحة , طبع فيها سنة ١٨٧٣ م ، وهي الآن متروكة لخلل في إداراتها(١) .

٢ - مطبعة الحسيني: وهي مطبعة حجرية أيضاً ، صاحبها المرحوم محمود المظفري ، وقد تأسست عام ١٣٢٩ ه في دار شمس الدولة. ومن الكتب المهمّة التي طُبعت فيها كتاب ( تباشير المحرورين ) , تأليف الحاج الشيخ محمّد الواعظ(٢) ، كما طُبعت فيها مطبوعات أخرى لا تحضرني أسماؤها الآن.

٣ - مطبعة الشباب: أسسها الصحفي المعروف عبّاس علوان الصالح سنة ١٣٥٤ ه - ١٩٣٥ م. ومن الكتب التي طُبعت فيها الجزء الثالث من كتب ( كربلاء في التاريخ ) للمؤرّخ المرحوم السيد عبد الرزاق الوهاب آل طعمة ، وجريدة ( الغروب ) الكربلائيّة لصاحب المطبعة نفسه ، وأعداد من مجلة ( الاقتصاد ) البغدادية ، وكراس ( تاريخ المطبعة) وغيرها من المطبوعات.

٤ - مطبعة الثقافية: صاحبها محسن عبد الرضا ، اُسست عام ١٣٦٠ ه - ١٩٤١ م ، وقد طُبعت فيها أعداد من جريدة ( الندوة ) الكربلائيّة ، وكتاب ( رسالة الأخيضر ) للاُستاذ عبّاس علوان الصالح وغيرها من الكتب والمطبوعات التجارية.

____________________

(١) مجلة لغة العرب - للأب أنستاس ماري الكرملي ٧ / ٣٠٩ , السنة ٢ , صفر ١٣٣١ ه - كانون الثاني ١٩١٣ م.

(٢) هو صدر الواعظين الحاج الشيخ محمّد بن إسماعيل الواعظ اليزدي الحائري المهاجر إلى كربلاء سنة ١٣١٢ والمتوفّى سنة ١٣٣٧ ه ، له تصانيف مطبوعة , منها ( تباشير المحرورين ) المطبوع بكربلاء في ذي القعدة الحرام سنة ١٣٣١ ه ، و ( دوحة الأنوار في كشف أسرار أخبار الأئمّة الأطهار) طبع بمبي ١٣٦٩ ق. ومن آثاره الخيرية تشييده الجامع الواقع على نهر الحسينيّة قرب قنطرة باب الطاق وذلك بتاريخ ١٣٣٦ ه.


٥ - مطبعة الطفّ: تأسست عام ١٣٦٠ ه - ١٩٤١ م صاحبها المرحوم الشيخ إبراهيم الكتبي. ومن الكتب المطبوعة فيها رواية أدبيّة اجتماعيّة باسم ( في سبيل العفّة ) للاُستاذ عبد الجليل مصطفى البياتي ، وكتاب ( تنبيه الأمّة ) للسيد مهدي شمس الفقهاء ؛ ونظراً لفشل هذه المطبعة لم تترك للمطبوعات أثراً يُذكر ، وكانت مقتصرة على المطبوعات التجارية.

٦ - مطبعة أهل البيت (عليهم‌السلام ): تأسست عام ١٩٥٦ م صاحبها الحاج جاسم الكلكاوي. ومن الكتب القيّمة التي طُبعت فيها ( منهاج الشيعة ) تأليف العلّامة الشيخ علي الحائري ، وكتاب ( الكلمات المحكمة ) للمؤلّف نفسه ، وكتاب ( دراسات أدبيّة ) في أدباء كربلاء المعاصرين - ج ٢ للاُستاذ غالب الناهي , والجزء الأول من ديوان حسين الكربلائي ، وبعض أجزاء ( المنظورات الحسينيّة ) ، و ( الأغاريد الشعبية ) للشاعر الشعبي كاظم منظور ، وكتاب ( تنبيه الغافلين ) للعلاّمة الفيلسوف الشيخ محمّد رضا الأصفهاني , وغيرها من المطبوعات والمجلاّت والكراسات المهمّة , ولا تزال هذه المطبعة تواصل نشاطها باستمرار ، وهي مقدمة على التوسيع لسدّ حاجيات البلد.

٧ - مطبعة كربلاء: أسسها السيد جواد السيد كاظم الموسوي وذلك في عام ١٩٦٢ م - ١٣٨١ ه. ومن الكتب المطبوعة فيها ( أبو المحاسن ) لمؤلّف هذا الكتاب ، وقد طُبع في ١٠ آب ١٩٦٢ م , وكتاب (البيوتات العلوية في كربلاء) ج ١ للسيد إبراهيم شمس الدين القزويني ، وطُبع في شوال ١٣٨٢ ه - ١٩٦٣ م ، والجزء الثاني من كتاب ( بحوث في علم النفس ) ، إضافة إلى الكراسات والمطبوعات التجارية الاُخرى.

٨ - مطبعة تموز: أسسها المحامي محسن المعمار عام ١٩٧٠ م - ١٣٩٠ ه ، طُبع فيها كتاب ( مدينة الحسين ) الجزء الرابع للسيد محمّد حسن الكليدار آل طعمة ، وكتاب ( مَنْ كنت مولاه ) الجزء ٩ لعبد المنعم الكاظمي وغيرها.


تاريخ الصحافة في كربلاء

لعبت الصحافة في كربلاء دوراً كبيراً في مضمار الحياة الفكرية ، وكان لها نصيب وافر ونشاط ملموس في دفع زخم الحركة الثقافية إلى التطوّر والتقدّم والازدهار , فليست الصحافة بحديثة العهد ؛ إذ إنّ جذورها تمتدّ إلى عشرات السنين المنصرمة ، ولم تكن أقل شأناً من أخواتها الصحف المحلّية التي ساهمت في رفع المستوى الثقافي والفكري في سائر أنحاء المدن العراقيّة ؛ كبغداد والموصل والبصرة وغيرها.

وكلّنا يعلم أنّ كربلاء ذات أمجاد ثورية خالدة ، لها ماضيها التليد وحاضرها المشرق ؛ فهي بحقّ معين الثقافة ومنبع الحضارة نظراً لمكانتها العلميّة المرموقة ؛ ولأنّها محطّ رحال المسلمين منذ أمد طويل ، فلا غرو إذا انبثقت منها بين حين وآخر صحف ومجلاّت تعبّر عن أماني أبنائها الأحرار الذين يتطلّعون بشوق ورغبة إلى مستقبل وضّاء.

وما دمنا بصدد حديث الصحافة الكربلائيّة لا بدّ لنا أن نستعرض تاريخ صدور هذه الصحف والمجلاّت ، وما أدّته من خدمة نافعة في تطوير الحياة الأدبيّة والعلميّة والسياسيّة خلال الحقبة التي صدرت فيها تلك الصحف ، وأشهرها هي:

١ - الاتفاق: جريدة عربيّة أنشأها في كربلاء الحاج ميرزا علي الشيرازي ، وبرز عددها الأوّل في ٧ آذار ١٩١٦م(١) .

وأثنى عليها الشاعر محمّد حسن أبو المحاسن بقوله:

قل لـمَنْ حاول مجداً أنّه

ثمرٌ حلو الجنى حلو المذاقْ

ما جنته أمّة قبلُ ولا

يجتنى إلّا بجدو ( اتفاقْ )(٢)

____________________

(١) راجع كتاب ( تاريخ الصحافة العراقيّة ) - للسيد عبد الرزاق الحسني / ٦٠.

(٢) ديوان أبي المحاسن الكربلائي - تحقيق الشيخ محمّد علي اليعقوبي / ١٦٦.


٢ - الغروب: وهي جريدة اُسبوعيّة سياسية جامعة ، صاحبها ومدير شؤونها عبّاس علوان الصالح ، ومديرها المسؤول المحامي حسن محمّد علي. صدر عددها الأوّل في ٢٢ ربيع الثاني سنة ١٣٥٤ ه - ٢٤ تموز سنة ١٩٣٥ م ، وقد نشرت مختلف البحوث الاجتماعيّة ، وأصدرت عدداً خاصاً بالنهضة العربيّة.

وكانت تُطبع في مطبعة الشباب بكربلاء لصاحب الجريدة نفسه ، وظلّت تصدر في كربلاء حتّى عام ١٩٣٧ م ، ومن ثمّ غربت عن أنظار القرّاء ، وقد ورد لها ذكر في ( الدليل العراقي )(١) .

٣ - الندوة: وفي سنة ١٩٤١ م - ١٣٦٠ ه تأسست في كربلاء جمعية أدبيّة باسم ( ندوة الشباب العربي ) ، وأصدرت جريدة يومية أدبيّة جامعة باسم ( الندوة ) ، وكان مديرها المسؤول المحامي السيد محمّد مهدي الوهاب آل طعمة.

وساهم في تحريرها نخبة من رجالات كربلاء المثقفين ، أخص بالذكر منهم الشيخ محسن أبو الحبّ ، ومشكور الأسدي ، والمحامي حمزة بحر وغيرهم ، وتوقّفت عن الصدور بعد عمر قصير ، وقد نشرت بعض المقالات السياسيّة عن حركة رشيد عالي الكيلاني.

٤ - الأسبوع: وهي جريدة اُسبوعيّة أدبيّة جامعية ، أصدرها الاُستاذ عبّاس علوان الصالح عام ١٩٤٣ م ، وكانت تضمّ بحوثاً أدبيّة ممتعة ، وتراثاً علمياً ضخماً ، ثم انتقلت إلى بغداد حيث استأنفت صدورها هناك ، ونشر صاحبها كتاباً تناول فيه المعاهدة العراقيّة الإنكليزية فصادرته وزارة الداخلية ، وألغت امتياز جريدته.

٥ - القدوة: وصدرت عام ١٩٥١ م جريدة اُسبوعيّة أدبيّة جامعة باسم ( القدوة ) صاحبها الاُستاذ رحيم خضير الكيال ، ومديرها المسؤول المحامي حسن عبد الله ، وقد ضمّت صفحاتها مواداً أدبيّة ذات مفاهيم وقيم ، وكانت

____________________

(١) الدليل العراقي سنة ١٩٣٥ م / ٧٥٢.


منبراً لأقلام كبار الكتاب والأدباء والباحثين ، أمثال حسين فهمي الخزرجي ، وصالح جواد آل طعمة ، وحسن عبد الأمير ، وزكي الصرّاف ، ومهدي جاسم ، وعباس أبو الطوس ، ومحمد القريني وغيرهم.

وكان لها تأثير كبير في تكوين الأذواق وتهذيب النفوس ، واستمرت حتّى عام ١٩٥٣ ، كما أصدرت أعداداً خاصة بالإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، وأخيراً احتجبت عن الأنظار بعد أن صدر منها ٦٠ عدداً.

٦ - رسالة الشرق: مجلة أدبيّة شهرية ، صاحبها السيد صدر الدين الحكيم الشهرستاني ، ومديرها المسؤول المحامي حسن حيدر. صدر عددها الأوّل في ٢٠ جمادى الثانية سنة ١٣٧٣ ه واستمرت عاماً واحداً ، ساهم في تحريرها الدكتور عبد الجواد الكليدار ، وعبد الرزاق الوهاب ، ومحمد القريني وغيرهم ، وبسبب صدور القانون العام للمطبوعات اُلغي امتيازها.

٧ - شعلة الأهالي: جريدة سياسية اُسبوعيّة ، صاحبها ورئيس تحريرها المحامي السيد عبد الصاحب الأشيقر ، صدرت سنة ١٣٧٩ ه - ١٩٦٠ م.

كانت تعكس في صفحاتها إخلاص وتفاني الكربلائيين في دعم كيان هذا البلد ، وقد برهنت أعدادها القليلة على سلوكها النبيل في النهج الديمقراطي السليم. انقطعت عن الخدمة العامة بعد أن صدر منها ٢٨ عدداً.

٨ - أجوبة المسائل الدينيّة: نشرة شهرية دينية ، صاحبها السيد عبد الرضا المرعشي الشهرستاني. صدرت سنة ١٣٧١ ه - ١٩٥١ م ، واستمرت ١٤ عاماً ، وكان مقرّ إصدارها المدرسة الهنديّة.

٩ - الأخلاق والآداب: نشرة شهرية دينية ، صاحبها الشيخ محمّد حسين الأعلمي ، صدر عددها الأوّل سنة ١٣٧٧ ه - ١٩٥٧ م واستمرت ثلاثة سنوات ، ثمّ توقّفت عن الصدور.

١٠ - صوت المبلّغين: نشرة دينية شهرية ، أصدرتها مدرسة البقعة سنة ١٩٦٠ م ، واستمرت سنتين فقط ، ثم توقّفت عن الصدور.


١١ - منابع الثقافة الإسلاميّة: نشرة فكرية , أصدرتها مدرسة البادكوبة سنة ١٩٦٠ واستمرت أكثر من ٧ سنوات، ثمّ توقّفت عن الصدور.

١٢ - الاقتصاد: صحيفة اقتصادية جامعة نصف شهرية ، أصدرتها غرفة تجارة كربلاء ، صدر عددها الأوّل في ١٥ تموز سنة ١٩٦٠ ، صدر منها ٩ أعداد فقط.

١٣ - المجتمع: جريدة أدبيّة سياسية اجتماعيّة اُسبوعيّة ، صاحبها الحاج جاسم الكلكاوي ، ومديرها المحامي جواد الظاهر ، صدرت في تموز سنة ١٩٦٣ م ، واحتجبت وعاودت الصدور سنة ١٩٦٩ م بإدارة عبد الجبّار عبد الحسين الخضر ، ثمّ احتجبت أواخر سنة ١٩٧٢.

١٤ - الرائد: مجلة أدبيّة تربوية علمية ، أصدرها فرع نقابة المعلمين في كربلاء ، صدر عددها الأوّل في تموز ١٩٦٨ م واستمرت حتّى عام ١٩٧٠ حيث صدر منها ٦ أعداد فقط.

١٥ - الحرف: وهي مجلة فكرية تربوية تصدرها مديرية كربلاء ، صدر عددها الأوّل ١٣٨٩ ه - ١٩٦٩ م ، احتوى المجلد الأوّل منها على ٦ أعداد ضخمة ، وصدر العدد الأوّل للمجلد الثاني في سنة ١٩٧٥ , ثمّ توقّفت عن الصدور.

١٦ - صوت الإسلام: مجلة دينية علمية أدبيّة عامة تصدرها جمعية النهضة الإسلاميّة ، رئيس تحريرها الشيخ عبد اللطيف الدارمي ، سكرتيرها عدنان الدارمي ، صدر عددها الأوّل للسنة الأولى سنة ١٩٧٢ ، وهي اليوم دخلت عامها السابع ، وما تزال ثرّة العطاء.


الفصل التاسع

الوقائع والحوادث السياسيّة

تعدّ كربلاء من أقدس البقاع الإسلاميّة وأهم المراكز الدينيّة العظيمة ، وقد شهدت أرضها الطيّبة أحداثاً جساماً ، ووقائع حربية أدمت القلوب وأفزعت النفوس منذ أن طلّ دم الحسين الزكي في أرض الطفّ ، وكانت تلك الحادثة هي بداية المعارك الدامية سنة ٦١ ه.

وقد أعقبت حادثة الطفّ الكثير من الغارات والأحداث التاريخيّة الهامّة ، والانقلابات السياسيّة الخطيرة ، والثورات الاجتماعيّة التي غيّرت مجرى التاريخ ، وأدّت إلى نتائج عظيمة تصدّعت فيها وحدة المسلمين ، ونجم عنها خسائر فيها في الأرواح. وقد حاولنا في هذا الفصل ضبط الوقائع ، وتمحيص الروايات ، وإيضاح الأسباب والنتائج عن طريق المراجع المتوفّرة التي سجّلت لنا تلك الأحداث التاريخيّة الهامة ، وكانت قد حدثت معظمها أيام الدولة العثمانيّة.

تلك الدولة التي كانت ترزح تحت وطئتها كافة الأقطار والبلدان العربيّة لا سيما العراق ، فقد كان القرن السابق زاخراً بالانقلابات السياسيّة الخطيرة ، والثورات القومية والاجتماعيّة التي غيّرت مجرى التاريخ ممّا نجم عن ذلك خسارة تراثنا الفكري القيّم.


أمّا التسلسل الزمني لهذه الحوادث فهي كما يلي:

ذكر السيد أمير علي في كتابه ( مختصر تاريخ العرب ) ما هذا نصّه: وبينما كان عبد الله بن مروان ويزيد عامل العراق يزحفان على نهاوند ، وكان قحطبة يشدّد الحصار عليها حتّى فتحها عنوة قبيل وصول الإمدادات إليها من أيّ من الجانبين ، ثمّ أرسل فصيلة بقيادة أبي عون لمقاتلة عبد الله بن مروان ، بينما التفّ هو بجيشه الرئيس حول يزيد الذي كان معسكراً في جلولاء.

وعندما انتهت هذه الخطّة إلى مسامع يزيد الذي سارع إلى رمي نفسه بين الكوفة وبين عدوّه ، ووصل قحيطبة إلى الفرات بعد يزيد ، ثمّ عبر النهر وعسكر في بقعة بعيدة عن متناول يزيد.

هذا وقد التقى الجيشان في البقعة نفسها التي قُتل فيها الحسين ، ودارت بينهما معركة رهيبة أسفرت عن هزيمة الاُمويِّين ، وخسر فيها العباسيون قائدهم قحطبة , فتولى القيادة ابنه الحسن وطرد يزيد من معسكره ، وأجبره على التراجع إلى واسط ، وهي مدينة قويّة التحصين بناها الحجّاج بن يوسف في وسط الطريق بين الكوفة والبصرة ، وهكذا سقطت الكوفة دون مقاومة تذكر في يد الحسين(١) .

ثورة يزيد بن المهلب

ويروي لنا السيد أمير علي نفسه عن هذه الحادثة فيقول: وكان الإمام الحسن البصري مؤسس المدرسة الفقهية يعيش عندئذ في البصرة , فأهاب بمواطنيه إلّا ينحازوا إلى أحد الطرفين ، ولكن شجاعة ابن المهلب وأخيه وكرمهما اللذين كان لهما أكبر التأثير على العقل العربي أشعلا حماس أهل البصرة , فهبّوا إلى نجدتهما وأقسموا لهما يمين الولاء.

ولكن يزيد الأموي أرسل قوّة كبيرة على رأسها مسلمة بن عبد الملك وعباس بن الوليد لسحق الثورة ، والتقى الجيشان في ميدان العقر

____________________

(١) مختصر تاريخ العرب - للسيد أمير علي مؤلّف روح الإسلام - نقله إلى العربيّة عفيف البعلبكي / ١٧٢ - ١٧٣.


بالقرب من كربلاء على ضفة الفرات اليمنى ، ودارت بينهما معركة رهيبة أسفرت عن هزيمة الثوّار ، وقُتل يزيد وأخوه حبيب بعد أن فرّ معظم رجالهما ، وهرب سائر إخوانهما إلى كرمان حيث قُتل بعضهم في معركة ثانية نشبت بينهم وبين جيوش الخليفة ، والتجأ الباقون إلى خاقان الترك.

ومع أنّ ثورة يزيد بن المهلب التي كادت أن تقوّض دعائم الخلافة الاُمويّة قد سُحقت فقد كانت لها نتائج بعيدة الأثر، كما إنّ القضاء على أزد اليمانية التي ينتسب إليها يزيد بن المهلب في كرمان والعراق قد هزّ العالم العربي بأسره ، وأشعل نار العداوة والبغضاء بين اليمانيين والحميريين في أسبانيا وإفريقية والمشرق , وانتصر أعداء المسلمين في كلّ مكان، بينما شجّع عجز الخليفة ومستشاريه وتولية الحكّام من غير الأكفاء الاضطرابات والفتن في البلاد ، ومنيت الحملة على أذربايجان بالهزيمة المنكرة على يدي الخزر والقنجاق سكان قرقاسية(١) ... إلخ.

خروج الديزج على كربلاء

سير المتوكّل العباسي عمر بن فرج الرجحي مع جماعة من اليهود يتبعون الديزج ، وقد ترأس الحملة هارون المعري ، فنزل الديزج الكوفة وأخذ جماعة معه من الفعلة ومعهم المساحي توجهوا بها نحو كربلاء فوصلوها عند المساء ، فتقدّم الديزج بنفسه وأخذ يحفر موضع القبر ، وأمر غلمانه بتخريب قبر الحسين (عليه‌السلام ) ثمّ كربه ومخره.

وأخذ غلمانه يشرعون بالتخريب حتّى بلغوا موضع القبر نفسه فلم يجرأ على التقدّم أحد حتّى استولى عليهم الرعب فاستبدلوا باليهود ، فلمـّا تقدّموا وبأيديهم المساحي شاهدوا قوماً يحولون بينهم وبين قبر الحسين (عليه‌السلام ) ، وأخذوا يرمونهم بالنبال والسهام فقلّت ضوضاؤهم.

روى العلّامة المجلسي بسنده عن جعفر بن محمّد بن فرج الرجحي قال: روى

____________________

(١) مختصر تاريخ العرب - للسيد أمير علي / ١٣٣.


عمّي عمر بن فرج الرجحي أنّ المتوكّل العباسي أمرني أن اُرافق الديزج لهدم قبر الحسين في كربلاء ، ولمـّا تركني الديزج بعد أن اشتدّت عليه وطأة الحمّى بقيت على رأس الفعلة والغلمان والبرزكاريون إلى غداة الغد.

فلمـّا أصبح الصبح أمرت بالقبر فمرّت على القبور كلّها فلمـّا بلغت قبر الحسين (عليه‌السلام ) لم تمرّ عليه ، فأخذت العصا بيدي فما زلت أضربها حتّى تكسّرت العصا في يدي فوالله ما جازت على القبر ولا تخطّته ، فعند ذلك أمرت بإرسال الماء عليه من نهر العلقمي فحار الماء بقدرة الله تعالى على بعد من القبر باثنين وعشرين ذراعاً.

وفي رواية اُخرى: اثني عشر ذراعاً ، وصار الماء كالحائط واستدار حول القبر.

ويشير الشيخ محمّد السماوي إلى هذا الحادث بقوله:

والحادث الثالث فعلُ جعفرِ

بـالهدم والحرث لتلك الأقبرِ

والمخر بالماء على ما قد حُرثْ

وقتله المجاورين للجدثْ

و قد سمعت من حديثِ الديزجِ

وغيره كل مريع مزعجِ(١)

ومَنْ أراد التفصيل فليراجع حوادث سنة ٢٣٦ في ( تاريخ الطبري ١١ / ٤٤ ) ، و ( مقاتل الطالبيين - لأبي الفرج الأصفهاني / ٣٨٠ ) ، و ( الأمالي - لأبي علي الحسن بن محمّد الطوسي / ٣٠٧٠ ).

غارة ضبّة بن محمّد الأسدي

من الحوادث التي ترويها لنا الأسفار التاريخيّة في غارة ضبة بن محمّد الأسدي على كربلاء سنة ٣٦٩ هجرية ؛ فقد كان ضبة أميراً لعين التمر أغار على كربلاء ونهبها وحمل أهلها اُسارى إلى قلعته عين التمر(٢) .

وقد حدّثنا ابن الجوزي قائلاً:

____________________

(١) مجالي اللطف بأرض الطفّ - للشيخ محمّد السماوي / ٥٥.

(٢) الكامل - لابن الأثير ٧ / ١٥٣.


أنّه جرى بين ضبة وبين أحمد بن الحسين بن عبد الصمد الجعفي الشهير بالمتنبّي مشاجرة عنيفة , هجاه المتنبّي على أثرها بقصيدة مطلعها:

ما أنصفَ القومَ ضبّه

واُمّه الطوطبه

ولمـّا بلغ ضبة مقالة أبي الطيّب أقام له في الطريق رجالاً من بني أسد فقتلوه وقتلوا ولده وأخذوا مَنْ معه , وكان ذلك سنة ٣٥٤ ه(١) ، غير أنّ عضد الدولة أبي شجاع فناخسرو سار إليه بجيش يُقارب العشرة آلاف فارس ، فهجم على عين التمر وحاصر قلعتها مدّة من الزمن فرّ خلالها ضبة قافزاً بجواده من أعلى سور القلعة ، واستولى عضد الدولة على القلعة المذكورة ، وأخذ أهلها اُسارى إلى كربلاء وأرجع أهالي كربلاء الموجودين في أسر ضبة إلى مدينتهم ، وعيّن عضد الدولة أحد العلويِّين رئيساً لعين التمر يدير شؤونها ، كما يوضّحه العلّامة الشيخ محمّد السماوي في اُرجوزته بقوله:

و الحارث الرابع نهب الأسدي

ضبة ذو العين لأهل البلدِ

وسلبه في الدور والأسواقِ

وقتله كلّ فتى يلاقي

ونهبه من روضة الحسينِ

مصوغة النضّار واللجينِ

وعوده للعين من غير بصرْ

في قومه المبتهجين بالظفرْ

فانصبّ فنا خسرو مثل الصقرِ

عليه حتّى اجتاح عين التمرِ

وفرّ ضبة الشقي وحدَه

وعاف فيها أهله وجندَه

فاستأصل الأخيار والرجالا

وأسر النساء والعيالا

وبـاعهم في كربلاء جهرا

وقسّم الأنفال فيهم جبرا

وردّ ما قد سلبوه من حلي

وخوّل العين لأبـناء علي

و ذاك في الثلاث من مئيها

والتسع والستين من سنيها(٢)

____________________

(١) المنتظم - لابن الجوزي المجلد ٦.

(٢) مجالي اللطف بأرض الطفّ - للشيخ محمّد السماوي / ٥٥ - ٥٦.


وذكر الكامل أيضاً: أرسل عضد الدولة سرية إلى عين التمر وبها ضبة بن محمّد الأسدي ، وكان يسلك سبل اللصوص وقطّاع الطريق , فلم يشعر إلّا والعساكر معه ، فترك أهله وماله فنجا بنفسه غريباً ، واُخذ ماله وأهله وملك عين التمر ، وكان قبل ذلك قد نهب مشهد الحسين بكربلاء فعوقب بهذا(١) .

غارة خفاجة(٢) على كربلاء

في عام ٤٧٩ هجرية تولّى إمارة الحلّة سيف الدولة صدقة بن دبيس بن علي بن مزيد الأسدي , حيث أغارت في زمنه خفاجة على إمارته في ربيع ٤٨٩ ه ، ولمـّا بلغ الخبر سيف الدولة هذا أرسل ابن عمّه قريش بن بدران على رأس جيش لمحاربتهم ، فاندحر جيشه ووقع أسيراً حيث اُطلق سراحه بعد ذلك.

وأعادت خفاجة الكرّة وهاجمت كربلاء , وأعملت في رقاب أهلها السيف , فغضب سيف الدولة وجهّز لهم جيشاً حاصرهم في الحائر الحسيني ، وقتل منهم خلقاً كبيراً ، ولم يسلم منهم أحداً ، وأعاد الطمأنينة إلى مدينة كربلاء ، ثمّ كرّ راجعاً إلى الحلّة حيث أمر بتعويض خسائر أهل الحائر من خزانته الخاصة.

ذكر ابن الأثير في ( الكامل في التاريخ ) أنّ خفاجة أغارت على بلد سيف الدولة صدقة بن مزيد فأرسل في أثرهم عسكراً مقدّمه ابن عمّه قريش بن بدران بن دبيس بن مزيد , فأسرته خفاجة وأطلقوه ، وقصدوا مشهد الحسين بن علي فتظاهروا فيه بالفساد والمنكر ، فوجه إليهم ( صدقة ) جيشاً فكبسوهم وقتلوا منهم قتلاً كثيراً في المشهد حتّى عند الضريح ، وألقى رجل منهم نفسه وهو على فرسه من على

____________________

(١) الكامل - لابن الأثير ٩ و ١٠ / ١٠٨.

(٢) ورد لخفاجة ذكر في « تاريخ العراق بين احتلالين » - للأستاد عبّاس العزاوي ٣ / ٦٥: « قبيلة خفاجة من قبائل العراق القديمة ، موطنها في أنحاء المنتفق في قضاء الشطرة ، وتفرّق منها جماعات كبيرة وصغيرة في جهات اُخرى ؛ كالحلّة وكربلاء وبغداد وديالى »... ، وقد تفرّعت من خفاجة بعض عشائر كربلاء , وهي: الوزون , والطهامزة ، والصلخة , والبهادرية.


السور فسلم هو والفرس(١) .

ولعلّ من المفيد هنا أن نشير إلى أبيات الشيخ محمّد السماوي ؛ فهي خير تأكيد على ما ورد فيقول:

والحادث الخامس ما أهاجه

بـنهبِ كربلا بـنو خفاجه

وذاك أنّهم أتوا من غزوٍ

واستطرقوا الطفّ بفرطِ زهوٍ

فنهبوا سكّانه وفتكوا

وخفروا ذمامه وانتهكوا

فكبس الطفّ عليهم صدقه

وكلّم السيف بهم وصدّقه

كما سمعته بـمعجزاتِ

له فأرّخه ( أبا دعاتي )(٢)

٤٨٩ ه

حادثة الأمير دبيس الأسدي

روى ابن الجوزي أنّ الأمير دبيس بن صدقة بن منصور الأسدي زار قبر الحسين في كربلاء سنة ٥١٣ هجرية ، وكان شجاعاً أديباً شاعراً ، ملك الحلّة بعد والده وحكمها زهاء ١٧ عاماً ، قُتل سنة ٥٢٩ ه بتحريض السلطان مسعود السلجوقي.

ولمـّا ورد كربلاء دخل إلى الحائر الحسيني باكياً حافياً متضرّعاً إلى الله أن يمنّ عليه بالتوفيق وينصره على أعدائه ، ولمـّا فرغ من مراسيم الزيارة أمر بكسر المنبر الذي كان يخطب عليه باسم الخليفة العباسي عند صلاة الجمعة قائلاً: لا تُقام في الحائر الحسيني صلاة الجمعة ولا يخطب هنا لأحد. ثمّ قصد مرقد الإمام علي (عليه‌السلام ) في النجف وعمل مثل ما عمل في كربلاء.

في الواقع إنّ هذا العمل الذي قام به دبيس في كسره المنبر ما هو إلّا انتصار

____________________

(١) الكامل في التاريخ - لابن الأثير ١٠ / ١٧٧ - ١٧٨.

(٢) مجالي اللطف بأرض الطفّ / ٥٦.


لمذهب الإمامية ، وإنكار لجماعة المسترشد بالله العباسي.

ويصوّر هذه الحادثة الشيخ محمّد السماوي بالتاريخ الشعري قوله:

والحادث السادس للمسترشد

إذ فعلَ الفعلَ الذي لم يعهد

مدّ إلى خزانةِ الحسينِ كف

وبـاعَ ما قد كانَ فيها من تحف

فقيلَ لم تمدّ للخزانه

كفاً بـلا رهنٍ ولا ضمانه

فقالَ ما الحسينُ بـالمحتاجِ

لكلّ إكليلٍ و كلّ تاجِ

و ما درى أو كانَ في تلاه

بـأنّها شعائرُ الإله

و جنّدَ الجنودَ ثمّ صارا

لهمدان يبـتغي انتصارا

و يقتلُ الملكَ بـها المسعودا

فصادفَ المسترشد الموعودا

وقتلوهُ و هو في مراغه

جزاءَ ما سوّغه وساغه

و كانَ ذا في سنةِ الخمسمئه

والتسع والعشرين دون توطئه(١)

هجمات جيش تيمور لنك على كربلاء

ذكر محمّد مير خواند شاه في كتابه ( روضة الصفا في سيرة الأنبياء والملوك والخلفاء ) في المجلد السادس تفصيل هذا الحادث ، فقال: إنّ الأمير تيمور كوركان بعد فتحه إيران كان همّه محصوراً في مناجزة السلطان أحمد الجلائري , وبعد رفضه لهداياه سار بجيشه نحو بغداد , وكان السلطان أحمد قد استطلع الخبر فأخذ أهبته وعبر دجلة إلى الجانب الغربي ، وحمل معه جميع أثقاله وكنوزه وخيله وجنده وأهل حرمه ، ولمـّا كان صبيحة يوم الثلاثاء عشر شوال سنة ٧٩٥ ه دخل الجانب الشرقي من بغداد الأمير عثمان بهادر وطلائع جيش التحرير.

وكان السلطان أحمد في الجانب الغربي ، وقد أمر برفع الجسر وغرق السفن ،

____________________

(١) مجالي اللطف بأرض الطفّ / ٥٦ - ٥٧.


ولكن قواد تيمور تمكّنوا من عبور نهر دجلة إلى الجانب الغربي ، أمّا السلطان أحمد فرّ إلى الحلّة للاحتماء بها ، ولكن جيش تيمور تبعه ، وفي الطريق التمس القواد من الأمير تيمور الرجوع إلى بغداد وهم يكفونه تعقيب ابن أويس فرجع تيمور إلى بغداد ، وواصل قواده تعقيب ابن أويس ، ولمـّا استطلعوا خبره عرفوا أنّه التزم طريق كربلاء إلى مصر.

أمّا ابن أويس لمـّا عرف أنّ الحلّة لا تحميه تركها وترك بها معظم نفائسه وذهب إلى النجف , ومنها إلى كربلاء ، فأعقبه الأمير عثمان بهادر مع خمس وأربعين رجلاً من أمراء الجيش بضمنهم كان إينايج أغلان ، وجلال حميد ، وسيد خواجة ابن الشيخ علي بهادر ظفر بالسلطان أحمد في كربلاء ومعه مئتي فارس من أعوانه وأتباعه وأهل حرمه.

فالتحم القتال بين الفريقين في أرض كربلاء , وأخذوا يرشقون الآخر بالنبال ، فتطايرت السهام والنبال فيما بينهم , فانتهز ابن أويس انشغال الطرفين في الحرب فولّى هارباً إلى مصر محتمياً بالسلطان برقوق بعد أن ترك ذخائره ونفائسه وأمواله الباقية ورجاله في سهل كربلاء.

أمّا الأمير عثمان بهادر بعد دحره رجال ابن أويس وأسرهم وجد بينهم زوجة السلطان ونجله علاء الدين ، ونديم السلطان عزيز بن أردشير الإسترابادي مؤلّف كتاب ( بزم ورزم ) ؛ أمّا أمراء تيمورلنك بعد استيلائهم على خزائن السلطان توجهوا قاصدين زيارة مرقد أبي عبد الله الحسين (عليه‌السلام ) يتبرّكون به يستجمعون قواهم ، وبعد فراغهم من مراسيم الزيارة أجزلوا بالنعم والهدايا على السادة العلويِّين الملازمين لقبر أبي عبد الله الحسين (عليه‌السلام ) ، ثمّ رحلوا عن كربلاء بعد أن مكثوا فيها بعض يوم.

حادثة مولى علي المشعشعي في كربلاء

كان مولى علي بن محمّد بن فلاح المشعشعي من الذين يعتنقون مبدأ المغالاة بالإمام علي (عليه‌السلام ) ويعتقدون بألوهيته، تولّى الحكم في حياة أبيه محمّد بن فلاح ، وقاد


الجيوش بنفسه واحتل كثيراً من الأراضي الواقعة في خوزستان حتّى جاء إلى أواسط العراق وتمكّن منها ، واشترك في حرب البصرة.

لقد جمع مولى علي رهطاً من أصحابه يقدّرون حوالي خمسمئة شخص وسلب كسوة الكعبة ، وحاصر المدينة المنوّرة وقتل عدداً كبيراً من سكانها داخل الحرم الشريف ، ثمّ توجه لمحاربة جيش بغداد الذي جاء لمقاتلته بقيادة ( دوه بيك ) ودحره ، ثمّ توجه إلى الحلّة فدخلها في الخامس من ذي القعدة ونهب أموالها وأحرقها وهدم دورها ، وبقي فيها ثمانية عشر يوماً رحل بعدها إلى النجف فدخلها فاتحاً وسلب أموالها ، ودخل بفرسه إلى داخل الحرم الشريف وكسر الصندوق الموضوع على قبر الإمام علي (عليه‌السلام ) ، وعمل في أهلها السيف ، وكان ذلك في غرّة ذي الحجّة.

ثمّ توجه قاصداً كربلاء في نهاية شهر ذي الحجّة ؛ فدخل الروضة الحسينيّة بفرسه ، وأمر بكسر الصندوق الموضوع على قبر الحسين (عليه‌السلام ) ، وجعل الروضة المطهّرة مطبخاً لطهي طعام جنوده ، وعمل في أهلها السيف ونهب أموالها ، كما سلب كلّ ما كان في الروضة المطهّرة من التحف الثمينة النادرة ، وأسر كثيراً من سكان كربلاء(١) .

وقد ذكر ضامن بن شدقم المدني في كتابه ( تحفة الأزهار وزلال الأنهار ) أنّ المولى علي الذي استولى على جميع الأهواز وشواطئ الفرات إلى الحلّة كان غالي المذهب ، جاء إلى العراق وأحرق الحجر الدائر على قبّة الإمام علي ، وجعل القبّة مطبخاً للطعام إلى مدّة ستة أشهر ، وكان يقول: إنّ الإمام علي هو الربّ لا يموت(٢) .

وذكر صاحب كتاب ( روضات الجنات ) تحت عنوان (أوّل قتل وقع في النجف وكربلاء): أنّ المشعشعي هو من ألقاب السيد مولى علي بن محمّد بن فلاح

____________________

(١) يراجع كتاب ( تاريخ المشعشعين ) - للخطيب السيد جاسم حسن شبر / ٥١ - ٥٢ , حادثة النجف والحلّة. أورد المؤلّف تفصيل هذا الحادث مستنداً إلى مصادر عدّة.

(٢) تحفة الأزهار وزلال الأنهار ٣ / ١١٥ مخطوط.


نهب المشهدين المقدّسين النجف وكربلاء ، وقتل أهلهما قتلاً ذريعاً ، وأسر مَنْ بقي منهم إلى دار ملكه في البصرة ، وكان ذلك في شهر صفر سنة ٨٥٨ ه.

وبعد أن استولى مولى علي على كربلاء والنجف ولّى هارباً إلى البصرة لمـّا علم بقدوم جيش عرمرم لمقاتلته بقيادة ( بير بوداق ) ، وبقي هارباً إلى أن قُتل في سنة ٨٦١ ه على يد أحد أعوان الأمير بوداق الذي استطاع أن يغتاله برمية سهم أردته قتيلاً عندما كان يستحمّ في مياه ( كوهكيلوية ) في أعمال بهبهان في إيران.

وقد اختلفت الروايات في تاريخ وفاته ، فمنهم مَنْ يذكر سنة ٨٦٣ ه كما ينصّ على ذلك كتاب ( الضوء اللامع ) أنّ علي بن محمّد بن فلاح الخارجي الشعشاع ( كذا ) مات سنة ٨٦٣ ه ، قد مرّت حوادثه ، وكان منفوراً من الجميع بسبب ما قام به من إهانة العتبات المقدّسة في النجف وكربلاء والقتل والتخريب(١) .

وقال السماوي:

و الحادث الثامن ما قد صنعا

علي أعنى الفاتك المشعشعا

ابـن فلاح إذ أتي بـالمين

لمرقدَي حيدر والحسين

وقال إنّ القبرَ الحي جلل

و نهبَ الأعيانَ في تلك العلل

ولم يبقَّ لا هنا ولا هنا

عيناً ترى أو جوهراً أو معدنا

و سارَ في جمعٍ من الاُسارى

حتى لأخرى صارَ في القصارى

وذاك في الثمانِ و الخمسينا

من تاسع القرون في السنينا(٢)

غارة آل مهنا

روى البحّاثة يعقوب سركيس في مجلة ( لغة العرب ) ما يلي: أنّ قبيلة آل مهنا غزت كربلاء بزعامة أميرها المدعو (ناصر بن مهنا ) ، شيخ مشايخ البوريش من عشائر جشعم العربيّة في حدود سنة ١٠١٣ ه ، وبسطت زعامتها عليها زهاء

____________________

(١) الضوء اللامع - لشمس الدين السخاري ٦ / ٧.

(٢) مجالي اللطف بأرض الطفّ - للشيخ محمّد السماوي / ٥٧ - ٥٨.


أربعين عاماً , انتهت زعامتها على أثر غزو العراق من قبل الشاه عبّاس الكبير الصفوي سنة ١٠٤٢ ه(١) ؛ ونظراً لاهتمام السلطان مراد خان (١٠٣٥ ه ) في إنقاذ بغداد أرسل مقداراً من حرسه الخاص وقواته إلى الحلّة وكربلاء ، حيث استولت عليهما وأسكتت مدافعه نيران المقاومة ، وتغلّب على القوات المدافعة وأبادها(٢) .

وفي سنة ١١١٠ ه كادت عساكر الوزير إسماعيل باشا تتمرّد على قادتها حتّى إنّهم عند وصولهم إلى كربلاء لزيارة الإمام الحسين (رضي‌الله‌عنه ) لم يتمكّنوا من ضبطهم ؛ إذ راحوا يفعلون ما يشاؤون بغير نظام ، واعتدوا على الكثير من الأهلين ، وعند عودتهم إلى بغداد صدرت الأوامر بعزل رؤسائهم ، وفرّ قسم منهم نحو إيران خوفاً من العقاب(٣) .

حادثة يوسف باشا

بالرغم من استقصائنا للكثير من الحوادث التاريخيّة التي تعرّضت لها مدينة كربلاء عبر تاريخها الطويل ؛ فإنّنا لم نتوصّل إلى معرفة هذه الحادثة بصورة مسهبة ؛ وذلك لندرة المراجع التي يمكن أن يعوّل عليها الباحث.

غير أنّ كتاب ( التاريخ الحديث ) المقرّر تدريسه للصف الثالث المتوسط يروي لنا هذا الحادث بإيجاز ، وهذا نصّه: ( الدور العثماني الأوّل ١١١٢ ه - ١٥٤٦ م ) الأحوال العامة والإدارة ، وكان العصر منعماً بالاضطرابات ، وسيطرة الحكومة على البلاد غير كافية ، ومثال ذلك الحركة الانفصالية التي وقعت في البصرة حوالي ١٥٤٦ م , حيث اضطر الوالي ( إياس باشا ) إلى الزحف إليها والقضاء عليها لمدّة مؤقتة ، وما حدث في مفتتح القرن السابع عشر من قيام ثورة في كربلاء في عهد الوالي ( يوسف باشا ) انتصر فيها أهل المدينة على الجنود العثمانيين , ومع ذلك تمتعت

____________________

(١) مجلة ( لغة العرب ) ٣ / ١٣٧.

(٢) كلشن خلفاء - مرتضى نظمي زادة / ٢٢٣.

(٣) كلشن خلفاء / ٣٠٣.


البلاد بشيء من الهدوء والاستقرار بالنسبة للعهود السابقة.

ويمكن للقارئ الاستزادة من المعلومات عن هذه الحادثة بمراجعة المصادر التالية:

١ - بغداد: لريتشارد كوك - ترجمة الدكتور مصطفى جواد وفؤاد جميل ج ٢.

٢ - رحلة تفرنية ١٧٠١ م.

٣ - تاريخ العراق بين احتلالين - عبّاس العزاوي ج ٣ ، ج ٤.

٤ - بدائع الزهور ووقائع الدهور - لابن إياس.

٥ - التاريخ الحديث - وهو الكتاب المقرّر تدريسه للصف الثالث المتوسط - الدور العثماني الأوّل ( ١١١٢ ه - ١٥٤٦ م ) ص ٢٠.

حادثة الوهابيِّين

وتُعرف بحادثة الطفّ الثانية ؛ لأنّها من أهم الحوادث التي أثارت الاستنكار البغيض في نفس كلّ إنسان ، وتركت في العالم الإسلامي الألم الممض ، وكانت موضع دراسة الكثير من المؤرّخين.

جاء في كتاب (الدرّ المنثور) المخطوط ما هذا نصّه: إنّ في سنة ١٢١٦ ه كان فيها مجيء سعود الوهابي إلى العراق وأخذ بلد الحسين (عليه‌السلام ) ، وكان دخوله إلى كربلاء ليلة ١٨ ذي الحجة ليلة الغدير وأباد أهلها قتلاً وسبياً ، وكان عدد مَنْ قُتل من أهل كربلاء ( ٤٥٠٠ ) رجلاً ، وانتهبت جميع ما فيها ، وكسر شباك قبر الحسين (عليه‌السلام ) ، وكذا قبور الشهداء.

ولم يكن استيلاؤه على جميع ما فيها بل كان استيلاؤه على ما كان دور قبر الحسين (عليه‌السلام ) ، والنهب والقتل كان في تلك الأمكنة ، ولم يبلغ جيشه إلى ناحية قبر العباس (عليه‌السلام ) , وارتحل منها وكان أكثر أهلها في النجف.

ونقل عن السيد جواد العاملي في كتابه ( مفتاح الكرامة ): في سنة ١٢٢٣ ه


جاء الخارجي سعود في جمادى الآخرة ، فأتانا ليلاً , فرآنا على حذر قد أحطنا بالسور ، ثمّ قضى إلى مشهد الحسين على حين غفلة نهاراً , فحاصرهم حصاراً شديداً ، فثبتوا له خلف السور , وقتل منهم وقتلوا منه ورجع خائباً(١) .

وقد نظر المستر لونكريك إلى هذه الحادثة الخطيرة فاستفزّت عاطفته بتجربة حادة ، فقال: إذ انتشر خبر اقتراب الوهابيِّين من كربلاء في عشية اليوم الثاني من نيسان عندما كان معظم سكان البلدة في النجف يقومون بالزيارة ، فسارع مَنْ بقي في المدينة لإغلاق الأبواب ، غير أنّ الوهابيِّين وقد قدّروا بستمئة هجّان وأربعمئة فارس نزلوا فنصبوا خيامهم ، وقسّموا قوّتهم إلى ثلاثة أقسام ، ومن ظلّ أحد الخانات هاجموا أقرب باب من أبواب البلد , فتمكّنوا من فتحه عسفاً ، ودخلوا البلدة فدهش السكّان ، وأصبحوا يفرّون على غير هدى , بل كيفما شاء خوفهم.

أمّا الوهابيّون الخشن فقد شقّوا طريقهم إلى الأضرحة المقدّسة ، وأخذوا يخربونها ؛ فاقتلعت القضب المعدنية والسياج ثمّ المرايا الجسيمة ، ونهبت النفائس والحاجات الثمينة من هدايا الباشوات وأمراء وملوك الفرس ، وكذلك سلبت زخارف الجدران , وقُلع ذهب السقوف ، وأخذت الشمعدانات والسجّاد الفاخر والمعلّقات الثمينة والأبواب المرصعة ، وقتل زيادة على هذه الأفاعيل قرابة خمسين شخصاً بالقرب من الضريح , وخمسمئة أيضاً خارج الضريح من الصحن.

أمّا البلدة نفسها فقد عاث الغزاة المتوحّشون فيها فساداً وتخريباً ، وقتلوا من دون رحمة جميع مَنْ صادفوه , كما سرقوا كلّ دار ، ولم يرحموا الشيخ ولا الطفل ، لم يحترموا النساء ولا الرجال ، فلم يسلم الكلّ من وحشيتهم ولا من أسرهم ، ولقد قدّر بعضهم عدد القتلى بألف نسمة ،

____________________

(١) الدرّ المنثور - للسيد حسون البراقي المتوفّى سنة ١٣٣٢ ه , ( مخطوط ) نسخته في مكتبة آل كاشف الغطاء في النجف.


وقدّر الآخرون خمسة أضعاف ذلك(١) .

وذكر ابن بشر الحنبلي تفاصيل هذا الحادث المؤلم فقال: إنّ سعود قصد أرض كربلاء , ونازل أهل بلد الحسين في ذي القعدة ١٢١٦ ه ، فحشد عليها قومه , تسوّروا جدرانها ودخلوها عنوة , وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت ، وهدموا القبّة الموضوعة بزعم مَنْ اعتقد فيها على قبر الحسين ، وأخذوا ما في القبّة وما حولها ، وأخذوا النصيبة التي وضعوها على القبر وكانت مرصوفة بالزمرد والياقوت ، وأخذوا جميع ما وجدوا في البلد من أنواع الأموال والسلاح واللباس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة وغير ذلك ممّا يعجز عنه الحصر.

ولم يلبثوا فيها إلّا ضحوة وخرجوا منها قرب الظهر بجميع تلك الأموال ، وقُتل من أهلها نحو ألفي رجل. ثمّ إنّ سعود ارتحل منها على الماء المعروف بالأبيض , فجمع الغنائم وعزل أخماسها ، وقسّم باقيها بين جيشه غنيمة للراجل سهم وللفارس سهمان ، ثمّ ارتحل قافلاً إلى وطنه... إلخ(٢) .

وذكر في كتابه آنف الذكر ما نصّه: في سنة ١٢١٨ ه قُتل عبد العزيز بن محمّد السعود في مسجد الطريق ( المعروف في الدرعية ) وهو ساجد في أثناء صلاة العصر ، مضى عليه رجل قيل: إنّه كردي من أهل العمادية ( قرب الموصل ) اسمه عثمان على هيئة درويش ، وقيل: إنّه رافضي خبيث من أهل بلد الحسين ( كربلاء ) خرج من وطنه لهذا القصد ، والله العالم(٣) , غير أنّ تلك الحادثة ألّمت بحياة الشيخ سليمان باشا الكبير والي بغداد آنذاك , ورجع وحوش نجد إلى مواطنهم مثقلين بالأموال النفيسة التي لا تُثمّن.

ويجمل بنا ونحن نستعرض في الحديث عن هذه الغارة الشنعاء أن ننقل رأياً آخر

____________________

(١) أربعة قرون من تاريخ العراق - المستر لونكريك - ترجمة جعفر الخياط / ٢٦٠.

(٢) عنوان المجد في أحوال نجد - لعثمان بن عبد الله بن بشر الحنبلي ١ / ١٢٢.

(٣) عنوان المجد في أحوال نجد ١ / ٧٦.


يعكس أعمال الوهابيِّين البربرية ، فيقول الحلواني: وفيها غزا سعود بن عبد العزيز الوهابي العراق وحاصر كربلاء ، وأخذها بالسيف عنوة , وغنم جميع ما كان في مشهد الحسين من الذهب والجواهر التي أهدتها الملوك والشيعة إلى ذلك المقام المقدّس ، وقتل أهلها قتلاً ذريعاً ، واستباحها ونهب من المال والذهب والفضة ما لا يتصوّره العقل ، وبه تقوّى واستعد لملك الحرمين ، ثمّ رجع إلى عارضه متبجحاً بما صدر من عسكره.

ويقول: لو لم نكن على الحقّ لما انتصرنا ، وما علم أنّ ذلك استدراج , وأنّه على الباغي تدور الدوائر ، وأنّه مَنْ قال: ( لا إله إلّا الله ) فقد حُقن دمه وماله ، ولكن الهوى إذا استولى أعمى البصائر.

وبأموال كربلاء استفحل أمر ابن سعود ، وطمع في ملك الحرمين ، وشرع في محاصرة المدينة المنوّرة فصار في أمره ما سيأتيك بيانه(١) .

وعقّب على ذلك أيضاً بقوله: فأمر الوزير ما صنع في كربلاء أمر الكنخدا علي بك أن يخرج بعسكره ويتبعه إلى مقرّ ملكه العارضي ، فما وصل النهدية حتّى نجا سعود على المهرية القود والتحق بالقفار والصحاري ، فجبن الكنخدا ولم يمكنه أن يلحقه(٢) .

وكانت هذه الفاجعة العظيمة موضع اهتمام كثير من الباحثين والمؤرّخين ، قال السيد عبد الحسين الكيدار: ولم تزل كربلاء بين صعود وهبوط ، ورقي وانحطاط ، تارة تنحطّ فتخضع لدول الطوائف ، وطوراً تعمر متقدّمة بعض التقدّم إلى أن دخلت في حوزة الدولة العثمانيّة سنة ٩١٤ ه ، وأخذت تتنفّس الصعداء ممّا أصابها من نكبات الزمان وحوادث الدهر التي كادت تقضي عليها ، وبقيت وهي مطمئنة البال مدّة طويلة تزيد على ثلاثة قرون ، ولم ترَ في خلالها ما يكدر صفو سكّانها , حتّى إذا جاءت سنة ١٢١٦ هجرية جهّز الأمير سعود الوهابي جيشاً

____________________

(١) خمسة وخمسون عاماً من تاريخ العراق - للحلواني / ٧٤.

(٢) المصدر نفسه / ٧٦.


عرمرماً مؤلّفاً من عشرين ألف مقاتل وهجم بهم على مدينة كربلاء ، وكانت على غاية من الشهرة والفخامة , ينتابها زوّار الفرس والترك والعرب ؛ فدخل سعود المدينة بعد أن ضيّق عليها وقاتل حاميتها وسكّانها قتالاً شديداً ، وكان سور المدينة مركّباً من أفلاك نخيل مرصوصة خلف حائط من طين ، وقد ارتكبت الجيوش فيها من الفضائع ما لا يوصف حتّى قيل: إنّه قتل في ليلة واحدة ٢٠ ألف نسمة.

وبعد أن أتمّ الأمير سعود مهمّته الحربية التفت نحو خزائن القبر وكانت مشحونة بالأموال الوفيرة وكلّ شيء نفيس ، فأخذ كلّ ما وجد فيها ، وقيل: إنّه فتح كنزاً كان فيه جمة جمعت من الزوار ، وكان من جملة ما أخذه لؤلؤة كبيرة وعشرين سيفاً محلاّة جميعها بالذهب ، مرصعة بالأحجار الكريمة ، وأوان ذهبية وفضية وفيروز وألماس وغيرها من الذخائر النفيسة الجليلة القدر.

وقيل: من جملة ما نهبه سعود أثاثات الروضة وفرشها , منها ٤٠٠٠ شال كشميري ، و ٢٠٠٠ سيف من الفضة , وكثير من البنادق.

وقد صارت كربلاء بعد هذه الوقعة في حال يُرثى لها ، وقد عاد إليها بعد هذه الحادثة مَنْ نجا بنفسه ؛ فأصلح بعض خرابها ، وأعاد إليها العمران رويداً رويداً.

وقد زارها في أوائل القرن التاسع عشر أحد ملوك الهند فاشفق على حالتها ، وبنى فيها أسواقاً حسنة وبيوتاً قوراء أسكنها بعض مَنْ نكبوا ، وبنى للبلدة سوراً حصيناً لصدّ هجمات الأعداء ، وأقام حوله الأبراج والمعاقل ، ونصب له آلات الدفاع على الطرز القديم ، وصارت على مَنْ يهاجمها أمنع من عقاب الجو ، فأمنت على نفسها وعاد إليها بعض الرقي والتقدّم(١) .

ومن طريف القول أنّ أبا طالب خان يذكر في رحلته إلى العراق ومروره بكربلاء أنّه لقي عمّته المسماة ( كربلاي بيكم ) وعدّة نساء من توابعها ، وقد جئن يقضين أيامهنّ الباقية من اعتزالهن العالم في الأرض المقدّسة , ويقول: إنّ الوهابيِّين

____________________

(١) تاريخ كربلاء المعلّى - للسيد عبد الحسين الكليدار آل طعمة / ٢٠.


كانوا قد سلبوا منهنّ ما يملكنَ ، وقد أعنتهنّ بجميع ما أستطيعه إذ ذاك من العون المالي... إلخ(١) .

وقد سجّل الشعراء هذه الحادثة تعبيراً عن سخطهم وحقدهم على الوهابيِّين في هذه الحادثة التي عُرفت بحادثة الطفّ الثانية ، فكان أشهر هؤلاء الشعراء الذين ألهبهم الحماس وأفرغوا جام غضبهم هو الشاعر الشيخ هاشم الكعبي الحائري المتوفّى سنة ١٢٣١ ه ، فله في تلك الحادثة قصائد مطوّلة نُشرت في ديوانه ، وكذلك الشاعر الحاج محمّد رضا الأزري التميمي المتوفّى سنة ١٢٤٠ ه الذي أرّخ الحادث بقوله:

ونادى به نادى الصلاح مؤرّخاً

( لقد عاودتنا اليوم أرزاءُ كربلا)

ومن شعراء كربلاء الذين أرّخوا هذا الحادث أيضاً العالم الشاعر السيد أحمد الرشتي المقتول سنة ١٢٩٥ ه ، فقال:

ومذ فُتحت نجدٌ دعا السعدُ أرّخوا

( لقد جاء نصر الله يزهر بالفتحِ )(٢)

ومنهم الشاعر الشيخ فليح بن حسون رحيم الكربلائي المتوفّى سنة ١٢٩٦ ه ، فقال:

ولـمّا تعالى سعد ( مدحت ) رفعةً

بـأوج المعالي واستنار بـه المجدُ

سعودُ ( سعود ) الشرِّ غابت فأرّخوا

( بحزم عزيز الجندِ قد فُتحت نجدُ )(٣)

وهناك مراجع كثيرة وصفت فضاعة الوهابيِّين المنكرة بأدقّ وصف وأسهبت فيها ، وأوضحت غزوهم لهذه المدينة الآمنة ، وهدمهم للضريح المقدّس ، ونهب

____________________

(١) رحلة أبي طالب خان إلى العراق وأوروبا - ترجمها عن الفرنسية إلى العربيّة الدكتور مصطفى جواد ( بغداد / ٣٨٢ ).

(٢) الشعر السياسي العراقي - للاُستاذ إبراهيم الوائلي / ١٣٨.

(٣) المصدر نفسه.


الأموال وقتل الأنفس ، أخصّ بالذكر منها: أعيان الشيعة ٤ / ٣٠٧ ، وكتاب تحفة العالم ١٠ / ٢٨٩ ، وكتاب روضات الجنات ١ / ٢٦٥ وص ٣٥٣ ، وشهداء الفضيلة / ٢٨٨ ، ودائرة المعارف الإسلاميّة ١ / ١٩٢ - ١٩٣ ، وتاريخ كربلاء وحائر الحسين / ٢٢٣ وغيرها.

حادثة المناخور

من أشهر الحوادث التي مرّت على كربلاء بعد حادثة الوهابيِّين [هي الوقعة المشهورة] بحادثة المناخور(١) ، وذلك في عهد الوالي داود باشا عام ١٢٤١ ه - ١٨٢٥ م ، واستمر حصارها حتّى عام ١٢٤٤ ه - ١٨٢٨ م.

وسببها هو أنّ الوالي داود باشا لمـّا شاهد ضعف الدولة العثمانيّة واستقلال كثير من الولاة بولايتهم ، أمثال محمّد علي باشا في مصر ، واستقلال علي باشا ذلتلي تبة في ألبانيا ، طمع هذا الوالي باستقلاله في العراق ؛ فأخذ يشيد البنايات والتكايا والجوامع ، ويقرّب العلماء , ويبالغ في إكرامهم.

وقد نظم هذا جيشاً كبيراً مزوّداً بأسلحة حديثة ، وقد بايعته أغلب مدن العراق عندما حاول الاستقلال عدا كربلاء والحلّة ؛ فقد رفعتا راية العصيان ضدّه ، وحاول إقناعها فلم يستطع , وعند ذلك جهّز جيشاً ضخماً بقيادة أمير إصطبله وأخضع الحلّة واستباح حماها ، وتوجه إلى كربلاء وحاصرها ثمانية أشهر.

ولم يقوَ على افتتاحها , وكرّ عليها ثانية وثالثة فلم يستطع فتحها إلّا بعد حصار طالت مدّته أربع سنوات ( ١٢٤١ - ١٢٤٥ ه ) ، وكانت نتيجتها أن اُسر نقيب كربلاء ( السيد حسين بن مرتضى آل دراج ) واُرسل إلى بغداد حيث سجنه داود باشا هناك.

وكان السيد حسين النقيب قد عيّن رئيساً للإداريين , وابن عمّه السيد سلطان آل ثابت رئيساً للمسلحين. ومن جهة اُخرى كان السيد عبد الوهاب السيد محمّد

____________________

(١) كلمة فارسيّة مخففة عن ( مير أخور ) , يراد بها أمير الإصطبل أو رئيس الخيلية.


علي آل طعمة سادناً للروضتين الحسينيّة والعباسيّة , وحاكماً لكربلاء ، وكان هذا يساء الحكومة في مناوءة أهل البلد ؛ لأنّ الثورة كانت مبنية على الفساد ، فهو في عمله هذا حافظ على المدينة ، إلّا أنّ الحكومة كانت تنوي الشرّ ضدّ الأهلين ، وكانت عشيرته تسانده.

غير أنّ جماعة النقيب السيد حسين آل درّاج ثاروا ضدّ السلطة المحلّية ، فاضطر السيد عبد الوهاب إلى مغادرة كربلاء في واقعة المناخور سنة ١٢٤١ ه ، وعاد إليها بعد أن اُخمدت نار الفتنة.

ذكر النسّابة الشيخ حمود الساعدي: في سنة ١٢٤٤ هجرية حوصر أهل بلد الحسين ، حاصرهم سليمان بعسكره وقطع نخيلهم ، وأغار مياههم تسعة أشهر ، وقتل منهم قتلة عظيمة من الجانبين حتّى آل أمرهم إلى أن أكلوا حبّ القطب ، ولم يسلموا.

وكانوا يخرجون إلى العسكر فيقاتلون إلى أن ضايقهم (صفوق) شيخ شمر ، وتوجهوا عليه بعدما أعطى الأمان والقرآن لنقيب الأشراف ، فخرج هو وأصحابه (٢٥) فأمروا بقتلهم عن أخرهم دفعة ، ثمّ أمروا بحبس النقيب , وكان جليلاً نبيلاً شهماً من الأشراف ، وحمل إلى داود وأطالوا حبسه في بلدة بغداد(١) .

وجاء في كتاب ( تاريخ العراق الحديث ) ما نحن بصدده: ولقد حاصرت قوات داود باشا كربلاء في السنوات الأخيرة من حكمه زهاء أحد عشر شهراً دون أن ينال من وراء ذلك سوى وعد بدفع الضرائب السنوية المربوطة عليها.

وكذلك أراد علي باشا أن يؤكّد سيادته على كربلاء ، ولجأ إلى الحيلة دون القوّة ، وتظاهر بأنّه يودّ أن يؤدّي الزيارة لقبر الحسين (عليه‌السلام ) ولكن أهل المدينة رفضوا أن يسمحوا له بذلك.

وفضّل علي رضا أن يكتفي بإسناد حكم المدينة إلى سيد وهّاب ، وهو من إحدى الاُسرات الكبيرة في المدينة التي ظلّت مدّة حكم علي رضا في العراق شبه مستقلة ، ولكن تحت سيطرة

____________________

(١) عن مجموعة خطّية للشيخ حمود الساعدي , وقد نقلها من كتاب للأدعية مدوّن فيه فوائد تاريخيّة تعود إلى أسرة آل العذاري الحلّيين ١٤ / ٤ /١٩٥٢.


جماعة مسلّحة اُطلق عليها اسم يارمز.

وكانت هذه الجماعة تحتوي على عدد من الخارجين على القانون واللصوص والفارّين من وجه باشوات العراق ، وكانت إحدى فرق هذه الجماعة تدعى (الغارتية) من (غارة) تفرض الأتاوات على الحجاج ، وكان أشهر زعيم لهم في ١٢٤٨ ه هو السيد إبراهيم الزعفراني , وهو من أصل مختلط إيراني عربي ، وكان يليه في النفوذ إيرانيان لهما عدد كبير من الأتباع الفرس.

ونظراً لانقسام (اليارمز) إلى فرق كان ينشب فيما بينها صراع دموي شديد ، كان يعاني منه شعب كربلاء المسالم أشدّ أنواع الخسائر المادية والإرهاق العصبي.

وفي خضمّ هذه الفوضى تفوّق زعماء اليارمز على هيبة كبار علماء الشيعة في المدينة ، وكان لهم النفوذ الأكبر من قبل ، ولكن وجد العلماء في انقسام اليارمز إلى طوائف فرصة لكسب أعوان لهم من بينهم ، فكان أن انشطر اليارمز إلى شطرين ؛ أحدهما مع الزعيم الديني الشهير كاظم الرشتي ، والآخر مع زعيم ديني آخر يُدعى سيد إبراهيم القزويني(١) .

وممّا يذكر أنّ داود باشا الذي أصبح أشهر ولاة المماليك في العراق بعد الوالي سعيد باشا تولّى وظيفة الكهية ، واضطلع في سنتي ١٨١٣ و ١٨١٤ بسلسلة من الحملات التأديبية على عشائر دجلة والفرات ، فأعاد بذلك الشيخ شفلح الشلال إلى رئاسة زبيد ، ومرّ بالخزاعل فأرهبهم ، ثمّ أزال الحصار القبائلي الذي كان يفرض على كربلاء في موسم الزيارات على حدّ قوله(٢) .

وقد ورد تفصيل هذا الحادث في كتب المراجع الكثيرة ، منها: كتاب فارسي مخطوط باسم ( كاشف الإعجاز ) لمؤلّفه محمّد إبراهيم بن محمّد كريم الهمداني الأصل الكربلائي المسكن ، أوقفه في كربلاء المعلّى في شهر رمضان المبارك من شهور سنة

____________________

(١) تاريخ العراق الحديث - الدكتور عبد العزيز سليمان نوّار / ٨٨ - ٨٩ , دار الكاتب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة / ١٣٨٨ ه - ١٩٦٨ م.

(٢) موسوعة العتبات المقدّسة - قسم كربلاء ١ / ٢٧٦.


١٢٤٤ هجرية ، وجدت نسخته في مكتبة المرحوم السيد عبد الرزاق نجل السيد عبد الوهاب آل طعمة الذي تُرجم القسم الأكبر منه إلى العربيّة.

وجاء تفصيل الحادث أيضاً في كتاب ( نزهة الإخوان في بلد المقتول العطشان ) لمؤلّف مجهول ، وجدت نسخته الخطّية عند السادة آل النقيب في كربلاء فنسخت منها ، وفيها تفاصيل كثيرة لهذه الواقعة ، ويذكر مؤلّفه أن نشوب الحادث كان منذ بداية سنة ١٢٤١ ه حتّى محرّم سنة ١٢٤٢ ه.

وقد هزّت هذه الحادثة عواطف الشعراء , كان منهم الشاعر الملاّ عبد الجليل الحائري ، فقال من قصيدة:

ووافر العسكر لـمّا أتى

بـكثرةٍ كلّ لها المحصرُ

فيها كماةُ الشوس اُسدُ الشرى

خواضةُ الموت فهم شمّروا

فيها البهاليلُ و سمرُ القنا

والبيضُ والأطواب والقنبرُ

فيها الصناديدُ ليوثُ الوغى

فالموتُ فيهم إن سطا ينفروا

فتىً ومنّا كلّ قوم ولا

يقواه عند الملتقى عنبرُ

أشبالُ غاباتٍ حوت كربلا

فالكربُ منهم والبلا يصدرُ

فقامت الحربُ على ساقها

والبيضُ بالبيض غدت تُكسرُ(١)

حادثة نجيب باشا

وهي من الحوادث الشهيرة أيضاً التي أرّخت بـ ( غدير دم ) ، وقد نشبت أوارها يوم الثلاثاء في السابع عشر من شهر ذي القعدة سنة ١٢٥٨ ه - ١٨٤٢ م ضدّ الطاغية الوالي المشير محمّد نجيب باشا ، وقد ارتاع لهولها الفرات من أدناه إلى أقصاه.

ومجملها: أنّ أهالي كربلاء كانوا يأبون الخضوع لحكام آل عثمان ، وشاء

____________________

(١) نزهة الإخوان في بلد المقتول العطشان - مجهول المؤلّف - مخطوط / ٥٠.


نجيب باشا أن يخضع سكّان المدينة لمشيئته ، فأنذرهم بوجوب الخضوع لمشيئة الولاة وما يصدرون من الأحكام الجائرة ، وأمرهم بنزع السلاح وإطاعة أولي الأمر من العثمانيين ، وأمهلهم شهراً كاملاً يدرسون فيه موقفهم ويقرّرون مصيرهم.

وانقضى الشهر الممنوح لهم , ولم يطرأ تبدّل على موقف سكّان المدينة ممّا طلبه منهم نجيب باشا ؛ فقاد عسكره واستباح المدينة لهم ، وعمل السيف في رقاب الناس الآمنين , فلجأ الناس إلى الضريح المقدّس يستنجدونه ويستغيثونه فعصمتهم حرمة الضريح من القتل.

ولمـّا رأى المشير العثماني الآنف الذكر هذه الحالة أمر عساكره بضرب المدينة بالمدافع ، وقد تدخّل بعض الرجال المعمّرين آنذاك كالسيد كاظم الرشتي ، وعلي شاه بن فتح علي شاه القاجاري الساكن كربلاء يومذاك بإسداء النصح لرؤساء البلد ، وهم: السيد عبد الوهاب آل طعمة(١) ،

____________________

(١) ذكره السيد محسن الأمين في ( أعيان الشيعة ٤٢ / ٢٣٨ ) ما هذا نصه: « السيد عبد الوهاب ابن السيد محمّد علي سادن روضتي الحسين والعباس , توفي سنة ١٢٧١ ه ، هو زعيم قبيلة ( آل طعمة ) المسمّاة قديماً بـ ( آل فائز ).

تولّى سدانة الروضتين الحسينيّة والعباسيّة وحكومة كربلاء من قبل الولاة العثمانيين ، كما كان جدّه السيد عبّاس السيد نعمة الله نقيباً ، وأبوه السيد محمّد علي سادناً للروضة الحسينيّة ، وكانت في أيامه فرقة تسمّى ( اليرمازية ) ديدنها الشقاوة والعصيان ، فغضب الوالي على كربلاء من أجل اُولئك العصاة ، وسيّر جنداً لتأديبهم إلّا أنّهم تحصّنوا في كربلاء ، واتفق معهم سائر الكربلائيين فاعتصموا بالسور المحيط بكربلاء فارتد الجند عنهم.

ولمـّا رأى الوالي نجيب باشا ذلك ضاعف الجند بأمثاله وحشد العشائر الموالية له ، وقاد القوّة بنفسه وحاصر كربلاء ٢٥ يوماً فاضطر الكربلائيون على التسليم ، واحتلّ الوالي المدينة يوم ١١ ذي الحجة سنة ١٢٥٨ ه.

وإلى ذلك يشير الأخرس البغدادي في قصيدته التي يهنّئ بها الوالي نجيب باشا على إحرازه النصر:

لقد خفقت في النحر ألوية النصرِ

وكان انمحاقُ الشرّ من ذلك الثغرِ

وعلى إثر ذلك اتهمّ الوالي السيد عبد الوهاب بكونه زعيم تلك الحركة فطلب القبض عليه ، لكنّه فرّ من كربلاء متوجّهاً نحو المسيّب , ومنها إلى عشيرة الخزاعل تاركاً أملاكه وعقاره ؛ فتصرّف =


والسيد إبراهيم الزعفراني ، وعلي كشمش ، وطعمة العيد ، والسيد صالح الداماد ، والسادة آل نصر الله ، والسيد حسين النقيب للكفّ عن القتال ، والخضوع لهذا الحاكم الجلاّد ، فرفضوا الإصغاء إلى تلك النصائح واستمروا بالقتال ، وقد هاجمهم الجيش العثماني من جهة باب الخان , حيث أحدثوا ثغرة فيه.

واستمر القتال لمدّة يومين ، وفي اليوم الثالث خرج المحاربون من أهل المدينة إلى الخارج , والتحقوا للاستنجاد بعشائر آل فتلة واليسار وآل زغبة من المعدان ، وكان عددهم ثلاثة آلاف محارباً ، فاصطدم الجيش بالأهلين ثانية , ودامت الحرب ٢١ يوماً حتّى عيد الأضحى ، وقد بلغ عدد القتلى ١٨ ألف قتيل كما تنصّ بعض المصادر ، علماً بأنّ قيادة الجيش العثماني كانت بيد سعد الله باشا ، وكان السلطان العثماني آنذاك عبد المجيد العثماني(١) .

ولا بدّ لنا أن نلقي ضوءاً على ما كانت عليه الحالة في المدينة من تفكّك اجتماعي ساعد العثمانيين على استغلال نقاط الضعف التي هيّأت لهم الفرصة لإنزال ضربة قاضية واستباحة المدينة ، وهو ما استطرد إليه الدكتور عبد العزيز سليمان نوار بقوله: وكذلك أراد علي باشا أن يؤكّد سيادته على كربلاء ، ولجأ إلى الحيلة دون القوّة ، وتظاهر بأنّه يودّ أن يؤدّي الزيارة لقبر الحسين ، ولكن

____________________

= الوالي بها ، وعيّن شانئيه لسدانة الروضتين ، وقد توسّط في أمره السيد علي نقيب بغداد لدى الوالي , فأصدر العفو العام وطلب حضوره إلى بغداد فسافر إليها ، والتحق بولده السيد عبد الرزاق الذي كان رهينة لدى الوالي في بغداد ، وفوّضه على أمر مقاطعة ( الروز ) المعروفة ليزرعها ، فزرعها مدّة ثلاث سنوات ، ثمّ أعطاه نهر الناصرية من توابع المسيّب , فقطن فيه حتّى توفّاه الله سنة ١٢٧١ ه ونُقل جثمانه إلى كربلاء.

(١) استقيت بعض هذه المعلومات من اُرجوزة شعرية من بحر الرجز مخطوطة بالفارسيّة تحت عنوان ( حادثة نجيب باشا ) ، وهي من نظم الميرزا زكي حسين الهندي ، وقد انتهى من نظمها في محرّم سنة ١٢٥٩ ه.

توجد نسختها الأصلية في مكتبة السيد حسين القزويني الحائري ومطلعها:

جه عهد خلافت بعبد المجيد

بس از دور محمود سلطان رسيد


أهل المدينة رفضوا أن يسمحوا بذلك.

وفضّل علي رضا أن يكتفي بإسناد حكم المدينة إلى السيد وهاب ، وهو من إحدى الاُسرات الكبيرة في المدينة التي ظلّت مدّة حكم علي رضا في العراق شبه مستقلة ، ولكن تحت سيطرة جماعة مسلحة اُطلق عليها اسم يارمز.

وكانت هذه الجماعة تحتوي على عدد من الخارجين على القانون واللصوص والفارّين من وجه باشوات العراق ، وكانت إحدى فرق هذه الجماعة تدعى ( الغارتية ) من ( غارة ) تفرض الأتاوات على الحجاج ، وكان أشهر زعيم لهم في ١٨٤٢ هو السيد إبراهيم الزعفراني وهو من أصل مختلط إيراني عربي ، وكان يليه في النفوذ إيرانيان لهما عدد كبير من الأتباع الفرس.

ونظراً لانقسام ( اليارمز ) إلى فرق كان ينشب فيما بينها صراع دموي شديد ، كان يعاني منه شعب كربلاء المسالم أشدّ أنواع الخسائر المادية والإرهاق العصبي.

وفي خضمّ هذه الفوضى تفوّق زعماء اليارمز على هيبة كبار علماء الشيعة في المدينة ، وكان لهم النفود الأكبر من قبل ، ولكن وجد العلماء في انقسام اليارمز إلى طوائف فرصة لكسب أعوان لهم من بينهم فكان أن انشطر اليارمز إلى شطرين ؛ أحدهما مع الزعيم الديني الشهير السيد كاظم الرشتي ، والآخر مع زعيم ديني آخر يُدعى السيد إبراهيم القزويني.

وإذا كان علي باشا رضا قد قبل أن يترك لكربلاء أن تحكم نفسها بنفسها وتجني ثمار الفوضى القائلة ؛فإنّ نجيب باشا - وقد هدأت أزمة الشام وتفرّغ حكّام العراق لتأكيد نظام الحكم المباشر فيه - ما كان ليسكت على ترك كربلاء هكذا دون أن تخضع له. على أنّ حنق نجيب باشا اشتدّ لدرجة كبيرة عندما أراد أن يذهب للزيارة ، فحدّد له أولو الأمر في المدينة عدد مرافقيه بستة أشخاص فقط , هذا بالإضافة إلى أنّهم رفضوا أن يلبّوا رغبة نجيب في أن يمدّوه بتموين لجيشه في سنة ١٨٤٢ م.

وفي أوكتوبر من تلك السنة كان نجيب باشا معسكراً على رأس جيشه في منطقة ( المسيّب ) في طريقه لتأديب عشائر المعدان الثائرة ، فانتهز الفرصة واتصل بكبار علماء كربلاء


الدينيين ومجتهديها , وطلب منهم أن يعينوه على إعادة النظام إلى المدينة.

وقد نجحت مفاوضاته مع كاظم الرشتي , ومع ( ظلّ السلطان ) أحد أبناء فتح علي شاه والسيد وهاب حاكم المدينة ، واتّفق هؤلاء مع نجيب باشا على أن يبعث إليهم بأحد البغداديين لوضع الخطوط النهائية لما سيكون عليه أمر حكم المدينة.

واستطاع المفاوض البغدادي أن يقنع الطرف الآخر بإدخال خمسمئة جندي كحامية في المدينة ، ولكن لم تلبث الاتفاقية - شأن كلّ اتفاقية تعقد مع متمردين منقسمين إلى فرق متعددة متنافرة - أن مزّقت في أعقاب توقيعها ، بينما استعد المتعصّبون من ( اليارمز ) والسيد كاظم الرشتي و ( ظلّ السلطان ) للدفاع عن المدينة ، ورُفعت المدافع على الأسوار واستدعى العرب من ضواحي المدينة للدفاع عنها.

كان نقض هذا الاتفاق سبباً في أن يصرّ نجيب على أن تخضع له المدينة بمثل ما تخضع به أيّة مدينة عراقية اُخرى ، وقبل أن يضرب نجيب ضربته الأخيرة عقد مباحثات مع كبار الشخصيات الفارسيّة ، والوكيل الفارسي في كربلاء ، ومع القنصلين الفرنسي والبريطاني ليكونوا على علم بمدى مجهوداته السلمية ، ولعلّهم يعينونه على تسوية الأزمة ولكن دون جدوى.

وعندما قرّر نجيب باشا إرسال حملة ضدّ كربلاء أخطرهم مقدّماً بمشروع حملته لما كان يتوقعه من نشوب أزمة سياسية كبيرة بين الدولتين الفارسيّة والعثمانيّة ، ولمـّا كانت المدينة قد عبّأت قوّاتها وجلبت الإمدادات من خارجها ، قدّر نجيب خطورة الفشل في إخضاع المدينة , فلم يكتفِ بما كان لديه من قوّات مرابطة في ( المسيّب ) وأتى بإمدادات من بغداد ، واستعان بمجموعة من العشائر العربيّة الموالية له غاضّاً الطرف عن نصيحة المبعوث البريطاني في طهران بشأن العدول عن إرسال الحملة.

وبعد أن اتخذ نجيب إجراءاته الدبلوماسية والعسكرية أصدر أوامره بمهاجمة المدينة بكتيبة من الفرسان , وعشرين مدفعاً وثلاث كتائب من المشاة ، ثمّ أرسل في أعقابها إلى المدينة في ١٩ ديسمبر ١٨٤٢ القوات العشائرية , وبدأ ضرب المدينة


بالمدفعية ، فعرض كاظم الرشتي أن يأخذ القائد عائلات زعماء اليارمز كرهينة حتّى ينسحب الجيش ، وفعلاً ذهب بعض زعماء اليارمز ولكن جاءت الأنباء بأنّ نجيب باشا رفض انسحاب الجيش فعاد الصراع بين الطرفين ، ثمّ عادت المفاوضات واشترك فيها المندوب الفارسي في بغداد ، وتطرّف الثوار للدرجة التي رفضوا معها الشروط المعتدلة ، وزاد تمرد الثوار شدّة عندما اُشيع أنّ الجيش الفارسي يستعد لغزو العراق لينقذ كربلاء.

ضرب الجيش الحصار بقوّة على المدينة ، وقصفت المدفعية الأسوار ، فزادت جذوة المقاومة الشعبية ، وهبّ العلماء يصلحون الأسوار ، ويثيرون حماس المدافعين ، ولكنّهم ما كانوا ليصمدوا أمام جيش منظّم ، ودخلت القوّات المدينة في ١٣ من يناير ١٨٤٣.

وفقد الضبّاط سيطرتهم على الجند ، ووقعت حوادث نهب وقتل عديدة ، ثمّ هدأت الأمور بعد دخول نجيب باشا المدينة ، وبدأ بتنظيم الإدارة فيها بتعيين قاض ، وخطيب ليدعو للسلطان في صلاة الجمعة(١) .

وقد ورد ذكر هذه الحادثة أيضاً وبشكل موجز في كتاب « تاريخ كربلاء المعلّى » ، وهذا نصّه: وفي سنة ١٢٥٨ شقّ أهالي كربلاء عصا الطاعة على الدولة ، وأبوا أداء الضرائب والمكوس , وكان والي العراق نجيب باشا , فجهّز جيشاً بقيادة سعد الله باشا وسيّره إلى كربلاء ؛ فحاصرها حصاراً شديداً ، وأمطر المدينة بوابل قنابله.

ولم يساعده الحظّ على افتتاحها ؛ لأنّ سورها كان منيعاً جدّاً ، وقلاعها محكمة لا يمكن للقائد الدنو منها ، ولمـّا أعيت به الحيل الحربية التجأ إلى الخداع فأعطى الأمان للعصاة ، وضمن لهم عفو الحكومة فأخلوا القلاع وجاؤوه طائعين ، فقبض عليهم وسلّط المدافع على الجهة الشرقيّة فهدم السور ، وأصلى المدينة ناراً حامية ففتحها ، وارتكب فيها كلّ فظاعة وشناعة ، ودخل بجيشه إلى صحن العباس ، وقتل كلّ

____________________

(١) تاريخ العراق الحديث - من نهاية حكم داود باشا إلى نهاية حكم مدحت باشا - للدكتور عبد العزيز سليمان نوار / ٨٩ - ٩٢ ( القاهرة ١٣٨٧ - ١٩٦٨ ).


مَنْ لاذ بالقبر الشريف ، وبهذه الموبقات أعادت سلطة الحكومة إلى تلك الربوع ، والله علّام الغيوب(١) .

ويبدو أنّ الطاغية محمّد نجيب باشا استولى على البلد وأباحه ثلاثة أيام قتلاً وسلباً ونهباً حتّى قُتل آلاف الأشخاص بين رجل وامرأة , وصبي وصبية ، وتنصّ معظم الروايات على أنّ عدد القتلى بلغ عشرين ألفاً أو زاد على ذلك.

كما يحدّثنا صاحب كتاب ( شهداء الفضيلة ) بقوله: وأمّا القتل الثالث من تلك البقعة ( كربلاء ) المقدّسة فقد وقع في عهد السلطان عبد المجيد في ذي الحجة سنة ١٢٥٨ ه ؛ ففي ( الروضات ): وأمّا القتل الثالث فقد اتفق في عصرنا هذا في أواخر سنة ١٢٥٨ بقتل فظيع كاد أن يبلغ قتلاه عشرة آلاف من الرجال والولدان غير النهب والغارة الشديدتين.

وكان هذا القتل بعد نجيب باشا الذي ولي على بغداد وأمر بشيء سيء والسلوك بالشرّ مع أهل ذلك المشهد المقدّس ، فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعلاً ، وقد قُتل في هذه الكرة أيضاً جمع كثير من العلماء والسادات , وغير اُولي التقصير من المجاورين والزوّار. أه.

وحكي عمّن شهد الواقعة من الثقاة أنّه لمـّا أقفل العسكر أحصينا القتلى , وسألنا الحفّارين , وتحقّقنا ذلك ، فكان ما يزيد على عشرين ألفاً من رجل وامرأة وصبي ، وكان يوضع في القبر الأربعة والخمسة إلى العشرة فيُهال عليهم التراب بلا غسل ولا كفن ، وتفقدنا القتلى منهم [في] الدور والآبار ، ووجدنا بالسرداب الذي تحت رواق العباس (عليه‌السلام ) من القتلى أكثر من ثلاثمئة(٢) .

وقد ذهب عبّاس العزاوي في روايته لهذه الحادثة إلى أقل الاحتمالات بالنسبة لعدد القتلى فقال: والذي قُتل من ولاية كربلاء مقدار أربعة آلاف نفس ، ومن العسكر مقدار خمسمئة نفر ، ومن بعد فتحها أمسكوا السيد إبراهيم الزعفراني وجاؤوا به إلى بغداد ، والسيد صالح من كبار البلد , وكم واحد.

____________________

(١) تاريخ كربلاء المعلّى - للسيد عبد الحسين الكليدار آل طعمة / ٢٤ - ٢٥.

(٢) شهداء الفضيلة - للشيخ عبد الحسين الأميني / ٣٠٦ - ٣٠٧.


فالسيد صالح نفوه إلى كركوك , وترجّاه قونصلوا الإنكليز وابن الزعفراني فبقي أياماً قلائل في بغداد وتمرّض بالدق ومات ، وبعضهم عفا عنهم الوزير محمّد نجيب باشا وجعل عليهم والياً واحداً(١) .

إنّ المؤرّخ عبّاس العزاوي قد أخطأ الظنّ في ذكر السيد صالح الداماد ؛ فهو أحد العلماء والأعلام يتبعه عدد غفير من المقلّدين ، وقد بذل جهوداً كبيرة في مساعدة أهالي كربلاء ؛ إذ وزّع عليهم نصف أمواله , وإلى ذلك يشير الشاعر الشعبي بالأهزوجة الشعبية:

مات الشرّ مات

وأحياها الداماد

ويقدّم لنا الدكتور عبد العزيز نوار إحصائية بعدد القتلى مع تحديد أجناسهم في تقرير مؤرّخ في ١٥ مايو ١٨٤٣ فيقول: جاء في تقرير ( فارن ) أنّ القتلى لا يزيدون على خمسة آلاف ، منهم ثلاثة آلاف داخل المدينة معظمهم من العرب لا من الفرس ، وإنّ آلافاً من الفرس فرّوا من المدينة قبل اقتحام القوّات العثمانيّة لها. وأمّا مَنْ قُتل من الهنود فكانوا ثلاثة من مملكة أود ، وفقد حوالي ٢٠ - ٣٠ من البنجابيين ومن أهل كشمير.

وأكّد ( فارن ) أنّه لم يُقتل من الرعايا الروس في هذه المعارك سوى شخص واحد ، بعكس ما قيل من قبل من أنّ عدداً من هؤلاء لقي حتفه خلال الصراع , أمّا المبعوث العثماني فقدّر القتلى في المدينة بحوالي ٢٥٠ قتيلاً , منهم ١٥٠ فارسياً , بينما خسر العثمانيون ٤٠٠ قتيلاً و ٢٠٠ جريحاً.

وتكشف لنا المقارنة بين الإحصائيات التي قدّمها كلّ من ( فارن ) الإنجليزي ونامق العثماني أنّ كلاً منهما قدّم إحصاءات تخدم مصالح بلاده ؛ ففارن ينفي وقوع قتلى روس إلّا في حالة واحدة ، ونامق يقول: إنّ القتلى والجرحى العثمانيين يفوقون في عددهم عن الفرس.

وعلى أيّ حال استتب الأمر للحكومة العثمانيّة منذ حملة نجيب باشا على المدينة برغم الاحتجاجات الإيرانيّة ، كما أدّت سيطرة قوات الحكومة على

____________________

(١) تاريخ العراق بين احتلالين - لعباس العزاوي ٧ / ٦٦ - ٦٧.


كربلاء إلى سيطرتها على النجف(١) .

ولعلّ من الضروري أن نشير إلى أنّ الوزير محمّد نجيب باشا قد حاصر كربلاء ٢٣ يوماً ، وللتأكيد على ذلك إنّي وجدت على ظهر مجموعة ( الأدعية والزيارات ) بخطّ الشيخ جواد الشيخ راضي آل سلطان ، وهو ممّن شاهد حادثة نجيب باشا في كربلاء ، فقال ما نصّه: نزل الوزير الأعظم سعد الله باشا بالعساكر المنصورة ، وعمدوا على حصار القصبة المشرفة يوم الثلاثاء سادس عشر ذي القعدة الحرام من شهور سنة ١٢٥٨ ه ، وقعت الحرب يوم الجمعة تاسع عشر ذي القعدة أيضاً , وفُتحت القصبة يوم الجمعة أيضاً حادي عشر ذي الحجة من شهور سنة ١٢٥٨ ه ، واستمرت الحرب اثنين وعشرين يوماً ليلاً ونهاراً ، والله أعلم(٢) .

وبعد إخماد هذه الثورة انبرى عدد غير قليل من الشعراء إلى مدح الوالي نجيب باشا وتهنئته بهذا الانتصار الذي أحرزه، ومن اُولئك الشاعر عبد الباقي العمري ، إذ قال:

مهّدت بـالهندي يومَ كربلا

هنديةً فاندرست مجاريا

وقد تركت الرفضَ فيها ضفدعاً

جفّت سواقيه فمات صاديا(٣)

ومنهم الشاعر عبد الغفار الأخرس إذ قال:

وكرّ البلا في كربلاءَ فأصبحتْ

مواقفَ للبلوى ووقفاً على الضرِّ

غداة اُبيدتَ مفسدي أهل كربلا

وكرّت مواضيه بها أيّما كرِّ(٤)

ونتيجة للاضطهاد والتعسّف الذي لقيه أهالي المدينة المقدّسة من قتل وسلب

____________________

(١) تاريخ العراق الحديث - د. عبد العزيز نوار / ٩٢ - ٩٣.

(٢) الأدعية والزيارات - للشيخ جواد آل سلطان ( مخطوط لدى أفراد أسرته في كربلاء ).

(٣) الترياق الفاروقي - عبد الباقي العمري / ٢٤٠ ( الطبعة الثانية النجف ١٣٨٤ / ١٩٦٤ ).

(٤) الطراز الأنفس في شعر الأخرس / ١٦٨ ( إستامبول ١٣٠٤ ) , مطبعة الشركة المرتبية.


وتشريد وسبي ، هجر المدينة كثير من الأغراب مَنْ كانوا يخشون وقوع اعتداءات اُخرى.

وقد دوّنت تفاصيل هذه الحادثة في مصادر كثيرة , منها كتاب ( العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية ) , تأليف الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء ، كُتب بخطّ مؤلفه سنة ١٣١٠ ه ، وهو من محتويات مكتبة آل كاشف الغطاء برقم ٨٢٩ ، وكتاب ( السلاسل الذهبية ) للسيد محمّد صادق آل بحر العلوم وغيرها.

حركة علي هدلة

كان علي هدلة صاحب مقهى مجاورة إلى سور المدينة ، وكان مأمورو الحكومة الذين يجبون الضرائب على المخضّرات يقفون بالقرب من مقهاه لاستيفاء الرسوم من الفلاحين , فأخذ أحد هؤلاء يفتّش امرأة ظنّاً منه بأنّها تخبئ المخضّرات في ثيابها ، فصرخت واستنجدت بأهل المدينة مستثيرة حميّتهم ؛ فلم يطق علي هدلة ولا زبائنه الجالسون في المقهى صبراً على تعيير المرأة له لسكوتهم على ما فعل مأمور الحكومة معها ، فقرّروا إعلان العصيان على الحكومة.

كان ذلك في ٣ ربيع الأول من سنة ١٢٩٣ ه ، حيث قاد علي هدلة جماعة من المناوئين وحرضّهم على مقاومة الحكومة ، وكانت أفكار الأهالي مستعدّة لتقبّل أي حركة تقوم ضدّ السلطة ، وكانت هذه العصابة تتألّف من ١٥٠ شخصاً يقومون بحرب العصابات بقيادة الشخص المذكور ، واصطدمت بالجيش العثماني في مواقع متعدّدة دحرته حتّى رنّ صداها في الأستانة , وأقلق السلطان ؛ فأصدر إرادة سنية بإرسال جيش لهدم كربلاء وقتل أهلها ، وأناط قيادة الجيش بعاكف باشا - والي بغداد يومذاك - والمشير حسين فوزي.

وعند وصولهما إلى كربلاء لم يجدا أثراً للعصيان ، فأحجم والي بغداد عن تنفيذ الإرادة السنية , وخالفه المشير حسين فوزي ، فرجعا للآستانة بالأمر ، وبعد أخذ وردّ صدر عفو عام ، ورحل الجيش التركي عن كربلاء بعد أن ألقوا القبض على موقدي الفتنة ،


وفرضت أتاوة على أهل البلد لفترة من الزمن.

وكان ممّن اعتقل من رجالات كربلاء السيد جعفر آل ثابت ، والسيد محمّد علي السيد عبد الوهاب آل طعمة ، والحاج محسن آل كمونة ، والسيد إبراهيم الأصفهاني ، وسجنوا في بغداد لمدّة سنة كاملة في مكان يُعرف بـ ( القشلة ) أو ( أوج قلعة ) ، ثمّ اُطلق سراحهم بعد ذلك.

وعندما تمّ الصلح بين أهالي المدينة والحكومة العثمانيّة قرّرت الحكومة غرامة على البلدة مقدارها ( الشامي )(١) , فاستاء لها نفوس البعض من الكسبة والفلاحين ؛ ممّا أدّى إلى قيام ثورة اُخرى في عام ١٢٩٤ ه بقيادة السيد مهدي الأشيقر.

حادثة الأشيقر وأبو هر

ومن ذيول الحادثة السابقة قيام السيد مهدي ابن السيد علي ابن السيد باقر الأشيقر وآل أبو هر مع زعيمهم الشيخ محمّد علي بن سلطان أبو هر بالخروج من كربلاء ؛ استنكاراً لتسليم علي هدلة , فلمـّا قارب المذكور قنطرة الحديبة على نهر الحسينيّة تلقّاه الجيش العثماني فأردوه قتيلاً ، وأخذوا برأسه على الحربة وطافوا به في أسواق المدينة ؛ ليكون عبرة لمـّنْ حاول أن يخرج ثانية على الحكومة.

ولمـّا رأى السيد مهدي الأشيقر وهو من زمرة الثائرين ضدّ الحكومة ذلك الحادث اغتاظ وثارت نفسه ، فترك كربلاء ناجياً برأسه إلى إيران ، ومنها إلى قفقاسيا , ومات هناك ونُقل جثمانه إلى كربلاء(٢) ، كان ذلك في سنة ١٢٩٤ ه.

____________________

(١) وتُعرف عند عامة الناس ( البيشلغ ) ، ومقدارها عشرة قروش تركية ، أي ما يساوي اليوم ٧٥ فلساً عراقياً تقريباً.

(٢) استقيت بعض خطوط هذه الحادثة من ضبط منظم برقم ١٠٢ , ومؤرّخ ٧ ذي الحجة سنة ١٢٩٥ ه من قبل ديوان التمييز بشأن حادثة علي هدلة وثورة السيد مهدي الأشيقر في كربلاء ( ١٢٩١ ه - ١٢٩٥ ه ) ، ترجمها من اللغة التركية عزيز سامي الخطابي.


أمّا علي هدلة فقد توسّط له عند والي بغداد فأفرج عنه ، وأقام عند السيدة تاج دار باهو الأميرة الهنديّة الحسناء يحرس دارها.

وعلى أثر ثورتي علي هدلة والأشيقر وأبو هر تخاصم أهالي كربلاء إلى فريقين ؛ فريق كان يناصر الثوار ضدّ الحكومة العثمانيّة ، وفريق يعاضد السلطة الحكوميّة واستتباب الأمن في المدينة ؛ الأمر الذي أدّى إلى مقتل الزعيم الديني السيد أحمد ابن السيد كاظم الرشتي سنة ١٢٩٥ ه ، وكان يوم مقتله مشهوداً.

وقعة الزهاوي للعجم

وهذه الحادثة تُعرف بواقعة ( شهداء عرصة كربلاء ) ، وقد حدثت سنة ١٣٢٤ ه. فرضت السلطات العثمانيّة بعض الضرائب على الجاليات الأجنبية القاطنة كربلاء ، ولمـّا كانت الحكومة العثمانيّة لها معاهدات مع الحكومة البريطانية وروسيا القيصرية ؛ لهذا استثنت رعايا هاتين الدولتين وطبّقتها على الجالية الإيرانيّة.

ولمـّا بُلّغت الجالية الإيرانيّة بهذا الأمر رفضت الإطاعة وأعلنت العصيان ، فالتجأت إلى القنصلية البريطانية في كربلاء آنذاك مطالبين منحهم الجنسية البريطانية , فلم يلب القنصل البريطاني طلبهم ، وخرجوا إلى محلّة العباسيّة الشرقيّة ونصبوا خيامهم حول القنصلية المذكورة معلنين احتجاجهم على هذا التصرّف من قبل السلطة العثمانيّة.

وكان المتصرّف العثماني آنذاك ( رشيد باشا الزهاوي ) , فقد وسط هذا كبار العلماء لإسداء النصح لاُولئك العصاة فلم يرعووا واستمرّوا على عصيانهم ، فأمهلوا أياماً ليرتدعوا حتّى بلغ السيل الزبى ، واستعدت السلطات العثمانيّة لإنزال ضربة قاضية بهم.

وكانت الحادثة في صباح يوم السبت ٨ رمضان سنة ١٣٢٤ ه - ١٩٠٣ م , حيث هجمت عساكر العثمانيين عليهم مع أذان الفجر وعملوا فيهم السيف ممّا نجم عن مقتل اثنين وتسعين قتيلاً , وفرّ الباقون(١) ، وكانت مادة تاريخ هذا الحادثة هو

____________________

(١) الذين سقطوا في صميم المعركة ٩ أشخاص ، وكان الباقون جرحى حملوا سرّاً إلى دورهم ؛ حيث قضوا نحبهم تدريجياً لعدم وجود وسائل طبية حديثة.


( شهداء عرصة كربلاء ).

وممّا يُذكر بهذا الصدد أنّ الوالي مجيد بك قد عُزل بسبب الحادثة ذاتها كما ينصّ على ذلك البحّاثة عبّاس العزاوي بقوله: وكان سبب عزله حركة كربلاء حين وجّه رشيد باشا ابن الاُستاذ محمّد فيض الزهاوي وكيل المتصرّف , فوقع القتال بين العجم وبين الجند بسبب أخذ الرسوم. وعندي رسالة خطّية باللغة الفارسيّة في تفصيل هذه الواقعة(١) .

وللشاعر الكربلائي محمّد حسن أبو المحاسن قصيدة يرثي بها شهداء هذه الواقعة فيقول:

باللهِ سل عصبةً بالفرسِ قد فتكتْ

بـأيّ جرمٍ دماءُ القومِ قد سُفكتْ

فرّت من الظلمِ إشفاقاً فكان لها

سفكُ الدماءِ جزاءً أن دعت وشكتْ

لم ينقموا منهمُ إلّا ولاءهمُ

وحبّهم عثرةً قد قُدست و زكتْ

طلّت دماءٌ أراقتها سيوفهمُ

كأنّهُ يومُ تشريقٍ و قد نسكتْ

قرّت عيونُ العدى واستضحكت فرحاً

فسوفَ تبكي طويلاً بعد ما ضحكتْ

يا غيرةَ الدينِ والشرعِ اثأري بهمُ

و أطفئي نارَ حزنٍ في القلوبِ ذكتْ

لهفي لهم وبـناتُ الرعدِ تمطرُهم

بـنادقاً بـسمامِ الموتِ قد سُبكتْ

قادَ الغوي لهم جنداً مؤلّفةً

من كلِّ مارقةٍ في قتلها اشتركتْ

فغودرت منهمُ قتلى مطوّحةً

فوقَ الثرى برحى الهيجاءِ قد عركتْ

عارينَ قد سلبوا منهم ثيابهمُ

ويحَ اللئامِ فما تبقى إذا ملكتْ(٢)

كما رثى شهداء هذا الحادث الشيخ يعقوب الحاج جعفر بقصيدتين(٣) ، واُلّفت منظومة بالفارسيّة باسم ( حزن الشيعة ) للشيخ نظر علي الكرماني الخطيب

____________________

(١) تاريخ العراق بين احتلالين - عبّاس العزاوي ٨ / ١٥٢.

(٢) ديوان أبي المحاسن الكربلائي / ١٦٩.

(٣) ديوان الشيخ يعقوب الحاج جعفر ( ١٢٧٠ - ١٣٢٩ ه ) / ١٤٠ و ١٤٦.


الكربلائي المتوفّى سنة ١٣٤٨ ه وفيها تفاصيل هذا الحادث.

تجمهر وطني في كربلاء

في سنة ١٣٣٠ ه - ١٩١٢ م انتشر خبر إعلان حرب الجبل الأسود للدولة العلية ، تجمهر سكّان كربلاء في سلخ شوال في صحن الحسين (عليه‌السلام ) , واشترك معهم جمّ غفير من مسلّحي النواحي المجاورة ، وأظهروا تحمّساً عظيماً في هذا الخصوص(١) .

حدّثني شاهد عيان فقال: وعند ذلك ارتقى المنصّة الشاعر الكربلائي الحاج عبد المهدي آل حافظ وألقى خطبة بليغة باللغة العربيّة والكردية ، وحثّ الجماهير على الجهاد ضدّ الصربيين ؛ احتجاجاً لهجومهم على مفارز العثمانيين.

وجاء المجاهدون الأكراد من حاشية الشيخ محمود كاكا أحمد مع ٢٠٠ فارساً ودخلوا صحن الحسين (عليه‌السلام ) متظاهرين معلنين التذمّر من حكومة الصرب.

حادثة نصف شعبان

عندما ضعفت الحكومة العثمانيّة في أواخر أيامها حتّى اُطلق عليها اسم ( الرجل المريض ) , وصارت تتبع سياية التتريك لسائر القوميات التي تحكمها ، فأبى العرب أن يخضعوا لها , وزاد على هذا السبب سبب آخر هو دخول هذه الدولة المنهارة الحرب بجانب ألمانيا ضدّ الحلفاء عام ١٩١٤ م ؛ ممّا أجبرها على إعلان النفير العام وتجنيد كافة الشباب في الجيش استعداداً لخوض الحرب ، ولكنّ أبناء كربلاء أخذوا يفرّون من الجيش ويختفون في البساتين عن أعين (الجمدرمة).

وتجمهر عدد غفير منهم وهاجموا ذات ليلة ( مخفر الحسينيّة ) ، وأطلقوا الرصاص على مَنْ كان فيه ، وقُتل المستحفظ ( وهو كاظمي الأصل )

____________________

(١) مجلة ( لغة العرب ) ج ٥ ذو القعدة وذو الحجة سنة ١٣٣٠ ه - تشرين الثاني من السنة الثانية , مجلد ٢.


وشُيّع جثمانه ، واستمر المهاجمون حتّى دخلوا البلدة ، واجتمعوا في دار السيد قاسم السيد أحمد الرشتي ، وأعلنت الحكومة العفو عن المشاغبين والفارّين من الجيش ، وكان العفو هذا ظاهرياً وتهدئة للحالة.

وحين أحس الأهلون بضعف الحكومة أخذوا يعقدون الاجتماعات ويأتمرون المؤتمرات وينوون بإعلان العصيان على الحكومة وطردها من البلد بمساعدة أهالي النجف ، وكان لهم ما أرادوا في ليلة النصف من شعبان سنة ١٣٣٣ ه ؛ حيث هاجمت جماهير غفيرة من الناس والعشائر والفارّين من الجيش دور الحكومة ، والمستشفى الحسيني ، وثكنة الجند ، وثكنة الخيالة الجندرمة ، وأحرقوا بلدية كربلاء ، وأخرجوا المسجونين.

وكان خداده السقاء - وهو شخص كردي - قد أطلق سراح المسجونين في محلّة العباسيّة ، وانتهت الحادثة بطرد الحكومة واستيلاء الثوّار على البلدة.

حادثة حمزة بك

وفي سنة ١٣٣٤ ه - ١٩١٥ م توسّط العلماء والأشراف بإرجاع الحكومة ، وكان الحاج عبد المهدي الحافظ وسيطاً بين الأهلين والحكومة , فعادت الحكومة وليس لها حول ولا قول ، أيّ إنّها مشلولة الساعد ، وعيّنت متصرّفاً اسمه (حمزة بك) - وهو كردي الأصل - فتقوّت الحكومة وجلبت جيشاً من بغداد بقيادة (دله علي).

وكان رئيس الخيّالة ( ثريا بك ) ، فاستعدت الحكومة للقتال مع الأهلين ، وانقسمت المدينة إلى قسمين ، وبعد جهد جهيد تمكّن العلماء والأشراف من إرجاع المياه إلى مجاريها الطبيعية وإعادة السكينة إلى البلدة ، فرجع الموظّفون العثمانيون لإدارة شؤون المدينة ، فأرسل إلى كربلاء متصرّفاً اسمه ( أسعد رؤوف ) وبقي هذا يدير شؤون البلد حتّى سقوط بغداد.

وكان من رؤساء هذه الحادثة الشيخ فخري كمونة المتوفّى سنة ١٣٥٧ ه ، وعبد الرحمن آل عواد ، وعبد الجليل آل عواد.


وقد عين الشيخ فخري كمونة قائمقاماً للبلد(١) من قبل الإنكليز ، وأخذ هذا يستبدّ بالاُمور ولا يبالي برؤساء البلد.

وفي هذه الفترة اُطلق سراح الشيخ عبد الكريم آل عواد من سجن بغداد ، فجمع رؤساء الأطراف وقام بتصفية الاُمور وسيطر على المدينة.

أمّا الشيخ فخري وأخوه الشيخ محمّد علي كمونة فقد أسرهما الإنكليز ونفتهما إلى الهند لأسباب , منها: تهريبهم الطعام لتموين الجيوش التركية التي كانت مخيّمة في عانة والرمادي ؛ حيث كان ذلك أمراً مخلاً بالإنكليز.

كما إنّ السلطة البريطانية قبضت على رجال آخرين كرشيد المسرهد من رؤساء المسعود ، وشعلان العيفان رئيس عشيرة القوام ، وإبراهيم أبو والده ونفتهم إلى الهند ، وحينذاك صفى الجو للإنكليز ؛ فاُرسل الميجر بولي إلى كربلاء كحاكم سياسي وشكل حكومة وإدارة(٢) .

ومن شهداء هذه الحادثة: عبود النصير ، وكريم مهدي آل غريب ، ومحمد علوان آل زنكي ، والحاج عبد آل زنكي، والسيد علي السيد محمود آل طعمة ، ومعتوك المنكوشي ، وخضير جواد يونس الطهمازي ، ومرهون الوزني ، ومحمد الظاهر الوزني ، والحاج كاظم الحميري ، وناجي أبو والده ، ودهش المحمد الحاج ياس ، وعاشور العبد المنكوشي ، وحميدان جلعوط ، وخداده الكردي ، ومكي علو ، وحسين عبد الله ، وإبراهيم بن علي العواد السعدي ، وحسن بن سعد الفرحان ، وعبود الحدار وغيرهم.

وحدّثني بشأن هذه الحادثة المرحوم السيد كاظم السيد مهدي النقيب ، فقال: « بعد نصف شعبان بتسعة أشهر تفاوض الوجوه والأشراف مع الأفرارية

____________________

(١) في التقسيمات الإدارية عينت ( الهنديّة ) مركز لواءٍ , ويحكمها القبطان هند الحاكم العسكري ، وأصبحت ( كربلاء ) قضاءً تابعاً إلى الهنديّة.

(٢) بخصوص تفصيل الاحتلال البريطاني ونزاع آل كمونة وآل عواد راجع الفصل الأول من كتاب (كربلاء من التاريخ ) - للمرحوم السيد عبد الرزاق الوهاب آل طعمة / ٧ - ٢٢.


(اليرمازية) ، وفي مقدّمتهم السيد محمّد مهدي بحر العلوم ، والحاج عبد المهدى الحافظ ، والسيد عبد الوهاب آل طعمة، والسيد محسن النقيب ، والسيد حسين الددة ، وأخذوا يمنعونهم من دخول المدينة ، ويؤكدون بقاءهم في الخارج.

وكان الشيخان محمّد علي وفخري كمونة يحثّان الأفرارية على دخول البلد كيما يوفّقا بين مطاليب الحكومة والأفرارية لعدم حدوث الاصطدام حتّى أسفرت النتيجة عن تأزّم الأحوال ؛ فجاء الشيخ فخري حتّى وصل ساحة المخيّم وهو مثير الحركات ، وحدث اصطدام بين أهالي كربلاء وبين الحكومة فانحصر العسكر بالقلغ.

أمّا حادثة القلغ فهي التي وقعت في اليوم الثاني من حادثة حمزة بك ، وترتبط بها ارتباطاً وثيقاً ؛ فقد أراد أهالي كربلاء احتلال القلغ الواقع في ساحة المخيّم ، مجاوراً لدار السيد علي الواعظ , فرموا أنفسهم في داخله.

وكان الجندرمة يضربون من داخل القلغ ، وتكاثر الأهالي ولم يبالوا بالضحايا ؛ فاصطادوهم وأسروهم واخذوا بنادق الجندرمة ، وبقي قسم من الجندرمة في ساحة البلدية ( الميدان ) , وكانوا متحصّنين يضربون الفارّين ومنهم آل زنكي.

وعندما بقي قسم من العسكر الذي احتل محلّة العباسيّة أوعز الشيخ فخري كمونة لأهالي كربلاء فطيّروا العلوة ، وفتحوا سدّة عبد الواحد التي كانت تحافظ مدينة كربلاء من خطر المياه الآتية من سدّة الهنديّة ، وفتحوا جميع الفروع المتشعّبة في نهر الحسينيّة ( الهنيدية ) المجاور لمحلّة العباسيّة الشرقيّة والغربيّة , وفتحوا الماء فغرقت العباسيّة بكاملها حتّى وصل إلى دار الحاج عبد الصرّاف وساحة البلوش ودار البلدية في الميدان.

وكانت سفينة حمولتها ٢٠ طغاراً تحمل من شارع أبي الفهد مارّة بدور السيد محمّد البزاز والسيد محمود الوهاب وتغادر كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى البصرة ».

ومجمل القول: إنّ هذه الحادثة لا تقلّ فضاعة من الحوادث السابقة لو لم يستول الماء على الأماكن التي تحصّن فيها الجنود فاضطروا للخروج منها.

حادثة خان الحماد

حدثت في ٢١ ذي الحجة سنة ١٣٣٤ ه بين أهالي كربلاء وبين الحواتم ، وهم


فخذ من قبيلة ( بني حسن ) ، فتطاحى الحواتم مع أهالي كربلاء الذين كانوا عائدين من زيارة النجف , واشتدت الفتنة فيما بينهم لأسباب عشائرية ، واستعد الحواتم بتجهيز ما يزيد عن أربعمئة خيّال مدججين بالعتاد لأخذ الثأر ، وكان الكربلائيون في غفلة ؛ ففُتحت النار عليهم من قبل المحاربين , فتشابك الجمعان وحمي وطيس المعركة حتّى فرّ الكربلائيون مدحورين من قبل المحاربين.

وكان عبد الجليل آل عواد ( خارج خان الحمّاد ) مع جماعة , فاستعد للدفاع , فقاوم الحركة واستطاع أن يخمدها بمعية رؤساء كربلاء ، وقد نجم في هذه الحادثة عن مقتل نايف البرغش رئيس عشيرة السلالمة.

الثورة العراقيّة

كانت الحركة التحرّرية الاستقلالية التي طالبت بحقّ الحرية والجهاد سنة ١٣٣٨ ه الموافق سنة ١٩٢٠ م ضدّ الاحتلال البريطاني صفحة ناصعة من صفحات العراق ، وبطولة نادرة أرخصت فيها الدماء الزكية ، فقدّم العراقيون اُنموذجاً من تفادي النفوس من أجلّ تحرير البلاد من ربقة الاستعمار البريطاني ، وتأسيس الكيان العراقي والمساهمة في بناء المدنية والحضارة والإنسانيّة.

وكان أوّل ما اندلع لسان الثورة من مدينة كربلاء التاريخيّة الخالدة ؛ فقد اتخذت معقلاً للثوار ومربضاً للوطنيين الأحرار، وقبلة لزعماء العراق ، ومطمحاً لأنظار المحاربين الثائرين على الظلم والاستبداد.

وقد برهن العراقيون عامّة والفراتيون خاصّة أنّهم جنود في ساحة القتال ، ولن يصبروا على ضيم ، فشهروا أسلحتهم ذائدين عن كرامتهم وحرياتهم المغتصبة.

وعندما شعر العراقيون بنوايا الاستعمار البريطاني الخبيثة ، وما عمدوا فيه من التنكيل والإرهاب تداولت الشخصيات الوطنية فيما بينها على أنّهم قد استبدلوا الاستعمار العثماني بالاستعمار البريطاني ، وأنّ جهود الملك حسين بن علي في الثورة العربيّة قد ذهبت أدراج الرياح ، وأحسّ زعماء القبائل الفراتية ما أحاق بهم ، وما


لاقاه الناس في بعض المدن الفراتية من قسوة الحكّام السياسيين الإنكليز ، وعدم استجابة مطاليب العراقيين ؛ فاتّجه الكربلائيون خاصّة الذين تحلّوا بالرأي الحصيف والفكر المنور إلى التفكير في القضية الوطنية ، والعمل على تقوية هذه الروح في كربلاء ، واشتاقت نفوسهم حينما عزم المرحوم آية الله الشيخ محمّد تقي الحائري الشيرازي على التوجّه إلى كربلاء لاتخاذها معقلاً للثورة ، فقصد كربلاء في يوم ١٨ صفر سنة ١٣٣٦ ه , فكان استقبالاً حافلاً لم تشهده كربلاء من قبل(١) .

وأخذت الاجتماعات تتوالى في أرجاء المدينة ، ومنها الاجتماع الذي عقده الميجر (تيلر) في سراي الحكومة ، دعا فيه رهطاً من التجّار والوجوه وأهل الرأي ، وأعرب فيه عن رغبة الحكومة البريطانية في إيفاء عهودها التي قطتعها للعرب عامّة والعراقيين خاصّة ، وطرح الأسئلة الثلاثة ( موضوعة البحث ) طالباً إبداء الرأي حولها.

فنهض السيد عبد الوهاب آل طعمة وقال: إنّ هذه الجمعية لا تمثّل مدينة كربلاء تمثيلاً صحيحاً ، وإنّ هنالك طبقات مختلفة يجب أن تُستشار في هذا الموضوع ، وإنّه لا بدّ من إمهال المجتمعين ثلاثة أيام على الأقل للبحث في هذا الأمر الخطير وموافاة الحكومة بما يستقر الرأي عليه.

واستحسن الميجر تيلي هذا الرأي ، فأجّل الاجتماع إلى المدّة التي طلبها السيد المحترم ، وهي ثلاثة أيام ، وشعر الوطنيون بروح خبيثة في البلاد ، وهي إشاعة عدم علم الميرزا محمّد تقي الشيرازي بحركات الوطنيين ، وأنّه لم يوافق على هذا الانتخاب.

فتقدّم الروحانيون بهذه الفتوى التي كانت الخطوة الأولى التي تقدّم بها المخلصون إلى ساحة الجهاد ، وهذا نصها: ( ما يقول شيخنا وملاذنا حضرة حجة الإسلام والمسلمين آية الله في العالمين الشيخ ميرزا محمّد تقي الحائري الشيرازي (متّع الله المسلمين بطول بقائه) ، في تكليفنا معاشر المسلمين بعد أن منحتنا الدولة المفخّمة البريطانية العظمى حقّ انتخاب

____________________

(١) كربلاء في التاريخ - عبد الرزاق الوهاب آل طعمة / ٢٤.


أمير لنا نستظل بظلّه ، ونعيش تحت رايته ولوائه ، فهل يجوز لنا انتخاب غير المسلم للإمارة والسلطنة علينا أم يجب علينا اختيار المسلم ؟ بيّنوا تؤجروا ). فكتب العلّامة الحائري في ذيل الاستفتاء هذا الجواب: ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب ويختار غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين.

محمد تقي الحائري الشيرازي

وقد اُرسلت نسخ عديدة من هذه الفتوى إلى عشائر الفرات الأوسط والأسفل والمدن العراقيّة , فردّ كيد الخائنين إلى نحورهم , كما أيّد علماء كربلاء الآخرون فتوى الحائري ؛ فاقتدوا به بالإفتاء بتحريم انتخاب غير المسلم لملوكية العراق ، كما صدرت بهذا الشأن مضابط الوطنيين(١) .

وابتدأت المظاهرات السلمية في ساحات كربلاء للمطالبة باستقلال بلادهم غبّ تحرير الكتابين اللذين أرسلهما الميرزا الحائري إلى الملك فيصل بن الحسين ، وكتاب الميرزا محمّد رضا نجل الميرزا الحائري إلى الملك علي بن الحسين ، وقد استمر الوطنيون على نشاطهم في الاجتماعات.

وبثّ الدعاية ونشر الآراء في المطالبة الصريحة السلمية فأزعج ذلك الحكومة المحتلّة ممّا خشيت سوء العاقبة ؛ الأمر الذي دعتهم إلى إبعاد كلّ من السيد محمّد علي الطباطبائي ، وعبد الكريم آل عواد رئيس عشيرة آل عواد ، وعمر الحاج علوان رئيس عشيرتي الوزون والسلالمة ، وطليفح الحسون رئيس عشيرة النصاروه ، ومحمد علي أبو الحبّ ، والسيد محمّد مهدي المولوي ، فاُرسلوا إلى الهند وذلك بتاريخ ٥ ذي القعدة سنة ١٣٣٧ ه المصادف ١ تموز سنة ١٩١٩ م ,

____________________

(١) كربلاء في التاريخ - الكراسة الثالثة / ٤٧ ، والحقائق الناصعة - للفريق مزهر الفرعون ١ / ٨٠ ، والثورة العراقيّة الكبرى - للسيد عبد الرزاق الحسني / ٣٠.


باستثناء السيد محمّد علي الطباطبائي الذي تمّ تسريحه واُرسل إلى سامراء لمدّة ستة أشهر ، وأخيراً اُطلق سراحهم ؛ حيث أصدر الحاكم العام السر ولسن أمره بإرجاعهم فوصلوا كربلاء يوم ٩ ربيع الأول سنة ١٣٣٨ ه.

واشتدّت الحركات والمظاهرات وأخذت تتوسّع شيئاً فشيئاً ، وعلى إثرها تمّ تأسيس جمعية سرّية باسم ( الجمعية الوطنية الإسلاميّة ) ، وقد تألّفت عقيب الهدنة في كربلاء.

ونتيجة لتلك النشاطات التي قام بها الوطنيون ألقت الحكومة القبض على كلّ من الشيخ محمّد رضا نجل الإمام الشيرازي ، والشيخ هادي كمونة ، ومحمد شاه الهندي ، وعبد الكريم آل عواد ، وعمر الحاج علوان ، وعثمان الحاج علوان ، وعبد المهدي القنبر ، وأحمد القنبر ، والسيد محمّد علي الطباطبائي ، والشيخ كاظم أبو ذان ، وإبراهيم أبو والده، والسيد أحمد البير ، ونفتهم إلى جزيرة ( هنجام ) في الخامس من شهر شوال سنة ١٣٣٨ ه ( ٢٢ جزيران سنة ١٩٢٠ م ).

وفي هذه الأثناء عدل الميجر بولي عن القبض على السيد هبة الدين الحسيني لثبوت إصابته بالرمد وعدم اشتراكه في المظاهرات ، كما عدل عن القبض على الميرزا أحمد الخراساني بتوصية من أحد العلماء(١) .

ولمـّا كانت حركات المتظاهرين لم تلقَ نجاحاً مطلوباً ممّا دعا إلى إعلان الثورة المسلّحة ، فاندلعت الشرارة الأولى لنار الثورة العراقيّة من كربلاء في يوم ٣٠ حزيران سنة ١٩٢٠ ، وذلك لسببين رئيسيين:

الأوّل : وجود آية الله الشيرازي قطب الوطنية الصادقة في كربلاء.

الثاني : زيارة النصف من شعبان ، حيث اجتماع القبائل العراقيّة في هذه الأرض المقدّسة.

فكانت النتيجة أن هبّ الثوّار بوجه الإنكليز ودام الصراع العنيف عدّة أشهر ممّا دعا الإنكليز إلى إيقاف هذه المظاهرات عند حدّها ، والاستجابة لمطاليب العراقيين التي تتضمّن السيادة والاستقلال.

ولا بدّ لنا من الإشارة إلى أنّ تلك المظاهرات كبّدت الوطنيين خسائر

____________________

(١) الثورة العراقيّة الكبرى - للسيد عبد الرزاق الحسني / ٩٦.


فادحة في الأرواح والمعدّات وخاصة في بغداد.

توضّح الخاتون المس بيل ذلك فتقول: إنّ الحكومة أرسلت سيارتين مسلّحتين لتفريق المتظاهرين ؛ فقُتل رجل أعمى، سقط أرضاً فدُهس(١) .

وحصلت في كربلاء مظاهرات شبيهة بالتي جرت في بغداد ، فخرجت مظاهرة سلمية صاخبة وعلى أثرها أفتى الإمام الشيخ الحائري بالجهاد ، وذلك بإصداره منشوراً دعا فيه إلى التظاهر ، وهذا نصّه: مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم في ضمن مطالباتهم رعاية السلم والأمن ، ويجوز لهم التوسّل بالقوّة الدفاعية إذا امتنع الإنكليز من قبول مطالبهم.

وعلى إثر ذلك تأسست في كربلاء عدّة مجالس لحفظ الأمن ، وجمع الواردات والإعانات للمعوزين من الثوار ، وعيّنوا أعضاءها والأعمال التي تزاولها ، وهي:

١ - المجلس العلمي , وأعضاؤه: السيد هبة الدين الحسيني ، والسيد أبو القاسم الكاشاني ، وميرزا أحمد الخراساني ، والسيد حسين القزويني ، وميرزا عبد الحسين الشيرازي , ومهمّة هذا المجلس بثّ الدعوة بين المواطنين في المدن والعشائر بلزوم الاشتراك في الثورة.

٢ - مجلس جمع الإعانات للمعوزين من الثوار , وأعضاؤه: السيد عيسى البزّاز ، والسيد محمّد رضا فتح الله آل طعمة ، والحاج حيدر القصّاب ، والحاج قندي ، والسيد أحمد زيني.

____________________

(١) علّق الاُستاذ عبد الله فياض في حاشية كتابه ( الثورة العراقيّة الكبرى ) / ٢٠٠ ما نصّه: « المعروف أنّ هذا الرجل كان أخرساً ، واسمه محمّد أو عبد الكريم بن رشيد ، هجم على سيارة الحكومة المصفّحة فدهسته ، وقد أكبر الناس تضحيته ، وخرجت جموع كثيرة لتشييع جنازته ».

والذي يؤاخذ على رأيه هذا أنّ الرجل الذي هجم على السيارة المصفّحة بفأسه هو رجل أخرس من أهالي كربلاء ، يمتهن النجارة ، واسمه الصحيح هو عبد علي ابن الحاج رحيم الكعبي ، وقد دهسته السيارة فمات شهيداً ، وشيّعته بغداد بمئة وخمسين ألف مشيّع كما نوّهت بذلك جريدة ( التايمس ) الإنكليزية الصادرة ببغداد في حينها.


٣ - المجلس الملّي , وأعضاؤه: السيد عبد الوهاب آل طعمة ، والسيد أحمد الوهاب ، والسيد محمّد حسن آل طعمة ، والسيد عبد الحسين الدده ، والسيد إبراهيم الشهرستاني ، والسيد محمّد علي آل ثابت ، والسيد حسن نصر الله، وعبد النبي آل عواد ، وهادي الحسون ، وعبد علي الحميري ، والحاج عبد أبو هر ، والحاج علوان جار الله ، وعلي المحمد المنكوشي ، وعزيز علوان زنكي ، والحاج محمّد الشهيب ، والحاج محمّد حسن أبو المحاسن.

ومهمّة هذا المجلس ترشيح الموظّفين ، وجباية الضرائب والرسوم وتوزيعها للصرف ، وتنظيم المستشفيات ، وتشكيل قوّة من الشرطة ، وحسم الدعاوي ، وتأمين الطرق القريبة من كربلاء ، والقيام بواجب الإدارة.

وبعد انسحاب الثوّار إلى أبي صخير اقترح العلّامة الشيخ حسين زين العابدين أن يذهب وفد يمثّل كربلاء مؤلّف من السيد أحمد الوهاب ، والسيد عبد الوهاب آل طعمة ، والسيد محمّد حسن آل طعمة ، والسيد إبراهيم الشهرستاني ، وعبد المحسن السعود ، والشيخ بحر آل شبيب رئيس اليسار ، والشيخ محمّد حسن أبو المحاسن ، والشيخ محمّد الشهيب وغيرهم.

وعند إخماد الثورة ألقت الحكومة القبض على كلّ من السيد عبد الوهاب آل طعمة ، والسيد علي هبة الدين الحسيني، والسيد حسين القزويني ، والسيد محمّد السيد أحمد الكشميري ، وعبد الرحمن آل عواد ، وعبد الجليل آل عواد، والسيد حسين الددة ، وطليفح الحسون ، والشيخ محمّد حسن أبو المحاسن ، والشيخ يحيى علي ، وسفّرتهم إلى الهنديّة ، وذلك في ليلة الثالث عشر من صفر سنة ١٣٣٩ ه الموافق ٢٣ تشرين الأول سنة ١٩٢٠ م ، وسجنوا هناك حتّى يوم ١١ كانون الأول سنة ١٩٢٠ م الموافق ١ ربيع الثاني سنة ١٣٣٩ ه , حيث حوكموا في المحكمة العسكرية الإنكليزية.

واُطلق سراح كلّ من الحاج محمّد حسن أبو المحاسن ، والشيخ يحيى علي ، وحُكم الباقون بأحكام مختلفة لكنّها لم تبلّغ إليهم ، ومكثوا في سجن الحلّة حتّى ٨ أشهر تمّ بعده صدور قرار العفو العام في ٢٠ مايس سنة ١٩٢١ م واُطلق سراحهم.

أمّا الذين فرّوا من السلطة في أواخر أيام سنة ١٩٢١ م هم السيد نور الياسري الذي فرّ إلى الحجاز ، وعمران الحاج سعدون فقد فرّ إلى حدود العراق ، وأرجعه سلمان


زجري بشرط أن يتوسّطه لدى الحكومة وسلّم نفسه وسُجن مع رفاقه في الحلّة ، وكذلك السيد محمّد الكشميري الذي فرّ إلى خارج كربلاء ، وعندما علم أنّ السلطة قبضت على عائلته وزجتهم في السجن سلّم نفسه إلى الحكومة في ٢٤ صفر سنة ١٣٣٩ ه. أمّا عبد الجليل آل عواد فقد فرّ إلى (أبو صخير) وسلّم نفسه إلى السلطة بعد مضي عشرة أيام ، وقد أمرت السلطة بتهديم دور هؤلاء الفارّين(١) .

وهكذا شملت الثورة جميع منطقة الفرات الأوسط ، وامتدت جنوباًَ حتّى الناصرية وشمالاً حتّى المحمودية ، واشتملت على أهم المدن الفراتية ، وبعد ذلك قامت حكومات مؤقّتة في المدن المحتلة عنوة ، وأخلاها الإنكليز اضطراراً , ولم يكن بوسع حكومة الاحتلال إلّا أن تعترف بالأمر الواقع , وفي هذه الأثناء انتقل الإمام الشيخ محمّد تقي الحائري الشيرازي إلى الرفيق الأعلى في ٣ ذي الحجة لسنة ١٣٣٨ ه ( ١٣ آب سنة ١٩٢٠ م ).

واستمرت الثورة والثوّار على احتلال مدن الفرات الأوسط ، كما استولى الثوار على لواء ديالى وأسّسوا حكومات محلّية ، وسرعان ما سرت الثورة إلى اللواءين كركوك وأربيل سريان النار في الهشيم حتّى شملت جميع أنحاء العراق من أقصاه إلى أقصاه ، وراح زعماء الفرات والعشائر تقاوم الإنكليز بكلّ صلابة وجرأة حتّى تمّ تشكيل الدولة العراقيّة , وعيّن الفيصل بن الحسين ملكاً على العراق.

وأرى من المناسب أن أستشهد في هذا المقام باُرجوزة العلّامة السيد محمّد علي هبة الدين الحسيني التي نظمها في سجن الحلّة ، وفيها أسماء المسجونين أبطال الثورة العراقيّة ، وهي:

هاكَ أسامي نخبةَ الآفاقِ

مَنْ حوكموا في نهضةِ العراقِ

سبعٌ وعشرون شيوخ رؤسا

وستة من نسلِ أصحابِ الكسا

____________________

(١) مذكرات السيد إبراهيم شمس الدين القزويني.


هم هبة الدين لأهل الدينِ

وحبرنا الحسين من قزوينِ

والسيد الوهّاب مظهر الإبا

والهادي للحقّ الزوين نسبا

والمرشد الحسين من نسل الدده

خاتمهم محمّد ذو المحمده

أحصى الشيوخ كمنازل القمرْ

هذا الدليميُّ وذاك المفتخرْ

أشخير من آل أبو سلطان

ثمّ الفتى أمين أبو نعمان

ثلاثة اسمهم سلمان

والمحسنان والفتى دوهان

عمران ذاك الصارم المصقول

علوان فيهم سيفنا المسلول

والبرّ نجم كالسماوي العابد

ولا فتى حرّ كعبد الواحد

عليٌّ المزعل للأعادي

كخادم الغازي كذا عبادي

خضيرٌ العاصي عن التسليم

والشهم مَنْ كان كإبراهيم

طليفح الحرّ كذا فرحان

متعب أعدانا هو الرحمن

عبد الجليل صنوه العوّادِ

والتاج عبد الرسول الهادي

وابـن عنين اسمه عبّود

وابـن الصليلي الفتى حمّود

واستطاعت كربلاء القيام بنصيبها الأوفر في اضطهاد المستعمرين ومقاومة الإنكليز ، وقدّمت التضحيات الجسام بكلّ غال ونفيس في سبيل الحصول على الاستقلال ، وكانت الشروط التي أمّلتها حكومة الاحتلال على كربلاء دون سواها من المدن العراقيّة لها أثرها الفعّال.

ولا يخفى على القارئ اللبيب ما لكربلاء من مكانة وبطولة في ميادين الجهاد ، وآخر هذا العهد من الطموح هو ( مؤتمر كربلاء ) الشهير ؛ فكربلاء قلب العراق النابض ، ومطمح أنظار العراقيين الذين أخذوا عنها دروساً في الجهاد والتضحية والنبل والكرامة.

وممّا يجدر ذكره أنّ المرحوم تحسين العسكري مؤلّف كتاب ( الثورة العربيّة الكبرى ) يتّخذ من وطنية كربلاء رمزاً سامياً فيما يتعلّق برفع العلم العراقي ؛ فإنّ أوّل رياح لاعبت العلم العراقي هي رياح كربلاء لا غير ، وكانت أوّل يد كريمة رفعته عالياً هي يد السيد محمّد حسن آل طعمة


على سطح بلدية كربلاء القديمة.

وإنّ أوّل قلب اُذيب نظماً في وصف العلم العراقي ومدحه هو قلب ابن كربلاء البار الاُستاذ خليل عزمي من قصيدة له يستهلّها بقوله:

بشراكِ يا كربلا قومي انظري العلما

على ربـوعكِ خفّاقاً ومبتسما

وهذه الثورة وإن لم يجنِ منها الشعب العراقي الثمرات المرجوّة إلّا أنّها كانت الشرارة الأوّلى التي ألهبت في نفوس العراقيين الوعي الوطني ، فكانت مقدّمة لعدّة انتفاضات وثورات قام بها الشعب العربي في العراق ضدّ الإنكليز المستعمرين حتّى استطاع أن يحطّم أغلال العبودية ، وينال استقلاله الناجز التامّ ، ويصبح ما عليه الآن من عزّة وسؤدد ومنعة.

كربلاء في الثلاثينات

نشرت جريدة ( الأحرار ) البغدادية في العدد ١٦ الصادر في اليوم الخامس من تموز سنة ١٩٣٣ م مقالاً عنوانه ( الشباب المعذّب في كربلاء ) جاء فيه: كانت دعوة ذكرى شهداء الثورة من لجنة تنظيمها وكان لها دوي في كربلاء تردده أرجاؤها ، فتطوّع فريق للذهاب إلى الرميثة ، وسافروا إليها في يومي ٢٨ و ٢٩ حزيران ، ومَنْ لم يذهب انتظر رجوعهم ليحييهم.

وفي غرّة تموز حوالي الساعة الرابعة عربيّة جاءت برقية من النجف تُنبئ برجوع قسم من الوفد إلى كربلاء , فارتأى البعض أن يقوموا لهم بواجب الاحتفاء ؛ فهرع الناس لاستقبال الوفد ، وعند وصوله توجّه (بين الهتاف والنشيد والتصفيق ) إلى المرقدين الشريفين يتقدّمهم رسم شيخ شهداء الثورة ، وفقيد الدين والوطن حجة الإسلام الشيخ محمّد تقي الشيرازي ، فتمّ الاحتفال بقراءة الفاتحة لأرواح شهداء الثورة والمرحوم آية الله الشيرازي , ولم يحدث ما يخل بالأمن.

وعند العصر أخذ الناس يستقبلون بقيّة الوفد المتأخّر ، ولمـّا نزلوا من القطار القادم من الحلّة أخذ بين ضجيج الأصوات من الهتاف والأناشيد يتقدّمهم رسم شيخ شهداء الثورة أيضاً , فساروا بهم نحو المرقدين


الشريفين بوجوه ضاحكة مستبشرة , وثغور باسمة تجلل تلك التضحيات الخالدة ، وعند وصول الجمع مقبرة الشيخ المرحوم الشيرازي انفضّ عقد المجتمعين بقراءة الفاتحة بكلّ طمأنينة.

ولم يكد الظلام ينشر أجنحته السوداء إلّا وكلكل بالهموم على تلك النفوس التي كانت ضاحكة فرحة , فانقلب ذلك السرور كدراً ، وتلك الأماني أشواكاً تسمل العيون ؛ إذ اُذيع في البلد أنّ مدير الشرطة ألقى القبض على اثنين من الشباب ؛ حقّر أحدهما وأهانه ، وأشبع الآخر منهما ضرباً وإهانة وسبّاً بما يستهجن ويستقبح ، ولم يكتفِ بذلك فأوعز إلى ملتزم العباسيّة أن يعدّ مَنْ يضربه.

وعند خروج الشباب من الشرطة هجم عليه أربعة أشخاص وانهالوا عليه بـ ( مكاويرهم ) , حتّى إذا ما انحلوه تركوه يتلوّى بين الأنات والشكوى , وفي صباح اليوم الثاني أخذ مدير الشرطة يلقي القبض على الباقين ؛ يهين ويضرب كلّ أحد منهما ، وكان معظم مَنْ أوقفهم هم طلاب المدارس ؛ وذلك لقراءتهم الأناشيد أو هتافهم بحياة الشعب.

ونشرت الصحيفة نفسها في عددها (١٨) الصادر في اليوم السابع من تموز سنة ١٩٣٣ م مقالاً آخر بعنوان ( من حوادث كربلاء - أعمال مدير الشرطة ) جاء فيه: والذين ألقوا عليهم القبض وعاملوهم تلك المعاملة الشائنة في ذلك اليوم هم: محمّد كاظم سعيد آقا ، ذياب البارودي ، محمّد يوسف الطالب في المتوسطة ، محمّد حسن السيد مصطفى ، عبد المطلب محمّد علي ، محمّد حسين ساعاتي ، ولم يطلق صالح حمام سراح هؤلاء إلّا بعد أن أشبعهم ضرباً وإهانة.

وفي اليوم الثاني من وقوع هذه التصرّفات الشائنة المخلّة باحترام القوانين واحترام النفوس حدث حادث آخر لا يقلّ أهمية عمّا سبقه ، بينما كان السيد حسن السيد موسى شنو , العضو في جمعية مكافحة الاُمّية , بيده إعلانات المكافحة ويلصقها على الجدران في البلدة ، وذلك في ظهر يوم الإثنين الموافق ٣ تموز الجاري , إذ فاجأه أحد الأشرار بآلة انتقام مدير الشرطة ، وانهال على الشاب المسكين المذكور بـ ( مقوار ) كان يحمله , وأشبعه ضرباً بتلك الآلة الجهنمية ، ولولا تدخّل الناس


لتخليص المذكور من يد ذلك الوحش الضار الذي كان يحمل معه مسدساً أيضاً لكان قضي على حياته خدمة لأولي الأمر ، وعند ذلك وصل شرطي وساق كلاهما إلى دائرة الشرطة ، ولكنّ الشرطة أطلقت سراح المعتدي بدون كفالة ودون تحقيق عن الواقعة.

وفي الذكرى الخامسة عشرة لثورة العشرين ، أي في سنة ١٩٣٥ م ، اُقيم حفل كبير في مدينة الرميثة على إثر منع ياسين الهاشمي المواكب الحسينيّة ، فاحتجّ أبناء الشعب على حرمانهم من ممارسة الطقوس الدينيّة ؛ فنظّمت وفود لإحياء ذكرى ثورة العشرين , فشدّ الرحال إلى الرميثة رهط من الوطنيين الأحرار ، وفي مقدّمتهم عبد القادر إسماعيل ، والدكتور عبد الجواد الكليدار صاحب جريدة ( الأحرار ) ، وعزّ الدين إسماعيل ، والشاعر محمود الحبوبي ، وتقي المصعبي ، والسيد مصطفى الكليدار ، والشيخ عبد الحسين الشيرازي ، والمحامي عبد الأمير الحلّي ، وروؤف الجبوري ، والشاعر محمّد صالح بحر العلوم ، ومحمد حسن مصطفى الكليدار ، وضياء الدين أبو الحبّ وآخرون غيرهم.

وهناك ضايقتهم الشرطة وحاولت عرقلة الاحتفال ، وأخذت تعقّب القائمين به ممّا اضطرت الوفود القادمة الرحيل عن الرميثة ، فعاد قسم منهم إلى بغداد والآخر إلى الحلّة والقسم الأكبر رجع إلى كربلاء ، فأقام لهم الدكتور عبد الجواد الكليدار مأدبة غذاء فخمة في داره.

وكان قد استقبلهم الشباب الكربلائي بمظاهرات صاخبة اعتزازاً بهم ، وتخليداً لذكرى ثورة العشرين المجيدة وقائدها الشيخ محمّد تقي الحائري الشيرازي ، فطافوا بالصحنين المقدّسين هاتفين بالخلود لشهدائها ؛ ممّا اضطر الشرطة إلى تفريقهم واعتقال قسم آخر منهم.

وفي سنة ١٩٣٦ م في عهد وزارة ياسين الهاشمي ، عندما قامت عشائر الفرات الأوسط في حركاتها ضدّ الوزارة كان لكربلاء دور مهمّ في اجتماعات قادة الحركة ورؤساء العشائر وساداتها , وغذّاها محامون من بغداد ؛ ونتيجة لتلك الاجتماعات خرج ميثاق أسموه ( ميثاق الشعب ) يدعو إلى المطالبة بحقوقهم


المغتصبة ، وقد بارك هذا الميثاق الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء ، ووقّع عليه عدد كبير من رؤساء قبائل الفرات في الحلّة والديوانية , وكربلاء والناصرية(١) .

وعلى إثر هذه الحركات قام انقلاب سنة ١٩٣٦ م بقيادة الفريق بكر صدقي للإطاحة بحكومة ياسين الهاشمي ، فاستقبل الانقلاب من قبل جماهير الشعب بالهتاف بحياة الجيش ، ووزارة حكمت سليمان التي جاءت على إثر الانقلاب ، والتي ساهم فيها الزعيم الوطني المرحوم جعفر أبو التمن وكامل الجادرجي.

كربلاء في الأربعينيات

ثار الشعب العراقي بقيادة جيشه المظفّر على المستعمرين الإنكليز وذلك في مايس سنة ١٩٤١ م ، فهبّت جماهير الشعب بكلّ طوائفه تحارب المستعمرين ، فخرجت المظاهرات التي ساهم فيها الطلاب والفلاحون والكسبة. وفي كربلاء كان لفتاوى رجال الدين أثرها الفعّال في تحفيز الشعب العراقي للدفاع عن قدسية البلاد(٢) .

وخرجت جماهير المدينة يتقدّمها رجال الدين والطلاب والكسبة تدافع عن شرف الأمّة وكرامتها ، فنظّمت المظاهرات الصاخبة ، وسار الشعب وطلبة المدارس إلى سراي الحكومة ، وطافوا شوارع المدينة وأسواقها حاملين الراية العراقيّة ، مرتّلين الأناشيد الوطنية والأهازيج الشعبية.

وأبرقت البرقيات المؤيّدة للحركة وقادتها ، وعلى رأسها الزعيم رشيد عالي الكيلاني من قبل رجال الدين والأشراف ورؤساء العشائر العربيّة الذين اشتركوا فعلاً بالحركة ومساندتهم للحكومة الجديدة ، والتنديد بعبد الإله وعمالته.

وبعد فشل

____________________

(١) الحرب العراقيّة البريطانية ١٩٤١ - محمود الددة / ٦٠ ( دار الطليعة بيروت - مارس ١٩٦١ ).

(٢) نشرت جريدة ( الندوة ) الكربلائيّة بعض فتاوى العلماء بأعدادها ١ ، ٢ ، ٣ الصادرة في ٣ أيار و ٧ أيار و ١٠ أيار سنة ١٩٤١.


الثورة وعودة عبد الإله على رأس الجيش البريطاني إلى العراق ، تمّ إلقاء القبض على عدد كبير من المواطنين ؛ منهم عبد المهدي القنبر ، والسيد إبراهيم شمس الدين القزويني.

وفي وثبة كانون سنة ١٩٤٨ م كان لكربلاء دور بارز في هذه الوثبة حيث قامت المظاهرات الطلاّبية مخترقة شوارع المدينة هاتفة بسقوط وزارة صالح جبر ومعاهدة بورت سموث ، وإرسال برقيات الاحتجاج من قبل الأهالي إلى الصحف والأحزاب الوطنية في بغداد منددة بجرائم شرطة الحكومة التي أطلقت الرصاص على المواطنين وقتلت الأبرياء.

وكان لجماهير المدينة الدور الفعّال في استقبال جثث الشهداء وتشييعها بمواكب فخمة تعبّر عن استنكارها وسخطها على الوضع المزري ، وكان لتشييع جثمان الشهيد جعفر الجواهري وقع كبير في المدينة ، قامت الشرطة على إثره باعتقال عدد كبير من المواطنين وزجّتهم في غياهب السجون.

دور كربلاء في الخمسينات

انتفاضة تشرين ١٩٥٢

بعد انتفاضة الشعب العراقي في تشرين سنة ١٩٥٢ م ضدّ حكومة نور الدين محمود العسكرية التي أعلنت الأحكام العرفية فور تسلّمها الحكم ، كان لكربلاء دور بارز في هذه الانتفاضة ؛ حيث انطلقت بواكيرها من ثانوية كربلاء للبنين، فاعترضها حرس دار المتصرّف ، وبعد مفاوضات من قبل ممثّلي المظاهرة ، تمّ اختراق الشارع المذكور ومن ثمّ شارع العباس.

وكان الجيش يتّخذ له مواقع في الشوارع الرئيسة وفي مداخلها , إلّا أنّ المتظاهرين استطاعوا أن يكسبوا أفراد الجيش إلى جانبهم ممّا جعلوا الدبابات والمصفّحات العسكرية منابر لخطبهم وقصائدهم الحماسية , وعندما علمت السلطة بسقوط الأمر في يدها حاولت أن تزجّ بقوات


من الشرطة لضرب المتظاهرين , إلّا أنّ المتظاهرين عند وصولهم إلى ساحة علي الأكبر اخترقوا سياج الشرطة المضروب حولهم ، وأحرقوا في وسط الساحة سيارة ( جيب ) محملة بالأعتدة والذخيرة والتجهيزات الخاصة بالشرطة.

وهنا أخذت الشرطة تضرب المتظاهرين بعنف ؛ ممّا اُصيب بعضهم بطلقات نارية ، ومع ذلك فإنّ المتظاهرين أبدوا بسالة متناهية ، وعندها عزّزت القوّات المسلّحة المتواجدة بالمدينة بقوات إضافية مكثفة جيء بها من بغداد ، واستطاعوا بشكل أو بآخر السيطرة على المدينة ، وقد أمرت السلطة أن تتّخذ شرطتها أماكن لها في مداخل الصحنين الشريفين وفي سورهما , إلّا أنّ سادن الروضة العباسيّة رفض أن تكون الروضة المقدّسة مقرّاً لهم في تقتيل أبناء الشعب.

وفي المساء استطاعت قوى الأمن من اعتقال عدد كبير من الشبّان وقادة المظاهرة ، وبفعل الضغط الجاهيري قدّمت حكومة نور الدين محمود استقالتها ، واُلغيت الأحكام العرفية ، وعادت الأوضاع الطبيعية إلى مجراها.

أحداث سنة ١٩٥٦

على إثر الاعتداء الثلاثي على مصر هبّت جماهير الشعب العراقي لنجدة شقيقته الكبرى مصر العروبة ، وكانت كربلاء إحدى المدن التي قاومت السلطة الحاكمة آنذاك بمظاهرات صاخبة ساهم فيها الطلاّب والعمّال , والفلاحون والكسبة.

فكانت الجموع تحتشد في شوارع المدينة هاتفة بسقوط السلطة الحاكمة , مساندة الشعب المصري في نضاله ضدّ المستعمرين الغزاة ؛ ممّا دعا إلى اعتقال عدد كبير من المتظاهرين وفي مقدّمتهم الطلاّب ؛ حيث فُصل عدد كبير منهم ، واُحيلوا إلى المجالس العرفية ، ومن ثمّ سيقوا مجنّدين إلى منطقة السعدية.


أحداث سنة ١٩٥٨ - ثورة ١٤ تموز

استمرت الحركة الوطنية متأججة في جميع أنحاء القطر خاصة في مدينة كربلاء الثائرة ؛ حيث كان الوطنيون على مختلف اتجاهاتهم وميولهم يبثّون الوعي الوطني بين الناس , منددين بأعمال السلطة الحاكمة وعمالتها المستعمرين والضالعين في ركابهم , حتّى كانت ثورة الرابع عشر من تموز سنة ١٩٥٨ م حيث قامت المظاهرات المؤيدة للثورة الظافرة منذ انبثاقها مخترقة شوارع المدينة ، مؤيدة ومباركة لقادتها الذين دكّوا صروح الاستعمار وأسقطوا حلف بغداد المشؤوم.


الفصل العاشر

الجمعيات والأحزاب السياسيّة

تألّفت في كربلاء قبل الحرب العلميّة الأولى وبعدها عدّة مقرّات للأحزاب السياسيّة وجمعيات صحية وأدبيّة ودينية ، قامت بنشاطات واسعة في مختلف الميادين ، وساهمت بقسط وافر في الحركة الفكرية ، وأهمها هي:

١ - فرع جمعية الاتحاد والترقي

تأسس في كربلاء سنة ١٩٠٨ م , وهو فرع لجمعية سياسية هدفها الرئيس مكافحة الاستبداد التركي والعصيان ضدّ الاستعباد ، في الوقت الذي أراد السلطان عبد الحميد الثاني التغلّب على الأحرار وخنق الحريات ، فكان تأسيس هذه الجمعية السرّية مناصرة للأحرار ومناهضة لتوحيد الصفوف ، وكان الاسم الحقيقي لها ( قلوب ).

وقد انتسب إليها كثير من الشباب المثقف ؛ كالشيخ حسن السنلي ، والحاج عبد المهدي الحافظ ، والشيخ كاظم أبو ذان. ونجحت الجمعية في مسعاها وتمّ لها ما أرادت ؛ إذ كان الانقلاب في ٣١ مارس ١٩٠٩ م.


٢ - فرع جمعية مكافحة الاستبداد

تأسس في نفس السنة التي تأسست فيها الجمعية الآنفة الذكر ، وكان هدفها مكافحة الاستبداد الإيراني ، وإعلان الدستور الذي وعد به السلطان مظفّر الدين القاجاري ، وكان الاسم الحقيقي له (أنجمن أحرار) , ومركزه في محلّة العباسيّة الغربيّة.

وقد انتسب إليها كلّ من محمّد علي غفوري ، والشيخ جواد البهبهاني وغيرهما ، فكانت النتيجة أن أسفرت جهودهم بالفوز ؛ حيث اُعلن الدستور الإيراني سنة ١٣٢٧ ه - ١٩١٠ م , وتسنّم العرش السلطان أحمد شاه القاجاري.

٣ - الجمعية الوطنية الإسلاميّة

وقد تألّفت عقيب الهدنة جمعية سرّية(١) في محلّة باب النجف ، غايتها العمل ضدّ بريطانيا ، وكانت تحت إشراف آية الله الشيخ محمّد تقي الشيرازي ، وبراية نجله الشيخ محمّد رضا ، وعضوية السيد محمّد علي هبة الدين الحسيني ، والسيد عبد الوهاب آل طعمة ، وعبد الكريم آل عواد ، والسيد حسين القزويني ، وعمر الحاج علوان ، وعثمان الحاج علوان ، وطليفح الحسون ، وعبد المهدي القنبر ، ومحمد علي أبو الحبّ ، والشيخ محمّد حسن أبو المحاسن.

كما إنّ أكثر وجوه البلد ورؤسائه اتفقوا مع هذه الجمعية بعد لأي , كما تقدّمت بذلك مضبطة انتخاب أحد أنجال الملك حسين عند الاستفتاء العام(٢) ، وأخذ أفراد هذه الجمعية يوالون الاجتماعات ويبثّون الدعاية الوطنية ، ويوفّقوا بين رؤساء العشائر وزعماء الفرات لإزالة ما أحدثته سياسة الاستعمار من ضغائن وأحقاد ، فتوسّع نطاق الحركة.

____________________

(١) تألّفت جمعية ثانية بنفس الاسم قوامها رجال الدين ، وكانت برئاسة آية الله الشيخ محمّد تقي الشيرازي ، وعضوية نجله الشيخ محمّد رضا الشيرازي ، وعبد الحسين المندلاوي ، والسيد حسين القزويني ، والسيد محمّد علي هبة الدين الحسيني ، والسيد محمّد علي الطباطبائي ، والسيد محمّد مهدي المولوي ، والشيخ يحيى الزرندي ، وكان مقرّهم في محلّة باب الطاق.

(٢) كربلاء في التاريخ - للسيد عبد الرزاق الوهاب آل طعمة ٣ / ٢٥.


٤ - فرع حزب النهضة

أسسه في كربلاء المرحوم الحاج أمين الجرجفجي , وذلك في سنة ١٣٤٣ ه المصادف ١٩٢٤ م ، وانضم إلى هذا الفرع بعض رجالات كربلاء وشخصياتها ، كما إنّ هناك فروعاً اُخرى سياسية لحزب الإخاء الوطني ، وحزب الاستقلال، وحزب الاُمّة ، وحزب الاتحاد الدستوري ، والحزب الوطني الديمقراطي.

٥ - فرع حزب الإخاء الوطني

تأسس سنة ١٩٣٠ م برئاسة عثمان الحاج علوان ، وعضوية السيد رضا السيد سعيد الشروفي ، والسيد كاظم السيد أحمد النقيب ، والشيخ حميد كمونة ، ومحمد حسن عبد الرضا أبو الحبّ ، وعباس علوان الصالح ، ومحمد كاظم سعيد آقا. وكان مقرّه في دار عمر العلوان بمحلّة باب السلالمة ، وكان هدفه تنوير الرأي العالم الكربلائي بالقضايا الوطنية ، والذبّ عن حياض الوطن من براثن الاستعمار(١) .

٦ - الجمعية الخيرية الشبيرية

تأسست في شهر محرّم سنة ١٣٥١ ه - ١٩٣٢ م ، كان موقعها قرب حمام الكبيس في محلّة باب الطاق ، ثمّ انتقلت إلى مقبرة السيد علي القطب في صحن العباس.

كان رئيسها المرحوم السيد حسن السيد محمّد حكيم صاحب ، وبعد وفاته ترأسها أخوه السيد ضامن ، وقد فتحت لها مستوصفاً لحماية الأطفال وزوّدته بمختلف الأدوية الصحية والغذاء ، وكانت توزّع الكساء على الأطفال الفقراء في المناسبات الدينيّة.

وقد فُتح هذا المستوصف سنة ١٩٤٩ م بحفلة رائعة ، كان من خطبائها الحقوقي اللامع حمزة بحر ، والاُستاذ حسن عبد الأمير وغيرهما ، وقد اُغلق هذا المستوصف بعد أن عجز عن سد ميزانيته.

____________________

(١) استقيت هذه المعلومات شفاهاً من المرحوم السيد كاظم السيد أحمد النقيب بتاريخ ٢٨ / ١/ ١٩٦٩.


٧ - فرع جمعية تشجيع المنتجات الوطنية

تأسس هذا الفرع في كربلاء سنة ١٩٣٤ م ومركزه في بغداد ، والغاية من تأسيسه السعي لتقليل الاحتياج للمصنوعات الأجنبية ، والسعي لتصدير ما تنتجه البلاد إلى الخارج.

وقد انتُخب الحاج عبد الرزاق النصراوي رئيساً للفرع ، والحاج رشيد عبد الله نائباً للرئيس ، وعباس علوان الصالح سكرتيراً ، ومحمد عبد الحسين أميناً للصندوق ، ورحيم خضير الكيال عضواً , وغيرهم من الأعضاء.

وقد افتُتح الفرع في ٢٨ تشرين الثاني سنة ١٩٣٤ ، وألقى الاُستاذ رحيم الكيال عضو الفرع كلمة(١) حثّ فيها المواطنين على بذل الجهود في إيجاد النهضة الصناعية المحلّية ، وتحفيز الشباب العراقي على مؤازرة المشاريع الاقتصادية وتشجيع منتجاتها.

٨ - فرع جمعية حماية الأطفال

تمّ تأسيس هذا الفرع سنة ١٣٦٠ ه - ١٩٤١ م ، وقام بخدمات مهمّة من أجل رفع المستوى الصحي في المدينة. ومن بين هذه الخدمات التي أدّاها الفرع ختان مجموعة من الأطفال ، وتوزيع بدلات كشافية ، وبدلات متنوعة شتوية على الطلاّب والطالبات كما نوّهت بذلك الصحف المحلّية في حينها.

٩ - جمعية ندوة الشباب العربي

ليس هناك مَنْ ينكر الفوائد الجمّة التي تُجنى من هذا المنتدى الأدبي الشهير الذي تأسس في كربلاء عام ١٩٤١ م ، وكان أعضاؤه المؤسسون كلّ من السيد صدر الدين شرف الدين ، والحاج صالح الصافي ، والمحامي كامل عبد الوهاب الخطيب ، والسيد محمّد علي السعيد ، والسيد محمّد مهدي الوهاب آل طعمة.

وكانت غاية الجمعية نشر الثقافة العامّة ، ورفع المستوى الأدبي ، ومكافحة الاُمّية ؛ فقد سجّلت المؤسسة المزيد من المفاخر والمآثر ، فأوّل عمل بادرت إليه هو نشر صحيفة أدبيّة

____________________

(١) مجلة ( الاقتصاد ) البغدادية - العدد ٤٥ - ٦ كانون الأول سنة ١٩٣٤ م.


باسم ( الندوة ) ، وإقامة حفلات علمية وأدبيّة ، وإنشاء مكتبة عامّة ، وإحياء حفلات تمثيلية وغير ذلك.

وقد بذل أعضاؤه جهوداً مشكورة في سبيل الإصلاح الوطني والديني ، وعُقدت مؤتمرات وطنية في مناسبات مختلفة ، ووقفت في كافة الحركات الوطنية مواقف مشرّفة دلّت على إيمانها القويم ، وإخلاصها الصادق تجاه هذا الوطن ، ثمّ تولّى إدارتها أخيراً الخطيب الشاعر الشيخ محسن أبو الحبّ ، وتوقّف نشاطها بعد ذلك.

١٠ - جمعية خدمة القرآن

تأسست في صفر ١٣٦١ ه - شباط ١٩٤٢ م ، وغاية هذه الجمعية نشر معارف القرآن من طريق النشر والتأليف والمحاضرات.

وقد بدأت الجمعية عملها وافتتحت أعمالها باحتفال حضره جمع كبير من وجوه كربلاء واُدبائها ، وتلا فيها المعتمد كلمة تناولت هذه الغاية ، وتوضيح الطرق التي أخذت الجمعية على نفسها القيام بها(١) .

١١ - رابطة الفرات الأوسط

جمعية أدبيّة ، تأسست في جمادى الأولى سنة ١٣٧٦ ه - ١٩٥٦ م ، أعضاؤها المؤسسون كلّ من السيد مرتضى الوهاب ، والسيد سلمان هادي الطعمة ، والسيد صادق محمّد رضا الطعمة ، والمحامي مهدي الشيخ عبّاس ، وعباس أبو الطوس ، وحسن عبد الأمير , وكان مقرّها في محلّة باب بغداد.

وقد اُلقيت في افتتاح الجمعية قصيدة للشاب الشاعر صالح الشيخ هادي الخفاجي مطلعها:

اليوم آن لنا أن نبلغَ الأربا

بـندوةٍ تضمن العرفان والأدبا

ونستعيد نشاطاً كان يدفعنا

نحو السمو ونبني صرحه الخربا

واُلقيت عدّة محاضرات لأعضائها نُشرت في جريدة ( اليقظة ) البغدادية

____________________

(١) مجلة ( الميزان ) الكاظميّة ( ٦ صفر ١٣٦١ ه - ٢٣ شباط ١٩٤٢ م ).


ومجلة ( العرفان ) اللبنانية ، ودارت في جلساتها مطارحات ومساجلات صوّرت جوانب هامة من النشاط الفكري , وبعد مضي عام ونصف توقّف نشاطها عن العمل.

١٢ - الجمعية الخيرية الإسلاميّة

تأسست بتاريخ ٢٨ / ٣ / ١٣٧٧ ه - ٢٣ / ١٠ / ١٩٥٧ م بموافقة من وزارة الداخلية ، وأغراضها دينية ثقافية تربوية وإرشادية خيرية كما جاء في المادة الثانية من نظامها الداخلي ، ولها آثار جميلة في إحياء المواسم الدينيّة وإصدار النشرات.

وساهمت في العمل على بثّ الفضائل الإسلاميّة والتوجيه العام ، وكان أوّل رئيس لها الخطيب الشاعر السيد صدر الدين الحكيم الشهرستاني.

١٣ - جمعية الرعاية الاجتماعيّة

تأسست بتاريخ ١٩٦٧ م / ١٣٨٧ ه ، وكانت تستهدف خدمة المجتمع من النواحي الصحية والثقافية والعلميّة والإنسانيّة.

١٤ - ندوة الخميس الأدبيّة

أسسها السيد سلمان هادي الطعمة في داره بكربلاء بتاريخ ١/ ٦ / ١٩٦٧ ، وكان من أهدافها نشر الثقافة ، وإغناء الحركة الفكرية في المدينة من خلال لقاءاتها مساء كلّ يوم خميس ، وقد حضرها رعيل من الأدباء العراقيين.

١٥ - جمعية الثقافية الوطنية

تأسست عام ١٩٧٠ م , وهي جمعية سياسية تقدّمية ، وكان أوّل رئيس لها الشاعر عبد الجبار عبد الحسين الخضر. ساهمت في تحريك الوسط الأدبي وذلك بإقامة الأماسي الشعرية والندوات الفكرية ، واستقدمت العديد من شعراء وكتاب ومثقفي القطر ، كما أسهمت في التوعية القومية والوطنية.


١٦ - جمعية النهضة الإسلاميّة

جمعية دينية تأسست سنة ١٩٧٠ م في مدرسة العلّامة ابن فهد الحلّي ، لها مكتبة عامة باسم مكتبة الرسول ، وأوّل رئيس لها الشيخ عبد اللطيف عبد الحسين الدارمي ، وتصدر حالياً مجلة ( صوت الإسلام ) ، وقد عقدت عدّة أماسي أدبيّة في مناسبات كثيرة.

١٧ - المنتدى الثقافي

تأسس بتاريخ ١٢ / ٦ / ١٩٧٧ م , موقعه في ساحة الإمام الحسين (عليه‌السلام ) بجوار المكتبة المركزية , وقد التفّ حوله العدد الكبير من أبرز أدباء وشعراء كربلاء ، وساهم في إغناء الحركة الأدبيّة والفكرية ، واستضاف العديد من مفكري القطر لإلقاء محاضراتهم ، ولا يزال يواصل نشاطه دون توقف.


تاريخ الحركة الفكرية في كربلاء ١٩٠٠ - ١٩٨٠ م

الشعر

كربلاء مصدر إشعاع فكري منذ قرون موغلة في القدم ؛ فقد ساهمت في تطوّر النهضة الأدبيّة والحركة الفكرية في العراق مساهمة تستحق كلّ إكبار خلال مراحل تاريخيّة مختلفة ، وقد ضمّت بين حناياها جمهرة من خيرة الشعراء والأدباء والمفكّرين كانوا المصابيح التي تتوهّج في سماء الأدب والمعرفة ، وقد سايروا التيارات الأدبيّة المختلفة من خلال ندوات وأمسيات ومهرجانات شعرية ساعد ذلك على خلق مناخ أدبي تتوفّر فيه كلّ الشروط اللازمة لنمو الأدب.

وعاش الشاعر الكربلائي أحاسيسه مشبعاً بالروح الدينيّة والقومية ، وقد عكست لنا تلك البيئة صوراً صادقة لمشاعره وتطلّعاته في الحياة وهو يقرض الشعر فيضمّنه بعض ما يختلج في نفسه ويعتلج من شؤون هذه الحياة وأوضاعها ؛ لذا فإنّ إنتاجه يتميّز بالصدق والأصالة والواقعية.

وكان أبرز هؤلاء الشعراء محمّد حسن أبو المحاسن ، وكاظم الهر ، والسيد جواد الهندي ، ومحسن أبو الحبّ وغيرهم ممّن فصّلتهم في كتابي ( شعراء كربلاء ) الذي يقع في ثلاثة أجزاء.

ويقف الشيخ محمّد القريني المتوفّى عام ١٣٧٧ ه على عتبة الثلاثينات ، حيث


أصدر ديوانه ( تغاريد الحياة ) عام ١٩٣٦ م , وقد غلب عليه طابع التقليد.

وفي الأربعينات ذاع صيت مهدي جاسم الشماسي ( الشاعر المجهول ) الذي نشر في جريدة النبأ أحلى أشعاره وبنات أفكاره , وتوفّي سنة ١٩٧٩ م.

كما لمع اسم الشاعر مظهر أطميش الذي أصدر ديوانه ( أصداء الحياة ) في الخمسينات. وفي أوائل الخمسينات لمع نجم شعراء أسهموا في إنجاب الشعر الحرّ والمقفّى ، وحملوا لواء التجديد في القصيدة العمودية من حيث الأسلوب والتحرر من الأفكار القديمة.

وكان روّاد هذه الحركة الشعرية الدكتور صالح جواد الطعمة ، والدكتور زكي الصرّاف ، وعباس أبو الطوس ؛ ولذا استجدّت موضوعات وأغراض شعرية لم نكن نعهدها من ذي قبل.

وقد تأثر هؤلاء بموجة الشعر الحديث التي كان روّادها الأوائل بدر شاكر السيّاب ، ونازك الملائكة ، وعبد الوهاب البياتي وآخرون غيرهم ، وكان لمعاناتهم أثرها البالغ في التعبير ممّا حفّزت الشعراء الشباب في كربلاء أن ينهلوا من غير هذا المنهل العذب حتّى اشتدّ عودههم وقوي ساعدهم ؛ فبدؤوا بالكتابة والنشر في مختلف الصحف والمجلاّت العربيّة على اختلافها.

وامتداداً لتلك الفترة ظهرت كوكبة جديدة في سماء الشعر الكربلائي ، كمرتضى الوهاب ، وهادي الشربتي ، وعلي محمّد الحائري ، والدكتور ضياء الدين أبو الحبّ ، وصدر الدين الحكيم الشهرستاني ، ومرتضى القزويني وغيرهم ممّن ترجم لهم الاُستاذ غالب الناهي في كتابه ( دراسات أدبيّة ).

وهذه المجموعة خضعت إلى المناسبات الدينيّة والسياسيّة إلّا أنّها كانت في الوقت نفسه تحرص على رصانة الألفاظ وصياغة المعنى.

وفي هذه الفترة بدأ الشعراء الشباب الكتابة الجادة استجابة لروح العصر ، ومتابعة للحركات الشعرية المعاصرة ، وكان من بين هذه الأسماء شاكر عبد القادر البدري الذي كان ينظم على طريقة الشعر العمودي ، وتحوّل في الفترة الأخيرة بديوانه ( الخطوات ) نحو الشعر الحديث.

وعبد الجبار الخضر الذي تمثّلت فيه النزعة الحديثة ، وبخاصة في مجموعته (شهرزاد في خيام اللاجئين) ، وعدنان غازي الغزالي في مجموعتيه (عبير وزيتون) ،


و ( اُرجوحة في عرس القمر ) ، وكان يهتمّ بالاُسطورة والرمز والإيحاء ممّا يجعل شعره يتّسم برومانسية محبّبة.

ومحمد علي الخفاجي وهو من الذين كتبوا في الشعر والمسرح ما أغنى المكتبة العربيّة ، وبخاصة في مسرحيته المشهورة ( ثانية يجيء الحسين ) ، وبدواوينه ( شباب وسراب ) ، و ( مهراً لعينيها ) ، و ( لو لم ينطق النابالم ) ، و( أنا وهواك خلف الباب ) ، و( لم يأت أمس ساُقابله الليلة ).

وباسم يوسف الحمداني الذي صدرت له مجموعتان ( مرافئ الظلال ) ، و( فارس الصمت ) ، وقد حاول فيهما الجمع بين المنهج التقليدي وطريقة الشعر الحديث.

ومن الشعراء الذين واكبوا هذه الحركة عدنان حمدان ؛ إذ يتميّز هذا الشاعر بجزالة شعره ، وحسر سبكه رغم كونه لم يخرج عن النطاق التقليدي.

وما دمنا في صدد الحديث عن الشعر العمودي الرصين فلا بدّ لنا أن نذكر كلاً من عبد الرضا الصخني الذي أصدر مجموعة باسم ( خواطر ) ، وعلي كاظم الفتال الذي صدرت له مجموعته الأولى في الستينات باسم ( براعم صغيرة ) ، وصالح هادي الخفاجي ، وعبد الستار محسن الجواد ، ومحمد زمان ، وصاحب الشاهر وغيرهم ممّن حافظوا على الأساليب القديمة ، وهم اليوم يدفعون عجلة الشعر في كربلاء إلى الأمام ، ويطالبون بالتجديد.

على أنّ هناك شعراء آخرون أخذوا بالقضية العامة ووقفوا قصائدهم عليها ، وهم اليوم في الصفوف الأولى من حياتنا النضالية والشعرية ، يرتبطون بفكر الثورة العربيّة ومسيرتها الدامية , وهي لا شك أصوات شابة أضافت أشياء جديدة لشعرنا العربي المعاصر ، وإنّها لتبشّر بمستقبل وضّاء نرجو لها التفتّح والازدهار في طريق التجديد ، والمواكبة خدمة للوطن والثورة.

القصة

والقصة كأيّ فنّ من الفنون الأدبيّة تنقل لنا صوراً عن الظواهر الاجتماعيّة ، وتعكس ما يعانيه الإنسان عبر حياته اليومية من أتراح وأفراح ، وطبيعي أنّ لكل قصة هدفاً واتجاهاً يحاول كاتبها الوصول إليه.


في الأربعينات نهضت فئة من الأدباء بالأدب القصصي إلى نضوج فنّي في عدد من النماذج المجددة المستمدّة من واقع المحيط ، كما لمسنا عند علي غالب الخزرجي الذي بدأ ينشر قصصه في المجلاّت المحلية ، ثمّ أصدرها في كتاب باسم ( مصباح الظلمتين ) عام ١٩٤٩ ، ومشكور الأسدي الذي ساهم بقسط وافر من نتاجه في مجلة الرسالة وصحيفة الهاتف.

ثمّ جرت محاولات اُخرى في مطلع الخمسينات لعدد من كتّاب القصة اندفعوا لتصوير الحوادث الاجتماعيّة ونواحٍ تتصل بحياة الناس العامة ، وشهدت هذه الفترة ازدهار القصة في الوسط الأدبي الكربلائي ؛ إذ سعى فريق من أدباء هذا الجيل في نشر العديد من قصصهم في صحف ومجلاّت عربيّة ، وضّحت الكثير من ملامح وسمات المجتمع.

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على امتلاك القاص الرؤية لواقع المجتمع ، ومحاولته لمعالجة العديد من مظاهر التخلّف في العراق.

ولعلّ أبرز كتّاب هذه الفترة بدري حسون فريد ، صالح جواد الطعمة ، حسين فهمي الخزرجي ، ومهدي جاسم الذي صدرت له مجموعة قصصية باسم ( العمّة الؤلؤة ) ، وفائق مجبل الكماني الذي صدرت له ( ألوان الحياة ) ، وكان قد نشر فصولها في جريدة (القدوة) الكربلائيّة.

وتبع ذلك جيل آخر وذلك في النصف الثاني من الخمسينات ، أخذ بيد الحركة الأدبيّة ليدفع بها إلى أمام ، ونجد بعض هذه الأعمال القصصية ما كتبه شاكر السعيد في مجموعته ( نفوس جديدة ) ، ومرتضى الوهاب ما نشره في مجلة ( العرفان ) اللبنانية , كما نلمس نشاطاً ملحوظاً أعقب تلك الفترة من النتاج القصصي الذي كُتب في الستينات.

وقد كشفت هذه الحقبة عن واقع الحياة السياسيّة التي لعب فيها الأديب دوراً هامّاً ممّا جعله يرتبط بواقع الحياة رغم الاختلاف في الاتجاهات الفكرية.

وشهدت هذه الفترة أعمالاً قصصية لعدد من شباب هذا الجيل واصلوا الإنتاج ، منهم عبد الجبار الخضر ، ومحمد


نور عبّاس ، وعلي الفتال وغيرهم ممّن حاولوا معالجة المشاكل وكتابة القصص ذات الأصالة والدقّة.

ويمكن للقارئ أن يجد أسماء عديدة لامعة احتلّت أبرز أعمدة الصحف والمجلاّت للجيل الجديد الواعي من القصّاصين ما زالوا ينشرون إنتاجهم ، وهو يحمل تباشير نضج تدعو إلى التجديد.

النقد

في العشرينات كان أبرز ناقد عرفته الأوساط الكربلائيّة ذلك هو السيد هبة الدين الحسيني وزير المعارف الأسبق ، وذلك بما نشره على صفحات مجلّة ( المرشد ) من تعريف بالكتب الصادرة في حينها ونقدها نقداً موضوعياً.

وكان ممّن عالج موضوع النقد أيضاً مشكور الأسدي بما نشره على صفحات جريدة ( الغروب ) ، و ( الندوة ) الصادرتين في كربلاء ، وكان إذ ذاك طالباً بالجامعة المصرية.

ويقف الدكتور صالح جواد الطعمة في الخمسينات على عتبة النقد ، إضافة إلى اهتماماته بالشعر والقصة والمقالة ، فله بحوث نقدية نُشرت في الفكر والهاتف ، والثقافة الجديدة والأديب والآداب , أمّا الدكتور محمّد جواد رضا ( دعبل ) فهو الآخر الذي له جملة مقالات نقدية نُشرت في جريدة ( النبأ ) والصحف المحلّية الاُخرى ، وقد شارك في هذا الباب حسن عبد الأمير بما نشره من نقد وتحليل لبعض الكتب التي صدرت في حينها.

وفي السبعينات كان لمحمد نور عبّاس ، وعلي الفتال إسهامات طيبة في تحليل الكتب وعرضها. هناك من اختصّ بالنقد السينمائي ، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر رضا عبد الجليل الطيّار الذي نشرت له جريدة ( الجمهورية ) عدّة مقالات نقدية ، وعِزّي الوهاب الذي نشر بعض الدراسات والنصوص المسرحية في ( الأفلام ) ، و( المسرح والسينما ) ، و( الإذاعة والتلفزيون ).

وإضافة إلى ذلك فإنّ هناك الكثير من اُدباء الشباب لا زالوا يمارسون الكتابة في هذا المجال.


الترجمة

وفي مجال الترجمة ظهر أدباء أسهموا في ترجمة الكتب والمقالات والبحوث العديدة من اللغات الإنكليزية والفرنسية , والفارسيّة والروسية إلى العربيّة ، نذكر منهم الدكتور عبد الجواد الكليدار الذي نشر فصولاً تاريخيّة مسهبة عن الفرنسية على صفحات العرفان والاعتدال وجريدته الأحرار , وصادق نشأت الذي ترجم الكثير من الكتب والمقالات عن الفارسيّة.

ومصطفى السيد سعيد الطعمة الذي ترجم كتاب ( مقدّمة التربية ) عن الإنكليزية ، وله عدا ذلك كتب مخطوطة كلّها مترجمة , وتقي المصعبي الذي ترجم كتاب ( خطط الكوفة وشرح خريطتها ) للمستشرق لويس ماسينيون عن الفرنسية , وأحمد حامد الصرّاف الذي ترجم ( رباعيات الخيام ) نثراً عن الفارسيّة.

وفي الأربعينات برز السيد صالح الشهرستاني بترجمة المقالات عن الفارسيّة نشرها في مجلة ( العرفان ) ومجلة ( الإخاء), أمّا في الخمسينات وما بعدها فقد نشط رعيل من مفكّري كربلاء بعد عودتهم من جامعات الغرب ، فترجموا المقالات والبحوث المختلفة عن الإنكليزية ، وقد نُشرت في حينها ، نذكر منهم الدكتور جليل أبو الحبّ الذي ترجم كتاب ( كندي وسرحان لماذا ) ، والدكتور صالح جواد الطعمة ، ومحسن مهدي ، ومحمد تقي مهدي.

كما ترجم لنا الشاعر مهدي جاسم ( رباعيات قدس نخعي ) ، و( رباعيات الخيام ) شعراً عن الفارسيّة , ورزاق جميل الصافي الذي ترجم كتاب ( القاموس السياسي ) عن اللغة الروسية , وغيرهم كثيرون.

المقالة

احتلّت المقالة وما تزال جانباً كبيراً من الساحة الأدبيّة ، وقد ضمّت كربلاء


جمهرة من اُولئك الكتّاب الذين أزدهر هذا القرن بثمرات قرائحهم ونتاج أفكارهم ، وكانت تعقد في محافل كربلاء الأدبيّة جلسات وندوات وأماسي فريدة تدور فيها المساجلات الطريفة ، والغرر المحجلة من عيون الشعر العربي الرائق ، وكان لها تأثير كبير في نفوس السامعين.

وكما كان للشعر مجاله الأرحب كان للنثر أيضاً ، وكان الكتّاب يكتبون في مطلع هذا القرن بالطريقة المرسلة التي لا تعرف التكلّف ، تناولوا موضوعات مختلفة من أدب وتاريخ ودراسة وفولكلور ، وقضايا اجتماعيّة تميّزت بحسن الأداء وسهولة التعبير والصراحة والجرأة ، وقد أدّوا رسالتهم بمهارة وإخلاص.

ففي عام ١٠٣٣ أصدر الدكتور عبد الجواد الكليدار جريدة ( الأحرار ) ، عارضت الوزارة الكيلانية القائمة معارضة شديدة ؛ وعلى أثر نشر مقال خطير بعنوان ( أمر دبر بليل ) عُطّلت الجريدة ، واُلقي القبض على صاحبها ، واُغرم بعد أن اُجريت محاكمته وتوقيفه لبضعة أشهر.

يقول السيد عبد الرزاق الحسني في كتابه ( تاريخ الصحافة العراقيّة ): ( وبالرغم من الكوارث التي اُنزلت بالجريدة وبصاحبها فإنّها لم تغيّر خطّتها ولم تثنِ عن معارضتها ). على أنّ هناك فئة اُخرى من الكتّاب الشباب ترسّموا خطى الماضين ، ونسجوا على منوالهم ، وأضافوا إلى إنتاجهم تجارب أدبيّة جديدة اكتسبوها من العصر الحديث ومتطلباته.

ولعلّ أبرز هؤلاء الكتّاب الذين أنجبهم هذا القرن هم السيد هبة الدين الحسيني ، وأحمد حامد الصرّاف ، وتقي المصعبي ، وعباس علوان الصالح ، ومشكور الأسدي ، وعبد الجواد الكليدار ، وعبد الرزاق الوهاب ، ومصطفى السيد سعيد آل طعمة ، والدكتور سعدون حمادي ، ومحمد حسن مصطفى الكليدار ، والدكتور محمّد جواد رضا ، والدكتور صالح جواد الطعمة ، وصادق محمّد رضا الطعمة ، وجاسم الكلكاوي ، وحسن عبد الأمير ، ومحمد نور عبّاس ، وعلي الفتال


وغيرهم ممن يطول الكلام عنهم , وقد أشبعت هذا الجانب في العديد من كتبي المطبوعة.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين


الفهرس

الإهداء ٦

الفصل الأوّل: نظرة عامة في تاريخ كربلاء ١٩

الفصل الثاني: كربلاء.. قبلة الأنظار ٨٨

الفصل الثالث: الآثار التاريخيّة في كربلاء ١٠٦

الفصل الرابع: الاُسر العلميّة والأدبيّة ١٣٣

الفصل الخامس المعاهد العلميّة في كربلاء ٢٠١

الفصل السادس:تاريخ الحركة العلميّة ٢٢٦

الفصل السابع:مجالس الشعراء ٣٠٨

الفصل الثامن المكتبات الخاصة والعامة ٣٢١

الفصل التاسع الوقائع والحوادث السياسيّة ٣٥٥

الفصل العاشر الجمعيات والأحزاب السياسيّة ٤٠٨

الفهرس ٤٢٣